‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الثلثون‬

‫عَدل *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العَدل ‪ :‬خلف الجور ‪ ،‬وهو في اللّغة ‪ :‬القصد في المور ‪ ،‬وهو عبارة عن المر‬

‫المتوسّط بين طرفي الفراط والتّفريط ‪ ،‬والعدل من النّاس ‪ :‬هو المرضيّ قوله وحكمه ‪،‬‬
‫ورجل عدل ‪ :‬بيّن العدل ‪ ،‬والعدالة وصف بالمصدر معناه ‪ :‬ذو عدل ‪.‬‬
‫والعدل يطلق على الواحد والثنين والجمع ‪ ،‬ويجوز أن يطابق في التّثنية والجمع فيقال ‪:‬‬
‫عدلن ‪ ،‬وعدول ‪ ،‬وفي المؤنّثة ‪ :‬عدلة ‪.‬‬
‫والعدالة ‪ :‬صفة توجب مراعاتها الحتراز عمّا يخلّ بالمروءة عادةً في الظّاهر ‪.‬‬
‫والعدل في اصطلح الفقهاء ‪ :‬من تكون حسناته غالبةً على سيّئاته ‪ .‬وهو ذو المروءة غير‬
‫المتّهم ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬القسط ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬القسط في اللّغة ‪ :‬العدل والجور فهو من الضداد ‪ ،‬وأقسط باللف عدل فهو مقسط إذا‬

‫عدل ‪ ،‬فكأنّ الهمزة في أقسط للسّلب كما يقال شكا إليه فأشكاه ‪.‬‬
‫فقسط وأقسط لغتان في العدل ‪ ،‬أمّا في الجور فلغة واحدة وهي قسط بغير ألف ‪.‬‬
‫والقسط بإطلقيه أعمّ من العدل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الظّلم ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬أصل الظّلم ‪ :‬الجور ومجاوزة الحدّ ومنه قوله صلى ال عليه وسلم في الوضوء ‪:‬‬

‫» فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم « ‪.‬‬
‫وهو عند أهل اللّغة وكثير من العلماء ‪ :‬وضع الشّيء في غير موضعه المختصّ به ‪،‬‬
‫والظّلم في الشّرع ‪ :‬عبارة عن التّعدّي عن الحقّ إلى الباطل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفسق ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬الفسق هو ‪ :‬الخروج من الطّاعة ‪ ،‬وأصله خروج الشّيء من الشّيء على وجه الفساد‪،‬‬

‫وفسق فلن أي ‪ :‬خرج عن حجر الشّرع ‪ ،‬والظّلم أع ّم من الفسق ‪.‬‬

‫أحكام العدل ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬العدل من أسماء اللّه الحسنى ‪ ،‬وبه قامت السّموات والرض ‪ ،‬وانتظم أمر الخليقة ‪،‬‬

‫وقد وردت أحكام العدل في أبواب عديدة من كتب الفقهاء منها ‪:‬‬

‫في إمام الصّلة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط كون المام في الصّلة عد ًل ‪:‬‬

‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو خلف المشهور عند المالكيّة إلى عدم اشتراط كون المام‬
‫عدلً ‪ ،‬لحديث ‪ » :‬صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر « ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وهو المشهور عند المالكيّة إلى اشتراط كون المام عدلً ‪ ،‬فل تصحّ إمامة‬
‫ن ُم ْؤمِنا َكمَن كَانَ فَاسِقا ل َيسْ َتوُونَ } ‪.‬‬
‫الفاسق لقوله تعالى ‪ { :‬أَ َفمَن كَا َ‬
‫ي مهاجرا ‪ ،‬ول‬
‫ولقـوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تؤمّنّ امرأة رجلً ‪ ،‬ول يؤمّ أعراب ّ‬
‫فاجر مؤمنا « ‪.‬‬
‫وحديث ‪ » :‬اجعلوا أئمّتكم خياركم « ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬إمامة الصّلة ف‬

‫‪24‬‬

‫)‪.‬‬

‫في عامل الزّكاة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في عامل الزّكاة العدل ‪ ،‬وأنّه يحرم تولية الفاسق وجعله‬

‫ن هذا نوع ولية فاشترط فيها العدل كسائر الوليات ‪ ،‬ولنّ الفاسق ليس‬
‫ل للزّكاة ‪ ،‬ل ّ‬
‫عام ً‬
‫من أهل المانة ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬المراد بالعدل أن يكون غير فاسق في عمله ‪ ،‬وليس أن يكون عادلً‬
‫عدل الشّهادة ‪.‬‬
‫ويعبّر الحنابلة في غالب كتبهم بالمانة ‪ ،‬إلّ أنّهم صرّحوا بأنّ مرادهم منها العدالة ‪.‬‬

‫في رؤية هلل رمضان ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يشترط فيمن يرى هلل رمضان أن يكون عد ًل إلّ أنّهم اختلفوا‬

‫في العدالة المعنيّة ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ العدالة المشروطة في رائي هلل‬
‫رمضان هي العدالة الظّاهرة ‪ ،‬ولهذا يثبت عندهم برؤية العبد والمرأة ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة والحنابلة أنّ العدالة المقصودة هي العدالة الباطنة ‪ ،‬فل يقبل قول مستور‬
‫الحال لعدم الثّقة به ‪ ،‬كما ل تقبل من الفاسق ‪.‬‬
‫ولكنّ الفقهاء قالوا بوجوب الصّيام على من أخبره مخبر يثق به برؤيته لهلل رمضان وإن‬
‫كان فاسقا غير عدل ‪ ،‬كما أنّ على رائي الهلل أن يصوم عد ًل كان أو فاسقا ‪ ،‬شهد عند‬
‫الحاكم أو لم يشهد ‪ ،‬قبلت شهادته أو ردّت ‪ ،‬لنّه يعلم أنّ هذا اليوم من رمضان ‪.‬‬
‫وفي رؤية هلل شوّال وذي الحجّة وغيرها من الشّهور تفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫( رؤية الهلل ف ‪. ) 6‬‬

‫في القبلة ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من شروط من يقبل خبره عن القبلة أو يقلّده غيره في‬

‫الدّللة عليها أن يكون عد ًل ‪ ،‬وأنّه ل يقبل فيها خبر الفاسق ‪ ،‬لقلّة دينه ‪ ،‬وتطرّق التّهمة‬
‫إليه ‪ ،‬ولعدم العتداد بإخباره فيما هو من أمور الدّين ‪.‬‬
‫ن بعض‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة يقبل خبر الفاسق في شأن القبلة ‪ ،‬لعدم التّهمة فيها ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الحنابلة ذهب إلى أنّه يصحّ التّوجّه إلى قبلة الفاسق في بيته إن لم يكن هو الّذي عملها أمّا‬
‫إذا عملها هو فكإخباره ‪.‬‬

‫في نجاسة الماء أو طهارته ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء من الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّ من شروط من‬

‫يقبل خبره عن نجاسة الماء أو طهارته أن يكون عد ًل ‪ ،‬فل يقبل خبر الفاسق ‪ ،‬لنّه ليس‬
‫من أهل الرّواية ول من أهل الشّهادة ‪ ،‬والعدالة المشروطة هنا هي العدالة الظّاهرة ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الشّافعيّة صرّحوا بأنّه ‪ :‬لو أخبر جماعة من الفسّاق ل يمكن تواطؤهم على الكذب‬
‫عن نجاسة الماء أو طهارته قبل خبرهم ‪ ،‬وكذا لو أخبر الفاسق عن فعل نفسه في الماء ‪.‬‬

‫في وليّ النّكاح ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون الوليّ في النّكاح عدلً ‪:‬‬

‫فذهب الحنفيّة وهو المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬وهو رأي عند الشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عن أحمد‬
‫ي عدلً في النّكاح ‪.‬‬
‫إلى عدم اشتراط أن يكون الول ّ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يشترط أن يكون عد ًل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في غير المشهور ‪ :‬إنّه شرط كمال يستحبّ وجوده ‪ ،‬ويكره تزويج الوليّ‬
‫الفاسق ‪.‬‬
‫وهذا الخلف عندهم في غير السّلطان الّذي يزوّج من ل وليّ لها ‪ ،‬أمّا هو فل تشترط‬
‫عدالته للحاجة ‪ ،‬كما ل تشترط العدالة في سيّد يزوّج أمته ‪ ،‬لنّه تصرّف في ملكه كما لو‬
‫آجرها ‪.‬‬

‫في الوصيّ ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط كون الوصيّ عد ًل ‪:‬‬

‫فذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد إلى اشتراط ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يشترط فيه ذلك ‪ ،‬ووافقهم المالكيّة في ذلك إ ّل أنّهم قالوا ‪ :‬إنّ المراد‬
‫ي‪.‬‬
‫بكونه عدلً هنا ‪ :‬أن يكون أمينا حسن التّصرّف حافظا لمال الصّب ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إيصاء ف‬

‫‪11‬‬

‫)‪.‬‬

‫في ناظر الوقف ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ ناظر الوقف إذا كان معيّنا من قبل الحاكم فيجب أن يكون عدلً‪،‬‬

‫ن الحاكم إذا عيّن فاسقا لم يصحّ تعيينه ‪ ،‬وتزال‬
‫لنّ النّظر في الوقف ولية كالوصاية ‪ ،‬وأ ّ‬
‫يده من الوقف ‪ ،‬وإن وله الحاكم وهوعدل ثمّ طرأ عليه الفسق انعزل ونزع الحاكم منه‬
‫الوقف ‪ ،‬لنّ مراعاة الوقف أه ّم من إبقاء ولية الفاسق عليه ‪ ،‬قال السّبكيّ من الشّافعيّة ‪:‬‬
‫يعتبر في منصوب الحاكم العدالة الباطنة ‪ ،‬وينبغي أن يكتفى في منصوب الواقف بالعدالة‬
‫الظّاهرة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان النّاظر منصوبا من قبل الواقف فينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫في وليّ المحجور عليه ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫ي الصّغير أن يكون عد ًل سواء كان أبا أو جدّا أو‬
‫ن من شروط ول ّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫غيرهما ‪ ،‬لنّها ولية ‪ ،‬وتفويضها إلى غير العدل تضييع للصّبيّ ولمال الصّبيّ ‪ ،‬والعدالة‬
‫ل إذا كان مستور الحال ل يعرف‬
‫المشروطة هي الظّاهرة ل الباطنة ‪ ،‬فتثبت الولية للب مث ً‬
‫ي في ذلك المجنون‬
‫عدالته ول فسقه وذلك ‪ ،‬لوفور شفقته وكمالها على ولده ‪ ،‬ومثل الصّب ّ‬
‫والمعتوه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬

‫في المامة العظمى والوليات العامّة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون عد ًل من يتولّى المامة الكبرى أو ما شابهها من‬

‫الوليات العامّة ‪.‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة إلى اشتراط كونه‬
‫عدلً ‪ ،‬لنّ الفاسق متّهم في دينه ‪.‬‬
‫صحّة وأنّ تقليد الفاسق المامة الكبرى جائز‬
‫ن العدالة ليست شرطا لل ّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫مع الكراهة ‪ ،‬ونقلت في هذا رواية عن المام أحمد وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ومثل المام العظم في اشتراط العدالة الولة العامّون والوزراء التّنفيذيّون وأعضاء مجلس‬
‫الشّورى وأمراء الجيوش ‪. ...‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ف‬

‫‪11‬‬

‫)‪.‬‬

‫في القضاة وولة المظالم والمفتين والمستخلفين‬
‫من القضاة والمحكّمين وغيرهم ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون القاضي ونحوه عدولً ‪:‬‬

‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض الحنفيّة إلى اشتراط العدالة فيمن يتولّى القضاء‬
‫أو يتصدّى للفتوى ‪ ،‬فل يجوز تولية الفاسق للقضاء ول من فيه نقص يمنع قبول شهادته ‪.‬‬

‫ن الفاسق أهل‬
‫أمّا الحنفيّة فذهبوا إلى أنّ العدالة ليست شرط صحّة في تولية القضاء ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن العدالة عندهم‬
‫للقضاء ويجوز تقليدها له وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز فيها حدّ الشّرع ‪ ،‬ل ّ‬
‫ليست إ ّل شرط كمال ‪ ،‬ولذلك ينبغي عندهم ألّ يقلّد الفاسق ‪ ،‬لنّ القضاء أمانة عظيمة ‪،‬‬
‫وهي أمانة الموال والبضاع والنّفوس ‪ ،‬فل يقوم بوفائها إلّ من كمل ورعه وتمّ تقواه ‪،‬‬
‫إلّ أنّه لو قلّد الفاسق مع هذا جاز التّقليد في نفسه وصار قاضيا ‪ ،‬لنّ الفساد لمعنىً في‬
‫غيره ‪ ،‬فل يمنع جواز تقليده القضاء ‪ ،‬وحكي عن الصمّ مثل هذا حيث قال ‪ :‬يجوز أن‬
‫يكون القاضي فاسقا ‪ ،‬لقـوله صلى ال عليه وسلم لبي ذرّ ‪ » :‬كيف أنت إذا كانت عليك‬
‫أمراء يؤخّرون الصّلة عن وقتها ‪ ،‬أو يميتون الصّلة عن وقتها ‪ ،‬قال ‪ :‬قلت ‪ :‬فما تأمرني‬
‫؟ قال‪ :‬صلّ الصّلة لوقتها ‪ ،‬فإن أدركتها معهم فصلّ ‪ ،‬فإنّها لك نافلة « ‪.‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ومصطلح ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬

‫في الشّهود ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط كون الشّاهد عدلً ‪:‬‬

‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط في الشّهود أن يكونوا عدولً في التّحمّل‬
‫والداء لقوله تعالى ‪َ { :‬وَأشْهِدُوا َذ َويْ عَ ْد ٍل مّنكُمْ } ‪ ،‬ولنّ اللّه سبحانه وتعالى أمر‬
‫بالتّوقّف عن نبأ الفاسق في قـوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاء ُكمْ فَاسِقٌ بِنَ َبأٍ‬
‫فَتَبَيّنُوا } والشّهادة نبأ فيجب التّثبّت ‪.‬‬
‫و لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تجوز شهادة خائن ‪ ،‬ول خائنة ول محدود في‬
‫عهُ عن ارتكاب محظورات في‬
‫ن دين الفاسق لم يز ْ‬
‫السلم ‪ ،‬ول ذي غمر على أخيه « ‪ ،‬ول ّ‬
‫الدّين ‪ ،‬فل يؤمن أن ل يزعه عن الكذب فل تحصل الثّقة بشهادته ‪.‬‬
‫ن الفاسق يجوز له أن‬
‫ن العدل ليس شرطا في أهليّة الشّهادة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫يتحمّل الشّهادة ‪ ،‬والمالكيّة يوافقونهم في هذه الجزئيّة ‪ ،‬فإذا تحمّل الشّهادة وهو فاسق ثمّ‬
‫تاب من فسقه ثمّ شهد قبلت شهادته ‪ ،‬أمّا إذا لم يتب فيمنع من الداء ‪ ،‬لتهمة الكذب ‪.‬‬
‫والعدالة المشروطة عند الحنفيّة لداء الشّهادة هي الظّاهرة ‪ ،‬أمّا العدالة الحقيقيّة وهي‬
‫الباطنة الثّابتة بالسّؤال عن حال الشّهود بالتّعديل ‪ ،‬والتّزكية فليست بشرط عندهم ‪ ،‬ما لم‬
‫يطعن الخصم في الشّهود ‪ ،‬أو كانت الشّهادة في الحدود والقصاص ‪ ،‬فحينئذ يجب على‬
‫القاضي أن ل يكتفي بالعدالة الظّاهرة ‪ ،‬بل يسأل عن حال الشّهود ‪ ،‬لدرء الحدود ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما سوى الحدود والقصاص إذا لم يطعن الخصم ‪ ،‬فقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يسأل‬
‫ك جَعَلْنَا ُكمْ‬
‫القاضي عن حال الشّهود ‪ ،‬بل يعتمد على العدالة الظّاهرة لقوله تعالى ‪َ { :‬وكَذَلِ َ‬

‫ن العدالة الحقيقيّة ممّا ل يمكن الوصول إليها فيجب الكتفاء بالظّاهرة ‪.‬‬
‫ُأ ّمةً َوسَطا } ‪ ،‬ول ّ‬
‫وذهب صاحباه ‪ :‬إلى اشتراط العدالة الباطنة ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬شهادة ف‬

‫‪22‬‬

‫)‪.‬‬

‫في راوي الحديث ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ -‬ذهب أئمّة الحديث والفقه إلى أنّه يشترط فيمن يحتجّ بروايته ‪ -‬في الحديث ‪ -‬أن‬

‫ن آمَنُوا‬
‫يكون عد ًل سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫إِن جَاء ُكمْ فَاسِقٌ بِنَ َبأٍ فَتَبَيّنُوا } ‪.‬‬
‫ي عَ ْدلٍ مّن ُكمْ } ‪.‬‬
‫شهِدُوا َذ َو ْ‬
‫ولقوله تعالى ‪َ { :‬وَأ ْ‬
‫وفي الحديث ‪ » :‬ل تأخذوا العلم إلّ عمّن تجيزون شهادته « ‪ ،‬ولما روي عن ابن سيرين ‪:‬‬
‫إنّ هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم ‪ ،‬وعن النّخعيّ قال ‪ :‬كانوا إذا أتوا الرّجل‬
‫ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلته وإلى حاله ثمّ يأخذون عنه ‪.‬‬
‫وتثبت عدالة الرّاوي إمّا بتنصيص معدّلين ‪ ،‬وإمّا بالستفاضة ‪ ،‬فمن اشتهرت عدالته بين‬
‫أهل النّقل والعلم ‪ ،‬وشاع الثّناء عليه بالثّقة والمانة استغني فيه بذلك عن بيّنة شاهدة‬
‫بعدالته تنصيصا ‪.‬‬
‫وقال ابن عبد الب ّر ‪ :‬ك ّل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على‬
‫العدالة حتّى يتبيّن جرحه‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‪ » :‬يحمل هذا العلم من كلّ خلف‬
‫عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ‪ ،‬وتأويل الجاهلين « ويقبل التّعديل‬
‫ن أسبابه‬
‫سواء في الرّاوي أو في الشّاهد من غير ذكر سببه على الصّحيح المشهور ‪ ،‬ل ّ‬
‫كثيرة يصعب ذكرها ‪.‬‬
‫أمّا الجرح فإنّه ل يقبل إلّ مفسّرا مبيّن السّبب ‪ ،‬لنّ النّاس يختلفون فيما يجرح وما ل‬
‫يجرح ‪ ،‬فقد يطلق أحدهم الجرح بناءً على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس المر ‪،‬‬
‫فل بدّ من بيان سببه لينظر هل هو قادح أو ل ‪ ،‬قال ابن الصّلح ‪ :‬وهذا ظاهر مقرّر في‬
‫الفقه وأصوله ‪.‬‬
‫وجرح الرّاوي أو تعديله يثبت ‪ -‬في الصّحيح ‪ -‬بواحد ‪ ،‬لنّ العدد لم يشترط في قبول‬
‫الخبر ‪ ،‬فلم يشترط في جرح راويه أو تعديله ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل ب ّد من اثنين كما في الشّهادة ‪.‬‬
‫ن المعدّل‬
‫ن الجرح مقدّم على التّعديل ‪ ،‬ل ّ‬
‫والجرح والتّعديل إن اجتمعا في شخص فالصّحيح أ ّ‬
‫ن الجارح يقول‬
‫يخبر عمّا ظهر من حاله ‪ ،‬والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدّل ‪ ،‬ول ّ‬
‫‪ :‬رأيته يفعل كذا وكذا ‪ ،‬والمعدّل مستنده أنّه لم يره يفعل كذا وكذا ‪ ،‬سواء كانوا متساوين‬
‫أو كان عدد المعدّلين أكثر ‪.‬‬

‫وقيل إن كان عدد المعدّلين أكثر فالتّعديل أولى ‪.‬‬
‫وروي عن بعض المالكيّة قولهم ‪ :‬إذا كان الجارحون والمعدّلون متساوين ينظر أيّهما أعدل‬
‫فيرجّح جانبهم سواء أكان ذلك في التّعديل أم في التّجريح ‪.‬‬
‫واختلف العلماء في قبول رواية المبتدع الّذي ل يكفر في بدعته ‪:‬‬
‫فمنهم من ر ّد روايته مطلقا ‪ ،‬لنّه فاسق ببدعته ‪ ،‬وكما استوى في الكفر المتأوّل وغير‬
‫المتأوّل ‪ ،‬يستوي في الفسق المتأوّل وغير المتأوّل ‪ ،‬ومنهم من قبل روايته إذا لم يكن ممّن‬
‫يستحلّ الكذب في نصرة مذهبه أو لهل مذهبه ‪ ،‬سواء كان داعيةً إلى بدعته أو لم يكن ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬أقبل شهادة أهل الهواء إلّ الخطابيّة من الرّافضة ‪ ،‬لنّهم يرون الشّهادة‬
‫بالزّور لموافقيهم ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬تقبل روايته إذا لم يكن داعيةً ‪ ،‬ول تقبل إذا كان داعيةً إلى بدعته وهذا‬
‫مذهب أكثر العلماء‬

‫العدل في الحكم ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬تحدّث الفقهاء عن العدل في الحكم وحرمة جور الحاكم على رعيّته وأصل ذلك قوله‬

‫حسَانِ } ‪.‬‬
‫ن الّلهَ يَ ْأ ُمرُ بِا ْلعَ ْدلِ وَالِ ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫سطِينَ } ‪.‬‬
‫سطُوا إِنّ الّل َه ُيحِبّ ا ْل ُم ْق ِ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬وأَ ْق ِ‬
‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته ‪ ،‬المام راع‬
‫ومسئول عن رعيّته « ‪.‬‬
‫وقوله صـلى ال عليـه وسـلم ‪ » :‬مـا مـن عبـد يسـترعيه اللّه رع ّي ًة يموت يوم يموت وهـو‬
‫ش لرعيّته إلّ حرّم اللّه عليه الجنّة « ‪.‬‬
‫غا ّ‬
‫وفي رواية ‪ » :‬ما من أمير يلي أمر المسلمين ثمّ ل يجهد لهم وينصح إلّ لم يدخل معهم‬
‫الجنّة « ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عل يه و سلم ‪ » :‬اللّه مّ من ولي من أ مر أمّ تي شيئا فش قّ علي هم فاش قق‬
‫عليه « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ف‬

‫‪11‬‬

‫)‪.‬‬

‫العدل بين الزّوجات ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬تحدّث الفقهاء عن وجوب العدل بين الزّوجتين أو بين الزّوجات لقوله تعالى ‪ { :‬فَإِنْ‬

‫خفْتُمْ َألّ َتعْدِلُواْ َفوَاحِدَةً َأوْ مَا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُكمْ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا كان عند الرّجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم‬
‫القيامة وشقّه ساقط « ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تسوية ف ‪. ) 8‬‬

‫العدل بين الولد ‪:‬‬

‫ذكر الفقهاء كذلك مراعاة العدل في الهبات ‪ ،‬والعطايا بين الولد ‪ ،‬وعدم تفضيل بعضهم‬
‫على بعض لحديث النّعمان بن بشير رضي ال عنهما ‪ » :‬أعطاني أبي عط ّيةً ‪ ،‬فقالت عمرة‬
‫بنت رواحة ‪ :‬ل أرضى حتّى تشهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأتى رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إنّي أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عط ّيةً ‪ ،‬فأمرتني أن أشهدك‬
‫يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬أعطيت سائر ولدك مثل هذا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فاتّقوا اللّه واعدلوا‬
‫بين أولدكم قال ‪ :‬فرجع فردّ عطيّته « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تسوية ف‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪11‬‬

‫)‪.‬‬

‫عُدْوان *‬

‫‪ -‬العدوان ‪ :‬بمعنى التّجاوز عن الحدّ ‪ ،‬مصدر عدا يعدو يقال ‪ :‬عدا المر يعدوه وتعدّاه‬

‫كلهما تجاوزه ‪ ،‬وعدا على فلن عَدْوا وعُ ُدوّا وعدوانا وعداءً أي ‪ :‬ظلم ظلما جاوز فيه‬
‫القدر ‪ ،‬ومنه كلمة ‪ :‬العدوّ ‪ ،‬وقول العرب ‪ :‬فلن عدوّ فلن معناه ‪ :‬يعدو عليه بالمكروه‬
‫ويظلمه ‪.‬‬
‫علَى‬
‫ويستعمل العدوان بمعنى السّبيل أيضا ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ { :‬فَلَ عُ ْدوَانَ ِإلّ َ‬
‫ي ‪ :‬العدوان ‪ :‬الفراط في الظّلم ‪.‬‬
‫الظّا ِلمِينَ} أي ‪ :‬ل سبيل ويقول القرطب ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ لهذه الكلمة عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ق ‪ ،‬ممّا يوجب‬
‫وأغلب استعمال الفقهاء لهذه الكلمة في التّعدّي على النّفس أو المال بغير ح ّ‬
‫القصاص أو الضّمان ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الظّلم ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الظّلم اسم من ظلمه ظلما ومظلمةً ‪ ،‬وأصل الظّلم ‪ :‬وضع الشّيء في غير موضعه ‪.‬‬

‫ق الّذي يجري مجرى نقطة الدّائرة ‪ ،‬ويقال‬
‫يقول الصفهانيّ ‪ :‬الظّلم يقال في مجاوزة الح ّ‬
‫فيما يكثر وفيما يقلّ من التّجاوز ‪.‬‬
‫سوْفَ نُصْلِي ِه نَارا}‬
‫ك عُ ْدوَانا َوظُلْما َف َ‬
‫ي في تفسير قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن َي ْف َعلْ ذَلِ َ‬
‫ويقول اللوس ّ‬
‫الظّلم والعدوان بمعنىً ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أريد بالعدوان ‪ :‬التّعدّي على الغير ‪ ،‬وبالظّلم ‪ :‬الظّلم على‬
‫النّفس بتعريضها للعقاب ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الثم ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الثم لغةً ‪ :‬الذّنب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو أن يعمل ما ل يح ّل له ‪.‬‬

‫ي بأنّه ‪ :‬ما يجب التّحرّز منه شرعا وطبعا ‪.‬‬
‫وعرّفه الجرجان ّ‬
‫ن عَلَ ْيهِم بِالِ ْثمِ وَالْعُ ْدوَانِ } الثم ‪ :‬الفعل‬
‫قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ‪َ { :‬تظَاهَرُو َ‬
‫الّذي يستحقّ عليه ال ّذمّ ‪ ،‬ومثله ما ذكره اللوسيّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما تنفر منه النّفس ‪ ،‬ول يطمئنّ‬
‫إليه القلب ‪ ،‬وفي الحديث ‪ » :‬الثم ما حاك في صدرك « ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالثم أعمّ من العدوان ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن حفظ‬
‫‪ -‬يختلف حكم العدوان حسب اختلف متعلّقه ‪ ،‬فقد قرّر الفقهاء والصوليّون أ ّ‬

‫الدّين والنّفس والعقل والنّسل والمال من الضّروريّات الّتي ل بدّ منها في قيام مصالح الدّين‬
‫والدّنيا ‪ ،‬بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدّنيا على استقامة ‪ ،‬بل على فساد وتهارج ‪ ،‬وفي‬
‫الخرى فوت النّجاة والنّعيم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال في خطبته المشهورة في‬
‫وقد ورد في الحديث الصّحيح أنّ النّب ّ‬
‫حجّة الوداع ‪ » :‬إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في‬
‫شهركم هذا في بلدكم هذا « ‪.‬‬
‫وعلى ذلك ‪ :‬فالعدوان على النفس عمدا حرام وموجب للقصاص وكذلك العدوان على‬
‫العضاء عمدا ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء ‪ :‬أنّ من شروط القتل العمد الموجب للقصاص العدوان ‪ ،‬قال البنانيّ ‪:‬‬
‫القصاص في العمد العدوان ‪ ،‬والعدوان ما كان غضبا ل لعبا ول أدبا ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره البيّ الزهر ّ‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلحي ‪ ( :‬قتل ‪ ،‬قصاص ) ‪.‬‬
‫والعدوان على الموال بالسّرقة أو الحرابة موجب للحدّ ‪ ،‬كما فصّل في مصطلحيهما كما أنّ‬
‫العدوان على الموال بالغصب والنّهب والختلس والحتيال ونحوها موجب للضّمان ‪ ،‬وقد‬
‫ق الغير عدوانا ‪ ،‬قال القليوبيّ ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء في تعريف الغصب أنّه ‪ :‬الستيلء على ح ّ‬
‫يدخل فيه أمانات تعدّى فيها وإن جهلها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحات ‪ ( :‬غصب ‪ ،‬نهب ‪ ،‬إتلف ف‬

‫‪34‬‬

‫)‪.‬‬

‫‪ -5‬والضّمان يكون بر ّد العين إذا كانت موجودةً ‪ ،‬وإلّ فعلى الغاصب مثلها إن كانت مثل ّيةً ‪،‬‬
‫أو قيمتها إن لم تكن مثل ّيةً ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬ر ّد المثل هو الصل في ضمان العدوان حتّى‬

‫صار بمنزلة الصل ‪ -‬أي ‪ :‬أصل الشّيء المغصوب ‪ -‬أمّا القيمة فتعتبر مثلً معنىً ول‬
‫تكون مشروع ًة مع احتمال الصل ‪.‬‬
‫علَ ْيكُمْ } ‪.‬‬
‫ن اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُواْ عَلَ ْي ِه ِبمِ ْثلِ مَا اعْتَدَى َ‬
‫قال اللّه تعالى ‪َ { :‬فمَ ِ‬
‫والعدوان على العراض بالزّنـا أو القذف موجـب للحدّ ‪ ،‬وبمـا دون ذلك موجـب للتّعزيـر ‪،‬‬
‫وتفصيل هذه المسائل في مصطلح ‪ ( :‬زنىً ‪ ،‬قذف ) ‪.‬‬

‫عدول *‬

‫انظر ‪ :‬رجوع ‪.‬‬

‫ع ْدوَى *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العدوى في اللّغة ‪ :‬أصله من عدا يعدو إذا جاوز الحدّ ‪ ،‬وأعداه من علّته وخلقه وأعداه‬

‫به جوّزه إليه ‪.‬‬
‫والعدوى ‪ :‬أن يكون ببعير جرب مثلً فتتّقى مخالطته بإبل أخرى حذار أن يتعدّى ما به من‬
‫الجرب إليها فيصيبها ما أصابه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال الطّيبيّ ‪ :‬العدوى ‪ :‬تجاوز العلّة صاحبها إلى غيره ‪.‬‬
‫المرض ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫صحّة ‪ ،‬يكون للنسان والحيوان ‪ ،‬والمرض ‪:‬‬
‫‪ -‬المرض في اللّغة ‪ :‬السّقم ‪ ،‬نقيض ال ّ‬

‫حالة خارجة عن الطّبع ضارّة بالفعل ‪ ،‬قال ابن العرابيّ ‪ :‬أصل المرض ‪ :‬النّقصان ‪ ،‬وهو‬
‫بدن مريض ‪ :‬ناقص القوّة ‪ ،‬وقلب مريض ‪ :‬ناقص الدّين ‪ ،‬وقال ابن عرفة ‪ :‬المرض في‬
‫البدن ‪ :‬فتور العضاء ‪ ،‬وفي القلب ‪ :‬فتور عن الحقّ ‪.‬‬
‫ص‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬المرض هو ما يعرض للبدن فيخرجه عن العتدال الخا ّ‬
‫وعلقة المرض بالعدوى أنّ المرض قد يكون سببا من أسباب العدوى وبالعكس ‪.‬‬
‫يتعلّق بالعدوى أحكام منها ‪:‬‬

‫ما يتعلّق بالعدوى من أحكام ‪:‬‬
‫نفي العدوى أو إثباتها ‪:‬‬

‫اختلف الفقهاء في إثبات العدوى أو نفيها على التّفصيل التّالي ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫ن المرض ل يعدي بطبعه ‪ ،‬وإنّما بفعل اللّه وقدره ‪،‬‬
‫‪ -‬أ ّولً ‪ :‬ذهب جمهور العلماء إلى أ ّ‬

‫وقد ورد عنه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل عدوى ول طيرة ول هامة ول صفر ‪ ،‬وف ّر من‬
‫المجذوم كما تف ّر من السد « ‪.‬‬
‫كما ورد عنه قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يورد ممرّض على مصحّ « ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬قال جمهور العلماء ‪ :‬يجب الجمع بين هذين الحديثين وهما صحيحان ‪،‬‬
‫وطريق الجمع أنّ حديث ‪ » :‬ل عدوى « المراد به نفي ما كانت الجاهليّة تزعمه وتعتقده‬
‫أنّ المرض والعاهة تعدي بطبعها ل بفعل اللّه تعالى ‪ ،‬وأمّا حديث ‪ » :‬ل يورد ممرّض على‬
‫مصحّ « فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضّرر عنده في العادة بفعل اللّه تعالى وقدره ‪،‬‬
‫فنفى في الحديث الوّل العدوى بطبعها ‪ ،‬ولم ينف حصول الضّرر عند ذلك بقدر اللّه تعالى‬
‫وفعله ‪ ،‬وأرشد في الثّاني إلى الحتراز ممّا يحصل عنده الضّرر بفعل اللّه وإرادته وقدره ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬ثانيا ‪ :‬ذهب عمر رضي ال عنه وجماعة من السّلف ‪ ،‬وعيسى بن دينار من المالكيّة‬

‫إلى القول بنفي العدوى لحديث ‪ » :‬ل عدوى « ‪ ،‬وبما روي عن عائشة رضي ال عنها أنّ‬
‫امرأةً سألتها عن حديث ‪ » :‬وفرّ من المجذوم كما تفرّ من السد « فقالت ‪ :‬ما قال ذلك‬
‫ولكنّه قال ‪ » :‬ل عدوى « وقال ‪ » :‬فمن أعدى الوّل « ‪.‬‬
‫ن النّهي عن إيراد الممرّض على المصحّ ليس للعدوى بل‬
‫واستدلّ لهذا المذهب كذلك بأ ّ‬
‫للتّأذّي ‪.‬‬
‫‪ -5‬ثالثا ذهب فريق من العلماء إلى القول بإثبات العدوى ‪ ،‬واستدلّوا بما روي عن عمرو‬
‫ي صلى ال‬
‫بن الشّريد عن أبيه قال ‪ » :‬كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النّب ّ‬
‫عليه وسلم ‪ :‬إنّا قد بايعناك فارجع « ‪.‬‬
‫وبما رواه أبو هريرة رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬ل‬
‫عدوى ول طيرة ول هامة ول صفر ‪ ،‬وفرّ من المجذوم كما تف ّر من السد « ‪.‬‬

‫الخوف من العدوى ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬الخوف من غير اللّه تعالى ل يكون حراما ‪ :‬إن كان غير مانع من فعل واجب أو ترك‬

‫محرّم وكان ممّا جرت العادة بأنّه سبب للخوف كالخوف من السود والحيّات ‪ ،‬والعقارب‬
‫والظّلمة ‪ ،‬ومن ذلك الخوف من أرض الوباء لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا سمعتم‬
‫بالطّاعون في الرض فل تدخلوها « ‪.‬‬
‫قال المناويّ ‪ :‬أي ‪ :‬يحرم عليكم ذلك ‪ ،‬ومن ذلك الخوف من المجذوم على أجسامنا من‬
‫المراض والسقام وفي الحديث ‪ » :‬ف ّر من المجذوم فرارك من السد « ‪.‬‬

‫فصون النّفوس والجسام والمنافع والعضاء والموال والعراض عن السباب المفسدة‬
‫واجب لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ تُ ْلقُواْ بِأَيْدِي ُكمْ إِلَى ال ّتهُْل َكةِ } ‪.‬‬

‫عزل الزّوج المريض عن الصّحيح ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬إذا أصيب أحد الزّوجين بمرض معد ‪ ،‬كالجذام ‪ ،‬فيرى الجمهور ثبوت خيار الفسخ لكلّ‬

‫واحد من الزّوجين ‪ ،‬لثارة النّفرة بينهما إن كان ذلك قبل العقد ‪.‬‬
‫أمّا إن حصل بعده ‪ ،‬ففي ثبوت الخيار في الفسخ خلف وتفصيل ر ‪ ( :‬جذام ف ‪. ) 4‬‬

‫عُذْر *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العذر لغةً ‪ - :‬هو الحجّة الّتي يعتذر بها ‪ ،‬والجمع أعذار ‪ ،‬يقال ‪ :‬لي في هذا المر‬

‫عذر ‪ ،‬أي ‪ :‬خروج من الذّنب ‪ ،‬وفي المصباح ‪ :‬عذرته عذرا من باب ضرب ‪ :‬رفعت عنه‬
‫اللّوم ‪ ،‬فهو معذور أي ‪ :‬غير ملوم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الرّخصة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الرّخصة في اللّغة هي ‪ :‬اسم من " رخّص " تقول ‪ :‬رخّص له المر أي ‪ :‬أذن له فيه‬

‫بعد النّهي عنه ‪ ،‬وتأتي بمعنى ترخيص اللّه للعبد في أشياء خفّفها عنه فهي إذن بمعنى ‪:‬‬
‫التّيسير والتّخفيف ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هي ما شرع من الحكام لعذر مع قيام السّبب المحرّم ‪ ،‬ولول العذر لثبتت‬
‫الحرمة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العفو ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬العفو في اللّغة ‪ :‬هو محو الذّنوب ‪ ،‬وهو ‪ -‬أيضا ‪ : -‬التّجاوز عن الذّنب ‪ ،‬وترك‬

‫العقاب عليه ‪ ،‬وهو أيضا قبول الدّية في العمد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو الصّفح وإسقاط اللّوم والذّنب ‪ ،‬وفي الجنايات هو ‪ :‬إسقاط وليّ‬
‫المقتول القود عن القاتل ‪.‬‬

‫أقسام العذر ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ينقسم العذر من حيث العموم والخصوص إلى قسمين ‪ :‬عذر خاصّ ‪ ،‬وعذر عامّ ‪.‬‬

‫القسم الوّل ‪:‬‬
‫ص بأحكام العبادات ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬العذر الخا ّ‬

‫ويكون على نوعين ‪:‬‬

‫النّوع الوّل ‪ :‬العذر الملزم غالبا لفرد معيّن ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ومنه ‪ :‬الستحاضة وسلس البول وانفلت الرّيح ‪ ،‬وانطلق البطن ‪ ،‬والجرح الّذي ل‬

‫يرقأ والرّعاف الدّائم فك ّل مسلم مصاب بعذر من هذه العذار يكون معذورا ‪ ،‬والمعذور بهذا‬
‫العتبار ‪ :‬هو الّذي ل يمضي عليه وقت صلة إلّ والحدث الّذي ابتلي به موجود ‪.‬‬

‫أثر هذه العذار في العبادات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الوضوء والغسل والتّيمّم ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء بالنّسبة للمستحاضة على أنّه إذا انتهت اليّام المعتبرة حيضا وجب عليها‬

‫الغتسال من الحيض ‪ ،‬ثمّ ل يجب عليها الغسل بعد ذلك في كلّ يوم ‪ ،‬أو لكلّ صلة بسبب‬
‫خروج دم الستحاضة إ ّل إذا عرض لها ما يوجب الغسل غير الستحاضة ‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ -‬ولكنّهم اختلفوا في كيفيّة وضوئها ‪ ،‬ووضوء من في حكمها من أصحاب العذار ‪،‬‬

‫كمن به سلس البول ‪ ،‬وانفلت الرّيح ‪ ،‬وانطلق البطن ‪ ،‬والجرح الّذي ل يرقأ ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ هؤلء يتوضّئون لوقت كلّ صلة ‪ ،‬ويصلّون ما شاءوا من الفرائض‬
‫أداءً أو قضاءً ‪ ،‬والواجبات كالوتر ‪ ،‬وكذا النّوافل حتّى يخرج الوقت ‪ ،‬ما لم يعرض ناقض‬
‫ي صلى ال‬
‫من النّواقض العتياديّة واستدلّوا بما رواه ابن عمر رضي ال عنهما أنّ النّب ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ » :‬المستحاضة تتوضّأ لوقت كلّ صلة « ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي ال عنها حين قالت له ‪ :‬إنّي‬
‫أستحاض ‪ ،‬فل أطهر ‪ » :‬توضّئي لوقت كلّ صلة « وعليه يحمل قوله عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ » :‬المستحاضة تتوضّأ لكلّ صلة « ‪ ،‬لنّه يراد بالصّلة الوقت ‪ ،‬قال عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ » :‬أينما أدركتني الصّلة تمسّحت وصلّيت « ويقال ‪ :‬آتيك لصلة الظّهر أي ‪:‬‬
‫لوقتها ‪ ،‬فالمستحاضة ومن في حكمها تكون بين الوقتين في حكم الطّاهرات ما لم يطرأ‬
‫ناقض آخر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ تكرار الوضوء بالنّسبة للمستحاضة ومن في حكمها من أصحاب‬
‫العذار ل يجب لوقت كلّ صلة وإنّما يستحبّ ذلك ‪ ،‬إلّ إذا كان انقطاع الدّم أكثر من إتيانه‬
‫فيجب ‪ ،‬لنّ هذا من الحدث المبتلى به ‪ ،‬واحتجّوا بحديث عائشة رضي ال عنها أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش ‪ » :‬فاغتسلي وصلّي « ولم يأمرها‬
‫بالوضوء ‪ ،‬ولنّه ليس بمنصوص على الوضوء منه ‪ ،‬ول في معنى المنصوص ‪ ،‬لنّ‬
‫المنصوص عليه هو الخارج المعتاد ‪ ،‬وليس هذا بمعتاد ‪.‬‬

‫ن المستحاضة ومن في حكمها من أصحاب العذار يجب أن يتوضّئوا‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫لكلّ فرض بعد دخول وقته ‪ ،‬ويصلّوا مع هذا الفرض ما يشاءون من النّوافل ‪ ،‬مستدلّين‬
‫بحديث فاطمة بنت أبي حبيش ‪ » :‬توضّئي لكلّ صلة « ما لم يعرض لها ناقض اعتياديّ ‪.‬‬
‫ن المستحاضة ومن في حكمها عليهم الوضوء لكلّ صلة ‪ ،‬وبعد غسل‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫محلّ الحدث وشدّه والتّحرّز من خروج الحدث بما يمكن مستدلّين بما روي عن عديّ بن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في المستحاضة ‪ » :‬تدع الصّلة أيّام‬
‫ثابت عن أبيه عن جدّه عن النّب ّ‬
‫أقرائها ث ّم تغتسل وتتوضّأ لكلّ صلة ‪ ،‬وتصوم وتصلّي « ‪.‬‬
‫هذه أحكام الغسل والوضوء لصحاب العذار ‪ ،‬ووسيلة التّطهّر في كليهما هي الماء ‪ ،‬ولكنّ‬
‫هذا مشروط بالقدرة على استعماله ووجوده ‪.‬‬
‫ول يختلف حكم التّيمّم بالنّسبة للمستحاضة ومن في حكمها من أصحاب العذار ‪ ،‬فقد قاس‬
‫الفقهاء التّيمّم على الوضوء والغسل في جميع أحوالهما ‪ ،‬بشرط فقدان الماء أو العجز عن‬
‫استعماله مع وجوده ‪ ،‬فالتّيمّم مشروع عند إرادة الصّلة وفقدان الماء ‪ ،‬وهو خلف عن‬
‫الوضوء والغسل ‪ ،‬والخلف ل يخالف الصل ‪ ،‬بل يقوم مقامه ‪.‬‬

‫شرط ثبوت العذر وزواله ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬شرط ثبوت العذر ‪ :‬هو استمرار الحدث وعدم التّمكّن من حفظ الطّهارة ‪ ،‬أو استمراره‬

‫أكثر من انقطاعه ‪ ،‬بحيث ل يمضي وقت صلة إلّ والحدث الّذي ابتلي به موجود وملزم له‬
‫غالبا ‪.‬‬
‫أمّا شرط زواله ‪ :‬فهو انقطاع العذر كالدّم وغيره ‪ ،‬وخروج صاحبه عن كونه معذورا ‪،‬‬
‫وخلوّ وقت كامل عنه ‪ ،‬لنّ طهارة أصحاب العذار طهارة عذر وضرورة ‪ ،‬فتتقيّد بالوقت‬
‫كالتّيمّم ‪.‬‬
‫بطلن طهارة صاحب العذر ‪:‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وقت بطلن طهارة صاحب العذر ‪ ،‬فذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّها‬

‫ل للعذر الوّل ‪،‬‬
‫تبطل بخروج الوقت ما لم يطرأ عليها في الوقت ناقض آخر ‪ ،‬ولو كان مماث ً‬
‫كما لو سال أحد منخريه فتوضّأ له ‪ ،‬ثمّ سال الخر في الوقت انتقض الوضوء بالثّاني ‪،‬‬
‫ن الحدث مبطل للطّهارة ‪ ،‬وعند المام أحمد تبطل‬
‫لنّه حدث جديد ‪ ،‬ول عبرة بالمماثلة ‪ ،‬ول ّ‬
‫بخروج الوقت كما تبطل بدخوله وهو ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفيّة فالحدث الخر‬
‫وخروج الوقت أو دخوله يبطلن طهارة صاحب العذر ‪.‬‬

‫طروء العذر في أثناء العبادة ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬إذا تحقّق في المكلّف وجود العذر قبل الصّلة يتوضّأ ويصلّي ‪ ،‬ويبقى طاهرا فيما بين‬

‫الوقتين ‪ ،‬فيصلّي وإن استمرّ العذر معه في أثناء العبادة ‪ ،‬فل تبطل عبادته ‪ ،‬لضرورة‬
‫المرض الّذي يعدّ من الحدث المبتلى به ‪.‬‬
‫أمّا إذا دخل الصّلة صحيحا سليما ‪ ،‬ثمّ دهمه العذر في أثنائها وتأكّد لديه استمراره ‪ ،‬فهل‬
‫ينقض وضوءه وتبطل صلته أم ل ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫‪11‬‬

‫– أ ّولً ‪ :‬إذا خرج ما يعذر به من أحد السّبيلين ‪ ،‬كان الخروج حدثا يبطل الوضوء كما‬

‫يبطل الصّلة ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة الّذين قالوا ‪ :‬بوجوب الوضوء على‬
‫أصحاب العذار لوقت كلّ صلة ‪ ،‬سواء أكان العذر معتادا ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫للمستحاضة ‪ » :‬توضّئي لكلّ صلة ‪ ،‬وصلّي وإن قطر الدّم على الحصير « ‪ ،‬ولما رواه‬
‫البخاريّ عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ » :‬اعتكفت مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫امرأة من أزواجه ‪ ،‬فكانت ترى الدّم والصّفرة والطّست تحتها وهي تصلّي « ‪ ،‬أم كان غير‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال في المذي ‪:‬‬
‫معتاد ‪ ،‬لما رواه عليّ رضي ال عنه أ ّ‬
‫» يغسل ذكره ويتوضّأ « ‪.‬‬
‫ولما روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ :‬في الودي الوضوء ‪.‬‬
‫والمذي والودي غير معتادين ‪ ،‬وقد وجب فيهما الوضوء ‪ ،‬ولنّهما خارجان من السّبيل‬
‫فينقضان كالرّيح والغائط ‪ ،‬وذهب المالكيّة إلى أنّ الخارج من هذه الشياء إذا كان معتادا‬
‫يبطل الوضوء والصّلة ‪ ،‬أمّا إذا كان غير معتاد كسلس البول ‪ ،‬ولزمه نصف الزّمان فأكثر‬
‫فإنّه ل ينقض وضوءه ‪ ،‬ول يبطل صلته إ ّل إذا كان أقلّ فينقض الوضوء ويبطل الصّلة ‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫‪ -‬ثانيا ‪ :‬إذا كان ما يعذر به خارجا من غير السّبيلين كالدّم والقيح والرّعاف ‪ ،‬فإنّه‬

‫ينقض الوضوء عند الحنفيّة ‪ ،‬ول ينقض الوضوء عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وكذلك إن كان‬
‫ل عند الحنابلة ‪ ،‬أمّا إن كان كثيرا فإنّه ينقض الوضوء ‪.‬‬
‫قلي ً‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬رعاف ف ‪. ) 2‬‬

‫النّوع الثّاني ‪ :‬أعذار طارئة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬هناك أعذار ترفع عن المكلّف الحرج ‪ ،‬وتدفع عنه الضّيق في عباداته وتكاليفه في‬

‫ل ‪ ،‬ومنها ‪ :‬ما هو مختلف فيه كالبرد‬
‫أحواله كا ّف ًة ‪ ،‬منها ‪ :‬ما هو متّفق عليه كالمرض مث ً‬
‫والمطر والخوف ‪.‬‬
‫فعند المالكيّة تكون شدّة الوحل عذرا لترك صلة الجماعة والجمعة ‪ ،‬وكذلك شدّة الرّيح‬
‫باللّيل ل بالنّهار ‪ ،‬كما يكون الخوف على مال من ظالم أو لصّ أو نار ‪ ،‬أو الخوف على‬
‫العرض ‪ ،‬أو الدّين ‪ ،‬كأن يخاف قذف أحد من السّفهاء له ‪ ،‬أو إلزام قتل شخص أو ضربه‬

‫ظلما ‪ ،‬أو إلزام بيعة ظالم ل يقدر على مخالفته ‪ ،‬وكذلك الخوف من الحرّ أو البرد‬
‫الشّديدين‪ .‬وعند الشّافعيّة يعذر في ترك الجماعة في اللّيلة المطيرة ‪ ،‬واللّيلة الباردة ذات‬
‫الرّيح ‪ ،‬والجمع بين الصّلتين ‪ :‬المغرب والعشاء ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يعذر في ترك الجمعة والجماعة الخائف من ضياع ماله ‪ ،‬كغلّة في بيادرها ‪،‬‬
‫ودوابّ أنعام ل حافظ لها ‪ ،‬أو تلفه أو فواته ‪ ،‬كمن ضاع له كيس نقود وهو يرجو وجوده ‪،‬‬
‫أو خائف من ضرر في ماله أو في معيشة يحتاج إليها ‪ ،‬وكذلك يعذر في ترك الجمعة‬
‫والجماعة متأ ّذ بمطر شديد أو وحل أو ثلج ‪ ،‬أو جليد ‪ ،‬أو ريح باردة في ليلة مظلمة ‪،‬‬
‫لقول ابن عمر رضي ال عنهما ‪ » :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يأمر المؤذّن إذا كانت‬
‫ليلة باردة ‪ ،‬أو ذات مطر في السّفر أن يقول ‪ :‬أل صلّوا في رحالكم « ‪.‬‬
‫وكذلك الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا وكذلك يعذر عندهم عن صلة الفرض وهو قادر‬
‫على القيام للصّلة على الرّاحلة واقف ًة أو سائر ًة خشية الذى بوحل أو مطر ونحوه ‪،‬‬
‫والجمع في الصّلة بين المغرب والعشاء لمطر يبلّ الثّياب ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فلم يعتبروا واحدا من هذه المور عذرا يبيح للمكلّف التّخلّف عن صلة الجماعة‬
‫في المسجد ‪ ،‬ول عن صلة الجمعة ‪.‬‬

‫القسم الثّاني ‪ :‬أعذار عامّة تتّصل بأحكام العبادات ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬لقد بنى السلم أحكامه على اليسر والسّهولة ‪ ،‬فشرع ألوانا من الرّخص لظروف‬

‫توجد للمكلّف نوعا من المشقّة تثقل كاهله في القيام ببعض العبادات ‪.‬‬
‫ومن أسباب هذه الرّخص ‪:‬‬
‫وهو السّفر الّذي تناط به الرّخص ‪.‬‬

‫أ ‪ -‬السّفر ‪:‬‬

‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬سفر ف ‪ 6‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وهي في الجملة كما يلي ‪:‬‬

‫قصر الصّلة وجمعها ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬أجمع الفقهاء على مشروعيّة قصر الصّلة في السّفر ‪ ،‬وذهب جمهورهم إلى أنّ‬

‫السّفر من العذار المبيحة لجمع الصّلوات ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة المسافر ) ‪.‬‬

‫جواز الفطر في رمضان ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫ن السّفر بشروطه من العذار المبيحة للفطر في رمضان ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬

‫امتداد مدّة المسح على الخفّين ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ السّفر يطيل مدّة المسح على الخفّين إلى ثلثة أيّام‬

‫بلياليها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مسح على الخفّين ) ‪.‬‬

‫سقوط وجوب الجمعة ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫ن القامة من شروط وجوب الجمعة ‪ ،‬وعلى ذلك يكون السّفر‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫بشروطه من أسباب سقوط وجوب الجمعة عن المسافر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة ) ‪.‬‬

‫سقوط القسم بين الزّوجات ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب العدل في القسم بين الزّوجات في المبيت ‪ ،‬ويسقط هذا في‬

‫السّفر ‪ ،‬على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قسم بين الزّوجات ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬المرض ‪:‬‬

‫ومن الرّخص المتعلّقة بالمرض ما يأتي ‪:‬‬

‫التّيمّم عند العجز عن استعمال الماء شرعا ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬إذا خاف المريض من استعمال الماء على نفسه ‪ ،‬أو عضو من أعضائه التّلف ‪ ،‬أو‬

‫زيادة المرض أو تأخّر البرء جاز له التّيمّم ‪.‬‬
‫على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ف‬

‫‪21‬‬

‫)‪.‬‬

‫العجز عن أداء ركن من أركان الصّلة ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬إذا عجز المريض عن أداء الصّلة بأركانها أو خاف زيادة مرضه بذلك صلّى على‬

‫قدر استطاعته ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صلة المريض ) ‪.‬‬

‫الجمع بين الصّلتين ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز الجمع بين الصّلوات للمريض ‪ ،‬فذهب المالكيّة والحنابلة إلى‬

‫جواز الجمع خلفا للحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جمع الصّلوات ف ‪. ) 9‬‬

‫التّخلّف عن الجمعة ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى جواز تخلّف المريض عن صلة الجمعة للعجز أو المشقّة ‪.‬‬

‫على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة ) ‪.‬‬

‫الفطر في رمضان ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز الفطر للمريض في رمضان ‪.‬‬

‫على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬

‫خروج المعتكف من المسجد ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ -‬يجوز للمعتكف الخروج من المسجد حالة المرض ‪.‬‬

‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬اعتكاف ف‬

‫‪36‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫الستنابة في الحجّ والعمرة وفي رمي الجمرات ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة النابة في الحجّ ‪ ،‬وفي رمي الجمار لغير القادر عليهما‬

‫على خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬حجّ ف‬

‫‪66‬‬

‫‪،‬‬

‫‪115‬‬

‫)‪.‬‬

‫استباحة محظورات الحرام مع الفدية ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬حظر الشّارع الحكيم بعض المباحات على المحرم تذكيرا له بما أقدم عليه من نسك ‪،‬‬

‫لكنّ الشّارع راعى العذار الّتي قد تقوم بالمحرم ‪ ،‬فأباح بعض المحظورات ‪ ،‬وشرع الفدية‬
‫جبرا لما قد يكون في إحرام المحرم من مخالفة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫‪54‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫التّداوي بالمحرّم ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء من حيث الجملة على عدم جواز التّداوي بالمحرّم والنّجس ‪ ،‬لقول النّبيّ‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم « ‪.‬‬
‫لكنّ بعض الفقهاء أباحوا التّداوي بهما لعذر ‪ ،‬على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تداوي ف‬
‫‪8‬‬

‫و‪.)9‬‬

‫إباحة النّظر إلى العورة ولمسها ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على تحريم نظر الجنبيّ إلى العورة ‪ ،‬ولمسها من الذّكر ‪ ،‬أو النثى ‪،‬‬

‫لكنّهم أباحوا ذلك للعذر أو الضّرورة كالمرض ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تطبيب ف ‪ ، 4‬وعورة ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الكراه ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫‪ -‬الكراه الّذي تتغيّر معه بعض الحكام هو ‪ :‬حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف‬

‫يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفا به ‪ ،‬وللكراه تقسيمات باعتبارات مختلفة‬
‫ق ‪ ،‬وهو ‪ :‬الكراه‬
‫راعاها الفقهاء والصوليّون ومنها ‪ :‬تقسيم الكراه إلى إكراه بح ّ‬

‫ق وهو ‪ :‬الكراه ظلما أو الكراه المحرّم‬
‫المشروع الّذي ل ظلم فيه ول إثم ‪ ،‬وإكراه بغير ح ّ‬
‫لتحريم وسيلته أو لتحريم المطلوب به ‪.‬‬
‫وقسّم الحنفيّة الكراه إلى ‪ :‬إكراه ملجئ ‪ :‬وهو الّذي يكون بالتّهديد ‪ ،‬بإتلف النّفس أو‬
‫عضو منها ‪ ،‬أو بإتلف جميع المال ‪ ،‬أو التّهديد بهتك العرض ‪ ،‬أو بقتل من يهمّ النسان‬
‫أمره ‪ ،‬وإكراه غير ملجئ وهو ‪ :‬الّذي يكون بما ل يفوّت النّفس أو بعض العضاء ‪،‬‬
‫كالحبس لمدّة قصيرة ‪ ،‬والضّرب الّذي ل يخشى منه القتل أو إتلف بعض العضاء ‪.‬‬
‫والكراه بجميع أقسامه مفسد للرّضا في الجملة ‪ ،‬وبعضه مفسد للختيار ‪ ،‬على خلف في‬
‫ذلك ‪ ،‬وفي أحكام الكراه بأقسامه المختلفة ‪ ،‬وفي آثار كلّ قسم على الختيار والرّضا ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إكراه ‪ ،‬ف‬

‫‪16‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الجهل والنّسيان ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫‪ -‬الجهل هو اعتقاد الشّيء على غير ما هو عليه ‪ ،‬والنّسيان من معانيه ‪ :‬ترك الشّيء‬

‫عن ذهول وغفلة ‪ ،‬والجهل والنّسيان يعتبران عذرين مسقطين للثم في الجملة ‪ ،‬على‬
‫تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جهل ف ‪ 4‬وما بعدها ‪ ،‬ونسيان ) ‪.‬‬

‫هـ – الجنون والغماء والنّوم ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫– الجنون هو ‪ :‬اختلل العقل يمنع جريان الفعال والقوال على نهج العقل إلّ نادرا‬

‫والغماء هو ‪ :‬آفة في القلب أو الدّماغ تعطّل القوى المدركة عن أفعالها مع بقاء العقل‬
‫مغلوبا ‪ ،‬والنّوم معروف ‪ ،‬وقد عرّف بأنّه ‪ :‬فتور يعرض للنسان مع قيام العقل يوجب‬
‫العجز عن إدراك المحسوسات والفعال الختياريّة واستعمال العقل ‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫‪ -‬والجنون ‪ :‬عذر وعارض من عوارض أهليّة الداء ‪ ،‬وهو يزيلها من أصلها ‪ ،‬لنّ‬

‫أساسها العقل والتّمييز ‪ ،‬والمجنون عديم العقل والتّمييز ول يؤثّر الجنون في أهليّة‬
‫ن أساسها النسانيّة ‪ ،‬أمّا أثر الجنون في العبادات والتّصرّفات والجنايات ففيه‬
‫الوجوب‪ ،‬ل ّ‬
‫تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جنون ف ‪ 9‬وما بعدها وأهليّة ف‬
‫‪34‬‬

‫‪27‬‬

‫)‪.‬‬

‫‪ -‬وكلّ من الغماء والنّوم عذر ‪ ،‬وهما ل ينافيان أهليّة الوجوب ‪ ،‬لعدم إخللهما بال ّذمّة‬

‫‪ ،‬إلّ أنّهما يوجبان تأخير توجّه الخطاب بالداء إلى حال اليقظة ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬إغماء ف ‪ 5‬وما بعدها ‪ ،‬وأهليّة ف‬

‫‪30‬‬

‫‪-‬‬

‫‪31‬‬

‫ونوم ) ‪.‬‬

‫و ‪ -‬الضطرار ‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫‪ -‬الضطرار ‪ :‬ظرف قاهر يصلح أن يكون عذرا يجوز بسببه ارتكاب المحظور شرعا‬

‫للمحافظة على إحدى الضّروريّات الخمس وهي ‪ :‬النّفس ‪ ،‬والمال والعرض ‪ ،‬والعقل ‪،‬‬
‫والدّين ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء قاطبةً ‪.‬‬

‫وفي هذا الموضوع تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ضرورة ) ‪.‬‬

‫ز ‪ -‬الحاجة ‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ -‬الحاجة هي ‪ :‬الّتي ل تتوقّف عليها صيانة الصول الخمسة المتقدّمة ول حمايتها ‪،‬‬

‫ولكن تتحقّق بدونها مع الضّيق والحرج ‪ ،‬فهي إذن ما يترتّب على عدم استجابة المكلّف‬
‫إليها عسر وصعوبة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬حاجة ف ‪. ) 2‬‬

‫ح ‪ -‬الصّغر ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫‪ -‬ال صّغر عارض من عوارض الهليّة ‪ ،‬لما في ال صّغير من النّقص في العقل والقدرة‬

‫الج سميّة ‪ ،‬وال صّبيّ ق بل أن يميّز كالمجنون ‪ ،‬أمّا ب عد التّمي يز فيحدث له ضرب من أهليّة‬
‫الداء ‪.‬‬

‫أعذار لها أحكام خاصّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العسار بالدّين والنّفقة ‪:‬‬

‫‪38‬‬

‫‪ -‬إذا عجز الزّوج عن النفاق على زوجته لعساره ‪ ،‬وطلبت التّفريق بناءً على عجزه‬

‫عمّا وجب لها ولو بما تندفع به الضّرورة ‪ ،‬فهل يعتبر العسار بالدّين والنّفقة عذرا لعدم‬
‫تلبية طلبها ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫ي وأحمد بن حنبل إلى أنّ للقاضي أن يفرّق بين الزّوجين لعسار‬
‫فذهب المالكيّة والشّافع ّ‬
‫الزّوج وعجزه عن النّفقة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ العسار بالدّين والنّفقة ليس عذرا ‪ ،‬فل يجوز للقاضي التّفريق بين‬
‫الزّوجين إذا عجز الزّوج عن النّفقة ‪ ،‬وهو المرويّ عن عطاء والزّهريّ وابن شبرمة وابن‬
‫ي من‬
‫يسار ‪ ،‬والحسن البصريّ ‪ ،‬والثّوريّ وابن أبي ليلى ‪ ،‬وحمّاد بن سليمان ‪ ،‬والمزن ّ‬
‫ن التّفريق ضرر بالزّوج ل‬
‫ن العسر عرض ل يدوم ‪ ،‬والمال غاد ورائح ‪ ،‬ول ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫يمكن تداركه ‪ ،‬أمّا عدم النفاق فهو ضرر بالزّوجة يمكن علجه بالستدانة على الزّوج ‪،‬‬
‫فيرتكب أخفّ الضّررين ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العذر في تأخير ردّ المبيع المعيب ‪:‬‬

‫‪39‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ ردّ المبيع المعيب يكون بعد العلم بالعيب إذا لم يوجد منه ما يدلّ‬

‫على الرّضا ‪ ،‬وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ خيار الرّ ّد بالعيب على التّراخي ول يشترط‬
‫أن يكون ردّ المبيع بعد العلم بالعيب على الفور ‪ ،‬فمتى علم العيب فأخّر الرّ ّد لم يبطل خياره‬
‫‪ ،‬حتّى يوجد منه ما يدلّ على الرّضا ‪ ،‬وعند المالكيّة إذا علم بالعيب فسكت ليوم أو يومين‬

‫من غير عذر يسقط خياره ‪ ،‬وإن كان له عذر لم يسقط خياره مهما سكت عن المطالبة‬
‫بالرّ ّد ‪ ،‬فهو معذور مهما طالت المدّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو علم المشتري بالعيب فل يجوز تأخيره إ ّل بعذر ‪ ،‬ومن العذر عندهم ‪:‬‬
‫انشغاله بصلة دخل وقتها ‪ ،‬أو بأكل ونحوه ‪.‬‬
‫ص ‪ ،‬أو حيوان مفترس ‪ ،‬أو نحوه فله‬
‫وكذا لو علم بالعيب ثمّ تراخى لمرض أو خوف ل ّ‬
‫التّأخير ‪ ،‬لنّ الرّدّ بالعيب عندهم على الفور ‪ ،‬إذ الصل في البيع اللّزوم والجواز عارض ‪،‬‬
‫ولنّه خيار ثبت بالشّرع لدفع الضّرر عن المال ‪ ،‬فكان فوريّا كالشّفعة ‪ ،‬فيبطل الرّدّ بالتّأخير‬
‫ن المشتري يلزمه الشهاد على الفسخ إن أمكنه‬
‫بغير عذر ‪ ،‬وفي الصحّ عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫ولو في حال عذره ‪ ،‬لنّ التّرك يحتمل العراض ‪ ،‬وأصل البيع اللّزوم ‪ ،‬فتعيّن الشهاد ‪،‬‬
‫ومقابل الصحّ ل يلزمه الشهاد ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬العذر في تأخير طلب الشّفعة ‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫‪ -‬اتّفق فقهاء المذاهب الربعة على أنّ عدم العلم بالبيع أو الشّراء يعدّ عذرا في تأخير‬

‫طلب الشّفعة ‪ ،‬ولكنّهم اختلفوا في صور هذا العذر بعد العلم على النّحو التي ‪:‬‬
‫فالحنفيّة يعدّون التّأخير في طلب الشّفعة جائزا للعذار التية ‪:‬‬
‫السّفر ‪ ،‬كأن سمع الشّفيع بالبيع فحينئذ يطلب طلب المواثبة ‪ ،‬ثمّ يشهد إن قدر وإلّ وكّل ‪،‬‬
‫أو كتب كتابا ‪ ،‬ث ّم يرسله إلى البائع على أساس أنّ طلب الشّفعة فوريّ عندهم ‪.‬‬
‫ومن العذار عند الحنفيّة ‪ :‬تعسّر الوصول إلى القاضي فهو عذر في تأخير الشّفيع الجار ‪،‬‬
‫والصّلة المفروضة فهي عذر في تأخير طلب الشّفعة ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فيعدّون عدم طلب المشتري من الشّفيع تقديم طلب الشّفعة أو إسقاطها ‪ ،‬وهو‬
‫ل يعلم بالشّراء ‪ ،‬عذرا فيقولون ‪ :‬عند الشّراء يطلب المشتري من الشّفيع طلب الشّفعة أو‬
‫إسقاطها ‪ ،‬فإذا رفض إصدار أحدهما حكم الحاكم بإسقاطها ‪ ،‬ول عذر له بتأخير اختيار أحد‬
‫المرين ‪ ،‬إ ّل بقدر ما يطّلع به على الشّيء المشفوع فيه كساعة مثلً ‪ ،‬وبناءً على هذا إذا‬
‫لم يطلب منه المشتري الطّلب أو السقاط ‪ -‬وهو ل يعلم بالشّراء ‪ -‬يكون عذرا للشّفيع ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬الظهر أنّ الشّفعة على الفور ‪ ،‬فإذا علم الشّفيع بالبيع فليبادر على‬
‫العادة ‪ ،‬فإن كان مريضا أو غائبا عن بلد المشتري أو خائفا من عدوّ فليوكّل إن قدر ‪ ،‬وإلّ‬
‫فليشهد على الطّلب فإن ترك المقدور عليه منهما بطل حقّه في الظهر ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬شفعة ف‬

‫‪31‬‬

‫)‪.‬‬

‫وعند الحنابلة على الرّأي الصّحيح ‪ :‬يجوز للشّفيع أن يؤخّر طلب الشّفعة بعد العلم بها‬
‫لعذر‪ ،‬وذلك كأن يعلم ليلً فيؤخّره إلى الصّبح ‪ ،‬أو لشدّة جوع أو عطش حتّى يأكل أو‬

‫يشرب ‪ ،‬أو لطهارة أو إغلق باب أو ليخرج من الحمّام ‪ ،‬أو ليؤذّن ويقيم ويأتي بالصّلة‬
‫وسنّتها ‪ ،‬أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها ‪ ،‬لنّ العادة تقديم هذه الحوائج على غيرها ‪،‬‬
‫فل يكون الشتغال بها رضىً بترك الشّفعة ‪.‬‬

‫د ‪ -‬أثر العذر في العقود ‪:‬‬

‫‪41‬‬

‫‪ -‬العقود اللزمة يجب الوفاء بها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َأوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ }‬

‫لكن قد تطرأ أعذار ل يمكن معها الوفاء بها ‪ ،‬أو يتعسّر معها ذلك ‪ ،‬وعندئذ ينحلّ اللزام‬
‫وينفسخ العقد ‪ ،‬وفي ذلك يقول ابن عابدين ‪ :‬كلّ عذر ل يمكن معه استيفاء المعقود عليه‬
‫ق الفسخ ‪.‬‬
‫إلّ بضرر يلحقه في نفسه أو ماله يثبت له ح ّ‬

‫هـ – العذر في ترك الجهاد ‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫– الجهاد فرض كفاية إذا لم يكن هناك نفير عامّ ‪ ،‬فإذا قام به البعض سقط الثم عن‬

‫الباقين ‪ ،‬أمّا إذا كان النّفير عامّا ‪ ،‬فالجهاد يصبح فرض عين على كلّ قادر من المسلمين ‪،‬‬
‫وهذا الحكم في فرضيّة الجهاد متّفق عليه بين الفقهاء ‪ ،‬ولكن من ل قدرة له فل يطالب‬
‫بالجهاد ‪ ،‬لنّه معذور ‪ ،‬وقد أشار سبحانه وتعالى في كتابه إلى أصحاب العذار فقال ‪:‬‬
‫ج وَل عَلَى ا ْلمَرِيضِ حَ َرجٌ } ‪.‬‬
‫ج وَل عَلَى الَعْ َرجِ حَرَ ٌ‬
‫عمَى حَرَ ٌ‬
‫س عَلَى الَ ْ‬
‫{ لَيْ َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم حين نزلت آية‬
‫والية نزلت في هؤلء حين همّوا بالخروج مع النّب ّ‬
‫ض َعفَاء َو َل عَلَى ا ْلمَرْضَى َو َل عَلَى‬
‫س عَلَى ال ّ‬
‫التّخلّف عن الجهاد ‪ ،‬وقال سبحانه أيضا ‪ { :‬لّيْ َ‬
‫صحُواْ لِّلهِ َو َرسُو ِلهِ } ‪.‬‬
‫ج إِذَا نَ َ‬
‫ن حَرَ ٌ‬
‫الّذِينَ َل َيجِدُونَ مَا يُن ِفقُو َ‬
‫فظاهر اليتين يدلّ على أنّ الحرج مرفوع في كلّ ما يضطرّهم إليه العذر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جهاد ) ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬بكارة ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬نجاسة ‪.‬‬

‫انظر بكارة ‪.‬‬

‫عَذْراء *‬
‫عَذِرة *‬
‫عُذْرة *‬

‫عذيرة *‬

‫انظر ‪ :‬إعذار ‪ ،‬ودعوة ‪.‬‬

‫عِرافة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العِرافة بالكسر تأتي بمعنيين ‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬بمعنى عمل العرّاف ‪ ،‬وهو مثقّل بمعنى المنجّم والكاهن ‪ ،‬وقيل ‪ :‬العرّاف ‪ :‬يخبر‬
‫عن الماضي ‪ ،‬والكاهن ‪ :‬يخبر عن الماضي والمستقبل ‪.‬‬
‫المعنى الثّاني ‪ :‬العرافة ‪ :‬مصدر عرفت على القوم أعرف فأنا عارف ‪ ،‬أي ‪ :‬مدبّر أمرهم‬
‫ضمّ لغةً ‪ ،‬فأنا عريف ‪.‬‬
‫وقائم بسياستهم ‪ ،‬وعرُفت عليهم بال ّ‬
‫وفي الصطلح بالمعنى الوّل نقل ابن حجر عن البغويّ ‪ :‬أنّ العرّاف ‪ :‬هو الّذي يدّعي‬
‫معرفة المور بمقدّمات أسباب يستد ّل بها على مواقعها ‪ ،‬كالمسروق من الّذي سرقه ‪،‬‬
‫ومعرفة مكان الضّالّة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬التّنجيم ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬من معاني التّنجيم في اللّغة ‪ :‬النّظر إلى النّجوم ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬هو علم يعرف به‬

‫الستدلل بالتّشكّلت الفلكيّة على الحوادث السّلفيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكهانة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الكهانة ‪ :‬هي تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل ‪ ،‬وادّعاء معرفة السرار ‪.‬‬

‫والفرق بين الكاهن والعرّاف ‪ :‬أنّ الكاهن من يخبر بواسطة النّجم عن المغيبات في‬
‫المستقبل ‪ ،‬بخلف العرّاف فإنّه الّذي يخبر عن المغيبات الواقعة أي ‪ :‬في الماضي ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الكاهن أعمّ من العرّاف ‪ ،‬لنّ العرّاف يخبر عن الماضي ‪ ،‬والكاهن يخبر عن‬
‫الماضي والمستقبل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّحر ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫ق ‪ ،‬ويأتي بمعنى الخدعة ‪ ،‬يقال ‪ :‬سحره أي‬
‫‪ -‬السّحر في اللّغة ‪ :‬كلّ ما لطف مأخذه ود ّ‬

‫سحّرِينَ } أي ‪ :‬المخدوعين ‪.‬‬
‫ن ا ْل ُم َ‬
‫‪ :‬خدعه ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬قَالُوا إِ ّنمَا أَنتَ مِ َ‬
‫ي بقوله ‪ :‬ال سّحر شرعا ‪:‬‬
‫أمّا في ال صطلح فله تعريفات مختل فة ‪ ،‬من ها ما أورده القليوب ّ‬
‫مزاولة النّفوس الخبيثة لقوال أو أفعال ينشأ عنها أمور خارقة للعادة ‪.‬‬

‫وعرّفه ابن عابدين بأنّه ‪ :‬علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانيّة يقتدر بها على أفعال‬
‫غريبة لسباب خفيّة ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬العرافة حرام بنصّ الحديث النّبويّ ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول‬

‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل‬
‫على محمّد « ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬الصل فيه استراق الجنّ السّمع من كلم الملئكة ‪ ،‬فيلقيه في أذن الكاهن ‪،‬‬
‫والكاهن اسم يطلق على العرّاف ‪.‬‬
‫ّوويـ أيضا ‪ :‬العرّاف مـن جملة الكهّان والعرب تسـمّي كلّ مـن يتعاطـى علما دقيقا‬
‫ّ‬
‫وقال الن‬
‫كاهنا ‪.‬‬
‫وفي حديث مسلم عن صفيّة رضي ال عنها عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬من‬
‫أتى عرّافا فسأله عن شيء ‪ ،‬لم تقبل له صلة أربعين ليلةً « ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬عدم قبول صلته معناه ‪ :‬أنّه ل ثواب له فيها ‪ ،‬وإن كانت مجزئ ًة في سقوط‬
‫الفرض عنه ‪.‬‬
‫‪ -6‬واختلف الوعيدين ‪ :‬الكفر وعدم قبول الصّلة ‪ ،‬باختلف حالي من أتى الكاهن أو‬
‫العرّاف ‪ ،‬فمن أتى كاهنا أو عرّافا وصدّقهما في قولهما يكفر ‪ ،‬لشراكه الغير مع اللّه في‬
‫علم الغيب الّذي استأثر به اللّه ‪ ،‬ومن أتاهما لمجرّد السّؤال ولم يصدّقهما لم يكفر ‪ ،‬بل‬
‫يحرم من ثواب صلته أربعين يوما زجرا ‪.‬‬
‫وهذا ما يدلّ عليه حديث أنس رضي ال عنه مرفوعا بلفظ ‪ » :‬من أتى كاهنا فصدّقه بما‬
‫يقول فقد برئ ممّا أنزل على محمّد ‪ ،‬ومن أتاه غير مصدّق له لم تقبل صلته أربعين‬
‫ليل ًة « ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلحي ‪ ( :‬سحر وكهانة ) ‪.‬‬
‫أمّا العرافة بالمعنى الثّاني فلم نجد لها أحكاما فقه ّيةً تحت هذا اللّفظ وتؤخذ أحكامها من‬
‫مصطلح ‪ ( :‬إمارة ) ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬عورة ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬بيع العرايا ‪.‬‬

‫عُراة *‬
‫عَرايا *‬

‫انظر ‪ :‬بيع العربون ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عرْبون *‬
‫ُ‬
‫عربيّة *‬

‫ي ‪ :‬ثابت النّسب‬
‫‪ -‬في اللّغة ‪ :‬عَرِب لسانه عروبةً ‪ :‬إذا كان عربيّا فصيحا ‪ ،‬ورجل عرب ّ‬

‫في العرب وإن كان غير فصيح ‪ ،‬ورجل أعرابيّ ‪ :‬إذا كان بدويّا صاحب نجعة وارتياد للكل‬
‫وتتبّع مساقط الغيث ‪ ،‬وأعرب ‪ :‬إذا كان فصيحا وإن لم يكن من العرب ‪ ،‬وعرّب منطقه أي‬
‫‪ :‬هذّبه من اللّحن ‪ ،‬وعرّبه ‪ :‬علّمه العربيّة ‪.‬‬
‫واللّغة العربيّة ‪ :‬ما نطق به العرب ‪ ،‬قال قتادة ‪ :‬كانت قريش تختار أفضل لغات العرب حتّى‬
‫صار أفضل لغاتها لغتها فنزل القرآن بها ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وجعل اللّه ع ّز وجلّ القرآن المنزّل على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫قال الزهر ّ‬
‫عربيّا ‪ ،‬لنّه نسبه إلى العرب الّذين أنزل بلسانهم ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬عجميّة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫عجْم ‪.‬‬
‫ي وجمعه ُ‬
‫عجَم ّ‬
‫‪ -‬في اللّغة ‪ :‬ال ُعجْم وال َعجَم خلف العُرْب والعَرب ‪ ،‬يقال ‪َ :‬‬

‫جمِيّ ‪ :‬الّذي من جنس العَجَم أفصح أو لم‬
‫وال َعجَم ‪ :‬جمع العجم الّذي ل يفصح ‪ ،‬وال َع َ‬
‫يفصح ‪.‬‬
‫ورجل أعجميّ وأعجم ‪ :‬إذا كان في لسانه عجمة وإن أفصح بالعجميّة ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬لسان أعجميّ إذا كان في لسانه عجمة ‪ ،‬وعلى ذلك فالعجمة والعجميّة خلف‬
‫العربيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لغة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬اللّغة ‪ :‬اللّسن وهي أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم ‪ ،‬والجمع لغات ولغون ‪،‬‬

‫وفي التّهذيب ‪َ :‬لغَا فلن عن الصّواب وعن الطّريق ‪ :‬إذا مال عنه ‪ ،‬قال ابن العرابيّ ‪:‬‬
‫ن هؤلء تكلّموا بكلم مالوا فيه عن لغة هؤلء الخرين ‪.‬‬
‫واللّغة أخذت من هذا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعلى ذلك فاللّغة أعمّ من العربيّة ‪ ،‬لنّها تشمل العربيّة وغيرها ‪.‬‬

‫فضل اللّغة العربيّة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬للّغة العربيّة فضل على سائر اللسن ‪ ،‬لنّها لسان أهل الجنّة ‪ ،‬ويثاب النسان على‬

‫تعلّمها وعلى تعليمها غيره ‪ ،‬وفي الحديث الشّريف ‪ » :‬أحبّوا العرب لثلث ‪ :‬لنّي عربيّ ‪،‬‬
‫ي « وفي رواية ‪ » :‬وكلم أهل الجنّة‬
‫ي ‪ ،‬ولسان أهل الجنّة في الجنّة عرب ّ‬
‫والقرآن عرب ّ‬
‫عربيّ « ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ي ‪ :‬يجب على كلّ مسلم أن يتعلّم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء‬
‫‪ -‬قال الشّافع ّ‬

‫فرضه ‪ ،‬قال في القواطع ‪ :‬معرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلّفين إلّ أنّه‬
‫في حقّ المجتهد على العموم في إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه ‪ ،‬أمّا في حقّ غيره من‬
‫المّة ففرض فيما ورد التّعبّد به في الصّلة من القراءة والذكار ‪ ،‬لنّه ل يجوز بغير‬
‫العربيّة ‪.‬‬

‫ما يشترط معرفته من العربيّة بالنّسبة للمجتهد ‪:‬‬

‫‪ -6‬جاء في البحر المحيط ‪ :‬من شروط المجتهد أن يكون عارفا بلسان العرب وموضوع‬
‫خطابهم لغ ًة ونحوا وصرفا ‪ ،‬فليعرف القدر الّذي يفهم به خطابهم وعاداتهم في الستعمال ‪،‬‬
‫إلى حدّ يميّز به صريح الكلم وظاهره ‪ ،‬ومجمله ومبيّنه ‪ ،‬وعامّه وخاصّه ‪ ،‬وحقيقته‬
‫ومجازه ‪.‬‬
‫قال أبو إسحاق ‪ :‬ويكفيه من اللّغة أن يعرف غالب المستعمل ول يشترط التّبحّر ‪ ،‬ومن‬
‫النّحو الّذي يصحّ به التّمييز في ظاهر الكلم كالفاعل والمفعول والخافض والرّافع ‪.‬‬
‫وفي إرشاد الفحول ‪ :‬يشترط في المجتهد أن يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير‬
‫ما ورد في الكتاب والسّنّة من الغريب ونحوه ‪ ،‬ول يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر‬
‫قلب ‪ ،‬بل المعتبر أن يكون متمكّنا من استخراجها من مؤلّفات الئمّة المشتغلين بذلك ‪.‬‬

‫الحتجاج بالعربيّة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬قال ابن فارس ‪ :‬لغة العرب يحتجّ بها فيما اختلف فيه إذا كان التّنازع في اسم أو صفة‬

‫أو شيء ممّا يستعمله العرب من سننها في حقيقة أو مجاز ونحوه ‪ ،‬فأمّا ما سبيله‬
‫الستنباط ‪ ،‬وما فيه لدلئل العقل مجال ‪ ،‬فإنّ العرب وغيرهم فيه سواء ‪.‬‬
‫وأمّا خلف الفقهاء في القرء ‪ ،‬والعود في الظّهار ‪ ،‬ونحوه ‪ ،‬فمنه ما يصلح للحتجاج فيه‬
‫بلغة العرب ‪ ،‬ومنه ما يوكّل إلى غير ذلك ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ويقع في الكلمة الواحدة لغتان كالصّرام ‪ ،‬وثلث كالزّجاج ‪ ،‬وأربع كالصّداق ‪ ،‬وخمس‬
‫كالشّمال ‪ ،‬وستّ كالقسطاس ول يكون أكثر من ذلك ‪.‬‬

‫ما يشترط فيه العربيّة وما ل يشترط ‪:‬‬

‫‪ -8‬يشترط الفقهاء ‪ -‬في الجملة ‪ -‬العربيّة في مسائل منها ‪:‬‬
‫قراءة القرآن ‪ ،‬والذكار في الصّلة من التّشهّد والتّسبيح ‪ ،‬والتّكبير في الصّلة والذان ‪،‬‬
‫وخطبة الجمعة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ترجمة ف ‪ 5‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫عرَج *‬
‫َ‬

‫انظر ‪ :‬أعرج ‪.‬‬

‫عرْس *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫صةً ‪،‬‬
‫‪ -‬العُرْسُ في اللّغة ‪ :‬مهنة الملك والبناء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬اسم لطعام العرس خا ّ‬

‫والعروس ‪ :‬وصف يستوي فيه الذّكر والنثى ما داما في إعراسهما ‪ ،‬وأعرس الرّجل‬
‫بامرأته ‪ :‬إذا دخل بها ‪ ،‬والعِرس بالكسر ‪ :‬امرأة الرّجل ‪ ،‬والجمع أعراس ‪ ،‬والعُرس‬
‫ضمّ‪ :‬الزّفاف ‪ ،‬يذكّر ويؤنّث ‪.‬‬
‫بال ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الزّفاف ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الزّفاف لغةً ‪ :‬إهداء الزّوجة إلى زوجها ‪ ،‬يقال ‪ :‬زفّ النّساء العروس إلى زوجها ‪،‬‬

‫والسم الزّفاف ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫والعرس أعمّ من الزّفاف ‪.‬‬

‫تخلّف العروس عن الجمعة والجماعة ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬ذهب المالكيّة في المشهور عندهم والشّافعيّة إلى أنّه ‪ :‬ل يجوز للعروس التّخلّف عن‬

‫الخروج لحضور الجماعات وسائر أعمال الب ّر ‪ ،‬كعيادة المرضى ‪ ،‬وتشييع الجنائز مدّة‬
‫ق للزّوجة في منعه من شهود ذلك ‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إلّ ليلً‬
‫الزّفاف بسبب العرس ‪ ،‬ول ح ّ‬
‫فيجب عليه التّخلّف تقديما للواجب على السّنّة ‪ ،‬وخالفهم في هذا بعض المتأخّرين من‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكيّة إلى أنّه ‪ :‬يجوز له التّخلّف عن حضور ذلك كلّه‬
‫بسبب العرس ‪ ،‬للشتغال بزوجته وتأنيسها واستمالة قلبها ‪.‬‬

‫وليمة العرس ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫‪ -‬أجمع العلماء على أنّ وليمة العرس مشروعة ‪ ،‬لما روي من أ ّ‬

‫ي صلى ال عليه وسلم بين‬
‫وسلم فعلها وأمر بها ‪ ،‬قال أنس رضي ال عنه ‪ » :‬أقام النّب ّ‬
‫خيبر والمدينة ثلثا يبني عليه بصفيّة بنت حييّ فدعوت المسلمين إلى وليمته ‪ ،‬فما كان‬
‫فيها خبز ول لحم ‪ ،‬أمر بالنطاع فألقى فيها من التّمر والقط والسّمن ‪ ،‬فكانت وليمته « ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لعبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه حين قال له ‪:‬‬
‫وقال النّب ّ‬
‫تزوّجت ‪ » :‬أولم ولو بشاة « ‪.‬‬
‫ووليمة العرس سنّة مؤكّدة ‪ ،‬وليست واجبةً في قول جمهور الفقهاء ‪ ،‬لنّها طعام لسرور‬
‫حادث ‪ ،‬فأشبه سائر الطعمة ‪ ،‬وفي قول عند الشّافعيّة أنّها واجبة عينا ‪ ،‬لظاهر أمره صلى‬
‫ال عليه وسلم بها عبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه ‪ ،‬ولنّ الجابة إليها واجبة ‪،‬‬
‫فكانت واجبةً ‪.‬‬
‫أمّا إجابة الوليمة فهي واجبة عينا على كلّ من يدعى إليها لقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها « وفي لفظ ‪ » :‬أجيبوا هذه الدّعوة إذا دعيتم إليها «‬
‫ولحديث ‪ » :‬من لم يجب الدّعوة فقد عصى اللّه ورسوله « ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وليمة ) ‪.‬‬

‫تهنئة العروس ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى استحباب تهنئة العروس والدّعاء له ‪ ،‬سواء كان ذكرا أو أنثى ‪،‬‬

‫لدخال السّرور عليه عقب العقد والبناء ‪ ،‬فيقول له ‪ :‬بارك اللّه لك ‪ ،‬وبارك عليك وجمع‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رأى على عبد الرّحمن‬
‫بينكما في خير وعافية ‪ ،‬لما روي من أنّ النّب ّ‬
‫بن عوف رضي ال عنه أثر صفرة فقال ‪ :‬ما هذا ؟ فقال ‪ :‬إنّي تزوّجت امرأةً على وزن‬
‫نواة من ذهب ‪ ،‬قال ‪ » :‬بارك اللّه لك ‪ ،‬أولم ولو بشاة « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا رفأ النسان‬
‫ولما رواه أبو هريرة رضي ال عنه من أ ّ‬
‫إذا تزوّج قال ‪ » :‬بارك اللّه لك ‪ ،‬وبارك عليك ‪ ،‬وجمع بينكما في خير « ‪.‬‬
‫قال ابن حبيب من المالكيّة ‪ :‬ول بأس بالزّيادة على هذا من ذكر السّعادة ‪ ،‬وما أحبّ من‬
‫خير ‪ ،‬إ ّل أنّه يكره عند الشّافعيّة أن يقول ‪ :‬بالرّفاء والبنين ‪ ،‬لنّه من أقوال الجاهليّة ‪ ،‬وقد‬
‫ن عقيل بن أبي طالب رضي ال عنه ‪ :‬تزوّج امرأةً من جشم ‪ ،‬فدخل‬
‫نهي عنه لما روي أ ّ‬
‫عليه القوم فقالوا ‪ :‬بالرّفاء والبنين ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل تفعلوا ذلك ‪ .‬قالوا ‪ :‬فما نقول يا أبا يزيد ؟‬
‫قال ‪ :‬قولوا ‪ :‬بارك اللّه لكم وبارك عليكم ‪ ،‬إنّا كذلك كنّا نؤمر ‪.‬‬

‫دعاء العروس لنفسه ولعروسه ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يستحبّ للعروس إذا زفّت إليه زوجته أوّل مرّة أن يأخذ‬

‫بناصيتها ‪ ،‬ويدعو أن يبارك اللّه لكلّ منهما في صاحبه ‪ ،‬ومن الدّعاء المأثور في ذلك ‪:‬‬
‫اللّهمّ إنّي أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ‪ ،‬وأعوذ بك من شرّها ومن شرّ ما جبلتها‬
‫عليه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا تزوّج أحدكم امرأةً ‪ ،‬أو اشترى خادما‬
‫فليقل ‪ « ...‬الحديث ‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد رضي ال عنهم قال ‪ :‬تزوّجت فحضره عبد اللّه بن مسعود‬
‫وأبو ذ ّر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم رضي ال عنهم‬
‫فحضرت الصّلة فقدّموه فصلّى بهم ‪ ،‬ثمّ قالوا له ‪ :‬إذا دخلت على أهلك فصلّ ركعتين ثمّ خذ‬
‫برأس أهلك فقل ‪ :‬اللّهمّ بارك لي في أهلي ‪ ،‬وبارك لهلي في ‪ ،‬وارزقهم منّي وارزقني‬
‫منهم ‪ ،‬ثمّ شأنك وشأن أهلك ‪.‬‬

‫ضرب الدّفوف في العرس ‪:‬‬

‫ب إعلن النّكاح ‪ ،‬وضرب الدّفوف فيه حتّى يشتهر ويعرف ويتميّز‬
‫‪ -7‬قال الفقهاء ‪ :‬يستح ّ‬
‫عن السّفاح ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أعلنوا هذا النّكاح واجعلوه في المساجد ‪،‬‬
‫واضربوا عليه بالدّفوف ‪ ،‬وليولم أحدكم ولو بشاة ‪ ،‬فإذا خطب أحدكم امرأةً وقد خضّب‬
‫بالسّواد فليعلمها ‪ ،‬ول يغرّها « وفي رواية ‪ » :‬أعلنوا النّكاح واضربوا عليه بالغربال « أي‬
‫‪ :‬الدّفّ ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬ما فعلت فلنة ؟ ليتيمة كانت عندها ‪،‬‬
‫وعن عائشة ‪ :‬أ ّ‬
‫فقلت ‪ :‬أهديناها إلى زوجها ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل بعثتم معها جاريةً تضرب بالدّفّ وتغنّي ؟ قالت ‪:‬‬
‫تقول ماذا ؟ قال ‪ :‬تقول ‪:‬‬
‫أتيناكم أتينـــاكم فحيّونا نحيّيــكم‬
‫لول الذّهب الحمـر ما حلّت بواديـكم‬
‫لول الحنطة السّمرا ما سمنت عذاريكم‬
‫وروي عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه كان إذا سمع صوتا أو دفّا ‪ ،‬قال ‪ :‬ما هذا ؟‬
‫فإن قالوا ‪ :‬عرس أو ختان صمت ‪ ،‬وإن كان في غيرهما عمل بالدّرّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬غناء ‪ ،‬شعر ‪ ،‬وليمة ) ‪.‬‬

‫قسم العروس ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّ صاحب النّسوة إذا‬

‫تزوّج امرأةً جديدةً وأعرسها قطع الدّور ‪ ،‬وأقام عندها سبعا إن كانت بكرا ‪ ،‬وثلثا إن كانت‬
‫ثيّبا ‪ ،‬وتكون السّبع والثّلث متتاليات ‪ ،‬ول يقضيها لزوجاته الباقيات ‪ ،‬ثمّ يعود للدّور بين‬

‫زوجاته ‪ ،‬لما ورد عن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬من السّنّة إذا تزوّج الرّجل البكر على‬
‫الثّيّب أقام عندها سبعا وقسم ‪ ،‬وإذا تزوّج الثّيّب على البكر أقام عندها ثلثا ثمّ قسم ‪ ،‬وإلى‬
‫هذا ذهب الشّعبيّ ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وإسحاق ‪.‬‬
‫ن الثّيّب العروس إذا شاءت أن يقيم‬
‫وقال الجمهور ‪ :‬إنّ ذلك حقّ للمرأة بسبب الزّفاف ‪ ،‬وإ ّ‬
‫عندها سبعا فعل ‪ ،‬وقضي للبواقي من ضرّاتها ‪ ،‬لما ورد عن أمّ سلمة رضي ال عنها أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا تزوّجها أقام عندها ثلثا وقال ‪ » :‬إنّه ليس بك على أهلك‬
‫هوان ‪ ،‬إن شئت سبّعت لك ‪ ،‬وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي « وفي رواية ‪ » :‬وإن شئت‬
‫زدتك وحاسبتك به ‪ ،‬للبكر سبع وللثّيّب ثلث « وفي لفظ ‪ » :‬إن شئت أقمت معك ثلثا‬
‫خالصةً لك ‪ ،‬وإن شئت سبّعت لك ثمّ سبّعت لنسائي « ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى ‪ :‬أنّه ل فضل للجديدة في القسم على القديمة ‪ ،‬لطلق قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ وَلَن َتسْ َتطِيعُواْ أَن َتعْدِلُواْ بَيْنَ ال ّنسَاء وَ َل ْو حَرَصْ ُتمْ َفلَ َتمِيلُواْ ُكلّ ا ْلمَ ْيلِ } ‪.‬‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫شرُوهُ ّ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَعَا ِ‬
‫وقال سعيد بن المسيّب والحسن البصريّ ونافع والوزاعيّ ‪ :‬للبكر ثلث وللثّيّب ليلتان‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قسم بين الزّوجات ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عرْصة *‬
‫َ‬

‫‪ -‬عرصة الدّار في اللّغة ‪ :‬ساحتها ‪ ،‬وهي البقعة الواسعة الّتي ليس فيها بناء ‪.‬‬

‫والجمع عراص وعرصات ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي كلّ موضع واسع ل بناء فيه ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون لفظ العرصة بالمعنيين كما جاء في اللّغة ‪:‬‬
‫ن العرصة ‪ :‬اسم لساحة الدّار ووسطها ‪ ،‬وما كان بين الدّور‬
‫أ ‪ -‬المعنى الخصّ ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫من خلء ‪ ،‬فقد قال الدّسوقيّ في باب الشّفعة ‪ :‬ل شفعة في عرصة ‪ ،‬وهي ساحة الدّار الّتي‬
‫بين بيوتها ‪ ،‬وهي المسمّاة بالحوش ‪ ،‬وفي حاشية القليوبيّ ‪ :‬العرصة اسم للخلء بين‬
‫الدّور ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعنى العمّ ‪ ،‬وهو ‪ :‬أنّ العرصة تطلق على القطعة من الرض ‪ ،‬سواء أكانت بين‬
‫الدّور أم ل ‪.‬‬
‫جاء في نهاية المحتاج ‪ :‬لو قال ‪ :‬بعتك هذه الرض أو السّاحة أو العرصة أو البقعة ‪،‬‬
‫وفيها بناء ‪ ،‬يدخل في البيع دون الرّهن قال الشبراملسي ‪ :‬الفقهاء لم يستعملوا العرصة‬
‫والسّاحة في معناهما اللّغويّ ‪ ،‬بل أشاروا إلى أنّ اللفاظ الربعة " الرض ‪ -‬السّاحة ‪-‬‬
‫ى وهو ‪ :‬القطعة من الرض ل بقيد كونها بين الدّور ‪.‬‬
‫العرصة ‪ -‬البقعة " عرفا بمعن ً‬

‫أ ‪ -‬الحريم ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الحريم لغ ًة ‪ :‬ما حرم فل ينتهك ‪ ،‬وهو أيضا فناء الدّار أو المسجد ‪ ،‬ويأتي كذلك بمعنى‬

‫الحمى ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬حريم الشّيء ‪ :‬ما حوله من حقوقه ومرافقه ‪ ،‬وعرّفه الشّافعيّة بأنّه ‪ :‬ما‬
‫تمسّ الحاجة إليه لتمام النتفاع ‪ ،‬وإن حصل أصل النتفاع بدونه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الفناء ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬فناء الشّيء في اللّغة ‪ :‬ما اتّصل به معدّا لمصالحه ‪ ،‬وقال الكفويّ ‪ :‬فناء الدّار هو ‪:‬‬

‫ما امت ّد من جوانبها ‪ ،‬أو هو ما اتّسع من أمامها ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬نقل الحطّاب عن البيّ في شرح مسلم ‪ :‬الفناء ‪ :‬ما يلي الجدران من‬
‫الشّارع المتّسع النّافذ ‪.‬‬

‫ما يتعلّق بالعرصة من أحكام ‪:‬‬

‫يذكر الفقهاء ما يتعلّق بالعرصة من أحكام في عدّة أبواب ‪ ،‬ومن ذلك ما يأتي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬البيع ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬لو قال شخص لغيره ‪ :‬بعتك هذه الرض أو السّاحة أو العرصة أو البقعة وفيها بناء‬

‫وشجر ‪ ،‬فإنّه يدخل في البيع بل ذكر ‪ ،‬أي ‪ :‬وإن لم يسمّ البناء والشّجر ‪ ،‬وهذا عند‬
‫ن المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في المذهب ‪ ،‬لك ّ‬
‫شرط أو عرف ‪ ،‬فإذا وجد شرط أو عرف عمل به ‪ ،‬وقيّد الشّافعيّة الشّجر بالنّابت الرّطب ‪.‬‬
‫والطّريق الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬القطع بعدم الدّخول ‪ ،‬لخروجها عن مسمّى الرض ول دليل‬
‫على تبعيّتها لها من عرف ول غيره ‪ ،‬فل وجه للدّخول ‪.‬‬
‫وألحق الفقهاء بالبيع كلّ ما ينقل الملك ‪ ،‬من نحو هبة ووقف ووصيّة وصدقة ‪.‬‬
‫ن الدّار اسم للبناء والرض ‪.‬‬
‫ومن باع دارا تناول البيع بناءها وفناءها ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن العرصة أصل في الدّار ‪ ،‬لنّ قرار البناء عليها ‪ ،‬وإنّما دخل‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬والصل أ ّ‬
‫البناء وما كان متّصلً بالبناء في بيع الدّار بطريق التّبعيّة لتّصال البناء بالعرصة اتّصال‬
‫قرار ‪ ،‬فيكون تبعا لها ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الشّفعة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬يختلف الفقهاء في الخذ بالشّفعة في العرصة ‪ ،‬تبعا لختلفهم فيمن يكون له الحقّ في‬

‫الشّفعة ‪ ،‬وفيما تكون فيه الشّفعة ‪.‬‬

‫ومن ترتيب الحنفيّة لمراتب استحقاق الشّفعة يتبيّن استحقاق الخذ بالشّفعة في العرصة‬
‫المبيعة ‪ ،‬أو التّابعة لما هو مبيع ‪.‬‬
‫قال الكرخيّ في مختصره ‪ :‬الشّفعة تستحقّ عند أصحابنا جميعا بثلثة معان ‪ :‬بالشّركة فيما‬
‫وقع عليه عقد البيع ‪ ،‬أو بالشّركة في حقوق ذلك ‪ ،‬أو بالجوار القرب فالقرب ‪ ،‬وتفسير‬
‫ذلك ‪ :‬دار بين قوم فيها منازل لهم فيها شركة بين بعضهم ‪ ،‬وفيها ما هي مفردة لبعضهم ‪،‬‬
‫وساحة الدّار موضوعة بينهم يتطرّقون من منازلهم فيها ‪ ،‬وباب الدّار الّتي فيها المنازل في‬
‫زقاق غير نافذ ‪ ،‬فباع بعض الشّركاء في المنزل نصيبه من شريكه ‪ ،‬أو من رجل أجنبيّ‬
‫بحقوقه من الطّرق في السّاحة وغيرها ‪ ،‬فالشّريك في المنزل أحقّ بالشّفعة من الشّريك في‬
‫السّاحة ‪ ،‬ومن الشّريك في الزّقاق الّذي فيه باب الدّار ‪ ،‬فإن سلّم الشّريك في المنزل الشّفعة‬
‫فالشّريك في السّاحة أحقّ بالشّفعة ‪.‬‬
‫وإن سلّم الشّريك في السّاحة فالشّريك في الزّقاق الّذي ل منفذ له الّذي يشرع فيه باب الدّار‬
‫أحقّ بعده بالشّفعة من الجار الملصق ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يبنون حكم الخذ بالشّفعة في العرصة على إمكان قسمتها أو‬
‫عدمه ‪ ،‬وعلى إمكان إيجاد البديل إذا بيعت الدّار الّتي تتبعها العرصة ‪ ،‬كما أنّه ل ب ّد أن‬
‫تكون بين شريكين أو أكثر ‪ ،‬إذ ل شفعة إلّ للشّريك عندهم ‪ ،‬وعلى هذا فل شفعة في‬
‫العراص الضّيّقة الّتي ل تنقسم إذا باع أحد الشّركاء نصيبه فيها ‪ ،‬وهذا عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل شفعة في‬
‫وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة وذلك لقول النّب ّ‬
‫فناء ول طريق ول منقّبة « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الشّفعة‬
‫وفي رواية عن أحمد أنّ فيها الشّفعة لعموم قول النّب ّ‬
‫ن الشّفعة ثبتت لزالة ضرر المشاركة ‪ ،‬والضّرر في هذا النّوع أكثر ‪،‬‬
‫فيما لم يقسم « ول ّ‬
‫ن الشّفعة‬
‫لنّه يتأبّد ضرره ‪ ،‬أمّا ما أمكن قسمته ‪ ،‬بحيث إذا قسم لم يستض ّر بالقسمة فإ ّ‬
‫تثبت فيه ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫‪ -‬وإذا بيع بيت من دار لها صحن ‪ ،‬ول طريق للبيت إلّ من هذا الصّحن ‪ ،‬فل شفعة في‬

‫الصّحن ‪ ،‬لنّ ذلك يضرّ بالمشتري ‪ ،‬وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬تثبت فيه الشّفعة ‪،‬‬
‫والمشتري هو المضرّ بنفسه ‪.‬‬
‫وإن كان للبيت باب آخر يستطرق منه ‪ ،‬أو كان له موضع يفتح منه باب إلى طريق نافذ ‪،‬‬
‫ففي هذه الحالة إن كان الصّحن ل يمكن قسمته فل شفعة فيه عند الحنابلة وهو قول عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬والصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ الشّفعة تثبت فيه ‪ ،‬وإن كان الصّحن يمكن قسمته‬
‫وجبت فيه الشّفعة ‪ ،‬لنّه أرض مشتركة تحتمل القسمة ‪ ،‬فوجبت فيه الشّفعة ‪ ،‬لكن قال ابن‬

‫ن الضّرر يلحق المشتري بتحويل الطّريق‬
‫قدامة ‪ :‬ويحتمل أن ل تجب فيه الشّفعة بحال ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى مكان آخر مع ما في الخذ بالشّفعة من تفويت صفقة المشتري وأخذ بعض المبيع من‬
‫العقار دون بعض ‪ ،‬فلم يجز ‪ ،‬كما لو كان الشّريك في الصّحن شريكا في الدّار ‪ ،‬فأراد أخذ‬
‫الصّحن وحده ‪.‬‬
‫وإن كان نصيب المشتري من الصّحن أكثر من حاجته فذكر الشّافعيّة ‪ ،‬والقاضي من‬
‫ن الشّفعة تجب في الزّائد بكلّ حال ‪ ،‬لوجود المقتضي وعدم المانع ‪ ،‬وقال ابن‬
‫الحنابلة ‪ :‬أ ّ‬
‫ن في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري ‪ ،‬ول يخلو من‬
‫قدامة ‪ :‬والصّحيح أنّه ل شفعة فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضّرر ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فالمشهور عندهم ‪ :‬أنّه ل شفعة في العرصة ‪ ،‬سواء بيعت وحدها أو مع ما هي‬
‫تبع له من بيوت ‪.‬‬
‫جاء في الشّرح الصّغير ‪ :‬ل شفعة في عرصة ‪ ،‬وهي ساحة الدّار الّتي بين بيوتها ‪ ،‬أو‬
‫على جهة من بيوتها ‪ ،‬وتسمّى في عرف العامّة بالحوش ‪ ،‬ول في مم ّر أي طريق إذا كانت‬
‫البيوت الّتي تتبعها العرصة أو الممرّ قد قسمت بين الشّركاء وبقيت السّاحة مشتركةً‬
‫بينهم ‪ ،‬فإذا باع أحدهم حصّته من العرصة مع ما حصل له من البيوت ‪ ،‬أو باعها مفردةً ‪،‬‬
‫فل شفعة فيها للخر ‪ ،‬لنّها لمّا كانت تابعةً لما ل شفعة فيه وهو البيوت المنقسمة ‪ ،‬كان‬
‫ل شفعة فيها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن باعها وحدها وجبت الشّفعة ‪.‬‬
‫ي من المالكيّة له تفصيل آخر ‪ ،‬قال ‪ :‬إن قسمت بيوت الدّار دون مرافقها من‬
‫إلّ أنّ اللّخم ّ‬
‫ساحة وطريق ثمّ باع أحد الشّركاء حظّه من بيوتها بمرافقها فل شفعة في البيت ‪ ،‬لنّ‬
‫القسمة قد تمّت ول شفعة للجار ‪ ،‬وكذلك ل شفعة في السّاحة المشتركة ‪ ،‬لنّها تابعة لما ل‬
‫شفعة فيه ‪ ،‬ولنّها من منفعة ما قسم مصلحته ‪ ،‬وإن باع أحد الشّركاء نصيبه من السّاحة‬
‫فقط وكان البائع يدخل إلى البيوت من السّاحة كان للشّركاء أن يردّوا بيعه ‪ ،‬لنّ في ذلك‬
‫ضررا بهم ‪ ،‬وإن كان البائع قد أسقط تصرّفه ‪ ،‬وكان يصل إلى البيوت من طريق آخر ‪:‬‬
‫فإن باعها من أهل الدّار جاز لبقيّة الشّركاء الشّفعة على أحد القولين في الشّفعة فيما ل‬
‫ف من‬
‫ن ضرر السّاكن أخ ّ‬
‫ينقسم ‪ ،‬وإن باع من غير أهل تلك الدّار كان لهم ردّ بيعه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ضرر غير السّاكن ‪ ،‬ولهم أن يجيزوا بيعه ويأخذوا بالشّفعة ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬اليمان ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫ن من حلف ‪ :‬ل يدخل هذه الدّار فانهدمت‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬

‫ن اسم الدّار يشمل‬
‫وصارت ساحةً ‪ ،‬فدخلها لم يحنث ‪ ،‬لنّه زال عنها اسم الدّار ‪ ،‬ول ّ‬
‫السّاحة والبنيان ‪.‬‬

‫قال الخطيب ‪ :‬هذا إذا قال ‪ :‬ل أدخل هذه الدّار ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬ل أدخل هذه حنث بالعرصة ‪،‬‬
‫وإن قال ‪ :‬دارا ‪ ،‬لم يحنث بفضاء ما كان دارا ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو عيّن وقال ‪ :‬ل أدخل هذه الدّار فذهب بناؤها بعد يمينه ثمّ دخلها يحنث ‪،‬‬
‫لنّ قوله ‪ :‬هذه الدّار إشارة إلى المعيّن الحاضر فيراعى فيه ذات المعيّن ‪ ،‬ل صفته ‪ ،‬لنّ‬
‫ن الدّار في‬
‫الوصف للتّعريف ‪ ،‬والشارة كافية للتّعريف ‪ ،‬وذات الدّار قائمة بعد النهدام ‪ ،‬ل ّ‬
‫اللّغة ‪ :‬اسم للعرصة والعرصة قائمة ‪.‬‬
‫والدّليل على أنّ الدّار اسم للعرصة بدون البناء قول النّابغة ‪:‬‬
‫يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ‪..‬‬
‫سمّاها دارا بعدما خلت من أهلها وخربت ‪ ،‬أمّا لو حلف ‪ :‬ل يدخل دارا ‪ ،‬فدخل دارا خربةً‬
‫ن المطلق ينصرف إلى المتعارف ‪ ،‬وهي‬
‫لم يحنث ‪ ،‬لنّ قوله ‪ :‬دارا وإن ذكر مطلقا ‪ ،‬لك ّ‬
‫الدّار المبنيّة ‪ ،‬فيراعى فيه السم والصّفة ‪ ،‬فما لم يوجد ل يحنث ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الوصيّة ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى ‪ :‬أنّ من أوصى بعرصة فبناها أو غرس فيها ‪ ،‬فإنّ ذلك‬

‫يعتبر رجوعا عن الوصيّة ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة وفي أصحّ الوجهين عند الحنابلة‬
‫وأشهب من المالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا لو زرعها فل يعتبر ذلك رجوعا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لكن قال الشّافعيّة ‪ :‬إن كان‬
‫ي إلى كلمهم في بيع الصول والثّمار‬
‫المزروع ممّا تبقى أصوله فالقرب ‪ ،‬كما قال الذرع ّ‬
‫أنّه كالغراس ‪ ،‬لنّه يراد للدّوام ‪.‬‬
‫أمّا عند المالكيّة غير أشهب فل تبطل الوصيّة ببناء العرصة ‪ ،‬فلو أوصى بعرصة ثمّ بناها‬
‫ل فل تبطل الوصيّة ببنائها ‪ ،‬ويشترك الموصي والموصى له بقيمتي العرصة والبناء‬
‫دارا مث ً‬
‫قائما ‪ ،‬ولو أوصى له بدار فهدمها فليس برجوع ‪ ،‬ول وصيّة له في النّقض الّذي نقص ‪،‬‬
‫وإنّما يكون له العرصة فقط ‪ ،‬وقال ابن القاسم ‪ :‬إذا هدم الدّار فالعرصة والنّقص‬
‫للموصى له ‪.‬‬
‫والهدم ل يبطل الوصيّة أيضا عند الحنفيّة وتبقى العرصة للموصى له ‪ ،‬لنّ الدّار اسم‬
‫للعرصة ‪ ،‬والبناء بمنزلة الصّفة ‪ ،‬فيكون تبعا للدّار ‪ ،‬والتّصرّف في التّبع ل يدلّ على‬
‫الرّجوع عن الصل ‪.‬‬
‫أمّا عند الشّافعيّة ‪ :‬فإنّ الهدم يعتبر رجوعا في النّقض وفي العرصة ‪ ،‬وهذا إذا هدمها‬
‫ن الوصيّة تبطل في النّقض لبطلن السم ‪ ،‬ول تبطل في‬
‫الموصي ‪ ،‬أمّا إذا هدمها غيره فإ ّ‬
‫العرصة ‪.‬‬

‫هـ – مواطن البحث ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫– يرد ذكر العرصة في غير ما ذكر من أبواب الفقه مثل ‪ :‬القرار والجارة والعاريّة‬

‫والقسمة وغير ذلك ‪ ،‬وتنظر في مواطنها ومصطلحاتها ‪.‬‬

‫عرْض *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العَرْض ‪ -‬بفتح العين وسكون الثّاني ‪ -‬في اللّغة يأتي لمعان منها ‪ :‬الظهار‬

‫جهَ ّنمَ َي ْومَئِذٍ‬
‫والكشف ‪ ،‬يقال ‪ :‬عرضت الشّيء ‪ ،‬أظهرته ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَعَرَضْنَا َ‬
‫لّ ْلكَا ِفرِينَ عَرْضا } قال الفرّاء في معنى الية ‪ :‬أبرزناها حتّى نظر إليها الكفّار ‪ ،‬ومنها‬
‫المتاع ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عرض السلم على من لم يسلم من الزّوجين ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ‪ :‬إذا أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين أو المجوسيّين أو‬

‫أسلم كتابيّ تزوّج بوثنيّة أو مجوسيّة قبل الدّخول تعجّلت الفرقة بينهما من حين إسلمه ‪،‬‬
‫ويكون ذلك فسخا ل طلقا ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إن كانت هي المسلمة عرض عليه السلم ‪ ،‬فإن أسلم وإلّ وقعت الفرقة ‪ ،‬وإن‬
‫كان هو المسلم تعجّلت الفرقة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان إسلم أحدهما بعد الدّخول فيرى الشّافعيّة وأحمد في رواية ‪ :‬أنّه يقف على‬
‫انقضاء العدّة ‪ ،‬فإن أسلم الخر قبل انقضائها فهما على النّكاح ‪ ،‬وإن لم يسلم حتّى انقضت‬
‫العدّة وقعت الفرقة منذ اختلف الدّينان ‪ ،‬فل يحتاج إلى استئناف العدّة ‪ ،‬وهذا قول الزّهريّ‬
‫واللّيث والحسن بن صالح والوزاعيّ وإسحاق ‪ ،‬ونحوه عن مجاهد ‪ ،‬وعبد اللّه بن عمر‬
‫ومحمّد بن الحسن ‪ ،‬وقال أحمد في الرّواية الثّانية ‪ :‬تتعجّل الفرقة وهو اختيار الخلل وقول‬
‫الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم ‪ ،‬وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن كانا في دار السلم عرض السلم على الخر ‪ ،‬فإن أبى وقعت الفرقة‬
‫حينئذ وإن أسلم استمرّت الزّوجيّة ‪ ،‬وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء ثلث‬
‫ي ثلثة أشهر ‪ ،‬فإن لم يسلم الخر وقعت الفرقة ‪.‬‬
‫حيض أو مض ّ‬
‫ويرى الحنفيّة ‪ :‬أنّه إذا أسلم الزّوج وامرأته من أهل الكتاب بقي النّكاح بينهما ول يتعرّض‬
‫ن ابتداء النّكاح صحيح بعد إسلم الرّجل فلن يبقى أولى ‪ ،‬وإن كانت من غير أهل‬
‫لهما ‪ ،‬ل ّ‬

‫الكتاب فهي امرأته حتّى يعرض عليها السلم ‪ ،‬فإن أسلمت وإلّ فرّق بينهما ‪ ،‬وكذلك إن‬
‫كانت المرأة هي الّتي أسلمت والزّوج من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب فهي امرأته‬
‫حتّى يعرض عليه السلم ‪ ،‬فإن أسلم وإلّ فرّق بينهما ‪ ،‬ويستوي إن كان دخل بها أو لم‬
‫يدخل بها ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ما روي أنّ دهقانة الملك أسلمت فأمر عمر رضي ال تعالى‬
‫عنه أن يعرض السلم على زوجها فإن أسلم وإلّ فرّق بينهما ‪ ،‬وأنّ دهقانا أسلم في عهد‬
‫ي رضي ال عنه فعرض السلم على امرأته فأبت ففرّق بينهما ‪ ،‬وهذا الحكم فيما إذا‬
‫عل ّ‬
‫ن الحكم فيه خلف ‪.‬‬
‫كان الزّوجان في دار واحدة ‪ ،‬أمّا إذا اختلفت الدّار فإ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬اختلف الدّار ف ‪. ) 5‬‬
‫وإذا عقد نكاح صبيّين من أهل ال ّذمّة ثمّ أسلم أحدهما وهو يعقل السلم صحّ إسلمه عند‬
‫الحنفيّة استحسانا ‪ ،‬ويعرض على الخر السلم إن كان يعقل ‪ ،‬فإن أسلم فهما على‬
‫نكاحهما ‪ ،‬وإن أبى أن يسلم ‪ :‬فإن كان الزّوج هو الّذي أسلم والمرأة كتابيّة لم يفرّق بينهما‬
‫كما لو كانا بالغين ‪ ،‬وإن كان بخلف ذلك ففي القياس ل يفرّق بينهما أيضا ‪ ،‬لنّ الباء‬
‫إنّما يتحقّق موجبا للفرقة ممّن يكون مخاطبا بالداء ‪ ،‬والّذي لم يبلغ وإن كان عاقلً فهو‬
‫ن كلّ من‬
‫غير مخاطب بذلك ‪ ،‬إلّ أنّه يفرّق بينهما استحسانا ‪ ،‬إذ الصل عند الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫صحّ منه السلم إذا أتى به صحّ منه الباء إذا عرض عليه ‪ ،‬وعند تقرّر السّبب الموجب‬
‫للفرقة ‪ :‬الصّبيّ يستوي بالبالغ كما لو وجدته امرأته مجنونا ‪.‬‬
‫هذا وينتظر عقل غير مميّز ‪ ،‬وأمّا المجنون فل ينتظر لعدم نهايته ‪ ،‬بل يعرض السلم على‬
‫أبويه فأيّهما أسلم تبعه فيبقى النّكاح ‪ ،‬فإن لم يكن له أب نصّب القاضي عنه وصيّا فيقضي‬
‫عليه بالفرقة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ‪ :‬إذا أسلم الزّوجان معا ثبت نكاحهما إذا خل من الموانع ‪ ،‬فإن‬
‫سبق الزّوج إلى السلم أقرّ على الكتابيّة ‪ ،‬ويقرّ على غيرها إذا أسلمت بأثره ‪ ،‬وإن‬
‫سبقت هي ‪ :‬فإن كان قبل الدّخول وقعت الفرقة ‪ ،‬وإن كان بعده ثمّ أسلم في العدّة ثبت‬
‫وإلّ بانت ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬عرض المرأة نفسها على الرّجل الصّالح ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬يجوز عرض المرأة نفسها على الرّجل وتعريفه رغبتها فيه ‪ ،‬لصلحه وفضله أو لعلمه‬

‫وشرفه أو لخصلة من خصال الدّين ‪ ،‬ول غضاضة عليها في ذلك ‪ ،‬بل ذلك يدلّ على‬
‫ي قال ‪ :‬كنت عند أنس رضي ال عنه‬
‫فضلها ‪ ،‬فقد أخرج البخاريّ من حديث ثابت البنان ّ‬
‫وعنده ابنة له ‪ ،‬قال أنس ‪ » :‬جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم تعرض‬
‫عليه نفسها ‪ ،‬قالت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬ألك بي حاجة ؟ فقالت بنت أنس ‪ :‬ما أقلّ حياءها ‪،‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم فعرضت عليه نفسها «‬
‫واسوأتاه قال ‪ :‬هي خير منك رغبت في النّب ّ‬
‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬عرض النسان موليّاته على أهل الخير ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬يجوز عرض النسان بنته وغيرها من موليّاته على من يعتقد خيره وصلحه ‪ ،‬لما فيه‬

‫من النّفع العائد على المعروضة عليه ول استحياء في ذلك ‪ ،‬ول بأس بعرضها عليه ولو‬
‫ي من حديث عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما ‪ » :‬أنّ عمر‬
‫كان متزوّجا فقد أخرج البخار ّ‬
‫ابن الخطّاب رضي ال عنه حين تأيّمت حفصة بنت عمر رضي ال عنهما من خنيس بن‬
‫حذافة السّهميّ رضي ال عنه ‪ -‬وكان من أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فتوفّي‬
‫بالمدينة ‪ -‬فقال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬أتيت عثمان بن عفّان رضي ال عنه‬
‫فعرضت عليه حفصة فقال ‪ :‬سأنظر في أمري ‪ ،‬فلبثت ليالي ث ّم لقيني فقال ‪ :‬قد بدا لي أن‬
‫ل أتزوّج يومي هذا ‪ ،‬قال عمر ‪ :‬فلقيت أبا بكر الصّدّيق رضي ال عنه فقلت ‪ :‬إن شئت‬
‫ي شيئا ‪ ،‬وكنت أوجد عليه منّي على‬
‫زوّجتك حفصة بنت عمر ‪ ،‬فصمت أبو بكر فلم يرجع إل ّ‬
‫عثمان ‪ ،‬فلبثت ليالي ‪ ،‬ثمّ خطبها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأنكحتها إيّاه ‪ ،‬فلقيني‬
‫ي حفصة فلم أرجع إليك شيئا ؟ قال عمر‬
‫أبو بكر فقال ‪ :‬لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عل ّ‬
‫ي إلّ أنّي كنت‬
‫‪ :‬قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال أبو بكر ‪ :‬فإنّه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عل ّ‬
‫علمت أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قد ذكرها ‪ ،‬فلم أكن لفشي س ّر رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ولو تركها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبلتها « ‪.‬‬
‫وأمّا العرض بمعنى المتاع ‪.‬‬
‫فينظر تفصيله في مصطلح ( عروض ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عرْض *‬
‫ِ‬

‫‪ -‬من معاني العِرض ‪ -‬بالكسر ‪ : -‬النّفس والحسب ‪ :‬يقال ‪ :‬نقيّ العرض ‪ ،‬أي ‪ :‬بريء‬

‫من العيب ‪ ،‬وفلن كريم العرض أي ‪ :‬كريم الحسب ‪ ،‬ويقال ‪ :‬عرّض عرضه ‪ :‬إذا وقع فيه‬
‫وشتمه أو قاتله أو ساواه في الحسب ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫وجمع العرض أعراض ‪ ،‬كما ورد في الحديث الصّحيح عن النّب ّ‬
‫‪ » :‬إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا « ‪.‬‬
‫وإذا ذكر مع النّفس أو الدّم والمال فالمراد به الحسب فقط ‪ ،‬كما ورد في الحديث النّبويّ ‪:‬‬
‫» كلّ المسلم على المسلم حرام ‪ ،‬دمه وماله وعرضه « ‪.‬‬
‫وهذا المعنى الخير ‪ :‬الحسب هو الغالب في استعمال الفقهاء لكلمة عرض ‪.‬‬

‫الحسب ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الحسب هو ‪ :‬الكرم والشّرف الثّابت في الباء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الفعال الصّالحة مثل‬

‫الشّجاعة ‪ ،‬والجود ‪ ،‬وحسن الخلق ‪ ،‬والوفاء ‪ ،‬وقال الزهريّ ‪ :‬الحسب هو الشّرف الثّابت‬
‫للشّخص ولبائه ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء غالبا الحسب بالمعنى الوّل ‪ ،‬أي ‪ :‬مآثر الباء والجداد وشرف النّسب ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬كفلت الشّريعة السلميّة المحافظة على النفس والعراض والموال ‪ ،‬وشرعت لذلك‬

‫الحدود والقصاص ‪ ،‬واتّفق الفقهاء على مشروعيّة الدّفاع عن النّفس والعرض والمال في‬
‫علَ ْيكُمْ } ‪،‬‬
‫ن اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُواْ عَلَ ْي ِه ِبمِ ْثلِ مَا اعْتَدَى َ‬
‫حالة الصّيال ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬فمَ ِ‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من قتل دون ماله فهو شهيد ‪ ،‬ومن قتل دون دينه فهو‬
‫شهيد ‪ ،‬ومن قتل دون دمه فهو شهيد ‪ ،‬ومن قتل دون أهله فهو شهيد « وليس على‬
‫المصول عليه ضمان ما يتلف من النّفس أو المال في حالة الدّفاع ‪ ،‬إذا لم تكن هناك وسيلة‬
‫أخرى أخفّ من ذلك ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬واتّفق الفقهاء على أنّ الدّفاع عن العرض بمعنى البضع واجب ‪ ،‬فيأثم النسان بتركه ‪،‬‬

‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬لنّه ل سبيل إلى إباحته ‪ ،‬وسواء بضع أهله أو غيره ‪ ،‬ومثل‬
‫البضع مقدّماته ‪.‬‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬من وجد رجلً يزني بامرأته فقتله فل قصاص عليه ول دية ‪ ،‬لقول عمر‬
‫ل بين فخذي امرأته فقتله ‪ :‬إن عادوا فعد ‪.‬‬
‫لمن وجد رج ً‬
‫‪ -5‬واختلفوا في الدّفاع عن النّفس والمال ‪ ،‬فقال جمهور الفقهاء بوجوب الدّفاع عن‬
‫النّفس ‪ ،‬وجوازه عن المال ‪.‬‬
‫وذهب بعضهم بالجواز في الصّورتين ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬صيال ف ‪، 5‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪12‬‬

‫)‪.‬‬

‫عرْف *‬
‫ُ‬

‫‪ -‬العرف لغةً ‪ :‬كلّ ما تعرفه النّفس من الخير وتطمئنّ إليه ‪ ،‬وهو ضدّ النّكر ‪ ،‬والعرف‬

‫والمعروف ‪ :‬الجود ‪.‬‬
‫وهو اصطلحا ‪ :‬ما استقرّت النّفوس عليه بشهادة العقول ‪ ،‬وتلقّته الطّبائع بالقبول ‪.‬‬

‫أ ‪ -‬العادة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫ن صاحبها يعاودها أي يرجع إليها‬
‫‪ -‬العادة في اللّغة ‪ :‬الدّيدن يعاد إليه ‪ ،‬سمّيت بذلك ‪ ،‬ل ّ‬

‫مرّ ًة بعد أخرى ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هي ‪ :‬ما استمرّ النّاس عليه على حكم المعقول ‪ ،‬وعادوا إليه مرّ ًة بعد‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬العادة والعرف بمعنىً واحد من حيث الماصدق وإن اختلفا من حيث‬
‫المفهوم ‪.‬‬
‫ن العادة هي العرف العمليّ ‪ ،‬بينما المراد بالعرف هو‬
‫وفرّق بعضهم بين العرف والعادة ‪ :‬بأ ّ‬
‫العرف القوليّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستحسان ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الستحسان في اللّغة ‪ :‬عدّ الشّيء حسنا واعتقاده كذلك ‪.‬‬

‫ومن معانيه في الصطلح ‪ :‬العدول عن الدّليل إلى العادة للمصلحة ‪ ،‬كدخول الحمّام من‬
‫غير تعيين زمن المكث وقدر الماء والجرة ‪ ،‬فإنّه معتاد على خلف الدّليل ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الستحسان ‪ :‬إيثار ترك مقتضى الدّليل على طريق الستثناء والتّرخيص ‪،‬‬
‫قال ابن العرب ّ‬
‫لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته ‪ ،‬وينقسم إلى أقسام منها ‪ :‬ترك الدّليل‬
‫للعرف ‪ ،‬وتركه للمصلحة ‪ ،‬وتركه للتّيسير لرفع المشقّة وإيثار التّوسعة ‪.‬‬
‫فالعرف سبب من أسباب الستحسان ‪.‬‬

‫أقسام العرف ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬العرف القوليّ ‪ ،‬والعرف العمليّ ‪:‬‬

‫ينقسم العرف بحسب استعمال اللفاظ المتعارف عليها في بعض المعاني ‪ ،‬أو بحسب‬
‫ي ‪ - :‬لفظيّ ‪ ، -‬وعرف عمليّ ‪.‬‬
‫العمال الّتي يقوم بها النّاس إلى قسمين ‪ :‬عرف قول ّ‬

‫أ ‪ -‬العرف القوليّ ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ي ‪ :‬أن يتعارف قوم إطلق لفظ على معنىً ‪ ،‬بحيث ل يتبادر عند سماعه‬
‫‪ -‬العرف القول ّ‬

‫إلّ ذلك المعنى ‪ ،‬كالدّرهم على النّقد الغالب ‪.‬‬
‫فمعنى العرف في اللّفظ ‪ :‬أن ينقل إطلق لفظ ‪ ،‬ويستعمل في معنىً ‪ ،‬حتّى يصير هو المعتاد‬
‫من ذلك عند الطلق ‪ ،‬مثال ذلك إطلق لفظ الدّابّة على ذوات الربع مع أنّها في اللّغة لكلّ‬
‫ب‪.‬‬
‫ما يد ّ‬

‫وكما ينقل العرف اللّفظ المفرد ينقل المركّب ‪ ،‬فالعرف القوليّ ل يكون إلّ إذا نقلت اللفاظ‬
‫عن معناها اللّغويّ ‪ ،‬أو خصّصت ببعض أفرادها ‪ ،‬أمّا إذا استم ّر المعنى اللّغويّ متعارفا ‪،‬‬
‫فل يسمّى عرفا قوليّا أو حقيقةً عرف ّي ًة ‪ ،‬وإنّما هو حقيقة لغويّة مشهورة ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬فحملوا عليه ألفاظ التّصرّفات ‪ ،‬ولحظوا ذلك في القضاء‬
‫وقد اعتبر الفقهاء العرف القول ّ‬
‫والفتوى ونصّوا على أنّ كلّ متكلّم إنّما يحمل لفظه على عرفه ‪ ،‬فإذا كان المتكلّم باللّفظ هو‬
‫الشّارع فإنّه يحمل على الحقيقة الشّرعيّة ‪ ،‬وإذا كان المتكلّم من أهل اللّغة فإنّه يحمل كلمه‬
‫على عرفه ‪ ،‬وتحمل ألفاظ النّاس الّتي تدور عليها العقود والتّصرّفات على عرفهم في‬
‫مخاطبتهم ‪ ،‬ويجري ما يترتّب على ذلك من التزامات على حسب ما يفيده اللّفظ في العرف‬
‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العرف العمليّ ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ي ‪ :‬هو ما جرى عليه النّاس وتعارفوه في معاملتهم وتصرّفاتهم ‪،‬‬
‫‪ -‬العرف العمل ّ‬

‫كتعارف النّاس البيع بالتّعاطي والستصناع ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬العرف عمليّ وقوليّ ‪ ،‬فالوّل ‪ :‬كتعارف قوم على أكل الب ّر ولحم الضّأن ‪،‬‬
‫ل بالعرف العمليّ ‪.‬‬
‫فإذا قال ‪ :‬اشتر لي طعاما أو لحما انصرف إلى البرّ ولحم الضّأن عم ً‬
‫والعراف والعادات الّتي تجري بين النّاس في معاملتهم تقوم مقام النّطق باللفاظ ‪ ،‬قال‬
‫ع ّز الدّين بن عبد السّلم ‪ :‬فصل في تنزيل دللة العادات وقرائن الحوال منزلة صريح‬
‫القوال في تخصيص العامّ وتقييد المطلق وغيرها ‪ ،‬ومن المثلة في ذلك ‪:‬‬
‫التّوكيل في البيع المطلق ‪ ،‬فإنّه يتقيّد بثمن المثل وغالب نقد البلد ‪ ،‬تنزيلً للعادة الجارية‬
‫في المعاملت منزلة صريح اللّفظ ‪ ،‬وكذلك حمل الذن في النّكاح على الكفء ومهر المثل ‪،‬‬
‫لنّه المتبادر إلى الفهام فيمن وكّل آخر بتزويج ابنته ‪ ،‬وقال ابن القيّم ‪ :‬وهذا أكثر من أن‬
‫ي رضي ال عنه حيث أعطاه النّبيّ‬
‫يحصر ‪ ،‬وعليه يخرّج حديث عروة بن الجعد البارق ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم دينارا يشتري به شاةً ‪ ،‬فاشترى شاتين بدينار ‪ ،‬فباع إحداهما بدينار‬
‫وجاءه بالدّينار والشّاة الخرى ‪ ،‬فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظيّ اعتمادا منه على‬
‫ي ‪ ،‬الّذي هو أقوى من اللّفظيّ في أكثر المواضع ‪.‬‬
‫الذن العرف ّ‬
‫فالعرف العمليّ أو العادة في الفعل هي المحكّمة فيما يجري بين النّاس في معاملتهم ‪ ،‬ما‬
‫يجب منها وما ل يجب ‪ ،‬تبعا للعرف الجاري بينهم ‪ ،‬وما يدخل في العقود تبعا وما ل‬
‫يدخل ‪.‬‬

‫ي كاللّفظيّ ‪ ،‬ومن القواعد الفقهيّة في ذلك ‪ " :‬المعروف‬
‫وقد ذكر الفقهاء أنّ الشّرط العرف ّ‬
‫كالمشروط " والمعروف بين ال ّتجّار كالمشروط بينهم ‪ ،‬قال السّرخسيّ ‪ :‬والمعلوم بالعرف‬
‫كالمشروط ‪ ،‬وفيه أيضا ‪ :‬الثّابت بالعرف كالثّابت بال ّنصّ ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العرف العامّ والعرف الخاصّ ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬العرف العامّ ‪ :‬هو ما تعارفه عامّة النّاس كمن حلف ل يضع قدمه في دار فلن ‪ ،‬فهو‬

‫في العرف العامّ بمعنى الدّخول ‪ ،‬سواء دخلها ماشيا أو راكبا ‪.‬‬
‫والعرف الخاصّ ‪ :‬هو ما لم يتعارفه عامّة النّاس بل بعضهم ‪ ،‬كاللفاظ المصطلح عليها في‬
‫عرف الشّرع أو عرف التّخاطب ‪ ،‬أو في عرف طائفة خاصّة ‪ ،‬ومن ذلك اصطلح الرّفع‬
‫عند النّحاة ‪ ،‬واشترط الحنفيّة في العرف العامّ استمرار العمل به بين النّاس ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ :‬الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العرف الصّحيح والعرف الفاسد ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬ينقسم العرف إلى صحيح وفاسد ‪.‬‬

‫فالصّحيح ‪ :‬هو ما تعارفه النّاس وليس فيه مخالفة لنصّ شرعيّ ‪ ،‬ول تفويت لمصلحة ول‬
‫جلب لمفسدة ‪ ،‬كتعارفهم تقديم الهدايا من الخطيب لخطيبته وعدم اعتبارها من المهر ‪.‬‬
‫والعرف الفاسد ‪ :‬ما خالف بعض أدلّة الشّرع أو بعض قواعده ‪ ،‬كتعارفهم على بعض‬
‫العقود الرّبويّة ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬العرف الثّابت والعرف المتبدّل ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ينقسم العرف باعتبار ثبوته واستقراره وعدمه إلى ‪ :‬عرف ثابت ‪ ،‬وعرف متبدّل ‪.‬‬

‫والعرف الثّابت ‪ :‬هو الّذي ل يختلف باختلف الزمان والماكن والشخاص والحوال ‪ ،‬لنّه‬
‫يعود إلى طبيعة النسان وفطرته ‪ ،‬كشهوة الطّعام والشّراب والحزن والفرح ‪ ،‬ومن العرف‬
‫ي ‪ :‬وهو ما كلّف به الشّرع وأمر به أو نهى عنه أو أذن فيه ‪.‬‬
‫الثّابت العرف الشّرع ّ‬
‫والعرف المتبدّل ‪ :‬هو الّذي يختلف باختلف الزمان والبيئات والحوال ‪ ،‬وهو أنواع ‪ :‬فمنه‬
‫ما يعود إلى اعتبار البقاع ‪ ،‬والبيئات من حسن شيء أو قبحه ‪ ،‬فيكون في مكان حسنا ‪،‬‬
‫وفي مكان آخر قبيحا ‪ ،‬مثل كشف الرّأس فهو لذوي المروءات قبيح في البلد المشرقيّة ‪،‬‬
‫وغير قبيح في البلد المغربيّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ :‬الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫اعتبار العرف ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬ينقسم العرف من حيث اعتباره في الحكام إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬ما قام الدّليل الشّرعيّ على اعتباره ‪ ،‬كمراعاة الكفاءة في النّكاح ‪ ،‬ووضع الدّية على‬
‫العاقلة فهذا يجب اعتباره والخذ به ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما قام الدّليل الشّرعيّ على نفيه ‪ ،‬كعادة أهل الجاهليّة في التّبرّج ‪ ،‬وطوافهم في البيت‬
‫عرا ًة ‪ ،‬والجمع بين الختين ‪ ،‬وغير ذلك من العراف الّتي نهى عنها الشّارع ‪ ،‬فهذه‬
‫العراف ل تعتبر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما لم يقم الدّليل الشّرعيّ على اعتباره أو نفيه ‪ ،‬وهذا هو موضع نظر الفقهاء ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫‪ -‬وقد ذهب الفقهاء إلى اعتباره ومراعاته وبنوا عليه الكثير من الحكام ولم ينكر ذلك‬

‫أحد منهم وقد قام الدّليل من الكتاب والسّنّة والجماع على اعتبار العرف ‪.‬‬
‫ق ِممّا آتَاهُ‬
‫علَ ْيهِ رِزْ ُقهُ فَلْيُنفِ ْ‬
‫سعَ ِتهِ َومَن قُ ِدرَ َ‬
‫س َعةٍ مّن َ‬
‫فمن الكتاب ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬لِيُنفِقْ ذُو َ‬
‫عسْرٍ ُيسْرا } ‪.‬‬
‫ج َعلُ الّلهُ َبعْدَ ُ‬
‫الّلهُ ل ُيكَلّفُ الّلهُ َنفْسا إِل مَا آتَاهَا سَ َي ْ‬
‫ي ‪ ،‬وإنّ ما أحاله اللّه تعالى على‬
‫ن النفاق ل يس له تقد ير شرع ّ‬
‫ي‪:‬إ ّ‬
‫قال أ بو ب كر بن العرب ّ‬
‫ي ‪ ،‬بنى اللّه تعالى عليه الحكام ‪ ،‬وربط به الحلل والحرام ‪.‬‬
‫العادة ‪ ،‬وهي دليل أصول ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬والصّحيح ردّ الحقوق المطلقة في الشّرع إلى العرف فيما بين النّاس في‬
‫ق الموسر والمعسر والمتوسّط ‪ ،‬كما رددناهم في الكسوة إلى ذلك ‪.‬‬
‫نفقاتهم ‪ ،‬في ح ّ‬
‫ومن السّنّة حديث عائشة رضي ال عنها ‪ » :‬أنّ هند بنت عتبة رضي ال عنها قالت ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬إنّ أبا سفيان رجل شحيح ‪ ،‬وليس يعطيني وولدي إ ّل ما أخذت منه وهو ل‬
‫يعلم ‪ ،‬فقال ‪ :‬خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف « ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬فيه اعتماد العرف في المور الّتي ل تحديد فيها من قبل الشّارع ‪.‬‬

‫شروط اعتبار العرف ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬أن يكون العرف مطّردا أو غالبا ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬يشترط لعتبار العرف ‪ :‬أن يكون مطّردا أو غالبا ‪.‬‬

‫ومعنى الطّراد ‪ :‬أن يكون العرف مستمرّا بحيث ل يتخلّف في جميع الحوادث ‪ ،‬ومعنى‬
‫ن الطّراد أو الغلبة‬
‫الغلبة ‪ :‬أن يكون العمل بالعرف كثيرا ‪ ،‬ول يتخلّف إلّ قليلً ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ي ‪ :‬إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت ‪ ،‬فإذا‬
‫يجعل العرف مقطوعا بوجوده ‪ ،‬قال السّيوط ّ‬
‫اضطربت فل ‪ .‬وقال ابن نجيم ‪ :‬إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت ‪ ،‬ولذا قالوا ‪ :‬لو باع‬
‫بدراهم أو دنانير ‪ ،‬وكانا في بلد اختلف فيه النّقود مع الختلف في الماليّة والرّواج ‪،‬‬
‫انصرف البيع إلى الغلب ‪ ،‬قال في الهداية ‪ :‬لنّه هو المتعارف فينصرف إليه ‪.‬‬
‫قال الشّاطبيّ ‪ :‬وإذا كانت العوائد معتبرةً شرعا فل يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت‬
‫عاد ًة في الجملة ‪.‬‬

‫وبهذا الشّرط يخرج العرف المشترك ‪ -‬هو ما تساوى العمل به وتركه ‪ -‬من العتبار ‪ ،‬فل‬
‫يصلح أن يكون مستندا أو دليلً يرجع إليه في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة ‪.‬‬

‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن يكون العرف عامّا ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬هذا الشّرط محلّ خلف بين الفقهاء ‪:‬‬

‫فذهب جمهور الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يعتبر في بناء الحكام العرف العامّ دون الخاصّ ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫الشّرط الثّالث ‪ :‬ألّ يكون العرف مخالفا للنّصّ الشّرعيّ ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬يشترط في العرف المعتبر شرعا ‪ :‬ألّ يخالف النّصوص الشّرعيّة ‪ ،‬بمعنى أن ل يكون‬

‫ما تعارف عليه النّاس مخالفا للحكام الشّرعيّة المنصوص عليها ‪ ،‬وإلّ فل اعتبار للعرف ‪،‬‬
‫كتعارف النّاس شرب الخمر وتبرّج النّساء والتّعامل بالعقود الرّبويّة ونحو ذلك ثمّ إنّ‬
‫ي من كلّ وجه ‪،‬‬
‫ص الشّرع ّ‬
‫مخالفة العرف لل ّنصّ تأتي على وجهين ‪ :‬فإذا خالف العرف النّ ّ‬
‫ن النّصّ أقوى من العرف ‪ ،‬ول يترك القوى لما‬
‫ص ‪ ،‬ول اعتبار للعرف ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإنّه يعمل بالنّ ّ‬
‫هو أضعف منه ‪ ،‬سواء كان العرف عامّا أو خاصّا ‪.‬‬
‫ص في بعض الوجوه ‪ ،‬فذهب الجمهور إلى أنّه ل يصلح العرف‬
‫وإذا خالف العرف النّ ّ‬
‫ن العرف يخصّص ال ّنصّ ويقيّده ‪.‬‬
‫مخصّصا ول مقيّدا للنّصّ ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ :‬الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ف تصريحٌ بخلفه ‪:‬‬
‫الشّرط الرّابع ‪ :‬ألّ يعارض العر َ‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬يشرط لعتبار العرف ‪ :‬ألّ يصدر تصريح بخلفه ‪ ،‬فإذا صرّح العاقدان مثلً بخلف‬

‫ن من القواعد الفقهيّة أنّه ل عبرة للدّللة في مقابلة التّصريح‬
‫العرف فل اعتبار للعرف ‪ ،‬ل ّ‬
‫قال العزّ بن عبد السّلم ‪ :‬كلّ ما يثبت في العرف إذا صرّح المتعاقدان بخلفه ممّا يوافق‬
‫مقصود العقد ويمكن الوفاء به صحّ ‪ ،‬فلو شرط المستأجر على الجير أن يستوعب النّهار‬
‫بالعمل من غير أكل يقطع المنفعة لزمه ذلك ‪ ،‬ولو شرط عليه أن ل يصلّي الرّواتب ‪ ،‬وأن‬
‫يقتصر في الفرائض على الركان ‪ ،‬صحّ ووجب الوفاء بذلك ‪ ،‬لنّ تلك الوقات إنّما خرجت‬
‫عن الستحقاق بالعرف القائم مقام الشّرط ‪ ،‬فإذا صرّح بخلف ذلك ممّا يجوّزه الشّرع‬
‫ويمكن الوفاء به جاز ‪.‬‬

‫الشّرط الخامس ‪ :‬أن يكون العرف قائما عند إنشاء التّصرّف ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬يشترط لعتبار العرف ‪ :‬أن يكون قائما عند إنشاء التّصرّف ‪ ،‬وذلك بأن يكون العرف‬

‫ن كلّ من يقوم بتصرّف ‪ -‬سواء كان قوليّا أو‬
‫سابقا أو مقارنا للتّصرّف عند إنشائه ‪ ،‬ل ّ‬

‫ح الحمل على العرف القائم ‪ ،‬فل‬
‫فعليّا ‪ -‬إنّما يتصرّف بحسب ما جرى به العرف ‪ ،‬ليص ّ‬
‫عبرة بالعرف الطّارئ بعد التّصرّف ‪.‬‬
‫قال القرافيّ ‪ :‬العوائد الطّارئة بعد النّطق ل يقضى بها على النّطق ‪ ،‬فإنّ النّطق سالم عن‬
‫ن الثّمن يحمل على‬
‫معارضتها ‪ ،‬فيحمل على اللّغة ‪ ،‬ونظيره ‪ :‬إذا وقع العقد في البيع فإ ّ‬
‫العادة الحاضرة في النّقد ‪ ،‬وما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النّقود ل عبرة به في هذا البيع‬
‫المتقدّم ‪ ،‬وكذلك النّذر والقرار والوصيّة إذا تأخّرت العوائد عليها ل تعتبر ‪ ،‬وإنّما يعتبر من‬
‫العوائد ما كان مقارنا لها ‪.‬‬
‫وقال السّيوطيّ ‪ :‬العرف الّذي تحمل عليه اللفاظ إنّما هو المقارن السّابق دون المتأخّر ‪،‬‬
‫وقال ابن نجيم بعد أن ذكر عبارة السّيوطيّ ‪ :‬ولذا قالوا ‪ :‬ل عبرة بالطّارئ ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل بعض مسائل العرف في مصطلح ‪ ( :‬عادة ) ‪ ،‬كما سيأتي الكلم مفصّلً‬
‫على مباحث العرف ومسائله في ‪ :‬الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عرَفَات *‬
‫َ‬

‫‪ -‬عرفات وعرفة ‪ :‬المكان الّذي يؤدّي فيه الحجّاج ركن الحجّ وهو الوقوف بها ‪.‬‬

‫حدود عرفة ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫عرَنة ‪ -‬بعين مضمومة ثمّ راء مفتوحة ث ّم نون ‪-‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّ ‪ :‬هي ما جاوز وادي ُ‬

‫إلى الجبال القابلة ممّا يلي بساتين ابن عامر ‪ ،‬وقد وضعت الن علمات حول أرض عرفة‬
‫ج أن يتنبّه لها ‪ ،‬لئلّ يقع وقوفه خارج عرفة ‪ ،‬فيفوته الحجّ ‪،‬‬
‫تبيّن حدودها ويجب على الحا ّ‬
‫أمّا جبل الرّحمة ففي وسط عرفات ‪ ،‬وليس نهاية عرفات ‪ ،‬ويجب التّنبّه إلى مواضع ليست‬
‫من عرفات يقع فيها اللتباس للحجّاج وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬وادي عرنة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وادي نمرة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المسجد الّذي سمّاه القدمون مسجد إبراهيم ‪ ،‬ويسمّى مسجد نمرة ومسجد عرفة ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬إنّه ليس من عرفات ‪ ،‬وإنّ من وقف به لم يصحّ وقوفه ‪ ،‬وقد تكرّر توسيع‬
‫المسجد كثيرا في عصرنا ‪ ،‬وفي داخل المسجد علمات تبيّن للحجّاج ما هو من عرفات ‪،‬‬
‫وما ليس منها ينبغي النّظر إليها ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬الوقوف بعرفات ركن من أركان الحجّ ‪ ،‬بل هو الرّكن الّذي إذا فات فات الحجّ بفواته‬

‫لحديث ‪ » :‬الحجّ عرفة « ‪.‬‬
‫ج ف وما بعدها ‪ ،‬ويوم عرفة ) ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر ‪ ( :‬ح ّ‬

‫عرَق *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العرق لغةً ‪ :‬ما جرى من أصول الشّعر من ماء الجلد ‪ ،‬قال صاحب اللّسان ‪ :‬ويأتي‬

‫لعدّة معان منها ‪ :‬الثّواب واللّبن ‪.‬‬
‫ويستعمل عند الفقهاء بمعنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما رشح من البدن ‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬نوع من المسكرات يقطر من الخمر ويسمّى عرقيّا ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الدّمع ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الدّمع لغةً ‪ :‬ماء العين ‪ ،‬يقال ‪ :‬دمعت العين دمعا إذا سال ماؤها ‪ ،‬وعين دامعة أي ‪:‬‬

‫سائل دمعها ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن كلً منهما ممّا يفرزه الجسم ‪.‬‬
‫والصّلة بين العرق والدّمع أ ّ‬
‫ب ‪ -‬اللّعاب ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬اللّعاب في اللّغة ‪ :‬ما سال من الفم ‪ ،‬يقال ‪ :‬لعب الرّجل إذا سال لعابه ‪ ،‬وألعب أي ‪:‬‬

‫صار له لعاب يسيل من فمه ‪ ،‬ولعاب الحيّة ‪ :‬سمّها ‪ ،‬ولعاب النّحل العسل ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العرق بمعنى ما رشح من البدن ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى طهارة عرق النسان مطلقا ‪ ،‬ل فرق في ذلك بين المسلم والكافر ‪،‬‬

‫الصّاحي والسّكران ‪ ،‬والطّاهر والحائض والجنب ‪.‬‬
‫‪ -5‬واختلفوا في حكم طهارة عرق الحيوان ‪:‬‬
‫فقسّم الحنفيّة عرق الحيوان إلى أربعة أنواع ‪ :‬طاهر ‪ ،‬ونجس ‪ ،‬ومكروه ‪ ،‬ومشكوك فيه ‪،‬‬
‫وذلك لنّ كلّ واحد منها متولّد من اللّحم فأخذ حكمه ‪.‬‬

‫فالطّاهر ‪ :‬عرق ما يؤكل لحمه من الحيوان ‪ ،‬وعرق الفرس ‪ ،‬أمّا عرق ما يؤكل لحمه ‪،‬‬
‫ن عرقه متولّد من‬
‫فلنّه يتولّد من لحم مأكول فأخذ حكمه ‪ ،‬وأمّا طهارة عرق الفرس ‪ ،‬فل ّ‬
‫لحمه وهو طاهر ‪ ،‬وحرمته لكونه آلة الجهاد ل لنجاسته ‪.‬‬
‫والنّجس ‪ :‬عرق الكلب والخنزير وسباع البهائم ‪ ،‬أمّا الكلب فلنجاسة سؤره لقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات « فهذا‬
‫ن الطّهور مصدر بمعنى الطّهارة فيستدعي سابقة التّنجّس أو‬
‫الحديث يفيد النّجاسة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحدث ‪ ،‬والثّاني منتف ‪ ،‬فتعيّن الوّل ‪ ،‬وأمّا الخنزير فلنّه نجس العين لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫فَإِ ّن ُه‬

‫ِرجْسٌ } ‪.‬‬

‫ي صلى‬
‫وأمّا سباع البهائم ‪ ،‬فلنّه متولّد من لحمها ‪ ،‬ولحمها حرام نجس ‪ ،‬لما ورد أنّ النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬نهى عن كلّ ذي ناب من السّباع وعن كلّ ذي مخلب من الطّير « ‪.‬‬
‫والمكروه ‪ :‬عرق الهرّة والدّجاجة المخلة وسباع الطّير وسواكن البيوت ‪ ،‬قال الكرخيّ ‪:‬‬
‫كراهية عرق الهرّة لجل أنّها ل تتحامى النّجاسة ‪ ،‬وقال الطّحاويّ ‪ :‬الكراهة لحرمة لحمها‬
‫ن الموجب‬
‫ي يدلّ على أنّها إلى التّحريم أقرب كسباع البهائم ‪ ،‬ل ّ‬
‫قال الزّيلعيّ ‪ :‬قول الطّحاو ّ‬
‫ي يدلّ على التّنزّه ‪ ،‬وهذا أصحّ والقرب إلى‬
‫للكراهة لزم غير عارض ‪ ،‬وقول الكرخ ّ‬
‫موافقة الحديث ‪ ،‬فإنّه عليه الصلة والسلم قال فيها ‪ » :‬إنّها ليست بنجس إنّما هي من‬
‫طوّافات « ‪.‬‬
‫طوّافين عليكم وال ّ‬
‫ال ّ‬
‫وأمّا كراهة عرق الدّجاجة المخلة فلعدم تحاميها النّجاسة ‪ ،‬ويصل منقارها إلى ما تحت‬
‫رجليها ‪ ،‬ويلحق بها البل والبقر الجللة ‪ ،‬وأمّا كراهة عرق سباع الطّير وسواكن البيوت‬
‫فاستحسانا للضّرورة وعموم البلوى ‪ ،‬فسباع الطّير تنقضّ من علوّ وهواء فل يمكن صون‬
‫الواني عنها ل سيّما في البراريّ ‪ ،‬وسواكن البيوت طوافها ألزم من الهرّة ‪ ،‬لنّ الفأرة‬
‫تدخل ما ل تقدر الهرّة دخوله وهو العلّة في الباب لسقوط النّجاسة ‪ ،‬والقياس أن يكون‬
‫ن لحمها نجس وحرام ‪.‬‬
‫نجسا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫والعرق المشكوك فيه عرق الحمار والبغل لتعارض الدلّة ‪ ،‬لنّه قد ثبت عن النّب ّ‬
‫عليه وسلم أنّه ‪ » :‬أمر يوم خيبر بإكفاء القدور من لحوم الحمر الهليّة وقال ‪ :‬إنّها‬
‫رجس « ‪.‬‬
‫وأمّا البغل فهو من نسل الحمار فيكون بمنزلته ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬قيل ‪ :‬سببه تعارض‬
‫الخبار في لحمه ‪ ،‬وقيل اختلف الصّحابة في سؤره ‪ ،‬والصحّ ‪ :‬أنّ الحمار أشبه الهرّة‬
‫لوجوده في الدّور والفنية ‪ ،‬لكنّ الضّرورة فيه دون الضّرورة فيها لدخولها مضايق البيت‬
‫فأشبه الكلب والسّباع ‪ ،‬فلمّا ثبت الضّرورة من وجه دون وجه واستوى ما يوجب الطّهارة‬

‫والنّجاسة تساقطا للتّعارض ‪ ،‬فصيّر إلى الصل ‪ ،‬وهو هنا شيئان ‪ :‬الطّهارة في الماء ‪،‬‬
‫والنّجاسة في اللّعاب ‪ ،‬وليس أحدهما بأولى من الخر فبقي المر مشكلً ‪ ،‬نجسا من وجه ‪،‬‬
‫طاهرا من آخر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى طهارة عرق كلّ حيوان حيّ ‪ ،‬بحريّا كان أو برّيّا ‪ ،‬ولو كلبا أو خنزيرا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العرق له حكم حيوانه طهارةً ونجاسةً ‪ ،‬فعرق الحيوان‬
‫الطّاهر طاهر ‪ ،‬وعرق الحيوان النّجس نجس ‪ ،‬وعند الشّافعيّة كلّ الحيوانات طاهرة ما عدا‬
‫الكلب والخنزير وما تفرّع من أحدهما ‪ ،‬وعند الحنابلة ‪ :‬النّجس من الحيوان ما ل يؤكل من‬
‫الطّير والبهائم ممّا فوق الهرّ خلقةً كالصّقر والبوم والعقاب والحدأة والنّسر والرّخم وغراب‬
‫البين والبقع والبغل والحمار والسد والنّمر والفهد والذّئب والكلب والخنزير وابن آوى‬
‫والدّبّ والقرد ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫قال صاحب المغني ‪ :‬والصّحيح عندي طهارة البغل والحمار ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫وسلم كان يركبهما ويركبان في زمنه وفي عصر الصّحابة فلو كان نجسا لبيّن لهم النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ،‬ولنّهما ل يمكن التّحرّز منهما لمقتنيهما فأشبها السّنّور ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طهارة ‪ ،‬ونجاسة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العرق بمعنى الخمر ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬العرق نوع من المسكرات يقطر من الخمر ‪ ،‬حكمه حكم الخمر ‪ ،‬فهو نجس ويحدّ‬

‫ن العرق المستقطر من الخمر هو عين الخمر ‪ ،‬تتصاعد‬
‫شاربه قال ابن عابدين ‪ :‬ل شكّ أ ّ‬
‫مع الدّخان وتقطر من الطّابق بحيث ل يبقى منها إلّ أجزاؤه التّرابيّة ‪ ،‬ولذا يفعل القليل منه‬
‫في السكار أضعاف ما يفعله كثير الخمر ‪ ،‬والمعتمد المفتى به ‪ :‬أنّ العرق لم يخرج بالطّبخ‬
‫والتّصعيد عن كونه خمرا ‪ ،‬فيحدّ بشرب قطرة منه وإن لم يسكر ‪ ،‬وأمّا إذا سكر منه فل‬
‫شبهة في وجوب الحدّ به ‪ ،‬وقد صرّح في منية المصلّي بنجاسته أيضا ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ع َرنَة *‬
‫ُ‬

‫‪ -‬عُرَنة بض ّم أوّله وفتح ثانيه ‪ ،‬ويقال أيضا بطن عرنة ‪ :‬واد بحذاء عرفات من جهة‬

‫المزدلفة ومنىً ومكّة ‪ -‬وعرنة هو واد بين العلمين اللّذين على حدّ عرفة ‪ ،‬والعلمين اللّذين‬
‫على حدّ الحرم ‪ ،‬فليس عرنة من عرفة ‪ ،‬ول من الحرم ‪ -‬عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬خلفا‬
‫للحنفيّة ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬إلى أنّ عرنة ‪ ،‬ويقال ‪ :‬بطن عرنة ليس من عرفة ول يجزئ‬

‫ن من وقف فيه ل يصحّ وقوفه ول‬
‫الوقوف فيه ‪ ،‬قال ابن عبد الب ّر ‪ :‬أجمع العلماء على أ ّ‬
‫يجزئ ‪.‬‬
‫وجاء في المجموع ‪ :‬وادي عرنة ليس من عرفات ‪ ،‬ل خلف فيه ‪.‬‬
‫نصّ عليه الشّافعيّ ‪ ،‬واتّفق عليه الصحاب ‪ ،‬واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬كلّ‬
‫عرفات موقف ‪ ،‬وارفعوا عن بطن عرنة « ولنّ الواقف فيه لم يقضه بعرفة ‪.‬‬

‫عرُوض *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العروض في اللّغة جمع عرض ‪ ،‬ومن معاني العرض بالسّكون في اللّغة المتاع ‪،‬‬

‫قالوا ‪ :‬الدّراهم والدّنانير عين وما سواهما عرض ‪ ،‬وقال أبو عبيد ‪ :‬العروض هي ‪:‬‬
‫المتعة الّتي ل يدخلها كيل ‪ ،‬ول وزن ‪ ،‬ول يكون حيوانا ول عقارا ‪.‬‬
‫والعرَض ‪ -‬بالفتح ‪ -‬يطلق على معان ‪ :‬منها متاع الدّنيا ‪ ،‬وحطامها ‪ ،‬ففي الثر ‪ " :‬الدّنيا‬
‫عرض حاضر يأكل منها الب ّر والفاجر " ‪.‬‬
‫ض مّثُْلهُ‬
‫عرَ ٌ‬
‫ن سَ ُيغْفَ ُر لَنَا َوإِن يَأْ ِت ِهمْ َ‬
‫وفي التّنزيل ‪ { :‬يَ ْأخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الدْنَى وَ َيقُولُو َ‬
‫يَ ْأخُذُوهُ } ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه الفقهاء بتعريفات ل تخرج عن المعنى اللّغويّ له ‪ ،‬ومنها ‪ :‬العرْض‬
‫ بإسكان الرّاء ‪ -‬هو ‪ :‬ما عدا الثمان من المال على اختلف أنواعه من النّبات والحيوان‬‫والعقار وسائر المال ‪ ،‬وبفتحها ‪ :‬كثرة المال والمتاع ‪ ،‬وسمّي عرضا ‪ ،‬لنّه يعرض ثمّ‬
‫يزول ويفنى ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬لنّه يعرض ليباع ويشترى تسميةً للمفعول باسم المصدر كتسمية المعلوم علما ‪.‬‬
‫البضاعة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬من معاني البضاعة في اللّغة ‪ :‬القطعة من المال تعدّ للتّجارة ويطلق الفقهاء لفظ‬

‫البضاعة على المال المبعوث للتّجار ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى وجوب الزّكاة في عروض التّجارة ‪ ،‬إذا تحقّقت شروطها واستدلّوا‬

‫ت مَا َكسَبْتُمْ } ‪.‬‬
‫لذلك بقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَن ِفقُواْ مِن طَيّبَا ِ‬

‫وحديث سمرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يأمرنا أن نخرج‬
‫الصّدقة من الّذي نعدّ للبيع « ‪.‬‬
‫وحد يث أ بي ذرّ رضي ال عنه مرفوعا قال ‪ » :‬في البل صدقتها ‪ ،‬وفي الغنم صدقتها ‪،‬‬
‫وفي البزّ صدقتها « ‪.‬‬
‫ولنّهـا معدّة للنّماء ‪ ،‬بإعداد صـاحبها فأشبهـت المعدّة لذلك خلقةً ‪ ،‬كالسـّوائم ‪ ،‬والنّقديـن ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬زكاة ف‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪77‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫عُريان *‬

‫‪ -‬العريان في اللّغة ‪ :‬المتجرّد من ثيابه ‪ ،‬مأخوذ من العري ‪ ،‬وهو خلف اللّبس يقال ‪:‬‬

‫عري الرّجل من ثيابه يعرى من باب تعب عريا فهو عار وعريان ‪ ،‬والمرأة عاريّة‬
‫وعريانة ‪.‬‬
‫ن العريان مأخوذ من النّبت الّذي قد عري عريا إذا استبان ‪.‬‬
‫ونقل ابن منظور ‪ :‬أ ّ‬
‫ول يختلف معناه في الصطلح عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الكشف ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الكشف ‪ :‬من كشف الشّيء أي ‪ :‬رفع عنه ما يواريه ويغطّيه ‪ ،‬و كشف اللّه غمّه‬

‫بمعنى ‪ :‬أزاله ‪ ،‬واكتشفت المرأة ‪ :‬بالغت في إظهار محاسنها ‪.‬‬
‫والكشف أعمّ من العري ‪.‬‬
‫السّتر ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬السّتر بالفتح ‪ :‬مصدر سترت الشّيء أستره إذا غطّيته ‪ ،‬وتستّر أي ‪ :‬تغطّى ‪ ،‬وجارية‬

‫مستّرة أي ‪ :‬مخدّرة ‪.‬‬
‫والسّتر مقابل العري ‪.‬‬

‫الحكام الّتي تتعلّق بالعريان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغتسال عريانا ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن ستر العورة فرض وكشفها‬
‫‪ -‬الغتسال عريانا بين النّاس محرّم عند جميع الفقهاء ‪ ،‬ل ّ‬

‫محرّم إلّ بين الزّوجين ‪ ،‬فقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه أنّه قال ‪ :‬عوراتنا ما‬
‫نأتي منها وما نذر ؟ قال ‪ » :‬احفظ عورتك إلّ من زوجتك أو ممّا ملكت يمينك « ‪.‬‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل ينظر الرّجل إلى عورة الرّجل ‪ ،‬ول المرأة إلى عورة‬
‫المرأة « ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان خاليا فيجوز الغتسال عريانا ‪ ،‬لكن قيّد أكثر الفقهاء هذا الجواز بالكراهة ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يستحبّ التّستّر وإن كان خاليا لما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه‬
‫قال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال ‪ » :‬اللّه أحقّ أن يستحيا منه من النّاس «‬
‫ي رضي ال عنهما دخل غديرا وعليه برد له متوشّحا به ‪ ،‬فلمّا‬
‫ن الحسن بن عل ّ‬
‫وروي أ ّ‬
‫خرج قيل له ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّما تستّرت ممّن يراني ول أراه ‪ ،‬يعني ربّي والملئكة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬غسل ‪ ،‬عورة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬دخول الحمّام عريانا ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ دخول الحمّام مشروع ‪ ،‬لكنّه مقيّد بما إذا لم يكن فيه‬

‫ن ك ّل من في الحمّام عليه إزار فادخله وإلّ فل تدخل‬
‫كشف العورة ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬إن علمت أ ّ‬
‫وفصّل بعض المالكيّة فقالوا ‪ :‬دخول الرّجل الحمّام مع زوجته أو وحده مباح ‪ ،‬ومع قوم ل‬
‫يستترون ممنوع ‪ ،‬وأمّا مع قوم مستترين فمكروه ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬حمّام ‪ ،‬وعورة ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الصّلة عريانا ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو المشهور عند المالكيّة ‪-‬‬

‫ح الصّلة دونه ‪،‬‬
‫إلى أنّ ستر العورة شرط لصحّة الصّلة وعبّر بعضهم بأنّه فرض فل تص ّ‬
‫أي عريانا ‪.‬‬
‫ول فرق في ذلك بين من يصلّي منفردا أو بجماعة ‪ ،‬في خلوة أو بين النّاس ‪ ،‬في ضوء أو‬
‫في ظلم ‪ ،‬وهذا الشّرط لمن يكون قادرا على ستر العورة وواجدا للثّياب ‪ ،‬فلو صلّى‬
‫مكشوف العورة قادرا وواجدا للسّاتر بطلت صلته ‪ ،‬وعليه العادة ‪ ،‬والدّليل على اشتراط‬
‫سجِدٍ } ‪،‬‬
‫ستر العورة ‪ ،‬وعدم صحّة صلة العريان قوله تعالى ‪ { :‬خُذُواْ زِينَ َت ُكمْ عِن َد ُكلّ َم ْ‬
‫قال ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬المراد به الثّياب في الصّلة ‪.‬‬
‫وإذا لم يجد المصلّي ما يستر به عورته ‪ ،‬فاتّفق الفقهاء على أنّه يجب عليه أن يصلّي‬
‫ن اشتراط السّتر في صحّة الصّلة مقيّد بالقدرة ‪ ،‬وهو عاجز عنه ‪.‬‬
‫عريانا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عورة ‪ ،‬وصلة ) ‪.‬‬

‫كيفيّة الصّلة عريانا ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫ن من لم يجد ثوبا يستر به عورته صلّى عريانا قاعدا‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬

‫يومئ بالرّكوع والسّجود ‪ ،‬ويجعل السّجود أخفض من الرّكوع ‪ ،‬وإن صلّى قائما أو جالسا‬

‫ق الصّلة وحقّ‬
‫ن السّتر وجب لح ّ‬
‫وركع وسجد بالرض جاز له ذلك إ ّل أنّ الوّل أفضل ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّاس ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬
‫‪8‬‬

‫‪35‬‬

‫)‪.‬‬

‫‪ -‬ثمّ اختلف الحنفيّة والحنابلة في مشروعيّة الجماعة للعراة ‪:‬‬

‫فقال الحنابلة ‪ :‬الجماعة مشروعة للعراة ‪ ،‬وبه قال قتادة ‪ ،‬لنّ قول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬صلة الرّجل في الجماعة تزيد على صلته وحده سبعا وعشرين درجةً « عامّ في‬
‫كلّ مصلّ ‪ ،‬ول تسقط الجماعة لتعذّر سببها في الموقف ‪ ،‬كما لو كانوا في مكان ضيّق ل‬
‫يمكن أن يتقدّمهم إمامهم ‪ ،‬قال البهوتيّ وتصلّي العراة جماعةً وجوبا ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بكراهة جماعتهم كراهةً تحريم ّيةً ‪ ،‬ومع ذلك إذا صلّوا بالجماعة‬
‫يتوسّطهم إمامهم ‪ ،‬كما قال ابن عابدين وابن قدامة وغيرهما ‪.‬‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬ولو تقدّمهم جاز ‪ :‬ويرسل كلّ واحد رجليه نحو القبلة ‪ ،‬ويضع يديه بين‬
‫فخذيه يومئ إيماءً ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬إنّ العريان يصلّي قائما يركع ويسجد ‪ ،‬وإن اجتمع العراة العاجزون‬
‫عن ستر عوراتهم بظلم لليل أو نحوه يصلّون جماعةً كالمستورين في تقديم إمامهم‬
‫واصطفافهم خلفه ‪ ،‬والرّكوع والسّجود والقيام ‪ ،‬وإن لم يجتمعوا بظلم تفرّقوا للصّلة‬
‫وجوبا وصلّوا فرادى ‪ ،‬وإلّ أعادوا بوقت ‪ ،‬فإن لم يمكن تفرّقهم لخوف على نفس من نحو‬
‫سبع ‪ ،‬أو خوف على مال من الضّياع ‪ ،‬أو لضيق مكان كسفينة ‪ ،‬صلّوا قياما راكعين‬
‫ف غير متقدّم عليهم ‪.‬‬
‫ساجدين صفّا واحدا غاضّين أبصارهم ‪ ،‬إمامهم وسطهم في الصّ ّ‬
‫وعند الشّافعيّة في صلة العريان العاجز عن ستر العورة قولن ووجه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ثلثة‬
‫أوجه‪ :‬أصحّها ‪ :‬يصلّي قائما ‪ ،‬ويتمّ الرّكوع والسّجود ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬يصلّي قاعدا ‪ ،‬وهل يتمّ‬
‫الرّكوع والسّجود أم يومئ ؟ فيه قولن ‪ :‬والثّالث ‪ :‬يتخيّر بين المرين ‪ ،‬ولو حضر جمع‬
‫ن لهم الجماعة ‪ ،‬أم‬
‫من العراة‪ ،‬فلهم أن يصلّوا جماع ًة ‪ ،‬ويقف إمامهم وسطهم ‪ ،‬وهل يس ّ‬
‫الصحّ أنّ الولى أن يصلّوا فرادى ؟ قولن ‪ :‬القديم ‪ :‬النفراد أفضل ‪ ،‬والجديد ‪ :‬الجماعة‬
‫ن الجماعة والنفراد‬
‫أفضل ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬والمختار ما حكاه المحقّقون عن الجديد ‪ :‬أ ّ‬
‫سواء ‪ ،‬وهذا إذا كانوا بحيث يتأتّى نظر بعضهم إلى بعض ‪ ،‬فلو كانوا عميا ‪ ،‬أو في ظلمة‬
‫استحبّت لهم الجماعة بل خلف ‪.‬‬
‫وبيان ما يعتبر ساترا للعورة من الثّياب وغيرها ينظر في مصطلح ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬

‫هل يعيد العريان إذا وجد ساترا بعد الصّلة ؟‬

‫‪9‬‬

‫– إذا صلّى العاجز عن ستر العورة عريانا ‪ ،‬ثمّ وجد ما يسترها به من الثّياب ونحوها‬

‫فهل يعيد الصّلة أم ل ؟ للفقهاء فيه اتّجاهان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يعيد الصّلة ‪ ،‬وهذا مذهب أبي حنيفة ‪ ،‬وبه قال المازريّ من المالكيّة ‪ ،‬وقال ‪ :‬هو‬
‫المذهب عندهم ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬ونقل البهوتيّ عن الرّعاية ‪ :‬أنّه هو‬
‫القيس عند الحنابلة ‪ ،‬الثّاني ‪ :‬تمّت صلته ول يعيدها ‪ ،‬وهذا قول الصّاحبين من الحنفيّة‬
‫وابن القاسم من المالكيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬والظّاهر من مذهب الحنابلة ‪.‬‬

‫الطّواف عريانا ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على أنّه من واجبات الطّواف ستر العورة حتّى لو طاف عريانا فعليه‬

‫ص الشّافعيّة على أنّه يجب ستر العورة في الطّواف كما في‬
‫العادة ما دام بمكّة كما ن ّ‬
‫ص المالكيّة‬
‫الصّلة ‪ ،‬فلو طاف عريانا مع القدرة على ستر العورة لم يصحّ طوافه ‪ ،‬ون ّ‬
‫على شرطيّة ستر العورة بالنّسبة إلى الذّكر والنثى في الطّواف ‪.‬‬
‫وكذلك الحنابلة شرطوا ستر العورة في الطّواف ‪.‬‬

‫عَزف *‬

‫انظر ‪ :‬معازف ‪.‬‬

‫عزْل *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العزل لغةً ‪ :‬التّنحية ‪ ،‬يقال ‪ :‬عزله عن المر أو العمل أي ‪ :‬نحّاه عنه ‪.‬‬

‫ويقال ‪ :‬عزل عن المرأة واعتزلها ‪ :‬لم يرد ولدها ‪.‬‬
‫قال الجوهريّ العزل ‪ :‬عزل الرّجل الماء عن جاريته إذا جامعها لئلّ تحمل ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫ما يتعلّق بالعزل من أحكام ‪:‬‬
‫عزل المام من قبل من بايعه ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬تنعقد المامة الكبرى ببيعة المّة ‪ -‬ممثّل ًة بأهل الحلّ والعقد ‪ -‬للمام الّذي تتوافر فيه‬

‫شروط المامة ‪.‬‬
‫ويشترط لدوام المامة دوام شروطها ‪ ،‬وتزول بزوالها ‪ ،‬إلّ العدالة فقد اختلف في أثر زوال‬
‫العدالة على منصب المامة ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ف‬

‫‪12‬‬

‫)‪.‬‬

‫عزل المام نفسه ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬عزل المام نفسه يعني استعفاءه أو استقالته من المامة ‪.‬‬

‫وقد حصل الخلف في ذلك على مذهبين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬جواز ذلك ‪ ،‬وهو رأي الجمهور ‪ :‬واستدلّوا بأنّ الحسن بن عليّ رضي ال عنهما‬
‫قد خلع نفسه وتنازل عن الخلفة لمعاوية رضي ال عنه ‪ ،‬ولنّ أبا بكر الصّدّيق رضي ال‬
‫عنه لمّا تمّت له البيعة أقام ثلثة أيّام يستقبل النّاس ويقول ‪ :‬قد أقلتكم في بيعتي ‪ ،‬هل من‬
‫كاره ؟ هل من مبغض ؟ ولول جوازها لما قال ذلك ‪.‬‬
‫ن المامة انعقدت له من قبل أهل الحلّ والعقد ‪ ،‬فصار العقد‬
‫الثّاني ‪ :‬عدم صحّة ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق له أن يخلع نفسه إلّ بعد صدور قرار منهم بعزله ‪.‬‬
‫لزما ‪ ،‬ل يح ّ‬

‫عزل الوزير ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ل يجوز للوزير أن يعزل نفسه ‪ ،‬ويجوز للمام أن يعزل من قلّده الوزير ‪ ،‬وليس‬

‫للوزير أن يعزل من قلّده المام ‪.‬‬
‫وهل عزل المام للوزير يؤثّر على عزل عمّاله وولته ؟‬
‫الوزارة على نوعين ‪ :‬وزارة تفويض ‪ ،‬ووزارة تنفيذ ‪.‬‬
‫فإذا عزل المام وزير التّنفيذ لم ينعزل به أحد من الولة ‪ ،‬أمّا وزير التّفويض فعزله من قبل‬
‫ـ عمّال‬
‫المام يكون سـببا لعزل عمّال التّنفيـذ ‪ ،‬وليـس سـببا لعزل عمّال التّفويـض ‪ ،‬لن ّ‬
‫التّفويض ولة ‪ ،‬وعمّال التّنفيذ نوّاب ‪.‬‬

‫عزل القاضي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬عزل القاضي نفسه ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬إذا رغب القاضي اعتزال منصب القضاء ‪ ،‬وأراد أن يعزل نفسه هو ‪ -‬بأن يقول عزلت‬

‫نفسي عن القضاء ‪ ،‬أو أنا معزول ‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ،‬أو كتب بذلك للمام بسبب أو دون‬
‫سبب‪ -‬صحّ ذلك وصار معزولً ‪ ،‬لنّه بمثابة الوكيل ‪ ،‬وللوكيل عزل نفسه ‪ ،‬إلّ أنّ الحنفيّة‬
‫قالوا ‪ :‬يعتزل بعد سماع المام بذلك ل قبله ‪ ،‬أو بعد وصول كتابه إليه ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة ‪ :‬فقيّدوا ذلك بشرط عدم تعلّق حقّ لحد في قضائه حتّى ل يؤدّي انعزاله إلى‬
‫حصول ضرر لمن التزم القضاء بينه وبين خصمه ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬عزله بموت المام أو بعزله عن المامة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى عدم انعزال القاضي بموت المام الّذي وله القضاء أو عزله ‪ ،‬سواء‬

‫أظهرهم تقليده بمدّة حياته أو بقائه في المامة أم أطلق ‪.‬‬

‫واستدلّوا على ذلك بأنّ الخلفاء رضي ال عنهم ولّوا حكّاما في زمانهم ‪ ،‬فلم ينعزلوا‬
‫ن البلدان تتعطّل من الحكّام‬
‫بموتهم ‪ ،‬وبأنّ في عزله بموت المام ضررا على المسلمين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وتقف أحكام النّاس إلى أن يولّي المام الثّاني حكّاما ‪ ،‬وفيه ضرر عظيم ‪ ،‬وبأنّه لم يتولّ‬
‫لمصلحة المام ‪ ،‬بل لمصلحة عامّة المسلمين ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬عزل القاضي من قبل المام ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬إذا كانت شروط القضاء متوفّر ًة في القاضي ‪ ،‬وليس فيه ما يوجب عزله فهل يملك‬

‫المام عزله أم ل ؟‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك على ثلثة آراء ‪:‬‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬يملك المام عزله مطلقا ‪ ،‬فإذا عزله نفذ عزله ‪ ،‬سواء وجد من هو أصلح‬
‫منه أو مثله أو لم يجد ‪ ،‬دون حصول إثم عليه لمصلحة أو غيرها وهو رأي الحنفيّة وأحد‬
‫رأيي الحنابلة ‪ ،‬واحتجّوا لذلك بأنّ الخلفاء الرّاشدين كانوا يعزلون قضاتهم ‪ ،‬ولول أنّ ذلك‬
‫من حقّهم لما فعلوه ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬يمكن للمام عزل القاضي لسبب من السباب التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حصول خلل منه ولو بغالب الظّنّ ‪ ،‬ومن ذلك كثرة الشّكاوى عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن ل يحصل منه خلل ‪ ،‬ولكن هناك من هو أفضل منه تحصيلً لتلك المزيّة للمسلمين‬
‫‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يحصل منّة خلل وليس هناك أفضل منه بل مثله أو دونه ‪ ،‬ولكن في عزله‬
‫مصلحة للمسلمين ‪ ،‬كتسكين فتنة ‪.‬‬
‫أمّا إن عزله دون حصول هذه السباب فإنّه آثم ‪ ،‬وهل ينفذ عزله أم ل ؟ وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه ينفذ ‪ ،‬وهو الصحّ ‪ ،‬وبه قطع إمام الحرمين ‪ ،‬وعلّل ذلك بأنّه مراعاةً لمر‬
‫المام إلّ إذا لم يوجد هناك من يصلح للقضاء غيره ‪ ،‬فعندئذ ل ينفذ ‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ :‬عدم النّفاذ وذلك لعدم الخلل وعدم المصلحة ‪.‬‬
‫وهذا هو الرّأي عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقال به المالكيّة إلّ أنّهم قالوا ‪ :‬يجب عزله إن تحقّقت‬
‫المفسدة في بقائه ويستحبّ إن خشي مفسدته ‪.‬‬
‫الرّأي الثّالث ‪ :‬عدم جواز عزله مطلقا ‪ ،‬وهو الرّأي الثّاني للحنابلة ‪.‬‬
‫وعلّلوا ذلك بأنّ تولية القضاء له أمر تعود مصلحته للمسلمين ‪ ،‬فلم يملك المام عزله كما‬
‫لو عقد النّكاح على مولّيته لم يكن له فسخه ‪.‬‬

‫استيلء الباغي على السّلطة هل يؤدّي إلى عزل القضاة ؟‬

‫‪8‬‬

‫ن القضاة ل ينعزلون بمجرّد استيلء الباغي ‪ ،‬إ ّل أنّه لو عزلهم‬
‫– صرّح الحنفيّة بأ ّ‬

‫انعزلوا ول تنفذ أحكامهم ‪.‬‬
‫وإذا انهزم الباغي وعاد السّلطان العدل للحكم فل بدّ من تقليدهم ثانيا لمنصب القضاء ‪.‬‬

‫تعليق عزل القاضي على شرط ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬يصحّ تعليق عزل القاضي على شرط ‪ ،‬فإذا وقع الشّرط انعزل قياسا على‬

‫تعليق تقليده ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إذا كتب المام للقاضي كتابا يتضمّن تعليق عزله على قراءته للكتاب ‪،‬‬
‫كأن قال له ‪ :‬إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول ‪ ،‬فقرأه أو طالعه ففهم ما فيه ‪ ،‬انعزل لوجود‬
‫الصّفة ‪ ،‬قولً واحدا عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن القصد إعلمه بالعزل ل قراءته بنفسه ‪.‬‬
‫ح أنّه ينعزل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن قرئ عليه ‪ ،‬فالص ّ‬
‫ومقابل الصحّ عندهم ‪ :‬أنّه ل ينعزل نظرا لصورة اللّفظ ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بعث جيشا‬
‫واستدلّوا على جواز تعليق التّقليد بما روي أ ّ‬
‫وأمّر عليهم زيد بن حارثة رضي ال عنه ثمّ قال ‪ » :‬إن قتل زيد فجعفر ‪ ،‬وإن قتل جعفر‬
‫فعبد اللّه بن رواحة « ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬عزل القاضي لفقدان شرط من شروط صلحيّته للقضاء ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬للقاضي شروط ينبغي أن تتحقّق في الشّخص المزمع تعيينه في منصب القضاء ‪ ،‬فإذا‬

‫فقد شرط من هذه الشّروط ففي عزل القاضي التّفصيل التي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الجنون ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬الجنون إمّا أن يكون مطبقا أو متقطّعا ‪ ،‬فإن كان مطبقا فقد أجمع الفقهاء على انعزال‬

‫القاضي ‪.‬‬
‫ولكن اختلفوا في تحديد قدر المدّة لستمراره حتّى يكون مطبقا ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جنون ف ‪. ) 8‬‬
‫أمّا المتقطّع ‪ :‬فقد نصّ الشّافعيّة على أنّه ينعزل بالجنون وإن قلّ الزّمن ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الغماء ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬للفقهاء في عزل القاضي بالغماء رأيان ‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬أنّه ينعزل القاضي به ‪ -‬وإن قلّ الزّمن ‪ -‬وهو ما صرّح به الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ :‬عدم عزله ‪ ،‬وهو المفهوم من نصوص الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الرّدّة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬الرّدّة من السباب الموجبة لعزل القاضي عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬لنّهم اشترطوا لصحّة‬

‫تولّيه القضاء السلم ‪ ،‬فإذا ارت ّد القاضي فقد شرطا من شروط التّولية ووجب عزله‪ ،‬لنّه‬
‫ن سَبِيلً }‬
‫ل ولية لكافر على مسلم لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َيجْ َعلَ الّل ُه لِ ْلكَا ِفرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫ول سبيل أعظم من القضاء ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فلهم في المسألة روايتان ‪:‬‬
‫ن ما قضى به في حال الرّدّة باطل ‪.‬‬
‫إحداهما ‪ :‬عدم عزل القاضي بالرّدّة إلّ أ ّ‬
‫الثّانية ‪ :‬ينعزل بالرّدّة ‪ ،‬كما نقل ابن عابدين عن البزّازيّة من أنّ أربع خصال إذا حلّت‬
‫بالقاضي انعزل ‪ :‬فوات السّمع أو البصر أو العقل أو الدّين ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الفسق ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬اختلف العلماء في عزل القاضي بسبب الفسق إلى رأيين ‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬اعتباره سببا من أسباب عزله ‪ ،‬وهو رأي جمهور الفقهاء ‪ ،‬إذ قال به كلّ من‬
‫اشترط في القاضي العدالة كالحنابلة والمالكيّة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وظاهر المذهب‬
‫عند الحنفيّة وأفتى به ابن الكمال وابن ملك ‪ ،‬وذلك لنّ العدالة شرط في الشّاهد الّذي يشهد‬
‫في قضيّة منفردة ‪ ،‬فاشتراطها فيمن يتولّى القضاء في كلّ قضيّة من باب أولى ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬عدم اعتبار الفسق سببا للعزل ‪ ،‬وهو مقابل ما سبق من رأيي الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬

‫هـ – الرّشوة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫– أخذ الرّشوة حرام بإجماع الفقهاء ‪.‬‬

‫أمّا كونها سببا لعزل القاضي أو عدم عزله ففي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬رشوة‬
‫‪،‬‬

‫ف‬

‫‪18‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬المرض المؤقّت ‪ -‬وهو ما يرجى زواله ‪ -‬ل ينعزل به القاضي ‪ ،‬أمّا الدّائم ‪ -‬وهو ما‬

‫‪19‬‬

‫)‪.‬‬

‫و ‪ -‬المرض المانع من مزاولة القضاء ‪:‬‬

‫ل يرجى زواله ‪ -‬فالشّافعيّة قالوا ‪ :‬إن كان يعجزه عن النّهضة والحكم ينعزل به ‪ ،‬وإن‬
‫عجز عن النّهضة دون الحكم لم ينعزل ‪ ،‬والحنابلة قالوا ‪ :‬ينعزل به القاضي عن القضاء ‪،‬‬
‫ويجب على المام عزله دون تفصيل ‪.‬‬

‫ز ‪ -‬العمى ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫ن العمى ل يعرف‬
‫‪ -‬إذا عيّن القاضي وهو بصير ثمّ عمي فالفقهاء يرون انعزاله ‪ ،‬ل ّ‬

‫ن الشّاهد‬
‫المدّعي من المدّعى عليه ‪ ،‬والمق ّر من المق ّر له ‪ ،‬والشّاهد من المشهود له ‪ ،‬ول ّ‬
‫ل ب ّد من كونه بصيرا ‪ ،‬مع أنّه يشهد في أشياء يسيرة يحتاج فيها إلى البصر وربّما أحاط‬

‫بحقيقة علمها ‪ ،‬والقاضي وليته عامّة ‪ ،‬ويحكم في قضايا النّاس عا ّمةً ‪ ،‬فإذا لم تقبل من‬
‫العمى الشّهادة فالقضاء من باب أولى ‪.‬‬

‫ح ‪ -‬الصّمم ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫ن القاضي الصمّ ل يسمع قول الخصمين ول‬
‫‪ -‬وفي الصّمم يجري ما ورد في العمى ‪ ،‬ل ّ‬

‫إفادة الشّهود ‪ ،‬والصحّ عند الحنفيّة ‪ :‬أنّ الطرش ‪ -‬وهو من يسمع الصّوت القويّ ‪-‬‬
‫يصحّ قضاؤه ‪.‬‬

‫ط ‪ -‬البكم ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬إذا طرأ على القاضي الخرس استلزم عزله ‪ ،‬كما سبق في العمى سواء أفهمت‬

‫ن فيه مش ّقةً للخصوم والشّهود ‪ ،‬لتعسّر فهم ما يريده منهم ‪ ،‬ولنّ‬
‫إشارته أم لم تفهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫إشارته ل يفهمها أكثر النّاس ‪.‬‬

‫ى ‪ -‬كثرة شكاوى المترافعين عليه ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬إذا كثرت الشّكوى ضدّ قاض من القضاة ‪ ،‬فقال المالكيّة ‪ :‬إن اشتهر بالعدالة ‪ ،‬قال‬

‫ن في عزله إفسادا للنّاس‬
‫مطرّف ‪ :‬ل يجب على المام عزله ‪ ،‬وإن وجد عوضا منه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ي أن يعزله وإن كان مشهورا بالعدالة والرّضا إذا وجد‬
‫على قضاتهم ‪ ،‬وقال أصبغ ‪ :‬أحبّ إل ّ‬
‫منه بد ًل ‪ ،‬لنّ في ذلك إصلحا للنّاس ‪ ،‬يعني لما ظهر من استيلء القضاة وقهرهم ‪ ،‬ففي‬
‫ذلك كفّ لهم ‪ ،‬وإن كان غير مشهور بالعدالة فليعزله إذا وجد بدلً منه ‪ ،‬وتضافر عليه‬
‫الشّكيّة ‪ ،‬وإن لم يجد بد ًل منه كشف عن حاله وصحّة الشّكاوى عليه بواسطة رجال ثقات‬
‫يستفسرون عن ذلك من أهل بلده ‪ ،‬فإن صدّقوا ذلك عزله وإن قال أهل بلده ‪ :‬ما نعلم منه‬
‫إلّ خيرا أبقاه ونظر في أحكامه الصّادرة ‪ ،‬فما وافق السّنّة أمضاه ‪ ،‬وما خالف ردّه ‪ ،‬وأوّل‬
‫ذلك خطأً ل جورا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز للمام عزله لذلك لكن قال العزّ بن عبد السّلم ‪ :‬يجب عزله ‪.‬‬

‫القرار بعزل القاضي ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬إذا فقد القاضي شرطا من شروط الصّلحية للقضاء ‪ ،‬أو طرأ سبب من السباب‬

‫الموجبة أو المبرّرة لعزله ‪ ،‬ففي عزله بذلك أو انعزاله التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا حصلت بالقاضي واحدة من أربع خصال صار معزولً ‪ :‬ذهاب‬
‫البصر ‪ ،‬وذهاب السّمع ‪ ،‬وذهاب العقل ‪ ،‬والرّدّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لو كان عدلً ففسق بأخذ الرّشوة‬
‫أو بغيره استحقّ العزل ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬هذا ظاهر المذهب ‪ ...‬ومعناه ‪ :‬أنّه يجب على‬
‫السّلطان عزلـه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إذا ولّى عدلً ث ّم فسق انعزل ‪ ،‬لنّ عدالته مشروطة معنىً ‪ ،‬لنّ‬

‫مولّيه اعتمدها فيزول بزواله ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن البحر أنّ الفتوى ‪ :‬أنّه ل ينعزل بالرّدّة‬
‫أيضا فإنّ الكفر ل ينافي ابتداء القضاء في إحدى الرّوايتين ‪.‬‬
‫واختلف المالكيّة هل ينعزل القاضي بفسقه أو حتّى يعزله المام ؟‬
‫قال المازريّ ‪ :‬ظاهر المذهب على قولين ‪ ،‬وأشار إلى ترجيح عدم عزله ‪ ،‬وهو قول‬
‫أصبغ ‪ ،‬ومذهب ابن القصّار ‪ :‬أنّه إذا ظهر عليه الفسق بعد وليته انفسخ عقد وليته ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا فقد القاضي شرطا من شروط أهليّته للقضاء كأن جنّ أو عمي أو‬
‫خرس انعزل بذلك ولم ينفذ حكمه ‪ ،‬وإذا عزل المام القاضي بنحو كثرة الشّكوى مثلً‬
‫فالمذهب أنّه ل ينعزل قبل أن يبلغه خبر العزل لعظم الضّرر في نقض أقضيته ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ما يمنع تولية القضاء ابتدا ًء يمنعها دواما إذا طرأ ذلك عليه لفسق أو زوال‬
‫عقل ‪ ،‬فينعزل بذلك ‪ ،‬لنّ وجود العقل والعدالة ونحوها شرط في صحّة الولية ‪ ،‬فتبطل‬
‫بزواله لفقد شرطها ‪ ،‬إلّ فقد السّمع والبصر فيما ثبت عنده ‪ -‬أي القاضي ‪ -‬في حال سمعه‬
‫وبصره فلم يحكم به حتّى عمي أو طرش ‪ ،‬فإنّ ولية حكمه باقية فيه ‪ ،‬ولو مرض مرضا‬
‫يمنع القضاء تعيّن عزله ‪ ،‬وقال الموفّق والشّارح ‪ :‬ينعزل بذلك ويتعيّن على المام عزله ‪.‬‬

‫زوال أسباب عزل القاضي ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّه إذا طرأ على القاضي سبب من أسباب انعزاله ‪ ،‬ث ّم زال هذا‬

‫السّبب وعادت إلى القاضي أهليّته للقضاء لم تعد وليته بل تولية في الصحّ كالوكالة ‪،‬‬
‫صحّة بنفسه وإن زال المانع كالبيع ونحوه ‪.‬‬
‫ولنّ الشّيء إذا بطل لم ينقلب إلى ال ّ‬
‫ومقابل الصحّ ‪ :‬أنّ الولية تعود من غير استئناف تولية ‪ ،‬كالب إذا جنّ ‪ ،‬ث ّم أفاق أو فسق‬
‫ثمّ تاب ‪.‬‬

‫علم القاضي بالعزل ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬والمالكيّة في ظاهر المذهب وهو المذهب عند الشّافعيّة‬

‫إلى أنّ أمر العزل ل يعتبر نافذا بمجرّد العزل ‪ ،‬بل ل بدّ من علم القاضي بذلك ‪ ،‬وذلك‬
‫ق من لم يبلغه ‪ ،‬فلو أصدر حكما‬
‫ن نسخ الحكم ل يثبت في ح ّ‬
‫لضرورة النّاس إلى ذلك ‪ ،‬ول ّ‬
‫بعد عزلـه وقبل بلوغه خبر العزل نفذ حكمه ‪ ،‬إذ في نقض أقضيته في هذه الفترة عظيم‬
‫ضرر على النّاس ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬لو كتب إليه ‪ :‬عزلتك ‪ ،‬أو أنت معزول ‪ ،‬من غير تعليق على‬
‫القراءة ‪ ،‬لم ينعزل ما لم يأته الكتاب ‪.‬‬

‫الثار القضائيّة الحاصلة بعد عزله ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬في الثار القضائيّة المترتّبة على عزله ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ) ‪.‬‬

‫عزل خليفة القاضي ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫ن من يستخلفه القاضي ل ينعزل بموته أو‬
‫‪ -‬إن أذن المام للقاضي بالستخلف فإ ّ‬

‫انعزاله ‪ ،‬ول بإصدار أمر من القاضي بعزله ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة ما لو فوّض له العزل فإنّه يملك عزله ‪.‬‬
‫وعلّل ذلك بأنّ توليته تعتبر من قبل السّلطان نفسه ‪ ،‬ول يملك القاضي عزله وإن استخلفه‬
‫بغير إذن من المام ففي ذلك تفصيل وخلف ينظر في ‪ ( :‬استخلف ‪ ،‬وقضاء ) ‪.‬‬

‫عزل الحكم أو المحكّم ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫‪ -‬من وله خصمان ليكون محكّما بينهما ‪ ،‬ينعزل بأمور سبق بيانها في مصطلح ‪:‬‬

‫( تحكيم فقرة‬

‫‪41‬‬

‫)‪.‬‬

‫عزل الوكيل ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬عقد الوكالة من العقود الجائزة ‪ -‬أي غير الملزمة ‪ -‬ليّ من الموكّل والوكيل ‪ ،‬إذ‬

‫الثّاني متبرّع ‪ ،‬والوّل قد ل يستسيغ تصرّف وكيله فيمكنه الستغناء عنه ‪ ،‬وبناءً على هذا‬
‫ن عزل الوكيل عن الوكالة قد يقع من الوكيل نفسه ‪ ،‬وقد يقع من موكّله ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫وانظر تفصيل ذلك وغيره في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫عزل الوصيّ ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬يكون عزل الوصيّ بعزله نفسه عن الوصاية أو بعزله من قبل الموصي ‪ ،‬أو بحدوث‬

‫خلل في شروط صحّة اليصاء إليه أو غير ذلك ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إيصاء فقرة‬

‫‪18‬‬

‫ووصيّة ) ‪.‬‬

‫عزل المضارب ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫ب مال والخر عامل‬
‫‪ -‬المضاربة ‪ :‬عقد من العقود الجائزة تجري بين اثنين ‪ :‬أحدهما ر ّ‬

‫والمضارب هو العامل منهما ‪ ،‬وعزله يتحقّق بسبب من السباب الموجبة لنهاء المضاربة‬
‫‪ .‬وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬مضاربة ) ‪.‬‬

‫عزل الكفيل ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫‪ -‬الكفيل هو من يضمّ ذمّته إلى ذمّة الصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين ‪،‬‬

‫ويترتّب عليه حقّ المكفول له في مطالبة الكفيل ‪ ،‬فل ب ّد من اشتراط كون الكفيل من أهل‬
‫التّبرّع ابتداءً وانتهاءً ‪.‬‬
‫وينتهي هذا الحقّ بأمور ينظر تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬كفالة ) ‪.‬‬

‫عزل ناظر الوقف ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫‪ -‬ناظر الوقف إمّا أن يكون أصليّا أو فرعيّا ‪.‬‬

‫ن عزله يكون بأحد أمور ثلثة ‪:‬‬
‫فإن كان أصليّا فإ ّ‬
‫أ ‪ -‬بعزله نفسه عن ولية الوقف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بموته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بفقد شرط من الشّروط الّتي يجب تحقّقها فيه ‪ ،‬وهي ‪ :‬العقل ‪ ،‬والبلوغ ‪ ،‬والعدالة ‪،‬‬
‫والكفاءة ‪ ،‬والسلم ‪.‬‬
‫وإن كان فرعيّا ففي عزله خلف ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫عزل المريض عن الصحّاء ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في عزل المرضى عن الصحّاء خشية العدوى وانتقال المرض أو عدم‬

‫عزلهم ‪ ،‬فقال بعضهم بوجوب العزل ‪ ،‬وبعضهم بعدمه ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في‬
‫مصطلحي ‪ ( :‬عدوى ومرض ) ‪.‬‬

‫العزل عن الزّوجة والمة ‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫‪ -‬العزل عن الزّوجة والمة هو أن يجامع الرّجل حليلته ‪ ،‬فإذا قارب النزال نزع وأنزل‬

‫خارج الفرج ‪ ،‬وسبب ذلك ‪ :‬إمّا العزوف عن علوق المرأة وتكوين حمل في رحمها ‪ ،‬وإمّا‬
‫أسباب صحّيّة تعود إلى المرأة أو إلى الجنين أو إلى الطّفل الرّضيع ‪.‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬العزل عن المة المملوكة ‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز عزل السّيّد عن أمته مطلقا سواء أذنت بذلك أو لم‬

‫تأذن ‪ ،‬لنّ الوطء حقّه ل غير ‪ ،‬وكذا إنجاب الولد وليس ذلك حقّا لها ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العزل عن الزّوجة الحرّة ‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيها على رأيين ‪:‬‬

‫ن تركه أفضل وهو الرّاجح عند‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬الباحة مطلقا أذنت الزّوجة أو لم تأذن ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وذلك لنّ حقّها الستمتاع دون النزال ‪ ،‬إ ّل أنّه يستحبّ استئذانها ‪.‬‬
‫ي وابن‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬الباحة بشرط إذنها ‪ ،‬فإن كان لغير حاجة كره ‪ ،‬وهو قول عمر وعل ّ‬
‫عمر وابن مسعود ومالك ‪ ،‬وهو الرّأي الثّاني للشّافعيّة ‪ ،‬وبه قال الحنفيّة ‪ ،‬إلّ أنّهم استثنوا‬
‫ما إذا فسد الزّمان فأباحوه دون إذنها ‪.‬‬
‫واستدلّ القائلون بالباحة المطلقة بما روي عن جابر رضي ال عنه قال ‪ » :‬كنّا نعزل على‬
‫عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والقرآن ينزل « وفي رواية مسلم ‪ » :‬كنّا نعزل على‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فلم ينهنا «‬
‫عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فبلغ ذلك النّب ّ‬

‫واستدلّ القائلون بالباحة بشرط الستئذان بما روى المام أحمد في مسنده ‪ ،‬وابن ماجه‬
‫عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن‬
‫يعزل عن الحرّة إلّ بإذنها « ‪.‬‬
‫وأخرج عبد ال ّرزّاق والبيهقيّ عن ابن عبّاس قال ‪ » :‬نهى عن عزل الحرّة إلّ بإذنها « ‪.‬‬
‫وأمّا أدلّة الكراهة ‪ :‬إن كان العزل بدون عذر ‪ ،‬فلنّه وسيلة لتقليل النّسل ‪ ،‬وقطع اللّذّة عن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على تعاطي أسباب الولد فقال ‪ » :‬تناكحوا‬
‫الموطوءة إذ قد حثّ النّب ّ‬
‫تكثروا « ‪.‬‬
‫وقال ‪ » :‬تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم المم « ‪.‬‬
‫والعذر في العزل يتحقّق في المور التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كانت الموطوءة في دار الحرب وتخشى على الولد الكفر ‪.‬‬
‫ق على ولده ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كانت أمةً ويخشى الرّ ّ‬
‫ج ‪ -‬إذا كانت المرأة يمرضها الحمل أو يزيد في مرضها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إذا خشي على الرّضيع من الضّعف ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬إذا فسد الزّمان وخشي فساد ذرّيّته ‪.‬‬

‫عزْلَة *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العُزلة ‪ -‬بالضّ مّ ‪ -‬في اللّغة ‪ :‬اسم من العتزال ‪ ،‬وهو تجنّب الشّيء بالبدن كان ذلك‬

‫أو بالقلب ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الخروج عن مخالطة الخلق بالنزواء والنقطاع ‪.‬‬
‫الخلوة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الخلوة ‪ :‬انفراد النسان بنفسه ‪.‬‬

‫قال السّهرورديّ ‪ :‬الخلوة غير العزلة ‪ ،‬فالخلوة من الغيار ‪ ،‬والعزلة من النّفس وما تدعو‬
‫إليه وما يشغل عن اللّه ‪ ،‬فالخلوة كثيرة الوجود ‪ ،‬والعزلة قليلة الوجود ‪.‬‬

‫حكم العزلة ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬ذهب العلماء إلى أنّ أفضليّة العزلة عند ظهور الفتن وفساد النّاس ‪ ،‬إلّ أن يكون‬

‫النسان له قدرة على إزالة الفتنة ‪ ،‬فإنّه يجب عليه السّعي في إزالتها بحسب الحال‬
‫والمكان ‪ ،‬وأمّا في غير أيّام الفتنة فقد اختلف العلماء في المفاضلة بين العزلة والختلط ‪:‬‬

‫قال النّوويّ ‪ :‬اعلم أنّ الختلط بالنّاس على الوجه الّذي ذكرته ‪ -‬أي من شهود خيرهم‬
‫دون شرّهم ‪ ،‬وسلمتهم من شرّه ‪ -‬هو المختار الّذي كان عليه رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وسائر النبياء صلوات اللّه وسلمه عليهم ‪ ،‬وكذلك الخلفاء الرّاشدون ومن بعدهم‬
‫من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم ‪ ،‬وهو مذهب أكثر‬
‫التّابعين ومن بعدهم ‪ ،‬وبه قال الشّافعيّ وأحمد وأكثر الفقهاء رضي ال عنهم أجمعين ‪.‬‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى أمر بالجتماع ‪ ،‬وحضّ عليه ‪،‬‬
‫واحتجّ القائلون بأفضليّة المخالطة ‪ :‬بأ ّ‬
‫جمِيعا‬
‫صمُواْ ِبحَ ْبلِ الّل ِه َ‬
‫ونهى عن الفتراق وحذّر منه ‪ ،‬فقال تعالى ذكره ‪ { :‬وَاعْتَ ِ‬
‫ف بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ فَأَصْ َبحْتُم بِ ِن ْعمَ ِتهِ‬
‫َولَ َتفَرّقُواْ وَا ْذكُرُواْ ِن ْعمَتَ الّل ِه عَلَ ْي ُكمْ إِذْ كُن ُتمْ أَعْدَاء فَأَلّ َ‬
‫ِإخْوَانا } ‪.‬‬
‫وأعظم المنّة على المسلمين في جمع الكلمة وتأليف القلوب منهم فقال ع ّز وجلّ ‪َ { :‬وأَلّفَ‬
‫جمِيعا مّا أَّلفَتْ بَ ْينَ ُقلُو ِبهِمْ وَلَـكِنّ الّل َه أَلّفَ بَيْ َن ُهمْ } ‪.‬‬
‫ض َ‬
‫بَيْنَ قُلُو ِب ِهمْ َلوْ أَن َفقْتَ مَا فِي الَرْ ِ‬
‫ن َتفَرّقُواْ وَاخْتَ َلفُواْ مِن َبعْدِ مَا جَاء ُه ُم الْبَيّنَاتُ }‬
‫وقال سبحانه وتعالى ‪َ { :‬و َل َتكُونُواْ كَالّذِي َ‬
‫واحتجّوا بأحاديث نبويّة منها ‪ :‬قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬المؤمن الّذي يخالط‬
‫النّاس ويصبر على أذاهم ‪ ،‬خير من المؤمن الّذي ل يخالطهم ول يصبر على أذاهم « ‪.‬‬
‫ن المخالطة فيها اكتساب الفوائد ‪ ،‬وشهود شعائر السلم ‪ ،‬وتكثير سواد‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫المسلمين ‪ ،‬وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة المرضى ‪ ،‬وتشييع الجنائز ‪ ،‬وإفشاء السّلم ‪،‬‬
‫والمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪ ،‬والتّعاون على الب ّر والتّقوى ‪ ،‬وإعانة المحتاج ‪،‬‬
‫وحضور جماعاتهم ‪ ،‬وغير ذلك ممّا يقدر عليه كلّ أحد ‪.‬‬
‫ونقل ابن حجر والعينيّ عن قوم ‪ :‬تفضيل العزلة ‪ ،‬لما فيها من السّلمة المحقّقة ‪ ،‬لكن‬
‫يشترط أن يكون عارفا بوظائف العبادة الّتي تلزمه وما يكلّف به ‪ ،‬قال الكرمانيّ ‪ :‬المختار‬
‫في عصرنا تفضيل النعزال لندرة خلوّ المحافل عن المعاصي ‪.‬‬
‫ن مِن‬
‫واحتجّوا بقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه الصلة والسلم ‪َ { :‬وأَعْتَ ِزُلكُمْ َومَا تَدْعُو َ‬
‫ن مِن دُونِ‬
‫شقِيّا ‪ ،‬فَ َلمّا اعْتَزَ َل ُهمْ َومَا َيعْبُدُو َ‬
‫ن بِدُعَاء رَبّي َ‬
‫عسَى أَل َأكُو َ‬
‫دُونِ الّل ِه َوأَدْعُو رَبّي َ‬
‫جعَلْنَا نَبِيّا } ‪.‬‬
‫ل َ‬
‫ب وَكُ ً‬
‫سحَاقَ وَ َي ْعقُو َ‬
‫الّلهِ وَهَبْنَا َل ُه ِإ ْ‬
‫ي رضي ال عنه لمّا قال ‪ :‬يا رسول اللّه ما النّجاة ؟ قال ‪:‬‬
‫وبحديث عقبة بن عامر الجهن ّ‬
‫» أمسك عليك لسانك ‪ ،‬وليسعك بيتك ‪ ،‬وابك على خطيئتك « ‪.‬‬
‫وذهب بعض العلماء إلى أنّ حكم العزلة والمخالطة يختلف باختلف الشخاص ‪ ،‬فمنهم من‬
‫يتحتّم عليه أحد المرين ‪ ،‬ومنهم من يترجّح في حقّه أحدهما ‪.‬‬

‫ي ‪ :‬أنّ العزلة والختلط يختلفان باختلف متعلّقاتهما ‪ ،‬فتحمل‬
‫ونقل ابن حجر عن الخطّاب ّ‬
‫ض على الجتماع على ما يتعلّق بطاعة الئمّة وأمور الدّين ‪،‬‬
‫الدلّة الواردة في الح ّ‬
‫وعكسها في عكسه ‪ ،‬وأمّا الجتماع والفتراق بالبدان ‪ ،‬فمن عرف الكتفاء بنفسه في حقّ‬
‫معاشه ومحافظة دينه ‪ ،‬فالولى له النكفاف عن مخالطة النّاس بشرط أن يحافظ على‬
‫الجماعة والسّلم والرّ ّد وحقوق المسلمين من العيادة وشهود الجنازة ونحو ذلك ‪،‬‬
‫والمطلوب إنّما هو ترك فضول الصّحبة ‪ ،‬لما في ذلك من شغل البال وتضييع الوقت عن‬
‫المهمّات ويجعل الجتماع بمنزلة الحتياج إلى الغداء والعشاء ‪ ،‬فيقتصر منه على ما ل بدّ‬
‫له منه فهو روح البدن والقلب ‪.‬‬
‫قال الغزاليّ ‪ :‬إن وجدت جليسا يذكّرك اللّه رؤيته وسيرته فالزمه ول تفارقه ‪ ،‬واغتنمه ول‬
‫تستحقره ‪ ،‬فإنّها غنيمة المؤمن وضالّة المؤمن ‪ ،‬وتحقّق أنّ الجليس الصّالح خير من‬
‫الوحدة ‪ ،‬وأنّ الوحدة خير من الجليس السّوء ‪.‬‬

‫آداب العزلة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ينبغي للعبد ‪ -‬إذا آثر العزلة ‪ -‬أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلمة النّاس من شرّه ‪،‬‬

‫ول يقصد سلمته من شرّ الخلق ‪ ،‬فإنّ الوّل نتيجة استصغار نفسه ‪ ،‬والثّاني شهود مزيّته‬
‫على الخلق ‪ ،‬ومن استصغر نفسه فهو متواضع ومن رأى لنفسه مز ّيةً على أحد فهو‬
‫متكبّر ‪ ،‬وأن يكون خاليا من جميع الذكار إلّ ذكر ربّه ‪ ،‬خاليا من جميع الرادات إلّ رضا‬
‫ن خلوته‬
‫ربّه ‪ ،‬وخاليا من مطالبة النّفس من جميع السباب ‪ ،‬فإن لم يكن بهذه الصّفة فإ ّ‬
‫ن العزلة الحقيقيّة هي اعتزال‬
‫توقعه في فتنة أو بليّة ‪ ،‬وأن يترك الخصال المذمومة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الخصال المذمومة ‪ ،‬فالتّأثير لتبديل الصّفات ل للتّنائي عن الوطان ‪ ،‬وأن يأكل الحلل ‪،‬‬
‫ويقنع باليسير من المعيشة ‪ ،‬ويصبر على ما يلقاه من أذى الجيران ‪ ،‬ويسدّ سمعه عن‬
‫الصغاء إلى ما يقال فيه من ثناء عليه بالعزلة ‪.‬‬
‫وليكن له أهل صالحة ‪ ،‬أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه في اليوم ساع ًة من كدّ‬
‫المواظبة ‪ ،‬ففيه عون على بقيّة السّاعات ‪.‬‬
‫وليكن كثير الذّكر للموت ووحدة القبر ‪.‬‬
‫وليلزم القصد في حالتي العزلة والخلطة ‪ ،‬لنّ الغراق في كلّ شيء مذموم وخير المور‬
‫أوسطها ‪ ،‬والحسنة بين السّيّئتين ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬والطّريقة المثلى في هذا الباب ألّ تمتنع من حقّ يلزمك للنّاس وإن لم‬
‫قال الخطّاب ّ‬
‫ن من اشتغل بما‬
‫يطالبوك به ‪ ،‬وألّ تنهمك لهم في باطل ل يجب عليك وإن دعوك إليه ‪ ،‬فإ ّ‬

‫ل يعنيه فاته ما يعنيه ‪ ،‬ومن انحلّ في الباطل جمد عن الحقّ ‪ ،‬فكن مع النّاس في الخير ‪،‬‬
‫خ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل ‪.‬‬
‫وكن بمعزل عنهم في الشّرّ ‪ ،‬وتو ّ‬

‫كيفيّة العتزال ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬العتزال عن النّاس يكون مرّ ًة في الجبال والشّعاب ‪ ،‬ومرّةً في السّواحل والرّباط ‪،‬‬

‫ومرّةً في البيوت ‪ ،‬وقد جاء في الخبر ‪ » :‬إذا كانت الفتنة فأخف مكانك ‪ ،‬وكفّ لسانك «‬
‫ولم يخصّ موضعا من موضع ‪.‬‬
‫وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة ‪ ،‬اعتزال الشّرّ وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين‬
‫أظهرهم ‪.‬‬
‫قال ابن المبارك في تفسير العزلة ‪ :‬أن تكون مع القوم ‪ ،‬فإذا خاضوا في ذكر اللّه فخض‬
‫معهم ‪ ،‬وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت ‪.‬‬
‫ب رجل تكون له قوّة على سكنى‬
‫ي ‪ :‬أحوال النّاس في هذا الباب تختلف فر ّ‬
‫وقال القرطب ّ‬
‫الكهوف والغيران في الجبال ‪ ،‬وهي أرفع الحوال ‪ ،‬لنّها الحالة الّتي اختارها اللّه لنبيّه‬
‫صلى ال عليه وسلم في بداية أمره ونصّ عليها في كتابه مخبرا عن الفتية فقال ‪َ { :‬وإِذِ‬
‫اعْتَزَلْ ُتمُو ُهمْ َومَا َيعْبُدُونَ إِل الّلهَ فَ ْأوُوا إِلَى الْ َكهْفِ } ‪.‬‬
‫ب رجل تكون العزلة له في بيته أخفّ عليه وأسهل ‪ ،‬وقد اعتزل رجال من أهل بدر‬
‫ور ّ‬
‫فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان ‪ ،‬فلم يخرجوا إلّ إلى قبورهم ‪ ،‬وربّ رجل متوسّط بينهما‬
‫فيكون له من القوّة ما يصبر بها على مخالطة النّاس وأذاهم ‪ ،‬فهو معهم في الظّاهر‬
‫ومخالف لهم في الباطن ‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫‪ -‬قد يكون للعزلة فوائد منها ‪:‬‬

‫فوائد العزلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬التّفرّغ للعبادة والفكر والستئناس بمناجاة اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّخلّص بالعزلة من المعاصي الّتي يتعرّض النسان لها غالبا بالمخالطة ‪ ،‬ويسلم منها‬
‫في الخلوة ‪ ،‬وهي أربعة ‪ :‬الغيبة ‪ ،‬والنّميمة ‪ ،‬والرّياء ‪ ،‬والسّكوت عن المر بالمعروف‬
‫والنّهي عن المنكر ‪ ،‬ومسارقة الطّبع من الخلق الرّديئة ‪ ،‬والعمال الخبيثة الّتي يوجبها‬
‫الحرص على الدّنيا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخلص من الفتن والخصومات ‪ ،‬وصيانة الدّين والنّفس عن الخوض فيها والتّعرّض‬
‫لخطارها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخلص من ش ّر النّاس ‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬السّلمة من آفات النّظر إلى زينة الدّنيا وزهرتها والستحسان لما ذمّه اللّه تعالى‬
‫من زخرفها وعابه من زبرج غرورها ‪.‬‬
‫و ‪ -‬السّلمة من التّبذّل لعوامّ النّاس وحواشيهم والتّصوّن عن ذلّة المتهان منهم‬

‫آفات العزلة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫ي ‪ :‬اعلم أنّ من المقاصد الدّينيّة والدّنيويّة ما يستفاد بالستعانة بالغير ول‬
‫‪ -‬قال الغزال ّ‬

‫يحصل ذلك إلّ بالمخالطة ‪ ،‬فكلّ ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة وفواته من آفات‬
‫العزلة ‪.‬‬

‫عزْم *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العزم في اللّغة مصدر ‪ ،‬يقال ‪ :‬عزم على الشّيء ‪ ،‬وعزمه عزما ‪ :‬عقد ضميره على‬

‫فعله ‪ ،‬وعزم عزيمةً وعزم ًة ‪ :‬اجتهد وجدّ في أمره ‪.‬‬
‫ويأتي بمعنى الصّبر والمواظبة على التزام المر ‪ ،‬كما فسّره ابن عبّاس رضي ال عنهما‬
‫عند قوله تعالى ‪ { :‬وَ َلمْ َنجِ ْد َلهُ عَزْما } وفسّره اللوسيّ بأنّه ‪ :‬تصميم رأي وثبات قدم في‬
‫المور ‪.‬‬
‫ن العزم هو ‪:‬‬
‫أمّا في الصطلح فل يخرج معناه عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬قال ابن حجر ‪ :‬إ ّ‬
‫الميل إلى الشّيء والتّصميم على فعله ‪ ،‬وقال التّهانويّ ‪ :‬العزم هو ‪ :‬جزم الرادة ‪ ،‬أي‬
‫الميل بعد التّردّد الحاصل من الدّواعي المختلفة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الرادة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الرادة في اللّغة ‪ :‬المشيئة ‪ ،‬ويستعملها الفقهاء بمعنى القصد إلى الشّيء والتّجاه‬

‫إليه ‪ ،‬أو هي ‪ :‬صفة توجب للحيّ حا ًل يقع منه الفعل على وجه دون وجه ‪.‬‬
‫فالرادة أعمّ من العزم ‪ ،‬حيث ل يشترط فيها التّصميم على فعل الشّيء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّيّة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬النّيّة في اللّغة ‪ :‬القصد ‪ ،‬ثمّ خصّت في غالب الستعمال بعزم القلب على أمر من‬

‫المور ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فهي أقرب لمعنى العزم ‪.‬‬
‫ن النّيّة ‪ :‬قصد الشّيء ‪ ،‬مقترنا بفعله ‪ ،‬فإن قصده وتراخى فهو‬
‫لكنّ الفقهاء فرّقوا بينهما بأ ّ‬
‫عزم ‪.‬‬

‫ي عن بعض الفقهاء أنّ النّيّة والعزم متّحدان معنىً ‪ ،‬ويؤيّد هذا ما ذكره بعض‬
‫ونقل التّهانو ّ‬
‫ن النّيّة عقد القلب على إيجاد الفعل جزما ‪ ،‬وهذا هو معنى العزم أيضا كما‬
‫الفقهاء من أ ّ‬
‫سبق ‪ ،‬وقال ابن عابدين ‪ :‬العزم والقصد والنّيّة اسم للرادة الحادثة ‪ ،‬لكنّ العزم هو المتقدّم‬
‫على الفعل ‪ ،‬والقصد المقترن به ‪ ،‬والنّيّة المقترنة بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنويّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهمّ ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬من معاني الهمّ ‪ :‬الرادة والقصد ‪ ،‬يقال ‪ :‬هممت بالشّيء همّا إذا أردته ولم تفعله ‪،‬‬

‫والهمّ أوّل العزم ‪ ،‬وقد يطلق على العزم أيضا ‪.‬‬
‫ويقول ابن حجر في شرح البخاريّ ‪ :‬إنّ الهمّ ترجيح قصد الفعل وهو أن يميل إلى الشّيء‬
‫ولكن ل يصمّم على فعله ‪ ،‬وفوقه العزم ‪ ،‬وهو ‪ :‬أن يميل إليه ويصمّم على فعله ‪ ،‬فالعزم‬
‫منتهى الهمّ ‪ ،‬والهمّ أوّل العزم ‪ ،‬والعزم فيه توطين النّفس على الفعل ‪ ،‬بخلف الهمّ ‪ ،‬كما‬
‫قال التّهانويّ ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬بحث الفقهاء والصوليّون مسائل العزم على الفعل أو التّرك في مسائل مختلفة منها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الثّواب أو العقاب على العزم ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫ن النسان ل يعاقب على ما توسوس به نفسه من المعاصي ما لم‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫يعملها أو يتكلّم بها ‪ ،‬فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّ اللّه تجاوز لي عن أمّتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل‬
‫أو تتكلّم « وفي رواية أخرى ‪ » :‬ما حدّثت به أنفسها « ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬المراد نفي الحرج عمّا يقع في النّفس حتّى يقع العمل بالجوارح ‪ ،‬أو القول‬
‫باللّسان على وفق ذلك ‪ ،‬والمراد بالوسوسة ‪ :‬تردّد الشّيء في النّفس من غير أن يطمئنّ‬
‫ن من ه ّم بسيّئة ولم يفعلها فل عقاب عليه ‪ ،‬بل تكتب‬
‫إليه ويستقرّ عنده كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫له حسنة إذا كان قد تركها قادرا عليها ‪ ،‬وذلك لحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ ،‬عن‬
‫ن اللّه كتب الحسنات‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه ع ّز وجلّ قال ‪ » :‬إ ّ‬
‫والسّيّئات ثمّ بيّن ذلك ‪ ،‬فمن ه ّم بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه له عنده حسنةً كاملةً ‪ ،‬فإن‬
‫هو ه ّم بها فعملها كتبها اللّه له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ‪ ،‬إلى أضعاف كثيرة‬
‫‪ ،‬ومن ه ّم بسيّئة فلم يعملها كتبها اللّه له عنده حسنةً كامل ًة « ‪.‬‬
‫أمّا العزم ‪ :‬وهو أقوى من الهمّ ‪ ،‬فإن كان على الحسنة فإنّه يكتب حسنةً قبل العمل بل‬
‫ص الحديث السّابق ‪ ،‬واختلفوا في العزم على السّيّئة قبل أن يعمل‬
‫خلف كما هو ظاهر من ن ّ‬
‫بها ‪ ،‬هل يعتبر معصي ًة أم ل ؟‬

‫ن العزم على المعصية يقسّم إلى قسمين ‪:‬‬
‫ونقل ابن حجر عن بعضهم أ ّ‬
‫ك في الوحدانيّة أو النّبوّة أو‬
‫الوّل ‪ :‬أن يكون من العتقاديّات وأعمال القلوب صرفا ‪ ،‬كالشّ ّ‬
‫البعث ‪ ،‬فهذا كفر ‪ ،‬يعاقب عليه جزما ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أن يكون من أعمال الجوارح كالزّنا والسّرقة ‪ ،‬فهو الّذي وقع فيه الخلف ‪،‬‬
‫فذهب بعضهم إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلً ‪ ،‬وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم‬
‫المصمّم ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العزم على أداء الواجب الموسّع ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الوقت سبب لوجوب الصّلة ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في تحديد الجزء‬

‫الّذي يتعلّق به وجوب الداء ‪:‬‬
‫فقال الجمهور ‪ :‬جميع الوقت وقت لدائه ‪ ،‬فيتخيّر المكلّف أن يأتي به في أيّ وقت شاء من‬
‫ي وأكثر الشّافعيّة ‪:‬‬
‫وقته المقدّر ‪ ،‬ول يترك في كلّ الوقت ‪ ،‬لكن قال القاضي أبو بكر الباقَلن ّ‬
‫الواجب في كلّ وقت الفعل أو العزم بدلً ‪ ،‬ويتعيّن الفعل آخرا ‪ ،‬ومثلهم ما ذكره الحنابلة ‪،‬‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬يجب العزم على القضاء إذا لم يفعله فورا في الموسّع ‪ ،‬وكذا كلّ عبادة‬
‫متراخية ‪ ،‬يجب العزم عليها ‪ ،‬كالصّلة إذا دخل وقتها الموسّع ‪.‬‬
‫ن وقت الوجوب أوّله ‪ ،‬فإن أخّره فقضاء ‪ ،‬بينما روي عن‬
‫ونقل عن بعض الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫بعض الحنفيّة ‪ :‬أنّه ليس كلّ الوقت وقتا للواجب بل آخره ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬العزم على ترك المنهيّ عنه ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫ن امتثال المر أو النّهي الّذي يترتّب عليه الثّواب ل يكون إلّ‬
‫‪ -‬قرّر الصوليّون أ ّ‬

‫بالمقدور ‪ ،‬وهو الفعل في المر والكفّ في النّهي ‪ ،‬أي ‪ :‬المتناع عن إتيان الفعل المنهيّ‬
‫عنه والعزم على التّرك ‪ ،‬فإن لم يكن الفعل مقدورا للمكلّف أو لم يعزم على ترك المنهيّ‬
‫عنه في حال القدرة عليه ‪ ،‬فل ثواب على تركه ‪.‬‬
‫وتفصيله في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫د ‪ -‬العزم على عدم العود في التّوبة ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫ح إلّ بتوفّر شروط منها ‪ :‬العزم‬
‫‪ -‬ذكر الفقهاء والمفسّرون في شروط التّوبة أنّها ل تص ّ‬

‫عزما جازما أن ل يعود إلى مثل المعصية أبدا ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬توبة ف ‪. ) 4‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عزِيمَة *‬
‫َ‬

‫‪ -‬العزيمة في اللّغة ‪ :‬الجتهاد والجدّ في المر ‪ ،‬وهي مصدر عزم على الشّيء ‪ ،‬وعزمه‬

‫عزما ‪ :‬عقد ضميره على فعله ‪ ،‬وعزم عزيمةً وعزمةً ‪ :‬اجتهد وجدّ في أمره ‪ ،‬وعزيمة‬
‫اللّه فريضته الّتي افترضها ‪ ،‬والجمع عزائم ‪.‬‬
‫والعزيمة اصطلحا كما قال الغزاليّ ‪ :‬هي عبارة عمّا لزم العباد بإيجاب اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ي السّالم موجبه عن المعارض ‪،‬‬
‫وقال الزّركشيّ ‪ :‬العزيمة شرعا ‪ :‬عبارة عن الحكم الصل ّ‬
‫كالصّلوات الخمس من العبادات ‪ ،‬ومشروعيّة البيع وغيرها من التّكاليف ‪.‬‬
‫الرّخصة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الرّخصة في اللّغة ‪ :‬نعومة الملمس ‪ ،‬والذن في المر بعد النّهي عنه ‪ ،‬والتّسهيل في‬

‫المر والتّيسير ‪ ،‬يقال ‪ :‬رخّص الشّرع لنا في كذا ترخيصا ‪ ،‬إذا يسّره وسهّله ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال الغزاليّ ‪ :‬هي عبارة عمّا وسّع للمكلّف في فعله لعذر ‪ ،‬وعجز عنه‬
‫مع قيام السّبب المحرّم ‪.‬‬
‫ن العزيمة هي الحكم المتغيّر عنه ‪،‬‬
‫فالعزيمة قد تكون في مقابل الرّخصة ‪ ،‬على القول بأ ّ‬
‫وقد ل تكون في مقابل الرّخصة ‪ ،‬على القول بأنّ العزيمة هي الحكم الّذي لم يتغيّر أصلً ‪.‬‬

‫أقسام العزيمة ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬قسّم الصوليّون العزيمة إلى أقسام ‪:‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬تنقسم العزيمة إلى فرض وواجب وسنّة ونفل ‪.‬‬
‫وخصّها القرافيّ من المالكيّة بالواجب والمندوب ل غير ‪ ،‬حيث قال في حدّ العزيمة ‪ :‬هي‬
‫طلب الفعل الّذي لم يشتهر فيه مانع شرعيّ ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬ول يمكن أن يكون المباح من العزائم ‪ ،‬فإنّ العزم هو الطّلب المؤكّد فيه ‪.‬‬
‫ن العزيمة تنتابها الحكام التّكليفيّة الخمسة ‪:‬‬
‫وذهب البيضاويّ ‪ -‬صاحب المنهاج ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫اليجاب ‪ ،‬والنّدب ‪ ،‬والتّحريم ‪ ،‬والكراهة ‪ ،‬والباحة ‪.‬‬
‫وذهب الرّازيّ في المحصول إلى استبعاد التّحريم في تقسيم البيضاويّ ‪ ،‬حيث جعل مورد‬
‫التّقسيم الفعل الجائز ‪.‬‬
‫ي في المستصفى ‪ ،‬والمديّ‬
‫ومن العلماء من خصّ العزيمة بالواجب فقط ‪ ،‬وبه جزم الغزال ّ‬
‫في الحكام ‪ ،‬وابن الحاجب في المنتهى ‪ ،‬حيث صرّحوا بأنّ العزيمة ما لزم العباد بإيجاب‬
‫اللّه تعالى ‪.‬‬

‫قال السنويّ ‪ :‬وكأنّهم احترزوا بإيجاب اللّه تعالى عن النّذر ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫الخذ بالعزيمة أو الرّخصة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬قد يرفع الشّرع عن المكلّف الحرج في الخذ بالعزيمة أو في الخذ بالرّخصة ‪ ،‬أي ‪:‬‬

‫ن ما بينهما صار بمثابة ما‬
‫أنّه يكون مخيّرا في بعض الحالت بين التيان بهذه أو بتلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫بين أجزاء الواجب المخيّر الّذي يكتفى فيه بالتيان بأيّ نوع من أنواعه ‪ ،‬ولكن مع ذلك‬
‫كان للتّرجيح بينهما مجال رحب غزير المادّة ‪ ،‬تباينت فيه أنظار المجتهدين ‪ ،‬حيث اختلفوا‬
‫بين مرجّح للخذ بالعزيمة في هذه الحالة ‪ ،‬وبين مرجّح للخذ بالرّخصة فيها ‪ ،‬وكلّ من‬
‫الفريقين قد علّل رأيه بمجموعة من المبرّرات ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫عسْبُ الفَحْل *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العسب في اللّغة ‪ :‬طَرْق الفحل ‪ ،‬أي ‪ :‬ضِرابه ‪ ،‬يقال ‪ :‬عسب الفحل النّاقة يعسبها ‪.‬‬

‫وفي القاموس ‪ :‬العسب ‪ :‬ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله ‪ ،‬والولد ‪ ،‬وإعطاء الكراء على‬
‫الضّراب ‪.‬‬
‫والفحل لغةً ‪ :‬الذّكر من كلّ حيوان ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال الشّربينيّ ‪ :‬عسب الفحل ‪ :‬ضرابه ‪ ،‬أي طروق الفحل للنثى ‪ ،‬قال‬
‫ي أنّ عسب الفحل ماؤه ‪ ،‬وقيل‬
‫الرّافعيّ ‪ :‬وهذا هو المشهور ‪ ،‬وصحّح الماورديّ والرّويان ّ‬
‫أجرة ضرابه ‪ ،‬وجزم به صاحب الكافي ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المضامين ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬اختلف اللّغويّون في تفسير معنى المضامين ‪:‬‬

‫فذهب بعضهم إلى أنّ المضامين ما في أصلب الفحول ‪.‬‬
‫ن المضامين ما في بطون الناث ‪.‬‬
‫وذهب بعضهم إلى أ ّ‬
‫كما اختلف الفقهاء في معنى المضامين ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وابن حبيب من المالكيّة ‪ ،‬وهو قول عند الحنابلة إلى أنّ‬
‫المضامين ما في أصلب الفحول ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وهو قول عند الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ المضامين ‪ :‬ما في بطون إناث الدّوابّ‬

‫ب ‪ -‬الملقيح ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬اختلف اللّغويّون في معنى الملقيح ‪:‬‬

‫فذهب بعضهم إلى أنّ الملقيح ما في بطون الناث ‪.‬‬
‫وذهب بعضهم إلى أنّها ما في أصلب الفحول ‪.‬‬
‫ن الملقيح ما في بطون الناث ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫وذهب المالكيّة ‪ -‬غير ابن حبيب وهو قول عند الحنابلة ‪ -‬إلى أنّ الملقيح ما في ظهور‬
‫الفحول ‪.‬‬
‫ن عسب الفحل في بعض معانيه يوافق المضامين والملقيح في بعض‬
‫وعلى ذلك فإ ّ‬
‫الطلقات ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز بيع عسب الفحل ‪ ،‬لما روى ابن عمر رضي ال تعالى‬

‫عنهما قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن عسب الفحل « ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن كسب‬
‫الحجّام ‪ ،‬وعن ثمن الكلب ‪ ،‬وعن عسب الفحل « ‪.‬‬
‫ي النّهي بأنّ عسب الفحل ضرابه ‪ ،‬وهو عند العقد معدوم ‪.‬‬
‫وعلّل الكاسان ّ‬
‫‪ -5‬أمّا الجارة فقد رأى جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة ‪ ،‬وفي الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬وأصل‬
‫مذهب الحنابلة ‪ -‬عدم جواز إجارة الفحل للضّراب ‪ ،‬للحاديث السّابقة قال الكاسانيّ ‪ :‬قد‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬نهى عن عسب الفحل « ول يمكن حمل‬
‫روي أ ّ‬
‫النّهي على نفس العسب ‪ ،‬وهو الضّراب ‪ ،‬لنّ ذلك جائز بالعارة ‪ ،‬فيحمل على البيع‬
‫والجارة ‪ ،‬إلّ أنّه حذف ذلك وأضمره فيه كما في قوله تعالى ‪ { :‬وَاسْ َألِ ا ْلقَرْ َيةَ } ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يجوز إجارة الفحل للضّراب ‪ ،‬وقيّد‬
‫المالكيّة الجواز بما إذا كان الستئجار لزمان معيّن كيوم أو يومين ‪ ،‬أو لمرّات معيّنة‬
‫كمرّتين أو ثلث ‪ ،‬ول يجوز استئجار الفحل للضّراب إلى حمل النثى عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن احتاج إنسان إلى استئجار الفحل للضّراب ‪ ،‬ولم يجد من يطرق له‬
‫مجّانا ‪ ،‬جاز له أن يبذل الكراء ‪ ،‬لنّه بذل لتحصيل منفعة مباحة تدعوا الحاجة إليها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إجارة ف‬

‫انظر ‪ :‬تيسير ورخصة ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫)‪.‬‬

‫عسْر *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عسَل *‬
‫َ‬

‫‪ -‬العسل في اللّغة ‪ :‬لعاب النّحل ‪ ،‬وقد جعله اللّه تعالى بلطفه شفاءً للنّاس ‪ ،‬والعرب‬

‫تذكّر العسل وتؤنّثه ‪.‬‬
‫وكنّي عن الجماع بالعسيلة ‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬حتّى تذوقي عسيلته ويذوق‬
‫ن العرب تسمّي ك ّل ما تستحليه عسلً ‪.‬‬
‫عسيلتك « ل ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫السّكّر ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫سكّر ‪ -‬بضمّ السّين وتشديد الكاف ‪ : -‬مادّة حلوة تستخرج غالبا من عصير القصب‬
‫‪ -‬ال ّ‬

‫أو البنجر ‪ ،‬وقصبه يعرف بقصب السّكّر ‪.‬‬
‫سكّر نفوذا ‪.‬‬
‫قال ابن زهير ‪ :‬العسل ألطف من ال ّ‬

‫الحكام المتعلّقة بالعسل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّداوي بالعسل ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫ج مِن ُبطُو ِنهَا شَرَابٌ ّمخْتَلِفٌ أَ ْلوَا ُنهُ فِيهِ‬
‫‪ -‬يجوز التّداوي بالعسل قال اللّه تعالى ‪َ { :‬يخْرُ ُ‬

‫شفَاء لِلنّاسِ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫قال جمهور العلماء ‪ :‬أي في العسل شفاء للنّاس ‪.‬‬
‫ضحّاك ‪ ،‬والفرّاء ‪ ،‬وابن‬
‫وروي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما والحسن ومجاهد وال ّ‬
‫كيسان ‪ :‬الضّمير للقرآن ‪ ،‬أي ‪ :‬في القرآن شفاء ‪.‬‬
‫ل أتى النّبيّ صلى ال‬
‫ي رضي ال عنه ‪ » :‬أنّ رج ً‬
‫وفي الصّحيحين عن أبي سعيد الخدر ّ‬
‫ن أخي يشتكي بطنه ‪ -‬وفي رواية ‪ :‬استطلق بطنه ‪ -‬فقال ‪ :‬اسقه‬
‫عليه وسلم فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫عسلً ‪ ،‬فذهب ثمّ رجع ‪ ،‬فقال ‪ :‬سقيته فلم يغن عنه شيئا وفي لفظ ‪ :‬فلم يزده إ ّل استطلقا‬
‫ل فقال له في الثّالثة أو الرّابعة ‪ :‬صدق اللّه ‪،‬‬
‫مرّتين أو ثلثا ‪ ،‬كلّ ذلك يقول له ‪ :‬اسقه عس ً‬
‫وكذب بطن أخيك « ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬زكاة العسل ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى وجوب العشر في العسل ‪ ،‬قال الثرم ‪ :‬سئل أبو عبد اللّه ‪:‬‬

‫ن في العسل زكاةً ؟ قال نعم أذهب إلى أنّ في العسل زكا ًة العشر ‪ ،‬قد أخذ‬
‫أنت تذهب إلى أ ّ‬
‫عمر رضي ال عنه منهم الزّكاة قلت ‪ :‬ذلك على أنّهم تطوّعوا به ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬بل أخذه‬

‫منهم ‪ ،‬ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬ومكحول والزّهريّ وسليمان بن موسى‬
‫ي وإسحاق ‪ .‬وحكاه التّرمذيّ عن أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫والوزاع ّ‬
‫واستدلّوا بحديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬كتب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أخذ من‬
‫وبحديث عبد اللّه بن عمرو رضي ال عنهما ‪ » :‬أنّ النّب ّ‬
‫العسل العشر « ‪.‬‬
‫وبحديث سعد بن أبي ذباب قال ‪ :‬قدمت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأسلمت ‪ ،‬ثمّ‬
‫قلت يا رسول اللّه ‪ ،‬اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم ‪ ،‬ففعل رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم واستعملني عليهم ‪ ،‬ثمّ استعملني أبو بكر رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬وكان سعد من‬
‫أهل السّراة ‪ ،‬قال ‪ :‬فكلّمت قومي في العسل ‪ ،‬فقلت لهم ‪ :‬زكّوه ‪ ،‬فإنّه ل خير في ثمرة ل‬
‫تزكّى ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬كم ؟ قال فقلت العشر ‪ ،‬فأخذت منهم العشر ‪ ،‬فأتيت عمر بن الخطّاب ‪،‬‬
‫فأخبرته بما كان ‪ ،‬فقبضه عمر فباعه ‪ ،‬ثمّ جعل ثمنه في صدقات المسلمين ‪.‬‬
‫ن كون ع مر ر ضي ال ع نه قبله م نه ‪ ،‬ولم ينكره عل يه ح ين أتاه بع ين الع سل ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ق معهود في الشّرع ‪.‬‬
‫مع أنّه لم يأت به إلّ على أنّه زكاة أخذها منهم ‪ ،‬يدلّ على أنّه ح ّ‬
‫ي ‪ ،‬وأبو يعلى الموصليّ من حديث أبي‬
‫كما أخرج ابن ماجه وأحمد وأبو داود الطّيالس ّ‬
‫ن لي نحلً ‪ ،‬قال ‪ :‬أدّ العشر قلت ‪ :‬يا رسول‬
‫سيّارة المتعيّ قال ‪ » :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬إ ّ‬
‫اللّه احمها لي ‪ ،‬فحماها لي « ‪.‬‬
‫وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال ‪ » :‬جاء هلل أحد بني‬
‫متعان إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بعشور نحل له ‪ ،‬وكان سأله أن يحمي له واديا‬
‫يقال له سلبة ‪ .‬فحمى له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ذلك الوادي ‪ ،‬فلمّا ولي عمر بن‬
‫الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطّاب رضي ال عنه يسأله‬
‫عن ذلك ‪ ،‬فكتب عمر رضي ال عنه إن أدّى إليك ما كان يؤدّي إلى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم من عشور نحله ‪ ،‬فاحم له سلبة ‪ ،‬وإلّ فإنّما هو ذباب غيث يأكله من يشاء « ‪.‬‬
‫ويشترط الحنفيّة لوجوب الزّكاة في العسل كون النّحل في أرض العشر ‪ ،‬أمّا إذا كان في‬
‫أرض الخراج فل شيء فيه ‪ :‬ل عشر ول خراج ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ العسل ل زكاة فيه ‪ ،‬وهو قول ابن أبي ليلى ‪ ،‬والحسن بن‬
‫ن العسل مائع‬
‫ي ‪ ،‬وحكاه ابن عبد الب ّر عن الجمهور ‪ ،‬ل ّ‬
‫صالح ‪ ،‬وابن المنذر ‪ ،‬والثّور ّ‬
‫خارج من حيوان أشبه اللّبن ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬ليس في وجوب الصّدقة في العسل خبر‬
‫يثبت ول إجماع فل زكاة فيه ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬نصاب العسل ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ي أنّ نصاب العسل عشرة أفراق ‪ ،‬لما روي عن عمر رضي ال‬
‫‪ -‬يرى الحنابلة والزّهر ّ‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قطع لنا واديا باليمن‬
‫ن أناسا سألوه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫عنه أ ّ‬
‫فيه خليا من نحل ‪ ،‬وإنّا نجد ناسا يسرقونها ‪ ،‬فقال عمر رضي ال عنه ‪ :‬إن أدّيتم صدقتها‬
‫عن كلّ عشرة أفراق فرقا حميناها لكم ‪.‬‬
‫وهذا تقدير من عمر رضي ال عنه فيتعيّن المصير إليه ‪.‬‬
‫ي فيكون نصاب العسل مائةً وستّين‬
‫ن الفرق ستّة عشر رطلً بالعراق ّ‬
‫ورجّح ابن قدامة أ ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫رط ً‬
‫وأمّا أبو حنيفة فيرى وجوب العشر في قليل العسل وكثيره ‪ ،‬لنّه ل يشترط النّصاب في‬
‫العشر ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل العشر ‪ ،‬قال السّرخسيّ ‪ :‬مراد‬
‫أبي يوسف من هذا اللّفظ أن تبلغ قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت‬
‫سكّر والعسل ‪ ،‬عند‬
‫الوسق ‪ ،‬فالحاصل أنّ ما ل يدخل تحت الوسق كالقطن والزّعفران ‪ ،‬وال ّ‬
‫أبي يوسف تعتبر القيمة فيه ‪ ،‬لنّ نصب النّصاب بالرّأي ل يكون ‪ ،‬ولكن فيما فيه نصّ‬
‫يعتبر المنصوص ‪ ،‬وما ل نصّ فيه المعتبر هو القيمة ‪ ،‬كما في عروض التّجارة مع‬
‫السّوائم في حكم الزّكاة ‪.‬‬

‫عسَيْلَة *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العسيلة في اللّغة ‪ :‬النّطفة ‪ ،‬أو ماء الرّجل ‪ ،‬أو حلوة الجماع ‪ ،‬تشبيه بالعسل للذّته ‪.‬‬

‫ل‪.‬‬
‫قال أبو عبيد ‪ :‬والعرب تسمّي كلّ شيء تستلذّه عس ً‬
‫والعسيلة اصطلحا ‪ :‬كناية عن الجماع ‪.‬‬
‫ونقل ابن حجر عن جمهور العلماء ‪ :‬ذوق العسيلة كناية عن المجامعة ‪ ،‬وهو تغيّب حشفة‬
‫الرّجل في فرج المرأة ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ن المطلّقة ثلثا ل تحلّ لمن طلّقها ثلثا حتّى تنكح زوجا غيره ‪ ،‬ثمّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫ح ّل َلهُ مِن َبعْدُ حَ ّتىَ تَن ِكحَ َزوْجا غَ ْيرَهُ } ‪.‬‬
‫يفارقها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فَإِن طَّل َقهَا فَلَ َت ِ‬
‫ويشترط الفقهاء في اعتبار النّكاح الثّاني الوطء في الفرج لما روى عروة عن عائشة‬
‫رضي ال تعالى عنها ‪ » :‬أنّ رفاعة القرظيّ تزوّج امرأةً ث ّم طلّقها ‪ ،‬فتزوّجت آخر ‪ ،‬فأتت‬

‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فذكرت له أنّه ل يأتيها ‪ ،‬وأنّه ليس معه إ ّل مثل هدبة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬حتّى تذوقي عسيلته ‪ ،‬ويذوق عسيلتك « ‪.‬‬
‫ولم يشترط سعيد بن المسيّب الوطء ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬يقول النّاس ل تحلّ للوّل حتّى يجامعها‬
‫الثّاني ‪ ،‬وأنا أقول إذا تزوّجها تزويجا صحيحا ل يريد بذلك إحللها للوّل فل بأس أن‬
‫يتزوّجها الوّل ‪.‬‬
‫ن سعيدا رجع عنه إلى قول الجمهور ‪ ،‬فمن عمل به يسودّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وفي المنية ‪ :‬أ ّ‬
‫وجهه ‪ ،‬ويبعد ‪ ،‬ومن أفتى به يعزّر ‪ ،‬وذكر في الخلصة ‪ :‬أنّ من أفتى به فعليه لعنة اللّه‬
‫والملئكة والنّاس أجمعين ‪ ،‬فإنّه مخالف الجماع ‪ ،‬ول ينفذ قضاء القاضي به ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬وأدنى ما يكفي من الوطء حتّى تحلّ لمطلّقها ثلثا عند الفقهاء ‪ :‬تغييب الحشفة في‬

‫ن الوطء المعتبر في الزّوجة شرعا ل‬
‫القبل مع النتشار ‪ ،‬واعتبر كون الوطء في القبل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الحلّ متعلّق بذوق العسيلة ول يحصل بغيره ‪ ،‬واعتبر النتشار‬
‫يكون في غير القبل ‪ ،‬ول ّ‬
‫لعدم حصول العسيلة إلّ به ‪ ،‬لقول امرأة رفاعة " وأنّه ليس معه إلّ مثل هدبة " ‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬أرادت أنّ ذكره يشبه الهدبة في السترخاء وعدم النتشار ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬أن يكون له نوع انتشار يحصل به إيلج ‪ ،‬كي ل يكون بمنزلة إدخال‬
‫خرقة في المحلّ ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬ول يشترط كون النتشار تامّا ‪.‬‬
‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬فالمعتبر النتشار بالفعل ل بالقوّة ‪ ،‬حتّى لو أدخل السّليم ذكره‬
‫بأصبعه بل انتشار لم يحلّ ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه إن ضعف النتشار واستعان بأصبعه ‪ ،‬أو أصبعها ليحصل ذوق‬
‫العسيلة كفى ‪.‬‬
‫وانفرد الحسن البصريّ باشتراط النزال أيضا ‪ ،‬قال ابن بطّال ‪ :‬ش ّذ الحسن في هذا وخالفه‬
‫سائر الفقهاء ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ ‪ ،‬ويحصن الشّخص ويوجب كمال‬
‫الصّداق ‪ ،‬ويفسد الحجّ والصّوم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تحليل ف ‪. ) 9‬‬

‫انظر ‪ :‬صلة العشاء ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫عشَاء *‬
‫َ‬
‫عشْر *‬
‫ُ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬العشر لغةً ‪ :‬الجزء من عشرة أجزاء ‪ ،‬ويجمع العشر على عشور ‪ ،‬وأعشار ‪ ،‬وفي‬

‫الصطلح يطلق العشر على معنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬عشر التّجارات والبياعات ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬عشر الصّدقات ‪ ،‬أو زكاة الخارج من الرض ‪.‬‬
‫ويقتصر هنا على بحث عشر التّجارة ‪.‬‬
‫أمّا عشر الخارج من الرض فمحلّه مصطلح ‪ ( :‬زكاة ) ‪.‬‬
‫وعشر التّجارة ‪ :‬هو ما يفرض على أموال أهل ال ّذمّة المعدّة للتّجارة إذا انتقلوا بها من بلد‬
‫إلى بلد داخل بلد السلم ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الزّكاة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الزّكاة لغةً ‪ :‬النّماء والرّيع والزّيادة ‪.‬‬

‫وهي في الصطلح ‪ :‬تطلق على أداء حقّ يجب في أموال مخصوصة على وجه‬
‫مخصوص ‪ ،‬ويعتبر في وجوبه الحول والنّصاب ‪ ،‬وتطلق ‪ -‬أيضا ‪ -‬على المال المخرّج ‪.‬‬
‫والزّكاة تجب في مال المسلم سواء أكان للتّجارة أم غيرها ‪ ،‬أمّا العشر فل يجب إلّ في‬
‫الموال التّجاريّة ‪ ،‬ويؤخذ من ال ّذمّيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجزية ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الجزية ‪ :‬ما لزم الكافر من مال لمنه واستقراره ‪ ،‬تحت حكم السلم وصونه ‪.‬‬

‫ن كَلً منهما يجب على أهل ال ّذمّة وأهل الحرب بأمان ‪،‬‬
‫ووجه الصّلة بين العشر والجزية ‪ ،‬أ ّ‬
‫ويصرف في مصارف الفيء ‪.‬‬
‫والفرق بينهما ‪ :‬أنّ الجزية توضع على الرّءوس ‪ ،‬أمّا العشر فيوضع على الموال التّجاريّة‬
‫الّتي يمرّ بها التّاجر على العاشر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخراج ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫– الخراج ‪ :‬ما وضع على رقاب الرض من حقوق تؤدّى عنها ‪ ،‬ووجه الصّلة بين العشر‬

‫ل منهما يجب على غير المسلم ‪ ،‬ويصرف في مصارف الفيء ‪ ،‬ولذلك‬
‫والخراج ‪ :‬أنّ كَ ً‬
‫أطلق عليه بعض الفقهاء " الجزية العشريّة " ‪.‬‬
‫والفرق بينهما ‪ :‬أنّ الخراج يوضع على رقبة الرض ‪ ،‬أمّا العشر فيوضع على الموال‬
‫التّجاريّة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخمس ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬الخمس ‪ :‬اسم للمأخوذ من الغنيمة والرّكاز وغيرهما ممّا يخمّس ‪ ،‬والخمس يجب في‬

‫كلّ مال فاء إلى المسلمين سواء كان عقارا أو منقولً ‪ ،‬أمّا العشر فل يجب إلّ في الموال‬
‫ي أو المستأمن ‪.‬‬
‫التّجاريّة الّتي ينتقل بها التّاجر ال ّذمّ ّ‬
‫هـ – الفيء ‪:‬‬
‫‪6‬‬

‫– الفيء لغةً ‪ :‬الرّجوع ‪.‬‬

‫وفـي الصـطلح ‪ :‬مـا ردّه اللّه تعالى على أهـل دينـه مـن أموال مـن خالفهـم فـي الدّيـن بل‬
‫قتال ‪ ،‬إمّا بالجلء ‪ ،‬أو بالمصالحة على جزية ‪ ،‬أو غيرها ‪.‬‬
‫فبين الفيء والعشور عموم وخصوص ‪ ،‬فالفيء أعمّ من العشور ‪.‬‬

‫حكم أخذ العشر ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬يؤخذ العشر من تجارة غير المسلمين عند دخولهم بها إلى دار السلم ‪ ،‬وذلك في‬

‫الجملة ‪ ،‬وتفصيل الحكم سيأتي ‪.‬‬

‫أدلّة مشروعيّة العشر ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬استدلّ الفقهاء لمشروعيّة العشر على غير المسلم بالسّنّة والجماع والمعقول ‪.‬‬

‫أمّا السّنّة ‪ ،‬فقوله ‪ » :‬إنّما العشور على اليهود والنّصارى ‪ ،‬وليس على المسلمين عشور‬
‫« فالحديث يدلّ على أنّه ل يؤخذ من المسلم مال سوى الزّكاة ‪ ،‬ويؤخذ من اليهود‬
‫والنّصارى عشر التّجارات كما تؤخذ منهم الجزية ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع فقد بعث عمر بن الخطّاب رضي ال عنه العشّار ليأخذوا العشر بمحضر من‬
‫الصّحابة رضوان ال عليهم ‪ ،‬ولم يخالفه في ذلك أحد ‪ ،‬فكان إجماعا سكوتيّا ‪.‬‬
‫وأمّا المعقول فالتّاجر الّذي ينتقل بتجارته من بلد إلى آخر يحتاج إلى المان ‪ ،‬والحماية من‬
‫اللّصوص وقطّاع الطّرق ‪ ،‬والدّولة السلميّة تتكفّل بتأمين ذلك عبر طرقها وممرّاتها‬
‫التّجاريّة ‪ ،‬فالعشر الّذي يؤخذ من التّاجر هو في مقابل تلك الحماية ‪ ،‬والنتفاع بالمرافق‬
‫العامّة للدّولة السلميّة ‪.‬‬

‫حكمة مشروعيّة العشر ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬العشر وسيلة لهداية غير المسلمين من الحربيّين إلى السلم ‪ ،‬إذ بدخولهم بعد أخذ‬

‫العشر منهم إلى دار السلم للتّجارة يطّلعون على محاسن السلم فيحملهم ذلك على‬
‫الدّخول فيه ‪.‬‬
‫ي تستعين به الدّولة السلميّة في النفاق على المصالح العامّة ‪.‬‬
‫والعشر مورد مال ّ‬

‫ن السّماح لغير المسلمين بدخول دار السلم‬
‫والعشر وسيلة لزيادة المال ونمائه ‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫والتّنقّل بتجاراتهم في مقابل العشر يؤدّي إلى تنمية أموالهم وزيادتها ‪ ،‬كما قال الدّهلويّ ‪،‬‬
‫لنّ النّم ّو ل يتمّ إلّ بالتّردّد خارج البلد ‪.‬‬
‫والعشر وسيلة لزيادة التّبادل التّجاريّ بين الدّولة السلميّة والدّول الخرى ‪.‬‬
‫قال السّرخسيّ ‪ :‬إنّا إذا عاملناهم بمثل ما يعاملوننا به ‪ ،‬كان ذلك أقرب إلى مقصود المان‬
‫واتّصال التّجارات ‪.‬‬

‫الشخاص الّذين تعشّر أموالهم ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة أخذ العشر من تجارة غير المسلمين إذا دخلوا بها دار‬

‫السلم على التّفصيل التي ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬المستأمنون ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬المستأمن هو الّذي يقدم بلد المسلمين من غير استيطان لها ‪ ،‬وهؤلء أربعة أقسام ‪:‬‬

‫رسل ‪ ،‬تجّار ‪ ،‬ومستجيرون حتّى يعرض عليهم السلم والقرآن ‪ ،‬وطالبو حاجة من زيارة‬
‫وغيرها ‪.‬‬
‫فمن دخل من هؤلء بتجارة ‪ ،‬فقد ذهب الفقهاء في أخذ العشر منه مذاهب ‪:‬‬
‫ي بمال التّجارة إلى دار السلم بأمان يؤخذ منه عشر‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا دخل الحرب ّ‬
‫ماله إذا بلغ المال نصابا ‪ ،‬وهذا إذا لم يعلم مقدار ما يأخذون منّا ‪ ،‬فإن علم مقدار ما‬
‫يأخذون منّا أخذ منهم مثله مجازاةً ‪ ،‬إلّ إذا عرف أخذهم الكلّ فل نأخذ منهم الكلّ بل نترك‬
‫لهم ما يبلّغهم مأمنهم إبقاءً للمان ‪ ،‬وإن علم أنّهم ل يأخذون منّا ل نأخذ منهم ليستمرّوا‬
‫عليه ‪ ،‬ولنّنا أحقّ بالمكارم ‪ ،‬ول يؤخذ العشر من مال صبيّ حربيّ إ ّل أن يكونوا يأخذون‬
‫من أموال صبياننا ‪.‬‬
‫ي بمال التّجارة إلى بلد المسلمين بأمان على شيء‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا دخل الحرب ّ‬
‫يعطيه فإنّه يلزمه ولو أكثر من العشر ‪ ،‬ول يجوز أخذ زائد عليه ‪ ،‬وعند عدم تعيين جزء‬
‫يؤخذ منه العشر ‪ ،‬إ ّل أن يؤدّي المام اجتهاده إلى أخذ أقلّ فيقتصر عليه على المشهور ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن دخلوا بأمان وشرط المام عليهم أن يأخذ منهم عشر تجارتهم أو أكثر‬
‫أو أقلّ أخذ منهم ‪ ،‬وإن لم يشرط بل عقد لهم المان على دمائهم لم يأخذ من أموالهم شيئا‬
‫إن دخلوا بأموالهم ‪ ،‬إلّ بشرط أو طيب أنفسهم ‪ ،‬وسواء كان هؤلء المستأمنون من قوم‬
‫يعشّرون المسلمين إن دخلوا بلدهم أو يخمّسونهم ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ الحربيّ إذا دخل بلد السلم بأمان واتّجر فإنّه يؤخذ من تجارته‬
‫العشر دفعةً واحدةً ‪ ،‬سواء أكان كبيرا أم صغيرا ‪ ،‬وسواء أكان ذكرا أم أنثى ‪ ،‬وسواء‬

‫أعشروا أموال المسلمين إذا دخلت إليهم أم ل ‪ ،‬لنّ عمر رضي ال عنه أخذ من أهل‬
‫الحرب العشر ‪ ،‬واشتهر ولم ينكر ‪ ،‬عمل به الخلفاء من بعده ‪ ،‬ول يؤخذ العشر من أق ّل من‬
‫ن للمام ترك العشر إذا رأى المصلحة في ذلك ‪.‬‬
‫عشرة دنانير ‪ ،‬وذكر الموفّق أ ّ‬

‫ثانيا ‪ :‬أهل ال ّذمّة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬أهل ال ّذمّة ‪ :‬هم غير المسلمين من النّصارى ‪ ،‬واليهود ‪ ،‬والمجوس الّذين يقيمون في‬

‫دار السلم بموجب عقد ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء فيما إذا انتقل ال ّذمّيّ بتجارته إلى غير البلد الّذي أق ّر على المقام فيه ‪،‬‬
‫كالشّاميّ ينتقل إلى مصر أو العراق أو الحجاز ‪:‬‬
‫ي إن اتّجر نصف العشر في تجارته يؤدّيه في العام مرّةً ‪،‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ على ال ّذمّ ّ‬
‫ي سيّان إلّ في‬
‫كما يؤدّي المسلم زكاة تجارته وهي ربع العشر في كلّ عام ‪ ،‬فالمسلم وال ّذمّ ّ‬
‫ي هو جزية في ماله ‪ ،‬كما يسمّى خراج أرضه‬
‫مقدار العشر ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ ما يدفعه ال ّذمّ ّ‬
‫جزيةً ‪ ،‬فالجزية عندهم أنواع ‪ :‬جزية مال ‪ ،‬وجزية أرض ‪ ،‬وجزية رأس ‪ ،‬ول يلزم من‬
‫أخذ بعضها سقوط باقيها إلّ في بني تغلب ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العشر يؤخذ من ال ّذمّيّين لهذا النتقال ‪ ،‬لنّهم عوهدوا على التّجارة‬
‫وتنمية أموالهم بآفاقهم الّتي استوطنوها ‪ ،‬فإذا طلبوا تنمية أموالهم بالتّجارة إلى غير ذلك‬
‫من آفاق المسلمين كان عليهم في ذلك حقّ غير الجزية الّتي صولحوا عليها ‪ ،‬وأنّه يؤخذ‬
‫منهم نصف العشر في الطّعام الّذي يجلبونه إلى مكّة أو المدينة لحاجة أهل الحرمين وما‬
‫ألحق بهما إليه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يجب عليهم شيء سوى الجزية إن اتّجروا فيما سوى الحجاز‬
‫من بلد السلم إلّ إذا شرط المام عليهم مع الجزية شيئا من تجارتهم ‪ ،‬فإن دخلوا بلد‬
‫الحجاز فينظر إن كان لنقل طعام أو نحوه يحتاج إليه أهل الحجاز أذن لهم بغير شيء وإن‬
‫كان لتجارة ل حاجة بأهل الحجاز إليها كالعطر لم يأذن لهم إلّ أن يشترط عليهم عوضا‬
‫بحسب ما يراه ‪ ،‬وكان عمر رضي ال عنه يشترط العشر في بعض المتعة كالقطيفة ‪،‬‬
‫ونصف العشر في القمح والشّعير على من دخل دار الحجاز من أهل ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من يجز من أهل ال ّذمّة إلى غير بلده ‪ ،‬أخذ منه نصف العشر في السّنة ‪.‬‬

‫تعشير تجارة المسلمين ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّه ل يجوز أخذ شيء من عروض تجارة المسلمين غير الزّكاة الواجبة‬

‫فيها ‪ ،‬وليس عليهم من العشر المقرّر على غير المسلمين شيء ‪ ،‬لحديث ‪ » :‬إنّما العشور‬
‫على اليهود والنّصارى ‪ ،‬وليس على المسلمين عشور « ‪.‬‬

‫شروط من يفرض عليهم العشر ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬اشترط بعض الفقهاء لخذ العشر من أهل الحرب إذا دخلوا بأمان ومن ال ّذمّيّين عدّة‬

‫شروط وهي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬البلوغ ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬اشترط الحنيفة البلوغ ‪ ،‬وذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط هذا الشّرط فقالوا ‪ :‬يؤخذ‬

‫العشر من كلّ تاجر ‪ ،‬صغيرا كان أو كبيرا ‪ ،‬لنّ الحاديث في هذا الباب ل تفرّق بين صغير‬
‫ص بمال التّجارة ‪ ،‬لتوسّعه في دار السلم‬
‫وكبير ‪ ،‬وليس هذا بجزية ‪ ،‬وإنّما هو حقّ يخت ّ‬
‫وانتفاعه بالتّجارة بها ‪ ،‬فيستوي فيه الصّغير والكبير ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة والشّافعيّة فمقتضى إطلق نصوصهم عدم اشتراط هذا الشّرط ‪ ،‬فالعشور عند‬
‫الشّافعيّة مرجعها إلى الشّرط والتّفاق ‪ ،‬فإذا اشترط المام أخذها من ال ّتجّار أخذت منهم ‪،‬‬
‫ولو كان مالكها صغيرا ‪ ،‬وعلّة أخذ العشور عند المالكيّة النتفاع ببلد المسلمين ‪ ،‬وهي‬
‫متحقّقة في أموال الصّغير ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العقل ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬اشترط الحنفيّة العقل لوجوب العشر ‪ ،‬فل يؤخذ العشر من المجنون ‪ ،‬لنّه ليس أهلً‬

‫للوجوب ‪.‬‬
‫ومقتضى إطلق نصوص المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة عدم اشتراط هذا الشّرط ‪ ،‬فيؤخذ‬
‫ق يتعلّق بالمال وليس‬
‫العشر من مال المجنون المعدّ للتّجارة إذا انتقل به ‪ ،‬لنّه ح ّ‬
‫بالشّخص‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الذّكورة ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو مقتضى إطلق نصوص المالكيّة ‪ ،‬إلى عدم‬

‫ن الحاديث في هذا الباب ل تفرّق‬
‫اشتراط الذّكورة لحاجة أموال المرأة إلى الحماية ‪ ،‬ول ّ‬
‫بين ذكر وأنثى ‪.‬‬
‫واشترط أبو يعلى لوجوب العشر في أموال غير المسلمين الذّكورة ‪ ،‬فل يؤخذ العشر من‬
‫المرأة ‪ -‬ذمّ ّي ًة كانت أو حرب ّي ًة ‪ -‬لنّها محقونة الدّم ‪ ،‬ولها المقام في دار السلم بغير‬
‫جزية ‪ ،‬فلم تعشّر تجارتها كالمسلم ‪ ،‬إلّ أن تكون تجارتها بالحجاز فتعشّر كالرّجل ‪ ،‬لنّها‬
‫ممنوعة من القامة بالحجاز ‪.‬‬

‫الموال الّتي تخضع للعشر ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ -‬ل يجب العشر إ ّل في الموال المعدّة للتّجارة ‪ :‬كالقمشة والزّيت والحبوب والذّهب‬

‫والفضّة ونحو ذلك ‪ ،‬أمّا المتعة الشّخصيّة وما ليس معدّا للتّجارة فل عشر فيه ‪ ،‬روى‬

‫يحيى بن آدم عن السّائب بن يزيد قال ‪ :‬كنت أعشر مع عبد اللّه بن عتبة زمان عمر بن‬
‫الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬وكان يأخذ من أهل ال ّذمّة عشور أموالهم فيما اتّجروا فيه ‪.‬‬

‫شروط وجوب العشر في الموال التّجاريّة ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬اشترط الفقهاء لوجوب العشر في الموال التّجاريّة عدّة شروط وهي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬النتقال بها ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫ي في أمواله التّجاريّة إ ّل إذا انتقل‬
‫‪ -‬ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ العشر ل يجب على ال ّذمّ ّ‬

‫بها من بلد إلى بلد آخر في بلد المسلمين ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أن يكون المال ممّا يبقى في أيدي النّاس حولً ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬اشترط أبو حنيفة لوجوب العشر في أموال التّجارة أن يكون ممّا يبقى في أيدي النّاس‬

‫حولً كالتّمر والزّبيب والقمشة ‪ ،‬وأمّا ما ل يبقى في أيدي النّاس حولً فل يجب فيه العشر‬
‫ن العاشر يأخذ من عين ما يمرّ‬
‫‪ :‬كالخضراوات والفاكهة ولو كانت قيمتها بالغةً للنّصاب ‪ ،‬ل ّ‬
‫به عليه ‪.‬‬
‫وذهب الصّاحبان من الحنفيّة إلى عدم اشتراط هذا الشّرط ‪ ،‬فيجب العشر في كلّ ما أعدّ‬
‫للتّجارة سواء كان يبقى في أيدي النّاس أو ل يبقى ‪ :‬كالخضراوات والفواكه ‪ ،‬لنّ هذه‬
‫ن المعتبر في مال التّجارة‬
‫الموال محتاجة إلى الحماية كغيرها من الموال التّجاريّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫معناه وهو ماليّته وقيمته ل عينه ‪.‬‬

‫ج‪ - -‬النّصاب ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬اشترط الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح من المذهب لوجوب العشر في الموال التّجاريّة‬

‫ن العشر وجب بالشّرع فاعتبر له نصاب ‪ ،‬واختلف القائلون‬
‫الّتي تعشر النّصاب ‪ ،‬ل ّ‬
‫باشتراط النّصاب في مقداره ‪:‬‬
‫ن مقدار النّصاب عشرون دينارا من ذهب أو مائتا‬
‫فذهب الحنفيّة وأحمد في رواية إلى أ ّ‬
‫ي ضعف ما يؤخذ من المسلم من الزّكاة ‪ ،‬ويؤخذ‬
‫ن ما يؤخذ من ال ّذمّ ّ‬
‫درهم من فضّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫على شرائط الزّكاة ومنها النّصاب ‪ ،‬ومقدار نصاب زكاة عروض التّجارة عشرون دينارا‬
‫من ذهب أو مائتا درهم من الفضّة ‪ ،‬وأمّا الحربيّ ‪ ،‬فلنّ ما دون المائتين قليل وهو محتاج‬
‫إليه ليصل إلى مأمنه ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بقول عمر بن الخطّاب رضي ال عنه لبي موسى‬
‫الشعريّ رضي ال عنه ‪ :‬خذ أنت منهم كما يأخذون من تجّار المسلمين ‪ ،‬وخذ من أهل‬
‫ال ّذمّة نصف العشر ومن المسلمين ربع العشر من كلّ أربعين درهما درهما ‪ ،‬وليس فيما‬
‫دون المائتين شيء ‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة في الصّحيح من المذهب إلى أنّ مقدار النّصاب عشرة دنانير من ذهب أو‬
‫ن ذلك المأخوذ مال يبلغ واجبه‬
‫مائة درهم من فضّة ‪ ،‬سواء كان التّاجر حربيّا أو ذمّيّا ‪ ،‬ل ّ‬
‫نصف دينار فوجب اعتباره كالعشرين في حقّ المسلم ‪.‬‬
‫ن مقدار النّصاب بالنّسبة للتّاجر ال ّذمّيّ عشرون دينارا من‬
‫وذهب أحمد في رواية إلى أ ّ‬
‫ذهب‪ ،‬وبالنّسبة للحربيّ عشرة دنانير ‪.‬‬
‫وذهب أبو الحسين الحنبليّ إلى أنّ مقدار النّصاب بالنّسبة للتّاجر ال ّذمّيّ عشرة دنانير من‬
‫ذهب ‪ ،‬وبالنّسبة للحربيّ خمسة دنانير ‪ ،‬لنّ المأخوذ مال يبلغ نصف دينار فوجب اعتباره‬
‫ق المسلم ‪.‬‬
‫كالعشرين في ح ّ‬
‫وذهب المالكيّة وابن حامد من الحنابلة إلى عدم اشتراط النّصاب لوجوب العشر في الموال‬
‫ي أو الحربيّ ‪ ،‬فيجب العشر في قليل الموال وكثيرها ‪ ،‬واستدلّوا‬
‫التّجاريّة الّتي يم ّر بها ال ّذمّ ّ‬
‫بما روى أبو عبيد بسنده عن أنس بن سيرين قال ‪ :‬سنّة عمر رضي ال عنه أن يؤخذ من‬
‫أهل ال ّذمّة من كلّ عشرين درهما درهم ‪ ،‬وممّن ل ذمّة له كلّ عشرة دراهم درهم ‪ ،‬كما‬
‫ي أو الحربيّ ‪ ،‬فوجب في قليله وكثيره كنصيب المالك في‬
‫استدلّوا بأنّ العشر حقّ على ال ّذمّ ّ‬
‫ن العشر الّذي يؤخذ فيء بمنزلة الجزية الّتي تؤخذ من أهل‬
‫أرضه الّتي عامله عليها ‪ ،‬وبأ ّ‬
‫ال ّذمّة ‪.‬‬

‫د ‪ -‬الفراغ من الدّين ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫ي ألّ‬
‫‪ -‬اشترط الحنفيّة والحنابلة وأبو عبيد القاسم بن سَلم لخذ العشر من التّاجر ال ّذمّ ّ‬

‫ق يعتبر له النّصاب والحول فيمنعه الدّين‬
‫تكون أمواله مشغولةً بدين ثبت عليه ‪ ،‬لنّه ح ّ‬
‫كالزّكاة ‪.‬‬
‫ي إذا ادّعى أنّ عليه دينا ‪:‬‬
‫واختلفوا في قبول قول ال ّذمّ ّ‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه يحلف ويصدّق فل يؤخذ منه شيء ‪ ،‬لنّه من أهل دارنا فيصدّق‬
‫بالحلف كما يصدّق المسلم ‪.‬‬
‫ن الصل براءة ذمّته‬
‫وذهب أحمد وأبو عبيد إلى أنّه ل يقبل قوله إلّ ببيّنة من المسلمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫منه ‪.‬‬
‫ن الدّين يوجب نقصا‬
‫وأمّا التّاجر الحربيّ فل يشترط لتعشير أمواله التّجاريّة هذا الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن دينه ل مطالب له في دارنا ‪.‬‬
‫ي ناقص ول ّ‬
‫في الملك وملك الحرب ّ‬

‫مقدار العشر ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬يختلف مقدار ما يؤخذ من العشر باختلف الشخاص الّذين يخضعون له ‪ ،‬فهو على‬

‫ي‪.‬‬
‫ال ّذمّيّ يخالف ما على الحرب ّ‬

‫أ ّولً ‪ :‬المقدار الواجب في تجارة ال ّذ ّميّ ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫ي هو نصف العشر ‪ ،‬لقول عمر‬
‫ن الواجب في مال ال ّذمّ ّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬

‫ي نصف العشر وكان ذلك بمحضر من‬
‫ابن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬يؤخذ ممّا يم ّر به ال ّذمّ ّ‬
‫الصّحابة من غير نكير ‪ ،‬وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب في مال ال ّذمّيّ العشر كاملً ‪،‬‬
‫ويستثنى من ذلك ما يجلبه من طعام إلى المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة ‪ ،‬فيؤخذ منه نصف‬
‫ل مع‬
‫العشر ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بما روى مالك عن السّائب بن يزيد أنّه قال ‪ :‬كنت غلما عام ً‬
‫عبد اللّه ابن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطّاب رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬فكنّا نأخذ من النّبط العشر ‪.‬‬
‫واختلف المالكيّة في المراد بالطّعام الّذي يخضع لهذا التّخفيف ‪ ،‬فقيل ‪ :‬الحنطة والزّيت ‪،‬‬
‫ولكنّ المقرّر في المذهب أنّه جميع المقتات أو ما يجري مجراه كالحبوب والدهان ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول ابن نافع وابن القاسم من المالكيّة ‪ ،‬إلى أنّ قدر المشروط على‬
‫أهل ال ّذمّة من العشور منوط برأي المام ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المقدار الواجب في تجارة الحربيّ ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫ي مثل ما يأخذه الحربيّون من تجّار المسلمين‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يؤخذ من الحرب ّ‬

‫فإن علمنا أنّهم يأخذون منّا العشر أخذنا من تجّارهم العشر ‪ ،‬وإن أخذوا نصف العشر أخذنا‬
‫من تجّارهم مثل ذلك ‪ ،‬واستدلّوا لذلك بقول عمر بن الخطّاب رضي ال عنه لبي موسى‬
‫الشعريّ ‪ :‬خذ أنت منهم كما يأخذون من تجّارنا ‪ ،‬ولنّ ذلك أدعى لهم إلى المخالطة بدار‬
‫السلم فيروا محاسن السلم فيدعوهم ذلك إلى السلم ‪ ،‬وفي حالة عدم العلم بمقدار ما‬
‫يأخذونه من تجّار المسلمين يؤخذ من تجّارهم العشر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه ل فرق بين تجّار أهل الحرب وأهل ال ّذمّة في المقدار الواجب عليهم‬
‫إذا مرّوا بتجارة على العاشر ‪ ،‬فيؤخذ منهم العشر من غير الطّعام ونصف العشر إذا جلبوا‬
‫الطّعام وما في معناه إلى مكّة والمدينة ‪ ،‬لكنّهم أجازوا بالنّسبة لتجّار أهل الحرب أن يؤخذ‬
‫منهم أكثر من العشر إن اشترط ذلك عليهم ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ وهو قول ابن نافع وابن القاسم من المالكيّة إلى أنّ تقدير‬
‫ي متروك إلى اجتهاد المام حسب ما تقضي به‬
‫العشور الّتي تؤخذ من التّاجر الحرب ّ‬
‫المصلحة العامّة‪ ،‬فيجوز له أن يشترط أخذ العشر أو أكثر منه أو دونه ‪ ،‬ويجوز له عدم‬
‫أخذ شيء إذا جلب الحربيّ بضاع ًة يحتاج إليها المسلمون ‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يجب على الحربيّ العشر دفعةً واحدةً ‪ ،‬سواء عشّروا أموال‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أخذ من أهل الحرب‬
‫المسلمين إذا دخلت إليهم أم ل ‪ ،‬ل ّ‬
‫العشر واشتهر ذلك عنه ولم ينكر وعمل به الخلفاء الرّاشدون بعده ‪.‬‬

‫المدّة الّتي يجزئ عنها العشر ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬تختلف المدّة الّتي يجزئ عنها العشر باختلف الشخاص الّذين يخضعون له ‪.‬‬

‫أوّلً ‪ :‬ال ّذمّيّ ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العشر ل يؤخذ من تجّار أهل ال ّذمّة في‬

‫السّنة إلّ مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬واستدلّوا بالقياس على الجزية فهي ل تؤخذ من ال ّذمّيّ في السّنة إلّ‬
‫ن الخذ منهم أكثر من مرّة قد يؤدّي إلى استئصال المال ‪.‬‬
‫مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬ول ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العشر يؤخذ من تجّار أهل ال ّذمّة كلّما اختلفوا إلى آفاق المسلمين ‪،‬‬
‫ولو تكرّر ذلك منهم في السّنة مرارا إذا كان اختلفه من قطاع إلى آخر ‪ ،‬لنّ علّة الخذ‬
‫منهم النتفاع والحماية وهي متحقّقة في كلّ حال يختلفون به ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬الحربيّ ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫ي إذا دخل دار السلم بعقد أمان ودفع عشر تجارته فل‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ الحرب ّ‬

‫يؤخذ منه العشر مرّةً ثانيةً في أثناء مدّة المان الّتي تق ّل عن سنة ‪ ،‬لنّ بلد السلم كالبلد‬
‫الواحد بالنّسبة للحربيّ ‪.‬‬
‫كما ذهبوا إلى أنّه إذا عاد في السّنة بمال آخر غير الّذي عشره أخذ منه العشر ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما إذا لم تنفق تجارته الّتي عشرها ثمّ رجع بها إلى دار الحرب ثمّ عاد مرّةً‬
‫أخرى بها ‪ ،‬هل تعشر مرّةً ثانيةً أم ل ؟‬
‫ن العشر يؤخذ منه كلّما‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة وأبو عبيد وهو وجه عند الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫دخل دار السلم ‪ ،‬سواء عاد بنفس المال أو بمال آخر سواه ‪ ،‬لنّ المان الوّل قد انتهى‬
‫بدخوله دار الحرب وقد رجع بأمان جديد فل بدّ من تجديد العشر ‪ ،‬ولنّ الخذ منهم بعد‬
‫دخول دار الحرب ل يفضي إلى استئصال المال ‪.‬‬
‫ص المام الشّافعيّ ‪ ،‬إلى أنّ‬
‫وذهب الحنابلة والشّافعيّة في أصحّ الوجهين ‪ ،‬وهو ظاهر ن ّ‬
‫ي سوى مرّة واحدة في السّنة ولو تردّد إلى دار السلم‬
‫العشر ل يؤخذ من التّاجر الحرب ّ‬
‫ق يؤخذ من التّجارة فل يؤخذ أكثر من مرّة في السّنة كالزّكاة‬
‫ي ‪ ،‬لنّه ح ّ‬
‫عدّة مرّات كال ّذمّ ّ‬
‫ي وجزية الرّءوس ‪.‬‬
‫ونصف العشر من ال ّذمّ ّ‬

‫وقت استيفاء العشر ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫ن وقت استيفاء العشر بالنّسبة‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وابن حبيب من المالكيّة ‪ ،‬أ ّ‬

‫ي عند دخوله دار السلم ‪ ،‬وبالنّسبة لل ّذمّيّ عند مروره بعاشر القليم المنتقل إليه ‪،‬‬
‫للحرب ّ‬
‫ن المأخوذ منهم له حقّ الوصول والحماية‬
‫سواء باع ما في يده من بضاعة أو لم يبع ‪ ،‬ل ّ‬
‫من اللّصوص وقطّاع الطّريق ‪.‬‬
‫وذهب ابن القاسم من المالكيّة إلى أنّ وقت استيفاء العشر بالنّسبة لل ّذمّيّ الّذي ينتقل‬
‫ببضاعته من أفق إلى آخر عند بيع ما بيده من بضاعة ‪ ،‬فإذا لم يبع شيئا لم يؤخذ منه‬
‫ي فيؤخذ منه العشر عند دخوله دار‬
‫ق النتفاع ‪ ،‬أمّا الحرب ّ‬
‫شيء ‪ ،‬لنّ المأخوذ منه لح ّ‬
‫السلم ‪.‬‬
‫ن تحديد وقت استيفاء العشر يختلف باختلف شرط المام ‪ ،‬فإن‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫اشترط أن يأخذ من البضاعة ‪ ،‬أو عند الدّخول كان الوقت بالنّسبة للحربيّ عند دخول دار‬
‫السلم وبالنّسبة لل ّذمّيّ عند مروره بالعاشر سواء باع أو لم يبع ‪ ،‬وإن اشترط أن يأخذ من‬
‫ثمن ما باعوه كان وقت الستيفاء بعد أن يبيعوا البضاعة فإن كسدت ولم يبيعوا لم يؤخذ‬
‫منهم شيء ‪ ،‬لنّه لم يحصل الثّمن ‪.‬‬

‫من له حقّ استيفاء العشر ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫ن العشر من الموال العامّة الّتي يتولّى أمرها الئمّة والولة ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫ق أخذ‬
‫أمن الطّريق بالمام والولة ‪ ،‬فصار هذا المال آمنا برعايتهم وحمايتهم ‪ ،‬فثبت ح ّ‬
‫العشر لهم ‪.‬‬

‫طرق استيفاء العشر ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫ق في استيفاء العشر فل يعني ذلك أنّ كَلً‬
‫‪ -‬إذا كان المام أو الوالي هو صاحب الح ّ‬

‫منهما سيباشر ذلك بنفسه ‪ ،‬وإنّما له أن يوكّل غيره في استيفائها ‪ ،‬ومن الطّرق المتّبعة في‬
‫استيفاء العشور العمالة على العشور ‪ ،‬والقبالة ‪ -‬التّضمين ‪. -‬‬

‫الطّريقة الولى ‪ :‬العمالة على العشر ‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫‪ -‬العمالة على العشر ولية من الوليات الشّرعيّة الصّادرة عن المام يتمّ بمقتضاها‬

‫استيفاء العشر وقبضه ‪ ،‬ويطلق على عامل العشر العاشر وهو ‪ :‬من ينصّبه المام على‬
‫الطّريق ليأخذ العشر الشّامل لربعه ونصفه ‪.‬‬
‫وللعاشر وظيفتان هما ‪ :‬الجباية والحماية ‪ ،‬فهو يجبي العشر سواء كان المأخوذ عشرا‬
‫لغويّا أو ربعه أو نصفه ‪ ،‬وهو يحمي ال ّتجّار من اللّصوص وقطّاع الطّريق ‪.‬‬

‫حكم العمل على العشور ‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫‪ -‬العمل على العشر من العمال المشروعة الّتي عمل بها الصّحابة والتّابعون والسّلف‬

‫ن عمر بن الخطّاب‬
‫الصّالح ‪ ،‬وإن كان قد تحرّج منها بعض الصّحابة والتّابعين ‪ ،‬فقد روي أ ّ‬
‫رضي ال عنه أراد أن يستعمل أنس بن مالك رضي ال عنه على هذا العمل ‪ ،‬فقال له ‪:‬‬
‫أتستعملني على المكس من عملك ؟ فقال ‪ :‬أل ترضى أن أقلّدك ما قلّدنيه رسول اللّه ؟‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وكان أوّل عاشر في السلم زياد بن حدير السديّ الّذي بعثه عمر رضي ال عنه على‬
‫عشور العراق والشّام ‪ ،‬وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل ال ّذمّة نصف‬
‫صةً ‪.‬‬
‫العشر ومن أهل الحرب العشر ‪ ،‬فصار ذلك س ّنةً في المرور بأموال التّجارة خا ّ‬

‫شروط العاشر ‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫‪ -‬كانت مهمّة العاشر ل تقتصر على جباية العشر من تجّار أهل الحرب ‪ ،‬وأهل ال ّذمّة ‪،‬‬

‫وإنّما تشتمل فضلً عن ذلك على جباية الزّكاة وحماية ال ّتجّار من اللّصوص وقطّاع‬
‫الطّريق ‪ ،‬فيشترط فيه من الشّروط ما يؤهّله للقيام بهذا العمل ‪ ،‬ومن ذلك ‪ :‬السلم ‪،‬‬
‫والحرّيّة ‪ ،‬والعلم بأحكام العشر ‪ ،‬والقدرة على حماية ال ّتجّار من اللّصوص وقطّاع الطّرق ‪،‬‬
‫لنّ الجباية بالحماية ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬عامل ف ‪. ) 6‬‬

‫ما يراعيه العاشر في جباية العشور ‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ -‬على العاشر أن يراعي عند أخذه العشر المور التّالية ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أن ل يتعدّى على النّاس فيما يعاملهم به ‪ ،‬فل يأخذ منهم أكثر ممّا يجب عليهم ‪ ،‬ويجب‬
‫عليه أن يمتثل ما أمره به الحاكم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن ل يكرّر أخذ العشر ‪.‬‬
‫فعن زياد بن حدير أنّه م ّد حبلً على الفرات ‪ ،‬فم ّر به رجل نصرانيّ فأخذ منه ‪ ،‬ثمّ انطلق‬
‫فباع سلعته فلمّا رجع مرّ عليه فأراد أن يأخذ منه ‪ ،‬فقال ‪ :‬كلّما مررت عليك تأخذ منّي ؟‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فرحل الرّجل إلى عمر بن الخطّاب فوجده بمكّة يخطب النّاس ‪ ،‬قال فقلت له ‪ :‬يا‬
‫أمير المؤمنين ‪ ،‬إنّي رجل نصرانيّ مررت على زياد بن حدير فأخذ منّي ‪ ،‬ثمّ انطلقت فبعت‬
‫سلعتي ‪ ،‬ثمّ أراد أن يأخذ منّي ‪ ،‬قال ‪ :‬ليس له ذلك ‪ ،‬ليس له عليك في مالك في السّنة إلّ‬
‫مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬ثمّ نزل ‪ ،‬فكتب إليه في ‪ ،‬ومكثت أيّاما ثمّ أتيته ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أنا الشّيخ النّصرانيّ‬
‫الّذي كلّمتك في زياد ‪ ،‬فقال ‪ :‬وأنا الشّيخ الحنيفيّ قد قضيت حاجتك ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬أن يكتب العاشر كتابا لمن يأخذ منه العشر ‪ ،‬فقد روى أبو يوسف في كتابه الخراج‬
‫أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى رزيق بن حيّان ‪ -‬وكان على مكس مصر ‪ -‬يأمره بأن‬
‫يكتب كتابا لمن يأخذ منه بما أخذ منهم إلى مثلها في الحول ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العاشر ل يكتب براء ًة بما يأخذ من تجّار أهل الحرب وأهل ال ّذمّة كما‬
‫يكتب إلى تجّار المسلمين ‪ ،‬لنّ أخذ العشر من غير المسلمين يتكرّر بتكرّر دخول الحربيّ‬
‫دار السلم واختلف ال ّذمّيّ بتجارته على العاشر ‪.‬‬

‫الرّفق بأهل العشر ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫‪ -‬ينبغي للعاشر أن يكون رفيقا بأهل العشر عند استيفائها منهم ‪ ،‬فل يؤخّرهم ول‬

‫يظلمهم ول يتلف بضائعهم عند معاينتها أو تفتيشها ‪ ،‬ويقبل منهم ما تيسّر من العين أو‬
‫القيمة ‪.‬‬
‫فإذا أراد العاشر استيفاء العشر من الموال التّجاريّة الّتي يم ّر بها غير المسلم فل يتعيّن‬
‫الستيفاء من العين ‪ ،‬أو من القيمة عند جمهور الفقهاء على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬يؤخذ من عين السّلعة الواردة ‪ ،‬فإن كانت متاعا أخذ منه وإن كان‬
‫نقدا أخذ منه ‪ ،‬وأضاف الحنفيّة أنّ الخمر يؤخذ من قيمتها ‪.‬‬
‫وذهب بعض فقهاء المالكيّة إلى أنّه يفرّق بين ما ينقسم وما ل ينقسم ‪ ،‬فيؤخذ من أهل‬
‫ال ّذمّة عشر ما ينقسم ‪ ،‬قياسا على زكاة الزّروع والثّمار ‪ ،‬وأمّا ما ل ينقسم فيؤخذ عشر‬
‫القيمة ‪ ،‬وذهب آخرون منهم إلى أنّ العاشر يأخذ القيمة على كلّ حال ‪ ،‬سواء كان المال‬
‫ن السواق تحوّل وتختلف فيجب أن يأخذ ما ًل تحيله‬
‫ممّا ينقسم أو ممّا يكال أو يوزن ‪ ،‬ل ّ‬
‫السواق ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الصل في استيفاء العشر العين ‪ ،‬فيؤخذ من نفس المتاع‬
‫‪ ،‬بدليل فعل عمر رضي ال عنه إ ّل أن يشترط المام على أهل العشور الخذ من الثّمن ‪.‬‬

‫الطّريقة الثّانية لستيفاء العشور ‪:‬‬
‫القبالة ‪ -‬التّضمين ‪: -‬‬

‫‪38‬‬

‫ي ‪ :‬كلّ من تقبّل بشيء مقاطعةً‬
‫‪ -‬القبالة لغةً ‪ :‬مصدر قبَل ‪ -‬بفتح الباء ‪ -‬قال الزّمخشر ّ‬

‫‪ ،‬وكتب عليه بذلك الكتاب ‪ ،‬فعمله القبالة ‪ -‬بالكسر ‪ ، -‬وكتابه المكتوب عليه هو القبالة ‪-‬‬
‫بالفتح ‪. -‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬أن يدفع السّلطان أو نائبه صقعا أو بلد ًة إلى رجل مدّة سنة مقاطعةً بمال‬
‫يؤدّيه إليه عن عشور أموال التّجارة ‪ ،‬ويكتب عليه بذلك كتابا ‪ ،‬وهي تسمّى بالتّضمين أو‬
‫اللتزام ‪.‬‬

‫وقد يقع في جباية العشور بهذه الطّريقة ظلم لهل العشور أو غبن لبيت المال ‪ ،‬ولذلك مال‬
‫بعض الفقهاء ومنهم ابن عابدين إلى منعها ‪.‬‬

‫مسقطات العشر ‪:‬‬

‫‪39‬‬

‫‪ -‬يسقط العشر المستحقّ على أموال التّجارة لغير المسلمين بالمور التّالية ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫ن العشر الخاصّ بتجارة غير المسلمين يسقط عمّن أسلم منهم ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫لنّ ذلك إنّما كان لكونهم كفّارا ‪ ،‬فإذا دخلوا في السلم سقط ذلك عنهم فلم يبق الموجب‬
‫للخذ ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬إسقاط المام لها ‪:‬‬

‫‪41‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ‪ :‬يجوز للمام إسقاط العشور عن بعض ال ّتجّار الّذين يجلبون‬

‫بضائع يحتاج إليها المسلمون ‪ :‬كالطّعام والزّيت وغير ذلك ‪.‬‬
‫ي شيئا إذا كان من قوم ل يأخذون من تجّارنا شيئا ‪ ،‬عملً‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل نأخذ من الحرب ّ‬
‫بمبدأ المجازاة أو المعاملة بالمثل ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّ للمام إسقاط العشر إذا رأى المصلحة في ذلك ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬انقطاع حقّ الولية بالنّسبة للحربيّ ‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫ي إذا دخل دار السلم ومرّ بالعاشر ولم يعلم به حتّى‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على ‪ :‬أنّ الحرب ّ‬

‫خرج وعاد إلى دار الحرب ثمّ رجع مرّةً ثاني ًة فعلم به لم يعشره لما مضى ‪ ،‬لنقطاع حقّ‬
‫ن العشر ل يسقط عنه بعدم علم‬
‫الولية عنه بالرّجوع إلى دار الحرب ‪ ،‬بخلف ال ّذمّيّ فإ ّ‬
‫العاشر به عند المرور ‪.‬‬

‫مصارف العشر ‪:‬‬

‫‪43‬‬

‫ن العشر المأخوذ من تجّار أهل الحرب وأهل ال ّذمّة يصرف في‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى ‪ :‬أ ّ‬

‫مصارف الفيء ‪.‬‬
‫وتفصيل مصارف الفيء ينظر في مصطلح ‪ ( :‬فيء ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫العشر الواخر من رمضان *‬

‫‪ -‬العشر الواخر من رمضان في اصطلح الفقهاء ‪ :‬تبدأ من بداية ليلة الحادي والعشرين‬

‫من شهر رمضان ‪ ،‬وتنتهي بخروج رمضان ‪ ،‬تامّا كان أو ناقصا ‪ ،‬فإذا نقص فهي تسع ‪،‬‬
‫ن العشر عبارة‬
‫وعليه فإطلق العشر الواخر عليها بطريق التّغليب للتّمام ‪ ،‬لصالته ‪ ،‬ل ّ‬

‫عمّا بين العشرين إلى آخر الشّهر ‪ ،‬وهي اسم للّيالي مع اليّام ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَيَالٍ‬
‫عشْرٍ } ‪.‬‬
‫َ‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على استحباب مضاعفة الجهد في الطّاعات في العشر الواخر من‬

‫رمضان ‪ ،‬بالقيام في لياليها ‪ ،‬والكثار من الصّدقات وتلوة القرآن الكريم ومدارسته ‪ ،‬بأن‬
‫يقرأ عليه أو يقرأ هو على غيره ‪ ،‬وزيادة فعل المعروف وعمل الخير ‪ ،‬وذلك تأسّيا بالنّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لما روي عن أمّ المؤمنين عائشة رضي ال عنها قالت ‪ » :‬كان‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا اللّيل ‪ ،‬وأيقظ أهله ‪ ،‬وجدّ وشدّ المئزر‬
‫«‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يجتهد في العشر الواخر ما ل يجتهد في‬
‫وفي رواية ‪ » :‬كان النّب ّ‬
‫غيره « ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬ويستحبّ للرّجل أن يوسّع على عياله ‪ ،‬وأن يحسن إلى أرحامه وإلى جيرانه‬
‫في شهر رمضان ‪ ،‬ول سيّما في العشر الواخر منه ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫ن العتكاف يتأكّد استحبابه في العشر الواخر من رمضان ‪،‬‬
‫‪ -‬كما اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫وأنّه يستحبّ لمن يريد العتكاف في العشر الواخر أن يدخل المسجد قبل غروب الشّمس‬
‫من ليلة الحادي والعشرين من رمضان ‪ ،‬ثمّ يبيت ليلة العيد فيغدو كما هو إلى مصلّى‬
‫العيد ‪ ،‬لفعله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال إبراهيم النّخعيّ ‪ :‬كانوا يحبّون لمن اعتكف العشر‬
‫الواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ‪ ،‬ثمّ يغدو إلى المصلّى من المسجد ‪،‬‬
‫ل يفوته شيء من العشر الواخر ‪ ،‬تمّ الشّهر أو نقص ‪ ،‬ولما ثبت ‪ » :‬أنّ رسول اللّه‬
‫لئ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان يعتكف العشر الواخر من رمضان حتّى توفّاه اللّه تعالى ‪ ،‬ثمّ‬
‫اعتكف أزواجه من بعده « ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الواخر « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬اعتكاف ‪ ،‬مسجد ) ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬كما ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ ليلة القدر باقية إلى يوم القيامة ولم ترفع ‪ ،‬وأنّها في‬

‫شهر رمضان وفي العشر الواخر منه ‪ ،‬وأنّ أرجاها ليالي الوتار من العشر الواخر لقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬التمسوها في العشر الواخر من رمضان ‪ ،‬ليلة القدر في تاسعة‬
‫تبقى ‪ ،‬في سابعة تبقى ‪ ،‬في خامسة تبقى « ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬تحرّوا ليلة القدر‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫في الوتر من العشر الواخر من رمضان « ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ليلة القدر ) ‪.‬‬

‫عشر ذي الحجّة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬عشر ذي الحجّة ‪ :‬اسم للعدد الّذي يبتدئ من أوّل الشّهر إلى العاشر منه ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بعشر ذي الحجّة ‪:‬‬
‫مضاعفة العمل فيها ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ن أيّام عشر ذي الحجّة ولياليها أيّام شريفة ومفضّلة ‪ ،‬يضاعف‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى ‪ :‬أ ّ‬

‫العمل فيها ‪ ،‬ويستحبّ الجتهاد في العبادة فيها ‪ ،‬وزيادة عمل الخير والبرّ بشتّى أنواعه‬
‫عشْرٍ } حيث يرى‬
‫فيها ‪ ،‬ولعظم شأنها أقسم اللّه سبحانه بها بقوله ‪ { :‬وَا ْل َفجْرِ ‪ ،‬وَلَيَا ٍل َ‬
‫ن المقصود من الية هي عشر ذي الحجّة ‪.‬‬
‫جمهور المفسّرين أ ّ‬
‫وهي أفضل أيّام السّنة لما روى ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ » :‬ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى اللّه من هذه اليّام ‪ ،‬يعني أيّام‬
‫العشر قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه ول الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال ‪ :‬ول الجهاد في سبيل اللّه ‪ ،‬إلّ‬
‫رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬ما من‬
‫ولما روي عن أبي هريرة رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫أيّام أحبّ إلى اللّه أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة ‪ ،‬يعدل صيام كلّ يوم منها بصيام‬
‫سنة ‪ ،‬وقيام كلّ ليلة منها بقيام ليلة القدر « ‪.‬‬

‫استحباب الصّوم في عشر ذي الحجّة ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬يستحبّ الصّوم في العشر الول من ذي الحجّة ما عدا العاشر منه ‪،‬‬

‫وهو يوم النّحر الّذي هو يوم عيد الضحى المبارك ‪ ،‬فل يجوز الصّيام فيه باتّفاق ‪ ،‬فالمراد‬
‫ما عداه من باقي العشر ‪.‬‬
‫واستدلّوا لذلك بالحاديث السّابقة ‪.‬‬
‫ج ‪ ،‬لما ثبت عن أبي‬
‫أمّا صوم يوم عرفة وفضله فقد اتّفق الفقهاء على استحبابه إلّ للحا ّ‬
‫قتادة رضي ال عنه قال ‪ » :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن صوم يوم عرفة‬
‫فقال ‪ :‬يكفّر السّنة الماضية والباقية « ‪.‬‬
‫ن اللّه سبحانه يغفر‬
‫وفي معنى تكفير السّنة الماضية والمستقبلة قال بعض الفقهاء ‪ :‬إ ّ‬
‫للصّائم ذنوب سنتين ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬يغفر له ذنوب السّنة الماضية ‪ ،‬ويعصمه عن الذّنوب‬
‫في السّنة المستقبلة ‪.‬‬

‫أمّا فيما يغفر من الذّنوب بصيام يوم عرفة فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬المراد صغائر الذّنوب‬
‫دون الكبائر ‪ ،‬لقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة‬
‫ن من الذّنوب إذا اجتنب الكبائر « ‪.‬‬
‫ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينه ّ‬
‫وقال آخرون ‪ :‬إنّ هذا لفظ عامّ وفضل اللّه واسع ل يحجر ‪ ،‬فيرجى أن يغفر اللّه له ذنوبه‬
‫صغيرها وكبيرها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬صغائر ف ‪ ، 4‬يوم عرفة ) ‪.‬‬

‫عشْرة *‬
‫ِ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العشرة في اللّغة ‪ :‬اسم من المعاشرة والتّعاشر ‪ ،‬وهي المخالطة ‪.‬‬

‫والعشير ‪ :‬القريب ‪ ،‬والصّديق ‪.‬‬
‫ن أكثر أهل‬
‫وعشير المرأة ‪ :‬زوجها ‪ ،‬لنّه يعاشرها وتعاشره ‪ ،‬وفي الحديث ‪ » :‬إنّي أريتك ّ‬
‫النّار ‪ ،‬فقيل ‪ :‬لم يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬تكثرن اللّعن وتكفرن العشير « ‪.‬‬
‫والعشرة اصطلحا ‪ :‬هي ما يكون بين الزّوجين من اللفة والنضمام ‪.‬‬
‫النّشوز ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬أصل النّشوز في اللّغة الرتفاع ‪ ،‬ومن معانيه ‪ :‬عصيان المرأة زوجها ‪ ،‬وترك الرّجل‬

‫زوجته ‪.‬‬
‫وفي اصطلح جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ : -‬هو خروج الزّوجة عن‬
‫طاعة زوجها ‪.‬‬

‫حكم العشرة بالمعروف ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫ن العشرة بالمعروف بين الزّوجين مندوبة ومستحبّة ‪ ،‬قال‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬

‫الكاسانيّ ‪ :‬من أحكام النّكاح الصّحيح المعاشرة بالمعروف ‪ ،‬وأنّه مندوب إليه ومستحبّ ‪..‬‬
‫وكذلك من جانبها هي مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ويسنّ لكلّ منهما تحسين الخلق لصاحبه ‪ ،‬والرّفق به ‪ ،‬واحتمال أذاه ‪.‬‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى ‪ :‬وجوب العشرة بالمعروف ديانةً ل قضاءً ‪.‬‬
‫قال ابن العربيّ ‪ :‬هذا ‪ -‬أي العشرة بالمعروف ‪ -‬واجب على الزّوج ول يلزمه ذلك في‬
‫القضاء إلّ أن يجري النّاس في ذلك على سوء عادتهم ‪ ،‬فيشترطونه ويربطونه بيمين ‪.‬‬

‫الحثّ على العشرة بالمعروف ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ث الشّارع على العشرة بين الزّوجين بالمعروف ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَعَاشِرُو ُهنّ‬
‫‪-‬ح ّ‬

‫بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫ن مِ ْثلُ الّذِي عَلَ ْيهِنّ بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫وقال تعالى ‪ { :‬وَ َلهُ ّ‬
‫ضحّاك في تفسير‬
‫ن أن يتّقين اللّه فيهم ‪ ،‬وقال ال ّ‬
‫قال أبو زيد ‪ :‬يتّقون اللّه فيهنّ كما عليه ّ‬
‫هذه الية ‪ :‬إذا أطعن اللّه وأطعن أزواجهنّ فعليه أن يحسن صحبتها ‪ ،‬ويكفّ عنها أذاه ‪،‬‬
‫وينفق عليها من سعته ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬استوصوا بالنّساء خيرا فإنّهنّ عندكم عوان « ‪.‬‬
‫وقال النّب ّ‬

‫معنى العشرة بالمعروف ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬معنى العشرة بالمعروف الّتي أمر اللّه تعالى بها الزواج في قوله تعالى ‪:‬‬

‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ } هو ‪ :‬أداء الحقوق كاملةً للمرأة مع حسن الخلق في المصاحبة‬
‫شرُوهُ ّ‬
‫{ وَعَا ِ‬
‫‪ .‬وقال الجصّاص ‪ :‬ومن المعروف أن يوفّيها حقّها من المهر والنّفقة والقسم ‪ ،‬وترك أذّاها‬
‫بالكلم الغليظ ‪ ،‬والعراض عنها ‪ ،‬والميل إلى غيرها ‪ ،‬وترك العبوس والقطوب في وجهها‬
‫بغير ذنب ‪.‬‬
‫ن مِ ْثلُ الّذِي عَلَ ْيهِنّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬قال بعض أهل العلم في تفسير قوله تعالى ‪ { :‬وَ َلهُ ّ‬
‫بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪ :‬التّماثل هاهنا في تأدية كلّ واحد منهما ما عليه من الحقّ لصاحبه ‪ ،‬ول‬
‫يمطله به ‪ ،‬ول يظهر الكراهة ‪ ،‬بل ببشر وطلقة ‪ ،‬ول يتبعه أذىً ول م ّن ًة ‪ ،‬لقول اللّه‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ } وهذا من المعروف ‪ ،‬ويستحبّ لكلّ واحد منهما تحسين‬
‫شرُوهُ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬وَعَا ِ‬
‫الخلق مع صاحبه والرّفق به واحتمال أذاه ‪.‬‬

‫تحقّق العشرة بالمعروف بين الزّوجين ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬سبق أنّ معنى العشرة بالمعروف هو أداء الحقوق كاملةً مع حسن الخلق في‬

‫المصاحبة وهذه الحقوق إمّا أن تكون للزّوج أو للزّوجة أو مشتركةً بينهما ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬

‫حقوق الزّوج ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬حقّ الزّوج على الزّوجة من أعظم الحقوق ‪ ،‬بل إنّ حقّه عليها أعظم من حقّها عليه‬

‫جةٌ } ‪.‬‬
‫ن دَ َر َ‬
‫ف وَلِل ّرجَالِ عَلَ ْيهِ ّ‬
‫ن بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَ َلهُنّ مِ ْث ُل الّذِي عَلَ ْيهِ ّ‬
‫قال الجصّاص ‪ :‬أخبر اللّه تعالى في هذه الية أنّ لكلّ واحد من الزّوجين على صاحبه حقّا ‪،‬‬
‫وأنّ الزّوج مختصّ بحقّ له عليها ليس لها عليه ‪.‬‬
‫ص في أنّه مفضّل عليها مقدّم في حقوق النّكاح فوقها ‪.‬‬
‫وقال ابن العربيّ ‪ :‬هذا ن ّ‬

‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لحد لمرت المرأة أن‬
‫تسجد لزوجها « ‪.‬‬

‫ومن حقوق الزّوج ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تسليم المرأة نفسها ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬إذا استوفى عقد النّكاح شروطه ووقع صحيحا فإنّه يجب على المرأة تسليم نفسها إلى‬

‫الزّوج وتمكينه من الستمتاع بها ‪ ،‬لنّه بالعقد يستحقّ الزّوج تسليم العوض وهو‬
‫الستمتاع بها كما تستحقّ المرأة العوض وهو المهر ‪.‬‬
‫وللمرأة إن طلبها الزّوج أن تسأل النظار مدّةً جرت العادة أن تصلح أمرها فيها كاليومين‬
‫والثّلثة ‪ ،‬لنّ ذلك يسير جرت العادة بمثله ‪.‬‬
‫قال الخرشيّ ‪ :‬الزّوجة تمهل زمنا بقدر ما يتجهّز فيه مثلها بحسب العادة ‪ ،‬وهذا يختلف‬
‫باختلف النّاس من غنىً وفقر ‪ ،‬ويمنع الزّوج من الدّخول قبل مضيّ ذلك الزّمن المقدّر‬
‫بالعادة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو استمهلت لتنظيف ونحوه أمهلت ما يراه قاض كيوم أو يومين ‪ ،‬ول‬
‫يجاوز ثلثة أيّام ‪ ،‬وهذا المهال واجب ‪ ،‬وقيل مستحبّ ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّها ل تمهل لعمل جهاز ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬وفي الغنية إن استمهلت هي أو‬
‫أهلها استحبّ له إجابتهم ‪.‬‬

‫موانع التّسليم ‪:‬‬

‫يجوز للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها في الحالت التية ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ -‬عدم استيفائها للمهر المعجّل ‪:‬‬

‫‪ -‬للزّوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها إلى أن يدفع لها الزّوج صداقها المعجّل ‪.‬‬

‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬تسليم ف‬

‫‪19‬‬
‫‪2‬‬

‫‪10‬‬

‫) ومصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬

‫‪ -‬الصّغر ‪:‬‬

‫ن من موانع التّسليم الصّغر ‪ ،‬فل تسلّم صغيرة ل تحتمل الوطء إلى‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫زوجها حتّى تكبر ويزول هذا المانع ‪ ،‬لنّه قد يحمله فرط الشّهوة على الجماع فتتضرّر به ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى زوال مانع الصّغر بتحمّلها للوطء ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬ولو قال الزّوج ‪ :‬سلّموها لي ول أطؤها حتّى تحتمله ‪ ،‬فإنّه ل تسلّم له وإن‬
‫كان ثقةً ‪ ،‬إذ ل يؤمن من هيجان الشّهوة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا بلغت الصّغيرة تسع سنين دفعت إلى الزّوج ‪ ،‬وليس لهم أن يحبسوها‬
‫ن النّبيّ‬
‫ص أحمد على ذلك ‪ ،‬لما ثبت ‪ » :‬أ ّ‬
‫بعد التّسع ولو كانت مهزولة الجسم ‪ ،‬وقد ن ّ‬

‫صلى ال عليه وسلم بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين « لكن قال القاضي ‪ :‬ليس هذا‬
‫ن ابنة تسع يتمكّن من الستمتاع بها ‪.‬‬
‫ن الغالب أ ّ‬
‫عندي على طريقة التّحديد وإنّما ذكره ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإذا سلّمت بنت تسع سنين إليه وخافت على نفسها الفضاء من عظمه فلها منعه من‬
‫جماعها ويستمتع بها كما يستمتع من الحائض ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪11‬‬

‫‪ -‬المرض ‪:‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ من موانع تسليم المرأة إلى زوجها المرض ‪ ،‬والمقصود‬

‫بالمرض هنا المرض الّذي يمنع من الجماع ‪ ،‬وحينئذ تمهل المرأة إلى زوال مرضها ‪،‬‬
‫وألحق الشّافعيّة بالمريضة من بها هزال تتضرّر بالوطء معه ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الطّاعة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫ل انطلق غازيا وأوصى امرأته‬
‫‪ -‬يجب على المرأة طاعة زوجها ‪ ،‬فعن أنس ‪ » :‬أنّ رج ً‬

‫أن ل تنزل من فوق البيت ‪ ،‬وكان والدها في أسفل البيت ‪ ،‬فاشتكى أبوها ‪ ،‬فأرسلت إلى‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم تخبره وتستأمره فأرسل إليها ‪ :‬اتّقي اللّه وأطيعي زوجك ‪،‬‬
‫ثمّ إنّ والدها توفّي فأرسلت إليه تستأمره ‪ ،‬فأرسل إليها مثل ذلك ‪ ،‬وخرج رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم وأرسل إليها ‪ :‬إنّ اللّه قد غفر لك بطواعيتك لزوجك « ‪.‬‬
‫وقال أحمد في امرأة لها زوج وأمّ مريضة ‪ :‬طاعة زوجها أوجب عليها من أمّها إلّ أن‬
‫يأذن لها ‪.‬‬
‫وقد رتّب الشّارع الثّواب الجزيل على طاعة الزّوج ‪ ،‬كما رتّب الثم العظيم على مخالفة أمر‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬إذا دعا‬
‫الزّوج ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫الرّجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملئكة حتّى تصبح « ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ وجوب طاعة الزّوج مقيّد بأن ل يكون في معصية ‪ ،‬فل يجوز للمرأة أن تطيعه فيما‬
‫ل يحلّ ‪ ،‬مثل أن يطلب منها الوطء في زمان الحيض أو في غير محلّ الحرث ‪ ،‬أو غير ذلك‬
‫من المعاصي ‪ ،‬فإنّه ل طاعة لمخلوق في معصية الخالق ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الستمتاع بالزّوجة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته الستمتاع بها ‪ ،‬إذ عقد النّكاح موضوع لذلك ‪.‬‬

‫وقد ذهب الفقهاء إلى أنّه يجوز للرّجل أن ينظر إلى جميع بدن زوجته حتّى إلى فرجها ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬من أحكام النّكاح الصّحيح حلّ النّظر والمسّ من رأسها إلى قدميها حالة‬
‫ن الوطء فوق النّظر والمسّ ‪ ،‬فكان إحلله إحللً للمسّ والنّظر من طريق‬
‫الحياة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الولى‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الرّجل يمسّ فرج امرأته وهي‬
‫تمسّ فرجه ليتحرّك عليها هل ترى بذلك بأسا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬وأرجو أن يعظم الجر ‪.‬‬

‫كما ذهب الفقهاء إلى أنّ للزّوج الستمتاع بزوجته كلّ وقت على أيّ صفة كانت إذا كان‬
‫الستمتاع في القبل ‪ ،‬ولو كان الستمتاع في القبل من جهة عجيزتها لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ث ّل ُكمْ فَأْتُواْ حَرْ َث ُكمْ أَنّى شِئْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫{ ِنسَآ ُؤ ُكمْ حَرْ ٌ‬

‫منع الزّوج زوجته من كلّ ما يمنع من الستمتاع أو كماله ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬لمّا كان من مقاصد عقد النّكاح الصّحيح هو استمتاع الزّوج بزوجته ‪ ،‬كان للزّوج أن‬

‫يمنع زوجته من كلّ ما يمنع من الستمتاع أو كماله ‪.‬‬
‫ومن ثمّ فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ للزّوج إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنّفاس ‪،‬‬
‫لنّ ذلك يمنع الستمتاع الّذي هو حقّ له ‪ ،‬فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقّه ‪.‬‬
‫وصرّح الفقهاء بأنّ للزّوج أن يمنع زوجته من ك ّل ما يمنع من كمال الستمتاع ‪ ،‬قال الكمال‬
‫بن الهمام ‪ :‬وله أن يمنعها من أكل ما يتأذّى من رائحته ‪ ،‬ومن الغزل ‪.‬‬
‫وعلى هذا له أن يمنعها من التّزيّن بما يتأذّى بريحه ‪ ،‬كأن يتأذّى برائحة الحنّاء المخضرّ‬
‫ونحوه ‪ ،‬وله ضربها بترك الزّينة إذا كان يريدها ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬وله جبرها على التّطييب والستحداد ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ للزّوج أن يجبر زوجته على غسل ما تنجّس من أعضائها‬
‫ليتمكّن من الستمتاع بها ‪ ،‬وله منعها من لبس ما كان نجسا ‪ ،‬ولبس ما له رائحة كريهة ‪،‬‬
‫وله إجبارها على التّنظيف بالستحداد وقلم الظافر وإزالة شعر البط والوساخ سواء‬
‫تفاحش أو لم يتفاحش ‪ ،‬وله منعها من أكل ما يتأذّى من رائحته كبصل وثوم ومن أكل ما‬
‫يخاف منه حدوث مرض ‪.‬‬

‫د ‪ -‬التّأديب عند النّشوز ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته تأديبها عند النّشوز والخروج على طاعته ‪ ،‬لقوله‬

‫ن وَا ْهجُرُوهُنّ فِي ا ْلمَضَاجِعِ وَاضْرِبُو ُهنّ فَإِنْ‬
‫ن ُنشُوزَهُنّ َف ِعظُوهُ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬وَاللّتِي َتخَافُو َ‬
‫ن عَلِيّا كَبِيرا } ‪.‬‬
‫ن الّلهَ كَا َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ل تَ ْبغُواْ عَلَ ْيهِنّ سَبِي ً‬
‫َأطَعْ َنكُمْ فَ َ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تأديب ف ‪ ) 8‬ومصطلح ‪ ( :‬نشوز ) ‪.‬‬

‫هـ – عدم الذن لمن يكره الزّوج دخوله ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫– من حقّ الزّوج على زوجته ألّ تأذن في بيته لحد إلّ بإذنه ‪ ،‬لما ورد عن أبي هريرة‬

‫رضي ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬ل يحلّ للمرأة أن تصوم‬
‫وزوجها شاهد إلّ بإذنه ‪ ،‬ول تأذن في بيته إلّ بإذنه « ‪.‬‬
‫ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله ‪ :‬في هذا الحديث إشارة إلى أنّه ل يفتات على الزّوج‬
‫بالذن في بيته إلّ بإذنه ‪ ،‬وهو محمول على ما ل تعلم رضا الزّوج به ‪ ،‬أمّا لو علمت رضا‬

‫الزّوج بذلك فل حرج عليها ‪ ،‬كمن جرت عادته بإدخال الضّيفان موضعا معدّا لهم سواء كان‬
‫حاضرا أم غائبا فل يفتقر إدخالهم إلى إذن خاصّ لذلك ‪.‬‬
‫ل أو إجمالً ‪.‬‬
‫وحاصله أنّه ل بدّ من اعتبار إذنه تفصي ً‬

‫و ‪ -‬عدم الخروج من البيت إ ّل بإذن الزّوج ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته ألّ تخرج من البيت إلّ بإذنه لما روى ابن عبّاس رضي‬

‫ي صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه ما حقّ‬
‫ن امرأةً أتت النّب ّ‬
‫ال عنهما ‪ » :‬أ ّ‬
‫الزّوج على زوجته ؟ فقال ‪ :‬حقّه عليها ألّ تخرج من بيتها إلّ بإذنه ‪ ،‬فإن فعلت لعنتها‬
‫ملئكة السّماء وملئكة الرّحمة وملئكة العذاب حتّى ترجع « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬زوج ف ‪، 5‬‬

‫‪6‬‬

‫)‪.‬‬

‫ز ‪ -‬الخدمة ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزّوجة لزوجها ‪:‬‬

‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة إلى أنّه ل يجب على الزّوجة خدمة زوجها ‪،‬‬
‫والولى لها فعل ما جرت العادة به ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى وجوب خدمة المرأة لزوجها ديان ًة ل قضاءً ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب على المرأة خدمة زوجها في العمال الباطنة الّتي جرت العادة‬
‫بقيام الزّوجة بمثلها إلّ أن تكون من أشراف النّاس فل تجب عليها الخدمة ‪ ،‬إلّ أن يكون‬
‫زوجها فقير الحال ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬خدمة ف‬

‫‪18‬‬

‫)‪.‬‬

‫ح ‪ -‬السّفر بالزّوجة ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫ي صلى ال‬
‫‪ -‬من حقّ الزّوج على زوجته السّفر والنتقال بها من بلد إلى بلد ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬

‫عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة للسّفر بالزّوجة أن يكون الزّوج مأمونا عليها ‪.‬‬

‫حقوق الزّوجة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المهر ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬من حقوق المرأة على زوجها المهر ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ ال ّنسَاء صَدُقَا ِتهِنّ‬

‫ِنحْ َلةً } ‪.‬‬
‫قال الكيا الهرّاسيّ ‪ :‬والنّحلة هاهنا الفريضة ‪ ،‬وهو مثل ما ذكره اللّه تعالى عقب ذكر‬
‫ضةً مّنَ الّلهِ } ‪.‬‬
‫المواريث ‪ { :‬فَرِي َ‬
‫كما أنّه ل يحلّ للزّوج أن يأخذ من مهر زوجته شيئا إلّ برضاها وطيب نفسها ‪.‬‬

‫حلّ َل ُكمْ أَن تَ ْأخُذُواْ ِممّا آتَيْ ُتمُوهُنّ شَيْئا } ‪.‬‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َي ِ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬النّفقة ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬من حقوق المرأة على زوجها النّفقة ‪.‬‬

‫ق ِممّا آتَاهُ الّلهُ } ‪.‬‬
‫سعَ ِتهِ َومَن قُ ِدرَ عَلَ ْيهِ رِزْ ُقهُ فَلْيُنفِ ْ‬
‫س َعةٍ مّن َ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬لِيُنفِقْ ذُو َ‬
‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬فاتّقوا اللّه في النّساء ‪ ،‬فإنّكم أخذتموهنّ بأمان اللّه ‪،‬‬
‫واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه ‪ ، ...‬ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف « ‪.‬‬
‫قال ابن هبيرة ‪ :‬اتّفقوا على وجوب نفقة الرّجل على من تلزمه نفقته كالزّوجة والولد‬
‫الصّغير والب ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬إعفاف الزّوجة ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬من حقّ الزّوجة على زوجها أن يقوم بإعفافها ‪ ،‬وذلك بأن يطأها ‪.‬‬

‫وقد ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه يجب على الزّوج أن يطأ‬
‫زوجته ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى عدم وجوب الوطء على الزّوج وإنّما هو سنّة في حقّه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وطء ) ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز للزّوج أن يعزل عن زوجته الحرّة بل إذنها ‪ ،‬لما‬
‫روي عن عمر قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن عزل الحرّة إلّ بإذنها « ‪،‬‬
‫ولنّ لها في الولد حقّا وعليها في العزل ضررا فلم يجز إلّ بإذنها ‪.‬‬
‫لكن أجاز بعض الحنفيّة العزل بغير رضا الزّوجة إن خاف الزّوج من الولد السّوء لفساد‬
‫الزّمان ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عزل ‪ ،‬ووطء ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬البيات عند الزّوجة ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب بيات الزّوج عند زوجته ‪:‬‬

‫فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجب على الزّوج أن يبيت عند زوجته ‪ ،‬واختلفوا في‬
‫تقديره ‪ ،‬فذهب الحنفيّة إلى عدم تقديره وإنّما يجب على الزّوج البيات عند زوجته أحيانا‬
‫من غير توقيت ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وإذا تشاغل الزّوج عن زوجته بالعبادة أو غيرها فظاهر المذهب أنّه ل‬
‫يتعيّن مقدار بل يؤمر أن يبيت معها ويصحبها أحيانا من غير توقيت ‪ ،‬واختار الطّحاويّ أنّ‬

‫لها يوما وليل ًة من كلّ أربع ليال وباقيها له ‪ ،‬لنّ له أن يسقط حقّها في الثّلث بتزوّج ثلث‬
‫حرائر ‪ ،‬وإن كانت الزّوجة أمةً فلها يوم وليلة من كلّ سبع ‪ ،‬وهذه رواية الحسن عن أبي‬
‫حنيفة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يجب على الزّوج أن يبيت في مضجع زوجته الحرّة ليلةً من كلّ‬
‫أربع ليال ‪ ،‬لما روى كعب بن سوّار أنّه كان جالسا عند عمر بن الخطّاب فجاءت امرأة‬
‫ل قطّ أفضل من زوجي ‪ ،‬واللّه إنّه ليبيت ليله قائما‬
‫فقالت ‪ :‬يا أمير المؤمنين ما رأيت رج ً‬
‫ويظلّ نهاره صائما ‪ ،‬فاستغفر لها وأثنى عليها ‪ ،‬واستحيت المرأة وقامت راجعةً ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا‬
‫ل أعديت المرأة على زوجها ؟ فقال ‪ :‬ما ذاك ؟ فقال ‪ :‬إنّها جاءت تشكوه‬
‫أمير المؤمنين ه ّ‬
‫إذا كان هذا حاله في العبادة متى يتفرّغ لها ؟ فبعث عمر إلى زوجها وقال لكعب اقض‬
‫بينهما فإنّك فهمت من أمرهما ما لم أفهمه ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنّي أرى أنّها امرأة عليها ثلث نسوة‬
‫ن يتعبّد فيهنّ ولها يوم وليلة ‪ ،‬وهذه قضيّة‬
‫وهي رابعتهنّ فاقض له بثلثة أيّام ولياليه ّ‬
‫اشتهرت ولم تنكر فكانت كالجماع ‪ ،‬يؤيّده قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعبد اللّه بن‬
‫عمرو بن العاص ‪:‬‬

‫» إنّ لجسدك عليك حقّا ‪ ،‬وإن لعينك عليك حقّا ‪ ،‬وإن لزوجك عليك‬

‫حقّا « ‪.‬‬
‫وقال القاضي وابن عقيل ‪ :‬يلزمه من البيتوتة ما يزول معه ض ّر الوحشة ‪ ،‬ويحصل منه‬
‫النس المقصود بالزّوجيّة بل توقيت فيجتهد الحاكم ‪ ،‬وصوّب المرداويّ هذا القول ‪ ،‬ومحلّ‬
‫ن الحقّ لها فل يجب بدون الطّلب ‪.‬‬
‫الوجوب إذا طلبت الزّوجة منه ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن له‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل يجب على الزّوج البيات عند زوجته ‪ ،‬وإنّما يس ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ن أدنى درجات السّنّة في البيات ليلة في كلّ أربع ليال ‪ ،‬اعتبارا بمن له‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأ ّ‬
‫أربع زوجات ‪.‬‬
‫ن تركها‬
‫واستظهر ابن عرفة من المالكيّة وجوب البيات عندها ‪ ،‬أو يحضر لها مؤنسةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫وحدها ضرر بها ل سيّما إذا كان المحلّ يتوقّع منه الفساد والخوف من اللّصوص ‪.‬‬

‫هـ – إخدام الزّوجة ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫– من حقّ الزّوجة على زوجها إخدامها ‪ ،‬لنّه من المعاشرة بالمعروف ‪ ،‬ولنّه ممّا‬

‫يحتاج إليه على الدّوام ‪.‬‬
‫وفي تفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬خدمة ف ‪ 7‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫و ‪ -‬القسم ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ -‬من حقّ الزّوجة على زوجها القسم ‪ ،‬وذلك فيما إذا كان الزّوج متزوّجا بأكثر من‬

‫واحدة ‪.‬‬
‫فعن عائشة قالت ‪ » :‬كان رسول اللّه يقسم فيعدل ‪ ،‬ويقول ‪ :‬اللّهمّ هذا قسمي فيما أملك فل‬
‫تلمني فيما تملك ول أملك « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قسم ) ‪.‬‬

‫الحقوق المشتركة بين الزّوجين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المعاشرة بالمعروف ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫‪ -‬المعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة بين الزّوجين ‪ ،‬فيجب على كلّ واحد منهما‬

‫أن يعاشر صاحبه بالمعروف ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل ذلك ‪ ( :‬ف ‪. ) 3‬‬

‫ب ‪ -‬الستمتاع ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬من الحقوق المشتركة بين الزّوجين استمتاع كلّ منهما بالخر ‪ ،‬وهذا الحقّ وإن كان‬

‫مشتركا لكنّه في جانب الرّجل أقوى منه في جانب المرأة ‪.‬‬
‫وقد سبق تفصيل ذلك ‪ ( :‬ف‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الرث ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬من الحقوق المشتركة بين الزّوجين الرث ‪ ،‬فيرث الزّوج زوجته عند وفاتها ‪ ،‬كما‬

‫جكُمْ إِن ّلمْ َيكُن‬
‫ترث الزّوجة زوجها عند وفاته لقوله ع ّز وجلّ ‪ { :‬وَ َل ُكمْ نِصْفُ مَا َترَكَ أَ ْزوَا ُ‬
‫ن وَ َلهُنّ‬
‫ن وَلَدٌ فَ َل ُكمُ الرّبُ ُع ِممّا َت َركْنَ مِن َبعْدِ وَصِ ّي ٍة يُوصِينَ ِبهَا َأوْ دَيْ ٍ‬
‫ن َلهُ ّ‬
‫ن وَلَدٌ َفإِن كَا َ‬
‫ّلهُ ّ‬
‫ن ِممّا َت َركْتُم مّن َبعْدِ وَصِ ّيةٍ‬
‫ن ال ّثمُ ُ‬
‫الرّبُ ُع ِممّا َت َركْ ُتمْ إِن ّلمْ َيكُن ّل ُكمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ َل ُكمْ وَلَدٌ فَ َلهُ ّ‬
‫تُوصُونَ ِبهَا َأوْ دَيْنٍ } ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬

‫انظر ‪ :‬عاقلة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫‪،‬‬

‫‪37‬‬

‫‪،‬‬

‫‪38‬‬

‫عشِيرَة *‬
‫َ‬
‫عصَابَة *‬
‫ِ‬

‫)‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬العصابة في اللّغة ‪ :‬من العصب ‪ ،‬وهو الطّيّ الشّديد ‪ ،‬يقال ‪ :‬عصب الشّيء يعصبه‬

‫عصبا ‪ :‬طواه ولواه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬شدّه ‪ ،‬والعصابة ما عصب به يقال ‪ :‬عصب رأسه وعصبه ‪:‬‬
‫شدّه ‪ ،‬وتطلق على العمامة ‪ ،‬والجماعة من النّاس ‪ ،‬والخيل ‪ ،‬والطّير ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فخصّ استعمالها عند الفقهاء في معنيين ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫الوّل ‪ :‬العمامة ‪ ،‬كما ورد في حديث ثوبان رضي ال عنه ‪ » :‬أ ّ‬
‫وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب « ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬العصائب العمائم ‪ ،‬سمّيت عصائب لنّ الرّأس يعصب بها ‪.‬‬
‫قال الخطّاب ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬ما يعصب به الجراحة ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الجبيرة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الجبيرة لغةً ‪ :‬العيدان الّتي تشدّ على العظم لتجبره على استواء ‪ ،‬يقال ‪ :‬جبرت اليد أي‬

‫وضعت عليها الجبيرة ‪.‬‬
‫واستعملها أكثر الفقهاء في نفس المع نى اللّغو يّ ‪ ،‬إلّ أ نّ المالكيّة ف سّروا الجبيرة بالمع نى‬
‫العمّ ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬الجبيرة ما يداوي الجرح ‪ ،‬سواء أكان أعوادا أم لزق ًة أم غير ذلك ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬العصابة بمعنى العمامة ‪:‬‬

‫ذكر الفقهاء أحكام العصابة بمعنى العمامة في مواضع ‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬المسح ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪-‬ذهب الحنابلة والمالكيّة ‪ -‬على تفصيل عندهم ‪ -‬إلى جواز المسح على العمامة في‬

‫الوضوء ‪ ،‬لما روي عن المغيرة بن شعبة قال ‪ » :‬توضّأ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ومسح على الخفّين والعمامة « ‪.‬‬
‫ولنّه حائل في محلّ ورد الشّرع بمسحه فجاز عليه كالخفّين ‪ ،‬كما قال ابن قدامة ‪ ،‬لكنّ‬
‫المالكيّة قيّدوا الجواز بما إذا خيف على نزعها ضرر ‪ ،‬أو شقّ نزعها ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فلم يقولوا بجواز المسح على العمامة ‪ ،‬بل قالوا ترفع ويمسح على الرّأس ‪،‬‬
‫وذلك لعدم الحرج في رفعها ‪ ،‬والمر في قوله تعالى وارد على مسح الرّأس ‪ ،‬بخلف‬
‫المسح على الخفّ ‪ ،‬لما في نزعه من الحرج فيجوز ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عمامة ‪ ،‬ومسح ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬السّجود على كور العمامة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ذكر الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه يكره السّجود على كور عمامته ‪ ،‬قال الحنفيّة‬

‫والحنابلة ‪ :‬إلّ لعذر ‪ ،‬وإن صحّ بشرط كونه على جبهته ‪ ،‬كلّها أو بعضها ل فوق الجبهة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى عدم جواز السّجود على كور عمامته ‪،‬‬
‫ر ‪ ( :‬سجود ف ‪. ) 7‬‬
‫وتفصيل أحكام العصابة بهذا المعنى ينظر في مصطلح ‪ ( :‬عمامة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬العصابة بمعنى ما يعصب به ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة المسح على ما يعصب به من اللّصوق ‪ ،‬واللّزوق والجبائر‬

‫في حالة العذر نيابةً عن الغسل أو التّيمّم ‪.‬‬
‫وتفصيل أحكام العصابة بهذا المعنى ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جبيرة ف ‪ 4‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫صبَة *‬
‫ع َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العصبة مأخوذ من العصب ‪ ،‬وهو ‪ :‬الطّيّ الشّديد ‪ ،‬يقال ‪ :‬عصب برأسه العمامة ‪:‬‬

‫شدّها ‪ ،‬ولفّها عليه ‪.‬‬
‫وفي اللّغة ‪ :‬اسم لبناء الرّجل ‪ ،‬وأقاربه لبيه ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬عصبة الرّجل ‪ :‬أولياؤه‬
‫الذّكور الّذين يرثونه ‪ ،‬سمّوا عصبته ‪ ،‬لنّهم عصبوا بنسبه ‪ ،‬فالب طرف ‪ ،‬والبن طرف ‪،‬‬
‫والخ جانب ‪ ،‬والعمّ جانب ‪ ،‬ولمّا أحاطوا به سمّوا عصبةً ‪ ،‬وكلّ شيء استدار على شيء‬
‫فقد عصب به ‪ ،‬ويطلق على الّذين يرثون الرّجل عن كللة ‪ :‬من غير والد ‪ ،‬ول ولد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هم كلّ من لم يكن له سهم مقدّر من المجمع على توريثهم فيرث المال إن‬
‫لم يكن معه ذو فرض ‪ ،‬أو ما فضل بعد الفروض ‪.‬‬
‫أصحاب الفروض ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬هم الّذين لهم نصيب مقدّر في كتاب اللّه ‪.‬‬

‫ذوو الرحام ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬هم كلّ قريب ليس بذي سهم ‪ ،‬ول عصبة ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعصبة ‪:‬‬
‫تقديم العصبة في غسل الميّت والصّلة عليه ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مرتبة العصبة في التّقدّم في غسل الميّت والصّلة عليه ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جنائز ف ‪ 4‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫العصبة في ولية النّكاح ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬للعصبة ‪ -‬وهو العاصب بنفسه هنا ‪ -‬الولية على أقاربه من النّساء فيزوّج بالعصوبة‬

‫ويقدّم على السّلطان ‪ ،‬ويقدّم القرب فالقرب على ترتيب الرث إن اجتمعوا ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫الشّافعيّة قالوا ‪ :‬إنّ البن ل يزوّج بالبنوّة ‪ ،‬لنّه ل مشاركة بينه وبين أمّه في النّسب فل‬
‫يعتنى بدفع العار عنه ‪ ،‬أمّا إذا كان ابن ابن عمّ زوّجها بالعصوبة النّسبيّة ‪ ،‬وخالفهم في‬
‫ذلك الئمّة الثّلثة ‪ :‬فيزوّج البن أمّه بالبنوّة عندهم بل يقدّم على الب عند أبي حنيفة‬
‫ومالك ‪ ،‬وعند أحمد وأبي يوسف ومحمّد يقدّم الب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( ولية النّكاح ) ‪.‬‬

‫حقّ العصبة في الحضانة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫ق الحضانة إلى عصبة‬
‫ق الحضانة من النّساء ‪ ،‬انتقل ح ّ‬
‫‪ -‬إذا لم يوجد من تستح ّ‬

‫المحضون من الرّجال ‪ ،‬على ترتيب الرث ‪ ،‬فيقدّم الب ‪ ،‬ثمّ الجدّ ‪ ،‬ثمّ الخ الشّقيق ‪ ،‬ثمّ‬
‫الخ لب ‪ ،‬ثمّ سائر العصبات على هذا التّرتيب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حضانة ف‬

‫‪10‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫لزوم دية الخطأ وشبه العمد على العصبة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬تلزم دية الخطأ عاقلة الجاني ومنها عصبته من النّسب ‪ ،‬فيقدّم القرب فالقرب ‪،‬‬

‫واستثنى الشّافعيّة من ذلك الصل والفرع ‪ ،‬فل يعقل الصل ول الفرع ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬

‫‪76‬‬

‫‪ ،‬وعاقلة ) ‪.‬‬

‫العصبة في الرث ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬العصبة في الرث تنقسم إلى ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬عاصب بنفسه ‪ ،‬وهو ‪ :‬كلّ قريب للميّت من الذّكور ل تفصل بينه وبين الميّت أنثى‬
‫كالبن وابن البن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعاصب بغيره ‪ ،‬وهنّ البنات مع إخوتهنّ ‪ ،‬وبنات البن مع إخوتهنّ أو مع بني‬
‫ن ‪ ،‬أو مع الجدّ ‪ ،‬سواء انفردن أم تعدّدن في‬
‫عمّهنّ ‪ ،‬والخوات لبوين أو لب مع إخوته ّ‬
‫جميع ذلك ‪ ،‬وتأخذ العصبة من الميراث ما أبقت الفرائض منه ‪ ،‬وتحوز جميع المال إن‬
‫انفردت ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬

‫‪45‬‬

‫‪-‬‬

‫‪50‬‬

‫)‪.‬‬

‫ج ‪ -‬وعاصب مع غيره ‪ ،‬وهنّ ‪ :‬الخوات لبوين أو لب مع البنت أو مع بنات البن ‪،‬‬
‫سواء انفردن أم تعدّدن ‪.‬‬
‫وتأخذ العصبة من الميراث ما أبقت الفرائض منه وتحوز جميع المال إن انفردت ‪.‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪45‬‬

‫‪-‬‬

‫‪50‬‬

‫)‪.‬‬

‫عصَبيّة *‬
‫َ‬

‫‪ -‬العصبيّة في اللّغة ‪ :‬المحاماة ‪ ،‬والمدافعة ‪ :‬يقال ‪ :‬تعصّبوا عليهم ‪ :‬إذا تجمّعوا على‬

‫فريق آخر ‪ ،‬وفي الثر ‪ " :‬العصبيّ من يعين قومه على الظّلم " ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحميّة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الحميّة هي ‪ :‬النفة والغيرة ‪ ،‬ففي الثر ‪ » :‬الرّجل يقاتل حم ّيةً ‪ ،‬ويقاتل شجاعةً ‪ ،‬فأيّ‬

‫ذلك في سبيل اللّه ؟ قال ‪ :‬من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا ‪ ،‬فهو في سبيل اللّه « ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعصبيّة ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬العصبيّة ‪ :‬بمعنى الدّعوة إلى نصرة العشيرة أو القبيلة على الظّلم حرام ‪ ،‬فقد نهى‬

‫القرآن الكريم عن التّعاون على الثم والعدوان ‪ ،‬وأمر بالتّعاون على الب ّر والتّقوى فقال عزّ‬
‫علَى الْب ّر وَال ّتقْوَى َو َل َتعَاوَنُواْ عَلَى الِ ْثمِ وَا ْلعُدْوَانِ } ‪ ،‬وتظاهرت‬
‫من قائل ‪ { :‬وَ َتعَاوَنُواْ َ‬
‫الحاديث على النّهي عن العصبيّة بكلّ أشكالها وصورها ‪ :‬العصبيّة للقبيلة أو للجنس أو‬
‫للرض ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ليس منّا من دعا إلى عصبيّة ‪ ،‬وليس‬
‫منّا من قاتل على عصبيّة « ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم في العصبيّة للقبيلة ‪ » :‬دعوها فإنّها منتنة « ‪.‬‬
‫وكا نت الع صبيّة لل قبيلة ون صرتها ظالم ًة كا نت أو مظلومةً سائد ًة في الجزيرة العربيّة ق بل‬
‫السلم ‪ ،‬فأبطلها السلم ‪ ،‬وحرّم العصبيّة ‪ ،‬والتّناصر على الظّلم ‪.‬‬
‫وقد جاء في الخبر عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬انصر أخاك ظالما أو‬
‫مظلوما ‪ ،‬فقال رجل ‪ :‬يا رسول اللّه أنصره إذا كان مظلوما ‪ ،‬أفرأيت إذا كان ظالما كيف‬
‫أنصره ؟ فقال ‪ :‬تحجزه أو تمنعه من الظّلم فإنّ ذلك نصره « ‪.‬‬
‫ض ُهمْ‬
‫وجعل المناصرة بين المؤمنين على الحقّ ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتُ َبعْ ُ‬
‫ن ا ْلمُنكَرِ } ‪.‬‬
‫ف وَيَ ْن َهوْنَ عَ ِ‬
‫ن بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫ض يَ ْأمُرُو َ‬
‫َأوْلِيَاء َبعْ ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ميتة المتعصّب ميتةً جاهل ّي ًة ‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي ال‬
‫وعدّ النّب ّ‬
‫عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من خرج من الطّاعة ‪ ،‬وفارق الجماعة‬

‫فمات مات ميتةً جاهل ّي ًة ‪ ،‬ومن قاتل تحت راية عمّيّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو‬
‫ينصر عصبةً فقتل فقِتْ َلةٌ جاهليّة « ‪.‬‬
‫كما أبطل السلم التّفاخر بالباء ومآثر الجداد ‪ ،‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الّذين ماتوا ‪ ،‬إنّما هم فحم جهنّم ‪ ،‬أو ليكوننّ أهون على‬
‫اللّه من الجعل الّذي يدهده الخرء بأنفه ‪ ،‬إنّ اللّه قد أذهب عنكم عُبّيّة الجاهليّة ‪ ،‬إنّما هو‬
‫ي وفاجر شقيّ ‪ ،‬النّاس كلّهم بنو آدم وآدم خلق من تراب « ‪.‬‬
‫مؤمن تق ّ‬
‫وجعل السلم أساس التّفاضل التّقوى والعمل الصّالح ‪.‬‬
‫شعُوبا وَقَبَا ِئلَ لِ َتعَارَفُوا‬
‫جعَلْنَا ُكمْ ُ‬
‫وفي التّنزيل ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّاسُ إِنّا خَ َلقْنَاكُم مّن َذكَ ٍر َوأُنثَى َو َ‬
‫إِنّ َأكْ َر َمكُ ْم عِندَ الّل ِه أَ ْتقَا ُكمْ } ‪.‬‬
‫بيّن اللّه في الية الغاية من جعل النّاس شعوبا وقبائل ‪ ،‬وهي التّعارف والتّعاون ‪ ،‬ل‬
‫التّناحر والخصام ‪ ،‬فالعصبيّة بأشكالها للقبيلة أو للجنس أو للّون تتنافى مع السلم ‪.‬‬

‫عصْر *‬
‫َ‬

‫انظر ‪ :‬صلة العصر ‪.‬‬

‫عصْفُور *‬
‫ُ‬

‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫عصْمَة *‬
‫ِ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العصمة في اللّغة ‪ :‬مطلق المنع والحفظ ‪ ،‬وعصمة اللّه عبده ‪ :‬أن يمنعه ويحفظه ممّا‬

‫يوبقه ‪.‬‬
‫صمِ ا ْل َكوَافِ ِر } أي ‪ :‬بعقد‬
‫وتطلق العصمة على عقد النّكاح ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَل ُت ْمسِكُوا ِبعِ َ‬
‫نكاحهنّ ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ ‪ :‬عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعصمة ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬تختلف الحكام المتعلّقة بالعصمة باختلف إطلقها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬العصمة ‪ :‬بمعنى حفظ اللّه للمكلّف من الذّنوب مع استحالة وقوعها منه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العصمة المقوّمة وهي ‪ :‬الّتي يثبت بها للنسان وماله قيمة ‪ ،‬بحيث يجب القصاص ‪،‬‬
‫أو الدّية ‪ ،‬أو الضّمان على من هتكها ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬والعصمة المؤثّمة وهي ‪ :‬الّتي يأثم هاتكها ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬فالعصمة بالمعنى الوّل ل تثبت إلّ للنبياء ‪ ،‬والملئكة ‪ ،‬وهي ‪ :‬ملكة يودعها اللّه‬

‫فيهم تعصمهم من الوقوع في المحرّمات والمكروهات ‪ ،‬وخلف الولى ‪ ،‬قال تعالى في حقّ‬
‫الملئكة ‪ { :‬ل َيعْصُونَ الّلهَ مَا َأمَرَ ُه ْم وَ َيفْعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ } ‪.‬‬
‫والنـبياء محفوظون بعـد النّبوّة مـن الذّنوب الظّاهرة كالكذب ونحوه ‪ ،‬والذّنوب الباطنـة ‪،‬‬
‫كالحسد والكبر والرّياء وال سّمعة وغ ير ذلك ‪ ،‬لنّه ثبت أ نّ الرّسول هو المثل العلى الّذي‬
‫يجب القتداء به في اعتقاداته وأفعاله وأخلقه ‪ ،‬إذ هو السوة الحسنة بشهادة اللّه له ‪ ،‬إلّ‬
‫ّصـ ‪ ،‬فوجـب أن تكون ك ّل اعتقاداتـه وأفعاله وأقواله وأخلقـه‬
‫مـا كان مـن خصـائصه بالن ّ‬
‫الختياري ّة بعـد الرّسـالة موافقةً لطاعـة اللّه تعالى ‪ ،‬ووجـب أن ل يدخـل فـي شيـء مـن‬
‫لنـ اللّه ج ّل شأنـه ‪ :‬أمـر المـم‬
‫ّ‬
‫اعتقاداتـه وأفعاله وأقواله وأخلقـه معصـية للّه تعالى ‪،‬‬
‫ن يَ ْرجُو اللّ َه وَالْ َيوْ مَ‬
‫سوَةٌ حَ سَ َنةٌ ِلمَن كَا َ‬
‫بالقتداء برسلهم فقال تعالى ‪َ { :‬لقَ ْد كَا نَ َلكُ مْ فِيهِ مْ أُ ْ‬
‫الخِرَ } ‪.‬‬
‫وقال في ح قّ نبيّنا صلى ال عليه وسلم ‪َ { :‬لقَدْ كَا نَ َلكُ مْ فِي رَ سُولِ اللّ هِ أُ سْوَ ٌة حَ سَ َنةٌ ّلمَن‬
‫كَا نَ َيرْجُو اللّ هَ وَالْ َيوْ مَ الخِرَ } فإذا جاز أن يف عل الرّ سل ب عد الرّ سالة وال مر بالقتداء ب هم‬
‫المحرّمات أو المكروهات أو خلف الولى ‪ ،‬لكنّا مأمورين به ‪ ،‬وهو سبحانه ل يأمر بمحرّم‬
‫حشَاء } ‪ ،‬وبذلك يث بت أ نّ‬
‫ول مكروه ول خلف الولى ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬إِنّ اللّ َه لَ يَ ْأ ُمرُ بِا ْلفَ ْ‬
‫الرّسل عليهم الصلة والسلم بعد نبوّتهم وبعد المر بالقتداء بهم معصومون عن الوقوع‬
‫في المعاصي وهذا ما يسمّى ‪ " :‬عصمة الرّسل " ‪.‬‬
‫أمّا عصـمتهم قبـل النّبوّة فقـد اختلف فيهـا ‪ ،‬فمنعهـا قوم ‪ ،‬وجوّزهـا آخرون ‪ ،‬والصـّحيح‬
‫ي قبل اصطفائه بالنّبوّة على وجهين ‪:‬‬
‫تنزيههم من كلّ عيب ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫لنـ‬
‫فهـو إمّا أن يكون لم يكلّف بعـد مطلقا بشرع مـا ‪ ،‬فالعصـمة فـي حقّه غيـر واردة ‪ّ ،‬‬
‫المعاصـي والمخالفات إنّمـا تتصـوّر بعـد ورود الشّرع والتّكليـف بـه ‪ ،‬والمفروض أن ّه لم‬
‫يكلّف ‪ ،‬فل مجال لبحث المعصية أو عدمها ‪ ،‬ل نّ ال ّذمّة خالية من التّكليف ‪ ،‬لك نّ علوّ فطرة‬
‫الرّسول وصفاء نفسه وسموّ روحه تقتضي أن يكون أنموذجا رفيعا بين قومه ‪ ،‬في أخلقه‬
‫ومعاملتـه وأمانتـه ‪ ،‬وفـي بعده عـن ارتكاب القبائح الّتـي تنفـر عنهـا العقول السـّليمة ‪،‬‬
‫والطّبائع المستقيمة ‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون قبل اصطفائه قد كلّف بشرع رسول سابق ‪ ،‬كلوط عليه السلم حيث كان تابعا‬
‫قبل نبوّته لبراهيم عليه السلم ‪ ،‬وكأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى قبل أن يوحى إليهم‬
‫بالنّبوّة ‪ ،‬ف في هذه الحالة لم يث بت في ع صمتهم في هذه الفترة دل يل قا طع ‪ ،‬ولك نّ سيرة‬

‫ال نبياء الّ تي أثرت عن هم ق بل نبوّت هم تش هد بأنّ هم كانوا من أب عد النّاس عن المعا صي ‪:‬‬
‫كبائرها وصغائرها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نبيّ ) ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬والعصمة بالمعنى الثّاني ‪ :‬وهي الّتي يثبت للنسان وماله بها قيمة ‪ ،‬بحيث يجب‬

‫القصاص أو الدّية على من هتكها ‪ ،‬فهذه تثبت للنسان بالنّطق بالشّهادتين فمن نطق بهما‬
‫عصم دمه وماله لقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬فإذا قالوا ل إله إلّ اللّه عصموا منّي‬
‫دماءهم وأموالهم « وقوله ‪ » :‬كلّ المسلم على المسلم حرام ‪ :‬دمه وماله وعرضه « ‪.‬‬
‫فمن قتل مسلما معصوم الدّم يضمن بالقود أو الدّية ‪.‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬وديات ف‬

‫‪11‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ن آمَنُواْ َل تَ ْأكُلُواْ َأ ْموَا َل ُكمْ بَيْ َنكُمْ‬
‫ومن أخذ ماله أو أتلفه ضمن ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫طلِ } ‪.‬‬
‫بِالْبَا ِ‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬ضمان ف ‪ 7‬وما بعدها ومصطلح ‪ :‬غصب ) ‪.‬‬
‫وتثبت هذه العصمة أيضا بأمان يحقن دمه بعقد ذمّة ‪ ،‬أو عهد أو مجرّد أمان ‪ ،‬ولو في‬
‫آحاد المسلمين ‪ ،‬جاء في الثر ‪ » :‬أل من ظلم معاهدا أو انتقضه أو كلّفه فوق طاقته أو‬
‫أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة « ‪.‬‬
‫فلهل العهد أن يؤمّنوا على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ‪ ،‬وعلى المام حمايتهم من كلّ من‬
‫أراد بهم سوءا من المسلمين ‪ ،‬وغيرهم ‪ ،‬فل يظلمون في عهدهم ول يؤذون والتّفصيل في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬أهل ال ّذمّة ف‬
‫‪5‬‬

‫‪19‬‬

‫وما بعدها ) ومصطلح ‪ ( :‬عهد ) ‪.‬‬

‫‪ -‬والعصمة بالمعنى الثّالث ‪ :‬وهي العصمة المؤثّمة ‪ :‬وهي الّتي يأثم من هتكها ول يجب‬

‫عليه قصاص ول دية ول ضمان ‪ ،‬كقتل من منعنا من قتله من أطفال الحربيّين ونسائهم ‪،‬‬
‫وقتل القريب المشرك ‪ ،‬فيأثم قاتله ‪ ،‬ولكن ل قصاص عليه ول دية ‪ ،‬بل عليه التّوبة ‪،‬‬
‫والستغفار ‪.‬‬

‫العصمة في النّكاح ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬العصمة وإن كانت في الصل بمعنى المنع والحفظ ‪ ،‬إلّ أنّها تطلق مجازا على النّكاح ‪،‬‬

‫صمِ ا ْلكَوَافِرِ } ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪ { :‬وَل ُت ْمسِكُوا ِبعِ َ‬
‫قال المفسّرون ‪ :‬المراد بالعصمة هنا النّكاح ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬والمعنى ل تتمسّكوا بزوجاتكم‬
‫ن عصمة ول علقة زوجيّة ‪ ،‬وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما‬
‫الكافرات فليس بينكم وبينه ّ‬
‫ن اختلف الدّارين قطع عصمتها‬
‫قال ‪ :‬من كانت له امرأة كافرة بمكّة فل تعدّ من نسائه ‪ ،‬ل ّ‬
‫منه فل يمنع نكاح خامسة ‪ ،‬ول نكاح أختها ‪.‬‬

‫انحلل عصمة النّكاح وحلّه ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬تنحلّ عصمة النّكاح بفسخ أو طلق ‪ ،‬أمّا الفسخ فيكون لسباب ‪ ،‬كالرّدّة ‪ ،‬والعيب‬

‫ونحوهما ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ف‬

‫‪44‬‬

‫‪ ،‬وعيب وفسخ ) ‪.‬‬

‫وأمّا الطّلق فالصل أنّ الزّوج هو الّذي يملك حلّ عقدة النّكاح ‪ ،‬لنّ الرّجل هو الّذي أسند‬
‫إليه إيقاع الطّلق في قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّبِيّ إِذَا طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء َفطَّلقُوهُنّ ِلعِدّ ِتهِنّ } ‪.‬‬
‫ولحديث ‪ » :‬إنّما الطّلق لمن أخذ بالسّاق « ‪.‬‬
‫لكنّ الزّوجة ‪ -‬استثناء من هذا الصل ‪ -‬قد تملك ح ّل عقدة النّكاح وذلك في ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬تفويض الزّوج زوجته في التّطليق ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجوز أن يفوّض الرّجل امرأته في تطليق نفسها منه ‪ ،‬فيكون لها‬

‫حقّ التّطليق ‪ ،‬أي حلّ عقدة النّكاح وإنهاء العصمة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تفويض ف ‪- 9‬‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫ب ‪ -‬اشتراط الزّوجة أن تكون العصمة بيدها ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫ح إذا ابتدأت‬
‫‪ -‬نصّ فقهاء الحنفيّة على أنّ الرّجل إذا نكح المرأة على أنّ أمرها بيدها ص ّ‬

‫ن أمري بيدي أطلّق نفسي كلّما شئت ‪ ،‬فقال الزّوج ‪:‬‬
‫المرأة فقالت زوّجت نفسي منك على أ ّ‬
‫قبلت ‪ ،‬جاز النّكاح ويكون أمرها بيدها ‪ ،‬أمّا لو بدأ الزّوج فقال تزوّجتك على أنّ أمرك بيدك‬
‫ن التّفويض وقع قبل الزّواج ولم يعلّق عليه‬
‫فإنّه يصحّ النّكاح ول يكون أمرها بيدها ‪ ،‬ل ّ‬
‫توقّع التّفويض قبل أن يملك الطّلق ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو شرطت المرأة عند النّكاح أنّ أمرها بيدها متى أحبّت فسخ النّكاح قبل‬
‫الدّخول وثبت بعده بصداق المثل وألغي الشّرط فل يعمل به ‪ ،‬لنّه شرط مخلّ ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَضّ *‬

‫‪ -‬العضّ في اللّغة ‪ :‬الشّدّ على الشّيء بالسنان ‪ ،‬والمساك به ‪.‬‬

‫تقول عضضت اللّقمة ‪ ،‬وعضضت بها ‪ ،‬وعليها عضّا ‪ :‬إذا أمسكتها بالسنان ‪ ،‬كذلك عضّ‬
‫ن الْغَ ْيظِ } ‪.‬‬
‫الفرس على لجامه ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬عَضّو ْا عَلَ ْي ُكمُ الَنَا ِملَ مِ َ‬
‫وفي الحديث قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين‬
‫المهديّين من بعدي عضّوا عليها « أي الزموها واستمسكوا بها ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذه الكلمة عن هذا المعنى ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ق وحصل منه جرح يضمن العاضّ أرش جرح المجنيّ‬
‫ض إنسان آخر بغير ح ّ‬
‫‪ -‬لو ع ّ‬

‫عليه ‪ ،‬والضّمان يكون حكومة عدل ‪ ،‬يقدّرها أهل الخبرة ‪ ،‬كما هي القاعدة في الجروح‬
‫الّتي ل يكون فيها أرش مقدّر ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬واختلف الفقهاء فيما إذا عضّ فس ّل المعضوض يده فقلع المعضوض أسنان العاضّ هل‬

‫فيه ضمان أم ل ؟‬
‫فذهب جمهور الفقهاء – الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عن المالكيّة – إلى أنّه‬
‫لو عضّ رجل يد آخر فله جذبها من فيه ‪ ،‬فإن جذبها فوقعت ثنايا العاضّ فل ضمان فيها ‪،‬‬
‫لما روى يعلى بن أميّة قال ‪ :‬كان لي أجير ‪ ،‬فقاتل إنسانا ‪ ،‬فعضّ أحدهما يد الخر ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫فانتزع المعضوض يده من في العاضّ فانتزع إحدى ثنيّتيه ‪ ،‬فأتيا النّب ّ‬
‫وسلم فأهدر ثنيّته ‪ ،‬قال ‪ :‬عطاء ‪ :‬وحسبت أنّه قال ‪ :‬قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪» :‬‬
‫أفيدع يده في فيك تقضمها كأنّها في في فحل يقضمها ؟ « ‪ ،‬وفي رواية النّسائيّ ‪ :‬فانتزع‬
‫يده من فيه فنذرت ثنيّته ‪ ،‬فاختصما إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ » :‬يعضّ‬
‫ض الفحل ؟ ل دية له « ‪.‬‬
‫أحدكم أخاه كما يع ّ‬
‫ويستدلّ ابن قدامة لعدم الضّمان بأنّه عضو تلف ضرورة دفع ش ّر صاحبه فلم يضمن ‪ ،‬كما‬
‫لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلّ بقطع عضوه ‪.‬‬
‫وقيّد الشّافعيّة عدم الضّمان بما إذا أخذ المعضوض في التّخلّص بالسهل فالسهل ‪ ،‬كما هي‬
‫القاعدة في دفع الصّائل ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬لو عضّت يده أو غيرها خلّصها بالسهل من فكّ‬
‫لحييه أو ضرب شدقيه ‪ ،‬فإن عجز عن السهل فسلّها فسقطت أسنانه فهدر ‪.‬‬
‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬فلو عدل عن الخفّ مع إمكانه ضمن ‪ ،‬وهو قول الجمهور ‪ ،‬قال‬
‫ي ‪ :‬وإطلق الكثيرين يفهم أنّه لو سلّ يده ابتداءً فسقطت أسنانه كانت مهدرةً ‪ ،‬وهو‬
‫الذرع ّ‬
‫ظاهر الحديث ا ‪ .‬هـ ‪.‬‬
‫ولو تنازعا في إمكان الدّفع بأيسر ممّا دفع به صدّق المعضوض بيمينه ‪ ،‬كما نقله الرّمليّ‬
‫ي‪.‬‬
‫عن الذرع ّ‬
‫والمشهور عند المالكيّة أنّه إذا عضّه فسلّ المعضوض يده فقلع المعضوض أسنان العاضّ‬
‫فعليه الضّمان ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬

‫عضْل *‬
‫َ‬

‫‪1‬‬

‫ل ‪ -‬من بابي قتل وضرب ‪ -‬منعها‬
‫‪ -‬العضل في اللّغة من ‪ :‬عضل الرّجل حرمته عض ً‬

‫التّزويج ‪ ،‬وعضل المرأة عن الزّوج ‪ :‬حبسها ‪ ،‬وعضل بهم المكان ‪ :‬ضاق ‪ ،‬وأعضل‬
‫المر‪ :‬اشتدّ ‪ ،‬ومنه ‪ :‬داء عضال أي شديد ‪.‬‬
‫وقد استعمل الفقهاء العضل في النّكاح بمعنى منع التّزويج ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬معنى العضل ‪:‬‬
‫منع المرأة من التّزويج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغب كلّ واحد منهما في صاحبه ‪.‬‬
‫وكذلك استعملوا العضل في الخلع بمعنى ‪ :‬الضرار بالزّوجة ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬إن عضل زوجته ‪ ،‬وضارّها بالضّرب والتّضييق عليها ‪ ،‬أو منعها حقوقها‬
‫من النّفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدي نفسها منه ففعلت فالخلع باطل والعوض مردود ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ي من له ولية تزويجها من كفئها حرام ‪ ،‬لنّه ظلم ‪ ،‬وإضرار‬
‫ن عضل الول ّ‬
‫‪ -‬الصل أ ّ‬

‫بالمرأة في منعها حقّها في التّزويج بمن ترضاه ‪ ،‬وذلك لنهي اللّه سبحانه وتعالى عنه في‬
‫جهُنّ } ‪.‬‬
‫ن أَن يَن ِكحْنَ أَ ْزوَا َ‬
‫ل َتعْضُلُوهُ ّ‬
‫قوله مخاطبا الولياء ‪ { :‬فَ َ‬
‫كما أنّ عضل الزّوج زوجته ‪ ،‬بمضارّتها وسوء عشرتها والتّضييق عليها حتّى تفتدي منه‬
‫بما أعطاها من مهر حرام ‪ ،‬لنّه ظلم لها بمنعها حقّها من حسن العشرة ومن النّفقة ‪ ،‬وقد‬
‫ن لِتَذْهَبُواْ بِ َبعْضِ‬
‫نهى اللّه سبحانه وتعالى الزواج عن ذلك في قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َتعْضُلُوهُ ّ‬
‫مَا آتَيْ ُتمُوهُنّ } ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬ويباح عضل الوليّ إذا كان لمصلحة المرأة ‪ ،‬كأن تطلب النّكاح من غير كفء ‪ ،‬فيمتنع‬

‫عن تزويجها لمصلحتها ‪.‬‬
‫كما يباح من الزّوج ‪ ،‬بالتّضييق على زوجته حتّى تفتدي منه بما أعطاها من مهر ‪ ،‬وذلك‬
‫في حالة إتيانها الفاحشة ‪ ،‬للنّصّ على ذلك في الستثناء الوارد في قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ‬
‫شةٍ مّبَيّ َنةٍ } ‪.‬‬
‫ح َ‬
‫ن ِبفَا ِ‬
‫َتعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِ َبعْضِ مَا آتَيْ ُتمُوهُنّ ِإ ّل أَن يَأْتِي َ‬

‫متى يعتبر العضل ؟‬

‫‪4‬‬

‫– ذكر الفقهاء العضل في موضعين ‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬عضل الزّوج زوجته ‪ ،‬وذلك يتحقّق بمضارّتها وسوء عشرتها قاصدا أن تفتدي‬
‫منه بما أعطاها من مهر ‪ ،‬وما يأخذه منها في هذه الحالة ل يستحقّه ‪ ،‬لنّه عوض أكرهت‬
‫على بذله بغير حقّ ‪ ،‬فلم يستحقّه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬خلع ف‬

‫‪10‬‬

‫)‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬عضل الوليّ ‪ ،‬وقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا دعت المرأة إلى الزّواج من كفء ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬لنّ‬
‫أو خطبها كفء ‪ ،‬وامتنع الوليّ من تزويجه دون سبب مقبول ‪ ،‬فإنّه يكون عاض ً‬

‫الواجب عليه تزويجها من كفء ‪ ،‬وسواء طلبت التّزويج بمهر مثلها أو دونه ‪ ،‬كما يقول‬
‫ن المهر محض حقّها وعوض يختصّ بها ‪ ،‬فلم يكن للوليّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫العتراض عليه ‪ ،‬ولنّها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كلّه ‪ ،‬فبعضه أولى ‪ ،‬وعند الحنفيّة ‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫المتناع عن التّزويج بمهر المثل ل يعتبر عض ً‬
‫ول يعتبر الوليّ عاضلً إذا امتنع من تزويجها من غير كفء ‪.‬‬
‫ن الب المجبر ل يعتبر عاضلً بر ّد الخاطب ‪ ،‬ولو تكرّر ذلك ‪ ،‬لما جبل‬
‫لكن قال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الب عليه من الحنان والشّفقة على ابنته ‪ ،‬ولجهلها بمصالح نفسها ‪ ،‬إلّ إذا تحقّق أنّه قصد‬
‫الضرار بها ‪.‬‬
‫ولو دعت المرأة لكفء وأراد الوليّ تزويجها من كفء غيره ‪ ،‬فعند المالكيّة وهو قول‬
‫ي أولى إذا كان الوليّ مجبرا ‪ ،‬لنّه أكمل نظرا منها ‪ ،‬فإن‬
‫الشّافعيّة في الصحّ ‪ :‬كفء الول ّ‬
‫ي مجبرا فالمعتبر من عيّنته ‪.‬‬
‫لم يكن الول ّ‬
‫ي إجابتها إلى كفئها إعفافا لها ‪،‬‬
‫وعند الحنابلة وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬يلزم الول ّ‬
‫ل ‪ ،‬وهو رأي للحنفيّة استظهره‬
‫فإن امتنع الوليّ عن تزويجها من الّذي أرادته كان عاض ً‬
‫في البحر ‪ ،‬كما قال ابن عابدين ‪.‬‬

‫أثر العضل ‪:‬‬

‫‪ -5‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تحقّق العضل من الوليّ وثبت ذلك عند الحاكم ‪ ،‬أمره الحاكم‬
‫بتزويجها إن لم يكن العضل بسبب مقبول ‪ ،‬فإن امتنع انتقلت الولية إلى غيره ‪.‬‬
‫لكنّ الفقهاء اختلفوا فيمن تنتقل إليه الولية ‪ ،‬فعند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة ‪ -‬عدا ابن‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫القاسم ‪ -‬وفي رواية عن أحمد أنّ الولية تنتقل إلى السّلطان لقول النّب ّ‬
‫ي له« ‪.‬‬
‫ي من ل ول ّ‬
‫وسلم ‪ » :‬فإن اشتجروا فالسّلطان ول ّ‬
‫ي قد امتنع ظلما من ح قّ توجّه عليه فيقوم ال سّلطان مقامه لزالة الظّلم ‪ ،‬كما لو‬
‫ول نّ الول ّ‬
‫كان عليه دين وامتنع عن قضائه ‪.‬‬
‫وروي ذلك عن عثمان بن عفّان رضي ال تعالى عنه وشريح ‪ ،‬لكنّ ذلك مقيّد عند الشّافعيّة‬
‫بما إذا كان العضل دون ثلث مرّات ‪.‬‬
‫والمذ هب ع ند الحنابلة أنّه إذا ع ضل الول يّ القرب انتقلت الول ية إلى الول يّ الب عد ‪ ،‬ن صّ‬
‫عل يه أح مد ‪ ،‬لنّه تعذّر التّزو يج من ج هة القرب فمل كه الب عد ك ما لو ج نّ ‪ ،‬ولنّه يف سق‬
‫بالعضل فتنتقل الولية عنه ‪ ،‬فإن عضل الولياء كلّهم زوّج الحاكم ‪ ،‬وأمّا قول النّبيّ صلى‬
‫ي له « فيح مل على ما إذا ع ضل الكلّ ‪ ،‬ل نّ‬
‫ي من ل ول ّ‬
‫ال عل يه و سلم ‪ » :‬ال سّلطان ول ّ‬
‫جمْع يتناول الكلّ ‪.‬‬
‫قوله‪ » :‬فإن اشتجروا ‪ « ...‬ضمير َ‬

‫الوليـ القرب ‪ ،‬فإن كان ثلث مرّات انتقلت الوليـة‬
‫ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا تكرّر العضـل مـن‬
‫ي البعد ‪ ،‬بناءً على منع ولية الفاسق ‪ ،‬لنّه يفسق بتكرّر العضل منه ‪.‬‬
‫للول ّ‬
‫ي غير العاضل ‪ ،‬وأمّا‬
‫وقال ابن عبد السّلم من المالكيّة ‪ :‬إنّما يزوّجها الحاكم عند عدم الول ّ‬
‫ن عضل القرب واستمراره على المتناع صيّره بمنزلة‬
‫عند وجوده فينتقل الح قّ للبعد ‪ ،‬ل ّ‬
‫الحقـ للبعـد ‪ ،‬وأمّا الحاكـم فل يظهـر كونـه وكيلً له إلّ إذا لم يظهـر منـه‬
‫ّ‬
‫العدم ‪ ،‬فينتقـل‬
‫امتناع ‪ ،‬كما لو كان غائبا ‪.‬‬

‫عضْو *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫ض ّم والكسر ‪ ،‬في اللّغة ‪ :‬كلّ عظم وافر بلحم ‪ ،‬سواء أكان من إنسان أم‬
‫‪ -‬العضو بال ّ‬

‫حيوان ‪.‬‬
‫وأصل الكلمة بمعنى القطع والتّفريق ‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬عضّى الشّيء ‪ :‬فرّقه ووزّعه ‪.‬‬
‫والعضّة ‪ :‬القطعة والفرقة ‪.‬‬
‫جعَلُوا ا ْلقُرْآنَ عِضِينَ } أي ‪ :‬أجزاءً متفرّقةً ‪ ،‬فآمنوا ببعض وكفروا‬
‫وفي التّنزيل ‪َ { :‬‬
‫ببعض‪ .‬ويطلق العضو على جزء متميّز من مجموع الجسد ‪ ،‬سواء أكان من إنسان أم‬
‫حيوان كاليد والرّجل والذن ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الطّرف ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الطّرف ‪ :‬النّاحية والطّائفة من الشّيء ‪ ،‬وطرف كلّ شيء منتهاه وغايته وجانبه ‪ ،‬قال‬

‫تعالى ‪َ { :‬وأَ ِقمِ الصّلَ َة طَرَ َفيِ ال ّنهَارِ } والجمع أطراف ‪ ،‬ويطلق على واحد من أطراف‬
‫البدن ‪.‬‬
‫ص من العضو ‪.‬‬
‫فعلى هذا المعنى الخير الطّرف أخ ّ‬

‫الحكام الّتي تتعلّق بالعضو ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫ي له أحكام فقهيّة مختلفة ‪ ،‬كوجوب طهارته في الوضوء والغسل والتّيمّم ‪،‬‬
‫‪ -‬عضو الدم ّ‬

‫والمسح عليه ونحوها ‪ ،‬وكوجوب القصاص أو الدّية في الجناية عليه ‪ ،‬وقطعه في‬
‫السّرقة ‪ ،‬وحكم غسله والصّلة عليه ودفنه إذا وجد مبانا في المعركة وغيرها ‪.‬‬
‫وتفصيل هذه الحكام فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الطّهارة على العضو المقطوع ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬من فرائض الوضوء غسل أعضاء الوضوء إذا كانت قائم ًة وسليمةً ‪ ،‬أمّا إذا كانت‬

‫مقطوعةً ‪ ،‬ففي المسألة تفصيل ‪:‬‬
‫فلو قطع بعض يد المتوضّئ أو رجله وجب غسل باقيها إلى المرفق أو الكعب ‪ ،‬لبقاء جزء‬
‫من مح ّل العضو المفروض غسله ‪ ،‬فكلّ عضو سقط بعضه يتعلّق الحكم بباقيه غسلً‬
‫ومسحا ‪.‬‬
‫أمّا إذا قطعتا من فوق المرفق أو الكعب سقط الغسل ‪ ،‬ول يجب غسل باقي عضده ‪ ،‬لنّه‬
‫ليس محلّ الفرض ‪.‬‬
‫لكنّ الشّافعيّة قالوا ‪ :‬ندب غسل باقي عضده لئلّ يخلو العضو عن طهارة ‪.‬‬
‫أمّا إذا قطعت من المرفق ‪ ،‬بأن س ّل عظم الذّراع وبقي العظمان المسمّيان برأس العضد ‪،‬‬
‫فيجب غسل رأس عظم العضد على المشهور عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪،‬‬
‫لنّ غسل العظمين المتلقيين من الذّراع والعضد واجب ‪ ،‬فإذا زال أحدهما غسل الخر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يغسل أقطع المرفقين موضع القطع ‪ ،‬إذ قد أتى عليهما القطع ‪ ،‬بخلف‬
‫ل عن ابن القاسم ‪ :‬الكعبان اللّذان إليهما‬
‫أقطع الرّجلين ‪ ،‬قال الحطّاب في وجه التّفرقة نق ً‬
‫حدّ الوضوء هما اللّذان في السّاقين فيغسلن ‪ ،‬أمّا المرفق فهو من الذّراعين وقد أتى عليه‬
‫القطع فل يغسل ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الطّهارة على العضو الزّائد في الغسل ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ن من خلق له عضو زائد ‪ ،‬كإصبع زائدة أو يد زائدة ‪ ،‬في محلّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫الفرض وجب غسلها مع الصليّة ‪ ،‬لنّها نابتة فيه ‪ ،‬فتأخذ حكمه ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما إذا نبتت الزّائدة في غير محلّ الفرض ‪ ،‬كالصبع أو الكفّ على العضو أو‬
‫ن ما حاذى منها محلّ‬
‫المنكب ‪ ،‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول القاضي من الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫الفرض وجب غسله ‪ ،‬وإلّ فل يجب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو خلقت له كفّ بمنكب ‪ ،‬ولم يكن له يد غيرها يجب غسلها ‪ ،‬فإن كان له‬
‫يد سواها فل يجب غسل الكفّ إلّ إذا نبتت في محلّ الفرض ‪ ،‬أو في غيره وكان لها‬
‫ن لها حكم اليد الصليّة فإن لم يكن لها مرفق فل غسل ما لم‬
‫مرفق ‪ ،‬فتغسل للمرفق ‪ ،‬ل ّ‬
‫تصل لمحلّ الفرض ‪.‬‬
‫والصحّ عند الحنابلة ‪ :‬أنّ العضو الزّائد إذا كان في غير محلّ الفرض ‪ ،‬كالعضد أو المنكب‬
‫ل ‪ ،‬لنّه في غير محلّ الفرض فأشبه شعر‬
‫لم يجب غسله ‪ ،‬سواء أكان قصيرا أم طوي ً‬
‫الرّأس إذا نزل على الوجه ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬العضو المبان ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬العضو المبان ‪ :‬إمّا أن يكون من النسان أو يكون من الحيوان ‪ ،‬وفي كلتا الحالتين ‪:‬‬

‫إمّا أن يكون من الحيّ أو من الميّت ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء أحكام كلّ حالة في مواضع مختلفة فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬العضو المبان من النسان الحيّ ‪:‬‬

‫ذهب الفقهاء إلى أنّ العضو المبان من النسان الحيّ يدفن بغير غسل وصلة ولو كان ظفرا‬
‫أو شعرا ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العضو المبان من النسان الميّت ‪:‬‬

‫يرى جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو قول عند الحنابلة ‪ -‬أنّه إذا وجد رأس‬
‫الميّت أو أحد شقّيه أو أعضائه الخرى وكانت أق ّل من نصفه فإنّها ل تغسّل ول يصلّى‬
‫ن شرط الغسل وجود الميّت ‪ ،‬فإن وجد بعضه فالحكم‬
‫عليها ‪ ،‬قال الدّردير في تعليله ‪ :‬ل ّ‬
‫للغالب ‪ ،‬ول حكم لليسير ‪.‬‬
‫أمّا إذا وجد أكثر من نصفه ولو بل رأس ‪ ،‬فإنّه يغسّل ويصلّى عليه عند الحنفيّة ‪ ،‬اعتبارا‬
‫للغالب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل غسل دون الجلّ ‪ ،‬يعني دون ثلثي الجسد ‪ ،‬فإذا وجد نصف الجسد أو‬
‫أكثر منه ودون الثّلثين مع الرّأس لم يغسّل على المعتمد ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه لو وجد عضو مسلم علم موته بغير‬
‫شهادة ‪ ،‬ولو كان ظفرا أو شعرا صلّي عليه بقصد الجملة ‪ ،‬وذلك وجوبا بعد غسله ‪ ،‬كما‬
‫ورد عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقال ابن قدامة ‪ :‬قال أحمد ‪ :‬صلّى أبو أيّوب على رجل ‪ ،‬وصلّى عمر‬
‫على عظام بالشّام ‪ ،‬وصلّى أبو عبيدة على رءوس بالشّام ‪ ،‬ولنّه بعض من جملة تجب‬
‫الصّلة عليها ‪ ،‬فيصلّى عليه كالكثر ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العضو المبان من الحيوان ‪:‬‬

‫ي مأكول اللّحم ‪ -‬غير السّمك‬
‫ل خلف بين الفقهاء في أنّ العضو المبان من الحيوان الح ّ‬
‫والجراد ‪ -‬قبل ذبحه يعتبر ميت ًة ل يحلّ أكله ‪ ،‬وذلك لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ما‬
‫قطع من البهيمة وهي حيّة فهي ميتة « ‪.‬‬
‫وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمُ ا ْلمَيْ َتةُ } ‪.‬‬
‫أمّا ما أبين من السّمك والجراد فيحلّ أكله ‪ ،‬وذلك لنّ ميتة السّمك والجراد يحلّ أكلها ‪.‬‬

‫فقد قال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أحلّت لنا ميتتان ودمان أمّا الميتتان ‪ :‬فالجراد والحوت ‪،‬‬
‫وأمّا الدّمان فالطّحال والكبد « ‪.‬‬
‫أم ّا العضـو المبان مـن الحيوان غيـر مأكول اللّحـم أو مـن الميتـة فهـو حرام بل خلف ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أطعمة ‪ ،‬وصيد ) ‪.‬‬

‫الجناية على عضو الدميّ ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫ي عمدا فيها القصاص إذا‬
‫ن الجناية على عضو من أعضاء الدم ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫ل‪.‬‬
‫أمكن التّماثل ‪ ،‬بأن كان القطع من المفصل مث ً‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الجناية على عضو من أعضائه خطًأ أو شبه عمد أو سقط القصاص بالشّبهة‬
‫أو نحوها ففيها الدّية ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬

‫‪34‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫أمّا إذا جرح عضو من أعضاء النسان عمدا أو خطأً ولم يمكن القصاص فيجب الرش ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حكومة عدل ف ‪ 4‬وما بعدها ‪ ،‬وأرش ف ‪ ، 4‬وديات‬
‫ف‬

‫‪34‬‬

‫)‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَطَاء *‬

‫‪ -‬العطاء ‪ -‬يمدّ ويقصر ‪ -‬مأخوذ من العطو ‪ :‬وهو التّناول ‪ ،‬يقال ‪ :‬عطوت الشّيء ‪،‬‬

‫ق « أي ‪:‬‬
‫أعطو ‪ :‬تناولته ‪ ،‬وفي الثر ‪ » :‬أربى الرّبا عطو الرّجل عرض أخيه بغير ح ّ‬
‫تناوله بال ّذمّ ونحوه ‪ ،‬وهو في اللّغة ‪ :‬اسم لما يعطى به ‪ ،‬والجمع عطايا ‪ ،‬وأعطية ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬اسم لما يفرضه المام في بيت المال للمستحقّين ‪.‬‬
‫الرّزق ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الرّزق ‪ :‬وهو بالكسر مأخوذ من رَزق بالفتح ‪ ،‬وهو لغةً ‪ :‬ما ينتفع به ‪ ،‬والجمع‬

‫أرزاق ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬العطاء ‪ ،‬ويشمل ما يفرضه المام في بيت المال للمستحقّين ‪ ،‬وغيره من‬
‫التّبرّعات كالوقف والهبة وصدقة التّطوّع وغير ذلك ممّا يدفع بل مقابل ‪.‬‬
‫قال الرّاغب ‪ :‬يقال للعطاء الجاري ‪ :‬رزق دينيّا كان أم دنيويّا ‪ ،‬وللنّصيب ‪ ،‬ولما يصل إلى‬
‫الجوف ويتغذّى به ‪.‬‬

‫وفرّق الحنفيّة بين العطاء والرّزق ‪ :‬فقالوا ‪ :‬الرّزق ‪ ،‬ما يفرض للرّجل في بيت المال بقدر‬
‫الحاجـة والكفايـة ‪ ،‬مشاهرةً أو مياومةً ‪ ،‬والعطاء ‪ :‬مـا يفرض للرّجـل فـي كلّ سـنة ل بقدر‬
‫الحا جة بل ب صبره وعنائه في أ مر الدّ ين ‪ ،‬و في قول ل هم ‪ :‬العطاء ‪ :‬ما يفرض للمقا تل ‪،‬‬
‫والرّزق ‪ :‬ما يجعل لفقراء المسلمين في بيت المال وإن لم يكونوا مقاتلين ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعطاء ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬العطاء من بيت المال ‪:‬‬

‫يصرف العطاء من بيت المال لصناف ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬عطاء الجند ‪:‬‬

‫ي وأبو يعلى أنّ الثبات في الدّيوان معتبر بثلثة شروط ‪:‬‬
‫ذكر الماورد ّ‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الوّل ‪ :‬الوصف الّذي يجوز به الثبات في الدّيوان ‪ ،‬ويراعى فيه خمسة أوصاف ‪:‬‬

‫ي من جملة الذّراريّ والتباع فلم يجز إثباته في ديوان‬
‫ن الصّب ّ‬
‫الوصف الوّل ‪ :‬البلوغ ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجيش ويجري في عطاء الذّراريّ ‪.‬‬
‫ن المملوك لسيّده ‪ ،‬فكان داخلً في عطائه ‪.‬‬
‫الوصف الثّاني ‪ :‬الحرّيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهو ما روي عن عمر رضي ال تعالى عنه ‪ ،‬وما أخذ به الشّافعيّ ‪ ،‬وظاهر كلم أحمد في‬
‫رواية المرّوذيّ ‪ ،‬وذكر حديث عمر قال ‪ :‬ما من المسلمين أحد إلّ وله في هذا المال نصيب‬
‫إلّ عبدا مملوكا ‪.‬‬
‫وأسقط أبو حنيفة اعتبار الحرّيّة ‪ ،‬وجوّز إفراد العبيد بالعطاء في ديوان المقاتلة ‪ ،‬وهو‬
‫رأي أبي بكر رضي ال تعالى عنه ‪.‬‬
‫الوصف الثّالث ‪ :‬السلم ‪ ،‬ليدفع عن الملّة باعتقاده ‪ ،‬ويوثق بنصحه واجتهاده فإن أثبت‬
‫ذمّيّ لم يجز ‪ ،‬وإن ارتدّ مسلم سقط ‪.‬‬
‫وهذا قياس قول أحمد ‪ ،‬لنّه منع أن يستعان بالكفّار في الجهاد ‪.‬‬
‫الوصف الرّابع ‪ :‬السّلمة من الفات المانعة من القتال ‪ ،‬فل يجوز أن يكون زمنا ول أعمى‬
‫ول أقطع ‪ ،‬ويجوز أن يكون أخرس أو أصمّ ‪ ،‬فأمّا العرج فإن كان فارسا أثبت ‪ ،‬وإن كان‬
‫راجلً لم يثبت ‪.‬‬
‫الوصف الخامس ‪ :‬أن يكون فيه إقدام على الحرب ومعرفة بالقتال ‪ ،‬فإن ضعفت قوّته عن‬
‫القدام أو قلّت معرفته بالقتال لم يجز إثباته ‪ ،‬لنّه مرصد لما هو عاجز عنه ‪.‬‬
‫فإذا تكاملت هذه ‪ ،‬الوصاف في شخص كان إثباته في ديوان الجيش موقوفا على الطّلب‬
‫واليجاب ‪ ،‬الطّلب منه إذا تجرّد عن كلّ عمل ‪ ،‬واليجاب من وليّ المر إذا دعت الحاجة ‪.‬‬
‫وإذا أثبت في الدّيوان مشهور السم نبيه القدر لم يحسن أن يحلّى فيه أو ينعت ‪ ،‬فإن كان‬

‫من المغمورين في النّاس حلّي ونعت ‪ ،‬لئلّ تتّفق السماء أو يدعى وقت العطاء ‪ ،‬وضمّ إلى‬
‫نقيب عليه أو عريف له ليكون مأخوذا بدركه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬السّبب الّذي يعتبر في التّرتيب ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬إذا أثبت المستحقّون في ديوان الجيش اعتبر في ترتيبهم وجهان ‪:‬‬

‫ص‪.‬‬
‫أحدهما عامّ ‪ ،‬والخر خا ّ‬
‫فأمّا العامّ ‪ :‬فهو ترتيب القبائل والجناس حتّى تتميّز كلّ قبيلة عن غيرها وعلى جنس عمّن‬
‫خالفه ‪ ،‬لتكون دعوة الدّيوان على نسق واحد معروف بالنّسب يزول به التّنازع والتّجاذب ‪،‬‬
‫فإن كانوا عربا ترتّبت قبائلهم بالقربى من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كما فعل عمر‬
‫رضي ال تعالى عنه حين دوّنهم ‪ ،‬فيكون بنو هاشم قطب التّرتيب ‪ ،‬ثمّ من يليهم من أقرب‬
‫النساب إليهم من قريش ‪ ،‬ثمّ النصار ‪ ،‬ثمّ سائر العرب ث ّم العجم ‪ ،‬وإن كانوا عجما ل‬
‫يجتمعون على نسب فالّذي يجمعهم عند فقد النّسب أمران ‪ :‬إمّا أجناس ‪ ،‬وإمّا بلد ‪ ،‬فإذا‬
‫تميّزوا بأحدهما وكان لهم سابقة في السلم ترتّبوا عليها في الدّيوان ‪ ،‬وإن لم تكن لهم‬
‫ي المر ‪ ،‬فإن تساووا فبالسّبق إلى طاعته ‪.‬‬
‫سابقة ترتّبوا بالقرب من ول ّ‬
‫وأمّا التّرتيب الخاصّ ‪ :‬فهو ترتيب الواحد بعد الواحد ‪ ،‬فيرتّب كلّ منهم بالسّابقة في‬
‫السلم‪ ،‬فإن تكافئوا فبالدّين ‪ ،‬فإن تقاربوا فيه فبالسّنّ ‪ ،‬فإن تقاربوا فيه فبالشّجاعة ‪ ،‬فإن‬
‫ي المر بالخيار بين أن يرتّبهم بالقرعة أو يرتّبهم على رأيه واجتهاده ‪.‬‬
‫تقاربوا فيها فول ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬الحال الّذي يقدّر به العطاء ‪:‬‬
‫‪ -5‬تقدير العطاء لمن يثبت في ديوان الجند معتبر بالكفاية حتّى يستغني بها عن التماس‬
‫مادّة تقطعه عن حماية البيضة ‪.‬‬
‫والكفاية معتبرة من ثلثة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬عدد من يعولهم من الذّراريّ والزّوجات والخدم وغيرهم ‪ ،‬فيزاد ذو الولد‬
‫والزّوجات من أجل ولده وزوجاته ‪ ،‬ويزاد من له خدم لمصلحة الحرب أو للخدمة بما يليق‬
‫بمثله حسب مؤنتهم في كفايته ‪ ،‬ويراعى حاله في مروءته وعادة البلد في المطعوم‬
‫والمؤنة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬عدد ما يرتبطه من الخيل والظّهر ‪ ،‬فيزاد ذو الفرس من أجل فرسه وكذلك ذو‬
‫الظّهر ‪.‬‬
‫ن الغرض الكفاية ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الموضع الّذي يحلّه في الغلء والرّخص ‪ ،‬ل ّ‬
‫وبمراعاة هذه المور الثّلثة المعتبرة في بيان الكفاية تقدّر النّفقة ‪ ،‬فيكون ما يقدّر في‬
‫عطائه ‪ ،‬ثمّ يعرض حاله ‪ ،‬فإن زادت رواتبه الماسّة زيد ‪ ،‬وإن نقصت نقص ‪.‬‬

‫‪ -6‬وإذا اتّفق مثبتون في ديوان الجند في هذه الوجوه الثّلثة وتفاوتوا في غيرها كالسّبق‬
‫إلى السلم والغناء فيه وغير ذلك من الخصال ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في جواز التّفضيل‬
‫بسبب هذا التّفاوت ‪ ،‬تبعا لختلف الصّحابة رضوان اللّه تعالى عليهم في ذلك ‪:‬‬
‫فقد كان أبو بكر رضي ال تعالى عنه يرى التّسوية في العطاء ول يرى التّفضيل بالسّابقة ‪،‬‬
‫وكذلك كان رأي عليّ رضي ال تعالى عنه في خلفته ‪ ،‬وبه أخذ مالك والشّافعيّ ‪ ،‬وصرّح‬
‫الشّيخ زكريّا النصاريّ بأنّه ل يزاد أحد منهم ‪ -‬أي من المرتزقة ‪ -‬لنسب عريق أو سبق‬
‫السلم والهجرة وسائر الخصال المرضيّة وإن اتّسع المال ‪ ،‬بل يستوون كالرث والغنيمة ‪،‬‬
‫لنّهم يعطون بسبب ترصّدهم للجهاد وكلّهم مترصّدون له ‪.‬‬
‫وكان رأي عمر رضي ال تعالى عنه التّفضيل بالسّابقة في السلم ‪ ،‬وكذلك كان رأي‬
‫عثمان رضي ال تعالى عنه بعده ‪ ،‬وبه أخذ أبو حنيفة وأحمد ‪.‬‬
‫وقد ناظر عمر أبا بكر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬حين سوّى بين النّاس فقال ‪ :‬أتسوّي‬
‫بين من هاجر الهجرتين وصلّى إلى القبلتين ‪ ،‬وبين من أسلم عام الفتح خوف السّيف ؟‬
‫فقال له أبو بكر ‪ :‬إنّما عملوا للّه ‪ ،‬وإنّما أجورهم على اللّه ‪ ،‬وإنّما الدّنيا دار بلغ للرّاكب ‪،‬‬
‫فقال له عمر ‪ :‬ل أجعل من قاتل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كمن قاتل معه ‪.‬‬
‫ولمّا وضع عمر رضي ال تعالى عنه الدّيوان فضّل بالسّابقة ‪ ،‬ففرض لكلّ واحد ممّن شهد‬
‫بدرا من المهاجرين الوّلين خمسة آلف درهم في كلّ سنة ‪ ،‬ولنفسه معهم ‪ ،‬وألحق بهم‬
‫العبّاس والحسن والحسين رضوان اللّه تعالى عليهم لمكانهم من رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وفرض لكلّ من شهد بدرا من النصار أربعة آلف ‪ ،‬ولم يفضّل على أهل بدر أحدا إلّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وفرض لمن هاجر قبل الفتح ثلثة آلف ‪ ،‬ولمن أسلم بعد‬
‫أزواج النّب ّ‬
‫الفتح ألفي درهم ‪ ،‬وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والنصار كفرائض مسلمي‬
‫الفتح ‪.‬‬
‫ي أربعة آلف درهم ‪ ،‬لنّ أمّه أمّ سلمة زوج النّبيّ‬
‫وفرض لعمر بن أبي سلمة المخزوم ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فلمّا قال له محمّد بن عبد اللّه بن جحش ‪ :‬لم تفضّل عمر علينا وقد‬
‫هاجر آباؤنا وشهدوا بدرا ؟ قال ‪ :‬أفضّله لمكانه من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فليأت‬
‫الّذي يستعتب بأمّ مثل أمّ سلمة أعتبه ‪.‬‬
‫وفرض عمر رضي ال عنه لسامة بن زيد رضي ال عنهما أربعة آلف درهم ‪ ،‬فقال له‬
‫عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬فرضت لي ثلثة آلف درهم وفرضت لسامة أربعة‬
‫آلف درهم وقد شهدت ما لم يشهد أسامة ؟ فقال عمر ‪ :‬زدته ‪ ،‬لنّه كان أحبّ إلى رسول‬

‫اللّه صلى ال عليه وسلم منك ‪ ،‬وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من‬
‫أبيك ‪.‬‬
‫ثمّ فرض للنّاس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم ‪ ،‬وفرض لهل اليمن وقيس‬
‫بالشّام والعراق لك ّل رجل من ألفين إلى ألف إلى خمسمائة إلى ثلثمائة ‪.‬‬

‫الزّيادة على الكفاية ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬إذا قدّر رزق من أثبت في الدّيوان بالكفاية هل يجوز أن يزاد عليها ؟‬

‫اختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫فذهب أبو حنيفة إلى جواز الزّيادة على الكفاية إذا اتّسع المال لها ‪ ،‬وهو ظاهر كلم أحمد ‪،‬‬
‫ي حقّا في‬
‫ي ‪ :‬والفيء بين الغنيّ والفقير ‪ ،‬فقد جعل للغن ّ‬
‫لنّه قال في رواية أبي النّضر العجل ّ‬
‫ي إنّما يكون فيما فضل عن حاجته ‪.‬‬
‫الزّيادة ‪ ،‬والغن ّ‬
‫وذهب الشّافعيّ إلى أنّ الزّيادة على الكفاية ل تجوز وإن اتّسع المال ‪ ،‬لنّ أموال بيت المال‬
‫ل توضع إلّ في الحقوق الَلزمة ‪.‬‬

‫وقت العطاء ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ويكون وقت العطاء للمثبتين في ديوان الجند معلوما يتوقّعه الجيش عند الستحقاق ‪،‬‬

‫وهو معتبر بالوقت الّذي تستوفى فيه حقوق بيت المال ‪ ،‬فإن كانت تستوفى في وقت واحد‬
‫من السّنة جعل العطاء في رأس كلّ سنة ‪ ،‬وإن كانت تستوفى في وقتين جعل العطاء في كلّ‬
‫سنة مرّتين ‪ ،‬وإن كانت تستوفى في كلّ شهر جعل العطاء في رأس كلّ شهر ‪ ،‬ليكون المال‬
‫مصروفا إلى المستحقّين عند حصوله فل يحبس عنهم إذا اجتمع ول يطالبون به إذا تأخّر ‪.‬‬
‫وإذا تأخّر العطاء ع ند ا ستحقاقه وكان حا صلً في ب يت المال كان للم ستحقّين المطال بة به‬
‫كالدّيون المستحقّة ‪.‬‬
‫وإن أعوز بيت المال لعوارض أبطلت حقوقه أو أخّرتها كانت أرزاقهم دينا على بيت المال‬
‫ي المر به كما ليس لصاحب الدّين مطالبة من أعسر بدينه ‪.‬‬
‫وليس لهم مطالبة ول ّ‬

‫ما يدخل في العطاء وما ل يدخل ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬إذا نفقت دابّة أحد المثبتين في ديوان الجند في حرب عوّض عنها ‪ ،‬وإن نفقت في غير‬

‫حرب لم يعوّض ‪.‬‬
‫وإذا استهلك سلحه فيها عوّض عنه إن لم يدخل في تقدير عطائه ‪ ،‬ولم يعوّض إن دخل‬
‫فيه ‪.‬‬
‫وإذا جرّد لسفر أعطي نفقة سفره إن لم تدخل في تقدير عطائه ‪ ،‬ولم يعط إن دخلت فيه ‪.‬‬

‫إرث العطاء ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬إذا مات أحد المستحقّين للعطاء من ديوان الجند أو قتل كان ما استحقّه من عطاء‬

‫موروثا عنه على فرائض اللّه تعالى ‪ ،‬وهو دين لورثته في بيت المال ‪.‬‬
‫وفصّل الشّيخ زكريّا النصاريّ القول في هذه المسألة فقال ‪ :‬ومن مات منهم ‪ -‬أي ‪:‬‬
‫المستحقّين ‪ -‬بعد جمع المال وتمام الحول ‪ -‬إن كان الصّرف مسانهةً ‪ ،‬وفي معناه‬
‫ق لزم له فينتقل لوارثه كالدّين ول‬
‫الشّهر ‪ ،‬إن كان مشاهرةً ‪ -‬فنصيبه لوارثه ‪ ،‬لنّه ح ّ‬
‫يسقط بالعراض عنه كالرث ‪ ،‬ومن مات قبل تمام الحول وبعد الجمع للمال فقسطه لوارثه‬
‫كالجرة في الجارة ‪ ،‬ومن مات بعد تمام الحول وقبل جمع المال فل شيء لوارثه إذ الحقّ‬
‫إنّما يثبت بجمع المال ول شيء للوارث بالولى إذا مات مورّثه المثبت في الدّيوان قبل تمام‬
‫الحول وقبل الجمع ‪.‬‬
‫ومن مات من المرتزقة دفع إلى زوجته وأولده الصّغار قدر كفايتهم حتّى تنكح الزّوجة‬
‫ويستقلّ الولد بالكسب ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬عطاء ذوي الحاجة ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬يفرض المام كذلك لليتام ‪ ،‬والمساكين ‪ ،‬وابن السّبيل وكلّ من شملتهم آية ‪ { :‬مّا‬

‫ن أَ ْهلِ ا ْلقُرَى } فيفرض لهم عطاءً وجوبا في بيت المال قدر‬
‫أَفَاء الّلهُ عَلَى َرسُو ِلهِ مِ ْ‬
‫كفايتهم ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬عطاء القائمين بالمصالح والوظائف العامّة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬كلّ من كان عمله مصلحةً عا ّمةً للمسلمين من ‪ :‬قاض ‪ ،‬ومفت ‪ ،‬وعالم ‪ ،‬ومعلّم قرآن‬

‫ل يتعطّل من ذكر‬
‫ي ‪ ،‬ومؤذّن ‪ ،‬وإمام ‪ ،‬يفرض لهم العطاء في بيت المال ‪ ،‬لئ ّ‬
‫أو علم شرع ّ‬
‫بالكتساب عن الشتغال بهذه العمال والعلوم وعن تنفيذ الحكام ‪ ،‬وعن التّعليم والتّعلّم‬
‫فيرزقون ليتفرّغوا لذلك ‪.‬‬
‫وقدر المعطى إلى رأي المام بالمصلحة ‪ ،‬ويختلف باختلف ضيق المال وسعته ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيت المال ف‬

‫‪12‬‬

‫‪،‬‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العطاء المنجز في مرض الموت ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬العطاء المنجز كالهبة المقبوضة ‪ ،‬والصّدقة ‪ ،‬والوقف ‪ ،‬والبراء من الدّين ‪ ،‬والعفو‬

‫صحّة فهي من رأس المال ‪ ،‬أمّا إذا كان العطاء‬
‫عن الجناية الموجبة للمال ‪ ،‬إذا كانت في ال ّ‬
‫في المرض الّذي مات فيه فهو من الثّلث في قول جمهور الفقهاء لما روي عن أبي هريرة‬
‫ن اللّه تصدّق عليكم عند‬
‫رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫وفاتكم بثلث أموالكم زياد ًة لكم في أعمالكم « ‪.‬‬

‫والحديث يدلّ بمفهومه على أنّه ليس له أكثر من الثّلث ‪ ،‬ولنّ هذه الحال الظّاهر منها‬
‫الموت ‪ ،‬فكان عط ّيةً في مرض الموت ‪ ،‬في حقّ ورثته ل تتجاوز الثّلث كالوصيّة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫‪ -‬وحكم العطايا في مرض الموت المخوف حكم الوصيّة في خمسة أشياء ‪:‬‬

‫أحدها ‪ :‬أنّه يقف نفوذها على خروجها من الثّلث ‪ ،‬وإجازة الورثة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّها ل تصحّ لوارث إلّ بإجازة بقيّة الورثة ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫صحّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬أنّ فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصّدقة في ال ّ‬
‫وسلم سئل عن أفضل الصّدقة فقال ‪ » :‬أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى‬
‫الفقر ‪ ،‬ول تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت ‪ :‬لفلن كذا ‪ ،‬ولفلن كذا ‪ ،‬وقد كان لفلن « ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬أنّه يزاحم بها الوصايا في الثّلث ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أنّ خروجها من الثّلث معتبر حال الموت ‪ ،‬ل قبله ول بعده ‪.‬‬
‫ويفارق الوصيّة في أشياء ‪:‬‬
‫ق المعطي فليس له الرّجوع فيها ‪ ،‬وإن كثرت ‪ ،‬لنّ المنع عن‬
‫أحدها ‪ :‬أنّها لزمة في ح ّ‬
‫ق الورثة ل لحقّه ‪ ،‬فلم يملك إجازتها ول ردّها ‪ ،‬وإنّما كان له‬
‫الزّيادة من الثّلث إنّما كان لح ّ‬
‫الرّجوع في الوصيّة ‪ ،‬لنّ التّبرّع مشروط بالموت ففيما بعد الموت لم يوجد التّبرّع ول‬
‫العطيّة ‪ ،‬بخلف العطيّة في المرض فإنّه قد وجدت العطيّة منه والقبول والقبض من المعطى‬
‫فلزمت كالوصيّة إذا قبلت بعد الموت ‪.‬‬
‫ن قبولها على الفور في حال حياة المعطي ‪ ،‬وكذلك ردّها ‪ ،‬والوصايا ل حكم‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫لقبولها ول ردّها إلّ بعد الموت ‪ ،‬لما ذكر من أنّ العطيّة تصرّف في الحال ‪ ،‬فيعتبر شروطه‬
‫وقت وجوده ‪ ،‬والوصيّة تبرّع بعد الموت فيعتبر شروطه بعد الموت ‪.‬‬
‫صحّة ‪ :‬من العلم ‪ ،‬وكونها ل‬
‫ن العطيّة تفتقر إلى شروطها المشروطة لها في ال ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫يصحّ تعليقها على شرط وغرر في غير العتق والوصيّة بخلفه ‪.‬‬
‫ي وجمهور الفقهاء ‪ ،‬وبه قال‬
‫الرّابع ‪ :‬أنّها تقدّم على الوصيّة ‪ ،‬وهذا قول أحمد ‪ ،‬والشّافع ّ‬
‫أبو حنيفة ‪ ،‬وأبو يوسف ‪ ،‬وزفر إلّ في العتق ‪ ،‬فإنّه حكى عنهم تقديمه ‪ ،‬لنّ العتق يتعلّق‬
‫ق اللّه تعالى ويسري وقفه ‪ ،‬وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه ‪ ،‬وللجمهور أنّ العطيّة‬
‫به ح ّ‬
‫صحّة ‪ ،‬وكما لو تساوى الحقّان ‪.‬‬
‫لزمة في حقّ المريض فقدّمت على الوصيّة كعطيّة ال ّ‬
‫الخامس ‪ :‬أنّ الواهب إذا مات قبل القبض للهبة المنجّزة كانت الخيرة للورثة إن شاءوا‬
‫قبضوا وإن شاءوا منعوا ‪ ،‬والوصيّة تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم ‪.‬‬

‫ق ل يمكنه دفعه وإسقاطه كأرش الجناية وما عاوض‬
‫أمّا ما لزم المريض في مرضه من ح ّ‬
‫بثمن المثل ‪ ،‬وما يتغابن به زيادةً من الثّلث فهو من صلب المال وكذا إن تزوّج بمهر المثل‬
‫يحسب من صلب المال ‪ ،‬لنّه صرف ماله في حاجة في نفسه فيقدّم بذلك على وارثه ‪ ،‬وإن‬
‫اشترى أطعمةً ل يأكل منها مثله جاز وصحّ شراؤه ‪ ،‬لنّه صرفه في حاجته ‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫‪ -‬ويعتبر في المريض الّذي هذه أحكامه في العطاء شرطان ‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬أن يتّصل بمرضه الموت ‪ ،‬ولو شفي من مرضه الّذي أعطى فيه ثمّ مات بعد ذلك‬
‫فحكم عطيّته حكم عطيّة الصّحيح ‪ ،‬لنّه ليس بمرض الموت ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يكون مخوفا ‪ ،‬وهو ما ل تمت ّد معه الحياة عادةً في الغلب العمّ ‪ ،‬فإن لم يكن‬
‫مخوفا كالصّداع اليسير ونحوه فحكم صاحبه حكم الصّحيح ‪ ،‬لنّه ل يخاف منه عاد ًة ‪ ،‬وإن‬
‫شككنا في كونه مخوفا لم يثبت إلّ بشهادة طبيبين عدلين ‪ ،‬أمّا المراض الممتدّة كالجذام‬
‫سلّ فإن أضنى صاحبه على فراشه فهي مخوفة ‪ ،‬وإن لم يكن صاحب فراش بل كان‬
‫وال ّ‬
‫يذهب ويجيء فعطاياه من جميع المال ‪ ،‬وبه يقول الحنابلة ‪ ،‬والحنفيّة ‪ ،‬ومالك والوزاعيّ‬
‫وأبو ثور قالوا ‪ :‬لنّها أمراض مزمنة ل قاتلة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّه ل يخاف منه الموت‬
‫فتحسب عطيّته من صلب المال ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬عطاء الولد ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ للصل وإن عل العدل فيما يعطيه أولده ‪،‬‬

‫سواء كانت تلك العطيّة هب ًة أم هد ّي ًة أم صدقةً أم وقفا أم تبرّعا آخر لحديث ‪ » :‬اتّقوا اللّه‬
‫واعدلوا بين أولدكم « ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تسوية ف‬

‫انظر ‪ :‬تشميت ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬تلف ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬تطيّب ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬هبة ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫و‬

‫‪12‬‬

‫)‪.‬‬

‫عُطَاس *‬
‫عَطَب *‬
‫عِطْر *‬
‫عَطيّة *‬

‫عَظْم *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العظم في اللّغة ‪ :‬هو الّذي عليه اللّحم من قصب الحيوان ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪:‬‬

‫سوْنَا الْ ِعظَامَ َلحْما } ‪ ،‬والجمع أعظم وعظام وعظامه بالهاء لتأنيث الجمع ‪.‬‬
‫{ َفكَ َ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعظم ‪:‬‬
‫طهارة العظم أو نجاسته ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫ي طاهر سواء كان حيّا أو ميّتا وسواء كان‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ عظم الدم ّ‬

‫مسلما أو كافرا لقولـه تعالى ‪ { :‬وَ َلقَدْ كَ ّرمْنَا بَنِي آ َدمَ } الية ‪ ،‬ومن التّكريم أن ل يحكم‬
‫بنجاسته بالموت ‪.‬‬
‫ن عظم السّمك يبقى طاهرا بعد موته لقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫وذهب الفقهاء كذلك إلى أ ّ‬
‫» أحلّت لنا ميتتان ودمان الجراد والحيتان والكبد والطّحال « ‪.‬‬
‫كما ذهبوا إلى أنّ عظم مأكول اللّحم المذبوح شرعا طاهر يجوز النتفاع به ‪ ،‬إلّ أنّهم‬
‫اختلفوا في عظم الميتة أو المذبوح الّذي ل يؤكل لحمه ‪ ،‬فذهب الجمهور وهم المالكيّة ‪،‬‬
‫ن عظام الميتة نجسة سواء كانت ميتة ما يؤكل‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وإسحاق إلى أ ّ‬
‫لحمه أو ما ل يؤكل لحمه ‪ ،‬وسواء في غير مأكول اللّحم ذبح أو لم يذبح ‪ ،‬وأنّها ل تطهر‬
‫حمُ ا ْلخِنْزِيرِ } ‪.‬‬
‫ت عَلَ ْي ُكمُ ا ْلمَيْ َتةُ وَالْ ّدمُ وَ َل ْ‬
‫بحال ويحرم استعمالها لقوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَ ْ‬
‫ولنّ ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬كره أن يدّهن في عظم فيل ‪ ،‬لنّه ميتة ‪ ،‬والسّلف‬
‫يطلقون الكراهة ويريدون بها التّحريم ‪ -‬كما يقول النّوويّ ‪ -‬وكذا ما أبين من حيوان نجس‬
‫الميتة من العظام سواء كان حيّا أو ميّتا ‪ ،‬لنّه جزء متّصل بالحيوان اتّصال خلقة فأشبه‬
‫العضاء ‪ ،‬وكره عطاء وطاوس والحسن وعمر بن عبد العزيز رضي ال عنهم عظام‬
‫الفيلة ‪ ،‬ورخّص في النتفاع بها محمّد بن سيرين وابن جريج ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى طهارة عظام الميتة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عاج ف ‪. ) 6 ، 5 ، 4‬‬

‫الستنجاء بالعظم ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الستنجاء بالعظم ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجوز‬

‫الستنجاء أو الستجمار بالعظم سواء كان هذا العظم طاهرا كعظم مأكول اللّحم المذكّى أو‬
‫نجسا كعظم الميتة لحديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬اتّبعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬

‫وخرج لحاجته فقال ‪ » :‬ابغني أحجارا أستنفض بها أو نحوه ‪ ،‬ول تأتني بعظم ول روث «‬
‫وللنّهي الوارد عنه صلى ال عليه وسلم عندما سأل الجنّ الزّاد ربّهم فقال ‪ » :‬لكم ك ّل عظم‬
‫ذكر اسم اللّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما ‪ ،‬وكلّ بعرة علف لدوابّكم فقال النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فل تستنجوا بهما فإنّهما طعام إخوانكم « ‪.‬‬
‫ن من خالف النّهي واستنجى بالعظم لم يجزئه وكان عاصيا لما روي عن أبي‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أن يستنجى بروث أو عظم‬
‫هريرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬نهى النّب ّ‬
‫وقال ‪ :‬إنّهما ل تطهّران « ‪.‬‬
‫ولنّ الستنجاء بغير الماء رخصة والرّخصة ل تحصل بحرام ‪ ،‬لكنّه يكفيه الحجر بعد ذلك‬
‫ما لم تنتشر النّجاسة ولم يكن على العظم زهومة ‪.‬‬
‫ولو أحرق عظما طاهرا بالنّار وخرج عن حال العظم فهل يجوز الستنجاء به ؟‬
‫للشّافعيّة فيه وجهان ‪:‬‬
‫ي صلى‬
‫الوّل ‪ :‬ل يجوز الستنجاء به لما رواه أبو هريرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬نهى النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم عن الرّوث وال ّرمّة « أي ‪ :‬الستنجاء بهما ‪ ،‬وال ّرمّة هي العظم البالي ‪ ،‬ول‬
‫فرق بين البالي بنار أو البالي بمرور الزّمان وهذا أصحّ ‪.‬‬
‫الوجه الثّاني ‪ :‬يجوز الستنجاء به ‪ ،‬لنّ النّار أحالته وأخرجته عن حال العظم المنهيّ عن‬
‫الستنجاء به ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يكره تحريما الستنجاء بالعظم للنّهي الوارد في ذلك ‪ ،‬ولكن إذا خالف‬
‫واستنجى بالعظم أجزأه عندهم ‪ ،‬لنّه يجفّف النّجاسة وينقّي المحلّ ‪.‬‬
‫ن ‪ -‬أنّ العظم لو كان عظم‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬يستفاد من الحديث السّابق ‪ -‬وهو حديث الج ّ‬
‫ميتة ل يكره الستنجاء به ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فالعظم عندهم إذا كان نجسا كعظم الميتة فل يجوز الستجمار به ‪ ،‬وإن كان‬
‫العظم طاهرا كعظم مأكول اللّحم المذكّى فيجوز الستنجاء به مع الكراهة ‪.‬‬

‫الذّبح بالعظم ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ اختلف الفقهاء في حكم الذّبح بالعظم على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ذبائح ف‬‫‪:‬‬

‫القصاص في العظم‬

‫‪41‬‬

‫)‬

‫‪ -5‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل قصاص في العظم إ ّل من مفصل لعدم إمكان المماثلة في‬
‫غير المفصل ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬وقود ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عِفَاص *‬

‫‪ -‬العفاص ‪ -‬وزّان كتاب ‪ -‬في اللّغة ‪ :‬قال أبو عبيد ‪ :‬هو الوعاء الّذي يكون فيه النّفقة‬

‫من جلد أو من خرقة أو غير ذلك ‪ ،‬ولهذا سمّي الجلد الّذي تلبسه رأس القارورة العفاص ‪،‬‬
‫لنّه كالوعاء لها ‪ ،‬وليس هذا بالصّمام الّذي يدخل في فم القارورة فيكون سدادا لها ‪ ،‬وقال‬
‫اللّيث ‪ :‬العفاص صمام القارورة ‪ ،‬قال الزهريّ ‪ :‬والقول ما قال أبو عبيد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هو ‪ :‬الوعاء الّذي تكون فيه اللّقطة ‪ -‬أي ‪ :‬المال الملتقط ‪ -‬سواء أكان من‬
‫جلد أم خرقة أم غير ذلك ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الهميان ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الهِميان ‪ -‬بكسر الهاء ‪ : -‬كيس تجعل فيه النّفقة ويشدّ على الوسط ‪.‬‬

‫ويستعمله الفقهاء بهذا المعنى حيث قالوا ‪ :‬رخّص فيه للحاجّ لوضع النّفقة فيه ‪.‬‬
‫أمّا العفاص فإنّه يأتي ذكره عند الفقهاء في باب اللّقطة باعتباره وعا ًء للمال الملتقط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوكاء ‪:‬‬
‫الوِكاء ‪ -‬بكسر الواو ‪ -‬في اللّغة ‪ :‬الحبل يش ّد به رأس القربة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬خيط اللّقطة المشدودة به ‪.‬‬
‫ن كَلً منهما ممّا تعرف به اللّقطة ‪.‬‬
‫والصّلة بين العفاص والوكاء أ ّ‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬العفاص علمة من العلمات الّتي يتعرّف بها على اللّقطة ‪ ،‬والصل فيه ما روى زيد‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم سئل عن اللّقطة فقال ‪ » :‬اعرف وكاءها‬
‫بن خالد الجهنيّ أ ّ‬
‫وعفاصها وعرّفها سنةً فإن جاء من يعرفها وإلّ فاخلطها بمالك « ‪.‬‬
‫ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يكفي معرفة العفاص وحده لستحقاق اللّقطة وأخذها من الملتقط ‪،‬‬
‫بل ل بدّ أن ينضمّ إلى معرفة العفاص معرفة سائر العلمات الّتي ذكرها الفقهاء كمعرفة‬
‫الوكاء والوزن والعدد والجنس والنّوع وهكذا ‪ ..‬أو معرفة أغلبها ‪.‬‬
‫ولم يفصّل جمهور الفقهاء الحكم فيما إذا عرف مدّعي ملكيّة اللّقطة العفاص فقط ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فلهم بعض التّفصيل ‪ :‬قالوا ‪ :‬من عرف العفاص والوكاء فقط دفعت إليه اللّقطة‬
‫من غير يمين على المشهور كما هو ظاهر المدوّنة ‪ ،‬وقال أشهب ‪ :‬ل ب ّد من اليمين ‪.‬‬
‫ومن عرف العفاص فقط وجهل الوكاء فل تدفع إليه اللّقطة في الحال ‪ ،‬بل ينتظر لعلّ غيره‬
‫أن يأتي بأثبت ممّا أتى به الوّل فيأخذها ‪ ،‬فإن لم يأت أحد بأثبت ممّا أتى به الوّل أو لم‬

‫يأت أحد أصلً استحقّها الوّل ‪ ،‬وإن غلط بأن ذكر العفاص على خلف ما هو عليه ثمّ ادّعى‬
‫الغلط فل تدفع له على الظهر لظهور كذبه ‪.‬‬
‫وقال أصبغ ‪ :‬يقضى باللّقطة لمن عرف العفاص فقط بيمين على من عرف العدد والوزن ‪.‬‬
‫هذا مع اختلف الفقهاء في وجوب دفع اللّقطة لمدّعيها عند معرفة علماتها وأوصافها أو‬
‫جواز الدّفع ول يجب إلّ مع البيّنة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لقطة ) ‪.‬‬

‫عفّة *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العفّة في اللّغة ‪ :‬الكفّ عمّا ل يحلّ ول يجمل ‪ ،‬يقال ‪ :‬عفّ الرّجل وعفّت المرأة عن‬

‫المحارم ‪ ،‬يعفّ ع ّفةً وعفّا ‪ ،‬وعفافا ‪ ،‬فهو عفيف ‪ ،‬وفي المؤنّثة يزاد فيها هاء التّأنيث ‪ :‬إذا‬
‫امتنع عن المحارم والطماع الدّنيّة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫الحصانة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬تطلق الحصانة على معان ‪:‬‬

‫ن ا ْل ُمحْصَنَاتِ ا ْلغَافِلتِ } أي العفيفات ‪.‬‬
‫ن يَ ْرمُو َ‬
‫أحدها ‪ :‬العفّة كما في قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّذِي َ‬
‫ن ال ّنسَاء } عطفا على قوله ‪:‬‬
‫والثّاني ‪ :‬الزّواج كما في قوله سبحانه ‪ { :‬وَا ْل ُمحْصَنَاتُ مِ َ‬
‫ت عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَا ُتكُمْ } أي حرّم عليكم نكاح ذوات الزواج فهنّ محصنات بأزواجهنّ ‪.‬‬
‫{ حُ ّرمَ ْ‬
‫ط ْولً أَن يَن ِكحَ ا ْل ُمحْصَنَاتِ‬
‫والثّالث ‪ :‬الحرّيّة كما في قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ّل ْم َيسْ َتطِعْ مِن ُكمْ َ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ } أي الحرائر ‪.‬‬
‫ن نِصْفُ مَا‬
‫شةٍ َفعَلَ ْيهِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ن أَتَيْنَ ِبفَا ِ‬
‫والرّابع ‪ :‬السلم كما في قوله تعالى ‪ { :‬فَإِذَا ُأحْصِنّ فَإِ ْ‬
‫ن ا ْلعَذَابِ } أي إذا أسلمن ‪ ،‬فيكون إحصانها هاهنا إسلمها ‪ ،‬وهذا قول‬
‫عَلَى ا ْل ُمحْصَنَاتِ مِ َ‬
‫ابن مسعود وابن عمر وأنس والسود بن يزيد وزرّ بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء‬
‫ي والسّدّيّ ‪ ،‬وروى نحوه الزّهريّ عن عمر بن الخطّاب ‪.‬‬
‫ي والشّعب ّ‬
‫وإبراهيم النّخع ّ‬
‫فالحصانة أعمّ من العفّة ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعفّة ‪:‬‬
‫العفّة عن الطماع وسؤال النّاس ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬يحرص السلم على حفظ كرامة النسان وصونه عن البتذال ‪ ،‬فيحرم السّؤال على‬

‫من يملك ما يغنيه عن السّؤال من مال أو قدرة على التّكسّب ‪ ،‬أمّا إن كان محتاجا إلى‬
‫الصّدقة ‪ ،‬وممّن يستحقّونها ‪ ،‬لفقر أو زمانة ‪ ،‬أو عجز عن الكسب ‪ ،‬فيجوز له السّؤال‬
‫بقدر الحاجة بشروط ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سؤال ف ‪ 9‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫العفّة عن الزّنا ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ح ا ْل ُم ْؤمِنُونَ ‪،‬‬
‫‪ -‬وصف اللّه المؤمنين بالعفّة عن رذيلة الزّنا فقال عزّ من قائل ‪ { :‬قَدْ أَفْ َل َ‬

‫علَى‬
‫جهِمْ حَا ِفظُونَ ‪ ،‬إِل َ‬
‫شعُونَ } إلى أن قال ‪ { :‬وَالّذِينَ ُهمْ ِلفُرُو ِ‬
‫الّذِينَ ُهمْ فِي صَل ِت ِهمْ خَا ِ‬
‫أَ ْزوَاجِ ِهمْ أوْ مَا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُهمْ } ‪.‬‬
‫وفي الحديث ‪ » :‬ل يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن « ‪.‬‬
‫ونهى اللّه تعالى المؤمنين عن مقدّمات الزّنا ‪ ،‬وكلّ ما يؤدّي إليه كالنّظر إلى الجنبيّة‬
‫ج ُهمْ } ‪.‬‬
‫ح َفظُوا فُرُو َ‬
‫ن أَبْصَارِ ِهمْ وَ َي ْ‬
‫والختلء بها ‪ ،‬وقال ‪ { :‬قُل لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ َيغُضّوا مِ ْ‬
‫وأمر سبحانه بالعفّة في قوله تعالى ‪ { :‬وَلْ َيسْ َت ْعفِفِ الّذِينَ ل َيجِدُونَ ِنكَاحًا حَتّى ُيغْنِ َيهُمْ الّلهُ‬
‫مِن فَضْ ِلهِ } ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم إلى الوسائل الّتي تعين على العفّة فأمر القادرين على‬
‫وأرشد النّب ّ‬
‫مؤنة النّكاح بالتّزوّج ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬يا معشر الشّباب ‪ ،‬من استطاع منكم‬
‫الباءة فليتزوّج ‪ ،‬فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج « ‪.‬‬
‫وأمر غير القادرين بالتّعفّف بالستعانة بالصّوم لكسر الشّهوة فقال عليه الصلة والسلم ‪:‬‬
‫» ومن لم يجد فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء « أي وقاية ‪.‬‬
‫وقد ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب على من يجد الهبة وتتوق نفسه إلى الجماع ويخاف‬
‫ن اجتناب الزّنا واجب ‪ ،‬وما ل يتمّ الواجب إلّ به فهو واجب‬
‫الوقوع في الزّنا أن يتزوّج ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ .‬وللفقهاء في كسر الشّهوة إلى الجماع بالدوية تفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫( شهوة ف‬

‫‪16‬‬

‫) ومصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬

‫إعفاف الصول والفروع ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب إعفاف الصول على الفروع والفروع على أصولهم ‪:‬‬

‫فذهب بعضهم إلى وجوب ذلك ولم يذهب إليه آخرون ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إعفاف ‪ :‬ف ‪ ، 5‬ونكاح ) ومصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬

‫نكاح العفيف بالزّانية ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز نكاح الرّجل العفيف بالمرأة الزّانية أو المرأة العفيفة بالرّجل‬

‫الزّاني ‪:‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ زنا الرّجل ل يحرّمه على المرأة العفيفة وأنّ زنا المرأة ل‬
‫يحرّمها على الرّجل العفيف ‪ ،‬وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا زنت المرأة لم يح ّل لمن يعلم ذلك‬
‫نكاحها إلّ بشرطين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬انقضاء عدّتها ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬أن تتوب من الزّنا ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَفَل *‬

‫‪ -‬العفل في اللّغة ‪ :‬لحم ينبت في قبل المرأة وهو القرن ‪ ،‬ول يكون في البكار ول يصيب‬

‫المرأة إلّ بعد ما تلد ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هو ورم يكون بين مسلكي المرأة فيضيق فرجها حتّى يمتنع اليلج ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الرّتق ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬هو انسداد محلّ الجماع من فرج المرأة بلحم ‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬هو كون الفرج مسدودا ملتصقا ل يسلكها الذّكر بأصل الخلقة ‪.‬‬
‫ن العفل يكون بعد أن تلد ‪ ،‬أمّا الرّتق فإنّه‬
‫والفرق بين العفل والرّتق عند بعض الفقهاء ‪ :‬أ ّ‬
‫يكون بأصل الخلقة ‪.‬‬
‫وك ّل من العفل والرّتق من العيوب الّتي تثبت الخيار في النّكاح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القرن ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬القرن هو ‪ :‬انسداد محلّ الجماع من فرج المرأة بعظم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬بلحم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬بغدّة‬

‫غليظة ‪.‬‬
‫والفرق بين العفل والقرن ‪ :‬أنّ العفل يكون بلحم ‪ ،‬وأمّا القرن فقد يكون بلحم أو غيره ‪،‬‬
‫وعليه فالقرن أعمّ ‪.‬‬
‫وك ّل من العفل والقرن من العيوب الّتي تثبت الخيار في النّكاح ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّ العفل من العيوب الّتي يثبت بها للزّوج خيار فسخ‬

‫النّكاح ‪ ،‬لنّه يمنع المقصود الصليّ من النّكاح وهو الوطء ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى ‪ :‬أنّه ليس لواحد من الزّوجين خيار فسخ النّكاح بعيب‬
‫في الخر كائنا ما كان ‪ ،‬وهو قول عطاء والنّخعيّ وعمر بن عبد العزيز وابن زياد وأبي‬
‫ي والثّوريّ ‪.‬‬
‫قلبة وابن أبي ليلى والوزاع ّ‬
‫وذهب محمّد بن الحسن إلى أنّه ل خيار للزّوج بعيب في المرأة ‪ ،‬ولها هي الخيار بعيب فيه‬
‫من الثّلثة ‪ :‬الجنون والجذام والبرص ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى ‪ :‬أنّ من العيوب المختصّة بالمرأة والّتي يثبت بها الخيار هي الرّتق‬
‫والقرن ‪ ،‬وهما عندهم انسداد مح ّل الجماع منها ‪ ،‬في الرّتق بلحم ‪ ،‬وفي القرن بعظم وقيل‬
‫‪ :‬بلحم ينبت فيه ويخرج البول من ثقبة ضيّقة فيه ‪.‬‬

‫عَفْو *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬من معاني العفو في اللّغة السقاط ‪ :‬قال تعالى ‪ { :‬وَاعْفُ عَنّا } ‪.‬‬

‫عفَواْ } أي ‪ :‬كثروا ‪.‬‬
‫والكثرة ‪ :‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬حَتّى َ‬
‫والذّهاب والطّمس والمحو ‪ :‬ومنه قول لبيد ‪ :‬عفت الدّيار ‪.‬‬
‫والعطاء ‪ ،‬قال ابن العرابيّ ‪ :‬عفا يعفو إذا أعطى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬العفو ما أتى بغير مسألة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يستعمل الفقهاء العفو غالبا بمعنى السقاط والتّجاوز ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الصّفح ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الصّفح ترك المؤاخذة ‪ ،‬وأصله ‪ :‬العراض بصفحة الوجه عن التّلفّت إلى ما كان منه‪،‬‬

‫جمِيلَ } ‪.‬‬
‫ح ا ْل َ‬
‫صفْ َ‬
‫ص َفحِ ال ّ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫صفَحُواْ حَتّى يَأْتِ يَ اللّ هُ‬
‫عفُواْ وَا ْ‬
‫قال الرّاغب ‪ :‬وال صّفح أبلغ من العفو ولذلك قال تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫بِ َأمْرِهِ } ‪.‬‬
‫وقد يعفو النسان ول يصفح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المغفرة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬المغفرة من الغفر مصدر غفر ‪ ،‬وأصله السّتر ‪ ،‬ومنه يقال ‪ :‬الصّبغ أغفر للوسخ أي‬

‫أستر ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬أن يستر القادر القبيح الصّادر ممّن هو تحت قدرته ‪.‬‬

‫ن العفو يقتضي إسقاط اللّوم وال ّذمّ ول يقتضي إيجاب الثّواب ‪،‬‬
‫والفرق بين العفو والمغفرة أ ّ‬
‫والمغفرة تقتضي إسقاط العقاب وهو ‪ :‬إيجاب الثّواب ‪ ،‬فل يستحقّها إلّ المؤمن المستحقّ‬
‫للثّواب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السقاط ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬السقاط ‪ :‬هو إزالة الملك أو الحقّ ل إلى مالك ‪.‬‬

‫والعفو على إطلقه أعمّ من السقاط لتعدّد استعمالته ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّلح ‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬الصّلح عقد يرفع النّزاع ‪.‬‬

‫والعلقة بين العفو والصّلح العموم والخصوص ‪ ،‬فالصّلح أعمّ من العفو ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫ق فإن كان الحقّ خالصا للعبد‬
‫‪ -‬يختلف الحكم التّكليفيّ للعفو باختلف ما يتعلّق به الح ّ‬

‫فإنّه يستحبّ العفو عنه ‪ ،‬وإن كان حقّا للّه سبحانه وتعالى كالحدود مثلً ‪ ،‬فإنّه ل يجوز‬
‫العفو عنه بعد رفع المر إلى الحاكم ‪.‬‬
‫وإن كان الحقّ للّه تعالى في غير الحدود فإنّه يقبل العفو في الجملة للسباب الّتي يعتبرها‬
‫ل منه ورحمةً ورفعا للحرج ‪.‬‬
‫الشّارع مؤدّيةً إلى ذلك تفضّ ً‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬إسقاط ف‬

‫‪39‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫العفو في العبادات ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬العفو عن بعض النّجاسات ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬اختلفت آراء الفقهاء فيما يعفى عنه من النّجاسات ‪ ،‬كما اختلفت آراؤهم في التّقديرات‬

‫الّتي تعتبر في العفو ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى التّفرقة بين النّجاسة المخفّفة والنّجاسة المغلّظة وقالوا ‪ :‬إنّه يعفى عن‬
‫المغلّظة إذا أصابت الثّوب أو البدن بشرط أن ل تزيد عن الدّرهم ‪ ،‬قال المرغينانيّ ‪ :‬وقدر‬
‫الدّرهم وما دونه من النّجس المغلّظ كالدّم والبول والخمر وخرء الدّجاج وبول الحمار جازت‬
‫الصّلة معه ‪.‬‬
‫أمّا النّجاسة المخفّفة فقد اختلفوا في القدر الّذي يعفى عنه منها على روايات ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬إن كانت كبول ما يؤكل لحمه جازت الصّلة معها حتّى يبلغ ربع الثّوب ‪.‬‬
‫قال المرغينان ّ‬
‫ي ‪ :‬حدّ الكثير الّذي ل يعفى عنه من النّجاسة الخفيفة هو ‪ :‬الكثير الفاحش في‬
‫وقال الكاسان ّ‬
‫ظاهر الرّواية ‪.‬‬

‫وفرّق المالكيّة بين الدّم ‪ -‬وما معه من قيح وصديد ‪ -‬وسائر النّجاسات ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬بالعفو‬
‫عن قدر درهم من دم وقيح وصديد ‪ ،‬والمراد بالدّرهم الدّرهم البغليّ وهو الدّائرة السّوداء‬
‫ي ‪ :‬إنّما اختصّ العفو بالدّم وما معه ‪ ،‬لنّ النسان ل‬
‫الكائنة في ذراع البغل ‪ ،‬قال الصّاو ّ‬
‫يخلو عنه ‪ ،‬فالحتراز عن يسيره عسر دون غيره من النّجاسات كالبول والغائط والمنيّ‬
‫والمذي ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى العفو عن اليسير من الدّم والقيح وما يعسر الحتراز عنه وتعمّ به‬
‫البلوى ‪ ،‬كدم القروح والدّمامل والبراغيث وما ل يدركه الطّرف ‪ ،‬وما ل نفس له سائلةً ‪،‬‬
‫وغير ذلك ‪ ،‬والضّابط في اليسير والكثير العرف ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فقد صرّحوا بأنّه ل يعفى عن يسير نجاسة ولو لم يدركها الطّرف كالّذي يعلق‬
‫بأرجل ذباب ونحوه ‪ ،‬وإنّما يعفى عن يسير الدّم وما يتولّد منه من القيح والصّديد إلّ دم‬
‫الحيوانات النّجسة فل يعفى عن يسير دمها كسائر فضلتها ‪ ،‬ول يعفى عن الدّماء الّتي‬
‫تخرج من القبل والدّبر ‪ ،‬لنّها في حكم البول أو الغائط ‪.‬‬
‫وظاهر مذهب أحمد أنّ اليسير ما ل يفحش في القلب ‪.‬‬
‫وممّا بحثه الفقهاء في العفو عن النّجاسات ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬العفو عن يسير الدّم ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬يرى أكثر الفقهاء العفو عن يسير الدّم في الجملة ‪.‬‬

‫ي بقوله ‪ :‬خرج باليسير الكثير‬
‫ويقيّد الشّافعيّة العفو عن يسير الدّم بقيود عبّر عنها البيجور ّ‬
‫فإن كان من الشّخص نفسه ولم يكن بفعله ولم يختلط بأجنبيّ ‪ ،‬ولم يجاوز محلّه عفي عنه‬
‫وإلّ فل ‪ ،‬ومحلّ العفو عن يسير الدّم في الثّوب عندهم إن احتاج إليه النسان ولو للتّجمّل‬
‫وكان ملبوسا ‪ ،‬بخلف ما لو لم يحتج إليه وما لو فرشه وصلّى عليه أو حمله وصلّى به‬
‫فل يعفى عنه ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب من المالكيّة ‪ :‬قد اختلف في اليسير المذكور ‪ ،‬هل يغتفر مطلقا على جميع‬
‫الوجوه حتّى يصير كالمائع الطّاهر أو اغتفاره مقصور على الصّلة فل يقطعها لجله إذا‬
‫ذكره فيها ول يعيدها ‪ ،‬وأمّا قبل الصّلة فيؤمر بغسله على جهة النّدب ‪ ،‬قاله في‬
‫التّوضيح ‪ ،‬والوّل مذهب العراقيّين ‪.‬‬
‫قال ابن عبد السّلم ‪ :‬وهو الظهر كغيره من النّجاسات المعفوّ عنها ‪ ،‬والثّاني عزاه ابن‬
‫ي لبن‬
‫عبد السّلم والمصنّف للمدوّنة ‪ ،‬وعزاه صاحب الطّراز وابن عرفة ناقلً عن المازر ّ‬
‫حبيب كذلك ابن ناجي ‪ ،‬قال صاحب الطّراز ‪ :‬هو خلف ظاهر المذهب ‪ ،‬وصرّح ابن وهب‬
‫ن قليل دم الحيض وكثيره نجس ‪.‬‬
‫من المالكيّة بأ ّ‬

‫وأمّا الحنابلة فقد قيّدوا العفو عن يسير الدّم بأن يكون من حيوان طاهر في الحياة ‪ ،‬آدميّا‬
‫كان أو غيره ‪ ،‬يؤكل كالبل والبقر أو ل كاله ّر ‪ ،‬بخلف الحيوان النّجس كالكلب والبغل‬
‫والحمار فل يعفى عن شيء ممّا ذكر منه ‪ ،‬ول يعفي عن يسير الدّم الخارج من السّبيلين‬
‫على الوجه الصّحيح عند الحنابلة ‪ .‬وفي الوجه الثّاني يعفى عن يسيره ‪.‬‬
‫كما يعفى عن يسير دم الحيض وكذا دم النّفاس على الوجه الصّحيح عند الحنابلة ‪ ،‬وفي‬
‫الوجه الثّاني ل يعفى عن يسيره ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬لنّه نجاسة فأشبه‬
‫وقال الحسن ‪ :‬كثير الدّم وقليله سواء ‪ ،‬ونحوه عن سليمان التّيم ّ‬
‫البول ‪.‬‬
‫وحكم القيح والصّديد حكم الدّم عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العفو عن طين الشّوارع ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬يرى الشّافعيّة والحنابلة العفو عن يسير طين الشّارع النّجس لعسر تجنّبه ‪ ،‬قال‬

‫ي تعليقا على مذهب الشّافعيّة في الموضوع ‪ :‬وقضيّة إطلقهم العفو عنه ولو اختلط‬
‫الزّركش ّ‬
‫بنجاسة كلب أو نحوه وهو المتّجه ل سيّما في موضع يكثر فيه الكلب ‪ ،‬لنّ الشّوارع‬
‫معدن النّجاسات ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة قريب من مذهب الشّافعيّة والحنابلة إذ قالوا ‪ :‬إنّ طين الشّوارع الّذي فيه‬
‫نجاسة عفو إلّ إذا علم عين النّجاسة ‪ ،‬والحتياط في الصّلة غسله ‪.‬‬
‫ويقول المالكيّة ‪ :‬الحوال أربعة ‪:‬‬
‫الولى والثّانية ‪ :‬كون الطّين أكثر من النّجاسة أو مساويا لها تحقيقا أو ظنّا ول إشكال في‬
‫العفو فيهما ‪.‬‬
‫والثّالثة ‪ :‬غلبة النّجاسة على الطّين تحقيقا أو ظنّا ‪ ،‬وهو معفوّ عنه على ظاهر المدوّنة ‪،‬‬
‫ويجب غسله على ما مشى عليه الدّردير تبعا لبن أبي زيد ‪.‬‬
‫والرّابعة ‪ :‬أن تكون عينها قائمةً وهي ل عفو فيها اتّفاقا ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬العفو عن ما ل يدركه الطّرف من النّجاسات ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬يرى الشّافعيّة أنّه يعفى عن النّجاسة الّتي ل يدركها الطّرف ‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يعفى عن يسير نجاسة ولو لم يدركها الطّرف كالّذي يعلق بأرجل ذباب ‪.‬‬
‫طهّرْ } ‪.‬‬
‫ونحوه لعموم قوله تعالى ‪ { :‬وَثِيَابَكَ َف َ‬

‫د ‪ -‬العفو عن دم ما ل نفس له سائلةً ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫ق والقمل ونحوها من كلّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ دم البراغيث والب ّ‬

‫ما ل نفس له سائلةً طاهر ‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬دم البراغيث يعفى عن قليله في الثّوب والبدن ‪ ،‬وفي كثيره وجهان ‪:‬‬
‫أصحّهما العفو ‪ ،‬ويجري الوجهان في دم القمل والبعوض وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫وفي ذلك كلّه تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العفو في الزّكاة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما بين النّصابين من النعام هل فيه زكاة أم ل ؟‬

‫فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في الصّحيح ‪ ،‬والشّافعيّة في الصحّ عندهم وأحمد إلى‬
‫أنّ الفرض في النّصاب فقط وما بينهما من الوقاص عفو ‪.‬‬
‫ي من الشّافعيّة إلى أنّ الفرض‬
‫وذهب محمّد وزفر ومالك في رواية أخرى عنه ‪ ،‬والبويط ّ‬
‫يتعلّق بالجميع ‪.‬‬
‫أمّا ما عدا ذلك من الموال الزّكويّة فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة‬
‫إلى أنّ العفو يختصّ في زكاة السّائمة ‪ ،‬بخلف غيرها من أموال الزّكاة كالنّقدين والزّروع‬
‫والثّمار ‪ ،‬فإنّه يجب فيما زاد على النّصاب بحسابه ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة وزفر ‪ :‬إنّ العفو يجري في كلّ الحوال حتّى في النّقدين ‪ ،‬وما زاد على‬
‫مائتي درهم عفو ما لم يبلغ أربعين درهما ففيها درهم آخر ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أوقاص ف ‪ 4‬وما بعدها ) وفي ‪ ( :‬زكاة ف‬

‫‪72‬‬

‫)‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العفو في الصّيام ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه لو وصل جوف الصّائم ذباب أو غبار الطّريق ‪ ،‬أو غربلة الدّقيق‬

‫‪ ،‬أو ما تبقّى بين السنان من طعام ‪ ،‬فجرى به ريقه من غير قصد وعجز عن تمييزه‬
‫ومجّه لم يفطر في كلّ ذلك ‪ ،‬لنّ التّحرّز عن ذلك ممّا يعسر ‪.‬‬
‫ي من‬
‫وكذا لو دميت لثته ولم يجد ما ًء وشقّ عليه البصق عفي عن أثره ‪ ،‬وقال الذرع ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬ل يبعد أن يقال ‪ :‬فيمن عمّت بلواه بذلك بحيث يجري دائما أو غالبا أن يسامح‬
‫ق الحتراز منه فيكفي بصقه الدّم ويعفى عن أثره ‪.‬‬
‫بما يش ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صوم ف‬

‫‪76‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬العفو في الحجّ ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن لبس المحرم المخيط أو تطيّب أو غطّى رأسه ناسيا أو‬

‫ن اللّه وضع عن أمّتي‬
‫ل أو مكرها فل شيء عليه ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫جاه ً‬
‫الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬بوجوب الجزاء على من فعل شيئا من ذلك ناسيا أو جاهلً أو مكرها ‪.‬‬
‫وفصّل الحنفيّة بين أن يكون الطّيب كثيرا أو قليلً ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تطيّب ف‬

‫‪12‬‬

‫و‬

‫‪15‬‬

‫)‪.‬‬

‫العفو في المعاملت ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬العفو عن الشّفعة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫ق المكلّف الرّشيد بل عوض جائز عند الفقهاء ‪ ،‬وأجاز‬
‫‪ -‬العفو عن الشّفعة في ح ّ‬

‫المالكيّة ‪ -‬وهو رواية عن أحمد ‪ -‬العتياض عن ترك الخذ بالشّفعة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( إسقاط ف‬

‫‪41‬‬

‫و‬

‫‪42‬‬

‫) ( وشفعة ف‬

‫‪55‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العفو عن المدين ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬للدّائن أن يعفو عن المدين وتبرأ بذلك ذمّته من الدّين ‪.‬‬

‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إبراء ف‬

‫‪40‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العفو عن الصّداق ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬الصّداق حقّ خالص للزّوجة لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ ال ّنسَاء صَ ُدقَا ِتهِنّ ِنحْ َلةً }‬

‫ن للزّوج أن يعفو عن الصّداق ‪ ،‬وعفوه‬
‫وللزّوجة أن تعفو عن الصّداق كلّه أو بعضه ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫يكون بإكمال الصّداق عند الطّلق قبل الدّخول ‪ ،‬ولولياء النّكاح العفو كذلك لقول اللّه تعالى‪:‬‬
‫عقْدَ ُة النّكَاحِ } ‪.‬‬
‫ن َأوْ َيعْ ُفوَ الّذِي بِيَدِهِ ُ‬
‫{ َإلّ أَن َي ْعفُو َ‬
‫وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬

‫العفو في العقوبات ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬العفو عن القصاص ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫عفِيَ َل ُه مِنْ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة العفو عن القصاص لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬فمَنْ ُ‬

‫ح َمةٌ } ‪.‬‬
‫خفِيفٌ مّن رّ ّبكُ ْم وَ َر ْ‬
‫ك َت ْ‬
‫ن ذَلِ َ‬
‫حسَا ٍ‬
‫ف َوأَدَاء إِلَ ْيهِ بِ ِإ ْ‬
‫ع بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫َأخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَا ٌ‬
‫ولنّ القياس يقتضيه إذ أنّ القصاص حقّ ‪ ،‬فجاز لمستحقّه تركه كسائر الحقوق ‪.‬‬
‫ونصّ بعض الفقهاء على ندب العفو واستحبابه لقوله تعالى ‪َ { :‬فمَن تَصَدّقَ ِبهِ َف ُهوَ َكفّارَةٌ‬
‫ّلهُ } قال الجصّاص ‪ :‬ندبه إلى العفو والصّدقة ‪ ،‬ولحديث أنس رضي ال تعالى عنه ‪ » :‬ما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إ ّل أمر فيه بالعفو « ‪.‬‬
‫رأيت النّب ّ‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬العفو إحسان والحسان هنا أفضل ‪ ،‬واشترط أ ّل يحصل بالعفو ضرر ‪،‬‬
‫فإذا حصل منه ضرر فل يشرع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة بجواز العفو إلّ في قتل الغيلة ‪ ،‬وهو القتل لخذ المال ‪ ،‬لنّه في معنى‬
‫ن القتل لدفع الفساد في‬
‫الحرابة ‪ ،‬والمحارب إذا قتل وجب قتله ‪ ،‬ول يجوز العفو عنه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي وعلى هذا يقتل حدّا ل قودا ‪.‬‬
‫الرض ‪ ،‬فالقتل هنا حقّ للّه ل للدم ّ‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬واختلف الفقهاء في موجب العمد في النّفس ‪:‬‬

‫ن موجب العمد‬
‫فذهب الحنفيّة وابن القاسم من المالكيّة وهو المشهور في المذهب إلى ‪ :‬أ ّ‬
‫ي الدّم أن يأخذ الدّية من القاتل من غير رضاه ‪،‬‬
‫في النّفس القصاص عينا ‪ ،‬حتّى ل يملك ول ّ‬
‫ولو مات القاتل أو عفا الوليّ سقط الموجب أصلً ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة ورواية أشهب من المالكيّة ‪ :‬إلى أنّ الواجب إمّا‬
‫ي خيار التّعيين ‪ ،‬إن شاء استوفى القصاص ‪،‬‬
‫القصاص أو الدّية أحدهما ل بعينه ‪ ،‬فللول ّ‬
‫وإن شاء أخذ الدّية ‪.‬‬
‫ن موجب القتل العمد هو القود وأنّ الدّية بدل عند سقوطه ‪،‬‬
‫وأظهر القولين عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫ي العفو عن القود على الدّية بغير رضا الجاني ‪.‬‬
‫وللول ّ‬
‫واستدلّ الحنفيّة ومن وافقهم بقوله تعالى ‪ { :‬كُتِبَ عَلَ ْي ُكمُ ا ْلقِصَاصُ } والمكتوب ل يتخيّر‬
‫فيه ‪ ،‬ولنّه متلف يجب به البدل فكان بدله معيّنا كسائر أبدال المتلفات ‪ ،‬وحديث أنس بن‬
‫مالك في قصّة سنّ الرّبيّع أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬كتاب اللّه القصاص‬
‫« فعلم بدليل الخطاب أنّه ليس له إ ّل القصاص ولم يخيّر المجنيّ عليه بين القصاص والدّية‬
‫فثبت بذلك أنّ الّذي يجب بكتاب اللّه وسنّة رسوله في العمد القصاص ‪.‬‬
‫ن َأخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ‬
‫عفِيَ َلهُ مِ ْ‬
‫ن ُ‬
‫واستدلّ الحنابلة ومن وافقهم بقوله تعالى ‪َ { :‬فمَ ْ‬
‫حسَانٍ } ‪.‬‬
‫بِا ْل َمعْرُوفِ َوأَدَاء إِلَ ْي ِه بِ ِإ ْ‬
‫أوجـب التّباع بمجرّد العفـو ولو أوجـب العمـد بالقصـاص عينا لم تجـب الدّيـة عنـد العفـو‬
‫ي بينه ما ‪ ،‬فإن شاء اقت صّ وإن شاء أ خذ الدّ ية ولو لم يرض الجا ني‬
‫المطلق ‪ ،‬فيخيّر الول ّ‬
‫لقول ا بن عبّاس ر ضي ال عنه ما ‪ :‬كان في ب ني إ سرائيل الق صاص ولم ي كن في هم الدّ ية ‪،‬‬
‫فأنزل اللّه هذه ال ية ‪ { :‬كُتِ بَ عَلَ ْيكُ مُ ا ْلقِ صَاصُ } ال ية ‪ ،‬و عن أ بي هريرة مرفوعا ‪ » :‬من‬
‫قتل له قتيل فهو بخير النّظرين إمّا أن يودى وإمّا أن يقاد « ‪.‬‬
‫ن الجاني محكوم‬
‫واستدلّوا من المعقول بأنّ في اللزام بأحدهما على التّعيين مش ّقةً ‪ ،‬وبأ ّ‬
‫عليه فل يعتبر رضاه كالمحال عليه والمضمون عنه ‪.‬‬
‫ل بالقود ‪ ،‬والضّمان‬
‫واستدلّ الشّافعيّة في أظهر القولين ‪ :‬بأنّ نفس القتيل مضمونة أص ً‬
‫يكون بجنس المتلف فكان القود هو موجب القتل العمد ‪ ،‬فإن سقط الجنس وهو القود وجب‬
‫البدل وهو الدّية حتّى ل يفوت ضمان النّفس المعصومة ‪.‬‬

‫العفو عن القاتل ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫ي الدّم عن القاتل مطلقا صحّ ولم تلزمه عقوبة عند الشّافعيّة والحنابلة‬
‫‪ -‬إذا عفا ول ّ‬

‫وابن المنذر وأبي ثور ‪ ،‬لنّه كان عليه حقّ واحد وقد أسقطه مستحقّه فلم يجب عليه شيء‬
‫آخر ‪.‬‬
‫وقال مالك واللّيث والوزاعيّ ‪ :‬يعزّر بالضّرب والحبس سنةً ‪.‬‬
‫ي الدّم عن القود مطلقا ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في المذهب إلى أنّه‬
‫وإذا عفا ول ّ‬
‫ي الدّم بقرائن الحوال‬
‫ل قصاص ول دية على الجاني ‪ ،‬وقيّد المالكيّة هذا بأ ّل يظهر من ول ّ‬
‫ما يد ّل على إرادة الدّية عند العفو ‪ ،‬لنّ موجب القتل العمد القصاص عينا ‪ ،‬فإذا سقط‬
‫ن العفو إسقاط ثابت ل إثبات معدوم ‪.‬‬
‫بالعفو ل تجب الدّية ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن عفا مطلقا بأن لم يقيّده بقود ول دية فله الدّية لنصراف العفو‬
‫ن الواجب أحد شيئين ‪،‬‬
‫إلى القود ‪ ،‬لنّه في مقابلة النتقام ‪ ،‬والنتقام إنّما يكون بالقتل ‪ ،‬ول ّ‬
‫ي الدّم للجاني ‪ :‬عفوت عنك أو عن جنايتك فل‬
‫فإذا سقط القود تعيّنت الدّية ‪ ،‬وإذا قال ول ّ‬
‫شيء عليه ‪.‬‬

‫عفو بعض المستحقّين ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا كان مستحقّ القصاص اثنان أو أكثر فعفا أحدهما سقط‬

‫القصاص عن القاتل ‪ ،‬لنّه سقط نصيب العافي بالعفو فيسقط نصيب الخر ضرورةً ‪ ،‬لنّه ل‬
‫يتجزّأ ‪ ،‬إذ القصاص قصاص واحد فل يتصوّر استيفاء بعضه دون بعض ‪ ،‬وينقلب نصيب‬
‫الخر ما ًل بإجماع الصّحابة الكرام رضي ال تعالى عنهم فإنّه روي عن عمر وعبد اللّه بن‬
‫مسعود رضي ال عنهما أنّهما أوجبا عند عفو بعض الولياء عن القصاص للّذين لم يعفوا‬
‫عنه نصيبهم من الدّية وذلك بمحضر من الصّحابة رضي ال عنهم ولم ينقل أنّه أنكر أحد‬
‫عليهما فيكون إجماعا ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬القصاص في النّفس حقّ لجميع الورثة من ذوي النساب‬
‫ح عفوه وسقط القصاص ‪،‬‬
‫والسباب والرّجال والنّساء والصّغار والكبار ‪ ،‬فمن عفا منهم ص ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والنّخعيّ والحكم وحمّاد والثّوريّ ‪.‬‬
‫والصّحيح عند الشّافعيّة ثبوت القصاص في النّفس ابتداءً لكلّ وارث من ذوي الفروض‬
‫والعصبة ‪ ،‬ومقابل الصّحيح عند الشّافعيّة قولن ‪:‬‬
‫ص بهم كولية‬
‫ن القصاص لرفع العار فاخت ّ‬
‫صةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه يثبت للعصبة الذّكور خا ّ‬
‫النّكاح ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يستحقّه الوارثون بالنّسب دون السّبب لنقطاعه بالموت فل حاجة للتّشفّي ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ من لهم العفو في الجملة هم الّذين لهم القيام بالدّم ‪ ،‬وإنّ المقتول عمدا‬

‫ن القصاص قد بطل ووجبت الدّية ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ليس‬
‫إذا كان له بنون بالغون فعفا أحدهم فإ ّ‬
‫للبنات ول الخوات قول مع البنين والخوة في القصاص أو ضدّه ‪ ،‬ول يعتبر قولهنّ مع‬
‫الرّجال وكذلك الزّوج والزّوجة ‪.‬‬
‫ن حقّ النّساء في الستيفاء مشروط بثلثة شروط ‪:‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ن عاصب في الدّرجة بأن لم‬
‫أن يكنّ وارثات احترازا عن العمّة والخالة ‪ ،‬وأن ل يساويه ّ‬
‫يوجد عاصب أصلً أو يوجد أنزل ‪ ،‬كعمّ مع بنت أو أخت ‪ ،‬فخرجت البنت مع البن والخت‬
‫ن ذكورا فل كلم للجدّة‬
‫ن عصبته لو ك ّ‬
‫مع الخ فل كلم لها معه في عفو ول قود ‪ ،‬وأن يك ّ‬
‫من المّ ‪ ،‬والخت من المّ ‪ ،‬والزّوجة ‪ ،‬فإن كنّ الوارثات مع عاصب غير مساو فلهنّ وله‬
‫القود ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ول يعتبر عفو إلّ باجتماع الفريقين أو بواحد من كلّ فريق ‪ ،‬كالبنات مع‬
‫الخوة سواء ثبت القتل ببيّنة أو قسامة أو إقرار كأن حزن الميراث كالبنت معها أخت لغير‬
‫ن بقسامة من العمام فلكلّ القتل ول عفو إلّ باجتماعهم ‪،‬‬
‫أمّ مع العمام وثبت قتل مورّثه ّ‬
‫فلو ثبت ببيّنة أو إقرار فل كلم للعصبة غير الوارثين ‪.‬‬

‫عفو المجنيّ عليه في القتل العمد ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫ن المقتول عمدا إذا عفا قبل أن يموت اعتبر عفوه ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬إن عفا المجروح بعد الجرح قبل الموت جاز العفو استحسانا ول يصحّ‬
‫قياسا ‪ ،‬لنّ العفو عن القتل يستدعي وجود القتل ‪ ،‬والفعل ل يصير قتلً إلّ بفوات الحياة‬
‫عن المحلّ ولم يوجد ‪ ،‬فالعفو لم يصادف محلّه ‪.‬‬
‫ووجه الستحسان ‪ :‬أنّ القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده ‪ ،‬وهو الجرح‬
‫المفضي إلى فوات الحياة ‪ ،‬والسّبب المفضي إلى الشّيء يقام مقام ذلك الشّيء في أصول‬
‫الشّرع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز للمقتول العفو عن دمه بعد إنفاذ مقتله وقبل زهوق روحه ‪ ،‬قال‬
‫القرافيّ ‪ :‬لنّ للقصاص سببا وهو إنفاذ المقاتل وشرطا وهو زهوق الرّوح ‪ ،‬فإن عفا‬
‫المقتول عن القصاص قبلهما لم يعتبر عفوه ‪ ،‬وعفوه بعدهما متعذّر لعدم الحياة ‪ ،‬فلم يبق‬
‫إلّ ما بينهما فينفذ إجماعا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو قطع فعفي عن قوده وأرشه فإن لم يسر فل شيء ‪ ،‬وإن سرى للنّفس‬
‫فل قصاص في نفس ول طرف ‪ ،‬لنّ السّراية تولّدت من معفوّ عنه ‪ ،‬فصارت شبهةً دافعةً‬
‫للقصاص ‪.‬‬

‫وقال ابن الحاجب من المالكيّة ‪ :‬إنّ عليه الدّية بنا ًء على أنّها تجب للوارث ابتداءً ‪ ،‬قال ابن‬
‫رشد ‪ :‬قالت طائفة أخرى ‪ :‬ل يلزم عفوه ‪ ،‬وللولياء القصاص أو العفو ‪ ،‬وممّن قال به أبو‬
‫ثور وداود ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن عفا المجروح عن قاتله بعد الجرح صحّ ‪ ،‬سواء كان العفو بلفظ العفو‬
‫أو الوصيّة أو البراء أو غير ذلك ‪ ،‬لنّه إسقاط للحقّ ‪ ،‬فصحّ بكلّ لفظ يؤدّي معناه ‪.‬‬

‫عفو المجنيّ عليه عمّا دون النّفس عمدا ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫ي عليه إذا قال للجاني ‪ :‬عفوت عن القطع أو الجراحة أو‬
‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّ المجن ّ‬

‫شجّة أو الضّربة ‪ ،‬أو قال ‪ :‬عفوت عن الجناية ‪ ،‬فإن برئ من ذلك صحّ العفو ‪ ،‬لنّ العفو‬
‫ال ّ‬
‫وقع عن ثابت وهو الجراحة أو موجبها وهو الرش فيصحّ العفو ول قصاص ول دية ‪ ،‬كما‬
‫لو أذن في إتلف ماله فل ضمان بإتلفه ‪.‬‬

‫حكم السّراية ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬وإن سرى الجرح إلى النّفس في تلك المسائل ومات المصاب ‪ ،‬فإن كان العفو بلفظ‬

‫ح بالجماع ول شيء على القاتل ‪ ،‬لنّ لفظ‬
‫الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها ص ّ‬
‫الجناية يتناول القتل ‪ ،‬وكذا لفظ الجراحة وما يحدث منها ‪ ،‬فكان ذلك عفوا عن القتل‬
‫فيصحّ ‪ ،‬وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر ما يحدث منها لم يصحّ العفو في قول أبي‬
‫حنيفة ‪ ،‬والقياس أن يجب القصاص ‪ ،‬وفي الستحسان تجب الدّية في مال القاتل ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومحمّد يصحّ العفو ول شيء على القاتل ‪.‬‬
‫وللمالكيّة تفصيل فيمن قطعت يده ثمّ عفا ثمّ مات ‪.‬‬
‫نقل الحطّاب عن أبي الحسن ‪ :‬إن قال ‪ :‬عفوت عن اليد ل غير ل إشكال ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬عن‬
‫اليد وما ترامى إليه من نفس أو غيره فل إشكال ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬عفوت فقط فهو محمول على‬
‫أنّه عفا عمّا وجب له في الحال وهو قطع اليد ‪.‬‬
‫وعندهم في المسألة ثلثة أقوال في باب الصّلح في حقّ الولياء ‪ -‬ل المقطوع ‪ -‬إذا وقع‬
‫الصّلح على الجرح دون ما ترامى إليه وهي ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنّ للولياء أن يقسموا ويقتلوا وير ّد المال ويبطل الصّلح ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه ليس لهم التّمسّك بالصّلح ل في الخطأ ول في العمد ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الفرق بين العمد فيخيّرون فيه ‪ ،‬والخطأ فل يخيّرون وليس لهم التّمسّك به ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لو قطع عضو شخص فعفا عن موجب الجناية قودا أو أرشا فل‬
‫قصاص في النّفس ‪ ،‬كما ل قصاص في الطّرف ‪ ،‬وعن ابن سريج وابن سلمة وجوب‬
‫القصاص في النّفس ‪ ،‬لنّه لم يدخل في العفو ‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن عفا المجروح عن قاتله بعد الجرح صحّ ‪ ،‬سواء كان العفو بلفظ العفو‬
‫أو الوصيّة أو البراء أو غير ذلك ‪ ،‬لنّه إسقاط للحقّ ‪ ،‬فصحّ بكلّ لفظ يؤدّي معناه ‪ ،‬فإن‬
‫قال وليّ الجناية ‪ :‬عفوت عن الجناية وما يحدث منها صحّ العفو ‪ ،‬لنّه إسقاط للحقّ بعد‬
‫انعقاد سببه ولم يضمن الجاني السّراية للعفو عنها ‪.‬‬

‫عفو الوليّ بعد الجرح وقبل موت المجنيّ عليه ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على أنّه إذا عفا الوليّ عن الجاني بعد الجرح قبل الموت فالقياس ألّ‬

‫ح ‪ ،‬وجه القياس ‪ :‬أنّ العفو عن القتل يستدعي وجود‬
‫يصحّ عفوه ‪ ،‬وفي الستحسان يص ّ‬
‫القتل ‪ ،‬والفعل ل يصير قتلً إ ّل بفوات الحياة عن المحلّ ولم يوجد ‪ ،‬فالعفو لم يصادف‬
‫محلّه فلم يصحّ ‪.‬‬
‫أمّا الستحسان فله وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ الجرح متى اتّصلت به السّراية تبيّن أنّه وقع قتلً من حين وجوده ‪ ،‬فكان‬
‫ح‪.‬‬
‫عفوا عن حقّ ثابت فيص ّ‬
‫ن القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده وهو الجرح المفضي إلى فوات‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫الحياة ‪ ،‬والسّبب المفضي إلى الشّيء يقام مقام ذلك الشّيء في أصول الشّرع ‪ ،‬ولنّه إذا‬
‫وجد سبب وجود القتل كان الشّرع تعجيل الحكم بعد وجود سببه ‪ ،‬وأنّه جائز ‪.‬‬

‫عفو المجنيّ عليه عن الجناية الخطأ ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫ح العفو ول شيء‬
‫‪ -‬إذا كانت الجناية خطأً وعفا المجنيّ عليه ‪ ،‬فإن برئ من ذلك ص ّ‬

‫على الجاني ‪ ،‬سواء كان بلفظ الجناية أو الجراحة ‪ ،‬وسواء يذكر ما يحدث منها أم لم يذكر‪.‬‬
‫أمّا إن سرت الجناية إلى النّفس ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬إن كان العفو بلفظ الجناية أو الجراحة وما‬
‫يحدث منها صحّ ‪ ،‬ثمّ إن كان العفو في حال صحّة المجروح بأن كان يذهب ويجيء ولم‬
‫يصر صاحب فراش يعتبر من جميع ماله ‪ ،‬وإن كان في حال المرض بأن صار صاحب‬
‫ن العفو تبرّع منه ‪ ،‬وتبرّع المريض مرض الموت‬
‫فراش يعتبر عفوه من ثلث ماله ‪ ،‬ل ّ‬
‫يعتبر من ثلث ماله ‪ ،‬فإن كان قدر الدّية يخرج من الثّلث سقط ذلك القدر عن العاقلة ‪ ،‬وإن‬
‫كان ل يخرج كلّه من الثّلث فثلثه يسقط عن العاقلة وثلثاه يؤخذ منهم ‪ ،‬وإن كان بلفظ‬
‫ح العفو والدّية على العاقلة عند أبي حنيفة ‪،‬‬
‫الجراحة ولم يذكر ما يحدث منها ‪ ،‬لم يص ّ‬
‫وعندهما يصحّ العفو ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬عفو المقتول ‪ -‬ولو قبل إنفاذ شيء من مقاتله ‪ -‬عن قاتله على وجه‬
‫الخطأ جائز ‪ ،‬ويكون منه وص ّيةً بالدّية للعاقلة ‪ ،‬فتكون في ثلثه ‪ ،‬فإن حملها نفذت قهرا‬
‫على الورثة ‪ ،‬مثل أن يكون عنده ألفان من الدّنانير وديته ألف فإنّ الدّية تسقط عن عاقلة‬

‫القاتل ‪ ،‬وإن لم يكن عنده مال سقط عن القاتل مع عاقلته ثلث الدّية ‪ ،‬إلّ أن تجيز الورثة‬
‫الزّائد كسائر الوصايا بالمال ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا جرح حرّ رجلً خطأً فعفا عنه ث ّم سرت الجناية إلى النّفس ‪ ،‬بُنِي على‬
‫أنّ الدّية في قتل الخطأ تجب على العاقلة ابتدا ًء أم على القاتل ثمّ تتحمّلها العاقلة ؟‬
‫وفيه خلف ‪ :‬فإن قال ‪ :‬عفوت عن العاقلة أو أسقطت الدّية عنهم ‪ ،‬أو قال ‪ :‬عفوت عن‬
‫الدّية ‪ ،‬فهذا تبرّع على غير القاتل فينفذ إذا وفّى الثّلث به ‪ ،‬ويبرّءون سواء جعلناهم‬
‫متأصّلين أم متحمّلين ‪ ،‬وإن قال للجاني ‪ :‬عفوت عنك لم يصحّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن قلنا ‪ :‬يلقيه‬
‫الوجوب ثمّ يحمل عنه صحّ ‪ ،‬والمذهب الوّل ‪ ،‬لنّه بمجرّد الوجوب ينتقل عنه فيصادفه‬
‫العفو ول شيء عليه ‪ ،‬هذا إذا ثبتت الجناية بالبيّنة أو باعتراف العاقلة ‪ ،‬فأمّا إذا أقرّ القاتل‬
‫وأنكرت العاقلة فالدّية على القاتل ‪ ،‬ويكون العفو تبرّعا على القاتل ففيه الخلف ‪.‬‬
‫ولو عفا الوارث بعد موت المجنيّ عليه عن العاقلة أو مطلقا صحّ ‪ ،‬ولو عفا عن الجاني لم‬
‫ح‪.‬‬
‫يصحّ ‪ ،‬لنّه ل شيء عليه ‪ ،‬فإن ثبت بإقراره ص ّ‬
‫ي الجناية عن الجرح الخطأ اعتبر خروج الجناية وسرايتها من‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا عفا ول ّ‬
‫الثّلث كالوصيّة ‪ ،‬وإن لم تخرج من الثّلث سقط عن الجاني من دية السّراية ما احتمله‬
‫ي عليه الجاني من الدّية أو وصّى له بها فهو وصيّة لقاتل ‪ ،‬وتصحّ‬
‫الثّلث‪ ،‬وإن أبرأ المجن ّ‬
‫لتأخّرها عن الجناية ‪ ،‬بخلف ما لو وصّى له ثمّ قتله ‪.‬‬
‫وتعتبر البراءة من الدّية ‪ ،‬أو الوصيّة بها للقاتل من الثّلث كسائر العطايا في المرض‬
‫والوصايا ‪.‬‬
‫ي عليه أو وارثه القاتل من الدّية الواجبة على عاقلته لم يصحّ البراء ‪ ،‬لنّه‬
‫وإن أبرأ المجن ّ‬
‫أبرأه من حقّ على غيره ‪ ،‬لنّ الدّية الواجبة على العاقلة غير واجبة على القاتل ‪ ،‬وإن أبرأ‬
‫ح ‪ ،‬لنّه أبرأها من حقّ عليها كالدّين الواجب عليها ‪.‬‬
‫العاقلة ص ّ‬
‫ح عفوه مجّانا فإن أوجب الجرح مالً عينيّا كالجائفة وجناية الخطأ فكوصيّة يعتبر‬
‫ومن ص ّ‬
‫من الثّلث ‪ ،‬لنّه تبرّع بمال ‪.‬‬

‫عفو محجور عليه ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يشترط في العافي أن يكون عاقلً بالغا ‪ ،‬فل يصحّ العفو من‬

‫الصّبيّ والمجنون وإن كان الحقّ ثابتا لهما ‪ ،‬لنّه من التّصرّفات المضرّة فل يملكانه ‪،‬‬
‫وينظر للصّغار وليّهم في القود والعفو على مال ‪.‬‬
‫ولبي المعتوه أن يقيد من جانيه ‪ ،‬لنّ لبيه وليةً على نفسه فيليهما كالنكاح ‪ ،‬ويصالح‬
‫لنّه أنفع للمعتوه من الستيفاء ‪ ،‬فلمّا ملك الستيفاء فلن يملك الصّلح أولى ‪ ،‬هذا إذا‬

‫صالح على قدر الدّية أو أكثر منه ‪ ،‬وإلّ ل يصحّ ‪ ،‬وتجب الدّية كاملةً ‪ ،‬ول يعفو لنّه إبطال‬
‫ن ولية القصاص تابعة لولية النّفس وهي مختصّة‬
‫لحقّه ‪ ،‬وللوصيّ الصّلح فقط ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي كالمعتوه والقاضي كالب في الحكام المذكورة ‪.‬‬
‫بالب ‪ ،‬والصّب ّ‬
‫وأمّا الحجر للفلس ‪ :‬فلو عفا المفلس عن القصاص سقط ‪ ،‬وأمّا الدّية فإن قيل ‪ :‬موجب‬
‫القتل أحد المرين فليس له العفو عن المال ‪ ،‬وإذا تعيّن المال بالعفو عن القصاص دفع إلى‬
‫غرمائه ‪.‬‬
‫وعفو المريض مرض الموت ‪ ،‬وعفو الورثة عن القصاص مع نفي المال إذا كان على‬
‫ح منه إسقاط القصاص‬
‫التّركة دين أو وصيّة كعفو المفلس ‪ ،‬والمحجور عليه لسفه يص ّ‬
‫واستيفاؤه ‪ ،‬وفيما يرجع إلى الدّية حكمه حكم المفلس على الصحّ ‪.‬‬
‫ق القصاص صغيرا أو مجنونا لم يجز‬
‫وعند الحنابلة ‪ -‬كما قال البهوتيّ ‪ : -‬إن كان مستح ّ‬
‫لخر استيفاؤه ‪ ،‬وليس لبيهما استيفاؤه كوصيّ وحاكم ‪ ،‬فإن كانا محتاجين إلى نفقة فلوليّ‬
‫المجنون العفو إلى الدّية دون وليّ الصّغير نصّا ‪ ،‬لنّ المجنون ليس في حالة معتادة ينتظر‬
‫ي‪.‬‬
‫فيها إفاقته ورجوع عقله ‪ ،‬بخلف الصّب ّ‬
‫ح عفوهما عن القصاص ‪ ،‬لنّه ليس بمال ‪ ،‬وإن‬
‫أمّا المفلس والمحجور عليه لسفه فيص ّ‬
‫أراد المفلس القصاص لم يكن لغرمائه إجباره على تركه ‪ ،‬وإن أحبّ المفلس العفو عنه إلى‬
‫ن فيه حظّا للغرماء ‪ ،‬ول يعفو مجّانا ‪ ،‬لنّ المال واجب وليس له إسقاطه‬
‫مال فله ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح عفوه عنه مجّانا ‪.‬‬
‫إذا قلنا ‪ :‬الواجب أحد شيئين ‪ ،‬وإن قلنا ‪ :‬الواجب القود عينا ص ّ‬
‫أمّا السّفيه ووارث المفلس والمريض فيما زاد على الثّلث فالمذهب صحّة العفو من هؤلء‬
‫ن الدّية لم تتعيّن كما تقدّم في المفلس ‪.‬‬
‫مجّانا ‪ ،‬ل ّ‬

‫العفو عن القصاص على مال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في العمد ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬الصّلح على مال في القتل العمد جائز ‪ ،‬لنّ‬

‫ق أن يتصرّف في حقّه استيفاءً وإسقاطا إذا كان من‬
‫القصاص حقّ للوليّ ‪ ،‬ولصاحب الح ّ‬
‫ن المقصود من استيفاء‬
‫ل لسقوط ‪ ،‬ولهذا يتملّك فيملك الصّلح ‪ ،‬ول ّ‬
‫أهل السقاط والمحلّ قاب ً‬
‫القصاص ‪ -‬وهو الحياة ‪ -‬يحصل به ‪ ،‬لنّ الظّاهر عند أخذ المال عن صلح وتراض تسكن‬
‫ي قتل القاتل فل يقصد القاتل قتله ‪ ،‬فيحصل المقصود من استيفاء‬
‫الفتنة فل يقصد الول ّ‬
‫يءٌ } الية قيل ‪ :‬إنّها نزلت‬
‫عفِيَ َل ُه مِنْ َأخِيهِ شَ ْ‬
‫القصاص بدونه ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪َ { :‬فمَنْ ُ‬
‫في الصّلح عن دم العمد فيدلّ على جواز الصّلح ‪ ،‬وسواء كان بدل الصّلح قليلً أو كثيرا من‬

‫ل بأجل معلوم أو مجهول جهالةً متفاوتةً‬
‫جنس الدّية أو من خلف جنسها ‪ ،‬حالً أو مؤجّ ً‬
‫كالحصاد والدّياس ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو عفا أو صالح عن القصاص على مال قبل أن يعفو عن الدّية ‪ ،‬فإن كان‬
‫المصالح عليه من غير جنس الدّية جاز ‪ ،‬سواء كانت قيمته بقدر الدّية أم أقلّ أو أكثر ‪،‬‬
‫وإن كان من جنسه بأن صالح على مائتين من البل فإن قلنا ‪ :‬الواجب أحد المرين لم‬
‫يصحّ كالصّلح من ألف على ألفين ‪ ،‬وإن قلنا ‪ :‬الواجب القود بعينه صحّ على الصحّ وثبت‬
‫المصالح عليه ‪ ،‬ومقابل الصحّ يقول ‪ :‬الدّية خلفةً فل يزاد عليها ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬في الخطأ ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز الصّلح من الدّية على أكثر ممّا تجب فيه الدّية ‪ ،‬لنّ‬

‫المانع من الجواز هنا تمكّن الرّبا ‪.‬‬

‫عفو الموكّل دون علم الوكيل باستيفاء القصاص ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫ص الوكيل جاهلً‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬لو وكّل باستيفاء القصاص ثمّ عفا فاقت ّ‬

‫عفوه فل قصاص عليه لعذره ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬الظهر وجوب دية وأنّها عليه ل على‬
‫عاقلته ‪ ،‬وتكون حاّل ًة في الصحّ مغلّظةً في المشهور وهي لورثة الجاني ‪ ،‬والصحّ أنّه ل‬
‫يرجع بها على العافي ‪ ،‬لنّه محسن بالعفو ‪ ،‬والثّاني يقول ‪ :‬نشأ عنه الغرم ‪ ،‬ومقابل‬
‫الظهر يقول ‪ :‬عفوه بعد خروج المر من يده لغو ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد قالوا ‪ :‬ل يجوز التّوكيل باستيفاء القصاص بغيبة الموكّل ‪ ،‬لنّها تندرئ‬
‫ي‪.‬‬
‫بالشّبهات ‪ ،‬وشبهة العفو ثابتة حال غيبته ‪ ،‬بل هو الظّاهر للنّدب الشّرع ّ‬
‫أمّا المالكيّة فقد قال القرافيّ ‪ :‬إذا وكّل وكيلً بالقصاص ثمّ عفا ولم يعلم الوكيل فلكلّ من‬
‫علم بالعفو ‪ -‬ولو فاسقا أو متّهما ‪ -‬منعه إذا أراد القصاص ولو بالقتل دفعا لمفسدة القتل‬
‫بغير حقّ ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العفو في الحدود ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّ الح ّد الواجب لحقّ اللّه تعالى ل عفو فيه ول شفاعة ول إسقاط إذا‬

‫وصل إلى الحاكم وثبت بالبيّنة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلحي ‪ ( :‬حدّ وتعزير ) ‪.‬‬
‫ن حدّ الزّنا والسّرقة من حقوق اللّه تعالى واختلفوا في حدّ القذف ‪.‬‬
‫واتّفقوا على أ ّ‬
‫وذكر الحنفيّة أنّ حدّ الزّنا والسّكر والسّرقة ل يحتمل العفو أو الصّلح أو البراء بعدما ثبت‬
‫ق للعبد فيه فل يملك إسقاطه ‪ ،‬وأمّا حدّ القذف‬
‫ق اللّه تعالى خالصا ‪ ،‬ل ح ّ‬
‫بالحجّة ‪ ،‬لنّه ح ّ‬

‫إذا ثبت بالحجّة فكذلك ل يجوز العفو عنه أو البراء أو الصّلح ‪ ،‬وكذلك إذا عفا المقذوف‬
‫قبل المرافعة أو صالح على مال فذلك باطل ويردّ بدل الصّلح ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة في حدّ القذف كما قال أصبغ ‪ :‬سمعت ابن القاسم يقول ‪ :‬ل يجوز عفو أحد‬
‫عن أحد بعد أن يبلغ المام إ ّل ابن في أبيه والّذي يريد سترا ‪ ،‬وقد قال مالك ‪ :‬إذا زعم‬
‫المقذوف أنّه يريد سترا فعفا إن بلغ المام لم يقبل ذلك حتّى يسأل عنه سرّا ‪ ،‬فإن خشي أن‬
‫يثبت القاذف ذلك عليه أجاز عفوه ‪ ،‬وإن أمن ذلك عليه لم يجز عفوه ‪ ،‬أمّا قبل بلوغ المام‬
‫فجائز عند مالك العفو في رواية ابن القاسم عنه وابن وهب وابن عبد الحكم ‪ ،‬وروى‬
‫أشهب أنّه ليس بلزم ‪.‬‬
‫ق العبد‬
‫ن الغالب فيه ح ّ‬
‫وقال الشّافعيّة وكذلك الحنابلة في حدّ القذف بصحّة العفو فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬أيعجز أحدكم أن يكون‬
‫فيسقط بالعفو عنه ‪ ،‬لما روي أنّ النّب ّ‬
‫مثل أبي ضمضم كان إذا أصبح قال ‪ :‬تصدّقت بعرضي « والتّصدّق بالعرض ل يكون إلّ‬
‫بالعفو عمّا يجب له ‪ ،‬ولنّه ل خلف أنّه ل يستوفى إلّ بمطالبته فكان له العفو كالقصاص ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العفو في التّعزير ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في العفو في التّعزير ‪ ،‬فقال الحنفيّة ‪ :‬إنّ للمام العفو في التّعزير‬

‫الواجب حقّا للّه تعالى ‪ ،‬بخلف ما كان لجناية على العبد فإنّ العفو فيه للمجنيّ عليه ‪ ،‬وقال‬
‫ن المام أنّ غير الضّرب‬
‫المالكيّة ‪ :‬إن كان الحقّ للّه وجب كالحدود ‪ ،‬إ ّل أن يغلب على ظ ّ‬
‫من الملمة والكلم مصلحة ‪ ،‬وقال القرافيّ ‪ :‬يجوز العفو عن التّعزير والشّفاعة فيها إذا‬
‫ق الدميّ وانفرد به حقّ السّلطنة كان لوليّ المر مراعاة‬
‫كان لحقّ آدميّ ‪ ،‬فإن تجرّد عن ح ّ‬
‫حكم الصلح في العفو والتّعزير ‪.‬‬
‫ن الحدّ ل يجوز فيه العفو والشّفاعة ‪ ،‬لكن‬
‫وقال الماورديّ في الفرق بين الحدّ والتّعزير ‪ :‬إ ّ‬
‫ق السّلطنة وحكم‬
‫يجوز في التّعزير العفو عنه وتسوغ الشّفاعة فيه ‪ ،‬فإن تفرّد التّعزير بح ّ‬
‫ي المر أن يراعي الصلح في العفو أو التّعزير ‪،‬‬
‫التّقويم ولم يتعلّق به حقّ لدميّ جاز لول ّ‬
‫وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذّنب ‪ ،‬روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫قال ‪ » :‬اشفعوا تؤجروا ‪ ،‬ويقضي اللّه على لسان نبيّه ما شاء « ‪.‬‬
‫ق للمشتوم والمضروب ‪،‬‬
‫ي كالتّعزير في الشّتم والمواثبة ففيه ح ّ‬
‫ولو تعلّق بالتّعزير حقّ لدم ّ‬
‫ق المشتوم‬
‫ي المر أن يسقط بعفو ح ّ‬
‫وحقّ السّلطنة للتّقويم والتّهذيب فل يجوز لول ّ‬
‫والمضروب ‪ ،‬وعليه أن يستوفي له حقّه من تعزير الشّاتم والضّارب ‪ ،‬فإن عفا المضروب‬
‫والمشتوم كان وليّ المر بعد عفوهما على خياره في فعل الصلح من التّعزير تقويما‬

‫والصّفح عنه عفوا ‪ ،‬فإن تعافوا عن الشّتم والضّرب قبل التّرافع إليه سقط التّعزير لدميّ ‪،‬‬
‫ق السّلطنة عنه والتّقويم على وجهين ‪:‬‬
‫واختلف في سقوط ح ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه يسقط ‪ ،‬وليس لوليّ المر أن يعزّر فيه قياسا على ح ّد القذف وهو يسقط‬
‫بالعفو ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬وهو الظهر أنّ لوليّ المر أن يعزّر فيه قبل التّرافع إليه ‪ ،‬كما يجوز فيه مع‬
‫العفو بعد التّرافع إليه ‪ ،‬ونحوه عن أبي يعلى الفرّاء ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬تعزير ف‬

‫عُقَاب *‬

‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫عَقَار *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪57‬‬

‫)‪.‬‬

‫‪ -‬العَقار بفتح العين في اللّغة ‪ :‬كلّ ما له أصل وقرار ثابت كالرض والدّار والضّياع‬

‫والنّخل ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬ربّما أطلق على متاع البيت ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما له دار ول عقار ‪ ،‬أي‬
‫نخل‪ ،‬وفي البيت عقار حسن ‪ ،‬أي متاع وأداة ‪ ،‬والجمع عقارات ‪ ،‬والعقار من كلّ شيء ‪:‬‬
‫خياره ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬هو الثّابت الّذي ل يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر ‪ ،‬مثل‬
‫الرض والدّار ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المنقول ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬المنقول ‪ :‬هو الشّيء الّذي يمكن نقله من محلّ إلى آخر ‪ ،‬فيشمل النّقود والعروض‬

‫والحيوانات والمكيلت والموزونات ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المنقول ‪ :‬هو ما يمكن نقله مع بقاء هيئته وصورته الولى ‪ ،‬أي ما يمكن‬
‫نقله بدون أن تتغيّر صورته ‪ ،‬كالعروض التّجاريّة من أمتعة وسلع وأدوات وكتب وسيّارات‬
‫وثياب ونحوها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشّجر ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫ق أو جلّ قاوم الشّتاء‬
‫‪ -‬جاء في القاموس ‪ :‬الشّجر ما قام على ساق أو ما سما بنفسه د ّ‬

‫أو عجز عنه ‪.‬‬
‫وفي المصباح ‪ :‬الشّجر هو ما له ساق صلب يقوم به كالنّخل وغيره ‪.‬‬

‫واستعمله الفقهاء فيما له ساق ول يقطع أصله ‪ ،‬وعرّفه البيّ في المساقاة بما كان ذا أصل‬
‫ثابت تجنى ثمرته وتبقى أصوله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البناء ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬البناء ‪ :‬وضع شيء على شيء على صفة يراد بها الثّبوت ‪.‬‬

‫ثمرة قسمة المال إلى عقار ومنقول ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬تظهر فائدة قسمة المال إلى عقار ومنقول فيما يأتي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الشّفعة ‪ :‬فإنّها على قول جمهور الفقهاء ل تثبت إلّ في العقار المبيع ‪ ،‬أمّا المنقول فل‬
‫تثبت فيه الشّفعة عند الجمهور إذا بيع استقللً ‪ ،‬وتثبت فيه إذا بيع تبعا للعقار ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬شفعة ف‬

‫‪24‬‬

‫‪-‬‬

‫‪25‬‬

‫)‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الوقف ‪ :‬ل خلف في جواز وقف العقار ‪ ،‬واختلف الفقهاء في صحّة وقف المنقول ‪،‬‬
‫فأجاز جمهور الفقهاء وقف العقار والمنقول على السّواء ولم يجزه الحنفيّة إلّ تبعا للعقار ‪،‬‬
‫أو كان متعارفا وقفه كالكتب ونحوها ‪ ،‬أو ورد بصحّة وقفه أثر عن السّلف كوقف الخيل‬
‫والسّلح ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بيع عقار القاصر ‪ :‬ل يجوز للوصيّ بيع عقار القاصر إ ّل بمسوّغ شرعيّ يجيز له ذلك‬
‫وبإذن القاضي ‪ ،‬كإيفاء دين أو دفع حاجة ضروريّة ‪ ،‬أو وجود مصلحة راجحة ‪ ،‬لنّ بقاء‬
‫ي أن يبيع المنقول‬
‫عين العقار فيه حفظ مصلحة القاصر أكثر من حفظ ثمنه ‪ ،‬ولكن للوص ّ‬
‫إذا رأى مصلحةً في بيعه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬مال المدين المحجور عليه ‪ :‬يبدأ أوّلً ببيع المنقول لوفاء دين المدين المحجور عليه‬
‫بسبب الدّين ‪ ،‬ثمّ يباع العقار إذا لم يف ثمن المنقول بالدّين ‪ ،‬لما في ذلك من رعاية‬
‫مصلحة المدين ‪.‬‬
‫هـ – بيع الشّيء قبل قبضه ‪ :‬يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف بيع الشّيء المشترى من‬
‫العقارات قبل قبضه أو تسلّمه من البائع ‪ ،‬بخلف المنقول لتعرّضه للهلك كثيرا ‪ ،‬بعكس‬
‫ي التّصرّف في العقار قبل القبض والتّسليم ‪.‬‬
‫العقار ‪ ،‬ولم يجز محمّد وزفر والشّافع ّ‬
‫و ‪ -‬حقوق الجوار والرتفاق ‪ :‬تتعلّق هذه الحقوق بالعقار دون المنقول ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬ارتفاق ف‬

‫‪10‬‬

‫‪ ،‬جوار ف ‪. ) 3‬‬

‫ز ‪ -‬الغصب ‪ :‬ل يتصوّر غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬إذ ل يمكن نقله‬
‫وتحويله ‪ ،‬ويرى محمّد وسائر الفقهاء إمكان غصب العقار ‪ ،‬أمّا المنقول فيتصوّر غصبه‬
‫اتّفاقا ‪.‬‬

‫تحوّل العقار إلى منقول وبالعكس ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬قد يتحوّل العقار إلى منقول ‪ ،‬كالجزاء الّتي تنفصل عن الرض أو تستخرج منها ‪،‬‬

‫كالمعادن المستخرجة من المناجم ونحو ذلك ‪ ،‬وأنقاض البناء المهدوم ‪ ،‬وكلّ ذلك بمجرّد‬
‫فصله عن الرض تزول عنه صفة العقار وأحكامه ‪ ،‬ويصبح في عداد المنقولت وتطبّق‬
‫عليه أحكامها ‪.‬‬
‫وقد يحدث العكس وهو تحوّل المنقول إلى عقار ‪ ،‬بأن صار المنقول تبعا للعقار ‪ ،‬فيأخذ‬
‫حكمه ‪ ،‬جاء في المجلّة ما يأتي ‪ " :‬توابع المبيع المتّصلة المستقرّة تدخل في البيع تبعا‬
‫ل إذا بيعت دار دخل في البيع القفال المسمّرة والدّواليب ‪ ،‬أي ‪ :‬الخزن‬
‫بدون ذكر " ‪ ،‬مث ً‬
‫المستقرّة ‪ ،‬والرّفوف المسمّرة المعدّة لوضع فرش ‪ ،‬والبستان الّذي هو داخل حدود الدّار ‪،‬‬
‫والطّرق الموصّلة إلى الطّريق العامّ ‪ ،‬أو الدّاخلة الّتي ل تنفذ ‪.‬‬
‫ن جميع المذكورات ل تفصل‬
‫وفي بيع العرصة تدخل الشجار المغروسة على أن تستقرّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫عن المبيع ‪ ،‬فتدخل في البيع بدون ذكر ول تصريح ‪.‬‬

‫أحكام العقار ‪:‬‬

‫للعقار أحكام كثيرة في أبواب الفقه المختلفة أهمّها ‪:‬‬

‫الصّلة في الرض المغصوبة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫ن اللّبث فيها يحرم في‬
‫ن الصّلة في الرض المغصوبة حرام ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫غير الصّلة ‪ ،‬فلن يحرم في الصّلة أولى ‪.‬‬
‫واختلف العلماء في صحّة الصّلة في المكان المغصوب على رأيين ‪:‬‬
‫فقال الجمهور ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪: -‬‬
‫ن النّهي ل يعود إلى ماهيّة الصّلة ‪ ،‬فلم يمنع صحّتها ‪ ،‬كما لو صلّى‬
‫الصّلة صحيحة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وهو يرى غريقا يمكنه إنقاذه فلم ينقذه ‪ ،‬أو حريقا يقدر على إطفائه فلم يطفئه ‪ ،‬أو مطل‬
‫غريمه الّذي يمكن إيفاؤه وصلّى ‪ ،‬ويسقط بها الفرض مع الثم ‪ ،‬ويحصل بها الثّواب ‪،‬‬
‫فيكون مثابا على فعله عاصيا بمقامه ‪ ،‬وإثمه للمكث في مكان مغصوب ‪.‬‬
‫ويصف علماء الصول من الجمهور هذه الصّلة بأنّها فعل له جهتان ‪ :‬كونه صل ًة وكونه‬
‫غصبا ‪ ،‬لكنّ الجهتين غير متلزمتين ‪ ،‬لنّهما وإن اجتمعتا في هذه الصّورة ‪ ،‬فإنّ‬
‫ي عمل آخر ‪،‬‬
‫انفرادهما ممكن ومتصوّر ‪ ،‬فالغصب ينفرد عن الصّلة بأن يشغل المكان بأ ّ‬
‫والصّلة تنفرد عن الغصب بأن تؤدّى في مكان آخر ‪ ،‬وبنا ًء عليه يكون اجتماع اليجاب‬
‫والتّحريم في هذا الفعل جائزا ‪ ،‬فهذه الصّلة واجبة من حيث إنّها صلة ‪ ،‬وحرام من حيث‬
‫إنّها غصب شامل لملك الغير ‪ ،‬ول تنافي لعدم التّحاد بين متعلّق اليجاب الّذي هو الصّلة‬

‫ومتعلّق التّحريم الّذي هو الغصب ‪ ،‬وعليه فإنّ هذه الصّلة صحيحة ويثاب عليها باعتبار ‪،‬‬
‫وحرام ويعاقب عليها باعتبار آخر ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة على الرّاجح عندهم إلى أنّه ل تصحّ الصّلة في الموضع المغصوب ‪ ،‬ولو‬
‫ح كصلة الحائض‬
‫كان جزءا مشاعا ‪ ،‬لنّها عبادة أتى بها على الوجه المنهيّ عنه ‪ ،‬فلم تص ّ‬
‫وصومها ‪ ،‬والنّهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتّأثيم بفعله ‪ ،‬فكيف يكون مطيعا بما هو‬
‫ن حركاته وسكناته من‬
‫ل بما هو محرّم عليه ‪ ،‬متقرّبا بما يبعد به ؟ فإ ّ‬
‫عاص به ‪ ،‬ممتث ً‬
‫ي عنها ‪ ،‬ويختلف المر عن‬
‫القيام والرّكوع والسّجود أفعال اختياريّة ‪ ،‬وهو عاص بها منه ّ‬
‫ن أفعال الصّلة في نفسها منهيّ عنها ‪.‬‬
‫إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح لدى الحنابلة الوضوء والذان وإخراج الزّكاة والصّوم والعقود كالبيع والزّواج‬
‫ولكن يص ّ‬
‫وغيرهما ‪ ،‬والفسوخ كالطّلق والخلع في مكان مغصوب ‪ ،‬لنّ البقعة ليست شرطا فيها ‪،‬‬
‫بخلف الصّلة ‪.‬‬
‫وتصحّ الصّلة عندهم في بقعة أبنيتها غصب ‪ ،‬ولو استند إلى البنية لباحة البقعة المعتبرة‬
‫في الصّلة ‪ ،‬وتصحّ صلة من طولب بر ّد وديعة أو ردّ غصب قبل دفعها إلى صاحبها ولو‬
‫بل عذر ‪ ،‬لنّ التّحريم ل يختصّ بالصّلة ولو صلّى على أرض غيره ولو كانت مزروعةً بل‬
‫ضرر ول غصب ‪ ،‬أو صلّى على مصَله بل غصب ول ضرر ‪ ،‬جاز وصحّت صلته ‪ ،‬وإن‬
‫ل أو ناسيا كونه غصبا صحّت صلته ‪ ،‬لنّه غير‬
‫صلّى في غصب من بقعة أو غيرها جاه ً‬
‫ن اللّه‬
‫آثم ‪ ،‬وإذا حبس في مكان غصب صحّت صلته ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « ‪.‬‬
‫ن الجهتين في هذا الفعل ‪ -‬الصّلة‬
‫ويرى أصوليّو الحنابلة والجبّائيّ وابنه وأكثر المتكلّمين أ ّ‬
‫في الرض المغ صوبة ‪ -‬متلزمتان ‪ ،‬ل نّ الحا صل من الم صلّي في الدّار المغ صوبة أفعال‬
‫اختياريّة ب ها يتحقّق الغ صب فتكون حراما ‪ ،‬وهذه الفعال بعين ها جزء من حقيقة ال صّلة ‪،‬‬
‫إذ هي عبادة ذات أقوال وأفعال ‪ ،‬وال صّلة الّتي جزؤها حرام ل تكون واجبةً ‪ ،‬ومقتضاه أ نّ‬
‫هذه الصّلة ل تكون صحيحةً ول يسقط بها الطّلب ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫‪ -‬أمّا الصّلة في الرض المسخوط عليها ‪ -‬المغضوب عليها من اللّه تعالى ‪ -‬فصحيحة‬

‫عند الجمهور ‪ ،‬كالرض الخسف ‪ ،‬وكلّ بقعة نزل فيها عذاب ‪ ،‬كأرض بابل ‪ ،‬وأرض‬
‫الحجر ‪ ،‬ومسجد الضّرار ‪ ،‬لكن تكره الصّلة في هذه المواضع ‪ ،‬لنّها مسخوط عليها ‪ ،‬قال‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يوم مرّ بالحجر ‪ » :‬ل تدخلوا على هؤلء المعذّبين إلّ أن تكونوا‬
‫باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم « ‪.‬‬

‫زكاة العقار ‪:‬‬

‫‪ -9‬ل زكاة على الحوائج الصليّة من ثياب البدن والمتعة والعقار من أراض ودور سكنى‬
‫وحوانيت ‪ ،‬بل ولو غير محتاج إليها إذا لم ينو بها التّجارة ‪ ،‬لنّها مشغولة بالحاجة‬
‫الصليّة إذ ل بدّ من دار يسكنها وليست بنامية أصلً ‪ ،‬فل ب ّد لوجوب الزّكاة من أن يكون‬
‫المال ناميا ‪ ،‬وليس المقصود حقيقة النّماء ‪ ،‬وإنّما كون المال معدّا للستنماء إمّا خلقيّا‬
‫كالذّهب والفضّة ‪ ،‬أو بالعداد للتّجارة ‪ ،‬أو بالسّوم أي الرّعي عند الجمهور ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫‪ -‬ويرى جمهور الفقهاء أنّه ل زكاة على المستغَلت من عمارات ومصانع ومبان ودور‬

‫وأراض بأعيانها ول على غَلتها ما لم يحل عليها الحول ‪.‬‬
‫لكنّ بعض الفقهاء منهم ابن عقيل من الحنابلة يرون وجوب الزّكاة في المستغ ّل من كلّ‬
‫شيء لجل الستغلل ‪ ،‬فيشمل العقار المعدّ للكراء وكلّ سلعة تؤجّر وتعدّ للجارة ‪ ،‬بأن‬
‫يقوّم رأس المال في كلّ عام ويزكّى زكاة التّجارة ‪.‬‬
‫والمرويّ عن أحمد أنّه تزكّى هذه المستغَلت من غلّتها وإيرادها إذا استفادها ‪.‬‬
‫ورأى بعض المالكيّة تزكية فوائد المستغَلت عند قبضها ‪.‬‬

‫بيع العقار ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬يجوز للمالك بيع عقاره الّذي يملكه ملكا تامّا ‪ ،‬كما يجوز له بيع الحصّة الشّائعة في‬

‫العقار من الشّريك ‪ ،‬ومن الجنبيّ مطلقا ‪ ،‬سواء قبلت العين المشتركة القسمة أم ل ‪ ،‬إلّ‬
‫في حصّة مشتركة بسبب الخلط في الحبوب ونحوها ‪ ،‬فإنّه يجوز من الشّريك ول يجوز من‬
‫الجنبيّ ‪.‬‬
‫لكن يشترط لجواز بيع الحصّة الشّائعة عدم الضّرر بالغير ‪ ،‬فل يجوز للشّريك أن يبيع‬
‫حصّته من الزّرع بدون الرض قبل أوان قطعه ‪ ،‬إذ يؤدّي ذلك إلى ضرر الشّريك الخر‬
‫بتعرّض زرعه للقطع في سبيل التّسليم إلى المشتري قبل أوان قطعه ‪ ،‬كذلك ل يجوز أن‬
‫يبيع أحد الشّريكين جزءا معيّنا من مشترك ‪ ،‬سواء أكان ذلك في أرض أو في بيت من دار‬
‫‪ ،‬بخلف بيعه جزءا شائعا من المشترك ‪.‬‬
‫وهناك بعض القيود الشّرعيّة الخرى على أنواع معيّنة من بيع العقارات منها ‪:‬‬

‫أ ّو ًل ‪ :‬بيع الوفاء في العقار ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬بيع الوفاء ‪ :‬هو البيع بشرط أنّ البائع متى ر ّد الثّمن ير ّد المشتري المبيع إليه ‪،‬‬

‫ن المشتري يلزمه الوفاء بالشّرط ‪.‬‬
‫وسمّي بذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في صحّة هذا البيع أو فساده ‪ ،‬وفيما يترتّب عليه من آثار ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬بيع الوفاء ف ‪ 2‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬بيع العقار قبل القبض ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع المبيع قبل قبضه ‪:‬‬

‫فذهب الشّافعيّة ومحمّد من الحنفيّة وأحمد في رواية ‪ :‬إلى أنّه ل يصحّ بيع المبيع قبل‬
‫قبضه سواء أكان منقولً أم عقارا وإن أذن البائع وقبض الثّمن ‪ ،‬وذلك لحديث حكيم بن‬
‫حزام رضي ال عنه قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إنّي أشتري بيوعا ‪ ،‬فما يح ّل لي منها وما‬
‫يحرم عليّ ؟ قال ‪ » :‬إذا اشتريت بيعا فل تبعه حتّى تقبضه « ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة والشّيخان من الحنفيّة – أبو حنيفة وأبو يوسف – بيع العقار قبل قبضه‬
‫استحسانا استدللً بعمومات حلّ البيع بدون تخصيص ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع ما لم يقبض ف ‪ 2‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬بيع الرض المفتوحة عنوةً ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الرض المفتوحة عنوةً ‪:‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ المام مخيّر بين قسمتها وبين إقرار أهلها عليها ووضع الجزية‬
‫عليهم وعلى أراضيهم الخراج ‪ ،‬وإذا بقيت في أيدي أهلها فقال الحنفيّة ‪ :‬هي مملوكة لهم‬
‫يجوز بيعهم لها وتصرّفهم فيها ‪.‬‬
‫ن هذه الرض تكون وقفا على المسلمين ‪ ،‬ل يجوز التّصرّف فيها‬
‫والمعتمد عند المالكيّة أ ّ‬
‫ببيع أو غيره ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ‪ ،‬إلّ أن يرى المام في وقت من‬
‫ن المصلحة تقتضي القسمة فإنّ له أن يقسم الرض ‪.‬‬
‫الوقات أ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تقسم الرض المفتوحة عنوةً بين الغانمين إلّ أن يطيبوا نفسا بتركها‬
‫ن سواد العراق قسم بين الغانمين ثمّ‬
‫فتوقف على مصالح المسلمين ‪ ،‬والصّحيح عندهم أ ّ‬
‫بذلوه لعمر رضي ال عنه ووقف على المسلمين وصار خراجه أجرةً تؤدّى كلّ سنة‬
‫لمصالح المسلمين ‪ ،‬وليس لهل السّواد الّذين أقرّت الرض في أيديهم بيعها أو رهنها أو‬
‫هبتها لكونها صارت وقفا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬المام مخيّر بين قسمة هذه الرض على الغانمين فتملك بالقسمة ول خراج‬
‫عليها وبين وقفها للمسلمين فيمتنع بيعها ونحوه ‪ ،‬ويضرب المام بعد وقفها خراجا‬
‫مستمرّا يؤخذ ممّن هي في يده من مسلم ومعاهد يكون أجر ًة لها ‪.‬‬

‫بيع الوليّ أو الوصيّ عقار القاصر ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬للفقهاء اتّجاهات متقاربة الرّأي في هذا الموضوع خلصتها فيما يلي ‪:‬‬

‫قال الحنفيّة في المفتى به ‪ :‬يجوز للوليّ العدل ‪ -‬محمود السّيرة بين النّاس أو مستور‬
‫الحال ‪ -‬أن يبيع عقار القاصر بمثل القيمة فأكثر لتوافر الشّفقة الكاملة عنده على ولده ول‬

‫يجوز ذلك للوصيّ عند متأخّري الحنفيّة إلّ للضّرورة كبيعه لتسديد دين ل وفاء له إلّ بهذا‬
‫المبيع ‪ ،‬وينفذ بيع الوصيّ بإجازة القاضي ‪ ،‬وله ردّه إذا كان خيرا ‪.‬‬
‫ي في مال الصّغير بالمصلحة ‪ ،‬فللب بيع مال ولده المحجور‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يتصرّف الول ّ‬
‫عليه مطلقا ‪ ،‬عقارا أو منقولً ‪ ،‬ول يتعقّب بحال ‪ ،‬ول يطلب منه بيان سبب البيع ‪ ،‬لنّ‬
‫تصرّفه محمول على المصلحة ‪ ،‬أمّا الوصيّ فل يبيع عقار محجوره إلّ لسبب يقتضي‬
‫بيعه ‪ ،‬أي ‪ :‬لحاجة أو مصلحة ‪ ،‬وببيّنة بأن يشهد العدول أنّه إنّما باعه لكذا ‪ ،‬وكذلك بيع‬
‫ي مال المحجور عند الضّرورة كالنّفقة ووفاء الدّين ونحوهما ‪ ،‬وذكروا أحد‬
‫الحاكم كالوص ّ‬
‫ي أو حاكم للضّرورة ‪ ،‬مثل الحاجة للنّفقة أو‬
‫عشر سببا لجواز بيع عقار القاصر من وص ّ‬
‫وفاء دين ل قضاء له إ ّل من ثمنه ‪ ،‬والخوف عليه من ظالم يأخذه منه غصبا ‪ ،‬أو يعتدي‬
‫على ريعه ولم يستطع ردّه ‪ ،‬وبيعه بزيادة الثّلث على ثمن المثل فأكثر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يتصرّف الوليّ للقاصر بالمصلحة وجوبا ‪ ،‬ول يبيع عقاره إلّ في‬
‫موضعين‪ .‬أحدهما ‪ :‬لحاجة كنفقة كسوة بأن لم تف غلّة العقار بهما ‪ ،‬ولم يجد من يقرضه‬
‫أو لم ير المصلحة في القتراض أو خاف خرابه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬لمصلحة ظاهرة ‪ ،‬كأن يرغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن مثله ‪ ،‬وهو يجد‬
‫مثله ببعضه ‪ ،‬أو خيرا منه بكلّه ‪ ،‬أو يكون ثقيل الخراج ‪ ،‬أي ‪ :‬المغارم والضّرائب مع قلّة‬
‫ريعه ‪.‬‬
‫ي الصّغير والمجنون أن يتصرّف في مالهما إ ّل على وجه الحظّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يجوز لول ّ‬
‫حسَنُ } ‪.‬‬
‫‪ -‬المصلحة ‪ -‬لهما ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َل َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي هِيَ َأ ْ‬

‫قبض العقار ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫ي أو‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ قبض العقار المبيع أو المرهون يكون بالتّسليم الفعل ّ‬

‫بالتّخلية أي ‪ :‬رفع المانع من القبض أو التّمكّن من إثبات اليد بارتفاع الموانع ‪ ،‬فيخلّى بين‬
‫المشتري والمبيع أو بين المرتهن والمرهون ‪ ،‬ويمكّن من قبضه ‪ ،‬أو من إثبات يده عليه ‪،‬‬
‫وللفقهاء في موضوع التّخلية تفصيل ‪ :‬ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تخلية ف ‪، 4‬‬

‫‪5‬‬

‫)‪.‬‬

‫ضمان غلّة العقار المبيع المردود بالعيب ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬إذا ردّ المبيع على صاحبه بسبب عيب من العيوب ‪ ،‬فهل تكون غلّته الحادثة بعد البيع‬

‫والقبض إلى وقت الرّ ّد مضمونةً على المشتري باعتبارها حقّا للبائع ‪ ،‬أم أنّها للمشتري ول‬
‫يضمنها للبائع ؟‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّ المنافع أو الغلّة المتّصلة بالشّيء وقت الرّ ّد تكون للبائع ويجب‬
‫ردّها ‪ ،‬أمّا المنافع المنفصلة فاختلفوا فيها ‪:‬‬

‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المشتري يستحقّ الزّيادة ‪ ،‬لنّها زيادة حدثت في ملك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قضى أنّ الخراج‬
‫المشتري ‪ ،‬ولما روي عن عائشة ‪ » :‬أنّ النّب ّ‬
‫بالضّمان « أي ‪ :‬أنّ الغلّة أو المنافع في مقابل تحمّل المشتري تبعة ضمان الشّيء المبيع‬
‫إذا هلك عنده ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يستحقّ المشتري الغلّة الفرعيّة غير المتولّدة الّتي تحصل من المبيع‬
‫كمنافع الشّيء وأجرة كراء الدّابّة ونحوها ‪ ،‬دون الصليّة المتولّدة كالولد والثّمر واللّبن‬
‫والصّوف ‪ ،‬فإنّها تكون لمالك أصلها المتولّدة منه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ غلّة المبيع المردود بالعيب الّتي ل تعتبر كجزء من المبيع كسكنى‬
‫الدّار وإسكانها وركوب السّيّارة وإجارتها وألبان الماشية ونحو ذلك تكون للمشتري من‬
‫وقت قبضه للمبيع إلى يوم فسخ البيع ‪ ،‬ول رجوع له على البائع بما أنفقه على المبيع ‪،‬‬
‫لنّ غلّته له ‪ ،‬والغنم في نظير الغرم ‪ ،‬وإنّما كانت غلّة المبيع المردود بالعيب للمشتري ‪،‬‬
‫لنّ المبيع كان في ضمانه والغلّة في نظير الضّمان ‪.‬‬

‫الغرس أو البناء في أرض ظهر استحقاقها للغير ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ -‬إذا اشترى شخص من آخر أرضا ‪ ،‬فغرس أو بنى فيها ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّها مستحقّة لغير‬

‫بائعها ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ للمستحقّ قلع الغرس والبناء ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استحقاق ف‬

‫‪15‬‬

‫)‪.‬‬

‫الغرس أو البناء في الرض المؤجّرة ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬للفقهاء آراء متقاربة في هذا الموضوع ‪:‬‬

‫فمذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا استأجر شخص أرضا للغراس أو البناء مدّةً معلومةً‬
‫كسنة أو أكثر ‪ ،‬ثمّ انقضت مدّة الجارة وفي الرض غراس أو بناء ‪ ،‬فإن شرط المؤجّر‬
‫الهدم أو القلع عند انتهاء الجارة ‪ ،‬أجبر المستأجر على ذلك ‪ ،‬ول ضمان على أحدهما ‪.‬‬
‫وإن لم يشترط المؤجّر الهدم أو القلع ‪ ،‬فللمستأجر ‪ -‬أو المكتري ‪ -‬إزالة البناء أو قلع‬
‫الشّجر ‪ ،‬وعليه تسوية الرض ؛ لنّه نقص دخل على ملك غيره بغير إذنه ‪ ،‬وله وعليه‬
‫ذلك أيضا إن قلعه قبل انقضاء المدّة ؛ لنّ القلع قبل الوقت لم يأذن فيه المالك ؛ ولنّه‬
‫تصرّف في الرض تصرّفا نقصها ‪ ،‬ولم يقتضه عقد الجارة ‪.‬‬
‫فإن أبى المستأجر القلع أو الزالة ‪ ،‬خيّر المؤجّر بين أمور ثلثة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تركه على ذمّة المستأجر بأجرة المثل ‪.‬‬
‫ن الضّرر يزول عنهما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أخذ المؤجّر الغراس أو البناء بالقيمة ‪ ،‬ويمتلكه ؛ ل ّ‬

‫ج – إزالة المستأجر البناء أو قلع الغراس مع ضمانه أرش ما نقص بالقلع ؛ لنّه ل ضرر‬
‫عليه بالقلع مع دفع الرش ‪ ،‬إلّ إذا كان البناء مسجدا أو معدّا لنفع عامّ فل يهدم ‪ ،‬وتلزم‬
‫المستأجر أجرته مدّة بقائه أو إلى زواله ؛ لنّه العرف ‪ ،‬إذ وضع هذه للدّوام ‪ ،‬ول يعاد‬
‫المسجد ونحوه لو انهدم إلّ بإذن ربّ الرض ؛ لزوال حكم الذن بزوال العقد ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا بنى المستأجر في الرض بناءً أو غرس غرسا فيها ‪ ،‬ولو بإذن‬
‫المؤجّر ‪ ،‬كان للمؤجّر عند انتهاء الجارة الخيار بين أمرين ‪ :‬إمّا هدم البناء وقلع الغرس ‪،‬‬
‫ن فيه نظرا‬
‫ق القلع إن أضرّ الهدم أو الزالة بالعقار ؛ ل ّ‬
‫وإمّا تملّك ما استحدث بقيمته مستح ّ‬
‫للطّرفين ‪ ،‬فإن لم يضرّ فليس للمؤجّر إبقاؤه بغير رضا المستأجر ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة أنّ من بنى أو غرس في أرض مستأجرة فللمؤجّر بعد انقضاء مدّة الجارة‬
‫الخيار بين أن يأمر الباني أو الغارس بهدم بنائه أو قلع شجره أو يدفع له قيمته منقوضا ‪،‬‬
‫أو يرضي المستأجر المؤجّر في منفعة الرض المدّة المستقبلة لجل بقاء بنائه أو غرسه ‪.‬‬

‫رهن العقار ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫ح بيعه كالعروض والحيوان والعقار صحّ رهنه ؛ لنّ‬
‫ن كلّ ما ص ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫المقصود من الرّهن الستيثاق بالدّين ليتوصّل إلى استيفائه من ثمن الرّهن عند تعذّر‬
‫استيفائه من الرّاهن ‪ ،‬وهذا يتحقّق في كلّ عين يصحّ بيعها ‪.‬‬
‫واستثنى أبو حنيفة رهن المشاع فإنّه ل يجوز عنده وإن كان يجوز بيعه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬رهن ف ‪. ) 9‬‬

‫غصب العقار ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أحكام الغصب تجري في العقار إذ يمكن غصبه ‪ ،‬ويجب‬

‫الضّمان على الغاصب وخالف في ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬غصب ) ‪.‬‬

‫وقف العقار ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على صحّة وقف العقار من أرض ‪ ،‬ودور وحوانيت ‪ ،‬وبساتين ونحوها‬

‫؛ لنّ جماع ًة من الصّحابة رضي ال عنهم وقفوه ‪ ،‬مثل ما فعل عمر رضي ال عنه في‬
‫ن العقار متأبّد يبقى على الدّوام ‪.‬‬
‫وقفه أرضه في خيبر ؛ ول ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫والبناء عند الحنفيّة منقول ‪ ،‬ول يجوز وقف المنقول عندهم إلّ إذا تعارفه النّاس ‪ ،‬وبما أنّ‬
‫ن وقف‬
‫النّاس تعارفوا وقف البناء أو الشّجر بل أرض فيجوز الوقف ‪ ،‬وقد ذكر الحنفيّة أ ّ‬
‫البناء بدون الرض له صور ثلث ‪.‬‬

‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫تعلّق حقّ الرتفاق بالعقار المبيع ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬تتعلّق حقوق الرتفاق بالعقار دون المنقول ‪ ،‬فيكون حقّ الرتفاق مقرّرا دائما على‬

‫عقار ‪ ،‬ويصحّ بيع الرض دون حقّ الرتفاق ‪ ،‬ول يدخل حقّ الرتفاق في بيع الرض إلّ‬
‫ص عليه صراحةً ‪ ،‬أو بذكر ما يد ّل عليه كأن يقول ‪ :‬بعت الرض بحقوقها أو‬
‫بالنّ ّ‬
‫بمرافقها ‪ ،‬أو كلّ قليل وكثير حولها ‪ ،‬أمّا في الجارة فتدخل حقوق الرتفاق في العقد ‪ ،‬ولو‬
‫لم ينصّ عليها ‪ ،‬لتعذّر النتفاع بالمأجور بدونها ‪ ،‬ويقاس الوقف استحسانا على الجارة ل‬
‫ن المقصود من الوقف هو مجرّد النتفاع وهو ل يمكن إلّ بأن يدخل الشّرب‬
‫على البيع ؛ ل ّ‬
‫والمسيل والطّريق في وقف الرض دون نصّ عليها ‪.‬‬

‫تعلّق حقّ الشّفعة في العقار ل المنقول ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫ق الشّفعة يثبت في العقار لحديث جابر رضي ال تعالى عنه‬
‫نحّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫قال ‪ » :‬قضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالشّفعة في كلّ شركة لم تقسم ربعة أو‬
‫حائط « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شفعة ف‬

‫انظر ‪ :‬كراء القصب ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪24‬‬

‫)‪.‬‬

‫عَقِب *‬
‫عَقْد *‬

‫‪ -‬العقد في اللّغة ‪ :‬الرّبط والشّدّ والضّمان والعهد ‪ ،‬قال في القاموس ‪ :‬عقد الحبل والبيع‬

‫والعهد ‪ :‬شدّه ‪.‬‬
‫ويطلق أيضا على الجمع بين أطراف الشّيء ‪ ،‬يقال ‪ :‬عقد الحبل إذا جمع أحد طرفيه على‬
‫الخر وربط بينهما ‪.‬‬
‫وفي المصباح ‪ :‬قيل ‪ :‬عقدت البيع ونحوه ‪ ،‬وعقدت اليمين وعقّدتها بالتّشديد توكيد ‪،‬‬
‫وعاقدته على كذا ‪ ،‬وعقدته عليه بمعنى ‪ :‬عاهدته ‪ ،‬ومعقد الشّيء مثل مجلس ‪ :‬موضع‬
‫عقده ‪ ،‬وعقدة النّكاح وغيره ‪ :‬إحكامه وإبرامه ‪ ،‬والجمع عقود ومنه قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ َأوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ } ‪.‬‬
‫عقْدَةَ ال ّنكَاحِ } أي ‪ :‬إحكامه ‪ ،‬والمعنى ‪ :‬ل تعزموا على‬
‫وقولـه تعالى ‪َ { :‬و َل َتعْ ِزمُو ْا ُ‬
‫عقدة النّكاح في زمان العدّة ‪.‬‬

‫وفي الصطلح يطلق العقد على معنيين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المعنى العامّ ‪ ،‬وهو كلّ ما يعقده ‪ -‬يعزمه ‪ -‬الشّخص أن يفعله هو ‪ ،‬أو يعقد على‬
‫غيره فعله على وجه إلزامه إيّاه ‪ ،‬كما يقول الجصّاص ‪ ،‬وعلى ذلك فيسمّى البيع والنّكاح‬
‫ن ك ّل واحد من طرفي العقد ألزم نفسه الوفاء به ‪،‬‬
‫وسائر عقود المعاوضات عقودا ؛ ل ّ‬
‫ن الحالف ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من الفعل‬
‫وسمّي اليمين على المستقبل عقدا ؛ ل ّ‬
‫ن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها ‪ ،‬وكذا كلّ ما شرط‬
‫أو التّرك ‪ ،‬وكذلك العهد والمان ؛ ل ّ‬
‫النسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد ‪ ،‬وكذلك النّذور وما جرى مجرى‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ومن هذا الطلق العامّ قول اللوسيّ في تفسير قوله تعالى ‪َ { :‬أوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ } حيث قال ‪:‬‬
‫المراد بها يعمّ جميع ما ألزم اللّه عباده وعقد عليهم من التّكاليف والحكام الدّينيّة وما‬
‫يعقدونه فيما بينهم من عقود المانات والمعاملت ونحوهما ممّا يجب الوفاء به ‪.‬‬
‫ص ‪ ،‬وبهذا المعنى يطلق العقد على ما ينشأ عن إرادتين لظهور أثره‬
‫ب ‪ -‬المعنى الخا ّ‬
‫ي في المحلّ ‪ ،‬قال الجرجانيّ ‪ :‬العقد ربط أجزاء التّصرّف باليجاب والقبول ‪.‬‬
‫الشّرع ّ‬
‫ي بقوله ‪ :‬ارتباط اليجاب بالقبول اللتزاميّ كعقد البيع والنّكاح‬
‫وبهذا المعنى عرّفه الزّركش ّ‬
‫وغيرهما ‪.‬‬
‫وموضوع البحث هنا العقد بالمعنى الخاصّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬اللتزام ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬أصل اللتزام في اللّغة ‪ :‬من لزم يلزم لزوما أي ثبت ودام ‪ ،‬يقال ‪ :‬لزمه المال ‪ :‬وجب‬

‫عليه ‪ ،‬ولزمه الطّلق ‪ :‬وجب عليه حكمه ‪ ،‬وألزمته المال والعمل فالتزم ‪ ،‬واللتزام‬
‫العتناق ‪.‬‬
‫واللتزام في الصطلح ‪ :‬إلزام الشّخص نفسه ما لم يكن لزما عليه من قبل ‪ ،‬وقال‬
‫الحطّاب ‪ :‬إنّه إلزام الشّخص نفسه شيئا من المعروف مطلقا أو معلّقا على شيء ‪ ...‬وقد‬
‫يطلق في العرف على ما هو أخصّ من ذلك ‪ ،‬وهو التزام المعروف بلفظ اللتزام ‪.‬‬
‫واللتزام أعمّ من العقد بالمعنى الخاصّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّصرّف ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬التّصرّف في اللّغة ‪ :‬التّقلّب في المور ‪ ،‬والسّعي في طلب الكسب ‪.‬‬

‫ويفهم من كلم الفقهاء ‪ ،‬أنّ التّصرّف عندهم هو ‪ :‬ما يصدر عن الشّخص بإرادته ‪ ،‬ويرتّب‬
‫الشّرع عليه أحكاما مختلفةً ‪ ،‬ويشمل التّصرّف الفعال والقوال وبنا ًء على ذلك فالتّصرّف‬
‫أعمّ من العقد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العهد والوعد ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬العهد في اللّغة ‪ :‬الوصيّة ‪ ،‬يقال ‪ :‬عهد إليه يعهد إذا أوصاه ‪ ،‬والعهد ‪ :‬المان‬

‫والموثق وال ّذمّة ‪ ،‬ويطلق على كلّ ما عوهد اللّه عليه ‪ ،‬وكلّ ما بين العباد من المواثيق ‪.‬‬
‫فهو بهذا المعنى قريب من معنى العقد بالطلق العامّ وأعمّ منه بالطلق الخاصّ ‪.‬‬
‫وأمّا الوعد فيدلّ على ترجية بقول ‪ ،‬ويستعمل في الخير حقيقةً وفي الشّ ّر مجازا ‪.‬‬
‫والوعد في الصطلح ‪ :‬إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل ‪.‬‬

‫أركان العقد ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬أركان الشّيء ‪ :‬أجزاء ماهيّته وجوانبه الّتي يستند إليها ويقوم بها ‪.‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬الرّكن هو الجزء الذّاتيّ الّذي تتركّب الماهيّة منه ومن غيره بحيث يتوقّف‬
‫تقوّمها عليه ‪.‬‬
‫ن العقد ل يوجد إلّ إذا وجد عاقد وصيغة ‪ -‬اليجاب والقبول ‪ -‬ومحلّ‬
‫واتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫يرد عليه اليجاب والقبول ‪ -‬المعقود عليه ‪. -‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هذه الثّلثة كلّها أركان العقد ‪.‬‬
‫ن ركن العقد هو الصّيغة فقط ‪ ،‬أمّا العاقدان والمحلّ فممّا يستلزمه‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن ما عدا الصّيغة ليس جزءا من حقيقة العقد وإن‬
‫وجود الصّيغة ‪ ،‬ل من الركان ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫كان يتوقّف وجوده عليه ‪.‬‬
‫ولكلّ واحد من الصّيغة والعاقدين والمح ّل شروط ‪ ،‬ل ب ّد لوجود العقد الشّرعيّ من توافرها‬
‫نبحثها فيما يلي ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬صيغة العقد ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬صيغة العقد ‪ :‬كلم أو فعل يصدر من العاقد ويدلّ على رضاه ‪ ،‬ويعبّر عنها الفقهاء‬

‫بـ " اليجاب والقبول " ‪.‬‬
‫وتختلف الصّيغة في العقد حسب اختلف العقود ‪.‬‬
‫ففي عقد البيع مثلً يصلح للصّيغة كلّ لفظ أو فعل يدلّ على الرّضا والتّمليك بعوض ‪ ،‬مثل‬
‫قول البائع ‪ :‬بعتك أو أعطيتك أو ملّكتك بكذا ‪ ،‬وقول المشتري ‪ :‬اشتريت أو تملّكت أو‬
‫ابتعت أو قبلت أو نحو ذلك ‪.‬‬

‫وفي عقد الحوالة يكفي كلّ ما يدلّ على الرّضا بالنّقل والتّحويل ‪ ،‬مثل قول المحيل ‪ :‬أحلتك‬
‫وأتبعتك ‪ ،‬وقول المحال عليه ‪ :‬رضيت وقبلت ونحوها ‪.‬‬
‫وعقد الرّهن ينعقد بقول الرّاهن ‪ :‬رهنتك هذه الدّار ‪ ،‬أو أعطيتها لك رهنا ‪ ،‬وقول المرتهن‬
‫‪ :‬قبلت أو رضيت ‪.‬‬
‫فالصل أنّ كلّ ما يدلّ على اليجاب والقبول لغةً أو عرفا ينعقد به العقد ‪ ،‬فل يشترط في‬
‫ص ‪ ،‬ول صيغة خاصّة ‪.‬‬
‫انعقاد العقد في الصل لفظ خا ّ‬
‫‪ -7‬واستثنى بعض الفقهاء من هذا الصل عقد النّكاح ‪ ،‬فل يصحّ إ ّل بلفظ النّكاح والزّواج‬
‫ح إلّ بلفظ اشتقّ‬
‫ومشتقّاتهما ‪ ،‬كما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬قال الشّربينيّ ‪ :‬ول يص ّ‬
‫من لفظ التّزويج أو النكاح ‪ ،‬دون لفظ الهبة والتّمليك ونحوهما كالحلل والباحة ؛ لنّه لم‬
‫ن النّكاح ينزع إلى‬
‫يذكر في القرآن سواهما فوجب الوقوف معهما تعبّدا واحتياطا ؛ ل ّ‬
‫العبادات لورود النّدب فيه ‪ ،‬والذكار في العبادات تتلقّى من الشّرع ‪.‬‬
‫ح قبول‬
‫وقال الحجّاويّ من الحنابلة ‪ :‬ول يصحّ إيجاب إلّ بلفظ أنكحت أو زوّجت ‪ ..‬ول يص ّ‬
‫لمن يحسنها إلّ بقبلت تزويجها أو نكاحها ‪ ،‬أو هذا التّزويج أو هذا النّكاح ‪ ،‬أو تزوّجتها ‪،‬‬
‫أو رضيت هذا النّكاح ‪ ،‬أو قبلت فقط أو تزوّجت ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والمالكيّة فل يشترطون في عقد النّكاح هذين اللّفظين ‪ ،‬فيصحّ عندهما بكلّ لفظ‬
‫يدلّ على التّأبيد مدّة الحياة ‪ ،‬كأنكحت وزوّجت وملّكت وبعت ووهبت ونحوها ‪ ،‬إذا قرن‬
‫بالمهر ودلّ اللّفظ على الزّواج ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬نكاح وصيغة ) ‪.‬‬

‫المراد باليجاب والقبول ‪:‬‬

‫‪ -8‬المراد باليجاب في العقود عند الحنفيّة هو ‪ :‬ما صدر أ ّولً من كلم أحد المتعاقدين ‪ ،‬أو‬
‫ما يقوم مقام الكلم ‪ ،‬سواء أكان من المملّك أم من المتملّك ‪ ،‬والقبول ‪ :‬ما صدر ثانيا عن‬
‫أحد المتعاقدين دَالً على موافقته بما أوجبه الوّل ‪ ،‬فالمعتبر عندهم أوّليّة الصّدور في‬
‫اليجاب وثانويّته في القبول ‪ ،‬سواء أكان من المملّك أم من المتملّك ‪.‬‬
‫ن اليجاب ‪ :‬ما صدر ممّن يكون منه التّمليك كالبائع والمؤجّر والزّوجة‬
‫ويرى غير الحنفيّة أ ّ‬
‫أو وليّها ‪ ،‬سواء صدر أوّ ًل أو آخرا ‪ ،‬والقبول ‪ :‬هو ما صدر ممّن يصير له الملك وإن‬
‫ن المملّك هو الموجب والمتملّك هو القابل ‪ ،‬ول اعتبار لما‬
‫صدر أ ّولً ‪ ،‬فالمعتبر عندهم هو أ ّ‬
‫صدر أ ّولً أو آخرا ‪.‬‬

‫وسائل اليجاب والقبول ‪:‬‬

‫‪ -9‬اتّفق الفقهاء في الجملة على أنّ اليجاب والقبول كما يحصلن باللفاظ ‪ ،‬كذلك يحصلن‬
‫بالكتابة والشارة والرّسالة والمعاطاة ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في حكم بعض هذه الوسائل في بعض‬
‫العقود ‪ ،‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬العقد باليجاب والقبول اللّفظيّين ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬اليجاب والقبول باللفاظ هو الصل في انعقاد العقود عند جميع الفقهاء ‪ ،‬ول خلف‬

‫بين الفقهاء في أنّ اليجاب والقبول إذا كانا بصيغة الماضي ينعقد بهما العقد كما إذا قال‬
‫البائع ‪ :‬بعت ‪ ،‬وقال المشتري ‪ :‬اشتريت ‪ ،‬ول حاجة في هذه الحالة إلى النّيّة ؛ لنّ هذه‬
‫الصّيغة وإن كانت للماضي وضعا لكنّها جعلت إيجابا للحال في عرف أهل اللّغة والشّرع ‪،‬‬
‫ن هذه اللفاظ صريحة في عقد البيع‬
‫والعرف قاض على الوضع كما علّله الكاسانيّ ؛ ول ّ‬
‫فيلزمهما ‪ ،‬كما قال الحطّاب ‪.‬‬
‫ول ينعقد بما يد ّل على الستقبال كصيغة الستفهام ‪ ،‬والمضارع المراد به الستقبال ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما يدلّ على الحال كصيغة المر مثلً ‪ ،‬كقوله ‪ :‬بعني ‪ ،‬فإذا أجابه الخر بقوله ‪:‬‬
‫بعتك ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬كان هذا اللّفظ الثّاني إيجابا واحتاج إلى قبول من الوّل ‪ ،‬وهذا رواية‬
‫عند الحنابلة ومقابل الظهر عند الشّافعيّة أيضا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ -‬وهو الظهر عند الشّافعيّة ورواية عند الحنابلة ‪ -‬ينعقد بهما البيع ‪ ،‬ول‬
‫يحتاج إلى قبول من الوّل ‪.‬‬
‫أمّا صيغة المضارع فإذا أراد بها الحال ينعقد العقد وإلّ فل ‪ ،‬ففي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إذا قال‬
‫البائع ‪ :‬أبيع منك هذا بألف أو أبذله أو أعطيكه ‪ ،‬وقال المشتري ‪ :‬أشتريه منك أو آخذه ‪،‬‬
‫ونويا اليجاب للحال ‪ ،‬أو كان أحدهما بلفظ الماضي والخر بالمستقبل مع نيّة اليجاب‬
‫للحال فإنّه ينعقد ‪ ،‬وإن لم ينو لم ينعقد ‪.‬‬
‫ومثله ما نقله الحطّاب عن ابن عبد السّلم حيث قال ‪ :‬إن أتى بصيغة الماضي لم يقبل منه‬
‫رجوع ‪ ،‬وإن أتى بصيغة المضارع فكلمه محتمل ‪ ،‬فيحلف على ما أراده ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صيغة ف ‪. ) 7‬‬

‫اعتبار اللّفظ أو المعنى في العقد ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬من القواعد الفقهيّة عند بعض الفقهاء ‪ :‬العبرة في العقود للمقاصد والمعاني ل‬

‫لللفاظ والمباني ‪ ،‬معنى هذه القاعدة ‪ -‬كما يقول في الدّرر ‪ -‬أنّه عند حصول العقد ل ينظر‬
‫لللفاظ الّتي يستعملها العاقدان حين العقد ‪ ،‬بل إنّما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقيّة من الكلم‬
‫ي هو المعنى وليس اللّفظ ‪ ،‬ول الصّيغة‬
‫الّذي يلفظ به حين العقد ‪ ،‬لنّ المقصود الحقيق ّ‬
‫المستعملة ‪ ،‬وما اللفاظ إلّ قوالب للمعاني ‪.‬‬

‫وقد اختلف الفقهاء في تطبيق هذه القاعدة في مختلف العقود ‪ ،‬فطبّقوها في بعضها ولم‬
‫يطبّقوها في بعض ‪ ،‬وذلك حسب اختلف طبيعة هذه العقود ‪.‬‬
‫والظّاهر ‪ :‬أنّ هذه القاعدة مطبّقة عند الحنفيّة في أكثر من عقد ‪ ،‬ولها فروع كثيرة ‪ ،‬قال‬
‫ابن نجيم ‪ :‬العتبار للمعنى ل لللفاظ ‪ ،‬صرّحوا بذلك في مواضع ‪ :‬منها الكفالة ‪ ،‬فهي‬
‫بشرط براءة الصيل حوالة ‪ ،‬وهي بشرط عدم براءته كفالة ‪ ..‬ولو وهب الدّين لمن عليه‬
‫كان إبرا ًء للمعنى ‪ ،‬فل يتوقّف على القبول على الصّحيح ‪ ..‬ولو راجعها بلفظ النّكاح صحّت‬
‫الرّجعة للمعنى ‪ ،‬وينعقد البيع بقوله ‪ :‬خذ هذا بكذا ‪ ،‬فقال ‪ :‬أخذت ‪ ،‬وينعقد بلفظ الهبة مع‬
‫ذكر البدل ‪ ،‬وبلفظ العطاء والشتراء ‪.‬‬
‫وتنعقد الجارة بلفظ الهبة والتّمليك ‪ ،‬وبلفظ الصّلح عن المنافع ‪ ،‬وبلفظ العاريّة ‪ ،‬وينعقد‬
‫النّكاح بما يدلّ على ملك العين للحال كالبيع والشّراء والهبة والتّمليك ‪ ،‬وينعقد السّلم بلفظ‬
‫ب المال للمضارب كلّ الرّبح كان المال قرضا ‪ ،‬ولو شرط لربّ‬
‫البيع كعكسه ‪ ،‬ولو شرط ر ّ‬
‫المال كان إبضاعا ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬وخرجت عن هذا الصل مسائل ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬ل تنعقد الهبة بالبيع بل ثمن ‪ ،‬ول العاريّة بالجارة بل أجرة ول البيع بلفظ النّكاح‬
‫والتّزويج ‪ ،‬ول يقع العتق بألفاظ الطّلق وإن نوى ‪ ،‬والطّلق والعتاق تراعى فيهما اللفاظ‬
‫ل المعنى فقط ‪.‬‬
‫ومن أهمّ المسائل الّتي طبّق الحنفيّة هذا القاعدة فيها عقد بيع الوفاء ‪ .‬فإذا قال البائع ‪:‬‬
‫بعت هذه الدّار بيع الوفاء بكذا وقبل الخر ل يفيد تمليك عين الدّار ‪ ،‬على الرّغم من أنّ لفظ‬
‫ن التّمليك لم يكن مقصودا من الفريقين ‪ ،‬بل‬
‫البيع يفيد تمليك المبيع للمشتري ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫المقصود به إنّما هو تأمين دين المشتري المترتّب في ذمّة البائع ‪ ،‬وإبقاء المبيع تحت يد‬
‫المشتري لحين وفاء الدّين ‪ ،‬ولهذا يجري عليه حكم الرّهن دون البيع اعتبارا للمقاصد‬
‫والمعاني دون اللفاظ والمباني ‪.‬‬
‫وبناءً على ذلك للبائع في بيع الوفاء أن يعيد الثّمن ويستردّ المبيع ‪ ،‬كما أنّه يحقّ للمشتري‬
‫أن يعيد المبيع ويستر ّد الثّمن ‪.‬‬
‫ول يجوز للمشتري أن يبيع المبيع وفاءً من غير البائع ‪ ،‬لنّه كالرّهن ‪ .‬كما ل يحقّ‬
‫للمشتري في بيع الوفاء حقّ الشّفعة ‪ ،‬وتبقى الشّفعة للبائع ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬بيع الوفاء ف ‪. ) 7‬‬
‫أمّا المالكيّة ‪ :‬فالمعتمد عندهم أنّ العقود كلّها إنّما هي بالنّيّة والقصد مع اللّفظ المشعر‬
‫بذلك‪ ،‬أو ما يقوم مقامه من إشارة وشبهها ‪ ،‬وقد توسّعوا بالخذ بالمعنى في بعض العقود‬

‫حتّى أجازوا البيع بالمعاطاة وقالوا ‪ :‬كلّ ما عدّه النّاس بيعا فهو بيع ‪ ،‬وشدّدوا في عقد‬
‫النّكاح واشترطوا فيه اللّفظ الدّالّ عليه ولكن لم يشترطوا فيه لفظ النّكاح أو الزّواج ‪ ،‬وقالوا‬
‫‪ :‬ينعقد بكلّ لفظ يقتضي التّمليك على التّأبيد كالنّكاح والتّزويج والتّمليك والبيع والهبة‬
‫ونحوها ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن قصد باللّفظ النّكاح صحّ ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فلم يأخذوا بترجيح المعاني على اللفاظ في العقود كأصل متّفق عليه ‪ ،‬بل‬
‫ذكروا في الخذ به خلفا ‪ ،‬قال السّيوطيّ ‪ :‬هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها ؟ خلف ‪،‬‬
‫والتّرجيح مختلف في الفروع ‪ ،‬فمنها ‪ :‬إذا قال ‪ :‬اشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه‬
‫الدّراهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬بعتك فرجّح الشّيخان أنّه ينعقد بيعا اعتبارا باللّفظ ‪ ،‬والثّاني ‪ -‬ورجّحه‬
‫ي ‪ -‬أنّه ينعقد سلما اعتبارا بالمعنى ‪.‬‬
‫السّبك ّ‬
‫ومنها ‪ :‬إذا وهب بشرط الثّواب فهل يكون بيعا اعتبارا بالمعنى أو هبةً باعتبار اللّفظ ؟‬
‫الصحّ ‪ :‬الوّل ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬إذا قال ‪ :‬بعتك ولم يذكر ثمنا ‪ ،‬فإن راعينا المعنى انعقد هب ًة ‪ ،‬أو اللّفظ فهو بيع‬
‫فاسد ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬لو قال ‪ :‬أسلمت إليك هذا الثّوب في هذا العبد فليس بسلم قطعا ‪ ،‬ول ينعقد بيعا‬
‫على الظهر ‪ ،‬لختلف اللّفظ ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬نعم ‪ .‬نظرا إلى المعنى ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬إذا قال لمن عليه الدّين ‪ :‬وهبته منك ‪ ،‬ففي اشتراط القبول وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يشترط اعتبارا بلفظ الهبة ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل ‪ ،‬اعتبارا بمعنى البراء ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬الخلف في الرّجعة بلفظ النّكاح ‪ ،‬والجارة بلفظ المساقاة ‪ ،‬والسّلم بلفظ الجارة ‪،‬‬
‫والجارة بلفظ البيع ‪ ،‬والبيع بلفظ القالة ‪ ،‬والحوالة بلفظ الضّمان ونحوها من المسائل ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره الزّركشيّ في قواعده ‪ ،‬ثمّ بيّن ضابطا لهذه القاعدة فقال ‪ :‬والضّابط لهذه‬
‫القاعدة أنّه إن تهافت اللّفظ حكم بالفساد على المشهور ‪ ،‬كبعتك بل ثمن ‪ ،‬وإن لم يتهافت‬
‫فإمّا أن تكون الصّيغة أشهر في مدلولها أو المعنى ‪ ،‬فإن كانت الصّيغة أشهر كأسلمت إليك‬
‫هذا الثّوب في هذا العبد فالصحّ اعتبار الصّيغة ؛ لشتهار الصّيغة في بيع الذّمم ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫ح انعقاده‬
‫ينعقد بيعا ‪ ..‬وإن لم يشتهر ‪ ،‬بل كان المعنى هو المقصود كوهبتك بكذا فالص ّ‬
‫بيعا ‪ ،‬وإن استوى المران فوجهان ‪ ،‬والصحّ اعتبار الصّيغة ؛ لنّها الصل والمعنى تابع‬
‫لها ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فقد أخذوا بهذه القاعدة ورجّحوا المقاصد والمعاني على اللفاظ والمباني في‬
‫أكثر العقود مع بعض الستثناءات والخلف في بعض المسائل ‪.‬‬

‫ن الشّارع ألغى اللفاظ الّتي لم‬
‫يقول ابن القيّم ‪ :‬من تدبّر مصادر الشّرع وموارده تبيّن له أ ّ‬
‫يقصد المتكلّم بها معانيها بل جرت على غير قصد منه ‪ ،‬كالنّائم والنّاسي والسّكران‬
‫والجاهل والمكره والمخطئ من شدّة الفرح أو الغضب أو المرض ‪ ،‬ونحوهم ‪ ،‬ولم يكفر من‬
‫قال من شدّة فرحه براحلته بعد يأسه منها ‪ » :‬اللّهمّ أنت عبدي وأنا ربّك « فكيف يعتبر‬
‫اللفاظ الّتي يقطع بأنّ مراد قائلها خلفها ؟‬
‫ويقول في موضع آخر ‪ :‬المقصود أنّ المتعاقدين وإن أظهرا خلف ما اتّفقا عليه في الباطن‬
‫فالعبرة لما أضمراه واتّفقا عليه وقصداه بالعقد ‪.‬‬
‫ن القصد روح العقد ومصحّحه ومبطله ‪ ،‬فاعتبار المقصود في العقود أولى من‬
‫ويقول ‪ :‬إ ّ‬
‫ن اللفاظ مقصودة لغيرها ‪ ،‬ومقاصد العقود هي الّتي تراد لجلها ‪ ،‬فعلم‬
‫اعتبار اللفاظ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أنّ العتبار في العقود والفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها ‪.‬‬
‫ص الصّريح في اعتبار المقاصد في العقود دون اللفاظ فإنّ الحنابلة‬
‫وعلى الرّغم من هذا النّ ّ‬
‫ذكروا بعض المسائل الّتي يختلفون في اعتبار المقاصد أو اللفاظ فيها ‪.‬‬
‫قال ابن رجب ‪ :‬إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد بذلك ‪،‬‬
‫أو يجعل كنايةً عمّا يمكن صحّته على ذلك الوجه ؟ فيه خلف يلتفت إلى أنّ المغلّب هل هو‬
‫اللّفظ أو المعنى ؟ ويتخرّج على ذلك مسائل ‪:‬‬
‫ح أم ل ؟ على وجهين ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬لو أعاره شيئا وشرط عليه العوض فهل يص ّ‬
‫ل أو موزونا ‪،‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يصحّ ويكون كنايةً عن القرض فيملكه بالقبض إذا كان مكي ً‬
‫ن العوض يخرجها عن موضعها ‪.‬‬
‫والثّاني‪ :‬أنّها تفسد بذلك ؛ ل ّ‬
‫ومنها ‪ :‬لو قال ‪ :‬خذ هذا المال مضاربةً والرّبح كلّه لك ‪ ،‬أو لي ‪ ،‬فقال القاضي وابن عقيل‬
‫‪ :‬إنّها مضاربة فاسدة يستحقّ فيها أجرة المثل وكذلك قال في المغني ‪ ،‬ونقل ابن رجب عن‬
‫المغني أنّه قال في موضع آخر ‪ :‬إنّه إبضاع صحيح ‪ ،‬فراعى الحكم دون اللّفظ ‪.‬‬
‫ح ؟ فيه وجهان ‪:‬‬
‫ح ‪ ،‬ويكون بيعا ؟ أو ل يص ّ‬
‫ومنها ‪ :‬لو أسلم في شيء ح َا ًل فهل يص ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬وهو ظاهر كلم أحمد ‪ :‬ل يصحّ البيع بلفظ السّلم ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬يصحّ ‪ ،‬قاله القاضي‬
‫في موضع من خلفه ‪.‬‬
‫وهكذا نجد الفقهاء يختلفون في تطبيق قاعدة ترجيح المقاصد والمعاني على اللفاظ‬
‫والمباني في بعض الفروع مع أخذهم بها كأصل ‪.‬‬

‫الصّريح والكناية في الصّيغة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬من الصّيغ ما هو صريح في الدّللة على المراد فل يحتاج إلى نيّة أو قرينة ؛ لنّ‬

‫المعنى مكشوف عند السّامع كما يقول الكاسانيّ ‪ ،‬ومنها ما هو كناية ‪ ،‬فل يدلّ على المراد‬

‫إلّ بالنّيّة أو القرينة ؛ لنّه كما يقول الشبراملسي يحتمل المراد وغيره ‪ ،‬فيحتاج في‬
‫العتداد به لنيّة المراد لخفائه ‪.‬‬
‫ويتّفق الفقهاء على أنّ الطّلق والعتق واليمان والنّذور تنعقد بالكناية كما تنعقد بالصّريح ‪.‬‬
‫ولكنّهم يختلفون في انعقاد ما عدا ذلك من التّصرّفات بالكنايات ‪.‬‬
‫وأكثر الفقهاء تفصيلً في بيان استعمال صيغ الصّريح والكناية في العقود هم الشّافعيّة ‪،‬‬
‫ففي المجموع للنّوويّ ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬كلّ تصرّف يستقلّ به الشّخص كالطّلق والعتاق‬
‫والبراء ينعقد بالكناية مع النّيّة بل خلف كما ينعقد بالصّريح ‪ ،‬وأمّا ما ل يستقلّ به بل‬
‫يفتقر إلى إيجاب وقبول فضربان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ما يشترط فيه الشهاد كالنّكاح وبيع الوكيل إذا شرط الموكّل الشهاد ‪ ،‬فهذا ل‬
‫ينعقد بالكناية مع النّيّة بل خلف ؛ لنّ الشّاهد ل يعلم النّيّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ما ل يشترط فيه الشهاد وهو نوعان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ما يقبل مقصوده التّعليق بالغرر كالكتابة والخلع فينعقد بالكناية مع النّيّة بل‬
‫خلف ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ما ل يقبله كالبيع والجارة والمساقاة وغيرها ‪ ،‬وفي انعقاد هذه العقود بالكناية‬
‫مع النّيّة وجهان مشهوران ‪ ،‬أصحّهما النعقاد كالخلع لحصول التّراضي مع جريان اللّفظ‬
‫ي صلى ال‬
‫وإرادة المعنى ‪ ،‬ويدلّ على ذلك حديث جابر رضي ال عنه وفيه ‪ :‬قال لي النّب ّ‬
‫ي أوقيّة ذهب فهو لك بها ‪ ،‬قال ‪ :‬قد‬
‫عليه وسلم ‪ » :‬بعني جملك ‪ ،‬فقلت ‪ :‬إنّ لرجل عل ّ‬
‫أخذته « ‪ .‬قال إمام الحرمين ‪ :‬والخلف في انعقاد البيع ونحوه بالكناية مع النّيّة هو فيما‬
‫ن النّكاح ل‬
‫صحّة ‪ ،‬لك ّ‬
‫إذا عدمت قرائن الحوال ‪ ،‬فإن توفّرت وأفادت التّفاهم وجب القطع بال ّ‬
‫يصحّ بالكناية وإن توافرت القرائن ‪.‬‬
‫واختلف فقهاء الحنابلة في دخول الكناية في العقود ‪ ،‬ففي القواعد لبن رجب ‪ :‬يختلف‬
‫الصحاب في انعقاد العقود بالكنايات ‪ ،‬فقال القاضي في مواضع ‪ :‬ل كناية إلّ في الطّلق‬
‫والعتاق ‪ ،‬وسائر العقود ل كنايات فيها ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقد ذكر ابن رشد في بداية المجتهد ‪ :‬أنّ البيع عند الشّافعيّ يقع باللفاظ‬
‫ن القرطبيّ في تفسير قوله‬
‫الصّريحة وبالكناية ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬ول أذكر لمالك في ذلك قولً ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫حلّ الّلهُ الْبَ ْيعَ } قال ‪ :‬البيع قبول وإيجاب يقع باللّفظ المستقبل والماضي ‪،‬‬
‫تعالى ‪َ { :‬وَأ َ‬
‫فالماضي فيه حقيقة ‪ ،‬والمستقبل كناية ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬والبيع يقع بالصّريح والكناية المفهوم‬
‫منها نقل الملك ‪ ،‬ونقل الحطّاب عن ابن يونس وغيره التّفرقة بين أن تكون صيغة البيع‬
‫بلفظ الماضي فتلزم ‪ ،‬أو بلفظ المضارع فيحلف ‪ ،‬ث ّم نقل قول القرطبيّ ‪ :‬البيع يقع بالصّريح‬

‫والكناية المفهوم منها نقل الملك ‪ ،‬وفي الحطّاب أيضا ‪ :‬إن أتى بصيغة المضارع في البيع‬
‫فكلمه محتمل فيحلف على ما أراده ‪.‬‬
‫والّذي يفهم من كلم الحنفيّة أنّ الكناية تدخل في العقود كذلك ‪ ،‬قال الكاسانيّ في باب‬
‫الهبة‪ :‬لو قال ‪ :‬حملتك على هذه الدّابّة فإنّه يحتمل الهبة ‪ ،‬ويحتمل العاريّة ‪ ،‬فإنّه ورد أنّ‬
‫عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى عنه قال ‪ » :‬حملت على فرس في سبيل اللّه فأضاعه‬
‫ي صلى ال‬
‫الّذي كان عنده ‪ ،‬فأردت أن أشتريه وظننت أنّه يبيعه برخص ‪ ،‬فسألت النّب ّ‬
‫عليه وسلم ‪ :‬فقال ‪ :‬ل تعد في صدقتك « ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬لو‬
‫فاحتمل تمليك العين واحتمل تمليك المنافع ‪ ،‬فل ب ّد من النّيّة للتّعيين ‪ ،‬وقال الكاسان ّ‬
‫قال البائع ‪ :‬أبيعه منك بكذا ‪ ،‬وقال المشتري ‪ :‬أشتريه ‪ ،‬ونويا اليجاب فإنّ الرّكن يتمّ‬
‫وينعقد العقد ‪ ،‬وإنّما اعتبرنا النّيّة هنا ‪ -‬وإن كانت صيغة أفعل للحال هو الصّحيح ‪ -‬لنّه‬
‫غلب استعمالها للستقبال إمّا حقيقةً أو مجازا ‪ ،‬فوقعت الحاجة إلى التّعيين بالنّيّة ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العقد بالكتابة أو الرّسالة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على صحّة العقود وانعقادها بالكتابة وإرسال رسول إذا تمّ‬

‫اليجاب والقبول بهما ‪ ،‬وهذا في غير عقد النّكاح ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في بعض العقود وفصّلوا في بعض الشّروط ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬الكتاب كالخطاب ‪ ،‬وكذا الرسال حتّى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء‬
‫قال المرغينان ّ‬
‫الرّسالة ‪.‬‬
‫ي في باب البيع ‪ :‬يصحّ بقول من الجانبين أو كتابة منهما ‪ ،‬أو قول من أحدهما‬
‫وقال الدّسوق ّ‬
‫وكتابة من الخر ‪.‬‬
‫أمّا عقد النّكاح فل ينعقد بالكتابة عند جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫سواء أكان العاقدان حاضرين ‪ ،‬أم غائبين ‪ ،‬قال الدّردير ‪ :‬ول تكفي في النّكاح الشارة ول‬
‫الكتابة إلّ لضرورة خرس ‪.‬‬
‫وقال في موضع آخر ‪ :‬وفسخ مطلقا قبل الدّخول وبعده وإن طال ‪ ،‬كما لو اختلّ شرط من‬
‫ي أو الزّوجين أو أحدهما ‪ ،‬أو اختلّ ركن ‪ ،‬كما لو زوّجت المرأة نفسها بل وليّ‬
‫شروط الول ّ‬
‫أو لم تقع الصّيغة بقول ‪ ،‬بل بكتابة أو إشارة أو بقول غير معتبر شرعا ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬ول ينعقد بكتابة في غيبة أو حضور ؛ لنّها كناية ‪ ،‬فلو قال‬
‫لغائب ‪ :‬زوّجتك ابنتي أو قال ‪ :‬زوّجتها من فلن ‪ ،‬ثمّ كتب فبلغه الكتاب فقال ‪ :‬قبلت لم‬
‫يصحّ ‪.‬‬

‫ح النّكاح من القادر على النّطق بإشارة ول كتابة‬
‫ي من الحنابلة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫للستغناء عنها ‪.‬‬
‫وفصّل الحنفيّة في جواز عقد النّكاح بالكتابة فقالوا ‪ :‬ل ينعقد بكتابة حاضر ‪ ،‬فلو كتب ‪:‬‬
‫تزوّجتك ‪ ،‬فكتبت ‪ :‬قبلت لم ينعقد ‪ ،‬وكذلك إذا قالت ‪ :‬قبلت ‪ ،‬أمّا كتابة غائب عن المجلس‬
‫فينعقد بها النّكاح بشروط وكيفيّة خاصّة ‪ ،‬نقلها ابن عابدين عن الفتح فقال ‪ :‬ينعقد النّكاح‬
‫بالكتابة كما ينعقد بالخطاب ‪ ،‬وصورته ‪ :‬أن يكتب إليها يخطبها ‪ ،‬فإذا بلغها الكتاب أحضرت‬
‫الشّهود وقرأته عليهم ‪ ،‬وقالت ‪ :‬زوّجت نفسي منه ‪ ،‬أو تقول ‪ :‬إنّ فلنا كتب إليّ يخطبني‬
‫فاشهدوا أنّي زوّجت نفسي منه ‪ ،‬أمّا لو لم تقل بحضرتهم سوى ‪ :‬زوّجت نفسي من فلن‬
‫ن سماع الشّطرين شرط صحّة النّكاح ‪ ،‬وبإسماعهم الكتاب أو التّعبير عنه منها‬
‫ل ينعقد ؛ ل ّ‬
‫يكونون قد سمعوا الشّطرين ‪ ،‬بخلف ما إذا انتفيا ‪ ،‬ونقل ابن عابدين عن الكامل ‪ :‬هذا‬
‫الخلف إذا كان الكتاب بلفظ التّزوّج ‪ ،‬أمّا إذا كان بلفظ المر ‪ ،‬كقوله ‪ :‬زوّجي نفسك منّي ل‬
‫يشترط إعلمها الشّهود بما في الكتاب ؛ لنّها تتولّى طرفي العقد بحكم الوكالة ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫– ويشترط في انعقاد العقد بالكتابة – عموما – أن تكون مستبين ًة ‪ ،‬أي تبقى صورتها‬

‫بعد النتهاء منها ‪ ،‬كالكتابة على الصّحيفة أو الورق ‪ ،‬وأن تكون مرسومةً بالطّريقة‬
‫المعتادة بحسب العرف فتقرأ وتفهم ‪ ،‬أمّا إذا كانت غير مستبينة كالكتابة على الماء أو‬
‫الهواء ‪ ،‬أو غير مرسومة بالطّريقة المعتادة فل ينعقد بها أي عقد ‪.‬‬
‫ووجه انعقاد العقود بالكتابة هو أنّ القلم أحد اللّسانين كما قال الفقهاء ‪ ،‬بل ربّما تكون هي‬
‫ث اللّه تعالى المؤمنين على توثيق ديونهم بالكتابة حيث قال ‪:‬‬
‫أقوى من اللفاظ ‪ ،‬ولذلك ح ّ‬
‫سمّى فَاكْتُبُوهُ } إلى قوله سبحانه ‪ { :‬ذَ ِل ُكمْ‬
‫جلٍ ّم َ‬
‫ن إِلَى َأ َ‬
‫ن آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْ ٍ‬
‫{ يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ضرَةً تُدِيرُو َنهَا بَيْ َن ُكمْ‬
‫شهَادَ ِة َوأَدْنَى َألّ تَرْتَابُو ْا ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَةً حَا ِ‬
‫سطُ عِن َد الّلهِ َوأَقْومُ لِل ّ‬
‫أَ ْق َ‬
‫ح َألّ َتكْتُبُوهَا } ‪.‬‬
‫س عَلَ ْي ُكمْ جُنَا ٌ‬
‫فَلَيْ َ‬

‫ج ‪ -‬العقد بالشارة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ إشارة الخرس المعهودة والمفهومة معتبرة شرعا ‪ ،‬فينعقد بها‬

‫جميع العقود ‪ ،‬كالبيع ‪ ،‬والجارة ‪ ،‬والرّهن والنّكاح ونحوها ‪.‬‬
‫قال ابن نجيم ‪ :‬الشارة من الخرس معتبرة وقائمة مقام العبارة في كلّ شيء ‪.‬‬
‫وقال النّفراويّ ‪ :‬ينعقد البيع بالكلم وبغيره من كلّ ما يدلّ على الرّضا ‪.‬‬
‫وقال الخطيب ‪ :‬إشارة الخرس وكتابته بالعقد كالنّطق للضّرورة ‪ .‬ومثله ما قاله الحنابلة ‪.‬‬
‫واختلفوا في إشارة غير الخرس ‪ ،‬فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬إذا كان الشّخص قادرا على‬

‫النّطق ل تعتبر إشارته ‪ ،‬خلفا للمالكيّة حيث صرّحوا باعتبار الشارة في العقود ولو مع‬
‫القدرة على النّطق ‪.‬‬
‫وهل عدم القدرة على الكتابة شرط للعمل بالشارة أم ل ؟ اختلفوا في ذلك أيضا ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬إشارة ) ‪.‬‬

‫د ‪ -‬العقد بالتّعاطي " المعاطاة " ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬التّعاطي مصدر تعاطى ‪ ،‬من العطو بمعنى التّناول ‪ ،‬وصورته في البيع ‪ :‬أن يأخذ‬

‫المشتري المبيع ويدفع للبائع الثّمن ‪ ،‬أو يدفع البائع المبيع فيدفع الخر الثّمن من غير تكلّم‬
‫ول إشارة ‪ ،‬وكما يكون التّعاطي في البيع يكون في غيره من المعاوضات ‪.‬‬
‫وعقد الزّواج ل ينعقد بالتّعاطي ‪.‬‬
‫أمّا سائر العقود فالصل فيها أن تنعقد بالقوال ؛ لنّ الفعال ليس لها دللة بأصل وضعها‬
‫على اللتزام بالعقد ‪ ،‬لكن إذا كان التّعاطي ينطوي على دللة تشبه الدّللة اللّفظيّة حسب‬
‫العرف والعادة فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ينعقد به العقد إذا وجدت قرائن تد ّل على أنّه‬
‫يفيد الرّضا ‪ ،‬وهذا في عقود المعاوضات كالبيع والجارة والستصناع ونحوها ‪ ،‬وهذا هو‬
‫مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫والمذهب عند الشّافعيّة ‪ :‬عدم جواز العقود بالتّعاطي ‪ ،‬وبعضهم أجاز العقد بالتّعاطي في‬
‫المحقّرات دون غيرها ‪ ،‬واختار النّوويّ وجماعة منهم المتولّي والبغويّ النعقاد بها في كلّ‬
‫ما يعدّه النّاس بيعا ‪.‬‬

‫موافقة القبول لليجاب ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل بدّ لنعقاد العقد من توافق اليجاب والقبول ‪ ،‬ففي عقد البيع‬

‫مثلً يشترط أن يقبل المشتري ما أوجبه البائع بما أوجبه ‪ ،‬فإن خالفه بأن قبل غير ما‬
‫أوجبه أو بعض ما أوجبه ‪ ،‬أو بغير ما أوجبه أو ببعض ما أوجبه ل ينعقد العقد من غير‬
‫إيجاب مبتدأ موافق ‪.‬‬
‫قال في البدائع ‪ :‬إذا أوجب البيع في الثّوب فقبل في ثوب آخر ل ينعقد ‪ ،‬وكذا إذا أوجب في‬
‫ن القبول في أحدهما تفريق الصّفقة على البائع ؛ ولنّ القبول‬
‫الثّوبين فقبل في أحدهما ؛ ل ّ‬
‫في أحدهما يكون إعراضا عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس ‪.‬‬
‫وكذا لو أوجب البيع في كلّ الثّوب فقبل المشتري في نصفه ل ينعقد ‪ ،‬لنّ البائع يتضرّر‬
‫بالتّفريق ‪ .‬وكذا إذا أوجب البيع في شيء بألف فقبل فيه بخمسمائة ل ينعقد ‪ ،‬أو أوجب‬
‫بجنس ثمن فقبل بجنس آخر ‪.‬‬

‫وقال البهوتيّ ‪ :‬ويشترط لنعقاد البيع أن يكون القبول على وفق اليجاب في القدر ‪ ،‬فلو‬
‫خالف كأن يقول ‪ :‬بعتك بعشرة فقال ‪ :‬اشتريته بثمانية لم ينعقد وأن يكون على وفقه في‬
‫النّقد وصفته والحلول والجل ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬بعتك بألف درهم فقال ‪ :‬اشتريته بمائة دينار ‪ ،‬أو‬
‫قال ‪ :‬بعتك بألف صحيحة فقال ‪ :‬اشتريت بألف مكسّرة ونحوه لم يصحّ البيع في ذلك كلّه ؛‬
‫لنّه ردّ لليجاب ل قبول له ‪.‬‬
‫ومثله في كتب سائر المذاهب ‪.‬‬
‫ويشترط الفقهاء لنعقاد العقد توافق اليجاب والقبول في المعنى ‪ ،‬ولهذا ذكروا أنّه لو قال ‪:‬‬
‫ن القابل بالكثر قابل بالقلّ ‪ ،‬وفي هذه الحالة إن‬
‫بعتكه بألف فقال ‪ :‬اشتريت بألفين جاز ؛ ل ّ‬
‫قبل البائع الزّيادة ت ّم العقد بألفين ‪ ،‬وإلّ صحّ بألف فقط ‪ ،‬إذ ليس للقابل ولية إدخال الزّيادة‬
‫في ملك البائع بل رضاه كما علّله ابن الهمام وغيره ‪.‬‬

‫اتّصال القبول باليجاب ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫‪ -‬يشترط لنعقاد العقد أن يكون القبول متّصلً باليجاب ‪ ،‬ويحصل هذا التّصال باتّحاد‬

‫مجلس العقد ‪ ،‬بأن يقع اليجاب والقبول معا في مجلس واحد ‪ ،‬فإذا كان العاقدان حاضرين‬
‫يشترط أن يحصل القبول في المجلس الّذي صدر فيه اليجاب ‪ ،‬وإذا كان من وجّه إليه‬
‫اليجاب غائبا يشترط أن يحصل القبول في مجلس العلم باليجاب ‪ ،‬وهذا في الجملة مع‬
‫استثناء بعض العقود من هذا الشّرط ‪ ،‬كعقد الوكالة والوصيّة ‪.‬‬
‫ومقتضى هذا الشّرط ‪ :‬أن يكون الموجب باقيا على إيجابه إلى أن يتّصل به القبول في‬
‫المجلس ‪ ،‬ول يرجع عن اليجاب قبل اتّصال القبول به ‪ ،‬ول يصدر عنه أو ممّن وجّه إليه‬
‫اليجاب ما يدلّ على العراض ول ينفضّ مجلس العقد قبل تمام العقد ول يعني هذا‬
‫بالضّرورة أن يحصل القبول فور صدور اليجاب ‪ ،‬فالجمهور من الفقهاء ل يشترطون‬
‫الفوريّة في القبول ‪ ،‬وهذا في الجملة ‪ ،‬وتفصيله فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬رجوع الموجب عن اليجاب ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ اليجاب غير ملزم ‪،‬‬

‫وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الطّرف الخر ‪ ،‬سواء ذلك في عقود المعاوضات‬
‫كالبيع والجارة ونحوهما ‪ ،‬أم في عقود التّبرّعات ‪ ،‬كالهبة والعاريّة ومثلهما ‪ ،‬قال في‬
‫الفتاوى الهنديّة ‪ :‬وللموجب أيّا كان أن يرجع قبل قبول الخر ‪ ،‬وفي البدائع ‪ :‬لو خاطب ثمّ‬
‫رجع قبل قبول الخر صحّ رجوعه ‪ ،‬وكذلك لو كتب شطر العقد ثمّ رجع ‪ ،‬ويستدلّون على‬
‫ن الموجب هو الّذي أثبت للمخاطب ولية القبول ‪ ،‬فله أن يرفعها كعزل‬
‫صحّة الرّجوع بأ ّ‬

‫ق الملك بحقّ التّملّك ‪ ،‬فالبائع مثلً مالك‬
‫الوكيل ؛ ولنّه لو لم يجز الرّجوع لزم تعطيل ح ّ‬
‫للسّلعة ‪ ،‬والمشتري يتملّكها بالعقد ‪ ،‬ول يعارض حقّ التّملّك حقيقة الملك ‪.‬‬
‫وعلى ذلك إذا رجع الموجب قبل القبول ثمّ قبل المخاطب ل ينعقد العقد ؛ لبطلن اليجاب‬
‫بالرّجوع وعدم اتّصال القبول باليجاب ‪.‬‬
‫قال الشّربينيّ الخطيب في شروط النعقاد ‪ :‬وأن يصرّ البادي على ما أتى به من اليجاب‬
‫إلى القبول ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد نقل الحطّاب عن ابن رشد الجدّ ‪ :‬أنّه لو رجع أحد المتبايعين عمّا أوجبه‬
‫لصاحبه قبل أن يجيبه الخر لم يفده رجوعه إذا أجابه صاحبه بعد بالقبول ‪ ،‬وهذا يدلّ على‬
‫أنّ رجوع الموجب عن اليجاب ل يبطل اليجاب ‪ ،‬بل يبقى إلى أن يقبله الطّرف الخر‬
‫ي أنّ قول ابن رشد هذا‬
‫فيتّصل به القبول ‪ ،‬وينعقد العقد ‪ ،‬أو يردّه فل ينعقد ‪ ،‬ويرى الدّسوق ّ‬
‫إنّما هو فيما تكون فيه الصّيغة ملزم ًة كصيغة الماضي ‪.‬‬
‫وهل للقابل أن يرجع عن قبوله في مجلس العقد ؟ فيه خلف وتفصيل يأتي بيانه ‪.‬‬

‫ب – صدور ما يدلّ على العراض من قبل العاقدين أو أحدهما ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬يشترط لتحقّق التّصال بين اليجاب والقبول أن ل يصدر من الموجب أو الطّرف‬

‫الخر أو كليهما ما يدلّ على العراض عن انعقاد العقد ‪ ،‬وذلك بأن يكون الكلم في‬
‫موضوع العقد ‪ ،‬ول يتخلّله فصل يعدّ قرين ًة على النصراف عن العقد ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين نقلً عن البحر ‪ :‬اليجاب يبطل بما يدلّ على العراض ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب ‪ :‬لو حصل فاصل يقتضي العراض عمّا كانا فيه حتّى ل يكون كلمه جوابا‬
‫للكلم السّابق في العرف لم ينعقد البيع ‪ ،‬ومثّل للعراض بقوله ‪ :‬إذا أمسك البائع السّلعة‬
‫الّتي نادى عليها وباع بعدها أخرى لم يلزم المشتري البيع ‪.‬‬
‫وشدّد الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬ويشترط أن ل يتخلّل اليجاب والقبول لفظ ل تعلّق له بالعقد ولو‬
‫يسيرا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة في معرض شروط النعقاد ‪ :‬أن ل يتشاغل بما يقطعه عرفا ‪ ،‬وإلّ فل ينعقد‬
‫العقد ؛ لنّ ذلك إعراض عن العقد فأشبه ما لو صرّحا بالرّ ّد ‪.‬‬
‫وأساس التّفرقة بين ما يعتبر إقبالً على العقد أو إعراضا عنه هو العرف ‪ ،‬كما هو‬
‫منصوص في كلم الفقهاء ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬وفاة أحد العاقدين بين اليجاب والقبول ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ وفاة أحد العاقدين بعد‬

‫اليجاب وقبل القبول يبطل اليجاب ‪ ،‬فل ينعقد العقد بعد الوفاة بقبول من وجّه إليه اليجاب‬
‫بعد موت الموجب ‪ ،‬ول بقبول ورثة المخاطب بعد وفاته ‪.‬‬
‫ودليل عدم انعقاد العقد في هذه الحالة هو ‪ :‬أنّ القبول بعد وفاة الموجب ل يجد ما يلتقي‬
‫ن مجلس العقد انفضّ بالوفاة فلم يوجد شرط‬
‫معه من اليجاب لبطلنه بالوفاة ؛ ول ّ‬
‫النعقاد ‪ ،‬وهو اتّصال القبول باليجاب ‪.‬‬
‫ن حقّ‬
‫أمّا المالكيّة فالظّاهر من نصوصهم أنّ اليجاب ل يبطل عندهم بموت المخاطب ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ي ‪ :‬إذا أوجب لزيد فلوارثه‬
‫القبول يورث بعد وفاة من وجّه إليه اليجاب ‪ ،‬يقول القراف ّ‬
‫القبول والرّ ّد ‪ ،‬وهذا يعني أنّ المجلس ل ينفضّ بوفاة أحد العاقدين عند المالكيّة كما سيأتي‬
‫ن الموجب ليس له الرّجوع عندهم قبل قبول أو ردّ المخاطب ‪ ،‬أمّا بقاء اليجاب‬
‫‪ ،‬وقدّمنا أ ّ‬
‫بعد وفاة الموجب أو بطلنه بوفاته فلم نعثر لهم على نصّ في الموضوع ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد ألحق بعض الفقهاء الجنون والغماء بالوفاة في بطلن اليجاب بهما ‪.‬‬

‫د ‪ -‬اتّحاد مجلس العقد ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬يشترط لنعقاد العقد أن يكون اليجاب والقبول في مجلس واحد ‪ ،‬فإن اختلف المجلس‬

‫ل ينعقد العقد ‪ ،‬ويختلف مجلس العقد باختلف حالة المتعاقدين وطبيعة العقد وكيفيّة‬
‫التّعاقد ‪ ،‬فمجلس العقد في حالة حضور العاقدين غير مجلس العقد في حال غيابهما ‪ ،‬كما‬
‫أنّ مجلس العقد في حالة اليجاب والقبول باللفاظ والعبارة يختلف عنهما بالكتابة والرّسالة‬
‫‪ ،‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬مجلس العقد في حالة حضور العاقدين ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫ن مجلس العقد في حالة حضور العاقدين يتكوّن من ثلثة‬
‫‪ -‬تد ّل نصوص الفقهاء على أ ّ‬

‫عناصر ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬المكان ‪ ،‬وثانيها ‪ :‬الفترة الزّمنيّة ‪ ،‬وثالثها ‪ :‬حالة المتعاقدين من الجتماع‬
‫والنصراف على العقد ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬وأمّا الّذي يرجع إلى مكان العقد فواحد ‪ ،‬وهو اتّحاد المجلس ‪ ،‬بأن كان‬
‫اليجاب والقبول في مجلس واحد ‪ ،‬فإن اختلف المجلس ل ينعقد ‪ ،‬حتّى لو أوجب أحدهما‬
‫البيع ‪ ،‬فقام الخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلف المجلس ‪،‬‬
‫ثمّ قبل ‪ ،‬ل ينعقد ‪.‬‬
‫ن مجلس العقد ‪ :‬هو الجتماع الواقع للعقد ‪.‬‬
‫وورد في مجلّة الحكام العدليّة أ ّ‬

‫والدّليل على اعتبار المجلس جامعا لليجاب والقبول هو ‪ :‬الضّرورة دفعا للعسر وتحقيقا‬
‫لليسر ‪ ،‬وإلّ فاليجاب يزول بزوال الوقت الّذي وقع فيه فل يلحقه القبول حقيقةً ‪ ،‬قال‬
‫الكاسانيّ ‪ :‬القياس أن ل يتأخّر أحد الشّطرين عن الخر في مجلس واحد ؛ لنّه كلّما وجد‬
‫أحدهما انعدم في الثّاني من زمان وجوده ‪ ،‬فوجد الثّاني ‪ ،‬والوّل منعدم فل ينتظم الرّكن ‪،‬‬
‫إلّ أنّ اعتبار ذلك يؤدّي إلى انسداد باب التّعاقد ‪ ،‬فاعتبر المجلس جامعا للشّطرين حكما‬
‫للضّرورة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ولنّ في إبطال اليجاب قبل انقضاء المجلس عسرا بالمشتري ‪ ،‬وفي إبقائه‬
‫قال البابرت ّ‬
‫في ما وراء المجلس عسرا بالبائع ‪ ،‬وفي التّوقّف بالمجلس يسرا بهما جميعا ‪ ،‬والمجلس‬
‫جامع للمتفرّقات ‪ ،‬فجعلت ساعاته ساع ًة واحدةً دفعا للعسر وتحقيقا لليسر ‪.‬‬
‫هذه هي عبارات الحنفيّة ‪ ،‬ول تختلف عنها كثيرا عبارات سائر الفقهاء ‪ ،‬إلّ ما قاله‬
‫الشّافعيّة من اشتراط الفوريّة في القبول كما سيأتي ‪.‬‬
‫يقول الحطّاب ‪ :‬والّذي تحصّل عندي من كلم أهل المذهب أنّه إذا أجابه في المجلس بما‬
‫يقتضي المضاء والقبول من غير فاصل لزمه البيع اتّفاقا ‪ ،‬وإن تراخى القبول عن اليجاب‬
‫حتّى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتّفاقا ‪ ،‬وكذا لو حصل فاصل يقتضي العراض عمّا‬
‫كانا فيه ‪ ،‬حتّى ل يكون كلمه جوابا للكلم السّابق في العرف لم ينعقد ‪.‬‬
‫وقريب منه ما قاله البهوتيّ من الحنابلة حيث صرّح بأنّه ‪ :‬إن تراخى القبول عن اليجاب‬
‫ن حالة المجلس كحالة‬
‫صحّ ما داما في المجلس ولم يتشاغل بما يقطعه ‪ ،‬وإلّ فل ؛ ل ّ‬
‫العقد‪ ،‬بدليل أنّه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه ‪.‬‬
‫والظّاهر من كلم الشّافعيّة أنّهم ل يخالفون جمهور الفقهاء في اشتراط اتّحاد المجلس وأنّه‬
‫يحتاج إلى هذه العناصر الثّلثة ‪ ،‬لكنّهم يخالفون الجمهور في اشتراط الفوريّة في القبول ‪.‬‬

‫التّراخي أو الفوريّة في القبول ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه ل يشترط الفوريّة في‬

‫القبول ‪ ،‬فما دام المتعاقدان في المجلس ‪ ،‬وصدر اليجاب من أحدهما ‪ ،‬ولم يصدر القبول‬
‫إلّ في آخر المجلس ت ّم العقد عندهم ‪ ،‬فل يض ّر التّراخي بين اليجاب والقبول إذا صدرا في‬
‫مجلس واحد ‪.‬‬
‫ن القابل يحتاج إلى التّأمّل ‪ ،‬ولو اقتصر على‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬إنّ في ترك الفور ضرورةً ؛ ل ّ‬
‫الفور ل يمكنه التّأمّل ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب ‪ :‬ول يشترط أن ل يحصل بين اليجاب والقبول فصل بكلم أجنبيّ عن العقد‬
‫ح‪.‬‬
‫ولو كان يسيرا ‪ ،‬فإن أجابه صاحبه في المجلس ص ّ‬

‫ح ما داما في المجلس ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وإن تراخى القبول عن اليجاب ص ّ‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫ن المجلس جامع للمتفرّقات ‪.‬‬
‫وهذا معنى قولهم ‪ :‬إ ّ‬
‫أمّا الشّافعيّة ‪ :‬فقالوا ‪ :‬يشترط أن ل يطول الفصل بين اليجاب والقبول بسكوت ولو سهوا‬
‫ن طول الفصل يخرج الثّاني أن يكون جوابا عن الوّل كما علّله‬
‫أو جهلً على المعتمد ؛ ل ّ‬
‫ي الخطيب ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يض ّر تخلّل كلم أجنبيّ عن العقد ‪ -‬ولو يسيرا ‪ -‬بين اليجاب‬
‫الشّربين ّ‬
‫والقبول وإن لم يتفرّقا عن المجلس ‪ ،‬والمراد بالجنبيّ ما ليس من مقتضيات العقد ول من‬
‫مصالحه ول من مستحبّاته ‪.‬‬

‫علم الموجب بالقبول ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ -‬صرّح أكثر الحنفيّة بأنّ سماع كلّ من العاقدين كلم الخر شرط لنعقاد العقد ‪ ،‬وهذا‬

‫يعني اشتراط علم الموجب بقبول القابل في حالة التّعاقد بين الحاضرين ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬سماع المتعاقدين كلمهما شرط انعقاد البيع بالجماع ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فيشترطون سماع من يقرب من العاقد ل سماع نفس العاقد ‪ ،‬قال النصاريّ‬
‫في شرح المنهج ‪ :‬وأن يتلفّظ بحيث يسمعه من بقربه وإن لم يسمعه صاحبه ‪.‬‬
‫وهذا فيما إذا كان العقد بين حاضرين ‪ ،‬بخلف ما إذا أوجب لغائب ؛ لنّ اليجاب للغائب‬
‫لفظا كاليجاب له كتابةً ‪ ،‬وسيأتي تفصيل العقد بين الغائبين ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬مجلس العقد في حالة غياب العاقدين ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫ن العقد كما يصحّ انعقاده بين الحاضرين باليجاب والقبول بالعبارة كذلك‬
‫‪ -‬لقد تقدّم أ ّ‬

‫يصحّ بين الغائبين بالكتابة أو إرسال رسول أو نحوهما ‪ ،‬فإذا كتب شخص لخر مثلً ‪:‬‬
‫بعتك داري بكذا ‪ ،‬فوصل الكتاب له فقبل انعقد العقد ‪.‬‬
‫والظّاهر من نصوص الفقهاء ‪ :‬أنّ مجلس العقد حالة غياب العاقدين هو مجلس قبول من‬
‫وجّه له الكتاب ‪ ،‬أو أرسل إليه الرّسول ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬والكتاب كالخطاب ‪ ،‬وكذا الرسال ‪ ،‬حتّى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء‬
‫قال المرغينان ّ‬
‫الرّسالة ‪.‬‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ :‬لو باع من غائب ‪ ،‬كبعت داري من فلن وهو غائب ‪ ،‬فلمّا بلغه‬
‫وقال الرّمل ّ‬
‫الخبر قال ‪ :‬قبلت انعقد البيع ‪ ،‬كما لو كاتبه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وإن كان المشتري غائبا عن المجلس ‪ ،‬فكاتبه البائع أو راسله ‪ :‬إنّي بعتك‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫ح العقد ‪.‬‬
‫داري بكذا ‪ ،‬فلمّا بلغه الخبر قبل البيع ص ّ‬
‫وحيث إنّ مجلس العقد في حالة التّعاقد بين الغائبين هو مجلس القبول كما قلنا ‪ ،‬فالمعتبر‬
‫في اتّصال القبول باليجاب هو هذا المجلس ‪ ،‬فإذا وصل اليجاب إلى المخاطب ‪ ،‬فكأنّ‬

‫الموجب حضر بنفسه وأوجب العقد ‪ ،‬فإذا قبله المخاطب في مجلسه دون إعراض انعقد‬
‫العقد ‪ ،‬وإذا انفضّ المجلس أو صدر ممّن وجّه له اليجاب ما يدلّ على إعراضه عن القبول‬
‫عرفا ل ينعقد ‪ ،‬والمعتبر في التّراخي هو ما بين وصول اليجاب وصدور القبول في هذا‬
‫المجلس ‪.‬‬
‫ول يشترط في حالة انعقاد العقد بين الغائبين علم الموجب بقبول القابل ‪ ،‬فعبارات الفقهاء‬
‫صريحة بأنّ العقد يحصل بمجرّد قبول القابل في المجلس ‪.‬‬

‫عقود ل يشترط فيها اتّحاد المجلس ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬طبيعة بعض العقود تقتضي أن ل يشترط فيها اتّحاد المجلس في اليجاب والقبول ‪،‬‬

‫ن بعض هذه العقود ل يصحّ فيه القبول في المجلس ‪ ،‬ومن هذه العقود ‪:‬‬
‫بل إ ّ‬
‫أ ‪ -‬عقد الوصيّة ‪ ،‬فإنّها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ‪ ،‬فيصدر اليجاب فيها حال حياة‬
‫الموصي ‪ ،‬لكن ل يعتبر القبول من الموصى له إلّ بعد وفاة الموصي ‪ ،‬فإذا قبلها الموصى‬
‫له في مجلس اليجاب أو بعده في حياة الموصي ل تنعقد به الوصيّة ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عقد الوصاية " اليصاء " ‪ :‬فهي إقامة شخص غيره مقام نفسه بعد وفاته في‬
‫التّصرّف أو في تدبير شئون أولده الصّغار ‪ ،‬فل يشترط فيها أن يكون القبول في مجلس‬
‫اليجاب ‪ ،‬بل يمت ّد زمنه إلى ما بعد الموت ‪ ،‬فالوصاية خلفة تظهر آثارها بعد وفاة‬
‫الموصي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عقد الوكالة ‪ ،‬فإنّها وإن كانت إقامة الشّخص الغير مقام نفسه في تصرّف من‬
‫التّصرّفات في الحياة ‪ ،‬لكنّها مبنيّة على التّيسير ‪ ،‬فإذا قبلها الوكيل في غير مجلس اليجاب‬
‫ن له الرّدّ في أيّ وقت شاء ‪،‬‬
‫صحّت الوكالة ‪ ،‬ول يتضرّر بذلك الوكيل بسبب غيابه ؛ ل ّ‬
‫ن الوكالة من العقود غير الَلزمة ‪.‬‬
‫حيث إ ّ‬
‫ر ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العاقدان ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫– المرادُبالعاقدَين ‪ :‬كل من يتولى العقدَ ‪ ،‬إما أصالةً كأن يبيع أو يشتريَ لنفسه ‪ ،‬أو‬

‫ض منه في حياته ‪ ،‬أووصاي ًة كمن يتصرف خلفةً عن‬
‫وكالةً كأن يعقد نياب ًة عن الغير بتفوي ٍ‬
‫الغير في شئون حياته بعد وفاته بإذنٍ منه أو من قِبل الحاكمِ ‪.‬‬
‫وحيث إنّ العقدَ ل يتصور وجودُه من غير عاق ٍد فقد جعله جمهو ُر الفقهاء من أركان العقد‬
‫كما تقدم ‪.‬‬
‫ولكي ينعقدَ العقد صحيحا نافذا يشترط في العاقدَين ما يأتي ‪:‬‬

‫الول ‪ :‬الهليةُ ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫– وهو أن يكون العاقد أهلً للتصرف ‪ ،‬وهو ‪ :‬البالغ الرشيد فل يصح من صغيرٍغير‬

‫ن ومبرسمٍ ‪.‬‬
‫ممي ٍز ومجنو ٍ‬
‫أما الصبيّ المميزُ فتصح عقودُه وتصرفاته النافعة نفعا محضا ‪ ،‬كقبولِ الهبة والصدقة‬
‫والوصية والوقف دون حاجةٍ إلى إذن الولي ‪ ،‬ول تصح عقودُه وتصرفاته الضارة ضررا‬
‫محضا ‪ ،‬كالهبة والوصية للغير والطلق والكفالة بالدَين ونحوها ‪ ،‬ولو أجاز هذه التصرفات‬
‫وليّه أووصيّه ‪.‬‬
‫أما التصرفات الدائر ُة بين النفعِ والضررِ كالبيع والجارة ونحوهما فتصح من الصبيّ المميز‬
‫بإجاز ِة الولي ‪ ،‬ول تصحّ بدونها عند جمهو ِر الفقهاء – الحنفية والمالكية والحنابلة ‪. -‬‬
‫ويُشترط عند الشافعيةِ لصحة البيع في العاقد ‪ :‬الرشدُ ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬أهلية ف ‪. )18‬‬

‫الثاني ‪ :‬الوليةُ ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫– الولية ‪ :‬مأخوذةٌمن الولي ‪ ،‬وهو في اللغة بمعنى القُرب ‪ ،‬والوليةُ ‪ :‬النُصرةُ ‪.‬‬

‫ح ‪ :‬تنفي ُذ القولِ على الغيرِ شا َء الغيرُ أو ل ‪.‬‬
‫وفي الصطل ِ‬
‫ولكي ينعقدَ العقدُ صَحيحا نافذا تظهرُ آثارُه شرعا لبد في العاقد – بجانبِ أهليةِ الداءِ –‬
‫ف ليعقدَ العقدَ ‪.‬‬
‫أن تكونَ له أهليةَ التصر ِ‬
‫ك في مصطلحِ ‪ ( :‬ولية ) ‪.‬‬
‫وتفصيلُ ذل َ‬

‫الثّالث ‪ :‬الرّضا والختيار ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫ن آمَنُواْ لَ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّضا أساس العقود ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬

‫ض مّن ُكمْ } ‪.‬‬
‫طلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَ ًة عَن تَرَا ٍ‬
‫تَ ْأكُلُواْ َأ ْموَا َل ُكمْ بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّما البيع عن تراض « ‪.‬‬
‫والرّضا ‪ :‬سرور القلب وطيب النّفس ‪ ،‬وهو ضدّ السّخط والكراهة ‪.‬‬
‫وعرّفه جمهور الفقهاء ‪ :‬بأنّه قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه ‪.‬‬
‫وعرّفه الحنفيّة ‪ :‬بأنّه امتلء الختيار ‪ ،‬أي ‪ :‬بلوغه نهايته ‪ ،‬بحيث يفضي أثره إلى الظّاهر‬
‫من البشاشة في الوجه ‪ ،‬أو إيثار الشّيء واستحسانه ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬رضا ف ‪. ) 2‬‬
‫أمّا الختيار ‪ :‬فهو القصد إلى أمر متردّد بين الوجود والعدم داخل في قدرة الفاعل بترجيح‬
‫أحد الجانبين على الخر ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬اختيار ف ‪. ) 1‬‬

‫وبناءً على هذه التّفرقة قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ الرّضا شرط لصحّة العقود الّتي تقبل الفسخ وهي‬
‫العقود الماليّة من بيع وإجارة ونحوهما ‪ ،‬فهي ل تصحّ إلّ مع التّراضي ‪ ،‬وقد تنعقد العقود‬
‫ن من‬
‫الماليّة لكنّها تكون فاسد ًة ‪ ،‬كما في بيع المكره ونحوه ‪ ،‬يقول المرغينانيّ ‪ ... :‬ل ّ‬
‫شروط صحّة هذه العقود التّراضي ‪.‬‬
‫فأصل العقود الماليّة تنعقد عندهم بدون الرّضا ‪ ،‬لكنّها ل تكون صحيحةً ‪ ،‬فينعقد بيع‬
‫ن الكلم صدر عنه باختياره ‪ ،‬أو بإقامة البلوغ مقام‬
‫المخطئ نظرا إلى أصل الختيار ؛ ل ّ‬
‫القصد ‪ ،‬لكن يكون فاسدا لعدم الرّضا حقيقةً ‪ ،‬أمّا العقود الّتي ل تقبل الفسخ عند الحنفيّة‬
‫فالرّضا ليس شرطا لصحّتها ‪ ،‬فيصحّ عندهم النّكاح والطّلق والعتاق والرّجعة ونحوها حتّى‬
‫مع الكراه ‪.‬‬
‫أمّا جمهور الفقهاء فتدور عباراتهم بين التّصريح بأنّ الرّضا أصل أو أساس أو شرط‬
‫ي‪.‬‬
‫للعقود كلّها ‪ ،‬فل ينعقد العقد إذا لم يتحقّق الرّضا سواء أكان ماليّا أو غير مال ّ‬
‫ر ‪ ( :‬رضا ف‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫عيوب الرّضا ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫‪ -‬ذكر الفقهاء في عيوب الرّضا ‪ :‬الكراه ‪ ،‬والجهل ‪ ،‬والغلط ‪ ،‬والتّدليس ‪ ،‬والغبن ‪،‬‬

‫والتّغرير ‪ ،‬والهزل ‪ ،‬والخلبة ‪ ،‬ونحوها ‪ ،‬فإذا وجد عيب من هذه العيوب في عقد من‬
‫ل أو فاسدا في بعض الحالت على خلف بين الجمهور والحنفيّة أو‬
‫العقود يكون العقد باط ً‬
‫غير لزم يكون لكل العاقدين أو أحدهما الخيار في فسخه في حالت أخرى ‪.‬‬
‫وتعريف هذه العيوب وتفصيل أحكامها وأثرها على الرّضا وخلف الفقهاء في ذلك ينظر في‬
‫مصطلحاتها من الموسوعة ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬محلّ العقد ‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫‪ -‬المراد بمحلّ العقد ‪ :‬ما يقع عليه العقد وتظهر فيه أحكامه وآثاره ‪ ،‬ويختلف المحلّ‬

‫باختلف العقود ‪ ،‬فقد يكون المحلّ عينا مال ّيةً ‪ ،‬كالمبيع في عقد البيع ‪ ،‬والموهوب في عقد‬
‫ل من العمال ‪ ،‬كعمل الجير في‬
‫الهبة ‪ ،‬والمرهون في عقد الرّهن ‪ ،‬وقد يكون عم ً‬
‫الجارة ‪ ،‬وعمل الزّارع في المزارعة ‪ ،‬وعمل الوكيل في الوكالة ‪ ،‬وقد يكون منفعة شيء‬
‫معيّن ‪ ،‬كمنفعة المأجور في عقد الجارة ‪ ،‬ومنفعة المستعار في عقد العارة ‪ ،‬وقد يكون‬
‫غير ذلك كما في عقد النّكاح والكفالة ونحوهما ‪.‬‬
‫ولهذا فقد اشترط الفقهاء في محلّ العقد شروطا تكلّموا عنها في كلّ عقد وذكروا بعض‬
‫الشّروط العامّة الّتي يجب توافرها في العقود عا ّم ًة أو في مجموعة من العقود ‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬وجود المحلّ ‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫‪ -‬يختلف اشتراط هذا الشّرط باختلف العقود ‪ :‬ففي عقد البيع مثلً اتّفق الفقهاء في‬

‫الجملة على وجود المحلّ ‪ ،‬فل يجوز بيع ما لم يوجد لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تبع‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫ما ليس عندك « ولنّ في بيع ما لم يوجد غررا وجهالةً فيمنع ‪ ،‬لحديث ‪ » :‬أ ّ‬
‫ال عليه وسلم نهى عن بيع الغرر « وعلى ذلك صرّحوا ببطلن بيع المضامين والملقيح‬
‫وحبل الحبلة ‪.‬‬
‫ومنعوا من بيع الزّروع والثّمار قبل ظهورها ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أرأيت إذا‬
‫منع اللّه الثّمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ « ‪.‬‬
‫واستثنى الفقهاء من بيع المعدوم عقد السّلم ‪ ،‬وذلك لحاجة النّاس إليه ‪.‬‬
‫كما استثنى الحنفيّة من ذلك عقد الستصناع للدّليل نفسه ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬استصناع ف ‪. ) 7‬‬
‫أمّا بيع الزّرع أو الثّمر قبل ظهورهما فل يجوز ؛ لنّه معدوم ول يجوز العقد على‬
‫المعدوم ‪ ،‬أمّا بعد الظّهور وقبل بد ّو الصّلح فإن كان الثّمر أو الزّرع بحال ينتفع بهما‬
‫فيجوز البيع بشرط القطع في الحال اتّفاقا لعدم الغرر في ذلك ‪ ،‬ول يجوز بغير شرط القطع‬
‫عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫واختلفوا في بيع الثّمار المتلحقة الظّهور ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ثمار ف‬

‫‪11‬‬

‫‪-‬‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫وفي عقد الجارة اعتبر جمهور الفقهاء المنافع أموالً ‪ ،‬واعتبرها كذلك الشّافعيّة والحنابلة‬
‫ح التّعاقد عليها بناءً على وجود المنافع حين العقد‬
‫موجودةً حين العقد تقديرا ‪ ،‬فيص ّ‬
‫عندهم ‪ ،‬ولهذا يقولون بنقل ملكيّة المنافع للمستأجر والجرة للمؤجّر بنفس العقد في‬
‫الجارة المطلقة ‪.‬‬
‫وعلّل المالكيّة جواز الجارة بأنّ المنافع وإن كانت معدومةً في حال العقد لكنّها مستوفاة في‬
‫الغالب ‪ ،‬والشّرع إنّما لحظ من المنافع ما يستوفى في الغالب أو يكون استيفاؤه وعدم‬
‫استيفائه سوا ًء ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد أجازوا عقد الجارة استثنا ًء من القاعدة ؛ لورود النّصوص من الكتاب‬
‫ي ‪ :‬الجارة بيع المنفعة ‪ ،‬والمنافع للحال معدومة ‪،‬‬
‫والسّنّة في جواز الجارة ‪ ،‬قال الكاسان ّ‬
‫والمعدوم ل يحتمل البيع ‪ ،‬فل تجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل ‪ ،‬وهذا هو‬
‫القياس ‪ ،‬لكنّا استحسنّا الجواز بالكتاب العزيز والسّنّة والجماع ‪.‬‬

‫وقال ابن القيّم ‪ :‬جواز الجارة موافقة للقياس ؛ لنّ مح ّل العقد إذا أمكن التّعاقد عليه في‬
‫حال وجوده وعدمه – كالعيان – فالصل فيه عدم جواز العقد حال عدمه للغرر ‪ ،‬مع ذلك‬
‫جاز العقد على ما لم يوجد إذا دعت إليه الحاجة ‪.‬‬
‫أمّا ما لم يكن له إلّ حال واحدة ‪ ،‬والغالب فيه السّلمة ‪ -‬كالمنافع ‪ -‬فليس العقد عليه‬
‫مخاطرةً ول قمارا فيجوز ‪ ،‬وقياسه على بيع العيان قياس مع الفارق ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫‪ -‬وفرّق بعض الفقهاء في هذا الشّرط بين عقود المعاوضة وعقود التّبرّع ‪ ،‬فقالوا بعدم‬

‫جواز النّوع الوّل من العقود في حال عدم وجود محلّها ‪ ،‬وأجازوا النّوع الثّاني في حالة‬
‫وجود المحلّ وعدمه ‪.‬‬
‫ل يجوز فيه أن‬
‫ن ما يختصّ بعقود التّبرّعات كالهبة مث ً‬
‫ومن هذا القبيل ما قال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫يكون موضوع العقد ‪ -‬الموهوب ‪ -‬غير موجود في الخارج ‪ ،‬بل دينا في ال ّذمّة ‪ ،‬أو غير‬
‫ن من وهب لرجل‬
‫معلوم فعلً ‪ ،‬فالغرر في الهبة لغير الثّواب جائز عندهم ‪ ،‬ولهذا صرّحوا بأ ّ‬
‫ما يرثه من فلن ‪ ،‬وهو ل يدري كم هو ؟ أسدس أو ربع فذلك جائز ‪.‬‬
‫وفي الرّهن يجوز عندهم أن يكون موضوع العقد – المرهون – غير موجود حين العقد ‪،‬‬
‫كثمرة لم يبد صلحها ‪ ،‬فشيء يوثق به خير من عدمه ‪ ،‬كما يقولون ‪.‬‬
‫وهذا بخلف عقد البيع وسائر العقود في المعاوضات ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬قابليّة المحلّ لحكم العقد ‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ -‬يشترط في مح ّل العقد عند الفقهاء أن يكون قابلً لحكم العقد ‪.‬‬

‫والمراد بحكم العقد ‪ :‬الثر المترتّب على العقد ‪ ،‬ويختلف هذا حسب اختلف العقود ‪ ،‬ففي‬
‫ل أثر العقد هو انتقال ملكيّة المبيع من البائع إلى المشتري ‪ ،‬ويشترط فيه أن‬
‫عقد البيع مث ً‬
‫ي ‪ :‬وهو ما يميل إليه‬
‫يكون ما ًل متقوّما مملوكا للبائع ‪ ،‬فما لم يكن مالً بالمعنى الشّرع ّ‬
‫الطّبع ويجري فيه البذل والمنع ل يصحّ بيعه ‪ ،‬كبيع الميتة مثلً عند المسلمين ‪.‬‬
‫وكذا إذا لم يكن متقوّما ‪ ،‬أي ‪ :‬منتفعا به شرعا ‪ ،‬كبيع الخمر والخنزير ‪ ،‬فإنّهما وإن كانا‬
‫مالً عند غير المسلمين ‪ ،‬لكنّهما ليسا متقوّمين عند المسلمين ‪ ،‬فحرم بيعهما ‪ ،‬كما ورد في‬
‫حديث جابر رضي ال عنه ‪ » :‬إنّ اللّه ورسوله حرّما بيع الخمر والميتة والخنزير « ‪.‬‬
‫وفي عقود المنفعة كعقد الجارة والعارة ونحوهما يشترط أن يكون محلّ العقد ‪ -‬أي ‪:‬‬
‫المنفعة المعقود عليها ‪ -‬منفعةً مقصودةً مباحةً ‪ ،‬فل تجوز الجارة على المنافع المحرّمة‬
‫كالزّنا والنّوح ونحوهما كما هو مفصّل في مصطلح ‪ ( :‬إجارة ف‬

‫‪108‬‬

‫)‪.‬‬

‫وكما ل يجوز إجارة المنافع المحرّمة ل يجوز إعارتها كذلك ؛ لنّ من شروط صحّة العاريّة‬
‫إمكان النتفاع بمحلّ العقد – المعار أو المستعار – انتفاعا مباحا شرعا مع بقاء عينه ‪،‬‬

‫كالدّار للسّكنى ‪ ،‬والدّابّة للرّكوب ‪ ،‬مثلً فل يجوز إعارة الفروج للستمتاع ‪ ،‬ول آلت‬
‫الملهي للّهو ‪ ،‬كما ل تصحّ العارة للغناء أو الزّمر أو نحوهما من المحرّمات ‪ ،‬فالعارة ل‬
‫تبيح ما ل يبيحه الشّرع ‪.‬‬
‫تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬عاريّة ) ‪.‬‬
‫ل للنتقال للغير والتّفويض‬
‫وفي عقد الوكالة يشترط في المحلّ ‪ -‬الموكّل به ‪ -‬أن يكون قاب ً‬
‫فيه ‪ ،‬ول يكون خاصّا بشخص الموكّل ‪ ،‬كما هو مفصّل في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬معلوميّة المحلّ للعاقدين ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫‪ -‬يشترط في المحلّ أن يكون معيّنا ومعروفا للعاقدين ‪ ،‬بحيث ل يكون فيه جهالة تؤدّي‬

‫إلى النّزاع والغرر ‪.‬‬
‫ويحصل العلم بمح ّل العقد بكلّ ما يميّزه عن الغير من رؤيته أو رؤية بعضه عند العقد ‪ ،‬أو‬
‫بوصفه وصفا يكشف عنه تماما ‪ ،‬أو بالشارة إليه ‪.‬‬
‫وهذا الشّرط متّفق عليه عند الفقهاء في عقود المعاوضة في الجملة فل يجوز بيع شاة من‬
‫ن الجهالة في محلّ العقد ‪ -‬المعقود‬
‫ل ول إجارة إحدى هاتين الدّارين ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫القطيع مث ً‬
‫عليه ‪ -‬تسبّب الغرر وتفضي إلى النّزاع ‪.‬‬
‫وفرّق بعض الفقهاء في هذه المسألة بين الجهالة الفاحشة ‪ -‬وهي ‪ :‬الّتي تفضي إلى‬
‫النّزاع ‪ -‬وبين الجهالة اليسيرة ‪ -‬وهي ‪ :‬الّتي ل تفضي إلى النّزاع ‪ -‬فمنعوا الولى‬
‫وأجازوا الثّانية ‪.‬‬
‫وجعل جمهور الفقهاء العرف حكما في تعيين ما تقع عليه الجارة من منفعة ‪ ،‬وتمييز‬
‫الجهالة الفاحشة عن الجهالة اليسيرة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬بيع ف‬

‫‪32‬‬

‫‪ ،‬والجارة ف‬

‫‪34‬‬

‫)‪.‬‬

‫وفي عقد السّلم يشترط في المحلّ ‪ -‬المسلم فيه ‪ -‬أن يكون معلوم الجنس والنّوع والصّفة‬
‫ن الجهالة في كلّ منها تفضي إلى‬
‫والقدر ‪ ،‬كيلً أو وزنا أو عدّا أو ذرعا ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫المنازعة ‪ ،‬وقد ورد في الحديث عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬من أسلف في‬
‫تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم « ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬سلم ) ‪.‬‬
‫هذا في عقود المعاوضة ‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫‪ -‬أمّا عقود التّبرّع فقد اختلف الفقهاء في جواز كون المح ّل مجهولً ‪ ،‬ومن أمثلة ذلك‬

‫ما يأتي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬عقد الهبة ‪:‬‬

‫‪39‬‬

‫‪ -‬يشترط الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في الموهوب ‪ -‬وهو محلّ عقد الهبة ‪ -‬أن يكون‬

‫معلوما ومعيّنا ‪ ،‬قال الحصكفيّ ‪ :‬شرائط صحّة الهبة في الموهوب ‪ :‬أن يكون مقبوضا ‪،‬‬
‫غير مشاع ‪ ،‬مميّزا ‪ ،‬غير مشغول ‪ ،‬فل تصحّ هبة لبن في ضرع ‪ ،‬وصوف على غنم ‪،‬‬
‫ونخل في أرض ‪ ،‬وتمر في نخل ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬كلّ ما يجوز بيعه تجوز هبته ‪ ،‬وكلّ ما ل يجوز بيعه ل تجوز‬
‫هبته ‪ ،‬كمجهول ومغصوب لغير قادر على انتزاعه ‪ ،‬وضالّ وآبق ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد توسّعوا فيها ‪ ،‬فأجازوا هبة المجهول والمشاع ‪ ،‬جاء في الفواكه الدّواني ‪:‬‬
‫أنّ شرط الشّيء المعطى أن يكون ممّا يقبل النّقل في الجملة ‪ ،‬فيشمل الشياء المجهولة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬عقد الوصيّة ‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫ح وصيّة الموصي بجزء أو سهم من ماله ولو غير معيّن كما صرّح به الحنفيّة ‪،‬‬
‫‪ -‬تص ّ‬

‫وفي هذه الصّورة يكون البيان إلى الورثة ؛ لنّه مجهول يتناول القليل والكثير ‪ ،‬والوصيّة‬
‫ل تمتنع بالجهالة ‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة الوصيّة بالحمل إن كان مملوكا للموصي ‪ ،‬والغرر والخطر ل يمنع صحّة‬
‫الوصيّة عندهم ‪.‬‬
‫كما أجاز الشّافعيّة الوصيّة بالمجهول ‪ ،‬كالحمل الموجود في البطن منفردا عن أمّه أو‬
‫معها ‪ ،‬وكالوصيّة باللّبن في الضّرع ‪ ،‬والصّوف على ظهر الغنم ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫‪ -‬هذا ‪ ،‬وقد ذكر القرافيّ في فروقه الفرق بين قاعدة ما تؤثّر فيه الجهالت وما ل تؤثّر‬

‫فيه ذلك من العقود والتّصرّفات فقال ‪ :‬وردت الحاديث الصّحيحة في نهيه صلى ال عليه‬
‫وسلم عن بيع الغرر وعن بيع المجهول ‪ ،‬واختلف العلماء بعد ذلك ‪:‬‬
‫فمنهم من عمّمه في التّصرّفات ‪ -‬وهو الشّافعيّ ‪ -‬فمنع من الجهالة في الهبة والصّدقة‬
‫والبراء والخلع والصّلح وغير ذلك ‪ ،‬ومنهم من فصل ‪ -‬وهو مالك ‪ -‬بين قاعدة ما يجتنب‬
‫فيه الغرر والجهالة ‪ ،‬وهو باب المماكسات والتّصرّفات الموجبة لتنمية الموال وما يقصد‬
‫به تحصيلها ‪ ،‬وقاعدة ما ل يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما ل يقصد لذلك ‪ ،‬وانقسمت‬
‫التّصرّفات عنده ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫طرفان وواسطة ‪ ،‬فالطّرفان أحدهما ‪ :‬معاوضة صرفة فيجتنب فيها ذلك إلّ ما دعت‬
‫الضّرورة إليه ‪ ...‬وثانيهما ‪ :‬ما هو إحسان صرف ل يقصد به تنمية المال كالصّدقة والهبة‬
‫والبراء ‪.‬‬

‫ففي القسم الوّل ‪ :‬إذا فات بالغرر والجهالت ضاع المال المبذول في مقابلته فاقتضت حكمة‬
‫الشّرع منع الجهالة فيه ‪ ،‬أمّا القسم الثّاني ‪ -‬أي ‪ :‬الحسان الصّرف ‪ -‬فل ضرر فيه ‪،‬‬
‫فاقتضت حكمة الشّرع وحثّه على الحسان التّوسعة فيه بكلّ طريق ‪ ،‬بالمعلوم والمجهول‬
‫فإنّ ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا ‪ ،‬وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله فإذا وهب له عبده‬
‫البق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به ‪ ،‬ول ضرر عليه ؛ لنّه لم يبذل شيئا ‪ ،‬وهذا فقه‬
‫جميل ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬وأمّا الواسطة بين الطّرفين فهو النّكاح ‪ ،‬فهو من جهة أنّ المال فيه ليس‬
‫مقصودا‪ ،‬وإنّما مقصده المودّة واللفة والسّكون ‪ ،‬يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر‬
‫ن صاحب الشّرع اشترط فيه المال بقوله تعالى ‪ { :‬أَن تَبْ َتغُواْ بِ َأ ْموَا ِلكُم }‬
‫مطلقا ‪ ،‬ومن جهة أ ّ‬
‫يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه ‪ ،‬فلوجود الشّبهين توسّط مالك فجوّز فيه الغرر القليل‬
‫دون الكثير ‪ ،‬نحو عبد من غير تعيّن ‪ ،‬وشورة ‪ -‬أثاث ‪ -‬بيت ‪ ،‬ول يجوز على العبد‬
‫البق ‪ ،‬والبعير الشّارد ‪.‬‬

‫د ‪ -‬القدرة على التّسليم ‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫‪ -‬يشترط في مح ّل العقد أن يكون مقدور التّسليم ‪ ،‬وهذا الشّرط مح ّل اتّفاق في عقود‬

‫المعاوضة في الجملة ‪ ،‬فالحيوان الضّا ّل الشّارد ونحوه ل يصلح أن يكون موضوعا لعقد‬
‫البيع أو الجارة أو الصّلح أو نحوها ‪ ،‬وكذلك الدّار المغصوبة من غير غاصبها ‪ ،‬أو‬
‫الرض أو أي شيء آخر تحت يد العدوّ ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬من شروط المبيع أن يكون مقدور التّسليم عند العقد ‪ ،‬فإن كان معجوز‬
‫التّسليم عنده ل ينعقد ‪ ،‬وإن كان مملوكا له كبيع البق حتّى لو ظهر يحتاج إلى تجديد‬
‫اليجاب والقبول إ ّل إذا تراضيا فيكون بيعا مبتدأً بالتّعاطي ‪.‬‬
‫وقال في شروط المستأجر ‪ :‬من شروطه أن يكون مقدور الستيفاء حقيقةً وشرعا ؛ لنّ‬
‫العقد ل يقع وسيل ًة إلى المعقود عليه بدونه ‪ ،‬فل يجوز استئجار البق ‪ ،‬ول إجارة‬
‫المغصوب من غير الغاصب ‪.‬‬
‫وفي المنثور للزّركشيّ ‪ :‬من حكم العقود الَلزمة أن يكون المعقود عليه معلوما مقدورا‬
‫على تسليمه في الحال ‪ ،‬والجائز قد ل يكون كذلك كالجعالة تعقد على ردّ البق ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ في بيان شروط المبيع ‪ :‬الثّالث ‪ :‬إمكان تسليمه ‪ ،‬فل يصحّ بيع الضّا ّل والبق‬
‫ي الخطيب بقوله ‪ :‬للعجز عن تسليم ذلك حالً ‪.‬‬
‫والمغصوب ‪ ،‬وعلّله الشّربين ّ‬
‫ومثله ما في كتب بقيّة المذاهب ‪.‬‬

‫أمّا في عقود التّبرّع فأجاز المالكيّة هبة البق والحيوان الشّارد ‪ ،‬مع أنّهما غير مقدوري‬
‫التّسليم حين العقد ‪ ،‬لنّه إحسان صرف ‪ ،‬فإذا وجده وتسلّمه يستفيد منه ‪ ،‬وإلّ ل يتضرّر‬
‫كما قال القرافيّ ‪ ،‬وأجاز الشّافعيّة الوصيّة فيما يعجز عن تسليمه ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم في عقود التّبرّع ‪ :‬ل غرر في تعلّقها بالموجود والمعدوم وما يقدر على‬
‫تسليمه وما ل يقدر ‪.‬‬

‫تقسيمات العقود ‪:‬‬

‫‪43‬‬

‫‪ -‬قسّم الفقهاء العقود باعتبارات مختلفة ‪ ،‬وبيّنوا خواصّها وأحكامها الفقهيّة بحيث‬

‫تشمل مجموعةً من العقود ‪ ،‬وتميّزها عن مجموعة أخرى ‪ ،‬وفيما يلي بعض هذه‬
‫التّقسيمات ‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬العقود الماليّة والعقود غير الماليّة ‪:‬‬

‫‪44‬‬

‫‪ -‬العقد إذا وقع على عين من العيان يسمّى عقدا ماليّا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬سواء أكان‬

‫نقل ملكيّتها بعوض ‪ ،‬كالبيع بجميع أنواعه من الصّرف والسّلم والمقايضة ونحوها أم بغير‬
‫عوض ‪ ،‬كالهبة والقرض والوصيّة بالعيان ونحوها ‪ ،‬أو بعمل فيها ‪ ،‬كالمزارعة والمساقاة‬
‫والمضاربة ونحوها ‪.‬‬
‫أمّا إذا وقع على عمل معيّن دون مقابل كالوكالة والكفالة والوصاية ‪ ،‬أو الكفّ عن عمل‬
‫ي من الطّرفين ‪.‬‬
‫معيّن كعقد الهدنة بين المسلمين وأهل الحرب ‪ ،‬فهو عقد غير مال ّ‬
‫وهناك عقود تعتبر مال ّيةً من جانب ‪ ،‬وغير ماليّة من جانب آخر كعقد النّكاح والخلع‬
‫والصّلح عن الدّم وعقد الجزية ونحوها ‪.‬‬
‫واختلفوا في العقود الّتي تقع على المنافع ‪ ،‬كالجارة ‪ ،‬والعارة ونحوهما ‪ ،‬فالجمهور‬
‫يعتبرها من العقود الماليّة ؛ لنّ المنافع أموال عندهم أو في حكم الموال خلفا للحنفيّة ‪،‬‬
‫حيث إنّ المنافع ل تعتبر أموالً عندهم ‪.‬‬
‫قال الزّركشيّ ‪ :‬العقد إمّا ماليّ من الطّرفين حقيقةً كالبيع والسّلم ‪ ،‬أو حكما كالجارة ‪ ،‬فإنّ‬
‫المنافع تنزّل منزل الموال ‪ ،‬ومثله المضاربة والمساقاة ‪.‬‬
‫ي من الجانبين كما في عقد الهدنة ‪ ،‬إذ المعقود عليه في الطّرفين كفّ كلّ منهما‬
‫أو غير مال ّ‬
‫عن الغراء بين المسلمين وأهل الحرب ‪ ،‬وكعقد القضاء ‪.‬‬
‫ي من أحد الطّرفين كالنّكاح والخلع والصّلح عن الدّم والجزية ‪ ،‬وغير الماليّ من‬
‫أو مال ّ‬
‫الطّرفين أشدّ لزوما من الماليّ فيهما ‪ ،‬إذ يجوز في الماليّ فسخه بعيب في العوض كالثّمن‬
‫ل إلّ لحدوث ما يمنع الدّوام ‪.‬‬
‫والمثمّن ‪ ،‬كما في خيار العيب ‪ ،‬وغير الماليّ ل يفسخ أص ً‬

‫ي إلى محض وغيره ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬معاوضة محضة وغير محضة ‪ ،‬فالمحضة ‪:‬‬
‫وينقسم المال ّ‬
‫يكون المال فيها مقصودا من الجانبين " كالبيع " ‪.‬‬
‫والمعاوضة غير المحضة ‪ :‬ل تقبل التّعليق إلّ في الخلع من جانب المرأة " نحو ‪ :‬إن‬
‫طلّقتني فلك ألف " ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬ينقسم العقد إلى ما يرد على العين قطعا كالبيع بأنواعه ‪ ،‬وإلى ما يرد على المنافع‬
‫في الصحّ كالجارة ‪ ،‬ولهذا قالوا ‪ :‬إنّها تمليك المنافع بعوض ‪ ،‬وقال أبو إسحاق ‪ :‬المعقود‬
‫عليه العين ليستوفى منها المنافع ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العقود الَلزمة والعقود غير الَلزمة ‪:‬‬

‫‪45‬‬

‫ق الفسخ دون رضا الخر ‪ ،‬ومقابله‬
‫‪ -‬العقد الَلزم هو ‪ :‬ما ل يكون لحد العاقدين فيه ح ّ‬

‫ق الفسخ ‪.‬‬
‫‪ :‬العقد الجائز أو غير الَلزم ‪ :‬وهو ما يكون لحد العاقدين فيه ح ّ‬
‫وقد قسّم الفقهاء العقد باعتبار اللّزوم والجواز إلى أنواع ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬العقود الواقعة بين اثنين على أقسام ‪:‬‬
‫قال السّيوط ّ‬
‫الوّل ‪ :‬لزم من الطّرفين قطعا ‪ ،‬كالبيع والصّرف والسّلم والتّولية والتّشريك وصلح‬
‫المعاوضة والحوالة والجارة والمساقاة والهبة للجنبيّ بعد القبض والصّداق وعوض‬
‫الخلع ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬جائز من الطّرفين قطعا ‪ ،‬كالشّركة والوكالة والقراض والوصيّة والعاريّة والوديعة‬
‫والقرض والجعالة والقضاء والوصايا وسائر الوليات غير المامة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ما فيه خلف ‪ ،‬والصحّ أنّه لزم كالمسابقة والمناضلة ‪ ،‬بنا ًء على أنّهما‬
‫كالجارة‪ ،‬ومقابله يقول ‪ :‬إنّهما كالجعالة ‪ ،‬والنّكاح لزم من المرأة قطعا ‪ ،‬ومن الزّوج على‬
‫الصحّ ‪ ،‬كالبيع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬جائز منه لقدرته على الطّلق ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬ما هو جائز ويئول إلى اللّزوم ‪ ،‬وهو الهبة والرّهن قبل القبض ‪ ،‬والوصيّة قبل‬
‫الموت ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬ما هو لزم من أحد الطّرفين جائز من الخر ‪ ،‬كالرّهن بعد القبض والضّمان‬
‫والكفالة وعقد المان والمامة العظمى ‪.‬‬
‫وذكر الزّركشيّ أنّ القسمة في الحقيقة ثلثيّة ‪:‬‬
‫لزم من الطّرفين ‪ ،‬جائز منهما ‪ ،‬لزم من أحدهما ‪ ،‬وقال ‪ :‬من حكم الَلزم أن يكون‬
‫المعقود عليه معلوما مقدورا على تسليمه في الحال ‪ ،‬والجائز قد ل يكون كذلك ‪ ،‬كالجعالة‬
‫تعقد على ردّ البق ‪.‬‬

‫ومن أحكام العقد الَلزم من الطّرفين ‪ :‬أنّه ل يثبت فيه خيار مؤبّد ‪ ،‬ول ينفسخ بموت أحد‬
‫ي‪.‬‬
‫العاقدين أو كليهما ‪ ،‬أو بالجنون أو الغماء ‪ ،‬والجائز بخلفه ‪ ،‬كما قال الزّركش ّ‬
‫وهذه القاعدة ليست مطّردةً عند الحنفيّة ؛ لنّ عقد الجارة عقد لزم من الطّرفين عندهم‬
‫لكنّها تنفسخ بالوفاة ؛ لنّها تنعقد على المنافع ‪ ،‬وهي تحدث شيئا فشيئا ‪ ،‬فالمنافع الّتي‬
‫تحدث بعد وفاة العاقدين لم تكن موجودةً حين العقد ‪ ،‬فتفسخ الجارة عند الحنفيّة بالوفاة ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬إجارة ف‬

‫‪72‬‬

‫)‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬تقسيم العقد باعتبار قبوله الخيار ‪:‬‬

‫‪46‬‬

‫‪ -‬قسّم ابن قدامة العقد باعتبار قبوله الخيار أو عدم قبوله إلى ستّة أقسام ‪ ،‬وبيّن حكم‬

‫هذه القسام كالتّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقد لزم يقصد منه العوض ‪ ،‬وهو البيع وما في معناه ‪ ،‬وهو نوعان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يثبت فيه الخياران ‪ :‬خيار المجلس وخيار الشّرط كالبيع فيما ل يشترط فيه‬
‫القبض في المجلس ‪ ،‬والصّلح بمعنى البيع ‪ ،‬والهبة بعوض على إحدى الرّوايتين ‪،‬‬
‫والجارة في ال ّذمّة ‪ ،‬نحو أن يقول ‪ :‬استأجرتك على أن تخيط لي هذا الثّوب ونحوه ‪ ،‬فهذا‬
‫يثبت فيه الخيار ‪ ،‬فأمّا الجارة المعيّنة ‪ ،‬فإن كانت مدّتها من حين العقد دخلها خيار‬
‫ن دخوله يفضي إلى فوت بعض المنافع المعقود عليها ‪ ،‬أو‬
‫المجلس دون خيار الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫إلى استيفائها في مدّة الخيار ‪ ،‬وكلهما ل يجوز ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ما يشترط فيه القبض في المجلس ‪ ،‬كالصّرف والسّلم وبيع مال الرّبا‬
‫بجنسه ‪ ،‬فل يدخله خيار الشّرط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عقد لزم ل يقصد به العوض كالنّكاح والخلع ‪ ،‬فل يثبت فيهما خيار ‪ ،‬لنّ الخيار إنّما‬
‫يثبت لمعرفة الحظّ في كون العوض جائزا لما يذهب من ماله ‪ ،‬والعوض هنا ليس هو‬
‫المقصود ‪ ،‬وكذلك الوقف والهبة ؛ ولنّ في ثبوت الخيار في النّكاح ضررا ‪.‬‬
‫ج – عقد لزم من أحد طرفيه دون الخر ‪ ،‬كالرّهن لزم من جهة الرّاهن جائز في حقّ‬
‫المرتهن ‪ ،‬فل يثبت فيه الخيار ؛ لنّ المرتهن يستغني بالجواز في حقّه عن ثبوت خيار‬
‫آخر ‪ ،‬والرّاهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض ‪ ،‬وكذلك الضّامن والكفيل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عقد جائز من الطّرفين كالشّركة والمضاربة والجعالة والوكالة الوديعة والوصيّة ‪،‬‬
‫فهذه ل يثبت فيها خيار استغنا ًء بجوازها والتّمكّن من فسخها بأصل وضعها ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬عقد متردّد بين الجواز واللّزوم كالمساقاة والمزارعة ‪ ،‬والظّاهر أنّهما جائزان ‪ ،‬فل‬
‫يدخلهما خيار ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هما لزمان ‪ ،‬ففي ثبوت الخيار فيهما وجهان ‪.‬‬

‫و ‪ -‬عقد لزم يستقلّ به أحد المتعاقدين ‪ ،‬كالحوالة ‪ ،‬والخذ بالشّفعة فل خيار فيهما ؛ لنّ‬
‫من ل يعتبر رضاه ل خيار له ‪ ،‬وإذا لم يثبت في أحد طرفيه لم يثبت في الخر كسائر‬
‫العقود ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬العقود الّتي يشترط فيها القبض ‪،‬‬
‫والّتي ل يشترط فيها ‪:‬‬

‫‪47‬‬

‫‪ -‬قسّم الفقهاء العقود ‪ -‬باعتبار اشتراط القبض فيها أو عدمه ‪ -‬إلى نوعين ‪:‬‬

‫‪48‬‬

‫‪ -‬الوّل ‪ :‬عقود ل يشترط فيها قبض المعقود عليه حين العقد في الجملة ‪:‬‬

‫ومن هذا النّوع عقد البيع المطلق والجارة والنّكاح والوصيّة والوكالة والحوالة ونحوها ‪،‬‬
‫ل ينعقد باليجاب والقبول ‪ ،‬وتترتّب عليه آثاره ‪ :‬من انتقال ملكيّة المبيع إلى‬
‫فالبيع مث ً‬
‫المشتري ‪ ،‬وملكيّة الثّمن إلى البائع ‪ ،‬سواء أحصل التّقابض بينهما أم ل ‪ ،‬وهذا باتّفاق‬
‫الفقهاء ‪ ،‬إلّ أنّ الحنفيّة والشّافعيّة صرّحوا بأنّ الملك ‪ -‬وإن كان ينتقل في البيع بمجرّد‬
‫العقد ‪ -‬لكن ل يستق ّر إلّ بالقبض ‪ ،‬كالصّداق في عقد النّكاح ‪.‬‬
‫والجارة تنعقد بمجرّد اليجاب والقبول ‪ ،‬وتترتّب عليها آثارها بالعقد دون الحاجة إلى‬
‫الستيفاء عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬خلفا للحنفيّة حيث قالوا ‪ :‬ل يملك المؤجّر الجرة بنفس‬
‫العقد ‪ ،‬وإنّما يملكها بالستيفاء ‪ ،‬أو التّمكّن منه أو بالتّعجيل ‪ ،‬أو بشرط التّعجيل ‪ ،‬كما ل‬
‫يملك المستأجر المنافع بالعقد ؛ لنّها تحدث شيئا فشيئا ‪ ،‬وإنّما يملكها بالستيفاء أو يوما‬
‫فيوما ‪.‬‬
‫والنّكاح يترتّب عليه آثاره بمجرّد العقد ‪ ،‬ول يحتاج إلى قبض الصّداق ‪ ،‬وكذلك الوصيّة‬
‫والوكالة والحوالة ل تحتاج في انعقادها إلى قبض المعقود عليه ‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫‪ -‬الثّاني ‪ :‬عقود يشترط فيها قبض المعقود عليه حين العقد ‪:‬‬

‫وهذه تنقسم إلى أقسام ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقود يشترط فيها القبض لنقل الملكيّة ‪ ،‬كالهبة والقرض والعاريّة ‪.‬‬
‫أمّا الهبة ‪ -‬وهي تمليك في الحياة بغير عوض ‪ -‬فجمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ -‬قالوا ‪ :‬ل تنتقل الملكيّة فيها بمجرّد اليجاب والقبول ‪ ،‬بل يحتاج ذلك إلى‬
‫القبض بإذن الواهب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يشترط لنتقال الملكيّة في عقد الهبة القبض ‪ ،‬بل تثبت للموهوب له‬
‫ملكيّة الموهوب بالعقد ‪ ،‬وعلى الواهب إقباضه ‪.‬‬
‫وكذلك القرض ‪ :‬فالجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه يشترط لنقل ملكيّته‬
‫إلى المقترض القبض ‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المقترض يملك القرض بالعقد ‪ ،‬ول يحتاج ذلك إلى قبض العين‬
‫المقرضة ‪.‬‬
‫ن ضمانها على المقرض عند جمهور‬
‫وعلى ذلك فإذا هلكت العين بعد العقد وقبل القبض فإ ّ‬
‫الفقهاء ‪ ،‬بناءً على بقاء الملكيّة لديه ‪.‬‬
‫وفي عقد العاريّة صرّح الحنفيّة بأنّ ملك المنافع من الموال المعارة ل تنتقل بمجرّد العقد ‪،‬‬
‫بل يحتاج ذلك إلى قبض المعار ‪.‬‬
‫ل ؛ لنّها‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ العاريّة إباحة النتفاع ‪ ،‬فل تنتقل فيها المنافع أص ً‬
‫ليست تمليك المنافع ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة تملّك منفعة المعار بالعقد وإن لم يقبص المعار ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬عاريّة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عقود يشترط فيها القبض لصحّتها ‪ ،‬كالصّرف ‪ ،‬وبيع الموال الرّبويّة ‪ ،‬والسّلم ‪،‬‬
‫والمضاربة ‪ ،‬والمساقاة ‪ ،‬والمزارعة ‪.‬‬
‫أمّا عقد الصّرف ‪ -‬وهو بيع النّقد بالنّقد ‪ -‬فاتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في صحّته‬
‫التّقابض ‪ ،‬في البدلين قبل التّفرّق عن مجلس العقد ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل‬
‫تبيعوا الذّهب بالذّهب إلّ مثلً بمثل ‪ ،‬ول تشفّوا بعضها على بعض ‪ ،‬ول تبيعوا الورق‬
‫ل بمثل ‪ ،‬ول تشفّوا بعضها على بعض ‪ ،‬ول تبيعوا منها غائبا بناجز « ‪.‬‬
‫بالورق إلّ مث ً‬
‫وكذلك بيع الموال الرّبويّة كالب ّر والشّعير ونحوهما فيشترط في بيعها بمثلها التّقابض ‪ ،‬لما‬
‫ورد في الحاديث من النّهي عن بيع النّسيئة في ذلك ‪ ،‬منها قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» الذّهب بالذّهب ربا إلّ هاء وهاء ‪ ،‬والبرّ بالب ّر ربا إلّ هاء وهاء ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ربا‬
‫إلّ هاء وهاء ‪ ،‬والتّمر بالتّمر ربا إلّ هاء وهاء « ‪.‬‬
‫وأمّا عقد السّلم ‪ -‬وهو ‪ :‬بيع الجل بالعاجل ‪ -‬فذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّه يشترط في صحّته قبض رأس المال قبل الفتراق ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم « ‪،‬‬
‫والتّسليف هو العطاء ؛ ولنّ الفتراق قبل قبض رأس المال يؤدّي إلى بيع دين بدين ‪،‬‬
‫وهو ممنوع ‪ ،‬لما ورد من النّهي عن ذلك في الحديث الصّحيح ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ :‬عدم اشتراط قبض رأس المال في السّلم في مجلس العقد ‪ ،‬وقالوا‬
‫بجواز تأخيره اليومين والثّلثة ؛ لنّ ما قارب الشّيء يعطى حكمه ‪.‬‬

‫وأمّا المضاربة – وهي ‪ :‬إعطاء مال للتّجارة على جزء معلوم من الرّبح – فقد ذهب‬
‫جمهور الفقهاء – الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وبعض الحنابلة – إلى أنّه يشترط في صحّة‬
‫هذا العقد تسليم رأس المال إلى العامل ‪ ،‬بحيث يمكنه التّصرّف فيه ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في رواية أخرى ‪ :‬إلى عدم اشتراط قبض رأس المال في صحّة المضاربة ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬مضاربة ) ‪.‬‬
‫وفي عقد المساقاة ‪ -‬وهو ‪ :‬عقد على دفع الشّجر والكروم إلى من يصلحها بجزء معلوم‬
‫من ثمرها ‪ -‬اشترط الحنفيّة والشّافعيّة أنّ على مالك الشجار تسليمها إلى العامل‬
‫ليتعهّدها ‪ ،‬فيقسم ما يحصل من الثّمر بينهما ‪ ،‬فلو شرط كونها في يد المالك أو مشاركته‬
‫في اليد لم يصحّ العقد لعدم حصول التّسليم ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬مساقاة ) ‪.‬‬
‫وكذلك اشترط من قال بجواز المزارعة تسليم الرض إلى العامل ‪ ،‬حتّى لو اشترط في العقد‬
‫ح المزارعة لنعدام التّخلية ‪ ،‬علما بأنّ‬
‫العمل على ربّ الرض أو شرط عملهما معا ل تص ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫بعض الفقهاء ل يقولون بجواز هذا العقد أص ً‬
‫ولتفصيل المسألة ينظر مصطلح ‪ ( :‬مزارعة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عقود يشترط للزومها القبض ‪ :‬كالهبة والرّهن ‪ ،‬فقد صرّح جمهور الفقهاء من‬
‫ن عقد الهبة ل يلزم بمجرّد اليجاب والقبول قبل القبض ‪،‬‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬بأ ّ‬
‫فيكون للواهب حقّ الرّجوع ما دام الموهوب له لم يقبض ‪ ،‬حتّى إنّ بعض الفقهاء قالوا‬
‫بعدم لزوم الهبة بعد القبض أيضا ‪ ،‬فللواهب الرّجوع فيها إلّ في حالت خاصّة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الهبة تلزم بالقبض إلّ في حالت خاصّة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬
‫وأمّا الرّهن ‪ :‬فقد اشترط جمهور الفقهاء في لزومه القبض ‪ ،‬فيبطل عقد الرّهن برجوع‬
‫الرّاهن عن الرّهن بالقول أو بتصرّف يزيل الملك ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬رهن ف‬

‫‪21‬‬

‫)‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬عقود المعاوضة وعقود التّبرّع ‪:‬‬

‫‪50‬‬

‫‪ -‬قسّم بعض الفقهاء العقد من حيث وجود العوض وعدم العوض فيه إلى نوعين ‪:‬‬

‫عقود المعاوضة ‪ ،‬وعقود التّبرّع ‪.‬‬
‫فمن النّوع الوّل ‪ :‬عقد البيع بأنواعه من المقايضة والسّلم والصّرف ‪ ،‬وعقد الجارة‬
‫والستصناع ‪ ،‬والصّلح ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والخلع ‪ ،‬والمضاربة ‪ ،‬والمزارعة ‪ ،‬والمساقاة ‪،‬‬
‫والشّركة ونحوها ‪.‬‬

‫ومن النّوع الثّاني ‪ :‬عقد الهبة ‪ ،‬والعاريّة ‪ ،‬الوديعة ‪ ،‬والوكالة ‪ ،‬والكفالة بغير أمر‬
‫المدين ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬والوصيّة ونحوها ‪.‬‬
‫ومن آثار هذا التّقسيم ما قاله الزّركشيّ من أنّه حيث اعتبر العوض في عقد من الطّرفين‬
‫ أو من أحدهما ‪ -‬فشرطه أن يكون معلوما ‪ ،‬كثمن المبيع ‪ ،‬وعوض الجرة ونحوهما ‪،‬‬‫ن له مردّا معلوما ‪ ،‬وهو مهر‬
‫ن الجهالة فيه ل تبطله ؛ ل ّ‬
‫إلّ في الصّداق وعوض الخلع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫المثل ‪ ،‬وقد يكون العوض في حكم المجهول ‪ ،‬كالعوض في المضاربة والمساقاة ‪ ،‬وهناك‬
‫عقود يكتفى فيها بالعلم الطّارئ بالعوض ‪ ،‬كالشّركة مثلً فإنّه يشترط فيها العلم بقدر‬
‫النّسبتين في المال المختلط ‪ ،‬من كونه مناصفةً أو مثالثةً في الصحّ إذا أمكن معرفته من‬
‫بعد ‪ ،‬وعقود أخرى ل يكتفى فيها بالعلم ‪ ،‬كالقراض ‪ ،‬والقرض ‪ ،‬وهل تكفي معاينة الحاضر‬
‫عن معرفة قدره ؟ تختلف العقود حسب طبيعتها ‪ ،‬ففي بعض العقود تكفي معاينة البعض‬
‫كالبيع ‪ ،‬وفي بعضها ل تكفي كما في القراض ‪.‬‬
‫وأمّا عقود التّبرّع ‪ :‬فلنّه ل عوض فيها يغتفر فيها الغرر والجهالة اليسيرة ؛ لنّها مبنيّة‬
‫على اليسر والتّوسعة ‪.‬‬
‫وهناك عقود تعتبر تبرّعا في البتداء لكنّها معاوضة في النتهاء كعقد القرض ‪ ،‬فإنّ‬
‫المقرض متبرّع عند القراض لكنّه عند رجوعه على المقترض بمثل ما أخذ يئول إلى‬
‫المعاوضة ‪.‬‬
‫وكذلك عقد الكفالة بأمر المدين ‪ ،‬فإنّها تبرّع في البتداء ‪ ،‬حينما يلتزم الكفيل بالدّين الّذي‬
‫على المدين ‪ ،‬لكنّه إذا دفع الدّين للدّائن ورجع على المدين بمثل ما دفعه تصير عقد‬
‫معاوضة ‪.‬‬
‫ويختلف حكم عقود المعاوضة عن عقود التّبرّع في أنّ الوفاء بما يتعهّده العاقدان في عقود‬
‫ل بقوله‬
‫المعاوضة كالبيع والجارة ونحوهما واجب ‪ ،‬إذا تمّت صحيحةً بشروطها ‪ ،‬عم ً‬
‫ن في عدم الوفاء بها ضررا للعاقد الخر ‪ ،‬لضياع ما بذله من‬
‫تعالى ‪َ { :‬أوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ } ل ّ‬
‫العوض في مقابلته ‪ ،‬بخلف عقود التّبرّع ‪ ،‬كالهبة والعاريّة والقرض والوصيّة ‪ ،‬ونحوها ‪،‬‬
‫فل يجب الوفاء فيها بما تعهّد المتبرّع ؛ لنّه محسن ‪ ،‬وما على المحسنين من سبيل ‪ ،‬مع‬
‫تفصيل في مختلف العقود ‪.‬‬
‫ن الفقهاء صرّحوا باستحباب الوفاء في عقود التّبرّع ؛ لنّها من البرّ‬
‫ومع ذلك فإ ّ‬
‫ث الشّارع عليهما في أكثر من موضع ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَ َتعَاوَنُواْ عَلَى‬
‫والحسان ‪ ،‬وقد ح ّ‬
‫الْب ّر وَالتّ ْقوَى } ‪.‬‬
‫وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬

‫أمّا المالكيّة فيجب الوفاء عندهم في بعض عقود التّبرّع أيضا ‪ ،‬فالعاريّة المؤجّلة لزمة‬
‫عندهم إلى انقضاء الجل ‪ ،‬كما تلزم عندهم الهبة بالقبول ‪ ،‬فإن امتنع الواهب من تسليمها‬
‫يجبر عليه ‪.‬‬

‫سادسا ‪ :‬العقد الصّحيح ‪ ،‬والباطل ‪ ،‬والفاسد ‪:‬‬

‫‪51‬‬

‫ن العقد باعتبار إقرار الشّرع له وترتيب آثاره عليه وعدم ذلك‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫ينقسم إلى قسمين ‪ :‬العقد الصّحيح ‪ ،‬والعقد غير الصّحيح ‪.‬‬
‫فالعقد الصّحيح ‪ :‬هو ما كان مشروعا بأصله ووصفه معا ‪ ،‬بحيث يكون مستجمعا لركانه‬
‫وأوصافه ‪ ،‬فيترتّب عليه أثره المقصود منه ‪ ،‬كبيع العاقل البالغ المال المتقوّم الموجود‬
‫القابل للتّسليم بإيجاب وقبول معتبرين شرعا ‪ ،‬فإنّه يترتّب عليه أثره من نقل ملكيّة المبيع‬
‫للمشتري ونقل ملكيّة الثّمن للبائع ‪ ،‬وكالجارة للنتفاع بعين موجودة انتفاعا مشروعا ‪،‬‬
‫فيترتّب عليها أثرها المقصود منها من نقل النتفاع إلى المستأجر والجرة إلى المؤجّر ‪،‬‬
‫وهكذا في سائر العقود إذا لم يقع خلل في أركانها أو شروطها ‪.‬‬
‫والعقد غير الصّحيح ‪ :‬هو ما ل يعتبره الشّرع ‪ ،‬ول يترتّب عليه مقصوده ‪ .‬أو هو ‪ :‬ما ل‬
‫يكون مشروعا أصلً ووصفا ‪ ،‬أو يكون مشروعا أصلً لكن ل يكون مشروعا وصفا ‪ ،‬مثال‬
‫الوّل ‪ :‬عقد المجنون والصّبيّ غير المميّز ‪ ،‬أو العقد على الميتة والدّم وكلّ ما ل يعتبر‬
‫مالً ‪ ،‬ومثال الثّاني ‪ :‬العقد في حالة الكراه ‪ ،‬والعقد على مح ّل مجهول في عقود‬
‫المعاوضة‪ .‬وقد قسّم الحنفيّة العقد غير الصّحيح إلى ‪ :‬عقد باطل وعقد فاسد ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬بطلن ‪ ،‬فساد ) ‪.‬‬

‫سابعا ‪ :‬العقد النّافذ ‪ ،‬والعقد الموقوف ‪:‬‬

‫‪52‬‬

‫‪ -‬قسّم أكثر الفقهاء العقد باعتبار ظهور آثاره وعدم ظهورها إلى قسمين ‪:‬‬

‫ق الغير ‪ ،‬ويفيد الحكم في الحال ‪،‬‬
‫أ ‪ -‬العقد النّافذ ‪ ،‬وهو العقد الصّحيح الّذي ل يتعلّق به ح ّ‬
‫أو هو العقد الّذي يصدر ممّن له أهليّة التّصرّف ووليته ‪ ،‬سواء أكانت الولية أصل ّي ًة كمن‬
‫ي لمن تحت وليتهما أو عقد الوكيل‬
‫يعقد العقد لنفسه ‪ ،‬أم نياب ّي ًة كعقد الوصيّ أو الول ّ‬
‫لموكّله ‪.‬‬
‫وحكم العقد النّافذ أنّه ل يحتاج في ظهور آثاره إلى إجازة الغير ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العقد الموقوف ‪ :‬وهو العقد الّذي يصدر ممّن له أهليّة التّصرّف دون الولية ‪ ،‬كمن‬
‫ق الغير ‪.‬‬
‫يبيع مال غيره بغير إذنه ‪ ،‬أو هو عقد يتعلّق به ح ّ‬

‫وحكم العقد الموقوف ‪ -‬عند من يجيزه ‪ -‬هو أنّه عقد صحيح ؛ لنّه مشروع بأصله‬
‫ووصفه ‪ ،‬فيفيد الحكم لكن على وجه التّوقّف أي ‪ :‬تتوقّف آثاره وإفادته الحكم على إجازة‬
‫ي المميّز غير المأذون ونحوهما ‪.‬‬
‫من يملكها شرعا كعقد الفضوليّ والصّب ّ‬
‫واختلف الفقهاء في مشروعيّة العقد الموقوف وصحّته ‪:‬‬
‫فقال جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة في القديم ورواية عند‬
‫ن العقد الموقوف عقد صحيح يفيد الحكم على وجه التّوقّف ‪ ،‬فإن أجازه المالك‬
‫الحنابلة ‪ -‬إ ّ‬
‫أو من له الجازة والتّصرّف نفذ وإلّ بطل ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬العقد الموقوف ) ‪.‬‬

‫ثامنا ‪ :‬العقود المؤقّتة والعقود المطلقة ‪:‬‬

‫‪53‬‬

‫‪ -‬قسّم بعض الفقهاء العقد باعتبار قبوله التّأقيت وعدم قبوله ذلك إلى نوعين ‪ :‬العقود‬

‫المؤقّتة ‪ ،‬والعقود غير المؤقّتة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ك ّل عقد كانت المدّة ركنا فيه ل يكون إلّ مؤقّتا ‪ ،‬كالجارة والمساقاة‬
‫قال السّيوط ّ‬
‫والهدنة ‪ ،‬وكلّ عقد ل يكون كذلك ل يكون إلّ مطلقا ‪ ،‬وقد يعرض له التّأقيت حيث ل‬
‫ينافيه‪ ،‬كالقراض يذكر فيه مدّة ‪ ،‬ويمنع من الشّراء بعدها فقط ‪ ،‬وممّا ل يقبل التّأقيت ‪:‬‬
‫الجزية في الصحّ ‪ ،‬وعقد البيع ‪ ،‬والنّكاح ‪ ،‬والوقف ‪ ،‬وممّا يقبله وهو شرط في صحّته ‪:‬‬
‫الجارة وكذا المساقاة ‪ ،‬والهدنة في الصحّ ‪ ،‬وممّا يقبل التّأقيت وليس شرطا في صحّته‬
‫‪ :‬الوكالة ‪ ،‬والوصاية ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ :‬والحاصل أنّ ما ل يقبل التّأقيت ‪ -‬ومتى أقّت بطل ‪ -‬البيع بأنواعه والنّكاح ‪،‬‬
‫والوقف ‪.‬‬
‫وذكر سائر الفقهاء كذلك أنّ عقد الجارة من العقود المؤقّتة ‪.‬‬
‫كما قالوا في عقد الوكالة ‪ :‬إنّها تقبل التّوقيت ‪ ،‬وكذلك عقد المساقاة ‪ ،‬فإن لم يبيّن فيها‬
‫الوقت وقع على أوّل ثمر عند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪. -‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يصحّ تأقيت المساقاة ‪ ،‬ول يشترط أن تكون مؤقّتةً ؛ لنّه ل ضرر في تقدير‬
‫مدّتها ‪.‬‬
‫ومن العقود الّتي ل تقبل التّأقيت عقد الرّهن ‪.‬‬
‫وكذلك عقد الهبة ؛ لنّها تمليك العين بغير عوض في الحال ‪ ،‬وتمليك العيان ل يصحّ‬
‫مؤقّتا كالبيع ‪.‬‬

‫واختلفوا في عقد الكفالة ‪ ،‬هل تقبل التّأقيت أو ل ؟ فيرى الحنفيّة والشّافعيّة – في قول‬
‫عندهم – والحنابلة أنّه يجوز توقيتها ‪ ،‬وكذلك المالكيّة مع بعض الشّروط ‪ ،‬والصحّ عند‬
‫الشّافعيّة أنّه ل يجوز ذلك ‪.‬‬
‫وينظر ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أجل ف‬

‫‪48‬‬

‫‪-‬‬

‫‪59‬‬

‫)‪.‬‬

‫الشّروط المقترنة بالعقود ‪:‬‬

‫‪54‬‬

‫‪ -‬المراد بالشّروط المقترنة بالعقود ‪ :‬ما يذكر بين العاقدين ‪ ،‬فيقيّد أثر العقد أو يعلّقه‬

‫بأمر زائد على أصل العقد في المستقبل ‪.‬‬
‫وقد قسّم جمهور الفقهاء الشّرط المقترن بالعقد إلى نوعين ‪ :‬شرط صحيح ‪ ،‬وشرط غير‬
‫صحيح ‪.‬‬
‫وقسّمه الحنفيّة إلى ثلثة أنواع ‪ :‬الشّرط الصّحيح ‪ ،‬والشّرط الفاسد ‪ ،‬والشّرط الباطل ‪.‬‬
‫وضابط الشّرط الصّحيح ‪ :‬هو أن يكون صفة القائم بمحلّ العقد وقت صدوره ‪ ،‬أو ما‬
‫يقتضيه العقد أو يلئمه ‪ -‬وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء ‪ -‬أو ما ورد في الشّرع دليل‬
‫بجوازه ‪ ،‬أو ما يجري عليه التّعامل ‪ -‬كما أضاف فقهاء الحنفيّة ‪ -‬أو ما يحقّق مصلحةً‬
‫مشروعةً للعاقد ‪ ،‬كما قال الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ومن أمثلة الشّرط الصّحيح ‪ :‬اشتراط القبض في عقد البيع ‪ ،‬أو اشتراط الرّهن أو الكفالة‬
‫بالثّمن المؤجّل مثلً ‪ .‬فهذا النّوع وأمثاله من الشّروط الصّحيحة يمكن اشتراطه في العقد ‪،‬‬
‫ول يض ّر في انعقاده ول في صحّته ‪.‬‬
‫أمّا الشّرط الباطل أو الفاسد فهو ‪ :‬ما ل يقتضيه العقد ‪ ،‬ول يلئم مقتضاها أو ما يؤدّي إلى‬
‫غرر ‪ ،‬أو اشتراط أمر لم يرد في الشّرع أو نحوه ‪.‬‬
‫ومن هذا النّوع ما يبطل العقد ‪ ،‬كبيع حيوان على أنّه حامل ؛ لما فيه من غرر ‪ ،‬وكالعقد‬
‫المتضمّن على الرّبا ؛ لنهي الشّارع عنه ‪.‬‬
‫ح معه العقد ويلغو الشّرط نفسه ‪ ،‬كما لو شرط أحد العاقدين‬
‫ومن هذا النّوع أيضا ‪ :‬ما يص ّ‬
‫في المزارعة ‪ :‬أن ل يبيع الخر نصيبه ‪ ،‬أو يهبه لفلن ‪ ،‬ففي هذه الحالة عقد المزارعة‬
‫صحيح ‪ ،‬والشّرط باطل ‪ ،‬فيلغو الشّرط فقط ‪ ،‬كما قال الحنفيّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شرط ف‬

‫‪19‬‬

‫‪-‬‬

‫‪27‬‬

‫)‪.‬‬

‫آثار العقد ‪:‬‬

‫‪55‬‬

‫‪ -‬آثار العقد هي ‪ :‬ما يترتّب على العقد وما يهدف إليه العاقدان ‪ ،‬وهي المقصود‬

‫الصليّ للعاقدين من انعقاد العقد بينهما ‪.‬‬
‫وتختلف هذه الثار حسب اختلف العقود ‪.‬‬

‫ففي عقود الملكيّة الّتي ترد على العيان ‪ -‬كالبيع والهبة والقرض ‪ -‬أثر العقد نقل الملكيّة‬
‫من عاقد إلى آخر إذا استوفت أركانها وشروطها ‪ ،‬سواء أكان بعوض ‪ -‬كما في عقد البيع‬
‫فإنّه ينقل ملكيّة المبيع إلى المشتري ‪ ،‬وملكيّة الثّمن إلى البائع ‪ -‬أو بغير عوض كما في‬
‫عقد الهبة ‪ ،‬وكما في عقد الوصيّة بعد وفاة الموصي بقبول الموصى له أو بمجرّد الوفاة ‪،‬‬
‫على تفصيل وخلف عند الفقهاء ‪.‬‬
‫وفي عقود المنفعة أثر العقد ‪ :‬نقل المنفعة أو إباحة النتفاع من المعقود عليه بعوض كما‬
‫في عقد الجارة ‪ ،‬أو بغير عوض كما في عقدي العارة والوصيّة ‪.‬‬
‫وفي عقود التّوثيق كعقد الكفالة والرّهن أثر العقد توثيق الدّين باشتراك ذمّة جديدة مع ذمّة‬
‫المدين ‪ ،‬أو حبس الرّهن حتّى يؤدّى الدّين ‪.‬‬
‫وفي عقد الحوالة ‪ :‬بنقل الدّين من ذمّة المدين إلى شخص ثالث ‪.‬‬
‫وفي عقود العمل ‪ :‬حقّ التّصرّف في المعقود عليه بالعمل فيه ‪ ،‬كما في عقد المضاربة‬
‫وعقود الشّركة ‪ ،‬وكما في عقدي المزارعة والمساقاة ونحوهما ‪.‬‬
‫وفي عقد اليداع ‪ :‬حفظ الوديعة بيد الوديع ‪.‬‬
‫وفي عقد النّكاح ‪ :‬حلّ استمتاع كلّ من الزّوجين بالخر ‪.‬‬
‫وهكذا في كلّ عقد يعقد لغرض من الغراض المشروعة‬

‫انتهاء العقد وأسبابه ‪:‬‬

‫‪56‬‬

‫‪ -‬انتهاء العقد إمّا أن يكون اختياريّا أو يكون ضروريّا ‪.‬‬

‫والوّل ‪ :‬إمّا أن يكون بإرادة عاقد واحد أو بإرادة كليهما ‪ ،‬فإذا كان بإرادة أحد العاقدين‬
‫يسمّى في اصطلح الفقهاء فسخا ‪ ،‬وإذا كان برضا كل العاقدين يسمّى إقالةً ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ ،‬أي النتهاء الضّروريّ ‪ :‬إمّا أن يكون في العقود المؤقّتة ‪ ،‬كالجارة والعارة‬
‫والوكالة ونحوها ‪ ،‬أو يكون في العقود المطلقة ‪ ،‬كالرّهن والنّكاح والبيع ونحوها ‪ ،‬ويسمّى‬
‫النتهاء في هذه الصّورة انفساخا ‪.‬‬
‫ولكلّ هذه الصّور أسباب وأحكام نجملها فيما يلي ‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬السباب الختياريّة لنتهاء العقد ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفسخ ‪:‬‬

‫‪57‬‬

‫‪ -‬الفسخ حلّ ارتباط العقد ورفع حكمه بالرادة ‪ ،‬ويكون في العقود غير الَلزمة‬

‫بطبيعتها ‪ ،‬كعقد الوكالة الوديعة والشّركة ونحوها اتّفاقا ‪ ،‬وكذا عقد العارة المطلقة عند‬
‫جمهور الفقهاء ‪ ،‬أو بشرط أن ل تكون مقيّدةً بعمل أو أجل عند المالكيّة ‪ ،‬فهذه العقود‬
‫يمكن إنهاؤها بالفسخ بإرادة كلّ من العاقدين مع مراعاة عدم الضّرر ‪ ،‬وكذا العقود الَلزمة‬

‫كعقد البيع والجارة وغيرهما إذا كان فيها خيار لكلّ من الطّرفين أو أحدهما ‪ ،‬فتفسخ بإرادة‬
‫من له الخيار ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك كلّه في مصطلح ‪ ( :‬فسخ ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬القالة ‪:‬‬

‫‪58‬‬

‫‪ -‬القالة رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطّرفين ‪ ،‬ومحلّ القالة العقود الَلزمة‬

‫ن هذه العقود ل يمكن فسخها إلّ بإرادة الطّرفين‬
‫من الطّرفين ممّا يقبل الفسخ بالخيار ؛ ل ّ‬
‫ح في عقود البيع والمضاربة ‪ ،‬والجارة‬
‫واتّفاق المتعاقدين ‪ ،‬وعلى ذلك فإنّ القالة تص ّ‬
‫والرّهن – بالنّسبة للرّاهن – والسّلم والصّلح وهي عقود لزمة ‪.‬‬
‫ول تصحّ القالة في العقود غير الَلزمة كالعارة والوصيّة ‪ ،‬والجعالة أو العقود الَلزمة‬
‫الّتي ل تقبل الفسخ بالخيار كالوقف والنّكاح ‪.‬‬
‫ولشروط القالة وأثرها في إنهاء العقود ينظر مصطلح ‪ ( :‬إقالة ف ‪، 7‬‬

‫‪12‬‬

‫)‪.‬‬

‫ج ‪ -‬انتهاء المدّة المعيّنة أو العمل المعيّن ‪:‬‬

‫‪59‬‬

‫‪ -‬تنتهي بعض العقود بانتهاء مدّتها المقرّرة لها باتّفاق الطّرفين ‪ ،‬أو بانتهاء العمل‬

‫الّذي عقد العقد لجله ‪.‬‬
‫فعقد الجارة المقيّد بمدّة ينتهي بانتهاء المدّة باتّفاق الفقهاء كالدّار للسّكنى أو الرض‬
‫للزّراعة ‪ ،‬إلّ إذا وجد عذر يقتضي امتداد المدّة ‪ ،‬كأن يكون في الرض زرع لم يحصد ‪ ،‬أو‬
‫كانت سفينةً في البحر وانقضت المدّة قبل وصولها إلى السّاحل ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬إجارة ف‬

‫‪60‬‬

‫)‪.‬‬

‫كما تنقضي الجارة لعمل معيّن بانتهاء العمل المعقود عليه في إجارة الشخاص ‪ ،‬كالحمّال‬
‫والقصّار والخيّاط إذا أنهوا العمل ‪.‬‬
‫وكذلك عقد الوكالة المقيّدة لجراء عمل معيّن ‪ ،‬فإنّها تنتهي بانتهاء العمل المفوّض للوكيل‬
‫‪ .‬ر ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬أسباب العقد الضّروريّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬هلك المعقود عليه ‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫ن تلف المعقود عليه سبب لنتهاء بعض العقود ‪ ،‬وذلك لتعذّر‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫دوام العقد ‪ ،‬فإذا تلفت الدّابّة المستأجرة ‪ ،‬أو انهدمت الدّار المستأجرة للسّكنى انفسخت‬
‫الجارة ‪.‬‬

‫وكذلك إذا تلفت العين المعارة أو المودعة في عقدي العاريّة واليداع ‪ ،‬أو تلف رأس المال‬
‫في عقدي الشّركة ‪ -‬شركة الموال أو المضاربة ‪ -‬كما هو مفصّل في المصطلحات الخاصّة‬
‫بكلّ عقد من هذه العقود ‪.‬‬
‫وهذا السّبب يؤثّر في العقود المستمرّة الّتي تدوم آثارها بدوام المحلّ ‪ ،‬أمّا ما يظهر أثره‬
‫فورا ‪ -‬كعقد البيع مثلً ‪ -‬فل يؤثّر فيه هلك المعقود عليه ‪ -‬المبيع ‪ -‬بعد قبض البدلين ‪.‬‬
‫أمّا قبل قبض المبيع ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في أثر هلك المبيع في انفساخ البيع ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة بانفساخه ‪ ،‬مع تفصيل عندهم ‪:‬‬
‫قال الكاسانيّ في هلك المبيع قبل القبض ‪ :‬إن هلك كلّه قبل القبض بآفة سماويّة انفسخ‬
‫البيع ؛ لنّه لو بقي أوجب مطالبة المشتري بالثّمن ‪ ،‬وإذا طالبه بالثّمن فهو يطالبه بتسليم‬
‫المبيع ‪ ،‬وإنّه عاجز عن التّسليم ‪ ،‬فتمتنع المطالبة أصلً ‪ ،‬فلم يكن في بقاء البيع فائدة ‪،‬‬
‫فينفسخ ‪ ،‬وكذلك إذا هلك بفعل المبيع ‪ ،‬بأن كان حيوانا فقتل نفسه ‪ ،‬وكذا إذا هلك بفعل‬
‫البائع ‪ ،‬ويسقط الثّمن عن المشتري عندنا ‪ ،‬وإن هلك بفعل المشتري ل ينفسخ البيع وعليه‬
‫الثّمن ؛ لنّه بالتلف صار قابضا ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ‪ ،‬فإن تلف بآفة سماويّة انفسخ البيع‬
‫وسقط الثّمن عن المشتري ‪.‬‬
‫ي من‬
‫ق توفية لمشتريه ‪ -‬وهو المال المثل ّ‬
‫أمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬إذا كان المبيع ممّا فيه ح ّ‬
‫مكيل أو موزون أو معدود ‪ -‬ينفسخ العقد بالتّلف والضّمان على البائع ‪ ،‬أمّا إذا كان المبيع‬
‫معيّنا وعقارا أو من الموال القيميّة فل ينفسخ العقد بالتّلف ‪ ،‬وينتقل الضّمان إلى المشتري‬
‫بالعقد الصّحيح الَلزم ومثله عند الحنابلة ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬وفاة أحد العاقدين أو كليهما ‪:‬‬

‫‪61‬‬

‫‪ -‬وفاة أحد العاقدين أو كليهما ل تؤثّر في العقود الَلزمة في الجملة ‪ ،‬ما عدا عقد‬

‫الجارة عند الحنفيّة ‪ ،‬فإنّهم يقولون ‪ :‬تنفسخ الجارة بوفاة المؤجّر أو المستأجر ؛ لنّ‬
‫المنافع ليست أموالً موجودةً حين العقد وتحدث شيئا فشيئا ‪ ،‬فإذا أبقينا عقد الجارة بعد‬
‫الوفاة فالمستأجر أو ورثته ينتفعان من العين المنتقلة ملكيّتها بوفاة المؤجّر إلى الورثة ‪،‬‬
‫والمنافع المستحدثة لم تكن موجودةً حين الوفاة حتّى تنتقل إلى ورثة المستأجر ‪.‬‬
‫ن الموت ل يؤثّر في انتهاء عقد الجارة إذا كانت مدّتها باقيةً ؛‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫لنّ المنافع أموال يقدّر وجودها حين العقد ‪ ،‬فانتقلت إلى المستأجر بالعقد ‪.‬‬
‫أمّا العقود غير الَلزمة ‪ -‬كالوكالة والعارة الوديعة ونحوها ‪ -‬فتنفسخ في الجملة وتنتهي‬
‫بوفاة أحد العاقدين أو كليهما ؛ لنّها عقود تنفسخ بإرادة أحد الطّرفين في حياتهما وتستمرّ‬

‫بإرادتهما ‪ ،‬فإذا توفّي العاقد فقد بطلت إرادته وانتهت رغبته ‪ ،‬فبطلت آثار هذه العقود الّتي‬
‫كانت تستمرّ باستمرار إرادة العاقدين ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬غصب المعقود عليه ‪:‬‬

‫‪62‬‬

‫‪ -‬غصب محلّ بعض العقود يوجب انفساخها ‪ ،‬ففي عقد الجارة قال الشّافعيّة ‪،‬‬

‫والحنابلة ‪ :‬إن غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ ؛ لنّ فيه تأخير حقّه ‪ ،‬فإن فسخ‬
‫فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين ‪ ،‬وإن لم يفسخ حتّى انقضت مدّة الجارة فله‬
‫الخيار بين الفسخ والرّجوع بالمسمّى ‪ ،‬وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجر‬
‫المثل ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر سقط الجر كلّه فيما إذا‬
‫غصبت في جميع المدّة ‪ ،‬وإن غصبت في بعضها سقط بحسابها ‪ ،‬وذلك لزوال التّمكّن من‬
‫النتفاع بالعين المستأجرة ‪ ،‬وتنفسخ الجارة بالغصب في المشهور عند الحنفيّة ‪ ،‬خلفا‬
‫لبعضهم ‪ .‬وألحق المالكيّة الغصب بتعذّر الستيفاء من المعقود عليه ‪ ،‬فحكموا بانفساخ‬
‫العقد به ‪ ،‬وصرّحوا بأنّ الجارة تنفسخ بتعذّر ما يستوفى منه المنفعة ‪ ،‬والتّعذّر أعمّ من‬
‫التّلف ‪ ،‬فيشمل الضّياع والمرض والغصب وغلق الحوانيت قهرا وغير ذلك ‪.‬‬

‫د ‪ -‬أسباب أخرى يفسخ بها العقد أو ينتهي ‪:‬‬

‫‪63‬‬

‫‪ -‬ذكر بعض الفقهاء من أسباب فسخ العقد أو انتهائه الستحقاق ‪ ،‬فقد ذكر المالكيّة ‪،‬‬

‫والشّافعيّة والحنابلة أنّ المبيع إذا استحقّ للغير بالبيّنة أو بإقرار المشتري فإنّ البيع ينفسخ‬
‫ن الحكم بالستحقاق ل يوجب فسخ العقد ‪ ،‬بل يوجب‬
‫وينتهي حكمه ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫توقّفه على إجازة المستحقّ ‪ ،‬فإن أجاز وإلّ ينفسخ ويستر ّد المشتري الثّمن من البائع ‪.‬‬
‫كما فصّل في مصطلح ‪ ( :‬استحقاق ف ‪ 9‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬أهل ال ّذمّة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَقْد ال ّذمّة *‬
‫عَقْد َموْقُوف *‬

‫‪ -‬يطلق العقد في اللّغة على معان كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬الرّبط والشّدّ والتّوثيق ‪ ،‬فقد جاء في‬

‫تاج العروس ‪ :‬عقد الحبل والبيع والعهد يعقده عقدا أي شدّه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هو ‪ :‬الرّبط بين كلمين أو ما يقوم مقامهما على وجه ينشأ عنه أثره‬
‫ي‪.‬‬
‫الشّرع ّ‬

‫أمّا الموقوف فمن الوقف ‪ ،‬وهو لغ ًة ‪ :‬الحبس ‪ ،‬وقيل للموقوف ‪ -‬وقف ‪ -‬من باب إطلق‬
‫المصدر ‪ ،‬وإرادة اسم المفعول ‪ ،‬والموقوف ‪ :‬كلّ ما حبس بوجه من الوجوه ‪.‬‬
‫أمّا الوقف في الصطلح ‪ ،‬فقد عرّفه الفقهاء بتعاريف مختلفة ل تخرج في معناها عن‬
‫الحبس والتّأخير ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬العقد الموقوف في البيع هو ‪ :‬ما كان مشروعا بأصله ووصفه ويفيد‬
‫الملك على سبيل التّوقّف ‪ ،‬ول يفيد تمامه لتعلّق حقّ الغير ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬البيع النّافذ ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫ق الغير ويفيد الحكم في الحال ‪،‬‬
‫‪ -‬البيع النّافذ هو ‪ :‬البيع الصّحيح الّذي ل يتعلّق به ح ّ‬

‫فهو ض ّد البيع الموقوف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البيع الفاسد ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬البيع الفاسد هو ‪ :‬ما يكون مشروعا أصلً ل وصفا ‪ ،‬والمراد بالصل الصّيغة‬

‫والعاقدان والمعقود عليه ‪ ،‬وبالوصف ما عدا ذلك ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البيع الباطل ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬البيع الباطل هو ‪ :‬ما لم يشرع ل بأصله ول بوصفه ‪.‬‬

‫والبيع الفاسد والباطل كلهما غير صحيح ‪ ،‬بخلف العقد الموقوف ‪ ،‬فإنّه صحيح متوقّف‬
‫على الجازة ‪.‬‬

‫حكم العقد الموقوف ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّ في القديم ‪ ،‬وهو إحدى روايتين عند الحنابلة ‪ :‬إلى‬

‫أنّ العقد الموقوف صحيح ‪ ،‬ويتوقّف نفاذه على إجازة من له الجازة ‪.‬‬
‫وقد استدلّ هؤلء الفقهاء على صحّة العقد الموقوف بالكتاب والسّنّة والقياس ورعاية‬
‫المصلحة ‪:‬‬
‫حلّ الّلهُ الْبَ ْيعَ َوحَ ّرمَ الرّبَا } ‪.‬‬
‫أمّا الكتاب فقد احتجّوا بعموم قوله تعالى ‪َ { :‬وَأ َ‬
‫طلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَ ًة عَن‬
‫ن آمَنُواْ َل تَ ْأكُلُواْ َأ ْموَا َل ُكمْ بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫وقولـه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ض مّنكُمْ } ‪.‬‬
‫تَرَا ٍ‬
‫ضلِ الّلهِ } ‪.‬‬
‫ت الصّلةُ فَان َتشِرُوا فِي الَرْضِ وَابْ َتغُوا مِن فَ ْ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬فَإِذَا قُضِيَ ِ‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى شرع البيع والشّراء والتّجارة ابتغاء‬
‫ووجه الدّللة من هذه اليات ‪ :‬أ ّ‬
‫الفضل ‪ ،‬من غير فصل بين ما إذا وجد من المالك بطريق الصالة ‪ ،‬وبين ما إذا وجد من‬

‫الوكيـل فـي البتداء ‪ ،‬أو بيـن مـا إذا وجدت الجازة مـن المالك فـي النتهاء ‪ ،‬وبيـن وجود‬
‫الرّضا في التّجارة عند العقد أو بعده ‪ ،‬فيجب العمل بإطلقها إلّ ما خصّ بدليل ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أعطاه دينارا‬
‫ي‪»:‬أّ‬
‫وأمّا ال سّنّة فاستدلّوا بحديث عروة البارق ّ‬
‫يشتري له به شاةً فاشترى له به شات ين فباع إحداه ما بدينار فجاء بشاة ودينار ‪ ،‬فد عا له‬
‫بالبركة في بيعه ‪ ،‬وكان لو اشترى التّراب لربح فيه « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عل يه و سلم أذن لعروة البارق يّ ر ضي ال ع نه أن‬
‫وو جه ال ستدلل ‪ :‬أ ّ‬
‫فإنـ‬
‫يشتري شا ًة ‪ ،‬ولم يأذن له فـي أن يـبيع مـا يشتريـه ‪ ،‬فيكون بيعا فضوليّا ‪ ،‬ومـع ذلك ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يبطل العقد ‪ ،‬بل أقرّه فد ّل على أ نّ مثل هذا التّصرّف صحيح‬
‫ينتج آثاره بالقرار أو الجازة ‪.‬‬
‫وأمّا القياس ‪ :‬فقـد قاسـوا التّصـرّف الموقوف على وصـيّة المديـن بديـن مسـتغرق ‪ ،‬كـبيع‬
‫المرهون فإنّه ينعقد موقوفا على إجازة المرتهن ‪ ،‬وعلى العقد المشروط الّذي فيه الخيار ؛‬
‫لنـ الوصـيّة مـن المديـن بديـن مسـتغرق لماله تتوقّف على إجازة المسـتحقّ ‪ ،‬فالوصـيّة‬
‫ّ‬
‫تصرّف صحيح ول حكم له في الحال ‪ ،‬وكذلك البيع المشروط فيه الخيار تصرّف صحيح ول‬
‫حكم له في الحال حتّى يتحقّق كمال الرّضا بين المتعاقدين ‪.‬‬
‫ويرى فر يق آ خر من الفقهاء ‪ ،‬و هو المشهور في المذ هب ع ند الشّافعيّة والمذ هب ع ند‬
‫ن الع قد الموقوف با طل ول ي صحّ بالجازة ‪.‬‬
‫الحنابلة ‪ ،‬و هو قول أ بي ثور وا بن المنذر ‪ :‬أ ّ‬
‫واستدلّوا على بطلن العقد الموقوف بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أ نّ‬
‫النّبيّ صلى ال عل يه و سلم قال ‪ » :‬ل طلق إلّ في ما تملك ‪ ،‬ول ع تق إلّ في ما تملك ‪ ،‬ول‬
‫بيع إلّ فيما تملك ‪ ،‬ول وفاء نذر إلّ فيما تملك « ‪.‬‬
‫ي أ حد طر في الب يع ‪ ،‬فلم ي قف الب يع على الجازة‬
‫وا ستدلّوا كذلك على البطلن بأ نّ الفضول ّ‬
‫كالقبول ؛ ولنّه باع ما ل يقدر على تسليمه كالسّمك في الماء والطّير في الهواء ‪.‬‬
‫ي ف ‪ 2‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬بيع الفضول ّ‬

‫التّصرّفات الّتي يسري عليها حكم العقد الموقوف ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بيع الصّبيّ المميّز وشراؤه ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على بطلن تصرّفات الصّبيّ غير المميّز من بيع وشراء وغير ذلك ؛ لنّ‬

‫عبارته ملغاة ل اعتداد بها شرعا ‪ ،‬فل تصحّ بها عبادة ‪ ،‬ول تجب بها عقوبة ‪ ،‬ول ينعقد‬
‫ن التّمييز ‪.‬‬
‫معها بيع أو شراء ‪ ،‬ويستمرّ هكذا حتّى يبلغ السّابعة وهو س ّ‬
‫ي المميّز فقد اختلف الفقهاء في انعقاد تصرّفاته من بيع أو شراء إلى فريقين ‪:‬‬
‫أمّا الصّب ّ‬
‫فذهب الفريق الوّل ‪ -‬وهم الحنفيّة والمالكيّة وأحمد في رواية ‪ -‬إلى أنّ تصرّف الصّبيّ‬

‫ي ‪ ،‬وإ ّل كان موقوفا على إجازة الوليّ أو‬
‫المميّز ينعقد بالبيع والشّراء فيما أذن له الول ّ‬
‫الوصيّ ‪.‬‬
‫ي المميّز‬
‫وذهب الفريق الثّاني ‪ -‬وهم الشّافعيّة وأحمد في رواية ‪ -‬إلى أنّ بيع الصّب ّ‬
‫وشراءه ل ينعقد أيّ منهما لعدم أهليّته ؛ لنّ شرط العاقد عندهم سواء أكان بائعا ‪ ،‬أم‬
‫مشتريا هو الرّشد ‪.‬‬

‫ب ‪ :‬تصرّفات السّفيه الماليّة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تصرّفات السّفيه الماليّة كالبيع والشّراء والجارة الّتي يعقدها ‪.‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة وأحمد في‬
‫رواية ‪ -‬إلى أنّ هذه التّصرّفات صحيحة وتنعقد موقوف ًة على إجازة وليّه ‪ ،‬فإن أجازها‬
‫نفذت وإلّ بطلت ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وأحمد في رواية إلى أنّ تصرّفات السّفيه الماليّة باطلة مستدلّين بقوله‬
‫ج َعلَ الّلهُ َلكُمْ قِيَاما وَارْزُقُو ُهمْ فِيهَا وَا ْكسُو ُهمْ }‬
‫س َفهَاء َأ ْموَا َل ُكمُ الّتِي َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬و َل ُتؤْتُواْ ال ّ‬
‫ن السّفيه مبذّر لماله ومتلف له ‪ ،‬فيجب أن يمنع عنه ماله ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من هذه الية أ ّ‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّها صحيحة نافذة ؛ لنّه لم ير الحجر على السّفيه أصلً ‪ ،‬فهو‬
‫كالرّشيد في سائر تصرّفاته ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬تصرّف ذي الغفلة وعقوده ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذو الغفلة هو ‪ :‬من يغبن في البيوع لسلمة قلبه ‪ ،‬ول يهتدي إلى التّصرّفات الرّابحة ‪.‬‬

‫وعلى الرّغم من اختلف الفقهاء في تعريف ذي الغفلة إ ّل أنّ المعنى عندهم واحد ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرّفات ذي الغفلة وعقوده والحجر عليه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حجر ف‬

‫‪15‬‬

‫)‪.‬‬

‫د ‪ -‬تصرّفات الفضوليّ ‪:‬‬

‫ق غيره بغير إذن شرعيّ ‪.‬‬
‫ي هو ‪ :‬من يتصرّف في ح ّ‬
‫‪ -9‬الفضول ّ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم العقد الّذي يوقعه الفضوليّ للمالك على الوجه التي ‪:‬‬
‫ن عقوده‬
‫ذهب الحنفيّة وأحمد في رواية والشّافعيّ في القديم إلى أنّ تصرّفاته معتبرة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫في حالتي البيع والشّراء منعقدة إلّ أنّها موقوفة على إجازة صاحب الشّأن ‪ ،‬فإن أجازها‬
‫ن الجازة الَلحقة كالوكالة السّابقة ‪.‬‬
‫جازت ونفذت وإلّ بطلت ؛ ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى صحّة عقد الفضوليّ موقوفا على إجازة المالك كذلك ‪ ،‬وقيّده بعضهم بما‬
‫إذا كان المشتري غير عالم بالفضوليّة ‪.‬‬

‫واستدلّ الحنفيّة والمالكيّة على صحّة تصرّفات الفضوليّ بعموم قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ‬
‫آمَنُواْ َأوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ } ‪.‬‬
‫حلّ الّل ُه الْبَيْ َع َوحَ ّرمَ الرّبَا } ‪.‬‬
‫وقوله ‪َ { :‬وأَ َ‬
‫وبحديث عروة البارقيّ رضي ال عنه السّابق ‪.‬‬
‫ي كامل الهليّة ‪ ،‬فإعمال عقده أولى من إهماله ‪ ،‬وربّما كان في العقد مصلحة‬
‫ن الفضول ّ‬
‫وبأ ّ‬
‫للمالك وليس فيه أي ضرر ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ في مذهبه الجديد وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد إلى أنّه ل تصحّ تصرّفات‬
‫الفضوليّ ‪ ،‬فبيع الفضوليّ وشراؤه باطل من أساسه ‪ ،‬ول ينعقد أصلً فل تلحقه إجازة‬
‫صاحب الشّأن ‪.‬‬
‫ي جائز موقوف على الجازة إذا دعت الحاجة إلى‬
‫وقال ابن رجب ‪ :‬تصرّف الفضول ّ‬
‫التّصرّف في مال الغير أو حقّه وتعذّر استئذانه إمّا للجهل بعينه أو لغيبته ومشقّة انتظاره ‪.‬‬
‫وقد استدلّ الشّافعيّة والحنابلة على بطلن تصرّفات الفضوليّ بما ورد عن النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم أنّه قال لحكيم بن حزام رضي ال عنه ‪ » :‬ل تبع ما ليس عندك « أي ‪ :‬ما‬
‫ليس مملوكا للبائع وذلك للغرر النّاشئ عن عدم القدرة على التّسليم وقت العقد وما يترتّب‬
‫ن الولية شرط لنعقاد العقد ‪.‬‬
‫عليه من النّزاع ؛ ول ّ‬

‫صور عقد الفضوليّ ‪:‬‬

‫ي ما يأتي ‪:‬‬
‫من صور عقد الفضول ّ‬

‫الصّورة الولى ‪ :‬بيع الغاصب ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫ي في القديم وهو‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع الغاصب ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافع ّ‬

‫رواية عن أحمد إلى صحّة عقد بيع الغاصب ونفوذه بالجازة ‪.‬‬
‫ن بيع الغاصب ل يخرج عن كونه عقدا فضوليّا توفّرت فيه جميع الشّروط‬
‫ووجهة نظرهم أ ّ‬
‫صحّة ‪ ،‬فيلزم القول بصحّته ونفوذه إذا أجازه المالك ‪ ،‬ويعبّر عن ذلك‬
‫المطلوبة لل ّ‬
‫ن من أصلنا أنّ ما له مجيز حال وقوعه يتوقّف على الجازة ‪ ،‬وأنّ‬
‫السّرخسيّ فيقول ‪ :‬فإ ّ‬
‫ن الشّرط لتمام العقد بالجازة بقاء المتعاقدين‬
‫الجازة في النتهاء كالذن في البتداء ‪ ،‬ولك ّ‬
‫والمعقود عليه والمجيز وذلك كلّه باق هنا ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬إنّ الغاصب أو المشتري منه إذا باع الشّيء المغصوب فإنّ للمالك أن يجيز‬
‫وقال الخرش ّ‬
‫ذلك البيع ؛ لنّ غايته أنّه بيع فضوليّ ‪ ،‬وله أن يردّه ‪ ،‬وظاهره سواء قبض المشتري‬
‫المبيع أم ل ‪ ،‬وظاهره علم المشتري أنّه غاصب أم ل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ في الجديد وهو أظهر الرّوايتين عن أحمد إلى بطلن بيع الغاصب ‪.‬‬

‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع الفضوليّ ) ‪.‬‬

‫الصّورة الثّانية ‪ :‬تصرّف الوكيل إذا تجاوز حدود الوكالة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬مخالفة الوكيل في الشّراء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مخالفة الوكيل في جنس الموكّل بشرائه ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬إذا وكّل إنسان آخر في شراء ثوب من القطن فعلى الوكيل أن يلتزم بما قيّده به‬

‫موكّله ول يخالفه ‪ ،‬فإن اشترى ثوبا من صوف فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة ورواية عن‬
‫أحمد إلى أنّ شراء الوكيل وإن خالف موكّله صحيح ‪ ،‬لكنّه موقوف على إجازة الموكّل ‪،‬‬
‫فإن أجازه نفذ ‪ ،‬وإلّ فإنّه ينفذ على الوكيل ‪.‬‬
‫ن الشّراء في هذه الحالة باطل في حقّ‬
‫وذهب الشّافعيّة وهي الرّواية الخرى عن أحمد إلى أ ّ‬
‫الموكّل ويقع الشّراء للوكيل ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬مخالفة الوكيل في جنس الثّمن ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫ن الموكّل لم يأذن به ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى بطلن شراء الوكيل ؛ ل ّ‬

‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الوكيل بالشّراء إذا اشترى بغير جنس الثّمن فإنّه يكون فضوليّا ‪،‬‬
‫فإن أجازه الموكّل نفذ عليه وإلّ فعلى الوكيل ‪.‬‬
‫وفي رواية عن أبي حنيفة وهو قول ابن قدامة من الحنابلة أنّ الشّراء يلزم الموكّل ؛ لنّ‬
‫ن الوكيل مأذون بالشّراء عرفا ‪.‬‬
‫الدّراهم والدّنانير جنس واحد ؛ ول ّ‬
‫والرّواية المشهورة عن أبي حنيفة وصاحبيه ‪ :‬أنّ الشّراء ل يلزم الموكّل ؛ لنّ الدّراهم‬
‫والدّنانير جنسان مختلفان ‪ ،‬فيكون الوكيل مخالفا ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬مخالفة الوكيل المقيّد بالشّراء في قدر الثّمن ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬إذا كان القيد بالشّراء في قدر الثّمن فمخالفة الوكيل إمّا أن تكون إلى خير أو إلى شرّ‬

‫‪ ،‬فإن كانت مخالفةً إلى خير ‪ :‬كأن وكّله بشراء دكّان بألف دينار فاشتراه بتسعمائة فذلك‬
‫جائز باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫وأمّا إذا خالف الوكيل إلى شرّ ‪ :‬بأن اشترى الدّار بأكثر من ثمنها الّذي عيّنه الموكّل فإنّه‬
‫ينظر في الزّيادة ‪ ،‬فإذا كانت قليل ًة يتغابن النّاس في مثلها عادةً فإنّها تلزم الموكّل ؛ لنّ‬
‫مثل هذه الزّيادة متعارف على وقوعها ‪.‬‬
‫وأمّا إن كانت كثيرةً ل يتغابن النّاس في مثلها فقد اختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ العقد صحيح ‪ ،‬ويلزم الوكيل المشترى ‪ ،‬ويصير مشتريا لنفسه ‪.‬‬

‫ن العقد صحيح إذا كانت الزّيادة كثير ًة عمّا سمّاه له الموكّل ‪ ،‬ويكون‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫موقوفا على إجازته ‪ ،‬فإذا قبل فبها ونعمت ‪ ،‬وإلّ لزمت الزّيادة الوكيل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ العقد باطل ‪.‬‬
‫وللحنابلة في هذه الحالة روايتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬أنّ العقد يقع صحيحا ؛ لنّه مستند في أصله إلى إذن صحيح ‪ ،‬فيلزم الموكّل‬
‫ويلتزم الوكيل بالزّائد عن المسمّى ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬يبطل لمخالفته صريح الذن ‪.‬‬

‫د ‪ -‬مخالفة الوكيل المقيّد بالشّراء في صفة الثّمن ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬إن كان القيد في صفة الثّمن ‪ :‬كأن يوكّل شخص آخر بشراء سيّارة بألف دينار نسيئة‬

‫فيشتريها بألف حالّة فقد اختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الشّراء صحيح ويلزم الموكّل ؛ لنّ مخالفة الموكّل في‬
‫الشّراء صوريّة ‪ ،‬والعبرة في المخالفة في المعنى ل في الصّورة ‪.‬‬
‫ن الشّراء صحيح ‪ ،‬لكنّه ل يلزم الموكّل إلّ أن يرضى به ‪،‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ويقع للوكيل عند عدم الرّضا به ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬مخالفة الوكيل في البيع ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مخالفة الوكيل بالبيع حين يكون مقيّدا على الوجه التي ‪:‬‬

‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ مخالفة الوكيل في البيع إذا كانت إلى خير ‪ ،‬فإنّ‬
‫بيعه صحيح وينفذ على الموكّل ‪ ،‬كما لو وكّله ببيع ثوب حرير بمائة درهم فباعه بمائة‬
‫ن الذن في هذا حاصل دللةً ‪.‬‬
‫وعشرين ؛ ل ّ‬
‫أمّا إذا تصرّف الوكيل خلفا لما أذن له الموكّل ‪ ،‬كأن أمره بالبيع على الحلول فباع نسيئةً ‪،‬‬
‫ن بيع الوكيل هنا يكون موقوفا على إجازة الموكّل ‪ ،‬فإن أجازه نفذ عليه وإلّ فعلى‬
‫فإ ّ‬
‫الوكيل ‪ ،‬وذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وعند الحنابلة روايتان في صحّته وبطلنه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة مخالفة الوكيل في بيع غير مأذون فيه من قبل الموكّل تبطل بيع الوكيل ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬الوصيّة بمال الغير ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫ي بمال الغير موقوفةً على الجازة ممّن يملكها ‪،‬‬
‫‪ -‬أجاز الحنفيّة انعقاد وصيّة الفضول ّ‬

‫فإذا أجازها نفذت وإذا لم يجزها بطلت ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬

‫الصّورة الرّابعة ‪ :‬هبة مال الغير ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في هبة مال الغير بغير إذنه إلى فريقين ‪:‬‬

‫الفريق الوّل ‪ :‬يرى في هبة مال الغير أنّها تنعقد موقوفةً على إجازة المالك أو من له الحقّ‬
‫في الجازة شرعا ‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة في القديم والمالكيّة في قول ‪،‬‬
‫ي صادر ممّن هو أهل لصداره مضاف‬
‫ي لمال الغير تصرّف شرع ّ‬
‫ن هبة الفضول ّ‬
‫واحتجّوا بأ ّ‬
‫إلى المحلّ ‪ ،‬فينعقد موقوفا على إجازة صاحب الحقّ ‪ ،‬فإن أجازه نفذ وإن ردّه بطل ‪،‬‬
‫ن الضّرر يتحقّق في‬
‫يضاف إلى ذلك أنّه ل ضرر من انعقاد الهبة موقوف ًة على الجازة ؛ ل ّ‬
‫انعقادها من الفضوليّ نافذ ًة ل موقوفةً ‪.‬‬
‫أمّا الفريق الثّاني ‪ :‬فقد ذهب إلى بطلن هبة مال الغير ‪ ،‬وهذا قول للمالكيّة والشّافعيّة في‬
‫الجديد ‪ ،‬واحتجّوا على بطلن هبة مال الغير بالقياس ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هبة الفضوليّ لمال الغير‬
‫كبيعه تنعقد باطل ًة ‪ ،‬فكما ل يصحّ بيع الفضوليّ ل تصحّ هبته ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬هبة ) ‪.‬‬

‫الصّورة الخامسة ‪ :‬وقف مال الغير ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫ي إذا وقف مال الغير‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في القديم إلى أنّ الفضول ّ‬

‫توقّف نفاذ هذا التّصرّف على إجازة المالك فإن أجازه نفذ وإن ردّه بطل ‪ ،‬وقد احتجّوا‬
‫ي لمال الغير كبيعه ‪ ،‬وبما أنّ بيعه موقوف فوقفه موقوف‬
‫ن وقف الفضول ّ‬
‫بالقياس ووجهه أ ّ‬
‫ن الولية بالنّسبة لمن يقف مال الغير شرط في‬
‫على إجازة صاحب الحقّ ‪ ،‬وكذلك احتجّوا بأ ّ‬
‫ن وقف مال الغير ينعقد موقوفا على الجازة ممّن يملكها ‪.‬‬
‫النّفاذ ل في النعقاد ‪ ،‬ومن ثمّ فإ ّ‬
‫ي مال‬
‫وذهب المالكيّة في الرّواية الثّانية والشّافعيّة في الجديد إلى بطلن وقف الفضول ّ‬
‫ن الفضوليّ ليس له ولية التّصرّف ‪ ،‬فل يملك إنشاءه ‪.‬‬
‫الغير‪ ،‬واستدلّوا بأ ّ‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫وتشمل ما يأتي ‪:‬‬

‫التّصرّفات فيما يتعلّق به حقّ الغير ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬بيع المدين المعسر إذا ألحق ضررا بالدّائنين ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع المدين المعسر المحجور عليه إذا ألحق ضررا بالدّائنين على‬

‫قولين ‪:‬‬
‫ن بيعه ينعقد موقوفا على إجازة الدّائنين ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة وأبو‬
‫القول الوّل ‪ :‬إ ّ‬
‫يوسف ومحمّد من الحنفيّة وهو قول عند الشّافعيّة ‪.‬‬

‫واستدلّوا بأنّ الحجر على المدين يمنع نفاذ تصرّفه ‪ ،‬والمنع من النّفاذ ل يقتضي البطلن ‪،‬‬
‫وإنّما يقتضي وقف نفاذ التّصرّف على إجازة الدّائنين ؛ لنّ الحجر أصلً مقرّر لمصلحتهم ‪،‬‬
‫فإن أجازوا تصرّفات المدين نفذت ‪ ،‬وإن شاءوا ردّوها فتبطل ‪.‬‬
‫ولنّ تصرّف المدين المحجور عليه كتصرّف المريض مرض الموت الّذي عليه ديون في‬
‫صحّته ‪ ،‬فكلّ تصرّف يصدر منهما ينعقد موقوفا غير نافذ ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إنّ بيع المدين المعسر المحجور عليه يقع باطلً ‪ ،‬وهذا مذهب الحنابلة‬
‫والظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد اعتبروا كلّ تصرّف ماليّ يصدر من المدين بعد الحجر عليه‬
‫باطلً في حقّ الغرماء ‪.‬‬
‫واستدلّوا بأنّ الحجر يقتضي انعدام أثر تصرّفات المدين المحجور عليه وهذا النعدام يؤدّي‬
‫إلى بطلن تصرّفاته محافظةً على حقوق الدّائنين الّتي تعلّقت بأعيان ماله فلم يصحّ تصرّفه‬
‫فيها ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬تبرّع المدين المعسر ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تبرّعات المدين المعسر المحجور عليه ‪:‬‬

‫فذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّه إذا صحّ الحجر بالدّين صار المحجور كمريض عليه ديون‬
‫ق الغرماء يؤثّر فيه كالهبة والصّدقة ‪.‬‬
‫صحّة ‪ ،‬فكلّ تصرّف أدّى إلى إبطال ح ّ‬
‫ال ّ‬

‫ثالثا ‪ :‬تصرّف الوصيّ في القدر الزّائد عن الثّلث‬
‫والوصيّة لوارث ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫‪ -‬الوصيّة إمّا أن تكون لوارث أو لغير وارث ‪ ،‬والموصى به قد يكون في حدود الثّلث‬

‫وقد يكون أكثر منه ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على الوجه التي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الوصيّة للوارث ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الوصيّة لوارث على قولين ‪:‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة وهو الظهر عند الشّافعيّة والحنابلة وقول عند المالكيّة إلى أنّ‬
‫الوصيّة للوارث تنعقد صحيحةً موقوفةً على إجازة الورثة ‪ ،‬فإن أجازوها بعد وفاة الموصي‬
‫نفذت وإن لم يجيزوها بطلت ولم يكن لها أثر ‪ ،‬وإن أجازها البعض دون البعض نفذت في‬
‫حقّ من أجازها ‪ ،‬وبطلت في حقّ من لم يجز ‪.‬‬
‫واستدلّوا على ذلك بقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تجوز الوصيّة لوارث إلّ أن‬
‫يشاء الورثة « ‪.‬‬

‫القول الثّاني ‪ :‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة في مقابل الظهر وفي رواية عند الحنابلة إلى أنّ‬
‫الوصيّة للوارث باطلة مطلقا وإن أجازها سائر الورثة ‪ ،‬إ ّل أن يعطوه عط ّيةً مبتدأةً ‪،‬‬
‫واحتجّوا بظاهر قول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل وصيّة لوارث « ‪.‬‬
‫ولنّ الوصيّة للوارث تلحق الضّرر ببقيّة الورثة وتثير الحفيظة في نفوسهم وقد نهى‬
‫القرآن الكريم عن ذلك في قوله ‪ { :‬مِن َبعْدِ وَصِ ّيةٍ يُوصَى ِبهَا َأوْ دَ ْينٍ غَ ْيرَ مُضَآرّ } ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الوصيّة للجنبيّ بما زاد عن الثّلث ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الوصيّة بالزّائد على الثّلث للجنبيّ على قولين ‪:‬‬

‫ح وتنعقد ‪ ،‬ولكنّها تكون‬
‫ن الوصيّة للجنبيّ في القدر الزّائد على الثّلث تص ّ‬
‫القول الوّل ‪ :‬إ ّ‬
‫موقوفةً على إجازة الورثة ‪ ،‬فإن لم يكن له ورثة نفذت دون حاجة إلى إجازة أحد ‪ ،‬وهذا‬
‫هو مذهب الحنفيّة وكذا المالكيّة والحنابلة في إحدى الرّوايتين عندهما ‪.‬‬
‫واستدلّوا بأنّ الوصيّة بالزّائد على الثّلث من حقّ الورثة ‪ ،‬فإذا أسقطوا هذا الحقّ بالجازة‬
‫فإنّه ينفذ ول يبطل ‪.‬‬
‫ول يعتدّ بإجازتهم حال حياة الموصى ؛ لنّ ذلك يكون قبل ثبوت الحقّ ‪ ،‬والحقّ في الجازة‬
‫يثبت لهم عند الموت ‪ ،‬فكان لهم أن يجيزوا أو يردّوا بعد وفاته ‪.‬‬
‫ي بما زاد عن الثّلث تقع باطل ًة ‪ ،‬وهذا قول المالكيّة ‪،‬‬
‫ن الوصيّة للجنب ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إ ّ‬
‫والحنابلة في الرّواية الثّانية عندهما ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قد نهى سعدا عن التّصدّق بما زاد على‬
‫واستدلّوا ‪ » :‬بأنّ النّب ّ‬
‫الثّلث « والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه إذا أوصى بما زاد على الثّلث وردّ الوارث الخاصّ المطلق التّصرّف‬
‫الزّيادة بطلت الوصيّة في الزّائد لنّه حقّه ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الوارث عامّا فتبطل الوصيّة في الزّائد ابتدا ًء من غير ر ّد لنّ الحقّ للمسلمين‬
‫فل مجيز ‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬بيع الرّاهن العين المرهونة ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫ق استيفاء دينه من ثمن المرهون ‪ ،‬فإذا‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ المرتهن ليس له إلّ ح ّ‬

‫تعذّر على الرّاهن وفاء الدّين للمرتهن عند الجل فهل للرّاهن أن يبيع الشّيء المرهون ؟‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ بيع المرهون ينعقد موقوفا على إجازة المرتهن ‪.‬‬

‫واستدلّوا على ذلك بأنّ الرّاهن حين يتصرّف في ملكه المرهون يعتبر كالموصي حين‬
‫يوصي بجميع ماله ‪ ،‬فينعقد تصرّفه موقوفا على إجازة الورثة فيما زاد على الثّلث لتعلّق‬
‫ن بيع الشّيء المرهون باطل ‪.‬‬
‫حقّهم به ‪ .‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد ذهبوا إلى أ ّ‬
‫واستدلّوا بقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل ضرر ول ضرار « ‪.‬‬
‫وو جه ال ستدلل أ نّ في ب يع المرهون ضررا على المرت هن ؛ ل نّ ذلك ينا في حقّه ‪ ،‬إذ أ نّ‬
‫حقّه قـد تعلّق بالشّ يء المرهون ‪ ،‬فالتّصـرّف فيـه بالبيـع ونحوه فيـه إضرار بـه ‪ ،‬والضّرر‬
‫ممنوع وتجب إزالته ‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬بيع العين المؤجّرة ‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع العين المستأجرة كاختلفهم في بيع المرهون لتعلّق حقّ‬

‫المرتهن به إلى فريقين ‪:‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ بيع المؤجّر العين المستأجرة‬
‫لغير المستأجر يقع صحيحا نافذا معلّلين قولهم ‪ :‬بأنّ البيع وقع على العين ‪ ،‬وحقّ‬
‫المستأجر في المنفعة ‪ ،‬فالبيع قد وقع على غير المعقود عليه في الجارة ؛ ولنّ ضرر‬
‫المستأجر ممنوع ؛ لنّ الضّرر يحصل فيما إذا كان المشتري سيتسلّمها من وقت العقد‬
‫ولكنّه لن يتسلّمها إلّ بعد انقضاء المدّة ‪ ،‬فليس في بيعها إبطال لحقّ المستأجر ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ بيع المستأجر ينعقد صحيحا موقوفا على إجازة المستأجر ‪ ،‬وذلك‬
‫لتعلّق حقّه به كي ل يلحقه ضرر ‪ ،‬وحجّتهم قياس بيع المستأجر على بيع المرهون ينعقد‬
‫ق الغير ‪ ،‬كالمستأجر والمرتهن ‪،‬‬
‫ل منهما قد تعلّق به ح ّ‬
‫موقوفا على الجازة ‪ ،‬بجامع أنّ كَ ً‬
‫ق الغير بالمحلّ يمنع نفاذ العقد ويجعله موقوفا على إجازة من تعلّق حقّه به دفعا‬
‫وتعلّق ح ّ‬
‫للضّرر ‪.‬‬

‫سادسا ‪ :‬بيع الشّريك حصّته الشّائعة ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في رواية إلى أنّ‬

‫بيع الشّريك حصّته الشّائعة بدون إذن شريكه ينعقد موقوفا على إجازة الشّريك أو الشّركاء‬
‫الخرين ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬من كان له‬
‫واستدلّوا بما رواه جابر رضي ال عنه أ ّ‬
‫شريك في حائط فل يبع نصيبه من ذلك حتّى يعرضه على شريكه « وفي رواية أخرى ‪:‬‬
‫» حتّى يعرضه على شريكه فيأخذ أو يدع ‪ ،‬فإن أبى فشريكه أحقّ به حتّى يؤذنه « ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في الرّواية الخرى إلى أنّ تصرّف الشّريك في الحصّة الشّائعة يكون‬
‫ل أم كثيرا ‪ ،‬وسواء أكان هذا التّصرّف بيعا أم هبةً ‪.‬‬
‫باطلً ‪ ،‬سواء أكان هذا الجزء قلي ً‬

‫كيفيّة الجازة في العقد الموقوف ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬الجازة ‪ :‬النفاذ والمضاء ‪ ،‬وترد الجازة على العقد الموقوف دون النّافذ والباطل ‪،‬‬

‫وتقع ممّن يملك التّصرّف ‪ ،‬سواء أكان أصيلً أم وكيلً أو وليّا أم وصيّا أم قيّما ‪ ،‬وكذا كلّ‬
‫من يتوقّف التّصرّف على إذنه كالشّريك والوارث والدّائنين ‪.‬‬
‫والصل في الجازة أن تكون بالقول المعبّر عنها بنحو قول المجيز ‪ :‬أجزت أو أنفذت أو‬
‫أمضيت أو رضيت ونحو ذلك ‪ ،‬وتكون بالفعل ‪ :‬فيما لو أخذ المشتري المبيع الّذي لم يدفع‬
‫ثمنه فأجّره أو أعاره أو وهبه أو كان المبيع دارا فسكنها فكلّ ذلك إجازة فعليّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إجازة ) ‪.‬‬

‫عَقْر *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العَقر ‪ -‬بفتح العين ‪ -‬لغةً الجرح ‪ ،‬يقال ‪ :‬عقر الفرس والبعير بالسّيف عقرا ‪ :‬قطع‬

‫قوائمه ‪ ،‬وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشّاة بالسّيف وهو قائم ‪ ،‬والعقر ل يكون إلّ‬
‫في القوائم ‪ ،‬ثمّ جعل النّحر عقرا ؛ لنّ ناحر البل يعقرها ثمّ ينحرها ‪ ،‬والعقيرة ‪ :‬ما عقر‬
‫من صيد أو غيره ‪.‬‬
‫وقد استعمله الفقهاء بالمعنيين الواردين ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬بمعنى الجرح وهو الصابة القاتلة للحيوان في أيّ موضع من بدنه إذا كان غير‬
‫مقدور عليه ‪.‬‬
‫جاء في الشّرح الصّغير ‪ :‬العقر ‪ :‬جرح مسلم مميّز وحشيّا غير مقدور عليه إلّ بعسر ‪.‬‬
‫وفي البدائع ‪ :‬الجرح في أيّ موضع كان وذلك في الصّيد وما هو في معنى الصّيد ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬بمعنى ضرب قوائم الحيوانات ‪.‬‬
‫وسيأتي بيانه في عقر الدّوابّ المغنومة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬النّحر ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬النّحر ‪ :‬موضع القلدة ‪ ،‬ويطلق على الطّعن في لبّة الحيوان ‪ ،‬يقال ‪ :‬نحر البعير‬

‫ينحره نحرا ‪.‬‬
‫فالعقر أعمّ من النّحر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجرح ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬الجرح يطلق في اللّغة على الكسب وعلى التّأثير في الشّيء بالسّلح ويطلق في بعض‬

‫كتب الفقه على معنى العقر فهو أعمّ من العقر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّذكية ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬التّذكية هي السّبب الموصّل لح ّل أكل الحيوان الب ّريّ اختيارا ‪ ،‬فالتّذكية أخصّ ؛ لنّها‬

‫تستعمل في الحيوانات المباحة الكل ‪.‬‬

‫أثر العقر في حلّ أكل لحم الحيوان ‪:‬‬

‫للعقر أثر في حلّ أكل لحم الحيوان ‪ ،‬وذلك في المواضع التية ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الوّل ‪ :‬الصّيد ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ن الصّيد إذا كان غير مقدور عليه فإنّه يح ّل أكله بعقره في أيّ‬
‫‪ -‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬

‫مكان من بدنه إذا توافرت الشّروط الّتي ذكرها الفقهاء بالنّسبة للصّائد وللتّسمية وللة‬
‫الصّيد ‪.‬‬
‫جوَا ِرحِ ُمكَلّبِينَ‬
‫ن ا ْل َ‬
‫حلّ َل ُكمُ الطّيّبَاتُ َومَا عَّلمْتُم مّ َ‬
‫والصل في ذلك قول اللّه تعالى ‪ُ { :‬قلْ ُأ ِ‬
‫سمَ الّلهِ } ‪.‬‬
‫ن عَلَ ْي ُكمْ وَاذْكُرُواْ ا ْ‬
‫ُتعَّلمُو َنهُنّ ِممّا عَّل َمكُ ُم الّلهُ َفكُلُواْ ِممّا َأ ْمسَكْ َ‬
‫وقد روى أبو ثعلبة الخشنيّ قال ‪ :‬أتيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقلت ‪ :‬يا رسول‬
‫اللّه ‪ :‬إنّا بأرض صيد ‪ ،‬أصيد بقوسي ‪ ،‬وأصيد بكلبي المعلّم ‪ ،‬والّذي ليس معلّما فأخبرني‬
‫ما الّذي يحلّ لنا من ذلك ؟ قال ‪ » :‬وأمّا ما ذكرت من أنّك بأرض صيد فما صدت بقوسك‬
‫فاذكر اسم اللّه ثمّ كل ‪ ،‬وما صدت بكلبك المعلّم فاذكر اسم اللّه ثمّ كل ‪ ،‬وما صدت بكلبك‬
‫الّذي ليس معلّما فأدركت ذكاته فكل « ‪.‬‬
‫فإن كان الصّيد مقدورا عليه كمن أمسك صيدا بحبالة وصار تحت يده ثمّ رماه آخر بسهم‬
‫فقتله فل يؤكل ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الثّاني ‪ :‬ما ندّ ‪ -‬نفر وشرد ‪ -‬من البل والبقر والغنم ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ما ن ّد من البل والبقر والغنم بحيث ل يقدر عليها صاحبها فإنّها تحلّ بالعقر في أيّ‬

‫مكان ؛ لنّها كالصّيد غير المقدور عليه ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء – الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫ن الصل في حلّ لحم الحيوان هو الذّبح أو النّحر ‪ ،‬فإذا تعذّر ذلك فإنّه‬
‫والحنابلة – وذلك ل ّ‬
‫ي أو ندّ – نفر وشرد – أو‬
‫يصار إلى البدل وهو العقر ‪ ،‬وعلى ذلك فلو توحّش حيوان أهل ّ‬
‫تردّى في بئر ونحوها فإنّه يحلّ أكله بالعقر في أيّ مكان من جسمه ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬هذا قول أكثر الفقهاء وروي ذلك عن عليّ وابن مسعود وابن عمر وابن‬
‫عبّاس وعائشة رضي ال تعالى عنهم ‪ ،‬وبه قال مسروق والسود والحسن وعطاء‬
‫وطاوس وإسحاق والشّعبيّ والحكم وحمّاد والثّوريّ ‪ ،‬لما روى رافع بن خديج قال ‪ :‬كنّا مع‬

‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فنّد بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّ لهذه البهائم أوابد ‪ -‬أي‬
‫رجل بسهم فحبسه اللّه ‪ ،‬فقال النّب ّ‬
‫‪ :‬نفور ‪ -‬كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا « وفي لفظ ‪ » :‬فما ندّ عليكم‬
‫فاصنعوا به هكذا « ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ولنّ العتبار في الذّكاة بحال الحيوان وقت ذبحه ل بأصله ‪ ،‬بدليل‬
‫ي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللّبّة ‪ ،‬وكذلك الهليّ إذا توحّش يعتبر‬
‫الوحش ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫بحاله فإذا تردّى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحش ّ‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وسواء ن ّد البعير أو البقر في الصّحراء أو في المصر فذكاتها العقر ؛ لنّهما‬
‫يدفعان عن أنفسهما فل يقدر عليهما ‪ ،‬قال محمّد ‪ :‬والبعير الّذي ن ّد على عهد رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم كان بالمدينة ‪ ،‬فدلّ على أنّ ن ّد البعير في الصّحراء والمصر سواء في‬
‫هذا الحكم ‪.‬‬
‫قال محمّد ‪ :‬وأمّا الشّاة فإن ندّت في الصّحراء فذكاتها العقر ؛ لنّه ل يقدر عليها ‪ ،‬وإن‬
‫ندّت في المصر لم يجز عقرها ؛ لنّه يمكن أخذها إذ هي ل تدفع عن نفسها فكان الذّبح‬
‫مقدورا عليه فل يجوز العقر ‪ ،‬وهذا لنّ العقر خلف عن الذّبح والقدرة على الصل تمنع‬
‫المصير إلى الخلف ‪.‬‬
‫ل بالصل‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬ما ن ّد من الحيوانات المستأنسة وتوحّش فإنّه ل يحلّ بالعقر عم ً‬
‫وهذا هو المشهور ‪ ،‬ومقابل المشهور هو ما قاله ابن حبيب أنّه إن ن ّد غير البقر لم يؤكل‬
‫ن البقر لها أصل في التّوحّش ترجع إليه وهو‬
‫بالعقر وإن ندّ البقر جاز أكله بالعقر ؛ ل ّ‬
‫شبهها ببقر الوحش ‪ ،‬وقال ابن حبيب أيضا ‪ ،‬إن تردّى حيوان في كوّة وأصبح معجوزا عن‬
‫ذبحه فإنّه يحلّ بالعقر مطلقا سواء كان بقرا أو غيره صيان ًة للموال ‪.‬‬
‫وألحق الحنفيّة الصّيال بالنّدّ ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إذا صال البعير على رجل فقتله وهو يريد الذّكاة حلّ‬
‫أكله إذا كان ل يقدر على أخذه وضمن قيمته ؛ لنّه إذا كان ل يقدر على أخذه صار بمنزلة‬
‫الصّيد فجعل الصّيال منه كندّه ؛ لنّه يعجز عن أخذه فيعجز عن نحره فيقام الجرح فيه مقام‬
‫النّحر ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صيال ) ‪.‬‬

‫عقر حيوانات الغنيمة عند العجز عن نقلها ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬المراد بعقر الحيوانات هنا ‪ :‬ضرب قوائمها بالسّيف حتّى ل ينتفع بها ‪ ،‬فإذا انتهت‬

‫الحرب وأراد المام العود إلى ديار السلم وكان معه ما غنمه من الكفّار من أموال‬
‫وحيوانات ‪ ،‬فإن عجز عن نقل الحيوانات إلى دار السلم فقد اختلف الفقهاء فيما يفعل بها‬

‫‪ :‬فالصل عند الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يجوز عقرها إ ّل للكل ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬أمّا عقر‬
‫دوابّهم في غير حال الحرب لمغايظتهم والفساد عليهم فل يجوز سواء خفنا أخذهم لها أو‬
‫ي واللّيث وأبو ثور ؛ لنّ أبا بكر الصّدّيق رضي ال تعالى عنه‬
‫لم نخف ‪ ،‬وبهذا قال الوزاع ّ‬
‫قال في وصيّته ليزيد حين بعثه أميرا ‪ :‬يا يزيد ل تقتل صبيّا ول امرأ ًة ول هرما ول تخرّبنّ‬
‫عامرا ول تعقرنّ شجرا مثمرا ول دا ّبةً عجماء ول شا ًة إلّ لمأكلة ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬نهى عن قتل شيء من الدّوابّ صبرا « ‪ ،‬ولنّه حيوان‬
‫ولنّ النّب ّ‬
‫ذو حرمة فأشبه النّساء والصّبيان ‪ ،‬لكن إن كان الحيوان ممّا يستعان به في القتال كالخيل‬
‫ن ما عجز المسلمون عن سياقته وأخذه إن كان ممّا‬
‫فقال ابن قدامة ‪ :‬ويقوى عندي أ ّ‬
‫يستعين به الكفّار في القتال كالخيل جاز عقره وإتلفه ؛ لنّه ممّا يحرم إيصاله إلى الكفّار‬
‫بالبيع فتركه لهم بغير عوض أولى بالتّحريم ‪ ،‬وإن كان ممّا يصلح للكل فللمسلمين ذبحه‬
‫والكل منه مع الحاجة وعدمها ‪ ،‬وما عدا هذين القسمين ل يجوز إتلفه ؛ لنّه مجرّد إفساد‬
‫وإتلف وقد » نهى النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن ذبح الحيوان لغير مأكلة « ومثل ذلك‬
‫عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة يحرم عقر الحيوانات لما في ذلك من المثلة بالحيوان ‪ ،‬وإنّما تذبح ثمّ تحرق‬
‫بعد الذّبح لتنقطع منفعتها عن الكفّار ‪.‬‬
‫وقال المصريّون من أصحاب مالك يجوز عقرها أو ذبحها ‪.‬‬
‫وقال المدنيّون يكره عقرها وإنّما يجهز عليها وعلى كل القولين فإنّها تحرق بعد ذلك لئلّ‬
‫ينتفع بها ‪.‬‬

‫أثر عقر الكلب في الضّمان ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬من أطلق كلبا عقورا فعقر إنسانا أو دا ّبةً ليلً أو نهارا أو خرق ثوب إنسان فعلى‬

‫صاحبه ضمان ما أتلفه ‪ ،‬وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة ؛‬
‫لنّ إغراء الكلب بمنزلة إرسال البهيمة فالمصاب على فور الرسال مضمون على المرسل‬
‫كذا هنا ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل ضمان عليه لنّ الكلب يعقر باختياره ‪ ،‬والغراء للتّحريض ‪ ،‬وفعله‬
‫جبار ‪.‬‬
‫وقال محمّد ‪ :‬إن كان سائقا له أو قائدا يضمن ‪ ،‬وإن لم يكن سائقا له ول قائدا ل يضمن‬
‫وبه أخذ الطّحاويّ ؛ لنّ العقر فعل الكلب باختياره فالصل هو القتصار عليه وفعله جبار ‪،‬‬
‫إلّ أنّه بالسّوق أو القود يصير مغريا إيّاه إلى التلف فيصير سببا للتّلف فأشبه سوق الدّابّة‬
‫وقودها ‪.‬‬

‫ولو دخل رجل دار غيره فعقره كلبه فإن كان دخل بل إذن فل ضمان على صاحب الدّار ؛‬
‫لنّه متعدّ بالدّخول متسبّب بعدوانه إلى عقر الكلب له ‪.‬‬
‫وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وإن دخل بإذن المالك فعليه ضمانه ؛ لنّه تسبّب إلى إتلفه‬
‫ن الشّافعيّة قالوا ‪ :‬إن أذن له في الدّخول وأعلمه بحال الكلب‬
‫وهذا ما يقوله الحنابلة ‪ ،‬لك ّ‬
‫فل ضمان على صاحب البيت فإن لم يعلمه بحاله ضمن ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو دخل رجل دار غيره فعقره كلبه ل يضمن سواء دخل داره بإذنه أو بغير‬
‫ن فعل الكلب جبار ولم يوجد من صاحبه التّسبيب إلى العقر إذ لم يوجد منه إلّ‬
‫إذنه ؛ ل ّ‬
‫المساك في البيت وأنّه مباح لقول اللّه تعالى ‪ُ { :‬مكَلّبِينَ ُتعَّلمُو َنهُنّ ِممّا عَّل َم ُكمُ الّلهُ َفكُلُواْ‬
‫علَ ْيكُمْ } ‪.‬‬
‫سكْنَ َ‬
‫ِممّا َأ ْم َ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن ربط الكلب بباب الدّار أو في ملكه فل يضمن ؛ لنّه ظاهر يمكن‬
‫الحتزاز منه ‪.‬‬
‫وللمالكيّة تفصيل آخر ‪ ،‬قالوا ‪ :‬من اتّخذ كلبا عقورا بقصد قتل شخص معيّن وقتله فعليه‬
‫القود ‪ ،‬وإن قتل شخصا آخر غير المعيّن فعليه الدّية ‪ ،‬وإن كان اتّخذ الكلب العقور ولم‬
‫يقصد بذلك ضرر أحد فقتل إنسانا ‪ ،‬فإن كان قد اتّخذ الكلب لوجه جائز كحراسة زرع أو‬
‫ضرع فعليه الدّية إن أنذر صاحبه قبل القتل وإلّ فل شيء عليه ‪.‬‬
‫وإن اتّخذه ل لوجه جائز ضمن مطلقا أي سواء تقدّم له إنذار أم ل ‪ ،‬وهذا حيث عرف أنّه‬
‫عقور ‪ ،‬وإلّ لم يضمن لنّ فعله حينئذ كفعل العجماء ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عُقْر *‬

‫‪ -‬من معاني العُقر ‪ -‬بض ّم العين ‪ -‬لغةً ‪ :‬المهر ‪ ،‬وهو للمغتصبة من الماء كمهر المثل‬

‫ضمّ ‪ -‬ما تعطاه المرأة على وطء الشّبهة ‪ ،‬وأصله ‪ :‬أنّ واطئ البكر‬
‫للحرّة ‪ ،‬والعُقر ‪ -‬بال ّ‬
‫يعقرها إذا افتضّها ‪ ،‬فسمّي ما تعطاه للعقر عقرا ‪ ،‬ثمّ صار عامّا لها وللثّيّب ‪ ،‬وجمعه ‪:‬‬
‫أعقار ‪.‬‬
‫وقال ابن المظفّر ‪ :‬عقر المرأة دية فرجها إذا غصبت فرجها ‪.‬‬
‫وقال الجوهريّ ‪ :‬هو مهر المرأة إذا وطئت بشبهة ‪.‬‬
‫ن العقر ‪ :‬في الحرائر مهر المثل ‪ ،‬وفي‬
‫وفي الصطلح نقل ابن عابدين عن الجوهرة أ ّ‬
‫الماء عشر القيمة لو بكرا ‪ ،‬ونصف العشر لو ثيّبا ‪.‬‬

‫وفي العناية بهامش فتح القدير ‪ :‬العقر ‪ :‬مهر المرأة إذا وطئت بشبهة ‪ ،‬والمراد به مهر‬
‫المثل ‪ ،‬وبه فسّر المام العتّابيّ العقر في الجامع الصّغير ‪ ،‬وقال أحمد بن حنبل ‪ :‬العقر ‪:‬‬
‫المهر ‪.‬‬
‫الجر ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الجر لغةً ‪ :‬مصدر أجّره يأجره ‪ :‬إذا أثابه وأعطاه جزاء عمله ‪.‬‬

‫ويستعمل الجر بمعنى الجارة وبمعنى الجرة ‪.‬‬
‫وقد سمّى القرآن مهر المرأة أجرا كما في قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّبِيّ إِنّا َأحْلَلْنَا َلكَ‬
‫ت ُأجُو َرهُنّ } ‪.‬‬
‫أَ ْزوَاجَكَ الَلتِي آتَيْ َ‬
‫والفقهاء يستعملون الجر بمعنى العوض عن العمل ‪ ،‬وبمعنى بدل المنفعة ‪.‬‬
‫والعلقة بين الجر والعقر ‪ :‬أنّ الجر أعمّ ‪ ،‬فهو يستعمل في العقد على منافع البضع وعلى‬
‫غيره من عقار أو حيوان ‪ ،‬أمّا العقر فل يستعمل إلّ في منافع البضع ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى وجوب المهر في النّكاح الصّحيح ‪ ،‬دخل بها أم لم يدخل ‪ ،‬أمّا النّكاح‬

‫الفاسد فل يجب المهر فيه إلّ بعد الدّخول ‪ ،‬واختلفوا هل هو المسمّى أو مهر المثل أو القلّ‬
‫منهما ؟‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ‪ ،‬ومهر ) ‪.‬‬
‫وكما يجب المهر في النّكاح الفاسد بالدّخول يجب في الوطء بشبهة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شبهة ) ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَ ْقعَق *‬
‫عَقْل *‬

‫‪ -‬من معاني العقل في اللّغة ‪ :‬الحجر والنّهي ‪ ،‬وهو ض ّد الحمق ‪ ،‬والجمع ‪ :‬عقول ‪،‬‬

‫ل ‪ :‬إذا فهمه ‪ ،‬ويقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم ‪.‬‬
‫وعقل الشّيء يعقله عق ً‬
‫ومن معانيه ‪ :‬الدّية ‪ ،‬يقال ‪ :‬عقل القتيل يعقله عقلً ‪ :‬إذا وداه ‪ ،‬وعقل عنه ‪ :‬أدّى جنايته ‪،‬‬
‫وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه ‪.‬‬

‫وفي الشّرع العقل ‪ :‬القوّة المتهيّئة لقبول العلم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬غريزة يتهيّأ بها النسان إلى فهم‬
‫الخطاب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬نور في القلب يعرف الحسن والقبيح والحقّ والباطل ‪.‬‬
‫اللّبّ ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫ب هو ‪ :‬العقل الخالص من الشّوائب ‪ ،‬وسمّي بذلك لكونه خالص ما في النسان من‬
‫‪ -‬اللّ ّ‬

‫معانيه ؛ لنّ لبّ كلّ شيء ‪ :‬خالصه وخياره ‪ ،‬وشيء لباب ‪ :‬أي خالص ‪.‬‬
‫ب هو ما زكا من العقل ‪ ،‬فكلّ لبّ عقل ‪ ،‬وليس كلّ عقل لبّا ‪ ،‬ولهذا علّق اللّه‬
‫وقيل ‪ :‬اللّ ّ‬
‫سبحانه الحكام الّتي ل تدركها إلّ العقول الزّكيّة بأولي اللباب ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا يَ ّذكّرُ‬
‫ِإلّ ُأوْلُواْ الَلْبَابِ } ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫وردت الحكام المتعلّقة بالعقل في أبواب من كتب الفقه ‪ ،‬منها ما يخصّ بالتّكليف ‪ ،‬وبيان‬
‫ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫ن العقل هو مناط التّكليف في النسان ‪ ،‬فل تجب عبادة من صلة‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬

‫أو صيام أو حجّ أو جهاد أو غيرها على من ل عقل له كالمجنون وإن كان مسلما بالغا ‪،‬‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن‬
‫الصّبيّ حتّى يحتلم ‪ ،‬وعن المجنون حتّى يعقل « ‪.‬‬
‫كما أجمعوا على أنّ غير العاقل ل تعتبر تصرّفاته الماليّة ‪ ،‬فل يصحّ بيعه ‪ ،‬ول إيجاره ول‬
‫وكالته أو رهنه ‪ ،‬ول يصحّ أن يكون طرفا في أيّ عقد من العقود الماليّة وغير الماليّة‬
‫كالنّكاح والخلع والصّلح والضّمان والبراء وسائر العقود والفسوخ ‪ ،‬ول اعتبار لقواله ‪،‬‬
‫ح منه إسلم ول ردّة ‪ ،‬ول طلق ول ظهار ‪ ،‬ول يعتمد‬
‫ول تؤخذ عليه ول له ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫إقراره في النّسب أو المال أو غيرهما ‪ ،‬ول شهادته أو خبره ‪.‬‬
‫كما أجمعوا على أنّ فاقد العقل من النّاس تسلب منه الوليات ‪ ،‬سواء كانت عا ّمةً أو‬
‫صةً‪ ،‬وسواء كانت ثابت ًة له بالشّرع كولية النّكاح ‪ ،‬أو بالتّفويض كولية اليصاء‬
‫خا ّ‬
‫والقضاء ؛ لنّه إذا لم يل أمر نفسه فأمر غيره أولى ‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ن بعض أفعال فاقد العقل ‪ -‬كالمجنون والمغمى عليه في حال‬
‫‪ -‬إلّ أنّ العلماء قالوا ‪ :‬إ ّ‬

‫غيبوبته والمعتوه والصّبيّ ‪ -‬معتبرة وتترتّب عليها نتائجها وأحكامها ‪ ،‬وذلك كإحباله ‪،‬‬
‫وإتلفه مال غيره ‪ ،‬وتقرير المهر بوطئه ‪ ،‬وترتّب الحكم على إرضاعه ‪ ،‬والتقاطه ‪،‬‬
‫واحتطابه ‪ ،‬واصطياده ‪ ،‬وما شابه ذلك ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تكليف ف ‪ ، 4‬أهليّة ف ‪ ، 9‬جنون ف ‪ ، 9‬عته ف ‪ ، 5‬تمييز‬
‫ف ‪ ، 9‬حجر ف ‪ ، 9‬ولية ‪ ،‬شهادة ف‬

‫‪17‬‬

‫‪ ،‬قضاء ‪ ،‬عقد ف‬

‫‪29‬‬

‫)‪.‬‬

‫ن زوال العقل بالجنون أو الغماء أو السّكر‬
‫ومنها نقض الوضوء ‪ ،‬فقد أجمع الفقهاء على أ ّ‬
‫أو ما أشبهه من الدوية المزيلة للعقل ينقض الوضوء ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نوم ‪ ،‬وضوء ‪ ،‬وجنون ) ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬الجناية على العقل فقد أجمع الفقهاء على أنّه ل قصاص في إزالة العقل بجناية‬
‫لعدم الضّبط ؛ ولنّه في غير محلّ الجناية ‪ ،‬للختلف في محلّه ‪.‬‬
‫وتفاصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬قود ) ‪.‬‬
‫ي صلى ال‬
‫وذهبوا إلى وجوب الدّية في ذهاب العقل بالجناية عليه ‪ ،‬لما ورد في كتاب النّب ّ‬
‫عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي ال عنه ‪ » :‬وفي العقل الدّية « ‪.‬‬
‫ولنّه أشرف المعاني قدرا ‪ ،‬وأعظم الحواسّ نفعا ‪ ،‬فبه يتميّز النسان عن البهيمة ‪،‬‬
‫ويعرف به حقائق المعلومات ‪ ،‬ويهتدي به إلى المصالح ويتّقي به ما يضرّه ‪ ،‬ويدخل به في‬
‫التّكليف ‪ ،‬وهذا إذا لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدّة مقدّرة ‪ ،‬فإن رجي عوده في‬
‫المدّة المقدّرة انتظر ‪ ،‬فإن عاد فل ضمان كما في سنّ من لم يثغر ‪.‬‬
‫‪ -5‬وأمّا الطلق الثّاني للعقل وهو الدّية ‪ ،‬أي ‪ :‬المال الّذي يجب في الجناية على الحرّ في‬
‫نفس أو فيما دونها ‪.‬‬
‫فينظر في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬

‫انظر ‪ :‬سلمى ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪56‬‬

‫)‪.‬‬

‫عُقْلَة *‬
‫عُقْم *‬

‫ضمّ ‪ :‬اليبس المانع من قبول الثر ‪ ،‬والعقيم ‪ :‬الّذي ل يولد له ‪،‬‬
‫‪ -‬العقم بالفتح ‪ ،‬وبال ّ‬

‫يطلق على الذّكر والنثى ‪ ،‬يقال ‪ :‬عقمت المرأة ‪ -‬إذا لم تحبل ‪ -‬فهي عقيم ‪ ،‬قال تعالى‬
‫عقِيمٌ } ‪.‬‬
‫عجُوزٌ َ‬
‫ي اللّه إبراهيم عليه السلم ‪ { :‬وَقَالَتْ َ‬
‫حكايةً عن زوجة نب ّ‬
‫وفي الثر ‪ » :‬سوداء ولود خير من حسناء عقيم « ‪.‬‬
‫وكذلك يقال ‪ :‬رجل عقيم وعقام ‪ :‬ل يولد له ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للعقم عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫العقم ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬من معاني العقر ‪ :‬العقم ‪ ،‬وهو ‪ :‬استعقام الرّحم ‪ ،‬وهو أن ل تحمل ‪.‬‬

‫ي اللّه زكريّا ‪َ { :‬وكَانَتِ‬
‫يقال ‪ :‬عقرت المرأة فهي عاقر ‪ ،‬وجاء في التّنزيل حكايةً عن نب ّ‬
‫امْ َرأَتِي عَاقِرا } أي ‪ :‬عقيما ‪ ،‬ويستعمل في الجرح ‪.‬‬
‫فالعقر أعمّ من العقم ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعقم ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ لمريد النّكاح أن ينكح ولودا بكرا ‪ ،‬ويعرف عنها ذلك‬

‫ن النّسل من أهمّ مقاصد الشّارع في الزّواج ‪ ،‬والنّسل من أعظم نعم اللّه على‬
‫بأقاربها ؛ ل ّ‬
‫النّاس ‪ ،‬قال عزّ من قائل ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّب ُكمُ الّذِي خَ َل َقكُم مّن ّنفْسٍ وَاحِدَةٍ َوخَلَقَ‬
‫جهَا وَبَثّ مِ ْن ُهمَا ِرجَا ًل كَثِيرا وَ ِنسَاء } ‪.‬‬
‫مِ ْنهَا َز ْو َ‬
‫ن َوحَفَدَةً }‬
‫جكُم بَنِي َ‬
‫ن أَ ْزوَا ِ‬
‫ج َعلَ َلكُم مّ ْ‬
‫سكُمْ أَ ْزوَاجا َو َ‬
‫ج َعلَ َلكُم مّنْ أَن ُف ِ‬
‫وقال ج ّل شأنه ‪ { :‬وَالّلهُ َ‬
‫‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على تعاطي أسباب الولد ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫وحثّ النّب ّ‬
‫» تزوّجوا الولود الودود ‪ ،‬فإنّي مكاثر بكم المم يوم القيامة « ‪.‬‬
‫ونهى عن زواج العقيم ‪ ،‬جاء في الثر ‪ » :‬ل تزوّجنّ عاقرا « ‪.‬‬
‫ونهى عن كلّ ما من شأنه تعطيل النّسل في المعاشرة الزّوجيّة ‪ ،‬فنهى عن إتيان النّساء في‬
‫ن اللّه ل يستحيي من الحقّ ل تأتوا النّساء في‬
‫أعجازهنّ فقال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫أعجازهنّ « ‪.‬‬
‫ورغب عن العزل ‪ ،‬روى أبو سعيد رضي ال عنه قال ‪ :‬ذكر العزل عند رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم فقال ‪ » :‬فلم يفعل أحدكم ؟ فإنّه ليست من نفس مخلوقة إلّ اللّه خالقها «‬
‫ووجه النّهي عمّا ذكر تعطيل النّسل ‪ ،‬وهو من أهمّ مقاصد الشّارع في تشريع النّكاح ‪.‬‬

‫نكاح العقيم ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن العقم ليس عيبا يثبت به خيار طلب فسخ عقد النّكاح إذا‬
‫‪ -‬اتّفق جمهور الفقهاء على أ ّ‬

‫وجده أحد الزّوجين في الخر ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم في هذا بين أهل العلم خلفا ‪ ،‬إلّ أنّ‬
‫الحسن قال ‪ :‬إذا وجد أحد الزّوجين الخر عقيما يخيّر ‪ ،‬وأحبّ أحمد تبيين أمره وقال ‪:‬‬
‫عسى امرأته تريد الولد ‪ ،‬وهذا في ابتداء النّكاح فأمّا الفسخ فل يثبت به ولو ثبت به لثبت‬
‫ن العقم ل يعلم ‪ ،‬فإنّ رجا ًل ل يولد لحدهم وهو شابّ ثمّ يولد له وهو شيخ ‪،‬‬
‫باليسة ؛ ول ّ‬
‫ولكن يستحبّ لمن فيه العقم أن يعلم الخر قبل العقد ‪ ،‬ول يجب عليه ذلك ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬عيب ‪ ،‬فسخ ) ‪.‬‬

‫ن كلّ عيب ينفّر أحد الزّوجين من الخر ‪ ،‬ول يحصل مقصود النّكاح من‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬إ ّ‬
‫الرّحمة والمودّة يوجب الفسخ ‪.‬‬

‫إبطال قوّة الحبل والحبال بالجناية ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬صرّح الفقهاء بأنّه يجب في إذهاب قوّة الحبل من المرأة والحبال من الرّجل بجناية‬

‫دية كاملة لنقطاع النّسل فيكمل فيه الدّية ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬

‫‪62‬‬

‫)‪.‬‬

‫قطع النّسل بدواء ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬يحرم على الرّجل تناول دواء يقطع الشّهوة بالكلّيّة ‪ ،‬كما يحرم على المرأة تناول ما‬

‫يقطع الحبل ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عُقُوبَة *‬

‫‪ -‬العقوبة في اللّغة ‪ :‬اسم من العقاب ‪ ،‬والعقاب بالكسر والمعاقبة ‪ :‬أن تجزي الرّجل بما‬

‫فعل من السّوء ‪.‬‬
‫يقال عاقبه بذنبه معاقبةً وعقابا ‪ :‬أخذه به ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪َ { :‬وإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ‬
‫ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُم ِبهِ } ‪ ،‬والعقوبة في الصطلح ‪ :‬هي اللم الّذي يلحق النسان مستحقّا على‬
‫الجناية ‪ ،‬كما عرّفها الطّحاويّ ‪.‬‬
‫وعرّفها بعضهم بالضّرب أو القطع ونحوهما ‪ ،‬سمّي بها لنّها تتلو الذّنب ‪ ،‬من تعقّبه ‪ :‬إذا‬
‫تبعه ‪.‬‬
‫وفرّق بعضهم بين العقوبة وبين العقاب ‪ :‬بأنّ ما يلحق النسان إن كان في الدّنيا يقال له‬
‫العقوبة ‪ ،‬وإن كان في الخرة يقال له العقاب ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الجزاء ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫س عَن‬
‫‪ -‬من معاني الجزاء ‪ :‬الغناء والكفاية ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَاتّقُواْ َيوْما ّل َتجْزِي َنفْ ٌ‬

‫ّنفْسٍ شَيْئا } أي ‪ :‬ل تغني ‪.‬‬
‫والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير ‪ ،‬وإن شرّا فشرّ ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَ َلهُ‬
‫حسْنَى } ‪.‬‬
‫جَزَاء ا ْل ُ‬
‫وقال سبحانه ‪َ { :‬وجَزَاء سَيّ َئةٍ سَيّ َئةٌ مّ ْثُلهَا } ‪.‬‬

‫وعلى ذلك فالجزاء أعمّ من العقوبة ‪ ،‬حيث يستعمل في الخير والشّرّ ‪ ،‬والعقوبة خاصّة‬
‫بالخذ بالسّوء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العذاب ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬أصل العذاب في كلم العرب ‪ :‬الضّرب ‪ ،‬ث ّم استعمل في كلّ عقوبة مؤلمة ‪ ،‬واستعير‬

‫في المور الشّاقّة ‪ ،‬فقيل ‪ :‬السّفر قطعة من العذاب ‪.‬‬
‫وفي الفروق لبي هلل العسكريّ ‪ :‬الفرق بين العذاب والعقاب ‪ :‬هو أنّ العقاب ينبئ عن‬
‫الستحقاق ‪ ،‬وسمّي بذلك لنّ الفاعل يستحقّه عقيب فعله ‪ ،‬أمّا العذاب فيجوز أن يكون‬
‫مستحقّا وغير مستحقّ ‪.‬‬

‫أقسام العقوبة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬تنقسم العقوبة إلى ثلثة أقسام باعتبارات مختلفة ‪:‬‬

‫فتنقسم أ ّولً ‪ :‬باعتبار أنواعها إلى ثلثة أقسام رئيسيّة ‪ ،‬هي القصاص والحدّ والتّعزير ‪.‬‬
‫انظر مصطلحي ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬وتعزير ف ‪. ) 5‬‬
‫وتنقسم ثانيا ‪ :‬باعتبار تعلّقها بحقوق اللّه تعالى أو بحقوق العباد إلى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقوبة هي حقّ للّه تعالى ‪ ،‬كحدّ الزّنى وح ّد السّرقة وحدّ الشّرب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعقوبة هي حقّ للعباد كالقصاص ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وعقوبة متعلّقة بالحقّين ‪ ،‬كح ّد القذف ‪.‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ( حقّ ف‬

‫‪13‬‬

‫‪،‬‬

‫‪15‬‬

‫)‪.‬‬

‫وتنقسم ثالثا ‪ :‬باعتبار هذين الحقّين إلى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقوبة كاملة ‪ ،‬كحدّ الزّنى والسّرقة والشّرب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعقوبة قاصرة ‪ ،‬كحرمان القاتل إرث المقتول ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وعقوبة فيها معنى العبادة ‪ ،‬وجهة العبادة غالبة فيها ككفّارة اليمين والقتل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عقوبة فيها معنى العبادة ‪ ،‬وجهة العقوبة فيها غالبة ككفّارة الفطر في رمضان ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل كلّ نوع في مصطلحه ‪.‬‬
‫وهناك عقوبات أخرى بحثها الفقهاء هي ‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬الغرّة من كلّ شيء ‪ :‬أوّله ‪.‬‬

‫أ ‪ -‬الغرّة ‪:‬‬

‫ومن معانيها في الشّرع ‪ :‬ضمان يجب في الجناية على الجنين ‪ ،‬وتبلغ قيمتها نصف عشر‬
‫الدّية ‪ ،‬وهي خمس من البل ‪ ،‬أو خمسمائة درهم ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬غرّة ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الرش ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬الرش يطلق غالبا على ‪ :‬المال الواجب في الجناية على ما دون النّفس ‪ ،‬وقد يطلق‬

‫على بدل النّفس ‪ ،‬فهو نوع من الدّية ‪.‬‬
‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬أرش ف ‪. ) 1‬‬

‫ج ‪ -‬الحرمان من الرث والوصيّة ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬الحرمان من الميراث والوصيّة عقوبة لجريمة القتل بصورة تبعيّة فإذا ثبتت الجريمة‬

‫بأدلّتها الخاصّة ‪ ،‬وحكم على القاتل بعقوبة القتل ‪ ،‬يحرم من إرث المجنيّ عليه ووصيّته‬
‫كذلك ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ليس للقاتل شيء من الميراث « ‪.‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ » :‬ل وصيّة لقاتل « ‪.‬‬
‫وهل يحرم القاتل من الميراث إذا كان القتل عمدا أو خطأً أو مطلقا ؟ للفقهاء فيه خلف‬
‫وتفصيل ينظر في مصطلحي ‪ ( :‬إرث ف‬

‫‪17‬‬

‫ووصيّة ) ‪.‬‬

‫أقسام عقوبة الحدّ ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬الحدّ عقوبة مقدّرة شرعا تجب حقّا للّه تعالى ‪ ،‬وهي معيّنة محدّدة ل تقبل التّعديل‬

‫والتّغيير ‪ ،‬ولكلّ جريمة حدّيّة عقوبة معلومة ‪ ،‬لكنّها تختلف حسب اختلف موجبها من‬
‫جرائم الحدود ‪ ،‬وهذه الجرائم هي ‪ :‬الزّنا والقذف ‪ ،‬وشرب الخمر والسّرقة ‪ ،‬وقطع‬
‫الطّريق ‪ -‬الحرابة ‪ -‬باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وكذلك الرّدّة والبغي مع اختلف فيهما ‪.‬‬
‫وتفصيل عقوبات هذه الحدود ينظر في مصطلحاتها ‪.‬‬

‫العقوبات التّعزيريّة ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬التّعزير عقوبة غير مقدّرة ‪ ،‬شرعت حقّا للّه تعالى أو للفراد ‪.‬‬

‫والغرض من مشروعيّتها ردع الجاني وزجره وإصلحه وتأديبه ‪ ،‬كما صرّح به الفقهاء ‪.‬‬
‫وقد شرع التّعزير في المعاصي الّتي ل يكون فيها حدود ول كفّارة ‪.‬‬
‫وعدم التّقدير في العقوبات التّعزيريّة ل يعني جواز ومشروعيّة جميع أنواع العقوبات في‬
‫التّعزير ‪ ،‬فهناك عقوبات ل يجوز إيقاعها كعقوبة تعزيريّة ‪ ،‬مثل الضّرب المتلف ‪ ،‬وصفع‬
‫الوجه ‪ ،‬والحرق ‪ ،‬والكيّ ‪ ،‬وحلق اللّحية وأمثالها ‪.‬‬
‫وهناك عقوبات تعزيريّة مشروعة يختار منها القاضي ما يراه مناسبا لحالة المجرم تحقيقا‬
‫لغراض التّعزير من الصلح والتّأديب ‪ ،‬كعقوبة الجلد والحبس والتّوبيخ والهجر والتّعزير‬
‫بالمال ونحوها ‪.‬‬
‫وتفصيل أحكام التّعزير ‪ ،‬وأنواع هذه العقوبة وموجباتها ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تعزير ف‬
‫‪11‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫تعدّد العقوبات ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬أجاز بعض الفقهاء اجتماع العقوبات وتعدّدها في جريمة واحدة ‪ ،‬لكن بصفة مختلفة‪،‬‬

‫فقد يجتمع التّعزير مع الحدّ ‪ ،‬فالحنفيّة ل يرون تغريب الزّاني غير المحصن في حدّ الزّنى ‪،‬‬
‫ولكن يجيزون تغريبه تعزيرا بعد الجلد حدّا ‪.‬‬
‫ص منه ويؤدّب تعزيرا ‪ ،‬وكذلك الشّافعيّة يجيزون‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ الجارح عمدا يقت ّ‬
‫اجتماع التّعزير مع القصاص فيما دون النّفس ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ القتل الّذي عفي عن‬
‫القصاص فيه تجب فيه على القاتل الدّية ‪ ،‬ويضرب مائ ًة ويحبس سنةً تعزيرا ‪.‬‬

‫تداخل العقوبات ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬المراد بتداخل العقوبات هو دخول عقوبة في أخرى بل زيادة حجم ومقدار ‪.‬‬

‫ن الحدود إذا اتّفقت في الجنس والموجب فإنّها تتداخل ‪ ،‬فمن زنى‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ل أقيم عليه حدّ واحد للزّنى المتكرّر ‪ ،‬وآخر للسّرقة المتكرّرة ‪.‬‬
‫مرارا ‪ ،‬أو سرق مرارا مث ً‬
‫واختلفوا في تداخل عقوبات القصاص مع تفصيل وبيان وخلف ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫( تداخل ف‬

‫‪18‬‬

‫)‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬ب ّر الوالدين ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عُقُوق *‬
‫عَقِيق *‬

‫‪ -‬العقيق في اللّغة ‪ :‬الوادي الّذي شقّه السّيل قديما ‪.‬‬

‫قال أبو منصور ‪ :‬ويقال لك ّل ما شقّه ماء السّيل في الرض فأنهره ووسّعه عقيق ‪ ،‬والجمع‬
‫أعقّة وعقائق ‪.‬‬
‫قال ابن منظور ‪ :‬العقيق واد بالحجاز غلبت الصّفة عليه غلبة السم ولزمته اللف والَلم ‪.‬‬
‫وفي بلد العرب عدّة مواضع تسمّى العقيق ‪ ،‬منها عقيق أرض اليمامة ‪ ،‬ومنها عقيق‬
‫بناحية المدينة ‪ ،‬ومنها عقيق آخر يدفق ماؤه في غوري تهامة ‪ ،‬ومنها عقيق القنان ‪.‬‬
‫والعقيق أيضا ‪ :‬خرز أحمر يتّخذ منه الفصوص ‪ ،‬الواحدة عقيقة ‪ ،‬وفي المصباح المنير ‪:‬‬
‫حجر يعمل منه الفصوص ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الحجر ‪:‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬الحجر ‪ :‬الصّخرة ‪ ،‬والجمع في القلّة أحجار ‪ ،‬وفي الكثرة حجار وحجارة ‪.‬‬

‫فالحجر أعمّ من العقيق في أحد معنييه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعدن ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬من معاني المعدن ‪ :‬مكان كلّ شيء يكون فيه أصله ومبدؤه نحو معدن الذّهب والفضّة‬

‫والشياء ‪.‬‬
‫والمعادن ‪ :‬المواضع الّتي يستخرج منها جواهر الرض ‪.‬‬
‫والمعدن بأحد معانيه أعمّ من العقيق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الياقوت ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬الياقوت من الجواهر ‪ ،‬أجوده الحمر ال ّرمّانيّ ‪.‬‬

‫وك ّل من العقيق والياقوت من الحجار الّتي تستعمل للزّينة ‪.‬‬
‫يتعلّق بالعقيق بمعنييه أحكام ‪:‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬العقيق بمعنى الوادي ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أفضليّة إحرام أهل العراق ومن في ناحيتهم من العقيق على ذات‬

‫عرق ‪ ،‬والعقيق واد وراء ذات عرق ممّا يلي المشرق ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬قال أصحابنا ‪:‬‬
‫والعتماد في ذلك على ما في العقيق من الحتياط ‪ ،‬قيل ‪ :‬وفيه سلمة من التباس وقع في‬
‫ذات عرق ؛ لنّ ذات عرق قرية خربت وحوّل بناؤها إلى جهة الكعبة ‪ ،‬فالحتياط الحرام‬
‫قبل موضع بنائها الن ‪.‬‬
‫واستأنسوا مع الحتياط بحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ » :‬وقّت رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم لهل المشرق العقيق « ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬ميقات أهل العراق ‪ :‬ذات عرق ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬إحرام‬

‫‪48‬‬

‫)‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العقيق بمعنى نوع من الحجر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّيمّم بالعقيق ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز التّيمّم بالعقيق ‪:‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز التّيمّم بالعقيق ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى جواز التّيمّم‬
‫بالعقيق لكونه من جنس الرض ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ف‬

‫‪26‬‬

‫)‪.‬‬

‫ب ‪ -‬زكاة العقيق ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الزّكاة في العقيق ‪:‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى أنّه ل زكاة في العقيق كسائر‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل زكاة في حجر « ‪.‬‬
‫الجواهر إلّ أن تكون للتّجارة ؛ لقول النّب ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى وجوب الزّكاة في العقيق ؛ لعموم قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫ن الَرْضِ } ‪.‬‬
‫ت مَا َكسَبْتُمْ َو ِممّا َأخْ َرجْنَا َلكُم مّ َ‬
‫أَن ِفقُواْ مِن طَيّبَا ِ‬
‫ولنّه معدن فتعلّقت الزّكاة بالخارج منه كالثمان ؛ ولنّه مال لو غنمه وجب عليه خمسه ‪،‬‬
‫فإذا أخرجه من معدن وجبت فيه الزّكاة كالذّهب ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬صفة المعدن الّذي يتعلّق‬
‫به وجوب الزّكاة هو كلّ ما خرج من الرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة كالحديد‬
‫والياقوت والزّبرجد والعقيق ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الرّبا في العقيق ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ل يجري الرّبا في العقيق وذلك لعدم توافر العلل الرّبويّة فيه عند المالكيّة والشّافعيّة ‪،‬‬

‫ول يجري الرّبا فيه كذلك عند الحنفيّة والحنابلة ؛ لنّه غير مكيل ول موزون إ ّل إذا تعارف‬
‫النّاس بيعه بالكيل أو بالوزن ‪.‬‬

‫د ‪ -‬السّلم في العقيق ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز السّلم في العقيق ‪:‬‬

‫فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى عدم صحّة السّلم في العقيق ؛ لتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا ‪.‬‬
‫ونصّ الشّافعيّة على عدم جواز السّلم في العقيق ‪ ،‬واستثنوا حالة ما إذا كان بالوزن ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى جواز السّلم في صنوف الفصوص والحجارة مطلقا ‪.‬‬

‫هـ – التّزيّن بالعقيق ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫– ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة التّختّم بالعقيق للرّجل ‪.‬‬

‫وذ هب ب عض الحنابلة إلى ا ستحبابه ‪ ،‬وقال ا بن ر جب ‪ :‬ظا هر كلم أك ثر ال صحاب أنّه ل‬
‫يستحبّ ‪ ،‬وهو ظاهر كلم المام أحمد في رواية منها ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَقِيقَة *‬

‫‪ -‬تطلق العقيقة في اللّغة على ‪ :‬الخرزة الحمراء من الحجار الكريمة ‪ ،‬وقد تكون‬

‫صفراء أو بيضاء ‪ ،‬وعلى ‪ :‬شعر كلّ مولود من النّاس والبهائم ينبت وهو في بطن أمّه ‪،‬‬
‫وعلى الذّبيحة الّتي تذبح عن المولود عند حلق شعره ‪.‬‬

‫ق بضمّ العين أيضا ‪ :‬حلق عقيقة مولوده ‪ ،‬وعقّ فلن عن مولوده‬
‫ويقال ‪ :‬عقّ فلن يعُ ّ‬
‫يعُقّ بضمّ العين أيضا ‪ :‬ذبح عنه ‪.‬‬
‫والعقيقة في الصطلح ‪ :‬ما يذكّى عن المولود شكرا للّه تعالى بنيّة وشرائط مخصوصة ‪.‬‬
‫وكره بعض الشّافعيّة تسميتها عقيقةً وقالوا ‪ :‬يستحبّ تسميتها ‪ :‬نسيكةً أو ذبيحةً ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الضحيّة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬الضحيّة ‪ :‬ما يذكّى تقرّبا إلى اللّه تعالى في أيّام النّحر بشرائط مخصوصة ‪.‬‬

‫وك ّل من العقيقة والضحيّة يذبح تقرّبا إلى اللّه تعالى وشكرا له سبحانه على نعمه ‪.‬‬
‫غير أنّ العقيقة تذبح للتّقرّب إلى اللّه تعالى والشّكر له سبحانه على إنعامه على الوالدين‬
‫بالمولود ‪ ،‬وعلى المولود بنعمة الحياة ‪ ،‬وليس لها من العام وقت معيّن ‪ ،‬فهي مرتبطة‬
‫بولدة المولود في أيّ وقت من العام ‪.‬‬
‫وأمّا الضحيّة فإنّها تذبح للتّقرّب إلى اللّه تعالى ‪ ،‬والشّكر له سبحانه على نعمة الحياة في‬
‫أيّام النّحر ‪ ،‬وهي وقتها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الهدي ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الهدي ما يذكّى من النعام في الحرم في أيّام النّحر للتّمتّع ونحوه ‪ ،‬وتجتمع العقيقة‬

‫ي مكان ‪ ،‬أمّا‬
‫ن العقيقة مرتبطة بوقت ولدة المولود ‪ ،‬وفي أ ّ‬
‫والهدي في أنّهما قربة ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫الهدي ففي أيّام النّحر وفي الحرم ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن العقيقة سنّة مؤكّدة ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة في الصّحيح المشهور عندهم إلى أ ّ‬

‫وعند الحنفيّة تباح العقيقة في سابع الولدة بعد التّسمية والحلق والتّصدّق ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يعقّ‬
‫تطوّعا بنيّة الشّكر للّه تعالى ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّها مندوبة ‪.‬‬
‫والمندوب عندهم أقلّ من المسنون ‪.‬‬
‫واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة على كونها س ّنةً مؤكّدةً بأحاديث كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬حديث سمرة بن‬
‫جندب رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الغلم مرتهن بعقيقته ‪،‬‬
‫يذبح عنه يوم السّابع « وفي رواية ‪ » :‬كلّ غلم رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ‪،‬‬
‫ويحلق ويسمّى « ‪.‬‬
‫ومعنى " مرتهن " " ورهين " قيل ‪ :‬ل ينمو نموّ مثله حتّى يعقّ عنه ‪.‬‬

‫حكمة مشروعيّة العقيقة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬شرعت العقيقة لما فيها من إظهار للبشر والنّعمة ونشر النّسب ‪.‬‬

‫العقيقة عن الميّت ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬لو مات المولود قبل السّابع استحبّت العقيقة عنه كما تستحبّ عن‬

‫الحيّ ‪.‬‬
‫وقال الحسن البصريّ ومالك ‪ :‬ل تستحبّ العقيقة عنه ‪.‬‬

‫العقيقة عن النثى ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أنّ النثى تشرع العقيقة عنها كما تشرع عن الذّكر لحديث أمّ كرز‬

‫الخزاعيّة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول في‬
‫العقيقة ‪ » :‬عن الغلم شاتان مكافئتان ‪ ،‬وعن الجارية شاة « ‪.‬‬

‫من تطلب منه العقيقة ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّ العقيقة تطلب من الصل الّذي تلزمه نفقة المولود بتقدير فقره ‪،‬‬

‫فيؤدّيها من مال نفسه ل من مال المولود ‪ ،‬ول يفعلها من ل تلزمه النّفقة إلّ بإذن من‬
‫تلزمه ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قد عقّ عن الحسن والحسين ‪ ،‬مع أنّ‬
‫ول يقدح في الحكم أنّ النّب ّ‬
‫ن نفقتهما كانت على الرّسول صلى ال عليه‬
‫الّذي تلزمه نفقتهما هو والدهما ؛ لنّه يحتمل أ ّ‬
‫ق عنهما بإذن أبيهما ‪.‬‬
‫وسلم ل على والديهما ‪ ،‬ويحتمل أنّه عليه الصلة والسلم ع ّ‬
‫ق عن نفسه عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ق عنه أحد يندب له أن يع ّ‬
‫ومن بلغ من الولد ولم يع ّ‬
‫ويشترط في المطالب بالعقيقة عندهم ‪ :‬أن يكون موسرا بأن يقدر عليها فاضل ًة عن مؤنته‬
‫ي أكثر مدّة النّفاس وهي ستّون يوما فإن قدر عليها بعد‬
‫ومؤنة من تلزمه نفقته قبل مض ّ‬
‫ن له ‪.‬‬
‫ذلك لم تس ّ‬
‫ن المطالب بالعقيقة هو الب ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة أ ّ‬
‫وصرّح الحنابلة أنّه ل يعقّ غير أب إلّ إن تعذّر بموت أو امتناع ‪ ،‬فإن فعلها غير الب لم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عن الحسن والحسين‬
‫تكره ولكنّها ل تكون عقيقةً ‪ ،‬وإنّما عقّ النّب ّ‬
‫لنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ‪.‬‬
‫ق الب وإن كان معسرا ‪ ،‬ويقترض إن كان يستطيع الوفاء ‪.‬‬
‫وصرّحوا بأنّها تسنّ في ح ّ‬
‫قال أحمد ‪ :‬إذا لم يكن مالكا ما يعقّ فاستقرض أرجو أن يخلف اللّه عليه ؛ لنّه أحيا سنّة‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫وقت العقيقة ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود ‪ ،‬فل‬

‫تصحّ عقيقة قبله ‪ ،‬بل تكون ذبيحةً عادي ًة ‪.‬‬
‫ن وقت العقيقة يكون في سابع الولدة ول يكون قبله ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫واتّفق الفقهاء على استحباب كون الذّبح في اليوم السّابع على اختلف في وقت الجزاء‬
‫كما سبق ‪.‬‬
‫ن يوم الولدة يحسب من السّبعة ‪ ،‬ول تحسب اللّيلة إن ولد‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ل ‪ ،‬بل يحسب اليوم الّذي يليها ‪.‬‬
‫لي ً‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يحسب يوم الولدة في حقّ من ولد بعد الفجر ‪ ،‬وأمّا من ولد مع الفجر‬
‫أو قبله فإنّ اليوم يحسب في حقّه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ وقت العقيقة يفوت بفوات اليوم السّابع ‪.‬‬
‫ق الب ونحوه ينتهي ببلوغ المولود ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ وقت الجزاء في ح ّ‬
‫وقال الحنابلة وهو قول ضعيف عند المالكيّة ‪ :‬إن فات ذبح العقيقة في اليوم السّابع يسنّ‬
‫ذبحها في الرّابع عشر ‪ ،‬فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين من ولدة‬
‫ن ذبحها فيه وهو قول عند المالكيّة ‪ ،‬وهذا مرويّ عن عائشة رضي ال تعالى‬
‫المولود فيس ّ‬
‫عنها ‪.‬‬
‫ن العقيقة ل تفوت بتأخيرها لكن يستحبّ ألّ تؤخّر عن سنّ البلوغ‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫ق غير المولود وهو مخيّر في العقيقة عن نفسه ‪،‬‬
‫فإن أخّرت حتّى يبلغ سقط حكمها في ح ّ‬
‫واستحسن القفّال الشّاشيّ أن يفعلها ‪ ،‬ونقلوا عن نصّه في البويطيّ ‪ :‬أنّه ل يفعل ذلك‬
‫واستغربوه ‪.‬‬
‫‪:‬‬
‫‪10‬‬

‫ب منها‬
‫ما يجزئ في العقيقة وما يستح ّ‬

‫‪ -‬يجزئ في العقيقة الجنس الّذي يجزئ في الضحيّة ‪ ،‬وهو النعام من إبل وبقر‬

‫وغنم ‪ ،‬ول يجزئ غيرها ‪ ،‬وهذا متّفق عليه بين الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو أرجح‬
‫القولين عند المالكيّة ومقابل الرجح أنّها ل تكون إلّ من الغنم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجزئ فيها المقدار الّذي يجزئ في الضحيّة وأقلّه شاة كاملة ‪ ،‬أو السّبع‬
‫من بدنة أو من بقرة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬ل يجزئ في العقيقة إلّ بدنة كاملة أو بقرة كاملة ‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫ق عن الذّكر بشاتين متماثلتين وعن‬
‫‪ -‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يستحبّ أن يع ّ‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمرهم‬
‫النثى بشاة لحديث عائشة رضي ال عنها ‪ » :‬أ ّ‬
‫عن الغلم شاتان مكافئتان وعن الجارية بشاة « ‪.‬‬

‫ن النّبيّ صلى‬
‫ويجوز العقّ عن الذّكر بشاة واحدة لحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ » :‬أ ّ‬
‫ق عن الحسن والحسين رضي ال عنهما كبشا كبشا « ‪.‬‬
‫ال عليه وسلم ع ّ‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يعقّ عن الغلم والجارية شا ًة شا ًة وكان ابن عمر رضي‬
‫ال تعالى عنهما يفعله ‪.‬‬
‫وقال الحسن وقتادة ل عقيقة عن الجارية ‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫‪ -‬وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يشترط في العقيقة عند الذّبح ما يشترط في أيّ ذبيحة‬

‫‪ ،‬ويستحبّ أن يقول ‪ :‬اللّهمّ لك وإليك هذه عقيقة فلن ‪ ،‬وذلك لحديث عائشة رضي ال‬
‫ق عن الحسن والحسين وقال ‪ » :‬قولوا بسم اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ع ّ‬
‫عنها أنّ النّب ّ‬
‫واللّه أكبر اللّهمّ لك وإليك هذه عقيقة فلن « ‪.‬‬

‫طبخ العقيقة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ طبخ العقيقة كلّها حتّى ما يتصدّق به منها‬

‫لحديث عائشة رضي ال عنها ‪ » :‬السّنّة شاتان مكافئتان عن الغلم وعن الجارية شاة ‪،‬‬
‫تطبخ جدولً ول يكسر عظما ‪ ،‬ويأكل ويطعم ويتصدّق وذلك يوم السّابع « ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يجوز في العقيقة تفريقها نيئةً ومطبوخةً ‪.‬‬
‫ويذكر الفقهاء عند الكلم عن العقيقة أمورا منها تسمية المولود ‪ ،‬وحلق رأسه ‪ ،‬وما يقال‬
‫في أذنيه ‪ ،‬وتحنيكه ‪ ،‬وختانه ‪ ،‬والتّهنئة بمولده ‪ ...‬وتنظر كلّها في مصطلحاتها ‪.‬‬

‫انظر ‪ :‬تطبيب ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫علج *‬
‫عَلنية *‬

‫‪ -‬العلنية في اللّغة ‪ :‬من العلن وهو إظهار الشّيء ‪ ،‬يقال ‪ :‬علن المر علونا من باب‬

‫قعد أي ‪ :‬ظهر وانتشر وعلن المر علنا من باب تعب لغة فيه ‪ ،‬والسم منهما العلنية وهي‬
‫ضدّ السّ ّر ‪ ،‬وأكثر ما يقال ذلك في المعاني دون العيان ‪ ،‬وأعلنت المر أي أظهرته ومنه‬
‫ت َل ُهمْ ِإسْرَارا } أي سرّا وعلنيةً ‪.‬‬
‫ت َل ُهمْ َوَأسْرَرْ ُ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬أَعْلَن ُ‬
‫أ ‪ -‬الجهر ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الجهر في الصل رفع الصّوت ‪ ،‬يقال ‪ :‬جهر بالقراءة رفع صوته بها ‪.‬‬

‫والجهر أخصّ من العلنية ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬السّرّ ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫جهَرْ بِا ْل َق ْولِ فَإِ ّنهُ َيعْ َلمُ السّرّ‬
‫‪ -‬السّ ّر هو الحديث المكتوم في النّفس ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬وإِن َت ْ‬

‫خفَى } ‪.‬‬
‫َوأَ ْ‬
‫والسّرّ ض ّد العلنية ‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫وردت أحكام العلنية في عدّة أبواب من كتب الفقه منها ‪:‬‬

‫في الطّاعات والعبادات ‪:‬‬

‫ن الطّاعات تنقسم إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬إ ّ‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬القسم الوّل ‪ :‬ما شرعت فيه العلنية كالذان ‪ ،‬والقامة ‪ ،‬والتّكبير في العيدين ‪،‬‬

‫ج والمعتمر ‪ ،‬والقراءة في الرّكعتين الوليين من الصّلة الجهريّة ‪،‬‬
‫والتّلبية بالنّسبة للحا ّ‬
‫ودعاء القنوت ‪ ،‬وتكبيرات النتقال ‪ ،‬وقول سمع اللّه لمن حمده في الصّلة بالنّسبة للمام‬
‫والمبلّغ ‪ ،‬وخطبة الجمعة والعيدين وعرفة والستسقاء ‪ ،‬وإقامة الجمع ‪ ،‬والجماعات ‪،‬‬
‫والعياد ‪ ،‬والجهاد في سبيل اللّه ‪ ،‬والمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ‪ ،‬وعيادة‬
‫المرضى‪ ،‬وتشييع الجنائز ‪ ،‬وتعليم النّاس أمور دينهم ‪ ،‬وبقيّة العلوم النّافعة الخرى ‪ ،‬فهذا‬
‫من شأنه العلنية ‪ ،‬فإن خاف فاعله الرّياء على نفسه جاهد نفسه في دفعها إلى أن تحضره‬
‫نيّة إخلصه فيأتي بهذه العمال مخلصا كما شرعت ‪ ،‬فيحصل على أجر ذلك الفعل وعلى‬
‫أجر المجاهرة ‪ ،‬لما في ذلك من المصلحة المتعدّية إلى الغير ‪.‬‬
‫وممّا يجب علنيته جرح الرّواة والشّهود والمناء على الصّدقات والوقاف واليتام‬
‫وأمثالهم ‪ ،‬ول يحلّ السّتر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليّتهم ‪ ،‬وليس هذا من باب‬
‫الغيبة المحرّمة بل هو من النّصيحة الواجبة بإجماع العلماء ‪.‬‬
‫‪ -5‬القسم الثّاني ‪ :‬ما يكون إسراره خيرا من إعلنه ‪ ،‬كإسرار القراءة في الصّلة غير‬
‫الجهريّة أو الجهريّة لغير المام ‪.‬‬
‫‪ -6‬القسم الثّالث ‪ :‬ما يخفى تارةً ويظهر تار ًة أخرى كالصّدقات ‪ ،‬فإن كانت فريضةً كالزّكاة‬
‫أو كان ممّن يقتدى به أو يريد إظهار السّنّة وأمن على نفسه الرّياء كانت العلنية أفضل له‬
‫سرّيّة ‪ ،‬لما في ذلك من إبعاد التّهمة عن نفسه بالنّسبة للفرائض والواجبات ولما فيه‬
‫من ال ّ‬
‫من س ّد خلّة الفقراء مع مصلحة القتداء فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسبّبه إلى تصدّق‬
‫ن الفرائض‬
‫الغنياء عليهم ‪ ،‬وقد نفع الغنياء بتسبّبه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء ؛ ول ّ‬
‫ل يدخلها الرّياء ‪.‬‬

‫وإن كانت العبادة نافل ًة كصدقة التّطوّع وغيرها من النّوافل وخاف على نفسه الرّياء أو‬
‫عرف من عادته الرّياء أو كان ممّن ل يقتدى به ‪ ،‬أو خاف من احتقار النّاس للمتصدّق‬
‫عليه ‪ ،‬كان إخفاؤها أفضل من علنيتها لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن ُتخْفُوهَا وَ ُتؤْتُوهَا ا ْل ُفقَرَاء َف ُهوَ‬
‫خَيْرٌ ّلكُمْ وَ ُي َكفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَا ِت ُكمْ } الية ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم في خبر ال سّبعة الّذين يظلّهم اللّه تحت ظلّ عرشه ‪ » :‬ورجل‬
‫تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى ل تعلم شماله ما تنفق يمينه « الحديث ‪.‬‬
‫ب«‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬صدقة السّ ّر تطفئ غضب الرّ ّ‬
‫ولقول ابن عبّاس رضي ال عنهما جعل اللّه صدقة السّ ّر في التّطوّع تفضل علنيتها‬
‫بسبعين ضعفا ‪ ،‬وجعل صدقة الفريضة علنيتها أفضل من سرّها بخمسة وعشرين ضعفا ‪،‬‬
‫وكذلك جميع الفرائض والنّوافل في الشياء كلّها ‪.‬‬

‫علنية الحجر للفلس ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يندب للحاكم أن يعلن حجر المحجور عليه للفلس ويشهد‬

‫على حجره ويشهره بالنّداء عليه ليحذر من معاملته ‪ ،‬ولئلّ يتضرّر النّاس بضياع أموالهم‬
‫ن الحاكم حجر على فلن بن فلن ‪.‬‬
‫فيأمر مناديا ينادي في البلد ‪ :‬إ ّ‬
‫ن هذا الشهاد على الحجر واجب ‪.‬‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إظهار ف‬

‫‪10‬‬

‫)‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عَلَقَة *‬

‫‪ -‬العلقة في اللّغة مفرد علق ‪ ،‬والعلق ‪ :‬الدّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الدّم الجامد الغليظ لتعلّق‬

‫بعضه ببعض ‪ ،‬وقيل الجامد قبل أن ييبس ‪ ،‬والقطعة منه علقة ‪.‬‬
‫ط َفةَ عَ َل َقةً } ‪.‬‬
‫وفي التّنزيل ‪ُ { :‬ثمّ خَ َلقْنَا ال ّن ْ‬
‫قال الفيّوم يّ ‪ :‬العل قة ‪ :‬المن يّ ينت قل ب عد طوره في صير دما غليظا متجمّدا ‪ ،‬ث ّم ينت قل طورا‬
‫آخر فيصير لحما وهو المضغة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ للعلقة عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬النّطفة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬النّطفة في اللّغة ‪ :‬القليل من الماء ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الماء الصّافي ق ّل أو كثر ‪.‬‬

‫قال الفيّوميّ ‪ :‬النّطفة ماء الرّجل والمرأة وجمعها نطف ونطاف ‪ ،‬وفي التّنزيل ‪ { :‬أَ َلمْ يَكُ‬
‫ي ُيمْنَى } ‪.‬‬
‫طفَ ًة مّن مّنِ ّ‬
‫ُن ْ‬
‫ي‪.‬‬
‫والنّطفة اصطلحا ‪ :‬ماء الرّجل وهو المن ّ‬
‫والعلقة بينهما أنّ العلقة تخلق من النّطفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المضغة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬المضغة في اللّغة ‪ :‬القطعة من اللّحم قدر ما يمضغ ‪.‬‬

‫ومنه قيل ‪ :‬في النسان مضغتان إذا صلحتا صلح البدن ‪ ،‬القلب واللّسان ‪ ،‬والجمع مضغ ‪،‬‬
‫وفي الحديث ‪ » :‬إنّ أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما ‪ ،‬ثمّ علقةً مثل ذلك ‪ ،‬ث ّم يكون‬
‫مضغةً مثل ذلك ‪ ،‬ثمّ يبعث اللّه ملكا فيؤمر بأربع ‪ :‬برزقه وأجله وشقيّ أو سعيد ‪ ،‬ث ّم ينفخ‬
‫فيه الرّوح « ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ للمضغة عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن العلقة تخلق منها المضغة ‪.‬‬
‫والعلقة بين العلقة والمضغة هي أ ّ‬
‫ج ‪ -‬الجنين ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬الجنين لغةً مأخوذ من مادّة جنن الّتي تدلّ على الستتار ‪ ،‬يقال جنّ الشّيء يجنّه جنّا ‪:‬‬

‫ن لستتارهم واختفائهم عن البصار ‪ ،‬ومنه سمّي الجنين لستتاره‬
‫ستره ‪ ،‬وبه سمّي الج ّ‬
‫في بطن أمّه ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬الولد ما دام في بطن أمّه وجمعه أجنّة وأجنن ‪.‬‬
‫والعلقة بين العلقة والجنين أنّ العلقة أحد أطوار الجنين ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعلقة ‪:‬‬
‫إسقاط العلقة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم إسقاط العلقة ‪:‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى حرمة إسقاط العلقة ‪ ،‬قال‬
‫الدّردير من المالكيّة ‪ :‬ول يجوز إخراج المنيّ المتكوّن في الرّحم ولو قبل الربعين يوما‬
‫ونقل ابن حجر الهيتميّ من الشّافعيّة عن الحياء في مبحث العزل ما يدلّ على تحريمه ‪،‬‬
‫وهو الوجه ؛ لنّها بعد الستقرار آيلة إلى التّخلّق متهيّأة لنفخ الرّوح ‪ ،‬وقال أبو إسحاق‬
‫المروزيّ ‪ :‬يجوز إلقاء النّطفة والعلقة ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه ل يجوز شرب دواء للقاء العلقة لنعقادها ‪ ،‬وأجازوا شرب الدّواء‬
‫للقاء النّطفة ؛ لنّها لم تنعقد بعد ‪ ،‬وقد ل تنعقد ولدا ‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى إباحة إسقاط العلقة حيث إنّهم يقولون بإباحة إسقاط الحمل ما لم يتخلّق‬
‫منه شيء ‪ ،‬ولن يتمّ التّخلّق إلّ بعد مائة وعشرين يوما ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬وإطلقهم يفيد‬
‫ي بن‬
‫عدم توقّف جواز إسقاطها قبل المدّة المذكورة على إذن الزّوج ‪ ،‬وكان الفقيه عل ّ‬
‫ي يقول ‪ :‬إنّه يكره ‪ ،‬فإنّ الماء بعدما وقع في الرّحم مآله الحياة ‪ ،‬فيكون له‬
‫موسى الحنف ّ‬
‫حكم الحياة كما في بيضة صيد الحرم ‪ ،‬قال ابن وهبان ‪ :‬فإباحة السقاط محمولة على حالة‬
‫العذر أو أنّها ل تأثم إثم القتل ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى عدم وجوب الغرّة بإلقاء‬
‫ن العلقة لم تتصوّر فلم يجب فيها شيء ‪.‬‬
‫العلقة ؛ ل ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى وجوب الغرّة بإلقاء العلقة ‪.‬‬

‫ما يترتّب على سقوط العلقة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ العلقة ل تعتبر حملً ‪،‬‬

‫فل تعتبر المرأة بسقوطها نفساء ل يقع عليها طلق معلّق على الولدة وليس عليها عدّة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العلقة تعتبر حملً فتعتبر المرأة بسقوطها نفساء ويقع عليها الطّلق‬
‫المعلّق على الولدة وتنقضي بها العدّة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عِلّة *‬

‫‪ -‬العلّة لغةً تطلق على المرض ‪ ،‬وتطلق على السّبب ‪.‬‬

‫أمّا في اصطلح الصوليّين ‪ :‬فقد عرّفها الغزاليّ بقوله ‪ :‬هي ما أضاف الشّارع الحكم إليه‬
‫طعُواْ أَيْدِ َي ُهمَا }‬
‫ق وَالسّارِ َقةُ فَا ْق َ‬
‫وناطه به ‪ ،‬ونصبه علمةً عليه ‪ ،‬فقوله تعالى ‪ { :‬وَالسّارِ ُ‬
‫جعلت السّرقة فيه مناطا لقطع اليد ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬القاتل ل يرث « جعل‬
‫فيه قتل المورث مناطا للحكم وهو حرمان القاتل إرث المقتول ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الحكمة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الحكمة في اللّغة ‪ :‬عبارة عن معرفة أفضل الشياء بأفضل العلوم ‪.‬‬

‫وفي اصطلح الصوليّين هي ‪ :‬المصلحة الّتي قصد الشّارع من تشريع الحكم تحقيقها أو‬
‫تكميلها ‪ ،‬أو المفسدة الّتي قصد الشّارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها ‪.‬‬
‫والفرق بين حكمة الحكم وعلّته ‪ :‬أنّ حكمة الحكم ‪ :‬هي الباعث على تشريعه ‪ ،‬والغاية‬
‫المقصودة منه ‪ ،‬أمّا علّة الحكم فهي المر الظّاهر المنضبط الّذي بنى الشّارع الحكم عليه‬

‫ن من شأن بنائه عليه وربطه به أن يحقّق حكمة تشريع‬
‫وربطه به وجودا وعدما ؛ ل ّ‬
‫الحكم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّبب ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬السّبب في اللّغة الحبل ‪ ،‬وهو ما يتوصّل به إلى الستعلء ثمّ استعير لكلّ شيء يتوصّل‬

‫به إلى أمر من المور ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هو ‪ :‬ما يلزم من وجوده الوجود ‪ ،‬ومن عدمه العدم بالنّظر لذاته ‪ ،‬كالزّوال‬
‫ن الشّرع وضعه سببا لدخول وقت الظّهر ‪.‬‬
‫مثلً فإ ّ‬
‫وعند أهل الشّرع يشترك العلّة والسّبب في ترتيب المسبّب ‪ ،‬والمعلول عليهما ‪ ،‬ويفترقان‬
‫في وجهين ‪:‬‬
‫ن السّبب ما يحصل الشّيء عنده ل به ‪ ،‬والعلّة ما يحصل به ‪.‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أ ّ‬
‫ن المعلول يتأثّر عن علّته بل واسطة بينهما ‪ ،‬ول شرط يتوقّف الحكم على‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫وجوده‪ ،‬والسّبب إنّما يفضي إلى الحكم بواسطة ‪ ،‬وقد يراد بالسّبب ‪ :‬العلّة عند بعض‬
‫الفقهاء فيقولون ‪ :‬النّكاح سبب الحلّ ‪ ،‬والطّلق سبب لوجوب العدّة شرعا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الشّرط ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫ع َة أَن َتأْتِ َيهُم‬
‫‪ -‬الشّرط في اللّغة ‪ :‬العلمة ‪ :‬جاء في التّنزيل ‪َ { :‬ف َهلْ يَنظُرُونَ إِل السّا َ‬

‫طهَا } أي ‪ :‬علماتها ‪.‬‬
‫َبغْ َتةً َفقَدْ جَاء َأشْرَا ُ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ما يلزم من عدمه العدم ‪ ،‬ول يلزم من وجوده وجود ول عدم لذاته ‪.‬‬
‫ن الشّرط مناسبته في غيره كالوضوء بالنّسبة للصّلة ‪ ،‬والعلّة‬
‫والفرق بين العلّة والشّرط أ ّ‬
‫مناسبتها في نفسها كالنّصاب في وجوب الزّكاة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المانع ‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬المانع لغةً ‪ :‬الحائل ‪.‬‬

‫واصطلحا ما يلزم من وجوده العدم ‪ ،‬ول يلزم من عدمه وجود ول عدم لذاته ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعلّة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫ي عند جمهور‬
‫‪ -‬العلّة من أهمّ أركان القياس ‪ ،‬والقياس من مصادر الفقه السلم ّ‬

‫الفقهاء ‪ ،‬فإذا لم يدرك العقل عّلةً لحكم الصل امتنع القياس ؛ لنعدام أهمّ ركن من أركانه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ -‬للعلّة شروط منها ‪:‬‬

‫شروط العلّة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أن تكون العلّة وصفا ظاهرا أي ‪ :‬واضحا يمكن إدراكه والتّحقّق من وجوده أو عدمه ‪،‬‬
‫وذلك كالصّغر في ثبوت الولية على الصّغير ‪ ،‬والرّشد في ثبوتها للرّشيد ‪ ،‬والسكار في‬
‫حرمة الخمر ‪ ،‬وقد تكون العلّة أمرا خفيّا أقام الشّارع مقامه أمرا ظاهرا يقترن به ويدلّ‬
‫عليه ‪ ،‬كالرّضا الّذي هو الوصف المناسب لصحّة العقد وتشريعه ‪ ،‬وهو أمر خفيّ ل يمكن‬
‫الوقوف عليه ‪ ،‬فأقام الشّارع مقامه أمرا ظاهرا يقترن به ويدلّ على وجوده وهو ‪ :‬اليجاب‬
‫والقبول ‪ ،‬والوصف المناسب للحكم في القصاص وقوع القتل عمدا وعدوانا ‪ ،‬فإذا كان‬
‫القتل أمرا ظاهرا فالتّعمّد أمر خفيّ ‪ ،‬فأقام الشّارع مقامه ما يقترن به ويدلّ عليه ‪ ،‬وهو‬
‫استعمال اللة الّتي تستعمل عادةً في القتل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تكون العلّة وصفا منضبطا ل يختلف باختلف موصوفه ‪ ،‬فقتل الوارث مورثه‬
‫ المؤدّي إلى الحرمان من إرث المقتول ‪ -‬أمر محدود ‪ ،‬ل يختلف باختلف القاتل أو‬‫المقتول ‪ ،‬والشّدّة المؤدّية إلى السّكر في حرمة الخمر وصف محدود ؛ لنّها في نبيذ العنب‬
‫مثلها في نبيذ الشّعير أو التّمر أو غير ذلك ‪ ،‬وقد يكون الوصف المناسب غير منضبط فيقيم‬
‫الشّارع أيضا مقامه أمرا منضبطا يقترن به ويدلّ عليه ‪ ،‬كإباحة الفطر في رمضان ‪،‬‬
‫فالوصف المناسب لباحة الفطر المشقّة وهي أمر غير منضبط ‪ ،‬فقد يعدّ مش ّقةً عند بعض‬
‫النّاس ما ليس بمشقّة عند آخرين ‪ ،‬فأقام الشّارع مقامها ما هو مظنّة للمشقّة في المور‬
‫المنضبطة ‪ :‬وهو السّفر أو المرض ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يكون الوصف متعدّيا غير مقصور على الصل ‪ ،‬فإذا كان مقصورا على الصل لم‬
‫يصحّ القياس ؛ لنعدام العلّة في الفرع ‪ ،‬كإباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض فإنّه‬
‫ل يقاس عليهما المشتغل بالعمال الشّاقّة ؛ لنّ العلّة هي السّفر وهو ل يوجد إلّ في مسافر‬
‫‪ ،‬أو المرض وهو ل يوجد إلّ في مريض ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ألّ يكون من الوصاف الّتي ألغى الشّارع اعتبارها ‪ ،‬كأن يضيف الشّارع الحكم إلى‬
‫وصف وينوطه به ثمّ تقترن به أوصاف علم بعادة الشّرع وموارده ومصادره في أحكامه‬
‫أنّه ل مدخل لها في التّأثير ككون الّذي أفطر في رمضان بوقاع أهله وأوجب عليه الشّارع‬
‫العتق أعرابيّا ‪ ،‬فإنّا نلحقه كلّ مكلّف أفطر في رمضان بجماع ‪ ،‬ونحذف عن درجة العتبار‬
‫وصف كونه أعرابيّا واقع منكوحته في رمضان معيّن وفي يوم منه لنّا نعلم من عادة‬
‫الشّرع وموارده ومصادره أنّ مناط الحكم وقاع مكلّف في رمضان وهو صائم ‪.‬‬
‫وتفصيل شروط العلّة في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ما تثبت به العلّة ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬تثبت العلّة بالدلّة الشّرعيّة من الكتاب والسّنّة والجماع ‪ ،‬أو نوع من الستدلل‬

‫المستنبط ‪.‬‬
‫فالّتي تثبت بالدلّة الشّرعيّة النّقليّة إنّما تستفاد من صريح النّطق ‪ ،‬أو اليماء ‪ ،‬أو من‬
‫التّنبيه على السباب ‪ ،‬فالمستفاد من الصّريح ‪ :‬أن يرد فيه لفظ التّعليل مثل قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن الَغْنِيَاء مِنكُمْ } ‪.‬‬
‫ي ل َيكُونَ دُو َل ًة بَيْ َ‬
‫{ كَ ْ‬
‫جلِ ذَِلكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي ِإسْرَائِيلَ } الية ‪.‬‬
‫قوله جلّ شأنه ‪ { :‬مِنْ َأ ْ‬
‫والمستفاد من اليماء على العلّة ‪ :‬كقوله صلى ال عليه وسلم ‪ :‬لمّا سئل عن الهرّة ‪:‬‬
‫طوّافات « فإنّه صلى ال عليه وسلم لم يأت بأدوات التّعليل‬
‫طوّافين عليكم وال ّ‬
‫» إنّها من ال ّ‬
‫على قول بعض الصوليّين الّذين ل يعدّون " إن " من أدوات التّعليل ‪ ،‬إلّ أنّه أومأ إلى‬
‫التّعليل ؛ لنّه لو لم يكن الطّواف عّل ًة لم يكن ذكره مفيدا ‪.‬‬
‫والمستفاد بالتّنبيه على السباب ‪ :‬أن يرتّب الحكام عليها بصيغة الجزاء والشّرط – أو‬
‫بإلغاء الّتي هي للتّعقيب – والتّسبيب ‪ ،‬كقوله عليه الصلة والسلم ‪ » :‬من أحيا أرضا ميتةً‬
‫فهي له « ‪.‬‬
‫طعُواْ أَيْدِ َي ُهمَا } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَالسّا ِرقُ وَالسّا ِر َقةُ فَا ْق َ‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ن الوصف مؤثّر ‪ ،‬ومثاله قولهم ‪ :‬إذا قدّم الخ من‬
‫‪ -9‬وتثبت العلّة كذلك بالجماع على أ ّ‬
‫الب والمّ على الخ للب في الميراث فينبغي أن يقدّم عليه في ولية النّكاح ‪ ،‬فإنّ العلّة في‬
‫التّقديم في الميراث بسبب امتزاج الخوّة وهو المؤثّر بالتّفاق ‪.‬‬
‫وكذلك يقال ‪ :‬يجب الضّمان على السّارق وإن قطع ؛ لنّه مال تلف تحت اليد العادية‬
‫فيضمن كما في الغصب وهذا الوصف هو المؤثّر في الغصب اتّفاقا ‪.‬‬

‫إثبات العلّة بالستنباط ‪ ،‬وطرق الستدلل ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬إذا لم تثبت العلّة بنصّ ‪ -‬أو إجماع ‪ -‬بحث المجتهد في الصل المنصوص على‬

‫حكمه عن وصف يدرك العقل مناسبته ‪ ،‬أي ‪ :‬صلحيته لربط الحكم به ‪ ،‬وبنائه عليه ‪،‬‬
‫لتتحقّق المصلحة المقصودة منه ‪ ،‬فإذا وجد في الفعل المنصوص عليه وصفا مناسبا متميّزا‬
‫كان هو العلّة ‪ ،‬وإذا أدرك وصفا مناسبا تشوبه أوصاف ل تأثير لها في الحكم كان عليه أن‬
‫يجتهد في تنقيحه أي ‪ :‬تخليصها ممّا يشوبها من أوصاف ل دخل لها في العلّيّة ‪ ،‬ويسمّى‬
‫ي الّذي أفطر في رمضان بجماع زوجته ‪.‬‬
‫تنقيح المناط ‪ ،‬كالعراب ّ‬
‫وإذا وجد في الفعل عدّة أوصاف مناسبة كان سبيله إلى تعيين أحدها ‪:‬‬

‫التّقسيم ‪ ،‬والسّبر ‪ ،‬وذلك بأن يقول ‪ :‬هذا الحكم معلّل ول علّة له إلّ كذا وكذا وقد بطل‬
‫أحدهما فيتعيّن الخر ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫علْم *‬
‫ِ‬

‫‪ -‬العلم في اللّغة ‪ :‬يطلق على المعرفة والشّعور والتقان واليقين ‪ ،‬يقال ‪ :‬علمت الشّيء‬

‫أعلمه علما عرفته ‪ ،‬ويقال ‪ :‬ما علمت بخبر قدومه أي ‪ :‬ما شعرت ‪ ،‬ويقال ‪ :‬علم المر‬
‫وتعلّمه ‪ :‬أتقنه ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬هو حصول صورة الشّيء في العقل ‪.‬‬
‫واختار العضد اليجيّ بأنّه ‪ :‬صفة توجب لمحلّها تمييزا بين المعاني ل يحتمل النّقيض ‪.‬‬
‫وقال صاحب الكلّيّات ‪ :‬والمعنى الحقيقيّ للفظ العلم هو الدراك ‪ ،‬ولهذا المعنى متعلّق وهو‬
‫المعلوم ‪ ،‬وله تابع في الحصول يكون وسيلةً إليه في البقاء وهو الملكة ‪ ،‬فأطلق لفظ العلم‬
‫على ك ّل منها ‪ ،‬إمّا حقيقةً عرف ّيةً أو اصطلح ّيةً أو مجازا مشهورا ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الجهل ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الجهل لغةً ‪ :‬نقيض العلم ‪ ،‬ويطلق على السّفه والخطأ ‪ ،‬يقال ‪ :‬جهل على غيره سفه‬

‫وأخطأ ‪ ،‬كما يطلق على الضاعة ‪ ،‬يقال ‪ :‬جهل الحقّ أضاعه ‪ ،‬فهو جاهل وجهول ‪،‬‬
‫وتجاهل ‪ :‬أظهر الجهل ‪.‬‬
‫والجهل اصطلحا ‪ :‬هو اعتقاد الشّيء على خلف ما هو عليه ‪.‬‬
‫فالجهل ض ّد العلم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعرفة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬المعرفة لغةً ‪ :‬اسم من مصدر عرف ‪ ،‬يقال ‪ :‬عرفته عرفةً بالكسر وعرفانا ‪ :‬علمته‬

‫بحاسّة من الحواسّ الخمس ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬إدراك الشّيء على ما هو عليه ‪.‬‬
‫قال صاحب التّعريفات ‪ :‬وهي مسبوقة بجهل بخلف العلم ‪ ،‬ولذلك يسمّى الحقّ تعالى بالعالم‬
‫دون العارف ‪.‬‬

‫أقسام العلم ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ينقسم العلم عند علماء الكلم إلى قديم وحادث ‪.‬‬

‫فالقديم ‪ :‬هو علم اللّه تعالى ‪ ،‬والعلم من صفات اللّه الزليّة ‪ ،‬وهي صفة أزليّة تنكشف‬
‫المعلومات عند تعلّقها بها ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬واكتسابيّ ‪.‬‬
‫والعلم الحادث ‪ :‬هو علم العباد ‪ ،‬وهو نوعان ‪ :‬ضرور ّ‬
‫فالضّروريّ ما يحصل في العالم بإحداث اللّه وتخليقه من غير فكر وكسب من جهته ‪.‬‬
‫ي بأنّه ‪ :‬ما ل يكون تحصيله مقدورا للمخلوق ‪ ،‬ويقابله العلم الكتسابيّ‬
‫وعرّفه الجرجان ّ‬
‫وهو العلم المقدور تحصيله ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬يختلف الحكم التّكليفيّ تبعا لفائدة العلم والحاجة إليه ‪ ،‬فمنه ما تعلّمه فرض ‪ ،‬ومنه ما‬

‫هو محرّم ‪ ،‬والفرض منه ما هو فرض عين ‪ ،‬ومنه ما هو فرض كفاية ‪.‬‬
‫‪ -6‬فمن العلوم الّتي تعلّمها فرض عين تعلّم ما يحتاجه النسان من علم الفقه والعقيدة ‪.‬‬
‫ل عن العَلميّ ‪ :‬من فرائض السلم تعلّم ما يحتاج إليه العبد في إقامة‬
‫قال ابن عابدين نق ً‬
‫دينه وإخلص عمله للّه تعالى ومعاشرة عباده ‪ ،‬وفرض على كلّ مكلّف ومكلّفة بعد تعلّمه‬
‫علم الدّين والهداية تعلّم علم الوضوء والغسل والصّلة والصّوم ‪ ،‬وعلم الزّكاة لمن له‬
‫نصاب ‪ ،‬والحجّ لمن وجب عليه ‪ ،‬والبيوع على ال ّتجّار ليحترزوا عن الشّبهات والمكروهات‬
‫في سائر المعاملت ‪ ،‬وكذا أهل الحرف وكلّ من اشتغل بشيء يفرض عليه علمه وحكمه‬
‫ليمتنع عن الحرام فيه ‪.‬‬
‫ي ما هو فرض عين ‪ ،‬وهو تعلّم المكلّف ما ل يتأدّى‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬من أقسام العلم الشّرع ّ‬
‫الواجب الّذي تعيّن عليه فعله إلّ به ‪ ،‬ككيفيّة الوضوء والصّلة ونحوهما ‪ ،‬وأمّا أصل واجب‬
‫السلم وما يتعلّق بالعقائد فيكفي فيه التّصديق بكلّ ما جاء به رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ك ‪ ،‬ول يتعيّن على من حصل له هذا تعلّم‬
‫وسلم واعتقاده اعتقادا جازما سليما من كلّ ش ّ‬
‫أدلّة المتكلّمين ‪ ،‬هذا هو الصّحيح الّذي أطبق عليه السّلف والفقهاء والمحقّقون من‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يطالب أحدا بشيء‬
‫المتكلّمين من أصحابنا وغيرهم ‪ ،‬فإنّ النّب ّ‬
‫سوى ما ذكرنا ‪ ،‬ولو تشكّك في شيء من أصول العقائد ممّا ل ب ّد من اعتقاده ولم يزل شكّه‬
‫ك وتحصيل ذلك الصل ‪.‬‬
‫إلّ بتعلّم دليل من أدلّة المتكلّمين ‪ ،‬وجب تعلّم ذلك لزالة الشّ ّ‬
‫ول يلزم النسان تعلّم كيفيّة الوضوء والصّلة وشبهها إلّ بعد وجوب ذلك الشّيء ‪ ،‬وأمّا‬
‫البيع والنّكاح وشبههما ‪ -‬ممّا ل يجب أصله ‪ -‬فيحرم القدام عليه إلّ بعد معرفة شرطه ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬علم القلب هو معرفة أمراض القلب كالحسد ‪ ،‬والعجب ‪ ،‬وشبههما ‪ ،‬فذهب‬
‫الغزاليّ إلى أنّ معرفة حدودها وأسبابها وطبّها وعلجها فرض عين ‪ ،‬وقال غيره ‪ :‬إن‬
‫رزق المكلّف قلبا سليما من هذه المراض المحرّمة كفاه ذلك ‪ ،‬ول يلزمه تعلّم دوائها ‪ ،‬وإن‬

‫لم يسلم نظر ‪ :‬إن تمكّن من تطهير قلبه من ذلك بل تعلّم لزمه التّطهير ‪ ،‬كما يلزمه ترك‬
‫الزّنا ونحوه من غير تعلّم أدلّة التّرك ‪ ،‬وإن لم يتمكّن من التّرك إلّ بتعلّم العلم المذكور تعيّن‬
‫حينئذ ‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ -‬وأمّا العلوم الّتي هي من فروض الكفاية ‪ ،‬فهي العلوم الّتي ل بدّ للنّاس منها في إقامة‬

‫دينهم من العلوم الشّرعيّة ‪ ،‬كحفظ القرآن والحاديث ‪ ،‬وعلومهما والصول ‪ ،‬والفقه ‪،‬‬
‫واللّغة والتّصريف ‪ ،‬ومعرفة رواة الحديث ‪ ،‬والجماع ‪ ،‬والخلف ‪.‬‬
‫ب والحساب‬
‫ومن فروض الكفاية أيضا ‪ :‬العلوم الّتي يحتاج إليها في قوام أمر الدّنيا كالطّ ّ‬
‫والصّنائع الّتي هي سبب قيام مصالح الدّنيا كالخياطة والفلحة ونحوهما ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫‪ -‬والعلوم المندوبة هي التّوسّع في العلوم الشّرعيّة وآلتها ‪ ،‬والطّلع على غوامضها‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬وأمّا العلوم المحرّمة فمنها ‪ :‬الشّعوذة ‪ ،‬وهي ‪ :‬خفّة في اليد كالسّحر ترى الشّيء بغير‬

‫ما عليه أصله ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وأفتى ابن حجر في أهل الحلق في الطّرقات الّذين لهم أشياء غريبة كقطع‬
‫رأس إنسان وإعادته وجعل نحو دراهم من التّراب وغير ذلك بأنّهم في معنى السّحرة إن لم‬
‫يكونوا منهم ‪ ،‬فل يجوز لهم ذلك ‪ ،‬ول لحد أن يقف عليهم ‪.‬‬
‫ومن العلوم المحرّمة ‪ :‬الكهانة والسّحر والرّمل وبعض أنواع التّنجيم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫ي وتعريبه الحكم المموّهة أي ‪ :‬مزيّنة‬
‫وأمّا علم الفلسفة فيرى ابن عابدين أنّه لفظ يونان ّ‬
‫الظّاهر فاسدة الباطن ‪ ،‬كالقول بقدم العالم وغيره من المكفّرات والمحرّمات ‪.‬‬
‫وذكر في الحياء أنّها ليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الهندسة والحساب وهما مباحان ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬المنطق وهو بحث من وجه الدّليل وشروطه ووجه الحدّ وشروطه وهما داخلن‬
‫في علم الكلم ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬منطق السلميّين الّذي مقدّماته قواعد إسلميّة فل وجه للقول بحرمته ‪،‬‬
‫بل سمّاه الغزاليّ معيار العلوم ‪ ،‬وقد ألّف فيه علماء السلم ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬اللهيّات ‪ ،‬وهو بحث عن ذات اللّه تعالى وصفاته ‪ ،‬انفردوا فيه بمذاهب بعضها‬
‫كفر وبعضها بدعة ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬الطّبيعيّات ‪ ،‬وبعضها مخالف للشّرع ‪ ،‬وبعضها بحث عن صفات الجسام وخواصّها‬
‫وكيفيّة استحالتها وتغيّرها ‪.‬‬

‫وأمّا علم الموسيقى ‪ :‬فهو علم رياضيّ يعرف منه أحوال النّغم واليقاعات وكيفيّة تأليف‬
‫اللّحون وإيجاد اللت ‪.‬‬
‫وللفقهاء في حكم تعلّمه أقوال تنظر في مصطلح ‪ ( :‬استماع ‪ ،‬غناء ‪ ،‬معازف ) ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫‪ -‬وأمّا العلوم المكروهة فهي أشعار المولّدين من الغزل والبطالة ‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬المكروه منه ما داوم عليه وجعله صناع ًة له حتّى غلب عليه وأشغله عن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬لن‬
‫ذكر اللّه تعالى وعن العلوم الشّرعيّة ‪ ،‬وبه فسّر قول النّب ّ‬
‫يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا « ‪.‬‬
‫فاليسير من ذلك ل بأس به إذا قصد به إظهار النّكات واللّطافات والتّشابيه الفائقة والمعاني‬
‫الرّائقة ‪ ،‬وإن كان في وصف الخدود والقدود ‪ ،‬أمّا الزّهريّات المجرّدة عن ذلك المتضمّنة‬
‫وصف الرّياحين والزهار والمياه فل وجه لمنعه ‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫‪ -‬والعلوم المباحة كأشعار المولّدين الّتي ليس فيها سخف ‪ ،‬ول شيء ممّا يكره ‪ ،‬ول ما‬

‫ينشّط إلى الشّ ّر ‪ ،‬ول ما يثبّط عن الخير ‪ ،‬ول ما يحثّ على خير أو يستعان به عليه ‪.‬‬

‫عُلوّ *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬تعلّي ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫علُوق *‬
‫ُ‬

‫‪ -‬العلوق لغةً ‪ :‬من علق بالشّيء علقا وعلقةً ‪ :‬نشب فيه ‪ ،‬وهو عالق به أي ‪ :‬نشب‬

‫فيه ‪ ،‬وعلقت المرأة بالولد ‪ ،‬وكلّ أنثى تعلق ‪ :‬حبلت ‪ ،‬والمصدر العلوق ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للفظ " علوق " عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الوطء ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬من معاني الوطء لغةً ‪ :‬النّكاح والجماع ‪ ،‬أمّا الفقهاء فيستعملونه بمعنى الجماع ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬النزال ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬من معاني النزال لغةً ‪ :‬إنزال الرّجل ماءه ‪ ،‬إذا أمنى بجماع أو غيره ‪.‬‬

‫ويطلق عند الفقهاء على خروج ماء الرّجل أو المرأة بجماع أو احتلم أو نظر أو غير ذلك‬
‫‪ .‬والعلقة بين العلوق وبين الوطء والنزال أنّ الوطء في الفرج وكذا النزال في الفرج‬
‫يكونان سببا للعلوق ‪ ،‬إذ العلوق ل يكون إلّ من المنيّ ‪.‬‬

‫أثر العلوق ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬العلوق في الفراش يوجب ثبوت النّسب فمن تزوّج امرأةً وهو ممّن يولد له ووطئها‬

‫ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة ول غيرها وأتت بولد في المدّة المقرّرة للحمل الّتي‬
‫ن نسب الولد يلحق بالزّوج ؛ لنّ الولد وجد من وطء على فراش الزّوج ‪،‬‬
‫حدّدها الفقهاء فإ ّ‬
‫والعلوق في فراشه يوجب ثبوت النّسب منه وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نسب ) ‪.‬‬

‫أثر العلوق في الرّجعة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬المطلّقة طلقا رجعيّا يثبت نسب ما تلده ولو لكثر من سنتين ‪ ،‬ولو لعشرين سنةً فأكثر‬

‫لحتمال امتداد طهرها وعلوقها في العدّة ‪ ،‬ويصير بالوطء الّذي علقت منه مراجعا ‪ ،‬وتكون‬
‫الولدة دليل الرّجعة ؛ لنّ المطلّقة الرّجعيّة لها حكم الزّوجة فحملها في مدّة العدّة يحمل‬
‫على الحلل ؛ لنتفاء الزّنى من المسلم ظاهرا ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬رجعة ف‬

‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬

‫أثر العلوق في الوصيّة والرث ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬للعلوق أثر في الوصيّة والرث فتصحّ الوصيّة للحمل وأمّا بالنّسبة للرث فتوقف‬

‫التّركة لوضع الحمل ‪.‬‬
‫وينظر ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬إرث ف‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪109‬‬

‫‪ ،‬ووصيّة ) ‪.‬‬

‫عمَى *‬
‫َ‬

‫ى فهو أعمى ‪ :‬إذا فقد‬
‫‪ -‬العمى في اللّغة ‪ :‬ذهاب البصر كلّه ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمي يعمى عم ً‬

‫ن المعنى‬
‫بصره فل يرى شيئا ‪ ،‬والنثى عمياء ‪ ،‬ول يقع هذا النّعت على العين الواحدة ؛ ل ّ‬
‫يقع عليهما جميعا ‪ ،‬ويطلق على فقد البصيرة ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمي فلن عن رشده ‪ ،‬وعمي عليه‬
‫طريقه ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬فَإِ ّنهَا ل َت ْعمَى الَبْصَا ُر وَ َلكِن َت ْعمَى ا ْلقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ } ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬العور ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬العور ‪ :‬نقص بصر العين ‪ ،‬يقال عورت العين عورا نقصت أو غارت فالرّجل أعور‬

‫والنثى عوراء ‪.‬‬
‫فالعمى ‪ :‬فقد البصر ‪ ،‬والعور ‪ :‬نقص البصر ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العمش ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬العمش هو سيلن الدّمع مع ضعف البصر ‪ ،‬يقال عمشت العين عمشا من باب تعب‬

‫سال دمعها في أكثر الوقات مع ضعف البصر ‪ ،‬فالرّجل أعمش والنثى عمشاء ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعمى ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫ن العمى ل يزيل الهليّة فالمصاب بهذه الفة كالبصير في‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬

‫الحكام إلّ في بعض أمور اقتضتها الضّرورة فل تسقط عنه التّكاليف الشّرعيّة بدن ّي ًة كانت‬
‫أم مال ّيةً ‪ ،‬إلّ ما أسقط لعذر أو لضرورة ‪.‬‬

‫تخلّف العمى عن حضور الجمعة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الجمعة تجب على العمى إذا كان يهتدي بنفسه أو يجد‬

‫من يقوده ولو بأجرة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يجب عليه حضور الجمعة وإن وجد متبرّعا يقوده مجّانا أو بأجرة‬
‫المثل ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة ف‬

‫‪15‬‬

‫)‪.‬‬

‫أذان العمى ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يكره أذان العمى إذا لم يكن معه بصير يعلمه دخول الوقت ؛‬

‫لنّه ربّما يغلط في الوقت ‪ ،‬أو يفوّت على النّاس فضيلة أوّل الوقت باشتغاله بالسّؤال عنه ‪،‬‬
‫والتّحرّي فيه ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يكره أذانه ؛ لنّ قوله مقبول في المور الدّينيّة فيكون‬
‫مقبو ًل فيحصل به العلم ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أذان ) ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة أذان العمى جائز وكان مالك ل يكره أن يكون العمى مؤذّنا ‪ ،‬ول يختلف في‬
‫جواز أذانه إذا كان من أهل الثّقة والمانة ‪.‬‬

‫إمامة العمى ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة تكره إمامة العمى في الصّلة إلّ أن يكون أعلم القوم فل‬

‫كراهة حينئذ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة إنّه كالبصير في إمامة الصّلة ‪ ،‬لتعارض فضيلتهما ؛ لنّ العمى‬
‫ل ينظر ما يشغله فهو أخشع والبصير يرى الخبث لتجنّبه عن النّجاسات ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إمامة الصّلة ف‬

‫‪24‬‬

‫)‪.‬‬

‫شهادة العمى ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ل تقبل شهادة العمى على المرئيّات ‪ ،‬وتقبل شهادته فيما يدرك بالذّوق ‪ ،‬واللّمس ‪،‬‬

‫ن الدراك بهذه الحواسّ يستوي فيها العمى والبصير ‪ ،‬واختلفوا في جواز‬
‫والشّمّ ؛ ل ّ‬
‫شهادته بالمسموعات ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ف‬

‫‪19‬‬

‫)‪.‬‬

‫عقد العمى ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫ح السّلم‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة والمالكيّة إلى أنّه يصحّ بيع العمى بالصّفة لما يص ّ‬

‫ح السّلم فيه ‪.‬‬
‫ح شراؤه بالصّفة لما يص ّ‬
‫فيه ‪ ،‬ويص ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬كلّ عقد يشترط فيه الرّؤية ل يصحّ من العمى ‪ ،‬كالبيع والجارة ‪،‬‬
‫والرّهن ‪ ،‬والرتهان ونحو ذلك ممّا يشترط لصحّته رؤية المعقود عليه ‪ ،‬أمّا ما ل يشترط‬
‫ن السّلم‬
‫فيه الرّؤية كالسّلم فيصحّ مباشرة العمى به إن كان رأس المال في ال ّذمّة ؛ ل ّ‬
‫يعتمد بالوصف ل الرّؤية ؛ ولنّه يعرف صفته بالسّماع ‪ ،‬ويتخيّل ما يميّزه ‪.‬‬
‫ويوكّل غيره فيما ل يجوز مباشرته في العقود ‪.‬‬

‫لعان العمى ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫ن العلم به يحصل له بأكثر من‬
‫ح لعان العمى بزنا تيقّنه ‪ :‬بلمس ‪ ،‬أو سماع ؛ ل ّ‬
‫‪ -‬يص ّ‬

‫س ‪ ،‬أو حسّ ‪ ،‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬لعان ) ‪.‬‬
‫طريق ‪ :‬من ج ّ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عمَارَة *‬
‫ِ‬

‫‪ -‬العمارة في اللّغة ما يعمر به المكان ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمّر اللّه بك منزلك ‪ :‬وأعمره جعله آهلً‬

‫عامرا بك ‪ ،‬وعمّرت الخراب أعمره عمار ًة أحييته ‪ ،‬ويطلق على البناء ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬القيام بما يصلح العقار ‪ ،‬أو البناء من إحياء الرض ‪ ،‬وترميم البناء ‪،‬‬
‫وتجصيصه ‪ ،‬وغير ذلك ممّا يصلحه عرفا ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬البناء ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬البناء ‪ :‬وضع شيء على شيء على وجه يراد به الثّبوت ‪.‬‬

‫ص من العمارة ‪.‬‬
‫فالبناء أخ ّ‬
‫ب ‪ -‬التّرميم ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬التّرميم ‪ :‬إصلح البناء ‪.‬‬

‫وهو نوع من العمارة ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الحياء ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬الحياء ‪ :‬عمارة الرض الخربة ببناء ‪ ،‬أو غرس ‪ ،‬أو سقي ويختلف معناه باختلف‬

‫المضاف إليه فيقال ‪ :‬إحياء السّنّة وإحياء اللّيل ونحوهما ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فهو أعمّ من العمارة ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعمارة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬تختلف أحكام العمارة باختلف المعمور ‪ ،‬فقد قال الشّافعيّة ‪ :‬يجب على ناظر الوقف‬

‫عمارة الموقوف من ريع الوقف ‪ ،‬أو من جهة شرطها الواقف ‪ ،‬كما يجب على الوليّ‬
‫عمارة عقار مولّيه من ماله ‪ ،‬أو من غيره ممّا هو له ‪ ،‬وعلى النّاظر في المشترك بطلب‬
‫ي المحجور عليه عمارة‬
‫شريكه ‪ ،‬سواء الموقوف والمملوك لنحو مسجد ‪ ،‬وعلى ول ّ‬
‫ي المر في مال غائب ‪ ،‬أو ميّت ل وارث له ‪ ،‬وعليه ديون ‪ ،‬أمّا البالغ‬
‫أملكه ‪ ،‬وعلى ول ّ‬
‫الرّشيد فل تجب عليه عمارة أملكه ممّا ل روح له كقناة ودار ‪ ،‬وأرض له خراب ؛ لنّ‬
‫تنمية المال غير واجبة ‪ ،‬لكنّه يندب عمارتها ‪ ،‬ويكره تركها حذرا من إضاعة المال بغير‬
‫الفعل ‪.‬‬

‫عمارة المساجد ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬عمارة المساجد مأمور بها بالكتاب الكريم والسّنّة المطهّرة ‪ ،‬وهي فرض كفاية إن قام‬

‫بها بعض المسلمين سقط الثم عن الباقين ‪ ،‬وإن تركوها جميعا أثموا جميعا ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫ن بِالّل ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ } ‪.‬‬
‫ن آمَ َ‬
‫{ إِ ّنمَا َي ْعمُرُ َمسَاجِدَ الّل ِه مَ ْ‬
‫قال ا بن كث ير في تف سير ال ية ‪ :‬إنّ ما ي ستقيم عمارت ها لهؤلء الجامع ين للكمالت العلميّة‬
‫والعمليّة ‪ ،‬ومن عمارتها ‪ :‬بناؤها ‪ ،‬وتزيينها بالفرش ‪ ،‬وتنويرها بال سّرج ‪ ،‬وإدامة العبادة‬
‫ودرس العلم في ها ‪ ،‬و صيانتها عمّا لم ت بن له كحد يث الدّن يا ‪ ،‬و في الحد يث القد سيّ ‪ :‬قال‬
‫تعالى ‪ » :‬إنّ بيوتي في أرضي المساجد ‪ ،‬وإنّ زوّاري عمّارها ‪ ،‬فطوبى لعبد تطهّر في بيته‬
‫ثمّ زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره « ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مسجد ) ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عمَامَة *‬
‫ِ‬

‫‪ -‬العمامة لغةً ‪ :‬اللّباس الّذي يلث ‪ -‬يلفّ ‪ -‬على الرّأس تكويرا ‪ ،‬وتعمّم الرّجل ‪ :‬كوّر‬

‫العمامة على رأسه ‪ ،‬والجمع عمائم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫أ ‪ -‬العذبة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬العذبة ‪ :‬طرف الشّيء كعذبة الصّوت واللّسان أي ‪ :‬طرفهما ‪ ،‬والطّرف العلى للعمامة‬

‫يسمّى عذب ًة وإن كان مخالفا للصطلح العرفيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الذّؤابة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬الذّؤابة تطلق على الضّفيرة من الشّعر إذا كانت مرسلةً كما تطلق على طرف العمامة ‪،‬‬

‫والجمع ذوائب ويستعملها الفقهاء بهذين المعنيين ‪.‬‬
‫فالعذبة والذّؤابة جزء من العمامة ‪.‬‬
‫ول يفرّق بعضهم بين العذبة والذّؤابة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العصابة ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬للعصابة في الستعمال العربيّ عدّة معان متشابهة ‪ :‬العصابة بمعنى العمامة ‪ ،‬فهي‬

‫مرادفة لها ‪.‬‬
‫قال الجاحظ ‪ :‬والعصابة والعمامة سواء ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعث سر ّيةً‬
‫فهي مرادفة للعمامة ‪ ،‬كما ورد في الحديث ‪ » :‬أ ّ‬
‫فأصابهم البرد فلمّا قدموا على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على‬
‫العصائب « ‪ ،‬وفسّرت العصائب هنا بالعمائم ‪.‬‬
‫وتطلق العصابة على ما يشدّ به الرّأس وغيره ‪ ،‬فهي بهذا المعنى أعمّ من العمامة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المعجر ‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ -‬المعجر ‪ :‬ثوب أصغر من الرّداء وأكبر من المقنعة تعتجر به المرأة فتلفّه على استدارة‬

‫رأسها ثمّ تجلبب فوقه بجلبابها ‪ ،‬والجمع المعاجر ‪.‬‬
‫ويكون العتجار بالمعجر بالنّسبة للنّساء وبالعمامة بالنّسبة للرّجال ‪ ،‬وهو ليّ الثّوب على‬
‫ف العمامة دون التّلحّي ‪.‬‬
‫الرّأس من غير إدارة تحت الحنك ‪ ،‬وفي بعض العبارات أنّه ل ّ‬
‫والعتجار بالعمامة أن يلفّها على رأسه وير ّد طرفها على وجهه ول يعمل منها شيئا تحت‬
‫ذقنه ‪.‬‬
‫ن المعجر‬
‫ف به الرّأس غير أ ّ‬
‫والصّلة بين المعجر والعمامة أنّ المعجر والعمامة كليهما يل ّ‬
‫للمرأة والعمامة للرّجل ‪.‬‬
‫هـ – القناع ‪:‬‬
‫‪6‬‬

‫– يطلق القناع والمقنّع والمقنّعة على نوع من القماش يضعه الجنسان على الرّأس ‪.‬‬

‫ويطلق أيضا على الخمار الّذي تغطّي به المرأة وجهها ‪.‬‬

‫وفسّر بعضهم القناع بما يفيد خصوصيّته بالمرأة فقال ‪ :‬القناع والمقنّعة ‪ :‬ما تتقنّع به‬
‫المرأة من ثوب يغطّي رأسها ومحاسنها ‪.‬‬
‫ووصف البعض الرّجل بالتّقنّع فقال ‪ :‬رجل مقنّع إذا كان عليه بيضة ومغفر ‪.‬‬
‫فالقناع يستعمل للنّساء ‪ ،‬والعمامة للرّجال ‪.‬‬
‫و ‪ -‬القلنسوة ‪:‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ -‬القلنسوة لغةً من ملبس الرّءوس وتجمع على قلنس ‪ ،‬والتّقليس لبس القلنسوة ‪.‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬ما يلبس على الرّأس ويتعمّم فوقه أو هي الطّاقيّة ‪.‬‬
‫ن العمامة تلفّ على القلنسوة غالبا ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫‪8‬‬

‫‪ -‬للعمامة عدّة أشكال منها ‪:‬‬

‫أشكال العمامة ‪:‬‬

‫ف الشّخص العمامة على رأسه ويسدلها على ظهره ‪ ،‬وتسمّى بهذه الهيئة القعاطة ‪.‬‬
‫أن يل ّ‬
‫أن تلفّ على الرّأس دون التّلحّي بها ‪ ،‬وتسمّى العتجار ‪.‬‬
‫أن يرخى طرفاها من ناحيتي الرّأس وتسمّى الزّوقلة ‪.‬‬
‫أن تلث على الرّأس ول تسدل على الظّهر ول تر ّد تحت الحنك وتسمّى القفداء ‪.‬‬

‫صفة عمائم الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬روى الصّحابة رضي ال عنهم أخبارا تتعلّق بعمامة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬

‫نصّت على لونها وشكلها ونوعها ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم دخل يوم فتح‬
‫فعن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما ‪ » :‬أ ّ‬
‫مكّة وعليه عمامة سوداء « ‪.‬‬
‫والعمامة بهذا اللّون استعملها صلى ال عليه وسلم حين الخطابة ‪ ،‬فعن جعفر بن عمرو بن‬
‫حريث عن أبيه ‪ » :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم خطب النّاس ‪ ،‬وعليه عمامة‬
‫سوداء « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وعن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر عن أبيه قال ‪ » :‬رأيت على النّب ّ‬
‫وسلم ثوبين مصبوغين بزعفران رداءً وعمامةً « ‪.‬‬
‫وكانت لعمامته صلى ال عليه وسلم عذبة وكان يسدلها بين كتفيه ‪ ،‬فعن جعفر بن عمرو‬
‫بن حريث عن أبيه قال ‪ » :‬كأنّي أنظر إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على المنبر ‪،‬‬
‫وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه « ‪.‬‬
‫تضمّن هذا الحديث بالضافة إلى التّنصيص على لون عمامة النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫الخبار بإرخائه طرفها بين كتفيه ‪.‬‬

‫وأخبر عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما بذلك فقال ‪ » :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫اعتمّ سدل عمامته بين كتفيه « ‪.‬‬
‫وثبت أنّه صلى ال عليه وسلم تعمّم بعمامة قطريّة ‪ ،‬فعن أنس بن مالك قال ‪ » :‬رأيت‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم توضّأ وعليه عمامة قطريّة ‪ ،‬فأدخل يده من تحت العمامة‬
‫فمسح مقدّم رأسه ولم ينقض العمامة « وفسّرت العمامة القطريّة بتفسيرين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬قيل هي ضرب من البرود فيه حمرة ولها أعلم وفيها بعض الخشونة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬قيل هي حلل جياد تحمل من قرية في البحرين يقال لها قطر ‪.‬‬
‫وأمّا مقدارها فقد لحظ السّيوطيّ أنّه لم يثبت حديث في مقدار عمامته صلى ال عليه‬
‫ي يصف تعمّمه عليه الصلة والسلم بأنّها عدّة‬
‫وسلم‪ ،‬واستنتج من حديث نسبه إلى البيهق ّ‬
‫أذرع ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬والظّاهر أنّها كانت نحو العشرة أذرع أو فوقها بيسير ‪.‬‬
‫ومن الوصاف الّتي وقفنا عليها ‪ :‬سدل العمامة ‪.‬‬
‫وصف عبد الرّحمن بن عوف رضي ال عنه عمامته فقال ‪ » :‬عمّمني رسول اللّه صلى ال‬
‫ي ومن خلفي « ‪.‬‬
‫عليه وسلم فسدلها بين يد ّ‬
‫وكان عبد اللّه بن عمر يسدل عمامته بين كتفيه ‪ ،‬وممّن فعل ذلك من التّابعين سالم بن عبد‬
‫اللّه والقاسم بن محمّد ‪.‬‬
‫ن من الصّحابة من جعل في عمامته علمةً ليعرف بها ‪.‬‬
‫وثبت أ ّ‬
‫ومنهم من اتّخذ العمامة نفسها سمةً فقد كان حمزة يوم بدر معلّما بريشة نعامة حمراء ‪،‬‬
‫وكان الزّبير معلّما بعمامة صفراء ‪.‬‬

‫صفة عمائم أهل ال ّذمّة ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ -‬لبس أهل ال ّذمّة العمائم الملوّنة تمييزا لهم فكانت عمائم المسيحيّين زرقاء وعمائم‬

‫اليهود صفراء ويذكر أنّ عمر بن الخطّاب رضي ال عنه هو الّذي ألزمهم بذلك ‪.‬‬
‫بيد أنّ هذه التّعليمات لم تطبّق بعد ذلك حيث تعمّم المسلمون بالعمائم الملوّنة ‪ ،‬ومن صفات‬
‫عمائم أهل ال ّذمّة خلوّها من العذبة ‪ ،‬عدم إدارتها تحت الحنك عند التّعمّم ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪:‬‬
‫" ‪ ..‬وإن لم يكن تحت الحنك منها شيء ‪ ،‬ول لها ذؤابة لم يجز المسح عليها ; لنّها على‬
‫صفة عمائم أهل ال ّذمّة " ‪.‬‬

‫الصّلة بالعمامة ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على استحباب ستر الرّأس في الصّلة للرّجل بعمامة وما في معناها ;‬

‫لنّه صلى ال عليه وسلم كان يصلّي بالعمامة ‪.‬‬
‫أمّا المرأة فواجب ستر رأسها ‪.‬‬

‫ل لترك الوقار ‪ ،‬ل‬
‫ونصّ الحنفيّة على كراهة صلة الرّجل مكشوف الرّأس إذا كان تكاس ً‬
‫للتّذلّل والتّضرّع انظر مصطلح ‪ ( :‬رأس ف ‪. ) 5‬‬

‫السّجود على كور العمامة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز السّجود على كور العمامة وغيرها ممّا هو‬

‫متّصل بالمصلّي من غير عذر من ح ّر أو برد مع الكراهة التّنزيهيّة عند الحنفيّة لحديث‬
‫أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نصلّي مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في شدّة الحرّ‬
‫فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الرض يبسط ثوبه فيسجد عليه » وروي عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه سجد على كور عمامته » ‪.‬‬
‫وعن الحسن قال ‪ :‬كان أصحاب رسول اللّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يسجدون وأيديهم في‬
‫ثيابهم ‪ ،‬ويسجد الرّجل على عمامته ‪ ،‬وفي رواية ‪ :‬كان القوم يسجدون على العمامة‬
‫والقلنسوة ويده في كمّه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى وجوب كشف الجبهة ومباشرتها بالمصلّى ‪،‬‬
‫وعدم جواز السّجود على كمّه وذيله ويده وكور عمامته أو قلنسوته وغير ذلك ممّا هو‬
‫متّصل به ‪ ،‬ويتحرّك بحركته لقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجدت فمكّن جبهتك من‬
‫الرض » الحديث ‪ ،‬ولما روي عن خبّاب بن الرتّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬أتينا رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فشكونا إليه حرّ الرّمضاء فلم يشكنا » ‪ ،‬وفي رواية ‪ « :‬فما أشكانا » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬السّجود على الجبهة فرض ‪ ،‬ويكره السّجود على كور عمامته إن كان‬
‫لفّتين من شال رقيق كشاش ول يعيد الصّلة ‪ ،‬فإن كان أكثر من لفّتين واستقرّت عليه‬
‫الجبهة فيعيد في الوقت وإن كانت العمامة مشدودةً على الرّأس وسجد على كورها ولم‬
‫تمسّ جبهته الرض فصلته باطلة يعيدها أبدا وجوبا ‪.‬‬
‫وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سجود ف ‪ ، ) 7‬ومصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬

‫‪101‬‬

‫)‪.‬‬

‫حكم المسح على العمامة ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يجوز المسح على العمامة ; لنّه ل حرج في نزعها ‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز المسح على العمامة إن خيف ضرر بسبب نزعها من الرّأس ولم‬
‫يمكن حلّها ‪ ،‬وإن قدر على مسح بعض رأسه مباشر ًة مسحه وكمّل على عمامته وجوبا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز المسح على العمامة وإن لبسها على حدث سواء عسر عليه تنحيتها‬
‫أم ل ‪ ،‬ول يكفي القتصار على العمامة بل يمسح بناصيته وعلى العمامة والفضل أن ل‬
‫يقتصر على أق ّل من النّاصية ‪ ،‬لحديث مسلم عن المغيرة ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم توضّأ‬
‫فمسح بناصيته وعلى العمامة » ‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجوز المسح على العمامة وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة ‪ ،‬وروي عن‬
‫سعيد بن مالك وأبي الدّرداء رضي ال عنهم وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة‬
‫ومكحول والوزاعيّ وأبو ثور وابن المنذر ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬ممّن مسح على العمامة أبو‬
‫بكر الصّدّيق رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬توضّأ‬
‫واستدلّ الحنابلة بما روي عن المغيرة بن شعبة ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفّين » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مسح ‪ ،‬ووضوء ) ‪.‬‬

‫العمامة للميّت ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬ذهب أبو حنيفة ومالك إلى استحباب اشتمال الكفن على قميص وعمامة ‪ ،‬واعتمد‬

‫ن ابن عمر كفّن ابنه واقدا في خمسة أثواب‬
‫الحنفيّة في ذلك على حديث سعيد بن منصور أ ّ‬
‫قميص وعمامة وثلث لفائف وأدار العمامة إلى تحت حنكه ‪.‬‬
‫ي أن يعمّم ‪ .‬قال ‪ :‬إنّ من شأن الميّت‬
‫وأمّا مالك فقد روي عنه أنّه قال ‪ :‬والرّجل أحبّ إل ّ‬
‫عندنا أن يعمّم ‪.‬‬
‫ن الفضل أن ل يكون في كفن الميّت قميص ول عمامة ‪،‬‬
‫ي وأحمد إلى أ ّ‬
‫وذهب الشّافع ّ‬
‫واستدلّوا بقول عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كفّن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في ثلثة‬
‫أثواب بيض سحوليّة من كرسف ليس فيها قميص ول عمامة » متّفق عليه ‪.‬‬

‫لبس العمامة في الحرام ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ -‬العمامة من اللّباس المحرّم في الحرام ‪ ،‬نصّ على ذلك الرّسول صلى ال عليه وسلم‬

‫في حديث بيّن فيه ما يمنع على المحرم لباسه ‪ ،‬فعن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما ‪:‬‬
‫«‬

‫أنّ رجلً قال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬ما يلبس المحرم من الثّياب ؟ قال رسول اللّه صلى ال‬

‫عليه وسلم ‪ :‬ل يلبس القمص ول العمائم ول السّراويلت ول البرانس ول الخفاف إلّ أحد‬
‫ل يجد نعلين فيلبس خفّين ‪ ،‬وليقطعهما أسفل من الكعبين ‪ ،‬ول تلبسوا من الثّياب شيئا‬
‫مسّه زعفران أو ورس » ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬نبّه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالعمائم والبرانس على كلّ ساتر للرّأس‬
‫مخيطا كان أو غيره حتّى العصابة فإنّها حرام ‪ ،‬فإن احتاج إليها لشجّة أو صداع أو غيرهما‬
‫شدّها ‪ ،‬ولزمته الفدية ‪.‬‬

‫التّعزير بخلع العمامة ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬التّعزير عقوبة فيما ل حدّ ول كفّارة ‪ ،‬يجتهد القاضي في تقديرها ‪.‬‬

‫وممّا يعزّر به خلع العمامة ‪ ،‬قال ابن شاس ‪ :‬كانوا يعاقبون الرّجل على قدره وقدر‬
‫جنايته ‪ ،‬منهم من يضرب ومنهم من يحبس ‪ ،‬ومنهم من يقام واقفا على قدميه في المحافل‬
‫‪ ،‬ومنهم من تنزع عمامته ‪ ،‬ومنهم من يحلّ إزاره ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عمْد *‬
‫َ‬

‫‪ -‬العمد في اللّغة ‪ :‬قصد الشّيء والستناد إليه ‪ ،‬وهو المقصود بالنّيّة يقال ‪ :‬تعمّد وتعمّد‬

‫له وعمد إليه وله ‪ ،‬أي قصده ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬القصد ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬يقال ‪ :‬قصدت الشّيء وله وإليه قصدا ‪ :‬إذا طلبته بعينه ‪ ،‬وقصد المر ‪ :‬توجّه إليه‬

‫عامدا ‪ ،‬والمقصد ‪ :‬موضوع القصد ‪ ،‬وقصد في المر ‪ :‬توسّط ولم يجاوز الحدّ فيه ‪ ،‬وقصد‬
‫الطّريق ‪ :‬أي ‪ :‬استقام ‪.‬‬
‫والقصد أعمّ من العمد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العزم ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬العزم في اللّغة ‪ :‬عقد القلب على إمضاء المر ‪ ،‬يقال ‪ :‬عزم فلن عزما أي ‪ :‬جدّ‬

‫وصبر ‪ ،‬وعزم المر أي ‪ :‬عقد نيّته وضميره على فعله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخطأ ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬الخطأ في اللّغة ‪ :‬ض ّد الصّواب وهو اسم من أخطأ فهو مخطئ ‪ ،‬يقال لمن يذنب على‬

‫غير عمد ‪ ،‬ولمن أراد الصّواب فصار إلى غيره ‪ ،‬قال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬الخطأ العدول‬
‫عن الجهة ‪.‬‬
‫والخطأ في الصطلح ‪ :‬فعل يصدر من النسان بل قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه‬

‫الحكام المتعلّقة بالعمد ‪:‬‬

‫وردت الحكام المتعلّقة بالعمد في أبواب من كتب الفقه ‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬في الصّلة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫ن المصلّي إذا ترك ركنا من أركان الصّلة عمدا أو انتقل إلى ما‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫بعده بطلت صلته ‪ ،‬وكذا إن تكلّم في صلته أو أكل أو شرب عمدا ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬

‫‪107‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬في الصّوم ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬لو أكل الصّائم أو شرب أو باشر أهله عامدا أفطر بالجماع ‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صوم ف‬

‫‪37‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬في الجنايات ‪:‬‬

‫‪7‬‬

‫‪ -‬القتل العمد محرّم بالجماع مستوجب للقصاص والنّار كما جاء في قوله تعالى ‪{ :‬‬

‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا } ‪.‬‬
‫َومَن َيقْ ُتلْ ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا َفجَزَآؤُ ُه َ‬
‫وقد اختلفوا في قبول توبة قاتل العمد ‪:‬‬
‫فذهب جمهور فقهاء المذاهب الربعة إلى قبول توبته ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ََل يَدْعُونَ‬
‫ق وََل َيزْنُونَ َومَن َي ْفعَلْ َذلِكَ َيلْقَ‬
‫مَ َع الّلهِ إِلَها آخَ َر وََل َيقْتُلُونَ ال ّنفْسَ الّتِي حَ ّرمَ الّل ُه إََِل بِا ْلحَ ّ‬
‫عمَلً‬
‫ع ِملَ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ب وَآمَ َ‬
‫أَثَاما ‪ ،‬يُضَاعَفْ َل ُه ا ْلعَذَابُ َي ْومَ ا ْلقِيَا َمةِ وَ َيخْلُدْ فِي ِه ُمهَانا ‪ ،‬إََِل مَن تَا َ‬
‫حسَنَاتٍ } ‪.‬‬
‫ك يُبَ ّدلُ الّل ُه سَيّئَا ِت ِهمْ َ‬
‫صَالِحا فَُأوْلَئِ َ‬
‫ن الكفر أعظم من قتل العمد بإجماع‬
‫ك ِلمَن َيشَاء } ; ول ّ‬
‫ن ذَلِ َ‬
‫وقولـه تعالى ‪ { :‬وَ َي ْغفِرُ مَا دُو َ‬
‫الفقهاء فإذا قبلت التّوبة منه فقبول التّوبة من القتل أولى ‪.‬‬
‫وذهب جماعة من علماء السّلف ومنهم ابن عبّاس رضي ال عنهما إلى أنّه ليس لقاتل‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا وَغَضِبَ الّلهُ‬
‫العمد توبة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن َيقْ ُتلْ ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا َفجَزَآؤُ ُه َ‬
‫عظِيما } ‪.‬‬
‫عَلَ ْي ِه وَ َلعَ َنهُ َوأَعَدّ َل ُه عَذَابا َ‬

‫د ‪ -‬في الرّدّة ‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا فعل النسان ما يكفر به عمدا أو قال قو ًل يخرجه عن الملّة‬

‫عمدا فقد ارتدّ وتجرى عليه أحكام المرت ّد ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ف‬

‫‪10‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬في الطّلق ‪:‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وقوع الطّلق ممّن يتعمّده ‪ ،‬فإن م ّر لفظ الطّلق بلسان نائم أو تلفّظ‬

‫به من زال عقله بسبب لم يعص اللّه فيه أو سبق لسانه إلى لفظ الطّلق أو تلفّظ بالطّلق‬
‫حاكيا كلم غيره أو كرّر الفقيه لفظ الطّلق في الدّرس فل يقع الطّلق في هذه المسائل‬
‫كلّها ‪.‬‬

‫و ‪ -‬الكذب على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عمدا ‪:‬‬

‫‪10‬‬

‫ن تعمّد الكذب على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من أكبر‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬

‫ي متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كذب عل ّ‬
‫الكبائر لقول النّب ّ‬

‫»‬

‫ن من أعظم الفرى أن يدعى الرّجل إلى غير أبيه ‪ ،‬أو‬
‫‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫يري عينه ما لم تر ‪ ،‬أو يقول على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ما لم يقل » ‪.‬‬
‫ولكنّهم اختلفوا في كفر من تعمّد الكذب على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫فقال الذّهبيّ وابن حجر الهيتميّ ‪ :‬ذهبت طائفة من العلماء إلى أنّ الكذب على رسول اللّه‬
‫ن تعمّد الكذب على اللّه ورسوله في‬
‫صلى ال عليه وسلم كفر ينقل عن الملّة ‪ ،‬ول ريب أ ّ‬
‫تحليل حرام أو تحريم حلل كفر محض ‪ ،‬وإنّما الكلم في الكذب عليه فيما سوى ذلك ‪.‬‬
‫واتّفق العلماء على أنّه ل تقبل رواية متعمّد الكذب في حديث رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ي صلى ال‬
‫وسلم أبدا وإن تاب وحسنت طريقته تغليظا عليه وزجرا عن الكذب على النّب ّ‬
‫عليه وسلم لعظم مفسدته فإنّه يصير شرعا مستمرّا إلى يوم القيامة بخلف الكذب على‬
‫ن مفسدته ليست عا ّمةً بل تكون قاصرةً ‪.‬‬
‫غيره صلى ال عليه وسلم فإ ّ‬

‫ز ‪ -‬حلف اليمين كذبا عمدا ‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ حلف اليمين كذبا عمدا حرام من كبائر الذّنوب ‪ ،‬لقول اللّه‬

‫ن الّذِينَ َيشْ َترُونَ ِب َعهْدِ الّل ِه َوأَ ْيمَا ِنهِمْ َثمَنا َقلِيلً ُأوْلَـ ِئكَ َل خَلَقَ َل ُهمْ فِي الخِرَةِ‬
‫تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫َولَ ُيكَّل ُم ُهمُ الّلهُ َو َل يَنظُرُ إِلَ ْي ِهمْ َي ْومَ ا ْلقِيَا َمةِ َولَ ُي َزكّيهِمْ وَ َل ُهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ‪.‬‬
‫علَى ا ْلكَذِبِ وَ ُهمْ َيعْ َلمُونَ } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَ َيحْ ِلفُونَ َ‬
‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم‬
‫لقي اللّه وهو عليه غضبان » ‪.‬‬
‫ولما رواه عبد اللّه بن عمرو رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الكبائر ‪:‬‬
‫الشراك باللّه ‪ ،‬وعقوق الوالدين ‪ ،‬وقتل النّفس ‪ ،‬واليمين الغموس » ‪.‬‬
‫واليمين الّتي يتعمّد فيها الكذب سمّيت غموسا ; لنّها تغمس الحالف في الثم في الدّنيا‬
‫وتغمسه في النّار يوم القيامة ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬الكذب حرام فإذا كان محلوفا عليه كان أشدّ في التّحريم ‪ ،‬وإن أبطل به‬
‫حقّا أو اقتطع به مال معصوم كان أشدّ ‪.‬‬
‫راجع مصطلح ‪ ( :‬أيمان ف‬

‫‪108‬‬

‫‪-‬‬

‫‪114‬‬

‫)‪.‬‬

‫ح ‪ -‬الحنث في اليمين عمدا ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬تعمّد الحنث في اليمين تجري عليه الحكام الخمسة ‪:‬‬

‫فقد يكون الحنث واجبا وذلك إذا كان الحلف على ترك واجب عينيّ أو على فعل محرّم ‪،‬‬
‫فإذا حلف مثلً على أن ل يصلّي إحدى الصّلوات الخمس المفروضة وجب عليه الحنث ‪.‬‬

‫وقد يكون الحنث مندوبا وذلك إذا حلف على ترك مندوب كسنّة الضّحى أو على فعل مكروه‬
‫كأن يلتفت بوجهه في الصّلة فيندب الحنث وقد يكون الحنث مباحا وذلك إذا حلف على ترك‬
‫مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام معيّن ولبس ثوب فقال بعض الفقهاء ‪ :‬الفضل في هذا‬
‫ترك الحنث لما فيه من تعظيم اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وقد يكون الحنث حراما وذلك إذا حلف على فعل واجب أو ترك حرام فعليه أن ينفذ ما حلف‬
‫عليه لقولـه تعالى ‪َ { :‬ولَ تَنقُضُواْ الَ ْيمَانَ َبعْدَ َت ْوكِيدِهَا وَقَ ْد جَعَلْ ُتمُ الّل َه عَلَ ْي ُكمْ َكفِيلً إِنّ الّلهَ‬
‫َيعْ َلمُ مَا َت ْفعَلُونَ } ‪.‬‬
‫وقد يكون تعمّد الحنث مكروها وذلك إذا حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه للحاديث‬
‫السّابقة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حنث ف ‪. ) 6‬‬

‫ع ْمرَى *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬ال ُعمْرى لغ ًة ‪ :‬بضمّ العين وسكون الميم وألف مقصورة ‪ :‬ما تجعله للرّجل طول عمرك‬

‫أو عمره ‪ ،‬وقال ثعلب ‪ :‬العمرى ‪ :‬أن يدفع الرّجل إلى أخيه دارا فيقول ‪ :‬هذه لك عمرك أو‬
‫عمري أيّنا مات دفعت الدّار إلى أهله ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفها الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة بأنّها جعل المالك شيئا يملكه لشخص آخر‬
‫عمر أحدهما ‪.‬‬
‫وعرّفها المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬بأنّها جعل المالك شيئا يملكه لشخص آخر عمر هذا الشّخص‬
‫أ ‪ -‬العارة ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ .‬اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬العارة تمليك منفعة مؤقّتة بل عوض ‪.‬‬

‫والفرق بينهما أنّ العمرى مقيّدة بالعمر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العريّة ‪:‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬أن يهب له ثمر نخلة أو ثمر شجرة دون أصلها فالعريّة تنفرد بأنّها بثمر ‪ ،‬وأمّا‬

‫العمرى فهي بثمر وبغيره مدّة العمر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المنحة ‪:‬‬
‫‪4‬‬

‫‪ -‬المنحة أن يعطيه شاةً أو بقر ًة أو ناق ًة يحلبها في أيّام اللّبن ث ّم تعود إلى ربّها فالمنحة‬

‫خاصّة بلبن شاة أو بقرة أو ناقة وليس كذلك العمرى ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الرّقبى ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬الرّقبى في اللّغة من المراقبة ‪ ،‬يقال أرقبت زيدا الدّار إرقابا ‪ ،‬والسم الرّقبى ; لنّ كلّ‬

‫واحد من طرفيها يرقب موت صاحبه لتبقى له ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عند جمهور الفقهاء هي أن يقول الشّخص أرقبتك الدّار مثلً أو هي لك‬
‫رقبى مدّة حياتك على أنّك إن متّ قبلي عادت إليّ وإن متّ قبلك فهي لك ولعقبك ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬هي أن يقول الرّجل للخر إن متّ قبلي فدارك لي وإن متّ قبلك فداري لك‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى جواز العمرى لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أعمر‬

‫عمرى فهي للّذي أعمرها حيّا وميّتا ولعقبه » ‪.‬‬
‫ولقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬العمرى جائز لهلها » ‪.‬‬
‫والعمرى نوع من الهبة يفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من اليجاب والقبول‬
‫والقبض ‪ ،‬أو ما يقوم مقام ذلك ‪.‬‬
‫‪ -7‬وقد اختلف الفقهاء في كون العمرى تمليك عين أو منفعة ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّها تمليك عين في الحال ‪ ،‬وتنقل إلى المعمر لما روى‬
‫جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمسكوا‬
‫عليكم أموالكم ‪ ،‬ول تفسدوها ‪ ،‬فإنّه من أعمر عمرى فهي للّذي أعمرها حيّا وميّتا ولعقبه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بالعمرى أنّها لمن وهبت له » ‪.‬‬
‫وفي لفظ ‪ « :‬قضى النّب ّ‬
‫وقال المالكيّة واللّيث ‪ :‬إنّه ليس لل ُم ْعمَر فيها إلّ المنفعة فإذا مات عادت إلى المعمِر ‪ ،‬لما‬
‫روى يحيى بن سعيد عن عبد الرّحمن بن القاسم قال ‪ :‬سمعت مكحولً يسأل القاسم بن‬
‫محمّد عن العمرى ما يقول النّاس فيها ؟ فقال القاسم ‪ :‬ما أدركت النّاس إ ّل على شروطهم‬
‫في أموالهم وما أعطوا ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬لم يختلف العرب في العمرى والرّقبى‬
‫ي عن ابن العرب ّ‬
‫وقال إبراهيم بن إسحاق الحرب ّ‬
‫والمنحة ونحوها أنّها على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له ; ولنّ التّمليك ل يتأقّت كما‬
‫لو باعه إلى مدّة فإذا كان ل يتأقّت حمل قوله على تمليك المنافع ; لنّه يصلح توقيته ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬للعمرى ثلثة أحوال ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬إذا قال الرّجل ‪ :‬أعمرتك هذه الدّار فإذا متّ فهي لورثتك أو لعقبك فيصحّ وهي‬
‫الهبة بعينها ‪ ،‬فإذا مات فالدّار لورثته فإن لم يكونوا فلبيت المال ‪ ،‬ول تعود إلى الواهب‬
‫بحال ‪ .‬الثّاني ‪ :‬يقتصر على قوله ‪ :‬جعلتها لك عمرك لم يتعرّض لما سواه ففيه قولن ‪:‬‬
‫ح وله حكم الهبة ‪ ،‬وفي القديم ‪ :‬أنّه باطل ‪.‬‬
‫أظهرهما وهو الجديد ‪ :‬أنّه يص ّ‬

‫»‬

‫الثّالث ‪ :‬أن يقول جعلتها لك عمرك فإذا متّ عادت إليّ أو إلى ورثتي إن كنت متّ ‪ ،‬فالصحّ‬
‫أنّ ذلك هبة إلغاء للشّرط الفاسد ‪ ،‬مقابل الصحّ بطلن العقد لفساد الشّرط ‪.‬‬
‫وأمّا الحنابلة فلم يفرّقوا بين هذه الكلمات حتّى قال البهوتيّ ‪ :‬فتصحّ الهبة في جميع ما‬
‫تقدّم وهي أمثلة العمرى ‪ ،‬وتكون العين الموهوبة للمعمر ولورثته من بعده إن كانوا ‪ ،‬فإن‬
‫لم يكن له ورثة فلبيت المال كسائر الموال المتخلّفة ‪.‬‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫عمْرة *‬
‫ُ‬

‫‪ -‬ال ُعمْرة ‪ :‬بضمّ العين وسكون الميم لغةً ‪ :‬الزّيارة ‪ ،‬وقد اعتمر إذا أدّى العمرة ‪،‬‬

‫وأعمره ‪ :‬أعانه على أدائها ‪.‬‬
‫واصطلحا عرّفها جمهور الفقهاء بأنّها الطّواف بالبيت والسّعي بين الصّفا والمروة بإحرام‬
‫‪.‬‬
‫الحجّ ‪:‬‬
‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬

‫‪ -‬الحجّ في اللّغة ‪ :‬القصد ‪ ،‬أو القصد إلى معظّم ‪.‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه الدّردير بأنّه الوقوف بعرفة والطّواف بالكعبة والسّعي بين الصّفا‬
‫والمروة محرما بنيّة الحجّ ‪.‬‬
‫والصّلة بين العمرة والحجّ وثيقة ‪ ،‬فالحجّ يتضمّن أعمال العمرة ويزيد عليها بأشياء‬
‫كالوقوف بعرفة ‪ ،‬والمبيت بمنًى وغير ذلك من أعمال الحجّ ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫ن العمرة سنّة مؤكّدة في العمر مرّ ًة واحدةً ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة وأكثر الحنفيّة إلى أ ّ‬

‫وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّها واجبة في العمر مرّةً واحدةً على اصطلح الحنفيّة في‬
‫الواجب ‪.‬‬
‫ن العمرة فرض في العمر مرّةً واحدةً ‪،‬‬
‫والظهر عند الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة أ ّ‬
‫ن العمرة ل تجب على المكّيّ ; لنّ أركان العمرة معظمها الطّواف بالبيت‬
‫ونصّ أحمد على أ ّ‬
‫وهم يفعلونه فأجزأ عنهم ‪.‬‬
‫استدلّ الحنفيّة والمالكيّة على سنّيّة العمرة بأدلّة منها ‪:‬‬
‫حديث جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن‬
‫العمرة أواجبة هي ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬وأن تعتمروا هو أفضل » ‪.‬‬

‫وبحديث طلحة بن عبيد اللّه رضي ال عنه ‪ « :‬الحجّ جهاد والعمرة تطوّع » ‪.‬‬
‫حجّ وَالْ ُعمْرَ َة لِّلهِ }‬
‫واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة على فرضيّة العمرة بقوله تعالى ‪َ { :‬وأَ ِتمّواْ ا ْل َ‬
‫أي ‪ :‬افعلوهما تامّين ‪ ،‬فيكون النّصّ أمرا بهما فيدلّ على فرضيّة الحجّ والعمرة ‪.‬‬
‫وبحديث عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ « :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه هل على النّساء‬
‫جهاد ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬عليهنّ جهاد ل قتال فيه ‪ :‬الحجّ والعمرة » ‪.‬‬

‫فضيلة العمرة ‪:‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬ورد في فضل العمرة أحاديث كثيرة منها ‪:‬‬

‫ما رواه أبو هريرة رضي ال تعالى عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬
‫«‬

‫العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما ‪ ،‬والحجّ المبرور ليس له جزاء إلّ الجنّة » ‪.‬‬

‫وما رواه أبو هريرة رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬
‫«‬

‫الحجّاج والعمّار وفد اللّه ‪ ،‬إن دعوه أجابهم ‪ ،‬وإن استغفروه غفر لهم » ‪.‬‬

‫وجوه أداء العمرة ‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ -‬تتأدّى العمرة على ثلثة أوجه وهي ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬إفراد العمرة ‪ :‬وذلك بأن يحرم بالعمرة أي ‪ :‬ينويها ويلبّي ‪ -‬دون أن يتبعها بحجّ ‪-‬‬
‫في أشهر الحجّ ‪ ،‬أو يحجّ ثمّ يعتمر بعد الحجّ ‪ ،‬أو يأتي بأعمال العمرة في غير أشهر الحجّ‬
‫فهذه كلّها إفراد للعمرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّمتّع ‪ :‬وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ ويأتي بأعمالها ويتحلّل ‪ ،‬ثمّ يحجّ ‪،‬‬
‫فيكون متمتّعا ويجب عليه هدي التّمتّع بالشّروط المقرّرة للتّمتّع ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬تمتّع ف ‪ 7‬وحجّ ف‬

‫‪37‬‬

‫)‪.‬‬

‫ج ‪ -‬القران ‪ :‬وهو أن يحرم بالعمرة والحجّ معا في إحرام واحد ‪ ،‬فيأتي بأفعالهما‬
‫مجتمعين ‪ ،‬وتدخل أفعال العمرة في الحجّ عند الجمهور ‪ ،‬ويجزئه لهما طواف واحد وسعي‬
‫واحد عندهم ‪ ،‬ويظلّ محرما حتّى يتحلّل بأعمال يوم النّحر في الحجّ ‪.‬‬
‫ن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ‪ ،‬طواف وسعي لعمرته ‪ ،‬ثمّ‬
‫ومذهب الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫طواف وسعي لحجّه ‪ ،‬ول يتحلّل بعد أفعال العمرة ‪ ،‬بل يظلّ محرما أيضا حتّى يتحلّل تحلّل‬
‫الحجّ ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬قران ‪ ،‬وحجّ ف‬

‫‪37‬‬

‫ب)‪.‬‬

‫ي وجه من هذه الوجوه تجزئ عنه ‪ ،‬ويتأدّى فرضها عند القائلين‬
‫وكيفما أدّى العمرة على أ ّ‬
‫بفرضيّتها كما تتأدّى سنّيّتها على القول بسنّيّتها ‪.‬‬

‫قال ابن قدامة في المغني ‪ :‬وتجزئ عمرة المتمتّع وعمرة القارن ‪ ،‬والعمرة من أدنى الحلّ‬
‫عن العمرة الواجبة ‪ ،‬ول نعلم في إجزاء عمرة التّمتّع خلفا ‪ ،‬كذلك قال ابن عمر رضي ال‬
‫عنهما وعطاء وطاوس ومجاهد ‪ ،‬ول نعلم عن غيرهم خلفهم ‪.‬‬
‫ن العمرة‬
‫وروي عن أحمد أنّ عمرة القارن ل تجزئ ‪ ،‬وهو اختيار أبي بكر ‪ ،‬وعن أحمد ‪ :‬أ ّ‬
‫من أدنى الح ّل ل تجزئ عن العمرة الواجبة ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّما هي من أربعة أميال ‪ ،‬واحتجّ‬
‫ن عائشة رضي ال عنها حين حاضت أعمرها من‬
‫على أنّ عمرة القارن ل تجزئ بأ ّ‬
‫التّنعيم ‪ ،‬فلو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها لما أعمرها بعدها ‪.‬‬
‫ي بن معبد ‪ :‬إنّي وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ فأهللت‬
‫واستدلّ ابن قدامة بقول الصّب ّ‬
‫بهما ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬هديت لسنّة نبيّك ‪.‬‬
‫وهذا يدلّ على أنّه أحرم بهما يعتقد أداء ما كتبه اللّه عليه منهما والخروج عن عهدتهما ‪،‬‬
‫فصوّبه عمر وقال ‪ :‬هديت لسنّة نبيّك ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال لها لمّا جمعت بين‬
‫وبحديث عائشة رضي ال تعالى عنها أنّ النّب ّ‬
‫الحجّ والعمرة ‪ « :‬يجزئ عنك طوافك بالصّفا والمروة عن حجّك وعمرتك » ‪ ،‬وقال ابن‬
‫قدامة ‪ :‬وإنّما أعمرها النّبيّ صلى ال عليه وسلم من التّنعيم قصدا لتطييب قلبها وإجابة‬
‫مسألتها ‪ ،‬ل لنّها كانت واجبةً عليها ‪ ،‬ث ّم إن لم تكن أجزأتها عمرة القران فقد أجزأتها‬
‫ن الواجب عمرة واحدة وقد‬
‫العمرة من أدنى الحلّ ‪ ،‬وهو أحد ما قصدنا الدّللة عليه ; ول ّ‬
‫أتى بها صحيحةً فتجزئه كعمرة المتمتّع ; ولنّ عمرة القارن أحد نسكي القران فأجزأت‬
‫ق المفرد‬
‫ج من مكّة يجزئ في حقّ المتمتّع ‪ ،‬فالعمرة من أدنى الحلّ في ح ّ‬
‫كالحجّ ‪ ،‬والح ّ‬
‫‪ -‬للعمرة – أولى ‪.‬‬

‫صفة أداء العمرة ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫‪ -‬من أراد العمرة فإنّه يستعدّ للحرام بالعمرة متى بلغ الميقات أو اقترب منه إن كان‬

‫آفاقيّا ‪ ،‬أو يحرم من حيث أنشأ أي ‪ :‬من حيث يشرع في التّوجّه للعمرة إن كان ميقاتيّا ‪،‬‬
‫أي يسكن أو ينزل في المواقيت أو ما يحاذيها ‪ ،‬أو في المنطقة الّتي بينها وبين الحرم ‪.‬‬
‫أمّا إن كان مكّيّا أو حرميّا أو مقيما أو ناز ًل في مكّة أو في منطقة الحرم حول مكّة فإنّه‬
‫يخرج من الحرم إلى أقرب مناطق الح ّل إليه ‪ ،‬فيحرم بالعمرة متى جاوز الحرم إلى الحلّ‬
‫ولو بخطوة ‪.‬‬
‫ن له ‪ ،‬وهو ‪ :‬الغتسال والتّنظّف وتطييب البدن ‪ ،‬ثمّ‬
‫‪ -7‬والستعداد للحرام أن يفعل ما يس ّ‬
‫يصلّي ركعتين سنّة الحرام ‪ ،‬وتجزئ عنهما صلة المكتوبة ‪ ،‬ث ّم ينوي بعدهما العمرة ‪،‬‬
‫بنحو ‪ " :‬اللّهمّ إنّي أريد العمرة فيسّرها لي وتقبّلها منّي إنّك أنت السّميع العليم " ‪ ،‬ثمّ يلبّي‬

‫ل ‪ " :‬لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك ل شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنّعمة لك والملك ل شريك لك "‬
‫قائ ً‬
‫وبهذا يصبح محرما أي ‪ :‬داخلً في العمرة ‪ ،‬وتحرم عليه محظورات الحرام ‪ ،‬ويستمرّ‬
‫يلبّي حتّى يدخل مكّة ويشرع في الطّواف ‪.‬‬
‫‪ -8‬فإذا دخل المعتمر مكّة بادر إلى المسجد الحرام ‪ ،‬وتوجّه إلى الكعبة المعظّمة بغاية‬
‫الخشوع والحترام ‪ ،‬ويبدأ بالطّواف من الحجر السود ‪ ،‬فيطوف سبعة أشواط طواف ركن‬
‫العمرة ‪ ،‬فينويه ويستلم الحجر في ابتداء الطّواف ‪ ،‬ويقبّله إن لم يخش الزّحام أو إيذاء أحد‬
‫ويكبّر وإلّ أشار إليه وكبّر ‪ ،‬ويقطع التّلبية باستلم الحجر في ابتداء الطّواف أو الشارة‬
‫إليه ‪ ،‬وكلّما مرّ بالحجر استلمه وقبّله أو أشار إليه ‪.‬‬
‫‪ -9‬ويسنّ له أن يضطبع في أشواط طوافه هذا كلّها ‪ ،‬والضطباع أن يجعل وسط الرّداء‬
‫تحت إبطه اليمنى ‪ ،‬وير ّد طرفيه على كتفه اليسرى ويبقي كتفه اليمنى مكشوفةً ‪ ،‬كما يسنّ‬
‫للرّجل الرّمل في الشواط الثّلثة الولى ‪ ،‬ويمشي في الباقي ‪ ،‬وليكثر المعتمر من الدّعاء‬
‫والذّكر في طوافه كلّه ‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫‪ -‬ثمّ إذا فرغ من طوافه يصلّي ركعتي الطّواف ثمّ يرجع إلى الحجر السود فيستلمه‬

‫صفَا‬
‫ن ال ّ‬
‫ويقبّله إن تيسّر ويكبّر أو يشير إليه ويكبّر ‪ ،‬ويذهب إلى الصّفا ‪ ،‬ويقرأ الية ‪ { :‬إِ ّ‬
‫طوّفَ ِب ِهمَا } ‪.‬‬
‫ح عَلَ ْي ِه أَن َي ّ‬
‫ل جُنَا َ‬
‫ت َأوِ اعْ َتمَرَ فَ َ‬
‫حجّ الْبَيْ َ‬
‫شعَآئِ ِر الّلهِ َف َمنْ َ‬
‫وَا ْلمَ ْروَةَ مِن َ‬
‫ويبدأ السّعي بين الصّفا والمروة من الصّفا ‪ ،‬فيرقى على الصّفا حتّى يرى الكعبة المعظّمة ‪،‬‬
‫فيقف متوجّها إليها ويهلّل ويكبّر ويدعو ثمّ ينزل متوجّها إلى المروة ويسرع الرّجل بين‬
‫الميلين الخضرين ‪ ،‬ثمّ يمشي المعتمر حتّى يبلغ المروة ‪ ،‬فيقف عليها يذكر ويدعو بمثل ما‬
‫فعل على الصّفا ‪ ،‬ثمّ ينزل فيفعل كما في الشّوط الوّل حتّى يتمّ سبعة أشواط تنتهي على‬
‫المروة ‪ ،‬وليكثر من الدّعاء والذّكر في سعيه ‪ ،‬ثمّ إذا فرغ المعتمر من سعيه حلق رأسه أو‬
‫ل كاملً ‪ ،‬ويمكث بمكّة حل ًل ما بدا له ‪.‬‬
‫قصّره وتحلّل بذلك من إحرامه تحلّ ً‬
‫‪11‬‬

‫‪ -‬ثمّ عليه طواف الوداع إذا أراد السّفر من مكّة ‪ -‬ولو كان مكّيّا ‪ -‬وجوبا عند الشّافعيّة‬

‫وس ّنةً عند المالكيّة ‪ ،‬ويجب عليه طواف الوداع عند الحنابلة إلّ إن كان مكّيّا أو منزلـه في‬
‫الحرم ‪ ،‬فل يجب عليه الوداع ‪ ،‬أمّا الحنفيّة فل يجب عندهم طواف الوداع على المعتمر‬
‫ب خروجا من الخلف ; لنّ طواف الوداع عندهم من مناسك الحجّ ‪ ،‬شرع ليكون‬
‫لكن يستح ّ‬
‫آخر عهده بالبيت ‪.‬‬

‫أركان العمرة ‪:‬‬

‫‪12‬‬

‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أركان العمرة ثلثة هي ‪ :‬الحرام والطّواف والسّعي ‪،‬‬

‫وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وقال بركنيّتها الشّافعيّة ‪ ،‬وزادوا ركنا رابعا هو ‪ :‬الحلق ‪.‬‬
‫ن الحرام شرط للعمرة ‪ ،‬وركنها واحد هو ‪ :‬الطّواف ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة أ ّ‬

‫الرّكن الوّل ‪ :‬الحرام ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ -‬الحرام بالعمرة عند الجمهور هو نيّة العمرة ‪.‬‬

‫وعند الحنفيّة ‪ :‬نيّة العمرة مع الذّكر أو الخصوصيّة ‪.‬‬
‫ومرادهم بالذّكر ‪ :‬التّلبية ونحوها ممّا فيه تعظيم اللّه تعالى ‪ ،‬والمراد بالخصوصيّة ‪ :‬ما‬
‫يقوم مقام التّلبية من سوق الهدي أو تقليد البدن ‪.‬‬
‫ويشترط في الحرام مقارنته بالتّلبية عند أبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬والتّلبية شرط عند ابن حبيب‬
‫من المالكيّة ‪ ،‬فل يصحّ الحرام بدون التّلبية أو ما يقوم مقامها عندهم ‪.‬‬
‫والجمهور على أنّ التّلبية ليست شرطا ‪ ،‬فقال المالكيّة ‪ :‬هي واجبة في الصل ‪ ،‬والسّنّة‬
‫قرنها بالحرام ‪ ،‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّها سنّة في الحرام مطلقا ‪.‬‬
‫وصيغة التّلبية هي ‪ :‬لبّيك اللّهمّ لبّيك ‪ ،‬لبّيك ل شريك لك لبّيك ‪ ،‬إنّ الحمد والنّعمة لك‬
‫والملك ‪ ،‬ل شريك لك ‪.‬‬

‫واجبات الحرام للعمرة ‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪ -‬يجب في العمرة الحرام من الميقات ‪ ،‬وتجنّب محظورات الحرام‬

‫ميقات الحرام للعمرة ‪:‬‬

‫الميقات قسمان ‪ :‬ميقات زمانيّ ‪ ،‬وميقات مكانيّ ‪:‬‬

‫الميقات الزّمانيّ للحرام بالعمرة ‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫ي هو جميع العام لغير المشتغل بالحجّ ‪،‬‬
‫ن ميقات العمرة الزّمان ّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬

‫فيصحّ أن يحرم بها النسان ويفعلها في جميع السّنة ‪ ،‬وهي أفضل في شهر رمضان منها‬
‫في غيره ‪ ،‬لما سيأتي ‪.‬‬
‫ن العمرة تكره تحريما يوم عرفة ‪ ،‬وأربعة أيّام بعده ‪،‬‬
‫وذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية إلى أ ّ‬
‫واستدلّوا بقول عائشة رضي ال عنها ‪ " :‬حلّت العمرة في السّنة كلّها إ ّل في أربعة أيّام ‪:‬‬
‫يوم عرفة ويوم النّحر ويومان بعد ذلك " ‪.‬‬
‫ولنّ هذه اليّام أيّام شغل بالحجّ ‪ ،‬والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك ‪ ،‬وربّما يقع الخلل فيه‬
‫فتكره ‪.‬‬

‫الميقات المكانيّ للحرام بالعمرة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬ميقات الفاقيّ ‪:‬‬

‫‪16‬‬

‫‪ -‬والفاقيّ ‪ :‬هو من منزله خارج منطقة المواقيت ‪ ،‬ومواقيت الفاقيّ هي ‪ :‬ذو الحليفة‬

‫لهل المدينة ومن مرّ بها ‪ ،‬والجحفة لهل الشّام ومن جاء من قبلها كأهل مصر والمغرب ‪،‬‬
‫ويحرمون الن من رابغ قبل الجحفة بقليل ‪ ،‬وقرن المنازل " ويسمّى الن السّيل " لهل‬
‫نجد ‪ ،‬ويلملم لهل اليمن وتهامة والهند ‪ ،‬وذات عرق لهل العراق وسائر أهل المشرق ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الميقاتيّ ‪:‬‬

‫‪17‬‬

‫‪ -‬والميقاتيّ ‪ :‬هو من كان في مناطق المواقيت أو ما يحاذيها أو ما دونها إلى مكّة ‪.‬‬

‫وهؤلء ميقاتهم من حيث أنشئوا العمرة وأحرموا بها ‪ ،‬إ ّل أنّ الحنفيّة قالوا ‪ :‬ميقاتهم الحلّ‬
‫كلّه ‪ ،‬والمالكيّة قالوا ‪ :‬يحرم من داره أو مسجده ل غير ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة قالوا ‪:‬‬
‫ميقاتهم القرية الّتي يسكنونها ل يجاوزونها بغير إحرام ‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الحرميّ ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫ي ومن كان ناز ًل بمكّة أو الحرم ‪ ،‬هؤلء‬
‫ي وهو المقيم بمنطقة الحرم والمكّ ّ‬
‫‪ -‬والحرم ّ‬

‫ميقاتهم للحرام بالعمرة الحلّ ‪ ،‬فل بدّ أن يخرجوا للعمرة عن الحرم إلى الحلّ ولو بخطوة‬
‫واحدة يتجاوزون بها الحرم إلى الحلّ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫‪39‬‬

‫‪-‬‬

‫‪52‬‬

‫‪-‬‬

‫‪53‬‬

‫)‪.‬‬

‫والدّليل على تحديد هذه المواقيت للحرام بالعمرة السّنّة والجماع ‪ ،‬فمن السّنّة حديث ابن‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقّت لهل المدينة ذا الحليفة ‪،‬‬
‫عبّاس رضي ال عنهما ‪ « :‬أ ّ‬
‫ولهل الشّام الجحفة ‪ ،‬ولهل نجد قرن المنازل ‪ ،‬ولهل اليمن يلملم هنّ لهنّ ‪ ،‬ولمن أتى‬
‫ن من غيرهنّ ممّن أراد الحجّ والعمرة ‪ ،‬ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتّى أهل‬
‫عليه ّ‬
‫مكّة من مكّة » ‪.‬‬
‫ي إلى الميقات وهو يريد الحجّ أو العمرة أو‬
‫وأمّا الجماع فقال النّوويّ ‪ :‬إذا انتهى الفاق ّ‬
‫القران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالجماع ‪.‬‬
‫ص من الحديث السّابق بما ورد عن عائشة رضي‬
‫ي والمكّيّ للعمرة فقد خ ّ‬
‫وأمّا ميقات الحرم ّ‬
‫ال عنها في قصّة حجّها قالت ‪ « :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬أتنطلقون بعمرة وحجّة وأنطلق بالحجّ ؟‬
‫فأمر عبد الرّحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التّنعيم فاعتمرت بعد الحجّ في ذي‬
‫الحجّة » ‪.‬‬

‫اجتناب محظورات الحرام ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ -‬محظورات الحرام للعمرة هي محظورات الحرام للحجّ ‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬يحرم على الرّجل ‪ :‬لبس المخيط وكلّ ما نسج محيطا بالجسم أو ببعض العضاء‬
‫كالجوارب ‪ ،‬ويحرم عليه وضع غطاء على الرّأس وتغطية وجهه ‪ ،‬ولبس حذاء يبلغ‬
‫الكعبين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يحرم على المرأة المحرمة ستر الوجه بستر يلمس البشرة ‪ ،‬ولبس قفّازين ‪ ،‬وتلبس‬
‫سوى ذلك لباسها العاديّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يحرم على الرّجال والنّساء الطّيب وأي شيء فيه طيب ‪ ،‬وإزالة الشّعر من الرّأس‬
‫ومن أيّ موضع في الجسم ‪ ،‬واستعمال الدّهن المليّن للشّعر أو الجسم ‪ -‬ولو غير مطيّب ‪-‬‬
‫وتقليم الظفار ‪ ،‬والصّيد والجماع ودواعيه المهيّئة له ‪ ،‬والرّفث " أي ‪ :‬المحادثة بشأنه "‬
‫وليجتنب المحرمون الفسوق أي ‪ :‬مخالفة أحكام الشّريعة ‪ ،‬وكذا الجدال بالباطل ‪.‬‬
‫صةً فساد العمرة‬
‫ويجب في ارتكاب شيء من محظورات الحرام الجزاء ‪ ،‬وفي الجماع خا ّ‬
‫والكفّارة والقضاء ‪ ،‬عدا ما حرم من الرّفث والفسوق والجدال ففيها الثم والجزاء الخرويّ‬
‫فقط ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إحرام ‪ :‬ف‬

‫‪145‬‬

‫‪-‬‬

‫‪185‬‬

‫)‪.‬‬

‫مكروهات الحرام ‪:‬‬

‫‪20‬‬

‫‪ -‬يكره في إحرام العمرة ما يكره في إحرام الحجّ ‪ ،‬مثل تمشيط الرّأس أو حكّه بقوّة ‪،‬‬

‫ك الجسد حكّا شديدا ‪ ،‬والتّزيّن ‪.‬‬
‫وكذا ح ّ‬
‫ر ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫‪95‬‬

‫‪-‬‬

‫‪98‬‬

‫)‪.‬‬

‫سنن الحرام ‪:‬‬

‫‪21‬‬

‫ن في الحرام للعمرة أربع خصال هي ‪ :‬الغتسال ‪ ،‬وتطييب البدن ل الثّوب ‪،‬‬
‫‪ -‬يس ّ‬

‫وصلة ركعتين ‪ ،‬يفعل هذه الثّلثة قبل الحرام ‪ .‬ثمّ التّلبية عقب النّيّة ‪ ،‬والتّلبية فرض في‬
‫الحرام عند الحنفيّة خلفا للجمهور ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫‪108‬‬

‫‪-‬‬

‫‪116‬‬

‫)‪.‬‬

‫ويسنّ للمعتمر أن يكثر من التّلبية منذ نيّة الحرام بالعمرة إلى بدء الطّواف باستلم الحجر‬
‫ي يلبّي حتّى يبلغ الحرم ‪ ،‬ل إلى رؤية‬
‫السود عند الجمهور ‪ ،‬وقال المالكيّة ‪ :‬المعتمر الفاق ّ‬
‫بيوت مكّة ‪ ،‬والمعتمر من الجعرانة أو من التّنعيم يلبّي إلى دخول بيوت مكّة ‪.‬‬

‫الرّكن الثّاني ‪ :‬الطّواف ‪:‬‬

‫‪22‬‬

‫‪ -‬الطّواف بالكعبة المعظّمة ركن في العمرة ‪ ،‬وفرضه سبعة أشواط عند الجمهور ‪،‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬الربعة فرض ‪ ،‬والثّلثة الباقية واجبة ‪.‬‬

‫ويشترط في هذا الطّواف ‪ :‬سبق الحرام بالعمرة ‪ ،‬ثمّ سائر شروط الطّواف العامّة ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫حجْر ‪ -‬أي الحطيم ‪-‬‬
‫أصل نيّة الطّواف ‪ ،‬ووقوع الطّواف حول الكعبة ‪ ،‬وأن يشمل ال ِ‬
‫والتّيامن ‪ ،‬والطّهارة من الحداث والنجاس وستر العورة ‪.‬‬
‫وهذه كلّها شروط عند الجمهور ‪ ،‬وجعل الحنفيّة شمول الطّواف للحجر وما ذكر بعده‬
‫واجبات في الطّواف ‪.‬‬
‫واشترط المالكيّة والحنابلة موالة أشواط الطّواف ‪ ،‬وهي عند الحنفيّة والشّافعيّة سنّة ‪.‬‬
‫ويجب في طواف العمرة ‪ :‬المشي للقادر عليه ‪ ،‬وركعتان بعد الطّواف ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪:‬‬
‫كل هذين سنّة ‪.‬‬
‫ويسنّ في طواف العمرة ‪ :‬الرّمل في الشواط الثّلثة الولى ‪ ،‬ثمّ يمشي في الباقي ‪،‬‬
‫والضطباع فيه كلّه ‪ ،‬وهذان للرّجال دون النّساء ; لنّهما سنّتان في كلّ طواف بعده سعي ‪،‬‬
‫ن ابتداء الطّواف قبل الحجر السود بقليل ‪ ،‬واستقبال‬
‫وهذا طواف بعده سعي ‪ ،‬ويس ّ‬
‫الحجر ‪ ،‬واستلمه وتقبيله إن تيسّر وإلّ استقبله وأشار إليه بيديه ‪ ،‬واستلم الرّكن اليمانيّ‬
‫والدّعاء ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬طواف ف‬

‫‪12‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬

‫الرّكن الثّالث ‪ :‬السّعي ‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫‪ -‬السّعي بين الصّفا والمروة ركن في العمرة عند المالكيّة والشّافعيّة ورواية عند المام‬

‫أحمد ‪ ،‬وهو واجب عند الحنفيّة وهو الرّاجح عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وأحكام السّعي في العمرة هي أحكام السّعي في الحجّ فيشترط فيه سبق الحرام بالعمرة ‪،‬‬
‫وأن يسبقه الطّواف ‪ ،‬وأن يبدأ السّعي بالصّفا فالمروة ‪ ،‬فلو عكس لغا الشّوط واحتسب من‬
‫عند الصّفا ‪.‬‬
‫وركن السّعي سبعة أشواط عند الجمهور ‪ ،‬وأربعة عند الحنفيّة والباقي واجب عندهم ‪.‬‬
‫ويجب المشي في السّعي على القادر عليه عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬ويسنّ عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫وتسنّ الموالة بين السّعي والطّواف ‪ ،‬ونيّة السّعي ‪ ،‬والسّعي الشّديد بين الميلين‬
‫الخضرين ‪ ،‬كما تسنّ الموالة بين أشواط السّعي عند الجمهور ‪ ،‬وهي شرط لصحّة السّعي‬
‫عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬سعي ف ‪ 5‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫شروط فرضيّة العمرة ‪:‬‬

‫‪24‬‬

‫‪ -‬شروط فرضيّة العمرة عند القائلين بفرضيّتها هي شروط فرضيّة الحجّ ‪ ،‬وكذا على‬

‫القول بوجوبها وسنّيّتها ‪.‬‬

‫فيشترط لفرضيّة العمرة ‪ :‬العقل والسلم والبلوغ والحرّيّة والستطاعة ‪ ،‬والستطاعة شرط‬
‫لفرضيّة العمرة فقط ‪ ،‬لكن ل يتوقّف عليها سقوط الفرض عند من يقول بفرضيّة العمرة أو‬
‫وجوبها ‪ ،‬فلو اعتمر من لم تتوفّر فيه شروط الستطاعة صحّت عمرته وسقط الفرض عنه‬
‫‪ .‬وتتلخّص الستطاعة في ملك الزّاد والقدرة على آلة الرّكوب ‪ ،‬وذلك بالنّسبة للرّجال‬
‫والنّساء ‪.‬‬
‫وتختصّ النّساء بشرطين آخرين وهما ‪ :‬مصاحبة الزّوج أو المحرم ‪ ،‬وعدم العدّة ‪.‬‬
‫ويجزئ عند الشّافعيّة رفقة نساء ثقات عوضا عن المحرم أو الزّوج في سفر الفرض ‪.‬‬
‫أمّا البلوغ والحرّيّة فهما شرطان لوجوب العمرة وإجزائها عن الفرض ‪ ،‬فلو اعتمر الصّبيّ‬
‫أو العبد صحّت عمرتهما ‪ ،‬ولم يسقط فرضها عنهما عند البلوغ أو العتق ‪.‬‬
‫وأمّا العقل والسلم ‪ :‬فهما شرطان لوجوب العمرة وصحّتها ‪ ،‬فل تجب العمرة على كافر ‪،‬‬
‫ول مجنون ول تصحّ منهما ‪ ،‬لكن يجوز أن يحرم بالعمرة عن المجنون وليّه ويؤدّي‬
‫المناسك عنه ‪ ،‬ويجنّبه محظورات الحرام وهكذا ‪ ،‬لكن ل يصلّي عنه ركعتي الحرام أو‬
‫الطّواف ‪ ،‬بل تسقطان عنه عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬أمّا عند الشّافعيّة فيصلّيهما عنه ‪ ،‬وهو‬
‫ظاهر كلم الحنابلة ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫‪25‬‬

‫‪135‬‬

‫وحجّ ف‬

‫‪104‬‬

‫‪ -‬يجب في العمرة أمران ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫‪106‬‬

‫)‪.‬‬

‫واجبات العمرة ‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬السّعي بين الصّفا والمروة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وقال غيرهم ‪ :‬هو ركن ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الحلق أو التّقصير عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة في الرّاجح‬
‫عندهم ‪ :‬إنّه ركن ‪.‬‬
‫والقدر الواجب هو حلق شعر جميع الرّأس أو تقصيره عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وربع‬
‫الرّأس على القلّ عند الحنفيّة ‪ ،‬وثلث شعرات على القلّ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والحلق للرّجال أفضل في العمرة إلّ للمتمتّع ‪ ،‬فالتّقصير له أفضل ‪ ،‬لكي يبقي شعرا يأخذه‬
‫في الحجّ ‪.‬‬
‫ن ; لنّه مثلة ‪.‬‬
‫والسّنّة للنّساء التّقصير فقط ‪ ،‬ويكره الحلق في حقّه ّ‬

‫سنن العمرة ‪:‬‬

‫‪26‬‬

‫ن في الفعال المشتركة بينها وبين الحجّ ‪ :‬في الحرام‬
‫‪ -‬يسنّ في العمرة ما يس ّ‬

‫والطّواف ‪ ،‬والسّعي ‪ ،‬والحلق ‪.‬‬

‫ممنوعات العمرة ‪:‬‬

‫‪27‬‬

‫‪ -‬يمنع في العمرة مخالفة أحكامها بحسب الحكم الّذي تقع المخالفة له ‪.‬‬

‫فمحرّمات العمرة ‪ :‬هي ترك شيء من أركانها ‪ ،‬فيحرم ترك شيء من الطّواف ‪ ،‬أو السّعي‬
‫أو الحلق ‪ ،‬على القول بركنيّتهما ‪ ،‬ول يتحلّل من إحرام العمرة حتّى يتمّ ما تركه ‪.‬‬
‫ومكروهات العمرة ‪ :‬ترك واجب من واجباتها ‪ ،‬وترك الواجب مكروه كراهة تحريم عند‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وعند غيرهم حرام ‪ ،‬والمعنى واحد ; لنّه يلزم الثم عند الجمع ‪ ،‬ويلزم الدّم عند‬
‫الحنفيّة وغيرهم ‪.‬‬
‫ويكره ترك سنّة من السّنن ‪ ،‬ول تسمّى كراهة تحريم ‪ ،‬ول يلزم جزاء بتركها ‪.‬‬

‫المباح في العمرة ‪:‬‬

‫‪28‬‬

‫‪ -‬يباح في العمرة كلّ ما ل يخلّ بأحكامها ‪ ،‬وخصوصا أحكام الحرام الّتي سبقت ‪.‬‬

‫العمرة في شهر رمضان ‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫‪ -‬تندب العمرة في شهر رمضان ‪ ،‬صرّح بذلك الحنفيّة ‪ ،‬لما ثبت في الحديث عن ابن‬

‫عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لمرأة من النصار ‪:‬‬
‫«‬

‫ما منعك أن تحجّي معنا ؟ قالت ‪ :‬لم يكن لنا إلّ ناضحان ‪ ،‬فحجّ أبو ولدها وابنها على‬

‫ناضح ‪ ،‬وترك لنا ناضحا ننضح عليه ‪ ،‬قال ‪ :‬فإذا جاء رمضان فاعتمري ‪ ،‬فإنّ عمرةً فيه‬
‫جةً معي » ‪.‬‬
‫جةً ‪ ،‬أو ح ّ‬
‫جةً » وفي رواية ‪ « :‬تقضي ح ّ‬
‫تعدل ح ّ‬

‫المكان الفضل لحرام الم ّكيّ ‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫‪ -‬اختلف الفقهاء في أيّ الحلّ أفضل للحرام بالعمرة لمن كان بمكّة أو الحرم ‪.‬‬

‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫ن الحرام من التّنعيم أفضل ل ّ‬
‫فعند الحنفيّة وهو المذهب عند الحنابلة أ ّ‬
‫عليه وسلم أمر عبد الرّحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التّنعيم ‪ ،‬فهو أفضل تقديما‬
‫لدللة القول على دللة الفعل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة يلي الحرام من التّنعيم في الفضليّة الحرام من الجعرانة ث ّم الحديبية ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة في وجه ‪ :‬الحرام من الجعرانة أفضل ‪ ،‬ث ّم من التّنعيم ثمّ من‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أحرم من الجعرانة وأمر عائشة بالعتمار من‬
‫الحديبية ل ّ‬
‫التّنعيم وبعد إحرامه بها بذي الحليفة عام الحديبية همّ بالدّخول إليها من الحديبية فصدّه‬
‫المشركون عنها ‪ ،‬فقدّم الشّافعيّ ما فعله صلى ال عليه وسلم ثمّ ما أمر به ثمّ ما همّ به ‪.‬‬
‫وقال أكثر المالكيّة ‪ :‬التّنعيم والجعرانة متساويان ‪ ،‬ل أفضليّة لواحد منهما على الخر ‪،‬‬
‫وتوجيهه ظاهر ‪ ،‬وهو ورود الثر في ك ّل منهما ‪.‬‬

‫الكثار من العمرة ‪:‬‬

‫‪31‬‬

‫ب الكثار من العمرة ‪ ،‬ول يكره تكرارها في السّنة الواحدة عند الجمهور‬
‫‪ -‬يستح ّ‬

‫ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ومطرّف وابن الماجشون من المالكيّة ‪ -‬وهو قول عليّ‬‫وابن عمر وابن عبّاس وأنس وعائشة رضي ال تعالى عنهم وعطاء وطاوس وعكرمة‬
‫رحمهم ال ‪ ،‬وتدلّ لهم الحاديث الواردة في فضل العمرة ‪ ،‬والحثّ عليها ‪ ،‬فإنّها مطلقة‬
‫تتناول تكرار العمرة تحثّ عليه ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنه في كلّ شهر مرّةً ‪،‬‬
‫وفصّل ابن قدامة ما يستحبّ فيه الكثار فقال ‪ :‬قال عل ّ‬
‫وكان أنس إذا حمّم رأسه خرج فاعتمر ‪ ،‬وقال عكرمة ‪ :‬يعتمر إذا أمكن الموسى من‬
‫شعره ‪ ،‬وقال عطاء ‪ :‬إن شاء اعتمر في كلّ شهر مرّتين ‪ ،‬وقال أحمد ‪ :‬إذا اعتمر فل بدّ‬
‫أن يحلق أو يقصّر وفي عشرة أيّام يمكن حلق الرّأس ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬إن قدر أن يعتمر في الشّهر مرّتين أو ثلثا أحببت له ذلك ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ :‬يكره تكرار العمرة في السّنة مرّتين ‪ ،‬وهو قول الحسن وابن‬
‫سيرين ‪ ،‬وتندب الزّيادة على المرّة لكن في عام آخر ‪.‬‬
‫والمراد بالتّكرار في العام السّنة الهجريّة ‪ ،‬فلو اعتمر في ذي القعدة ثمّ في المحرّم ل يكره‬
‫; لنّه اعتمر في السّنة الثّانية ‪.‬‬
‫ومحلّ كراهة التّكرار في العام الواحد ما لم يتكرّر دخول مكّة من موضع عليه فيه إحرام ‪،‬‬
‫ن الحرام‬
‫كما لو خرج مع الحجيج ثمّ رجع إلى مكّة قبل أشهر الحجّ ‪ ،‬فإنّه يحرم بعمرة ; ل ّ‬
‫بالحجّ قبل أشهره مكروه ‪.‬‬
‫وقد استدلّ المالكيّة بأنّه عليه الصلة والسلم لم يكرّرها في عام واحد مع قدرته على ذلك‬
‫‪ .‬ومقابل المشهور عند المالكيّة قول مطرّف وابن الماجشون من جواز التّكرار ‪ ،‬بل قال‬
‫ابن حبيب ‪ :‬ل بأس بها في ك ّل شهر مرّةً ‪.‬‬
‫وعلى المشهور عندهم من أنّه يكره تكرارها في السّنة الواحدة لو أحرم بثانية انعقد إحرامه‬
‫إجماعا ‪ ،‬قاله سند وغيره ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ج;لّ‬
‫ويشمل استحباب العمرة واستحباب تكرارها أشهر الح ّ‬
‫ن العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور ‪،‬‬
‫اعتمر فيها ‪ ،‬وفي ذلك إبطال لزعم الجاهليّة أ ّ‬
‫بل إنّ عمراته صلى ال عليه وسلم ‪ -‬هي أربع ‪ -‬كانت كلّها في أشهر الحجّ كما ثبت عن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اعتمر أربع عمر ‪ ،‬كلّهنّ في‬
‫أنس رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫ذي القعدة إلّ الّتي مع حجّته ‪ :‬عمرةً من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة ‪ ،‬وعمرةً‬
‫من العام المقبل في ذي القعدة وعمر ًة من جعرانة حيث قسّم غنائم حنين في ذي القعدة ‪،‬‬
‫وعمر ًة مع حجّته » ‪.‬‬

‫ودرءا لما قد يفهم من تعارض بين هذا وما سبق من أفضليّة العمرة في رمضان قال الكمال‬
‫ابن الهمام ‪ :‬إنّ رمضان أفضل بتنصيصه صلى ال عليه وسلم على ذلك ‪ ،‬وتركه لذلك‬
‫ق على أمّته ‪،‬‬
‫لقترانه بأمر يخصّه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتّلً ‪ ،‬وأن ل يش ّ‬
‫فإنّه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ‪ ،‬ولقد كان بهم رحيما ‪ ،‬وقد أخبر في بعض العبادات أنّ‬
‫ل يشقّ عليهم مع محبّته لها كالقيام بهم في رمضان ‪ ،‬ومحبّته لن يسقي‬
‫تركه لها ; لئ ّ‬
‫بنفسه مع سقاة زمزم ثمّ تركه كي ل يغلبهم النّاس على سقايتهم ‪ ،‬ولم يعتمر عليه الصلة‬
‫والسلم في السّنة إلّ مرّ ًة ‪.‬‬
‫وما قاله الكمال يتّفق وما هو مقرّر عند الصوليّين ‪ ،‬من أنّ دللة القول مقدّمة على دللة‬
‫الفعل ‪.‬‬
‫لكن استثنى الحنفيّة من ذلك العتمار في أشهر الحجّ للمكّيّ ‪ ،‬والمقيم بها ‪ ،‬ولهل‬
‫المواقيت ومن بينها وبين مكّة ‪ ،‬فيكره لهؤلء العتمار في أشهر الحجّ عند الحنفيّة ; لنّ‬
‫الغالب عليهم أنّهم يحجّون ‪ ،‬فيصبحون متمتّعين ‪ ،‬ويلزمهم دم جزاءً إن فعلوه عند الحنفيّة‬
‫‪.‬‬
‫أمّا عند الجمهور فل حرج عليهم في ذلك ; لنّهم يجيزون لهم التّمتّع ‪ ،‬ويسقطون عنهم دم‬
‫التّمتّع أيضا ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬تمتّع ف‬

‫‪12 11‬‬

‫)‪.‬‬

‫الخلل بأحكام العمرة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬ترك ركن من أركان العمرة بمانع قاهر ‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫‪ -‬يعتبر المنع من ركن من أركان العمرة بمانع قاهر إحصارا يبيح التّحلّل من إحرام‬

‫العمرة ‪ ،‬ويتفاوت اعتباره إحصارا باختلف المذاهب في أركان العمرة ‪ ،‬وفيما يعتبر سببا‬
‫للحصار ‪ ،‬وما يترتّب على ذلك من أحكام ‪.‬‬
‫انظر ‪ ( :‬إحصار ف‬

‫‪12‬‬

‫‪-‬‬

‫‪25‬‬

‫)‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬ترك ركن من أركان العمرة من غير مانع قاهر ‪:‬‬

‫‪33‬‬

‫‪ -‬من ترك شيئا من أركان العمرة كالطّواف أو السّعي ‪ -‬عند القائل بركنيّته ‪ -‬فإنّه‬

‫يكون قد فعل حراما ‪ ،‬ويجب عليه التيان بما تركه ‪ ،‬ويظلّ محرما يجب عليه اجتناب‬
‫محظورات الحرام كلّها حتّى يرجع ويأتي بما تركه ‪ ،‬ول تفوت عليه العمرة أبدا ; لنّه‬
‫ليس لركانها وقت معيّن ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬فساد العمرة ‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫‪ -‬ل تفسد العمرة بترك ركن من أركانها ‪ ،‬ول بترك واجب فيها ‪ ،‬إلّ بالجماع قبل التّحلّل‬

‫من إحرامها ‪ ،‬على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة ‪ -‬وهو الطّواف أربعة أشواط‬
‫عندهم ‪ -‬فإنّه تفسد عمرته ‪ ،‬أمّا لو وقع المفسد بعد ذلك فل تفسد العمرة ; لنّه بأداء‬
‫الرّكن أمن الفساد ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشوط فسدت ‪ ،‬أمّا لو وقع بعد‬
‫تمام السّعي قبل الحلق فل تفسد ; لنّه بالسّعي تتمّ أركانها ‪ ،‬والحلق من شروط الكمال‬
‫عندهم ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا حصل المفسد قبل التّحلّل من العمرة فسدت ‪ ،‬والتّحلّل‬
‫يحصل بالحلق عند الفريقين ‪ ،‬وهو ركن عند الشّافعيّة واجب عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ويجب في إفساد العمرة ما يجب في إفساد الحجّ من الستمرار فيها ‪ ،‬والقضاء ‪ ،‬والفداء ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫‪ -‬واختلفوا في فداء إفساد العمرة ‪:‬‬

‫ن العمرة أقلّ رتب ًة من الحجّ ‪ ،‬فخفّت جنايتها ‪،‬‬
‫فمذهب الحنفيّة والحنابلة أنّه يلزمه شاة ; ل ّ‬
‫فوجبت شاة ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة والشّافعيّة أنّه تلزمه بدنة قياسا على الحجّ ‪.‬‬
‫أمّا فداء الجماع الّذي ل يفسد العمرة فشاة فقط عند الحنفيّة ‪ ،‬وبدنة عند المالكيّة ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫‪174‬‬

‫‪-‬‬

‫‪175‬‬

‫)‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬ترك واجب في العمرة ‪:‬‬

‫‪36‬‬

‫‪ -‬من ترك واجبا في العمرة ‪ ،‬كالسّعي عند الحنفيّة وفي القول الرّاجح عند الحنابلة ‪،‬‬

‫وكالحلق عند الجمهور خلفا للشّافعيّة ‪ ،‬فإنّه يأثم بهذا ‪ ،‬ويجب عليه الدّم عندهم ‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬ترك سنّة من سنن العمرة ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫‪ -‬تارك السّنّة يحرم نفسه الثّواب والفضل الّذي أعدّه اللّه لمن أتى بالسّنّة ‪ ،‬وصرّح‬

‫الحنفيّة في تارك السّنّة بكونه مسيئا ‪ ،‬ول يلزمه جزاء ول فداء ‪.‬‬

‫أداء العمرة عن الغير ‪:‬‬

‫‪38‬‬

‫ن العمرة كالحجّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز أداء العمرة عن الغير ; ل ّ‬

‫ن كلً من الحجّ والعمرة عبادة بدنيّة ماليّة ولهم في ذلك تفصيل ‪:‬‬
‫تجوز النّيابة فيها ; ل ّ‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز أداء العمرة عن الغير بأمره ; لنّ جوازها بطريق النّيابة ‪،‬‬
‫والنّيابة ل تثبت إلّ بالمر ‪ ،‬فلو أمره أن يعتمر فأحرم بالعمرة واعتمر جاز ; لنّه فعل ما‬
‫أمر به ‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى أنّه تكره الستنابة في العمرة وإن وقعت صحّت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجوز النّيابة في أداء العمرة عن الغير إذا كان ميّتا أو عاجزا عن أدائها‬
‫بنفسه ‪ ،‬فمن مات وفي ذمّته عمرة واجبة مستقرّة بأن تمكّن بعد استطاعته من فعلها ولم‬
‫يؤدّها حتّى مات ‪ ،‬وجب أن تؤدّى العمرة عنه من تركته ‪ ،‬ولو أدّاها عنه أجنبيّ جاز ولو‬
‫ن له أن يقضي دينه بل إذن ‪.‬‬
‫بل إذن كما أ ّ‬
‫وتجوز النّيابة في أداء عمرة التّطوّع إذا كان عاجزا عن أدائها بنفسه ‪ ،‬كما في النّيابة عن‬
‫الميّت ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل تجوز العمرة عن الحيّ إلّ بإذنه ; لنّها عبادة تدخلها النّيابة ‪ ،‬فلم‬
‫تجز إلّ بإذنه ‪ ،‬أمّا الميّت فتجوز عنه بغير إذنه ‪.‬‬

‫ع َم ِريّة *‬
‫ُ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العمريّة ‪ -‬ويعبّر عنها جمهور الفقهاء " بالعمريّتين " لها صورتان لمسألة في‬

‫الفرائض ‪ ،‬أو هما مسألتان اشتهرتا بهذا السم نسب ًة إلى عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى‬
‫عنه ; لنّه أوّل من قضى فيهما ‪ ،‬وتسمّيان أيضا ‪ :‬بالغرّاوين تشبيها بالكوكب " الغ ّر "‬
‫لشهرتهما وبالغريبتين ; لنّهما ل نظير لهما ‪.‬‬
‫وصورتا المسألتين أو المسألة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬زوج ‪ ،‬وأبوان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أو زوجة وأبوان ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعمريّة ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬نصيب المّ في الفروض المقدّرة في كتاب اللّه تعالى إمّا السّدس أو الثّلث ‪ ،‬فتأخذ‬

‫السّدس في حالتين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كان للميّت ولد ‪ ،‬أو ولد ولد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان معها عدد من الخوة والخوات وليس للميّت ولد أو ولد ولد ‪.‬‬
‫وتأخذ ثلث التّركة إن لم يكن معها من ذكر وتفرّد البوان بالميراث ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن َل ُه وَلَدٌ فَإِن ّلمْ َيكُن ّل ُه وَلَ ٌد َووَرِ َثهُ أَ َبوَاهُ‬
‫ك إِن كَا َ‬
‫{ َولَ َبوَ ْيهِ ِل ُكلّ وَاحِدٍ مّ ْن ُهمَا السّدُسُ ِممّا تَرَ َ‬
‫ل ّم ِه السّدُسُ } ‪.‬‬
‫خوَةٌ فَ ُ‬
‫ل ّم ِه الثّلُثُ فَإِن كَانَ َل ُه ِإ ْ‬
‫فَ ُ‬
‫فإن كان مع البوين أحد الزّوجين فإنّ فرض المّ لم يرد في القرآن الكريم ‪ ،‬وهي المسألة‬
‫العمريّة ‪.‬‬

‫وقد اختلف الصّحابة في فرضها ‪ ،‬فذهب أكثر الصّحابة وجمهور الفقهاء إلى أنّ فرضها‬
‫ثلث ما يبقى بعد فرض الزّوج أو الزّوجة ‪ ،‬ففي حالة زوج وأبوين تصحّ المسألة من ستّة‬
‫فيأخذ الزّوج النّصف وهو ثلثة ‪ ،‬وتأخذ المّ ثلث الباقي وهو واحد ‪ ،‬ويأخذ الب الباقي‬
‫وهو اثنان ‪ ،‬وفي زوجة وأبوين تصحّ المسألة من أربعة ‪ ،‬فتأخذ الزّوجة الرّبع ‪ ،‬وهو‬
‫واحد ‪ ،‬وتأخذ المّ ثلث الباقي وهو واحد ‪ ،‬وللب ما بقي هو اثنان ‪ ،‬وحجّة الجمهور في‬
‫ن اللّه سبحانه وتعالى إنّما أعطاها الثّلث كاملً إذا انفرد البوان بالميراث ; لنّ قوله‬
‫هذا ‪ :‬أ ّ‬
‫ل ّمهِ الثّلُثُ } شرط في استحقاق الثّلث‬
‫سبحانه وتعالى ‪ { :‬فَإِن ّلمْ َيكُن ّلهُ وَلَ ٌد َووَرِ َث ُه أَ َبوَاهُ فَ ُ‬
‫عدم الولد ‪ ،‬وتفرّدهما بميراثه ; لنّه لو لم يكن تفرّدهما شرطا لم يكن في قوله ‪َ { :‬ووَرِ َثهُ‬
‫ل يغني عنه قوله ‪ :‬فإن لم يكن له ولد فلمّه الثّلث ‪ ،‬فلمّا قال ‪:‬‬
‫أَ َبوَاهُ } فائدة ‪ ،‬وكان تطوي ً‬
‫ن استحقاق المّ الثّلث موقوف على المرين ‪ ،‬وهو سبحانه وتعالى‬
‫{ َووَرِ َث ُه أَ َبوَاهُ } علم أ ّ‬
‫ن لها الثّلث‬
‫ذكر أحوال المّ كلّها ‪ :‬نصّا وإيما ًء فذكر أنّ لها السّدس مع الخوة أو الولد ‪ ،‬وأ ّ‬
‫كاملً مع عدم الولد وتفرّد البوين بالميراث بقيت حالة ثالثة وهي عدم الولد وعدم تفرّد‬
‫البوين بالميراث ‪ ،‬وذلك ل يكون إلّ مع الزّوج أو الزّوجة ‪ ،‬فإمّا أن تعطى في هذا الحال‬
‫حظّ الُنثَيَيْنِ } وإمّا‬
‫ل ‪ ،‬وهو خلف مفهوم القرآن في قوله تعالى ‪ { :‬لِل ّذكَ ِر مِ ْثلُ َ‬
‫الثّلث كام ً‬
‫أن تعطى السّدس واللّه لم يجعله فرضها إلّ في موضعين ‪ :‬مع الولد ومع عدد من الخوة‬
‫والخوات ‪ ،‬فإن امتنع المران كان الباقي بعد فرض الزّوجين ‪ :‬هو المال الّذي يستحقّه‬
‫البوان ول يشاركهما مشارك فهو بمنزلة المال كلّه إذا لم يكن زوج ول زوجة ‪ ،‬فإذا‬
‫تقاسماه أثلثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزّوجين كذلك ‪ ،‬والقياس المحض‬
‫أنّ المّ مع الب كالبنت مع البن ‪ ،‬والخت مع الخ ; لنّهما ذكر وأنثى من جنس واحد‬
‫فأعطى اللّه الب ضعف ما أعطى المّ تفضيلً بجانب الذّكورة ‪.‬‬
‫وقال ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬إنّ المّ تأخذ في المسألتين ثلث أصل التّركة مستدلً بأنّ‬
‫اللّه سبحانه وتعالى ‪ :‬جعل لها أ ّولً ‪ :‬سدس التّركة مع الولد بقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َبوَ ْيهِ ِل ُكلّ‬
‫وَاحِ ٍد مّ ْن ُهمَا السّدُسُ ِممّا تَ َركَ إِن كَانَ َل ُه وَلَدٌ } ثمّ ذكر سبحانه أنّ لها مع عدم الولد الثّلث ‪،‬‬
‫ن المراد هنا ثلث أصل التّركة أيضا ‪ ،‬وقد تناظر ابن عبّاس مع زيد بن ثابت‬
‫فيفهم منه أ ّ‬
‫رضي ال تعالى عنهم في العمريّتين فقال له ‪ :‬أين في كتاب اللّه ثلث ما بقي ‪ ،‬فقال زيد ‪:‬‬
‫وليس في كتاب اللّه إعطاؤها الثّلث كلّه مع الزّوجين ‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الصمّ ‪ :‬إنّ للمّ مع الزّوج ثلث ما بقي بعد فرضه ‪ ،‬ومع الزّوجة ثلث أصل‬
‫التّركة ; لنّه لو جعل لها مع الزّوج ثلث جميع المال لزاد نصيبها على نصيب الب ; لنّ‬
‫المسألة حينئذ من ستّة لجتماع النّصف والثّلث ‪ ،‬فيأخذ الزّوج ثلثةً ‪ ،‬ولل ّم اثنان على ذلك‬

‫التّقدير فيبقى للب واحد ‪ ،‬وفي هذا تفضيل النثى على الذّكر ‪ ،‬وإذا جعل لها ثلث ما بقي‬
‫بعد فرض الزّوج كان لها واحد ‪ ،‬وللب اثنان ‪ ،‬ولو جعل لها مع الزّوجة ثلث الصل لم‬
‫ن المسألة من اثني عشر ‪ ،‬لجتماع الرّبع والثّلث ‪ ،‬فإذا أخذت المّ‬
‫يلزم ذلك التّفضيل ; ل ّ‬
‫أربعةً ‪ -‬وهو ثلث التّركة ‪ -‬بقي للب خمسة فل تفضيل لها عليه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬

‫‪151‬‬

‫)‪.‬‬

‫والمّ تأخذ سدس التّركة في حالة الزّوج والبوين ‪ ،‬وتأخذ الرّبع في حالة الزّوجة‬
‫والبوين ‪ ،‬ولم يعبّر الصّحابة ومن بعدهم بالسّدس ‪ ،‬والرّبع تأدّبا مع ظاهر القرآن ‪.‬‬

‫عمْشَاء *‬
‫َ‬

‫انظر ‪ :‬أضحيّة ‪.‬‬

‫عمَل *‬
‫َ‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬العمل في اللّغة ‪ :‬المهنة والفعل ‪ ،‬والجمع ‪ :‬أعمال ‪.‬‬

‫وفي الكلّيّات ‪ :‬العمل يعمّ أفعال الجوارح والقلوب ‪.‬‬
‫ل بالجارحة أو القلب ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬هو إحداث أمر قولً كان أو فع ً‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالعمل ‪:‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬تعتري العمل الحكام الخمسة ‪ :‬فما طلبه الشّارع منه على سبيل اللزام ‪ :‬فهو واجب ‪،‬‬

‫وما طلبه على سبيل التّرجيح في غير إلزام فهو مندوب ‪ ،‬وما طلب الشّارع تركه على‬
‫سبيل اللزام فهو حرام ‪ ،‬وما طلب تركه على سبيل التّرجيح من غير إلزام فهو مكروه ‪،‬‬
‫وما خيّر الشّارع بين عمله وتركه فهو مباح ‪.‬‬
‫وتختلف العمال الّتي يعملها العبد باختلف متعلّقها من عبادات ومعاملت ‪ ،‬فيثاب على‬
‫الطّاعات ويعاقب على المعاصي إلّ أن يشمله اللّه بعفوه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ثواب ف‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ ،‬عقاب ‪ ،‬تكليف ف ‪ ) 4‬وغيرها ‪.‬‬

‫ع َملُ أَهلِ المَدِينَة *‬
‫َ‬

‫‪ -‬يستعمل الفقهاء عبارة " عمل أهل المدينة " فيما أجمع على عمله علماء المدينة في‬

‫القرون الثّلثة الولى الّتي وردت الثار على أنّها خير القرون وتوارثوه جيلً بعد جيل ‪.‬‬

‫جيّة عمل أهل المدينة ‪:‬‬
‫حّ‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬اختلف العلماء في حجّيّة عمل أهل المدينة ‪:‬‬

‫جةً على من خالفهم ‪.‬‬
‫ن إجماع أهل المدينة على عمل ليس ح ّ‬
‫فذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫وذهب مالك إلى أنّ عمل أهل المدينة حجّة على غيرهم ‪ ،‬ونقل عنه أنّه قال ‪ :‬إذا اجتمع‬
‫أه