‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة ـ الحلقة (‪ :)1‬سهولة الطريق للثورة‪ ..

‬ووعورة الطريق للدولة‬
‫إيران تدخل العقد الثالث من ثورتها‪ ..‬وتتذكر «اليام الولى» التي صاغت شكل الدولة اليرانية‬
‫منال لطفي‬
‫ل يقيس اليرانيون الزمن‪ ..‬بالساعات واليام والشهور والسنين‪ ،‬بل بالعقود والقرون‪ ..‬ففي بلد يعود تاريخه إلى ألفي عام أو أكثر‪ ،‬ل يعني مرور‬
‫‪ 30‬عاما شيئا من الناحية التاريخية‪ .‬وبالتالي يشعر بعض اليرانيين بعدم النصاف حيال محاولت تقييم الثورة اليرانية في ذكرى مرور ‪30‬‬
‫عاما على قيامها‪ ،‬ففي رأيهم «الثورة ما زالت في أيامها الولى» وما سيترتب عليها لليرانيين والمنطقة والعالم لم يتبلور كليا بعد‪ .‬لكن الوقوف‬
‫أمام الثورة اليرانية حتمي‪ ،‬فالثورة غيرت الكثير في إيران‪ .‬يكفي اليوم أن اليرانيين ل يحتفلون إل بنوعين من العياد‪ .‬العياد الوطنية‪ ،‬والدينية‬
‫اليرانية التي يعود تاريخها لنحو ألف عام أو أكثر (مثل الحتفالت برأس السنة الفارسية أو عيد النوروز‪ ،‬وعيدي الفطر والضحى‪ ،‬والتاسع‬
‫والعاشر من محرم ذكري مقتل المام الحسين بن على‪ ،‬أو عاشوراء)‪ ،‬والعياد المرتبطة بقيام الثورة اليرانية (مثل ذكرى انتصار الثورة‬
‫اليرانية‪ ،‬وذكرى اختيار النظام الجمهوري السلمي)‪ ..‬وما بين ذلك كأنه لم يوجد‪ .‬غير أن تأثيرات الثورة اليرانية تتجاوز «رمزية» العياد‬
‫التي يتم الحتفال بها إلى كل شيء تقريبا؛ من طبيعة النظام السياسي وشكل الدولة‪ ،‬إلى الحريات في الشارع‪ ..‬من علقة طهران بحوزة قم إلى‬
‫علقة البازار بصناعة القرار السياسي والنخبة اليرانية الجديدة‪ .‬وفي هذه الحلقات تقدم «الشرق الوسط»‪ ،‬من خلل مقابلت مع مسؤولين‬
‫حاليين وسابقين‪ ،‬ومفكرين وشهود عيان من إيران ولبنان والعراق وأميركا‪ ،‬شهادات حول الظروف التي قادت للثورة‪ ،‬والخلفات التي نشبت بين‬
‫أطيافها المختلفة‪ ،‬وكيف أثرت هذه «الولدة المتعثرة» لدولة الثورة على طبيعة الدولة اليرانية اليوم‪ ..‬ومستقبلها‪ .‬توفي آية ال الخميني يوم السبت‬
‫‪ 3‬يونيو عام ‪ 1989‬عن ‪ 87‬عاما وتسعة أشهر‪ .‬وفي مبني البرلمان اليراني لم يقرأ أحمد الخميني وصية والده‪ ،‬بل قرأها «الولي الفقيه الجديد»‬
‫آية ال علي خامنئي‪ ،‬الذي كان حجة السلم‪ ،‬وتم رفعه لمرتبة آية ال لشغل منصب المرشد العلى وقائد الدولة بعد الخميني‪ .‬كانت هناك صورة‬
‫كبيرة للخميني موضوعة على المنصة التي كان خامنئي يقرأ منها‪ ،‬وفوق الصورة شريط حداد أسود كبير‪ ،‬ولفتة سوداء مكتوب عليها «إنا ل‬
‫وإنا إليه راجعون» باللغة العربية‪ ،‬فيما تناثرت الزهار الملونة حول الصورة‪ .‬قرأ خامنئي وصية الخميني الخيرة وهى‪« :‬بفؤاد هادئ‪ ،‬وقلب‬
‫مطمئن‪ ،‬وروح مسرورة‪ ،‬وضمير أمل بفضل ال‪ ،‬أستأذن الخوات والخوة وأسافر نحو المقر البدي‪ ،‬وإني في حاجة مبرمة إلى دعائكم بالخير‪.‬‬
‫وأسأل ال الرحمن الرحيم أن يقبل عذري في نقص الخدمة‪ ،‬والقصور‪ ،‬والتقصير‪ .‬وآمل من الشعب أن يتقبل عذري في النقائص والقصور‬
‫والتقصيرات‪ .‬وأن يمضوا قدما بقوة وتصميم وإرادة ليعلموا أن ذهاب خادمهم ل يجب أن يؤدي إلى خلل في مناعة الشعب الحديدية‪ ،‬فإن خداما‬
‫أفضل يخدمون الن‪ .‬وال حافظ هذا الشعب ومظلومي العالم‪ .‬والسلم عليكم عباد ال الصالحين»‪ .‬خلل قراءة خامنئي للوصية توقف ‪ 3‬مرات‬
‫باكيا غير قادر على مواصلة القراءة‪ ،‬أما هاشمي رفسنجاني فكان وجهه مغطي بكفى يديه ومنديل‪ .‬لم يكن من السهل رؤية ملمح وجهه‪ .‬جاءت‬
‫وفاة الخميني بعد نحو ‪ 10‬أعوام من الثورة اليرانية عام ‪ ،1979‬التي وصفت بأنها ثالث أبرز الثورات في التاريخ الحديث بعد الثورة الفرنسية‬
‫عام ‪( 1789‬أول ثورة ليبرالية) والثورة البلشفية في روسيا عام ‪( 1917‬أول ثورة شيوعية في القرن العشرين)‪ ،‬ثم الثورة اليرانية ‪ 11‬فبراير‬
‫‪ .1979‬فوجئت قيادات الثورة اليرانية من التيارات السلمية والوطنية واليسارية والقومية بـ«سلسة الطريق» للثورة‪ ،‬مع تحرك الشارع‬
‫اليراني بالمليين لدعمها‪ ،‬إل أنهم فوجئوا أيضا بـ«وعورة الطريق» للدولة‪ .‬ففي اليام والشهر الولى بعد نجاح الثورة اليرانية شهدت إيران‬
‫حربا تشبه «حرب الشوارع» بين أنصار التيار الديني من الشباب المعممين وأنصار التيارين الليبرالي واليساري من الشباب الذين يضعون في‬
‫غرفهم صور شي جيفارا وشعار التحاد السوفياتي السابق «المطرقة والسندان»‪ .‬قتل خلل «حرب الشوارع» هذه عدد كبير جدا من عناصر‬
‫الثورة‪ ،‬ونحو ‪ %70‬من قيادات الحلقة الضيقة التي كانت تحيط بالخميني من تلميذه ومرافقيه عندما كان منفيا في تركيا أو العراق أو فرنسا‪.‬‬
‫«مرارة» تلك اليام ل تزال حاضرة حتى اليوم‪ ،‬و«الشكوك» التي زرعتها بين أطياف الثورة اليرانية ما زالت أيضا حاضرة وماثلة‪ .‬ويقول‬
‫إبراهيم يزدي وزير الخارجية اليراني في حكومة مهدي بازوكان رئيس وزراء أول حكومة بعد نجاح الثورة لـ«الشرق الوسط» إن المشكلة‬
‫كانت أن كل القوى كانت متفقة على هدف التخلص من الشاه‪ ،‬لكنها كانت مختلفة على كل شيء بعد ذلك‪ ،‬على نوع الدولة وعلى دستورها وعلى‬
‫قوانينها الحاكمة وعلقاتها الخارجية‪ .‬ويوضح يزدي لـ«الشرق الوسط»‪« :‬أثناء الثورة‪ ،‬كانت جميع الحزاب والفصائل السياسية‪ ،‬اليمينية أو‬

‫اليسارية‪ ،‬الدينية أو غير الدينية‪ ،‬متفقة على ما ل تريده‪ ،‬وهو‪ :‬أن الشاه يجب أن يغادر‪ ،‬وأنه تجب الطاحة بنظام حكم الشاه الستبدادي‪ ..‬ولكن لم‬
‫يكن هناك مثل هذا الجماع في مواقفهم المتعلقة بالبديل الذي سيحل مكان نظام الشاه‪ .‬ولهذا‪ ،‬بدأ الخلف على الفور بعد الثورة‪ ..‬كان رئيس‬
‫الوزراء بازركان وزملؤه في مجلس الوزراء يعتقدون أن المرحلة المدمرة أو السلبية في الثورة انتهت‪ ،‬وأنه يجب البدء في مرحلة البناء أو‬
‫المرحلة اليجابية‪ .‬ولكن في المرحلة الثانية من الثورة‪ ،‬كانت أهدافها اليجابية أصعب في تحقيقها‪ .‬وكانت تحتاج إلى الكثير من التخطيط‪ ،‬ولم‬
‫يكن ممكنا تحقيقها بسرعة‪ ،‬وكان تنفيذها يحتاج إلى نظام‪ .‬ولكن كان المناخ السياسي فيما بعد الثورة مشتعل بشدة‪ ،‬وكان صوت العقل والمنطق‬
‫غائبا»‪ .‬هذه الختلفات بين الجناح الديني من الثورة اليرانية والجناح الليبرالي واليساري‪ ،‬والتي تحولت إلى مواجهات ثم إلى صراعات‪ ،‬وأدت‬
‫إلى تهميش التيار الليبرالي والوطني الذي كان قطبا فاعل في الثورة‪ ،‬أثرت على الطريقة التي تكونت بها «دولة الثورة» منذ ذلك الحين وحتى‬
‫اليوم‪ .‬ورمزيا فقط تكفي الشارة إلى أنه حتى اليوم ل يوجد في إيران شارع باسم «محمد مصدق» زعيم الجبهة الوطنية اليرانية‪ ،‬والب‬
‫الروحي للتيار الليبرالي الوطني في إيران‪ ،‬الذي ما زالت صوره معلقة في منازل كثير من اليرانيين حتى اليوم بوصفه رئيس الوزراء المنتخب‪،‬‬
‫بين أعوام ‪ 1951‬و ‪ ،1953‬الذي أمم صناعة النفط اليرانية‪ ،‬حتى قامت الستخبارات الميركية بالطاحة به في انقلب أعاد الشاه للحكم‪ .‬هذه‬
‫الخصومة «الرمزية» بين التيار الديني من ناحية‪ ،‬والتيار الوطني الليبرالي من ناحية أخرى‪ ،‬بدأت بعد نجاح الثورة اليرانية مباشرة‪ ،‬فبعدما سمى‬
‫«شارع بهلوى» بـ«شارع محمد مصدق» بعد نجاح الثورة عام ‪ ،1979‬تم تغيير اسم الشارع من «محمد مصدق» إلى «ولي عصر»‪ ،‬أي ولي‬
‫الزمان أو المام الغائب‪ .‬وفي طهران‪ ،‬التي تحمل غالبية شوارعها أسماء شهداء‪ ،‬مثل شارع «الشهيد قرني» (أحد قادة ساباه باسداران خلل‬
‫الحرب اليرانية ‪ -‬العراقية)‪ ،‬وشارع «الشهيد همت» (أحد أبرز قادة الحرب مع العراق)‪ ،‬وشارع «الشهيد مفتح» (رمز العلقة بين الجامعة‬
‫والحوزة العلمية والثورة)‪ ،‬والذي باسمه أيضا محطة للمترو في طهران وهي «ايستكاه مترو شهيد مفتح»‪ ،‬ومكتبة هي «كتابخانة شهيد مفتح» في‬
‫طهران‪ ،‬وشارع «الشهيد مطهري» (أحد تلميذ الخميني وأحد منظري الثورة)‪ ،‬وشارع طالقاني (أحد أبرز منظري الثورة اليرانية) وشارع المل‬
‫الصدر (موسى الصدر)‪ .‬وشارع «هفتي تير» (الذي سمي لحياء ذكري مقتل آية ال بهشتي‪ ،‬تلميذ الخميني وصديقه‪ ،‬في ‪ 28‬يونيو ‪،)1981‬‬
‫ليس هناك شارع «محمد مصدق»‪ ..‬على الرغم من أنه خلل اليام الخيرة من حكم الشاه‪ ،‬كان المتظاهرون يخرجون مرددين «نصر من ال‪..‬‬
‫مردم شاه» أى الموت للشاه‪ ،‬وهم يحملون صور الخميني ومصدق جنبا إلى جنب‪ .‬لكن هذه «الخصومة الرمزية» لم تكن إل انعكاسا لخصومة‬
‫حقيقة كانت قد بدأت تظهر على الرض بين التيارات الفكرية والسياسية للثورة حتى قبل فترة طويلة من نجاحها عام ‪ .1979‬وما بين ليلة شديدة‬
‫البرودة في ‪ 1‬فبراير عام ‪ ،1979‬عندما خرج نحو ‪ 3‬مليين شخص لستقبال الخميني‪ ،‬وبين ظهيرة شديدة السخونة في يونيو ‪ 1989‬عندما‬
‫خرج نفس العدد تقريبا لوداعه‪ ،‬شهدت إيران تعرجات عديدة مرت بها دولة الثورة من دستور ليبرالي إلى ولية الفقيه‪ ،‬ومن حوار مع أميركا بدأ‬
‫منذ أن كان الخميني في باريس‪ ،‬إلى قطيعة مع أميركا بوصفها «الشيطان الكبر»‪ .‬يتذكر محمد على مهتدي يوم عودة الخميني لطهران يوم ‪1‬‬
‫فبراير ‪ ،1979‬فهو كان صحافيا في التلفزيون اليراني (اليوم مسؤول الخبار الدولية في صحيفة اطلعات اليرانية)‪ .‬كان مهتدي مؤيدا للثورة‪،‬‬
‫ومتحفزا لنجاحها‪ .‬كانت أجواء ترقب متفائل‪ ،‬وشعور جماعي بالقدرة على التغيير‪ ،‬تحرك الناس في مسيرات جماعية حاشدة جعلت شاه إيران‬
‫وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين غير قادرين على مواجهة المد‪ .‬ويقول مهتدي لـ«الشرق الوسط»‪« :‬كانت الشوارع ل تخلو من‬
‫المظاهرات‪ ،‬من شوارع طهران إلى أصفهان إلى شيراز ومشهد‪ .‬لكن الثورة كانت مفاجئة مع ذلك‪ .‬لم يتوقع أحد نجاحها بهذه السرعة»‪ .‬ويتابع‬
‫مهتدي‪« :‬بعض الناس ربما كانوا يتوقعون أن نصل إلى مرحلة عمليات عسكرية وثورة مسلحة‪ .‬ربما هذه الثورة المسلحة تأخذ أشهرا أو سنين‪.‬‬
‫كانت هناك خطط لعمليات حرب عصابات‪ .‬وحده الخميني كان متأكدا أن هذه الثورة ستنتصر من خلل حركة شعبية‪ ،‬وليس من خلل حرب‬
‫عصابات أو عمليات عسكرية»‪ .‬صبيحة يوم الجمعة ‪ 8‬سبتمبر ‪ 1978‬خرج اللف في مظاهرة بطهران‪ ،‬وأمر حاكم طهران العسكري بإطلق‬
‫النار على المتظاهرين فقتل ‪ 4‬آلف (وسمى «الجمعة السوداء» في أدبيات الحركة السلمية في إيران)‪ ،‬فخرج الناس يرددون‪« :‬سنقتل سنقتل من‬
‫قتل إخوتنا»‪ ،‬وزاد وضع الشاه حرجا وهشاشة‪ .‬ثم كانت استراتيجية الخميني‪ ،‬من منفاه في باريس‪ ،‬بتحييد الجيش اليراني‪ .‬وكان شعار الخميني‪:‬‬
‫"«ل تهاجموا الجيش في صدره‪ ،‬بل هاجموه في قلبه»‪ ،‬أى خاطبوا قلوب جنوده وقادته‪ .‬فخرجت مظاهرات بأزهار وورود لتوضع في فوهات‬
‫الرشاشات‪ ،‬مع شعارات‪« :‬أخى في الجيش لماذا تقوم بقتل أخيك»‪ .‬وبالتالي لما دعا الخميني الجنود والقادة لترك الجيش والتخلي عن أسلحتهم‬
‫وثكناتهم‪ ،‬كانت الستجابة التي غيرت مسار إيران‪ ،‬فالجيش كان القاعدة الوحيدة التي بقيت للشاه بعدما فقد البازار والطبقة الوسطى والطلب‬
‫والحوزة الدينية والفقراء‪ .‬دعا الخميني البازار إلى الضراب‪ ،‬فأضرب الجميع بسبب العلقة التقليدية الوثيقة بين البازار والحوزة في قم‪ .‬وأصاب‬

‫إيران الشلل التام‪ .‬ثم دعا عمال النفط لوقف التصدير‪ ،‬والنتاج فقط بما يكفي لسد حاجة اليرانيين اليومية‪ .‬فقال الشاه لعمال النفط‪ :‬سنطردكم‬
‫ونأتي بعمال أجانب بدل منكم‪ .‬فرد الخميني بفتوى تبيح هدر دم العمال الجانب‪ ،‬وأمر بدفع رواتب عمال النفط من الموال الشرعية‪ ،‬أى الخمس‬
‫لمرجع التقليد‪ .‬قام الطلبة بإحراق المصالح الجنبية في إيران‪ ،‬كالبنوك وشركات الطيران والشركات‪ .‬وأخيرا أعلن الخميني تنظيم إضراب كبير‬
‫في ذكرى عاشوراء يكون بمثابة رسالة أخيرة للشاه‪ .‬فأعلن رئيس الحكومة العسكرية اليرانية أزهري‪ ،‬إلغاء الحتفال بذكرى عاشوراء حتى في‬
‫المساجد‪ ،‬وحظر التجول‪ .‬فرد الخميني بدعوة اليرانيين للتظاهر من على أسطح المنازل‪ .‬وعندما ألغت الحكومة العسكرية حظر التجول خرج‬
‫اليرانيون بعشرات اللف وهم يرددون «أيها الشاه الخائن‪ .‬نحن جاهزون للقتال‪ ..‬لقد دمرت هذا البلد‪ .‬وقتلت شباب هذا البلد»‪ .‬فرد الشاه‬
‫بخطاب متلفز قال فيه إنه لن يكرر أخطاء الماضي‪ ،‬وسيعين حكومة وطنية في أسرع وقت تقوم بتحقيق الحريات الساسية‪ ،‬وإجراء انتخابات‬
‫حرة‪ .‬حل الشاه الحكومة العسكرية وعين حكومة من الجبهة الوطنية المعارضة التي اختارت شاهبور باختيار‪ ،‬أحد قادتها لرئاستها‪ ،‬لكن كانت‬
‫المفارقة أن العلن عن حكومة بختيار تم في واشنطن وعلى لسان الرئيس الميركي جيمي كارتر‪ ،‬وليس من طهران أو على لسان الشاه‪ .‬وكان‬
‫أول قرار لحكومة بختيار هو أن يغادر الشاه إيران‪ ،‬ومن مطار مهر أباد قبل مغادرته طهران‪ ،‬قال الشاه آخر عبارة له في إيران‪« :‬قلت إنني‬
‫محتاج إلى راحة‪ .‬وكنت في انتظار أن تستقر‬
‫أحوال البلد»‪ .‬غادر الشاه إيران‪ ،‬وكان يعتقد أنه سيعود عندما تهدأ الوضاع على يد بختيار‪ .‬إل أن الخميني دعا اليرانيين إلى مواصلة‬
‫حركتهم وإسقاط بختيار نفسه‪ .‬فخرج الناس في الشوارع تردد «الموت لبختيار» لينقلب الخميني على الحركة الوطنية‪ .‬ويعلن أنه سيعود إلى إيران‬
‫لتشكيل حكومة أخرى مختلفة‪ .‬قرار عودة الخميني باغت بختيار‪ ،‬وكان يعرف أن الهوة كبيرة بينه وبين الخميني وآيات ال‪ ،‬فقرر أن يغلق‬
‫مطارات طهران لمنع الخميني من العودة‪ ،‬قائل قبل أيام من الطاحة به‪« :‬أن تكون هذه الدولة جمهورية أو إسلمية أو ديمقراطية أو سلطنة أو‬
‫ديكتاتورية أو فاشية‪ ،‬فهذا أمر‪ ،‬والذي يحصل في الشارع أمر آخر‪ .‬عندما يأتي آية ال الخميني إذا كان لديه برنامج يطرحه أو آراء يدلى بها‪،‬‬
‫فسنصغي إليه بكل احترام‪ ،‬لكن إذا أراد أن يصبح رئيسا للوزراء أو ما شابه‪ ،‬فإني مرتاح للغاية في مكاني هذا»‪ .‬خرج الناس في الشوارع‬
‫يرددون «بختيار بختيار بختيار‪ ..‬الفرار الفرار الفرار»‪ ،‬ففي نظر الكثيرين كان بختيار معينا من قبل الشاه وهذا ل يكفي لشرعيته‪ .‬عندما حاول‬
‫الخميني العودة مجددا لطهران‪ ،‬كانت كل مطارات إيران أغلقت‪ ،‬إل أن الفرنسيين سمحوا له باستخدام مطار «شارل ديغول» وباستئجار طائرة‬
‫إيرباص بعدما دفع له أحد اليرانيين تأمينها‪ .‬أقلعت الطائرة وعلى متنها أعضاء مكتب الخميني وعائلته وصحافيين من المقربين منه في باريس‪،‬‬
‫وهم غير واثقين تماما من قدرتهم على الهبوط في إيران‪ ،‬لكن السلطات الجوية اليرانية سمحت للطائرة بالهبوط في مطار «مهر أباد»‪ .‬عاد‬
‫الخميني وقال إن السلطة من حق «الفقيه» الذي تتوافر فيه الشروط‪ .‬وفي خطابه وبعد دقائق من عودته ليران قال‪« :‬أنا سأعين الحكومة‪..‬‬
‫سأعين الحكومة بدعم هذا الشعب لي‪ .‬إن الشعب يريدني‪ .‬بختيار يقول إنه ل يمكن أن تكون هناك حكومتان في بلد واحد‪ .‬وهذا أمر واضح‪ .‬أنا‬
‫أقول إنه ل يمكن أن تكون هناك حكومتان في بلد واحد‪ .‬لكن يجب أن تذهب الحكومة غير الشرعية‪ .‬إنك (بختيار) غير قانوني‪ .‬الحكومة القانونية‬
‫هي التي تعتمد على آراء الناس‪ ،‬القائمة على حكم ال‪ .‬عليك أن تعين من قبل ال أو من قبل الشعب»‪ .‬ذهب بختيار‪ ،‬لكن الحكومات المدنية‬
‫اللحقة لم تكن أسعد حظا‪ .‬فـ«دولة الثورة» لم تكن «مثالية» كما كان يتصور صانعوها‪ ،‬سواء من قيادات التيارات الليبرالية والدينية واليسارية‪،‬‬
‫أو صانعوها من اليرانيين العاديين‪ ..‬فنجاح الثورة كان أمرا سهل مقارنة ببناء دولتها‪ ،‬خاصة أن منظريها من التيار الديني لم يكن لديهم تصور‬
‫محدد حول شكل الدولة‪ .‬ويقول هاني فحص‪ ،‬الذي كان قريبا من الخميني ومن الثورة اليرانية قبل وبعد نجاحها‪ ،‬حيث عمل مع هاني الحسن‪،‬‬
‫الذي كان سفيرا لفتح لدى إيران‪ ،‬كحلقة وصل بين الثورة اليرانية والثورة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات‪ ،‬إن الخميني في البداية «لم يكن لديه‬
‫مشروع سياسي محدد»‪ ،‬كان في الساس رجل دين يعارض سياسـات الشاه‪.‬‬
‫ويوضح فحص لـ«الشرق الوسط»‪« :‬كان يرى أنه معني بالجانب القيمي من الدين وحياة الناس ومن دون أن يكون بالضرورة حامل لمشروع‬
‫سياسي بديل‪ ..‬لو قرأنا الرسالة العملية‪ ،‬أي المدونة الفقهية التي حررها الخميني لتكون دليل عمليا لتباعه ومقلديه إلى فتاواه في المعاملت‬
‫(تحرير الوسيلة) وقارنا كثيرا من مضامينها وفتاواها الصريحة بما حدث بعد ذلك في الثورة والدولة تحت نظره لصابنا العجب‪ ،‬فالرسالة غير‬
‫ثورية وتقليدية جدا في أمور حساسة وكثيرة‪ ،‬من صلة الجمعة إلى مسألة الحتكار‪ .‬ومسلك الخميني بعد الثورة مختلف عن نهجه فيها‪ ،‬وهو ل‬
‫يعدو أن يكون في هذه الرسالة محرضا فقهيا على المعارضة ومقاومة الجور والظلم‪ ،‬قدم مجموعة من الدبيات الفقهية السياسية التعبوية ليس إل‪،‬‬
‫بينما نجده في خطبه اللحقة والمحررة مباشرة للثورة وقد انتقل إلى ملمسة مختلفة للقضايا والتحديات المطروحة»‪ .‬ويتابع فحص‪« :‬أعتقد أن‬

‫الخميني كان على شيء من الحيرة عندما انتقل من الثورة إلى الدولة‪ ،‬لن الســئلة تغيرت والقوى تمايزت والوقائع ألحت والمشاكل تفاقمت‪.‬‬
‫لقد تحول المام من حالته الثورية التي تقوم على التركيز على حرية الجتماع مع الدولة‪ ،‬إلى القول والعمل على شمولية الدولة‪ ..‬إلى حد إمكان‬
‫تعطيل الحكام لصالح ضرورات الدولة‪ .‬في قناعتي أن الخميني كرجل دين وكثوري كان أجمل‪ ،‬ولكن كرجل دولة كان أشد تــركيبا‪ ،‬لنه‬
‫أصبح أشد تعقيدا‪ .‬وأذكر وأتذكر أن الخميني كان من أول يوم للبدء في بناء الدولة حتى آخر يوم في حياته مختلفا في قناعته ورؤيته وطموحاته‬
‫عن المتحقق‪ ،‬كما يختلف المثال عن الواقع‪ ،‬من دون أن يفصل الواقع أو يتنكر له»‪ .‬عندما يتجمع اللف في شوارع طهران اليوم إحياء لذكرى‬
‫الثورة‪ ،‬سيكون هناك إحساس بأن مجرد «صمودها» إنجاز في حد ذاته‪ ،‬كما يعتقد محمد على مهتدي‪ ،‬لكن آخرين‪ ،‬حتى من المؤيدين للثورة‪ ،‬ل‬
‫يرون هذا‪ ،‬فالكثيرون يعتقدون أن دولة الثورة «قاصرة» أمام الشارع‪.‬‬
‫* غدا‪ :‬الخميني‪ ..‬الهندي‬

‫إيران ‪ 30‬عاما على الثورة ـ الحلقة (‪ : )2‬الباء الروحيون لـ «روح ال»‪ ..‬ومعركة الرادات بين الشاه والحوزة‬
‫بدأ الصراع بين «كرسي الملك»‪ ..‬و«كرسي المرجعية» منذ ثورة المشروطية ‪ ..1906‬إل أن الخميني نقله من الحوزة إلى الشارع‬

‫إيرانيون يحتفلون بذكرى الثورة في طهران أمس (رويترز)‬
‫آية ال فضل ال نوري (الثاني من اليمين) وسط اقاربه‬
‫آية ال المدرس‬
‫منال لطفي‬
‫يقول الصحافي الفرنسي إيريك رولو الذي كان يعمل صحافيا في صحيفة «لوموند» الفرنسية إنه في إحدى المقابلت مع شاه إيران سأله عن‬
‫البيان الذي أصدره آية ال الخميني لنتقاد البذخ في احتفالت مرور ‪ 2500‬عام على حكم الشاهنشاهية‪ ،‬فرد الشاه غاضبا‪ :‬من هو الخميني حتى‬
‫أرد على السؤال‪ .‬فقال له رولو‪ :‬هذا مجرد سؤال صحافي‪ ..‬وهناك بيان نشر من الخميني وأنا فقط أسألك رأيك‪ .‬فقال له الشاه‪ :‬أنا لن أرد على‬
‫السؤال لن الخميني ليس إيرانيا ول فارسيا‪ .‬هذا هنديا‪ .‬وأنا ل أرد على الهنود‪ .‬تلخص هذه الرواية الصراع الذي بدأ يطفو على السطح بين‬
‫«كرسي الملك» في إيران و«كرسي المرجعية»‪ .‬تاريخيا كانت المرجعية الدينية في «قم» لها صوتها واستقللها‪ ،‬إل أن هذا الصوت وهذه‬
‫الستقللية لم تقف يوما مهددة «كرسي الملك»‪ ،‬وبالتالي عندما شعر محمد رضا شاه بالخطر‪ ،‬لم يكن أمامه إل محاولة التخلص من «كرسي‬
‫المرجعية» بمحاولة نقله من قم إلى النجف‪ .‬وكانت الظروف مواتية فقد كانت حوزة قم بل مرجعية واضحة بعد وفاة آية ال البرجردي‪ ،‬وكانت قم‬
‫منقسمة على نفسها فيما يتعلق بطريقة التعامل مع تصرفات الشاه‪ ،‬فيما اسم الخميني يصعد خصوصا وسط تيار من طلبة الحوزة يريد النشغال‬
‫بالسياسة‪ ،‬بل وحتى العمل المسلح‪ .‬يقول المفكر هاني فحص‪ ،‬الذي كان همزة الوصل بين الثورة الفلسطينية والثورة اليرانية وشاهد عيان على‬
‫الكثير من تطورات تلك المرحلة في إيران‪ ،‬إن الخميني في انشغالته السياسية لم يكن يشكل خروجا على المألوف وسط الحوزة‪ ،‬غير أن ما تميز‬
‫به هو أنه وتدريجيا طور «مشروعا سياسيا» لحركته الحتجاجية‪ ،‬موضحا لـ«الشرق الوسط»‪« :‬لم يكن المام الخميني استثناء أو شاذا عن‬
‫قاعدة رجال الدين في قم خاصة وفي إيران عامة من حيث انشغاله بالسياسة واشتغاله عليها‪ .‬ونحن نتذكر أن الثورة الدستورية) أو ما سمى‬
‫بالمشروطية) في العقد الول من القرن الماضي كانت قيادتها في إيران من رجال الدين وخريجي حوزة النجف‪ ،‬وبعدها كانت حركة آية ال‬
‫المدرس‪ ،‬وحركة آية كاشاني وشراكته في النقلب الول على الشاه مع محمد مصدق ورفاقه‪ .‬إلى ذلك فقد كانت النطلقة في الثورة الدستورية‬
‫من النجف وبقيادة كبار المجتهدين اليرانيين‪ ،‬كما كانت معارضتها منهم‪ .‬ول يمكن إنكار مشاركة علماء من أصول إيرانية في ثورة العشرين في‬
‫العراق ضد الحتلل النجليزي‪ .‬ومن الطبيعي أن نأخذ في اعتبارنا اللحظة التاريخية بكل تفاصيلها‪ ،‬وشخصية الخميني ودور هذين المرين في‬
‫إقدام الخميني على اتخاذ موقفه المعارض علنا ليكون بما ترتب عليه‪ ..‬بداية في حركة انتهت بالثورة وإسقاط النظام‪ .‬وفي محددات اللحظة كان‬
‫هناك ما سمي بالثورة البيضاء أو الصلح الزراعي على طريقة الشاه‪ ،‬والتي أعادت أو جددت تمركز الملكيات الزراعية على حال من الجمع‬
‫العشوائي بين السلوب القطاعي‪ ،‬وطموحات برجوازية مستجدة وطفيلية إلى الثروة والسلطة‪ .‬وقد أدى هذا التركيب الهجين إلى مزيد من التردي‬
‫في النتاج الزراعي ومستوى معيشة الفلحين والهجرة الريفية في المدينة‪ ،‬مترافقا مع إطلق يد الشركات الستثمارية الجنبية في السيطرة على‬
‫دورة النتاج والسوق‪ ،‬وفي طليعتها الشركات الميركية مع شراكة واسعة لسرائيل‪ ،‬كادت أن تطال كل شيء‪ ،‬في مصادر الثروة الوطنية‬
‫وحركتها لتصبح عملية النمو مرتهنة بالكامل‪ .‬ما ذكر اليرانيين بقضية شركات احتكار التبغ والتنباك النجليزية في أواخر القرن التاسع عشر بعد‬
‫سلسلة من النشطة الحتكارية بدءا من الهاتف والبريد‪ .‬وذكرهم بأن رجال الدين وعلى رأسهم الميرزا محمد تقي الشيرازي هم الذين تصدوا لهذه‬
‫المسألة وقادوا بالفتاوى حركة شعبية أدت إلى توقيف العملية»‪ .‬وقوف الخميني إذن معارضا علنيا للشاه كان استمرارا لتقاليد آيات ال في قم بدءا‬
‫من الميرزا محمد تقي الشيرازي في القرن التاسع عشر وحتى آية ال الحائري وآية ال البرجردي في منتصف القرن العشرين‪ .‬وفيما كان لكل‬

‫منهم أسلوبا في المعارضة‪ ،‬إل أن ما جمع بينهم هو أنهم أبقوا هذه المعارضة في قلب «قم»‪ ،‬فيما خرج بها الخميني إلى شوارع طهران ومشهد‬
‫وأصفهان وشيراز‪ .‬لكن ممارسات «اعتراض» الشاه كانت دائما موجودة في قم‪ ،‬ففي مطلع القرن العشرين كانت إيران خاضعة شكليا لحكم‬
‫السرة القاغارية‪ ،‬إل أنها فعليا كانت خاضعة للنفوذ الروسي في شمال إيران والبريطاني في جنوب إيران حيث حقول النفط‪ .‬وكانت فترة صعبة‬
‫اقتصاديا واجتماعيا‪ .‬كانت الناس تذهب يوميا إلى مراجعها الدينية في المدن اليرانية المختلفة تشتكي لها صعوبة الحوال القتصادية‪ ،‬وتحالف‬
‫القطاعيين مع النفوذين الروسي والبريطاني‪ .‬فتبلورت حركة احتجاج من رجال الدين عام ‪( 1906‬عرفت باسم ثورة المشروطية) ضد الحكم‬
‫القاغاري والنفوذ الروسي والبريطاني‪ .‬واستطاع الشيخ فضل ال نوري‪ ،‬أحد كبار المرجعيات في قم في ذلك الوقت‪ ،‬تقييد سلطة الملك القاغاري‬
‫مظفر الدين شاه وإلزامه بدستور مكتوب هو دستور عام ‪ .1906‬وكان عدد من أساتذة الخميني في «المدرسة الفيضية» في حوزة «قم» من قادة‬
‫«ثورة المشروطية» من أمثال آية ال التبريزي وآية ال أبادي وآية ال الخونساري‪ ،‬وكان لهذا تأثير على الخميني‪ ،‬الذي كان يغادر دروس‬
‫الحوزة في «قم» ويتوجه إلى البرلمان اليراني في طهران في العشرينات من القرن الماضي لسماع مداخلت آية ال حسن المدرس أحد أبرز‬
‫وجوه المعارضة الدينية والسياسية في ذلك الوقت‪( .‬لما أ‪k‬علنت ثورة المشروطية في إيران‪ ،‬طلب علماء الدين من رضا خان من السرة القاغارية‬
‫أن يحد من النفوذ الروسي والبريطاني وأن يقبل تقييد سلطاته‪ .‬وكان من بينهم آية ال المدرس الذي عرف بلسانه اللذع إذ قال مرة لرضا خان‪:‬‬
‫«أنت إنسان همجي‪ ،‬ما شأنك وشأن السياسة‪ ،‬اذهب وفتش عن عمل يناسبك»‪ .‬وقد حاول رضا خان اغتيال آية ال المدرس في أصفهان‪ ،‬مسقط‬
‫رأسه‪ ،‬لكن المحاولة باءت بالفشل‪ ،‬ثم تكررت محاولة الغتيال في طهران حيث هاجمه نحو ‪ 10‬مسلحين‪ ،‬إل أنه لم تصبه إل أربع رصاصات‬
‫جاءت كلها في اليد)‪ .‬وبعد الحرب العالمية الولى عينت بريطانيا التي اتسع نفوذها في إيران بعد انتصارها في الحرب حكومة جديدة عام ‪1919‬‬
‫برئاسة سياسي إيراني اسمه «وفوق الدولة» في ظل حكم السرة القاغارية‪ ،‬ووقع وفوق الدولة اتفاقية مع بريطانيا تقضي بإدارة الشؤون العسكرية‬
‫والمالية تحت إشراف مستشارين بريطانيين‪ .‬لكن وقف آية ال المدرس ضد هذه المعاهدة وضغط على الملك القاغاري لرفض الضغوط‬
‫النجليزية‪ .‬فتصاعدت الخلفات وقام اليرانيون بحركات احتجاجية في الشمال والجنوب‪ .‬فاستقال وفوق الدولة‪ ،‬وعينت بريطانيا ضياء الدين‬
‫الطباطبائي رئيسا للوزراء‪ ،‬فاتفق الطباطبائي مع الضابط في الجيش البريطاني ورضا شاه وزير الدفاع اليراني آنذاك على احتلل طهران‪،‬‬
‫وسجن المعارضين ومن بينهم آية ال المدرس‪ ،‬رئيس كتلة طهران في البرلمان اليراني‪ .‬وبعد ‪ 3‬أشهر فقط استقال ضياء الدين وحل محله رضا‬
‫شاه على رأس الحكومة ثم انقلب على الملك القاغاري أحمد شاه وأعلن نفسه ملكا على إيران ‪ 1926‬لينتهي عصر السرة القاغارية ويبدأ عهد‬
‫السرة البهلوية‪ .‬خلل حكمه (‪ )1941 -1926‬تأثر رضا شاه كثيرا بتجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا‪ ،‬فمنع مجالس العزاء الحسينية في‬
‫إيران‪ ،‬وفي عام ‪ 1935‬منع علماء الدين من ارتداء العمامة‪ ،‬وفي عام ‪ 1936‬فرض نزع الحجاب‪ ،‬ثم ألغى العمل بالتقويم الهجري‪ ،‬وعطل‬
‫مراسم العزاء في عاشوراء‪ ،‬كما عطل خطبة صلة الجمعة‪ ،‬وفرض الخدمة العسكرية على طلبة العلوم الدينية‪ .‬إل أن رضا شاه وخلل الحرب‬
‫العالمية الثانية دعم ألمانيا التي خسرت الحرب وتكبدت إيران خسائر فادحة‪ .‬واجتاحت دول الحلفاء إيران من الشمال والجنوب‪ ،‬وسقطت طهران‬
‫عام ‪ 1941‬في أيدي الحلفاء واتخذت بريطانيا قرارا بعزل رضا شاه عن عرش إيران ونفيه ليطاليا وتعيين ابنه محمد رضا شاه ملكا‪ .‬ووسط كل‬
‫هذه الحداث كانت حوزة قم تحت زعامة آية ال الحائري في قلب الحدث السياسي‪ ،‬إل أنها وبعدما فقدت الحائري عام ‪ 1947‬اثر وفاته‪ ،‬وحلول‬
‫آية ال البرجردي زعيما للحوزة مكانه‪ ،‬أصبحت الحوزة أقل انغماسا في الشأن السياسي‪ .‬وبالتالي امتنع الخميني‪ ،‬الذي أصبح أحد الوجوه‬
‫المعروفة في الحوزة‪ ،‬عن القيام بأي تحرك سياسي في قم مخافة تهديدها بالنقسام‪ ،‬وتجنب الدخول في القضايا السياسية إل بتكليف من البرجردي‬
‫نفسه‪ .‬ويقول هاشمي رفسنجاني‪ ،‬رئيس مجلس الخبراء في إيران وأحد تلميذ الخميني في حوزة قم‪ ،‬في مذكراته إن السبب في عدم انشغال‬
‫البرجردي بالشأن السياسي هو أن البرجردي كان يرى ان الحوزة بلغت من الضعف منزلة ينبغي فيها أن تركز على إصلحها من الداخل أول‪،‬‬
‫وذلك بعد ضربات الشاه المتكررة ليات ال الكبار في الحوزة أمل في إضعاف صوتهم السياسي‪ .‬كما أن الحوزة كانت في ذلك الوقت تعاني من‬
‫النقسام بين آيات ال بسبب الختلفات فيما بينهم حول الصلحات التي يريدها الشاه‪ .‬فالولوية إذا كانت لعادة الحوزة لقوتها وتماسكها‬
‫الداخلي‪ ،‬ثم النشغال بالسياسة ثانيا‪ .‬وفي ظل مرجعية البرجردي‪ ،‬تم تعيين الخميني مستشارا له للشؤون السياسية وتنظيم شؤون الحوزة‪ .‬وبالرغم‬
‫من وجود اختلفات في وجهات النظر وتحفظات للخميني على الداء السياسي لية ال البرجردي إل انه لم ينتقده علنا‪ ،‬وان نشط عمليا في دعم‬
‫توجهات سياسية لم تنل تأييد البرجردي‪ .‬ويقول هاني فحص أنه برغم التباينات بين البرجردي والخميني‪ ،‬إل أن علقتهما لم تكن مضطربة‪،‬‬
‫موضحا لـ«الشرق الوسط»‪« :‬في حدود علمي لم تكن العلقة مضطربة بين الخميني والبروجردي‪ .‬كانت ظروف البروجردي صعبة‪ .‬كانت‬

‫هناك مراكز نفوذ تحت ظل مرجعيته‪ ،‬أحاطت به وجعلت أداءه يبدو مضطربا‪ ،‬خاصة بعد فشل الثورة الدستورية وانقلب بعض قياداتها عليها‬
‫(مثل الشيخ فضل ال نوري الذي تراجع عن بعض مطالبه الصلحية)‪ ،‬وبعد الفصل بين كاشاني وحركة مصدق وعودة الشاه للحكم بدعم‬
‫أميركي ورضاء سوفياتي»‪ .‬وعندما حاول محمد رضا شاه تغيير الدستور في مطلع الخمسينات لزيادة صلحياته‪ ،‬عارضت الحوزة‪ ،‬وزاد من‬
‫غضبها تلعب في نتائج انتخابات البرلمان‪ .‬فأرسل محمد رضا شاه رئيس وزرائه إقبال مبعوثا للحوزة‪ ،‬فانتدب آية ال البرجردي وآية ال‬
‫كاشاني‪ ،‬رئيس كتلة نواب طهران في البرلمان‪ ،‬الخميني لمقابلته‪ ،‬وكان موقف الحوزة واضحا وموحدا وهو رفض توسيع صلحيات الشاه على‬
‫أساس أن هذا سيكون بداية يستغلها من أجل أن يلغى القوانين ويتصرف كما يشاء‪ .‬وكانت الحوزة تتحرك مدفوعة بتحركات الشارع وباقي القوى‬
‫الوطنية في إيران‪ ،‬فاضطر الشاه للتراجع عن رغبته في تغيير الدستور‪ .‬ما شجع الخميني على أن يظهر بشكل علني أكثر معارضته للشاه‪.‬‬
‫لكن بالرغم من انشغال الحوزة بمعارضة سياسات الشاه‪ ،‬إل أن إطاحة الشاه لم تكن في الواقع هدفا لرجال الدين في قم آنذاك‪ .‬ويقول المفكر‬
‫اليراني محسن كديور لـ«الشرق الوسط»‪ :‬إن رجال الدين في حوزة قم بالرغم من اعتراضاتهم على سياسات الشاه‪ ،‬إل أن مبتغاهم كان إجباره‬
‫على تغيير سياساته‪ ،‬موضحا‪« :‬في ذلك الوقت لم يكن قد تبلور التيار الكثر ثورية في قم الذي رأى أنه ل أمل في إصلح الشاه‪ ..‬هذا التيار‬
‫تبلور تدريجيا داخل قم‪ ،‬والحقيقة أنه تأثر بالشارع اليراني الذي كانت تتحرك فيه تيارات ثورية عديدة من يمين إلى يسار‪ ..‬أي أن الشارع‬
‫اليراني سارع إلى تثوير الحوزة»‪ .‬جاءت اللحظة الفاصلة في النشغال السياسي للخميني بعد وفاة آية ال البرجردي عام ‪ ،1961‬ما أتاح‬
‫للخميني التحرك بسلسة أكبر في الحوزة‪ ،‬إل أن الشاه كان يريد شيئا آخر‪ ،‬كان يريد إضعاف حوزة قم لصالح حوزة النجف للتخلص من‬
‫ضغوطات رجال الدين في إيران‪ .‬فقد جاء الشاه إلى الحوزة العلمية في قم بعد وفاة البرجردي مباشرة وقام بإلقاء خطبة في مقام السيدة‬
‫المعصومة‪ ،‬وقال إنه كان هناك سد منعه من تحقيق نوايا والده في إيران (مشيرا إلى وقوف الحوزة ضد خطوات العلمنة التي حاولها والده)‪.‬‬
‫واستطرد الشاه مؤكدا انه منذ اليوم ستنفذ نوايا والده في إيران‪ .‬بعد ذلك أرسل الشاه رسالة إلى آية ال الحكيم في حوزة النجف‪ ،‬عبر له فيها عن‬
‫احترامه وتقديره‪ .‬ولم يكن الحكيم يتدخل في الشأن اليراني لكن الشاه أراد إرسال رسالة مفادها أن المرجعية بالنسبة له انتقلت إلى النجف بعد‬
‫وفاة البرجردي‪ ،‬بهدف تهميش المرجعية في قم وآيات ال فيها مثل الخميني‪ ،‬والقلبيقاني والمرعشي نجفي‪ ،‬وشريعتمداري‪ .‬كانت هذه المرحلة‬
‫مهمة في «صراع الرادات» بين الحوزة وبين الشاه‪ ،‬فبعد عام على وفاة البرجردي‪ ،‬رأى الشاه أن الوقت بات مناسبا لجراء التعديلت‬
‫الدستورية التي يريدها‪ ،‬فأجرى تعديلت على قوانين النتخابات البلدية تقضي بحذف شرط السلم للناخب والمرشح‪ ،‬وحذف شرط القسم بالقرآن‪،‬‬
‫والسماح للنساء بالترشح في النتخابات‪ .‬فدعا الخميني إلى اجتماع عاجل في بيت آية ال الحائري اليزدي‪ ،‬وعارض آيات ال البند الول لنه‬
‫يسمح في رأيهم بإدخال الطائفة البهائية في مؤسسات الدولة‪ .‬فإرسال الشاه رسالة إلى آيات ال الكبار في قم داعيا إياهم «حجة السلم» وحثهم‬
‫على الهتمام بشؤون الفقه وهداية العامة فقط ل الدخول في السياسة وطرح رأيهم في التعديلت الدستورية التي أجراها الشاه‪ . .‬لكن الحوزة كانت‬
‫في مزاج آخر بعد وفاة البرجردي‪ ،‬كان مزاجها أكثر ثورية‪ .‬فأمر الخميني تلميذه بتنظيم مظاهرات‪ ،‬وامتلت شوارع مدن إيران لمدة ‪ 6‬أشهر‬
‫بالمظاهرات‪ .‬فاضطر الشاه إلى إرسال رسائل إلى آيات ال‪ ،‬باستثناء الخميني‪ ،‬يعلن فيها التراجع عن التعديلت الدستورية‪ ،‬غير أن الخميني‬
‫أصر على أن يكون خطاب التنازل عن التعديلت علنيا وليس في رسالة للعلماء فنشر القرار في الصحيفة الرسمية‪ .‬ويلحظ هاني فحص أن الشاه‬
‫لم يستطع أن يلحظ مبكرا تزايد المد ضده في حوزة قم‪ ،‬إذ كان الشاه يعتقد ان الخطر الساسي يأتي من الحركتين اليسارية والوطنية الليبرالية في‬
‫إيران اللتين دفعتا ثمنا باهظا بسبب هذا العتقاد‪ .‬فعندما أعلن الشاه عن إحباط محاولة لغتياله‪ ،‬اعتقل عشرات المعارضين من حزب «توده»‬
‫اليساري‪ ،‬كما أعتقل آية ال كاشاني زعيم كتلة طهران في البرلمان الذي كان قريبا من الحركة الوطنية بقيادة زعيم الجبهة الوطنية محمد مصدق‪.‬‬
‫فيما كانت حركة «فدائيان إسلم» المسلحة والتي خرجت من قلب قم إلى يد أحد طلبة العلوم الدينية وهو نواب صفوي تعمل من دون تضييقات‬
‫كثيرة ما جعل تأثيرها يمتد بسرعة وسط طلبة الحوزة في قم‪ ،‬ثم خارج قم‪ ،‬ما ساهم في انتشار سمعة الخميني كمعارض قوى للشاه وسط الحوزة‪،‬‬
‫إذ أنه كان مؤيدا لحركة نواب صفوي‪ .‬وفي عام ‪ 1963‬ووسط أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة‪ ،‬أعلن الشاه الثورة البيضاء وتتضمن‬
‫الصلح الزراعي ومحو المية وبيع نسبة معينة من أسهم الشركات الحكومية للشعب وتعديل قانون‪ ،‬إل أن الخميني انتقد مسالب في الثورة‬
‫البيضاء ومن بينها أنها تجعل إيران تعتمد على الستيراد من الخارج‪ ،‬وقال الخميني إن الصلحات انتهاك للدستور لنها تمنح الشاه كل هذه‬
‫الصلحيات‪ ،‬وقال لنصاره إن الهدف الن «لم يعد الحكومة» بل «الشاه شخصيا»‪ .‬فخرجت المظاهرات في كل المدن اليرانية‪ ،‬وبدأت‬
‫الضرابات وتعطلت العمال‪ ،‬فأعلن الشاه إجراء استفتاء على إصلحاته وتعديلت للقوانين وقرر زيارة قم‪ ،‬إل أن الخميني اصدر فتوى بتحريم‬

‫استقبال الشاه‪ .‬فقاطع أهالي قم ورجال الدين زيارة الشاه‪ ،‬إل أن الستفتاء مر شعبيا‪ .‬لكن الخميني دعا إلى مواصلة رجال الدين الضراب‪ ،‬فقرر‬
‫الشاه الرد وأعطى أوامر باقتحام «المدرسة الفيضية»‪ ،‬أكبر المدارس الدينية في قم في مارس (آذار) عام ‪ .1963‬وفي مطلع عام ‪ 1963‬قرر‬
‫الشاه فتح سفارة لسرائيل في طهران فاجتمع الخميني مع آيات ال في قم وقرروا إرسال رسالة اعتراض للشاه في ذكرى عاشوراء احتجاجا‪ ،‬ما‬
‫أدى إلى اعتقاله في ‪ 4‬يونيو (حزيران) عام ‪ 1963‬من منزله في قم حيث أخذ إلى طهران‪ ،‬ولحقا أطلقه الشاه ووضعه قيد القامة الجبرية في‬
‫منطقة الداودية التي تبعد ‪ 12‬كيلو مترا عن طهران‪ ،‬فأعلن البازار الضراب حتى إطلق الخميني‪ .‬وبعد ‪ 9‬أشهر أطلقه الشاه في أبريل (نيسان)‬
‫‪ .1964‬لكن خلل سجن الخميني صعد تيار داخل الحوزة بقيادة آية ال شريعتمداري يتساءل حول جدوى الثورة ضد الشاه وفرص نجاحها‬
‫وكانت هذه فرصة ملئمة للشاه لتعزيز النشقاق داخل الحوزة‪ .‬وإذا كانت «تقاليد العتراض» داخل الحوزة أحد العوامل الساسية التي ساهمت‬
‫في دفع الثورة ضد الشاه للمام‪ ،‬فإن «جذور الختلفات» بين التيار الديني من ناحية‪ ،‬والتيار الليبرالي الوطني واليساري من ناحية أخرى أحد‬
‫العوامل الساسية التي أثرت على مسار الثورة والدولة اليرانية اليوم‪ .‬ويلحظ محمد علي مهتدي الصحافي اليراني في صحيفة «اطلعات»‬
‫اليومية الرسمية أن الحركة الوطنية اليرانية خلل تلك الفترة في الخمسينات والستينات شهدت تعاونا وتنسيقا وتبادل للدوار بين التيارين‬
‫الليبرالي واليساري من ناحية‪ ،‬والتيار الديني من ناحية أخرى‪ ،‬موضحا لـ«الشرق الوسط» أن هذا التنسيق والتواصل كان أيضا كاشفا وبشكل‬
‫مبكر للختلفات بين التيارين‪ .‬فمنذ البداية وبالرغم من عداء التيار الوطني الليبرالي واليساري والتيار الديني للشاه‪ ،‬إل أن كليهما كان يعتقد أنه‬
‫هو «التيار الساسي المحرك» للحتجاجات ضد الشاه‪ ،‬وان التيار الخر ما هو إل «لعب إضافي ثانوي» يدعم اللعب الساسي‪ .‬وكان لسان‬
‫حال الحركة الوطنية الليبرالية يقول‪ :‬نحن دفعنا الثمن أكثر من رجال الدين‪ ،‬نحن من دخل السجن وتعذب‪ .‬فيما رجال الدين في قم يقولون‪ :‬نحن‬
‫أيضا دخلنا السجون‪ ،‬وإن لم يكن بنفس الدرجة‪ ،‬لكننا حركنا الشارع بفتاوى آيات ال في الحوزة‪ .‬وهناك حادثة تاريخية توضح الجذور الولى‬
‫لسوء التفاهم هذا‪ .‬ففي الخمسينات شكل رجال الدين والحركة الوطنية العلمانية ائتلفا في البرلمان‪ .‬وقدم زعيم الجبهة الوطنية محمد مصدق بدعم‬
‫من آية ال كاشاني مشروع قانون لتأميم النفط اليراني‪ ،‬فرفضت الحكومة على أساس أن إيران عاجزة عن إدارة شؤونها النفطية‪ .‬فرد مصدق‬
‫وكاشاني باللجوء إلى الشارع وأعلنا الضراب العام‪ ،‬ثم أفتى كاشاني بالضراب ودعا بالذات القلب القتصادي لطهران وهو بالبازار‬
‫بالضراب‪ ..‬وهو ما كان‪ .‬تواصلت المظاهرات والضرابات وأعمال العنف‪ ،‬فاضطر الشاه للسماح بوصول مصدق لرئاسة الوزراء بعد فوزه في‬
‫النتخابات‪ .‬لكن الختلفات الفكرية سرعان ما بدأت تظهر بين مصدق أو الحركة الوطنية من ناحية‪ ،‬وبين كاشاني أو رجال الدين من ناحية‬
‫أخرى‪ .‬فبعد وصول مصدق لرئاسة الوزراء بدأ رجال الدين يوجهون انتقادات إلى مصدق على أساس أنه في قرارة نفسه ليس مؤمنا بدور رجال‬
‫الدين أو بكاشاني‪( .‬كان مصدق يريد من كاشاني ورجال الدين أن يتراجعوا ويتركوا التكنوقراط يديرون الحكومة لنه كان يؤمن بانفصال الدين‬
‫عن السياسة‪ ،‬غير أن هذا لم يرض رجال الدين في قم الذين لم يشعروا بالراحة لترك السلطة في يد الحركة الوطنية التي لم تكن لتنجح لول‬
‫وجودهم معها‪ ،‬بحسب ما يقول هاشمي رفسنجاني في مذكراته)‪ .‬ثم انتقد مصدق بسبب إهانات تعرض لها كاشاني‪ ،‬فقد صوره البعض في الحركة‬
‫الوطنية بأنه ل يفهم في السياسة أو أمور الدولة‪ ،‬كما أن أحدهم ألبس كلبا قطعة قماش مكتوبا عليها كاشاني‪ ،‬ما أثار استياء بالغا لدى رجال الدين‪،‬‬
‫أما المر الثاني الذي أزعج رجال الدين فهو حبس نواب صفوي زعيم «فدئيان إسلم» لمدة ‪ 20‬شهرا عندما كان مصدق رئيسا للوزراء‪ .‬وفيما‬
‫كانت أميركا تحضر لنقلب ضد مصدق‪ ،‬وبحسب روايات عديدة فقد اتصل كاشاني بمصدق لخباره بما تخطط له أميركا‪ ،‬وقال له إن رجال‬
‫الدين يمكن أن يساعدوه أمام الشاه ومحاولت واشنطن النقلب عليه‪ .‬لكن مصدق لم يأخذ التحذيرات على محمل الجد على اعتبار انه مدعوم من‬
‫الشعب لكن أميركا نفذت النقلب بنجاح أغسطس (آب) ‪ 1953‬واعتقل مصدق ثم أطيح به وعينت حكومة جديدة‪ .‬كانت إطاحة مصدق وإضعاف‬
‫كاشاني‪ ،‬ثم إعدام نواب صفوي‪ ..‬بداية جديدة لحركة رجال الدين في إيران‪ .‬فقد رأى الخميني أن السبب الساسي في نجاح النقلب ضد مصدق‬
‫وفشل حركة مصدق ‪-‬كاشاني وإعدام صفوي هو غياب «الدفاع الشعبي الذي يحمي الثورة»‪ .‬فبدأ الخميني في نقل الثورة من الحوزة والجامعة‬
‫إلى الشارع والمصانع والبازار وحتى رجال الجيش‪ .‬الخميني بين الموسوي والهندي‬
‫* وفقا للدوائر الرسمية اليرانية فإن جذور آية ال الخميني تعود إلى المام موسى بن جعفر الحفيد الخامس للنبي محمد (صلى ال عليه وسلم)‬
‫والمام السابع في أئمة الشيعة الجعفرية الثني عشرية‪ .‬وقد استقرت عائلة المام موسي بن جعفر في العراق وعرفت باسم عائلة «الموسوي»‪ ،‬ثم‬
‫هاجر جزء من العائلة إلى نيشابور‪ ،‬وهى إحدى المدن اليرانية اليوم‪ .‬بقوا في نيشابور فترة ومنها توجهوا إلى كشمير بالهند‪ ،‬إذ تولت عائلة‬

‫الموسوى نشر السلم في كشمير‪ ،‬فتحول لقب العائلة إلى «الهندي»‪ .‬استمر نسل العائلة إلى مير حامد حسين الموسوى الهندي الذي يعتبر الجد‬
‫الثالث لروح ال الخميني‪ ،‬أي قبل ولدة الخميني بـ ‪ 250‬عاما‪ .n‬سافر جد الخميني أحمد الهندي إلى النجف في العراق لكمال علومه الدينية‪،‬‬
‫ومنها عاد إلى «خمين» وهى قرية صغيرة وسط إيران حيث عمل قاضيا‪ n‬لخمين بناء على طلب من آية ال ميزرا شيرازي زعيم حوزة قم آنذاك‪،‬‬
‫وهناك أنجب أحمد الهندي‪ ،‬مصطفي والد روح ال الخميني عام ‪ ،1864‬حيث أصبح «الخميني» لقب العائلة‪ .‬ويوم ولدة روح ال االخميني في‬
‫‪ 24‬سبتمبر (أيلول) عام ‪ ،1902‬قتل والده مصطفى على يد جماعات إقطاعية‪ ،‬فظلت شقيقة مصطفى وعمة روح ال الخميني صاحبة خانم في‬
‫طهران ‪ 6‬أشهر تلح على الملك لتعقب القاتل وتسليمه إلى أن تم ذلك وأ‪k‬خذ وأ‪k‬عدم في خمين‪.‬‬
‫* غدا‪ :‬مستشار كارتر‪ :‬هكذا فوجئنا بالثورة‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة ـ الحلقة (‪ :)3‬الخميني من شارع أتاتورك‪ ..‬إلى حضرة النجف‬
‫ألقى الخميني في حوزة النجف ‪ 19‬محاضرة كانت الساس لكتاب «حاكمية السلم» الذي يعد شيعيا‪ n‬بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب‬

‫إيرانيتان تسيران بجوار ملصق للخميني في طهران (أ‪.‬ف‪.‬ب)‬
‫منال لطفي‬
‫ن‪q‬ف‪p‬ي‪ o‬آية ال الخميني ‪ 14‬عاما‪ n‬خارج إيران منذ عام ‪ 1964‬إلى عام ‪ ..1979‬وتوزع منفاه على ‪ 3‬محطات‪ ،‬تركيا (‪ 11‬شهرا‪ )n‬والعراق (‪13‬‬
‫عاما‪ )n‬وفرنسا (‪ 4‬أشهر)‪ ،‬كان لكل من هذه المحطات تأثير مختلف على مسار الثورة اليرانية والخميني‪ .‬ففي المنفى التركي ذهب الخميني‪ ،‬كما‬
‫يقول هاني فحص لـ«الشرق الوسط»‪« :‬كواحد من كبار العلماء والمناضلين غير النقلبيين‪ ،‬وعكف على تحرير الرسالة العملية (تحرير‬
‫الوسيلة) بذهنية المرجع التقليدي من دون أن يحمل مشروعا‪ n‬ثوريا‪ ،»n‬إل أن المنفي العراقي كان تجربة مخالفة‪ ،‬ففي حوزة النجف أعطى الخميني‬
‫‪ 19‬محاضرة في الفترة من ‪ 21‬يناير (كانون الثاني) إلى ‪ 8‬فبراير (شباط) عام ‪ 1970‬حولها لحقا‪ n‬إلى كتاب «حاكمية السلم‪ :‬ولية الفقيه»‪،‬‬
‫الذي كان الساس للدستور اليراني بعد الثورة‪ ،‬ويعد شيعيا‪ n‬بمثابة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب‪ .‬وقد خرجت المحاضرات في كتاب من‬
‫‪ 150‬صفحة بعنوان «الحكومة السلمية‪ :‬سلطة القاضي الشرعي وخطاب من المام موسوي كاشف» وذلك لخداع الستخبارات اليرانية‪ .‬ثم‬
‫سرب الكتاب إلى الحوزة العلمية في قم‪ ،‬وص‪r‬ور بأعداد كبيرة لتوزيعه على تلميذ الخميني في حوزة قم‪ ،‬مع تعمد عدم نشر الكتاب وسط الوساط‬
‫العلمانية والليبرالية واليسارية اليرانية التي كانت معارضتها مؤكدة لمبدأ ولية الفقيه‪ .‬ويقول أبو الحسن بني صدر‪ ،‬أول رئيس جمهورية في‬
‫إيران بعد نجاح الثورة‪ ،‬إن الخميني استفاد من عدم انتشار أفكاره حول حاكمية الولي الفقيه على نطاق واسع قبل نجاح الثورة‪ ،‬فالتيارات الليبرالية‬
‫واليسارية وحتى رجال دين من داخل الحوزة‪ ،‬مثل آية ال منتظري‪ ،‬لم تكن راغبة في أن يحل محل الشاه‪ ،‬حكم من رجال الدين‪ .‬لكن على‬
‫مستوى آخر‪ ،‬كانت الفكار الثورية واللغة الحماسية التي استخدمها الخميني من السباب الساسية لتحريك الشارع اليراني‪ .‬وعندما نشبت الثورة‬
‫كانت مفاجئة للجميع‪ ..‬للشاه وحكومته وضباطه ولميركا ومسؤوليها‪« .‬لم تكن لدينا معلومات كافية حول الخميني وفريقه‪ ..‬نعم فوجئنا بالثورة»‪،‬‬
‫يقول جاري سيك مساعد زبيجنيو برجينسكي رئيس مجلس المن القومي الميركي خلل إدارة الرئيس الميركي جيمي كارتر لـ«الشرق‬
‫الوسط»‪ ،‬موضحا‪« :n‬لكن حتى لو كانت معلوماتنا أفضل‪ ..‬لم نكن لنستطيع وقفها»‪ .‬لم تتوقف انتقادات الخميني للشاه بعد إعلن الشاه عن «الثورة‬
‫البيضاء» عام ‪ ،1963‬وقال الخميني إن الصلحات انتهاك للدستور لنها تمنح الشاه كل هذه الصلحيات‪ ،‬وقال لنصاره إن الهدف الن «لم يعد‬
‫الحكومة» بل «الشاه شخصيا‪ .»n‬وفي ظهيرة أحد أيام عاشوراء في ‪ 3‬يونيو (حزيران) ‪ 1963‬ومن قلب المدرسة الفيضية شب‪s‬ه الخميني الشاه بـ‬
‫«يزيد بن معاوية»‪ ،‬واصفا‪ n‬الشاه بـ«البائس»‪ ،‬محذرا‪ n‬من أنه إذا لم يغير سياساته فإنه سيأتي اليوم الذي يرح‪s‬ل فيه الشعب الشاه إلى خارج إيران‪.‬‬
‫بعد ذلك بيومين وفي ‪ 15‬يونيو (حزيران) ألقي القبض على الخميني‪ ،‬وظل قيد القامة الجبرية لمدة ‪ 8‬أشهر‪ ،‬ثم أ‪k‬طلق عام ‪ .1964‬لكن وفي‬
‫منتصف ‪ 1964‬وق‪t‬ع الشاه اتفاقية الحصانة القضائية التي تقضي بعدم محاكمة الميركيين في إيران تحت أي دعوى‪ ،‬فاستغل الخميني ذكرى ولدة‬
‫فاطمة الزهراء ليعلن معارضته للتفاقية‪ .‬بعد ذلك هاجمت القوات الخاصة اليرانية منزل الخميني وأخذته‪ ،‬ليس إلى سجن آخر‪ ،‬بل إلى مطار‬
‫طهران حيث أ‪k‬بلغ في المطار نفيه إلى تركيا‪ ،‬بقرار موق‪t‬ع في ‪ 3‬نوفمبر عام ‪ 1964‬من رئيس الوزراء اليراني آنذاك حسن علي منصور‪ ،‬نصه‪:‬‬
‫«وفقا‪ n‬للمعلومات المؤكدة والشواهد والدلة الكافية ثبت لدينا أن تصرفات السيد الخميني وإثارته للضطرابات كانت ضد مصالح الشعب وأمن‬
‫واستقلل ووحدة الوطن‪ .‬لذلك تقرر إبعاده من إيران في تاريخ ‪ 3‬نوفمبر ‪( .»1964‬اغتال تنظيم «فدائيان إسلم»‪ ،‬الذي يدين بالولء للخميني‬
‫ونشط في قم‪ ،‬حسن علي منصور ردا‪ n‬على توقيعه قرار البعاد بعد أسبوعين)‪ .‬بات الخميني الليلة الولى من منفاه التركي في فندق «بلوار‬
‫بالس»‪ .‬وفي اليوم التالي غادر وانتقل إلى شارع «أتاتورك» في أنقرة وظل به أسبوعا‪ n‬واحدا‪ ،n‬وكان في تركيا العلمانية مجبرا‪ n‬على خلع عمامته‬
‫وردائه الديني‪ ،‬بموجب القوانين التي وضعها كمال أتاتورك والتي تمنع لبس العباءة أو العمامة‪ .‬وفي هذه الفترة أ‪k‬خذت للخميني صور بدون عمامة‬
‫أو عباءة‪ ،‬بل بالطو طويل وكوفية حول الرقبة وبنطلون ورأس عار‪ .‬بعد فترة قصيرة انتقل الخميني من أنقرة إلى مدينة بورصة التركية‪ ،‬وفي‬

‫يناير ‪ 1965‬قررت السلطات اليرانية نفي مصطفى الخميني‪ ،‬البن الكبر للخميني معه إلى تركيا‪ .‬بدأ الخميني يتعلم اللغة التركية‪ ،‬ثم شرع في‬
‫كتابه «تحرير الوسيلة» وفيه فقه سياسي وليس فقط معاملت‪ ،‬إل أنه لم يتضمن رؤية سياسية ثورية‪ .‬ويقول هاني فحص‪ ،‬الكاتب والمفكر اللبناني‬
‫الذي عمل كحلقة وصل بين الثورة اليرانية والثورة الفلسطينية‪ ،‬لـ«الشرق الوسط»‪« :‬في تقديري وفي معلوماتي أن الخميني عندما ن‪q‬في إلى‬
‫تركيا ذهب كواحد من كبار العلماء والمناضلين غير النقلبيين‪ ..‬أي‪ v‬معارض شديد ليس إل‪ ..‬وترافق ذلك مع فراغ نسبي في المرجعية الفقهية‬
‫السياسية بعد وفاة البروجردي‪ .‬وقد زاد النفي من تعلق الجمهور المتدين بالخميني وأخذ يتعاطى معه كمرجع تقليدي‪ ،‬متواصل من خلل زائريه‪،‬‬
‫حاملين معهم الستفتاءات والحقوق الشرعية‪ .‬وقد فاتحه كثير من المقربين منه بضرورة التصدي للمرجعية التي كان زاهدا‪ n‬فيها (ولكنها أصبحت‬
‫أمرا‪ n‬واقعا)‪ .‬وهنا عكف على تحرير الرسالة العملية (تحرير الوسيلة) بذهنية المرجع التقليدي من دون أن يحمل مشروعا‪ n‬ثوريا‪ n‬وإن كان قد حم‪s‬لها‬
‫رؤية سياسية معارضة تاركا‪ n‬للجمهور وقواه الطليعية (خاصة الطبقة المتوسطة الناهضة) أن يتدبروا أمرهم في حركة سياسية في الوقت المناسب‪.‬‬
‫ولكن ذلك لم يمنع المرجعية الفقهية الخمينية من أن تتحول جزئيا‪ n‬في سلوك القاعدة الشعبية وسلوك المام وطريق من الطلبة الدينيين والشخصيات‬
‫المدنية ورجال البازار الذين يتوافدون على السوق التركية في حركة تبادلية‪ ..‬لم يمنع من الدخول التدريجي في نشاطات وحركة اتصالت‬
‫وفعاليات سياسية صريحة‪ ..‬وشرع الفقهي يصبح سياسيا‪ ،n‬مخالفا‪ n‬بذلك الشروط التي اتفق عليها نظام الشاه مع السلطة التركية‪ ،‬فكان الحل الذي‬
‫اتفق عليه هو إعادة النفي إلى العراق على أساس فواتير سياسية متبادلة بين النظام العراقي ونظام الشاه‪ ،‬تسمح بأن يقيم الخميني في النجف أستاذا‬
‫للشباب من رجال الدين الذين هم برفقته والذين قد ينضم إليهم عدد من الطلبة اليرانيين في النجف‪ ،‬أو الهاربين من إيران ليندمجوا جميعا‪ n‬في‬
‫الحوزة في سياقها العلمي التقليدي والذي يخضع لرقابة عراقية أمنية صارمة تمنع عليهم أي حراك سياسي وفي أي اتجاه»‪ .‬أزعجت تحركات‬
‫الخميني وذهابه للمساجد وخطبه وكتاباته وعلقته ببعض التراك السلطات التركية‪ ،‬فطلبت أنقرة من الخميني أن يغادر بأقصى سرعة دون أن‬
‫تبلغه إلى أين سيتجه‪ .‬استقل الخميني الطائرة في ‪ 5‬أكتوبر (تشرين الول) عام ‪ ،1965‬وبعد ساعات قليلة وجد نفسه في بغداد‪ .‬كان العراق‬
‫ساعتها تحت حكم عبد السلم عارف وفي مفترق طرق‪ ،‬فقد أسقط النظام الملكي تحت قيادة الملك فيصل عام ‪ 1958‬وأعدم رئيس الوزراء نوري‬
‫السعيد‪ ،‬إثر انقلب عبد الكريم قاسم الذي ألغى الملكية‪ ،‬ثم انسحب العراق من حلف بغداد‪ .‬هذا من ناحية‪ ،‬أما من ناحية أخرى فقد كانت هناك‬
‫تشابهات في تاريخ الحركة السلمية الشيعية بين البلدين‪ ،‬إذ يعود تاريخها إلى الفترة نفسها بين ‪ 1958‬و ‪ ،1963‬على يد محمد باقر الصدر في‬
‫العراق‪ ،‬والخميني في إيران‪ .‬في بغداد استقر الخميني في حي الكاظمية ليومين ثم توجه إلى كربلء لسبوع في ضيافة آية ال السيد محمد‬
‫الشيرازي‪ ،‬ثم إلى النجف حيث بقي فيها ‪ 13‬عاما‪ .n‬وهناك لحقت به زوجته وابنه أحمد‪ ،‬فيما كان ابنه الكبر مصطفى معه منذ المنفى التركي‪ .‬لم‬
‫تقلق السلطات في إيران كثيرا‪ n‬لنفي الخميني إلى العراق‪ ،‬فقد كانت الصوات التي ترى أن حوزة النجف ستضعف زعامة الخميني ومكانته في‬
‫إيران هي الكثر غلبة‪ ،‬على أساس أن حوزة النجف بعيدة عن إيران‪ ،‬وحساسة جدا‪ n‬حيال التدخلت في السياسة‪ .‬كما أن الخميني لم تكن له معرفة‬
‫وثيقة بأمور حوزة النجف‪ .‬أما آيات ال الكبار في حوزة النجف من أمثال آية ال محسن الحكيم‪ ،‬وآية ال أبو القاسم الخوئي‪ ،‬وآية ال باقر الصدر‬
‫فقد كانوا من الهمية والمكانة بما يمكنهم من تجاوز مكانة الخميني‪ .‬كل هذه مبررات جعلت السلطات اليرانية تأمل في أن تكون هذه بداية «نهاية‬
‫تأثير الخميني في إيران»‪ .‬لكن في الواقع وفرت «الحلقة العراقية» والـ ‪ 13‬عاما‪ n‬التي قضاها الخميني في منفاه العراقي أرضية خصبة لعمله‬
‫المستقبلي‪ ،‬وعززت علقاته خارج إيران من العراق وحتى لبنان مرورا‪ n‬بسورية‪ .‬ففي حوزة النجف افتتح الخميني حوزته العلمية في جامع الشيخ‬
‫النصاري وبدأ دروسه الدينية في الفقه‪ ،‬وبعد ‪ 4‬سنوات بدأ بإلقاء دروسه عن الحكومة السلمية‪ .‬وشكلت هذه المحاضرات «الساس النظري»‬
‫الذي ب‪r‬ني على أساسه دستور إيران بعد الثورة‪ .‬وفي هذه المحاضرات يقول الخميني‪« :‬الدين السلمي ليس دينا‪ n‬محدودا‪ n‬يقتصر على العلقة بين‬
‫العبد وربه‪ .‬فالسلم هو دين سياسي»‪ .‬وساعد الخميني أن حوزة النجف نفسها كانت بدأت تدخل في مزاج سياسي‪ .‬ففي السينيات بدأ آية ال‬
‫محمد باقر الصدر النشغال بالسياسة‪ ،‬وظهر «حزب الدعوة»‪ .‬لكن حركة الصدر لم تحظ‪ w‬بإجماع واسع‪ ،‬خصوصا‪ n‬أن آيات ال كبار لم يرحبوا‬
‫كثيرا بانخراط حوزة النجف في النشغال السياسي ومن بين هؤلء آية ال محسن الحكيم الذي لم يفضل دخول غمار العمل السياسي والثوري‬
‫بالرغم من إلحاح الخميني عليه‪ .‬وفي النهاية قرر الخميني عدم التدخل كي ل تتزايد الشقوق بين آيات ال في النجف‪ .‬فلم يقم الخميني بدفع المبالغ‬
‫الشهرية للطلب ول بتوزيع رسالته العلمية‪ ،‬ونأى بنفسه عن أن يكون من مراجع التقليد في النجف‪ ،‬وبات شغله الساسي ما يدور في إيران‪.‬‬
‫ويقول هاني فحص حول تأثير هذه الخطوة على نشاط الخميني في إيران لـ«الشرق الوسط»‪« :‬في النجف قام الخميني بحركته الذكية‪ ..‬تجاوز‬
‫الحتفاء الجماهيري الواسع واندفاع الطلبة في النجف لستقباله والحاطة به‪ ،‬وبنى حوله سورا‪ n‬أو سياجا‪ n‬تتخلله فتحات محدودة قدم من خللها‬

‫بعض المساعدات للطلبة العرب الجادين والفقراء في النجف دون أن يحاول استقطابهم‪ .‬وخرج من منافسات المرجعيات الدينية في النجف‪ ،‬فأصبح‬
‫في منأى عن اعتراضاتها ومشاغلها المعتادة‪ ،‬ونظم فريق عمله وشق قنواته المرتبة نحو النجف وطهران والمنافي التي اختارها عدد من أنصاره‬
‫على اختلف اتصالتهم وثقافاتهم‪.‬‬
‫وفي النجف تيسر‪ ،‬أو كان لبد‪ ،‬للبدايات السياسية المتدرجة من طهران إلى الناضول‪ ،‬أن تتواصل مع معطيات وظروف عربية وعراقية ودولية‬
‫تشجعها على التوغل في مسارها السياسي‪ ..‬فقبل وصوله إلى النجف بسنوات كانت النجف أو حيز منها قد تلقفت أدبيات الخوان المسلمين وأسس‬
‫حزب الدعوة ‪-‬الخوان الشيعة‪ -‬واحتدم الجدل داخل الحوزة بين المرجعيات التقليدية والمرجعية الحزبية المستجدة والتي انضم إليها عدد كبير من‬
‫شباب العلماء المعروفين بالفضيلة العلمية والطموح إلى التغيير (كمحمد باقر الصدر مثل)‪ .‬عاش الخميني في هذه الفضاءات وتأثر بها وظهر‬
‫مختلفا‪ n‬عن مراجع الذين ل يحبذون النقلب ويراهنون على مراكمة التغيرات ببطء وحذر مع نزوع دائم إلى التسويات المقبولة‪ ..‬وحول دروسه‬
‫ومحاضراته في فريق عمله‪ ،‬الذي اتسع نسبيا‪ ،n‬إلى بحث فقهي سياسي أنتج من خلله كتابه المعروف (الحكومة السلمية) والذي كان –شيعيا‪-n‬‬
‫بمثابة كتاب سيد قطب (معالم في الطريق)‪ .‬وإن كان سيد قطب وكتابه أقرب إلى مزاج السلم السياسي الحركي الشيعي المستجد في النجف‬
‫والذي كان عموما‪ n‬أقرب إلى القبول والرضا بالشاه ونظامه ومسلكه المتعارض مع مسلك الحركة القومية العربية خاصة في جانبها العارفي‬
‫والناصري ثم البعثي لحقا»‪ .‬سنوات وجود الخميني في النجف لم تشهد انقطاعا‪ n‬بينه وبين إيران‪ ،‬فقد كان الزوار يتوافدون بشكل شبه يومي بين‬
‫النجف وقم‪ ،‬وواصل طلبة الخميني التنظيم في القرى والمدن وتنظيم الجماعات السياسية ومن ضمنهم آية ال مطهري وآية ال بهشتي وآية ال‬
‫خامنئي وهاشمي رافسنجاني‪ .‬كانت بيانات الخميني تطبع بشكل سري وترسل ليران عن طريق سورية أو الكويت‪ ،‬يحملها غالبا‪ n‬تلميذ للخميني‬
‫خضعوا لدورة تدريبية في معسكرات فتح في لبنان ويحملون هوية منظمة «فتح»‪ .‬كما كان الخميني يرسل مع أقاربه خلل زيارتهم للنجف‬
‫أشرطة كاسيت تفر‪s‬غ وتطبع وتوزع في قم‪ ،‬كما ساعد على انتشار أفكار الخميني داخل العراق وإيران سماح عبد السلم عارف بإقامة إذاعة‬
‫خاصة للمعارضة اليرانية في النجف بقيادة الخميني‪ ،‬مما منح الخميني هامشا‪ n‬ملئما‪ n‬للحركة‪ .‬وفي عام ‪ 1968‬حدث النقلب البعثي‪ ،‬فتدهورت‬
‫علقة الخميني بالنظام العراقي بسبب الضربات التي وجهها أحمد حسن البكر للمؤسسة الدينية في العراق والحركة السلمية‪ .‬غير أن المور‬
‫تغيرت لحقا‪ ،n‬فبعد تصاعد الخلفات بين العراق وشاه إيران عام ‪ ،1971‬قام أحمد حسن البكر بطرد عدد كبير من اليرانيين في حوزة النجف أو‬
‫اعتقالهم ردا‪ n‬على تسليح الشاه للكراد العراقيين المنتشرين على المنطقة الحدودية بين البلدين‪ .‬واستمرت التوترات بين عراق البعث وشاه إيران‬
‫حتى ‪ ،1974‬ووسط هذا حاول النظام البعثي التقرب إلى المعارضة اليرانية في النجف وأرسل وفدا‪ n‬لمقابلة الخميني‪ ،‬لكن الخميني أعلن نيته‬
‫مغادرة العراق‪ ،‬غير أن نظام البعث أبقاه قيد القامة الجبرية لستغلله كورقة في اللحظة المناسبة‪ .‬أصبح بيت الخميني محاصرا‪ n‬في النجف تحت‬
‫الحراسة المنية‪ ،‬فاعتصم احتجاجا‪ n‬ولم يعد يخرج من البيت‪ ،‬إلى أن توفي ابنه الكبر مصطفى في ‪ 23‬يوليو ‪ 1978‬بطريقة غامضة‪ ،‬قيل إنها‬
‫تسمم‪ ،‬فقرر الخميني مغادرة العراق بأي شكل‪ ،‬توجه أول إلى الكويت ومنها إلى سورية‪ .‬على الحدود مع الكويت تركه تلميذه وأخذ هو سيارة‬
‫لدخول الكويت‪ ،‬لكن السلطات الكويتية رفضت السماح له بالدخول‪ ،‬فطلب أن يستقل الطائرة لبلد آخر فرفضوا‪ .‬عاد الخميني إلى بغداد وهو‬
‫يعرف أنه لن يسمح له بدخول العراق التي لم تكن تريد إفساد علقتها بالشاه بعد اتفاق بين البلدين في الجزائر ‪ 1975‬يقضي بتضييق هامش‬
‫حركة الحركات المعارضة في كل بلد‪ .‬من بغداد حجز الخميني تذكرة إلى فرنسا‪ ،‬التي استقبلته مشترطة عدم القيام بأي نشاط سياسي معاد‪ y‬للشاه‪،‬‬
‫فرد‪« s‬لن أقوم بأي نشاط داخل فرنسا لكنني سأواصل العمل بالبيانات داخل إيران»‪ .‬بقي الخميني في فرنسا من أكتوبر ‪ 1978‬حتى فبراير ‪1979‬‬
‫ومعه ابنه أحمد‪ ،‬فيما بقيت زوجته في العراق‪ .‬وكان يجري ‪ 5‬أحاديث صحافية في اليوم‪ ،‬وخلل نحو ‪ 4‬أشهر كان قد أجرى ‪ 450‬حديثا‬
‫صحافيا‪ .‬في هذه الفترة‪ ،‬كما يقول محمد علي مهتدي الصحافي في صحيفة «إطلعات» اليرانية لـ«الشرق الوسط»‪ :‬كانت إيران تغلي من‬
‫الداخل‪ ،‬وتم حل الحكومة المدنية وتم تشكيل حكومة عسكرية محلها‪ ،‬وانتشرت العتقالت والدبابات في الشارع‪ .‬ثم بدأ الشاه يهين الخميني عبر‬
‫مقالت في صحف رسمية مثل «اطلعات»‪ ،‬في تناقض مع معادلة تاريخية وهى احترام الشاه الصفوي ولحقا‪ n‬الشاه القاغاري ثم البهلوي للمرجع‬
‫الكبر سواء كان هذا المرجع نجفيا‪ n‬أو قميا‪ .‬ويوضح مهتدي أن الشاه دفع ثمنا‪ n‬غاليا‪ n‬لستخفافه بهذه المعادلة‪ ،‬إذ خرجت الناس في مظاهرات‬
‫كبيرة جدا‪ n‬في قم وطهران ويزد وتبريز وعبدان‪ ،‬فيما بات يعرف بـ «الحركة الربعينية»‪ .‬وق‪q‬تل المئات‪ .‬في ظل هذه الجواء الملتهبة في إيران‪،‬‬
‫كان الرئيس الميركي جيمي كارتر مشغول بالسلم بين مصر وإسرائيل‪ ،‬وقلق قلقا‪ n‬بسيطا‪ n‬على تطورات إيران بعد تقارير مطمئنة من‬
‫الستخبارات الميركية‪ .‬لكن المشكلة أن الستخبارات الميركية في إيران كان لها وجود في كل مكان‪ ،‬وأعين وسط الحركة الوطنية والحركة‬

‫الليبرالية والحركة اليسارية‪ ،‬إل في قم ووسط رجال الدين‪.‬‬
‫ويقول جاري سيك الذي عمل في مجلس المن القومي الميركي تحت إدارة ‪ 3‬رؤساء أميركيين هم جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان‪،‬‬
‫وكان متابعا‪ n‬لملف الثورة اليرانية ثم أزمة الرهائن يوما‪ n‬بيوم مع بيرجينسكي خلل إدارة كارتر لـ«الشرق الوسط» حول مستوى ودرجة معرفة‬
‫الستخبارات الميركية بما كان يدور في إيران قبل الثورة‪« :‬مستوى معرفتنا الستخباراتية بما كان يدور داخل حركة الخميني كان محدودا‪ n‬جدا‪..n‬‬
‫لكن كانت لدينا اتصالت مع عدد مختلف من الناس المحيطين بمهدي بازوركان(زعيم الجبهة الوطنية اليرانية) في طهران من بينهم إبراهيم‬
‫يزدي الذي كان مع الخميني في باريس‪ .‬لكن مع ذلك‪ ،‬وبالرغم من ذلك‪ ،‬ل يمكننا القول إنه بسبب نقص معرفتنا الستخباراتية بما كان يدور‬
‫داخل حركة الخميني‪ ،‬حدثت الثورة نتيجة ذلك‪ .‬أو القول إنه لو كانت لدينا معرفة أكبر بما كان يدور داخل حركة الخميني لكان بإمكاننا منع‬
‫الثورة‪ .‬لن الشاه فعل لم يكن قادرا‪ n‬على التعامل مع التهديد الذي يواجه عرشه‪ .‬وإذا كان هناك أي شخص كانت لديه معلومات مضللة حول ما‬
‫الذي يستطع المللي في إيران فعله‪ ،‬وكيف يمكن أن يفعلوه‪ ،‬فذلك الشخص هو الشاه نفسه‪ .‬فهو فعل فشل في فهم تطورات الموقف حتى النهاية‪.‬‬
‫كان يعتقد أن الثورة في شوارع إيران سببها الروس‪ ،‬أو الستخبارات المركزية الميركية‪ ،‬وكان هذا تفسيره الوحيد لما كان يحدث في شوارع‬
‫إيران لنه لم يستطع أن يصدق أن المللي ورجال الدين في إيران قادرون على أن يقودوا ثورة ضده بهذا الشكل‪ .‬وكنتيجة لذلك لم يكن لديه أي‬
‫فكرة عما ينبغي أن يفعل إزاء ثورة اليرانيين في الشارع‪ .‬نحن في إدارة كارتر لم نكن أيضا‪ n‬لدينا معلومات كافية‪ .‬هذا صحيح تماما‪ .n‬لكن حتى‬
‫إذا كانت لدينا كل المعلومات‪ ،‬فإنه ليس من المؤكد أننا كنا في وضع يمك‪t‬ننا من وقف الثورة‪ .‬كان هناك مليين اليرانيين يتظاهرون في الشوارع‬
‫كل يوم‪ .‬هذا مد من الصعب وقفه عندما يبدأ‪ ،‬والشاه جعل هذا المد يمتد إلى نقطة أنه بات من الصعب جدا‪ n‬جدا‪ n‬وقفه»‪ .‬ويتابع سيك‪« :‬نعم كانت‬
‫لدينا معلومات محدودة حول الخميني وجماعته‪ ،‬نعم فوجئنا بدرجة وقدرة رجال الدين في إيران على تعبئة دعم اليرانيين ضد الشاه‪ .‬نعم حقيقة‬
‫فوجئنا أن الشاه أثبت أنه غير قادر على تطوير استراتيجية متماسكة للتعامل مع الوضع‪ .‬كرر دائما‪ n‬أنه سيخرج باستراتيجية لمواجهة الوضع لكنه‬
‫لم يفعل‪ .‬حقيقة لقد فوجئنا بعدد من الشياء‪ .‬لكن في النهاية‪ ،‬القول إننا لو امتلكنا معلومات استخباراتية كافية لكان بإمكاننا وقف الثورة‪ ،‬هذا غير‬
‫صحيح‪ .‬فهؤلء لم يكونوا مجموعة قليلة من الناس‪ ،‬توافر المعلومات عنهم تمكننا من وقف حركاتهم‪ .‬في الحقيقة هذه كانت ثورة واسعة جدا‪ .n‬لم‬
‫تكن الخميني وجماعته فقط في باريس‪ ،‬بل ضمت عددا‪ n‬من مساعديه ومسؤولين عسكريين وتلميذ عملوا معه لسنوات ويتحركون بشكل مستقل‬
‫في إيران‪ ،‬وداخل المساجد‪ ،‬وهى منطقة لم ينجح الشاه في السيطرة عليها‪ ،‬وفشلت شرطته السرية في معرفة ماذا يدور داخلها‪ .‬كان وضعا‪ n‬معقدا‬
‫ومتداخل‪ ،‬وحتى إذا كانت لدينا معلومات‪ ،‬هل كنا قادرين على وقفها‪ ..‬ردي‪ :‬ل على الطلق»‪.‬‬
‫فوجئت أميركا بمدى نفوذ التيارات السياسية المعارضة في الشارع اليراني‪ ،‬وخطورة وضع الشاه لدرجة أن الوقت الذي بقي متاحا‪ n‬للتفكير في‬
‫بدائل كان قليل جدا‪ ..‬كان الوقت بدأ ينفد‪ .‬ويؤكد سيك أن إدارة كارتر لم تناقش فكرة «تدخل عسكري أميركي من جانب واحد» لنقاذ نظام الشاه‪،‬‬
‫موضحا‪ n‬لـ«الشرق الوسط»‪« :‬الشاه كان لديه جيش من ‪ 400‬ألف جندي‪ ،‬يدينون له بالولء‪ .‬لم يدع‪r‬هم الشاه أبدا‪ n‬كي يتصدوا لما كان يحدث‪.‬‬
‫وعندما جاءت اللحظة‪ ،‬وبات واضحا‪ n‬أن الثورة في طريقها للنتصار ومنشآت تقع في يد الثوريين‪ ،‬انهار الجيش اليراني‪ .‬لم تكن قياداته قادرة‬
‫على التفاق على استراتيجية حتى لمواجهة ما كان يحدث‪ ،‬على النقيض تخلوا عن سلحهم وغادروا ثكناتهم‪ .‬إذا كان لديك جيش من ‪ 400‬ألف‬
‫جندي يدينون بالولء للشاه وفشلوا تماما‪ n‬في الرد‪ ..‬فما الذي يعنيه هذا بالنسبة لي تدخل عسكري أميركي؟ فكرة أن أميركا كان يمكنها أن تأتي‬
‫وتتدخل عسكريا‪ n‬لنقاذ الشاه في الوقت الذي يستطيع‪ ،‬أو لم يرد‪ ،‬جيش الشاه التدخل‪ ،‬يجعلنا أمام قرار من الصعب جدا‪ n‬اتخاذه‪ .‬حقيقة فكرة تدخل‬
‫عسكري أميركي أحادي الجانب للسيطرة على الوضاع في إيران لم يتم بحثها خلل الزمة»‪ .‬ويوضح سيك أن إدارة كارتر عندما باتت شبه‬
‫متأكدة من أن الثورة ستنجح‪ ،‬قررت عقد لقاءات مع الخميني في باريس في محاولة لمعرفة توجهاته‪ ،‬موضحا‪« :‬كما أتذكر أجرينا محادثتين في‬
‫باريس مع مقربين من الخميني لمعرفة ما إذا كان هناك أي شيء يمكن الحديث حوله مع الخميني‪ .‬وما حدث هو أن هذه المحادثات الولية لم تؤد‬
‫إلى أي نتيجة وبالتالي لم تتواصل‪ .‬هذه كانت محادثات محدودة جدا‪ .n‬عموما‪ n‬هناك من ينتقدون الوليات المتحدة لنه لم يكن لديها اتصالت كافية‬
‫مع الخميني وفريقه أو المعارضة‪ ،‬كما أن هناك من انتقدوا الوليات المتحدة لنها أجرت اتصالت في رأيهم أكثر من اللزم مع المعارضة‬
‫اليرانية في ذلك الوقت»‪ .‬ويلحظ محمد علي مهتدي أنه عندما بدأت أميركا تتحرك في محاولة للحوار مع التيارات الثورية ومنعا‪ n‬لنهيار النظام‬

‫بأكمله تحركت متأخرة جدا‪ ،n‬وبعدما كانت علقات التيارات الثورية مع أميركا قد تدهورت تماما‪ ،n‬موضحا‪ n‬لـ«الشرق الوسط»‪« :‬لم يكن هناك‬
‫شيء بيد أميركا‪ .‬لم يكن لميركا أن تفعل أي شيء سوى ما فعلته وهو إخلء القواعد العسكرية وإخلء المستشارين العسكريين وترحيلهم من‬
‫إيران لنهم تأكدوا من انتصار الثورة‪ ،‬لم يكن هناك من طريق لمواجهة الثورة‪ ،‬كما لم يكن من الممكن قتل مليين الناس في الشوارع‪ ،‬والجيش‬
‫اليراني كان على وشك النهيار‪ ..‬والميركيون عرفوا أن الجيش منهار ول يمكن العتماد عليه لن جسد الجيش‪ ،‬بغض النظر عن الجنرالت‬
‫الكبار الذين كانوا أوفياء للشاه‪ ،‬كان مع الشعب‪ ،‬وفي النهاية حدث تمرد وهرب الجنود من ثكناتهم ومعسكراتهم‪ ،‬وسلموا السلحة للشعب‪ ،‬فعرف‬
‫الميركيون أنه من المستحيل التدخل لجهاض الثورة‪ .‬وجاءت تلك الحداث بعد أشهر معدودة فقط من قول الرئيس الميركي جيمي كارتر إن‬
‫إيران (جزيرة الستقرار وسط منطقة مضطربة) وذلك خلل زيارة ليران للحتفال برأس السنة الميلدية‪ .‬وهذا يدل كم أن الميركيين كانوا‬
‫بعيدين عن الواقع في إيران‪ .‬لم يكن بإمكان أي طرف خارجي أو قوة عظمى أن تفعل شيئا‪ n‬للنظام المنهار‪ ،‬الميركيون حاولوا بمجرد أن عرفوا‬
‫أن نظام الشاه سينهار؛ فتحوا قنوات حوار مع المام الخميني قبل نحو شهرين من نجاح الثورة وقبل مجيء الخميني إلى طهران‪ ،‬وذلك في نوفيل‬
‫شاتو في فرنسا‪ ،‬من خلل بعض الصحافيين والمستشارين وبعض الشخصيات المعروفة‪ ،‬وفشلوا لن المام الخميني كان ل يثق بالميركيين»‪.‬‬
‫عاد الخميني إلى طهران يوم ‪ 1‬فبراير ‪ ..1979‬ثم خاض ليام حرب شوارع‪ ،‬وتحولت طهران إلى أرض معركة بين الخميني وأنصاره ورئيس‬
‫الوزراء الذي عينه الشاه شهبور بختيار وأنصاره واندلعت مواجهات عنيفة وأقيمت متاريس لتقسيم طهران‪ .‬وظل القتال طوال الليل حتى احتل‬
‫مؤيدو الخميني المباني الساسية والثكنات ومبنى الذاعة والتلفزيون وأصدروا البيان رقم واحد‪ :‬لقد انتصرت الثورة‪ .‬غدا‪ :n‬الخميني‪ ..‬سياسيا‪n‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة ـ الحلقة (‪ : )4‬خميني باريس‪ ..‬وخميني طهران‬
‫من بازركان إلى يزدي إلى بني صدر ‪ ..‬هكذا تفاقمت الصراعات داخل تيارات الثورة اليرانية‬

‫جدارية في ميدان «انقلب» في وسط طهران للخميني ضمن صور وجداريات كثيرة له في ايران لحياء ذكرى الثورة («الشرق الوسط»)‬
‫منال لطفي‬
‫يقول أبو الحسن بني صدر‪ ،‬أول رئيس جمهورية في إيران بعد الثورة‪ ،‬إن السبب في الخلفات التي حدثت بين التيار الوطني الليبرالي واليساري‬
‫وبين التيار الديني يعود إلى أن «خميني باريس» كان غير «خميني طهران»‪ ،‬موضحا لـ«الشرق الوسط»‪« :‬في باريس كان الخميني محاطا‬
‫بالمثقفين والمفكرين‪ ..‬فيما في قم وطهران كان محاطا برجال دين»‪ .‬ومن قم إلى طهران بدأت قصة الخلف بين تيارات الثورة اليرانية‪ ،‬وبدأت‬
‫العصاب تتوتر‪ ،‬وتتزايد عمليات الغتيال من الطرفين‪ ،‬وشلت الدولة‪ ،‬وبدأت القوى التي شاركت في الثورة تترصد بعضها لبعض وتتصيد‬
‫الخطاء وتتبادل التهامات‪.‬‬
‫ويروي هاني فحص الذي كان قريبا من الثورة اليرانية وقيادتها لـ«الشرق الوسط»‪« :‬أذكر أنه في إحدى الليالي عقدت جلسة تشاورية في‬
‫منزل المرحوم الدكتور علي شريعتي (أحد أهم منظري الثورة اليرانية)‪ ،‬حضرها المرحوم السيد أحمد الخميني‪ ،‬ابن الخميني‪ ،‬الذي خضع‬
‫لستجواب طويل وتفصيلي ومعقد‪ ،‬يدور حول مخالفات الدولة أو السلطة لتقييم الثورة وأفكارها‪ .‬وناقش السيد أحمد‪ ،‬وعندما حوصر قال أحمد‬
‫الخميني‪ :‬اعذرونا‪ ،‬فالمام معزول ومحاصر ومكتوف اليد‪ .‬فقالت زوجة المرحوم شريعتي لحمد الخميني‪ :‬أنت تذكرنا بالشاه‪ ،‬فقد كان كثيرون‬
‫وقتها يقولون إن الشاه جيد ويريد خيرا لكنه محاصر‪ .‬فهل أصبح المام مثل الشاه؟ هذه كارثة»‪.‬‬
‫عاد الخميني إلى طهران وقال بعد أيام من نجاح الثورة اليرانية في ‪ 11‬فبراير (شباط) ‪« :1979‬إننا نعيش في الجمهورية السلمية‪ .‬في‬
‫الجمهورية السلمية كانت حكومة السلم تدار من قبل الرسول الكرم والئمة‪ .‬علينا أن تكون حكومتنا كحكومتهم»‪ .‬إل أن هذا التوجه سبب قلقا‬
‫وسط التيارات الليبرالية والقومية واليسارية اليرانية‪ ،‬فرجال الدين لم يكونوا سوى جزء من التيارات التي قادت الثورة في إيران‪.‬‬
‫يقول محسن كديور المفكر اليراني البارز لـ«الشرق الوسط»‪« :‬لم تكن الثورة اليرانية ثورة إسلمية دينية‪ ،‬بل ثورة وطنية‪ ،‬شارك فيها فئات‬
‫من الشعب يعملون في إطار التيار الليبرالي والجبهة الوطنية والتيار اليساري‪ .‬لم يتوقع الذين شاركوا فيها حتى من رجال الدين في اليام الولى‬
‫بعد قيامها أن تصبح لهم اليد العليا في السلطة»‪.‬‬
‫بعد فترة من عودته إلى طهران غادر الخميني إلى قم‪ ،‬حيث أدار شؤون الحكم من هناك‪ .‬وكان الوزراء والمسؤولون يتوجهون إليه في منزله في‬
‫قم‪ ،‬ويعرضون عليه القرارات والتطورات السياسية وهم جالسون على حصيرة على الرض بجواره‪( .‬ظلت قم هي مركز اتخاذ القرار إلى أن‬
‫اضطر الخميني إلى العودة إلى طهران بعدما قال له الطباء إن حالة قلبه ل تحتمل أن يعيش في قم‪ ،‬وإن عليه أن يتوجه إلى طهران كي يكون‬
‫قريبا من فريقه المعالج)‪.‬‬
‫من قم أصدر الخميني تعليماته بوضع أسس جديدة للسلطة التشريعية والتنفيذية‪ ،‬فأمر بتشكيل مجلس الشورى الثوري برئاسة آية ال طالقاني‬
‫وعضوية مرتضى مطهري ومحمد بهشتي وهاشمي رفسنجاني ومهدي العراقي ومحمد مفتح‪ ،‬وكلهم من رجال الدين وتلميذ الخميني المقربين‬
‫منه‪ ،‬إضافة إلى أبو الحسن بني صدر وقطب زاده‪ ،‬وكلهما كان قريبا من الخميني‪ ،‬فأبو الحسن بني صدر كان معه عندما كان منفيا في فرنسا‪.‬‬
‫وفي ‪ 15‬فبراير (شباط) ‪ 1979‬أصدر الخميني قرارا بتشكيل «حكومة مؤقتة»‪ ،‬مهمتها تنفيذ قرارات «مجلس شورى الثورة»‪ ،‬وبدأ البحث عن‬

‫أسماء أعضاء الحكومة بشرط أل يكونوا من علماء الدين‪ .‬فطرح حزب نهضة حرية إيران أو «نهضت ازادي إيران» نفسه لتشكيل الحكومة في‬
‫ظل الدعم الذي يحظى به من آية ال طالقاني (أحد أهم منظري الثورة اليرانية وصديق الخميني)‪ .‬خصوصا أن زعيم حزب حرية إيران مهدي‬
‫بازركان كان معارضا للشاه‪ ،‬وسجن إلى جانب آية ال مطهري وآية ال بهشتي وآيه ال منتظري‪ ،‬كما أن من قياداته إبراهيم يزدي الذي كان‬
‫قريبا من الخميني ومن مستشاريه في باريس‪.‬‬
‫وقع الختيار على بازركان ليرأس أول حكومة في عهد الثورة‪ ،‬وكان بازركان وإبراهيم يزدي بلباس مدني وربطة عنق وثقافة منفتحة على‬
‫الغرب‪ .‬ويقول هاشمي رفسنجاني في مذكراته حول أسباب التوترات التي بدأت تظهر بين رجال الدين وبين حكومة بازركان‪ :‬إن بازركان كان‬
‫مسلما ورعا‪ ،‬لكنه كان ل يؤمن بالحكومة الدينية‪ ،‬وإن الخميني عي‪s‬نه بشكل مؤقت للشراف على الدستور وإجراء الستفتاء‪ ،‬وإنه كان منفذا‬
‫للقرارات فيما مجلس شورى الثورة هو الذي يصنع السياسات‪.‬‬
‫جلس بازركان على الرض في منزل الخميني في قم ومعه وزراء حكومته الجديدة يقدمهم إلى الخميني‪ .‬لم تكن هناك طاولة أو أوراق أو جلسة‬
‫عمل‪ ،‬فقط حصيرة على الرض جلس عليها الخميني مع الوزراء الجدد وقد خلعوا أحذيتهم‪ .‬وكان هذا مؤشرا لما سوف يأتي‪ ،‬فالحكومة بات‬
‫عليها أن تذهب إلى قم بدل من أن تأتي قم إلى طهران‪.‬‬
‫كان رجال الدين أصحاب اليد العليا منذ البدايات الولى ولو من وراء الستار‪ ،‬لكن‪ s‬اليرانيين في تلك اليام الولى لم يكونوا يدركون حجم التوتر‬
‫الخفي بين تيارات الثورة‪ .‬خرج الناس سعداء في الشوارع يرددون‪« :‬بازركان‪ ..‬بازركان‪ ..‬منفذ أحكام القرآن»‪ ،‬و«رئيس وزراء إيران‪ ..‬هو‬
‫مهدي بازركان‪ ،‬لن الخميني قال‪ ..‬والخميني حامل القرآن»‪ ،‬فيما كان مقربون من الخميني بنتقدون بازركان بحجة عدم معرفته بالجانب السياسي‬
‫في الفقه السلمي‪ .‬وسرعان ما اصطدم بازركان بالكثير من العقبات‪ ،‬منها شعارات الثورة الدينية‪ ،‬ومجلس شوراها من آيات ال‪ ،‬وفكرة أنه منفذ‬
‫لقرارات مجلس شورى آيات ال في قم‪.‬‬
‫وردا على توجه رجال الدين لتشكيل حكومة دينية‪ ،‬شكل حزب «توده» اليساري و«حزب حرية إيران» بقيادة مهدي بازركان ويد ال سحابي‬
‫وإبراهيم يزدي‪ ،‬و«الجبهة الوطنية» بقيادة كريم سنجابي‪ ،‬إضافة إلى جماعات «فدائي خلق» و«مجاهدي خلق» و«بيكار» و«الفرقان» و«الحزب‬
‫الشيوعي» اليراني‪ ،‬جبهة واسعة لمعارضة أفكار الحكومة الدينية‪ ،‬لكنهم اختلفوا على نوع الحكومة المبتغاة‪ ،‬فحزب نهضة حرية إيران طالب‬
‫بديمقراطية ليبرالية‪ ،‬أما الشيوعيون فطرحوا حكومة الطبقة العاملة‪ ،‬فيما كان السلميون يطرحون مصطلح «الحكومة السلمية»‪ ،‬ودخل‬
‫مطهري وبهشتي في مناظرات تلفزيونية لشرح وجهة نظر السلميين‪ ،‬ثم لحقا أسس رجال الدين حزب «جمهوري إسلمي» أو الجمهورية‬
‫السلمية‪ ،‬ليكون لهم حزبا سياسيا يعبر عن أفكارهم بالرغم من عدم رضا الخميني عن فكرة الحزاب السياسية عموما‪.‬‬
‫طرح الخميني فكرة استفتاء شعبي على نظام الحكم‪ ،‬فطلب بازركان أن يكون الستفتاء على «جمهورية إسلمية ديمقراطية»‪ ،‬فرفض الخميني‬
‫وأصر على أن تكون «جمهورية إسلمية»‪ .‬وعمق هذا الخلف بين بازركان والخميني وإن كان صامتا‪ .‬ثم حدث الستفتاء في مارس (آذار) عام‬
‫‪ 1979‬على سؤال واحد‪ ،‬وهو‪« :‬هل توافق على الجمهورية السلمية؟ نعم أم ل؟» وقد صوت ‪ % 98‬بـ «نعم»‪ ،‬فأعلن قيام الجمهورية‬
‫السلمية في أول أبريل (نيسان) ‪ ،1979‬وطلب الخميني انتخاب لجنة من رجال دين وقانونين لوضع «الدستور السلمي»‪ ،‬واجتمعت اللجنة في‬
‫طهران وحدثت الكثير من الختلفات‪ ،‬خصوصا حول مبدأ ولية الفقيه‪ ،‬وأبدى بازركان وأبو الحسن بني صدر وإبراهيم يزدي وقطب زادة‬
‫معارضتهم الشديدة‪ .‬وقال بني صدر ساعتها إنها «ديكتاتورية رجال الدين»‪ ،‬فغضب أنصار الخميني‪ ،‬وقررت الحكومة النتقالية الستقالة ما لم‬
‫تحل| مسألة ولية الفقيه‪.‬‬
‫ويوضح بني صدر لـ«الشرق الوسط» أن قادة التيارات الوطنية الليبرالية واليسارية فوجئوا برغبة رجال الدين في المساك بمقاليد السلطة في‬

‫يدهم‪ ،‬موضحا أن العتقاد الذي ساد في بداية الثورة هو أن الخميني سيعود إلى قم ليكون بمثابة أب روحي للثورة‪ ،‬وأنه ل رغبه لديه في‬
‫مشاركته‪ ،‬أو مشاركة رجال الدين عموما‪ ،‬في السلطة التنفيذية‪ .‬إل أن اليام أثبتت أن هذه القراءة لم تكن صحيحة‪.‬‬
‫خرج اللف من أنصار رجال الدين وأنصار الجبهة الوطنية‪ ،‬ونشبت مواجهات حادة عنيفة قتل فيها ما ل يقل عن ‪ 3‬وكأن الثورة لم تنته‪ p‬بعد‪.‬‬
‫وكان أمل الجبهة الوطنية الخير هو الجيش‪ ،‬لكن الجيش كان يردد «ال أكبر‪ ..‬خميني رهبر»‪ ،‬أي «خميني هو القائد»‪ ،‬فطلبت الحركة الوطنية‬
‫والحزب الشيوعي حل الجيش لنه من بقايا النظام السابق‪ ،‬لكن‪ s‬الخميني ومستشاريه ورجال الدين لم يقبلوا‪ ،‬فبدأت عناصر من الجبهة الوطنية‬
‫واليسار تستولي على أسلحة الثكنات العسكرية‪ .‬وخلل أشهر من التوترات تمت تصفية العشرات من رجال الدين المقربين من الخميني‪ ،‬من بينهم‬
‫قائد أركان الجيش اليراني المقرب من الخميني‪ ،‬وآية ال مرتضى مطهري‪ ،‬أقرب مساعدي الخميني‪ ،‬وصهر الخميني الدكتور إشراقي‪ ،‬وآية ال‬
‫الطباطبائي‪ ،‬والدكتور مفتح ومهدي عراقجي‪ ،‬وآيه ال بهشتي‪ ،‬ومحمد علي رجائي وباهنر‪ ،‬فيما فشلت محاولت اغتيال علي محتشمي وموسوي‬
‫أردبيلي وهاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي‪ .‬لم يعد الخميني يثق بالجيش لن الكثير من قياداته لم تتغير‪ ،‬والكثير منهم كان لديه م‪o‬يل ليبرالي‪ ،‬فقرر‬
‫أن ينشئ خليا الحرس الثوري أو حراس الثورة‪ ،‬التي كانت أولى مهامها القضاء على تحركات الكراد‪ ،‬وهو ما تم في صيف ‪.1979‬‬
‫كانت إيران الثورة في حالة فوضى غير عادية‪ ،‬وكانت حساسية السلميين من الليبراليين والجبهة الوطنية كبيرة جدا‪ ،‬يعززها الخوف من أن‬
‫تتدخل أميركا لصالح الليبراليين ضد السلميين‪ .‬وذادت المخاوف بعد اجتماع بازركان وإبراهيم يزدي مع زبيجنيو برجنيسكي في الجزائر‪.‬‬
‫ويقول محمد علي مهتدي الصحافي في صحيفة «اطلعات» اليرانية لـ«الشرق الوسط»‪« :‬كانت هناك احتفالت في الجزائر بمناسبة مرور ‪25‬‬
‫عاما على انتصار الثورة الجزائرية‪ ،‬وكنت في الجزائر وقتها‪ ،‬وكان هناك أبو عمار وهاني الحسن وكثيرون كانوا في الجزائر‪ ،‬فطلب برجينسكي‬
‫اللقاء مع المهندس مهدي بازركان‪ ،‬ولم يكن هذا اللقاء مبرمجا أو معدا سلفا‪ .‬بازركان لم يجد أي مانع للقاء مع برجينسكي والتباحث معه‪ .‬ربما‬
‫كان بازركان يريد أن يطمئن أميركا أن هذه الثورة لها مبادئ‪ ،‬وأنه إذا احترمت أميركا مبادئ الثورة ربما يكون بالمكان التفاق على بدء نوع‬
‫من الحوار‪ ،‬لنه كان أول لقاء من نوعه وحضره من الجانب اليراني بازركان‪ ،‬بالضافة إلى وزير الدفاع مصطفى شمران‪ ،‬ووزير الخارجية‬
‫إبراهيم يزدي‪ .‬لم يحدث شيء‪ ،‬وكان لقاء يتيما‪ ،‬لكن يبدو أنه كانت هناك بعض التيارات تقف بالمرصاد في إيران‪ ،‬ولم يكونوا راضين عن هذا‬
‫اللقاء بين برجينسكي وبازركان وفريقه‪ ،‬وخلقوا أجواء ضاغطة إعلمية وسياسية ضد الحكومة المؤقتة‪ ،‬وبعد ذلك حدث هجوم الطلبة على السفارة‬
‫الميركية وأخذ رهائن‪ ،‬ليستمر ذلك لمدة ‪ 444‬يوما‪ ،‬ونتيجة لذلك استقالت حكومة مهدي بازركان لنه كان يريد أن يصنع دولة تسير حسب‬
‫القوانين الدولية»‪.‬‬
‫وفي ‪ 4‬نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ 1979‬احتل طلبة إيرانيون السفارة الميركية في طهران‪ ،‬وهو الحدث الذي يقول الكثير من داخل الجبهة الوطنية‬
‫في إيران إنه تم بضوء أخضر من رجال دين مقربين من الخميني‪ ،‬بهدف «قلب الطاولة» على رجال الجبهة الوطنية والتيار الليبرالي لضعافهم‬
‫وتشديد قبضتهم‪ .‬ويؤكد رفسنجاني أن مجلس شورى الثورة‪ ،‬الجهة التي كانت تحكم فعليا‪ ،‬لم يكن على علم بنية احتلل السفارة‪ ،‬موضحا‪« :‬كنت‬
‫أنا وخامنئي قد ذهبنا إلى مكة للحج‪ ،‬وكنا نياما على سطح البيت الذي كنا نسكنه هناك‪ .‬عندما سمعنا الخبار عبر الراديو عرفنا أن الجامعيين‬
‫سيطروا على السفارة الميركية»‪.‬‬
‫طالب مهدي بازركان وإبراهيم يزدي بإنهاء احتلل السفارة وإطلق الرهائن‪ ،‬وهددوا بتقديم استقالتهم‪ .‬ويقول يزدي إن الخميني قال إنه لم يكن‬
‫يعلم مسبقا بخطوة الطلبة للستيلء على السفارة الميركية‪ ،‬فالطلبة لم يفاتحوا أحدا في المر سوى موسوي خوئيني‪ ،‬أحد مستشاري الخميني‪.‬‬
‫ذهب يزدي إلى قم للقاء الخميني وحكى له خطورة خطوة احتلل الطلبة للسفارة الميركية‪ .‬ويقول يزدي إن الخميني رد عليه بقوله‪« :‬ألقوا‬
‫بهؤلء الطلبة في الخارج»‪ ،‬فقرر يزدي العودة إلى طهران لنهاء أزمة الرهائن مع بازركان‪ ،‬على اعتقاد أن الخميني غير راض عن هذه‬

‫الخطوة‪ .‬غير أن اتصال هاتفيا من موسوي خوئيني لحمد الخميني‪ ،‬ابن الخميني‪ ،‬غي‪s‬ر كل شيء‪ ،‬فقد تراجع الخميني عن موقفه‪ ،‬وفي الواقع وقف‬
‫أمام تحرك حكومة بازركان لنهاء أزمة الرهائن‪ .‬وكانت هذه تحولت مفصلية‪ ،‬فقد أدت إلى انفصال بين التيار الوطني الليبرالي بقيادة الجبهة‬
‫الوطنية‪ ،‬وبين تيار رجال الدين في الثورة‪ ،‬فقد قبل الخميني استقالة حكومة بازركان‪ ،‬وأمر مجلس قيادة الثورة بتصريف مهام الحكومة‪ ،‬وذلك بعد‬
‫‪ 9‬أشهر فقط من توليها السلطة‪ ،‬ليخرج الليبراليون والحركة الوطنية من الحكم‪.‬‬
‫لحقا دعا الخميني إلى انتخابات رئاسية‪ ،‬فترشح لها أبو الحسن بني صدر وجلل الدين الفارسي من الحزب الجمهوري السلمي‪ ،‬الذي كان حتى‬
‫ذلك الوقت يرشح سياسيين وليس رجال دين‪ ،‬ومسعود رجوي من مجاهدي خلق‪ ،‬وحسن حبيبي‪ ،‬وكان مقربا من السلميين دون أن يكون رجل‬
‫دين أو يرتدي اللباس الديني‪ ،‬مثله مثل بني صدر ورجوي‪ .‬ألغى الخميني ترشيح جلل الدين الفارسي لن والدته أفغانية‪ ،‬وألغى ترشيح رجوي‬
‫لنه لم يصوت في الستفتاء على نظام الجمهورية السلمية‪ ،‬موضحا أنه ل يمكن لرجوي أن يكون رئيسا «لنظام لم يصوت له»‪.‬‬
‫فأصبحت المنافسة الحقيقية بين بني صدر وحبيبي ممثل السلميين ضمنا‪ ،‬وحصل بني صدر على دعم الليبراليين والوطنيين وبعض رجال الدين‬
‫وفاز بالنتخابات‪ ،‬وساعده على الفوز علقته الجيدة بالخميني منذ أن كان مستشارا له في باريس‪ .‬إل أن الخميني في قرارة نفسه لم يكن مرتاحا‬
‫لتولي بني الصدر الرئاسة‪ ،‬ففي الحقيقة صوت الخميني لحسن حبيبي كما قال أحمد الخميني‪ ،‬إل أنه لم يقل للناس ل تصوتوا لبني صدر‪.‬‬
‫بعد انتخابه توجه بني صدر إلى مستشفى القلب في طهران عام ‪ 1980‬لينال مباركة الخميني وتكليفه بالرئاسة‪ ،‬فانحنى بني صدر وقبل يده‪ .‬وقرأ‬
‫أحمد الخميني كلمة والده لتنصيب بني صدر التي صاغها بعناية وقال فيها‪« :‬إني أنفذ رأي الشعب وأعين بني صدر في هذا المنصب‪ ،‬لكن هذا‬
‫التعيين وتنصيبه ورأي الشعب مشروط بعدم مخالفته للحكام السلمية المقدسة واتباعه للدستور السلمي اليراني»‪ .‬لم يكن رجال الدين الذين‬
‫جلسوا في الصفوف الولى خلف الخميني سعداء‪ ،‬فيما كان الخميني مقطب الجبين‪ .‬وبعدما انتهى أحمد الخميني من إلقاء كلمة أبيه قال الخميني‬
‫عبارة واحدة عابسا‪« :‬إني أذك‪t‬ر السيد بني صدر بجملة‪ ،‬وهي تذكرة للجميع‪ ،‬إن حب الدنيا رأس كل خطيئة‪ .‬إني أطلب من السيد بني صدر أل‬
‫تتغير سيرته بعد رئاسة الجمهورية»‪.‬‬
‫ويتذكر بني صدر تلك اليام والظروف التي كان يعمل خللها والضغوطات‪ ,‬موضحا لـ«الشرق الوسط» «كانت هناك عدة عوامل غيرت مسار‬
‫الثورة‪ ،‬وليس فقط الخميني‪ ،‬لكن بالطبع تأثيره كان كبيرا‪ .‬كانت هناك ميول وحب للسلطة لديه‪ ،‬وهذا ما سهل بالنسبة إليه وضع يده على إيران‬
‫بطريقة ديكتاتورية‪ .‬بالطبع كان هناك فرقاء من اليسار أرادوا أن يلعبوا دور لينين في الثورة اليرانية‪ ،‬بينما السلميون كانوا قد بدأوا بالتصدي‬
‫للنظام بقوة السلح‪ .‬وهناك قضية الرهائن والحصار القتصادي‪ ،‬كل هذه الشياء لعبت دورا في إعادة تركيب الديكتاتورية في إيران‪ .‬لكن لو كان‬
‫الخميني يريد أن يلعب هذه اللعبة‪ ،‬لكان بإمكانه التصدي لها‪ .‬حيث كان قد وعد أمام العالم أجمع‪ ،‬باحترام الديمقراطية والتقدم وحقوق النسان‪.‬‬
‫وأنا أعتقد انه لو أراد أن يحترم وعوده لكان بإمكانه أن يفعل‪ .‬كانت هناك بالطبع عوامل تدفعه باتجاه عدم احترامها‪ ،‬ولكن الخميني كان قويا‬
‫لدرجة انه كان بإمكانه أن يقاوم لو أراد أن يحترم وعوده»‪.‬‬
‫من ناحيته يقول هاني فحص لـ«الشرق الوسط» حول علقة بني صدر مع الخميني‪« :‬بني صدر كان محسوبا على بيت المام (أحمد الخميني‪،‬‬
‫أشراقي صهر الخميني‪ ،‬ومحمد منتظري‪ ،‬كانوا مؤيدين لبني صدر)‪ ،‬ومشكلته أنه كان مثقفا أكثر مما كان سياسيا‪ .‬الخطأ الذي ارتكبته منظمة‬
‫مجاهدي خلق أنها بدأت تعلن تحفظاتها للتيار الديني وللمام الخميني وللثورة عموما بجانبيها الليبرالي والديني في لحظة النتصار‪ ،‬ثم طورت‬
‫ذلك إلى ممارسة العنف‪ ،‬فمورس قمع ضدها‪ .‬أما الخلف بين التيارات الليبرالية فقد بدأ أول فيما بين التيارات الليبرالية‪ ،‬وبدأ بين تيار جبهة ملي‬
‫(أو الجبهة الوطنية) كريم سنجابي الذي كان وزير خارجية‪ ،‬وبين حركة تحرير إيران‪ ،‬أي بازركان ويزدي‪ .‬هؤلء هم الذين بدأوا بإقصاء أو‬
‫بمساعدة المام الخميني وترغيبه في إقصاء كريم سنجابي‪ .‬أي حدث الخلف في الصف الليبرالي في البداية لن سنجابي كان أكثر ليبرالية منهم‪،‬‬
‫وأقل قربا من تيار رجال الدين‪ ..‬أما التناقضات بين التيار الليبرالي والتيار الديني فقد كانت موجودة منذ البداية‪ ،‬فقد كنت أراهم قبل نجاح الثورة‬

‫وكانوا متعاطفين مع المام الخميني على أساس أنه طريق لدولتهم‪ ..‬المام الخميني لحظ هذه المسائل منذ البداية‪ .‬كان المام الخميني يحاول أن‬
‫يمسك العصا من الوسط‪ ،‬يحافظ على الجميع‪ ،‬إلى أن بدأ رجال الدين يطلون على السلطة‪ ،‬فبعد أن أصبح هاشمي رفسنجاني رئيسا لمجلس النواب‬
‫بدأت شكاوى الليبراليين‪ ،‬وبدأوا يفتحون خطوطا على حسابهم‪ ،‬أي ضمن تصوراتهم الليبرالية‪ .‬وبدأوا من خلل موقعهم في السلطة بعزل التيار‬
‫الديني ومحاصرته‪ ،‬وارتكبوا خطأهم الكبير بأنهم التقوا مع برجنيسكي في الجزائر‪ .‬جلسوا معه جلسة طويلة‪ ،‬ولم يفصحوا تماما للخميني عما‬
‫حدث خلل اللقاء‪ ،‬فتفجرت المور في هذه اللحظة‪ ،‬فالمام الخميني لم يعرف باللقاء مسبقا‪ .‬وهنا يتردد أنه عندما التقى إبراهيم يزدي مع الخميني‬
‫وتحدث معه حول اللقاء مع برجنيسكي تكلم يزدي ‪ 10‬دقائق‪ ،‬فقال الخميني‪ :‬أنتم جلستم مدة ساعة ونصف‪ ،‬لكنك تكلمت ‪ 10‬دقائق فقط‪ ..‬فبدأت‬
‫الشكوك تنفجر»‪.‬‬
‫ويتابع فحص‪« :‬بني صدر خلط بينه نفسه وبين الثورة والخميني‪ ،‬اعتبر أن الـ ‪ 11‬مليون صوت و ‪ 700‬ألف التي حصل عليها في النتخابات‬
‫له‪ ،‬علما أن سمعته كانت محصورة بين المثقفين‪ ،‬وهذا ليس انتقاصا منه‪ ،‬لكنه كان مثقفا‪ ،‬لم يكن منخرطا في عمل سياسي مباشر‪ ،‬ولم يكن‬
‫معروفا شعبيا‪ ..‬وصلت المور ببني صدر إلى أنه انحاز إلى مجاهدي خلق في النهاية‪ ،‬وهم الذين كانوا في الصل أعداء له‪ .‬وكانت طبيعة‬
‫المثقف متحكمة فيه‪ ،‬أي يرى المور كما يحب وكما يكره‪ ،‬وبدأت تظهر ذاتيته‪ ،‬حتى إن الشعب اليراني أسماه (اقاي من) أي «السيد أنا»‪ ..‬ومع‬
‫ذلك ظل الخميني يعطيه فرصا ويطلب منه أن يراجع مواقفه‪ ،‬إل أن بني صدر لم يتغير‪ ،‬وعمل مهرجانات كان جمهورها فقط مجاهدي خلق في‬
‫لحظة صعبة‪ ،‬إلى أن تشكلت لجنة لدراسة أهليته وحكمت بفقدانه للهلية‪ ،‬فأقصي من الرئاسة‪ .‬أما مع بازركان‪ ،‬الخميني كان يحب بازركان‪،‬‬
‫وكانت علقته بحركة تحرير إيران علقة طيبة أيام الثورة‪ .‬مع بدء الدولة بدأت التميزات‪ ،‬وبدأ الجانب الليبرالي يتبلور أكثر‪ ،‬بمعنى أن التيار‬
‫الديني يريد التيار الليبرالي مساعدا له وتحت إمرته‪ ،‬والتيار الليبرالي يريد من التيار الديني أن يكون داعما لدولته‪ ،‬وأن تصير الدولة ليبرالية‪،‬‬
‫ويعود المتدينون إلى مواقعهم الساسية في قم‪ ،‬وهذه مشكلة ولية الفقيه‪ .‬كنت في طهران يوم النتهاء من وضع الدستور‪ ،‬وكانت جماعة بني‬
‫صدر وبازركان يتناقشون مع الخرين من رجال الدين‪ ..‬الولي الفقيه‪ ،‬ماذا ترك في الدستور لرئيس الجمهورية؟ شعر الناس كلهم أن رأس الهرم‬
‫هو المتحكم‪ ،‬وأن رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية تشتغل بأمر الولي الفقيه‪ ،‬وهي محدودة ومحاصرة‪ .‬هذه هي المشكلت التي حدثت»‪.‬‬
‫كان الصدام محتوما إذن بين بني صدر والخميني‪ ،‬ففي أدائه القسم لم يذكر بني صدر كلمة «ثورة إسلمية» أو «انقلب إسلمي»‪ ،‬ولم يذكر‬
‫عبارة «دستور إسلمي» أو «جمهورية إيران السلمية»‪ ،‬وتعهد بالعمل «وفاء للشعب»‪ ،‬لكن الهم من كل ذلك أنه لم يذكر اسم الخميني‪ ،‬بل‬
‫قال‪« :‬إني أقسم بالقرآن المجيد أن أكون وفيا للدستور‪ ،‬وأن أبذل قصارى جهدي دوما من أجل إعلء اسم إيران‪ ،‬ومن أجل تحسين الوضع‬
‫المعيشي للناس‪ .‬وليس هناك أي سبب يجعلني ل أبذل هذا الجهد عندما يبدي أهلنا كل هذا الصفاء والصدق قبل وبعد انتصار الثورة‪ ،‬وأظهروا كل‬
‫هذا الوفاء والستقامة»‪.‬‬
‫خلل ‪ 9‬أشهر شهدت إيران صراعا متواصل مكتوما وعلنيا بين التيارات الليبرالية وبين التيار الديني على اختيار أسماء أعضاء الحكومة‬
‫وقيادات الدولة‪ ،‬وتعطل تشكيل الحكومة‪ ،‬وكان الصراع في البرلمان أكثر وضوحا بين القلية النيابية التي تدعم بني صدر‪ ،‬وبين النواب الذين‬
‫يدعمون الحزب الجمهوري السلمي‪ .‬وكان عدد هؤلء كبيرا حتى إن أول برلمان كان غالبيته من رجال دين بعمامات وعباءات‪ ،‬وكان الصراع‬
‫على شخصية رئيس الوزراء وهل يمثل التيار الليبرالي أو رجال الدين‪.‬‬
‫ثم بشكل مفاجئ طرح بني صدر اسم أحمد الخميني لرئاسة الوزراء‪ ،‬وبعث رسالة إلى الخميني بهذا المضمون‪ ،‬جاء فيها‪« :‬سماحة آية ال‬
‫العظمى المام الخميني قائد الثورة السلمية اليرانية‪ ،‬نظرا إلى الوضاع الحالية‪ ،‬وبما أن مجتمعنا هو مجتمع شاب‪ ،‬ويشهد حماسا إيجابيا‬
‫وتوجها نحو النتاج والنشاط‪ ،‬ولن الجانب المعنوي الثوري هو المحرك الساسي‪ ،‬لذلك أعتبر أن حجة السلم السيد أحمد هو أحد أنسب‬
‫الشخاص لرئاسة الوزراء‪ .‬وأجد أن موافقتكم عين الصواب»‪ .‬فرد الخميني عليه بشكل مقتضب وحازم وسريع‪« :‬باسمه تعالى‪ ،‬ل أنوي أن يتسلم‬
‫أبنائي مناصب‪ .‬أحمد خادم للشعب‪ ،‬وفي هذه المرحلة إذا كان حرا يمكنه أن يخدم بشكل أفضل‪ .‬والسلم عليكم»‪.‬‬

‫تشكلت لجنة ثلثية داخل مجلس الشورى للحوار مع بني صدر حول شخصية رئيس الوزراء‪ ،‬وتم وضع قائمة بها ‪ 14‬اسما‪ ،‬شطب بني صدر‬
‫نصفها وتبقى ‪ 7‬أسماء‪ ،‬فقال بني صدر إن أي اسم منها يختاره البرلمان لن يمانع فيه‪ .‬وقد صو‪s‬ت المجلس في اجتماع مغلق على الـ ‪ 7‬الباقين‪،‬‬
‫وتم اختيار محمد علي رجائي بأكثرية الصوات‪ ،‬لكن العلقات كانت شبه مقطوعة بين بني صدر ورجائي‪ .‬وحاول بني صدر اللجوء إلى الشارع‬
‫فدعا إلى مهرجان في جامعة طهران في ذكرى وفاة زعيم الجبهة الوطنية محمد مصدق‪ ،‬وحضر المهرجان كل أطياف اللون السياسي‪ ،‬وهناك‬
‫أعلن بني صدر تشكيل جبهة وطنية لمعارضة رجائي وحزب الجمهورية السلمية‪.‬‬
‫فأمر الخميني بتشكيل لجنة لدراسة الختلفات بين مسؤولي الدولة‪ ،‬تتكون من طرف يمثل بني صدر وآخر يمثل الطرف المعارض والثالث يمثل‬
‫الخميني‪ .‬وأمر بني صدر وبهشتي ورجائي ورفسنجاني ‪ -‬كان رئيس البرلمان ساعتها ‪ -‬بعدم إعطاء أي تصريحات صحافية حول الخلفات‬
‫بينهم حتى تنهي اللجنة عملها‪ ،‬لكن بني صدر تحدث لوكالة «رويترز» للنباء وحذر من «نظام ديكتاتوري» في إيران مشابه لنظام الشاه‪ .‬فواجه‬
‫انتقادات شديدة في البرلمان وساءت العلقات أكثر وامتدت إلى الشارع‪ ،‬ونشبت صدامات عنيفة في جامعة طهران‪ ،‬فتدخل الخميني في الزمة‬
‫لئما بني صدر‪ ،‬قائل‪« :‬إن لحن النتقاد يختلف عن لحن التآمر‪ ..‬وإضعاف الجمهورية السلمية»‪.‬‬
‫وسط هذه الصرعات والفوضى هاجم العراق إيران واستولى على خورمشهر‪ ،‬فتزايدت النتقادات لبني صدر بصفته القائد العلى للقوات‬
‫المسلحة‪ ،‬وتزامن مع هذا إعلن الطلبة الذين احتلوا السفارة العثور على وثائق قالوا إنها تثبت تورط بني صدر في التجسس لصالح أميركا قبل‬
‫سنة من انتخابه رئيسا ليران‪ .‬وفي ‪ 10‬يونيو (حزيران) عام ‪ ،1981‬وبعد عام و ‪ 4‬أشهر على تعيين بني صدر رئيسا‪ ،‬أمر الخميني بعزله من‬
‫قيادة القوات المسلحة ومن الرئاسة‪.‬‬
‫ويقول هاني فحص لـ«الشرق الوسط» حول تحولت الخميني من رفضه المبدئي لتعيين رجال الدين في المناصب السياسية‪ ،‬ثم موافقته على‬
‫ذلك لحقا‪« :‬صبر الخميني على بني صدر وأعطاه الفرص‪ ..‬وصبر على بازركان والجبهة الوطنية على الرغم من اللقاء المتسرع مع‬
‫برجنيسكي‪ ..‬وكنت حاضرا عندما تم إبلغ الخميني بأن الحزب الجمهوري رشح جلل الدين فارسي ‪ -‬وهو مدني ‪ -‬لرئاسة الجمهورية‪ .‬فسأل‬
‫الخميني‪ :‬وماذا فعل السيد بهشتي؟ فأجيب بأنه انسحب‪ ،‬فابتسم الخميني راضيا (أي لم يكن محبذا في البداية تولي رجال الدين مناصب تنفيذية)‪.‬‬
‫وكان سفير فلسطين وقتها حاضرا‪ ،‬وقلت له‪ :‬أرايت؟‪ ..‬هذا رجل (الخميني) ديني ‪ -‬مدني‪ .‬فقال هاني الحسن‪ :‬أتفق»‪.‬‬
‫ويتابع فحص‪« :‬لكن الخميني اضطر لحقا إلى القبول بأن يتولى رجال الدين كل السلطات لسباب تتصل بأداء القوى السياسية المدنية‬
‫واستعجالتها‪ ،‬والرغبة الجامحة لدى رجال الدين في السلطة‪ .‬وقد حصل ذلك‪ ،‬وأذكر أن القوى الوطنية الليبرالية ارتأت أن الخميني لم يكن إل‬
‫محرضا في تاريخ الثورة‪ ،‬وأن الدولة هي شأنها حصريا‪ ،‬وأن الخميني ل يمكن أن يترك حتى يصادر الدولة‪ .‬وفي اعتقادي أنه لم يكن يريد ذلك‪،‬‬
‫ولكنه كان يلزم نفسه بأن تبقى روح الثورة في الدولة‪ ،‬وهي نظرية مثالية جميلة لكنها غير واقعية‪ ،‬ولذلك عدل عنها لحقا عندما حوصر‪،‬‬
‫وشرعت القوى السياسية تبني الدولة وعلقتها بعيدا عنه‪ ..‬بعدها بأسابيع كنت مع السيد حسين الخميني في دمشق حيث وصلنا خبر استيلء الطلبة‬
‫على السفارة الميركية في طهران‪ ،‬فقال حفيد المام لي‪ :‬جهز نفسك لنصل إلى طهران‪ ،‬فقد انفك الحصار عن المام‪ .‬بعدها كان ل بد للخميني‬
‫أن يزج بتلميذه من المعممين وغيرهم إلى بناء الدولة‪ ،‬بعيدا عن القوى الليبرالية التي أساءت رسم سلم أولوياتها‪ ،‬فيما كنت أرى ضرورة عدم‬
‫قمعها وإقصائها‪ .‬هل تصرف الخميني بشكل مختلف من الثورة إلى الدولة؟ ل بد أن يحدث ذلك‪ ،‬وإل كانت الكارثة‪ .‬والثورة ل بد أن تؤدي إلى‬
‫الدولة‪ ،‬ومنطقها يختلف عن منطق الثورة‪ ،‬والفضل بين الثوريين الذين يحكمون هو أن يقصروا المسافة بين الدولة والثورة لن إلغاءها مستحيل‬
‫عمليا»‪.‬‬
‫غير أن بني صدر يوضح أن تركيبة الخميني ومن حوله هي السبب في التوترات بينهما وليس طبيعة بناء الدولة‪ ,‬موضحا لـ«الشرق الوسط»‬

‫«جاء الخميني إلى هنا‪ ،‬فرنسا‪ ،‬وقال ما قاله أمام العالم حول الحريات والديمقراطيات والتقدم والسلم‪ ،‬الذي يؤمن بالحرية‪ .‬هل كان يعتقد بكل ما‬
‫قاله لو كان يؤمن بذلك حقا؟ فانطلقا من كونه رجل دين‪ ،‬ل يمكنه أن يقوم بعكس ما يؤمن به‪ .‬لو لم يؤمن بما قاله‪ ،‬فهذا يعني أنه بالنسبة إليه‪،‬‬
‫فإن السلطة كان تحتل الولوية‪ .‬وكونه رجل دين‪ ،‬يعرف أن الدين يعني اللتزام‪ ،‬ول يمكنه أن يغير خطابه‪ .‬ولكنه غير التزامه‪ .‬وعندما فعل‬
‫ذلك‪ ،‬تبين أن السلطة بالنسبة إليه كان لها الولوية المطلقة»‪.‬‬
‫جرد البرلمان بني صدر من صلحياته السياسية وأقر الخميني القرار‪ ،‬وجرت انتخابات جديدة جاءت بمحمد علي رجائي رئيسا‪ ،‬إل أنه اغتيل‬
‫لحقا‪ .‬فدعا الخميني لنتخابات جديدة وسمح لول مرة لرجال الدين بخوضها‪ ،‬وفي ‪ 2‬أكتوبر (تشرين الول) عام ‪ 1981‬انتخب علي خامنئي‬
‫الرئيس الثالث للجمهورية السلمية اليرانية بعد بني صدر ورجائي‪ ،‬ليكون بذلك أول رجل دين معمم يحتل هذا المنصب في إيران‪ ،‬وعين مير‬
‫حسين موسوي رئيسا للحكومة‪ .‬وكان الخميني مرتاحا أخيرا لشخصية الرئيس ورئيس الوزراء وفي خطاب كلمة الخميني له‪ ،‬قال له‪« :‬عليكم أنتم‬
‫المحافظة على هذا النظام‪ ..‬فإن استمرار ما حصل في إيران أمر صعب‪ ،‬وعليكم القيام بحفظ هذا النظام رغم كل العقبات التي تواجهنا»‪.‬‬
‫وبعد عامين و ‪ 8‬أشهر انتزعت الثورة الدولة لتصبح برئاسة خامنئي ورئاسة وزراء مير حسين موسوي ورئاسة رفسنجاني للبرلمان‪ ،‬لكن هذا تم‬
‫على حساب شخصيات من الجبهة الوطنية‪ ،‬على رأسهم مهدي بازركان وأبو الحسن بني صدر وإبراهيم يزدي وقطب زادة‪ ،‬وكانت الختلفات‬
‫كبيرة‪ ،‬وعلى رأسها الموقف من ولية الفقيه‪ ،‬والحكومة الدينية‪ .‬اختار بازركان ويزدي النسحاب بهدوء‪ ،‬واختار قطب زادة وبني صدر المواجهة‬
‫العلنية‪.‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )5‬ـ أبو الحسن بني صدر لـ«الشرق الوسط»‪ :‬فوجئت برغبة الخميني في المساك بمقاليد السلطة‬
‫أول رئيس إيراني بعد الثورة يروي الخلفات مع الخميني‪ ..‬ورأيه في خامنئي ورفسنجاني‬

‫تزايد نفوذ العسكر في إيران خلل العقد الماضي (رويتزر)‬
‫صورتان لبو الحسن بن صدر في شبابه والن‬
‫منال لطفي‬
‫يقول أبو الحسن بني صدر‪ ،‬أول رئيس إيراني بعد نجاح الثورة اليرانية عام ‪ ،1979‬أن آية ال الخميني غير وجهة نظره حول ولية الفقيه ‪5‬‬
‫مرات من قم إلى النجف إلى باريس إلى طهران‪ ،‬موضحا في حوار مع «الشرق الوسط» أنه فوجئ بعد الثورة برغبة الخميني في المساك‬
‫بمقاليد السلطة‪ ،‬غير أنه يشدد على أنه لم يندم على قيام الثورة اليرانية‪ .‬ويوضح بني صدر أنه عندما كان رئيسا ليران‪ ،‬بين ‪ 1980‬و ‪،1981‬‬
‫عاني من الضغوطات التي شكلها رجال الدين الذين كانوا يريدون إحكام سيطرة رجال الدين على مؤسسات الحكم‪ .‬ويشير إلى أن الخميني عندما‬
‫كان في باريس كان محاطا بالمثقفين والمفكرين الذين كان الخميني يعتمد عليهم في كتابة أجوبته لسئلة الصحافة الغربية‪ ،‬مشيرا إلى أن الخميني‬
‫في هذه المرحلة كان «تحرري» في أفكاره‪ ،‬إل أنه عندما هبطت طائرة الخميني في مطار طهران يوم ‪ 1‬فبراير (شباط) ‪ 1979‬دخل اثنان من‬
‫كبار رجال الدين المقربين من الخميني إلى الطائرة وغادر معهما‪ ،‬وكانت هذه نهاية تأثير المثقفين والمفكرين وبداية تأثير رجال الدين على دولة‬
‫الثورة‪ .‬كما يتحدث بني صدر عن ترشيح الرئيس اليراني السابق محمد خاتمي للرئاسة اليرانية في يونيو (حزيران) المقبل‪ ،‬موضحا أن من‬
‫سيطبع العلقات مع أميركا سيصبح بطل قوميا في إيران‪ ..‬فمن يريد المرشد العلى ليران آية ال خامنئي أن يصبح بطل قوميا‪ ..‬محمد خاتمي‬
‫أم محمود أحمدي نجاد؟ وهنا نص الحوار‪:‬‬
‫* هل ندمت يوما على قيام الثورة في إيران على أساس أن أوضاع حقوق النسان والديمقراطية‪ ،‬كما يقول البعض داخل وخارج إيران‪ ،‬ليست‬
‫أفضل حال بكثير مما كانت عليه قبل قيام الثورة؟‬
‫ـ ل أبدا‪ .‬فالثورة اليرانية لم تطلب موافقة أو عدم موافقة‪ ،‬الثورة حصلت من قلب المجتمع‪ ،‬ولكن أيضا في وقت بدء تغيير على الصعيد الدولي‪.‬‬
‫كان هدف الثورة اليرانية تحقيق الستقلل والحرية والتقدم‪ ،‬وإرساء إسلم يفهم كل هذه السس ويفتح آفاقا روحية جديدة للنسان‪ .‬لهذه السباب‬
‫قمنا بالثورة‪ .‬والثورة حدثت في إيران لنها كانت محاصرة بين القوتين العظميين في العالم حينها (أميركا والتحاد السوفياتي السابق)‪ .‬كانت‬
‫الثورة تعني أن فترة توسع هاتين الدولتين انتهت‪ ،‬وبدأتا بالتراجع‪.‬‬
‫* هل تعتقد أن الخميني كان مؤمنا بالديمقراطية في بداية الثورة‪ ،‬ثم عندما نجحت الثورة غير آراءه وطبق مفهوم ولية الفقيه؟‬
‫ـ من الصعب أن نقول إنه كان يعتقد بذلك‪ ،‬فلو كان يعتقد بذلك‪ ،‬لكان من الصعب جدا أن يغير أفكاره بهذه السهولة‪ .‬جاء الخميني إلى فرنسا‪،‬‬
‫وقال ما قاله أمام العالم حول الحريات والديمقراطيات والتقدم والسلم الذي يؤمن بالحرية‪ .‬فهل كان يعتقد بكل ما قاله؟ لو كان يؤمن بذلك حقا‪،‬‬
‫وانطلقا من كونه رجل دين‪ ،‬ل يمكنه أن يقوم بعكس ما يؤمن به‪ ،‬لما تغيرت أفكاره‪ .‬لكن السلطة كان تحتل الولوية بالنسبة إليه‪.‬‬
‫* ماذا قلت عندما رأيت مبدأ ولية الفقيه في الدستور اليراني؟‬
‫ـ في البداية عندما كنا نحضر لول دستور إيراني بعد الثورة‪ ،‬كان أساسه سيادة الشعب وليس سيادة الولي الفقيه‪ .‬مجلس الخبراء ورجال الدين‬

‫كانوا يتمتعون بالغلبية‪ ،‬حاولوا إدخال مبدأ ولية الفقيه وجعله مصدر الحكم والسلطات‪ .‬وقد تناقشت كثيرا مع آية ال على منتظري في حينها‪،‬‬
‫الذي كان يرأس مجلس الخبراء‪( .‬منتظري كان نائبا للخميني إلى أن تم عزله بعد خلفات بينهما)‪ .‬في البداية أراد الخميني سلطة كاملة للولي‬
‫الفقيه‪ ،‬ثم في النهاية وافق على أن يكون الولي الفقيه بمثابة نظام مراقبة‪ .‬لهذا فإن القانون اليراني ل يعطي القوة التشريعية ول التنفيذية ول‬
‫القضائية لنظام ولية الفقيه‪ ،‬إل أنه عمليا يتحكم في مفاصل الحكم‪.‬‬
‫* هل تعتقد أن الخميني استغل الليبراليين ثم تخلى عنهم وعن أفكارهم عندما أقر نظام ولية الفقيه الذي أعطى الكلمة العليا في الحكم لرجال‬
‫الدين؟ ـ كثيرون يقولون ذلك‪ ،‬ولكن هذا ليس صحيحا‪ ،‬لنه في ما يخص ولية الفقيه‪ ،‬غي‪s‬ر الخميني رأيه خمس مرات‪ ،‬بحسب ما يقول آية ال‬
‫على منتظري في مذكراته‪ .‬فعندما كان الخميني في قم‪ ،‬في ظل عهد الشاه‪ ،‬كان ضد مبدأ ولية الفقيه‪ .‬ثم في حوزة النجف بالعراق‪ ،‬عل‪t‬م الخميني‬
‫ولية الفقيه لطلبه‪ ،‬وحددها بأنها تطبيق للقوانين السلمية‪( .‬أعطى الخميني ‪ 19‬درسا في النجف حول ولية الفقيه‪ ،‬ثم حول المحاضرات إلى‬
‫كتابه‪ :‬حاكمية السلم‪ :‬ولية الفقيه)‪ .‬وقد سألته مرة‪ ،‬عندما التقيته في النجف إذا كان يعل‪t‬م هذا المبدأ لكي يبقى الشاه في السلطة إلى البد؟ (على‬
‫أساس أن الشاه سيستغل ذلك ضد حركات المعارضة) فأجاب الخميني‪« :‬ل‪ ..‬ذلك فقط لنفتح نقاشا حتى يتمكن أشخاص من أمثالك أن يصوغوا‬
‫النظرية»‪ .‬ثم جاء الخميني إلى فرنسا‪ ،‬واكتشف هناك أنه إذا تحدث عن ولية الفقيه‪ ،‬فإن الشاه سيبقى على العرش‪ ،‬فيما سيعيش الخميني في‬
‫المنفى باقي عمره‪ .‬فتحدث الخميني عن «ولية الجمهور» بدل من «ولية الفقيه»‪ .‬وكانت هذه هي المرة الثالثة التي يغير فيها رأيه‪ .‬ثم عندما تم‬
‫تشكيل مجلس الخبراء بعد نجاح الثورة‪ ،‬عاد هذه المرة ليتحدث عن «ولية الفقيه» ولكنه وافق في النهاية على أن تلعب ولية الفقية دور‬
‫«مراقب» فقط‪ ،‬أى أن يكون سلطة إشرافية‪ .‬ثم مع اقتراب نهاية حياته‪ ،‬قبل انتهاء الحرب اليرانية ‪ -‬العراقية‪ ،‬تحدث الخميني عن «السلطة‬
‫المطلقة لولية الفقيه»‪ .‬وكانت هذه هي المرة الخامسة التي يغير فيها رأيه حول «ولية الفقيه»‪ .‬أي رأي كان رأيه الحقيقي؟ أنا أقول إن الخميني‬
‫لم يكن رجل أفعال‪ ،‬بل رجل ردود أفعال‪ ،‬كان يتأقلم بشكل جيد جدا مع الوضاع‪ ،‬أى أن التحولت في أفكاره حول ولية الفقيه‪ ،‬كانت مرتبطة‬
‫بتحولت على الرض‪.‬‬
‫* ما الشيء الذي كان يقوده إذا لتتغير أفكاره حول ولية الفقيه؟ ـ السلطة هي التي كانت تقوده‪ .‬عندما كان الشاه ل يزال في الحكم‪ ،‬والخميني‬
‫في قم‪ ،‬كان يعرف أن الحديث عن ولية الفقيه سيؤدي به إلى المنفى‪ .‬أما في النجف فقد تحدث عن تطبيق الولية السلمية لنه كان ضد حكم‬
‫الشاه على أساس أنه حكم ضد السلم‪ .‬وفي فرنسا‪ ،‬كانت الثورة اليرانية تتأجج‪ ،‬وبدأ حكم الشاه يضعف‪ ،‬فبدأ الخميني يتحدث عن «ولية‬
‫الجمهور»‪ .‬وفي إيران‪ ،‬عندما وصل للسلطة بعد الثورة تحدث الخميني عن ولية الفقيه‪ .‬هذا يفسر بشكل جيد التغييرات الدورية في آرائه في هذا‬
‫الخصوص‪ ،‬ويبرهن على أنه كان يتأقلم مع احتياجات الوصول إلى السلطة‪.‬‬
‫* هل فوجئت برغبة الخميني في المساك بمقاليد السلطة بنفسه؟‬
‫ـ كليا‪ ،‬بالطبع‪ .‬لنه بحسب ما كنا نؤمن به منذ طفولتنا‪ ،‬فإن رجل الدين هو شخص ل تحركه السلطة‪ ،‬بل هو شخص زاهد‪ .‬فأن نرى رجل دين‬
‫يغير رأيه بهذه السهولة فقط لدواعي السلطة‪ ،‬كان أمرا صعب تصوره‪.‬‬
‫* قلت من قبل إن الخميني وصل للثورة متأخرا‪ ،‬ولم يكن واثقا من نجاحها‪ .‬ما الذي تعنيه بذلك؟‬
‫ـ عندما كان الخميني في النجف‪ ،‬وكانت الحركة الوطنية قد بدأت تتأجج في إيران‪ ،‬لم يكن الخميني مستعدا للتدخل‪ ،‬لنه خشي من أن تكون‬
‫حركة المعارضة هذه من دون مستقبل وأن تنطفئ سريعا‪ .‬فأخر الخميني رد فعله طوال أربعين يوما‪ .‬الحركة الحتجاجية الواسعة بدأت في شهر‬
‫يناير (كانون الثاني) ‪ ،1978‬ثم في أبريل (نيسان) ‪ .1978‬وبدأ الخميني التجاوب معها عندما رأى أن للحركة مستقبل‪ .‬عندما جاء إلى فرنسا كان‬
‫خائفا‪ ،‬لنه في هذا الوقت كان الصحافيون في إيران يرسلون تقارير يقولون فيها إن هذه ثورة ل تعرف ماذا تريد وتتحدث عن سلطة السلم لكن‬

‫ل أحد يمكنه أن يحدد ماذا يعني ذلك‪ .‬كانت حملة دعائية ضد الثورة‪ .‬ووجد الخميني نفسه في فرنسا حيث للعلم رأى سلبي في الثورة اليرانية‪،‬‬
‫لذلك لم يكن واثقا من أن الشاه سيرحل وأن الثورة ستنجح‪ ،‬حتى أنه تم شراء منزل له في فرنسا في حال لم تنجح الثورة‪ ،‬لكي يبقى فيه‪.‬‬
‫* كيف يمكنك وصف المرشد العلى ليران آية ال على خامنئي وهاشمي رفسنجاني‪ ،‬رئيس مجلس الخبراء وغيرهم من رجال الدين الذين كانوا‬
‫محيطين بالخميني في ذلك القوت؟‬
‫ـ رافسنجاني وغيره لم يكن لديهم تأثير حينها‪ ،‬فقد كانوا رجال دين غير معروفين‪ .‬الخميني كان الشخص المهم‪ .‬قبل الثورة كان الخميني بحاجة‬
‫إلى المفكرين‪ ،‬وقدرته على التأقلم كان جيدة لدرجة أنه تأقلم مع خطاب هؤلء المفكرين‪ .‬كانت هناك لجنة مؤلفة من هؤلء المفكرين المحيطين‬
‫بالخميني في باريس تأخذ أسئلة الصحافيين وتحضر أجوبة يرددها الخميني على الصحافيين‪ .‬عندها كان الخميني «تحرري»‪ .‬ولكن عندما عاد إلى‬
‫إيران‪ ،‬لحظة هبوط الطائرة في طهران‪ ،‬دخل اثنان من رجال الدين إلى الطائرة وغادر الخميني معهما (آية ال مطهري وآية ال بهشتي)‪ .‬وهكذا‬
‫كانت نهاية عهد المفكرين وبداية عهد المللي‪ .‬شكل الخميني مجلس الثورة‪ ،‬وأنا أصبحت عضوا فيه بعد شهر‪ ،‬ورفسنجاني أيضا كان عضوا فيه‪.‬‬
‫لقد اختار الخميني رجال دين غير معروفين لنهم كانوا يأتمرون بأوامره‪ ،‬بينما رجال الدين الكبار يتمتعون بالستقللية‪.‬‬
‫* هل كنت ضمن الحلقة الضيقة للخميني التي كان يستمع إليها؟‬
‫ـ كل‪ ،‬الخميني في الخارج‪ ،‬فرنسا مثل‪ ،‬كان يستمع إلى المفكرين‪ ،‬ولكن في إيران كان هناك الكثيرون حوله‪ ،‬خاصة من رجال الدين ذوى‬
‫الميول الراديكالية‪ .‬ولكن أهم من كان يستمع إليه الخميني كانت السلطة وما تتطلبه‪.‬‬
‫* قلت مرة إنك كنت ستتوصل إلى اتفاق لوقف إطلق النار لنهاء الحرب اليرانية – العراقية عندما كنت رئيسا ليران بين ‪ 1980‬و ‪،1981‬‬
‫لكن ذلك لم يحدث لن رجال الدين أرادوا استمرار الحرب‪ .‬لماذا؟ وهل تعتقد أن الحرب العراقية ‪ -‬اليرانية كان أداة لتصفية الليبراليين ورجال‬
‫الحركة الوطنية؟‬
‫ـ يوم تنفيذ النقلب ضدي في يونيو (حزيران) عام ‪ 1981‬قلت في أحد بياناتي إن أحد أسباب هذا النقلب ضدي هو أن رجال الدين في‬
‫السلطة يريدون مواصلة الحرب‪ .‬وزير دفاع بريطانيا في ذلك الوقت عندما كانت مارغريت تاتشر رئيسة للوزراء‪ ،‬قال إن البريطانيين فعلوا كل‬
‫ما باستطاعتهم لكي تبدأ الحرب اليرانية ‪ -‬العراقية ولكي تستمر‪ .‬هل عقد الخميني والمقربون منه صفقة مع البريطانيين لكي تستمر الحرب؟ هذا‬
‫المر بحاجة إلى وثائق لتأكيده‪ .‬ولكن الخميني لم يكن بحاجة إلى هذه الصفقة لكي يطالب بمتابعة الحرب‪ .‬فحتى اليوم‪ ،‬يقولون ذلك في إيران‪ .‬قبل‬
‫عدة أيام قال محسن رضائي‪ ،‬القائد السابق للحرس الثوري اليراني إنه لو لم تستمر الحرب حينها‪ ،‬لم يكن باستطاعة السلطة الحالية في إيران أن‬
‫تتبلور وتتشكل‪ .‬فالخميني كان بحاجة إلى استمرار الحرب‪ .‬رجال الدين أرادوا أن يفتتوا الجيل الذين غير نظام الشاه بتلك الثورة الشعبية‪ ،‬أرادوا‬
‫تحييد ذلك الجيل‪ .‬وخلل الحرب اليرانية ‪ -‬العراقية‪ ،‬جرى تدمير وتحييد جيل بكامله عن الساحة السياسية‪ ،‬فهم إما قتلوا خلل الحرب التي‬
‫استمرت ثماني سنوات‪ ،‬أو لم يتمكنوا من مواصلة أى عمل سياسي بسبب الحرب‪ ،‬فتمكن رجال الدين من فرض سطوتهم على إيران‪ .‬أما في ما‬
‫يخص أزمة الرهائن الميركيين بعد احتلل الطلبة اليرانيين للسفارة الميركية‪ ،‬فبالطبع عقدت السلطات في إيران صفقة سرية مع إدارة رونالد‬
‫ريغان لطلق الرهائن الميركيين‪ ،‬في إيران ولبنان‪( .‬جزء منها كان معروفا تم التفاق عليه في الجزائر ويقضي بالفراج عن نحو ‪ 7‬مليارات‬
‫دولر من الموال اليرانية التي جمدتها أميركا بعد الثورة مقابل إطلق الميركيين المحتجزين في السفارة الميركية بطهران‪ ،‬وجزء آخر متعلق‬
‫بشراء أسلحة أميركية وإسرائيلية لدعم المجهود الحربي اليراني خلل الحرب مع العراق مقابل إطلق أميركيين محتجزين في لبنان‪ ،‬وهى‬
‫الصفقة التي عرفت بإيران غيت)‪.‬‬

‫* قلت مرة إن جماعة الخميني كانت ل تمانع في فتح حوار مع الوليات المتحدة‪ ،‬فيما أنت كنت تمانع‪ .‬فلماذا؟‬
‫ـ لم أمانع‪ ،‬ولكن بالنسبة لي‪ ،‬فإن العلقات الطبيعية كانت مقبولة‪ ،‬ولكن ما لم يكن مقبول هو العداء في الظاهر‪ ،‬ثم اعتماد سياسة عقد صفقات‬
‫في السر‪ ،‬كما حدث عندما جرى فضح قضية «إيران غيت»‪ .‬واليوم يحصل المر نفسه‪ ،‬فهناك حديث عن مفاوضات سرية مع المقربين من‬
‫الرئيس الميركي باراك أوباما وبين مسؤولين إيرانيين‪ .‬فكيف يمكن لنظام يقول إنه إسلمي أن يسمح بهذه التصرفات؟ كل هذا بالنسبة لي فساد‬
‫يسمح بأن تستمر الديكتاتورية‪ .‬أنا أؤيد العلقات الطبيعية المفتوحة والشفافة كي ل يعود الشعب خائفا‪ .‬فالنظام اليراني يقول إن الميركيين‬
‫يريدون قلب نظام‪ ،‬مما يسهل تبرير القمع الداخلي والمواقف العدائية‪.‬‬
‫* من هي إذا الطبقة التي تحكم إيران اليوم؟ هل ما زال رجال الدين نافذون كما كانوا في بداية عهد الثورة؟ ـ نفوذ رجال الدين في إيران شارف‬
‫على النتهاء‪ ..‬في الوقت الحاضر المافيا العسكرية ‪ -‬المالية هي التي تحكم‪ .‬من يملكون قوة السلح والمال يحكمون‪ .‬جزء كبير من القتصاد‬
‫اليراني بيد الحرس الثوري‪ ،‬وعدد كبير منهم في السلطة التنفيذية وفي البرلمان وفي السلطة القضائية‪ ،‬وحتى النشاطات الثقافية جزء كبير منها‬
‫في أيدي الحرس الثوري‪.‬‬
‫* كيف تصف المرشد العلى خامنئي؟‬
‫ـ خامنئي ضعيف‪ .‬ولذلك سمح للمافيا بالسيطرة على الدولة‪ .‬رجال الدين حذروه من أن سياسته يمكن أن تكون كارثية على طبقة رجال الدين‪،‬‬
‫وأن الطبقة التي تملك المال والسلح ستحكم (الحرس الثوري) وهذا سيجعل الشعب مستاء‪ ،‬وسيعبر عن استيائه لنا لننا سبب هذا الوضع‪ .‬ولنه‬
‫رجل ضعيف‪ ،‬ترك المر يصل إلى هذا الحد‪ .‬فليس هناك تفسير آخر لكيف تمكن جزء من الحرس الثوري من السيطرة على الدولة اليرانية بهذا‬
‫الشكل‪.‬‬
‫* عندما تم اختيار خامنئي ليحل مكان الخميني‪ ،‬هل استغربت؟‬
‫ـ في الواقع لقد اعترضت على هذا التعيين‪ ،‬لن خامنئي لم يكن من بين الزعماء الدينيين الكبار‪ ،‬بل كان رجل دين متوسط المكانة‪ ،‬وبحسب‬
‫الدستور ل يمكنه أن يحل محل الخميني‪.‬‬
‫لقد تردد أن هناك رسالة من الخميني لرئيس مجلس الخبراء‪ ،‬قال فيها الخميني إنه من غير الضروري أن يكون خلفه من بين الزعماء الدينيين‬
‫الكبار أو من آيات ال‪ ،‬وإنه يمكن تعيين أى رجل دين إذا كان يتمتع بالصفات القيادية‪ .‬لكن أنا سألت خبراء عن الرسالة هنا في فرنسا‪ ،‬فأكد‬
‫الخبراء الدوليون أن هذا ليس خط يد الخميني‪ ،‬وأن هذه الرسالة مزورة‪ .‬عارضت السفارة اليرانية ذلك‪ ،‬وكان الرد أنه إذا كان هناك اعتراض‪،‬‬
‫يمكن الذهاب إلى المحكمة‪ .‬بالطبع لم تذهب السفارة اليرانية إلى المحكمة لن الرسالة كانت مزورة‪ .‬لكن حتى لو لم تكن مزورة‪ ،‬فإن الخميني لم‬
‫يكن لديه الحق لن يقول لمجلس الخبراء أن يختار شخصا ل يتمتع بالصفات اللزمة لكي يخلفه‪.‬‬
‫* ما رأيك بالرئيس الصلحي محمد خاتمي وترشحه للنتخابات الرئاسية في يونيو (حزيران) المقبل؟ هل تعتقد أنه أخذ الضوء الخضر من‬
‫المرشد العلى؟‬
‫ـ التزامات خاتمي تظهر أنه بالفعل أخذ الضوء الخضر من خامنئي‪ ،‬وإل كيف يمكن تفسير أنه منذ إعلن ترشحه‪ ،‬أكد لخامنئي أنه ليس فقط‬
‫وفيا للنظام‪ ،‬بل سيحترم القوة المطلقة لخامنئي‪.‬‬

‫* هل تعتقد أن هناك قرارا من خامنئي أن فترة رئاسية واحدة للرئيس اليراني محمود أحمدي نجاد تكفي‪ ،‬وأن فترة باراك أوباما في إيران تحتاج‬
‫إلى وجه مثل خاتمي في إيران؟‬
‫ـ إذا كان خامنئي والمافيا المالية ‪ -‬العسكرية في إيران قرروا تطبيع العلقات مع الميركيين‪ ،‬فان أحمدي نجاد سيكون في وضع أفضل من‬
‫محمد خاتمي لكي يفعل ذلك‪ .‬فكما قال أحد المحللين اليرانيين‪ ،‬إذا تمكن أحد من تطبيع العلقات مع الوليات المتحدة‪ ،‬فإنه سيصبح بطل قوميا‬
‫في إيران‪ .‬فهل يمكن أن نتخيل أن يسمح خامنئي لخاتمي بأن يصبح بطل قوميا؟ بحسب القوانين الراهنة‪ ،‬فإن السياسة الخارجية تعود لخامنئي‪،‬‬
‫فإذا قرر هو تطبيع العلقات‪ ،‬فلن يعود هناك فرق بين أحمدي نجاد وخاتمي‪ ..‬لكن السؤال من يريد خامنئي أن يصبح بطل قوميا؛ أحمدي نجاد أم‬
‫خاتمي؟‬
‫* بعيدا عن العلقات مع أميركا‪ ..‬هل تعتقد أنه لو أراد خاتمي إحداث تغيير وبدء إصلحات داخلية ديمقراطية وفي مجال حقوق النسان‪ ..‬هل‬
‫سيتمكن من تحقيق ذلك؟‬
‫ـ في ظل هذا النظام‪ ..‬مستحيل‪ .‬ورجال الدين يقولون له هذا المر بوضوح‪.‬‬
‫* هل أنت إذا متفائل أم متشائم من مستقبل إيران؟‬
‫ـ أنا متفائل جدا‪ ،‬لن التغيير على صعيد الشعب مستمر‪ .‬اليوم الشعب اليراني يفهم أن الديمقراطية ضرورية لكي تخرج إيران من العزلة والفقر‬
‫والعنف‪ .‬الحركة لن تتوقف وهذا شيء سيستمر رغم الكبت‪ ،‬وهذا أمر حتى في عهد الشاه لم نر مثله‪.‬‬
‫* هل تتوقع ثورة ثانية في إيران؟‬
‫ـ حركة شعبية واحدة تكفي‪ ،‬والمر يتوقف على عامل الخوف‪ .‬إذا تقلص الخوف من الخارج‪ ،‬آمل أن تقترب هذه الحركة‪ .‬أملي مبني على أن‬
‫الشعب اليراني يعرف الن ماذا يريد‪ .‬يريد الديمقراطية‪ .‬كان هناك أشخاص وقت الثورة لم يكونوا مع الديمقراطية‪ ،‬هم اليوم معها‪ .‬فالنظام فقد‬
‫شرعيته‪ .‬وكل العوامل الخارجية والداخلية حاضرة لكي تستعيد إيران بعد ثلث ثورات‪ ،‬ديمقراطيتها‪ .‬الشعب اليراني لديه رغبة في التغيير‪ ،‬لكن‬
‫السلطة في الوقت الحالي لديها أموال البترول‪ ،‬واقتصاد إيران يعتمد على هذه الموال‪ .‬لذلك في الوقت الحالي‪ ،‬إذا أردنا التحدث اقتصاديا‪ ،‬فإنها‬
‫ليست الدولة التي تعتمد على الشعب‪ ،‬بل العكس‪ .‬الشعب أو المجتمع يعتمد على الدولة التي تملك الموال والقوة المسلحة وعنصر الخوف‪ ،‬وهو‬
‫العنصر الهم‪ .‬تخيلوا ‪ 70‬مليون إيراني بحاجة لكي يستوردوا حتى موادهم الغذائية‪ .‬إيران اليوم هي أول مستورد للقمح في العالم‪ ،‬أضيفوا إلى‬
‫ذلك التهديد الذي عاشته إيران خلل فترة حكم الرئيس الميركي جورج بوش‪ ،‬من ضربة عسكرية‪ ،‬إلى حصار اقتصادي‪ .‬إذا لم يشعر اليرانيون‬
‫أن هناك تهديدات جدية ضدهم‪ ..‬فإنهم سيتحركون نحو الحرية‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ - )6‬محسن كديور لـ «الشرق الوسط»‪ 3 :‬قوى من المحافظين تحكم إيران اليوم‬
‫المفكر اليراني البارز يتحدث عن تنازع القوى وقلق خامنئي من الصلحيين‪ ..‬و«الحلقة الضيقة» حول المرشد العلى التي تتخذ القرارات‬

‫دور قم في إتخاذ القرار السياسي تراجع في الونة الخيرة لصالح طهران («الشرق الوسط»)‬
‫منال لطفي‬
‫قبل عامين قال المفكر اليراني البارز حجة السلم محسن كديور لـ«الشرق الوسط» إن الولي الفقيه المقبل ليران لن يكون من قم‪ ..‬بل من‬
‫طهران‪ .‬ومن يتابع التطورات في إيران اليوم يلحظ أن موزاين القوى تتحول من قم الى طهران بسرعة كبيرة‪ .‬فكل موارد القوى (اقتصاد‪-‬‬
‫سياسة‪ -‬أمن) باتت في طهران‪ ،‬فيما فقدت قم ورجال الدين فيها الكثير من نفوذهم التقليدي‪ .‬البعض يرى هذا تطورا سلبيا‪ ،‬والبعض يراه تطورا‬
‫ايجابيا‪ .‬والبعض الخر ل يعرف بالضبط تأثير هذه التحولت على مستقبل إيران‪ ،‬ومن هؤلء محسن كديور‪ ،‬الذي يقول في حوار جديد أجرته‬
‫معه «الشرق الوسط» أخيرا إن إيران لديها اليوم بازار جديد‪ ،‬غير البازار التقليدي في طهران‪ ،‬لكن هذا البازار ل يعلم أحد عنه الكثير‪ ،‬وهو‬
‫عبارة عن رجال أعمال يملكون المال لكنهم ل يملكون العقل وهذا ما يجعلهم خطرين‪ ،‬بحسب قوله‪ .‬كما يتحدث عن ثلثة قوى من المحافظين‬
‫تحكم إيران اليوم‪ ،‬هم المحافظون الجدد‪ ،‬ممثلون في تيار علي لريجاني رئيس البرلمان ومحمد قليباف عمدة طهران‪ .‬والمحافظون التقليديون‬
‫ويمثلهم البازار‪ .‬والمحافظون الراديكاليون ويمثلهم الحرس الثوري‪ .‬ويتذكر كديور انه قبل نحو ‪ 30‬عاما عندما كان آية ال الخميني في باريس‪،‬‬
‫جاءت صحافية من صحيفة «الفيجارو» الفرنسية تسأله‪« :‬ما الذي تعنيه بالجمهورية السلمية وما هي طبيعة هذه الجمهورية في إيران‪ ..‬فقد‬
‫سمعنا عن جمهوريات إسلمية في ليبيا وباكستان وموريتانيا لكن أيا منهم ليست جمهورية ديمقراطية»؟ فرد عليها آية ال الخميني‪« :‬الجمهورية‬
‫اليرانية تماما مثل أي جمهورية أخرى»‪ .‬فسألته الصحافية‪« :‬أرجوك‪ ..‬هل يمكن أن توضح أكثر»؟ فرد عليها الخميني‪« :‬دولة جمهورية مثل‬
‫الجمهورية الفرنسية»‪ .‬ويتابع كديور‪« :‬كان هذا الحوار منذ ‪ 30‬عاما‪ ،‬فقد كان في عام ‪ ..1979‬وصدقنا ما قاله الخميني»‪ .‬وهنا نص الحوار‪:‬‬
‫* هل هناك تنازع بين القوى التي تحكم إيران اليوم؟ ـ نعم‪ ..‬لكن تدريجيا ومع الزمن بات حيز السلطة يضيق أكثر فأكثر‪ .‬بات مقصورا على‬
‫المرشد العلى والمؤمنين بولية الفقيه‪ ،‬وبالتالي صار هناك عرف وليس قانونا مكتوبا وهو أنه إذا أراد شخص أن يعمل في السياسة فعليه أن‬
‫يؤمن بولية الفقيه‪ ،‬إذا لم تكن مؤمنا‪ ،‬ل يمكنك المشاركة ل في البرلمان ول في الرئاسة ول في المجالس المحلية أو كحاكم لي منطقة‪ .‬هذا يعني‬
‫أن السياسة في إيران مشروطة‪ ،‬وهذا الشرط هو اليمان بالولي الفقيه‪ .‬تدريجيا المواطنون اليرانيون ابتعدوا عن السياسة‪ .‬أعتقد أن تنازع القوى‬
‫الن انتقل من حيز السياسة إلى حيز القتصاد وحيز الجتماع وحيز الثقافة وهذا سيكون له تأثير كبير على مستقبل إيران‪ .‬فاليوم الشباب اليراني‬
‫يعيشون حياتهم بطريقة مختلفة تماما عن السيناريو الذي تتصوره الحكومة‪ ،‬فهم ل يؤمنون بأيدولوجيتهم‪ ،‬ول أفكارهم‪ ،‬يؤمنون فقط بما يعتقدونه‪،‬‬
‫وهذا مختلف جدا عما ينقل في التلفزيون أو يقوله المرشد العلى‪.‬‬
‫* ما هو برأيك مستقبل الصلحيين في إيران وحظوظهم في انتخابات الرئاسة في يونيو المقبل؟ ـ وضع الصلحيين في انتخابات الرئاسة‬
‫سيكون أفضل في اعتقادي من وضعهم في انتخابات البرلمان العام الماضي‪ ،‬لنه في البرلمان يمكن تصفية العديد من الصلحيين‪ ،‬لكن في‬
‫الرئاسة‪ ،‬الوضع مختلف‪ ،‬فأسماء الصلحيين معروفة جدا ول يمكن استبعادهم بسهولة‪ .‬أحدهم هو مهدي كروبي الذي كان رئيسا للبرلمان لمدة ‪8‬‬
‫سنوات خلل ولية محمد خاتمي‪ .‬وطبعا خاتمي نفسه‪ .‬وعلى الرغم من أن البعضاأنتقد سياسات خاتمي الناعمة إزاء المحافظين‪ ،‬إل أن خاتمي‬
‫شخص جيد‪ ،‬وأعتقد أنه ل أحد يمكن أن ينافسه على الرئاسة‪ ،‬ل بين الصلحيين ول بين المحافظين‪ .‬والسيد خامنئي يعرف هذا‪ .‬لكن المشكلة أن‬
‫خاتمي اذا انتخب مجددا‪ ،‬فإنه قد ل يكون قادرا على تأدية عمله بطريقة أفضل مما كان عليه المر خلل الثماني سنوات التي كان فيها رئيسا‪.‬‬
‫فالمشكلة في إيران ليست مشكلة أداء الرئيس‪ ،‬لدينا مشكلة في الدستور اليراني وأعتقد أن خاتمي ل يستطيع حلها ( يقصد القيود على أداء الرئيس‬
‫من مؤسسات غير منتخبة مثل مجلس صيانة الدستور ومجلس الوصياء)‪ .‬كذلك كروبي ل يستطيع حل هذه المشاكل‪ ،‬ففي انتخابات البرلمان‬

‫الماضي احتل حزبه مرتبة متأخرة وسط الحزاب الصلحية‪.‬‬
‫* هل ما زال البازار قادرا على التأثير سياسيا؟ ـ لدينا بازار جديد (يضحك) في إيران‪ .‬البازار التقليدي دعم المحافظين التقليديين‪ ،‬أي طبقة‬
‫رجال الدين‪ .‬أما كوادر العمار والبناء (حزب براغماتي أسسه هاشمي رفسنجاني نهاية الثمانينيات من القرن الماضي) فيدعمه التكنوقراطيون‬
‫والمهندسون وليس البازار التقليدي وهم أغني من البازار التقليدي‪ .‬لكن هناك ايضا بازار جديد في إيران وهؤلء مجموعات من رجال العمال‬
‫القريبين من الحكومة‪ ،‬وهم حريصون على متابعة كل مجريات المور‪ ،‬يريدون الحصول على المعلومات ويريدون الحفاظ على ثرواتهم‪ ،‬وهؤلء‬
‫أغنى من التكنوقراط‪ ،‬وليسوا معروفين أو مشهورين لكنهم أثرياء جدا‪ .‬غير أنهم ايضا ل يتمتعون بالخبرة الكافية‪ ،‬وهذا يجعلهم خطرين‪ .‬فهم‬
‫لديهم المال لكن ليس لديهم العقل‪.‬‬
‫* هل هؤلء هم القوة التي تدعم أحمدي نجاد؟ ـ ربما بعضهم‪ ..‬لكن أحمدي نجاد ليس قويا جدا كما يعتقد البعض‪ ،‬هو مجرد جندي في جيش‬
‫المرشد العلى‪ .‬هذه النخبة القتصادية قريبة أكثر من مركز صنع السياسة في إيران‪ .‬ليس لدينا معلومات كافية عنهم لكننا نعرف أنهم اقوياء جدا‪،‬‬
‫وهم في إيران‪ ،‬الكثير منهم له خلفية عسكرية‪ ،‬أي عمل في المؤسسات العسكرية قبل أن يتجه للمال والعمال‪ .‬بعضهم كان يعمل في دول الخليج‬
‫وعادوا إلى إيران بأموال هائلة‪.‬‬
‫* هل ولء هؤلء للمرشد العلى وولية الفقيه؟ ـ ليس لدى معلومات كافية حولهم‪ ،‬أعرف فقط بعضهم‪ ،‬وهم أغنياء جدا وتدريجيا بدأوا يبتعدون‬
‫عن الساحة السياسية‪ .‬وهم أقوياء جدا بسبب علقاتهم وخلفياتهم والمعلومات التي يعرفونها‪ ،‬كذلك هم إذا أرادوا فعل شئ‪ ،‬فإن لديهم القدرة‪.‬‬
‫بإختصار هذه النخبة الجديدة أقوى من البازار التقليدي ومن الحكومة‪ .‬فالبازار التقليدي يؤيد المحافظين التقليديين ورجال الدين في قم‪ .‬اما‬
‫التكنوقراط فبعضهم يؤيد الصلحيين‪ ،‬وبعضهم الخر يؤيد المحافظين الجدد‪ .‬أما النخبة الجديدة فأعتقد أنه سيكون لها دور في مستقبل إيران لكن‬
‫للسف ليس دورا جيدا في اعتقادي‪ .‬انا لست متفائل بدورهم لأهم ل يتمتعون بالخبرة اللزمة‪ ،‬أو المعرفة‪ ،‬لكن يجب أن ننتظر ونرى‪.‬‬
‫* هل انتقادات رئيس البرلمان علي لريجاني وعمدة طهران محمد قليباف والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي‪ ،‬وكلهم من التيار‬
‫المحافظ‪ ،‬لسياسات أحمدي نجاد دليل على تفكك يحدث وسط المحافظين؟ ـ لست متفائل كثيرا بهذه المجموعة من المنشقين عن المحافظين‪.‬‬
‫النظام اليراني أزاح الصلحيين تدريجيا‪ ،‬وهو يحتاج الن إلى معارضة داخلية‪ ،‬لكن معارضة داخلية في يد المرشد العلى‪ .‬السيناريو مكتوب‬
‫بالفعل وهم سيلعبون بهذه الطريقة‪ .‬السيناريو هو منافسة بين فريقين من داخل التيار المحافظ‪ .‬كان هذا هو الوضع بعينه في العقد الخير من حكم‬
‫الشاه‪ .‬فقد أنشأ حزبين تابعين له كي ينافسا بعضهما البعض‪ ،‬أحدهما كان «حزب الشعب»‪ ،‬والخر كان حزب «إيران الجديدة»‪ .‬كلهما كان يلعب‬
‫دورا مختلفا في المسرحية نفسها‪ .‬بمعنى آخر‪ ،‬المحافظون في إيران اليوم أحرار طالما هم تحت ظل المرشد العلى‪ ،‬وبالتالي هم أحرار في أن‬
‫ينافسوا بعضهم البعض في اطار النظام العام‪.‬‬
‫* هل يمكنهم الحفاظ على وجودهم بهذه الطريقة‪ ..‬هل يمكن أن تتضارب مصالحهم يوما ما‪ ..‬إنها مسرحية خطرة‪ ،‬أليس كذلك؟ ـ نعم‪ ..‬السياسة‬
‫كلها لعبة خطرة‪ .‬لكن كما يعرف الجميع‪ ،‬هناك حدود يجب أن يلتزموا بها‪ ،‬وفي اطار هذه الحدود يمكن أن يلعبوا بشكل حر‪ ،‬وهذه الحدود‬
‫يضعها المرشد العلى‪ .‬ل مشكلة إذا‪n‬؟ (يضحك)‪.‬‬
‫* ما هي علقة الحوزة العلمية في قم بأحمدي نجاد‪ ،‬وهل هي أحد مصادر قوته؟‬
‫ـ أحمدي نجاد ليس مهما‪ ..‬وعلى هذا الساس ليس هناك أي تغيير في علقة الحوزة مع الرئاسة‪ .‬أحمدي نجاد ليس مهما‪ ،‬المهم هو المرشد‬
‫العلى‪ .‬فالوضع في قم هو كما كان عليه قبل وصول أحمدي نجاد للسلطة‪ .‬ما صنعه أحمدي نجاد هو الترويج للخرافة في السياسة والثقافة‬

‫اليرانية‪ .‬فقد قدم أموال إلى مراكز تقوم بالترويج للفكار الخرافية مثل مسجد «جانكران» في قم‪ .‬فقد أشيع أن الشخص الذي يزور هذا المكان‬
‫يكون مرتبطا بالمام الثاني عشر أو المام المهدي‪ ،‬ومع أن هذا الكلم ليس له أساس في الفكر الديني عند الشيعة‪ ،‬إل أن البعض يؤمن بهذه‬
‫الفكار‪ .‬البعض قال بعد زيارة المسجد إنه رأى المام المهدي في منامه أو أن المام جاء وصلى في المسجد‪ ،‬وبالتالي يذهب الناس مساء كل‬
‫ثلثاء إلى مسجد «جانكران» ويصلون هناك‪ ،‬حتى أن زوار هذا المكان زاد عددهم على عدد زوار مقام السيدة المعصومة‪( ،‬أخت المام الرضا)‪.‬‬
‫وهذه ظاهرة سلبية لنها تعني أن الخرافة تسود مكان الدين الحقيقي‪ .‬أعتقد أن دور أحمدي نجاد هو زيادة الخرافة وتقليص الفكر الديني الحقيقي‪.‬‬
‫* هل الصراع الن بين الصلحيين والمحافظين يذكرك بالحال في السنوات الولى بعد الثورة؟ ـ خلل سنوات حكمه حتى الن أراد أحمدي‬
‫نجاد أن يحي زمن الثورة‪ ،‬وقال شيئا مقاربا جدا لما قاله المام الخميني حول العودة لصول الثورة‪ ،‬لكن‪ ،‬ولن الزمن تغير‪ ،‬فقد ظهر ما قاله‬
‫أحمدي نجاد مثل شئ كوميدي‪ .‬فالخميني عندما قال ما قاله كان في ظرف معين وكان نفوذه بالغا‪ ،‬لكن بعد ‪ 30‬عاما من الثورة تغير الوضع‪.‬‬
‫غالبية اليرانيين يرون أن هذه العبارات هدفها جذب أصوات الناخبين للتصويت لحمدي نجاد لنيل ولية ثانية في يونيو المقبل‪ .‬لكن أحمدي نجاد‬
‫يصدر الكثير من الجلبة‪ ،‬وخلف هذه الجلبة‪ ،‬يجب أن نعرف أن المرشد العلى هو الذي يدير السياسات اليرانية‪ .‬عندما يسألني الصحافيون حول‬
‫أحمدى نجاد أطلب منهم أن ل يركزوا عليه‪ ،‬لن كل وظيفته في الواقع هى صناعة الجلبة والضوضاء‪.‬‬
‫* لكن جلبة أحمدي نجاد تضمنت مؤخرا الهجوم على محمد خاتمي وعلى هاشمي رفسنجاني‪ ،‬الول أتهم بالخيانة لنه صافح إمراة‪ ،‬والثاني‬
‫وصف بأنه رئيس مافيا و«مليونير المللي»‪ ..‬أليست هذه الجلبة خطيرة على الصلحيين‪ ..‬وهل كان هذا الوضع ذاته في العوام الولى بعد‬
‫الثورة؟ ـ أعتقد أنه في السنوات الولي بعد الثورة لم يكن الصلحيين مؤثرين‪ ،‬بينما الن نحن أكثر تأثيرا‪ ،‬ول يمكن تكرار السنوات الولى بعد‬
‫الثورة للمرة الثانية في تاريخ إيران‪ ،‬وربما لهذا تتزايد الضغوط علينا‪.‬‬
‫* لكن هل صحيح أن خامنئي ل يريد عودة الصلحيين للحكم؟ ـ هو ل يحب الصلحيين‪ ،‬ول يريد أن يسمح لهم بالعودة للحكم‪ ،‬ولديه من‬
‫السلطة ما يكفي ليفعل هذا‪ .‬مشكلة الصلحيين أن لديهم برامج عديدة‪ ،‬وليس لديهم برنامج واحد‪ .‬إذا كان لدينا برنامج واحد لكان بإمكاننا أن نفعل‬
‫الكثير‪ .‬فبعض الصلحيين مثل خاتمي وكروبي وهاشمي رفسنجاني‪ ،‬رئيس مجلس الخبراء‪ ،‬يريدون العمل في اطار المؤسسات الرسمية‪،‬‬
‫والمشاركة في السلطة‪ ،‬ولهذا ل يقولون الكثير من الشياء ول يفعلون الكثير من الشياء أيضا‪ ،‬ودورهم مقيد‪ .‬الكثير من اليرانيين ل يوافقون‬
‫على هذه التضييقات لكن ليس لديهم من القوة ما يكفي ليفعلوا ما يريدون‪ .‬في المستقبل القريب لن يستطيع الصلحيون في إيران فعل شئ‪،‬‬
‫خصوصا في ضوء الدستور والمرشد العلى‪ .‬المر كان على الحال ذاته عندما كان خاتمي في السلطة‪ ،‬المرشد العلى يسيطر على ‪ %80‬من‬
‫السلطة‪ ،‬والـ ‪ % 20‬الباقية في يد باقي القوى‪.‬‬
‫* هل تعتبر رفسنجاني اصلحيا؟ ـ إنه قريب من الصلحيين‪.‬‬
‫* هل أصبح مقربا من الصلحيين لن المحافظين دفعوه بعيدا عن حلقاتهم الضيقة‪ ..‬أي انه لم يختار أن يكون اصلحيا بل دفع دفعا لهذا‬
‫المعسكر ردا على تهميشه وسط المحافظين؟ ـ هذه هي السياسة‪ ..‬السيد هاشمي رفسنجاني أكبر من المرشد العلى ليران بنحو ‪ 10‬سنوات‪،‬‬
‫اعتقد أنه أفضل من الكثير من المحافظين‪ ،‬وهو قريب حاليا من الصلحيين‪ ،‬ربما هو ليس اصلحيا لكنه قريب من الصلحيين‪ .‬السيد كروبي‬
‫مثل لم يشارك مع الصلحيين‪ ،‬وقطع وحدة الصلحيين في انتخابات البرلمان على عكس رفسنجاني الذي اتحد مع الصلحيين‪ .‬هذا يعني أن‬
‫الصلحيين في إيران غير قادرين على تعزيز قدراتهم‪ ،‬بسبب تفككهم‪ ،‬ويجب أن ننتظر بعض الوقت‪ ،‬لكنني لست متفائل كثيرا بالمستقبل‬
‫القريب‪.‬‬
‫* من الخارج يبدو رفسنجاني كالرجل الثاني في منظومة الحكم في إيران‪ ،‬فقد تولي رئاسة الجمهورية لفترتين‪ ،‬والن يرأس مجلس الخبراء‪ ،‬وهو‬

‫الهيئة التي تختار المرشد العلى ولها حق فصله‪ ،‬لكن في الحقيقة أظهرت النتخابات البرلمانية والرئاسية الخيرة‪ ،‬التي خسرها رفسنجاني أمام‬
‫احمدي نجاد عام ‪ ،2005‬ان قدرات رفسنجاني ليست بل حدود‪ ..‬هل هذا صحيح‪ ،‬وهل فقد رفسنجاني قدراته؟ ـ ما أعلمه‪ ،‬وأنا ل أعلم كل شئ‬
‫وقد سمعت الكثير من الشياء‪ ،‬لكنني سأقول فقط الشياء التي أثق في صحتها‪ .‬لنبدأ بالحقائق المؤكدة ومنها تزايد عائدات النفط في إيران‪ ،‬فقد‬
‫ارتفع سعر البرميل إلى أكثر من ‪ 100‬دولر بداية عام ‪ ،2008‬هذا جعل الحكومة اليرانية الحالية ثرية جدا‪ ،‬ويعني أنها كانت أغنى حكومة‬
‫تحكم إيران منذ الثورة اليرانية عام ‪ .1979‬عندما يكون لدى الحكومة كل هذا المال‪ ،‬فإن هذا يعني أن بإمكانها ان تفعل أي شئ‪ .‬هذه هي النقطة‬
‫الولى‪ .‬النقطة الثانية هي أن الستخبارات اليرانية قوية جدا‪ ،‬وهي كلها تتبع المرشد العلى‪ ،‬وكذلك الحرس الثوري (ساباه باسدران) والباسيدج‬
‫(قوات التعبئة)‪ .‬إذا‪ n‬قوات الباسدران والباسيدج والستخبارات‪ ،‬اضافة إلى أموال النفط تجعل المرشد العلى ورجاله أقوياء‪ .‬أيضا من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬هؤلء لديهم خبرة أمام الصلحيين‪ .‬ففي زمن خاتمي‪ ،‬وقبله في زمن رفسنجاني‪ ،‬عندما كان رئيسا‪ ،‬أي خلل الستة عشر عاما‪ ،‬اكتسب‬
‫السيد خامنئي خبرة كبيرة جدا‪ ،‬وبات اليوم يعرف كيف يتصرف حيال الصلحيين‪ .‬وبالتالي ل أعتقد ان الصلحيين ضعفوا‪ ،‬ولكن اعتقد أن‬
‫المحافظين باتوا أكثر قوة بسبب القتصاد والقوات العسكرية‪ .‬أي إن رفسنجاني لم يضعف لكن المحافظين باتوا أكثر قوة‪.‬‬
‫* وماذا عن الحلقة الضيقة التي تحكم حاليا‪ ..‬فخامنئي ل يمكن أن يحكم منفردا‪ .‬فمن هم أعضاء هذه الحلقة الضيقة وهل رفسنجاني داخلها؟ ـ‬
‫ليس لدى معلومات كافية حول هذه النقطة‪ ،‬لكنني واثق من أن أبناء خامنئي ضمن هذه الحلقة الضيقة (مجتبي خامنئي وأحمد خامنئي)‪ ،‬وهم أقوياء‬
‫جدا‪ .‬كذلك مدير مكتبه حجة السلم أصغر حجازي الذي كان يعمل في الستخبارات قبل أن يعين خامنئي مرشدا أعلى ليران وقبل ذلك كان من‬
‫رجال الدين‪ .‬كما ان من ضمن الحلقة الضيقة قيادات من الساباه والجيش والستخبارات‪.‬‬
‫* هل أحمدي نجاد ضمن هذه الحلقة الضيقة؟ ـ لست واثقا‪ .‬لكنني أعتقد انه ليس أكثر من منفذ أوامر بالنسبة للمرشد العلى‪.‬‬
‫* وماذا عن العلقة بين رفسنجاني والمرشد العلى خامنئي؟ ـ ليس لدي معلومات كافية حول هذا‪ .‬سمعت أشياء لكنني لست واثقا منها‪ .‬كلهما‬
‫يقيم مع الخر علقة رسمية‪ .‬يزور رفسنجاني المرشد العلى مرة في السبوع‪ ،‬ويظل معه نحو ساعتين‪ ،‬لكنني ل أعلم ماذا يبحثان‪.‬‬
‫* أليسا قريبين من بعضهما البعض الن؟ ـ كانا صديقين قريبين من بعضهما البعض في الماضي‪ ..‬لكن خامنئي هو المرشد العلى‪ ،‬كما دخلت‬
‫السياسة بينهما‪.‬‬
‫* ما الذي فعلته الحركة الصلحية كي يكون خامنئي منزعجا منها لدرجة اقصائها من الساحة السياسية؟ ـ الصلحيون أرادوا أن يسيطروا‬
‫على السلطة في إيران‪ .‬قالوا إن السلطة يجب أن تكون مسؤولية‪ .‬وكان هذا هو المبدأ الول للصلحيين في إيران‪ ،‬السلطة يجب أن تكون‬
‫مسؤولة أمام المواطنين‪ .‬ونحتاج إلى مؤسسات تعكس هذه المسؤولية وتجيب على أسئلة الرأي العام‪ .‬هذه المؤسسات يمكن أن تكون برلمانا قويا‪،‬‬
‫وليس مثل مؤسسة البرلمان الحالية والتي هى بيد المرشد العلى (عن طريق تصفية المرشحين عبر مجلس الوصياء)‪ .‬كان لدينا برلمان في زمن‬
‫الشاه‪ ،‬لكن في ذلك الوقت مكتب الشاه كان يحدد من يجب أن يكون موجودا في ذلك البرلمان‪ ،‬وتدريجيا‪ ،‬كان ثلثا المجلس يحددان من قبل الشاه‬
‫من دون أي منافسة حقيقية‪ .‬وهذا الوضع قريب جدا للوضع الحالي‪ .‬الصلحيون قالوا أيضا إن المرشد العلى يجب أن يكون مسؤول أمام‬
‫مجلس الخبراء‪ .‬ومن حق مجلس الخبراء توجيه استفسارات إلى المرشد العلى‪ ،‬وعليه أن يجيب‪ .‬المرشد العلى ل يخضع وحده للمساءلة‪ ،‬بل‬
‫كل المؤسسات التي تتبع له‪ .‬كذلك تحدث الصلحيون عن صحافة وتلفزيون حر ل يخضعان للرقابة‪ .‬قلنا إنه في زمن الرسول والخلفاء‬
‫الراشدين‪ ،‬كان بإلمكان انتقاد الخليفة‪ .‬سيدنا عمر بن الخطاب قال للمسلمين‪ :‬إذا اعوججت صححوني‪ .‬ايضا في زمن سيدنا علي كان الناس‬
‫تنتقده‪ ،‬ولم يذهب أحد للسجن‪ .‬هذه أفكار الصلحيين‪ .‬إذا الصلحيون خطيرون بالنسبة لخامنئي (يضحك)‪.‬‬
‫* بعد الثورة كان هناك حزب حرية إيران بزعامة مهدي بازركان وإبراهيم يزدي وعزت ال سحابي وكانت لهم أفكار حول المسؤولية والمحاسبة‬

‫وحرية وسائل العلم‪ ..‬وقد تمت تنحيتهم جانبا واقصاؤهم عن الساحة السياسية‪ ،‬وهذا يتكرر الن‪ .‬أنتم لم تتحركوا حقيقة للمام منذ الثورة‬
‫اليرانية قبل ‪ 30‬عاما؟ ـ نعم‪ ..‬أنا أؤمن بالثورة السلمية في إيران‪ .‬وبعد ‪ 30‬عاما أعتقد أنها كانت ثورة حقيقية‪ .‬لكن النظام السياسي بعد‬
‫الثورة‪ ،‬وتدريجيا ابتعد عن أهداف الثورة‪ .‬في ذلك الوقت كل حزب كان لديه أعضاء في الحكومة‪ .‬لم يكونوا ينتمون إلى حزب واحد أو نهج‬
‫فكري واحد‪ .‬الن كل المؤسسات الحاكمة في إيران تمثل حزبا واحدا وهو تيارالمحافظين‪ .‬ولنه ليس في إيران أحزاب بالمعني الحقيقي للكلمة‬
‫أفضل أن أسميها جماعة واحدة‪ .‬لدينا تيارات وفصائل وسط المحافظين‪ ،‬وهؤلء هم المحافظون الجدد (لريجاني وقليباف ورضائي)‪ ،‬والمحافظون‬
‫التقليديون (البازار) والمحافظون الراديكاليون (الحرس الثوري)‪ .‬لكن كلهم محافظون في النهاية‪ .‬ليس هناك اصلحيون في المؤسسات الحاكمة في‬
‫إيران اليوم‪ .‬الوضع كان مختلفا في زمن آية ال الخميني‪ .‬مجلس الوصياء كان بيد المحافظين‪ ،‬والحكومة والمؤسسة القضائية كانت بيد تيار كان‬
‫يعتبر التيار الصلحي بمعايير اليوم‪ ،‬وهو التيار اليساري‪ .‬اليوم ليس لدينا هذا التنوع‪ .‬ربما حجة السيد خامنئي ان الصلحيين والمحافظين‬
‫آنذاك كانوا يؤمنون بالخميني‪ .‬لكن الكثير من الصلحيين في إيران اليوم ل يؤمنون بولية الفقيه‪ .‬وبالتالي من وجهة نظر خامنئي ل مكان لهم‬
‫داخل النظام‪ .‬وربما هو محق‪ ،‬فالجماعتان‪ ،‬محافظون ومعتدلون‪ ،‬آمنوا بالخميني‪ .‬والن الوضع مختلف‪.‬‬
‫* هل إيران اليوم وبعد ‪ 30‬عاما من الثورة «جمهورية اسلمية» أم «دولة اسلمية»؟ ـ اسم «الجمهورية السلمية» اسم مقدس بالنسبة لنا لنه‬
‫في بداية الثورة قبل ‪ 30‬عاما استخدم الخميني لول مرة تعبير «الجمهورية السلمية» بدل من «الدولة السلمية»‪ ،‬وكان ذلك مصطلحا جديدا‬
‫في وقته‪ ،‬والفرق بين الدولة السلمية والجمهورية السلمية أن النظام اليراني يجب أن يكون جمهوريا‪ ،‬بالضافة إلي كونه اسلميا‪ .‬لكن‬
‫تدريجيا‪ ،‬وخاصة خلل سنوات حكم أحمدي نجاد بات هو والمحافظون يستخدمون تعبير «الدولة السلمية»‪ ،‬بدل من «الجمهورية السلمية»‬
‫وهذا يعني أنهم يريدون أن يلغوا الجمهورية‪.‬‬
‫* هل فعل يستخدم أحمدي نجاد تعبير الدولة السلمية؟ ـ نعم أحمدي نجاد يستخدم تعبير «الدولة السلمية» أكثر مما يستخدم تعبير‬
‫«الجمهورية السلمية»‪ .‬وهذا نفس المصطلح الذي يستخدمه معلمه آية ال مصباح يزدي‪ .‬مصباح يزدي قال إن «الجمهورية السلمية» تعبير‬
‫إنتقالي في بداية الثورة قبل الوصول إلى «الدولة السلمية»‪ .‬فكما يقول يزدي‪ ،‬لم يكن بمقدار الخميني استخدام تعبير «الدولة السلمية» لن‬
‫اليرانيين كانوا أقرب إلى الليبرالية آنذاك‪ ،‬وإذا استخدم الخميني تعبير «الدولة السلمية» فإن أغلبية الناس لم يكونوا ليقبلوا بالمصطلح‪ ،‬لذا‬
‫استخدم تعبيرا انتقاليا وهو «الجمهورية السلمية»‪ .‬كما يقول يزدي إن المحافظين لديهم الن ما يكفي من القوة لستخدام التعبير الصحيح‪ ،‬ليس‬
‫فقط كمصطلح‪ ،‬بل كحقيقة واقعية‪ .‬وبحسب ما يرى يزدي في الدولة السلمية ليس هناك حاجة إلى انتخابات‪ ،‬فالنتخابات مصطلح غربي‬
‫والمرشد العلى معين من ال والرئيس مصطلح غربي‪ ،‬وما نحتاج إليه هو مجلس إستشاري للتشاور حول القضايا الهامة‪ ،‬وليس برلمانا وحكم‬
‫أغلبية وأقلية‪ .‬هذه كلها مصطلحات غربية وليست اسلمية‪ ،‬كما يقول يزدي‪ .‬هذه هى نظرية المحافظين‪ ،‬وأعتقد أنهم يريدون أن يغيروا‬
‫«الجمهورية السلمية» إلى «دولة اسلمية»‪ .‬هم يعتقدون أن هناك تناقضا بين الديمقراطية والسلم‪ ،‬هذا ما قاله مصباح يزدي وأحمدي نجاد‪.‬‬
‫لكن السيد خامنئي يلجأ إلى تعابير أفضل من هذا‪ ،‬وبالتالي خرج بمصطلح «الديمقراطية السلمية»‪ ،‬و«الديمقراطية السلمية» تعني ما انجزوه‬
‫حتى الن‪ .‬لكن «الديمقراطية السلمية» ليست الديمقراطية الحقيقية‪« ،‬الديمقراطية السلمية» ليست أكثر من البيعة‪ ،‬وتعني أننا نحدد ونعين‬
‫الشخص الجيد لهذا المنصب‪ ،‬وما على المواطنين سوى أن يقولوا إننا نقبل هذا التعيين‪ .‬فالنتخابات في إيران الن تعني البيعة وليس أكثر‪ ،‬وهي‬
‫ل تعني إختيار المواطنين‪ .‬في «الديمقراطية السلمية» أعضاء مجلس الوصياء يقررون الشخصيات التي يعتقدون أنها مناسبة لهذه المناصب‪.‬‬
‫ربما يمكن اختيار عدد أكبر كثيرا من العدد المطلوب انتخابه‪ ،‬لكن كلهم متشابهون مع بعضهم البعض‪ ،‬وعلى الناخبين الختيار من بينهم‪ ،‬لكن‬
‫الختيار الساسي تم بالفعل من قبل المرشد العلى‪ ،‬عن طريق تصفية المرشحين غير المرغوب فيهم‪ ،‬وهذه بيعة وليست إنتخابات‪ .‬وبالتالي‬
‫عندما نسمع «ديمقراطية اسلمية» فهي تعني البيعة تحت ظل ولية الفقيه‪ .‬ومن الواضح جدا أن هذه ليست ديمقراطية‪ ،‬لكنهم يقولون‪ :‬ديمقراطيتنا‬
‫أفضل من الديمقراطية الغربية‪ .‬فهذا النظام في رأيهم أو البيعة يعني أن هناك جولتين من النتخابات في إيران‪ .‬الجولة الولى‪ :‬مجلس الوصياء‬
‫وهم مجموعة من رجال الدين مقربين من المرشد العلى يختارون المرشحين المسموح لهم بالترشح‪ .‬أما الجولة الثانية فهي عندما يذهب الناس‬
‫ويقبلون بهؤلء المرشحين‪ .‬فالتصويت في «الديمقراطية السلمية»‪ ،‬في تعبير السيد خامنئي‪ ،‬يعني قبول اختيار مجلس الوصياء‪ ،‬وهذا قريب‬

‫جدا من نظام البيعة وهذا هو النموذج الشيعي من الخلفة‪ .‬المثقفون السلميون في إيران حاولوا خلل الخمسين عاما الماضية أن يظهروا أن‬
‫هناك تفسيرا جديدا للسلم السياسي‪ ،‬وأن هناك توافقا بين الديمقراطية والسلم‪ .‬وهذا يعني أن الديمقراطية جاءت من السلم والقرآن والسنة‪.‬‬
‫أنا ل اقول هذا ول أعتقد أنه صحيح ول أعتقد أن الديمقراطية هي الشوري‪ .‬ما أقوله هو أنه يمكننا أن نحظى بنظام ديمقراطي بإحترام القيم‬
‫السلمية‪ ،‬لكن كل منهما يسير بجانب الخر‪ ،‬ل أن يشتق من الخر‪ .‬فليس هناك تناقض بين القيم السلمية وبين الدولة السلمية وبين النظام‬
‫الديمقراطي‪ ،‬هذا ما أعتقده‪ .‬قبل نحو ‪ 30‬عاما عندما كان آية ال الخميني في باريس‪ .‬جاءت صحافية من صحيفة «الفيجارو» الفرنسية سألته ما‬
‫الذي تعنيه بالجمهورية السلمية؟ ما هي طبيعة الجمهورية السلمية في إيران‪ ،‬فقد سمعنا عن جمهوريات اسلمية في ليببا وباكستان وموريتانيا‬
‫لكن أيا منهم ليست جمهورية ديمقراطية؟ فرد عليها آية ال الخميني‪ :‬الجمهورية اليرانية تماما مثل أي جمهورية اخري‪ .‬فسألته الصحافية‪:‬‬
‫أرجوك‪ ..‬هل يمكن أن توضح أكثر؟ فرد عليها الخميني‪ :‬دولة جمهورية مثل الجمهورية الفرنسية‪ .‬وكان هذا الحوار منذ نحو ‪ 30‬عاما‪ ،‬فقد كان‬
‫في عام ‪ ..1979‬وصدقنا ما قاله الخميني‪ .‬هناك تفسيران ليدولوجية الثورة اليرانية‪ .‬الول‪ :‬وهو الن التفسير الرسمي للدولة وقريب جدا من‬
‫تفسير المحافظين‪ ،‬هو نموذج «الدولة السلمية» وهو بعيد عن حقيقة «الجمهورية السلمية» والديمقراطية‪ .‬أما التفسير الثاني‪ :‬فهو ما يؤمن به‬
‫الصلحيون‪ ،‬لكن ليس بنفس الدرجة‪ .‬بعض الصلحيين يقول‪ :‬يمكن أن نحتفظ بولية الفقيه عبر الوسائل الديمقراطية‪ ،‬أي ولي فقيه منتخب‪.‬‬
‫لكن الن غالبية الصلحيين في إيران بدأت تدرك أن هناك تناقضا بين ولية الفقيه والديمقراطية‪ ،‬باتت تعتقد أن إيران يمكن ان تظل «جمهورية‬
‫اسلمية» من دون ولية الفقيه‪ .‬لكن الصلحيين لم يعملوا «نظريا» بما يكفي لتكريس مفهوم «الجمهورية السلمية»‪.‬‬
‫* هل يمكن فعل تغيير اسم الجمهورية السلمية؟ ومن يدفع في هذا التجاه؟ ـ أعتقد أنه اجمال سيتم الحفاظ على اسم «الجمهورية السلمية»‬
‫لكن مع تغيير طبيعة النظام‪ .‬وسيكون المر بسيطا جدا‪ ،‬أي لدينا السم من دون أن يكون لدينا واقع الجمهورية‪ .‬وهذا التغيير تقوده القوى الدينية‬
‫التقليدية والمحافظون‪.‬‬
‫* ما الفرق بين القوي الدينية التقليدية والمحافظين في إيران؟ ـ هما قريبان من بعضهما البعض‪ .‬التقليديون (سنتي) من جهة هو «تعبير ديني»‪.‬‬
‫والمحافظون (محافظة كار) من جهة أخري «تعبير سياسي»‪ .‬عندما نقول «القوي التقليدية» في إيران تتجه الفكار إلى رجال الدين وإلى‬
‫الشخاص المتدينين والبازار التقليدي‪ .‬هؤلء الشخاص محافظون بالمعني السياسي ويريدون الحفاظ على المر الواقع‪ ،‬وهم قريبون من الفكار‬
‫المحافظة في القتصاد‪ ،‬ويعارضون أي اصلحات سواء سياسية أو ثقافية ويخافون من الحريات الثقافية والسياسية‪ .‬غير المتعلمين في إيران‬
‫يميلون إلى دعم المحافظين والتقليديين‪ ،‬أما الذين تلقوا تعليما جامعيا فهم أقرب إلى الصلحيين‪ .‬في قم مثل المحافظون والتقلديون أكثرية‪ .‬في‬
‫طهران المحافظون والتقليديون ضعفاء أكثر مما هم ضعفاء في أي مدينة إيرانية أخرى‪ .‬بين طلبة الجامعات اليرانية المحافظون ليسوا أكثرية‪.‬‬
‫لكن السلطات تفسد البنية الطبيعية للجامعات وذلك بتسهيل دخول قوات الباسيدج للجامعة بأعداد كبيرة‪ ،‬وكذلك بتغيير أساتذة الجامعات‪.‬‬
‫* كيف غيرت سنوات حكم أحمدي نجاد إيران؟ ـ أهم تغيير هو نزع تسيس الشارع اليراني‪ ،‬فمقدار اهتمام الناس بالسياسة قل كثيرا‪ .‬لكن هذا‬
‫ليس في صالح المحافظين‪ ،‬فإيران دولة صغيرة السن‪ ،‬مشاركة الناس وانخراطهم السياسي كان جيدا‪ ،‬لكن الن وتدريجيا صار اليرانيون يبتعدون‬
‫عن السياسة لنهم إذا قالوا ما يعتقدون فإنهم يمكن أن يدخلوا السجن مثل‪ .‬هذا ليس وقتا جيدا لطلبة الجامعات في إيران‪ .‬هذا وقت جيد للمساجد‪.‬‬
‫(يضحك)‪ .‬حتى هذا ليس وقت جيد للمساجد‪ ،‬فخلل أوقات الصلة تجد الكثير من المساجد اليرانية خالية وليست ممتلئة‪ .‬إنهم يستغلون المساجد‬
‫للغراض السياسية وليس للغراض الدينية‪ .‬يمكنك أن تذهب إلى أي مسجد خلل صلة الظهر‪ ،‬ستجد نحو ‪ 20‬أو ‪ 30‬شخصا يصلون‪ ،‬والكثير‬
‫من المساجد اليرانية الن ل تقيم صلة الفجر‪ ،‬وخلل صلة الظهر‪ ،‬ربما نصف المساجد فقط تقيم الصلة‪ ،‬فيما عدا ذلك يذهب الناس للصلة‬
‫بشكل فردي وليس صلة الجماعة‪ .‬المحافظون عززوا من استغلل المساجد في الغراض السياسية‪ .‬فخلل عاشوراء أو غير ذلك من الحتفالت‬
‫الدينية يستغلون المساجد من أجل أهدافهم السياسية‪ .‬المر ليس جيدا‪.‬‬
‫* هل تعتقد أن فكرة تصدير الثورة ما زالت قائمة في إيران الن؟ ـ بعض الشخاص ربما يحبون هذا‪ .‬من الطبيعي أن هؤلء الشخاص يقيمون‬

‫علقات مع أشخاص مثلهم في بلد أخرى‪ .‬عندما يقوم الميركيون بمد نفوذهم في العراق أو افغانستان‪ ،‬فإن من الطبيعي أن يقوم المحافظون‬
‫اليرانيون بالشئ ذاته‪ .‬في السياسة أي شخص يمكن أن يقوم بهذا النوع من الفعال‪ .‬بوش كان يقوم بتصدير الديمقراطية باسمه‪ * .‬هل تعتقد أن‬
‫إيران أقوى الن مما كانت عليه قبل ‪ 5‬سنوات؟ فأحمدي نجاد دائما ما يشدد على النتصارات التي تحققها إيران اقليميا وفيما يتعلق بالبرنامج‬
‫النووي؟ ـ الطاقة النووية ليست شيئا جديدا في إيران‪ .‬فمشروعات الطاقة النووية بدأت في السنوات الولى بعد الثورة‪ .‬خلل سنوات أحمدي‬
‫نجاد سمعنا كثيرا عن الطاقة النووية‪ ،‬لكن هذا ل يعني أن المشروع النووي وليد هذه اليام‪ .‬في زمن هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي كان لدينا‬
‫برنامج نووي‪ .‬بدأنا هذا قبل ‪ 20‬عاما‪ ،‬وهذا ليس شيئا جديدا‪ .‬بل إن البرنامج النووي بدأ خلل زمن الشاه‪ .‬هذا ليس انجاز أحمدي نجاد‪ ،‬هذه‬
‫انجازات ‪ 3‬رؤساء سابقين‪ ،‬وجني الثمار جاء في زمن رئاسته‪ .‬أعتقد مثل الكثير من اليرانيين أن إيران يمكن أن تكون لديها طاقة نووية سلمية‪.‬‬
‫حساسية الغرب ضد إيران حساسية سياسية‪ .‬يشعرون أن إيران إذا حصلت على هذه القوة فإنها ستكون قادرة على تهديد إسرائيل وليس أكثر‪.‬‬
‫رأي المجتمع الدولي والرأي العام العالمي حول إيران كان أفضل قبل السنوات الخمس الخيرة‪ .‬أحمدي نجاد أظهر للعالم صورة شرسة عن‬
‫إيران‪ ،‬صورة غير عقلنية‪ ،‬فيما خاتمي أظهر صورة عقلنية متسامحة ناعمة‪ .‬أعتقد أن حقيقة إيران أقرب إلى صورة خاتمي وليس إلى صورة‬
‫أحمدي نجاد‪ .‬الن عندما يقال إيران تتقمص صورة أحمدي نجاد أو يعتقد البعض ان أحمدي نجاد هو إيران‪ ،‬هذا ليس صحيحا‪.‬‬
‫يقولون إن الثورة تأكل أبناءها‪ ..‬هذا حدث لي‬
‫* يعمل محسن كديور‪ ،‬الذي يعد من أبرز الوجوه الصلحية في إيران‪ ،‬في التدريس الجامعي‪ ،‬كما أنه المدير المسؤول عن لجنة حماية‬
‫الصحافيين في إيران‪ ،‬وهى لجنة غير حكومية أسست لحماية حريات الصحافة‪ ،‬إل أن المفارقة أنه يتعرض بدوره للتضييقات‪ .‬ويقول كديور‬
‫لـ«الشرق الوسط»‪« :‬أردت أن أقدم العام الماضي ورقة بحثية في قم حول حقوق النسان والسلم‪ .‬لكن قالت لي بعض الشخصيات من قم إنه‬
‫من الفضل لي عدم الذهاب إلى هناك‪ .‬بعد ذلك سمعت أن جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم (وهى جماعة محافظة) ذهبت إلى آية ال‬
‫اردبيلي‪ ،‬أحد آيات ال النافذين في الحوزة‪ ،‬وقالت له‪ :‬هذه الورقة يجب أل تقدم أو تنشر في قم‪ .‬بعد ذلك خرجت ‪ 3‬أو ‪ 4‬مقالت ضد ملخص‬
‫ورقتي وتضمنت أنني كتبت ضد السلم‪ ،‬مما سبب لى أجواء غير مريحة‪ ،‬ثم منعت من العمل في الجامعات‪ .‬والن أعمل في المعهد اليراني‬
‫للفلسفة وهو ليس جامعة‪ .‬لقد دفعوا الكثير من الساتذة اليرانيين للتقاعد من عملهم مثل محمد شبستري وعبد الكريم سروش واشيليه وهو عالم‬
‫إيراني شهير في العلوم السياسية‪ .‬نحو ‪ 50‬أستاذا جامعيا أجبروا على التقاعد‪ .‬لكن أنا سني صغير على التقاعد‪ ،‬كما أنهم ل يملكون ما يكفي من‬
‫الدلة ضدي لجباري على التقاعد‪ ،‬فقاموا بتجميع ملف قضائي ضدي‪ .‬أنا الن في برزخ (يضحك)‪ .‬لقد درست ‪ 16‬عاما في الجامعة‪ ،‬و ‪14‬‬
‫عاما في قم‪ .‬والن عملي مقيد‪ .‬المعهد الفلسفي الذي أعمل فيه الن كان من قبل المعهد الملكي للفلسفة في عهد الشاه‪ .‬أى أنه تم نقلي من (جامعة‬
‫ثورية) وهى كلية التربية التي كانت أول كلية يتم إنشاؤها بعد الثورة اليرانية‪ ،‬إلى المعهد الملكي للفلسفة‪ .‬هذا تطور سيئ بالنسبة للثورة‪ .‬هذا‬
‫يعنى‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬أن الثورة تأكل أبنائها‪ ..‬هذا حدث لى‪ .‬الصحف التي كانت تنشر مقالتي مثل «افتاب» و«المدرسة»‪ ،‬وهى دورية بحثية‬
‫و«كيان» كلها أغلقت‪ .‬كل ما أملكه الن هو موقعي اللكتروني‪ ،‬ولو نشطته قليل‪ ،‬فسوف يتم التضييق عليه‪ .‬وبالتالي ل أنشط فيه كثيرا‪ ،‬هو أشبه‬
‫بمكتبة أضع فيها كتاباتي ودراساتي ليطلع عليها تلميذي»‪ .‬وسط انشغاله الكاديمي والصحافي‪ ،‬ألف كديور كتاب «نظريات الحكم في الفقه‬
‫الشيعي»‪ ،‬تناول فيه أهم النظريات الفقهية لدى الشيعة حول ولية الفقيه‪ .‬وفي كتابه «نظريات الحكم في الفقه الشيعي» حدد كديور أهم النظريات‬
‫التي وردت في كتب آيات ال الكبار على مر العصور‪ ،‬حول نظريات الحكم‪ .‬ووفقا لقراءة كديور‪ ،‬فإن هذه النظريات يمكن تلخصيها في ‪9‬‬
‫نظريات‪ ،‬كلها تدور حول سؤال أساسي‪ :‬هل ولية الفقيه جزء من الدين؟ هل ولية الفقيه مقيدة أم مطلقة؟ من يقيدها‪ ،‬المراجع الدينية أم الشعب؟‬
‫وملخص النظريات التسع هو‪1 :‬ـ نظام السلطنة المشروطة‪ .‬وهو يعني وجود مجلس من المراجع الدينية العليا يفتي في شؤون الشريعة‪ ،‬في إطار‬
‫نظام سلطاني يتمتع فيه الولي بسلطات واسعة‪ ،‬ومن آيات ال الذين يؤيدون تلك النظرية آية ال محمد باقر مجلسي‪ ،‬وآية ال ميرزاي قمي‪،‬‬
‫والشيخ فضل ال نوري‪ ،‬وآية ال عبد الكريم حائري يزدي (مؤسس الحوزة العلمية في النجف في عشرينات القرن العشرين)‪ 2 .‬ـ الولي معين‬
‫من الشعب‪ ،‬والشعب هو ميزان الحكم‪ .‬ومن المؤيدين لهذه النظرية المل أحمد نراقي‪ ،‬والسيد محمد حسن نجفي (صاحب كتاب الجواهر‪ ،‬أشهر‬
‫كتاب في الفقه الشيعي)‪ ،‬وآية ال بروجردي‪ ،‬وآية ال الخميني (قبل الثورة اليرانية)‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ نظرية «مجلس فقهي» من ‪ 3‬أو ‪ 4‬من كبار آيات ال تحكم بدل من شخص واحد‪ .‬وتقوم المراجع الدينية باختيار مجلس الحكم هذا‪ .‬ومن‬
‫آيات ال الذين يدعمون هذه النظرية آية ال جواد آملي‪ ،‬وآية ال بهشتي‪ ،‬وآية ال طاهر خرام آبادى‪ 4 .‬ـ نظرية الولية المطلقة للفقيه‪ ،‬أو‬
‫الولية غير المقيدة بأية شروط‪ ،‬على أساس أن الولي ممثل ال في الرض‪ ،‬وسلطاته تماثل سلطات النبي‪ .‬ومن المؤيدين لهذه النظرية آية ال‬
‫الخميني (بعد الثورة اليرانية)‪ 5 .‬ـ نظرية الدولة الدستورية‪ ،‬وهي تعني أن الولية للناس‪ ،‬لكن تحت إشراف رسمي من المراجع الدينية‪( .‬مثل‬
‫إشراف مؤسسات كمجلس صيانة الدستور في إيران على «إسلمية» القوانين التي يقرها البرلمان اليراني)‪ .‬ومن المؤيدين لهذه النظرية آية ال‬
‫نائيني وآية ال منتظري‪ ،‬وآية ال طاهراني‪ ،‬وآية ال خورساني وآية ال طباطبائي والشيخ إسماعيل محلتي‪ 6 .‬ـ نظرية الحكومة المنتخبة مع‬
‫إشراف المراجع الدينية من دون أن يكون لهم دور رسمي‪ .‬ومن آيات ال المؤيدين لهذه النظرية آية ال محمد باقر الصدر‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ نظرية الولية المشروطة للفقيه‪ ،‬وهي تعني أن يكون الولي الفقيه محاسبا من قبل الشعب‪ ،‬وسلطاته مقيدة‪ .‬ومن مؤيديها آية ال منتظري‪،‬‬
‫وآيه ال مطهراني‪ 8 .‬ـ نظرية الحكومة المنتخبة‪ ،‬من دون أن يكون هناك أي دور للفقيه أو للمراجع الدينية‪ .‬ولكنها تعد دولة اسلمية لن الناس‬
‫مسلمون‪ .‬ومن مؤيديها آية ال محمد باقر الصدر‪ 9 .‬ـ نظرية الولية لكل الناس وللجميع حق في الحكم‪ .‬وهنا ليس هناك أي دور للولي الفقيه‪.‬‬
‫ومن مؤيديها آية ال محمد حائري يزدي‪ .‬ما خرج به كديور من وسط كل هذه النظريات هو أنها تطورت في سياقات زمنية مختلفة‪ ،‬وأن الزمن‬
‫هو معيار الحكم وليس النظريات الثابتة‪ .‬وكان كديور‪ ،‬الذي ولد في شيراز في ‪ 7‬يونيو (حزيران) ‪ ،1959‬ودخل الجامعة لدراسة الهندسة‬
‫الكهربائية في جامعة شيراز ‪ 1977‬وخلل دراسته أصبح ناشطا سياسيا‪ ،‬أول مثقف إيراني يعتقل خلل حملة العتقالت التي طالت المثقفين‬
‫والطلبة والصحافيين ‪ 1999‬على خلفية المظاهرات التي عمت إيران بسبب التضييق على الصلحيين‪ ،‬وحكم ساعتها على كديور‪ 47 ،‬عاما‪،‬‬
‫بالسجن ‪ 18‬شهرا في سجن ايفين‪ ،‬ثم أفرج عنه في ‪ 17‬يوليو (تموز) ‪.2000‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )7‬ـ خفوت صوت الصلحيين‬
‫إيران ثاني بلد بعد الصين في المدونات اللكترونية‪ ..‬و ‪ 28‬مليون مستخدم للنترنت‬

‫منال لطفي‬
‫عندما زار وزير الرشاد والثقافة اليراني صفار هرندي سورية نهاية العام الماضي شكا لنظيره السوري محسن بلل من عدم اهتمام سورية‬
‫بدبلجة المسلسلت اليرانية باللغة العربية وعرضها وبيعها في السواق العربية‪ ،‬كما تفعل سورية مع المسلسلت التركية‪ .‬قال هرندي ساعتها إن‬
‫المسلسلت التركية المدبلجة بالعربية ساهمت في أن يعرف العالم العربي المزيد عن تركيا‪ ،‬وأن الشيء نفسه يجب أن يحدث مع إيران‪ .‬فهناك‬
‫رغبة إيرانية في أن يعرف العالم عن إيران أكثر‪ ..‬لكن بعيون إيرانية وعبر وسائل وأدوات إيرانية‪ .‬وبالتالي ل غرابة في أن يكون من ضمن أهم‬
‫المشروعات اليرانية في اميركا اللتينية إنشاء قناة تبث باللغتين البرتغالية والسبانية بعضا من محتوى قناة «برس تى في» التي تبث‬
‫بالنجليزية‪ .‬لكن بالرغم من الهتمام اليراني الملحوظ في السنوات الخيرة بالتوسع اعلميا في الخارج‪ ،‬فإن الداخل شهد تضييقا اعلميا‪ ،‬يقول‬
‫الصحافيون اليرانيون إنه يشتد مع قرب النتخابات الرئاسية اليرانية المقررة في يونيو (حزيران) المقبل‪ .‬وليس من السهل أن تعمل صحافيا في‬
‫إيران‪ .‬فالصحافيون عادة يقعون بين ضغطين‪ .‬ضغط الشارع الذي يريد قيودا أقل على الخبار وضغط وزارة الرشاد والثقافة التي تريد قيودا‬
‫أكبر على الخبار‪ ،‬وإذا اضفت الى ذلك تناقص معدلت القراءة وتراجع نسبة التوزيع ونسبة العلنات وصعوبة شراء الورق وتوجه أكثر من‬
‫‪ %50‬من اليرانيين للنترنت للتزود بالخبار‪ ..‬فستشعر إذا كنت صحافيا في إيران ان هذا وقت صعب‪ .‬يقول ما شاء ال شمس الواعظين‬
‫الصحافي ومدير المركز اليراني لدراسات الشرق الوسط‪« :‬هذه المرحلة أسوأ مرحلة نمر بها من ناحية وضع الصحف والعلم‪ .‬ل توجد في‬
‫هذه المرحلة صحافة حرة ومستقلة‪ ،‬توجد هناك بعض التيارات وصحافة تنطق باسمها‪ ،‬لكن منضبطة جدا‪ ،‬ومراقبة جدا من قبل وزارة الرشاد‬
‫والثقافة وحكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد‪ ،‬والمجلس العلى للمن القومي الذي يطلق بين الحين والخر الكثير من التعليمات للعلم‪ .‬مثل‬
‫يحدد الطريقة التي يجب ان تعالج بها الصحف اليرانية الملف النووي والسياسة الخارجية‪ :‬اكتبوا هذا‪ ..‬ول تكتبوا ذلك‪ .‬هناك ‪ 530‬عنوان‬
‫صحيفة ومجلة ودورية تنشر في إيران في هذه المرحلة‪ ،‬لكن معدل القراءة لكل مواطن إيراني قليل جدا‪ .‬فكل ‪ 64‬مواطنا إيرانيا يقرأون نسخة‬
‫واحدة يوميا‪ .‬وهذا رقم قياسي متدن جدا من ناحية المعايير الدولية‪ .‬لكن مرحلة ربيع الديمقراطية‪ ،‬إذا صح التعبير‪ ،‬كانت في عهد الرئيس محمد‬
‫خاتمي‪ .‬هذه المرحلة وكنت أنا نشطا فيها أيضا‪ ،‬تم مصادرة ‪ 5‬صحف كنت أكتب فيها‪ ،‬كما سجنت ‪ 3‬مرات في عهد الرئيس خاتمي ومنعت من‬
‫العمل الصحافي حتى اشعار آخر‪ .‬العلم في إيران موجه‪ ،‬لكن يوجد هناك هامش من الحرية ايضا لبعض من التيارات التي يقودها رجالت‬
‫الثورة مثل مهدي كروبي‪ ،‬رئيس حزب اعتماد ملي‪ ،‬وبعض الشخصيات الخرى»‪ .‬وبسبب التضييق على الصحافة المطبوعة فإن المجتمع‬
‫اليراني شهد نقلة نوعية في استخدام النترنت والعتماد على المدونات اللكترونية لنقل الخبار‪ ،‬واليوم هناك في إيران ‪ 28‬مليون مستخدم‬
‫للنترنت‪ .‬ويوضح شمس الواعظين لـ«الشرق الوسط»‪« :‬إيران البلد الول‪ ،‬طبعا بعد الصين‪ ،‬في المدونات اللكترونية‪ ،‬ويب بلوغ‪ ،‬وهذا شيء‬
‫غريب‪ ،‬فالصين مليار و ‪ 200‬مليون وإيران ‪ 80‬مليونا فقط‪ .‬نحن إذن الدولة الولي بعد الصين‪ ،‬بالرغم من التباين الكبير في عدد السكان‪ .‬من‬
‫ناحية الصحافة اللكترونية هناك ازدياد مطرد بسبب وجود تضييقات على الصحافة المطبوعة‪ .‬أما الصحافة المرئية والمسموعة فكلها محتكرة من‬
‫السلطات‪ ،‬فليس في إيران تلفزيون أو اذاعة مستقلة او تابعة للقطاع الخاص‪ .‬لكن لكي أكون أكثر انصافا في حكمي على الوضع الصحافي في‬
‫إيران‪ ،‬عندما اتحدث عن العلم ومعاييره‪ ،‬أتحدث مستندا الى المعايير الدولية في العلم الحر‪ ،‬بدون التطرق الى المقارنة بين المجتمع اليراني‬
‫والمجتمعات السلمية‪ .‬فاذا قارنا ايران مع باقي الدول السلمية سيكون لدينا هامش حرية أكثر بكثير من الهامش المتاح لغيرنا من دول المنطقة‪.‬‬
‫لكن اذا قارنا وضعنا بالمعايير الدولية سيكون وضعنا سيئا»‪ .‬وتؤكد وزارة الرشاد والثقافة اليرانية أنه يوجد اليوم ‪ 30‬صحيفة يومية في إيران‪،‬‬
‫غالبيتها تنتمي للمحافظين‪ ،‬وأن الصحف ذات التوزيع المرتفع كلها صحف رياضية‪ .‬فمتوسط توزيع الصحف الرياضية اليومية مليوني نسخة‪،‬‬
‫ترتفع الى ‪ 4‬مليين نسخة بعد المباريات الهامة‪ ،‬وذلك على العكس من التوجه العام منتصف التسعينات‪ ،‬عندما كانت صحف إصلحية مثل‬
‫«شرق» توزع نحو مليون نسخة في اليوم‪ .‬ويقول محسن كديور مدير لجنة حماية الصحافيين في إيران لـ«الشرق الوسط» إن الصحف‬

‫الصلحية التي كان عددها يبلغ ‪ 20‬صحيفة قبل نحو ‪ 8‬أعوام‪ ،‬تقلصت تدريجيا حتى باتت إيران تخلو كليا من صحيفة اصلحية كبيرة‪،‬‬
‫موضحا‪« :‬تدريجيا تدهورت حالة حرية الصحافة في إيران‪ .‬الن ليس لدى الصلحيين صحافة حقيقية‪ .‬هناك ‪ 3‬صحف يومية تعتبر قريبة من‬
‫الصلحيين وليست اصلحية‪ .‬وعندما أقول صحيفة أعني مطبوعة توزع على القل ‪ 10‬آلف نسخة في اليوم‪ .‬فهناك بعض الصحف توزيعها‬
‫مثل ‪ 5‬آلف أو حتى الفين‪ ،‬وأنا ل أسمي هذه صحفا‪ .‬من ضمن الصحف التي توزع ما ل يقل عن ‪ 10‬آلف نسخة في اليوم‪ ،‬هناك ‪ 3‬صحف‬
‫فقط تعتبر قريبة من الصلحيين‪ ،‬احدها هى (اعتماد ملي) التي يصدرها السيد مهدي كروبي باسم حزبه السياسي (اعتماد ملي)‪ .‬والثانية هى‬
‫(كاركوزران) او كوادر البناء وهي تابعة لهاشمي رفسنجاني ورئيس تحريرها حسين كرباستشي‪ ،‬عمدة طهران السبق‪ .‬والثالثة هى «اعتماد»‬
‫ويديرها احد الصلحيين‪( .‬اعتماد) ربما هى الكثر راديكالية بين هذه الصحف الثلث‪ ،‬أي أنها تعبر بطريقة أفضل عن مزاج الصلحيين‪ .‬كل‬
‫من هذه الصحف توزع نحو ‪ 50‬الفا نسخة في اليوم‪ .‬في الفترة الذهبية للصلحيين كانت صحيفة «شرق» التي يرأسها سعيد حجاريان توزع نحو‬
‫مليون نسخة في اليوم‪ .‬اليوم أكثر الصحف الصلحية انتشارا ل توزع أكثر من ‪ 50‬الف في اليوم‪ .‬في العصر الذهبي للصلحيين كان لدينا ‪20‬‬
‫صحيفة في اليوم‪ ،‬اثنتان منهما كانتا توزعان في المتوسط مليون نسخة في اليوم‪ .‬والباقي يوزع نحو ‪ 50‬الف في المتوسط‪ .‬ما الذي يعنيه هذا؟‬
‫يعني أن اليرانيين اليوم ل يقرأون الصحف‪ .‬وبعضهم‪ ،‬مثلنا‪ ،‬يستخدمون النترنت‪ .‬لكن هناك الكثير من التضييقات على النترنت في المنازل‪.‬‬
‫فكل يوم يتم فلترة المواقع التي يمكن فتحها‪ .‬أما وكالت النباء التي يمكن عن طريقها الحصول على المعلومات‪ ،‬فقد أغلقوا المستقل منها مثل‬
‫«إلينا» وهى وكالة النباء العمالية‪ .‬أما وكالة أنباء «أسنا» التي كانت قريبة من الصلحيين‪ ،‬فقد غيروا مديرها العام»‪ .‬أهم الصحف اليومية في‬
‫إيران‬
‫* كيهان‪ :‬تأسست عام ‪ 1941‬وهى محافظة‪ ،‬قريبة من مركز صنع القرار ويعين رئيس تحريرها المرشد العلى ليران‪ .‬وتوزيعها ‪ 350‬الف‬
‫نسخة في اليوم‪.‬‬
‫*جمهوري إسلمي‪ :‬تتبع مباشرة لية ال خامنئي بوصفه المرشد العلى ليران‪ .‬وهى أول صحيفة يؤسسها المحيطون بآية ال الخميني بعد نجاح‬
‫الثورة عام ‪ 1979‬لتكون المتحدث باسم السلطة الجديد‪ .‬وأرقام توزيعها غير معروفة‪.‬‬
‫* طهران تايمز‪ :‬تتبع لمؤسسة «النتشار السلمي» وهى إحدى المؤسسات التي تتبع مكتب المرشد العلى‪ .‬أسست «طهران تايمز» عام ‪1979‬‬
‫لتكون اول صحيفة إيرانية يومية ناطقة بالنجليزية بعد الثورة‪ .‬وبالرغم من أن روؤساء تحريرها دائما من المحافظين‪ ،‬فإنها تقدم الخبار بطريقة‬
‫مباشرة‪ ،‬ول تستخدم عادة التعبيرات التي تستخدم في الصحف اليرانية الناطقة بالفارسية‪ ،‬مثل وصف إسرائيل بـ«الشيطان الصغر» مثل‪.‬‬
‫توزيعها نحو ‪ 15‬الف نسخة في اليوم‪.‬‬
‫* رسالت‪ :‬تأسست عام ‪ ،1985‬وهى تعكس وجهات نظر المحافظين‪ .‬وتوزيعها ‪ 100‬الف نسخة في اليوم‪.‬‬
‫* جامي جام‪ :‬الصحيفة الرسمية لهيئة الذاعة والتلفزيون اليرانية‪ ،‬التي يرأسها المرشد العلى آية ال على خامنئي‪ .‬وتوزيعها نحو ‪ 460‬ألف‬
‫نسخة‪.‬‬
‫* سياست روز‪ :‬تعكس وجهات نظر الجيل الشاب وسط المحافظين اليرانيين‪ .‬وارقام توزيعها غير محددة‬
‫* إيران‪ :‬هى الصحيفة الرسمية لوكالة النباء اليرانية (ارنا) وهى مثل (ارنا) تعكس وجهات النظر الحكومية‪ .‬وتوزيعها غير معروف‪.‬‬
‫* افتاب يزد‪ :‬تأسست عام ‪ ،2000‬وهى تعكس وجهات نظر الصلحيين‪ ،‬ومقربة من الرئيس اليراني السابق محمد خاتمي وتوزيعها ‪ 100‬الف‬
‫نسخة في اليوم‪.‬‬

‫* اعتماد‪ :‬محسوبة على التيار المعتدل وسط الصلحيين بسبب ميولها الوسطية‪ .‬وتوزيعها غير معروف‪.‬‬
‫* اعتماد ملي‪ :‬تصدر عن حزب «اعتماد ملى» المحسوب على الصلحيين الذي يرأسه مهدي كروبي‪ ،‬رئيس البرلمان خلل ولية محمد‬
‫خاتمي‪ .‬وتوزيعها غير معروف‪.‬‬
‫* همشهري‪ :‬معتدلة‪ ،‬تتبع لرئاسة بلدية طهران‪ .‬وتركز على أخبار العاصمة طهران وعلى الخبار الداخلية اليرانية‪ .‬وتوزيعها نحو ‪ 50‬الف‬
‫نسخة‪.‬‬
‫* اطلعات‪ :‬تأسست خلل عهد الشاه‪ ،‬وهى الصحيفة الوحيدة التي تطبع خارج إيران‪ .‬وأرقام توزيعها غير معروفة‬
‫* الوفاق‪ :‬تصدر باللغة العربية عن وكالة النباء اليرانية (ارنا) وتوزيعها غير معروف‪ .‬أما وكالت النباء في إيران‪ ،‬فهي بالضافة الى ارنا‪،‬‬
‫وكالة النباء الطلبية «أسنا» ووكالة النباء العمالية‪ ،‬ووكالة أنباء فارس ووكالة أنباء مهر‪ ،‬وكلها على صلة بطريقة أو بأخرى بالمؤسسات‬
‫العسكرية أو التنفيذية في إيران‪ .‬غدا‪ :‬معنى تصدير الثورة‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )8‬ـ إيران الخائفة‪ ..‬والمخيفة‬
‫ذهب عباس الموسوي إلى الخميني بعد هجوم إسرائيل ‪ 1982‬وسأله‪ :‬ما العمل‪ ..‬فرد الخميني‪ :‬ابدأوا من الصفر‬

‫منال لطفي‬
‫للدول تركيبات نفسية مثل الشخاص‪ .‬هذه التركيبات تتغير بتغير الظروف والحوال‪ .‬فأحيانا‪ n‬تكون الدول في «مزاج جيد» وأحيانا‪ n‬في «مزاج‬
‫عابس»‪ .‬أحيانا‪ n‬تشعر بـ«القوة والنفتاح» وأحيانا‪ n‬أخرى تشعر بـ«الضعف والعزلة»‪ .‬إيران ليست استثناء‪ €‬من هذه القاعدة‪ .‬فقبل وبعد نجاح‬
‫الثورة اليرانية عام ‪ 1979‬بأشهر عملت إيران على مد أواصر العلقات مع دول عربية من بينها سورية ولبنان والجزائر والمنظمات الفلسطينية‬
‫وليبيا‪ ،‬وتوقعت «دولة الثورة» في إيران أن تكون علقاتها جيدة مع دول المنطقة‪ ،‬مستفيدة بشكل خاص من إعلن شاه إيران إقامة علقات مع‬
‫إسرائيل والستياء السلمي آنذاك من الخطوة‪ ،‬وسعي الدولة اليرانية الجديدة لزالة تهمة «العنصرية الفارسية» التي لطالما نعتت بها‪ .‬لكن‬
‫وعندما تعذر هذا في معظم الحالت‪ ،‬للكثير من السباب المعقدة والمركبة‪ ،‬من بينها الحرب مع العراق ودعم الغرب والكثير من الدول للنظام‬
‫العراقي‪ ،‬بدأت إيران تشعر بـ«العصبية والتوتر» وأن «دولة الثورة» مستهدفة‪ ،‬وأنه لبد لها من «أصدقاء» و«حلفاء» و«أذرع» يشكلون حائط‬
‫دفاع عن الدولة الجديدة‪ ،‬ويمدونها بالطمأنينة‪ .‬فبدأت إيران تبحث عن «تنظيمات» بدل من « دول»‪ .‬ومن هنا ولد مفهوم «تصدير الثورة»‪ ،‬وهو‬
‫المفهوم الذي خدم إيران كثيرا‪ ،n‬كما سبب لها أيضا‪ n‬ضررا‪ n‬كبيرا‪ ،n‬فقد وفر لها علقات عميقة ومركبة ومعقدة مع تنظيمات‪ ،‬وأبعدها في المقابل عن‬
‫دول‪ .‬ويوضح المفكر اللبناني هاني فحص الذي وصل إلى إيران على أول طائرة تصل إلى طهران بعد نجاح الثورة مع ياسر عرفات‪ ،‬وكان دائم‬
‫التنقل بين لبنان وإيران‪ ،‬كما بقي في إيران ‪ 3‬سنوات من عام ‪ 1982‬إلى عام ‪ 1985‬بعدما ع‪r‬ين مسؤول ثقافيا‪ n‬في مركز التصال بعلماء‬
‫المسلمين في رئاسة الجمهورية اليرانية‪ ،‬يوضح لـ«الشرق الوسط» تعقيدات علقة إيران بالدول العربية بقوله‪« :‬حظيت الثورة في إيران‬
‫بإعجاب عدد من الدول العربية مرة‪ ،‬وتأييد البعض مرة أخرى‪ ،‬وسلبية البعض مرة ثالثة‪ .‬والمعجبون كانوا حذرين ‪ -‬بعض دول الخليج مثل ‪-‬‬
‫والمؤيدون كانوا قلة‪ .‬وفي مقابل مصر والمغرب والردن وغيرها ممن عادت الثورة‪ ،‬أيدتها سورية وليبيا بعد منظمة التحرير التي كنت قناة‬
‫التصال بينها وبين الثورة‪ .‬كانت إيران تشعر بالنقص في هذا الجانب وتبحث عن موقف عربي يحررها من التهمة العنصرية الفارسية‪ ،‬بعد‬
‫مجاهرة الشاه في دعمه للعدوان السرائيلي ولدولة إسرائيل‪ ،‬وهو ما كان أحد السباب المعلنة للثورة على الشاه منذ عام ‪ .»1963‬وعندما قام‬
‫الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالهجوم على إيران‪ ،‬فيما الحكومة الجديدة والوزارات لم تستقر بعد‪ ،‬شعر آية ال الخميني‪ ،‬أن المستهدف‬
‫ليس الستيلء على جزء من الراضي اليرانية‪ ،‬بل إسقاط النظام الجديد كله‪ ،‬وكانت فكرة «تصدير الثورة» أساسية وجوهرية بالنسبة للطريقة‬
‫التي سيرد بها الخميني‪ .‬فقد كانت شعارات الثورة اليرانية مثل «ل شرقية‪ ..‬ل غربية‪ ..‬جمهورية إسلمية» أو «نه شرقي‪ ..‬نه غربي‪..‬‬
‫جمهوري إسلمي»‪ ،‬و«صراع المستضعفين والمستكبرين»‪ ،‬و«أميركا الشيطان الكبر‪ ..‬وإسرائيل الشيطان الصغر‪ ..‬وورم سرطاني يجب أن‬
‫يزول»‪ ،‬كانت هذه الشعارات جزء‪€‬ا أساسيا‪ n‬من أدبيات الثورة اليرانية‪ .‬كان الناس في الشوارع تهتف‪« :‬فلتحي‪o‬ا فلسطين‪ ..‬ولتز‪r‬ل إسرائيل»‪ ،‬فيما‬
‫وسائل العلم اليرانية تردد شعارات الخميني التي يرى البعض أنها دشنت جماهيريا‪ n‬لمبدأ تصدير الثورة مثل‪« :‬عندما ث‪q‬رنا نحن إنما ث‪q‬رنا من‬
‫أجل السلم‪ .‬فجمهوريتنا هي جمهورية إسلمية‪ .‬والنهضة من أجل السلم ل يمكن أن تكون خاصة ببلد بعينه‪ ،‬بل إنها تحد بالدول السلمية»‪.‬‬
‫كانت هذه الشعارات والفكار سببا‪ n‬في جذب الكثير من الحركات السياسية الثورية في المنطقة ليران الثورة‪ ،‬أمل في أن تنال «الدعم‬
‫اليديولوجي» والهم «الدعم المادي والعسكري» من دولة لطالما وصفت بأنها «شرطي الخليج» وبها خامس أكبر جيش تقليدي في العالم‪ .‬لكن‬
‫وفيما كان آية ال الخميني يردد في البداية أن هدف النفتاح على تيارات وأحزاب وقوى أخرى في المنطقة هو التضامن المتبادل وأن «يعمل كل‬
‫طرف على قضيته» وليس الندماج بين «طرف مهيمن» وطرف «تابع» أو «علقات وصاية»‪ ،‬إل أن هذا النهج لم يستمر طويل‪ ،‬والمثال البارز‬
‫على هذا هو علقة الثورة اليرانية بحركة فتح وقائدها ياسر عرفات‪ .‬فعندما نشبت الحرب وتقدمت القوات العراقية سريعا‪ ،n‬وأعلن صدام أن قواته‬
‫ستدخل إيران خلل أسبوع‪ ،‬واحتلت القوات العراقية مدن مهران وقصر شيرين وخورمشهر وغيرها‪ ،‬وقال صدام‪ :‬حدودنا مع إيران حيث تتواجد‬
‫قواتنا‪ ..‬كان الشعور في إيران أن هذه الحرب حرب «حياة أو موت» وأنه ما من أداة ينبغي توفيرها‪ ،‬سواء داخل إيران أو خارجها‪ .‬ويقول‬

‫الجنرال محمد رفيق دوست أحد أبرز قيادات الحرس الثوري اليراني في شهادة له لقناة «المنار» اللبنانية التابعة لحزب ال‪« :‬عندما هاجمنا‬
‫العراق لم تكن قوات الحرس الثوري قد أخذت شكلها المنتظم بعد‪ .‬كانت أنشئت بشكل جزئي‪ ،‬وأخذ المتطوعون للتدريب‪ ،‬لكنها لم تكن قسمت إلى‬
‫كتائب وألوية وفرق‪ .‬فالجيش كان فقد قادته ومسؤوليه وس‪r‬ر‪s‬ح الكثير من الجنود وتجهيزاته كانت معطلة»‪ .‬ولهذا أمر الخميني بإنشاء تنظيم شعبي‬
‫أطلق عليه اسم الباسيدج أو «تعبئة المستضعفين» من المتطوعين للحرب‪ .‬ثم وبعد عام كانت إيران تحقق تقدما‪ n‬بعد إعادة تشكيل الجيش والحرس‬
‫الثوري والباسيدج‪ ،‬واستعادت خورمشهر‪ ،‬وشعر صدام أن اليرانيين يزدادون قوة ففكر في وساطة لنهاء الحرب ووقف إطلق النار‪ .‬وكان‬
‫ياسر عرفات هو الوسيط المثل بسبب علقة منظمة التحرير مع إيران‪ .‬ففي عام ‪ 1969‬أفتى الخميني بتوزيع جزء من أموال الزكاة وأموال‬
‫الخ‪q‬مس للمقاومة الفلسطينية المتمثلة آنذاك في فتح‪ ،‬فيما كان أول وزير دفاع إيراني بعد الثورة اليرانية وهو مصطفى جمران ناشطا‪ n‬في لبنان‪،‬‬
‫كما التقى هاشمي رفسنجاني مع عرفات في أحد معسكرات التدريب اليرانية في لبنان وحمل مساعدات إيرانية‪ .‬وبعد انتصار الثورة ‪ 1979‬كان‬
‫وفد منظمة التحرير أول من وصل طهران لتهنئة الخميني‪ ،‬ووصل على متن الطائرة الخاصة للرئيس السوري حافظ السد‪ .‬لكل هذه السباب‬
‫كانت منظمة التحرير وسيطا‪ n‬مناسبا‪ n‬بين العراق وإيران‪ .‬بدأت الوساطة على يد خليل الوزير (أبو جهاد)‪ ،‬وعرضت منظمة التحرير التوسط أيضا‬
‫في العلقات مع بعض البلد الوروبية‪ ،‬لكن الخميني قال ساعتها‪« :‬للثورة اليرانية مشاكلها‪ ..‬وللثورة الفلسطينية مشاكلها‪ .‬وكل• يخلع شوكته‬
‫بيده»‪ .‬فدخل عرفات بنفسه على الخط مع وفد وسطاء من الدول السلمية كان يزور طهران‪ ،‬لكن الخميني رفض الوساطة للمرة الثانية‪ .‬ولم‬
‫يتطرق أساسا‪ n‬إلى موضوع الحرب مع العراق وفتح مواضيع أخرى‪ .‬ثم قال عباراته الشهيرة موضحا‪ n‬أسباب رفض الوساطة مرتين‪« :‬إننا ل نريد‬
‫أن نحارب‪ .‬ومن البداية لم نحارب‪ ،‬لم نكن البادئين في الحرب‪ .‬لكننا قمنا بالدفاع عن أنفسنا بعد أن هاجمونا وما زلنا في حالة دفاع‪ .‬لكن ل يعني‬
‫الدفاع أن نتركه‪ ،‬صدام حسين‪ ،‬بمجرد أن يطلب منا المصالحة‪ .‬إنه كلم خاطئ»‪ .‬كان الخميني غير راض‪ y‬عن موقف منظمة التحرير الفلسطينية‬
‫لن عرفات لم يقل إن العراق هو البادئ بالحرب‪ .‬لكن موقف منظمة التحرير كان دقيقا‪ ،n‬فهي كانت تحتاج العالم العربي‪ ،‬وكان الفلسطينيون‬
‫منتشرين في كل العالم العربي‪ ،‬وكان التوازن ضروريا‪ ،n‬لكن في إيران كان الخيار بين‪ :‬إما أن تكونوا معنا أو ضدنا‪ .‬ويقول هاني فحص إن‬
‫التعقيد في علقات الخميني وياسر عرفات بدأ عندما وضح أن كل منهما كان يريد الخر جزء‪€‬ا من برنامجه الوطني‪ ،‬ومن هنا جاء الشقاق بين‬
‫الطرفين‪ .‬ويوضح فحص لـ«الشرق الوسط»‪« :‬انفتح الخميني على القضية الفلسطينية من دون نية في التدخل في تفاصيلها ولم يتردد في إعلن‬
‫تأييده لها‪ ،‬وقد استقبلني بارتياح شديد حامل إليه رسالة التعزية بوفاة نجله السيد مصطفى عام ‪ 1978‬من المرحوم ياسر عرفات حيث أجريت معه‬
‫حوارا‪ n‬مفصل ومعمقا‪ n‬ن‪q‬شر بالعربية والفارسية‪ ،‬اكتشفت من خلله أنه ل يريد لصحاب القضايا الكبرى أن ينخرطوا معه‪ ،‬بل يؤيدوه ويعملوا على‬
‫قضاياهم‪ ،‬كما أنه أصر على تأييده لهم بكل الوسائل من دون أن ينخرط في خصوصياتهم‪ .‬وفي رسالته ردا‪ n‬على رسالة عرفات أوصاه بأن يعمل‪،‬‬
‫إضافة إلى عمله على طريق تحرير فلسطين‪ ،‬على تحقيق وحدة المة العربية‪ ..‬لكن هذا النهج لم يستمر طويل‪ ..‬ولعل أهم أسباب الفراق بين‬
‫الخميني وعرفات هو أن كل منهما كان يريد الخر جزءا من برنامجه الوطني اليراني والفلسطيني»‪.‬‬
‫لكن هذه البرودة لم تمتد إلى باقي عناصر الفصائل الفلسطينية‪ .‬فقد دعمت إيران حركتي الجهاد وحماس‪ ،‬كما دعمت الوجود الفلسطيني في لبنان‬
‫ودعت إلى توحيد جهود المقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد إسرائيل‪ ،‬ثم أسهمت في تأسيس حزب ال‪ .‬ففي الثمانينات عندما بدأت الهجمات‬
‫المسلحة داخل لبنان لجبار الفصائل الفلسطينية على المغادرة‪ ،‬أصدر الخميني بيانا‪ n‬يدعوهم فيه إلى عدم الخروج‪ ،‬وغضب من فتح وعرفات لحقا‬
‫لمغادرتهم إلى بلدان أخرى منها قبرص وتونس‪ ،‬فقد كان يريد مواصلة موطئ قدم ليران في لبنان‪ ،‬وهو موطئ القدم الذي أسسه موسى الصدر‪،‬‬
‫إل أنه كان عرضة للخطر كما رأى مسؤولون إيرانيون لن حركة «أمل» التي أسسها الصدر كانت لبنانية النشأة‪ ،‬كوادرها تتنوع بين التيار‬
‫الديني الملتزم واليسار‪( .‬كان واضحا‪ n‬أن الخميني لم يعد يثق بأمل وكان يشعر أنها اخت‪q‬رقت وبها عملء‪ ،‬وكان لبد من تأسيس حزب وجناح‬
‫عسكري جديد ل شك في ولء عناصره)‪ .‬ويوضح السيد علي المين مفتي صور وجبل عامل‪ ،‬الذي كان من أبرز شهود العيان على التحولت‬
‫التي شهدتها العلقة بين إيران وحركة أمل خلل هذه التطورات الحساسة‪ ،‬لـ«الشرق الوسط»‪« :‬بعد قيام الثورة السلمية في إيران بقيادة المام‬
‫الخميني ووصولها إلى السلطة‪ ،‬نشأت العلقة بين حركة أمل اللبنانية والنظام الجديد في إيران‪ ،‬وكان العامل الساسي في هذه العلقة هو العامل‬
‫العاطفي الناتج عن الروابط الدينية والمذهبية‪ ،‬باعتبار أن حركة أمل أسسها المام موسى الصدر على مبادئ من الثقافة الدينية العامة في المناطق‬
‫التي تسكنها غالبية من الطائفة الشيعية‪ ،‬التي تنظر باحترام وتقدير إلى العلماء ومراجع الدين بحسب موروثاتها الدينية‪ .‬وبما أن الثورة في إيران‬
‫كانت بقيادة رجال الدين‪ ،‬وعلى رأسهم المام الخميني‪ ،‬فقد لقت التأييد في نفوس الطائفة الشيعية عموما‪ n‬وحركة أمل خصوصا‪ ،n‬معتقدين أن هذه‬

‫الثورة ستكون عونا‪ n‬لهم في تعزيز مكانتهم في النظام اللبناني في تلك المرحلة‪ ..‬وقد توقعت حركة أمل أن تكون إيران الجديدة إلى جانبها في‬
‫الصراع الدائر بينها وبين التنظيمات الفلسطينية والحزاب اليسارية اللبنانية‪ ،‬التي كانت تسيطر على الجنوب وكثير من المناطق اللبنانية‪ .‬وكانت‬
‫حركة أمل وقتذاك تحمل لواء الدفاع عن الشرعية اللبنانية‪ ،‬داعية إلى بسط سلطة الدولة على كامل تراب الوطن اللبناني»‪ .‬ولكن الذي جرى من‬
‫القيادة اليرانية الجديدة كان مخالفا‪ n‬لتلك التوقعات‪ ،‬فبدأت تلك العلقة العاطفية تتبدل‪ ،‬وتراجع التأييد الشيعي ليران‪ ،‬فإيران الثورة‪ ،‬كما يقول‬
‫السيد علي المين‪« :‬وقفت إلى جانب التنظيمات الفلسطينية في لبنان‪ ،‬وبدأ الخلف السياسي والثقافي يظهر بين ما نشأت عليه حركة أمل والطائفة‬
‫الشيعية اللبنانية من ثقافة وسياسة قائمتين على الرتباط بالمحيط العربي‪ ،‬انسجاما‪ n‬مع أصولهم العربية والتمسك بمشروع الدولة اللبنانية الواحدة‬
‫والعيش المشترك الذي قام عليه لبنان‪ ،‬وبين ثقافة إيرانية جديدة قائمة على رفض النظمة والدول التي ل تقوم على أساس ديني‪ ،‬وخصوصا‬
‫النظام اللبناني الذي وصفه المام الخميني في ذلك الوقت بالنظام الفاسد والمجرم‪ ،‬وبدأت بعض المجموعات المحسوبة على إيران والمرتبطة‬
‫بسفارتيها في بيروت والشام يرفعون شعار الجمهورية السلمية في لبنان‪ ،‬وهذا ما رفضته الطائفة الشيعية وقيادتها السياسية والدينية بشكل قاطع‬
‫وحاسم واعتبروه أمرا‪ n‬غريبا‪ n‬على حياتهم السياسية والدينية‪ ..‬ولذلك وقفت حركة أمل والطائفة الشيعية في وجه المشروع اليراني‪ ،‬الذي بدأت‬
‫تظهر تباشيره على الساحة الشيعية في لبنان‪ ،‬وهنا أدركت إيران أن حركة أمل ل يمكن أن تكون أداة لها في مشروع تصدير الثورة خارج‬
‫إيران»‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1982‬وبعد الهجوم السرائيلي على بيروت بدأت الفصائل الفلسطينية في الرحيل‪ ،‬فتوجه حسين الموسوي‪ ،‬أحد قادة أمل وينتمي للجناح‬
‫الثوري للحركة‪ ،‬إلى هاشمي رفسنجاني في إيران وقال له‪ :‬الجميع يهربون‪ ،‬لبد من التصرف وإل فقدنا المقاومة السلمية في لبنان‪ ..‬ما العمل؟‪.‬‬
‫ثم جاء وفد من رجال الدين الشيعة من لبنان برئاسة عباس الموسوي لبحث «بدائل المقاومة السلمية» في لبنان وطلبوا نصيحة الخميني‪ .‬فقال‬
‫لهم‪« :‬ابدأوا من الصفر»‪ .‬وشكل هذا الجتماع النواة التي تكون منها «حزب ال»‪ ،‬والذي سيعرف لحقا‪ n‬بأنه أبرز نجاح تحققه إيران فيما يتعلق‬
‫بتصدير الثورة‪ .‬فبعد انتهاء الجتماع تحدث عباس الموسوي‪ ،‬الذي أصبح لحقا‪ n‬أول أمين عام لحزب ال‪ ،‬في مقر الخميني بحضور الصحافيين‬
‫في طهران وقال في كلمته‪« :‬أهنئ نفسي وأهنئكم جميعا‪ ،n‬وأبارك لكم هذا الجتماع‪ .‬ببركة المام اجتمعنا‪ .‬وأصبحنا نعي حكمة المام‪ ،‬وعظمة‬
‫المام والفق الذي كان يفكر فيه المام‪ .‬اجتماعنا هذا المبارك هو الصاعقة التي نزلت على رأس القوى الكبرى‪ .‬القوى التي حاولت في كل‬
‫الماضي اختراقنا والنفوذ إلى العماق‪ .‬تهانينا أيها المسلمون‪ .‬تهانينا بهذا اللقاء ونشكر ال عز وجل أن بفضل إمام المة قد اجتمعنا»‪ .‬بعد ذلك‬
‫أعطى الخميني أوامره بإرسال قوات من الحرس الثوري إلى لبنان للمساعدة في بناء وتدريب حزب ال‪ .‬ويوضح الجنرال بالحرس الثوري رفيق‬
‫دوست‪« :‬كنت أول من قدم إلى العاصمة السورية دمشق بناء على أوامر مباشرة من المام الخميني لتجهيز أرضية قدوم الحرس الثوري‬
‫واستقبالهم في منطقة الزابداني كمرحلة أولى تمهيدا‪ n‬لنقلهم إلى جنوب لبنان»‪ .‬إل أن الخميني‪ ،‬وكما يقول هاني فحص‪ ،‬لم يكن راغبا‪ n‬في تواجد‬
‫عسكري إيراني ملحوظ على الراضي اللبنانية‪ ،‬الحرس الثوري‪ ،‬كما كان يريد التركيز على الداخل اليراني‪ ،‬وترافق مع هذا‪ ،‬كما يقول فحص‪:‬‬
‫«رغبة بعض اللبنانيين الموجودين في طهران في تأسيس حالة نضالية ضد العدو الصهيوني بمساعدة إيرانية‪ ..‬وكنت ممن استشير في الموضوع‬
‫واتفقنا على مشروع مقاومة ليس إل‪ ،‬ولكننا لم ندع إلى الجتماعات السرية»‪ ،‬وهى الجتماعات التي أدت إلى تأسيس حزب ال‪ .‬وكانت هذه نقطة‬
‫فاصلة في علقات إيران مع محطيها القليمي‪ .‬فإيران «الخائفة» من العزلة‪ ،‬باتت «مخيفة»‪ ،‬لن تمددها بهذه الذرع الطويلة خارج حدودها سبب‬
‫مشاكل وتوترات سياسية وايديولوجية‪ ،‬لم يكن من الممكن ان تحدث في سياق أخر‪ .‬واليوم وبعد ‪ 30‬عاما‪ n‬على قيام الثورة اليرانية‪ ،‬يقول فحص‬
‫إن تصدير الثورة ما زال قائما‪ ،n‬موضحا‪« :‬غاب الشعار وحضر الواقع‪ .‬الثورة صادرة وتصدر وهناك من يستوردها‪ .‬إيران مستمرة في جمع‬
‫الشيعة حولها مهما اعترضوا أو عاندوا لنها تقدم نفسها كضرورة شيعية‪ .‬والسنة العرب وغير العرب شتات في شتات‪ ،‬ل جامع ول مرجعية‪.‬‬
‫البلدوزر اليراني ل يستطيع أن يحل أزماته الداخلية إل باجتياز الحدود وصول إلى غزة‪ ،‬قضية العرب الولى‪ ،‬التي أصبحت وكأنها قضية إيران‬
‫الولى‪ .‬السؤال‪ :‬كيف نحول النفوذ اليراني المتعاظم إلى دور متكامل ونحن من دون مشروع عربي للتضامن؟‪ ..‬أنا أتمنى ليران التي أحبها أن‬
‫ل تقع في منطق القوة‪ ..‬أرجو أن تعود إيران إلى إيران‪ ..‬مختارة ل مجبرة»‪.‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )8‬ـ شريعتمداري‪ :‬الثورة اليرانية لم تكن حية أكثر من اليوم‬
‫شريعتمداري لـ«الشرق الوسط»‪ :‬الثورة اليرانية لم تكن حية أكثر من اليوم‪ ..‬ولم يكن تصديرها أقوى‬

‫شريعتمداري في مكتبه بصحيفة «كيهان» في طهران‪ ..‬وخلفه صورة المين العام لحزب ال حسن نصر ال («الشرق الوسط»)‬
‫طهران‪ :‬منال لطفي‬
‫يشعر حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة «كيهان» اليرانية اليومية النافذة بالرتياح‪ ،‬فعام ‪ 2008‬كان عاما جيدا ليران‪ ،‬وبالتالي فإن‬
‫الذكرى الثلثين للثورة اليرانية التي يحتفل بها اليرانيون في فبراير (شباط) الجاري تأتي ومعها «علمات النتصار» اليراني‪ .‬يقول‬
‫شريعتمداري في حوار مع «الشرق الوسط»‪« :‬عندما قامت الثورة كنا وحدنا‪ .‬اليوم نحن لسنا وحدنا‪ ،‬معنا أصدقاء من كل مكان‪ .‬الثورة اليرانية‬
‫لم تكن حية أكثر من اليوم‪ ،‬ولم يكن تصديرها أقوى‪ .‬المقاومة تنتصر في كل مكان‪ ..‬الحمد ال الحرب على حماس استمرت ‪ 22‬يوما‪ ،‬والحرب‬
‫على حزب ال استمرت ‪ 33‬يوما‪ .‬الحرب القادمة ستكون ‪ 11‬يوما‪ ،‬والتي بعدها ستكون يوما واحدا»‪ ،‬يقول شريعتمداري ضاحكا مشيرا إلى‬
‫«الصمود الباسل للمقاومة» أمام اسرائيل‪ .‬وإذا كان مجلس المن القومي اليراني مشغول بتنفيذ استراتيجية إيران الدفاعية والتي وضعها المرشد‬
‫العلى ليران آية ال علي خامنئي بجعل إيران القوة الولى في المنطقة بحلول ‪ ،2015‬فإن شريعتمداري يشعر بأن بعض ثمار هذه الستراتيجية‬
‫بدأ يؤتي ثماره‪ ،‬إذ ل يمكن الحديث عن حل الزمات في الشرق الوسط‪ ،‬من العراق إلى أفغانستان‪ ،‬مرورا بالموضوع الفلسطيني من دون‬
‫العروج على إيران‪ .‬ولحسين شريعتمداري نوعان من العداء يخشى منهما على إيران‪ ،‬العداء الخارجيون مثل أميركا والغرب الذين يريدون‬
‫إخضاع إيران‪ ،‬كما يرى‪ .‬والعداء الداخليون الذين يحملون نفس وجهات النظر مع الغرب‪ .‬وهؤلء يسميهم شريعتمداري «إصلحيين على‬
‫الطراز الغربي»‪.‬‬
‫ويوضح شريعتمداري‪ :‬لقد ضحينا كثيرا من أجل هذه الثورة‪ ،‬ضحينا كثيرا في إيران من أجل أن نتحرر من الطغيان الميركي‪ .‬اليوم أميركا ل‬
‫تريد الحوار معنا من دون شروط‪ ،‬بل بشروطها وهي شروط تهدف إلى كسرنا‪« .‬الشرق الوسط» تحدثت إلى شريعتمداري حول إيران بعد ‪30‬‬
‫عاما من الثورة‪ .‬وهنا نص الحوار‪:‬‬
‫* كيف هي إيران بعد ثلثين عاما من الثورة؟‬
‫ الثورة حية في إيران اليوم وبعد ثلثين عاما على قيامها‪ ،‬أكثر مما كانت حية في أي وقت آخر خلل الثلثين عاما الماضية‪ .‬الثورة وأفكارها‬‫تصدر لبلد إسلمية أخرى‪ .‬بينما في العام الول بعد الثورة كنا وحدنا‪ ،‬لم يكن معنا أو حولنا الكثير من الحلفاء والصدقاء الذين يؤمنون معنا‬
‫بنفس الفكار‪ .‬هذا الوضع مختلف الن‪ .‬نحن لسنا وحدنا‪ ،‬معنا دول كثيرة حول العالم‪ ،‬يمكن رؤية هذا في لبنان وفلسطين وتركيا وكل العالم‬
‫السلمي‪ ،‬وحتى دول غير إسلمية تميل للثورة السلمية في إيران وتردد شعاراتها وأفكارها‪ .‬في الجانب الخر‪ ،‬بعد ثلثين عاما من الثورة‪،‬‬
‫نحن القوة الولى في المنطقة عسكريا وتكنولوجيا‪ ،‬في مجالت العلوم والطب والتكنولوجيا النووية‪.‬‬
‫* لماذا تقول إن الثورة اليوم حية أكثر من أي وقت مضى؟‬
‫ لنه برغم كل المؤامرات علينا لضعافنا‪ ،‬فشل الذين يريدون القضاء على ثورتنا‪ .‬اليرانيون يعرفون أن أميركا تكن عداء شديدا ليران‪،‬‬‫ويعرفون أن عداوة أميركا لم تتوقف طوال ثلثين عاما‪ .‬من عقوبات إلى خطط ومؤامرات لضعافنا‪ .‬واليوم ما زالت أميركا تقف نفس موقفها من‬
‫برنامجنا النووي‪ ،‬كل هذا يثبت أن أميركا تريد أن توقف تقدم إيران‪ .‬لكن هذا لن يحدث‪ .‬انظروا إلى موقف أميركا من حزب ال وحماس‪ ،‬تواطؤ‬

‫أميركا في الحرب عليهما لضرب المقاومة‪ ،‬لكن الحمد ال الحرب على حماس استمرت ‪ 22‬يوما ثم اضطرت القوى الصهيونية إلى النسحاب‪،‬‬
‫أما الحرب على حزب ال فاستمرت ‪ 33‬يوما وانتصرت المقاومة‪ ..‬فهل بعد ذلك ستكون الحرب ‪ 11‬يوما‪ ،‬ثم الحرب التالية يوما واحدا؟‬
‫(يضحك)‪ ..‬عندما تصمد المقاومة السلمية‪ ،‬فهذا دليل على أن الثورة حية وعلى أن خطط أميركا وإسرائيل تفشل‪ .‬لهذا أقول إن الثورة في أقوى‬
‫حالتها وحية أكثر من أي وقت مضى‪ .‬وتصديرها أقوى من أي وقت مضى‪.‬‬
‫* عندما تتكلم عن تصدير الثورة اليوم‪ ..‬ما الذي تقصده؟‬
‫ الحدود الجغرافية ل يمكن أن تمنع نشر الفكار‪ .‬عندما ترى الدول الخرى المحيطة بنا أو حول العالم أن إيران لديها استقللها وحريتها‬‫وسيادتها‪ ،‬وأنه بعد ثلثين عاما من الحرب والتخريب لم تتمكن أميركا من تدميرها‪ ،‬يلهم هذا الخرين‪ .‬إيران نموذج ملهم في السيادة والوقوف‬
‫أمام الستكبار والجبروت‪ .‬السيد ياسر عرفات رحمه ال عندما ذهب إلى المم المتحدة وبيده غصن زيتون وبيده الخرى سلح مقاومة‪ ،‬وخطب‬
‫أمام المم المتحدة حول حقوق الشعب الفلسطيني‪ ،‬قال سيناتور أميركي عندما رأى فرع الزيتون في يد وسلح فارغ من الطلقات في اليد الخرى‪:‬‬
‫ماذا يمكن أن يحققا؟ بعد الثورة السلمية في إيران ومقاومة حزب ال والنتفاضة والمقاومة في فلسطين والن موقف تركيا‪ ..‬كل شيء يتغير‪،‬‬
‫فالحدود الجغرافية ل تمنع نشر أفكار المقاومة‪ .‬أشياء كثيرة تغيرت في المنطقة منذ نجاح الثورة السلمية قبل ثلثين عاما‪.‬‬
‫* هناك من يقول إن الثورة ولدت وبداخلها الكثير من الخلفات بين الجنحة العديدة التي قادتها‪ .‬وأن هذه الخلفات ما زالت موجودة داخل إيران‪،‬‬
‫وبالتالي ليست الثورة في أحسن حالتها؟‬
‫ أنا ل أريد استخدام كلمة أجنحة‪ .‬ول أعتقد أن هناك اليوم خلفات بين الذين شاركوا في الثورة حول تأييد الثورة‪ .‬خلل الثورة كانت هناك‬‫تيارات وعناصر موجودة‪ .‬لكن عندما ننظر ل نجد أن الكل شاركوا بنفس الدرجة‪ ،‬بل هناك تيارات وأشخاص لم تفعل حقيقة أي شيء‪ ،‬هناك‬
‫تيارات وأشخاص شاركت‪ ،‬ثم انفصلت عن الثورة ومسارها‪ .‬إذا أردنا أن نقسم هؤلء اليوم فسنجد أنهم ينقسمون إلى محافظين‪ ،‬وأنا أفضل‬
‫تسميتهم مبدئيين‪ ،‬وهناك الصلحيون‪ .‬وهذان التياران قد يختلفان في الكثير من القضايا‪ ،‬إل أنهما لم يتصارعا أو يتنافسا خلل الثورة أو قبلها‪.‬‬
‫لكن بعد الثورة تغيرت وجهات النظر في إدارة الدولة‪ .‬ومن هنا حدث التباعد‪ .‬لكن هؤلء ليسوا ضد الثورة‪ ،‬فعندما نحتفل بذكرى الثورة‪ ،‬نحتفل‬
‫معا وجنبا إلى جنب‪.‬‬
‫* تتحدث عن الصلحيين‪ ..‬البعض يقول إن مستوى الحريات قبل الثورة كان أفضل مقارنة باليوم‪ ،‬وأن الصلحيين يتعرضون لضغوط؟‬
‫ هذا ليس صحيحا أبدا‪ .‬الرد على هذا يكون بالوقائع‪ .‬في عهد الشاه لم تكن هناك أي حريات سياسية أو فكرية‪ ،‬كانت السجون مليئة بالسياسيين‪.‬‬‫كانت هناك تباينات في الوضع القتصادي والجتماعي‪ .‬بعد الثورة تغير كل هذا‪ .‬هناك انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية‪ .‬هناك تحركات‬
‫اجتماعية نشطة‪ ،‬الصحف تكتب ما تريد‪ .‬الرد بالوقائع‪.‬‬
‫* هل خدم الرئيس الميركي جورج بوش إيران طوال ‪ 8‬سنوات من حكمه من دون أن يتعمد؟‬
‫ ردي سيكون باستعارة حديث للمام زين العابدين بن الحسين بن علي رضي ال عنه وهو‪« :‬الحمد ال الذي جعل أعداءنا من الحمقى»‪.‬‬‫* البعض يتهم إيران بأنها تسبب توترات‪ ،‬فمثل في الملف النووي يريد الرئيس الميركي الجديد باراك أوباما حوارا‪ ،‬فيما تضع إيران شروطا‬
‫لهذا الحوار مثل اعتذار مسبق عن جرائم بحق إيران؟‬

‫ ل أعتقد أن أوباما سيحدث أي تغيير‪ .‬فحتى الن ليس هناك أي تغيير حقيقي في السياسات‪ .‬باراك أوباما يعبر عن وجهات النظر التي عبر‬‫عنها من قبله بوش‪ .‬اوباما قريب جدا من منظمة «ايباك» اليهودية ولديه مساعدون موالون لسرائيل‪ .‬إذا كان يعني تغييرا فيجب أن نرى هذا في‬
‫مواقفه‪ .‬بعد الحرب الصهيونية على غزة تظاهر الناس في العالم كله تأييدا للفلسطيينين وخرج زعماء حول العالم ينددون بهجمات الصهاينة‪ ،‬لكن‬
‫أوباما لم يقل أي شيء ضد إسرائيل والمذابح التي ارتكبتها‪ .‬فكيف نكون راضين عنه؟ في اليوم الول لنتخاب أوباما كتبنا في صحيفة «كيهان»‬
‫عنوانا «صقر في ثياب حمامة»‪ .‬لبد من تغيير جوهري في طريقة التفكير والبنية الميركية‪ .‬اوباما مجرد تغيير فرعي‪ .‬لقامة أي علقات بين‬
‫أميركا وإيران لبد لواحد منا من ان يغير مبادئه وأفكاره‪ .‬إيران لن تفعل هذا‪ .‬يجب على أميركا أن تتغير وأن ترى العلقات الدولية في ضوء‬
‫مختلف‪ .‬كما قال المام الخميني ليس في ضوء علقات الستكبار الدولي‪.‬‬
‫* هل تعتقد أن الرئيس محمود أحمدي نجاد سيفوز في النتخابات الرئاسية المقبلة؟‬
‫ لحمدي نجاد إنجازات كثيرة‪ ،‬أهمها أنه أعاد الثورة إلى أيامها الولى‪ ،‬ومبادئها الولى‪ .‬وأعتقد أنه سينتخب لولية ثانية‪ .‬الطريقة التي تعامل‬‫بها مع تهديدات الغرب لنا بسبب برنامجنا النووي أظهرت أنه كان على حق‪ .‬مشكلة الغرب أنه يتعامل مع إيران من منطق القوة‪ .‬لكن هذه اللغة‬
‫فات أوانها‪ .‬نحن أمام عالم ل يمكن فيه لقوى أن تفرض هيمنتها وإرادتها على باقي دول العالم‪ ،‬هناك عالم جديد يتشكل‪.‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )9‬ـ صانع الملوك‬
‫كرباستشي لـ«الشرق الوسط»‪ :‬ل أصلح أن أكون رئيسا ليران‬

‫كرباستشي في مكتبه بصحيفة «كوادر البناء» بطهران («الشرق الوسط» )‬
‫وسط مكتب صغير مكتظ بالصحافيين والصحف والكتب وتليفونات ل تنقطع‪ ،‬يعمل غلم حسين كرباستشي المين العام لحزب «كوادر البناء»‪،‬‬
‫الذي يرأسه هاشمي رفسنجاني‪ ،‬وعمدة طهران السابق بين أعوام ‪ 1988‬و ‪ ،1998‬ومدير تحرير صحيفة «كوادر البناء» الصلحية‪ ،‬وناشر أول‬
‫صحيفة ملونة في إيران وهي «همشهري» التي تصدر عن بلدية طهران‪ ،‬والناشط السياسي البارز وسط الحركة الصلحية‪.‬‬
‫مهام ومناصب عديدة يتولها كرباستشي‪ ،‬غير أنها ليست كل ما يقوم به‪ ،‬فهو أيضا «صانع الملوك» في إيران‪ ،‬أو «صانع الرؤساء» بالحرى‪،‬‬
‫مع أنه ل يتوقع أن يكون هو نفسه رئيسا ليران بالرغم من الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها عندما كان عمدة لطهران‪ ،‬وترديد أهالي طهران‬
‫إلى اليوم أنه أفضل عمدة تولى رئاسة المدينة‪ .‬فهو الذي بنى الوسط التجاري والمالي في شمال طهران‪ ،‬مما أدى إلى ارتفاع أسعار العقارات في‬
‫شمال العاصمة بطريقة جنونية‪ ،‬وهو الذي زرع اللف من الشجار للحد‪ s‬من التلوث في العاصمة التي تعد من أكثر العواصم تلوثا في العالم‪،‬‬
‫وهو الذي بنى مئات الحدائق والمتنزهات العامة في طهران‪ ،‬وأزال رسوم الحرب العراقية ‪ -‬اليرانية من فوق جدران العاصمة‪ ،‬وضاعف‬
‫الضرائب على تجار البازار‪ ،‬ومنع السيارات من الدخول وسط طهران إل بحساب معين‪ ،‬لدرجة أنه بات «أكثر شخص محبوب‪ ..‬وأكثر شخص‬
‫مكروه» في طهران في الوقت ذاته‪.‬‬
‫استبعاد كرباستشي أن يكون يوما رئيسا ليران‪ ،‬بالرغم من مكانته وسط الصلحيين‪ ،‬يعود كما يقول هو إلى أن رئيس إيران يجب أن يكون‬
‫مصدر إجماع بطريقة أو بأخرى‪ ،‬فيما هو «مكروه قطعا وسط المحافظين»‪.‬‬
‫فكرباستشي الذي طالما عمل في الظل وفي العلن لمد الحركة الصلحية بدماء التجديد‪ ،‬كان في الوقت ذاته أول «كبش فداء» في «حرب البقاء»‬
‫بين الصلحيين والمحافظين‪ ،‬بعد تولي خاتمي الرئاسة عام ‪.1997‬‬
‫فقد وجهت إليه المؤسسة القضائية المحافظة اتهامات بالفساد لجباره على التنحي عن رئاسة طهران عام ‪ ،1998‬ثم حكم عليه بالسجن عام‬
‫‪ 1999‬ليدخل السجن لشهر قبل أن يتدخل رفسنجاني لدى المرشد العلى ليران آية ال علي خامنئي لطلق سراحه‪.‬‬
‫لكن بالرغم من غياب كرباستشي عن واجهة المناصب السياسية الرسمية منذ تجربته في رئاسة بلدية طهران‪ ،‬فإنه من «قوى الدفع» الساسية‬
‫وسط الحركة الصلحية والبراغماتية‪ .‬فخلل رئاسة هاشمي رفسنجاني ليران بين ‪ 1989‬و ‪ 1996‬كان كرباستشي مع رفسنجاني «مهندس‪o‬ي»‬
‫عملية نقل إيران وطهران من «دولة الثورة» إلى «ما بعد دولة الثورة»‪ .‬بدأ رفسنجاني خصخصة القتصاد وفتح إيران للستثمارات الجنبية‬
‫وتحديث القتصاد وإزالة لفتات الدعاية للحرب العراقية ‪ -‬اليرانية‪ ،‬وبنفس الفلسفة بدأ كرباستشي تحرير حوائط طهران من لفتات الدعاية‬
‫للحرب‪ ،‬وتحديث العاصمة وبناء الجسور والكباري ومترو النفاق‪.‬‬
‫أما خلل رئاسة محمد خاتمي ليران بين ‪ 1997‬و ‪ 2005‬فكان كرباستشي من صانعي القرارات الساسية للصلحيين‪ ،‬وما زال يذكر له أنه من‬
‫الذين دعموا ترشح خاتمي وراهنوا على نجاحه بالرغم من أن خاتمي لم يكن ساعتها معروفا‪ ،‬ولم يكن المرشح الوفر حظا للفوز‪.‬‬
‫الطريقة التي عمل بها كرباستشي في طهران‪ ،‬ومع كل من رفسنجاني وخاتمي‪ ،‬وفرت له ما يكفي من العداء‪ .‬ويقول السياسيون الصلحيون إن‬

‫تهم الفساد التي وجهت إليه لم تكن غير مؤامرة للتخلص منه لنه بات ضلعا ل يحتمل في التيار الصلحي‪ .‬واليوم وفيما يستعد خاتمي لخوض‬
‫النتخابات الرئاسية في إيران مجددا‪ ،‬يبرز اسم كرباستشي كواحد من السياسيين الصلحيين الذين سيكونون ضمن حلقة تحديد سياسات‬
‫الصلحيين وأجندتهم وشعاراتهم‪.‬‬
‫ويقول كرباستشي‪ ،‬الذي ل يحب الدعاية أو التصوير‪ ،‬لكنه يحب السخرية من حاله ومن ذكريات سجنه في سجن «إيفين»‪ ،‬لـ«الشرق الوسط»‬
‫إن مزاج اليرانيين اليوم هو مزاج انتخاب إصلحيين‪ ،‬رافضا الحديث عن حزب كوادر البناء برئاسة رفسنجاني والحركة الصلحية بزعامة‬
‫خاتمي على أنهما حركتان منفصلتان‪ ،‬موضحا أن «كوادر البناء» هي «المنبع الم» لكل التيارات الصلحية في إيران‪ .‬كما يتحدث عن علقته‬
‫مع رفسنجاني وخاتمي وتجربته في عمدية طهران‪.‬‬
‫وهنا نص الحوار‪:‬‬
‫* هل التحالف الحالي بين «كوادر البناء» برئاسة هاشمي رفسنجاني و«الصلحيين» برئاسة محمد خاتمي سيستمر‪ ،‬أم أنها علقة تحالف مؤقت‬
‫بسبب الظروف الراهنة ورغبة الطرفين في انتخاب رئيس جديد بسبب تحفظاتهم الكثيرة على أداء الرئيس اليراني محمود أحمدي نجاد؟‬
‫ـ ل‪ ،‬في الحقيقة كوادر البناء تعتبر الحركة الصلحية جزءا منها‪ ،‬لن كوادر العمار هي المنبع الذي خرجت منه حركة التغيير في إيران منذ‬
‫نهاية الثمانينات خلل رئاسة هاشمي رفسنجاني‪ ،‬فيما يتعلق بتغيير الظروف والنخراط في النتخابات وإدخال قوى جديدة للبرلمان‪ .‬أغلبية القوى‬
‫الصلحية في إيران على اختلفها وقبل أن تتحول إلى تيارات ومجموعات مستقلة كانت في البداية جزءا من كوادر البناء‪ .‬مؤسس الحركة‬
‫الصلحية في إيران كان حزب كوادر البناء الذي وقف ضد المحافظين وقد‪s‬م مرشحين مستقلين للمشاركة في النتخابات البرلمانية‪ .‬قبل ذلك‬
‫الوقت لم يكن هناك وجود للصلحيين على الخريطة السياسية اليرانية‪ ،‬لم يكونوا موجودين في الساحة السياسية اليرانية‪ ،‬لهذا ليس هناك شيء‬
‫اسمه «هم ونحن»‪ ،‬أي الصلحيين والبراغماتيين‪ ،‬أو كوادر البناء وتيار خاتمي‪ .‬أحيانا هناك أشخاص أكثر راديكالية وسط الصلحيين يريدون‬
‫أن يميزوا أنفسهم عن كوادر البناء‪ .‬لكن كلنا جزء من نفس فرع الشجرة‪ ،‬كلنا معتدلون في أفكارنا وآيديولوجيتنا‪ ،‬ونحاول اللهام بالفكار‬
‫العقلنية والتحليل المنطقي‪ .‬وفي انتخابات البرلمان اليراني عام ‪ 2008‬أنقذت كوادر البناء الصلحيين من التفكك بعد تحالف رفسنجاني مع‬
‫خاتمي‪ ،‬ردا على خروج مهدي كروبي بلئحة مستقلة لحزبه «اعتماد ملي»‪.‬‬
‫* ما الدور الذي سيلعبه رفسنجاني في النتخابات الرئاسية اليرانية المقبلة؟‬
‫ـ رفسنجاني رمز العتدال والتفكير العقلني في إيران‪ ،‬وفي أوقات كثيرة من عمر الجمهورية اليرانية بعد الثورة كانت هناك دائما قوى متشددة‬
‫وسط المحافظين تعمل ضده‪ ،‬لكن أيضا بعض الراديكاليين وسط التيار الصلحي عملوا ضده‪ .‬أي أن رفسنجاني كان يحارب على جبهتين في‬
‫وقت واحد‪ ،‬وهذا يؤكد مكانته كرمز العتدال والعقلنية‪ ،‬فهو حاول دائما أن يقود إيران إلى العتدال وإلى العقلنية‪ .‬ونتيجة هذا فإن رفسنجاني‬
‫هو أحد القوى الصلبة التي تقف ضد المتشددين والمحافظين الذين يسيطرون على السلطة التنفيذية في البلد الن‪ .‬إزالة رفسنجاني لفتات الدعاية‬
‫للحرب العراقية اليرانية‪ ،‬وانتهج السوق الحرة‪ ،‬وفتح إيران لستثمارات أجنبية‪ ،‬كل هذا جعل رجال دين وبعض النافذين في البازار غير راضين‬
‫عنه‪.‬‬
‫* كيف تتذكر تجربتك في عمدية طهران وتوجيه اتهامات إليك أدت إلى تنحيتك عن المنصب؟ سمعت الكثير من الناس يقولون إنه خلل عمديتك‬
‫لطهران كانت طهران في أحسن حالتها‪ ،‬وشعبيتك كانت كبيرة في الشارع‪ .‬فما الذي فعلته خلل سنوات حكمك لطهران جعل المحافظين‬
‫يتوجسون منك إلى هذا الحد؟‬

‫ـ ما مر قد مر‪ ،‬وأنا لم أعد عمدة لطهران‪ ،‬وأن نفكر في ماذا حدث في الماضي من أخطاء ليس مفيدا للمستقبل‪ .‬لكن على كل حال شعبية‬
‫الصلحيين في الشارع اليراني كان سببها الشعور العام الذي ساد بعد انتخاب خاتمي‪ ،‬أن الحركة الصلحية تتبلور وتبزغ وأنها ستغير الكثير‬
‫في إيران‪ ،‬أض‪p‬ف إلى هذا طريقة إدارتنا في بلدية طهران‪ ،‬وخلق المزيد من الوظائف وفرص العمل‪ ،‬والطريقة العقلنية المعتدلة التي كنا ندير بها‬
‫شؤون طهران والبلد‪ ،‬وعلى سبيل المثال المباني وطريقة الدارة العامة والخصخصة وعمل المؤسسات‪ .‬لكن ظهر أيضا لهذه الطريقة معارضون‬
‫ومنتقدون‪ ،‬وشيء طبيعي أن يكون هناك منافسة بين الصلحيين والمحافظين‪ .‬لكن في كل الحالت أفكار التحديث بدأت تدريجيا تغير حتى‬
‫المحافظين‪ ،‬ومثال هذا الصحف‪ ،‬فمثل كانت صحيفتنا في بلدية طهران «همشهري» أول صحيفة ملونة حديثة في إيران‪ .‬كان الناس يسألوننا لماذا‬
‫تصدرون صحيفة ملونة؟ لماذا تصدرونها في الصباح؟ فكل الصحف التقليدية في إيران كانت تصدر مساء‪ .‬وتدريجيا هؤلء الذين كانوا ينتقدوننا‬
‫لننا نطبع صباحا ولننا نطبع صحيفة ملونة‪ ،‬بدأوا يفعلون نفس الشيء‪ ،‬حتى إن بعضهم أخذ نفس مقاس «همشهري»‪.‬‬
‫* يقال بشكل استعاري إنك «صانع الملوك» في إيران‪ ،‬تعمل من وراء الستار لتقديم وجوه من وسط الصلحيين ليشاركوا في النتخابات‬
‫البرلمانية والرئاسية‪ ،‬لنك ل تستطيع أن تشارك في النتخابات بسبب الحظر عليك؟ لكن هذا الحظر ي‪r‬رفع هذا العام‪ .‬هل أنت متهم بالمشاركة في‬
‫النتخابات الرئاسية المقبلة؟‬
‫ـ بخلف الجانب الشخصي المتعلق بوجود أو عدم وجود الرغبة في الترشح للرئاسة‪ ،‬رأيي الشخصي هو أن الرئيس يجب أن يكون رمزا للوحدة‬
‫الوطنية‪ ،‬يجب على الرئيس أن يجتذب اهتمام الجانب الكبر من الشعب‪ .‬هناك مرشحون راديكاليون وسط تيار الصلحيين يمكن أن يحصلوا‬
‫على الكثير من الصوات وسط الصلحيين إذا ترشحوا‪ ،‬لكن المشكلة أنه سيكون لهم معارضون شرسون أيضا وسط المحافظين الراديكاليين‪،‬‬
‫وبالتالي لن يكون لهم حظوظ حقيقة ليكونوا رؤوساء‪ ،‬وإذا أصبحوا رؤوساء فسيواجهون مشكلت‪.‬‬
‫الرئيس يجب أن يكون رئيسا لكل اليرانيين‪ .‬إذا اختير الرئيس من حزب معين أو تيار سياسي معين فإن الحزب المعارض يجب أن يقبله‪ .‬مشكلة‬
‫أحمدي نجاد أن هناك جماعات‪ ،‬خصوصا المتعلمين وغير المحافظين‪ ،‬ضده وضد أفكاره وتصرفاته‪ .‬وأعتقد أنه بكل المعايير لم يحقق نجاحا‬
‫كبيرا حتى الن في جذب عقول وقلوب اليرانيين‪ .‬نحن إلى حد ما عبرنا عن اعتراضنا وانتقدنا أحمدي نجاد ولدينا أسباب لذلك‪ ،‬لكنني شخصيا‬
‫ل أصلح أن أكون رئيسا ليران‪ ،‬فالرئيس يجب أن يكون رمزا للوحدة الوطنية‪ ،‬وأنا أعرف أن هناك بين المحافظين من ل يحتملون فكرة أن‬
‫أكون رئيسا‪.‬‬
‫* هل صحيح أن البازار التقليدي ورجال الدين لم يعودا مسيطرين على صناعة القرار في إيران‪ ،‬وأن هناك نخبة جديدة من رجال العمال‬
‫والعسكريين بدأت تنال صلحيات أكبر وأوسع في مسألة صناعة القرار؟‬
‫ـ فيما يتعلق بالجانب المتعلق ببنية أو هيكل السلطة‪ ،‬عندما تتحول الدولة إلى المرحلة الصناعية‪ ،‬فإنه يحدث تلقائيا أن مصادر القوى التقليدية‬
‫والطبقات النافذة مثل البازار التقليدي تضعف قوتها ويقل تأثيرها‪ ،‬ويحدث تلقائيا وطبيعيا أيضا أن البنى القتصادية التقليدية تتغير‪ .‬حزب «كوادر‬
‫البناء» الذي أسسناه مع رفسنجاني صعد وظهر على أساس اقتصاد التصنيع واقتصاد السوق والخصخصة‪ .‬كنا ندعو إلى التحديث الصناعي‪ ،‬فيما‬
‫كان البازار التقليدي يدعو فقط إلى الهتمام بالتجارة التقليدية‪ .‬ولن حركة كوادر البناء كانت السباقة إلى القتصاد القائم على التصنيع‪ ،‬وليس على‬
‫التبادل التجاري التقليدي‪ ،‬فإنها أوجدت لها قاعدة شعبية وسط الطبقة الوسطى والتكنوقراط‪ ،‬فيما القتصاد التقليدي أو البازار بشكله التقليدي‪ ،‬الذي‬
‫يدعمه المحافظون‪ ،‬له شعبية في الوساط التقليدية‪ .‬لكن حركة كوادر البناء ليست حركة إصلحية فيما يتعلق بالقتصاد فقط‪ ،‬بل حركة إصلحية‬
‫بالمعنى الفكري‪ ،‬فكما قلنا نحن حزب ديمقراطية إسلمية ليبرالية‪ ،‬ولهذا ففي أي انتخابات حرة فإن البازار التقليدي لن يصوت للمرشحين الذين‬
‫يؤيدون اقتصادا تصنيعيا حديثا‪ ،‬لكن في نفس الوقت هناك تغيير يحدث في إيران‪ ،‬والطبقة السياسية الجديدة التي تفكر في القتصاد الحديث‬

‫سيكون المستقبل في أيديهم‪.‬‬
‫* هل التطورات الخيرة في إيران تعكس ضعف الصلحيين‪ ،‬أم زيادة نفوذ المحافطين؟‬
‫ـ المشكلة ليست في من أقوى ومن أضعف في إيران‪ ،‬المحافظون في انتخابات البرلمان العام الماضي كان بحوزتهم وزارة الداخلية ومجلس‬
‫الوصياء ونجحوا في جعل الناس تحجم عن التوجه إلى صناديق القتراع بكثافة‪ .‬قلنا نحن الصلحيين إنه إذا قل‪t‬ت نسبة المشاركة عن ‪ %60‬فلن‬
‫يصل إصلحيون كثيرون إلى البرلمان‪ ،‬ومع ذلك وبالرغم من أنه لم يكن لدينا فرصة حقيقة‪ ،‬بسبب عدم السماح للصلحيين بالترشح وعدم‬
‫مشاركة الناس بكثافة في النتخابات‪ ،‬فإن الجبهة المتحدة للمحافظين برئاسة أحمدي نجاد لم تحصل على عدد المقاعد في البرلمان الذي توقعت‬
‫الحصول عليه‪ .‬أما في معسكر الصلحيين فإننا لم يكن لنا مرشحون في الكثير من المدن اليرانية‪ ،‬لم يكن لدينا أكثر من ‪ 100‬مرشح في كل‬
‫إيران‪ ،‬ومع ذلك الكثير من الناس صوتوا لنا وللمستقلين‪ .‬عموما نحن لسنا أعداء فريق أحمدي نجاد أو أحمدي نجاد شخصيا‪ ،‬نحن نعارض‬
‫سياساته‪ .‬مشكلتنا ليست مع الشخص‪ ،‬مشكلتنا مع السياسات‪.‬‬
‫* هل تعتقد أن النجاحات النسبية التي حققها الصلحيون في انتخابات البرلمان الماضي يمكن القياس عليها في النتخابات الرئاسية؟‬
‫ـ الصلحيون في إيران يعانون من تضييقات كثيرة‪ ،‬وفي انتخابات البرلمان ‪ 2008‬كان هناك الكثير من الممارسات ضدنا‪ ،‬مثل استبعادنا من‬
‫الترشح‪ ،‬ووسائل العلم الرسمية كانت ضدنا بقسوة (صحيفة «كيهان» مثل اتهمت محمد رضا خاتمي‪ ،‬شقيق خاتمي‪ ،‬بالخيانة بسبب مقابلته مع‬
‫السفير اللماني في طهران‪ ،‬وات‚هم مرشحون إصلحيون بالتجسس لنهم أجروا مقابلت صحافية مع قنوات أجنبية خلل النتخابات)‪ .‬أنا واثق من‬
‫أن اليرانيين الذين يميلون إلى المحافظين يتقلص عددهم‪ ،‬فما لدى المحافظين حقيقة هو الدعم الذين يتلقونه بسبب المناخ الحالي في إيران‪.‬‬
‫المحافظون حقيقة ل يستطيعون أن يحصلوا إل على ما بين ‪ %25‬و ‪ %30‬من أصوات اليرانيين في أي انتخابات حرة‪ .‬وتغلب الصلحيون‬
‫على التضييقات المفروضة عليهم يعتمد على الظروف المستقبلية‪ ،‬فوسائل العلم والبرلمان والسلطة القضائية تدعم المحافظين‪ ،‬لكن الشعب لم‬
‫يعد يدعمهم‪ .‬غير أن فوزنا في النتخابات يعتمد على مشاركة الناس في النتخابات‪ ،‬وعلى سياسة أميركا حيال إيران‪ .‬الميركيون ضد سيطرة‬
‫الصلحيين على السلطة في إيران لن هذا يسلب من أميركا العذر للدعاية ضد إيران‪ ،‬فنحن الصلحيين عموما نتعاون مع العالم الخارجي‬
‫وسلوكنا معتدل‪ ،‬ول يمكن للميركيين أن ينتهجوا أسلوب الدعاية ضدنا‪.‬‬
‫الميركيون يفضلون أن يكون المحافظون على رأس السلطة في إيران‪ .‬رأينا أنه خلل السنوات الماضية مر‪s‬رت أميركا ‪ 3‬قرارات عقوبات ضد‬
‫إيران‪ ،‬وبالتالي واشنطن حقيقة تفضل المحافظين وليس الصلحيين لنهم يمنحونها الوسيلة للضغط أكثر على إيران‪ .‬بينما خلل الـ ‪ 16‬عاما‬
‫الماضية‪ ،‬خلل وليت‪w‬ي هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي‪ ،‬لم نواجه مثل هذه العقوبات أو الجراءات‪ .‬ربما في العلن يقول الميركيون إنهم‬
‫يؤيدون الصلحيين‪ ،‬لكن الحقيقة غير ذلك‪ ..‬فكرة أن هناك ارتباطا بين وصول محافظين للحكم في إيران وأميركا صحيحة في إطارها العام‪،‬‬
‫فوصول المحافظين إلى البيت البيض يؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على إيران‪ ،‬إذ يمهد الطريق أمام المحافظين للحكم في إيران أيضا‪.‬‬
‫لكن هل صحيح أن السياسة الميركية حيال إيران ستختلف بوجود شخص مثل جورج بوش أو مثل باراك أوباما؟ لسنا متأكدين من هذا‪.‬‬
‫* ما هي حالة الصحافة في إيران اليوم؟‬
‫ـ الصحافة في إيران ليست في وضع جيد من حيث الجودة‪ .‬الصحف في إيران اليوم إما حكومية تعتمد على تمويل الدولة أو النظام الحاكم‪ ،‬وإما‬
‫صحف محافظة تتبع التيار المحافظ‪ ،‬أو ما يمكن أن نطلق عليها الصحف الصفراء‪ .‬وهذه الصحف الصفراء ل تهتم بالسياسة‪ ،‬بل تكتب حول‬
‫الحوادث والموضوعات الفنية‪ ،‬أما الصحف السياسية الملتزمة فإنها تواجه الكثير من التضييق والتشدد من جانب السلطات‪ .‬وباستثناء صحيفتين أو‬

‫ثلث ليس لدى الصلحيين صحيفة حقيقة تتحدث باسمهم‪ .‬والصحف التي تعتبر إصلحية دائما ما تتلقى تحذيرات وملمحظات من السلطات‪.‬‬
‫هذا هو حال الصحف الصلحية ومن بينهما «كوادر البناء»‪ ،‬حالنا في الصحيفة ليس جيدا‪ ،‬ول نستطيع التوسع‪ ،‬وأرقام التوزيع منخفضة‪ ،‬وهناك‬
‫قيود على ما نكتبه‪ ..‬لكننا نواصل عملنا إلى أن تتغير الظروف‪.‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (‪ )9‬ـ أوباما‪ ..‬إيران‬
‫كرباستشي «الدينامو»‪ ..‬أم عبد ال نوري «المفكر»‪ ..‬أم مهاجراني «المثقف»‪ ..‬أم محتشمي «رجل الميدان»‪ ..‬أم خوئيني «الصامت» أم خاتمي‬
‫«الب الروحي»؟‬

‫مهاجراني وخاتمي ونوري وجوه بارزة وسط الصلحيين‬
‫منال لطفي‬
‫عندما تنتخب أميركا رئيسا ديمقراطيا‪ ..‬تنتخب إيران رئيسا إصلحيا‪ .‬هذه هي الحكمة التقليدية‪ ،‬التي ربما تؤيدها بعض الشواهد‪ .‬هاشمي‬
‫رفسنجاني البراغماتي‪ /‬جورج بوش الب البراغماتي‪ .‬محمد خاتمي الصلحي‪ /‬بيل كلينتون الديمقراطي‪ .‬أحمدي نجاد المتشدد‪ /‬جورج بوش‬
‫البن المحافظ‪ .‬إذا يفترض أن يكون هناك باراك أوباما إيراني؟ لكن السؤال الذي يتردد داخل إيران هو‪ :‬من هو ذلك الشخص؟ إذا سألت إيرانيا‬
‫فوق الخمسين يميل للصلحيين فستكون الجابة في الغلب هى‪ :‬محمد خاتمي‪ .‬لكن إذا سألت شخصا في العشرينات أو الثلثينات من العمر‬
‫سيأتي اسم خاتمي الثالث أو الرابع بعد أسماء أخرى اكثر راديكالية في توجهها الصلحي‪ ،‬من بينها عبد ال نوري وزير الداخلية اليراني خلل‬
‫ولية محمد خاتمي‪ ،‬وغلم حسين كرباستشي عمدة طهران السابق وأحد أبرز الوجوه الصلحية‪ ،‬وعطاء ال مهاجراني وزير الثقافة اليراني‬
‫خلل حكم خاتمي‪ ،‬ومحمد موسوي خوئيني الصلحي البارز وناشر صحيفة «سلم» الصلحية‪ ،‬بل وعلي محتشمي السفير اليراني السابق في‬
‫سورية والب الروحي لحزب ال الذي هو «نسر» في السياسة الخارجية و«اصلحي» داخليا‪ .‬بالنسبة للشباب في إيران اليوم سيأتي اسم خاتمي‬
‫وسط القائمة وليس على رأسها بالضرورة‪ .‬فغالبية الشارع الصلحي في إيران بات اليوم على يسار خاتمي‪ ،‬وهو يريد رئيسا لديه القدرة على‬
‫«توجيه اللكمات»‪ ،‬وليس «تلقيها صامدا»‪ .‬وبالتالي تقول جيزو ميشا أحمدي‪ ،‬الصحافية في قناة «برس تى في» اليرانية لـ«الشرق الوسط»‪:‬‬
‫«ل يجب أن تكون هناك مبالغة في شعور الشباب في إيران بأن ترشح خاتمي حل لكل شيء»‪ .‬ما يجمع كل هذه السماء المرشحة لكي تكون‬
‫«باراك أوباما إيران» هو أنهم كلهم من خارج مؤسسة الحرس الثوري‪ ،‬باستثناء محتشمي‪ ،‬ومن خارج مجلس صيانة الدستور أو الخبراء أو‬
‫تشخيص مصلحة النظام‪ .‬لكن‪ ،‬وفيما يجمعهم إيمانهم بالفكار الصلحية‪ ،‬فإنهم مختلفين عن بعضهم بعضا في «درجة الراديكالية» في أفكارهم‬
‫الصلحية‪ ،‬وعلقتهم مع المرشد العلى آية ال خامنئي‪ ،‬وقدرتهم على تحمل الضغوط‪ ،‬ورغبتهم في المواجهة‪ .‬فحمد موسوي خوئيني‪ ،‬يعتبر من‬
‫أهم الصلحيين في إيران‪ ،‬وله شعبية كبيرة بين النخب الصلحية‪ .‬ويقول المقربون منه إنه دخل «غرفة الصمت» منذ إغلق صحيفة «سلم»‬
‫الصلحية التي كان مدير تحريرها خلل حكم خاتمي‪ .‬لكن من يعرفون خوئيني يقولون إنه من الصعب أن يوافق على الترشح لنتخابات الرئاسة‬
‫اليرانية‪ ،‬فهو شخص مستقل جدا‪ ،‬ومن الصعب على آية ال خامنئي تطويعه أو إخضاعه‪ .‬وهذا ما يجعله مرشحا «مستحيل» بالنسبة لخامنئي‬
‫أيضا‪ .‬واليوم يتابع خوئيني ما يحدث على الساحة السياسة اليرانية من دون أن يكون ناشطا فيها‪ ،‬ومن دون أن يكتب أو يتحدث كثيرا لوسائل‬
‫العلم‪ .‬غير أنه سياسيا ما زال ناشطا‪ ،‬فهو نائب تنظيم «روحانيون مبارز» الصلحي الذي يرأسه خاتمي‪ ،‬خلفا لمهدي كروبي الذي ترك‬
‫«روحانيون مبارز» بعدما أسس حزب «اعتماد ملي» وشارك في النتخابات الرئاسية عام ‪ .2005‬أما عبد ال نوري‪ ،‬وزير الداخلية في عهد‬
‫خاتمي‪ ،‬فهو «مفكر» الصلحيين‪ ،‬والشخص القادر أكثر من غيره على صياغة مفاهيم وأفكار الصلحيين‪ ،‬السياسية والجتماعية والثقافية‪ .‬عبد‬
‫ال نوري بدوره دخل «غرفة الصمت» بعد معاناته السياسية عندما كان وزيرا للداخلية في عهد خاتمي‪ ،‬التي اضطرته إلى الستقالة بعد حملت‬
‫منظمة من المحافظين ضده‪ .‬لكن على الرغم من غيابه عن ساحة المناصب الرسمية‪ ،‬فإن المحافظين ما زالوا يعتبرونه «عدو المحافظين الول»‬
‫بسبب اتهامه لبعض المرجعيات الدينية في قمة الهرم السياسي بالفساد المالي والسياسي‪ .‬في عام ‪ 1999‬اتهمت إحدى المحاكم اليرانية نوري‬
‫بالخيانة‪ ،‬وأصدرت حكما بإغلق صحيفته «خرداد» التي كان يصدرها وسجنه خمسة أعوام بتهمة معاداة الثورة‪ ،‬فانتهز عبد ال نوري فرصة‬
‫مثوله أمام المحكمة لينادي بالصلح‪ ،‬مذكرا من يتهمونه من المحافظين بأنهم ل يستطيعون فرض تفسيرهم للسلم‪ ،‬وطعن كذلك في السلطة‬
‫الدينية والقانونية للمحكمة‪ ،‬مشبها إياها بمحاكم التفتيش‪ ،‬واحتوت كلمات عبد ال نوري على نصوص كاملة من انتقادات آية ال منتظري لمبدأ‬
‫ولية الفقيه‪ .‬واليوم نادرا ما بات عبد ال نوري يتكلم‪ .‬غير أنه وبسبب قرب النتخابات الرئاسية في إيران تحدث مؤخرا منتقدا أحمدي نجاد‪،‬‬

‫قائل إن الصلحيين ل يمكن أن يحققوا الفوز في ظل الستبداد السياسي‪ .‬ويقال عن نوري في إيران إنه ينطبق عليه المثل اليراني القائل‪« :‬ل‬
‫أستطيع تحمل الضغط‪ ..‬أستطيع تحمل الضغط الشديد فقط»‪ .‬أما عطاء ال مهاجراني‪ ،‬أحد أبرز الوجوه الصلحية في إيران‪ ،‬فكان وزيرا‬
‫للرشاد والثقافة خلل ولية خاتمي‪ ،‬إل أنه استقال احتجاجا على التضييق على الصحافيين الصلحيين‪ ،‬وإغلق غالبية الصحف الصلحية‪،‬‬
‫وتشديد الرقابة على دور النشر‪ .‬وفي خطاب استقالته الذي بعث بنسخة منه لية ال خامنئي‪ ،‬ونشرته الصحف اليرانية قال مهاجراني‪« :‬أنا لست‬
‫وزيرا للرشاد‪ ..‬أنا وزير للثقافة»‪ .‬واليوم يطل مهاجراني على ساحة السياسة اليرانية من دون أن يظهر اهتماما بالرغبة في خوض غمار‬
‫النتخابات الن‪ ،‬مفضل تأجيلها لربع سنوات أخرى‪ .‬مركزا اهتمامه على انشغالت ثقافية بين الترجمة والتأليف والدراسة‪ .‬أما على محتشمي‪،‬‬
‫فهو نموذج مغاير لكل هؤلء الصلحيين‪ ،‬فلديه أفكار إصلحية اجتماعية‪ ،‬غير أنه في الوقت نفسه لديه علقات تاريخية قوية مع المؤسسات‬
‫المنية في إيران‪ ،‬خاصة الحرس الثوري‪ ،‬وذلك بسبب دوره في بناء حزب ال عندما كان سفيرا ليران في سورية‪ .‬ومحتشمي من المقربين من‬
‫آية ال خامنئي‪ ،‬ومن طلبه البارزين‪ ،‬وعلقته معه كانت مباشرة وقوية‪ .‬وهو حاد الذكاء‪ ،‬متعدد المواهب‪ ،‬بين السياسي والستخباراتي‪ .‬وإذا كان‬
‫يمكن القول إن أبو إياد كان «مفكر» الحركة الوطنية الفلسطينية‪ ،‬بينما أبو جهاد «رجلها الميداني»‪ ،‬يمكن القول إن عبد ال نوري «مفكر» الحركة‬
‫الصلحية‪ ،‬بينما محتشمي أحد رجالها الذين ل يملكون ملكات فكرية‪ ،‬لكنهم يملكون قدرات ميدانية‪ .‬فهو السياسي الوحيد المحسوب على‬
‫الصلحيين الذي تربطه حقيقة علقات قوية مع المحافظين‪ .‬وهو يمكن أن يكون «همزة الوصل» بين التيارين أو «ممر» فض النزاعات‪ ،‬إذا‬
‫وصل الصلحيون للرئاسة بعد ‪ 4‬أشهر‪ .‬أما غلم حسين كرباستشي‪ ،‬عمدة طهران السابق والمعروف بأنه «دينامو» الحركة الصلحية بسبب‬
‫علقاته التي تمتد بين الحركة الصلحية وحزب كوادر البناء‪ ،‬فهو أحد أكثر الشخصيات شعبية في إيران بعد خاتمي‪ .‬ولن طهران قلب إيران‬
‫السياسي‪ ،‬فقد كانت هذه الشعبية الكبيرة‪ ،‬مصدر متاعب كبيرة لكرباستشي الذي واجه اتهامات بالفساد وحكم عليه بالسجن وحظر عليه العمل‬
‫السياسي‪ .‬ومع أن هذا الحظر ينتهي هذا العام‪ ،‬إل أن كرباستشي‪ ،‬مثل كثير من الوجوه الصلحية البارزة‪ ،‬ل يريد خوض انتخابات الرئاسة‬
‫المقبلة‪ ،‬مما فتح الباب أمام خاتمي «الب الروحي» للحركة الصلحية ووجهها الكثر شعبية‪ ،‬والذي أعلن خوضه غمار السباق الرئاسي ليشكل‬
‫«صداعا» مؤكدا لحمدي نجاد‪ .‬ويقول محسن كديور المفكر اليراني البارز وأحد أبرز الوجوه الصلحية لـ«الشرق الوسط»‪« :‬نحتاج إلى‬
‫وجوه جديدة‪ ،‬لكن لدينا مجلس الوصياء (يضحك)‪ .‬لدينا وجوه‪ ،‬ربما ليست كثيرة‪ ،‬لكنها كافية‪ .‬وجوه يمكن أن تحصد أصوات الناخبين‪ ،‬لكنها ل‬
‫تستطيع المرور من فلتر مجلس صيانة الدستور‪ .‬على سبيل المثال لدينا عبد ال نوري وزير الداخلية اليراني السابق في عهد خاتمي‪ ،‬فهو‬
‫شخصية ممتازة‪ ،‬وإذا استطاع المشاركة في النتخابات فإنه سيحصل على ما يكفي من الصوات‪ ،‬لكن السيد خامنئي لن يسمح له (يضحك)‪ .‬كذلك‬
‫السيد حسين كرباستشي عمدة طهران السابق‪ ،‬وهو أيضا يمكن أن يحصد الصوات‪ ،‬ولهذا السبب ذهب إلى السجن (يضحك)‪ .‬أيضا هناك السيد‬
‫محمد موسوي خوئيني ناشر جريدة «سلم»‪ .‬وفي زمن آية ال الخميني كان رئيس الهيئة القضائية‪ ،‬وهو قادر بدوره على حصد الصوات‪ .‬إذا‬
‫لدينا ما يكفي من الوجوه وسط الصلحيين للوصول للرئاسة إذا كانت النتخابات حرة‪ .‬لكن لكل واحد من هؤلء ملف قضائي‪ ،‬وكلهم دخلوا‬
‫السجن لفترة بسبب انتقاداتهم للنظام والحكومة‪ ،‬وبالتالي من غير المسموح لهم المشاركة في النتخابات»‪ .‬لكن كثيرا من هذه الوجوه الصلحية قد‬
‫ل يرغب بالضرورة في الترشح للنتخابات الرئاسية المقبلة‪ .‬فالمواجهة مع أحمدي نجاد لن تكون سهلة‪ ،‬ولن تكون شعبية أى مرشح إصلحي‬
‫بحد ذاتها ضمانا للنجاح‪ ،‬حتى خاتمي نفسه‪ ،‬وفي انتخابات نزيهه قد ل يفوز‪ ،‬إذا لم تتعد نسبة المشاركة فوق الـ ‪ .%70‬ويقول عطاء ال‬
‫مهاجراني وزير الثقافة اليراني السابق في عهد خاتمي لـ«الشرق الوسط» إن كثيرا من السياسيين البارزين وسط التيار الصلحي ل يريدون‬
‫المغامرة بحرق أوراقهم في هذه النتخابات‪ ،‬موضحا‪« :‬من الفضل النتظار وتقويه الصلحيين وأحزابهم واستعادة صحفهم‪ ..‬مثلما يقول المثل‬
‫الشهير‪ :‬مجتني الثمرة لغير وقت قطفها‪ ،‬كالزارع بل أرض»‪.‬‬

‫إيران‪ 30 :‬عاما على الثورة الحلقة (الخيرة) ـ بين دولة بني صدر ودولة أحمدي نجاد‪ ..‬ق‪q‬بلة على يد خامنئي‬
‫خامنئي اكتفى بمنصبه كرأس للدولة‪ ..‬وإيران استطاعت أن تجعل طهران «محل السياحة السياسية»‪ ..‬وقم «محل السياحة الفكرية» * إيران بين‬
‫من يريدون «دولة الشهداء»‪ ..‬ومن يريدون «دولة الحياء»‬

‫السلطة في طهران استطاعت أن تسيطر على قم‪ ..‬بدون أن تلغيها («الشرق الوسط»)‬
‫تمايزت القوى السياسية في إيران ودخل التيار المحافظ ودور خامئني منع تفجرها («الشرق الوسط»)‬
‫منال لطفي‬
‫يوم الجمعة ‪ 2‬يونيو (حزيران) عام ‪ 1989‬استمع آية ال الخميني إلى الخبار في التلفزيون اليراني من غرفته بمستشفى طهران‪ ،‬حيث كان‬
‫يعالج من السرطان‪ ،‬ثم قرأ بعض الخبار والمقالت في الصحف الميركية والسرائيلية واليرانية كما هي عادته‪ .‬كان بصحبته هاشمي‬
‫رفسنجاني رئيس البرلمان وعلي خامنئي رئيس الجمهورية آنذاك‪ ،‬يأتيان ويذهبان‪ ،‬فيما ابنه أحمد دائما‪ n‬بجواره‪ .‬عندما كان أحمد يذهب لمتابعة‬
‫بعض أمور أبيه‪ ،‬كان الخميني يضبط الراديو على محطة الخبار أو القرآن الكريم يستمع حينا‪ ،n‬أو يمشط لحيته ويضبط عمامته في مرآته التي‬
‫كان يضعها بجواره على المكتب الصغير بجوار السرير‪ .‬يوم السبت ‪ 3‬يونيو كانت حالته تتدهور بسرعة‪ ،‬وقال الطباء إنه ليس بإمكانهم فعل أي‬
‫شيء‪ .‬تجمع كل أفراد السرة وكبار المسؤولين في المستشفى‪ .‬وبعد فترة قال الخميني لبنته زهراء‪« :‬أطفئي المصباح‪ ..‬من أراد أن يبقي ومن‬
‫أراد فليخرج‪ ..‬أطفئي المصباح» ثم دخل في غيبوبة وأ‪k‬علنت وفاته صباح اليوم التالي‪ .‬بعد وفاة الخميني تحدثت وسائل العلم عن صراع على‬
‫خلفته بين من و‪r‬صفوا ساعتها بـ«المثلث الذهبي»‪ ،‬وهم أحمد الخميني وخامنئي ورفسنجاني‪ .‬كان أحمد الخميني في اعتقاد الكثيرين الوفر حظا‬
‫بخلفة الخميني كمرشد أعلى ليران‪ .‬لكن وبعد مرور ساعات فقط على الوفاة انعقد مجلس الخبراء لختيار مرشد أعلى جديد‪ ،‬فالخميني لم يوص‬
‫بشخص معين لخلفته‪ ،‬وإن كان أظهر ميل إلى عدم توريث أحمد الخميني لمنصب قائد الدولة‪ ،‬كما أظهر ميل نحو خامنئي لسبب ليس معروف‬
‫بدقة‪ .‬وذلك بعدما عزل منتظري قبل وفاته بأشهر من منصب نائبه‪ .‬ويقول المفكر اللبناني هاني فحص الذي كان همزة الوصل بين الثورة‬
‫اليرانية والثورة الفلسطينية لـ«الشرق الوسط» حول أسباب عزل منتظري‪« :‬السبب الجوهري هو أن منتظري بقي في موقعه الثوري لنه لم‬
‫يوضع في موقع سلطوي (أو في موقع رسمي بالدولة)‪ .‬ومن هنا أعطى منتظري نفسه حق المراقبة والعتراض‪ .‬وكانت مراقبته دقيقة‬
‫واعتراضاته دقيقة وصادقة وشجاعة‪ .‬لكن ضرورات الدولة كانت مختلفة وبعض القوى المستفيدة من السلطة والدولة عموما‪ n‬ل تتحمل أن تبقى‬
‫موضع مراقبة وإدانة واعتراض من خارجها‪ .‬وأنا أشك بأن الخميني كان يرى تناقضا‪ n‬حقيقيا‪ n‬بينه وبين منتظري‪ .‬ولعل الصورة التي ن‪q‬قلت إليه‬
‫حول انتقادات منتظري كانت مضخ‪t‬مة‪ .‬بالضافة إلى أن فريق عمل منتظري لم يكن واقعيا‪ ،n‬وهذا ما لمسته بيدي‪ .‬مع محبتي المعروفة له‪ .‬كما أن‬
‫فريق عمله لم يكن متماسكا‪ ،n‬ما أدى إلى اختراق من قبل الجهزة‪ ،‬وعادة ما يكون المعارضون من داخل الفريق‪ ،‬والمخترقون‪ ،‬أقرب إلى المبالغة‬
‫في تصوير المور وتضخيمها‪ .‬وفي النهاية تقديري أن منتظري كان ضرورة ثورية‪ ،‬ومن دون شك ضمير‪ ،‬وبقى ضرورة علمية وأخلقية‬
‫للدولة‪ ،‬لكنه ل يملك ذهنية المساومة والتسوية كضرورة من ضرورات الحكم والدارة»‪ .‬غاب منتظري في القامة الجبرية في منزله بحوزة قم‪.‬‬
‫ومن قبله غاب آية ال محمد بهشتي وآية ال مرتضى مطهري ومحمد مفتح وآية ال طالقاني بعدما ق‪q‬تلوا كلهم في التفجيرات التي أرعبت إيران‬
‫بعد نجاح الثورة وظهور الخلفات بين تياراتها المختلفة‪ .‬غياب هؤلء أثر على طبيعة الدولة التي ستولد لحقا‪ .n‬فبينما كان الخميني يرى العالم‬
‫بعين الفقيه‪ ،‬كان طالقاني يرى العالم بعين المجتهد الحر‪ ،‬وبينما كان الخميني ممثل الحوزة الدينية وطلبها خلل الثورة‪ ،‬كان طالقاني ممثل‬
‫الجامعات والطلب والمثقفين‪ .‬وبالرغم من أن طالقاني ع‪r‬ين رئيسا‪ n‬لمجلس الثورة‪ ،‬وإمام جمعة طهران ممثل عن المرشد العلى بعد نجاح‬
‫الثورة‪ ،‬فإن علقته مع الخميني لم تخل‪ k‬من اختلفات‪ .‬ويقول فحص‪« :‬في حدود ما تيسر لي عرفت وعن كثب في علقتي القصيرة مع طالقاني‬
‫أنه لم يكن مختلفا‪ n‬مع الخميني‪ .‬وإن كان مقربون منه ومن أرحامه يؤكدون أن الخلف بينه وبين الخميني كان عميقا‪ n‬جدا‪ .n‬وأن المام وفريقه كانوا‬
‫حريصين على استبعاده‪ ،‬لكنني أشك في ذلك‪ .‬ما عرفته أن طالقاني كان على شك وتناقض غير خفي مع عدد من القيادات الدينية التي تحولت من‬

‫الصفين الثاني والثالث إلى الصف الول بعد الثورة‪ ،‬وحينها أخذ طالقاني ينعي الثورة‪ ..‬والدولة لحقا‪ .»n‬بغياب قادة الصف الول مثل بهشتي‬
‫وطالقاني ومطهري ومفتح‪ ،‬ظهر خامنئي ورفسنجاني من الصف الثاني إلى الصف الول‪ ،‬وفي فترة وجيزة أصبح رفسنجاني رئيسا‪ n‬للبرلمان‬
‫وخامنئي رئيسا‪ n‬للجمهورية عندما سمح الخميني لرجال الدين باحتلل المناصب السياسية بعد التصادمات الحادة بينه وبين حكومتي مهدي بازركان‬
‫وأبو الحسن بني صدر المدنيتين‪ .‬وفي ‪ 2‬أكتوبر (تشرين الول) ‪ 1981‬انتخب علي خامنئي الرئيس الثالث للجمهورية اليرانية بعد أبو الحسن‬
‫بني صدر ومحمد رجائي‪ ،‬ليكون بذلك أول رجل دين معمم يحتل هذا المنصب في تاريخ إيران‪ ،‬ومير حسين الموسوي رئيسا‪ n‬للحكومة‪ .‬وكان‬
‫الخميني مرتاحا‪ n‬أخيرا‪ n‬لشخصية الرئيس ورئيس الوزراء‪ .‬وفي كلمة للخميني يوم تنصيب خامنئي قال‪« :‬عليكم أنتم المحافظة على هذا النظام‪..‬‬
‫فإن استمرار ما حصل في إيران أمر صعب‪ .‬وعليكم القيام بحفظ هذا النظام رغم كل العقبات التي تواجهنا»‪ .‬إذ بعد عامين و ‪ 8‬أشهر من الثورة‬
‫اليرانية‪ ،‬استطاعت دولة الثورة أن تستقر قليل برئاسة خامنئي للجمهورية ومير حسين موسوي للحكومة ورفسنجاني للبرلمان‪ .‬لكن‪ s‬أيا‪ n‬من‬
‫هؤلء‪ ،‬خامنئي ورفسنجاني ومير حسين موسوي‪ ،‬لم يكن بارزا‪ n‬في اليام الولى بعد الثورة‪ ،‬بل كان بهشتي ومطهري مثل أكثر أهمية بكثير‪ .‬كما‬
‫أن أيا‪ n‬منهم لم تكن له اليد العليا‪ ،‬أو مقربا‪ n‬من الخميني بما يكفي ليكون مرشحا‪« n‬طبيعيا‪ »n‬لخلفته‪ .‬ويقول فحص‪« :‬كان محمد بهشتي ومرتضى‬
‫مطهري ومحمد مفتح وعلى إشراقي حول الخميني‪ ،‬وكلهم كانوا متساوين في الهمية‪ ،‬لم يكن بينهم شخص راجح على الخرين‪ .‬أما السيد خامنئي‬
‫في هذه اللحظة فلم يكن له موقع متقدم‪ ،‬كان ممثل للمام في وزارة الدفاع‪ ،‬فيما كان رفسنجاني ممثل للمام في وزارة الداخلية‪ .‬لكن عندما‬
‫احتدمت المواجهات بين رجال الدين والجبهة الوطنية صعد نجم رفسنجاني الذي كان رقمه ‪ 17‬في انتخابات طهران‪ ،‬لكنه أصبح في الصف الول‬
‫لحقا‪ n‬لن رجال الدين خافوا من صراعهم مع الليبراليين وهجوم الليبراليين عليهم‪ .‬لكن ساعتها لم يكن هناك أحد مرجح لدى الخميني»‪ .‬ويقول‬
‫علي دري نجف آبادي‪ ،‬الذي كان ساعتها أحد أعضاء مجلس الخبراء‪ ،‬إن مجلس الخبراء عندما تدهورت صحة الخميني بسبب تمكن سرطان‬
‫المعدة منه‪ ،‬بحث هل يكون منصب الولي الفقيه من عدة أشخاص يعملون معا‪ n‬كمجلس «شورى مصغر»‪ ،‬أم يكون الولي الفقيه شخص‪n‬ا واحدا‪،n‬‬
‫مثلما كان الخميني‪ .‬لكن لم يتم التوافق على مجلس شورى‪ ،‬وتم التوافق على أن تكون القيادة «فردية» وأن يتم اختيار مرشد أعلى خلفة للخميني‪.‬‬
‫ويقول نجف آبادي‪« :‬تم التداول على الشخصية المناسبة‪ .‬وقد اختار مجلس الخبراء بأكثرية حاسمة شخصية حازمة صلبة شجاعة فقهيه‪ ،€‬وهى آية‬
‫ال خامنئي»‪ .‬لم يكن خامنئي معروفا‪ n‬آنذاك كواحد من آيات ال الكبار‪ .‬والصورة التي انطبعت عنه في أذهان اليرانيين هي صورته والكوفية‬
‫الفلسطينية ملفوفة على عنقه‪ ،‬فيما تغطي عينه نظارة كبيرة وهو يتحرك بلباس عسكري على جبهة الحرب مع العراق يصافح الجنود‬
‫والمتطوعين‪ .‬وفي أوقات الهدوء يقرأ كتبا‪ n‬تاريخية وروايات‪ ،‬غالبا‪ n‬روسية مترجمة للفارسية‪ .‬كان خامنئي يحب في الدب الروسي واقعيته وحسه‬
‫بالقدر وإدراكه لهمية التاريخ‪ ،‬ويرى الرواية طريقا‪ n‬للتعلم ونقل تجارب الخرين‪ ،‬سواء أشخاص أو أمم‪ .‬قرأ خامنئي على جبهة الحرب مع‬
‫العراق عشرات الروايات‪ ،‬كان قارئا‪ n‬نهما‪ n‬وسريعا‪ ،n‬ومن ضمن الكتب التي قرأها رواية الكاتب الروسي ميخائيل خولوتشوف «الفجر الهادئ» أو‬
‫‪ quiet down‬وهى رواية حول الحياة والموت والقدر والوطن ومعنى الولء‪ .‬وعندما سأله أحد المقربين منه عن رأيه في الرواية‪ ،‬جاوبه بنقد‬
‫كامل للرواية‪ ،‬فقد كانت له عين ناقد أدبي أيضا‪ .‬أما رفسنجاني فكانت له اهتمامات أخرى‪ ،‬كانت لديه مطبعة تجارية في قم أسسها مع أشقاء له‬
‫خلل دراسته في حوزتها من أجل أن تساعدهم على تكاليف الحياة‪ ،‬وعندما تيسرت المور بعض الشيء بدأ يشترى أراضي ويستثمر فيها‪ ،‬كما‬
‫كانت لديه أراض مزروعة بالفستق‪ .‬كان رفسنجاني محبا‪ n‬للتجارة‪ ،‬ولديه مؤهلتها‪ ،‬من القناع‪ ،‬إلى المساومة‪ ،‬إلى حب الربح‪ .‬لم يكن خامنئي‬
‫ورفسنجاني قريبين من بعضهما البعض في الصفات‪ ،‬إل أنهما كانا قريبين من بعضهما البعض في المكانة في اليام الخيرة من حياة الخميني‪.‬‬
‫لم يزعج اختيار خامنئي لمنصب المرشد العلى أحمد الخميني‪ ،‬فقد كان حريصا‪ n‬على تأكيد أن «بيت الخميني»لن يرث ل منصبا‪ n‬سياسيا‪ n‬ول مال‬
‫من إرث الخميني (لم يتول• أحمد الخميني أي منصب رسمي في إيران حتى وفاته عام ‪ ،)1993‬إل أن هناك شخصا‪ n‬حامت الشكوك في أنه لم يكن‬
‫مرتاحا‪ n‬تماما‪ n‬لختيار خامنئي لخلفة الخميني‪ ،‬هذا الشخص هو رفسنجاني‪ .‬فالبرغم من أن رفسنجاني دعم اختيار خامنئي في المنصب‪ ،‬إل أن‬
‫تبديل ميزان القوى بينهما أثر على علقتهما‪ .‬فقد كان رفسنجاني الكثر نفوذا‪ n‬وقوة قبل أن يتم تعيين خامنئي في منصب الولي الفقيه‪ .‬بعد التعيين‬
‫تغيرت الصورة‪ .‬ويوضح فحص‪« :‬في تقديري أن التمايزات بين خامنئي ورفسنجاني بدأت مبكرا‪ n‬منذ أن كان رفسنجاني رئيس‪n‬ا للبرلمان‪ .‬كان‬
‫دور خامنئي كرئيس جمهورية ثانويا‪ n‬جدا‪ .‬وكنت في هذه الفترة أعيش تفاصيل هذا الوضع‪ ..‬وإحدى العلمات أن خامنئي‪ ،‬بعد مقتل محمد علي‬
‫رجائي ومحمد باهنر‪ ،‬رشح على أكبر وليتي لرئاسة الوزراء‪ ،‬فأسقط وليتي مرتين في مجلس النواب (البرلمان) الذي يرأسه رفسنجاني‪ ،‬وحل‬
‫محله مير موسوي رئيسا‪ n‬للوزراء‪ .‬وكان موسوي مرشح رفسنجاني‪ .‬واعتبر اختيار موسوي وإسقاط وليتي هزيمة لخامنئي‪ .‬لكن عندما أصبح‬

‫رفسنجاني رئيس جمهورية وأصبح خامنئي مرشدا‪ n‬أعلى تعدلت طبيعة النظام‪ .‬تحول النظام إلى نظام رئاسي‪ ،‬وأصبح رئيس الجمهورية هو رئيس‬
‫السلطة التنفيذي‪،‬ة فوضع عمليا‪ n‬حدا‪ n‬لسلطة المرشد‪ ،‬فخلل عهد رفسنجاني كرئيس كان قويا‪ n‬أمام خامنئي‪ .‬ثم جاء محمد خاتمي والتبست المور‪ .‬إذ‬
‫كان التيار المحافظ مصر‪s‬ا‪ n‬على تحقيق مكاسب أمام الصلحيين‪ .‬فعمل على إبطال مساعي الصلحيين‪ ،‬وساعد على هذا تردد خاتمي وقتها‪،‬‬
‫ووضع الصلحيون المزعزع‪ .‬عندما تدهور وضع الصلحيين‪ ،‬رجع رفسنجاني للنتخابات البرلمانية عام ‪ 2004‬فدفع الثمن‪ ،‬فقد عاداه‬
‫الصلحيون (بسبب اتهامات أنه لم يدعمهم بما يكفي)‪ .‬أما المحافظون فلم يصوتوا له في طهران‪ ،‬كما لم يصوت له الصلحيون‪ ،‬ليأتي في‬
‫المرتبة ‪ 29‬أو ‪ 30‬في انتخابات طهران»‪ .‬ويتابع فحص‪« :‬تم تحمل رفسنجاني مسؤولية الفشل القتصادي‪ .‬الطبقة المتوسطة حملته مسؤولية‬
‫تراجع دورها‪ ،‬فذهب باتجاه رئاسة الجمهورية عام ‪ 2005‬ليرمم الوضع‪ ،‬فعمل المحافظون بجد كي يمنعوه من النجاح‪ .‬والصلحيون عملوا ضده‬
‫بشكل مواز‪ ،y‬كما عملوا ضد بعضهم البعض‪ ،‬فدفعوا الثمن معا‪( n‬الصلحيون ورفسنجاني) مما جعلهم الن يميلون للتفاهم أكثر‪ ،‬مع بقاء‬
‫رفسنجاني على صلة أوثق بتيارات معينة داخل تيار المحافظين ظهرت آثارها في انتخابه رئيسا‪ n‬لمجلس الخبراء»‪ .‬كان تبدل موازين القوى بين‬
‫رفسنجاني وخامنئي والخلف بينهما على تعيين ولياتي أو مير حسين موسوي في رئاسة الوزراء أولى الدلئل على التوتر الذي سيأتي مستقبل‬
‫في العلقات بينهما‪ .‬فقد تلى ذلك محطات أخرى من بينها التباينات حول خطط إعمار إيران بعد انتهاء الحرب العراقية ‪ -‬اليرانية وإزالة‬
‫رفسنجاني للفتات الحرب‪ .‬تلى ذلك التباينات بينهما حول انتخاب محمد خاتمي رئيس‪n‬ا للجمهورية عام ‪ .1997‬فعندما طرح خامنئي اسم علي أكبر‬
‫ناطق نوري رئيس البرلمان ساعتها للرئاسة اليرانية خلفا‪ n‬لرفسنجاني‪ ،‬مقابل رئيس المكتبة الوطنية في طهران محمد خاتمي‪ ،‬الذي كان سياسيا‬
‫مغمورا‪ n‬لكن بخطاب ملهم وثقافة واسعة وروح إصلحية‪ ،‬توقع خامنئي أن يفوز ناطق نوري بسهولة‪ .‬وكان فوز خاتمي الكاسح بالنسبة له أشبه‬
‫بالصدمة التي فاقمها ميل رفسنجاني لهذا الجناح الليبرالي أمام ناطق نوري الذي كان‪ ،‬وما زال‪ ،‬من رجال الحلقة الضيقة المحيطة بخامنئي‪.‬‬
‫وطوال ‪ 8‬سنوات من حكم خاتمي كانت علقات خامنئي مع رفسنجاني وخاتمي باردة على أحسن الحوال‪ ،‬ومشتعلة في أحيان أخرى كثيرة على‬
‫خلفية استهداف أبرز الوجوه الصلحية في حكومة خاتمي‪ ،‬ومن بينها وزير الداخلية عبد ال نوري‪ ،‬ووزير الثقافة عطاء ال مهاجراني‪ ،‬ورئيس‬
‫بلدية طهران غلم حسين كرباستشي‪ ،‬الذين اضطروا كلهم للستقالة‪ .‬ثم تدهورت العلقات تماما‪ n‬بعد دعم خامنئي للرئيس اليراني محمود أحمدي‬
‫نجاد أمام رفسنجاني في انتخابات الرئاسة ‪ .2005‬وفي انتخابات مجلس الخبراء الخيرة‪ ،‬لم يكن خامنئي يريد لرفسنجاني أن يترشح‪ ،‬ناهيك عن‬
‫أن يفوز‪ ،‬وكان ميال إلى آية ال جنتي‪ .‬وكان من ضمن أعضاء مجلس الخبراء آية ال يزدي الذي قال لرفسنجاني إن جنتي هو الشخص المناسب‬
‫لرئاسة مجلس الخبراء‪ ،‬فلم يعلق رفسنجاني‪ ،‬واعتقد يزدي أن رفسنجاني قرر عدم الترشح‪ ،‬لكن لحقا‪ n‬كان اسم رفسنجاني في قائمة المرشحين‬
‫ليفوز بهامش كبير على جنتي‪ .‬ولم يكن هذا خبرا‪ n‬طيبا‪ n‬لخامنئي الذي عندما توجه إلى المجلس في أول جلسة بعد انتخابه لم يتحدث عن رفسنجاني‬
‫بصفته رئيس‪n‬ا للمجلس بل تحدث إلى المجلس بصفته الجماعية‪ .‬ثم لحقا أتسعت التباينات لتشمل هوية المرشد العلى ليران مستقبل بعد خامنئي‪.‬‬
‫فرفسنجاني من بين السماء المطروحة‪ ،‬وهناك أيضا‪ n‬رئيس جهاز القضاء في إيران آية ال محمود شهرودي‪ .‬لكن هناك أيضا‪ n‬مجتبى خامنئي‪،‬‬
‫ابن خامنئي‪ .‬وبينما ل يملك مجتبي ل الشعبية الجماهيرية ول المكانة الدينية التي تؤهله للقيادة الفقهية لنه درس في «حوزة طهران» ل «حوزة‬
‫قم» ويحمل فقط مرتبة حجة السلم وليس آية ال‪ ،‬وبالتالي ل تنطبق عليه الشروط الدستورية لتولي منصب ولية الفقيه‪ ،‬إل أنه يملك قدرات‬
‫وعلقات سياسية وأمنية توفر له قاعدة دعم مهمة‪ .‬فهو الساعد اليمن لبيه‪ ،‬إضافة إلى أنه يمسك بمفاتيح الحرس الثوري والستخبارات‬
‫والجهزة المنية التي امتدت قوتها من مجرد القوة العسكرية‪ ،‬إلى القوة القتصادية والجتماعية‪ ،‬مما يجعل من يسيطر عليها‪ ..‬يسيطر ضمنا‪ n‬على‬
‫مفاتيح السلطة في إيران‪ .‬وبالتالي يلفت نظر الصلحيين اليوم ويقلقهم أن المؤسسات الحاكمة في إيران باتت تنتقل تدريجيا‪ n‬وبشكل سريع من يد‬
‫رجال الدين والتكنوقراط إلى يد العسكريين من الحرس الثوري‪ ،‬الذين باتوا يسيطرون على الحكومة والكثير من الوزارات‪ .‬وأحمدي نجاد يعد‬
‫تعبيرا‪ n‬عن هذا التحول‪ ،‬فهو أول رئيس إيراني من الحرس الثوري‪ .‬كان هناك فارق كبير بين دولة أبو الحسن بني صدر الذي عندما أقسم اليمين‬
‫الدستورية كأول رئيس بعد الثورة بدون أن يذكر اسم الخميني‪ ،‬وبين أحمدي نجاد الذي أقسم اليمين ثم توجه وانحنى أمام خامنئي وقب‪s‬ل يده (ليس‬
‫هذا أمرا‪ n‬شائعا‪ ،n‬فقد أثار جلبة في إيران‪ .‬وفيما قال البعض إن الحركة يمكن أن تفسر ببراءة على أنها إعجاب من تلميذ بأستاذ‪ ،‬إل أن آخرين‬
‫كانوا أكثر تشككا‪ n‬قائلين إن تقبيل اليد أمر رمزي سيدل لحقا‪ n‬على نوعية العلقة المستقبلية بين أحمدي نجاد وخامنئي)‪ ،‬وهكذا ظهرت بين العهدين‬
‫هوة كبيرة تكشف عن تحولت اجتماعية واقتصادية وآيديولوجية وسياسية كبيرة‪ .‬فإذا كان رفسنجاني عندما كان رئيسا قد مهد لمشروع دولة ما‬
‫بعد الثورة‪ ،‬ودشن عصر التكنوقراط والنفتاح على الخارج والستثمارات الخاصة‪ ،‬فإن هناك قوى داخل داخل النظام قريبة من خامنئي‪ ،‬كما‬

‫يقول ابو الحسن بني صدر لم ترتاح لهذا المشروع‪ ،‬فمشروعها كان مختلف تماما وهو الحفاظ على دولة الثورة وايديولوجية المواجهة‪ ،‬وهذا ما‬
‫وفرته شعارات دولة أحمدي نجاد‪ ،‬وهو ما ساهم أكثر في صعود الحرس الثوري‪ .‬ويقول فحص لـ«الشرق الوسط»‪« :‬سمعت في إيران قبل سنة‬
‫أن خامنئي قال إنه استلم الحكم فعليا‪ n‬منذ ‪ 3‬سنوات‪ .‬أي منذ بداية رئاسة أحمدي نجاد‪ ،‬من دون أن يعني ذلك في ذهني أن أحمدي نجاد أداة للسيد‬
‫خامنئي‪ .‬خامنئي ليس حاكما‪ n‬مطلقا‪ n‬وإن رغب في ذلك‪ ،‬لكنه الول‪ ،‬ومعظم مقاليد السلطة في يده‪ .‬فهناك قوى متفقة معه وأخرى مختلفة معه‪،‬‬
‫تضيق وتتسع دائرة اتفاقها واختلفها‪ ،‬كما هي طبيعة التحالفات في الدول التي تحكمها أطراف متعددة متمايزة على قاعدة مشتركات متحركة‬
‫بينها‪ ،‬مع وجود مركز ليس في معزل عن الهتزاز»‪ .‬ويشير فحص إلى أن ما حدث خلل الثلثين عاما‪ n‬بعد الثورة اليرانية هو تدهور حال‬
‫رجال الدين كقوة اجتماعية وسياسية‪ ،‬وصعود العسكريين‪ ،‬لكن بدون أن يلغي أي طرف الطرف الخر‪ ،‬موضحا‪« :‬لم يتم إلغاء أحد‪ .‬كانت هناك‬
‫مجموعة قوى‪ ،‬ما زالت موجودة‪ .‬أحمدي نجاد يمثل بعضها‪ ،‬رفسنجاني يمثل بعضها‪ ،‬الشيخ أحمد جنتي يمثل بعضها‪ ،‬مصباح يزدي يمثل‬
‫بعضها‪ ،‬الحرس الثوري يمثل أكثرها‪ .‬بل إن هناك تمايزات داخل الحرس الثوري‪ .‬فيما أصبح السيد خامنئي بعد انتخاب أحمدي نجاد في الوسط؛‬
‫بمعنى القدرة على التوازن‪ ،‬القدرة على حسم المور‪ ،‬صار هو المرجح بين كل القوى»‪ .‬ويتابع‪« :‬في تقديري أن الحرس كمؤسسة صارت كبيرة‬
‫ومسي‪s‬سة‪ ،‬حتى السلطة التنفيذية موجودة فيها‪ ،‬هناك تفاصيل تدل على أن بها تمايزات‪ .‬منذ البداية كان الحرس الثوري لعبا‪ n‬سياسيا‪ ،n‬ليس فقط لن‬
‫عددا‪ n‬من أعضائه أصبحوا في الرئاسة أو في الحكومة أو البرلمان‪ .‬الحرس لعب سياسي يمكن أن يأتي بأحمدي نجاد‪ ،‬لكن هل يمكن أن يأتي‬
‫بأحد قياداته في رأس الرئاسة أو السلطة التنفيذية؟‪ ..‬ل أعرف‪( .‬أحمدي نجاد كان بالحرس الثوري في شبابه ولم يكن أحد قيادييه)‪ .‬التمايزات‬
‫موجودة داخل الحرس الثوري‪ ،‬لكنها غير متفجرة‪ ،‬ودور خامنئي منع التفجير عادة‪ ،‬مثل تغيير قائد الحرس سابقا‪ ،n‬واستقالة علي لريجاني من‬
‫رئاسة مجلس المن القومي اليراني‪ .‬كلها تحركات ليس الحرس الثوري بعيدا‪ n‬عنها»‪ .‬لكن الحرس الثوري‪ ،‬الباسيدج والباسدران‪ ،‬وإن كان‬
‫أعضاؤهم بالمليين‪ ،‬إذا تم حساب المتطوعين‪ ،‬إل أنهم ل يشكلون طبقة اجتماعية‪ .‬وبالتالي في إيران اليوم ل يستفيد الكل من هذا الصعود الكبير‬
‫للحرس الثوري اقتصاديا‪ n‬واجتماعيا‪ n‬أو سياسيا‪ ،n‬بل يستفيد البعض‪ ،‬ومن بينهم الطبقة «الطبيعية» لنفوذه من أبناء «شهداء» الحرب العراقية –‬
‫اليرانية‪ .‬أما المشروع السياسي للحرس الثوري فهو «إحياء دولة الشهداء»‪ ،‬فنفوذ الحرس يتزايد كلما تم تذكير اليرانيين بالخطر المحدق بهم‬
‫والتضحيات التي ضحوا بها خلل الثورة والحرب والحتياجات المنية للدولة اليوم والعداء المحدقين بها وبثورتها‪ .‬وهناك قصة حقيقية توضح‬
‫كيف أن رمزية «الشهيد» ما زالت مهمة جدا‪ n‬في آيديولوجية الدولة اليرانية‪ ،‬بدون أن تحمل لطبقتها امتيازات كبيرة اليوم كما كان عليه الحال‬
‫قبل ع‪p‬قد مثل‪ .‬هذه القصة هي أنه خلل الحرب العراقية ‪ -‬اليرانية أسرت القوات العراقية صبيا‪ n‬إيرانيا‪ n‬في الثالثة عشرة من عمره‪ ،‬أ‪k‬خذ الصبي‬
‫إلى العراق وو‪r‬ضع في معسكر اعتقال لسرى الحرب كان مخصصا‪ n‬للصبية‪ .‬وسمح النظام العراقي آنذاك لوسائل العلم الجنبية بالتوجه إلى‬
‫المعسكر وتصوير الصبي اليراني ومعه عدد آخر كبير من الطفال والصبية صغار السن الذين شاركوا على جبهات القتال الولى ضد العراق‪،‬‬
‫وذلك للتدليل على أن إيران تستخدم أطفال‪ n‬في الحرب في انتهاك للقوانين الدولية‪ .‬جاءت صحافية فرنسية إلى معسكر العتقال‪ ،‬وسألت الصبي‬
‫عن حاله وعما إذا ما كان يلقى معاملة جيدة‪ .‬فرد عليها الطفل قائل‪ :‬يا سيدتي‪ ..‬رسالة فاطمة إليك هي أن أهم شيء للمرأة هو حجابها‪ .‬نقل‬
‫التلفزيون العراقي هذه اللقطة‪ ،‬كما نقلها التلفزيون الفرنسي‪ .‬لكن الهم أن التلفزيون اليراني أيضا‪ n‬نقلها مفتخرا‪ n‬بـ«البطل»‪ ،‬مكررا‪ n‬أن هذا‬
‫«الصبي البطل» فخر إ‪y‬يران‪ ،‬وأنه بالرغم من أنه في السر فإن لديه الشجاعة ليقول لهذه الصحافية هذا الكلم‪ .‬كبر الصبي‪ +‬وصار رجل‪ n‬وترشح‬
‫في انتخابات البرلمان اليراني العام الماضي‪ ،‬إل أن مجلس صيانة الدستور رفض ترشيحه لعدم الهلية‪ .‬قصة هذا الرجل تختلف كثيرا‪ n‬عن قصة‬
‫حسين جانبخش‪ ،‬فهو ابن «شهيد» من «شهداء» الحرب العراقية – اليرانية‪ .‬دخل إحدى الجامعات اليرانية في إطار النسب التي تحدد لبناء‬
‫الشهداء‪ ،‬وعندما تخرج وجد بسهولة عمل في إحدى المؤسسات الحكومية اليرانية في إطار التسهيلت التي تعطى لبناء «الشهداء»‪ .‬فذكرى‬
‫«الشهداء» في كل مكان‪ .‬في مدخل صحيفة «كيهان» المحافظة وبهو الذاعة والتلفزيون هناك صور لشهداء الحرب مع العراق‪ .‬وعند أعلى نقطة‬
‫في سلسلة جبال «البرز» في شمال طهران تضاء شعلة خضراء عملقة فوق الجبل على مدار الـ ‪ 24‬ساعة للدللة على عدم نسيانهم‪ .‬والشعلة‬
‫تقف على رفات العشرات من ضحايا الحرب الذين لم يتم التعرف على رفاتهم ود‪r‬فنوا بشكل جماعي في تلك المقبرة التي يزورها اليرانيون في‬
‫المناسبات الدينية‪ .‬وأينما حولت عينيك في إيران تجد آثار الشهداء‪ .‬أسماء الشوارع‪ ،‬مطهري وبهشتي ومفتح وطالقاني وقرني وجمران وهمت‪.‬‬
‫وليست فقط أسماء الشوارع هي التي تحمل أسماء «شهداء»‪ ،‬بل الجامعات أيضا‪ .n‬وهناك نصب تذكاري لضحايا الحرب العراقية اليرانية في كل‬
‫مكان بإيران تقريبا‪ ،n‬ورفات للضحايا مدفون وسط جامعة طهران‪ ،‬يسير حولها الطلبة الذين لم يعودوا يبالون كثيرا‪ n‬بالسياسة‪ .‬ويقول هاني فحص‪:‬‬

‫«الشهيد هو الذي يحكم وليس البطل‪ ..‬وهذا الفرق بين السنة والشيعة‪ ..‬يحكمنا‪ ،‬نحن الشيعة‪ ،‬المام الحسين وهو شهيد لم ينتصر‪ .‬أما السنة‬
‫فيحكمهم عمر بن الخطاب وعمرو ابن العاص وعثمان ابن عفان وأبو بكر الصديق وعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز‪ ،‬وهؤلء جميعا‬
‫أبطال»‪ .‬لكن وفيما يصعد نجم العسكر‪ ،‬مستندين على آيديولوجية الشهادة وتأثيرها السياسي‪ ،‬يخفت صوت رجال الدين‪ .‬فإذا كان الخميني قد حكم‬
‫إيران من مدينة قم بعد نجاح الثورة‪ ،‬إلى أن استقر في طهران مضطرا‪ n‬بعد اكتشاف مرضه بالقلب‪ ،‬فإن قم اليوم ليست مهمة‪ ،‬ورجال الدين‬
‫«خافتو الصوت»‪ ،‬فيما مدينة طهران هي مصنع السياسة والحكم»‪.‬‬
‫ويقول محسن كديور المفكر اليراني البارز لـ«الشرق الوسط» إن ميل الحوزة في قم اليوم للصمت يعني ضمنا‪ n‬اعتراضها‪ ،‬موضحا‪ n‬أن الكثير‬
‫من آيات ال الكبار فيها معارضون لحكومة محمود أحمدي نجاد‪ ،‬ومن هؤلء آية ال صانعي‪ ،‬وآية ال وحيدي وآية ال منتظري وآية ال أردبيلي‬
‫الذي قال مؤخرا‪ n‬إن إيران في مفترق طرق‪ .‬هؤلء المنتقدون والمعارضون للحكومة اليرانية الحالية وسياساتها يتعرضون للتضييق‪ ،‬غير أن هذا‬
‫التضييق ل يبلغ حد المنع‪ ،‬ففي الحوزة اليوم منشورات من كل نوع‪ ،‬تعبر عن كل التيارات والفكار‪ .‬ومقابل آيات ال المعارضين‪ ،‬هناك آيات ال‬
‫مؤيدون وداعمون لحمدي نجاد والتيار المحافظ المتشدد‪ ،‬ومن هؤلء آية ال همداني‪ ،‬وآية ال شيرازي‪ ،‬ومصباح يزدي‪ ،‬وهو ليس من آيات ال‬
‫الكبار وليس مرجع تقليد‪ ،‬لكنه نافذ جدا‪ n‬وسط التيار المحافظ المتشدد‪ .‬وعلى الجانب الخر هناك آيات ال ل تتدخل في السياسة بشكل مباشر مثل‬
‫آية ال صافي الكلبيكاني‪ ،‬الذي يعد من أبرز آيات ال في قم‪ .‬ويقول هاني فحص لـ«الشرق الوسط» حول قم وعلقتها مع الدولة اليرانية اليوم‪:‬‬
‫«برأيي أن الدولة استطاعت أن تسيطر على الحوزة‪ .‬وبعد السيطرة وسعت هيمنتها لدرجة أنها تركت الحوزة تعمل كما تريد (في إطار السيطرة‬
‫الكلية)‪ .‬بمعنى أن التيار الكلسيكي التقليدي قوي ومستمر ويعيد إنتاج نفسه‪ .‬في الوقت نفسه التيار الصلحي‪ ،‬تيار السؤال الفلسفي واللهوتي‬
‫الفكري المفتوح على كل شيء أيضا‪ n‬استراح وتحميه الدولة الن من المحافظين‪ .‬بات هناك نوع من التعايش؛ كل فريق يعمل على مساره بدون‬
‫منغصات كثيرة‪ ،‬وهذا مسموح به‪ ،‬بشرط أنه ل يقترب من الدائرة الخطرة‪ ،‬وهى أن ل يحمل مشروعا‪ n‬سياسيا‪ n‬آخر‪ ،‬سواء من قبل الكلسيكيين‬
‫التقليديين أو من قبل تيار الفكر الصلحي‪ .‬المهم أن (مربع السياسة) يظل خارج اهتمامهم المباشر‪ ،‬أي ل يحملون مشروعا‪ .n‬هذا التعايش يسمح‬
‫بالتعدد داخل التيار التقليدي‪ ،‬أو الموالي للدولة‪ ،‬أي يسمح أن تخرج أصوات منتقدة من بين التيار المحافظ‪ ،‬خاصة أن مصباح يزدي لم يكن‬
‫معدودا‪ n‬في المراجع من وجهة نظر فقهية‪ .‬وله نفوذ‪ ،‬وأحمدي نجاد محسوب فكريا‪ n‬عليه‪ ،‬وهو يستقوي بالدولة‪ ،‬فمن الطبيعي أن تحدث النتقادات‪.‬‬
‫بالضافة إلى أن المراجع علقتهم الميدانية بالناس يومية‪ .‬كنت أشاهد بعيني وأسمع بأذني أن شكوى الناس تصل إليهم‪ ،‬وفي هذه الحالة ليس لديهم‬
‫مقدسات في السلطة‪ .‬يعني ينتقدون الجميع‪ ،‬مطمئنين إلى أن موقعهم محفوظ‪ ،‬والدولة مطمئنة إلى أن دورهم محدد في مكان معين‪ .‬أي لم يعودوا‬
‫يشكلون خطرا‪ n‬على الدولة حتى لو انتقدوها‪ ،‬ولم تعد الدولة تريد إلغاءهم حتى لو انتقدوها‪ ..‬فالدولة ل تقوي شخص‪n‬ا على آخر داخل الحوزة‪.‬‬
‫بمعني أن الرجح علميا‪ n‬هو آية ال خراساني لسباب فقهية‪ ،‬لكن في السياسة في تقديري أن الدولة اليرانية استطاعت أن تسمح بتعدد في‬
‫المرجعية غير عادي‪ ،‬وتحفظ الجميع بدون أن تعطي مجال‪ n‬لن يستقوي أحدهم على الخر‪ .‬ليس هناك زعامة الن في قم‪ .‬هناك مرجعيات‬
‫بالمعنى الكاديمي والديني تطل على السياسة لكنها ل تحمل رؤية سياسية‪ .‬ل توجد زعامة ‪ ،‬ليست هناك هرمية‪ .‬هناك تعدد متكافئ»‪.‬‬
‫على الجانب الخر وبعيدا‪ n‬عن العسكر والحوزة ومجالس العزاء الحسينية ومقبرة الشهداء في جامعة طهران والشعلة الخضراء فوق قمة جبل‬
‫البرز‪ .‬هناك إيران أخرى‪ .‬فاليوم في طهران بنايات ومشروعات تعادل في بذخها أي مكان آخر في العالم‪ .‬بنايات من الرخام‪ ،‬مقسمة لشقق‪ ،‬مع‬
‫كل بناية حمام سباحة ومرآب سيارات خاص بكل شقة‪ ،‬أما السعار فتتجاوز دوما‪ n‬المليون دولر‪ .‬ول يستطيع إل قلة قليلة جدا‪ n‬شراء هذه الشقق‬
‫شديدة الفخامة‪ ،‬إل أن الغلبية في إيران تسأل أيضا‪ n‬عن نصيبها وتتحدث عن تباين كبير في مستويات المعيشة تبلور خلل العوام العشرة‬
‫الماضية‪ .‬يتساءل محمد محمدي‪« :‬أسر وعائلت شهداء الحرب تعطى مساعدات‪ .‬أولدها يدخلون الجامعات مجانا‪ .n‬لكن هذا وحده ل يجعل الحياة‬
‫سهلة»‪ ،‬فيما يقول محمدي مفتح «أريد أن أعيش في بلدي‪ ،‬لكن الوضع غير واضح‪ .‬القتصاد سيئ‪ ،‬والسعار مرتفعة جدا‪ ،n‬حتى لشخص مثلي‬
‫يعتبر أساسا‪ n‬من الميسورين‪ .‬لقد تزوجت حديثا‪ ،n‬لكنني ل أمتلك ما يكفي لشراء منزل‪ .‬أي منزل لئق سيكون أكبر كثيرا‪ n‬من قدراتي المالية‪.‬‬
‫ولنني ل أدري ما الذي يمكن أن يحل بي‪ ،‬أو بأولدي عندما أنجب‪ ،‬فقد تقدمت مازحا‪ n‬بطلب للحصول على البطاقة الخضراء للهجرة إلى أميركا‬
‫لن زوجتي‪ ،‬وهى إيرانية ولدت في أميركا‪ ،‬تحمل جواز السفر الميركي‪ .‬والمفاجأة أنه تم اختياري عشوائيا‪ n‬للحصول على البطاقة الخضراء‪ .‬أنا‬

‫ل أجيد النجليزية ول أريد مغادرة إيران‪ .‬ل أدري ماذا أفعل»‪ .‬بعد فترة قرر محمدي السفر مع زوجته‪ .‬فهل اليرانيون فخورون بالثورة بعد ‪30‬‬
‫عاما‪ n‬على قيامها بالرغم من التباين الطبقي والمشاكل الجتماعية؟‪ .‬غالبية الجابات ستكون نعم‪ .‬يقول حميد رضا بهاني وهو شاب إيراني في‬
‫العشرينات إنه وإن كان ل يخرج في الشارع ليحتفل كما يفعل الكثير من اليرانيين بذكرى الثورة‪ ،‬إل أن والدته تحيي الذكرى في منزلها بمشاهدة‬
‫الفلم في التلفزيون التي تتحدث عن الثورة‪ ،‬فيما يعكف هو ووالده على قراءة الصحف‪ .‬ويوضح رضا بهاني‪« :‬كان والدي من الذين يحتفلون‬
‫بالثورة‪ ،‬إل أنه لم يعد يحتفل‪ .‬هناك الكثير من الشياء التي ل تعجبني ول تعجبه‪ .‬هذه الحكومة ل تعبر عن الثورة‪ .‬هذه الدولة ل تعبر عن‬
‫الثورة‪ .‬لدينا سياسيون يمارسون السياسة‪ ،‬لكنهم ل يريدون منا أن نحاسبهم كما يحاس‪o‬ب السياسيون في العالم‪ .‬بل أن نتعامل معهم على أنهم فقهاء‬
‫فوق الخطأ»‪ .‬واليوم وبعد ‪ 30‬عاما‪ n‬على الثورة يبدو أن نجاح الثورة كان أمرا‪ n‬سهل مقارنة ببناء دولتها‪ ،‬وعندما يتذكر الكثيرون الخميني اليوم‪،‬‬
‫ل يذكرونه بصفته قائد الثورة اليرانية فحسب‪ ،‬بل بوصفه آية ال الذي أحيا نظرية قديمة لم يعطها أحد أي اهتمام حقيقي من قبله في حوزة قم‪،‬‬
‫وهى ولية الفقيه‪ .‬وإذا كانت إيران قد توحدت خلف الثورة ضد الشاه‪ ،‬فإنها انقسمت حول «ولية الفقيه» ودور رجال الدين في السياسة‪ .‬حدث‬
‫هذا منذ اليوم الول للثورة قبل ‪ 30‬عاما‪ n‬كما أوضح لـ«الشرق الوسط» أول رئيس إيراني بعد الثورة أبو الحسن بني صدر والذي اضطر للجوء‬
‫إلى فرنسا‪ ،‬وكما أوضح إبراهيم يزدي أول وزير خارجية في حكومة مهدي بازركان أول حكومة بعد الثورة‪ ،‬والذي فضل البقاء في إيران‬
‫والصلح من الداخل‪ .‬لكن بالرغم من التأثير المركب الذي تركه مبدأ ولية الفقيه وسيطرة رجال الدين ثم العسكر على السلطة في إيران‪ ،‬يرى‬
‫فحص أن الدولة اليرانية تخرج تدريجيا‪ n‬من حالة الثورة لتؤسس نموذج الدولة‪ ،‬موضحا‪« :‬برأيي أن فكرة الدولة غلبت في إيران على الثورة‬
‫وعلى الدين‪ .‬بمعنى أن إيران دولة وطنية إيرانية ذات ثقافة إسلمية عامة‪ ،‬وفيها نكهة شيعية‪ .‬لكنها دولة وطنية تعمل وفق معايير وطنية إيرانية‪.‬‬
‫خامنئي طرح نفسه كمرجع‪ ،‬ثم هو نفسه وضع حدا‪ n‬لهذه المسألة‪ ..‬مرجعيته لم تعد شرطا‪ n‬إداريا‪ .n‬اكتفي بمنصبه كرأس للدولة وليس للمرجعية‪ .‬في‬
‫رأيي أن إيران استطاعت أن تجعل طهران «المحل السياسي» وقم «محل سياحة فكرية» لطهران‪ .‬في رأيي الدولة احتوت الحوزة بدون أن‬
‫تلغيها‪ .‬بالعكس لو لم يكن البابا موجودا‪ n‬لخلقته‪ ،‬كما قال نابليون بونابرت‪ .‬اى لو تكن الحوزة موجودة لوجدتها‪ .‬هذا ما أثير في أعمال فكرية كبيرة‬
‫من أن الحوزة والتعليم الحوزوي هو تعليم للسلطة‪ ،‬تعليم للدولة‪ .‬وليس عملية معرفية خالصة‪ .‬هذا ما حدث‪ ،‬حتى الصلحيون في النهاية إذا‬
‫صارت لهم دولتهم‪ ،‬فالولوية للدولة ل للحوزة‪ .‬وهذه أولوية طبيعة‪ ،‬المسألة ليست أخلقية‪.‬الولوية للدولة عمليا‪ n‬وواقعيا‪ .»n‬ويتابع‪« :‬إذا أردت أن‬
‫أصف إيران بعد الثورة ومن خلل الدولة بكل تطوراتها أرى أنه في كل الحالت كانت إيران هي أكثر دولة مركزية فيها حريات‪ ،‬وأكثر دولة‬
‫ديمقراطية فيها مركزية‪ .‬إذا جئناها في جهة الديمقراطية نصل إلى المركزية‪ ،‬إذا جئناها في جهة المركزية نصل إلى نسبة ديمقراطية‪ .‬تقديري أن‬
‫هذه النسبة من الديمقراطية خفت في الدارة وفي صناعة الرأي في القرار التنفيذي في الزنة الخيرة‪ .‬وفي رأيي أن الجمهور اليراني جمهور‬
‫إصلحي‪ .‬والصلحيون لم يصلوا إلى مستوى إصلحية الجمهور‪ .‬في رأيي هناك مسلمة وهى أن الذي يقاتل يريد أن يحكم‪ .‬ففي النهاية ‪:‬المن‬
‫موضوع سياسي‪ ،‬علما‪ n‬بأن الحرس الثوري أعاد بناء نفسه بطريقة متماسكة بعد الحرب مع العراق‪ ،‬وأعطى أهمية للمسألة القتصادية‪ .‬الحرس‬
‫الثوري مؤسسة شاملة‪ ،‬ليست عادية أبدا‪ n‬وهى صاحبة النفوذ الول‪ ،‬علما‪ n‬بأن داخلها يوجد تعدد ما‪ ،‬حتى يوجد مزاج إصلحي ل يعرف كيف‬
‫يعبر عن نفسه‪ .‬وهذا ليس سرا‪ .»n‬ومن الشاه إلى مهدي بازركان وبني صدر بعد الثورة‪ ،‬إلى علي خامنئي ورجال الدين من قم‪ ،‬إلى سيطرة‬
‫العسكر والحرس الثوري اليوم‪ ..‬تتأقلم إيران‪ .‬تتأقلم مع الظروف الداخلية والقليمية والدولية‪ ..‬لكن التأقلم يترك بصماته‪ ،‬لذلك من النصاف القول‬
‫إن إيران اليوم مزاجها سيئ‪ .‬ول تحتاج إلى جهد كبير لتتبع آثار هذا المزاج السيئ‪ .‬يكفي أن تسير في الشارع فترى الفتيات ل يرتدين غير‬
‫السود والرمادي والبني‪ .‬ونادرا‪ n‬ما تجد فتاة لبست ألوانا‪ n‬زاهية‪ ،‬إل في المناطق الثرية في شمال العاصمة‪ ،‬لكن نسب هؤلء قلت كثيرا‪ n‬في خلل‬
‫عام واحد‪ .‬يكفي أن تنظر إلى الناس في الشارع لترى تأثير المشاكل القتصادية‪ ،‬وطوابير البنزين‪ ،‬وتأثير تقنينه‪ .‬يكفي أن تنظر إلى مزاج‬
‫اليرانيين العصبي بسبب تقنين الكهرباء‪ ،‬تنقطع بشكل يومي لمدة ساعتين أو ثلث‪ ،‬وتترك الناس في حالة من الغضب والحباط وتعكير المزاج‬
‫بسبب عدم استخدام الكمبيوتر أو ثلجات المنازل أو التلفزيونات خلل ساعات النقطاع هذه‪ ،‬في بلد به ثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة على‬
‫مستوى العالم‪ ،‬لكنه يستورد قرابة ‪ %40‬من احتياجاته من الجازولين لنه يفتقر إلى الموارد أو المعرفة اللزمة لتحديث معامل التكرير لديه بما‬
‫يمكنه من ضخ المزيد من النفط‪ .‬إيران اليوم بمزاجها السيئ تجد نفسها بين عالمين‪ .‬عالم يحكمه من يريدون «دولة الشهداء» وعالم يتطلع إليه من‬
‫يريدون «دولة الحياء»‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful