‫‪-1-‬‬

‫المادة‬
‫الدعوة السلمية‬
‫من كتاب ) قواعد الدعوة إلى‬
‫ال (‬
‫للدكتور ‪ :‬همام عبد الرحيم سعيد‬
‫اختيار وإشراف‬
‫د‪ .‬صلح محمد زكي محمد إبراهيم‬
‫القادري‬
‫المحاضر بكلية القيادة والدارة‬
‫السلمية‬
‫جامعة العلوم السلمية الماليزية‬

‫‪-2-‬‬

‫الدعــوة السلمية‬
‫)‪ (1‬الهدف العام ‪:‬‬
‫‪ -1‬تعليم المسلم وتدريبه على الحوار الموضوعي مع إخوانه ‪ ،‬ومع‬
‫الخرين ‪.‬‬
‫‪ -2‬صياغة المسلم الداعية المؤهل والقادر على الحركة الذاتية بدعوته‬
‫في كل‬
‫مجال وتحت أية ظروف أو مستجدات ومع أية فئة من الناس ‪،‬‬
‫وترسيخ‬
‫قدرته على مواجهة التحديات ‪.‬‬
‫‪ -3‬زيادة فرص التعامل بين الفراد على اختلف مواطنهم ‪ ،‬وتبادل‬
‫الخبرات‬
‫بينهم ‪ ،‬وإطلع بعضهم على تجارب بعض ‪.‬‬
‫‪ -4‬تدريب الفراد على فن التصال بالجماهير وتوجيهها ‪ ،‬والتأثير فيها‬
‫‪.‬‬
‫‪ -5‬الستثمار المثل للتجارب والطاقات المعطلة لدى قدامى العاملين في‬
‫الحقل السلمي عمومًا والحقل الدعوي خصوصاً ‪.‬‬
‫‪ -6‬تأصيل اليمان بوجوب العمل الجماعي خاصة في هذا العصر‬
‫لقامة دين‬
‫ال في الرض ‪ ،‬ورد المة به إلى منهج السلم من أجل استعادة‬
‫موقعها‬
‫الطبيعي بين البشر ‪.‬‬
‫‪ -7‬تربية الفراد على اللتزام بالسمع والطاعة في المنشط والمكره ‪،‬‬
‫في‬
‫حدود الضوابط الشرعية ‪.‬‬
‫)‪ (2‬الهداف الخاصة‬
‫ل ‪ ،‬كما صاغها مؤلف‬
‫‪ -1‬أن يعدد قواعد الدعوة إلى ال تعالى إجما ً‬
‫الكتاب ‪.‬‬
‫‪ -2‬يوضح أهمية الدعوة إلى ال ‪.‬‬
‫‪ -3‬يبين المهمة التي ينهض لها الداعية إلى ال ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يعدد أسباب نجاح الداعية في دعوته ‪.‬‬
‫‪ -5‬أن يربط بين الدعوة والجهاد في سبيل ال ‪.‬‬
‫‪ -6‬يوضح حكم المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪.‬‬

‫‪-3-‬‬

‫‪-7‬‬
‫‪.‬‬
‫‪-8‬‬

‫يدلل على فرضية العمل الجماعي في الدعوة إلى ال وإقامة الدين‬

‫يوضح علقة البتلء بالدعوة ‪.‬‬
‫‪ - 9‬يبين أثر التطلع إلى مباهج الحياة على حياة الداعية وتأثيرها‬
‫على دعوته‪.‬‬
‫‪ -10‬أن يعود نفسه ومن حوله على الهتمام بالدعوة للحق والهتمام‬
‫بنشره‬
‫بين الخرين ‪.‬‬
‫‪ -11‬أن يدرك العلقة بين الحق والواجب وألوان السلوك وما يترتب‬
‫على‬
‫ذلك من استقرار نفسي واجتماعي ‪.‬‬
‫‪ -12‬الشعور بالمسئولية نحو نفسه ومجتمعه ونحو هداية الناس ‪.‬‬
‫‪ -13‬أن يحرص على القتداء بالرسول ‪ ‬والصحابة الكرام ‪.‬‬
‫ يتشبع بمنهج الرسول ‪ ‬في تعامله مع أصحابه وفي‬‫‪14‬‬
‫حبه للدعوة إلى ال ‪.‬‬
‫ أن يبين اليات والحاديث التي يستدل بها على نزول‬‫‪15‬‬
‫الوحي على رسول ال ‪. ‬‬
‫‪ -16‬أن يعدد أنواع الوحي ‪.‬‬
‫‪ -17‬أن يستشهد باليات والحاديث على عموم رسالة الرسول ‪. ‬‬
‫‪ -18‬يدلل على بطلن دعوة النبياء السابقين عند وجود دعوة الرسول‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (3‬الهداف السلوكية والوجدانية‬
‫‪ -1‬أن يصاحب الصالحين قربة إلى ال ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يعتقد أن المستقبل لهذا الدين ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يبذل من ماله " ولو القليل " لخوانه في العالم السلمي ‪.‬‬
‫‪ -5‬أن يبدي استعدادًا لتحمل تبعات الطريق ‪.‬‬
‫‪ -6‬أن يتجنب التخلف عن اللقاءات بأنواعها ‪.‬‬
‫‪ -7‬أن يرتب أفكاره جيدًا ‪.‬‬
‫‪ -8‬أن يحيط أستاذه علمًا بكل ظروفه ‪.‬‬
‫‪ -9‬أن تكون لديه القدرة على النتقاء ‪.‬‬
‫‪ -10‬أن يتعاون مع غيره فيما اتفقوا عليه ‪.‬‬
‫‪ -11‬أن يؤدي الخدمة العامة في أي ميدان لوجه ال ‪.‬‬

‬‬ ‫‪ -24‬أن يؤثر منتجات الشركات السلمية ‪.‬‬ ‫‪ -20‬أن يأخذ بيد أقربائه نحو اللتزام بمنهج السلم ‪.‬‬ ‫‪ -16‬أن يرغب الناس في طاعة ال ‪.‬‬ ‫‪ -17‬أن يحذر الناس من غضب ال ‪.‬‬ ‫‪ -21‬أن يبادر إلى طرح المشكلت واقتراح الحلول وإبداء الراء ‪.‬‬ ‫‪ -14‬أن يسعى لقضاء حوائج الناس ‪.‬‬ ‫‪ -28‬القدرة على بيان صلحية السلم لكل زمان ومكان وكونه نظامًا‬ ‫للحياة‪.‬‬ ‫‪ -18‬أن يأخذ بيد أسرته نحو تبني فكرته ‪.‬‬ ‫‪ -23‬أن يسهم بجزء من ماله في المدرسة ‪.‬‬ ‫‪ -27‬القدرة على الدعوة إلى السلم بالطريق الصحيح ‪.‬‬ ‫‪ -13‬أن يتعامل مع الخرين باعتباره فردًا من المدرسة ) يعتبر نفسه‬ ‫من المدرسة ( ‪.‬‬ ‫‪ -25‬أن يتجنب المسائل والقضايا التي ل ينبني عليها عمل ‪.‬‬ ‫‪ -26‬أن ينزل المعلم منزلة الوالد والستاذ والخ الكبر ‪.‬‬ ‫‪ -15‬أن يعلم غيره أمور الدين ‪.‬‬ .‫‪-4-‬‬ ‫‪ -12‬أن يكثر من التقرب للناس قدر المكان ‪.‬‬ ‫‪ -19‬أن يخصص يومًا لهله أسبوعيًا لدراسة فكر الدعوة ‪.‬‬ ‫‪ -22‬أن يفضل التخصصات النادرة والحيوية ) حرف – وظائف –‬ ‫دراسات إلخ ( ‪.

‬‬ ‫ول يصبح المرء داعية إلى فكرة مششن الفكششار إل بعششد تحقششق انتسششابه إليهششا‬ ‫وتفاعله مع قضاياها ‪ .‬وهذا المد الذي نجده في جامعات العالم السلمي أصبح‬ ‫ل في بنية هششذه الجامعششات ‪ ،‬بششل وفششي الجامعششات الغربيششة‬ ‫بناء عضويًا أصي ً‬ ‫كذلك‪.‬وصاحب الدعوة يعيش بها وتعيش به وُتحسب عليششه‬ ‫كما ُيحسب عليها ‪.‬‬ ‫النقص في البرامج التي ُتعد الداعية والموجه إعدادًا وفق مستويات مختلفششة‬ ‫لتلئم حاجات متنوعة ‪ .‫‪-5-‬‬ ‫)‪ (4‬المحتوى‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫مقدمة الطبعة الولى‬ ‫إن الحمد ل تعالى ‪ ،‬نحمده ونسششتعينه ونسششتغفره ‪ ،‬ونعششوذ بششال مششن شششرور‬ ‫أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده اله فل ُمضل له ‪ ،‬ومن ُيضششلل فلششن تجششد لششه‬ ‫وليًا مرشدًا‪.‬ولعششل هششذه‬ ‫الظاهرة من أخطر المور التي تحاج إلششى علج؛ لن قطاعشات كشبيرة مشن‬ ‫الناس تعيش خارج المحاضن الملئمة ‪ ،‬مما ينعكس على تكوينها وبنائهششا ‪،‬‬ ‫وكششثيرًا مششا ينششدب بعششض غيششر المششؤهلين أنفسششهم لششدور التربيششة والتكششوين‬ ‫وإعطاء الراء في أخطر المسائل وأعوصششها لخلششو الميششدان مششن المششؤهلين‬ ‫لذلك ‪.‬ويبدو أن النقص أظهر ما يكون في مجششال التأصششل‬ .‬‬ ‫ولقد شاء ال تعالى أن تشق دعوة السلم طريقها في التاريششخ الحششديث فششي‬ ‫جميع بلد العالم‪ ،‬وأصبح لها في كل قطر لسان ينطق بها ويعبر عنها‪.‬‬ ‫والصلة والسلم على محمد عبدال ورسوله‪ ،‬وعلى آله وصحبه والتششابعين‬ ‫لهم بإحسان‪ ،‬وأشهد أنه بلغ الرسالة‪ ،‬وأدى المانة‪ ،‬ونصششح المششة‪ ،‬وجاهششد‬ ‫في ال حق الجهاد حتى أتاه اليقين من ربه‪ ،‬وبعد‪:‬‬ ‫فإن الدعوة إلى ال تعالى أشرف العمششال وأرفششع العبششادات ‪ ،‬وهششي أخششص‬ ‫خصششائص الرسششل الكششرام ‪ ،‬وأبششرز مهششام الوليششاء والصششفياء مششن عبششاده‬ ‫الصالحين‪.‬‬ ‫ل مششن مصششاعب وعقبششات‬ ‫وهذا التقدم الششذي أحرزتششه دعششوة السششلم لششم َيخش ُ‬ ‫داخلية وخارجية ‪ ،‬أذكر منها ‪:‬‬ ‫قلة المربين والموجهين الكفاء بالنسبة إلى حجم القبال الكششبير‪ .‬‬ ‫ودخلت الدعوة إلى قطاعات المجتمع المختلفة ‪ ،‬ولم تعد الدعوة حكرًا علششى‬ ‫الموظفين الرسميين أو على من يطلق عليهم" ارباب الشعائر الدينيششة " بششل‬ ‫شارك فيها الرجال والنساء والصششغار والكبششار والمشششتغلون بالتخصصششات‬ ‫العلمية والنسانية‪ .

‬ورغششم الخلفششات الحششادة بيششن‬ ‫الشيوعية والرأسمالية وبين الوجودية والقومية وغيرها من الهواء والفرق‬ ‫الضالة إل أن اجلميع يلتقون علششى حششرب السششلم ودعششوته‪ .‬‬ ‫وإن مغريات الحياة ومشاغلها وتعقيداتها عقبة في طريششق الششدعوة والششدعاة‪.‬تتحشرك وتتقلشب بسشرعة هائلشة ‪،‬‬ ‫وتصل إلى النسان أينما كان ‪ ،‬وإن كالداعية مطالب بالوقوف في وجه هذه‬ ‫التيارات الفكرية‪ ،‬وأن يكون وقوفه أمامها قائمًا على العلم والموضوعية‪.‬ومنشأ ذلك انتشششار المعششارف والمعلومششات واتسششاع‬ ‫القششراءات والتجششارب‪ .‬وهششي جهششود متنوعششة ذات إمكانيششات كششبيرة ‪،‬‬ ‫ولها خبرات واسعة في الصد عن سبيل ال ‪ .‬‬ ‫وليس غريبًا أن تبرز هششذه الحاجششات فششي هششذه الونششة؛ لن الششدعوة اتسششعت‬ ‫وتشعبت وكثرت ممارستها وتجاربها وأساليبها‪ .‬وهششذه الظششواهر تسششاعد علششى‬ ‫تكوين مناعات ودفاعات أمام المغريات‪.‫‪-6-‬‬ ‫والتقعيد‪ .‬‬ ‫هششذه العبششاء وغيرهششا ُتلششح علينششا أن ننقششل الششدعوة مششن ميششدان المشششاعر‬ ‫والنفعالت والخطب والمقالت إلششى ميششدان التخطيششط والتنظيششم والبرمجششة‬ ‫والتأهيل والتقعيد ‪.‬‬ ‫تأخر سن العطاء ‪ :‬إذ أن الزمن الذي ينفق قبل أن يصل الفششرد إلششى مرحلششة‬ ‫التأثير هو زمن طويل‪ .‬فقششد تنششاول‬ ‫المسشلمون حشديث رسشول الش ‪ ‬بالروايشة والدرايشة حششتى وجشدوا أنفسششهم‬ ‫بحاجششة إلششى علششم أصششول الحششديث ومصششطلحه‪ ،‬وكششذلك الحششال فششي النحششو‬ .‬وهششذه الجهششود‬ ‫تلقششي عششبئًا كششبيرًا علششى دعششاة السششلم الششذين عليهششم أن يششدركوا مخططششات‬ ‫أعدائهم وأن يصششونوا النششاس مششن شششرور هششؤلء العششداء بأسششلوب الوقايششة‬ ‫والعلج ‪.‬وهذا التساع والتشششعب ل‬ ‫ُيضبط إل بالكشف عن الصول والقواعد‪.‬ولعششل التأصششيل هششو أحششد العوامششل المسششاعدة علششى‬ ‫السششراع فششي الوصششول إلششى مرحلششة العطششاء والنجششاز وبمعرفششة القواعششد‬ ‫الضابطة نستغني عششن كششثير مششن الفششروع‪ ،‬ونسششتطيع المواءمششة بيششن اتسششاع‬ ‫حقول الدعوة وقصر الزمن الماحدد للتكوين‪.‬ولعششل مششن المظششاهر الملفتششة للنظششر‬ ‫تقدم الدعوة في صفوف الغنياء وأولئك الذين عاشوا فششي غمششار الحضششارة‬ ‫الغربية وتعرضوا لمغريات الجاهلية الحديثة‪ .‬وأصبح من المششور الملحششة أن ُتتلقششى الششدعوة علششى شششكل تصششور‬ ‫متكامل من البداية إلى النهاية ‪ ،‬مع استيعاب كلياتا ومعرفة الولويات فيها‪.‬‬ ‫ولبد أن يفهشم الششدعاة حركشة الحيششاة والحيشاء‪ ،‬وأن ُيلمشوا بشالنفس البششرية‬ ‫وطرق التأثير فيها ‪ ،‬ووسائل تزكيتهششا‪ .‬‬ ‫ويجد الداعيشة نفسشه أمشا تيشارات فكريشة ‪ .‬‬ ‫وليس أمر الششدعوة بششدعًا مشن أمششور العلششوم السششلمية الخششرى‪ .‬‬ ‫الجهود المعادية لط الششدعوة ‪ .

‫‪-7-‬‬ ‫والصرف والعقيدة والتفسير والتاريخ والفقه‪ ،‬فإن أصول العلششوم وقواعششدها‬ ‫جاءت في مرحلة متأخرة عنها ‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي اتجهت فيه العلوم إلى التأصيل والتقعيد كششان علششم الششدعوة‬ ‫ل مأثورة وشذرات منثورة ‪ ،‬ولم يكن علماً بالمعنى الصطلحي للعلم‪،‬‬ ‫أقوا ً‬ ‫لن مبعث العلم الحاجة إليه‪ ،‬ولم يكن المجتمع السلمي مهجورًا أو غريب شًا‬ ‫ل ناشطًا ‪ ،‬وأكثر أفراده يمارسون الدعوة كما يعيشششون‬ ‫‪،‬وإنما كان قائمًا فاع ً‬ ‫ويأكلون ويشربون وعندما دالششت دولششة السششلم ونقضششت عششرى اليمششان ‪،‬‬ ‫وجد المسلم نفسه غريبًا في المجتمع ‪ ،‬ورجعت أّمية العقيدة والفكششر والنظششم‬ ‫كما كانت في عهد الجاهلية الولى ‪ ،‬فأخذ بعض الدعاة على عششاتقهم إعششادة‬ ‫التأسيس وشرعوا في تهيئة المكششان والسششكان لسششتئناف الحيششاة السششلمية‪،‬‬ ‫ودب المل بعد اليأس ‪ ،‬وانطلق الدعاة شرقًا وغربًا عربًا وعجمشاً ‪ ،‬ودرس‬ ‫العلماء هذه التجارب وكشفوا عن جوانبها اليجابية والسلبية‪.‬‬ ‫وفيه وجهة نظر أقدمها للدراسة والنقد‪ ،‬وهي بداية وليست نهاية إن شاء ال‬ ‫تعالى ‪.‬‬ ‫وال من وراء القصد ‪.‬‬ ‫ورغم النتائج اليجابية التي حققتها الدعوة إلى ال فششي جميششع القطششار ‪ ،‬إل‬ ‫أنها شش وكمششا سششبق أن أشششرت شش بحاجششة إلششى المزيششد مششن توظيششف الطاقششات‬ ‫والمكانيششات‪ ،‬وحشششد كششل الجهششود فششي سششبيل البنششاء‪ ،‬ول نصششل إلششى هششذا‬ ‫التوظيف إل بإعداد الفراد للعطاء على مستويات متفاوته ‪ ،‬وأن يكون لكل‬ ‫وظيفة من وظائف الدعوة إعدادها الخشاص وزمنهشا المناسشب ‪ ،‬ول يتحقشق‬ ‫هذا إل عن طريق نظام تربوي محششدد الخطششوات ‪ ،‬يعتمششد القواعششد والطششر‬ ‫العامششة دون الخششوض فششي الكششثير مششن الششدقائق والتفاصششيل‪ ،‬ويقششدم للداعيششة‬ ‫خلصة ُمركزة في التربية والتكوين والقيادة والتنظيم والتخطيط والمتابعة‪.‬‬ ‫بسم ال الرحمن الرحيم‬ ‫مقدمة الطبعة الثانية‬ ‫إن الحمد ل نحمده ونستعينه ونستغفره ‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومششن‬ ‫سيئات أعمالنا ‪ ،‬من يهده ال فلمضل لششه ‪ ،‬ومششن يضششلل فلششن تجششد لششه وليشًا‬ ‫مرشدًا ‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمششدًا عبششده‬ ‫ورسوله‪ ،‬بلغ الرسالة وأدى المانششة ونصششح المششة‪ ،‬فصششلوات الش وسششلمه‬ ‫على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه تسليماً كثيرًا ‪ ،‬وبعد ‪:‬‬ .‬‬ ‫والكتاب الذي أقدمه لخواني محاولة في تقعيد الدعوة وتأصيلها‪ ،‬على شكل‬ ‫عدد من القواعد‪ ،‬بعضها في التصورات‪ ،‬وبعضها في الساليب والوسائل‪.

‬والحمششد لش‬ ‫رب العالمين ‪.‬‬ ‫الدكتور همام عبد الرحيم سعيد‬ ‫عمان في ‪ 4‬جمادي الولى ‪1419‬هـ‬ ‫الموافق ‪26/8/1998‬م‬ .‬‬ ‫وقد جاءت هذا الضافات نتيجة جهد ومعاناة ‪ ،‬فهي رشششحات قلششب قبششل أن‬ ‫تكون رشحات قلم ‪ ،‬فإن ُوفقشت فمشن الش تعشالى ‪ ،‬وإن أخطشأت فمشن نفسشي‬ ‫ومن الشيطان ‪ ،‬وأدعو ال أن ل يحرمنششي مششن واعششظ ناصششح ‪ .‫‪-8-‬‬ ‫فهذه طبعة جديدة من كتاب قواعد الدعوة إلى ال تأتي مزيششدة بعششد مششا يزيششد‬ ‫على خمس عشرة سنة من الطبعة الولى ‪ ،‬فقد احتششوى الكتششاب فششي طبعتششه‬ ‫الولى على خمس عشرة قاعدة ‪ ،‬وهششا هششو اليتششوم يظهششر مششع إضششافة سششت‬ ‫قواعد أخرى ‪ .‬‬ ‫كما احتوت هذه الضافة على قاعدتين رئيسيتين للمر بششالمعروف والنهششي‬ ‫عششن المنكششر ‪ ،‬الولششى تؤصششل لهششذا الركششن السششاس مششن أركششان الششدعوة‬ ‫السششلمية‪ ،‬وتششبين المجششالت الششتي يعمششل فيهششا كششل مششن المششر بششالمعروف‬ ‫والنهي عن المنكر ‪ .‬‬ ‫أما قاعدة العمل العام فقد جاءت تفصل وتؤسس وتؤصششل للعمششل السششلمي‬ ‫العام الذي يفتح الباب لسلمة المجتمع وجمهوره ‪.‬‬ ‫كما احتوت هذه الضافة على قاعدتين رئيسيتين في الفهم ‪ ،‬الولى تؤصششل‬ ‫للفهم وأهميته وضوابطه وأركانه وأثره علششى المسششيرة السششلمية العامششة ‪،‬‬ ‫والثانية تناقش الفهم السائد في مقابل الفهم الواجب ‪.‬وقد جاء في هذه القواعد تأصششيل شششرعي لعششدة جششوانب مششن‬ ‫العمشل السششلمي ‪ ،‬كالتأصششيل للجماعشة الشتي كشثر الكلم عشن مششروعيتها‬ ‫وأحقيتها وصفاتها ‪ ،‬وقد ناقشت هششذه القاعششدة الموقششف مششن الفتششن وطرحششت‬ ‫مفهوم القتحام بدل مفهوم النسحاب‪ ،‬وتناولت خطر العزلة على المة فششي‬ ‫الوقت الذي تحتاج المة إلى المجاهدين العاملين‪.‬والثانيششة تنششاقش بعششض التجاهششات المنحرفششة فششي فهششم‬ ‫القرآن ‪ ،‬وتأتي للدفع باتجششاه الحركششة اليجابيششة فششي مقابششل الحركششة السششلبية‬ ‫النسحابية النهزامية التي يلجأ إليها بعض المسلمين‪.

(2)‬فكان مراد ال تعالى مششن خلششق النسششان‬ ‫ل بأمره وهو القائل سبحانه‪} :‬وما خلقت الجششن والنششس إل‬ ‫أن يكون مشتغ ً‬ ‫ليعبدون‪‬‬ ‫يقششول الششرازي ‪ " :‬مششا العبششادة الششتي خلششق الجششن والنششس مششن أجلهششا؟ قلنششا ‪:‬‬ ‫التعظيم لمر ال والشفقة على خلق ال " )‪ .56 :‬‬ ‫سورة البقرة ‪ ،‬الية‪.30 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬ومن دعا إلى فكرة فإنه يحسب عليها كما تحسب هي‬ ‫عليه كذلك‪.‬وأن يخرجهششم‬ ‫من النار إلى الجنة كذلك‪.‬والنجاة في هذين الهدفين ‪.(3‬ثم يقول ‪ " :‬ولما كان التعظيششم‬ ‫اللئق بششذي الجلل والكششرام ل ُيعلششم عقلص ‪ ،‬لششزم اتبششاع الشششرائع فيهششا‬ ‫والخذ بقول الرسل عليهم السلم‪ ،‬فقد أنعم ال على عبششاده بإرسششال الرسششل‬ ‫وإيضاح السبل في نوعي العبادة " )‪ (4‬وهذا التقسيم لوظششائف العبششادة تقسششيم‬ ‫موجز وشامل‪.28/435‬‬ ‫المصدر السابق‪.‬‬ ‫هذان هدفان كريمان من أهداف العبادة‪ ،‬وهما هدفان من أهداف الدعوة إلى‬ ‫ال أيضًا‪ .‬‬ ‫والدعوة إلى ال تعالى هي أبلغ مظهر من مظاهر تعظيمه ‪،‬والششدعوة يششدعو‬ ‫إلى فكرة أو هدف ويصرف جهده في سبيله ‪ ،‬وإنما يفعل ذلك لمتلئه بهذا‬ ‫الهدف أوهذه الفكرة ‪ .‬‬ ‫‪()) 1‬‬ ‫‪()) 2‬‬ ‫‪())3‬‬ ‫‪())4‬‬ ‫سورة الذاريات ‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫وفي الدعوة إلى ال تعششالى دليششل شششفقة علششى عبششاد الش ‪ ،‬لن الداعيششة يريششد‬ ‫إخراج الناس من أوضاع التمزق والشتات تحت وطأة النظمة الوضششعية ‪،‬‬ ‫إلى سعة الدين وآفاقه الرحيبة ‪ ،‬ونظمه الكفيلة بإسعاد البشر‪ .‬‬ .‬‬ ‫وقد التزم أنبياء ال ورسله الكرام أمششر الش فششي الششدعوة إليششه والحفششاظ علشى‬ ‫الغاية من خلق ال لهم‪ ،‬وحرص كل رسول كريم على دعوة الخلق إلى هذه‬ ‫النجاة‪.‫‪-9-‬‬ ‫القاعدة الولى‬ ‫الدعوة إلى ال سبيل النجاة في الدنيا والخرة‬ ‫على الداعية أن يعلم أن ال تعالى إنما خلق النسششان لعبششادته لقششوله تعششالى ‪:‬‬ ‫} وما خلقت الجن والنس إل ليعبششدون ‪ (1)‬والعبششادة ل تكششون إل علششى‬ ‫بصششيرة‪ ،‬والبصششيرة ل تكششون إل وفششق منهششج الش الششذي أنزلششه علششى رسششله‬ ‫وأنبيائه ‪ ،‬فكان هؤلء المرسلون والنبياء دعاة يهدون إلى الحق‪ ،‬وكان هذا‬ ‫هشو ششغلهم الششاغل تحقيقشًا لمشراد الش الشذي جعشل آدم خليفشة فشي الرض‪،‬‬ ‫يقضي بقضاء ال وينفذ أمر ال ‪ ،‬فقال تعششالى ‪ } :‬وإذ قششال ربششك للملئكششة‬ ‫إني جاعل في الرض خليفة‪ .

‫‪-10-‬‬ ‫ص القرآن الكريم علينا معركة النبياء مع أقوامهم ‪ .(5)‬‬ ‫وفي قصة هود عليه السلم مششع قششومه كششانت النهايششة‪ } :‬ولمششا جششاء آمرنششا‬ ‫نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ‪.(9)‬‬ ‫وفي قصة موسى عليه السلم مع فرعون وقومه كانت النتيجة ‪ ‬فانتقمنششا‬ ‫منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كشذبوا بآياتنشا وكشانوا عنهشا غشافلين* وأورثنشا‬ ‫القوم الذين كانوا يستضعفون مشششارق الرض ومغاربهششا الششتي باركنششا فيهششا‬ ‫وتمت كلمة ربك الحسنى على بنششي إسششرائيل بمششا صششبروا ودمرنششا مششا كششان‬ ‫يصنع فرعون وقمه وما كانوا يعرشون‪.73 :‬‬ ‫هود ‪ ،‬الية ‪.(8) ‬‬ ‫وفي قصة شعيب عليه السلم مع قومه‪ } :‬ولمششا جششاء أمرنششا نجينششا شششعيبًا‬ ‫والذين آمنوا معه برحمة منا وأخشذت الشذين ظلمشوا الصششيحة فأصششبحوا فشي‬ ‫ديارهم جاثمين‪.‬مؤكدًا دائمًا على‬ ‫ولقد ق ّ‬ ‫نجاة الدعاة وعلى هلك الظالمين المعرضين ‪:‬‬ ‫ففي قصة نوح عليه السلم مع قومه كانت النهاية ‪ } :‬فكذبوه فنجيناه ومن‬ ‫معه في الفلك وجعلناهم خلئف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان‬ ‫عاقبة المنذرين‪.(7‬‬ ‫وفي قصة لوط عليه السلم كانت النتيجة‪ } :‬قالوا يا لششوط إنششا رسششل ربششك‬ ‫لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ول يلتفت منكم أح شُد إل امرأتششك‬ ‫إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب* فلمششا جششاء‬ ‫أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود‪.(6) ‬‬ ‫وفي قصة صالح عليه السلم مع قومه كانت النتيجششة‪ } :‬فلمششا جششاء آمرنششا‬ ‫نجينا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة منششا إن ربششك هششو القششوي العزيششز ‪‬‬ ‫)‪.66‬‬ ‫هود ‪ :‬الية ‪.(10) ‬‬ ‫وفي قصة القرية التي كانت حاضرة البحر كانت النتيجة‪ } :‬فلما نسوا مششا‬ ‫سوء وأخذنا الششذين ظلمششوا بعششذاب بئيششس‬ ‫ُذكروا به أنجينا الذين ينهون عن ال ّ‬ ‫بما كانوا يفسقون‪.165‬‬ .82-81‬‬ ‫هود ‪ :‬الية ‪.58 :‬‬ ‫هود ‪ :‬الية ‪.94 :‬‬ ‫العراف ‪ :‬الية ‪.(11) ‬‬ ‫‪()) 5‬‬ ‫‪()) 6‬‬ ‫‪())7‬‬ ‫‪())8‬‬ ‫‪())9‬‬ ‫‪())10‬‬ ‫‪())11‬‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫سورة‬ ‫يونس ‪ ،‬الية ‪.137-136‬‬ ‫العراف ‪ :‬الية ‪.

(14‬‬ ‫ل خسارة في الدعوة ‪:‬‬ ‫وليس أمر الدعوة كما يظن بعض الناس أنها تعب وخسارة ونصششب وألششم ‪،‬‬ ‫فإنهششا وإن كششانت ل تخلششو مششن المتششاعب والمصششاعب لكنهششا لذيششذة الطعششم ‪،‬‬ ‫عزيششزة علششى القلششب ‪ ،‬ولششذلك فششإن أصششحابها يضششحون فششي سششبيلها بالغششالي‬ ‫والنفيس‪ ،‬ويستعذبون العذاب ‪ ،‬ويجدون الموت حياة من أجلها ‪ .‬وبهم يكتب ال النجاة‬ ‫للمششة مشن أن تهلششك بسششنة عامششة‪ .‫‪-11-‬‬ ‫كل هذه اليات تؤكد أن النجاة في الشدعوة إلشى الش ‪ .17/1171 :‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪3/1812 ،‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪.‬أما العاقبة فهي الفوز وفي غيرها الفشل وهششي الباقيششة‬ ‫وغيرها الفانية‪.‬‬ ‫ويلحظ من سياق اليششات الكريمششة الششتي تتحششدث عششن معركششة النبيششاء مششع‬ ‫ستأصششلون بعششذاب الش تعششالى‬ ‫أقوامهم أن المكذبين من هؤلء القوام كانوا ُي ْ‬ ‫فل ُيبقى على الرض منهم ديارًا ‪،‬ول يترك ال منهم باقية‪ .‬وعنششدما تخلششو الرض مششن هشذا الصششنف‬ ‫الكريم على ال ‪ ،‬فإن الساعة تقوم ‪ ،‬وقد جاء هذا المعنى في أحاديث كششثيرة‬ ‫منها ‪:‬‬ ‫)‪(15‬‬ ‫قال ‪ " : ‬ل تقوم الساعة إل على أشرار الناس " ‪.‬وال ل يخششدع أوليششاءه ‪ ،‬ول‬ ‫يعجز عن نصرهم بقوته ول ُيسلمهم كذلك لعدائه‪ .(13‬‬ ‫يقول سيد قطب رحمه ال ‪ " :‬هذه سنة ال في الرض ‪ ،‬وهذا وعد لوليائه‬ ‫فيها ‪ ،‬فإذا طال الطريق على العصبة المؤمنشة مششرة فيجششب أن تعلششم أن هششذا‬ ‫هو الطريق‪ ،‬وأن تستيقن أن العاقبة والستخلف للمششؤمنين ‪ ،‬وأل تسششتعجل‬ ‫وعد ال حتى يجيء وهي ماضية في الطريق‪ .‬وبمجيء محمد‬ ‫‪ُ ‬رفع هذا الستئصال العام بالطوفان والصاعقة والريشح ‪ ،‬وذلشك تكريمشًا‬ ‫لهذه المة التي ل تخلو من قائم ل بالحجة ‪ ،‬ول من الطائفة الظششاهرة علششى‬ ‫أمر ال حتى يأتي ال بأمره‪ ،‬وهذه الطائفة هم الدعاة ‪ .‬‬ ‫دعوة محمد ‪ ‬أمان للبشرية ‪.‬ولكنه يعلمهششم ويششدربهم‬ ‫ويزودهم ش في البتلء ش بزاد الطريق)‪.‬‬ ‫‪()) 12‬‬ ‫‪()) 13‬‬ ‫‪())14‬‬ ‫‪())15‬‬ ‫سورة يونس ‪ :‬الية ‪.(12)‬‬ ‫فتكون نجاة المؤمنين الداعين إلى ال "حقًا بسبب الوعد والحكم " )‪.‬وهششم أسششعد‬ ‫بها من الناس بدونها‪ .‬وهشذا وعشد الش تعشالى‬ ‫للمؤمنين ‪} :‬ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كششذلك حقشاً علينششا ننششج المششؤمنين‬ ‫‪.4/2268‬‬ .103‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.

30‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪ 1/132‬شرح النووي‪.‬‬ ‫وقال ‪ُ " : ‬يقبض الصالحون الول فالول ويبقى حثالة كحثالششة التمششر أو‬ ‫الشعير ل يعبأ ال بهم شيئًا " )‪.‬وهذا ما ذهب إليششه النششووي‬ ‫وهو يشششرح حششديث‪ " :‬إن الش يبعششث ريحشًا مششن اليمششن ‪ " .(20‬‬ ‫ونلحظ في هذه الرواية التوفيق بين بقششاء الطائفششة المؤمنششة إلششى قششرب قيششام‬ ‫الساعة‪ ،‬وقيام الساعة على شرار الخلق‪ .‬‬ ‫وهكذا فإن النسان يقع بين نهايتين‪ ،‬أو بداية ونهاية‪:‬‬ ‫الولى ‪ } :‬وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الرض خليفة ‪.‬فقششال ‪ " :‬وأمششا‬ ‫الحديث الخر ل تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يششوم القيامششة‬ ‫‪()) 16‬‬ ‫‪()) 17‬‬ ‫‪())18‬‬ ‫‪())19‬‬ ‫‪())20‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪ 1/171‬شرح النووي‪.‬فبينما هششم علششى ذلششك‪ ،‬أقبششل عقبششة بششن‬ ‫عامر‪ ،‬فقال مسلمة ‪ :‬يا عقبة؛ اسمع ما يقول عبدال‪ .‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪ ، 3/1524‬شرح النووي‪.(16‬وفششي روايششة‬ ‫حتى ل يقال في الرض ‪ :‬ال ال ‪. .(19‬‬ ‫وأخرج المام مسلم عن عبد الرحمن بششن شماسششة رضششي الش عنشه قششال ‪" :‬‬ ‫كنششت عنششد مسششلمة بششن مخلششد وعنششده عبششدال بششن عمششرو بششن العششاص‪ ،‬فقششال‬ ‫عبدال ‪ :‬ل تقوم الساعة إل على شرار الخلق‪ ،‬هم شر من أهل الجاهلية‪ ،‬ل‬ ‫يْدعون ال بشيء إل رده ال عليهم ‪ .‬‬ ‫أخرجه البخاري ‪.8/114‬‬ ‫سورة البقرة ‪ :‬الية ‪.(18) ‬‬ ‫والثانية ‪ :‬قوله ‪" ‬إن ال يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير ‪ ،‬فل تششدع‬ ‫أحدًا فيه مثقال حبة من إيمان إل قبضته " )‪.(17‬‬ ‫وهذه الحاديث تدل على أن قيام الساعة يقترن به ذهاب الششدعوة والششدعاة ‪،‬‬ ‫ول أعني بهذا القتران اقشتران السشبب أو الششرط بالمسشبب أو المششروط ‪،‬‬ ‫وإنما أعنششي أن الش تعششالى يكششرم النسششانية بالششدعوة والششدعاة ‪ ،‬وأنشه مششا دام‬ ‫الدعاة وما دامت الدعوة ‪ ،‬فإن الغاية مششن الخلشق علشى هشذه الرض باقيشة ‪،‬‬ ‫فإذا زال الدعاة والدعوة فقد خسر النسان مبرر وجوده على هذه الرض ‪.‬فقال عقبة‪ :‬هششو أعلششم ‪،‬‬ ‫وأما أنا‪ ،‬فسمعت رسول ال ‪ ‬يقول‪ :‬ل تششزال عصششابة مششن أمششتي يقششاتلون‬ ‫على أمر ال‪ ،‬قاهرين عدوهم‪ ،‬ل يضرهم من خششالفهم حششتى تششأتيهم السششاعة‬ ‫سششها مش ّ‬ ‫س‬ ‫وهم على ذلك‪ ،‬قال عبد ال‪ :‬ثم يبعششث الش ريحشًا كريششح المسششك م ّ‬ ‫الحرير ‪ ،‬فل تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من إيمششان إل قبضششته‪ ،‬ثششم يبقششى‬ ‫شرار الناس عليهم تقوم الساعة")‪.‬‬ .‫‪-12-‬‬ ‫وقال ‪ " : ‬ل تقوم الساعة على أحششد يقششول ‪ :‬الش ال ش " )‪ .‬وعندئذ يكون معنى وجود الطائفة‬ ‫المؤمنة إلى قيام الساعة يعني إلى قربها قيامها‪ .

‬‬ ‫وليس المقصود بالنجاة نجاة الفرد من الذى واللم ‪ ،‬وإنمششا المقصششود نجششاة‬ ‫الجماعة والفكرة في النهاية‪ ،‬وأما في الخرة فإن صششورة النجششاة نعيششم مقيششم‬ ‫وجنة عرضها السماوات والرض‪ ،‬فيها ما ل عين رأت ول أذن سمت ول‬ ‫خطر على قلب بشر‪.(21‬‬ ‫طن نفسه على الجهاد وندب نفسه للتضحية في سششبيل‬ ‫ولما كان الداعية قد و ّ‬ ‫ال ‪ ،‬ودخل طرفًا في مواجهة أعششداء السششلم‪ ،‬فششإن هششذه المششؤهلت تجعلششه‬ ‫ج ‪ ،‬وعششدوه‬ ‫أقششدر علششى المصششاولة والمجاولششة‪ ،‬وهششو بششإذن الش منصششور نششا ٍ‬ ‫مخذول هالك‪.1/133‬‬ .‬‬ ‫‪()) 21‬‬ ‫شرح صحيح مسلم للنووي ‪.‫‪-13-‬‬ ‫فليس مخالفًا لن معنى هذا أنهششم ل يزالششون علششى الحششق حششق تقبضششهم هششذه‬ ‫الريح")‪.

6/111‬‬ ‫صحيح مسلم ‪ ،‬كتاب المارة ‪ ،‬ح ‪ ، 1893‬ص ‪ .‬واستبدال مقام خالد في النار بمقام خالششد فششي الجنششة أمششر ل يششدانيه‬ ‫شششيء مششن أصششناف المعششروف ‪ ،‬ول تصششل إليششه رتبششة مششن رتششب الحسششان‬ ‫والجود‪ ،‬فالداعية يقدم الجنة هدية للنششاس مششن حششوله‪ ،‬ويششدّلهم علششى مقامششات‬ ‫السششعادة‪ ،‬وأي أجششر ُيكتششب للداعيششة عنششد ربششه إل الجششر الششذي يليششق بجلل‬ ‫المعطي سبحانه ويتناسب مع قدر العطية؟‬ ‫ب‪ -‬أن كل حركة وسكنة يتحركها المهتدي ‪ ،‬وكل تسبيحه أو تكبيرة ينطقها‬ ‫وكل ركعة وسجدة يفعلهشا وكشل إحسشان ُيجريشه الش علشى يشديه‪ ،‬فإنمشا كشان‬ ‫الداعية سبب كل ذلك وطريقه الششدال عليششه‪ .‬وإن لششه مثششل أجششر فششاعله لقششول‬ ‫النبي ‪ " : ‬الدال على الخير كفاعله" )‪ ،(23‬ولقوله ‪ ‬أيضشًا ‪ " :‬مششن سش ّ‬ ‫ن‬ ‫في السلم سنة حسنة فلشه أجرهششا وأجششر مشن عمشل بهششا بعشده مشن غيشر أن‬ ‫ينقص من أجورهم شيء")‪.5/43‬‬ ‫صحيح مسلم ‪ ،‬ح ‪ ، 1017‬ص ‪ 2/704‬و ح ‪ ، 2674‬ص ‪.4/2060‬‬ .‬ولرسول الشش ‪‬‬ ‫ش بعد ال تعالى ش ِمّنة واي ِمّنة في عنق كل مسلم‪. 3/1406‬وسنن أبي داود ح‬ ‫))(‬ ‫‪ ،5129‬ص ‪ ،5/346‬والترمذي ح ‪ ،2674‬ص ‪.(24‬‬ ‫جهد أبي بكششر‬ ‫وهذا باب من الجر ل ُيغلق‪ ،‬وهو يتنامى يومًا بعد يوم‪ .‬وإن جهششد‬ ‫المصطفى ‪ ‬هو مبدأ كل جهد طيب بذله مسلم أو يبذله‪ .‬وهكذا فششإن الششدعوة ل تتكششاثر إل عششن طريششق‬ ‫‪()) 22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪()) 24‬‬ ‫أخرجه البخاري ) فتح الباري ( ‪.‬‬ ‫ج‪ -‬أن من يهتدي على يد الداعيششة يكششون عونشًا للداعيششة علششى أداء رسششالته‪،‬‬ ‫ويضّم جهده إلىجهد الداعية‪ .‬وإن ُ‬ ‫الصديق‪ ،‬وبلل ‪ ،‬عمار ‪ ،‬وخديجة ‪ ،‬وأسماء ‪ ،‬وغيرهم وغيرهن‪ ،‬إنما هششو‬ ‫أساس فششي إقبششال كششل إنسششان علششى الش تعششالى إلششى قيششام السششاعة‪ .(22‬‬ ‫ُ‬ ‫وذلك لن هدي ال هو الهدى‪ ،‬وأنه ليششس بعششد الهششدى إل الضششلل‪ ،‬وعنششدما‬ ‫يوفق ال تعالى داعية من دعاة السلم فيهيء له من يقبل دعوته فإن نتششائج‬ ‫هذا القبول عظيمة جليلة ‪ ،‬نذكر منها‪:‬‬ ‫أ‪ -‬أن في ذلك اسششتنقاذًا لهششذا المهتششدي مششن النششار‪ ،‬وصششيانة لششه مشن سششعيرها‬ ‫صرف عنه من النار إنما كان ش بعد فضل ال ش بجهششد الداعيششة‬ ‫ولظاها‪ ،‬وما ُ‬ ‫وعنايته ‪ .‫‪-14-‬‬ ‫القاعدة الثانية‬ ‫حُمر الّنعم (‬ ‫ل واحدًا خير لك من ُ‬ ‫) لن يهدي ال بك رج ً‬ ‫ي بن أبششي طششالب رضششي الش عنششه عنششدما‬ ‫هذا ما أخبر به رسول ال ‪ ‬عل ّ‬ ‫ي ‪ :‬علم أقاتل الناس‪ ،‬نقاتلهم حتى يكونوا‬ ‫أعطاه الراية يوم خيبر ‪ ،‬فقال عل ّ‬ ‫مثلنا ؟ فقال‪ " :‬على رسششلك حششتى تنششزل بسششاحتهم ثششم ادعهششم إلششى السششلم‪،‬‬ ‫ل واحدًا خير لك مششن‬ ‫وأخبرهم بما يجب عليهم‪ ،‬فوال لن يهدي ال بك رج ً‬ ‫حُمر الّنعم" )‪.

125‬‬ .‬وفششي‬ ‫كل مرة يهتدي فيها من يهتدي فإنما يسقط ركن من أركان الجاهلية‪ .‫‪-15-‬‬ ‫الدعوة ول تتقوى إل بالعناصر الجديدة الرافششدة‪ .‬‬ ‫‪()) 25‬‬ ‫سورة النحل ‪ :‬الية ‪.‬وهكششذا‬ ‫كان أمر الجاهلية في مكة‪ ،‬ففي كل صباح لهم حديث ‪ ،‬الكفار يتكلمون عششن‬ ‫الصابئين المفارقين الخارجين ‪ ،‬والمسششلمون يفرحششون بالمهتششدين المششؤمنين‬ ‫وكأني ببناء الكفر يتصدع كل يوم ويفقد من بنائه ما يفتح الثغرة تلششو الثغشرة‬ ‫فيه‪.‬ومششا تغيششر حششال المسششلمين‬ ‫من السر إلى العلن غل يوم أن دخل عمر وحمزة فششي ديششن الشش‪ .‬‬ ‫د‪ .‬وأن الهدايششة أسششلوب مششن أسششاليب النصششر المششادي‪ ،‬ولكنششه ل يتحقششق فششي‬ ‫معركة ذات جرح وقرح ول عن طريق السيف والسششهم وإنمششا عششن طريششق‬ ‫‪ ‬ادع إلى سششبيل ربششك بالحكمششة والموعظششة الحسششنة وجششادلهم بششالتي هششي‬ ‫أحسن‪.(25) ‬‬ ‫هش‪ -‬وأن من يهديه ال على يديك أيها الداعية إنما هو لبنششة ُنزعششت مششن بنششاء‬ ‫الجاهليششة ووضششعت فششي بنششاء السششلم‪ ،‬وسششيكون هششذا علششى حسششاب الكفششر‬ ‫والضلل‪ ،‬وهو خسارة للشيطان وأعوانه‪ ،‬وكسب للرحمن وأنصاره‪ .‬ومششا تغيششر‬ ‫حالهم من الجماعشة إلشى المجتمشع إل يشوتم أن دخشل النصشار فشي ديشن الش‬ ‫تعالى‪.

(30)‬‬ ‫وقال ‪ } :‬فهل على الرسل إل البلغ المبين ‪.‬مشبهين ذلك بالعمال الدنيويشة الششتي ُينظششر فيهشا‬ ‫إلى النتائج المحسوسة‪ .54 :‬‬ .‬فهششذا نششوح عليششه السششلم يششدعو‬ ‫قومه ويمكث فيهم ألششف سششنة إل خمسششين عامشًا‪ .48 :‬‬ ‫سورة النحل الية ‪.‬‬ ‫وكذلك أمر أكثر النبياء فإنهم يحشرون يوم القيامة ‪ ،‬ومششع بعضششهم الواحششد‬ ‫والثنششان والثلثششة ‪ ،‬وبعضششهم ل يكششون معششه أحششد مششن المششؤمنين‪ .(31) ‬‬ ‫وقال ‪ } :‬وما على الرسول إل البلغ المبين ‪.(29‬ولششذلك فقشد وجشه الش تعششالى رسشول‬ ‫محمششدًا ‪ ‬إلششى هششذا المعنششى عنششدما أمششره بالششدعوة والتبليششغ ولششم يطششالبه‬ ‫بالنتيجة ‪ ،‬فقال ‪ } :‬فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهششم حفيظشًا إن عليششك إل‬ ‫البلغ‪.(27‬‬ ‫ورغم هذا المكث الطويل فإنه لم يؤمن من قومه إل قليل ‪ ،‬قال تعششالى ‪} :‬‬ ‫حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلششك‬ ‫إل من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إل قليل‪.(32) ‬‬ ‫‪()) 26‬‬ ‫‪()) 27‬‬ ‫‪())28‬‬ ‫‪())29‬‬ ‫‪())30‬‬ ‫‪())31‬‬ ‫‪())32‬‬ ‫سورة العنكبوت الية ‪.‬‬ ‫سورة الشورى الية ‪.5/413‬‬ ‫سورة هود الية ‪.‬قششال الش تعششالى ‪ } :‬ولقششد‬ ‫أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إل خمسين عامًا فأخذهم الطوفان‬ ‫وهم ظالمون‪ (26) ‬وظاهر سياق الية ش كما يقول ابن كثير ش أنه مكث فششي‬ ‫قومه يدعوهم إلى ال ألف سنة إل خمسين عاماً)‪.40 :‬‬ ‫أخرجه الترمذي ‪ 4/631‬وقال ‪ :‬حديث حسن صحيح ‪.14 :‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.‬ولو كان المر في الدعوة كذلك لكان كثير من أنبياء‬ ‫ال ش صلوات ال عليهشم شش محكومشًا عليشه بالخفشاق ‪ ،‬وحاششا أنبيشاء الش أن‬ ‫يوصفوا بهذا ‪ ،‬رغم قلة المؤمنين بدعوتهم ‪ .‫‪-16-‬‬ ‫القاعدة الثالثة‬ ‫الجر يقع بمجرد الدعوة ول يتوقف على الستجابة‬ ‫أ‪ -‬وهذه القاعدة تعالج خطأ شائعًا عند كثيرين ‪ ،‬وهو أن الجر يترتب علششى‬ ‫النتيجة الدنيوية الظاهرية‪ .‬أخششرج‬ ‫الترمذي من طريق ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ " :‬لمششا أسششري بششالنبي‬ ‫‪ ‬جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم‪ ،‬والنبي والنبيين ومعهم الرهششط ‪،‬‬ ‫والنبي والنبيين وليس معهم أحشد" )‪ .35 :‬‬ ‫سورة النور الية ‪.(28) ‬‬ ‫ويلحظ الستثناء في الية بعد قوله ‪ ) :‬ومن آمن ( حتى ل ُيفهششم بششأن عششدد‬ ‫المؤمنين كان كبيرًا قال ‪ ) :‬وما آمن معه إل قليل (‪.

110 :‬‬ .(33) ‬‬ ‫ب‪-‬ومن فقه هذه القاعدة أن الداعية ل يقع تحت الحباط والضغوط النفسششية‬ ‫الناشئة عن إعراض الناس وعدم استجابتهم‪ .(36)‬‬ ‫وقل ‪ } :‬ول تحزن عليهم ‪ .‬‬ ‫والقلب الرحيم يتقطع عندما يرى الناس يتهافتون في النار تهافت الفششراش ‪،‬‬ ‫وكذلك كششان حششال رسششول الش ‪ ‬فجششاء التششوجيه الربششاني ‪ ) :‬فلعلششك بششاخع‬ ‫ى وأسفًا عليهم لنهم لم يؤمنوا بالقرآن الكريششم‪ .(35) ‬وقششال ‪} :‬فل تششذهب نفسششك عليهششم حسششرات‪.272 :‬‬ ‫سورة الكهف الية ‪. 127 :‬‬ ‫تفسيرابن كثير ‪.(38‬‬ ‫ج ‪ -‬وكذلك ُرفع هذا الحرج عن الدعاة من أمة محمد ‪ ‬إن لم يهتششد النششاس‬ ‫ولم يستجيبوا لهم بعد استنفاد غاية الجهد معهششم؛ لن ال ش ل يكلششف نفس شًا إل‬ ‫وسششعها ‪.56 :‬‬ ‫سورة البقرة الية ‪.6 :‬‬ ‫سورة فاطر الية ‪.‬‬ ‫ولقششد أكششد القششرآن الكريششم عششدم التلزم بيششن الششدعوة والسششتجابة‪ ،‬فقششد يبششذل‬ ‫الداعية قصارى جهده‪ ،‬ول يجد من المششدعو سششوى العششراض ‪ ،‬وقششد جعششل‬ ‫القرآن الكريم بين الدعوة والستجابة مرحلة وسيطة يبدو أنهششا ضششرورية ‪،‬‬ ‫وهششي مقتضششى قششوله تعششالى ‪ } :‬حششتى إذا اسششتيأس الُرسششل ‪ .(39)‬وهششي‬ ‫مرحلة ‪ ‬وظنوا أنهم قد ُكذبوا‪ ‬والوصول إلى هذه المرحلة وسششيط بيششن‬ ‫الدعوة وبين المرحلة الثالثة‪‬جاءهم نصرنا‪.‬قششال‬ ‫نفسك؟!( أي مهلكها أس ً‬ ‫قتششادة ) لعلششك قاتششل نفسششك غضششبًا وحزنشًا عليهششم ؟! وقششال مجاهششد ‪ :‬جزعشًا‬ ‫والمعنى متقارب ‪ ،‬أي ل تأسف عليهم بل أبلغهم رسششالة ال ش ‪ ،‬فمششن اهتششدى‬ ‫فلنفسه‪ ،‬ومن ضل فإنما يضل عليهاه ( )‪. ‬‬ ‫‪()) 33‬‬ ‫‪()) 34‬‬ ‫‪())35‬‬ ‫‪())36‬‬ ‫‪())37‬‬ ‫‪())38‬‬ ‫‪())39‬‬ ‫سورة القصص الية ‪.4/367‬‬ ‫سورة يوسف الية ‪.8 :‬‬ ‫سورة النحل الية ‪.‫‪-17-‬‬ ‫فأمر الهداية بيد ال تعالى ‪ ،‬وهو القائل ‪ } :‬إنك ل تهدي من أحببت ولكششن‬ ‫ال يهدي من يشاء ‪.‬ج‪ -‬وفششي هششذه القاعششدة علج لولئك المتعجليششن مششن الششدعاة الششذين‬ ‫ينتظرون النتائج الدنيوية الظاهرة‪ ،‬ويجعلونها شرطًا للمواصلة والسير فششي‬ ‫طريق الدعوة‪ .‬وهذا التلزم إنما هو سوء فهم من جهششة‪ ،‬ومخالفششة صششريحة‬ ‫لقواعد الدعوة في القرآن والسنة من جهة أخرى‪.‬ولقد رفششع ال ش تبششارك وتعششالى‬ ‫الحرج عن نبيه ‪ ‬ولم يكلفه إل بما يستطيع ‪ ،‬فقال ‪ } :‬ليس عليك هداهم‬ ‫‪ (34) ‬وقال له ‪ } :‬فلعلك بششاخع نفسششك علششى آثششارهم إن لششم يؤمنششوا بهششذا‬ ‫الحديث أسششفا ‪ .(37) ‬وفي هذه اليات تسلية لرسول ال ش ‪‬‬ ‫حيششث كششان الحريششص علششى إيصششال الخيششر والهدايششة إليهششم ولكنهششم عمششوا‬ ‫وصّموا‪.

‫‪-18-‬‬ ‫قال ابششن كششثير ‪ " :‬يششذكر تعششالى أن نصششره ينششزل علششى رسششله صششلوات الش‬ ‫وسلمه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من ال ش فششي أحششوج‬ ‫الوقات غليه ‪ ،‬كقوله تعالى ‪} :‬وزلزلوا حتى يقول الرسششلو والششذين آمنششوا‬ ‫معه متى نصر ال ‪.61-4/60‬‬ ‫الكشف عن وجوه القراءات ‪.‬وإذا جعلنششا‬ ‫الضمير للرسل كان ظنهم حينئذ أن قومهم قد كذبوهم‪ .‬‬ ‫‪()) 40‬‬ ‫‪()) 41‬‬ ‫‪())42‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.(40)‬‬ ‫وقد فهمت عائشة رضي ال عنها أن هذا الظن إنما هو ظن التبششاع ل ظ ش ّ‬ ‫ن‬ ‫الرسل أنفسهم ‪ ،‬وذلك عندما قال لها عروة ‪ :‬فقد استيقنوا أن قومهم كششذبوهم‬ ‫فما هو بالظن ‪ ،‬قالت‪ :‬أجل‪ ،‬لعمري ‪ ،‬لقد استيقنوا بذلك ‪ ،‬فقلت لها ‪ :‬وظنوا‬ ‫أنهم قد ُكذبوا؟ قالت ‪ :‬معاذ ال لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ‪ .‬ول مانع مششن الجمششع‬ ‫بين المكذبين من أقوام الرسل وبين المتعجلين الظانين بال ظن السوء ‪.‬قلت فما هذه‬ ‫الية؟ قالت ‪ :‬هم أتباع الرسل الذين آمنشوا بربهششم وصشدقوهم‪ ،‬فطشال عليهشم‬ ‫البلء‪ ،‬واستأخر عنهم النصششر ‪،‬حششتى إذا اسششتيأس الرسششل ممششن كششذبهم مششن‬ ‫قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جشاءهم نصشر الش عنشد ذلششك)‪ .(41‬وذلششك‬ ‫بناء علششى قششراءة عائشششة رضششي الش عنهششا بتشششديد )ُكششذبوا( فيكششون الفاعششل‬ ‫التبششاع ل الرسششل)‪ .(42‬وهششو تششوجيه يليششق بمقششام الرسششل الكششرام‪ .2/16‬‬ .‬‬ ‫د‪ -‬ول يعنى هذا أن الداعية غيششر مطششالب ببششذل قصششارى جهششده‪ ،‬واسششتخدام‬ ‫أحسن ما يستطيع من الساليب والوسائل‪ ،‬وهذا ما سنذكره في قاعده البلغ‬ ‫التالية‪.4/160‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.

79 :‬‬ ‫معجم مقاييس اللغة ‪.35 :‬‬ ‫سورة الحزاب الية ‪.(50‬وليششس المقصششود بششالبلغ مجششرد الخبششار أو‬ ‫العلن‪ ،‬إنما المراد أن تصل رسالته للناس‪.39 :‬‬ ‫سورة العراف الية ‪.1/301‬‬ ‫المرجع نفسه ‪.66 :‬‬ ‫تفسير القرطبي ‪.‬‬ ‫وقشد جعشل الش تعششالى مهمشة رسشله وأنبيشائه البلغ ‪ ،‬فقشال ‪ } :‬فهششل علشى‬ ‫الرسل إلى البلغ المبين‪ .8/140‬‬ ‫سورة المائدة الية ‪.‬‬ ‫‪()) 43‬‬ ‫‪()) 44‬‬ ‫‪())45‬‬ ‫‪())46‬‬ ‫‪())47‬‬ ‫‪())48‬‬ ‫‪())49‬‬ ‫‪())50‬‬ ‫سورة النحل الية ‪.(49) ‬‬ ‫قال القرطبي ‪ " :‬وهذا تششأديب للنششبي ‪ ‬وتششأديب لحملششة العلششم مشن أمتششه أل‬ ‫يكتموا شيئًا مششن شششريعته")‪ .(45) ‬‬ ‫وكلمة َبَلَغ ‪ :‬تعني وصل أو قارب على الوصول‪ ،‬يقول ابن فارس ‪ " :‬البششاء‬ ‫واللم والغين أصل واحد ) أي معنى واحششد( ‪ ،‬وهششو الوصششول إلششى الشششيء‬ ‫تقول ‪ :‬بلغت المكان إذا وصلت إليه" )‪ ، (46‬ويقول ‪ " :‬وكذلك البلغششة الششتي‬ ‫يمدح بها الفصيح اللسان لن َيبُلغ بها ما يريده")‪.6/242‬‬ .(47‬‬ ‫وقال الزهري ‪ " :‬والعششرب تقششول للخششبر يبلششغ أحششدهم ول يحققششونه‪ ،‬وهششو‬ ‫يسوءهم ‪ :‬سمُع ل بْلُغ ‪ ،‬أي نسمعه ول يبلغنا‪ ،‬ويجوز ‪ :‬سمعاً ل بلغًا " )‪.‬وقششال تعششالى‪: :‬‬ ‫} الذين ُيبلغون رسالت ال ويخشونه‪.‫‪-19-‬‬ ‫القاعدة الرابعة‬ ‫على الداعية أن يصل إلى رتبة الُمَبّلغ وأن يسعى إلى البلغ‬ ‫ليس أمر الدعوة إلى ال بأقل من أمر الدعوة أو الدعاية إلى سششلعة دنيويششة ‪.1/302‬‬ ‫تهذيب اللغة ‪.‬‬ ‫ب‪ -‬ول معذرة للداعية إذا صر في البلغ ولقد نبه الش تبششارك وتعششالى نششبيه‬ ‫ل ‪ } :‬يا أيها الرسششول بلششغ مششا ُأنششزل إليششك مششن‬ ‫محمدًا ‪ ‬إلى مثل هذا قائ ً‬ ‫ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وال يعصمك من الناس إن ال ل يهششدي‬ ‫القوم الكافرين‪.(48‬‬ ‫وهششذا دليششل علششى أن اسششتعمال كلمششة البلغ إنمششا كششان لمششا فيهششا مششن طبيعششة‬ ‫الوصول والنتهاء‪.(44)‬‬ ‫وعند إعراض الناس عن اليمان كان يأتي التأكيد على وصول النبياء إلى‬ ‫رتبة البلغ‪ ،‬قال تعالى ‪ } :‬فتولى عنهم وقششال يششا قششوم لقششد أبلغتكششم رسششالة‬ ‫ربي‪.‬‬ ‫ونحن علششى يقيششن أن صششاحب البضششاعة يسششتخدم أقششوى الوسششائل وأوسششعها‬ ‫انتشارًا من أجل إيصال الجمهور إلى درجة القناعة ببضششاعته ‪ ،‬ونششراه فششي‬ ‫سبيل ذلك يستخدم الكلمة والصورة والهدية وغير ذلك من الوسائل ‪.(43)‬ووصف البلغ بأنه المبين‪ .

‬‬ ‫‪51‬‬ ‫‪()) 52‬‬ ‫‪()) 53‬‬ ‫‪())54‬‬ ‫‪())55‬‬ ‫‪())56‬‬ ‫أخرجه الترمذي من روايات عديدة ‪ ، 5/34‬وأخرجه ابن ماجة كذلك ‪، 1/84‬‬ ‫))(‬ ‫‪ ،2/1015‬وأخرجه المام أحمد من عدة روايات ‪، 82 ، 4/80 ، 3/225 ، 1/437‬‬ ‫‪ ، 5/183‬وأخرجه الدارمي في المقدمة‪.10/302‬‬ .10/159‬‬ ‫لسان العرب ‪.‬والدعاة اليوم هم أحوج ما يكونون لهذا ول ُيعذرون بالقصور فيه‪.‬‬ ‫د‪ -‬ومن مقتضيات البلغ البلغة‪.‬‬ ‫واسششتفاد الخطششابي مششن هششذا الحششديث كراهششة اختصششار الحششديث لمششن ليششس‬ ‫بالمتناهي بالفقه)‪ (53‬وعلى هشذا فشإن الشوعي يكشون بحفشظ النشص وأدائه كمشا‬ ‫قيل‪ .24 :‬‬ ‫معالم السنن ‪.‬‬ ‫ل بليغًا ‪:(54) ‬‬ ‫والبلغة في تفسير قوله تعالى ‪ } :‬وقل لهم في أنفسهم قو ً‬ ‫ل علششى الششترغيب‬ ‫أن يكششون كلمششًا حسششن اللفششاظ حسششن المعششاني مشششتم ً‬ ‫والترهيب والتحذير والنذار والثششواب والعقششاب‪ ،‬فششإن الكلم إذا كششان هكششذا‬ ‫ظم وقعه في القلب ‪ ،‬وإذا كان مختصرًا ركيك اللفاظ ركيششك المعنششى‪ ،‬لششم‬ ‫عُ‬ ‫َ‬ ‫)‪(55‬‬ ‫يؤثر البتة في القلب ‪.(52‬وهذه النضششارة مشن آثشار التبليشغ علشى‬ ‫الُمبّلغ فالُمَبّلغون أصحاب الوجوه الناضرة في الدنيا والخرة‪.4/187‬‬ ‫سورة النساء الية ‪.‫‪-20-‬‬ ‫ج‪-‬ومن مقتضيات البلغ أن يعي الداعية ما ُيبلغه ‪ ،‬لنه ل تبليغ بل وعششي‪،‬‬ ‫ضَر ال امرءًا سمع مقالتي فوعاهششا وحفظهششا‬ ‫ويستفاد هذا من قوله ‪َ " : ‬ن ّ‬ ‫ل عليهششن قلششب‬ ‫ب حامل فقه إلى من هو أفقششه منششه ‪ ،‬ثلث ل ُيَغش ّ‬ ‫وبّلغها‪ ،‬وفَر ّ‬ ‫مسلم ‪ :‬إخلص العمل ل ‪ ،‬ومناصحة أئمشة المسششلمين ‪ ،‬ولششزوم جمششاعتهم ‪،‬‬ ‫فإن الدعوة تحيط من وراءهم")‪.‬‬ ‫وبناء عليه فإن على الُمبّلغ أن يعلم من لغة العرب وأساليبهم ما يعينششه علششى‬ ‫البلغ‪.4/187‬‬ ‫المصدر نفسه ‪.(51‬‬ ‫ضششر الش معنششاه الششدعاء لششه‬ ‫قششال الخطششابي فششي شششرحهه لهششذا الحششديث ‪َ " :‬ن ّ‬ ‫بالنضارة وهي النعمة والبهجة" )‪ .‬‬ ‫ومقتضى هذا بحثواطلع ‪ ،‬واعتنششاء باللغششة العربيششة‪ :‬علمشًا وقششراءة وكتابششة‬ ‫ومحادثة‪ ،‬ونظرًا فششي أدب العششرب نششثرًا وشششعرًا ‪ ،‬وفششي نظششم القششرآن مبنششى‬ ‫ومعن‪ .67‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫وقال في اللسان ‪ :‬رجل بليغ ‪ :‬حسن الكلم فصيحه ‪ُ ،‬يَبّلغ بعبارة لسانه ُكْنششه‬ ‫ما في قلبه)‪.‬ويكون للفقيه بمحششافظته علششى المعششاني المسششتفادة‪ ،‬ويششترتب علششى هششذا‬ ‫الحديث كل ما يتعلق بالرواية والدراية من العلوم والتفاصيل‪.(56‬‬ ‫وليست البلغة في صعوبة اللفاظ والساليب ‪ ،‬والبحث عن وحشششي الكلم‬ ‫وغريبه‪.

‬‬ ‫سورة القصص الية ‪.24/249‬‬ ‫سورة القصص الية ‪.‬إذ عندما يرى المدعوون أن‬ ‫الداعية ليس وحيدًا وأن معه أنصارًا وأعوانشاً فششإنهم يلحظششون أثششر الششدعوة‬ ‫في الناس ويحملهم هذا على إمعان الفكر في هذه الدعوة‪.‬‬ ‫وذلك عندما قال ال تعالى على لسان موسى عليه السلم‪{ :‬واحلل عقدة من‬ ‫لسششاني يفقهششو قششولي})‪ .34 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‫‪-21-‬‬ ‫هش‪ -‬ولقد جاء القرآن بتأكيد الفصاحة وسلمة النطق‪.(57‬فقششد علششم موسششى عليششه السششلم أن سششلمة النطششق‬ ‫وفصاحته من أسباب البلغ وإقامة الحجة‪ ،‬قال الرازي ‪ " :‬اختلفوا فششي أنششه‬ ‫عليه السلم ِلَم طلب حل تلك العقدة على وجوه" ‪.‬‬ ‫أحدها ‪ :‬لئل يقع في أداء رسالته خلل البتة‪.27 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫شد عضدك بأخيك})‪ (62‬وقال‬ ‫قال تعالى مخاطبًا موسى عليه السلم‪ { :‬سن ّ‬ ‫على لسان موسى أيضًا { واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي اشُدْد به‬ ‫‪()) 57‬‬ ‫‪()) 58‬‬ ‫‪())59‬‬ ‫‪())60‬‬ ‫‪())61‬‬ ‫‪())62‬‬ ‫سورة طه الية ‪.‬قششال الششرازي‬ ‫في تفسير هذه الية ‪ ) :‬ليس الغرض بتصديق هارون أن يقششول لششه صششدقت‬ ‫أو يقول للناس‪ :‬صدق موسى‪ ،‬وإنما هو أن يلخششص بلسششانه الفصششيح وجششوه‬ ‫الدلئل ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار‪ ،‬فهشذا هشو التصشديق المفيشد‪،‬‬ ‫ح منششي لسششانًا فأرسششله‬ ‫أل تششرى إلششى قششوله‪ { :‬وأخششي هششارون هششو أفصشش ُ‬ ‫)‪(61‬‬ ‫معي} وفائدة الفصاحة تظهر فيما ذكرناه ل في مجرد قوله ‪ :‬صدقت( ‪.(60‬والّرْدُء ‪:‬اسم ما يستعان به ‪ .(59‬‬ ‫النهاية‪ ،‬فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفًا وتسهي ً‬ ‫ويسششتفاد مششن هششذه القاعششدة أن علششى الداعيششة أن ُيع شّود نفسششه علششى النطششق‬ ‫الصحيح‪ ،‬وإذا كانت في لسانه عقدة فليسششتعن بمششن يفصششح عنششه ‪ ،‬ويسششاعده‬ ‫في مهمته‪ ،‬وذلك كي يصل بدعوته إلى درجة البلغ والبيان‪ ،‬وهذا ما سششال‬ ‫ح منششي لسششانًا‬ ‫موسى عليه السلم ربه سششبحانه‪ { :‬وأخششي هششارون هششو أفصش ُ‬ ‫فأرسله معي ردءًا ُيصدقني})‪ .(58‬‬ ‫ثم قال ورابعها ‪ :‬طلب السهولة لن إيراد مثل هذه الكلم على مثل فرعون‬ ‫سّر جدًا ‪ ،‬فإذا انضم إليه َتّعقششد اللسششان بلششغ العسششر إلششى‬ ‫عِ‬ ‫في جبروته وِكْبره َ‬ ‫ل)‪.‬‬ ‫وثانيها ‪ :‬لزالة التنفير؛ لن العقدة فششي اللسششان قششد تفضششي إلششى السششتخفاف‬ ‫بالقائل وعدم اللتفات إليه)‪.‬‬ ‫و‪ -‬ومما يساعد الداعية على البيان والبلغ وجود إخوانه معه إلششى جششانبه ‪،‬‬ ‫فإن وجودهم يشد من عضده ويلقي فشي روعشه الطمأنينشة مشن جهشة ‪ ،‬ومشن‬ ‫جهة أخرى فإن وقع ذلك على المدعوين كبير‪ .35 :‬‬ .22/48‬‬ ‫المصدر نفسه‪.

(64‬‬ ‫ز‪ -‬ولكي يصل الداعية إلى درجة البلغ فعليه أن يستعمل الوسائل الكاشششفة‬ ‫عن مراده الُمقّربة لدعوته ‪ ،‬وهذا مششا يعششرف بوسششائل اليضششاح‪ ،‬والوسششائل‬ ‫الُمعينششة‪ .1/165‬‬ .‬‬ ‫النبي ‪ ρ‬يستخدم وسيلة اليضاح‪:‬‬ ‫أخرج البخاري عن ابن عمر ش رضي ال عنهما ش قال ‪ " :‬كنا عنششد النششبي ‪ρ‬‬ ‫جَمار)‪ (65‬فقال ‪ :‬إن في الشجر شجرة َمَثُلها كمثششل المسششلم‪ ،‬فششأردت أن‬ ‫فأتى ب ُ‬ ‫ت ‪ ،‬فقال النششبي ‪ : ρ‬هششي النخلششة‬ ‫أقول‪ :‬هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم ‪ ،‬فسك ُ‬ ‫)‪.‬وعلششى الداعيششة أن يخششاطب النششاس بالصششورة والفيلششم والخارطششة‬ ‫والرسششم البيششاني والمقطششع التوضششيحي والرحلششة الهادفششة والقصششة والمثششل‬ ‫والقسيدة ومخلوقات ال تعالى وعجيب صنعه‪.(66‬‬ ‫فالنبي ‪ ρ‬سأل عن شجرة يشبهها المسلم وتشبهه وكان عند السؤال يأكل مششن‬ ‫الجّمار‪ .‬‬ ‫ولذلك قال عيسى عليه السلم‪ { :‬قال ‪ :‬من أنصاري إلى ال ؟ قال‬ ‫الحواريون ‪ :‬نحن أنصار ال } وقال لمحمد‪{ ρ‬حسبك ال ومن اتبعك من‬ ‫المؤمنين})‪.‬‬ ‫ال ُ‬ ‫أخرجه البخاري ‪ 1/165‬مع فتح الباري‪.(67‬‬ ‫إبراهيم عليه السلم يستخدم وسائل اليضاح‪:‬‬ ‫والقرآن الكريم يقص علينا كيف كان إبراهيم عليه الصلة والسلم يسششتخدم‬ ‫هذه الوسائل المعينة عندما أراد أن يدعو قومه إلى عبادة ال ويصرفهم عن‬ ‫ل رأى كوكبشًا‬ ‫ن عليششه الليش ُ‬ ‫عبادة النجوم والكواكب‪ .‫‪-22-‬‬ ‫أزري وأشركه في أمري)‪ }(63‬قال الرازي في تفسيره لهذه الية ‪ " :‬واعلم‬ ‫أن طلب الوزير إما أن يكون لنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك‬ ‫المر فطلب الُمعين ‪ ،‬أو لنه رأى أن للتعاون على الدين والتظاهر عليه‬ ‫مع مخالصة الوّد وزوال التهمة مزية عظيمة في أمر الدعاء إلى ال‪.30 :‬‬ ‫تفسير الرازي‪.22/48 ،‬‬ ‫جّماز ما في رأس النخلة من اللب‪ ،‬وطعه حلو طيب‪.‬قال ابن حجر‪ " :‬لما ذكر النبي ‪ ρ‬المسألة عند إحضار الجّمششار إليششه‬ ‫فهم ابن عمر أن المسؤول عنه النخلة")‪.‬قال ال تعالى‪ { :‬فلما جش ّ‬ ‫ب الفلين* فلّما رأى القمر بازع شًا قششال هششذا‬ ‫قال هذا ربي فلّما أفل قال ل ُأح ّ‬ ‫ضششالين فلّمششا رأى‬ ‫ن من القوم ال ّ‬ ‫رّبي فلّما أَفل قال ‪ :‬لئن لم يهدني ربي لكون ّ‬ ‫الشمس بازغة قال ‪ :‬هذا ربي هذا أكبر لما أفلت قال يا قوم إني بريششء ممششا‬ ‫‪()) 63‬‬ ‫‪()) 64‬‬ ‫‪())65‬‬ ‫‪())66‬‬ ‫‪())67‬‬ ‫سورة طه ‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫فتح الباري ‪.

62 :‬‬ ‫سورة الصافات اليات ‪.(73‬‬ ‫ونلحششظ أن إبراهيششم عليششه السششلم اسششتخدم أسششلوباً مششن أسششاليبهم عنششدما‬ ‫يمرضون‪ ،‬وهو المكث عند الصنام طلبًا للشفاء‪ ،‬ونراه يحطم الصششنام إل‬ ‫صنمًا كبيرًا ‪ ،‬لعلهم إليه يرجعون‪ ،‬ثم نراه ينسب الفعل لهذا الكبير‪ ،‬وتأكيششدًا‬ ‫لهذا فقد جعششل الفششأس فششي رأسششه‪ ،‬وهششذا كلششه جعلهششم يقولششون ‪:‬فرجعششوا إلششى‬ ‫‪()) 68‬‬ ‫‪()) 69‬‬ ‫‪())70‬‬ ‫‪())71‬‬ ‫‪())72‬‬ ‫‪())73‬‬ ‫سورة النعام اليات ‪.(71‬فالششركاء هنشا علشى‬ ‫حد زعم المشركين وادعائهم‪ .(68‬‬ ‫وهذا أسلوب فيه التنزل مع المدعو والتدرج معه حتى يتوصششل إلششى إبطششال‬ ‫ُمّدعاه وإقامة الحجة عليه‪.91-83 :‬‬ ‫سورة النبياء اليات‪.‬وكششذلك‬ ‫قول ال تعالى {ويوم يناديهم فيقول أين ششركائي})‪ .‬قششال الششرازي فششي‬ ‫تفسيره‪ ":‬إن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب منششاظرة إبراهيششم عليششه السششلم‬ ‫مع قومه‪ ،‬والدليل عليششه أن الش تعششالى لمششا ذكششر هششذه القصششة قششال ‪{ :‬وتلششك‬ ‫جتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ولم يقل على نفسه‪ ،‬فعلم أن هذه المباحثششة‬ ‫حّ‬ ‫ُ‬ ‫)‪(69‬‬ ‫إنما جرت مع قومه لجل أن يرشدهم إلى اليمان والتوحيد" ‪.79-76 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.13/48‬‬ ‫سورة طه الية‪.(70‬فششإن‬ ‫موسى عليه السلم لم يقره على مدعاه وإنما حكى زعمه وادعششاءه‪ .‫‪-23-‬‬ ‫ي للذي فطر السماوات والرض حنيفًا ومششآ أنششا‬ ‫جهت وجه َ‬ ‫ُتشركون* إني و ّ‬ ‫من المشركين})‪.‬‬ ‫ومعاذ ال أن يكون هذا هو معتقششد إبراهيششم عليششه السششلم‪ .‬‬ ‫ومثال آخر جاء في قششوله تعششالى‪{:‬وإن مششن شششيعته لبراهيششم* إذ جششاء ربششه‬ ‫بقلب سليم* إذ قال لبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكًا آلهة دون ال ش تريششدون*‬ ‫فما ظّنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم* فقشال إنشي سشقيم* فتولشوا‬ ‫عنه مدبرين* فراغ إلى آلهتهم فقال أل تأكلون* ما لكششم ل تنطقششون* فششراغ‬ ‫عليهم ضربًا باليمين})‪.63-58 :‬‬ .(72‬‬ ‫جذاذًا إل كبيرًا لهم لعلهم إليششه يرجعششون* قششالوا مششن‬ ‫وقال تعالى ‪{ :‬فجعلهم ُ‬ ‫فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيششم*‬ ‫قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنششا‬ ‫يا إبراهيم* قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون})‪.‬وبهذا يكون إبراهيم عليششه السششلم قششد دحششض‬ ‫عقيدتهم في عبادة الحوادث والمتغيرات‪ ،‬وأثبششت عقيشدته فششي عبششادة الواحششد‬ ‫الباقي‪ ،‬الذي ل يعتريه النقص والتغير‪.97 :‬‬ ‫سورة القصص الية ‪.‬‬ ‫وأما قوله ‪{ :‬هذا ربي} فمعناه على زعمكم واعتقادكم وذلششك كقششول موسشى‬ ‫عليه السلم للسامري‪ { :‬وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفشاً})‪ .

65-64 :‬‬ ‫سورة نوح اليات ‪.‫‪-24-‬‬ ‫أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسششوا علششى رءوسششهم لقششد علمششت مششا‬ ‫هششؤلء ينطقششون} )‪ .18/301‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.(75‬قال القرطبي‪ ":‬كششل هششذا‬ ‫مبالغة في الدعاء وتلطف بالستدعاء")‪.‬وليس اللين في التساهل فششي أحكششام الشششرع‬ ‫‪()) 74‬‬ ‫‪()) 75‬‬ ‫‪())76‬‬ ‫‪())77‬‬ ‫‪())78‬‬ ‫سورة النبياء اليات‪.‬وكششان‬ ‫شأنهم التنكر له عندما يدعوهم‪ ،‬ولكنه لم يتنكر لهششم‪ ،‬بششل واصششل دعششوتهم ‪،‬‬ ‫وأمعنوا في التنكر فوضعوا أصابعهم فششي آذانهششم‪ ،‬وتلّفعششوا بثيششابهم‪ ،‬فصششاح‬ ‫بششأعلى صششوته كششي يصششل إلششى أسششماعهم‪ ،‬ولمششا ألقششوا بأسششماعهم أسششر لهششم‬ ‫إسرارًا‪ .(76‬‬ ‫وقال ابن كثير ‪ ":‬نوع عليهم الدعوة لتكون أنجح")‪ .10-5‬‬ ‫تفسير القرطبي ‪.‬قال القرطبي‪ " :‬وأسششررت لهششم ‪ :‬أتيتهششم فششي منششازلهم ")‪ .(74‬وبهششذا فقششد حكششم المشششركون علششى أنفسششهم بالجهششل‬ ‫والغباء‪ .‬ودعاهم بالنهار حيث العمل واللقاء والمحاورة والمنششاظرة‪ .‬‬ ‫فض ً‬ ‫ح‪-‬وللوصول إلى رتبة البلغ فإنه لبد من تقليب الساليب وتنوعهششا فمششا ل‬ ‫يصل بالجهر قد يصل بالسر‪ ،‬وما ل يصل في الليششل قششد يصششل فششي النهششار‪،‬‬ ‫وما ل يستقر في القلوب مع إنشغالها قششد يسششتقر فيهششا عنششد فراغهششا‪ ،‬ومششا ل‬ ‫يؤثر في الصحيح قد يؤثر في المريض‪ .7/124‬‬ ‫تفسير القرطبي ‪.‬‬ ‫ط‪-‬وللوصول إلى رتبة البلغ فإن على الداعية أن يخاطب المدعوين باللين‬ ‫ل بالغلظة والشدة واللين تلطف بالمدعو ورفق به‪ ،‬وتخيششر لحششب السششماء‬ ‫إليه‪ ،‬وأقرب الساليب إلى قلبه‪ .18/300‬‬ .(78‬وهششذه‬ ‫التفاتة جيدة من القرطبي‪ ،‬إذ أن الذهاب بالمدعو بعيدًا عن أعين الناس أبلششغ‬ ‫ي التأثيرن في حين أن اللقاء مع المدعو أمام أعين الناس قششد يسششبب حرجشًا‬ ‫له‪ ،‬بالضافة إلى أنه ينبه أعداء السلم الذين يضربون هذه العلقة بمجرد‬ ‫معرفتهم بهذه الصلة ويحذرون المدعو‪ ،‬ويكون هششذا قبششل أن نتمكششن الفكششرة‬ ‫في نفس المدعو‪ ،‬فيؤدي ذلك إلى عدم الستجابة أو يؤخرها‪.(77‬فدعاهم بالليششل حيششث‬ ‫السكون الششداعي إلششى حسششن السششتماع‪ ،‬وحيششث النجششوم الدالششة علششى خالقهششا‬ ‫ومنشئها‪ .‬وفي سورة نوح تطبيق كامششل لهششذا‬ ‫المبدأ ولهذا القاعدة قال ال تعالى على لسششان نششوح ‪{:‬قششال رب إنششي دعششوت‬ ‫ل ونهارًا * فلم يزدهم دعائي إل قرارًا* وإني كلما دعششوتهم لتغفششر‬ ‫قومي لي ً‬ ‫لهششم جعلششوا أصششابعهم فششي آذانهششم واستغشششوا ثيششابهم وأصششروا واسششتكبروا‬ ‫اسششتكبارًا* ثششم إنششي دعششوتهم جهششارًا* ثششم إنششي أعلنششت لهششم وأسششررت لهششم‬ ‫إسرارًا* فقلت استغفروا رّبكم إنه كان غفارًا})‪ .‬وقرروا عجز آلهتهم عن حماية نفسها إو إجراء الخير والضشر لهشا‬ ‫ل عن تقديمه لغيرها‪.

‬أما الجدل فليس من باب الدعوة بل المقصششود منششه غششرض آخششر‬ ‫مغاير للدعوة وهو اللزام والفحششام‪ .‬‬ ‫وإذا كان ال تعالى قد أمر موسى بأن يدعو فرعون باللين‪ ،‬فمن بششاب أولششى‬ ‫أن يكون اللين شعار كل دعوة‪ .‬وكمششا‬ ‫يضع أعداء السلم العقبات في طريق الدعوة‪ ،‬فقد يضع المسششلم ش ش وهششو ل‬ ‫يعلم شش عقبششات أيضشًا‪ ،‬فششي طريقهششا‪ ،‬سشببها سشوء صشنيعه وضششجره وسششأمه‬ ‫وقصر نظشره وضشيق صششدره‪ .‬‬ ‫فالمؤمن على كل حال ل يخشى إل ال ول يرجو إل ثوابه‪.(80‬‬ ‫والدعاة إلى ال يبتغون إيصال الحق والهدي إلى قلششوب الخلششق وليسششوا فششي‬ ‫حلبة مصارعة يبتغون الظفر على خصومهم‪ ،‬ويريشدون إثبشات تفشوقهم فششي‬ ‫الحجة والدليل‪ .44-43 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.140-20/139‬‬ .‬قال تعالى‪{:‬اذهبا إلششى فرعششون إنششه طغششى*‬ ‫ل لينشًا لعلشه يتشذكر أو يخششى})‪ .‫‪-25-‬‬ ‫ول في مجاراة أهل الباطل على باطلهم ول فششي السششكوت علششى المنكششرات‪.‬والداعيشة الناجششح هشو الشذي ل يفقششد صششوابه‬ ‫واتزانه مهما كانت الظروف‪.‬فلهششذا السششبب لششم يقششل‪ :‬ادع إلششى سششبيل‬ ‫ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الحسن‪ ،‬بل قطع الجدل عششن بششاب‬ ‫الدعوة تنبيهًا على أنه ل يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر)‪.‬‬ ‫والششدعوة بالحكمششة والموعظششة الحسششنة تجعششل المششدعو يقششف مباشششرة أمششام‬ ‫الدعوة‪ ،‬في حين أن الغلظة تجعششل المششدعو فششي حجششاب عششن الششدعوة‪ .(79‬وأمشر الش نشبيه ‪ ρ‬بشأن يشدعو‬ ‫فقول له قو ً‬ ‫بالحكمة والموعظة الحسنة‪.‬ويذهب الرازي إلى أ‪ ،‬الدعوة بالحكمششة والموعظششة الحسششنة‬ ‫هي التي تؤدي إلى كسب النصار ‪ ،‬بينما تبقى المجادلششة بششالتي هششي أحسششن‬ ‫لقامة الحجة على الخصونم‪ .‬‬ ‫يقول الرازي‪" :‬واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لبششد أن تكششون مبنيششة‬ ‫على حجة وبينة‪ ،‬والمقصود من ذكر الحجة إما تقرير ذلك المذهب أو ذلششك‬ ‫العتقششاد فششي قلششوب المسششتمعين‪ ،‬وإمششا أن يكششون المقصششود إلششزام الخصششم‬ ‫وإفحامه")‪.‬‬ ‫واللين قطع من الشدة وأقدر على إيصال الكلم إلى القلوب‪ ..(81‬‬ ‫‪()) 79‬‬ ‫‪()) 80‬‬ ‫‪())81‬‬ ‫سورة طه اليتان ‪.20/138‬‬ ‫المصدر نفسه ‪.‬وكثيرًا ما يجششد‬ ‫الداعية العقبات في طريقه بسبب كلمة قالها أو تصرف أساء فيه للمدعوين‪.‬فقال ‪ ) :‬ومن لطائف هذه الية أنه قال ‪{:‬ادع‬ ‫إلى سبيل ربك بالحكمة والموعة الحسنة } فقصر الدعوة علششى ذكششر هششذين‬ ‫القسمين ‪ .

-26-

‫‪-27-‬‬

‫القاعدة الخامسة‬
‫على الداعية أن يقدم الجهد البشري وهو يطلب المدد الرباني‬
‫شاء ال تبارك وتعالى أن تعمششل هششذه الششدعوة بالوسششائل البشششرية‪ .‬والداعيششة‬
‫الحق هو الذي يستطيع أن يوظششف عششالم السششباب مششن أجششل دعششوته‪ ،‬وهششذا‬
‫رسششول ال ش‪ ‬يواصششل ليلششه بنهششاره آخششذًا بالسششباب ومسششتخدمًا لسششاليب‬
‫عصره المتاحة ولم يقل ‪ :‬بمششا أنششه يششوحى إلششي فششإن لششي طريقششة أخششرى فششي‬
‫التماس النظششر‪ .‬وإننششا لنجششد فششي تفاصششيل سشيرته ‪ ‬تطبيقششات واسششعة لهششذا‬
‫المبدأ‪ .‬ويوم أن خالف بعشض الصششحابة أمشر النششبي‪ ‬وقصشروا فشي الخششذ‬
‫بالسباب كانت تلك النتيجة المفجعة في معركششة أحششد رغششم أن الرسششول ‪‬‬
‫بين ظهرانيهم‪ ،‬والوحي يتنزل عليه‪.‬‬
‫وفي قول ال تعالى‪{ :‬ل يكلشف الش نفسشًا إل وسشعها})‪ .(82‬بيششان ششاف لهشذا‬
‫المبدأ‪ ،‬والتكليف هو المر بما يشق عليه‪ .‬والتكليف هنا مرتبط بالوسع الذي‬
‫جّدة‪ ،‬قال القرطبي‪ " :‬نص ال تعالى على أنه ل يكلششف العبششاد‬
‫هو الطاقة وال ِ‬
‫من وقت نزول الية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إل وهي فششي وسششع‬
‫المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته‪ ،‬وفي هذا انكشفت الكربة عن المسلمين‬
‫في تأويلهم أمر الخششواطر")‪ (83‬أي لششم يكلفهششم الش بمششا فششي خششواطر النفششوس‬
‫وخلجات القلوب‪.‬‬
‫فهم خطأ ‪:‬‬
‫والناس اليوم يفهمون هذه الية على أن الوسع هو أدنى ما يسششتطيعه المششرء‬
‫ولذلك فإن هذا الوسع متقلب متغير حسب الدوافع‪ .‬فقد يششدعي المسششلم أنششه ل‬
‫ل ‪ :‬ل يكلف ال نفساً إل وسعها‪ ،‬ثم يزيد هذا‬
‫يجد سوى ساعة من فراغ‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪ :‬ل يكلف ال نفسًا إل وسششعها‪ ،‬ثششم نجششد وقتششه يتسششع‬
‫الجهد إلى ساعتين قائ ً‬
‫لثلث ساعات من العمل فيقول ‪ :‬ل يكلف ال نفساً إل وسعها‪.‬‬
‫وهذا التقلب والتغير في ظرف واحد وزمششان واحششد دليششل علششى أن الدعششاء‬
‫الول لشم يكشن صشحيحًا ‪ ،‬وأنشه لشم يبشذل وسشعة فشي المشّرة الولشى والثانيشة‬
‫والثالثة‪.‬‬
‫ونظرة إلى الشكل أعله تبين أن الكؤوس أ ‪ ،‬ب ‪ ،‬ج وإن تفاوت في مقششدار‬
‫سششعتها مششن المششاء إل أن الكششأس ) د( هششو الششذي اسششتوفى وسششعه وطششاقته ‪.‬‬
‫والدعاة في فهمهم لهذه الية كهششذه الكششؤوس‪ ،‬يرضششى أحششدهم بتقششديم النششزر‬
‫القليل ثم يطالب بالنتائج الكبار ‪ ،‬علمًا بأن مهمة الدعوة كبيرة واسششعة‪ .‬ومششا‬
‫ينتره العالم من الدعاة كبير كاتساع دعوتهم‪ .‬هذا مع العلم بششأن التعامششل هششو‬
‫مع الحكيم الخبير الذي يعلم مقدورات النفوس‪.‬‬
‫‪()) 82‬‬
‫‪()) 83‬‬

‫سورة البقرة ‪ :‬الية ‪.286‬‬
‫تفسير القرطبي ‪.3/429‬‬

‫‪-28-‬‬

‫ونحن ل ننسى أن الناس متفاوتون في أصل المقدرة والجهششد وأن مسششاحات‬
‫نفوسهم متفاوتة كذلك‪ ،‬ولكن المطلوب أن تصل هذه النفس إلى أكبر عطششاء‬
‫لها وأن يكون جهدها متزايدًا متصاعدًا كل يوم‪ ،‬وإن قدرًا كششبيرًا مششن طاقششة‬
‫العاملين والدعاة محكوم عليه بالهدر والضياع إن لم ُيستغل في سبيل الحششق‬
‫والدعوة‪ .‬وإن كثرة العششاملين الششذين يقششدمون بعششض مششا يسششتطيعون يعيقششون‬
‫السير وتزدحم بهم الطرق‪ ،‬تمامًا كالعربششات الششتي تمل الطريششق فششي الششوقت‬
‫الذي ل تحمل من وسعها سوى الشيء القليل‪.‬‬
‫إن ال تعالى خلق هذا النسان وجعل في وسششعه الكششثير الكششثير‪ ،‬ونحششن فششي‬
‫هذه الحياة نقرأ عن بعض المنحرفين ومدمني الجرام‪ ،‬أنهششم يبششذلون جهششدًا‬
‫في سبيل انحرافهم وإجرامهم ما يجعلهم يواصلون الليل والنهار‪ ،‬ويقطعون‬
‫شاسع المسافات‪ ،‬ويعانون ضروبًا من التحمل والصششبر مششا يحيششر اللبششاب‪،‬‬
‫ويبششذلون مششن المششوا‪ ،‬ويركبششون مششن الهششوال والمخششاطر مششا يششثير العجششب‬
‫العجاب‪ .‬والذي يستطيع فعل الشر فششإنه يسششتطيع فعششل الخيششر‪ ،‬ومششن يركششب‬
‫المصاعب والهوال في سبيل الباطل فإنه قادر على ذلششك فششي سششبيل الحششق‬
‫والخير‪.‬‬
‫الصحابة يلتزمون بمعيار الوسع‪:‬‬
‫وعندما نقرأ سير الولين من الصششحاب شش رضششوان الش عليهششم شش نششرى أن‬
‫أكثرهم قد مات خارج بلده‪ .‬فهذا " أبو أيوب النصاري " يرقد عند أسششوار‬
‫القسطنطينية‪ ،‬وهذه " أم حرام بنت ملحان" ترقد في جزيرة قششبرص‪ ،‬وهششذا‬
‫" عقبة بن عامر " يرقد في مصر ‪ ،‬وهذا " بلل " يرقد في دمشق‪ .‬وهكششذا‬
‫فقششد انششدفع هششؤلء الصششحاب فششي أصششقاع الرض يرفعششون رايششة السششلم‬
‫ويبذلون الغالي والنفيس في سبيله‪ ،‬وهذا من منطلق إيمانهم بقول ال تعالى‪:‬‬
‫{ل ُيكلف ال نفسشًا إلشى وسشعها} ونراهششم بعشد غشزوة أحشد ل يلبثشون حشتى‬
‫يجيبششوا داعششي الش فيلحقششوا بالمشششركين" فقششال أسششيد بششن حضششير وبششه سششبع‬
‫جراحات يريد أن يداويها‪ :‬سشمعًا وطاعشة لش ولرسششوله‪ .‬وأخششذ سششلحه ولششم‬
‫يعششرج علششى دواء‪ ،‬ولحششق برسششول الش ‪ .ρ‬وخششرج مششن بنششي سششلمة أربعششون‬
‫جريحًا‪ :‬بالطفيل ابن النعمان ثلثة عشر جرحاً وبخراش بششن الص شّمة عشششر‬
‫جراحات")‪.(84‬وكان ذلك في غزوة حمراء السد‪ .‬وهذا خيششر دليششل علششى أن‬
‫الرادة القوية تبششذل مششن الجهششد مششا يتحششدى المصششاعب واللم‪ .‬وأن الرادة‬
‫الضعيفة عاجزة حتى مع وجود الوسائل والمكانيات‪.‬‬

‫‪()) 84‬‬

‫إمتاع السماع ‪.1/167‬‬

‬ومن هنا فإن النبي ‪ ρ‬علمنا بأن ندعو ال قائلين‪ " :‬اللهم إنششي أعششوذ‬ ‫بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل‪ ،‬وأعششوذ بششك مششن الجبششن‬ ‫والبخششل‪ ،‬وأعششوذ بششك مششن غلبششة الششدين وقهششر الرجششال" )‪ .(85‬‬ ‫الستطاعة والرادة‪:‬‬ ‫والجدير بالذكر أن الستطاعة فيها جانب إرادي نفسي يششدفع إليهششا‪ ،‬ويعمششل‬ ‫على تحقيقها بششإذن الش تعششالى‪ .74 :‬‬ ‫سورة التوبة الية ‪.(88‬‬ ‫{الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة‬ ‫عند ال})‪.‬وإذا انعششدم هششذا الجششانب فششإن المششرء يصششاب‬ ‫بالعجز‪ .370 ،2/366‬‬ ‫سورة النفال الية ‪.20 :‬‬ ‫سورة الحجرات الية ‪.15 :‬‬ .‬‬ ‫حدود الوسع ومعياره‪:‬‬ ‫وقد يسأل سائل ‪ :‬وما حدود الوسع والطاقة؟‬ ‫والجواب على ذلك تضمنته اليات القرآنية الكريمة التالية‪:‬‬ ‫{والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل ال والذين آووا ونصششروا أولئك‬ ‫هم المؤمنون حقًا})‪.51-49‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪ ، 4/2052‬وابن ماجه ‪ ، 1/31‬وأحمد في المسند ‪.172 :‬‬ ‫أخرجه البخاري ‪ ،8/97‬ورواه من عدة روايات‪ ،‬وأخرجه أحمد ‪ ،3/231‬وأخرجه مسلم‬ ‫))(‬ ‫في باب الذكر ‪.(90‬‬ ‫‪()) 85‬‬ ‫‪86‬‬ ‫‪()) 87‬‬ ‫‪()) 88‬‬ ‫‪())89‬‬ ‫‪())90‬‬ ‫سورة آل عمران ‪ ،‬الية ‪.(89‬‬ ‫{إنما المؤمنون الذين آمنوا بال ورسوله ثششم لششم يرتششابوا وجاهششدوا بششأموالهم‬ ‫وأنفسهم في سبيل ال})‪.‬‬ ‫وما لم يزج الداعية نفسه في غمششار دعششوته بششدون خششوف مششن الفشششل‪ ،‬غيششر‬ ‫عابئ بما يوجه له مششن النقششد‪ ،‬فششإنه لششن يتقششدم ولششن يصششل إلششى دفششة التششوجيه‬ ‫والتغيير‪.(86‬وقششال أيضشًا‪" :‬‬ ‫للمؤمن القوي خير وأحب إلشى الش مششن المشؤمن الضشعيف وفشي كششل خيشر‪،‬‬ ‫احرص على ما ينفعك واسششتعن بششال ول تعجششز")‪ .(87‬وإن الشششعور بششالعجز‬ ‫وعدم الستطاعة الذي يتردد على ألسنة الدعاة ش وقد يفعلون ذلششك ويقولششونه‬ ‫من باب التواضششع شش ليعمششل علششى هششدر الطاقششات السششلمية وتششأخير ركششب‬ ‫الدعوة‪.‫‪-29-‬‬ ‫ولقد ذكر ال هؤلء الصحاب في قرآن ُيتلى حيث قشال ‪{ :‬الشذين اسشتجابوا‬ ‫ل والرسول مششن بعششد مششا أصششابهم القششرح للششذين أحسششنوا منهششم واتقششوا أجشُر‬ ‫عظيم})‪.

‬‬ ‫والسابع ‪ :‬صحاحًا ومرضى‪.11-10‬‬ ‫سورة التوبة ‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫ل } فل أجدني إل خفيفًا أو ثقي ً‬ ‫ويقول ‪ :‬قال ال ‪{ :‬انفروا خفافًا وثقا ً‬ ‫وعن صفوان بن عمرو قال ‪ :‬كنت واليًا على حمص فلقيت شششيخاً قششد سششقط‬ ‫حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو‪ .(92‬‬ ‫{انفروا خفافًا وثقا ً‬ ‫ل} أي سواء كنتم على الصششفة الششتي‬ ‫ومعنى قوله تعالى ‪{ :‬انفروا خفافًا وثقا ً‬ ‫يخف عليكم الجهاد‪ ،‬أو على الصفة التي يثقل ‪ ،‬وهذا الوصششف يششدخل تحتششه‬ ‫أقسام كثيرة‪:‬‬ ‫ل عنه لمشقته عليكم‪.‬قلت ‪ :‬يا عشم؛ أنشت معشذور‬ ‫ل‪ ،‬أل إن‬ ‫عند ال‪ ،‬فرفع حاجبيه وقال ‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬استنفرنا ال خفافاً وثقششا ً‬ ‫من أحبه ال ابتله‪.‫‪-30-‬‬ ‫{يا أيها الذين آمنوا هل أُدلكم على تجارة ُتنجيكم من عششذاب أليششم* تؤمنششون‬ ‫بال ورسوله وتجاهدون في سبيل ال بأموالكم وأنفسكم})‪.‬‬ ‫والسادس ‪ :‬مهازيل وسمانًا‪.(91‬‬ ‫ل وجاهدا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ال})‪.‬‬ ‫ل‪.‬‬ ‫وعن الزهري ‪ :‬خرج سعيد بن المسيب إلى الغزوة وقد ذهبت إحدى‬ ‫عينيه ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬إنك عليل صاحب ضرر ‪ ،‬فقال ‪ :‬استنفر ال الخفيف‬ ‫ت السواد‪ ،‬وحفظت المتاع‪ .‬وقيل‬ ‫والثقيل‪ ،‬فإن عجزت عن الجهاد كثر ُ‬ ‫للمقداد بن السود وهو يريد الغزو‪ :‬أنت معذور ‪ ،‬فقال‪ :‬أنزل ال علينا في‬ ‫ل})‪.‬‬ ‫‪()) 91‬‬ ‫‪()) 92‬‬ ‫‪())93‬‬ ‫‪())94‬‬ ‫سورة الصف ‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫والخامس ‪ :‬شبابًا وشيوخًا‪.(94‬‬ ‫سورة براءة‪{ :‬انفروا خفافًا وثقا ً‬ ‫الدعوة ُنفرة في سبيل ال‪:‬‬ ‫والنفور في سبيل ال ل يعني صورة واحدة وهي صورة القتال‪ ،‬بل هو أعّم‬ ‫من هذا‪ ،‬والدعوة إلى الش تعشالى بجميشع أششكالها هشي نفشرة فشي سشبيل الش‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬خفافًا لقلة عيالكم وثقا ً‬ ‫ل منه‪.‬‬ ‫والثالث ‪ :‬خفافًا من السلح وثقا ً‬ ‫والرابع ‪ :‬ركبانًا ومشاة‪.16/70‬‬ .(93‬‬ ‫وقد فهم كثير من الصحابة والتابعين هذه الية على إطلقها‪ ،‬قششال مجاهششد ‪:‬‬ ‫إن ابا أيوب شهد بدرًا مع رسول ال ‪ρ‬ولم يتخلششف عششن غششزوات المسششلمين‪.41‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.16/70 ،‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫فالولى‪ :‬خفافًا في النفور لنشاطكم ‪ ،‬وثقا ً‬ ‫ل لكثرتهم‪.‬‬ ‫والصششحيح مششا ذكرنششاه إذ الكششل داخششل فيششه‪ ،‬لن الوصششف المششذكور وصششف‬ ‫كلي)‪.

‬وعليه أن يزداد في مدارج التقوى كلما ازداد علماً ‪ ،‬أو حّلششت بششه‬ ‫نعمة ‪ ،‬أو تقدم به السن‪.16/225 :‬‬ ‫سورة آل عمران الية‪.‬‬ ‫‪()) 95‬‬ ‫‪()) 96‬‬ ‫‪())97‬‬ ‫‪())98‬‬ ‫سورة التوبة ‪ :‬الية ‪.‬‬ ‫ومعيار يتناسب مع استطاعة العبد‪ ،‬فهو معيار شخصي يختلف من شششخص‬ ‫إلى آخر‪ ،‬ومن حال إلى حال‪.(96‬‬ ‫ونلحظ في الية الربط بين الّنْفَرة للفقه والّنْفَرة للنذار‪.‬‬ ‫وهذا الحدان والمعياران يكون المششؤمن بينهمششا فششي صششعود باتجششاه مششا يليششق‬ ‫بجلل ال تعالى‪ :‬فعلى المسلم أن يكون يومه خيرًا مششن أمسششه‪ .‬‬ ‫قال الرازي ‪ :‬كان الواجب انقسام أصحاب رسول ال ‪ ρ‬إلششى قسششمين ‪ ،‬أحششد‬ ‫القسششمين ينفششرون إلششى الغششزو والجهششاد‪ ،‬والثششاني يكونششون مقيميششن بحضششرة‬ ‫الرسول‪ ، ρ‬فالطائفة النافرة إلى الغششزوة يكونششون نششائبين عششن المقيميششن فششي‬ ‫الغزوة‪ ،‬والطائفة المقيمششة يكونششون نششائبين عششن النششافرين فششي التفقششه‪ ،‬وبهششذا‬ ‫الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين)‪.‬وغششده خيششرًا‬ ‫من يومه‪ .102 :‬‬ ‫سورة التغابن الية ‪.122‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫وبناء عليه فإن المسلم مطالب ببذل قصششارى جهششده‪ ،‬ومسششؤول عششن تكليششف‬ ‫نفسه وسعها من أجل نصرة هذا السلم بصور الجهششاد المتنوعششة ‪ ،‬وأولهششا‬ ‫الدعوة بالحكمة والموعظة الحسششنة‪ ،‬وإذا كششان السششلم ل يطششالب الضششرير‬ ‫ل منهمششا حسششب‬ ‫بتقششديم مششا يسششتطيعه البصششير؛ فششإن الضششرير والبصششير ك ً‬ ‫استطاعته مطالب بتقديم الستطاعة بمقتضى الية الكريمة‪{ :‬انفششروا خفاف شًا‬ ‫ل}‪.‬‬ ‫وخير من النسخ أن ُيقال ش وال أعلم ش ‪ :‬هناك معياران للتقوى‪:‬‬ ‫معيار يليق بالمعبود سبحانه‪.‫‪-31-‬‬ ‫ولذلك فقد جاء في سورة التوبة نفسها ما يشعر بهذا‪ ،‬وهو قول ال ش تعششالى ‪:‬‬ ‫ل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولُينششذروا قششومهم إذا‬ ‫{ فلول َنفَر من ُك َ‬ ‫)‪(95‬‬ ‫رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ‪.16:‬‬ .‬‬ ‫وثقا ً‬ ‫والمؤمن يعلم بأن كل جهششد يبششذله فششي مجششال التقششوى فإنمششا هششو جهششد يقششاس‬ ‫بإمكانياته البشرية الضششعيفة ول يصششل هششذا الجهششد إلششى الدرجششة الششتي تليششق‬ ‫بجلل ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ومن هنا فهم بعض المفسرين اليششة الكريمششة‪{ :‬‬ ‫اتقوا ال حق تقاته})‪ (97‬على أنها منسوخة بقول ال تعشالى ‪{ :‬فشاتقوا الش مشا‬ ‫استطعتم})‪ (98‬محتجين بما ورد من سبب النزول؛ أنه لمششا نزلششت هششذه اليششة‬ ‫شق ذلك على المسلمين؛ لن حق تقششاته أن يطششاع فل ُيعصششى طرفششة عيششن‪،‬‬ ‫وأن ُيشكر فل ُيكفر‪ ،‬وأن ُيذكر فل ُينسى‪ ،‬والعباد ل طاقة لهم بذلك ‪.

‫‪-32-‬‬ ‫وإذا أدرك المؤمن هذا المفهوم فإنه يخشى أن ل يكون قششد بششذل اسششتطاعته‪،‬‬ ‫ويحتاط لشذلك دائمشًا ‪ ،‬فل يرضشى عشن عملشه ول عشن بشذله ول عشن جهششده‬ ‫صر في المطلوب‪ .62-57 :‬‬ .(99‬‬ ‫‪()) 99‬‬ ‫سورة المؤمنون اليات ‪.‬وهذا شششأن المششؤمنين الششذين وصششفهم‬ ‫خشية أن يكون قد ق ّ‬ ‫ال تعالى بقوله ‪{ :‬إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون* والذيثن هم بآيات‬ ‫ربهششم يؤمنششون* والششذين هششم بربهششم ل يشششركون* والششذين ُيؤتششون مششا آتششوا‬ ‫وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون* أولئك يسارعون في الخيششرات وهشم‬ ‫ب ينطششق بششالحق وهششم ل‬ ‫لها سابقون* ول نكلف نفسشًا إل وسششعًا ولششدينا كتششا ُ‬ ‫يظلمون})‪.

(102‬‬ ‫والخوف من التقصير مع كون الخشائف يبشذل قصشارى جهشده فششي التقشاء ‪،‬‬ ‫جشل علمهشم‬ ‫منزلة من منازل الصديقين ‪ ،‬وقد بين ال تعالى أن سبب هذا الَو َ‬ ‫بأنهم إلى ربهم راجعون‪.‬‬ ‫فيا لها من صششفات سششامية تحمششل أصششحابها إلششى المقامششات العليششة ‪ ،‬وتجعششل‬ ‫نفوسهم نقية من الرياء والسمعة ‪ ،‬وتشحذ الهمم إلى أحسن العمل‪.‫‪-33-‬‬ ‫إشفاق َوَوجل ‪:‬‬ ‫وقد ذكرت هذه اليات صفات للمؤمنين ‪ :‬منها الشفاق والوجل " والشفاق‬ ‫يتضششمن الخشششية مششع زيششادة رقششة وضششعف " )‪ ، (100‬قششال الششرازي وزاد ‪" :‬‬ ‫ومنهم من حمل الشششفاق علششى أثششره‪ ،‬وهششو الششدوام فششي الطاعششة‪ .‬‬ ‫وبعد هذه التوجيهات الدافعة إلى رفع الكفاءة والمقدرة تأتي اليششة الكريمششة‪:‬‬ ‫{ول نكلف نفسشًا إل وسششعها} ويبششدو التكامششل بيششن إعطششاء الفششرد مسششؤولية‬ ‫تقشدير السشتطاعة وبيشن مشا يعلمشه الش تعشالى مشن حقيقشة السشتطاعة الشتي‬ ‫يراقبها ويحاسب عليها‪ .23/106‬‬ ‫المصدر نفسه‪.‬وبلوغ الداعية درجة الخشية والشفاق حششافز علششى‬ ‫الصدق في تقدير الوسع‪.‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫‪()) 100‬‬ ‫‪()) 101‬‬ ‫‪())102‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.(101‬ومن كان كذلك فشإنه يسشتجيب لمشر الش فشي‬ ‫جلة‪:‬‬ ‫الدعوة إليه والصدع بأمره ونهيه‪ .23/107‬‬ .‬وأما كونهم يؤتون ما آتوا وقلوبهم َو ِ‬ ‫" معناه يعطون ما أعطوا‪ ،‬فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه لن من ُيقدم علششى‬ ‫جل من تقصيره وإخلله بنقصان أو غيششره فششإنه يكششون لجششل‬ ‫العبادة وهو و ِ‬ ‫ذلك الوجل مجتهدًا في أن يوفيها حقها " )‪.‬والمعنششى ‪:‬‬ ‫الذين هم من خشية ربهم دائمون في طششاعته‪ ،‬جششادون فششي طلششب مرضششاته‪،‬‬ ‫والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الشفاق ‪ ،‬وهو كمال الشششخية‪ ،‬كششان‬ ‫ل‪ ،‬فكششان فششي نهايششة‬ ‫ل‪ ،‬ومششن عقششابه آج ً‬ ‫في نهاية الخوف من سخط ال عششاج ً‬ ‫الحتراز عن المعاصي")‪ .

‬‬ ‫وعندما يكون الداعيششة بعيشدًا عشن اللششتزام بواجبششات السششلم وتكششاليفه فششإنه‬ ‫يكون فتنششة للنششاس يصششرفهم بسششلوكه عششن ديششن الشش‪ ،‬ويقطششع الطريششق علششى‬ ‫الناس‪ ،‬فمثله كمثل قاطع الطريق‪ ،‬بل هو أسششوأ ‪ ،‬وينبغششي علششى الداعيششة أن‬ ‫يدعو دائمًا بقوله تعالى ‪{ :‬ربنا ل تجعلنا فتنة للقوم الظالمين)‪ .‬يقششول الحسششن‬ ‫البصري في صفتهم‪ " :‬ظهرت منهم علمات الخيشر فشي السشيماء والسشمت‬ ‫والهششدى والصششدق‪ ،‬وخشششونة ملبسششهم بالقتصششاد وممشششاهم بالتواضششع‪،‬‬ ‫ومنطقهم بالعمششل‪ .‬‬ ‫وُيضم إلى هذه المعاني أن يروا سلوك الداعيششة مخالفشاً للسششلم‪ ،‬فيصششرفهم‬ ‫هذا السلوك عن اليمان‪ ،‬قائلين لو كان هذا الدين هو الحق لظهششرت أحقيتششه‬ ‫على قسمات أتباعه وتصرفاتهم‪.‬والداعية نفسه شهادة للدعوة ‪ ،‬وهذه الشهادة قششد تحمششل النششاس‬ ‫على قبل الدعوة ‪ ،‬وقد تحملهم على ردهششا ورفضششها‪ .‬‬ ‫وكلما كان المبدأ عظيمًا وقويًا كان التزامه أشششد ‪ ،‬وكششان الوصششول فيششه إلششى‬ ‫المطلوب أشق‪ .8/370‬‬ .‬‬ ‫نماذج صادقة ‪:‬‬ ‫وقد كان أصحاب النبي ‪ ρ‬نماذج صادقة لدعوتهم وإسششلمهم ‪ .‬والقششتران بيششن الداعيششة والششدعوة قششائم فششي‬ ‫أذهان الناس‪ .85 :‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.17/146‬‬ ‫تفسير القرطبي ‪.‬ومطعمهششم ومشششربهم بششالطيب مششن الششرزق‪ ،‬وخضششوعهم‬ ‫بالطاعة لربهششم تعشال‪ ،‬واسشتقادتهم للحششق فيمششا أحبشوا وكرهشوا‪ ،‬وإعطشاؤهم‬ ‫الحق مشن أنفسششهم‪ ،‬ظمئت هشواجرهم ونحلششت أجسشامهم‪ ،‬واسششتخفوا بسشخط‬ ‫ى للخششالق‪ ،‬شششغلوا اللسششن بالششذكر ‪ ،‬بششذلوا دمششاءهم حيششن‬ ‫المخلششوقين رض ش ً‬ ‫‪()) 103‬‬ ‫‪()) 104‬‬ ‫‪())105‬‬ ‫سورة يونس الية ‪.(104‬وكذلك فإن الكششافرين عنششدما‬ ‫يتسلطون على المسلمين فإن تسلطهم شبهة لهششم فششي أنهششم علششى الحششق‪ ،‬وأن‬ ‫المسششلمين علششى الباطششل)‪ (105‬فيكششون تسششلطهم علششى المسششلمين واستضششعافهم‬ ‫للمؤمنين فتنة تصرف الكافرين عن اليمان‪.‬والششذين يتعششاملون مششع‬ ‫المبادئ مباشرة قلة قليلة في كل عصر ومكان ‪ ،‬وأما أكثر الناس فيتعاملون‬ ‫مع حملة المبادئ والناطقين باسمها‪.‬واللم فيه من الواجبات والتكاليف ما يجعششل المجاهششدة فششي‬ ‫سبيل بلوغ مقاماته دائمة ل تفتر‪ ،‬متصلة ل تنقطع‪.(103‬وقشد ُذكشر‬ ‫في تفسير هششذه اليشة‪{ :‬ل تمكنهششم مشن أن يحملونشا بشالظلم والقهششر علششى أن‬ ‫ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه})‪ .‫‪-34-‬‬ ‫القاعدة السادسة‬ ‫الداعية مرآة دعوته والنموذج المعبر عنها‬ ‫ل ينفصل الداعيششة عششن دعششوته‪ .

‬ثم يقول ابششن‬ ‫قيشم الجوزيششة‪ " :‬ولقششد دعونشا‪ ،‬نحشن وغيرنشا كشثيرًا مشن أهششل الكتششاب علشى‬ ‫لغسلم فشأخبروا أن المشانع لهشم مشا يشرون عليشه المنسشبين إلشى السشلم"‪.‬‬ ‫وقال بعض البلغاء‪ ) :‬من تمام العلم اسششتعماله ‪ ،‬مششن تمششام العمششل اسششتقلله(‬ ‫ل عند مستمعيه فإن كلمششه يبقششى معلقشاً ل هششو‬ ‫)‪ .‬‬ ‫فهذا " عبد ال بن حذافة السهمي " صاحب رسول ال ‪ ρ‬يقع في أسر الروم‬ ‫) فقال له ملك الروم‪ :‬تنصر أشركك في ملكي‪ ،‬فأبى ‪ ،‬فُأمر به فصلب ‪ ،‬ثششم‬ ‫صب فيها الماء‪ ،‬وُأغلششي‬ ‫أمر برميه بالسهام فلم يجزع‪ ،‬فُأنزل ‪ ،‬وأمر بقدر َف ُ‬ ‫عليه وُأمر بإلقاء أسير فيها فإذا عظامه تلوح‪ ،‬فششأمر بإلقششائه إذا لششم يتنصششر‪،‬‬ ‫فلما ذهبوا به بكى‪ ،‬قال‪ :‬ردوه‪ ،‬فقششال لششم بكيششت؟ قششال ‪ :‬تمنيششت أن لششي مششائة‬ ‫نفس‪ُ ،‬تلقى هكذا في ال‪ ،‬فعجب ملك الروم( )‪.(106‬‬ ‫ولقد أعطى الصحابة عن هذا الدين صورة مشرفة للجنس البشششري‪ ،‬فثبتششوا‬ ‫أمام البتلء والمحن تاركين من الرخص ما يمكن أن يكون سبب فتنة لغير‬ ‫المؤمنين‪.‬وكان يقال‬ ‫عِلم بما َ‬ ‫الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع َمن َ‬ ‫خيُر من القول فاعله‪ ،‬وخير من الصواب قائله‪ ،‬وخير من العلم حاُمله‪..‬‬ ‫وإذا كان الداعية فقيرًا في التزامه واتباعه فششإن كلمششه يمششر فششوق الششرؤوس‬ ‫كالسهم الطائش الذي ل يصيب الهدف‪.‬‬ ‫خير من القول فاعله‪:‬‬ ‫يقول الماوردي في أدب الدنيا ولدين‪ ) :‬وقال علي بن أبي طالب‪ :‬إنما زهد‬ ‫عِلم ‪ .‬‬ ‫وقال بعض الصلحاء ‪ :‬العلم يهتف بالعمل ‪ ،‬فإن أجابه وإل ارتحل‪.(108‬وإذا كان الداعية مجهو ً‬ ‫‪()) 106‬‬ ‫‪()) 107‬‬ ‫‪())108‬‬ ‫حلية الولياء ‪.‬فشإذا ششرع فشي‬ ‫والداعية قد يكون معروفًا عند النشاس وقشد يكشون مجهشو ً‬ ‫الشدعوة وكشان معروفشًا بالسشتقامة والشورع فشإن كلمشه يصشل إلشى مجشامع‬ ‫القلوب وكات استقامته وورعه تقدمة القبول والحافز عليها‪. .‬‬ ‫ل ‪ .‬قال ابن قيم الجوزية‪" :‬‬ ‫ولهذا لمشا رأى النصشارى الصشحابة‪ ،‬ومشا هشم عليشه‪ ،‬آمشن أكشثرهم اختيشارًا‬ ‫وطوعًا‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلء"‪ .2/288‬‬ ‫ل‪.‫‪-35-‬‬ ‫استنصرهم‪ ،‬وبشذلوا أمششوالهم حيشن استقرضشهم ‪ ،‬حسشنت أخلقهشم‪ ،‬وهششانت‬ ‫مؤنتهم")‪.‬‬ ‫أدب الدنيا والدين ‪ 85‬واستقلله أن يجده قلي ً‬ .(107‬‬ ‫وعندما رأى سكان البلد المفتوحة صششدق هششؤلء الصشحاب وثبششاتهم علشى‬ ‫عقيدتهم‪ ،‬وتمثلهم لمنهج دينهم‪ ،‬أقبلوا على السلم‪ .‬‬ ‫وكلم ابن القيم هذا في القشرن الثشامن الهجشري؛ فكيشف لششو كشان يعيشش فششي‬ ‫عصرنا هذا‪ ،‬حيث يعطى المسلم صورة عكسية للسلمة وتعاليمه‪. .2/150‬‬ ‫الصابة ‪.

‬‬ .‬وإل فإن كلمه يخرج‬ ‫من اعتبارهم‪.‫‪-36-‬‬ ‫بالمقبول ول هشو بششالمردود حششتى يسشألوا عنشه‪ ،‬فشإن عرفشوا منشه السشتقامة‬ ‫والتباع وقع المعلق من كلمه موقع القبول والتأثير‪ .‬‬ ‫وحياة الداعية الخاصششة والعامشة موضششوع الملحظششة ‪ ،‬وعيششن النششاس عليشه‬ ‫كالمجهر المكبر‪ ،‬وقبل أن يطالب الناس بترك الغيبششة فعليششه أن يششدفع الغيبششة‬ ‫والتهمة عن نفسه وأن يصون حياته الخاصة والعامة عن كل ما يشينها‪.

1/225‬‬ ‫صحيح البخاري متن فتح الباري ‪.(112‬‬ ‫ص بشالعلم قومشًا دون قشوم كراهيشة‬ ‫خ ّ‬ ‫وقال البخاري ش رحمه ال ش ) باب من ُ‬ ‫أن ل يفهموا‪ ،‬وقال" على " ‪ :‬حّدثوا الناس بمششا يعرفششون أتحبششون أن ُيَكشّذب‬ ‫ال ورسوله( )‪ .‬‬ ‫الحديث أخرجه البخاري ‪ ) 1/216‬فتح الباري ( وهو قول أبي هريرة ‪ " :‬حفظت من‬ ‫))(‬ ‫رسول ال‪ ρ‬وعاءين فأما أحدهما فبثثته ‪ ،‬وأما الخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم‪ .1/160‬‬ ‫فتح الباري ‪.1/162‬‬ ‫صحيح البخاري متن فتح الباري ‪.‬والداعية الحكيم ل يقول كششل‬ ‫ما يعرف لكل من يعرف ‪ .‬وقد فهم ابن عباس ش رضي الش عنهمششا شش‬ ‫قول ال تعالى {ولكن كونوا ربانيين} فقال ‪{ :‬كونششوا حلمششاء فقهششاء} وقششال‬ ‫البخاري ‪ ) :‬ويقال ‪ :‬الرباني الذي يربششي النششاس بصششغار العلششم قبششل كبششاره(‬ ‫)‪.(110‬ويشهد لهذا الصل من أصول الدعوة كثير من النصوص نششذكر‬ ‫منها‪:‬‬ ‫ساق البخاري حديثًا ترجم له بقوله ‪ ) :‬باب من ترك بعض الختيار مخالفة‬ ‫صر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منششه‪ .‬ثششم أخششرج مششن طريقششه‬ ‫أن يق ُ‬ ‫سشّر إليششك‬ ‫إلى "السششود" قشال ‪ :‬قششال لششي " ابششن الزبيشر" ‪ ) :‬كشانت عائششة ُت ِ‬ ‫كثيرًا ‪ ،‬فما حدثتك في الكعبة؟ قلت ‪ :‬قالت لي ‪ :‬قال النبي ‪ :ρ‬ياعائشة ‪ ،‬لول‬ ‫قومك حديث عهدهم ش قال ابن الزبير ‪ :‬بكفر شش لنقضششت الكعبشة فجعلششت لهشا‬ ‫بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون( )‪.‬والمقصود به‬ ‫أحاديث الفتن‪.(113‬قششال ابششن حجششر شش رحمششه الش شش ‪ ) :‬ومششن كششره التحششديث‬ ‫ببعض دون بعض)‪ (114‬أحمد ومالك في أحاديث الصفات ‪ ،‬وأبو يوسششف فششي‬ ‫الغرائب‪ ،‬ومشن قبلهشم أبشو هريشرة فشي الجرابيشن)‪ ،(115‬وأنشه كشره أن يحشدث‬ ‫‪()) 109‬‬ ‫‪()) 110‬‬ ‫‪())111‬‬ ‫‪())112‬‬ ‫‪())113‬‬ ‫‪())114‬‬ ‫‪115‬‬ ‫صحيح البخاري متن فتح الباري ‪.‬وهو يتعامل مع العقول حسب مقدرتها ل حسششب‬ ‫مقدرته ‪ ،‬ول يحملها فوق طاقتها‪ .‫‪-37-‬‬ ‫القاعدة السابعة‬ ‫خاطبوا الناس على قدر عقولهم‬ ‫الدعوة إلى ال تقوم على الحكمة والموعظششة الحسششنة‪ .(109‬‬ ‫والبدء بصغار العلم مرجعه مراعاة العقول حششتى ل تنفششر مششن الششدعوة‪ .‬قششال‬ ‫ابن حجر‪) :‬والمراد بصغار العلششم مششا وضششح مششن مسششائله‪ ،‬وبكبششاره مششا د ّ‬ ‫ق‬ ‫منها( )‪ .‬‬ .1/225‬‬ ‫أي كره التحديث ببعض الحاديث التي ل يفهمها العامة دون تلك التي تفهم ‪.1/224‬‬ ‫فتح الباري ‪.‬وتظهششر الحكمششة فششي‬ ‫معرفة المناسب من الدعوة لكل فئة من الناس‪ .(111‬‬ ‫قال ابن حجر رحمه ال ش ) ويستفاد منه تششرك المصششلحة لمششن الوقششوع فششي‬ ‫المفسدة( )‪.

‬‬ ‫وللترغيب والترهيب في نفوسهم أثششر كششبير ‪ .1/226‬‬ .1/225‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح البخاري( ‪.‬وممششا يشششحذ هممهششم قصششص‬ ‫الصالحين‪ ،‬وأخبار الوليششاء ‪ ،‬وأحششداث السششيرة‪ ،‬علششى طريششق السششرد علششى‬ ‫على طريق التحليل‪.‬ويلحظ أن تحديث " الحجششاج " بهششذا يحملششه علششى المبالغششة فششي‬ ‫سفك الدماء‪ ،‬كما قال ابن حجر‪.1/225‬‬ ‫فتح الباري ‪.‬وهؤلء ل ُتلقششى عليهششم المسششائل العويصششة ‪،‬‬ ‫ولتفاصششيل الدقيقششة ‪ ،‬والششبراهين العقششدة والنظششم المتشششعبة‪ ،‬وهششذا الصششنف‬ ‫يحتاج المتخصششص فششي فششن دعششوتهم ومخششاطبتهم‪ .(118‬‬ ‫وذلك لن هذا الحديث إذا سمعه الناس فششإنهم يحملششونه علششى محمششل خطششأ ‪،‬‬ ‫وهو ترك العمل والكتفاء بالقرار ‪ ،‬ومعنى أنه أخشبر بشه تأثمشًا أي ‪ :‬أخشبر‬ ‫به قبل موته مخافة الثم حتى يبقى الحديث ول ينقطع بوفاة معاذ رضي ال‬ ‫عنه‪.‬والمثلششة المنتزعششة مششن بيئتهششم الخاصششة‬ ‫هي المثلة المفهومة‪ .‬وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا( )‪.‬قال ‪ :‬لبيك يا رسول ال وسعديك ) ثلثًا( قال ‪ :‬مششا‬ ‫من أحد يشهد أن ل إله إل ال وأن محمدًا رسول ال من قلبه إل حّرمششه ال ش‬ ‫على النار‪ ،‬قال يششا رسششول الشش‪ :‬أفل أخششبر بششه النششاس فيستبشششرون؟ قششال إذًا‬ ‫يتكلوا‪ .‬‬ ‫أخرج المام مسلم بسنده إلى ابن مسعود قوله ‪ ) :‬ما أنت محدثاً قومًا حششديثًا‬ ‫ل تبلغه عقولهم إل كان لبعضهم فتنة( )‪.‬وحالهم كحال المبتدئ في تعلم القراءة والكتابة ‪ ،‬وكل صعوبة أو‬ ‫تعقيد قد يصرفهم عن الدعوة‪ .‬‬ ‫والناس أمام هذا الصل أصناف ‪:‬‬ ‫الصنف الول ‪ :‬العوام غير المتعلمين‪ ،‬والتعامل معهشم ودعشوتهم فششي غايشة‬ ‫الصعوبة‪ .‫‪-38-‬‬ ‫بأحدهما ‪ ،‬ونحوه عن حذيفة‪ ،‬وعن الحسن أنششه أنكششر تحششديث أنششس للحجششاج‬ ‫بقصة العرنيين؛ لنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك‬ ‫الدماء بتأويله الواهي( )‪ ، (116‬وقصة العرنيين هي قصة قم من عرينة قدموا‬ ‫على النبي ‪ ρ‬فاجتووا المدينة‪ ،‬أي لم يناسششبهم جّوهششا‪ ،‬فأعطششاهم النششبي‪ ρ‬إب ً‬ ‫ل‬ ‫مششن إبششل الصششدقة يشششربون ألبانهششا ‪ ،‬ويستشششفون بأبوالهششا‪ ،‬فقتلششوا الرعششاة‬ ‫واستاقوا البل ‪ ،‬فلحق بهم النبي ‪ ρ‬فقطع أيديهم وأرجلهم ‪ ،‬وتركهم عطشششى‬ ‫في الحّرة‪ .(117‬‬ ‫وأخرج البخاري ) إن النبي ‪ρ‬قال ‪ :‬يا معاذ بن جبل قال ‪ :‬لبيك يا رسول ال‬ ‫وسعديك‪ ،‬قال ‪ :‬يا معاذ‪ .‬وهششؤلء يعتمششدون علششى‬ ‫المحسوس أكثر مما يعتمدون على المجرد ‪ ،‬وحاجششاتهم الخاصششة وظششروف‬ ‫حياتهم أقرب الوسائل إلى قلوبهم ‪ .‬‬ ‫‪()) 116‬‬ ‫‪()) 117‬‬ ‫‪())118‬‬ ‫فتح الباري ‪.‬وهؤلء تحركهم العاطفة أكششثر ممششا يحركهششم العقششل ‪.

‬‬ .‫‪-39-‬‬ ‫الصنف الثاني ‪ :‬المتعلمون من خريجي الجامعات ‪ ،‬ومن في مسششتواهم فششي‬ ‫التقششدم المعرفششي ‪ ،‬وهششؤلء يبحثششون عششن التحليششل والسششتنتاج والمعنويششات‬ ‫ودلئل العجاز‪ ،‬وعند مخاطبتهم فششإنه لبششد مششن مراعششاة منزلتهششم العلميششة‪.‬ولشذا‬ ‫فإن على الداعية صاحب العلم الشرعي أن يأخذ نفسه بششالتثقيف‪ ،‬وأن ينششوع‬ ‫معارفه‪ ،‬وإذا كلف بالدعوة في قطاع متخصص فالجدر به أن يششدرس هششذا‬ ‫القطاع‪ ،‬وأن يزداد معرفة بهذا الجانب الثقافي‪.‬وإذا خششاطبهم‬ ‫من هو دونهم فقد يفتنهم ‪.‬‬ ‫ومن يستطيع مخاطبة العوام قد ل يستطيع مخاطبة الخواص‪ .‬‬ ‫الصـــنف الثـــالث‪ :‬أصشششحاب التخصصشششات العلميشششة‪ ،‬إذ لكشششل تخصشششص‬ ‫مصطلحاته ووسائله‪ ،‬ومن يتعرف على هذا المناخ الخاص فإنه أقششدر علششى‬ ‫تشوجيهه ولفشت نظشر أصشحابه إلشى الشدلئل ممشا بيشن أيشديهم‪ .‬فالداعيشة بيشن‬ ‫المحامين يحتاج إلى معرفة شيء عن القوانين والصالح والطالح منها وأمششا‬ ‫بين الطباء فهو بحاجة غلىمعرفة بعض الجوانب التي ُتوقف الطبيب على‬ ‫عظمة ال وقدرته في خلق النسان ووظائف أعضائه‪ .‬وإذا كان الداعية من‬ ‫أهل الختصاص المزودين بالعلم الشرعي فإن المردود يكشون أعظشم‪ .

‬ومسئولية العامششل تششزداد يومشًا بعششد‬ ‫يوم‪ .(119‬وهذا الحششديث يكشششف عششن‬ ‫وظيفششة البتلء البنائيششة بالنسششبة للجماعششة المسششلمة‪ ،‬فششإن تعششرض الششزرع‬ ‫للحركششة الدائمششة يكسششبه قششدرة علششى الثبششات أمششام العاصششير ‪ ،‬فششي حيشن أن‬ ‫الرزة اليت ل تحركها الرياح العادية فإنها ل تقف أمام العاصير والرياح‬ ‫الشديدة‪ ،‬ولذلك فإنها تتحطششم‪ .‬وكششذلك الششدعاة فششإن لششديهم قششوة احتمششال علششى‬ ‫مواجهة الصعاب لكثرة إجراء البتلء عليهم‪.‬ومسئوليته بعد انتصار فكرته أعظم منها قبل ذلك‪.‬ومهمته ل تقف عند حدود أشكال معينششة‪ ،‬بششل‬ ‫تتعدى الشكل إلى المضمون والمحتوى‪ .‬والعمششل لششدين الهششل‬ ‫تعالى مستمر ومتنوع وفسيح‪ .‫‪-40-‬‬ ‫القاعدة الثامنة‬ ‫البتلء سنة ال تعالى وهو السبيل على تمثل الدعوة وصياغة النفس‬ ‫وفق العقيدة‬ ‫كلما كان العمل شاقًا ودقيقشًا ومعقششدًا احششاج المششرء إلششى بششذل جهششد أكششبر فششي‬ ‫العداد والتدريب لكي يكون على مستوى ذلششك العمششل‪ .‬‬ ‫من أجل ذلك وغيره شاءت إرادة ال سبحانه أن يخضع الدعاة لصنوف من‬ ‫الختبششارات الشششاقة‪ .‬ومثششل المنششافق‬ ‫كمثل شجرة الرز ل تهتز حتى ُتستحصد")‪ .141 /140 :‬‬ .‬يقول الرازي في‬ ‫تفسيره‪ ) :‬واعلششم أنششه ليششس المششراد مششن هشذه المداولششة أن الش تعششالى ينصششر‬ ‫‪()) 119‬‬ ‫‪()) 120‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪.‬‬ ‫والبتلء يكشف عن صدق الصادقين وحقيقششة انتسششابهم لليمششان‪ ،‬وهششذا مششا‬ ‫تضمنته آيات من سورة آل عمران وهي ُتعّقششب علششى مششا أصششاب المسششلمين‬ ‫ح مثله‪ ،‬وتلششك اليششام نششداولها‬ ‫يوم أحد ‪{ :‬إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قر ُ‬ ‫)‪(120‬‬ ‫بين الناس وليعلم ال الذين آمنوا ‪ ،‬ويمحق الكافرين} ‪ .‬ول تصششل الجماعششة المؤمنششة إلششى تحقيششق أهششدافها إل‬ ‫مرورًا بالبتلء‪.4/2162‬‬ ‫سورة آل عمران اليتان ‪.‬‬ ‫والبتلء يعمششل علششى اصششطفاء العناصششر القويششة الصششالحة‪ ،‬فل يششدخل فششي‬ ‫العمل من يكون عبئًا على العاملين‪ ،‬وإنما يأتي إلى الدعوة ويثبت عليها من‬ ‫تمكن اليمان في قلبه‪ ،‬ومن يبتغي وجه الش والششدار الخششرة‪ ،‬لن المششرء إذا‬ ‫علم أن المغارم أكثر من المغانم فإنه ل يختار المغارم إل إذا رضي بالجلة‬ ‫عوضًا عن العاجلة‪.‬‬ ‫ومن خلل اليات الكريمة والحاديث النبويششة فإننششا نتششبين وظششائف البتلء‬ ‫ونتائجه ‪:‬‬ ‫عن أبي هيرة رضي ال عنه قال‪ ،‬قال رسول الش ‪ " :ρ‬مثششل المششؤمن كمثششل‬ ‫الزرع ل تزال الريح تميله‪ ،‬ول يزال المؤمن يصيبه البلء‪ .

‬‬ ‫الرابع‪ :‬والبتلء يربط بين المؤمنين بعضهم ببعض برباط عقلي وعاطفي‪،‬‬ ‫إذ بالبتلء تصل عقول المؤمنين إلششى حقيقششة البنششاء السششلمي المششتراص ‪،‬‬ ‫وأن البتلء يعطشي هشذا البنشاء قشوة وصشلبة‪ .‬‬ ‫وأّما مششا يحققشه البتلء مشن الربشاط العشاطفي فشإن اللشم أدعشى إلششى تحقيششق‬ ‫المشاركة والتعاون‪ ،‬وقد ينسى المرء من شاركه في مناسششبة سششعيدة هنيئة ‪،‬‬ ‫ولكنه لن ينسى من شاركه في اللم والمعاناة‪.‬وتحمل البتلء شهادة يششدلى بهششا‬ ‫الُمبتلى أمام الناس‪ ،‬ومششا زال قششول الصششحابي الجليششل" خثششبيب بششن عششدي "‬ ‫رضي ال عنه يمل السماع عندما قال‪:‬‬ ‫ولست أبالي حين أقتل مسلمًا‬ ‫‪()) 121‬‬ ‫‪()) 122‬‬ ‫‪())123‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬‬ ‫الخامس ‪ :‬والبتلء يقدم الدليل القوي على جششدارة الششدعوة؛ ومششن هنششا فششإن‬ ‫كثيرين أقبلوا على الدعوة عندما رأوا ثبات أهلها واصطبارهم علششى تحمششل‬ ‫البتلء الذي ل تثبت له الجبال الراسيات‪ .‬ولو ظهر ليششن الكفششار‬ ‫مع المؤمنين ‪ ،‬وسمح الكفار للمؤمنين بأن يدعو للسلم كما يشششاؤون لقششال‬ ‫ضعاف اليمان‪ :‬إن الكفر ليس تلك الصفة البالغة في السوء ‪ .217 :‬‬ .‫‪-41-‬‬ ‫الكافرين لن نصرة ال منصب شريف وإعزاز عظيم فل يليق بالكافر‪ ،‬بششل‬ ‫المراد من هذه المداولة أنششه تششارة يششدد المحنششة علششى الكفششار وأخششرى علششى‬ ‫المؤمنين وذلك من وجوه‪:‬‬ ‫الول ‪ :‬أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الوقات وأزالها عن‬ ‫المؤمنين في جميع الوقات لحصل العلم الضطراري بأن اليمان حق وما‬ ‫سواه باطل‪ ،‬ولو كان كششذلك لبطششل التكليششف والثششواب والعقششاب‪ ،‬فلهششذا تششارة‬ ‫يسلط المحنة على أهل اليمان وأخرى على أهل الكفر‪.(121‬‬ ‫الثالث ‪ :‬والبتلء يعمششق الهششوة بيششن المششؤمنين والكششافرين‪ ،‬فل يعششود اللقششاء‬ ‫ممكنششًا؛ لن ممارسششات الكششافرين فششي إيقششاع الذى بششالمؤمنين‪ ،‬وحششرص‬ ‫الكافرين علششى استئصششال اليمششان وجنششده‪ ،‬كششل هششذا يجعششل المعركششة دائمششة‬ ‫مستمرة ل تنتهي إل بخضوع الكفار لحكام السلم‪ .(122‬وقال سبحانه‬ ‫الكتاب ول المشركين أن ُيَنّز ُ‬ ‫)‪(123‬‬ ‫{ول يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} ‪.‬وإن الشذين يبتلشون مشن أجشل‬ ‫إيمانهم إنما يسهمون بأعز ما يملكون من النفس والمال والهل والوطششان‪.105 :‬‬ ‫سورة البقرة الية ‪.9/15‬‬ ‫سورة البقرة الية ‪.‬‬ ‫الثاني ‪ :‬أن المؤمن قد يقدم علششى بعششض المعاصششي فيكششون عنششد الش تشششديد‬ ‫المحنة عليه في الدنيا أدبًا له( )‪.‬ومن هنا جاء‬ ‫البيان اللهي لهذا الموقف المبدأي الششدائم‪{ :‬مششا يششود الششذين كفششروا مششن أهششل‬ ‫ل عليكم من خير من ربكم})‪ .

‫‪-42-‬‬ ‫على أي جنب كان في ال مصرعي‬ ‫يوقول الرازي ‪ " :‬ومن المعلوم أن التابع إذا عرفوا أن المتبششوع فششي أعظششم‬ ‫المحن بسبب المششذهب الششذي ينصششره‪ ،‬ثششم رأوه مششع ذلششك مصششرًا علششى ذلششك‬ ‫المذهب‪ ،‬كان ذلك أدعى لهم إلى اتبششاعه ممششا إذا رأوه ُمَرّفششه الحششال ل ُكلفششة‬ ‫عليه في هذا المذهب")‪.‬‬ ‫الســابع ‪ :‬والبتلء يحقشق الخلص فشي نفشس المشؤمن‪ .(125‬‬ ‫س شّنِة مششع المششؤمنين عنششدما قششال ‪{ :‬ولنبلششونكم‬ ‫وقد أخبر ال تعالى عن هذه ال ُ‬ ‫بشيء من الخوف والجوع ونقص مشن المشوال والنفشس والثمشرات وبششر‬ ‫الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا ل وإنا إليه راجعون})‪.4/150‬‬ ‫المصدر نفسه‪.‬‬ ‫سورة البقرة ‪ :‬اليتان ‪.154/155 :‬‬ .‬وهذا يدعوه إلى إحسان العمل والحرص على تششوافر شششروط النصششر‪،‬‬ ‫والبعد عن أسباب الهزيمة من المعصية والعجز والتواكل‪.(126‬‬ ‫‪()) 124‬‬ ‫‪()) 125‬‬ ‫‪())126‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.(124‬‬ ‫السادس ‪ :‬إذا علم المؤمن أنه سيبتلى فإنه يبقى دائمًا على حذر وخوف مشن‬ ‫ال ‪ .‬قشال الشرازي ‪":‬إن‬ ‫إخلص النسان في حال البلء ورجوعه إلى ال تعالى أكثر مششن إخلصششه‬ ‫حال إقبال الدنيا عليه")‪.

(128) ‬قال الرازي ‪ ) :‬ثم أمره بششدعوة القششرب فششالقرب‪ ،‬ذلششك‬ ‫ل ثم على القرب فشالقرب ثانيشًا‪ ،‬لششم يكشن لحشد‬ ‫لنه إذا تشدد على نفسه أو ً‬ ‫)‪(129‬‬ ‫فيه مطعن البتة‪ ،‬وكان قوله أنفع وكلمششه أنجششع( ‪ .1/192‬‬ .24/172 :‬‬ ‫أخرج البخاري ) فتح الباري( ‪ 8/501‬ومسلم في صحيحه ‪.(131‬‬ ‫يقول ابن حجر‪:‬‬ ‫‪()) 127‬‬ ‫‪()) 128‬‬ ‫‪())129‬‬ ‫‪())130‬‬ ‫‪())131‬‬ ‫مجمع الزوائد ‪.‬وهو يعيششش بينهششم‪ ،‬فهششم العيشن السششاهرة فشي الخيششر والشششر‪ ،‬وهشم‬ ‫الشهداء على السراء والضراء‪ ،‬وهو عند ال مسؤول عنهشم فقشد أخشذ النشبي‬ ‫‪ ‬علشى قشومه أنهشم ل يفقهشون جيرانهشم ول ُيَعّلمشونهم فتوعشدهم بالعقوبشة‬ ‫وأمهلهم سنة للقيام بهذا التكليششف)‪ .‬أخششرج البخششاري فششي‬ ‫صحيحه عن ابشن عبشاس رضشي الش عنهمشا‪ :‬قشال ‪ ) :‬لمشا نزلشت ‪‬وأنشذر‬ ‫عشيرتك القربين‪ ‬صعد النبي ‪ ‬الصفا فجعل ينادي ‪ :‬يا بني ِفْهششر ‪ ،‬يششا‬ ‫ي ش لبطون قريش ش حتى اجتمعوا ‪ ،‬فجعل الرجششل إذا لششم يسششتطع أن‬ ‫عِد ّ‬ ‫بني َ‬ ‫ل لينظر ما هو‪ .‬وهششم يعتبششون عليششه إذا أهملهششم وذهششب إلششى‬ ‫البعدين‪ .‬‬ ‫فليبدأ بالقريب قبششل البعيشد‪ ،‬فشإنه ل داعشي لقطششع المسشافات مشن أجشل دعششوة‬ ‫إنسان ما‪ ،‬لسيما إذ كان ل على التعيين‪ ،‬في حين أن القربين والمجاورين‬ ‫فششي السششكنى أو العمششل محتششاجون لمثششل هششذه الششدعوة‪ ،‬وهششؤلء القربششون‬ ‫معروفون عند الداعية‪ ،‬ول يحتاج إلى جمع المعلومات عنهم‪ ،‬وهم يعرفونه‬ ‫فل داعي لكثير مششن المقششدمات‪ .(127‬وعنششدما بششدأ رسششول الش ‪ ‬بالششدعوة‬ ‫أمششره الش تعششالى أن ينششذر عشششيرته القربيششن‪ ،‬فقششال ‪ } :‬وأنششذر عشششيرتك‬ ‫القربين ‪ .1/193‬‬ ‫أخرجه البخاري ) فتح الباري ( ‪ ، 8/501‬ومسلم ‪.‫‪-43-‬‬ ‫القاعدة التاسعة‬ ‫مجال الدعوة واسع فليتخير الداعية لدعوته‬ ‫عندما تكون الدعوة في طور التأسيس والتكوين فإن الجهد المبششذول قششد يقششع‬ ‫في مكانه المناسب إذا راعى الداعية مبدأ التخّير لدعوته‪.1/164‬‬ ‫سورة الشعراء الية‪.‬فجاء أبو لهب وقريش‪ ،‬فقال‪ :‬أرأيتكم لششو‬ ‫يخرج أرسل رسو ً‬ ‫ي؟ قششالوا ‪ :‬نعششم ‪،‬‬ ‫ل بالوادي تريد أن ُتغير عليكم أكنتم مصدق ّ‬ ‫أخبرتكم أن خي ً‬ ‫)‪(130‬‬ ‫ما جربنا عليك إل صدقًا‪ ،‬قال ‪ :‬فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد( ‪.214 :‬‬ ‫تفسير الرازي الية ‪.‬‬ ‫وفي رواية أخرى للبخاري ‪ ،‬عن أبي هريرة ‪ :‬قال ‪ : ‬يا معشر قريشش شش‬ ‫أو كلمة نحوهاش اشتروا أنفسكم ‪ ،‬ل أغني عنكم من ال شيئًا ‪ ،‬يا عبششاس بششن‬ ‫عبد المطلب‪ ،‬ل أغني عنك من ال شيئًا ‪ ،‬يا صفية عمششة رسششول ال ش ‪ ‬ل‬ ‫أغني عنك من ال شيئًا ‪ ،‬ويا فاطمششة بنششت محمششد ‪ ‬سششليني مششا شششئت مششن‬ ‫مالي‪ ،‬ل أغني عنك من ال شيئًا( )‪.

‬ومن هنا وجدنا أتبششاع‬ ‫الرسل هم من فئة الشاكر المتواضع أو الفقير الصابر الضعيف‪ .‬وإن صغير اليششوم هششو رجششل‬ ‫الغد‪ ،‬والناشئة هم مستقبل المة‪.8/503‬‬ ‫سورة يونس الية )‪(83‬‬ .‬‬ ‫إن كسب المواقع الجديدة القريبة السهلة الممكنة يساعد على كسششب المواقششع‬ ‫البعيدة الصعبة‪ ،‬لن النتشار الواسششع يعطششي الششدعوة دمششاء جديششدة وحيويششة‬ ‫وطاقة تصرف في الوصول إلى المواقع البعد‪ .‬ثم إن الصغير الذي ُيقبششل علششى الششدعوة يششدخل‬ ‫ل في تخليته‬ ‫مباشرة في الصياغة والتكوين‪ ،‬ول يبذل الداعية معه وقتًا طوي ً‬ ‫مششن الشششوائب والعششادات الجاهليششة‪ ،‬وإنمششا ينصششرف إلششى تحليتششه وتعششبئته‬ ‫بالفضائل والعادات السلمية‪ .‬ثشم إن الفكششرة عنششدما تشششيع‬ ‫ويكثر انصارها فإن كثيرين يراجعون موقفهم منها على ضوء ذلك‪.(132‬‬ ‫وليبدأ بالصغير قبل الكبير ‪ :‬وذلك لن الصغير لم يصلب عششوده علششى فكششر‬ ‫معين أو سلوك معين‪ ،‬والتعامششل معششه أسششهل مششن التعامششل مششع الكششبير الششذي‬ ‫اختار طريقه‪ ،‬وكثرت ارتباطاته ومسششؤولياته‪ ،‬وحقششق مركششزًا اجتماعيشًا أو‬ ‫مكاسب دنيوية يخشى عليها‪ .(133)‬ول أعني بقولي هذا إهمال الكبششار ‪،‬وإنمششا أعنششي‬ ‫أن إقبال الصغار والناشئة على الدعوة أسرع‪ .‬ففششي قصششة موسششى عليششه السششلم يقششول الش‬ ‫تعالى‪ } :‬فمششا آمششن لموسششى إل ُذريششة مششن قششومه علششى خششوف مششن فرعششون‬ ‫وملهم أن يفتنهم ‪ .‬والجهد مع‬ ‫هذا الصششنف مششن النششاس يششؤدي ثمششاره فششي الغششالب‪ ،‬ول يعنششي هششذا حرمششان‬ ‫الصناف الخرى من الدعوة‪.‬والجهد المطلوب لنقله إلى مركششز التششأثر أضششعاف الجهششد المطلششوب‬ ‫‪()) 132‬‬ ‫‪()) 133‬‬ ‫فتح الباري ‪.‬‬ ‫ومن يختار الفكرة عن وعي فإنه في الغالب يلتزم بهششا‪ ،‬ثششم إن المثقفيششن هششم‬ ‫موضوع الختلف بين أصحاب المذاهب والمادة المتنازع عليها بينهم‪.‬والصغار هم الذريششة الششذين مششن طششبيعتهم أن‬ ‫يكونوا أتباع الرسل والدعوات‪ .‬‬ ‫وليبدأ بالمتواضع قبل المتكبر‪ ،‬لن التواضع يدل على إمكششان قبششول الحششق‪،‬‬ ‫في حين أن التكبر يدل على سفه الحق وغمط الناس‪ .‬‬ ‫وليبدأ بغير المنتمي قبل المنتمي‪ ،‬لن غير المنتمي يقع في مركز وسط بين‬ ‫المششذاهب والتجمعششات‪ ،‬وأمششا المنتمششي فقششد انتقششل مششن المركششز إلششى الطششرف‬ ‫الخر‪ .‬‬ ‫وليبدأ بالمثقف قبل المي‪ ،‬وذلك للدور الذي يقوم به المثقششف فششي المجتمششع‪،‬‬ ‫إلى جانب أن المثقف أقدر من غيره على محاكمة الراء واختيششار الفكششار‪.‫‪-44-‬‬ ‫) والسر في المر بإنذار القربيششن أن الحجششة إذا قششامت عليهششم تعشدتهم إلششى‬ ‫غيرهم وإل كانوا علة للبعدين في المتناع( )‪.

‬ولمشا أقبشل سشعد عليهمشا ‪ ،‬قشال‬ ‫ي مصشعب جشاءك والش سشيد مشن وراءه مشن قشومه‪ ،‬إن‬ ‫أسشعد بشن ُزرارة‪ :‬أ ْ‬ ‫يتبعك ل يتخلف عنك منهم اثنان‪ .‬فقششام فاغتسششل‪ ،‬وطهششر ثششوبيه ‪ ،‬وتشششهد شششهادة الحششق‪ ،‬ثششم ركششع‬ ‫ل إن اتبعكما لم يتخلف عنششه أحششد مششن‬ ‫ركعتين ‪ ،‬ثم قال لهما‪ :‬إن ورائي رج ً‬ ‫قومه‪ ،‬وسأرسله إليكما الن ‪ ،‬سعد بن معاذ‪ .‬‬ ‫وعندما ذهب مصعب بن عمير رضي ال عنه إلى المدينة جاءه " ُأسيد بششن‬ ‫حضير "وكان مشششركًا فقششال " لمصششعب" و " لسششعد بششن زرارة" مششا جششاء‬ ‫ُ‬ ‫بكما إلينا‪ :‬تسفهان ضعفاءنا؟ وكان أسعد قد قال لمصعب‪ :‬هذا سيد قومه قششد‬ ‫جاءك ‪ ،‬فاصدق ال فيه‪ ،‬فدعاه مصعب إلى ال تعالى‪ ،‬وقرأ عليششه القششرآن ‪،‬‬ ‫ثم قال‪ :‬ما أحسن هذا الكلم وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في‬ ‫طّهر وتطهر ثوبيك ‪ ،‬ثم تشششهد شششهادة الحششق ‪،‬‬ ‫هذا الدين؟ قال له ‪ :‬تغتسل َفَت َ‬ ‫ثششم تصششلي‪ .‫‪-45-‬‬ ‫لغير المنتمششي؛ علمشًا بششأن المنتمششي إذا غيششر انتمششاءه عشن قناعششة وفكششر فششإنه‬ ‫ن هذا قليل‪.‬ولمششا كششان الداعيششة يمتششاز بنظافششة السششلوك شش وهششذا‬ ‫متوقع ش وبالبعد عن روح التنششافس الششدنيوي فششإنه مؤهششل للتصششال بششزملئه‬ ‫والتأثير فيهم‪.5/617‬‬ .‬ولما عرض عليه مصعب السششلم أسششلم‪،‬‬ ‫ثم انطلق إلى قومه بني عبد الشهل فقال ‪ :‬كيف تعلمون أمري فيكم؟ قششالوا‪:‬‬ ‫سيدنا ‪ ،‬وأوصلنا‪ ،‬وأفضلنا رأيشًا ‪ ،‬وأيمننششا نقيبششة ‪ ،‬قششال ‪ :‬فششإن كلم رجششالكم‬ ‫‪()) 134‬‬ ‫أخرج الترمذي ‪.‬وقد نفهم قول النششبي‬ ‫‪ ) ‬اللهم أعّز السلم بأحب هذين الرجلين إليك‪ ،‬بأبي جهل أو بعمششر بششن‬ ‫الخطاب( )‪ (134‬على ضوء المرحلة التي كانت تمر فيها الدعوة في مكششة فقششد‬ ‫انتشرت الدعوة بين الضعفاء والفقراء ووصلت إلشى مرحلشة تريشد أن تعلشن‬ ‫فيها عن نفسها‪ ،‬وشخصية كشخصية عمر تناسب المرحلة الجديدة ‪،‬وهذا ما‬ ‫حدث يوم أن دخل عمر رضي الش عنششه فششي ديششن الشش‪ ،‬فقششد دخلششت الششدعوة‬ ‫طورًا جديدًا هو طور العلن بعد السر‪.‬‬ ‫والمفروض أن يراعى التخير وفقشًا للمرحلششة الششتي تمششر فيهششا الششدعوة ‪ ،‬فقششد‬ ‫تكون المرحلة مرحلة تجميشع وسشعة انتششار ‪ ،‬وقشد تكشون المرحلشة مرحلشة‬ ‫عمل محدد‪ ،‬تربوي أو اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي‪ .‬وفششي كششل مرحلششة‬ ‫ُتراعى مقتضياتها ويكون التخير وفق هذه المقتضيات‪ .‬‬ ‫فالطبيب مع الطباء أقششدر منششه بيششن المهندسششين‪ ،‬والمحششامي بيششن المحششامين‬ ‫أقوى منه بين المعلمين‪ .‬‬ ‫سيتحول إلى الدعوة مع خبرة واسعة واستعدادات كبيرة‪ ،‬ولك ّ‬ ‫وليبدأ بزميله فششي العمششل أو المهنششة قبششل غيششره؛ لن أفششراد كششل مهنششة بينهششم‬ ‫تعششاون تلقششائي‪ .‬ومجششالت الحششديث بينهششم مهيششأة‪ ،‬ونقششاط الشششتراك كششثيرة‪.

‬‬ .‬‬ ‫‪()) 135‬‬ ‫سيرة ابن هشام ‪ 437-1/435‬بتصرف‪.‬ونستفيد منها أيضاً مراعاة المرحلية فششي‬ ‫الدعوة‪.‬‬ ‫دار بني عبد الشهل رجل ول امرأة إل مسلمًا ومسلمة‬ ‫ونستفيد من هذه الحادثششة أمششرًا مهمشًا ‪ ،‬وهششو أن تششوجيه الششدعوة إلششى بعششض‬ ‫مراكز القوة في المجتمع ُيسهم في السراع فششي عمليششة التغييششر‪ ،‬وقششد يغيششر‬ ‫كثيرًا في المعادلة لصالح الدعوة ‪ .‫‪-46-‬‬ ‫ي حرام حتى تؤمنوا بال وبرسوله‪ ،‬قششال ‪ :‬فششوال مششا أمسششى فششي‬ ‫ونسائكم عل ّ‬ ‫)‪(135‬‬ ‫‪.

‬يقششول ابششن مسششعود‬ ‫رضي ال عنششه‪ ) :‬كششان رسششول الش ‪ ‬يتخولنششا بالموعظششة مخافششة السششآمة‬ ‫علينا( )‪.‬‬ ‫إن أية كلمة يقولها الداعية ل تذهب هباء منثورًا ‪ ،‬وإنما تدخل فششي مكونششات‬ ‫خّيرة ‪ ،‬وقد يظهر أثر كلمة قيلت‬ ‫المدعو ‪ ،‬ويختزنها عقله وتتراكم خبراته ال َ‬ ‫قبل سنوات بفعل موقف محرك أدى إلى اسششترجاع تلششك الخششبرة‪ ،‬ثششم إن مششا‬ ‫يقوله الداعية اليوم يجده داعية آخر رصيدًا بعد سنين‪ .‬‬ ‫الستعجال على المدعو قد يششؤدي إلششى نتيجشة سشيئة ؛ إذ أنشه قششد يفصشل فشي‬ ‫المسألة إّمشا بشالرفض وإمشا بالسشتجابة والقبشال‪ .‬‬ ‫وإن اختيار زمن الدعوة أمر في غاية الهمية ‪ ،‬وهناك أوقات يخلششو المششرء‬ ‫فيها مع نفسه‪ ،‬ول يكون مستعدًا فيها لتقبل الفكار‪ .‬وإن الدعوة تتأثر بششالجو‬ ‫العام والظرف الذي يمر فيه الداعية والمدعو‪ ،‬ولهششذا فششإن علششى الداعيششة أن‬ ‫يختار أنسششب الوقششات الششتي ل إحششراج فيهششا ول مشششقة‪ .‬وكثيرًا ما يحدث أنششه‬ ‫عندما نتحدث مع إنسان ما يقول ‪ :‬هذا شيء سمعته من فلن‪.‬وكل المريشن قبشل أوانشه‬ ‫خطير‪ ،‬وهذا من قبيل سلب القرار ‪ ،‬ل من قبيل اختيار القرار‪.(136‬‬ ‫ول ينبغي أن يطيل الداعية على المدعو؛ لنه قششد يضششجره ويملششه‪ .1/162‬‬ .‬‬ ‫‪()) 136‬‬ ‫أخرجه البخاري ) فتح الباري (‪.‬‬ ‫أول ما يجب أن نعلمه أن الواقع الذي نتعامل معه واقع غير إسلمي‪ ،‬وأنششه‬ ‫تشكل بفعل عوامل كششثيرة‪ ،‬معظمهششا نشششأ بفعششل مششؤثرات ماديششة إلحاديششة أو‬ ‫فاسدة‪ ،‬وقد سيطر هذا الواقع على أفراد المجتمع‪ ،‬وأصششبح الداعيششة يتعامششل‬ ‫مع الفرد القابع تحت هذه التراكمات الفكريششة والسششلوكية‪ ،‬الششتي هششي بمثابششة‬ ‫الحجاب المانع مششن التصششال بيششن الداعيششة والمششدعو‪ ،‬وبعبششارة أخششرى فششإن‬ ‫الداعية في عالم والمدعو في عشالم آخشر‪ .‬والمشدعو صشاحب قيشم غيشر القيشم‬ ‫التي ينادي بها الداعية‪ ،‬ولهذا كله فششإن توقششع السششتجابة السششريعة فششي غيششر‬ ‫محله‪ ،‬وهو مخالف لطبائع الشياء‪.‫‪-47-‬‬ ‫القاعدة العاشرة‬ ‫الزمن عنصر فعال من عناصر الدعوة‬ ‫كثيرًا مشا يششعر الشدعاة بخيبشة المشل عنشدما يشدعون إلشى الش‪ ،‬ويسشتعملون‬ ‫الحجج والبراهين‪ ،‬ولكن ل يجدون استجابة كبيرة من قبل المدعوين‪ .‬ومعيششار‬ ‫عدم الطالة أن يترك المدعو فششي ششوق لسشتكمال الموضشوع‪ ،‬وأن يطلشب‬ ‫المزيد‪.‬وهششذا‬ ‫الشعور بالخيبة ناشئ عن إسقاطهم لعنصر مهم من عناصر معادلة الششدعوة‬ ‫وهو عنصر الزمن‪.

‬‬ ‫وفي حالة قرار الستجابة المستعجل يجد المدعو نفسه بعد وقششت يسششير أمششا‬ ‫ل لما اختششار‬ ‫تكاليف وواجبات لم يحسب حسابها‪ ،‬ويتبين له أنه لو انتظر قلي ً‬ ‫هذا الموقف‪ ،‬ويدخل في صراع بين الموقف المعلن والموقف المبششدأي وقششد‬ ‫يرتكب محظورات سششلوكية كالكششذب والنفششاق وكششل هششذا بسششبب السششتعجال‬ ‫عليششه‪ ،‬ولششو فتحششت أمششامه فرصششة التفكششر والتششدبر لتخششذ الموقششف المبششدأي‬ ‫الصيل‪.‬وإن الطبيب ل يقول للمريض خذ العلج جرعة‬ ‫واحدة‪ .‬‬ ‫والطريقة المثلى أن ل نستعجل إصدار القرار ‪ ،‬بششل نطلششب مششن المششدعو أن‬ ‫يتمهل في اتخاذ المواقف ‪ ،‬وأن نصارحه بالعقبات في طريق الستجابة إلى‬ ‫جانب اليجابيات المبشرة والمال المتوقعة‪.‬‬ ‫وإن ادخال الزمن كعنصششر مشن عناصشر الشدعوة يخفشف مشن حشدة الششدعاة ‪،‬‬ ‫ويقف أمام اليأس الذي يعتري الدعاة أحيانشًا‪ ،‬ويفتششح لهششم بششاب المششل‪ ،‬ذلششك‬ ‫عندما يفقهون دور الزمن‪ .‬بل يقول له خذه على جرعات وفي خلل مدة معينة من الزمن‪.‫‪-48-‬‬ ‫ففي حالة قرار الرفض يكششون المششدعو قششد تعجششل فششي اتخششاذ قششراره قبششل أن‬ ‫يستكمل وجوه الدعوة ‪ ،‬وبذلك يكون قد اتخذ موقفًا من الدعوة ‪ ،‬وليششس مششن‬ ‫السششهل أن يغيششر مششوقفه؛ لن المششرء حريششص علششى أن ُيعششرف بششالمواقف‬ ‫الثابتة ‪ ،‬وهذه النتيجة إنما كششانت بفعششل الداعيشة الششذي أراد أن يجنشي الثمششرة‬ ‫قبل أوانها‪.‬‬ .

‬وعلششى ضششوء الجششواب يتحششدد‬ ‫الجهد المطلوب والزمن الكافي والوسائل والساليب والتوقعات‪.‬والخطة الواعية رأسها الهداف‪ ،‬وجسمها‬ ‫الوسائل‪،‬والربششط بيششن الهششداف والوسششائل عششن طريششق السششاليب‪ ،‬ومادتهششا‬ ‫المكانيششات البشششرية والماديششة والمعنويششة‪ ،‬وموجههششا المتابعششة والتقششويم‪،‬‬ ‫وثمراتها ظهور الهداف على شكل نتائج ملموسة‪.‬‬ ‫أو تسعى لتحقيق الوسائل وتوفيرها‪ .‬‬ ‫أما الهداف ‪ :‬فهششي الغايششات مششن وراء العمششال وتششأتي عنششد الجابششة علششى‬ ‫السؤال الذي يوجهه الداعية لنفسه ‪ :‬لماذا أدعو؟ وماذا أريد؟ والجابة علششى‬ ‫هذا السؤال هي مبدأ كل عمل من العمششال ‪ .‬‬ ‫عرفت أنواع الخطط القتصادية والسياسية والتربوية فإن على الدعاة‬ ‫وكما ُ‬ ‫أن يتجهوا نحو التخطيط للدعوة‪ .‬‬ ‫والتخطيششط الششواعي هششو الششذي ينقششل الششدعوة إلششى الطششار الفنششي المنتششج‪.‬‬ ‫الثاني ‪ :‬الهداف المرتبطة بأزمنة محدودة أو أمكنة معينة أو أفراد معينين‪.‫‪-49-‬‬ ‫القاعدة الحادية عشرة‬ ‫الدعوة فن وقيادة وهي تقوم على التخطيط والمتابعة‬ ‫يظن كثير من الدعاة أن الدعوة تقوم على قول الكلمة الخيششرة فششي أي وقششت‬ ‫وفششي أي مكششان ‪ ،‬وأنهششا تسششير بطريششق عشششوائي يسششتوي فيششه الششدعاة علششى‬ ‫اختلف امكانياتهم ‪ .‬‬ ‫والجدير بالذكر أن اختلف الدعاة في الجابة علششى هششذا السششؤال هششو الششذي‬ ‫يجعلهم يختلفون في التجمعات والنتماءات ‪.‬‬ ‫والتخطيششط هششو التصششور النظششري لسششير الششدعوة وكلمششا اكتمششل التخطيششط‬ ‫واستوعب عناصره أدى إلى النتيجة المتوقعة بعون ال وبعد التكال عليه‪.‬وكل‬ ‫الفريقين بحاجة إلى مبادئ الدعوة وأساليبها والتدرب عليهششا‪ ،‬وبششذلك تكششون‬ ‫طششّور‪ ،‬ووسششائل تتششأثر بالتحششديث‬ ‫الششدعوة فنششًا ُيتلقششى‪ ،‬وقواعششد وأسششاليب ُت َ‬ ‫والمعاصرة‪.‬‬ ‫وهناك نوعان من الهداف ‪:‬‬ ‫الول ‪ :‬الهدف الكبر ‪ ،‬الذي هو الثمرة الرئيسة‪.‬ومما لشك فيه أن هنششاك دعششاة آتششاهم الش تعششالى قششدرة‬ ‫فائقة على التبليغ ‪ ،‬وتراهم يألفون وُيؤلفون ‪ ،‬وقد وضع ال لهم القبششول فششي‬ ‫قلوب الخلق‪ ،‬وهناك دعاة ل يحالفهم التوفيق في المنطششق والسششلوب‪ .‬وهششذه الهششداف بعضششها يسششلم للخششر‪،‬‬ ‫وبعضششها أكششبر مششن بعششض ‪ ،‬وكلهششا يسششتوعبها الهششدف الكششبيرة والغايششة‬ ‫العظمى ‪ ،‬ويحدث أحيانًا خلط بين الهششداف الصششغرى والهشداف الكششبرى‪،‬‬ ‫وعندها تقل انتاجية العمل ‪ ،‬ويستنفد الدعاة جهدهم بعيدًا عن الهدف الكبر‪.‬‬ ‫فبعض الدعاة يجيب على سؤال لماذا أدعو؟‬ .

‬‬ ‫وينبغي أن ُيصرف الهتمام كله لهذا الهدف‪.‬‬ ‫وداعية ثالث يقول ‪ :‬الهدف تحرير المسائل العلمية المختلششف فيهششا‪ ،‬وجمششع‬ ‫الحاديث الصحيحة‪ ،‬ولتحقيق هذا الهدف لبد من عقد حلقات العلم وإنشششاء‬ ‫المدارس والمؤسسات المتخصصة وطباعة الكتب‪.‬‬ ‫إلى جانب هذه الهداف نجد بعض الدعاة يرضى بأهداف أصغر من ذلششك‪،‬‬ ‫كأن يكون الهدف تشويه صورة جماعة ما باعتبارها حجر عثرة في طريق‬ ‫العمل السلمي ‪ ،‬أو صرف الهتمام نحو شخص معيششن ُيششرى أنششه السششبب‬ ‫الرئيسي في مشاكل المسلمين وقضاياهم!!‬ ‫وبالرغم من أهمية بعض هذه الهداف إل أن السؤال يبقى قائمًا‪ :‬هشل هنشاك‬ ‫أهداف أكبر وأشمل؟ وإن نظرة سريعة إلى مستويات الهداف تجعلنا نقول‬ ‫‪ :‬الهدف الكلي مقدم على الهدف الجزئي‪.‬‬ ‫‪()) 137‬‬ ‫‪()) 138‬‬ ‫سورة الشمس اليتان ‪.44-42 :‬‬ .‫‪-50-‬‬ ‫فيقول ‪ :‬أدعو إلى تزكية النفوس لقول الش تعششالى ‪ ‬قشد أفلششح مشن زكاهششا*‬ ‫ساها‪ .‬‬ ‫وداعية آخر يقول ‪ :‬الهدف إعانة الفقراء والمساكين والحسششان إليهششم لقششول‬ ‫ال تعالى ‪ } :‬ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم‬ ‫المسششكين‪ .‬‬ ‫الهدف الممكن مقدم على الهدف غير الممكن‪.‬‬ ‫الهدف الذي يستغرق جميع قطاعات المجتمع مقدم على الهدف الذي يتناول‬ ‫فردًا أو فئة‪.‬‬ ‫وداعية رابع يقول ‪ :‬الهدف هو الوصول بالمسشلمين إلشى درجشة عاليشة مشن‬ ‫الوعي السياسي الذي يطلعهم على مخططات العداء ومششا يسششتخدمونه مششن‬ ‫الوسششائل لتنفيششذ هششذه المخططششات‪ ،‬وتحقيق شًا لهششذا الهششدف فلبششد مششن القيششام‬ ‫بالدراسششات المتخصصششة العميقششة‪ ،‬والطلع علششى مششا يقششال وينشششر عششن‬ ‫السلم‪.(137)‬وللوصششول إلششى هششذا الهششدف نجمششع المريششدين‪،‬‬ ‫وقد خاب من د ّ‬ ‫ونطبششق عليهششم نظام شًا يقششوم علششى الوامششر السششلوكية والوراد والذكششار ‪.‬وإنشاء الجمعيات الخيرية خير وسيلة‬ ‫لتحقيق هذا الهدف‪.‬‬ ‫الهدف الدائم المستمر مقدم على الهدف المؤقت المنقطع‪.‬‬ ‫وهكذا فإنه من الممكن أن يصاغ الهدف الكبر على الشششكل التششالي‪ :‬الهششدف‬ ‫الكلي العلى الممكن المستمر الذي يستغرق جميع قطاعات المجتمع‪.10-9 :‬‬ ‫سورة المدثر اليات‪.‬‬ ‫الهدف العلى مقدم على الهدف الدنى‪.(138)‬ولتحقيششق هششذا الهششدف لبششد مششن دعششوة أهششل الخيششر إلششى‬ ‫الحسان وبذل الصدقة وإيتاء الزكاة‪ .

7/39‬‬ .(140‬‬ ‫العبادة هدف للفرد والجماعة والدولة‪:‬‬ ‫وبناء على هذا فإن هدف الجماعة المسلمة والفرد المسششلم والدولششة المسششلمة‬ ‫هو تحقيق العبودية ل رب العالمين ‪ ،‬وأمشا الهشداف الخاصشة فهشي جزئيشة‬ ‫مرحلية أو إقليمية محلية ‪ ،‬أو خاصة محدودة‪ .(139)‬وقد حمششل المسششلمون هششذا الهششدف‪،‬‬ ‫ومن أجله انطلقوا يعبرون الصحاري والقفار ويقارعون الجبابرة‪ ،‬وقد عّبر‬ ‫عنه ربعي بن عامر أمام قائد الفرس ‪ ) :‬جئنا لنخرج العباد من عباده العباد‬ ‫إلى عبادة ال‪ ،‬ومن جور الديان إلى عدل السلم‪ ،‬ومن ضششيق الششدنيا إلششى‬ ‫سعة الدنيا والخرة( )‪.‬‬ ‫والوسائل ُتستخدم بأشكال مختلفة وأساليب عدة‪ ،‬والسلوب الفضشل يعطشي‬ ‫من الوسيلة كفاءة أكبر ‪ ،‬واختيار السلوب المناسب عامل كششبير فششي نجششاح‬ ‫العمششل ‪ .56‬‬ ‫البداية والنهاية ‪.‬‬ ‫الوسائل ‪:‬‬ ‫وأما الوسائل فمنها الوسائل المباشششرة ومنهششا غيششر المباشششرة ‪ ،‬ولكششل هششدف‬ ‫جزئي وسائله الخاصة ‪ ،‬فإذا قلنا ‪ :‬إن العبادة تتحقق من خلل العابد القششوي‬ ‫في عقله وروحه وجسده‪ ،‬فإن وسششائل خاصشة كشثيرة تتشوارد مشن أجششل هششذا‬ ‫الهدف‪ .‬والعمل اليومي أو السبوعي‬ ‫أو الشهري أو السنوي له أهدافه الخاصة ‪ .‬والمكانيات والمعلومات تتدخل في اسشتخدام الوسشائل‪ ،‬ولسشت هنشا‬ ‫بصدد تقديم خطة دعوة إنما المقصود إعطشاء صشورة عشن عناصشر الخطشة‬ ‫ومكوناتها‪.‬ومششن السششاليب‪ :‬الليششن والشششدة ‪ ،‬والششترغيب والششترهيب‪ ،‬والكششثرة‬ ‫والقلششة‪ ،‬والسششر والجهششر ‪ ،‬والفششردي والجمششاعي ‪ ،‬والتششاريخي والوصششفي‪،‬‬ ‫والعقلي والعاطفي‪ ،‬واللم والمل ‪ ،‬والخذ والعطاء‪.‬‬ ‫جمع المعلومات أساس الخطة‪:‬‬ ‫ولما كانت الخطة تصورًا عن عمل في مكان خاص وزمان محدد ‪ ،‬وأنششاس‬ ‫محددين كان لبد من جمع المعلومات عن البيئة ‪ ،‬سواء كانت اقتصششادية أو‬ ‫اجتماعية أو سياسية‪ ،‬أو مناخيششة‪ ،‬أو طبيعيششة أو فكريششة‪ ،‬ولبششد مششن معرفششة‬ ‫‪()) 139‬‬ ‫‪()) 140‬‬ ‫سورة الذاريات الية ‪.‬والعمل في القريششة أو المدينششة أو‬ ‫العشيرة أو العمال أو الطلب أو النساء له أهدافه الخاصة وكششل مكششون مششن‬ ‫مكونات المجتمع إنما يتحقق وفق أهداف خاصة‪.‫‪-51-‬‬ ‫عبادة ال أعظم الهداف ‪:‬‬ ‫ول يشك أحد من الدعاة في أن أعظم الهششداف وأشششرفها هششو مششا قششرره الش‬ ‫تعالى هدفًا للنسان وغيره وهو هدف العبادة ‪ ،‬لقول ال ش سششبحانه‪ } :‬ومششا‬ ‫خلقت الجن والنس إل ليعبدون‪ .

‬وتكشف عن جدوى السششاليب أو عششدم‬ ‫جدواها‪.‫‪-52-‬‬ ‫مراكز القوة والضعف‪ .‬ولبد من التعرف على العششوائق والحششوافز‪ ،‬وبششذلك‬ ‫تكون الدعوة إلى ال على بصيرة‪ } :‬قل هذه سششبيلي أدعششو إلششى الش علششى‬ ‫بصيرة‪.108‬‬ .‬‬ ‫العين الساهرة ‪:‬‬ ‫والمتابعة عين ساهرة وأذن صاغية ويد مؤيدة ‪ ،‬والخطة القوية قد تفشل بل‬ ‫متابعة‪ ،‬والخطة الضعيفة قد تنجح مع المتابعة المستمرة‪.‬وقبشششل أن يفاجشششأ بشششالمواقف الصشششعبة فشششإنه يفترضشششها ‪،‬‬ ‫ويتصورها‪ ،‬ويلتمس لها الحلششول ‪ ،‬وهكششذا فششإنه يسششتعين بششالموقف الششوهمي‬ ‫الذي افترضه سابقًا لمواجهة الموقف المفاجئ‪.‬ولعداد المنفذين فإن علومًا‬ ‫كثيرة أصبحت اليوم علششى درجششة مششن الهميششة للداعيششة‪ .‬‬ ‫والمراجعة والتقييم بعد انتهاء مدة الخطة تسششاعد علششى معرفششة الممكششن مششن‬ ‫غير الممكن‪ ،‬والسهل من الصعب‪ ،‬والمراجعة تقدم هدفًا أو تؤخره‪ ،‬وتحكم‬ ‫على فعالية الوسائل أو عدم فعاليتها‪ .‬‬ ‫‪()) 141‬‬ ‫سورة يوسف الية ‪.‬‬ ‫فإذا توافرت هذه العناصر فقد ُوجدت الخطة العلمية الواعية‪ ،‬ثم ُيوَكششل أمششر‬ ‫تنفيذها إلى العناصر البشرية المدربة المنظمة‪ .‬فششالعلوم الداريششة‪،‬‬ ‫وعلوم التصال بالفراد والجماعات ‪ ،‬والعلوم اللغوية والبلغيششة ‪،‬والعلششوم‬ ‫النفسية والتربوية‪ ،‬هذه وغيرها ُتعّد الداعية المنفذ للخطة ‪.(141)‬‬ ‫الزمن عنصر فّعال في الخطة‪:‬‬ ‫والزمن عنصر فّعال في الخطة يدل على مدى النجاح أو الفشل‪ ،‬فما يحتاج‬ ‫إلى يوم واحد ل ينبغي أن ُيصرف فيه شهر‪ ،‬وما يحتاج شهرًا من الزمن ل‬ ‫ينبغي السراع في إنجازه في يوم أو أسبوع‪.‬‬ ‫والداعية الناجح صاحب مبادرة وبديهة حاضرة وقدرة علششى التصششرف فششي‬ ‫أسشششوأ الظشششروف‪ .

(143‬‬ ‫ولبيان هذا المعنى العام للجهاد من سنة رسول ال ‪ ‬نسوق قششول ابششن قيششم‬ ‫الجوزية ‪ ) :‬كان رسول ال ‪ ‬في الذروة العليا منه فاستولى علششى أنششواعه‬ ‫كلها‪ ،‬فجاهد في ال حق جهششاده بششالقلب والجنششان والششدعوة والبيشان والسششيف‬ ‫والسنان ( )‪ (144‬ثم يقول ‪ :‬أمره ال تعالى بالجهاد من حين بعثه وقال‪} :‬ولو‬ ‫شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فل تطع الكافرين وجاهششدهم بششه جهششادًا كششبيرًا‬ ‫‪.(145)‬‬ ‫فهذه سورة مكية ُأمشر فيهششا بجهششاد الكفششار بالحجشة والبيشان وتبليشغ القشرآن ‪،‬‬ ‫وكششذلك جهششاد المنششافقين إنمششا هششو بتبليششغ الحجششة وإل فهششم تحششت قهششر أهششل‬ ‫السششلم‪ ،‬قششال تعششالى‪ } :‬يششا أيهششا النششبي جاهششد الكفششار والمنششافقين واغلششظ‬ ‫عليهم ‪ ،‬ومأواهم جهنم وبئس المصير‪ (146)‬فجهاد المنششافقين أصششعب مششن‬ ‫جهاد الكفار وهو جهاهد خواص المة وورثة الرسل‪ .‬‬ ‫وتصويبًا لهذا الفهم فإن علينا الرجوع إلى لسان الشرع في كلمة الجهاد ‪ ،‬إذ‬ ‫أن مراجعة المعاني الشرعية ضرورة تعصم مششن الزلششل والنحششراف؛ قششال‬ ‫في اللسششان ‪ ) :‬الجهششاد محاربششة العششداء‪ ،‬وهششو المبالغششة واسششتفراغ مششا فششي‬ ‫الوسششع والطاقششة مششن قششول أو فعششل ( )‪ .52 ،51‬‬ ‫سورة التوبة ‪ ،‬الية ‪ 73‬وسورة التحريم ‪ ،‬الية ‪.2/38‬‬ ‫سورة الفرقان ‪ ،‬اليتان ‪.‫‪-53-‬‬ ‫القاعدة الثانية عشر‬ ‫الدعوة صورة أكيــدة مــن صــور الجهــاد وتشــترك مــع القتــال فــي الهــدف‬ ‫والنتيجة‬ ‫لم تعد كلمة الجهاد تعطي المدلولت التي فهمها الصحابة والتابعون‪ ،‬والششتي‬ ‫جاء بها القرآن الكريششم والسششنة الشششريفة ‪ ،‬إذا أنهششا تعنششي فششي عششرف بعشض‬ ‫الدعاة القتال‪ ،‬وأنه ل جهد بل قتال‪ .‬ونتيجة لهذا الفهشم فقشد ظهشر فشي العشالم‬ ‫السلمي أناس يريدون القتال ولو لم يحششن وقتششه وتسششتكمل عششدته‪ ،‬شششعورًا‬ ‫منهم بأن الثم يطاردهم وهم ل يقاتلون ‪.4/109‬‬ ‫لسان العرب ‪.4/110‬‬ ‫زاد المعاد ‪.‬والقششائمون بششه أفششراد‬ ‫في العالم ‪ ،‬والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم القل عددًا فهم‬ ‫العظم عند الش قششدرًا‪ .9‬‬ .‬ولّمششا كششان مششن أفضششل الجهششاد قششول الحششق مششع شششدة‬ ‫المعارض مثل أن تتكلم عند من تخاف سشطوته وأذاه كشان للرسشل صشلوات‬ ‫ال عليهم من ذلك الحظ الوفر‪ .‬وكان لنبينا صلوات ال وسششلمه عليششه مششن‬ ‫ذلك أكمل الجهاد وأتمه ‪ .‬ولما كان جهاد العبد في الخارج فرعاً علششى جهششاد‬ ‫‪()142‬‬ ‫‪()143‬‬ ‫‪()144‬‬ ‫‪()145‬‬ ‫‪()146‬‬ ‫لسان العرب ‪.(142‬وقششال أيض شًا‪) :‬والجهششاد المبششالغ‬ ‫واستفراغ ما في الوسع في الحرب‪ ،‬أو اللسان‪ ،‬أو ما أطاق من شيء( )‪.

‫‪-54-‬‬ ‫العبد نفسه في ذات ال ‪ ،‬كما قال النبي ‪ ": ‬المجاهد من جاهششد نفسششه فششي‬ ‫ذات ال والمهاجر من هجر ما نهى ال عنه"‪ .‬‬ ‫ومآل الحرب في السلم إلى أحد أمور‪:‬‬ ‫أن يخل الكافر المحارب في السلم‪.‬‬ ‫والششدعوة إلششى ال ش بالحكمششة والموعظششة ا لحسششنة تجلششب كششل يششوم أنصششارًا‬ ‫للسششلمم‪ .‬كان جهاد النفس مقششدمًا علششى‬ ‫جهاد العدو في الخارج( )‪.‬وكلمششا أقبششل فششرد علششى هششذه الششدعوة سششقط مكششون مششن مكونششات‬ ‫الجاهلية‪ ،‬وهكذا فإن الجاهلية في مكة كان لها في كل يوم حديث عن تحول‬ ‫رجل أوامرأة من ساحة الشرك إلى ساحة اليمان‪ ،‬ومن جند الشششيطان إلششى‬ ‫جند الرحمن‪.‬والصششل فششي تكششوين المجتمششع‬ ‫المسلم دعوة الفراد للدخول في السلم فيلتزمون عقيدته وشريعته‪.2/38‬‬ .‬‬ ‫ما فقدناه بسبب الغزو الفكري‬ ‫نسترده عن طريق الدعوة‬ ‫إن الغزو الفكري الذي داهم بلد المسلمين قد اسششتحوذ علششى جمهششرة كششبيرة‬ ‫من أبنائها‪ ،‬وسقط هؤلء البناء صرعى في معركة فكرية كانت فششي غيبششة‬ ‫الدعاة غير متكافئة‪ ،‬وما خسرناه عن طريق الفكششر كششثر ممششا خسششرناه عششن‬ ‫طريق معارك المواجهة‪ ،‬وما نسترده عن طريشق الفكشر بعشد هشذه الصشحوة‬ ‫واليقظة أكثر مما نسترده عن طريق المواجهة ‪.(147‬‬ ‫هدف الجهاد‪:‬‬ ‫ونخلص من هذا إلى أن الجهششاد اسششتفراغ الوسششع فششي محاربششة العششداء فششي‬ ‫الداخل والخشارج‪ ،‬وليشس الهشدف منشه هشو القضشاء علشى العشدو‪ ،‬وإنمشا هشو‬ ‫القضاء على أسباب العداوة والخصومة‪ ،‬فالكفر سبب العششداوة بيششن المششؤمن‬ ‫والكافر‪ ،‬فإذا زال السبب ودخششل الكفششار فششي السششلمخ فقششد زالششت العششداوة‪.‬‬ ‫أن يدفع الجزية ويخل في دار السلم خاضعاً لثقافتها ونظامها‪.‬‬ ‫الدعوة هي الوسيلة الولى لكسب النصار ‪:‬‬ ‫وهذا ترتيب توقيفي لبد من مراعاته‪ .‬‬ ‫وفي حين أن القتال يكون بيششن مجتمعيششن ‪ :‬مجتمششع اليمششان ومجتمششع الكفششر‬ ‫بسبب العوائق التي يضعها الكافرون في وجه الدعوة‪ ،‬فإن الدعوة بششالحوار‬ ‫‪()147‬‬ ‫زاد المعاد ‪.‬‬ ‫والنفاق سبب العداوة بين المؤمن والمنافق ‪ ،‬وإذا زال النفق زالت العداوة‪.‬‬ ‫أن ُيقتل فُيقضى على كفره باستئصاله وهدر دمه‪.‬ومن خللششه نششرى أن الششدعوة مقدمششة‬ ‫على غيرها‪ ،‬وهي الوسششيلة الولششى لكسششب النصششار ولتحويششل الكفششار إلششى‬ ‫مؤمنين وهدف الدعوة باللسان واليششد واحششد‪ .

‬وبذلك يكون رسول ال ‪ ‬قد رفض‬ ‫ل مبارك شًا‬ ‫العزل عن المجتمع ولم يعد وجوده وأصحابه فششي الشششعب اسششتقل ً‬ ‫للحركة السلمية عن المجتمع وذلك لن السلم يقرر أن للدعوة طريقين‪.(149‬‬ ‫‪()148‬‬ ‫‪()149‬‬ ‫سورة النساء ‪ :‬الية ‪.‬‬ ‫الطريق الول ‪ :‬الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة عندما يكششون المسششلمون‬ ‫مختلطين بغيرهم وهم قلة في المجتمع‪.‬‬ ‫موقف النبي ‪ ‬من العزلة ‪:‬‬ ‫لقد كان رسول ال ‪ ‬وهو في شعب أبششي طششالب يتشششوق إلششى اليششوم الششذي‬ ‫ُتمششزق فيششه صششحيفة المقاطعششة ليعششود هششو وأصششحابه إلششى المجتمششع المكششي‬ ‫يقارعونه بالحجة والموعظة والكلمة‪ .‬‬ ‫فهم المفسرين لهذه الفكرة‪:‬‬ ‫قال ابن كثر في تفسير قشوله تعشالى ‪ } :‬ألشم تشَر إلششى الشذين قيششل لهششم كفشوا‬ ‫أيديكم وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة فلما ُكتششب عليهششم القتششال إذا فريششق منهششم‬ ‫يخشون الناس كخشية ال أو أشد خشية ‪ (148)‬يقول ‪ ) :‬كان المؤمنون في‬ ‫ابتششداء السششلم وهششم بمكششة مششأمورين بالصششلة والزكششاة‪ ،‬وكششانوا مششأمورين‬ ‫بمواساة الفقششراء منهششم‪ ،‬وكششانوا مششأمورين بالصششفح والعفششو عششن المشششكرين‬ ‫والصبر إلى حين‪ .‬وأما انقسام المجتمع إلششى فرقششتين متصششارعتين‬ ‫فإنه ُيلغي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسششنة‪ ،‬وُينتهششى دور الكلمششة الهششادئة‬ ‫الشودود‪ ،‬وعنشدها ل يكشون أمشام الشدعاة مشن سشبيل إل الفششرار مشن المجتمششع‬ ‫والرضا بشواهق الجبال أو عميق الكهوف ‪ ،‬وبششذلك تتأكششل الششدعوة وتششذوى‬ ‫يومًا بعد يوم‪.‬ولم يكن إذ ذاك مناسبًا لسباب كثيرة منها‪ :‬قلة عددهم بالنسبة إلششى‬ ‫كثرة عدد عدوهم‪ ،‬ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام( )‪.‬‬ ‫الطريق الثاني ‪ :‬الدعوة بكششل وسششائلها بمششا فيهششا القتششال وذلششك عنششدما يكششون‬ ‫للمسششلمين مجتمششع كتششب لششه أسششباب الحيششاة مشن حيششث الموقششع السششتراتيجي‬ ‫والسكاني والقتصادي‪.77 :‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.‬ويدل أيضًا على اليأس منششالمجتمع ‪،‬وعلششى فشششل‬ ‫الداعية في الصششلح‪ ،‬وإن أعششداء الفكششرة السششلمية يطمعششون فششي إيصششال‬ ‫الداعية إلى مثل هذه القناعات‪ ،‬وإن خطر هذه الفكششار أعظششم علششى الششدعوة‬ ‫من خطر أعدائها عليها‪.‫‪-55-‬‬ ‫والموعظة تبقى قائمة في المجتمع نفسه لستقطاب الفراد من هذا المجتمع‬ ‫أو من المجتمعات الخرى‪ .‬‬ ‫إن الفرار من المجتمع أو العزلة عنه أسلوب يدل على ضيق الفق ويكشف‬ ‫عن جهل بأوليات الدعوة‪ .‬وكانوا يتحرقون ويودون لو ُأمششروا بالقتششال ليتشششفوا مششن‬ ‫أعدائهم‪ .2/329‬‬ .

‫‪-56-‬‬ ‫تحليل ‪:‬‬ ‫فابن كثير ش رحمه ال ش يسششتبعد اسششتعمال القششوة عنششد قلششة العششدد ‪ ،‬الششذي هششو‬ ‫مظنة عدم الغلبة ‪ ،‬وها مخالف للفهم الخطششأ ‪ ،‬الششذي خلصششته أنششه ل عششبرة‬ ‫بالعدد والُعدد على الطلق‪ ،‬وأن مائة صابرة تغلب ألفًا‪ .‬‬ ‫وهناك فرق كبير بين الرغبة فششي تسششجيل المواقششف البطوليششة والرغبششة فششي‬ ‫تحقيق الهداف‪ ،‬والوصول بالمسلمين إلى شاطئ السلمة ‪ ،‬والخششروج بهششم‬ ‫من المعاناة‪.66-65 :‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.‬علماً بأن القششرآن‬ ‫الكريم جاء يفصل هذه القضششية‪ .‬‬ ‫‪()150‬‬ ‫‪()151‬‬ ‫‪()152‬‬ ‫سورة النفال اليتان ‪.(151‬‬ ‫قال الرازي‪ :‬الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضششى هششذه اليششة كششل مسششلم‬ ‫بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين فالهزيمة محرمشاً عليششه مششا دام معششه سششلح‬ ‫يقاتل به‪ .(152‬‬ ‫وهذا النمط من التربية يفتقر إليه كثير مشن النششاس الششذين يظنششون أن التهششور‬ ‫قربة إلى ال تعالى ‪ ،‬ويظنون أن رمي اللوف المؤلفة بالحاد أسلوب مبدع‬ ‫من أساليب العمل السلمي‪ ،‬واليتان السابقتان تبطلن هذاالفهم‪ .‬علمًا بششأن‬ ‫أصحاب رسول ال ‪ ‬هم في الذؤوابة في طب الفضششل والسششبق والتمششاس‬ ‫رضا ال سبحانه وتعالى‪.‬فإن لم يبشق معشه سشلح فلششه أن ينهششزم‪ ،‬وإن قشاتله ثلثشة حلششت لشه‬ ‫الهزيمة والصبر أحسن)‪.15/196‬‬ . .‬روى البخاري ) عن ابششن عبششاس شش رضششي الش عنهمششا شش لمششا‬ ‫نزلت هذه الية ثقل على المسلمين‪ ،‬وأعظمششوا أن يقاتششل عشششرون مششائتين ‪،‬‬ ‫ومائة ألفًا‪ ،‬فخفف ال عنهم فنسخها باليششة الخششرى‪ ،‬فكششانوا إذا كششانوا علششى‬ ‫الشطر من عدوهم لم يسغلهم أن يفروا من عدوهم‪ ،‬وإذا كانوا دون ذلششك لششم‬ ‫يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتجوزوا عنهم( )‪.‬وفششي سششورة النفششال يقششول الش تعششالى‪} :‬‬ ‫يأيها النبي حّرض المؤمنين على القتششال إن يكششن منكششم عشششرون صششابرون‬ ‫يغلبوا مائتين وإنيكن منكم مششائة يغلبششوا ألفشًا مشن الشذين كفششروا بشأنهم قششوم ل‬ ‫يفقهون* الن خفف الش عنكششم وعلششم أن فيكششم ضششعفًا فششإن يكششن منكششم مششائة‬ ‫صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكششم ألششف يغلبششوا ألفيششن بششإذن الش والش مششع‬ ‫الصابرين‪.(150)‬‬ ‫قال ابن كثير ‪ :‬عن ابن عباس رضششي الش عنهمششا ‪ :‬لمششانزلت ‪ } :‬إن يكششن‬ ‫منكم عشرون صابرون يغلبوا مششائتين ‪‬شششق ذلششك علششى المسششلمين‪ ،‬حيششن‬ ‫فرض ال عيهم أل يفر واحد من عشرة‪ ،‬ثششم جششاء التخفيششف فقششل ‪ } :‬الن‬ ‫خفف ال عنكم ‪‬قال‪ :‬خفف ال عنكم من العدة‪ ،‬ونقص منالصبر بقششدر مششا‬ ‫خفف عنهم‪ .3/344‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.

‬‬ ‫سورة الفتح تؤكد هذا المعنى‪:‬‬ ‫وقششد جششاءت سششورة الفتششح تششذكر أن وجششود بعششض المششؤمنين الششذين يكتمششون‬ ‫صرف أجلها القتال‪ ،‬فقششال‬ ‫إيمانهم في المجتمع المكي كان من السباب التي ُ‬ ‫تعالى‪ } :‬ولول رجال مؤمنون ونسششاء مؤمنششات لششم تعلمششوهم أن تطششؤوهم‬ ‫فتصيبكم منهم معّرة بغير علم ليدخل ال في رحمتششه مشن يشششاء* لششو تزيلششوا‬ ‫لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا‪.‬‬ ‫‪()153‬‬ ‫‪()154‬‬ ‫‪()155‬‬ ‫سورة الفتح ‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫سيترك الدعاة أماكن التأثير في المجتمع إلششى المغششاور والكهششوف والمششاكن‬ ‫النائية‪.‬‬ ‫ستنفرد الفكار المعادية بتربية المجتمع وتوجيهه‪.(153)‬‬ ‫يقول القرطي فششي تفسششير هششذه اليششة ‪ } :‬ولششول رجششال مؤمنششون‪ ‬يعنششي‬ ‫المستضششعفين مششن المششؤمنين بمكششة وسششط الكفششار‪  ،‬لششم تعلمششوهم‪ ‬أنهششم‬ ‫مؤمنششون ‪  ،‬أن تطششؤوهم ‪ ‬بالقتششل واليقششاع ‪ ‬فتصشيبكم منهشم معشّرة‬ ‫بغير علم ‪ ، ‬أي يقول المشركون‪ :‬قد قتلوا أهل دينهم ‪ ‬لو تزيلوا‪ ‬لو‬ ‫زال المؤمنون من بين أظهرالكفار لعذب الكفششار بالسششيف‪ ،‬ولكششن ال ش يششدفع‬ ‫بالمؤمنين عشن الكشافرين)‪ .286-16/285‬‬ .‬والمسششلم ُ‬ ‫وعندما يلجأون إلى القوة فإن آثارها ستصيب بلششدهم أو ً‬ ‫بالصلح والحسان والتنمية والتزكية وصلة الرحششم رغششم مششا يكششون عليششه‬ ‫أعداؤه من قومه من القطيعة والساءة‪.(155‬‬ ‫نخلص من هذا إلى أنه ل مناص من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في‬ ‫حالة اختلط الصالحين بغيرهم والمسلمين بغيرهم‪ ،‬وأناستخدام القششوة مششؤاه‬ ‫خطر على الدعوة والدعاة للسباب التية‪:‬‬ ‫ستتعرض فئات المجتمع للوان البطششش والرهششاب وسششيذهب الششبريء مششع‬ ‫غيره‪.(154‬وفشي ذلشك يقشول ابشن كشثير‪ ) :‬ولشول أن بيشن‬ ‫أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهمخيفششة علششى أنفسششهم مششن قششومهم‪ ،‬لكنششا‬ ‫سلطناكم عليهششم ‪ ،‬فقتلتمششوهم‪ ،‬وأبششدتم خضششراءهم ‪ ،‬ولكششن بيششن أفنششائهم مششن‬ ‫المؤمنين والمؤمنات أقوام ل تعرفونهم حالة القتال ( )‪.25‬‬ ‫تفسير القرطبي ‪.‫‪-57-‬‬ ‫وأما قششول ابششن كششثير‪":‬ومنهششا كششونهم كششانوا فششي بلششدهم " فيششدل علششى فطنتششه‬ ‫وحكمته‪ ،‬فقششد التفششت إلششى أن المسششلمين فششي مكششة إنمششا يعيشششون فششي بلششدهم‪،‬‬ ‫عششرف‬ ‫ل ‪ .‬‬ ‫سُتَغّيب الدعوة بالحكمة والموعظة والكلمششة ‪ ،‬ولششن يعششود هنششاك مششن وسششيلة‬ ‫للتفاهم سوى القوة‪.6/345‬‬ ‫تفسير ابن كثير ‪.

‬ويقوم هذا المجتمششع علششى أرض ل ينششازعه‬ ‫فيها أحد‪ ،‬وهششذا القطششاع العريششض يعمششل علششى صششياغة الفششراد وفششق قيمششه‬ ‫وتطلعاته‪ .‬وهششؤلء الفششراد متنششاثرون بيششن فئات‬ ‫المجتمع ل يشكلون أكثرية عدديششة ‪ ،‬ول يملكششون القششوة الفاعلششة فششي أجهششزة‬ ‫المجتمع ومؤسساته‪ ،‬وصورة المسششلمين فششي مكششة قبششل الهجششرة تمثششل حالششة‬ ‫الجماعة‪.‬‬ ‫نتيجة‪:‬‬ ‫إذا اتضح هذا فينبغي أن نفرق بيششن مواجهششة مجتمششع لمجتمششع آخششر ‪ ،‬وبيششن‬ ‫مواجهة جماعة لمجتمع‪ .‬‬ ‫وقفة ‪:‬‬ ‫وهناك خلط كبير بين طبيعة الجماعة وطبيعششة المجتمششع ‪ ،‬والششذين يطششالبون‬ ‫الجماعة بما يطالبون به المجتمع ‪ ،‬إنمششا يفعلششون ذلششك لظنهششم بششأن الجماعششة‬ ‫مجتمع ‪.‬‬ ‫ستخسرالدعوة من رجالها مشن يصشعب تعويضشه وسشد العجشز الناششئ عشن‬ ‫فقده‪.‬والمجتمع في المدينة بعد الهجرة يمثل هذه الصورة‪.‬وعندما‬ ‫ل يضع المسششلم فششي حسششبانه مقارنششة قششوته بقششوة أعششدائه فششإنه يحشّول العمششل‬ ‫للسلم إلى ضرب من النتحار‪ ،‬ولكنه في سبيل ال !!‪.‫‪-58-‬‬ ‫سُيواجه السلم بالدعاية المضادة‪ ،‬واتهام رجالهبأنهم ل يفهمون سوى لغششة‬ ‫القوة والبطش‪.‬‬ ‫والصواب أن الجماعة أفراد من الناس التقوا على فكششر معيششن وولء معيششن‬ ‫وخهطة معينششة ولهششم تنظيششم وقيششادة ‪ .‬‬ ‫سيقف هذا المر مانعًا من لحاق كثير من الناس بركب الششدعوة‪ ،‬لن النششاس‬ ‫يفهمون عندها أن الدعوة ليس لها هدف عميق صبور طموح يعمل ش ش بششإذن‬ ‫ال ش على إيصال المجتمع إلى قبششول السششلم ‪ ،‬وإنمايسششود التصششور القششائل‬ ‫بأن المسلم يريد أن يموت في سبيل ال‪ ،‬وليسششت لششديه خطششة واعيششة ناشششطة‬ ‫للوقوف في وجه الفتن التي ستبقى تلحق أبناءه وأقرباءه وجيرانه‪ .‬‬ ‫وأما المجتمششع فهششو قطششاع عريششض مششن النششاس‪ ،‬يحكمهششم نظششام يخضششعون‬ ‫لسلطان‪ ،‬وهذا القطاع له مؤسساته وأجهزته ويسيطر على هذه المؤسسششات‬ ‫والجهزة ويضع لها السياسات‪ .‬والجماعششة ل تسششتطيع أن تششواجه المجتمششع‪ ،‬وذلششك‬ ‫لن المجتمششع نسششيج كامششل‪ ،‬وأجهششزة فاعلششة ناشششطة ل تتوقششف عششن العطششاء‬ ‫والتنمية والتكاثر‪ ،‬ففشي المجتمشع تبقشى المؤسسشات التعليميشة تعمشل‪ ،‬وتبقشى‬ ‫المؤسسات القتصادية تنتج‪ ،‬وتبقششى الششدوائر التربويششة تربششي‪ ،‬فششي حيششن أن‬ ‫الجماعششة إذا دخلششت فششي محنششة القتششال فششإن دوائرهششا التربويششة والقتصششادية‬ .

‬فرجعوا وعادوا إلى المدينة ( )‪.‬ومششن‬ ‫لم يمتلك الشجاعة في مكة بكف يديه وضبط نفسه نجده تخور نفسه وتنهششار‬ ‫عزيمته عندما طلب منه مواجهة الكفار في ساحة المعركششة‪ .37‬‬ .(156‬‬ ‫ولو كان الهدف من الدعوة مجرد النتقام من رؤوس الشششرك لمششر رسششول‬ ‫ال ش ‪ ‬ش أتباعه بقتلهم ‪،‬ولو كان الهدف من الدعوة أن يصل المؤمنون إلى‬ ‫مرتبشة الشششهادة لقششاموا بشذلك فششي بدايششة أمرهششم عنشد البيعششة وهششم فششي طشور‬ ‫الجماعة‪ ،‬وهذا عمل ل ينسجم مع الهداف والمصالح الكبيرة التي راعاهششا‬ ‫هذا الدين‪.‬إذ‬ ‫‪()156‬‬ ‫إمتاع السماع ‪.‫‪-59-‬‬ ‫والعملية وسائر وسائلها ستتوقف عششن العمششل‪ ،‬وفششي النهايششة فإنهششا ستضشُمر‬ ‫وتذوى ‪،‬وإلى جانب ذلك فإن المجتمع ل يهتز بخسارته فردًا من أفراده‪.‬‬ ‫قال في إمتاع السماع ‪ ) :‬وكانت هذه البيعة على حرب الحمششر والسششود‪،‬‬ ‫فلماتمت بيعتهم استأذنوا رسول ال ‪ ‬أن يميلوا على أهل منششى بأسششيافهم‪،‬‬ ‫فقال‪ " :‬لم نؤمر بذلك " ‪ .‬‬ ‫وتهورًا واستعجا ً‬ ‫ف اليدي وضبط النفس ‪ ،‬ولم يكششن‬ ‫ومن هنا فإن الشجاعة في مكة كانت بك ّ‬ ‫هذا جبنًا أوخوفًا ‪ ،‬والشجاعة في المدينة كانت بالقتال وجهاد العداء‪ .‬‬ ‫والقرآن الكريم يحششذرنا منهششذا التفكيششر الغشّر ويششبين أن أكششثر النششاس حماسشًا‬ ‫ل هم الذين يصابون بخور العزيمة ‪.‬‬ ‫اختلل الموازين أمام ضغط الواقع ‪:‬‬ ‫ل شششك أن للواقششع الششذي يعيشششه المسششلمون تششأثيرًا كششبيرًا علششى فكرهششم‬ ‫وممارستهم‪ ،‬وأحيانًا يصل ضغط هذا الواقع إلى درجششة يفقششد المسششلم معهششاه‬ ‫قدرته على تصور الخط المنهجي ‪ ،‬ويتساءل ‪ :‬إلى مششتى نبقششى تحششت وطششأة‬ ‫المعاناة ؟ فيقول ‪:‬أليس هناكشيء غير الصشبر والمصشابرة؟ وعنششدها يجيششب‬ ‫المتحمسون على هذا السؤال بطلششب المواجهششة والنتقششام ولششو علششى حسششاب‬ ‫الدعوة‪.‬‬ ‫النبي ‪ ‬بين الجماعة والمجتمع ‪:‬‬ ‫وتطبيقًا لهذا المبدأ فإن الرسول ‪ ‬لم يوافق بعض اأنصار في بيعششة العقبششة‬ ‫عندما استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى بأسيافهم‪ ،‬وذلششك بعششد أن فهمششوا‬ ‫أن البيعة على حرب الحمر والسود‪.‬فالتعششالي علششى‬ ‫الذى والجراح مع شدة الدواعي الباعثة على النتقام هو قمششة الشششجاعة‪ .‬‬ ‫وكذلك الحال فششي المدينششة؛ فششإن أهششل المدينشة لششم يششدخلوا فششي السششلم دفعشة‬ ‫واحدة‪ ،‬بل بقيششت طوائفالنفششاق تعيششث فسششادًا وتتششآمر علششى المسششلمين‪ ،‬إل أن‬ ‫رسول ال ‪ ‬استعاض عن حرب التصفية الجسدية بحرب الدعوة والجدل‬ ‫والحسان للخصوم‪.

‬وهششذه مجششاراة‬ ‫خطششرة وكمششا تكششون مجششاراة أهششل المعاصششي فششي معصششيتهم فششإن مجششاراة‬ ‫المتعجلين والتنازل عن خط الدعوة المثمر كبيرة من الكبائر ‪ ،‬بششالرغم ممششا‬ ‫قد يوصشف بشه المشوجه مشن العجشز والضشعف‪ .‫‪-60-‬‬ ‫أن النفس مجبولة على كره الظلم وحششب النتقششام ‪ ،‬وإرغامهششا علششى الصششبر‬ ‫حرصًا على مصلحة الجماعة الناشئة يحتاج إلى مجاهششدة ومصششابرة‪ ،‬فقمششة‬ ‫المجاهدة النتصار على النفس ل النتصار لها ‪ } :‬ألم تر إلى الششذين قيششل‬ ‫لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلة وآتوا الزكاة فلماكتب عليهم القتال إذا فريششق‬ ‫منهم يخشون الناس كخشية ال أو أشششد خشششية وقششالوا ربنششا لششم كتبششت علينششا‬ ‫القتال لول أخرتنا إلى أجل قريب قل متششاع الششدنيا قليششل والخششرة خيششر لمششن‬ ‫اتقى ول ُتظلمون فتيل‪.‬على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسششكون أنفسششهم‬ ‫جزعًا ونكو ً‬ ‫)‪(159‬‬ ‫عّدته( ‪.2/712‬‬ .(158‬‬ ‫ويقول أيضًا ‪ ) :‬إن أشد الناس حماسة واندفاعاً وتهورًا ‪ ،‬قد يكونون هم أشد‬ ‫الناس جزعًا وانهيارًا وهزيمة عندما يجد الجّد وتقع الواقعة‪ ،‬بل إن هششذه قششد‬ ‫تكون القاعد‍ة! وذلك أن الندفاع والتهور والحماسة الفائقششة غالبشًا مششا تكششون‬ ‫منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف‪ ،‬ل عن شششجاعة واحتمششال وإصششرا‪،‬‬ ‫كما أنها قد تكششون منبعثششة عششن قلششة الحتمششال‪ ،‬قلششة احتمششال الضششيق والذى‬ ‫والهزيمة‪ ،‬فتدفعهم قلة الحتمال إلى طلب الحركشة والشدفع والنتصشار بشأي‬ ‫شكل‪ ،‬دون تقشدير لتكششاليف الحركششة والششدفع والنتصششار‪ ،‬حششتى إذا ووجهششوا‬ ‫بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا وأشق مما تصوروا‪ ،‬فكانوا أول الصف‬ ‫ل وانهيارًا‪ .(157)‬‬ ‫يقول الستاذ سيد قطب رحمه ال ‪ ) :‬يعجب ال ش سششبحانه مششن أمششر هششؤلء‬ ‫الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويسششتعجلونه وهششم فششي مكششة يتلقششون‬ ‫الذى والضطهاد والفتنة من المشركين ‪ ،‬حين لم يكششن مأذونشاً لهششم بالقتششال‬ ‫للحكمة الشتي يريشدها الش ‪ ،‬فلمششا أن جششاء الشوقت المناسششب الششذي قشدره الشش‪،‬‬ ‫وتهيأت الظروف وُكتب عليهم القتششال‪ ،‬إذا فريششق منهششم شششديد الجششزع شششديد‬ ‫الفزع()‪.‬‬ ‫الحل الصحيح‬ ‫‪()157‬‬ ‫‪()158‬‬ ‫‪()159‬‬ ‫سورة النساء‪ ،‬الية ‪.‬‬ ‫ويحتملون الضيق والذى بعض الوقت‪ ،‬ويعدون للمر ُ‬ ‫واجب الموجهين والمفكرين‪:‬‬ ‫قد يبلغ تيار الحماس من الشدة إلى درجة ينساق المربي والمششوجه والمفكششر‬ ‫في هذا التيار‪ ،‬ويفقد هؤلء قدرتهم علششى السششيطرة والقيششادة‪ .2/712‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪.‬وإن المشوجه الشذي آتشاه الش‬ ‫بصيرة ومعرفة مسؤول عن نتائج التعجل أكثر من المتعجلين‪.77 :‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪.

‫‪-61-‬‬ ‫إن ضغط الواقع ينبغي أن ل يسوق إلى الحل الخطأ ‪ ،‬ومهمششا طششال انتظششار‬ ‫الحل الصحيح فإن هذا هو الصواب ‪ ،‬وطول الزمن ل يفقد الحق أحقيتششه ‪،‬‬ ‫وقصر الزمن ل ُيصفى على الخطأ صفة الصواب‪.‬والفششارق‬ ‫بينهما أن الدعوة تكون مع احتمششال الذى‪ ،‬والقتششال يكششون دعششوة مششع إزالششة‬ ‫الذى‪.‬وبغير هذا الطريق سيدفعون الثمن مضاعفاً مع البعد عن الهدف‪.‬والشششواهد كششثيرة علششى‬ ‫عمليات الستدراجالتي تنتهششي بششالبطش والتنكيششل بالعششاملين للسششلم ‪ ،‬إلششى‬ ‫جششانب النتششائج السششلبية الششتي يتركهششا التعجششل علششى الجماعششة وأنصششارها‬ ‫وخططها ومستقبلها‪.‬‬ ‫لقد آن الوان أن يفعل المسلم ما يريده ل ما ُيراد له وأن يتصششرف وفششق مششا‬ ‫خطط لشه ‪ ،‬ول ينبغشي أن ُيششغل المسشلم عشن هشدفه مشؤثرًا حشظ النفشس فشي‬ ‫العاجلة ‪ ،‬على تحقيق الهداف الجلة‪.‬‬ ‫وقبل ذلك ‪:‬‬ ‫وإلى أن يصل المسلمون إلى تلك المرحلة فششإنه سششيدفعون الثمششن غالي شًا مششن‬ ‫الضحايا والدماء والشلء‪ ،‬ولكن سيجدون بعون الش تعششالى ثمششرة جهششادهم‬ ‫وجهدهم‪ .‬‬ ‫إن أعششداء السششلم يطمعششون فششي أن تخششرج الجماعششة المؤمنششة عششن خطهششا‬ ‫فتستعجل النصر ‪،‬وتحاول قطف الثمرة قبل أوانهششا‪ .‬‬ ‫وعندما يقبل المجتمع أن يكون السلم نظششامه وشششريعته‪ ،‬وذلششك مششن خلل‬ ‫مراكششز القششوة فيششه فششإن المجتمششع يصششبح إسششلميًا ‪ ،‬وعنششدئذ تتكششون القاعششدة‬ ‫القششادرة علششى القيششام بأعبششاء الحششرب‪ ،‬ويكششون المجتمششع عنششدئذ قششادرًا علششى‬ ‫ل على تعويض كششل نقششص ينشششأ مششن جششراء القتششال ‪،‬‬ ‫استغلل طاقاته ‪ ،‬عام ً‬ ‫ويصبح القتال وسيلة ممهدة للدعوة تعمشل علشى إزالشة العقبشات المانعشة مشن‬ ‫وصول الدعوة إلى الناس‪.‬‬ ‫إن الجماعة السلمية لتسجيل كل يوم نتششائج إيجابيششة تقربهششا مششن الهششدف ‪،‬‬ ‫وإن المراقب المنصف ليرى التحولت الجذرية فششي فكششر كششثير مششن النششاس‬ ‫وسلوكهم ‪ ،‬ويلحظ أن المة بدأت تستجيب لنداء اليمان ‪ ،‬وبدأت تالف مششا‬ .‬‬ ‫فالهدف من الدعوة والقتال واحد‪ ،‬وهو إيصال الخيششر إلششى النششاس‪ .‬‬ ‫عود على بدء‬ ‫إن الحششل الصششحيح هششو الششدعوة مششع المعانششاة والصششبر علششى طشول الطريششق‬ ‫والتمركز في المجتمع والتماس أسباب القوة والبحث عن هذه السششباب فششي‬ ‫كل مجتمعات الرض‪ ،‬وحشد الطاقات فششي أكثرهششا توقع شاً لقبششول الششدعوة ‪،‬‬ ‫وهو جهد ل يعرف الكلل ول الملل ‪ ،‬وعندئذ تقوم القاعدة الصلبة‪ ،‬التي يبدأ‬ ‫منها طريق الحل الشامل‪.

‬وإن العديد مششن المؤسسششات آخششذ فششي التجششاه‬ ‫نحو السلم‪.77‬‬ .‬وإن العمل الحششثيث يصششل بالمششة إلششى إحششداث تغييششر‬ ‫كبير في جميع شؤون حياتها‪ .‬‬ ‫وهكذا فإن الدعوة إلى ال تعشالى هشي الوسشيلة إلشى تكشوين مجتمشع السشلم‬ ‫وقاعششدته وإن القتششال حركششة اجتماعيششة تنبثششق عششن المجتمششع وترتكششز علششى‬ ‫القاعدة الصلبة وعندها ماذا سيقول المتعجلون ؟ هل يقولششون ‪ } :‬ربنششا لششم‬ ‫كتبت علينا القتال لول أخرتنا إلى أجل قريب ‪.‫‪-62-‬‬ ‫كانت بالمس تنكره ‪ .(160) ‬‬ ‫‪()160‬‬ ‫سورة النساء ‪ :‬الية ‪.

41 :‬‬ ‫سورة الشعراء ‪ ،‬الية ‪.‬وكل الذي يريده من المعروف أن تصششل الششدعوة إلششى‬ ‫قلوب الخلق ‪.‬‬ ‫ووظيفة الدعوة ليست من جنس الوظائف الدنيوية‪ ،‬فهي أسمى وأشششق‪ .(161)‬وقشد ُأمششر رسشول الش ‪ ‬بششالتزام هششذا النهشج ‪ ،‬وعنشدما‬ ‫أعرض أهل مكة عن اليمان جششاءت اليششة تسششألهم عششن سششبب إعراضششهم‪،‬‬ ‫وتقول ‪ } :‬أم تسألهم أجرًا فهم من مغرام مثقلون‪ .(162)‬علمًا بشأن طلب‬ ‫الدنيا ل يفعلون شيئًا إل بأجر دنيوي‪ .‬‬ ‫ووظيفة فيها مثل هذا الجهد ل تعادلها الدنيا كلها‪.(164) ‬‬ ‫وبعد دخول اليمان إلى قلوبهم لم يششتركوا الجششر فقششط ‪ ،‬بششل قششالوا لششه ‪} :‬‬ ‫ض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ‪.‬‬ ‫والتأكيد على عدم طلب الجر له فوائد وحكم‪:‬‬ ‫الول ‪ :‬قد يظن المدعوون أن الداعية إنمششا ششرع فششي الششدعوة كششي يتوصششل‬ ‫بالدعوة إلى الرزق والكتساب‪ ،‬فششرب صششاحب دعشوة يريشد صشرف وجشوه‬ ‫الناس إليه لينتفع من دعوته‪ ،‬لسيما وأن معظم الدعاة إلى ال فقراء‪ ،‬وعلى‬ ‫رأسهم النبياء الكرام ش صلوات ال عليهم ش يقول الششرازي فششي تفسششير قششوله‬ ‫ل إن أجري إلى على ال ‪ .72 :‬‬ ‫سورةهود الية ‪.(165)‬‬ ‫فأقض ما أنت قا ٍ‬ ‫أنواع الجر الذي يتنزه عنه الداعية ‪:‬‬ ‫والجر الذي ينبغششي أن يتنششزه عنششه الداعيششة ل يقتصششر علششى المششال ‪ ،‬وإنمششا‬ ‫يشمل كل منفعة سببها الدعوة ‪ ،‬وينبغي أن ل ينتظر من الناس كلمة الشششكر‬ ‫ول إسداء المعروف‪ .29 :‬‬ .‬وإن قصة السحرة مع موسششى شش عليشه‬ ‫السلم ش تثبت هششذا عنشدما قششالوا لفرعششون ‪ } :‬أئن لنششا لجششرًا إن كنششا نحششن‬ ‫الغششالبين‪ .90 :‬‬ ‫سورة الطور الية ‪.‬‬ ‫ل ‪ } :‬ل أسششألكم‬ ‫ولقد كان كل نبي من أنبياء ال الكرام يؤكد هذا المبدأ قششائ ً‬ ‫عليه أجششرًا‪ .40 :‬‬ ‫سورة الشعراءالية ‪.(163)‬فأكششد لهششم فرعششون ذلششك وقششال ‪ } :‬نعششم وإنكششم إذًا لمششن‬ ‫المقربين‪.(166)‬كأه‬ ‫تعالى ‪ } :‬ويا قوم ل أسألكم عليه ما ً‬ ‫‪()161‬‬ ‫‪()162‬‬ ‫‪()163‬‬ ‫‪()164‬‬ ‫‪()165‬‬ ‫‪()166‬‬ ‫سورة النعام الية ‪.42 :‬‬ ‫سورة طه الية ‪.‫‪-63-‬‬ ‫القاعدة الثالثة عشرة‬ ‫الدعوة سلعة شريفة ل ُتباع بالعراض الدنيويششة ‪ ،‬والجششرة الششدنيوي يفسششد‬ ‫المروءة ‪ ،‬ول ُيصلح الدعوة ‪ ،‬والداعية يعمل بمقتضششى تكليششف ال ش تعششالى‪.‬ومششا‬ ‫من وظيفة تحتمل كل صور الهلك والنهاك كوظيفششة الششدعوة‪ :‬ففيهششا توقششع‬ ‫هلك النفششس والمششال‪ ،‬وفيهششا احتمششال البعششد عششن الهششل والولششد والوطششان‪.

‫‪-64-‬‬ ‫عليششه الصششلة والسششلم قششال لهششم ‪ :‬إنكششم لمششا نظرتششم إلششى ظششواهر المششور‬ ‫وجدتموني فقيرًا ‪ ،‬وظننتم أنني إنما اشتغلت بهذه الششدعوة لتوسششل بهششا إلششى‬ ‫أخذ أموالكم ‪ ،‬وهذا الظن منكششم خطششأ‪ ،‬فششإني ل أسششألكم علششى تبليششغ الرسششالة‬ ‫أجرًا)‪.17/215‬‬ ‫حلية الولياء ‪.(168‬‬ ‫ومن لوازم غنى الداعية عن الناس أن يكون ذا كسب من تجشارة أو زراعشة‬ ‫أو عمل أو وحرفة‪ .‬‬ ‫الثالثة ‪ :‬كل عمل مأجور قد يعتريه النقص والخلل؛ وصاحبه يسيربه حسب‬ ‫مقدار الجر‪ .‬ومششن هنششا فقششد‬ ‫كانت دعوة رسول الش ‪ ‬أكششثر الشدعواتتأثيرًا ‪ ،‬وأعمقهشا أثشرًا فششي نفشوس‬ ‫التباع‪ .‬وقد عرفت الدعوات نمطشًا مششن النششاس غيششروا وبششدلوا تحششت ضششغط‬ ‫الجر الدنيوي ‪ .(167‬‬ ‫الثانية ‪ :‬تعودت الشعوب أن تتعامل مششع المشششعوذين والششدجالين مششن الكهنششة‬ ‫الششذين يتوصششلون بالششدين إلششى الششدنيا وملششذاتها ‪ ،‬فجششاء التأكيششد علششى أن هششذه‬ ‫الدعوة نقية أصيلة ل يبتغي أهلها عرضًا من أعراض الدنيا يتوصلون إليششه‬ ‫بسببها‪.‬ودين ال أكششرم مششن أن ُيربششط بمتششاع الششدنيا وتقلبششه‪ .‬‬ ‫الخامسششة ‪ :‬وإذا عششرف النششاس أن الداعيششة ل يلتمششس منفعششة دنيويششة فششإنهم‬ ‫يتبينون صدق الداعية في دعششوته ‪ ،‬وينجششذبون إلششى الششدعوة‪ .‬وأما النبياء الكرام والصالحون منالدعاة إلى ال فقد ثبتششوا‬ ‫على معالم دعوتهم قاطعين طمع كل طامع في أن يغيششروا مششا جششاءوا بششه أو‬ ‫يبدلوه‪.‬ولكن ينبغي أن ل يقود الكسب ش ش كحاجششة ش ش إلششى الحششرص‪ ،‬ول‬ ‫إلى تضييع العمر في جمع المال‪.‬‬ ‫الرابعة ‪ :‬والعمششل المششأجور يتششأثر بمششن يششدفع الجششر‪ ،‬وإرادتششه تتششدخل فششي‬ ‫العمل‪ .‬ومششن هنششا‬ ‫فالعمل للدعوة مرتبط بالخلص‪.‬والصادقون من الدعاة يعطون ول يأخششذون‪ ،‬وهششم أصششحاب‬ ‫‪()167‬‬ ‫‪()168‬‬ ‫‪()169‬‬ ‫تفسير الرازي ‪.‬قال الحسن البصري ‪ :‬ل تزال كريمًا على الناس ما لم تعاط ما فششي‬ ‫أيديهم ‪ ،‬فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك)‪.3/20‬‬ ‫حلية الولياء ‪.‬‬ ‫ل عنششد النششاس فُيعششبرون عششن محبتهششم لششه بالهبششات‬ ‫وقششد يجششد الداعيششة قبششو ً‬ ‫والصلت والخدمات والدعوات‪ ،‬وقبول الداعية لمثل هذه المور يحط مششن‬ ‫دعوته في أنظارالناس ‪ ،‬فيهششون عليهششم ‪ ،‬ويصششبحالداعية مششرذول الطريقششة‬ ‫مذموم السيرة‪ .‬كان أيوب السختياني يقششول لصششحابه ‪ :‬الزمششوا السششوق‬ ‫عششرف أصشحاب رسشول الش ‪ ‬والسششلف‬ ‫فإن العاقبشة فشي الغنششى)‪ .(169‬وقشد ُ‬ ‫الصالح بغناهم عن الناس‪ ،‬وذلك لما كانوا عليه من الكسب‪ ،‬وما اتصفوا بشه‬ ‫من القناعة‪ .3/10‬‬ .

306‬‬ ‫أدب الدنيا والدين بتصرف ‪.‫‪-65-‬‬ ‫اليدي العالية والنفوس الكبيرة‪ ،‬ويدخل هذا تحت المروءة التي هي عنصر‬ ‫مششن عناصششر الشخصششية المسششلمة ن وُمكششون مششن ُمكونششات الثقششة‪ .(172‬‬ ‫يقول الماوردي‪ :‬والمحتاج إلىالناس َك ّ‬ ‫ومما يجب أن يلتفت إليه أن الوظائف التي ُيحبششس عليهششا صششاحبها كششالتعليم‬ ‫ل بهششا عششن الحششتراف‬ ‫والمامششة والخطابششة إنمششا يأخششذ الجششر لكششونه مشششغو ً‬ ‫والكتساب وهذا جائز شرعًا ‪ ،‬ويدخلفي ذلك أيضاً مسئولية المامة العامششة‬ ‫وولية القضاء وكل ما كان من جنس هذه العمال وكان محبوساً عليها ‪.‬يقششول‬ ‫المششاوردي ‪ :‬والمششروءة هششي حليششة النفششوس وزينششة الهمششم)‪ .‬‬ ‫والنزاهة البعد عن المطامع الذاتية‪ ،‬والمواقف المريبة‪ .(170‬ول تكششون‬ ‫المروءة إل في العفة والنزاهة والصيانة‪ .‬والعفة البعد عن المحارم والمشآثم‪.‬وأما الصيانة فتكون‬ ‫بصيانة النفس عن تحمل المنن والسترسال في الستعانة بالخلق)‪.306/316‬‬ ‫أدب الدنيا والدين ‪.(171‬‬ ‫ل ُمهتضم وذليل ُمستثقل)‪.316‬‬ .‬‬ ‫‪()170‬‬ ‫‪()171‬‬ ‫‪()172‬‬ ‫أدب الدنيا والدين ‪.

‫‪-66-‬‬

‫القاعدة الرابعة عشر‬
‫التعرف على المدعّو عامل أساس في كسبه‬
‫ليست الدعوة كما يظششن بعششد الششدعاة أنهششا كلمششة تقششال مششن أجششل إبلغ العششذر‬
‫وإقامة الحجة؛ وُيتوصل إليها بششأن ُيقشال كشل ششيء فشي كششل مكشان وفشي أي‬
‫زمششان ولي إنسششان‪ ،‬مهمششا كششان ظرفششه ‪ ،‬ول فششرق فششي ذلششك بيششن محششزون‬
‫ومسرور ومريض ومشغول وغيره‪ .‬وكأن الغاية هششي إلقششاء العبششء وزرع‬
‫البذر كيفهما اتفق ‪ ،‬والتوفيق بيد ال تعششالى‪ .‬وبششالرغم مششن كششون هششذا المششر‬
‫دعوة ؛ إل أنها دعوة علشى غيشر بصشيرة ‪ ،‬والداعيشة مطشاب بالبصشيرة مشع‬
‫الدعوة ‪ ،‬لقول ال تعالى ‪ } :‬قل هذه سبيلي أدعو إلى ال على بصششيرة أنششا‬
‫ومن اتبعني ‪ .(173) ‬ويقول المام الرازي في تفسيره ‪ :‬وهذا يدل علششى أن‬
‫الدعاة إلى ال تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط‪ ،‬وهو أن يكون على‬
‫بصيرة مما يقول‪ ،‬وعلى هدي ويقين)‪.(174‬‬
‫وهذه البصيرة تظهر على شكل أنواع مششن السششلوك‪ ،‬وألششوان مششن التصششرف‬
‫والتعامل ‪ ،‬وطششرائق مششن الختيششار‪ ،‬تتقششرر بعششد معرفششة المششدعوين وإدراك‬
‫أحوالهم الجتماعية والقتصادية والفكريششة والنفسششية‪ ،‬وممششا ل شششك فيششه أن‬
‫التعامل مع المجهول شششاق وصششعب ‪ ،‬فششي حيششن أن التعامششل مششع المعششروف‬
‫يوفر الكثير من الجهد‪.‬‬
‫وأول ما ينبغي معرفتششه أسششماء المششدعوين وكنششاهم وألقششابهم‪ ،‬وأن يخششاطبهم‬
‫الداعية بأحب السماء إليهم‪ ،‬وأن يتجنب ما يسششوؤهم مششن اللقششاب والكنششى‪.‬‬
‫والداعية الناجح يعمل جهده على أن يذكر أسماء المدعوين‪ ،‬وإذا لششم يششرزق‬
‫الذاكرة الحافظة فإن عليه أن يستحفظ السماء‪ ،‬وقد يجششد المششدعو فششي نفسششه‬
‫إذا تكرر نسيان الداعية لسمه‪ ،‬في حين أن المدعو يفاجأ إذا خاطبه الداعية‬
‫باسمه ويشعر بالهتمام والتقدير‪.‬‬
‫وإن معرفة ما يحبه المدعو وما يكرهششه تجعششل الداعيششة فقيهشاً بلغششة المششدعو‬
‫الخاصة‪ ،‬فهذا رسول ال ‪ ‬ما أن يعلم حب أبي سفيان للفخر حتى يقششول ‪:‬‬
‫"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن")‪ .(175‬وإذا بزعيم مكة الذي خرج للدفاع‬
‫عن قاعدة الشرك يرجع ليحولها قاعدة للسلم‪ .‬وفششي صششلح الحديبيششة يششأمر‬
‫حَلْيس بن علقمة ‪ ،‬سششيد الحششابيش ‪،‬‬
‫النبي ‪ ‬بأن ُيعرض الهدي في وجه ال ُ‬
‫الذي أرسلته قريش إلى رسول ال ش ‪ ‬ش يقول ابن هشام ‪ ) :‬ثششم بعثششوا إليششه‬
‫حَلْيس بن علقمة ‪ ،‬وكان يومئذ سيد الحابيش ‪ ،‬فلما رآه النبي ‪ ‬قششال ‪" :‬‬
‫ال ُ‬
‫إن هذا من قوم يتألهون ش أي يتعبدون ش فأبعثوا الهدي في وجهه حتى يراه "‬
‫‪()173‬‬
‫‪()174‬‬
‫‪()175‬‬

‫سورة يوسف الية ‪.108 :‬‬
‫تفسير الرازي ‪.18/225‬‬

‫‪-67-‬‬

‫فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلئده‪ ،‬وقششد أكششل أوبششاره‬
‫من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى الرسول ال ش ‪‬‬
‫إعظامًا لما رأى ‪ ،‬فقال لهم ذلك ‪ ،‬فقالوا لششه ‪ :‬اجلششس فإنمششا أنششت أعرابششي ل‬
‫علم لك‪ ،‬فغضب عند ذلك ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا معشششر قريششش ‪ ،‬والهششل مششا علششى هششذا‬
‫حالفناكم ‪ ،‬ول على هذا عاقدناكم ‪ ،‬أُيصّد عن بيت ال من جاء معظمشًا لششه (‬
‫)‪.(176‬‬
‫وهاتان الحادثتان وغيرهما كثير في سيرة النبي ‪ ‬شششواهد علششى البصششيرة‬
‫التي جاء هذا الدين يؤكدها في كل جزئياته‪ ،‬ويستطيع الداعية إذا أوتي مثل‬
‫هذه البصيرة أن يكسب قلوب الناس‪ ،‬وأن يستفيد من طاقاتهم وجهودهم‪.‬‬
‫والداعية الناجح يتعششرف علششى أحششوال النششاس وأوضششاعهم‪ ،‬ول تغيششب عنششه‬
‫كششثير مششن أمششورهم الفكريششة والجتماعيششة والنفسششية ‪ ،‬ويعششرف مششتى يكششون‬
‫ل ومتى يكون خاليًا ‪ ،‬وهذه المعرفة تأتي من خلل المعايشششة‬
‫المدعو مشغو ً‬
‫والنشششاط الجتمششاعي ‪ ،‬فالداعيششة ل يضششيع أيششة فرصششة يمكنششه مششن خللهششا‬
‫التعششرف علششى المششدعوين‪ ،‬ويجششب أن تتششم هششذه المعرفششة بطريقششة ل تششثير‬
‫انتباههم‪.‬‬
‫ومشششن جشششوانب المعرفشششة الضشششرورية والمفيشششدة معرفششة أوضشششاع المشششدعو‬
‫القتصادية‪ ،‬فإن كان فقيرًا معوزًا كانت مساعدته من أهم القضايا التي تهششم‬
‫الداعية ‪ ،‬وإن كان مريضًا كانت مواساته وإرشاده إلى الطششبيب المسششلم مششن‬
‫وظائف الداعية‪.‬‬
‫وإن كان في نزاع مع أقربائه أو جيرانششه أو زوجتششه كششان الصششلح وجمششع‬
‫الشمل من اهتمامات الداعية‪ .‬وإن كان قششد ُهضششم حقششه فششي وظيفششة أو عمششل‬
‫كان انصافه ونصره مششن طموحششات الداعيششة‪ .‬وإن كششان مسترشششدًا أو طالبشًا‬
‫لنصيحة في دين أو دنيا كان الداعية حاضرًا لكل إرشاد ونصششيحة ممكنششة ‪،‬‬
‫وإذا عجز عن ذلك فلن يحرم الداعية من نصشير مشن إخششوانه يسششد العجشز ‪،‬‬
‫ويفرج الكربة‪.‬‬
‫وحضور الداعية فشي المناسشبات مشن الفشراح والتشراح والعيشاد يفتشح لشه‬
‫ميادين الدعوة‪ ،‬ويقدم له فرصًا طبيعية للتصال بالناس وكسب ُوّدهم‪ .‬وكششم‬
‫من سؤال عن الولد المريض جعل الوالد يفتح قلبه ويلقي بسمعه ويمششد يششده‪.‬‬
‫وكم من همسة تهنئة بولد ُرزقه أو فوز حققه كانت سششببًا فششي تحويششل اتجششاه‬
‫وتغيير قرار‪ .‬ول يعدم الداعية البصير من وسائل كثيرة تساعده على كسب‬
‫القلوب وتكثير النصار‪.‬‬
‫‪()176‬‬

‫‪-68-‬‬

‫القاعدة الخامسة عشر‬
‫المعاصرة ومعرفة البيئة العامة‬
‫من أسباب نجاح الدعوة‬
‫كلما تقدم الزمن ‪ ،‬واتسعت الحياة وتعقدت‪ ،‬كششان الداعيششة أحششوج إلششى مزيششد‬
‫من المعارف‪ .‬ويصبح من الضروري أن يتعرف الداعية على البيئة العامة‪:‬‬
‫الجتماعية والقتصادية والسكانية والسياسية‪ .‬والداعية الوسع اطلعًا هششو‬
‫القوى أثرًا في الغالب ولما كان الداعية يقوم بدور قيادي في المجتمششع فششإن‬
‫أفراد هذا المجتمع يتوقعون أن يجدوا عند الداعية ثقافششة واسششعة‪ ،‬ومعششارف‬
‫متنوعة المستوى المحلي والعالمي ‪.‬‬
‫ومعرفششة الششبيئة العامششة تسششاعدالداعية علششى السششتفادة مششن فششرص الششبيئة‪،‬‬
‫وتساعده كذلك على الستفادة من البيئة المحلية والعالميششة؛ فهششا هششو رسششول‬
‫ال ‪ ‬ينظر في الدول المعاصرة فيجد المن والطمأنينة عند النجاشي فششي‬
‫الحبشة‪ ،‬وإن كان ذلك بوحي من ال تعالى‪ ،‬فإن على الداعية أن يبذل جهده‬
‫لمعرفة معطيات الزمان والمكان والسكان‪ .‬ومما ل شك فيه أن كل بيئة لهششا‬
‫مميزاتهششا ومتطلباتهششا‪ .‬فششالبيئة الصششحراوية غيششر الششبيئة القرويششة‪ ،‬والششبيئة‬
‫القروية غير البيئة الحضرية‪ ،‬والبيئة التجارية غير الصناعية والزراعية‪.‬‬
‫والداعية اليوم يعيش في عالم إسلمي مششترامي الطششراف‪ ،‬ول يخلششو قطششر‬
‫من أقطاره مشن مششكلة مزمنشة‪ ،‬وفشي نفشس الشوقت فشإنه ل يخلشو قطشر مشن‬
‫أسباب القوة والمنعة للسلم والمسششلمين‪ .‬ثششم إن العمششل السششلمي فششي هششذه‬
‫الرجاء المتباعدة أخذ يتجه إلى الوحدة والتعاون‪ ،‬ومن أجل ذلك فلبششد مششن‬
‫المعرفة الواسعة بهذا العالم‪.‬‬
‫والداعية يعيش في عالم مقسم بين مراكز النفوذ الدولي إلى مناطق امتيششاز‪،‬‬
‫ويششؤثر هششذا المششر علششى العششالم السششلمي وعلششى الششدعوة السششلمية سششلبًا‬
‫وإيجابًا‪ ،‬ولذلك فلبد من معرفة كيف يدور الصراع وكيف يقسم النفوذ بيششن‬
‫الدول‪.‬‬
‫والداعيششة يعيششش فششي عششالم تتصششارع فيششه الفكششار والتيششارات والفلسششفات‪،‬‬
‫والفكار فيه سريعة التقلب والتغيششر‪ .‬والعششالم السششلمي يتلقششى عششن الغششرب‬
‫والشششرق بل احششتراس‪ ،‬وفششي نهايششة المطششاف يجششد الداعيششة نفسششه أمششام هششذه‬
‫الفكار‪ .‬وما كان يمكن تجاهله في عصر صعوبة الحركة والنتقال‪ ،‬أصبح‬
‫ل يمكن تجاهله في عصر المحطات الفضائية والقمار الصناعية‪.‬‬
‫والداعية يعيش في عصر المخترعات العلمية المتطورة‪ ،‬ومنها ما يفيده في‬
‫دعوته ومنهشا مشا يعششوق دعشوته‪ .‬والداعيشة الناجششح يكتسشب مشن مخترعششات‬
‫عصره ما ينفعه ‪ ،‬ويتقي ما يضره‪.‬‬

‬‬ ‫والداعية يعيش وسششط كتلششة بشششرية ذات مششذاهب شششتى‪ ،‬منهششا البعيششد ومنهششا‬ ‫القريب‪ ،‬ومنها المعادي ومنها المسالم ‪ ،‬لذا كان لبد من معرفة هششذه الفششرق‬ ‫معرفة علمية موضوعية‪ ،‬توقششف الداعيششة علششى حجششم كششل مششذهب وتششأثيره‪،‬‬ ‫وتوقفه على تاريخ نشوئه وأهافه ووسائله‪.‬‬ .‫‪-69-‬‬ ‫ول يقف الداعية مكتوف اليدين أمام الطبيعة‪ ،‬بل يعتبرهششا مسششخرة مششن ال ش‬ ‫لخدمته ولنصرة دعوته‪ ،‬وهذه النصرة ل تأتي إل بعد معرفششة هششذه الطبيعششة‬ ‫عن كثب‪ ،‬مششن حيششث بحارهششا وأنهارهششا وجبالهششا وترابهششا وماؤهششا وحّرهششا‬ ‫وبردها‪.‬‬ ‫المر الذي يوصل الداعية إلى بر المان والسلمة والنجاح له ولدعوته‪.

‬‬ ‫إن الناظر في تاريخ هذه المة يجدها قد مرت في حالين عظيمين ‪:‬‬ ‫حال النتصار والتمكين‪:‬‬ ‫حيث وقفت هذه المششة فششي مواجهششة أعششدائها مجتمعيششن ومتفرقيششن‪ ،‬وكششانت‬ ‫تخرج من كل معركة منتصرة ظافرة‪ ،‬وعدوها مدحور مقهور‪.‬ولتخليص هذه المفاهيم من التعارض والختلط كانت هششذه‬ ‫القاعدة وأدعو القارئ الكريم إلى تأملها ‪.‬‬ ‫حال الهزيمة والنهيار‪:‬‬ ‫وكان هذا الحال يوم انهارت حصوننا من الداخل‪ ،‬وتغّلششب علششى المششة نفششر‬ ‫من أبنائها مقوا كيانها الداخلي ونظامها الخارجي ‪.(178‬‬ ‫وعند ابن ماجة رواية أتم‪ " :‬وإني سألت ال ش عششز وجششل ثلثشًا‪ :‬أن ل يسششلط‬ ‫على أمتي جوعًا فيهلكهم به عامة‪ ،‬وأن ل يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بششأس‬ ‫ت قضاًء فل مششرد لششه‪ ،‬وإنششي لششن أسششلط علششى‬ ‫بعض‪ ،‬وإنه قيل لي ‪ :‬إذا قضي ُ‬ ‫أمتك جوعًا فيهلكهم فيششه‪ ،‬ولششن أجمششع عليهششم مششن بيششن أقطارهششا حششتى ُيفنششي‬ ‫بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم بعضًا‪ .‫‪-70-‬‬ ‫القاعدة السادسة عشر‬ ‫في الفرق والفتن والعزلة والجماعة‬ ‫إن من أعظم العقبات في طريق الدعوة والششدعاة أن تختلششط الفهششام وتغيششب‬ ‫الحقشششائق أمشششام النصشششوص المتعارضشششة والتشششأويلت المختلفشششة والمفشششاهيم‬ ‫خلطة‪،‬‬ ‫المتناقضة‪ ،‬فيتيه المسلم بين الفرقة الهالكة والناجية‪ ،‬وبين العزلة وال ُ‬ ‫وبين الفتنة التي يفرد منها والفتنة التي يبادرها بششالهجوم والمقاومششةن وبيششن‬ ‫العمل الفردي والعمل الجماعي‪ ،‬ويشترتب علشى كشل فهشم مشن هشذه المفشاهيم‬ ‫أعمال ومناهج‪ .‬‬ ‫وقد أخبرنا النبي ‪ ‬عن هذا الخطر الششداهم‪ ،‬وجعلششه السششبب العظششم الششذي‬ ‫يقّوض وحدة المة وكيانها‪ ،‬فعن ثوبان ش ري ال عنه ش قال‪ :‬قال رسول ال ش‬ ‫‪ " ‬إن ال زوى لي الرض فرأيت مشارقها ومغاربها‪ ،‬وإن أمتي سششيبلغ‬ ‫ملكها ما ُزوي لي منها‪ ،‬وأعطيشت الكنزيشن الحمششر والبيشض‪ ،‬وإن سشألت‬ ‫سَنٍة عامة‪ ،‬وأن ل ُيسششلط عليهششم عششدوًا مششن سششوى‬ ‫ربي لمتي أن ل يهلكها ِب َ‬ ‫أنفسهم فيستبيح بيضتهم‪ ،‬وإن ربي قال‪ :‬يششا محمششد ‪ ،‬إنششي إذا قضششيت قضششاًء‬ ‫سشَنٍة عامششة‪ ،‬وأن ل أسششلط‬ ‫فإنه ل يرد‪ ،‬وإني أعطيتك لمتششك أن ل أهلكهششم ِب َ‬ ‫عليهم عدوًا مشن سشوى أنفسششهم‪ ،‬يسشتبيح بيضششتهم ‪ ،‬ولشو اجتمششع عليهشم مشن‬ ‫بأقطارهاش أو قال من بين أقطارهاش حتى يكون بعضهم ُيهلك بعضًا‪ ،‬ويسششبي‬ ‫بعضهم بعضًا " )‪ .‬وإذا وضع السيف في أمششتي فلششن يرفششع‬ ‫‪()177‬‬ ‫‪()178‬‬ ‫صحيح مسلم )‪(4/2215‬‬ ‫موارد الطمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي ) ص ‪.(453‬‬ .(177‬وفي رواية ابششن حبششان‪ " :‬وسششألته أن ل يلبسششنا شششيعًا‬ ‫فمنعنيها")‪.

(13/35‬‬ .‬قلت ‪ :‬يشا رسشول الش ‪ ،‬صشفهم لنشا‪ ،‬قشال ‪ :‬هشم مششن جلشدتنا‪ ،‬ويتكلمششون‬ ‫بألسنتنا‪ ،‬قلت‪ :‬فما تششأمرني إن أدركنششي ذلششك؟ قششال‪ :‬تلششزم جماعششة المسششلمين‬ ‫وإمامهم‪ .‬وإنششه سششيخرج فششي أمششتي أقششوام تجششارى بهششم تلششك الهششواء كمششا‬ ‫ب بصاحبه‪ ،‬ل يبقى منه عرق ول مفصششل إل دخلششه ‪ ،‬وال ش يششا‬ ‫يتجارى الَكَل ُ‬ ‫‪()179‬‬ ‫‪()180‬‬ ‫سنن ابن ماجة )‪.‬وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين‪ ،‬وإن بيششن يششدي‬ ‫الساعة دجالين كذابين قريبًا من ثلثين كلهم يزعم أنه نبي‪ ،‬ولن تزال طائفة‬ ‫من أمتي على الحق منصورين ل يضرهم من خششالفهم حششتى يششأتي أمششر الش‬ ‫عز وجل")‪.‬‬ ‫ابتليت به المة والملة فأصبحت المة أممًا والملة مل ً‬ ‫ولقششد كشششفت السششنة جششوانب كششثيرة مششن مسششتقبل المششة مششن بششاب الخبششار‬ ‫والتحذير وبيان الداء والدواء ‪ ،‬وهذا فتح من الغيب أكرم ال تعالى بششه نششبيه‬ ‫‪ ‬زيادة في العذار للمة والشفاق عليها‪ .‬ولما كانت هذه الخبششار جملششة‬ ‫غير مفرقة على الحداث والعصور فقد رأيت فششي ضششوء النسششق التششاريخي‬ ‫والواقع البشري أن أحاول نظمها مششن جهشة ‪ ،‬وفهشم مصششطلحاتها مشن جهشة‬ ‫أخرى‪.‬وإن مما أتخششوف علششى أمششتي أئمششة مضششلين‪ .‬‬ ‫وسأتناول أحاديث الفرق والهواء مبينًا معاني الفتنة والعزلة والجماعة‪:‬‬ ‫وإن أجمع حديث في هذا الباب ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث حذيفة‬ ‫بن اليمان رضي ال عنه قال ‪ :‬كان النششاس يسششألون رسششول الش صششلى عششن‬ ‫الخير ‪ ،‬وكنت أسأله عن الشر مخافة أن ُيدركني‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسششول الشش‪ ،‬إنششا‬ ‫كنا في جاهلية وشر فجاءنا ال بهذا الخير‪ ،‬فهششل بعششد هششذا الخيششر مششن شششر؟‬ ‫خشن‪ .(180‬‬ ‫ل في حديث آخر ‪ ،‬فعن أبي عامر عبد ال بن ُلحي‬ ‫وروي هذا المعنى مفص ً‬ ‫قال‪ :‬حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صششلى صششلة‬ ‫الظهر‪ ،‬فقال ‪ :‬إن رسول ال ‪ ‬قال‪ :‬إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على‬ ‫اثنتين وسبعين ملة ش يعني فششي الهششواء شش كلهششا فششي النششار إل واحششدة‪ ،‬وهششي‬ ‫الجماعششة ‪ .‫‪-71-‬‬ ‫عنهم إلى يوم القيامة‪ .‬وسششتعبد‬ ‫قبائل من أمتي الوائل‪ .(179‬‬ ‫وكانت الفرقة التي فصششل النششبي صششلى الش عليششه وسششلم أخبارهششا أعظششم مششا‬ ‫ل‪.(2/1304‬‬ ‫صحيح البخاري ‪ ،‬متن فتح الباري )‪.‬قلت ‪ :‬فإن لم يكن لهم جماعة ول إمام؟ قال ‪ :‬فششاعتزل تلششك الفششرق‬ ‫كلها‪ ،‬ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)‪.‬قلشت‪:‬ومشا‬ ‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قلت ‪ :‬وهل بعد ذلك من خيشر؟ قشال‪ :‬نعشم‪ ،‬وفيشه د َ‬ ‫دخنه قال ‪ :‬قوم يهدن بغير هديي‪ ،‬تعرف منهم وتنكر‪ ،‬قلت ‪ :‬فهل بعششد ذلششك‬ ‫الخير من شر؟ قال ‪ :‬نعم‪ ،‬دعاة على أبششواب جهنششم مششن أجششابهم إليهششا قششذفوه‬ ‫فيها‪ .

(185‬‬ ‫وجاء في العقيدة الطحاوية وشرحها‪ ) :‬ونسمي أهل قبلتنا مسششلمين مششؤمنين‬ ‫ما داموا بما جاء به النبي‪ ‬معترفين ‪ ،‬وله بكل ما قششاله وأخششبر مصششدقين‪.‬ول يششدخل فششي‬ ‫ويخرج من المة الواحششدة أممشًا ل تمششت إلششى سششلفها ب ِ‬ ‫الفرقة ذلك الختلف فششي الفششروع وتعششدد الجتهششادات‪ .‬ثم قال ‪ :‬ومن قال‪ :‬إن الثنتين والسبعين فرقة كششل واحششد‬ ‫منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ش ش‬ ‫رضوان ال عليهم ش بل وإجماع الئمة الربعة وغير الربعة)‪.(5/25‬‬ ‫الفرق بين الِفرق ‪ ،‬لعبد القاهر البغدادي )ص ‪.(5/4‬‬ ‫الجامع الصحيح للترمذي )‪.(183‬‬ ‫ويستفاد من هذه الحاديث وما يؤيششدها مششن الحششاديث‪ :‬التحششذير مششن وقششوع‬ ‫المششة فششي حبششائل الفرقششة والشششتات‪ ،‬ولسششيما إذا كششانت الفرقششة ناشششئة عششن‬ ‫ل وأديان شًا‪،‬‬ ‫اختلف العقششائد والصششول‪ ،‬فهششذا النششوع مششن الفرقششة ينشششئ ِمَل ً‬ ‫صششلة‪ .(7/217‬‬ .(13‬‬ ‫فتاوى ابن تيمية )‪.‫‪-72-‬‬ ‫معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم لغيركم من الناس أحرى أن ل‬ ‫يقوم به)‪.‬‬ ‫والضابط في هذا ما ذكره البغدادي في كتاب الفرق بيششن الفششرق ‪ ) :‬إن أمششة‬ ‫السلم تجمع المقرين بحدوث العالم‪ ،‬وتوحيششد صششانعه‪ ،‬وصششفاته‪ ،‬وعششدله‪،‬‬ ‫وحكمته‪ ،‬ونفي التشبيه عنه‪ ،‬وبنبوة محمد ‪ ‬ورسالته إلى الكافة ‪ ،‬وبتأييششد‬ ‫شريعته‪ ،‬وبأن كل ما جاء به حق‪ ،‬وبأن القرآن منبع أحكششام الشششريعة ‪ ،‬وأن‬ ‫شْبُه ببدعششة‬ ‫الكعبة هي القبلة التي تجب الصلة إليها‪ ،‬فكل من اقر بذلك ولم َي ُ‬ ‫تؤدي إلى الكفر فهو السني الموحد( )‪.‬ول تششدخل فششي ذلششك‬ ‫مذاهب الفقه ما دام أصحابها يتحرون الدليل ويتفقون على الصول‪.(181‬‬ ‫وُروي في معنى هذا الحديث من طريق أبي هريرة رضي ال عنه قششال ‪" :‬‬ ‫افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة‪ ،‬وتفرقت النصارى علششى‬ ‫إحدى أو اثنتين وسشبعين فرقشة‪ ،‬وتفشترق أمشتي علشى ثلث وسشبعين فرقشة"‬ ‫رواه أبو داود)‪ ،(182‬وأخرجه الترمذي وقال ‪ :‬حسن صحيح)‪.(184‬‬ ‫قال المام ابن تيمية‪ :‬فأما من كان في قلبه اليمان بالرسول‪ ‬ما جششاء بششه‪.‬‬ ‫ل‪ ،‬والخششوارج‬ ‫وقد غلط في بعض ما تأويله من البدع فهذا ليششس بكششافر أصش ً‬ ‫ل للمة وتكفيرًا لها‪ ،‬ولم يكن في الصحابة‬ ‫كانوا من أظهر الناس بدعة وقتا ً‬ ‫من يكفرهم ل علي بن أبي طالب ول غيره‪ ،‬بششل حكمششوا فيهششم بحكمهششم فششي‬ ‫المسلمين الظالمين‪ .‬‬ ‫ول يقال ول ينبغششي أن ُيقششال‪ ،‬إن أصششحاب المششذاهب الربعششة ‪ ،‬أو غيرهششم‪،‬‬ ‫علششى الحششق ومششن عششداهم علششى الباطششل ‪ ،‬وإنهششم نششاجون وغيرهششم هالششك‪.‬‬ ‫‪()181‬‬ ‫‪()182‬‬ ‫‪()183‬‬ ‫‪()184‬‬ ‫‪()185‬‬ ‫مسند المام أحمد )‪(4/102‬‬ ‫سنن أبي داود )‪.

‬‬ ‫وأخطر من هذا كله استلم بعض الفرق الضالة الزعامة السياسية والفكرية‬ ‫فقد أشار الحديث الذي رواه حذيفة رضي ال عنه إلى حالتين‪:‬‬ ‫الحالة الولى‪:‬‬ ‫خير وفيه دخن‪ .(187‬أمششر غيششر مسششلم ‪ ،‬فششالخوارج‬ ‫والمعتزلة والمرجئة وأمثالهم متأولون‪ ،‬أقصى ما يوصفون به أنهم مبتدعششة‬ ‫ولم ُيخرجهم علماؤنا من الملة ‪ ،‬ولم يقولوا ‪ :‬إنهم من أهل النششار‪ ،‬فيمششا عششدا‬ ‫أولئك الغلة الذين أحلوا المحرمات‪ ،‬أو عبدوا عليًا أو اتخذوا لهم نبي شًا غيششر‬ ‫محمد ‪ ، ‬كما فعلت القاديانية‪ ،‬أو جعلوا لهم كتابًا غير القششرآن الكريششم‪ ،‬أو‬ ‫أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة)‪.‬قلت ‪ :‬وما دخنششه؟ فقششال ‪ :‬قششوم يهششدون بغيششر هششديي تعششرف‬ ‫منهم وتنكر‪ .‬ثم ظهرت فرق إلحاديششة ل تششؤمن بششدين‬ ‫كالشيوعية والماسونية وما تفرع عنهما من المذاهب والتجاهات‪.‫‪-73-‬‬ ‫ثم قال الشارح‪ :‬المراد بقوله أهل قبلتنا‪ :‬من يدعي السلم ويستقبل الكعبششة‪،‬‬ ‫وإن كان من أهل الهواء‪ ،‬أو من أهل المعاصي( )‪.(186‬‬ ‫وما ذهب إليه ابن حجر من القول ‪ ) :‬والدعاة على أبواب جهنم من قام فششي‬ ‫طلششب الملششك مششن الخششوارج وغيرهششم( )‪ .(2/114‬‬ .‬وإن الناظر في تاريخ المسلمين ليرى هذه المراحل التي تتميز‬ ‫كل مرحلة منها على سابقتها ولحقتها‪ .‬ثششم‬ ‫ظهرت البابية والقاديانية والبهائية‪ ،‬ولكل واحدة من هذه الفرق كتششاب غيششر‬ ‫القرآن الكريم ونبي غير محمد ‪ .(13/36‬‬ ‫الفصل في الملل والنحل لبن حزم )‪.(313‬‬ ‫فتح الباري لبن حجر )‪.‬‬ ‫وهششذه المششذاهب منهششا القششديم ‪ ،‬وكششثير منهششا حششديث ‪ ،‬فالسششبأية والقرامطششة‬ ‫والسماعيلية فرق ضالة عاثت في الرض السلمية فسادًا‪ ،‬ونقضششت هششي‬ ‫وأمثالها السلم من أصوله‪،‬وادعششت إلهيششة البشششر مششن دون الش تعششالى‪ .‬فقد بدأ السلم غريباً فششي مكششة‪ ،‬ثششم‬ ‫عم خيره وعلت كلمته في عهد النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬ثششم وقعششت الفتنششة ‪،‬‬ ‫‪()186‬‬ ‫‪()187‬‬ ‫‪()188‬‬ ‫شرح العقيدة الطحاوية )ص ‪.(188‬‬ ‫وإنما المقصود تلك المذاهب الضالة التي هششدمت أركششان اليمششان وقوضششت‬ ‫دعائم السلم‪ ،‬وخربت عقائده ونظمه‪ ،‬وتبنت اللحاد ودعششت النششاس إليششه‪،‬‬ ‫وأطلقت على المنكرات أسماء براقة لتجعلها مألوفششة‪ ،‬وأحلششت مششا حشّرم الش‬ ‫تعششالى‪ ،‬وحرمششت مششا أحششل‪ ،‬وعطلششت أكششام القششرآن الكريششم وسششنة النششبي ‪‬‬ ‫وأعلنت على أهل اليمان حربًا شعواء‪ ،‬ورمششت كششل مششؤمن بتهمششة الجمششود‬ ‫ل ‪ ،‬وتراهششا‬ ‫ل يرفضها السششلم جملششة وتفصششي ً‬ ‫والرجعية‪ ،‬واتخذت لها أصو ً‬ ‫توقر ما حقره ال تعالى ‪ ،‬وتحقر ما وقره‪ ،‬فتعتبر السششود العنسششي المتنششبئ‬ ‫الكذاب رجل ثششورة وإصششلح‪ ،‬وتجعششل مششن القرامطششة والحشاشششين والزنششج‬ ‫وأتباع بابك حركات تقدم وتحرير‪.

‬‬ ‫قال ابن حجر‪ ) :‬أي من قومنششا ‪ ،‬ومشن أهششل لسششاننا وملتنشا إشششارة إلششى أنهشم‬ ‫العرب ( )‪ .‬وهذه أشد الفتن وأعتاها حيث‬ ‫استطاع دعاة الباطل أن يتستروا بالرادة الشعبية‪ ،‬ولعل هذه الفتنة وأعتاهششا‬ ‫حيث استطاع دعاة الباطل أن يتستروا بششالرادة الششعبية‪ ،‬ولعشل هشذه الفتنشة‬ ‫‪()189‬‬ ‫‪()190‬‬ ‫لسان العرب لبن منظور )‪.‬‬ ‫ووصل المر في كثير من القطششار إلششى أن تمتطششي هششذه الهششواء جمششاهير‬ ‫الششششعوب‪ ،‬مدعيشششة أن الششششعوب هشششي الشششتي تختشششار طريقهشششا‪ ،‬وظهشششرت‬ ‫مصشششطلحات‪ :‬الجمشششاهير‪ ،‬والطبقشششة الكادحشششة‪ ،‬والرادة الششششعبية‪ ،‬ونفشششذت‬ ‫سياسات ضرب القيم السلمية بهذا الطريق‪ .‬وهذا ما أشار إليه حديث حذيفة‪ :‬قلت‪ :‬فهل بعد ذلششك الخيششر مششن‬ ‫شر؟ قال‪ :‬نعم دعاة على أبواب جهنم ‪ ،‬من أجابهم إليها قذفوه فيها‪ .(13/36‬‬ .(190‬وهذا من أعلم النبوة ومعجزاتها‪ ،‬حيشث أخشبر الحشديث عشن‬ ‫ظهششور هششذه الفششرق‪ ،‬وفيششه إشششارة إلششى القوميششات الششتي انتشششرت فششي العششالم‬ ‫السلمي‪ ،‬واتخذت من العرق واللغة أساسين للتجمع والنتماء‪.‫‪-74-‬‬ ‫ثم اسششتقر المششر لبنششي أميشة ‪ ،‬واسششتقرت الدولشة‪ ،‬وامتشدت الفتششوح‪ ،‬وانتشششر‬ ‫السششلم‪ ،‬وقششامت سياسششة الدولششة علششى السششلم‪ ،‬واس شُتمدت الحكششام مششن‬ ‫شريعته‪ ،‬وهذا الخير فيه دخن ) والدخن الكدورة إلششى السششواد‪ ،‬فالششدخن فششي‬ ‫الدابة عندما ل يصفو لونها بل يكدره شششيء مششن السششواد‪ .‬وكان دعاة هذا التغيير من أبناء المششة‬ ‫وُبدلت الثقافة‪،‬و ُ‬ ‫يتكلمون بلغتها‪ ،‬وينتسبون إليها‪ .‬وقدانقسم هؤلء الدعاة إلششى ششيع وأحششزاب‬ ‫وملل شتى‪ .‬قلت‪ :‬يششا‬ ‫رسول ال‪ ،‬صفهم لنا‪ ،‬قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا‪.‬وقششال أبششو عبيششدة‪:‬‬ ‫تكون القلوب هكذا‪ ،‬ل يصفو لونها بل يكششدره شششيء مششن السوادشش وقششال أبششو‬ ‫)‪(189‬‬ ‫عبيدة ‪ :‬تكون القلوب هكذا ‪ ،‬ل يصفو بعضها لبعض ول ينصع حبهششا(‬ ‫فأما الخير فهو عودة المة إلى وحدتها‪ ،‬واستمرار روح الجهاد‪ ،‬والحتكششام‬ ‫للشريعة في الشؤون المختلفة‪ ،‬والدخن الذي خالط هذا الخير مششا كششان عليششه‬ ‫الحكم من تعطيل لمبدأ الشششورى‪ ،‬وتبديششد للمششال والسششراف فيششه‪ ،‬ومششا كششان‬ ‫يصيب المة من المظالم وسفك الدماء بسبب المذهب والمعتقد‪ .(6/17‬‬ ‫فتح الباري لبن حجر )‪.‬وبقششي حششال‬ ‫المسلمين على هذا النحششو‪ ،‬خيششر وفيششه دخششن‪ ،‬إلششى أن دالششت دولششة السششلم‪،‬‬ ‫وقامت دول علمانية أو قريبة من العلمانية‪ ،‬وكانت أحكام السلم قبششل ذلششك‬ ‫سائدة رغم ظهور بعض المنكرات التي لم تصبغ المجتمع بصبغتها‪ ،‬وكششان‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي دوره في المجتمع‪.‬‬ ‫الحالة الثانية ‪:‬‬ ‫دخل المسششلمون فششي شششتى بلدهششم فششي مرحلششة جديششدة سششيطرت فيهششا ثقافششة‬ ‫الغرب وأخلقه وانتشرت التيششارات اللحاديششة‪ ،‬وغششزت مؤسسششات الدولششة‪،‬‬ ‫غّيرت مفاهيم الحياة‪ .

‬وينبغي أن يترك الشراح والمفسرون نصششيباص كششبيرًا‬ ‫للحداث الواقعية التي تفسر النص وتشريحه‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬أنه ذكر ما يزيد عن تسعين فرقة‪ ،‬ثم قال فهذه ثنتان وسبعون فرقة‪.‬‬ ‫‪()191‬‬ ‫‪()192‬‬ ‫‪()193‬‬ ‫سنن أبي داود )‪.‫‪-75-‬‬ ‫هي فتنة الدهماء التي ذكرت في الحديث الذي أخرجه أبو داد وذكر فيه فتناً‬ ‫أربعًا‪ ،‬ومنه‪ " :‬ثم فتنة الدهيماء ل تدع أحدًا من هذه المة إل لطمته لطمششة‪،‬‬ ‫فإذا قيل انقضششت تمششادت ‪ ،‬يصششبح الرجششل فيهششا مؤمنشًا ويمسششي كششافرًا ‪ ،‬ثششم‬ ‫يصير الناس إلى فسطاطين ‪ :‬فسطاط إيمان ل نفاق فيششه‪ ،‬وفسششطاط نفششاق ل‬ ‫إيمان فيه")‪.(191‬‬ ‫وقد تغلغلت هذه الهواء بأصحابها كما أخبر الحششديث الششذي يرويششه معاويششة‬ ‫رضي ال عنه‪ " :‬تجاري بهم تلك الهواء كما يتجششارى الكلششب بصششاحبه ل‬ ‫يبقى منه عرق ول مفصل إل دخله " قال الشاطبي ‪ ) ،‬ت ‪ ) : (790‬معنششى‬ ‫هذه الرواية أنه عليه الصششلة والسششلم أخششبر بمششا يكششون فششي أمتششه مششن هششذه‬ ‫الهواء التي افترقوا فيها إلى تلك الفرق‪ ،‬وأنه يكون فيهم أقوام ُتششداخل تلششك‬ ‫الهواء قلوبهم حتى ل يمكن في العادة انفصالهم عنها وتشوبتهم منهششا‪ ،‬علششى‬ ‫حد ما يداخل داء الَكَلشب جسشم صشاحبه ل يبقشى مشن ذلشك الجسشم جشزء مشن‬ ‫أجزائه ول مفصل ول غيرهما إل دخله ذلك الششداء ‪ ،‬وهششو جرييشان ل يقبششل‬ ‫العلج ول ينفع فيه الدواء( )‪.(2/154‬‬ ‫الفرق بين الفرق لعبد القاهرة البغدادي )ص ‪ ، (25‬ويلحظ أن العدد هنا يصل إلى ‪ 95‬فرقة‪.(5/443‬‬ ‫العتصام للشاطبي )‪.‬‬ .(192‬‬ ‫أما إحصاء هذه الفرق والملل‪ ،‬فقد حاول بعض العلمششاء حصششرها كمششا فعششل‬ ‫البغدادي )ت ‪ 429‬هش ‪1038 /‬م( في كتاب الفرق فقال ‪ ) :‬فهذه الجملة التي‬ ‫ذكرناها تشتمل على ثنتين وسبعين فرقة ‪ ،‬منها عرون روافض‪ ،‬وعشرون‬ ‫خوارج‪ ،‬وعشرون قدرية ‪ ،‬وعشرون مششرجئة‪ ،‬وثلث نجاريششة ‪ ،‬وبكريششة ‪،‬‬ ‫وضرارية‪ ،‬وجهمية ‪ ،‬وكرامية ‪ ،‬فهذه اثنتان وسبعون فرقة( )‪.‬‬ ‫الثاني ‪:‬أنه يتكلم عن الفرق حتى عصره‪ ،‬وكأن عجلة الزمن قد تششوقفت ولششم‬ ‫تنشأ فرق جديدة‪ ،‬علمًا بششأن فرقشًا كششثيرة نشششأت بعشد البغششدادي ولششو عايشششها‬ ‫لدخلها في حسابه ‪ .(193‬‬ ‫ولكن هذا الحصاء ل يسلم ‪ ،‬وعليه مآخذ‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬أنه خلط بين الفرق الخارجة عن السلم وبين الداخة فيه‪.

‬‬ ‫وليسششت العزلششة عزلششة الخششروج مششن المجتمششع إلششى الششبراري والقفششار وقمششم‬ ‫الجبال؛ لن هذا النوع من العزلششة يعطششي الفرصششة لصششحاب الهششواء كششي‬ ‫يعمموها ويشيعوها في المجتمع ‪ ،‬ويستأثروا بالتوجيه والقيششادة ‪ ،‬وفششي ذلششك‬ ‫خذلن للحق وأهلششه‪ .(195‬‬ ‫ومششن رغششب فششي العزلششة‪ ‬مششن سششلف المششة فششإنه عنششى عششدم السششتكثار مششن‬ ‫الصشششحاب والمبالغشششة فشششي مشششألوف العشششادات‪ ،‬والسشششراف فشششي السشششمار‬ ‫والمباحات‪ .(194‬فالصل إذن منششع المهششاجر مششن العزلششة فششي الششبراري والقفششار أو‬ ‫اللحاق بالبادية‪.‬ول بششد مششن التنششبيه علششى أمششر خطيششر هششو ذلششك الخطششأ‬ ‫الناشئ عن تعميم المصطلحات على الحالت المتناقضششة المتباينششة ‪ ،‬وأن ل‬ ‫يقدر لكل حالة قدرها‪ ،‬وأن ل تؤخذ كششل كلمششة فششي إطارهششا المناسششب‪ ،‬كششأن‬ ‫نأخذ مفهوم العزلة عند سلف المة فنعمة على جميششع الظششروف والحششوال‪،‬‬ ‫فيقال إن ابن عمششر رضششي الش عنششه وسششعد بششن أبششي وقششاص وأبششا بكششرة قششد‬ ‫ل هششؤلء الصششحاب دليششل يشششهد لمششن عششزم علششى تششرك‬ ‫اعتزلوا الفتنة‪ ،‬وِفْع ُ‬ ‫المجتمع‪ ،‬ونجد المام البخاري يترجم لهذا بباب خاص يقول‪ " :‬التعرب في‬ ‫الفتنة ‪ :‬أي اللحاق بالعراب والبادية عند فشو الفتن"‪.‬‬ ‫وقد أخرج ) عن سلمة بن الكوع رضي الش عنششه أنششه دخششل علششى الحجششاج‬ ‫فقال‪ :‬يا ابن الكوع أرتددت على عقبيك ‪ ،‬تعربت ؟ قال ‪ :‬ل‪ ،‬ولكن رسششول‬ ‫الشش‪ ρ‬أذن لششي فششي البششدو(‪ .‬وأمشا اليجشابي فشالبحث عشن جماعشة‬ ‫المسملون والعتصام بها‪.‬قششال ابششن حجششر‪ ) :‬التعششرب أي السششكنى مششع‬ ‫العراب ‪ ،‬وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر إليها‪ ،‬فيسششكن البششدو‪،‬‬ ‫فيرجع بعد هجرته أعرابيًا‪ ،‬وكان إذ ذاك محرمًا إل إن أذن له الشششارع فششي‬ ‫ذلك()‪ .(13/40‬‬ .(13/40‬‬ ‫فتح الباري )‪.‬قال المام أبو سليمان الخطابي‪ ) :‬ولسنا نريد بهذه العزلة الششتي‬ ‫‪()194‬‬ ‫‪()195‬‬ ‫صحيح البخاري ‪ ،‬متن فتح الباري )‪.‫‪-76-‬‬ ‫موقف المسلم من هذه الفرق ‪:‬‬ ‫أما موقف المسلم من هذه الفرق فذو شقين سلبي وإيجابي‪ .‬‬ ‫وإننا إذا نظرنا إلى الحكمة في منهج المهاجر من التعرب وجدنا أن الهجرة‬ ‫إنما شرعت لنصرة السلم والمسلمين‪ ،‬ولدفع الكفر والنفاق عن المجتمششع‪،‬‬ ‫فإذا ترك المسلم المجتمع تحت وطأة أصحاب الفتن فإنه يكون قد أسششهم فششي‬ ‫هششذا المنكششر وسششاعد علششى اسششتحكامه‪ .‬أما السلبي فعليششه‬ ‫أن يعتزل هذه الفرق الضالة حتى ل يصيبه الداء الششذي أصششاب أهلششه؛ ولن‬ ‫مخالطتهم مخالطة أهل النار ودعاتها‪ .‬قششال ابششن حجششر‪" :‬وقيششل يمنششع ) أي‬ ‫التعرب ( في زمن الفتنة لما فيه من خذلن أهل الحق")‪.

(197‬‬ ‫وكان مقتل عثمان رضي ال عنه أول فتنة وقعت‪ ،‬وتلها القتششال بيششن علششي‬ ‫وعائشة رضي ال عنهما‪ ،‬ثم صفين ‪ ،‬وقداختلفت اجتهششادات الصششحابة فششي‬ ‫ترجيح صاحب الحق‪ ،‬وإن كان الكثرون على أن علياً رضي ال عنششه هششو‬ ‫صاحب المر‪ ،‬وأن معاوية مجتهد مخطئ له أجر واحد‪ .‬‬ ‫فتنة التنافس على الملك ‪:‬‬ ‫فقشد أخششبر النششبي ‪ρ‬عشن وقشوع الفتششن وتكاثرهشا حشتى كأنهششا القطششر ل يشترك‬ ‫موضعًا إل أصابه‪ ،‬فقد أخرج البخاري ) عن أسامة بششن زيششد قششال ‪ :‬أشششرف‬ ‫النبي ‪ ρ‬على أطم من آطام المدينة فقال ‪ :‬هل ترون ما أرى؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قششال‪:‬‬ ‫فني لرى الفتن تقع خلل بيوتكم كموقع القطر( )‪.‬ثم وقعت فتن بعششد‬ ‫ذلك كان الباعث عليها التنافس على الحكم والسلطان وهششذامن قبيششل الثششرة‬ ‫التي أخبر عنها النششبي ‪ ،ρ‬فقششد أخششرج البخششاري عششن أسششيد بششن حضششير ) أن‬ ‫ل أتى النبي ‪ ،ρ‬فقال يا رسول ال استعملت فلناً ولششم تسششتعملني‪ ،‬قششال ‪:‬‬ ‫رج ً‬ ‫إنكم سترون بعدي أثششرة ‪ ،‬فاصششبروا حششتى تلقششوني ( )‪ .(13/5‬‬ .‬إل أن هذه الفتن لششم تخششرج المجتمششع مششن‬ ‫السلم‪ ،‬وبقي استمداد الحكام الشرعية من الكتاب والسنة‪ ،‬ويمكننششا حمششل‬ ‫ما أخرجه البخاري على هذا حيث قال ‪) :‬عن أبي هريرة قال‪ :‬قششال رسششول‬ ‫ال ‪ :ρ‬ستكون فتن القاعدة فيها خير من القائم‪ ،‬والقائم فيها خير من الماشي‪،‬‬ ‫والماشي فيها خير من الساعي‪ ،‬من تشرف لهششا تستشششرفه‪ ،‬فمششن وجششد فيهششا‬ ‫ملجأ أو معاذًا فليعذ به( )‪ .(199‬وفي رواية مسلم لهذا الحديث‪) :‬فإذا نزلششت أو‬ ‫‪()196‬‬ ‫‪()197‬‬ ‫‪()198‬‬ ‫‪()199‬‬ ‫العزلة للخطابي ‪ ،‬ص ‪.‬وهذا علم من أعلم النبوة‪ .6‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( )‪.(196‬‬ ‫ارتباط العزلة بنوع الفتنة‪:‬‬ ‫وهناك مسألة لبد من بيانها قبل الفراغ من موضششوع العزلششة‪ ،‬وهششي تحديششد‬ ‫نوع الفتنة الداعية إلى ترك المجتمع واعتزاله وعدم المشاركة فششي أحششداثه‪،‬‬ ‫أو الداعية إلى الثبات في مواقع التأثير لمقاومة الفتن ومجابهتها‪.(13/5‬‬ ‫المرجع السابق )‪.(198‬وقششد جششاء معظششم‬ ‫الخلفاء العباسيين وسلطني المماليك وغيرهم إلششى الحكششم عششن طريششق هششذه‬ ‫الثرة‪ .(13/11‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( )‪.‫‪-77-‬‬ ‫نختارهششا مفارقششة النششاس فششي الجماعششات والجمعششات‪ ،‬وتششرك حقششوقهم فششي‬ ‫العبادات‪ ،‬وإفششاء السششلم ورد التحيشات‪ ،‬ومشا جشرى مجراهششا مشن الحقشوق‬ ‫الواجبة لهم‪ ،‬وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيمششا بينهششم فإنهششا مسششتثناة‬ ‫بشرائطها‪ ،‬جارية على سبلها‪ ،‬ما لم يحل دونها حائل شغل ‪ ،‬ول يمنع عنها‬ ‫مانع عذر‪ ،‬إنما نريد بالعزلششة تششرك فضششول الصششحبة‪ ،‬ونبششذ الزيششادة منهششا ‪،‬‬ ‫وحط العلوة التي ل حاجة بها إليها( )‪.

‬ونقل ابن حجر كلمًا للطبري يقششول‬ ‫فيه‪ :‬والصواب أن ُيقششال إن الفتنششة أصششلها البتلء ‪ ،‬وإنكششار المنكششر واجششب‬ ‫على كل من قششدر عليششه‪ ،‬فمششن أعششان المحششق أصششاب‪ ،‬ومششن أعششان المخطششئ‬ ‫أخطأ‪ ،‬وإن أشكل المر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها‪.‬‬ ‫ومن الحديث الذي رواه أبو بكرة نعلم أن الفرار من الفتنة عندما تكون بيششن‬ ‫صفين مشن المسشلمين حيششث يششتبه الحشق بالباطشل‪ ،‬ول ُيعشرف المحششق مشن‬ ‫المبطل ‪.(13/68‬‬ .(4/2213) ،‬‬ ‫صحيح البخاري ‪ )،‬متن فتح الباري( )‪.(201‬‬ ‫ويبدو من هذا النص أن أبا برزة رضي اللهعنششه كششان يششرى اعشتزال الفتنششة؛‬ ‫لنه ل يوجد صاحب المر المحق ‪ ،‬وكان ابن عمششر رضشي الش عنهمشا قششد‬ ‫سلك مثل هذاالسلوك عندما اعتزل ما حدث بين عبد الملك بن مروان وابششن‬ ‫الزبير ‪،‬فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال‪ ) :‬خرج علينا عبدال بن‬ ‫عمر فرجونا أن يحدثنا حديثًا حسنًا ‪ ،‬قال ‪:‬فبادرنا إليششه رجششل فقششال ‪ :‬يششا أبششا‬ ‫‪()200‬‬ ‫‪()201‬‬ ‫صحيح مسلم ‪.(200‬‬ ‫وهو ما ذهب إليه ابن حجر في حمل هششذه الفتنششة علششى الختلف فششي طلششب‬ ‫الملك حيث ل يعلم المحق من المبطل‪ .‬‬ ‫وقد جاء هذا الفهم صريحًا عششن أبششي بششرزة السششلمي رضششي الش عنششه‪ ،‬فقششد‬ ‫أخرج البخاري‪ ) :‬عن أبي المنهال‪ ،‬قال ‪ :‬لما كان ابن زيششاد ومششروان وثششب‬ ‫ابن الزبير بمكة‪ ،‬ووثب القراء بالبصرة‪ ،‬فانطلقت مششع أبششي إلششى أبششي بششرزة‬ ‫عّلية لششه مششن قصششب‪،‬‬ ‫السلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل ِ‬ ‫فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا برزة أل ترى مششا وقششع‬ ‫فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به‪ :‬إني احتسبت عنششد الش أنششي أصششبحت‬ ‫ساخطًا على أحياء قريش‪ ،‬إنكششم يششا معشششر العششرب كنتششم علششى الحششال الششذي‬ ‫علمتم مششن الذلششة والقلششة الضششللة وإن الش أنقششذكم بالسششلم‪ ،‬وبمحمششد عليششه‬ ‫الصلة والسلم‪ ،‬حتى بلغ بكم ما ترون ‪،‬وهذه الدنيا التي أفسدت بينكششم‪ ،‬إن‬ ‫ذاك الششذي بالشششام وال ش إن يقاتششل إل علششى الششدنيا‪ ،‬وإن هششؤلء الششذين بيششن‬ ‫أظهركم وال إن ٌيقاتلوا إل على الدنيا‪ ،‬وإن ذاك الذي بمكششة والش إن ُيقاتششل‬ ‫إل علىالدنيا( )‪.‫‪-78-‬‬ ‫وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله‪ ،‬ومن كان له غنم فليلحششق بغنمششه‪ ،‬ومششن‬ ‫كانت له أرض فليلحق بأرضه‪ ،‬قال‪ :‬فقال‪ :‬يا رسول ال إن لم يكششن لششه إبششل‬ ‫ول غنم ول أرض؟ قال ‪ :‬يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر‪ ،‬ثم لينششج إن‬ ‫استطاع النجاه‪ ،‬اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ فقال رجل ‪ :‬يا رسششول الش‬ ‫ق بششي إلششى أحششد الصششفين‪ ،‬أو إحششدى الفئتيششن‪،‬‬ ‫طَلش َ‬ ‫أرأيت إن أكرهششت حششتى ُين َ‬ ‫فضربني رجل بسيفه‪ ،‬أويجيء سهم فيقتلني؟قال ‪ :‬يبوء بإثمه وإثمك ويكون‬ ‫من أصحاب النار( )‪.

‬ولبششد مششن الششتركيز‬ ‫على الفتنة الكبرى التي تجتاح الدين وتهشدد اليمشان‪ ،‬وهشي الشتي ل مهادنشة‬ ‫معها‪.(13/45‬‬ ‫المرجع السابق)‪.‫‪-79-‬‬ ‫عبد الرحمن حدثنا عن القتال فششي الفتنششة‪ ،‬والش يقششول ‪{ :‬وقششاتلوهم حششتى ل‬ ‫تكون فتنة}‪ ،‬فقال ‪ :‬هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمششد ‪ ρ‬يقاتششل‬ ‫المشركين‪ ،‬وكان الدخول في دينهم فتنة‪ ،‬وليششس كقتششالكم علششى الملششك( )‪،(202‬‬ ‫وفي روايةأخرى‪ ) :‬فكان الرجل ُيفتن عن دينه إما قتلوه وإما يعذبونه حششتى‬ ‫كثر السلم‪ ،‬فلم تكن فتنة( )‪ ،(203‬أي لم يبق فتنة مششن أحششد مششن الكفششار لحششد‬ ‫من المؤمنين‪.(18/184‬‬ ‫المرجع السابق)‪.(204‬‬ ‫ومن خلل هذه الروايات نتعرف على نوعين منششالفتن‪ .‬‬ ‫‪()202‬‬ ‫‪()203‬‬ ‫‪()204‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( )‪.‬‬ ‫وأخرج البخاري ) عن ابن عمر رضي ال عنهما أتاه رجلن في فتنششة ابششن‬ ‫ضّيعوا وأنت ابن عمر صاحب رسشول الش ‪ρ‬فمششا‬ ‫الزبير فقال ‪ :‬إن الناس قد ُ‬ ‫يمنعك أن تخرج؟ فقال‪ :‬يمنعني أن ال حرم دم أخي ‪ ،‬فقال‪ :‬ألم يقل ال ش ‪{ :‬‬ ‫وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة}؟ فقال ‪ :‬قاتلنا حتى لم تكن فتنة‪ ،‬وكان الدين ل‬ ‫‪ ،‬وأنتم تريدون أن تقالتوا حتى تكون فتنة ‪ ،‬ويكون الدين لغير ال( )‪.(8/183‬‬ .

‫‪-80-‬‬ ‫الفتنة بمعنى الكفر‪:‬‬ ‫وهي الفتنة التي يكشون هشدفها القضشاء علشى السشلم واليمشان‪ ،‬وهشي أششد‬ ‫أنواع الفتن وأولدهششا بالششدفع والمقاومششة‪ ،‬ول يجششوز للمششؤمن أن يهادنهششا أو‬ ‫يجاريها‪ ،‬وهي الفتنة الواردة في قوله تعالى ‪{ :‬وقاتلوهم حتى ل تكون فتنة‬ ‫ويكون الدين كله ل})‪.(5/132) ،‬‬ ‫المرجع السابق )‪.(13/23‬‬ .(205‬‬ ‫قال الرازي في تفسيره ) المراد بالفتنششة ههنششا وجوهشًا‪ :‬أحششدها أنهششا الشششرك‬ ‫والكفر‪ ،‬قالوا‪ :‬كانت فتنتهم أنهم كانوا يضششربون ويششؤذون أصششحاب النششبي ‪ρ‬‬ ‫بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة‪ ،‬ثم واظبوا على ذلك اليششذاء حششتى ذهبششوا إلششى‬ ‫المدينة‪ .‬والمعنششى ‪ :‬قششاتلوهم حششتى تظهششروا‬ ‫عليهم فل يفتنونكم عن دينم فل تقعوا في الشرك( )‪.(206‬‬ ‫وهذه الفتنة أكبر جرمًا من القتل؛ لنها فساد فششي الرض يششؤدي إلششى الظلششم‬ ‫والقتل‪ ،‬يقول الرازي ‪ ) :‬وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ؛ لن الكفر ذنب‬ ‫يستحق صاحبه به العقاب الدائم ‪ ،‬والقتل ليس كذلك‪ ،‬والكفر يخرج صششاحبه‬ ‫من الملة ‪ ،‬والقتل ليس كذلك( )‪.(5/130‬‬ ‫المرجع السابق ) ‪.(193‬‬ ‫التفسير الكبير للرازي ‪.(209‬‬ ‫‪()205‬‬ ‫‪()206‬‬ ‫‪()207‬‬ ‫‪()208‬‬ ‫‪()209‬‬ ‫البقرة ‪ ،‬الية )‪.(5/133‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( ‪.‬وكششان غرضششهم مشن إثششارة تلششك الفتنششة أن يششتركوا دينهششم ويرجعششوا‬ ‫كفاراص ‪،‬فأنزل ال تعششالى هششذه اليششة ‪ .(207‬‬ ‫والقران الكريم يحدد الحالة التي تنتهي الفتنة بها وهي اسششتقرار أمششر الششدين‬ ‫واستمراره‪ ،‬وكونه كله ل تعالى{ويكون الدين لش}‪ ،‬وهششذه غايشة شششريفة ل‬ ‫يتوقف الجهاد دونها‪ ،‬يقول الرازي‪ ) :‬ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين‬ ‫كله ل واسطة‪ ،‬فصار التقدير‪ :‬فقاتلوهم حتى يزول الكفششر ويثبششت السششلم(‬ ‫)‪.‬وما حذر منه النبي‪ ρ‬أصبح حقيقة واقعششة فششي‬ ‫بعض بلد المسلمين‪ ،‬وذلك قوله‪) :‬ل ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضششكم‬ ‫رقاب بعض( )‪.(208‬‬ ‫وقششد وقششع هششذا النششوع مششن الفتششن‪ ،‬ووصششل الحششال بالمسششلمين فششي كششثير مششن‬ ‫أقطارهم إلى اختيار مناهج ونظم ل تمت إلى السلم بصلة‪ ،‬بل تخالفه كششل‬ ‫المخالفششة‪ ،‬وأقيمششت شششؤون الحيششاة علششى مبششادئ مسششتوردة‪ ،‬وأمسششك بعششض‬ ‫الملحدين والعلمانيين بدفششة القيششادة والتششوجيه‪ ،‬وانتكسششت بعششض فئات المششة‬ ‫فارتدت على أعقابها‪ ،‬وعملت على إقصاء السلم عن سائر شؤون الحيششاة‬ ‫وأعلنت حربًا على كل مسلم‪ .

‫‪-81-‬‬ ‫ومثل هذه الفتششن تلحششق المسششلم ول تششدعه يسششلم مششن شششرها سششواء فشّر إلششى‬ ‫شواهق الجبال أو إلى أعماق الكهوف ‪ ،‬ول يدفعها الخششروج مششن المجتمششع‪،‬‬ ‫والعتكاف في المساجد‪.‬وفششي‬ ‫رواية المغيرة بن شعبة رضي ال عنه‪ ) :‬لن يزال قوّم مششن أمششتي ظششاهرين‬ ‫على الناس حتى يأتيهم أمر ال وهم ظاهرون( )‪.(6/632‬‬ ‫صحيح مسلم )‪.(213‬‬ ‫وفي الوقت ذاته تكون فئات كثيرة قد تخلت عن دين ال‪ ،‬ويكون هذا التخلي‬ ‫إما بالنصراف عنه إلى الهششواء الضششالة والمبشادئ المنحرفششة‪ ،‬وهشذا ششأن‬ ‫المخالفين الذين يكيششدون لكششل جماعششة مؤمنششة ‪ .(3/1523‬‬ ‫المحلي لبن حزم )‪.‬وقد يتبششادر إلششى الذهششان خلششو‬ ‫المجتمع من مثل هذه الجماعة‪ ،‬والجواب على ذلك خبر الصادق المصدوق‬ ‫‪ ρ‬الذي قال‪ ) :‬ل يزال من أمتي أمة قائمة بأمر ال ‪ ،‬ل يضرهم مششن خششذلهم‬ ‫ول من خالفهم حتى يأتيهم أمر ال وهم على ذلك()‪.(212‬‬ ‫وروايات هششذا الحششديث كششثيرة‪ ،‬وألفششاظه متقاربششة ولهششا بمجموعهششا دللت‪،‬‬ ‫منها‪:‬‬ ‫أن هذه المة لن تخلو من فئة قائمة بأمر ال تعالى وفششق مششا جششاء بششه محمششد‬ ‫‪ ، ρ‬وهذه الفئة يحفظ ال بها الششذكر‪ ،‬ويحقششق بهششا إقامششة الحجششة علششى الخلششق‬ ‫صشش َ‬ ‫ح‬ ‫ويزيل بها العذر‪ ،‬وينير بها طريق الهداية والرشاد‪ ،‬قال ابن حزم‪َ ) :‬ف َ‬ ‫أن أهل كل عصر ل يجوز أن يخلوا من أن يكون فيهم قائل بالحق( )‪.‬وقششد يكششون التخلششي بإشششغال‬ ‫الحياة في طلب المتاع الزائل‪ ،‬وبالبحث عن وسائل الراحششة والنهمششاك فششي‬ ‫‪()210‬‬ ‫‪()211‬‬ ‫‪()212‬‬ ‫‪()213‬‬ ‫فتح الباري لبن حجر )‪.‬وفي خطبة عمر المشششهورة الششتي خطبهششا بالجابيششة ‪ :‬فششإن‬ ‫عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة‪ ،‬فإن الشيطان مع الواحد‪ ،‬وهشو مشن الثنيشن‬ ‫أبعد)‪.‬وهششذا أمششر ل خيششار للمششؤمن فيششه‪،‬‬ ‫وهو قول النبي ‪ ρ‬لحذيفة )تلزم جماعة المسلمين وإمششامهم( قششال ابششن حجششر‪:‬‬ ‫وورد المششر بلششزوم الجماعششة فششي هششذه أحششاديث منهششا مششا أخرجششه الترمششذي‬ ‫مصححاص وفيه ‪ :‬وأنشا آمركشم بخمشس أمرنشي الش بهشن‪ :‬السشمع والطاعشة‬ ‫والجهاد والهجرة والجماعة‪ ،‬فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلششع ربقششة‬ ‫السلم من علقه‪ .‬‬ ‫الموقف اليجابي من هذه الفتن‪:‬‬ ‫وأما الموقف اليجابي فهو البحث عن الجماعة المؤمنششة والطائفششة الظششاهرة‬ ‫وإعطاؤها ثمرة الجهد وصادق النتمششاء‪ .(1/47‬‬ .(13/316‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( )‪.(211‬‬ ‫وفي رواية أخرى ) حتى يأتي أمر ال وهششم ظششاهرون علششى النششاس(‪ .(210‬‬ ‫وقد يتساءل القارئ عن وجود هذه الجماعة‪ .

‬وظلششت المششة فششي‬ ‫مرحلة الجماعة التي تمثلها دولة إسلمية قوية إلى أن دالت دولششة السششلم‪،‬‬ ‫فانفرط بذلك عقد المة الواحدة‪ ،‬ونشأت فيها جماعات شتى‪.‬‬ ‫ج( وإن الجماعة المؤمنة تكون ظاهرة علشى مشن عاداهشا وناوأهشا وخشذلها‪،‬‬ ‫وهي المؤيدة بنصر ال تعالى ل يضرها أحد من أعدائها‪ .‬‬ ‫ولعل ابن حجر رجح معنى الغلبة لما رأى من غلبة بعض أهل الحششق علششى‬ ‫قطر أو ناحية من زمن النبي ‪ ρ‬إلى زمانه‪ .(13/293‬‬ ‫المنهاج في شرح مسلم للنووي)‪.‬ولو عاش في العصور المتأخرة‬ ‫غلب أهل الحق من قبل أهل الباطل‪ ،‬ولكن أهل الحق مصششرون‬ ‫لرأى كيف ُ‬ ‫على حقهم ‪ ،‬ثابتون عليه‪ ،‬معروفون به‪ ،‬ول تقوى الهششواء علششى اقتلعهششم‬ ‫من فكرهم‪ ،‬ول يضيرهم ما يجدون من الصعاب والعقبات وصششنوف الذى‬ ‫وألوان التهامات‪ ،‬بل يواصلون سششيرهم‪ ،‬ويراهششم النششاس قششائمين بششأمر الش‬ ‫تعالى‪ .‬‬ ‫تعيين الجماعة وهل هي واحدة؟‬ ‫ل خلف في أن جماعة المسلمين في عهد النششبي ‪ ρ‬وخلفششائه الراشششدين هششي‬ ‫السواد العظم من المة الششذي يحكششم بشششرع الش تعششالى‪ .(2/132‬‬ .‫‪-82-‬‬ ‫الشهوات‪ ،‬وهذا شأن القطششاع ال‪:‬بششر مششن النششاس الششذين ل يتجششاوز تفكيرهششم‬ ‫حدود مصالحهم الشخصية‪ .‬‬ ‫ويبدو أن بعض العلمششاء قششد نظششروا إلششى خصششوص النششص بفئة‪ ،‬حششتى ولششو‬ ‫كانت المة في خير قرونها‪ ،‬وهاهو المشام أحمششد وعلشي بشن المششديني وأبشو‬ ‫عبدال الحاكم يحملون النص على أن المقصود هم أهششل الحششديث‪ .‬وهكذا فإن الجماعة المؤمنة تقع بيششن المخششالفين‬ ‫والخاذلين‪.‬وقششد نقششل‬ ‫‪()214‬‬ ‫‪()215‬‬ ‫‪()216‬‬ ‫فتح الباري لبن حجر )‪.‬ثم قال ابششن حجششر‪ :‬والول أولششى ( )‪،(214‬‬ ‫ويبدو أن الثاني أولى‪ ،‬وأن الظهشور هششو ظهششور وجشود واشششتهار وإصششرار‬ ‫علششى الحششق وثبششات عليششه ‪ ،‬ويشششهد لهششذا المعنششى الروايششة الششتي أخرجهششا‬ ‫البخاري ‪ ) :‬ولن يزال أمر هذه المة مستقيماً حتى تقششوم السششاعة‪ ،‬أو حششتى‬ ‫يأتي أمر ال( )‪ ،(215‬ول يلزم من الستقامة الغلبة بششالقوة الماديششة‪ ،‬بششل تكششون‬ ‫الستقامة ولو كانت الجماعة مستضعفة مضطهدة‪.(13/294‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري ( )‪.(216‬لقد كان رسول ال ‪ ρ‬وأصحابه ظاهرين على أهششل مكششة‬ ‫من المشركين رغم ما كششانوا يلقششونه مششن الذى والمطششاردة‪ ،‬وكششذلك حششال‬ ‫الجماعة المؤمنششة القائمششة بششأمر الش فهششي ظششاهرة وإن لششم تكششن لهششا السششيادة‬ ‫السياسية والجتماعية‪.‬قال النووي‪ ) :‬ل يزالون على الحق حتى تقبضهم هششذه الريششح اللينششة‬ ‫قرب القيامة( )‪ .‬ومعنى قول النبي‬ ‫‪ ) ρ‬وهم ظاهرون ( ‪ :‬قششال ابششن حجششر ‪ ) :‬أي غششالبون‪ ،‬أو المششراد بششالظهور‬ ‫أنهم غير مستترين بل مشهورون‪ .

(219‬‬ ‫وذهششب صششاحب زاد المسششلم إلششى أن هششذه الطائفششة هششي الفئة المجاهششدة فششي‬ ‫فلسطين‪ ،‬وذلك في زمان المؤلف)‪.(217‬‬ ‫ورغششم الششدور العظيششم الششذي قششام بششه المحششدثون فششي خدمششة السششنة النبويششة‬ ‫وصيانتها‪ ،‬وإل أننا ل نسششتطيع القششول بششأن هششذه الطائفششة مسششتمرة إلششى قيششام‬ ‫الساعة ‪ ،‬وفقد توقف عطاؤها واجتهادهاش فيما عدا أفراد قلئل ش كمشا توقششف‬ ‫عطاء غيرهششا منشذ مئات السشنين‪ ،‬والصششل فششي نشص الحشديث السشتمرار‪،‬‬ ‫وبقاء الطائفة حتى قبيل الساعة‪.(5‬‬ ‫تفسير المنار ‪ ،‬محمد رشيد رضا )‪.‬ثم عقب علششى‬ ‫مذهب أستاذه‪ ،‬بأن أهل الحديث وعلمششاء الثششر المهتششدين بهششدي السششلف هششم‬ ‫هذه الطائفة‪ ،‬وأنهم ثلة من الولين وقليل مششن الخريششن‪ ،‬وأنهششم ل يمكششن أن‬ ‫يكونوا أتباع أحد من علماء الكلم المبتدع‪ ،‬سواء منهم من ضر ومششن نفششع‪،‬‬ ‫ول من المقلدين في الفروع أيضًا)‪.‬إن لم يكونوا أصحاب الحديث فل أدري من‬ ‫هم(‪ ،‬وقال الحاكم‪ ) :‬فلقد أحسن أحمششد بششن حنبششل فششي تفسششير هششذا الخششبر أن‬ ‫الطائفة المنصورة التي ُيرفع الخذلن عنهم إلى قيامة السششاعة هششم أصششحاب‬ ‫الحديث( )‪.‬‬ ‫أما المام محمد عبده فقد ذهب مذهبًا بعيدًا عندما اسششتعرض حششديث الفششرق‬ ‫ثم قال) إن هذا الحششديث قششد أفادنششا أنششه يكششون فششي المششة فششرق متفرقششة‪ ،‬وأن‬ ‫الناجي منهم واحدة‪ ،‬وكون المة قد حصششل فيهششا افششتراق علششى فششرق شششتى‪،‬‬ ‫تبلغ العدد المذكور أو ل تبلغه ثابت‪ ،‬وقد وقع ل محالة‪ ،‬وكون الناجي منهم‬ ‫واحدة أيضشًا حششق ل كلم فيششه‪ .(6/222‬‬ ‫زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم للشنقيطي )‪.‬ثششم قششال‪ :‬أّمششا تعييششن أي فرقششة هششي الفرقششة‬ ‫الناحية أي التي تكون على ما النبي عليه وأصحابه فلم يتبين لششي إلششى الن‪،‬‬ ‫فإن كل طائفة ممن يذعن لنبينا بالرسالة تذهب تجعل نفسشها علششى مشا النششبي‬ ‫عليه وأصحابه( )‪.‫‪-83-‬‬ ‫الحاكم عن المام أحمد قوله‪ ) . .(5/193‬‬ .(220‬‬ ‫أما النووي فقد ذهب مذهبًا أعشّم مشن كشل مششا سشبق فقشال‪ ) :‬إن هشذه الطائفشة‬ ‫مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ‪،‬ومنهششم محششدثون ‪ ،‬ومنهششم‬ ‫زهاد آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر‪ ،‬ومنهم أهل أنواع أخششرى مششن‬ ‫‪()217‬‬ ‫‪()218‬‬ ‫‪()219‬‬ ‫‪()220‬‬ ‫معرفة علوم الحديث للحاكم ‪) ،‬ص ‪.(2‬‬ ‫شرح العقائد العضدية لمحمد عبده‪) ،‬ص ‪.(218‬‬ ‫وقد اعترض الشيخ رشيد رضا على أستاذه في هشذا المششذاهب‪ ،‬وعشزاه إلششى‬ ‫تششأثر أسششتاذه بششالراء الفلسششفية والكلميششة‪ ،‬وإلششى حرصششه علششى جمششع كلمششة‬ ‫المسلمين‪ ،‬وأنه كان ينقصه سعة الطلع على كتب الحديث‪ .

‬‬ ‫وإذا قششال قششائل إن الصششوفية هششي الطائفششة الظششاهرة‪ ،‬فششإن قششوله ُيحمششل علششى‬ ‫الزمان الذي كانت فيه هذه الفئة فاعلة في المجتمع‪ ،‬فقد أدت الصوفية دورًا‬ ‫رياديًا زمن الحروب الصليبية‪ ،‬وكذلك كان دورها ريادياً في إفريقيا‪ ،‬عندما‬ ‫وقفت في وجه الوثنية ثم في وجه الحضارة الغربية‪ ،‬وكانت الربط والزوايا‬ ‫قواعد انطلق‪ ،‬انطلق منها السلم إلى قلب إفريقيا‪.‬‬ ‫وقوله ‪ ) :‬أنواع من المؤمنين منهم شجعان مقششاتلون‪ ،‬ومنهششم فقهششاء‪ ،‬ومنهششم‬ ‫محدثون‪ ،‬ومنهم زهاد آمرون بشالمعروف ونشاهون عشن المنكشر( بيششان لهشذا‬ ‫التنوع‪ ،‬بل فتح الباب لنواع أخرى عندما قال‪ ) :‬ومنهم أهل أنششواع أخششرى‬ ‫من الخير(‪.‬ومششا ذهششب إليششه‬ ‫النووي قريب من هذا‪ ،‬وينقص عبارته عنصر التعميم الزماني‪.(2/132‬‬ .(221‬‬ ‫والذي يظهر لي أن هذه القوال محصورة بأزمان قائليها‪ ،‬ففي زمن المششام‬ ‫أحمد كان المحششدثون حملششة السششنة والمنششافحين عنهششا أمششام الفلسششفة اليونانيششة‬ ‫والهنديششة‪ ،‬وأمششام الفششرق الباطنيششة‪ ،‬وقششاموا بجهششد هششائل فششي جمششع الحششديث‬ ‫وتصنيفه وتمييز صحيحه من سقيمه‪ .‬‬ ‫وإذا أدخلنا في حسابنا الحوال التي تعيشها المة منذ قرن من الزمان فإننششا‬ ‫نجد المة قد ابتعدت في الثقافة والفكر وفششي النظششم والتشششريع عششن السششلم‬ ‫وانقسمت المة إلى فئات ثلث‪:‬‬ ‫‪()221‬‬ ‫المنهاج في شرح مسلم للنووي)‪.‫‪-84-‬‬ ‫الخير‪ ،‬ول يلزم أن يكونششوا مجتمعيششن بششل قششد يكونششون متفرقيششن فششي أقطششار‬ ‫الرض( )‪.‬ولكششن هششذا الششدور الريششادي للمحششدثين‬ ‫توقف أو كاد أن يتوقف مع ظهور الكتب المصششنفة فششي البششواب والمسششانيد‬ ‫والمعاجم والتراجم والتواريخ‪ ،‬وساد التقليد في العصور المتششأخرة كمششا هششو‬ ‫الحششال فششي سششائر أبششواب المعششارف السششلمية‪ ،‬ول يمكننششا أن نقششول أن فئة‬ ‫المحدثين هي الفئة الظاهرة إلششى أن يششأتي الش بششأمره أي قبيششل يششوم القيامششة‪،‬‬ ‫ووجود أفراد قلئل من المحدثين ل يعني وجود طائفة فاعلة فششي المجتمششع‪،‬‬ ‫ول بأس أن ُيقال إن المحدثين كانوا يشكلون بعششض هششذه الطائفششة فششي وقششت‬ ‫سابق‪.‬‬ ‫وإذا قيل‪ :‬إن المجاهدين الفلسطينيين الذين وقفوا في وجه النجليششز واليهششود‬ ‫هم هذه الطائفة فإن ذلك ممكن في ذلك الزمان عندما ألششف الشششنقيطي كتششابه‬ ‫زاد المسلم‪ ،‬فيكونون من هذه الطائفة‪ ،‬ويمكن أن ُيقال ذلك في كل من حمل‬ ‫راية جهاد في سبيل ال في فلسطين وفي غيرها من بلد المسلمين‪.‬‬ ‫والششذي يحششل هششذا الشششكال هششو البحششث عششن طائفششة متنوعششة فششي الكفششاءات‬ ‫والطاقات والمكانات والفراد ‪ ،‬متحدة في الغاية والهدف‪ .

‬وفئة صرفت جهدها إلى هم المعاش وتلبيششة الحاجششات ‪،‬‬ ‫ول تعتني بالصراع بين الحق والباطل‪ ،‬إل إذا تعرضت مصالحها للتوقف‪.(224‬‬ ‫وقششد ترجششم المششام البخششاري لبششاب مششن أبششواب كتششابه فقششال‪ ) :‬بششاب وكششذلك‬ ‫جعلناكم أمة وسطًا ‪ ،‬وما أمر النبي ‪ ‬من لزوم الجماعة وهشم أهششل العلشم(‬ ‫)‪.(1/164‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري ( )‪.(223‬وقد فهم الكرمششاني مششن هششذه الروايششة أن مششن جملششة‬ ‫الستقامة التفقه؛ لنه الصل ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬وبهذا ترتبط الخبار المذكورة)‪.(225‬‬ ‫قال ابن حجر‪ ) :‬فعرف أن المراد بالوصف المذكور أهل السنة والجماعششة‪،‬‬ ‫وهششم أهششل العلششم الشششرعي‪ ،‬ومششن سششواهم ولششو نسششب إلششى العلششم فهششي نسششبة‬ ‫صورية ل حقيقية( )‪.(222‬‬ ‫وفي رواية أخرى‪) :‬ولن يزال أمر هذه المة مستقيمًا حتى تقوم السششاعة أو‬ ‫حتى يأتي أمر ال()‪ .(13/316‬‬ .‬‬ ‫ول تكششون الجماعششة جماعششة إل إذا وجششد الششولء بيششن أفرادهششا‪ ،‬ول تكششون‬ ‫جماعة إل إذا قامت على السمع والطاعة واللتزام‪.‬وقد جاءت بعض روايات الحديث التي يفهششم‬ ‫منها شرط العلم والفقه كالرواية التي أخرجهششا البخششاري وجششاء فيهششا‪ ) :‬مششن‬ ‫يرد ال به خيرًا يفقهه في الدين‪ ،‬وإنما أنا قاسم وال يعطي‪ ،‬ولن تششزال هششذه‬ ‫المة قائمة على أمر ربها‪ ،‬ل يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الشش( )‪.(13/316‬‬ ‫فتح الباري ) ‪.(226‬‬ ‫وبقي أن ُيقال إن عامة الناس ل تدخل فششي هششذه الطائفششة إل إذا تفششاعلت مششع‬ ‫السلم وأحكامه‪ ،‬ودخلت في حلبة الصراع لنصرة الحق وأهله‪ ،‬وإذا قيششل‪:‬‬ ‫ما المراد من قوله عليه الصلة والسششلم "فعليكششم بالسششواد العظششم"؟ وهششل‬ ‫المراد عامة الناس وجمهورهم؟ أم فئة من الناس وخاصتهم؟‪.‬‬ ‫فالعلم الشرعي شرط من شروطها‪ ،‬والعمل الشرعي شرط كششذلك‪ ،‬والششولء‬ ‫واللتزام صفتان لزمتان لها‪ .‬وفئة تنافح عن السلم وتطالب بتحكيم القرآن الكريم وسنة النبي‬ ‫‪ ‬في حياة المة‪ .‬‬ ‫ويمكننا أن نقول بكل ثقششة إن هششذه الفئة المنافحششة عششن السششلم الداعيششة إلششى‬ ‫تحكيم شريعته ‪ ،‬القائمة بأمر ال تعالى هي الطائفة الظاهرة‪ ،‬وهي متنوعششة‬ ‫في الطاقششات والمكانششات‪ ،‬متحششدة فششي الهششداف والغايششات‪ ،‬ول تكششون هششذه‬ ‫الطائفة على المستوى المطلوب إل بالعلم والفقه الششذي يسششاعد هششذه الطائفششة‬ ‫على فهم أحكام الشريعة ومعرفة عقيدة السلم ونظمه وكيفية الدعوة إليششه‪.‫‪-85-‬‬ ‫فئة تحششارب السششلم‪ ،‬وتسششتعين بحربششه بجميششع التيششارات الوافششدة والفكششار‬ ‫المنحرفة‪ .‬‬ ‫‪()222‬‬ ‫‪()223‬‬ ‫‪()224‬‬ ‫‪()225‬‬ ‫‪()226‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري ( )‪.(13/293‬‬ ‫صحيح البخاري ) متن فتح الباري( )‪.(13/293‬‬ ‫فتح الباري )‪.

(227‬‬ ‫ومششا ذهششب إليششه إسششحاق بششن راهششويه فهششم عميششق لششدور الجماعششة المسششلمة‬ ‫والطائفة الظاهرة التي تتمتع بدرجة مششن الششوعي تجعلهششا تسششتوعب شششريعة‬ ‫السلم وسشنة النشبي ‪ ‬وتقشف فشي وجشه التحشديثات الثقافيشة والجتماعيشة‬ ‫والسياسية‪ .(228‬وعنششششششدما تعششششششرض صششششششاحب‬ ‫اللسششششششان لكلمششششششة ) علششششششم (‪ :‬علمششششششت الشششششششيء‪ ،‬أعلمششششششه ‪ ،‬علمششششششًا‪:‬‬ ‫عرفته)‪.‬‬ ‫القاعدة السابعة عشرة‬ ‫الفهم الصحيح سبيل العمل الصحيح‬ ‫الفهم لغة‪:‬‬ ‫بيشششششن صشششششاحب لسشششششان العشششششرب معنشششششى كلمشششششة الفهشششششم فقشششششال ‪:‬‬ ‫معرفتششششششك الشششششششيء بششششششالقلب)‪ .‫‪-86-‬‬ ‫فيجيب على هذا المام الشاطبي في كتابه العتصام حيث يقول ‪ :‬روي أبششو‬ ‫نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال‪ :‬سمعت إسحاق بششن راهويششة‪ ،‬وذكششر‬ ‫في حديث رفعه إلى النبي ‪ ‬قال ‪ :‬إن ال لم يكششن ليجمششع أمششة محمششد علششى‬ ‫ضللة‪ ،‬فإذا رأيتششم الختلف فعليكششم بالسششواد العظششم‪ .(2/153‬‬ ‫لسان العرب )‪.(15/311‬‬ .(229‬‬ ‫وهذا يعني أن كلمششة ) الفهششم ( فيهششا معنششى زائد علششى كلمششة )العلششم(‪ ،‬فششالعلم‬ ‫إدراك يقششل عشن الفهشم الشذي هششو إدراك القلششب‪ ،‬وهشذا يعنششي أن كلمشة الفهشم‬ ‫تشارك كلمة العلم في موضوع المعرفة وتزيد عليها فيأمر إقامة نوع علقة‬ ‫مششع الشششياء‪ ،‬مششن خلل الواقششع وممارسششة المعششارف‪ ،‬مششع إدراك أبعادهششا‬ ‫وعلقاتها‪ ،‬لتصبح بعد هذه الممارسة كأنها جزء من الذات‪.‬ثششم قششال الشششاطبي‪ :‬فششانظر فششي‬ ‫حكايته تتبين غلط من ظن أن الجماعة هي جماعة الناس‪ ،‬وإن لم يكن فيهششم‬ ‫عالم ‪ .‬ول يخرج المسلمون من حالة الغثاء إلى مجتمع الفتششح والنصششر‬ ‫إل عن طريق هذه الجماعة المؤمنة والطائفة الملتزمشة بمششا عليشه النشبي ‪‬‬ ‫وأصحابه‪.(15/357‬‬ ‫لسان العرب )‪.‬فقششال رجششل‪ :‬يششا أبششا‬ ‫يعقوب ‪ ،‬من السواد العظم ؟ فقال‪ :‬محمد بن أسلم وأصششحابه ومششن تبعهششم‪،‬‬ ‫ثم قال ‪ :‬سشأل رجشل ابشن المبشارك‪ :‬مشن السشواد العظشم؟ قشال ‪ :‬أبشو حمشزة‬ ‫السكري‪ .‬‬ ‫‪()227‬‬ ‫‪())228‬‬ ‫‪())229‬‬ ‫العتصام للشاطبي )‪.‬ثم قال‪ :‬في ذلك الزمان ) يعني أبا حمزة( وفششي زماننششا محمششد بششن‬ ‫أسلم ومن تبعه‪ ،‬ثم قال إسحاق‪ :‬لو سألت الجهال عن السواد العظم‪ ،‬لقششالوا‬ ‫جماعششة النششاس‪ ،‬ول يعلمششون أن الجماعششة عششالم متمسششك بششأثر النششبي ‪‬‬ ‫وطريقه‪ ،‬فما كان معه وتبعه فهششو الجماعششة‪ .‬وهششو وهششم العششوام‪ ،‬ل فهششم العلمششاء فليثبششت الموّفششق فششي هششذه المزلششة‬ ‫قدمه)‪.

‫‪-87-‬‬ ‫وقد اعتدنا على أن ل نستخدم كلمة ) فهمت( إل بعششد اسششتقرار المعلتومششات‬ ‫والوصول إلى تصور كامل لها‪ ،‬وتطبيقهشا للطلع علشى جششوانب ل نصششل‬ ‫إليهششا بمجششر المعرفششة‪ ،‬فالطششالب ل يفهششم المعادلششة الكيماويششة بمجششرد إدراك‬ ‫رموزها ولو ذكر المعلم نتائج التفاعل‪ ،‬مششا لششم يششذهب إلششى المختششبر ليشششاهد‬ ‫بنفسه تلك المعادلة على شكل مواد تتفاعل‪ ،‬وتنتج مواد جديدة يراها الطالب‬ ‫بعينيه ‪ ،‬ويسمع أصواتًا جديدة يسمعها بأذنيه ويشم روائح جديششدة ‪ ،‬وعنششدئذ‬ ‫تتحششول قراءتششه للمعادلششة إلششى قششراءة جديششدة وهششي قششراءة فهششم؛ لنششه يششدرك‬ ‫بوجدانه وقلبه أشياء كثيرة ل يتم تسجيلها أو التعبير عنها بالرموز‪ ،‬وعندما‬ ‫تتعششدد الوسششائل المدركششة وتكششثر فإنهششا تحتششاج إلششى معرفششة بأفرادهششا‪ ،‬وإلششى‬ ‫معرفة أخرى بالعلقات فيما بينها‪.‬‬ ‫فششإذا اقتصششر علششى النششوع الول مششن المعرفششة فإنهششا تكششون معرفششة تحليليششة‬ ‫جزئية‪ ،‬والمعرفة التحليلية الجزئية هي سبب من أسششباب تخلششف الفهششم‪ ،‬فقششد‬ ‫ابتلى المسلم المعاصر بهذا النوع من المعرفة الذي قد يظهر فيها العلششم فششي‬ ‫أعلى صوره‪ ،‬إلى جانب الجهل في أدنى صششوره‪ .‬‬ ‫وتكمن خطورة هذا النوع من المعرفة في ظهور مرض نستطيع أن نسششميه‬ ‫تضخم الفهم" وهو مرض لبد أن ينتج بالمقابل ضمور الفهم‪ ،‬فهششذا المسششلم‬ ‫المسششتغرق بنشششاط واحششد ونششوع واحششد مششن المعششارف السششلمية‪ ،‬يصششاب‬ ‫باستيلء هذا النوع عليه ‪ ،‬فيظن أن المور كلها مبنية عليه ومسششتمدة منششه‪،‬‬ ‫وليس هذا الضرب من الخلل أو المششرض حششديثاً علششى المششة بششل هششو قششديم‪،‬‬ ‫حيث كان بعض العلماء يرى العلم كله في الفقه وآخششرون يششرون العلششم كلششه‬ ‫في الحديث ‪ ،‬وغيرهم يرون العلم كله في التفسير ‪ ،‬ونشأت مذاهب جديششدة‪،‬‬ ‫بعضها يرى الحل كله في التربية الخلقية والتهششذيب‪ ،‬وبعضششها يششرى الخلششل‬ ‫كله في التفكير السياسي‪ ،‬وبعضها يرى الحل كله في العمل العسكري‪ ،‬إلششى‬ ‫غير ذلك من مظاهر تضخم الفهم وضموره‪.‬‬ ‫أركان الفهم‪:‬‬ ‫وخروجًا من أزمات الفهم وأمراضه لبد من تحليششل منطقششي لركششان الفهششم‬ ‫كي نتجاوز مرحلة المعرفة الجزئية إلى مرحلة المعرفة الكلية‪ ،‬وكي نخرج‬ ‫من المرحلة الذرية التي تظهششر فيهششا المعششارف علششى شششكل ذرات متنششاثرة‪،‬‬ .‬فقشد رأينشا فقهششاء وعلمششاء‬ ‫لهم حظ كبير من العلم فششي تخصصششاتهم ولكنهششم ل يسششتوعبون حركششة هششذا‬ ‫التخصششص ضششمن مجموعششة المعششارف‪ ،‬ول يركششزون علششى مكششان هششذا‬ ‫التخصص ضمن المكنة الخرى‪ ،‬ول يبحثون عن العلقات والروابط بين‬ ‫هذا التخصص والتخصصات الخرى‪ ،‬ول يعيشون بتخصصهم فششي البنششاء‬ ‫المتكامل لقضايا السلم‪.

‬والجدير بالذكر أن نقص الفهم يؤدي إلى نقص في اللششوك والعمششل ‪،‬‬ ‫بل وفي التصور‪ ،‬ويقود بالتالي إلى فهم آخر ُيخرج صششاحبه عششن الصششراط‬ ‫المستقيم‪ ،‬فل يصل صاحب هذا الفهم الناقص إلى الهداف المتوخاة‪.‬‬ ‫وخارطة الفهم السلمي لبد أن تشتمل على مكونات السلم ‪ ،‬فششإذا كششانت‬ ‫ل ‪ ،‬وبمقششدار نقصششها يكششون الفهششم‬ ‫هذه الخارجششة متكاملششة كششان الفهششم متكششام ً‬ ‫ناقصًا‪ .‫‪-88-‬‬ ‫وهي الحالة التي يعاني منها المسلمون في الفكر وفي السلوك على السششواء‪،‬‬ ‫وهششذا يسششاعدنا علششى علج المظششاهر الجتماعيششة والسششلوكية بعششد معالجششة‬ ‫الساس النظري والفكري‪ ،‬وفي ضوء هذا التحليل يمكننششا أن نضششع العلج‬ ‫لما كان ُيشار إليه من المراض‪ ،‬كمششا كششان ُينسششب إلششى الشششيخ محمششد عبششده‬ ‫قوله‪ ) :‬ما أقشوى المسششلمين أفششرادًا وأضششعفهم جماعشة‪ ،‬ومشا أعظشم السشلم‬ ‫وأضعف المسلمين(‪.‬‬ ‫إن بعششض العششاملين للسششلم يعششانون مششن فشششل ناشششئ عششن نقششص خارطششة‬ ‫فهمهم ‪ ،‬فعندما يطرح مسششلم مششا فكششره السششلمي خاليشًا مششن تصششور الحكششم‬ .‬‬ ‫وهذا المرض لبد أن يكششون ناشششئَا عششن خلششل فششي معادلششة الفهششم بششأن يكششون‬ ‫السلم بوضعه النظري المفرق ل بوضعه النظري المركب هو السائد فششي‬ ‫العقول والنفوس‪.‬‬ ‫خارطة الفهم‪:‬‬ ‫ولفهم أركان الفهم فإننا نصور الفهم بخارطة جغرافية لبششد أن تجتمششع فيهششا‬ ‫أركان ثلثة‪:‬‬ ‫الركن الول‪:‬‬ ‫اشتمال هذه الخارطة على جميع الجزاء مششن المششدن والقششرى والتضششاريس‬ ‫والطرق والجبال والنهار ‪ ،‬وتكون هششذه الخارطششة معششبرة عمششا ترمششز إليششه‬ ‫بمقدار اشتمالها على مكونات ما ترمز إليه‪.‬‬ ‫وإنه لمن الضروري أن أشير إلى ضرورة فششرز مرحلشة التفهشم السششقيم مشن‬ ‫مرحلة الفهم السليم في التاريخ السلمي ‪ ،‬وإن كششانت الحاجششة ماسششة اليششوم‬ ‫إلششى اسششتنباط الفهششم السششليم؛ لن هششذا الفششرز يسششاعدنا علششى فهششم التاريششخ‬ ‫السلمي ومعرفة أسرار القوة والضعف فيششه‪ ،‬إذ لششم يعششد يجششدي أن ُيكتفششى‬ ‫بالقول إن عصر النبوة والخلفة الراشدة هو عصر قوة ونشاط‪ ،‬والعصششور‬ ‫ل فيها النشاط إلى أن وصششل الحششال إلششى مششا ُيسششمى بعصششر‬ ‫التالية عصور ق ّ‬ ‫النحطاط‪ ،‬فلبد من تحليل الفهم واستحداث معششايير لهششذا الفهششم كششي نتمكششن‬ ‫من تجشاوز عصشور النحطشاط إلشى عصشور العمشل والنششاط‪ ،‬وبشذلك فقشط‬ ‫نسششتطيع أن نتجششاوز تلششك الهششوة السششحيقة بيششن العصششور الولششى والعصششر‬ ‫الحديث‪.

‬‬ ‫وقد أصششيب بعششض المسششلمين بهششذا النششوع مششن التضششخم فششي فهمهششم لمششور‬ ‫السلم وقضاياه‪ .‬‬ ‫إن شمولية السلم ليست موضع اجتهششاد بششل هششي ششمولية نصششية ل يجششوز‬ ‫بحال من الحوال تجاوزها‪ ،‬والذي يريد أن ُيخرج بعض مشتملت السلم‬ ‫منه تحت ضغط واقع معين يحمله على حذف شيء من السلم فإنه يرتكب‬ ‫ل ‪ ،‬وسششيؤدي فعلششه هششذا‬ ‫بذلك كبيرة في الوقت الذي يظن فيه أنه يحسششن عم ً‬ ‫إلى تكوين عقول يتطاول عليها المد وتتصلب على هذا الفهم السقيم‪.‬‬ ‫إن النتيجة الرضية التي ينتجها نقص الفهم ونقص الخلص واحششدة وهششي‬ ‫الفشل‪ .‬ول نتعرض للنتيجة الخروية؛ لننا ننظر إلى المسألة نظرة عملية‪،‬‬ ‫ول ينبغي أن نهمل فكرة نجاح العمل في الدنيا لما يترتب عليششه مششن ظهششور‬ ‫الحق وزهوق الباطل‪ ،‬وهي نتيجة تتحقق معها جدية السششلم‪ ،‬وتظهششر مششن‬ ‫خللها أحقيته لكل ذي عينين‪.‬‬ ‫الركن الثاني‪:‬‬ ‫ولفهم خارطة الفهم لبد من تصور الخارطة الجغرافية المشتملة على جميع‬ ‫الجزاء‪ ،‬وقد أخذت أجزاؤها الحجام الطبيعيششة‪ ،‬ل تختششل هششذه الحجششام ل‬ ‫تصغيرًا ول تكبيرًا‪ ،‬وعندما تختل الحجام تكون الخارطة خادعششة‪ ،‬وكششذلك‬ ‫فإن خارطة الفهم تكون خادعة لصحابها عندما ُيكّبرون وُيصّغرون أجزاء‬ ‫فهمهم‪.‬فالكلم في موضوع الخلفة والعمل من أجلها ضششروري‬ ‫للفهم الصحيح‪ ،‬ولكن أن يستغرق الكلم عن الخلفششة مسششاحة السششلم إلششى‬ ‫درجة تصغر معها الجزاء الخرى حتى تكاد تخرج عن الهتمام هو أمششر‬ .‫‪-89-‬‬ ‫والسياسة‪ ،‬أو خاليًا من تربيشة النفشس وتزكيشة الشروح ‪ ،‬أو خاليشاً مشن تربيشة‬ ‫العقل وتنشيط الفكر‪ ،‬أو خاليًا من تربية البششدن وتقويششة الجسششاد‪ ،‬أو مركششزًا‬ ‫على صلح الفرد بعيدًا عن صلح المجتمع فإن مثل هؤلء جميعاً يشششكلون‬ ‫أزمة فهم ل تسبب تأخير المسششيرة فقششط بششل قششد تششؤدي إلششى جنششوح المسششيرة‬ ‫وشطط يخرج عن الصراط السوي‪.‬‬ ‫لقد آن الوان للمسلمين أن ينظروا إلى نقص الفهم واجتزائه بالدرجة نفسها‬ ‫التي ينظرون فيها إلى نقص الخلص‪.‬‬ ‫إن من يضع على عينيه عدسة مكشبرة أو ينظشر مشن خلل المجهشر لبشد أن‬ ‫يضع في اعتبششاره أن مششا يششراه مششن الحجششام والمسششافات ليششس حقيقيشًا‪ ،‬فششإذا‬ ‫تصور هذا الشياء حقيقة فسيتصرف تصرفًا خاطئًا ؛ لنه سيظن أن الجسم‬ ‫الذي رآه عن طريق المنظار على مسافة أمتار منه وهششو فششي الواقششع بعيششد‪،‬‬ ‫وسيتصرو أن الذرة الصغيةر جسم كبير يحتاج إلى قششوة كششبيرة‪ ،‬وهششي فششي‬ ‫الحقيقة ل تقع تحت اللمس أو تحت الحركة‪.

‬‬ ‫لقد أصيب بعض العاملين للغسلم بمثل هذا التضخم إلى درجششة أنهششم ثبتششوا‬ ‫اهتمامهم في زاوية من الزوايا ولم يخطر علششى بششالهم سششوى هششذه الزاويششة‪،‬‬ ‫فأصبحت حالتهم حال المريض الذي أصششيب بهششذيان فل تسششمع منششه سششوى‬ ‫كلمة وانحدة يرددها‪ ،‬وكلما حاولت أن تعيده إلى التوازن ضششجر بمحاولتششك‬ ‫ليعود إلى هذيانه‪.‬وإن النحرافات الكبيرة في تاريخ البشرية كانت ترجع في كثير‬ ‫من الحيان إلى الخلل في مساحات الفهم وأحجامه‪ ،‬فاليهود الذين ل يعرفوا‬ ‫من دينهم إل أنهم شعب ال المختار جعلهم فهمهم هششذا يتجششاوزون حششدودهم‬ ‫إلى درجة يتصورون معها تفوق عرقهم على كل عرق‪ ،‬وطالبوا بإخضششاع‬ ‫كل شيء لطموحات هذا العرق ورغباته حتى ال تعالى ‪ ،‬فقد صششورت لهششم‬ ‫أنفسهم تفوقهم عليه‪.‬‬ ‫وكذلك أمر مشركي العرب الذين كانوا يعظمون بعششض رجششالهم‪ ،‬ثششم انتقششل‬ ‫التعظيم إلى الثار الششتي عششاش الرجششال علششى مقربششة منهششا‪ ،‬ثششم نسششوا أولئك‬ ‫الرجال لتحل الصنام محلهم وتستولي علششى عقششولهم وقلششوبهم‪ ،‬وهكششذا فلششو‬ ‫أننا سرنا مع شعوب الرض لوجدنا أن هذه الشعوب قد أصيبت فششي فهمهششا‬ ‫أكثر مما أصيبت في إخلصها للمعتقدات‪.‬‬ ‫وليس أمر كثير من المسلمين بعيدًا عن هذا‪ ،‬ومع أن المسلم يبقى فششي دائرة‬ ‫السلم في كثير من الحيان مع تضخم فهمه‪ ،‬لكنششه لششن يصششل إلششى النتششائج‬ ‫التي يطمح للوصول إليها‪.‬‬ ‫وكذلك النصارى الذين رثوا لحششال عيسششى عليششه السششلم فلششم يجششدوا تعششبيرًا‬ ‫يناسب هذا الرثاء إل نعته بنعوت التأليه والتعظيم ليصبح فيما بعد إلهًا على‬ ‫حد زعمهم ‪ ،‬لقد اختلطت العظمششة باللوهيششة ولششم يعششد مششن السششهل تمييزهششا‬ ‫فانحرفوا وضلوا‪.‫‪-90-‬‬ ‫يقضششي علششى الخلفششة نفسششها‪ ،‬والنظششر إلششى تربيششة الششروح وتزكيتهششا نظششرة‬ ‫استغراق تخضع جميششع أنششواع النشششاط لسششيطرتها وهيمنتهششا بحيششث تصششغر‬ ‫أمور السلم الخرى هشو أمشر يقضشي علششى الشروح نفسشها؛ لنشه ل يقششول‬ ‫عاقل بأن التضخم حالششة صششحية ‪ ،‬بششل هششو حالششة مرضششية ‪ ،‬وكششذلك تضششخم‬ ‫الفهم‪.‬‬ ‫إن الفرق السشلمية هشي تعشبير عشن تضششخم الفهششم وخللششه‪ ،‬فالقدريششة الشذين‬ ‫أنكروا القدر قوم متصفون بالصلح والتقى‪ ،‬ولكنهششم وقعششوا فششي أزمششة فهششم‬ ‫جعلتهم ينفون القدر ويتصورون أن علم ال تعشالى ليشس أزليشاً بشل هشو علشم‬ .‬‬ ‫إن تصور الحجام المناسبة لعناصر الفهم شرط أساس للعمل ‪ ،‬فإذا اختلششت‬ ‫الحجام فإنه لبد أن يعود خللها على الخطة والفهم ‪ ،‬وبالتالي علششى النتششائج‬ ‫والثمرات‪ .

‬‬ ‫‪()) 230‬‬ ‫‪()) 231‬‬ ‫‪())232‬‬ ‫صحيح مسلم ‪ ،‬كتاب اليمان ‪ ، 1/37‬ح ‪.(230‬عن ابن عمر عنششدما جششاء يحيششى بششن‬ ‫يعمر وحميد بن عبد الرحمششن الحميششري فقششال لششه ‪ :‬إن قبلنششا أناسشًا يقششرؤون‬ ‫القرآن ويتقفرون )‪ (231‬العلم وذكروان من شأنهم ‪ ،‬أي من زهدهم وعبادتهم‪،‬‬ ‫وأنهششم يقولششون ‪ :‬ل قششدر‪ ،‬وأن المششر ُأُنششف ) أي مسششتأنف ( ل يعلمششه ال ش‬ ‫ابتداًء ‪ ،‬فقال ابششن عمششر‪ :‬إذا لقيششت أولئك فششأخبرهم أنششي بريششء منهششم وأنهششم‬ ‫برءاء مني ‪ ،‬فوالذي يحلف به عبدال بن عمر لو أن لحدهم مثل أحد ذهبششًا‬ ‫فأنفقه ما تقبل منه إل أن يؤمن‬ ‫بالقدر ‪ ،‬ثم ساق الحديث الذي يتناول قصة مجيء جبريل عليشه السششلم إلششى‬ ‫النبي ‪ ‬وفيه بيان أركان اليمان‪.‬أطلح ‪ :‬من طلح ‪ ،‬بمعنى أعياه‪. 1‬‬ ‫يطلبونه ويجمعونه‪.‬‬ ‫وكذلك المر بالنسبة للشيعة الذين أحبوا عليًا رضي ال عنشه وآلشه ‪ ،‬ورثشوا‬ ‫لما أصابهم‪ ،‬فأخرجهم هذا الرثاء عن جادة الفهم حيث تضخم جششانب الحششب‬ ‫والموالة‪ ،‬وسيطر على فهمهم ووجه حركتهم عبر التاريخ توجيهًا خاطئًا ‪،‬‬ ‫وكان ينبغي أن يعلموا أنه ل يلزم من حب إنسان أن نخرجششه عششن الطششوار‬ ‫البشششرية‪ ،‬ونرتششب جميششع الوراق التاريخيششة السششابقة واللحقششة تبع شًا لهششذا‬ ‫الجانب‪.‬لقششد أرادوا تنزيششه الش تعششالى عششن الظلششم‪،‬‬ ‫وتضخم هذا الجانب في نفوسهم وبالغوا فيه حتى أوقعهم بوصف ال تعششالى‬ ‫باجلهل ‪ ،‬فخرجوا عن قاعدة التنزيه وهششم يريششدون التنزيششه‪ ،‬ونجششد هششذا فششي‬ ‫الحديث الذي أخرجه المام مسلم)‪ .‬‬ .‬‬ ‫وأما الخششوارج فهششم فئة تميششزت بجهادهششا وثباتهششا وصششلبتها وإقبالهششا علششى‬ ‫العبادة وقراءة القرآن ‪ ،‬وهم كمششا ُوصششفوا ) أنضششاء عبششادة واطلح سششهر (‬ ‫)‪ (232‬ولكنهم أصيبوا بتضخم الفهششم عنششدما عجششزوا عششن تصششور الجمششع بيششن‬ ‫كون المسلم عاصيًا وكونه مؤمنشًا فشي وقششت واحششد‪ ،‬فحملهششم طلششب وضشوح‬ ‫الموقف وتحديده من المعصششية علششى تكفيششر المسششلمين فوقعششوا فششي معصششية‬ ‫أكبر ‪ ،‬لقد غاب عنهم أن النصوص الشرعية لها أصول تفهم مششن خللهششا ‪،‬‬ ‫وأن التعششارض فيمششا بينهششا هششو تعششارض ظششاهري يششزول بششالعلم والرؤيششة‬ ‫الواسعة‪.‬‬ ‫وقد وصل المر ببعض دعاة التنزيه إلى درجة نفشوا معهشا الصشفات بحجششة‬ ‫توحيد ال تعالى مخلصين فيما ذهبوا إليه في التعطيل‪ ،‬والمشبهة والمعطلششة‬ ‫سواء في النتيجة ‪ ،‬ول ينبغي أن توصششف فئة منهششم بالعبقريششة والتميششز كمششا‬ ‫حاول المستشرقون وتلمششذتهم أن يصششفوا المعتزلششة بأصششحاب الفكششر الحششر‬ ‫والعقل النير وهم في الحقيقة أناس جنحوا في فهمهم‪.‫‪-91-‬‬ ‫حادث يكون بعد حدوث الشششياء‪ .‬‬ ‫أنضاء ‪ :‬هزل الجساد من طول العبادة‪ .

‬‬ ‫صحيح مسلم ‪ ،‬كتاب اليمان ‪ ، 1/109 ،‬ح ‪.(233‬‬ ‫وظاهر هذا النص يفيد أن من قتل نفسه فهو خالششد فششي النششار ‪ ،‬والخلششود فششي‬ ‫النار جزاء الكفار‪ ،‬وعليه فقتل النفس كبيرة يخلد صاحبها في النار‪.‬‬ ‫النص الثاني ‪ :‬أخرج المام مسلم في صحيحه من طريششق جششابر أن الطفيششل‬ ‫بن عمرو الدوسي أتى النبي ‪ ‬فقال ‪ :‬هل لك في حصين حصششين ومنعششة‪،‬‬ ‫قال حصن كان لدوس فششي الجاهليششة‪ ،‬فششأبى ذلششك النششبي ‪ ‬للششذي ذخششر الش‬ ‫للنصار فلما هاجر النبي ‪ ‬إلششى المدينششة هششاجر إليهششا الطفيششل بششن عمششرو‬ ‫وهاجر معه رجششل مششن قششومه فششاجتووا)‪ (234‬المدينششة ‪ ،‬فمششرض فجششزع فأخششذ‬ ‫مشاقص)‪ (235‬له فقط بها براجيمه)‪ (236‬فشخبت يداه حتى مات ‪ ،‬فرآه الطفيششل‬ ‫في منامه‪ ،‬وهيئته حسنة ‪ ،‬ورآه مغطيًا يديه ‪ ،‬فقال له ما صنع بك ربششك ؟ ‪،‬‬ ‫فقال ‪ :‬غفر لي بهجرتي إلى نبيه ‪ ‬فقال ‪ :‬مالي أراك مغطياً يديك ‪ ،‬قششال ‪:‬‬ ‫قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت ‪ ،‬فقصها الطفيل على رسول ال ‪ ‬فقششال‬ ‫رسول ال ‪ ) : ‬اللهم وليديه فاغفر( )‪.175‬‬ ‫فاجتووا المدينة ‪ ،‬قال الخطابي ‪ :‬أصله من الجوى ‪ ،‬داء يصيب الجوف ) أصابهم فيها سقم(‪.‬‬ ‫النص الول ‪ :‬أخرج المام البخاري ومسلم حديثًا جاء فيه ) من قتششل نفسششه‬ ‫بحديدة فهو في نار جنهم يتوجأ بحديدته خالدًا مخلدًا فيها ‪ ،‬ومن تجرع سششمًا‬ ‫فهو في نار جهنم يتجرعه خالدًا مخلدًا فيها( )‪.184‬‬ .‬‬ ‫برامجية ‪ :‬مفاصل الصبع‪.(237‬‬ ‫وهذا النص يفيد أن قاتل نفسه ليس مخلدًا في النششار بششل هششو فششي الجنششة كمششا‬ ‫أخبر النبي ‪ ‬بإقراره رؤيا الطفيل‪ ،‬ودعائه لقاتل نفسه بالمغفرة‪.‬‬ ‫مشاقص ‪ :‬جمع مشقص ‪ ،‬سهم فيه نصل رفيع‪.‬‬ ‫وأما النص الثاني‪ :‬فقد كان الفعل ناتجًا عن ضجر وسأم ل عن استحلل مششا‬ ‫حرم ال‪ ،‬فلشم يكشن قاتشل نفسشه كشافرًا ول خالشدًا مخلشدًا فشي النشار ‪ ،‬بشل هشو‬ ‫مقترف لمعصية مع بقششاء أصششل اليمششان فششي نفسششه‪ ،‬ويبقششى فششي دائرة وزن‬ ‫‪233‬‬ ‫‪()) 234‬‬ ‫‪()) 235‬‬ ‫‪())236‬‬ ‫‪())237‬‬ ‫صحيح البخاري ‪ 0‬فتح الباري ( ‪ ،‬ط السلفية ‪ ، 10/247‬ح ‪ .5778‬صحيح مسلم‪،‬‬ ‫))(‬ ‫كتاب اليمان ‪ ،1/103‬ح ‪.‫‪-92-‬‬ ‫ل على العقل‪ ،‬فيحمل‬ ‫وعند فقدان الصول والعلم يصبح التعارض شبحاً ثقي ً‬ ‫المسلم على اختيار نششص وطششرح نششص آخششر‪ ،‬وهششو فششي الششوقت الششذي يريششد‬ ‫تحكيم شششريعة الش مششن خلل شششعار ) إن الحكششم إل لش ( يكششون قششد رفششض‬ ‫شريعة ال برفضه نصًا من النصوص أو حكم شًا مششن الحكششام‪ ،‬ولبيششان هششذا‬ ‫المر لما له من الهمية نمثل بنصين يبدو فيهما التعارض ‪.‬‬ ‫ويبدو التعارض الظاهري بين هذين النصششين‪ ،‬ولكششن علمششاء العقيششدة أزالششوا‬ ‫هذا التعارض من خلل فهمهم المتزن ‪ ،‬فحملوا النششص الول علششى أن مششن‬ ‫قتل نفسه وهو مستحل لهذا الفعششل أي معتقششدًا حلششه‪ ،‬ومششن اعتقششد حششل شششيء‬ ‫حرمه ال فهو كافر خالد مخلد في النار‪.

‬‬ ‫فششالفكر ل يتعششرض للنحششراف فششي الحششوال العاديششة ‪ ،‬وإنمششا يتعششرض‬ ‫للنحراف في المنعطفات الحادة‪ ،‬فإذا وقعششت الجسششاد اسششيرة للم السششياط‬ ‫فل ينبغي للفكار أن تلتوي كما تتلوي الجساد‪.‬‬ ‫إن قساوة قلب السجان ‪ ،‬وانحراف فطرة الجلد هما مظهششران مششن مظششاهر‬ ‫السوء ودليلن على فساد القلوب ‪ ،‬ولكننا نضعهما في مكانهما فششي مقششاييس‬ ‫الشر ‪ ،‬ولبد أن ُيقتص من كل ظالم‪ ،‬ولكششن ل ينبغششي أن يصششل المششر إلششى‬ ‫درجة التكفير ؛ لن التكفير ل يكون إذا إذا أنكر المسششلم معلوم شًا مششن الششدين‬ ‫بالضرورة ‪ ،‬بالقرار علششى نفسششه بششالكفر أو إنكششار آيششة مششن كتششاب الش ‪ ،‬أو‬ ‫باستحلل ما حرم ال أو بتحريم ما أحل ال ‪.‬‬ ‫وهذه الفئة يمكن أن ُيقال فيها إن فكرها قد انحششرف فششي ظششل الفتنششة ‪ ،‬وكششان‬ ‫ينبغي أن يحافظ الفكر على طبيعته ومنهجه حتى في ظل الفتنششة ‪ ،‬بششل نحششن‬ ‫أحوج إلى الفكر المتزن في الفتنة أكثر منه خارجها‪.‬‬ ‫وأما في العصر الحديث فقد أصيب بعض الدعاة بمثل هذه الزمة في الفهشم‬ ‫فنظروا إلى العصاة والجلدين نظرة جعلتهم يحكمون عليهم بالكفر والخلود‬ ‫في النار ‪ ،‬ظنًا أنهم ل يسششتطيعون تعششبئة الششرأي العششام ضششدهم‪ ،‬ول يمكنهششم‬ ‫إقناع الناس بفساد هؤلء إل إذا استندوا إلششى نصششوص تحكششم عليهششم بششالكفر‬ ‫والخلود‪.‬‬ ‫إن الفهم المتزن يجعلنا نستطيع أن ندرك هششذه المعادلششة ‪ ،‬ويمكششن عنششدئذ أن‬ ‫يحكم الرجل على جلده بالمعصية ل بالكفر‪ ،‬فششي حيششن يحكششم بششالكفر علششى‬ ‫رجل رثى لحاله ومسح على جراحه ووافاه بطعامه وششرابه‪ ،‬ولكنشه همشس‬ ‫همسة واحدة قال فيها إن الشيء الفلني الذي حرمه ال كان أولى أن يكششون‬ ‫ل ‪ ،‬أو إن الشيء الفلني الذي أحله الش كششان الولششى أن يكششون حرامشًا‪.‬‬ ‫حل ً‬ ‫ونحن حين نرى شارب الخمر ل يجششوز أن نحكششم عليشه بششالكفر‪ ،‬وقششد نششرى‬ ‫آخر ل يشربها ويعافها ولكننا نحكم عليه بالكفر عندما يقول ‪ :‬مششا ينبغششي أن‬ ‫تكون الخمر حرامًا‪.‫‪-93-‬‬ ‫العمال وعرضها على ال ل في دائرة حبوط العمال وركمها فششي جهنششم‪،‬‬ ‫وإذا دخل المؤمن النار عقوبة على معصية فعلها فسيخرج منها بعد أن ينال‬ ‫جزاءه إذ ل خلود لهل اليمان في النار‪.‬‬ ‫الركن الثالث‪:‬‬ ‫أن تأخذ عناصر الفهم أماكنها الطبيعية فل تتبدل مواقعهششا ‪ ،‬بششل يظهششر كششل‬ ‫عنصششر فششي مكششانه الطششبيعي ضششمن سلسششلة الولويششات؛ وذلششك لن طريقششة‬ ‫ترتيششب الولويششات تسششهم فششي تغييششر المنهششج وطريقششة التفكيششر ‪ ،‬فيكششون‬ ‫الختلف بين جماعتين ليس في وجود عناصر الفهم‪ ،‬ولكن في ترتيب هذه‬ .

‬كما ينبغي أن‬ ‫ل يصششرفنا النهمششاك فششي مرحلششة مششن المراحششل عششن استحضششار التصششور‬ ‫الذهني والنظر لجميششع المراحششل ‪ ،‬وهششذا شششرط لسششتقرار المنهششج وسششلمة‬ ‫التفكير ‪ ،‬وإن أسششباب التسششرب فششي العمششل السششلمي ترجششع فششي كششثير مششن‬ ‫الحيان إلى عششدم استحضششار هششذه المششور أو إلششى نشششاط مبششالغ فيششه ضششمن‬ .‫‪-94-‬‬ ‫العناصر ‪ ،‬كما أن البدء في المرحلة قبل أوانها يقضي على المرحلة نفسها‪،‬‬ ‫ولقد رأينا صششنع أعششداء السششلم وهششم يحششاولون فششي كششثير مششن الحيششان أن‬ ‫يجششروا العمششل السششلمي إلششى مرحلششة لششم ُيعششد العششدة لهششا ‪ ،‬ولششم يسششتوعب‬ ‫شششروطها ومقوماتهششا ‪ ،‬وكششان هششذا يششؤدي باسششتمرار إلششى إجهششاض العمششل‬ ‫السلمي باستخدام هذه المصال القاتلة‪.‬‬ ‫فقد كفرت القاديانيششة عنششدما عطلششت هششذه الشششعيرة علششى المسششتوى النظششري‬ ‫وحذفتها نهائيًا من خارطة فهمها ‪ ،‬وصور لها دجالها أن السششلم يمكششن أن‬ ‫يتشم ويكمششل بغيششر جهششاد‪ .‬‬ ‫ونحن في هذه اليام نواجه أزمة فكرية عند بعض العششاملين للسششلم الششذين‬ ‫يظنون أن توافر السباب وغزارتها يغني عن توافر الشروط‪ ،‬فهم يريششدون‬ ‫القتال على أي حال ‪ ،‬وهذه معادلة ذات شق واحد‪ ،‬تؤدي إلى نتيجة عكسية‬ ‫‪ ،‬وقد آن الوان الذي ُتعتمد فيه القيادة الراشدة‪ ،‬صاحبة المنهج والفهم‪ ،‬كمششا‬ ‫آن الوان للمتعجلين أن يدركوا ضرورة هذا الرشششد ‪ ،‬ومعنششى بعششد النظششر‪،‬‬ ‫واتباع قاعدة الولويات‪ ،‬حتى ل يقششع العمششل السششلمي فششي المصششيدة الششتي‬ ‫ل للشششك أن مثششل هششذه‬ ‫ينصششبهاه لششه أعششداؤه‪ ،‬وقششد تششبين بمششا ل يششدع مجششا ً‬ ‫ل في تجريد المجتمع من القوة السلمية‪.‬ومششع أن للجهششاد هشذها لهميششة وهشو فريضششة مششن‬ ‫فرائض الدين إل أن له شروطًا ومقدمات لبد من اكتمالها‪ ،‬حتى نصل إلششى‬ ‫مكششان القتششال وفششق ترتيبششه فششي سششلم الولويششات ‪ ،‬وقششدوتنا فششي هششذا سششيد‬ ‫المجاهدين النبي محمد ‪ ، ‬الذي لم يأذن لصحابه بالقتال إل بعد هجرتهم‬ ‫للمدينة‪ ،‬علمًا بأن السباب الداعية للقتال كششانت موجششودة قبششل ذلششك ‪ ،‬ولكششن‬ ‫الشروط الضرورية للقتال لم تكن موجودة‪.‬‬ ‫فممارسششة القتششال هششو ذروة سششنام السششلم ‪ ،‬ومكششون مششن مكونششات السششلم‬ ‫يهدف إلى مقارعة الفتنة والقضاء عليها ‪ ،‬وتمهيد الطريشق لنتششار الشدعوة‬ ‫ووصولها إلى كل مكان وإزاحششة العقبششات مششن طريقهششا ‪ ،‬ولبششد أن تحتششوي‬ ‫عليه خارطة الفهم‪ ،‬ومن يطالب بإلغاء الجهاد من الفهم فششإنه يكفششر ويخششرج‬ ‫من الملة‪.‬‬ ‫الممارسات كانت عام ً‬ ‫مراجعة الفهم‪:‬‬ ‫وللمحافظة على هذا الفهم في حدود أركششانه لبششد مششن استحضششار العناصششر‬ ‫والولويات ‪ ،‬وأن ل تغيب هذه المور عن العاملين للسلم‪ .

‬وهششذا يجعلهششم يتهمششون دعششوتهم بالقصششور‪ ،‬أو ُيصششابون‬ ‫بالحباط‪ ،‬والتهام بالقصور والحباط سببان رئيسان يخرجان الداعية عششن‬ ‫مساره‪.‬‬ ‫ولبد من معرفة هذه الهداف وشرحها للعشاملين ومعشاودة الشرح والدراسشة‬ ‫لتبقي حية في النفوس ‪ ،‬صيانة لها من الغفلة والنسيان ‪ ،‬وهمششا أخششو الجهششل‬ ‫والضلل ‪.‬‬ ‫وزيادة في إيضاح هذه الفكرة نقول ‪ :‬إن الجهد المطلوب جهششد موضششوعي‪،‬‬ ‫مثاله أن نقل مائة كيلو غرام يحتاج إلى قوة حمل تساوي مائة كيلو غششرام ‪،‬‬ ‫‪ 100‬كغم وزن = ‪ 100‬كغم قوة‪ .‫‪-95-‬‬ ‫جزئية من هذه الجزئيات ‪ ،‬ومن أجل ذلك نجد بعض الششدعاة ليسششوا قششادرين‬ ‫على مواكبة الدعوة‪ ،‬وقد يسيرون فيها بأجسادهم أكششثر ممششا يسششيرون معهششا‬ ‫بلئحة فهمهم المتكاملة‪ ،‬ومثششل هششؤلء لششديهم قابليششة التسششرب‪ ،‬وعلج هششذه‬ ‫القابلية يكون بمراجعة الفهم والوصول إلى قناعات حول أركانه‪.‬فكثير مششن الششدعاة‬ ‫تصيبهم الحيرة لعششدم وصششولهم إلششى أهششدافهم‪ ،‬ظششانين أنهششم وّفششوا مششا عليهششم‬ ‫وأبششرءوا ذمتهششم ‪ .‬إن ‪ 90‬كغششم قششوة ل يمكششن أن ترفششع وزن‬ ‫‪ 100‬كغم‪.‬‬ .‬‬ ‫إن الدراك الواعي لفرق الجهد بين المطلوب والمبششذول يششدفع الداعيششة إلششى‬ ‫مراقي الجهد المطلششوب‪ ،‬ويشششعره بالتقصششير وبأسششباب عششدم بلششوغ الغايششة ‪،‬‬ ‫وهذا جزء مهم من علج حالة الحباط في نفوس الدعاة‪ .‬‬ ‫إن استعراض الهداف يعطي الداعية قناعششة بششأن دعششوته كليششة ل جزئيششة ‪،‬‬ ‫وأنها متنوعة المراحل‪ ،‬ويوقفه على اتساع حقول الدعوة‪ ،‬ويكشف لششه عششن‬ ‫عظيم الجهد المطلوب لتحقيق هذه الهششداف ‪ ،‬ويسششاعده علششى قيششاس الجهششد‬ ‫المبذول‪.‬‬ ‫والمتتبع لسنة النبي ‪ ‬يجد أنه كان باستمرار يعيد على الصحابة عناصششر‬ ‫فهمهم للسلم‪ ،‬فلو نظرنا في حديث جبريل عليه السلم الذي كان في آخششر‬ ‫عهد النبوة ‪ ،‬حيث ذكرت فيه حقائق إسلمية لم تكن مجهولة عند الصششحابة‬ ‫بل كانت معلومة‪ ،‬وقد يقول قائل ما الداعي إلى إعادتها وترتيبها؟ علمًا بأن‬ ‫الحصابة رضوان ال عليهم كششانوا قششد سششمعوا كششثيرًا عششن الصششلة والزكششاة‬ ‫والصيام والحج واليمان والحسان والساعة‪ ،‬ولكن منهششج هششذا الششدين يقششوم‬ ‫على طريقه تربوية تعتمد على إدخال المعلومة الجديشدة فششي ظشل معلومششات‬ ‫سابقة مرتبة ‪،‬لتكون العملية الذهنية متكاملششة‪ ،‬وإن أفضششل طريقششة لمراجعششة‬ ‫الفهم هي معرفة أهداف السلم الكششبرى ومقاصششده العظمششى ‪ ،‬واستحضششار‬ ‫هذه الهداف والمقاصششد فششي حالششة وعششي ل تعششرف الهششذيان ول التجششزئه ‪،‬‬ ‫والمنهج السديد تتركز فيششه أهششداف السششلم ومقاصششده وهششي أركششان الفهششم‪.

58 ،57‬‬ ‫النجم ‪.(241‬‬ ‫‪()) 238‬‬ ‫‪()) 239‬‬ ‫‪())240‬‬ ‫‪())241‬‬ ‫آل عمران ‪.32‬‬ ‫الشورى ‪.(239‬‬ ‫وأما الجهد المبذول فيدل عليه قول ال تعالى ‪ ‬فل تزكوا أنفسكم هو أعلم‬ ‫بمن اتقشى‪ (240)‬اليشة ‪ ،‬وقشوله ‪‬ومشا أصشابكم مشن ُمصشيبة فبمشا كسشبت‬ ‫أيديكم ويعفو عن كثير‪‬الية )‪.‫‪-96-‬‬ ‫إن الجهد المطلوب يبينه قول الل تعالى ‪ } :‬يا أيهششا الشذين آمنششوا اتقشوا الش‬ ‫حق تقاته ول تموتن إل وأنتم مسلون ‪ ،(238) ‬ويششبينه حششديث النششي ‪" : ‬‬ ‫اليمششان بضششع وسششتون أو بضششع وسششبعون شششعبة‪ ،‬أعلهششا ل إلششه إل ال ش ‪،‬‬ ‫وأدناهششا إماطششة الذى عششن الطريششق‪ ،‬والحيششاة شششعبة مششن اليمششان" متفششق‬ ‫عليه)‪.30‬‬ . 9‬وصحيح مسلم ‪ ،1/63‬ح ‪.102‬‬ ‫صحيح البخاري ) فتح الباري ( ص ‪ 1/51‬ح ‪ .

‬‬ .‬‬ ‫والقرآن ل تتضارب آياته ول تتناقض مقاصده‪ ،‬وليست العششوائق والعقبششات‬ ‫شششرع‬ ‫أسبابًا كافية لصرف هذه المقاصد عن بلوغ غايتهششا‪ ،‬ولششول ذلششك لمششا ُ‬ ‫الجهاد بجميع صوره وأشكاله‪ ،‬وقد ندب الش المششؤمنين لمكافحششة الفتششن أنششى‬ ‫كانت‪.‬فقشد سشاد فشي المشة فهشم أنشاني فشردي‬ ‫يتستر بستار النفعية وهو الضرر بعينه علششى الفششرد والجماعششة‪ ،‬حيششث نجششد‬ ‫أكثر الناس يدورون حول ذواتهم ويشعرون بالسلبية القاتلششة عنششدما يظهششور‬ ‫إلحاح المصلحة العامة‪ .‬وهششذا الفهششم مخششالف لهششداف القششرآن ومقاصششه‪ ،‬فقششد جششاء القششرآن‬ ‫الكريم رحمة للعالمين لصلح الفرد والجماعة‪ ،‬وطالب المسشلم بشأن ينفشرد‬ ‫للششدعوة والجهششاد وأن ل يكششون مششع الخوالششف‪ ،‬وأن ل يقعششد مششع القاعششدين‪.‬‬ ‫ولقد التفت أبو بكر إلى خطورة هذا الفهم السلبي العكسي‪ ،‬فقد أخرج المششام‬ ‫أحمد في مسنده والترمذي في الجامع من طريششق التششابعي الجليششل قيششس بششن‬ ‫أبي حازم قال‪ :‬قام أبو بكر رضي ال عنه فحمد ال وأثنى عليه ثم قال‪ :‬أيها‬ ‫الناس‪ ،‬إنكم تقرءون هذه اليششة ‪ } :‬يششا أيهششا الششذين آمنششوا عليكششم أنفسششكم ل‬ ‫يضركم من ضل إذا اهتديتم‪ ‬وإنكم تضعونها على غير موضششعها‪ ،‬وإنششي‬ ‫سمعت رسول ال ‪ ‬يقول ‪" :‬إن الناس إذا رأو المنكر فلششم يغيششروه أوشششك‬ ‫ال عز وجل أن يعمهم بعقابه")‪ ،(243‬ولو فهم أبو بكر هذه اليششة فهم شًا سششلبيًا‬ ‫لما أصر على مقاتلة مانعي الزكاة‪ ،‬ولترك المرتدين يعششودون بششالعرب إلششى‬ ‫جاهليتهم الجهلء‪.205 :‬‬ ‫مسند أحمد )‪ (1/2‬والترمذي )‪(5/257‬ولفظه ) إن الناس إذا اردوا ظالمًا فلم يأخذوا‬ ‫))(‬ ‫على يديه أوشك أن يعمهم ال بعقاب( وقال ‪ :‬حسن صحيح ‪.‬‬ ‫وقد أخرج المام أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع‪ ،‬بسنده عششن أبششي أميششة‬ ‫الشعباني قال ‪ :‬أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلششت لششه ‪ :‬كيششف تصششنع بهششذه اليششة؟‬ ‫‪()) 242‬‬ ‫‪243‬‬ ‫المائدة الية ‪.‬فلقششد أنتششج الفهششم الخطششأ فرقشًا وطششوائف‬ ‫مزقت المة وأتت على كلمتها ووحدتها‪ .‬ونحن في هذه القواعششد نقششف علشى‬ ‫الفهم السائد في مقابل الفهم الشواجب‪ .‫‪-97-‬‬ ‫القاعدة الثامنة عشر‬ ‫الفهم السائد والفهم الواجب‬ ‫لقد وقع كثير من المسلمين في مشكلة عدم فهم القرآن الكريم ‪ ،‬وهذه الزمة‬ ‫أشد عليهم وأفتك بهششم مششن عششدوهم‪ .‬ونجد الدعوة إلششى النكبششاب علشى الششذات أو الششدائرة‬ ‫الصغرى‪ ،‬ولسان حال أحدهم الية الكريمة‪ } :‬يا أيهششا الششذين آمنششوا عليكششم‬ ‫أنفسكم ل يضركم من ضل إذ اهتديتم‪ ،(242) ‬ويفهمون من الية أن يعتني‬ ‫النسششان بشششئون الخاصششة ويقطششع صششلته مششع النششاس‪ ،‬مششع تكششرار كلمششات‬ ‫وشعارات مثل ‪ :‬نحن في آخر الزمان‪ ،‬وما شششابه ذلششك مشن عبششارات اليشأس‬ ‫والقنوط‪ .

‫‪-98-‬‬ ‫قال‪ :‬أّية آية؟ قلت ‪ :‬قول ال تعالى ‪ } :‬يا أيها الذين آمنوا عليكششم أنفسششكم ل‬ ‫يضركم من ضل إذا اهتديتم‪ ،‬قال‪ :‬أما وال لقد سالت عنها خبيرًا‪ ،‬سألت‬ ‫رسول ال ‪ ‬فقال ‪" :‬بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر‪ ،‬حششتى إذا‬ ‫ى متبعًا ودنيا مؤثرة‪ ،‬وإعجششاب كششل ذي رأي برأيششه‬ ‫رأيت شحًا ُمطاعًا وهو ً‬ ‫فعليك بخاصة نفسك‪ ،‬ودع العوام‪ ،‬فإن من ورائكم أيامشًا للصششبر فيهششن مثششل‬ ‫ل يعملششون‬ ‫القبششض علششى الجمششر‪ ،‬للعامششل فيهششن مثششل أجششر خمسششين رج ً‬ ‫كعملكم")‪.‬وإن استغراق‬ ‫هذه الصفات الذميمة لبناء الجنس البشري يجعل الحياة عديمة الجدوى بل‬ ‫هدف‪ ،‬وعندئذ يكون القدر المقدور في تدمير هذا الكون المعمور‪.‬والشح أعم من البخل غذ هششو فششي‬ ‫المال وغيره‪ ،‬فيصبح الشح هو القاعدة العامة المتبعة‪ ،‬والهششوى متبعشًا وهششو‬ ‫رغبة النفس‪ ،‬وُيعجب كل صششاحب رأي برأيششه فل شششورى ول اتفششاق‪ .(5/257‬‬ .‬وقد أخبرنا النبي ‪ ‬عن زمششان ل ُتقبششل فيششه توبششة‪،‬‬ ‫‪()) 244‬‬ ‫الترمذي )‪.‬‬ ‫ونقول أيضًا‪ :‬إن هششذه الصششفات تعنشي فسشاد الفطششرة النسشانية وتنكبهششا عشن‬ ‫الخير وتمحضها للشر‪ .‬‬ ‫ونحن نقول‪ :‬إن الزمان الششذي تصششل فيششه المششور إلششى هششذا الحششد مششن الشششح‬ ‫والهوى والدنيا المؤثرة لششم يششأت بعششد‪ ،‬ويكششون ذلششك ُقبيششل يششوم القيامششة؛ لن‬ ‫القيامة ل تقوم إل على شرار الخلق وأبغضهم إلى ال تعالى‪ .‬وقد يدعي مد ٍ‬ ‫حتى في عصر الصشحابة الكشرام وفشي عصشر التشابعين البشرار‪ ،‬و هشو مشا‬ ‫أشكل على بعض الصحابة حتى قام أبو بكر ينفي هذا الشكال‪ ،‬ومشا اختلشط‬ ‫علششى أبششي أميششة الشششعباني فقششام يسششأل أبششا ثعلبششة الخشششني رضششي الش عنششه‪،‬‬ ‫فصرف أبو ثعلبة زمن تحققها عن زمششان الصششحابة الكششرام‪ ،‬وقيششد وجودهششا‬ ‫بالصفات المذكورة على وجه الحكام‪.‬وقششد‬ ‫يقول قائل‪ :‬إن هذه الصفات تنطبق على مجتمعاتنا‪ ،‬أل تششرى الشششح المطششاع‬ ‫والهوى المتبع إلششى آخششر هششذه الصششفات؟ وبششذلك تكششون اليششة منطبقششة علششى‬ ‫زماننششا‪ ،‬ونحششن المخششاطبون بهششا! والحششق أن هششذه الصششفات المششذكورة هششي‬ ‫الصفات التي تصبح سائدة عامة فل يخرج أحد في المجتمع عنها‪ ،‬وما زال‬ ‫فششي المجتمششع خيششر كششثير‪ ،‬هنالششك الصششالحون التقيششاء والكششرام السششخياء‪،‬‬ ‫وطلب الخرة الولياء‪ ،‬والباحثون عن الدليل من الكتشاب والسشنة ‪ ،‬وليشس‬ ‫المراد أان يكون بعض الناس علششى هششذه الصششفات السششيئة‪ ،‬فوجششود الشششحيح‬ ‫أمر متحقق في كل عصر وفي كل مكششان ‪ ،‬ووجششود المعجششب برأيششه المعتششد‬ ‫ع أن هذا موجود‬ ‫بخطئه والمعتز بخطيئته ممكن في كل دهر‪ .(244‬‬ ‫وبهذا يكون أبو ثعلبة قد فسر اليششة‪ ،‬وحملهششا علششى الششوقت الششذي تكششون فيششه‬ ‫صفات الناس كما ذكر من الشح المطاع‪ .

‫‪-99-‬‬ ‫وأخبرنا القرآن الكريم عن وقت ل ينفع فيه نفساً إيمانها لششم تكششن آمنششت مششن‬ ‫قبششل أو كسششبت فششي إيمانهششا خيششرًا‪ .‬قششال عليششه الصششلة والسششلم‪" :‬ل تنقطششع‬ ‫الهجششرة حششتى تنقطششع التوبششة‪ ،‬ول تنقطششع التوبششة حششتى تخششرج الشششمس مششن‬ ‫مغربها")‪ ،(245‬فباب التوبة مفتوح على مصششراعيه‪ ،‬والتوبششة مبذولششة لجميششع‬ ‫البشر‪ ،‬ويترتب علششى ذلششك المششر بششالمعروف والنهششي عششن المنكششر ‪ ،‬وعشدم‬ ‫اليأس من النسا ‪ ،‬والقيام بواجب النذار والبلغ‪ ،‬ولكن عندما تنقطع التوبششة‬ ‫وُيغلق بابها بظهور العلمات الكبرى التي ل ينفع اليمششان بعششدها فعنششدئٍذ ل‬ ‫يفيد النذار والبلغ إل صاحبهما في حصوله على أجرهما وثوابهما‪ .11:‬‬ .(246)‬‬ ‫وقد جاء في تفسير الية أن معنى أنفسكم ‪ :‬قششومكم وأمتكششم ‪ ،‬كمششا فششي قششوله‬ ‫تعششالى ‪‬فسششلموا علششى أنفسششكم‪ ، (247) ‬وكمششا فششي قششوله ‪ ‬ول تلمششزوا‬ ‫أنفسكم ‪ (248)‬ويكون المعنى احرصوا على أمتكم وعلى أهل دينكم‪.‬والخطر على الذات يكون من داخلها‪ ،‬ويكون مششن خارجهششا‪ ،‬فششإذا‬ ‫تركت الذات دون تحصين وحفظ تسربت إليها العوادي الخارجية فأفسدتها‪.‬‬ ‫‪()) 245‬‬ ‫‪()) 246‬‬ ‫‪())247‬‬ ‫‪())248‬‬ ‫سنن أبي داود )‪.61 :‬‬ ‫الحجرات الية ‪.‬وهششذا‬ ‫ما جعل ابششن مسششعود يششرى أن بعششض آيششات القششرآن الكريششم جششاء تفسششيرها‪،‬‬ ‫وبعضها لم يأت تفسيرها‪.6 :‬‬ ‫النور الية ‪.(3/7‬‬ ‫التحريم الية ‪.‬‬ ‫ثم إن مما تفيده الية ت حصين النفس ووقايتها من عوامل الشششر بششأن يقششوم‬ ‫المسششلم بعمليششن متلزميششن‪ :‬الول ‪ :‬إصششلح الششذات‪ ،‬والثششاني‪ :‬الصششلح‬ ‫خارجها‪ .‬‬ ‫والية تأمر المؤمنين بأن يحافظوا على أنفسهم مششن هششذه العششوادي كمششا فششي‬ ‫قوله تعالى‪ } :‬يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نششارًا وقودههششا النششاس‬ ‫والحجارة‪.‬‬ ‫ونخلص من كل هذا إلى أن الية فيها دافعية عظيمة للعمل والحرص علششى‬ ‫مصلحة المة‪ ،‬وليست سلبية عدمية تدعو إلى النكباب على الذات فقط‪ ،‬أو‬ ‫على المصلحة الخاصة فحسب‪.

110‬‬ ‫آل عمران ‪ :‬الية ‪.71 :‬‬ .(249) ‬ولتحقيق هذه المزيششة‬ ‫والصفة الشريفة جاء المر القرآني بذلك‪ } :‬ولتكن منكم أمة يششدعون إلششى‬ ‫الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪.‬‬ ‫مسئولية المر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة ‪:‬‬ ‫وليس المر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنًا خاصاً لمسلم دون آخششر بششل‬ ‫هي مسئولية عامة مصدرها التكليف الشرعي العام‪ ":‬من رأى منكم منكششرًا‬ ‫فليغيره"‪ ،‬وكلمة "من" من ألفاظ العموم‪ ،‬فكل مسلم آمن بال ربًا وبالسششلم‬ ‫دينًا مكلف شرعًا بالمر بالمعروف والنهي عن المنكششر‪ .‬‬ ‫وأما في الشرع فالمعروف ما عرفه الناس واعتادوه ممششا جششاء بششه الشششرع‪،‬‬ ‫والمنكر ماأنكروه ومقتوه مما نهششى عنششه الشششرع‪ .‬‬ ‫ففشي غيشاب ششرع الش تعشالى عشن المجتمعشات تنششأ أعشراف جاهليشة تبشدل‬ ‫المشششوازين والذواق والخلق‪ ،‬وهشششا نحشششن نجشششد الكشششثير مشششن مجتمعاتنشششا‬ ‫السلمية تجعل من المنكرات معروفًا يحظششى بالششدعم المششادي والمعنششوي ‪،‬‬ ‫وتحميه النظمة والقوانين ‪ ،‬وهذا من الثمششامر الخبيثششة الششتي أنتجتهششا سششلبية‬ ‫الباء والجداد ‪ ،‬وموادعتهم للمنكر وأهله ‪ ،‬وفسح المجال لدعاة السوء فششي‬ ‫مختلف المجالت ‪.‬‬ ‫المعروف والمنكر في اللغة والصطلح‪:‬‬ ‫المعروف في اللغة ما عرفه الناس واعتادوه ‪ ،‬والمنكر ما أنكروه ومقتوه‪.‬فقششد يكششون العششروف عنششد‬ ‫الناس منكرًا في الشرع‪ ،‬وقد يكون المنكر عند النشاس معروفشًا فشي الششرع‪.‫‪-100-‬‬ ‫القاعدة التاسعة عشرة‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر‬ ‫فرض من فروض المة‬ ‫المششر بششالمعروف والنهششي عششن المنكششر أبششرز خصششائص المششة المسششلمة ‪،‬‬ ‫وعلمة خيريتها ‪ ،‬قال تعالى ‪ } :‬كنتم خير أمششة أخرجششت للنششاس تششأمرون‬ ‫بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بال‪ .104‬‬ ‫التوبة الية ‪.‬ول يسششتحق وليششة‬ ‫الششش ورسشششوله والشششذين آمنشششوا إل إذا قشششام بهشششذا الشششواجب‪ } :‬والمؤمنشششون‬ ‫والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يششأمرون بششالمعروف وينهششون عششن المنكششر‬ ‫‪.(251)‬‬ ‫‪()) 249‬‬ ‫‪()) 250‬‬ ‫‪())251‬‬ ‫آل عمران ‪ :‬الية ‪.(250)‬‬ ‫فالمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليششل علششى حيششاة اليمششان فششي القلششب‪،‬‬ ‫وبرهان على قيام الرابطة الحقيقية بين هذا المسلم المر الناهي وبين دينششه‪،‬‬ ‫وأنه ينطلق بهذا الدين بجد وعزيمة‪.

(253‬‬ ‫وهذا التنويع في ذكر المر بالمعروف والنهي عن المنكر يدل علششى أن ك ً‬ ‫ل‬ ‫منهمششا قششد يطلششب فششي ظششروف أو أحششوال معينششة ‪ ،‬وأنهمششا قششد يجتمعششان أو‬ ‫ينفردان‪ .(252)‬‬ ‫وجاء إفراد النهي عن المنكر في الحديث‪ " :‬مششن رأى منكشم منكششرًا فليغيششره‬ ‫بيششده‪ ،‬فششإن لششم يسششتطيع فبلسششانه‪ ،‬فششإن لششم يسششتطع فبقلبششه‪ ،‬وذلششك أضششعف‬ ‫اليمان")‪.(78،79‬‬ ‫أخرجه مسلم)‪ ، (1/69‬والترمذي )‪ ،(4/469‬طبعة مصطفى البابي الحلبي ‪ ،‬وأبو‬ ‫))(‬ ‫داود)‪ ، (1/677‬طبعة دار الحديث بحمص بتحقيق الدعاس‪ ،‬وابن ماجة)‪ ، (1/406‬طبعة عيسى‬ ‫الحلبي بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي‪.‬‬ .‬والششذي يتنششوع‬ ‫ويختلششف إنمششا هششو المنششازل والششدرجات‪ ،‬فهششذه تختلششف حسششب الحششوال‬ ‫والوضششاع‪ ،‬فششأعلى درجششات إنكششار المنكششر التغييششر باليششد‪ ،‬وأدنششاه التغييششر‬ ‫بالقلب‪.‬‬ ‫بأيهما نبدأ‪:‬‬ ‫اقترن ذكر المر بالمعروف بالنهي عن المنكر في أكثر اليات والحششاديث‬ ‫التي تحض على القيام بهذه الفريضة‪ ،‬وجاء ذكر النهششي عششن المنكششر وحششده‬ ‫في مواضع أخرى‪ ،‬وذلك مثل قوله تعالى عن بني إسرائيل‪ُ } :‬لعن الششذين‬ ‫كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم‪ ،‬ذلك بمششا عصششوا‬ ‫وكشششانوا يعتشششدون* كشششانوا ل يتنشششاهون عشششن ُمنكشششر فعلشششوه لشششبئس ماكشششانوا‬ ‫يفعلون‪.‫‪-101-‬‬ ‫والقيام بهذا الواجب فريضة شششرعية ‪ ،‬بششل هششو أصششل الفششرائض الشششرعية‪،‬‬ ‫وهو مطلوب في كششل حششال ‪ ،‬وفششي كششل وقششت‪ ،‬سششواء أكششان المسششلم غنيشًا أو‬ ‫فقيرًا ‪ ،‬قويًا أو ضعيفًا‪ ،‬فردًا أوجماعة‪ ،‬كششثير العلششم أو قليلششه‪ .‬‬ ‫تمكن‬ ‫المنكر‬ ‫المر بالمعروف‬ ‫‪()) 252‬‬ ‫‪253‬‬ ‫تمكن‬ ‫المعروف‬ ‫النهي عن المنكر‬ ‫المائدة اليتان )‪.‬والذي يقرر دون كل واحد منهما تمكن أحدهما في المجتمششع‪ ،‬فششإذا‬ ‫تمكن المنكر كما كان الحششال فششي مكشة قبششل الهجششرة‪ ،‬أوكمششا هشو فششي بعششض‬ ‫المجتمعات السلمية المعاصرة فإن المششر بششالمعروف يششبرز ويأخششذ دوره‬ ‫في عملية التغيير ‪ ،‬فإذا تمكن المعروف وهيمششن علششى المجتمششع فششإن النهششي‬ ‫عن المنكر يبرز ويأخذ دوره لمعالجه الظواهر الشاذة ‪ ،‬كما كان الحال بعششد‬ ‫الهجششرة إلششى المدينششة‪ ،‬وقيششام المجتمششع المسششلم فيهششا ‪ ،‬وكمششا هششو الحششال فششي‬ ‫مؤسسة إسلمية‪ ،‬أو جماعة من الناس رضيت بحكم السلم فيها‪.

‬‬ ‫المرحلة الثانية‪:‬‬ ‫فإذا واصل أهل المعروف معروفهم فششإن مرحلششة جديششدة تبششدأ وهششي مرحلششة‬ ‫عدم الرضششا والمقشت مشع الحششوار والجشدل ‪ .‬‬ ‫ومن هنا كان النهي عن المنكر أخطر وأشق من المر بالمعروف‪.‬‬ ‫طبيعة النهي عن المنكر‪:‬‬ ‫تتصششف طبيعششة النهششي عششن المنكششر بالمقاومششة والمغالبششة وروح التحششدي‬ ‫والثشششارة‪ ،‬فهشششو يتضشششمن تسشششفيه الحلم وتخطئه القشششوال والتصشششرفات‪،‬‬ ‫ومقاومة العادات والرغبات‪.‬وهنششا تبشدأ مرحلشة الششدفاع عشن‬ ‫المعششروف‪ ،‬والمحافظششة عليششه‪ ،‬وإدامششة زراعتششه‪ ،‬وحياطششة بششذرته بالرعايششة‬ ‫اللزمة‪ .‬‬ ‫عملية التغيير من خلل المر بالمعروف‪:‬‬ ‫يبدأ المر بالمعروف بكلمة ودود‪ ،‬ليس فيها إثارة أو مغاضششبة‪ ،‬وليشس فيهششا‬ ‫مقاومة أو معاندة ‪،‬وتكون الكلمة منطقية ذات حجة قوية‪ ،‬وبذلك تبدأ عمليششة‬ ‫التغيير في المجتمع من خلل مراحل عدة ‪:‬‬ ‫المرحلة الولى‪:‬‬ ‫عندما ُيلقى قول المعروف أو فعلشه فشي مجتمشع المنكشر يلقشى هشذا القشول أو‬ ‫الفعل الستهجان والسخرية ‪،‬وهششذه هششي المرحلششة الولششى؛ لن عيششون أهششل‬ ‫المنكر وآذانهششم وأذواقهششم لششم تتعششود علششى مثششل هششذا القششول أو الفعششل فيقابششل‬ ‫بالسخرية والستهزاء والستهجان‪ ،‬كما هو الشأن في كل جديد‪ .‬فلقد أثارت‬ ‫صلة النبي ‪ ‬استهجان أهل مكة وسخريتهم في أول المر‪.‬والجدير بالذكر أن المعروف يصبح مألوفًا عند أهل المنكر‪.‫‪-102-‬‬ ‫) دور إصلح وترميم (‬ ‫) دور تأسيس وبناء(‬ ‫طبيعة المر بالمعروف ‪:‬‬ ‫تتصف طبيعة المر بالمعروف بالحكمة والمودة والرحمششة والششبر ‪،‬والنظششر‬ ‫إلى الجانب اليجابي في الشخصية وتنمية هذا الجانب ‪ ،‬ويبرز دور القششدوة‬ ‫الصالحة‪،‬إذا ل يكون المر بالمعروف إل من أهل المعششروف الششذين يظهششر‬ ‫عليهم معروفهم فتكون الدعوة إليه بلسان الحال قبل لسان المقال‪.‬‬ ‫المرحلة الرابعة ‪:‬‬ .‬‬ ‫المرحلة الثالثة‪:‬‬ ‫فإذا واصل أهل المعروف مهمتهم في تأسيسششه وتأكيششده‪ ،‬وتثششبيت شششعاراته‪،‬‬ ‫وإبراز محاسنه ‪ ،‬وصبروا على ذلك‪ ،‬واحتملوا الذى في سششبيله‪ ،‬وأحسششنوا‬ ‫العرض والتأييد ‪ ،‬انتقل أمر المعروف إلى عدم القبول أو الترك‪.

‫‪-103-‬‬ ‫ومن خلل المواصلة في قول المعروف وفعلششه ينتقششل المششر إلششى المسششالمة‬ ‫ل في المجتمع ثابتاً فيه‪ ،‬ومع العمل‬ ‫والموادعة‪ ،‬حيث يصبح المعروف أصي ً‬ ‫المتواصل ينتقل المعروف إلى مرحلة القبول والرضا‪.‬‬ ‫يظهر أهل المنكر بمظهر أصحاب الحق المشروع والنظام المؤيد بالقانون‪،‬‬ ‫ويظهر الناهي عن المنكر بمظهر الشاذ الخارج عن النظام والقانون‪.‬‬ ‫إن استخدام اليد ) القوة ( لمواجهة المنكر الجتمششاعي المتمكششن ضششرب مشن‬ ‫النتحار‪ ،‬وإهدار للطاقات دون جششدوى‪ ،‬وسيسششتخدم المنكششر جميششع مراكششز‬ ‫القوة فيه لمقاومة الناهي وتشويه صورته ‪ ،‬والعمل على استئصاله‪ ،‬وسششيعد‬ ‫عمله ثورة غير مشروعة يلقى صاحبها ألوان التنكيل والبطش‪ .‬‬ ‫المرحلة الخامسة‪:‬‬ ‫ثم تأتي مرحلة اليمان والحماس والنصر والتأييد‪.‬‬ ‫) (‪1‬‬ ‫) (‪2‬‬ ‫) (‪3‬‬ ‫) (‪4‬‬ ‫) (‪5‬‬ .‬‬ ‫فساد الذواق والقيم والعادات والعراف‪.‬‬ ‫المر‬ ‫بالمعروف‬ ‫الستهجان‬ ‫والسخرية‬ ‫الستهجان‬ ‫والسخرية‬ ‫الستهجان‬ ‫والسخرية‬ ‫الستهجان‬ ‫والسخرية‬ ‫الستهجان‬ ‫والسخرية‬ ‫إن هذه الخطوات هي الخطوات المنطقية لعملية إرساء المعروف في النفس‬ ‫والمجتمع‪ ،‬وإن النتقال من خطوة إلى التي تليها هو عمل إيجششابي‪ ،‬كمششا أن‬ ‫التحول المطلوب ل يتحقق بسرعة ‪ ،‬ول يتحقق من خلل مرحلششة واحششدة ‪،‬‬ ‫ول يقاس النجاح والفشل بحدوث النقلب المفاجئ أو عدم حدوثه‪ ،‬لذا فششإن‬ ‫فتح مكة ودخول أهلها في دين ال أفواجًا لم يأت فجأة ‪ ،‬بل مشن خلل عمشل‬ ‫متواصل بدأ من أول أيام البعثة المباركة‪.‬‬ ‫وبعكس هذه الخطوات تسير عملية المنكر في المجتمششع؛ إذ أن أهششل المنكششر‬ ‫يرضون باليسير من التغيير المرحلي‪ ،‬حششتى يصششلوا بمنكرهششم إلششى مرحلششة‬ ‫الهيمنة والتحكم‪.‬ول تستخدم‬ ‫اليد إل في إحدى حالتين‪:‬‬ ‫الولى ‪ :‬من قبل الدولة المسلمة والمير المسلم‪.‬‬ ‫عملية إنكار المنكر‪:‬‬ ‫عندما يكون المنكر مهيمنًا علششى مجتمششع مششا فلبششد مششن أخششذ المششور التاليششة‬ ‫بالعتبار‪:‬‬ ‫رسوخ المنكر في النفس والمجتمع‪ ،‬وقيام مؤسسات قويششة لحمششايته والششدفاع‬ ‫عنه‪.

‬‬ ‫خامسًا ‪ :‬إن التحري الدقيق لصششدق المعلومششات أسششاس فششي إصششابة الهششدف‪،‬‬ ‫والمبالغة والكذب يحرمان الداعية من صلبة الموقف وصدق الدعوة‪.‬‬ ‫رابعًا ‪ :‬وإن جمع الحصائيات والبيانات والخبششار والتقششارير حششول بعششض‬ ‫المنكرات تجعل الحجة في المقاومة أقوى وأوسع‪.‬‬ ‫أما إنكار المنكر باللسان فله ضوابط‪ ،‬منها ‪-:‬‬ ‫ل ش أن نتدرج في هذا النكار فنستخدم من اللفاظ والعبارات ما نظن أنششه‬ ‫أو ً‬ ‫يحقق النتيجة ‪ ،‬فنبدأ بالكلمة الرقيقة الششودود‪ ،‬واسششتعمال صششيغ العمششوم دون‬ ‫ذكر اسم صاحب المنكر ابتاعًا للسششنة وأنفششع للعالششج ‪ ،‬ومششا ُيشدفع بششالدنى ل‬ ‫ُيلجأ فيه إلى العلى والشد‪ ،‬وقد يكون السرار بالنكار أولى من الشهار‪.‬‬ ‫ثالثًا ‪ :‬هنالك منكرات في المجتمع ثبت منكرها عند الناس جميع شاً ‪ ،‬والنهششي‬ ‫عنهششا مقبششول لششدى قطششاع عريششض مششن النششاس ‪ ،‬وذلششك مثششل الزنششا والخمششر‬ ‫والمخششدرات والختلط‪ ،‬فمثششل هششذه المنكششرات لششو رفعنششا صششوتنا بإنكارهششا‬ ‫فسنجد معنًا كثيرًا من الناس الذين يمقتونها ويتمنون إزالتها‪.‫‪-104-‬‬ ‫الثانية ‪ :‬من قبل الفرد المسلم في المجتمع المسلم في بعض الحالت‪ ،‬فله أن‬ ‫يكسر قارورة الخمر وأن يريقه‪ ،‬وله أن يقتل الخنزير‪ ،‬وذلك إذاكان الخمششر‬ ‫والخنزير بيد المسلم ‪ ،‬وليس له أن يقتل فاعششل المنكششر بششل يحيششل أمششره إلششى‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫كيف ننكر المنكر في مجتمعاتنا‪:‬‬ ‫وإذا لم ننكر المنكر باليد فليس معنى ذلك تعطيل هششذه الفريضششة ‪ ،‬بششل نقششوم‬ ‫بها باللسان‪ ،‬وإذا لم يمكن ذلك فإننا نقوم بها بالقلب ‪ ،‬وذلك أضعف اليمان‪.‬‬ ‫ثانيًا ‪ :‬أن يبتعد الناهي عن المنكر عن ذكر السماء والشششخاص والهيئات؛‬ ‫لن التسمية والتخصيص قد يتعرض معهمششا النششاهي للعقوبششات والجششزاءات‬ ‫التي تفرضها القوانين‪.‬‬ ‫تغيير المنكر بالقلب ‪:‬‬ ‫وقد ذكر النبي ‪ ‬التغيير بالقلب فجعله رتبة معتبرة‪ ،‬ومن لم ينكششر المنكششر‬ ‫بقلبه فليس في قلبه شيء من اليمان ؛ إذ أن إنكار المنكر بالقلب هو القاعدة‬ ‫الساس‪ ،‬وهذه القاعدة مشتركة بين جميع المراتب ‪ ،‬فمششن أنكششر بيششده فلبششد‬ ‫أن يكون منكرًا بقلبه‪ ،‬ومن أنكر بلسانه فلبد أن يكششون منكششرًا بقلبششه أيضشًا‪،‬‬ ‫والنكار بالقلب معناه مقت المنكر وكرهه والشمئزاز منه ‪ ،‬ومن كره شيئًا‬ ‫وعاداه بقلبه فلبششد أن تتحششول هششذه الكراهيششة إلششى عمششل إيجششابي يظهششر فششي‬ ‫كلماته وحركاته وسكناته‪ ،‬فالعاطفة المتأججة هي مصششدر الحركششة والفعششل‪،‬‬ ‫وهذه الرتبة رتبة عامة يقدر عليها كل مسلم في كل زمان ومكان‪ ،‬وشرطها‬ .

‬‬ ‫تركيز الجهود‪:‬‬ ‫وإن أجششدى العمششال والقششوال وأولهششا مششا تششوجه إلششى إرسششاء المعششروف‬ ‫الكبر‪ ،‬وهو تحكيم شرع ال تعالى ورفع لواء دينه‪ ،‬وينبغششي أن يكششون هششذا‬ ‫التوجه شغل المسلم الشاغل في ليله ونهاره‪ ،‬فإذا تركزت الجهشود نحشو هشذا‬ ‫الهدف أوشكت أن تثمر فيجد المسلم عنششدئذ أكششبر العششون فششي إنكششار المنكششر‬ ‫والمر بالمعروف ‪.‫‪-105-‬‬ ‫عدم الرضا والشعور بالسخط على المنكششر وأهششل المنكششر‪ ،‬وأدنششى درجششات‬ ‫هذه الرتبة اعتزال المنكر والبتعاد عنه‪.‬‬ .

‬‬ ‫وهذا السلوب من الستدلل باليات الكريمة ينششاقض مقاصششدها وأهششدافها‪،‬‬ ‫ويجعلها تعمل في غير ميدانها‪ ،‬وأشد من هجران القششرآن مخالفششة مقصششوده‬ ‫ومناقضة أهدافه‪ ،‬واستخدام آياته لتبرير القعود والكسل وتعطيل العمل‪.‫‪-106-‬‬ ‫القاعدة العشرون‬ ‫أشد من هجران القرآن مخالفة مقصوده ومناقضة أهدافه‬ ‫لقد أنزل ال تعششالى القششرآن الكريششم كتششاب هدايششة يحيششى بشه مششوات النفششوس‪،‬‬ ‫وينظششم الحيششاة‪ ،‬ويأخششذ بأيششدي البشششر إلششى أقششوم السششبل‪ ،‬ويحقششق السششعادتين‬ ‫الدنيوية والخروية‪ ،‬ولقد حقق القرآن الكريم هذا الدور فششي حيششاة الصششحابة‬ ‫والتابعين وأتباع التابعين‪ ،‬وأحدث أعظم حركة تغييرية شهدها التاريخ‪ ،‬وقد‬ ‫نتساءل لماذا ل يحقق القششرآن الكريششم هششذا الششدور فششي حيششاة البشششرية اليششوم؟‬ ‫أليس القرآن هو القرآن الذي أنزل على محمششد ‪ ‬؟ أليشس هشو هشو بسشوره‬ ‫وآياته وحروفه ؟ بلى‪ ،‬إنه الكتاب الذي حفظه ال تعالى من التبديل والتغيير‬ ‫‪ ،‬وهو أصدق وثيقة عرفها تاريخ النسان‪ ،‬والحق أن فهم القرآن الكريم هو‬ ‫الذي تعرض للخلل‪ ،‬فلم يعد أكثر المسلمين يفهمون القرآن كما أنششزل ‪ ،‬ولششم‬ ‫يعششودوا يتعششاملون مششع اليششة مششن خلل رصششيدها الحقيقششي مششن المعششاني ‪،‬‬ ‫وأصبح المسلم يستعمل الية في غير ما أنزلت له‪ ،‬ومن ذلششك قششوله تعششالى‪:‬‬ ‫ن ال يهدي من يششاء‪ ،(254)‬وهشذه آيشة ل تغيشب‬ ‫} ليس عليك هداهم ولك ّ‬ ‫عن المسلم ‪ ،‬سواء كان متعلمًا أو أميًا ل يقرأ ول يكتششب‪ ،‬وأغلبهششم يستشششهد‬ ‫بهذه الية إما لحسم الخلف في موضوع ما‪ ،‬أو لمطالبة من يدعو إلششى ال ش‬ ‫بدعوة مقنعششة أن يقلششع عششن دعششوته بحجششة أن الذان فششي صششمم‪ ،‬والنششاس ل‬ ‫يستجيبون إلى الخير وقد ذهب الزمان الذي كان المرء يجد فيه أعوانًا على‬ ‫الهششدى والمعششروف ‪ ،‬وتسششتخدم أيضششًا لعطششاء المعانششد والمكششابر مششبرر‬ ‫الصرار على عناده وكشبره ‪ ،‬فيقششول المراقششب الخششالي الطششرف مشن أعبششاء‬ ‫الحق ‪ ) :‬أترك يا شيخ ‪ ،‬ليس عليك هداهم (‪.56‬‬ .272 :‬‬ ‫سورة القصص الية ‪.(255)‬‬ ‫فقد جاءت هذه الية في سياق سورة القصص‪ ،‬بعد الكلم عن قصة موسششى‬ ‫عليه السلم وفرعون‪ ،‬وبيان ما في القصة من أعلششى وجششوه البلغ وأقواهششا‬ ‫‪()) 254‬‬ ‫‪()) 255‬‬ ‫سورة البقرة الية ‪.‬‬ ‫وإذا تأملنا الية وما حّفها من القرائن وما سبقها ولحقها من اليات فسششيتبين‬ ‫لنا الششدور العظيششم الششذي تششؤديه فششي إيقششاظ الهمششم ‪ ،‬وإحيششاء النشششاط‪ ،‬وإثششارة‬ ‫الجهد ‪ ،‬جهادًا وثباتًا ودعوة إلى ال تعالى‪.‬‬ ‫ومنه أيضًا قوله تعالى ‪ } :‬إنك ل تهدي من أحببششت ولكششن الش يهششدي مششن‬ ‫يشاء وهو أعلم بالمهتدين‪.

‬‬ ‫أخرج الشيخان)‪ (256‬بسنديهما ‪ :‬لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول ال‬ ‫‪ ‬فوجد عنده أبا جهل وعبد ال بن أبي أمية بن المغيرة‪ ،‬فقال رسششول ال ش‬ ‫‪ :‬يا عم ‪ ،‬قل ‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬كلمة أشهد لك بها عند ال ‪ ،‬فقال أبششو جهششل‬ ‫وعبد ال أبي أمية‪ :‬يا أبا طالب ‪ ،‬أترغب عن ملة عبششد المطلششب ؟ فلششم يششزل‬ ‫رسول ال ‪ ‬يعرضها عليه‪ ،‬ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر‬ ‫ما كلمهم ‪ :‬هو على ملة عبد المطلب ‪ ،‬وأبي أن يقول ‪ :‬ل إله إل ال ‪ ،‬فقششال‬ ‫رسول ال ‪ : ‬وال لستغفرن لك ما لم أْنه عنك ‪ .49 :‬‬ .‬‬ ‫أين العقدة إذًا ؟ وهششل شششاء الش تعششالى لبششي حذيفششة اليمششان ولششم يشششأ لبششي‬ ‫طالب؟ وهل معنى قوله ‪ } :‬ولكن الش يهششدي مششن يشششاء‪ ‬أن الش تعششالى‬ ‫يصششرف اليمششان عششن أحششد مششن خلقششه ويمنحششه لخششر؟ وهششذا فهششم جششبري‬ ‫يتعارض مع رحمة ال تعششالى لخلقششه ‪‬ول يظلششم ربششك أحششدًا‪ ،(258)‬ولششم‬ ‫‪()) 256‬‬ ‫‪()) 257‬‬ ‫‪())258‬‬ ‫أخرج البخاري ‪) 0‬متن فتح الباري(‪ .113 :‬‬ ‫سورة الكهف الية ‪.‬وهذا المر يتكششرر عششبر التاريششخ‪ ،‬فهششذا‬ ‫محمد ‪ ‬يمكث ي مكة ثلث عشرة سنة ل يترك قششومه فششي ليششل ول نهششار‬ ‫إل ويأتيهم بأروع صور البيان وأجلها‪ ،‬وبأيسر الساليب وأرفق الوسائل‪،‬‬ ‫جمع لشه ‪ : ‬البيششان العجششز والشششرف العظيششم والقلششب‬ ‫مع التحبب والتودد ف ُ‬ ‫الرحيششم والحششب الخششالص‪ ،‬وبصششورة أخششرى فقششد كششانت جميششع الششدواعي‬ ‫والظروف مناسبة لليمان بدعوته‪ ،‬ورغم كل هذا لم يملك هذا النبي الكريششم‬ ‫أن يلزم عمه الحبيب وهو النصير الشفيق باليمان بدعوته والهتداء بهديه‪.1/54‬‬ ‫سورة التوبة الية ‪. ‬‬ ‫ن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن أحد زعماء مكششة‬ ‫إنه لمن أعجب العجب أ ّ‬ ‫وصناديدها وأعداء السلم فيها يدخل اليمان قلبه‪ ،‬وأبششو طششالب عششم النششبي‬ ‫الحبيب ‪ ‬ونصيره وباذل المال والنفس في سبيل الدفاع عنه‪ ،‬الششذي يقششول‬ ‫ابن كثير فيه‪ :‬كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حباً شديدًا طبيعيًا‬ ‫ل شرعيًا ‪ ،‬ومع هذا يموت على غير اليمان!‪.‬فأنزل ال ش عششز وجششل ‪:‬‬ ‫} ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ُقربى‬ ‫من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم‪ ،(257)‬وأنزل ال تعالى فششي أبششي‬ ‫طالب‪ ،‬فقال لرسول ال } ‪  :‬إنك ل تهدي من أحببت ولكن الش يهششدي‬ ‫من يشاء وهو أعلم بالمهتدين‪.3/222‬ومسلم ‪.‫‪-107-‬‬ ‫فششي مواجهششة أشششرس صششور العنششاد والجحششود والسششتكبار ‪ ،‬ورغششم سششوق‬ ‫الشواهد والدلئل والبراهين‪ ،‬كل ذلك مؤيدة بششالمعجزة‪ ،‬رغششم كششل هششذا فقششد‬ ‫أصم فرعون أذنيششه عششن سششماع الحششق ‪ ،‬فالهششدي مبششذول فششي أقششوى صششوره‬ ‫وأوضحها ‪ ،‬ولكن فرعون ومله أخذوا على أنفسهم إغلق جميششع المنافششذ ‪،‬‬ ‫وحجبوا بعنادهم قلوبهم عن الهدى‪ .

‫‪-108-‬‬ ‫تسق الية لهذا المعنى ‪ ،‬وإنما سيقت لبيان عظمة الش ‪ ،‬وتمششام قششدرته‪ ،‬فهششو‬ ‫وحده القادر على حمل الناس جميعًا على دين واحد‪ ،‬أو على مذهب واحششد‪،‬‬ ‫لو شاء جعلهم مؤمنين ‪ ،‬ولو شاء جعلهم كفارًا ‪ ،‬ولو شاء لجعلهم أمة واحدة‬ ‫‪ ،‬ولو شاء لماتهم جميعًا‪ .180 :‬‬ ‫فاطر الية‪.‬وهذا كلم عششن المشششيئة والقششدرة ‪ ،‬وليششس كلم شًا‬ ‫عن فعله في خلقه ‪ ،‬فنحن عندما نقول على سبيل المثال ش ول المثل العلششى‬ ‫ش يستطيع الرئيس أن يعزل جميع الموظفين ‪ ،‬ويسششتطيع أن يبشدل وظششائفهم‪،‬‬ ‫فهل يعني ذلك أن يقوم الرئيس بمثل هذا العمل لمجرد أنه يستطيعه‪ ،‬أو أنششه‬ ‫من خصائصه؟ والجواب ‪ :‬إن الكلم عن الخصائص والصفات غير الكلم‬ ‫عن العمال والممارسات ول يتم اليمان بششال تعششالى إل إذا اعتقششد المششؤمن‬ ‫أن ال وحده واهب الحياة وخششالق الحيششاء وسششائر الموجششودات وأنششه وحششده‬ ‫بيده الهدى‪.‬‬ ‫لقد كان الكلم في معرض حرص النبي ‪ ‬علششى عمششه ‪ ،‬وقششد حششزن عليششه‬ ‫حزنًا شديدًا وكأنه يقشول ‪ :‬كيشف مشات هشذا العشم العزيشز الحشبيب هكشذا ولشم‬ ‫يؤمن؟ ‪ ،‬فكان الجواب ‪ :‬إنششك يششا محمششد عبششد مششن عبيششد الش مششأمور بششالبلغ‬ ‫والتبيين ‪ ،‬ول سلطان لك على قلششوب الخلششق‪ ،‬إنششك تملششك أن تششبين حجتششك ‪،‬‬ ‫وتقرأ القرآن الكريم على الناس من حولك‪ ،‬ولكنك ل تملششك تحويششل القلششوب‬ ‫إليك ول زج اليمان في سويدائها‪ .‬ومششن‬ ‫لوازم هذا المر حبه وعبادته والستعانة به سبحانه‪ ،‬وليس مششن لششوازمه أن‬ ‫يقششع المششرء تحششت مطششارق الجبريششة القاتلششة الششتي تسششلب اللششبيب لبششه والعبششد‬ ‫اختياره السامي لعقيدته ودينه‪.8 :‬‬ .‬‬ ‫ومفهوم آخر لبد من وعيه وهشو أن هشذه اليشة تكشافئ العامشل علشى عملشه‪،‬‬ ‫حتى ل يقول قائل‪ :‬هاهو رسول ال ‪ ‬يعمل تسع سنوات على إقناع عمششه‬ ‫بدعوته ثم ل يؤمن بها‪ ،‬وقد يتصور السذج أن دعششوته ذهبششت هبششاء منثششورًا‬ ‫وضششاعت كصششيحة فششي واٍد أو نفخششة فششي رمششاد‪ ،‬وحششتى ل يكششون مثششل هشذا‬ ‫التصور يبين ال تعالى لنبيه ‪ ‬أنه قد بلغ ما عليه وأن اليمششان ل ُيفششرض‬ ‫فرضًا ول يجبر عليه النششاس؛ لن اليمششان هششو تصششديق القلششب مششن داخلششه‪،‬‬ ‫وهذا التصششديق سششر ل يطلششع أحششد عليششه إل الش تعششالى ‪ ،‬ول يملششك أحششد أن‬ ‫‪()) 259‬‬ ‫‪()) 260‬‬ ‫العراف الية ‪.‬وإن مقام العبودية يقتضي أن تعلششم بأنششك‬ ‫ل تهدي من أحببت حتى لو كان عمك الحششبيب ‪ ،‬إن علششى البشششر أن يعلمششوا‬ ‫أنه ل سلطان لحد على أحد وأن الحكم كله لش تعششالى‪ ،‬ول يتحقششق التوحيششد‬ ‫إل بهذه المعرفة ‪ ‬ول السماء الحسنى فادعوه بها‪ ،(259)‬وله الصششفات‬ ‫العليا‪ ،‬وعلى هذا المنوال نفهم كل آية جاء فيها ‪‬فإن ال يضششل مششن يشششاء‬ ‫ويهدي من يشاء‪ ،(260)‬فال وحده صاحب المششر والقششدرة المطلقششة‪ .

‬وما أحششوج أمتنششا اليششوم لن تخلششع‬ ‫عنها هذه الغلل الجبرية وأن ل تخلششط بيششن المعرفششة التوحيديششة الخالصششة‬ ‫والسلوك الجبري العاجز‪.‫‪-109-‬‬ ‫يتدخل في قرار الفرد واختياره‪ ،‬والذي يزعم أنه يملك ذلك فقد نصب نفسششه‬ ‫إلهًا على الناس‪ ،‬وما ذكرناه ل يتعارض مع علم ال ش القششديم منششذ الزل بمششا‬ ‫يصير إليه كل مخلوق ‪ ،‬والعلم الكامل من صفات ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا‬ ‫يقتضششي أن يعلششم الشششيء قبششل كششونه‪ ،‬والعلششم بالهششدى أو الضششلل شششيء ‪،‬‬ ‫وإحداث الهدى والضلل شيء آخر‪ ،‬وهو أعلم بالمهتدين‪.‬‬ .‬‬ ‫وهكذا فإن دور المسلم هو العمل الجاد بدأب ونشاط دون أن يستسلم لليششأس‬ ‫أو للزعم القدري بأن ال أراد كذا أو كذا‪ .

‫‪-110-‬‬ ‫القاعدة الحادية والعشرون‬ ‫العمل العام أساس العمل الخاص ورافده‬ ‫أرسل ال تعالى محمدًا ‪ ‬للناس كافة‪ ،‬فجعل مشن النشاس كافشة أينمششا كششانوا‬ ‫أمة دعوة ‪ ،‬وجعل ال تعالى أمانة التبليغ في أعناق الدعاة‪ ،‬فهم الذين ورثوا‬ ‫مهمة الرسل والنبياء ‪.(261)‬وكونهم كانوا من‬ ‫قال تعالى‪ } :‬كذلك ُكنتم من قب ُ‬ ‫عامة الناس ثم صاروا من الدعاة يلزم منه أن يدركوا أن جماهير المة هي‬ ‫رافد الدعوة‪ ،‬وأن الخير ل ينقطع ول يتوقف‪.‬‬ ‫وقد أدرك أعداء السلم خطورة اتصال الدعوة بالجماهير ‪ ،‬وأدركششوا دور‬ ‫الجماهير في نصرة الدعوة وتأييدها‪ ،‬فعلموا بكل مششا أوتششوا مششن جهششد علششى‬ ‫عششزل الششدعاة عششن هششذه الجمششاهير بالشششاعات الُمغرضششة والتهششم الملفقششة ‪،‬‬ ‫وصوروا للجماهير أن هؤلء الدعاة إرهابيون متطرفون‪ ،‬غرضهم الساءة‬ ‫لعامة الناس‪ ،‬وهذا كله لتظهر الششدعوة السششلمية بمظهششر الطائفششة المفارقششة‬ ‫لعامة المسلمين‪ ،‬فيتحقق بشذلك الفصشل بيشن الشدعاة وبيشن المشة فشي المشال‬ ‫واللم‪.‬‬ ‫ويلزم من هذا أن يتحرك الداعية بين جماهير النششاس لن هششؤلء الجمششاهير‬ ‫هم روافد الدعوة ‪ ،‬وبمقششدار الصششلة بهششا تتوسششع القاعششدة ‪ ،‬ويتحقششق للششدعوة‬ ‫الكسب المادي والمعنوي‪.‬‬ ‫تصويب‪:‬‬ ‫وإذا أدركنا أن الششدعاة قششوم لششم يششأتوا مششن خششارج هششذه الرض ‪ ،‬ولششم تلششدهم‬ ‫أمهاتهم دعاة‪ ،‬وإنما هم جزء من هذه الجماهير ‪ ،‬وقبل أن يكونوا دعاة ربما‬ ‫كان ُينظر إليهم بذلك المنظار السود ‪ ،‬ثم تبدل حالهم وحسن مآلهم‪ ،‬ورزقششا‬ ‫من العلم والفهم ما ينبغي أن يقربهم من الناس ‪ ،‬ل ما يفضششلهم علششى النششاس‬ ‫ل فمن ال عليكم ‪ .‬‬ ‫رد الفعل‪:‬‬ ‫وقد يعمل الششدعاة أحيانشًا تحشت ضشغط ظشرف مششا علشى تكريشس هششذه الفعششل‬ ‫وتأكيششده‪ ،‬فينظششرون إلششى الجمششاهير نظششرة تقلششل مششن شششأنهم وأثرهششم فششي‬ ‫الحداث‪ ،‬وقد يستعمل بعض الدعاة كلمات تعبر عششن هششذه النظششرة ‪ ،‬مثششل ‪:‬‬ ‫القطيع ‪ ،‬والغوغاء‪ ،‬والدهماء‪ ،‬والغثاء؛ ومردود هذه الكلمششات خسششران فششي‬ ‫جششانب الششدعوة والششدعاة ‪ ،‬وكسششب لعششدائهم مششن أصششحاب الفكششار الهدامششة‬ ‫والنحل المنحرفة‪.94 :‬‬ .‬‬ ‫وأما صيغ التعميم الحاكمة على أهششل بلششدة ‪ ،‬أو مدينششة ‪ ،‬أو عشششيرة بالسششوء‬ ‫والفساد فهي عين السوء والفساد‪ ،‬ول ينبغي أن ُيقال‪ :‬أهل مدينة كذا سيئون‬ ‫‪()) 261‬‬ ‫النساء الية ‪.

‬‬ ‫دعوة ال سعى لصالح الناس‪:‬‬ ‫وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدعوات والفكار على الجمهور‪ ،‬وكل يحاول‬ ‫أن يحتوي هذا الجمهور لصالحه ويوظفه في صفه‪ ،‬فششإن دعششوة الش وحشدها‬ ‫تعمل لخير الجمهور‪ ،‬ول تريد من الجمهور أن يكششون بقششرة حلوب شًا لصششالح‬ ‫حششزب‪ ،‬ودعششوة ال ش وحششدها تعطششي مششن يششؤمن بششال رب شًا‪،‬‬ ‫فششرد أو فئة أو ِ‬ ‫وبالسلم دينًا ومنهاج حياة أيًا كان لونه وجنسه ولغته أرفع الرتب البشرية‬ ‫والمقامات العلية‪ .(263‬‬ ‫سمعتم رج ً‬ ‫وسواء كان المعنى أن القائل هو سبب هلك الناس؛ لنه لم يقم بششواجبه فششي‬ ‫النصح لهم والحرص عليهم ‪ ،‬والصبر على جاهلهم ومسيئهم؛ أو أن يكششون‬ ‫أكثر الناس هلكًا‪ ،‬وهو بهذه الكلمة يعبر عن هلكه هو وعن عجزه‪.(4/2024) :‬‬ ‫أخرجه أبو نعيم في الحلية )‪.‬وقششد تنتقششل هششذه‬ ‫الصيغ مع النسان من مرحلة ما قبل الدعوة إلى مرحلة ما بعد الدعوة‪.‬‬ ‫الموقف السابق‪:‬‬ ‫والداعية ل ينطلق بين الجماهير وهو يحمل موقفاً سششابقًا ‪ ،‬كششونه مششن خلل‬ ‫العلقات السرية المشوبة بالتحامل والحقاد؛ إذ أن أكثر النششاس يحتفظششون‬ ‫في عقولهم وقلوبهم بكل تصرف سلبي كشان قشد تصشرفه أحشد النشاس‪ ،‬حشتى‬ ‫تجمعششت هششذه التصششرفات علششى شششكل ذكريششات مؤلمششة ينقلهششا الخلششف عششن‬ ‫السششلف‪ ،‬ويتواصششى النششاس كششابرًا عششن كششابر بالقطيعششة ومقابلششة السششاءة‬ ‫‪()) 262‬‬ ‫‪()) 263‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪.‬وأخرجه أبو نعيم في حلية الولياء‪ ،‬وفيه ‪ " :‬فهو أهلكهششم "‬ ‫‪ ،‬وأخرجه أحمد من روايششة أبششي هريششرة قششال ‪ :‬قششال رسششول الش ‪ " : ‬إذا‬ ‫ل يقول ‪ :‬هلك الناس فهو أهلكهم ‪ ،‬يقول ال ‪ :‬إنه هو هالك")‪.‬فهذا رسول الششه ‪ ‬يششدخل مكششة ‪ ،‬ويعششاين فيهششا أولئك‬ ‫الذي أخرجوه وعذبوا أصحابه وقاتلوه وقتلوا أحب الناس إليششه حمششزة ‪ ،‬فمششا‬ ‫زاد على أن قال لهم ‪ :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء‪.(7/141‬‬ .‬ولبد أن ُيعبئ الدعاة قلوبهم بمحبة النششاس‪ ،‬حششتى يتغلغششل‬ ‫هذا الحب في أعماق القلب‪ ،‬وأن تتحول هذا التعبئة سلوكًا يشيع منششه الرفششق‬ ‫والتواد والتراحم ‪ ،‬حتى ُيعرف الداعية من بين سائر النششاس بمحبتششه للنششاس‬ ‫وحرصه عليهم وتفانيه في خدمتهم وسهره على صيانتهم من آفات الفكششار‬ ‫المنحرفة وشرورها‪ .‬‬ ‫أهلك الناس‬ ‫وهششذا رسششول الش ‪ ‬يعلمنششا كيششف نفتششح قلوبنششا للخلششق بعيششدًا عششن الحكششام‬ ‫الجائرة والطلقات العامششة‪ ،‬فيقششول ‪ " :‬إذا قششال الرجششل ‪ :‬هلششك النششاس فهششو‬ ‫أهلكهم")‪ ، (262‬قال أبو إسحاق ش أحد الرواةش ‪ :‬ل أدري أهلَكهم بانلصب ‪ ،‬أو‬ ‫أهلُكهم بالرفع ‪ .‫‪-111-‬‬ ‫أو فئة كذا سيئة ‪ ،‬وهذه الصيغ ابُتلي بها عامة الناس حتى ما نكاد نجد أحششداً‬ ‫إل وهو ينسب التقصششير والفسششاد إلششى أهششل بلششدة أو مدينششة‪ .

‬ول بششد مششن مراعششاة‬ ‫التخطيط والبرمجة في التنفيذ كي يصل الداعية إلى نتائج إيجابية‪.‬‬ ‫والشرط الثاني‪ :‬هو مراعاة الموضوعية في جمششع المعلومششات وتحليلهششا‪ ،‬إذ‬ ‫أن كل مبالغة في حكم من الحكام قد تؤدي إلى أخطششاء فادحششة‪ ،‬ناتجششة عششن‬ ‫سوء التقدير‪ .‬‬ ‫وميادين العرفة كثيرة‪ ،‬وميادين السششلوك كششثيرة كششذلك‪ .‬وليس كل سلوك مفرد أو تصرف جزئي يدل على صششيغة‬ ‫فكرية أو منهجية‪ ،‬فليس كل من تكلم عن العششرب والعروبششة قومي شاً ‪ ،‬وليششس‬ ‫كل من تكلم عن التأميم اشتراكيًا‪.‫‪-112-‬‬ ‫بالساءة؛ وذلك لنهم نشأوا بعيدًا عن هيمنة السلم على النفوس والعقول‪،‬‬ ‫جششة لكششثير مششن النششاس‪،‬‬ ‫فأصحبت المشاحنات العصششبية والقليميششة هششي المو ّ‬ ‫وأصبح الفرد ينطلق من هششذا الركششام مششن العلقششات غيششر السششلمية‪ ،‬ومششن‬ ‫أوجششب الواجبششات علششى الداعيششة أن يعلششم النششاس كيششف يسششتطيعون تجششاوز‬ ‫الذكريات السلبية‪ .‬وقد يجد الداعية مقاومة من أقرب الناس إليه إذا لحظششوا‬ ‫عليه عدم اكتراثه بهذه الحقاد التي قد تعتبر رصيدًا عزيزًا عند أصششحابها‪،‬‬ ‫وعليه أن يصبر على هذه المقاومة‪.‬‬ ‫والمعرفة مقدمة على العمل؛ لنها البصيرة الواعيششة الششتي تكشششف مجششالت‬ ‫العمل‪ ،‬وهذه المعرفة يمكن تحديدها على النحو التالي ‪:‬‬ ‫جمع المعلومات‪:‬‬ ‫وأول شرط ‪ :‬ينبغي للداعية أن يقوم به هششو معرفششة الجمهششور الششذي يتعامششل‬ ‫معه‪ ،‬سواء كان هذا الجمهور صغيرًا على مستوى المؤسسة أو الششدائرة‪ ،‬أو‬ ‫كبيرًا على مسششتوى البلششدة أو القطششر‪ ،‬وتششأتي هششذه المعرفششة مششن خلل جمششع‬ ‫المعلومات‪ ،‬وأول شروط جمع المعلومات مراعاة الحششذر واليقظششة حششتى ل‬ ‫يرتششاب أحششد بالداعيششة الششذي ل يريششد مششن عملششه هششذا كشششف أسششرار النششاس‬ ‫والطلع على عوراتهم‪ ،‬وإنما يريد التعرف على مراكز النفوذ الجتماعي‬ ‫والتجاهي الفكرية وأصناف الناس‪ ،‬ومدى قربهم أو بعدهم عن الدعوة‪.‬‬ ‫والشرط الثالث ‪ :‬مراعاة منهجية النقل ‪ ،‬فل نأخششذ الخبششار والمعلومششات إل‬ ‫عششن الصششادقين الضششابطين لمششا ينقلششون‪ ،‬ولبششد مششن ملحظششة أن بعششض‬ ‫الصششادقين ل يتحششرون الدقششة فششي نقلهششم وأخبششارهم؛ لن الفششة فششي الششذين‬ .‬وقد يصنف الداعية إنسانًا ما في دائرة أعدائه بسششبب تصششرف‬ ‫لحظه‪ ،‬فجعله هذا التصرف يتعامل مع هذا النسان على أنه صششاحب فكششر‬ ‫مضاد أو اتجاه معاد ‪ ،‬فيكششون سششوء التقششدير والتسششرع فششي الحكششم سششببًا فششي‬ ‫استكثار العداء‪ .‬‬ ‫العمل اليجابي‪:‬‬ ‫والعمل اليجششابي بيششن الجمششاهير يقششوم علششى عنصششرين رئيسششين ‪ :‬المعرفششة‬ ‫والسلوك‪.

‬‬ ‫والشرط الرابع‪ :‬مراجتة المعلومات حول من يتخذهم الداعية أعداء فكريين‬ ‫للتخلص من آثار المبالغة وسوء التقدير‪ ،‬ومراعاة لما يطشرأ علششى أصشحاب‬ ‫الفكار والمذاهب من تغيير سلبي أو إيجابي‪.‬‬ ‫الصششنف الثششاني ‪ :‬العششداء الفكريششون‪ ،‬وهششؤلء يحملششون عقششائد معاديششة‪،‬‬ ‫ويعملون على نشرها‪ ،‬ويعتبرون الداعية عقبة في طريقهم‪ ،‬وذكششاء الداعيششة‬ ‫يظهر في قدرته على ترتيبهم تبعًا لسلم عداوتهم‪ ،‬وتأثيرهم في المجتمع‪.‬وإذا أهملشت هشذه المنهجيششة فشإن الحكششام‬ ‫ستكون جائزة غير عادلة‪.‬‬ ‫الصنف الول ‪ :‬النصار والمحبون والقرباء والرحششام‪ ،‬وهششؤلء يسششرون‬ ‫بسرور الداعية‪ ،‬ول يبخلون عليه في تقديم ما يحتاج إليه لتسهيل مهمته‪.‬وإذا فقد أحششدهم عزيششزًا أو حششل‬ ‫بششه مششرض أو نزلششت بششه مصششيبة كششان أول المواسششين الششذين يمششدون أيششديهم‬ ‫ويفتحون قلوبهم‪.‬‬ ‫استدراك‪:‬‬ ‫ول تقف المعرفة عند حدود التجاهات والمذاهب والنششاطات الجتماعيشة‪،‬‬ ‫بل تتناول أيضًا التعرف على أفراد الجمهششور وأمزجتهششم واحتياجششاتهم ومششا‬ ‫يسشرهم ومشا يحزنهشم‪ ،‬وينبغشي أن ل يغيشب عشن الداعيشة مشا يصشيب أفشراد‬ ‫المجتمع مششن السششراء والضششراء‪ ،‬فششإذا رزق أحششدهم بولششد كششان الداعيششة أول‬ ‫المهنئين الذين يذكرون الوالششد بنعمششة الش عليششه‪ ،‬وإذا نجششح ولششد أحششدهم فششي‬ ‫مدرسة أو جامعة كان أول المعبرين عن سروره بهششذه المناسششبة باعتبارهششا‬ ‫مناسبة عزيزة يهتم بها كما لو أنه صاحبها‪ .‬‬ ‫‪ -2‬التصنيف‪:‬‬ ‫وتششأتي هشذه المرحلششة بعشد جمششع المعلومششات فيقشوم الداعيشة بتصشنيف أفششراد‬ ‫الجمهور إلى أصناف‪.‬‬ ‫الصنف الثالث‪ :‬المحايدون الذين ل يناصرون طرفًا على طششرف ‪ ،‬وينبغششي‬ ‫أن يعتبرهم الداعية من فئة النصار؛ لكونهم مسلمين ل يحملون فكرًا آخر‪،‬‬ ‫ول يتبنون مذهبًا معاديًا للسلم وأهله‪.‬‬ ‫ونظرًا لتساع دائرة المعلومات الشتي يحتشاج إليهشا الداعيشة فقششد يتبشادر إلششى‬ ‫الذهان ما يجده الداعية من صعوبة ومشقة في الحاطة بكل هذه الجوانب‪،‬‬ ‫ولكن هذه الصعوبة تششزول عنششدما نقسششم المجتمششع إلششى دوائر صششغيرة علششى‬ ‫شكل أحياء‪ ،‬أو مؤسسات‪ ،‬ثم يتخصص كل داعية بششدائرة محششدودة تتناسششب‬ ‫مع قدرته وإمكاناته ويستطيع استيفاء المعلومات حول جمهورها‪.‬‬ ‫مبادئ عامة في السلوك والتعامل مع الجمهور‪:‬‬ .‫‪-113-‬‬ ‫أخبروهم وزودوهشم بالمعلومششات‪ .

(10/527‬‬ .‬‬ ‫وقد فهم علماؤنا الجلء هذا المبدأ من مبادئ التعامل فنجد علششي بششن خلششف‬ ‫بن بطال أحد شراح البخاري المتششوفي سششنة ‪449‬هششش‪ ،‬يقششول ‪ :‬المششداراة مششن‬ ‫‪()) 264‬‬ ‫‪()) 265‬‬ ‫رواه البخاري ) متن فتح الباري ( )‪.‬‬ ‫‪ -1‬الحتفاظ بالمعلومات‪:‬‬ ‫فالمعلومات التي يجمعها الداعية ليوظفهششا فششي تعششامله مششع الجمهششور ليسششت‬ ‫للنشر والتشهير‪ .(265‬والَك ْ‬ ‫وفي رواية أخرى‪ " :‬ونضحك"‪.‬‬ ‫نفاقه‪ ،‬وأخشى أن ُيفسد عل ّ‬ ‫ونستفيد من هذا الحديث أن النبي ‪ ‬كان يعلم من سوء أخلق ذلك الرجل‬ ‫مششا جعلششه يششذمه ويششذكره بمششا فيششه‪ ،‬ولكنششه ألن لششه الحششديث وهششش لششه‪ .‬والداعيششة الششواعي يحتفششظ بهششا لنفسششه دون إشششاعتها‪ ،‬وهششو‬ ‫يستطيع أن يخفشى فشي عميشق صشدره جميشع مشا يعلمشه‪ ،‬دون أن يظهشر فشي‬ ‫فلتات لسانه أو يبدو على قسمات وجهه‪ .‬ول يعود الصلح ممكنًا‪ ،‬بل تستشري نششار‬ ‫الفساد‪.‫‪-114-‬‬ ‫ليس من السهل حصر جميع المبادئ العامة التي تساعد الداعية على تحقيق‬ ‫أهششدافه فششي الميششدان الجمششاهيري؛ لن السششلم كلششه يكششّون هششذه المبششادئ‬ ‫والخلق‪ ،‬وسشششنذكر بشششع المبشششادئ الشششتي نشششرى أنهشششا جشششديرة بالهتمشششام‬ ‫لختصاصها الكيد بهذا الميدان الدعوي‪.(10/528‬‬ ‫البخاري‪ ) ،‬متن فتح الباري ( )‪.‬وهو بذلك يحافظ على مستوى مششن‬ ‫الحياء لدى عامة الناس‪ .‬ولششم‬ ‫يصارحه بما يعلمه منه لن المصششارحة فششي مثششل هششذا الموقششف فحششش‪ ،‬ول‬ ‫تكون ثمرتها إل قطيعة وعداًء‪ .‬‬ ‫وهذا ما عبر عنه الصحابي الجليل أبو الدرداء عندما قال‪ " :‬إنا لَنْكشِششر فششي‬ ‫شر أكثر ما يطلشق علششى الضشحك‪،‬‬ ‫وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم")‪ .(264‬وفي رواية " إنششه منششافق أداريششه عششن‬ ‫ي غيره"‪.‬‬ ‫‪ -2‬المدارة‪:‬‬ ‫ولكي يتحرك الداعية في المجتمششع حركششة مجديششة دون أن تقششف فششي وجهششه‬ ‫العقبات والعوائق فإن عليه أن يعرف كيف يداري هؤلء الناس ويجششاملهم‪،‬‬ ‫وهذه المداراة سنة حميدة سنها لنا رسششول الش ‪ ‬فعششن عائشششة رضششي الش‬ ‫عنها أنه استأذن على النبي ‪ ‬رجل فقال‪ " :‬ائذنوا له‪ ،‬فبئس ابن العشششيرة‪،‬‬ ‫أو بئس أخو العشيرة‪ ،‬فلما دخل ألن له الكلم‪ ،‬فقلششت لششه ‪ :‬يششا رسشول الش ‪:‬‬ ‫قلت ما قلت‪ ،‬ثم ألنت له في القول فقال‪ :‬أي عائش‍ة إن شر الناس منزلة عند‬ ‫ال من تركه الناس اتقاء فحشه")‪ .‬ويسششتطيع أن يتعامشل مشع النششاس دون أن يتحفظششوا‬ ‫منه أو ينعزلوا عنه‪.

‬‬ .‬‬ ‫‪ -3‬إفشاء السلم‪:‬‬ ‫والسلم أول الوسائل وأفضلها لقامة اتصششال بيششن العيششة وبيششن جمهششوره‪،‬‬ ‫وبهذا السلم يدخل الداعية إلى قلوب الخلق بما تشيعه هذه الكلمة من ظلل‬ ‫المحبة والوفاء والخلص‪ .‬‬ ‫وهذا معنى العبارة المنقولة آنفًا عن القاضي عياض‪ :‬المداراةت بششذل الششدنيا‬ ‫لصلح الدنيا أو الدين‪ ،‬أو ُهما معًا"‪.(10/528‬‬ ‫فتح الباري )‪ .(266‬‬ ‫الفرق بين المداهنة والمداراة‪ :‬وقد يتبادر إلى الذهان أن المششداراة المششذكور‬ ‫آنفًا هي نوع من المداهنة والنفاق‪ ،‬وقد يأباهششا كششثير مششن الششدعاة أخششذًا بمبششدأ‬ ‫الوضوح والمصارحة في قول كلمة الحق والشارة إلى عوج كل ذي عوج‬ ‫‪،‬وكأنهم فهموا أن هذا السلوب هو من باب كلمة الحق عنشد سشلطان جشائر‪.‬وأما أن يبذل الداعية شيئًا من الدنيا لي إنسششان‬ ‫فهذا أمر محمود‪ ،‬فنحششن نجششود بششدنيانا ونبخششل بششديننا‪ .‬‬ ‫فما أحوج الداعية إلى فهم هذا المبدأ‪ ،‬وبتطبيقه يستطيع جششذب قلششوب النششاس‬ ‫إليششه فهششو يجششبر ول يكسششر ؛ لن كسششر القلششوب ل يعتششود علششى الششدعوة إل‬ ‫بالخسران‪ ،‬والقلب الكسير ل يجبر إل بمشقة‪ ،‬وإن الرابط النفسي ل يوصل‬ ‫إذا انقطع إل بعد جهد كبير‪.‬وقد شاء ال تعششالى أن يجعششل وسششائل التصششال‬ ‫الجماهيرية عبادات يتقرب بها المؤمن إلى ال‪ ،‬وجعلششت هششذه الوسششائل مششن‬ ‫شبع اليمان وخصاله؛ ولنسمع لنبينا العظيم‪ ‬وهو يقول وقد سششأله رجششل‪:‬‬ ‫ي السلم خير؟ فقال‪ " :‬تطعم الطعام وَتْقرأ السلم على من عرفششت ومششن‬ ‫أ ّ‬ ‫‪()) 266‬‬ ‫‪()) 267‬‬ ‫فتح الباري )‪.‫‪-115-‬‬ ‫أخلق المؤمنين‪ ،‬وهي خفض الجناح للنششاس‪ ،‬وليششن الكلم‪ ،‬وتششرك الغلظ‬ ‫لهم بالقول‪ ،‬وذلك من أقوى أسباب اللفة)‪.‬‬ ‫وهذا في غير موضعه؛ يقول المام ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري‪،‬‬ ‫ل عن القاضي عياض في كلمه على الحديث السابق‪:‬‬ ‫نق ً‬ ‫والفششرق بيششن المششداراة والمداهنششة أن المششداراة بششذل الششدنيا لصششلح الششدنيا أو‬ ‫الدين‪ ،‬أو هما معًا ‪ ،‬وهي مباحة‪ ،‬وربمششا اسششتحبت ‪ ،‬والمداهنششة تششرك الششدين‬ ‫لصلح الدنيا‪ ،‬والنبي ‪ ‬إنما بذل له من دنيششاه حسششن عشششرته والرفششق فششي‬ ‫مكالمته‪ ،‬ومع ذلك فلم يمدحه بقول‪ ،‬فلم يناقض قوله فيه فعله‪ ،‬فإن قوله فيششه‬ ‫قول حق‪ ،‬وفعله معه حسن عشرة‪ ،‬فيزول مششع هشذا التقريششر الششكال بحمشد‬ ‫ال تعالى")‪.‬وبنششاء عليشه فششإن مشن‬ ‫الجائز‪ ،‬بل من المندوب أن نكرم مشن ل نرضشى دينشه وعقيشدته تألفشًا لقلبشه‪.(10/545‬والمقصود الرجل الذي قال له ‪ :‬بئس أخو العشيرة‪.(267‬‬ ‫ونخلص من هذا إلى أن المداهنة معاشرة الفاسق وإظهار الرضششى بمششا هششو‬ ‫عليه واستحسان مذهبه من غير إنكار‪ ،‬فيكون المداهن قد بذل دينه من أجل‬ ‫دنياه في رضى الناس عنه‪ .

(14/149‬‬ .(1/56) ،‬‬ ‫أخرجه مسلم ) متن النووي ( ) ‪.:‬‬ ‫‪()) 268‬‬ ‫‪()) 269‬‬ ‫‪())270‬‬ ‫‪())271‬‬ ‫‪())272‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪ ،‬انظر شرح النووي ‪ ، 2/9‬وأخرجه البخاري ) بهامش فتح الباري ‪.(272‬‬ ‫فالداعيششة الناجششح ل ينسششى هششدفه فششي الوصششول إلششى قلششوب النششاس كبششارًا أو‬ ‫صغارًا‪ ،‬وهو يقترب كل يوم من هدفه‪ ،‬وإذا كان الناس فششي غفلششة عششن هششذه‬ ‫الهداف الكششبيرة وتشششغلهم الهششداف الشخصششية القريبششة‪ ،‬فششإن الداعيششة دائم‬ ‫الفكر دائب العمل مستمر التخطيط ليصل إلششى أهششدافه الكششبيرة‪ ،‬ويششرى فششي‬ ‫الطفل الصغير رجل المستقبل‪ ،‬وفي العامل الفقير المسؤول الكبير‪ ،‬فالقليششل‬ ‫يكثر والصغير يكبر‪ ،‬والكسب لمن سبق وصبر وأحسن‪.‬‬ ‫‪ -4‬تألف الناس ‪.(271‬‬ ‫وما دام السلم شعار السلم فإن على الداعيششة أن يعمششم هششذا الشششعار يلقيششه‬ ‫على كل أحد‪ ،‬دون ملل أو سأم‪ ،‬وتكرار إلقاء السلم لبد أن يثمر تعارفًا ثم‬ ‫تتوثق العلقة‪ ،‬وتنتقل إلى ما وراء الكلمة من السلوك والعمل المشترك‪.‫‪-116-‬‬ ‫لم تعرف")‪ .(14/143‬‬ ‫أخرجه مسلم ) متن النووي ( )‪.(270‬‬ ‫والسلم من الحقوق الثابتة للمسلم‪ ،‬قال رسول ال ‪ " :‬حششق المسششلم علششى‬ ‫المسششلم خمششس‪ ،‬رد السششلم‪ ،‬وتشششميت العششاطس‪،‬وإجابششة الششدعوة‪ ،‬و عيششادة‬ ‫المريض ‪،‬واتباع الجنائز")‪.(269‬ويقول ابن حجر رحمشه الش‪ " :‬أي‬ ‫ل تخص به أحدًا ‪ ،‬تكّبرًا أو تصّنعًا ‪ ،‬بل تعظيمًا لشششعار السششلم‪ ،‬ومراعششاة‬ ‫لخوة المسلم")‪.(1/82‬‬ ‫شرح مسلم للنووي )‪.‬‬ ‫ول يقتصر الداعية علششى الكبششار فيخصششهم بالسششلم‪ ،‬بششل يلقششي السششلم علششى‬ ‫الصغار‪ ،‬وإلقاء السلم علششى الصششبيان يششترك أثششرًا حسششنًا فششي نفوسششهم‪ ،‬لن‬ ‫هؤلء محرومون من التقدير والحترام فمن يحششترمهم ويقششدرهم هششو الششذي‬ ‫يكسبهم لصفه‪ ،‬أخرج المام مسلم‪ ،‬عن سيار قششال‪ ":‬كنششت أمشششي مششع ثششابت‬ ‫الُبناني فمر بصبيان فسلم عليهم‪ ،‬وحدث ثابت أنه كان يمشي مع أنششس فمششر‬ ‫بصبيان فسلم عليهم‪ ،‬وحدث أنه ) أنس ( كان يمشي مع رسول ال ‪ ‬فمر‬ ‫بصبيان فسلم عليهم")‪.‬‬ ‫وقد يظن بعض الدعاة أن السلم ل يليق ببعض الناس لما هم عليه من خلق‬ ‫أو سلوك‪ ،‬وهذا الظن تنعكس سلبياته على الدعوة‪ ،‬إذ ُتتهششم بالطبقيشة‪ ،‬وأنهششا‬ ‫تربششي أبناءهششا علششى العزلششة والنفصششال عششن المجتمششع‪ ،‬ويوصششف الداعيششة‬ ‫بالتكبر والتعالي‪.(268‬وهذا الحديث نص في أهمية السلم وبذله لجميع المسلمين‪،‬‬ ‫قال النووي ‪ " :‬وفيه بذل السلم لمن عرفت ‪ ،‬ولمششن لششم تعششرف‪ ،‬وإخلص‬ ‫العمل فيه لش تعشالى ل مصشانعة ‪ ،‬ول ملقشًا‪ ،‬وفيشه مشع ذلشك اسشتعمال خلشق‬ ‫التواضع‪ ،‬وإفشاء شعار هذه المة")‪ .(2/11‬‬ ‫فتح الباري‪.

(9/64‬‬ ‫النووي على مسلم )‪.‬وهذا ما عّلمه الش تعششالى لنششبيه ‪ ‬ليجششذب قلششوب الخلششق‬ ‫إليه‪ ،‬فقال ‪ } :‬ولو كنت فظًا غليظ القلب لنفضوا مششن حولششك فششاعف عنششه‬ ‫واستغفر لهششم وشششاورهم فششي المششر‪ ،(273)‬أمششا الفششظ فهششو الغليششظ الجششانب‬ ‫السيئ الخلق‪ .‬‬ .(277‬‬ ‫‪()) 273‬‬ ‫‪()) 274‬‬ ‫‪())275‬‬ ‫‪())276‬‬ ‫‪277‬‬ ‫الية ‪ ، 159 :‬من سورة آل عمران‪.(275‬‬ ‫ولمكان اللفة في دين ال تعالى اعتبرت فريضة من فرائضه؛ قال القاضشي‬ ‫عيششاض‪" :‬واللفششة إحششدى فششرائض الششدين وأركششان الشششريعة ونظششام شششمل‬ ‫السششلم")‪ .(64-9/63‬‬ ‫التفسير الكبير للرازي )‪.‬ويلتقي عليه عدد كششبير مششن النششاس؛ لنهششم يشششعرون بحرصششه عليهششم‪،‬‬ ‫ورفقه بهم‪ ،‬فهو قوة جامعة ل قوة طاردة‪.‬والغليظ القلب الذي ل يتأثر قلبه عن شيء‪ ،‬فقد ل يكون سششيئ‬ ‫الخلق ول يؤذي أحدًا ‪ ،‬ولكنه ل يرق لهم ول يرحمهم)‪.‬وهذا المقصود ل يتششم إل إذا كششان رحيمشاً كريمشًا‪ ،‬يتجششاوز عششن ذنبهششم‬ ‫ويعفششو عششن إسششاءتهم‪ ،‬ويخصششهم بوجششوه الششبر والمكرمششة والشششفقة‪ ،‬فلهششذه‬ ‫السباب وجب أن يكون الرسول ُمَبّرأ من سشوء الخلششق‪ .‬‬ ‫وتبششدأ اللفششة مششن القلششب بالنيششة الصششالحة وتششرك الغلظششة‪ ،‬وتشششرب الرقششة‬ ‫والرحمة والرفق‪ .‫‪-117-‬‬ ‫والداعية يألف ويؤلف‪ ،‬وذلك بسبب تكوينه الذهني والسششلوكي‪ ،‬ولمششا يتمتششع‬ ‫به من رؤية واسعة وُبعد نظر‪ ،‬وهو يزيد من قوة ارتباطه بالناس يومًا بعششد‬ ‫يوم‪ .‬‬ ‫التفسير الكبير للرازي )‪.(276‬ومششن أسششباب حصششول اللفششة الششورع وصششدق السششريرة‬ ‫والخلص‪ ،‬ولذلك جاء الربط بين إفشاء السلم وبين الصلة بالليل والناس‬ ‫نيام‪ " ،‬عن عبدال بن سلم رضي ال عنه‪ ،‬قال‪ :‬لمشا قشدم النشبي ‪ ‬انجفشل‬ ‫الناس عليه‪ ،‬فكنت فيمن انجفل‪ ،‬فلمششا تششبينت وجهششه عرفششت أن وجهششه ليششس‬ ‫بششوجه كششذاب‪ ،‬فكششان أول شششيء سششمعته يقششول‪ " :‬أفشششوا السششلم‪ ،‬وأطعمششوا‬ ‫الطعام‪ ،‬وصلوا بالرحام‪ ،‬وصّلوا والناس نيام‪ ،‬تدخلوا الجنة بسلم")‪.‬يقول الرازي‪" :‬إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف ال‬ ‫إلى الخلق؛ وهذا المقصود ل يتم إل إذا مالت قلوبهم إليه‪ ،‬وسششكنت نفوسششهم‬ ‫لديه‪ .(2/11‬‬ ‫أخرجه المام أحمد في مسنده )‪ ،(5/451‬والترمذي )‪ ، (4/652‬وقال ‪ :‬حديث حسن‬ ‫))(‬ ‫صحيح ‪ ،‬ومعنى انجفل الناس ‪ :‬ذهبوا إليه مسرعين‪.‬وكمششا يكشون كشذلك‬ ‫وجب أن يكون غير غليظ القلب ‪ ،‬بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء‪،‬‬ ‫كثير القيام بإعانة الفقراء‪ ،‬كثير التجاوز عن السيئات")‪.(274‬‬ ‫وإذا كان صاحب بضششاعة مششا يفهششم أن تسششويق هششذه البضششاعة ل يتششم إل إذا‬ ‫خلششق الرفيششع وليششن الجششانب مششن أسششباب إقبششال‬ ‫توافر الساس النفسي‪ ،‬فإن ال ُ‬ ‫الناس على الشششراء مششن التششاجر‪ ،‬فكششذلك أمششر الداعيششة الششذي يعششرض سششلعة‬ ‫اليمان‪ .

‬وأكششثر مششن‬ ‫ذلك فإن الداعية يؤثر الناس على نفسه ولو كان به خصاصة‪.(10/461‬‬ ‫أخرجه الترمذي )‪ ، (4/354‬وأحمد )‪(2/173‬و)‪.‬‬ ‫ومششن اسششبابه كششذلك بششذل المعششروف‪ ،‬فالداعيششة يفكششر دائم شاً بإسششعاد النششاس‬ ‫وإيصال الخير إليهم ولو بالكلمة الطيبة‪ ،‬ومن كان هذا شأنه فششإنه ل يعششرف‬ ‫الشر ول الذى‪.(280‬‬ ‫ومن أسششباب اللششف التهششادي‪ ،‬فللهديششة سششحر خششاص يصششل الداعيششة بقلششوب‬ ‫الناس‪ ،‬وهذه الهدية دليل على حششب الداعيششة للمهششدي إليششه وتقششديره لششه‪ .‬‬ ‫ومن أسبابه إطعام الطعام لما فيه من أثر بالغ على النفششس البشششرية‪ ،‬ولششذلك‬ ‫ورد في الحديث‪":‬أطعموا الطعششام"‪ .(279‬‬ ‫وكان صهيب رضي ال عنه يطعم الطعام الكثير فراجعه عمششر رضششي ال ش‬ ‫عنه في ذلك فقال‪ :‬أّما قولك في الطعششام فششإن رسششول ال ش ‪ ‬كششان يقششول‪" :‬‬ ‫خياركم من أطعم الطعام ورد السلم")‪.(5/16‬‬ .‬وعشن عبششد الش بشن عمششرو رضششي الش‬ ‫عنهما‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ ":‬إن الجنة لغرفاً ُيرى ظاهرها من باطنهشا‬ ‫وباطنها من ظاهرها‪ ،‬فقال أبو موسى الشعري‪ :‬لمن هششي يششا رسششول الش ‪،‬‬ ‫قال ك لمن ألن الكلم وأطعششم الطعششام وبششات الش قائمشًا والنششاس نيششام")‪.‫‪-118-‬‬ ‫فالصلة في الليل تربط العبد بخالقه فيرضششى عنششه‪ ،‬وإذا رضششي الش تعششالى‬ ‫عن العبد أرضى العباد عنه‪ .‬وإذا‬ ‫كان التهادي جائزًا بين المسششلمين والمشششركين والمحششاربين فهششو أولششى بيششن‬ ‫المسلمين‪ ،‬وقد جاء في الصحيح أن عمر رضششي الش عنششه رأى حلششة تبششاع‪،‬‬ ‫فقال للنبي ‪ :‬ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفششد‪ ،‬فقششال ‪:‬‬ ‫إنما يلبس هذه مششن ل خلق لششه فششي الخششرة شش وكششانت مششن الحريششر شش فشُأتي‬ ‫رسول ال ‪ ‬منها بحلل‪ ،‬فأرسل إلى عمر منها بحّلششة‪ ،‬فقششال عمششر ‪ :‬كيششف‬ ‫ألبسششها وقششد قلششت فيهششا مششا قلششت؟ قششال‪ :‬إنششي لششم أكسششكها لتلبسششها‪ ،‬تبيعهششا أو‬ ‫‪()) 278‬‬ ‫‪()) 279‬‬ ‫‪())280‬‬ ‫أخرجه البخاري ) متن فتح الباري ( )‪.‬‬ ‫ومششن أسششباب اللششف عششدم منازعششة النششاس فششي دنيششاهم‪ ،‬أو منافسششتهم فششي‬ ‫المناصب‪ ،‬وهذا هو الزهد النافع‪ ،‬أي الزهد بما في أيدي الناس‪ .(1/156‬‬ ‫أخرجه المام أحمد )‪.(278‬‬ ‫حجة حاضر البديهة‪ ،‬فششإن حجتششه وبششديهته تعجششز‬ ‫ومهما كان الداعية قوي ال ُ‬ ‫أمام عدم التوفيق والرضا منه سبحانه وتعالى‪.‬وفي الحديث عن أبي هريرة رضي ال ش عنششه‪،‬‬ ‫عن النبي ‪ ‬قال‪ " :‬إذا أحب ال عبدًا نادى جبريل إن ال ُيحب فلنًا فأحبه‬ ‫فيحبه جبريل‪ ،‬فينادي جبريل في أهل السششماء‪ :‬إن الش يحششب فلنشًا فششأحبوه‪،‬‬ ‫فيحبه أهل السماء‪ ،‬ثم يوضع له القبول في أهل الرض")‪.

103‬‬ ‫أخرجه مسلم )‪.(281‬وقششد‬ ‫كان النبي ‪ ‬يقبل الهدية ويثيب عليها")‪.‬‬ ‫‪ -5‬الداعية يخالط الناس ويصبر على أذاهم‪:‬‬ ‫والداعية يتوقع الساءة قبل الحسان ويعذر الناس في سيئ الخلق وغليظ‬ ‫الطباع؛ لنهم حرموا ردحًا من الزمن من توجيه السلم وتربيتششه‪ ،‬ففسششدت‬ ‫جوانب مهمة من جوانب تركيبهم النفسي والجتماعي‪ ،‬وأصبح دأبهم الغيبة‬ ‫والنميمة والهمز اللمز‪ .‫‪-119-‬‬ ‫تكسوها‪ ،‬فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبششل أن يسششلم")‪" .‬وأما الداعية فهو بريء من هذا العيب‪ ،‬وهو يعترف‬ ‫لكل صاحب فضل بفضله‪ ،‬ويتصف بالموضوعية في تعامله‪ ،‬ويقتدي بسششنة‬ ‫النبي ‪ ‬الذي يقول‪ " :‬ل يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كششبر‪،‬‬ ‫قال رجل ‪ :‬إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ‪ ،‬ونعلششه حسششنة ‪ ،‬قششال ‪ :‬إن‬ ‫ال جميل يحب الجميل‪ ،‬الكبر بطر الحق وغمط الناس")‪.(3/394‬‬ ‫الدب المفرد )‪(102‬‬ ‫صحيح البخاري )‪ (10/512‬وفي الدب المفرد ‪.‬قلت أنا‪ :‬لقولن للنبي ‪ ‬شش فششأتيته وهشو فششي‬ ‫أصحابه ش فساررته‪ ،‬فشق ذلك عليه‪ ،‬وتغيششر وجهششه‪ ،‬وغضششب حششتى وددت‬ ‫إني لم أكن أخبرته‪ ،‬ثم قال‪ ":‬قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر")‪.(282‬‬ ‫وكم وصلت الهدية من الحبال المنقطعة؟ ‪ ،‬وكم غيرت من المواقششف؟ وكششل‬ ‫إنسان يعلم أثر الهديششة فششي تحقيششق المششودة والمحبششة‪ .(283‬وعندما يصل الدعاة إلى هذا المسشتوى الرفيشع مشن إعشذار‬ ‫الناس ومسامحتهم على زلتهم‪ ،‬فإنهم يزيلششون عششوائق كششثيرة سششببها الحنششق‬ ‫والغضب والرغبة بالمعاملة بالمثل‪ .‬وقدوة الداعية في ذلششك رسششول الش ‪‬‬ ‫عرف بسعة صدره وكظم غيظه‪ ،‬قال عبدال بششن مسششعود‪ :‬قسششم النششبي‬ ‫الذي ُ‬ ‫‪ ‬قسمة ش كبعض ما كان يقسم ش فقال رجل من النصار‪ :‬وال إنهششا لقسششمة‬ ‫ما أريد بها وجه ال عز وجل‪ .‬والداعيششة أولششى النششاس‬ ‫باستخدام هذه الوسيلة الفعالة من وسائل التصال الجماهيري‪.(1/93‬‬ .‬والداعية الحكيم يتعامل معهششم كمششا يتعامششل الطششبيب‬ ‫الرحيم مع مرضاه‪ ،‬ولهذا فإن الداعية مأمور بالصبر والصطبار وانتظششار‬ ‫النتائج دونما يأس أو كلل وشعاره في ذلك قول النششبي ‪" : ‬المششؤمن الششذي‬ ‫يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي ل يخششالط النششاس ول يصششبر‬ ‫على أذاهم")‪ .(284‬‬ ‫‪ -6‬الداعية ل يغمط الناس حقهم‪ ،‬ول ينكر لحد فضله‪:‬‬ ‫غْمط الناس مشن صششفات المتكششبرين‪ ،‬الششذين ل يششروق‬ ‫ن سفه الحق و َ‬ ‫وذلك ل ّ‬ ‫لهششم أن يششروا أحششدًا فششوقهم‪ ،‬ويحملهششم الحسششد والتنششافس علششى إخفششاء فضششل‬ ‫الفضلء وعلم العلماء‪ .(285‬‬ ‫‪()) 281‬‬ ‫‪()) 282‬‬ ‫‪())283‬‬ ‫‪())284‬‬ ‫‪())285‬‬ ‫البخاري ‪ ،‬متن فتح الباري )‪.(5/232‬‬ ‫أخرجه أبو داود )‪.

‬وكان أبو بكر أشششدهم رسششوخًا فششي‬ ‫العلم بجميع أنساب العرب‪ ،‬وقد أمر النبي ‪ ‬حسان بن ثششابت أن يأخششذ مششا‬ ‫يحتاج إليه من علم نسب قريش عن أبي بكر الصديق( )‪.‬وتطبيقشًا لسششنة مششن سششننه‪ ،‬وصششلة ا لرحششم تحقششق التصششال الحيششوي‬ ‫بجماعة كبيرة من الناس يرتبط الداعية بهم رباط القربى‪ ،‬ويفشترض هشؤلء‬ ‫ل لهم‪ .‬ولذا فإنهم ينكرون على الداعية عنششدما‬ ‫الناس أن يكون الداعية وصو ً‬ ‫يقطعهم‪ ،‬وُيحّملونه من المسئولية أكثر من غيره‪ .(286‬‬ ‫وقد اختار ال نبيه محمشدًا ‪ ‬ولشه فشي كشل بيشت مشن بيشوت العشرب رحشم‪،‬‬ ‫وقامت الدلة على ضرورة معرفة النساب والرحام‪ ،‬وذلك لداء الحقششوق‬ ‫سلم مراتبهششم‪ ،‬وقششد نششاقش ابششن حششزم فششي كتششابه" جمهششرة أنسششاب‬ ‫إليهم تبعًا ل ُ‬ ‫العرب" قول من قال ‪ ) :‬إن علم النسششب علششم ل ينفششع وجهالششة ل تضششر‪ .‬والجاهلية هي الفخر والخيلء والعصبية‪ ،‬ومن الجاهليششة القطيعششة‬ ‫وإهمال الرحام‪ .‬والداعية الذكي يتوجه إلى‬ ‫هؤلء من خلل الصلة المعروفة ليقدم إليهم دعوته بعد أن يقدم إليهششم ب شّره‪.‬‬ ‫الية ‪ 22‬من سورة محمد‪.(2/374‬‬ ‫جمهرة أنساب العرب ‪ 5-3‬بتصرف ‪.(288)‬وقد بلغ من حرص هذا الدين على صششلة الرحششم‬ ‫أن أمر بصلة الرحم المشششركة‪ ،‬فجششاء عششن النششبي ‪ ‬أه قششال ‪ " :‬إن آل أبششي‬ ‫‪()) 286‬‬ ‫‪()) 287‬‬ ‫‪())288‬‬ ‫أخرج الترمذي )‪ ،(4/351‬وأحمد )‪.‬‬ ‫ولقد أمرنا رسول ال ‪ ‬بالتعرف على أنسابنا ل من أجل عصششبية جاهليششة‬ ‫ولكن منأجل تأدية الواجب نحو هؤلء الرحام‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬ ‫" تعلموا من أنسابكم ما تصششلون بششه أرحششامكم فششإن صششلة الرحششم محبششة فششي‬ ‫الهل‪ ،‬مثراة في المال‪ ،‬مْنسأة في الجل‪ ،‬مرضاة للرب")‪.‬وكشان مشن بيشن‬ ‫أصحاب النبي ‪ ‬من يتقن علم النسب كابي بكر الصديق وأبششي الجهششم بششن‬ ‫حذيفة وجبير بن مطعم رضي ال عنهم‪ .‬وهذا الموقف من الداعية يحقششق السششلم بينششه وبيششن سششائر النششاس‬ ‫ويمهد له الطريق إلى قلوبهم‪ ،‬ويقيم أفضل وسائل التصال معهم‪.‬وقد جعل القرآن الكريم تقطيع الرحام قرينشاً للفسششاد فششي‬ ‫الرض‪ ،‬فقششال تعششالى ‪ } :‬فهششل عسششيتم إن تششوليتم أن ُتفسششدوا فششي الرض‬ ‫وتقطعوا أرحامكم ‪ .‫‪-120-‬‬ ‫ومعنششى بطششر الحششق‪ :‬دفعششه وإنكششاره ترفعشًا وتجششبرًا‪ ،‬ومعنششى غمششط النششاس‪:‬‬ ‫احتقارهم‪ .‬‬ ‫‪-7‬صلة الرحم‪:‬‬ ‫ويتصف الداعية بحرصه علششى صششلة رحمششه‪ ،‬قيامشًا بفريضششة مششن فششرائض‬ ‫الششدين‪ .‬‬ .‬ثششم‬ ‫قال‪ :‬وضح أنه بخلف هذا وأنه علششم ينفشع ‪ ،‬وجهشل يضششر‪ .(287‬‬ ‫وكثير من الدعاة يهملشون البحشث فشي أنسشابهم ظنشًا منهششم أن ذلشك مشن أمششر‬ ‫الجاهلية‪ .

10/423‬‬ .(289‬‬ ‫جنة مششن‬ ‫شش ْ‬ ‫والرحم سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة قريبة أو بعيششدة‪ ،‬فهششي ُ‬ ‫جَنة من الرحمن‪ ،‬فقال ال‪ :‬من‬ ‫شْ‬ ‫الرحمن كما أخبرنا النبي ‪ " ‬إن لرحم ُ‬ ‫وصلك وصلته‪ ،‬ومن قطعك قطعته")‪ ،(290‬والشجنة عرق منعروق الشششجرة‬ ‫المشتبكة‪ ،‬ومعنى الحديث أن الرحم اشتق اسمها من اسششم الرحمششن فلهششا بششه‬ ‫علقة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وقد حرم ال علششى قششاطع الرحششم دخششول الجنششة‪ ،‬قششال النششبي ‪ " :‬ل يششدخل‬ ‫الجنة قاطع")‪.‬وقشد‬ ‫أخششبر النششبي ‪ ‬أن الواصششل ل يكششون المكششافئ‪ ،‬فقششال ‪ " :‬ليششس الواصششل‬ ‫بالمكششافئ‪ ،‬ولكششن الواصششل الششذي إذا ُقطعششت رحمششه وصششلها")‪ .10/415‬‬ ‫فتح الباري ‪.10/417‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري( ‪.‬وأن يقابششل السششاءة بالحسششان‪ .10/418‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري ( ‪.(293‬‬ ‫ولقد شاع التقاطع في زماننا هذا‪ ،‬حتى أصبح كل إنسان يميل إلى البعششدين‬ ‫عنه‪ ،‬ول يرغب بصلة القربين لما يجد من إساءاتهم وقطيعتهششم‪ ،‬وإذا كششان‬ ‫هذا التصرف له ما يبرره عند جمهور النشاس‪ ،‬فشإن الداعيشة مشأمور بإحيشاء‬ ‫هذه الصلت والحض عليها‪ ،‬ول تتم عبادته ل تبارك وتعشالى إل بهشا‪ .‬والمعنى الجامع‪ :‬إيصال مششا أمكششن مششن‬ ‫الخير‪ ،‬ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة)‪.‬وصلة الرحم تبدأ بالقرب حتى تصل إلى البعششد‪ .‬‬ ‫الصلة من الجانب الخر فإنه ل يكون واص ً‬ ‫والرحام مراتب حسب قربها وبعدها من النسششب‪ ،‬ودرجششات حسششب قربهششا‬ ‫وبعدها عن الدين‪ .10/419‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري (‪.‫‪-121-‬‬ ‫فلن ليسوا بأوليائي إنما وليي ال وصالح المؤمنين‪ ،‬ولكششن لهششم رحششم أبّلهششا‬ ‫ببللها‪ ،‬أي أصلها بصلتها")‪.(294‬ومعنششى‬ ‫الحديث أن صلة الرحم ل يشششترط فيهششا التبششادل‪ ،‬بششل هششي واجبششة حششتى مششع‬ ‫ل فلبششد أن يبششدأ هششو بوصششل مششن قطعششه‪،‬‬ ‫القطيعة‪ ،‬فمن أراد أن يكون واص ً‬ ‫ولبد أن يعطشى مششن منعشه‪ .‬وأمششا إذا انتظششر‬ ‫ل‪.‬والششبر‬ ‫واجب على كل حال‪ ،‬والولية تفارقه في حال كششون الرحششم فاسششقًا أو كششافرًا‬ ‫أو عدوًا‪ ،‬لقول ال تعالى‪ } :‬ل ينهاكم ال عن الذين لم يقششاتلوكم فششي الششدين‬ ‫‪()) 289‬‬ ‫‪()) 290‬‬ ‫‪())291‬‬ ‫‪())292‬‬ ‫‪())293‬‬ ‫‪())294‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري ( ‪.(291‬‬ ‫وبالمقابل فإن صلة الرحششم بركششة فششي الششرزق والثششر‪ ،‬لقششوله عليششه الصششلة‬ ‫والسلم‪ ) :‬من أحششب أن يبسششط لششه فششي رزقششه‪ ،‬وُينسششأ لششه فششي أثششره فليصششل‬ ‫رحمه( )‪.10/415‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري (‪.(292‬‬ ‫وتكششون صششلة الرحششم بالمششال للقششادر عليششه‪ ،‬بششالعون علششى الحاجششة‪ ،‬وبششدفع‬ ‫الضرر‪ ،‬وبطلقه الوجه‪ ،‬وبالدعاء‪ .

‬والخذ بالسششهل واليسششر ‪ ،‬وهششو ضششد العنششف ‪ ،‬وقششد روى المششام‬ ‫مسلم في صحيحه عن النششبي ‪ ‬أنششه قششال ‪ " :‬إن الش رفيششق يحششب الرفششق ‪،‬‬ ‫ويعطي علششى الرفششق مششا ل يعطششي علششى العنششف " )‪ .‬ورب كلمة يندفع الداعية إلى قولها ثم‬ ‫يتبين أن لها من الثار السلبية ما يجعل جماعة كاملششة تبششذل وقتهششا وجهششدها‬ ‫من أجل إصششلح مشا أفسششده عشدم الرفششق‪ ،‬ورب تصشرف أهششوج مشن إنسشان‬ ‫محسوب على الدعوة والدعاة يؤخر مسيرة الدعوة والدعاة‪ .‬‬ ‫وكان دأب النبي ‪ ‬الرفق مع الناس كلهششم؛ أخششرج البخششاري فششي صششحيحه‬ ‫ن أعرابياً بال في المسجد فقششاموا إليششه ‪،‬‬ ‫عن أنس بن مالك رضي ال عنه" أ ّ‬ ‫ب عليششه" ‪ .‬ومعنششى " ل‬ ‫صش ّ‬ ‫فقششال ‪ :‬ل َتْزِرمششوه‪ ،‬ثششم دعششا بششدلو مششن مششاء‪َ ،‬ف ُ‬ ‫تزرمششوه" ‪ :‬ل تقطعششوا عليششه بششوله‪ .(29/304‬‬ ‫أخرجه مسلم ‪.‬والرفق لين الجانب بالقول‬ ‫والفعل‪ .‬‬ ‫‪ -8‬الرفق‪:‬‬ ‫ولبد أن يتصف الداعية بالرفق مع سائر الناس‪ .‬وهششذا مششا يسششعى أعششداء‬ ‫السلم ليل نهار ليقاع الدعاة فيه‪.‬‬ ‫التفسير الكبير )‪.(297‬ومششن خلل الرفششق‬ ‫يسشتطيع الداعيشة أن يفكشر فشي المشور وأن يتخشذ المواقشف الصشحيحة‪ ،‬ول‬ ‫يمكن ذلك من خلل العنف والتسرع‪ .‬وهشذا السشلوك‬ ‫يسششلب الششدعوة أهششم مقوماتهششا وعناصششر وجودهششا‪ .‫‪-122-‬‬ ‫ولششم يخرجششوكم مششن ديششاركم أن تششبروهم وُتقسششطوا إليهششم‪ ،‬إن الشش ُيحششب‬ ‫المقسطين* إنما ينهاكم ال عششن الششذين قششاتلتوكم فششي الششدين وأخرجششوكم مششن‬ ‫ديششاركم وظششاهروا علششى إخراجكششم أن تولششوهم ‪،‬ومششن يتششولهم فششأولئك هششم‬ ‫الظالمون‪.‬ولعل مششن أشششد‬ ‫المراض الفتاكة بالدعوة والدعاة أن يكون فيها من يربي غيره على العنف‬ ‫ويطالبه باستعمال القششوة وإنشزال العقوبشة علشى كششل مخششالف‪ .(295)‬‬ ‫ويلحششظ قششوله فششي اليششة الولششى‪ :‬أن تششبروهم‪ ،‬وفششي الثانيششة ‪ :‬أن تولششوهم‪،‬‬ ‫ومعنى ذلك أن النهششي عشن تششولي هشؤلء لشششدة عشداوتهم‪ ،‬قششال الششرازي فششي‬ ‫تفسيره‪" :‬هذه الية تششدل عششن جششواز الششبر بيششن المشششركين والمسششلمين‪ ،‬وإن‬ ‫كانت الموالة منقطعة")‪ ،(296‬فإذا علم الداعيششة كششل هششذا كششانت صششلة الرحششم‬ ‫ميدانًا رحبًا لدعوته‪ ،‬تصله بجماهير من الناس‪ .‬وفششي روايششة الترمششذي‪" :‬دخششل أعرابششي‬ ‫المسجد والنبي ‪ ‬جالس‪ ،‬فصلى فلما فششرغ قششال ‪ :‬اللهششم ارحمنششي ومحمششدًا‬ ‫ول ترحم معنا أحدًا‪ ،‬فالتفت إليه النبي ‪ ،‬فقال‪ :‬لقد تحجرت واسششعًا ‪ ،‬فلششم‬ ‫يلبث أن بال في المسجد‪ ،‬فأسرع إليه الناس‪ ،‬فقال النبي ‪ : ‬أهريقوا عليششه‬ ‫‪()) 295‬‬ ‫‪()) 296‬‬ ‫‪())297‬‬ ‫اليتان ‪ 9-8‬من سورة الممتحنة‪. 4/2004‬‬ .‬ويكششون عنششدئذ قطششاع كششبير‬ ‫من هؤلء الناس على صلة بجماعة الدعاة‪ ،‬وهو كسب للدعوة والدعاة‪.

‬والفحششش كششل مششا‬ ‫خرج عن مقداره حتى يسششتقبح‪ ،‬فالداعيششة ل يفحششش فششي كلمششه‪ ،‬ول يجيششب‬ ‫على الفحش بالفحش‪ ،‬ول يكون سّبابًا ول لّعانشًا‪ .‬‬ ‫ولبد أن يضع الداعية في عين العتبار طبائع الناس وأمزجتهششم‪ ،‬وأنهششم ل‬ ‫يتصرفون بطريقة واحدة‪ . 4/2003‬‬ .(1/276‬‬ ‫رواه مسلم ‪.‬‬ ‫‪ -9‬مراعاة ذوي الهيئات والوجهاء‪:‬‬ ‫ول يهمل الداعية وجوه الناس وذوي النفوذ فيهم‪ ،‬بل يقبل عليهششم ويسششتطيع‬ ‫بحسن إدارته وثاقب بصيرته أن يوظف الكثير من هششؤلء لنصششرة دعششوته‪.‬فششإذا كششان النششاس‬ ‫يتصفون بسرعة الستجابة لدواعي الغضب والنزق فما ذلك إل لقصششر فششي‬ ‫أهدافهم‪ ،‬وملحقة لسفاسف المور وصغائرها‪ .‬والداعية الناجح يستوعب هذه الطبائع والمزجة‪.‬وكششل هششذا مششن جهششة كششون‬ ‫الداعية أوسع قلبشًا وأعمششق نظششرًا وأبعششد هششدفًا مششن غيششره‪ .‬ويتصششف‬ ‫شعب ما بقدرته على المجاملشة وليشن الكلم‪ ،‬ويتصشف غيشره بحشدة المشزاج‬ ‫وخشونة التعامل‪ .‬‬ ‫حرم الرفق فقد ُ‬ ‫ومن ُ‬ ‫ومن لوازم الرفق أن ل يكون الداعية فاحشًا ول متفاحشًا‪ .‬‬ ‫وما يشيع على ألسنة الدعاة أحيانًا من كلمات تدعو إلى إهمال هذه الفئة هششو‬ ‫مخالف لسنة النبي ‪ ‬في تعششامله مششع الوجهششاء والزعمششاء‪ .‬‬ ‫وفي هذه الحادثة كمال رفقه ‪ ، ‬وما أجمل أن يتأسششى الششدعاة بهششذا الخلششق‬ ‫الكامل‪.‬والداعية ل يكون كذلك‪ ،‬بل‬ ‫هشششو يعمشششل علشششى ترويشششض الطبشششاع الششششاردة وتربيشششة الخلق القاسشششية‪،‬‬ ‫ومستلزمات هذه الوظيفة كبيرة‪.‬‬ ‫وتختلف الطباع والمزجة مع اختلف البلد‪ ،‬وقد يغلب على أهل قطششر مششا‬ ‫روح الدعابة والمرح‪ ،‬وعلى أهل قطر آخششر روح الجششد والحششزم‪ .‬‬ ‫حرم الخير كله)‪ ،(299‬كما جاء في الحديث الشريف ‪.‫‪-123-‬‬ ‫ل من ماء‪ ،‬أودلوًا من مششاء ‪ ،‬ثششم قششال ‪ :‬إنمششا ُبعثتششم ميسششرين ولششم تبعثششوا‬ ‫سج ً‬ ‫)‪(298‬‬ ‫معسرين" ‪.‬‬ ‫وهؤلء الوجهاء منهششم العقلء الحلمشاء الحكمشاء‪ ،‬وهشؤلء تراعشى مكششانتهم‬ ‫ويستفاد من صفاتهم ومزاياهم‪ ،‬فقد قال النششبي ‪ ‬لشششج عبششد القيششس‪ " :‬إن‬ ‫‪()) 298‬‬ ‫‪()) 299‬‬ ‫سنن الترمذي )‪.‬كمششا جعششل لهششم‬ ‫القرآن الكريم سهمًا من الزكاة وهو سهم المؤلفة قلششوبهم‪ ،‬وذلششك لن هششؤلء‬ ‫هم أناس تتحرك بحركتهم فئات كبيرة من الناس ‪ ،‬فراعششى السششلم مششا لهششم‬ ‫مششن نفششوذ فششي اتبششاعهم فاسششتمال قلششوبهم لكششي ل يقفششوا فششي طريششق أتبششاعهم‬ ‫الراغبين في دين ال تعالى‪.‬وهم أنواع وأصناف ‪ ،‬ولبد من مراعاة كل هذا‪،‬‬ ‫فالجاهل له طبيعششة ومششزاج ‪ ،‬والبششدوي لششه طبيعششة ومششزاج‪ ،‬والحضششري لششه‬ ‫طبيعة ومزاج‪.

1/24‬‬ .‬وإذا تعرض أحدهم لزمة ما فإن على الداعية أن يقيل عثرته وأن‬ ‫يرحمشه فششي موقششف الششذل‪ ،‬بششذلك أمششر النششبي ‪ ‬عنششدما قششال‪ " :‬أقيلششوا ذوي‬ ‫الهيئات عثراتهم")‪.6/181‬‬ ‫البخاري ) متن فتح الباري ( ‪.(301‬‬ ‫وهذا الرجل هو عيينششة بششن حصششن الفششزاري‪ ،‬وقششد وصششفه النششبي ‪ ‬أنششه "‬ ‫أحمق مطاع" وذلك عندما جاء إلى النبي ‪ ‬وعنده عائشة ش وكان ذلك قبل‬ ‫الحجاب ش فقال ‪ :‬من هذه ؟ قال‪ :‬أم المؤمنين ‪ ،‬قال‪ :‬ال أنزل لك عششن أجمششل‬ ‫منها‪ ،‬فغضبت عائشة‪ ،‬وقالت ‪ :‬من هذا؟ قال ‪ :‬هذا أحمق)‪.(303‬‬ ‫‪ -10‬السعي في حوائج الناس وحل مشكلتهم‪:‬‬ ‫والداعية الناجح يسعى في حوائج الناس‪ ،‬ويحمل عنهم همومهم‪ ،‬ويشاركهم‬ ‫في آلمهم وأفراحهم‪ ،‬ويعينهم على نشوائب الحششق‪ .1/452‬‬ ‫مسند المام أحمد ‪.‬فهششو ل يششدخر وسشعًا فششي‬ ‫تقديم كل عون ممكن لهم‪ ،‬وهذا ما وصف به رسول ال ش ‪ ‬يششوم أن ذهششب‬ ‫ل وال ما يخزيك ال أبدًا‪ ،‬إنك لتصل‬ ‫يرجف فؤاده إلى خديجة‪ ،‬فقالت له‪":‬ك ً‬ ‫ل‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب‬ ‫الرحم‪ ،‬وتحمل الَك َ‬ ‫الحق")‪.(300‬وقششد يكششون منهششم‬ ‫الحمق المطاع ومثششل هششذا يتقششى شششره وتسششتل سششخيمة صششدره بشششيء مششن‬ ‫المداراة واللين من غير مداهنة أو وصفه بما ليس فيه‪ .1/192‬‬ ‫أخرجه البخاري ) متن فتح الباري( ‪.1/22‬‬ ‫فتح الباري ‪.(304‬‬ ‫قال ابن حجر‪ " :‬اسششتدلت علششى مششا أقسششمت عليششه مششن نفششي ذلششك أبششدًا بششأمر‬ ‫استقرائي‪ ،‬وصفته بأصول مكارم الخلق؛ لن الحسان إما إلى القششارب‪،‬‬ ‫أو إلى الجانب‪ ،‬وإما بالبدن‪ ،‬أو بالمال‪ ،‬وإما على من يستقل بأمره‪ ،‬أو مششن‬ ‫ل يستقل ‪ ،‬وذلك كله مجموع فيما وصفته به")‪ ،(305‬وكذلك فقد وصششف ابششن‬ ‫الدغنة أبا بكر عندما خرج مهاجرًا ‪ ،‬فقال له‪ ":‬فوال‪ ،‬إنك لششتزين العشششيرة‪،‬‬ ‫‪()) 300‬‬ ‫‪()) 301‬‬ ‫‪())302‬‬ ‫‪())303‬‬ ‫‪())304‬‬ ‫‪())305‬‬ ‫أخرجه المام مسلم ) شرح النووي(‪.‫‪-124-‬‬ ‫فيك خصششلتين يحبهمششا الش ورسششوله‪ :‬الحلششم والنششاة")‪ .10/452‬‬ ‫فتح الباري ) من رواية سعيد بن منصور ( ‪.(302‬‬ ‫وإكرام هؤلء الوجهاء إكرام لقوامهم‪ ،‬وينعكس هذا الكششرام علششى الششدعوة‬ ‫والدعاة‪ .‬ويشهد لهذا مششا رواه‬ ‫ل استأذن على النبي ‪ ‬فلما رآه قال ‪ :‬بئس أخو‬ ‫عروة عن عائشة" أن رج ً‬ ‫العشيرة‪ ،‬أو ابن العشيرة‪ ،‬فلمششا جلششس تطلششق النششبي ‪ ‬فششي وجهششه وانبسششط‬ ‫إليه‪ ،‬فلما انطلق الرجل قالت له عائشة‪ :‬يا رسول الشش‪ ،‬حيششن رأيششت الرجششل‬ ‫قلت كذا وكذا‪ ،‬ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه‪ ،‬فقال رسول ال ش ‪ :‬يششا‬ ‫عائشة‪ ،‬متى عهدتني فاحشًا‪ ،‬إن شر الناس عند ال منزلششة يششوم القيامششة مششن‬ ‫تركه الناس اتقاء شره")‪.

‬وهشذه الششفاعة ل تبشدل الحقشوق ول‬ ‫تسقط الواجبات‪ ،‬وإنما توصل الحق إلى صاحب الحق ويعشود خيرهشا علشى‬ ‫كل حال على الدعوة والداعية‪.(306‬وهذه الحادثة تبين لنا بصورة جلية كيششف يكششون الداعيششة مششع‬ ‫الناس ‪ ،‬وكيف يجد الداعية تقدير الناس في الزمات والملمات‪.‬‬ ‫‪()) 306‬‬ ‫‪()) 307‬‬ ‫‪())308‬‬ .‫‪-125-‬‬ ‫وتعين على النوائب‪ ،‬وتفعل المعروف ‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬ارجع فششأنت فششي‬ ‫جواري")‪ .‬‬ ‫والداعية ل يمل من فعل الخير‪ ،‬ويبذل في سبيل ذلك ُقصارى جهده‪ ،‬ويشتد‬ ‫ساقه مع الملهوف‪ ،‬ويجيب من يستنصره ويستصرخه‪ ،‬وخلف شاً لمششا يعتقششده‬ ‫بعض الناس من أن التدخل في شئون الناس لحششل خصششوماتهم شششغل بمششا ل‬ ‫يعني فإن النششبي ‪ ‬قششد جعششل العششدل بيششن الثنيششن صششدقة وإغاثششة الملهششوف‬ ‫سششلمى مششن النششاس عليششه صششدقة‪ ،‬كششل يششوم تطلششع فيششه‬ ‫صششدقة فقششال ‪" :‬كششل ُ‬ ‫)‪(307‬‬ ‫الشمس‪ ،‬تعدل بين اثنين صدقة‪ ،‬والكلمششة الطيبششة صششدقة" ‪ .(308‬‬ ‫والداعية الناجح ل يبخل على أحد ببذل شفاعته ووسششاطته‪ ،‬فششإذا طلششب إليششه‬ ‫أحد الناس أن يسعى معه وأن يعبر له عشن حششاجته سشار مسشرعًا إلششى ذلششك‪.‬‬ ‫ي ولتششؤجروا‬ ‫والشفاعة سنة محمودة سنها النبي ‪ ‬عندما قال ‪ " :‬اشفعوا إل ّ‬ ‫وليقض ال على لسان نبيه مشا ششاء "‪ .‬وفششي روايششة‬ ‫أخرى‪ " :‬على كل مسلم صدقة‪ ،‬قالوا ‪ :‬فإن لم يجد؟ قال ‪ :‬فيعمل بيده فينفششع‬ ‫نفسه ويتصدق‪ ،‬قالوا ‪ :‬فششإن لششم يسششتطع أو لششم يفعششل‪ ،‬قششال‪ :‬يعيششن ذا الحاجششة‬ ‫الملهوف")‪.

‬‬ ‫ولبد من تربيششة واعيششة لهششذه القيششادات بششأن تششدرس الششرأي العششام وصششناعته‬ ‫ومكوناته‪ ،‬وتتعرف على علم نفس الجهور‪ ،‬والتيارات السائدة في المجتمع‪،‬‬ ‫وأن تتعلم الكثير عن عششادات المجتمششع وأعرافششه‪ ،‬وأن تطلششع علششى النظمششة‬ ‫والقوانين بقر يجعل حركتها الجتماعية واعيششة‪ ،‬لن هششذه القيششادات تتعامششل‬ ‫مع الجهزة المختلفة‪.‬‬ ‫وللقيادة تكاليفها الكثيرة ومن يرشح لهذه المهمة لبششد أن يعششان عليهششا ليقششوم‬ ‫بمطالبها سواء كانت هذه المطشالب معنويشة ‪ ،‬أو ماديشة ‪ ،‬أمشا المعنويشة فشأن‬ ‫يحيطه إخوانه بشيء من العناية والهتمام للفت أنظار النششاس إلششى مكششانته ‪،‬‬ ‫وأن يذكروه بششالخير والجلل والتششوقير‪ ،‬وأمششا الماديششة فالتوسششعة عليششه فششي‬ ‫داره ومعيشته وتحمل المغارم عنه‪.‬وعندما يقوم المربششي أو المنظششم بهششذا العمششل فسششيكون إمششا‬ ‫على حساب التربية أو التنظيم‪.‬‬ .‫‪-126-‬‬ ‫صناعة القيادات الجماهيرية‪:‬‬ ‫وينبغي أن ل تكون الدعوة زاهدة في قيادة الجماهير؛ لن هششذا الزهششد يششدفع‬ ‫غيرها إلى قيادة الجماهير وتوجيههششا‪ ،‬وينبغششي أن ل تكششون بعششض سششلبيات‬ ‫العمل الجماهيري سببًا في نسيان إيجابياته الكثيرة‪ ،‬فقد يرد من بين سششلبياته‬ ‫ما يتعرض لششه القششائد مششن الغششرور وحششب الجششاه والفرديششة واحتمششال تكششوين‬ ‫المحششاور ممششا يربششط الفششراد بالشششخص ل بششالفكرة‪ ،‬وجميششع هششذه السششلبيات‬ ‫احتمالية أمام ما يمكن تحقيقه بعون ال من نصر لدعوة ال عن طريق هششذه‬ ‫القيادات‪.‬‬ ‫ولتكوين القيادات الجماهيرية ل بأس من مراعاة الوسط الجتماعي باختيار‬ ‫العناصر المرشحة للقيششادة مششن الششدعاة ذوي المكانششة الجتماعيششة العائليششة أو‬ ‫العلمية أو المالية إذا أمكن؛ لن العائلة والرتبة والمال هي مرتكزات القيادة‬ ‫في العالم المعاصر ‪ ،‬وستبقى هذه المرتكزات معتبرة تشد النششاس إليهششا إلششى‬ ‫أن يهيمن السلم على المجتمع في العقيدة والسلوك والنظم‪ ،‬والناس معادن‬ ‫خيارهم في الجاهلية خيارهم في السلم إذا فقهوا‪.‬ونحن نعيش فششي زمششن التخصششص القششائم علششى اتسششاع ميششادين‬ ‫المعرفة وعلى تعقيد شئون الحياة‪ ،‬فالعمل الجتماعي له ميادينه وتدريباته‪،‬‬ ‫والعمششل الششتربوي لششه ميششادينه وتششدريباته‪ ،‬وكششذلك العمششل التنظيمششي‪ ،‬فالقششائد‬ ‫الجماهيري يعيش بين الجمشاهير ويقضشي ليلشه ونهشاره فشي حششل مششكلتهم‬ ‫والتعرف عليهم‪ .‬‬ ‫القيادات الجماهيرية قيادات متخصصة ‪:‬‬ ‫ول يتحقق كل ما سششبق إل إذا كششانت القيششادات الجماهيريششة متخصصششة فششي‬ ‫ميششدانها بششأن تكششون وظيفششة القيششادة الجتماعيششة غيششر الوظيفششة التربويششة‬ ‫والتنظيمية ‪ .

‬ول يقول عاقل بترك نقابة ما لنها تتعامل بالربا؛ بحجششة‬ ‫أن العمل على إزالششة الربششا ترقيششع ل تششزول بششإزالته جميششع المخالفششات‪ .‬والمسشلم مطشالب بالعمشل‬ ‫على تغيير كل قانون يتعارض مع قانون السلم وشريعته‪.‬وإذا‬ ‫استطاع مسلم أن يكون له نفوذ فششي نقابششة فيحششارب مششوائد الخمششر أو أبششواق‬ .‬‬ ‫س شّلم لن‬ ‫وأما القول بأن العمل النقابي صششورة مششن صششور الششترقيع‪ ،‬فغيششر ُم َ‬ ‫تكوين المجتمع المسلم ل يأتي مششن الفششراغ ول يششأتي مششن فششوق‪ ،‬بششل يتكششون‬ ‫المجتمع من خلل اتجاه أفراده وتجمعاته‪.‬‬ ‫أما القول بأن العمل النقابي ل ينسجم مع عقيدة السلم وشريعته فهششذا قششول‬ ‫مردود؛ لن المجتمع المسلم عرف مثل هششذه التجمعششات النقابيششة ‪ ،‬ومششا زال‬ ‫لقب شيخ النجارين وشيخ الحدادين معروفًا في بعض البلد السلمية‪ ،‬وقشد‬ ‫نظم المسلمون أصحاب كل فئة بطريقة تحدد حقوقهم وواجباتهم‪ .‫‪-127-‬‬ ‫ضرورة العمل النقابي‪:‬‬ ‫وقد أصبحت النقابات المهنية مراكز ثقل اجتماعي ‪ ،‬وتدخلت هششذه النقابششات‬ ‫في كثير من بلد العالم في اختيار البرامج السياسششية والقتصششادية‪ ،‬وأثششرت‬ ‫في الميادين التشريعية‪ ،‬وتكونت النقابات في بلد العالم السششلمي وسششيطر‬ ‫عليها في باية نشأتها أصحاب المذاهب الهدامة والفكار المستوردة ‪ ،‬وذلك‬ ‫لبعششد العنصششر السششلمي المتحششرك عنهششا ‪ ،‬وكششان الظششن السششائد أن العمششل‬ ‫النقابي ل يمكن أن ينسجم مشع السشلم‪ ،‬أو أنشه صشورة مشن صشور الشترقيع‬ ‫للواقع‪ .‬وإن لم تجد من يأخذها في طريق الهداية فستؤخذ في طريق الضلل‬ ‫والضلل‪.‬‬ ‫وإذا كان اتجاه الفراد والجماعات مخالفًا للتجاه السششلمي فششإن المحصششلة‬ ‫مجتمع ل إسلمي‪ ،‬وإذا كان اتجاه الفراد والجماعات في المسار السلمي‬ ‫فالمحصششلة مجتمششع مسششلم‪ .‬ولكن تبين خطأ هذا الظن عندما قامت أنظمششة ودول مششن خلل هششذا‬ ‫العمل النقابي ‪ ،‬وذاق المسلمون ش أحيانًا ش على أيدي هذه النقابات الويلت ‪،‬‬ ‫والنقابات تشكل بمجموعها قوة اجتماعية جماهيرية‪ ،‬إن لم تكن للدعوة فهي‬ ‫عليها‪ .‬ولششو قبلنششا قششول دعششاة الصششلح الجششذري الششذين‬ ‫ينتظرون قوة سحرية خارجية تغير كششل شششيء لعششاش المسششلمون فششي مششآس‬ ‫فكرية وسلوكية أكبر بكثير مما يجدونه ‪ .‬وما دامت الحياة ل تتوقف بل هي‬ ‫سائرة ولبد أن يعيش المسلم فيها واقعًا معينًا فإن عليه أن ُيدخل فشي الواقششع‬ ‫ما يستطيع من نظم السلم وأحكامه‪ ،‬فإذا قصر في بعض المششور انتظششارًا‬ ‫للكل فهو آثم‪ ،‬ويكون قد أعطى بعض الحكششام المخالفششة إذن وجودهششا وهششو‬ ‫قادر على إزالتها‪ .‬وإذا كانت‬ ‫القششوانين والنظمششة النقابيششة ل تنسششجم مششع السششلم فهششذا لن المتنفششذين فششي‬ ‫النقابات صاغوا أنظمتها وفق مبشادئهم وأفكشارهم‪ .

‫‪-128-‬‬

‫الدعاية للفكار اللحادية والعلمانية ‪ ،‬ثم تخلف عن هذا فهو غاش ل تعششالى‬
‫ولرسوله ‪ ‬ولجماعة المسلمين‪.‬‬

‫‪-129-‬‬

‫المراجع‬
‫القرآن الكريم‬
‫الزهري‪ ،‬محمد بن أحمد‪ ،‬تهذيب اللغة‪ ،‬الدار المصرية للتأليف والترجمة‪،‬‬
‫القاهرة‪.‬‬
‫البخاري‪ ،‬محمد بن إسماعيل‪ ،‬الجامع الصششحيح‪ ،‬مطششابع الشششعب‪ ،‬القششاهرة‪،‬‬
‫‪1378‬هش‪.‬‬
‫البغدادي‪،‬عبد القاهر‪ ،‬الفرق بين الِفَرق ‪ ،‬دار المعرفة ‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫الترمذي‪ ،‬أبوعيسى محمد بن عيسى ‪ ،‬الجامع الصحيح‪ ،‬مصششطفى الحلششبي‪،‬‬
‫القاهرة ‪1356 ،‬هش‪.‬‬
‫ابن تيمية‪ ،‬أحمد بن عبد الحليم‪ ،‬الفتاوى الكبرى‪ ،‬مطبعة الرسششالة‪ ،‬بيششروت‪،‬‬
‫‪1386‬هش‪.‬‬
‫الحاكم‪ ،‬محمد بن عبد الش ‪ ،‬معرفششة علششوم الحششديث‪ ،‬دار الكتششب المصششرية‪،‬‬
‫القاهرة‪.‬‬
‫ابن حجر‪ ،‬أحمد بن علي‪ ،‬فتششح البششاري بشششرح صششحيح البخششاري‪ ،‬المطبعششة‬
‫السلفية‪ ،‬القاهرة‪1380 ،‬هش‪.‬‬
‫ابن حزم ‪ ،‬علي بن أحمد‪ ،‬الفصل في الملل والنحل‪ ،‬دار المعرفة‪ ،‬بيششروت‪،‬‬
‫‪1975‬م‪.‬‬
‫ابن حزم ‪ ،‬علي بن أحمد ‪ ،‬المحلي ‪ ،‬المطبعة المنيرية‪ ،‬القاهرة‪1352 ،‬هش‪.‬‬
‫ابششن حنبششل‪ ،‬المششام أحمششد‪ ،‬المسششند‪ ،‬مصششور عششن طبعششة الحلششبي‪ ،‬المكتششب‬
‫السلمي‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫الخطابي‪ ،‬حمد بن سليمان‪ ،‬معالم السنن‪.‬‬
‫الخطابي‪ ،‬حمد بن سليمان‪ ،‬العزلة‪ ،‬المطبعة السلفية‪ ،‬القاهرة‪1385 ،‬هش‪.‬‬
‫أبو داود السجستاني ‪ ،‬سليمان بششن الشششعث‪ ،‬السششنن‪ ،‬ط ‪ ، 1‬بتحقيششق عششزت‬
‫عبيد الدعاس‪ ،‬دار الحديث‪ ،‬حمص‪1969 ،‬م‪.‬‬
‫الرازي ‪ ،‬فخر الدين محمششد بششن عمششر ‪ ،‬التفسششير الكششبير ‪ ،‬ط ‪ ،2‬دار الكتششب‬
‫العلمية‪ ،‬طهران‪.‬‬
‫سيد قطب‪ ،‬في ظلل القرآن‪ ،‬دار الشروق ‪ ،‬بيروت‪1395 ،‬هش‪.‬‬
‫الشاطبي ‪ ،‬إبراهيم بن موسى‪ ،‬العتصام‪ ،‬دار التحرير ‪ ،‬القاهرة‪1970،‬م‪.‬‬
‫الشنقيطي ‪ ،‬محمد حبيب ال ‪ ،‬زاد المسلم فيما اتفق عليششه البخششاري ومسششلم‪،‬‬
‫مؤسسة الحلبي ‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫ابن أبي العز الحنفششي‪ ،‬شششرح العقيششدة الطحاويششة‪ ،‬ط ‪ ،8‬المكتششب السششلمي‪،‬‬
‫بيروت‪1984 ،‬م‪.‬‬

‫‪-130-‬‬

‫ابن فارس‪ ،‬أحمد ‪ ،‬معجم مقاييس اللغششة‪ ،‬ط ‪ ،3‬مصششطفى الحلششبي‪ ،‬القششاهرة‪،‬‬
‫‪1390‬هش‪.‬‬
‫القرطبي‪ ،‬محمد بن أحمد‪ ،‬الجامع لحكام القرآن ‪ ،‬مصششور عششن دار الكتششب‬
‫المصرية‪ ،‬دار القلم‪ ،‬القاهرة‪1386 ،‬هش‪.‬‬
‫ابن قيم الجوزية‪ ،‬محمد بن أبي بكر‪ ،‬إغاثة اللهفان‪ ،‬دار المعرفة‪ ،‬بيروت‪.‬‬
‫ابن قيم الجوزية‪ ،‬محمد بن أبي بكششر‪ ،‬زاد المعششاد‪ ،‬ط ‪ ،2‬مصششطفى الحلششبي‪،‬‬
‫القاهرة‪1950،‬م‪.‬‬
‫ابن كثير‪ ،‬إسماعيل ‪ ،‬البداية والنهاية‪ ،‬مطبعة السعادة‪ ،‬القاهرة‪1348،‬هش‪.‬‬
‫ابن ماجة القزويني‪ ،‬محمد بن يزيد ‪ ،‬السنن‪ ،‬بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي‪،‬‬
‫طبعة عيسى الحلبي‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫الماوردي‪ ،‬أدب الدنيا والدين‪ ،‬دار الكتب العلمية‪ ،‬بيروت‪1978،‬م‪.‬‬
‫محمد رشيد رضا‪ ،‬تفسير المنار‪ ،‬ط ‪ ،4‬مطبعة حجازي‪ ،‬القاهرة‪1959 ،‬م‪.‬‬
‫محمششد عبششده‪ ،‬شششرح العقششائد العضششدية‪ ،‬ط ‪ ،1‬المطبعششة الخيريششة‪ ،‬القششاهرة‪،‬‬
‫‪1332‬هش‪.‬‬
‫مسلم بن حجاج ‪ ،‬الجامع الصحيح‪ ،‬بتحقيق محمد فششؤاد عبششد البششاقي‪ ،‬طبعششة‬
‫عيسى الحلبي‪ ،‬القاهرة‪1374،‬هش‪.‬‬
‫المقريزي ‪ ،‬أحمد بششن علششي‪ ،‬إمتششاع السششماع‪،‬ط ‪ ،2‬تحقيششق محمششود شششاكر‪،‬‬
‫الشئون الدينية بدولة قطر‪.‬‬
‫مكششي بششن أبششي طششالب‪ ،‬الكشششف عششن وجششوه القششراءات‪ ،‬مؤسسششة الرسششالة‪،‬‬
‫بيروت‪1401،‬هش‪.‬‬
‫ابن منظور‪ ،‬محمد بششن ُمكششرم‪ ،‬لسششان العششرب‪ ،‬مصششور عششن طبعششة بششولق‪،‬‬
‫المؤسسة المصرية العامة القاهرة‪.‬‬
‫أبو نعيم الصبهاني‪ ،‬أحمد بن عبششد ال ش ‪ ،‬حليششة الوليششاء‪ ،‬مكتبششة الخششانجي‪،‬‬
‫القاهرة‪1932،‬م‪.‬‬
‫النشووي‪ ،‬يحيششى بشن ششرف ‪ ،‬المنهششاج فشي ششرح صشحيح مسششلم ‪ ،‬المطبعشة‬
‫المصرية القاهرة‪1375 ،‬هش‪.‬‬
‫الهيثمي ‪ ،‬علي بشن أبششي بكشر ‪ ،‬مجمشع الششزوائد ومنبششع الفشوائد‪ ،‬دار الكتششب‪،‬‬
‫بيروت‪1967،‬م‪.‬‬
‫الهيثمي ‪ ،‬علي بن أبي بكر ‪ ،‬موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبششان‪ ،‬المطبعششة‬
‫السلفية‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫‪-131-‬‬ ‫الفهرس‬ ‫الموضع‬ ‫مقدمة الطبعة الولى‬ ‫مقدمة الطبعة الثانية‬ ‫القاعدة الولى‬ ‫الدعوة إلى ال سبيل النجاة في الدنيا والخرة‬ ‫القاعدة الثانية‬ ‫حُمر الّنَعم‬ ‫ل واحدًا خير لك من ُ‬ ‫لن يهدي ال بك رج ً‬ ‫القاعدة الثالثة‬ ‫الجششر يقششع بمجششرد الششدعوة ول يتوقششف علششى‬ ‫الستجابة‬ ‫الرابعة‬ ‫القاعدة‬ ‫الصفحة‬ ‫‪5‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪27‬‬ ‫على الداعية أن يصشل إلشى رتبشة المبلشغ وأنشي سشعى‬ ‫البلغ‬ ‫إلى‬ ‫الخامسة‬ ‫القاعدة‬ ‫على الداعية أن يقدم الجهد البشري وهو يطلب المدد‬ ‫‪49‬‬ ‫الرباني السادسة‬ ‫القاعدة‬ ‫الداعية مرآة دعوته والنموذج المعبر عنها‬ ‫‪53‬‬ ‫القاعدة السابعة‬ ‫خاطبوا الناس على قدر عقولهم‬ ‫‪57‬‬ ‫القاعدة الثامنة‬ ‫البتلء سنة ال تعالى وهو السبيل إلششى تمثششل الششدعوة‬ ‫وصشششششششششششششششششششششششششياغة النفشششششششششششششششششششششششششس‬ ‫وفق العقيدة‪.‬‬ ‫‪61‬‬ ‫القاعدة التاسعة‬ ‫مجال الدعوة واسع فليتخير الداعية لدعوته‬ ‫‪67‬‬ ‫القاعدة العاشرة‬ ‫الزمن عنصر فعال من عناصر الدعوة‬ ‫‪71‬‬ ‫القاعدة الحادية عشرة‬ ‫‪39‬‬ .

‬‬ ‫نجاح‬ ‫السادسة عشرة‬ ‫‪77‬‬ ‫‪91‬‬ ‫‪95‬‬ ‫‪99‬‬ ‫‪101‬‬ ‫في الِفَرق والفتن والعزلة والجماعة‬ ‫‪127‬‬ ‫القاعدة السابعة عشرة‬ ‫الفهم الصحيح سبيل العمل الصحيح‬ ‫‪143‬‬ ‫القاعدة الثامنة عشرة‬ ‫الفهم السائد والفهم الواجب‬ ‫‪147‬‬ ‫القاعدة التاسعة عشرة‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكششر فششرض مششن‬ ‫فروض المة‬ ‫‪157‬‬ ‫القاعدة العشرون‬ ‫أشد من هجران القرآن‪ ،‬مخالفة مقصششوده ومناقضششة‬ ‫أهدافه‬ ‫‪163‬‬ ‫القاعدة الحادية والعشرون‬ ‫العمل العام أساس العمل الخاص ورافده‬ ‫‪191‬‬ ‫المراجع‬ ‫‪195‬‬ ‫الفهرس‬ .‫‪-132-‬‬ ‫الدعوة فن وقيادة وهي تقوم على التخطيط والمتابعة‬ ‫القاعدة الثانية عشرة‬ ‫الدعوة صورة أكيدة من صششور الجهششاد وتشششترك‬ ‫مششششششششششششششششششششششششششع القتششششششششششششششششششششششششششال فششششششششششششششششششششششششششي‬ ‫الهدف والنتيجة‬ ‫القاعدة الثالثة عشرة‬ ‫الدعوة سلعة شريفة ل ُتبششاع بششالعراض الدنيويششة ‪،‬‬ ‫والجر‬ ‫الدنيوي يفسد المروءة‪ ،‬ول يصلح الدعوة‬ ‫القاعدة الرابعة عشرة‬ ‫التعرف على المدعّو عامل أساس في كسبه‬ ‫القاعدة الخامسة عشرة‬ ‫المعاصششرة ومعرفششة الششبيئة العامششة مششن أسششباب‬ ‫القاعدةالدعوة‪.

‬‬ ‫‪ -4‬كتابة قصة قصيرة يعالج فيها العقبات والمعوقات التي تعترض‬ ‫الداعية في‬ ‫حياته ودعوته‪.‬‬ ‫)‪ (7‬وسائل التقويم والمتابعة‬ ‫‪ -1‬الختبار المعرفي حول محتوى المقرر الدراسي ‪.‬‬ ‫‪ -8‬إنتاج فيلم عن انتشار الدعوة على يد التجار المسلمين ‪.‬‬ ‫ الدعوة العامة ‪.‬‬ ‫‪()) 309‬‬ .‬‬ ‫‪ -5‬إلقاء محاضرة يوضح فيها أن السلم انتشر بالدعوة والقناع وما‬ ‫كان‬ ‫الجهاد إل لزاحة عقبات حرية العتقاد ‪.‬‬ ‫‪ -3‬ملحظة ومتابعة المشاركة في النشطة المصاحبة ‪.‬‬ ‫‪ -6‬جمع مآثر ومناقب الدعاة إلى ال على مر العصور ‪.‬‬ ‫‪ -7‬ممارسة الدعوة إلى ال تعالى عامة وفردية ‪.‫‪-133-‬‬ ‫)‪.‬‬ ‫‪ -3‬كتابة كتاب يوضح فيه مضامين الدعوة وحاجة المة إليها في حمل‬ ‫مشاكلها المعاصرة ‪.‬‬‫ الدعوة الفردية ‪.‬‬ ‫‪ -2‬متابعة وملحظة توافق السلوك العام مع مستهدفات الدعوة ‪.‬‬‫‪ -2‬تلخيص كتاب في الدعوة العامة وآخر في الدعوة الفردية ‪.(309‬‬ ‫‪ρ‬‬ ‫{‬ ‫)‪ (6‬النشطة المصاحبة‬ ‫‪ -1‬عمل دورة تدريبية في الدعوة إلى ال ‪.

‬‬ ‫‪ -7‬أن يشرح مفهوم العمل الجماعي ‪.‬‬ ‫‪ -3‬أن يوضح قضايا المسلمين في الداخل والخارج ومشكلتهم ‪.‬‬ ‫‪ -11‬أن يتعرف على المعجزات التي أيد ال بها رسوله في دعوته ‪.‬‬ ‫‪ -12‬أن يتعرف على سر اختيار الجزيرة العربية مهدًا لنشأة السلم ‪.‬‬ ‫‪ -19‬أن يبين تدرج الرسول ‪ ‬في دعوته ‪.‬‬ ‫‪ -9‬أن يشرح فقه المر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪.‬‬ ‫‪ -17‬أن يوضح الكيفيات التي بايع الرسول بها أصحابه عند العقبة ‪.‬‬ ‫أن يواظب على معايشة الجواء المدرسممية ) مممؤتمرات‬ ‫‪-6‬‬ ‫– زيارات –‬ ‫ندوات ( ‪.‬‬ ‫‪ -8‬أن يوضح أهم ما قرأه من مجلت المدرسة وصحفها وكتبها‬ ‫ونشراتها ‪.‬‬ ‫‪ -10‬أن تكون عنده القدرة على البحث في إثبات إمكانية الوحي‬ ‫ووقوعه ‪.‬‬ ‫‪ -4‬أن يوضح أسباب القضاء على الخلفة السلمية ‪.‬‬ ‫‪ -5‬متابعة العداد الذهني من خلل الداء لتحقيق مستهدفات المقرر‬ ‫الدراسي‬ ‫في الفصل ‪.‬‬ ‫‪ -5‬أن يتعرف التجاهات السلمية الموجودة بالساحة ‪.‫‪-134-‬‬ ‫‪ -4‬متابعة ممارسة ما تهدف إليه الهداف السلوكية الوجدانية ‪. ‬‬ ‫‪ -14‬أن يوضح سر تعرض الرسول لليذاء مع أنه نبي ‪.‬‬ ‫)‪ (8‬أهداف التعلم الذاتي‬ ‫‪ -1‬أن يبرهن على ضرورة التربية أساسًا للتغيير ‪.‬‬ ‫‪ -13‬أن يتعرف على أسرة الرسول ‪.‬‬ ‫‪ -18‬أن يبين طريقة إعداد الرسول ‪ ‬الرجال ليكونوا جندًا للدعوة‬ ‫وسندًا‬ ‫لها ‪.‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬أن يربط بين القرآن الكريم والواقع من حوله ‪.‬‬ ‫‪ -16‬أن يبين القبائل التي عرض الرسول عليها نفسه حتى يبلغ دعوة‬ ‫ربه ‪.‬‬ ‫‪ -15‬أن يفسر سر تسمية عام الحزن ‪.

‬‬ ‫‪ -2‬الدعوة السلمية فريضة شرعية وضرورة بشرية " د ‪ .‬‬ ‫)‪ (9‬مراجع التعلم الذاتي‬ ‫‪ -1‬المر بالمعروف والنهي عن المنكر " جلل الدين العمري " ‪.‬‬ ‫‪ -5‬كيف ندعو للسلم " فتحي يكن " ‪.‬‬ ‫‪ -29‬أن يذكر شيئًا من دور الداعية في التربية بالكلمة والنصح‬ ‫والرشاد ‪.‬‬ ‫‪ -22‬أن يتحدث عن وجوب الدعوة على كل مسلم ومسلمة ويدلل على‬ ‫ذلك‬ ‫باليات والحاديث النبوية ‪.‬صادق‬ ‫أمين " ‪.‬‬ ‫‪ -24‬أن يذكر بعض اليات والحاديث التي تحض على الدعوة وأن‬ ‫يوظفها‬ ‫في نفسه وأهله ‪.‬‬ ‫‪ -7‬الهداف الرئيسية للدعاة إلى ال " أحمد القطان ‪ ،‬جاسم مهلهل " ‪.‬‬ ‫وبالحق صمدنا في وجه الطغيان " محمممود عبممد الوهمماب‬ ‫‪-8‬‬ ‫فايد " ‪.‬‬ ‫‪ -6‬كيف ندعو للسلم " عبد البديع صقر " ‪.‬‬ ‫‪ -27‬أن يحاول أن يتلمس تجارب الدعاة ليستفيد منهم ‪.‬‬ ‫‪ -23‬أن يوضح ضرورة الدعوة وأهميتها ‪ ،‬وموضوع الدعوة ‪.‬مصطفى مشهور " ‪.‬‬ ‫‪ -21‬أن يوضح أسلوب الهجرة وطريقتها التي اتبعها صحابة الرسول‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ -26‬أن يعرف شيئًا عن أهداف الدعوة ومراميها ‪.‬‬ ‫‪ -28‬أن يعرف شيئًا من أساليب الدعوة إلى ال في العصر الحديث ‪.‫‪-135-‬‬ ‫‪ -20‬أن يبين مقدار الفترة السرية التي مكثها الرسول‪ ‬في دعوته‬ ‫إلى ال ‪.‬‬ ‫‪ -25‬أن يتعرف على مصادر الدعوة إلى ال تعالى ‪.‬‬ ‫المر بالمعروف والنهي عن المنكر لبن تيمية ‪0‬‬ ‫‪-9‬‬ .‬‬ ‫‪ -3‬طريق الدعوة " أ ‪ .‬‬ ‫‪ -4‬مشكلت الدعوة والداعية " فتحي يكن " ‪.

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful