‫من �إ�صدارات م�ؤ�س�سة عبدالرحمن ال�سديري اخلريية‬

‫اجلـوبــة‬

‫حوار مع د‪ .‬فوزية أبو خالد‬
‫عن جتربتها الشعرية‬

‫أهمية كتابات الرحالة‬
‫األوروبيني لتاريخ‬
‫منطقة اجلوف‬

‫جتربة الشبيلي في كتابة‬
‫الترجمة والسيرة‬

‫قصص لعبدالرحمن‬

‫الدرعان وبدرية البشر‬
‫هاشم اجلحدلي‬
‫في غزل شمالي‬

‫املؤسسة تستضيف علماء عرب وأجانب‬
‫في ندوة املدينة في الوطن العربي‬

‫‪14‬‬

‫اجلـوبــة‬

‫مبنى دار اجلوف للعلوم‬

‫تكوين �صخري من منطقة اجلوف‬
‫يقع �شمايل مدينة �سكاكا‬

‫�سجادة من �صنع ن�ساء منطقة اجلوف‪ :‬وكانت �صناعة‬
‫ال�سجاد �إحدى �أهم ال�صناعات وامل�شغوالت اليدوية‬
‫التي كانت تبدعها ن�ساء املنطقة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪1‬‬

‫العدد ‪14‬‬
‫محرم ‪1427‬هـ ‪ -‬يناير ‪2006‬م‬

‫ملف ثقافي نصف سنوي‬
‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫رئيس التحرير‬
‫إبراهيم الحميد‬
‫المراسالت‬
‫توجه باسم رئيس التحرير‬
‫ّ‬

‫هاتف‪)966+( )4( 6245992 :‬‬
‫فاكس‪)966+( )4( 6247780 :‬‬
‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا‬
‫اجلـ ــوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬
‫‪aljoubah@yahoo.com‬‬
‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ -1‬أن تكون المادة أصيلة‪.‬‬
‫‪ -2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬
‫‪ -3‬تراعي الجدية والموضوعية‪.‬‬
‫‪ -4‬تخضع المواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬
‫‪ -5‬ترتيب المواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬
‫‪ -6‬ترحب الجوبة بإسهامات المبدعين والباحثين‬
‫والكتّاب‪ ،‬على أن تكون المادة باللغة العربية‪.‬‬

‫الناش ـ ـ ـ ــر‬
‫مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬
‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬
‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬
‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬
‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وكذلك أنشأت جامع الرحمانية‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫ندوة المدينة العربية‬

‫احملتويــــات‬

‫االفتتاحية ‪4....................................................‬‬
‫ندوة‪ :‬المدينة في الوطن العربي ‪6..............................‬‬
‫دراسات‪ :‬كتابات الرحالة لتاريخ الجوف ‪ -‬د‪ .‬عوض البادي ‪18....‬‬

‫>‪6.........................‬‬
‫الشاعرة فوزية أبو خالد‬

‫قصائد‪ :‬حاالت األثر ‪ -‬هاشم الجحدلي‪30.........................‬‬
‫قتامة الثالثين ‪ -‬عيد الخميسي‪33...............................‬‬
‫نُبلِّل أقدامَنا‪ ...‬بالحديث ‪ -‬علي الحازمي‪34.....................‬‬
‫تصو ْر ‪ -‬طارق ناصر‪35...........................................‬‬
‫هجرات القبائل العربية ‪ -‬إبراهيم خليف السطام ‪36...........‬‬
‫نوافذ‪ :‬أدب الخيال العلمي العربي ‪ -‬د‪ .‬أسد محمد‪38.............‬‬

‫تنمية التفكير عند األطفال ‪ -‬محمد صوانه‪42.............‬‬

‫>‪50......................‬‬
‫أنفلونزا الطيور‬

‫نزارية تحرض على الحب ‪ -‬فارس الروضان‪44..................‬‬
‫وقفات ‪ -‬عمر محفوظ ‪46........................................‬‬
‫بين حب العمل وواقعه ‪ -‬عقال الفهيقي ‪48.......................‬‬

‫علوم‪ :‬أمراض ناتجة عن ملوثات المنزل ‪ -‬د‪ .‬بشير جرار‪65..‬‬
‫األهمية االقتصادية للبحث العلمي ‪ -‬د‪ .‬محمد القحطاني ‪68...‬‬

‫شخصيات‪ :‬مع الشاعر طاهر زمخشري ‪ -‬فهد الكريع‪72.....‬‬
‫تشكيل‪ :‬طه صبان وإستحضار األماكن ‪ -‬مؤيد منيف ‪74.....‬‬

‫>‪60......................‬‬
‫تشكيل‬

‫قصص‪ :‬المكنسة السحرية ‪ -‬بدرية البشر‪76..................‬‬
‫شمس مبكرة ‪ -‬عبدالرحمن الدرعان‪81..........................‬‬
‫حياة على جرف ‪ -‬عواض العصيمي‪84..........................‬‬

‫شهادات‪ :‬تجربتي في كتابة السيرة ‪ -‬د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي ‪86...‬‬
‫قراءات‪96.......................................................‬‬

‫لوحة الغالف‪:‬‬

‫>‪73......................‬‬

‫للفنان التشكيلي‪ :‬مؤيد منيف الغنام من سكاكا ‪ -‬الجوف‪.‬‬
‫اسم العمل‪ :‬خروج‪.‬‬
‫المقاس‪150*70 :‬سم‪.‬‬
‫الخامة‪ :‬زيت ‪ +‬معاجين على قماش‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪3‬‬

‫اإلفتتاحية‬
‫> رئيس التحرير‬

‫حينما تقرر استئناف صدور مجلة الجوبة‪ ،‬بدأت األفكار تترى لتشكيلها‬
‫من جديد‪ ،‬فبأي صورة ستكون؟ وإلى أي المدارس تنتمي؟ وهل ستحافظ‬
‫على خطها الرصين‪ ،‬الذي درجت عليه أيام صدورها؟ ‪ ..‬كانت األفكار تتقافز‬
‫في أذهاننا حتى استطعنا اصطيادها وترويضها‪ ،‬لتكون بالشكل الذي بين‬
‫أيدي القراء اآلن ‪.‬‬

‫ا فتتا حيــــة‬
‫‪4‬‬

‫كنا ن��ود ال�خ��روج من رتابة المجالت التي تمتليء بها أرف��ف المكتبات‬
‫ال أو منافساً ألحد؛ ولكن‬
‫والمتاجر اليوم‪ .‬ال ندعي أننا نقدم أنفسنا بدي ً‬
‫لنصل إل��ى إص��دار ثقافي يواصل مسيرة الجوبة ويعززها‪ ،‬وكلنا ثقة في‬
‫مشاركة ش��رائ��ح ثقافية كبيرة ال �ي��وم‪ ،‬ف��ي تشكيل مستقبل ه��ذه المجلة‪،‬‬
‫وإثرائها من خالل متابعتها أو الكتابة فيها‪ ..‬ولذا كانت خطة التحرير أن‬
‫تكون المجلة مجلة ثقافية ال تتجزأ‪ ..‬تتسع لتشمل كافة اإلبداعات اإلنسانية‪،‬‬
‫حتى وإن لم تكن على القدر نفسه من التوازن على صفحاتها؛ إال أننا نؤكد‬
‫أننا سنحرص في كل مرة على أن نحقق ما يلبي حاجتنا جميعا إلى الثقافة‬
‫والمعرفة واإلبداع‪ .‬والمجلة تراهن على مستقبل الثقافة بالمملكة العربية‬
‫السعودية والمنطقة التي تصدر منها؛ وال سيما أنها تطلع من رحم مؤسسة‬
‫بشكل‬
‫ٍ‬
‫عبد الرحمن السديري الخيرية‪ ،‬التي ما فتئت تعنى بالبعد الثقافي‬
‫قلَّ نظيرُة‪ .‬وإن صدور هذه المجلة من منطقة الجوف يعني إضافة مساح ًة‬
‫ثقافية جديدة تتسع ألبناء الوطن بكل جهاته‪.‬‬
‫لذا‪ ،‬فإن أمنياتنا في هيئة تحرير المجلة أن تكون منبراً‪ ،‬تتواصل من‬
‫خالله أطياف ع��دي��دة‪ ،‬من مثقفي الوطن ومبدعيه؛ لتلتقي على ضفاف‬
‫الجوبة‪ ،‬فكراً ورؤىً تحم ُل ه َّم اإلبداع وه َّم الفكر وه َّم الوطن في ٍأن معاً‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫رحاب المؤسسة بدار الجوف للعلوم‪ ،‬كما يحفل‬
‫العدد بباقة من المواد الثقافية واإلبداعية‪ ،‬التي‬
‫نرجو أن تؤكد اتساع صفحات الجوبة‪ ،‬بقدر سعة‬
‫أف��ق سماء الوطن‪ ،‬التي ستبقى تظللنا بدفئها‬
‫وحنانها؛ لتشمل كل المبدعين والموهوبين‪.‬‬

‫سنسعى ب�ك��ل ط��اق��ات�ن��ا‪ ،‬ل�ل��وص��ول إل��ى كافة‬
‫المبدعين والموهوبين والمهتمين‪ ،‬وال��ى جميع‬
‫جسور من التواصل‬
‫ٍ‬
‫محبي الثقافة واإلبداع؛ لمد‬
‫معهم‪ ،‬وخلق حوار فكري وثقافي‪ ،‬من خالل كافة‬
‫اإلبداعات التي ستسعى الجوبة إلى احتضانها‬
‫ونشرها؛ لتترسّ خ ثقافة ال�ح��وار ف��ي مجتمعنا‬
‫وق��د حرصنا على وج��ود ع��دد م��ن األسماء‬
‫الغالي؛ ولتكون الجوبة واحدة من أوعية النشر‪ ،‬الثقافية واإلبداعية الرائدة‪ ..‬فال تبخلوا علينا‬
‫التي تسهم في نشر الثقافة وتعزيزها ورعاية ب��إب��داع��ات�ك��م وم�ش��ارك��ات�ك��م‪ ،‬ون �ح��ن م��ن جهتنا‪،‬‬
‫اإلبداع األدبي‪.‬‬
‫سنحاول ق��در استطاعتنا ال��وص��ول إليكم في‬
‫أث �ن��اء إع ��داد م��واد ال �ع��دد‪ ،‬وج��دن��ا أن كثيراً كل مكان‪ ،‬لعلنا نخرج في كل عدد وقد حققنا‬
‫من القضايا‪ ،‬التي تحفل بها الساحة الثقافية َق�� � � ْد َراً‪ ،‬م�م��ا ي�ط�م��ح إل �ي��ه ك�ث�ي��ر م��ن المبدعين‬
‫وال �ف �ك��ري��ة ف��ي ب�ل�ادن ��ا‪ ،‬ج��دي��رة ب ��أن تخصص والمثقفين والناشئين‪ ،‬الذين نأمل أن يعيشوا‬
‫لها م�ج�لات ومطبوعات ج��ل صفحاتها‪ ،‬بدءاً معنا هذه التجربة‪ ،‬التي تطمح أن تزدان بقرائها‬
‫م��ن ال�ح��وار الفكري‪ ،‬وانتهاء باألندية األدبية‪ ،‬ومبدعيها‪.‬‬
‫وال�ق��رارات الجديدة التي حركت سكونها الذي‬
‫إن إص��دار مجلة ثقافية اليوم‪ ،‬ليس ترفاً‪..‬‬
‫استمر زم�ن�اً‪ .‬وم��ن حسن الحظ أو الطالع أن وإنما هو محاولة لخلق مزيد من التوازن في بحر‬
‫واقعنا الثقافي‪ ،‬غنيٌ بالقضايا والهواجس والرؤى أصبح يعج بكافة األلوان‪ ،‬التي تتطلب من كل ذي‬
‫والتطلعات‪ ،‬ليس بما يكفي فقط‪ ،‬بل لدرجة أننا رأي أن يكون له دور في نشر الذائقة الثقافية‬
‫وجدنا أنفسنا حيالها على حافة الحيرة‪ :‬من أيها ق��ارئ�اً وكاتباً‪ ،‬والتي تحاول أن تسد حاجة كل‬
‫نبدأ وأي الضفاف نختار ؟!‬
‫العطشى إلى الثقافة الجادة‪..‬‬
‫وعلى الرغم من أهمية طرق هذه القضايا‪،‬‬
‫إال أن مساحة الصفحات التي ازدحمت بالمواد‪،‬‬
‫والتزامنا بالصدور جعلتنا نؤثر أن يأتي العدد‬
‫ال معه بعضاً من شهد اإلبداع؛‬
‫على سجيته‪ ،‬حام ً‬
‫ولنغذ السير قدماً لنلتقي على ضفاف الجوبة‬
‫ف��ي أع��داده��ا ال�ق��ادم��ة لمتابعة رس��ال��ة الجوبة‬
‫الطموحة‪.‬‬

‫ال بتغطية‬
‫جاء عدد الجوبة الرابع عشر حاف ً‬
‫الندوة العلمية المهمة التي نظمتها مجلة أدوماتو‬
‫(ال�ش�ق�ي�ق��ة األخ� ��رى ال �ت��ي ت �ص��در ع��ن مؤسسة‬
‫عبدالرحمن السديري الخيرية)‪ ،‬التي عقدت في‬

‫إننا ونحن نشهد والدة الجوبة‪ ،‬من جديد‪ ،‬وإذا‬
‫كانت المجلة لظروف ما قد توقفت لسنوات؛‬
‫فإننا في المقابل نشهد ثرا ًء في النشاطات التي‬
‫دأب��ت مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬
‫على رعايتها‪ ،‬خالل فترة توقف الجوبة‪ ...‬فهل‬
‫ال ل��والدة الجوبة في ثوبها‬
‫تأخر المخاض طوي ً‬
‫الجديد؟ ربما نتفق مع من يقول بذلك؛ بيد أن‬
‫طموحنا الكبير‪ ،‬في الوفاء لمتطلبات المرحلة‪،‬‬
‫التي نعيشها في وطننا‪ ،‬ال يبرر تأخرنا وحسب‪،‬‬
‫بل يدعو إليه في سبيل انتظار مشروع يتناغم مع‬
‫معطيات هذه المرحلة‪.‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪5‬‬

‫برعاية أمير منطقة اجلوف‪:‬‬

‫مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬
‫تستضيف أكبر حشد من علماء اآلثار‬
‫العرب واألجانب في ندوة أدوماتو‪:‬‬

‫«املدينة في الوطن العربي في ضوء‬

‫االكتشافات األثارية‪ :‬النشأة والتطور»‬
‫> كتب‪ :‬محمد صوانه‬
‫شهدت دار الجوف للعلوم بمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية عقد ندوة‬
‫علمية عالمية بعنوان‪" :‬المدينة في الوطن العربي في ضوء االكتشافات األثرية‪:‬‬
‫النشأة والتطور"‪ ،‬وذلك خالل الفترة ‪ 5-3‬ذو القعدة ‪1426‬هـ‪ ،‬الموافق ‪ 7-5‬ديسمبر‬
‫‪2005‬م‪ ،‬نظمتها مجلة أدوماتو التي تصدر عن المؤسسة‪ ،‬وش��ارك فيها باحثون‬
‫وعلماء آثار يمثلون جامعات عالمية ومؤسسات أكاديمية تحظى بسمعة طيبة في‬
‫مجال البحث العلمي والدراسات اآلثارية من دول أوروبية وآسيوية وعربية‪ ،‬إضافة‬
‫إلى باحثين ومتخصصين من المملكة‪.‬‬

‫ندوة أدوماتــو‬

‫ندوة‬
‫‪6‬‬

‫وقد رعى حفل افتتاح الندوة صاحب السمو الملكي أمير منطقة الجوف األمير‬
‫فهد بن بدر بن عبدالعزيز‪ .‬وألقى كلمة االفتتاح األستاذ فيصل بن عبدالرحمن‬
‫السديري‪ ،‬رئيس مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬رحب فيها‬
‫بالمشاركين‪ ،‬وأشار فيها إلى أن هذا الملتقى العلمي يأتي انسجاماً مع أهداف‬
‫المؤسسة ف��ي اإلس �ه��ام دع��م الحركة الثقافية ف��ي منطقة ال �ج��وف‪ ،‬واالهتمام‬
‫بالدراسات والبحوث العلمية‪ ،‬انطالقاً من أهداف المؤسسة المنصوص عليها في‬
‫النظام األساسي التي تدعو إلى اإلسهام في نشر وتشجيع الحركة العلمية والثقافية‬
‫واستنهاض همم المبدعين والباحثين‪ .‬وأكد أن إصدار مجلة أدوماتو جاءت تحقيقاً‬
‫ألهداف المؤسسة التي ينص نظامها األساسي على اإلهتمام بآثار المنطقة‪ ،‬وجاء‬
‫تسمية المجلة أدوماتو‪ ،‬من اإلسم القديم لدومة الجندل‪ ،‬إحدى المواقع األثرية‬
‫أدوماتــو‬
‫المهمة في منطقة الجوف والمملكة بشكل عام‪ ،‬وقد صدر من المجلة‪ ،‬حتى تاريخ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫انعقاد هذه الندوة‪ ،‬اثنا عشر عدداً أسهمت في إرساء‬
‫التواصل العلمي في مجال اآلثار بين الباحثين العرب‬
‫واألجانب‪ ،‬وأصبحت المجلة من أوعية النشر المهمة‬
‫على مستوى العالم‪.‬‬

‫علوم اآلثار من مختلف دول العالم‪ ،‬المهتمين بدراسة‬
‫المدينة العربية نشأة وتطوراً‪.‬‬

‫وأك� ��د أن ع �ق��د ه ��ذه ال� �ن ��دوة ف��ي ال��ج��وف كان‬
‫فرحة كبرى كنا متلهفين إليها ونحن نؤمل أن يقدم‬
‫ثم ألقى أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن الطيب األنصاري‪ ،‬ال�ب��اح�ث��ون ال �م��دع��وون ال�م�م��ارس��ون للبحث العلمي‬
‫رئيس هيئة تحرير مجلة أدوماتو‪ ،‬كلمة أكد فيها أن والتنقيب األثري أبحاثًا جديدة‪ ،‬في مجملها‪ ،‬عميقة‬
‫هذه الندوة العلمية كانت أمنية نحلم بعقدها انسجاماً في عرضها‪ ،‬محاولين الجمع بين التاريخ واآلثار في‬
‫م��ع رس��ال��ة أدوم��ات��و ف��ي االه�ت�م��ام بتاريخ المنطقة دوحة من دوحات العلم والمعرفة بالجزيرة العربية‬
‫العربية وآث��اره��ا قبل اإلس�ل�ام‪ ،‬بهدف الكشف عن هي "دار الجوف للعلوم"‪.‬‬
‫جوانب مهمة من تطور الحضارات العربية القديمة‪،‬‬
‫ف�ق��د ج ��اء اإلس �ل�ام وق �ط��ف ال �ح �ض��ارات القديمة أهداف الندوة‪:‬‬
‫وأك��د الدكتور األنصاري أن ن��دوة أخ��رى ستعقد‬
‫وخلّصها من الوثنية وكل ما يرتبط بالشرك‪ ،‬وجعلها‬
‫حضارة توحيد إل��ه ال توحيد معبودات‪ ،‬وم��ن هنا‪ ،‬بعد سنتين بإذن الله في المكان نفسه‪ ،‬وفي موضوع‬
‫كانت الضرورة إلى كشف الغطاء عن تلك الحضارات سوف يعلن عنه الحقاً سيكون مرتبطً ا بالتنقيبات‬
‫األث��ري��ة ألن�ن��ا ال ن��ري��د اج �ت��رار معلومات معروفة‪،‬‬
‫التي يزيد عمرها عن عشرة آالف عام‪.‬‬
‫ولكننا نهدف‪ ،‬دائمًا‪ ،‬إلى الجديد لنعيد كتابة تاريخنا‬
‫وقال إن استجابة مؤسسة عبدالرحمن السديري‬
‫الخيرية إلقامة الندوة األول��ى في منطقة من أعز بمنطلقات جديدة من المعرفة والمكتشفات التي‬
‫المناطق األثرية في بالدنا هو تحقيق لهذا الحلم‪ ،‬تضيف جديدًا‪ ،‬وتغير كثيرًا من المفاهيم المغلوطة‬
‫وال��ذي زاد من غبطتنا هو الصدى القوي من قبل عن التاريخ والحضارة العربية‪.‬‬
‫هذه الكوكبة من العلماء البارزين والمتخصصين في‬

‫ثم ألقى أ‪ .‬د‪ .‬يوسف محمد عبدالله‪ ،‬من اليمن‪،‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪7‬‬

‫كلمة ن�ي��اب��ة ع��ن ال�م�ش��ارك�ي��ن‪ ،‬ع � ّب��ر فيها ع��ن شكره‬
‫لمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية على رعايتها‬
‫ل�ه��ذه ال �ن��دوة‪ ،‬وج�ه��وده��ا ف��ي جمع ه��ذه الكوكبة من‬
‫العلماء والباحثين المتخصصين في آثار الوطن العربي‬
‫من مختلف الدول األوروبية واآلسيوية والدول العربية‪،‬‬
‫إضافة إلى المشاركين من المملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫واستناداً إلى هيئة تحرير مجلة أدوماتو‪ ،‬الجهة‬
‫المنظمة للندوة‪ ،‬فإن أهداف الندوة تشمل التعريف‬
‫بأبرز النشاطات والتنقيبات األثرية الميدانية‪ ،‬التي‬
‫تنفذها المؤسسات والجامعات والمعاهد العلمية‪،‬‬
‫التي تُعنى بالمدن األثرية في الوطن العربي؛ وكذلك‬
‫مناقشة عدد من القضايا العلمية المهمة‪ ،‬التي تهم‬
‫المختصين في مجال الدارسات والبحوث األثرية‪،‬‬
‫ودور القطاعات المختلفة ومدى إسهامها في دعم‬
‫األعمال األثرية ومساندة العاملين فيه؛ كما تشمل‬
‫أهداف الندوة إيضاً‪ ،‬إثارة الوعي بالقضايا األثرية‪،‬‬
‫والنتائج التي تدعم إعادة كتابة التاريخ على أسس‬
‫تعتمد الحقائق العلمية‪ ،‬المنية على االكتشافات‬
‫األثرية‪ ،‬بدالً من اإلعتماد على األساطير‪.‬‬

‫علي أحد المشاركين في الندوة قال إن هذه الندوة‬
‫اتسمت بأمرين أساسيين‪ :‬أوالهما‪ ،‬أنها انبثقت عن‬
‫مؤسسة خيرية‪ ،‬وهي بادرة حميدة ومسلكاً لم تعهده‬
‫القطاعات المالية الخاصة‪ ،‬التي ظلت بعيدة عن‬
‫دعم النشاطات العلمية‪ ،‬اآلثارية وغيرها‪ ،‬والتفاعل‬
‫معها؛ واألمر الثاني‪ ،‬أنها ركزت على مناقشة موضوع‬
‫آث��اري واح��د ه��و "ن�ش��أة المدينة العربية ف��ي ضوء‬
‫االكتشافات اآلث��اري��ة الحديثة"‪ .‬وك��ان ذل��ك‪ ،‬أيضاً‪،‬‬
‫خروجاً على المألوف‪ ،‬الذي درجت عليه المؤتمرات‬
‫اآلثارية العربية‪ ،‬في تناول قضايا متباينة تحت مظلة‬
‫المؤتمر الواحد‪.‬‬
‫أما أ‪ .‬د‪ .‬زي��دون المحيسن من جامعة اليرموك‬
‫ب��األردن‪ ،‬أحد المشاركين بالندوة فقال‪ :‬أن تنظيم‬
‫الندوة كان موفقاً‪ ،‬وقد أحسن اإلخوة المنظمين في‬
‫إخراج الندوة على أفضل وجه‪.‬‬

‫وقد عبّر المشاركون عن ج��ودة التنظيم وحسن‬
‫األداء ال��ذي��ن لمسوهما ف��ي ه��ذه ال �ن��دوة‪ ،‬ب��دءاً من‬
‫التواصل مع الباحثين المرشحين للندوة في بلدانهم‪،‬‬
‫حتى دعوتهم للمشاركة بأبحاث علمية حديثة ضمن‬
‫وف��ي ل�ق��اء م��ع أ‪ .‬د‪ .‬ع�ب��اس سيد أح�م��د محمد م�ح��اور ال �ن��دوة‪ ،‬وترتيب قدومهم إل��ى مقر الندوة‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫< من افتتاح الندوة رئيس مجلس اإلدارة د‪ .‬عبدالرحمن األنصاري ود‪ .‬يوسف عبدالله‬

‫وحسن االستقبال‪ ،‬واالستضافة‪ ،‬وترتيب جلسات‬
‫الندوة والزيارات الميدانية المصاحبة لها‪ ،‬ومتابعة‬
‫كافة اإلج��راءات المتعلقة بتأمين ع��ودة المشاركين‬
‫إلى بلدانهم بعد نهاية فعاليات الندوة‪ .‬كل ذلك تم في‬
‫سالسة من الترتيب والتنظيم وتعامل ودي ال نظير‬
‫ل��ه‪ ،‬يسجل ف�خ��راً للقائمين على ال�ن��دوة والعاملين‬
‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬راعية‬
‫الندوة‪.‬‬

‫أمسية تراثية بدعوة من أعضاء المجلس الثقافي‬
‫بمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية بالجوف‪،‬‬
‫حفلت بفقرات تراثية جميلة ومعبّرة عن جوانب من‬
‫الحياة الشعبية في منطقة الجوف‪ ،‬واختتمت الندوة‬
‫بحفل كريم في مدينة الرياض‪ ،‬دعا إليه مدير عام‬
‫مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية الدكتور زياد‬
‫بن عبدالرحمن السديري‪.‬‬

‫وفيما يلي نستعرض ب��إي�ج��از ألب �ح��اث الندوة‪،‬‬
‫ورأينا أن يكون االستعراض على أساس جغرافي دون‬
‫أبحاث الندوة‪ :‬‬
‫االل�ت��زام بترتيب إلقاء أوراق العمل خ�لال فعاليات‬
‫ُع��رض في ال�ن��دوة نحو من ثالثين بحثاً علمياً‪،‬‬
‫الندوة‪ ،‬التي أملتها ظروف ومواعيد وصول ومغادرة‬
‫قدمها آث��اري��ون أكاديميون ينتمون إل��ى ثالثة عشر‬
‫بعض المشاركين‪ ،‬وذل��ك ليكون أع��م للفائدة‪ ،‬ومن‬
‫بلداً عربياً وأربعة بلدان أوروبية‪ ،‬إلى جانب اليابان‬
‫أجل إلقاء الضوء على نشأة المدينة وتطورها في‬
‫والواليات المتحدة األمريكية‪ .‬وقد توزعت األبحاث‬
‫كل منطقة‪:‬‬
‫على جلسات صباحية ومسائية‪ ،‬كما أُع��دت ورشة‬
‫المملكة العربية السعودية‪:‬‬
‫عمل على ه��ام��ش جلسات الندوة‪.‬‬
‫وك� ��ان م��ن ض �م��ن ف �ع��ال �ي��ات الندوة ح��ض��ر ال��م��ش��ارك��ون‬
‫قدم الباحث األلماني البوفسور‬
‫زي� ��ارات ل�م��واق��ع أث��ري��ة ف��ي منطقة ب�����ال�����ن�����دوة أم���س���ي���ة ري �ك��اردو إي�خ�م��ان ب�ح�ث�اً‪ ،‬ب �ع �ن��وان‪" :‬‬
‫ال �ج��وف‪ ،‬وه��ي م��وق��ع الشويحطية‪ ،‬تراثية عرضت فيها ت �ي �م��اء‪ :‬واح���ة وم��رك��ز ت �ج��اري على‬
‫أحد أق��دم المواقع األثرية في قارة‬
‫ط��ري��ق ق��واف��ل ال �ب �خ��ور"‪ ،‬استعرض‬
‫آس �ي��ا‪ ،‬وم��وق��ع ال��رج��اج �ي��ل‪ ،‬وقصر ف���ق���رات م���ن الحياة‬
‫فيها نتائج الحفريات اآلثارية التي‬
‫م��ارد وح��ي ال ��درع ب��دوم��ة الجندل‪ .‬ال��ش��ع��ب��ي��ة بالجوف تمت عامي ‪2004‬و‪2005‬م‪ ،‬وخلصت‬
‫كما حضر ال�م�ش��ارك��ون ف��ي الندوة‬
‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪9‬‬

‫والمتاحف وكشفت تلك التنقيبات‪ ،‬خالفاً لما كان‬
‫يُعتقد‪ ،‬أن الموقع لم يكن محطة تجارية فحسب‪ ،‬بل‬
‫مستوطناً نبطياً مأهوالً بالسكان‪ .‬وعرض الباحث فيه‬
‫مقابر ذات طرز معمارية متنوعة‪ ،‬ونقوشاً أثرية تعد‬
‫مصدراً مهماً لدراسة الحياة السياسية واالقتصادية‬
‫واالجتماعية لألنباط‪.‬‬
‫إل��ى أن تيماء كانت موقعاً مهماً مع بداية األلفية‬
‫الثانية قبل الميالد على أق��رب تقدير‪ .‬وأش��ار في‬
‫ورقته إلى أنه من المحتمل أن يكون لتيماء ‪1500‬‬
‫عاماً من ال�م��وروث‪ ،‬عندما اتخذها الملك البابلي‬
‫"نابونيد" مقرا له لمدة عشر سنوات‪ .‬وبيّن الباحث‬
‫أن الدراسات البيئية والمسوحات في محيط تيماء‬
‫تؤكد أن تيماء كانت مركزاً للقوافل في شمال غربي‬
‫المملكة العربية السعودية‪ .‬كما عرضت الورقة إلى‬
‫حقائق آثارية ترتبط بالخصائص المعمارية األساسية‬
‫لمنطقة تيماء‪.‬‬
‫أما الدكتور سامر سحلة‪ ،‬من قسم اآلثار بجامعة‬
‫ال �م �ل��ك س��ع��ود‪ ،‬ف �ق��د ت �ق��دم ورق� ��ة ع�ل�م�ي��ة بعنوان‪:‬‬
‫"العُال‪ :‬الموقع واالستمرار الحضاري"‪ ،‬عالجت دور‬
‫الموقع الجغرافي من نشأة مدينة دادان وتطورها‪،‬‬
‫واستمرارها على مدى حقب حضارية متعاقبة بفضل‬
‫ما توافر للموقع من مخزون المياه‪ ،‬إضافة إلى التربة‬
‫الزراعية والحماية الطبيعية؛ كما أن الموقع يقوم‬
‫على طريق ت�ج��اري‪ ،‬وق��د أسهم ذل��ك كله ف��ي نشأة‬
‫العُال وتطورها واستمرارها مركزاً مهماً عبر التاريخ‬
‫الحضاري للجزيرة العربية‪.‬‬
‫وف��ي بحث ع��ن م��دائ��ن ص��ال��ح‪ ،‬أح��د أه��م مواقع‬
‫اآلث��ار النبطية في المملكة‪ ،‬قدَّ مه الدكتور ضيف‬
‫الله الطلحي‪ ،‬من وكالة اآلث��ار والمتاحف بالمملكة‬
‫العربية السعودية‪ ،‬بعنوان‪" :‬مدائن صالح في ضوء‬
‫االكتشافات األثرية الحديثة"‪ ،‬ع��رض فيه الباحث‬
‫نتائج أع�م��ال التنقيب‪ ،‬ال�ت��ي أج��رت�ه��ا وك��ال��ة اآلثار‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أم��ا أ‪ .‬د‪ .‬عبدالرحمن الطيب األن�ص��اري رئيس‬
‫تحرير مجلة أدوم��ات��و‪ ،‬فقدم بحثاً بعنوان‪" :‬قرية‪:‬‬
‫مدينة المعابد"‪ ،‬عرض فيه لقرية الفاو "ذات كهل" أو‬
‫"قرية الحمراء" أو "ذات الجنان" كما يسميها سكانها‬
‫أي��ام ع��زه��ا‪ ،‬وه��ي ال�ف��او ح��ال�ي�اً‪ ،‬أح��د أه��م المواقع‬
‫القديمة في الجزيرة العربية‪ ،‬التي سادت بين القرنين‬
‫الرابع ق‪ .‬م‪ .‬والرابع الميالدي‪ .‬وتميزت الفاو بأنها‬
‫شكّلت همزة وص��ل بين ح��واض��ر الجزيرة العربية‬
‫والخليج العربي القديمة‪ .‬وأش��ار األنصاري إلى أن‬
‫توافر العديد من المعابد واألنصاب التي تحويها ‪،‬‬
‫يشهد على الدور الذي لعبته قرية في الحياة الدينية‬
‫لمجتمع الجزيرة العربية قبل اإلسالم‪ ،‬وكيف تمتعت‬
‫بتسامح ديني‪ ،‬سمح بتواجد معابد متنوعة لمعبودات‬
‫عديدة لحيانية وآرام�ي��ة ونبطية وغيرها‪ ،‬ما جعل‬
‫قرية م�ق��راً لمعبودات تجذب القبائل م��ن مختلف‬
‫أصقاع الجزيرة العربية‪.‬‬
‫ك�م��ا ق��دم ال �ب��روف �س��ور ف��ران �س��وا ف�ي�ل�ي�ن��وف‪ ،‬من‬
‫جامعة باريس األولى في فرنسا‪ ،‬بحثاً بعنوان‪" :‬نقش‬
‫عسكري التيني مكتشف حديثا في جزيرة فرسان‪:‬‬
‫روم��ا واالسكندرية والبتراء‪ ،‬والتجارة الشرقية في‬
‫منتصف القرن الثاني الميالدي"‪ ،‬استعرض فيه نقشا‬
‫أ ُكتشف في أواخر التسعينيات الميالدية من القرن‬
‫الماضي‪ ،‬ق��رب قصار على جزيرة فرسان الكبير‪،‬‬
‫الواقعة جنوبي البحر األحمر‪ .‬وأوض��ح الباحث أن‬
‫النقش يمثل نصاً عسكرياً رومانياً‪ ،‬يعود إلى عام‬
‫‪ 144‬ميالدي؛ ويكشف أن ق��وات رومانية من مصر‬
‫احتلت‪ ،‬آنذاك‪ ،‬ذلك الجزء البعيد من البحر األحمر‪.‬‬
‫وق��د أدار ه��ذه المنطقة نائباً‪ ،‬حملت الجزر اسمه‬

‫الصخرية المتنوعة‪ ،‬التي تشمل مصورات بشرية‪،‬‬
‫ورسوم للجمال والبقر والوعول والنعام والخيل‪ ،‬نظراً‬
‫لكونها كانت محطة للقوافل‪ .‬وقد أكدت الكشوفات‬
‫إمكانات المنطقة ودوره��ا الحضاري‪ ،‬إضافة إلى‬
‫مركزها الديني‪.‬‬

‫"ف�ي��رس��ان"‪ .‬ون��اق��ش الباحث االكتشاف ف��ي سياقه‬
‫ال إلى االرتباطات التجارية‬
‫التاريخي األوس��ع‪ ،‬محي ً‬
‫والعسكرية بين روما واالسكندرية والبتراء وأدوليس‬
‫وشمال غربي الهند‪.‬‬
‫أما البروفسر جون هيلي‪ ،‬من جامعة مانشستر‬
‫في بريطانيا‪ ،‬فقدم بحثاً عنوانه‪" :‬مؤسسات المدينة‬
‫في شمالي الجزيرة العربية في العصر الروماني"‪،‬‬
‫استعرض فيه مجموعة من النقوش المختارة‪ ،‬التي‬
‫عثر عليها في م��دن شمالي الجزيرة العربية مثل‬
‫البتراء (األردن)‪ ،‬والحجر (مدائن صالح‪ -‬السعودية)‪،‬‬
‫وبالميرا (تدمر‪ -‬سوريا)‪ ،‬والرها (أورف��ا‪ -‬تركيا)‪،‬‬
‫وهترا (الحضر‪ -‬العراق)‪ .‬وأش��ار الباحث إلى أنها‬
‫ت�ق��دم معلومات مهمة وأك �ي��دة ع��ن تنظيم المدينة‬
‫ف��ي تلك ال�ف�ت��رة؛ ف�ه��ي‪ ،‬إض��اف��ة إل��ى المصطلحات‬
‫األساسية المرتبطة بالمدن‪ ،‬تكشف أيضا جوانب‬
‫مهمة لمؤسسات المدينة‪ ،‬مثل‪ :‬اإلدارة السياسية‪،‬‬
‫والعسكرية‪ ،‬والضرائب‪ ،‬والمحاكم‪ ،‬وأرشيف المدينة‪،‬‬
‫كما تشير إل��ى مفهوم ال��والء القومي ودور المدينة‬
‫بوصفها مركزا للسلطة القانونية‪.‬‬

‫أما البحث المعنون‪" :‬نتائج االستكشافات األثرية‬
‫الحديثة ف��ي مدينة فيد التاريخية بمنطقة حائل‬
‫بالمملكة العربية السعودية"‪ ،‬فقد قدمه الدكتور فهد‬
‫بن صالح الحواس‪ ،‬من قسم اآلث��ار بجامعة الملك‬
‫سعود‪ .‬وهدف الباحث في ورقته إلى التعريف باآلثار‬
‫اإلسالمية المبكرة في مدينة فيد‪ ،‬الواقعة على طريق‬
‫الحج الكوفي (درب زب�ي��دة)‪ ،‬وم��ا تشمله من معالم‬
‫معمارية ومرافق ومعثورات‪ ،‬أبرزت دورها الحضاري‬
‫الكبير ف��ي الفترة اإلسالمية المبكرة‪ ،‬وعالقاتها‬
‫بالمناطق المجاورة‪ ،‬كما تناول أهم المعالم األثرية‬
‫والمعمارية الباقية‪ ،‬م��ن خ�لال أع�م��ال الكشوفات‬
‫األثرية الحديثة‪.‬‬
‫أما الدكتور خليل بن إبراهيم المعيقل‪ ،‬من قسم‬
‫اآلثار بجامعة الملك سعود‪ ،‬فقد قدم ورقة بعنوان‪:‬‬
‫"نتائج الموسم الثاني لحفريات جامعة الملك سعود‬
‫في موقع قرح (المابيات)"‪( ،‬باالشتراك مع كل من‬
‫د‪ .‬عبدالله بن إبراهيم العمير‪ ،‬ود‪ .‬مشلح بن كميخ‬
‫المريخي) عرضت لنتائج الحفريات‪ ،‬التي بدأها‬
‫قسم اآلث��ار بجامعة الملك سعود في الموقع منذ‬
‫ال�ع��ام ‪1425‬ه � � �ـ‪2004/‬م‪ ،‬لتلك المدينة ال�ت��ي يعود‬

‫وش��ارك الدكتور خالد اسكوبي من وكالة اآلثار‬
‫والمتاحف بالمملكة بورقة علمية بعنوان‪" :‬المدينة‬
‫المنورة معبر ال�ق��واف��ل"‪ ،‬ع��رض فيها لنتائج ثالثة‬
‫مواسم من المسح الذي نفذته وكالة اآلثار والمتاحف‬
‫السعودية في المنطقة‪ .‬وأشار الدكتور اسكوبي إلى‬
‫أن التنقيبات كشفت عن العديد من مواقع المنشآت‬
‫الحجرية‪ ،‬والسدود‪ ،‬والقنوات‪ ،‬والنقوش‪ ،‬والرسوم‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪11 1427‬‬

‫تاريخها إلى فترات تسبق العصر اإلسالمي‪ ،‬وربما‬
‫بدأت في أعقاب نهاية الحكم النبطي للعُال‪ ،‬كمحطة‬
‫تجارية على طريق القوافل‪ ،‬ثم تطورت إلى مدينة‬
‫عاشت حتى القرن السادس الهجري‪ .‬وقد كشفت‬
‫عن أسوار ومبنى كبير‪ ،‬وأعمدة وبقايا سكنية‪ ،‬لثالث‬
‫مراحل معمارية‪ ،‬إلى جانب ٍكم كبير من المعثورات‪.‬‬
‫ولم تظهر التنقيبات عن أية أدلة تعود إلى العصر‬
‫األموي أو عصر ما قبل اإلسالم‪.‬‬

‫سوريا‪:‬‬
‫قدم البروفسور بول فانبرج‪ ،‬من جامعة بروكسل‪،‬‬
‫(باالشتراك مع نيكوالس ك��اوي‪ ،‬وكريستوفا كوالر‪،‬‬
‫وسيرجي ليمتري‪ ،‬ومارك فاندر ليندن) بحثاً بعنوان‪:‬‬
‫"المستوطنات والرسوم الصخرية في هضبة حماة‬
‫السورية إبان الحقبة اآلشورية الجديدة "‪ ،‬تناول فيه‬
‫المنشآت الحجرية والدوائر والمذنبات الحجرية التي‬
‫تميز آثار الشرق األدنى‪ .‬وكذلك تناول البحث الرسوم‬
‫الصخرية التي تزخر بها المنطقة‪ ،‬في محاولة لربط‬
‫تلك الرسوم الصخرية بالظواهر األثرية من الهضبة‪.‬‬
‫وأشار الباحث إلى أن أصالة مواقع الحمة تنبع من‬
‫أمرين؛ األول‪ :‬أن علماء اآلث��ار العاملين في سوريا‬
‫ركزوا في الغالب على حفريات المباني الطينية على‬
‫ال�ت�لال‪ .‬وهنا نجد الطيور الصحراوية‪ ،‬والدوائر‬
‫الصخرية‪ ،‬والقبور‪ ،‬والمستوطنات الزراعية‪ .‬واألمر‬
‫الثاني‪ :‬أن تكتالت الرسومات الصخرية في الحمة‬
‫هي مواقع الفن الصخري األولى‪ ،‬التي تمت دراستها‬
‫بطريقة منظّ مة في س��وري��ا‪ .‬كما أن مجمع الحمة‬
‫األث��ري يمثّل فرصة ن��ادرة لمقارنة الفن الصخري‬
‫بالخصائص اآلثارية‪.‬‬

‫الحجري الحديث‪ ،‬مستعرضاً نماذج من ذلك التحوّل‬
‫ف��ي بعض ال �ق��رى ال��زراع �ي��ة ف��ي ش��رق��ي المتوسط‪.‬‬
‫وأش��ار الباحث إلى أن المجتمعات الزراعية األولى‬
‫حققت سو َّي ًة حضارية متميزة في مجاالت العمارة‬
‫والبناء‪ ،‬والفنون‪ ،‬وإنتاج الطعام‪ ،‬وممارسة الشعائر‪،‬‬
‫والنظم االجتماعية واإلداري��ة واالقتصادية‪ ،‬وغيرها‬
‫م��ن اإلن �ج��ازات التي ب��دأت ف��ي األل��ف التاسع ق‪.‬م‪.‬‬
‫واس�ت�م��رت بالتطور‪ ،‬ممهدة الطريق لظهور المدن‬
‫األولى‪ .‬وتعد مواقع المرابيط وحرف األحمر وحبوبة‬
‫الكبيرة في سورية‪ ،‬وأريحا وبيسامون في فلسطين‪،‬‬
‫والبسطة وعين الغزال وتليالت الغسول في األردن‪،‬‬
‫وحبيل في لبنان‪ ،‬وحلرمو وتل الصوان في العراق‪،‬‬
‫وغيرها‪ ،‬الشاهد األهم على هذا التحول الحضاري‬
‫الكبير الذي أصبح يعرف بإسم "الثورة الزراعية"‪ ،‬دليل‬
‫نشوء الحضارة اإلنسانية بمفهومها الواسع والمركب‪.‬‬

‫أم��ا الباحث األستاذ جمال سعد عمر‪ ،‬من قسم‬
‫اآلث ��ار بجامعة الملك س �ع��ود‪ ،‬ف�ق��دم بحثاً بعنوان‪:‬‬
‫"أورك�ي��ش (ت��ل م��وزان) العاصمة الحورية المقدسة‪:‬‬
‫أهميتها كمركز ديني وسياسي"‪ ،‬ع��رض في بدايته‬
‫لنتائج التنقيبات التي بدأت منذ عام ‪1984‬م‪ ،‬و يشارك‬
‫الباحث فيها ضمن بعثة أمريكية‪ .‬وق��د بيّنت نتائج‬
‫العمل أن أوركيش‪ ،‬التي تعود إلى األلف الثالث ق‪ .‬م‪.‬‬
‫كانت المركز الديني والسياسي األس��اس للحوريين‪،‬‬
‫وق��د كشفت الحفريات عن البداية األول��ى للمدينة‬
‫ونشأتها ومراحل تطورها‪ ،‬كما كشفت عن جوانب تلك‬
‫الحضارة‪ ،‬وعن دور الحوريين في حضارات الشرق‬
‫ال�ق��دي��م‪ .‬فقد أنشأ ال�ح��وري��ون ح�ض��ارة عريقة‪ ،‬من‬
‫المُثبت عنها أنها كانت ذات تأثير كبير على منطقة‬
‫الشرق األدن��ى القديم كلها‪ .‬وأورك�ي��ش هي المدينة‬
‫كما قدم الباحث أ‪ .‬د‪ .‬سلطان محيسن‪ ،‬من جامعة الوحيدة‪ ،‬من بين حواضر األلف الثالث قبل الميالد‪،‬‬
‫دمشق ب�س��وري��ا‪ ،‬بحثاً ب�ع�ن��وان‪" :‬ال �م��زارع��ون األوائل التي تعد مركزاً دينياً وسياسياً رئيساً للحوريين‪.‬‬
‫من المشرق العربي القديم"‪ ،‬ر ّك��ز فيه على التحوّل‬
‫الحضري من مجتمعات الصيد والجمع في العصر األردن‪:‬‬
‫الحجري القديم‪ ،‬إلى مجتمعات الزراعة والرعي في‬
‫تحت عنوان‪" :‬تخطيط القرى الزراعية وعمارتها‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫خ�لال العصر الحجري الحديث قبل الفخاري في‬
‫بالد الشام"‪ ،‬قدم الدكتور خالد أبو غنيمة‪ ،‬من جامعة‬
‫اليرمول ب��األردن‪ ،‬بحثاً‪ ،‬استعرض فيه بداية نشوء‬
‫القرى ال��زراع�ي��ة‪ ،‬مبيناً أن تطور الفكر المعماري‬
‫إلنسان العصر الحجري الحديث يتناسب والتحول‬
‫االقتصادي‪ ،‬ال��ذي شهدته المرحلة بإنتاج الغذاء‪.‬‬
‫وتمثّلت العمارة في ه��ذا العصر بتوافر المساكن‪،‬‬
‫وال�م�ب��ان��ي ال�ع��ام��ة ك��ال�م�خ��ازن وال�م�ش��اغ��ل وغيرها‪،‬‬
‫فوضعت هذه التصاميم األساس للمرحلة الحضارية‬
‫التالية‪ .‬ويستنتج الباحث فرضية ترجيح أن بداية‬
‫التخصص في العمل والملكية الفردية‪ ،‬ظهرت في‬
‫العصر الحجري الحديث قبل الفخاري "ب" وليس‬
‫كما يرى العديد من الباحثين في العصر الحجري‬
‫النحاسي‪ ،‬نظراً لما امتازت به من تقنية عالية في‬
‫العمارة‪ ،‬والتطور في الصناعات األخ��رى كاألدوات‬
‫الصوانية والحجرية والعظمية وأدوات الزينة والفنون‬
‫ذات التقنية العالية‪ ،‬التي تظهر التخصص المهني لبنان‪:‬‬
‫لصانعها‪ ،‬وهذه العوامل جميعها استندت إلى تطور‬
‫ق��دم د‪ .‬حسن ب��دوي‪ ،‬من الجامعة اللبنانية في‬
‫اقتصادي في مجاالت الزراعة والتدجين والتجارة‪ .‬ب �ي��روت‪ ،‬بحثاً ب�ع�ن��وان‪" :‬مدينة عنجر األم��وي��ة بين‬
‫كما قدم الباحث أ‪ .‬د‪ .‬معاوية إبراهيم من األردن‪ ،‬إشكالية ال �م��وروث البيزنطي واحتياجات المدينة‬
‫باالشتراك مع د‪ .‬خالد دغلس‪ ،‬من الجامعة الهاشمية ال�ع��رب�ي��ة اإلس�لام �ي��ة"‪ ،‬ت �ن��اول ف�ي��ه‪ ،‬اخ�ت�ي��ار الموقع‬
‫ب���األردن‪ ،‬ورق��ة ب�ع�ن��وان‪" :‬خ��رب��ة ال��زي��رق��ون بشمالي على الطريق التجاري بين العاصمة األموية دمشق‬
‫األردن‪ :‬مدينة م��ن األل��ف الثالث ق‪ .‬م‪ ،".‬لخصت ومدن ساحل المتوسط‪ ،‬ثم عرض إلشكالية محاولة‬
‫أعمال بعثة جامعتي اليرموك وتيوبنجن المشتركة‪ ،‬المسلمين التوفيق بين التخطيط الروماني والبيزنطي‬
‫التي كشفت عن مركز ديني وسياسي وإداري من للمدينة‪ ،‬وما تتطلبه المدينة اإلسالمية من إدخال‬
‫العصر البرونزي المبكر‪ .‬وأشار الباحث إلى أن مدينة عناصر معمارية دينية وإداري��ة‪ ،‬متخذاً منها مثاالً‬
‫خربة الزيرقون (الواقعة على وادي الشاللة‪-‬حوالي ل�ن�ش��أة ال�م��دي�ن��ة ال�ع��رب�ي��ة اإلس�لام �ي��ة‪ .‬واستعرض‬
‫‪12‬كم شمال شرقي مدينة أربد)‪ ،‬ضمت معالم مهمة ال�ب��اح��ث أس ��وار ال�م��دي�ن��ة‪ ،‬وش��وارع �ه��ا‪ ،‬وساحاتها‪،‬‬
‫ومرافق مختلفة‪ :‬من بينها معابد‪ ،‬وقصر‪ ،‬وأماكن وأبنيتها اإلداري� ��ة (ال��س��راي)‪ ،‬والدينية (المسجد‬
‫تخزين‪ ،‬وأحياء سكينة‪ ،‬يحيط بها سور ضخم من والكنيسة)‪ ،‬والعامة (الحوانيت والحمامات)‪ ،‬وأبنيتها‬
‫الحجارة‪ ،‬تتخلله أبراج دفاعية‪ .‬كما تتصل بالمدينة الخاصة (القصور والمساكن)‪ ،‬والطرز الفنية والمواد‬
‫مرافق للمياه على أعماق بعيدة تحت سطح األرض‪ ،‬المعمارية المستعملة في أنظمة البناء ومصادرها؛‬
‫تصل إلى مستوى المياه الجوفية‪ ،‬وكشفت المعثورات وخلص البحث إلى استنتاجات تشير إلى أهمية نشأة‬
‫هذه المدينة العربية اإلسالمية في إطارها الجغرافي‬
‫عن صالت تجارية واسعة للمدينة‪.‬‬
‫أم��ا الباحث أ‪ .‬د‪ .‬زي��دون المحيسن من جامعة‬
‫اليرموك ب��األردن‪ ،‬فقدم ورقة بعنوان‪" :‬موقع خربة‬
‫الذريح في ضوء التنقيبات اآلثارية‪ ،‬كحالة للمدينة‬
‫العربية القديمة بعيداً عن المركز السياسي (البتراء)"‪،‬‬
‫تناول فيها البحث‪ ،‬ال��ذي أج��ري ضمن بعثة أردنية‬
‫فرنسية مشتركة‪ ،‬تنقيبات في الموقع‪ ،‬أسفرت عن‬
‫تطور الموقع من قرية قديمة‪ ،‬خالل الفترة النبطية‬
‫ال��روم��ان�ي��ة‪ ،‬إل��ى مستوطنة ح��وت أض��رح��ة ومدافن‬
‫ومعاصر للزيت‪ ،‬والكثير من المعالم المعمارية‪ .‬وأكد‬
‫الباحث أن خربة الذريح ال تقتصر في أوابدها على‬
‫األبنية ذات الطابع الديني‪ ،‬كما هو األمر في جارتها‬
‫خربة التنور‪ ،‬بل تتجاوز ذل��ك إل��ى منشآت سكنية‬
‫وصناعية‪ ،‬من شأنها اإلجابة على أسئلة تتعلق بحياة‬
‫األن�ب��اط الدينية واالجتماعية واالقتصادية‪ ،‬خارج‬
‫عاصمتهم البتراء‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪13 1427‬‬

‫الفلسطينيين في العصر البرونزي؛ وميوماس الميناء‬
‫الروماني؛ وبالخيه المدينة الكالسيكية) تحكي ك ٌل‬
‫منها ال �ظ��روف االق�ت�ص��ادي��ة والسياسية السائدة‪،‬‬
‫وق �ت �ه��ا‪ ،‬ال �ت��ي أدت إل ��ى ازده ��اره ��ا واضمحاللها‪.‬‬
‫وع��رض الباحث ف��ي ورق�ت��ه لثالثة أنظمة دفاعية‬
‫مختلفة لموقع بالخية كشفتها الحفريات الحديثة‪.‬‬
‫فهناك حاجز بحري هائل من الطوب الطيني كان‬
‫يحمي مستوطنة العصر الحديدي التي كانت بدورها‬
‫كمدخل لتطور المدن العربية اإلسالمية‪ ،‬فيما بعد‪ .‬تحيط بمدينة أو حصن‪ .‬وفي العصور الهيلينية‪ ،‬طور‬
‫الغزاويون مستوى عالياً من الحياة الحضرية المحلية‪،‬‬
‫فلسطين‪:‬‬
‫عندما تبنّوا نماذج أغريقية‪ .‬ولذلك احتاجوا جدراناً‬
‫وف��ي ب�ح��ث ب �ع �ن��وان‪" :‬ال�م��دي�ن��ة الكنعانية خالل جديدة لتحمي ثروتهم‪ ،‬في وقت عاشت المدينة أعلى‬
‫العصر البرونزي المتأخر"‪ ،‬قدّم أ‪ .‬د‪ .‬زيدان كفافي درجات االزدهار االقتصادي‪.‬‬
‫من كلية اآلث��ار بجامعة اليرموك ب��األردن‪ ،‬بحثاً عن‬
‫عمارة المدن الكنعانية‪ ،‬كما عُرفت من موقعي مجدو سلطنة ُعمان واإلمارات العربية المتحدة‪:‬‬
‫وحازور‪ ،‬التي حوت تحصينات ومعابد ومدافن‪ .‬كما‬
‫ق��دم الباحث اإليطالي البروفسور ب��اول��و بياجي‬
‫كشفت المعثورات عن تأثيرات خارجية‪ ،‬وعن حصن ورق��ة بعنوان‪" :‬مخلفات األص��داف على بحر العرب‬
‫مصري‪ .‬وناقش الباحث خصائص المدينة الكنعانية والخليج والعالقات البحرية خالل األلف السابع ق‪.‬‬
‫إبان العصر البرونزي المتأخر (حوالي ‪ 1200-1550‬م‪ ،".‬ع��رض��ت إلم�ك��ان��ات االت �ص��ال بين س��واح��ل بحر‬
‫قبل الميالد)؛ كما ق��دَّ م دراس��ة لمصطلحي كنعان العرب خالل العصر الحجري الحديث‪ ،‬حيث تتقارب‬
‫والكنعانيين‪ ،‬وخلفية تاريخية‪ ،‬وسمات محددة للمدينة نتائج التأريخ من مواقع أثرية على تلك السواحل في‬
‫الكنعانية‪ .‬وخلص البحث إلى أنه يمكن افتراض أن حقبة الهولوسين األوسط‪ .‬وقد عكست هذه المواقع‬
‫ال�م��دن الكنعانية إب��ان العصر ال�ب��رون��زي المتأخر طُ رق التكيّف والصالت الحضارية‪ ،‬على امتداد الخليج‬
‫كانت شحيحة السكنى (قصر منفرد في الغالب)‪ ،‬وسواحل بحر العرب‪ .‬واستدل الباحث على إمكانية‬
‫وت�ض��م معبداً أو أك�ث��ر‪ ،‬ومساكن خ��اص��ة‪ ،‬ومخزن‪ ،‬وجود نشاطات تجارية‪ ،‬عبر المنطقة الجنوبية لشبه‬
‫وحفر نفايات‪ ،‬وحصون مصرية أو مقرات للحكام‪ .‬الجزيرة العربية‪ ،‬حوالي نهاية األلفية السابعة غير‬
‫أما البنية االقتصادية واالجتماعية لمن عاشوا في ال�م��وزون��ة (قبل ال��زم��ن ال�ح��ال��ي)‪ .‬ودع��ا الباحث إلى‬
‫المدن الكنعانية فيبدو أنها تأثرت بجماعات أثنية االستمرار في دراسة هذه المواقع وتحديد تاريخها‪،‬‬
‫غير كنعانية‪ ،‬خاصة إبان الوجه األخير من العصر باالشعاع الكربوني‪ ،‬ما سيطوّر معرفتنا ببداية ظهور‬
‫البرونزي المتأخر‪.‬‬
‫صائدي االسماك في المنطقة‪ ،‬إبان العصر الحجري‬
‫ك�م��ا ق��دم ال �ب��اح��ث ال�ف��رن�س��ي ال �ب��روف �س��ور جين الحديث‪ ،‬وتحركاتهم على ط��ول وعبر ساحلي بحر‬
‫همبرت‪ ،‬بحثاً بعنوان‪" :‬غ��زة القديمة داخ��ل أسوار العرب والخليج الفارسي‪.‬‬
‫المدينة"‪ ،‬حيث كشفت األع�م��ال األث��ري��ة عن ثالث‬
‫أما البحث الذي قدمه أ‪ .‬د‪ .‬علي التجاني الماحي‬
‫مدن مسوَّرة ومستقلة عن بعضها‪( :‬تل هروبا‪ ،‬عاصمة بعنوان‪" :‬االس�ت�ق��رار والتأقلم ف��ي البيئات العمانية‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫ص�ن�ع��اء ب��ال�ي�م��ن‪ ،‬ب�ح�ث�اً ب �ع �ن��وان‪" :‬م� ��وروث العصور‬
‫ال�ح�ج��ري��ة ف��ي ال �ج��زي��رة ال�ع��رب�ي��ة وح �ض��ارة جنوبي‬
‫ال�ج��زي��رة بين األص ��ول المحلية واألف��ري�ق�ي��ة وبالد‬
‫الشام"‪ ،‬استهله بقضية ربط الحضارة اليمنية في‬
‫بعض جوانبها بأصول خارجية‪ ،‬بسبب الظواهر غير‬
‫المتجانسة فيها‪ .‬وحاول تأصيل هذا التباين فأشار‬
‫الباحث إلى أن العصر الحجري الحديث في المنطقة‬
‫شهد تبايناً نوعياً وتقنياً‪ ،‬تأرجح بين األصول المحلية‬
‫وتأثيرات من شرقي أفريقيا وبالد الشام‪.‬‬

‫الجافة‪ :‬جدل الدليل األثري والنموذج التقليدي"‪ ،‬فقد‬
‫تناول‪ ،‬من خالل استعراض أدلة أثرية‪ ،‬أنماط التكيف‬
‫والمصادر المتاحة‪ ،‬مستنتجاً أن اتجاهات التكيف في‬
‫عمان رسمت مالمح تكوين المجتمعات في الواحات‬
‫وال �م��دن ال�ع�م��ان�ي��ة‪ .‬وم��ن خ�ل�ال اس�ت�ع��راض��ه للدليل‬
‫األثري وأنماط العيش التقليدية والمصادر الطبيعية‬
‫واقتصاديات االستقرار‪ ،‬يستنتج الباحث أن التباين‬
‫البيئي واتجاهات التأقلم في عمان‪ ،‬قد رسمت مالمح‬
‫تكوين المجتمع المدني في الواحات والمدن العمانية‬
‫قديماً‪ .‬ومن أمثلة ذلك إسهام الواحة‪ ،‬بوصفها وحدة‬
‫وف ��ي ورق ��ة ب �ع �ن��وان‪" :‬ب��داي��ة االس �ت �ق��رار ونشأة‬
‫بيئية ومدنية‪ ،‬ونوَّة إلى االستقرار والمجتمع المدني المدن األولى في اليمن" عرض الدكتور عبده غالب‬
‫في دفع االستقرار وتطوره في عُمان‪.‬‬
‫لمجتمعات اليمن خ�لال الفترة بين األلفين الرابع‬
‫كما قدم الباحث الدكتور جيفري كنغ‪ ،‬من جامعة لندن واألول ق‪ .‬م‪ ،.‬حيث تمكّنت تلك المجتمعات من‬
‫في بريطانيا‪ ،‬بحثاً بعنوان ‪“ :‬ميناء جلفار برأس الخيمة اإلقامة في مستوطنات دائمة‪ ،‬وعرفت إنتاج غذائها‪،‬‬
‫في اإلمارات العربية المتحدة‪ ،‬مدينة تجارية إسالمية وخطت نحو نشوء المدن األول��ى‪ ،‬التي تزامنت مع‬
‫على الخليج العربية"‪ ،‬استعرض فيه الباحث النشاطات تحوّالت في أنماط االستيطان‪ .‬وفيها نشطت التجارة‬
‫التجارية واالجتماعية‪ ،‬وال��دور المهم ال��ذي لعبه هذا وت�ع��ددت الوظائف‪ ،‬وقفزت بالمجتمع إل��ى العصر‬
‫البرونزي ثم الحديدي‪.‬‬
‫الميناء بالنسبة للمسلمين على الخليج العربي‪.‬‬
‫وفي بحث بعنوان‪" :‬المدن الساحلية في جنوب‬
‫ش��رق��ي ال�ج��زي��رة العربية ودوره���ا االق �ت �ص��ادي في‬
‫الفترة من القرن الثالث ق‪ .‬م‪ .‬إل��ى القرن السابع‬
‫الميالدي"‪ ،‬قدم د‪ .‬حمد محمد بن صراي‪ ،‬من جامعة‬
‫مدن ساحلية في عمان‪ ،‬هي‪:‬‬
‫اإلمارات‪ ،‬عرضاً ألربع ٍ‬
‫عمانا وجلفار ودبا وصحار‪ ،‬ازده��رت خالل الفترة‬
‫بين القرنين الثالث ق‪ .‬م والسابع الميالدي‪ ،‬وتوارثت‬
‫األدوار كموانىء لعبت دوراً في التواصل الحضاري‪،‬‬
‫وتبادل السلع على الساحل العماني‪ .‬وأشار الباحث‬
‫إلى أن كثرة استيطان هذه المدن الساحلية عرّض‬
‫آثارها للزوال‪ ،‬ووقوعها تحت المباني المقامة في‬
‫فترات الحقة‪ ،‬وه��ذا ما تكشف عنه التنقيبات بين‬
‫فترة وأخرى‪.‬‬

‫"العاصمة السبئية مأرب‪ :‬دراسة في بنيتها اإلدارية‬
‫واالجتماعية في ضوء النقوش السبئية"‪ ،‬كانت عنوان‬
‫ورقة أ‪ .‬د‪ .‬محمد مرقطن التي عالجت النظم اإلدارية‬
‫والسياسية واالقتصادية واالجتماعية لمدينة مأرب‪،‬‬
‫من خ�لال مجموعة النقوش السبئية‪ ،‬التي كشفت‬
‫عنها البعثات اآلثارية األمريكية واأللمانية المتعاقبة‬
‫على المواقع‪ .‬كما رسمت صورة للحياة اليومية في‬
‫مدينة م��أرب‪ ،‬وذل��ك م��ن خ�لال دراس��ة المئات من‬

‫اليمن‪:‬‬
‫ق��دَّ م الدكتور ع�ب��دال��رزاق المعمري‪ ،‬من جامعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪15 1427‬‬

‫النقوش السبئية المكتشفة‪ ،‬وأك��د الباحث أن هذه‬
‫النقوش السبئية تعد المصدر األس��اس حالياً في‬
‫دراسة عاصمة عربية قبل اإلسالم‪ ،‬إذ ذكرت مأرب‬
‫عشرات المرات في تلك النقوش‪.‬‬

‫مصر‪:‬‬
‫قدم الباحث الياباني‪ ،‬البروفسور موتسو كواتوكو‪،‬‬
‫بحثاً بعنوان‪" :‬ميناء ريا وميناء الكيالني في الطور في‬
‫شبه جزيرة سيناء"‪ ،‬استعرض فيه تاريخ العالقات بين‬
‫الشرق والغرب من خالل نتائج الحفريات في موقعي‬
‫رايا وكيالني‪ ،‬وهما مدينتا الميناءين الرئيسين في‬
‫الجزء الجنوبي الغربي من شبه جزيرة سيناء‪ .‬كما‬
‫عرض دور هذين الميناءين في االتصال بين المحيط‬
‫الهندي والبحر المتوسط عبر البحر األحمر‪ ،‬وكيف‬
‫ازده��ر دورهما في الفترة اإلسالمية؟ حين امتدت‬
‫الصالت التجارية لتصل إلى الصين‪ ،‬وتشكلت شبكة‬
‫م��ن االت �ص��االت‪ ،‬لتشمل المنطقة م��ن الصين إلى‬
‫البحر المتوسط وأفريقيا‪ .‬وكشف عن تفاصيل هذه‬
‫الصالت‪ ،‬عبر التنقيبات اآلثارية‪ ،‬التي أجرتها البعثة‬
‫اليابانية في مواقع الميناءين‪.‬‬

‫السودان‪:‬‬
‫"على حافة المدينة‪ :‬ظهور واضمحالل القرى‬
‫ال��زراع �ي��ة ف��ي سهل البطانة (ش��رق��ي السوادن)"‪،‬‬
‫ك��ان ذل��ك موضوع البحث ال��ذي قدمه أ‪ .‬د‪ .‬عباس‬
‫سيد أحمد محمد علي‪ ،‬ع��رض فيه نتائج المسح‬
‫والتنقيبات‪ ،‬التي أجرتها بعثة سودانية‪-‬أمريكية‬
‫مشتركة‪ ،‬كشفت عن ق��رى زراعية تعود إل��ى األلف‬
‫الرابع ق‪ .‬م‪ .‬يصل امتداد الواحدة منها إلى عشرة‬
‫ه �ك �ت��ارات‪ ،‬بعمق طبقي ي�ص��ل إل��ى م�ت��ري��ن‪ ،‬وثراء‬
‫في معثوراتها‪ .‬وعند حافة بلوغها مرحلة المدن‪،‬‬
‫اضمحلت ت�ل��ك ال �ق��رى وت�لاش��ى ث��راؤه��ا المادي‪.‬‬
‫ولمعالجة ه��ذه الظاهرة‪ ،‬تطرق البحث للنظريات‬
‫التي تعالج قضية ظهور المدن‪.‬‬

‫الجزائر‪:‬‬
‫قدم الباحث أ‪ .‬د‪ .‬عبدالعزيز لعرج‪ ،‬من جامعة‬
‫الجزائر‪ ،‬بحثاً بعنوان‪ " :‬دور المدن الساحلية في‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫ال�ح��رك��ة ال�ت�ج��اري��ة للدولتين ال�ح�م��ادي��ة والزيانية‬
‫بالمغرب المتوسط‪ :‬بجاية وهنين نموذجاً"‪ ،‬عرض‬
‫فيه لما شهده الحوض الغربي للبحر المتوسط في‬
‫ال�ق��رن الخامس الهجري م��ن ت�ح��والت اقتصادية‪،‬‬
‫انتقلت فيه الحركة التجارية من المراكز البرية إلى‬
‫الموانىء الساحلية‪ ،‬حيث تحولت بجاية وهنين إلى‬
‫بوابتين للتجارة مع السواحل الجنوبية ألوروبا حتى‬
‫سقوط األندلس‪.‬‬

‫باحثون تغيبوا عن الندوة ألسباب طارئة‪:‬‬
‫ك��ان من المقرر أن يشارك في ال�ن��دوة باحثون‬
‫آخ��رون لكنهم وألسباب وطارئة تغيّبوا عن حضور‬
‫الندوة‪ .‬فقد كان من المقرر أن يشارك الباحث د‪.‬‬
‫حسين أبو الحسن‪ ،‬من المملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫وك��ان��ت ورق�ت��ه بعنوان‪" :‬دادان‪ :‬مدينة المعبود ذي‬
‫غيبة" خالل الفترة من القرن الخامس إلى الثاني‬
‫ق‪ .‬م"‪ .‬كما تغيب أ‪ .‬د‪ .‬سعد بن عبدالعزيز الراشد‬
‫من السعودية‪ ،‬وكانت ورقته بعنوان‪" :‬موقع الصويدره‬
‫(الطرف) تاريخها وآثارها الكتابية"‪ .‬وتغيب كذلك‬
‫عن جلسات الندوة البروفسور ميشيل بيكيريلو من‬
‫إيطاليا‪ ،‬وكانت ورقته المقدمة للندوة بعنوان‪" :‬مدينة‬
‫ميفعه في منطقة مأدبا باألردن"‪ ،‬والبروفسور فريد‬
‫ويندورف‪ ،‬من الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬وكانت‬
‫ورقته بعنوان‪" :‬ظهور قرى المستوطنات خالل العصر‬
‫ال�ح�ج��ري ال�ح��دي��ث المبكر ف��ي ال�ص�ح��راء الغربية‬
‫المصرية"‪ ،‬كما تغيب أ‪ .‬د‪ .‬محمد حسين فنطر من‬
‫تونس‪ ،‬وكانت ورقته بعنوان‪" :‬مدينة كركوان البونية‬
‫في (تونس)"‪ ،‬وتغيب كذلك البروفسور هانس نيسن‬

‫من ألمانيا‪ .‬وقد أكدت الهيئة المنظمة للندوة أن هذه‬

‫به‪ .‬أما أ‪ .‬د‪ .‬عباس سيد أحمد محمد علي‪ ،‬من جامعة‬
‫الملك سعود‪ ،‬فقد تناول في مشاركته إشكاالت العمل‬
‫اآلثاري في العالم العربي‪ ،‬مُعدداً جوانب القصور التي‬
‫تمثلت في ضعف الجانب النظري وغيابه كثيراً في‬
‫األعمال اآلث��اري��ة‪ ،‬وغياب الموقف الفكري لآلثاري‬
‫العربي‪ ،‬والتزام بعض المتخصصين بالمنهج التاريخ‬
‫وعدم مواكبة المستجدات النظرية والمنهجية التي‬
‫طرأت على العلم‪.‬‬

‫األبحاث ستنشر ضمن السِّ جل الذي يحوي أبحاث توصيات الندوة‪:‬‬

‫الندوة‪ ،‬والمتوقع صدوره خالل العام ‪2006‬م‪.‬‬

‫ورشة العمل‪:‬‬
‫عقدت اللجنة المنظمة للندوة ورشة عمل بعنوان‪:‬‬
‫"إشكالية البحث األثري في العالم العربي"‪ ،‬ترأسها أ‪.‬‬
‫د‪ .‬عبدالرحمن الطيب األنصاري رئيس تحرير هيئة‬
‫أدوم��ات��و‪ ،‬تحدث فيها ع��دد من المشاركين‪ ،‬تناولوا‬
‫ع��دداً من القضايا اآلثارية المهمة‪ .‬فقد طرح أ‪ .‬د‪.‬‬
‫يوسف عبدالله "إشكالية ملكية اآلث��ار وحمايتها"‪،‬‬
‫ت�ن��اول فيها قضية حماية ال�ت��راث ال�ح�ض��اري‪ ،‬وحق‬
‫الملكية وتعميق هذا المفهوم‪ ،‬وأهمية تغيير النظرة‬
‫ت�ج��اه اآلث ��ار المكتشفة والنظر إليها كملكية عامة‬
‫وليست ملكية خ��اص��ة‪ .‬وت �ن��اول د‪ .‬عبدالله دحالن‬
‫(رجل أعمال) دور رجال األعمال في تشجيع العمل‬
‫األثري وتمويله‪ ،‬ودعا المؤسسات الخاصة والتجارية‬
‫إل��ى دع��م ال��دراس��ات والبحوث العلمية اآلث��اري��ة لما‬
‫فيها من خدمة جليلة للمجتمع‪ .‬وف��ي ب��ادرة حميدة‬
‫لتفاعل رجال األعمال مع اآلثاريين‪ ،‬تقدم د‪ .‬دحالن‬
‫بدعوة الستضافة جلسات الندوة الثانية (تحت مظلة‬
‫مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية منظِّ مة الندوة‬
‫األولى)‪ .‬وقد رحب المشاركون بتلك الدعوة الكريمة‪.‬‬
‫أما الدكتور عبدالله بن محمد الشارخ‪ ،‬من قسم اآلثار‬
‫والمتاحف بجامعة الملك سعود‪ ،‬فتحدث في ورقته‬
‫ع��ن "إش �ك��االت العمل األث ��ري ف��ي المملكة العربية‬
‫ال�س�ع��ودي��ة"‪ ،‬واس�ت�ع��رض بشكل م��وج��ز ت��اري��خ العمل‬
‫اآلثاري في المملكة‪ ،‬واإلنجازات التي تمت في مجال‬
‫فصل بعض اإلش �ك��االت التي‬
‫المسح والتنقيب‪ ،‬ث��م ّ‬
‫يعاني منها العمل اآلثاري‪ ،‬ووسائل تطويره والتعريف‬

‫وق ��د ح�ف�ل��ت ال� �ن ��دوة ب�م�ن��اق�ش��ات وح� � ��وارات بين‬
‫المشاركين والحضور‪ ،‬أثرت الموضوعات مدار البحث‪،‬‬
‫وأظهرت تفاعل الباحثين مع مقدمي أوراق العمل‪.‬‬

‫وفي ختام الندوة‪ ،‬عُقدت جلسة طُ رح فيها عدد‬
‫من المقترحات‪ ،‬خل ُصت إلى توصيات أبرزها‪:‬‬
‫‪ .1‬الحاجة إلى تحديد مفهوم المدينة القديمة‪.‬‬
‫‪ .2‬عقد الندوة العلمية القادمة بعد عامين في مجال‬
‫آثار الوطن العربي‪ ،‬وتكون الندوات بصفة دورية‪.‬‬
‫‪ .3‬نشر األوراق العلمية التي قدمت في الندوة في‬
‫مجلد خاص بأعمال الندوة‪.‬‬
‫‪ .4‬العناية بالمدن األثرية والتاريخية والمحافظة‬
‫عليها‪.‬‬
‫‪ .5‬حث أمانات وبلديات المدن العربية على االهتمام‬
‫باألحياء والمباني التاريخية‪ ،‬وفق النظم العالمية‬
‫المرعية‪.‬‬
‫‪ .6‬تطوير التشريعات المتعلقة باآلثار وخاصة ما‬
‫يرتبط بالمدن األثرية والتاريخية‪.‬‬
‫‪ .7‬إق��ام��ة مشاريع آث��اري��ة مشتركة لتدعيم العمل‬
‫األثري في البلدان العربية‪.‬‬
‫‪ .8‬تضمين المناهج ال��دراس �ي��ة م��وض��وع��ات تعنى‬
‫ب��اآلث��ار وال��وع��ي األث ��ري ف��ي ال��وط��ن ال�ع��رب��ي‪ ،‬ما‬
‫يوسع مدارك الطالب ويعزّز إحساسهم بتراثهم‬
‫وهويتهم العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫‪ .9‬فتح أسواق العمل في القطاعين العام والخاص‬
‫لخريجي أقسام اآلثار‪ ،‬خاصة في مجاالت التربية‬
‫والتعليم والسياحة والبلديات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪17 1427‬‬

‫أهمية كتابات الرحالة األوروبيني‬
‫لتاريخ منطقة اجلوف احمللي‬

‫> د‪ .‬عوض البادي‬
‫إن الحديث عن أهمية كتابات الرحالة األوروبيين للتاريخ الحديث لمنطقة‬
‫الجوف‪ ،‬يستدعي أوالً التطرق إلى شيء من تاريخ المنطقة‪ ،‬لنعرف أهمية ما‬
‫كتبه أولئك الرحالة عنها‪ ،‬ولنقّدر تلك األهمية في ضوء السياق العام لتاريخها ال‬
‫سيما في القرنيين الماضيين‪ .‬وال أخالني مجافياً للحقيقة‪ ،‬لو بدأت بالقول أن‬
‫منطقة الجوف كانت محظوظة‪ ،‬بسبب موقعها المهم‪ ،‬كنقطة عبور لدخول وسط‬
‫الجزيرة العربية للرحالة األجانب‪ ،‬الذين سجلوا ما رأوه وسمعوه وفعلوه؛ ليورّثوا‬
‫لنا معلومات أوليّة‪ ،‬بدونها سيظل تاريخ حقبة مهمة من حقب تاريخها مجهوالً‬
‫إلى األبد‪ ،‬النعدام ثقافة التوثيق والتسجيل بين أبناء المنطقة‪ ،‬وغلبة ثقافة البدأة‬
‫الشفوية حول تاريخها‪.‬‬

‫دراس��������ات‬
‫‪18‬‬

‫يعود االستيطان البشري في منطقة ال�ج��وف‪ ،‬كما هو م�ع��روف‪ ،‬إل��ى عصور‬
‫سحيقة في القدم‪ .‬وتبين الشواهد األثرية والنقوش القديمة المكتشفة حتى اآلن‪،‬‬
‫أن السجل التاريخي للمنطقة يحتوي على فجوات عميقة‪ ،‬تفصل بين عصور و‬
‫أزمان مختلفة‪ ،‬تجعل من المستحيل تكوين صورة متكاملة حول تاريخها‪ .‬ولو أخذنا‪،‬‬
‫على سبيل المثال‪ ،‬العهد األشوري أو الفترة المبكرة من التاريخ اإلسالمي‪ ،‬لوجدنا‬
‫معلومات مهمة عن المنطقة‪ ،‬تسمح بتكوين صورة عنها في تلك المراحل‪.‬‬
‫أما الفترات التي سبقت األشوريين‪ ،‬والفترة الممتدة من القرن السابع قبل‬
‫الميالد وحتى ظهور الدين اإلسالمي‪ ،‬فإننا ال نجد معلومات تسمح بالجزم حول‬
‫< باحث وكاتب أكاديمي من أبناء منطقة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫واقع المنطقة في تلك الفترة‪ .‬وكذلك كانت الحال‬
‫مع الفترة التي تلت ظهور اإلس�لام؛ فبينما شهدت‬
‫المنطقة أحداثاً مهمة في العهد اإلسالمي األول‪،‬‬
‫إال إن�ه��ا ف�ج��أة خ��رج��ت م��ن ال �ت��اري��خ‪ ،‬وال ت��وج��د إال‬
‫إش��ارات قليلة‪ ،‬بين حين و آخ��ر‪ ،‬غير كافية للبناء‬
‫عليها لكتابة تاريخ ما يزيد عن ألف عام‪ ،‬من القرن‬
‫األول وحتى القرن الثاني عشر الهجري‪ .‬وفي هذا‬
‫الصدد يمكن قول الشيء نفسه‪ ،‬عن معظم مناطق‬
‫الجزيرة العربية؛ إذ إن انتقال الخالفة اإلسالمية إلى‬
‫دمشق أوالً وبغداد ثانياً؛ ثم توزعت سلطة الخالفة‬
‫إل��ى مراكز أخ��رى‪ ،‬أفقد الجزيرة العربية أهميتها‬
‫السياسية على الرغم من استمرار أهميتها الدينية‬
‫لكافة الدول اإلسالمية‪.‬‬

‫االن �ط�لاق م��ن أح��داث�ه��ا‪ ،‬للتأسيس لسجل تاريخي‬
‫متصل الحلقات لمنطقة الجوف‪ ،‬يغطي ج��زءاً من‬
‫تاريخها الحديث‪.‬‬

‫يعود تاريخ وص��ول الدولة السعودية األول��ى إلى‬
‫منطقة الجوف ووادي السرحان إلى سنة ‪1793‬م‪/‬‬
‫‪1208‬ه �ـ‪ ،‬حيث وصلت إلى المنطقة قوة عسكرية‪،‬‬
‫استطاعت أن تخضع بعض بلدان المنطقة‪ .‬وتشير‬
‫المصادر التاريخية التي تناولت تلك المرحلة‪ ،‬إلى أن‬
‫دومة الجندل عاصمة المنطقة كانت منقسمة على‬
‫ذاتها وكانت تسيطر عليها عائلتان من سكانها‪ .‬وبعد‬
‫حصار وقتال‪ ،‬وافقت عائلة آل درع على الخضوع‬
‫للدولة السعودية‪ ،‬ودفع الزكاة لها‪ .‬أما العائلة الثانية‪،‬‬
‫وهي عائلة آل سراح فقد استعصت على المهاجمين‪،‬‬
‫أدت ه��ذه العزلة السياسية إل��ى فقدان مناطق ولم توافق على الدخول تحت سلطة الدولة‪ ،‬فتركت‬
‫عدة من الجزيرة العربية ارتباطها الفعلي بالمراكز وشأنها‪ ،‬واستمرت حرب أهلية لمدة ثماني سنوات‪،‬‬
‫الحضارية‪ ،‬ولكنها بقيت اسمياً مرتبطة بها‪ .‬ولم تكن انتهت بخضوع كافة المنطقة للدولة‪ ،‬وتكليف رئيس‬
‫منطقة الجوف استثناء من هذا الوضع‪ ،‬إذ فقدت عائلة ابن درع بإدارتها باسم ابن سعود‪.‬‬
‫أهميتها التاريخية السابقة‪ ،‬على الرغم من تبعيتها‬
‫عند ه��ذا الخبر‪ ،‬ب��دأ وانتهى أم��ر المنطقة في‬
‫أسمياً للمراكز الحضارية اإلس�لام�ي��ة ف��ي دمشق المصادر التاريخية المكتوبة حول تلك الدولة‪ ،‬وإن‬
‫وبغداد والقاهرة وإستانبول‪ .‬ولكن كل األدلة القليلة ك��ان يمكن استنتاج استمرار تبعية منطقة الجوف‬
‫المتوافرة تؤكد بقاءها م��رك��زاً م��ن م��راك��ز التجمّع للدولة السعودية األولى حتى نهايتها سنة ‪1818‬م‪/‬‬
‫واالستيطان للقبائل العربية ال��رحّ ��ل‪ ،‬التي تجوب ‪1233‬هـ بغزو خارجي‪.‬‬
‫شمالي الجزيرة العربية من جنوبي دمشق شماالً‬
‫قد ال يختلف أمر منطقة الجوف عن أمر مناطق‬
‫إل��ى حائل جنوباً نظراً لموقعها المهم وس��ط هذه‬
‫الجزيرة العربية التي كانت تابعة للدولة السعودية‬
‫الصحراء الكبرى‪ ،‬ولخصوبة أرضها ووفرة مائها‪.‬‬
‫األولى‪ ،‬بعد غياب الدولة المركزية‪ ،‬من حيث عودتها‬
‫وه �ك��ذا ظلت المعلومات ال�م�ت��واف��رة ع��ن تاريخ سيرتها األول��ى‪ ،‬من التنازع والصراعات الداخلية‬
‫ق ��رون م��ن ت��اري��خ المنطقة ن� ��ادرة ج� ��داً‪ ،‬ال تسمح بين العائالت والقرى واألحياء المختلفة‪.‬ولم تتمكن‬
‫بكتابة حلقات ه��ذا التاريخ‪ ،‬حتى تغير الوضع في الدولة السعودية الثانية‪ ،‬التي أسسها على أنقاض‬
‫وس��ط الجزيرة العربية‪ ،‬ب��دءاً م��ن منتصف القرن ال��دول��ة األول��ى اإلم��ام تركي بن عبدالله بن محمد‬
‫الثامن عشر الميالدي‪ /‬الثاني عشر الهجري‪ ،‬حين بن سعود في نجد من مد سيطرتها إلى المنطقة‪،‬‬
‫ب��دأت حركة ال��دع��وة اإلصالحية للشيخ محمد بن و بقيت على حالها حتى تأسست أمارة جديدة في‬
‫ع�ب��دال��وه��اب‪ ،‬وق��ام��ت ال��دول��ة السعودية األولى‪.‬مع ح��ائ��ل‪ ،‬ب��دءاً م��ن سنة ‪1251‬ه� � �ـ‪1835/‬م‪ ،‬على يدي‬
‫قيام هذه الدولة وامتداد نفوذها من قاعدتها نجد عبدالله بن رشيد بتوليه من اإلمام فيصل بن تركي‪.‬‬
‫إلى شمالي الجزيرة في أخر القرن وتسجيل بعض اس�ت�ط��اع��ت ه��ذه اإلم� ��ارة ال �ج��دي��دة أن ت�م��د خالل‬
‫المؤرخين لهذا االمتداد‪ ،‬بدأت مرحلة جديدة‪ ،‬يمكن خمسة سنين نفوذها إلى منطقة الجوف وتخضعها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪19 1427‬‬

‫بالكامل لسلطتها‪ .‬استمرت تبعية منطقة الجوف‬
‫لهذه اإلمارة‪ ،‬عدا فترة قصيرة حاول األتراك حكمها‬
‫مباشرة م��ن والي��ة دم�ش��ق‪ ،‬حتى اع�ت��راه��ا الضعف‬
‫فاستقلت كإمارة بذاتها بداً من سنة ‪1809‬م‪1327/‬هـ ‬
‫إلى سنة ‪1919‬م‪1338/‬ه�ـ‪ ،‬ثم استعادت إمارة حائل‬
‫السيطرة عليها من جديد‪ ،‬وأخيراً انضمامها سنة‬
‫‪1340‬ه�ـ‪1922/‬م إلى الحكم السعودي بقيادة الملك‬
‫عبدالعزيز‪.‬‬
‫ق��د ال يتجاوز م��ا ه��و مكتوب ع��ن ت��اري��خ منطقة‬
‫الجوف‪ ،‬عبر هذه المراحل سطور قليلة في المصادر‬
‫التاريخية المحلية‪ .‬وم��ا ه��و متاح م��ن أش�ع��ار ومن‬
‫رواي��ات‪ ،‬وهي أشعار ورواي��ات مهمة حول المنطقة‬
‫وأح��داث�ه��ا‪ ،‬غير كافية لكتابة تاريخ ه��ذه المراحل‬
‫كسلسلة متصلة الحلقات‪ ،‬عالوة على أن أغلبها غير‬
‫موثق من الناحية الزمانية‪ ،‬وتوارثته األجيال شفوياً‬
‫مع ما يعتريه من زي��ادة أو نقص‪ ،‬كما أنها ال تبين‬
‫واقع األوضاع السياسية واالقتصادية واالجتماعية‬
‫والثقافية والسكانية السائدة عبر هذه المراحل‪.‬‬
‫من هنا‪ ،‬تكتسب كتابات الرحالة األوروبيين أهمية‬
‫خاصة لتاريخ عدد من مناطق الجزيرة العربية‪ ،‬وال‬
‫سيما المناطق الشمالية منها‪ ،‬الفتقادها ألي مصدر‬
‫مكتوب آخ��ر ح��ول أوض��اع�ه��ا وظ��روف�ه��ا وتركيبتها‬
‫السكانية وعالقاتها بمحيطها‪ ،‬خ�لال الفترة التي‬
‫جابوا فيها ربوع هذه المناطق‪.‬وال أظن إنني مبالغ‪،‬‬
‫لو قلت أنه بدون ما كتبه هؤالء الرحالة‪ ،‬لبقي تاريخ‬
‫منطقة الجوف في مراحله الحديثة مجهوالً‪ ،‬كما‬
‫هو الحال مع تاريخها األق��دم‪ ،‬ولبقي محصوراً في‬
‫الخطوط العامة التي ذكرت آنفاً حول تبعيتها ألي من‬
‫اإلمارات التي قامت في وسط الجزيرة العربية‪.‬‬

‫الرحالة األوروبيون في منطقة الجوف‬
‫يؤرخ دارسو أدب الرحالت األوروبية إلى الجزيرة‬
‫ال�ع��رب�ي��ة ب��داي��ات �ه��ا ب �ب��داي��ة ال �ق��رن ال��س��ادس عشر‬
‫الميالدي‪ ،‬منذ رحلة الرحالة اإليطالي لويس فارثيما‪،‬‬
‫إل��ى مكة والمدينة سنة ‪1503‬م‪.‬إال أنهم يؤرخون‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫بداية االكتشاف العلمي الحقيقي للجزيرة العربية‬
‫برحلة كارستن نيبور‪ ،‬أح��د اعضاء البعثة العلمية‬
‫الدنماركية‪ ،‬التي أرسلها ملك الدنمارك الكتشاف‬
‫اليمن سنة ‪1761‬م‪.‬كتب هذا الرحالة‪ ،‬وهو الناجي‬
‫الوحيد من أعضاء البعثة‪ ،‬الذين لقوا حتفهم خالل‬
‫رحلتهم‪ ،‬وصفاً لرحلته ولمناطق الجزيرة العربية‬
‫كما أنه نقل معلومات هي األولى حول ظهور الدعوة‬
‫الوهابية في نجد إلى أوروب��ا‪ .‬وأش��ار هذا الرحالة‬
‫إلى منطقة الجوف باسم "جوف السرحان"؛ كمنطقة‬
‫جغرافية شمالي الجزيرة العربية‪ ،‬وإنها تضم سكاكة‬
‫ودوم��ة‪ ،‬ولم يورد معلومات أخ��رى‪ .‬وعلى خطا هذا‬
‫الرحالة‪ ،‬ومع مطلع القرن التاسع عشر الميالدي‪،‬‬
‫بدأ الرحالة األوروبيون بالتوافد إلى مناطق الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وال سيما الحجاز واليمن والخليج‪ ،‬ولكن‬
‫وسط الجزيرة العربية بقي هدفاً بعيد المنال‪ ،‬ولم‬
‫يجرؤوا على اختراقه ألسباب مختلفة‪ ،‬ليس أقلها‬
‫خوفهم من المجهول‪ .‬وأكثر ما رووه من معلومات‬
‫ح��ول وس��ط الجزيرة وأوضاعها في تلك المرحلة‪،‬‬
‫كانوا قد استقوه مما سمعوه في المناطق األخرى من‬
‫الجزيرة أو في العراق أو في سورية أو في مصر‪.‬‬
‫كانت المحاولة األولى للوصول إلى وسط الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬عبر منطقة ال �ج��وف‪ ،‬ق��د ج��رت ف��ي سنة‬
‫‪1808‬م‪1223 /‬هـ؛ إذ بعث الرحالة األلماني أورليخ‬
‫سيتزن‪ ،‬ال��ذي ك��ان يقيم ف��ي ال�ق��دس‪ ،‬أح��د العرب‬
‫العاملين معه واسمه يوسف المالكي‪ ،‬برحلة إلى‬
‫الجوف ليحاول الوصول منها إلى الدرعية وليكتشف‬
‫ال��وض��ع ل��ه ليغامر بنفسه‪ ،‬إال أن��ه قفل ع��ائ��داً من‬
‫الجوف‪ ،‬بعد أن أدرك صعوبة عبور صحراء النفود‪.‬‬
‫ولكن سيتزن ذكر أن يوسف أبلغه أن بلدة الجوف‬
‫تابعة لنجد‪ ،‬وتضم عدة أحياء‪ ،‬عرف سبعة منها لكنه‬
‫لم يتذكر إال أسماء ثالث منها‪ :‬سوق الدرع؛ وسوق‬
‫السعيديين؛وسوق عين أم سالم‪ .‬و أن المسافات‬
‫قصيرة بين ه��ذه األح�ي��اء‪ ،‬والمنازل الطينية لهذه‬
‫األح�ي��اء مقامة إل��ى حد كبير على شكل دائ��ري له‬
‫مدخل واحد‪ .‬وخلف كل منزل بستان نخيل صغير‪.‬‬
‫ووسط هذه األحياء يقوم بناء حجري قديم‪ .‬وفيها‬

‫برج رباعي الشكل مبني بحجارة كبيرة رباعية األبعاد‪ ،‬حولها‪ ،‬حيث يمكن اإلطالع على ذلك‪ .‬ولكن سأعرض‬
‫قمته مستدقة‪ ،‬ويشبه المسلة‪ ،‬وهو عالي االرتفاع إذ ألهم ما أوردوه‪ ،‬حول المنطقة وأبيّن أهميته العلمية‪،‬‬
‫يزيد ارتفاعه عن ضعف أو ثالثة أضعاف أعلى منارة لكتابة تاريخها الحديث بتسلسل وترابط في حلقاته‪.‬‬
‫ولكن قبل البدء بالحديث حول موضوعنا أرى أنه ال‬
‫في البلدة‪.‬‬
‫بد من اإلشارة أوالً إلى أن المنطقة لم تكن مقصداً‬
‫ولم تسجل أية محاولة جديدة ألي رحالة أوروبي‬
‫بحد ذاتها ألغلبية الرحالة الذين زاروها وكتبوا عنها‪،‬‬
‫لزيارة مناطق شمالي ووسط الجزيرة العربية إال في‬
‫بل كانت محطة في طريقهم جنوباً إلى نجد أو شماالً‬
‫أربعينيات القرن التاسع عشر الميالدي‪/‬ستينيات‬
‫إلى سورية‪ .‬وثانياً إلى أن ما كتبوه‪ ،‬كان موجهاً في‬
‫القرن الثالث عشر الهجري‪ ،‬عندما بدأ التركيز على‬
‫األص��ل لقرائهم بلغاتهم‪ ،‬ومعلوماتهم حولنا وحول‬
‫هذه المناطق؛ ألنها كانت تموج بأحداث وتطورات‬
‫بالدنا كانت لتعريف أولئك القراء بها‪ ،‬ولم يقصدوا‬
‫سياسية مختلفة؛ ولكونها الوحيدة من بين مناطق‬
‫أن يؤرخوا تاريخنا أو يتصوروا أنها ستكون مصدراً‬
‫الجزيرة‪ ،‬التي لم يتيسر للرحالة األوائ��ل زيارتها و‬
‫من مصادره‪.‬‬
‫معرفة جغرافيتها وواق��ع أوضاعها‪ .‬وب��دأت موجة‬
‫كان الرحالة الفنلندي جورج أوغست وال��ن‪ ،‬أول‬
‫جديدة من الرحالة الساعين الختراق هذه المنطقة‪،‬‬
‫أسوة بالمناطق األخرى‪ ،‬وسد الفجوة في معلوماتهم رح��ال��ة أوروب ��ي ي��زور منطقة ال�ج��وف ويكتب عنها‪.‬‬
‫حولها جغرافياً ودينياً وسياسياً واجتماعياً وسكانياً كان والن رحالة علم تؤكد كافة المعلومات المتوافرة‬
‫وثقافياً‪ .‬ويمكننا التأريخ لبدء هذه الموجة الجديدة‪ ،‬حوله وح��ول رحالته وتمويلها أن العلم ك��ان هدفه‬
‫ب��رح�لات ال��رح��ال��ة وال�م�س�ت�ش��رق ال�ف�ن�ل�ن��دي جورج وأن اللغة والثقافة العربية وولعه بهما كانا دافعاً‬
‫أوغ �س��ت وال���ن‪ ،‬ال ��ذي ق��ام برحلتين‪ :‬األول���ى سنة له للقيام برحالته‪ .‬بدأ وال��ن رحالته إلى الجزيرة‬
‫‪1845‬م‪1261/‬ه�� � �ـ؛ والثانية ‪1848‬م‪1264/‬ه� � ��ـ إلى العربية‪ ،‬بعد أن حصل على منحة علمية من جامعة‬
‫مناطق شمالي وشمال وسط وشمال غربي الجزيرة هلسنكي‪ ،‬ل�م��دة خمسة أع� ��وام‪ ،‬الك�ت�ش��اف مناطق‬
‫الجزبرة العربية‪ ،‬غير المكتشفة حينها‪ ،‬ولتتبع تطور‬
‫العربية‪.‬‬
‫اللغة العربية وعالقتها باللغة الحميرية؛ وليدرس‬
‫مع "والن" كانت البداية الحقيقية لعالقة الرحالة الفرق بين اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية‬
‫األوروبيون بمنطقة الجوف‪ ،‬واستمرت تلك العالقة العامية‪ .‬وقبل أن يبدأ رحلته في الجزيرة العربية‬
‫ح�ت��ى س�ن��ة ‪1922‬م‪1340/‬ه� � �ـ‪.‬وخ��ل��ال ه��ذه الفترة مكث في القاهرة ما يقارب السنتين؛ ليتقن اللغة‬
‫الممتدة من سنة ‪1845‬م‪1261/‬هـ‪1922 -‬م‪1340/‬هـ‪ ،‬العربية ويتحدثها كأهلها وليدرس العلوم الشرعية‬
‫زار منطقة الجوف خمسة عشر رحالة أوروبياً‪،‬ثالثة بوصفه طالب علم من بخارى‪ ،‬وكان يسمي نفسه في‬
‫منهم قاموا بأكثر من رحلة‪ ،‬وهؤالء جميعاً كتبوا عن القاهرة ولي‪.‬بعد أنه نجح في تقّمص شخصية شيخ‬
‫رحالتهم في منطقة الجوف وضمّنوا ما كتبوه معلومات بخاري‪ ،‬وأن أحداً ال يمكن أن يظن أنه أوروبي أو غير‬
‫مختلفة حول أوضاع المنطقة وقت‪ ،‬زياراتهم وتوسع مسلم‪ ،‬أنطلق في رحلته بعد أن تسمى باسم عبد‬
‫بعضهم في وصف كثير من المواضيع و القضايا‪.‬‬
‫الولي ليبدو االسم أكثر قبوالً عند الوهابيين‪،‬حسب‬
‫وإذ سبق ل��ي أن ق� ّدم��ت ل�ه��ؤالء ال��رح��ال��ة معظم نصيحة بعض أص��دق��ائ��ه‪ ،‬وك��ان��ت ال�ج��وف محطته‬
‫نصوصهم المتعلقة بالمنطقة مترجمة إل��ى اللغة األول‪ .‬أق��ام وال��ن في دوم��ة الجندل‪ ،‬قاعدة منطقة‬
‫العربية ف��ي ك�ت��اب‪ :‬الرحالة األوروب��ي��ون ف��ي شمال الجوف في حينه‪ ،‬حوالي ثالثة شهور‪ ،‬من يوم ‪25‬‬
‫الجزيرة العربية‪ :‬منطقة الجوف ووادي السرحان مايو إلى ‪ 30‬أغسطس ‪1845‬م‪1261/‬هـ‪.‬‬
‫‪1845‬م‪-1922‬م؛ فإنني ال أرى حاجة لتكرار ما قالوه‬

‫تناول وال��ن‪ ،‬فيما كتبه عن إقامته في الجوف‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪21 1427‬‬

‫تاريخ المنطقة وال��رواي��ات التاريخية التي تناولتها‬
‫ال�م�ص��ادر التاريخية‪ ،‬وجغرافية وادي السرحان‪.‬‬
‫واستعرض أحوالها االجتماعية والسياسية‪ ،‬وطبيعة‬
‫ال�ت�ح��ال�ف��ات ال �س��ائ��دة ب�ي��ن س �ك��ان عاصمتها دومة‬
‫الجندل‪ .‬وذكر أن دومة الجندل تتكون من اثني عشر‬
‫حياً‪ ،‬وأن أه��ل الجوف ي��ردون ج��ذوره��م إل��ى قبائل‬
‫وقرى عربية مختلفة‪ .‬وإن مالمحهم وأسلوب عيشهم‬
‫وعاداتهم وطريقة هندسة منازلهم‪ ،‬وطريقة زراعتهم‬
‫تغلب عليها السمة السورية‪ .‬وأن سكان بعض أحيائها‬
‫ي �ب��دون متأخرين ف��ي ال�ه�ج��رة إل�ي�ه��ا‪ .‬وأن السكان‬
‫يتمتعون بعالقات نشطة مع سورية أكثر مما هو مع‬
‫العراق‪ .‬وإن التجار المتجولون الذين يزورون الجوف‬
‫أحياناً ي��أت��ون م��ن س��وري��ة‪ ،‬على عكس م��ا ه��و عليه‬
‫الحال في نجد‪ ،‬حيث يندر أن تقابل أحداً منهم‪ .‬وأن‬
‫أهل الجوف يدفعون الزكاة إلى شيخ شمر في حائل‪،‬‬
‫وهناك خمس من شيوخ األحياء مكلفين بجمع الزكاة‬
‫من بلدان المنطقة‪ ،‬وأن ليس البن رشيد أمير حائل‬
‫نائب في الجوف‪ ،‬وكل حي خاضع لشيخه‪ .‬كما يذكر‬
‫أن كل حي خاضع إلحدى القبائل البدوية المجاورة‬
‫حيث يدفعون "خ ��اوة"‪ ،‬وه��ي ع��ادة ما تكون كميات‬
‫محدودة من التمر‪ .‬وأنَّ القبائل الرئيسة التي تحصل‬
‫على هذه الخاوة الشرارات والجالس من الرولة‪.‬‬
‫وذك��ر وال��ن‪ ،‬أن سكاكا تضم أربعة أحياء سكنية‬
‫هي‪ :‬العمران‪ ،‬والسهيان‪ ،‬والحركان‪ ،‬والفياض؛ وتضم‬
‫حوالي أربع مئة عائلة‪ .‬وأن قصر الطوير يضم عشرة‬
‫عائالت‪ ،‬وأن قارا تضم حوالي عشرين عائلة‪.‬وجميع‬
‫هذه األماكن تابعة لحكم شيخ شمر‪ ،‬وتدفع له الزكاة‬
‫التي يجمعها الرجال أنفسهم المكلفين بجمعها في‬
‫العاصمة دومة الجندل‪.‬‬
‫ووصف والن أهل الجوف بأنهم من أكرم العرب‬
‫الذين عرفهم‪ ،‬وأنهم كانوا على قدر من التعليم‪ ،‬وأن‬
‫الشقاق والنزاع والتمرد سمة طاغية عندهم‪.‬‬
‫إن ما كتبه حول رحلته إلى الجوف‪ ،‬جاء في سياق‬
‫محاضرة علمية كان قد كتبها إللقائها في لندن‪ ،‬حول‬
‫كامل رحلته األولى إلى الجزيرة العربية‪ ،‬لذلك غابت‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫تفاصيل كثيرة عنها كان يخطط لنشرها في مرحلة‬
‫الحقة‪ ،‬وبعد أن يكمل كل الرحالت التي كان ينوي‬
‫القيام بها داخ��ل الجزيرة العربية‪ .‬ولكن القدر لم‬
‫يمهله فقد توفي فجأة سنة ‪1852‬م‪ ،‬وهو يعد لرحلة‬
‫جديدة بعد أن عين بروفسوراً للدراسات الشرقية‬
‫في جامعة هلسنكي‪ ،‬وكان في الواحدة واألربعين من‬
‫عمره‪.‬‬
‫ترك والن الكثير من األوراق الخاصة والمذكرات‬
‫التي تحتوي على تفاصيل كثيرة‪ ،‬لو أ ُتيح له إعدادها‬
‫للنشر قبل وفاته‪ ،‬لعّد من أعظم الرحالة األوروبيون‬
‫الذين وطأت أقدامهم الجزيرة العربية‪.‬‬
‫وكما ذك��ر آن�ف�اً‪ ،‬ك��ان م��ن أه��داف رحلته معرفة‬
‫الفروق بين اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية‪،‬‬
‫لذلك ك��ان يجمع األشعار والقصائد خ�لال رحلته‪،‬‬
‫ويلتقي الشعراء ليسمع منهم قصائدهم مباشرة‪،‬‬
‫ليضبطها لفظاً وشكالً‪ ،‬لتسهل له دراستها الحقاً‪.‬‬
‫و يظهر لي أنه وجد في الجوف شيئاً من ضالته‪،‬‬
‫فأطال المقام بين أهلها لكرمهم‪ ،‬وكثرة الشعراء من‬
‫بينهم‪ .‬لذلك جمع فيها قصائد كثيرة لعدد من شعراء‬
‫الجوف وغيرهم من شعراء البادية‪ ،‬التي يحفظها‬
‫شعراء الجوف‪ .‬وق��د ق��ام وال��ن قبل وفاته‪ ،‬بإعداد‬
‫بعض هذه القصائد للنشر‪ ،‬وقد نشرت بعد وفاته‬
‫بسنتين باللغة األلمانية‪ .‬كانت القصائد التي أعدها‬
‫والن للنشر‪ ،‬قصائد ذات دالالت مهمة من النواحي‪:‬‬
‫السياسية واالجتماعية والثقافية والتاريخية‪.‬وتنبع‬
‫أهمية هذه القصائد من تسجيلها ألحداث مهمة من‬
‫أحداث تاريخ المنطقة‪ ،‬ومن المعلومات التي قدمها‬
‫وال��ن‪ ،‬ح��ول تلك األح��داث واألش �خ��اص وه��و يفسّ ر‬
‫معانيها اللغوية‪.‬‬
‫من القصائد التي قدمها والن في دراساته قصيدة‬
‫نعتز بها جميعاً في الجوف‪ ،‬وتتوارثها األجيال‪ ،‬ولكننا‬
‫جميعاً نختلف حول تاريخها و قائلها ومناسبتها وهي‬
‫القصيدة المعروفة (الشكل ‪.)1‬‬
‫وح��ول ه��ذه القصيدة ذك��ر وال���ن‪ ":‬سمعت هذه‬
‫األب �ي��ات م��ن س�ل�م��ان‪ ،‬وه��و ش��اع��ر م��ن ح��ي خذما‪،‬‬

‫< الشكل (‪)1‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪23 1427‬‬

‫وهي جزء من قصيدة طويلة‪ ،‬تمتدح الجوف وتصف‬
‫العالقات المختلفة بين أحيائها؛ و أنني برغم الجهد‬
‫الكبير الذي بذلته ألسجل كامل القصيدة التي يعتز‬
‫بها أهل الجوف كثيراً ويرددونها‪ ،‬إال أنني فشلت في‬
‫ذلك وهذه األبيات الخمسة هي كل ما كان يحفظها‬
‫أص��دق��ائ��ي ف��ي خ��ذم��ا‪ .‬وقائلها ش��اب م��ن الجوف‪،‬‬
‫نسيت اسمه‪ ،‬كان قد هاجر مع والديه إلى مدينة‬
‫الكرك‪ ،‬وقد جاء في زيارة قصيرة إلى مسقط رأسه‬
‫خالل إقامتي في الجوف‪ ،‬وتردد كثيراً رغم إلحاحي‬
‫عليه بأن يذكرها لي‪ .‬والقصيدة عموماً غير بعيدة‬
‫عن الواقع لكرم أهلها واريحيتهم ولتمورها الطيبة‬
‫ومياهها العذبة الجارية‪ ،‬وطقسها الرائع‪ .‬وهي بلدة‬
‫محبوبة تدور حولها قصائد كثيرة‪ ،‬وان من يزورها‬
‫مرة فالبد أن يعود إليها‪".‬‬

‫ك��ان ي�س��ود م��ن ع�لاق��ات بين الحيين المتجاورين‬
‫خذما والدلهمية‪.‬كانت دار مساعد تقع عند طرف‬
‫حي خذما‪ ،‬وكان موقعها مناسباً النطالق الهجمات‬
‫على العابرين إلى حي الدلهمية؛ لذلك اتخذ سكان‬
‫الدلهمية قراراَ بتدمير تلك الدار‪ ،‬ولكن سر قرارهم‬
‫عرف فتشاور مساعد مع أصدقائه فشاروا عليه بان‬
‫يرحل‪ ،‬لكنه لم يأخذ بالمشورة وق��رر الصمود في‬
‫داره‪.‬‬
‫يذكر والن أن قصيدة مساعد قوبلت بالترحاب‪،‬‬
‫وانتشر خبرها خ�لال فترة قصيرة‪ ،‬وص��ارت تغنى‬
‫على الربابة في كل المنطقة والصحاري المجاورة‪،‬‬
‫ويتغنى بها الناس‪ .‬وذكر أنه سمعها تغنى عدة مرات‬
‫من قبل أشخاص مختلفين‪ ،‬وذهب لمقابلة مساعد‬
‫نفسه‪ ،‬وطلب منه تمليتها عليها وقد كتبها بمساعدة‬
‫الخطيب في خذما‪.‬‬

‫وه��ذا ما أخذناه مما ذك��ره وال��ن وزم��ن نقله لها‪،‬‬
‫أما القصيدة الثانية‪ ،‬وهي قصيدة مهمة وذات‬
‫نجد أنها تتعلق بأحداث تسبق األحداث التي يوردها عالقة بقصيدة مساعد السابقة‪ ،‬إذ ت��ؤرخ لكيفية‬
‫الكتاب والباحثين والناس كمناسبة لها‪.‬‬
‫خضوع الجوف إلم��ارة اب��ن رشيد وأسبابها‪ .‬وكان‬
‫وحول الصراعات بين األحياء المختلفة في دومة قائلها الشاعر سالم العوض وه��و من حي خذما‪.‬‬
‫ال�ج�ن��دل أورد وال��ن قصيدتين ووض��ح مناسبتهما وقد أورد والن مناسبة القصيدة بقوله‪":‬أدى العداء‬
‫بمعلومات تاريخية مهمة‪ .‬القصيدة األولى من نظم المستحكم بين حيي خ��ذم��ا والدلهمية إل��ى وقوع‬
‫مساعد العبد‪ ،‬وهو أحد سكان حي خذما‪ ،‬ويناجي حرب بينهما‪ .‬وكانت أسباب الحرب المباشرة‪ ،‬هو‬
‫أن سكان حي الدلهمية قد دع��وا أح��د عشر شاباً‬
‫بها داره (الشكل ‪.)2‬‬
‫م��ا أورده وال��ن ح��ول ه��ذه القصيدة ومناسبتها من شباب حي خذما بزعم رغبتهم بإنهاء العداوة‬
‫يُظهران طبيعة األوضاع التي كانت سائدة في البلدة؛ القديمة بينهم‪ ،‬وإج��راء مصالحة بين الحيين‪.‬ذهب‬
‫إذ ذكر والن‪ ":‬كانت أحياء الجوف قبل إخضاع شيخ شباب خذما بكل ثقة إلى مضيفهم وسلموا أسلحتهم‬
‫شمر عبدالله ابن رشيد سنة ‪1840‬م‪1256/‬ه��ـ لها‪ ،‬لمضيفيهم أثناء المأدبة‪ ،‬ولكن مضيفيهم غدروا بهم‬
‫تعيش حياة نزاع‪ ،‬والخالفات فيما بينها ال تنقطع‪ ،‬وسقط أربعة قتلى وهرب ثالثة واحتفظوا باألربعة‬
‫وكانت السرقات والنهب والقتل من مجريات الحياة الباقين رهائن‪ .‬وكان من بين القتلى اب� ًُن لمساعد‪.‬‬
‫اليومية‪ .‬وكان أهل البلدة منقسمين في والئهم بين وألنَّ أهل الدلهمية كانوا مدعومين من قبل حلفائهم‬
‫شيخين من شيوخ األحياء الكبيرة ال��درع والسراح‪ .‬السراح‪ ،‬فقد اشترطوا على سكان خذما دفع فدية‬
‫وكانت الحركة بين األحياء خطرة ج��داً‪ ،‬فال يأمن وأن يرحل أهل الجرعاوي وهم حلفاء ألهل خذما من‬
‫األفراد أو المجموعات التحرك حتى إلى بساتينهم‪ ،‬حيهم‪ ،‬ذي الموقع الممتاز‪ ،‬والذي ترعى حوله قطعان‬
‫فقد ينقض عليهم أعدائهم دونما سابق إنذار‪ .‬وكان أغنام السراح‪.‬‬
‫قبل أهل خذما الشروط إلنقاذ أرواح رهائنهم‪،‬‬
‫النموذج األوض��ح لمثل ه��ذه ال�ظ��روف يتجلى فيما‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫< الشكل (‪)2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪25 1427‬‬

‫وج�م�ع��وا ال�ف��دي��ة وأق �ن �ع��وا أه��ل ال �ج��رع��اوي وكانوا صندوق من القصائد التي كتبها وجمعها‪ .‬وقد خط‬
‫ثماني عائالت باالنتقال إلى حي خذما‪ .‬وتم إطالق بيده قصيدتين لنمر بن عدوان أعدهما والن ضمن‬
‫سراح الرهائن لكن أهل الدلهمية لم يكتفوا بذلك‪ ،‬القصائد المعدة للنشر‪.‬‬
‫بل دم��روا حي الجرعاوي تدميراً كامالً‪ .‬ك��ان أهل‬
‫أما الشاعر اآلخر سكران‪ ،‬فقد قال عنه والن أنه‬
‫الجرعاوي من جبة ويعودون بنسبهم إلى شمر لذلك‬
‫من سكان حي الرحيبيين وإنه أحد أشهر الشعراء‬
‫طلبوا مساعدة عبدالله بن رشيد؛ فأرسل أخاه عبيد‬
‫في شمال الجزيرة العربية رغم أنه أمي‪ ،‬وكان يحفظ‬
‫بقوة من شمر لينهي النزاعات السائدة في الجوف‪،‬‬
‫كثيراً من األشعار‪ .‬وذكر أنه شاعر مديح‪ ،‬إذ يجول‬
‫وال سيما بين حيي خ��ذم��ا والدلهمية‪ .‬ف��رض ابن‬
‫بين القبائل يمدح شيوخها‪ ،‬و أنه قد قابله في الجوف‬
‫رشيد شروطاً على أهل الدلهمية منها إع��ادة مبلغ‬
‫وفي حائل وجلس معه ساعات‪ ،‬ليستمع إلى قصائده‪.‬‬
‫الفدية ودف��ع الدية عن قتلى خذما‪ .‬وق��د تم ذلك‪،‬‬
‫وأنه كان يذهب سنوياً إلى حائل مع جامعي الزكاة‪،‬‬
‫ول �ك��ن أه��ل ال��دل�ه�م�ي��ة أض �ط��روا ل�ل��رح�ي��ل إل��ى حي‬
‫وليمدح ابن رشيد الذي كان يكرمه‪.‬‬
‫السراح فدمر حيهم بالطريقة نفسها‪ ،‬التي دمروا‬
‫عالوة على هذه القصائد لهؤالء الشعراء‪ ،‬توجد‬
‫فيها حي الجرعاوي‪ .‬وخّ ير اب��ن رشيد أه��ل خذما‬
‫بين االحتفاظ بمبلغ الفدية وبناء حي الجرعاوي أو قصائد أخ��رى لشعراء آخ��ري��ن م��ن ال �ج��وف‪ ،‬منهم‬
‫إعطاء المبلغ ألهل الجرعاوي لبناء حيهم بأنفسهم‪ ،‬الشاعر طعمه الجباب‪ ،‬لكن والن لم يتمكن من إكمال‬
‫فاختار أهل خذما الخيار األول‪ .‬ويذكر والن أنه عند دراسته لكل القصائد التي جمعها‪ ،‬وبقيت القصائد‬
‫مغادرته للجوف كان حي الجرعاوي قد ا ُعيد بناؤه‪ ،‬محفوظة ضمن أوراقه الخاصة الموجودة في مكتبة‬
‫وأنّ حي الدلهمية كان على حاله من الدمار‪ .‬وقد جامعة هلسنكي‪.‬‬
‫أورد والن نص القصيدة (الشكل ‪.)3‬‬
‫شكل ماكتبه ونشره وال��ن ح��ول ال�ج��وف‪ ،‬خلفية‬

‫ومن القصائد األخ��رى التي جمعها والن وتمكن‬
‫من إعدادها للنشر‪ ،‬قصيدتين لشاعرين صديقين‬
‫كهلين‪ ،‬هاما ف��ي ح��ب فتاة اسمها سوير وك��ان كل‬
‫منهما يريد الزواج منها‪ ،‬ولكنهما لم يكونا يعرفا نوايا‬
‫بعضهما‪ .‬كانت الفتاة قريبة ألحدهما وهو سلمان من‬
‫أهل خذما‪ ،‬لذلك كان األخر وأسمه سكران من أهل‬
‫الرحيبيين يتوسط بسلمان للزواج من قريبته ولكنه‬
‫لم يفعل شيئاً ألنه يريدها لنفسه‪.‬‬

‫قد ال تكون قصيدتاهما مهمتين‪ ،‬بحد ذاتهما‪،‬‬
‫على الرغم من أبعادهما االجتماعية المهمة‪ ،‬لكن‬
‫وال��ن يزودنا بمعلومات ح��ول الشاعرين‪ .‬و ذك��ر أن‬
‫سلمان شاعر من خذما وكان قد تجاوز الستين من‬
‫عمره‪ ،‬وعلى قدر من التعليم‪ ،‬لذلك اختاره أهل عالج‬
‫ليكون خطيباً ف��ي مسجدهم‪ .‬وك��ان مغرماً بجمع‬
‫األش �ع��ار ب�ق��در م��ا ه��و ش��اع��ر ب�ن�ف�س��ه‪.‬وأن نموذجه‬
‫الشاعر المعروف "نمر ب��ن ع ��دوان"‪ ،‬و أن��ه يقتفي‬
‫أثره ويحفظ له أشعاراً كثيرة‪ .‬وأنه أكد له أن عنده‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫مهمة حول أوضاع المنطقة وسكانها‪ ،‬استفاد منها‬
‫الرحالة الذين تبعوه‪ ،‬ولكن لم يقتف أثره أحد‪ ،‬إال‬
‫بعد ستة عشر عاماً إذ قام الرحالة اإلنجليزي وليم‬
‫جيفورد بلغريف بزيارة الجوف واإلق��ام��ة بها لمدة‬
‫ثمانية عشر يوماً خالل سنة ‪1962‬م‪ ،1278/‬وكان‬
‫ف��ي طريقه إل��ى وس��ط نجد‪.‬كان ه��ذا الرحالة في‬
‫مهمة سرية‪ ،‬كلف بها من إمبراطور فرنسا نابليون‬
‫ال�ث��ال��ث؛ ل��دراس��ة أوض ��اع ال�ج��زي��رة ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬وكان‬
‫متخفياً بشخصية طبيب من سورية‪.‬‬

‫كتب هذا الرحالة حول تجربة إقامته في الجوف‪،‬‬
‫ولكن ما كتبه كان في معظمه انطباعات أكثر منه‬
‫معلومات‪ .‬ولكن إذا ما ربطنا ما كتبه حول الجوف‬
‫بما كتبه والن نستطيع أن ندرك مدى التغير الذي‬
‫حصل في منطقة الجوف خالل الستة عشر عاماً‬
‫الفاصلة بين الرحلتين‪ .‬فحكم حائل للمنطقة أصبح‬
‫حكماً مباشراً وك��ان لألمير ابن رشيد نائب مقيم‪.‬‬
‫وهذا االستنتاج مهم‪ ،‬ألنه يسمح لنا بتحديد اإلطار‬

‫< الشكل (‪)3‬‬

‫الزمني ألحداث مهمة‪ ،‬يتحدث عنها أهل المنطقة‬
‫دون تحديد زمن حدوثها‪.‬‬
‫وه��و ل��م يختلف ع��ن وال��ن ب��وص��ف أه��ل الجوف‬
‫بالكرم والشجاعة وقابليتهم للتمسك بنواصي التقدم‬
‫إذا ما اتيحت الفرصة‪.‬‬

‫وقدر عدد سكانها بستة أالف نسمة‪ .‬قدم غوارماني‬
‫معلومات مهمة تتعلق بتاريخ حدوث تمرد حطاب بن‬
‫س��راح في الجوف‪ ،‬وح��رب ابن رشيد معه إلخضاع‬
‫الجوف النهائي لحكم ابن رشيد المباشر لها‪ .‬و ذكر‬
‫أن هذا التمرد قد حصل سنة ‪1853‬م‪1270/‬هـ وأن‬
‫حطاب كان وقت زيارته مسجوناً في حائل‪ .‬هذا وقد‬
‫ذكر بلغريف وهو يتحدث عن زيارته إلى حائل بأنه‬
‫رأى شخصين‪ ،‬أحدهما من زعماء الجوف‪ ،‬بقيودهما‬
‫في قهوة ابن رشيد إذ كان يسمح لهما بتناول القهوة‬
‫فيها وهما بقيودهما‪ .‬وحيث أن زيارة بلغريف كانت‬
‫قبل غوارماني بسنتين‪ ،‬فقد يكون حطاب هو من رأه‬
‫بلغريف في حائل‪.‬‬

‫بعد هذا الرحالة بسنتين‪ ،‬زار الجوف الرحالة‬
‫اإليطالي كارلو غوارماني‪ ،‬متنكراً بشخصية مسلم من‬
‫تركيا‪ .‬ولم يمكث فيها إال عدة أيام‪ ،‬إذ كان في طريقه‬
‫إلى سورية بعد انتهاء رحلته التي كانت بهدف شراء‬
‫خيول عربية أصيلة‪.‬و حسب ما ذكر فإنه قد سبق‬
‫و زار الجوف سنة ‪1851‬م‪1268/‬ه� �ـ‪ ،‬لكنه لم يذكر‬
‫أية تفاصيل حول رحلته األولى هذه‪ .‬ذكر غوارماني‬
‫ب�ع��د ه ��ذا ال��رح��ال��ة ل��م ي ��زر ال �ج��وف أي رحالة‬
‫الجوف باسم جوف العمرو‪ ،‬وعدد أحياءها وقراها أوروب��ي حتى سنة ‪1879‬م‪1295/‬ه��ـ‪ ،‬إذ عبر منطقة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪27 1427‬‬

‫الجوف الرحالة اإلنجليزي ويلفريد بلغريف و زوجته أح��د مرافقيه بقرب راب��ع‪ ،‬وه��و في طريقه عائداً‬
‫الليدي آن بلنت‪ ،‬وهما في طريقهما إلى حائل بهدف إل��ى حائل من زي��ارة ق��ام بها إل��ى ج��دة‪ .‬وهنا تجدر‬
‫ش��راء خيل عربية أصيلة‪ .‬وق��د نشرت الليدي آن اإلش��ارة إلى أن هوبر جمع في مخطوط‪ ،‬وهو غير‬
‫وصفاً لرحلتها‪ ،‬التي تنبع أهميتها أنها أول رحلة م�ن�ش��ور‪ ،‬قصائد عبيد اب��ن رش �ي��د‪ ،‬ومنها قصائد‬
‫بعد انقطاع الرحالة األورب�ي��ون لمدة خمسة عشر خاصة بأوضاع المنطقة وقصائد أخرى متبادلة مع‬
‫عاماً‪ ،‬لذلك يستنتج من وصفها التغيرات اإلدارية شعرائها‪ .‬ومن هذه القصائد قصائد تتعلق بظروف‬
‫التي حدثت في المنطقة خالل هذه الفترة الطويلة‪ .‬سيطرة إمارة حائل على المنطقة‪ ،‬ومنها قصيدتان‬
‫فقدمت لنا شخصية نائب أمير حائل في المنطقة متبادلتان بين غالب بن حطاب السراح وناصر بن‬
‫ج��وه��ر‪ .‬وأش� ��ارت إل��ى م�ح��اول��ة األت� ��راك السيطرة ق��ادر‪ ،‬ح��ول طبيعة ما كانت تموج به المنطقة من‬
‫المباشرة على المنطقة‪ ،‬والى محسن ابن درع أحد احداث‪ .‬والقصيدتان فيهما اختالف عما يردد منهما‬
‫الشيوخ الرئيسين في الجوف الذي لم يكن راضياً بين الناس‪ .‬وال يتسع المجال هنا لذكرهما كما وردا‬
‫عن التحوالت السياسية في المنطقة‪ ،‬لكنه مستسلم في المخطوطة‪.‬‬
‫للوضع ألن ابن رشيد يحتفظ بابنه في حائل رهينة‬
‫رافق هوبر في رحلته األخيرة الرحالة والمستشرق‬
‫لضمان استمرار والء ح��ي ال��درع‪.‬وت�ن�ب��ع أهمية ما‬
‫األلماني يوليوس أويتنغ‪ ،‬الذي كتب حول رحلته ورسم‬
‫كتبته الليدي آن بلنت أيضاً‪ ،‬من أنها زارت ووصفت‬
‫البلدات األخرى في منطقة الجوف وصفاً مباشراً‪ .‬معالم البلدة كقصر مارد وقصر خزام ورسم شخصية‬
‫فقد وصفت بلدة كاف‪ ،‬و بلدة سكاكا‪ ،‬وهي البلدة جوهر‪ .‬ولكن اهم ما أورده هو قصة المحاولة التركية‬
‫ال‬
‫الرئيسة الثانية في المنطقة وقتها وقدمت وصفاً لحكم الجوف مباشرة وربطها بوالية دمشق‪ ،‬نق ً‬
‫مباشراً لهما‪ .‬وقد ذكرت أن سكاكا أكبر من دومة عن أحد المشاركين فيها‪.‬وقد حدد تاريخها بسنة‬
‫ال�ج�ن��دل‪ ،‬وفيها ح��وال��ي سبع مئة م �ن��زل‪ ،‬ونخيلها ‪1870‬م‪1286/‬هـ‪.‬‬
‫ضعف نخيل دومة الجندل‪ ،‬وتشمخ فوق قمة مرتفع‬
‫بعد أويتنغ زار الجوف الرحالة ال�ب��ارون إدوارد‬
‫من مرتفعاتها قلعة قديمة (قلعة زعبل)‪.‬وأن بيوتها ن��ول��ده‪ ،‬وه��و م��ن التفيا‪ ،‬وم��ن أص��ل ألماني ويعمل‬
‫أكثر تنظيماً وأحدث‪ ،‬وليست خربة مثل ما هو عليه لحساب روسيا‪ .‬كان نولده حينما زار الجوف يقوم‬
‫الحال في دومة الجندل‪.‬‬
‫بمهمة سياسية ل��دراس��ة أوض���اع وس��ط الجزيرة‬
‫في العام التالي‪ ،‬قام الرحالة الفرنسي تشارلز العربية‪ ،‬ومقابلة محمد ابن رشيد‪ .‬لم يذكر نولده‬
‫هوبر ب��زي��ارة إل��ى ال�ج��وف‪ ،‬وك��ان أي�ض�اً ف��ي طريقه شيئاً كثيراً ع��ن ال�ج��وف‪ ،‬إال أن��ه أش��ار إل��ى أهمية‬
‫إل��ى حائل‪ ،‬وع��دد أحيائها ووص��ف بعض التغيرات موقعها‪ ،‬وقدر عدد سكانها ما بين ‪ 10000‬و‪12000‬‬
‫فيها وفي اسمائها‪ ،‬كما عدّد قراها‪ ،‬وقدر سكانها نسمة‪.‬‬
‫بما ال يزيد عن اثنا عشر ألف نسمة‪.‬كما أنه أشار‬
‫وفي سنة ‪1901‬م‪1318/‬ه��ـ‪ ،‬زار الجوف المبشر‬
‫إلى حرب ‪1853‬م‪1270/‬ه �ـ‪ ،‬والحصار الذي سبقها اإلن �ج �ل �ي��زي آرت �ش �ي �ب��ال��د ف � ��ورد‪ ،‬ب��ه��دف التبشير‬
‫واستخدام قوات حائل للمدافع‪ ،‬لكسر مقاومة إهل بالنصرانية وك��ان يحمل نسخ م��ن اإلنجيل باللغة‬
‫الجوف‪ ،‬وأشار إلى أنه رأى أثار الدمار بنفسه‪.‬‬
‫العربية لتوزيعها على السكان‪ .‬وصف هذا المبشر‬
‫وقد عاد هذا الرحالة إلى الجوف مرة أخرى‪ ،‬وكان‬
‫في طريقه إلى حائل أيضاً عام ‪1883‬م‪1300/‬هـ‪ .‬لم‬
‫يتسن لهوير كتابة مذكراته أو تقديم دراس��ات حول‬
‫مشاهداته وانطباعاته إذ قتل عام ‪1984‬م‪ ،‬على يد‬

‫‪28‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫رحلته التي قد ال تكون مهمة من الناحية التاريخية‪،‬‬
‫لكنه استخدم الكمرة (الكاميرا) وق��دم أول صور‬
‫فوتوغرافية لمعالم الجوف‪ .‬كما أن ما كتبه كان يشير‬
‫إلى استقرار األوض��اع في الجوف إداري �اً كما كانت‬

‫عليه منذ زيارة أخر رحالة‪ ،‬فجوهر كان ما يزال هو‬
‫نائب أمير حائل في الجوف‪.‬‬
‫وف� ��ي س �ن��ة ‪1908‬م‪1325/‬ه � � � � � �ـ‪ ،‬زار ضابطان‬
‫إنجليزيان هما اس‪.‬اس بتلر و ل‪ .‬إيلمر الجوف وكانا‬
‫في طريقهما من بغداد إلى دمشق‪ ،‬وقدّما معلومات‬
‫مهمة؛ إذ وصفا ما كان يحدث في حائل من صراع‬
‫سياسي داخل العائلة الحاكمة في حائل‪ .‬وأن فيصل‬
‫ب��ن ح�م��ود ال��رش�ي��د ق��د أص�ب��ح أم �ي��راً ل�ل�ج��وف قبل‬
‫شهر من زيارتهما‪ ،‬وقد قاباله شخصياً‪ .‬ولم يضيفا‬
‫جديداً حول الجوف من النواحي األخرى إال أنهما‬
‫أيضاً قدّما صوراً فوتوغرافية جيدة‪.‬‬
‫بعد جميع هؤالء الرحالة الذين تبعوا والن‪ ،‬جاء‬
‫دور أه��م وأع�ظ��م رح��ال��ة على اإلط�ل�اق ممن زاروا‬
‫منطقة الجوف‪ ،‬وهو الرحالة والمستشرق التشيكي‬
‫الويس موسيل‪ .‬فقد قدّم ما لم يقدمه أحد غيره حول‬
‫شمالي الجزيرة العربية جغرافياً وتاريخياً واجتماعياً‬
‫وسياسياً‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬ومنطقة الجوف بشكل خاص‪.‬‬
‫لقد قام موسيل بزيارتين إلى الجوف؛ األولى وكانت‬
‫سنة ‪1909‬م‪1327/‬ه �ـ‪ ،‬وكان في رحلة شاملة يرسم‬
‫خريطة شمالي الجزيرة العربية‪ ،‬ويجول مع قبيلة‬
‫الرولة‪ .‬وفي وصفه لرحلته هذه قدم موسيل معلومات‬
‫تاريخية مهمة‪ ،‬تتعلق بتطور األوضاع السياسية فيها؛‬
‫فقد وصف انتقال حكم الجوف من ابن رشيد إلى‬
‫نواف الشعالن‪ .‬فبعد تدهور الحالة السياسية داخل‬
‫عائلة الرشيد‪ ،‬ترك فيصل بن حمود الرشيد أمير‬
‫الجوف المنطقة‪ ،‬مخلفاً وراءه فراغاً سياسياً فأراد‬
‫نواف ملئه بطلب من بعض شيوخ البلدة؛ فاندلعت‬
‫حرب أهلية في دومة الجندل وسكاكا بين المؤيدين‬
‫والمعارضين للحكم الجديد‪ .‬وقد وصف موسيل هذه‬
‫األحداث‪ ،‬وبيّن الدور الذي لعبه فيها‪ ،‬والدور الذي‬
‫لعبه في تأسيس األمارة الجديدة والمحافظة عليها‪.‬‬
‫كما وصف موسيل شخصيات البلدتين الرئيستين‬
‫ف��ي المنطقة‪ ،‬دوم ��ة ال�ج�ن��دل وس�ك��اك��ا والعدوات‬
‫القائمة بين أحيائهما‪ .‬وكبفية حسم األمور لصالح‬
‫الحكم الجديد بعد سنتين من الصراعات بين الحكم‬
‫الجديد وبعض شيوخ المنطقة‪.‬‬

‫أم ��ا رح �ل��ة م��وس �ي��ل ال �ث��ان �ي��ة‪ ،‬ف �ق��د ج� ��اءت سنة‬
‫‪1915‬م‪1333/‬ه � � �ـ‪ ،‬وفيها وص��ف موسيل األوضاع‬
‫السياسية واالقتصادية واالجتماعية في إمارة الجوف‬
‫المستقلة‪ ،‬وعدّها إمارة من إمارات الجزيرة العربية‪،‬‬
‫ذات الكيان الخاص بها‪ ،‬بعلمها وجيشها وسياستها‬
‫الداخلية والخارجية‪ .‬ووصف موسيل معاناة أهلها‬
‫خالل فترة زيارته الستمرار حروبهم مع إمارة حائل‬
‫والقبائل المجاورة‪ ،‬وتوقهم للسالم مع جيرانهم‪.‬‬
‫اس�ت�ح��وذت منطقة ال�ج��وف على حيز كبير في‬
‫كتابات موسيل العلمية‪ ،‬ولكن كثيراً من المعلومات‬
‫ال سيما الموجودة في أوراق��ه الخاصة ومذكراته‪،‬‬
‫ال تقل أهمية عما نشره‪ ،‬وقد أطلعت شخصياً على‬
‫بعض هذه الوثائق وحصلت على نسخ منها‪ ،‬خالل‬
‫زي��ارات متكررة إلى المتحف المحفوظ فيه أوراقه‬
‫الخاصة في جمهورية التشيك‪ ،‬ستبين الكثير مما‬
‫خفي حول تاريخ إمارة الجوف خالل الفترة الواقعة‬
‫من عام ‪1909‬م‪1327/‬هـ وحتى عام ‪1919‬م‪1337/‬هـ ‬
‫تاريخ نهاية هذه األمارة‪.‬‬
‫وفي عام ‪1922‬م‪1340/‬ه �ـ‪ ،‬زار الجوف الضابط‬
‫السياسي البريطاني في عمان جون سانت فيلبي‪،‬‬
‫الجوف لدراسة أوضاعها السياسية‪ ،‬وق��دم وصفاً‬
‫ألحداثها وأوضاعها‪ ،‬مبيناً لحالة الصراع السائدة‬
‫فيها‪ ،‬والظروف التي سبقت انضمامها لحكم الملك‬
‫عبدالعزيز‪.‬‬
‫ك��ان فيلبي أخ��ر الرحالة األوروبيين في منطقة‬
‫الجوف‪ ،‬خالل الفترة التي تحدثنا عنها‪ ،‬إذ دخلت‬
‫الجوف في مرحلة جديدة وعهد جديد الدور لمعرفة‬
‫تفاصيله للوثائق أكثر مما هي للرحالة‪.‬‬
‫وأخ� �ي ��راً‪ ،‬أوج� ��ز ال �ق��ول ب ��أن م��ا ك�ت�ب��ه الرحالة‬
‫األوروبيون كان مهما جداً ألي كتابة لتاريخ المنطقة‬
‫االجتماعي والسياسي والثقافي والسكاني‪ ،‬وأنه‬
‫بدون ما كتبوه كانت ستبقى ثغرات كثيرة في تاريخ‬
‫المرحلة التي وصفوها من تاريخ المنطقة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪29 1427‬‬

‫حاالت األثر ‪...‬‬

‫> هاشم اجلحدلي‬

‫حاالت األثر‬

‫أمضي إلى حتفي‬

‫ق���ص���ائ���د‬
‫‪30‬‬

‫كأني غارق في تيه أسئلتي‬

‫فاكتبوا مرثيتي بدمي‬

‫صحراء ذاكرتي‬

‫ودعوا ظاللي ‪ ..‬تستفيق على الضالل‬

‫وصحراء حياتي كلها‬

‫وتستجير بحزن نايْ‬

‫وكأنني الصبار‬

‫أمضي‪ ..‬وأمضي‪ ..‬ثم أمضي‬

‫ال الليل يرحمه ‪ ..‬وال نوح الغما ّم‬

‫ال شيء يشبهني سوايْ‬

‫أمضي إلى حتفي وحيداً ‪ ..‬موحشاً‬

‫لغتي عناق النار‬

‫ولن أقول سوى‬

‫للمطر الصباحي الندي‬

‫على اآلتي السال ّم‬

‫وبهجتي سوداء ‪ ..‬مهملة‬

‫أمضى ‪ ..‬وأمضي ‪ ..‬ثم أمضي‬

‫مزاجي غائم‬

‫ال األرض أرضي‬

‫وك��أن��ن��ي ل �ل �ت��و أخ � ��رج م ��ن ع � ��زاء أعز‬

‫وال السماء للوعتي كانت مالذاً‬

‫أشيائي‬

‫وال معي ‪ ..‬إاليْ‬

‫وأسكن في فنائي ‪.‬‬

‫في تغريبة النفي الجديدة‬
‫نحو آخرة القصيدة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫قصيدة المحبة‬

‫هلت‬
‫لتغمرني بفيض داللها‬
‫فأكاد من فيض الدالل‬
‫أذوب تيهاً‬
‫وأكاد اكتب سيرتي األولى‬
‫من موت قافيتي‬
‫إلى ميالد أجمل ما كتبت‬
‫لها ‪ ...‬وفيها‬
‫فكأنني ما قلت حرفاً قبلها‬
‫وال نثرت حريق أشعاري‬
‫إال عليها‬
‫وكأنها ‪ ....‬ما أشرقت لغة‬
‫وال كانت حياة ‪،‬‬

‫اال ببهجة روحها ‪..‬‬
‫وبهاء رؤياها‬
‫كأنها " كلي"‬
‫يحل مدوزناً في عمق أعماق القصيدة‬
‫دونما وزن وقافية‬
‫ودونما معنى‪،‬‬
‫سوى معناها‬
‫فأقول ‪ :‬يا الله‬
‫علمني المحبة‬
‫ثم زدني لوعة‬
‫وخذ بروحي نحو فتنتها‬
‫لتكون آخرتي بآخر منتهاها‬
‫كي ال أحب أنا سواها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪31 1427‬‬

‫غزل شمالي‬
‫دائما باتجاه الشمال‬
‫كان الهوى بوصلة ‪.‬‬
‫أو كأني أجي لها واحد‬
‫و أعود وحيدا‬
‫ومزدحما بالتي في دمي‬
‫أو كأن القصيدة تورق بين األصابع كالسنبلة‬
‫دائماً باتجاه الشمال‬
‫وال شيء غير الرمال‬
‫فهل يأوي الرمل من هدهدته السواحل‬
‫واصطخبت في يديه المويجات‬
‫هل يأوي الرمل ؟‬
‫دائماً باتجاه الشمال‬
‫وتشتاق للركض نحو مالذ الشمال‬
‫ألن الهوى بوصلة‬
‫دائماً باتجاه الطفولة‬
‫نشتاق للركض نحو مالذ الطفولة‬
‫كي ال نشيخ‬
‫‪32‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫قتامة الثالثين‬
‫‪ ..‬محاطة بالرغبات المقيتة‬
‫باألنياب الزرقاء الالمعة‬
‫لعصافير تتخبط في السوائل السوداء‬
‫قتامة الثالثين ‪.‬‬
‫السوائل التي تتماصل في الجوف بانتباه‬
‫لئال يفضحها االندهاش‪ ،‬حين تمر عليها السنوات‬
‫بريش منفضتها‬
‫وهي تزيح الغبار عن نظرة ثقيلة‪...‬‬
‫تحد‪ ،‬أو تساؤل‪..‬‬
‫يهدم مالمحها الرملية أنها ال تحمل ٍ‬
‫تتابع المنفضة عملها‬
‫لتلحس القتامة‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬وجهها الكثيف الرخو ‪...‬‬
‫الذي لم تجد له طعماً ‪.‬‬

‫> عيد اخلميسي‬

‫<‬

‫غير ظاهر‬

‫فتق غير ظاهر في الحذاء‪...‬‬
‫يدفعك أال ترفع قدمك كثيراً ‪،‬‬
‫أن تقصر خطوتك ‪،‬‬
‫تضع ثقلك أكثر على الحذاء السليمة‬
‫تتأنى وتحاذر االندفاع‬
‫‪ ..‬البد أن تدرس ما ستضع عليه قدمك في الخطوة التالية‬
‫أال تقترب من األراضي الزلقة وتجمعات المياه‬
‫ليس مهماً أن يلحظ اآلخرون ذلك‬
‫فلقد رأيتَ الفتق وتفحصته هذا الصباح ‪..‬‬
‫لكنك لم تلحظ ما حدث بعد ذلك‪ ،‬حين انتقل للجلد والوجه‬
‫حبات العرق الصغيرة التي نزت منه مسحتها اليد الباردة‬
‫وتفوّه اللسان الجاف بتعليق صغير لم يكف‪ ،‬كعزاء ‪.‬‬
‫مناظر مبالغ فيها‬
‫عرفوا أنك تمر على نظرتك الثقيلة بمنشفة مبللة‬
‫ليجف الصمغ وال تلتصق بالمناظر الجميلة للعتبات‬
‫والجسور والكلمات ‪...‬‬
‫أنك سكبت عليها الماء الساخن وحككتها بأظافرك‬
‫أن شفاهك السوداء مجّ ت دخاناً كثيراً وهي تُطبق‬
‫وأنها ال تطبق على مناظر جميلة‪...‬‬
‫عرفوا ذلك وسيعرفون األمر مهما بالغت في انتظارك ‪.‬‬
‫< شاعر سعودي‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪33 1427‬‬

‫أقدامنا ‪ ...‬بالحديث‬
‫َ‬
‫نُبّلِل‬

‫> علي احلازمي‬

‫جنوب َّي ًة ‪ ...‬كانت ال��ري� ُح تحمِ ل ُنا في على دفَّةِ البحر‬

‫ق���ص���ائ���د‬
‫‪34‬‬

‫الشراعِ‬

‫الوقت‬
‫ِ‬
‫جَ لسنا إلى غُربة‬

‫ُم ْذ رَكِ بْنا على زُرقةِ البحرِ‬

‫بالحديث‬
‫ِ‬
‫رُحنا نُبلِّ ُل أَقدامَنا‬

‫والمو ُج مُعتد ٌل في خُ طاه‬

‫َفير‬
‫بفجر و ٍ‬
‫ٍ‬
‫عن العائِدين‬

‫مراكبُنا أطلقتْ صدرَها للرياحِ‬

‫ألحداقِ أطفالِهم‬

‫بأمان من البُعدِ كان لها‬
‫ٍ‬
‫ولم تكترثْ‬

‫لم نَش ْأ أَ ْن نعو َد بخيبةِ أحالمِ نا‬

‫ُك ُّل شيءٍ مُعدٌّ بهذا الصباحِ‬

‫بالشباك‬
‫ِ‬
‫عندما عَ لِقتْ وحدَها‬

‫ألَ ْن نَسْ تَرِ َّد مِ َن البحرِ‬

‫ال على صمتِنا‬
‫انتظرنا مسا ًء طوي ً‬

‫بعض أَناشيدِ نا الساحلية‬
‫َ‬

‫والريا ُح جنوب َّي ٌة في ِشراعِ الجوانحِ‬

‫مَضينا م َع الريحِ ‪...‬‬

‫تَأخُ ذُنا لمهبِّ الحنينِ المقِ يمِ‬

‫تد َفعُنا في المدى غبط ٌة‬

‫على اليابِسة‬

‫والموَاوي ُل تطفو على فِ َّضةِ الماءِ‬

‫ال‬
‫الشواطيءِ مُنشغ ً‬
‫ِ‬
‫كان لي ُل‬

‫المراكب ‪،‬‬
‫ِ‬
‫َغبة في جَ ناح‬
‫تُلهِ بُ من ر ٍ‬

‫روحنا‬
‫بالصال ِة على ِ‬

‫ُربَّما لم يَ ُك ْن حُ لْمُنا ُم ْوثَقاً‬

‫وزهو ُر األَماني الصغير ِة‬

‫بالشباك كما ينبغي‬
‫ِ‬

‫احلِ العُمرِ‬
‫ظَ لَّتْ هُناك ‪ ...‬على سَ ِ‬

‫بَيْ َد أنَّ الحياةَ تط ِّو ُق ك ََّف المحالِ‬

‫ظَ لَّتْ ‪...‬‬

‫بأرواحنا وتُس ِّم ُر كُلَّ األَيادي‬
‫ِ‬

‫مُجَ فَّف ًة كالغِ ياب‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫تصو ْر ‪..‬‬

‫> طارق ناصر‬

‫حسبتُ القلب تصح ْر‬
‫وأن العمر مضى حزناً‬
‫وأنا بالفرح أجد ْر‬
‫ظننتُ ‪ -‬ظن السوء ‪-‬‬
‫أنَّ الحبَّ ‪ ..‬عن َد قدمي تعث ْر‬
‫لكن ُه ‪،‬‬
‫داهمني الحبُ يا صاحبي‬
‫وأدركتُ‬
‫أنه فقط ‪ ..‬تأخر!‬
‫تصور‬
‫هو الحبُ إذن‬
‫يصلح بداخلنا ما تكسر‬
‫وينثني مبتسماً‬
‫ويم ُد يداً‬
‫النازف‬
‫ِ‬
‫لهذا الجرحِ‬
‫لتدركَ يا صاحبي‬
‫أنك حين تُحب‬
‫فإن الماضي‬
‫حتى الماضي !‬
‫قد تغيّر ‪..‬‬
‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪35 1427‬‬

‫هجرات القبائل العربية‬
‫> إبراهيم بن خليف السطام‬
‫اختلف العلماء في تعيين مهد الشعوب العربية‪ ،‬لكن الرأي السائد بين معظم‬
‫الباحثين‪ ،‬أن شبه الجزيرة العربية هي المهد والمنشأ األول لإلنسان العربي‪ ،‬ومنها‬
‫ب��دأت الهجرات العربية المتواصلة منذ األل��ف الرابع قبل الميالد‪ ،‬ومن هؤالء‪:‬‬
‫األكاديون‪ ،‬واآلشوريون‪ ،‬والكنعانيون‪ ،‬والفينيون‪ ،‬والعموريون‪ ،‬واآلراميون‪ ،‬واألنباط‪،‬‬
‫والمناذرة‪ ،‬والغساسنه‪ ،‬والهالليون‪،‬والطائيون‪،‬والعتريون(‪ .)1‬ويعزون ذلك إلى حلول‬
‫الجفاف التدريجي في شبة الجزيرة العربية‪ ،‬بعد أن كانت منطقة مطيرة‪ ،‬في‬
‫عصور تعود إلى ما قبل عشرة آالف ع��ام‪ ،‬إب��ان االنحسار الجليدي عن أوروبا‪،‬‬
‫وعندها كانت األمطار في الجزيرة العربية منتظمة في جميع فصول السنة‪ ،‬بدالً‬
‫من أن تكون مقصورة على فصل الشتاء‪.‬‬
‫وعندما حل الجفاف بالجزيرة العربية‪ ،‬اختفت كثي ٌر من األنهار واألودية الجارية‬
‫(‪)2‬‬
‫مثل‪ :‬وادي الحمض‪ ،‬وادي سرحان‪ ،‬وادي الرمة‪ ،‬وادي حنيفة‪ ،‬وادي الجبلين‬
‫وقد ورد في السنُّنة المطهرة ما يشير إلى أن بالد العرب كانت وستعود مروجاً‬
‫وأنهاراً‪.‬‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪36‬‬

‫واألصل في ذلك ما جاء في القران الكريم بقول الله تعالى‪{ :‬ألم يروا كم أهلكنا‬
‫من قبلهم من قرن مكّناهم في األرض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً‬
‫وجعلنا األنهار تجرى من تحتهم}(‪ .)3‬وفي هذه اآلية الكريمة مايشير إلى أن بالد‬
‫العرب كان يسودها عص ٌر مطير‪ ،‬وأنهار ذات مروج وأنهار‪.‬‬
‫وعلى مر العصور كانت القبائل العربية في ترحال وتنقّل مستمر‪ ،‬بين أنحاء‬
‫الجزيرة العربية‪.‬‬
‫ويقول بعض الباحثين‪ ،‬أنة في حاالت الحروب بين القبائل العربة والشعوب‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫وكان لهم دور معروف في هذه المنطقة‪ ،‬وفي بادية‬

‫ال�م�ج��اورة ف��ي ب��اب��ل وآش ��ور‪ ،‬أو م��ع ال ��روم‪ ،‬الفرس‬
‫وحلفائهم م��ن ال �ع��رب‪ ،‬ك��ان��ت ال�ه�ج��رة م��ن الشمال الشام‪ ،‬وال يتسع المقام للحديث عن ذلك‪.‬‬
‫إل��ى ال�ج�ن��وب؛ ألن ال�ص�ح��اري العربية تمثل عمقاً‬
‫وفي القرن الثالث عشر أيضاً‪ ،‬أي عام ‪1205‬هـ ‬
‫إس�ت��رات�ي�ج�ي�اً يستعصي ع�ل��ى األع� ��داء ال�ت��وغ��ل في‬
‫تقريباً‪ ،‬هاجرت بطون من قبيلة شمر من منطقة‬
‫داخلها‪.‬‬
‫الجبلين‪ ،‬ومن شمالي الجزيرة العربية إلى العراق‪،‬‬
‫أما في حاالت األمن والرخاء‪ ،‬فإن هجرة القبائل‬
‫ك��ان��ت وال ت ��زال م��ن ال�ج�ن��وب إل��ى ال�ش�م��ال باتجاه ومنهم فخذ الجربا‪ ،‬وذلك في أعقاب منازلهم بينهم‪،‬‬
‫الهالل الخصيب‪ ،‬حيث األج��واء المعتدلة واألنهار وبين اإلمام سعود بن عبدالعزيز آل سعود (‪ ،)7‬وقيل‬
‫أن هجرتهم بسبب الجدب ال��ذي حل بأرضهم‪ ،‬ثم‬
‫واألمطار‪.‬‬
‫وعندما نقرأ في تاريخ منطقة الجوف‪ ،‬وقبائلها‪ ،‬تبعهم كثيرون من عشائر شمر‪ ،‬إلى أن استقر بهم‬
‫نجد أن أفواجاً وهجرات بشرية من القبائل العربية المقام في أنحاء مختلفة من العراق وسوريا‪ ،‬ومع‬
‫م��رت ب�ه��ا‪ ،‬ع�ب��ر ال�ع�ص��ور المتالحقة ب��ات�ج��اه بالد أن التراع وغ��زوات النهب والسب كانت سائدة بين‬
‫الرافدين‪ ،‬أو بالد الشام‪.‬‬
‫العتريين والطائيين ح��ول الماء وال�ك�لاء‪ .‬فقد حل‬

‫وف ��ي ال� �ق ��رون األخ� �ي ��رة‪ ،‬ك��ان��ت ه �ن��اك قبيلتين الوئام والتفاهم بينهما‪،‬وذلك عندما تحولت فروع‬
‫عظيمتين في بالد العرب‪ ،‬هما الطائيون والعتريون‪،‬‬
‫من القبياتين من حياة البداوة والترحال‪ ،‬إلى حياة‬
‫يمثلون ذروة الهجرات التاريخية في القرون األخيرة‪،‬‬
‫التحضر واالستقرار‪.‬‬
‫وك��ان��ت منطقة ال�ج��وف إح��دى محطات ال�ع�ب��ور أو‬
‫والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن‪ :‬ماذا ستكون عليه‬
‫االستقرار لهاتين القبيلتين‪.‬‬
‫ف�م�ن��ذ ال �ق��رن ال��س��ادس ال �ه �ج��ري‪ ،‬وب �ع��د تفّرق الحال بعد أن توقفت الهجرات العربية المتواصلة من‬

‫الجزيرة العربية ؟ ‪ -‬حيث كانت القبائل العربية حرة‬

‫الكلبيين وتوغلهم في ب�لاد ال�ش��ام‪ ،‬ظهر الطائيون‬
‫في هذه المنطقة‪.‬فقامت اإلم��ارة الطائية في بالد‬
‫الشام‪ ،‬وفي تلك الفترة ظهر آل عمرو وآل سرحان‬
‫على مسرح الحياة و ُع��رف الجوف باسمهم(‪ ،)4‬وفي‬
‫أوائل القرن الثاني عشر كانت أفخاذ من عنزة‪ ،‬ما‬
‫تزال في الحجاز ومنازلها قرب خبير ويجاورها من‬
‫الشمال بنى صخر(‪ ،)5‬وعند ذلك هاجرت الجالس‬
‫(الرولة والمحلف) وهم آخر أفواج هجرة العنزيين‬
‫إلى الشمال(‪.)6‬‬

‫المملكة إل��ى التخطيط المبكر الستيعاب النمو‬

‫‪ 1‬الهجرات العربية القديمة (د‪ .‬محمود عبدالحميد أحمد)‬‫‪ 2‬المصدر نفسه‪.‬‬‫‪ 3‬اآلية ‪ 6‬من سورة األنعام‬‫‪ 4-‬عبدالرحمن السديري الجوف وادي النفاخ‪.‬‬

‫‪ 5‬دكتور علي شواح الشعبي (القشعم)‪.‬‬‫‪ 6‬محمود محسن مهيدات عشائر شمال األردن‪.‬‬‫‪ 7‬أبو عبدالرحمن بن عقيل مجلة العرب العمود ‪ 1.2‬س ‪17‬‬‫رجب ‪1402‬هـ‬

‫في تنقّلها‪ ،‬وفي اختيار أماكن ترحالها وإقامتها في‬

‫كل أرجاء الوطن العربي‪.‬وذلك قبل أن تفرض عليهم‬
‫الحدود‪ ،‬والوثائق‪ ،‬والجنسية‪ ،‬في ظل التنظيمات‬

‫االستعمارية الحديثة – مما يعني أن الجزيرة العربية‬

‫‪ -‬المملكة العربية السعودية – سوف لن تدفع بأفواج‬

‫من رحمها إلى دول الجوار‪ ،‬وهذا يقتضي أن تبادر‬

‫وعلى إثر ذلك استقر قسم من الرولة في منطقة السكاني والبشري المتزايد والمنتظر خالل العقود‬
‫الجوف‪ ،‬وقسم آخر واصل الترحال إلى بالد الشام‪ ،‬القادمة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪37 1427‬‬

‫أدب اخليال العلمي العربي‬
‫بني اجلذور واحلاضر‬

‫> د‪ .‬أسد محمد‬
‫ظهر الخيال العلمي ك��أدب‪ ،‬مع تطور العلم واإلن�ج��ازات التقنية الكبيرة التي‬

‫رافقته‪ ،‬في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين‪ ،‬التي تمخض عنها‬

‫الكثير من االكتشافات والتقنيات التي أثرت على الحياة بمجملها؛ ومنها األدب‪ ،‬الذي‬

‫تفرّع عنه نوع جديد جاء تحت مسمى أدب الخيال العلمي كرديف لتلك التطورات‪.‬‬

‫وإذا كان كتّاب هذا النوع من األدب قد رسخّ وا هذا الشكل الفني‪ ،‬ووضعوا له أسساً‬
‫واضحة‪ ،‬و تنبؤوا بفطنة وذك��اء منذ البداية‪ ،‬بنبوءات مهمة كالصعود إلى القمر‬

‫وشكل المركبة الفضائية‪ ،‬فقد ظل هذا األدب وال يزال يثير جدالً كبيراً بين القراء‬

‫والنقاد على حد سواء؛ وأهم مرتكز لهذا الفرع صلته الوطيدة مع العلم‪ ،‬سواء من‬
‫حيث الركون إلى االكتشافات في سرد النصوص أو الجنوح وراء الفنتازيا‪ ،‬إلى‬

‫أقصى حد لكتابة حكايات‪ ،‬ال تتفق ومفهوم الخيال العلمي‪.‬‬

‫يعرّف الخيال العلمي (‪ )science fiction‬بأنه إبداع يمتزج فيه العلم مع الخيال‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪38‬‬

‫واالنتقال عبر آفاق الزمن‪ ،‬على أجنحة الحلم المطعم بالمكتسبات واالكتشافات‬

‫العلمية‪ .‬ويطرق مؤلفوه أب��واب المستقبل‪ ،‬بتنبؤاتهم دون زمن محدد؛ فهو نظرة‬

‫واسعة على العالم يدخل فيها العلم‪ ،‬فيمتزج بحقائقه مع خيال الكاتب‪ ،‬ترسم‬

‫أحداثاً تنقلك عبر الزمن إلى المستقبل‪ ،‬أو الماضي السحيق‪ ،‬وعبر المكان إلى‬

‫الفضاء الخارجي وأعماق البحار‪ ،‬ومستفيداً من الدراسات االجتماعية والنفسية‬

‫ولج أدب الخيال العلمي إلى داخل النفس البشرية عبر منظومتي العلم والخيال‪.‬‬
‫جذور أدب الخيال العلمي في األدب العربي‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫ع��ن ال�م��ؤث��رات البشرية‪ ،‬فهي غنية بصور الخيال‬
‫العلمي الخالق‪.‬‬

‫كان ال بد من الوقوف عند تعريف الخيال العلمي‪،‬‬
‫كي نجد التباين والتطابق بين ما أنتجه األدباء العرب‬
‫في قديم الزمان وفي حاضره‪ ،‬ووفق التعريف‪ ،‬ومن‬
‫وتوجد أعمال أخرى‪ ،‬مثل‪ " :‬تكاذيب اإلعراب"‪.‬‬
‫دون شك‪ ،‬نجد الكثير من األعمال األدبية في التراث‬
‫وق��د وردت نصوص منها في كتاب الكامل للمبرد‬
‫العربي‪ ،‬تندرج تحت هذه المسمى‪ .‬ومع اإلشارة أن‬
‫‪268‬هـ‪ ،‬وكتاب " الفرج بعد الشدة " للتنوخي ‪384‬هـ‪،‬‬
‫المصطلح بالتأكيد لم يكن معروفاً‪ ،‬يحفل تراثنا‬
‫وفيها إش��ارات واضحة ح��ول اختراق الزمن‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫العربي القديم بالكثير من الشواهد‪ ،‬التي ارتكزت‬
‫القول التالي‪" :‬لقد رميت ظبيا مرة فعدل الظبي‪،‬‬
‫على الخيال في رؤيتها لما يحيط بها‪.‬‬
‫ف�ع��دل السهم خلفه‪ ،‬ث��م ع�لا الظبي‪ ،‬فعال السهم‬
‫وتبدأ قصص الخيال مع ملحمة جلجامش‪ ،‬التي خلفه ثم عدل الظبي‪ ،‬فانحدر الظبي فانحدر السهم‬
‫ق��دم��ت لنا ب�ط� ً‬
‫لا على هيئة رج��ل ثلثاه م��ن اآللهة عليه"‪ ،‬وهذه الصورة توضح تفكير اإلنسان‪ ،‬في كيفية‬
‫وث �ل��ث م��ن ال�ب�ش��ر‪ ،‬وس �ع��ى ف��ي األرج� ��اء ب��اح�ث�اً عن السيطرة على مسار السهم والتحكم بالزمن‪.‬‬
‫نبتة الخلود‪ ،‬وعندما وجدها سرقت منه فأيقن أن‬
‫وهناك أعمال أخرى قامت على الخيال الجامح‪،‬‬
‫الموت ال مفر منه؛ وال يكون الخالص إال باألعمال‬
‫الخيّرة‪ ،‬ف��راح يبني أس��وار أوروك لكي يخلد ذكراه مثل‪ :‬قصة رأس الغول‪ ،‬وكتاب ضياء األنوار للمؤلف‬
‫أم��ام شعبه‪ ،‬ك��ذل��ك تحفل ال�ع�ص��ور الجاهلية بكم أحمد بن عبد الله البكري من القرن الثالث الهجري‪،‬‬
‫كبير م��ن األس��اط �ي��ر وال �ق �ص��ص‪ ،‬ال �ت��ي اح �ت��ل فيها ورسالة الغفران للمعري‪ ،‬وقصص ألف ليلة وليلة‪.‬‬
‫الخيال بعداً تكوينياً مهماً‪ ،‬وتميزت بفنتازيا جامحة ح���اض���ر أدب ال���خ���ي���ال ال��ع��ل��م��ي ف����ي األدب‬
‫تعكس م�خ��اوف ال�ن��اس وأح�لام�ه��م‪ ،‬وط��رق الدفاع العربي‪:‬‬
‫عن أنفسهم؛ كحكايات الجن والعفاريت‪ ،‬والحصان‬
‫بدأ أدب الخيال العلمي على يد مؤسسيه الفرنسي‬
‫الطائر‪ ،‬والبساط السحري‪ ،‬ومصباح عالء الدين‪،‬‬
‫ج��ول ف�ي��رن (م��وال�ي��د ‪ ،)1828‬واإلن�ك�ل�ي��زي هربرت‬
‫وطاقية اإلخفاء‪ ،‬واإلنسان المجنح‪ ..‬الخ‬
‫جورج ويلز (مواليد ‪1866‬م)‪ ،‬ودشنا مرحلة التأسيس‬
‫ثم بدأت مرحلة أكثر نضوجاً‪ ،‬من حيث الوضوح‬
‫التي استمرت حتى ع��ام ‪ ،1938‬وأه��م ميزات هذه‬
‫وبلورة مفاهيم قربت الخيال من التأسيس على وقائع‬
‫المرحلة اعتمادها على الرحالت‪ ،‬عبر الزمن إلى‬
‫معرفية‪ ،‬ومن هذه األعمال التراثية "رسالة حي بن‬
‫عوالم مجهولة‪ ،‬وأبطال مغامرون‪ ،‬وتناقض بين سير‬
‫يقظان"‪ ،‬الشهيرة‪ ،‬للعالم الفلكي ابن الطفيل‪ ،‬كتبها‬
‫األبطال وأفعالهم‪ ،‬وعدم االستفادة بما فيه الكفاية‬
‫ف��ي ال�ق��رن ‪12‬م‪ ،‬ف��ي منطقة م��راك��ش األندلسية ‪،‬‬
‫من االكتشافات العلمية الحاصلة‪.‬‬
‫وتعد الندرة األول��ى في مقل أدب الخيال العلمي؛‬
‫ما يهمنا هو بداية كتّاب الخيال العلمي العربي‪،‬‬
‫فهي قصة تحكي حياة غالم عاش في جزيرة نائية‪،‬‬
‫معزوالً عن البشر‪ ،‬أرضعته ظبية‪ ،‬تربى وتعلم بفطرته ال��ذي تأخر ما يقارب نصف ق��رن‪ ،‬حتى صدر أول‬
‫وسلوكه الفردي حتى اهتدى إلى اإليمان بالخالق عز عمل إبداعي متأثراً بأدب الخيال العلمي األوربي‪،‬‬
‫وجل‪ ،‬فهذه الرسالة تحوي مقومات الخيال العلمي‪ ،‬فحتى في أمريكا تأخر األدباء في تمثيل هذا اإلبداع‬
‫وتتحدث عن عملية التكوين اإلنساني والنشأة وأثر إلى ما بعد عام ‪ ،1838‬مع تسلم كامبل رئيس تحرير‬
‫البيئة والعوامل الطبيعية على اإلنسان وحياته‪ ،‬بعيداً مجلة " الخيال العلمي الصاعق"‪ ،‬لكنها انطلقت مع‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪39 1427‬‬

‫ادوارد سميث وال تزال في المقدمة‪ ،‬أما العرب‪ ،‬فلم‬
‫يتمثلوا هذا النوع من اإلب��داع إال في الخمسينيات‬
‫من القرن العشرين‪ ،‬بسبب التخلف التقني والعلمي‪،‬‬
‫وع��دم إنجاز التواصل اإلبداعي بين العلم واألدب‪،‬‬
‫إلى أن قدم الكاتب المصري توفيق الحكيم أول قصة‬
‫له‪ ،‬عام ‪1953‬بعنوان‪" :‬في سنة مليون"‪ ،‬ثم مسرحية‬
‫عام ‪1958‬بعنوان‪" :‬رحلة إلى الغد"‪.‬‬
‫ثم كتب د‪ .‬مصطفى محمود روايته " العنكبوت "‬
‫(‪1964‬م)‪ ،‬و"رجل تحت الصفر" (‪1967‬م)‪ ،‬ومن بعده‬
‫كتب نهاد شريف روايته " قاهر الزمن" (‪1966‬م)‪،‬‬
‫والتي تلتها ‪ 6‬رواي��ات أخ��رى و‪ 8‬مجامـيع قصصية‬
‫ومسرحيتان‪ ،‬إلى جانب عــدد من الدراسات النقدية‬
‫في هذا األدب‪.‬‬
‫وف��ي السبعينيات‪ :‬كتب سعد م�ك��اوي مسرحية‬
‫"الميت الحي" (‪1973‬م) وقصتين ضمن مجموعته‬
‫"الفجر يزور الحديقة" (‪1975‬م)‪،‬‬

‫(‪1989‬م)‪ ،‬ومهندس صالح عبد الغنى روايته "شجرة‬
‫العائلة األفقية" (‪1990‬م)‪ ،‬وأميمة خفاجي روايتها‬
‫"جريمة عالم" (‪1992‬م)‪ ،‬والسيد القماحي قصته‬
‫"الميكروصوت" (‪1993‬م)‪.‬‬
‫كل هذه األسماء من مصر‪ ،‬أما من الدول العربية‬
‫األخرى‪ ،‬فقد كتب محمد عزيز الحبابي من المغرب‬
‫رواي��ة "إكسير الحياة" (‪1974‬م)‪ ،‬ود‪ .‬طالب عمران‬
‫من سوريا روايته "العابرون خلف الشمس" (‪1987‬م)‪،‬‬
‫تلتها أربع روايات وأربع مجموعات قصصية وخمس‬
‫مجموعات لألطفال‪ ،‬وزادت أعماله عن األربعين‬
‫عمالً‪ ،‬كما كتب عبد السالم البقالي من المغرب رواية‬
‫"الطوفان األزرق" (‪1979‬م)‪ ،‬ومجموعتين قصصيتين‬
‫لألطفال‪ ،‬وقاسم الخطاط من العراق رواية "البقعة‬
‫الخضراء" (‪1984‬م)؛ وطيبة أحمد اإلبراهيم من‬
‫الكويت رواي��ة "اإلنسان الباهت" (‪1992‬م)؛ وجمال‬
‫عبد الملك من السودان ‪ -‬مجموعة قصص "الجواد‬
‫األس��ود" (‪1994‬م)‪ .‬ولينا الكيالني من سوريا التي‬
‫كتبت رواي��ة المستقبل ‪1997‬وسندريال عام ‪2000‬؛‬
‫وق��اس��م قاسم م��ن لبنان ف��ي عمله " لعنة الغيوم "‬
‫إضافة إلى أسماء أخرى يزيد عددها عن األربعين‬
‫كاتبا عربيا‪.‬‬

‫وك �ت��ب األدي���ب محمد ال �ح��دي��دي رواي���ة بعنوان‬
‫"شخص آخر في المرآة" (‪1975‬م)‪ ،‬ثم جاءت كتابات‬
‫رؤوف وصفي‪ ،‬فبدأ بمجموعته القصصية "غزاة من‬
‫الفضاء" (‪1979‬م)‪ ،‬وتلتها ثالث مجموعات للكبار‪،‬‬
‫ما هي سمات أدب الخيال العلمي العربي؟‬
‫وواحدة أخرى للصغار‪.‬‬

‫هذا السؤال يمكن اإلجابة عنه بعد اإلطالع على‬
‫وف��ي الثمانينيات والتسعينيات‪ :‬ق ��دَّ م الكاتب‬
‫إب��راه�ي��م أس�ع��د محمد مجموعته "ق�ص��ص أخرى" تجارب اآلخرين ال��رواد‪ ،‬الذين قطعوا شوطاً كبيراً‬
‫(‪1980‬م)‪ ،‬وحسين قدري روايته "هروب إلى الفضاء" في هذا المجال‪.‬‬
‫(‪1981‬م)‪ ،‬كما كتب صبري موسى رواي�ت��ه "السيد ‪ -1‬حجم اإلنتاج ما زال متواضعاً‪ ،‬والجدية في التعامل‬
‫مع هذا األدب من قبل الكتاب ال تزال ضعيفة‪،‬‬
‫من حقل السبانخ" (‪1986‬م)‪ ،‬ثم قدم صالح معاطي‬
‫إضافة إلى عدم الفصل بين ما هو علمي وما هو‬
‫مجموعته القصصية "أنقذوا هذا الكوكب" (‪1986‬م)‪،‬‬
‫فنتازي؛ فال يمكن القبول بالخطأ الفادح عندما‬
‫فمجموعته الثانية "العمر خمس دقائق" (‪1992‬م)‪،‬‬
‫كتب أحدهم عن رحلة محطة عربية إلى كوكب‬
‫وكتب عمر كامل روايته "ثقب في قاع النهر"(‪1987‬م)‪،‬‬
‫المشتري‪ ،‬وهو كوكب سائل غازي‪ ،‬أو أن تحلق‬
‫ود‪ .‬علي حسن روايته "السرطان وابتسامة سليمان"‬
‫طفلة في فقاعة صابون حول العالم‪.‬‬
‫(‪1987‬م)‪ .‬وإيهاب األزهري روايته "الكوكب الملعون"‬
‫(‪1987‬م)‪ ،‬وعادل غنيم روايته "نادي من عظام فتاة" ‪ -2‬ضعف األداء ف��ي ه��ذا ال�م�ج��ال‪ ،‬وث�م��ة قلة من‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الكتاب العرب الذين أخلصوا لهذا األدب‪ ،‬أي‬
‫كتبوا أعماالً محدودة ضمن أعمالهم األخرى‪،‬‬
‫مثل توفيق الحكيم وغيره‪ ،‬والذين أخلصوا قلة‬
‫أمثال‪ :‬نهاد شريف من مصر ود‪.‬طالب عمران‬
‫من سوريا‪.‬‬
‫‪ -3‬عدم بلورة هذا األدب‪ ،‬ليأخذ مكانه بين بقية فروع‬
‫اإلبداع‪ ،‬وعدم اهتمام النقاد والمؤسسات به‪.‬‬
‫‪ -4‬زي���ادة ال �ك��م المتخيل ف��ي األع �م��ال ع�ل��ى الكم‬
‫العلمي‪ ،‬ول��م تظهر اآلل ��ة ف��ي األع �م��ال كبطلة‬
‫شريكة تساعد اإلنسان‪ ،‬وتدفع به نحو بطوالت‬
‫تمكنه من اختراق المجهول‪ .‬ويعود السبب إلى‬
‫عدم معرفة الكاتب العربي بميادين االكتشافات‬
‫العلمية ومعايشتها‪ ،‬فاستخدم فقاعة الصابون‬
‫بدل المنطاد‪ ،‬أو أن يصعد إلى القمر عن طريق‬
‫مصعد من بناية بعشرة طوابق‪ ،‬بعد أن كتب جول‬
‫فيرن روايته "من األرض إلى القمر" عام ‪،1865‬‬
‫وتخيل فيها رحلة إنسان إلى القمر باستخدام‬
‫مركبة فضائية تطلق بواسطة مدفع ضخم‪ ،‬ثم‬
‫ع��ودة ال ��رواد إل��ى األرض وهبوطهم ف��ي مظلة‬
‫في البحر‪ ،‬وهذا ما حدث بعد مئة عام في أب‬
‫‪1969‬على متن مركبة أبوللو‪.‬‬
‫‪ -5‬ع��دم اس�ت�ف��ادة بقية وس��ائ��ل اإلع�ل�ام (سينما‪،‬‬
‫تلفاز‪ ،‬رادي ��و‪ )..‬من تحويل أعمال الكتّاب إلى‬
‫أف�لام ومسلسالت‪ ،‬مع استثناءات قليلة‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫تحويل رواية "قاهر الزمن" لنهاد شريف على يد‬
‫المخرج كمال الشيخ إلى فيلم سينمائي"‪ ،‬وبعض‬
‫األعمال المشهدية في التلفزيون السوري لـ د‪.‬‬
‫طالب عمران؛ بينما أصبح أدب الخيال العلمي‬
‫في الغرب مادة أساسية لكثير من األفالم للكبار‬
‫وال�ص�غ��ار‪ ،‬ب��دءا م��ن ع��ام ‪ ، 1902‬عندما جرى‬
‫تصوير الفيلم ال�ص��ام��ت ال ��ذي أخ��رج��ه جورج‬
‫ميليس لرواية " من األرض إلى السماء" وال يزال‬
‫تنتج مثل هذه األعمال بغزارة‪.‬‬

‫إليهم‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬ولم يؤسسوا لمدرسة قادرة‬
‫على التأثير‪ ،‬ونشر الفكر العلمي بين القراء‬
‫خاصة الناشئة منهم‪.‬‬
‫إذن ما يزال أمام هذا النوع من األدب في عالمنا‬
‫العربي الكثير من الجهد‪ ،‬خاصة بعد تنوع المعارف‬
‫ومصادر المعلومات‪ ،‬وطرق إيصالها للمتلقي‪ ،‬وظهور‬
‫فروع جديدة للعلوم‪ ،‬مثل‪ :‬علم الوراثة‪ ،‬واالستنساخ‪،‬‬
‫وعلم األجنة والسالالت‪ ،‬وعلوم الفضاء‪ ،‬والزراعة‬
‫ال�م�ع��دل��ة وراث��ي��اً‪ ،‬وع�ل��م ال�ن�ف��س واالج �ت �م��اع‪ ..‬كلها‬
‫مجاالت جديدة يمكن اإلفادة منها في اقتحام هذا‬
‫المجال الذي يتزايد االهتمام به يوما بعد يوم‪.‬‬

‫أهم المراجع‪:‬‬
‫‪ -1‬آف��اق أدب الخيال العلمي – روب��رت سكولز –‬
‫ترجمة حسن حسين شكري – الهيئة المصرية‬
‫العامة للكتاب – ‪1969‬‬
‫‪ -2‬الخيال العلمي في األدب – محمد عزام – دار‬
‫طالس – ‪1994‬‬
‫‪ -3‬علم الخيال ومستقبل اإلنسان‪ ،‬الطيب الجويلي‬
‫– تونس – ‪.1996‬‬
‫< صدر حديث ًا عن مؤسسة عبدالرحمن‬
‫السديري اخليرية‬

‫‪ -6‬لم يتمكن كتّاب الخيال العلمي من اجتذاب القراء‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪41 1427‬‬

‫تنمية التفكير واملوهبة عند األطفال‬
‫> محمد صوانه‬
‫أي��ن يكمن السر في تنمية ط��رق التفكير والكشف عن المواهب الكامنة لدى‬
‫األطفال؟ إنه االبتــداء! فالخطوات األولى للطفل في اكتشاف وتلمّس ما يشاهده‪،‬‬
‫تعطيه االنطباع األول عما حوله؛ فإذا تابعه والداه‪ ،‬ووفّرا له البيئة المناسبة للتعبير‬
‫عما في نفسه‪ ،‬ودفعاه نحو إثبات قدراته‪ ،‬وإطالق العنان لطاقاته؛ فإنه سيستمر في‬
‫االرتـقاء‪.‬‬
‫يولد اإلنسان‪ ،‬وهو يحمل تشكيلة متنوعة من الصفات الوراثية من والديه‪ ،‬مع‬
‫اختالفات بين شخص وآخر‪ ،‬حتى بين األشقاء في األسرة الواحدة‪ .‬ويعد الذكاء‪،‬‬
‫من أهم الصفات المرغوبة لدى اآلباء واألمهات ويتمنون أن يولد لهم أبناء أذكياء‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن يكتسب كل مولود نسبة معينة من الذكاء‪ ،‬ولكن المؤكد أن القدرة‬
‫على التفكير لدى الطفل يمكن تنميتها وتعهدها بالرعاية من قبل الوالدين أو من قبل‬
‫القائمين على رعاية الطفل وتعليمه‪.‬‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪42‬‬

‫وألهمية أن يمتاز األبناء بالذكاء والفطنة‪ ،‬والقدرة على تحليل األم��ور والربط‬
‫بينها‪ ،‬وتدبّر أمورهم بأنفسهم‪ ،‬برع علماء الرياضيات في ابتكار المسائل الرياضية‪،‬‬
‫التي تدرّب التالميذ على إعمال تفكيرهم وإطالق طاقاتهم الذهنية‪ .‬ولذا‪ ،‬نجد في‬
‫الفصول الدراسية أن التالميذ يتفاضلون في معظم المواد الدراسية‪ ،‬ولكن مادة‬
‫الرياضيات‪ ،‬تكتسب األهمية األكبر في تحديد مستويات الذكاء والفطنة‪ ،‬والقدرة‬
‫على التفكير‪ ،‬وإيجاد الحلول والبدائل للمسائل الرياضية المتنوعة‪.‬‬
‫لقد تنبّه العلماء اليابانيون ألهمية ذلك؛ فاعتمدوا وسائل عديدة لتعليم األطفال‬
‫طرائق العصف الذهني‪ ،‬وأخذوا يعقدون لهم جلسات خاصة في الفصول الدراسية‪،‬‬
‫لتعلم الوسائل واألساليب‪ ،‬التي من شأنها أن تسهم في تنمية طالقة التفكير لديهم‬
‫منذ الصغر‪ .‬و َم َن ْمِ نَّا يُنكر مدى التقدم العلمي الهائل‪ ،‬الذي حققه اليابانيون في‬
‫مختلف مجاالت العلم والصناعة اإللكترونية؟ وما كان ذلك ليتحقق لوال وجود تقنية‬
‫تعليمية متقدمة في المدارس والمعاهد العلمية والجامعات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫إن مؤسسات التربية والتعليم الحكومية منها واألهلية‬
‫في الوطن العربي‪ ،‬مدعوة إلى األخذ باألسباب المؤدية‬
‫إلى تنمية الميول اإلبداعية عند األطفال‪ ،‬وإي�لاء هذه‬
‫المهمة إلى مؤسسات وهيئات متخصصة تعنى بتوفير‬
‫ال��وس��ائ��ل واإلم�ك��ان�ي��ات ال�لازم��ة ل�لأط�ف��ال‪ ،‬بشكل عام‪،‬‬
‫والموهوبين‪ ،‬بشكل خاص؛ فاالهتمام ينبغي أن ال يقتصر‬
‫على الموهوبين‪ ،‬فال يمكن معرفة متى تتطور المواهب؟‬
‫ومتى تبرز عند األطفال؟ لذا‪ ،‬فان التركيز على فئة دون‬
‫أخرى‪ ،‬يحرم المجتمع من مواهب‪ ،‬قد تضمحل أو تخبو‬
‫إذا أهملت‪ ،‬وبالتأكيد فإنها ستنضج وتثمر‪ ،‬إذا وجدت‬
‫العناية الالزمة‪.‬‬
‫وم��ن التوصيات التي يجدر أخذها بعين االهتمام‬
‫والرعاية‪ ،‬في هذا المجال ما يأتي‪:‬‬
‫‪ .1‬أن يتكامل دور البيت مع المدرسة‪ ،‬في رعاية وتنمية‬
‫طالقة التفكير لدى األطفال منذ سنوات عمرهم ‪ .6‬تأسيس هيئة رسمية خاصة تتولى رعاية األطفال‬
‫المتميزين والموهوبين وتشجيعهم‪ ،‬من خالل االهتمام‬
‫األولى‪ ،‬ويمكن عقد برامج موجهة لآلباء واألمهات‬
‫بإبداعاتهم وتوفير المناخ المالئم لتطويرها‪ ،‬وتقديم‬
‫في هذا المجال‪.‬‬
‫الحوافز المناسبة لهم‪.‬‬
‫‪ .2‬توفير برامج تدريبية للمعلمين‪ ،‬متخصصة في وسائل‬
‫تطوير اإلبداع عند األطفال‪.‬‬

‫‪ .3‬أن تتولى المؤسسات العلمية ابتكار الوسائل واألدوات‬
‫الالزمة لتهيئة المناخ المالئم لهذا التوجّ ه‪ ،‬وتتعهده‬
‫بالرعاية والدعم المادي والمعنوي‪.‬‬

‫‪ .7‬تنظيم مهرجانات سنوية‪ ،‬للمبدعين من األطفال‪ .‬تعرض‬
‫فيها إبداعاتهم‪ ،‬ويدعى لحضورها طلبة المدارس‬
‫في المراحل العمرية‪ ،‬ويجري التحضير لها بشكل‬
‫متكامل‪ .‬ويمكن إقامة محاضرات ون��دوات يشارك‬
‫فيها متخصصون ف��ي مختلف ال�ع�ل��وم ذات الصلة‬
‫باإلبداع واالختراعات‪ ،‬واستضافة بعض المبدعين‬
‫الكبار لعرض تجاربهم الشخصية أمام األطفال‪.‬‬

‫‪ .4‬قيام المؤسسات ذات العالقة بدور ريادي‪ ،‬في تطوير‬
‫برامج متلفزة لألطفال‪ ،‬يشرف عليها متخصصون في‬
‫مجال تنمية التفكير واإلبداع‪ ،‬وتوفير آليات التواصل‬
‫إن إنتاج وإدارة برامج ريادية تُعنى بتنمية التفكير‬
‫الفاعل مع األطفال في هذه البرامج الهادفة‪ ،‬نظراً‬
‫إلقبال األطفال على متابعة البرامج الموجهة لهم‪ ،‬وإشاعة روح اإلبداع عند األطفال؛ من شأنها‪ ،‬بإذن الله‪،‬‬
‫لما فيها من ترفيه وتشويق‪.‬‬
‫أن تسهم في إخراج أجيال أقدر على مواجهة تحديات‬
‫‪ .5‬تشجيع نشر الكتب المصورة‪ ،‬وقصص أدب األطفال المستقبل‪ ،‬ال بل أقدر على صناعة الحياة‪ ،‬أجيال فاعلة‪،‬‬
‫التي تعنى بتنمية التفكير‪ ،‬والكتيبات الخاصة بعرض تضم مبتكرين ومبدعين ومبادرين‪ ،‬ال منفعلين مقلدين‬
‫قصص المبتكرين والمتميزين من العلماء‪ ،‬بأسلوب يكتفون بالتلقي‪ .‬والفرق ‪ -‬بال شك ‪ -‬كبير بين الحالتين؛‬
‫شيّق ومناسب لمرحلة الطفولة‪ ،‬وتوفيرها بأسعار كما أن الجهد المبذول في االت�ج��اه الجديد لن يكلف‬
‫ال عن توفيرها في المكتبات المدرسية‪ ،‬الكثير‪ ،‬إذا توافر اإليمان ب�ج��دواه‪ ،‬جنباً إل��ى جنب مع‬
‫مناسبة‪ ،‬فض ً‬
‫المبادرة والحكمة في التنفيذ‪.‬‬
‫ومكتبات األطفال العامة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪43 1427‬‬

‫ماذا أقول له؟!!‬

‫نزارية حترض على احلب‬

‫> فارس الروضان‬

‫لشعر ن��زار قباني نكهة‪ ،‬كنكهة ال�ب��ن‪ ..‬وعطر‪،‬‬
‫كأريج الخزامى‪ ..‬حين تقرأ له نصاً تشعر أنك أمام‬
‫بناء أندلسي‪ ..‬احترنا أي نص سنقرأ إذ إن الخيارات‬
‫أكثر من التصور‪ ،‬ولكن مركبنا رسى فجأة على رائعته‬
‫"ماذا أقول"؛ فكانت هذه المحاولة‪ ،‬لقراءة المعاني ال‬
‫قراءة اللغة‪ ..‬محاولة لتبسيط النص‪..‬‬
‫بداية‪ ،‬يتميز ه��ذا النص الجميل اإلب��داع��ي‪ ،‬إذ‬
‫كان ن��زار ينقل شعور الحبيبة التي تعاني الهجر‪..‬‬
‫ويستعرض الصراعات المتتالية التي تعيشها‪ ،‬قبل‬
‫أن تصل إلى القرار‪ ..‬ثم يختتم النص برأي استثنائي‬
‫عن الحب‪..‬‬
‫ماذا أقول له لو جاء يسألني‪...‬‬
‫إن كنت أكرهه أو كنت أهواه؟‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪44‬‬

‫(ماذا أقول له؟) بداية استفهامية مملؤة بالبراءة‪..‬‬
‫ماذا أقول له لوجاء يسألني‪ ..‬وأي سؤال (إن كنت‬
‫اكرهه أو كنت أهواه)‪ ..‬حيرة محب غارق في الهوى‬
‫ال في ال �ك��ره‪ ..‬وحتى وان تسرب شك في الهوى‪،‬‬
‫هناك محطات يخشاها هذا المحب‪ ،‬إن عاشها فال‬
‫مجال لغير الهوى ومنها‪..‬‬
‫ماذا أقول‪ ،‬إذا راحت أصابعه‬

‫المحب يعيش لحظة صعبة التخاذ أي قرار !!‪ ..‬ثم‬
‫تتواصل األسئلة‪..‬‬
‫وكيف أسمح أن يدنو بمقعده؟‬
‫وأن تنام علي خصري ذراعاه؟‬
‫االستفهام (وكيف اسمح) إب��راز لحجم الحيرة‪،‬‬
‫فأحيانا نملك القرار‪ ،‬ولكننا ال نملك القدرة على‬
‫اتخاذه! ثم يتواصل الوصف (وأن تنام علي خصري‬
‫ذراعاه) الحظوا هنا التالعب في األلفاظ وتصوروا‬
‫رس��م المعنى‪( ..‬ذراع) يغفو على خصرها فكلمة‬
‫(تنام) إبهار في المعنى وعمق في الخيال‬
‫غداً إذا جاء‪ ..‬أعطيه رسائله‬
‫ونطعم النار أحلي ما كتبناه‬
‫هنا يحدث تحوّل‪ ..‬وإصرار على اتخاذ القرار‪..‬‬
‫في محاولة للخروج من المؤثرات بإبعاد الرسائل‬
‫ثم (ونطعم النار أحلى ما كتبناه) أنها محاولة غير‬
‫صادقة‪ ،‬وإال لماذا ال تطعم النار من دون حضوره؟‬
‫غير أن�ه��ا ح�ي��رة وق ��رار يتوهمان بالميل إل �ي��ه‪ ،‬ثم‬
‫تتواصل األسئلة‪..‬‬
‫حبيبي ! هل أنا حقا حبيبته؟‬
‫وهل أصدق بعد الهجر دعواه؟‬

‫تلملم الليل عن شعري وترعاه؟‬
‫اذاً‪ ..‬بدأت األسباب تتضح‪ ..‬إنها تعاني الهجر‪..‬‬
‫هنا أول المحطات‪( ..‬إذا راحت أصابعه‪ ..‬تلملم وم��ع ذل��ك هي تقول (حبيبي)‪ ،‬ولكن هل حقا هي‬
‫الليل عن شعري وترعاه) ويبرز هنا اإلبداع اللفظي‪ ..‬حبيبته؟ وإن كانت كذلك هل سيسمح لها الهجر‬
‫واالس �ت �ع��ارة المدهشة‪ ..‬وك��ل ذل��ك تأكيد على أن بتصديق هذا االدعاء؟‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أما انتهت من سنين قصتي معه؟‬
‫ألم تمت كخيوط الشمس ذكراه؟‬
‫ويستمر سيل األسئلة في الجريان‪ ..‬بيد أن الحبيبة‪،‬‬
‫وهي تتساءل إلقناع نفسها بانتهاء القصة‪ ،‬تتجه لضرب‬
‫مثل هش‪ ..‬مثل يبعث األمل وال يقطع الرجاء‪ ..‬فخيوط‬
‫الشمس ال تموت فهي‪ ،‬وان خنقها الظالم‪ ،‬ما تلبث أن‬
‫تمتد وتشرق وتبسط حرارتها على الكون‪.‬‬

‫وتنهار الحبيبة‪ ،‬بعد كل المحاوالت الهشة للهروب‪..‬‬
‫فما فات من مقدمات ليس سوى حديث اللسان‪ ،‬وليس‬
‫حديث القلب وها هي تستسلم وتتفقد نفسها للقاء‬
‫!!‪..‬‬
‫أأدعي أنني أصبحت أكرهه؟‬
‫وكيف أكره من في الجفن سكناه؟‬

‫إذا انتهى زمن التلميح وجاء اإلعالن الصادق كسيل‬
‫أما كسرنا كؤوس الحب من زمن‬
‫ه��ادر‪( ..‬أأدع��ي أنني أصبحت أك��ره��ه)‪ ،‬نعم فكل ما‬
‫فكيف نبكي علي كأس كسرناه؟‬
‫تقدم هو ادعاء وتعترف أنها (كيف تكره من في الجفن‬
‫ثم تحاول الحبيبة التأكيد على أن الحب قد كسر‪ ،‬سكناه)؟‬
‫وما الفائدة من البكاء على ذكرى كأس كسرت؟ وكل‬
‫وكيف أهرب منه؟ إنه قدري‬
‫ذلك محاولة للتعلق بعذر هش‪!!..‬‬
‫هل يملك النهر تغييرا لمجراه؟‪..‬‬
‫رباه‪ ..‬أشياؤه الصغرى تعذبني‬
‫وتبدأ بإيجاد المبررات‪ ،‬باعتبار أن الحب هذا‪،‬‬
‫فكيف أنجو من األشياء رباه؟‬
‫ليس س��وى ق��در‪ ،‬ال يمكن لها التحرر منه‪ .‬ولزيادة‬
‫وهنا يبدأ ال �ص��دق‪ ..‬رب ��اه‪ ..‬استعانة بالله وعلى اإلقناع ك��ان أن ج��اءت بمثل (ه��ل يملك النهر تغييراً‬
‫ماذا‪ ..‬على األلم الذي يقتلها أو يكاد‪ ..‬فبافتراض أن لمجراه)؟!!‪..‬‬
‫كل الرغبات‪ ،‬كانت جادة للرحيل والنسيان‪ ..‬ما العمل‬
‫أحبه‪ ..‬لست أدري ما أحب فيه‬
‫باألشياء الصغيرة التي تشعل حبها كجمرة يوقدها‬
‫حتى خطاياه ما عادت خطاياه‬
‫الريح؟‪ ..‬استجداء للنجاة ولكن أين النجاة؟!‬
‫بيت ال يحتاج إلى مزيد من التعليق وإن كان ما يليه‬
‫هنا جريدته في الركن مهملة‬
‫يملك اإلجابة‬
‫هنا كتاب معاً‪ ..‬كنا قرأناه‬
‫الحب في األرض‪ ..‬بعض من تخيلنا‬
‫ويبدأ الحصر‪ ..‬جريدته‪ ،‬والح��ظ كيف الوصف‪:‬‬
‫لو لم نجده عليها‪ ..‬ال اخترعناه‬
‫(في الركن مهملة)‪ ..‬كأنك تشاهد صورة حية‪ ،‬لموقع‬
‫تشير إليه‪( ..‬هنا كتاب) معاً كنا قرأناه‪ ..‬إنها حالة‬
‫نعم‪ ..‬وهذا البيت هو من أجمل ما كتب في الحب‬
‫تلبس واستسالم‬
‫على األقل برأيي الشخصي‪..‬‬
‫علي المقاعد بعض من سجائره‬
‫وبهذا اإلبداع والمطر‪ ،‬ينهي نزار ملحمة الحب أو‬
‫وفي الزوايا‪ ..‬بقايا من بقاياه‪..‬‬
‫ملحمة الصراع‪ ،‬بين القلب والعقل‪ ..‬بين الحب والال‬
‫وي�ت��واص��ل الحصر‪ ،‬وتعقب أش �ي��اؤه كلها‪ ..‬بعض حب‪ ..‬بين الممكن والمستحيل‪..‬‬
‫السجائر‪ ..‬وفي الزوايا بقايا من بقاياه‪ ..‬وصف في‬
‫إن��ه ن��ص أعظم م��ن أن نقف عند أط��راف��ه‪ ..‬نص‬
‫غاية العذوبة‪ ،‬وتالعب خطير في المفردات‪ ..‬وتصوير خ�ل�اق‪ ..‬مبهر‪ ..‬يجعل ال�ش�ع��راء يعيدون النظر في‬
‫تكتف بالبقايا بل بحتى بقاياه‪..‬‬
‫ِ‬
‫حالة الحب التي لم‬
‫شعرهم‪ ،‬كلما فكر أحدهم أن يكتب عن الحب كما‬
‫كتب هذا الدمشقي‪..‬‬
‫مالي أحدق في المرآة‪ ..‬أسألها‬
‫بأي ثوب من األثواب ألقاه‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪45 1427‬‬

‫وقفات ‪..‬‬
‫> عمر محفوظ‬

‫مع اإلبداع األدبي‬
‫مع التجربة الشعرية في المملكة العربية السعودية‪ ،‬تكون العالقة بين اإلبداع‬

‫والثقافة والمجتمع‪ ،‬عالقة متداخلة ومعقدة‪ ،‬ال ت��درك‪ ،‬إال بحاسة نقدية نافذة‬

‫ومدربة‪ .‬وبما أن العمل األدبي هو إدراك جمالي للواقع‪ ،‬الذي نعيشه من طفرات‬
‫اقتصادية وأدبية واجتماعية غيّرت تغييراً جذرياً في بنية الحياة المجتمع وما‬

‫قادت إليه من أنماط سلوكية واتجاهات في التفكير واإلبداع‪ ،‬فإن أي إبداع أدبي‪،‬‬
‫ال بد أن يتحرك في مجاالت ثالثة‪ :‬المجال الزمني‪ ،‬والمجال المكاني‪ ،‬والمجال‬

‫الجمالي‪ .‬ويجب أن يكون ه ُّم الناقد‪ ،‬التركيز على تجليات الوعي الكلي والتشكيل‬

‫الجمالي لهذه الرؤية‪ ،‬التي تتفاعل مع ثقافة العصر ال��ذي يعيشه‪ ،‬ومع نسيجه‬

‫االجتماعي الذي يحياه‬

‫ولعلنا نلمس أن التجربة الشعرية‪ ،‬منذ بدايات العصر الحديث‪ ،‬قد مرت بمراحل‬

‫ن�����واف�����ذ‬
‫‪46‬‬

‫ثالث؛ من اإلحياء والبعث‪ ،‬إلى الرومانسية والوجدان‪ ،‬إلى التجديد والتغيير‪ .‬ونرى‬
‫أنه ليس ثمة فواصل كبيرة بين هذه المراحل‪.‬‬

‫أما الدراسات‪ ،‬التي عُنيت بالتركيز على جماليات القصيدة العربية؛ فإنها تناولت‬

‫قصيدة التفعيلة؛ منظّ رة لها ومحدّدة أشكالها‪ ،‬كما هو الحال عند نازك المالئكة أو‬

‫عز الدين إسماعيل وصالح فضل؛ ونالحظ في كتاب جماليات القصيدة المعاصرة‬

‫للدكتور طه وادي‪ ،‬أنه قارب بين اإلحيائيين والرومانسيين والحداثيين‪ ،‬عبر نماذج‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫شعرية‪ ،‬تبدأ من الزبيري في اليمن‪ ،‬وتنتهي بأمل‬

‫دنقل في مصر‪،‬‬

‫وم��ن الجدير بالذكر هنا‪ ،‬فيما يتعلق بالتجربة‬

‫الشعرية السعودية‪ ،‬دراسة الدكتور عبد الله الحامد‪،‬‬

‫وال��دك�ت��ور عبد ال�ل��ه ال�غ��ذام��ي‪ ،‬ود حسن الهويمل‪،‬‬
‫ود محمد صالح الشنطي في كتابه القيم التجربة‬

‫الشعرية الحديثة ف��ي المملكة العربية السعودية‬

‫دراسة نقدية رؤية وشهادة‪ ،‬وهو من ثالثة مجلدات‪،‬‬
‫ولعلها ال��دراس��ة المتكاملة حتى اآلن من النواحي‬
‫الثالث‪ :‬المنهج واألسلوب والهدف‪.‬‬

‫وكانت بداية الحداثة‪ ،‬مع األستاذ محمد حسن‬

‫العواد‪ ،‬من خالل تجربته المبكرة‪ ،‬لكسر عمود الشعر‬
‫في بداية العشرينات (‪1924‬م)‪ ،‬بعنوان‪" :‬خطوة الى‬
‫االتجاه العربي"‪:‬‬

‫لقد آن أن تستحيل المدامع‬
‫لنعش روح األمل‬
‫ثم الق بها نظرة للنجوم‬
‫نريك أشعة نجم‬
‫يضئ بليل بهيم‬
‫أم��ا مخاض السبعينات‪ ،‬فنرى الشاعر محمد‬

‫العلي‪ ،‬حيث توافرت عوامل عدة‪ ،‬ساعدت على والدة‬

‫تيار جديد في استقبال التجربة الشعرية‪ ،‬من الطالب‬

‫العائدين من الدراسة في الخارج‪ ،‬أمثال‪ :‬د‪ .‬منصور‬

‫الحازمي‪ ،‬ود‪ .‬عزت خطاب‪ ،‬ود‪ .‬محمد الشنطي‪.‬‬
‫وفي توسيع دائرة تقبّل القاريء للنص األدبي‪ ،‬عند‬

‫الشاعر د‪ .‬غازي القصيبي‪ ،‬والشاعرة د‪ .‬فوزية أبو‬

‫خالد وعند الشاعر سعد الحميدين‪ ،‬وأحمد الصالح‪،‬‬

‫أهم مركز تأثير محلي‪ ،‬لتطور القصيدة السعودية‪.‬‬

‫مع الغذامي رائد النقد العربي الحديث‬
‫ال يمكن لنا أن نغفل مع التجربة الشعرية الحديثة‬

‫في المملكة‪ ،‬رائد النقد وشيخ النقاد العرب الدكتور‬
‫عبد الله الغذامي‪ ،‬صاحب اإلنتاج الغزير‪ ،‬بداية من‬

‫الخطيئة والتكفير‪ ،‬إلى النقد الثقافي؛ إذ حدّ د في‬
‫مقدمة كتابه األول"الخطيئة والتكفير" منهجه ونَفَسَ ه‪،‬‬

‫في تناوله ألعمال التجربة الشعرية؛ فيقول‪:‬‬

‫(ولذلك احترت أمام نفسي‪ ،‬وأمام موضوعي‪،‬‬

‫ورح��ت أبحث عن نموذج أستظل بظله ومحتمياً‬

‫بهذا الظل‪ ،‬عن وهج اللوم المصطرع في النفس‪،‬‬
‫ك��ي ال أج�ت��ر أع�ش��اب األم ��س‪ ،‬وأج�ل��ب التمر إلى‬

‫هجر‪.)..‬‬

‫إلى أن قال‪( :‬وخير وسيلة للنظر في حركة النص‬

‫األدب ��ي وس�ب��ل ت �ح��رره‪ ،‬ه��ي االن �ط�لاق م��ن م�ص��در ه‬

‫اللغوي)‪.‬‬

‫دون إغ �ف��ال ثقافة المتلقي للنص األدب���ي‪ ،‬أي‬

‫ال�ق��راءة الحرة القائمة على النظام السيميولوجي‬
‫المختلف‪ ،‬والتي تتحرك داخ��ل النص كالسراب‪" :‬‬

‫نظريته التشريحية "‪ ،‬إلى أ ن وصل بالتجربة الشعرية‬

‫بالمملكة‪ ،‬إل��ى النقد الثقافي ف��ي كتابه‪ " :‬النقد‬
‫الثقافي قراءة في األنساق الثقافية "؛ حيث أوضح‬

‫فيه د‪ .‬الغذامي أن النقد الثقافي فرع من فروع نقد‬

‫النصوص العام‪ ،‬ومن ثَ َّم فهو أحد علوم اللغة‪ ،‬التي‬
‫تقوم بنقد األن�س��اق المضمرة‪ ،‬الني ينطوي عليها‬

‫الخطاب الثقافي‪ ،‬بكل تجلياته وأنماطه وصيغه‬

‫ومهمة النقد الثقافي‪ ،‬كشف المخبوء من تحت‬

‫وعلي الدميني‪ ،‬ومحمد الثبيتي‪ ،‬وغيرهم من جيل أقنعة الكلمات‪ ،‬ومجاله النص‪ ،‬الذي يحمل النسق‬
‫السبعينات‪ .‬وحقا كان لألديب الناقد محمد العلي‪ ،‬الثقافي للمجتمع‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪47 1427‬‬

‫بني حب العمل وواقعه‬

‫> عقال فالح الفهيقي ‪ -‬اجلوف‬
‫العمل أمر مقدس‪ ،‬حثت ورغّ بت به جميع الشرائع واألديان السماويه‪ ..‬وقد جاء‬
‫اإلسالم وجعل العمل من أقدس واجبات المسلم الحياتية؛ وأمراً يتعبد به العب ُد‬
‫الصالح ربه تبارك وتعالى‪ .‬قال تعالى‪(( :‬وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله‬
‫والمؤمنون))‪ .‬وهذه اآلية الكريمة‪ ،‬فيها حث ليس فقط على العمل‪ ،‬بل على إتقانه‬
‫ال يقوم به المرء‪ ،‬ليقتات منه‬
‫ال بالعبادات‪ ،‬أم عم ً‬
‫ال روحانياً متص ً‬
‫سواء كان عم ً‬
‫وينفع به المجتمع‪..‬‬
‫وقد رغّ ب اإلسالم بالعمل وحث عليه بآيات كريمة‪ ،‬ونصوص من السنة المطهرة‪،‬‬
‫قال [‪( :‬من بات كاالً من عمل يده بات مغفوراً له)؛ فأي كرامة بعد هذه الكرامة‬
‫للمرء المسلم‪.‬‬

‫ن������واف������ذ‬
‫‪48‬‬

‫وفي العمل والمحافظة على وقته نهضة األمم وبناء الحضارات؛ وال عجب فقد‬
‫كان شعار الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر هو (دعه يعمل دعه يمر)‬
‫وبالتالي فنحن كمسلمين أولى بأن نكون مثاالً يحتذى به في حب العمل والمحافظة‬
‫على وقته؛ ونعد ذلك عباده نتعبد الل َه بها‪ ..‬ونحصل على أجري الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫إال أن المالحظ‪ ،‬وبكل أس��ف‪ ،‬هو غياب هذا المفهوم لدى بعض الناس في‬
‫مجتمعاتنا‪ ،‬والربط الدائم بين واق��ع العمل وحبه‪ ..‬فكثيراً ما نبرر‪ ،‬في عالمنا‬
‫العربي‪ ،‬الغياب المتكرر عن العمل‪ ،‬وعدم اإلنتاجية أثناء التواجد في مقر العمل‪،‬‬
‫والتذمر‪ ،‬أقول كثيرا ما نبرر ذلك بالوضع الوظيفي‪ ،‬والراتب المتدني‪ ،‬أو الدرجة‬
‫الوظيفية‪ ،‬أو التأخّ ر في الترقية‪ ..‬وغير ذلك من التبريرات‪ ،‬التي ال يقرها الدين‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الحنيف‪ ،‬وال يجب أن يقبلها المسلم على نفسه؛‬
‫فمن أخذ األجر حاسبه الله على العمل‪ ...‬ولو عمل‬
‫أحدنا في صخرة صماء‪ ،‬ألظهر الله عمله للناس‬
‫وهذا يعزز مفهوم اإلخالص في العمل‪ ،‬وكيف يرتقي‬
‫بصاحبه إلى مواقع متقدمه؟‬
‫وال ننكر أن هناك بعض األخطاء والممارسات‬
‫تقع هنا وهناك على بعض العاملين‪ ،‬في مختلف‬
‫مواقع العمل‪ ،‬التي تكون غير مقصودة غالباً‪ ..‬وال‬
‫ننكر أن كل عامل أو موظف لديه طموح‪ ،‬وهو غالباً‬
‫يقارن نفسه باآلخرين‪ ،‬وهذا حق مشروع للجميع؛‬
‫ولكن المؤكد أن تلك المطالب‪ ،‬ال يجب أن تكون‬
‫أبداً مبرراً للكسل والتراخي‪ ،‬وإهدار الوقت وضعف‬
‫االنتماء للعمل‪ ..‬فك ٌل ميس ٌر لما خلق له ولكن يجب‬
‫بذل األسباب‪.‬‬
‫ويكفي العامل في شركه أو الموظف في قطاع التثقيف المركز من الجميع‪ ،‬من خالل وسائل إعالم‬
‫حكومي شرفاً وع��زة‪ ،‬أن يشعر بالرضا عن نفسه‪ ،‬مرئية ومسموعة وكتب علميه‪..‬لنشر ثقافة حب‬
‫أوالً وق �ب��ل ك��ل ش ��يء‪ ،‬وش �ع��وره ب��أن��ه إن �س��ان منتج العمل كقيمة‪ ،‬والتفريق بين واقع العمل وحبه‪.‬‬
‫في منظمته (مؤسسته)‪ ،‬وأن��ه إنسان فاعل‪ ،‬وذوا‬
‫ونالحظ أن بعض الناس يمارس مهنة بسيطة‪،‬‬
‫إسهامات إيجابية‪ ،‬وبهذا فقط ستشعر أنك معادله‬
‫لا قليالً‪ ،‬ولكنه يحبها ويبدع فيها!‬
‫وت��در عليه دخ� ً‬
‫صعبه ف��ي ع �م �ل��ك!!! ول�ي��س م�ج��رد رق��م ج��ام��د ال‬
‫يُفاد منه‪ ..‬وهنا مطلبنا دائما وأب��دا بالتفريق بين وقد ينبثق من هذا الحب شيء مهم يفيد المجتمع‪،‬‬
‫حب العمل وواقعه؛ فأنت تحب العمل لقيمته في وم��ا أحوجنا لذلك في وق��ت تقدم علينا اآلخرون‬
‫أي شركة أو مؤسسة؛ فالحب هو الحب أينما كان‪ ،‬بترسيخ هذا المفهوم ومأسسته في ثقافتهم‪ ،‬ونحن‬
‫وإذا ترسخ هذا المفهوم في أي منظومة مجتمعيه أول��ى بذلك؛ إذ إننا أمه ذات حضارة ومجد تليد‪،‬‬
‫سيكون له أبلغ األثر في رقيها وتقدمها نحو التطور وما علينا هو فقط استشعار المسؤولية‪ ،‬وأن يعلم‬
‫واإلنتاجية‪ ..‬وبهذا ننافس اآلخرين بأناس يحبون كل فرد في هذا المجتمع أنَّ عليه مسؤوليه أمام‬
‫العمل ويقدسونه ويعتبرونه قيمه ف��ي أي مكان‪ .‬الله وأم��ام والة أم��ره‪ ،‬في تعجيل المركبة وإسراع‬
‫وبهذا فقط سنرتقي وسنكون ذوي فاعليه وكفائه ال�م�س�ي��رة ن�ح��و ال �ت �ق��دم‪ ،‬م��ن خ�ل�ال إخ�لاص��ه في‬
‫في األداء‪.‬‬
‫عمله وتنمية الرقابة الذاتية النابعة من استشعار‬

‫والمورد البشري المحب للعمل والمتشبع بهذه المسئولية بضمير حي وي�ق��ظ‪ ..‬وه��ذا كله بفضل‬
‫الثقافة هو خير سالح للتقدم الحضاري والمنافسة الحب؛ فالحب أينما تضعه فهو جميل وينبت ويثمر‬
‫ال�ح�ق��ة وال ي�ت��أت��ى ذل��ك إال ب�خ�ط��وات ج �ب��ارة نحو وروداً وأزهاراً ونهضة كبرى‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪49 1427‬‬

‫الشاعرة فوزية أبو خالد‪:‬‬

‫قصيدة النثر أثبتت أن شكال ً شعريا ً جديدا ً‬
‫طاملا جرى التشكيك في مشروعيته‬
‫استطاع استيعاب املوروث الشعري‬

‫> حوار‪ /‬رئيس التحرير‬
‫لم تُثر تجربة شعرية في المملكة العربية السعودية والخليج العربي لبساً‪ ،‬في‬
‫تلقيها‪ ،‬وتبايناً‪ ،‬في نقدها‪ ،‬مثلما أثارته تجربة الشاعرة السعودية فوزية أبو خالد‪،‬‬
‫وعبّرت عنه في مسيرتها الشعرية‪ ،‬التي تمتد ألكثر من ثالثين عاماً‪.‬‬
‫إذ بقدر ما تعبّر تجربة الدكتورة فوزية أبو خالد عن نفسها بكثير من الصور‪،‬‬
‫انطالقاً من تجربتها المميزة في الكتابة واإلبداع لمختلف أشكال الكتابة اإلبداعية‪،‬‬
‫بقي الشعر هو الغواية األولى‪ ،‬واللون األدبي المفضل للشاعرة فوزية‪.‬‬
‫فمنذ انطالقتها الشعرية‪ ،‬عبر مولودها الشعري األول‪ ،‬ظلت فوزية وفيّة للشعر‪،‬‬
‫تُخرج من خزانتها المليئة باألسرار واألسئلة‪ ،‬قصائدها التي تل ّو ُن المشه َد الشعري‪،‬‬
‫وتزيده تألقاً‪.‬‬

‫م��واج��ه��ات‬
‫‪50‬‬

‫غنَّت في قصائدها‪ ،‬وفاجأت قراءَها‪ ،‬بلغة رشيقة معبرة في بعض قصائدها‪،‬‬
‫وج��اءت بقصائد مكثفة‪ ،‬حيناً وبقصائد مطولّة أحياناً أخ��رى‪ .‬تجيء حاملة في‬
‫قصائدها كل الذكريات الحميمة‪ ،‬لتستعي َد الخنسا َء وكأنها ترثي بقصائدها كل‬
‫األع��زاء‪ ،‬الذين افتقدناهم في مرحلة ما من حياتنا‪ ،‬لنعود معها نتذكرهم‪ ،‬ونعيش‬
‫معهم في حلم ال ينتهي مع قصائدها‪.‬‬
‫وعلى الرغم من تجارب الشاعرة اإلبداعية‪ ،‬التي تتجاوز الشعر‪ ،‬إلى كتابة المقاالت‬
‫السياسية واإلبداعية والكتابة لألطفال؛ آثرنا أن نتحدث في حوارنا إلى الشاعرة‬
‫الكبيرة الدكتورة فوزية أبو خالد‪ ،‬عبر مفاصل تجربتها الشعرية وتحوالتها‪ ،‬والمرحلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الفاصلة بين ديوانها األول‪" :‬إلى متى يختطفونك ليلة‬
‫العرس" وديوانها األخير "شجن الجماد"‪ ،‬بوصفهما‬
‫من أهم التجارب في حياة الشاعرة‪ ،‬ويمثالن السمة‬
‫التي ميزت مسيرتها اإلبداعية‪ ،‬وطبعت صورتها على‬
‫خارطة الشعر‪ ،‬وعلى الخارطة الثقافية في المملكة‬
‫والوطن العربي‪ ،‬كرائدة لشعر النثر‪.‬‬
‫وفيما يلي نص الحوار‪:‬‬
‫< مفاصل التجربة الشعرية وتحوالتها عند فوزية‬
‫أب��و خالد‪ ،‬كيف تنقّلت؟ وكيف ترين ه��ذه المرحلة‬
‫الفاصلة بين ديوانك األول‪" :‬إل��ى متى يختطفونك‬
‫ليلة العرس" وديوانك األخير "شجن الجماد"؟‪.‬‬
‫> اسمح لي أن أسمي ما تسميه أن��ت بتمرحل‬
‫تجربتي ال�ش�ع��ري��ة م��ن دي��وان��ي األول إل��ى ديواني‬
‫األخير‪ ،‬الذي ليس بأخير بإذن الله‪ ،‬بتحوالت الريح‪،‬‬
‫أو رحلة الحفر في جوف الصحراء ورمالها‪ ،‬بحثاً‬
‫عن مفاجأة ال�م��اء‪ .‬وإال‪ ،‬م��اذا يعني أن تتجرأ بنت‬
‫في الرابعة عشرة‪ ،‬لم تمد رأسها بعد خ��ارج حجر‬
‫هضبة نجد وجبروت سلسلة سروات الحجاز‪ ،‬لتسأل‬
‫ذلك السؤال الوجودي واالجتماعي االشكالي‪ :‬إلى‬
‫متى يختطفونك ليلة العرس؟ لو لم تكن أحصنتها‬
‫قد اكتسبت ملكة الجموح‪ ،‬في ذلك العمر المبكر‪،‬‬
‫عبر مواجهة االرتحال‪ ،‬في فلوات غير مأهولة إال‬
‫بالمخاطر وشجاعة غرة‪ ،‬لمخالفة قانون الجاذبية‪،‬‬
‫ولمخاتلة جبروت الجفاف!‬
‫لعل منّا م��ن يتنكر‪ ،‬أو يستسلم لمكر الذاكرة‪،‬‬
‫عندما نحاول أن ننسى أو نتجنب قيافة أث��ر تلك‬
‫العالقة المشيمية‪ ،‬بين ما يحمله الشعر في مراحله‬
‫وأشكاله المتعددة من شهوة الماء‪ ،‬وبين إرثنا في‬
‫حفريات االرت �ح��ال‪ ،‬حيث الهبوب وليس االناخة‪،‬‬
‫والسفر وليس االستقرار‪ ،‬والقافلة وليس القبيلة هي‬
‫الوطن‪ .‬وحيث السؤال وليست اإلجابات المسبقة أو‬
‫الالحقة‪ ،‬هو بوصلة قياس سرعة الريح واتجاهاتها‪،‬‬

‫إن أمكن‪ ،‬ودرجة الندى في التراب‪.‬‬
‫فلوال دهشة ال�س��ؤال‪ ،‬التي ت��زداد أوراً وتوهجاً‬
‫تعرضت عربة العمر‬
‫ّ‬
‫وحرقة‪ ،‬كالزيت في النار‪ ،‬كلما‬
‫لمزيد من المالحقات‪ .‬م��اذا ك��ان سيدفع أو يشفع‬
‫الم��رأة صهرتها حرائق الحبر إلى اقتراف شيطنة‬
‫البنات واستراق السمع لشجن الجماد؟ كانت مرحلة‬
‫"إل��ى متى يختطفونك‪ "..‬مرحلة األح�لام التحررية‬
‫ال�ك�ب�ي��رة‪ ،‬ال �ت��ي ح��اول��ت ب�ج�س��دي ال�ط�ف��ل النحيل‪،‬‬
‫المزاحمة للمشاركة ف��ي حملها م��ع جيل األمهات‬
‫واآلب�� ��اء‪ ،‬م��ع م��ا ح���اول ج�ي�ل��ي إض��اف �ت��ه م��ن الملح‬
‫والجرح على تلك األح�لام‪ .‬ولهذا‪ ،‬فلربما يمكنني‪،‬‬
‫وق��د ص��ارت تفصلني عن ذل��ك ال��دي��وان العديد من‬
‫السنوات‪ ،‬أن أحمل نفسي على التأمل‪ ،‬فأميل إلى‬
‫الظن‪ ،‬أن قصائد ذل��ك ال��دي��وان‪ ،‬ربما لم تخ ُل من‬
‫التنكّر‪ ،‬حينها‪ ،‬لمرحلتي العمرية‪ ،‬بانشغالها بأسئلة‬
‫المرحلة التاريخية‪ ،‬في بعديها الثقافي والسياسي؛‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪51 1427‬‬

‫ولهذا‪ ،‬فلربما لم يكن االختيار المتعمد والمعاند‬
‫لكتابة قصيدة النثر‪ ،‬في ذلك الوقت الذي كانت تعد‬
‫كتابتها‪ ،‬وخاصة في مجتمع مثل المجتمع السعودي‪،‬‬
‫خ��روج �اً على المقبول والمستتب‪ ،‬إال تعبيراً عن‬
‫انحيازي في الشكل الشعري‪ ،‬على األق��ل‪ ،‬لرؤية ال‬
‫تصدع لغير طموح أو باألحرى جموح ذلك الجيل‪،‬‬
‫ال��ذي ودّع طفولته على فجيعة النكسة‪ .‬وإذا كان‬
‫دي��وان "ق��راءة في السر" قد خرج من معطف رعب‬
‫االجتياح اإلسرائيلي للبنان وبركان الحرب اللبنانية‬
‫وذهول العالم العربي وصمته أمام وقع الكارثة؛ فجاء‬
‫يحمل هذيا َن وصمتَ الصدمة‪ ،‬بتشظي تلك األحالم‬
‫الكبيرة‪ ،‬وانشكاك شظاياها في حبالنا العصبية؛ فإن‬
‫ديوان "ماء السراب" حاول االستشفاء من الخيبات‬
‫وهيبتها‪ ،‬التي حاصرتنا‪ ،‬من احتالل الكويت‪ ،‬إلى‬
‫إط �ب��اق التحالف على رق��اب�ن��ا‪ ،‬ف��ي محطات أسلو‬
‫وملحقاتها‪ ،‬بالترياق المستحيل‪ ،‬وهو حرية الشعر‬
‫ليس إال؛ فهل تظن أفدح من مطلب تلك الحرية؟‬

‫لم ألحظ يوم ًا أن شعري كان‬
‫ليتسم بالغموض‪!!..‬‬

‫ال‬
‫مما أبيح من دم شعري‪ .‬وهذا كما تعلم‪ ،‬ليس فع ً‬
‫يليق بطيش الشعر‪ ،‬إذ إنني ال أرى في الحداثة تهمة‪،‬‬
‫يجب دفعها أو التنصل منها‪ .‬وموضوع الحداثة‪ ،‬سواء‬
‫ما اقتصر اخ�ت��زاالً على الحداثة اإلبداعية‪ ،‬أو ما‬
‫شمل الحداثة بمعناها االبستمولوجي واالجتماعي‪،‬‬
‫وس���واء اق�ت�ص��رن��ا ت�ن��اول��ه كمنتج غ��رب��ي‪ ،‬أو فكّكنا‬
‫بعض مكوناته‪ ،‬كمنتج ذا بعد حضاري‪ ،‬في عالقتنا‬
‫اإلشكالية ب��ه؛ فهو موضوع ال يمكن تضييق زاوية‬
‫طرحه‪ ،‬في الغموض الشعري‪ .‬ثم إن هناك التحوالت‬
‫التنظيرية لما بعد الحداثة‪ ،‬التي تتأسس على عملية‬
‫المحو المتعمد للحدود الفوقية التي طالما حكمت‬
‫وحاكمت الفضاءات الثقافية المختلفة‪ .‬ولست أدعي‬
‫محايدة محوها‪ .‬على أن��ه وبعيداً عن كل ذل��ك‪ ،‬أو‬
‫< يالحظ المتابع لنصوص فوزية خالل مسيرتها قريباً منه‪ ،‬أسمح لي أن أسجّ ل إف��ادت��ي المباشرة‬
‫ال�ش�ع��ري��ة‪ ،‬م��ا يمكن تسميته ب��ال�غ�م��وض الشعري على سؤالك‪ ،‬وه��ي أنني لم ألحظ يوماً أن شعري‬
‫ف��ي ال �ب��داي��ات‪ ،‬م��ن خ�لال دي��وان��ك األول "إل��ى متى في دواويني األولى‪ ،‬كان يتسم بالغموض؛ كما أنني ال‬
‫يختطفونك ليلة العرس" ثم "ماء السراب" ثم "مرثية‬
‫الماء" وصوال إلى "شجن الجماد"‪ ،‬إذ يفاجأنا الديوان‪،‬‬
‫بيز‬
‫بحميمية ولغة شفافة‪ ،‬تصالن بشكل واضح للقاريء‪..‬‬
‫ليس إال القلة سمعوا باسمي‬
‫فهل تولّد هذا نتيجة نضج شعري‪ ،‬وهدم يقين كان‬
‫قبل أن أدخل القصيدة‬
‫متأثراً بشعارات الحداثة‪ ،‬في مراحل سابقة؟ أم أن‬
‫وأصير راية ترف‬
‫ذلك نتاج تجربة حياتية؟ أم ماذا؟!‬
‫فلستُ إال بقايا قصاصات‬
‫> هل يحاول هذا السؤال أن يمكر لي أو بي؟ أم‬
‫أقمشة ملونة‬
‫أنه يُسائل العبور العابر للحداثة اإلبداعية بمضارب‬
‫جمعتني الصدفة‬
‫القبائل المنقسمة بين االس�ت�ق��رار وبين االرتحال‬
‫ألقي أكف النساء‬
‫المتأرجحة بين ما كان وبين ما قد يكون؟ كأنك بهذا‬
‫اشتعال األوعية‬
‫السؤال‪ ،‬تقدّم لي صكاً مفتوحاً‪ ،‬على طريقة الشيك‬
‫بعد ابتعادها عن النار‬
‫المفتوح‪ ،‬ألوقّع براءتي من الحداثة‪ ،‬أو براءة الحداثة‪،‬‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أظن أن شعري في دواويني الالحقة‪ ،‬يتسم بالوضوح‪،‬‬
‫أو حتى بتلك الشفافية‪ ،‬التي قد ترشي القارىء‪ ،‬ألول‬
‫وهلة‪ ،‬ولكنها‪ ،‬كأي غاللة رقيقة لفعل عشق شرس‪،‬‬
‫ما يلبث أن يجرفنا على حين غرة في اللحظة التي‬
‫قد نظن أننا نمسك بزمامه‪ ،‬بينما ليس من زمام له‪.‬‬
‫وفي هذا السياق‪ ،‬فإن شعري في السابق والالحق‪،‬‬
‫يكف عن‬
‫إن صح أن أق��ول رأي��ي حوله‪ ،‬يُ�ح��اول أال َّ‬
‫التحوالت‪ ،‬وأال يُفرط في حس المغامرة ومباهجها‪،‬‬
‫الشفيفة والغامضة معاً‪.‬‬
‫< للماء حضوره عند كثير من الشعراء‪ ،‬كما هو‬
‫لدى سعدي يوسف بحيرات وأنهار‪ ،‬وعند بعضهم‬
‫يأتي الماء بصور مختلفة‪ ..‬إلى أي المصبات تفيض‬
‫المياه عند فوزية أبو خالد من ماء السراب إلى مرثية‬
‫الماء؟!‪..‬‬

‫في تجربة من التجارب القليلة‪ ،‬إن لم تكن النادرة‪،‬‬
‫في إدخال باب الرثاء بهذا النفس التفجعي الطويل‪،‬‬
‫إلى شعر قصيدة النثر‪ .‬فهل أردت بقصيدة النثر أن‬
‫تضاهي شعر الخنساء العامودي الجزيل‪ ،‬في القدرة‬
‫على الرثاء كما فعلت الخنساء مع أخيها صخر؟ وهل‬
‫يمكن أن تكشفي لنا موقع أم محمد‪ ،‬ف��ي قصيدة‬
‫مرثية الماء‪ ،‬حيث لم يفارق محياها ذلك الديوان‪ ،‬من‬
‫صفحة الغالف األولى إلى ما بعد الصفحة األخيرة؟‬
‫كنت ترثين محمداً في قصيدة مطولة غير مصدقة‬
‫أنه غ��ادر إلى مكان أخ��ر‪ ،‬وفي شجن الجماد‪ ،‬كتبت‬
‫قصائدك وكأنك صدقت أخ�ي��راً عن طريق محاكاة‬
‫اشيائه وترجمة مشاعرها‪ ..‬كيف تولدت لديك هذه‬
‫القصيدة الطويلة التي تشكل الديوان؟‬

‫> أحمد الله أن هذا السؤال السيامي‪ ،‬من أسئلتك‬
‫> منذ طفولتي‪ ،‬يتكرر الماء في أحالمي وفي المسنونة‪ ،‬قد ال يكون من الممكن فصله جسدياً‪،‬‬
‫كوابيسي في الصحو والمنام‪ ،‬بعدة أح��وال؛ فمرة دون ضمانات أن ال تعمل أي جراحة يتعرض لها على‬
‫يكون ينابيع عسل‪ ،‬ومرة يكون سماً فواراً ؛ مرة يكون فصل التعالق الروحي بين حدَيّ السؤال‪.‬‬
‫شالالت لبن‪ ،‬تخرج من جوف الصحراء ‪ ،‬ومرة يكون‬
‫إنك في الشق األول من السؤال تطرح تساؤالً‪،‬‬
‫غديراً خجوالً ؛ مرة يكون طوفاناً خطافاً‪ ،‬ومرة يكون كثيراً ما وجّ هه إليَّ عدد ممن ق��رأوا الديوان قراءة‬
‫بحراً؛ ومرة يكون بئراً ليس لها قرار أو قربة ماء؛ ن �ق��دي��ة‪ ،‬ل��م ي�ك�ف�ه��ا االن �ش �غ��ال ب��ال��دي��وان كقصيدة‬
‫ومرة يكون مطراً‪ ،‬ومرة يكون نوافي َر تندف ُع تار ًة من وح�س��ب؛ ب��ل ح ��اوره‪ ،‬على م��ا ي�ب��دو‪ ،‬كحالة شعرية‬
‫الصخر وتتلوى ت��ار ًة أخ��رى مع تموّجات السراب! محملة باحتماالت ج��دي��دة‪ ،‬الك�ت�ش��اف مجاهل لم‬
‫وأستطيع أن أُح �دّد‪ ،‬بالصوت والصورة‪ ،‬ارتباط كل تكن مطروقة من قبل‪ ،‬كالرثاء مثال‪ .‬بما يفصح عن‬
‫شاردة وواردة في حياتي‪ ،‬من مشيي األول‪ ،‬إلى يومي طاقات كامنة في قصيدة النثر‪ ،‬ال تحد فضاءاتها‬
‫األول بالمدرسة‪ ،‬إلى ليلة عرسي‪ ،‬وأشهر حملي‪ ،‬إلى على تعاطي اليومي والعادي‪ ،‬وتحويله إلى شعر‪ ،‬كما‬
‫صباحات انتصاراتنا العربية الشحيحة‪ ،‬أو لواعجي أكتفى بكتابتها وقراءتها في ذل��ك الحيز ع��دد من‬
‫الشخصية‪ ،‬أو عتمة الهزائم العامة بانهمار الماء‪.‬‬
‫الشعراء والنقاد‪.‬‬
‫فالماء أمراة‪ ،‬والماء وطن‪ ،‬والماء دورتي الدموية‪،‬‬
‫في شعر امرأة‪ ،‬ال تستطيع‪ ،‬وإن عاشت في المدن‪ ،‬أن‬
‫تخرج على عشق المفاوز والفلوات وأفالك البيداء‪.‬‬

‫< ف��ي م��رث�ي��ة ال �م��اء ك�ن��ت ت��رث�ي��ن أخ ��اك محمداً‬
‫بتلك القصيدة الطويلة‪ ،‬التي شكّلت كامل الديوان‬

‫وقد يكون السؤال مردّه نوع من السرور السري‪،‬‬
‫ال شعرياً‬
‫الذي قد يساور بعضنا حين نحس أن شك ً‬
‫جديداً‪ ،‬طالما جرى التشكيك في مشروعيته‪ ،‬استطاع‬
‫أو يستطيع‪ ،‬استيعاب بعض من موروثنا الشعري‪،‬‬
‫باستيعابه لبعض أو كل أغ��راض الشعر التقليدية‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪53 1427‬‬

‫ملكة الشعر ليست حكر ًا على‬
‫الرجال أو النساء‬
‫المعروفة تاريخيا كالمديح والهجاء أو الرثاء؛ على‬
‫أنه ال بد من مالحظة أن السؤال ليس سؤال مضاهاة‬
‫قصيدة الخنساء العامودية في الرثاء بقصيدة نثر‬
‫في الغرض نفسه؛ ولكنه السؤال الوجودي والشعري‬
‫واإلنساني‪ ،‬الذي دون أن يأبه كثيراً بمواقف النقاد‬
‫الموضوعي أو حراب الحراس المنحازة‪ ،‬ليس له إال‬
‫أن يعيد طرح نفسه‪ ،‬ممتشقاً رؤىً وأشكاال جديدة‬
‫للسؤال‪ .‬أما ما أتطوع ألجيبك عليه‪ ،‬مما لم تسألني‬
‫عنه مباشرة‪ ،‬ولكنه ج��اء س��ؤاالً مفخخاً‪ ،‬ف��ي هذا‬
‫الفرع من السؤال‪ ،‬فهو السؤال النسوي في قصيدة‬

‫دلة القهوة‬

‫أستمتع برائحة البن والهيل‬
‫بكل حواسي‬
‫أترك عبيرها النفاذ ينكّل‬
‫بالذاكرة‬
‫فتشقني نصفين‬
‫أنفاس اليد التي‬
‫شقت التربة‬
‫واألفواه التي اشتهت‬
‫الفاكهة السوداء‬
‫وأحضان األثواب الرثة‬
‫التي التقطت القطاف‬
‫والنار التي ح ّوَّلت الحبات الخضراء‬
‫عيون داعجة تلتمع في ظالم الوعاء‬
‫ٍ‬
‫إلى‬
‫بينما ال يحتسون من جروح تلك لرائحة‬
‫إال رشفة المرارة‬

‫‪54‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الرثاء‪ ،‬س��واء ما كتبته الخنساء‪ ،‬أو ما كتبته فوزية‬
‫أبوخالد‪ ،‬في مرثية الماء‪.‬‬
‫ودون أن أخ��وض ف��ي فلسفة ال �س��ؤال وفروضه‬
‫المضمرة‪ ،‬أق��ول لك ببساطة‪ :‬إن ملكة الشعر في‬
‫الرثاء بما يتعلق بهذا السؤال‪ ،‬تحديداً‪ ،‬ليست حكراً‬
‫على النساء أو الرجال؛ ألن حس الفقد وقسوة الفراق‬
‫ليست مشاعرا تخضع لمعايير ال�ن��وع االجتماعي‬
‫(أن��وث��ة وذك ��ورة)‪ ،‬ولكنه قد يكون في ه��ذا الموضع‬
‫بالذات من التمييز االيجابي الذي أنعم به الله على‬
‫ال�م��رأة‪ ،‬على الرغم من ما تتعرض له ط��وال دهور‬
‫من التاريخ االجتماعي من تمييز عنصري سلبي‪ ،‬إذ‬
‫حباها الله وحدها بأن تنعم بملذات وعذابات الحمل‬
‫وال��والدة‪ ،‬والقدرة على البكاء أو التفجع‪ ،‬والتعبير‬
‫بحرية عن الذات‪ ،‬على ما في ذلك من فعل إنساني‬
‫جميل ونبيل‪ .‬و"ألزي��دك من الشعر بيت"‪ ،‬فإن هذه‬
‫القصيدة لم يكتف بمقارنتها بقصيدة الخنساء‪ ،‬بل‬
‫جرى ربطها بمراثي ف��دوى طوقان ألخيها إبراهيم‬
‫طوقان‪ ،‬كما سمتني بها الصحافة العُمانية "خنساء‬
‫الجزيرة العربية الجديدة"‪ ،‬عندما ألقيت ألول مرة‬
‫ب�م�ه��رج��ان ال�خ�ن�س��اء ال�ش�ع��ري بمسقط ف��ي عُمان‬
‫‪1999‬م‪ ،‬وكان مهرجاناً شعرياً ضم عدداً كبيراً من‬
‫الشاعرات العربيات ‪ ،‬ف��دوى طوقان ‪ /‬فلسطين ‪،‬‬
‫ولميعة عمارة ‪ /‬العراق ‪ ،‬وملك عبدالعزيز وعلية‬
‫الجيار‪ /‬مصر‪ ،‬وفوزية السندي‪/‬البحرين‪ ،/‬وسعيدة‬
‫خ��اط��ر‪ُ /‬ع�م��ان؛ وح�ض��ور ع��دد آخ��ر م��ن الشاعرات‬
‫وال �ش �ع��راء‪ .‬وق��د ط��رح��ت تلك ال�م�ق��ارب��ة والتسمية‬
‫يستعص على النساء ف��ي أي من‬
‫ِ‬
‫ب�س��ؤال‪ :‬كيف ل��م‬
‫القصيدة العامودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر‬
‫تحويل الرثاء إلى حالة شعرية إنسانية؟‬
‫أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال‪ ،‬فاعلم أن‬
‫أم محمد هي من كتب هذه القصيدة بأعقد وأشف‬
‫وأقسى وأصعب وأش��رس وأرق مما جاء في ديوان‬

‫لقبتني الصحافة العمانية‬
‫«خنساء الجزيرة العربية»‬
‫مرثية الماء بماليين المرات‪ .‬وأم محمد لم تكتب‬
‫هذه القصيدة بعتمة الحبر‪ ،‬أو ضوء شاشة الكمبيوتر‬
‫كما فعلت‪ ،‬ولكنها كتبتها بمطر عيونها وبدماء أوردتها‬
‫وشرايينها الدقيقة‪ .‬كتبتها بشموخها وبسجودها ‪،‬‬
‫كتبتها بنخاع عظمها وبهواء رئتيها ‪ ،‬كتبتها بصحوها‬
‫وسهرها‪ ،‬بسواد يأسها وببوارق آمالها في الشاب‬
‫المسجى على حجرها عشرين عاماً‪ ،‬الناهض من‬
‫أح�لام�ه��ا ب�ع��دد أوق ��ات ال �ش��روق ط��وال عقدين من‬
‫ال��زم��ان‪ .‬فهل رأي��ت ريشة يُكتب بها الشعر أمضى‬
‫وأشد رهافة من ريشة النزال السرمدي الشرس بين‬
‫الموت والحياة‪.‬‬
‫لقد كتبت في أحد قصائد ديواني ماء السراب‬
‫اهداء ألمي قلت فيه‪" :‬إلى نور التي انتحلتُ شعرها‬
‫< ف��ي قصائدك وج � ٌع دف�ي�نٌ‪ ،‬وإي �ح��اءات بعيدة‪،‬‬
‫وحزنها وأحالمها لنفسي وكتبتها قصائد باسمي"‪.‬‬
‫تختزل تجربة عميقة‪ ،‬وحياة متعددة ومعاناة‪ ..‬من‬
‫ولذا فلربما كان نوعاً من القصاص الذاتي أنني‬
‫أين تنطلق هذه القصائد؟‬
‫أصبت بعد مصاب محمد بجمود حجر أصم‪،‬‬
‫> تنطلق هذه القصائد من ملح األخيلة‪ ،‬ومن خبز‬
‫فلم استطع أن أم��ارس مع أم��ي العاب الخفة‪ ،‬تلك‬
‫التي كنت اسطو بها على شاعريتها‪ ،‬وأنسبها لي الحياة‪ ،‬وبعض التوابل السرية الممزوجة بماء‪ .‬كما‬
‫فلم أبكي ولم أكتب شعرا ط��وال ثالث سنوات بعد تنطلق من كثير من تمارين ال��روح الشاقة‪ ،‬ورياضة‬
‫رحيله‪ ،‬غير بعض المسوّدات البائسة‪ .‬ولهذا ففي ال�ك�ت��اب��ة المهلكة‪ .‬ه��ذا ع��دا ع��ن ق�ب��س الرمضاء‪،‬‬
‫دي ��وان مرثية ال �م��اء‪ ،‬ل��م أستطع إال أن أت��رك أمي وسموم السياسة‪ ،‬وشهد الدهشة من حيوات وحاالت‬
‫تحرك روحي وأوراقي وأصابعي كما تحرك عاصفة عشق لم نعشها بعد‪ ،‬كأن تلمح جناح فراشة مغموس‬
‫طاغية األشرعة‪ ،‬في محيط مائج متجبر؛ فتجري في الشمع أو في حوض زهر؛ فهل ال تظن أن هذه‬
‫جسدها واندالعات روحها في األبجدية وتذهب بي الخلطة المحيرة ليست كافية لتعطينا أرغفة الشعر‬
‫أبعد مني‪ .‬ومع ذلك لم تكن قصيدة مرثية الماء على أو توهم وهجه‪.‬‬
‫رمزية موت الماء إال تشبهاً بأم محمد في ملحمة‬
‫< ب��دات تجربتك الشعرية ف��ي مرحلة عمرية‬
‫صبرها وزهوها وهي تهاتفني بعد أن أغمضت عينيه مبكرة‪ ،‬وأظهرت نبوغاً قل نظيره‪..‬ما الذي أوصلك‬
‫بيدها وتقول بصوت يحمل رهجة الهزيمة والفوز إلى ذلك؟‬
‫معاً‪ :‬لقد حرّر الل ُه محمداً فاحضروا لتزفوه معي!‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪55 1427‬‬

‫لم أنسى تشجيع محمد حسن‬
‫عواد وحسن آل الشيخ‬

‫> أس �ت �ح��ي م��ن ج� ��رأة ه ��ذا ال� �س ��ؤال ع �ل��ى هذا‬
‫اإلط� ��راء‪ ،‬ول�ك��ن رب�م��ا م��ا أوص�ل�ن��ي ل��ذل��ك‪ ،‬ف��ي ذلك‬
‫الوقت المبكر‪ ،‬هو أسرة لم تمنعني‪ ،‬إن لم يكونوا نور‬
‫وعبدالله وعمتي طرفة وموضي وعمي محمد وعمي‬
‫عبدالعزيز وأخوالي‪ :‬هاشم‪ ،‬وعلي‪ ،‬وحمزة‪ ،‬وجدتيَّ ‪:‬‬
‫سارة‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وإخواني وأخواتي‪ :‬محمد‪ ،‬وفيصل‪،‬‬
‫وحسن‪ ،‬وأحمد‪ ،‬ونوال‪ ،‬ونها‪ ،‬ومشاري‪ ،‬وأنوار‪ ،‬و"بؤبؤ‬
‫عيني" عبدالرحمن‪ ،‬وحسناء‪ ،‬قد أجتمعوا جميعاً‪،‬‬
‫على تشجيعي على كل أشكال العشق الضارية‪ .‬فمن‬
‫عشق تراب هذه األرض‪ ،‬وعشق الجمال والعدل‪ ،‬إلى‬
‫عشق الكلمة والقراءة‪ ،‬وعدم التردد في التمرد على‬
‫الجمود أو البقاء على الحياد‪ ،‬من حركة الحياة‪ .‬كما ال‬
‫أنسى دور معلماتي في مدرستي "المدرسة االبتدائية‬
‫الخامسة" بحي الرويس بجدة (أبلة نها العبوة)‪ ،‬ومن‬
‫مدرستي "المتوسطة األولى" (أبله مواهب وأبلة مهجة‬
‫من مصر‪ ،‬وأبلة ابتسام السقا ونبيلة الخماش من‬
‫سوريا‪ ،‬وأبلة أحالم عزب من فلسطين)‪ .‬وكذلك دور‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫صديقات الطفولة ومطلع الشباب‪ ،‬وإ ْن بشكل غير‬
‫مباشر‪ ،‬ولكن تلك العالقات كانت تمدني بمساحات‬
‫للركض البكر‪ ،‬في فلوات الحب والصداقة والعالقات‬
‫اإلنسانية الحميمة‪ ،‬التي هي نسغ الشعر‪ ،‬وخميرة‬
‫االش �ت �ع��االت‪ ،‬وم��ن رفيقات ال�م��درس��ة‪ :‬أم��ل خوجة‪،‬‬
‫وفاتن كيال‪ ،‬ون��ورة الجميح‪ ،‬ون��وف ومنيرة الفارس‪،‬‬
‫وسميرة أسعد‪ ،‬وفريال جاد الحق‪ ،‬ون��ور المحضار‪،‬‬
‫وأميمة الجوهري‪ ،‬وعفاف باحارث‪ ،‬ولميا باعشن‪،‬‬
‫ونورة السديري‪ ،‬و"زينة طفولتي" مزنة المحمود‪ .‬ولن‬
‫أنسى في عمري الكتابي المبكر‪ ،‬تشجيع محمد حسن‬
‫ع��واد‪ ،‬لي‪ ،‬والشيخ حسن آل الشيخ‪ ،‬ومحمد حسين‬
‫زي��دان‪ ،‬وحسين سرحان‪ ،‬وعبدالله جفري‪ ،‬ومحمد‬
‫ال��ش��دي‪ ،‬وف��ات��ن ش��اك��ر‪ ،‬وخ �ي��ري��ة ال �س �ق��اف‪ ،‬وحمد‬
‫الجاسر؛ ففي الصندوق القديم‪ ،‬ال��ذي تحتفظ لي‬
‫فيه أمي بعدد من دفاتر التعبير ومقاالتي األولى في‬
‫اإلبتدائي والمتوسط‪ ،‬توجد رسائل سخيّة‪ ،‬كتبوها لي‬
‫بخطوطهم السامقة‪ ،‬قبل أن أغادر مقاعد المدرسة‪.‬‬
‫ول�ي��س ل��ي إال أن أش�ك��ر ه��ذا ال �س��ؤال ال�ل� ّم��اح أو‬
‫الفضاح‪ ،‬ال��ذي جرّني وو ّرط �ن��ي‪ ،‬من حيث ال أدري‪،‬‬
‫ّ‬
‫في الدخول الحميم إلى سجل صفحة خلتها طويت؛‬
‫فإذا بها حية مورقة بماء الذكريات األولى‪ ،‬لمسيرتي‬
‫الشعرية والكتابية‪.‬‬
‫< كيف تفسرين العالقة بين شعرك‪ ،‬وبين الصور التي‬
‫تنحتينها على شكل قصائد‪ ،‬وما هي العالقة بينها؟‬
‫> ه��ل تظن أن هناك عالقة بين "وادي عبقر"‪،‬‬
‫وتلك األطياف واألشباح واألرواح الشريرة‪ ،‬أو الهامات‬
‫المتظلمة‪ ،‬التي تهيم ف��ي بطاحه‪ ،‬فتزعزع سكونه‬
‫بأزاميلها ومزاميرها‪ ،‬وتحوّل صمته إلى ورش عمل‪،‬‬

‫الصورة الشعرية أعقد من تلك‬
‫اللقطات التي ال يظهرها إال‬
‫التحميض في الظالم‪!!..‬‬
‫متحركة‪ ،‬في أقل من لمح البصر‪ ،‬دون أن يجرؤ ضوء‬

‫أو عتمة على محوها‪.‬‬

‫< ماالفارق ال��ذي كان به دي��وان ق��راءة في السر‬

‫يحمل شعراً صارخاً متفجعاً في قصائد طويلة‪ ،‬بينما‬

‫جاء ديوان ماء السراب يحمل قصائد مكثفة‪ ،‬تتدفق‬
‫برفق وعمق‪ ،‬وكأنه شعر ال يريد أكثر من أن يهمس‬
‫بهمسة الرمال؟‬

‫> ال�ف��رق‪ ،‬على المستوى الشخصي‪ ،‬ه��و فارق‬

‫ع�م��ري‪ ،‬وعلى المستوى ال�ع��ام ه��و ف��ارق تاريخي‪،‬‬

‫وعشق صاخبة أو هامسة‪ ،‬تقيم على وقعها بين عرائش‬
‫ال�ع�ش��رق وال �خ��زام��ى وال �ع��رف��ج‪ ،‬ف��ي ق��اع��ه السحيق‪،‬‬
‫كما أن��ه ف��ارق ف��ي أف��ق وأدوات اإلب ��داع الشعري‪،‬‬
‫مواكب األع��راس والجنائز‪ ،‬تلك التي يتسامع الناس‬
‫عنها بين مكذب ومصدق‪ ،‬بينما ال يعرف حقيقتها وال‬
‫السبحة‬
‫يطّ لع على أسرارها‪ ،‬إال القوافل العابرة لكمين ذلك‬
‫أك ُر وأف ُر بين باطن األكف‬
‫مس‪ ،‬أو‬
‫المكان‪ ،‬بعد منتصف الليل‪ ،‬أو بعض من بهم ٌ‬
‫وبين األصابع‬
‫عندهم طاقات خارقة على مآخات الجن؟‬
‫في حركة دائرية‬
‫وكأنني كواكب‬
‫لو كان أي كان يستطيع أن يجيب بإيجاب نهائي‪،‬‬
‫تدور في فلك كروي‬
‫أو يعطي إجابة قاطعة‪ ،‬على هذا السؤال؛ فإنه عندها‬
‫على ظهور أفراس‬
‫فقط‪ ،‬سيكون ليس لي إال أن أحمل سؤالك محمل‬
‫ال تكف عن الركض‬
‫الجد‪ ،‬وأبدأ في محاولة البحث في السؤال‪.‬‬
‫نحو المجهول‬
‫إن س��ؤال��ك‪ ،‬س��ؤال ص�ع��ب؛ ف��ال�ص��ورة الشعرية‪،‬‬
‫ومن فرط االنهماك‬
‫أعقد من تلك اللقطات التي ال يظهرها إال التحميض‬
‫في تجنب الوصول إلى نهاية‬
‫في الظالم‪ ،‬وإن كان ال يمكن تبسيطها‪ ،‬أيضاً‪ ،‬بتلك‬
‫قلَّ من ينتبه إلى حرماني من‬
‫العملية الخاطفة التي تقوم بها الكاميرا الرقمية‪ ،‬في‬
‫التسبيح‬
‫تحويل مقاطع الصورة لوناً وحركة‪ ،‬إلى منحوتات‬

‫بمعناهما االبستمولوجية واالجتماعي السياسي‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪57 1427‬‬

‫كان ديواني قراءة في السر‬
‫خارج ًا من لحظة تحوالت‬
‫صادقة على المستوى العربي‬
‫كتعبير عن االستقالل النسبي للتجربة اإلبداعية‬
‫نفسها عن محددات المكان والزمان وفي اشتباكه‬
‫النازع إلى الحرية في العالقة بهما‪ ،‬وعدم التسليم‬
‫بضيق شروطهما‪ .‬فعلى مستوى تاريخي كان ديوان‬
‫ق��راءة في السر خارجاً من لحظة تحوالت صادمة‬
‫على المستوى ال �ع��رب��ي‪ ،‬شكّلت درام �ي��ة التشظي‬
‫واالنكسار العربي فيه سنة ‪1982‬م‪ ،‬إضافة نوعيّة‬
‫مرعبة‪ ،‬على ما عرف بنكسة حزيران عام ‪67‬م‪ ،‬بما‬
‫تمثل في االجتياح اإلسرائيلي لبيروت‪ ،‬وفي توسيع‬
‫مساحة ذبح الحلم العربي من الوريد إلى الوريد‪،‬‬
‫أي من المحيط إلى الخليج‪ ،‬وفي تحويل بيروت من‬
‫عاصمة للثقافة العربية الحديثة‪ ،‬وواحة من حرية‬
‫وبحر للمثقفين العرب‪ ،‬بمختلف التيارات الفكرية‬

‫الخنجر‬

‫على هيئة هالل رهيف‬
‫في سالم مع نفسه‬
‫كنت سأكون لوال هذا النصل‬
‫الذي أصابني في مقتل‬
‫فأخرجني من سكينتي‬
‫مثل ما خرج آدم وحواء‬
‫من الجنة‬
‫وصار عليَّ‬
‫ارتكاب الجرائر‬
‫والبطوالت‬
‫ألجد معنىً لوجودي‬

‫‪58‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫واإلبداعية‪ ،‬إلى مدينة للكوابيس والقناصة وأشباح‬
‫تلوّح ببشاعات الحرب األهلية على الهوية‪ .‬كما أن‬
‫دي��وان ق��راءة في السر على مستوى شخصي كان‬
‫منبعثاً من أتون مرحلة عمرية‪ ،‬كانت ال تزال مشبوبة‬
‫بالتجربة الطالبية لتلك المرحلة م��ن االعتصام‬
‫والمظاهرات والعنفوان والرؤى المتمردة‪.‬‬
‫أما ديوان ماء السراب؛ فعلى الرغم من أنه صدر‬
‫بعد حرب الخليج الثانية‪ ،‬وتلك االنقسامات القاصمة‪،‬‬
‫التي ضربت العالم العربي‪ ،‬ورغم أنه جاء بعد تجربة‬
‫اجتماعية وسياسية وثقافية موجعة‪ ،‬تعرضت لها‬
‫شخصياً‪ ،‬وتعرض لها جيل عقد كامل من المثقفين‪،‬‬
‫ك��ادت تحيل ت�ع��دد طيف األص ��وات اإلب��داع�ي��ة لتلك‬
‫المرحلة إلى لون الرماد أو إلى رماد ‪ ،‬فإنه قد جاء‬
‫أيضاً بعد تجربة األمومة والعمل االكاديمي والبحثي‬
‫وبعد أن صهرتني التجربة بأسئلة العالقة بين الحرية‬
‫االجتماعية لإلبداع وبين حرية اإلبداع نفسه‪ .‬فلم أفعل‬
‫في ماء السراب إال محاولة جارحة‪ ،‬الستعادة تلك البنت‬
‫التي كان يلبسها القرين‪ ،‬إلى القرين وأطلق أفراسها‬
‫بغير س��روج في ب��راري الصحراء‪ ،‬تسابق حلمها في‬
‫الحرية‪ .‬وإذ يقولون أن شدة القتال تصقل األسلحة‪،‬‬
‫فقد كان لي بعد تجربة ديواني األول والثاني أن أدخل‬
‫حواسي في أف��ق جديد لقصيدة النثر‪ .‬وال اظ��ن أنه‬
‫يصعب على المتابع لتجربتي الشعرية أن يلحظ ولعي‬
‫بالتجريب‪ ،‬بمعناه الفني وشغفي المتعمد في طرق‬
‫أفاق‪ ،‬ودق أبواب من الصور والمواضيع والموسيقى‪،‬‬
‫لم يجر دخ��ول قصيدة النثر إليها من قبل‪ .‬فهل من‬
‫يلومني إذا كتبت فأفليت‪ ،‬وأن��ا بنت الفيافي ورفيقة‬
‫رشا شاردة وشموس معاندة‪.‬‬
‫< من الشعراء الذين أحببت شعرهم؟ وما هي‬
‫التجارب الشعرية التي استوقفتك؟‪ .....‬وفي رأيك‬
‫من هو الشاعر الذي لم يأخذ حقه؟‬
‫> كثير جداً جداً الشعراء الذين أ ُحب شعرهم‪.‬‬

‫أستطيع أن أعد بدر بن‬
‫عبدالمحسن شاعر ًا من شعراء‬
‫الشعر الحديث وإن كان يعد‬
‫شاعر ًا نبطي ًا‬
‫من طرفة بن العبد‪ ،‬الذي اكتشفت به مبكراً حرقة‬
‫ظلم ذي القرب‪ ،‬والخنساء التي ج��رى دمعها إلى‬
‫ركبتيها م��دراراً‪ ،‬وعنترة ال��ذي ود تقبيل السيوف‪،‬‬
‫وامرؤ القيس‪ ،‬وعمر بن أبي ربيعة‪ ،‬وزهير بن أبي‬
‫سلمى‪ ،‬وال�ش��ري��ف ال��رض��ي‪ ،‬ناهيك ع��ن المتنبي‬
‫الذي تعلًق قلبي بشعره‪ ،‬تعلّق فتاة غرة‪ ،‬فلم تعلمني‬
‫األي��ام‪ ،‬والتعرف على التجارب الشعرية الفارعة‬
‫عندما شببت عن ال�ط��وق‪ ،‬إال م��زي��داً من االفتتان‬
‫ب��ه‪ ،‬إل��ى ه�م��وروس‪ ،‬وعمر الخيام‪ ،‬وناظم حكمت‪،‬‬
‫وبوشكين‪ ،‬ولوركا‪ ،‬ويتييس‪ ،‬ونيرودا‪ ،‬وسلفيا بالث‪،‬‬
‫وفولتير‪ ،‬ووليم وليم‪ ،‬واليزبيث م��وزرال‪ ،‬ورستاال‪،‬‬
‫إلى عدد من شعراء الشعر الحديث بالوطن العربي‬
‫وبالمجتمع السعودي‪ .‬ومن نازك المالئكة‪ ،‬وفدوى‬
‫طوقان‪ ،‬وسلمى الجيوسي‪ ،‬ولميعة عمارة‪ ،‬وحمدة‬
‫خميس‪ ،‬وأندريه شديد‪ ،‬وأمل جراح‪ ،‬وجمانه حداد‪،‬‬
‫وأشجان هندي‪ ،‬وأمل موسى‪ ،‬ولينا الطيبي‪ ،‬وظبية‬
‫خميس‪ ،‬وسعدية مفرح‪ ،‬وه��دى الدغفق‪ ،‬ووغيداء‬
‫المنفى‪ ،‬وميسون صقر‪ ،‬إل��ى السياب‪ ،‬وأدونيس‪،‬‬
‫ومحمود دروي��ش‪ ،‬وأحمد دحبور‪ ،‬وغسان زقطان‪،‬‬
‫وراشد عيسى‪ ،‬وممدوح عدوان‪ ،‬ومحمد الماغوط‪،‬‬
‫وع�ب��اس بيضون‪ ،‬وأم�ج��د ن��اص��ر‪ ،‬ون ��وري الجراح‪،‬‬
‫وس�ل�ي��م ب��رك��ات‪ ،‬وع�ي�س��ى م�خ�ل��وف‪ ،‬وع �ب��ده وازن‪،‬‬
‫وس�ي��ف ال��رح �ب��ي‪ ،‬وزاه ��ي وه �ب��ه‪ ،‬وع�ل��ي الدميني‪،‬‬
‫ومحمد الدميني‪ ،‬وأحمد فقيه‪ ،‬وعلي فقيه‪ ،‬وغسان‬
‫الخنيزي‪ ،‬والثبيتي‪ ،‬وعبدالله الصيخان‪ ،‬وآخرين‬

‫بطبيعة الحال‪ .‬هذا إضافة‬
‫إل�� ��ى ال� �ش ��اع ��ر ب�� ��در بن‬
‫عبدالمحسن‪ ،‬ال��ذي وإن‬
‫ك��ان يعد ش��اع��راً نبطياً؛‬
‫ف��إن�ن��ي أع ��ده ش��اع��راً من‬
‫ش �ع��راء الشعر الحديث‪،‬‬
‫إن لم يكن بطبيعة الحال‬
‫ع��ل��ى م��س��ت��وى اإلي� �ق���اع‪،‬‬
‫فبدون شك على مستوى‬
‫العالقة باللغة‪ ،‬والقدرة‬
‫ال�م�ب��دع��ة ع�ل��ى مباغتتها‬
‫ب ��ال� �م� �ف ��ردات وال � �ص� ��ورة‬
‫وال �ع�لاق��ات ال�ج��دي��دة بها‬
‫وبما تعبّر عنه‪.‬‬
‫والحقيقة أن��ه قد يبدو من المضحك ل��ي‪ ،‬على‬
‫األقل‪ ،‬أن يورطني هذا السؤال في أن أعدد كل هذه‬
‫األسماء "المعروفة"‪ ،‬وكأنني أستعد لنعي ذاتي؛ ولكن‬
‫لتكن نوع من التحية لمن ذك��رت‪ ،‬ولمن لم أذكر من‬
‫الزمالء األموات منهم واألحياء‪.‬‬
‫هناك بطبيعة الحال‪ ،‬عدد وإن كان ليس كبيراً‪،‬‬
‫من التجارب الشعرية التي استوقفوني وتستوقفني‬
‫(كتجارب شعرية وليس كقصائد وحسب)‪ ،‬وبعضها‬
‫يمتد عبر العصور‪ ،‬وقد نمى بعضها معي وفي داخلي‪،‬‬
‫في تداخل وتشابك حميم لألزمنة‪ ،‬ولعدد من الشعراء‪،‬‬
‫ممن لم أكتفي بقراءة شعرهم‪ ،‬بل عكفت على الشغف‬
‫بها‪ ،‬ومنها تجربة الشاعر قاسم حداد في تجلياتها‬
‫المتعددة بما فيها إطاللتها اإللكترونية المبكرة‪.‬‬
‫أما سؤال من من الشعراء لم يأخذ حقه فإن هذا‬
‫السؤال من تلك األسئلة التي إما إنها تريد ان تقض‬
‫مضاجع النقاد‪ ،‬أو أنها تريد أن تخوض في جروح‬
‫الشعراء‪ ،‬وأرى أن أق��رر به أن أض��ع ح��داً وأتوقف‬
‫عن المضي في التواطأ مع وس��واس ه��ذه األسئلة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪59 1427‬‬

‫أنفلونزا الطيور (‪ )Avian flu‬أسبابها‬
‫وطرق الوقاية منها‬

‫(‪)1‬‬

‫> د‪ .‬ماهر مفضي العنزي‬
‫> د‪ .‬حسني إبراهيم البلبيسي‬

‫(‪)2‬‬

‫(‪Influenza‬‬

‫يعد انفلونزا الطيور مرض معدياً تسببه فيروسات األنفلونزا (ايه)‬
‫‪ .)A Viruses‬تشكل الطيور المائية المهاجرة‪ -‬بشكل خاص البط البري‪ -‬مستودعاً‬
‫طبعيا ُ لكل فيروسات األنفلونزا (ايه)‪.‬‬
‫وقد ظهر المرض ألول مرة في ايطاليا عام ‪1878‬م‪ ،‬كمرض خطير يصيب الدجاج‪،‬‬
‫وسمي بأنفلونزا الطيور أو طاعون الطيور‪ .‬ثم ظهر بحالة وبائية لإلنسان (فيروس‬
‫إتش ‪ 1‬إن ‪ )1‬عام ‪1918‬م‪ ،‬وسمي باألنفلونزا األسبانية‪ .‬ثم ظهرت األنفلونزا اآلسيوية‬
‫عام ‪1957‬م‪( ،‬فيروس إتش ‪ 2‬إن ‪ )2‬ثم أنفلونزا هونج كونج عام ‪(1968‬فيروس إ تش‬
‫‪ 3‬إن ‪ .)2‬وأخيرا ُ من عام ‪ 1997‬حتي يومنا هذا‪ ،‬ظهر فيروس األنفلونزا بصفة وبائية‬
‫بين الطيور وسمي باسم (إتش ‪ 5‬إن ‪.)1‬‬

‫ع������ل������وم‬
‫‪60‬‬

‫وهو فيروس قاتل لإلنسان‪ .‬وقد ظهرت أول حالة بشرية قاتلة في هونج كونج‬
‫عام ‪1997‬م‪ .‬ويمكن القول أن حاجز األنواع قد سقط إلى غير رجعة؛ ففي الماضي‬
‫كان يعتقد أن الفيروسات تراعي حاجز األن��واع‪ ،‬بمعني أال تتعدي على خصوصية‬
‫مضيفها اإلنسان أو الحيوان‪ ،‬الذي ترغب في النمو والتطور لديه؛ إذ إن فيروس‬
‫(‪ )1‬وكيل كلية العلوم والمشرف على قسم علوم المختبرات الطبية بكلية العلوم الطبية التطبيقية‬
‫ جامعة الجوف‪.‬‬‫(‪ )2‬أستاذ مشارك بقسم علوم المختبرات الطبية وعضو هيئة التدريس بكلية العلوم الطبية‬
‫التطبيقية ‪ -‬جامعة الجوف‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أنفلونزا الطيور له القدرة على‬
‫التبدل السريع‪ ،‬وهذا ما يمكنها‬
‫م��ن ت�غ�ي�ي��ر أش �ك��ال �ه��ا بأقصى‬
‫سرعة‪ ،‬وهذه هي الطريقة التي‬
‫استطاع بها ف�ي��روس أنفلونزا‬
‫الطيور (إتش ‪ 5‬إن ‪ )1‬في شرق‬
‫آسيا أن يتعرف بها على الخاليا‬
‫البشرية ويدخل إليها‪.‬‬
‫فهذا الفيروس ف��ي األصل‬
‫لم يكن فتاكاً‪ ،‬بل كان يتضاعف‬
‫عند البط البري دون أن يجعلها‬
‫تصاب بأي مرض‪ ،‬وفجأة ودون سابق إنذار أصاب هذا‬
‫وقد تمكّن العلماء من إماطة اللثام‪ ،‬عن الكيفية‬
‫الفيروس الدجاج‪ ،‬وبدأ يتغير ويتطور في خالياها‪.‬‬
‫التي استطاع بها فيروس األنفلونزا أن يقتل خمسين‬
‫ويمكن لهذا الفيروس أن يحدث له طفرة جينية‪ ،‬مليوناً من البشر‪ ،‬في أنحاء مختلفة من العالم سنة‬
‫ويصيب اإلن �س��ان بالطريقة ال�ت��ي أص��اب��ت الدجاج ‪1918‬م‪ .‬ويعتقد العلماء أن ه��ذا الفيروس استطاع‬
‫نفسها‪ ،‬وربما يكون لهذا الفيروس طريقة أسرع من تجاوز ما يعرف بالحاجز النوعي‪ ،‬لينتقل من الطيور‬
‫ذلك تتمثل في التزاوج بين هذا الفيروس وفيروس إلى اإلنسان‪.‬‬
‫األنفلونزا‪ ،‬الذي يصيب اإلنسان عند أحد األشخاص؛‬
‫وهناك ستقع الكارثة‪.‬‬

‫ويمكن للفيروس أيضاً أن يقوم بهذه العملية عند‬
‫الخنازير‪ ،‬حيث يمكن للخنزير أن يحتضن الفيروسين‬
‫على شكل فيروس من نوع آخر أشد خطراً منهما؛ ويتم‬
‫ذلك عن طريق انصهار الفيروسين في خلية واحدة‪،‬‬
‫ثم يقوم كل فيروس بإطالق مادته الوراثية‪ ،‬األمر الذي‬
‫يؤدي في النهاية إلى إمكانية تبادل الجينات من خالل‬
‫كسر األغشية ال�ن��ووي��ة لكل منهما وتكوين فيروس‬
‫جديد‪ ،‬يصعب على النظام المناعي لجسم اإلنسان‬
‫التعرف عليه‪.‬‬
‫ولكن متى يمكن أن يحدث ذلك؟ الله أعلم‪ .‬ومن‬
‫هنا ت �ح �ذّر منظمة الصحة العالمية م��ن أن ظهور‬
‫فيروس جديد ناتج من تمازج بين الفيروسين البشري‬
‫والحيواني‪ ،‬سيكون سبباً في وقوع ماليين الضحايا‬
‫من البشر‪ ،‬بشكل خاص‪ ،‬وتلك هي الكارثة بعينها‪.‬‬

‫وتعد المرحلة األولي والمحورية للعدوى‪ ،‬هي تمكن‬
‫فيروس األنفلونزا من التعلق بالخاليا التي سينمو‬
‫فيها مستقبالً؛ ويتمكن الفيروس من ذلك باالستعانة‬
‫بجزيئات متناهية الدقة تشبه اإلبر‪ ،‬يطلق عليها علمياً‬
‫جزيئات الهيماجلوتينين‪ .‬وال�ت��ي تتعلق بمستقبالت‬
‫معينة على سطح الخاليا ف��ي جسم الكائن الحي‪،‬‬
‫وق��د أج ��رى ال�ع�ل�م��اء ف�ح�ص�اً دق�ي�ق�اً لهيماجلوتينين‬
‫ف�ي��روس األنفلونزا القاتل‪ ،‬ال��ذي اج�ت��اح العالم عام‬
‫‪1918‬م‪ ،‬واكتشفوا أن تغيرات طفيفة فحسب على‬
‫هيكل الفيروس لزمت ليبدأ التعلق بالخاليا البشرية‪،‬‬
‫بدالً من خاليا الطيور؛ وهذا ما جعل الفيروس قادراً‬
‫على االنتقال من الطيور لإلنسان‪ .‬وبعد ذلك انتقلت‬
‫العدوى من اإلنسان لإلنسان‪ ،‬مما أسقط أعداداً هائلة‬
‫من الضحايا‪ ،‬ومن شأن هذا العمل أن يساعد على‬
‫تحسين رصد الفيروس الحالي (إت��ش‪ 5‬إن ‪ .)1‬فإذا‬
‫وجدنا أن هيكل هذا الفيروس يشبه هيكل فيروس عام‬
‫‪1918‬م‪ ،‬الذي أمكننا رصده؛ فسنعرف أن بإمكان هذا‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪61 1427‬‬

‫الفيروس الجديد أن يشكل تهديداً للبشر‪ ،‬وسيتعين أن‬
‫يوضع تحت رصد ومتابعة نشطة تفوق المعتاد‪.‬‬
‫وه �ن��اك دراس���ة تكشف ت�ح��ور ف �ي��روس أنفلونزا‬
‫الطيور لساللة خطرة‪ ،‬إذ اكتشفت حدوث تحور في‬
‫جين ‪ ))B.B.-2‬في عينة من الفيروس (إتش ‪ 5‬إن ‪،)1‬‬
‫تم أخذها من مريض في دون��ج ث��اب‪ ،‬جنوب فيتنام‪،‬‬
‫ك��ان قد م��ات في أوائ��ل العام الحالي‪ ،‬ويسمح هذا‬
‫التحور بالتكاثر النشط للفيروس في الثدييات‪.‬‬

‫درجة مئوية لمدة ‪ 6‬أيام‪.‬‬
‫وفيروسات أنفلونزا الطيور بإمكانها أن تصمد‬
‫أيضاً على السطوح‪ ،‬مثل بيت الدواجن لعدة أسابيع‪،‬‬
‫وبسبب هذه القابلية للبقاء‪ ،‬فإن طرق حفظ الغذاء‬
‫العادية مثل التجميد والتبريد لن تخفض تركيز أو‬
‫نشاط الفيروس بصورة جوهرية في اللحوم الملوثة‪،‬‬
‫ولكن الطبخ الطبيعي (درج��ات ح��رارة في ح��دود أو‬
‫فوق ‪ 70‬درجة مئوية) تعطل الفيروس‪.‬‬

‫وحتى اآلن ليس هناك دليل على إصابة البشر‬
‫عوامل انتقال المرض‬
‫خالل استهالك لحم الدجاج الملوث‪ ،‬والمطبوخ بشكل‬
‫وم��ن ال �ع��وام��ل ال��رئ�ي�س��ة ال�ت��ي تنقل ال �م��رض من‬
‫جيد‪ .‬ويمكن أن يستنتج بأن لحم الدجاج المطبوخ‬
‫المناطق الموبوءة إلى المناطق السليمة‪ ،‬اآلتي‪:‬‬
‫جيداً آمن‪ ،‬لكن المشكلة تكمن في أن التعامل مع لحم‬
‫‪ .1‬الطيور المهاجرة‪.‬‬
‫الدجاج المجمد أو المذاب قبل طبخه يمكن أن يكون‬
‫خطراً‪ .‬وباإلضافة إلى ماسبق‪ ،‬فإن أسلوب تسويق‬
‫‪ .2‬العاملون بتربية وبيع الدواجن وطيور الزينة‪.‬‬
‫الطيور الحية ي��ؤدي إلى تعرض شامل وبشكل أكبر‬
‫‪ .3‬عن طريق المعدات واألقفاص‪ ،‬التي ينتقل المرض إلى األجزاء الملوثة من الطيور‪ ،‬ابتداء بالذبح‪ ،‬ونزع‬
‫بوساطتها من مزرعة إلى أخرى‪.‬‬
‫الريش‪ ،‬ونزع األحشاء‪ ،‬إلخ‪ ،‬ما يشكل خطراً ضخماً‬
‫‪ .4‬من خالل وسيط كبعض الحيوانات‪ ،‬مثل‪ :‬القوارض على الشخص المشترك في هذه النشاطات؛ حيث إن‬
‫كل أجزاء الطير المصاب ملوثة بالفيروس تقريباً‪.‬‬
‫والقطط والكالب والخنازير‪.‬‬
‫وف�ي��روس أنفلونزا الطيور يمكنه التواجد داخل‬
‫‪ .5‬استنشاق الغبار الملوث بالفيروس‪.‬‬
‫البيض وع�ل��ى ق �ش��وره‪ ،‬على ال��رغ��م م��ن أن الطيور‬
‫‪ .6‬تناول الطعام الملوث‪.‬‬
‫المريضة ستتوقف عن الوضع عادةً‪ ،‬والبيض المنتج‬
‫ويستطيع فيروس أنفلونزا الطيور البقاء على لحم في مرحلة المرض المبكرة هذه‪ ،‬يمكن أن يحتوي على‬
‫ال��دج��اج المذبوح‪ ،‬ويمكن أن ينتشر عبر المنتجات الفيروسات في الزالل والمح‪ ،‬إضافة إلى تواجده على‬
‫الغذائية الملوثة (اللحم المجمد)‪،‬‬
‫سطح القشرة الخارجية‪.‬‬
‫وتزيد درج��ات ال�ح��رارة المنخفضة‬
‫حصد مرض‬
‫وإن وق��ت صمود الفيروس على‬
‫استقرار الفيروس‪.‬‬
‫�اف لنشر‬
‫س �ط��ح ق �ش��رة ال �ب �ي��ض ك� � ٍ‬
‫ويستطيع الفيروس أن يبقي في انفلونزا الطيور‬
‫ال �م��رض ب �ص��ورة وب��ائ �ي��ة‪ .‬والطبخ‬
‫غ��ائ��ط ال�ط�ي��ور ل�م��دة ‪ 35‬ي��وم �اً على‬
‫الجيد فقط سيكون قادراً على تعطيل‬
‫عام ‪1918‬‬
‫األقل‪ ،‬في درجات الحرارة المنخفضة‬
‫الفيروس داخل البيض‪ ،‬وليس هناك‬
‫(‪4‬درج � ��ة م �ئ��وي��ة)‪ ،‬وف ��ي اختبارات خمسني مليون دليل طبي حتى اآلن على أن البشر‬
‫االستقرار التي أجريت على العينات‬
‫أصيبوا بالمرض باستهالك منتجات‬
‫ال�ب��رازي��ة‪ ،‬استطاع فيروس (إت��ش ‪5‬‬
‫البيض أو البيض نفسه‪.‬‬
‫شخص‬
‫إن ‪ )1‬الصمود في درجة ح��رارة ‪37‬‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أعراض المرض عند الطيور‬

‫‪ .6‬حدوث نزيف من األنف واللثة‪.‬‬

‫ومن أعراض أنفلونزا الطيور في الدواجن احتقان‪ .7 ،‬إحساس باإلعياء والتقيؤ واإلسهال‪.‬‬
‫وبقع دموية بالمفاصل‪ ،‬وان�ع��دام النشاط والشهية‪ .8 ،‬آالم في البطن‪.‬‬
‫وتورّم الرأس واألجفان والعرف والداليات‪ ،‬وزرقة في‬
‫وف ��ي ال� �ح ��االت ال �ش��دي��دة ت �ح��دث م �ش �ك�لات في‬
‫العرف‪ ،‬وإفرازات من األنف والفم‪ ،‬والسعال والعطس‬
‫واإلسهال‪ ،‬والموت المفاجئ‪ .‬وتصل في أيام محدودة التنفس‪ ،‬تتضمن التهابات رئ��وي��ة ش��دي��دة‪ .‬وتتطور‬
‫اإلصابة إلى قصور في التنفس‪ ،‬يستدعي االستعانة‬
‫إلى ‪.100%‬‬
‫بأجهزة التنفس الصناعي‪ .‬وتتطور األع ��راض إلى‬
‫ول �ل �ت��أك��د م��ن ال �م��رض ف��ي ال �ط �ي��ور‪ ،‬ي �ت��م إج ��راء قصور كلوي‪ ،‬وقصور قلبي‪ ،‬والتهاب كبدي‪ ،‬ونزف‬
‫التشريح لمعرفة التغيرات الجهازية‪ ،‬والتي تظهر في رئوي‪ ،‬ثم الوفاة‪.‬‬
‫أنفلونزا الطيور‪ ،‬مثل التهاب في األكياس الهوائية‪.‬‬
‫والطيور التي تكون في فترة إنتاج البيض‪ ،‬توجد بها وسائل الوقاية من المرض‬
‫آفات في قناة المبيض‪ ،‬وفي الحاالت الحادة للمرض‬
‫وللوقاية من مرض أنفلونزا الطيور‪ ،‬يجب ‪ -‬أوالً ‪-‬‬
‫تنتشر آفات في الجسم‪ ،‬وتوجد اإلفرازات الليفية في اتباع اإلجراءات الوقائية‪:‬‬
‫التامور‪ ،‬والبريتون‪ ،‬واألكياس الهوائية‪ ،‬وقناة المبيض‪،‬‬
‫‪ .1‬غسل اليدين بشكل متكرر بالماء الصابون‪.‬‬
‫وقد تتصلب الرئة بااللتهاب‪ ،‬كما يوجد النخر البؤري‬
‫في الكبد والكلي والطحال‪ ،‬ويوجد أيضاً الدوالي في ‪ .2‬االبتعاد عن األشخاص الذين يسعلون وحرارتهم‬
‫مرتفعة‪ ،‬وسافروا حديثاٍ إلى الدول الموبوءة‪.‬‬
‫الكبد والطحال والكلي‪ ،‬كما يكون النزف منتشراً في‬
‫الجسم و تحت المجهر يمكن أيضاً مالحظة تكهفات ‪ .3‬اس �ت �خ��دام األق �ن �ع��ة ال �م �ت��واف��رة ل�ح�م��اي��ة الجهاز‬
‫في المخ‪ ،‬ونخر في األعضاء الداخلية‪ .‬وللتأكد من‬
‫التنفسي‪ ،‬ونظارات للوقاية‪ ،‬وقفازات للقائمين‬
‫التشخيص معملياً يمكن إج��راء اختبار ت�لازن الدم‪،‬‬
‫على العالج أو غيرهم من المهنيين المعرضين‬
‫واختبار االنتشار على الغراء الجيالتيني‪ ،‬واختبار نيور‬
‫النتقال العدوى‪.‬‬
‫أميدنيز للكشف عن األنتيجينات السطحية‪.‬‬
‫‪ .4‬تجنب مخالطة الطيور البرية‪ ،‬وخاصة البرمائية؛‬
‫أعراض المرض عند اإلنسان المصاب‬
‫ألنها مصدر رئيس النتقال العدوى‪.‬‬
‫وبالنسبة ألع��راض أنفلونزا الطيور في اإلنسان‬
‫وف��ي حالة ظهور المرض يجب التخلص الفوري‬
‫فإنها تتمثل في‪:‬‬
‫بطريقة علمية ووقائية من الدواجن المصابة‪ ،‬وغير‬

‫‪ .1‬ارتفاع في درجة الحرارة تصل إلى ‪ 38‬درجة مئوية ال�م�ص��اب��ة‪ ،‬مهما ك��ان ع��دده��ا؛ وح�ج��ره��ا‪ ،‬وتعويض‬
‫المتضررين؛ حسب اتفاقية منظمة الصحة العالمية‪،‬‬
‫أو أكثر‪.‬‬
‫ومنع دخ��ول العاملين‪ ،‬والمعدات‪ ،‬في دائ��رة ال يقل‬
‫‪ .2‬السعال‪.‬‬
‫قطرها عن ‪15‬كم من المنطقة المصابة‪ ،‬وكذلك يجب‬
‫التوعية الصحية للمواطنين القاطنين قريباً من أماكن‬
‫‪ .3‬تقرح الحنجرة‪.‬‬
‫توافد الطيور المهاجرة‪ ،‬والتنسيق والتعاون الدولي‬
‫‪ .4‬صعوبة التنفس‪.‬‬
‫واإلق�ل�ي�م��ي والمحلي بين ال�ج�ه��ات المختصة لمنع‬
‫وصول هذا الوباء الخطير‪.‬‬
‫‪ .5‬التهاب العيون‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪63 1427‬‬

‫‪ .3‬تحسين حاالت كشف اإلصابة بالبشر‪ ،‬وذلك يستلزم‬
‫وسائل تجنب انتقال الفيروس‬
‫مختبرات مجهزة تجهيزاً خ��اص�اً ويتسم عملها‬
‫ويجب اتباع اإلرش ��ادات الصحية التالية لتجنب‬
‫بمستوي عال من األمن البيولوجي‪.‬‬
‫انتشار الفيروس خالل الغذاء‪:‬‬
‫‪ .1‬فصل اللحم النئ عن األطعمة المطبوخة أو الجاهزة ‪ .4‬التعاون مع الشركات العالمية الستيراد اللقاح في‬
‫حال توافره‪.‬‬
‫لألكل؛ لتفادي التلوث‪.‬‬
‫‪ .2‬عدم استعمال لوح التقطيع نفسه‪ ،‬أو السكين ذاته‪.‬‬
‫‪ .3‬عدم لمس األطعمة النيئة ثم المطبوخة بدون غسل‬
‫اليدين جيداًً‪.‬‬
‫‪ .4‬تجنب إعادة وضع اللحم المطبوخ على نفس الصحن‬
‫الذي وضع عليه قبل الطبخ‪.‬‬
‫‪ .5‬تجنب استعمال بيض نيئ أو مسلوق بدرجة خفيفة‬
‫في تحضير طعام لن يعالج بحرارة عالية فيما بعد‬
‫(الطبخ)‪.‬‬
‫‪ .6‬االستمرار بغسل وتنظيف اليدين بعد التعامل مع‬
‫الدجاج المجمد‪ ،‬أو الذائب‪ ،‬أو البيض النيئ‪ ،‬مع‬
‫غسل كلتا اليدين وجميع األسطح واألدوات التي‬
‫كانت على اتصال باللحم النيئ بالصابون‪.‬‬

‫‪ .5‬ت�ك��وي��ن م �خ��زون اح�ت�ي��اط��ي م��ن األدوي� ��ة المضادة‬
‫للفيروسات‪.‬‬
‫ولعالج أنفلونزا الطيور يجب تحصين الدواجن‬
‫السليمة بلقاح فيروس المرض (إت ��ش‪5‬إن‪ ،)1‬وذلك‬
‫لتكوين أج�س��ام مناعية للوقاية م��ن وق��وع المرض‪.‬‬
‫وبالنسبة لإلنسان يجب إعطاء لقاح فيروس المرض‬
‫(‪ )D-R-3‬ل�لإن�س��ان السليم‪ ،‬وذل��ك لتنشيط جهاز‬
‫المناعة‪ ،‬وخيار اللقاح يثير عدة مشكالت منها‪ :‬أن‬
‫اللقاح المتوافر حالياً ضد هذا الفيروس يعمل فقط‬
‫ضد نسخة الفيروس القائمة‪ ،‬ولكن قد يكون هذا‬
‫اللقاح غير فعال في التعامل مع نسخة أخرى متحورة‬
‫وقادرة على االنتقال بين البشر‪.‬‬
‫وفي حالة اإلنسان المصاب يتم عالجه باستخدام‬
‫دواء مضادات الفيروسات؛ ويوجد منها نوعان‪:‬‬

‫‪ .7‬الطبخ الجيد للحم الدجاج سيعطل الفيروسات‪،‬‬
‫النوع األول عبارة عن كبسوالت تسمي (تاميفلو)‬
‫ويقتلها‪ ،‬وذلك بضمان وصول لحم الدجاج إلى ‪70‬‬
‫وهو أكثر فاعلية وتأثيراً على الفيروس‪ ،‬وخاصة إذا‬
‫درجة مئوية أو أكثر أ‪.‬‬
‫استعملت في اليومين األوليين لظهور األعراض (خالل‬
‫وال توجد دولة في العالم في كامل االستعداد لمنع‬
‫‪ 48‬ساعة وكلما ك��ان ذل��ك أس��رع كلما كانت النتائج‬
‫حدوث جائحة األنفلونزا‪ ،‬ولكن هناك توصيات لمنظمة‬
‫أفضل)‪ ،‬كما يساعد أيضاً في الوقاية من الفيروس‬
‫الصحة العالمية والتي يمكن تلخيصها في التالي‪:‬‬
‫في حال استخدامها قبل اإلصابة؛ وبذلك فإن هذا‬
‫‪ .1‬تحسين النهج المتبع في الكشف عن الفيروس في الدواء هو الصالح في حالة انتشار الوباء العام‪.‬‬
‫البيئة‪ ،‬وخاصة الكشف الدوري على مزارع الدواجن‬
‫وال� �ن���وع ال��ث��ان��ي ع� �ب ��ارة ع ��ن ن �ق��ط ف ��ي األن ��ف‬
‫وأم��اك��ن الطيور المهاجرة وال�م��راق�ب��ة البيطرية‪،‬‬
‫تسمي(ريلينزا)‪ .‬وه��و أق��ل ت��أث�ي��راً على الفيروس‬
‫وضرورة تكوين فهم كاف للعالقة بين المرض الذي‬
‫م��ن ال�ن��وع األول‪ .‬وح��ال�ي�اً تتسابق م��راك��ز األبحاث‬
‫يصيب الحيوان والمرض الذي يصيب اإلنسان‪.‬‬
‫وال�ج��ام�ع��ات العالمية على إن�ت��اج أم�ص��ال (أجسام‬
‫‪ .2‬تنشيط وتنمية التعاون بين قطاع الصحة العامة مناعية جاهزة) الستخدامها في حالة حدوث وباءٍ ‪-‬‬
‫وقطاع صحة الحيوان‪.‬‬
‫ال قدر الله‪.-‬‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أمراض ناجتة عن ملوثات املنزل‬
‫> د‪ .‬بشير جرار‬

‫<‬

‫متالزمة المسكن الممرض‪ :‬متالزمة المسكن الممرض عبارة عن ظهور أعراض‬
‫مرضية على الشخص عند دخوله لمنزل ثم تختفي هذه األعراض عند مغادرة هذا‬
‫< قسم علوم المختبرات الطبية – كلية العلوم الطبية التطبيقية ‪ -‬جامعة الجوف‬

‫ع������ل������وم‬

‫تشير ال��دراس��ات البيئية والصحية إل��ى إح�ت��واء أج��واء منازلنا على عشرات‬
‫الملوثات المسؤولة عن العديد من أمراض الجهاز التنفسي والقلب والحساسية‬
‫واألورام السرطانية المتنوعة‪ .‬فعلى سبيل المثال دلت الدراسات حول مستويات‬
‫المنازل في كل من الهند والصين على أنه مقابل كل حالة وفاة بسبب ملوثات البيئة‬
‫الخارجية هنالك حالتي وفاة بسبب ملوثات المنازل‪ .‬وتذكر تقارير منظمة الصحة‬
‫العالمية بأن حوالي ‪ 2.8‬مليون شخص من البالغين يموتون سنوياً بسبب ملوثات‬
‫المنازل التي تضع جميع قاطنيها خاصة األطفال والنساء الذين يقضون معظم‬
‫وقتهم داخل منازلهم تحت طائلة مخاطر هذه الملوثات‪ .‬وكما أدخلت التقنيات‬
‫الحديثة العديد من الملوثات عبر أجهزة الميكرويف والهاتف النقال واألجهزة‬
‫األخرى إلى منازلنا مستويات مرتفعة من الضوضاء واإلشعاع‪ .‬وبالمقابل ما زال‬
‫نصف سكان العالم يستخدم الفحم أو الخشب أو روث الحيوانات كوسيلة للطهي‬
‫والتدفئة على مدافي ومطابخ غير فعالة وف��ي منازل سيئة التهوية‪ .‬وال غرابة‬
‫فيما أعلنته منظمة الصحة العالمية بأن ‪ 1.9‬مليون شخص يموتون سنوياً بسبب‬
‫جسيمات الغبار العالقة في أجواء المنازل مقابل نصف مليون يموتون بسبب هذه‬
‫الجسيمات في البيئات الخارجية‪ .‬ومن المؤسف أن تدني مستويات الخدمات‬
‫الصحية والوعي البيئي يجعل مهمة التصدي لملوثات المنازل ومخاطرها أمراً‬
‫ليس باليسير‪ .‬وفيما يلي استعراض ألهم األمراض التي تسببها ملوثات المنازل‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪65 1427‬‬

‫وتتفاقم المشكلة في المنازل سيئة التهوية‪ .‬كما أن‬
‫غازات الطبخ قد تصل إلى مستويات مرتفعة تسبب‬
‫نوبات الربو‪ ,‬يضاف إلى ذلك األبخرة المتصاعدة‬
‫من مواد التجميل ومحاليل الدهان وسوائل التنظيف‬
‫التي تفاقم من المشكلة‪ .‬وكما هو معلوم فالربو من‬
‫األمراض التي ال يتوفر لها حالياً عالج وإنما أدوية‬
‫مسكنة للسيطرة على أعراضه وللحد من تفاقمه‪.‬‬
‫وهنالك العديد من ملوثات المنازل التي تفاقم‬
‫حالة المصابين بالربو وأهمها‪:‬‬
‫دخ���ان ال �س �ج��ائ��ر‪ ,‬ج�س�ي�م��ات ال �غ �ب��ار المنزلي‪ ,‬‬
‫حلم الغبار‪ ,‬رذاذ الشعر‪ ,‬أج��زاء حيوانات المنزل‬
‫المتساقطة مثل الشعر والريش والقشور‪,‬الصراصير‬
‫المنزل‪ ,‬حيث تظهر األعراض بعد دقائق من دخول وأج��زائ�ه��ا وفضالتها‪ ,‬حبوب لقاح بعض النباتات‬
‫المنزل لكنها قد تستمر لعدة ساعات أو أي��ام بعد المنزلية واألبخرة المصاحبة لعمليات الطهي‪.‬‬
‫مغادرته‪ .‬وتشاهد هذه الظاهرة في المباني التي يكون‬
‫ح��ي��وان��ات ال��م��ن��زل م��ن مسببات ال��ع��دي��د من‬
‫بها تدوير مركزي يمرر بها هواء التكييف خصوصاً‬
‫األمراض‬
‫إذا كانت نسبة التبادل مع الهواء الخارجي ضعيفة‪.‬‬
‫حمى الهواء الرطب‪ :‬حمى الهواء الرطب مرض‬
‫ومن أع��راض متالزمة المسكن الممرض‪:‬الصداع‪ ,‬‬
‫جفاف األغشية المخاطية بالفم واألنف والحنجرة‪ ,‬غير معروف األسباب تماماً إال أنه يعتقد أنه ينتج عن‬
‫تحرش العيون‪ ,‬دوخة وإغماء‪ ,‬غثيان‪ ,‬عدم الراحة استخدام أجهزة ترطيب الهواء في المنازل كوسيلة‬
‫والعصبية ‪,‬األرق المصاحب للنوم‪ ,‬متاعب بالجيوب للتخفيف من بعض المتاعب الناتجة عن جفاف األنف‬
‫األن�ف�ي��ة‪ ,‬ال�ت�ه��اب األن ��ف التحسسي‪ ,‬طفح جلدي‪ ,‬والحنجرة والشفاه والجلد‪ .‬تعمل هذه األجهزة خاصة‬
‫احتقان أنفي مزمن‪.‬‬
‫المتسخة منها على نشر بعض الملوثات الكيميائية‬
‫الــربـــو‪ :‬أظهرت الدراسات الصحية والبيئية أن‬
‫هنالك عالقة وثيقة بين الربو ووج��ود الصراصير‬
‫والحلم الغباري والفطريات في المنازل‪ .‬وكما أن‬
‫بعض أن ��واع السجاد وال��ده��ان��ات ال�ج��دي��دة وبعض‬
‫ملوثات ال�ه��واء في المنازل من المسببات األخرى‬
‫لظهور أع ��راض ال��رب��و‪ .‬وم��ن أه��م ملوثات المنازل‬
‫المسببة للربو دخان السجائر واألبخرة المتصاعدة‬
‫م��ن الطهي واألب �خ��رة الكيميائية ل �م��واد التنظيف‬
‫والمستحضرات الرذاذية داخل المنازل‪ .‬ولعل دخان‬
‫السجائر من أخطر مسببات الربو عند األطفال‪ ,‬‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫والحيوية في أج��واء المنزل‪ .‬تظهر على المصابين‬
‫بهذا المرض أع��راض االلتهاب الرئوي التحسسي‬
‫مصحوب بالحمى‪ .‬ويعتقد أن ه��ذه األجهزة تنشر‬
‫مع ال�ه��واء الرطب بعض مسببات ال�ع��دوى‪ ,‬خاصة‬
‫الفطريات وحلم ال�غ�ب��ار‪ .‬وتظهر أع��راض المرض‬
‫بشكل مبكر على فئات معينة من قاطني المنازل‪ ,‬‬
‫خاصة المدخنين ومدمني الخمور بسبب خفض‬
‫المناعة لديهم‪ ,‬إضافة إلى كبار السن فوق عمر ‪50‬‬
‫سنة‪ .‬ومن أعراض هذا المرض اآلتي‪ :‬صداع‪ ,‬حمى‬
‫قشعريرة‪ ,‬ضعف العضالت‪ ,‬ضعف عام‪.‬‬

‫مـــرض الليوجنيير (ح�م��ى ال�ب��ون�ت�ي��اك)‪ :‬عرف نسبة اإلص��اب��ة بين النساء ال�لات��ي يستخدمن غاز‬
‫مرض الليوجنييرألول مرة عام ‪1968‬م عندما أصاب االسطوانات الذي يطلق مستويات أقل من الملوثات‪.‬‬
‫نزالء أحـد الفنادق في مدينة بونتياك بوالية متشغن‬
‫ويعد التدخين مسؤول عن انتشار أنواع متعددة‬
‫األمريكية مـرض غامض وأطـلق عليه حين ذلك حمى م��ن ال �س��رط��ان‪ ,‬وت�ص��ل مسؤووليته حتى ‪ 90٪‬من‬
‫بونتياك‪ .‬وقد اتـضح أن سبـب إصابة نزالء الفندق ح��االت س��رط��ان ال��رئ��ة و ‪ 35٪‬م��ن ح��االت سرطان‬
‫هو تلوث هواء غرف هذا الفندق ببكتيريا معينة كان المثانة و ‪ 30٪‬من كل حاالت السرطان‪.‬‬
‫مصدرها أجهزة التكييف المركزي‪ ,‬ومن ذلك الحين‬
‫داء الســل‪ :‬ينتشر م��رض ال�س��ل بين القاطنين‬
‫يطلق هذا المرض على األشخاص الذين يصابون‬
‫بالمنزل أو العاملين به‪ ,‬وينتقل من المصابين بهذا‬
‫ب��أع��راض ال�ت�ه��اب رئ ��وي مصحوبة بحمى كنتيجة‬
‫المرض إلى اآلخرين بسبب الظروف البيئية للمنزل‪ ,‬‬
‫الستنشاق ه��واء رط��ب ملوث بـالبكتيريا‪ .‬وترتبط‬
‫خاصة االزدح��ام باألشخاص وسوء التهوية‪ .‬يسبب‬
‫اإلصابة بهذا المرض بالمنازل الفخمة والقصور‬
‫هذا المرض المعدي جرثومة تخرج مع البلغم لتصل‬
‫التي تشتمل على أنظمة التكييف المركزية‪ ,‬وحمامات‬
‫إالى إنسان آخرعبر االتصال مع أدوات المصاب‪.‬‬
‫الدردور (دوامات الماء)‪.‬‬

‫والسعال أول أع��راض هذا المرض ويكون حاداً م��ل��وث��ات ال��م��ن��زل م��ن أه��م مسببات سرطان‬
‫وربما مصحوباً بالبلغم تليه حمى مرتفعة ودوخة الرئة‬
‫وق��يء وص��داع وأل��م العضالت وال�ص��در وضيق في‬
‫التنفس‪ .‬وكما أن اإلسهال صفة مميزة لهذا المرض‪.‬‬
‫كذلك يعاني المصابون الذين يعانون من مشاكل في‬
‫الجهاز المناعي والمصابين بأمراض الرئة من مزيد‬
‫من التعقيدات لهذا المرض قد ت��ؤدي إل��ى الوفاة‪.‬‬
‫ال حتى يعود‬
‫ويستغرق في ال�ع��ادة األم��ر وقتاً طوي ً‬
‫المريض إلى وضعه السابق‪ .‬وعلى المصاب المدخن‬
‫االنقطاع عن التدخين تماماً خالل فترة النقاهة لمدة‬
‫قد تصل حتى عام‪ .‬وأبرز األعراض خالل هذه الفترة‬
‫هو ضعف المقدرة على التركيز عند المصاب‪.‬‬

‫ال�ح�س��اس�ي��ة‪ :‬ي �ص��اب س �ك��ان ال �م �ن��ازل بأمراض‬
‫التحسس كنتيجة لتفاعالت مناعية بسبب تلوث‬
‫أجواء المنزل بالعديد من الملوثات‪ .‬ويفاقم المشكلة‬
‫وجود عوامل أخرى تساعد على اإلصابة بالحساسية‬
‫المفرطة لهذه الملوثات‪ ,‬كارتفاع الرطوبة إلى أكثر‬
‫من ‪ 50٪‬ووجود تسريب للمياه بشكل دائم بالمنزل‪ ,‬‬
‫إضافة إلى أجهزة التكييف المركزي التي تعتمد على‬
‫تدوير الهواء المغلق داخل المباني‪.‬‬

‫وم��ن أش�ه��ر مسببات التحسس داخ��ل المنزل‪:‬‬
‫جسيمات ال �غ �ب��ار‪ ,‬أب ��واغ ال�ف�ط��ري��ات المنبعثة من‬
‫س��رط��ان ال��رئ �ـ �ـ��ة‪ :‬ال �ع��دي��د م��ن م �ل��وث��ات المنازل ج��دران المنازل التي تتعرض لتسريب دائم للمياه‪ ,‬‬
‫مسرطنة‪ ,‬خاصة للجهاز التنفسي ومسببة لسرطان حبوب اللقاح‪ ،‬حلم الغبار‪ ,‬بعض الجلود والمطاط‪ ,‬‬
‫الرئة‪ .‬وأظهرت الدراسات أن الغازات المنبعثة من المطهرات والمنظفات المنزلية‪ ,‬المستحضرات‬
‫الطهي ودخ��ان السجائر والمنظفات داخ��ل المنازل الرذاذية في المنزل كالرذاذ المضاد للتعرق والمواد‬
‫تؤدي إلى العديد من األمراض وفي مقدمتها سرطان الرذاذية المنعشة‪ ,‬السجاد والموكيت المصنع حديثاً‪ ,‬‬
‫الرئة‪ .‬وعلى سبيل المثال في الصين الشعبية فإن الصراصير والقوارض من جرذان وفئران بالمنزل‪ ,‬‬
‫نسبة سرطان الرئة بين النساء الالتي يستخدمن وجود حيوانات أليفة من كالب وقطط وطيور وأرانب‬
‫الفحم كوسيلة للطهي في منازلهن هي ستة أضعاف تشارك اإلنسان منزله‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪67 1427‬‬

‫األهمية االقتصادية للبحث العلمي‬
‫> د‪ .‬محمد بن فهد القحطاني‬

‫ع������ل������وم‬
‫‪68‬‬

‫يُع ُّد البحث العلمي في غاية األهمية من الناحية االقتصادية‪ ،‬السيما في الدول‬
‫النامية‪ ،‬التي تعاني من عجز كبير في المعرفة العلمية‪ ،‬وكذلك من نقص حاد في‬
‫مستوى اإلنفاق على البحث العلمي‪ .‬وتنبع هذه األهمية من قناعة الدول النامية‪،‬‬
‫في أن السبب المباشر في عدم لحاقها بركب الدول المتطورة‪ ،‬هو تخلفها التقني‪،‬‬
‫وبالتالي تراجع مستويات النمو‪ ،‬في العديد من بلدان العالم الثالث‪ .‬إن العالقة بين‬
‫اإلنفاق على البحث العلمي ومستويات النمو االقتصادي‪ ،‬تُعد عالقة وثيقة ال ُعرَى‪،‬‬
‫ومؤكدة‪ ،‬بالنظر إلى واقع الدول النامية والدول الصناعية؛ فكلما زاد اإلنفاق على‬
‫البحث العلمي كنسبة من الناتج القومي‪ ،‬كلما ارتفعت معدالت النمو االقتصادي‪.‬‬
‫والمثال الواضح في هذا المجال هو روسيا‪ ،‬حيث أدت األزمة االقتصادية الخانقة‪،‬‬
‫إلى تقليص نسبة اإلنفاق على األبحاث والتطوير من ‪ 2%‬في العام ‪ ،1990‬إلى أقل‬
‫من ‪ 1%‬في العام ‪ 1999‬وقد نجم عن ذلك انهيار اقتصادي كامل‪ ،‬ما ترتبت عليه‬
‫مشكالت أخرى؛ كاألزمات المالية‪ ،‬وتخلف تقنية اإلنتاج‪ ،‬وتراجع في عدد البحوث‬
‫العلمية المنشورة‪ ،‬وتناقص أعداد براءات االختراع والبطالة في صفوف العلماء‬
‫والباحثين‪ ،‬والذي دفع بهم إلى الهجرة إلى بلدان أخرى‪.‬‬
‫يزدهر البحث العلمي في البلدان المتطورة‪ ،‬التي تتمتع اقتصادياتها بطابع‬
‫تنافسي‪ ،‬إذ يُنظر إلى البحث العلمي على أنه الوسيلة األكثر فعالية في تحقيق‬
‫< أستاذ االقتصاد المساعد ‪ -‬معهد الدراسات الدبلوماسية‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪mqahtani@ids.gov.sa‬‬

‫التنمية المستدامة على مستوى االقتصاد الوطني‪ .‬التعليم الجامعي‪ ،‬كنوع من الرفاهية‪ ،‬التي تؤدي إلى‬
‫ولتحقيق ذلك الهدف تقوم الحكومة بوضع السياسات هدر الموارد المادية النادرة في الدول النامية‪.‬‬
‫العامة‪ ،‬الكفيلة ببث الوعي العلمي على المستوى‬
‫الشعبي‪ ،‬من خ�لال إنشاء مراكز البحوث‪ ،‬وتقديم‬

‫الدعم المادي للمشاريع العلمية والبحثية‪ ،‬وتصميم‬
‫المناهج التعليمية الكفيلة بخلق "العقول المتدبرة"‪.‬‬

‫على مستوى القطاع الخاص‪ ،‬تتنافس الشركات‬

‫الصناعية المنتجة‪ ،‬في مجال تطوير تقنية اإلنتاج‪ ،‬ما‬
‫يتطلب إنشاء أقسام األبحاث والتطوير‬

‫(‪Research‬‬

‫‪ ،)and Development، R&D‬إذ يقوم الباحثون‬

‫بتحديث وسائل اإلنتاج‪ ،‬وتحسين جودة السلع‪ ،‬ألجل‬

‫إقناع المستهلكين بارتفاع مستوى ال�ج��ودة‪ ،‬مقارن ًة‬

‫ب��ال�س�ل��ع ال�م�ن��اف�س��ة األخ� ��رى‪ .‬ف ��إذا أف�ل�ح��ت الشركة‬
‫في الحصول على أح��دث تقنيات اإلن�ت��اج؛ ف��إن ذلك‬
‫يضمن لها ميزة تنافسية‪ ،‬مقارنة بالمنتجين اآلخرين‪،‬‬

‫ويحافظ على حصتها في السوق ما يترتب عليه بقائها‬

‫واستمرارها‪ .‬أما على مستوى العلماء والباحثين‪ ،‬فإنهم‬
‫يحصلون على الكثير من الدعم المادي والمعنوي‪ ،‬ألجل‬

‫تشجيعهم على االنخراط في إعداد البحوث والتقارير‬

‫العلمية المهمة‪ .‬إن تقديم الجوائز التشجيعية‪ ،‬يؤدي‬

‫إل��ى خلق جو مفعم ب��ال��روح التنافسية‪ ،‬التي تنعكس‬
‫إيجاباً على البحث العلمي من خالل إقناع الباحثين‬
‫بأن قيامهم بالبحث العلمي‪ ،‬هو عبارة عن استثمار في‬

‫مستقبلهم الوظيفي في المقام األول‪.‬‬

‫يأتي الوضع في الدول النامية على طرف النقيض‬

‫منه ف��ي ال ��دول المتقدمة‪ ،‬حيث التخلف العلمي‪،‬‬

‫وال �ن��درة ف��ي تقنية اإلن �ت��اج‪ ،‬وت��دن��ي ف��ائ��دة المناهج‬
‫ال��دراس �ي��ة؛ وم ��ر ُّد ذل��ك نتيجة طبيعية لسياسات‬

‫خاطئة‪ ،‬من قبل صنّاع القرار‪ ،‬أو عدم جدية األجهزة‬
‫الحكومية‪ ،‬ب�ض��رورة البحث العلمي‪ ،‬إذ يُنظر إلى‬

‫اإلنفاق على المشاريع البحثية والتعليمية‪ ،‬بما فيها‬

‫إن المناهج التعليمية‪ ،‬سواء في المراحل المبكرة‬
‫أو ف��ي ال�م��راح��ل العليا‪ ،‬ق��د ُوض �ع��ت بشكل سريع‬
‫وغير مدروس‪ ،‬لحل مشاكل وقتية‪ ،‬أال وهي مشكلة‬
‫األمية‪ ،‬المنتشرة في أكثر ال��دول النامية (بما فيها‬
‫الدول العربية)‪ .‬فتلك المناهج تركّز على المهارات‬
‫األساسية‪ :‬كالكتابة‪ ،‬والقراءة؛ وتعتمد على أسلوب‬
‫التلقين‪ ،‬بينما تغفل التفكير العلمي اإلبداعي‪ ،‬وتهمل‬
‫التدريب على التحليل الخالّق!‬
‫يشتكي العلماء والباحثون في الدول النامية من‬
‫قلة الدعم المادي والمعنوي الكتشافاتهم العلمية؛ بل‬
‫ومن قلة اإلنفاق على المعدات‪ ،‬والمراجع الضرورية‪،‬‬
‫التي تُعد شرطاً ضرورياً للقيام بأي بحث علمي؛ فعلى‬
‫سبيل المثال‪ ،‬تفتقر المكتبات الجامعية للدوريات‬
‫العلمية المتخصصة ذات الكلفة الباهظة التي تتجاوز‬
‫قيمة اشتراكاتها الميزانية المحددة للمكتبة‪ ،‬في‬
‫حين يُوجّ ه ج ّل اإلنفاق إلى نشاطات بعيدة كل البعد‬
‫عن النشاطات األكاديمية! وحتى اإلدارات الحكومية‬
‫المستقلة التي تٌعنى بتقديم الدعم المادي للباحثين‪،‬‬
‫تضع العديد من الشروط والعراقيل‪ ،‬التي تُحبط‬
‫المشاريع البحثية‪ ،‬التي قد تكون في غاية األهمية‬
‫في نشر الوعي العلمي؛ بل وتعاني ميزانياتها من‬
‫تحكّم األفراد ذوي الميول البيروقراطية‪ ،‬الذين قد ال‬
‫يؤمنون بجدوى تبنّي تلك اإلبداعات‪ .‬وكنتيجة لذلك‬
‫التوجه‪ ،‬يُنفق أغلب الموارد المالية المرصودة على‬
‫أمور ال تمت بأي صلة لنشاطات البحث العلمي‪.‬‬
‫إن غياب نظام الحوافز للباحثين المتميزين‪ ،‬أدى‬
‫إلى فقدان العلماء الرغبة في اإلقبال على البحث‬
‫العلمي السيما وأن قوانين الوظائف العمومية تقف‬
‫حاجز في سبيل إعطاء النشيطين في الحقول العلمية‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪69 1427‬‬

‫معاملة خاصة‪ ،‬وهذه الخاصية األخيرة دفعت األفراد المتحدة األمريكية‪ ،‬بشكل خ��اص‪ ،‬حيث بلغ هذا‬
‫لشغل الوظائف البحثية‪ ،‬بهدف الحصول على دخل الرقم ‪ 85،000‬باحث في العام ‪.1991‬‬
‫الوظيفة فقط‪ ،‬دون القيام بالنشاطات العلمية‪ ،‬التي‬
‫هناك العديد من ال��دراس��ات االقتصادية‪ ،‬التي‬
‫تتطلب جهداً فكرياً مضنياً‪.‬‬
‫تنظر بعين األه�م�ي��ة ل�لأب�ح��اث وال �ت �ط��وي��ر‪ ،‬كقرار‬
‫تنبع أه�م�ي��ة ال�ب�ح��ث العلمي ب��وص�ف��ه المصدر استراتيجي لدى صنّاع القرار‪ ،‬من أجل المحافظة‬
‫األس��اس للمعرفة التقنية‪ ،‬المرتبطة بشكل مباشر على القدرة التنافسية‪ ،‬ومن ثم المقدرة على النمو‬
‫بعملية اإلنتاج‪ .‬هذه المعرفة التقنية تُع ُّد المحرك والبقاء‪ .‬هذه األهمية أيضاً صحيحة‪ ،‬على مستوى‬
‫األس��اس لعملية النمو االقتصادي‪ ،‬كما هو معروف المنشأة‪ ،‬حيث تتخذ العديد من ال�ق��رارات لتعزيز‬
‫في أدب�ي��ات علم االقتصاد‪ .‬وم��ن المالحظ كذلك‪ ،‬مقدرتها التنافسية‪ ،‬مثل‪ :‬جودة اإلنتاج‪ ،‬والتسعير‪،‬‬
‫وجود رقم ضخم جداً من الباحثين والمتخصصين واالستثمار في الطاقة اإلنتاجية‪ ،‬واالستثمار في‬
‫في العلوم البحتة في البلدان المتقدمة بينما على مجال البحوث والتطوير‪.‬‬
‫العكس من ذلك هو الوضع في الدول النامية‪ ،‬التي‬
‫هناك العديد من الدراسات التي وجدت عالقة‬
‫تعاني من نقص حاد في عدد القادرين على القيام‬
‫وثيقة بين مستوى اإلنفاق على البحوث والتطوير‬
‫بالبحوث العلمية الضرورية في التنمية الصناعية‪ .‬في‬
‫واالختراعات العلمية‪ ،‬ومستوى التقنية التي تمتلكها‬
‫الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬تقوم اإلدارة الحكومية‬
‫المنشأة‪ ،‬كما وجدت أيضاً عالقة وطيدة وإيجابية‬
‫بجهود ج��ادة لتشجيع البحث العلمي‪ ،‬مثل إنشاء‬
‫بين مستوى اإلنفاق على البحث العلمي (ال��ذي هو‬
‫جهة علمية حكومية مستقلة‪ ،‬تتولى تقديم الدعم‬
‫موضح‬
‫ّ‬
‫الوجه اآلخ��ر للمخترعات العلمية كما هو‬
‫المادي للباحثين‪ ،‬فقد أنشأت المنظمة األمريكية‬
‫من العالقة السابقة) واألرباح المتوقعة‪ .‬فعلى سبيل‬
‫المعنية بالبحث العلمي (‪National Science‬‬
‫المثال‪ ،‬أثبت الباحثون االقتصاديون أن مصدر ثلثي‬
‫‪ )Foundation، NSF‬في العام ‪ ،1950‬بعد تقرير‬
‫االختراعات العلمية هو األبحاث والتطوير بينما يُعزى‬
‫وض��ح ذل��ك التقرير أهمية‬
‫أُع��د للبيت األب�ي��ض‪ ،‬إذ ّ‬
‫الثلث الباقي إلى عدة عوامل‪ ،‬مثل‪ :‬نقل التكنولوجيا‬
‫العلوم في الوصول إلى أهداف‪ ،‬ال يمكن أن تتحقق‬
‫من المنافسين في السوق‪ ،‬واقتراحات العمالء‪ ،‬وغير‬
‫إال من خالل االعتناء بالبحث العلمي‪ .‬تقدر المنظمة‬
‫ذلك من المصادر األخرى‪.‬‬
‫األمريكية المعنية بالبحث العلمي ع��دد العاملين‬
‫إن المتتبع للتنمية الصناعية في الدول المتقدمة‪،‬‬
‫النشيطين في مجال البحث العلمي بحولي ‪800،000‬‬
‫شخص في العام ‪ ،1995‬وفي العام نفسه‪ ،‬تبيّن تقارير يجد أن ه�ن��اك نسقاً لقيام الصناعة ف��ي منطقة‬
‫اإلح�ص��اءات العمالية‪ ،‬أن عدد العاملين في مجال ج�غ��راف�ي��ة دون أخ� ��رى‪ .‬وه �ن��اك ق��ائ�م��ة ط��وي�ل��ة من‬
‫العلوم الطبيعية والهندسية ما يقارب ‪ 1،722،000‬العوامل االقتصادية التي ت��ؤدي إلى قيام المناطق‬
‫موظف‪ .‬ومن اإلحصاءات المهمة كذلك‪ ،‬يتبين وجود الصناعية‪ ،‬إال أن أه��م تلك األس �ب��اب ال �ق��رب من‬
‫عدد كبير من حملة الدكتوراه‪ ،‬في المجاالت العلمية مراكز البحوث والتجمعات العلمية؛ ففي الواليات‬
‫والهندسية البحتة‪ ،‬المنخرطين في البحث العلمي المتحدة األمريكية على سبيل المثال‪ ،‬هناك تجمعات‬
‫في الدول المتقدمة‪ ،‬على وجه العموم‪ ،‬وفي الواليات للصناعة ف��ي منطقة وادي السليكون (‪Silicon‬‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫‪ )Valley‬في والي��ة كاليفورنيا وذل��ك بسبب القرب‬

‫من جامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا (بيركيلي)‪،‬‬
‫وهناك تجمع صناعي كبير جداً في منطقة بوسطن‬

‫(‪ ،)Boston، Massachusetts، Route 128‬الذي يعود‬
‫إلى وجود جامعة هارفرد (‪)Harvard University‬‬
‫ومعهد ماسشوستس التقني‪.‬‬

‫(‪Massachusetts‬‬

‫‪ )Institute of Technology، MIT‬إن م��ن أهم‬

‫األسباب التي أسهمت في نجاح وانتشار الصناعة‬

‫في الواليات المتحدة األمريكية‪ ،‬هو إنشاء الجامعات‬

‫ومراكز البحوث لمكاتب ارتباط مع رجال الصناعة‪،‬‬

‫حتى يتحقق تفعيل نتائج البحوث التي تم التوصل‬
‫إليها‪ ،‬واالستفادة منها‪.‬‬

‫تنخرط الشركات متعددة الجنسيات‪ ،‬ذات الحجم‬

‫الكبير‪ ،‬في القيام باألبحاث والتطوير لتقديم مخترعات‬

‫جديدة‪ ،‬كفيلة بتعزيز مقدرتها التنافسية‪ .‬المنشآت‬

‫في الصناعات عالية التقنية‪ ،‬والدواء وااللكترونيات‪،‬‬
‫ت�ق��وم بعمليات ال�ب�ح��وث ف��ي معاملها المنتشرة في‬

‫العديد من الدول؛ فعلى سبيل المثال شركة موتوريال‬

‫(‪ )Motorola‬تقوم بعملية البحوث في ‪ 14‬مختبراً‬
‫منتشرة في سبع دول‪ .‬والمثال اآلخ��ر‪ ،‬شركة كانون‬

‫(‪ )Canon‬تقوم بعمليات األبحاث والتطوير في ثمانية‬

‫مراكز متخصصة في هذا النوع من النشاطات منتشرة‬

‫في خمسة بلدان مختلفة‪.‬‬

‫هناك سببان أساسيان في قيام الشركات عبر‬

‫القومية بالبحوث والتطوير لمنتجاتها في عدة دول‬

‫خالفاً لالتجاه السائد ب��أن تركز الشركة عمليات‬

‫األب �ح��اث وال�ت�ط��وي��ر ف��ي معامل قريبة م��ن المركز‬

‫الرئيسي للشركة‪ ،‬ه��ذان السببان ه�م��ا‪ :‬أوالً‪ ،‬أن‬
‫تستفيد المنشأة م��ن م��راك��ز المعلومات والبحوث‬

‫المتوافرة في ال��دول األخ��رى‪ ،‬كالجامعات‪ ،‬ومراكز‬
‫األبحاث التابعة للشركات المنافسة‪ .‬ثانياً‪ ،‬تحاول‬

‫الشركات العالمية التقرّب من ذوق المستهلك‪ ،‬من‬
‫خ�لال دراس ��ات ال�س��وق المحلي حتى تحافظ على‬
‫قدرتها التنافسية‪ ،‬ألجل استمرار التحكم في السوق‬
‫المحلي وحرمان المنافسين اآلخرين من الدخول إلى‬
‫تلك األس��واق‪ .‬على سبيل المثال قامت العديد من‬
‫الشركات العاملة في قطاع االتصاالت‬
‫(‪Siemens، NEC، Matsushita، and‬‬

‫‪ )Toshiba‬بتأسيس ف��روع لها قريبة م��ن جامعة‬
‫برينستون (‪ )Princeton University‬الواقعة في‬
‫والي��ة نيوجيرسي األمريكية‪ .‬وفي المضمار نفسه‪،‬‬
‫قامت العديد م��ن الشركات العالمية (على سبيل‬
‫المثال (‪ Texas Instruments and HP‬بإنشاء‬
‫ف��روع لألبحاث والتطوير التابعة لها في المناطق‬
‫المحيطة بمدينة طوكيو ال�ي��اب��ان�ي��ة‪ .‬وم��ن األمثلة‬
‫المشهورة كذلك‪ ،‬قيام شركة توشيبا (‪)Toshiba‬‬
‫اليابانية بالدخول ف��ي م�ش��روع مشترك م��ع شركة‬
‫سيمنز (‪ )Siemens‬األل�م��ان�ي��ة ح�ت��ى تتمكن من‬
‫ال �ح �ص��ول ع �ل��ى ال�ت�ق�ن�ي��ة ال��ض��روري��ة ف��ي صناعة‬
‫الحاسبات‪ ،‬حيث قامت الشركتان بتأسيس مركز‬
‫لألبحاث والتطوير في مدينة ريجنزبيرج األلمانية‬
‫(‪.)Regensburg، Germany‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪71 1427‬‬

‫مع الشاعر الكبير ‪..‬‬

‫طاهر زمخشري‬
‫> فهد الكريع‬

‫ثمة رموز في هذا البلد‪ ،‬خاصة‪ ،‬وفي أنحاء العالم العربي‪ ،‬عامة‪ ..‬أثرو عقولَنا‬
‫وقدَّ مو تجارب في منتهى اإلبداع‪ ،‬ولكن لظروف وقتهم‪ ،‬فقد غاب عنهم اإلعالم‪ ،‬وظل‬
‫إبداعهم وإنتاجهم األدبي محصوراً في تكريم مبسط‪ ،‬ضمن حفل ما‪ ،‬بينما غابت‬
‫ِس ّيرُهم عن أعين األجيال‪ ..‬ومن ه��ؤالء المبدعين‪ ،‬الشاعر الكبير األستاذ طاهر‬
‫زمخشري‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬ونحن نحاول في األسطر اآلتية إلقاء الضوء على جزء من‬
‫سيرته العطرة‪..‬‬

‫طاهر زمخشري (‪ 20 - 1906‬يوليو ‪)1987‬‬
‫أديب وشاعر سعودي‪ .‬ولد بمكة المكرمة عام ‪1906‬م‪ ،‬وتوفي في ‪ 20‬يوليو عام‬
‫‪ .1987‬ول��د األستاذ طاهر زمخشري أو "بابا طاهر" كما يحب أن يُلقّب في مكة‬
‫المكرمة‪ ،‬وتلقى تعليمه بمدارس الفالح‪ .‬عمل في مختلف أنشطة الدولة والدوائر‬
‫الحكومية‪ ،‬تدرج بالعمل في الصحافة والطباعة‪ ،‬ابتداء بمصحح ووصل إلى وظيفة‬
‫مراقب عام‪ .‬كما أشرف على جريدة "أم القرى"‪.‬‬

‫شخصيــا ت‬
‫‪72‬‬

‫ثم عمل في شؤون الجمارك في وزارة المالية‪ ،‬سكرتيراً للديوان‪ ،‬وأسهم في تنظيم‬
‫اللوائح واألنظمة األساسية‪ .‬كما شارك في تأسيس اإلذاعة السعودية‪ ،‬وكان من أوائل‬
‫الذين عملوا فيها‪ .‬وقدَّ م مختلف البرامج اإلذاعية‪ ،‬والتمثيليات‪ ،‬وبرامج األطفال‪ ،‬وكل‬
‫ما يتعلق باإلنتاج اإلذاعي‪ ،‬حتى أصبح مراقباً عاماً لها‪.‬‬
‫انشأ أول مجلة سعودية خاصة باألطفال‪ ،‬كما شارك في إنشاء وتحرير معظم‬
‫يكتف بتشجيعه األدبي‬
‫ِ‬
‫المجالت والجرائد في بلده‪ .‬نظم الشعر العمودي والحر‪ ،‬ولم‬
‫للموهوبين‪ ،‬بل أنفق من جيبه الخاص‪ ،‬على كل موهبة فنية‪ ،‬تنبأ لها بالمستقبل‬
‫ال��واع��د‪ ...‬وك��ان يُعد نفسه لكل فنان أو فنانة أو أدي��ب أو مثقف تربطه به أواصر‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الصداقة ‪ -‬الترجمان له والمحامي‪ ،‬الذي ال يك ُّل وال‬
‫يملُّ‪ .‬ص��ارع األي��ام وصارعته‪ ،‬وص��ارع المرض حتى‬
‫صرعه‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬لم يشكُ ‪ ،‬ولم يَ ُهنْ‪ ،‬ولم‬
‫يغصب ولم ييأس‪.‬‬
‫أص��در طاهر ديوانه األول‪ ”:‬أح�لام الربيع “ عام‬
‫‪1946‬م‪ .‬وكان أول ديوان يصدر في السعودية‪ ،‬بعد فترة‬
‫طويلة من غياب المطبوعات عنها وعن منطقة الخليج‬
‫‪ .‬عُرف بلقب "بابا طاهر" الهتمامه بأدب الطفل‪ .‬انشأ‬
‫أول مجلة أطفال سعودية ‪" -‬مجلة الروضة"‪ ،‬و وصدر‬
‫أول ع��دد لها بتاريخ ‪ 17‬سبتمبر ‪1959‬م‪ ،‬ولكنها لم‬
‫تستمر طويالً‪ ،‬فقد توقفت بعد ‪ 27‬عدداً بتاريخ ‪12‬‬
‫مايو ‪1960‬م‪ .‬كما رأس تحرير صحيفة البالد‪.‬‬

‫ أحالم‪.‬‬‫ ورمضان كريم‪.‬‬‫ عبير الذكريات‪.‬‬‫ من الخيام‪.‬‬‫ أصداء الربيع‪.‬‬‫ مع األصيل‪ ،‬وهي مجموعة من التأمالت والدراسات‬‫النفسية مع بعض الرباعيات الشعرية‪.‬‬
‫ العين بحر‪ ،‬بحث يتضمن ما قاله بعض الشعراء‬‫في العين‪.‬‬
‫ ليالي ابن الرومي‪ ،‬دراسة لبيئة ابن الرومي وعصره‪،‬‬‫مع عرض نماذج من أشعاره‬
‫‪ -‬حبيبي على القمر‪.‬‬

‫عاش الزمخشري حياة المعاناة والبؤس والغربة‪ ،‬وأقام مقتطفات من شعره‬

‫ال في مصر ثم انتقل إلى تونس‪ ،‬حيث كرَّمته الحكومة‬
‫طوي ً‬
‫التونسية‪ ،‬ومنحته وساماً رفيعاً‪ .‬وكان الزمخشري أحد‬
‫الذين حملوا مشعل تجديد الرسالة الفكرية في الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬ونجح ف��ي إخ��راج الشعر السعودي م��ن دائرة‬
‫المحلية‪ ،‬وأطلقه إلى مصر‪ ،‬ولبنان‪ ،‬وسوريا‪ ،‬والعراق‪ ،‬ثم‬
‫إلى المغرب العربي‪ ،‬عندما أقام في تونس‬

‫تقسوا علـي بال ذنـب أتيـت بـه‬
‫تبرمـت لكـن خاننـي النـغـم‬
‫وم� ��ا‬
‫أع � �ـ� ��اده ش � �ج � �ـ� ��ن ب � �ـ� ��اح األن � �ي� ��ن بـه‬
‫فهـل   يـال م   محـب   حا لـه   عــد م‬
‫لـه‬
‫حسبي من الحب أني بالوفـاء‬
‫أ مشي   و أ حمل   جر حـاً   ليـس   يلتئـم‬
‫ألن� ��ي إن ظ�� �ـ�� �ل�� �ـ�� �م�� �ـ� ��ت ف�� �ـ�� �ك�� �ـ�� �ـ� ��م‬
‫قبلي من الناس في شرع الهوى ظلم‬
‫اظلم كما شئت ال أر جـوك مرحمـة‬
‫إ نا   إ لـى   ا لله   يـو م   ا لحشـر   نحتكـم‬

‫قال عن نفسه‪:‬‬

‫ومن إبداعاته أيضاً‪:‬‬

‫الجوائز‬

‫ ح�ص��ل ع�ل��ى ج��ائ��زة ال��دول��ة ال�س�ع��ودي��ة التقديرية‬‫‪.1983‬‬
‫‪ -‬كرمته الحكومة التونسية بمنحه وساماً رفيعاً‪.‬‬

‫ل � �ي� ��س ف� ��ي األرض ل � �ل� ��ذل � �ي� ��ل دي� ��ار‬
‫“أنا كوم ٌة من الفحم سوداء تلبس ثياباً بيضاء‪ ،‬تقو ُل‬
‫و فـلـسـطـيـن   لـلـعـر و بـة   د ا ر‬
‫شعراً قصائده حمراء وخضراء وصفراء”‪.‬‬
‫وق� �ـ� �ـ���رار ال� �ـ� �ت� �ق� �س� �ي���م أس� �ـ���ود داج‬
‫و جـــال ء   ا لـيـهو د   عـنـها   نـهـا ر‬
‫من أعماله‪:‬‬
‫أ عـلـو ج   تــر ي   ا د عــا ء   حـمـا نا‬
‫ أحالم الربيع ‪1946‬م وهو الديوان األول‪.‬‬‫خواريا‬
‫صـيحة العلج إن توارت‬
‫ أنفاس الربيع‪.‬‬‫ال � �ـ � �ث� ��ارات م � �ـ � �ج� ��دن� ��ا وه � �ـ� ��و ص� ��رح‬
‫ أغاريد الصحراء‪.‬‬‫الفجار‬
‫لـم يـصدع ولـو طغي‬
‫ على الضفاف‪.‬‬‫إ ن   تــنـا سـو ا   فـــي   حـمـا هـا‬
‫ ألحان مغترب‪.‬‬‫سـو ف   يـحمي   حقو قنا   ا لبتا ر‬
‫‪ -‬لبيك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪73 1427‬‬

‫طه صبان‪ ...‬وإستحضار األماكن‬
‫> مؤيد منيف‬

‫<‬

‫أزقة متراصة‪ ،‬مركاز العمدة‪ ،‬صبية وبنات يلهون‪ ،‬مقهى شعبي‪ ،‬رواشين‪ ،‬ساقي‬
‫الماء وبعض المقامات الحجازية‪ ...‬ال��خ قد تطل كل ه��ذه المشاهد العفوية‬
‫الجميلة أو أي منها – ببساطة وبعبق تراثي أصيل – حين يستحضرها لنا الفنان‬
‫التشكيلي الجميل‪ /‬طه صبان‪.‬‬
‫يستوقفك تأمل عالمه‪ ،‬المنحاز دائماً لمدنه التاريخيه‪ ،‬المركّبة بفطرة فنية‪،‬‬
‫تعكس صدق انتماء هذا الفنان إلنسانيته ولفنه‪.‬‬

‫ت��ش��ك��ي��ل‬
‫‪74‬‬

‫فالفنان‪ ،‬الذي ولد ونشأ بمكة المكرمة‪ ،‬عام ‪1948‬م‪ ،‬استهل أول مشاركاته عام‬
‫‪1970‬م‪ ،‬وأقام أول معارضه الشخصية عام ‪1975‬م‪ ،‬بمدينة كولشيستر البريطانية؛‬
‫تبعه المعرض الشخصي الثاني ع��ام‪1976‬م بجالسكو‪ /‬بريطانيا‪ ،‬ثم توالت بعد‬
‫ذلك المشاركات والمعارض الشخصية‪ ،‬على الصعيدين المحلي والدولي؛ يغري‬
‫المشاهد دائماً بمواصلة السير معه قدماً داخل مساحاته‪ ،‬الممتدة بشكل أفقي ‬
‫ال عدم اإللتفات للوراء‪ ،‬تلك المساحات التي ما هي إال‬
‫باتجاه الالنهاية‪ ،‬مفض ً‬
‫مخططات هندسية‪ ،‬شيدها بتفرد‪ ،‬وأراد من خاللها – الفنان ‪ -‬تصميم مدنه‬
‫الخاصة‪ ،‬وعالمه المسكون بحياة المدينة البسيطة‪.‬‬
‫في العام ‪1992‬م‪ ،‬كان أحد األعضاء المؤسسين لبيت الفنانين التشكيليين بجده‪ ،‬‬
‫حيث جرى ترشيحه رئيساً للبيت‪ ،‬الذي كان متنفساً لكثير من الفنانين التشكيليين‪،‬‬
‫ِلبَثِّ إبداعاتهم الفنية‪ ،‬منذ ذلك العام وحتى اليوم‪ .‬‬
‫أخلص صبان في حُ به للمدرسة التعبيرية‪ ،‬إذ شكّلت عبر فترة طويلة – وما زالت‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫< فنان تشكيلي‬

‫– وسيلته المفضلة للتخاطب مع جمهوره‪ .‬فعند الوقوف عند‬
‫تجربتة البصرية‪ ،‬يالحظ ذلك التناغم الواضح بين شخوص‬
‫الفنان ومساحاته اللونية‪ ،‬من جهة وبين فكرته التعبيرية‪ ،‬من‬
‫جهة أخ��رى‪ ،‬بخبرة تشكلت عبرعمر فني ليس بالقصير في‬
‫مجال تلك المدرسة ؛ وال يخفى تأثر صبان ببعض الفنانين‬
‫التشكيليين الرواد‪ ،‬المحليين والعرب والعالميين‪ ،‬منهم صديقه‬
‫الفنان التشكيلي الكبير‪ /‬عبدالحليم رضوي‪ ،‬رحمه الله‪ ،‬أحد‬
‫رواد الحركة التشكيلية بالمملكة العربية السعودية‪ ،‬الذي كان‬
‫له دور واضح – كما يقول الفنان نفسه – في تمسكه بمدرستة‬
‫التعبيرية ‪.‬‬
‫"ج ��دة وال �ب �ح��ر" ع �ن��وان ل�ق�ص�ي��دة ع �ش��ق‪ ،‬أه��داه��ا صبان‬
‫لمعشوقته الجميلة نثرها على (ج��داري��ة)‪ ،‬ام�ت��دت ‪16‬متراً‬
‫وارتفاع ثالثة أمتار‪ ،‬شكّلت نصاً جميالً‪ ،‬يُضاف إلى نصوص‬
‫جدارياته األخرى‪ ،‬التي تقرأ كل يوم‪ ،‬وقد ضمتها قاعات مطار‬
‫الملك عبدالعزيزالدولي بجده‪ ،‬ومطار الملك خالد الدولي‬
‫بالرياض‪ ،‬ومطار الملك فهد الدولي بالظهران‪.‬‬
‫التناسب اللوني بشكل طولي‪ ،‬يقابله عنصر التكوين‪ ،‬إضافة‬
‫إلى لغة التعبير المميزة‪ ،‬شكّلت هذه العناصر الثالثة‪ ،‬هوية‬
‫النصوص التشكيلية لطه صبان‪ ،‬فقد قيل عنها‪" :‬إنها تصف‬
‫إنشطار عناصر المدينة إل��ى ش��رائ��ح ع�م��ودي��ة‪ ،‬تكشف عن‬
‫معاناته‪ ،‬كسائر أبناء المدن‪ ،‬من هاجس اغتيال هذه المدن‬
‫بالمخططات التنظيمية المتراكبة‪ ،‬ف��وق أح ��داث وأنفاس‬
‫المدينة القديمة‪ ،‬وت��دل على سعيه إل��ى استرجاع تخطيط‬
‫مدينته الروحي العريق‪ ،‬وإحياء ذاكرتها الغابرة"‪ .‬‬
‫كان لصبان‪ ،‬العديد من المشاركات في البيناليات والمعارض‬
‫الخارجية‪ ،‬على المستويين العربي والعالمي‪ ،‬منذ عام ‪1970‬م ‬
‫وحتى ع��ام ‪2005‬م‪ ،‬في إيطاليا‪ ،‬والهند‪ ،‬ول�ن��دن‪ ،‬والقاهرة‪،‬‬
‫ومدريد‪ ،‬ولبنان‪ ،‬والكويت‪ ،‬وجمهورية التشيك‪ ،‬والشارقة‪ ،‬وأمريكا‪ ،‬وجنيف‪ ،‬صقلت تجربته وأثرت مشواره‬
‫الفني‪.‬‬
‫نالت أعمال صبان العديد من الجوائز الداخلية والدولية‪ ،‬في المسابقات والمناسبات التشكيلية‪.‬‬
‫وجرى اقتناء أعماله من قبل العديد من الجهات الحكومية‪ ،‬والخاصة والمتاحف‪ ،‬والمعجبين بفنه من‬
‫األفراد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪75 1427‬‬

‫قصة قصيرة‪:‬‬

‫املكنسة السحرية‬
‫> بدرية البشر‬

‫عندما تقدمت لطلب الوظيفة المعلن عنها في الصحف‪ ،‬كانت غرفة االنتظار‬
‫تغص بالنساء المتقدمات مثلها لنفس الوظيفة‪ ،‬في زاوية الغرفة جلست فتاة في‬
‫السابعة عشرة عمرها‪ ،‬تعالج قلقها بالنظر إلى مرآة مدورة في يدها‪ ،‬تطل منها‬
‫على زينتها‪ ،‬ثم تمرر إصبع الروج على شفتيها بلون رملي باهت‪ .‬تغيّرت الموضة‪،‬‬
‫لم تعد األلوان الفاقعة‪ ،‬هي مصدر اإلثارة على الشفاه عند النساء‪ ،‬بل صارت ألوان‬
‫الرمل والوردي الباهت‪ ،‬هي األلوان المفضلة لدى فتيات اليوم‪ .‬لو رأت أمها هذه‬
‫الفتاة الصغيرة وهي تتجمل بينهن بجرأة ودون مباالة لقالت قولتها الشهيرة‪" :‬أن‬
‫الشيطان ال يجد طريقة إلى الرجل إ ّال عن طريق المرأة فهي مكمن الغواية‪ ،‬والرجل‬
‫هو صيدها السهل "!‬
‫صاح طفل صغير في الغرفة‪ ،‬يتعلق بزجاجة حليب باردة بين يدي سيدة‪ ،‬سمعتها‬
‫تقول بلهجة مصرية مختلطة بمفردات سعودية‪:‬‬

‫ق����ص����ص‬
‫‪76‬‬

‫" من اللي جزاها خير تمسك الولد الزغير لحد مخلص من المقابلة "؟‬
‫لم يتبرع أحد بالرد على سؤالها‪ ،‬دخلت مع طفلها وهي تبرطم بكالم كله حنق‬
‫على غياب الخير من النفوس هذه األيام‪ .‬عندما جاء دورها طلبت منها السيدة‬
‫التي عند الباب أن تسدل غطاء وجهها‪ ،‬ألن اللجنة كلها من الرجال‪ ،‬شهقت الفتاة‬
‫التي كانت تصلح من زينتها كل وقت بصوت ممتلئ بالغنج‪:‬‬
‫يووه يا ربي فيه رجال!‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫جلستُ قبالة الرجال الثالثة‪ ،‬اثنان منهم يلبسان الذي شعر بالحرج ثم قال‪:‬‬

‫ثوباً سعودياً‪ ،‬فيما كان الثالث سوداني الجنسية يلبس‬
‫قميصاً أبيض وب�ن�ط��االً‪ ،‬تحدث ال��رج��ل المتوسط‬

‫بينهم عن ش��روط الوظيفة‪ ،‬وأن العمل هنا يعتمد‬

‫حسناً‪ ،‬انتظري اتصاالً منا!‬
‫شعرت أن مساحة عريضة اعترضت الطريق‬

‫على الجهد‪ ،‬وال �ك �ف��اءة‪ ،‬ول�ي��س على ع��دد ساعات بينها وبين العشرة آالف‪ ،‬لسعت دمعة ساخنة خدها‪،‬‬
‫العمل‪ ،‬وحين جاء الحديث عن الراتب بادر الرجل وهي التي تجيد عادة مسح الدموع‪ ،‬سمعت صوت‬
‫السوداني بالقول‪ ،‬إن الراتب بسيط‪ ،‬لكنه عتبه أولى كبير اللجنة الرجل الذي يلبس ثوبا سعوديا يقول‪:‬‬
‫يضع عليها الموظف قدمه ليعلو إلى أرقام ال حدود‬

‫ال بأس ال بأس يا سحر ال تبكي المؤسسة ستؤمن‬

‫بسبب الخبرة التي وفَّرتها له مهنة البيع وصار يحقق‬

‫تتوسدها‪ ،‬بل صارت هذه الكلمات‪ ،‬طرزان‪ ،‬يقبض‬

‫لها‪ ،‬وال سقف‪ ،‬فهذه الوظيفة من الممكن أن تحقق لك المواصالت بس أنتي شدي حيلك!‬
‫لصاحبها األل��وف‪ ،‬والذهب‪ ،‬حسب جهد الموظف‬
‫(شدي حيلك) تشبثت بتلك الكلمة‪ ،‬التي أنقذت‬
‫وذك��ائ��ه ألن ال��رات��ب الصغير ه��و ق��اع��دة االنطالق‬
‫روحها من يأسها‪ ،‬أسندت عليها قدميها‪ ،‬مشت بها‬
‫لألرقام العظيمة‪ ،‬ألن كل قطعة يقوم ببيعها‪ ،‬يحصل‬
‫إلى البيت‪ ،‬علقتها على كتفيها مثل قربة ماء ساخنة‪،‬‬
‫م��ن ثمنها على نسبة عشرة بالمائة‪ ،‬صحيح إنها‬
‫تدفئ بها عضالتها المتوترة‪ ،‬خوفاً وجزعاً‪ ،‬وضعتها‬
‫نسبة بسيطة‪ ،‬لكن المؤسسة توفر له الدخول لعالم‬
‫تحت رأس �ه��ا م �خ��دة‪ ،‬م��ن ري��ش ح �م��ام‪ ،‬يطير بها‪،‬‬
‫ال بأنه‬
‫ال على نفسه قائ ً‬
‫التجارة والبيع‪ ،‬وضرب مث ً‬
‫بدأ العمل مندوب مبيعات بسيط‪ ،‬ثم تدرج في البيع ويهبط في جنة العشرة آالف‪ ،‬نامت ظهيرة طويلة‬
‫الكثير‪ ،‬وق��د وص��ل راتبه وه��و مندوب مبيعات إلى‬

‫عشرة آالف‪ ،‬شهق قلبها عندما سمعت هذا الرقم‪،‬‬

‫وراحت تحسب كم ألفا تحتاج إلصالح طالء البيت‪،‬‬

‫والمروحة‪ ،‬الثالجة‪ ،‬وشراء تلفزيون‪ ،‬ملون‪ ،‬وجديد‪،‬‬

‫قطع الرجل المتوسط الذي يلبس الثوب السعودي‬
‫أفكارها بسؤال‪:‬‬

‫هل لديك مواصالت؟‬
‫تلعثمت لم تدر ما تجيبه؟ خافت من ق��ول‪ ،‬إنه‬

‫ليس لديها م��واص�لات فيحول جوابها بينها وبين‬

‫العشرة آالف‪ ،‬قالت‪:‬‬

‫في الحقيقة ال‪ ،‬ولكن سأتعاقد مع سائق أجرة‬

‫حتى يصل راتبي لعشرة آالف ثم أحضر سائقاً!‬

‫نظر الرجالن السعوديان إلى الرجل السوداني‪،‬‬

‫على خصرها ويقفز بها فوق األشجار‪ ،‬والمرتفعات‪،‬‬
‫وفوق المحبطات التي عادة تصحو معها‪ ،‬عند كل‬
‫قيلولة متأخرة‪ ،‬لتذكرها بأنه ال مفر م��ن تعاسة‬
‫أيامها القاحلة‪ ،‬لمح لها عقلها بالفتاة التي كانت‬
‫تصلح زينتها‪ ،‬ربما سيغلب غنجها رأي اللجنة وتفوز‬
‫بالوظيفة دون��ا عنها‪ ،‬ربما السيدة المصرية قد‬
‫سفكت دمعتين مثلما فعلت هي‪ ،‬أو أكثر لتحصل‬
‫على الوظيفة‪ ،‬لكن كلمة "شدي حيلك !" التي خصها‬
‫بها كبير اللجنة عادت وشدتها من خصرها‪ ،‬هبطت‬
‫بها فوق سماء زرق��اء‪ ،‬ركبت بها أرجوحة من غيم‪،‬‬
‫وح�ل��م‪ ،‬شعرت أنها خفيفة ال ��وزن‪ ،‬والعقل أيضا‪،‬‬
‫كنست وق�ت�ه��ا ال �ب �ط��يء‪ ،‬بقشة م��ن غ��زل مخدات‬
‫التريكو‪ ،‬وتشاهد التلفزيون‪ ،‬مثل امرأة تنتظر عودة‬
‫زوج‪ ،‬ال تعرف موعده‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪77 1427‬‬

‫دق الهاتف تحدث معها الرجل السوداني بصوته‬

‫محاوالت العرض‪ ،‬ربما ألنها هي نفسها تجد أن‬

‫مبروك‪ ،‬الوظيفة لك‪ ،‬يا سحر بس جيبي معاك‬

‫فمها بالسعر‪ ،‬حتى يبدأ الزبون برفع قطع المكنسة‬

‫الخفيض قائالً‪:‬‬

‫الشهادات ومري عليَّ غداً!‬

‫في الشهر األول‪ ،‬قبضت أل��ف وخمسائة ريال‬

‫فقط‪ ،‬لكن عقلها ذكّرها‪ ،‬بالثمانية آالف وخمسائة‪،‬‬

‫التي ستقبضها الحقاً‪ ،‬كان عقلها ب��ارداً‪ ،‬إلى الحد‬

‫الذي أصبح يؤلف أشياء من عنده‪ ،‬الدورة التدريبية‬

‫التي التحقت بها لتدريبها على تعلم قواعد العرض‪،‬‬

‫والبيع ل��م تفلح ف��ي ن��زع تلك القشرة الغبية التي‬
‫أح��اط��ت بعقلها‪ ،‬م��ن ج ��راء جلوسها ال�ط��وي��ل في‬

‫البيت‪ ،‬بعد خيبتها بعدم االلتحاق بالجامعة‪ ،‬ازدادت‬
‫هذه القشرة سماكة‪ ،‬بسبب مسلسالت التلفزيون‬

‫الطويلة‪ ،‬والمباشرة التي لم تترك لعقلها مساحة‬

‫خمسة آالف‪ ،‬مبلغاً مرتفعاً لمكنسة‪ ،‬فما أن تفتح‬

‫المفككة على األرض‪ ،‬لمساعدتها على الرحيل‬
‫عاجال دون إبطاء‪.‬‬

‫أقنعت نفسها بأن الفئة التي تستلم مرتباً بألف‬

‫وخمسائة ريال‪ ،‬لن تدفع هذا المبلغ لشراء مكنسة‪،‬‬

‫فهم ال شك أناس مثلها‪ ،‬يكتفون بمكانس الخوص‪،‬‬

‫أو مكانس الكهرباء البسيطة التي ال تشفط إ ّال‬
‫الغبار‪ ،‬لكن بعد خط العشرة أالف سيفكرون‪ ،‬مرة‬

‫بشرائها‪ ،‬ف��ذوو فئة األل��ف وخمسائة ال يفكرون‬

‫بتنظيف ف��رش�ه��م م��ن ال �ك��آب��ة‪ ،‬ألن �ه��م ي �ع��رف��ون أن‬
‫الكآبة ال تأتي من ال�ف��راش‪ ،‬بل تأتي من النافذة‪،‬‬

‫ومن الجيب الخالي‪ ،‬ومن األمطار‪ ،‬وأسعار الدواء‬

‫للتأمل‪ ،‬والتخمين‪ .‬دربوها على حفظ جميع مميزات‬

‫المرتفعة‪ ،‬واألحالم التي انتهت صالحيتها فرموها‬

‫السجاد‪ ،‬وتنفض الغبار‪ ،‬وتقتل الحشرات وتمتص‬

‫في شفط الكآبة من هوائهم الذي يتنفسونه‪ .‬قالت‬

‫والفرش الليلية‪ ،‬شرحوا لها أن هذا الدود الغريب‪،‬‬

‫مثلهم‪ ،‬بل صنعت لتقضي على فراغ ربات البيوت‬

‫شهية ال� ��زوج‪ ،‬ويجعله خ��ام�لاً‪ ،‬كئيباً‪ ،‬وه��و الذي‬

‫المكنسة السحرية التي‪ ،‬ستشفط دود الكآبة من‬

‫المكنسة العجيبة‪ ،‬ال�ت��ي تشفط ال �ت��راب‪ ،‬وتغسل‬

‫الدود الصغير الذي يعشش وسط قطن المخدات‪،‬‬

‫هو الذي يمتص طاقة الجسد‪ ،‬ويغرس قرونه في‬

‫في نفاية األحالم المستحيلة‪ ،‬ولن تفلح مكنسة ما‪،‬‬

‫لنفسها‪ :‬إن هذه المكنسة ليست مصنوعة للغالبة‬

‫اللواتي يتسلين بالشفط والكنس‪ ،‬هن من سيشتري‬

‫يعلم النساء البكاء طوال الليل‪ ،‬ويصيبهن بأحزان‬

‫فراشهن‪ ،‬وتقضي على كآبتهن دون حاجة اللتهام‬

‫تدربت على قواعد لعبة البيع‪ ،‬وتمرين النفس‬

‫تتجمد فيه مشاعر بؤسهن‪ ،‬وفرحهن‪ ،‬وإحساسهن‬

‫غامضة‪ ،‬عسيرة على التفسير!‬

‫دواء ( البروزاك)‪ ،‬الذي يحولهن ألل��واح من الثلج‪،‬‬

‫على الصبر‪ ،‬وفن المحاورة‪ ،‬وإبقاء الزبون متابعاً بالحياة‪ ،‬وجعل أعينهن تلمع مثل ك��رات زجاجية‬
‫م�ت�ش��وق�اً للمعلومات ال �ج��دي��دة‪ ،‬ط ��وال س��اع��ة من ملونة‪ ،‬بالضوء المنعكس عليها بينما تظل أعماقهن‬

‫ال��وق��ت‪ ،‬م��ع االح�ت�ف��اظ بالسعر س ��را‪ ،‬حتى نهاية‬
‫العرض‪ ،‬فال تهبط عزيمة المشتري قبل أن تقنعه‬

‫ان �ق �ض��ى ش �ه��ره��ا ال� �ث ��ان ��ي‪ ،‬ض���ام���راً بورقات‬

‫ظل الرقم المرتفع للبيع يفسد على ال��دوام كل‬

‫يائسات من تطهير بيوتهن من الحشرات‪ ،‬وأرواحهن‬

‫الشروط السحرية للمكنسة‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫مظلمة ومنطفئة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫الخمسمائة ال�ث�لاث‪ ،‬مما جعلها تتأكد أن النساء‬

‫م��ن ال�ك��آب��ة؛ فقد دفعن بمكنستها ل�ل�خ��ارج‪ ،‬ألنهن‬

‫ق��ال��ت ل��ه‪ :‬ال �ل��ه يسامحك وه��ل ه �ن��اك مكنسة‬

‫بخمسة آالف يضعنها بين يدي خادمتهن‪ ،‬لتلهو بها‪،‬‬

‫قال لها‪ :‬نعم مكنسة الساحرات ؟وأنت قلت أن‬

‫غير متحمسات لشراء مكنسة سحرية المفعول‪ ،‬تطير؟!‬

‫وتخربها‪ ،‬وتأكدن أن كآبتهن ال مفر منها‪ ،‬ألن قدر مكنستكم سحرية!‬
‫النساء أن يلدن كل عامين وأن لعبة الهرمونات في‬
‫كادت تنهي الحوار‪ ،‬عندما أدركت أنه يتسلى بها‪،‬‬
‫أجسادهن‪ ،‬لها سطوة ال تحلّها مكنسة‪ ،‬وال عقار‪،‬‬
‫لوال أنها تذكرت أن اليوم هو الثامن والعشرين من‬
‫بعضهن رفض حتى أن يفتحن لها الباب‪ ،‬وبعضهن‬
‫الشهر وأنها لم تبع وال مكنسة‪ ،‬فقررت أال تستعجل‪،‬‬
‫تعللن بأن أزواجهن ال يسمحون للغرباء والغريبات‬
‫وأن تجرب مالحظات زودت�ه��ا بها صديقتها‪ ،‬قد‬
‫ب��ال��دخ��ول‪ ،‬ف��أدرك��ت أن�ه��ا أخ��ذت االت �ج��اه الخاطئ‬
‫تساعد على رفعها من بالط األلف وخمسمائة‪.‬‬
‫حين أغفلت الرجل من حساباتها‪ ،‬لبيع المكنسة‪،‬‬
‫حدّثت المدير صاحب الصوت الذهبي وطلبت‬
‫فهو صاحب القرار‪ ،‬وصاحب النقود‪ ،‬ول��ذا أدارت‬
‫منه‪ ،‬م��وع��داً ف��ي البيت وحصلت على م��ا أرادت‪.‬‬
‫عجلتها نحو بوصله الرجل بسرعة مائتين وثمانين‬
‫اعتبرت أن هذا النجاح هو حصيلة خبرتها لثالثة‬
‫درج��ة‪ ،‬وهذا على ما يبدو ما جعلها‪ ،‬تفقد بوصلة‬
‫أشهر‪ ،‬وأن اإلنسان ال يولد عارفاً‪ ،‬وأن الصبر هو‬
‫الطريق كله‪.‬‬
‫مفتاح األبواب المغلقة‪ ،‬لو لونت صوتها بطيف من‬
‫في المرة األول��ى‪ ،‬استقبلها الرجل وح��ده دون فرح‪ ،‬وبعض ضحك لطيف‪.‬‬

‫امرأة شرحت له الفكرة‪ ،‬وعندما تأكد أن األمر كله‬
‫ال يتعدى مكنسة قال لها‪:‬‬

‫فتح الخادم الباب لها ودخلت منزلاً صقيالً‪ ،‬يلمع‬

‫كل ش��يء فيه بالرفاهية‪ ،‬فتوجست‪ ،‬خوفاً من أن‬

‫قولي لمؤسستكم إن ( المهابيل) فقط هم من منزال كهذا ليس بحاجة لمكنسة‪ ،‬وأن الكآبة ال تزور‬

‫يشترون مكنسة بخمسة آالف!‬

‫نصحها الرجل السوداني في الشهر الثالث أن‬
‫تختار زبائنها من ذوي األسماء المتخمة بالمال‪،‬‬
‫فبدأت تقلب في دليل الهاتف‪ ،‬وجدت أرقاماً تخص‬
‫أصحاب المؤسسات الكبيرة‪ ،‬وعلى الفور اتصلت‬
‫بهم‪ ،‬وطلبت الحديث مع المدير‪ ،‬الرجل األول كان‬
‫يملك اسماً ذهبياً‪ ،‬وصوتاً ذهبياً أيضاً! لكن ضحكته‬
‫الذهبية رنّت في أذنها ـ حين قالت له‪ :‬أنها تريد أن‬
‫تقابله لبيع مكنسة‪ ،‬ظن أنها تمزح ثم حولها على‬
‫السكرتير‪ ،‬حاولت مع رجل ذهبي آخرا فسألها‪:‬‬
‫هل مكنستكم تطير؟!‬

‫فرش هذا المنزل‪ ،‬وال يجد الدود اللعين بقعة له‪ ،‬في‬

‫أجساد نسائه الرخوة‪ ،‬الصور المعلقة على جدران‬

‫الحائط مفضوحة بالعري‪ ،‬مما أوحى لها بأن هذا‬

‫المنزل ال يزوره ناس كثيرون‪ ،‬أدخلها الخادم‪ ،‬غرفة‬

‫ممتلئة ب��أث��اث غ��ري��ب‪ ،‬مقاعد ب�لا مساند‪ ،‬ليست‬

‫كرسيا وال ف��راش‪ ،‬ومخدات صغيرة مرسوم عليها‬
‫نساء ورج��ال يلهون ويلعبون‪ ،‬وعشاق غارقون في‬

‫سكرة الحب‪ ،‬وامرأة تطير في الهواء على أرجوحة‬

‫من أزه��ار ح�م��راء‪ ،‬وس��ط غابة من الحب والعناق‬
‫ال��داف��ئ‪ ،‬استيقظ ف��ي عقلها ح��زن غ��ري��ب‪ ،‬وتنهد‬

‫قلبها‪ ،‬وهو يلمس أطراف الجنة‪ ،‬سمعت هرير قط‬

‫في قلبها يدعك فروته بجلدها‪ ،‬انتشرت حبوب برد‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪79 1427‬‬

‫على جسدها‪ ،‬شعرت بقشعريرة من ش��وق‪ ،‬وفرح‪،‬‬

‫وخوف‪ ،‬دخل الرجل صاحب الصوت الذهبي‪ ،‬كان‬

‫وجهه ذهبياً أيضاً‪ ،‬ومالمحه تفيض بالبريق‪ ،‬حياها‬

‫كما ل��و كانت ضيفاً ع��زي��زاً عليه‪ ،‬احضر الخادم‬

‫عصيراً ملوناً‪ ،‬ال تختلط األل��وان فيه‪ ،‬ت��رددت في‬

‫شربة خوفا من أن تكون واحدة من ضحايا العصير‬
‫المخدر كما في األفالم المصرية‪ ،‬طلبت ماء لتغسل‬

‫حلقها وخوفها‪ ،‬اختصرت الحديث عن مكنستها‬
‫كثيراً ألنها أدركت أنها بحضرة رجل ذهبي ال يحتاج‬

‫مكنسة لتنظيف ف��راش��ه‪ ،‬وال سجاجيده العجمية‬
‫ال�غ��ال�ي��ة‪ ،‬لكنه ف��اج��أه��ا وه��و يفتح دف �ت��ر شيكاته‬
‫ويسألها‪:‬‬

‫ما اسم اآلنسة ؟‬
‫ب�ل�ع��ت ري �ق �ه��ا وق ��ال ��ت‪ :‬ال �ش �ي��ك س �ي �ك��ون باسم‬

‫المؤسسة نحن نأخذ نسبة بسيطة من ثمن البيع!‬

‫ترك القلم في قلب دفتر الشيكات الضخم وقال‬

‫لها‪ :‬خسارة أن يضيع جهدك بثمن بخس‪.‬‬

‫ل��م تسمع م��ا قاله الح�ق�اً‪ ،‬ألن قطً ا شقياً قفز‬

‫من قلبها‪ ،‬وأن��دس في صدر دفتر الشيكات‪ ،‬أخذ‬

‫يمسح ج��دران��ه الناعمة ب�ف��روة‪ ،‬ح��اول��ت أن تنادي‬

‫قلبها الشقي ليعود‪ ،‬أخذت أنفاسها تتصاعد للحاق‬

‫به‪ ،‬خافت أن ينتبه لها الرجل الذهبي ويرتاب في‬
‫أمرها‪ ،‬ربتت له بأصابعها على رأس الطاولة‪ ،‬كلما‬

‫ربتت بإبهامه القريب منه انكمش أكثر‪ ،‬قال الرجل‬
‫الذهبي‪:‬‬

‫المكتب بحنان فسحبتها بسرعة‪ ،‬اصطدمت بدفتر‬
‫الشيكات فسقط الدفتر في قاع الدرج‪ ،‬ركض قلبها‬
‫وراءه‪ ،‬عادت أصابعها تناديه‪ ،‬فاصطدمت مرة أخرى‬
‫بيد الرجل الذهبي‪ ،‬ألتقط يدها بسرعة‪ ،‬ضغط‬
‫عليها بشدة‪ ،‬انصهرت أصابعها في يده واعتصرت‬
‫قبضته كل القشعريرة‪ ،‬التي تتجول في جسدها‪،‬‬
‫منذ دخلت هذا البيت‪ ،‬وأخ��ذت تسبح بها في نهر‬
‫من الدفء‪ ،‬أوصل قلبها لجنة سحرية‪ ،‬صمت الجنة‬
‫أطبق على عقلها ولسانها‪ ،‬سحب ستارة الضوء على‬
‫جفونها‪ ،‬كانت ورقة التقويم على المكتب تنبئ باليوم‬
‫األخير للشهر‪ ،‬وأوراق الخمسمائة الثالث تنام في‬
‫أيامه الماضيات‪ ،‬حين أرخى جفنيها ستارتهما‪ ،‬غفا‬
‫قلبها‪ ،‬ثم نام‪.‬‬
‫ح�ي��ن ذه �ب��ت ل�ت�ق��دم اس�ت�ق��ال�ت�ه��ا‪ ،‬م��ن مؤسسة‬
‫المكانس السحرية‪ ،‬وجدت السيدة المصرية التي‬
‫رأتها يوم تقدمت بالوظيفة تحمل ابنها على يدها‬
‫وتقول‪ :‬للرجل السوداني‪:‬‬
‫هي دي يا خوي عيشة‪ ،‬هي األل��ف وخمسمية‪،‬‬
‫بتعمل إيه النهاردة!‬
‫سمعت ص��وت أظ��اف��ر قلبها تخمش البالط‪،‬‬
‫تتزحلق على بالط المؤسسة‪ ،‬ثم يهرب‪ ،‬خرج قبلها‬
‫إلى السيارة‪ ،‬وأقفل بابها وجلس ينتظرها هناك‪،‬‬
‫حين وصلت إليه‪ ،‬فتح سائقها الزنجي‪ ،‬باب سيارة‬

‫لماذا ال تعملين لحسابك الخاص؟ أليس حراماً الفورد‪ ،‬ورنّ جهاز الموبايل في حقيبتها‪ ،‬حين أجابت‬
‫أن تعملي‪ ،‬وهم يقبضون‪ ،‬بالمناسبة‪ ،‬كم تقبضين؟ سمعت صوتا ذهبيا يقول‪:‬‬
‫انشغلت بمتابعة قلبها ال �ه��ارب‪ ،‬وض��ع الرجل‬

‫ي��ا ه��ووه ه��ي المكنسة السحرية تطير وال ما‬

‫أصابعه الذهبية على أصابعها التي رقدت على طاولة تطير!‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫قصة قصيرة‪:‬‬

‫شمس مبكرة‬
‫> عبدالرحمن الدرعان‬

‫في تلك الظهيرة الطاعنة في السواد‪ ،‬كان علينا أن نقف بالباب بضع دقائق‬
‫(مرت كأنها بضع سنوات) بانتظار أن يُفرجوا عن أشواقنا‪ ،‬ويسمحوا لنا بالدخول‪..‬‬
‫وكان خيال قاماتنا‪ ،‬الذي تعكسه مرايا الباب‪ ،‬كافياً لمضاعفة الشعور باألسى‬
‫والقنوط‪.‬‬
‫الحت لي على الزجاج صورة امرأة‪ ،‬جاءت من الخلف الهثة تخترق الصفوف‪،‬‬
‫وثمة أصوات مدبية تتطاير مع أنفاسها‪ ،‬كأن دزينة من عصافير محبوسة داخل‬
‫قفص صدرها‪ ..‬راحت تحاول دفع الباب‪ ،‬بكف منخولة بالنمش‪ ،‬ومن تحت عباءتها‬
‫فاحت رائحة حساء بقصد تهريبه إلى أحد المرضى‪.‬‬
‫تكدسنا كالتالميذ‪ ..‬وشرعت األصوات تستغيث بالرجل المكلّف بفتح الباب‪،‬‬
‫وهو يتنزه فوق البالط البارد‪ ،‬وبعد أن دبت الفوضى بالمكان‪ ،‬التفت إلينا وحدّ ق في‬
‫ساعته‪ ،‬مبتسماً بسادية‪ ،‬ال تليق بمهنته؛ لكي نطمئن على أننا تحت وصايته‪.‬‬

‫وكانت الصور تتداعى على سقف مخيلتي تباعاً‪ :‬رأيته وهو يسوي طاقيتي‬
‫المشغولة بالقصب عائداً من الحج‪ ،‬ورأيته ي��زرر قميصي بعدما أجلسني أمام‬
‫عدسة المصور‪ ،‬استعداداً لدخول المدرسة‪ ..‬ورمقته بأسى يوم أن تركني ارتجف‬
‫في حجرة المدير‪ ،‬بعدما وضع ملفي األخضر في الدوالب‪.‬‬
‫وعانقني خارجاً في المغيب‪ ،‬يتقطر من ذراعيه ماء الوضوء‪ ..‬وإذ يُسدِّ ُد نحوي‬

‫ق����ص����ص‬

‫سألني الواقف إلى جواري عن الساعة‪ ،‬ولم ينتظرني ألجيب‪ ،‬لكنه بادر على‬
‫الفور قائال‪ :‬لقد حان وقت المباراة؟! وبدأ على رغم الزحام واالختناق‪ -‬يدخن‬
‫تعبيراً عن شعوره باالضطهاد‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪81 1427‬‬

‫التي علق الدبس على مواضعها‪ ،‬وبدوره ينكب الطفل‬
‫ كالضأن الصغير‪ -‬ويلعقها بلهوجة‪ .‬لم أنتظر أن‬‫يجيء المصعد‪ ..‬ل��م يكن ف��ي م�ق��دوري أن أنتظر‬
‫حتى يجيء‪ ،‬حين أبصرت العجوز تدلف إلى الداخل‬
‫بعدما انغلق الباب من تلقائه عليها‪ ،‬تعزَّز لديَّ يقي ٌن‬
‫بأنها ما جاءت إال لتلفظ بقية أنفاسها هنا‪.‬‬

‫نظرةً‪ ،‬أعرف معناها‪ ،‬أهبُّ أل ُحضر له عباءة الوبر‪،‬‬
‫بعد أن آخ��ذ نزهة في شعرها الدافئ ال يقطعها‬
‫إال صوتُه‪ ،‬الذي يفاجئني في ليالي الشتاء الباردة‪،‬‬
‫موحشاً ومخيفاً‪“ :‬انجز قبل ما أخلي أذاني وأذانك‬
‫أربع”‪ .‬وهالتني شجاعته حين رأيته حاسر الرأس‬
‫تحت عريشة الخوص ج��راء ضربة شمس لئيمة‪،‬‬
‫والطبيب الشعبي يحبس عنقه اليابس بأصابعه‬
‫وفكَّرت‪ :‬هل سينجو أبي من العملية؟ وهل سيعود‬
‫ال��زاح�ف��ة كعنكبوت س� ��وداء‪ ،‬بعد أن اط �م��أن على إلى مبخرته التي أصبحت من بعده أرملة ويتيمة؟!‬
‫قضيب الحديد‪ ،‬المغروس في المجمرة‪.‬‬
‫أم أن طائرة اإلخ�لاء أقلته عبثاً‪ ..‬وأن أخي الذي‬
‫عند اللحظة الحاسمة‪ ،‬أش��ار إلينا بعينيه أن رافقه هاتفني باألمس الشاركه طقوس الوداع؟!‬

‫ال ثم أوقفنا الفضول لتحلي‬
‫نبتعد‪ ،‬لكننا تراجعنا قلي ً‬
‫المشهد‪ ..‬فوقفنا نتملقه بصمت أن يتركنا‪ ..‬حتى‬
‫رأي�ن��ا خيط ال��دخ��ان ال��ذي ينفجر م��ن قمة رأسه‪،‬‬
‫لينهض كحصان بري‪ ،‬ال يقبل بأقل من المجازفة‪.‬‬

‫منذ أن فشلت أدوية العطارين ووصفات الطب‬
‫الشعبي ف��ي ان �ق��اذه م��ن ن��وب��ات ال �م��رض‪ ،‬وأصبح‬
‫ينقاد إلى المستشفيات بسهولة‪ ،‬أدركت أن فجيعة‬
‫ما س��وف تحل بنا عما قليل‪ ..‬ونشأت بيني وبين‬
‫أخي من يومها أزمة ثقة‪ ،‬صار كالنا يُ ِل ُّح على اآلخر‬
‫أن يعيد اإلجابة مرة أخرى‪ ،‬قبل أن يتنفس أحدنا‬
‫الصعداء‪.‬‬

‫وفي صباح العيد‪ ،‬نهرع خلفه حالما يفتح باب‬
‫غرفته‪ ،‬المبللة برائحة ع��ود الند‪ ،‬يحشو جيوبنا‬
‫الصغيرة بالحلوى وال�ن�ق��ود‪ ،‬ث��م ينس ُّل إل��ى الفناء‬
‫بسرواله الطويل‪ ،‬مخبئاً يده القابضة على السكين‬
‫أقول‪ :‬يا إلهي كم كان كابوساً مرعباً‪ ،‬وأبدأ بسرد‬
‫وراء ظهره‪ ،‬ينتظر أن يرفع الخروف رأسه من طاسة المنام‪ ،‬الذي فزعني‪.‬‬
‫الماء‪ ،‬فيتلُّه من قرنيه‪ ..‬ويجهز عليه في لحظات‬
‫ ولكنه هاتَفَكَ للتو‪ ،‬لقد هاتَفَكَ فعالً‪ ،‬سيُجرون‬‫خاطفة ويتركه بقعه من الصوف‪ ،‬ترتعش على بقعة‬
‫العملي َة غداً!! هل أ ُحضر لك ماء‪ ،‬تقول زوجتي‪.‬‬
‫من الدم‪.‬‬
‫أشهق ببالهة‪ :‬هاتفني?!‪.‬‬
‫ورأي ��ت ص��ورت��ه العالقة ك��ال��وش��م‪ ،‬يمتطي فرع‬
‫فيجيء الصوت هادئاً لتفادي االنكسار‪ :‬ولكن‬
‫النخلة العالية في مواسم الجذاذ ويهيجن فاتحاً‬
‫رئتيه عن أقصاهما بذلك اللحن القروي الموغل غرفة العمليات ليست مقبرة?!‪.‬‬
‫في الوجد‪:‬‬
‫<<<‬

‫(ي��ا ع�ي��ن ل��ك ب��ال�ه��وى لفتة م��ا ان �ت��ي ع�ل��ى دين‬
‫لقد مكث عدة سنوات‪ ،‬يقاوم السُّ كَّر والضغط‬
‫االخوان)‬
‫ونوبات الربو المفاجئة‪ ،‬وفجأة‪ ،‬فضحته المضاعفات‬
‫وبعد أن يجرد نخلته ج��رداً‪ ،‬ينزل من أعالها الخطيرة‪ ،‬وغيّرت الكثير من عاداته اليومية‪.‬‬
‫زاحفاً على يديه‪ ،‬كدواب الحقول‪ ..‬ثم ينحني على‬
‫في ذل��ك المساء‪ ،‬تأبط مخدته‪ ،‬بعد أن افتعل‬
‫أخي الذي بدأ يدّب بخطوات ثقيلة ويناوله أصابعه‪ ،‬شجاراً مع الجميع أثناء تناول طعام العشاء‪ ،‬ونام‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫في المجلس‪ .‬وفي اليوم التالي‪ ،‬بدأ يأنف من وجود‬
‫الخادمة‪ ،‬وعندما هدد أمي بالطالق‪ ،‬أصبح السر‬
‫ال للتداول‪.‬‬
‫عارياً إال أنه لم يكن قاب ً‬
‫س��أل��تُ الممرضة‪ ،‬بلغة إنجليزية مكسَّ رة‪ ،‬عن‬
‫غرفته‪ ،‬فأجابتني بعد أن ن ّقبَت في جهاز الكمبيوتر‪،‬‬
‫بلغة عربية هزيلة‪ ،‬لكنها محايدة‪ ،‬وفي الممر‪ ،‬عادت‬
‫الصور تومض من جديد‪.‬‬
‫ناعماً‪ ،‬وتلوح لي خلف السديم‪ ،‬نخلة شاهقة‪ ،‬تكمن‬
‫ف��ي ف��رع�ه��ا غيمة م��ن عصافير ال �ح �ق��ول‪ ،‬وبضع‬
‫سعفات‪ ،‬تتهادى على إيقاع من مقام الوجد (بالك‬
‫من واحد شفته عوده من الزين رويان)‪.‬‬

‫رأيته يتشبث بجذع (منيفة) نخلته األثيرة‪ ،‬بعدما‬
‫أوقف طلعها للفقراء نفقة ألمي التي ماتت فجأ‪،‬ة‬
‫كأنما كانت تفتديه بروحها‪ ،‬وتهديه بقية أيامها‪،‬‬
‫رأيته يتشبث بكرانفها‪ ،‬ويجدف على لجنة البلدية‪،‬‬
‫التي ج��اءت مع ب��داي��ات الطفرة‪ ،‬لتخطط القرية‪،‬‬
‫نتأهب لنحمله‪ ،‬أن��ا وأخ ��ي‪ ،‬لكي نُجلسه على‬
‫وتقتلع ج���زءاً م��ن ال�ب�س�ت��ان‪ ،‬وح�ي��ن رأى العربات‬
‫الكرسي ذي ال�ع�ج�لات‪( ،‬ي�ب��دو خفيفاً كسلة تمر‬
‫الصفراء تمضغ ج��دار الطين‪ ،‬وتحيله‪ ،‬في لحظة‬
‫ف ��ارغ ��ة)‪ ،‬ف �ت��وم��ض‪ ،‬ف��ي ال�ل�ح�ظ��ة ن�ف�س�ه��ا‪ ،‬عدسة‬
‫خاطفة‪ ،‬إلى حفنة غبار‪ ،‬بكى‪ ،‬كما لم يفعل من قبل‪،‬‬
‫المصور‪ ،‬على ذلك الولد المحفوف بغربته وخوفه‬
‫وأقسم أنها إحدى عالمات الساعة‪.‬‬
‫لا ألص��اب��ع ت���زرر ي��اق �ت��ه‪ ،‬وتسوي‬
‫واس �ئ �ل �ت��ه‪ ،‬م�م�ت�ث� ً‬
‫ورأي�ت��ه م��رة أخ��رى بعد أن أذع��ن للمرض يبتلع طاقيته‪ .‬على طول الممر أدفع الكرسي (يبدو خفيفاً‬
‫األق��راص‪ ،‬وقبل أن يخلد إلى النوم ينادي بصوته وخالياً)‪ ،‬أتأمل رأسه المأهول بزهور الفل‪ ،‬وأ ُوغل‬
‫ال��واه��ن‪( :‬س��ال��وم��ي)؛ فتهرع ال�خ��ادم��ة‪ ،‬التي تفهم في أسئلتي‪ :‬أهذا هو أنت؟‬
‫إشارته‪ ،‬وتضع له سطل الماء في مكانه المعتاد‪،‬‬
‫أنت الذي كانت تكفيه قدم واح��دة‪ ،‬ليتسلق بها‬
‫بعد أن تمهد له الفراش‪.‬‬
‫أعتى جبل وأطول نخلة؟!‬
‫<<<‬
‫من ثقب السؤال‪ ،‬تتسلل ثالث شموس صغيرة‪،‬‬
‫أفاق للحظات‪ ،‬من أثر المخدر‪ ،‬ونادى‪( :‬سالومي‪..‬‬
‫تتربص بي كلما عَ نَّ لي الخروج من البيت ‪( :‬بابا‪..‬‬
‫سالومي)؛ ثم عاد لينهدم كمئذنة شائخة‪ .‬ولما فتح‬
‫بحب؛ فيتحرك‬
‫ٍّ‬
‫بابا) أنحني على آنية الورد‪ ،‬وأقبّلها‬
‫عينيه الكابيتين‪ ،‬بعد قليل‪ ،‬سألني عن راك��ان‪ :‬هل‬
‫رأس أبي ويستأنف أحالمه في اليقظة‪.‬‬
‫ُ‬
‫عاد من جلوته? ‬
‫يا الله!!‬
‫نظرتُ إلى أخي لعله يسعفني بالجواب‪ ،‬فإذا أن‬
‫كم أب��دو قاصراً وصغيراً؛ فلماذا نتبادل‪ ،‬اآلن‪،‬‬
‫راكان هو بطل المسلسلة البدوية? ‬
‫أدوارنا أن أكون‪ ،‬بهذه السرعة‪ ،‬أباك‪ ،‬وتكون شمساً‬
‫تغرز الممرضة إبرتها في ذراع��ه العاري‪ ،‬فيكز‬
‫رابعة‪ ،‬تشرق قبل أوانها‪.‬‬
‫أسنانه على األل��م‪ ،‬وأب��ادر ألسند ذراع��ه إلى كفي‪،‬‬
‫على سبيل المواساة؛ فتنث من كل مساماتها رذاذاً‬
‫لكن‪ ،‬ال‪ .‬إنه ليس أبي تماماً‪ ،‬بل هو أنا بعد قليل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪83 1427‬‬

‫قصة قصيرة‪:‬‬

‫حياة على جرف‬
‫> عواض العصيمي‬

‫الثالثاء‪ ،‬بينه وبين المغيب ساعة نحاسية األفق‪.‬أما أنا‪ ،‬فبيني وبين سكني ليلة‬
‫كاملة‪ ،‬ستمتص دمي على جرف ناتئ في شاطئ البحر‪ .‬البعوض مثالً…‪ ..‬سوف‬
‫تنشق شهوته العارمة للدم عن قدمين مثل مزهريتين محطمتين في الركام‪ .‬يداي‬
‫ستهرشهما أيضاً‪ ،‬وأنا تحت سجادة الصالة‪ ،‬ستلفحني رطوبة البحر في وجهي‪،‬‬
‫وفي ظهري‪ ..‬أيضاً ستأكل كتفي أرضية الجرف الخشنة‪ ..‬أما قلبي فهو وحيد‪،‬‬
‫ولن يدعني أنام‪.‬‬

‫ق����ص����ص‬
‫‪84‬‬

‫بعد أن خرجت من عملي‪ ،‬وعند اإلشارة األخيرة‪ ،‬كان أمامي طفالن في سيارة‬
‫يلعبان في المقعد الخلفي‪ ،‬مع أحدهما مفتاح بسلسلة طويلة تنتهي بحلقة معدنية‬
‫المعة مثل التي معي‪ ..‬أقصد مثل التي نسيتها في المكتب أو الكوخ الحقير‪ ،‬الذي‬
‫ال بد منه لكي أتحدث مع رئيسي بالهاتف كل يوم‪ ،‬وأرسل إليه التقارير‪ ،‬وأسجل‬
‫اإلنجازات الصغيرة بخط أنيق كما يحدث كل يوم أو كما حدث اليوم عندما كتبت‬
‫استقالتي‪ ..‬الحظت على أحد الطفلين عاصفة من البكاء بينما يضحك الذي‬
‫ال بالسلسلة دوائر مترادفة في وجه اآلخر‬
‫معه المفتاح ويرقص على المقعد مشك ً‬
‫……‪ .‬شكراً أيها الشقي الصغير‪ .‬لقد نسيت مفتاحي وهذا يكفي‪ .‬حتى لو مضى‬
‫الطفالن بعيداً‪ ،‬وهذا ما سوف يحدث‪ ،‬حتى لو أعطى الطفل الذي يضحك ذلك‬
‫المفتاح إل��ى أخيه ال��ذي يبكي‪ ،‬فصنع دوائ��ر مترادفة أخ��ر‪ ،‬ثم راح يرقص على‬
‫المقعد‪ ،‬ثم راح يضحك‪ ،‬ثم أخذ األب المفتاح بعد أن تقف السيارة أمام البيت‪،‬‬
‫وفتح الباب‪ ،‬فدخلوا‪ ،‬وغاصت الشمس في حمأة المغيب‪ ،‬وامتشقت المصابي َح‬
‫الغرف‪ ،‬وجلس الرجل إلى جوار زوجته‪ ،‬وتشمم رائحة النهار على رأسها‪ ،‬فلن أنسى‬
‫السلسة في يد الطفل أمامي‪ ..‬دوائر في إثر دوائر‪ ،‬دونما غاية محددة‪ ،‬سوى أن‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫اللعبة راقت للطفل‪ ..‬لكن‪ ،‬لو لم يكن معه المفتاح‬
‫هل سوف يقدر على ذلك ؟!‪ .‬ولو لم تكن السلسة‬
‫طويلة ومرنة ترى‪ ،‬كم دائرة ستصنع بريقها وسلطتها‬
‫ومجدها‪ ،‬كما حدث أمامي ؟!‪ .‬لقد كتبت استقالتي‬
‫وه��ذا يكفي‪ ..‬ومفتاحي الوحيد ال��ذي يفتح باب‬
‫سكني نسيته في الكوخ !‪ .‬ولن أعود إلى العمل فيه‬
‫بينما هو يتمتع بمزايا رجل مهم !‪ .‬أخبرته في المرة‬
‫األولى أن الشمس حارة في التاسعة صباحاً‪ ،‬لكنها‬
‫بدءاً من العاشرة تجلدني بالسياط‪ ،‬وتمتلئ النافذة‬
‫المفتوحة ب��ال��ذب��اب وال��رم��ل‪ ،‬وتصعد إل��ي دمدمة‬
‫األرض‪ ،‬وبقع القار في وجه اإلسفلت‪ .‬وأخبرته في‬
‫المرة الثانية أن مكيّف الهواء‪ ،‬لم يعد ثمة فرق بينه‬
‫وبين المروحة اليدوية التي في يدي‪ .‬وأخبرته أن‬
‫المطر على قميصي‪ ،‬أصفر بلون خشب السقف‪،‬‬
‫وإذا هطلت السماء بغزارة‪ ،‬صار بلون القا‪،‬ر ووخزت‬
‫كتفي مسامير صدئة‪ ،‬كريهة الرائحة‪ .‬وأخبرته أن‬
‫مكتبه الواسع الفخم‪ ،‬ال يشير إلى أن الحياة صعبة‬
‫بالفعل‪ ،‬كما يقول‪ .‬وفي كل مرة‪ ،‬كان يضحك‪ ،‬كنت‬
‫أنا اضحك‪ .‬اليوم كتبت استقالتي بخط أنيق‪ ،‬والليلة‬
‫أنام على جرف ناتئ في شاطئ البحر‪.‬‬

‫تدفقت ن�ح��وي‪ .‬وعندما همزت سيارتي خلفه ال‬
‫مستني‪ .‬أحسست بالضربة في يدي‪ ..‬كان المفتاح‬
‫حاداً‪ ،‬وفوق قدرتي على استيعاب أن الحياة صعبه‪..‬‬
‫لقد طلبت منه أن يمكث معي في ذلك الكوخ ثالثة‬
‫أيام في عز الصيف‪ ،‬وقلبت له الموكيت المهترئ‪،‬‬
‫ث��م رح��ت أس��رد عليه ال��ري��اح ال�ت��ي هبت م��ن جهة‬
‫ال �ج �ب��ال‪ ،‬وال��ري��اح ال�ت��ي ه�ب��ت م��ن ج�ه��ة الصحراء‬
‫التي دون البحر‪ ،‬وأدخلت يدي في التجاويف‪ ،‬ثم‬
‫أخرجت له عقارب ميتة وخنافس س��وداء مهشمة‬
‫ج��اء ت مع ال��ري��اح من صحاري بعيدة‪ ..‬ذك��رت له‬
‫أن ثمة أنفاس ما تلبث أن تتكسر تحتي وتموت في‬
‫الرمل الناعم‪ ،‬كلما ارتفعت أنفاسي من شدة الحر‪..‬‬
‫نتقت أمامه السقف‪ ،‬فتساقطت منه أمطار قديمة‬
‫في دورتها األخيرة‪ ،‬ارتطمت السلسة والمفتاح صفراء وسوداء تضج برائحة خشب متعفن‪ ،‬يمشي‬
‫بيد الطفل الذي يبكي‪ ..‬توجع وزاد بكاؤه‪ .‬استدار فيه الدود‪..‬‬
‫كان طفله يبكي في السيارة الفخمة التي أمامي‪،‬‬
‫ناحيتي‪ ،‬وأوغ��ل في دمعتين سخيتين ف��اغ��راً فاه‪،‬‬
‫مصوباً بريق عينيه إلى عيني الحجريتين‪ ،‬قبل أن وكان هو يحادث زوجته بوقار رجل مهم‪ ..‬كان يبتسم‬
‫تبتعد السيارة‪ ..‬في البيت سوف يسكت بالتأكيد‪ .‬كلما التفتت إليه مندهشة‪ ..‬آه‪ ،‬إنها نفس االبتسامة‬
‫ه �ن��اك غ��رف��ة ص�غ�ي��رة مكتظة ب��ال�ل�ع��ب سيدخلها الماكرة وهو يقول لي أن الحياة صعبة …‪.‬‬
‫مهروال‪..‬ستضيء بضغطة زر عند الباب‪ ،‬وحالما‬
‫الثالثاء‪ ،‬يضرم النار حمراء قانية ف��وق البحر‬
‫تضيء سترتبك طيور معلقه بجوار النافذة‪ ..‬سيمر وظ �ه��ره إل ��ي‪ ..‬ك��ان يكفي أن أم��د رج�ل��ي م��ن فوق‬
‫المساء حافياً صغيراً مغموس اليدين في اللعب ال �ج��رف ليتلبسهما غ�س��ق ن��اب��ت م��ن ت�ح��ت الماء‬
‫وسينكر الطفل أنه بكى‪..‬‬
‫كالنفط‪ ..‬ال رذاذ على الحواف يخصني س��وى أن‬
‫حين آلمته الضربة سحب ي��ده جهتي ووضعها الريح مضرجة برطوبة غير عادية‪ ،‬والجرف ينوء‬
‫بيني وبينه‪ ..‬كانت السيارة تبتعد‪ ،‬بيد أن أصابعه بوحشة البحر‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪85 1427‬‬

‫جتربتي في كتابة الترجمة‬

‫والسيرة<‬

‫> د‪ .‬عبدالرحمن الشبيلي‬

‫مقدمـ ــة‪:‬‬
‫ال أبلغ من أن يحترف اإلنسان مهنة من المهن‪ ،‬أو يمارس فناً من الفنون‪ ،‬ثم يقف‬

‫مع نفسه بعض الوقت اللتقاط األنفاس‪ ،‬والتأمل في طريقه‪ ،‬ليرى إذا كان يسير‬

‫ال لمسيرته‪ ،‬وليعود إلى ما سجله غيره‬
‫في االتجاه الصحيح‪ ،‬وليجري تقويماً شام ً‬

‫من الممارسين‪ ،‬وإلى ما كتبه المنظّ رون من قبله‪ ،‬فيستفيد من ارائهم وخبراتهم‪.‬‬

‫تلكم هي نظرتي للحديث عن تجربة هي إلى الهواية أقرب من االحتراف‪ ،‬إذ لم‬

‫يسبق من قبلُ أن نظرت في تجربة اآلخرين‪ ،‬أو فتشت عما سلكه األسبقون‪ ،‬أو‬

‫قرأت فيما كتبه أساتذة األدب عن أصول هذا الفن وقواعده وتاريخه‪.‬‬

‫فالكتابة في السير والتراجم‪ ،‬بشقيها‪ :‬سير الذات وسير الغير‪ ،‬هي في الواقع‪،‬‬

‫ميدان فسيح من ميادين األدب‪ ،‬له أصوله وأنماطه‪ ،‬وق��د كُتبت فيه دراسات‬
‫وأطروحات‪ ،‬وعرفته الثقافة العربية منذ أمد بعيد‪ ،‬حيث يزخر التراث بالمئات‬

‫من الكتب التي سجلت سير الزعماء والمصلحين وطبقاتهم‪ ،‬وسبرت مكامن القوة‬

‫في شخصياتهم‪.‬‬

‫وف��ي عصرنا الحديث‪ ،‬ش��اع مصطلح ال�ت��راج��م‪،‬وه��و تعبير م��و ّل��د يطلق على‬

‫ش���ه���ادات‬
‫‪86‬‬

‫السير الموجزة‪ ،‬ثم انتشر منذ عقود قليلة نمط السير الذاتية (بما فيه اليوميات‬

‫والذكريات واالعترافات ونحوها)‪ ،‬وهو ما يحكي فيه المرء قصة حياته بأسلوب‬

‫ضمير الغائب (الرواية) أو باستخدام ضمير المتكلم‪ ،‬وسواء أكتبه بقلمه أم أذن‬
‫لغيره بالكتابة عنه‪.‬‬

‫< ألقيت في مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية ‪ -‬سكاكا بالجوف‬
‫يوم الخميس ‪1426/10/15‬هـ الموافق ‪2005/11/17‬م‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫يقول د‪ .‬عبدالله الحيدري في كتابه المتميّز‪:‬‬
‫السيرة ال��ذات�ي��ة ف��ي األدب ال�س�ع��ودي (دار طويق‬
‫‪1424‬هـ) والذي كان في األساس رسالة ماجستير‪،‬‬
‫وعلّق عليه الشيخ حمد الجاسر‪" :‬والنوع األول هو‬
‫المعروف بالسير الغيرية‪ ،‬أو ما يعرف لدى الغرب‬
‫بتعبير ‪ ،Biography‬وهو البحث عن الحقيقة في‬
‫ح�ي��اة إن �س��ان ف� �ذّ‪ ،‬وال�ك�ش��ف ع��ن م��واه�ب��ه وأسرار‬
‫عبقريته من ظروف حياته التي عاشها واألحداث‬
‫ال�ت��ي واجهها ف��ي محيطه واألث ��ر ال��ذي خلقه في‬
‫جيله‪ ...،‬وإن النقد العربي قد استوعب التفرقة بين‬
‫المصطلحين المركّبين فأطلق تعبير ‪Biography‬‬
‫لسير الغير ومصطلح ‪ Autobiography‬للسير‬
‫الذاتية التي يتحدث فيها الكاتب عن نفسه " أ‪ .‬هـ‪ .‬في كتابة السير‪ ،‬لكنني استذكر هنا خطوة مرحلية‬
‫قديمة يعود تاريخها إل��ى ع��ام ‪1396‬ه��ـ (‪1976‬م)‪،‬‬
‫ومع حداثة هذه التجربة في مجتمعنا‪ ،‬فإن المتتبع‬
‫وكانت بمثابة التمهيد الهتماماتي التوثيقية في هذا‬
‫لما صدر من سير‪ ،‬من أمثال ما كتبه عزيز ضياء في‬
‫المجال‪.‬‬
‫سيرته الذاتية‪ :‬حياتي مع الحب والجوع والحرب‪،‬‬
‫ففي أواخ��ر س�ن��وات عملي ف��ي وزارة اإلعالم‪،‬‬
‫ود‪ .‬غازي القصيبي في كتابه‪ :‬حياة في اإلدارة وفي‬
‫سيرته الشعرية‪ ،‬واألستاذ أبو عبدالرحمن بن عقيل جالت في خاطري فكرة تنشيط ذاكرة المشاهدين‬
‫في تباريحه‪ ،‬أو الدكتور عبدالعزيز الخويطر في بتاريخ أبرز أعالم الوطن الذين قدموا خدمات جليلة‬
‫لمحات من ذكرياته‪،‬وإبراهيم الحسون في خواطره‪ ،‬في سبيل تأسيسه وتوحيده ونهضته‪ ،‬وقد قمت‪ ،‬من‬
‫وهي جميعها من نوع السير الذاتية‪ ،‬وليست تراجم ثمّ‪ ،‬بتسجيل حلقات تلفزيونية توثيقية مع بعضهم‪،‬‬
‫للغير – موضوع هذه المحاضرة‪ ،‬فإنها – في ظني تتحدث عن مراحل حياتهم‪ ،‬وعن شهاداتهم الشفوية‬
‫– قد بلغت من الجودة ما يضاهي ما تضمه المكتبات حول األح��داث التي عاشوها أو شاركوا فيها‪ ،‬وقد‬
‫من نتاج عربي‪ ،‬وهي تتفوق بشكل ملحوظ على ما استمرت محاوالتي التوثيقية تلك حتى اآلن‪.‬‬
‫أنتجته المكتبة السعودية من كتب وتراجم للغير‪.‬‬
‫كان من تلك المقابالت‪ ،‬ما عرض في حينه وما‬
‫وال �م��رج��و‪ ،‬م��ع اس�ت�ع��راض ه��ذه ال�ت�ج��رب��ة‪ ،‬على‬
‫تواضعها ومحدوديتها‪ ،‬أن تضيء الطريق لكاتب‬
‫ناشيء‪ ،‬وتكون فيها الفائدة لمتحفّز يمتلك الفكرة‬
‫ومقدرة الصياغة لكنه يبحث عن الميدان‪.‬‬

‫البدايات‪:‬‬
‫لم يكن لي قبل عام ‪1414‬هـ (‪1994‬م) سابق خبرة‬

‫لم يعرض‪ ،‬ما حوى مادة ثرية معمقة‪ ،‬فعملت منذ‬
‫وفاة الشيخ محمد بن جبير عام ‪1421‬هـ (‪2003‬م)‬
‫على تحويل تلك التسجيالت إلى سلسلة كتب توثيقية‬
‫شملت ح�ت��ى اآلن ال�ش�ي��خ ح�م��د ال�ج��اس��ر واألمير‬
‫مساعد ب��ن عبدالرحمن واألم�ي��ر خالد السديري ‬
‫وكانت الحوارات التلفزيونية تمثل المتون الرئيسية‬
‫لتلك الكتب‪ ،‬ثـــــم‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪87 1427‬‬

‫بالكتاب يرى النور في شوال عام ‪1414‬هـ (‪1994‬م)‪،‬‬
‫كتاب من (‪ 500‬صفحة )‪ ،‬يتحدث عن سيرة طيب‬
‫الذكر‪ ،‬السفير الشيخ محمد الحمد الشبيلي‪ ،‬ويلقى‬
‫من الحفاوة ما لم يحلم به مؤلفه‪.‬‬

‫التجارب الالحقة‪:‬‬

‫أض �ف��ت إل �ي �ه��ا ق� � ��راءات م ��ن ب �ع��ض عارفيهم‪،‬‬
‫وص��وراً جعلت من سيرهم م��واد وثائقية متكاملة‪،‬‬
‫مع وضع هوامش تتضمن تراجم موجزة للتعريف‬
‫بالشخصيات األخرى التي عرض لها كل حوار‪ ،‬حتى‬
‫إن كتابي األخير عن األمير مساعد بن عبدالرحمن‬
‫حمل أربعين تعريفاً بآخرين‪ ،‬ورد ذكرهم في ثنايا‬
‫مقابالتي التي كنت أجريتها مع سموه قبل ثالثين‬
‫عاماً‪.‬‬

‫التجربة الرائدة‪:‬‬
‫ل�ك�ن�ن��ي ق �ب��ل أن أق� ��رر ت �ح��وي��ل ه ��ذه الحلقات‬
‫التسجيلية القديمة إلى كتب‪ ،‬بدءاً بكتاب الشيخ ابن‬
‫جبير الصادر عام ‪1421‬ه��ـ (‪2003‬م)‪ ،‬كنت مررت‬
‫بالتجربة األثرى واألكثر تميّزاً حتى اآلن‪.‬‬
‫فلقد كنت منذ عام ‪1407‬هـ (‪1987‬م) أرسم في‬
‫الذهن – كما يفعل المعماريون – تصوّراً لكتاب يوثق‬
‫سيرة أحد أقاربي ممن اتفق المجتمع على تقدير‬
‫أع�م��ال��ه وخ��دم��ات��ه‪ ،‬وك�ن��ت أب�ح��ث ع��ن متعهد ينفذ‬
‫الرسومات والتصاميم‪ ،‬ويحيل الفكرة إل��ى واقع‪،‬‬
‫أو كما يتمنى إنسان تحوك في خاطره مشاعر‪ ،‬أن‬
‫يتحول إلى شاعر يصوغ أفكاره في قصيدة معبرة‪.‬‬
‫وبعد طول انتظار حاولت خالله جهتان التصدي‬
‫لتنفيذ الفكرة‪ ،‬كان على المصمم نفسه أن يتحول‬
‫إل��ى مقاول‪ ،‬وأن يقوم بتنفيذ أفكاره بنفسه‪ ،‬فإذا‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫أم��ا التجربة الثالثة‪ ،‬م��ن ت�ج��ارب كتابة السير‬
‫وال�ت��راج��م‪ ،‬فقد م��ررت بها بين عامي ‪1417‬ه ��ـ و‬
‫‪1420‬ه� ��ـ (‪2000 – 1997‬م) حينما كنت أعكف‬
‫على تأليف كتابي التوثيقي ‪ -‬السالف ذكره ‪ -‬عن‬
‫ت��اري��خ اإلع�ل�ام ال�س�ع��ودي‪ ،‬وق��د أس�ف��ر البحث عن‬
‫التطرق إلى عشرات من رجال الثقافة واإلعالم في‬
‫المجتمع السعودي‪ ،‬مما شجع على كتابة مقاالت عن‬
‫كل شخصية على ح��دة‪ ،‬نُشرت مجّ زأة في جريدة‬
‫الجزيرة‪ ،‬ثم مجتمعة في كتاب (إع�لام وأعالم)‪،‬‬
‫الصادر بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة‬
‫‪1419‬هـ (‪1999‬م)‪.‬‬
‫ثم دخلت في تجربة رابعة من ن��وع أكثر عمقاً‬
‫في مجال كتابة التراجم الموجزة‪ ،‬عندما التزمت‬
‫لجريدة عكاظ في مطلع شهر شعبان عام ‪1424‬هـ ‬
‫(سبتمبر ‪2003‬م) – تحت عنوان‪ :‬تحية وبعد ‪ -‬بكتابة ‬
‫سلسلة مقاالت عن شخصيات متوارية عن األضواء‬
‫عازفة عن الظهور‪ ،‬مع أنها بلغت مكانة عالية في‬
‫المجتمع‪ ،‬وقدمت جهوداً مشكورة في خدمة الوطن‪،‬‬
‫وقد أفاد نشر تلك المقاالت سلفاً في الصحافة في‬
‫تلقي بعض التعليقات والتصويبات عليها‪ ،‬ومع األيام‬
‫ال وطوالً‪ ،‬وأصبحت‬
‫صارت تلك الحلقات أكثر تفصي ً‬
‫تشمل شخصيات قديمة ومعاصرة‪ ،‬أحيا ًء أو أمواتاً‪،‬‬
‫كما توسَّ ع نشرها صحفياً ليشمل جريدتي الحياة‬
‫والشرق األوس��ط ومجلتي الشورى والمجلة‪ ،‬وهي‬
‫حلقات تنتظر الظهور قريباً بإذن الله – بعد جمعها‬
‫‪ -‬في كتاب بعنوان‪ :‬أعالم بال إعالم‪.‬‬

‫إن ما يجمع بين هاتين التجربتين األخيرتين‪ ،‬على التجانس في نسق الكتاب وصياغته وأسلوبه‪،‬‬
‫على اختالفهما النسبي من حيث اإلطالة والعمق‪ ،‬رغم تنوع أقالم المشاركين في التأليف واختالف‬
‫هو سمة االختصار وتجنب اإلغ��راق في تفاصيل طريقتهم وأنماطهم في الكتابة‪ ،‬كما تشمل التأكد‬
‫ال� �ح���وادث‪ ،‬وس �ه��ول��ة ال �ل �غ��ة وال �ت��راك �ي��ب وبساطة من اتساق معلوماته التاريخية‪.‬‬
‫األسلوب‪ ،‬مع االنعتاق من التشدد في شروط البحث‬
‫وقفات للتأمل‪:‬‬
‫األكاديمي وق�ي��وده‪ ،‬ذل��ك أن تلك السير والتراجم‬
‫وألن التجربة‪،‬التي م��ررت بها في أثناء إعداد‬
‫قد أعدت أساساً للنشر الصحفي‪ ،‬وكانت موجهة‬
‫إلى جمهور المثقفين والمتخصصين وإلى السواد سيرة السفير الشبيلي كانت األكثر ثرا ًء بين كتب‬
‫السير التي أصدرتها‪ ،‬فإنني أرجو أن تسمحوا لي‬
‫حد سواء‪.‬‬
‫األعظم من القراء على ٍ‬
‫بالوقوف عدة وقفات عند أب��رز مالمحها للتعرف‬
‫وقد رك��زت تلك السير والتراجم على الجوانب‬
‫على أسباب التميز فيها‪:‬‬
‫الطريفة وال �م �ش � ّوق��ة‪ ،‬ورب �م��ا المجهولة م��ن حياة‬
‫ال��وق�ف��ة األول� ��ى‪ :‬ك��ان��ت شخصية ذل��ك الكتاب‬
‫شخصياتها‪ ،‬وروعي في انتقاء األسماء أن تكون لها‬
‫مكانة شعبية في المجتمع أو ذات ماض مؤثر وناجح‪ ،‬أحد السفراء السعوديين‪ ،‬المشهود لهم بالشمائل‬
‫وبالتالي‪ ،‬تجتذب القارئ وتغريه على االستزادة من الكريمة‪ ،‬التحق في مطلع الخمسينيات الهجرية‬
‫(أوائ��ل الثالثينات الميالدية) بالديوان الملكي‪ ،‬ثم‬
‫المعلومات اإلنسانية عنها‪.‬‬
‫خدم بالده ومواطنيه سفيراً في خمس دول‪ ،‬وأمضى‬
‫أما الصنف الخامس واألخير من هذه التجارب‪،‬‬
‫نحواً من ستة عقود في الوظيفة العامة‪ ،‬مكرساً وقته‬
‫فهو اإلشراف على تأليف تراجم لشخصيات عامة‪،‬‬
‫وجهوده وإمكاناته في إسعاد غيره‪ ،‬وص��ون سمعة‬
‫في شكل مشروعات كتب تقوم بها جهات خاصة‬
‫وطنه‪ ،‬وعُرضت عليه الوزارة فاعتذر‪ ،‬فكان احتفاء‬
‫أو حكومية‪ ،‬يقتصر دوري فيها‪ ،‬مع التنسيق بين‬
‫المجتمع بصدور الكتاب بمستوى منزلة الرجل‪،‬‬
‫ال�م�ع� ّدي��ن‪ ،‬على التحرير ال �ع��ام م��ن ن��اح�ي��ة‪ ،‬وعلى‬
‫اإلس �ه��ام ف��ي كتابة بعض فصولها بالمشاركة مع لدرجة غفرت كون مؤلفه أحد األقربين‪.‬‬
‫فأهمية الشخصية التي يكتب عنها‪ ،‬والتوافق في‬
‫كتاب آخرين‪ ،‬وتشمل وظيفة المحرر هنا المحافظة‬

‫الدكتور عبدالرحمن الشبيلي‪:‬‬

‫ من مواليد عنيزة بالقصيم سنة ‪1363‬هـ (‪1944‬م)‪ ،‬له ابن وبنتان‪.‬‬‫ دكتوراه في اإلعالم ‪1391‬هـ (‪1971‬م) من جامعة والية أوهايو‪.‬‬‫ أسهم في تأسيس إذاعة الرياض وتلفزيون الرياض‪ ،‬وقدم برامج إعالمية‬‫ حوارية‪ ،‬ونشر مقاالت ومحاضرات توثيقية‪.‬‬‫ عمل مديراً عاماً للتلفزيون وأستاذاً لإلعالم في جامعة الملك سعود‪.‬‬‫ وكيل وزارة التعليم العالي وأمين عام المجلس األعلى للجامعات األسبق‪.‬‬‫‪ -‬عضوية مجلس الشورى والمجلس األعلى لإلعالم ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪89 1427‬‬

‫شهادة المجتمع على منزلته فيما تميز ب��ه‪ ،‬كانت‬
‫دون شك‪ ،‬العامل األول في نجاح المؤلَّف‪ ،‬واإلقبال‬
‫على اقتنائه والحفاوة به‪ ،‬ومفتاح تعليقات وسائل‬
‫اإلعالم عليه‪.‬‬
‫الوقفة الثانية‪ :‬كان الكتاب في مسوداته المبكرة‬
‫يضم ثالثة فصول‪ ،‬وكانت صياغته تتسم بالعمومية‪،‬‬
‫ومعلوماته غير موثقة‪ ،‬ولكن ما أن انفتحت أمام‬
‫المؤلف خزينة األوراق الخاصة‪ ،‬وألبومات الصور‬
‫التي كانت تزخر بها غرفة المقتنيات الشخصية‬
‫للسفير الشبيلي‪ ،‬حتى تغيّرت صورة الكتاب‪ ،‬وتحول‬
‫حجمه من فصول ثالثة إلى ثمانية‪ ،‬وزادت الصور‬
‫إلى عشرة أضعاف‪ ،‬وحظي بالكثير من األسانيد‬
‫وال��وث��ائ��ق ال�خ��اص��ة‪ ،‬وص ��ارت المعلومة ت��دل على‬
‫المعلومة‪ ،‬والصورة توحي بالفكرة‪ ،‬والوثيقة تقود إلى‬
‫مصادر المعلومات‪ ،‬وقد تعلمت من تلك التجربة أن‬
‫البحث عن القرائن والدالئل والتواريخ غاية تستحق‬
‫شد الرحال‪ ،‬مهما كانت القيمة أو كان التأخير‪.‬‬
‫وب �ي��ن م��ا ت��م ال �ع �ث��ور ع�ل�ي��ه‪ ،‬ش��واه��د وإثباتات‬
‫أصيلة للعديد من القصص والروايات التي وردت‬
‫على ألسنة روات �ه��ا‪ ،‬وم��ع ذل��ك فقد حالت ظروف‬
‫أفغانستان والعراق في تلك الفترة وما تزال‪ ،‬وهما‬
‫من البلدان التي عمل فيها سفيراً‪ ،‬دون أن يحصل‬
‫المؤلف منهما على ما يخدم أغراضه‪.‬‬

‫ومن الطبيعي‪ ،‬أن يشكّل العثور على صورة تخدم‬
‫موضوعها‪ ،‬وتوضع في مكانها المناسب في الكتاب‪،‬‬
‫سعادة ال توصف ألي مؤلف‪ ،‬وأن ترد قصة في ثنايا‬
‫الروايات وقد مضى على حدوثها نصف ق��رن‪ ،‬ثم‬
‫يجد الباحث بين أوراق شخصية الكتاب ما يؤكد‬
‫تفاصيل الواقعة وشخصياتها وتواريخها‪ ،‬وأن تحتل‬
‫صورة مكاناً بارزاً في إخراج الكتاب‪ ،‬ثم يجد مؤلفه‪،‬‬
‫والكتاب ماثل للطبع‪ ،‬من يعرّف باسم صاحبها‪ ،‬فهي‬
‫مواقف تمثل متعة في عالم مؤلف السير والتراجم‬
‫ال يقدر مدى اإلحساس بها إال من م ّر بها أو جرّبها‪،‬‬
‫بل إن استذكارها‪ ،‬مع مضي الزمن‪ ،‬ال يقل نشوة‬
‫وإسعاداً عن تذكر مطاردة قنص عاشها هواته‪.‬‬
‫ال��وق �ف��ة ال �ث��ال �ث��ة‪ :‬وه ��ي ت�ت�ص��ل ب��ض��رورة إلمام‬
‫المؤلف بخلفية الموضوع‪ ،‬وبالمعلومات التاريخية‬
‫المتعلقة به‪ ،‬وبالشخصيات الواردة فيه‪ ،‬إذ ال أتخيل‬
‫مؤلفاً يمكنه أن يكتب عن شخصية ال يعرف عنها‬
‫لا ع��ن أن ي�ك��ون ق��د ت��أث��ر بها أو‬
‫إال القليل‪ ،‬ف�ض� ً‬
‫تشبعّ بمعرفتها أو تفاعل معها من قبل‪ ،‬وإن من‬
‫نافلة القول‪ :‬إن أفضل أنواع الكتابة وأكثرها صدقاً‬
‫وبالغة هو ما يصدر عن عاطفة‪ ،‬مهما بلغ احتراف‬
‫المؤلف وقدرته على الصياغة والتعبير‪.‬‬
‫وما من شك في أن القراءة المكثفة في الموضوع‬
‫الذي يراد التأليف فيه‪ ،‬وزيارة المواقع التي سيتم‬

‫مؤلفاته في مجال اإلعالم‪:‬‬

‫ نحو إعالم أفضل (طبعتان) ‪1412‬هـ (‪1992‬م)‪.‬‬‫ إعالم وأعالم ‪1420‬هـ (‪1999‬م)‪.‬‬‫ اإلعالم في المملكة العربية السعودية – دراسة توثيقية ‪1421‬هـ (‪2000‬م)‪.‬‬‫ صفحات وثائقية من تاريخ اإلعالم في الجزيرة العربية ‪1423‬هـ (‪2002‬م)‪.‬‬‫ حمد الجاسر ‪1424‬هـ (‪2003‬م)‪.‬‬‫‪ -‬الملك عبدالعزيز واإلعالم ‪1424‬هـ (‪2003‬م)‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫التطرق إليها‪ ،‬وااللتقاء م��راراً مع الشخصية التي‬
‫سيكتب عنها‪ ،‬هي بعض الوسائل التي تعزز من قدرة‬
‫الكاتب على استيعاب موضوعه وإجادة الكتابة فيه‪.‬‬
‫ال��وق �ف��ة ال��راب �ع��ة‪ :‬وت �ت �ح��دث ع��ن م��رح�ل��ة يمكن‬
‫تسميتها‪ :‬مرحلة التدقيق والمقارنة‪ ،‬إذ ال بد لكل‬
‫مؤلف في موضوع ذي صلة بالتاريخ‪ ،‬أال يأخذ مأخذ‬
‫التسليم كل ما يقع عليه ناظراه من معلومات دون‬
‫ال عن ضرورة‬
‫أن يعرضها للتحقيق والمقارنة‪ ،‬فض ً‬
‫أن يراجع مسوداته ويقارن بين تواريخ تخص واقعة‬
‫بعينها وردت في مواضع مختلفة من كتابه‪ ،‬حتى ال‬
‫يحصل تنافر في الكتاب نفسه‪.‬‬

‫المذكور ال يمت إلى الموضوع بصلة‪ ،‬وأن األصح هو‬
‫– ما عاشه معظمنا ‪ -‬أمر ملكي آخر صدر برقم‬
‫(‪ )57‬في العام الذي تاله‪ ،‬وهو ما أ ُثبت في كتابي‬
‫عن تاريخ اإلع�لام السعودي الصادر عام ‪1421‬هـ ‬
‫(‪2000‬م)‪ ،‬لكن أح��د كتب السيرة حديثة الصدور‬
‫إن المعلومات الخطأ التي ترد في بعض الكتب‪،‬‬
‫رجّ ح الرأي األول ألسبقيته‪ ،‬دون التثبت من دقته‪ .‬‬
‫ال تشوه الكتاب نفسه بقدر ما تربك الكتب واألبحاث‬
‫وم ��ن ال�ل�اف��ت ل �ل �ن �ظ��ر‪ ،‬أن ه �ن��اك ال �ع��دي��د من‬
‫التي تبنى عليه‪ ،‬وما لم يقم الناقل بالتثبت من كل‬
‫معلومة ينقلها‪ ،‬ف��إن الخطأ ق��د ي�ت��راك��م‪ ،‬ويصبح السير والتراجم التي ص��درت في المملكة‪ ،‬وهي‬
‫جرثومة (فيروساً) يلوّث جميع ما يصدر بعده من تمتلئ بالمعلومات الجديدة والموضوعات األصيلة‬
‫الجيدة‪ ،‬لكنها ال تُسند بتواريخ أحداثها‪ ،‬وال تختم‬
‫كتب أو نقوالت‪.‬‬
‫بالفهارس والكشافات التي تساعد الباحث والقارئ‬
‫كنت ذات م��رة أق��رأ ف��ي رس��ال��ة قديمة حررها‬
‫على تحديد مواضع المعلومات عند العودة إليها‪ ،‬‬
‫أح��د األش�خ��اص الذين ألفت عنهم‪ ،‬وك��ان يتحدث‬
‫وفي ظني أن توثيق التواريخ وتكشيف المعلومات‪،‬‬
‫فيها عن موضوع يفهم منه أنه يتعلق بوفاة الملك‬
‫هما أهم عناصر الكتابة التاريخية‪ ،‬ويمثالن عصب‬
‫خالد وتولي الملك فهد مقاليد الحكم في البالد‪،‬‬
‫ال على تمكّن‬
‫التأليف في مجال السير والتراجم‪ ،‬ودلي ً‬
‫وبالعودة إل��ى أح��د الكتب اإلعالمية التي صدرت‬
‫الكاتب ومثابرته وجدّيته في البحث والتنقيب‪.‬‬
‫عن تلك المناسبة للتثبت من التاريخ‪ ،‬تبين أن خطأ‬
‫ال��وق��ف��ة ال �خ��ام �س��ة‪ :‬وت� �ت� �ن ��اول م��رح �ل��ة النقد‬
‫مطبعياً في تلك السنة (‪1402‬هـ) قد وقع في الكتاب‬
‫اإلعالمي نفسه‪ ،‬ولم يكن مؤلفه قد اكتشفه قبل تلك والتقويم‪ ،‬وه��ي مرحلة ال يوليها بعض المؤلفين‬
‫م ��ا ت �س �ت �ح �ق��ه م ��ن اه� �ت� �م ��ام‪ ،‬م ��ع أن� �ه ��ا ي �م �ك��ن أن‬
‫المقارنة‪.‬‬
‫وفي مثال آخ��ر‪ ،‬تضمن كتاب عن تطور الحكم تكشف ل�ه��م ع�ي��وب�اً ال ي �ك��ون ف��ي م �ق��دور المؤلف‬
‫واإلدارة في المملكة‪ ،‬صدر عام ‪1385‬هـ(‪1956‬م)‪. ،‬أن ي�ك�ت�ش�ف�ه��ا ب��م��ف��رده‪ ،‬وق���د ق �ي��ل ف �ي �م��ا مضى‪:‬‬
‫معلومات تشير إل��ى أن وزارة اإلع�لام قد أ ُنشئت إن المؤلف ي�ق��رأ نفسه‪ ،‬وبالتالي فقد يمر عليه‬
‫استناداً إلى األم��ر الملكي رقم (‪ )43‬الصادر عام الخطأ المطبعي وغيره دون أن يلحظه‪.‬‬
‫‪1381‬هـ (‪1961‬م)‪ ،‬وبتحقيق ذلك‪ ،‬اتضح أن المستند‬

‫ولعل أفضل طريقة لنقد الكتاب وتقويمه قبل‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪91 1427‬‬

‫طبعته النهائية أن يعقد المؤلف ندوة للمتخصصين‬
‫في موضوعه‪ ،‬أو لمجموعة من النقاد المحتملين‬
‫لمعرفة آرائهم في مسوداته األخيرة‪ ،‬فقد تكفل هذه‬
‫الخطوة تخفيف الملحوظات التي تبدى على الكتاب‬
‫فيما بعد ( وقديماً قيل‪ :‬من ألف فقد استهدف)‪.‬‬
‫وهنا ينبغي على المؤلف أال يتأفف من أي رأي‪،‬‬
‫وال يتذمر من التأخير‪ ،‬أو من كثرة التعديالت وإعادة‬
‫الصياغة‪ ،‬فالتصويبات التي ت��رد إليه قبل الطبع‬
‫تفضل بمراحل ما يتلقاه بعده‪ ،‬وخير له أن يتلمس‬
‫ُ‬
‫عيوب كتابه قبل الصدور من أن يُلفت نظره إليها‬
‫بعد فوات األوان‪ ،‬وعندما يحظى المؤلف بمساعدة‬
‫من محترف في التصحيح والمراجعة والصياغة‪،‬‬
‫ال لذلك‪ ،‬فإنها قمة‬
‫أو عندما يكون هو نفسه مؤه ً‬
‫الحظ في عالم الكتابة والتأليف‪ ،‬وإن ما يقضيه‬
‫المؤلف من جهد ووقت في هذه المرحلة خير وسيلة‬
‫ال‬
‫إلتقان العمل وتحري كماله وضمان تميّزه‪ ،‬ودلي ً‬
‫على احتراف المؤلف وثقته بنفسه‪.‬‬
‫إن كل ما أصدرته حتى اآلن من كتب في مجال‬
‫اإلع�لام أو في مجال السير‪ ،‬قد استغرق ما بين‬
‫عشر إل��ى خمس عشرة مسودة (ب��روف��ة) طباعية‪،‬‬
‫مارست فيها أقصى درجات المراجعة والتمحيص‬
‫الممكنة‪ ،‬ومع ذلك فلم يخل واحد منها من األخطاء‬
‫بأنواعها‪ .‬‬

‫على المعايير العلمية وتطبق عليها‪ ،‬فإن من غير‬
‫المحتمل أن يحافظ كتاب السير على موضوعيتهم‬
‫وحيدتهم في كتابات أعدت لألغراض اإلعالمية‪،‬‬
‫أو الستكشاف جوانب التميز في األشخاص‪ ،‬وإن‬
‫أح��رى ما قد يلتزمون به هو موقف االع�ت��دال في‬
‫الطرح‪ ،‬وتجنب المبالغات في الثناء واأللقاب‪.‬‬
‫السؤال الثاني الذي يرد في هذا المقام‪ ،‬هو عن‬
‫مدى تقبّل تلك الشخصيات لما يُكتب عنهم‪ ،‬خاصة‬
‫أن الكثيرين قد ال يعرفون محتوى تلك الكتابات قبل‬
‫نشرها‪ ،‬وهو ما يتم في الغالب مع معظم ما كتبت‪،‬‬
‫ولعل في استشارة المحيطين بالشخصيات المترجم‬
‫لها ما يضمن دقة المعلومات الواردة فيها‪ ،‬وضمان‬
‫رضا صاحب الشأن عما ورد عنه من معلومات‪.‬‬
‫الوقفة السابعة‪ :‬وتتصل – باختصار – باشكالية‬
‫ما يواجهه بعض كتب السير والتراجم في بالدنا‬
‫خاصة‪ ،‬من بعض الحساسيات االجتماعية‪ ،‬نتيجة‬
‫إيراد كلمات أو معلومات أو قصص قد تثير النعرات‬
‫القبلية واإلقليمية‪ ،‬وربما يلحق بها مسألة الدخول‬
‫في قضية األعمار وأمثالها‪ ،‬وهي أمور يحتاج التطرق‬
‫إليها كثيراً من الحذر والحيطة‪ ،‬فلقد تسببت إثارة‬
‫مثل هذه الموضوعات في إيقاف العديد من مؤلفات‬
‫السير والتراجم حتى بعد فسحها وتداولها‪.‬‬

‫الوقفة الثامنة‪ :‬وإن من عوامل التشويق في مثل‬
‫الوقفة السادسة‪ :‬هل يمكن الحكم على ما يكتبه هذه الكتابات‪ ،‬هو التوسع فيما يمكن تسميته عنصر‬
‫كاتب السير والتراجم بالموضوعية والحيدة ؟‪ ،‬أو "الشخصنة"‪ ،‬وه��و الغوص في أعماق الشخصية‪،‬‬
‫بعبارة أخرى‪ :‬هل تتوافر شروط النزاهة في كل ما والتطرق في السياق نفسه إلى أسماء شخصيات‬
‫أخرى ذات عاقة بالشخصية الرئيسية‪.‬‬
‫يكتبه مؤلفو التراجم ؟‬
‫أستطيع ال�ق��ول‪ :‬إن من الصعب على أي كاتب‬
‫س�ي��رة المحافظة ع�ل��ى ذل ��ك‪ ،‬خ��اص��ة إذا م��ا كان‬
‫اختياره لألشخاص مبنياً على اإلعجاب المسبق‬
‫ب �ه��م‪ ،‬وأض��ي��ف‪ :‬إن ��ه م��ال��م ت �ع��رض ك �ت��اب��ات السير‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫لقد سبق اإلخ ��وة م��ن ك�ت��اب ال�ح�ج��از‪ ،‬قديمهم‬
‫وحديثهم‪ ،‬إل��ى األخ��ذ بهذا العنصر واالهتمام به‪،‬‬
‫حتى ال تكاد مقالة أو كتاب سيرة تخلو من الحديث‬
‫ع��ن مأكل اإلن �س��ان‪ ،‬وع��ن رف��اق��ه‪ ،‬وع��ن اهتماماته‬

‫األسرية‪ ،‬وعن اإلتيان بأسماء من حوله من أقاربه‪ ،‬وتاريخها ثم بسرد المراحل العلمية والعملية وعدد‬
‫مع رفع الكلفة عند الكتابة عن الدواخل النفسية ذريته وتنتهي بذكر تاريخ وف��ات��ه‪ ،‬بل نحت منحى‬
‫واإلنسانية‪.‬‬
‫متحرراً يركز في بدايته على أبرز مالمح الشخص‬

‫فمتى ما توافر عنصر "الشخصنة"‪ ،‬وه��و أمر أو خصاله وما هو معروف أو مجهول عنه‪ ،‬وغالباً‬
‫أس��اس��ي ف��ي كتابة السير‪ ،‬ضمن ع��وام��ل الظرف ما توضع المعلومات البيوغرافية في نهاية المقال‬
‫والتشويق وسهولة العبارة واإلي �ج��از‪ ،‬فإنها – في أو البحث‪ ،‬وهناك سي ُر أخذت نمط استعراض عمل‬
‫فكري قام به‪ ،‬وذلك كما حصل عند استعراض سيرة‬
‫ظني – مدعاة إلمتاع القارئ وجذبه وارتياحه‪.‬‬
‫خليل ال��رواف وابراهيم الحسون‪ ،‬وعلى كل حال‪،‬‬

‫وبع ــد‪:‬‬

‫فإنه عندما يأتي األمر إلى تقويم منهج الكتابة ونقد‬

‫ه ��ذه‪ ،‬ف��ي ال ��واق ��ع‪ ،‬خ�لاص��ة ت�ج��رب��ة متواضعة اسلوبها فإنه شأن ينبغي أن يصدر من غير كاتبها‪.‬‬
‫امتدت اثني عشر عاماً‪ ،‬من االنشغال في فن لم‬
‫والسالم عليكم ورحمة الله وبركاته‬
‫يكن لي سابق خبرة فيه أو دراسة أو تخصص‪ ،‬ومن‬
‫الطبيعي أن تكون عرضة للنقد واختالف الرأي‪ ،‬لقطات من محاضرة الدكتور الشبيلي‪:‬‬
‫خاصة إذا ما عرفنا أن تلك التراجم ‪ -‬على تباين‬
‫ قدم للمحاضرة وأدارها الدكتور عبدالله الحيدري‬‫أصنافها ‪ -‬قد التزمت منهجاً مبسطاً في األسلوب‪،‬‬
‫أستاذ األدب غير المتفرغ بجامعة اإلمام محمد‬
‫يجتذب القارئ العادي‪ ،‬لكنه يتحرر من وثاق البحث‬
‫بن سعود اإلسالمية‪.‬‬
‫العلمي المتشدد‪.‬‬
‫ ش��ارك ف��ي ال�ح��وار ك��ل م��ن الدكتور عبدالواحد‬‫ومع تواضع هذه التجربة القصيرة التي مررت‬
‫الحميد وكيل وزارة العمل للتخطيط والتطوير و‬
‫بها‪ ،‬والتأكيد على أنها ال تتعدى الهواية وال تدخلني‬
‫الكاتب المعروف‪ ،‬و الدكتور زياد بن عبدالرحمن‬
‫بين المؤرخين‪ ،‬فلقد اتخذت المحاوالت التي قمت‬
‫ال��س��دي��ري م��دي��ر ع���ام م��ؤس �س��ة عبدالرحمن‬
‫بها للكتابة في السير قوالب وأنماطاً فنية مختلفة‪،‬‬
‫السديري الخيرية‪.‬‬
‫لكنها – بأي حال من األح��وال – لم تأخذ الشكل‬
‫التقليدي لكتابة السير‪ ،‬التي تبدأ عادة بمكان الوالدة ‪ -‬تضمنت ال�م�ح��اض��رة رص ��داً لتجربة الشبيلي‪،‬‬

‫مؤلفاته في التراجم والسير‪:‬‬

‫ صالح العبد الله الشبيلي – حياته وشعره ‪1414‬هـ (‪1994‬م)‪.‬‬‫ محمد الحمد الشبيلي (أبو سليمان) ‪1414‬هـ (‪1994‬م)‪.‬‬‫ محمد بن جبير (طبعتان) ‪1421‬هـ (‪2001‬م)‪.‬‬‫ مساعد بن عبد الرحمن آل سعود ‪1425‬هـ (‪2004‬م)‪.‬‬‫ أعالم بال إعالم‪( :‬تحت اإلعداد) ‪1426‬هـ (‪2005‬م)‪.‬‬‫‪ -‬خالد بن أحمد السديري ( تحت اإلعداد) ‪1427‬هـ (‪2006‬م) ‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪93 1427‬‬

‫على مدى اثني عشر عاماً‪ ،‬في تأليف كتب يؤرخ عام نعتقد أن كتابة السيرة في مجتمع كمجتمعنا‬

‫فيها لحياة بعض المشاهير‪ ،‬الذين ذكرهم في تنطوي على حساسية اجتماعية‪ ،‬ي�ب��دو أن هذه‬

‫محاضرته‪.‬‬

‫المعادلة صعبة التحقيق‪ .‬وثمة مشكلة إذا كان من‬

‫وفي ختام المحاضرة‪ ،‬فتح باب النقاش للحضور‪ ،‬ضمن األشياء التي بذهن كاتب السيرة أن يُرضي‬
‫وقد قدم الدكتور عبدالواحد الحميد مداخلة وأبدى صاحب السيرة؛ فالسيرة هي سيرة هذا اإلنسان‬

‫عدداً من المالحظات النقدية ومن ضمنها ما ذكره بايجابياته‪.‬‬
‫أما التجربة الرابعة المتعلقة بسلسلة مقاالت عن‬
‫الشبيلي أن أفضل أن��واع الكتابة هو ما يصدر عن‬

‫عاطفة‪ ،‬وربطها الدكتور الحميد بالوقفة األخرى شخصيات متوازية الطباع سوف تعرض في كتاب‬
‫ال �ت��ي ت �ح��دث ف�ي�ه��ا ال �م �ح��اض��ر ع��ن الموضوعية تحت عنوان‪" :‬أعالم بال إعالم"‪ ،‬فلها أهميتها‪ ،‬لقد‬

‫والحيدة‪ ،‬وشروط النزاهة في كتابة السيرة‪ ،‬إذ ال بد قرأت سلسلة المقاالت التي نشرتها في الصحافة‬
‫من تطبيق معايير كتابة السيرة في محاولة إليجاد المحلية‪ ،‬وربما كانت من أجمل ما ُكتِب في موضوع‬

‫نوع من االعتدال بل إن المحاضر قال إن أقصى السيرة ألنها تتحدث عن أشخاص غير معروفين‬
‫ما يمكن أن يحققه كاتب السيرة هو عدم المبالغة‪ .‬كثيراً‪ ،‬ولكن كانت لهم إسهامات كبيرة‪ ،‬وك��ان لهم‬

‫وف��ي ال��وق�ف��ة السابعة تحدثت ع��ن م��دى التقبل‪ ،‬دور في مسيرة اإلع�لام‪ ،‬كل بحسب الموقع الذي‬
‫وضمان رضا صاحب الشأن‪ ،‬عما ورد عنة ثم في عمل فيه‪ .‬ونتمنى عندما يصدر هذا الكتاب وأمثاله‬

‫الوقفة الثامنة تحدثت عن الحساسيات االجتماعية‪ ،‬أن الناس الذين أسسوا اإلعالم القوي في بالدنا أن‬
‫هذه الخلطة تضعنا أمام إشكالية فمن ناحية أصدق يأخذوا نصيبهم من اإلنصاف‪ ،‬وبالتالي في ظني‬

‫أنواع كتابة السيرة هي ما يصدر عن العاطفة وأنا أن التجربة الرابعة ال تقل أهمية عن التجربة التي‬
‫ال أعتقد أن العاطفة محايدة‪ ،‬إذ يصعب أن تكون تفضلتم وقلتم أنها االث��رى وه��ي كتبت عن محمد‬
‫محايدة عندما تكون متعلقة بشخص ما‪ ،‬العاطفة الشبيلي "رحمة الله"‪.‬‬

‫قد تغلب ومن ثم قد يأتي ذلك على حساب شروط‬
‫النزاهة‪.‬‬

‫وأض��اف الدكتور الحميد لقد كتب المحاضر‬

‫عن اآلخرين وفي ظني في مسيرته الشيء الكثير‬

‫واآلن ع�ن��دم��ا ن�ت�ح��دث ع��ن ال �م��وض��وع بشكل الذي يمكن أن يقدم للناس من خالل سيرته الذاتية‬
‫التي يقدمها بقلمه‪ .‬وأن��ا أع��رف وق��رأت كثيراً عن‬
‫مسيراتك اإلعالمية ف��ي التلفزيون وف��ي اإلذاعة‬
‫والجامعة وأن��ت اختلطت بكثير من الرجال الذين‬

‫أسسوا اإلع�لام السعودي س��واء كان الشيخ جميل‬

‫ال�ع�ج�لان أو رج ��االت التعليم ال�ع��ال��ي مثل الشيخ‬
‫حسن آل الشيخ‪ ،‬عندما كنت وكيل وزارة التعليم‬

‫العالي‪ ،‬والشيخ محمد حبيل وغيرهم‪ ،‬وكانت لك‬

‫ان�ط�ب��اع��ات��ك ع�ن�ه��م‪ .‬وف��ي ظ�ن��ي ه�ن��اك الكثير من‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫السديري‪ ،‬وقال‪ :‬تبعاً لما قاله الدكتور عبدالواحد‬

‫بإمكانية الجمع بين العاطفة والموضوعية‪ ،‬وتناول‬
‫القول الدكتور عبدالرحمن الشبيلي بأن العاطفة‬

‫مهمة لدفع الكاتب للكتابة؛ أليس هناك أيضاً فارق‬

‫بين سيرة وسيرة؛ سيرة يكتبها المعاصر‪ ،‬ويكون‬

‫الغرض منها هو الرصد فقط؛ وسيرة يكون هدفها‬
‫التحليل‪ ،‬وهذه قد تأتي بعد وقت طويل‪ .‬نحن نرى‬

‫الس َي َر التي تكتب اآلن عن أشخاص عاشوا‬
‫كثيراً من ِ‬

‫قبل قرون‪ ،‬ولو أن أحداً كتب أو رصد سيرهم في‬

‫وقت توافر هذه المعلومة ألمكن حفظها وتناولها‬
‫بالتحليل‪ ،‬من قبل أطراف ال تربطهم أي عوامل أو‬

‫روابط عاطفية بالمتحدث عنة‪ ،‬أنا أقول أليس من‬

‫الس َي َر إذ ربما كثير من‬
‫الواجب التمييز بين أنواع ِ‬

‫القياديين المؤثرين‪ ،‬عندما يتركون مناصبهم ال‬
‫يكتبون عن تجاربهم وذكرياتهم وما عاصروه‪ ،‬على‬

‫الرغم من أهمية توثيق تجربتهم وخبراتهم‪.‬‬

‫السير التي تناولها الدكتور عبدالرحمن الشبيلي‬
‫واآلخ ��رون ه��ي م��ن ال�ن��وع األول‪ ،‬ال��ذي يقصد منه‬

‫الرصد‪ ،‬وتأتي استشارة صاحب السيرة أو المعني‬
‫بها للتأكد م��ن صحة المعلومة‪ ،‬أم��ا عندما يكون‬

‫أذكر عندما انتهى عمل الدكتور بكر بن بكر مدير األمر مجال تحليل ودراسة أقرب منها إلى الجانب‬
‫جامعة الملك فهد للبترول والمعادن‪ ،‬وكنت عضواً التاريخي؛ فعندها أعتقد أن االستقاللية التامة‬

‫في هيئة التدريس في وقتها كتبت مقاالً ورجوته والموضوعية الكاملة تكونان عنصرين أساسيين‪.‬‬
‫أن يوثّق تجربته في الجامعة التي قدمت نموذجاً وربما يجب أن يكون شرطاً أن ال يكتب في هذا‬

‫مختلفاً ع��ن بعض النماذج ال�م��وج��ودة ف��ي التعليم المجال إال من يتحلى بالموضوعية الكاملة‪ .‬‬
‫العالي ولكن لألسف لم يتحقق ه��ذا‪ .‬ول��ذا أتمنى‬
‫ وعلق الدكتور الشبيلي أنه ال يُعد نفسه راصداً‬‫من الدكتور الشبيلي أن يتحفنا بكتابة القادم عن‬
‫بل باحثاً هاوياً يكتب ما يؤمن به عن الشخصيات‬
‫سيرته الذاتية‪.‬‬
‫التي يتصدى للكتابة عنها‪ ،‬مشيرا الى الفرق بين‬
‫ وقد علق الدكتور الشبيلي على مداخلة الدكتور ال��راص��د المحترف ال��ذي يكتب ع��ن أي شخصية‬‫الحميد أنه لم يقصد من العاطفة أال تأتي كتابته بهدف العمل واألحتراف فقط وبين الباحث الذي‬
‫موضوعيه علمية نزيهه‪ ،‬ب��ل ك��ان المقصود منها يكتب بهدف عاطفي مؤمن بما يكتب عنهم‪.‬‬

‫اإليمان بما يكتب عنه مشيراً الى أنه لم يكتب عن‬

‫شخص لم يكن مؤمناً بالكتابة عنه‪.‬‬

‫‪ -‬الفنان التشكيلي مؤيد الغنام تحدث عن لغة‬

‫كتابة السيرة وبين أن تكون لغة شعرية أو لغة سردية‬

‫وبعد ذلك تحدث الدكتور زياد بن عبدالرحمن عادية‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪95 1427‬‬

‫اجلوف‬
‫وادي النفاخ‬
‫الطبعة الثانية‬

‫المؤلف‪ :‬معالي األمير عبدالرحمن السديري‬
‫أمير منطقة الجوف سابقا‬
‫مراجعة‪ :‬د‪ .‬خليل بن ابراهيم المعيقل‬
‫رئيس قسم األثار والمتاحف بجامعة الملك سعود سابقا‬
‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬
‫الطبعة الثانية‪ :‬مزيدة ومحدثة ‪1426‬هـ ‪ 2005 -‬م‪.‬‬
‫كتب الدكتور زياد بن عبدالرحمن السديري‪ ،‬مدير عام مؤسسة عبدالرحمن‬
‫السديري الخيرية‪ ،‬مقدمة الطبعة الثانية للكتاب‪ ،‬ال��ذي يعد اليوم أه��م مرجع‬
‫تاريخي عن منطقة الجوف قائال‪:‬‬

‫ق����������راءت‬
‫‪96‬‬

‫"ص��درت الطبعة األول��ى من هذا الكتاب عام ‪1986‬م‪ ،‬وتولت نشرها مؤسسة‬
‫عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬بالتعاون مع دار ماكميالن لما وراء البحار – لندن‪.‬‬
‫ومن دواعي السرور أن الكتاب‪ ،‬في طبعته األولى القى قبوالً جيداً من لدن الباحثين‬
‫والقراء‪ ،‬الذين عدّوه أهم مرجع عن تاريخ منطقة الجوف‪ ،‬يصدر باللغة العربية‪.‬‬
‫ونظراً الهتمام الكثيرين من غير الناطقين باللغة العربية بمادة الكتاب‪ ،‬سواء‬
‫كانوا أفراداً أو هيئات‪ ،‬اقترحت إدارة المؤسسة إصدار طبعة باللغة اإلنجليزية‪،‬‬
‫ووافق معالي األمير عبدالرحمن السديري على ذلك‪ .‬وتولت دار استاسي إنترشيونال‬
‫للنشر – لندن نشر الكتاب‪ .‬وصدرت الطبعة باللغة اإلنجليزية تحت عنوان‪:‬‬
‫(‪ )The Desert Frontier of Arabia "AL-JAWF" Through the Ages‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫وم��ن دواع��ي السرور ‪ ،‬أيضاً‪ ،‬أن طبعته باللغة اإلنجليزية الق��ت فبوالً جيداً‪ ،‬وحظيت‬
‫بتعليقات إيجابية‪ ،‬أبرزت القيمة المرجعية لهذا الكتاب‪ ،‬حتى وصف في مقالة بمجلة الشؤون‬
‫األسيوية (‪ ،)ASIAN AFF AIRS‬التي تصدر عن الجمعية الملكية للشؤن اآلسيوية – لندن‪،‬‬
‫بأنه يُعد مرجعاً من الدرجة األولى ’ عن المنطقة الشمالية بالمملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫ونظراً ألهمية هذا الكتاب‪ ،‬وقيمته المرجعية العالية‪ ،‬ونفاد طبعته األولى باللغة العربية‪،‬‬
‫والحاجة إلى توفيره للباحثين والقرّاء وتمشياً مع رغبة معالي األمير عبدالرحمن السديري‪،‬‬
‫رأت إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية إعادة طبعه باللغة العربية‪،‬بعد مراجعة‬
‫المتن والصور والخرائط‪ ،‬وتحديث المعلومات اإلحصائية‪ ،‬واإلفادة من بعض الملحوظات‪،‬‬
‫التي وردت على الطبعة األولى‪.‬‬
‫وقررت إدارة المؤسسة أن تعهد بهذه المهمة إلى األخ الدكتور خليل المعيقل‪ ،‬رئيس قسم‬
‫اآلثار والمتاحف بجامعة الملك سعود (سابقاً)‪ ،‬وعضو هيئة تحرير مجلة أدوماتو‪ ،‬التي تصدر‬
‫عن مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬وقبل هذا هو أحد أبناء منطقة الجوف‪ ،‬الذين‬
‫واكبوا مسيرة المؤسسة منذ انطالقها في عام ‪1403‬هـ (‪1983‬م)‪.‬وق��د راجع الدكتور خليل‬
‫النصوص وتولّى تقييمها وتجهيزها من النواحي الفنية‪.‬‬
‫ويسرّني أن أسجل الشكر الجزيل ل��ه‪ ،‬على كل ما قدمه من عمل في ه��ذا المضمار‪.‬‬
‫كما أشكر الزمالء في مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪ ،‬الذين قدموا اإلسناد الالزم‬
‫للدكتور خليل في مهمته‪ ،‬كما أسهموا ك ٌل في مجاله‪ ،‬في سبيل إنجاز هذا العمل‪.‬‬
‫كما ال يفوتني أن أشيد بجهود كل األخوة واألصدقاء‪ ،‬الذين شاركوا في إعداد الطبعة‬
‫األول��ى من الكتاب‪ ،‬شاكراً لهم جهودهم وتعاونهم‪ ،‬وه��م‪ :‬الدكتور ع��ارف مفضي المسعر‪،‬‬
‫والدكتور جيوفري كينج‪ ،‬واألستاذ صالح العلي الصالح‪ ،‬واألستاذ علي محمود الراشد‪ ،‬والعقيد‬
‫كولن بادوك‪ ،‬واألستاذ ياسر مصطفى جابر‪ ،‬والدكتور أحمد عبدالله السالم‪ ،‬ومحمديو نس‬
‫الهذيل (رحمة الله)‪ ،‬ويوسف ناصر الحشاش (رحمة الله)‪ ،‬واألستاذ يوسف أبو عواد‪ ،‬والشيخ‬
‫عبدالرحمن نصر الله‪.‬‬
‫ال المولى – ع ّز وجل ّ – أن يوفق الجميع لما يُحب ويرضى‪ ،‬إنه سميع مجيب‪".‬‬
‫سائ ً‬
‫تضمن الكتاب ‪ 339‬صفحة من القطع الكبير اشتملت على ثمانية فصول الفصل األول عن‬
‫أهمية تاريخ منطقة الجوف والفصل الثاني عن منطقة الجوف في عصور ماقبل التاريخ و‬
‫الفصل الثالث عن منطقة الجوف في عصور ماقبل اإلسالم والفصل الرابع عن تاريخ منطقة‬
‫الجوف من ظهور اإلسالم حتى بداية الدولة السعودية األولى والفصل الخامس عن التاريخ‬
‫الحديث لمنطقة الجوف و الفصل السادس عن رحالت الرحالة األوربيون الى منطقة الجوف‬
‫والفصل السابع عن سكان منطقة الجوف وعاداتهم و الفصل الثامن عن مالمح النهضة‬
‫الحديثة في منطقة الجوف‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪97 1427‬‬

‫أنواع العقارب‬

‫والثعابني السامة‬

‫في منطقة اجلوف‬

‫المؤلف‪ :‬أ‪.‬د‪ .‬محمد بن خالد السعدون‬
‫كلية العلوم – جامعة الملك سعود‬
‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‪.‬‬
‫يأتي ه��ذا الكتاب ثمرة بحث ميداني موّلته مؤسسة عبدالرحمن السديري‬
‫الخيرية‪ ،‬قام به المؤلف لدراسة أنواع العقارب والثعابين السامة بمنطقة الجوف‪،‬‬
‫وهو أول كتاب يصدر عن هذا الموضوع في منطقة الجوف‪ .‬ونأمل أن يسهم الكتاب‬
‫بإذن الله سد الفراغ الموجود في المكتبة العربية عن العقارب والثعابين السامة‪،‬‬
‫ومساعدة المتخصصين في استخراج األمصال الطبية إضافة إلى خدمة الباحثين‬
‫والمهتمين بالحياة الفطرية بالمملكة العربية السعودية‪.‬‬

‫ق����������راءت‬
‫‪98‬‬

‫اشتمل هذا الكتاب ستة فصول ؛ تناول الفصل األول مقدمة عن المفاهيم‬
‫األساسية لبيولوجية العقارب والثعابين السامة‪ ،‬وتوزيعها الجغرافي‪ ،‬وتناول الفصل‬
‫الثاني منطقة الدراسة بالجوف‪ ،‬بينما عالج الفصل الثالث أنواع العقارب والثعابين‬
‫في منطقة الجوف‪ .‬وتناول الفصل الرابع سموم العقارب والثعابين ودرجة سميتها‬
‫وتأثيراتها‪ .‬وخصص الفصل الخامس لعرض إحصائيات لدغات العقارب وعضات‬
‫الثعابين السامة بالجوف ؛ أما الفصل السادس فقد تناول توعية المواطنين بعالج‬
‫التسمم من العقارب والثعابين السامة‪.‬‬
‫كما تضمن الكتاب عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية وخرائط تواجد العقارب‬
‫والثعابين في المملكة وفي منطقة الجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬

‫ظهور اخلطوط‬

‫احلديدية وآثارها في‬
‫املشرق العربي‬

‫(في القرن الثالث عشر الهجري‬
‫– التاسع عشر امليالدي)‬

‫المؤلف‪ :‬نوف بنت رزق الروضان‬
‫محاضرة في كلية التربية للبنات بالجوف‬
‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬
‫الطبعة األولى ‪1427‬هـ ‪ 2006 -‬م‪.‬‬
‫كان لظهور الخطوط الحديدية في مصر وبالد الشام‪ ،‬في القرن الثالث عشر‬
‫الهجري – التاسع عشر الميالدي‪ ،‬آثار مهمة في المجاالت السياسية والعسكرية‪،‬‬
‫واالقتصادية‪ ،‬واالجتماعية‪ .‬و ُع ّد اختراع الخطوط الحديدية حدثاً عالمياً مهماً‪،‬‬
‫أسهم في تطور وسائل النقل البري وبدء عهد جديد في تاريخ الحضارة العالمية‪،‬‬
‫كما كان له دور في توجيه أهداف الدول الصناعية وسياستها ؛ للتغلغل األوربي في‬
‫بلدان المشرق العربي‪ ،‬طوال القرن التاسع عشر الميالدي‪.‬‬

‫وقد تضمنت هذه الدراسة عدداً من الوثائق المهمة بالغات العربية والتركية واالنجليزية‪،‬‬
‫المتعلقة بالعقود الخاصة بتنفيذ الخطوط الحديدية في مصر وبالد الشام‪.‬‬
‫وقد نشرت مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية هذا الكتاب ضمن برنامج‬
‫النشر ودعم األبحاث‪ ،‬من تأليف باحثة من بنات الجوف‪.‬‬

‫ق����������راءت‬

‫الكتاب يُلقي الضوء على تنافس الدول المتقدمة صناعياً بهدف الحصول على‬
‫حقوق امتياز إقامة مشاريع الخطوط الحديدية في المشرق العربي‪ ،‬خالل القرن‬
‫التاسع عشر الميالدي ؛ إضافة إلى تقييم التبديالت التي تحققت من وراء إنشاء‬
‫الخطوط الحديدية‪ ،‬في المشرق العربي‪ ،‬في المجاالت السياسية‪ ،‬والعسكرية‪،‬‬
‫واالقتصادية‪ ،‬واالجتماعية ؛ على الرغم من كل ما اعترى تنفيذها من تعقيدات‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صفر ‪99 1427‬‬

‫اقتصاديات منطقة‬
‫اجلوف منوذج جديد‬
‫للتنمية احمللية‬
‫المؤلف‪ :‬د‪ .‬محمد عبالعال صالح – خبير اقتصادي‬
‫عمل في وزارة االقتصاد والتخطيط‪ ،‬واألمانة العامة لمجلس القوى‬
‫العاملة بالمملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫كما عمل خبير ًا في منظمة الخليج لالستشارات الصناعية – الدوحة – قطر‪.‬‬
‫الناشر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬
‫يقدم هذا اإلص��دار تطبيقاً للمفاهيم الجديدة للتنمية المحلية على منطقة‬

‫الجوف‪ ،‬تلك المفاهيم التي تنادي بضرورة التكامل بين الموارد المتاحة للمنطقة‪،‬‬

‫بطاقاتها وقدراتها الكامنة لتحقيق أه��داف التنمية‪ .‬وذلك بطرح مفهوم جديد‪،‬‬

‫يستند على المشاركة األفقية للفعاليات الرسمية واألهلية في إع��داد وتنفيذ‬
‫اإلستراتيجية التنموية للمنطقة‪ ،‬ضمن إطار إستراتيجية التنمية‪.‬‬

‫خصص ال�ج��زء األول‬
‫قسّ م المؤلف كتابة إل��ى ج��زأي��ن تضمنا تسعة فصول ّ‬

‫لمفاهيم ونظريات التنمية المحلية واستعرض تجربة التخطيط اإلقليمي بالمملكة‬

‫أما الجزء الثاني فقد خصص للحديث عن منطقة الجوف‪ ،‬والمؤشرات االقتصادية‬

‫ق����������راءت‬

‫واالجتماعية والبيئية‪ ،‬والقطاعات الصناعية والتجارية ونشاط القوى العاملة‪.‬‬

‫ال عن صناعة السياحة بالجوف وأسس تطويرها‪ ،‬وقدّ م تصوراً‬
‫وتضمن الكتاب فص ً‬
‫للرؤية المستقبلية لمنطقة الجوف في ضوء الفرص وتحديات‪ ،‬واستعرض المؤلف‬

‫أسس تحقيق الشراكة بين القطاعات الرسمية واألهلية بالمنطقة‪ ،‬التي من شأنها‬

‫تمكين كافة الفعاليات من أداء أدوارها على الوجه األمثل‪ ،‬وإطالق الطاقات الكامنة‬
‫فيها‪،‬بما يحقق أهداف التنمية المحلية‪ .‬كما تضمن الكتاب مالحق إحصائية حديثة‪،‬‬
‫ورسومات بيانية توضيحية‪ ،‬تبرز مؤشرات النمو االقتصادي بمنطقة الجوف‪.‬‬

‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬صفر ‪1427‬‬
‫‪100‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful