‫النموذج المعرفي‬

‫بين توماس كون والمسيري‬

‫كانت بداية (‪)1‬ظهور مصطلح " النموذج المعرفي " بشكل متبلور – نوعا ما – علي يد توماس كون‬
‫في كتابه " بنية الثورات العلمية " (‪)2‬حين تحدث عن ان ما يتسبب في القفزات العلمية الكبري ليس –‬
‫كما كان متصورا من قبل – هو التراكم المتواصل للمعرفة العلمية وانما – حسبما طرح – هو تغير‬
‫في النموذج المعرفي القائم الذي يحكم تصورات هذا العلم ‪ ،‬مما يحدث انقطاعا حقيقيا مع ما سبقه من‬
‫تصورات حكمت هذا العلم وتحكمت فيه ‪ ،‬فعلي سبيل المثال كانت التصورات التي حكمت علم الفلك‬
‫حول مركزية االرض ودوران جميع االجرام السماوية حولها ‪ ،‬كانت هذه التصورات تحكم علم الفلك‬
‫ونتائجه حيث وصل االمر النتاج العديد من التصورات الهندسية المعقدة فقط لمحاولة تفسير ظواهر‬
‫كانت تبدو خارج نطاق النظرية السائدة وتناقضها(‪ ، )3‬حتي حدث تحول في هذه التصورات وهذه‬
‫الرؤية العامة للكون واعتبار الشمس هي مركز الكون ‪ ،‬مما احدث ثورة في علم الفلك ادت الي عديد‬
‫من التفسيرات لجميع هذه الظواهر الفلكية بطريقة اكثر منطقية واكثر سهولة‪.‬‬
‫كان مفهوم توماس كون عن النموذج المعرفي مبسط ومنحصر في مجال العلم الطبيعي تحديدا‪ ،‬الي‬
‫ان جاء ثالثة من المفكرين الكبار هم عبد الوهاب المسيري ‪ ،‬مني ابو الفضل و اسماعيل راجي‬
‫الفاروقي ‪ ،‬حيث قاموا – كل علي حدا – بابتكار معني مختلف بشكل كبير عن مفهوم النماذج‬
‫المعرفية ‪ ،‬حيث اصبح النموذج المعرفي علي ايديهم هو بنية فكرية متكاملة يصنعها االنسان لمجمل‬
‫حياته ‪ ،‬وهو ايضا بنية فكرية كامنة ضمن كل منتجات االنسان الحضارية ‪ ،‬معنوية كانت ام مادية ‪،‬‬
‫ولنا هنا ان ننقل ما كتبه المسيري عن تعريفه للنماذج قائال ‪ " :‬النموذج بنية فكرية تصورية يُجرِّدها‬
‫العقل اإلنساني من كم هائل من العالقات والتفاصيل فيختار بعضها ثم يُرتبها ترتيبا ً خاصاً‪ ،‬أو يُنسقها‬
‫تنسيقا ً خاصاً‪ ،‬بحيث تصبح مترابطة بعضها ببعض ترابطا ً يتميَّز باالعتماد المتبادل وتشكل وحدة‬
‫متماسكة يُقال لها أحيانا ً «عضوية»‪ .‬وطريقة التنسيق والترتيب هي التي تعطي النموذج هويته‬
‫المحددة‪ ،‬وفرديته وتفرُّ ده‪ .‬ويتصور صاحب النموذج أن العالقة بين عناصره تُماثل العالقة الموجودة‬
‫بين عناصر الواقع‪ .‬ولذا‪ ،‬فهو يرى أنه يشكل اإلطار الكلي الذي يُفسِّر تفاصيل الواقع وعالقاته‪ .‬وقد‬
‫يتص َّور البعض أن النموذج يُشاكل الواقع ولكنه في حقيقة األمر ال يتطابق معه‪ ،‬فهناك فرق بين‬
‫(‪)4‬‬
‫النموذج من ناحية والمعلومات والحقائق من ناحية أخرى "‬
‫وسنعرج االن علي سمات النموذج المعرفي(‪: )5‬‬
‫‪ 1‬ـ التجريد‪:‬‬
‫النموذج ليس صورة ضوئية من الواقع وانما هو نتاج عملية تجريد شاملة للواقع بحيث يتم استخراج‬
‫العناصر والعالقات االساسية في الواقع وتكوين النموذج من خاللها ‪ ،‬وهي عملية عقلية يقوم بها‬

‫العقل في محاولة للوصول الي النموذج الحاكم للواقع – من وجهة نظره ‪ . -‬هذا التجريد يسم النموذج‬
‫بقدر من الثبات واليقين وهو ما يفقد النموذج بعده الزماني‪ ،‬وهو امر سوف نتطرق اليه الحقا‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ النموذج والمعلومات‪:‬‬
‫العالقة بين النموذج والمعلومات امر هام ومركب ‪ ،‬فمن ناحية يعتمد تكوين النموذج ابتداءا علي ما‬
‫يجده العقل من معلومات في واقعه ‪ ،‬ومع تبلور النموذج – بتفاعل العقل االنساني مع المعطي‬
‫المعلوماتي الواقعي – يبدأ العقل في االنتقاء بين المعلومات ويبزر اهمية بعضها ويهمل بعضها‬
‫االخر طبقا لنموذجه المعرفي الذي تم تكوينه‪.‬‬
‫ويجدر االشارة هنا الي ان النموذج المعرفي ليس كائنا صلبا وانما يتغير ويتعدل ويتطور مع‬
‫االحتكاكات المستمرة بينه وبين الواقع وما يحمله من معلومات‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ النموذج والواقع‪:‬‬
‫ان عالقة النموذج بالواقع هي عالقة ذات مسافة ‪ ،‬فالنموذج ال يساوي الواقع بشكل حرفي ولكنه في‬
‫نفس الوقت ال ينفصل عن الواقع تماما ‪ ،‬فالنموذج – يفترض انه – يمثال الواقع من وجهة نظر‬
‫واضع النموذج ‪ ،‬ولكن ال يعني ان النموذج هو الواقع ‪ ،‬فعملية التحقق النموذجي للنموذج هو امر‬
‫شديد الندرة ‪ ،‬كالفترة النازية كعملية تحقق نموذجي للنموذج المادي(‪.)7( )6‬‬
‫‪ 4‬ـ محدودية النموذج وتحيزه‪:‬‬
‫النموذج ال يستطيع ان يستوعب كامل الواقع ومعطياته ‪ ،‬فهو في النهاية نتاج اجتهاد عقل بشري ‪ ،‬لذا‬
‫فمن الطبيعي ان يتسم النموذج بالثغرات ووعدم االتساق الكامل ‪ ،‬كما انه يتميز بالتحيز ‪ ،‬فالنموذج‬
‫ليس بنية موضعية محضة ‪ ،‬وانما بنية ذات تحيز ‪ ،‬ولكنه تحيز بقدر ‪ ،‬فاالنسان ال يستطيع ان يتحكم‬
‫في كامل المعطيات الداخله علي عقله ‪ ،‬ومن ثم فان بعضا مما سيستقبله سيكون فعال موضوعيا‬
‫وخارجا عن تحيزاته المسبقة‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ حتمية استخدام النماذج‪:‬‬
‫ان حتمية التحيز تعني حتمية استخدام النماذج الدراك الواقع والتعامل معه ‪ ،‬فالعقل البشري الغير‬
‫موضوعي والذي ال يتلقي المعلومات كالصفحة البيضاء ‪ ،‬تجبره تحيزاته علي صنع نموذج ادراكي‬
‫للكون من حوله ومن ثم التعامل معه‪.‬‬

‫وتنقسم عناصر النموذج المعرفي طبقا الطروحة توماس كون الي خمس عناصر رئيسية هي ‪،‬‬
‫رؤية العالم ‪ ،‬االطار المفاهيمي ‪ ،‬االطار التحليلي ‪ ،‬قواعد التفسير‪،‬االشكاالت االجدر بالتناول‪.‬‬
‫وان كنا نطرح (‪)8‬تقسيما مختلفا لعناصر النموذج المعرفي نفصلهم فيما يلي ‪:‬‬
‫اوال ‪ :‬رؤية العالم ‪ :‬وهي العالقة بين ثالث عناصر اساسية ‪ ،‬االله واالنسان والطبيعة‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المفاهيم ‪ :‬وهي االطار الذي يحكم صياغة وتحديد معاني المفاهيم طبقا للنموذج‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬االطار التحليلي والتفسيري ‪ :‬وهي قواعد التحليل والتفسير طبقا للنموذج ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬التحيزات ‪ :‬وهي مجموعة التحيزات المسبقة التي تحدد االشكاالت االجدر بالتناول ‪ ،‬كما انها‬
‫تحدد منظورات الرؤية للواقع وكيفية التعاطي معه‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬القيم والمعايير الحاكمة ‪ :‬ان النموذج يقدم عادة لصاحبة مجموعة القيم التي يعليها ‪،‬‬
‫والمعايير التي تحدد مرجعيته النهائية في التعامل مع الواقع‪.‬‬
‫الي هنا ينتهي عرضنا لمفهوم النموذج بين توماس كون والمسيري ‪ ،‬وهي ورقة اولية سنحاول البناء‬
‫عليها مستقبال – باذن هللا ‪. -‬‬
‫والحقيقة ومن ثم هللا من وراء القصد‪.‬‬
‫الهوامش‬
‫(‪ )1‬يرجع االصل االغريقي للكلمة الي الفيلسوف ‪ plato‬والذي استخدم الكلمة للتعبير عن‬
‫النموذج الذي استخدمه االله لصنع الكون‪.‬‬
‫(‪ )2‬استخدم توماس كون في حديثه مصطلح ال ‪ paradigm‬كتعبير عما نتحدث فيه اليوم عن‬
‫النموذج المعرفي‪.‬‬
‫(‪ )3‬كانت واحده من اشهر هذه الظواهر هي حركة بعض االجرام السماوية عكس االتجاه‬
‫المفترض طبقا للنظرية‪.‬‬
‫(‪ )4‬النموذج‪ :‬التعريف من خالل دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الداللي‬
‫المشترك أو المتداخل ‪ ،‬الباب األول‪ :‬النماذج‪ :‬سماتها وطريقة صياغتها ‪ ،‬الجزء الثاني‪:‬‬
‫النماذج كأداة تحليلية ‪ ،‬المجلد األول‪ :‬اإلطـار النظــرى ‪ ،‬موسوعة " اليهود واليهودية‬
‫والصهيونية ‪ :‬نموذج تفسيري جديد "‪.‬‬
‫(‪ )5‬هذا الجزء مبني علي ما اشار له المسيري في مدخل ‪ :‬النموذج‪ :‬التعريف من خالل دراسة‬
‫مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الداللي المشترك أو المتداخل ‪ ،‬الباب األول‪:‬‬
‫النماذج‪ :‬سماتها وطريقة صياغتها ‪ ،‬الجزء الثاني‪ :‬النماذج كأداة تحليلية ‪ ،‬المجلد األول‪:‬‬
‫اإلطـار النظــرى ‪ ،‬موسوعة " اليهود واليهودية والصهيونية ‪ :‬نموذج تفسيري جديد "‪.‬‬
‫(‪ )6‬يسميها المسيري باللحظة النماذجية‪.‬‬
‫(‪ )7‬وهذا االمر يفسر سعي البعض الضفاء قدر من االنسانية علي بعض النماذج المادية الصرفة‬
‫‪ ،‬او اختالف التطبيق الواقعي لعدد من النماذج المادية ‪ ،‬مثل اختالف المجتمعات االشتراكية‬
‫عن النموذج االشتراكي المادي ‪ ،‬كونها جاءت اكثر انسانية من النموذج االصلي‪.‬‬
‫(‪ )8‬وهو طرح للنقاش والمسائلة والنقد ومن ثم محاولة التطوير والبناء‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful