‫المبريالية أعلى مراحل الرأسمالية‬

‫فلديمير لينين‬

‫المحتويات‪:‬‬
‫مقدمة‬
‫مقدمة للطبعتين الفرنسية واللمانية‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬
‫الفصل‬

‫الول‪ :‬الحتكارات وتمركز النتاج‬
‫الثاني‪ :‬البنوك ودورها الجديد‬
‫الثالث‪ :‬الرأسمال المالي والطغمة المالية‬
‫الرابع‪ :‬تصدير الرأسمال‬
‫الخامس‪ :‬اقتسام العالم بين اتحادات الرأسماليين‬
‫السادس‪ :‬اقتسام العالم بين الدول الكبرى‬
‫السابع‪ :‬المبريالية مرحلة خاصة في الرأسمالية‬
‫الثامن‪ :‬طفيلية الرأسمال وتعفنها‬
‫التاسع‪ :‬انتقاد المبريالية‬
‫العاشر‪ :‬مكان المبريالية في التاريخ‬

‫مقدمة‬
‫هذا الكتاب الذي أعرضه على أنظار القراء وضعته بمدينة زوريخ في ربيع سنة ‪ .1916‬وفي ظروف عملي هناك عانيت‪،‬‬
‫بطبيعة الحال‪ ،‬من بعض النقص في الكتب الفرنسية والنجليزية ومن نقص كبير جدا في الكتب الروسية‪ .‬ولكني قد استفدت‪،‬‬
‫على كل حال‪ ،‬من المؤلف النجليزي الرئيسي بصدد المبريالية – كتاب ج‪ .‬ا‪ .‬هوبسون – بكل النتباه الذي يستحقه هذا‬
‫المؤلف حسب اعتقادي‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫وقد وضعت الكتاب آخذا بعين العتبار الرقابة القيصرية‪ .‬ولذا كنت مضطرا إلى القتصار بدقة على التحليل النظري وحده –‬
‫ولسيما القتصادي – وكذلك إلى منتهى الحذر في صياغة الملحظات الضرورية غير الكثيرة بصدد السياسة‪ ،‬أي بالتلميح‪،‬‬
‫بلغة لقمان‪ ،‬تلك اللغة الرمزية اللعينة التي كانت القيصرية تضطر جميع الثوريين إلى اللجوء إليها كلما أخذوا القلم لوضع‬
‫كتاب «علني»‪.‬‬
‫ومن المؤلم الن‪ ،‬في أيام الحرية‪ ،‬أن أعيد قراءة مقاطع الكتاب التي شوهها التفكير في الرقابة القيصرية‪ ،‬المقاطع‬
‫المكبوكة‪ ،‬المضغوطة كأنما في ملزمة من حديد‪ .‬فلكيما أبين أن المبريالية هي عشية الثورة الشتراكية‪ ،‬وأن الشتراكية‪-‬‬
‫الشوفينية (الشتراكية قول والشوفينية فعلً) هي خيانة تامة للشتراكية وانتقال تام إلى جانب البرجوازية‪ ،‬وأن انقسام‬
‫حركة العمال هذا منوط بظروف المبريالية الموضوعية وغير ذلك‪ ،‬اضطرت إلى أن أتحدث بلغة «العبد»‪ ،‬ولذا أراني‬
‫مضطرا إلى إحالة القارئ الذي تهمه المسألة إلى مجموعة مقالتي التي كتبتها في الخارج سنوات ‪1917-1914‬‬
‫والتي سيعاد نشرها قريبا‪ .‬ولبد من الشارة الخاصة إلى مقطع من مقاطع الكتاب في الصفحتين ‪ :*120-119‬لكيما‬
‫أبين للقارئ بشكل تقبله الرقابة كيف يكذب دون خجل الرأسماليون وكذلك الشتراكيون‪-‬الشوفينيون الذين انتقلوا إلى جانبهم‬
‫(والذين ل يناضل كوتسكي ضدهم بالستقامة اللزمة) في مسألة اللحاق‪ ،‬وكيف يسترون دون خجل على الحاقات‬
‫رأسمالييـهم‪ ،‬كنت مضطرا لن أضرب مثل… اليابان! ومن اليسير على القارئ الفطن أن يستعيض عن اليابان بروسيا‬
‫وعن كوريا بفنلنده وبولونيا وكرولنده وأكرانيا وخيوه وبخارى وأستلنده وغيرها من المقاطعات التي يقطنها غير الروس‪.‬‬
‫وأود أن آمل بأن يساعد كتابي على تفهم المسألة القتصادية الساسية التي ل يمكن بدون دراستها فهم شيء في تقدير‬
‫الحرب المعاصرة والسياسة المعاصرة‪ ،‬نعني مسألة كنه المبريالية القتصادي‪.‬‬
‫المؤلف‬
‫بتروغراد ‪ 26‬أبريل ‪1917‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(*) راجع هذا الكتاب‪ ،‬ص ‪ .565‬الناشر‬
‫مقدمة للطبعتين الفرنسية واللمانية‬
‫‪1‬‬
‫وضعت الكتاب الحالي‪ ،‬كما أشرت في مقدمة الطبعة الروسية‪ ،‬سنة ‪ ،1916‬آخذا الرقابة القيصرية بعين العتبار‪ .‬وليس‬
‫بإمكاني أن أعدل النص بأكمله في الوقت الحاضر؛ وأحسب أن ذلك أمر عديم الجدوى‪ ،‬لن مهمة الكتاب الساسية كانت ول‬
‫تزال‪ :‬أن يبين‪ ،‬بموجب مجمل أرقام الحصاءات البرجوازية التي ل تقبل الجدل وبموجب اعترافات العلماء البرجوازيين في‬
‫جميع البلدان‪ ،‬كيف كانت‪ ،‬في بدء القرن العشرين‪ ،‬قبيل الحرب المبريالية العالمية الولى‪ ،‬الصورة الجمالية للقتصاد‬
‫الرأسمالي العالمي ضمن علقاته العالمية‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى سيكون من المفيد للكثيرين من الشيوعيين في البلدان الرأسمالية المتقدمة أن يتأكدوا‪ ،‬على مثال هذا‬
‫الكتاب العلني من وجهة نظر الرقابة القيصرية‪ ،‬من إمكانية – بله ضرورة – الستفادة حتى من القدر الطفيف من بقايا‬
‫العلنية التي ما تزال باقية للشيوعيين‪ ،‬لنقل مثل في أمريكا أو في فرنسا المعاصرتين بعد اعتقال الشيوعيين بمجموعهم‬
‫تقريبا من عهد قريب؛ وذلك لتبيان كل بطلن نظرات الشتراكيين المسالمين وعقدهم المال على «ديموقراطية عالمية»‪.‬‬
‫وسأحاول‪ ،‬في هذه المقدمة‪ ،‬إعطاء ما ل بد منه من إضافات على هذا الكتاب الخاضع للرقابة‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪2‬‬
‫لقد برهن في هذا الكتاب على أن حرب سنوات ‪ 1918-1914‬كانت من جانب الطرفين حريا امبريالية (أي حرب غزو‬
‫ونهب واغتصاب)‪ ،‬حربا من أجل تقاسم العالم‪ ،‬من أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و«مناطق نفوذ» الرأسمال المالي‬
‫والخ‪.‬‬
‫إذ أن الدليل على طابع الحرب الجتماعي الحقيقي‪ ،‬أو بالصح‪ :‬على طابعها الطبقي الحقيقي‪ ،‬ل يكمن طبعا في تاريخ الحرب‬
‫الديبلوماسي‪ ،‬بل في تحليل الحالة الموضوعية للطبقات المسيطرة في جميع الدول المتحاربة‪ .‬ولتصوير هذه الحالة‬
‫الموضوعية ل ينبغي أخذ أمثلة أو أدلة منعزلة (فرغم كون ظواهر الحياة الجتماعية في منتهى التعقيد يمكن على الدوام‬
‫إيجاد أي قدر من المثلة أو الدلة المنعزلة لتعليل أي فكرة)‪ ،‬بل ينبغي حتما أخذ مجمل الدلة عن أسس الحياة القتصادية‬
‫في جميع الدول المتحاربة وفي العالم كله‪.‬‬
‫وهذه الدلة الجتماعية التي ل تدحض‪ ،‬هي بالضبط‪ ،‬ما ذكرته في لوحة تقاسم العالم في سنتي ‪ 1876‬و ‪1914‬‬
‫(الفقرة السادسة) وفي لوحة توزيع السكك الحديدية في العالم أجمع في سنتي ‪ 1890‬و ‪( 1913‬الفقرة السابعة)‪.‬‬
‫فالسكك الحديدية هي حاصل جميع الفروع الرئيسية في الصناعة الرأسمالية‪ ،‬صناعة الفحم الحجري والتعدين؛ هي حاصل‬
‫وأكثر مقاييس تطور التجارة العالمية والحضارة البرجوازية الديموقراطية جلء‪ .‬وقد بينت فصول الكتاب السابقة كيف تتصل‬
‫السكك الحديدية بالنتاج الكبير‪ ،‬بالحتكارات وبالسنديكات وبالتروستات وبالبنوك وبالطغمة المالية‪ .‬إن توزيع خطوط السكك‬
‫الحديدية وتفاوته وتفاوت تطورها هو حاصل الرأسمالية الحتكارية الحديثة على النطاق العالمي‪ .‬وهذا الحاصل يظهر في‬
‫الحروب المبريالية هي أمر محتوم تماما على هذا الساس القتصادي‪ ،‬طالما بقيت وسائل النتاج ملكا خاصا‪.‬‬
‫يبدو مد السكك الحديدية أمرا بسيطا وطبيعيا وديموقراطيا وثقافيا وتمدنيا‪ ،‬وهو يبدو كذلك في عيون الساتذة البرجوازيين‬
‫الذين تدفع لهم الجور لكيما يجملوا وجه العبودية الرأسمالية‪ ،‬وفي عيون البرجوازيين الصغار التافهين الضيقيي الفق‪ .‬أما‬
‫في الواقع فإن الخيوط الرأسمالية التي تربط بألوف الشباك هذه المشاريع بالملكية الخاصة لوسائل النتاج بوجه عام قد‬
‫جعلت من مد السكك الحديدية أداة لضطهاد مليار من الناس (أشباه المستعمرات إضافة إلى المستعمرات)‪ ،‬أي لضطهاد‬
‫أكثر من نصف سكان الرض في البلدان التابعة‪ ،‬وعبيد الرأسمال الجراء في البلدان «المتمدنة»‪.‬‬
‫إن الملكية الخاصة القائمة على عمل صغار أصحاب العمال‪ ،‬والمزاحمة الحرة‪ ،‬والديموقراطية – إن جميع هذه الشعارات‬
‫التي يخدع بها الرأسماليون وصحافتهم العمال والفلحين قد اندرجت بعيدا في طيات الماضي‪ .‬لقد آلت الرأسمالية إلى نظام‬
‫عالمي لضطهاد الكثرية الكبرى من سكان الرض استعماريا وخنقها ماليا من قبل حفنة من البلدان «المتقدمة»‪ .‬ويجري‬
‫اقتسام هذه «الغنيمة» بين ضاريين أو ثلث ضوار أقوياء في النطاق العالمي‪ ،‬مسلحين من الرأس حتى أخمص القدمين‬
‫(أمريكا وانجلترا واليابان) يجرون الرض كلها إلى حربـهم من أجل اقتسام غنيمتـهم‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫إن صلح بريست‪-‬ليتوفسك الذي أملت شروطه ألمانيا الملكية‪ ،‬ومن بعده صلح فرساي الكثر وحشية وحطة والذي أملت‬
‫شروطه الجمهوريتان «الديموقراطيتان»‪ ،‬أمريكا وفرنسا‪ ،‬وكذلك إنجلترا «الحرة» قد قدما للبشرية خدمة نافعة جدا إذ فضحا‬
‫الكتبة الخدم المأجورين للمبريالية وكذلك البرجوازيين الصغار الرجعيين الذين‪ ،‬وإن كانوا يخلعون على أنفسهم ألقاب‬
‫المسالمين والشتراكيين‪ ،‬فإنهم يمتدحون «الولسونية» ويبرهنون على إمكان السلم والصلحات في ظل المبريالية‪.‬‬
‫إن عشرات المليين من الجثث والمشوهين الذين تركتهم الحرب التي أضرمت نيرانها لتعيين ما إذا كانت الزمرة النجليزية‬
‫أو اللمانية من قطاع الطرق الماليين ينبغي أن تنال حصة السد من الغنيمة‪ ،‬ثم «معاهدتي الصلح» هاتين‪ ،‬تفتح بسرعة لم‬
‫تعهد من قبل عيون المليين وعشرات المليين من الناس الذين ظلمتهم البرجوازية وسحقتهم وخدعتهم وضللتهم‪ .‬وعلى‬
‫صعيد الخراب العالمي التي ل يمكنها أن تنتهي إلى غير الثورة البروليتارية وظفرها‪ ،‬مهما كانت طويل وقاسية تقلبات‬
‫الحوال التي ل بد لهذه الزمة أن يجتازها‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫إن بيان بال الصادر عن الممية الثانية والذي أعطى‪ ،‬في سنة ‪ ،1912‬تقديرا لتلك الحرب التي اندلعت في سنة ‪1914‬‬
‫بالضبط‪ ،‬ل تقديرا للحرب بوجه عام (فالحروب تختلف ومنها ما تكون ثورية)‪ ،‬أن هذا البيان قد بقي أثرا للذكرى يعزي‬
‫بصورة تامة إفلس أبطال الممية الثانية المشين وارتدادهم‪.‬‬
‫ولذلك أعيد نشر هذا البيان في ملحق لهذه الطبعة وألفت نظر القارئ مرة أخرى إلى أن أبطال الممية الثانية يتجنبون بحذر‬
‫مقاطع البيان التي تتحدث بصورة دقيقة ‪,‬واضحة ‪,‬وصريحة بالضبط عن صلة الحرب المقبلة بالثورة البروليتارية‪،‬‬
‫يتجنبونها بنفس حذر اللص في تجنب المكان الذي ارتكب فيه السرقة‪.‬‬

‫‪4‬‬
‫في هذا الكتاب وجه انتباه خاص لنتقاد «الكاوتسكية»‪ ،‬وهي تيار فكري عالمي يمثله في جميع بلدان العالم «كبار‬
‫النظريين»‪ ،‬زعماء الممية الثانية (في النمسا أوتو باور وشركاه وفي إنجلترا رمسي ماكدونالد وغيره وفي فرنسا البير‬
‫توما وهلم جرا والخ‪ ).‬وجمهور من الشتراكيين والصلحيين والمسالمين والديموقراطيين البرجوازيين والكهنة‪.‬‬
‫وهذا التيار الفكري هو‪ ،‬من ناحية‪ ،‬نتاج فساد وتقيح الممية الثانية وهو‪ ،‬من الناحية الخرى‪ ،‬نتاج محتوم ليديولوجية‬
‫صغار البرجوازيين الذين يبقيهم وضع حياتهم بأكمله في أسر الوهام البرجوازية والديموقراطية‪.‬‬
‫إن أمثال هذه النظرات عند كاوتسكي ومن على شاكلته هي ارتداد تام بالضبط عن السس الماركسية الثورية التي دافع‬
‫عنها هذا الكتاب عشرات من السنين‪ ،‬ولسيما – ونقول ذلك بالمناسبة – في النضال ضد النتهازية الشتراكية (لبرينشتين‬
‫وميليران وهايندمان وغومبرس وهلم جرا)‪ .‬ولذلك ليس من باب الصدفة أن اتحد «الكاوتسكيون» الن مع النتهازيين‬
‫المتطرفين في العالم أجمع عمليا وسياسيا (عن طريق الممية الثانية أو الصفراء) ومع الحكومات البرجوازية (عن طريق‬
‫الحكومات البرجوازية الئتلفية التي يساهم فيها الشتراكيون)‪.‬‬
‫إن الحركة البروليتارية الثورية بوجه عام والشيوعية بوجه خاص‪ ،‬هذه الحركة المتنامية في جميع أنحاء العالم‪ ،‬ل غنى لها‬
‫عن تحليل وفضح الخطاء النظرية التي تقترفها «الكاوتسكية»‪ .‬وهذا ل ندحة عنه لسيما وأن النزعة المسالمة‬
‫و«الديموقراطية» بوجه عام اللتين ل تدعيان بالماركسية إطلقا‪ ،‬ولكنهما‪ ،‬شأن كاوتسكي وشركاه سواء بسواء‪ ،‬تطمسان‬
‫عمق تناقضات المبريالية وحتمية الزمة الثورية التي تنشأ عنها‪ ،‬هما تياران ما زال منتشرين لقصى حد في العالم كله‪.‬‬
‫والنضال ضد هذين التيارين هو أمر إلزامي لحزب البروليتاريا الذي يتوجب عليه أن ينتزع من البرجوازية صغار أصحاب‬
‫العمال والمليين من الشغيلة المخدوعين بها والذين تحيط بهم لهذا الحد أو ذاك ظروف حياة البرجوازية الصغيرة‪.‬‬

‫‪5‬‬
‫ولبد من بعض كلمات عن الفصل الثامن‪« :‬طفيلية الرأسمالية وتعفنها»‪ .‬إن هيلفردينغ‪« ،‬الماركسي» سابقا وزميل كاوتسكي‬
‫اليوم وأحد الممثلين الرئيسيين للسياسة البرجوازية الصلحية في «الحزب الشتراكي‪-‬الديموقراطي اللماني المستقل»‪ ،‬قد‬
‫خطا‪ ،‬كما سبق وأشرنا في متن هذا الكتاب‪ ،‬خطوة إلى الوراء في هذه المسألة بالمقارنة مع المسالم والصلحي النجليزي‬
‫المكشوف هوبسون‪ .‬فالنقسام العالمي لحركة العمال بأكملها قد تكشف الن على أتمه (المميتان الثانية والثالثة)‪ .‬وقد‬
‫تكشف كذلك واقع النضال المسلح والحرب الهلية بين التجاهين‪ :‬المناشفة و«الشتراكيون‪-‬الثوريون» في روسيا يؤيدون‬
‫كولتشاك ودينيكين ضد البلشفة؛ وأنصار شيدمان ونوسكه وشركاه في ألمانيا هم مع البرجوازية ضد السبارتاكيين‪،‬‬
‫والشيء نفسه في فنلندة وبولونيا والمجر الخ‪ ..‬فما هو‪ ،‬إذن‪ ،‬الساس القتصادي لهذه الظاهرة التاريخية العالمية؟‬
‫إنه يتلخص بالضبط في الطفيلية والتعفن الملزمين للرأسمالية في أعلى مراحلها التاريخية‪ ،‬أي في مرحلة المبريالية‪.‬‬
‫فالرأسمالية‪ ،‬كما برهن في الكتاب الحالي‪ ،‬قد أبرزت الن حفنة (أقل من عشر سكان الرض‪ ،‬وفي أبعد حالة «للتسامح»‬
‫والمغالت في التقدير‪ ،‬أقل من الخمس) من الدول في منتهى الغنى والقوى تنهب العالم كله بمجرد (قص الكوبونات)‪ .‬إن‬
‫‪4‬‬

‫تصدير الرأسمال يعطي دخل يتراوح بين ‪ 8‬و ‪ 10‬مليارات فرنك في السنة حسب أسعار ما قبل الحرب وحسب إحصاءات‬
‫البرجوازية لما قبل الحرب‪ .‬والن أكثر جدا بطبيعة الحال‪.‬‬
‫وواضح أن هذا الربح الضافي الهائل (إذ أنه يبتز إضافة إلى الربح الذي يعتصره الرأسماليون من عمال بلد«ـهم») يمكن‬
‫من رشوة زعماء العمال والفئة العليا التي تكون أريستوقراطية العمال‪ .‬والرأسماليون في البلدان «المتقدمة» يرشون هذه‬
‫الفئة‪ ،‬بآلف الطرق‪ ،‬المباشرة وغير المباشرة العلنية والمستورة‪ .‬إن هذه الفئة من العمال المتبرجزين أو «اريستوقراطية‬
‫العمال»‪ ،‬الذين هم برجوازيون صغار تماما بنمط حياتهم ومقاييس أجورهم وبكامل نظرتهم للعالم‪ ،‬هي سند الممية الثانية‬
‫الرئيسي‪ ،‬وفي أيامنا سند البرجوازية الجتماعي (ل العسكري) الرئيسي‪ .‬لن هؤلء عملء حقيقيون للبرجوازية في حركة‬
‫العمال‪ ،‬متعهدون عمال في خدمة طبقة الرأسماليين (‪Labor lieutenants of the capitlistes‬‬
‫‪ )class‬وسائط حقيقية لنقل الصلحية والشوفينية‪ .‬وأثناء الحرب الهلية بين البروليتاريا والبرجوازية يقف هؤلء حتما‬
‫بعدد كبير إلى جانب البورجوازية‪ ،‬إلى جانب «الفورسالين» ضد «الكومونيين»‪.‬‬
‫وإذا لم يدرك المرء الجذور القتصادية لهذه الظاهرة‪ .‬إذا لم يقدر أهميتها السياسية والجتماعية حق قدرها ل يستطيع أن‬
‫يخطو خطوة في ميدان حل المهام العملية التي تواجه الحركة الشيوعية والثورة الجتماعية المقبلة‪.‬‬
‫المبريالية عشية الثورة الجتماعية البروليتارية‪ .‬وقد ثبت ذلك منذ سنة ‪ 1917‬في النطاق العالمي‪.‬‬
‫‪ 6‬يوليو ‪1920‬‬
‫ن‪ .‬لينين‬

‫الفصل الول‬
‫الحتكارات وتمركز النتاج‬
‫أثناء السنوات الخمس عشر أو العشرين الخيرة‪ ،‬ولسيما بعد الحرب السبانية‪-‬المريكية ‪ 1898‬والحرب النجليزية‪-‬‬
‫البويرية (‪ )1902-1899‬أخذ الداب القتصادية وكذلك السياسية في العالمين القديم والجديد يتطرق أكثر فأكثر إلى‬
‫مفهوم «المبريالية» لوصف العصر الذي نجتازه‪ .‬ففي سنة ‪ 1902‬صدر في لندن ونيويورك مؤلف اقتصادي إنجليزي‬
‫هوبسون عنوانه‪« :‬المبريالية»‪ .‬والمؤلف‪ ،‬المتمسك بوجهة نظر النزعة البرجوازية للشتراكية الصلحية والمسالمة‪،‬‬
‫وهي وجهة نظر ل تختلف‪ ،‬في الجوهر‪ ،‬عن الموقف الذي يقفه حاليا الماركسي السابق كاوتسكي‪ ،‬قد أعطى وصفا ممتازا‬
‫مفصل لخواص المبريالية القتصادية والسياسية الساسية‪ .‬وفي سنة ‪ 1910‬صدر في فيينا مؤلف الماركسي النمساوي‬
‫رودولف هيلفردينغ عنوانه‪« :‬الرأسمال المالي» (الترجمة الروسية‪ :‬موسكو‪ ،‬سنة ‪ .)1912‬إن هذا الكتاب‪ ،‬رغم غلطة‬
‫المؤلف في مسألة نظرية النقود وميله بعض الشيء إلى التوفيق بين الماركسية والنتهازية‪ ،‬عبارة عن تحليل نظري قيم‬
‫للغاية «لحدث المراحل في تطور الرأسمالية» كما ينص العنوان الثانوي لمؤلف هيلفردينغ‪ .‬إن ما قيل في السنوات الخيرة‬
‫عن المبريالية‪ ،‬ولسيما في العدد الكبير من مقالت المجلت والجرائد في هذا الموضوع وكذلك في القرارات‪ ،‬مثل‪،‬‬
‫مؤتمري خيمنيتز وبال المعقودين في خريف سنة ‪ ،1912‬لم يتعد‪ ،‬في الجوهر‪ ،‬دائرة الفكار التي عرضها أو‪ ،‬بالصح‪،‬‬
‫التي لخصها المؤلفان المذكوران…‬
‫وسنسعى فيما يأتي لنعرض‪ ،‬بإيجاز وبأبسط شكل ممكن‪ ،‬صلة وتفاعل خواص المبريالية الساسية‪ .‬ولن نتطرق إلى الناحية‬
‫غير القتصادية في المسألة مهما كانت جديرة بذلك‪ .‬أمّا أسماء الكتب التي استشهدنا بها والملحظات الخرى التي قد ل‬
‫تهم جميع القراء فنحيلها إلى آخر الكتاب‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪---------‬‬

‫إن نمو الصناعة الهائل والسرعة الكبرى في سير تمركز النتاج في مشاريع تتضخم باستمرار هما خاصة من أخص‬
‫خصائص الرأسمالية‪ .‬وتعطي الحصاءات الصناعية الحديثة عن هذا السير أكمل المعلومات وأضبطها‪.‬‬
‫ففي ألمانيا‪ ،‬مثل‪ ،‬كان يوجد بين كل ألف مشروع صناعي في سنة ‪ 3 - 1882‬وفي سنة ‪ 6 - 1895‬وفي سنة‬
‫‪ 9 - 1907‬من المشاريع الكبرى‪ ،‬أي التي يعمل فيها أكثر من ‪ 50‬من العمال الجراء‪ .‬وكانت حصتها في كل مئة عامل‬
‫‪ 30 ، 22‬و ‪ .37‬ولكن تمركز النتاج أقوى جدا من تمركز العمال‪ ،‬لن العمل في المشاريع الكبرى ذو إنتاجية أكبر جدا‪.‬‬
‫وهذا ما تبنته الرقام الخاصة بالماكينات البخارية والمحركات الكهربائية‪ .‬فإذا أخذنا ما يسمى في ألمانيا الصناعة بمعنى‬
‫الكلمة الواسع أي بما في ذلك التجارة وطرق المواصلت الخ‪ ،.‬حصلنا على الصورة التالية‪ :‬المشاريع الكبرى ‪30588‬‬
‫من ‪ ،3265623‬أي ‪ %0.9‬فقط‪ .‬ولديها من العمال‪ 5.‬مليين و ‪ 700‬ألف من ‪ 14‬مليونا و ‪400‬ألف أي‬
‫‪%39.4‬؛ ولديها ‪6‬مليين و ‪600‬ألف حصان بخاري من ‪ 8‬مليين و ‪800‬ألف ‪ ،‬أي ‪%75.3‬؛ و ‪ 1.2‬مليون‬
‫كيلواط من الطاقة الكهربائية من ‪ 1.5‬مليون أي ‪.%77.2‬‬
‫في حوزة أقل من ‪ %1‬من المشاريع أكثر من ‪ %75‬من مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية! وثمة ‪ 297‬ألف من‬
‫المشاريع الصناعية الصغيرة (حتى ‪ 5‬من العمال الجراء) تؤلف ‪ %91‬من مجموع المشاريع ل تزيد حصتها عن ‪ %7‬من‬
‫مجموع الطاقة البخارية والكهربائية! عشرات اللوف من المشاريع الكبرى – كل شيء؛ والمليين من المشاريع الصغرى –‬
‫لشيء‪.‬‬
‫في سنة ‪ 1907‬كان في ألمانيا ‪ 576‬من المشاريع يشتغل في كل منها ألف عامل وما فوق‪ .‬وكان لديها نحو عُشر‬
‫مجموع عدد العمال (‪ )1370000‬ونحو ثلث (‪ )%32‬من مجموع الطاقة البخارية والكهربائية(‪ .)1‬وسنرى أن‬
‫الرأسمال النقدي والبنوك تجعل تفوق هذه الحفنة من المشاريع الكبرى ساحقا لدرجة أكبر‪ ،‬ساحقا بالمعنى الحرفي للكلمة‪،‬‬
‫أي أن المليين من «أصحاب العمال» الصغار والمتوسطين وحتى قسما من الكبار يجدون أنفسهم في الواقع مستعبدين‬
‫بصورة تامة لبضع مئات من الماليين أصحاب المليين‪.‬‬
‫ونمو تمركز النتاج أشد في بلد متقدم آخر من بلدان الرأسمالية الحديثة‪ ،‬في الوليات المتحدة بأمريكا الشمالية‪ .‬في هذه‬
‫البلد تتعمد الحصاءات إبراز الصناعة بمعنى الكلمة الضيق وتصنيف المشاريع حسب مقادير قيمة النتاج السنوي‪ .‬ففي‬
‫سنة ‪ 1904‬وجد من المشاريع الضخمة التي يبلغ إنتاج كل منها مليون دولر وما فوق ‪( 1900‬من ‪ ،216180‬أي‬
‫‪ )%0.9‬لدينا ‪ 1.4‬مليون من العمال (من ‪ 5.5‬مليون‪ ،‬أي ‪ )%25.6‬وقيمة إنتاجها ‪ 5.6‬مليارات (من ‪14.8‬‬
‫مليار‪ ،‬أي ‪ .)%38‬وبعد مضي خمس سنوات‪ ،‬في سنة ‪ ،1909‬كانت الرقام على النحو التالي‪ 3060 :‬مشروعا (من‬
‫‪ ،278491‬أي ‪ )%1.1‬لديها من العمال مليونان (من ‪ 6.6‬مليون‪ ،‬أي ‪ )%30.5‬وقيمة إنتاجها ‪ 9‬مليارات (من‬
‫‪ 20.7‬مليار‪ ،‬أي ‪.)2()%43.8‬‬
‫إن نحو نصف مجموع ما تنتجه جميع المشاريع في البلد في أيدي جزء من مئة جزء من مجموع عدد المشاريع! وهذه‬
‫المشاريع العملقة الثلثة آلف تشمل ‪ 258‬من فروع الصناعة‪ .‬ويتضح من ذلك أن التمركز‪ ،‬عند درجة معينة من تطوره‪،‬‬
‫يوصل بحد ذاته إلى الحتكار‪ ،‬ويمكن القول‪ ،‬إلى الحتكار عن كثب‪ .‬لن من السهل على بضع عشرات من المشاريع‬
‫العملقة أن تتفق فيما بينها‪ :‬ومن الجهة الخرى‪ ،‬أن إعاقة المزاحمة والميل إلى الحتكار ينشآن بالضبط عن ضخامة حجم‬
‫المشاريع‪ .‬وصيرورة المزاحمة والميل إلى الحتكار هي ظاهرة من أهم الظواهر – إن لم تكن الهم – في اقتصاد الرأسمالية‬
‫الحديثة‪ ،‬وينبغي علينا أن نتناولها بمزيد من التفصيل‪ .‬ولكن ينبغي علينا في بادئ المر أن نزيل ما قد يمكن من سوء‬
‫الفهم‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫تقول الحصاءات المريكية‪ 3000 :‬من المشاريع العملقة في ‪ 250‬من الفروع الصناعية‪ .‬وقد يتبادر إلى الذهن كأن‬
‫هناك ‪ 12‬من المشاريع العملقة فقطفي كل فرع‪.‬‬
‫ولكن المر ليس كذلك‪ ،‬فالمشاريع الكبيرة ل توجد في كل فرع من فروع الصناعة؛ ومن الجهة الخرى‪ ،‬أن من أهم خواص‬
‫الرأسمالية التي بلغت أعلى مراحل تطورها ما يسمى بالتركيب‪ ،‬أي تجمع في مشروع واحد لفروع صناعية مختلفة تؤلف‬
‫إمّا درجات متوالية من تلييف الخدمات (مثل‪ :‬صهر معدن الحديد وتحويل الزهر إلى فولذ أو ربما كذلك إنتاج هذه أو تلك‬
‫من المصنوعات الجاهزة من الفولذ)‪ ،‬وأمّا أن يقوم احدها بدور مساعد للخر (مثل‪ :‬الستفادة من الفضلت أو من‬
‫المنتوجات الثانوية؛ إنتاج مواد التعبئة‪ ،‬الخ‪.).‬‬
‫وقد كتب هيلفردينغ‪« :‬التركيب يسوي اختلفات الحوال في السواق‪ ،‬لذلك يضمن للمشاريع المركبة معدل من الربح أكثر‬
‫ثباتا‪ ،‬والتركيب يفضي‪ ،‬ثانيا‪ ،‬إلى إزاحة التجارة‪ .‬وهو‪ ،‬ثالثا‪ ،‬يجعل من المكان الرقي التكنيكي‪ ،‬وبالتالي الحصول على ربح‬
‫إضافي بالمقارنة مع المشاريع «الساده» (أي غير المركبة)‪ .‬وهو‪ ،‬رابعا‪ ،‬يعزز موقف المشروع المركب بالمقارنة مع‬
‫«الساده»‪ ،‬إذ يقويه في صراع المزاحمة في حالة انحطاط قوي (ركود في العمال‪ ،‬أزمة)‪ ،‬عندما يكون انخفاض أسعار‬
‫الخدمات أقل من انخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة»(‪.)3‬‬
‫إن القتصاد البرجوازي اللماني هيمان الذي كرس مؤلفا خاصا لوصف المشاريع «المختلطة» أي المركبة – في صناعة‬
‫التعدين اللمانية يقول‪« :‬تهلك المشاريع الساده مسحوقة بين ارتفاع أسعار الخدمات وانخفاض أسعار المنتوجات الجاهزة»‪.‬‬
‫ويكون الحاصل الصورة التالية‪:‬‬
‫«لقد بقيت‪ ،‬من جهة‪ ،‬كبريات شركات الفحم الحجري التي تستخرج من الفحم عدة مليين من الطنان والمتراصة التنظيم في‬
‫سينديكات الفحم الحجري؛ ثم معامل صهر الفولذ الضخمة المرتبطة بها ارتباطا وثيقا والتي تنظم في سنديكات الفولذ‪ .‬إن‬
‫هذه المشاريع الهائلة التي تنتج ‪ 400‬ألف طن من الفولذ في العام والتي تستخرج كميات هائلة من المعادن والفحم‬
‫الحجري وتنتج المصنوعات الجاهزة من الفولذ وتستخدم ‪ 10‬ألف عامل يعيشون في ثكنات بلدات المعامل والتي تملك في‬
‫بعض الحيان سككها الحديدية وموانئها هي الممثل النموذجي لصناعة التعدين اللمانية‪ .‬ويسير التمركز أبدا إلى المام‪.‬‬
‫يتضخم بعض المشاريع‪ :‬يتراص عدد متزايد من المشاريع فرع صناعي بعينه أو فروع صناعية مختلفة ضمن مشاريع‬
‫ضخمة تجد سندا لها ومرشدا في نصف دزينة من البنود البرلينية الكبرى‪ .‬وفيما يخص صناعة الستخراج اللمانية أقيم‬
‫البرهان بصورة دقيقة على صحة تعاليم كارل ماركس بصدد التمركز؛ صحيح أن هذا يتعلق ببلد تحمي صناعتها الرسوم‬
‫الجمركية الوقائية وتعريفات النقل‪ .‬إن صناعة الستخراج اللمانية قد نضجت للمصادرة»(‪.)4‬‬
‫هذا هو الستنتاج الذي كان ل بد من أن يخلص إليه اقتصادي برجوازي‪ ،‬سليم النية كأمر استثنائي‪ .‬تجدر الشارة إلى أنه‬
‫كأنما يبرز كحالة خاصة‪ ،‬نظرا لن التعريفات الجمركية المرتفعة تحمي صناعتها‪ .‬بيد أن كل ما تستطيعه هذا الظرف هو‬
‫تعجيل التمركز وتشكيل اتحادات أصحاب العمل الحتكارية‪ ،‬الكارتيلت والسنديكات والخ‪ ..‬وما هو في منتهى الهمية واقع‬
‫أن التمركز في بلد التجارة الحرة‪ ،‬انجلترا‪ ،‬يفضي كذلك إلى الحتكار‪ ،‬وإن يكن بصورة أبطأ وربما بشكل آخر‪ .‬وإليكم ما‬
‫يقوله البروفيسور هرمن ليفي في مبحث خاص تناول فيه «الحتكارات والكارتيلت والتروستات» على أساس معلومات عن‬
‫التطور القتصادي في بريطانيا العظمى‪:‬‬
‫«إن الميل إلى الحتكار في بريطانيا العظمى‪ ،‬بالضبط‪ ،‬في ضخامة حجم المشاريع وعلو مستواها التكنيكي‪ .‬فالتمركز قد‬
‫أفضى‪ ،‬من جهة‪ ،‬إلى أن المشاريع غدت تقتضي إنفاق الرساميل بمبالغ طائلة‪ ،‬ولذا تجد المشاريع الجديدة نفسها إزاء‬
‫طلبات متزايدة فيما يخص مقدار الرأسمال الضروري‪ ،‬وهذا ما يعيق ظهورها‪ .‬ومن الجهة الخرى (ونعتبر هذا المر أكبر‬
‫أهمية) ينبغي على كل مشروع جديد يريد أن يضارع المشاريع الهائلة التي أنشأها التمركز أن ينتج كمية هائلة من‬
‫المنتوجات الفائضة بحيث ل يمكن بيعها بصورة مفيدة إلّ في حالة ازدياد الطلب وازديادا خارقا‪ ،‬وفي الحالة المعاكسة‬
‫يخفض من المنتوجات السعار إلى مستوى ليس في مصلحة المعمل الجديد ول في مصلحة التحادات الحتكارية»‪ .‬وخلفا‬
‫للبلدان الخرى التي تسهل فيها التعريفات الجمركية الوقائية تشكل الكارتيلت‪ ،‬ل تنشأ في انجلترا‪ ،‬في أكثرية الحالت‪،‬‬
‫اتحادات أصحاب العمال الحتكارية‪ ،‬الكارتيلت والتروستات‪ ،‬ال عندما ينحصر عدد المشاريع الرئيسية المتنافسة «في‬
‫دزينتين فقط»‪« .‬إن تأثير التمركز على نشوء الحتكارات في الصناعة الضخمة يظهر هنا بصفاء البلور»(‪.)5‬‬
‫‪7‬‬

‫لنصف قرن مضى‪ ،‬عندما كتب ماركس مؤلفه «رأس المال» كانت المزاحمة الحرة تبدو «قانونا طبيعيا» في نظر الكثرية‬
‫الكبرى من القتصاديين‪ .‬وقد حاول العلم الرسمي أن يقتل عن طريق مؤامرة الصمت مؤلف ماركس الذي برهن بتحليله‬
‫النظري والتاريخي للرأسمالية على أن المزاحمة الحرة تولد تمركز النتاج وعلى أن هذا التمركز يفضي‪ ،‬عند درجة معينة‬
‫من تطوره‪ ،‬إلى الحتكار‪ .‬وقد غدا الحتكار الن أمرا واقعا‪ .‬والقتصاديون يكتبون أكواما من الكتب واصفين فيها هذه‬
‫الظاهرة أو تلك من مظاهر الحتكار ومواصلين الصراخ بنغم واحد‪« :‬لقد دحضت الماركسية»‪ .‬ولكن الوقائع أشياء عنيدة‬
‫كما يقول المثل النجليزي ولبد للمرء من أن يحسب لها الحساب شاء أم أبى‪ .‬والوقائع تظهر أن التباين بين مختلف البلدان‬
‫الرأسمالية من حيث الحماية أو التجارة الحرة مثل ل ينشأ عنه إلّ تباين ل شأن له في شكل الحتكارات أو في زمن‬
‫نشوئها‪ ،‬في حين أن نشوء الحتكارات عن تمركز النتاج هو القانون العام والساسي في المرحلة الحديثة من تطور‬
‫الرأسمالية‪.‬‬
‫ومن الممكن‪ ،‬بالنسبة لوروبا‪ ،‬أن يحدد بدقة كبيرة زمن حلول الرأسمالية الحديثة نهائيا محل القديمة‪ .‬إنه‪ ،‬بالضبط‪ ،‬أوائل‬
‫القرن العشرين‪ .‬ونقرأ في مؤلف من أحدث المؤلفات التلخيصية في تاريخ «تشكل الحتكارات»‪:‬‬
‫«إن المرحلة السابقة لسنة ‪ 1860‬تعطي بعض المثلة عن الحتكارات الرأسمالية؛ ومن الممكن أن تكتشف فيها الصور‬
‫الجنينية للشكال التي غدت الن مألوفة تماما‪ ،‬ولكن ل ريب في أن كل ذلك هو بالنسبة للكارتيلت عهد ما قبل التاريخ‪ .‬إن‬
‫البداية الحقيقية للحتكارات الحديثة تقع على أبعد حد في سنوات العقد السابع من القرن التاسع عشر‪ .‬فالمرحلة الهامة‬
‫الولى لتطور الحتكارات تبتدئ من النحطاط الصناعي العالمي في العقد الثامن من القرن الماضي وتمتد إلى بداية العقد‬
‫العاشر»‪« .‬وإذا بحثنا المر على النطاق الوروبي‪ ،‬وجدنا تطور المزاحمة الحرة قد بلغ أوجه في سنوات العقدين السابع‬
‫والثامن‪ .‬ففي ذلك الحين أنجزت انجلترا تنظيمها الرأسمالي على النمط القديم‪ .‬وفي ألمانيا دخل هذا التنظيم في صراع فاصل‬
‫مع الصناعتين الحرفية والمنزلية وبدأ ينشئ لنفسه أشكال وجوده»‪.‬‬
‫«لقد بدأ انقلب كبير منذ أزمة سنة ‪ ،1873‬أو بالصح‪ ،‬منذ الركود الذي تبعها والذي يمل ‪ 22‬سنة من التاريخ‬
‫القتصادي الوروبي باستثناء انقطاع ل يكاد يلحظ في مستهل العقد التاسع ونهوض خارق القوة إلّ أنه قصير وقع سنة‬
‫‪« .»1889‬وفي أثناء مرحلة النهوض القصيرة في سنتي ‪ 1890-1889‬استخدمت الكارتلت بصورة واسعة‬
‫للستفادة من أحوال السوق‪ .‬إن سياسة غير بصيرة جعلت السعار تقفز أسرع وأعلى مما كان حدث في حالة عدم وجود‬
‫الكارتيلت‪ ،‬وقد هلك معظم هذه الكارتيلت بصورة مزرية في «قبر النهيار»‪ .‬لقد تلت ذلك خمس سنوات أخرى من الحوال‬
‫السيئة والسعار المنخفضة‪ ،‬بيد أن الحالة النفسية لم تعد ذاتها في الصناعة‪ .‬فالركود لم يعد ليعتبر أمرا بديهيا‪ ،‬إذ لم‬
‫يعودوا يرون فيه إلّ وقفة قبل أحوال جديدة ملئمة‪.‬‬
‫وها قد دخلت حركة تشكيل الكارتيلت عهدها الثاني‪ .‬فبعد أن كانت الكارتيلت ظاهرة عرضية‪ ،‬أخذت تصبح أساسا من‬
‫أسس الحياة القتصادية بأكملها‪ .‬وهي تكتسب فرعا من فروع الصناعة بعد آخر وفي الدرجة الولى فرع تكييف المواد‬
‫الخام‪ .‬وفي مستهل سنوات العقد العاشر وضعت الكارتيلت‪ ،‬بتنظيمها لسينديكا الكوك التي نظمت على طرازها فيما بعد‬
‫سينديكا الفحم‪ ،‬آلية لتنظيم الكارتيلت لم تمض أبعد منها في الجوهر‪ .‬أن النهضة الكبيرة في نهاية القرن التاسع عشر‬
‫وأزمة سنوات ‪ 1903-1900‬قد جرتا لول مرة وبصورة تامة تحت شارة الكارتيلت‪ ،‬على القل في صناعتي‬
‫الستخراج والتعدين‪ .‬وإذا كان قد غدا الن في نظر الرأي العام الواسع أمرا بديهيا أن رفعت أهم أقسام الحياة القتصادية‪،‬‬
‫كقاعدة عامة‪ ،‬من المزاحمة الحرة فإن ذلك قد بدا آنئذ كشيء جديد»(‪.)6‬‬
‫إن النتائج الساسية لتاريخ الحتكارات هي‪ ،‬إذن‪ ،‬التية‪ )1 :‬سنوات العقد السابع والثامن من القرن الماضي هي قمة‪،‬‬
‫ذروة تطور المزاحمة الحرة‪ .‬لم تكن الحتكارات غير أجنة بالكاد تلحظ‪ )2 .‬بعد أزمة سنة ‪ 1873‬جاءت مرحلة نادرة‬
‫ولم تكن وطيدة بعد‪ .‬إنها ما تزال ظاهرة عرضية‪ )3 .‬نهضة أواخر القرن التاسع عشر وأزمة سنوات ‪:1903-1900‬‬
‫تصبح الكارتيلت أساسا من أسس الحياة القتصادية بأكلها‪ .‬تحولت الرأسمالية إلى إمبريالية‪.‬‬
‫تتفق الكارتيلت فيما بينها على شروط المبيع وآجال الدفع وغير ذلك‪ .‬وهي تقتسم مناطق التصريف‪ ،‬وهي تحدد كمية‬
‫المنتوجات وهي تعين السعار‪ ،‬وهي توزع الرباح بين مختلف المشاريع وهلم جرا‪.‬‬
‫لقد بلغ عدد الكارتيلت في ألمانيا على وجه التقريب ‪ 250‬في سنة ‪ 1896‬و ‪ 385‬في سنة ‪ 1905‬تضم حوالي‬
‫‪8‬‬

‫‪ 12‬ألف مؤسسة(‪ .)7‬ولكن الجميع يعترفون بأن حتى الـ ‪ 12‬ألف من المشاريع الضخمة تملك وحدها‪ ،‬على ما يبدو‪،‬‬
‫أكثر من نصف مجموع كمية الطاقة البخارية والكهربائية‪ .‬وقدّر عدد التروستات في الوليات المتحدة بأمريكا الشمالية بـ‬
‫‪ 175‬في سنة ‪ 1900‬وبـ ‪ 250‬في سنة ‪ .1907‬وتقسم الحصاءات المريكية جميع المشاريع الصناعية إلى ملك‬
‫لفراد أو لشركات أو لتحادات‪ .‬وكانت هذه الخيرة تملك في سنة ‪ %70.6 1904‬وفي سنة ‪ ،%25.9 1909‬أي‬
‫أكثر من ربع مجموع عدد المشاريع‪ .‬وكانت تستخدم من العمال في سنة ‪ %70.6 1904‬وفي سنة ‪1909‬‬
‫‪ ،%75.6‬أي ثلثة أرباع المجموع؛ وكانت قيمة إنتاجها في السنتين المذكورتين ‪ 10.9‬مليار دولر و ‪ 16.3‬مليار‬
‫دولر‪ ،‬أي ‪ % 73.7‬و ‪ %79.0‬من المبلغ الجمالي‪.‬‬
‫وغالبا ما تتركز في أيدي الكارتيلت والتروستات سبعة أو ثمانية أعشار مجموع النتاج في فرع من فروع الصناعة‪.‬‬
‫فسينديكا فحم إقليم الرين‪-‬فيستفاليا كانت‪ ،‬عندما تشكلت في سنة ‪ ،1893‬تركز في يدها ‪ %86.7‬من مجموع إنتاج‬
‫الفحم في القليم‪ ،‬أما في سنة ‪ 1910‬فقد غدت تركز ‪ .)8(%95.4‬والحتكار الذي يتكون على هذه الصورة يؤمن‬
‫المداخيل الطائلة ويؤدي إلى تشكيل وحدات إنتاجية تكنيكية هائلة الحجم‪ .‬إن تروست النفط الشهير (‪Standad Oil‬‬
‫‪ )Company‬في الوليات المتحدة قد تأسس في سنة ‪« .1900‬وقد بلغ رأسماله ‪ 150‬مليون دولر‪ .‬وأصدرت‬
‫السهم العادية بمبلغ ‪ 100‬مليون والسهم الممتازة بمبلغ ‪ 106‬مليون‪ .‬ودفع لهذه الخيرة من العائدات في سنوات‬
‫‪ ،%40 ،%40 ،%40 ،%36 ،%44 ،%45 ،%48 ،%48 :1907-1900‬أي ما مجموعه ‪ 367‬مليون‬
‫دولر‪ .‬ومن سنة ‪ 1882‬إلى سنة ‪ 1907‬بلغ الربح الصافي ‪ 889‬مليون دولر وزع منها على حملة السهم ‪7.7‬‬
‫مليين وسجل الباقي رأسمال احتياطيا»(‪« .)9‬وفي سنة ‪ 1907‬كان في جميع معامل تروست الفولذ (‪United‬‬
‫‪ )Stats Steel Corporation‬ما ل يقل عن ‪ 210180‬من العمال والمستخدمين‪ .‬وفي سنة ‪ 1908‬كان‬
‫أكبر مشروع في صناعة الستخراج اللمانية‪ ،‬شركة مناجم غيلسنكيرخين يستخدم ‪ 46048‬من العمال والمستخدمين»(‬
‫‪ .)10‬وفي سنة ‪ ،1902‬كان تروست الفولذ ينتج ‪ 9‬مليين طن من الفولذ(‪ .)11‬وبلغ ما أنتجه من الفولذ ‪%66.3‬‬
‫في سنة ‪ 1901‬و ‪ %56.1‬في سنة ‪ 1908‬من مجموع إنتاج الفولذ في الوليات المتحدة(‪ ،)12‬وما استخرجه من‬
‫المعادن في السنتين المذكورتين ‪ %43.9‬و ‪.%46.3‬‬
‫لقد جاء في تقرير اللجنة الحكومية المريكية عن التروستات‪« :‬إن تفوقها على المزاحمين يستند إلى ضخامة حجم‬
‫مشاريعها وإلى تجهيزها التكنيكي الممتاز‪ .‬فتروست التبغ قد بذل كل جهوده منذ تأسيسه ليحل العمل اللي محل العمل‬
‫اليدوي في نطاق واسع وفي جميع الميادين‪ .‬وقد اشترى لهذا الغرض جميع براءات اختراع التي لها أية علقة بتحضير‬
‫التبغ وأنفق على ذلك مبالغ طائلة‪ .‬وتبين أن الكثير من هذه الختراعات كان في بادئ المر غير صالح وتأتى على‬
‫المهندسين المستخدمين في التروست ضبطها‪ .‬وفي أواخر سنة ‪ 1906‬أنشئت شركتان فرعيتان هدفهما الوحيد شراء‬
‫براءات الختراع‪ .‬وللعرض ذاته أنشأ التروست مصانع الصهر ومصانع الماكينات وورشات التصليح‪ .‬وإحدى هذه‬
‫المؤسسات‪ ،‬في بروكلين‪ ،‬تستخدم ‪ 300‬عامل بالمتوسط‪ ،‬وفيها تجري تجربة الختراعات وتحسينها لصنع السجائر‬
‫والنوع الصغير من السيكار والنشوق وأوراق القصدير للف والعلب وغير ذلك(‪« .»)13‬والتروستات الخرى تستخدم كذلك‬
‫ما يسمى (المهندس لتطوير التكنيك)؛ ومهمتهم إيجاد أساليب جديدة للنتاج وتجربة التحسينات التكنيكية‪ .‬ويدفع تروست‬
‫الفولذ لمهندسيه وعماله جوائز عالية لقاء كل اختراع يحسن التكنيك أو يخفض التكاليف»(‪.)14‬‬
‫وعلى النمط نفسه نظمت قضية التحسينات التكنيكية في الصناعة اللمانية الكبيرة‪ ،‬مثل في الصناعة الكيميائية التي تطورت‬
‫بصورة هائلة خلل عشرات السنين الخيرة‪ .‬فإن تمركز النتاج قد أنشأ في هذه الصناعة نحو سنة ‪« 1908‬فريقين»‬
‫رئيسيين جنحا كذلك‪ ،‬على طريقتهما‪ ،‬إلى الحتكار‪ .‬ففي بادئ المر‪ ،‬كان هذان الفريقان «تحالفين مزدوجين» بين زوجين‬
‫من أضخم المعامل رأسمال كل منهما من ‪ 21-20‬مليون مارك‪ :‬من جهة معامل مايستر السابق في هوخست وكاسيله في‬
‫فرانكفورت على الماين؛ ومن الجهة الخرى معمل النيلين والصودا في لودفيغسهافن ومعمل باير السابق في إيلبيرفيلد‪ .‬ثم‪،‬‬
‫في سنة ‪ ،1905‬عقد أحد الفريقين وفي سنة ‪ 1908‬عقد الفريق الخر‪ ،‬كل على انفراد‪ ،‬اتفاقا مع معمل كبير آخر‪.‬‬
‫فكانت النتيجة ظهور «تحالفين ثلثيين» رأسمال كل منهما من ‪ 50-40‬مليون مارك فبدأ بين هذين «التحالفين»‬
‫«التقارب» و«التفاهم» حول السعار وغير ذلك(‪.)15‬‬
‫المزاحمة تتحول إلى احتكار‪ .‬وينتج عن ذلك تقدم هائل في اتخاذ النتاج صبغة اجتماعية‪ ،‬بما في ذلك أيضا ميدان‬
‫‪9‬‬

‫الختراعات والتحسينات التكنيكية‪.‬‬
‫إنه حال يختلف كل الختلف عن المزاحمة الحرة القديمة بين أصحاب أعمال مبعثرين ل يعلم أحدهم شيئا عن أحوال الخر‬
‫وينتجون للتصريف في سوق مجهولة‪ .‬لقد بلغ التمركز حدا غدا معه في المكان إجراء جرد تقريبي لجميع مصادر الخامات‬
‫(مثل مصادر معدن الحديد) في بلد معينة أو حتى‪ ،‬كما سنرى‪ ،‬في جملة من البلدان وفي العالم بأسره‪ .‬ول يقتصر المر‬
‫على إجراء هذا الجرد‪ ،‬بل وتضع اتحادات احتكارية هائلة أيديها على هذه المصادر وتستولي عليها‪ .‬ويجري حساب تقريبي‬
‫لستيعاب السواق التي «تقسمها» هذه التحادات فيما بينها على أساس العقود‪ .‬تحتكر اليدي العاملة المدربة وتستأجر‬
‫نخبة المهندسين ويستولي على طرق ووسائط المواصلت – السكك الحديدية في أمريكا‪ ،‬شركات البواخر في أوروبا‬
‫وأمريكا‪ .‬فالرأسمالية في مرحلتها المبريالية توصل رأسا إلى إعطاء النتاج صبغة اجتماعية شاملة‪ ،‬وهي تجر‬
‫الرأسماليين‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬رغم إرادتهم وإدراكهم‪ ،‬إلى نظام اجتماعي جديد‪ ،‬انتقالي من حرية المزاحمة التامة إلى‬
‫الصطباغ التام بالصبغة الجتماعية‪.‬‬
‫يغدو النتاج اجتماعيا‪ ،‬ولكن التملك يبقى خاصا‪ .‬تظل وسائل النتاج الجتماعية ملكا خاصا لعدد ضئيل من الفراد‪ .‬يبقى‬
‫الطار العام للمزاحمة الحرة المعترف بها شكليا‪ ،‬ويغدو ظلم حفنة الحتكاريين لبقية السكان أثقل وأشد بمائة مرة‪.‬‬
‫لقد كرس القتصاد اللماني كستنر مؤلفا خاصا لموضوع «الصراع بين الكارتيلت والدخلء»‪ ،‬أي أصحاب العمال غير‬
‫المنتظمين للكارتلت‪ .‬وقد أسمى هذا الكتاب «الجبار على التنظيم»‪ ،‬في حين كان ينبغي الحديث عن الجبار على الخضوع‬
‫لتحادات الحتكاريين‪ ،‬وذلك طبعا لكيل تطلى الرأسمالية بالمساحيق‪ .‬ومن المفيد أن نلقي نظرة ولو على قائمة الوسائل التي‬
‫تلجأ إليها اتحادات الحتكاريين في الصراع الراهن‪ ،‬الحديث‪ ،‬المتمدن‪ ،‬من أجل «التنظيم»‪ )1 :‬الحرمان من المواد الخام‬
‫(«…طريقة من أهم طرق الجبار على النضمام إلى الكارتيل»)؛ ‪ )2‬الحرمان من اليدي العاملة عن طريق «الئتلفات»‬
‫(أي العقود بين الرأسماليين ونقابات العمال بشأن عدم قبول هذه الخيرة العمل إلّ في المشاريع المنظمة إلى الكارتيلت)؛‬
‫‪ )3‬الحرمان من وسائط النقل؛ ‪ )4‬الحرمان من أسواق التصريف؛ ‪ )5‬عقود مع الشارين بشأن عدم إقامة العلقات‬
‫التجارية إلّ مع الكارتيلت وحدها؛ ‪ )6‬تخفيض السعار بصورة منظمة (ليفلس «الدخلء»‪ ،‬أي المشاريع غير الخاضعة‬
‫للحتكاريين؛ تنفق المليين للبيع بأقل من التكاليف خلل زمن معين‪ :‬فقد حدثت فترات خفضت فيها السعار في صناعة‬
‫البنزين من ‪ 40‬إلى ‪ 22‬ماركا‪ ،‬أي نحو النصف! ‪ )7‬الحرمان من التسليف؛ ‪ )8‬إعلن المقاطعة‪.‬‬
‫إن ما نراه ليس بصراع بالمزاحمة بين مشاريع صغيرة وكبيرة‪ ،‬متأخرة التكنيك وراقية التكنيك‪ .‬إن ما نراه هو خنق‬
‫الحتكاريين للذين ل يخضعون للحتكارات ولظلمها وعسفها‪ .‬وإليكم صورة انعكاس هذه العملية في ذهن اقتصادي‬
‫برجوازي‪:‬‬
‫كتب كستنر‪« :‬وحتى في ميدان النشاط القتصادي الصرف يجري بعض التحول من النشاط التجاري بمعنى الكلمة السابق‬
‫إلى نشاط المضاربة التنظيمي‪ .‬ومن يحرز النجاح الكبر ليس التاجر الذي تتيح له خبرته الفنية والتجارية أن يحرز على‬
‫خير وجه حاجات المشترين‪ ،‬أن يجد وأن «يكتشف»‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬الطلب الموجود في حالة خفية‪ ،‬بل العبقري في‬
‫المضاربة (؟!) القادر على أن يحسب مقدما أو‪ ،‬على القل‪ ،‬أن يحس تطور التنظيم والصلت المحتملة بين هذه أو تلك من‬
‫المشاريع أو البنوك…»‪.‬‬
‫ومعنى ذلك إذا ترجم إلى لغة الناس أن تطور الرأسمالية قد بلغ حدا تقوض فيه النتاج البضاعي فعل وإن كان ما زال‬
‫«سائدا» كالسابق وما زال يعتبر أساسا للقتصاد كله‪ ،‬وتصبح فيه الرباح الرئيسية من نصيب «عباقرة» الملعيب المالية‪.‬‬
‫وتقوم هذه الملعيب والحتيالت على أساس اكتساب النتاج للصفة الجتماعية‪ ،‬ولكن تقدم البشرية الهائل التي توصلت‬
‫بعملها إلى حد اكتساب النتاج للصفة الجتماعية يصبح مفيدا… للمضاربين‪ .‬وسنرى فيما يأتي كيف أن نقاد المبريالية‬
‫الرأسمالية من صغار البرجوازيين الرجعيين يحملون «على هذا الساس» بالعودة إلى الوراء‪ ،‬إلى المزاحمة «الحرة»‪،‬‬
‫«السلمية»‪« ،‬الشريفة»‪.‬‬
‫يقول كستنر‪« :‬إن ارتفاع السعار مدة طويلة كنتيجة لتشكل الكارتيلت لم يلحظ حتى الن إلّ فيما يخص أهم وسائل‬
‫النتاج‪ ،‬ولسيما الفحم الحجري والحديد والقلى‪ ،‬وبالعكس‪ ،‬لم يلحظ أبدا فيما يخص المنتوجات الجاهزة‪ .‬والرتفاع في‬
‫العائدات الناشئ عن ذلك قد اقتصر أيضا على صناعة وسائل النتاج‪ .‬وينبغي أن نضيف إلى هذه الملحظة أن صناعة‬
‫تكييف المواد الخام (ل المصنوعات نصف الجاهزة)‪ ،‬عدا أنها تجني – بفضل تشكل الكارتيلت – الفوائد بشكل أرباح‬
‫‪10‬‬

‫مرتفعة لما فيه خسارة الصناعة المشغولة بإكمال المصنوعات نصف الجاهزة‪ ،‬قد اكتسب حيال هذه الصناعة نوعا من‬
‫السيطرة لم يكن لها وجود في زمن المزاحمة الحرة»(‪.)16‬‬
‫إن الكلمات التي أشرنا إليها تبين كنه القضية الذي ل يعترف به القتصاديون البرجوازيون إلّ نادرا وبغير رغبة والذي‬
‫يسعى إلى تجنبه وإهماله جهد طاقتهم المدافعون الحاليون عن النتهازية وعلى رأسهم كارل كاوتسكي‪ .‬فعلقات السيطرة‬
‫والقسر الناجم عنها هو ما يميز «المرحلة الحديثة في تطور الرأسمالية»‪ ،‬هو ما كان ل بد أن ينتج وما نتج فعل عن تشكل‬
‫الحتكارات القتصادية الكلية القدرة‪.‬‬
‫لنذكر مثل آخر عن سيطرة الكارتيلت‪ .‬إن نشوء الكارتيلت وتشكل الحتكارات هو أمر في غاية السهولة حيث يمكن‬
‫الستيلء على جميع مصادر الخامات أو على القسم الرئيسي من هذه المصادر‪ .‬ولكن من الخطأ الظن أن الحتكارات ل تنشأ‬
‫كذلك في الفروع الصناعية الخرى التي ل يمكن فيها الستيلء على مصادر الخامات‪ .‬فصناعة السمنت تجد الخامات في‬
‫كل مكان‪ .‬بيد أن الكارتيلت قد اتحدت المعامل في سينديكات اقليمية‪ :‬سينديكات جنوب ألمانيا وسينديكات إقليمي الرين‪-‬‬
‫فيستفاليا والخ‪ ..‬والسعار هي أسعار الحتكارات‪ 280-230 :‬ماركا قيمة عربة القطار في حين أن تكاليفها ‪180‬‬
‫ماركا! وتعطي المشاريع ‪ %16-12‬لحملة السهم؛ ولكن ل ينبغي أن ننسى أن «عباقرة» المضاربة العصرية يحسنون‬
‫توجيه مبالغ من الرباح إلى جيوبهم فضل عما يوزع على حملة السهم‪ .‬وبغية إزاحة المزاحمة من صناعة تدر مثل هذه‬
‫الرباح ل يحجم الحتكاريون حتى عن الحابيل‪ :‬ينشرون إشاعات كاذبة عن سوء الحال في الصناعة‪ ،‬ينشرون في الصحف‬
‫إعلنات مغفلة‪« :‬أيها الرأسماليون! حذار أن توظفوا رؤوس أموالكم في صناعة السمنت»‪ ،‬وأخيرا يشترون معامل‬
‫«الدخلء» (أي غير المنضمين إلى السينديكات)‪ ،‬ويدفعون لهم «خلوّا» ‪ 150-70-60‬ألف مارك(‪ .)17‬يشق الحتكار‬
‫طريقه في كل مكان وبكل الوسائل‪ ،‬ابتداء من دفع الخلوّ «المتواضع» وانتهاء «بتطبيق» الطريقة المريكية لنسف المزاحم‬
‫بالديناميت‪.‬‬
‫أمّا قضاء الكارتيلت على الزمات فهو قصة اختلقها القتصاديون البرجوازيون الذين يسعون وراء طلي الرأسمالية‬
‫بالمساحيق مهما كلف المر‪ .‬بالعكس‪ ،‬إن الحتكار‪ ،‬عندما ينشأ في بعض الفروع الصناعية‪ ،‬يشدد ويزيد الفوضى التي تلزم‬
‫النتاج الرأسمالي بأكمله‪ .‬فعدم التناسب بين تطور الزراعة والصناعة‪ ،‬المر المميز للرأسمالية بوجه عام‪ ،‬يزداد لدرجة‬
‫أكبر‪ .‬إذ أن الوضع الممتاز الذي تجد فيه نفسها الصناعة الكثر تنظيما في الكارتيلت‪ ،‬ما يسمى بالصناعة الثقيلة‪ ،‬ولسيما‬
‫صناعة الفحم والحديد‪ ،‬يفضي‪ ،‬في الفروع الصناعية الخرى‪ ،‬إلى «انعدام المنهاجية لدرجة أشد» كما يعترف ييدلس الذي‬
‫وضع كتابا من أحسن الكتب عن «العلقات بين البنوك اللمانية الكبرى والصناعة»(‪.)18‬‬
‫وقد كتب ليفمن‪ ،‬المدافع عن الرأسمالية دون حياء‪« :‬كلما كان القتصاد الوطني أكثر تطورا‪ ،‬كلما اتجه نحو المشاريع التي‬
‫تنطوي على المجازفة أو الموجودة في الخارج‪ ،‬نحو المشاريع التي تحتاج لتطورها زمنا طويل أو‪ ،‬أخيرا‪ ،‬نحو تلك التي ل‬
‫يتعدى أهميتها النطاق المحلي»(‪ .)19‬إن ازدياد المجازفة ينشأ في نهاية المر عن ازدياد الرأسمال ازديادا هائل فيفيض‪،‬‬
‫إن أمكن القول‪ ،‬ويتدفق إلى الخارج والخ‪ ..‬ثم إن تنامي التكنيك بسرعة متزايدة يسفر عن مزيد ومزيد من عناصر عدم‬
‫التناسب بين مختلف نواحي القتصاد الوطني‪ ،‬ومن الفوضى والزمات‪ .‬وقد اضطر ليفمن ذاته إلى العتراف قائل‪« :‬ربما‬
‫كان على البشرية أن تواجه مرة أخرى في المستقبل القريب انقلبات كبيرة في حقل التكنيك سيكون لها تأثيرها كذلك على‬
‫التنظيم القتصادي الوطني»… الكهرباء‪ ،‬الطيران…«وفي المعتاد وكقاعدة عامة تشتد المضاربة بقوة في أزمنة التغيرات‬
‫القتصادية الجذرية…»(‪.)20‬‬
‫والزمات بأنواعها – القتصادية في الغلب‪ ،‬ولكن ليست اقتصادية وحدها – تشدد بدورها‪ ،‬في نطاق واسع‪ ،‬الميل إلى‬
‫التمركز وإلى الحتكار‪ .‬وهاكم أراء ييدلس بليغة الدللة عن أهمية أزمة سنة ‪ ،1900‬الزمة التي كانت‪ ،‬كما نعلم‪ ،‬نقطة‬
‫تحول في تاريخ الحتكارات الحديثة‪:‬‬
‫«وحين تفجرت أزمة ‪ 1900‬كان هناك‪ ،‬إلى جانب المشاريع الهائلة في الفروع الصناعية الرئيسية‪ ،‬عدد كبير من‬
‫المشاريع ذات التنظيم المتأخر حسب المفهوم الحالي‪ ،‬مشاريع «ساده»» (أي غير المركبة) «رفعتها إلى أعلى موجة‬
‫النهضة الصناعية‪ .‬فهبوط السعار وانخفاض الطلب قد ساقا هذه المشاريع «الساده» إلى حال من الشدة لم تمس المشاريع‬
‫الهائلة المركبة بتاتا أو مستها لفترة قصيرة جدا‪ .‬وبنتيجة ذلك أدت أزمة سنة ‪ 1900‬إلى التمركز الصناعي بمقاييس أكبر‬
‫جدا من أجمة سنة ‪ :1873‬فهذه الخيرة قامت أيضا بنوع من الصطفاء لحسن المشاريع‪ ،‬ولكن هذا الصطفاء لم يمكنه‪،‬‬
‫‪11‬‬

‫مع مستوى التكنيك في ذلك العهد‪ ،‬ان يسفر عن احتكار تلك المشاريع التي خرجت من الزمة ظافرة‪ ،‬وهذا الحتكار المديد‬
‫والمتطور جدا هو بالضبط ما تملكه – بفضل تكنيكها المعقد منتهى التعقيد وتنظيمها الدقيق للغاية وقوة رأسمالها –‬
‫المشاريع الهائلة في صناعتي الحديد والكهرباء الراهنتين ثم‪ ،‬لدرجة أقل‪ ،‬مشاريع صناعة بناء الماكينات وبعض فروع‬
‫صناعة التعدين وطرق المواصلت وغير ذلك»(‪.)21‬‬
‫الحتكار هو آخر كلمة لـ«أحدث المراحل في تطور الرأسمالية»‪ .‬ولكن تصورنا لمدى قوة وأهمية الحتكارات الحديثة يكون‬
‫غير واف أبدا وغير تام‪ ،‬ومنقوصا إن لم نأخذ بعين العتبار دور البنوك‪..‬‬

‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪ )1‬الرقام من ‪( Annalen des deutschen Reichs, 1911 Zahn‬المجلة السنوية للدولة اللمانية‪،‬‬
‫سنة ‪ ،1911‬تسان‪ .‬الناشر‬
‫(‪(Statistical Abstract Of the United States 1912, p202 )2‬مجموعة إحصاءات‬
‫الوليات المتحدة لسنة ‪ ،1912‬ص ‪ .202‬الناشر)‬
‫(‪« )3‬الرأسمال المالي»‪ ،‬الترجمة الروسية‪ ،‬ص ص ‪.287-286‬‬
‫(‪Hans Gideon Heymann. «Die gemischten Werke im deutschen )4‬‬
‫‪()Grobeisengewerbe». Stuttgart, 1904 (SS. 256, 278-279‬هانس غيديون هيمان‪.‬‬
‫«المشاريع المختلطة في صناعة التعدين اللمانية الضخمة»‪ .‬شتوتغارت‪ ،‬سنة ‪( 1904‬ص ص ‪.)279-278 ،256‬‬
‫الناشر‬
‫(‪Hermann Levy «Monopole, Kartelle und Trusts». Jena 1909, » SS. )5‬‬
‫‪( ..286, 290, 298‬هرمن ليفي‪« .‬الحتكارات والكارتيلت والتروستات»‪ .‬يينا‪ ،‬سنة ‪ ،1909‬ص ص ‪،286‬‬
‫‪ .297‬الناشر)‬
‫(‪Te Vogelstein. «Die finanzielle Organisation der Kapitalistischen )6‬‬
‫‪»Industrie und die Monopolbildungen» «Grundrib der Sozialökonomik‬‬
‫في ‪( VI Abt., 1914‬ت‪ .‬فوغلشتين‪« .‬التنظيم المالي للصناعة الرأسمالية وتشكل الحتكارات» في «أسس القتصاد‬
‫الجتماعي»‪ .‬الفصل السادس‪ ،‬توبتغين‪ .1914 ،‬الناشر‪ ).‬قارنوا الكتاب للمؤلف نفسه‪« :‬‬
‫‪Organisationsformen der Eienindustrie und Textilindustrie in England‬‬
‫‪und Amerika» Bd. I, Lpz, 1910‬الشكال التنظيمية لصناعتي التعدين والنسيج في انجلترا وأمريكا‪.‬‬
‫المجلد الول‪ ،‬ليبزيغ‪ .1910 ،‬الناشر)‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫(‪Dr. Riesser «Die deutschen Grobbanken und ihre Konzentrtion im )7‬‬
‫‪Zusammenhange mit der Entwicklung der Gesamtwirtschaft in‬‬
‫‪Deutschland». 4 Aufl., 1912, S. 149. R. Liefmann/ «Kartelle und‬‬
‫‪Trusts und die Weiterbildung der volkswirtechaftlichen Organisation».‬‬
‫‪2. Aufl. 1910, S. 25‬الدكتور ريسر‪« .‬البنوك اللمانية الكبيرة وتمركزها بالتصال مع التطور القتصادي العام‬
‫في ألمانيا»‪ .‬الطبعة الرابعة‪ ،‬سنة ‪ ،1912‬ص ‪ – .149‬ر‪ .‬ليفمن‪« .‬الكارتيلت والتروستات واطراد تطور تنظيم‬
‫القتصاد الوطني»‪ .‬الطبعة الثانية‪ ،‬سنة ‪ ،1910‬ص ‪ .25‬الناشر)‬
‫(‪Dr Fritz Kestner. «Der Organisatonszwang. Eine Untersuchung über )8‬‬
‫‪ die Kämpfe zwischen Kartellen und Aubenseitern». Brl., 1912‬ص ‪11‬‬
‫(الدكتور فريتس كستنر‪« .‬القسر على التنظيم‪ .‬دراسة عن الصراع بين الكارتيلت والدخلء» برلين‪ .‬الناشر)‬
‫(‪R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine )9‬‬
‫‪Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I.‬‬
‫‪ Aufl. , Jena, 1909‬ص ‪( 212‬ر‪ .‬ليفمن‪« .‬شركات الشتراك والتمويل‪ .‬دراسة عن الرأسمالية الحديثة وعن‬
‫دور الوراق المالية»‪ .‬الطبعة الولى‪ ،‬يينا‪ .‬الناشر)‬
‫(‪ )10‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.218‬‬
‫(‪ Dr. S/ Tschierschky. «Kartell und Trust». Gött., 1903 )11‬ص ‪( 13‬الدكتور‬
‫س‪ .‬تشيرشكي‪« .‬الكارتيل والتروست»‪ .‬غوتينغين‪ .‬الناشر‪.).‬‬
‫(‪ ،Th. Vogelstein. «Organisatiosformen )12‬ص ‪( 275‬ت‪ .‬فوغيلشتاين «الشكال‬
‫التنظيمية»‪ ،‬ص ‪ 275‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪Report of the Commissioner of Corporation on the Tobacco )13‬‬
‫‪Industry. Washington, 1909‬ص ‪( 226‬تقرير عضو اللجنة حول التحادات في صناعة التبغ‪.‬‬
‫‪ 1909‬واشنطن‪ .‬الناشر)‪ .‬وقد اقتبست الفقرة عن كتاب ‪Dr. Paul Tafel/ «Die‬‬
‫‪nordamerikanschen Trusts und ihre Wirkungen auf den Fortschritt der‬‬
‫‪ Technik». Stuttgart, 1913‬ص ‪( 48‬الدكتور بول تافيل‪« .‬التروستات في أمريكا الشمالية وتأثيرها على‬
‫تطور التكنيك»‪ .‬شتوتغارت‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ )14‬المصدر نفسه ص ص ‪.49-48‬‬
‫(‪ ، Rieser )15‬الكتاب المذكور‪ ،‬ص ‪ 547‬وما يليها‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ .‬وتفيد الصحف (يونيو ‪ )1916‬عن إنشاء‬
‫تروست جديد هائل الضخامة يوحد الصناعة الكيماوية اللمانية‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫(‪ )16‬كستنر‪ .‬الكتاب المذكور‪ .‬ص ‪254‬‬
‫(‪ Zement» von L. Eschwege. «Die Bank», 1909,1« )17‬ص ‪ 115‬وما يليها‬
‫(«السمنت» ل‪ .‬ايشفيغه‪ .‬مجلة «البنك»‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪Jeidels/ «Das verhältnis der deutschen Grobanken zur Industrie )18‬‬
‫‪ ،mit besonderer Berücksichtigung der Eisenindustrie». Lpz. , 1905‬ص‬
‫‪( 271‬ييدلس‪« .‬العلقات بين البنوك اللمانية الكبرى والصناعة ولسيما صناعة التعدين» ليبزغ‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ )19‬ليفمن… ص ‪.434‬‬
‫(‪ )20‬ليفمن… ص ص ‪466-465‬‬
‫(‪ ، Jeidels )21‬ص ‪108‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫البنوك ودورها الجديد‬
‫إن وظيفة البنوك الساسية وأولى هي الوساطة في الدفع‪ .‬وأثناء ذلك تحول البنوك الرأسمال النقدي غير العامل إلى رأسمال‬
‫عامل‪ ،‬أي إلى رأسمال يدر الرباح‪ ،‬وتجمع العائدات النقدية بشتى أنواعها وتضعها تحت تصرف طبقة الرأسماليين‪.‬‬
‫ومع تطور الشؤون البنكية وتمركزها في مؤسسات قليلة العدد‪ ،‬تتحول البنوك من وسطاء متواضعين إلى احتكارات شديدة‬
‫الحول والطول تتصرف بمعظم الرأسمال النقدي العائد لمجموع الرأسماليين وصغار أصحاب العمال وكذلك بالقسم الكبر من‬
‫وسائل النتاج ومصادر الخامات في بلد معينة أو في جملة من البلدان‪ .‬وتحول الوسطاء الكثيرين المتواضعين إلى حفنة‬
‫من الحتكاريين هو وجه أساسي من وجوه صيرورة الرأسمالية إلى امبريالية رأسمالية‪ ،‬ولذا ينبغي لنا أن نتناول في المقام‬
‫الول تمركز البنوك‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ 1908-1907‬كانت الودائع في جميع البنوك اللمانية المساهمة التي يزيد رأسمال كل منها من ‪ 1‬مليون‬
‫مارك تبلغ ‪ 7‬مليارات مارك؛ وفي سنة ‪ 1913-1912‬بلغت الودائع ‪ 9.8‬مليار مارك‪ .‬لقد بلغت الزيادة خلل خمس‬
‫سنوات ‪ 2.8‬مليار‪ ،‬أي ‪%40‬؛ منها ‪ 2.75‬مليار مودعة في ‪ 57‬بنكا رأسمال كل منها ‪ 10‬مليين مارك‪ .‬وكان توزيع‬
‫الودائع بين البنوك الكبيرة والصغيرة على الصورة التية(‪:)1‬‬
‫الودائع بالنسبة المئوية‬
‫في البنوك البرلينية التسعة الكبرى في البنوك الـ ‪ 48‬الخرى التي يزيد رأسمال كل منها على ‪ 10‬مليين مارك في‬
‫‪ 115‬بنكا يبلغ رأسمال كل منها من ‪ 1‬مليون و ‪ 10‬مليين مارك في البنوك الصغيرة (رأسمال كل منها أقل من ‪1‬‬
‫مليون مارك)‬
‫سنة ‪1908-1907‬‬
‫‪14‬‬

‫‪4 16.5 32.5 47‬‬
‫سنة ‪1913-1912‬‬
‫‪3 12 36 39‬‬
‫البنوك الصغيرة أزيحت من قبل البنوك الكبرى التي تركز تسعة منها فقط نحو نصف مجموع الودائع‪ .‬ولكن أشياء كثيرة لم‬
‫تؤخذ هنا بعين العتبار‪ ،‬منها مثل تحول حملة من البنوك الصغيرة في الواقع إلى فروع للبنوك الكبرى وغير ذلك‪ ،‬المر‬
‫الذي سنتحدث عنه فيما يأتي‪:‬‬
‫في أواخر سنة ‪ 1913‬قدر شولتزه‪-‬غيفيرنيتز الودائع في البنوك البرلينية التسعة الكبرى بـ ‪ 5.1‬مليار مارك من‬
‫مجموع مبلغ من ‪ 10‬مليارات‪ .‬وقد كتب المؤلف نفسه آخذا بعين العتبار مجموع الرأسمال البنكي‪ ،‬ل الودائع وحدها‪:‬‬
‫«في أواخر سنة ‪ ،1909‬كانت البنوك البرلينية التسعة الكبرى‪ ،‬مع البنوك المرتبطة بها‪ ،‬تدير ‪ 11.3‬مليار مارك‪ ،‬أي‬
‫نحو ‪ %83‬من مجموع ملغ الرأسمال البنكي في ألمانيا‪« .‬فالبنك اللماني» («‪ )»Deutche Bank‬الذي يدير مع‬
‫البنوك المرتبطة به مبلغا يقرب من ‪ 3‬مليارات مارك هو‪ ،‬إلى جانب الدارة البروسية لسكك حديد الدولة‪ ،‬عبارة عن التراكم‬
‫الكبر والقل مركزية للرأسمال في العالم القديم(‪.)2‬‬
‫لقد أشرنا إلى كلمة البنوك «المرتبطة»‪ ،‬لن ذلك يتعلق بخاصة من أهم الخواص المميزة للتمركز الرأسمالي الحديث‪.‬‬
‫فالمشاريع الكبرى‪ ،‬ولسيما البنوك‪ ،‬ل تبتلع الصغيرة بصورة مباشرة وحسب‪ ،‬بل «تربط»ـها بنفسها وتخضعها وتضمها‬
‫إلى «مجموعتـ»ـها‪ ،‬إلى «كونسرنـ»ـها حسب التعبير الفني‪ ،‬وذلك عن طريق «الشتراك» في رأسمالها‪ ،‬عن طريق‬
‫شراء أو تبادل السهم‪ ،‬عن طريق نظام القروض وهلم جرا وغير ذلك‪ .‬لقد كرس البروفيسور ليفمن «مؤلفا» ضخما بلغ‬
‫خمسمائة صفحة لوصف «شركات الشتراك والتمويل» الحديثة(‪ ،)3‬ولكنه‪ ،‬للسف‪ ،‬يضيف محاججات «نظرية» هزيلة إلى‬
‫مواد لم يحسن تدبيرها في الغلب‪ .‬ومؤلف «البنكير» ريسر عن البنوك اللمانية الكبرى يبين أحسن من أي مؤلف آخر‬
‫النتيجة التي تسفر عنها طريقة «الشتراك» هذه من وجهة نظر التمركز‪ .‬ولكن قبل أن ننتقل لبحث معطياته نذكر مثل عمليا‬
‫عن طريقة «الشتراك»‪.‬‬
‫«مجموعة» « البنك اللماني» هي من أكبر مجموعات البنوك الكبرى إن لم تكن أكبرها‪ .‬ولكيما نتبين الخيوط الرئيسية التي‬
‫تربط جميع بنوك هذه المجموعة ينبغي أن نميز «اشتراك» الدرجات الولى والثانية والثالثة أو‪ ،‬وهو المر نفسه‪ ،‬التبعية‬
‫(البنوك الصغر «للبنك اللماني») من الدرجات الولى والثانية والثالثة‪ .‬ونحصل على الصورة التالية(‪:)4‬‬
‫تبعية الدرجة الولى تبعية الدرجة الثانية تبعية الدرجة الثالثة‬
‫«البنك اللماني» يشترك بصورة دائمة في ‪ 17‬بنكا منها ‪ 9‬تشترك في ‪ 34‬بنكا آخر منها ‪ 4‬تشترك في ‪ 8‬بنوك أخرى‬
‫بصورة مؤقتة في ‪ 5‬بنوك ‪- -‬‬
‫من وقت لخر في ‪ 8‬بنوك منها ‪ 5‬تشترك في ‪ 14‬بنكا آخر منها ‪ 2‬تشترك في ‪ 2‬بنكا آخر‬
‫المجموع في ‪ 30‬بنكا منها ‪ 14‬تشترك في ‪ 48‬بنكا آخر منها ‪ 6‬تشترك في ‪ 9‬بنكا آخر‬

‫في العدد الـ ‪ 8‬بنوك «من تبعية الدرجة الولى» التي تخضع «للبنك اللماني» «من وقت لخر» ثلثة بنوك أجنبية‪ :‬إحدها‬
‫نمساوي («التحاد البنكي» في فيينا «‪ )»Bankverein‬وإثنان روسيان (البنك التجاري السيبيري والبنك الروسي‬
‫للتجارة الخارجية)‪ .‬ومجموعة «البنك اللماني» تضم مباشرة وغير مباشرة‪ ،‬كليا وجزئيا ‪ 17‬بنكا؛ ومجمل الرأسمال الذي‬
‫تتصرف به مجموعة «البنك اللماني» – رأسمالها الخاص والودائع – يقدر بـ ‪ 3-2‬مليارات مارك‪.‬‬
‫ومن الواضح أن بنكا يرأس مجموعة كهذه ويعقد اتفاقات مع نصف دزينة من البنوك الخرى‪ ،‬ل تقل عنه في قوتها إ ّل‬
‫قليل‪ ،‬من أجل العمليات المالية الكبيرة جدا والمفيدة للغاية كمنح القروض للدولة‪ ،‬قد شب عن دور «الوسيط» وغدا اتحادا‬
‫لحفنة من الحتكاريين‪.‬‬
‫إن الرقام التالية التي ننقلها باختصار عن ريسر تظهر بأية سرعة جرى تمركز البنوك في ألمانيا بالضبط في أواخر القرن‬
‫‪15‬‬

‫‪ 19‬وبداية القرن ‪:20‬‬
‫لدى ستة من البنوك البرلينية الكبرى‬
‫سنوات فروع في ألمانيا صناديق ودائع ومكاتب صرفية اشتراك دائم في البنوك المساهمة اللمانية مجموع المستندات‬
‫‪42 1 14 16 1895‬‬
‫‪80 8 40 21 1900‬‬
‫‪450 63 276 104 1911‬‬
‫وهكذا نرى كيف تتسع بسرعة شبكة القنوات الكثيفة شاملة البلد من أقصاها إلى أقصاها ومركزة جميع الرساميل‬
‫والمداخيل النقدية وجاعلة من اللوف المؤلفة من المشاريع المبعثرة اقتصادا رأسماليا وطنيا موحدا ثم اقتصادا رأسماليا‬
‫عالميا‪ .‬أمّا «عدم التمركز» الذي تحدث عنه باسم القتصاد السياسي البرجوازي في أيامنا شولتزه‪-‬غيفيرنيتز في الفقرة‬
‫المثبتة أعله فهو يتلخص في الواقع بأنه يخضع لمركز واحد عدد متزايد من الوحدات القتصادية التي كانت فيما مضى‬
‫«مستقلة» نسبيا أو‪ ،‬بالصح‪ ،‬ذات طابع محلي بحت‪ .‬ومعنى ذلك في الواقع أن هنالك تمركزا وارتفاعا لشأن الحتكارات‬
‫العملقة ولهميتها وبأسها‪.‬‬
‫و«شبكة البنوك» هذه هي أكثر كثافة أيضا في البلدان الرأسمالية القدم‪ .‬ففي إنجلترا مع ارلنده بلغت فروع جميع البنوك في‬
‫سنة ‪ .7151 -1910‬وكان لدى كل بنك من البنوك الربعة الكبرى أكثر من ‪ 400‬فرع (من ‪ 447‬إلى ‪،)689‬‬
‫وكانت هناك ‪ 4‬بنوك أخرى لدى كل منها أكثر من ‪ ،300‬و ‪ 11‬بنكا لدى كل منها أكثر من ‪ 100‬فرع‪.‬‬
‫وفي فرنسا طورت البنوك الكبرى الثلثة‪«( »Crédit Lyonnais« ،‬كريدي ليونيه»)‪Comptoir« ،‬‬
‫‪«( »National‬كونتوار ناسيونال») و«‪«( »Société Générale‬سوسييتي جينرال»)(‪ )5‬عملياتها وشبكة‬
‫فروعها على الشكل التالي(‪:)6‬‬
‫أعوام عدد الفروع والصناديق الرأسمال‬
‫في المقاطعات في باريس المجموع الخاص الودائع‬
‫(بمليين الفرنكات)‬
‫‪427 200 64 17 48 1870‬‬
‫‪427 200 258 66 192 1890‬‬
‫‪1245 260 1229 196 1033 1909‬‬
‫ولوصف «روابط» البنك الكبير الحديث يذكر ريسر أرقاما عن عدد الرسائل التي وجهتها وتلقتها «شركة الخصم» («‬
‫‪ )»Disconto-gesellschaft‬وهي بنك من أكبر البنوك في ألمانيا وفي العالم كله (لقد بلغ رأسمالها في سنة‬
‫‪ 300 -1914‬مليون مارك)‪:‬‬
‫عدد الرسائل‬
‫أعوام الواردة الصادرة‬
‫‪6292 6130 1852‬‬
‫‪87513 85800 1870‬‬
‫‪626043 533102 1900‬‬
‫وفي البنك الباريسي الكبير «كريدي ليونيه» ارتفع عدد الحسابات الجارية من ‪ 28535‬في سنة ‪ 1875‬إلى‬
‫‪ 633539‬في سنة ‪.)7( 1912‬‬
‫نحسب أن هذه الرقام البسيطة تظهر بصورة أوضح من الشروح المسهبة كيف تتبدل أهمية البنوك بشكل جذري مع تمركز‬
‫‪16‬‬

‫الرأسمال وتزايد عملياتها‪ .‬فمن الرأسماليين المبعثرين يتكون رأسمالي واحد مشترك‪ .‬وإذ يقوم البنك بالحسابات الجارية‬
‫لعدد من الرأسماليين يبدو وكأنه يقوم بعملية تكنيكية بحتة‪ ،‬بعملية مساعدة ل غير‪ .‬ولكن عندما تبلغ هذه العملية مقاييس‬
‫هائلة تكون النتيجة أن حفنة من الحتكاريين تخضع لنفسها العمليات التجارية والصناعية في المجتمع الرأسمالي كله‪ ،‬إذ‬
‫تتوفر لها – بفضل الصلت بين البنوك وعن طريق الحسابات الجارية والعمليات المالية الخرى – المكانية لتعرف في أي‬
‫بادئ المر على وجه الدقة حالة العمال لدى كل رأسمالي على حدة ثم للشراف عليهم والتأثير عليهم عن طريق توسيع أو‬
‫تضييق‪ ،‬تسهيل أو تصعيب التسليف‪ ،‬وأخيرا لتقرر بصورة تامة مصائرهم‪ ،‬لتحدد مداخليهم‪ ،‬لتحرمهم من الرأسمال أو‬
‫لتمكنهم من تضخيم رساميلهم بسرعة وبمقادير هائلة‪ ،‬الخ‪.‬‬
‫ذكرنا الن أن رأسمال «شركة الخصم» في برلين يبلغ ‪ 300‬مليون مارك‪ .‬وهذا الزدياد لرأسمال «شركة الخصم» كان‬
‫حادثا من حوادث الصراع من أجل السيطرة بين بنكين من أكبر البنوك البرلينية هما «البنك اللماني» و«شركة الخصم»‪.‬‬
‫ففي سنة ‪ 1870‬كان الول مبتدئا لم يزد رأسماله عن ‪ 15‬مليونا وبلغ رأسمال الثاني ‪ 30‬مليونا‪ .‬وفي سنة ‪1908‬‬
‫بلغ رأسمال الول ‪ 200‬مليون ورأسمال الثاني ‪ 170‬مليونا‪ .‬وفي سنة ‪ 1914‬رفع الول رأسماله إلى ‪ 250‬مليونا‬
‫ورفع الثاني رأسماله عن طريق الندماج ببنك كبير آخر من الدرجة الولى «بنك شافهاوزن التحادي» إلى ‪ 300‬مليون‪.‬‬
‫وغني عن البيان أن هذا الصراع من أجل السيطرة يجري بمحاداة «التفاقات» المتوافرة المتوطدة بين البنكين‪ .‬وهاكم‬
‫الستنتاجات التي يوحيها مجرى هذا التطور للختصاصيين في الشؤون البنكية الذين يعالجون المور القتصادية من وجهة‬
‫نظر ل تتعدى بحال حدود الصلحية البرجوازية الكثر اعتدال والكثر كياسة‪:‬‬
‫كتبت المجلة اللمانية «البنك» بشأن ازدياد رأسمال «شركة الخصم» إلى ‪ 300‬مليون قائلة‪« :‬ستنخرط البنوك الخرى في‬
‫الطريق نفسه‪ ،‬ومن الـ ‪ 300‬شخص الذين يديرون ألمانيا اقتصاديا في الوقت الحاضر لن يبقى مع مر الزمن إلّ ‪ 50‬أو‬
‫‪ 25‬أو أقل من ذلك‪ .‬ول يصح أن ننتظر أن تقتصر حركة التمركز الجديدة على ميدان البنوك وحده‪ .‬فالروابط الوثيقة‬
‫القائمة بين بعض البنوك تؤدي بطبيعة الحال إلى التقارب بين سينديكات الصناعيين التي تتمتع بحماية هذه البنوك…‬
‫سنستيقظ في صباح ما فيدهشنا أن ل نرى أمام عيوننا إلّ التروستات وحدها؛ وسنرى أنفسنا أمام ضرورة الستعاضة عن‬
‫الحتكارات الخاصة باحتكار حكومة‪ .‬ومع ذلك فليس هنالك في الجوهر ما نلون أنفسنا عليه‪ ،‬اللهم إلّ تركنا الحبل على‬
‫الغارب أمام مجريات المور‪ ،‬التي زادت السهم قليل من سرعتها»(‪.)8‬‬
‫إنه مثل على عجز الصحافة البرجوازية التي ل يمتاز عنها العلم البرجوازي إلّ بكونه أقل إخلصا وبنوعيه إلى طمس‬
‫جوهر المر وإلى تغطية الغابة ببعض شجرات‪« .‬استغراب» نتائج التمركز؛ «لوم» حكومة ألمانيا الرأسمالية أو «المجتمع»‬
‫الرأسمالي («نحن»)؛ الخوف من أن «يعجل» إدخال السهم التمركز‪ ،‬كما يخاف أحد اللمان الختصاصيين بـ«الكارتيلت»‪،‬‬
‫تشيرشكي‪ ،‬من التروستات المريكية و«يفضل» الكارتيلت اللمانية لنها ل تستطيع على ما يزعم‪« ،‬أن تعجل لهذا الحد‬
‫الخارق‪ ،‬كالتروستات‪ ،‬سير التقدم التكنيكي والقتصادي»(‪ – ،)9‬أفليس هذا هو العجز؟‬
‫بيد أن المر الواقع هو المر الواقع‪ .‬ليس في ألمانيا تروستات‪ ،‬ففيها الكارتيلت «فقط»؛ ولكن ألمانيا يديرها ما ل يزيد عن‬
‫‪ 300‬من طواغيت الرأسمال‪ .‬ويتضاءل عدد هؤلء باستمرار‪ .‬أمّا البنوك فهي‪ ،‬في جميع الحالت وفي جميع البلدان‬
‫الرأسمالية ومهما تنوع التشريع البنكي الذي تخضع له‪ ،‬تقوي وتعجل لحد كبير سير تمركز الرأسمال وتشكل الحتكارات‪.‬‬
‫لقد كتب ماركس منذ نصف قرن في مؤلفه «رأس المال» أن «البنوك تنشئ على النطاق الجتماعي شكل‪ ،‬وشكل فقط‪ ،‬ل‬
‫غير‪ ،‬للمحاسبة العامة والتوزيع العام لوسائل النتاج» (الترجمة الروسية‪ ،‬المجلد ‪ ،3‬الجزء ‪ ،2‬ص ‪ .)144‬إن ما ذكرناه‬
‫من معطيات عن تزايد الرأسمال البنكي وعن تزايد عدد مكاتب وفروع البنوك الكبرى وعدد حساباتها الجارية وغير ذلك‬
‫يبين لنا بصورة جلية هذه «المحاسبة العامة» لطبقة الرأسماليين جميعها‪ ،‬وحتى غير الرأسماليين لن البنوك تجمع‪ ،‬ولو‬
‫لوقت ما‪ ،‬مختلف أنواع المداخيل النقدية العائدة لصغار أصحاب العمال والموظفين والمرتبة العليا الضئيلة من العمال‪.‬‬
‫«التوزيع العام لوسائل النتاج» هو ما ينجم‪ ،‬من ناحية المر الشكلية‪ ،‬عن البنوك الحديثة التي تتصرف‪ ،‬في شخص ثلثة‬
‫أو ستة بنوك ضخمة في فرنسا وستة أو ثمانية في ألمانيا‪ ،‬بالمليارات العديدة‪ .‬ولكن هذا التوزيع لوسائل النتاج ليس‪ /‬من‬
‫حيث مضمونه‪« ،‬بعام» فقط‪ ،‬بل هو خاص‪ ،‬أي أنه يتم وفق مصالح الرأسمال الضخم‪ ،‬وفي الدرجة الولى الرأسمال‬
‫الضخم‪ ،‬الحتكاري‪ ،‬الذي يعمل في ظروف يقاسي فيها جمهور السكان شظف العيش ويتأخر فيها تطور الزراعة برمته‬
‫تأخرا يدعو للقنوط عن تطور الصناعة‪ ،‬بينما يتقاضى فرع واحد منها‪« ،‬الصناعة الثقيلة»‪ ،‬الجزية من سائر فروعها‬
‫الخرى‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫وفي أمر صبغ القتصاد الرأسمالي بالصبغة الجتماعية بدات تنافس البنوك صناديق التوفير ودوائر البريد‪ ،‬وهو «أبعد عن‬
‫المركزية»‪ ،‬أي أنها تشمل في دائرة نفوذها عددا أكبر من المناطق‪ ،‬عددا أكبر من الزوايا النائية‪ ،‬وفئات أوسع من السكان‪.‬‬
‫إن لجنة أمريكية قد جمعت الرقام التالية التي تظهر بالمقارنة مجرى تزايد الودائع في البنوك وفي صناديق التوفير(‪:)10‬‬
‫الودائع (بمليارات الماركات)‬
‫إنجلترا فرنسا ألمانيا‬
‫في البنوك في صناديق التوفير في البنوك في صناديق التوفير في البنوك في شركات التسليف في صناديق التوفير‬
‫‪ 1.6 8.4 1880‬؟ ‪2.6 0.4 0.5 0.9‬‬
‫‪4.5 0.4 1.1 2.1 1.5 2.0 12.4 1888‬‬
‫‪13.9 2.2 8.1 4.2 3.7 4.2 23.2 1908‬‬
‫إن صناديق التوفير التي تدفع للودائع ‪ %4‬أو ‪ %4.25‬مضطرة للبحث عن فرص لتوظيف رأسمالها بصورة «رابحة»‬
‫وللندفاع إلى عمليات شراء وبيع الكمبيلت والرهون وغير ذلك‪« .‬تمحى شيئا فشيئا» الحدود بين البنوك وصناديق التوفير‪.‬‬
‫وتطلب الغرف التجارية في بوخوم وارفورت مثل «منع» صناديق التوفير من مزاولة العمليات البنكية «الصرف» كخصم‬
‫الكمبيلت‪ ،‬وتطلب تقييد النشاط «البنكي» لدوائر البريد(‪ .)11‬ويبدو أن ملوك البنوك يخشون من أن يترصد لهم احتكار‬
‫الدولة حيث ل ينظرونه‪ .‬ولكن من البديهي أن هذا الخوف ل يتعدى‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬حدود المنافسة بين مديري قسمين من‬
‫أقسام مؤسسة بعينها‪ .‬ذلك لن طواغيت الرأسمال البنكي هم في الواقع الذين يتصرفون في نهاية المر بالمليارات من‬
‫الرساميل المودعة في صناديق التوفير‪ ،‬هذا من جهة؛ ولن احتكار الدولة في المجتمع الرأسمالي ليس‪ ،‬من الجهة الخرى‪،‬‬
‫إلّ وسيلة لزيادة وتوطيد مداخيل أصحاب المليين الموشكين على الفلس في هذا أو ذاك من الفروع الصناعية‪.‬‬
‫إن حلول الرأسمالية الجديدة التي يسيطر فيها الحتكار محل القديمة التي تسيطر فيها المزاحمة الحرة يتجلى فيما يتجلى في‬
‫انحطاط أهمية البورصة‪ .‬فقد كتبت مجلة «البنك»‪« :‬إن البورصة قد كفت من أمد بعيد عن أن تكون الوسيط الذي ل يستغني‬
‫عنه في التداول كما كانت فيما مضى‪ ،‬قبل أن يصبح بإمكان البنوك أن توزع بين زبائنها القسم الكبر من الوراق المالية‬
‫الصادرة»(‪.)12‬‬
‫««كل بنك ‪ -‬بورصة»‪ .‬إن هذه العبارة التي جرت مجرى المثال في الزمن الحديث تتضمن من الحقيقة قدرا يغدو أكبر‬
‫بمقدار تضخم البنك وبمقدار ما يحوز التمركز نجاحات أكبر في ميدان النشاط البنكي»(‪« .)13‬وإذا كانت البورصة فيما‬
‫مضى‪ ،‬في السبعينات‪ ،‬مع ما كانت تتصف به من نزق الشباب» (تلميح «ناعم» إلى إفلس البورصة في سنة ‪ 1873‬وإلى‬
‫فضائح غروندير وغير ذلك) «قد فتحت عهد تصنيع ألمانيا‪ ،‬فقد إذا بإمكان البنوك والصناعة في الوقت الحاضر أن «تنهض‬
‫بالمر وحدها»‪ .‬فسيطرة بنوكنا الكبرى على البورصة… ليس إلّ تعبيرا عن الدولة الصناعية اللمانية المنظمة أكمل تنظيم‪.‬‬
‫وإذا كان نطاق تأثير القوانين القتصادية النافذة أوتوماتيكيا يتقلص بهذا الشكل ويتسع‪ ،‬لحد خارق‪ ،‬نطاق الضبط الواعي‬
‫من خلل البنوك‪ ،‬فبنتيجة ذلك تزداد لدرجة كبرى مسؤولية العدد القليل من القواد على القتصاد الوطني» – هذا ما كتبه‬
‫البروفيسور اللماني شولتزه –غيفيرنيتز(‪ )14‬المدافع عن المبريالية اللمانية والذي يعتبر شخصا نافذ الكلمة عند‬
‫المبرياليين في جميع البلدان ويسعى إلى طمس «أمر تافه» هو أن هذا «الضبط الواعي» من خلل البنوك يتلخص في نهب‬
‫الجمهور من قبل حفنة من الحتكاريين «المنظمين أكمل تنظيم»‪ .‬فإن مهمة البروفيسور البرجوازي ليست في كشف أحابيل‬
‫الحتكاريين أصحاب البنوك ول فضح احتيالتهم‪ ،‬بل في تجميلها‪.‬‬
‫وكذلك ريسر‪ ،‬القتصادي و«البنكير» البعد صيتا‪ ،‬يكتفي بعبارات فارغة بصدد وقائع يستحيل انكارها‪« :‬تفقد البورصة أكثر‬
‫فأكثر خاصيتها التي ل غنى عنها مطلقا للقتصاد كله ولتداول الوراق المالية‪ ،‬وهي كونها المقياس الكثر دقة‪ ،‬وكذلك‬
‫ضابطا للحركات القتصادية المتجهة نحوها‪ ،‬يعمل بصورة أوتوماتيكية تقريبا»(‪.)15‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إن الرأسمالية القديمة‪ ،‬رأسمالية المزاحمة الحرة مع ضابطها الذي ل يمكنها الستغناء عنه‪ ،‬البورصة‪،‬‬
‫تغيب في طيات الماضي‪ .‬تحل محلها رأسمالية جديدة تتسم بسمات انتقالية بينة‪ ،‬بسمات مزيج من المزاحمة الحرة‬
‫والحتكار‪ .‬وهنا يخطر عفوا على البال السؤال التالي‪ :‬ألمَ «تنتقل» هذه الرأسمالية الحديثة؟ ولكن العلماء البرجوازيين‬
‫‪18‬‬

‫يخافون من طرح هذا السؤال‪.‬‬
‫«منذ ثلثين سنة كان أصحاب العمال المتزاحمون بحرية يقومون بتسعة أعشار الجهد القتصادي الخارج عن نطاق عمل‬
‫«العمال» الجسدي‪ .‬وفي الوقت الحاضر يقوم الموظفون بتسعة أعشار هذا الجهد الفكري في القتصاد‪ .‬والنشاط البنكي يتقدم‬
‫هذا التطور»(‪ )16‬إن هذا العتراف من شولتزه‪-‬غيفيرنيتز يسوقنا مرة أخرى إلى السؤال عمّا تنتقل إليه الرأسمالية‬
‫الحديثة‪ ،‬الرأسمالية في مرحلتها المبريالية‪.‬‬
‫بين العدد الضئيل من البنوك التي تبقى في رأس القتصاد الرأسمالي بأكمله بحكم سير التمركز يظهر بصورة طبيعية ويشتد‬
‫أكثر فأكثر الميل إلى التفاق الحتكاري‪ ،‬إلى تروست بين البنوك‪ .‬ليس في أمريكا تسعة بنوك‪ ،‬بل بنكان من أكبر البنوك‬
‫عائدان لصاحبي المليارات روكفلر ومورغان‪ ،‬يسيطرون على رأسمال مقداره ‪ 11‬مليار مارك(‪ .)17‬لقد أشرنا فيما تقدم‬
‫إلى ابتلع «شركة الخصم» «لبنك شافهاوزن التحادي» في ألمانيا‪ .‬وقد أعطت جريدة «فرانكفورت زايتونغ» المعبرة عن‬
‫مصالح البورصة لهذا المر التقدير التالي‪:‬‬
‫«مع اشتداد تمركز البنوك تتقلص دائرة المؤسسات التي يمكن بوجه عام أن تطلب منها القروض‪ ،‬وبحكم ذلك تشتد تبعية‬
‫الصناعة الكبيرة لعدد ضئيل من المجموعات البنوك‪ .‬وفي ظل الصلة الوثقى القائمة بين الصناعة وعالم رجال المال تقيد‬
‫حرية حركة الشركات الصناعية المحتاجة لرأسمال البنوك‪ .‬ولهذا تنظر الصناعة الكبيرة إلى اشتداد تكتل البنوك في‬
‫التروستات (انضمام أو تحول إلى تروستات) بمشاعر مختلطة؛ الواقع أنه قد لوحظت مرارا بوادر إتفاقات معينة بين هذه أو‬
‫تلك من اتحادات البنوك الكبرى‪ ،‬اتفاقات هدفها تقييد المزاحمة»(‪.)18‬‬
‫وها نحن نرى مرة أخرى أن الكلمة الخيرة في تطور النشاط البنكي هي الحتكار‪.‬‬
‫أمّا بخصوص الصلة الوثقى القائمة بين البنوك والصناعة‪ ،‬ففي هذا الميدان بالضبط يبدو دور البنوك الجديدة ربما بأجلى‬
‫شكل‪ .‬فإذا كان البنك يقوم بخصم كمبيلت هذا الصناعي أو ذاك ويفتح له حسابا جاريا الخ‪ ،.‬فإن هذه العمليات مأخوذة على‬
‫حدة ل تحد من استقلل هذا الصناعي قيد أنملة ول يتعدى البنك دوره كوسيط متواضع‪ .‬ولكن عندما تكثر هذه العمليات‬
‫وتتوطد‪ ،‬وعندما «يجمع» البنك بين يديه مقادير هائلة من الرساميل وعندما يكون القيام بعمليات الحساب الجاري لهذا‬
‫المشروع يمكن البنك من أن يعرف – وهذا ما يحدث في المعتاد – بصورة أدق وأكمل حالة الزبون القتصادية‪ ،‬تكون‬
‫النتيجة خضوع الرأسمالي الصناعي للبنك خضوعا أكثر فأكثر‪.‬‬
‫وإلى جانب ذلك يتطور‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬التحاد الشخصي بين البنوك والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى واندماج هذه‬
‫وتلك عن طريق تملك السهم‪ ،‬عن طريق دخول مدراء البنوك في عضوية مجالس مراقبة (أو مجالس إدارة) المشاريع‬
‫الصناعية والتجارية‪ ،‬وبالعكس‪ .‬لقد جمع القتصادي اللماني ييدلس معلومات مفصلة عن هذا الشكل من تمركز المشاريع‪.‬‬
‫فثمة ستة بنوك برلينين كبرى كانت ممثلة بواسطة مدرائها في ‪ 344‬شركة صناعية وبواسطة أعضاء مجالس إدارتها في‬
‫‪ 407‬شركات أخرى‪ ،‬أي في ‪ 751‬شركة بالمجموع‪ .‬وكان لها في ‪ 289‬من هذه الشركات إمّا عضوان في مجالس‬
‫المراقبة أو منصب الرئاسة في هذه المجالس‪ .‬وبين هذه الشركات الصناعية التجارية نصادف مختلف فروع الصناعة‬
‫والتأمين وطرق المواصلت والمطاعم والمسارح وصناعة المنتوجات الفنية وغير ذلك‪ .‬ومن الجهة الخرى وجد (في سنة‬
‫‪ )1910‬في مجلس مراقبة هذه البنوك الستة نفسها ‪ 51‬من كبار الصناعيين منهم مدير شركة كروب‪ ،‬ومدير شركة‬
‫البواخر الهائلة «‪ )Hapag» (Hamburg-Amerika) (19‬وهلم جرا والخ‪ ..‬ومن سنة ‪ 1895‬إلى سنة‬
‫‪ 1910‬اشترك كل من هذه البنوك الستة في اصدار السهم والسندات لمئات عديدة من الشركات الصناعية‪ ،‬أي من ‪281‬‬
‫إلى ‪ 419‬شركة(‪.)20‬‬
‫«التحاد الشخصي» بين البنوك والصناعة يكتمل بـ«التحاد الشخصي» بين هذه وتلك والحكومة‪ .‬فقد كتب ييدلس‪:‬‬
‫«يقدمون المقاعد في مجالس المراقبة عن طيبة خاطر للشخصيات ذات السماء الطنانة وكذلك للموظفين سابقا في جهاز‬
‫الدولة الذين يمكنهم أن يسهلوا (!!) لدرجة كبيرة العلقات مع السلطات»… «ففي مجلس مراقبة بنك كبير نجد في المعتاد‬
‫أحد النواب أو أحد أعضاء مجلس بلدية برلين»‪.‬‬
‫إن رسم وتكوين الحتكارات الكبيرة الرساميل‪ ،‬إذا أمكن القول‪ ،‬يجريان اذن على قدم وساق وبكل الطرق «الطبيعية»‬
‫‪19‬‬

‫و«الخارقة»‪ .‬ويتم بصروة منتظمة نوع من تقسيم للعمل بين عدة مئات من ملوك المال في المجتمع الرأسمالي الحديث‪:‬‬
‫«إلى جانب هذا التساع لميدان نشاط البعض من كبار الصناعيين» (الذين يدخلون في مجالس إدارة البنوك وغير ذلك)‬
‫«ووضع منطقة صناعية معينة واحدة فقط تحت إشراف مدراء فروع البنوك في المناطق يحدث شيئا فشيئا التخصص بين‬
‫مدراء البنوك الكبرى‪ .‬وهذا التخصص أمر غير ممكن إلّ في حالة ضخامة المؤسسة البنكية على العموم وسعة نطاق‬
‫علقاتها بالصناعة على الخصوص‪ .‬ويجري تقسيم العمل هذا في اتجاهين‪ :‬من جهة تعهد جميع العلقات بالصناعة لحد‬
‫المدراء لتكون ميدانه الخاص‪ ،‬ومن الجهة الخرى يأخذ كل مدير على نفسه مراقبة هذا المشروع أو ذاك أم مجموعة من‬
‫المشاريع المتشابهة من حيث المهنة أو المصلحة»… (لقد بلغت الرأسمالية درجة المراقبة المنظمة على مختلف‬
‫المشاريع)… «اختصاص هذا المدير هو الصناعة اللمانية وأحيانا صناعة ألمانيا الغربية وحدها» (ألمانيا الغربية هي من‬
‫وجهة نظر الصناعة القسم الكثر تطورا في ألمانيا)‪« ،‬ويتخصص الخرون بالعلقات مع الدول الصناعية الجنبية وبجمع‬
‫المعلومات عن شخصيات الصناعيين والخ‪ ،.‬وبقضايا البورصة وهلم جرا‪ .‬وفضل عن ذلك غالبا ما يكلف كل مدير من‬
‫مدراء البنك بشؤون منطقة معينة أو فرع صناعي معين؛ فيعمل أحدهم بصورة رئيسية في مجالس مراقبة شركات الكهرباء‬
‫وآخر في المعامل الكيميائية‪ ،‬أو في معامل الجعة أو معامل السكر‪ ،‬ويعمل ثالث في المشاريع القليلة المنعزلة وإلى جانب‬
‫ذلك في مجالس مراقبة شركات التأمين… وباختصار‪ ،‬ل ريب في أنه بمقدار اتساع العمليات وتنوعها يتسع في البنوك‬
‫الكبرى تقسيم العمل بين المدراء بقصد (وعلى أن تكون النتيجة) رفعهم قليل ما‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬إلى ما فوق مستوى‬
‫الشؤون البنكية الصرف‪ ،‬بقصد جعلهم أهل لتفهم مجريات المور وأكثر تضلعا في المسائل الصناعية العامة وفي المسائل‬
‫الخاصة بكل فرع من فروع الصناعة ولعدادهم للعمل في منطقة نفوذ البنك الصناعية‪ .‬نظام البنوك هذا يكتمل بميلها إلى‬
‫أن ينتخب لمجلس مراقبتها أناس ذوو خبرة واسعة في الشؤون الصناعية وصناعيون وموظفون سابقون ولسيما أولئك‬
‫الذين خدموا في إدارات السكك الحديدية والمناجم» وهلم جرا(‪.)21‬‬
‫ونجد في الميدان البنكي في فرنسا مؤسسات من ذات النوع مع اختلف جد يسير‪« .‬فالكريدي ليونيه»‪ ،‬مثل‪ ،‬أحد البنوك‬
‫الفرنسية الثلثة الكبرى‪ ،‬قد نظم لديه «إدارة خاصة لجمع المعلومات المالية» (‪service des études‬‬
‫‪ )financières‬ويعمل في هذه الدارة بصورة دائمة أكثر من خمسين شخصا من المهندسين والخبراء في الحصاء‬
‫والقتصاديين والحقوقيين الخ‪ ..‬وتكلف هذه الدارة من ‪ 600‬إلى ‪ 700‬ألف فرنك في السنة‪ .‬وتنقسم هذه الدارة بدورها‬
‫إلى ثمانية أقسام‪ :‬قسم مختص بجمع المعلومات عن المشاريع الصناعية ويدرس القسم الخر الحصاءات العامة ويدرس‬
‫القسم الثالث شركات السكك الحديدية والبواخر والرابع الرصدة والخامس التقارير المالية والخ(‪.)22‬‬
‫وتكون النتيجة‪ ،‬من جهة‪ ،‬اندماج متزايد‪ ،‬أو كما أحسن التعبير بوخارين‪ ،‬اقتران الرأسمال البنكي والصناعي؛ ومن الجهة‬
‫الخرى‪ ،‬صيرورة البنوك إلى مؤسسات ذات «طابع شامل» حقا‪ .‬ونرى من الضروري أن نورد بالنص عبارات ييدلس حول‬
‫هذه المسألة‪ ،‬وهو الكاتب الذي درس المسألة أحسن من الخرين‪:‬‬
‫«بنتيجة دراسة العلقات الصناعية بمجموعها نقرر أن المؤسسات المالية التي تعمل للصناعة هي ذات طابع شامل‪ .‬فعلى‬
‫نقيض الشكال الخرى للبنوك‪ ،‬على نقيض المطالب التي تصاغ أحيانا في المطبوعات والقائلة بأنه ينبغي على البنوك أن‬
‫تتخصص في ميدان معين أو فرع صناعي معين لكيل تفقد الرض تحت قدميها‪ – ،‬تسعى البنوك الكبرى وراء جعل علقاتها‬
‫مع المشاريع الصناعية متنوعة إلى أقصى حد ممكن من حيث الماكن والنتاج‪ ،‬تسعى وراء إزالة عدم التناسب في توزيع‬
‫الرساميل بين مختلف المناطق أو الفروع الصناعية‪ ،‬عدم التناسب الذي يجد تفسيره في تاريخ مختلف المشاريع»‪« .‬هناك‬
‫اتجاه يتلخص في جعل هذه العلقات بالصناعة ظاهرة عامة؛ واتجاه آخر يتلخص في جعل هذه العلقات وطيدة وفعالة؛ وقد‬
‫طبق التجاهان في البنوك الستة الكبرى‪ ،‬إن لم يكن بصورة كاملة‪ ،‬ففي نطاق واسع وبدرجة واحدة»‪.‬‬
‫غالبا ما تشكو الوساط الصناعية والتجارية من «إرهاب» البنوك‪ .‬وهل من مجال لستغراب هذه الشكاوى إذا كانت البنوك‬
‫الكبرى «تتحكم» كما يظهر المثال التالي‪ :‬في ‪ 19‬نوفمبر سنة ‪ 1901‬وجه أحد البنوك البرلينية المسمات «د» (أسماء‬
‫البنوك الربعة الكبرى تبدأ بحرف د) إلى مجلس إدارة سينديكا السمنت في وسط وشمال غرب ألمانيا الرسالة التالية‪:‬‬
‫«يتضح من النبأ الذي نشر تموه في الثامن عشر من الشهر الجاري في الجريدة الفلنية أن علينا أن نأخذ بالحسبان أنه‬
‫يحتمل أنكم ستتخذون في الجمعية العمومية التي ستعقدها سينديكاتكم في الثلثين من الشهر الجاري قرارات يمكنها أن‬
‫تحدث في مشروعكم تغييرات ل يسعنا قبولها‪ .‬ولذلك فنحن‪ ،‬مع مزيد أسفنا‪ ،‬مضطرون إلى قطع العتماد الذي فتحناه لكم…‬
‫ولكن إذا لم تتخذ في هذه الجمعية العمومية قرارات ل يسعنا قبولهل وإذا قدمت لنا الضمانات المناسبة حول هذا الشأن فيما‬
‫يخص المستقبل فنحن نعرب عن استعدادنا للشروع في مداولت بقصد فتح اعتماد جديد لكم»(‪.)23‬‬
‫‪20‬‬

‫إنها في جوهر المر عين شكاوى الرأسمال الصغير من ظلم الرأسمال الكبير‪ ،‬ولكن في هذه الحالة وقع في فئة «الصغار»‬
‫سينديكا برمته! إن الصراع القديم بين الرأسمال الصغير والرأسمال الكبير يستأنف في درجة من التطور جديدة‪ ،‬أعلى جدا‪.‬‬
‫ومن المفهوم أن مؤسسات البنوك الكبرى التي تتصرف بالمليارات يمكنها كذلك أن تدفع إلى المام تقدم التكنيك بوسائل ل‬
‫يمكن أن تقارن بوجه مع الوسائل السابقة‪ .‬فالبنوك تؤسس‪ ،‬مثل‪ ،‬جمعيات خاصة للبحاث التكنيكية ل تنتفع بنتائج دراساتها‬
‫إلّ المشاريع الصناعية «الصديقة» طبعا‪ .‬ومن هذه الجمعيات «جمعية دراسة مسألة السكك الحديدية الكهربائية» و«المكتب‬
‫المركزي للبحاث العلمية والتكنيكية» وهلم جرا‪.‬‬
‫ول ريب في أن المشرفين على البنوك الكبرى أنفسهم يرون أن ظروفا جديدة للقتصاد الوطني آخذة في التكوين؛ ولكنهم‬
‫عاجزون إزاءها‪.‬‬
‫يقول ييدلس‪« :‬إن من تتبع أثناء السنوات الخيرة تبدل الشخاص في مناصب المدراء وأعضاء مجالس المراقبة في البنوك‬
‫الكبرى ل يمكنه ألّ يرى انتقال السلطة بالتدريج إلى أيدي أشخاص يعتبرون التدخل النشيط في التطور الصناعي العام مهمة‬
‫الزامية من مهام البنوك الكبرى تغدو ملحة أكثر فأكثر‪ ،‬علما بأن ذلك هو مبعث التباعد بين هؤلء الشخاص ومدراء البنوك‬
‫القدماء على الصعيد العملي وغالبا على الصعيد الشخصي أيضا‪ .‬والقضية هي‪ ،‬في الجوهر‪ ،‬قضية ما إذا كانت البنوك‪،‬‬
‫بوصفها مؤسسات تسليف‪ ،‬ل تتضرر من تدخل البنوك هذا في مجرى النتاج الصناعي‪ ،‬وما إذا كانت ل تضحي بالمبادئ‬
‫الوطيدةوالرباح الكيدة من أجل نشاط ل يجمعه جامع بدورها كوسيط في التسليف ويدفع البنوك إلى صعيد تكون فيه أكثر‬
‫من السابق خاضعة لتقلبات الحوال الصناعية العمياء‪ .‬هذا ما يقوله الكثيرون من مدراء البنوك القدماء؛ أمّا أكثر المدراء‬
‫الشباب فيعتبرون التدخل النشيط في المسائل الصناعية ل يختلف عن الضرورة التي نشأت عنها البنوك الكبرى والمشاريع‬
‫الصناعية البنكية الحديثة في وقت واحد مع الصناعة الضخمة الحديثة‪ .‬ويتحقق الجانبان حول نقطة واحدة هي عدم وجود‬
‫أية مبادئ وطيدة أو هدف معين لنشاط البنوك الكبرى الجديد»(‪.)24‬‬
‫انقضى عهد الرأسمالية القديمة‪ .‬والجديدة هي انتقال إلى جديد ما‪ .‬أمّا البحث عن «مبادئ وطيدة وهدف معين» «للتوفيق»‬
‫بين الحتكارات والمزاحمة الحرة فهو باطل طبعا‪ .‬فاعترافات أصحاب الخبرة ل تشبه بوجه المديح الذي يكيله لفضائل‬
‫الرأسمالية «المنظمة» المدافعون الرسميون عنها من أمثال شولتزه‪-‬غيفيرنيتز وليفمن ومن لف لفهم من «النظريين»‪.‬‬
‫في أي زمن بالضبط توطد بصورة نهائية «النشاط الجديد» للبنوك الكبرى؟ نجد لدى ييدلس الجواب الدقيق لحد ما على هذا‬
‫السؤال الهام‪:‬‬
‫«العلقات بين المشاريع الصناعية بمضمونها الجديد وأشكالها الجديدة وهيئاتها الجديدة أي البنوك الكبرى المنظمة في وقت‬
‫معا على الطريقة المركزية واللمركزية‪ ،‬لم تتكون قطعا كظاهرة مميزة للقتصاد الوطني قبل سنوات العقد العاشر من القرن‬
‫الماضي‪ ،‬وبالمكان بمعنى معين تأخير نقطة البدء هذه إلى سنة ‪ 1897‬لما حدث فيها من «اندماجات» كبرى بين‬
‫المشاريع ادخلت لول مرة الشكل الجديد للتنظيم اللمركزي لسباب تتعلق بالسياسة الصناعية التي تمارسها البنوك‪ .‬ولعل‬
‫النضباط أن ندفع نقطة البدء هذه إلى تاريخ أقرب‪ ،‬لن أزمة سنة ‪ 1900‬قد زادت بصورة هائلة من سير التمركز‬
‫ووطدت هذا السير سواء في الصناعة أو في البنوك محولة لول مرة الصلت بالصناعة إلى احتكار حقيقي للبنوك الكبرى‬
‫وجاعلة هذه الصلت أوثق وأقوى جدا»(‪.)25‬‬
‫إذن‪ ،‬إن القرن العشرين هو نقطة التحول من الرأسمالية القديمة إلى الحديثة‪ ،‬من سيطرة الرأسمال بوجه عام إلى سيطرة‬
‫الرأسمال المالي‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪( )1‬الفريد لنسبورغ‪« .‬نشاط البنوك اللمانية في خمس سنوات»‪ ،‬مجاة «البنك» ر ‪ 8‬سنة ‪ 1913‬ص ‪ .728‬الناشر‬
‫(‪ »Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk )2‬في «‪Grudrib der‬‬
‫‪21‬‬

‫‪ Sozialökonomik». Tüb. , 1905‬ص ص ‪( 12،137‬شولتزه غيفيرنيتز‪« .‬بنك التسليف اللماني» في‬
‫«أسس القتصاد الجتماعي»‪ .‬تيوبينغين‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪R. Liefmann/ «Beteiligungs-und Finanzierungsgesellschaften. Eine )3‬‬
‫‪Studie über den modernen Kapitalismus und das Effektenwesen». I.‬‬
‫‪ ، - .Aufl., 1909‬ص ‪.212‬‬
‫(‪Alfred Lansburgh. «Beteiligungssystem im deutschen Bankwesen», )4‬‬
‫‪ ، «die Bank», 1910, 1‬ص ‪( 500‬الفرد لنسبورغ‪« .‬طريقة الشتراك في أعمال البنوك اللمانية»‪ ،‬مجلة‬
‫«البنك»‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪« )5‬شركة التسليف الليونية»‪« ،‬دائرة الخصم الوطنية» و«الشركة العامة»‪ .‬الناشر‪.‬‬
‫(‪ Eugen Kaufmann. «Das französische Bankwesen», Tüb. 1911 )6‬ص ص‬
‫‪ 356‬و ‪( 362‬أوجين كوفمان‪« .‬حالة ال‬
‫بنوك في فرنسا»‪ .‬تيوبينغين‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ Jean Lescure. «L’épargne en France». P. 1914 )7‬ص ‪( 52‬جان ليسكور‪« .‬الدخار‬
‫في فرنسا»‪ .‬باريس‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪A. Lansburgh. «Die Bank mit den 300 Million», «Die Bank» 1914, 1 )8‬‬
‫ص ‪( 426‬أ‪ .‬لنسبورغ‪« .‬بنك ذو ‪ 300‬مليون»‪ ،‬مجلة «البنك» ‪ .1914‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ ، S . Tschierschky )9‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪.128‬‬
‫(‪ )10‬أرقام لجنة النقد المريكية ‪(National Monetary Commision‬مأخوذة عن مجلة «البنك»‪ .‬الناشر)‪،‬‬
‫سنة ‪ ،1910‬المجلد الثاني‪ ،‬ص ‪.1200‬‬
‫(‪ )11‬أرقام لجنة النقد المريكية ‪( National Monetary Commision‬مأخوذة عن مجلة «البنك»‪.‬‬
‫الناشر)‪ ،‬سنة ‪ ،1913‬ص ص ‪ ،811،1022‬سنة ‪ ،1914‬ص ‪..713‬‬
‫(‪ Die Bank» , 1914,1« )12‬ص ‪.316‬‬

‫‪22‬‬

‫(‪ ، Dr. Oscar Stillich. «Geld-und Bankwesen», Berlin 1907 )13‬ص ‪.169‬‬
‫(دكتور أوسكاد شتيليخ‪« .‬النقود والنشاط البنكي»‪ .‬برلين‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ »Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk )14‬في «‪Grudrib der‬‬
‫‪ Sozialökonomik». Tüb. , 1905‬ص ‪101‬‬
‫(‪ )15‬ريسر‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪ ،629‬الطبعة الرابعة‪.‬‬
‫(‪ »Schltze-Gaevernitz. «Die deutsche Kreditbenk )16‬في «‪Grudrib der‬‬
‫‪ Sozialökonomik». Tüb. , 1905‬ص ‪.151‬‬
‫(‪ Die Bank», 1912, 1« )17‬ص ‪435‬‬
‫(‪ )18‬نقل عن شولتزه‪-‬غيفيرنيتز في «‪ ،»Grdr. d. S-Oek‬ص ‪155‬‬
‫(‪« )19‬هاباغ» (هامبورغ‪-‬أميركا)‪ .‬الناشر‬
‫(‪ )20‬ييدلس وريسر‪ ،‬المؤلفان المذكوران‪.‬‬
‫(‪ )21‬ييدلس‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ص ‪.157-156‬‬
‫(‪ )22‬مقال لـ ‪ Eug. Kaufmann‬عن البنوك الفرنسية في مجلة «‪Die Bank» 1909، 2‬‬
‫(‪ »Dr. Oscar Stillich, «Geld-und Bankwesen )23‬ص ‪147‬‬
‫(‪ )24‬ييدلس‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ص ‪.184-183‬‬
‫(‪ )25‬ييدلس‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪.181‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫الرأسمال المالي والطغمة المالية‬
‫‪23‬‬

‫كتب هيلفردينغ‪« :‬إن قسما متزايدا من الرأسمال الصناعي ل يعود إلى الصناعيين الذين يستخدمونه‪ .‬وهم ل يستطيعون‬
‫الحصول على امكانية التصرف به إلّ عن طريق البنك الذي يمثل ازاءهم مالك الرأسمال‪ .‬ومن الجهة الخرى يتأتى على‬
‫البنك أن يوظف في الصناعة قسما متزايدا من رأسماله‪ .‬وبسبب ذلك يصبح أكثر فأكثر رأسماليا صناعيا‪ .‬وهذا الرأسمال‬
‫البنكي – أي الرأسمال النقدي – الذي تم تحويله بهذه الطريقة إلى رأسمال صناعي في الواقع‪ ،‬أسميه «الرأسمال المالي»‪.‬‬
‫«فالرأسمال المالي هو إذن الرأسمال الموجود تحت تصرف البنوك والذي يستخدمه الصناعيون»(‪.)1‬‬
‫وهذا التعريف غير كامل لنه ل يشير إلى ظروف في منتهى الهميةـ نعني به نمو تمركز النتاج والرأسمالي إلى درجة‬
‫يفضي معها التمركز وقد أفضى إلى الحتكار‪ .‬بيد أن مبحث هيلفردينغ بوجه عام ول سيما الفصلين السابقين للفصل الذي‬
‫اقتبسنا منه هذا التعريف يؤكد دور الحتكارات الرأسمالية‪.‬‬
‫تمركز النتاج؛ الحتكارات الناشئة عن هذا التمركز؛ اندماج أو اقتران البنوك والصناعة – هذا هو تاريخ نشوء الرأسمال‬
‫المالي وفحوى هذا المفهوم‪.‬‬
‫ينبغي علينا أن نبين الن أن «تحكم» الحتكارات الرأسمالية في الوضع العام للنتاج البضاعي وللملكية الخاصة يصير‬
‫بصورة محتومة إلى سيطرة الطغمة المالية‪ .‬ولنلحظ أن ممثلي العلم البرجوازي اللماني – وغير اللماني – أمثال ريسر و‬
‫شولتزه‪-‬غيفيرنيتز وليفمن وأضرابهم هم جميعا من مداحي المبريالية والرأسمال المالي‪ .‬فهم ل يكشفون‪ ،‬بل يطمسون‬
‫ويطلون بالصباغ «آلية» نشوء الطغمة المالية وأحابيلها ومقادير مداخيلها «الحلل والحرام» وصلتها بالبرلمانات وغير‬
‫ذلك والخ‪ ..‬وهم يتخلصون من «المسائل اللعينة» بالعبارات الطنانة الرنانة المبهمة وبنداءات ليقاظ «شعور المسؤولية»‬
‫لدى مدراء البنوك وبكيل المديح لـ«شعور الواجب» لدى الموظفين البروسيين وبتحليل جدي لتفاصيل مشروعات قوانين ل‬
‫قيمة لها على الطلق بصدد «المراقبة» و«التحديد» وبلغو نظري من نوع‪ ،‬مثلً‪ ،‬التعريف «العملي» المزعوم الذي سجله‬
‫البروفسور ليفمن‪ …« :‬التجارة هي نشاط عملي هدفه جمع الخيرات وحفظها ووضعها تحت التصرف»(‪( .)2‬حرف التأكيد‬
‫في المؤلف للبروفيسور نفسه… يستنتج إذن أن التجارة كان يمارسها النسان البدائي أيضا الذي كان يجهل التبادل وأنها‬
‫ستبقى كذلك في المجتمع الشتراكي!‬
‫بيد أن الوقائع الفظيعة التي تتعلق بسيطرة الطغمة المالية الفظيعة تفقأ العين‪ ،‬ولذا نشأ في جميع البلدان الرأسمالية‪ ،‬في‬
‫أمريكا وفي فرنسا وفي ألمانيا‪ ،‬أدب يتمسك بوجهة النظر البرجوازية ولكنه يعطي مع ذلك عن الطغمة المالية صورة صادقة‬
‫تقريبا وينتقدها‪ ،‬وإن انتقادا مبتذل طبعا‪.‬‬
‫ينبغي أن نجعل حجر الزاوية «نظام الشتراك» الذي سبق لنا أن تناولناه ببضع كلمات‪ .‬وهاكم كيف يصف كنه القضية‬
‫القتصادي اللماني هيمان الذي كان بين الولين الذين أعاروه اهتمامهم إن لم يكن الول‪:‬‬
‫«المدير يشرف على الشركة الساسية («الشركة الم») بالحرف)‪ ،‬وهي بدورها تسيطر على الشركات التابعة لها‬
‫(«الشركات البنات») التي تسيطر بدورها على «الشركات الحفيدات» وهلم جرا‪ .‬وهكذا يغدو بإمكان المرء‪ ،‬دون أن يملك‬
‫رأسمال كبيرا جدا‪ ،‬أن يسيطر على ميادين هائلة من ميادين النتاج‪ .‬وفي الواقع‪ ،‬إذا كانت حيازة ‪ %50‬من الرأسمال‬
‫كافية على الدوام للشراف على الشركة المساهمة‪ ،‬فحسب القائد أن يملك مليونا واحدا ليحصل على امكانية الشراف على‬
‫ثمانية مليين من الرأسمال لدى «الشركات الحفيدات»‪ .‬وإذا اتسع هذا «التشابك» يصبح بإمكان صاحب المليون أن يشرف‬
‫على ستة عشر مليونا‪ ،‬إثنين وثلثون مليونا والخ‪.)3(».‬‬
‫وفي الواقع تبين الخبرة أن تملك ‪ %40‬من السهم كاف للتحكم بشؤون الشركة المساهمة(‪ ،)4‬لن قسما معينا من‬
‫المساهمين الصغار المبعثرين ل يمكنهم في الواقع الشتراك في الجمعيات العمومية‪ ،‬الخ‪ ..‬إن صبغ تملك السهم بالصبغة‬
‫«الديموقراطية»‪ ،‬إن هذه العملية التي ينتظر منها السفسطائيون البرجوازيون والنتهازيون «الشتراكيون‪-‬الديموقراطيون‬
‫هم أيضا» (أو يؤكدون أنهم ينتظرون منها) «اصطباغ الرأسمال بالصبغة الديموقراطية» وتعاظم دور وأهمية النتاج الصغير‬
‫وغير ذلك ليست في الواقع إلّ وسيلة من وسائل زيادة بأس الطغمة المالية‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬مع أسباب أخرى‪ ،‬يسمح‬
‫التشريع في البلدان الرأسمالية الرقى أو القدم و«الكثر خبرة» بإصدار أسهم أصغر‪ .‬في ألمانيا ل يسمح التشريع بإصدار‬
‫أسهم بمبلغ أقل من ألف مارك؛ ولذا ينظر طواغيت المال اللمان بعين الحسد إلى إنجلترا التي يسمح فيها القانون بإصدار‬
‫أسهم بقيمة جنيه سترليني واحد (يعادل عشرون ماركا أو نحو عشرة روبلت)‪ .‬في السابع من يونيو سنة ‪ 1900‬صرح‬
‫‪24‬‬

‫سيمنس‪ ،‬أحد كبار الصناعيين و«ملوك المال» اللمان قائل في الريستاخ أن «السهم من فئة الجنيه الستيرليني الواحد هو‬
‫أساس المبريالية البريطانية»(‪ )5‬لدى هذا التاجر مفهوم عن كنه المبريالية أعمق جدا وأكثر «ماركسية» من مفهوم كاتب‬
‫ماجن يعتبر مؤسس الماركسية الروسية ويحسب المبريالية خصلة غير حميدة فطر عليها شعب من الشعوب…‬
‫ولكن «نظام الشتراك» ل يقتصر على رفع سلطان الحتكاريين لدرجة هائلة؛ فهو‪ ،‬عدا ذلك‪ ،‬يمكن من ارتكاب شر‬
‫الموبيقات والمنكرات ومن تشليح الجمهور دون عقاب‪ :‬لن المشرفين على «الشركة الم» هم رسميا‪ ،‬بموجب القانون‪ ،‬غير‬
‫مسؤولين عن «الشركة البنت» التي تعتبر «مستقلة» والتي يمكن عن طريق «تمشيه» كل شيء‪ .‬وهاكم مثل اقتبسناه عن‬
‫عدد ماي سنة ‪ 1914‬من المجلة اللمانية «البنك»‪:‬‬
‫««الشركة المساهمة لفولذ اللوالب» في كاسل كانت لعدة سنوات مضت تعتبر مشروعا من المشاريع اللمانية التي تعود‬
‫بأكبر المداخيل‪ .‬وسوء الدارة قد بلغ بالمور حدا هبطت معه الرباح التي توزع على حملة السهم من ‪ %15‬إلى ‪.%0‬‬
‫وقد اتضح أن مجلس الدارة قد قدم‪ ،‬بدون علم المساهمين‪ ،‬لحدى «شركات البنات» «هاسيا» التي ل يتجاوز رأسمالها‬
‫السمي عدة مئات من ألوف الماركات سلفة بمبلغ ‪ 6‬مليين مارك‪ .‬وفي حسابات «الشركة الم» لم يرد ذكر لهذه السلفة‬
‫التي تبلغ نحو ثلثة أضعاف الرأسمال المساهم «للشركة الم»‪ .‬وقد كان هذا الغفال مشروعا تماما من الناحية الحقوقية‬
‫وكان بإمكانه أن يستمر سنتين كاملتين‪ ،‬لن ذلك ل يخرق أي مادة من مواد التشريع التجاري‪ .‬ورئيس مجلس المراقبة‬
‫الذي وقع‪ ،‬بوصفه الشخص المسؤول‪ ،‬على الميزانيات المزورة قد كان ول يزال رئيسا للغرفة التجارية في كاسل‪ .‬ولم‬
‫يعرف المساهمون بهذه السلفة المقدمة لشركة «هاسيا» إلّ بعد مرور وقت طويل عندما اتضح أنها غلطة…» (لقد كان على‬
‫الكاتب أن يضع هذه الكلمة بين قوسين)…«وعندما هبطت قيمة أسهم «فولذ اللولب» ‪ %100‬تقريبا بسبب عرضها للبيع‬
‫من قبل المطلعين على خفايا المور…‬
‫إن هذا المثال النموذجي لتلفيق الميزانيات والمألوف تماما في الشركات المساهمة بين لنا السبب الذي يجعل مجالس إدارتها‬
‫تجازف في القضايا الخطرة بجرأة أكبر من جرأة أصحاب العمال الفرديين‪ .‬فالطريقة الحديثة لوضع الميزانيات‪ ،‬عدا أنها‬
‫تسهل اخفاء المجازفات عن المساهم المتوسط‪ ،‬تمكن أصحاب المصلحة الرئيسيين من النجاة بجلودهم عن طريق بيع‬
‫السهم في الوقت المناسب في حالة عدم نجاح التجربة‪ ،‬في حين أن صاحب العمل المنفرد يدفع من جيبه مسؤولية كل ما‬
‫يفعل…‬
‫إن ميزانيات الكثير من الشركات المساهمة تشبه اطراس القرون الوسطى التي ينبغي على المرء أن يمحو في بادئ المر‬
‫النص المكتوب ليكشف تحته الرموز التي تعطي معنى المخطوطة الصحيح» (الطراس هي رقوق غطيت نصوصها الولى‬
‫لتكتب في مكانها نصوص جديدة)‪.‬‬
‫«إن أسهل وسيلة لجعل الميزانيات غير مفهومة وبالتالي الوسيلة الكثر انتشارا هي تقسيم المشروع الموحد إلى عدة أقسام‬
‫عن طريق تأسيس «الشركات البنات» أو عن طريق ضمها‪ .‬وفائدة هذه الطريقة‪ ،‬من وجهة نظر مختلف الهداف – من‬
‫مشروعة وغير مشروعة – هي بينة لحد غدت معه من النوادر اليوم الشركات الكبرى التي لم تتبع هذه الطريقة»(‪.)6‬‬
‫وكمثل على تطبيق هذه الطريقة بأوسع شكل يذكر الكاتب الشركة الحتكارية الكبرى الذائعة الصيت «الشركة العامة‬
‫للكهرباء» (‪ ،AEG‬وسنتحدث عنها فيما بعد)‪ .‬لقد اعتقد في سنة ‪ 1912‬أن هذه الشركة تشترك في ‪200-175‬‬
‫شركة‪ /‬مسيطرة عليها طبعا وشاملة بالمجموع رأسمال يقدر بـ ‪ 1.5‬مليار مارك(‪.)7‬‬
‫إن كل قواعد المراقبة والتفتيش ونشر الميزانيات ووضع تصاميم معينة لها وإقامة المراقبة وغير ذلك من المور التي يلهي‬
‫بها انتباه الجمهور الساتذة والموظفون ذوو النية الحسنة‪ ،‬أي الذين ينوون عن حسن قصد الدفاع عن الرأسمالية وتجميل‬
‫وجهها‪ ،‬هي أشياء ل قيمة لها في هذا المر‪ ،‬لن الملكية الخاصة مقدسة فل يمكن منع أحد من شراء السهم وبيعها‬
‫وتبديلها ورهنها والخ‪..‬‬
‫ونستطيع أن نتبين النطاق الذي بلغه «نظام الشتراك» في البنوك الروسية الكبرى من الرقام التي ذكرها ي‪ .‬آغاد الذي‬
‫خدم ‪ 15‬سنة موظفا في البنك الروسي الصيني ونشر في ماي سنة ‪ 1914‬مؤلفا عنوانه غير دقيق بعض الشيء ‪:‬‬
‫«البنوك الكبرى والسوق العالمية»(‪ .)8‬يقسم المؤلف البنوك الروسية الكبرى إلى فريقين أساسيين‪ :‬أ) التي تعمل على‬
‫‪25‬‬

‫أساس «نظام الشتراك» وب) «المستقلة» معطيا مع ذلك بصورة كيفية لمفهوم «الستقلل» معنى الستقلل عن البنوك‬
‫الجنبية؛ والمؤلف يقسم الفريق الول إلى ثلث فرق ثانوية‪ )1 :‬الشتراك اللماني؛ ‪ )2‬الشتراك النجليزي؛ ‪ )3‬الشتراك‬
‫الفرنسي‪ ،‬قاصدا هنا «اشتراك» وسيطرة البنوك الجنبية الكبرى العائدة للمم المذكورة‪ .‬ويقسم المؤلف رساميل البنوك إلى‬
‫«رساميل» موظفة «بصورة منتجة» (في التجارة والصناعة) و«بصورة مضاربة» (في البورصة والعمليات المالية) حاسبا‬
‫بما فطر عليه هو البرجوازي الصغير من تفكير اصلحي برجوازي صغير أن بالمكان‪ ،‬مع بقاء الرأسمالية‪ ،‬فصل نوع‬
‫التوظيف الول عن الثاني وإزالة الثاني‪.‬‬
‫وها هي أرقام المؤلف‪:‬‬
‫موجودات البنوك (حسب حسابات أكتوبر – توفمبر ‪ )1913‬بمليين الروبلت‬
‫فرق البنوك الروسية الرساميل الموظفة‬
‫بصورة منتجة بصورة مضاربة المجموع‬
‫أ ‪ )1‬أربعة بنوك‪ :‬السيبيري التجاري‪ ،‬الروسي‪ ،‬الدولي‪ ،‬بنك الخصم ‪1282.8 859.1 413.7‬‬
‫أ ‪ )2‬بنكان‪ :‬التجاري الصناعي والروسي النجليزي ‪408.4 169.1 239.3‬‬
‫أ ‪ )3‬خمسة بنوك‪ :‬الروسي السوي‪ ،‬الخاص في سانت بطرسبورغ‪ ،‬الزوف‪-‬الدون‪ ،‬التحاد في موسكو‪ ،‬الروسي الفرنسي‬
‫التجاري ‪1383.0 661.2 811.8‬‬
‫(‪ 11‬بنكا) المجموع‪..‬أ)= ‪3054.2 1789.4 1364.8‬‬
‫ب) ثمانية بنوك‪ :‬التجاري بموسكو‪ ،‬الفولغا‪-‬كاما‪ ،‬يونكر وشركاه‪ ،‬التجاري بسانت بطرسبورغ فافالبرغ السابق‪ ،‬بنك موسكو‬
‫ريابوشينسكي السايق‪ ،‬الخصم بموسكو‪ ،‬التجاري بموسكو‪ ،‬الخاص بموسكو ‪895.3 391.1 504.2‬‬
‫(‪ 19‬بنكا) المجموع ‪...‬‬
‫‪3949.5 2080.5 1869.0‬‬
‫يتضح من هذه الرقام أن أكثر من ¾ ‪ ،‬أي أكثر من ثلثة مليارات‪ ،‬من نحو أربعة مليارات روبل تؤلف الرأسمال «العامل»‬
‫للبنوك الكبرى تعود لبنوك ليست في الجوهر إلّ «شركات بنات» للبنوك الجنبية وفي الدرجة الولى للبنوك الباريسية‬
‫(للبنوك الثلثة المشهورة‪« :‬التحاد الباريسي» و«بنك باريس والراضي المنخفضة» و«الشركة العامة») وللبنوك البرلينية‬
‫(ول سيما «البنك اللماني» و«شركة الخصم»)‪ .‬وثمة بنكان من أكبر البنوك الروسية‪« ،‬البنك الروسي» («البنك الروسي‬
‫للتجارة الخارجية») و«البنك الدولي» («بنك سانت بطرسبورغ الدولي للتجارة») قد رفعا رأسمالهما من سنة ‪ 1906‬إلى‬
‫سنة ‪ 1912‬من ‪ 44‬إلى ‪ 98‬مليون روبل واحتياطهما من ‪ 15‬إلى ‪ 39‬مليون روبل «قائمين بثلثة أرباع أعمالهما‬
‫برساميل ألمانية»؛ والبنك الول تابع لـ«كونسرن» «البنك اللماني» في برلين والثاني تابع لـ«شركة الخصم» في برلين‪.‬‬
‫إن أغاد الطيب ساخط أشد السخط لن البنوك البرلينية تملك أكثرية السهم‪ ،‬المر الذي يجعل المساهمين الروس في حالة‬
‫عجز‪ .‬وغني عن القول أن البلد التي تصدر رساميلها تنال «الزهرة»‪ :‬فـ«البنك اللماني» في برلين مثلً قد أصدر في‬
‫برلين أسهم البنك التجاري السيبيري وأبقاها في محفظته سنة كاملة ثم باعها بسعر ‪ 193‬مقابل ‪ ،100‬أي بضعفي‬
‫سعرها تقريبا و«جنى» زهاء ‪ 6‬مليين روبل ربحا يسميه هيلفردينغ «الربح التأسيسي»‪.‬‬
‫يقدر المؤلف كامل «قوة» كبريات بنوك بطرسبورغ بـ ‪ 8235‬مليون روبل‪ ،‬أي بنحو ‪ 8.25‬مليارات روبل؛ أمّا‬
‫«اشتراك» أو‪ ،‬بالصح‪ ،‬سيطرة البنوك الجنبية فهو يحددها بالنسب التالية‪ :‬البنوك الفرنسية – ‪%55‬؛ البنوك النجليزية –‬
‫‪%10‬؛ البنوك اللمانية – ‪ .%35‬ومن مجموع الرأسمال العامل هذا الذي يبلغ ‪ 8235‬مليون روبل ثمة ‪3687‬‬
‫مليون روبل‪ ،‬أي أكثر من ‪ %40‬تعود وفق حسابات المؤلف للسينديكات‪ :‬برودأوغول‪ ،‬بروداميت‪ ،‬ولسنديكات صناعة‬
‫البترول والتعدين والسمنت‪ .‬وعلى هذا فإن اندماج الرأسمال البنكي والصناعي قد خطا كذلك في روسيا خطوات هائلة إلى‬
‫المام بسبب تشكيل الحتكارات الرأسمالية‪.‬‬
‫إن الرأسمال المالي المتركز في أيد قليلة والذي يمارس الحتكار فعل يبتز أرباحا طائلة تتزايد باستمرار من تأسيس‬
‫الشركات وإصدار الوراق المالية ومنح القروض للدولة الخ‪ ،.‬موطدا بذلك سيطرة الطغمة المالية وفارضا على المجتمع‬
‫بأكمله جزية لمصلحة المحتكرين‪ .‬وهاكم مثل من أمثلة ل تحصى‪ ،‬ذكره هيلفردينغ عن «تحكم» التروستات المريكية‪ :‬في‬
‫‪26‬‬

‫سنة ‪ 1887‬أسس هافيميير تروستا للسكر عن طريق دمج ‪ 15‬شركة صغيرة بلغ مجموع رأسمالها – ‪ 6.5‬مليين‬
‫دولر‪ .‬أمّا رأسمال التروست فقد تم «تمييعه بالماء» حسب التعبير المريكي وقدر بـ ‪ 50‬مليون دولر‪ .‬و«مضاعفة‬
‫الرأسمال» هذه تأخذ بالحسبان الرباح الحتكارية المقبلة‪ ،‬كما أن تروست الفولذ في أمريكا ذاتها يأخذ بالحسبان الرباح‬
‫الحتكارية المقبلة إذ يشتري بصورة متزايدة الراضي التي تحوي مصادر الحديد‪ .‬وقد فرض تروست السكر في الواقع‬
‫أسعاره الحتكارية وحصل على مداخيل مكنته من أن يدفع لحملة السهم ‪ %10‬ربحا مقابل رأسمال «مميع بالماء» ‪7‬‬
‫أضعاف‪ ،‬أي نحو ‪ %70‬مقابل الرأسمال المدفوع فعل عند تأسيس التروست! وفي ‪ 1909‬سنة بلغ رأسمال التروست‬
‫‪ 90‬مليون دولر‪ .‬خلل ‪ 22‬سنة تضاعف الرأسمال أكثر من ‪ 10‬أضعاف‪.‬‬
‫وفي فرنسا اتخذت هيمنة «الطغمة المالية» («ضد الطغمة المالية في فرنسا» – عنوان كتاب مشهور من وضع ليزيس‪،‬‬
‫صدرت طبعته الخامسة في سنة ‪ )1908‬شكل ل يكاد يختلف‪ .‬فثمة أربعة بنوك كبرى تتمتع بـ«الحتكار» ل النسبي‪ ،‬بل‬
‫«المطلق» في إصدار الوراق المالية‪ .‬وهي‪ ،‬في الواقع‪« ،‬تروست البنوك الكبرى»‪ .‬والحتكار يضمن الرباح الحتكارية من‬
‫الصدار‪ .‬وفي حالة القروض ل تقبض البلد المستدينة في المعتاد أكثر من ‪ %90‬من المبلغ؛ وتبقى الـ ‪ %10‬حصة‬
‫للبنوك وغيرها من الوسطاء‪ .‬وكان ربح البنوك ‪ %8‬من القرض الروسي الصيني البالغ ‪ 400‬مليون فرنك و ‪ %10‬من‬
‫القرض الروسي (سنة ‪ )1904‬البالغ ‪ 800‬مليون فرنك و ‪ %18.75‬من القرض المراكشي (سنة ‪ )1904‬البالغ‬
‫‪ 62.5‬مليون فرنك‪ .‬إن الرأسمالية التي بدأت تطورها من الرأسمال المرابي الصغير تنهي تطورها بالرأسمال المرابي‬
‫الضخم‪ .‬ويقول ليزيس‪« :‬الفرنسيون هم مرابو أوروبا»‪ .‬إن جميع ظروف الحياة القتصادية تتغير تغيرا عميقا بحكم تحول‬
‫الرأسمالية هذا‪ .‬فـ«البلد» تستطيع أن تثري من الربا مع بوار السكان والصناعة والتجارة والمواصلت البحرية‪« .‬إن‬
‫خمسين شخصا يمثلون رأسمال بـ ‪ 8‬مليين فرنك يمكنهم أن يتصرفوا بمليارين في أربعة بنوك»‪ .‬ونظام «الشتراك»‪ ،‬وقد‬
‫اطلعنا عليه‪ ،‬يفضي إلى نفس النتائج‪ :‬فثمة بنك من البنوك الكبرى «الشركة العامة» يصدر ‪ 64‬ألف سند لحدى «الشركات‬
‫البنات»‪« ،‬معامل تكرير السكر بمصر»‪ .‬ولما كان سعر السند ‪ ،%150‬يربح البنك ‪ 50‬كوبيكا من كل روبل‪ .‬وقد ظهر أن‬
‫أرباح هذه الشركة وهمية‪ ،‬فخسر «الجمهور» من ‪ 90‬إلى ‪ 100‬مليون فرنك؛ «وكان أحد مدراء «الشركة العامة» عضوا‬
‫في مجلس إدارة «معامل تكرير السكر»»‪ .‬ول غرو إذا اضطر المؤلف أن يخلص إلى هذا الستنتاج‪« :‬الجمهورية الفرنسية‬
‫هي مملكة مالية»؛ «إن سيطرة الطغمة المالية هي سيطرة مطلقة؛ فهي تهيمن على الصحافة وعلى الحكومة»(‪.)9‬‬
‫إن جسامة عائدات إصدار الوراق المالية‪ ،‬بوصفه احدى عمليات الرأسمال المالي الرئيسية‪ ،‬تلعب دورا هاما للغاية في‬
‫تطوير وتوطيد الطغمة المالية‪ .‬وتقول المجلة اللمانية «البنك»‪« :‬ل يوجد في داخل البلد مشروع يعطي‪ ،‬ولو على وجه‬
‫التقريب‪ ،‬مثل هذه الرباح العالية التي تعطيها الوساطة في إصدار القروض الجنبية»(‪.)10‬‬
‫«ليست هناك عملية من عمليات البنوك تعود بأرباح عالية كالصدار»‪ .‬وبموجب أرقام «القتصادي اللماني» بلغ الربح‬
‫السنوي المتوسط من اصدار الوراق المالية للشركات الصناعية‪:‬‬
‫‪66.9% 1899 66.7% 1897 38.6% 1895‬‬
‫‪55.2% 1900 67.7% 1898 36.1% 1896‬‬
‫«في غضون عشر سنوات‪« ،1900-1891 ،‬عاد» إصدار الوراق المالية على الشركات الصناعية اللمانية بأكثر من‬
‫مليار»(‪.)11‬‬
‫وإذا كانت أرباح الرأسمال المالي في منتهى الضخامة أثناء النهضات الصناعية‪ ،‬ففي أثناء مراحل النحطاط تهلك المشاريع‬
‫الصغيرة وغير الوطيدة؛ أما البنوك الكبرى فـ«تشترك» في شرائها بأسعار بخسة أو في «إشفائها» و«إعادة تنظيمها»‬
‫جانية الفوائد من ذلك‪ .‬وفي حالة «إشفاء» المشاريع المصابة بالعجز «يخفض الرأسمال المساهم‪ ،‬أي توزع المداخيل على‬
‫رأسمال أقل وتحسب في المستقبل على أساسه‪ .‬أو يجري‪ ،‬في حالة هبوط العائدات إلى الصفر‪ ،‬اجتذاب رأسمال جديد يحمل‬
‫عائدات كافية بدمجه بالرأسمال القديم ذي العائدات القليلة»‪ .‬ويضيف هيلفردينغ قائل‪« :‬ولنلحظ في سياق الحديث أن جميع‬
‫عمليات الشفاء وإعادة التنظيم هذه هي‪ ،‬في نظر البنوك‪ ،‬ذات أهمية مزدوجة‪ /‬أول‪ ،‬باعتبارها عملية رابحة وثانيا‪،‬‬
‫باعتبارها فرصة ملئمة لتجعل الشركات المحتاجة في حالة تبعية لها»(‪.)12‬‬
‫‪27‬‬

‫وهاكم المثل‪ :‬الشركة المساهمة لستخراج المعادن‪« ،‬أونيون» («إتحاد») بدورتموند‪ ،‬تأسست سنة ‪ 1872‬برأسمال‬
‫مساهم يقرب من ‪ 40‬مليون مارك وارتفع سعر أسهمها إلى ‪ %170‬بعد أن دفعت لحملة السهم في سنتها الولى أرباحا‬
‫بنسبة ‪ .%12‬وقد سحب الرأسمال المالي القشطة وربح مبالغا «تافها» يوازي ‪ 28‬مليون مارك «فقط»‪ .‬وعند تأسيس‬
‫هذه الشركة لعب الدور الرئيسي ذلك البنك اللماني الضخم‪« ،‬شركة الخصم»‪ ،‬الذي رفع رأسماله سليما معافى إلى ‪300‬‬
‫مليون مارك‪ .‬ثم هبط سهم «أونيون» إلى الصفر‪ .‬فاضطر المساهمون إلى الموافقة على «حذف» الرأسمال‪ ،‬أي على خسارة‬
‫جزء منه لكيل يفقدوا كل شيء‪ .‬وبنتيجة جملة من عمليات «الشفاء» طار من سجلت شركة «أونيون» خلل ثلثين سنة‬
‫مبلغ يزيد على ‪ 73‬مليون مارك‪« .‬وفي الوقت الحاضر ل يملك المساهمون المؤسسون لهذه الشركة أكثر من ‪ %5‬من‬
‫القيمة السمية لسهمهم»(‪ ،)13‬ولكن البنوك ما تنفك «تربح» من كل عملية من عمليات «الشفاء»‪.‬‬
‫ومن عمليات الرأسمال المالي الرابحة للغاية كذلك المضاربة بقطع الراضي الموجودة في ضواحي المدن الكبرى التي تتسع‬
‫بسرعة‪ .‬وفي هذه الحالة يندمج احتكار البنوك باحتكار الريع العقاري وباحتكار طرق المواصلت‪ ،‬لن ارتفاع أسعار قطع‬
‫الراضي وإمكانية بيعها بصورة مفيذة قطعا صغيرة الخ‪ ،.‬يتوقفان بوجه خاص على سهولة المواصلت مع مركز المدينة؛‬
‫ووسائط المواصلت هذه هي في أيدي الشركات الكبرى المتصلة بهذه البنوك ذاتها عن طريق نظام الشتراك واقتسام‬
‫مناصب المدراء‪ .‬ويكون الحاصل ما أطلق عليه الكاتب اللماني ايشفيغه‪ ،‬المحرر في مجلة «البنك» والذي انصرف بصورة‬
‫خاصة إلى دراسة عملية التجارة بقطع الراضي ورهنها والخ‪ ،.‬اسم «المستنقع»‪ :‬مضاربة مسعورة بقطع الراضي في‬
‫ضواحي المدن‪ ،‬إفلس شركات البناء كشركة «بوسفاو وكناور» في برلين التي اكتسبت من النقود ما بلغ ‪ 100‬مليون‬
‫مارك بواسطة «البنك اللماني» «الضخم المعتبر» الذي كان يعمل بطبيعة الحال بموجب نظام «الشتراك»‪ ،‬أي سرا‪ ،‬في‬
‫الخفاء‪ ،‬والذي تخلص من الورطة ولم يخسر سوى ‪ 12‬مليون مارك؛ ثم خراب صغار الملكين والعمال الذين لم يقبضوا‬
‫شيئا من شركات البناء المزيفة؛ وصفقات غير قانونية مع هيئات الدارة والشرطة «النزيهة» في برلين من أجل وضع اليد‬
‫على معاملت أعطاء شتى المعلومات عن قطع الراضي ومنح رخص البلدية لتشييد البنية وغير ذلك وهلم جرا(‪.)14‬‬
‫إن «العادات المريكية» التي طالما رفع الساتدة الوروبيون والبرجوازيون الطيبون بشأنها عيون الضراعة نفاقا إلى‬
‫السماء قد غدت في عصر الرأسمال المالي عادات لكل مدينة كبيرة في أي بلد من البلدان بمعنى الكلمة الحرفي‪.‬‬
‫ففي أوائل سنة ‪ 1914‬كانوا يتحدثون في برلين عن تأسيس «تروست للنقل»‪ ،‬أي «وحدة مصالح» بين ثلثة مشاريع‬
‫برليني للنقل‪ :‬سكة الحديد الكهربائية في المدينة وشركة ترام وشركة سيارات الومينيبوس‪ .‬وكتبت مجلة «البنك»‪« :‬علمنا‬
‫أنهم عقدوا النية على ذلك منذ تبين أن أكثرية أسهم شركة سيارات الومينيبوس قد انتقلت إلى أيدي شركتي نقل أخريين…‬
‫ويمكننا أن نثق كليا بأن الشخاص الذين يستهدفون ذلك‪ ،‬يأملون أن يبلغوا‪ ،‬عن طريق تنظيم إدارة واحدة لشؤون النقل‪،‬‬
‫الحصول على توفيرات يعود قسم منها في نهاية المر إلى الجمهور‪ .‬ولكن ما يعقد المسألة هو أن البنوك تقف وراء‬
‫تروست النقل الجاري تشكيله وأنها تستطيع‪ ،‬متى أرادت‪ ،‬أن تخضع لمصالح تجارتها بقطع الراضي وسائط المواصلت‬
‫التي تحتكرها‪ .‬ولكيما نقتنع بأن هذا الفتراض طبيعي حسبنا أن نتذكر أنه منذ تأسيس شركة سكة الحديد الكهربائية في‬
‫المدينة ارتبطت بها مصالح ذلك البنك الكبير الذي شجع على تأسيسها‪ .‬نعني أن مصالح النقل هذا قد تشابك بمصالح التجارة‬
‫بقطاع الراضي‪ .‬والقضية هي أن الخط الشرقي لهذه السكة الحديدية كان ينبغي أن يشمل قطع الراضي التي باعها هذا‬
‫البنك فيما بعد‪ ،‬عندما أصبح مد هذا الخط أمرا مضمونا‪ ،‬بربح كبير لنفسه ولبعض الشركاء…»(‪.)15‬‬
‫ما أن يتشكل الحتكار ويتصرف بالمليارات حتى يتخلل بصورة محتومة جميع نواحي الحياة الجتماعية بصرف النظر عن‬
‫النظم السياسية وعن كل «التفاصيل» الخرى‪ .‬وقد اعتاد الدب القتصادي اللماني أن يمتدح بتزلف نزاهة الموظفين‬
‫البروسيين ملمحا إلى باناما الفرنسية أو إلى الرشوة السياسية المريكية‪ .‬ولكن الواقع أن حتى الدب البرجوازي الذي‬
‫يتناول شؤون البنوك في ألمانيا يرى نفسه على الدوام مضطرا لن يتخطى لحد بعيد حدود العمليات البنكية الصرف وأن‬
‫يكتب مثل عن «الندفاع نحو البنوك» بمناسبة تكاثر حوادث انتقال الموظفين إلى الخدمة في البنوك‪« :‬وأين هي إذن نزاهة‬
‫الموظف في دوائر الدولة الذي يصبو في أعماق نفسه إلى مكان دافئ في البيرينشتراسه؟»(‪ – )16‬شارع في برلين يوجد‬
‫فيه مقر «البنك اللماني»‪ .‬في سنة ‪ 1909‬كتب صاحب مجلة «البنك» الفرد لنسبورغ مقال عنوانه «أهمية بيزنطة من‬
‫الناحية القتصادية» تناول فيه في سياق الحديث رحلة غليوم الثاني إلى فلسطين و«نتيجتها المباشرة – مد سكة حديد‬
‫بغداد‪« ،‬أكبر أعمال الذهنية التجارية اللمانية»‪ ،‬هذا المر المشؤوم المسؤول عن «التطويق» أكثر من جميع ذنوبنا‬
‫السياسية الخرى مجتمعة»(‪( – )17‬المقصود بالتطويق سياسة ادوارد السابع الذي سعى وراء عزل ألمانيا وتطويقها‬
‫بطوق من اتحاد أمبريالي معاد للمانيا)‪ .‬وفي سنة ‪ 1911‬كتب المحرر عنوانه‪« :‬البلوتوقراطية والموظفون» كشف فيه‬
‫‪28‬‬

‫مثل حادثة الموظف اللماني فولكر الذي كان عضوا في لجنة الكارتيلت واشتهر ببعد همته؛ فما أن مضى بعض الوقت حتى‬
‫شغل مقعدا وثيرا يدر الربح في أكبر الكارتيلت‪ ،‬سانديكا الفولذ‪ .‬إن أمثال هذه الحوادث‪ ،‬وما هي بالعريضة قط‪ ،‬قد أرغمت‬
‫هذا الكاتب البرجوازي نفسه على العتراف بأن «الحرية القتصادية التي يضمنها الدستور اللماني قد غدت في كثير من‬
‫الميادين الحياة القتصادية عبارة فارغة»‪ ،‬وبأنه في ظروف سيطرة البلوتوقراطية «تعجز حتى أوسع الحرية السياسية عن‬
‫انتقادنا من أن نغدو شعبا من أناس غير أحرار»(‪.)18‬‬
‫أمّا فيما يخص روسيا فنكتفي بمثل واحد‪ :‬منذ عدة سنوات نشرت جميع الجرائد خبرا مؤاده أن دافيدوف‪ ،‬مدير ديوان‬
‫التسليف‪ ،‬ترك الخدمة في دوائر الدولة ليستلم منصبا في بنك من البنوك الكبرى مقابل راتب يؤلف في بضع سنوات‪،‬‬
‫بموجب العقد‪ ،‬مبلغا يزيد على مليون روبل‪ .‬وديوان التسليف هو مؤسسة مهمتها «توحيد نشاط جميع مؤسسات التسليف‬
‫في الدولة» وتقدم لبنوك العاصمة إعانات بمبلغ يتراوح بين ‪ 800‬و ‪ 1000‬مليون روبل(‪.)19‬‬
‫من خواص الرأسمالية بوجه عام فصل ملكية الرأسمال عن توظيف الرأسمال في النتاج‪ ،‬فصل الرأسمال النقدي عن‬
‫الرأسمال الصناعي أو المنتج‪ ،‬فصل صاحب الدخل الذي يعيش فقط من عائد الرأسمال النقدي عن رب العمل وجميع‬
‫المشتركين مباشرة في التصرف بالرأسمال‪ .‬والمبريالية أو سيطرة الرأسمال المالي هي مرحلة الرأسمالية العليا التي يبلغ‬
‫فيها هذا الفصل مقاييس هائلة‪ .‬وهيمنة الرأسمال المالي على بقية أشكال الرأسمال تعني سيطرة صاحب الدخل والطغمة‬
‫المالية‪ ،‬تعني بروز عدد ضئيل من الدول التي تملك «البأس» المالي بين سائر الدول الخرى‪ .‬ويمكننا أن نتبين مدى نطاق‬
‫هذا السير من أرقام إحصاءات الصدار‪ ،‬أي اصدار مختلف أنواع الوراق المالية‪.‬‬
‫نشر أ‪ .‬نيمارك في «نشرة معهد الحصاء العالمي»(‪ )20‬أوسع المعلومات المقارنة وأكملها عن اصدار الوراق المالية في‬
‫العالم أجمع‪ ،‬أُعيد نشرها فقرات فيما بعد مرارا وتكرارا في الداب القتصادي‪ .‬وها هي نتائج أربعة عقود من السنين‪:‬‬
‫مبالغ الصدارات بمليارات الفرنكات في كل عقد من السنين‬
‫‪-1871‬‬
‫‪-1881‬‬
‫‪-1891‬‬
‫‪-1901‬‬

‫‪1880‬‬
‫‪1890‬‬
‫‪1900‬‬
‫‪1910‬‬

‫‪76.1‬‬
‫‪64.5‬‬
‫‪100.4‬‬
‫‪197.8‬‬

‫في سنوات العقد الثامن ارتفع مبلغ الصدار الجمالي في العالم كله بالقروض بوجه خاص وهي نتيجة للحرب الفرنسية‬
‫البروسية ولعهد الغروندير الذي تبعها في ألمانيا‪ .‬وبوجه الجمال لم تكن كبيرة نسبيا سرعة ازدياد مبلغ الصدار في‬
‫غضون العقود الثلثة الخيرة من القرن ‪19‬؛ ولكن الزيادة في غضون العقد الول من القرن ‪ 20‬كانت كبيرة جدا‪ ،‬نحو‬
‫الضعف خلل عشر سنوات‪ .‬وعلى ذلك كان مستهل القرن ‪ 20‬عهد انعطاف ليس فقط فيما يخص نمو الحتكارات‬
‫(الكارتيلت‪ ،‬السنديكات‪ ،‬تروستات) وهو ما سبق لنا الحديث عنه‪ ،‬بل وفيما يخص نمو الرأسمال المالي‪.‬‬
‫يقدر نيمارك المبلغ الجمالي للوراق المالية في العالم بنحو ‪ 815‬مليار فرنك في سنة ‪ .1910‬وقد طرح على وجه‬
‫التقريب المبلغ المكرر وخفض هذا المبلغ إلى ‪ 600-575‬مليار‪ .‬إليكم توزيعها على بلدان العالم (باعتبار المبلغ ‪600‬‬
‫مليار)‪:‬‬
‫مبلغ الوراق المالية في سنة ‪( 1910‬بمليارات الفرنكات)‪:‬‬
‫إنجلترا ‪142‬‬
‫الوليات المتحدة ‪132‬‬
‫فرنسا ‪110‬‬
‫ألمانيا ‪95‬‬
‫مجموع(‪479 )4‬‬
‫‪29‬‬

‫روسيا ‪31‬‬
‫النمسا‪-‬المجر ‪24‬‬
‫إيطاليا ‪14‬‬
‫اليابان ‪12‬‬
‫هولندا ‪12.5‬‬
‫بلجيكا ‪7.5‬‬
‫اسبانيا ‪7.5‬‬
‫سويسرا ‪6.25‬‬
‫الدانمارك ‪3.75‬‬
‫السويد‪ ،‬النروج‪ ،‬رومانيا وغيرها ‪2.5‬‬
‫المجموع ‪600‬‬
‫إن هذه الرقام‪ ،‬ويبدو ذلك لول وهلة‪ ،‬تبرز بوضوح البلدان الرأسمالية الربعة الغنية جدا والتي تملك كل واحدة منها على‬
‫وجه التقريب من ‪ 100‬إلى ‪ 150‬مليار مارك من الوراق المالية‪ .‬وثمة بلدان في هذه البلدان الربعة – إنجلترا وفرنسا‬
‫– هما أقدم البلدان الرأسمالية وأغناها بالمستعمرات كما سنرى ذلك؛ والبلدان الخران – الوليات المتحدة وألمانيا – هما‬
‫البلدان الكثر تقدما من حيث سرعة التطور ومن حيث درجة انتشار الحتكارات الرأسمالية في النتاج‪ .‬وتملك هذه البلدان‬
‫الربعة معا ‪ 479‬مليار فرنك أي حوالي ‪ %80‬من الرأسمال المالي العالمي‪ .‬ومعظم ما تبقى من العالم يقوم‪ ،‬لهذا الحد‬
‫أو ذاك‪ ،‬بدور المدين ودافع الخراج لهذه البلدان – صيارفة العالم‪« ،‬دعامات» الرأسمال المالي العالمي الربع‪.‬‬
‫وينبغي علينا أن نتناول بوجه خاص ذلك الدور الذي يلعبه تصدير الرأسمال في إنشاء شبكة التبعية والترابط العالمية‬
‫للرأسمال المالي‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪ )1‬ر‪ .‬هيلفردينغ «الرأسمال المالي» ‪ .‬موسكو‪ ،‬سنة ‪ ،1912‬ص ص ‪.339-338‬‬
‫(‪ ، R. Liefmann )2‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪.376‬‬
‫(‪Hans Gideon Heymann «Die gemischten Werke im deutschen )3‬‬
‫‪ GroBeisengewerbe». St., 1904‬ص ص ‪.269-268‬‬
‫(‪ ، ».R. Liefmann , «Beteiligungsges, etc )4‬ص ‪ 258‬الطبعة الولى‪، .‬‬
‫(‪ Schltze-Gaevernitz )5‬في «‪ ، Grdr. d. S - Oek.», V. 2‬ص ‪.110‬‬
‫(‪ L. Eschwege. «Tochtergesellschaften», «Die Bank», 1914.1 )6‬ص ‪545‬‬
‫(ل‪ .‬إيشفيغه‪« .‬الشركات البنات»‪ ،‬مجلة «البنك»‪ .‬الناشر)‬
‫‪30‬‬

Kurt Heinig. «Der Weg dfe Elektrotrustes», «Neue Zeit», 1912, 30 )7(
.‫ السنة الثلثين‬،1912 ‫ سنة‬،»‫ «الزمنة الحديثة‬،»‫ (كورت هينيغ «طريق تروست الكهرباء‬484 ‫ ص‬، .Jahrg
.)‫الناشر‬
E. Agahd.«GroBbanken und Weltmarkt. Die wirschaftliche und )8(
politische Bedeutung der GroBbanken im Weltmarkt unter
Berücksichtigung ihres Einflusses auf RuBlands Volkwswirtschaft und
die deutschsichtgung ihres Einflusses auf RuBlandes Volkswirtschaft
‫ آغادز «البنوك الكبرى‬.‫ (ي‬und die deutsch-russischen Beziehungen». Berl. 1914
‫ أهمية البنوك الكبرى اقتصاديا وسياسيا في السوق العالمية من وجهة نظر تأثيرها على القتصاد الوطني‬.‫والسوق العالمية‬
.)‫ الناشر‬.‫ برلين‬.»‫في روسيا وعلقات اللمانية الروسية‬
Lysis. Conrte l’oligarchie financière en France». 5 éd. P., 1908 pp. )9(
،1908 ‫ سنة‬،‫ باريس‬،‫ الطبعة الخامسة‬.»‫ «ضد الطغمة المالية في فرنسا‬.‫ليزيس‬.11, 12, 26, 39, 40, 48
)‫ الناشر‬،48 ،40 ،39 ،26 ،12 ،11 ‫ص ص‬
.Die Bank», 1913, N7, S. 630« )10(
W. Sombart. «Die deutsche ‫ و‬142 ‫ ص‬،‫ المؤلف المذكور‬، Stillich )11(
Volkswirtschaft im 19. Jahrhundert». 2 Aufl., 1909, S. 526, Anlage
‫ الملحق‬،526 ‫ ص‬،1909 ‫ سنة‬،‫ الطبعة الثانية‬.»‫ «القتصاد الوطني اللماني في القرن التاسع عشر‬.‫ زومبارت‬.‫(ف‬8
)‫ الناشر‬.8
.172 ‫ ص‬،»‫) «الرأسمال المالي‬12(
.51 ‫ ص‬،Liefmann ‫ و‬138 ‫ ص‬،‫ المؤلف المذكور‬،Stillish )13(
‫ نفس‬.»‫»(«المستنقع‬Die Bank» . 1913, S. 952, L. Eschwege. «Der Sumpf« )14(
.‫وما يليها‬223 ‫ ص‬1 ‫ مجلد‬، 1912 ‫ سنة‬،‫المصدر‬
.»‫ مجلة «البنك‬،»‫ («تروست النقل‬89 ‫ ص‬،Verkehrtrust», «Die Bank», 1914, 1« )15(
)‫الناشر‬
‫ مجلة‬،»‫ («الندفاع نحو البنك‬79 ‫ ص‬، Der Zug zur Bank», «Die Bank», 1909, 1« )16(
)‫ الناشر‬1909،1 »‫«البنك‬
31

‫(‪ Der Zug zur Bank», «Die Bank», 1909, 1« )17‬ص ‪.301‬‬
‫(‪ )18‬نفس المصدر‪ ،‬سنة ‪ ،2 ،1911‬ص ‪825‬؛ سنة ‪ ،2 ،1913‬ص ‪.962‬‬
‫(‪ ، E. Agahd )19‬ص ‪.202‬‬
‫(‪Bulltin de l’institut international de statistique. T. XIX, livr II La )20‬‬
‫‪(Haye, 1912‬نشرة معهد الحصاء العالمي‪ ،‬المجلد ‪ ،19‬الكتاب ‪ ،2‬لهاي‪ .‬الناشر) –معلومات عن الدول الصغيرة‪،‬‬
‫العمود الثاني‪ ،‬مأخوذة تقريبا حسب معدلت سنة ‪ ،1902‬مكبرة ‪%20‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫تصدير الرأسمال‬
‫كان تصدير البضائع الحالة النموذجية في الرأسمالية القديمة‪ ،‬حيث كانت السيادة التامة للمزاحمة الحرة‪ .‬وغدا تصدير‬
‫الرأسمال الحالة النموذجية في الرأسمالية الحديثة التي تسودها الحتكارات‪.‬‬
‫الرأسمالية هي النتاج البضاعي في مرحلة تطوره العليا التي تغدو فيها قوة العمل بضاعة كذلك‪ .‬واتساع التبادل في داخل‬
‫البلد ول سيما على الصعيد العالمي هو السمة الخاصة للرأسمالية‪ .‬إن تطور المشاريع والفروع الصناعية والبلدان بشكل‬
‫متفاوت وبطفرات هو أمر محتوم في عهد الرأسمالية‪ .‬في البدء غدت إنجلترا‪ ،‬قبل البلدان الخرى‪ ،‬بلدا رأسماليا‪ .‬وفي‬
‫أواسط القرن التاسع عشر‪ ،‬أخذت تدعي‪ ،‬وقد أقرت التجارة الحرة‪ ،‬بدور «مصنع العالم»‪ ،‬بدور مصدر المنتوجات الجاهزة‬
‫إلى جميع بلدان العالم التي كان ينبغي عليها أن تزودها بالخامات بالمقابل‪ .‬ولكن احتكار إنجلترا هذا قد أخذ يتزعزع منذ‬
‫الربع الخير من القرن التاسع عشر‪ ،‬لن عددا من البلدان الخرى قد صارت دول رأسمالية مستقلة‪ ،‬مدافعة عن نفسها‬
‫بالرسوم الجمركية «الوقائية»‪ .‬وفي عشية القرن العشرين نرى تشكل نوع آخر من الحتكارات‪ :‬أول‪ ،‬اتحادات رأسماليين‬
‫احتكارية في جميع بلدان الرأسمالية المتطورة؛ وثانيا‪ ،‬وضع احتكاري لبعض البلدان في منتهى الغنى بلغ فيها تراكم‬
‫الرأسمال مقاييس هائلة‪ .‬وقد حدث «فيض من الرساميل» ضخم في البلدان المتقدمة‪.‬‬
‫وبديهي أن مسألة فيض الرأسمال ما كانت لتطرح لو استطاعت الرأسمالية تطوير الزراعة المتأخرة الن عن الصناعة‬
‫تأخرا كبيرا في كل مكان‪ ،‬لو استطاعت الرأسمالية رفع مستوى معيشة جماهير السكان‪ ،‬المستوى الذي يبقى في كل مكان‬
‫متاخما للجوع والبؤس رغم التقدم التكنولوجي المذهل‪ .‬ول يترك نقاد الرأسمالية من صغار البرجوازيين مناسبة إلّ‬
‫ويعمدون فيها إلى ذكر هذه «الحجة»‪ .‬ولكن الرأسمالية‪ ،‬في هذه الحالة‪ ،‬ما كان لتكون رأسمالية‪ ،‬لن التفاوت في التطور‬
‫وانحطاط معيشة الجماهير إلى مستوى يتاخم الجوع هما شرطان وممهدان أساسيان ل بد منهما لسلوب النتاج هذا‪ .‬وما‬
‫ضلت الرأسمالية رأسمالية‪ ،‬ل يوجه فيض الرأسمال إلى رفع مستوى معيشة الجماهير في بلد معينة‪ ،‬لن ذلك يسفر عن‬
‫تخفيض أرباح الرأسماليين‪ ،‬بل يوجه إلى رفع الرباح عن طريق تصدير الرأسمال إلى الخارج‪ ،‬إلى البلدان المتأخرة‪.‬‬
‫والربح مرتفع في المعتاد في هذه البلدان المتأخرة‪ ،‬لن الرساميل قليلة وأسعار الرض منخفضة نسبيا والجور زهيدة‬
‫والخامات رخيصة‪ .‬وما ينشئ إمكانية تصدير الرأسمال هو وجود جملة من البلدان المتأخرة قد انجذبت إلى تيار الرأسمالية‬
‫أو بدئ بمدها وتهيأت فيها الظروف الولية لتطور الصناعة والخ‪ ..‬وتنشأ ضرورة تصدير الرأسمال عن واقع أن الرأسمالية‬
‫قد «نضجت جدا» في عدد ضئيل من البلدان وأن الرأسمالية (في ظروف تأخر الزراعة وبؤس الجماهير) ل يجد صعيدا‬
‫«رابحا» للتوظيف‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫وها هي الرقام التقريبية عن مقادير الرساميل التي وظفتها في الخارج ثلثة بلدان رئيسية‪)1(:‬‬
‫الرأسمال الموظف في الخارج‬
‫(بمليارات الفرنكات)‪.‬‬
‫سنوات إنجلترا فرنسا المانيا‬
‫‪- - 3.6 1862‬‬
‫‪- )1867( 10 15 1872‬‬
‫‪ )1880( 15 22 1882‬؟‬
‫‪ )1890( 20 42 1893‬؟‬
‫‪12.5 27-37 62 1902‬‬
‫‪44 60 75-100 1914‬‬
‫نرى من هذا الجدول أن تطور تصدير الرساميل لم يبلغ مقاييسه الهائلة إلّ في مستهل القرن العشرين‪ .‬وأن الرأسمال الذي‬
‫وظفته في الخارج البلدان الرئيسية الثلثة قد بلغ قبل الحرب مبلغا يتراوح بين ‪ 175‬و ‪ 200‬مليار فرنك‪ .‬وعائد هذا‬
‫المبلغ على أساس معدل متواضع قدره ‪ %5‬يتكون من ‪ 10-8‬مليارات فرنك في السنة‪ .‬وهو أساس مكين لظلم واستثمار‬
‫أكثرية أمم وبلدان العالم إمبرياليا وللطفيلية الرأسمالية لحفنة من الدول الثرية!‬
‫كيف توزع بين مختلف البلدان هذه الرساميل الموظفة في الخارج وأين توظف؟ جواب هذا السؤال ل يمكن أن يكون إلّ‬
‫تقريبيا ولكنه يوضح مع ذلك بعض ما للمبريالية الحديثة من علقات وصلت عامة‪:‬‬
‫قارات العالم الموزع بينها (بصورة تقريبية) الرأسمال المصدر (حوالي سنة ‪)1910‬‬
‫(بمليارات الماركات)‬
‫إنجلترا فرنسا ألمانيا المجموع‬
‫أوروبا ‪45 18 23 4‬‬
‫أمريكا ‪51 10 4 37‬‬
‫آسيا وإفريقيا وأستراليا ‪44 7 8 29‬‬
‫المجموع ‪140 35 35 80‬‬
‫بالنسبة لنجلترا تحتل مستعمراتها المقام الول‪ ،‬وهي كبيرة في أمريكا أيضا (كندا مثل) ناهيك عن آسيا وغيرها‪ .‬وتصدير‬
‫الرساميل في هذا النطاق الهائل يتصل أوثق اتصال هنا بالمستعمرات الهائلة التي سنتحدث فيما بعد عن أهميتها بالنسبة‬
‫للمبريالية‪ .‬ويختلف المر بالنسبة لفرنسا‪ .‬فإن رأسمالها المصدر موظف في أوروبا بصورة رئيسية وفي روسيا بالدرجة‬
‫الولى (ما ل يقل عن ‪ 10‬مليار فرنك)‪ ،‬وهو في معظمه رأسمال تسليفي‪ ،‬قروض للدولة‪ ،‬ل رأسمال نوظف في المشاريع‬
‫الصناعية‪ .‬وخلفا للمبريالية النجليزية القائمة على حيازة المستعمرات يمكن نعت المبريالية الفرنسية بالمبريالية‬
‫المرابية‪ .‬وفي ألمانيا نوع ثالث‪ :‬مستعمراتها ليست كبيرة ورأسمالها الموظف في الخارج موزع بالصورة القرب إلى‬
‫التساوي بين أوروبا وأمريكا‪.‬‬
‫إن تصدير الرساميل يؤثر على تطور الرأسمالية في البلدان التي يوجه إليها‪ ،‬معجل هذا التطور لقصى حد‪ .‬ولذا فإن هذا‬
‫التصدير إذا كان بإمكانه أن يفضي لدرجة معينة إلى بعض الركود في تطور البلدان المصدرة فهذا ل يمكن أن يحدث إلّ‬
‫مقابل اطراد تطور الرأسمالية سعة وعمقا في العالم بأسره‪.‬‬
‫والبلدان المصدرة للرأسمال تجد بصورة دائمة تقريبا إمكانية الحصول على «فوائد» معينة ذات طابع يلقي النور على‬
‫خصائص عهد الرأسمال المالي والحتكارات‪ .‬وإليكم مثل ما كتبه في أكتوبر سنة ‪ 1913‬مجلة «البنك» الصادرة في‬
‫برلين‪:‬‬
‫‪33‬‬

‫«إن مهزلة تستحق ريشة اريستوفان تعرض من أمد قريب في السوق المالية العالمية‪ .‬فثمة عدد كبير من الدول الجنبية‪،‬‬
‫من إسبانيا حتى البلقان ومن روسيا حتى الرجنتين والبرازيل والصين تتقدم من السواق المالية الكبرى علنا أو من وراء‬
‫ستار بطلب القروض وأحيانا بإلحاح شديد‪ .‬والحالة في السواق المالية ليست الن على ما يرام‪ ،‬والفاق السياسية ليست‬
‫وضاءة‪ .‬ولكن ما من سوق مالية تجرؤ على رفض منح القروض خوفا من أن يسبقها الجار ويوافق على منح القروض‬
‫ويضمن لنفسه في الوقت ذاته خدمات لقاء خدمات‪ .‬ولدى عقد الصفقات الدولية من هذا النوع‪ ،‬ينال الدائن في معظم‬
‫الحالت شيئا ما لمصلحته‪ :‬تنازل عند عقد معاهدة تجارية‪ ،‬مركزا من مراكز الفحم‪ ،‬بناء ميناء‪ ،‬امتيازا دسما أو توصية‬
‫على كمية من المدافع»(‪.)2‬‬
‫لقد أنشأ الرأسمال المالي عهد الحتكار‪ .‬والحتكارات تحمل معها في كل مبدأ الحتكار‪ :‬استغلل «العلقات» لعقد الصفقات‬
‫المفيدة يحل محل المزاحمة في السوق المفتوحة‪ .‬فمن المألوف جدا أن يشترط عند منح القرض إنفاق قسم منه على شراء‬
‫منتجات البلد الدائنة ولسيما السلحة والسفن وما شاكل ذلك‪ .‬فقد عمدت فرنسا إلى هذه الوسيلة مرارا وتكرارا خلل‬
‫العقدين الخيرين من السنين (‪ .)1910-1890‬لقد غدا تصدير الرساميل إلى الخارج وسيلة لتشجيع تصدير البضائع‬
‫إلى الخارج‪ .‬وفي هذا الحال تغدو الصفقات بين المشاريع الكبيرة جدا «متاخمة للرشوة» كما قال شيلدر(‪« )3‬بحذر»‪ .‬إن‬
‫كروب في ألمانيا وشنيدر في فرنسا وآرمسترونغ في انجلترا هم نموذج هذه الشركات المتصلة أوثق اتصال بالبنوك الكبرى‬
‫وبالحكومة التي ليس من السهل «تجنبها» عند عقد قرض‪.‬‬
‫ففرنسا التي منحت روسيا القروض قد «ضيقت» عليها في المعاهدة التجارية المعقودة في ‪ 16‬سبتمبر ‪ 1905‬واشترطت‬
‫بعض تنازلت حتى سنة ‪1917‬؛ وسلكت نفس السلوك في المعاهدة التجارية المعقودة مع اليابان في ‪ 19‬غشت‬
‫‪ .1911‬وقد كانت المزاحمة بين النمسا وفرنسا في أمر تزويد صربيا بالعتاد الحربي أحد أسباب الحرب الجمركية التي‬
‫دارت بين النمسا وصربيا من سنة ‪ 1906‬إلى سنة ‪ 1911‬باستثناء انقطاع استمر سبعة أشهر‪ .‬ففي يناير ‪1912‬‬
‫أعلن بول ديشانيل في مجلس النواب أن الشركات الفرنسية قد قدمت لصربيا من سنة ‪ 1908‬إلى سنة ‪ 1911‬عتادا‬
‫حربيا بمبلغ ‪ 45‬مليون فرنك‪.‬‬
‫وجاء في تقرير قنصل النمسا‪-‬المجر في سان باولو (البرازيل)‪« :‬يجري مد السكك الحديدية البرازيلية بمعظمه بالرساميل‬
‫الفرنسية والبلجيكية والبريطانية واللمانية؛ وهذه البلدان تشترط أثناء العمليات المالية المتصلة بمد السكك الحديدية أن‬
‫يعهد إليها بتقديم مواد البناء اللزمة لمد السكك الحديدية»‪.‬‬
‫وعلى هذه الصورة‪ ،‬ويمكننا أن نقول ذلك بالمعنى الحرفي للكلمة‪ ،‬يلقي الرأسمال المالي شباكه على جميع بلدان العالم‪.‬‬
‫وتلعب دورا هاما في هذا المر البنوك المؤسسة في المستعمرات وكذلك فروعها‪ .‬إن المبرياليين اللمان ينظرون بعين‬
‫الحسد إلى البلدان الستعمارية «القديمة»‪ ،‬التي ضمنت نفسها من هذه الناحية بصورة «موفقة» جدا‪ :‬ففي سنة ‪1904‬‬
‫كان لدى إنجلترا ‪ 50‬بنكا في المستعمرات لها ‪ 2279‬فرعا (وفي سنة ‪ 72 :1910‬بنكا لها ‪ 5449‬فرعا)؛ وكان‬
‫لدى فرنسا ‪ 20‬بنكا لها ‪ 136‬فرعا؛ ولدى هولنده ‪ 16‬بنكا لها ‪ 68‬فرعا‪ ،‬في حين لم يكن لدى ألمانيا «سوى» ‪13‬‬
‫بنكا لها ‪ 70‬فرعا(‪ .)4‬والرأسماليون المريكان يحسدون بدورهم الرأسماليون النجليز واللمان‪ .‬فقد رفعوا أصوات‬
‫الشكوى في سنة ‪« :1915‬في أمريكا الجنوبية ‪ 5‬بنوك ألمانية لها ‪ 40‬فرعا و ‪ 5‬بنوك انجليزية لها ‪ 70‬فرعا… وقد‬
‫وظفت إنجلترا وألمانيا خلل الخمس والعشرين سنة الخيرة في الرجنتين والبرازيل والورغواي نحو ‪ 4‬بليونات‬
‫(مليارات) دولر‪ ،‬وهما‪ ،‬بنتيجة ذلك‪ ،‬تتصرفان بـ ‪ %46‬من مجموع تجارة هذه البلدان الثلثة»(‪.)5‬‬
‫إن البلدان مصدرة الرساميل قد اقتسمت العالم فيما بينها بمعنى الكلمة المجازي‪ .‬غير أن الرأسمال المالي قد أفضى إلى‬
‫اقتسام مباشر للعالم‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪( Hobson. «Imperialism» L., 1902 ; p.58 )1‬هوبسون‪« ،‬المبريالية»‪ .‬الناشر)‪،Riesser .‬‬
‫‪34‬‬

‫المؤلف المذكور‪ ،‬ص ص ‪ 395‬و ‪404‬؛ ‪ P. Arndt‬في «‪Wetwirtschaftliches Archiv», Bd.‬‬
‫‪( 7, 1916, S. 35‬ب‪ .‬آرندت في «سجلت القتصاد العالمي»‪ ،‬مجلد ‪ ،7‬سنة ‪ ،1916‬ص ‪ 35‬الناشر)؛‬
‫‪ Neymarck‬في ‪( Bulletin‬نيمارك في النشرة‪ .‬الناشر)؛ هيلفردينغ‪« .‬الرأسمال المالي‪ ،‬ص ‪492‬؛ ‪Lloyd‬‬
‫‪( George‬لويد جورج‪ .‬الناشر)‪ ،‬خطاب في مجلس العموم في ‪ 4‬ماي ‪1915‬؛ «‪»Daily Telegraph‬‬
‫(«التلغراف اليومية»‪ .‬الناشر)‪ 5 ،‬ماي ‪1915‬؛ ‪B. Harms «Probleme der Weltwirtschft».‬‬
‫‪ .Jena, 1912, S. 235‬وغيرها (ب‪ .‬هارمس‪« .‬قضايا القتصاد العالمي»‪ .‬يينا‪ ،‬سنة ‪ ،1912‬ص ‪235‬‬
‫وغيرها‪ .‬الناشر)؛ ‪Dr. Siegmund Schilder. «Entwicklungstendenzen der‬‬
‫‪( Weltwirtschft» Berlin, 1912. Bd. 1 . S. 150‬الدكتور زيغموند شيلدر «اتجاهات تطور‬
‫القتصاد العالمي»‪ .‬برلين‪ ،‬سنة ‪ 1912‬مجلد ‪ ،1‬ص ‪ .150‬الناشر)؛ ‪George Paish. «Great‬‬
‫‪ »Britain’s Capital Investments etc‬في «‪Journal of the Royal Statistical‬‬
‫‪ .Society», vol. LXXIV‬سنتي ‪ ،1911-1910‬ص ‪ 167‬وما يليها (جورج بيش‪« .‬توظيف رساميل‬
‫بريطانيا العظمى الخ‪ ».‬في «مجلة جمعية الحصاء الملكية»‪ ،‬مجلد ‪ .74‬الناشر)؛ ‪George Diouritch.‬‬
‫‪«L’Expansion des banques allemandes à l’etranger, ses rapports avec‬‬
‫‪( le développement économique de l’Allemangne» P., 1909 p. 84‬جورج‬
‫ديوتش «توسع البنوك اللمانية في الخارج وعلقاته بالتطور القتصادي في ألمانيا»‪ .‬باريس‪ ،1909 ،‬ص ‪ .84‬الناشر)‬
‫(‪.Die Bank», 1913, 2, 1024-1025« )2‬‬
‫(‪ ،Schilder )3‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ص ‪.371 ،35 ،346‬‬
‫(‪ ،Riesser )4‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪ ،375‬الطبعة الرابعة و ‪ ، Diouritch‬ص ‪.283‬‬
‫(‪The Annales of the American Academy of Political and Social )5‬‬
‫‪( Science, vol LIX, May 1915, p. 301‬السجل السنوي لكاديمية العلوم السياسية والجتماعية‬
‫المريكية‪ ،‬المجلد ‪ ،59‬ماي ‪ ،1915‬ص ‪ .301‬الناشر)‪ .‬ونقرأ في المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪ ،331‬أن الخصائي المعروف‬
‫في الحصاء ‪( Paish‬بيش) قد كتب في العدد الخير من المجلة المالية «‪«( »Statist‬الحصائي»‪ .‬الناشر)‪ ،‬مقدمة‬
‫مبلغ الرأسمال الذي صدرته إنجلترا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولنده بـ ‪ 40‬مليار دولر‪ ،‬أي ‪ 200‬مليار فرنك‪.‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫اقتسام العالم بين اتحادات الرأسماليين‬
‫إن اتحادات الرأسماليين الحتكارية – الكارتيلت‪ ،‬السنديكات‪ ،‬التروستات – تقتسم فيما بينها بادئ ذي بدء السوق الداخلية‪،‬‬
‫مؤمنة لنفسها السيطرة على النتاج في بلد معينة بصورة مطلقة ما أمكن‪ .‬ولكن ل مناص للسوق الداخلية في عهد‬
‫الرأسمالية من أن ترتبط بالسوق الخارجية‪ .‬وقد أنشأت الرأسمالية السوق العالمية من أمد بعيد‪ .‬وكلما كان يزداد تصدير‬
‫الرأسمال وتتسع شتى أنواع العلقات بالخارج وبالمستعمرات وتتسع «مناطق نفوذ» التحادات الحتكارية الضخمة‪ ،‬كانت‬
‫المور تسير «بصورة طبيعية» في اتجاه التفاق العالمي بين هذه التحادات‪ ،‬في اتجاه تشكل الكارتيلت العالمية‪.‬‬
‫وهذه درجة جديدة في تمركز الرأسمال والنتاج على النطاق العالمي ودرجة أعلى من السابقة إلى ما ل قياس له‪ .‬فلنر كيف‬
‫‪35‬‬

‫يتشكل هذا الحتكار العلى‪.‬‬
‫إن الصناعة الكهربائية هي الصناعة الكثر نموذجية بالنسبة لحدث نجاحات التكنيك ولرأسمالية نهاية القرن التاسع عشر‬
‫ومستهل القرن العشرين‪ .‬وقد تطورت بوجه خاص في أرقى بلدين من البلدان الرأسمالية الجديدة – الوليات المتحدة‬
‫وألمانيا‪ .‬فقد كان لزمة سنة ‪ 1900‬في ألمانيا تأثير قوي جدا على اشتداد التمركز في هذا الميدان‪ .‬إن البنوك التي كانت‬
‫في ذلك الوقت قد التحمت بالصناعة لدرجة كافية قد عجلت وعمقت لقصى حد أثناء هذه الزمة خراب المشاريع الصغيرة‬
‫نسبيا وابتلعها من قبل الكبيرة‪ .‬وقد كتب ييدلس أن «البنوك قد كفت بالضبط عن مساعدة المشاريع التي كانت بأمس‬
‫الحاجة إلى المساعدة مسببة بذلك في بادئ المر نهضة عاصفة‪ ،‬ثم الفلس الكيد لتلك الشركات التي لم تكن على صلة‬
‫وثيقة بها»(‪.)1‬‬
‫وبنتيجة ذلك سار التمركز بعد سنة ‪ 1900‬بخطوات جبارة إلى المام‪ .‬فقد كان في الصناعة الكهربائية قبل سنة ‪1900‬‬
‫ثماني أو سبع «جماعات» تتألف كل منها من عدة شركات (مجموعها ثمان وعشرون شركة) وكانت كل جماعة تستند إلى‬
‫عدد من البنوك من ‪ 2‬إلى ‪ 11‬بنكا‪ .‬وحوالي سنوات ‪ 1912-1908‬اندمجت جميع هذه الجماعات في جماعتين أو‬
‫جماعة واحدة‪ .‬وقد تم هذا السير على النحو التالي‪:‬‬
‫الجماعات في الصناعة الكهربائية‪:‬‬

‫إن الشركة الشهيرة (‪( )AEG‬الشركة العامة للكهرباء) التي تضخمت على هذا الشكل‪ ،‬تهيمن على ‪ 200-175‬شركة‬
‫(على أساس نظام «الشتراك») وتتصرف برأسمال مجموعة يقرب من ‪ 1.5‬مليار مارك‪ .‬في أكثر من ‪ 10‬دول‪ .‬ومنذ‬
‫سنة ‪ 1904‬كانت الرساميل التي وظفتها الصناعة الكهربائية اللمانية في الخارج تقدر بـ ‪ 233‬مليون مارك منها ‪62‬‬
‫مليونا في روسيا‪ .‬وغني عن القول أن « الشركة العامة للكهرباء» هي عبارة عن مشروع هائل «مركب» – شركاته‬
‫الصناعية وحدها تبلغ ‪ – 16‬وتنتج مختلف أصناف المنتوجات من السلك والعازلت حتىالسيارات والطائرات‪.‬‬
‫ولكن التمركز في أوروبا كان كذلك جزءا ل يتجزأ من مجرى التمركز في أمريكا‪ .‬وهاكم كيف تم هذا السير‪:‬‬

‫وهكذا تشكلت «دولتان» كهربائيتان «ل توجد في الرض شركات كهربائية أخرى مستقلة عنهما بصورة تامة» كما كتب‬
‫هينيغ في مقاله «طريق تروست الكهرباء»‪ .‬أما فيما يخص مقادير عمليات هذين «التروستين» وحجم مشاريعهما فالرقام‬
‫التالية تعطي عن ذلك صورة وان كانت بعيدة عن أن تكون كاملة‪:‬‬
‫سنوات تداول البضائع (بمليين الماركات) عدد المستخدمين الربح الصافي (بمليير الماركات)‬
‫أمريكا «شركة الكهرباء العامة» (‪G.E.C) 1907 252 28000 35.4‬‬
‫‪45.6 32000 298 1910‬‬
‫ألمانيا‪« :‬الشركة العامة للكهرباء» (‪A.E.G) 1907 216 30700 14.5‬‬
‫‪21.7 60800 362 1911‬‬
‫وما أن حلت سنة ‪ 1907‬حتى عقد التروستان المريكي واللماني اتفاقية على تقاسم العالم‪ .‬المزاحمة تزول‪« .‬شركة‬
‫الكهرباء العامة» (‪« ).G.E.C‬تحصل» على الوليات المتحدة وكندا و«تنال» «الشركة العامة للكهرباء» (‪).A.E.G‬‬
‫ألمانيا والنمسا وروسيا وهولنده والدنمارك وسويسرا وتركيا والبلقان‪ .‬وقد عقدت اتفاقيات خاصة – سرية طبعا – بشأن‬
‫«الشركات البنات» التي تتغلغل في فروع صناعية جديدة وفي بلدان «جديدة» لم تقتسم رسميا بعد‪ .‬وقد تقرر تبادل‬
‫الختراعات والتجارب(‪.)2‬‬
‫ويدرك المرء بالبداهة مدى صعوبة مزاحمة هذا التروست الموحد العالمي في الواقع‪ ،‬الذي يتصرف برأسمال يبلغ عدة‬
‫‪36‬‬

‫مليارات والذي له «فروعه» ووكالته وعملؤه وعلقاته وهلم جرا في جميع أصقاع العالم‪ .‬ولكن اقتسام التروستين القويين‬
‫للعالم ل ينفي طبعا إعادة التقاسم إذا ما تبدلت نسبة القوى بنتيجة تفاوت التطور والحروب والفلسات وغير ذلك‪.‬‬
‫وصناعة البترول تعطي مثل بليغ الدللة على محاولة إعادة التقاسم هذه‪ ،‬على الصراع من أجل إعادة التقاسم‪.‬‬
‫فقد كتب ييدلس في سنة ‪ 1905‬أن «سوق البترول العالمية هي الن مقتسمة بين جماعتين ماليتين كبيرتين‪« :‬تروست‬
‫البترول» المريكي (‪ )Standard Oil C-y‬العائد لروكفلر وصاحبي النفط الروسي في باكو روتشيلد ونوبل‪.‬‬
‫والجماعتان على ترابط وثيق‪ ،‬ولكن احتكارهما مهدد منذ عدة سنوات من قبل خمسة أعداء»(‪ )1 :)3‬نفاد مصادر النفط‬
‫المريكية‪ )2 ،‬مزاحمة شركة مانتاشيف في باكو‪ )3 ،‬مصادر النفط في النمسا‪ ،‬و ‪ )4‬في رومانيا‪ )5 ،‬مصادر النفط فيما‬
‫وراء المحيطات ولسيما في المستعمرات الهولندية (شركة صموئيل وشل الغنية جدا والمرتبطة كذلك بالرأسمال النجليزي)‪.‬‬
‫والفئات الثلث الخيرة من المشاريع متصلة بالبنوك اللمانية الكبرى وعلى رأسها «البنك اللماني» الضخم‪ .‬وقد طورت‬
‫هذه البنوك بصورة مستقلة ومنتظمة صناعة النفط في رومانيا مثل لتكون «لها» نقطة ارتكاز‪ .‬ففي سنة ‪ 1907‬قدر‬
‫الرأسمال الجنبي في صناعة البترول الرومانية بـ ‪ 175‬مليون فرنك منها ‪ 74‬مليونا رأسمال ألمانيا(‪.)4‬‬
‫وقد ابتدأ الصراع الذي يسمونه في الدب القتصادي الصراع من أجل «تقاسم العالم»‪ .‬فمن جهة‪« ،‬تروست هبترول»‬
‫روكفلر‪ ،‬طمعا منه في الستيلء على كل شيء‪ ،‬قد أسس «شركة بنت» في هولنده نفسها وشرع يشتري مصادر النفط في‬
‫الهند الهولندية لينزل بهذا الشكل الضربة بعدوه الرئيسي‪ :‬التروست الهولندي النجليزي «شل»‪ .‬ومن الجهة الخرى‪،‬‬
‫«البنك اللماني» وغيره من البنوك البرلينية سعت لن «تحتفظ» «لنفسها» برومانيا وتوحدها مع روسيا ضد روكفلر‪ .‬وكان‬
‫لهذا الخير رساميل أكبر بما ل يقاس وتنظيم ممتاز لوسائل نقل البترول وإيصاله إلى المستهلكين‪ ،‬وكان على هذا الصراع‬
‫أن ينتهي وقد انتهى في سنة ‪ 1907‬بهزيمة ساحقة مني بها «البنك اللماني» الذي وجد نفسه أمام واحد من أمرين‪ :‬اما‬
‫أن يصفي «مصالحه البترولية» بخسارة تبلغ المليين وأمّا الخضوع‪ .‬وقد اختار الحل الخير وعقد مع «تروست البترول»‬
‫اتفاقية غير مفيذة جدا «للبنك اللماني»‪ .‬وبموجب هذه التفاقية تعهد «البنك اللماني» بأن «ل يتخذ أي تدبير يضر‬
‫بالمصالح المريكية»‪ ،‬هذا وقد استدرك بأن التفاقية تفقد مفعولها في حالة ما إذا صدر في ألمانيا قانون عن احتكار الدولة‬
‫للبترول‪.‬‬
‫وعندئذ بدأت «مهزلة البترول»‪ .‬فقد أخذ أحد ملوك المال اللمان‪ ،‬مدير «البنك اللماني» فون غفينر يشن عن طريق‬
‫سكرتيره الشخصي شتاوس حملة دعاية من أجل احتكار البترول‪ .‬وقد تحرك بكل ضخامته جهاز أكبر البنوك البرلينية بما له‬
‫من «علقات» واسعة‪ ،‬وبحت حناجر الصحف من الصرخات «الوطنية» ضد «نير» التروست المريكي‪ ،‬فاتخذ الريخستاغ في‬
‫‪ 15‬مارس ‪ ،1911‬بالجماع تقريبا‪ ،‬قرارا يدعو الحكومة إلى وضع مشروع قانون عن احتكار البترول‪ .‬وقد تشبثت‬
‫الحكومة بهذه الفكرة «الشعبية»؛ و«البنك اللماني» الذي أراد خداع زميله المريكي واصلح أحواله عن طريق احتكار‬
‫الدولة للبترول قد بدا كأنما ربح لعبته‪ .‬وقد أخذ لعاب ملوك البترول اللمان يسيل لتصور الرباح الفاحشة التي ل تقل عن‬
‫أرباح أصحاب معامل السكر الروس… ولكن البنوك اللمانية الكبرى قد اختصمت فيما بينها من أجل اقتسام الغنيمة ففضحت‬
‫«شركة الخصم» مطامع «البنك اللماني» الجشعة‪ ،‬هذا أول؛ وثانيا‪ ،‬خشيت الحكومة مغبة الصراع مع روكفلر‪ ،‬لنه كان من‬
‫المشكوك فيه جدا أن تحصل ألمانيا على البترول عن غير طريقه (ما دامت إنتاجية رومانيا ضعيفة)؛ وثالثا‪ ،‬جاء اعتماد‬
‫مليار مارك في سنة ‪ 1913‬لعداد ألمانيا للحرب‪ .‬وهكذا أجل مشروع الحتكار وخرج «تروست بترول» روكفلر من‬
‫الصراع ظافرا حتى حين‪.‬‬
‫وقد كتبت المجلة البرلينية «البنك» قائلة بهذا الصدد أن ألمانيا ل تستطيع النضال ضد «تروست البترول» إ ّل إذا أقامت‬
‫الحتكار على التيار الكهربائي وحولت طاقة الماء إلى كهرباء رخيصة‪ .‬واستطردت المجلة قائلة‪« :‬ولكن احتكار الكهرباء ل‬
‫يأتي إلّ عندما يحتاجه المنتجون‪ .‬أي بالضبط عندما تقف صناعة الكهرباء على عتبة إفلس كبير جديد‪ ،‬وعندما تصبح‬
‫عاجزة عن العمل بصورة رابحة المحطات الكهربائية الهائلة الغالية التي تشيدها الن في كل مكان «كونسرنات» الصناعة‬
‫الكهربائية الخاصة والتي تحصل لها هذه «كونسرنات» الن على بعض حقوق احتكارية من المدن والدويلت والخ‪ ..‬حينئذ‬
‫تظهر ضرورة الستفادة من طاقة المياه؛ ولكن لن يكون من الممكن تحويلها على حساب الدولة إلى كهرباء رخيصة‪،‬‬
‫وسيتأتى مرة أخرى اعطاؤها إلى «احتكار خاص تراقبه الدولة»‪ ،‬لن الصناعة الخاصة قد عقدت عدة صفقات وضمنت‬
‫لنفسها تعويضات كبرى… هكذا كان المر فيما يخص احتكار القلى؛ وهذا هو حال احتكار البترول‪ ،‬وسيكون كذلك حال‬
‫احتكار الكهرباء‪ .‬وقد حان لشتراكيي الدولة الذين تبهرهم المبادئ الخلبة أن يفهموا أخيرا أن الحتكارات في ألمانيا لم‬
‫‪37‬‬

‫تهدف ولم تفض في يوم إلى ما يعود بالنفع على المستهلكين أو حتى إلى اعطاء الدولة جزءا من أرباح أصحاب العمال‪،‬‬
‫بل كان هدفها على الدوام أن تشفي على حساب الدولة الصناعة الخاصة المطلقة على هاوية الفلس»(‪.)5‬‬
‫يضطر القتصاديون البرجوازيون اللمان إلى الدلء بمثل هذه العترافات القيمة‪ .‬وهي تظهر لنا بوضوح كيف تندمج‬
‫الحتكارات الخاصة واحتكارات الدولة في كل واحد في عهد الرأسمال المالي وان هذه وتلك ليست في الواقع إلّ حلقات في‬
‫سلسلة الصراع المبريالي بين كبار الحتكارات من أحل اقتسام العالم‪.‬‬
‫وفي ميدان الملحة التجارية أفضى اشتداد التمركز الهائل كذلك إلى اقتسام العالم‪ .‬وقد برزت في ألمانيا شركتان من كبريات‬
‫الشركات‪« :‬هامبورغ‪-‬أمريكا» و«لويد المانية الشمالية» ورأسمال كل منها ‪ 200‬مليون مارك‪ .‬ومن الجهة الخرى تأسس‬
‫في الول من يناير سنة ‪ 1903‬في أمريكا ما يسمى تروست مورغان‪« ،‬الشركة العالمية للملحة التجارية» التي تضم ‪9‬‬
‫من شركات الملحة المريكية والنجليزية وتتصرف برأسمال يبلغ ‪ 120‬مليون دولر (‪ 480‬مليون مارك)‪ .‬وفي سنة‬
‫‪ 1903‬نفسها عقدت بين العملقين اللمانيين وهذا التروست المريكي النجليزي اتفاقية بشأن تقاسم العالم بالتصال مع‬
‫تقاسم الرباح‪ .‬وقد تنازلت الشركتان اللمانيتان عن المزاحمة في الشحن بين انجلترا وأمريكا‪ .‬وقد «اقتسمت» الموانئ بدقة‬
‫وانشئت لجنة مشتركة للمراقبة وغير ذلك‪ .‬وعقدت التفاقية لمدة عشرين سنة وتضمنت تحفظا للحيطة ينص على أنها تفقد‬
‫مفعولها في حالة الحرب(‪.)6‬‬
‫وبليغ الدللة كذلك تاريخ تأسيس الكارتيل العالمي لقضبان السكك الحديدية‪ .‬فقد قامت معامل قضبان السكك الحديدية في‬
‫إنجلترا وبلجيكا وألمانيا بأول محاولة لنشاء هذا الكارتيل في سنة ‪ ،1884‬أثناء النحطاط الصناعي الشديد‪ .‬وقد اتفقت‬
‫على عدم المزاحمة في السواق الداخلية العائدة للبلدان التي تشملها التفاقية وعلى اقتسام السواق الخارجية فيما بينها‬
‫على أساس النسب المئوية التالية‪ %66 :‬لنجلترا و ‪ %27‬للمانيا و ‪ %7‬لبلجيكا‪ .‬وتركت الهند بأكملها لنجلترا‪ .‬وقد‬
‫شنت ضد شركة انجليزية بقيت خارج التفاقية حرب مشتركة سددت تكاليفها من نسب مئوية معينة من مجموع المبيعات‪.‬‬
‫ولكن هذا الحلف قد انهار في سنة ‪ 1886‬عندما خرجت منه شركتان إنجليزيتان‪ .‬وجدير بالذكر أن التفاقية لم تحصل‬
‫خلل مراحل النهضة الصناعية التي تلت‪.‬‬
‫في أوائل سنة ‪ 1904‬تأسس سينديكا الفولذ في ألمانيا‪ .‬وفي نوفمبر سنة ‪ 1904‬أعيد تأسيس الكارتيل العالمي‬
‫لقضبان السكك الحديدية بالمعدلت التالية‪ :‬إنجلترا ‪ ،%53.5‬ألمانيا ‪ ،%28.83‬بلجيكا ‪ .%17.67‬ثم انضمت إليه‬
‫فرنسا بمعدلت ‪ %4.8‬و ‪ %5.8‬و ‪ %6.4‬في السنوات الولى والثانية والثالثة إضاقة على ‪ 100‬بالمئة‪ ،‬أي من‬
‫حاصل ‪104.8‬بالمئة وهلم جرا‪ .‬وفي سنة ‪ 1905‬انضم إلى الكارتيل «تروست الفولذ» المريكي («الشركة العامة‬
‫للفولذ») ثم النمسا واسبانيا‪ .‬وقد كتب فوغلشتين في سنة ‪« :1910‬لقد تم اقتسام الرض الن‪ ،‬ولم يبق لكبار‬
‫المستهلكين‪ ،‬وبالدرجة الولى سكك حديد الدولة‪ ،‬إلّ أن يحيوا كالشاعر في سموات المشتري ما دام العالم قد اقتسم دون أن‬
‫يحسب لمصالحهم أي حساب»(‪.)7‬‬
‫ولنذكر أيضا سينديكا الزنك العالمي المؤسس في سنة ‪ 1909‬والذي حدد بصورة دقيقة مقاييس النتاج بين خمسة فرق‬
‫من المعامل‪ :‬اللمانية والبلجيكية والفرنسية والسبانية والنجليزية؛ ثم تروست البارود العالمي وهو‪ /‬حسب تعبير ليفمن‪،‬‬
‫«إتحاد وثيق على احدث طراز بين جميع مصانع المواد المتفجرة في ألمانيا اقتسم العالم فيما بعد‪ ،‬إذا جاز التعبير‪ ،‬بالتفاق‬
‫مع معامل الديناميت الفرنسية والمريكية المنظمة على شاكلته»(‪.)8‬‬
‫وقد حسب ليفمن بالمجموع في سنة ‪ 1897‬نحو ‪ 40‬كارتيل عالميا اشتركت فيها ألمانيا وفي سنة ‪ 1910‬نحو مائة‪.‬‬
‫إن بعض الكتاب البرجوازيين (الضين انضم إليهم الن كاوتسكي الذي ارتد بصورة تامة عن موقفه الماركسي‪ ،‬عن موقف‬
‫سنة ‪ 1909‬مثل) يقولون برأي مفاده أن الكارتيلت العالمية‪ ،‬وهي مظهر من أبرز مظاهر اكتساب الرأسمال للصيغة‬
‫العالمية‪ ،‬تبعث المل باستتباب السلم بين الشعوب في عهد الرأسمالية‪ .‬وهذا الرأي سخيف تماما من الناحية النظرية‪ ،‬وهو‬
‫من الناحية العملية عبارة عن سفسطة وطريقة غير شريفة للدفاع عن أرذل النتهازية‪ .‬فالكارتلت العالمية تبين الدرجة‬
‫التي بلغتها الن الحتكارات الرأسمالية والغرض الذي تتصارع من أجله اتحادات الرأسماليين‪ .‬وهذه الناحية الخيرة هي‬
‫المر الهم؛ إذ أنها هي وحدها التي تبين لنا مغزى الحداث التاريخي والقتصادي‪ ،‬لن شكل الصراع يمكنه أن يتغير وهو‬
‫‪38‬‬

‫يتغير على الدوام تبعا لسباب مختلفة طابعها خاص ومؤقت نسبيا‪ ،‬في حين أن كنه الصراع ل يمكن أن يتغيرا بحال ما بقيت‬
‫الطبقات‪ .‬ومن المفهوم أن من مصلحة البرجوازية اللمانية مثل‪ ،‬التي انضم إليها كاوتسكي في جوهر المر في محاكماته‬
‫النظرية (وسنتناول ذلك فيما بعد)‪ ،‬طمس فحوى الصراع القتصادي الراهن (اقتسام العالم) وإبرام هذا الشكل من أشكال‬
‫الصراع تارة وذلك تارة أخرى‪ .‬ويقترف كاوتسكي الخطأ نفسه‪ .‬ذلك لن القضية ليست قضية البرجوازية اللمانية طبعا‪ ،‬بل‬
‫قضية البرجوازية العالمية‪ .‬فالرأسماليون يقتسمون العالم ل لنهم فطروا على شر خاص‪ ،‬بل لن التمركز قد بلغ درجة‬
‫ترغب على ولوج هذا الطريق للحصول على الربح؛ هذا وهم يقتسمونه «حسب الرأسمال»‪« ،‬حسب القوة» – لنه ل توجد‬
‫وسيلة أخرى للتقاسم في ظل نظام النتاج البضاعي والرأسمالية‪ .‬ولكن نسبة القوى تتغير تبعا للتطور القتصادي‬
‫والسياسي؛ ولفهم الحداث الجارية ينبغي أن نفهم المسائل التي يحلها تغير نسبة القوى؛ أمّا مسألة ما إذا كان هذا التغير‬
‫اقتصاديا «صرفا» أو غير اقتصادي (عسكريا مثل) فهي مسألة ثانوية ل يمكنها أن تغير شيئا في الراء الساسية عن العهد‬
‫الحديث في الرأسمالية‪ .‬فالستعاضة عن مسألة فحوى الصراع والصفقات بين اتحادات الرأسماليين بمسألة شكل الصراع‬
‫والصفقات (وهو اليوم سلمي وغدا سلمي وبعد غد غير سلمي كذلك) يعني النحطاط إلى حضيض السفسطائيين‪.‬‬
‫إن عهد الرأسمالية الحديثة يبين لنا أن ثمة علقات تتكون بين اتحادات الرأسماليين على صعيد اقتسام العالم اقتصاديا وان‬
‫ثمة علقات تتكون بمحاذاة ذلك وتبعا لذلك بين التحادات السياسية‪ ،‬بين الدول‪ ،‬على صعيد اقتسام العالم إقليميا‪ ،‬على صعيد‬
‫الصراع من أجل المستعمرات‪« ،‬الصراع من أجل الرقاع القتصادية»‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪ )1‬ييدلس‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪.232‬‬
‫(‪ ، Riesser )2‬المؤلف المذكور؛ ‪ ، Diouritch‬المرلف المذكور؛ ص ‪239‬؛ ‪ ، Kurt Heining‬المقال‬
‫المذكور‪.‬‬
‫(‪ )3‬ييدلس‪ ،‬ص ص ‪.193-192‬‬
‫(‪ ، Diouritch )4‬ص ص ‪.246– 245‬‬
‫(‪Die Bank», 1912,2, 629, 1913, 1, 338« )5‬‬
‫(‪ ،Riesser )6‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ‪.125‬‬
‫(‪ ، »Vogelstein. «Organisatiosformen )7‬ص ‪.100‬‬
‫(‪ Liefmann. «Kartelle und Trusts», 2. A )8‬ص ‪.161‬‬

‫الفصل السادس‬
‫‪39‬‬

‫اقتسام العالم بين الدول الكبرى‬
‫يعطي الجغرافي أ‪ .‬سوبان في مؤلفه «اتساع أراضي مستعمرات أوروبا»(‪ )1‬النتيجة المختصرة التالية لهذا السير في نهاية‬
‫القرن التاسع عشر‪:‬‬
‫النسبة المئوية للراضي العائدة للدول الوروبية صاحبة المستعمرات (بما فيها الوليات المتحدة)‪:‬‬
‫سنة ‪ 1876‬سنة ‪ 1900‬الزيادة‬
‫في افريقيا ‪%79.6+ %90.4 %10.8‬‬
‫في بولينيزيا ‪%42.1+ %98.9 %56.8‬‬
‫في آسيا ‪%5.1+ %56.6 %51.5‬‬
‫في أوستراليا ‪- %100.0 %110.0‬‬
‫في أمريكا ‪%0.3- %27.2 %27.5‬‬
‫ويخلص سوبان إلى النتيجة التالية‪« :‬فالسمة المميزة لهذه المرحلة هي إذن اقتسام افريقيا وبولينيزيا»‪ .‬وبما أنه ل توجد‬
‫في آسيا وفي أمريكا اراض غير مشغولة‪ ،‬أي غير عائدة لدولة من الدول‪ ،‬ينبغي علينا أن نوسع استنتاج سوبان وأن نقول‬
‫أن السمة المميزة للمرحلة المذكورة هي القتسام النهائي للرض‪ ،‬ل بمعنى استحالة إعادة التقاسم‪ – ،‬فإعادة التقاسم هي‬
‫بالعكس أمر ممكن ومحتوم – بل بمعنى أن السياسة الستعمارية التي تمارسها الدول الرأسمالية قد انجزت الستيلء على‬
‫الراضي غير المشغولة في كوكبنا‪ .‬ولول مرة بدا العالم مقتسما بشكل ل يمكن معه في المستقبل إلّ إعادة التقاسم‪ ،‬أي‬
‫انتقال الراضي من «مالك» لخر‪ ،‬ل إنتقالها من حالة أراض ل مالك لها إلى ذات «مالك»‪.‬‬
‫فنحن نجتاز‪ ،‬إذن‪ ،‬عهدا خاصا من سياسة استعمارية عالمية مرتبطة أوثق ارتباط بـ«احدث درجة في تطور الرأسمالية»‪،‬‬
‫بالرأسمال المالي‪ .‬ولذا من الضروري أن نتناول قبل كل شيء الوقائع بالتفصيل لكي نتبين بما أمكن من الدقة ما يميز هذا‬
‫العهد عن العهود السابقة وكذلك وضع المور الراهن‪ .‬ويتبادر إلى الذهن هنا بادئ ذي بدء سؤالن عمليان‪ :‬هل يلحظ‬
‫اشتداد السياسة الستعمارية وتفاقم الصراع من أجل المستعمرات في عهد الرأسمال المالي بالضبط‪ ،‬وكيف اقتسم العالم من‬
‫هذه الناحية في الوقت الراهن‪.‬‬
‫يحاول الكاتب المريكي موريس في كتابه عن تاريخ الستيلء على المستعمرات(‪ )2‬تعميم المعلومات عن مساحة‬
‫مستعمرات إنجلترا وفرنسا وألمانيا في مختلف مراحل القرن التاسع عشر‪ .‬وها هي‪ ،‬باختصار‪ ،‬النتائج التي توصل إليها‪:‬‬
‫مساحة المستعمرات‬
‫سنوات إنجلترا فرنسا ألمانيا‬
‫المساحة (بمليين الميال المربعة) السكان (بالمليين) المساحة (بمليين الميال المربعة) السكان (بالمليين) المساحة‬
‫(بمليين الميال المربعة) السكان (بالمليين)‬
‫‪ 1815-1830‬؟ ‪- - 0.5 0.02 126.4‬‬
‫‪- - 3.4 0.2 145.1 2.5 1860‬‬
‫‪- - 7.5 0.7 267.9 7.7 1880‬‬
‫‪14.7 1.0 56.4 3.7 309.0 9.3 1899‬‬
‫إن مرحلة اشتداد الستيلء على المستعمرات اشتدادا هائل هي بالنسبة لنجلترا سنوات ‪ 1880-1860‬واشتداد‬
‫ملحوظا جدا في العقدين الخيرين من القرن التاسع عشر‪ ,‬ومرحلة الشتداد الهائل بالنسبة لفرنسا وألمانيا هي العقدين‬
‫الخيرين بالضبط‪ .‬وقد رأينا فيما تقدم أن رأسمالية ما قبل عهد الحتكار‪ ،‬رأسمالية سيادة المزاحمة الحرة قد بلغت أوج‬
‫تطورها في مرحلة سنوات ‪ .1880-1860‬وها نحن نرى الن أنه بعد هذه المرحلة بالضبط تبتدئ «النهضة» الكبرى‬
‫في الستيلء على المستعمرات ويحتدم للغاية وطيس الصراع من أجل اقتسام أراضي العالم‪ .‬ول مجال للشك إذن في أن‬
‫‪40‬‬

‫انتقال الرأسمالية إلى درجة الرأسمالية الحتكارية‪ ،‬إلى الرأسمال المالي‪ ،‬مرتبط باحتدام الصراع من أجل اقتسام العالم‪.‬‬
‫يشير هوبسون في مؤلفه عن المبريالية إلى مرحلة سنوات ‪ 1900-1883‬باعتبارها مرحلة اشتداد «توسع» الدول‬
‫الوروبية الرئيسية‪ .‬وبموجب حساباته‪ ،‬تملكت إنجلترا خلل هذا الوقت ‪ 3.7‬مليين ميل مربع يسكنها ‪ 57‬مليون نسمة؛‬
‫وفرنسا ‪ 3.6‬مليين ميل مربع يسكنها ‪ 36.5‬مليون نسمة؛ وألمانيا ‪ 1‬مليون ميل مربع يسكنها ‪ 14.8‬مليون نسمة‪،‬‬
‫وبلجيكا ‪ 900‬ألف ميل مربع يسكنها ‪ 30‬مليون نسمة؛ والبرتغال ‪ 800‬ألف ميل مربع يسكنها ‪ 9‬مليين نسمة‪ .‬إن‬
‫ركض جميع الدول الرأسمالية وراء المستعمرات في أواخر القرن التاسع عشر ولسيما منذ سنوات العقد التاسع هو واقع‬
‫يعرفه الجميع في تاريخ الديبلوماسية والسياسة الخارجية‪.‬‬
‫في أوج ازدهار المزاحمة الحرة في إنجلترا‪ ،‬وفي مرحلة سنوات ‪ ،1860-1840‬كان قادتها السياسيون البرجوازيون‬
‫ضد السياسة الستعمارية وكانوا يعتبرون المستعمرات وانفصالها التام عن إنجلترا أمرا محتوما ومفيدا‪ .‬ففي مقالة عن‬
‫«المبريالية النجليزية الحديثة»(‪ )3‬ظهرت في سنة ‪ 1898‬يشير م‪ .‬بير إلى أن رجل من رجال الدولة النجليزية يميل‬
‫عموما أشد الميل إلى المبريالية وهو ديسرائيلي قد قال في سنة ‪ 1852‬أن «المستعمرات هي أحجار طاحون في رقبتنا»‪.‬‬
‫في أواخر القرن التاسع عشر كان سيسيل رودس وجوزيف تشمبرلين بطلي الساعة في إنجلترا وكانت يبشران بالمبريالية‬
‫على المكشوف ويمارسان السياسة المبريالية بمنتهى القحة!‬
‫وجدير بالذكر أن قادة البرجوازية النجليزية السياسيين هؤلء كانوا في ذلك الحين يرون بوضوح العلقات بين جذور‬
‫المبريالية الحديثة القتصادية الصرف إن أمكن القول والجتماعية السياسية‪ .‬فقد كان تشمبرلين يروج بالمبريالية‬
‫باعتبارها «سياسة أصيلة‪ ،‬حكيمة‪ ،‬مقتصدة» مشيرا بصورة خاصة إلى المزاحمة التي تصادفها إنجلترا الن في السوق‬
‫العالمية من جانب ألمانيا وأمريكا وبلجيكا‪ .‬الخلص في الحتكار – هكذا كان يقول الرأسماليون وهم يؤسسون الكارتيلت‬
‫والسينديكات والتروستات‪ .‬الخلص في الحتكار – كان يردد زعماء البرجوازية السياسيون مسرعين إلى الستيلء على‬
‫أنحاء العالم التي لم تقتسم بعد‪ .‬وقد روى الصحفي ستيد أن صديقه الحميم سيسل رودس قد حدثه في سنة ‪ 1895‬عن‬
‫نظراته المبريالية بقوله‪« :‬كنت أمس في اليست أند (حي العمال في لندن) وحضرت اجتماعا من اجتماعات العمال‬
‫العاطلين‪ ،‬وقد سمعت هناك خطابات فظيعة كانت من أولها إلى آخرها صرخات‪ :‬الخبز! الخبز! وأثناء عودتي إلى البيت كنت‬
‫أفكر بما رأيت واقتنعت أوضح من السابق بأهمية المبريالية… إن الفكرة التي أصبو إليها هي حل المسألة الجتماعية‪،‬‬
‫أعني‪ :‬لكيما ننقذ أربعين مليونا من سكان المملكة المتحدة من حرب أهلية فتاكة ينبغي علينا نحن الساسة طلب‬
‫المستعمرات أن نستولي على أراض جديدة لنرسل إليها فائض السكان ولنقتني ميادين جديدة لتصريف البضائع التي تنتجها‬
‫المصانع والمناجم‪ .‬فالمبراطورية‪ ،‬وقد قلت ذلك مرارا وتكرارا‪ ،‬هي مسألة البطون‪ .‬فإذا كنتم ل تريدون الحرب الهلية‬
‫ينبغي عليكم أن تصبحوا امبرياليين»(‪.)4‬‬
‫هذا ما قاله في سنة ‪ 1895‬سيسيل رودس المليونير وملك المال والمسؤول الرئيسي عن الحرب النجليزية‪-‬البويرية؛‬
‫ولكن دفاعه عن المبريالية‪ ،‬وإن كان فظا وقحا‪ ،‬ل يختلف في الجوهر عن «نظرية» السادة ماسلوف‪ ،‬زوديكوم‪،‬‬
‫بوتريسوف‪ ،‬دافيد‪ ،‬ومؤسس الماركسية الروسية ومن على شاكلتهم‪ .‬فقد كان سيسيل روديس اشتراكيا‪-‬شوفينيا أشرف‬
‫قليل…‬
‫ولكيما نعطي صورة أقرب إلى الدقة ما أمكن عن تقاسم أراضي العالم وعن التغيرات التي حدثت في هذا الحقل خلل‬
‫العشرات الخيرة من السنين نستفيد من المعلومات التي أعطاها سوبان في مؤلفه المذكور حول مستعمرات جميع دول‬
‫العالم‪ .‬يأخذ سوبان سنتي ‪ 1876‬و ‪1900‬؛ ونحن نأخذ سنة ‪ ،1876‬إذ أنها نقطة أحسن اختيارها‪ ،‬لن تطور‬
‫رأسمالية أوروبا الغربية في عهد ما قبل الحتكار يمكن أن يعتبر قد إنتهى بالجمال وبوجه عام حول هذا التاريخ –ونأخذ‬
‫سنة ‪ 1914‬مستعيضين عن أرقام سوبان بأرقام أحدث مأخوذة عن «الجداول الجغرافية والحصائية» لهوبنز‪ .‬يكتفي‬
‫سوبان بالمستعمرات؛ ونحن نعتقد أن من المفيد – لتكتمل في مخيلتنا صورة تقاسم العالم – أن نضيف معلومات مختصرة‬
‫عن البلدان غير المستعمرة وعن أشباه مستعمرات التي نعتبر ضمنها بلد فارس والصين وتركيا‪ :‬فالولى قد غدت مستعمرة‬
‫بصورة تامة تقريبا‪ ،‬أمّا الثانية والثالثة فتتدحرجان إلى هذه النهاية‪.‬‬
‫ويكون الحاصل ما يلي (راجعوا ص ‪.)515‬‬
‫‪41‬‬

‫يبين لنا هذا الجدول بجلء كيف «انتهى» تقاسم العالم على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين‪ .‬فقد تضخمت مستعمرات‬
‫الدول الست الكبرى لحد هائل بعد سنة ‪ :1876‬أكثر من النصف‪ ،‬من ‪ 40‬إلى ‪ 65‬مليون كيلومتر مربع‪ .‬والزيادة تبلغ‬
‫‪ 25‬مليون كيلومتر مربع‪ ،‬أي بزيادة النصف عن مساحة البلدان مالكة المستعمرات (‪ 16.5‬مليون)‪ .‬وفي سنة ‪1876‬‬
‫لم يكن لدى ثلث دول أي مستعمرة‪ ،‬أمّا الرابعة‪ ،‬فرنسا‪ ،‬فلم يكن لديها مستعمرات تقريبا‪ .‬وفي سنة ‪ 1914‬كان لهذه‬
‫الدول الربع مستعمرات تبلغ مساحتها ‪ 14.1‬مليون كيلومتر مربع‪ ،‬أي مساحة تزيد عن مساحة أوروبا بنسبة تقارب‬
‫النصف ويبلغ عدد سكانها نحو ‪ 100‬مليون نسمة‪ .‬إن التفاوت في توسيع المستعمرات كبير جدا‪ .‬فإذا قارنا مثل فرنسا‬
‫وألمانيا واليابان التي ل تختلف كثيرا من حيث المساحة وعدد السكان وجدنا أن الولى في هذه البلدان قد اقتنت من‬
‫المستعمرات (من حيث المساحة) نحو ثلثة أضعاف ما اقتنته الثانية والثالثة مجتمعتين‪ .‬ولكن من حيث مقادير الرأسمال‬
‫المالي قد تكون فرنسا في بداية المرحلة المذكورة أغنى بعدة أضعاف أيضا من واليابان مجتمعتين ‪ .‬وعدا الظروف‬
‫القتصادية الصرف وعلى أساسها‪ ،‬تؤثر على اتساع مساحات المستعمرات الظروف الجغرافية وغيرها‪ .‬ورغم سعة الخطوة‬
‫التي خطتها خلل العقود الخيرة من السنين تسوية العالم والتقريب بين ظروف القتصاد والمعيشة في مختلف البلدان تحت‬
‫ضغط الصناعة الضخمة والتبادل والرأسمال المالي‪ ،‬ما زال الفرق على كل حال كبير‪ ،‬نلحظ بين الدول الست المذكورة‪ ،‬من‬
‫جهة‪ ،‬بلدانا رأسمالية فتية تقدمت بسرعة خارقة (أمريكا‪ ،‬ألمانيا‪ ،‬اليابان)؛ ومن جهة أخرى‪ ،‬بلدي التطور الرأسمالي القديم‬
‫اللذين كانا تقدمهما في الوقت الخير أبطأ جدا من تقدم البلدان النفة الذكر (فرنسا وإنجلترا)؛ ومن الجهة الثالثة‪ ،‬البلد‬
‫الكثر تأخرا من الناحية القتصادية (روسيا) الذي احيطت فيه المبريالبية الرأسمالية الحديثة‪ ،‬إن أمكن القول‪ ،‬بشبكة كثيفة‬
‫جدا من علقات عهد ما قبل الرأسمالية‬
‫مستعمرات الدول الكبرى‪( :‬بمليين الكيلومترات المربعة ومليين السكان)‬
‫المستعمرات المتروبولت المجموع‬
‫سنة ‪ 1876‬سنة ‪ 1914‬سنة ‪ 1914‬سنة ‪1914‬‬
‫مليون كيلومتر مليون نسمة مليون كيلومتر مليون نسمة مليون كيلومتر مليون نسمة مليون كيلومتر مليون نسمة‬
‫إنجلترا ‪440.0 33.8 46.5 0.3 393.5 33.5 251.9 22.5‬‬
‫روسيا ‪169.4 22.8 136.2 5.4 33.2 17.4 15.9 17.0‬‬
‫فرنسا ‪95.1 11.1 39.6 0.5 55.5 10.6 6.0 0.9‬‬
‫ألمانيا ‪77.2 3.4 64.9 0.5 12.3 2.9 - -‬‬
‫الوليات المتحدة ‪106.7 9.7 97.0 9.4 9.7 0.3 - -‬‬
‫اليابان ‪72.2 0.7 53.0 0.4 19.2 0.3 - -‬‬
‫المجموع لـ ‪ 6‬دول الكبرى ‪960.6 81.5 437.2 16.5 523.4 65.0 273.8 40.4‬‬
‫مستعمرات الدول الخرى (بلجيكا‪ ،‬هولندا وغيرهما) ‪45.3 9.9‬‬
‫أشباه المستعمرات (بلد فارس‪ ،‬الصين‪ ،‬تركيا) ‪361.2 14.5‬‬
‫البلدان الخرى ‪289.9 28.0‬‬
‫مجموع الرض ‪1657.0 133.9‬‬
‫وإلى جاني مستعمرات الدول الكبرى قد وضعنا المستعمرات غير الواسعة العائدة للدول الصغيرة‪ .‬وهذه المستعمرات هي‪ ،‬إن‬
‫أمكن القول الهدف المباشر «لتقاسم جديد» للمستعمرات ممكن ومحتمل‪ .‬وعلى الغلب ما كانت هذه الدول الصغيرة لتحتفظ‬
‫بمستعمراتها لو لم توجد بين الدول الكبرى تناقضات مصالح واحتكارات الخ‪ ،.‬تعيق اتفاقها على تقاسم الغنيمة‪ .‬أمّا فيما‬
‫يخص الدول «شبه المستعمرة» فهي مثل الشكال النتقالية التي تصادف في جميع ميادين الطبيعة والمجتمع فالرأسمال‬
‫المالي هو قوة كبرى ويمكننا أن نقول فاصلة في جميع العلقات القتصادية والدولية بحيث أن باستطاعتها أن تخضع‬
‫لنفسها وهي تخضع في الواقع حتى الدول التي تتمتع باستقللها السياسي الناجز؛ وسنرى الن المثل على ذلك‪ .‬ولكن من‬
‫البديهي أن ما يعطي الرأسمال المالي الوضع «الفضل» والنفع الكبر هو ذلك الخضوع الذي يتبع فقدان البلدان والشعوب‬
‫المستعبدة لستقللها السياسي‪ .‬والبلدان شبه البلدان والشعوب المستعبدة لستقللها السياسي‪ .‬والبلدان شبه المستعمرة هي‬
‫نموذجية باعتبارها «بين بين» في هذا المضمار‪ .‬ومن المفهوم أن الصراع من أجل هذه البلدان شبه التابعة كان لبدّ أن‬
‫يحتدم بصورة خاصة في عهد الرأسمال المالي ما دامت بقية العالم قد اقتسمت‪.‬‬
‫‪42‬‬

‫لقد وجدت سياسة الستيلء على المستعمرات ووجدت المبريالية قبل أن تبلغ الرأسمالية مرحلتها الحديثة وحتى قبل‬
‫الرأسمالية‪ .‬فروما القائمة على نظام العبودية كانت تمارس سياسة الستيلء على المستعمران وتحقق المبريالية‪ .‬ولكن‬
‫البحث «بصورة عامة» في المبريالية‪ ،‬مع نسيان أو استصغار شأن الفرق الجذري بين النظم الجتماعية القتصادية يؤول‬
‫حتما إلى هذر فارغ أو إلى تبجح من نوع المقارنة بين «روما العظمى وبريطانيا العظمى»(‪ ،)5‬فحتى السياسة الستعمارية‬
‫التي مارستها الرأسمالية في مراحلها السابقة تختلف اختلفا جوهريا عن سياسة الرأسمال المالي الستعمارية‪.‬‬
‫إن الخاصية الساسية في الرأسمالية الحديثة هي سيطرة التحادات الحتكارية التي يؤسسها كبار أصحاب العمال‪ .‬وهذه‬
‫الحتكارات هي أوطد ما تكون حين تتفرد بوضع يدها على جميع مصادر الخامات؛ وقد رأينا بأي اندفاع توجه اتحادات‬
‫الرأسماليين العالمية جهودها لكي تنتزع من الخصم كل إمكانية للمزاحمة ولكي تشتري مثل مطمورات الحديد أو حقول‬
‫النفط وهلم جرا‪ .‬وحيازة المستعمرات هي وحدها ما يعطي الحتكارات الضمانة التامة للنجاح ضد كل طوارئ الصراع مع‬
‫المنافس –حتى في حالة ما إذا رغب المنافس في الدفاع عن نفسه باستصدار قانون عن إقامة احتكار الدولة‪ .‬فكلما تقدمت‬
‫الرأسمالية في تطورها‪ ،‬وكلما بدا بصورة أوضح نقص الخامات وكلما استعرت المزاحمة واشتد الركض وراء مصادر‬
‫الخامات في العالم كله‪ ،‬احتدام الصراع من أجل حيازة المستعمرات‪.‬‬
‫وقد كتب شيلدر‪« :‬بالمكان أن نجرؤ على تأكيد قد يبدو للبعض غريبا‪ ،‬وهو أن نمو السكان المدنيين والصناعيين قد يصطدم‬
‫في مستقبل قريب لحد ما بعقبة نقص خامات الصناعة لحد أكبر جدا من نقص المواد الغذائية»‪ .‬وهكذا يشتد مثل نقص‬
‫الخشب الذي ترتفع أسعاره دون انقطاع والجلد والخامات اللزمة لصناعة النسيج‪« .‬تحاول اتحادات الصناعيين إيجاد توازن‬
‫بين الزراعة والصناعة في نطاق القتصاد العالمي كله‪ .‬وعلى سبيل المثال يمكن ذكر التحاد العالمي لجمعيات صناعة خيوط‬
‫القطن الذي وجد من سنة ‪ 1904‬في جملة من الدول الصناعية الكبرى والتحاد الوروبي لجمعيات صناعة خيوط الكتان‬
‫المؤسس على نفس الطراز في سنة ‪.)6(»1901‬‬
‫يحاول الصلحيون البرجوازيون وبينهم بوجه خاص الكاوتسكيون الحاليون أن يقللوا طبعا من أهمية هذا النوع من الوقائع‬
‫بقولهم أن «بالمكان» الحصول على الخامات في السوق الحرة بدون السياسة الستعمارية «ذات التكاليف الكبيرة‬
‫والخطيرة» وأن «باإمكان» زيادة عرض الخامات زيادة كبيرة «بمجرد» تحسين ظروف الزراعة بوجهه عام‪ .‬ولكن هذه‬
‫القاويل تغدو دفاعا عن المبريالية وتجميل لوجهها لنها قائمة على نسيان الخاصية الرئيسية في الرأسمالية الحديثة‪:‬‬
‫الحتكار‪ .‬تغيب السوق الحرة شيئا فشيئا في طيات الماضي‪ ،‬فالسينديكات والتروستات الحتكارية تبترها من يوم لخر؛ أمّا‬
‫«مجرد» تحسين ظروف الزراعة فينحصر في تحسين حالة الجماهير ورفع الجور وتقليل الرباح ‪ .‬ولكن هل توجد في غير‬
‫مخيلت الصلحيين دوي الكلمات المعسولة تروستات يمكنها ان تهتم بحالة الجماهير بدل من الستيلء على المستعمرات؟‬
‫ل يقصر الرأسمال المالي اهتمامه على مصادر الخامات المكتشفة وحدها‪ ،‬بل يهتم كذلك بمصادر الخامات المحتملة‪ ،‬لن‬
‫التكنيك يتقدم في أيامنا بسرعة ل يتصورها العقل؛ والراضي غير الصالحة اليوم قد تغدو صالحة غدا إذا أوجدت لذلك‬
‫طرائق جديدة (ولهذا الغرض يستطيع بنك من البنوك الكبرى تجهير بعثة خاصة من المهندسين والخبراء الزراعيين الخ‪).‬‬
‫وإذا أنفق رأسمال كبير‪ .‬والشيء نفسه فيما يخص التنقيب عن الثروات المعدنية والساليب الجديدة لتحضير هذه الخامات‬
‫أو تلك والستفادة منها الخ‪ ،.‬وهلم جرا‪ .‬ومن هنا ل مفر للرأسمال المالي من أن ينزع إلى توسيع أراضيه القتصادية‬
‫وحتى أراضيه بوجه عام‪ .‬وعلى غرار التروستات التي تقدر أملكها برأسمال منفوخ ضعفين أو ثلث أضعاف‪ ،‬حاسبة‬
‫الرباح «المحتملة» في المستقبل (ل الرباح الراهنة)‪ ،‬حاسبة نتائج الحتكار المقبلة‪ ،‬يطمح الرأسمال المالي بوجه عام إلى‬
‫الستيلء على أكثر ما يمكن من الراضي مهما كانت وحيثما كانت وبأية وسيلة كانت‪ ،‬آخذة بعين العتبار مصادر الخامات‬
‫المحتملة وخوفا من التأخر في الصراع المسعور من أجل قطعة من العالم غير المقتسم أو من أجل إعادة تقاسم القطع التي‬
‫تم تقسيمها‪.‬‬
‫يبذل الرأسماليون النجليز قصارى جهدهم لتطوير انتاج القطن في مستعمرتـهم مصر ففي سنة ‪ 1904‬زرع القطن في‬
‫‪ 0.6‬مليون هكتار من مجموع ‪ 2.3‬مليون هكتار من الراضي المزروعة‪ ،‬أي أكثر من الربع‪ .‬ويسير الرأسماليون‬
‫الروس على نفس النمط في مستعمرتـهم تركستان‪ .‬ذلك لن هذه الطريق تسهل لهم التغلب على مزاحميهم الجانب‪ ،‬تسهل‬
‫لهم الوصول إلى احتكار مصادر الخامات وإنشاء تروست للنسيج أكثر توفيرا وربحا ذي إنتاج «مركب» يركز في يد واحدة‬
‫جميع مراحل إنتاج ومعالجة القطن‪.‬‬
‫إن مصالح تصدير الرأسمال تدفع كذلك إلى الستيلء على المستعمرات‪ ،‬لن من السهل في أسواق المستعمرات (وأحيانا ل‬
‫‪43‬‬

‫يمكن إلّ فيها) إزاحة المزاحم بالطرق الحتكارية وتأمين الطلب وتوطيد «العلقات» اللزمة وهلم جرا‪.‬‬
‫إن البناء الفوقي غير القتصادي القائم على أساس الرأسمال المالي‪ ،‬سياسة وإيديولوجية هذا الخير –كل هذا يشدد السعي‬
‫إلى الستيلء على المستعمرات‪ .‬وقد صدق هيلفردينغ إذ قال‪« :‬إن الرأسمال المالي ل يريد الحرية‪ ،‬بل السيطرة»‪ .‬وقد قال‬
‫كاتب برجوازي فرنسي‪ ،‬وكأنه يطور ويكمل أفكار سيسيل رودس المذكورة أعله(‪ ،)7‬أنه ينبغي أن تضاف السباب‬
‫الجتماعية إلى السباب القتصادية التي تنشأ عنها السياسة الستعمارية الراهنة‪« :‬ونتيجة لشتداد تعقد الحياة والصعوبات‬
‫التي ل تضغط على جماهير العمال وحسب‪ ،‬بل وعلى الطبقات الوسطى‪ ،‬يتراكم في جميع بلدان المدنية القديمة «الضجر‬
‫والنقمات والحقاد مهددة المن العام؛ وطاقة خارجة عن مجراها الطبقي العادي ينبغي استخدامها‪ ،‬ينبغي تشغيلها في‬
‫الخارج لكيل يحدث انفجار في الداخل»(‪.)8‬‬
‫وما دمنا في معرض الحديث عن السياسة الستعمارية في عهد المبريالية الرأسمالية ينبغي أن نشير إلى أن الرأسمال‬
‫المالي والسياسة الدولية الملزمة له التي تتلخص في الصراع بين الدول الكبرى من أجل اقتسام العالم اقتصاديا وسياسيا‬
‫يخلقان جملة من أشكال انتقالية من تبعية الدول‪ .‬فما يميز هذا العهد ليس فقط الفريقان الساسيات من البلدان‪ :‬المالكة‬
‫للمستعمرات والمستعمرات‪ ،‬بل كذلك مختلف أشكال البلدان التابعة‪ ،‬المستقلة رسميا من الناحية السياسية والواقعة عمليا في‬
‫شباك التبعية المالية والديبلوماسية‪ .‬وقد سبق لنا أن أشرنا إلى شكل من هذه الشكال – البلدان شبه المستعمرة‪ .‬والرجنتين‬
‫مثل هي نموذج شكل آخر‪.‬‬
‫فقد كتب شولتزه‪-‬غيفيرنيتز في مؤلفه عن المبريالية البريطانية‪« :‬إن أمريكا الجنوبية ولسيما الرجنتين في حالة تبعية‬
‫مالية للندن لدرجة ينبغي نعتها بأنها تقريبا مستعمرة تجارية بريطانية»(‪ .)9‬واستنادا إلى تقارير قنصل النمسا‪-‬المجر في‬
‫بوينوس آيرس في سنة ‪ 1909‬قدر شيلدر الرساميل التي وظفتها إنجلترا في الرجنتين ‪ 8.75‬مليار فرنك‪ .‬ومن اليسير‬
‫على المرء أن يتصور مدى وثوق الصلت التي يكتسبها بحكم ذلك‪ ،‬الرأسمال المالي النجليزي – و«صديقته» الحميمة‪،‬‬
‫الديبلوماسية النجليزية – مع برجوازية الرجنتين وأوساطها القائدة لكامل حياتها القتصادية والسياسية‪.‬‬
‫والبرتغال مع استقللها السياسي تعطينا مثل لشكل من أشكال التبعية المالية والديبلوماسية يختلف بعض الشيء‪ .‬البرتغال‬
‫هي دولة مستق‬
‫لة ذات سيادة‪ ،‬ولكنها في الواقع تحت الحماية البريطانية منذ أكثر من ‪ 200‬سنة‪ ،‬من زمن الحرب من أجل العرش‬
‫السباني (‪ .)1714-1701‬فقد دافعت إنجلترا عنها وعن مستعمراتها بقصد توطيد موقعها في الصراع ضد خصميها‪،‬‬
‫اسبانيا وفرنسا‪ .‬وقد حصلت إنجلترا في المقابل على منافع تجارية وعلى أفضل الشروط لتصدير البضائع ول سيما‬
‫الرساميل إلى البرتغال ومستعمراتها وعلى امكانية الستفادة من موانئ وجزر البرتغال وخطوطها التليغرافية والخ‪ ،.‬وهلم‬
‫جرا(‪ .)10‬وهذا النوع من العلقات قد وجد على الدوام بين الدول الكبرى والصغرى‪ ،‬ولكنه في عهد المبريالية الرأسمالية‬
‫يغدو نظاما عاما ويكون جزءا من مجموع علقات «تقاسم العالم»‪ ،‬ويصبح حلقات في سلسلة عمليات الرأسمال المالي‬
‫العالمي‪.‬‬
‫ولكي ننتهي من مسألة تقاسم العالم ينبغي علينا أن نشير كذلك إلى ما يلي‪ .‬إن الدب المريكي والدب النجليزي لم يكونا‬
‫الوحيدين اللذين طرحا هذه المسألة بكل صراحة ووضوح بعد الحرب السبانية المريكية والحرب النجليزية البويرية في‬
‫نهاية القرن التاسع عشر‪ .‬والدب اللماني الذي كان يراقب «المبريالية البريطانية» بكل «غيرة» لم يكن كذلك الوحيد الذي‬
‫بحث هذا الواقع بصورة مستمرة‪ .‬فقد طرحت هذه المسألة كذلك في الدب البرجوازي الفرنسي بشكل جلي واسع بمقدار ما‬
‫يمكن تصور ذلك من وجهة النظر البرجوازية‪ .‬فلنستشهد بالمؤرخ دريو الذي كتب في مؤلفه‪« :‬القضايا السياسية‬
‫والجتماعية في نهاية القرن التاسع عشر» في فصل «الدول الكبرى وتقاسم العالم»‪« :‬في غضون السنوات الخيرة احتلت‬
‫دول أوروبا وأمريكا الشمالية جميع البقاع الشاغرة في العالم باستثناء الصين‪ .‬وقد جرت على هذا الصعيد عدة منزاعات‬
‫وتبدلت لمناطق النفوذ هي نذير انفجارات أفظع في المستقبل القريب‪ .‬إذ أنه تنبغي السرعة‪ :‬فالمم التي لم تؤمن نفسها من‬
‫هذه الناحية مهددة بعدم الحصول أبدا على حصتها وبعدم الشتراك في استثمار الكرة الرضية‪ ،‬هذا الستثمار الهائل الذي‬
‫سيكون واقعا من الوقائع الساسية في القرن المقبل (أي العشرين)‪ .‬ولهذا السبب استولت على أوروبا وأمريكا جميعهما في‬
‫الوقت الخير حمى توسيع المستعمرات‪ ،‬حمى المبريالية«‪ ،‬التي هي أبرز السمات المميزة لواخر القرن التاسع عشر»‬
‫ويستطرد المؤلف‪« :‬في هذا التقاسم للعالم‪ ،‬في هذا الركض المسعور وراء الكنوز وكبريات أسواق الرض ل يوجد أي‬
‫تناسب على الطلق بين القوة النسبية للمبراطوريات المؤسسة في هذا القرن‪ ،‬التاسع عشر‪ ،‬وبين المكان الذي تحتله في‬
‫‪44‬‬

‫أوروبا المم التي أسستها‪ .‬فالدول المهيمنة في أوروبا والمتصرفة بمصائرها ليست مهيمنة في العالم بالقدر نفسه‪ .‬ولما‬
‫كانت سعة المستعمرات‪ ،‬والمل بالحصول على ثروات ل تزال مجهولة‪ ،‬سيجدان دون شك تأثيرهما منعكسا على قوة الدول‬
‫الوروبية النسبية‪ ،‬فإن مسألة المستعمرات – «المبريالية» إن شئتم – التي قد غيرت الظروف السياسية في أوروبا نفسها‬
‫ستغيرها بحكم ذلك أكثر فأكثر»(‪.)11‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪A. Supan. «Die territoriale Entwicklung der europäischen )1‬‬
‫‪ ، .Kolonien». 1906‬ص ‪( 254‬أ‪ .‬سوبان‪« .‬اتساع أراضي مستعمرات أوروبا» الناشر)‬
‫(‪Henry C. Morris. «The History of Colonization». N.Y., 1900 vol. II, )2‬‬
‫‪( pp, 88; I, 419; II, 304‬هنري ك‪ .‬موريس‪« .‬تاريخ الستيلء على المستعمرات»‪ .‬نيويورك‪ ،‬سنة ‪،1900‬‬
‫المجلد ‪ ،2‬ص ‪88‬؛ ‪419 ،1‬؛ ‪ .304 ،1‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪.Die Neue Zeit», XVI, I, 1898, S. 302« )3‬‬
‫(‪.Die Neue Zeit», XVI, I, 1898, S. 304« )4‬‬
‫(‪( .C. P. Lucas. «Greater Rpme and Greater Britain». Oxf., 1912 )5‬ك‪ .‬ب‪.‬‬
‫لوكاس‪« .‬روما العظمى وبريطانيا العظمى» أوكسفورد‪ ،‬سنة ‪ .1912‬الناشر)‪ .‬أو ‪Earl of Cromer.‬‬
‫‪( .«Ancient and moderne Imperialism».L. 1910‬الكونت كرومير‪« .‬المبريالية القديمة‬
‫والحديثة»‪ .‬لندن‪ ،‬سنة ‪ 1910‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ ،Schilder )6‬المؤلف المذكور‪ ،‬ص ص ‪.42-38‬‬
‫(‪ )7‬راجعوا هذا الكتاب‪ ،‬ص ‪ .512‬الناشر‬
‫(‪( »Wahl. «La France aux colonies )8‬فال‪« .‬فرنسا في المستعمرات»‪ .‬الناشر)‪ ،‬نقل عن ‪Henry‬‬
‫‪( Russier. «Le Partage de l’Océanie». P., 165‬هنري روسيه‪« .‬تقاسم أوقيانيا»‪ .‬باريس‪،‬‬
‫سنة ‪ ،1905‬ص ‪ .165‬الناشر)‬
‫(‪Schulze-Gaevernitz. «Britischer Imperialismus und englischer )9‬‬
‫‪ ، .Freihandel zu Beginn des 20-ten Jahrhunderts» Lpz. 1906‬ص ‪318‬‬
‫(شولتزه‪-‬غيفيرنيتز‪« .‬المبريالية البريطانية والتجارة النجليزية الحرة في أوائل القرن العشرين»‪ .‬ليبزيغ‪ ،‬سنة ‪.1916‬‬
‫الناشر)‪ .‬والشيء نفسه ‪Sartorius v. Waltershausen. «Das volkswirtschaftliche‬‬
‫‪( System der Kapitlanlage im Auslande». Berlin, 1907. S. 46‬سارتوريس فون‬
‫‪45‬‬

‫فالترسهاوزن‪« .‬النظام القتصادي لتوظيف الرأسمال في الخارج»‪ .‬برلين‪ ،‬سنة ‪ ،1907‬ص ‪ .46‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪ )10‬شيلدر‪ ،‬المؤلف المذكور‪ ،‬مجلد ‪ ،1‬ص ص ‪.161-160‬‬
‫(‪ ، J-E Driault. «Prodlèmes politiques et sociaux». P., 1900 )11‬ص ‪299‬‬
‫(ج‪-.‬ي‪ .‬دريو‪« .‬القضايا السياسية والجتماعية»‪ .‬باريس‪ .‬الناشر)‬

‫الفصل السابع‬
‫المبريالية مرحلة خاصة في الرأسمالية‬
‫ينبغي علينا الن أن نحاول استخلص بعض النتائج‪ ،‬تعميم ما قلناه فيما تقدم عن المبريالية‪ .‬لقد نشأت المبريالية‬
‫باعتبارها تطورا واستمرارا مباشرا لما فطرت عليه الرأسمالية بوجه عام من خصائص أساسية‪ .‬ولكن الرأسمالية لم تصبح‬
‫إمبريالية رأسمالية إلّ عندما بلغت في تطورها درجة معينة‪ ،‬عالية جدا‪ ،‬عندما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص‬
‫خصائص الرأسمالية‪ ،‬عندما تكونت وظهرت على طوال الجبهة كلها سمات مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى نظام اقتصادي‬
‫اجتماعي أعلى‪ .‬والمر الساسي في هذا السير هو من الناحية القتصادية حلول الحتكارات الرأسمالية محل المزاحمة الحرة‬
‫الرأسمالية‪ .‬فالمزاحمة الحرة هي أخص خصائص الرأسمالية والنتاج البضاعي بوجه عام؛ والحتكار هو نقيض المزاحمة‬
‫الحرة المباشرة‪ ،‬ولكن هذه الخيرة أخذت تتحول أمام عيوننا إلى احتكار‪ ،‬منشئة النتاج الضخم ومزيحة النتاج الصغير‪،‬‬
‫ُمحِلّة الضخم محل الضخم‪ ،‬دافعة تمركز النتاج والرأسمال إلى درجة نشأت وتنشأ عنها الحتكارات‪ :‬الكارتيلت‬
‫والسينديكات والتروستات والرأسمال المندمج فيها لنحو عشرة من البنوك التي تتصرف بالمليارات‪ .‬وفي الوقت نفسه ل‬
‫تزيل الحتكارات المزاحمة الحرة التي نشأت عنها‪ ،‬بل تعيش فوقها وإلى جانبها‪ ،‬مولدة لهذا السبب جملة من التناقضات‬
‫والحتكارات والنزاعات في منتهى الشدة والقوة‪ .‬فالحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى‪.‬‬
‫ولئن كانت هنالك ضرورة لتعريف المبريالية تعريفا غاية في اليجاز‪ ،‬ينبغي أن يقال‪ :‬المبريالية هي الرأسمالية في مرحلة‬
‫الحتكار‪ .‬ومثل هذا التعريف يضم المر الرئيسي‪ ،‬لن الرأسمال المالي هو رأسمال بضعة من البنوك الحتكارية الكبرى‬
‫اندمج في رأسمال اتحادات الصناعيين الحتكارية‪ ،‬هذا من جهة؛ ومن الجهة الخرى‪ ،‬إن تقاسم العالم هو إنتقال من سياسة‬
‫استعمارية تشمل دون عائق أقطارا لم تستول عليها بعد أية دولة رأسمالية إلى سياسة استعمارية تقوم على احتكار حيازة‬
‫بقاع الرض المقتسمة بأكملها‪.‬‬
‫ولكن التعاريف الموجزة للغاية وإن كانت ملئمة لنها تلخص المر الرئيسي‪ ،‬ل تكفي مع ذلك ما دامت ثمة حاجة لتستخلص‬
‫منها سمات في منتهى الهمية تصف الظاهرة التي ينبغي تعريفها‪ .‬ولذلك‪ ،‬ودون أن ننسى أن جميع التعاريف بوجه عام هي‬
‫ذات طابع شرطي نسبي وأنها ل تستطيع أبدا أن تشمل جميع وجوه علقات ظاهرة في حالة تطورها الكامل‪ ،‬ينبغي إعطاء‬
‫المبريالية تعريفا يشمل علماتها الخمس الساسية التالية‪ )1 :‬تمركز النتاج والرأسمال تمركزا بلغ في تطوره حدا من‬
‫العلو أدى إلى نشوء الحتكارات التي تلعب الدور الفاصل في الحياة القتصادية؛ ‪ )2‬إندماج الرأسمال البنكي والرأسمال‬
‫الصناعي ونشوء الطغمة المالية على أساس «الرأسمال المالي» هذا؛ ‪ )3‬تصدير الرأسمال‪ ،‬خلفا لتصدير البضائع‪ ،‬يكتسب‬
‫أهمية في منتهى الخطورة؛ ‪ )4‬تشكيل اتحادات رأسماليين احتكارية عالمية تقتسم العالم؛ و ‪ )5‬انتهى تقاسم الرض إقليميا‬
‫فيما بين كبريات الدول الرأسمالية‪ .‬فالمبريالية هي الرأسمالية في مرحلة من التطور تكونت فيها سيطرة الحتكارات‬
‫والرأسمال المالي واكتسب تصدير الرأسمال أهمية كبرى وابتدأ تقاسم العالم بين التروستات العالمية وانتهى تقاسم الرض‬
‫كلها إقليميا بين كبريات البلدان الرأسمالية‪.‬‬
‫وسنرى فيما بعد كيف يمكن ويجب تعريف المبريالية تعريفا آخر إذا لم تؤخذ بعين العتبار فقط المفاهيم الساسية‪،‬‬
‫القتصادية الصرف (التي يقتصر عليها التعريف المذكور)‪ ،‬بل كذلك المكان الذي تحتله في التاريخ المرحلة الراهنة في‬
‫الرأسمالية بالنسبة للرأسمالية بوجه عام أو علقة المبريالية والتجاهين الساسيين في حركة العمال‪ .‬وينبغي أن نشير الن‬
‫‪46‬‬

‫إلى أن المبريالية بالمفهوم المذكور هي دون شك عبارة عن مرحلة خاصة في تطور الرأسمالية‪ .‬ولكي نمكن القارئ من‬
‫تكوين فكرة عن المبريالية معللة أكثر ما يكون‪ ،‬سعينا قصدا وعمدا إلى إيراد أكثر ما يمكن من آراء القتصاديين‬
‫البرجوازيين المضطرين إلى العتراف بوقائع القتصاد الرأسمالي الحديث الثابتة التي ل يمكن الشك فيها بحال‪ .‬وللغرض‬
‫نفسه ذكرنا إحصاءات مفصلة تمكن من تبين الحد الذي بلغه نمو الرأسمال البنكي الخ‪ ،.‬من تبين المر الذي تجلى فيه‬
‫بالضبط تحول الكمية إلى كيفية‪ ،‬تحول الرأسمالية المتطورة إلى إمبريالية‪ .‬وغني عن القول طبعا أن جميع الحدود في‬
‫الطبيعة والمجتمع شريطة ومتحركة وأن من السخافة النقاش مثل حول تعيين العام أو العقد الذي تم فيه «بصورة نهائية»‬
‫قيام المبريالية‪.‬‬
‫ولكن النقاش حول تعريف المبريالية أمر ل مناص منه بالدرجة الولى مع كاوتسكي‪ ،‬النظري الماركسي الرئيسي في عهد‬
‫ما يسمى بالممية الثانية‪ ،‬أي في السنوات الـ ‪ 25‬الممتدة من سنة ‪ 1889‬إلى سنة ‪ .1914‬لقد عارض كاوتسكي‬
‫بكل حزم في سنة ‪ 1915‬وحتى في نوفمبر سنة ‪ 1914‬الفكار الساسية التي تضمنها تعريفنا للمبريالية‪ ،‬معلنا أنه ل‬
‫ينبغي أن يفهم من المبريالية «مرحلة» أو درجة بلغها القتصاد‪ ،‬بل سياسة‪ ،‬سياسة معينة «يفضلها» الرأسمال المالي وأنه‬
‫ل يصح اعتبار المبريالية و«الرأسمالية الحديثة» «شيئا واحدا»‪ ،‬وأنه إذا فهم المرء أن المبريالية تعني «جميع ظواهر‬
‫الرأسمالية الحديثة» – الكارتيلت‪ ،‬الحماية‪ ،‬سيطرة الماليين‪ ،‬السياسة الستعمارية – عندئذ تؤول مسألة ضرورة المبريالية‬
‫بالنسبة للرأسمالية إلى «تكرار ركيك» إذ انه في هذه الحالة «تكون المبريالية بالبداهة ضرورة حيوية للرأسمالية» والخ‪..‬‬
‫ونحن نعرب عن فكرة كاوتسكي بأكثر ما يمكن من الدقة إذا ما ذكرنا تعريفه للمبريالية‪ ،‬التعريف الموجه مباشرة ضد‬
‫جوهر الفكار التي لخصناها (لن العتراضات الصادرة عن معسكر الماركسيين اللمان الذين ظلوا يروجون بمثل هذه‬
‫الفكار خلل سنوات عديدة معروفة لكاوتسكي من زمن بعيد باعتبارها اعتراضات تيار معين في الماركسية)‪.‬‬
‫وينص تعريف كاوتسكي‪:‬‬
‫«المبريالية هي نتاج الرأسمالية الصناعية العالية التطور‪ .‬وهي تتلخص بنزوع كل أمة رأسمالية صناعية إلى أن تلحق‬
‫بنفسها أو أن تخضع لنفسها المزيد والمزيد من البقاع الزراعية (حرف التشديد لكاوتسكي) بصرف النظر عن المم التي‬
‫تقطنها»(‪.)1‬‬
‫وهذا التعريف ل يساوي قلمة ظفر‪ ،‬لنه يبرز بشكل وحيد الجانب‪ ،‬أي بصورة كيفية‪ ،‬المسألة القومية وحدها (وإن كانت‬
‫في منتهى الهمية بحد ذاتها أو في علقتها بالمبريالية) ويربطها بصورة كيفية وغير صحيحة بالرأسمال الصناعي وحده‬
‫في البلدان التي تلحق المم الخرى ولنه يبرز بنفس الصورة الكيفية وغير الصحيحة إلحاق البقاع الزراعية‪.‬‬
‫المبريالية هي نزوع إلى اللحاق – هذا ما ينحصر فيه القسم السياسي من تعريف كاوتسكي‪ .‬وهو صحيح‪ ،‬ولكنه ناقص كل‬
‫النقص‪ ،‬أن المبريالية من الناحية السياسية هي بوجه عام نزوع إلى العنف والرجعية‪ .‬بيد أن ما يهمنا من المر هنا هو‬
‫ناحيته القتصادية التي أدرجها كاوتسكي نفسه في تعريفه هو‪ .‬إن مواطن الخطأ في تعريف كاوتسكي تفقأ العين‪ .‬فما يميز‬
‫المبريالية على وجه التحقيق ليس الرأسمال الصناعي‪ ،‬بل الرأسمال المالي‪ .‬وليس من قبيل الصدف أن أفضت السرعة‬
‫الكبرى في تطور الرأسمال المالي في فرنسا مع إضعاف الرأسمال الصناعي إلى اشتداد سياسة اللحاق (الستعمارية)‬
‫لقصى حد في سنوات العقد التاسع من القرن الماضي‪ .‬وما يميز المبريالية على وجه التحقق ليس النزوع إلى إلحاق‬
‫البقاع الزراعية وحدها‪ ،‬بل حتى الصناعية الكثر تطورا (مطامع ألمانيا فيما يخص بلجيكا‪ ،‬وفرنسا فيما يخص اللورين) لن‬
‫انتهاء تقاسم الرض يرغم‪ ،‬لدى إعادة التقاسم‪ ،‬على مد اليد إلى أي بقعة‪ ،‬هذا أول؛ وثانيا‪ ،‬من سمات المبريالية الجوهرية‬
‫تنافس عدد من الدول الكبرى في النزوع إلى السيطرة‪ ،‬أي إلى الستيلء على الراضي ل بقدرما تحتاجها لنفسها مباشرة‪،‬‬
‫بل بقدر ما تحتاجها لضعاف الخصم وتقويض سيطرتــه (ألمانيا بمسيس الحاجة إلى بلجيكا كنقطة ارتكاز ضد إنجلترا؛‬
‫وإنجلترا بمسيس الحاجة إلى بغداد كنقطة ارتكاز ضد ألمانيا وهلم جرا)‪.‬‬
‫يستشهد كاوتسكي بوجه خاص – ومرارا وتكرارا – بالنجليز الذين أقروا‪ ،‬على ما يزعم‪ ،‬المعنى السياسي الصرف لكلمة‬
‫«المبريالية» كما يفهمها كاوتسكي‪ .‬فلنأخذ النجليزي هوبسون ولنقرأ في كتابه «المبريالية» الصادر في سنة ‪:1902‬‬
‫«تختلف المبريالية الحديثة عن القديمة أول‪ ،‬بأنها تحل محل نزاعات إمبراطورية واحدة متعاظمة نظرية وعمل‬
‫إمبراطوريات متنافسة تسترشد كل منها بنزعة متماثلة إلى التوسع السياسي وإلى النفع التجاري؛ وثانيا‪ ،‬بأنها تعلي على‬
‫المصالح التجارية المصالح المالية أو المتعلقة بتوظيف الرأسمال»(‪.)2‬‬
‫‪47‬‬

‫ونحن نرى أن كاوتسكي غير محق في الواقع أبدا إذ يستشهد بالنجليز بوجه عام (إ ّل إذا كان يريد الستشهاد بالمبرياليين‬
‫النجليز المبتذلين أو بالذين يكيلون المديح علنا للمبريالية)‪ .‬ونحن نرى أن كاوتسكي الذي يدعي أنه ما زال يدافع عن‬
‫الماركسية يخطو في الواقع خطوات إلى الوراء بالمقارنة مع الشتراكي‪-‬الليبرالي هوبسون الذي يأخذ بعين العتبار بصورة‬
‫أصح خاصتين «تاريخيتين ملموستين» (وإن كاوتسكي يسخر في تعريفه من الدقة التاريخية بالضبط!) من خواص‬
‫المبريالية الحديثة‪ )1 :‬التنافس بين جملة من الدول المبريالية و ‪ )2‬تفوق المالي على التاجر‪ .‬أمّا إذا جرى الكلم‪،‬‬
‫بصورة رئيسية‪ ،‬حول الحاق بلد زراعية من قبل بلد صناعية فإن ذلك يعني التأكيد على تفوق دور التاجر‪.‬‬
‫إن تعريف كاوتسكي‪ ،‬عدا أنه غير صحيح وغير ماركسي‪ ،‬هو أساس لسلسلة كاملة من نظرات تقطع كل صلة مع النظرية‬
‫الماركسية والعمل الماركسي على حد سواء المر الذي سيأتي الحديث عنه فيما بعد‪ .‬والنقاش الذي أثاره كاوتسكي حول‬
‫الكلمات هو نقاش غير جدي على الطلق‪ :‬أينبغي أن يطلق على أحدث مراحل الرأسمالية اسم المبريالية أم درجة الرأسمال‬
‫المالي‪ .‬سمها كيف شئت‪ ،‬ل أهمية لذلك‪ .‬إن كنه القضية في كون كاوتسكي يفصل سياسة المبريالية عن اقتصادها‪ ،‬زاعما‬
‫أن اللحاقات هي سياسة الرأسمال المالي «المفضلة»‪ ،‬ومعارضا إياها بسياسة برجوازية أخرى يدعي أنها ممكنة على‬
‫أساس الرأسمال المالي نفسه‪ .‬يستنتج إذن أن الحتكارات في القتصاد تتلءم مع طراز سلوك في السياسة غير قائم على‬
‫الحتكار والعنف والغضب‪ .‬يستنتج إذن أن تقاسم أقطار الرض الذي تم في عهد الرأسمال المالي بالضبط والذي يؤلف‬
‫أساس السمة المميزة لشكال التنافس الراهنة بين كبريات الدول الرأسمالية يتلءم مع السياسة غير المبريالية‪ .‬ويكون‬
‫الحاصل طمس وثلم حدة أهم تناقضات المرحلة الحديثة في الرأسمالية بدل من الكشف عن عمقها‪ ،‬ويكون الحاصل إصلحية‬
‫برجوازية بدل من الماركسية‪.‬‬
‫يناقش كاوتسكي مداح المبريالية واللحاقات اللماني كونوف‪ ،‬ذا التفكير السقيم الوقح‪ :‬المبريالية هي الرأسمالية الحديثة؛‬
‫تطور الرأسمالية محتوم وتقدمي‪ ،‬معنى ذلك أن المبريالية تقدمية‪ ،‬معنى ذلك أنه ينبغي تملق المبريالية والثناء عليها!‬
‫وكأننا أمام شيء ما من نمط تلك الصورة المشوهة التي رسمها الشعبيون على الماركسيين الروس في سنتي ‪-1894‬‬
‫‪ :1895‬ما دام الماركسيون يعتبرون الرأسمالية في روسيا أمرا محتوما وتقدميا فينبغي عليهم أن يفتحوا خمارة‬
‫وينصرفوا إلى غرس الرأسمالية‪ .‬ويعترض كاوتسكي على كونوف‪ :‬كل‪ ،‬المبريالية ليست الرأسمالية الحديثة‪ ،‬بل هي شكل‬
‫من أشكال سياسة الرأسمالية الحديثة ل غير‪ ،‬ويمكننا نحن وينبغي علينا أن نناضل ضد هذه السياسة‪ ،‬أن نناضل ضد‬
‫المبريالية‪ ،‬ضد اللحاقات وهلم جرا‪.‬‬
‫يبدو العتراض مقبول تماما من حيث الشكل‪ ،‬ولكنه‪ ،‬في الواقع‪ ،‬عبارة عن تبشير بالتفاق مع المبريالية أكثر نعومة‬
‫وأحسن تسترا (وهو لذلك أشد خطرا)‪ ،‬لن «النضال» ضد سياسة التروستات والبنوك‪ ،‬دون مساس بأسس اقتصاد‬
‫التروستات والبنوك‪ ،‬يؤول إلى الصلحية والمسالمة البرجوازية وإلى تمنيات طيبة بريئة‪ .‬إن نظرية كاوتسكي التي ل‬
‫يجمعها بالماركسية جامع هي تجنب التناقضات الموجودة ونسيان أهم هذه التناقضات‪ ،‬بدل من الكشف عن كل عمقها‪.‬‬
‫ومفهوم أن هذه «النظرية» ل تصلح إلّ للدفاع عن فكرة الوحدة مع كونوف ومن على شاكلته!‬
‫وقد كتب كاوتسكي‪« :‬من وجهة النظر القتصادية الصرف ليس من المستحيل أن تجتاز الرأسمالية مرحلة جديدة أخرى‬
‫تشمل فيها سياسة الكارتيلت السياسة الخارجية‪ ،‬مرحلة اتحاد الدول المبريالية العليا»(‪ ،)3‬أي مرحلة ما فوق المبريالية‪،‬‬
‫مرحلة اتحاد الدول المبريالية في العالم بأسره‪ ،‬ل الصراع فيما بينها‪ ،‬مرحلة إنهاء الحروب في ظل الرأسمالية‪ ،‬مرحلة‬
‫«استثمار مشترك للعالم من قبل الرأسمال المالي المتحد على النطاق العالمي»(‪.)4‬‬
‫لبد لنا أن نتناول فيما يأتي «نظرية المبريالية العليا» هذه لكي نبين بالتفصيل إلى أية درجة تنفصل هذه النظرية بصورة‬
‫قاطعة نهائية عن الماركسية‪ .‬أمّا هنا‪ ،‬فينبغي علينا‪ ،‬وفقا للبرنامج العام الذي نتمشى عليه في هذا المؤلف‪ ،‬أن نلقي نظرة‬
‫على المعلومات القتصادية الدقيقة المتصلة بهذه المسألة‪« .‬من وجهة النظر القتصادية الصرف» أيمكن وجود «ما فوق‬
‫المبريالية»‪ ،‬أم أننا أمام ما فوق الهذر؟‬
‫إذا فهم المرء وجهة النظر القتصادية الصرف على أنها التجريد «الصرف»‪ ،‬فكل ما يمكن قوله حينئذ يؤول إلى ما يلي‪:‬‬
‫يسير التطور في اتجاه الحتكارات‪ ،‬وعلى ذلك في اتجاه احتكار عالمي واحد‪ ،‬تروست عالمي واحد‪ .‬هذا ل جدال فيه‪ ،‬ولكنه‬
‫كذلك خال من كل معنى كما لو قال المرء أن «التطور يسير» في اتجاه إنتاج المواد الغذائية في المختبرات‪ .‬و«نظرية» ما‬
‫فوق المبريالية هي بهذا المعنى لغو ل طائل تحته كما لو قال المرء بـ«نظرية ما فوق الزراعة»‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫ولكن إذا تناول الكلم الظروف « القتصادية الصرف» لمرحلة الرأسمال المالي باعتبارها مرحلة محددة تاريخيا تقع في‬
‫أوائل القرن العشرين‪ ،‬فإن أحسن رد على الصيغ المجردة الميتة بصدد «ما فوق المبريالية» تلك الصيغ التي ل تستهدف إلّ‬
‫أمرا رجعيا للغاية‪ :‬إلهاء النظار عن عمق التناقضات القائمة) هو معارضتها بالواقع القتصادي الملموس في القتصاد‬
‫العالمي الراهن‪ .‬إن أقاويل كاوتسكي عما فوق المبريالية‪ ،‬هذه القاويل الخالية من كل معنى‪ ،‬تشجع‪ ،‬فيما تشجع‪ ،‬الفكرة‬
‫المغلوطة في عمقها والتي تصب الماء في طاحونة مداحي المبريالية‪ ،‬الفكرة القائلة بأن سيطرة الرأسمال المالي تخفف‬
‫التفاوت والتناقضات في داخل القتصاد العالمي في حين أنها تشددها في الواقع‪.‬‬
‫قام ر‪ .‬كالفير في كتابه الموجز «توطئة القتصاد العالمي»(‪ )5‬بمحاولة لتلخيص أهم المعطيات القتصادية الصرف التي‬
‫تمكن من تكوين فكرة ملموسة عن العلقات في داخل القتصاد العالمي على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين‪ .‬إنه يقسم‬
‫العالم بأكمله إلى خمس «مناطق اقتصادية رئيسية»‪ )1 :‬منطقة أوروبا الوسطى (أوروبا كلها عدا روسيا وإنجلترا)؛ ‪)2‬‬
‫المنطقة البريطانية؛ ‪ )3‬المنطقة الروسية؛ ‪ )4‬منطقة آسيا الشرقية؛ ‪ )5‬المنطقة المريكية‪ ،‬ضاما المستعمرات إلى‬
‫«مناطق» تلك الدول التي تعود إليها و«تاركا جانبا» عددا قليل من البلدان غير المقسمة حسب المناطق كبلد فارس‬
‫وأفغانستان وشبه جزيرة العرب في آسيا ومراكش والحبشة في افريقيا وغيرها‪.‬‬
‫وها هي باليجاز المعطيات القتصادية التي ذكرها عن هذه المناطق‪( :‬راجعوا الصفحة ‪.)533‬‬
‫نرى ثلث مناطق بلغت فيها الرأسمالية درجة عالية من التطور (تطورت فيها جدا طرق المواصلت والتجارة و والصناعة)‪:‬‬
‫منطقة أوروبا الوسطى والمنطقة البريطانية والمنطقة المريكية‪ .‬بينها ثلث دول مسيطرة في العالم‪ :‬ألمانيا وإنجلترا‬
‫والوليات المتحدة‪ .‬وتنافسها المبريالي وصراعها قد تفاقما غاية التفاقم لن لدى ألمانيا منطقة صغيرة ومستعمرات قليلة؛‬
‫إن تشكيل «أوروبا الوسطى» ما زال مسألة المستقبل وهي تولد في صراع مستميت‪ .‬فالسمة المميزة لوروبا بأكملها ما‬
‫تزال التجزئة السياسية‪ .‬والتمركز السياسي في المنطقتين البريطانية والمريكية هو‪ ،‬بالعكس‪ ،‬عال جدا؛ بيد أن الفرق هائل‬
‫بين سعة مستعمرات الولى وضآلة مستعمرات الثانية‪ .‬أمّا في المستعمرات‪ ،‬فالرأسمالية قد أخذت في التطور وحسب‬
‫ويحتدم الصراع من أجل أمريكا الجنوبية‪.‬‬
‫وتطور الرأسمالية ضعيف في منطقتين – في المنطقة الروسية ومنطقة آسيا الشرقية‪ .‬في المنطقة الولى كثافة السكان في‬
‫منتهى الضعف‪ ،‬وفي الثانية في منتهى الرتفاع؛ في الولى‪ ،‬التمركز السياسي عال جدا‪ ،‬وفي الثانية معدوم‪ .‬واقتسام الصين‬
‫لم يكد يبدأ‪ ،‬فالصراع بين اليابان والوليات المتحدة وغيرهما من أجل هذا البلد يستعر باستمرار بين الهلة مساحة‬
‫المستعمرات وعدد سكانها‬
‫المناطق القتصادية الرئيسية في العالم المساحة‬
‫مليين كلم مربع السكان‬
‫(بالمليين) طرق المواصلت التجارة الصناعة‬
‫السكك الحديدية‬
‫(ألوف الكيلومتر) السطول التجاري‬
‫(ألف طن) الصادرات والواردات معا‬
‫(بمليارات الماركات) استخراج عدد المغازل في صناعة القطن (بالمليين)‬
‫الفحم الحجري الحديد الزهر‬
‫(مليون طن)‬
‫‪ )1‬أوروبا الوسطى ‪26 15 251 41 8 204 )146( 388 )23.6( 27.6‬‬
‫‪ )2‬البريطانية ‪51 9 249 25 11 140 )355( 398 )28.6( 28.9‬‬
‫‪ )3‬الروسية ‪7 3 16 3 1 63 131 22‬‬
‫‪ )4‬آسيا الشرقية ‪2 0.02 8 2 1 8 389 12‬‬
‫‪)5‬المريكية ‪19 14 245 14 6 379 148 30‬‬
‫قارنوا بهذا الواقع – بتنوع الظروف القتصادية والسياسية الهائل‪ ،‬بالتفاوت الكبير في سرعة تطور مختلف البلدان وغير‬
‫‪49‬‬

‫ذلك‪ ،‬بالصراع المسعور بين الدول المبريالية – أقصوصة كاوتسكي السخيفة عما فوق المبريالية «المسالمة»‪ .‬أفليست هذه‬
‫محاولة رجعية من متعيش مهلوع للختفاء من الواقع الرهيب؟ والكارتيلت العالمية التي تبدو لكاوتسكي جنينا لـ«ما فوق‬
‫المبريالية» (كما «يمكن» أن يعلن إنتاج القراص في المختبر جنينا لما فوق الزراعة)‪ ،‬أل تعطينا مثل عن تقاسم العالم‬
‫وإعادة تقاسمه‪ ،‬عن النتقال من التقاسم السلمي إلى غير السلمي وبالعكس؟ والرأسمال المالي المريكي وغيره الذي اقتسم‬
‫العالم كله سلميا‪ ،‬حينما اشتركت ألمانيا‪ ،‬ولنقل مثل‪ ،‬في السينديكا العالمي لقضبان السكك الحديدية أو في التروست العالمي‬
‫للملحة التجارية‪ ،‬ألم يأخذ الن في إعادة تقاسم العالم على أساس النسبة الجديدة بين القوى‪ ،‬التي تتغير بطريقة غير‬
‫سلمية بتاتا؟‬
‫إن الرأسمال المالي والتروستات ل تخفف التفاوت في سرعة تطور مختلف أقسام القتصاد العالمي‪ ،‬بل بالعكس‪ ،‬تزيد منه‪.‬‬
‫وإذا ما تغيرت نسبة القوى‪ ،‬فهل يمكن‪ ،‬في ظل الرأسمالية‪ ،‬أن يوجد حل للتناقضات في غير القوة؟ ونجد في إحصاءات‬
‫السكك الحديدية(‪ )6‬معلومات في منتهى الدقة عن تباين سرعة نمو الرأسمالية والرأسمال المالي في القتصاد العالمي‬
‫بأكمله‪ .‬فخلل العقود الخيرة من سني التطور المبريالي تغير طول السكك الحديدية على النحو التي‪:‬‬
‫السكك الحديدية‬
‫(بألوف الكيلومترات)‬
‫سنة ‪+‬‬
‫‪1913 1890‬‬
‫(‪ )1‬أوروبا ‪122+ 346 224‬‬
‫(‪ )2‬الوليات المتحدة ‪143+ 411 268‬‬
‫(‪ )3‬جميع المستعمرات ‪128+ 210 82‬‬
‫(‪222+ 347 125 )4( + )3‬‬
‫(‪ )4‬الدول المستقلة وشبه المستقلة في آسيا وأمريكا ‪94+ 137 43‬‬
‫المجموع ‪1104 617‬‬
‫لقد تم تطور السكك الحديدية بأكبر سرعة إذن في المستعمرات والدول السيوية والمريكية المستقلة – وشبه المستقلة –‪.‬‬
‫ومن المعروف أن الرأسمال المالي العائد لـ ‪ 5 - 4‬من كبريات الدول الرأسمالية هو صاحب القول الفصل في هذه‬
‫القطار‪ .‬فهذه المئتا ألف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية الجديدة في المستعمرات وغيرها من بلدان آسيا وأمريكا تعني‬
‫أكثر من ‪ 40‬مليار مارك من الرساميل الموظفة حديثا بشروط مفيذة للغاية من ضمانات خاصة للعائدات وطلبات تؤمن‬
‫الرباح لمعامل صهر الفولذ وغير ذلك وهلم جرا‪.‬‬
‫تتطور الرأسمالية بأكبر سرعة في المستعمرات وفي بلدان ما وراء المحيط‪ .‬وتظهر بينها دول إمبريالية جديدة (اليابان)‪.‬‬
‫يتفاقم الصراع بين الدول المبريالية العالمية‪ .‬ويزداد مبلغ الجزية التي يتقاضاها الرأسمال المالي من المشاريع الرابحة جدا‬
‫في المستعمرات وبلدان ما وراء المحيط‪ .‬وعند اقتسام هذه «الغنيمة» يقع منها قسم كبير جدا في أيدي بلدان لم تشغل على‬
‫الدوام المكان الول في سرعة تطور القوى المنتجة‪ .‬ففي الدول الكبرى مأخوذة مع مستعمراتها كان طول السكك الحديدية‬
‫على النحو التي‪:‬‬
‫(ألوف الكيلومترات)‬
‫سنة ‪ 1890‬سنة ‪+ 1913‬‬
‫الوليات المتحدة ‪145+ 413 268‬‬
‫المبراطورية البريطانية ‪101+ 208 107‬‬
‫روسيا ‪46+ 78 32‬‬
‫ألمانيا ‪25+ 68 43‬‬
‫فرنسا ‪22+ 63 41‬‬
‫المجموع في ‪ 5‬دول ‪339+ 830 491‬‬
‫‪50‬‬

‫وهكذا نرى أن نحو ‪ %80‬من مجموع طول السكك الحديدية متمركزة في ‪ 5‬دول كبرى‪ .‬ولكن تمركز تملك هذه الخطوط‪،‬‬
‫تمركز الرأسمال المالي‪ ،‬هو أكبر من هذا بما ل يقاس‪ ،‬وذلك لن أصحاب المليين النجليز والفرنسيين‪ ،‬مثل‪ ،‬يملكون القسم‬
‫الكبر من أسهم وسندات السكك الحديدية المريكية والروسية وغيرها‪.‬‬
‫وزادت إنجلترا بفضل مستعمراتها شبكة سككـ«ـها» الحديدية ‪ 100‬ألف كيلومتر‪ ،‬أي أربعة أضعاف زيادة ألمانيا‪ .‬هذا‬
‫في حين يعرف الجميع أن تطور القوى المنتجة في ألمانيا خلل هذا الوقت ول سيما تطور إنتاج استخراج الفحم الحجري‬
‫وصهر الحديد قد سار بسرعة أكبر جدا في إنجلترا‪ ،‬ناهيك عن فرنسا وروسيا‪ .‬ففي سنة ‪ 1892‬أنتجت ألمانيا ‪4.9‬‬
‫مليين طن من الحديد الزهر مقابل ‪ 6.8‬مليين في إنجلترا‪ ،‬بينما أنتجت في سنة ‪ 17.6 -1912‬مليون طن مقابل‬
‫‪ 9.0‬مليين طن؛ أي أنها تفوقت على إنجلترا تفوقا هائل!(‪ )7‬نتساءل‪ :‬هل هنالك‪ ،‬في ظل الرأسمالية‪ ،‬وسيلة أخرى غير‬
‫الحرب لتسوية عدم التناسب بين تطور القوى المنتجة وتراكم الرأسمال من جهة‪ ،‬واقتسام المستعمرات و«مناطق النفوذ»‬
‫للرأسمال المالي‪ ،‬من الجهة الخرى؟‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪( Die Neue Zeit», 1914,2« )1‬مجلد ‪ ،)32‬ص ‪ 11 ،909‬سبتمبر ‪ .1914‬قارنوا بـ ‪،1915‬‬
‫‪ ،2‬ص ‪ 107‬وما يليها‪.‬‬
‫(‪( .Hobson. «Imperilism» L., 1902, p. 324 )2‬هوبسون‪ « :‬المبريالية»‪ .‬لندن‪ ،‬سنة ‪،1902‬‬
‫ص ‪ .324‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪( ,Die Neue Zeit», 1914, 2« )3‬مجلد ‪ ،)32‬ص ‪ 11 ،921‬سبتمبر ‪ .1914‬قارنوا بـ ‪،1915‬‬
‫‪ ،2‬ص ‪ 107‬وما يليها‪,.‬‬
‫(‪ , Die Neue Zeit» 1915-1« )4‬ص ‪ 30 ،144‬أبريل ‪Die Neue Zeit»« - ,1915‬‬
‫‪ , 1915-1‬ص ‪ 30 ،144‬أبريل ‪,1915‬‬
‫(‪.R. Calwer. «Einführung in die Weltwirtschaft», Rrl., 1906 )5‬‬
‫(‪Stat. Jahrbuch für das Deutsche Reich, 1915 ; Archive für )6‬‬
‫‪( .Eisenbahnwesen, 1892‬مجلة الحصاء السنوية للدولة اللمانية‪ ،‬سنة ‪1915‬؛ سجلت السكك‬
‫الحديدية‪ .1892 ،‬الناشر) وقد اضطررنا للكتفاء بأرقام تقريبية عن توزيع خطوط السكك الحديدية بين مستعمرات‬
‫مختلف الدول في سنة ‪.1890‬‬
‫(‪ )7‬قارن كذلك‪Edgar Crammond. «The Economic Relation of the British and :‬‬
‫‪ »German Empires‬في «‪Journal of the Royal Statistical Society», 1914,‬‬
‫‪( .July, pp. 777 ss‬ادغار كريموند‪« .‬العلقات القتصادية بين المبراطورية النجليزية واللمانية» في «مجلة‬
‫جمعية الحصاء الملكية»‪ ،‬سنة ‪ ،1914‬يوليوز‪ ،‬ص ‪ 777‬وما يليها‪ .‬الناشر)‬
‫‪51‬‬

‫الفصل الثامن‬
‫طفيلية الرأسمال وتعفنها‬
‫ينبغي علينا أن نتناول الن ناحية أخرى مهمة جدا من نواحي المبريالية ل تقدر في معظم الحيان حق قدرها في أكثر‬
‫البحاث التي تتناول هذا الموضوع‪ .‬فمن نواقص الماركسي هيلفردينغ أنه خطا خطوة إلى وراء بالمقارنة مع اللماركسي‬
‫هوبسون‪ .‬ونحن نعني الطفيلية التي فطرت عليها المبريالية‪.‬‬
‫لقد سبق ورأينا أن الحتكار هو أعمق أساس اقتصادي للمبريالية‪ .‬وهو احتكار رأسمالي‪ ،‬أي أنه ناشئ عن الرأسمالية‬
‫وقائم ضمن الظروف العامة للرأسمالية وللنتاج البضاعي والمزاحمة‪ ،‬ومتناقض مع هذه الظروف العامة تناقضا دائما ل‬
‫مخرج منه‪ .‬وهو‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬ككل احتكار‪ ،‬يولد حتما الميل إلى الركود والتعفن‪ .‬فبما أنه يفترض أسعارا احتكارية‪ ،‬ولو لزمن‬
‫محدود‪ ،‬تزول بالتالي‪ ،‬لدرجة معينة‪ ،‬بواعث التقدم التكنيكي‪ ،‬وتبعا لذلك كل تقدم آخر‪ ،‬كل حركة إلى المام؛ ثم تظهر‬
‫المكانية القتصادية لعاقة التقدم التكنيكي بصورة مصطنعة‪ .‬فلنضرب مثل‪ :‬في أمريكا اخترع المدعو أوينس ماكنة للقناني‬
‫أحدثت ثورة في صنع القناني‪ .‬فاشترى الكارتيل اللماني لمصانع القناني براءات اختراع أوينس ووضعها في جواريره معيقا‬
‫استعمالها‪ .‬وبطبيعة الحال ل يستطيع الحتكار في ظل الرأسمالية أن يزيل المزاحمة من السوق العالمية بصورة نهائية‬
‫ولبرهة طويلة (ولنقل في سياق الحديث أن هذا سبب من أسباب سخافة نظرية ما فوق المبريالية)‪ .‬ومن الواضح أن‬
‫إمكانية تخفيض تكاليف النتاج وزيادة الرباح عن طريق إدخال التحسينات التكنيكية تعمل في صالح التغيرات‪ .‬ولكن ما فطر‬
‫عليه الحتكار من ميل إلى الركود والتعفن يواصل عمله بدوره وهو يتغلب خلل وقت معين في بعض فروع الصناعة وفي‬
‫بعض البلدان‪.‬‬
‫واحتكار حيازة المستعمرات الواسعة جدا‪ ،‬الغنية أو ذات الموقع الملئم‪ ،‬يعمل في نفس التجاه‪.‬‬
‫وبعد‪ .‬إن المبريالية هي تراكم هائل للرأسمال النقدي في عدد قليل من البلدان يبلغ كما سبق ورأينا ‪ 150-100‬مليار‬
‫فرنك من الوراق المالية‪ .‬ومن هنا تنمو بصورة خارقة طبقة أو‪ ،‬بالصح‪ ،‬فئة أصحاب المداخل‪ ،‬أي الشخاص الذين‬
‫يعيشون من «قص الكوبونات»‪ ،‬الشخاص المنعزلين تماما عن كل اشتراك في أي مشروع‪ ،‬أشخاص مهنتهم التعطل‪.‬‬
‫وتصدير الرأسمال – وهو أساس من أهم أسس المبريالية القتصادية – يشدد لدرجة أكبر العزلة التامة لفئة أصحاب‬
‫المداخيل عن النتاج‪ ،‬ويسم بطابع الطفيلية كل البلد التي تعيش من استثمار عمل عدد من بلدان ما وراء المحيطات‬
‫والمستعمرات‪.‬‬
‫وقد كتب هوبسون‪« :‬في سنة ‪ 1893‬بلغ الرأسمال البريطاني الموظف في الخارج نحو ‪ %15‬من كل ثروة المملكة‬
‫المتحدة»(‪ .)1‬ونذكر بأن هذا الرأسمال قد ازداد‪ ،‬حوالي سنة ‪ %150 ،1915‬على وجه التقريب‪ .‬ويستطرد هوبسون‪:‬‬
‫«إن المبريالية العدوانية التي تكلف دافعي الضرائب ثمنا فادحا والتي تتسم بأهمية ضئيلة بالنسبة للصناعي والتاجر… هي‬
‫مصدر أرباح فاحشة للرأسمالي الذي يبحث عن مكان لتوظيف رأسماله»… (وقد أعرب عن هذه الفكرة بالنجليزية بكلمة‬
‫واحدة «انفيستور» – «موظف»‪ ،‬صاحب دخل)…«ومجموع الدخل السنوي الذي تقبضه بريطانيا العظمى من كامل تجارتها‬
‫مع الخارج والمستعمرات – صادرات وواردات – قد بلغ في سنة ‪ ،1899‬حسب تقدير الحصائي جيفان‪ 18 ،‬مليون‬
‫جنيه سترليني (قرابة ‪ 170‬مليون روبل) على اعتبار ‪ %2.5‬من تداول مجموعه ‪ 800‬مليون جنيه سترليني»‪ .‬وهذا‬
‫المبلغ على ضخامته ل يستطيع تفسير المبريالية البريطانية العدوانية‪ .‬إن ما يفسره هو مبلغ يتراوح بين ‪ 90‬و ‪100‬‬
‫مليون جنيه سترليني هو عائد الرأسمال «الموظف»‪ ،‬هو إيرادات فئة أصحاب المداخيل‪.‬‬
‫إن عائدات أصحاب المداخيل هي خمسة أضعاف عائد التجارة الخارجية في أكبر بلد «تجاري» في العالم! هذا هو كنه‬
‫المبريالية والطفيلية المبريالية‪.‬‬
‫ومفهوم «الدولة صاحبة الدخل» (‪ )Rentnerstaat‬أو الدولة المرابية يغدو لهذا السبب شائعا في الدب القتصادي‬
‫عن المبريالية‪ .‬لقد انقسم العالم إلى حفنة من الدول المرابية وإلى أكثرية هائلة من الدول المدينة‪ .‬وقد كتب شولتزه‪-‬‬
‫غيفيرنيتز‪« :‬بين الرأسمال الموظف في الخارج تأتي في المقام الول المبالغ الموظفة في البلدان التابعة سياسيا أو الحليفة‪:‬‬
‫‪52‬‬

‫فإنجلترا تمنح القروض لمصر واليابان والصين وأمريكا الجنوبية‪ .‬وعند القتضاء يلعب أسطولها الحربي دور الشرطي‬
‫القضائي‪ .‬وقوة إنجلترا السياسية تقيها من سخط المدينين»(‪ .)2‬ويشير سارتوريس فون فالترسهاوزن في مؤلفه «القتصاد‬
‫الوطني وطريقته لتوظيف الرأسمال في الخارج» إلى هولنده باعتبارها نموذجا «للدولة صاحبة الدخل» ويقول أن إنجلترا‬
‫وفرنسا تغدوان دولتان من هذا الطراز(‪ .)3‬ويقول شيلدر أن خمس دول صناعية هي «بلدان دائنة واضحة المعالم»‪:‬‬
‫إنجلترا‪ ،‬فرنسا‪ ،‬ألمانيا‪ ،‬بلجيكا‪ ،‬سويسرا‪ .‬وهو ل يذكر هولنده بينها إلّ لنها «ضعيفة التطور الصناعي»(‪ .)4‬والوليات‬
‫المتحدة دولة دائنة حيال أمريكا فقط‪.‬‬
‫وقد كتب شولتزه‪-‬غيفيرنيتز‪« :‬تتحول إنجلترا شيئا فشيئا من دولة صناعية إلى دولة دائنة‪ ،‬ومع أن النتاج الصناعي‬
‫والتصدير الصناعي يزدادان من الناحية المطلقة‪ ،‬يرتفع‪ ،‬بالنسبة للقتصاد الوطني كله‪ ،‬الوزن النسبي للمداخيل التي تتألف‬
‫من الفوائد وعائدات السهم والصدار والوساطة والمضاربة‪ .‬وفي رأيي إن هذا الواقع بالذات هو الساس القتصادي‬
‫للنهوض المبريالي‪.‬فصلة الدائن بالمدين أوثق من صلة البائع بالمشتري»(‪ .)5‬وفيما يخص ألمانيا كتب صاحب مجلة‬
‫«البنك» البرلينية لنسبورغ في سنة ‪ 1911‬في مقال عنوانه‪« :‬ألمانيا دولة صاحبة دخل» ما يلي‪« :‬في ألمانيا ل‬
‫يحجمون عن السخرية من رغبة الفرنسيين في التحول إلى أصحاب دخل‪ .‬هذا وهم ينسون أنه فيما يخص البرجوازية تغدو‬
‫الحالة في ألمانيا شيئا فشيئا أشبه بالحالة في فرنسا»(‪.)6‬‬
‫إن الدولة صاحبة الدخل هي دولة الرأسمالية الطفيلية المتقيحة‪ ،‬وهذا المر يجد انعكاسه‪ ،‬ل محالة‪ ،‬في مثل هذه البلدان‬
‫على جميع الظروف الجتماعية والسياسية بوجه عام وعلى التجاهين الساسيين في حركة العمال بوجه خاص‪ .‬ولكيما نبين‬
‫ذلك بأجلى شكل ممكن نترك الكلم لهوبسون باعتباره أفضل شاهد «عدل»‪ ،‬إذ يستحيل اتهامه بالتحيز «لليمان الماركسي‬
‫الحق»‪ ،‬ولنه‪ ،‬من الجهة الخرى‪ ،‬إنجليزي‪ ،‬أي إنسان مطلع على دقائق المور في أغنى البلد بالمستعمرات والرأسمال‬
‫المالي والخبرة المبريالية‪.‬‬
‫لقد وصف هوبسون تحت تأثير انطباعاته الحية من الحرب النجليزية البورية صلة المبريالية بمصالح «الماليين» وتزايد‬
‫أرباحهم من تقديم العتاد الحربي وغير ذلك وكتب يقول‪« :‬إن موجهي هذه السياسة ذات الطابع الطفيلي البين هم‬
‫الرأسماليون؛ ولكن البواعث نفسها تفعل فعلها في فئات معينة من العمال‪ .‬فأهم الفروع الصناعية في العديد من المدن‬
‫تتوقف على العقود الحكومية‪ .‬فالمبريالية في مراكز صناعة التعدين وبناء السفن تتوقف لدرجة كبيرة على هذا الواقع»‪.‬‬
‫وثمة ظرفان كانا يضعفان‪ ،‬برأي الكاتب‪ ،‬قوة المبراطورية القديمة‪« )1 :‬الطفيلية القتصادية» و ‪ )2‬تشكيل الجيوش من‬
‫الشعوب التابعة‪« .‬الول هو عادة الطفيلية القتصادية وبحكمها تستفيد الدولة المسيطرة من مقاطعاتها ومستعمراتها‬
‫والبلدان التابعة لثراء طبقتها الحاكمة والرشوة طبقاتها السفلى لتبقى هادئة»‪ .‬ونضيف من جهتنا أن هذه الرشوة بأي شكل‬
‫تحققت‪ ،‬ل بد لها‪ ،‬لتغدو أمرا ممكنا من الواجهة القتصادية‪ ،‬من أرباح فاحشة‪ ،‬احتكارية‪.‬‬
‫وفيما يخص الظرف الثاني كتب هوبسون‪« :‬ومن أغرب امارات عمى المبريالية ذلك الستهتار الذي تنخرط به بريطانيا‬
‫العظمى وفرنسا والمم المبريالية الخرى في هذا الطريق‪ .‬وقد تخطت بريطانيا العظمى الجميع‪ .‬فمعظم المعارك التي‬
‫استولينا بها على إمبراطوريتنا الهندية قد خاضتها جيوشنا المشكلة من الجنود المحليين؛ ففي الهند وفي مصر كذلك حديثا‬
‫توجد جيوش نظامية كبيرة تحت قيادة البريطانيين‪ .‬ومعظم الحروب التي خضناها لغزو إفريقيا عدا إفريقيا الجنوبية‪ ،‬قد‬
‫خاضها من أجلنا الجنود المحليون»‪.‬‬
‫ويقدم هوبسون من الناحية القتصادية على النحو التالي احتمال اقتسام الصين‪« :‬إن قسما كبيرا من أوروبا الغربية قد‬
‫يكتسب آنئذ المظهر والطابع اللذين ترتديهما الن أقسام من هذه البلدان‪ :‬جنوب إنجلترا‪ ،‬الريفييرا‪ ،‬المناطق اليطالية‬
‫والسويسرية التي يكثر فيها السياح ويقطنها الثرياء‪ ،‬ونعني حفنة ضئيلة من الرستقراطيين الثرياء‪ ،‬الذين يتلقون‬
‫العائدات والمرتبات من الشرق البعيد ومعهم جماعة أكبر لحد ما من المستخدمين المحترفين والتجار وعدد أكبر من خدم‬
‫البيوت وعمال وسائط النقل والصناعة المشغولة بإتمام المصنوعات شبه الجاهزة‪ .‬أمّا الفروع الصناعية الرئيسية فتتلشى‬
‫آنئذ وتتدفق كميات كبرى من المواد الغذائية والمصنوعات شبه الجاهزة كجزية من آسيا وإفريقيا»‪ .‬هذه هي الفاق التي‬
‫يفتحها لنا اتحاد أوسع بين الدول الغربية‪ ،‬اتحاد أوروبي بين الدول الكبرى‪ :‬وهذا التحاد‪ ،‬فضل عن أنه ل يدفع إلى المام‬
‫قضية الحضارة العالمية‪ ،‬يمكنه أن يكون خطر الطفيلية الغربية لدرجة هائلة‪ :‬أن يبرز مجموعة من المم الصناعية الراقية‬
‫تتقاضى طبقتها العليا جزية ضخمة من آسيا وإفريقيا تمكنها من إعالة جماعات مروّضة من الخدم والمستخدمين غير‬
‫المشغولين في إنتاج الكميات الكبرى من المواد الزراعية والصناعية‪ ،‬بل في الخدمة الشخصية‪ ،‬أو تقوم تحت إشراف‬
‫الرستقراطية المالية الجديدة بأعمال صناعية ثانوية‪ .‬وعلى هؤلء المستعدين لهمال هذه النظرية» (وينبغي أن يقال هذا‬
‫‪53‬‬

‫المستقبل) «على اعتبارها غير جديرة بالكتراث أن يمنعوا الفكر في الظروف القتصادية والجتماعية في مناطق إنجلترا‬
‫الجنوبية الراهنة التي وصلت إلى هذا الحال‪ .‬فليفكروا في السعة الكبرى التي يمكن أن يبلغها هذا النظام في حالة ما إذا‬
‫أخضعت الصين اقتصاديا لشراف مثل هذه الفرق المالية «موظفة الرساميل» ولمستخدميها السياسيين والصناعيين‬
‫والتجاريين الذين يبتزون الرباح من أكبر مستودع للثروات الكامنة عرفه العالم حتى اليوم‪ ،‬بقصد استهلك هذه الرباح في‬
‫أوروبا‪ .‬وغني عن القول أن الحالة في منتهى التعقيد‪ ،‬ولعبة القوى العالمية تصعب جدا الحاطة بها ليغدو من المحتمل هذا‬
‫التفسير للمستقبل أو ذاك في اتجاه واحد‪ .‬ولكن التأثيرات التي توجه المبريالية في أوروبا الغربية في الساعة الراهنة تسير‬
‫في هذا التجاه‪ ،‬وإذا لم تصادف مقاومة‪ ،‬إذا لم توجه وجهة أخرى‪ ،‬فهي تعمل في اتجاه مثل هذه الخاتمة لهذا السير»(‪.)7‬‬
‫إن الكاتب على حق كامل‪ :‬فإذا لم تصادف قوى المبريالية مقاومة فهي تصل حتما إلى هذه النتيجة‪ .‬فمغزى «الوليات‬
‫المتحدة الوروبية» في الظرف المبريالي الراهن قد قدر هنا على الوجه الصحيح‪ .‬وكل ما كان ينبغي أن يضاف هو أنه في‬
‫داخل حركة العمال كذلك «يعمل» بمثابرة في التجاه ذاته بالضبط النتهازيون الذين حصلوا الن على الغلبة مؤقتا في معظم‬
‫البلدان‪ .‬فالمبريالية التي تعني اقتسام العالم واستمرار البلدان الخرى ل الصين وحدها والتي تعني الرباح الحتكارية‬
‫الفاحشة لحفنة من أغنى البلدان‪ ،‬تخلق اقتصاديا إمكانية رشوة الفئات العليا من البروليتاريا وبذلك تغذي النتهازية وتكونها‬
‫وتوطدها‪ .‬إلّ أن ما ل ينبغي أن ننساه هو تلك القوى المقاومة للمبريالية بوجه عام وللنتهازية بوجه خاص‪ ،‬القوى التي‬
‫ل يراها بطبيعة الحال الشتراكي‪-‬الليبرالي هوبسون‪.‬‬
‫إن النتهازي اللماني غيرهارد هيلديبراند الذي طرد في حينه من الحزب لدفاعه عن المبريالية والذي من الممكن اليوم أن‬
‫يصبح زعيما لما يسمى الحزب «الشتراكي‪-‬الديموقراطي» اللماني يتهم هوبسون بتوفيق إذ يدعو لتشكيل «وليات متحدة‬
‫من أوروبا الغربية» (بدون روسيا) بقصد العمل «المشترك»… ضد الزنوج الفريقيين‪ ،‬ضد «الحركة السلمية الكبرى»‬
‫وللنفاق على «جيش وأسطول قويين»‪ ،‬ضد «الئتلف الياباني الصيني»(‪ )8‬الخ‪.‬‬
‫إن وصف شولتزه‪-‬غيفيرنيتز «للمبريالية البريطانية» تبين لنا نفس إمارات الطفيلية‪ .‬فدخل إنجلترا الوطني قد تضاعف‬
‫تقريبا من سنة ‪ 1865‬إلى ‪ ،1898‬في حين ازداد الدخل «من الخارج» خلل المدة نفسها إلى تسعة أضعاف‪ .‬وإذا كان‬
‫مضل المبريالية هو «تربية الزنجي على العمل» (ل غنى عن القسر طبعا…)‪ ،‬فإن «خطر» المبريالية يتلخص في أن‬
‫«أوروبا تلقي على كاهل البشرية الملونة العمل الجسدي – في البدء في الزراعة وصناعة الستخراج ثم العمل الكثر‬
‫خشونة في الصناعة – مكتفية هي بدور صاحب الدخل‪ ،‬وربما مهيئة بذلك اقتصاديا ثم سياسيا تحرير العروق الحمراء‬
‫والسوداء»‪.‬‬
‫في إنجلترا ينتزع من ميدان النتاج الزراعي قسم متعاظم من الراضي ويستخدم لرياضة الثرياء وتسليتهم‪ .‬ويقال فيما‬
‫يخص سكوتلنده – المنطقة الكثر أرستقراطية للقنص وأنواع الرياضات الخرى – «إنها تعيش على ماضيها وعلى المستر‬
‫كارنجي» (صاحب المليارات المريكي)‪ .‬وتنفق إنجلترا سنويا ‪ 14‬مليون جنيه سترليني (نحو ‪ 130‬مليون روبل) على‬
‫سباق الخيل وصيد الثعالب وحدهما‪ .‬ويبلغ أصحاب الدخل في إنجلترا نحو مليون ونسبة المنتجين فيها تنخفض‪:‬‬
‫سنة سكان إنجلترا عدد العمال في الفروع الصناعية الرئيسية نسبتهم من السكان‬
‫(بالمليين)‬
‫‪23% 4.1 17.9 1851‬‬
‫‪15% 4.9 32.5 1901‬‬
‫إن البرجوازي باحث « المبريالية البريطانية في أوائل القرن العشرين» يضطر على الدوام‪ ،‬عندما يتكلم عن الطبقة العاملة‬
‫النجليزية‪ ،‬إلى التمييز «الفئة العليا» من العمال و«الفئة السفلى البروليتارية الصرف»‪ .‬ومن الفئة العليا يتكون جمهور‬
‫أعضاء الجمعيات التعاونية والجمعيات الرياضية والفرق الدينية العديدة‪ .‬وقد جعل حق القتراع حسب مستواها‪ .‬وهو‪ ،‬في‬
‫إنجلترا‪« ،‬ما يزار مقيدا لدرجة تكفي لتبعد عنه الفئة السفلى البروليتارية الصرف»!! ولظهار حالة الطبقة العاملة‬
‫النجليزية بالمظهر الفضل ل يتكلمون في المعتاد إلّ عن هذه الفئة العليا التي تكون أقلية البروليتاريا‪ ،‬مثل‪« :‬مسألة البطالة‬
‫هي في الدرجة الولى مسألة تمس لندن والفئة البروليتارية السفلى التي ل يقيم لها الساسة وزنا كبيرا…»(‪ .)9‬وكان‬
‫ينبغي أن يقال‪ :‬التي ل تقيم لها الساسة البرجوازيون المبتذلون والنتهازيون «الشتراكيون» وزنا كبيرا‪.‬‬
‫ومن خواص المبريالية المرتبطة بجملة الظواهر التي نصفها انخفاض الهجرة من البلدان المبريالية وازدياد الهجرة (انتقال‬
‫‪54‬‬

‫العمال ونزوحهم) إلى هذه البلدان من بلدان أكثر تأخرا والجور فيها أحط‪ .‬فالهجرة من إنجلترا‪ ،‬كما أشار هوبسون‪،‬‬
‫تتناقص من سنة ‪ :1884‬فقد بلغت في هذه السنة ‪ 242‬ألفا و ‪ 169‬ألفا في سنة ‪ .1900‬والهجرة من ألمانيا قد‬
‫بلغت حدها القصى في عقد سنوات ‪ 1453 :1890-1881‬ألفا‪ ،‬وهبطت في العقدين التاليين إلى ‪ 544‬ألفا وإلى‬
‫‪ 341‬ألفا‪ .‬وبالمقابل ازداد عدد العمال النازحين إلى ألمانيا من النمسا وإيطاليا وروسيا وغيرها‪ .‬فبموجب إحصاء سنة‬
‫‪ 1907‬كان في ألمانيا ‪ 1342294‬أجنبيا منهم ‪ 440800‬من العمال الصناعيين و ‪ 257329‬من العمال‬
‫الزراعيين(‪ )10‬وعمال صناعة الستخراج في فرنسا هم «في قسم كبير منهم» أجانب‪ :‬بولونيون‪ ،‬إيطاليون‪ ،‬اسبانيون(‬
‫‪ .)11‬وفي الوليات المتحدة يشتغل المهاجرون في أوروبا الشرقية والجنوبية في العمال التي تدفع مقابلها أحط الجور‪،‬‬
‫بينما يؤلف العمال المريكان أعلى نسبة من المناظرين ومن العمال الذين يقومون بالعمال التي تدفع مقابلها أعلى الجور(‬
‫‪ )12‬تنزع المبريالية إلى أن تبرز بين العمال أيضا فئات مميزة وإلى فصلها عن الجماهير البروليتارية الغفيرة‪.‬‬
‫وينبغي أن نشير إلى أن نزوع المبريالية إلى شق صفوف العمال وإلى تقوية النتهازية بينهم وإلى إفساد حركة العمال‬
‫مؤقتا قد ظهر في إنجلترا قبل أواخر القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين بزمن طويل‪ .‬وذلك لن سمتين أساسيتين من‬
‫السمات المميزة للمبريالية قد بدتا في إنجلترا منذ منتصف القرن التاسع عشر‪ :‬المستعمرات الشاسعة والوضع الحتكاري‬
‫في السوق العالمية‪ .‬وقد تتبع ماركس وإنجلس بصورة دائمة خلل عدة عقود من السنين هذه الصلة التي تربط النتهازية‬
‫في حركة العمال بالخصائص المبريالية في الرأسمالية النجليزية‪ .‬وقد كتب إنجلس إلى ماركس في ‪ 7‬أكتوبر سنة‬
‫‪« :1858‬في الواقع تتبرجز البروليتاريا النجليزية أكثر فأكثر‪ ،‬ويبدو أن هذه المة الكثر برجوازية بين المم تريد أن‬
‫تكون لديها في نهاية المر إلى جانب البرجوازية الرستقراطية برجوازية وبروليتارية برجوازية‪ .‬وبديهي أن هذا‪ ،‬بمعنى‬
‫معين‪ ،‬أمر منطقي من أمة تستثمر العالم كله»‪ .‬وبعد نحو ربع قرن‪ ،‬في رسالة مؤرخة في ‪ 11‬غشت سنة ‪ ،1881‬يتكلم‬
‫انجلس عن «شر التريديونيوننات النجليزية التي تستسلم لقيادة أناس اشترتهم البرجوازية أو أنها تدفع لهم على القل»‪.‬‬
‫وقد كتب إنجلس في رسالة إلى كاوتسكي مؤرخة في ‪ 12‬من سبتمبر سنة ‪« :1882‬تسألني عن رأي العمال النجليز في‬
‫سياسة حيازة المستعمرات؟ ل يختلف رأيهم عن رأيهم في السياسة بوجه عام‪ .‬هنا ل وجود لحزب العمال‪ ،‬كل ما يوجد هنا‬
‫هما حزب المحافظين وحزب الراديكاليين‪-‬الليبراليين‪ ،‬أمّا العمال فيتمتعون معهم مطمئنين بوضع إنجلترا الحتكاري إزاء‬
‫المستعمرات وبوضعها الحتكاري في السوق العالمية»(‪( .)13‬وقد لخص إنجلس الفكرة نفسها في مقدمة الطبعة الثانية من‬
‫كتاب «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»‪ ،‬سنة ‪.)1892‬‬
‫وقد أشير هنا بوضوح إلى السباب والنتائج‪ .‬السباب‪ )1 :‬استثمار هذا البلد للعالم كله؛ ‪ )2‬وضعها الحتكاري في السوق‬
‫العالمية؛ ‪ )3‬وضعها الحتكاري ازاء المستعمرات‪ .‬النتائج‪ )1 :‬تبرجز قسم من البروليتاريا النجليزية؛ ‪ )2‬ويستسلم قسم‬
‫منها لقيادة أناس اشترتهم البرجوازية أو أنها تدفع لهم على القل‪ .‬لقد انجزت المبريالية في أوائل القرن العشرين تقاسم‬
‫العالم بين حفنة من الدول يستثمر كل منها الن (بمعنى ابتزاز فاحش الرباح) قسما من «العالم كله» ل يكاد يقل عن القسم‬
‫الذي كانت تستثمره إنجلترا في سنة ‪ ،1858‬ويشتغل كل منها وضعا احتكاريا في السوق العالمية بفضل التروستات‬
‫والكارتيلت والرأسمال المالي والعلقات بين الدائن والمدين‪ ،‬ويتمتع كل منها لحد ما بوضع احتكاري إزاء المستعمرات (لقد‬
‫رأينا فيما تقدم أن ‪ 65‬مليون كيلومتر مربع من ‪ 75‬مليونا تؤلف جميع المستعمرات في العالم‪ ،‬أي ‪ ،%86‬مركزة في‬
‫أيدي ست دول وأن ‪ 61‬مليونا‪ ،‬أي ‪ %81‬مركزة في أيدي ثلث دول)‪.‬‬
‫والصفة المميزة للوضع الراهن هي وجود ظروف إقتصادية وسياسية ل بد وأن تزيد من منافاة النتهازية للمصالح العامة‬
‫والجذرية للحركة العمالية‪ :‬فقد نمت المبريالية من جنين إلى نظام سائد‪ ،‬وشغلت الحتكارات الرأسمالية المكان الول في‬
‫القتصاد الوطني والسياسة‪ ،‬وتم حتى النهاية اقتسام العالم؛ ومن الجهة الخرى‪ ،‬بدل من اشغال إنجلترا دون منازع لوضع‬
‫احتكاري‪ ،‬صراعا بين عدد ضئيل من الدول المبريالية من أجل الشتراك في الحتكار‪ ،‬صراعا يميز كامل مرحلة بداية القرن‬
‫العشرين‪ .‬ل يمكن الن أن تكون للنتهازية الغلبة التامة خلل عقود عديدة من السنين ضمن حركة العمال في بلد من‬
‫البلدان‪ ،‬كما تغلبت النتهازية في إنجلترا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر‪ ،‬ولكنها في عدد من البلدان قد نضجت‬
‫بصورة تامة وافرطت في النضوج وتعفنت إذ اندمجت بصورة كاملة بوصفها الشتراكية‪-‬الشوفينية(‪ )14‬في السياسة‬
‫البرجوازية‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫‪55‬‬

.72 ،59 ‫ ص ص‬،Hobson )1(
.‫ وغيرها‬320 ‫ ص‬، ».Schulze-Gaevernitz. «Br. Imp )2(
Sart/ von Walterhausen. «D. Volkswirt. Syst. Etc» B., 1907, Buch )3(
.IV
.393 ‫ ص‬، Schilder )4(
Schulze-Gaevernitz. «Br. Imp.» 122 )5(
11-10 ‫ ص ص‬، Die Bank», 1911,1« )6(
.386 ،335 ،144 ،205 ،103 ‫ ص ص‬، Hobson )7(
Gerhard Hildebrand. «Die Erschütterung der Industrieherrschaft )8(
‫ «تزعزع‬.‫ وما يليها (غيرهارد هيلديبراند‬229 ‫ ص‬،und des Industriesozialismus», 1910
)‫ الناشر‬.»‫سيطرة الصناعة والشتراكية الصناعية‬
Schulze-Gaevernitz. «Br. Imp.», 301 )9(
.211 ‫ مجلد‬،‫ (إحصاءات الدولة اللمانية‬Statistik des Deutchen Reichs; Bd. 211 )10(
)‫الناشر‬
‫ «توظيف‬.‫ (هينغر‬Henger. «Die Kapitalsanlage der Franzosen». St., 1913 )11(
)‫ الناشر‬.1913 ‫ سنة‬،‫ شتوتغارت‬.»‫الرساميل الفرنسية‬
‫ «الهجرة‬.‫ (هورفيتش‬Hourwich. «Immigration and Labour». N. Y.,1913 )12(
.)‫ الناشر‬.1913 ‫ سنة‬،‫ نيويورك‬.»‫والعمل‬
‫ (رسائل ماركس‬Briewechsel von Marx und Engels. Bd. II, S. 290; IV, 433 )13(
K. Kautsky, «Sozialismus-und .)‫ الناشر‬.290 ‫ ص‬،2 ‫ المجلد‬،‫وإنجلس‬
56

‫‪ Kolonialpolitik». Brl., 1907‬ص ‪( 89‬كارل كاوتسكي‪« .‬الشتراكية والسياسة إزاء المستعمرات»‪.‬‬
‫برلين‪ ،‬سنة ‪ .1907‬الناشر)‪ .‬وقد وضع كاوتسكي هذا الكراس في ذلك العهد البعيد قبل أن يرتد عن الماركسية‪.‬‬
‫(‪ )14‬الشتراكية‪-‬الشوفينية الروسية – للسادة بوتريسوف وتشخينكيلي وماسلوف ومن لف لفهم‪ ،‬سواء بشكلها المكشوف‬
‫أو بشكلها المستور (السادة تشخييدزه‪ ،‬سكوبيليف‪ ،‬آكسيلرود‪ ،‬مارتوف من على شاكلتهم) – نشأت كذلك عن نوع روسي‬
‫من النتهازية‪ ،‬نعني تيار التصفية‪.‬‬

‫الفصل التاسع‬
‫انتقاد المبريالية‬
‫نفهم انتقاد المبريالية بمعنى الكلمة الواسع‪ ،‬بمعنى الموقف الذي تقفه من سياسة المبريالية مختلف طبقات المجتمع تبعا‬
‫ليديولوجيتها العامة‪.‬‬
‫إن المقادير الهائلة من الرأسمال المالي المتمركز في عدد ضئيل من اليدي والذي ينشىء شبكة في منتهى الكثافة والسعة‬
‫من العلقات والصلت‪ ،‬هذه الشبكة التي تخضع له جمهورا من الرأسماليين وأصحاب العمال المتوسطين والصغار‪ ،‬بل‬
‫وحتى الصغار جدا‪ ،‬هذا من جهة‪ ،‬ومن الجهة الخرى النضال العنيف ضد فرق الماليين من المم والدول الخرى من أجل‬
‫اقتسام العالم ومن أجل السيطرة على البلدان الخرى – كل ذلك يسبب انتقال جميع الطبقات المالكة أفواجا إلى جانب‬
‫المبريالية‪ .‬الكلف «العام» بمستقبل المبريالية والدفاع عنها بجنون وطليها بما أمكن من المساحيق هي الصفة المميزة‬
‫للزمن‪ .‬وتتغلغل اليديولوجية المبريالية كذلك في طبقة العمال‪ ،‬إذ ليس هناك سور صيني يفصلها عن الطبقات الخرى‪ .‬فإذا‬
‫كان زعماء الحزب الحالي المسمى «الشتراكي‪-‬الديموقراطي» اللماني قد نالوا بحق لقب «الشتراكيين‪-‬المبرياليين»‪ ،‬أي‬
‫الشتراكيين قول والمبرياليين فعل‪ ،‬فقد أشار هوبسون منذ سنة ‪ 1902‬إلى وجود « المبرياليين الفابيين» في إنجلترا‬
‫المنتسبين إلى «الجمعية الفابية» النتهازية‪.‬‬
‫وفي المعتاد يدافع العلماء والصحفيون البرجوازيون عن المبريالية بشكل مستور لحد ما‪ ،‬طامسين سيطرتها التامة‬
‫وجذورها العميقة وباذلين الجهد ليبرزوا في المكان الول التفاصيل الجزئية والثانوية وساعين وراء تحويل النظار عن‬
‫المر الجوهري بتوافه من مشروعات «إصلحات» من نوع وضع التروستات أو البنوك تحت رقابة البوليس وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫أمّا المبرياليون المكشوفون الوقحون الذين يجدون في أنفسهم الجرأة على العتراف بسخافة الفكرة القائلة بإدخال‬
‫إصلحات على خواص المبريالية الساسية فهم يدلون بآرائهم في حالت إندار‪.‬‬
‫نضرب مثل‪ .‬في نشرة «سجلت القتصاد العالمي» يسعى المبرياليون اللمان إلى تتبع سير الحركات التحررية الوطنية في‬
‫المستعمرات‪ ،‬غير اللمانية بوجه خاص‪ ،‬بطبيعة الحال‪ .‬فهم يشيرون إلى حالت السخط والحتجاج في الهند والحركة في‬
‫الناتال (جنوب إفريقيا) وفي الهند الهولندية الخ‪ ..‬وقد تناول أحدهم في مقاله نشرة انجليزية تضمنت محضر مؤتمر المم‬
‫والعروق التابعة الذي عقده من ‪ 28‬إلى ‪ 30‬من يونيو سنة ‪ 1910‬ممثلو مختلف شعوب آسيا ةافريقيا وأوروبا الواقعة‬
‫تحت السيطرة الجنبية وكتب معلقا على الخطابات التي ألقيت في هذا المؤتمر‪« :‬يقال لنا أنه ينبغي النضال ضد المبريالية؛‬
‫إنه ينبغي على الدول المسيطرة أن تعترف بحق الشعوب التابعة في الستقلل؛ إنه ينبغي أن تشرف محكمة دولية على تنفيذ‬
‫المعاهدات المعقودة بين الدول الكبرى والشعوب الضعيفة‪ .‬والمؤتمر ل يخطو أبعد من هذه التمنيات البريئة‪ .‬ونحن لنلحظ‬
‫أي أثر ينم على فهم حقيقة أن المبريالية على صلة ل تنفصم بالرأسمالية في شكلها الراهن وان النضال المباشر ضد‬
‫المبريالية هو‪ ،‬بسبب ذلك(!!)‪ ،‬أمر ل رجاء فيه‪ ،‬فل يبقى لنا غير الكتفاء بأن نهب في وجه بعض الظواهر المقيتة‬
‫بخاصة»(‪ .)1‬ولما كان تقويم أسس المبريالية بالطريقة الصلحية عبارة عن خداع‪ ،‬عن «أمنية بريئة»‪ ،‬ولما كان ممثلو‬
‫المم المظلومة البرجوازيون ل يخطون «أبعد من ذلك» إلى المام‪ ،‬فإن ممثل المة الظالمة البرجوازي يخطو «أبعد من‬
‫ذلك» إلى الوراء‪ ،‬نحو تملق المبريالية تملقا مستورا بأردية «عملية»‪ .‬إنه من «المنطق» كذلك‪ ،‬والحق يقال!‬
‫‪57‬‬

‫إن المسأل الساسية في انتقاد المبريالية هي مسائل ما إذا كان في المكان تغيير أسس المبريالية بالطرق الصلحية‪ ،‬ما‬
‫إذا كان ينبغي السير إلى المام في اتجاه زيادة حدة التناقضات التي تنشأ عنها وتعمقها‪ ،‬أم إلى الوراء‪ ،‬في اتجاه ثلم حدتها‪.‬‬
‫ولما كانت خواص المبريالية السياسية هي الرجعية على طول الخط واشتداد الضطهاد القومي بسبب ظلم الطغمة المالية‬
‫وإزاحة المزاحمة الحرة‪ ،‬فإن المبريالية أخذت تواجهها المعارضة الديموقراطية البرجوازية الصغيرة في جميع البلدان‬
‫المبريالية على وجه التقريب منذ بداية القرن العشرين‪ .‬أمّا تخلي كاوتسكي وتيار الكاوتسكية العالمي الواسع عن‬
‫الماركسية فيتلخص بالضبط في كون كاوتسكي لم يحاول ولم يستطع الصمود أمام هذه المعارضة الصلحية البرجوازية‬
‫الصغيرة‪ ،‬الرجعية من حيث أساسها القتصادي‪ ،‬وليس هذا وحسب‪ ،‬بل‪ ،‬بالعكس‪ ،‬اندمج فيها عمليا‪.‬‬
‫في الوليات المتحدة أثارت الحرب المبريالية ضد اسبانيا في سنة ‪ 1898‬معارضة «مناهضي المبريالية» من بقايا‬
‫العترة الديموقراطية البرجوازية الذين نعتوا هذه الحرب بـ«الجرامية» واعتبروا إلحاق أراضي الغير مخالفة للدستور‬
‫واستنكروا «خداع الشوفينيين» لزعيم شكان الفلبين أغوينالدو (إذ وعدوه بحرية بلده ثم أنزلوا الجيوش المريكية والحقوا‬
‫الفيليبين) واستشهدوا بعبارة لينكولن‪« :‬عندما يحكم أبيض نفسه فهناك حكم ذاتي؛ وعندما يحكم نفسه ويحكم الخرين في‬
‫الوقت نفسه فليس ذلك بالحكم الذاتي‪ ،‬إنه الستبداد»(‪ )2‬ولكن هذا النتقاد برمته يظل «أمنية بريئة» ما دام يخشى‬
‫العتراف بصلة المبريالية الوثقى بالتروستات وعلى ذلك بأسس الرأسمالية‪ ،‬ما دام يخشى التحاد مع القوى التي تنشأ عن‬
‫الرأسمالية الضخمة وتطورها‪.‬‬
‫ول يختلف كذلك الموقف الساسي الذي يقفه هوبسون في انتقاده للمبريالية‪ .‬إن هوبسون قد سبق كاوتسكي إذ وقف ضد‬
‫«حتمية المبريالية» وقال بضرورة «رفع القدرة الستهلكية» لدى السكان (في ظل الرأسمالية!)‪ .‬كذلك يأخذ بوجهة النظر‬
‫البرجوازية الصغيرة في انتقاد المبريالية وجبروت البنوك والطغمة المالية وهلم جرا الكتاب الذين استشهدنا بأقوالهم مرارا‬
‫وتكرارا‪ :‬آغاد‪ ،‬لنسبورغ‪ ،‬ايشفيغه‪ ،‬ومن الكتاب الفرنسيين فكتور بيرار‪ ،‬واضع الكتاب السطحي المعنون «إنجلترا و‬
‫المبريالية» والصادر في سنة ‪ .1900‬وهؤلء جميعا‪ ،‬دون أن يدعوا الماركسية قط‪ ،‬يعارضون المبريالية بالمزاحمة‬
‫الحرة والديموقراطية ويستنكرون مشروع سكة حديد بغداد الذي يؤدي إلى النزاعات والحرب ويعلنون «أمنيات بريئة»‬
‫بشأن السلم وما شاكل ذلك – وفيهم كذلك احصائي الصدارات الدولية أ‪ .‬نيمارك الذي حسب مئات المليارات من الفرنكات‬
‫التي تؤلف القيم «الدولية» وصاح في سنة ‪ 1912‬هاتفا‪ :‬أيسعنا أن نتصور بأن في بالمكان تعكير السلم؟‪ ..‬بأن في‬
‫المكان حيال هذه الرقام الهائلة المجازفة بإثارة الحرب؟»(‪.)4‬‬
‫إن هذه السداجة من جانب القتصاديين البرجوازيين ل تدهش؛ من مصلحتهم‪ ،‬عدا ذلك‪ ،‬التظاهر بالسذاجة لهذا الحد والكلم‬
‫«بلهجة الجد» عن السلم في ظل المبريالية‪ .‬ولكن ماذا تبقى من الماركسية عند كاوتسكي عندما أخذ في سنوات ‪،1914‬‬
‫‪ ،1916 ،1915‬بوجهة نظر الصلحيين البرجوازيين نفسها وأكد أن «الجميع متفقون» (المبرياليون وأدعياء‬
‫الشتراكية والشتراكيون المسالمون) بشأن السلم؟ فبدل من تحليل المبريالية والكشف عن عمق تناقضاتها‪ ،‬ل نرى إلّ‬
‫«المنية البريئة» الصلحية في التغاضي عن هذه التناقضات وإغراقها في لجة الكلم‪.‬‬
‫وهاكم نموذجا من نقد كاوتسكي للمبريالية من الناحية القتصادية‪ .‬إنه يتناول إحصاءات عن صادرات إنجلترا إلى مصر‬
‫ومستورداتها منها في سنتي ‪ 1872‬و ‪1912‬؛ ويبدو أن نمو هذه الصادرات والواردات هو أضعف من نمو صادرات‬
‫وواردات إنجلترا بوجه عام‪ .‬ويخلص كاوتسكي إلى هذه النتيجة‪« :‬ليس لدينا من داع يحملنا على الظن أن التجارة مع مصر‬
‫بدون احتللها عسكريا تنمو بصورة أبطأ تحت تأثير العوامل القتصادية وحدها»‪« .‬إن رغبات الرأسمال في التوسع» يمكن‬
‫بلوغها بأفضل شكل عن طريق الديموقراطية السلمية‪ ،‬ل عن طريق القسر المبريالية»(‪.)5‬‬
‫إن تعديلت كاوتسكي هذه التي يرددها بشتى النغمات حامل أسلحة الروسي (والمستر الروسي للشتراكيين‪-‬الشوفينيين)‬
‫السيد سبيكتاتور هي الساس الذي يقوم عليه النقد الكاوتسكي للمبريالية‪ ،‬ولذا ينبغي أن نتناولها بتفصيل‪ .‬ولنبدأ بفقرة من‬
‫هلفيردينغ الذي أعلن كاوتسكي مرارا وتكرارا‪ ،‬بما في ذلك في أبريل سنة ‪ ،1915‬أن استنتاجاته «قبلت بالجماع من‬
‫جانب النظريين الشتراكيين»‪.‬‬
‫كتب هيلفردينغ‪« :‬ل يليق بالبروليتاريا أن تعارض السياسة الرأسمالية الكثر تقدمية بسياسة انصرم عهدها هي سياسسة‬
‫عهد التجارة الحرة وموقف العداء من الدولة‪ .‬إن جواب البروليتاريا على السياسة القتصادية التي يمارسها الرأسمال‬
‫‪58‬‬

‫المالي‪ ،‬على المبريالية‪ ،‬ل يمكن أن يكون التجارة الحرة‪ ،‬بل الشتراكية وحدها‪ .‬والمثال العلى يمكنه الن أن يكون هدفا‬
‫للسياسة البروليتارية ليس بعث المزاحمة الحرة – وقد غدا الن مثل أعلى رجعيا – بل فقط القضاء التام على المزاحمة عن‬
‫طريق إزالة الرأسمالية»(‪)6‬‬
‫لقد تخلى كاوتسكي عن الماركسية بدفاعه في عصر الرأسمال المالي عن «مثل أعلى رجعي»‪ ،‬عن «الديموقراطية‬
‫السلمية»‪ ،‬وعن «تأثير العوامل القتصادية وحدها»‪ – ،‬لن هذا المثل العلى يجر موضوعيا إلى الوراء‪ ،‬من الرأسمالية‬
‫الحتكارية إلى الرأسمالية غير الحتكارية‪ ،‬ولنه خدعة إصلحية‪.‬‬
‫إن التجارة مع مصر (أو مع أية مستعمرة أو شبه مستعمرة أخرى) «يمكنها أن تنمو» بصورة أسرع بدون احتلل عسكري‪،‬‬
‫بدون إمبريالية‪ ،‬بدون رأسمال مالي‪ .‬ما معنى ذلك؟ أيعني ذلك أن الرأسمالية كانت تنمو بسرعة أكبر إذا لم تقيد المزاحمة‬
‫الحرة ل بالحتكارات بوجه عام‪ ،‬ول بـ«صلت» أو ظلم الرأسمال المالي (أي الحتكارات مرة أخرى) ول باحتكار بعض‬
‫البلدان لحيازة المستعمرات؟‬
‫ل يمكن أن يكون لتعديلت كاوتسكي معنى آخر‪ ،‬وهذا «المعنى» هو لغو‪ .‬فلنقل‪ ،‬نعم‪ ،‬فلنقل أن المزاحمة الحرة بدون أي‬
‫احتكار مهما كان نوعه‪ ،‬يمكنها أن تنمي الرأسمالية بصورة أسرع‪ ،‬كلما اشتد تمركز النتاج والرأسمال‪ ،‬التمركز الذي يولد‬
‫الحتكار‪ .‬ولكن الحتكارات قد ولدت‪ ،‬ومن المزاحمة الحرة بالضبط! وحتى إذا كانت الحتكارات قد أخذت الن تؤخر النمو‪،‬‬
‫فذلك ليس على كل حال بحجة في صالح المزاحمة الحرة التي غذت أمرا مستحيل بعد أن أنجبت الحتكارات‪.‬‬
‫وكيفما قلب المرء تعليلت كاوتسكي ل يجد فيها شيئا آخر سوى الرجعية والصلحية البرجوازية‪.‬‬
‫وإذا اصلحنا هذا التعليل وقلنا ما يقوله سبيكتاتور‪ :‬إن نمو تجارة المستعمرات النجليزية مع إنجلترا أبطأ منه الن مع‬
‫البلدان الخرى‪ ،‬فذلك أيضا ل ينقد كاوتسكي‪ .‬لن ما يتغلب على إنجلترا هو أيضا الحتكار‪ ،‬هو أيضا المبريالية‪ ،‬ولكن‬
‫احتكار وإمبريالية بلد آخر (أمريكا‪ ،‬ألمانيا)‪ .‬ومن المعروف أن الكارتيلت قد أفضت إلى رسوم جمركية وقائية من طراز‬
‫آخر فريد في بابه‪ :‬تقي بالضبط (وقد أشار إلى ذلك إنجلس نفسه في المجلد الثالث من «رأس المال») تلك المنتوجات التي‬
‫يمكن تصديرها‪ .‬ومن المعروف أيضا أن الطريقة الملزمة للكارتيلت والرأسمال المالي هي «التصدير بأسعار زهيدة»‪،‬‬
‫«إغراق السواق» كما يقول النجليز‪ :‬يبيع الكارتيل منتوجاته في داخل البلد بأسعار احتكارية مرتفعة‪ ،‬ويصرفها في‬
‫الخارج بسعر بخس‪ ،‬بقصد سحق المزاحمين وبقصد توسيع إنتاجه للحد القصى والخ‪ ..‬فإذا كانت ألمانيا تنمي تجارتها مع‬
‫المستعمرات النجليزية؛ فإن ذلك ل يبرهن إلّ على أنها أرقى من النجليزية؛ ولكنه ل يبرهن أبدا على «تفوق» التجارة‬
‫الحرة‪ ،‬لننا لسنا إزاء صراع بين المزاحمة الحرة والتبعية الستعمارية‪ ،‬بل إزاء صراع بين إمبريالية وأخرى‪ ،‬احتكار‬
‫وآخر‪ ،‬رأسمال مالي وآخر‪ .‬إن تفوق المبريالية اللمانية على النجليزية أقوى من جدار حدود المستعمرات أو من الرسوم‬
‫الجمركية الوقائية‪ :‬أن يستنتج المرء من ذلك «حجة» لصالح التجارة الحرة و«الديموقراطية السلمية» فذلك إبتذال ونسيان‬
‫لسمات وخصائص المبريالية الساسية والستعاضة عن الماركسية بأصلحية البرجوازية الصغيرة‪.‬‬
‫ويستدعي النتباه واقع أن القتصادي البرجوازي لنسبورغ نفسه الذي ينتقد المبريالية من وجهة نظر برجوازي صغير‪،‬‬
‫على غرار كاوتسكي‪ ،‬قد أخذ مع ذلك بدراسة أرقام الحصاءات التجارية بصورة أقرب إلى العلم‪ .‬فهو لم يقتصر على بلدما‬
‫اختاره اعتباطيا‪ ،‬وعلى مستعمرة بوجه الدقة للمقارنة مع البلدان الخرى‪ ،‬ولكنه قارن صادرات بلد امبريالية إلى ‪ )1‬بلدان‬
‫تابعة لها ماليا‪ ،‬تستدين منها النقود و ‪ )2‬البلدان المستقلة ماليا‪ .‬وكانت النتيجة ما يلي‪:‬‬
‫صادرات ألمانيا (بمليارات الماركات)‬
‫سنة ‪ 1889‬سنة ‪ 1908‬الزيادة بالنسبة المئوية‬
‫إلى البلدان التابعة ماليا للمانيا رومانيا ‪%47+ 70.8 48.2‬‬
‫البرتغال ‪%73+ 32.8 19.0‬‬
‫الرجنتين ‪%143+ 147.0 60.7‬‬
‫البرازيل ‪%73+ 84.5 48.7‬‬
‫الشيلي ‪%85+ 52.4 28.3‬‬
‫‪59‬‬

‫تركيا ‪%114+ 64.0 29.9‬‬
‫المجموع ‪%92+ 451.5 234.8‬‬
‫إلى البلدان المستقلة ماليا عن ألمانيا بريطانيا العظمى ‪%53+ 997.4 651.8‬‬
‫فرنسا ‪%108+ 438.9 210.2‬‬
‫بلجيكا ‪%135+ 322.8 137.2‬‬
‫سويسرا ‪%127+ 401.1 177.4‬‬
‫أوستراليا ‪%205+ 64.5 21.2‬‬
‫الهند الهولندية ‪%363+ 40.7 8.8‬‬
‫المجموع ‪%87+ 2264.4 1206.6‬‬
‫لم يحص لنسبورغ الحاصل ولذا غاب عنه بشكل يدعو للستغراب أن هذه الرقام إذا كانت تبرهن على شيء فإنما ضده‬
‫وحسب‪ ،‬ذلك لن التصدير إلى البلدان التابعة ماليا قد نما على كل حال بصورة أسرع منه إلى البلدان المستقلة ماليا‪ ،‬وإن‬
‫كانت هذه الزيادة طفيفة (وقد أشرنا إلى كلمة «إذا» لن إحصاءات لنسبورغ ليست وافية أبدا)‪.‬‬
‫وقد كتب لنسبورغ متتبعا صلة التصدير بالقروض وقال‪:‬‬
‫«في سنة ‪ 1891-1890‬عقد القرض الروماني بواسطة البنوك اللمانية التي كانت قد قدمت في السنوات السابقة سلفا‬
‫على حساب هذا القرض‪ .‬وقد استخدم القرض بالدرجة الولى لشراء لوازم السكك الحديدية التي استوردت من ألمانيا‪ .‬وفي‬
‫سنة ‪ 1891‬بلغت صادرات ألمانيا إلى رومانيا ‪ 55‬مليون مارك‪ .‬وفي السنة التي تلت هبطت هذه الصادرات إلى ‪39.4‬‬
‫مليونا واستمرت في الهبوط بالتدريج إلى ‪ 25.4‬مليونا سنة ‪ ،1900‬ولم تبلغ الصادرات مستوى سنة ‪ 1891‬إلّ في‬
‫السنوات الخيرة وبفضل قرضين جديدين‪.‬‬
‫وبنتيجة قروض سنة ‪ 1889-1888‬ارتفعت صادرات ألمانيا إلى البرتغال حتى ‪ 21.2‬مليونا (في سنة ‪ ،)1890‬ثم‬
‫هبطت في السنتين التاليتين إلى ‪ 16.2‬مليونا‪ ،‬و ‪ 7.4‬مليين‪ ،‬ولم تبلغ مستواها السابق إلّ في سنة ‪.1903‬‬
‫وأرقام التجارة اللمانية‪-‬الرجنتينية أوضح دللة‪ .‬فبنتيجة قروض سنتي ‪ 1888‬و ‪ 1890‬بلغي صادرات ألمانيا إلى‬
‫الرجنتين في سنة ‪ 70.7 – 1889‬مليونا‪ .‬وبعد مضي سنتين لم تؤلف هذه الصادرات إلّ ‪ 18.6‬مليونا‪ ،‬أي أقل من‬
‫ثلث الرقم السابق‪ .‬ولم تبلغ مستوى سنة ‪ 1889‬وتتجاوزه إلّ في سنة ‪ ،1901‬المر الذي اقترن بقروض جديدة للدولة‬
‫وللبلديات وبسلف نقدية لبناء مصانع الكهرباء واعتمادات أخرى‪.‬‬
‫ونتيجة قرض سنة ‪ 1889‬ارتفعت الصادرات إلى شيلي حتى ‪ 45.2‬مليونا (وفي سنة ‪ )1892‬ثم هبطت بعد سنة إلى‬
‫‪ 22.5‬مليونا‪ .‬وبعد قرض جديد عقد بواسطة البنوك اللمانية في سنة ‪ 1906‬ارتفعت الصادرات إلى ‪ 84.7‬مليونا‬
‫(في سنة ‪ ،)1907‬لتهبط بعد ذلك إلى ‪ 52.4‬مليونا في سنة ‪.)7(»1908‬‬
‫يخلص لنسبورغ من هذه الوقائع إلى عظة أخلقية برجوازية صغيرة مسلية‪ :‬ما أقل ثبات واستقرار التصدير المقترن‬
‫بالقروض؛ ما أسوأ تصدير الرساميل إلى الخارج بدل من تنمية الصناعة الوطنية بصورة «طبيعية» «منسجمة»؛ ما «أكثر‬
‫ما تكلف» كروب هذه البقاشيش العديدة المليين لمناسبة عقد القروض الجنبية وهلم جرا‪ .‬بيد أن الوقائع تقول بوضوح‪:‬‬
‫إن ارتفاع الصادرات مرتبط بالضبط بألعيب الرأسمال المالي الذي ل يعبأ عند عقد صفقاته بالخلق البرجوازية ويسلخ جلد‬
‫الثور مرتين‪ :‬أول‪ ،‬ربح القرض؛ وثانيا‪ ،‬ربح القرض نفسه عندما يستخدم لشراء منتجات كروب أو لوازم السكك الحديدية‬
‫من سينديكا الفولذ‪ ،‬الخ‪..‬‬
‫نكرر‪ .‬نحن ل نعتقد البتة أن احصاءات لنسبورغ هي عين الكمال‪ ،‬ولكننا كنا ملزمين بإيرادها لنها أقرب إلى العلم من‬
‫احصاءات كاوتسكي وسبيكتاتور؛ ذلك لن لنسبورغ يرسم الطريقة الصحيحة لتناول الموضوع‪ .‬فلكي يبحث المرء دور‬
‫الرأسمال المالي في أمر التصدير وهلم جرا ينبغي عليه أن يحسن رؤية صلة التصدير بوجه خاص وفقط بألعيب الماليين‪،‬‬
‫‪60‬‬

‫بوجه خاص وفقط بتصريف منتوجات الكارتيلت الخ‪ ..‬أمّا مجرد مقارنة المستعمرات بوجه عام بغير المستعمرات‪ ،‬امبريالية‬
‫بامبريالية أخرى‪ ،‬شبه مستعمرات أو مستعمرة (مصر) بجميع البلدان الخرى فذلك يعني بالضبط تجنب جوهر القضية‬
‫وطمسه‪.‬‬
‫ما من جامع يجمع بالماركسية النقد الذي يوجهه كاوتسكي للمبريالية‪ ،‬وهذا النقد ل يصلح إلّ كتوطئة للتبشير بالسلم‬
‫والوحدة مع النتهازيين والشتراكيين‪-‬الشوفينيين‪ ،‬لن هذا النقد يتحاشى ويطمس بالضبط تناقضات المبريالية الجذرية‬
‫والكثر عمقا‪ :‬التناقض بين الحتكارات و المزاحمة الحرة القائمة إلى جانبها‪ ،‬بين «عمليات» الرأسمال المالي الهائلة‬
‫(وأرباحه الهائلة) والتجارة «الشريفة» في السوق الحرة‪ ،‬بين الكارتيلت والتروستات من جانب والصناعة غير المنضمة‬
‫للكارتيلت مع الجانب الخر‪ ،‬الخ‪..‬‬
‫وبمثل هذا الطابع الرجعي بالضبط تتسم كذلك نظرية « المبريالية العليا» السيئة الصيت التي لفقها كاوتسكي‪ .‬قارنوا بين‬
‫تعليلته حول هذا الموضوع في ‪ 1915‬وتعليلت هوبسون في سنة ‪:1902‬‬
‫كاوتسكي‪…« :‬هل يمكن أن تزاح السياسة المبريالية الراهنة بسياسة جديدة‪ ،‬سياسة المبريالية العليا الولترا‪-‬امبريالية‬
‫‪ )ultra-imperialisme‬التي تحل محل الصراع بين الرساميل المالية الوطنية استثمار العالم كله بصورة مشتركة‬
‫من قبل رأسمال مالي عالمي موحد؟ إم مثل هذه المرحلة الجديدة في الرأسمالية أمر معقول على كل حال‪ .‬وهل يمكن‬
‫تحقيقها؟ ل توجد بعد الممهدات الكافية لحل هذه المسألة»(‪)8‬‬
‫هوبسون‪« :‬إن المسيحية التي استقرت في عدد قليل من المبراطوريات التحادية الكبرى التي توجد في حوزة كل منها‬
‫جملة من المستعمرات غير المتمدنة التابعة هي في نظر الكثيرين تطور للنزاعات الراهنة طبيعي ول أكثر‪ ،‬تطور يبعث أكبر‬
‫المال في اسقرار سلم دائم على أساس وطيد من المبريالية الوسطية» (النتر‪-‬امبريالية ‪inter-‬‬
‫‪.)imperialisme‬‬
‫لقد أطلق كاوتسكي اسم المبريالية العليا أو ما فوق المبريالية على ما أسماه هوبسون قبله بثلثة عشر سنة بالمبريالية‬
‫الوسطية أو ما بين المبريالية‪ .‬وباستثناء ابتداع كلمة جديدة عويصة عن طريق استبدال حرف لتيني بآخر‪ ،‬يتلخص تقدم‬
‫الفكرة «العلمية» عند كاوتسكي في مجرد محاولته أن يظهر بمظهر الماركسية ما وصفه هوبسون بأنه‪ ،‬في الجوهر‪ ،‬من‬
‫نفاق القساوسة النجليز‪ .‬فبعد الحرب النجليزية البويرية كان من الطبيعي تماما أن توجه هذه الفئة الفائقة الحترام جل‬
‫جهودها إلى تعزية صغار البرجوازيين والعمال النجليز الذين قتل عدد كبير منهم في المعارك التي دارت في جنوب إفريقيا‬
‫ودفعوا الضرائب الباهظة لضمان أرباح أكبر للماليين النجليز‪ .‬وهل ثمة تعزية أفضل من أن يقال أن المبريالية ليست رديئة‬
‫لهذا الحد وأنها قريبة من أن تصبح إمبريالية وسطية (أو إمبريالية عليا) يمكنها أن تضمن السلم الدائم؟ ومهما كانت‬
‫حسنة نوايا القساوسة النجليز أو نوايا كاوتسكي المعسول فإن المغزى الموضوعي‪ ،‬أي الجتماعي الحقيقي‪« ،‬لنظريته» هو‬
‫واحد ل غير‪ :‬منتهى الرجعية في تعزية الجماهير بآمال عن إمكان سلم دائم في ظل الرأسمالية عن طريق تحويل النظار‬
‫عن تناقضات العصر الحادة وقضاياه الشائكة وتوجيه النظار إلى آمال خُلب عن اقتراب «إمبريالية عليا» جديدة موهومة‪.‬‬
‫إن نظرية كاوتسكي «الماركسية» ل تتضمن شيئا على الطلق اللهم إلّ خداع الجماهير‪.‬‬
‫وفي الحقيقة‪ ،‬حسب المرء أن يقارن بوضوح بين الوقائع التي يعرفها الجميع والتي ل تقبل الجدال لكيما يقتنع بمدى بطلن‬
‫المال التي يحاول كاوتسكي أن يوهم بها العمال اللمان (وعمال جميع البلدان)‪ .‬فلنأخذ الهند والهند الصينية والصين‪ .‬من‬
‫المعروف أن هذه البلدان الثلثة المستعمرة والشبه المستعمرة التي يبلغ عدد سكانها ‪ 600‬أو ‪ 700‬مليون نسمة تتعرض‬
‫للستثمار من قبل الرأسمال المالي في عدد من الدول المبريالية‪ :‬إنجلترا‪ ،‬فرنسا‪ ،‬اليابان‪ ،‬الوليات المتحدة والخ‪..‬‬
‫فلنفترض أن هذه البلدان المبريالية تؤلف الحلف بعضها ضد بعض بقصد صيانة أو توسيع ممتلكاتها ومصالحها‬
‫و«مناطق نفوذها» في هذه الدول السيوية المذكورة‪ .‬وستكون هذه الحلف «إمبريالية وسطية» أو«إمبريالية عليا»‪.‬‬
‫ولنفترض أن جميع الدول المبريالية تؤلف حلفا لقتسام البلدان السيوية المذكورة بطريق «سلمي»‪ .‬وسيكون ذلك‬
‫«الرأسمال المالي العالمي الموحد»‪ .‬وثمة في تاريخ القرن العشرين أمثلة واقعية على مثل هذا الحلف‪ ،‬مثل‪ ،‬في علقات‬
‫الدول إزاء الصين‪ .‬نتسائل‪ ،‬هل من «المعقول» أن يفترض في ظرف بقاء الرأسمالية (وهو بالضبط الظرف الذي يفترضه‬
‫كاوتسكي) أن تكون هذه الحلف لجال غير قصيرة؟ وأن تزيل الحتكاكات والنزاعات والصراع بجميع الشكال الممكنة؟‬
‫وما أن يطرح السؤال بوضوح حتى يظهر أن الجواب ل يمكن أن يكون إلّ سلبيا‪ .‬لن من غير المعقول في ظل الرأسمالية‬
‫‪61‬‬

‫أن يكون هناك أساس لتقاسم مناطق النفوذ والمصالح والمستعمرات والخ‪ ،.‬غير مراعاة درجة قوة المشتركين في التقاسم‪،‬‬
‫وقوتهم القتصادية العامة والمالية والعسكرية وهلم جرا‪ .‬بيد أن القوة تتغير بصورة متفاوتة لدى هؤلء المشتركين في‬
‫التقاسم‪ ،‬لن تطور كل من المشاريع والتروستات وفروع الصناعة والبلدان يستحيل أن يكون متساويا في ظل الرأسمالية‪.‬‬
‫منذ نصف قرن كانت ألمانيا بلدا تافها إذا قورنت قوتها الرأسمالية بقوة إنجلترا في ذلك العهد؛ وكذلك اليابان بالمقارنة مع‬
‫روسيا‪ .‬فهل «من المعقول» أن نتصور أن نسبة القوى بيم الدول المبريالية ستبقى دون تغير بعد عقد أو آخر من السنين؟‬
‫ل يمكن تصور ذلك على الطلق‪.‬‬
‫ولذا فإن أحلف « المبريالية الوسطية» أو « المبريالية العليا»‪ ،‬كيفما كان شكل عقد هذه الحلف‪ :‬بشكل ائتلف امبريالي‬
‫ضد ائتلف إمبريالي آخر‪ ،‬أو بشكل حلف عام بين جميع الدول المبريالية‪ ،‬ليست على التأكيد – في الواقع الرأسمالي‪ ،‬ل في‬
‫الوهام البرجوازية الصغيرة الحقيرة التي تبتدعها مخيلت القساوسة النجليز أو « الماركسي» اللماني كاوتسكي – إلّ‬
‫«فترات تنفس» بين الحروب‪ .‬إن الحلف السلمية تحضر الحرب وتنشأ بدورها عن الحروب‪ ،‬مشترطة بعضها بعضا‬
‫ومكونة تغير أشكال الصراع السلمي وغير السلمي على أساس واحد ل يتغير هو الصلت والعلقات المبريالية على صعيد‬
‫القتصاد العالمي والسياسة العالمية‪ .‬أمّا كاوتسكي المتحذلق‪ ،‬فلكيما يطمئن العمال ويوفق بينهم وبين الشتراكيين‪-‬‬
‫الشوفينيين الذين انتقلوا إلى جانب البرجوازية‪ ،‬يفصل من سلسلة بعينها حلقة عن أخرى‪ ،‬يفصل حلف جميع الدول السلمي‬
‫الراهن (المبريالي العلى وإن شئت المبريالي أعلى العلى) القائم لـ«تهدئة» الصين (تذكروا قمع انتفاضة البوكسر) عن‬
‫النزاع غير السلمي غدا والذي يهيئ لبعد غد مرة أخرى حلفا «سلميا» لقتسام‪ ،‬لنقل مثل‪ ،‬تركيا والخ‪ ،.‬الخ‪ ..‬وبدل من‬
‫الصلة الحية بين مراحل السلم المبريالي ومراحل الحروب المبريالية يقدم كاوتسكي للعمال وهما ميتا ليوفق بينهم وبين‬
‫زعمائهم الموتى‪.‬‬
‫يشير المريكي هيل في مقدمة كتابه «تاريخ الديبلوماسية الحديث‪ )1 :‬عصر الثورة؛ ‪ )2‬الحركة الدستورية؛ ‪ )3‬عصر «‬
‫المبريالية التجارية»(‪ )9‬في أيامنا‪ .‬وثمة كاتب يقسم تاريخ «السياسة العالمية» التي مارستها بريطانيا العظمى من سنة‬
‫‪ 1870‬إلى أربع مراحل‪ )1 :‬السوي الول (مقاومة تقدم روسيا في آسيا الوسطى باتجاه الهند)؛ ‪ )2‬الفريقية (سنوات‬
‫‪ 1902-1885‬على وجه التقريب) – الصراع مع فرنسا من أجل اقتسام افريقيا («فاشوده سنة ‪ – 1898‬الحرب مع‬
‫فرنسا قاب قوسين أو أدنى)؛ ‪ )3‬السيوية الثانية (المعاهدة مع اليابان ضد روسيا) و ‪« )4‬الوروبية»‪ ،‬ضد ألمانيا في‬
‫الدرجة الولى(‪ .)10‬في سنة ‪ 1905‬كتب ريسر «الشخصية» المعروفة في عالم البنوك‪ ،‬قائل‪« :‬المناوشات السياسية‬
‫بين الطلئع تجري على الصعيد المالي»‪ ،‬مبنيا بذلك كيف حضر الرأسمال المالي الفرنسي العامل في إيطاليا الحلف السياسي‬
‫بين البلدين وكيف اشتد الصراع بين ألمانيا وانجلترا من أجل بلد فارس والصراع بين جميع الرساميل الوروبية من أجل‬
‫تقديم القروض للصين والخ‪ ..‬وها هو ذا الواقع العملي لحلف « المبريالية العليا» السلمية في صلتها الوثقى بالنزاعات‬
‫المبريالية العادية‪.‬‬
‫إن طمس كاوتسكي لعمق تناقضات المبريالية‪ ،‬المر الذي يؤول حتما إلى تجميل وجه المبريالية‪ ،‬يترك أثره كذلك على‬
‫انتقاد هذا الكاتب لخصائص المبريالية السياسية‪ .‬المبريالية هي عهد الرأسمال المالي والحتكارات التي تحمل في كل مكان‬
‫النزعة إلى السيطرة‪ ،‬ل إلى الحرية‪ .‬ونتائج هذه النزعة هي الرجعية على طول الخط في ظل جميع النظم السياسية وتفاقم‬
‫التناقضات لقصى حد كذلك في هذا الحقل‪ .‬يشتد بوجه خاص كذلك الظلم القومي السعي إلى اللحاق‪ ،‬أي اعتداء على‬
‫الستقلل الوطني (ذلك لن اللحاق ليس إلّ انتهاك حق المم في تقرير مصيرها)‪ .‬ويشير هيلفردينغ‪ ،‬وهو على حق‪ ،‬إلى‬
‫الصلة بين المبريالية واشتداد الظلم القومي بقوله‪« :‬أمّا فيما يخص البلدان المكشوفة حديثا فإن الرأسمال المصدر يشدد‬
‫فيها التناقضات ويثير ضد الدخلء مقاومة تشتد على الدوام من جانب الشعوب التي يستيقظ وعيها الوطني؛ وبإمكان هذه‬
‫المقاومة أن تتحول بسهولة إلى تدابير خطرة موجهة ضد الرأسمال الجنبي‪ .‬وتتحول العلقات الجتماعية القديمة تحول‬
‫ثوريا جذريا؛ تنهار العزلة الزراعية التي استمرت ألوف السنين لدى هذه «المم الموضوعة خارج التاريخ»‪ ،‬وتجذب هذه‬
‫المم إلى الدوامة الرأسمالية‪ .‬والرأسمالية نفسها تقدم شيئا فشيئا للمستعبدين الوسائل والساليب للتحرر‪ .‬فيضعون نصب‬
‫عيونهم ذلك الهدف الذي كانت ترى فيه المم الوروبية فيما مضى الهدف السمى‪ ،‬أي إنشاء دولة قومية موحدة باعتبارها‬
‫وسيلة للحرية القتصادية والثقافية‪ .‬وهذه الحركة الطامحة إلى الستقلل تهدد الرأسمال الوروبي في أهم ميادين الستثمار‬
‫التي تبشر بأزهى المال؛ ول يستطيع الرأسمال الوروبي الحتفاظ بسيطرته إلّ بزيادة قواته العسكرية بصورة دائمة»*‪.‬‬
‫وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن المبريالية تفضي إلى اللحاق وإلى تفاقم الظلم القومي؛ وبالتالي إلى اشتداد المقاومة ليس‬
‫فقط في البلدان المكتشفة حديثا‪ ،‬بل كذلك القديمة‪ .‬إن كاوتسكي‪ ،‬إذ يعارض تقوية المبريالية للرجعية السياسية‪ ،‬يحجب‬
‫مسألة غدت في منتهى الهمية‪ ،‬هي مسألة استحالة الوحدة مع النتهازيين في عهد المبريالية‪ .‬وهو‪ ،‬إذ يعارض اللحاق‪،‬‬
‫‪62‬‬

‫يعطي حججه الشكل القل إساءة للنتهازيين والذي يتقبلونه بأكبر سهولة‪ .‬وهو يتوجه مباشرة إلى القراء اللمان ويطمس‬
‫مع ذلك المر الهم‪ ،‬مسألة الساعة مثل‪ ،‬إن اللزاس واللورين قد ألحقتا بألمانيا‪ .‬وبغية تقييم هذا «التجاه في تفكير»‬
‫كاوتسكي نضرب المثل التالي‪ .‬فلنفرض أن يابانيا يشجب إلحاق المريكيين للفليبين‪ .‬نتساءل‪ :‬هل ثمة كثيرون يصدقون أن‬
‫ذلك ناشئ عن عدائه لللحاق بوجه عام‪ ،‬ل عن رغبته في أن يلحق الفلبين هو نفسه؟ أولسنا مضطرين إلى العتراف بأن‬
‫«نضال» الياباني ضد اللحاق ل يمكن أن يعتبر نزيها وشريفا من الناحية السياسة إلّ في حالة ما إذا وقف ضد إلحاق‬
‫اليابان‪ ،‬إلّ في حالة ما إذا طالب لكوريا بحرية النفصال عن اليابان؟‬
‫إن تحليل كاوتسكي للمبريالية من الناحية النظرية وانتقاده لها من الناحية القتصادية وكذلك السياسية هما مشبعان‬
‫برمتهما بروح تتجافى مع الماركسية كل التجافي‪ ،‬بروح طمس وتخفيف أهم التناقضات والسعي مهما كلف المر إلى البقاء‬
‫على الوحدة المتداعية مع النتهازيين في الحركة العمالية الوروبية‪.‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪ ، Weltwirschaftliches Archiv, Bd. II )1‬ص ‪( 193‬سجلت القتصاد العالمي‪ ،‬المجلد ‪. 2‬‬
‫الناشر)‪.‬‬
‫(‪ ، J. Patoillet «L’impérialisme américain». Dijon, 1904 )2‬ص ‪( 272‬ج‪ .‬باتوييه‪.‬‬
‫«المبريالية المريكية»‪ .‬ديجون‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪Bulleyin de l’institut international de statistique, T. XIX, livr. II. )3‬‬
‫‪( P.225‬نشرة معهد الحصاء العالمي‪ ،‬مجلد ‪ ،19‬جزء ‪ ،2‬ص ‪ .225‬الناشر)‬
‫(‪Kautsky . «Nationlstaat, imperialistischer Staat und Staatenbund». )4‬‬
‫‪ ، Nürnberg. 1915‬ص ص ‪ 82‬و ‪( 80‬كاوتسكي‪« .‬الدولة الوطنية‪ ،‬والدولة المبريالية وحلف الدول»‪.‬‬
‫نورنبرغ‪ .‬الناشر)‪.‬‬
‫(‪« )5‬الرأسمال المالي» ص ‪.567‬‬
‫(‪ ,Die Bank», 1909, 2« )6‬ص ‪ 819‬وما يليها‪.‬‬
‫(‪ Neue Zeit» ، 30« )7‬أبريل ‪ ،1915‬ص ‪.144‬‬
‫(‪David Jayune Hill. «A History of Diplomacy in the international )8‬‬
‫‪( development of Europe, vol. I, p. X‬دافيد جين هيل‪« .‬تاريخ الديبلوماسية في تطور أوروبا‬
‫العالمي»‪ ،‬مجلد ‪ ،1‬ص ‪ .10‬الناشر)‬
‫(‪ ،Schilder )9‬المؤلف المذكور‪ .‬ص ‪.187‬‬
‫‪63‬‬

‫(‪« )10‬الرأسمال المالي» ص ‪..487‬‬

‫الفصل العاشر‬
‫مكان المبريالية في التاريخ‬
‫لقد رأينا أن المبريالية‪ ،‬من حيث كنهها القتصادي‪ ،‬هي الرأسمالية الحتكارية‪ .‬وهذا ما يحدد بحد ذاته مكان المبريالية في‬
‫التاريخ لن الحتكار الذي نشأ على صعيد المزاحمة الحرة وعن المزاحمة الحرة بالضبط هو انتقال من النظام الرأسمالي إلى‬
‫نظام اقتصادي اجتماعي أعلى‪ .‬وينبغي أن نشير بوجه خاص إلى أنواع الحتكار الرئيسية الربعة أو إلى أربعة مظاهر‬
‫رئيسية للرأسمالية الحتكارية تميز العهد الذي نحن بصدده‪.‬‬
‫أول نشأ الحتكار عن تمركز النتاج البالغ درجة عالية جدا في تطوره‪ .‬وهذا هو اتحادات الرأسماليين الحتكارية‪،‬‬
‫الكارتيلت‪ ،‬السنديكات والتروستات‪ .‬وقد رأينا مدى جسامة الدور الذي تلعبه في الحياة القتصادية الراهنة‪ .‬وفي مستهل‬
‫القرن العشرين وطدت تفوقها التام في البلدان الراقية‪ .‬وإذا كانت البلدان ذات الرسوم الجمركية الوقائية المرتفعة (ألمانيا‪،‬‬
‫أمريكا) هي التي خطت الخطوات الولى في طريق تنظيم الكارتيلت‪ ،‬فإن إنجلترا التي يسودها نظام التجارة الحرة قد‬
‫أظهرت بعد وقت قليل الواقع الرئيسي نفسه‪ :‬نشأة الحتكارات عن تمركز النتاج‪.‬‬
‫ثانيا‪ ،‬ساقت الحتكارات إلى تسريع الستيلء على أهم مصادر الخامات‪ ،‬ولسيما خامات الصناعات الرئيسية في المجتمع‬
‫الرأسمالي والتي بلغ فيها تنظيم الكارتيلت حده القصى كصناعات الفحم الحجري وصهر الحديد‪ .‬واحتكار حيازة أهم مصادر‬
‫المواد الخام قد زاد سلطان الرأسمال الضخم لدرجة هائلة وأزّم التناقضات بين الصناعة المنظمة في الكارتيلت وغير‬
‫المنظمة في الكارتيلت‪.‬‬
‫ثالثا‪ ،‬نشأ الحتكار عن البنوك‪ .‬وقد تحولت البنوك من مؤسسات وسيطة متواضعة إلى محتكر للرأسمال المالي‪ .‬فثمة ثلثة‬
‫أو خمسة بنوك ضخمة لية أمة من المم الرأسمالية الراقية قد حققت «القتران الشخصي» بين الرأسمال الصناعي و‬
‫الرأسمال البنكي وركزت في أيديها التصرف بالمليارات العديدة التي تؤلف القسم الكبر من الرساميل والمداخيل النقدية في‬
‫بلد بأكملها‪ .‬والطغمة المالية التي غطت بشبكة كثيفة من علقات التبعية جميع ما في المجتمع البرجوازي المعاصر من‬
‫مؤسسات اقتصادية وسياسية دون استثناء هي أبرز ظاهرة لهذا الحتكار‪.‬‬
‫رابعا‪ ،‬نشأ الحتكار عن سياسة حيازة المستعمرات فالرأسمال المالي قد أضاف إلى بواعث السياسة الستعمارية –إلى‬
‫البواعث «القديمة» العديدة – الصراع من أجل مصادر الخامات‪ ،‬من أجل تصدير الرساميل‪ ،‬من أجل «مناطق النفوذ» – أي‬
‫مناطق الصفقات الرابحة والمتيازات والرباح الحتكارية وهلم جرا – وأخيرا من أجل القاليم القتصادية بوجه عام‪ .‬فحينما‬
‫كانت مستعمرات الدول الوروبية تشغل مثل عشر إفريقيا كما كان الحال في سنة ‪ ،1876‬كان بإمكان سياسة الستيلء‬
‫على المستعمرات أن تتطور بطريق غير احتكاري‪ ،‬بطريق – إن أمكن القول – «الستيلء الحر» على الراضي‪ .‬ولكن‬
‫عندما تم الستيلء على تسعة أعشار إفريقيا (حوالي سنة ‪،)1900‬‬
‫عندما تم اقتسام العالم كله‪ ،‬حل بالضرورة عهد احتكار حيازة المستعمرات وبالتالي عهد احتدام أشد الصراع من أجل‬
‫اقتسام العالم وإعادة اقتسامه‪.‬‬
‫يعلم الجميع إلى أي مدى شددت الرأسمالية الحتكارية جميع تناقضات الرأسمالية‪ .‬حسبنا أن نشير إلى غلء المعيشة وإلى‬
‫جور الكارتيلت‪ .‬وتفاقم التناقضات هذا هو القوة المحركة الشد بأسا في المرحلة التاريخية النتقالية التي بدأت منذ إحراز‬
‫الرأسمال المالي النتصار التام‪.‬‬
‫إن الحتكارات والطغمة المالية والنزوع إلى السيطرة بدل من النزوع إلى الحرية‪ ،‬واستثمار عدد متزايد من المم الصغيرة‬
‫‪64‬‬

‫أو الضعيفة من قبل قبضة صغيرة من المم الغنية أو القوية –كل ذلك قد خلق السمات المميزة للمبريالية التي تحمل على‬
‫وصفها بأنها الرأسمالية الطفيلية أو المتقيحة‪ .‬ويظهر ببروز متزايد ميل من ميول المبريالية وهو الميل إلى إنشاء «الدولة‬
‫صاحبة المداخيل»‪ ،‬الدولة المرابية التي تعيش برجوازيتها أكثر فأكثر من تصدير الرساميل و«قص الكوبونات»‪ .‬ومن الخطأ‬
‫الظن أن هذا الميل إلى التعفن ينفي نمو الرأسمالية بسرعة؛ ل‪ ،‬إن هذا الفرع من فروع الصناعة‪ ،‬هذه الفئة من فئات‬
‫البرجوازية‪ ،‬هذه البلد أو تلك تظهر في عهد المبريالية بقوة كبيرة لهذا الحد أو ذاك تارة الميل الول وتارة الميل الثاني‪.‬‬
‫وبالجمال تنمو الرأسمالية بسرعة أكبر جدا من السرعة السابقة؛ إنها تنمو‪ ،‬ولكن هذا النمو ل يغدو بوجه عام أكثر تفاوتا‬
‫وحسب؛ فهذا التفاوت يتجلى كذلك بوجه خاص في تعفن البلدان القوى بالرساميل (إنجلترا)‪.‬‬
‫وبصدد سرعة التطور القتصادي في ألمانيا يقول ريسر‪ ،‬واضع دراسة عن البنوك اللمانية الكبرى‪« :‬إن التقدم الذي لم يكن‬
‫بطيئا جدا في العهد الماضي (سنوات ‪ )1870-1848‬هو بالقياس لسرعة تطور اقتصاد ألمانيا برمته ول سيما بنوكها‬
‫في هذا العهد (سنوات ‪ )1870-1848‬أشبه بسرعة عربات البريد في العصر الغابر السعيد بالقياس لسرعة السيارات‬
‫الحديثة التي تخترق الطرقات بشكل يعرض للخطر الراجل الغافل وركابها أنفسهم»‪ .‬والرأسمال المالي هذا الذي نما بهذه‬
‫السرعة الخارقة ل يأنف بدوره‪ ،‬على وجه الدقة لنه نما بهذه السرعة‪ ،‬من النتقال إلى حيازة «أهدأ» للمستعمرات التي‬
‫ينبغي انتزاعها من المم الكثر ثراء‪ ،‬ليس بالطريق السلمي وحده‪ .‬أمّا الوليات المتحدة فقد سار فيها التطور القتصادي‬
‫خلل العقود الخيرة من السنين بسرعة أكبر منها في ألمانيا‪ ،‬وبسبب ذلك بالضبط برزت إمارات الطفيلية في الرأسمالية‬
‫المريكية الحديثة بوضوح خاص‪ .‬ومن الجهة الخرى‪ ،‬إن المقارنة مثل بين البرجوازية الجمهورية المريكية والبرجوازية‬
‫الملكية اليابانية أو اللمانية تظهر أن هذا الفرق السياسي الهائل يضعف لقصى حد في عهد المبريالية‪ – ،‬ل لنه كان‬
‫بوجه عام قليل الهمية‪ ،‬بل لن القضية في جميع هذه الحالت قضية برجوازية تتسم بسمات طفيلية واضحة‪.‬‬
‫إن الرباح الحتكارية الفاحشة التي يبتزها رأسماليو فرع من فروع صناعية عديدة‪ ،‬بلد من بلدان كثيرة والخ‪ .‬تمكنهم‬
‫اقتصاديا من رشوة فئات معينة من العمال وبصورة مؤقتة أقلية من العمال كثيرة لحد ما ومن جذبهم إلى جانب برجوازية‬
‫فرع صناعي معين أو أمة معينة ضد جميع الخرين‪ .‬واشتداد التناحر بين المم المبريالية من أجل تقاسم العالم يشدد هذه‬
‫النزعة‪ .‬وعلى هذه الصورة تنشأ الصلة بين المبريالية والنتهازية‪ ،‬هذه الصلة التي بدت في إنجلترا قبل البلدان الخرى‬
‫وأوضح مما في البلدان الخرى بسبب أن بعض سمات التطور المبريالية قد ظهرت فيها قبل البلدان الخرى بزمن طويل‪.‬‬
‫وهنالك كتاب مهم‪ ،‬مثل‪ ،‬مارتوف‪ ،‬يحبون تحاشي واقع الصلة بين المبريالية والنتهازية في حركة العمال –هذا الواقع‬
‫الذي يبدو اليوم للعيان بوضوح خاص – عن طريق عبارات «متفائلة بصورة رسمية» (على طريقة كاوتسكي وهويسمانس)‬
‫من هذا النوع‪ :‬إن قضية خصوم الرأسمالية تكون في حالة تدعو للقنوط فيما لو كانت الرأسمالية المتقدمة بالذات تؤدي إلى‬
‫تقوية النتهازية أو فيما إذا كان العمال الذين ينالون أعلى الجور يميلون إلى النتهازية‪ ،‬وهلم جرا‪ .‬ل ينبغي أن ننخدع فيما‬
‫يخص مغزى هذا «التفاؤل» – إذ أنه تفاؤل ‘إزاء النتهازية‪ ،‬إذ أنه تفاؤل من شأنه تغطية النتهازية‪ .‬والواقع أن نمو‬
‫النتهازية‪ ،‬بهذه السرعة الكبرى وبهذه الصفة القبيحة للغاية‪ ،‬قطعا بضمان لنتصارها بصورة وطيدة كما أن سرعة نضوج‬
‫البثور الخبيثة في الجسم السليم تعجل انفجارها فقط وتخليص الجسم منها‪ .‬وأخطر ما في المر هو الناس الذين ل يريدون‬
‫أن يفهموا أن النضال ضد المبريالية‪ ،‬إذا لم يقترن اقترانا وثيقا بالنضال ضد النتهازية‪ ،‬يكون عبارة فارغة وكاذبة‪.‬‬
‫من كل ما قلناه فيما تقدم عن طبيعة المبريالية القتصادية يستنتج أنه ل بد من وصفها بأنها رأسمالية انتقالية أو‪ ،‬بالصح‪،‬‬
‫محتضرة‪ .‬وما هو في غاية الدللة بهذا الصدد واقع أن كلمات «التشابك» و«انعدام العزلة» والخ‪ ،.‬هي كلمات يكثر‬
‫استعمالها القتصاديون البرجوازيون في وصفهم للرأسمالية الحديثة؛ البنوك هي «من حيث مهامها ومن حيث تطورها‪،‬‬
‫مؤسسات ل تتسم بطابع اقتصادي فردي صرف‪ ،‬بل هي تخرج شيئا فشيئا من ميدان التوجيه القتصادي ذي الطابع الفردي‬
‫الصرف»‪ .‬وريسر نفسه الذي تعود إليه هذه الكلمات الخيرة‪ ،‬يعلن بمنتهى الجدان «نبؤة» الماركسيين بشأن «اكتساب‬
‫الصفة الجتماعية» «لم تتحقق»!‬
‫فماذا تعني إذن كلمة «التشابك» هذه؟ إنها ل تلقف غير السمة البرز في العملية الجارية على مرأى منا‪ .‬إنها تظهر أن‬
‫الباحث يعدد بعض الشجرات دون أن يرى الغابة‪ .‬إنها تنسخ بذلة ما هو ظاهري وصدفي وما هو ذو صفة فوضوية‪ .‬وهي‬
‫تكشف في الباحث شخصا سحقته المادة للخام وعاجز تماما عن تبين كنهها وأهميتها‪ .‬تملك السهم وعلقات المالكين‬
‫الفرديين «تتشابك بصورة صدفية»‪ .‬ولكن ما يختفي في بطانة هذا التشابك‪ ،‬ما يكونه أساسه‪ ،‬هو تغيرات علقات النتاج‬
‫الجتماعية‪ .‬فعندما يصبح مشروع كبير هائل وينظم‪ ،‬بصورة منهاجية على أساس مراعاة دقيقة للمعلومات العديدة‪ ،‬تقديم‬
‫‪ 3/2‬أو ‪ 4/3‬كامل المواد الخام الضرورية لعشرات المليين من السكان؛ وعندما يتم بصورة منظمة نقل هذه الخامات‬
‫إلى أماكن النتاج الحسن ملءمة والتي يبعد بعضها عن البعض أحيانا مئات وألوف الفراسخ؛ وعندما يشرف مركز واحد‬
‫‪65‬‬

‫على جميع المراحل المتتابعة في تكييف الخامات الجاهزة بما في ذلك الحصول على جملة من مختلف أصناف المنتوجات‬
‫الجاهزة؛ وعندما يتم حسب برنامج واحد توزيع هذه المنتوجات الجاهزة بين عشرات ومئات المليين من المستهلكين‬
‫(تصريف «تروست البترول» المريكي للبترول في أمريكا وفي ألمانيا)؛ – عندئذ يصبح من الواضح أننا إزاء اكتساب‬
‫النتاج للصفة الجتماعية‪ ،‬ل إزاء مجرد «تشابك»؛ وأن علقات القتصاد الخاص والملكية الخاصة تؤلف غلفا غدا ل‬
‫يتلءم مع المحتوى ومن شأنه أن يتعفن ل محالة إذا ما أجلت إزالته بصورة مصطنعة ويمكنه أن يبقى في حالة التعفن زمنا‬
‫طويل نسبيا (في أسوأ الحالت – في حالة ما إذا طال أمد الستشفاء من البثور النتهازية)‪ ،‬ولكنه مع ذلك سيزول ل محالة‪.‬‬
‫إن المتحمس المعجب بالمبريالية اللمانية‪ ،‬شولتزه‪-‬غيفيرنيتز يهتف‪:‬‬
‫«وإذا كانت إدارة البنوك اللمانية قد وضعت في نهاية المر بين أيدي دستة من الشخاص‪ ،‬فقد غدا نشاطهم منذ الن أهم‪،‬‬
‫بالنسبة للمصلحة العامة‪ ،‬من نشاك أكثرية وزراء الدولة» (ومن الفضل هنا نسيان «تشابك» الصيارفة والوزراء‬
‫والصناعيين وأصحاب المداخيل…) «…وإذا معنّا الفكر في تطور الميول التي رأيناها‪ ،‬يكون الحاصل‪ :‬رأسمال المة النقدي‬
‫موحد في البنوك؛ والبنوك مرتبطة فيما بينها في كارتيل؛ رأسمال المة الباحث عن توظيف اتخذ شكل أوراق مالية‪ .‬عندئذ‬
‫تتحقق الكلمات العبقرية التي قالها سان سيمون‪« :‬إن فوضى النتاج الراهنة التي تتلئم مع واقع أن العلقات القتصادية‬
‫تتطور بدون ضابط وحيد الشكل ينبغي أن تتخلى عن مكانها لتنظيم النتاج‪ .‬ولن يوجه النتاج أصحاب أعمال منعزلون‬
‫ومستقلون بعضهم عن بعض ويجهلون حاجات الناس القتصادية‪ ،‬بل سيناط بمؤسسة اجتماعية معينة‪ .‬ان الهيئة الدارية‬
‫المركزية التي تستطيع أن ترى من وجهة نظر أعلى منطقة القتصاد الجتماعي الواسعة ستضبطه على نحو مفيد للمجتمع‬
‫بأكمله وستضع وسائل النتاج بين اليدي الكثر ملءمة لذلك وستسهر بوجه خاص على النسجام الدائم بين النتاج‬
‫والستهلك‪ .‬وثمة مؤسسات وضعت ضمن نطاق مهامها تنظيما معينا للعمل القتصادي‪ :‬إنها البنوك»‪ .‬ما زلنا بعيدين عن‬
‫تحقيق كلمات سان سيمون هذه‪ ،‬ولكننا نسير في اتجاه تحقيقها‪ :‬الماركسية على نمط يختلف عما تصوره ماركس‪ ،‬ولكن من‬
‫حيث الشكل فقط»(‪.)1‬‬

‫إنه والحق يقال «دحض» رائع لماركس يعود القهقرى من تحليل ماركس العلمي الدقيق إلى حدس سان سيمون‪ ،‬وإن كان‬
‫حدسا عبقريا‪ ،‬إلّ أنه على حال حدس ل غير‪.‬‬
‫كتب في يناير‪ -‬يونيو ‪1916‬‬
‫صدر لول مرة في منتصف سنة ‪ 1917‬ببتروغراد في كراس على حدة عن دار الطبع والنشر «جيزن أي زنانييه»‬
‫(«الحياة والمعرفة»)؛ نشرت مقدمة الطبعتين الفرنسية واللمانية في سنة ‪ 1921‬في مجلة «كومونيستيتشسكي‬
‫انترناسيونال» («الممية الشيوعية») العدد ‪.18‬‬
‫المجلد ‪ ،27‬ص ص ‪426-299‬‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫(‪« )1‬أسس القتصاد الجتماعي»‪ .‬الناشر‬
‫‪----------------------------------------------------------------------‬‬‫‪--------‬‬‫كتب في‪ :‬يناير ‪ -‬يونيو ‪1916‬‬
‫صدر لول مرة في‪ :‬منتصف سنة ‪ 1917‬ببتروغراد في كراس على حدة عن دار الطبع والنشر "جيزن أي زنانييه"‬
‫‪66‬‬

‫("الحياة والمعرفة")‬

‫‪67‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful