‫تكتسب السيمولوجيا أهميتها وموقعها المميز في علقتها مع العلوم الخرى بالتحولت‬

‫التي جرت في العلوم المختلفة وفي نظرية المعرفة بشكل عام؛ وهي تحولت اقتضتها ذات‬
‫الشروط التي أّدت إلى ظهور تيارات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة والنظرية النقدية؛ شروط‬
‫انهيار مشروع الحداثة الكلسيكية التي حّولت الحداثة من مشروع للتحرر إلى مشروع‬
‫للسيطرة‪ .‬واستجابًة لهذه الشروط استأنفت الفلسفة دورها النقدي الذي عّلقته أحادية مشروع‬
‫الحداثة الكلسيكية؛ تلك الحادية التي اعتمدت العلم الطبيعي ومنهجه باعتبارهما المعرفة‬
‫حصريًا‪ ،‬فيما يعرف بالعلموية ‪ scienticism‬بحيث صار غيرها من المعارف مجرد نشاط‬
‫ل بمقدار ما يكتسب من صفة العلم بمحاكاته لمنهج العلم الطبيعي‪.‬‬
‫إنساني ل يكتسب معنى إ ّ‬
‫أحادية العقلنية الداتية‪ ،‬عقل الحساب والرياضيات وأفضل الوسائل للوصول إلى الغايات‪،‬‬
‫عقلنية تنهض على الذات الديكارتية التي تجعل ما هو غيرها موضوعًا للمعرفة ومن ثم‬
‫السيطرة‪ .‬وهكذا أصبحت العلقة بين الذات والموضوع في الحداثة الكلسيكية هي الساس‬
‫الذي يقوم عليه النموذج الرشادي ‪ paradigm‬للعلوم الطبيعية وبالتالي للمعرفة النسانية‬
‫ونظريتها؛ وهو ذات الساس الذي حّول مشروع الحداثة من مشروع للتحرر إلى مشروع‬
‫للسيطرة‪ .‬وفي ذات السياق الذي استأنفت فيه الفلسفة دورها النقدي جرت التحولت في العلوم‬
‫المختلفة بما في ذلك العلم الطبيعي نفسه‪ .‬فحررت التحولت‪ ،‬التي جرت في الفلسفة والعلوم‬
‫المختلفة‪ ،‬المعرفة النسانية من الحادية وفتحتها على التعدد والختلف والمغايرة‪ .‬ولعبت‬
‫السيمولوجيا مع علوم اللغة الخرى دورًا أساسيًا في هذه التحولت‪ .‬ونتيجة لهذه التحولت‬
‫انتقل النموذج الرشادي للحداثة الكلسيكية‪ ،‬أي نموذج العلم الطبيعي ومنهجه والعلقة‬
‫الساسية التي يقوم عليها علقة الذات ـ الموضوع‪ ،‬إلى نموذج إرشادي جديد هو نموذج علوم‬
‫اللغة ومناهجها والعلقة الساسية التي تقوم عليها علقة الذات ـ الذات‪ .‬النموذج الرشادي‬
‫للحداثة الكلسيكية هو نموذج فلسفة الذات بينما النموذج الرشادي الجديد هو نموذج فلسفة‬
‫اللغة‪.‬‬
‫لقد عّبر الكوجيتو الديكارتي عن لحظة البتدار التي أسست لفلسفة الذات وهي ذات‬
‫اللحظة التي أسست لمشروع الحداثة‪ .‬ول نتجرأ على الحقيقة إذا قلنا إن هذه اللحظة كانت من‬
‫أعلى لحظات التعبير عن مشروع الحداثة وفكرها القائم على فلسفة الذات‪ ،‬أي الحداثة في‬
‫صورتها الولى التي تقوم على العلقة الثنائية بين الفاعل ـ الموضوع‪ .‬أما تيارات ما بعد‬
‫البنيوية وما بعد الحداثة والنظرية النقدية‪ ،‬وضمن اتفاقها على النقد الجذري لمشروع الحداثة‬
‫الكلسيكية واختلفها فيما بينها بين تخطيه وتجاوزه أو إعادة بنائه‪ ،‬فقد اعتمدت على فلسفة‬
‫اللغة وعلومها‪ .‬فاستبدلت تيارات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة العلقة الثنائية بين الفاعل ـ‬
‫الموضوع بالعلقة بين الفاعل ـ اللغة اعتمادًا على السيمولوجيا والسيمانطيقا وعلوم قواعد‬
‫تركيب اللغة بينما اعتمدت النظرية النقدية على التداولية ‪ pragmatics‬فتجاوزت العلقة‬
‫الثنائية لكي تموضع الفاعل ضمن علقة ثلثية بين الفاعل ـ اللغة ـ الموضوع‪ ،‬إذ تمر العلقة‬
‫بالعالم من خلل اللغة كما أن الفاعل ليس هو النا بل هو عضو مجتمع لغة‪ .‬ومن ثم فإن‬
‫التداولية تطرح كوجيتو جديدًا‪" :‬أفكر" تعني حقًا "أبرهن"‪ ،‬أي "أتكلم مع الغير"‪ ،‬و"أقبل‬
‫‪1‬‬
‫المعايير العملية للتواصل"‪ ،‬وكذلك تعني "أنتمي إلى مجتمع تواصل" فل أحد يفكر وحده‪.‬‬
‫هذا الكوجيتو الجديد يعّبر عن النتقال من الذاتية إلى التذات ‪ .intersubjectivity‬فيتغير‬
‫مفهوم الفاعل حين نقاربه‪ ،‬ل انطلقًا من الفكر‪ ،‬بل إنطلقًا من التواصل‪ ،‬حينذاك ننظر إليه‬
‫كمتكلم وكمتحدث‪ ،‬ويتم اللمام بالقضية التي تخص الخر انطلقًا من المخاطب الذي أتكلم‬
‫معه والذي أتموضع معه في مجتمع تواصلي‪ .‬وتصير "أفكر" في الكوجيتو الديكارتي تفكيرًا‬
‫‪ 1‬فرانسواز أرمينكو‪ ،‬المقاربة التداولية‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬سعيد علوش‪ ،‬مركز النماء القومي‪ ،‬بيروت‪1986 ،‬م‪،‬‬
‫ص ‪80-79‬‬
‫‪1‬‬

‫حقيقيًا لنها تعّبر عن ضرورة تداولية‪ ،‬إذ أن تناقضها خاطئ دائمًا تداوليًا‪ ،‬فالقول "ل أوجد"‬
‫‪1‬‬
‫يناقض مضمون الملفوظ‪.‬‬
‫ل أن‬
‫ورغم جوانب الخلف بين النظرية النقدية وما بعد الحداثة وما بعد البنيوية إ ّ‬
‫جوانب التفاق بينهما أكثر‪ .‬فهي تنتمي كلها إلى المشروع النقدي‪ .‬وجوهر هذا المشروع هو‬
‫محاولة تجاوز السس التقليدية للحداثة كما وضعها عصر التنوير‪ .‬فهي تتفق على ضرورة‬
‫تحويل النقد الكانطي للعقل إلى نقد جذري‪ .‬ويبدأ هذا التحويل الجذري بهدم العقل الخالص‪،‬‬
‫ل في ثقافة‬
‫فالعقل دائمًا غير خالص‪ ،‬فهو عقل ملتبس بالتاريخ ومنخرط فيه ول يوجد إ ّ‬
‫ل في الممارسة‪ .‬ولذلك فإن البحث الستبطاني في محتويات العقل لم يتح له‬
‫ومجتمع‪ ،‬إ ّ‬
‫ص‪ .‬إن البحث في طبيعة‬
‫ل خال ٍ‬
‫ل ودرسًا في عق ٍ‬
‫الوصول إلى بنيات هذا العقل‪ .‬لنه كان تأم ً‬
‫العقل ومنظوره وحدوده يجب أن ينخرط في الممارسة‪ .‬وهذا يتطلب بحثًا تاريخيًا اجتماعيًا‬
‫يتخطى الحدود التقليدية للتحليل الفلسفي‪ 2.‬لذلك نستطيع القول إن التحول من نموذج الذات‬
‫العارفة والفاعلة‪ ،‬على أساس هذه المعرفة‪ ،‬إلى نموذج اللغة‪ ،‬أي ما هو قائم بين الناس‪ ،‬هو‬
‫بالضبط التحول من العقل الخالص إلى عقل موجود في الممارسة‪ .‬مما أدى إلى هدم فكرة أن‬
‫المعرفة تقوم على قواعد ومبادئ تأسيسية وهي أحد المبادئ الساسية في الحداثة الكلسيكية‪.‬‬
‫ل في انخراطه في الممارسة هو عقل غير تأسيسي ‪non-‬‬
‫فالعقل الذي ل نتعّرف عليه إ ّ‬
‫ل أنها ليست متعالية‬
‫‪ foundationalist‬ورغم أن بنياته وقواعده تتجاوز الوعي الفردي إ ّ‬
‫وإنما اجتماعية ثقافية‪ .‬وأظن أن هذه هي خلصة النظرية النقدية وهي أيضًا خلصة ما بعد‬
‫الحداثة وما بعد البنيوية مع اختلف النتائج‪.‬‬
‫ونفس هذه النتيجة نصل إليها فيما يتعلق بالذات‪ .‬فما بعد الحداثة وما بعد البنيوية‬
‫والنظرية النقدية ترفض الصورة الديكارتية عن الذات العاقلة المستقلة التي تواجه عالمًا من‬
‫الموضوعات الذي تسعى لتمثيله للسيطرة عليه‪ .‬فالذات العارفة والفاعلة هي ذات اجتماعية‬
‫وتفكيرها وفعلها جزء من مصالحها ومواقفها‪ .‬ولذلك يجب إزاحة الذات الديكارتية من موقع‬
‫المركز في العالم البستمولوجي والخلقي‪ ،‬ليس فقط لهذه السباب النظرية‪ ،‬وإنما أيضًا‬
‫‪3‬‬
‫ل‪.‬‬
‫بسبب ما انتهت إليه العقلنية الغربية من إقصاء ونفي واستيعاب للمختلف ليصير متماث ً‬
‫ونظرية الفعل التواصلي في النظرية النقدية عند هابرماس واستنادًا على فلسفة اللغة ل تزيح‬
‫هذه الذات المركزية وتستبدلها بالتذات ‪ intersubjectivity‬فقط وإنما تمنح هذه الذات غير‬
‫المتمركزة ‪ decentered self‬هوية جديدة‪ ،‬تتفق فيها مع ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية‪،‬‬
‫تثبت فيه النا ذاتها من خلل قدرتها على تركيب نفسها من خلل جمع هويات مختلفة كونتها‬
‫‪4‬‬
‫في مواقف مختلفة وتوليفها في انسجام يؤدي إلى تنظيم حياة النا في تاريخ واحد وفريد‪.‬‬
‫وهذا يعني أن التعددية فكرة رئيسية في النظرية النقدية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة تشمل‬
‫كل ما هو إنساني بما في ذلك النسان نفسه‪ .‬ولكن دون أن تتخلى النظرية النقدية عن الوحدة‬
‫وهو ما تختلف فيه مع ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية‪.‬‬
‫الختلفات بين النظرية النقدية من جهة وما بعد الحداثة وما بعد البنيوية من جهة‬
‫أخرى أّدت إلى موقفين بالنسبة إلى مشروع الحداثة فتبنت ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية‬
‫‪1‬‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪10‬‬
‫‪Thomas McCarthy, The Critique of Impure Reason: Foucault and the Frankfurt‬‬
‫‪School, in Critique and Power, Recasting the Foucault/Habermas Debate, edited by:‬‬
‫‪Michael Kelly, The MIT Press, Massachusetts, 1994, p. 243-244‬‬
‫‪3‬‬
‫‪Ibid., p. 244‬‬
‫‪4‬‬
‫‪Jurgen Habermas, Communication and the Evolution of Society, translated with an‬‬
‫‪introduction by Thomas McCarthy, Polity Press, Cambridge, 1995, pp. 90-91‬‬
‫‪2‬‬

‫‪2‬‬

Massachusetts.‬رابعًا‪ ،‬أولوية‬ ‫الممارسة على النظرية‪ :‬فقد تم قلب العلقة الكلسيكية بين النظرية والممارسة‪ .‬والعمليات المكونة‬ ‫ل مستق ً‬ ‫مجا ً‬ ‫للعالم انتقلت من الذاتية المتعالية إلى البنيات النحوية‪ . Postmetaphysical Thinking.‬وهكذا‬ ‫تجتمع النظرية النقدية واتجاهات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية في تجاوزها النقدي لمشروع‬ ‫الحداثة وإن كان في اتجاهين مختلفين وبنتائج مختلفة إن لم تكن متعارضة‪.‬‬ ‫إن التصور الوضعي للعلم الطبيعي هو السمة الساسية لمشروع الحداثة الكلسيكية‬ ‫وهو تصور يستند على العقل الداتي وبما هو كذلك يؤسس لكل المشروع الكلسيكي للحداثة‬ ‫بمختلف تياراته الفلسفية؛ وهو ما يجعلنا نستنتج أن هنالك طابعًا وضعيًا يسم الثقافة والفكر‬ ‫والمعارف والعلوم والتيارات الفلسفية في الحداثة الكلسيكية بما في ذلك تلك التي تبدو على‬ ‫ل‪ .‬أما الن فنحن نفّكر بطريقة أكثر تسامحًا فيما نعتبره‬ ‫علمًا‪ ،‬خاصًة بعد توماس كوهن وكتابه "بنية الثورات العلمية"‪ . The MIT Press.‬وكذلك المر مع هوسرل وهوركهايمر الشابين ومؤخرًا البنيويين فقد أخضعوا‪،‬‬ ‫كل بطريقته‪ ،‬التفكير الفلسفي لدعاء العلوم الطبيعية بوضعها النموذجي وكذلك فعلت‬ ‫الماركسية في نسختها الرثوذكسية‪ .‬‬ ‫وبذلك فإن كانط قد وضع "مكان المفهوم الجوهرى للعقل الموروث عن التقليد الميتافيزيقى‪،‬‬ ‫مفهوم عقل مجّزأ إلى عناصره حيث لم تعد وحدته‪ ،‬سوى وحدة شكلية"‪ .‬فقد انتهى مشروع كانط إلى نقيض ما كان سائدًا قبله فبد ً‬ ‫الوجود النساني وسلوكه بناًء على النطولوجيا فإن كانط فى مثاليته الترانسندنتالية حّدد‬ ‫النطولوجيا بناًء على البستمولوجيا فهو يرى أن هناك إطارا قبليا ينظم الظواهر الزمانية ـ‬ ‫المكانية‪ . Third printing.‬وعّرف كانط فلسفته بانها الفلسفة النقدية‪ ،‬وبالنسبة لى فإنها قد استحقت هذه التسمية‬ ‫لنها حصرت ما اصطلح كانط على تسميته بالمعرفة النظرية فى حدود تسمح لنوع آخر من‬ ‫المعرفة وهو المعرفة العملية بالكشف عن سيطرة معتقداتنا العقلنية علينا سيطرة مطلقة‪،‬‬ ‫وامتد كانط بهذا الكشف إلى نوع ثالث من المعارف يجمع بين علم الجمال والمنهجية العلمية‪.‬ثانيًا‪ ،‬المنعطف اللغوي‪ :‬فبينما‬ ‫كانت العلمات اللغوية تعتبر مجرد أدوات للتمثيل العقلي أصبح الن مجال المعنى الرمزي‬ ‫ل‪ . translated by William Mark‬‬ ‫‪Hohengarten.‬ويجمل‬ ‫ل‪ ،‬التفكير ما بعد الميتافيزيقي‪ :‬فقد تراجع في الوضعية المنطقية‬ ‫هابرماس هذه القضايا في‪ :‬أو ً‬ ‫مفهوم النظرية‪ ،‬الذي كان يسعى ليس لمعرفة العالم النساني فقط وإنما الطبيعة أيضًا وبنياتهما‬ ‫الداخلية‪ ،‬وترك للعقلنية الجرائية لعمليات العلم مهمة تحديد إذا ما كانت جملة ما لها قيمة‬ ‫الحقيقة أم ل‪ . Cambridge.‬وحلت علقة اللغة بالعالم محل علقة الذات بالموضوع‪ .‬وحلت عمليات إعادة البناء التي يقوم بها‬ ‫اللغوي محل ذلك النوع من الستبطان الذي ل يمكن أن يفحصه الخرون‪ .‬وأصبح أساس‬ ‫المعرفة النظرية في الممارسة ما قبل العلمية‪ ،‬وفي تفاعلنا مع الشياء والشخاص‪ 1.‬ولذلك فإن نقد الوضعية كما يبدو هو نقد لمشروع‬ ‫طرفي نقيض كالوضعية والماركسية‪ ،‬مث ً‬ ‫الحداثة الكلسيكية في طابعها الساسي‪ .2‬وهذا هو النجاز‬ ‫الحقيقي لفلسفة كانط الذي استلهمه هابرماس فيما بعد في نظريته المعرفية مؤسسًا للعقل‬ ‫‪Jurgen Habermas. pp.‫موقفًا يتلخص في ضرورة تجاوز مشروع الحداثة بينما رأت النظرية النقدية ضرورة إعادة‬ ‫بنائه في مشروع جديد للحداثة‪ . London.‬ثالثًا‪ ،‬تعّين العقل‪:‬‬ ‫فباسم المتناهي والزماني والتاريخاني تم تجريد العقل من خصائصه الكلسيكية؛ وأصبح‬ ‫الوعي المتعالي متعينًا في ممارسات عالم الحياة وفي المتضمنات التاريخية‪ .‬وهي فكرة يعززها هابرماس بتحديده لربعة قضايا تمّيز الفكر‬ ‫في القرن العشرين‪ ،‬وبالذات الفلسفة‪ ،‬عن التقاليد المبكرة للحداثة وتمثل قطيعة معها‪ .‬‬ ‫ولكي نتابع الجذور الفلسفية للوضعية ل بد من العودة إلى التأسيس المعرفي للحداثة‬ ‫ل من أن يتحدد‬ ‫عند كانط وهيجل‪ .‬‬ ‫‪1996. 6-7‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪3‬‬ .‬وهو نقد يستند بالساس على منجزات علوم اللغة‬ ‫المختلفة‪ :‬السيمولوجيا والسيمانطيقا والتركيبية والتداولية‪.

‫والتعددية في ذات الوقت ومحافظًا على الوحدة الشكلية للعقل لنها تقيم إطارًا يسمح ببروز‬ ‫عقل نقدي وتحرري يتطور ضمن نشاطه العقل الداتي والعقل العملي‪ ،‬عقل تركيبي ل يمكن‬ ‫رده إلى حسابات تقنية ـ أداتية أو إستراتيجية لذات فردية واحدة‪ .‬فنظرية المعرفة عند كانط ولنها‬ ‫تحدد الشروط القبلية للموضوعات الزمانية ـ المكانية فإنها تقع خارج التاريخ بينما العقل الذي‬ ‫يحاول أن يصل إلى هذا الطار الترانسندنتالي هو عقل تاريخي‪ ،‬ولذلك كان العلم )الفيزياء(‬ ‫الذي اتخذه نموذجًا للعلم الطبيعي علمًا تاريخيًا )بمعنى انتمائه للسياق الذي أفرزه( وليس علمًا‬ ‫ترانسندنتاليًا‪ . Kant. Cambridge. Modernity. White. edited by Stephen K.‬ول يعنى هذا سوى أن الملمح الساسية للعصر تنعكس‬ ‫فى الفلسفة الكانطية كما فى المرآة دون أن يفهم كانط الحداثة بوصفها كذلك‪. 1999.‬وعلى أساس مفهوم هذا‬ ‫‪1‬‬ ‫العقل بدأ هابرماس توضيح ملمح المجتمع العقلني أو بعبارة أخرى المجتمع المتحرر‪.‬ولنها عبرت عن‬ ‫التنوير فى ذروته المعرفية فيمكننا القول إن الفلسفة النقدية قد ابتدرت الحداثة معرفيًا‪ .‬مما حول‬ ‫الفلسفة الهيجلية إلى فلسفة هوية‪. and Democracy. White.3‬‬ ‫استبدل هيجل المشروع البستمولوجى لكانط بالتفكير الفينومينولوجى للروح فى ذاتها‪،‬‬ ‫بحجة أن أى نقد للمعرفة ليمكن أن يتخذ موضع الفلسفة الولى لنه لبد أن يكون لحقًا على‬ ‫الوقائع‪ . in The Cambridge‬‬ ‫‪Companion to Habermas.‬‬ ‫لقد قبل كانط في نقده للمعرفة بالفيزياء المعاصرة له باعتبارها نموذجًا يمكن أن‬ ‫يستخلص منه خواص العلم بشكل عام‪ .‬ولكن هذا النقد الهيجلي صادر منجزات الفلسفة الكانطية لنه لم يعدل طابعها‬ ‫الترانسندنتالي بل سلبها هذا الطابع وسلب معه تعدديتها وانتهى ذلك بهيجل لن يضع حجر‬ ‫الساس للوضعية‪.‬ونستطيع القول من موقعنا‬ ‫المعاصر إن نقد هيجل لكانط كان فيه كثير من المصداقية‪ .‬إن البستمولوجيا ليمكن أن تكون البداية‪ ،‬هذا التناقض الذى اتهم به هيجل‬ ‫البستمولوجيا تجنبه فى التجربة الفينومينولوجية بأعتبار أنها شكل من أشكال التأمل الذاتي‪.‬وعّبر‬ ‫كانط عن العالم الحديث ببناء عقلى‪ .‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪ 2‬يورغن هابرماس‪ ،‬القول الفلسفي للحداثة‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬وهكذا مع كانط ترتبط الفلسفة صراحة مع النقد‪،‬‬ ‫ويصبح ما كان مضمرًا فى بعض فتراتها واضحا وجزءًا من اسمها‪ . Cambridge University Press. p.‬وكشف لنا هيجل أنه كان على كانط أن يتخلى عن‬ ‫افتراض الفيزياء كنموذج إن كان مخلصًا لنقده‪ ،‬وكان عليه بدل من ذلك أن يستبدل هذا‬ ‫الفتراض بأن يترك معيار النقد ينشأ من تجربة التأمل ذاتها‪ .‬‬ ‫‪Cambridge. 398. Reason. 1999.‬وهذا يعنى أن هذا النقد قد قبل مفهومًا تجريبيًا عن‬ ‫العلم كمعيار للمعرفة في العلوم الطبيعية‪ . Cambridge University Press. 6‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Karl Ameriks. p. general editor:‬‬ ‫‪Robert Audi.‬‬ ‫واستحق كانط لقب فيلسوف التنوير بدفاعه عن سلطة العقل التى تمكننا نظريًا من‬ ‫التمييز بين المزاعم الميتافيزيقية والمبادىء التى نحتاجها حقًا‪ ،‬لتحديد انفسنا ضمن الزمانية ـ‬ ‫المكانية‪ ،‬وعمليًا من وضع القوانين الخلقية باتساق مع إرادة الخرين العقلنية‪ ،2‬وهو دفاع‬ ‫عن العقل والحرية والعدالة والتفكير النقدى‪ .‬‬ ‫يورغن هابرماس‪ ،‬القول الفلسفي للحداثة‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪34‬‬ ‫‪4‬‬ .‬‬ ‫وأعاد هيجل بذلك النطولوجيا إلى موضعها الول وإن تماهت مع البستمولوجيا فأصبح‬ ‫الوجود حركة حية‪ ،‬هويتها الوجود والمنطق والمعرفة‪ ،‬أى هويتها الوجود والفكر‪ . in The Cambridge Dictionary of Philosophy.‬فاطمة الجيوشي‪ ،‬منشورات وزارة الثقافة‪ ،‬دمشق‪،‬‬ ‫‪1995‬م‪ ،‬ص ‪33‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Stephen K.

‬وهي ل يمكن أن تصير فلسفة للعلم‪ .‬مما أوقعه في فخ العلموية‬ ‫‪ .‫ولن نقد هيجل لكانط تّم وفقًا لفتراضات فلسفة الهوية فقد توصل إلى مفهوم المعرفة‬ ‫العلمية التأملية‪ .‬وأخفق ماركس أيضًا لنه لم يتابع الفتراضات المنهجية‬ ‫لنظريته الجتماعية التى وضعها فى خطوطها العامة وضيق عليها بفهم فلسفى جعلها محدودة‬ ‫فى الطار المفاهيمى للنتاج مما جعله يمحو الفارق بين العلم التجريبى والنقد‪ .‬ولو تابع ماركس‬ ‫افتراضاته المنهجية لقام بنقيض ذلك‪ ،‬أي لرد العمل إلى مجال مختلف عن المجال الذي ينتسب‬ ‫إليه التفاعل الجتماعي بحيث يكون لكل مجال علمه ومنهجه وعقلنيته ومصالحه التي يسعى‬ ‫إليها‪ ،‬ولجعل‪ ،‬في ذات الوقت‪ ،‬التركيب يتم عن طريق عميليتين‪ :‬الفعل الداتي والفعل‬ ‫التواصلي‪ ،‬ل أن يقصره‪ ،‬كما فعل‪ ،‬على الفعل الداتي فقط‪ . Cambridge. Op.‬لقد سعى كل من الفكر التجريبى والعقلنى إلى‬ ‫التمييز الميتافيزيقى لمجال الموضوعات وإلى التفسير المنطقى والسيكولوجى لصحة العلم‬ ‫الطبيعى وما يختص به من تجربة ولغة صورية‪ . pp.‬لقد نشأ مع هيجل سوء‬ ‫الفهم الذى أصاب الفكر النسانى فى مقتل‪ :‬فكرة أن التضاد بين العقل الفلسفى ومطالبه‪ ،‬من‬ ‫جهة‪ ،‬والفكر المجرد للفهم الخالص الذى تتوصل إليه العلوم الخرى‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬يعنى‬ ‫أن الفلسفة بمطالبتها بالحتفاظ بموقعها كمعرفة علمية كلية إنما تستولى على شرعية العلوم‬ ‫المستقلة الخرى‪ . 24‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Ibid. 1998.‬إن ماركس‬ ‫بتصنيفه للعمل والتفاعل الجتماعى تحت مسمى الممارسة الجتماعية وقصره‪ ،‬في ذات‬ ‫الوقت‪ ،‬لفكرة المفهوم المادى للتركيب على منجزات الفعل الداتى فقط دون أن يربطه كذلك‬ ‫بمنجزات شبكات الفعل التواصلي‪ ،‬حجب النقد بأن طابقه مع العلوم الطبيعية‪ .‬‬ ‫نظرية المعرفة والوضعية‪:‬‬ ‫إن مصطلح "نظرية المعرفة" أو "البستمولوجيا" قد تمت صياغته فى القرن التاسع‬ ‫عشر ولكن الموضوع الذي يشير إليه هذا المصطلح هو موضوع الفلسفة الحديثة بشكل عام‪،‬‬ ‫على القل حتى بدايات القرن التاسع عشر‪ .‬ويزعم‬ ‫‪3‬‬ ‫هابرماس أن الفلسفة لم تدرس العلم بجدية منذ كانط‪.‬واستمر هذا الوضع حتى كانط‪ . Knowledge and Human Interests.‬ومن ثم فإن نتيجة نقد هيجل لكانط‬ ‫لم تكن احتلل الفلسفة لموقع تنويرى بالنسبة إلى العلوم الخرى‪ .scienticism‬لقد أعادت العلموية المادية تأكيد ما أنجزته من قبل المثالية المطلقة‪ :‬استبعاد‬ ‫البستمولوجيا لصالح معرفة علمية كلية مطلقة‪ ،‬فقط مع اختلف واحد وهو أن المعرفة‬ ‫‪2‬‬ ‫المعنية فى هذه المرة هى المادية العلمية بدلً من المعرفة المطلقة‪. 62-63‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬‬ ‫وكان هذا هو حجر الساس للوضعية‪ ،‬التى كان يمكن لماركس وحده أن يجابهها فقد‬ ‫تابع نقد هيجل لكانط دون أن يشاركه فلسفة الهوية‪ ،‬تلك التى أعاقت هيجل من أن يجنى ثمار‬ ‫نقده لنظرية المعرفة عند كانط‪ . Shapiro. 3-4‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪5‬‬ . p.‬فنظرية المعرفة ل يمكن أن‬ ‫تحصر نفسها في دراسة وفحص المنهج العلمي‪ .‬وطبقًا لهذه المعرفة فإن العلوم التى تتطور وفقًا لمناهجها تجعل من نفسها‬ ‫مجرد تحديدات للمعرفة المطلقة وتنتهى إلى تقويض نفسها‪ .‬ومع ذلك فإن الفلسفة لم تسع مطلقًا إلى‬ ‫المطابقة بين العلم والمعرفة بما هي كذلك في تلك الفترة‪ . translated by Jeremy J.‬وحتى عندما صارت الفيزياء‬ ‫نموذجًا للمعرفة الواضحة والدقيقة بتجاربها المنضبطة ودقة شكلها الرياضي‪ ،‬فإن الفلسفة‬ ‫كانت هي التي تحدد للعلم مكانه‪ .‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.. Knowledge and Human Interests. p. cit.‬ولكن حقيقة أن التقدم العلمى يتم باستقلل عن الفلسفة يكشف أن هذا الزعم‬ ‫‪1‬‬ ‫مجرد وهم‪..‬‬ ‫‪Polity Press.‬فعندما تؤكد فلسفة هيجل‬ ‫نفسها كعلم حقيقى أو أصيل فإن علقتها بالعلوم الخرى تختفى تمامًا‪ .

‬وتحولت عقلنيتها الشاملة إلى مجموعة من‬ ‫المبادئ المنهجية يتبعها فهم ذاتي علموي للعلوم‪ . Derrida. Series I.‬أي أن‬ ‫هابرماس في نقده للوضعية ل ينتقل إلى الترانسندنتالية‪ ،‬إنما ينتقل إلى موقف بينهما‪ ،‬إلى‬ ‫ل يقوم على التاريخ والتطور‪ 4‬مما يفقدها‬ ‫ترانسندنتالية ترتبط بتحليل الذات النسانية تحلي ً‬ ‫‪Ibid. Foucault.‫ومع هيجل تغير وضع الفلسفة بالنسبة إلى العلوم الطبيعية‪ . 4‬‬ ‫‪ 2‬فرانسوا إوالد‪ ،‬هابرماس‪ :‬جدلية العقل الحديث‪ ،‬في فرانسوا إوالد وآخرين‪ ،‬مسارات فلسفية‪ ،‬ترجمة محمد‬ ‫ميلد‪ ،‬الطبعة الولى‪ ،‬دار الحوار للنشر والتوزيع‪ ،‬اللذقية‪2004 ،‬م‪ ،‬ص ‪157‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪John McCumber.‬وتم استبدال نظرية‬ ‫المعرفة بمنهجية خالية من التفكير الفلسفي‪ .‬إن كل ما تفعله الفلسفة هو فحصها لمزاعم الخطابات والنسقة الخرى في‬ ‫الحقيقة الكلية وجعلها منسجمة مع عالم الحياة‪ 3،‬أي مستجيبة لمطالب النسان في التحرر‬ ‫والعدالة‪ .‬إن استعادة البستمولوجيا ل يمكن إل بتحليل‬ ‫السياق الذي تكونت فيه الوضعية واستبدلت فيه البستمولوجيا بفلسفة العلم‪ .‬ويثبت هابرماس ـ كما سنرى‬ ‫أساس هذا العتقاد بد ً‬ ‫ل لنواع أخرى من المعرفة العلمية‪ ،‬غير العلوم التجريبية‪ ،‬وخاصًة‬ ‫بعد قليل ـ أن هنالك مجا ً‬ ‫لنظرية نقدية ذات نزعة تحررية يوفر لها التحليل النفسي نموذجًا خاصًا‪ ،‬وذلك لن العلوم‬ ‫‪2‬‬ ‫ل قيمة تفسيرية محدودة حينما تقترب من الظواهر الجتماعية‪.‬والعلموية ‪ scienticism‬هي اعتقاد العلوم‬ ‫في نفسها بأنها لم تعد أحد أشكال المعرفة الممكنة وإنما هي تتطابق مع المعرفة بما هي كذلك‪. 78‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Roberto Peter Badillo. p. p.‬‬ ‫التجريبية ل تملك إ ّ‬ ‫تكتسب نظرية المعرفة عند هابرماس أهمية كبيرة فهي تشكل الساس البستمولوجي‬ ‫لنظريته النقدية‪ . Rorty.‬وهابرماس في مواجهته للموضوعية ل ينتقل إلى الطرف النقيض‪،‬‬ ‫الذي يرى أن هنالك شروطًا قبلية تتشكل الموضوعات في إطارها وكذلك المعرفة‪ .‬‬ ‫والمواجهة مع الوضعية هي مواجهة مع وهم الموضوعية النطولوجي‪ ،‬مواجهة مع‬ ‫العتقاد الواهم بأن الشياء موجودة هنالك في الواقع باستقلل تام عن الذات وأن أي موضوع‬ ‫معطى للوعي عن طريق حواسنا وأن على معارفنا لكي تكون صحيحة أن تتطابق مع ما هو‬ ‫موجود هنالك في الواقع‪ .‬وهي كما استعادها من كانط وربطها بالمصالح النسانية وبالتالي بما هو‬ ‫تاريخي أصبحت إبستمولوجيا تؤسس لتعدد العلوم ومناهجها وعقلنياتها وأفسحت المجال‬ ‫للفلسفة لتحتل موقعها كتفكير نقدي‪ ،‬يمكن أن تتطور كل العلوم الخرى في إطار فاعليته‬ ‫باتجاه التحرر والعدالة‪ .. Philosophy and Freedom.‬‬ ‫‪Indiana University Press.‬إننا ل يمكن أن‬ ‫نعود مباشرة ونستعيد ابستمولوجيا كانط لننا سنصطدم ببساطة بأفق هيجل المسدود‪ . 2000. Bloomington and Indianapolis.‬ولذلك‬ ‫كان لبد من المواجهة مع الوضعية‪ .‬إن الفلسفة كتفكير نقدي ليس لها مضمون محدد وإنما تستقي مضمونها‬ ‫من الخطابات الخرى‪ ،‬ولذلك فهي ليست لها حدود واضحة‪ ،‬ول تستطيع أن تحكم الخطابات‬ ‫الخرى أو تنتجها‪ . The Council for Research in‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪6‬‬ .‬ومن ثم فإن استبعاد البستمولوجيا أو نظرية المعرفة واستبدالها بفلسفة العلوم يعني‬ ‫بالنسبة لهابرماس استبعاد وإلغاء العلوم التي تقوم على دراسة علوم التواصل في مجتمعاتنا‬ ‫النسانية والعلوم ذات التوجه النقدي بما في ذلك الفلسفة والتي تتعلق بتحرير النسان من‬ ‫القهر‪ ،‬إذ أن كل العلوم ستقوم على نموذج العلم الطبيعي فيفقد كل منها بذلك نظامه وعقله‬ ‫ومنهجه ويفقد أيضًا الصلة بالمصلحة المكونة له‪ .‬ورغم أن هذه المواجهة هي أحد تقاليد مدرسة‬ ‫فرانكفورت إل أن هابرماس أعطاها بعدًا جديدًا إذ أن هذا النقد أصبح أحد روافد التأسيس‬ ‫البستمولوجي لنظريته النقدية‪. VOL. The Emancipative Theory of Jurgen Habermas and‬‬ ‫‪Metaphysics. Habermas. 13. Culture and Values.‬‬ ‫ودخلت الوضعية المشهد مستخدمة عناصر من التقاليد التجريبية والعقلنية لتعزز اعتقاد العلم‬ ‫في صحته الكلية التالية على الوقائع‪ ،‬ومن ثم تصوغ شروحًا عن بنية العلم التي تقوم على‬ ‫ل من أن تعيد النظر والتفكير في المر‪ 1.

‬إن إهمال الوضعية وتجاهلها دون‬ ‫نقد يضع أي تيار فلسفي ضمن المشاريع الميتافيزيقية وبالتالي يسهل التخلص منه على أساس‬ ‫من الرأي الشائع الذي يسّلم بالموضوعية الوضعية ويراها أساسًا للمعرفة‪ . Washington.‫طابعها القبلي ويصير لها طابعًا بعديًا يتناقض مع كونها ترانسندنتالية‪ . Knowledge and Human Interests.‬مما جعل هابرماس يصف الماركسية بأنها ذات‬ ‫طابع وضعي‪ . translated by John Viertel. 1991.‬فالعلوم تنصرف عن السياق التكويني لموضوعاتها وتواجهها في مجالها الموضوعي‬ ‫كحقائق ووقائع قائمة تنعكس بشكل ما في أذهاننا وتتعرف عليها على هذا الساس‪ .‬أما المادية التاريخية عند ماركس فقد أخطأت فهم‬ ‫مشروعها التخطيطي بتوحيدها بين العلوم الطبيعية والنقد ومن ثم أكملت استبعاد نظرية‬ ‫المعرفة وإلغائها‪ ،‬وبذلك ثلمت طابعها النقدي‪ . 1996. p. Polity press.‬‬ ‫لقد فقد العلم الدور الذي كانت تقوم به الفلسفة بعد أن تم استبدال البستمولوجيا بفلسفة‬ ‫العلوم ولم يعد قادرًا على إعطاء تفسير عقلني للكيفية التي يتم بها تكوين موضوعات التجربة‬ ‫الممكنة‪ .‬ولذلك حينما استبدلت الوضعيُة‬ ‫الفلسفَة بالعلِم لم يعد يعرف الكيفية التي تتكّون بها موضوعاته واكتفى بالموضوعية التي تعزز‬ ‫اعتقاده بنفسه باعتباره كل المعرفة‪ ..‬وجاءت الوضعية المبكرة‪ ،‬وضعية كونت وماخ‪ ،‬لتفسير‬ ‫‪Values and Philosophy.‬بينما تظل‬ ‫الفلسفة واعية تمامًا بأصولها كأشياء لها أولوية أنطولوجية‪ 2.‬‬ ‫‪Cambridge.‬‬ ‫نقد الوضعية‪:‬‬ ‫]‪ [1‬نقد الوضعية المبكرة‪:‬‬ ‫إن نقد هابرماس للوضعية يؤسس لمرين في الساس البستمولوجي للنظرية النقدية‬ ‫ل‪ ،‬وكما ذكرنا سابقًا‪ ،‬ما كان من الممكن أن يستعيد البستمولوجيا‪،‬‬ ‫عند هابرماس فهو‪ ،‬أو ً‬ ‫ل بنقد هذا اللغاء والستبدال‪ ،‬أي بنقد‬ ‫التي ألغتها الوضعية واستبدلتها بفلسفة العلوم‪ ،‬إ ّ‬ ‫الوضعية؛ وهو‪ ،‬ثانيًا‪ ،‬ل يرى في الوضعية محض السلب‪ ،‬بل كان يرى فيها‪ ،‬وفي التيارات‬ ‫التي نشأت ضمن سيطرتها‪ ،‬إنجازات فلسفية أساسية وبنقدها استخلص هذه النجازات وجعلها‬ ‫مكّونا رئيسيًا في الساس البستمولوجي لنظريته النقدية‪ . Theory and Practice. p. 5‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬ولذلك كان من‬ ‫الضروري تجاوز الوضعية نقديًا والتأسيس على منجزاتها ولكن ضمن أفق ابستمولوجي‬ ‫جديد‪ .‬وأقامت الوضعية منهجية خالصة‬ ‫‪1‬‬ ‫إطلقية على أساس المقموع والمنسي‪.‬ولكل ذلك فمن الهمية بمكان أن نستعيد هذا النقد فباستعادته سنرى بوضوح مكّونات‬ ‫الساس البستمولوجي للنظرية النقدية عند هابرماس‪. Op. p. 2‬‬ ‫‪7‬‬ . cit.‬لقد نسيت الوضعية أن منهجية العلم متشابكة مع التكوين ـ الذاتي الموضوعي‬ ‫للنوع النساني‪ ،‬أي أنها نسيت أن جذر نشأة العلم وتكوين موضوعاته ومناهجه تم في سياق‬ ‫مصالح النسان واهتماماته وضمن أغراضه وأهدافه‪ .‬‬ ‫إن المعرفة العلمية القائمة على أساس من المصالح النسانية ل يمكن أن تستعيد‬ ‫البستمولوجيا بدون تحليل الوضعية وبدون العودة إلى كانط على نحو ما‪ ،‬إذ أنها لو فعلت‬ ‫ذلك فستعود فقط إلى ذلك البعد الذي افتتحه هيجل بالنقد الذاتي الجذري للبستمولوجيا الذي‬ ‫سرعان ما أغلقته افتراضات فلسفة الهوية‪ .‬وإذا جاز لي فيمكنني‬ ‫أن أسميها ترانسندنتالية تاريخية أو كما يسميها هابرماس شبه ـ ترانسندنتالية ‪quasi-‬‬ ‫‪ ،transcendental‬هذا الطابع المتناقض يعود إلى أن الشروط التي أصبحت تكّون المعرفة‬ ‫هي المصالح النسانية وهي مصالح رغم أنها تحدد قبليًا المعرفة إل أنه ل مفر من أن تكون‬ ‫تاريخية‪. 29‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.

‬وبد ً‬ ‫فقط على المقابلة بين الوضعية والميتافيزيقيا‪ .‬وفي انغلقها هذا فإن الواقعية ل تعرف تناقضًا بين الجوهر‬ ‫والمظهر‪ ،‬الوجود والوهم‪ ،‬لن الوقائع نفسها قد تم رفعها إلى مستوى الجوهر‪ 3.‬ولكن من الجانب الخر فإن هذا اليقين الذي‬ ‫تحول إلي يقين وجودي بالوقائع ل يكتسب قيمته إل بربطه ربطًا صحيحًا بمقولت نظرية‪. 79-81‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid.‬وفي هذه الحالة ستنهار القاعدة‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬‬ ‫لقد أخذ كونت المبادئ المنهجية من سياقها البستمولوجي وردها مباشرة إلى عملية‬ ‫تطور العلوم الحديثة وإلى العقلنية التقدمية للعلقات الجتماعية لتصبح شروطًا لمنهجية‬ ‫العلوم‪ ،‬واضعًا بذلك التقدم العلمي كموضوع لفلسفة التاريخ العلمية في مكان الموضوع‬ ‫البستمولوجي‪ .‬‬ ‫إن المعرفة العلمية ولنها معرفة نسبية فل يمكن الدعاء بأنها معرفة مطلقة‪ .‬وتتضاعف السيطرة على الطبيعة والمجتمع‪ ،‬ليس من خلل التوسع العمى للبحوث‬ ‫التجريبية‪ ،‬وإنما باتباع المبادئ العقلنية ومن خلل تطوير وتوحيد النظريات فهي التي تسمح‬ ‫‪1‬‬ ‫لنا بالتفسير ثم بالتنبؤ بالوقائع‪..‬وهذا يستدعي أن تدرس‬ ‫ل من أن يقوم كونت بهذه المهمة حافظ‬ ‫المعرفة العلمية الكيفية التي تكّون بها موضوعاتها‪ . cit.‬فإذا كان العلم يختلف عن‬ ‫الميتافيزيقيا لنه يصف الوقائع والعلقات القائمة بينها فإن ضرورة التمييز بين العلم‬ ‫والميتافيزيقيا تقودنا إلى التساؤل عن المعنى الحقيقي لوضعية الوقائع‪ .‬‬ ‫ومن هذا الجانب فإن كونت يلتقي بالتجريبية‪ . 85‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪8‬‬ ..‬وهكذا جمع كونت بين‬ ‫مبادئ التجريبية والعقلنية جمعًا ل يرتبط بقيود لن هذه المبادئ تعمل عنده ل كمكونات‬ ‫لنظرية المعرفة وإنما كقواعد معيارية للجراءات العلمية‪ ،‬يتحدد من خللها تعريف العلم‬ ‫نفسه‪ .‬وهكذا انتهى المر بكونت بالمحافظة على‬ ‫ل من نقدها لن الوضعية عنده ل يمكن تعريفها إل بالمقابلة مع الميتافيزيقيا‬ ‫الميتافيزيقيا بد ً‬ ‫ونظامها المفاهيمي‪ ،‬أي مفهومي الجواهر الثابتة والظواهر المتغيرة‪ .‫اعتقاد العلوم في نفسها ـ أو ما نسميه بالعلموية ‪ scienticism‬ـ ببناء تاريخ النوع النساني‬ ‫كتاريخ لتحقق الروح الوضعية بعد أن مر بالطور الميثولوجي ثم الطور الميتافيزيقي‪.‬‬ ‫هذا الربط بين الملحظات والنظريات هو الذي يؤّمن دقة المعرفة‪ ..‬ورغم أن‬ ‫ل للمشكلة النطولوجية عند ماخ‬ ‫إلغاء الذاتية والعتماد على فكرة العناصر‪-‬الحاسيس يقدم ح ً‬ ‫ويساعد الوضعية على الخروج من النظام المفاهيمي للميتافيزيقيا إل أنه يطرح مشكلة تعيد‬ ‫المور إلى خانتها الولى‪ .‬وأصبح اليقين المعرفي يعني اليقين المنهجي واليقين التجريبي بالدلة الحسية‪. 73-77‬‬ ‫‪Ibid.‬ولهذا‬ ‫فهي ل يمكن أن تكون كالميتافيزيقيا معرفة بالمكونات النهائية للواقع‪ .‬فإذا كانت العناصر التي يتكون منها الواقع هي الحاسيس فسيكون‬ ‫من الصعب إنكار دور الوعي الذي تتكون في أفقه الحاسيس‪ . p. pp.‬ويخلص ماخ إلى أولوية العناصر )الحاسيس( على النا مشددًا على عدم‬ ‫استسلمنا لفكرة أولوية النا لن العناصر )الحاسيس( التي يتكون منها العالم الفيزيائي هي‬ ‫ذاتها التي تتكون منها النا‪ .‬‬ ‫وقدم ماخ تفسيرًا أنطولوجيًا للوقائع قائمًا على فكرة أن الشياء التي تنتمي إلى العالم‬ ‫الفيزيائي تتكون من ذات العناصر التي تتكون منها الحاسيس التي توجد في الجسم النساني‬ ‫ونسميها النا‪ .‬وهذا ما ل تستطيع‬ ‫وضعية كونت الجابة عليه لتجد نفسها في مواجهة مشكلة فلسفية تتعلق بانطولوجيا ما هو‬ ‫‪2‬‬ ‫واقعي‪. pp.‬وبذلك تصير الذات أو النا واقعة بين سائر الوقائع‪.‬‬ ‫إن إلغاء الذاتية يلعب دوره في محو التمييز بين الجوهر والمظهر‪ ،‬فعالم الوقائع هو‬ ‫عالم الوعي المشيئ بالكامل‪ . Op. Knowledge and Human Interests.

86-88‬‬ ‫‪Ibid.‬‬ ‫نقد الوضعية‪:‬‬ ‫]‪ [2‬نقد البراجماتية‪:‬‬ ‫يكشف بيرس في تأسيسه للبراجماتية عن بعد جديد للمعرفة العلمية جعلته يتميز عن‬ ‫الوضعية المبكرة والوضعية الحديثة‪ ،‬رغم أن فلسفته تأسست في شروط هيمنة الوضعية ولذلك‬ ‫لم يستطع بيرس متابعة منطق كشفه وبالتالي لم يجن ثماره وخضع في نهاية المر لمقتضيات‬ ‫هيمنة الوضعية‪ .‬وبهذا الرأي الشائع‬ ‫‪1‬‬ ‫تتحصن المعرفة العلمية ضد النقد‪.‬إنه تأمل يستبعد نفسه بأن يضمن‬ ‫فقط للعلم مجال موضوعاته المشروع ومن ثم يحصر المعرفة في العلم‪ . pp. 14‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪9‬‬ .‬فقد طّور‬ ‫منهج البحث مفهومًا منهجيًا عن الحقيقة رابطًا إياها بالطريقة التي نكتشفها بها‪ .‬إن العلم ـ كما يقول بيرس ـ يعني بالنسبة‬ ‫لنا أسلوب حياة‪ .‬فمنطق البحث‬ ‫رغم أنه مثل المنطق الترانسندنتالي يمتد إلى بنية تكوين المعرفة إل أن هذه البنية المنطقية‪،‬‬ ‫ولنها عملية بحث‪ ،‬فهي تقوم على شروط تجريبية‪ .‬وهي بذلك تتبنى البستمولوجيا التي‬ ‫تقوم على الرأي الشائع بأن المعرفة هي استنساخ الواقع في الفكار‪ . 91-93‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬فقد فهم بيرس وظيفة المنهجية بأنها ليست توضيح البنية المنطقية للنظريات‬ ‫العلمية وإنما توضيح منطق الجراءات التي يتم بها الحصول على هذه النظريات العلمية‪ .‬فهابرماس تبنى موقف بيرس ولم يجعل المنطق الترانسندنتالي‬ ‫أساسًا للعلقة بين منطق البحث العلمي ومنطق السياقات التي تتكون فيها العلوم المختلفة‬ ‫ل تركيبية لذات مفكرة ول ذاتية منتجة للموضوعات‬ ‫وتطبيقاتها‪ ،‬وهو أيضًا ل يفترض أفعا ً‬ ‫وإنما يفترض ـ مع بيرس ـ العلقة الواقعية بين باحثين متواصلين‪ ،‬حيث يكون مجال كل علم‬ ‫جزءًا من النظمة الجتماعية المحيطة والتي هي بدورها تنتج من التطور الثقافي ـ الجتماعي‬ ‫للنوع النساني‪ 3. Theory and Practice.‬‬ ‫منطق البحث عند بيرس يقع بين المنطق الترانسندنتالي والمنطق الصوري‪ . p.‬وهذا أهم انجاز فلسفي يستخلصه هابرماس من بيرس‪ ،‬ويعتمد عليه‬ ‫مفهوم شبه الترانسندنتالية‪ . Op.. pp.‬وهنا نشهد مفارقة‬ ‫أخرى‪ :‬إننا ل نستطيع الحصول على أي معلومات عن مجال موضوعات العلم إل من خلل‬ ‫العلم‪ ،‬فكيف استطاع مذهب العناصر أن يقول شيئًا عن العلم قبل أي علم؟ هذا التناقض تحجبه‬ ‫الموضوعية التي تعّبر عن نفسها في منع التأمل في العلم‪ . cit.‬وأنه‬ ‫ل يتم وصف معلومات ما بأنها علمية إل إذا تحصلت على إجماع دائم وغير قسري بشأن‬ ‫صلحيتها العلمية‪ ..‬فالتقدم المعرفي يدل على‬ ‫أن هنالك منهجًا علميًا يقوم على قوانين يضمن التقدم في البحث‪ .‬ورغم أنه شكل من أشكال التأمل في العلم إل أنه‬ ‫الشكل الذي يمنع أي تأمل من الذهاب إلى ما وراء العلم‪ .‬فالواقع ـ عند بيرس ـ مفهوم‬ ‫‪Ibid..‬إن مذهب‬ ‫العناصر يؤسس لولوية العلم على التأمل‪ .‬فبنى بيرس نظريته من تجربة التقدم المعرفي‪ .‬وهكذا صارت فلسفة العلوم‬ ‫‪2‬‬ ‫محاولة لتوضيح منطق التقدم العلمي ومنطق عملية البحث‪.‬ومن ثم فإن التحليل المنطقي للبحث ل يهتم بنشاطات الوعي الترانسندنتالي‬ ‫وإنما بنشاطات الذات التي تدعم عملية البحث ككل‪ ،‬أي مجتمع الباحثين‪ ،‬الذين يسعون لنجاز‬ ‫مهمتهم العامة تواصليًا‪ .‬‬ ‫وتمنعنا الوضعية عند ماخ من التفكير في علقة العناصر )الحاسيس( بالوعي فهذه‬ ‫العناصر أولية بالطلق مما يجعل العلم أيضًا أوليًا لنه يقوم بوصف العلقات التي تربط بين‬ ‫هذه الوقائع وبما هو كذلك فل يمكن تجاوزه بالتأمل في شروط موضوعيته‪ .‬ولكن بيرس لم يتبع منطق اكتشافه‪ ،‬كما سنرى‪ .‫التي تقوم عليها الوضعية والتي تسلم بأن المعطى المباشر هو الواقع الحقيقي‪ ،‬ولن تصير‬ ‫الحاسيس هي عناصر الواقع وإنما الوعي الذي ترتبط فيه هذه الحاسيس‪.

‫ترانسندنتالي‪ . Op. Knowledge and Human Interests.‬وكذلك للتفكير ثلث عناصر‪ :‬الوظيفة التمثيلية‪،‬‬ ‫والتطبيق الفردي الخالص أو الصلة الحقيقية التي تقوم كعلقة بين فكرة وفكرة أخرى‪،‬‬ ‫الخاصية النوعية المادية‪ .‬‬ ‫إن معرفتنا بالواقع دائمًا ترتبط بالجانب الذي نقصده من خبرتنا بهذا الواقع‪ .‬إن الواقع يتحدد‬ ‫بعمليات القياس والتأويل‪ ،‬أي بالجهود المجتمعة لولئك الذين يشاركون في عملية البحث وفي‬ ‫ذات الوقت فإن قوة تأثير الشياء هي قيد الواقع الذي يدفعنا لمراجعة مقولتنا الخاطئة وتوليد‬ ‫ل من‬ ‫ل لفكرة عملية البحث‪ .‬وبد ً‬ ‫أخرى جديدة‪ . 106-107‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪10‬‬ .‬إن منطق اللغة ل يستطيع أن يحل‬ ‫المشكلة ولذلك كان على بيرس إما أن يوسع مفهوم الواقع أنطولوجيًا أو أن يعود من بعد اللغة‬ ‫‪5‬‬ ‫إلى منطق البحث‪.‬وهذا يفسر التباين بين الواقع واعتقاداتنا‬ ‫ل جديدًا إذ أننا نكّون الجانب الذي قصدناه من الواقع في‬ ‫ولكنه في ذات الوقت يطرح تساؤ ً‬ ‫تمثلت رمزية فكيف ينسرب الجانب الذي لم نقصده من الواقع إلى معرفتنا مما يؤدي إلى‬ ‫تطويرها؟ إن بيرس ينظر لعلقة المحتوى غير المقصود للخبرة والتمثلت الرمزية على‬ ‫أساس نموذج اللغة‪ :‬فالعلمة اللغوية تبدو كرمز ‪ symbol‬يستند إلى العرف والتفاق‬ ‫الجتماعيين‪ ،‬وكمؤشر ‪ index‬يشبه العلقة بين السحب والمطر أي يعّبر عن علقة سببية‪،‬‬ ‫وكأيقونة ‪ icon‬هي صورة عن موضوعها‪ 3. 94-95‬‬ ‫‪Ibid. pp.‬فيستنتج بيرس من التقدم المعرفي الواقعي للعلوم‬ ‫ل‪ ،‬أن الفتراضات الكلية قد تكون صحيحة؛ ثانيًا‪ ،‬ليس هنالك صلحية بالنسبة‬ ‫الطبيعية‪ :‬أو ً‬ ‫‪Jurgen Habermas. 98-102‬‬ ‫‪ 3‬إيان كريب‪ ،‬النظرية الجتماعية ـ من بارسونز إلى هابرماس‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ . 103‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪Ibid.‬وبذلك يصبح الواقع‪ ،‬بوصفه قيدًا‪ ،‬مفهومًا مكم ً‬ ‫تطوير هذه الفكرة التي تدل على التباين بين الواقع واعتقاداتنا‪ ،‬تمسك بيرس بفكرته عن الواقع‬ ‫ل‪ ،‬في ذات الوقت‪ ،‬تفسير التباين بين الواقع‬ ‫كمجموع لكل المور المعروفة عن الوقائع ومحاو ً‬ ‫‪2‬‬ ‫واعتقاداتنا في منطق اللغة‪.‬‬ ‫ومن ثم فإن الخاصية النوعية المادية إما أن تكون متطابقة مع الساس المادي للعلمة )أي‬ ‫بوصفها أصواتًا أو حروفًا( وفي هذه الحالة لن تكون أيقونة أو تسترد كونها خاصية صورية‬ ‫وتصير رمزًا تمثيليًا ول تصبح في هذه الحالة مباشرة‪ . Knowledge and Human Interests. pp. cit.‬‬ ‫وهذا ل يعني أن القاعدة التجريبية يمكن أن تتحقق كليًا بالفكر‪ .‬‬ ‫ويقوم بيرس بالمرين معًا‪ .. Op. cit.‬‬ ‫ولكن هذا النموذج ل يحل المشكلة‪ .‬وهذا‬ ‫يعني أن جانبًا من محتوى خبرتنا يكون غير مقصود‪ . pp.‬فهذه الخاصية هي التي‬ ‫تعّبر عن بعض الخصائص التي تنتمي إلى الشئ ذاته ول تكون لها أي صلة بالوظيفة‬ ‫‪4‬‬ ‫التمثيلية‪....‬والخاصية النوعية المادية هي التي يعتمد عليها بيرس في تفسير‬ ‫الكيفية التي ينسرب بها الجانب غير المقصود من الواقع إلى معرفتنا‪ .‬لنه ل يعني شيئًا غير مجموع مقولت الوقائع التي يمكن أن نحصل علي رأي‬ ‫نهائي بشأنها‪ ،‬طالما أن الفتراضات التي يمكن أن نعدها صحيحة هي الفتراضات التي تقوم‬ ‫على إجماع دائم وغير قسري يمكن أن يصل إليه الباحثون تواصليًا عن طريق المنهج‬ ‫‪1‬‬ ‫العلمي‪.‬محمد حسين غلوم‪ ،‬سلسلة عالم‬ ‫المعرفة‪ ،‬الكتاب رقم ‪ ،244‬المجلس الوطني للثقافة والعلوم والداب‪ ،‬الكويت‪ ،‬أبريل ‪ ،1999‬ص ‪202‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬لننا إذا عدنا إلى فحص العلقة بين وظيفة‬ ‫العلمة اللغوية كرمز ووظيفتها كأيقونة وبالتالي بين الوظيفة التمثيلية للفكر وخاصيته النوعية‬ ‫المادية سنكتشف أن اليقونة والخاصية النوعية المادية تبدوان وكأنهما نوع خاص من التمثيل‪. p.

‬والتعليل‬ ‫‪ abduction‬هو عملية الستدلل التي نقوم بها حينما تحدث واقعة مفاجأة في حدود المعرفة‬ ‫ل للواقعة‪ ،‬أي‬ ‫السائدة فنضطر إلى وضع فرض علمي نستطيع بمساعدته أن نعين أسبابًا وعل ً‬ ‫‪4‬‬ ‫نصبح قادرين علي تفسيرها‪ ،‬وهو الطريقة التي نتوصل بها للقوانين العلمية‪. 110‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. 6‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid. p.‬‬ ‫لقد استبدل بيرس منطق اللغة بنظام من المقولت هجر ضمنيًا مدخله الترانسندنتالي‬ ‫الذي كان يرى فيه أن الواقع ل يعني شيئًا غير مجموع مقولت الوقائع التي يمكن أن نحصل‬ ‫علي رأي نهائي بشأنها يقوم على إجماع دائم وغير قسري‪ .intersubjectively‬وهذا يعني أن مفهوم الحقيقة عند بيرس ل يتم‬ ‫استخلصه فقط من القواعد المنطقية لعمليات البحث وإنما من السياق الموضوعي للحياة أيضًا‬ ‫الذي تقوم فيه عمليات البحث بوظائف معينة‪ :‬تصفية الراء‪ ،‬التخلص من الشك‪ ،‬امتلك‬ ‫معتقدات غير إشكالية ـ باختصار تثبيت المعتقدات‪ . Theory and Practice. Knowledge and Human Interests..‬وهنالك فرق نقدي بين التواصل والخطاب‪ :‬التواصل متضمن في سياق الفعل‪،‬‬ ‫بينما الخطاب يتجاوز ضرورات الفعل‪ .‬صحيح أن العلم‬ ‫يستطيع أن يبحث تجريبيًا في تنظيم التقدم العلمي والتكنولوجي فيما يعرف بعلم العلم‪ ،‬ولكنه ل‬ ‫يستطيع البحث في السياق الجتماعي الذي يتواجد فيه مؤسسيًا ومنهجيًا والذي يحدد الكيفية‬ ‫ل بالتأمل الذاتي‪ ،‬أي بالنقد الفلسفي‪ ،‬ليصل‬ ‫التي يتم بها استخدام المعلومات المنتجة علميًا‪ 2‬إ ّ‬ ‫إلى نظرية للعلم قادرة على المساك بالشروط المكّونة للعلم وبشروط تطبيقه‪ 3.. 115‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪11‬‬ .‬‬ ‫وإذا فحصنا هذه القواعد المنطقية المنتجة للمعرفة سنجد أنها نتجت من النتخاب‬ ‫الطبيعي‪ ،‬مثلها مثل أي سلوك طبيعي‪ ،‬فهي ل يمكن البرهنة على صلحيتها تجريبيًا أو من‬ ‫خلل المنطق الصوري‪ .‬‬ ‫ولكي يتجاوز هابرماس براجماتية بيرس تجاوزًا نقديًا تأمل ذاتيًا في العلوم الطبيعية‬ ‫من الموقع النظري للبراجماتية‪ .‬ولذلك فإن هذه القواعد ل تؤسس بأي شكل من الشكال لشروط‬ ‫المعرفة الممكنة وفقًا لضرورة ترانسندنتالية وإنما تؤسس لجراءات تزيد من المعتقدات‬ ‫المعترف بها تذاتيًا ‪ .‬ورغم تنويهنا من قبل أن هذه من أهم‬ ‫ل أن هابرماس يزيدها إيضاحًا بالتأكيد على أن هذه‬ ‫النتائج التي تبناها هابرماس من بيرس إ ّ‬ ‫العلقة ليست علقة مباشرة بضرورات ممارسة الحياة‪ ،‬بل هي علقة غير مباشرة تتم من‬ ‫خلل الخطاب‪ . Op. p..‬ويقوم‬ ‫هابرماس بهذا التأمل الذاتي ضمن منطق البحث وقواعده عند بيرس‪ ،‬الذي يرى أن هنالك‬ ‫ثلثًا من أشكال الستدلل‪ :‬الستقراء ‪ induction‬والستنباط ‪ deduction‬والتعليل‬ ‫‪ abduction‬تشكل العلقة بينها القواعد التي يجب أن تتبع في منطق البحث‪ . Op. cit.‬وهي مهمة ل يستطيع العلم وحده القيام بها‪ .‬إن هذه‬ ‫الوضاع تشير إلى وجود الكلي أو العام فطالما أنه ليست لدينا معرفة محددة بطريقة مطلقة‬ ‫‪1‬‬ ‫فإن التقدم العلمي يوجب أن يكون للعام أو الكلي وجود حقيقي‪. p. p.‫إلى رأي مفرد ما لم تكتمل عملية البحث؛ ثالثًا‪ ،‬أن التقدم العلمي يعني أن هنالك تراكماً‬ ‫موضوعيًا لراء ل يمكن أن تتم مراجعة صلحيتها قبل اكتمال عملية البحث ككل‪ . 7‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬ومن ثم يحافظ على انطولوجيا‬ ‫تشبه واقعية العصر الوسيط وإن كان على نحو خفي‪ ..‬لتطل الوضعية وموضوعيتها من جديد‬ ‫وتخضع لها براجماتية بيرس‪. cit.‬ولذلك يمكن أن نعتبر تكوين المجال الموضوعي‬ ‫العلمي استمرارًا لعمليات الموضعة التي نقوم بها في عالم الحياة الجتماعي ما قبل العلمي‪،‬‬ ‫أي أن المجال الموضوعي العلمي يتكون كامتداد لفعال الحياة القائمة على التواصل‪ ،‬بينما‬ ‫زعم الموضوعية الذي ينشأ من العناية بالعلم يقوم على الضغط الفعلي للتجربة والقرارات‬ ‫‪Ibid.

.‬وبذلك يصير التعليل هو تحديد الشروط‪،‬‬ ‫‪2‬‬ ‫والستقراء تحويل القواعد إلى عادات‪ ،‬والستنباط هو المعالجة نفسها‪. Op.‬ولكن بيرس لم يتبع منحاه البراجماتي بحيث يطّور باتساق‬ ‫ل عن ذلك عاد إلى النطولوجيا عندما فهم المسألة‬ ‫الخطوط الترانسندنتالية لمنطق بحثه‪ . pp.. 19-20‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. Theory and Practice. 126-132‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Ibid. Op.‬ومن أجل أن ينزع بيرس أي وهم ميتافيزيقي عن مفهوم العقل‪ ،‬وضع‬ ‫العتقادات التي تشير إلى علقة الحوادث في نفس مستوى الحوادث التجريبية نفسها‪ ..‬‬ ‫إن نتائج التفكير التركيبي عند بيرس لديها وظيفة فقط في نظام السلوك الغائي ـ‬ ‫العقلني‪ ،‬الذي يسيطر عليه مبدأ المردود ويقوم بحكم العادة‪ ،‬أي في نظام الفعل الداتي‪.‬وتطابق‬ ‫بيرس بذلك مع مذهب العناصر عند ماخ‪ ،‬وأغلق التمييز بين الوقائع والطار المنهجي للذات‬ ‫الباحثة الذي يتموضع فيه الواقع‪ .‬‬ ‫نقد الوضعية‪:‬‬ ‫]‪ [3‬نقد التاريخانية‪:‬‬ ‫لقد كشف ديلتاي في تأسيسه للتاريخانية ‪ historicism‬عن ذات القضايا التي كشف‬ ‫عنها بيرس ولكن في مجال مختلف هو مجال العلوم الثقافية‪ .. pp.‬لتستسلم البراجماتية للوضعية وموضوعيتها‪. cit.‬وهذا هو بالضبط ما تعّبر عنه الوضعية‪.‬وكذلك العقل فهو‬ ‫أيضًا لم يعد مفهومًا جوهريًا فإن المجموع الكلي للفكار المعينة التي تنشأ في ظروف بعينها‬ ‫هو ما يسّمى بالعقل‪ .‬هذه الذات‪ ،‬التي تتعلم وتبحث وهي نفسها مندمجة في عملية تكوين ذاتي‪ ،‬لم‬ ‫يدركها بيرس لنه طّبق الخاصية البراجماتية للمعنى على العقل والمادة معًا واستبعد كل‬ ‫المفاهيم التي ل يمكن استخدامها‪ .‬ومن ثم يصبح لدينا نوعان من الواقع‪:‬‬ ‫الواقع القائم في الموضوعية المؤسسة على النظام السلوكي للفعل الداتي والواقع الذي‬ ‫نستخلص منه هذه الموضوعية‪ .‬وبد ً‬ ‫‪3‬‬ ‫باعتبارها مسألة منطق لغة‪ .‬وفي مستوى‬ ‫عمليات البحث فإن هذا النظام يأخذ شكل التجربة‪ . Knowledge and Human Interests.‬وتكررت أيضًا ذات النتيجة‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬‬ ‫ويمكن أن نفهم الفعل الداتي‪ ،‬طبقًا للقواعد المنطقية لعملية البحث‪ ،‬كمعالجة ‪manipulation‬‬ ‫تتم وفقًا لقواعد محددة وتحت شروط تجريبية بعينها‪ . pp.‬‬ ‫وينتج عن فهم الكليات فهمًا أنطولوجيًا أن الدافع الوحيد للتقدم المعرفي سيكون هو‬ ‫حب الستطلع النظري‪ ،‬بينما لو فهم بيرس أنه لم يستخلص الحقيقة فقط من القواعد المنطقية‬ ‫لعمليات البحث وإنما من السياق الموضوعي للحياة أيضًا لدرك أن المعرفة في العلوم‬ ‫الطبيعية ترتبط بالمصلحة في السيطرة التقنية على الطبيعة‪ ،‬وأن هذه المصلحة مكونة لهذه‬ ‫ل لذات ترّكب بين الخاصية التجريبية للنوع‬ ‫المعرفة‪ .‬فلم تعد المادة مفهومًا جوهريًا وإنما هي المجموع الكلي‬ ‫للحوادث التي وقعت والتي ستقع على أساس من التنبؤات الحقيقية الممكنة‪ .‫المتعلقة بها وهو ما يسمح بالختبار الخطابي لمزاعم الصحة الفتراضية ومن ثم يسمح بإنتاج‬ ‫‪1‬‬ ‫المعرفة المؤسسة عقلنيًا‪. cit. pp.‬فوقع التركيب بين الذات والواقع تحت المفهوم الستخدامي‬ ‫ل أمور الواقع الموجودة‬ ‫للعقل وذاب موضوعيًا في سلسلة من الحوادث التجريبية ولم يبق إ ّ‬ ‫‪4‬‬ ‫بذاتها وعلمات تمثل هذه الوقائع‪ .‬هذه المصلحة ل يمكن أن تكون إ ّ‬ ‫النساني التي ظهرت في التاريخ الطبيعي وبين الخاصية العقلية لمجتمع يكّون العالم من أفق‬ ‫ترانسنتدنتالي‪ .‬‬ ‫إن إسقاط مخطط الفعل النساني على الطبيعة يعني أن النظام السلوكي للفعل الداتي‬ ‫هو إطار ترانسندنتالي يؤسس لشروط موضوعية المقولت الممكنة عن الواقع‪ . 133-137‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪12‬‬ . 116-123‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid.

‬فالنظريات والوصف مجرد وعاء لتوليد التجربة‬ ‫المنتجة‪ .‬وفحصنا لهذه الهيرمينوطيقا سيبرز لنا الضافات التي حققها ديلتاي‪ .‬فبينما في‬ ‫العلوم الطبيعية نزود الظاهرة الطبيعية المموضعة في إطار الفعل الداتي ببناءات فكرية‬ ‫افتراضية‪ ،‬أي نزود الطبيعة بنماذج للعلقات الممكنة حتى يتثنى لنا تفسير النتظامات‬ ‫التجريبية بالقوانين‪ ،‬فإننا في العلوم الثقافية‪ ،‬على النقيض‪ ،‬نجد أن المستوى النظري ومستوى‬ ‫المعلومات لم ينفصل على هذا النحو‪ .‬في الفهم‬ ‫أنقل النا التي تخصني إلى شئ خارجي بطريقة تجعل التجربة الماضية أو الجنبية تصبح‬ ‫حاضرة مرة أخرى في تجربتي‪ . Cambridge. 2000.‬ويبدأ هابرماس نقده‬ ‫للتاريخانية من هذه الفكرة‪ ،‬فهو يعتقد بفشل المبدأ القائل بوحدة العلوم بسبب العلقة الوثيقة بين‬ ‫العلوم الجتماعية والتاريخ وبسبب أن هذه العلوم تقوم على فهم للمعنى يرتبط بموقف محدد‬ ‫ل هيرمينوطيقيًا‪ .‬إن الفارق بين العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية هو فارق في مقدار‬ ‫الموضعة‪ .‬وأول مراجعة تمت لهذا التقمص العاطفي تمت من‬ ‫قبل الهرمينوطيقا ذاتها إذ توصلت إلى أن الفهم ل ينتهي في التقمص وإنما في إعادة بناء‬ ‫‪William Outhwaite.‬‬ ‫فالتاريخانية كلها قائمة على فكرة أن للعلوم الثقافية منهجًا مختلفًا عن العلوم الطبيعية وهذه‬ ‫فكرة ل تؤيدها الوضعية ومع ذلك فقد ظل ديلتاي في قبضتها لنه كان يرى أن منهج العلوم‬ ‫الطبيعية هو النموذج الذي يجب أن يحتذيه المنهج في العلوم الثقافية‪ . cit. 142-144‬‬ ‫‪ 3‬محمد نور الدين أفاية‪ ،‬الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ـ نموذج هابرماس‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬ ‫أفريقيا الشرق‪ ،‬الدار البيضاء‪ ،‬بيروت‪1998 ،‬م‪ ،‬ص ‪76‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪13‬‬ . Knowledge and Human Interests. 10‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬ولكن ل بد من القرار بأن ديلتاي أكثر خروجًا على الوضعية وإن ظل في كنفها‪.‬والتجربة في هذه‬ ‫العلوم تكون محددة عن طريق الشروط التجريبية للملحظة المنظمة في المجال الذي يكشف‬ ‫عن نفسه لتدخلنا‪ .‬ويبدو الواقع وكأنه ينفتح للتجربة من داخله‪ .‬‬ ‫إن العلوم الطبيعية‪ ،‬حتى بوصفها إطارًا مرجعيًا تذاتيًا ‪ intersubjective‬كما‬ ‫استنتجنا قبل قليل‪ ،‬تحّيد كل خبرتنا قبل العلمية في الحياة اليومية وتقصيها‪ . Op. General introduction. pp..‬وهكذا يبدو الفهم كتجربة سيكولوجية تجعلني أتقمص تجربتي‬ ‫الماضية مرة أخرى أو تجارب الخرين‪ . edited by William‬‬ ‫‪Outhwaite. The Habermas reader. p.‬ويرى هابرماس أن الفهم هو المر الساسي في إطار‬ ‫العلقة التي تحدد اللغة بالحياة والواقع‪ .‬‬ ‫إن أكثر ما يميز العلوم الثقافية هو "الفهم"‪ ،‬وهو الذي يؤسس مع عناصر أخرى‬ ‫الهيرمينوطيقا كمنهج لهذه العلوم‪ .‫فاستسلم ديلتاي للوضعية وموضوعيتها لم يمكنه من متابعة منطق اكتشافه وبالتالي لم يستفد‬ ‫منه‪ .‬بينما التجربة في العلوم الثقافية تجربة غير محددة‪ ،‬أي أن مقدار الموضعة‬ ‫‪ objectivation‬فيها أقل‪ .‬وفي التجربة في العلوم الثقافية نجد أن كل الستجابات الحسية للتجارب المتراكمة‬ ‫ما قبل علميًا مدعوة لن تلعب دورها‪ .‬والفهم‪ ،‬وليس الشرح والتفسير‪ ،‬هو الذي يساعد على‬ ‫المساك بالوقائع ما دام الموضوع يمتلك في ذاته معنى يتعين إعادة اكتشافه انطلقًا من تعبيره‬ ‫المشخص‪ 3.‬وهنالك‬ ‫أيضًا اختلف في النشاط المعرفي‪" :‬التفسير" في العلوم الطبيعية يتطلب تطبيق الفتراضات‬ ‫النظرية على الوقائع القائمة‪ ،‬وفي المقابل فإن "الفهم" هو فعل تتحد فيه التجربة والفهم‬ ‫‪2‬‬ ‫النظري‪. Polity Press.‬إن العلوم الجتماعية تتميز بأهمية منهجية مختلفة من‬ ‫مما ل يمكن دراسته إ ّ‬ ‫العلوم الطبيعية لن القتراب من الواقع المبني رمزيًا ل يمكن أن يتم بالملحظة فقط‪ ،‬كما أن‬ ‫‪1‬‬ ‫فهم المشارك معك ل يمكن أن يخضع بسهولة للسيطرة المنهجية كإدراك ما للملحظ‪.‬وهذا‬ ‫يؤدي إلى تشكيل مختلف للتجارب والنظريات في العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية‪ .‬فالفهم يتمّكن من التعابير الغريبة للحياة من خلل النتقال من امتلء تجاربنا‪ .

‬ولكنه يتكّون أيضًا في كل لحظة أفقيًا في مستوى التواصل التذاتي ‪intersubjective‬‬ ‫‪4‬‬ ‫العام لذوات مختلفة‪.‬ويفترض ديلتاي المجتمع‪ ،‬الذي يتكّون من وحدات‬ ‫الحياة ويتم تعريفه بعلقة الحوار والعتراف المتبادل‪ ،‬وأيضًا بهوية النا وعملية تكوين الذات‬ ‫في تاريخ الحياة‪ ،‬كإطار موضوعي للعلوم الثقافية‪ ،‬بذات الطريقة التي يفترض بها بيرس كل‬ ‫عملية البحث التي يتبعها مجتمع الباحثين كإطار موضوعي للعلوم الطبيعية‪ .. cit.‬ولهذا السبب‬ ‫فإن الوجود اليومي للفراد الجتماعيين يتحرك ضمن ذات العلقة بين التجربة والتعبير والفهم‬ ‫ل متطورًا منها‪ . p.‬وكما توصل‬ ‫بيرس للمسألة المنهجية الجوهرية للعلقة الضرورية بين الكلي والعيني بواسطة التقدم‬ ‫الستقرائي للعلوم‪ ،‬فإن ديلتاي واجه العلقة بين الكلي والفردي من خلل المجتمع تاريخيًا‬ ‫‪5‬‬ ‫ولغويًا‪. 147‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid.‬وأن الفهم يأخذ كموضوع له ليس البنية النفسية المباشرة وإنما البنية‬ ‫‪1‬‬ ‫الرمزية‪.‬‬ ‫إن أي تاريخ حياة يكّون ذاته ليس فقط في البعد الرأسي كعلقة زمنية للتجارب المتراكمة‬ ‫للفرد‪ . Knowledge and Human Interests.‬‬ ‫إن كل فرد مفرد هو وحدة للحياة‪ .‬البنية‬ ‫ل من خلل إعادة بناء تجريبية‬ ‫الموضوعية للرموز التي نجد أنفسنا فيها ل يمكن أن تفهم إ ّ‬ ‫تعود بنا إلى العملية التي تّكون فيها المعنى‪ .‬فنحن نفهم‬ ‫ل شك ً‬ ‫التي تكون مناهج العلوم الثقافية‪ .‬ولذلك‬ ‫نحتاج إلى إعادة خلق المعنى باستمرار‪ .‬‬ ‫يفهم ديلتاي الحياة التاريخية كموضعة ذاتية دائمة للعقل‪ .‬وفي ذات الوقت فإن المحتوى السيمانطيقي لتعبير ما‬ ‫عن الحياة يعتمد بوضوح على موقعه في نظام لغوي صالح للخرين بقدر اعتماده على موقعه‬ ‫ل فإنه ل يمكن التعبير رمزيًا عن هذه السيرة‪ .‬‬ ‫وتاريخ النوع النساني يتكامل مع هذه العمليات للتكوين الذاتي للعقل‪ . 158-159‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪14‬‬ . 147-153‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Ibid.‬لقد استبدل ديلتاي التقمص العاطفي بنموذج من فلسفة التأمل ‪ reflection‬يكمن‬ ‫‪2‬‬ ‫وراء العلقة المنهجية بين التجربة والتعبير والفهم‪....‬إن تجربة‬ ‫ص ما‪ .‬وإ ّ‬ ‫في سياق سيرة حياة شخ ٍ‬ ‫الحياة ُتبنى في تواصل مع تجارب حياة الخر‪ .‬إن الدللة )المعنى( ل يمكن أن تكون آحادية‪.‬ويقارن ديلتاي تجربة الحياة المتراكمة بالستقراء‪ ،‬إذ أن كل تأويل لحق‬ ‫‪3‬‬ ‫يصحح تعميمات التأويل الذي قبله على أساس التجارب السالبة‪.‬الموضعات‪ ،‬التي يتجسد فيها‬ ‫العقل في غايات وقيم ومعاني‪ ،‬تمثل بنية دللة يمكن فهمها وتحليلها باستقلل عن عمليات‬ ‫الحياة الفعلية‪ ،‬أي باستقلل عن التطورات العضوية والنفسية والتاريخية والجتماعية‪ . p.‬والفهم الهيرمينوطيقي ليس إ ّ‬ ‫أنفسنا والخرين فقط بإدخال تجربة حياتنا في أي شكل من أشكال التعبير يخصنا أو يخص‬ ‫حياة الخرين‪ . 153-156‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪Ibid.. pp.‫الموضعة الذهنية‪ . Op. pp. pp.‬هذا المعنى أو الدللة ينتج من دور العناصر في بنية النا‪ ،‬وهي بنية هويتها تحتوي‬ ‫على التفكك المستمر لهذه الهوية بقدر ما تحتوي على التغلب المستمر على هذا التفكك‪ .‬إن حياة العقل تتكون في تخارج‬ ‫‪ externalization‬ذاته في الموضعة وفي نفس الوقت العودة إلى ذاته بالتأمل في هذا‬ ‫التخارج‪ .‬‬ ‫إن أية تجربة من تجارب الحياة ـ كمكّون للهيرمينوطيقاـ تقوم على وحدة تاريخ حياة‬ ‫الفرد التي تتأسس بدورها على هوية النا وعلى كونها )أي هذه الوحدة( تعّبر عن معنى أو‬ ‫دللة‪ .‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. 146‬‬ ‫‪Ibid.

‬وكلتاهما تبدآن‬ ‫من ارتباك الممارسة الروتينية إذا كان مع الطبيعة أو الشخاص الخرين‪ .‬وقد اكتسبت هذه الوظيفة الفريدة من قدرتها على دمج‬ ‫حّتى تعبيرات الحياة غير المنطوقة والتي بها يمكن أن ُتفهم‪ .‬كل هذه اليحاءات والتفاقات تثبت أن اللغة قادرة على تأويل نفسها‬ ‫‪5‬‬ ‫بنفسها‪ .‬‬ ‫ولذلك فإن الفهم فيها ل يتم كعملية إعادة بناء‪ ،‬أي فهم العلقات الصورية )كما يحدث في‬ ‫العلوم الطبيعية(‪ . 161-166‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪Ibid.‬كلتا المقولتين للبحث متضمنتان في أنظمة الفعال‪ .‬إن اللغات "الخالصة"‪ ،‬التي تعّبر عن القضايا النظرية‪ ،‬تشترط فصلً مبدئيًا‬ ‫بين تفهم التعقيدات المنطقية وبين ملحظة حالت الشياء التجريبية‪ 1.‬ويصبح ديالكتيك العام والفردي ممكنًا في تذاتية ‪ intersubjectivity‬الكلم والفعل‬ ‫مستفيدًا من التدفق المصاحب للتعبيرات التلقائية للحركات الجسدية والشارات ومصححًا نفسه‬ ‫بواسطتها‪ .‬فمن ناحية‬ ‫هو أقرب للسياق التلقائي للحياة من التعبيرات الرمزية للغة العادية وكذلك من الفعل‬ ‫التواصلي‪ .‬ولكنه من ناحية أخرى‪ ،‬يفقد المحتوى‬ ‫‪3‬‬ ‫المعرفي الذي يمكن أن نفهمه في جملة أو فعل‪.‬في مستوى الفعل‪،‬‬ ‫يشير ديلتاي إلى الفعال القصدية التي تخضع لمعايير الفرد‪ .. cit.. Knowledge and Human Interests.‬وكلتاهما تهدفان‬ ‫‪ 1‬محمد نور الدين أفاية‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪74‬‬ ‫‪ 2‬المرجع السابق‪ ،‬نفس الصفحة‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬إن وظيفة الفهم في ممارسة الحياة هي شبيهة بالتي عرضها بيرس بالنسبة‬ ‫للبحث التحليلي التجريبي‪ .‬أما التعبير الجسدي فإن‬ ‫الهيرمينوطيقا تفهمه كقصد غير محدد وعلقة غير مستقرة بين النا وتموضعاتها‪ .‬وهي ل تنشأ قصد التواصل ولكن‬ ‫العلقة المنتظمة للفعل بمحتواه الذهني علقة تسمح بهذا التواصل‪ .‬‬ ‫إن تموضع المعاني في اللغة والفعال والتعبيرات الجسدية أخضع الفهم المتبادل‬ ‫للرموز اللغوية للوقوع الفعلي للفعال المتوقعة في سياق محدد‪ .‬فهو مرتبط بكائن محدد في موقف ل يتكرر‪ .‬ومهمة الهيرمينوطيقا هي تفكيك رموز هذا التأويل الذاتي‪.‬فنحن نستطيع وصف الفعال‬ ‫والكلم عنها وكذلك التعبيرات الجسدية‪ ،‬بل يمكن أن نستخدم اللغة وسطًا لهذه التعبيرات‪ ،‬إما‬ ‫صوتيًا أو أسلوبيًا )بتمثيل العلقة بين الذات وتموضعاتها اللغوية في اللغة نفسها(‪ 4. p.‬هذه العلقات جعلت للغة العادية سمة خاصة هي التأمل الذاتي‪ .‫لقد تطلبت العلوم الثقافية الفهم الهيرمينوطيقي لن المعاني هي وقائع هذه العلوم‪.‬والفعال بدورها يمكن أن يتم‬ ‫فهمها من خلل التواصل اللغوي إذا حدث اختلل في الجماع‪ .‬ولغة العلوم الثقافية‬ ‫ليست لغة صورية تمتلك قواعد ميتالغوية تمكننا من إنتاج أية مقولة ممكنة فيها بأنفسنا ولذلك‬ ‫فهي تتطلب فهمًا هيرمينوطيقيًا‪ . 168‬‬ ‫‪ 5‬محمد نور الدين أفاية‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪75‬‬ ‫‪15‬‬ .‬وزادت إمكانية التأويل لن المعاني ل تتموضع فقط في البعد اللغوي وإنما أيضًا‬ ‫في مستوى الفعل وفي التعبيرات الجسدية‪ ،‬متخطية بذلك ما هو منطوق‪ .‬‬ ‫وهكذا تتم عمليات الفهم والتأويل باختيار إطار مرجعي ومن ثم نحاول أن نجعل‬ ‫الرموز المعطاة تتكامل مع هذا الطار المرجعي‪ ،‬أي أن الفهم هو عملية تطبيق‪ ،‬هي تفكيك‬ ‫لشفرة المادة وفي نفس الوقت اختبار لشفرة المادة ـ بكلمات أخرى‪ ،‬تحليل لغوي وسيطرة‬ ‫تجريبية معًا‪ . pp.‬بل إن هنالك إيحاءات أصبحت تشكل‬ ‫اتفاقات بين الناس‪ .‬ولهذا‬ ‫تكتسب اللغة القدرة على اليحاء بأشياء غير معّبر عنها‪ .‬ولقد تيسرت عمليات التأويل باستعمال بنية اللغة اليومية‬ ‫العادية التي تسمح بخلق علقات حوارية بين الناس وبالتعبير عن الفردي والخاص اعتمادًا‬ ‫على مقولت عامة ومن ثم فهي تطّوع التجربة التواصلية اليومية والتفاهم بين الذات‬ ‫والخرين‪ 2.‬وهي أفعال تواصلية لها صورة‬ ‫التفاعل لنها تتم على أساس من التوقعات المتبادلة للسلوك‪ . Op.‬اللغة والفعل يفهم كل منهما‬ ‫الخر‪ .‬ويمكن القول إن‬ ‫ميتالغة اللغة العادية هي اللغة نفسها‪ .

pp. Knowledge and Human Interests.‬ومن ثم اكتسب منطق العلم‬ ‫مرة أخرى البعد البستمولوجي الذي تركته فلسفة العلم الوضعية‪ .‬وهذا يعني رد هاتين المجموعتين من العلوم إلى بنية‬ ‫الحياة النسانية وهو ما يشكل أساس مفهوم شبه الترانسندنتالية عند هابرماس‪ .‬فديلتاي رغم كانطيته إ ّ‬ ‫للحقيقة‪ .‬وبحثا في منهجيتهما عن‬ ‫ل أن هذه الشروط لم‬ ‫حل لمشكلة الشروط القبلية للمعرفة‪ ،‬تمامًا مثل المنطق الترانسندنتالي‪ ،‬إ ّ‬ ‫تعد قبلية في ذاتها وإنما قبلية بالنسبة إلى عملية البحث‪ . 183‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪16‬‬ .‬‬ ‫وهذا يعني أن ممارسة الحياة تقوم على إمكانية التفاق غير المقيد والعتراف غير القسري‬ ‫‪1‬‬ ‫ولذلك فإن المصلحة المكّونة للمعرفة في العلوم الثقافية هي "مصلحة عملية"‪.‬التجربة تدقق سيطرة قواعد الفعل الداتي البراجماتية اليومية إلى‬ ‫شكل منهجي للبرهان‪ ،‬بينما الهيرمينوطيقا هي الشكل العلمي للنشاطات التأويلية للحياة اليومية‪.‬إن منطق العلوم الطبيعية والثقافية‪،‬‬ ‫خلفًا للمنطق الترانسندنتالي‪ ،‬ل يتعامل مع خواص العقل النظري وإنما مع القواعد المنهجية‬ ‫لتنظيم عمليات البحث‪ ..‬وتمسك بنموذج التقمص العاطفي للفهم فهو النموذج الذي‬ ‫ل أنه لم ينجح في التغلب على الفهم التأملي‬ ‫يتلءم مع الوصف‪ .‬في حالة البحث ينتج الحباط من فشل الفعل العقلني القصدي‬ ‫المسيطر عليه بمبدأ المردود‪ ،‬بينما في ممارسة الحياة ينتج من ارتباك الجماع‪ ،‬أي عدم‬ ‫جهين‬ ‫التفاق في التوقعات المتبادلة بين ذاتين فاعلتين على القل‪ .‬وهو مفهوم‬ ‫يثير شيئًا من الرتباك فالمصالح التي يعينها بوصفها مصالح مكّونة للمعرفة هي مصالح‬ ‫تتحدد تجريبيًا ولكنها وفي ذات الوقت تلعب دورًا ترانسندنتاليًا في إقامة الشروط التي تحدد‬ ‫‪Jurgen Habermas. Op.‬‬ ‫إن ديلتاي‪ ،‬مثل بيرس‪ ،‬ظل خاضعًا للوضعية ولذلك رغب في تحرير الفهم‬ ‫الهيرمينوطيقي من بنية المصلحة التي يوجد فيها على المستوى الترانسندنتالي ونقله إلى البعد‬ ‫التأملي طبقًا لنموذج الوصف الخالص‪ ،‬وتخلى عن التأمل الذاتي في العلوم الثقافية في اللحظة‬ ‫التي بدأت تظهر فيها المصلحة المعرفية العملية كأساس للمعرفة الهيرمينوطيقية وليس كملوث‬ ‫لها‪ .‬‬ ‫إن ديلتاي يفهم العالم التاريخي فهمًا وضعيًا في مذهبه الحيوي ‪ vitalism‬فتيار الحياة‬ ‫الكلي الوجود الذي يتدفق كل الوقت تتأمن وحدته بالتزامن وكلية الوجود الكامنين في منتجاته‪.‬وطبقًا لذلك فإن مقاصد التو ّ‬ ‫في البحث مختلفة‪ ..‬الول يهدف لتبديل قواعد السلوك التي فشلت في الواقع بقواعد تكنيكية‬ ‫مجربة‪ ،‬بينما الثاني يهدف إلى تأويل تعبيرات الحياة التي ل نستطيع فهمها ومن ثم تغلق‬ ‫التوقعات السلوكية المتبادلة‪ . 179-180‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Ibid.‬هذه القواعد لم تعد تمتلك حالة القواعد الترانسندنتالية الخالصة‪ .‬‬ ‫خلصة نقد البراجماتية والتاريخانية‪:‬‬ ‫لقد طّور بيرس وديلتاي منهجية العلوم الطبيعية والثقافية كمنطق للبحث وفهما عملية‬ ‫البحث في سياق بنية إنسانية موضوعية‪ ،‬للتكنيكات والممارسة‪ .‬‬ ‫وهذا يكافئ تمامًا المجموع الكلي للتجارب الممكنة عند بيرس‪ . p.‬إن لها‬ ‫وظيفة ترانسندنتالية ولكنها تنشأ من البنيات الواقعية للحياة النسانية‪ :‬من بنيات النوع النساني‬ ‫التي تعيد إنتاج حياتها من خلل عمليات التعلم للعمل المنظم اجتماعيًا وعمليات الفهم المتبادل‬ ‫في التفاعلت المتحققة في اللغة العادية‪ ..‬إن المذهب الحيوي هو الذي‬ ‫‪3‬‬ ‫سمح لديلتاي بنقل نموذج العلوم الطبيعية في الموضوعية إلى العلوم الثقافية‪.‬وظهور الوضع الشكالي ينتج‬ ‫من التوقعات المحبطة‪ .‬وإعادة عيش التجربة هي بمعنى ما تكافئ الملحظة في العلوم التجريبية فالثنان‬ ‫‪2‬‬ ‫يلبيان خاصية نظرية نسخ الحقيقة‪. pp. 173-176‬‬ ‫‪Ibid.‬وبذلك ارتّد إلى الموضوعية‪ .‫إلى إزالة الشك وإعادة تأسيس الساليب غير الشكالية للسلوك‪ . cit.

21‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪William Outhwaite.‬في التأمل الذاتي‪ ،‬تتطابق‬ ‫المعرفة من أجل المعرفة مع المصلحة في الستقلل والمسئولية‪ .‬إن هابرماس يعتقد أن النموذج الوضعي يناسب ممارسة‬ ‫العلوم الطبيعية وهدفها النهائي في السيطرة على الطبيعة واستغللها‪ .‬ولذلك لم يكن‬ ‫هنالك بّد بالنسبة لبيرس وديلتاي من التأمل في أصل العلوم من منظور بنية الحياة الموضوعية‬ ‫ومن ثم اتباع المنهجية بأسلوب إبستمولوجي‪ .‬إذن ل بد‬ ‫‪William Outhwaite.‬وهذا ما فعله‪ ،‬ولكن ل أحد منهما كان يعلم ما‬ ‫يفعل‪ .‬ونستطيع القول‬ ‫إنه يخضع لمصلحة معرفية تحررية‪ .‬لن قمة التأمل تدرك نفسها‬ ‫كحركة تحرر‪ .‬يكون فيها العقل خاضعًا في نفس الوقت للمصلحة في العقل‪ . Critical theory as a research program. cit. 98-99‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. Dryzek.. Op.‬ومع ذلك فإن رد إطار العلوم التي تتوصل إلى قوانين‬ ‫والعلوم الهيرمينوطيقية إلى بنية الحياة النسانية‪ ،‬وطبقًا لذلك استخلص معنى وصلحية‬ ‫العبارات من المصالح المعرفية‪ ،‬أمر ضروري طالما أن الذات الترانسندنتالية تم استبدالها‬ ‫بالنوع النساني الذي يعيد إنتاج نفسه تحت شروط ثقافية‪ ،‬أي الذي يكّون نفسه في عملية‬ ‫التشكيل الذاتي‪ 2.‬‬ ‫إن تجربة التأمل تعّبر عن نفسها جوهريًا في مفهوم عملية التكوين الذاتي‪ .‬وتمتاز العلوم النقدية بمنهج مختلف عن مناهج العلوم الطبيعية‬ ‫والثقافية أل وهو منهج التأمل الذاتي‪. p. cit.. 11‬‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬وبغير ذلك فإن المصالح المعرفية التقنية والعملية ل يمكن أن ُتفهم إل‬ ‫بتفسيرات سيكولوجية أو وفقًا للموضوعية‪ 6.. General introduction. Op. Op.‬ويعتقد كذلك أن النموذج‬ ‫التأويلي يناسب العلوم الثقافية وهدفها في فهم مركبات طرق الحياة الذاتية والمساك بها‪ .‬وهذا يعني أن المصالح التقنية المكّونة للمعرفة ل يمكن أن‬ ‫يتم فهمها كسلوك أو كميول تجريبية‪ ،‬وكذلك المصالح العملية ل يمكن تبريرها كقيم متغيرة‬ ‫‪3‬‬ ‫ذات علقة مع معايير الفعل‪..‬والعلوم النقدية هي التي تقوم بهذه المهمة‪ ،‬منتجة بذلك التقليد الفلسفي المعروف بوحدة‬ ‫العقل والمصالح النسانية‪ 4. cit. 194‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. cit. Op.‬إن هابرماس يتحرك من نقده لبيرس وديلتاي إلى مفهوم جديد هو العلوم النقدية أو‬ ‫العلوم التحررية وهي علوم تتميز عن العلوم الطبيعية التجريبية التي تهدف إلى التنبؤ‬ ‫والسيطرة على العمليات الموضوعية‪ ،‬كما تتميز عن العلوم الثقافية التي ل تستطيع بمفردها‬ ‫الكشف عن العقبات السببية للفهم كما ل تستطيع الكشف عن تأثيرات التواصل المشوه‬ ‫المنظم‪ . p. Theory and Practice. Op. Knowledge and Human Interests. 10‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪John S.. Knowledge and Human Interests. p.‬وهي تقود‬ ‫منهجيًا إلى موقف ينشأ منه تطابق حّر بين العقل وإرادة التعقل‪ . pp..‬ولكن‬ ‫عندما يأتي المر إلى العلوم النقدية فإن هابرماس يعتقد أن المصالح التقنية في السيطرة‬ ‫والمصالح العملية في الفهم يخضعان معًا للمصلحة في التحرر‪ 5.‬ول يمكن فهم المصالح‬ ‫المعرفية التقنية والعملية كمصالح مكونة للمعرفة إل في علقتها بالمصلحة المعرفية التحررية‬ ‫للتأمل العقلني‪ . Op. General introduction. 197-198‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪17‬‬ .‬إننا نواجه هذه المصالح المعرفية عندما نحاول أن ندرك الوقائع التي تكون‬ ‫العبارات النظرية بصددها ممكنة‪ .‬ولم يكن في استطاعتهما القيام بذلك إ ّ‬ ‫تاريخ النوع النساني كعملية تشكيل ذاتي‪ . p.‫العبارات ذات المعنى في هذه العلوم‪ 1. pp.‬ولقد رأينا عدم كفاية هذه التفسيرات‪ . in The Cambridge‬‬ ‫‪Companion to Habermas.‬هذا المفهوم الذي طّوره هيجل وتبناه ماركس‪ ،‬إ ّ‬ ‫ل‬ ‫أن العودة إليه على أساس من الوضعية كانت ستبدو وكأنها عودة للميتافيزيقيا‪ .‬‬ ‫لقد كشف بيرس وديلتاي جذور المعرفة العلمية في المصلحة ولكنهما لم يفكرا فيها‬ ‫على هذا النحو‪ ،‬ولم يطورا مفهوم المصالح المكونة للمعرفة‪ ،‬ولم يفهما ما تنطوي عليه هذه‬ ‫ل في إطار غريب عليهما‪ ،‬أي ضمن مفهوم‬ ‫المصالح‪ . cit. cit.

‬ويمكــن تلخيــص تصــور كــوهن‬ ‫كالتي‪ :‬يسود في أي عصر‪ ،‬وفي كل مجال معين من العلوم الطبيعية )قد يكون فــرع صــغير‬ ‫من أحدها يشتغل فيه بضــع عشــرات مــن العلمــاء(‪ ،‬علــم معيــاري ‪ normal science‬يعتمد‬ ‫نموذجًا ‪ paradigm‬تحتذيه النظريات العلمية في هذا المجال‪ .‬وهذا التصور عقلني‪ ،‬كما قلت قبل قليل‪ ،‬لنه يتبنى وجهة نظــر‬ ‫معرفية تجعل النظريات العلمية تترابط فيما بينها نتيجة للتماسك المنطقي لنظام الطبيعــة‪ .‬صحيح‬ ‫أن اكتشافها قد يرتبط بحاجٍة ما قد يحددها السياق التاريخي ولكن يظل هــذا الرتبــاط خارجي ـًا‬ ‫بالنسبة لمنطق الكتشاف نفسه ول يؤثر فيه‪ ،‬وإنما يشكل مجرد تبرير لحــدوث الكتشــاف‪ .‬هذا التصور عقلني ولكنه غير تاريخي لن الكتشافات العلمية تترابط فيه داخليًا‪ ،‬أي‬ ‫من حيث طبيعتها الداخلية ووفقًا لمنطقها الخاص‪ ،‬وبغض النظر عن سياقها التاريخي‪ .‬‬ ‫أيضًا تحو ً‬ ‫فقد كانت العلوم الطبيعية تقر بتصور لتطورها يعتمد على الضرورة العقلنية‪ ،‬بمعنــى‬ ‫أن النتقال من نظرية علمية إلى أخرى يتم بالضــرورة نتيجــة لكتشــاف معطيــات جديــدة فــي‬ ‫الواقع )طبعًا المعطيات ليست جديدة وإنمــا ملحظتنــا لهــا هــي الجديــدة(‪ ،‬وأن هــذا المــر يتــم‬ ‫بتجربة واحدة حاسمة ‪ ،crucial experiment‬وفقًا لكــارل بــوبر‪ ،‬تكشــف لنــا خطــأ النظريــة‬ ‫العلمية السابقة ومن ثم تكون أساسًا للنظرية العلمية الجديدة وهكذا ننتقل من نظرية علمية إلـــى‬ ‫أخرى‪ .‬ويظل هذا العلم المعياري‬ ‫ونموذجه سائدًا طالما ظل قادرًا على تفسير عــدد مــن الوقــائع أكــبر مــن تلــك الــتي يفشــل فــي‬ ‫تفسيرها‪ ،‬مما يهدم فكرة التجربة الحاسمة التي تثبت خطأ النظرية‪ .‬فالعلم المعياري يظل سائدًا‬ ‫على الرغم من وجود عدد من التجارب التي تثبت خطأه طالمــا أن عــدد التجــارب الــتي تثبــت‬ ‫ل فــي المعامــل ومــا ظــل يحــدث طــوال تاريــخ تطــور‬ ‫صحته أكثر )وهو ما يقره ما يحدث فع ً‬ ‫العلم( إلى أن يفوق عدد الوقائع التي يفشل فــي تفســيرها عــدد الوقــائع الــتي يســتطيع تفســيرها‬ ‫فيدخل العلم المعياري مرحلة أزمته‪ ،‬ويبدأ البحث عن علم معياري جديد يطرح نموذجًا جديدًا‪،‬‬ ‫ويتم العثور عليه عندما نجد علمًا يستطيع أن يفسر الوقائع التي فشل العلم المعياري القديم فــي‬ ‫‪18‬‬ .‫من إثبات أن العقل قادر على أن يكون بنفسه عمليًا حتى نستطيع أن نثبت أنه بدون المصلحة‬ ‫المعرفية التحررية ل يمكن فهم المصالح المعرفية التقنية والعملية كمصالح مكونة للمعرفة‪.paradigm shift‬‬ ‫ل نموذجيًا علــى نظريــة‬ ‫ووجه المفاجأة في كون أن مجال العلوم الطبيعية‪ ،‬الذي كان يعتبر مثا ً‬ ‫المعرفة التي تعتمد نظرية التطابق في الحقيقة )أي نظرية المعرفــة الــتي تعتمــد أن صــحة أيــة‬ ‫ل نموذجيًا أيضًا على الدقة والبداهة واليقين‪ ،‬قد حدث فيــه‬ ‫حقيقة في كونها مطابقة للواقع( ومثا ً‬ ‫ل يعزز التعدد والختلف ويعتمدهما في الساس الصوري والجرائي لهذه العلوم‪.‬وقد عّبر توماس كــوهن عــن هــذا التحــول فــي كتابه " بنية‬ ‫الثورات العلمية"‪ ،‬بل إن كوهن هو الذي صاغ مصطلح تحــول النمــوذج ‪.‬‬ ‫تحول النموذج في العلوم الطبيعية‪:‬‬ ‫إن نقد الوضعية ينقلنا مباشرة إلى تحول النموذج في العلوم الطبيعية؛ وهو أمر مفاجئ‬ ‫لما اعتدنا عليه ومفارق للمألوف‪ .‬وهــو‬ ‫أيضًا تصور واقعي لنــه يتبنــى وجهــة نظــر ميتافيزيقيــة تجعــل النظريــات العلميــة تعّبــر عــن‬ ‫ل فــي الطبيعــة )قلــت ميتافيزيقيــة لن وجودهــا مفــترض قبلي ـًا ‪a priori‬‬ ‫معطيات موجودة فع ً‬ ‫وسابقًا على أية تجربة‪ ،‬باعتباره مبدًأ أوليًا(‪.‬‬ ‫ولقد هدم توماس كوهن هذا التصور بحيث لم يعد موجودًا في صورته الكلسيكية هذه‬ ‫في أي تصور للعلوم الطبيعية أتى بعد كتــابه المــذكور أعله‪ .‬أي‬ ‫أن هذا التصور الكلسيكي يفصل بين منطق الكتشاف ومنطق التــبرير‪ ،‬وبســبب هــذا الفصــل‬ ‫يصير تصورًا غير تاريخي‪ .

240‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪19‬‬ .‬‬ ‫تحول النموذج في العلوم النسانية والجتماعية‪:‬‬ ‫منــذ أن نشــأت العلــوم الطبيعيــة بــالمعنى الحــديث والمعاصــر ـ ـ أي منــذ انقســام العلــم‬ ‫الطبيعي ونشأة فروعه المختلفة ـ في منتصف القرن التاسع عشر‪ ،‬سادت وجهة نظــر تــرى أن‬ ‫جوهر المعرفة النسانية واحد ولذلك يجب أن يسودها منهج واحد‪ .‬وطالمــا نحــن نتحــدث عــن التفســير‬ ‫والمعنى فإننا نتحدث عن السيمولوجيا والسيمانطيقا وعلوم اللغة التركيبية والتداولية‪.‬‬ ‫فلم نعد نتصور أن تطور العلــم يتــم وفق ـًا للضــرورة العقلنيــة فهنــاك جانب ـًا عرضــيًا فــي هــذا‬ ‫التطور يعتمد على أن تتالي النظريات العلمية في تاريخ العلم ل يتــم لن اللحقــة كــانت أكــثر‬ ‫تطابقًا مع الواقع من السابقة‪ ،‬وإنما لن اللحقة كانت لها قدرة على التفسير أكــثر مــن الســابقة‬ ‫وأكثر من النظريات المعاصرة لها والمنافسة‪ ،‬مما يدخل جانبًا يزيد من عرضــية هــذا التطــور‬ ‫أل وهو جانب التأويــل والمعنــى طالمــا أننــا نتحــدث عــن التفســير‪ ،‬بــل عــن تفســيرات مختلفــة‬ ‫ومتنافسة‪ ،‬وطالما أن التفسير الذي يسود ل يســود نتيجــة لمطــابقته الفضــل مــع الواقــع وإنمــا‬ ‫نتيجة لن الحجج التي اعتمدها أقنعت الخرين المشاركين في المجــال العلمــي المعيــن بقــدرته‬ ‫على التفسير أفضل من غيره‪. 1989. Unwin Hyman. Philosophy of Science. O.‬‬ ‫هذا التصور انتقل بالعلوم الطبيعية بشكل عام إلى نموذج جديــد‪ ،‬يتطــابق مــع كــون أن‬ ‫كوهن هو الذي صاغ هذا المصطلح وإن كان يقصد به الفروع الصغيرة من العلــوم الطبيعيــة‪.‬هذه العوامــل ل يمكــن دراســتها فقــط بــالطرق‬ ‫التجريبية للعلوم الطبيعية وإنما أيضًا بــالطرق التفســيرية للعلــوم النســانية لن المعنــى العميــق‬ ‫لموضوعات المجال العلمي المعين ولنشاط المشتغلين فيه إنما تعكس رؤية للعالم‪ . in The Concise Encyclopedia of Western‬‬ ‫‪Philosophy and Philosophers. London.‬‬ ‫وانتقلنا بذلك من تصور كلسيكي للعلم الطــبيعي يتصــف بالعقلنيــة فــي وجهــة نظــره‬ ‫المعرفية وبالواقعية فــي وجهــة نظــره الميتافيزيقيــة إلــى تصــور جديــد للعلــم الطــبيعي يتصــف‬ ‫بعقلنية أخرى جديدة معادية للعقلنية الكلسيكية‪ ،‬ل تعتمد المطابقة مــع الواقــع كمعيــار وإنمــا‬ ‫قوة إقناع الحجج‪ ،‬ويتصف أيضًا بمعاداته للواقعيــة الميتافيزيقيــة ويتبنــى وجهــة نظــر تــرى أن‬ ‫الوقائع ليست موجودة هناك مسبقًا وَقْبليًا وإنما يتم بناؤها في مجرى التفاعل بين المشتغلين في‬ ‫المجــال العلمــي المعيــن‪ ،‬أي فــي التــذات ‪ intersubjectivity‬وإن كان على أساس مزاعم‬ ‫التطابق مع الواقع‪ .‬وواضــح أن‬ ‫التصور الكلسيكي للعلم لم يول أية عناية لقضية المعنــى‪ . edited by J.‬‬ ‫‪completely revised. New edition. p.‬وهــذا يعنــي أنــه إذا‬ ‫كانت العوامل العلمية هي التي تمنح العلم عقلنيتــه المميــزة عــن غيرهــا مــن العقلنيــات فــإن‬ ‫العوامل الخرى‪ ،‬ومنها الجتماعية‪ ،‬تتــدخل فــي تحديــد المعنــى العميــق لموضــوعات المجــال‬ ‫العلمي المعين ولنشاط المشتغلين فيه‪ ،‬أي مــا يمكــن تســميته بالميتــاعلم ـ ـ إذا صــحت الترجمــة‬ ‫وأظنها كذلك وفقًا لشبيهه مصطلح الميتافيزيقيا‪ . Urmson and Jonathan Rée.‬ومن ثم يكرر العلم المعياري الجديد ذات المراحل‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬ ‫وهكذا يتطابق تحــول النمــوذج فــي العلــوم الطبيعيــة مــع تحــول النمــوذج فــي المعرفــة‬ ‫النسانية عمومًا فتنتقل من نموذج فلسفة الــذات إلــى نمــوذج فلســفة اللغــة‪ .‬وطالما أن العلم الطبيعي قد‬ ‫حقق نتائج باهرة تتمتع بالدقة واليقين والبداهــة‪ ،‬نتــائج غّيــرت الحيــاة النســانية تغييــرًا جــذريًا‬ ‫‪Ian Hacking.‬وهو ما يجعل التصور الجديد تصــورًا تاريخيـًا حقـًا ل يفصــل بيــن منطــق‬ ‫الكتشاف ومنطق التبرير وإنما يوحد بينهما‪ ،‬مما يجعل منطق البناء الــداخلي للنظريــة العلميــة‬ ‫يعتمد على السياق التاريخي ليس في التبرير فقط وإنما في الكتشاف أيضًا‪.‫تفسيرها‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬يستطيع أيضًا تفسير الوقائع التي كان العلم المعياري القــديم ناجحـًا‬ ‫في تفسيرها‪ 1.

‬ويــدخل فــي بــاب الخيــرة الــدين والخلق‬ ‫والداب والفنون‪ ،‬بل يدخل فيه أية معرفة ل تقوم على التجربة‪ . 1. p.‬وبالتالي اقتصــر دور الفلســفة‬ ‫في الوضعية المنطقية على التمييز بين القضايا ذات المعنى‪ ،‬والــتي يجــب‪ ،‬مــن ثــم‪ ،‬أن نطبــق‬ ‫عليها المنهج العلمي‪ ،‬والقضايا التي ل معنى لها‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬ل يؤبه لها‪ .‬ومن ثم رأت الوضعية المنطقيــة أن القضــية ذات المعنــى هــي القضــية الــتي‬ ‫يمكن التحقق منها‪ . Vol. Reason and The‬‬ ‫‪Rationalization of Society. The Theory of Communicative Action.‬ووصم التاريخ النســاني بفــاعليته المســيطرة‬ ‫مخيبًا المال التي ُ‬ ‫والدوغمائية والمقصية للختلف والتعــدد‪ .‬‬ ‫هنالك لحظتان هامتان في تحّول النموذج في العلوم النسانية والجتماعيــة همــا مقــالي‬ ‫بيتر ونش ‪ Peter Winch‬الهامين‪" :‬فكرة العلم الجتماعي" و " فهم المجتمع البدائي" في‬ ‫أواسط القرن الماضي‪ 1.‬وانتهت الوضعية المنطقية ـ التي حملت فيما بعد اسم‬ ‫التجريبية المنطقية ـ إلى ما يسمى بالنظرية الموحدة الكــبرى ‪ unified grand theory‬التي‬ ‫ترد ما هو اجتماعي إلى مــا هــو ســيكولوجي‪ ،‬ومــا هــو ســيكولوجي إلــى مــا هــو فســيولوجي‪،‬‬ ‫والخير إلى ما هو بيولوجي‪ ،‬والبيولوجيا إلى الكيمياء الحيوية والكيمياء‪ ،‬والتي تعــود بــدورها‬ ‫إلى الفيزياء‪.‬‬ ‫‪Boston.‬ومن ثم طرح موقفًا جديــدًا يســتلهم فيــه المرحلــة الخيــرة مــن‬ ‫‪Jurgen Habermas.‬‬ ‫غير أن المر لم يكن مستتبًا تمامـًا لنمــوذج العلــم الطــبيعي رغــم تفــوق العلــم وتــأثيره‬ ‫الحاسم علــى الحيــاة النســانية‪ ،‬فالعقــل الــذي أفرزتــه هــذه العقلنيــة عقــل ســيطرة تحــول إلــى‬ ‫ميثولوجيا جديدة ـ كما أدرك ذلــك أدورنــو وهوكهــايمر فــي كتــاب جــدل التنــوير ـ ـ ميثولوجيــا‬ ‫تحجب الحياة وتسيطر عليها كما تفعــل الميثولوجيــا القديمــة‪ . 53 and its footnotes.‫ل قاطعًا على صحتها وحقيقتها‪ ،‬فإن منهــج هــذا‬ ‫وفتحت لها آفاق التقدم والتطور‪ ،‬مما يشكل دلي ً‬ ‫العلم الطبيعي يجب أن يكون المنهج السائد في كل المعرفة النسانية‪ .‬فقد اعترض وينش نقديًا على أحكام القيمة السائدة في علم الجتماع‬ ‫ل‪ ،‬المجتمعــات الفريقيــة ــ والــتي‬ ‫والنثروبولوجيا علــى مــا يســمى بالمجتمعــات البدائيــة ــ مث ً‬ ‫تفترض دونية هذه المجتمعات‪ .‬‬ ‫وكانت المناظرة الشهيرة بين أدورنو وهابرماس من جهة وكارل بوبر من جهة أخرى‬ ‫في الستينات من القرن الماضي مناظرة بين من يــرى أن المنهــج العلمــي يجــب أن يســود كــل‬ ‫المعرفة النسانية ومن يرى أن للعلوم النسانية والجتماعيــة منهج ـًا مختلف ـًا‪ ،‬وهــو جــدل كــان‬ ‫يشكل أحد القضايا الهامة والحيوية في ذلك الــوقت‪ .‬وصــار العلــم مشــروعًا للســيطرة‬ ‫عقدت عليه كمشروع للتحرر‪ . translated by: Thomas McCarthy.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪20‬‬ . 1984.‬بل إن هنالك تيارًا فلسفيًا‬ ‫في النصف الول من القرن العشرين‪ ،‬هو الوضعية المنطقيــة‪ ،‬ذهــب إلــى أن العلــم وحــده هــو‬ ‫المعرفة الحقيقية‪ .‬فقــد بــدأ نقــد الحداثــة القائمــة علــى هــذا النــوع مــن‬ ‫العقلنية منذ وقت مبكر‪ ،‬بل يمكن القول منذ بــدايات مشــروع الحداثــة فــي النقــد الــذي ابتــدره‬ ‫ل أن هذا النقد تحدد كمشروع نظــري مــع الــرواد الوائل لمدرســة فرانكفــورت الــذين‬ ‫روسو إ ّ‬ ‫صاغوا مصطلح العقلنية الداتية لنقد العقلنية الــتي قــام عليهــا العلــم فــي ذلــك الــوقت‪ ،‬وفــي‬ ‫محاولة لتخطي أحاديتها‪.‬واحتلــت الفلســفة بــذلك‬ ‫موضع الوصيفة والخادمة للعلم الطبيعي‪ .‬أمــا الن فــإنه لــم يعــد كــذلك لن تومــاس‬ ‫كوهن قد حسم هذا الجدل لصالح التعدد بكتابه "بنية الثــورات العلميــة" كمــا أن تطــور العلــوم‬ ‫الطبيعية نفسها وصياغتتها لمناهج علمية عديدة‪ ،‬بحيث أصبح كل فرع صغير لي مــن العلــوم‬ ‫يتمتــع بمنهــج مختلــف عــن الخــر‪ ،‬انتهــى بالمناهــج إلــى تعــدد‪ ،‬صــارت العلــوم النســانية‬ ‫والجتماعية أولى به من غيرها‪.‬وأية قضية أخرى ل يمكن التحقق منهــا هــي محــض لغــو فــارغ يعّبــر فــي‬ ‫أحسن أحــواله عــن العاطفــة والوجــدان والشــعور‪ . Beacon Press.

‬‬ ‫ويرى وينش أن هذه محاكمة لهذه المجتمعات بمفاهيم ومقولت ل تنتمــي إلــى رؤيتهــا‬ ‫للعالم وإنما إلى رؤية الوروبيين للعالم‪ .‬ومن هذا الجانب فإن التفكير السطوري أدنى من التفكيــر‬ ‫الحديث‪ ،‬كما يرى بريتشارد‪ . Reason and The‬‬ ‫‪Rationalization of Society. Wittgenste. Urmson.‬إن أية ثقافة تؤسس في لغتها علقة بالواقع مما يعنـــي‬ ‫أن أية لغة تحمل رؤية للعالم لن كلمات هذه اللغة هي التي تحدد مفــاهيم "الــواقعي" و "غيــر‬ ‫الواقعي"‪" ،‬الحقيقي" و "غير الحقيقي"‪ . 56‬‬ ‫‪J..‬إ ّ‬ ‫الواقع‪ .‬فالمعرفة في العلم الطبيعي هي المعرفة التجريبية عن العمليات المادية والطــرق الفنيــة‬ ‫والتكنيكية للتدخل في هذه العمليات‪ . cit. pp.‬‬ ‫وبسبب ذلك فإن ما يقوله النسان أو يفعله يصنع فارقًا ليس فقط بالنسبة إلى أداء النشاط الــذي‬ ‫يرتبط به وإنما بالنســبة إلــى حيــاته وحيــاة الخريــن‪ .‬إن العلــم‬ ‫‪3‬‬ ‫يستجيب لمتطلبات الجانب المنهجي بينما التفكير السطوري غير معني به‪.‬ولــذلك فمــا نتعلمــه مــن دراســة الثقافــات‬ ‫الخرى ليس فقط إمكانية وجود طرق أخرى مختلفة لفعل الشياء‪ ،‬أي تكنيكات أخــرى‪ ،‬وإنمــا‬ ‫هو أهم من ذلك فما نتعلمه أيضًا هو المكانات المختلفة لخلق معنى للحياة النسانية‪ ،‬والفكــار‬ ‫المختلفة عن الهمية المحتملة للنشطة التي يمارسها النسان‪ ،‬ومحاولة التأمل في معنى الحياة‬ ‫‪Ibid.‬ولذلك نجــد أن الســطورة ل تختلــف عــن العلــم الطــبيعي فــي هــذا الجــانب‬ ‫ل أنها تختلف عنه في الجانب المنهجــي‪ ،‬ويعنــي بــه بريتشــارد جــانب التطــابق مــع‬ ‫المنطقي‪ .. Op. cit.‬ولذلك ل يمكن أن نأخذ مقولت ومفاهيم تنتمي إلى لغٍة مــا لنحــاكم بهــا‬ ‫لغة أخرى‪ .‫تطور فتجنشتين‪ 1‬الفلسفي فيما يسمى بـ"ألعاب اللغة"‪ ،‬والتي انتقل فيها فتجنشتين من إحدى‬ ‫صور المعرفة كتطابق مع الواقع‪ ،‬إذ كان يرى مع برتراند رسل أن المعرفــة النســانية تتكــون‬ ‫من وحدات‪ ،‬كل وحدة منها تتطابق مع واقعة بعينها‪ ،‬وُتعرف هذه القضايا بالوقائع الذرية ـ في‬ ‫إشارة بليغة إلى النموذج الذي تحتذيه ـ إلى موقف فلسفي يرى فيــه أن معنــى أيــة كلمــة يتحــدد‬ ‫بمجال استخدامها وليس بعلقتها بالواقع‪ .‬فمعاني الكلمات ل تتحدد بالتطــابق مــع الواقــع وإنمــا‬ ‫تتحدد في معاني اللغة‪ .‬فالمفاهيم العلمية هي تلــك الــتي تتطــابق مــع الواقــع الموضــوعي‬ ‫فيما يخــص صــحة مقــدماتها ومــا يخــص اســتنتاجاتها المستخلصــة مــن افتراضــاتها‪ .‬فألعاب اللغة يلعبها أفراد يعيشــون حيــوات تشــمل‬ ‫تنوعًا واسعًا من المصالح‪ ،‬وتتوفر فيهــا كــل أنــواع العتمــاد المتبــادل علــى بعضــهم البعــض‪.‬ولذلك فإن الكلمة نفسها يمكن أن يكون لها معاني مختلفة وفقـًا للمجــالت الــتي تســتخدم‬ ‫فيها‪ ،‬ككلمة "لعبة" نفسها فهي لها معــاني مختلفــة "لعبــة كــرة القــدم" و "لعبــة الشــطرنج" و‬ ‫"لعبة الكوتشينة" و "لعبة شليل وينو" و "لعبة السياسة" ‪ . O.330‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪Jurgen Habermas..‬خاصًة وأن وينش يرى أن اللغة ورؤية العالم المعّبر عنهــا فــي اللغــة تتشــابك مــع‬ ‫أشكال الحياة ‪ forms of life‬ـ أي مع الممارسة اليومية للفراد الجتماعيين‪ ،‬بحيث ل يمكن‬ ‫أن نرد أشكال الحياة فقط إلى وظيفة معرفة الطبيعة الخارجية والسيطرة عليها )وهو مــا تفعلــه‬ ‫الماركسية التي تربط أشكال الحياة بتشكيلت اقتصادية ـ اجتماعية يؤسسها النشاط القتصــادي‬ ‫القائم على معرفة الطبيعة والسيطرة عليها(‪ ..‬في هذه الدراسة يرى إيفــانز‪ -‬بريتشــارد أن‬ ‫السطورة متماسكة منطقيًا‪ . 327. p.‬الخ مع ذلك فهي أيضًا تحمل‬ ‫‪2‬‬ ‫متشابهات‪..‬و"ألعاب اللغة" تعني أن معنى الكلمة يتحــدد بقواعــد‬ ‫وشروط المجال الذي تستخدم فيه‪ ،‬تمامًا مثل أي عنصر في لعبٍة ما يتحدد بقواعد وشروط هذه‬ ‫اللعبة‪ . 55-56‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪21‬‬ . The Theory of Communicative Action. in The Concise Encyclopedia of Western Philosophy and‬‬ ‫‪Philosophers. Op.‬‬ ‫استلهم وينش فلسفة اللغة عند فتجنشتين منتقدًا تلك الدراسة الهامــة ليفــانز‪ -‬بريتشــارد‬ ‫عن السحر عند قبيلة الزاندي في جنوب السودان‪ .‬فهي ـ شأنها شأن العلــم الطــبيعي ــ ترتبــط فيهــا الســباب بالنتــائج‬ ‫والعلل بمعلولتها‪ . pp.

‬والسيمولوجيا تلعب دورًا رئيسًا فــي الدراســات النثروبولوجيــة‬ ‫والثقافية دع عنك مجالت الداب والفنــون‪ .‬‬ ‫‪2.‬‬ ‫‪Jurgen Habermas. translated with an introduction by Thomas McCarthy.‬ول يصح للوروبي أن يحاكم المجتمعات الفريقية ويصفها‬ ‫‪1‬‬ ‫بأنها بدائية لكونها ل تنسجم مع مقولته ومفاهيمه عن الواقعي والحقيقي‪.‬إن علــوم اللغــة تحــدد بشــكل حاســم مجــال العلــوم‬ ‫النسانية والجتماعية‪.‬‬ ‫‪Ibid.‬وهو أمــر لــم يكــن ممكن ـًا‬ ‫لول الساس النظري والمعرفي الحادي الذي يعتمد حقيقة واحدة هي تلك المتطابقة مع الواقــع‬ ‫ومن ثم فل يمكن أن يكون هنالك غير مسار واحد للتاريخ ويتم تصنيف باقي المجتمعات طبقــًا‬ ‫ل أنه ـ ـ كمــا‬ ‫لموقعها من هذا المسار فتكون بدائية وتقليدية ونامية بينما تصبح هي المتطورة‪ . Communication and the Evolution of‬‬ ‫‪Society.‬‬ ‫‪Polity Press.‬‬ ‫إن مــأثرة وينــش تتجلــى فــي تجــاوز الســاس النظــري والمعرفــي الحــادي للعلــوم‬ ‫الجتماعية الذي كان سائدًا فيما قبله تيمنًا بالعلم الطبيعي إلى أساس نظــري ومعرفــي تع ـّددي‪،‬‬ ‫يســمح بتعــدد الحقــائق الجتماعيــة‪ .‬ولــذلك‬ ‫كان ل بد من إعادة التزان لنجاز وينش بتجريده من هذه النســبية المطلقــة مــع الحفــاظ علــى‬ ‫التعددية وهو ما قام به هابرماس‪ ،‬ولكنه ل يعنينا هنا‪.‬‬ ‫‪John McCumber. Derrida.‬ولــم يعــد هنــاك نموذج ـًا للتطــور الجتمــاعي يعتمــد علــى‬ ‫المركزية الوروبية التي جعلت من التاريخ الوروبي تاريخًا للعالم‪ . Indiana University Press.‫ككل‪ . Philosophy and Freedom. 1995. pp. Cambridge.‬‬ ‫‪Habermas.‬‬ ‫المراجع‪:‬‬ ‫‪1. 56-59‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪1‬‬ . Rorty.. Bloomington and‬‬ ‫‪Indianapolis. Foucault. 2000.‬وهذا يعني أن وينش يرى أن لكل مجتمع شكل من أشكال الحياة ترتبط بــه رؤيــة للعــالم‬ ‫يتم التعبير عنها في اللغة‪ ،‬وبذلك يكون لكل شكل من أشــكال الحيــاة مقــولت ومفــاهيم تختلــف‬ ‫عن تلك التي تنتمي إلى شكل آخر‪ ،‬مما يترتب عليه عدم صحة الحكم على مجتمع ما بمقولت‬ ‫ومفاهيم ل تنتمي إلى شكل حياته‪ .‬‬ ‫خاتمة‪ :‬إن كل التحولت التي جرت في الفلسفة‪ ،‬وفي نقد الوضعية بالذات‪ ،‬وفي‬ ‫العلوم الطبيعية وفي العلوم النسانية والجتماعيــة تعــزز أهميــة علــوم اللغــة المعنيــة بالتفســير‬ ‫والمعنى‪ ،‬وهو ما تلعب فيه السيمولوجيا دورًا أساسيًا‪.‬إ ّ‬ ‫هو واضح ـ تبرز مشكلة جديــدة بالنســبة إلــى وينــش وهــو انتقــاله مــن الحاديــة المطلقــة إلــى‬ ‫التعددية المطلقة‪ ،‬النسبية المطلقة‪ .‬فهذا انتقــال تمتنــع معــه المعرفــة‪ ،‬وتســتحيل معــه المقارنــة‪،‬‬ ‫وتنعدم فيه أية معايير كليــة بحيــث ل نســتطيع تصــور أيــة إمكانيــة لفهــم المجتمعــات الخــرى‬ ‫المختلفة عن مجتمعاتنا‪ ،‬وبه تتصف الحياة النسانية بتعدد ل نهائي تفقد معه أي معنى‪ .‬‬ ‫إن تحول النموذج في العلوم النسانية والجتماعية ينتقل بوضــوح ســاطع إلــى نمــوذج‬ ‫فلسفة اللغة؛ بل إن الســيمولوجيا نفســها‪ ،‬كمــا يقــترح البعــض تأسســت بالتقــاء ثلث مجــالت‪:‬‬ ‫الفلسفة واللغة والنثربولوجيا‪ .

13 . Shapiro. Polity Press. translated by Jeremy J. Reason and The Rationalization of Society. Cambridge. London.‫م‬2004 ،‫ اللذقية‬،‫الحوار للنشر والتوزيع‬ ‫ الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ـ نموذج‬،‫محمد نور الدين أفاية‬ . 2000. Polity press. 1989. Series I.‫ د‬:‫ ترجمة‬،‫ القول الفلسفي للحداثة‬،‫يورغن هابرماس‬ . 13. 1. 1999. Cambridge. Culture and Values. edited by William Outhwaite. translated by: Thomas McCarthy. The Emancipative Theory of Jurgen Habermas and Metaphysics. The Critique of Impure Reason: Foucault and the Frankfurt School.‫م‬1999 ‫ أبريل‬،‫ الكويت‬،‫والداب‬ ،‫ مركز النماء القومي‬،‫ سعيد علوش‬.17 . 1996. The MIT Press. 4. The Habermas reader. Cambridge. Massachusetts. Polity Press. translated by William Mark Hohengarten. Beacon Press. Urmson and Jonathan Rée. O. The Cambridge Dictionary of Philosophy.‫ د‬:‫ ترجمة‬،‫ النظرية الجتماعية ـ من بارسونز إلى هابرماس‬،‫إيان كريب‬ ‫ المجلس الوطني للثقافة والعلوم‬،244 ‫ الكتاب رقم‬،‫ سلسلة عالم المعرفة‬،‫حسين غلوم‬ . London. 12. 11. Vol. Theory and Practice. Jurgen Habermas.15 . The Concise Encyclopedia of Western Philosophy and Philosophers. Cambridge University Press. The Cambridge Companion to Habermas.‫م‬1986 ،‫بيروت‬ ‫ دار‬،‫ الطبعة الولى‬،‫ ترجمة محمد ميلد‬،‫ مسارات فلسفية‬،‫فرانسوا إوالد وآخرين‬ . The Theory of Communicative Action.‫ د‬:‫ ترجمة‬،‫ المقاربة التداولية‬،‫فرانسواز أرمينكو‬ . Knowledge and Human Interests. Postmetaphysical Thinking. Washington. 8. Massachusetts.3. The Council for Research in Values and Philosophy. in Critique and Power. 6. Cambridge University Press. Jurgen Habermas. ‫ محمد‬. 1999.‫م‬1998 ،‫ بيروت‬،‫ الدار البيضاء‬،‫ أفريقيا الشرق‬،‫ الطبعة الثانية‬،‫هابرماس‬ ‫ منشورات وزارة‬،‫ فاطمة الجيوشي‬. 1991. 10. VOL. Unwin Hyman. 9. Third printing. Thomas McCarthy. Cambridge. edited by J. edited by Stephen K.‫م‬1995 ،‫ دمشق‬،‫الثقافة‬ 23 . Boston. 1984. 5. completely revised. Jurgen Habermas.14 . general editor: Robert Audi. translated by John Viertel. Roberto Peter Badillo. Cambridge. White. Jurgen Habermas. 1996. Recasting the Foucault/Habermas Debate. 1998. The MIT Press. edited by: Michael Kelly. New edition. 1994. Cambridge. 7.16 .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful