P. 1
1 - مجلة فكر - العدد

1 - مجلة فكر - العدد

1.0

|Views: 130|Likes:
منشور بواسطة مجلة فكر www.fikrmag.com
موقع مجلة فكر www.fikrmag.com
موقع مجلة فكر www.fikrmag.com

More info:

Published by: مجلة فكر www.fikrmag.com on Apr 28, 2013
حقوق الطبع:Attribution Non-commercial

Availability:

Read on Scribd mobile: iPhone, iPad and Android.
download as PDF, TXT or read online from Scribd
See more
See less

08/23/2013

pdf

text

original

‫جملة ثقافية تعني بالفكر والثقافة‬

‫العدد ‪� 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫أدب الربيع العربي في ظل الثورات العربية‬
‫السفر عبر الزمن بين الخرافة والخيال العلمي‬
‫كوكوشكا ‪ ..‬نقطة التقاء مدارس فنية عديدة‬

‫مراجعات كتب‬

‫الصالونات الثقافية هل هي ضرورة أم ترف ؟‬
‫أضواء على الصالونات الثقافية‬
‫أمير تاج السر يكتب‬

‫عن الكتابة واالغتراب‬

‫المحتويات‬

‫موضوع الغالف‬

‫أدب الربيع العربي في ظل الثورات العربية‬

‫جملة ثقافية ف�صلية تعني بالفكر والثقافة‬

‫قراءة‬
‫مراجعات‬
‫خيال فكر‬
‫درا�سة‬
‫فنون‬

‫للجرافيكس والتحرير‬
‫‪ALMUBTKER For‬‬
‫‪Graphics and Editing‬‬
‫‪almubtker@gmail.com‬‬
‫املبتكر للجرافيك�س‬

‫‪2‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫ثقافة تقن ّية‬
‫‪23‬‬
‫معامل وح�ضارات ‪24‬‬
‫�صدر حديث ًا‬
‫‪26‬‬
‫�آخر خرب‬
‫‪31‬‬
‫نقطة �ضوء‬
‫‪32‬‬

‫المـــحــتــويــات‬

‫يف العدد الأول من هذه املجلة الفكرية والثقافية نطل عليكم لأول مرة‬
‫ع�سى �أن نوفق لتقدمي ماهو جديد يف الفكر والثقافة‪ ،‬التي كان فكرتها‬
‫هاج�س ًا و�أ�صبح الآن واقع ًا‪ ،‬فكان هذا هو العدد الأول‪ ،‬ون�أمل �أن تتقبلونا‬
‫�ضيوف ًا ن�سرق الوقت منكم من �أجل املتعة والفائدة‪.‬‬

‫مو�ضوع الغالف‬

‫‪3‬‬
‫‪9‬‬
‫‪11‬‬
‫‪15‬‬
‫‪16‬‬
‫‪21‬‬

‫الإبداع كان دائم ًا ميثل �إرها�ص ًا للثورات يف العامل‪ ،‬فالثورة الإجنليزية‬
‫�سبقتها كتابات عدد من املفكرين‪ ،‬وكذلك الثورة الفرن�سية اندلعت بعد‬
‫�أن ظهرت �أعمال كتاب كبار مثل جان جاك رو�سو وفولتري ومونت�سكيو‬
‫وغريهم‪ ،‬حتى ثورة ‪ 1952‬يف م�صر فقد مهد لها �أعمال �أدبية مثل‬
‫(�شجرة الب�ؤ�س)‪ ،‬و(املعذبون يف الأر�ض)‪ ،‬و(ما وراء النهر) للدكتور طه‬
‫ح�سني‪ ،‬و(عودة الروح)‪ ،‬و(يوميات نائب يف الأرياف) لتوفيق احلكيم‪،‬‬
‫و(القاهرة اجلديدة)‪ ،‬و(زقاق املدق)‪ ،‬و(بداية ونهاية) لنجيب‬
‫حمفوظ‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل كتيبات �أخرى ل�سعد مكاوى وعبد الرحمن‬
‫اخلمي�سى ف�ض ًال عن الق�صائد امللهمة التي �أبدعها �أحمد �شوقي وحافظ‬
‫�إبراهيم ثم على حممود طه وحممود ح�سن �إ�سماعيل وكامل ال�شناوى‬
‫وغريهم وكلها �أعمال حر�صت على ف�ضح الواقع ومثل ذلك حدث يف‬
‫البالد العربية يت�صدر امل�شهد يف بيت �أبى القا�سم ال�شابى ‪:‬‬
‫�إذا ال�شعب يوما �أراد احلياة‬
‫فالبد �أن ي�ستجيب القدر‬
‫وقول �شوقي‪:‬‬
‫وما نيل املطالب بالتمني‬
‫ولكن ت�ؤخذ الدنيا غالبا‬
‫و�أدب الثورة احلقيقي الذي ينبغي �أن يحظى بالتقييم واالهتمام هو‬
‫�أدب ما قبل الثورة الذي جاء نتيجة �إح�سا�س الكتاب وال�شعراء بالظلم‬
‫واال�ستبداد فقد احتكرت �أنظمة احلكم يف الدول التي �شهدت ثورات‬
‫الربيع العربي و�أن�صارها ال�سلطة وف�شلت هذه الدول يف حتقيق نه�ضة يف‬
‫التعليم والثقافة والتكنولوجيا �إىل جانب غياب احلريات ل�سنوات طويلة‬
‫حتى قال الأديب امل�صري يو�سف �إدري�س «�أن كل م�ساحات احلرية يف‬
‫العامل العربي ال تكفى كاتب ًا واحد ًا»‪.‬‬
‫لكن لو عدنا �إىل ربيع براغ؛ حيث قدم لنا ميالن كونديرا ب�أ�سلوبه‬
‫االت�سفزازي واملتكرب‪ ،‬وبلغته البال�ستيكية‪ ،‬جمموعة من الن�صو�ص التي‬
‫�صورت تلك االنتفا�ضة مبا �أمكنه من الهزل‪ ،‬وبكل عيوب النكتة ال�سوداء‪.‬‬
‫وقل نف�س ال�شيء عن ع�صر ذوبان اجلليد يف عموم االحتاد ال�سوفياتي‪.‬‬
‫لقد واكبت تلك احلركة ن�صو�ص نفخت عليها الدعاية الغربية‪ ،‬وقدمتها‬
‫ب�أبدع ال�صور‪ ،‬مع �أنها بكل املقايي�س ال ترقى �إىل ال�صور الربيئة والعفوية‪،‬‬
‫و�إىل اخليال الفطري والأخاذ الذي انتقد به جورج �أورويل ( وهذا على‬
‫�سبيل الذكر فقط ) املجتمع ال�شمويل والربوي‪ ،‬والذي لئن مل ي�ضع �شعوبه‬
‫يف قمقم الع�سكر‪ ،‬فقد و�ضعهم حتت و�صاية حكومات و�أنظمة ال تعرف‬
‫غري اخرتاع �أدوات خم�ص�صة للهيمنة والتو�سع‪.‬‬
‫�أ�ضف لذلك ما ي�سميه فوكو بالرقابة الدائمة‪ ،‬وهو تعريف معا�صر‬
‫ومهذب لأ�سلوب حماكم التفتي�ش نف�سها‪.‬‬
‫وكان �أدبيات الربيع العربي الذي يتحرك يف ال�شارع واملعرب عن ربيعه (‬
‫العربي ) اخلا�ص‪ ،‬وغالبا بن�سخته ال�شعبوية التي ترتدي عباءة الإ�سالم‬
‫والف�ضيلة والأخالق‪.‬‬
‫و�أق�صد بذلك ال�صور والعبارات املكتوبة على الالفتات واجلدران‪،‬‬
‫ومعها الأهازيج والأ�شعار التي ترافق معظم املظاهرات‪.‬‬

‫�إن هذه ( الأدبيات ) التي تعرب عن املكبوت و عن قوة �إرادة االحتجاج‬
‫واحلنق والغ�ضب‪ ،‬ت�شبه ما قدمه لنا ع�صر االنحطاط العربي يف ال�سري‬
‫ال�شعبية‪.‬‬
‫لكن �أدب الثورات العربية مل يتناول �أعما ًال �أدبية بل �أدب يتحدث عن‬
‫�شخ�صية الدكتاتور‪ ..‬الو�ضع العربي العام‪ ..‬الفقر‪ ..‬ال�سجون‪ ..‬وكل‬
‫املمار�سات ال�سابقة للنظام الذي �أ�سقط �أو يحاول الثوار �إ�سقاطه‪ ،‬وكذلك‬
‫هناك �أدب الثورة له ر�ؤية للم�ستقبل الذي ينتظر الأمة العربية‪ ،‬بناء على‬
‫هذه الأو�ضاع‪ ،‬لكن جند عم ًال يج�سد الربيع العربي‪.‬‬
‫والفكرة موجودة لدى جيل كامل من املبدعني والكتّاب وال�شباب الذين‬
‫يعاي�شون هذه اللحظات التي متر بهم‪ ،‬ولكن ما تناوله ه�ؤالء يف كتبهم‬
‫التي �صدرت حتى هذه ال�ساعة‪� ،‬أغلبها عبارة عن تدوينات يومية ملا عا�شه‬
‫ه�ؤالء �أيام الثورة‪ ،‬كالتون�سيني وامل�صريني ولكنها جمرد يوميات تتحدث‬
‫ع ّما كان يحدث �أثناء فرتة �أي ثورة‪ ،‬وهي يف الغالب يوميات يطغى عليها‬
‫الطابع الذاتي والر�ؤية الذاتية للأمور‪ .‬املخت�صون يف الأ�صناف الأدبية‬
‫الوا�سعة يعتربون هذه التدوينات �أو الإ�صدارات التي كتبت وخرجت‬
‫للعلن‪ ،‬جزء من الثقافة العامة ولكن ال ي�صنفونها �ضمن الرواية اجلادة‪.‬‬
‫رمبا هي تدخل يف املفهوم العام للأدب لأنها ت�شبه املذكرات وال�سرية‬
‫الذاتية لكن الأدب باملعنى الكال�سيكي ال زالت بعيدة عنها‪ ،‬ولكن ميكن‬
‫لهذه الإ�صدارات �أن تتحول يف الفرتة املا�ضية بعد اال�شتغال اجليد والكبري‬
‫عليها من �أن تكون �ضمن �أحد الأ�صناف الأدبية‪ ،‬لأن الكتابة الأدبية عادّة‬
‫ال تكون �آنية وحتتاج �إىل الرتيث يف واال�ست�شراف وتدوين كل الأحداث‬
‫املحيطة بهذه الق�ضية‪ ،‬وو�صف للأحداث الواقعة يف ميدان التحرير‪.‬‬

‫من ثورة يناير ‪ 2011‬مب�صر‬

‫لكن هذا ال يعني �أنه من ال�صعب ت�صنيف هذه الكتب �ضمن الأدب ولي�س‬
‫الأدب الإ�ستعجايل الذي �أ�صبح يطلق م�ؤخر ًا بكرثة يف الأو�ساط الأدبية‪،‬‬
‫والتاريخ يحتفظ لنا بالن�ص املو�سوم بـ(الدون الهادئ)‪ ،‬مليخائيل �شولوخوف‬
‫الذي كتبه �إ ّبان احلرب العاملية الثانية وكتبه يف خ�ضم �أحداث احلرب‪،‬‬
‫و�أ�صبحت مرجع ثقايف وتاريخي لتلك الأحداث‪ ،‬وهناك �أي�ض ًا كتابات جنيب‬
‫حمفوظ التي عا�شتها م�صر يف عهده‪ ،‬ولكن التقييم الأدبي بني تلك الأعمال‬
‫وما يكتب اليوم عن ربيع الثورات العربية خمتلف‪ ،‬فالكثري من الن�صو�ص‬
‫الأدبية ال تتحدد بالفرتة الزمنية‪ ،‬ولكن تتحدد بالقيمة الأدبية‪ ،‬ور�ؤية الكاتب‬
‫نف�سه‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪3‬‬

‫موضوع الغالف‬

‫موضوع الغالف‬
‫لكن ن�ستطيع �أن ن�صنف ما كتب عن الثورات العربية �ضمن ما يطلق‬
‫عليه بالأدب الإ�ستعجايل لأنه �أدب �ساخن وهو نتاج حالة �سريعة‪ ،‬لذا‬
‫�أغلب الكتابات التي ت�صدر �أثناء الثورات العربية هي كتابات انطباعية‬
‫ت�ستلهم ق�ص�صها ون�صو�صها من �أجواء ما يحدث وما يعا�ش على �أر�ض‬
‫الواقع‪� ،‬إال �أن الكتابات الأكرث عمق رمبا �ستكون بعد �سنوات بالإ�ضافة �إىل‬
‫�أن �أغلب املحاوالت جاءت على يد ال�شباب لأنهم �شهود هذه املرحلة وهم‬
‫بذلك يقدمون �شهاداتهم احلقيقية ال غري‪ ،‬لكن هذه الكتابات هي نوع‬
‫من الأدب �أو بالأحرى هي كتابات مرحلة مثلها مثل الكتابات التي ظهرت‬
‫�أيام احلرب الأهلية يف لبنان �أو الكتابات التي تفاعلت مع �سقوط جدار‬
‫برلني وهي ن�صو�ص ميكن �أن نقر�أ من خاللها احلدث يف زمانه‪ ،‬كما مل‬
‫يخ�ض يف هذا االنفعال الثقايف وب�شكل معمق كبار الأدباء الذين هم رمبا‬
‫ب�صدد التح�ضري لأعمال �أدبية تفرغ الربيع العربي من خباياه وتعطيه‬
‫بعد ًا �أدبي ًا �أو�سع‬

‫من أدب الثورة‪:‬‬

‫يف م�صر على غرار رواية ه�شام اخل�شن (‪� 7‬أيام يف التحرير)‪،‬‬
‫ورواية (وردة احللم) لأ�سماء الطنان و(الكاميليا والرمان) لعمرو‬
‫عبد ال�سميع و(�شم�س ت�شرق مرتني) للكاتبة زينب عفيفى وجمموعة‬
‫ق�ص�صية (ميالد يف التحرير) لف�ؤاد قنديل‪ ،‬ورواية (م�سيح بال توراة‬
‫) للكاتب امل�صرى �أ�سامة احلب�شى التي �صدرت يف القاهرة وتتناول‬
‫�شخ�صية حممد البوعزيزى مفجر الثورة التون�سية‪.‬‬
‫والأعمال الأدبية ال�صادرة يف تون�س كرواية (الغوريال) لكمال الرياحى‬
‫و(كري�ستال) جللبار النقا�ش و(احلب�س كذاب واحلي يروح) لفتحى بن‬
‫احلاج يحيى و(منا�ضل رغم �أنفه) ‪ ..‬كما �صدرت يف فرن�سا وايطاليا‬
‫و�أملانيا يف وقت واحد رواية للكاتب املغربي الطاهر بن جلون (بالنار)‬
‫عن ثورة تون�س �أي�ض ًا‪ ،‬وفى اليمن وال تزال الثورة مت�أججة من �أجل‬
‫انتزاع احلرية خرجت �إىل النور رواية (دمالن) حلبيب عبد الرب‬
‫ال�سروي وعلى و�شك ال�صدور (زوج حذاء لعائ�شة) لنبيلة الزبري‪.‬‬

‫في الربيع العربي تراجع ملحوظ في األعمال األدبية‪ ..‬والغلبة لألعمال‬
‫السياسية والفكرية‬
‫مل يكن هذا العام كغريه من الأعوام ال�سابقة‪،‬‬
‫بل والعقود الفائتة‪ ،‬برماديتها ومواتها‪ ،‬فهو عام‬
‫ال�شعوب العربية التي ت َّوجت ن�ضالها ب�إ�سقاط‬
‫�أنظمة حكمها الفا�سدة‪ ،‬ومل تزل �شعوب الدول‬
‫الأخرى توا�صل هذا الن�ضال؛ يف �سبيل �إعالء‬
‫كلمة ورغبة ال�شعب وحده‪.‬‬
‫ويف نظرة �سريعة على �سمات ما �أ�صدرته دور‬
‫الن�شر العربية‪ ،‬يف ظل هذه الظروف‪ ،‬جند‬
‫تراجع ًا ملحوظ ًا يف الأعمال الأدبية‪� ،‬سواء الرواية‬
‫�أو الق�صة �أو ال�شعر‪ ،‬وت�صدرت امل�شهد الثقايف‬
‫�أعمال �سيا�سية وفكرية دارت حول الثورات‬
‫وت�أ�صيلها‪ ،‬وحول احلركات ال�سيا�سية والدينية‬
‫منها على وجه اخل�صو�ص‪ ،‬مبا �أنها من �أكرب‬
‫امل�ستفيدين من هذه الثورات‪ ،‬رغم ترددها يف‬
‫امل�شاركة بها يف بادئ الأمر! ك�شف التيارات‬
‫الدينية والف�ساد ال�سيا�سي‪.‬‬
‫توالت الإ�صدارات التي تك�شف وتناق�ش فكر‬
‫اجلماعات الدينية‪ ،‬منها على �سبيل املثال كتاب‬
‫(احلالة ال�سلفية املعا�صرة يف م�صر) لأحمد‬
‫زغلول �شالطة‪ ،‬يليه كتاب حلمي النمنم (ح�سن‬
‫البنا الذي ال يعرفه �أحد)‪ ،‬ثم (دليل احلركات‬
‫الإ�سالمية امل�صرية) لعبد املنعم منيب‪ ،‬ثم‬
‫(املو�سوعة ال�شاملة للفرق املعا�صرة) يف‬
‫�أربعة �أجزاء لأ�سامة �شحاتة‪ .‬و(الدين والدولة‬
‫الطائفية) للدكتور نبيل عبد الفتاح‪ ،‬و(الإ�سالم‬
‫وعلمانية الدولة) للدكتور عبد اهلل النعيم‪.‬‬
‫�إ�ضافة �إىل بع�ض الكتب املمنوعة يف عهد الرئي�س‬
‫‪4‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫ال�سابق مبارك‪ ،‬منها على وجه اخل�صو�ص‬
‫م�ؤلفات الكاتب ال�صحايف املعار�ض عبد احلليم‬
‫قنديل‪ ،‬مثل‪( :‬الرئي�س البديل) و(كارت �أحمر‬
‫للرئي�س)‪.‬‬
‫ويف االقت�صاد والتحليل االجتماعي‪ ،‬ظهرت‬
‫بع�ض امل�ؤلفات‪ ،‬مثل‪( :‬م�صر وامل�صريون يف عهد‬
‫مبارك) جلالل �أمني‪ ،‬و(اقت�صاديات الف�ساد)‬
‫لعبد اخلالق فاروق‪ ،‬الذي يتناول ق�ضية كيف‬
‫جرى �إف�ساد م�صر وامل�صريني على مدى العقود‬
‫الأربعة املا�ضية‪ ،‬بدء ًا من عام ‪ 1974‬حتى‬
‫‪.2010‬‬
‫كتب �أثارت جد ًال‪:‬‬
‫كما �صدرت بع�ض امل�ؤلفات التي �أثارت‬
‫الكثري من اجلدل‪ ،‬والتي طالب البع�ض مبنعها‬
‫والق�صا�ص من م�ؤلفيها! فكتاب مثل (نبي من‬
‫بالد ال�سودان‪ :‬قراءة مغايرة لق�صة مو�سى‬
‫وفرعون)‪ ،‬للمفكر ال�سوداين والوزير الأ�سبق‬
‫ال�شيخ النيل �أبوقرون‪� ،‬أثار جد ًال كبري ًا‪،‬‬
‫حتى َّمتت املطالبة مبنع كتب امل�ؤلف وحرقها‬
‫وحماكمته‪.‬‬
‫وقال �أبوقرون يف كتابه �إن لقب فرعون ال يعني‬
‫�أنه م�صري‪ ،‬بل كان ُيطلق على بع�ض حكام‬
‫م�صر‪ ،‬مثل لقب قي�صر الروماين‪ ،‬و�أن بع�ض‬
‫ه�ؤالء الفراعنة من النوبة �أو ينتمون ململكة‬
‫(كو�ش) التي تقع حالي ًا �شمال ال�سودان‪ .‬كما‬
‫�صدر للم�ؤلف ال�شاب املنتمي جلماعة الإخوان‬
‫امل�سلمني �أ�سامة درة كتاب �أثار جد ًال بعنوان‬

‫(من داخل الإخوان‪� ..‬أتكلم)‪ ،‬وقد هاجم‬
‫فيه غياب الدميوقراطية عن قرارات جماعة‬
‫الإخوان‪ ،‬وانتقد ا�ستخدام �شعار(الإ�سالم هو‬
‫احلل) يف العمل ال�سيا�سي‪ ،‬وللم�ؤلف نف�سه‬
‫�صدر كتاب �أخري ًا بعنوان (من الإخوان �إىل‬
‫التحرير)‪ ،‬انتقد خالله ردود فعل جماعة‬
‫الإخوان البطيئة حيال ثورة ال�شعب امل�صري‪،‬‬
‫وانتقد حزب احلرية والعدالة‪ ،‬الذي ال ينف�صل‬
‫يف �سيا�ساته عن اجلماعة يف �شيء‪ .‬ويف ما‬
‫يخ�ص البط�ش الأمني والتعذيب‪� ،‬صدر عن‬
‫الدار العربية للعلوم كتاب بعنوان (�ألف يوم يف‬
‫زنزانة العزل االنفرادي) للمنا�ضل الفل�سطيني‬
‫مروان الربغوثي‪ ،‬ومن املعتقالت التي ي�صفها‬
‫الربغوثي معتقل (امل�سكوبية)‪ ،‬والذي ُيعرف‬
‫بني الأ�سرى با�سم (امل�سلخ)‪ ،‬حيث ميار�س‬
‫فيه ال�ضباط ال�صهاينة �أب�شع عمليات التعذيب‬
‫واالنتهاكات الإن�سانية‪ ،‬وم�ضى فيه الربغوثي‬
‫�أربعة �أ�شهر عقب اعتقاله عام ‪ .2002‬كما‬
‫�شهدت تون�س �صدور �أول رواية تتناول تعذيب‬
‫امل�ساجني الإ�سالميني وال�سيا�سيني يف ال�سجون‬
‫التون�سية بقلم �سمري �سا�سي حتت عنوان (برج‬
‫الرومي‪� :‬أبواب املوت)‪ ،‬وهو ا�سم الربج الذي‬
‫ُيعد �أ�شهر ال�سجون التون�سية و�أ�سو�أها �سمعة؛‬
‫نظر ًا ملا ميار�س فيه من تعذيب وجتاوزات ال‬
‫�إن�سانية ب�شعة‪.‬‬

‫الربيع العربي يرفع شعبية مواقع التواصل االجتماعي‬
‫�أظهر تقرير (توقعات الإعالم العربي) الذي‬
‫�صدر بالتعاون مع (ديلويت) املتخ�ص�صة‬
‫بالدرا�سات ازدياد �شعبية مواقع التوا�صل‬
‫االجتماعي ب�سبب الربيع العربي‪� ،‬إذ �شهد‬
‫موقع في�سبوك وحده ارتفاع ًا ملحوظ ًا بن�سبة‬
‫‪ % 80‬يف عدد م�ستخدميه يف العامل العربي‬
‫يف العام ‪.2011‬‬
‫وي�ستك�شف التقرير ت�أثري (االنتفا�ضات‬
‫ال�سيا�سية) على النمو غري االعتيادي ملواقع‬
‫التوا�صل االجتماعي يف املنطقة‪« ،‬ويح ّلل ما‬
‫�إذا �أ�سهمت هذه املواقع يف �إحداث التغريات‬
‫ال�سيا�سية احلالية»‪.‬‬
‫وين�سب التقرير �إىل درا�سة لل�سوق �أجريت‬
‫يف �أربع دول عربية �أ�سا�سية «�أنّ ‪ % 87‬من‬
‫اجلمهور يعتقد �أنّ مواقع التوا�صل االجتماعي‪،‬‬
‫على غرار في�سبوك‪ ،‬قد لعبت دور ًا �أ�سا�سي ًا‬
‫يف التحري�ض على التطورات ال�سيا�سية التي‬
‫ت�شهدها املنطقة»‪.‬‬
‫وخل�ص التقرير �إىل �أنّ ا�ستخدام في�سبوك‬
‫�سجل �أرقام ًا عالية يف معظم الدول العربية‬
‫ّ‬
‫و«ما زال املجال مفتوح ًا �أمام م�شاركة املر�أة‬
‫مث ًال التي ما تزال منخف�ضة ن�سبي ًا يف بع�ض‬

‫الدول كم�صر التي �أ�ضافت وحدها ما يقارب املليوين‬
‫م�ستخدم جديد للموقع يف الربع الأول من العام‬
‫‪.»2011‬‬
‫وي�شري التقرير �إىل �أنّ �أكرث من ‪ % 90‬من م�ستخدمي‬
‫الإنرتنت يف الإمارات العربية املتحدة متواجدون على‬
‫مواقع توا�صل اجتماعي مثل في�سبوك‪.‬‬
‫و�أ�ضاف التقرير �إنّ وترية اال�ستخدام ازدادت ب�شكل‬
‫ملحوظ يف ال�سنوات الأخرية حيث يزور نحو ‪% 65‬‬
‫من ه�ؤالء امل�ستخدمني مواقع التوا�صل االجتماعي‬
‫�أكرث من م ّرة يف النهار يف الإمارات وال�سعودية‪.‬‬
‫وقال التقرير �إنه من «البديهي �أن ت�ست�أثر الن�سخة‬
‫بح�صة الأ�سد مع ا�ستخدام‬
‫العربية ملوقع في�سبوك ّ‬

‫حوايل ‪ % 90‬من امل�شاركني يف ال�سعودية» لها‪.‬‬
‫املن�صة الرقمية ل�سوق الإعالنات‬
‫ويقول التقرير �إن ّ‬
‫املن�صات من ّو ًا يف املنطقة وقد ا�ستحوذت على‬
‫«�أ�سرع ّ‬
‫ح�صة ‪ % 4‬من كامل الإنفاق الإعالين يف العام‬
‫‪.»2011‬‬
‫وتوقع �أن ت�شهد املن�صة «منو ًا �سنوي ًا مرتاكم ًا بن�سبة‬
‫‪ % 35‬بني العامني ‪ 2011‬و‪ 2015‬لتح ّقق �أرباح ًا‬
‫تقارب ‪ 580‬مليون دوالر يف املنطقة‪.‬‬
‫وبهذا ت�ش ّكل ما يقارب ‪ % 10‬من كامل جمموع‬
‫الإنفاق الإعالين بحلول العام ‪.»2015‬‬
‫وي�شري التقرير �إىل �أنّ التقدير املركزي لإجمايل‬
‫الإيرادات الناجمة عن ن�شاطات في�سبوك ي�صل �إىل‬
‫‪ 32‬مليار يورو وهي ترتجم مبا مقداره ‪ 15.3‬مليار‬
‫يورو من الفر�ص االقت�صادية وخلق نحو ‪� 232‬ألف‬
‫وظيفة‪.‬‬
‫«املن�صات‬
‫بالإ�ضافة �إىل ذلك يقول التقرير �إنّ‬
‫ّ‬
‫الرقمية تتمتّع بقدرات من ّو مم ّيزة يف املنطقة بالنظر‬
‫�إىل معدّالت ال�سكان (�أكرث من ‪ % 50‬من ال�سكان‬
‫حتت اخلام�سة والع�شرين من العمر مث ًال)‪ ،‬والإقبال‬
‫القوي على الهواتف الذكية واللوحات الإلكرتونية»‪.‬‬
‫امل�صدر‪:‬‬
‫‪http://www.albayan.ae/economy/last-deal / 2012- 30-06-1.1678841‬‬

‫ت�سونامي الربيع العربي و«جمهورية الفي�س بوك»‬
‫يف �أواخر عام ‪ 2010‬ومطلع ‪ 2011‬اندلعت‬
‫موجة عارمة من الثورات واالحتجاجات يف‬
‫مخُ تلف �أنحاء الوطن العربي بد�أت مبحمد‬
‫البوعزيزي والثورة التون�سية التي �أطلقت وترية‬
‫ال�شرارة يف كثري من الأقطار العربية وعرفت‬
‫تلك الفرتة بربيع الثورات العربية‪ .‬وكانت من‬
‫�أ�سباب هذه االحتجاجات املفاجئة انت�شار‬
‫االقت�صادي و�سوء الأحوال‬
‫الف�ساد والركود‬
‫ّ‬
‫ال�سيا�سي‬
‫ا َملعي�شية‪� ،‬إ�ضافة �إىل الت�ضييق‬
‫ّ‬
‫و�سوء الأو�ضاع عموم ًا يف البالد العربية‪ ،‬حيث‬
‫انت�شرت هذه االحتجاجات ب�سرعة كبرية يف‬
‫�أغلب البلدان العربية‪ ،‬ومتيزت هذه الثورات‬
‫عربي �أ�صبح �شهري ًا يف كل الدول‬
‫بظهور هتاف ّ‬
‫العربية وهو‪( :‬ال�شعب يريد �إ�سقاط النظام)‪.‬‬
‫ومل تكن ثورات الربيع العربي �إال رد فعل‬
‫للأو�ضاع املرتدية التي عانى منها املواطن‬

‫العربي خالل قرون من الزمن‪ ،‬ف�أنظمتها ال�سيا�سية‪،‬‬
‫تقمع جمتمعاتها‪ ،‬وتختزلها باحلاكم الواحد‪ ،‬وتقيد‬
‫حرياتها وتكتم �أفواهها‪ ،‬وتنبذ الدميوقراطية‬
‫وحق االت�صال والتعبري‪ ،‬ومتنع م�شاركتها يف �صنع‬
‫القرارات والتعبري‪ ،‬وبطالة قاتلة‪ ،‬و�شباب مهم�شون‬
‫و�ضائعون‪ ،‬وف�ساد ور�شى ت�ست�شري يف م�ؤ�س�ساتها‪،‬‬
‫و�أنظمة تعليمية تقليد ّية جترت معلومات الأم�س‪،‬‬
‫وتهمل الع�صر وتقتل ثقافة الأمة ولغتها‪ ،‬و�أنظمة‬
‫�إعالم ّية عرب ّية تبحث عن الرتفيه‪ ،‬وت�سطح الفكر‬
‫واحلياة‪ ،‬وتكون �أداة لتخريب ذوق املواطن‪.‬‬
‫يف واقع الأمر‪ ،‬ف�إن ال�شباب العربي يعي�ش يف م�أزق‬
‫ما ي�سمى بالتغيري‪ ،‬وقد خل�صه �أحد الباحثني‬
‫العرب مبجموعة من الظواهر ال�سلبية التي تتعلق‬
‫باملحيط االجتماعي‪ ،‬ومبناخ الواقع الذي ت�سوده‬
‫جملة من القيم الرديئة والتناق�ض الثقايف والفو�ضى‬
‫االقت�صادية والفقر والف�ساد الإداري ومظاهر‬

‫اال�ستغالل والت�سلط واالنحراف بكل �صوره و�أ�شكاله‬
‫و�أنواعه‪� .‬إذ يبدو معقو ًال �أن نقول‪� :‬إن ال�شباب يعانون‬
‫من �إرهاب اجتماعي متمثل يف الظلم االجتماعي‪،‬‬
‫و�إرهاب عديل متمثل يف �ضياع احلقوق وعدم تكاف�ؤ‬
‫الفر�ص‪ .‬وهناك التناق�ض ال�صارخ يف مكونات‬
‫وقواعد الدليل الثقايف عرب تربية الأ�سرة وتوجيهها‪،‬‬
‫وتربية املدر�سة وتوجيهها‪ ،‬وتربية و�سائل الإعالم‬
‫وتوجيهها‪ ،‬ما يخلق �آثار ًا بالغة التناق�ض على يقني‬
‫ال�شباب والتزامه الأخالقي‪ ،‬وبالتايل هروبه (�إىل‬
‫اليقني الأكرب)‪ ،‬رمبا لي�س عن اقتناع كامل بل كرد‬
‫فعل ومالذ ملج�أ للتخل�ص من القلق والتوتر واملعاناة‬
‫‪ .‬فال�شباب عندما ينظر حوله تبدو ال�صورة كئيبة‬
‫من خالل البطالة والتمزق والفقر‪ ،‬وانعدام �أو غياب‬
‫العدل‪ ،‬فتمتلئ ال�صدور باحلقد والغ�ضب والرغبة‬
‫يف تدمري كل ما هو قائم‪ .‬وعند هذه النقطة تكون‬
‫النفو�س جاهزة مل�سل�سل الغ�ضب والثورة ‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪5‬‬

‫موضوع الغالف‬

‫موضوع الغالف‬
‫ع�صر التوا�صل االجتماعي‬
‫تاريخي ًا‪ ،‬مل تكن معركة الإعالم اجلديد‬
‫مرتبطة بالربيع العربي‪ ،‬فقد كانت جتربتها‬
‫الأوىل يف العام ‪ 1999‬بيوغ�سالفيا (�صربيا‬
‫واجلبل الأ�سود) �ضد نظام ميلو�سوفيت�ش من‬
‫خالل قوة املدونني يف الإعالم االلكرتوين‪،‬‬
‫حيث ا�ستطاع هذا الإعالم �أن يقوم بثورة‬
‫فعلية وينجح يف قلب نظام حكم الدكتاتور يف‬
‫�صربيا وي�ستطيع تغيري النظام الدكتاتوري‪.‬‬

‫تعترب نظري ًا متخلفة بالتكنولوجيا والتقنية مقارنة‬
‫مع الغرب‪ ،‬لكنها كانت مقبولة‪.‬‬
‫والربيع العربي‪ ،‬تعبري �أطلق على الثورات العربية‬
‫التي ا�ستعرت نارها وانت�شرت من املحيط �إىل‬
‫اخلليج‪ ،‬هذه الثورات مل تكن ثورات عادية كالتي‬
‫ح�صلت يف �أوائل القرن املا�ضي‪ ،‬وما مييزها‬
‫هو ا�ستخدام العامل االفرتا�ضي لإ�صالح العامل‬
‫احلقيقي الذي كان عر�ضة لل�سخرية من اجلميع‪.‬‬
‫وقد وجد ال�شباب العربي متنف�سهم يف املدونات‬

‫�شكل ميدان التحرير بالقاهرة نقطة حتول يف ثورة ‪ 25‬يناير مب�صر حيث كان التوا�صل عرب الإعالم اجلديد‬

‫مثلما حدث يف جورجيا من خالل معركة‬
‫املدونني والر�سائل الق�صرية يف عملية التغري‬
‫ال�سلمي وتغري النظام من خالل مظاهرات‬
‫�شعبية �سيطرت على ال�شوارع و�أدت �إىل‬
‫التغيري ال�سلمي‪ .‬كما �شهدت �أوكرانيا وميدانها‬
‫ال�شهري كييف عام ‪ 2004‬قوة الهاتف اجلوال‬
‫ب�أدواته الأ�سا�سية ال�صور والر�سائل الن�صية‬
‫يف ت�أجيج حركة احتجاجات وا�سعة �سيطرت‬
‫على احلياة العامة‪ ،‬ون�صب اخليام يف �ساحة‬
‫امليدان التي �أ�صبحت �أ�شهر من تاريخ الدولة‬
‫كلها‪ ،‬وعندها عرفت حراك االحتجاجات‬
‫بثورة الربتقال االعرتا�ضي التي �أجربت‬
‫الدولة على �إعادة االنتخابات للمرة الثالثة‬
‫وفوز فريق املعار�ضة الربتقالية وت�شكيل‬
‫حكومة ورئي�س معار�ض جديد‪.‬‬
‫لكن املثري يف الربيع العربي �أنها �أخذت بعد ًا‬
‫�أكرث و�ضوح ًا‪ ،‬وتنوع َا يف الأ�ساليب الإعالمية‪،‬‬
‫و�سرعة يف الأحداث والوقائع‪ ،‬واختلف دور‬
‫وا�ستخدام �إعالم التوا�صل االجتماعي عن‬
‫الإعالم العادي يف ثورات الربيع العربي بني‬
‫بلد و�آخر ح�سب قوة ا�ستخدامه ودور القوى‬
‫ال�شبابية لهذا اال�ستخدام‪ ،‬بظل جمتمعات‬
‫‪6‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫فكتبوا‪ ،‬و�آخرون وجدوا متنف�سهم يف الفيديو‪،‬‬
‫واكت�شفوا جميع ًا �أن همهم واحد فكان اللقاء‬
‫الرقمي يف جمهوريتهم االفرتا�ضية اجلديدة‬
‫(جمهورية الفي�سبوك) بعيد ًا عن االجتماعات‬
‫اخلفية يف الغرف ال�سرية‪ ،‬وتوزيع املن�شورات يف‬
‫جنح الليل‪ ،‬حيث جنحت ثورات تون�س وم�صر‬
‫وليبيا و�آخرها كانت اليمن‪ ،‬وكان هذا التعبري‬
‫�أ�صدق تلخي�ص لإ�سهام الإعالم اجلديد يف‬
‫ت�سونامي االحتجاجات العربية التي ما زالت‬
‫تهز العامل العربي حتى الوقت احلا�ضر‪ ،‬بعد �أن‬
‫�أطاحت نظم ًا �سلطوية‪.‬‬
‫�إن اللغة الإعالمية يف �إعالم التوا�صل االجتماعي‬
‫هي لغة اجلماهري العادية التي هي بنف�سها حتدد‬
‫وتختار الرموز والإ�شارات التي تتطابق مع تلك‬
‫التي يختزنها املتلقي يف الإطار الداليل (املخزون‬
‫املعريف)‪ ،‬وهي التي ولدت ومنت يف رحم و�سائل‬
‫االت�صال اجلماهريي التي �أنتجت خطاب ًا ولغة‬
‫خا�صة ال تنف�صل عن الزمان واملكان االجتماعي‬
‫والإن�ساين‪ ،‬لذلك كان لها ت�أثري وا�سع يف ال�شوارع‬
‫التي تلقت خطاب هذه الو�سائل و�سارعت لتبني‬
‫هذه اللغة وذالك اخلطاب الق�صري والوا�ضح‪ .‬ومع‬
‫ذلك ال تزال جتربة الإعالم احلر يف دول الربيع‬

‫العربي جتربة جديدة تتلم�س طريقها بعد �سقوط‬
‫الأنظمة الدكتاتورية التي كانت ت�سيطر على الإعالم‬
‫وتفر�ض عليه �سطوتها‪ .‬ذلك �إن م�ستقبل الإعالم‬
‫احلر مرهون بنجاح الثورات يف العامل العربي‪،‬‬
‫والإعالميون يف �أغلبيتهم ينحازون للحرية وبالتايل‬
‫ينحازون للثورة‪ ،‬وهذا ي�شكل �ضمانة حلرية ال�صحافة‬
‫يف جمتمعاتنا‪ .‬فهل و�صلت رياح الربيع العربي �إىل‬
‫الإعالم؟‬
‫هناك �أكرث من اجتاه‪ ،‬و�أكرث من ر�ؤية‪ ،‬تلتقي وتتباعد‪،‬‬
‫بع�ضها يقول‪:‬‬
‫ �إن الإعالم غيرّ �أدواته ولن يعود كما كان عليه‬‫يف ال�سابق خا�صة �أن ال�شارع العربي كان يتعامل مع‬
‫�إعالم ر�سمي‪ ،‬ولكن يف الربيع العربي ف�إن اجلماهري‬
‫قالت كلمتها‪.‬‬
‫ لي�س من ال�سهل العودة �إىل الوراء‪ ،‬لكننا �سن�شهد‬‫موجة من التطرف الإعالمي والرهان الأكرب‬
‫والأ�سا�سي هو على الإعالم البديل الذي من املمكن‬
‫�أن نطلق عليه انه �إعالم الفقراء والإعالم املتحرر‬
‫الذي جلب له املاليني والذي يعرب املواطن من خالله‬
‫دون املرور مبق�ص الرقيب‪ ،‬و�سيلعب دور ًا حا�سم ًا‬
‫بعيد ًا عن �سطوة �سلطة املال‪ ،‬ولكن يبقى ال�س�ؤال عن‬
‫الأجندات ال�سيا�سية التي قد تلعب وت�سيطر على هذا‬
‫الإعالم‪.‬‬
‫ �إن الثورات العربية �سيكون لها الدور احلا�سم يف‬‫حترير الإعالم العربي من القيود التي عانى منها منذ‬
‫عقود طويلة‪ ،‬لكن الثورات �سيزداد ت�أثريها تدريجيا‬
‫ولكن حرية الإعالم ال تتحقق ب�إزالة القيود املفرو�ضة‬
‫عليها‪ ،‬فالثورات قد حترر الإعالم ولكنها ال ت�ضمن‬
‫�إعالم ًا حر ًا حقيقي ًا‪.‬‬
‫ �إن الثورات قد فتحت الباب لإزالة القيود‪،‬‬‫وممار�سة احلرية ال�سيا�سية حتتاج ملقومات‪ ،‬فكذلك‬
‫احلال بالن�سبة �إىل الإعالم‪� - .‬إن املناف�سة بني‬
‫و�سائل الإعالم التقليدية وو�سائل الإعالم اجلديدة‬
‫متيل مل�صلحة و�سائل الإعالم االجتماعية واملواطنني‬
‫ال�صحافيني‪ .‬ومل يعد ب�إمكان و�سائل الإعالم‬
‫التقليدية جتاهل املواطنني ال�صحافيني‪ ،‬وال مقاطع‬
‫فيديو (الهواة) على يوتيوب‪� ،‬أو �أي معلومات �أخرى‬
‫تتدفق عرب و�سائل الإعالم االجتماعية‪ .‬بل �إن معظم‬
‫ال�صحافيني التقليديني املحرتفني ي�ستخدمون و�سائل‬
‫الإعالم االجتماعية للتوا�صل مع جمهورهم بطرق‬
‫جديدة ‪.‬‬
‫ �أ�صبحت و�سائل الإعالم االجتماعية و�سيلة قوية‬‫للدفاع عن حرية ال�صحافة‪ ،‬وعن احلريات عامة‪.‬‬
‫مثلما �أ�صبحت متثل ال�سلطة اخلام�سة حيث عجزت‬
‫و�سائل الإعالم التقليدية عن لعب دورها‪ .‬والبع�ض‬

‫الآخر يرى �أن الإعالم التقليدي ال ميكن �إلغاء‬
‫دوره لأنه مازال يعي�ش يف بيئة تقليدية مرتبطة‬
‫بقوة املا�ضي‪ ،‬وب�سيطرة احلكومات‪ ،‬وباخت�صار‬
‫ميكن اخت�صار الأفكار‪:‬‬
‫ جنح الإعالم التقليدي ب�شكل وا�ضح يف‬‫توظيف و�سائل االت�صال اجلديدة يف خدمة‬
‫م�ؤ�س�ساته‪ .‬لذلك ف�إن �شكل الإعالم اجلديد‬
‫م�ستقب ًال �سيتغري جذري ًا مع قدرة م�ستخدميه‬
‫على قلب املوازنة والتعدي على قامات الإعالم‬
‫التقليدي‪ ،‬الذي ما زال ميتلك القدرة وال�شهرة‬
‫واخلربة‪.‬‬
‫ً‬
‫ يظل الإعالم اجلديد اليوم مت�أثرا ب�شكل‬‫كبري من قبل رجاالت الإعالم التقليدي‪� .‬إن‬
‫جل امل�ستخدمني امل�ؤثرين يف (تويرت) هم‬
‫كتاب ال�صحف التقليدية والعاملون يف القنوات‬
‫الإخبارية‪ ،‬مع بع�ض اال�ستثناءات‪ .‬ويتحرك‬
‫الر�أي العام يف تويرت بنا ًء على ما يكتبه‬
‫امل�ستخدمون �أ�صحاب العواميد يف ال�صحف‬
‫ومقدمو الربامج احلوارية‪ ،‬وما زالوا هم‬
‫املرتبعني على عر�ش الإعالم اجلديد‪.‬‬
‫‪ F‬هناك مبالغة كبرية يف دور الإعالم اجلديد‬
‫يف الت�أثري يف العملية ال�سيا�سية يف العامل العربي‪.‬‬
‫‪ F‬ال يزال دور احلكومات العربية يف الإعالم‬
‫اجلديد غام�ض ًا‪ .‬قد ي�ؤدي الوجود احلكومي‬
‫يف مواقع التوا�صل االجتماعي �إىل تغيري �شكل‬
‫املداوالت ال�سيا�سية‪ .‬ففي امل�ستقبل القريب‪،‬‬
‫�إذا كان هناك توظيف مثايل لو�سائل الإعالم‬
‫اجلديد من قبل احلكومات العربية ف�سيكون‬
‫هناك وجه �آخر خمتلف متام ًا للإعالم اجلديد‬
‫عما نعي�شه اليوم‪.‬‬
‫‪ F‬ت�أ�سي�س املجتمع املدين يف العامل العربي‬
‫�سيجر االنتباه من الإعالم اجلديد �إىل ال�شارع‬
‫ال�سيا�سي احلقيقي‪ .‬اليوم‪ ،‬نرى تخبط ًا كبري ًا‬
‫وان�سياب ًا ملحوظ ًا وارجتا ًال يف الطرح يف‬
‫مواقع التوا�صل االجتماعي‪ .‬ويف حال انخراط‬
‫النا�شطني يف م�ؤ�س�سات املجتمع املدين‪ ،‬ف�إن‬
‫الطرح ال�سيا�سي على تويرت وغريه �سي�صل �إىل‬
‫مرحلة اكرب من الن�ضج الفكري‪ .‬و�سي�ؤ�س�س‬
‫املجتمع املدين �إىل خطاب �سيا�سي جديد‬
‫و�سيكون له بطبيعة احلال �أثر يف املداوالت‬
‫القائمة اليوم على مواقع التوا�صل االجتماعي ‪.‬‬
‫لكن ال�س�ؤال الكبري‪ :‬من �صانع احلدث؟ وهل‬
‫�ساعدت و�سائل الإعالم امل�ستقلة يف �إحداث‬
‫الربيع العربي �أم �أن الثورة العربية جنحت يف‬
‫حترير و�سائل الإعالم املحلية يف العامل العربي؟‬

‫وهل و�صلت رياح الربيع العربي �إىل الإعالم؟‬
‫البد من الإقرار �أو ًال‪ ،‬ب�أن ال�صانع احلقيقي للحدث هو‬
‫ال�شباب العربي الذين ا�ستحوذوا على احلدث ال�سيا�سي‬
‫بكل تفا�صيله‪ ،‬مثلما ا�ستحوذوا على احلدث الإعالمي‬
‫وتغطياته املبا�شرة‪ ،‬لأن قفزات الإعالم احلالية‬
‫انعكا�س لبع�ض مظاهر الربيع العربي‪ ،‬بدليل �أن هذا‬
‫الإعالم اجلديد �أ�سهم هو الآخر يف �صنع الأحداث‬
‫وتن�شيطها وتثويرها‪.‬‬
‫وكما قال �أحد الإعالميني ف�إن �أبطال الثورات العربية‬
‫احلقيقيني هم‪ :‬البطل الأول حممد بوعزيزي‪ ،‬والثاين‬
‫خمرتع املوبايل‪ ،‬والثالث خمرتع تكنولوجيا الـ (في�س‬
‫بوك) واالنرتنت �إجما ًال‪ ،‬والإعالم العربي كان تابع ًا‬
‫لكل هذا وذاك ومل يكن بط ًال قومي ًا‪ ،‬لأنه �أ�ص ًال مل يتوقع‬
‫�شيئ ًا مما جرى ب�سبب ان�شغاالته يف ت�صميم ال�شعارات‬

‫للدور الأ�سا�س الذي لعبه املواطن يف ال�شارع‬
‫العربي ‪ .‬بدليل �أن تعطيل االنرتنت كان جوهري ًا‬
‫يف زيادة �أعداد املتظاهرين يف ال�شارع العربي‪.‬‬
‫وقد خل�صت درا�سة قام بها مركز الدرا�سات‬
‫اال�سرتاتيجية يف اجلامعة الأردنية �أن ‪%53‬‬
‫من امل�سوحات التي متت كجزء من الدرا�سة‬
‫خل�صت �إىل �أن القنوات الف�ضائية العربية‬
‫لعبت دور(املحر�ض) يف الربيع العربي‪.‬‬
‫ورغم ذلك ي�صر الإعالميون العرب‪ ،‬وكذلك‬
‫الف�ضائيات العربية على �أن عملهم معلوماتي‬
‫يعك�س الواقع و�أنه لي�س لهم دور يف تغيري‬
‫النظام ‪.‬‬
‫ومن دون �شك ف�إن املحطات التلفزيونية‬
‫الف�ضائية وكذلك املدونني ون�شطاء التوا�صل‬

‫الآالف من املواطنيني اليمنيني خرجوا يف مظاهرة �ضد الرئي�س علي عبداهلل �صالح يف �صنعاء‬

‫الرنانة التي �أحتفنا بها على مدار �سنوات طويلة‪ ،‬بد�أ‬
‫من حترير الأق�صى والقد�س مرور ًا بالرق�ص على‬
‫�أوجاع ال�شعب الفل�سطيني حتت االحتالل‪ ،‬حتى اندلعت‬
‫النريان خلفه وك�أنه يعي�ش يف كوكب �آخر‪.‬‬
‫ويف النهاية ف�إعالمنا العربي مل يكن ولن يكون قادر ًا‬
‫على �إحداث التغيري �إذا بقي على حالة العبودية التي‬
‫يعي�شها‪� ،‬أو �سيكون بحاجة �إىل �صحايف جريء يدعى‬
‫بوعزيزي ليدخل على هيئة التحرير ويحرق نف�سه‬
‫داخل �أروقة التحرير ليعلن رغبته يف التغيري الإعالمي‬
‫احلايل الذي ال ميكن القول عنه �إال �إنه �إعالم متخلف‬
‫و�سلطوي ‪.‬‬
‫وبالرغم من الن�شاط الكبري على االنرتنت لل�شباب‬
‫العربي‪� ،‬إال �أن التغيري ال�سيا�سي احلقيقي مل يولد يف‬
‫االنرتنت‪ ،‬بل تولد يف ال�شارع‪ ،‬وجاء الإعالم اجلديد‬
‫مكم ًال له ‪ .‬مبعنى �إن دور الإعالم اجلديد يف الربيع‬
‫العربي مل يكن ميهد الطريق لل�شارع‪ ،‬بل كان ا�ستكما ًال‬

‫االجتماعي قد �أ�سهموا بالت�أكيد يف التغيريات‬
‫التي تواجه العامل العربي‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ف�إن‬
‫جتاهل �شجاعة وعزم املاليني من العرب‬
‫الذين �شاركوا يف احتجاجات غري م�سبوقة‬
‫ف�ض ًال عن ع�شرات الآالف الذين دفعوا حياتهم‬
‫ومعي�شتهم ميثل �إهانة �شديدة لهم‪.‬‬
‫وعلى الرغم من الن�شاط الكبري على االنرتنت‬
‫لل�شباب العربي‪� ،‬إال �أن التغيري ال�سيا�سي‬
‫احلقيقي مل يولد يف االنرتنت‪ ،‬بل تولد يف‬
‫ال�شارع‪ ،‬وجاء الإعالم اجلديد مكم ًال له‪ .‬كما‬
‫�إن دور �أع�ضاء جمموعات (في�س بوك) �أو‬
‫امل�شاركني يف (ها�شتاغات تويرت) هو يف غالب‬
‫الأحيان رمزي‪ ،‬وال يتعدى حدود ال�شكليات‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬ف�إن الن�شاط ال�سيا�سي يف االنرتنت ال‬
‫يرتجم بال�ضرورة �إىل تغيري �أو ن�شاط �سيا�سي‬
‫فعلي يف ال�شارع العربي‪ .‬ففي حالة اليمن‪ ،‬كان‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪7‬‬

‫قراءة‬

‫موضوع الغالف‬
‫عدد م�ستخدمي مواقع التوا�صل االجتماعي‬
‫‪� 300‬ألف م�ستخدم‪ ،‬وهو العدد الذي ال‬
‫يواكب حجم الأحداث يف ال�شارع اليمني‪ .‬ومع‬
‫ذلك ف�إن ح�شد املتظاهرين وتوجيههم مل يتم‬
‫ب�شكل �أ�سا�س عن طريق الإعالم اجلديد‪ ،‬بل‬
‫مت ب�شكل �أ�سا�س عن طريق الو�سائل التقليدية‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬ال ميكن لأي �أحد‪� ،‬أن ينكر دور‬
‫الإعالم التقليدي والإعالم اجلديد يف لعب‬
‫دور بارز يف الثورات العربية‪ ،‬والقول �إن‬
‫الإعالم العربي يعي�ش ربيعه اخلا�ص و�إنه‬
‫د�شن مرحلة جديدة �ستفرز �إعالم ًا جديد ًا‬
‫ي�ستجيب لطموحات ال�شارع العربي ومطالبه‪.‬‬
‫الوجه الآخر‪ :‬اخلداع الإعالمي‬
‫�أخذت التغطية الإعالمية لهذه الثورات حيز ًا‬
‫كبري ًا من اهتمام ال�شارع العربي‪ ،‬بني من يرى‬
‫�أن الف�ضائيات العربية قامت بدورها على‬
‫�أكمل وجه‪ ،‬فرافقت الثورات العربية و�أ�سهمت‬
‫يف �إجناحها‪ ،‬وبني �آراء �أخرى انتقدت الأداء‬
‫الإعالمي لكربى القنوات العربية‪ ،‬واتهمتها‬
‫بالتحيز وخلق البلبلة والتهييج الإعالمي‪،‬‬
‫وخدمة �أجندات خارجية‪ ،‬وغ�ض الطرف عن‬
‫تغطية حتركات ال�شارع يف دول (�صديقة)‬
‫و(حليفة)‪ ،‬بهدف �إجها�ض الثورات يف هذه‬
‫البلدان‪.‬‬

‫والنقا�ش احلقيقي‪ ،‬كما يرى البع�ض‪ ،‬هو ملاذا‬
‫تتغنى قنوات ف�ضائية عربية بقيم املو�ضوعية‬
‫واملهنية‪ ،‬فت�سلط كامرياتها ومرا�سليها على دول‬
‫بعينها وت�صف قادتها بالدكتاتوريني‪ ،‬بينما يتم‬
‫التعتيم الإعالمي على ما يجري يف دول �أخرى ‪.‬‬
‫�إن اختالق �أخبار ال يجايف �أحيان ًا الواقع‪� ،‬إال �أن‬
‫طريقة تقدمي و�صياغة الأخبار تربز الكثري من‬
‫االنحياز‪ ،‬ب�سبب وجود التقنيات املنتهجة التي‬
‫باتت تقارب تقنيات احلرب النف�سية‪ ،‬على اعتبار‬
‫�أن هناك تف�ضي ًال لنوعية من الأخبار التي تخدم‬
‫هدف ًا معين ًا‪ ،‬يف حني يتم التغا�ضي عن �أخبار‪،‬‬
‫�أو �إحالتها �إىل �آخر الرتتيب من حيث الأولوية‬
‫والأهمية‪ .‬ومبعنى �آخر تعميق �أ�سلوب التعتيم‬
‫والتهييج يف اخلطاب الإعالمي‪.‬‬
‫ومن الناحية التقنية‪ ،‬تتحجج القنوات الف�ضائية‬
‫بنقل �صور وم�شاهد بال�صوت وال�صورة ملواطنني‪،‬‬
‫كل من بلده‪ ،‬يتحدثون لهجات تون�سية وم�صرية‬
‫وليبية و�سورية ومينية‪ ،‬للداللة على �أن الأحداث‬
‫لي�ست مفربكة‪ ،‬و�إمنا وقعت فع ًال ومل تقم القناة‬
‫�سوى ببثها‪ ،‬و�أن ال�صور و�صلتها عرب الربيد‬
‫الإلكرتوين‪ ،‬بعد ت�ضييق ال�سلطات عليها‪ ،‬وعدم‬
‫ال�سماح لها بالت�صوير‪.‬‬
‫وتقني ًا دائم ًا‪ ،‬ال ينتبه عادة امل�شاهدون الب�سطاء‪،‬‬
‫وعددهم باملاليني‪� ،‬إىل �أن التلفزيونات تفر�ض على‬

‫حريق �إثر قتال بني الثوار والنظام الليبي يف طرابل�س‬

‫توزيع جائزة عربية بالرتجمة‬
‫‪8‬‬

‫وزعت يف العا�صمة الأملانية‬
‫برلني ت�سليم جائزة امللك عبد‬
‫اهلل بن عبد العزيز الدولية يف‬
‫الرتجمة‪ ،‬يف احتفال �أقيم مبقر‬
‫احلكومة املحلية لوالية برلني‪-‬‬
‫جوائز الدورة اخلام�سة جلائزة‬
‫خادم احلرمني يف الرتجمة على‬
‫الفائزين بها هذا العام‪ ،‬وبلغت‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫قيمة هذه اجلائزة ‪� 750‬ألف ريال‬
‫�سعودي يف كل من فروعها اخلم�سة‪.‬‬
‫ومنحت اجلائزة هذا العام بفرع‬
‫امل�ؤ�س�سات �إىل م�ؤ�س�سة كلمة‬
‫للرتجمة التابعة لهيئة �أبو ظبي‬
‫للثقافة والرتاث تقدير ًا لرتجمتها‬
‫‪ 700‬م�ؤلف بـ ‪ 12‬لغة‪.‬‬
‫وحجبت اجلائزة بفرع العلوم‬

‫نف�سها و�ضع كلمة (�أر�شيف) كلما تعلق الأمر ب�صور‬
‫وم�شاهد قدمية‪ ،‬حتى ولو مر على حدوثها �أيام فقط‪.‬‬
‫وهناك �أي�ض ًا حيل كثرية ال ينتبه لها امل�شاهدون‬
‫من قبيل �إعادة القنوات تكرار بث م�شاهد القتل‬
‫واملظاهرات على مدار ال�ساعة يف ن�شرات الأخبار‪،‬‬
‫حتى يحدث االنطباع لدى امل�شاهد ب�أن االحتجاجات‬
‫متوا�صلة‪ ،‬حتى و�إن كان الواقع على الأر�ض خمتلف ًا‪.‬‬
‫ويف املح�صلة ميكن الوقوف على حقيقة �أن‬
‫الف�ضائيات العربية كغريها من الف�ضائيات العاملية‬
‫ال تنفذ �سوى �أجندات �إخبارية تعك�س الأجندات‬
‫ال�سيا�سية للدول التي متلكها‪.‬‬
‫لكن الأهم من كل ذلك هو ا�ستخدام ال�صور من‬
‫الهواتف النقالة التي تعترب �أخطر �شيء يف الإعالم‬
‫التي �صفعت الأنظمة من خالل التقاط ال�صور‬
‫و�إر�سالها للو�سائل الإعالمية املرئية وااللكرتونية‬
‫ويكمن �سر �صور اجلوال ب�أنها ال تخ�ضع للمونتاج‬
‫والفوتو�شوب كونها تبقى كما هي ال ميكن التالعب‬
‫فيها‪ ،‬وبالتايل عجزت الأنظمة عن تكذيبها �أو‬
‫و�صفها باملفربكة‪� ،‬إ�ضافة �إىل اليوتيوب الذي كان‬
‫العامل الثاين يف ف�ضح اجلرائم‪ ،‬مما دفع و�سائل‬
‫الإعالم املرئي االعتماد على و�سائل االت�صال‬
‫االجتماعي املر�سلة من امليادين وعر�ضها من خالل‬
‫الأفالم امل�سجلة �أو ال�سكيب يف العر�ض املبا�شر عن‬
‫طريق الهواتف الذكية‪ ،‬ولهذه الأ�سباب �أ�ضحى‬
‫الإعالم اجلديد يف موقع متقدم يف تقدمي خدمة‬
‫املعلومات وجذب الأنظار نحو املواقع املختلفة لكي‬
‫تواكب عر�ضها الإعالمي يف ظل معركة فعلية قائمة‬
‫بني و�سائل الإعالم االجتماعي احلديثة وو�سائل‬
‫الإعالم املرئية التي بات م�صريها مهدد ًا فعلي ًا‬
‫بوجود قوة مناف�سة لقوة الإعالم املرئي‪ ،‬ف�إذا كان‬
‫الإعالم املرئي لعب دور ًا مميز ًا على مدار القرن‬
‫املا�ضي‪ ،‬وكان دوره فع ًال يف التغريات التي ع�صفت‬
‫يف العامل يف �أواخر الثمانينيات منه‪ ،‬وبعد انهيار‬
‫جدار برلني وانهيار االحتاد ال�سوفياتي واملع�سكر‬
‫اال�شرتاكي وحرب البلقان ‪.‬‬
‫امل�صدر‪ :‬اخلليج الإماراتية ‪ -‬يا�س خ�ضري البياتي‬

‫الإن�سانية من العربية �إىل اللغات‬
‫الأخرى‪ ،‬ومنحت اجلائزة يف نف�س‬
‫الفرع من اللغات الأخرى للعربية �إىل‬
‫�أربعة مرتجمني لكتابني هما (مقدمة‬
‫يف ا�ستخال�ص الفلزات) و(�شبكات‬
‫احلا�سب الآيل)‪.‬‬
‫ويف فرع العلوم الإن�سانية من اللغات‬
‫الأخرى �إىل اللغة العربية منحت اجلائزة‬

‫ملرتجمني اثنني لكتابي (الل�سانيات‬
‫ال�سريرية) و(�آالم العقل الغربي)‪،‬‬
‫ويف نف�س الفرع من العربية �إىل اللغات‬
‫الأخرى ل�ستة باحثني �أوزبكيني ترجموا‬
‫كتاب (ال�سرية النبوية) البن ه�شام‬
‫�إىل اللغة الأوزبكية‪ ،‬و�إىل مرتجم كتاب‬
‫(الظلوامتداداتهاملعرفيةوالإبداعية)‬
‫�إىلاللغةالفرن�سية‪.‬‬

‫عن الكتابة واالغتراب‬
‫�أمري تاج ال�سر‬
‫اغرتاب املبدع عموماً‪ ،‬ال ي�شبه اغرتاب‬
‫�أي �شخ�ص عادي‪ ،‬فذلك يدفعه لكتابة‬
‫ن�صو�ص متميزة‪ ،‬وقودها احلنني الكبري‬
‫لوطن ولد وتربى فيه‪.‬‬

‫ال �شك �أن اغرتاب املبدع عموم ًا‪ ،‬خا�صة الكاتب‪� ،‬أو هجرته خارج وطنه‬
‫الأ�صلي ال ي�شبه اغرتاب �أو هجرة �أي �شخ�ص عادي ال عالقة له بالإبداع‪ ،‬هذا‬
‫االغرتاب‪ ،‬دائم ًا ما يغذيه باحلنني �إىل الوطن‪ ،‬وقطع ًا يدفعه لكتابة ن�صو�ص‬
‫متميزة‪ ،‬وقودها من ذلك احلنني الكبري لوطن ولد وتربى فيه‪ ،‬وعا�ش فيه �أياما‬
‫حلوة ومرة‪ ،‬قبل �أن يفارقه �إىل حني‪� ،‬أو �إىل الأبد‪.‬‬
‫هذا الأمر ينطبق على املبدعني الذين ي�ضطرون للهجرة ب�سبب ظروف‬
‫اقت�صادية �أو �سيا�سية‪ ،‬حرمت عليهم البقاء يف الوطن‪� ،‬أو الذين يختارون‬
‫الهجرة بال �أي �سبب حمدد‪ ،‬ويعودون من حني لآخر‪ ،‬لإلقاء نظرة على �أوطانهم‪،‬‬
‫وتتبع تطورها �أو تدنيها يف غيابهم‪.‬‬
‫و�إذا �ألقينا نظرة �سريعة‪ ،‬على كثري من الن�صو�ص العربية والعاملية‪ ،‬التي‬
‫كتبها مبدعون اغرتبوا عن بالدهم‪ ،‬واتخذوا بالد ًا �أخرى �أوطان ًا بديلة‪ ،‬مثل‬
‫الت�شيكي ميالن كونديرا‪ ،‬واللبناين �أمني معلوف‪ ،‬واملغربي الطاهر بن جلون‪،‬‬
‫وجار�سيا ماركيز يف جزء من حياته‪ ،‬حني عا�ش مرا�س ًال �صحفي ًا يف �أوروبا‪ ،‬جند‬
‫تفا�صيل مده�شة‪ ،‬لذلك الوطن الذي تركوه من خلفهم‪.‬‬
‫تفا�صيل رمبا ال يكتبها مبدعون يعي�شون بالداخل وي�صادفونها يوميا �أثناء‬
‫حياتهم وجتوالهم‪ ،‬وال يولونها اهتمام ًا كبري ًا‪ ،‬وتت�أجج خميالتهم �إىل ما وراءها‬
‫للعثور على تفا�صيل �أخرى‪ ،‬غري موجودة �أو غري ممكنة‪ ،‬لر�صدها يف كتابتهم‪،‬‬
‫باعتقاد �أنها ت�شد القراءة �أكرث‪.‬‬
‫امل�شكلة هنا تكمن يف م�س�ألة العادية‪ ،‬التي ت�ؤثر كثري ًا يف عمل املخيلة‪� ،‬أي ذلك‬
‫الزخم اليومي املعتاد الذي لن يبهرهم كثري ًا‪ ،‬ولن ي�صلح يف ر�أيهم مادة لن�ص‬
‫ممتاز‪ ،‬يطالعه القارئ املتوفر يف الداخل‪ ،‬وينده�ش‪ ،‬لأن القارئ نف�سه جزء من‬
‫ذلك الزخم اليومي‪ ،‬وحمرك �أ�سا�سي له‪ ،‬وال يحتاج ملن يكتبه له حتى يقر�أه‪.‬‬
‫وبهذه النظرة التي �أعتربها غري من�صفة‪ ،‬ت�ضيع عوامل ثرية رمبا تده�ش‬
‫حتى ذلك القارئ املتوفر فيها‪ ،‬لأن القارئ لي�س مبدع ًا �أ�سا�سي ًا‪ ،‬بالرغم من �أن‬
‫وجوده‪� ،‬ضرورة كربى للإبداع‪ ،‬وهو لي�س بال�ضرورة‪ ،‬منتبها لكل �شيء مير من‬
‫حوله‪ ،‬وهو يطارد احلياة‪ ،‬ليعي�ش‪ ،‬وال ميلك يقينا ح�س املبدع �أو ذاكرته املميزة‪،‬‬
‫لي�صنع �أحداث ًا يقر�ؤها لنف�سه‪.‬‬
‫وقد اعتدت حني �أعود �إىل وطني‪ ،‬يف عطالتي ال�سنوية‪� ،‬أن �أتلم�س تلك العوامل‬
‫التي �صورها احلنني‪ ،‬ب�صورة مده�شة‪ ،‬و�أوقدها يف ن�صو�صي‪� ،‬أحيان ًا �أجدها‬
‫بالفعل ت�ستحق عناء كتابتها‪ ،‬و�أحيان ًا �أجدها عادية‪ ،‬فقط �صورت يل غري عادية‪.‬‬
‫�أجل�س �إىل بائعات ال�شاي الالئي كتبت عنهن يف عدد من الن�صو�ص‪� ،‬أ�ستمع‬

‫التواصل االجتماعي بين األمس واليوم‬
‫لو عدنا للوراء �أيام الثورات العربية كما يف‬
‫�سوريا �أيام االنتداب الفرن�سي‪ ،‬ويف م�صر‬
‫يف ظل االنتداب الربيطاين‪ ،‬ويف اجلزائر‬
‫حتت االنتداب الفرن�سي فكان تلك اجلماهري‬
‫الغا�ضبة حتدد �ساعة ال�صفر بطريقة توا�صل‬
‫�أخرى غري الفي�س بوك‪ ،‬فكانت (املن�شورات)‬
‫توزع يف ال�شوارع وحتت �أبواب البيوت واملحالت‬
‫لي ًال وبني �أفراد الأحزاب ال�سيا�سية‪ ،‬وبقي‬
‫احلال كما هو ل�سنني طويلة حتى جاءت‬
‫الإنرتنت‪ ،‬وكانت بداية عبارة عن مواقع‬
‫نا�صر الزمل‬
‫�سيا�سية كان القائمني عليها يحملون �أ�سماء وهمية‪،‬‬
‫وتقوم بحجبها احلكومات العربية‪ ،‬و�أ�صبحت تلك املواقع بني �شد‬
‫وجذب بني ال�شعوب العربية واحلكومات ثم جاءت بعد ذلك املدونات‬
‫التي ظهرت يف عام ‪� ، 1997‬إال �أن انت�شارها على نطاق وا�سع مل‬
‫يبد�أ �إال بعد عام ‪ ، 1999‬وهو موقع �شخ�صي على �شبكة الإنرتنت‬
‫يدون فيه �آراءه ومواقفه حول م�سائل متنوعة‪ ،‬وتكون هذه املدونات‬
‫م�ؤرخة ومرتبة زمني ًا ت�صاعدي ًا‪ ،‬وهذه املدونات منظمة تنظيم ًا ذاتي ًا‬
‫ت�ساعد الأفراد على التفاعل من خالل امل�شاركة والتعلم عرب تبادل‬
‫الأفكار واملعلومات ف�ض ًال عن حل امل�شكالت االجتماعية وال�سيا�سية‪،‬‬
‫وهي عبارة امتداد بل تطوير لتلك املواقع‪ ،‬حتى جاءت �شبكات‬
‫التوا�صل االجتماعي كالفي�س بوك وتويرت واليوتيوب يف ظل الهواتف‬
‫الذكية التي غريت مفاهيم كثرية‪ ،‬ف�س ّلمت احلكومات العربية بتلك‬
‫البوابة التي انفتحت على م�صرعيها؛ حيث �ألغت احلواجز اجلغرافية‬
‫واملكانية‪ ،‬وحتطمت فيها احلدود الدولية‪ ،‬حيث ي�ستطيع الفرد يف‬
‫ال�شرق التوا�صل مع الفرد يف الغرب‪ ،‬يف ب�ساطة و�سهولة‪.‬‬
‫و ُيعد الفي�س بوك من �أ�شهر املواقع على ال�شبكة العاملية‪ ،‬ورائد‬
‫التوا�صل االجتماعي‪ ،‬و�أ�صبح اليوم منرب افرتا�ضي للتعبري‪ ،‬واتخذه‬
‫ال�شباب اليوم بدي ًال للأحزاب ال�سيا�سية العاجزة الفا�شلة‪ ،‬وال الفي�س‬
‫بوك يزال يوفر �ساحات تنطلق منها الأفكار اجلديدة الرامية �إىل‬
‫ح�شد اجلماهري وراء ق�ضية �أو فكرة معينة‪ ،‬فقد جنحت تلك ال�شبكات‬
‫بهبوب رياح الربيع العربي‪ ،‬ونزول اجلماهري ال�شعبية �إىل ال�شارع‬
‫وكان ذلك املحرك الأ�سا�سي لهذه اجلموع هو الفي�س بوك‪.‬‬
‫ولكن �أ�صبح �أثر تلك ال�شبكات لي�س للتوا�صل فقط من �أجل التحكم‬
‫والتوجيه بال�شعوب يف �شوارع بلدان الربيع العربي‪ ،‬بل �أ�صبحت توا�صل‬
‫بني الكتاب والأدباء واملفكرين كل يف جماله؛ حيث خرجت لنا الأ�سماء‬
‫�صريحة بال ت�سرت خلف �أ�سماء وهمية �إال القلة‪ ،‬ومل يقت�صر ذلك كله‬
‫على فئات حمددة بل تخطى ذلك للتوا�صل بني �شعوب العامل يف عدد‬
‫من املجاالت الأخرى كالتقنية‪ ،‬التي كنا يف ال�سابق ن�سمع عنها وال‬
‫ن�شاهدها يف �أ�سواقنا العربية �إال بعد مرور ع�شرات ال�سنني‪.‬‬
‫وباتت بع�ض مواقع التوا�صل االجتماعي من �أكرث املواقع زيارة يف‬
‫العامل‪ ،‬مبا يف ذلك في�س بوك ويوتيوب وغريها‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪9‬‬

‫مراجعات‬

‫قراءة‬
‫�إىل عراك احلياة من حويل‪ ،‬و�أ�صادف �شخ�صيات‪،‬‬
‫رمبا كتبتها �أو كتبت �شبيه ًا لها‪� ،‬أق�ضي العطلة يف‬
‫�أغلبها‪� ،‬أقارن بني ما كتب وما ميكن �أن يكتب‪ ،‬ورمبا‬
‫�أطالع �شيئ ًا من �إنتاج زمالء يعي�شون يف الوطن‪،‬‬
‫و�أبحث داخله عن الإدها�ش‪.‬‬
‫وحني �أعود �إىل مغرتبي‪� ،‬أح�س ب�أنني �أملك كنوزاً‬
‫من احلكايات وال�شخ�صيات‪ ،‬وبدافع احلنني �أي�ض ًا‪،‬‬
‫�أكتبها‪ ،‬وتبدو يل ق�صتي مع ع�سكري املرور عبد اهلل‬
‫كوة‪ ،‬الذي حرر يل خمالفة لدخويل يف طريق ذي‬
‫اجتاه واحد‪ ،‬ال �أعرفه‪� ،‬أو الفتاة التي تعمل �ضابط ًا‬
‫يف �إدارة اجلوازات‪ ،‬وتابعتها �سنوات‪ ،‬منذ كانت‬
‫فظة وتغريت بعد زواجها‪� ،‬أو م�شاهدتي للرجل‬
‫الذي كان ي�صيح وميزق ثيابه يف و�سط م�ست�شفى‬
‫اخلرطوم؛ ق�ص�ص ًا مده�شة‪� ،‬أ�ضيف �إليها �شيئ ًا من‬
‫اخليال‪ ،‬بالرغم من �أنها ق�ص�ص عادية‪ ،‬تتكرر‬
‫با�ستمرار‪.‬‬
‫وما زال ي�أ�سرين و�صف ماركيز للحنني الذي‬
‫ميلك �أحاييل‪ ،‬ال ميكن الفكاك منها‪ ،‬يف روايته‬
‫احلب يف زمن الكولريا‪ ،‬حني حتدث عن الطبيب‬
‫الذي عاد �إىل بالده بقناعة تامة‪ ،‬تارك ًا حياة مرفهة‬
‫يف �أوروبا‪ ،‬ليفاج�أ يف امليناء حني ر�ست الباخرة‪،‬‬
‫باحلر والرطوبة‪ ،‬ومنظر الذباب على �أنوف‬

‫الأطفال‪ ،‬والن�ساء املت�سخات يف زينة رخي�صة‪،‬‬
‫وهن ير�ضعن �أطفالهن ب�أثداء �ضامرة‪ ،‬ثم‬
‫ليعود �إىل وعيه يف تلك اللحظة‪ ،‬ويلعن احلنني‬
‫و�أحاييله‪.‬‬
‫يف الكتابة العربية توجد جتارب كثرية‪ ،‬للكتابة‬
‫املغرتبة التي تعتمد على الذاكرة واحلنني‪ ،‬منها‬
‫جتربة عبد الرحمن منيف‪ ،‬وجتربة الروائي‬
‫الليبي �إبراهيم الكوين‪ ،‬تلك التجربة الكبرية‬
‫املت�سعة املده�شة‪ ،‬التي �صاغ يف داخلها ع�شرات‬
‫الكتب‪ ،‬ومل تكن يف معظمها عن �أحداث خارج‬
‫الوطن‪ ،‬بينما هو يف احلقيقة‪ ،‬يقيم خارج الوطن‬
‫منذ زمن طويل‪.‬‬
‫تلك الأ�ساطري الغنية وذلك املوروث‬
‫ال�صحراوي املدفون‪ ،‬والذي يف اعتقادي مل‬
‫ينب�شه الذين بالداخل كما نب�شه‪ ،‬ومل يظهره‬
‫للعامل �أحد مثله‪ ،‬ولن يعيد ‪-‬حتى الذين ما زالوا‬
‫يعي�شون يف ال�صحراء‪� -‬إنتاجه كما فعل‪.‬‬
‫فكتابات مثل الورم واملجو�س وخريف‬
‫الدروي�ش‪ ،‬وغريها الع�شرات من الروايات‬
‫وال�سري واحلكم‪� ،‬إمنا هي ح�صيلة حلنني جارف‬
‫�إىل تلك العوامل املا�ضية‪ ،‬تدفع للكتابة عنها‬
‫بال خيار �آخر‪ ،‬وتدعمه الذاكرة املبدعة التي‬

‫�أحمد �صالح ال�صمعاين‬

‫ثقافة األجيال‬

‫قبل عقدين من الزمن جرت العادة بوقوف‬
‫ال�شباب �أمام الأ�سواق التجارية لقراءة ال�صحف‬
‫واملجالت �سواء كانت ريا�ضية �أو �إخبارية �أو غريها‪،‬‬
‫فهذه طريقة تقليدية يالم�سها جزء من التعب‬
‫للح�صول على املعلومة‪ ،‬وال �سيما �أن الأخبار كانت‬
‫تت�أخر لليوم التايل يف ال�صحف الورقية لي�صل‬
‫اخلرب‪ ،‬وكانت ال�صحيفة والتلفاز هما م�صادر‬
‫الأخبار والثقافة ب�شكل عام‪ ،‬ويف مطلع ‪2002‬‬
‫تقريب ًا تو�سعة ال�شبكة العنكبوتية يف ال�صفحات‬
‫الرقمية وبد�أت امل�صادر تتوفر يف �إي�صال املعلومات‬
‫والأخبار ب�شكل �سريع وخا�صة يف عام ‪2007-‬‬
‫‪ 2008‬حتى الآن متكنت هذه ال�شبكة من تداول‬
‫اخلرب واملعلومة حيث �أنها تَنت�شر ِخالل حلظات‪،‬‬
‫بالإ�ضافة �إىل �أن م�صادر املع ُلومات �أ�صبحت‬
‫وا�سعة ومتخ�ص�صة كاملواقع العلمية واملو�سوعات‬
‫االلكرتونية‪ ،‬متكنت التقنية من توظيف املعرفة‬
‫وا�ستغاللها ب�شكل جيد يف حت�ضري جميع الأعمال‬
‫التجارية والعلمية واخلريية وغريها‪ ،‬فكما ُعرفت‬

‫باملوجة الثالثة التي يعي�شه الإن�سان حالي ًا‪ ،‬يروي‬
‫الدكتور مي�سرة طاهر خبري (علم النف�س)‬
‫معاناته يف بدايته الإعالمية قبل ‪� 20‬سنة‬
‫تقريب ًا يف �إذاعة القران الكرمي حيث �أن �أعداد‬
‫احللقة ي�ستغرق عدت �أيام يف البحث بالكتب‬
‫وامل�صادر و�صعوبة ِانتقاء املوا�ضيع وغريه‪ ،‬فهذا‬
‫اجليل �أدرك �أن املعرفة والثقافة االلكرتوين‬
‫قامت بنقلة رائعة‪ ،‬حيث �أن البحث عن معلومة‬
‫�أ�صبح يف متناول الأيدي بالإ�ضافة �إىل �سهولة‬
‫ا�ستخدامه وقد ي�ستغرق البحث عن املعلومة‬
‫�أجزاء من الدقائق‪ ،‬ومن الإيجابيات يف العلم‬
‫اجلديد �أن املعلومة هي التي ت�صل �إىل اجلهاز‬
‫املحمول مثل برامج التوا�صل االجتماعي ولي�ست‬
‫بحاجة �إىل البحث وبدون ر�سوم مادية للخدمة‬
‫فقط لتكلفة االنرتنت‪ ،‬وهذه نقطة عاجلت‬
‫م�شاكل الروتني وامللل فكما هو حال البع�ض الآن‬
‫يق�ضي �ساعات يف ا�ستخدام جهاز اجلوال دون‬
‫�شعوره بالوقت‪ ،‬فهذه فر�ص ثمينة لكي يقوم‬

‫‪ 10‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫ال ي�سقط من جرابها خرب‪ ،‬وال تت�سرب من �شقوقها‬
‫قطرة مطر واحدة هطلت ذات يوم يف �صحراء‬
‫جافة‪� ،‬أو عرثة لبعري احتك بحجر‪.‬‬
‫و�أظن ب�أن جتربة الكوين‪ ،‬بقدر ما �أده�شت قراءه‬
‫العرب والغربيني بعد �أن ترجمت �أعماله‪ ،‬ميكن‬
‫�أي�ض ًا �أن تده�ش قراء الداخل‪� ،‬أو �سكان العوامل التي‬
‫�صاغها‪ ،‬حني يجدون ما مل ينتبهوا �إليه‪ ،‬قد انتبه �إليه‬
‫مبدع مغرتب عن الوطن‪ ،‬والذي قد ال ميثل قيمة‬
‫كبرية لديهم‪ ،‬قد �أ�صبح ذا قيمة عالية‪.‬‬
‫منذ عدة �أ�شهر‪ ،‬و�أثناء وجودي يف ال�سودان‪،‬‬
‫�س�ألتني قارئة عن تفا�صيل كثرية كتبتها يف �سرية يل‬
‫ا�سمها مرايا �ساحلية‪.‬‬
‫قالت �إنها متر يومي ًا بواحدة �شبيهة بحمدة‬
‫البي�ضاء‪ ،‬تلك املت�سولة التي كتبتها‪ ،‬وي�سكن‬
‫بجوارهم‪ ،‬يف بيت مهجور‪ ،‬م�شرد مثل عزيزو ال‬
‫يعرف �أحد �أ�صله‪ ،‬يقر�أ الكتب با�ستمرار‪ ،‬ويلقي‬
‫ال�شعر بال م�ستمعني له‪ ،‬لكنها مل تكن تظن �أبد ًا‪،‬‬
‫�أن تلك �شخ�صيات ت�صلح لكتابتها يف ن�صو�ص‪،‬‬
‫وانتبهت لها حني كتبت‪.‬‬
‫بالطبع لي�س يل جواب �آخر‪� ،‬سوى ما �أكدته‪،‬‬
‫و�أكده ماركيز‪ ،‬و�آخرون‪ ،‬عن �سطوة احلنني‪ ،‬ودعم‬
‫الذاكرة لدرجة �إرهاقها‪ .‬كل ما يكتب بدافع احلنني‪،‬‬
‫يرتك �أثر ًا‪ ،‬خا�صة ال�سري‪ ،‬لأن احلنني داخلها ومن‬
‫حولها‪ ،‬يكون يف �أوج ا�شتعاله‪.‬‬

‫�أحمد ال�صمعاين‬

‫املرء بتطوير ثقافته عن طريق الأجهزة ال�صغرية‬
‫املحمولة وبف�ضل اهلل يوجد �شريحة كبرية من‬
‫املجتمع متكن من ا�ستغالل برامج الن�شر والتوا�صل‬
‫االجتماعي بالر�سائل واملعلومات الإيجابية مثل‬
‫الن�صائح الرتبوية والإ�سالمية وغرية‪ ،‬وال يخفى‬
‫عليك عزيز القارئ �أن الثقافة كانت �شبه حم�صورة‬
‫على ال�صحيفة اليومية التقليدية �أو التلفاز فقط‪،‬‬
‫لكن ال�ساحة االلكرتوين �سيطر على العلم ب�شكل‬
‫كبري حتى �أ�صبح له علمه اخلا�ص و ُكتب ومو�سوعات‬
‫مثل كتاب ( الثقافة االلكرتونية ) للدكتور جورج‬
‫نوبار �سيمونيان‪ ،‬فالثقافة �صنعت لها عدت �أبواب‬
‫وعدت ثقافات مثل الثقافة الإ�سالمية والريا�ضية‬
‫بل �أنه مت ابتكار ثقافات غري �أخالقية‪.‬‬

‫رواية (‪)1984‬‬

‫للكاتب جورج �أورويل‬

‫قد تعني العودة �إىل كتابات جورج‬
‫�أورويل (‪ )1950-1903‬يف هذه‬
‫احلقبة التاريخية التي �شهدت انهيار‬
‫االحتاد ال�سوفياتي‪ ،‬لي�س فقط حتقق‬
‫«نبوءات» هذا الكاتب ال�سيا�سي‬
‫الذي جمع حرفة الأدب �إىل حرفة‬
‫ال�سيا�سة يف رواياته الكربى (جمهورية‬
‫احليوانات) و‪ :1984‬و�إمنا حتقق‬
‫انهيار املنظومة الهيغلية ‪-‬الي�سارية ب�شقها املارك�سي‪ -‬اللينيني‪ -‬ال�ستاليني‪،‬‬
‫القائمة على منطق الديالكتيك احلتمي والغائي وال�شمويل‪ ،‬واملرتكزة على‬
‫منهج الت�ضاد و�صراع الأ�ضداد‪ ،‬والتطابق‪ ،‬والنفي وال�سلب‪ .‬ولد جورج‬
‫�أورويل (وهو اال�سم امل�ستعار لإريك بلري) يف الهند العام ‪ 1903‬من �أبوين‬
‫�إنكليزيني‪ ،‬يف ع�صر اال�ستعمار الإنكليزي للقارة الهندية‪ ،‬وكان جدّه �ضابط ًا‬
‫يف اجلي�ش الإنكليزي يف الهند‪ ،‬و�أبوه موظف ًا من موظفي (الإمرباطورية التي‬
‫ال تغيب عنها ال�شم�س)‪ ،‬ولعل هذه الن�ش�أة بامل�ستعمرة الإنكليزية الكربى‬
‫(الهند) قد دمغت �شخ�صية جورج �أورويل وو�سمته مبي�سمها فانخرط‬
‫منذ باكورة حياته يف االجتاه اال�شرتاكي الراديكايل املعادي لال�ستعمار‬
‫وحمل جورج �أورويل ال�سالح يف (الثورة الإ�سبانية) �ضد الفا�شية مثلما‬
‫حمله �أندريه مارلو‪ ،‬و�أرن�ست همينغواي‪ ،‬وهو كان يقاتل‪ ،‬ويجرح‪ ،‬ويجمع‬
‫يف جتربته ال�شخ�صية بني الفكر والتمر�س العملي (املمار�سة) يف مقاومة‬
‫(الفا�شية) التي حتفزه فيما بعد على حمل القلم ليكمل باحلرب الأ�سود‬
‫ما بد�أه باحلرب (الأحمر)‪ ،‬بدمه‪ ،‬يف نقد الدكتاتوريات ب�أ�شكالها املتعددة‬
‫(الي�سارية جنب ًا �إىل جنب مع نقده للديكتاتورية اليمينية الأخرى)‪ .‬وكان‬
‫جورج �أورويل ال يرى ثمة فرق ما بني روح اال�شرتاكية واحلرية‪ ،‬وقد �أراد يف‬
‫روايته (جمهورية احليوان) �أن يربهن ب�أن امل�ساواة لي�ست متنافية بال�ضرورة‬
‫مع احلرية‪ ،‬بل على العك�س‪ .‬وقد ربط �أورويل بني نقد اال�ستبداد‪ ،‬ومعاداة‬
‫اال�ستعمار والعن�صرية‪ ،‬والدعوة �إىل رف�ض الرقابة الدولوية على املجتمع‪،‬‬
‫وبني الأخوة الإن�سانية والفردية وامل�ساواتية بني الب�شر‪ ،‬وحب الوطن‪ .‬وقد‬
‫�أكد �أورويل على ف�ضيلة الوطنية‪ ،‬ببعدها الإن�ساين والأممي‪ ،‬مع رف�ضه يف‬
‫الوقت عينه للكوزموبوليتية ال�سطحية‪ ،‬يف نظرته العاملية‪ ،‬جامع ًا بذلك ‪-‬على‬
‫الطريقة اليونانية‪ -‬الرومانية‪ -‬ما بني الثقافة واملواطنة‪ .‬يجد البع�ض يف‬
‫رواية (‪ )1984‬نبوءة لأحداث ‪( 1989‬انهيار جدار برلني وانفراط االحتاد‬
‫ال�سوفياتي) جلهة نقده لل�شمولية التوتاليتارية‪ .‬ويرى البع�ض الآخر فيها‬
‫و�صية للكاتب كتبها يف �أواخر حياته‪ ،‬ون�شرت بعد موته (‪ ،)1948‬و�سواء‬
‫اعتمدنا هذا الر�أي �أو ذاك فمن امل�ؤكد‪ ،‬وهذا هو �أ�صل املقال وف�صله‪� ،‬أو‬
‫�أورويل هو امل�ؤ�س�س للنقدية اال�شرتاكية الدميوقراطية‪ ،‬التي جتد جذورها‬
‫يف دميوقراطية كال�سيكية ترى ب�أن جوهر الدميوقراطية يف احلرية بو�صفها‬
‫ف�ضيلة من الف�ضائل اجلمهورية‪ .‬نبذة النا�شر‪:‬على مدى �سنوات طويلة‪ ،‬ظلت‬
‫رواية (‪ )1984‬جلورج �أورويل ت�ستعاد‪ ،‬يعود �إليها الكتاب الذين يتحدثون‬
‫عن الديكتاتورية والأنظمة ال�شمولية‪ .‬وعلى مدى �سنوات طويلة‪ ،‬ظلت هذه‬
‫الرواية حية وتقر�أ ب�سبب جماليتها الأدبية وب�سبب ال�صورة ال�سيا�سية التي‬

‫قدمتها‪ .‬اليوم‪ ،‬ويف ترجمة جديدة‪ ،‬نقدم هذه الرواية التي �صورت بطريقة‬
‫تنب�ؤية‪ ،‬جمتمع ًا �شمولي ًا يخ�ضع لديكتاتورية فئة حتكم با�سم‬
‫(الأخ الكبري) الذي ميثل احلزب احلاكم‪،‬‬
‫ويبني �سلطته على القمع والتعذيب‬
‫وتزوير الوقائع والتاريخ‪،‬‬
‫با�سم الدفاع عن الوطن‬
‫والربوليتاريا‪ .‬حزب يح�صي على النا�س‬
‫�أنفا�سهم ويحول العالقات الإن�سانية واحلب‬
‫والزواج والعمل والأ�سرة �إىل عالقات مراقبة‬
‫جترد النا�س من �أي تفرد وتخ�ضعهم لنظام واحد‪،‬‬
‫ال ينطبق على م�س�ؤويل احلزب‪� .‬إنها رواية تقر�أ‪،‬‬
‫ثم تقر�أ من جديد‪.‬‬
‫)امل�ستك�شف هاري �سانت‬
‫جون فيلبي ورحلته �إىل‬
‫ح�ضرموت)‪ :‬كتاب مثري‬
‫وخطري(‬
‫الدكتور م�سعود عم�شو�ش‬
‫(امل�ستك�شف هاري �سانت‬
‫جون فيلبي ورحلته �إىل ح�ضرموت)‪ ،‬دار جامعة عدن للطباعة والن�شر‪)2012 ،‬‬
‫�أختار الدكتور م�سعود عم�شو�ش �أن يتناول مو�ضوع ًا مهم ًا وحيوي ًا‪ ،‬ورغم ذلك مل‬
‫ي�سبق �أن جتر�أ �أحد وتناوله‪� ،‬إىل درجة �أنه يكاد �أن يدخل يف باب املحرمات‪:‬‬
‫ما حقيقة الدور الذي قام به امل�ستك�شف الربيطاين هاري �سانت جون فيلبي‬
‫يف حتديد مالمح وحدود اجلزيرة العربية بعد رحيل الأتراك منها‪ ،‬وطبيعة‬
‫العالقات بني الدول التي ن�ش�أت فيها بعد احلرب العاملية الأوىل‪ ،‬وعلى وجه‬
‫اخل�صو�ص بني تلك التي تقع يف �شمال اجلزيرة وغربها وبني تلك التي ت�شكل‬
‫بواباتها اجلنوبية؟؟‬
‫يف هذا الكتاب املثري واخلطري‪ ،‬الذي يجمع فيه م�ؤلفه بني دقة منهج‬
‫الباحث وجمال لغة الأديب‪ ،‬تربز �أمامنا الأبعاد املتعددة ل�شخ�صية هاري‬
‫�سانت جون فيلبي‪� ،‬أو كما ي�سميه العرب‪ :‬احلاج عبد اهلل فيلبي‪ .‬فهو �سيا�سي‬
‫ورجل ا�ستخبارات بارع‪ ،‬وم�ستك�شف رائد‪ ،‬وتاجر ماهر‪ .‬وقد كان ال�سبب‬
‫املبا�شر ملجيئه �إىل ال�شرق الأو�سط‪ ،‬يف عام ‪ ،1914‬الإ�سهام يف متكني‬
‫حكومته الربيطانية من �إحكام قب�ضتها على �أكرب قدر من تركة الدولة‬
‫العثمانية يف املنطقة‪ .‬وعلى الرغم من ا�ستقالته من وظيفته احلكومية �سنة‬
‫‪ ،1924‬ب�سبب اختالفه ال�شديد مع القائمني على �سيا�سة بريطانيا يف ال�شرق‬
‫الأو�سط‪ ،‬الذين اتهموه حينذاك بالعمل ل�صالح الأمري عبد العزيز بن عبد‬
‫الرحمن �آل �سعود‪ ،‬فقد �أختار �أن يق�ضي ما تبقى من عمره‪� ،‬أي �أكرث من‬
‫�أربعني عام ًا‪ ،‬يف البالد العربية‪.‬‬
‫ويف اجلزء الأول الكتاب ي ّبني امل�ؤلف �أن الهدف الأول ملجيء فيلبي �إىل‬
‫ال�شرق الأو�سط و�إقامته فيه مل يكن خدمة امل�صالح الربيطانية �أو ابن �سعود‪،‬‬
‫بل �أن يكون (�أعظم م�ستك�شفي اجلزيرة العربية)‪ .‬لهذا ال�سبب‪ ،‬عندما تويف‬
‫يف بريوت عام ‪ ،1960‬ودفن يف مقربة امل�سلمني هناك‪ ،‬كتب ابنه كيم على‬
‫�شاهدة قربه (�أعظم م�ستك�شفي اجلزيرة العربية)‪ ،‬وذلك عم ًال بو�صيته‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪11‬‬

‫مراجعات‬

‫مراجعات‬
‫ف�إذا كان الرحالة وامل�ستك�شفون الغربيون قد‬
‫ا�ستطاعوا‪ ،‬خالل القرنني الثامن ع�شر والتا�سع‬
‫ع�شر‪� ،‬أن يزيحوا ال�ستار عن خبايا بالد ال�شام‬
‫و�أر�ض الكنانة و�شمال �إفريقيا‪ ،‬فاجلزيرة‬
‫العربية مبدينتيها املقد�ستني وربعها اخلايل‬
‫ظلت �أر�ض ًا حمرمة‪ .‬وال�شك يف �أن فيلبي‪ ،‬خالل‬
‫درا�سته يف ق�سم الدرا�سات ال�شرقية‪ ،‬يف كلية‬
‫ترينيتي بجامعة كمربيدج‪ ،‬قد قر�أ وا�ستوعب‬
‫جتارب ه�ؤالء الرحالة الذين �سبقوه �إىل البالد‬
‫ويبي الدكتور عم�شو�ش يف هذا الكتاب‬
‫العربية‪ِ .‬نّ‬
‫�أن كثري ًا من مواقفه وت�صرفاته تعك�س يف املقام‬
‫الأول �سعيه �إىل جتنب الأخطاء التي وقع فيها‬
‫الرحالة الغربيون الذين حاولوا ا�ستك�شاف‬
‫الأرا�ضي املحرمة من قبله‪.‬‬
‫وقد ر�صد �سانت جون فيلبي رحالته‬
‫اال�ستك�شافية �إىل اجلزيرة العربية يف مئات‬
‫املقاالت والدرا�سات واملحا�ضرات‪ ،‬و�أكرث من‬
‫خم�سة ع�شر كتاب ًا �ضمنها عدد ًا كبري ًا من ال�صور‬
‫والر�سومات واخلرائط‪ .‬وعلى الرغم من �أهمية‬
‫ما قام به فيلبي من رحالت ا�ستك�شافية وما كتبه‬
‫عن بالد العرب فال تزال الدرا�سات العربية عنه‬
‫نادرة جد ًا‪ .‬لهذا يحق للدكتور عم�شو�ش �أن يرى‬
‫�أن الدور الذي قام به �سانت جون فيلبي يف تاريخ‬
‫الأقطار العربية يفوق بكثري دور لورن�س �أهمية‬
‫و�أثر ًا‪.‬‬
‫علي ن�سر ‪-‬احلياة اللندينية‬

‫رواية زوج حذاء لعائ�شة للكاتبة اليمنية نبيلة الزبري‬

‫يف روايتها اجلديدة (زوج حذاء لعائ�شة)‬
‫ال�صادر عن دار ال�ساقي ‪ 2012‬حتاول الكاتبة‬
‫اليمنية نبيلة الزبري �أن تك�شف امل�ستور‪ ،‬وت�سقط‬
‫الأقنعة عن وجوه كثرية‪� ،‬ضاربة بعر�ض احلائط‬
‫املوانع واحلواجز التي غالب ًا ما حتول بني‬
‫املتك ّلم وما ينبغي �أن يقوله‪ .‬لذا‪ ،‬ت�أتي �ضربتها‬
‫�شبه القا�ضية على عنق املث ّلث املحظور عادة‪،‬‬
‫آيات مقدّ�سة ك ّر�ستها الأعراف‪،‬‬
‫والذي ا�ستحال � ٍ‬
‫و�ساهمت بوجودها ممار�سات احلكام الذين‬
‫ح ّرموا على غريهم الكالم غري املتوافق‬
‫وظروفهم ال�سيا�سية والفكرية‪� ...‬إنه مثلث الدين‬
‫وال�سيا�سة واجلن�س‪ .‬فت�ضعنا الكاتبة وجه ًا لوجه‬
‫�أمام واقع عربي م�أ�سوي‪ ،‬متّخذة من اليمن‬
‫ب�ؤرة �ش ّكلت �أر�ض ًا خ�صبة لل�سرد و�إطالق الر�ؤية‬
‫ال�سردية‪ ..‬ف�إذا به واقع يرزح حتت نري التقاليد‬
‫والعادات التي �أدخلت املواطن يف �سراديب من‬
‫الكبت على خمتلف امل�ستويات‪� .‬إنه واقع ميني‪/‬‬
‫عربي م�ستباح للآخر‪� ،‬سواء كان هذا الآخر‬
‫‪ 12‬فكر‬

‫ويندرج الكتاب اخلام�س للدكتور عم�شو�ش‬
‫يف �إطار اهتمامه مبا كتبه الرحالة الغربيون‬
‫عن ح�ضرموت واليمن و�شبه اجلزيرة العربية‬
‫ب�شكل عام‪ .‬وقد قام بدرا�سة رحلة فيلبي �إىل‬
‫ح�ضرموت من خالل قراءة حتليلية لكتابه‬
‫�سرد لها‪ ،‬وكذلك‬
‫(بنات �سب�أ) الذي يحتوي على ٍ‬
‫الكتابني اللذين �ضمنهما فيلبي �سريته الذاتية‪:‬‬
‫(�أيام عربية و�أربعون عام ًا يف الربية)‪ ،‬وكذلك‬
‫امللف اخلا�ص بفيلبي يف وثائق اال�ستخبارات‬
‫الربيطانية التي ن�شرها مكتب ال�سجالت العامة‬
‫والأر�شيف القومي الربيطاين ون�شرها يف نهاية‬
‫عام ‪.2002‬‬
‫وقد تناول امل�ؤلف يف الف�صل الأول من الكتاب‬
‫�سرية �سانت جون فيلبي وحاول �أن يربط فيه بني‬
‫املحطات الرئي�سة يف حياة فيلبي وبني الدافع‬
‫الأول ملجيئه �إىل اجلزيرة العربية‪ :‬اال�ستك�شاف‪.‬‬
‫ويف الف�صلني الثاين والثالث قام بدار�سة حتليلية‬
‫لوقائع زيارة فيلبي حل�ضرموت‪ ،‬وردود فعل‬
‫احلكومة الربيطانية وال�سكان املحليني والإمام‬
‫يحيى بن حميد الدين جتاه تلك الزيارة‪� .‬أما‬
‫الف�صل الرابع فقد كر�سه لدرا�سة الأبعاد‬
‫العلمية لرحلة فيلبي �إىل ح�ضرموت‪� ،‬سواء‬
‫�أكانت جغرافية �أم تاريخية �أثرية �أم اجتماعية‪.‬‬
‫ويف الف�صل اخلام�س تطرق للأبعاد الفنية‬
‫والأيديولوجية لكتاب (بنات �سب�أ)‪ .‬وقد �ضمنه‬

‫�أول حماولة لدرا�سة مقومات الأ�سلوب الفني الذي‬
‫اتبعه عبد اهلل فيلبي يف تدوين رحالته‪ ،‬والذي يرتكز‬
‫على تقنيتي ال�سرد والو�صف بالإ�ضافة �إىل ال�صور‬
‫والر�سومات واخلرائط‪ .‬ومبا �أن فيلبي قد �ضمن كتابه‬
‫(بنات �سب�أ) �أبعاد ًا �أيديولوجية وا�سعة فقد قام يف هذا‬
‫الف�صل بدرا�سة الكيفية التي �سلكها فيلبي للمزاوجة‬
‫بني �سرد الرحلة وخطابه الأيديولوجي ال�سيا�سي‪.‬‬
‫و�إذا كان بع�ض الغربيني وبع�ض العرب قد �أبدوا‬
‫ا�ستيائهم من الآثار ال�سيا�سية التي �أفرزتها زيارة‬
‫فيلبي حل�ضرموت‪ ،‬ومن ال�صبغة الأيديولوجية التي‬
‫برزت يف كتاب (بنات �سب�أ)‪ ،‬فهم باملقابل مل يرتددوا‬
‫يف التعبري عن �إعجابهم بالأبعاد العلمية لتلك الرحلة‬
‫وغريها من رحالت فيلبي اال�ستك�شافية‪ .‬فالكاتب‬
‫خريي حماد‪ ،‬ي�ؤكد يف كتابه (عبد اهلل فيلبي قطعة‬
‫من تاريخ العرب احلديث) «�إذا كنا قد تنكرنا لفيلبي‬
‫ال�سيا�سي‪ ،‬ملا مثلته �سيا�سته يف وطننا العربي من ميول‬
‫ا�ستعمارية بغي�ضة‪ ،‬فعلينا �أن نحني الر�أ�س تقدير ًا‬
‫و�إعجابا بهذا الرجل الفذ الذي كانت درا�ساته عن‬
‫اجلزيرة العربية و�أو�ضاعها و�أحوالها من �أنف�س ما كتب‬
‫عنها من �أ�سفار وكتب يف خمتلف الع�صور واللغات»‪.‬‬
‫لهذا يختتم الدكتور عم�شو�ش كتابه معرتف ًا ب�أهمية‬
‫اجلانب العلمي لرحالت فيلبي اال�ستك�شافية؛ فعلى‬
‫الرغم من كل �سلبيات فيلبي‪ ،‬ف�إن ما �أ�ضافه من معرفة‬
‫حول اجلزيرة العربية ال ميكن �أن يفوقه فيه �أحد‪.‬‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫غريب ًا وافد ًا من وراء البحار‪ ،‬م�سيطر ًا وم�ستعمر ًا‬
‫(و�إن كانت الإطاللة عليه �سريعة يف الن�ص) �أو‬
‫الآخر املتمثل باجلائرين من �أهل البيت �أو البلد‬
‫نف�سه‪ .‬و�أكرث املت�أذين من هذا الواقع‪ ،‬الن�ساء‪،‬‬
‫فراحت كل امر�أة من بطالت العمل‪ ،‬على �شاكلة‬
‫(عائ�شة) البطلة الأ�سا�سية يف الرواية‪ ،‬تبحث‬
‫عن حذاء يقيها وي�ش ّكل لها �سرت ًا‪ ،‬بعد �أن ح ّولها‬
‫الظلم الذكوري �إىل �إحدى بنات الهوى‪ ،‬ليتح ّول‬
‫وجود الإخوة الأ�شداء الذين يجب �أن يكونوا‬
‫حماة‪� ،‬إىل �سبب �أ�سا�سي للخروج على الأ�س�س‬
‫الأخالقية نتيجة ت�ضييقهم وجورهم «‪...‬ال ت�ضيع‬
‫بنات لهن �أخوة �أ�شداء‪...‬غري �صحيح يا �أبي‪،‬‬
‫ال�صحيح �أنه ال ت�ضيع بنات �إال �إذا كان لهن �أخوة‬
‫�أ�شداء» �ص‪.163‬‬
‫وهكذا‪ ،‬تتخ ّبط املر�أة يف �أر�ض موحلة‪ ،‬ووطن‬
‫عاجز عن �إيجاد حلول لهذه امل�شكالت‪ ،‬في�ستحيل البيوت العائلية‪ ،‬فبيوت الطالبات والأماكن العامة‬
‫�سجن ًا كبري ًا‪ ،‬كل ما يحويه عبارة عن �سجون التي ما زالت تفتقر �إىل االختالط بني اجلن�سني‪...‬‬
‫�صغرية‪ ،‬من ال�سجن املركزي وال�سيا�سي �إىل تقف الكاتبة وب�صوت �صريح‪� ،‬أمام �سلطة الرجل‪،‬‬

‫وما حتمله �شخ�صيته الذكورية من عقد يحاول‬
‫تنفي�سها باملر�أة‪ ،‬وعرب منوذج طارق املتزوج‬
‫�أربع مرات يف الن�ص‪ ،‬هو خليط من �شخ�صيات‬
‫و�أو�صاف عدة‪ّ ،‬‬
‫يوظف كل ما ميكن‪ ،‬عن اقتناع‬
‫�أو التفاف على اقتناعاته‪ ،‬من �أجل �إثبات قدرته‬
‫الذكرية وفحولته اجلن�سية‪ ،‬فمن متدّين وخطيب‬
‫جاعل بيته �ساحة رق�ص لزوجته‪،‬‬
‫م�سجد‪� ،‬إىل‬
‫ٍ‬
‫�إىل من ّ‬
‫يغ�ض النظر عن حت ّر�ش �صديقه بها‬
‫�أحيان ًا‪ ...‬ما يجعل املر�أة وحيدة لي�س من ي�ستميت‬
‫يف الذود عنها وعن �شرفها �إال بقتلها غ�س ًال للعار‬
‫�أمام النا�س حني ت�صبح عبئ ًا على الأهل والزوج‬
‫والإخوة‪...‬‬
‫هذه هي �أبرز الق�ضايا التي تتناولها الكاتبة‬
‫وحتاول �أن تبلور ر�ؤيتها من خاللها‪ّ ،‬‬
‫موظفة‬
‫التقنيات الروائية كلها‪ ،‬من زمان ومكان‬
‫و�شخ�صيات وحوارات ورا ٍو و�أ�صوات �سردية‬
‫داخلية‪ ،‬فت�ضافرت هذه التقنيات لت�ش ّيد الكاتبة‬
‫عامل ًا روائي ًا ذا �صل�صال خا�ص ي�ش ّكل معاد ًال‬
‫مو�ضوعي ًا للعامل اخلارجي واملرجعي‪...‬ومتكنت‬
‫بن�سبة ال ب�أ�س بها من ذلك‪ ،‬لكن الالفت �أن‬
‫املو�ضوع مل يقدّم �شيئ ًا جديد ًا‪� ،‬سوى �أنه ع ّرفنا‬
‫�إىل بطالت ب�أ�سماء جديدة‪ ،‬ومل تقم الكاتبة‬
‫�إال با�ستعرا�ض للواقع‪ ،‬وك�أننا �أمام فيلم وثائقي‬
‫ال ي�ستطيع معدّه �أن يتدخل يف تغيري م�شاهده‬
‫�شريف تغيان‬

‫احلقيقية‪ ،‬واختُزلت الرواية بر�ؤية �شبه م�ؤ ّكدة‪،‬‬
‫وهي التحري�ض على حماية املر�أة نف�سها بنف�سها‬
‫عرب االعتماد على م�س�ؤولني ومدعومني وذوي نفوذ‬
‫يف الدولة واملجتمع‪ ...‬وعلى الرغم من احلرية‬
‫التي تبحث عنها الكاتبة للمر�أة يف هذا املجتمع‪،‬‬
‫نراها تقع يف منزلق انعدام احلرية وعدم منحها‬
‫قا�صرات ال‬
‫لبطالتها ب�شكل مطلق وك�أنهن كنّ‬
‫ٍ‬
‫معرفة لديهن وال قدرة على التعبري‪ ،‬فرناها تق ّيد‬
‫حركات ال�شخ�صيات‪ ،‬خ�صو�ص ًا الن�ساء والفتيات‬
‫اللواتي غ�صت الرواية مب�شكالتهن‪ ،‬وتر�سم منذ‬
‫البداية �صور ًا ال ت�ستطيع ال�شخ�صية جتاوزوها‬
‫عرب منو الأحداث‪ ،‬فقد اعتمدت منط الراوي‬
‫العليم الكلي املعرفة‪ ،‬و�إن حاولت �إعطاء بع�ض‬
‫�شخو�ص الن�ص حرية احلكي وال�سرد والتبئري‬
‫�أحيان ًا‪ ،‬لكنها ظلت �صاحبة اليد الطوىل يف‬
‫ال�سرد واحلكي والتبئري الأ�سا�س على طول العمل‪،‬‬
‫قاطعة كالم الأبطال �أحيان ًا‪ ،‬مع ّلقة بطريقة فيها‬
‫الكثري من الهيمنة‪ ،‬حارمة املتلقي ل ّذة اكت�شاف‬
‫امل�صائر بنف�سه‪ ،‬نظر ًا �إىل تدخلها غري املنا�سب‬
‫واجلائز �أحيان ًا كثرية‪ ،‬وعرب ا�ستخدامها �ضمري‬
‫املتكلم والتوجه ب�ضمري املخاطب �إما �إىل �إحدى‬
‫�شخ�صيات الن�ص �أو �إىل املتلقي مبا�شرة‪ .‬فما‬
‫الداعي للتدخل الفج وال�صريح يف تبئري كالم‬
‫رجاء �إحدى البطالت الرئي�سة‪ ،‬وك�أنها هي نف�سها‬

‫بطلة �أخرى كقولها‪�« :‬إن رجاء تقول‪ :‬حيث املهن‬
‫الأ�شد �إيذاء لأ�صحابها‪ ،‬هناك ورمبا هنالك‬
‫فقط توجد الأخالق‪� .‬شكر ًا حلكمتك يا رجاء‪،‬‬
‫لكن من دون هذا التحديد‪ ،‬ام�سحي كلمة فقط‪،‬‬
‫م�سحناها‪ .‬ال يزال الوقت باكر ًا على موعدها»‬
‫(�ص‪ .)218‬وهكذا ك�شفت لنا براءة (عائ�شة)‬
‫من ممار�سة الدعارة بتدخلها غري امل�س ّوغ ومل‬
‫ترتك لنا جما ًال للت�شويق وملعرفة هذه الرباءة‬
‫ب�أنف�سنا‪�( .‬ص ‪)370‬‬
‫وهذا النمط للراوي اخلارجي العليم‪ ،‬حرم الن�ص‬
‫من اختالف وجهات النظر التي تدفع القارئ �إىل‬
‫القراءة غري مرة‪ ،‬فقد جنت الكاتبة على عملها‬
‫�إذ �أتخمته باملواعظ والر�ؤى اخلا�صة بها‪ ،‬حتى‬
‫ا�ستحال كتلة وعظية ثقيلة على املتلقي الذي‬
‫قد ي�شعر بالدونية �أمام تلك املواعظ اجلاهزة‬
‫والتدخالت و�أمام حرمانه من لذة اكت�شاف‬
‫امل�صري بنف�سه‪� ،‬أو االنت�صار لوجهة نظر قد تكون‬
‫خمتلفة عن وجهة نظر الكاتبة‪ ،‬وكان هذا ممكن ًا‬
‫لو �أن الكاتبة تركت �شخ�صياتها حتكي وت�سرد‬
‫وتب ّئر وتطلق ر�ؤى خمتلفة وبحرية �أكرث من دون‬
‫تدخالت �أثقلت الن�ص وح ّملته عبئ ًا كبري ًا‪.‬‬

‫ال�شيخ الرئي�س رجب طيب �أردوغان‬

‫«ال �أعلم ملاذا تكتب (�أردوغان) مع �أن الرتكية‬
‫لي�س بها حرف الغني ! كما �أن احلرف الذي يظنه‬
‫البع�ض جيم ال ينطق جيم مطلق ًا يف الرتكية!)‪.‬‬
‫دفقة �أخرى من الأمل يف م�ستقبل �أف�ضل ب�إذن اهلل‪،‬‬
‫ومن املتعة بالتعرف على بطل طاملا حلم بظهوره‬
‫عاملنا العربي‪ ،‬و�أ�صبح رجب طيب �أردوغان ‪�-‬أو‬
‫�أردوان‪� -‬أحد �أبطال زماننا القالئل ‪.‬‬
‫يقول �شريف تغيان عن رئي�س وزراء تركيا �أنه‬
‫ا�ستطاع دون �أن يطلق ر�صا�صة واحدة �أو يقوم‬
‫بانقالب �أن يطيح ب�صنم �أتاتورك‪ ،‬و ينال من‬
‫م�ؤ�س�سة اجلي�ش الرتكي احلار�س الأمني واملدافع‬
‫الأول عن مذهبه العلماين املجلل بالقدا�سة !!‬
‫ينق�سم الكتاب �إىل �سبعة �أبواب ‪:‬‬
‫الباب الأول‪ :‬الن�ش�أة و ال�صعود ‪:‬‬
‫ويروي فيه البداية يف يوم ‪ 26‬فرباير ‪ 1954‬و هو‬
‫يوم مولد �أردوغان‪ ،‬و قد ولد يف حي �شعبي فقري‬
‫باجلزء الأوروبي من ا�سطنبول‪ ،‬كان والده يعمل‬
‫يف �سالح خفر ال�سواحل الرتكي‪ ،‬و رباه هو وباقي‬

‫�إخوته الأربعة تربية �إ�سالمية ملتزمة‪ ،‬و �أبدى‬
‫ال�صبي من �صغره ذكاء و قوة يف املنطق وو�ضوح ًا‬
‫يف الر�ؤية جعلت �أحد �أ�ساتذته يطلق عليه لقب‪:‬‬
‫ال�شيخ رجب ‪.‬‬
‫ً‬
‫يحكي الكاتب موقفا حدث لرجب يف االبتدائي‬
‫عندما �س�أل مدر�س الرتبية الدينية عن من‬
‫ي�ستطيع �أن يرى زمالئه يف الف�صل كيفية ال�صالة‪،‬‬
‫ورفع رجب يده‪ ،‬فقام املدر�س ليفر�ش �صحيفة على‬
‫الأر�ض للطالب‪ ،‬فما كان منه �إال �أن رف�ض ال�صالة‬
‫على ال�صحيفة ملا عليها من �صور لن�ساء �سافرات !‬
‫خالل فرتات تعليمه املختلفة كان �أردوغان ي�ساعد‬
‫�أباه يف م�صاريف درا�سته فكان يبيع �شراب الليمون‬
‫والبطيخ ب�شوارع ا�سطنبول ‪.‬‬
‫يرى الكاتب �أن جتربة �أردوغان يف رئا�سة بلدية‬
‫�آ�سطنبول هي بدايته احلقيقية يف �إثبات قدرته على‬
‫�أنه رجل اقت�صاد و �سيا�سة ملهم ومبدع جنح على‬
‫مدار �أربع �سنوات (‪ )1998-1994‬يف انت�شال‬
‫املدينة من الإفال�س وحل الكثري من م�شكالتها مثل‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪13‬‬

‫خيال فكر‬

‫مراجعات‬
‫انقطاع املياه والكهرباء وتف�شي القذارة‪ ،‬وعندما‬
‫�س�ألوا �أردوغان عن جناحه يف تخلي�ص البلدية‬
‫من ديونها قال‪ :‬لدينا �سالح �أنتم ال تعرفونه ‪� ..‬أنه‬
‫الإميان ولدينا الأخالق الإ�سالمية و�أ�سوة ر�سول‬
‫الإن�سانية عليه ال�صالة وال�سالم‪ ،‬لكن جناحه‬
‫املبهر مل ي�شفع له عند القوى العلمانية التي‬
‫�أتهمته ب�إثارة امل�شاعر الدينية لدى ال�شعب عندما‬
‫تلى بع�ض �أبيات ال�شاعر الرتكي �ضياء �أوك �ألب‬
‫‪« :‬م�ساجدنا ثكناتنا ‪ ..‬قبابنا خوذاتنا‪ ..‬م�آذننا‬
‫حرابنا ‪ ..‬وامل�صلون جنودنا… هذا اجلي�ش‬
‫املقد�س يحر�س ديننا»‪.‬‬
‫فكان م�صريه ال�سجن ‪� 10‬شهور واحلرمان من‬
‫ممار�سة �أي ن�شاط �سيا�سي !‬
‫الباب الثاين‪� :‬سيا�سة م�ؤذن ا�سطنبول ‪:‬‬
‫ميكن اخت�صار �سيا�سة �أردوغان فيما كتبته‬
‫جملة الإيكونومي�ست‪ ،‬ب�أنها �سيا�سة تو�صلت �إىل‬
‫حالة «�صفر م�شاكل» مع جميع دول اجلوار مبا‬
‫فيها طبعا اليونان‪ ،‬و �إيران‪ ،‬والعراق ‪ ،‬ثم ت�أتي‬
‫معركته الكربى وهي االقت�صاد الرتكي املهرتئ‬
‫الذي ا�ستطاعت حكومة العدالة والتنمية يف �سبع‬
‫�سنوات تخفي�ض ن�سبة الت�ضخم من ‪� % 70‬إىل‬
‫‪ ،% 10‬وارتفاع متو�سط دخل الفرد من ‪3000‬‬
‫دوالر �إىل ما يقارب ‪ 10000‬دوالر فارتفع مرتبة‬
‫االقت�صاد الرتكي ليحتل املكانة ‪ 16‬على م�ستوى‬
‫العامل وال�ساد�سة على م�ستوى �أوروبا ‪.‬‬
‫كان دوره الكبري يف حل امل�شكلة الكردية التي‬
‫عزمي ب�شارة‬
‫(�أن تكون عربي ًا يف �أيامنا)‬
‫يت�ألف هذا الكتاب من ثالثة �أق�سام (ق�ضايا‬
‫عربية‪ ،‬املتغريات الأمريكية يف نهاية مرحلة بو�ش‪،‬‬
‫فل�سطني والق�ضية الفل�سطينية)‪ .‬وقد توزعت‬
‫عليها جمموعة درا�سات وحما�ضرات قدّمها‬
‫الباحث من منت�صف عام ‪ 2007‬وحتى بداية‬
‫عام ‪ .2009‬من �أبحاث ودرا�سات وحما�ضرات‬
‫تناولت الق�ضايا العربية واملتغريات التي رافقت‬
‫نهاية فرتة جورج دبليو بو�ش الرئا�سية وق�ضية‬
‫فل�سطني‪ .‬يطرح الكتاب نظرة عزمي ب�شارة يف‬
‫�ضرورة االعرتاف بحق الأمة العربية يف تقرير‬
‫م�صريها وفر�ض �سيادتها عرب الدميقراطية‬
‫واملواطنة املت�ساوية‪.‬‬
‫ما مي ّيز هذه الدرا�سات واملحا�ضرات؛‬
‫�أو ًال‪ :‬براعة الباحث يف ربط م�س�ألة النه�ضة‬
‫‪ 14‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫كانت �سبب ًا يف مقتل ع�شرات الآالف يف الثمانينات‬
‫… فما كان منه �إال �أن �أ�ضعف النهج الأمني يف‬
‫التعامل مع الق�ضية و�إف�ساح املجال �أمام العمل‬
‫ال�سيا�سي لي�أخذ حيز ًا �أو�سع بعيد ًا عن ت�أثري‬
‫اجلي�ش ‪.‬‬
‫الباب الثالث‪ :‬حتطيم ال�صنم ‪:‬‬
‫يتناول الكاتب يف هذا الباب كيف ا�ستطاع‬
‫�أردوغان تقليم �أظافر الع�سكر داخل تركيا‪،‬‬
‫و�إعادة الإ�سالم الرتكي �شيئ ًا ف�شيئ ًا دون عنف‬
‫و�إمنا بالقانون‪ ،‬حيث د�أبت حكومة �أردوغان‬
‫على �إجراء تعديالت د�ستورية و�صلت �إىل و�ضع‬
‫ت�صرفات اجلي�ش املختلفة حتت رقابة وحما�سبة‬
‫الربملان والأجهزة الد�ستورية ‪.‬‬
‫ا�ستطاع حزب العدالة والتنمية �إعادة الهوية‬
‫الإ�سالمية لرتكيا ب�سيا�سته التي جتمع بني‬
‫احرتام علمانية الدولة الرتكية والتزام الليربالية‬
‫االقت�صادية وديناميات ال�سوق احلرة الدافعة‬
‫برتكيا نحو اندماج غري م�شروط يف زمانية العوملة‬
‫من جهة و ر�ؤى اجتماعية وثقافية و�أخالقية‬
‫حمافظة تعود يف الأ�سا�س �إىل مرجعية احلزب‬
‫الإ�سالمية من جهة �أخرى ‪.‬‬
‫الباب الرابع‪ :‬الثورة الأردوغانية ‪:‬‬
‫يتناول فيه الكاتب ب�شكل �أكرث تف�صي ًال ما فعله‬
‫�أردوغان وحكومته من انقالب د�ستوري ‪.‬‬
‫الباب اخلام�س‪ :‬من احللم الأوروبي �إىل الواقع‬
‫الإ�سالمي ‪:‬‬

‫�أن تكون عربي ًا يف �أيامنا‬
‫بالهوية العربية واحلداثة‪ ،‬وربط م�صري القومية‬
‫العربية مبدى قدرتها على تق ّبل مهمات وحتديات‬
‫املجتمع احلديث والع�صر احلديث‪ ،‬ومواجهة‬
‫هذه التحديات مب�شروع‪ .‬كما يربط بني مهمة‬
‫جتديد الفكر العربي مب�شروع بناء الأمة‪ ،‬وحتديد‬
‫مطالب وبرامج يف هذا االجتاه تكون مفهومة‬
‫للنا�س‪ ،‬وميكن للنا�س ربطها مب�صاحلهم املادية‬
‫واحلقوقية كمواطنني‪.‬‬
‫ثاني ًا‪ :‬ما حتمله ف�صول الكتاب من بعد فكري‬
‫جديد‪ ،‬و�أ�سلوب ت�شخي�صي حتليلي‪� ،‬إ�ضافة �إىل‬
‫ما جتلى فيها من نب�ض حيوي ي�شري �إىل �ضرورة‬
‫جتديد الفكر‪� ،‬إن كان ذلك يف الق�ضية العربية‬
‫عموم ًا‪� ،‬أو الق�ضية الفل�سطينية‪.‬‬

‫تناول ال�سيا�سة اخلارجية الرتكية وكيف �أ�صبحت‬
‫تركيا داعمة للحقوق العربية‪ ،‬ثم االمتداد الرتكي‬
‫�إىل قارات العامل كافة ‪.‬‬
‫الباب ال�ساد�س‪ :‬من ال�شراكة �إىل ال�صدام ‪:‬‬
‫يتناول الكاتب بكثري من التفا�صيل العالقات الرتكية‬
‫الأمريكية يف ظل حكم حزب العدالة والتنمية ثم‬
‫العالقات الرتكية الإ�سرائيلية حتى م�أ�ساة قافلة‬
‫احلرية التي توجهت �إىل غزة يف مايو ‪. 2010‬‬
‫الباب ال�سابع‪ :‬وثائق و�صور ‪:‬‬
‫جمع فيه الكاتب جمموعة من �أهم خطب �أردوغان‬
‫و�صوره يف خمتلف املنا�سبات ‪.‬‬
‫هو كتاب �شديد الرثاء يف معلوماته التف�صيلية عن‬
‫الكيفية التي �أ�صبح بها رجب طيب �أردوغان بط ًال‬
‫قومي ًا لي�س برتكيا فقط بل للعامل العربي‪ ،‬ورمبا‬
‫الإ�سالمي كذلك … لي�س بالقوة وال بال�سحر وال‬
‫بالثورية الفارغة ! ‪.‬‬
‫�أت�صور �أن �شعوب الربيع العربي ب�شكل عام‬
‫وامل�صريون ب�شكل خا�ص يهمهم قراءة مثل هذه‬
‫التجارب الناجحة التي تثبت �أنه ال م�ستحيل على من‬
‫لديه ر�ؤية و �إرادة‪ ،‬هذا الكتاب �أكد على حقيقة هامة‬
‫‪� ..‬إن هناك فرق كبري بني �أن تثبت وجودك و�أن تثبت‬
‫جناحك … فالثانية حتتاج �إىل قدر �أكرب بكثري من‬
‫احلكمة وطول النظر و�آثارها �أعمق ‪ ..‬بعك�س الأوىل‪،‬‬
‫كما �أن الثانية البد و �أن ت�ؤدي �إىل الأوىل ‪ ..‬و لكن‬
‫العك�س غري �صحيح ‪.‬‬
‫الكتاب �صادر عن دار الكتاب العربي يف ‪� 335‬صفحة‬
‫من القطع الكبري ‪.‬‬

‫جتدد الدعوات لل�سفر عرب الزمن‬

‫السفر عبر الزمن بين الخرافة والخيال العلمي‬
‫ن�سمع كثري ًا عن �آلة الزمن ‪ Time Machine‬يف الأفالم ذات اخليال العلمي �أو‬
‫رواية ‪ Wells' novel‬الربيطاين البداية احلقيقية لق�ص�ص العبور �إىل الأزمنة‬
‫وتخطي مئات و �ألوف ال�سنني �سواء بالعبور نحو امل�ستقبل �أو املا�ضي برغم �إن علماء‬
‫الفيزياء ي�سخرون من فكرة العبور نحو الزمن �إىل ع�صور �سابقة معتربين ذلك �ضرب ًا‬
‫من اخليال �أو ال�شعوذة ‪ .‬يف هذه املقالة املرتجمة يتناول العامل الفيزيائي اليابانى‪-‬‬
‫الأمريكي مي�شيو كاكو فكر ال�سفر عرب الزمن و�إمكانية حتقيقيها علمي ًا‪.‬‬

‫وجهات نظر يف الغو�ص عرب الزمن‬

‫ومن املثري لالهتمام‪ ،‬دعوة �ستيفن هوكينغ مرة‬
‫�أخري لفكرة ال�سفر عرب الزمن من خالل البحوث‬
‫الأخرية التي قام بها علماء الفيزياء يف جمال‬
‫النظرية الكمية وخالل خم�سة �أعوام فقد راقب فريق‬
‫علمي كومة من مملكة النمل بوا�سطة كامريا والحظ‬
‫امل�سارات التي ت�سري عليها النمل وقاموا با�سرتجاع‬
‫املقاطع �إىل الوراء وتخيل امل�سارات املفرت�ضة ل�سري‬
‫النمل وطرح افرت�ض ال�سري املمكن وبتطبيق النموذج‬
‫ال�سابق يف حياتنا لل�سفر عرب الزمن للما�ضي والعبور‬
‫للم�ستقبل‪.‬‬

‫والذي كانت مملوءة باخل�صائ�ص الغريبة فالثقب قراءة يف الكون املجهول‪...‬جواز �سفر‬
‫الأ�سود لن ينهار �إىل نقطة البداية (كما كان يعتقد للمجهول‬
‫يف ال�سابق) ولكن يف حلقة الغزل (النيوترونات) فكرة ال�سفر بني النجوم عند مناق�شة �إمكانية‬
‫�سيظل يدور �إىل ما النهاية ‪.‬‬
‫ال�سفر بني النجوم‪ ،‬ال يوجد �شيء ي�سمى " ‪the‬‬

‫ومع ذلك مل ن�شهد تقدم ملحوظ يف ال�سباحة الآنية بني زمنيني ومكانيني يف‬
‫نظرية اجلاذبية الكمية‪ ،‬بل �أ�صبحت الآن �آن واحد‬
‫لعبة متداولة لعلماء الفيزياء بني النظرية لي�س الفارق املكاين بني م�ساحة الثقوب ال�سوداء‬
‫والتطبيقات حيث تف�سر النظرية العلة بني يقا�س باملكان ولكن الفارق زمني �أي�ض ًا وميكن‬
‫احلدث الأول والأخري‪ ،‬فمثال �شاب يريد ا�ستخدام �آالت الوقت لقيا�س الفارق الآين بني‬
‫�إن يغو�ص يف املا�ضي مع �أنه ال توجد لدية مكانني وزمنيني‪ ،‬ومثال �أخر بتطبيق نظرية‬
‫�إحداث حتى ي�شارك بها كونه مل يولد بعد الكم ‪ quantum theory‬يوجد الإلكرتون يف‬
‫! واحلال يختلف يف الغو�ص يف امل�ستقبل وقت واحد على مدارات خمتلفة حول نواتني‬
‫حيث الكينونة �أ�صبحت موجودة ولكن ال لعن�صرين (وهي احلقيقة التي بنيت عليها قوانني‬
‫ميكن تخيل التطورات يف امل�ستقبل‪ .‬ويعتقد الكيمياء‪( .‬وعودة �إىل ق�ص�ص اخليال تطرح قطة‬
‫‪� Newton‬أن الوقت مثل ال�سهم يطبق مرة ‪ Schrodinger‬ال�شهرية التي توجد يف وقت واحد‬
‫واحدة بخط م�ستقيم وال يعود �إىل الوراء‪ .‬حالتني بني احلياة واملوت و لرمبا نحن نعي�ش بني‬
‫كما �أن ‪ Einstein‬يقول �إن الزمن على عاملني موازيني لبع�ضهما �أن املقتنعني بالة الزمن‬
‫الأر�ض ال ي�ساوي الزمن على كوكب �أخر مثل يقولون �إن وجودها يتطلب طاقة هائلة �أو العثور‬
‫املريخ ويعلل ذلك ب�أن حركة دوران الكواكب على الطاقة العك�سية ‪ negative energy‬والتي‬
‫تختلف من كوكب لأخر وح�صل ‪� Einstein‬ست�سري عك�س االنفجار العظيم للكون ‪،‬وعودة‬
‫على جائزة ‪� Princeton, Kurt Goedel‬إىل الثقوب ال�سوداء ومنها ‪Kerr black hole‬‬
‫يف قدرته على عبور الزمن بحوايل ‪ 500‬الذي يعترب �أن الثقوب ال�سوداء غري امل�ستقرة‬
‫�سنه ما�ضية و�شبه الزمن كالنهر ي�سري و والذي يف�سر ا�ضطرابه بنظرية “‪theory of‬‬
‫�أحيان ًا توجد فيه دوامات تعود للوراء من ‪ ”everything‬والتي جتمع بني قوي الكم وقوة‬
‫نقطة االنطالق ويقول ‪� Einstein‬أنه �شعر اجلاذبية ونظرية ‪ superstring theory‬التي‬
‫باالنزعاج لأن معادالته �سمحت له بال�سفر حتاول ف�صل العاملني ال�سابقني بطريقة تن�سق بني‬
‫عرب الزمن‪ ،‬ومن املعادالت التي قدمها �أدائهما وهي حمدد جيد �إىل �أالن للبحث عن نظرية‬
‫‪ Einstein‬ف�سر العلماء نظرية االنفجار بديلة ن�ستطيع فيها ت�صور الإحداث ال�سابقة للكون‬
‫الكبري للكون وعودة االنفجار �إىل التقزم عموم ًا‪.‬‬
‫مرة �أخرى‪ ،‬ثم يف عام ‪ 1963‬وجدت روي‬
‫كري وهي عاملة ريا�ضيات نيوزيلندية حل‬
‫ملعادالت �أين�شتاين للثقب الأ�سود بالتناوب‪،‬‬

‫‪ “ giggle factor‬ويقول بع�ض العلماء مييلون‬
‫�إىل اال�ستخفاف بفكرة ال�سفر بني النجوم ب�سبب‬
‫امل�سافات الهائلة التي تف�صل بني النجوم‪ .‬وطبق ًا‬
‫لنظرية الن�سبية املطبقة منذ ‪ 1905‬والتي تقي�س‬
‫امل�سافة بني بال�سنة ال�ضوئية‪ ،‬حتى النجوم امل�ألوفة‬
‫نراها يف على م�سافات ما يقرب من ‪� 50‬إىل ‪100‬‬
‫�سنة �ضوئية عنا‪ ،‬وجمرتنا هو ‪� 100.000‬سنة‬
‫�ضوئية و املجرة الأقرب منا تبعد ‪ 2‬مليون �سنة‬
‫�ضوئية ويقول علماء الفيزياء والفلك �إن ‪ %99‬من‬
‫الكون مل نتمكن من معرفته وان النجوم والكواكب‬
‫وال�شهب والنيازك والثقوب ال�سوداء وغريها متثل‬
‫‪ %1‬من معرفة الإن�سان حالي ًا للكون وهذا اجلهل‬
‫الكبري يجعلنا يف بداية ال�سلم ففي درب اللبانة‬
‫(جمرتنا) هناك ما يزيد على ‪ 100‬بليون جنم‪،‬‬
‫وهناك عدد ال يح�صى من املجرات يف الكون على‬
‫الرغم من �أن �أكرث من ‪ 100‬كوكب �شم�سي اكت�شفت‬
‫حتى �أالن يف الف�ضاء ال�سحيق ت�شبه كوكبنا ف�إنه‬
‫�أمر ال مفر منه‪ ،‬يعتقد الكثري من العلماء‪� ،‬أن يوم ًا‬
‫واحد ًا �سوف نكت�شف كواكب �شبيهة بالأر�ض مغطاة‬
‫باملاء ال�سائل و�أن ‪ DNA‬ال�سجل الذي ي�ؤرخ حياه‬
‫الإن�سان يف ال�سفر قبل ‪ 3.5‬مليار �سنة يف املحيطات‬
‫التي غمرت الأر�ض من خالل مفهوم “‪universal‬‬
‫‪ ”solvent‬قد ن�ستطيع من خالله معرفة املزيد‬
‫التي ت�ساعد على اخرتاع �آلة الزمن ‪.‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪15‬‬

‫دراسة‬

‫دراسة‬

‫الصالونات الثقافية هل هي ضرورة أم ترف ؟‬
‫أضواء على الصالونات الثقافية‬
‫د‪.‬جابر قميحة‬

‫اختلفت الآراء وت�ضاربت حول �أهمية املجال�س الثقافية يف الوقت احلا�ضر‬
‫وما تهدف �إليه‪ .‬منهم من قال‪� :‬إن املق�صود منها الوجاهة‪ ،‬ومنهم من‬
‫قال‪� :‬إنكم �أعطيتموها �أكرث مما ت�ستحق‪ ،‬وهي جمرد لقاءات �إخوانية‬
‫(لطق احلنك) وال�سواليف‪ ،‬هل ملجرد �أنها مواعيد حمددة؟ كدورية �أو‬
‫(دارية)‪ -‬كما يقول العوام‪ -‬و�إنكم �أحطتموها بهالة ال لزوم لها ودور‬
‫ال ت�ستطيع القيام به‪ ،‬ومنهم من دافع عنها على اعتبار �أنها نافذة‬
‫م�شرعة على م�صراعيها ليدخل ال�ضوء ولي�ستفيد روادها بكل ما يطرح‬
‫فيها من مو�ضوعات ثقافية �أو اجتماعية‪ ،‬ولت�ساعد على �إثراء احلركة‬
‫الفكرية والأدبية‪ .‬ومنهم من قال �إنها �ست�سحب الب�ساط من حتت �أقدام‬
‫الأندية الأدبية واجلمعيات الفنية‪ ،‬لأن تلك الأندية مل ت�ستطع حتى الآن‬
‫�أن ت�ضطلع بدورها احلقيقي الذي �أن�شئت من �أجله‪ ،‬ولهذا فقد �أ�صبحت‬
‫تلك ال�صوالني �أو املجال�س هي الأمل الوحيد ل�سماع احلقيقة دون رقابة‬
‫بالرغم من قلة روادها‪ ،‬ومنهم من قال �إن روادها مكمل لدور الأندية‬
‫الأدبية فال تعار�ض بينهما‪.‬‬
‫ا�شتهرت م�صر بظاهرة ال�صالونات الثقافية يف الن�صف الأول من القرن‬
‫الع�شرين ‪�.‬أخذت الظاهرة يف بدايتها بعد ًا طبقي ًا وثقافي ًا ‪ ..‬لكن مرحلة‬
‫الن�ضج �شهدت �صعود البعد الثقايف على ح�ساب البعد الطبقي ‪.‬ويعد‬
‫�صالون العقاد �أ�شهر �صالون ثقايف يف تاريخ م�صر ‪.‬‬
‫يف الع�صر اجلاهلي‪ ،‬وما تاله من الع�صور كان ال�شعراء يق�صدون امللوك‬
‫والأمراء وميدحونهم‪ ،‬ويح�ضرون جمال�سهم‪ ،‬ونرى يف عكاظ �صالون ًا‪� ،‬أو‬
‫جمل�س ًا �أدبي ًا يف �صورة مب�سطة تتفق مع طبيعة الع�صر اجلاهلي‪ ،‬وهي تلك‬
‫القبة من �أدم (جلد) التي كانت ت�ضرب للنابغة الذبياين‪ ،‬ويق�صده ال�شعراء‬
‫يحكمونه يف �شعرهم‪ ،‬فينقد ‪ ،‬ويفا�ضل بينهم ‪ ،‬ويقدم حيثيات ـ �أو مربرات‬
‫ـ �أحكامه النقدية ‪ ،‬وتعلو نربة احلوار ما بني مرحب باحلكم را�ض‪ ،‬وما بني‬
‫ناقم راف�ض‪ ،‬وكل يدافع عن ر�أيه‪ ،‬ويدعمه ب�أ�سانيد من اللغة والبالغة‪ ،‬وممن‬
‫ق�صد «هذا ال�صالون» الأع�شى (�أبو ب�صري) وح�سان بن ثابت‪ ،‬واخلن�ساء ـ‬
‫�أخت �صخر ـ التي قالت فيه �أ�شهر مراثيها ‪..‬‬
‫وكان هناك جمل�س �سيف الدولة احلمداين من �أ�شهر املجال�س‪ ،‬وكان‬
‫املتنبي �أ�شهر من ين�شد فيه‪ ،‬ومل يكن هو ال�شاعر الوحيد يف هذا املجل�س‪،‬‬
‫فقد كان يح�ضره �آخرون من ال�شعراء ك �أبي فرا�س احلمداين ‪.‬‬
‫وكانوا ينقمون على املتنبي مكانته عند �سيف الدولة‪ ،‬وكانت تقع يف املجل�س‬
‫حوارات ومناورات واعرتا�ضات‪ ،‬وينقل لنا التاريخ كثري ًا منها‪ ،‬رمبا كان‬
‫�أ�شهرها يوم �أن�شد املتنبي �أمام �سيف الدولة ميميته امل�شهورة التي ا�ستهلها‬
‫بقوله ‪:‬‬
‫واحر قلباه ممن قلبه �شبم‬
‫ومن بج�سمي وحايل عنده �سقم‬
‫‪ 16‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫ف�أخذ من يف املجل�س من حا�سديه يتع�سفون يف نقده‪ ،‬ويعيبون ما قال ‪..‬‬
‫بل �أغلب ما قال بق�صد احلط من �ش�أنه �أمام الأمري ‪ ..‬فمث ًال عندما قال ‪:‬‬
‫�سيعلم اجلمع من �ضم جمل�سنا‬
‫ب�أنني خري من ت�سعى به قدم‬
‫�صرخ فيه �أحدهم‪:‬‬
‫وماذا �أبقيت للأمري ؟ ‪ ..‬بل �إنهم �أخذوا يردون �أبياته �إىل معان يف �أبياته‬
‫ال�سابقة ‪ ،‬يتهمونه فيها بال�سرقة ‪.‬‬
‫وكثرية هي جمال�س اخللفاء والأمراء والعلماء يف الع�صرين الأموي‬
‫والعبا�سي‪ ،‬مثل تلك التي ينقلها التاريخ من جمال�س عبد امللك بن‬
‫مروان‪ ،‬وامل�أمون‪ ،‬وال�شريف املرت�ضى وغريهم‪ ،‬وكثري ًا ما كانت املحاورات‬
‫واملناق�شات تنطلق من مو�ضوع �أو �س�ؤال يطرحه الأمري �صاحب املجل�س على‬
‫احلا�ضرين ‪ ،‬فيديل كل منهم بدلوه ‪.‬‬
‫ويف ر�سالة الغفران يتخيل �أبو العالء جمال�س �أو �صالونات يف اجلنة‬
‫من اللغويني والنحاة يف م�سائل لغوية ونحوية و�صرفية ونقدية حول ما‬
‫ي�شاهدونه يف اجلنة‪ ،‬كذلك اجلدل الذي دار بني جمموعة من النحاة‬
‫واللغويني حول «الإوزة» �أو «الوزة» ووزنها ‪.‬‬
‫�سكينة بنت احل�سني‪:‬‬
‫كانت �سكينة بنت احل�سني ـ ر�ضي اهلل عنها ـ ذات جمال وعقل وعلم‬
‫وحجة وعفة‪ ،‬وقدرة نقدية فائقة‪ ،‬وكان يق�صدها ال�شعراء ورواة ال�شعر‬
‫يحكمونها يف الأقوال والأ�شعار يف بيتها يف املدينة‪ :‬تنظر �إليهم وت�سمع‬
‫لهم وال يرونها‪ ،‬وممن ق�صدها رواة ال�شعراء الثالثة‪ :‬ن�صيب‪ ،‬وجميل‪،‬‬
‫والأحو�ص‪ ،‬وتتلو عليهم من حافظتها �شعر ًا لكل واحد من �شعرائهم‪ ،‬وتنقده‬
‫نقد ًا ب�صري ًا‪ ،‬مربزة ما يف �شعر كل منهم من عوار ‪ ..‬كما ق�صدها الفرزدق‬
‫يف املدينة فواجهته بتف�ضيل جرير عليه‪ .‬و�سمعت �شعر ًا لعروة بن �أذينة‬
‫الليثي ف�أخذت عليه بع�ض العيوب بروح فيها �سخرية‪.‬‬
‫وكان لها �شعر جيد منه البيتان الآتيان يف رثاء زوجها الذي قاتل عبد‬
‫امللك بن مروان حتى قتل‪:‬‬
‫ف�إن تقتلوه تقتلوا املاجد الذي‬
‫حراما‬
‫يرى املوت �إال بال�سيوف ً‬
‫وقبلك ما خا�ض احل�سني منية‬
‫حماما‬
‫�إىل القوم حتى �أوروده ً‬
‫وبعد مقتله �شرعت يف اخلروج من العراق �إىل املدينة‪ ،‬فطاف بها �أهل‬
‫العراق‪ ،‬وقالوا �أح�سن اهلل �صحابتك يا ابنة ر�سول اهلل ‪ ..‬فقالت‪ :‬ال جزاكم‬
‫اهلل عني خري ًا‪ ،‬وال �أخلف �أيتمتموين �صغرية‪ ،‬و�أرملتموين كبرية‪ ،‬فال‬
‫عافاكم اهلل من �أهل بلد‪ ،‬وال �أح�سن عليكم اخلالفة‪ .‬وتوفيت باملدينة يف‬

‫ربيع الأول ‪ 117‬هـ ‪.‬‬
‫ومما جاء يف تاريخ �سكينة ن�ستخل�ص �أنها كانت ذات �شخ�صية قوية‬
‫نا�شطة تتمتع بخلق رفيع‪ ،‬وعفة وت�صون‪ ،‬ووفاء �صادق لزوجها م�صعب‪ ،‬حتى‬
‫�إنها رف�ضت �أن تتزوج قاتله اخلليفة عبد امللك بن مروان حني عر�ض عليها‬
‫�أن يتزوجها ‪.‬‬
‫وكان لها ر�ؤيتها النقدية الب�صرية املربرة‪ ،‬فلم تكن ت�صدر حكمها النقدي‬
‫�إال بعد معاي�شة الن�صو�ص التي حتفظها �أو تعر�ض عليها‪ ،‬وتوازن بينها ‪.‬‬
‫وهذه ال�صورة اخللقية والعقلية النف�سية جتعلنا نرف�ض كثري ًا من الروايات‬
‫التي �أوردها الأ�صفهاين‪ ،‬والتي ال تت�سق مع ما ت�أكد من خلقها وت�صونها؛‬
‫ف�صاحب الأغاين مل يكن همه البحث عن احلق‪ ،‬ومتحي�ص احلقائق‪ ،‬وتوثيق‬
‫التاريخ‪ ،‬ولكن كان همه الت�سلية والت�سرية والإطراب‪ ،‬كما كتب �صراحة يف‬
‫مقدمة كتابه ال�ضخم ‪.‬‬
‫والدة بنت امل�ستكفي ت ( ‪� 480‬أو ‪ 484‬هـ )‪:‬‬
‫ويف الأندل�س ا�شتهرت والدة بنت امل�ستكفي ‪ ..‬توىل �أبوها اخلالفة �سبعة‬
‫ع�شر �شهر ًا‪ ،‬قتل بعدها‪ ،‬وكان فا�سد ًا نهاب ًا‪ ،‬رجل ن�ساء وخمر‪ ،‬و�أكل و�شرب‬
‫وتخلف‪ ،‬ومع ذلك اهتم برتبية ابنته والدة‪ ،‬و�أح�ضر لها املعلمني واملثقفني ‪..‬‬
‫وكانت على ق�سط وافر جدً ا من اجلمال والذكاء‪ ،‬وح�ضور البديهة‪.‬‬
‫وكان جلمالها �أثر كبري جد ًا يف جتميع الكرباء والعظماء حولها ‪ ،‬وتهافتهم‬
‫على جمل�سها‪ ،‬وكانت جتل�س فيه له�ؤالء‪ ،‬وحتا�ضرهم‪ ،‬وحتاورهم وجتادلهم‬
‫‪ ..‬ويف هذا املجل�س كان يح�ضر ابن زيدون‪ ،‬و ابن عبدو�س‪ ،‬وابن القال�س‬
‫وغريهم من الكرباء‪ ،‬ومل تعقد والدة هذه املجال�س �إال بعد �أن مات �أبوها‪،‬‬
‫وخال لها اجلو‪ ،‬ومل يعد ثمة م�سيطر عليها يتحكم فيها ‪ ..‬وقد انق�سم النا�س‬
‫ب�ش�أنها ق�سمني‪ ،‬فقال بع�ضهم‪� :‬إنها ـ على الرغم من خمالطتها الرجال‪،‬‬
‫وجمال�ستهم يف جو من الإغراء الذي كان يحيط بها ‪ ..‬ويف ذلك يقول ابن‬
‫ب�سام �أنها كانت «تخلط ذلك بعلو ن�صاب‪ ،‬وكرم �أن�ساب‪ ،‬وطهارة �أثواب» ‪..‬‬
‫وقال فريق �آخر �أنه مل يكن لها ت�صاون يطابق �شرفها‪ ،‬فخرجت على امل�ألوف‪،‬‬
‫وحطمت التقاليد‪ ،‬وا�ستهرتت بالعرف ال�شائع الذي ي�صون العربيات عن‬
‫التبذل‪ ،‬وخ�صو�ص ًا بنات اخللفاء‪.‬‬
‫وال �شك �أن والدة ا�ستهدفت بكثري من الأخبار واملبالغات‪ ،‬ولكن تبقى‬
‫حقيقتان ال حتتمالن اخلالف وهما‪� :‬أنها كانت م�صدر �إلهام ل ابن زيدون‬
‫ب�أرقى و�أرق و�أخلد �شعره ‪ ..‬و�أنها كانت �صاحبة «�صالون» �شد الأنظار و�شغل‬
‫النا�س ‪ ،‬وكتب الأدب والتاريخ ‪.‬‬
‫ال�صالونات املعا�صرة يف الكويت وال�سعودية‪:‬‬
‫ع�شت يف الكويت �أربع �سنوات يف بداية ال�سبعينيات �أ�ؤدي ر�سالتي‬
‫التعليمية‪ ،‬وكنت �أح�ضر بع�ض «الديوانيات»‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ديوانية الأ�ستاذ عبد‬
‫اهلل العقيل‪ ،‬والديوانية تعقد م�ساء كل خمي�س‪ ،‬وهي ت�شبه ال�صالون الأدبي‪،‬‬
‫ولكنها كانت تت�سع لكل امل�سائل واملو�ضوعات مبا فيها �أعمال التجارة‪ ،‬وعقد‬
‫ال�صفقات‪ ،‬ولكن النادي الأدبي يف الكويت كان يقوم مبهام �أدبية ونقدية‬
‫جليلة‪ ،‬وي�صدر جملة �شهرية با�سم «البيان» ‪ ،‬وكان من �أظهر القائمني على‬
‫�أمرها‪ :‬خليفة الوقيان‪ ،‬و خالد �سعود الزيد‪ ،‬و �سليمان ال�شطي ‪.‬‬
‫ويف اململكة العربية ال�سعودية تقوم الأندية الثقافية والأدبية يف املدن‬
‫الكربى باململكة‪ ،‬وقد كان يل ال�شرف يف امل�ساهمة يف �أن�شطة نادي املنطقة‬
‫ال�شرقية بالدمام مبحا�ضرات‪ ،‬و�أم�سيات �شعرية وندوات‪ ،‬ومداخالت‪،‬‬
‫وكتابة بحوث يف (دارين) جملة النادي‪.‬‬
‫ويف اململكة عدد من ال�صالونات الأدبية من �أ�شهرها و�أن�شطها �صالون‬

‫االثنينية الذي يعقد م�ساء كل اثنني‪ ،‬ابتداء من ‪ 1982 /11/8‬يف مدينة‬
‫جدة‪ ،‬وقد �أن�ش�أه ورعاه الأ�ستاذ عبد املق�صود خوجة‪ ،‬وقد ا�ست�ضافت االثنينية‬
‫عدد ًا من املفكرين والأدباء وال�شعراء‬
‫والكتاب من العاملني العربي والإ�سالمي‪،‬‬
‫كما �أنها قامت وتقوم بتكرمي عدد كبري‬
‫من الأدباء واملفكرين يف االثنينية‪ ،‬ومن‬
‫ه�ؤالء الأ�ستاذ عبد القدو�س الأن�صاري‪،‬‬
‫وال�شاعر طاهر زخم�شري‪ ،‬ومعايل ال�شيخ‬
‫عبد اهلل بلخري‪ ،‬والأ�ستاذ حممد ح�سن‬
‫زيدان‪ ،‬والأ�ستاذ ح�سني عرب‪ ،‬والأ�ستاذ‬
‫عزيز �ضياء‪ ،‬والأ�ستاذ حممود عارف‪،‬‬
‫والأ�ستاذ عبد العزيز الرفاعي‪ ،‬وال�شاعر‬
‫عبد املق�صود خوجة‬
‫عمر �أبو ري�شة وغريهم ‪ ..‬وتقوم االثنينية‬
‫بطبع ما يدور يف ال�صالون من حماورات و�شعر ونرث‪ .‬وقد قدر يل �أن �أطلع‬
‫على املجلد الأول ويقع يف �أكرث من ‪� 500‬صفحة من الورق الفاخر‪.‬‬
‫�صالونات القاهرة‪:‬‬
‫�صالون نازيل فا�ضل ت( ‪:)1914‬‬
‫هي بنت م�صطفى فا�ضل با�شا امللقب ب�أبي الأحرار‪ ،‬وكانت ذات عقل‬
‫وفكر وثقافة وا�سعة‪ ،‬فقد ن�ش�أت ن�ش�أة ح�سنة‪ ،‬وتلقت من العلوم والآداب‬
‫الكثري‪ ،‬وثقفت احلديث من العلوم‪ ،‬و�أحوال البالد والتمدن‪ ،‬وكثري ًا من‬
‫العلوم ال�سيا�سية واالجتماعية‪ ،‬و�ساعدها على ذلك عدد من العوامل هي‪:‬‬
‫الأول‪� :‬أنها كانت تتقن �أربع لغات هي الفرن�سية‪ ،‬والإجنليزية‪ ،‬والعربية‪،‬‬
‫والرتكية‪.‬‬
‫والثاين‪� :‬إقامتها املتعددة يف عدد من العوا�صم الأوروبية مع زوجها الذي‬
‫كان وزير ًا يف الدولة العثمانية‪ ،‬و�سفري ًا لها يف هذه العوا�صم‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬معرفتها الوا�سعة بكثري من العظماء والكبار يف م�صر واخلارج‪،‬‬
‫وتقديرهم لها‪ ،‬حتى �إن ال�سلطان عبد احلميد منحها و�سام (�شفقت) من‬
‫الدرجة الأوىل‪.‬‬
‫ويف �أواخر القرن التا�سع ع�شر كان لها �صالونها الثقايف‪ ،‬ويعد �أقدم‬
‫�صالون يف الع�صر احلديث ‪ ..‬وكان كما يقول �أنور اجلندي ـ عم ًال جريئ ًا يف‬
‫هذه الفرتة �أن تفتح �سيدة ناديها لت�ستقبل الرجال الأعالم والوزراء والكبار‪،‬‬
‫و�أن تدير احلديث‪ ،‬وتعر�ض الق�ضايا‪ ،‬فيكون الر�أي الأغلب فيها وفق اجتاه‬
‫احل�ضارة‪ ،‬ال وفق حاجة الأمة‪.‬‬
‫وممن كان يق�صد هذا ال�صالون‪ :‬ال�شيخ حممد عبده‪ ،‬و قا�سم �أمني‪،‬‬
‫و�سعد زغلول‪ ،‬وويل الدين يكن‪ ،‬و�سليم �سركي�س ‪ ..‬وكان �أغلب ما يثار يف‬
‫هذا ال�صالون‪ :‬مو�ضوعات دينية‪ ،‬و�سيا�سية‪ ،‬واجتماعية ‪ ..‬كما كان يق�صده‬
‫بع�ض الأجانب‪.‬‬
‫وعن �صاحبة ال�صالون كتب �سليم �سركي�س «‪ ..‬ح�ضرت من جمال�س‬
‫الأمرية نازيل اجتماع ًا كانت فيه مناظرة للروائي الإجنليزي (امل�سرت هال‬
‫كاين)‪ ،‬ف�سمعتها جتيد اللغة الإجنليزية �إجادة ال حمل لها للمزيد‪ ،‬و�سمعت‬
‫لها حجة قوية‪ ،‬ول�سان ًا جريئ ًا يف احلق‪ ،‬والدفاع عن ال�شرق وال�شرقيني‪ ،‬وكان‬
‫لها اليد الطوىل‪ ،‬والر�أي املتبع يف امل�شروعات العمومية واخلريية‪ ،‬ويف كل‬
‫�إعانة م�صرية للدولة العثمانية»‪.‬‬
‫وقل من نبغ من رجال م�صر �إال ويذكر لها م�آثرها‪� ،‬أو يعرتف لها بن�صيحة‬
‫نافعة‪ ،‬وكانت متم�سكة بالإ�سالم ‪ ،‬فقد قالت‪�« :‬إننا ـ نحن امل�سلمني ـ ال جناح‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪17‬‬

‫دراسة‬
‫لنا �إال بالتم�سك بالإ�سالم» ‪.‬‬
‫وال�صالون مل يكن يهتم بالأدب اهتمامه باملو�ضوعات ال�سيا�سية والدينية‬
‫واالجتماعية والعلمية‪ ،‬كما كان ل�صاحبته م�ساهمات يف الأن�شطة االجتماعية‪.‬‬
‫وال �شك �أنه ترك ب�صمات وا�ضحة على رجال ال�سيا�سية والفكر والدين ‪..‬‬
‫و�إن كنا نرى �أن الأ�ستاذ �أنور اجلندي ـ رحمه اهلل ـ قد جنح للمبالغة يف تقييم‬
‫هذا ال�صالون حني قال «ولعله ـ يف هذا ال�صالون ـ و�ضعت �سيا�سات م�صر‪،‬‬
‫فقد وجه �سعد زغلول منه �إىل هذا املكان الذي ت�صدره يف زعامة البالد بعد‬
‫ثورة ‪ ،1919‬واتخذ حممد عبده مكان ال�صدارة يف الدعوة الدينية»‪.‬‬
‫�صالون مي زيادة (‪ 1889‬ـ ‪:)1931‬‬
‫ا�سمها‪ :‬ماري �إليا�س زخورة زيادة‪ ،‬ولدت يف مدينة‬
‫النا�صرة بفل�سطني يف ‪ 11‬من فرباير ‪ 1889‬انتقلت‬
‫مع والديها �إىل لبنان‪ ،‬وتعلمت يف مدر�سة للراهبات‬
‫‪ ..‬و�أثناء احلرب العاملية الأوىل انتقلت مع �أبويها‬
‫�إىل م�صر‪ ،‬وكتبت يف جملة الزهور والهالل‬
‫واملقتطف‪ ،‬وكانت �أكرث كتاباتها يف جريدة‬
‫املحرو�سة التي �آلت ملكيتها �إىل �أبيها‪.‬‬
‫وزيادة على اللغة العربية كانت تتقن‬
‫الفرن�سية والإجنليزية‪ ،‬والإيطالية‬
‫والأملانية‪ ،‬وغريت ا�سمها �إىل (مي‬
‫زيادة) �أو (مي) فقط ‪ ..‬وهذا هو‬
‫اال�سم الذي ا�ستقرت عليه بعد �أن‬
‫كانت تكتب من قبل ب�أ�سماء م�ستعارة ‪.‬‬
‫وتعددت �إبداعاتها‪ ،‬فزيادة على‬
‫مي زيادة‬
‫ال�شعر الذي كانت تنظمه بالفرن�سية‪،‬‬
‫وبابها الثابت الذي كانت تن�شره يف‬
‫�صحيفة املحرو�سة حتت عنوان (يوميات فتاة) �صدر لها من الكتب‪ :‬باحثة‬
‫البادية‪ ،‬وعائ�شة التيمورية‪ ،‬وكلمات و�إر�شادات‪ ،‬وظلمات و�أ�شعة‪ ،‬و�سوانح‬
‫فتاة‪ ،‬وبني املد واجلزر‪ ،‬وال�صحائف والر�سائل‪ ،‬ووردة اليازجي‪ ،‬واحلب يف‬
‫العذاب‪ ،‬ورجوع املوجة‪ ،‬وابت�سامات ودموع‪ ،‬ولها كتاب مل ين�شر ا�سمه (ليايل‬
‫الع�صفورية)‪ .‬و�أهم من كل �أولئك �أنها �أقامت يف بيتها �صالون ًا �أدبي ًا كل يوم‬
‫ثالثاء‪ ،‬وقد غطت �شهرته على �شهرة جوانبها الإبداعية الكتابية‪ ،‬وا�ستمر‬
‫هذا ال�صالون الأدبي ع�شرين عام ًا‪ ،‬من �سنة ‪ 1911‬حتى �سنة ‪. 1931‬‬
‫وجمالها الفائق جعل كل ه�ؤالء ـ �أو جلهم ـ يتع�شقها‪ ،‬ويكتب فيها وعنها‪،‬‬
‫فقد كانت ـ كما و�صفها نقوال يو�سف ـ بعد وفاتها بع�شرين �سنة «‪ ..‬يف رونق‬
‫ال�شباب واملجد‪� ،‬آن�سة �أنيقة يف امللب�س‪� ،‬ساحرة الأنوثة‪ ،‬خفيفة الروح‪ ،‬غ�ضة‪،‬‬
‫ب�ضة‪� ،‬شرقية ال�سمات‪� ،‬سوداء العينني وال�شعر ‪ ..‬ومن عينيها ي�شع ذكاء‬
‫نادر‪ ،‬وحزن مكبوت ‪ ..‬و�أما ابت�سامتها فتنفذ �إىل القلوب‪ ،‬وحديثها املقرون‬
‫ب�صوت حار رخيم كانت تر�سله يف �أدب ولباقة‪ ،‬وجماملة‪ ،‬فيظن حمدثها �أنه‬
‫هو وحده من ا�ست�أثر بقلبها»‪.‬‬
‫وهذه العبارة الأخرية تربز طبيعتها ـ ال �أقول يف ال�شعور‪ -‬ولكن �أقول‪ :‬يف‬
‫(الأ�شعار)‪ ،‬فقد كانت توهم كل من يق�صدها ب�أنه حبيبها الوحيد الأثري‪،‬‬
‫حتى م�صطفى �صادق الرافعي‪ ،‬الذي كان م�صاب ًا ب�آفة مزمنة وهي ال�صمم‪.‬‬
‫فكل ه�ؤالء الكبار �أحبوها‪ ،‬ولكن من ال�صعب‪ ،‬بل من امل�ستحيل تعيني من‬
‫منهم �شغل قلبها دون غريه ‪ ..‬ومت�ضي ال�سنني لنكت�شف �أن قلبها مل يت�سع �إال‬
‫لواحد فقط هو جربان خليل جربان (‪ )1931 – 1833‬رئي�س الرابطة‬
‫‪ 18‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫دراسة‬
‫القلمية يف املهجر ال�شمايل (�أمريكا ال�شمالية)‪ ،‬مل ير �أحدهما الآخر ‪..‬‬
‫حتابا على الغيب باملرا�سلة‪ ،‬وتوا�صلت بينهما الر�سائل حتمل قطع ًا رفيعة من‬
‫الأدب‪ ،‬و�شحنات متوهجة من احلب الرومان�سي الو�ضيء‪ ،‬وكان موته بعد‬
‫�أبيها و�أمها ثالثة القوا�صم يف حياتها‪.‬‬
‫وت�أ�سي�س ًا على ما قر�أنا وعرفنا من طبيعة العالقة التي كانت تربط بني مي‬
‫والآخرين نرف�ض ما ذهب �إليه حممد طاهر اجلبالوي من �أن العقاد ومي‬
‫كانا يف موقف احلبيبني الندين يتبادالن العاطفة‪ ،‬وكل منهما على �صعيده‪ ،‬ال‬
‫يلتقي بالآخر �إال على حذر ‪ ..‬ونرى (اجلبالوي) نف�سه نق�ض حكمه «بالتبادل‬
‫العاطفي» بعد الأ�سطر ال�سابقة مبا�شرة بقوله «كان يداعبها فتقبل منه‬
‫املداعبة الربئية ‪ ،‬ف�إذا تعدى هذه احلدود �أ�شارت �إليه ليقف عند حدوده»‪.‬‬
‫ونحن مل نطلع على ر�سائل مي (للعقاد)‪ ،‬ولكننا قر�أنا ر�سائله �إليها‪،‬‬
‫ور�أيناه فيها «يقف عند حدوده»‪ ،‬وكلها م�شغولة ـ �إىل درجة الت�شبع ـ مب�سائل‬
‫متعددة يف الأدب والنقد‪ ،‬ال احلب واملحبني‪ ،‬والألفة والأالف‪.‬‬
‫وعن ال�صالون و�صاحبته كتب �سليم �سركي�س ‪ :‬م�ساء كل ثالثاء يتحول‬
‫منزل �إليا�س �أفندي زيادة �صاحب جريدة املحرو�سة �إىل منزل فخم يف‬
‫باري�س‪ ،‬وتتحول الفتاة ال�سورية التي ال تزال يف العقد الثاين من عمرها‬
‫�إىل مدام دي �ستايل‪ ،‬ومدام ريكاميه‪ ،‬وعائ�شة الباعونية‪ ،‬ووالدة بنت‬
‫امل�ستكفي‪ ،‬ووردة اليازجي يف �شخ�ص ومدارك الآن�سة مي‪ ،‬ويتحول‬
‫جمل�سها �إىل فرع من �سوق عكاظ‪ ،‬وفرع من الفروع الأكادميية‪،‬‬
‫وتروج املباحث العلمية والفل�سفية والأدبية‪.‬‬
‫ورواد ال�صالون من كبار ال�شعراء والأدباء وال�صحفيني‬
‫والعلماء كانوا يتبادلون احلوار بينهم يف �شتى امل�سائل ‪،‬‬
‫ل�ساعات طويلة‪ ،‬ومل يقت�صر دور مي على �إدارة اجلل�سة‪،‬‬
‫بل كانت ـ زيادة على ذلك ـ تدىل بر�أيها يف كل ما يثار‪.‬‬
‫وكان ل�صالون مي �آثار وا�ضحة يف حركة الأدب والنقد‬
‫واملجتمع ‪ ،‬لعل من �أهمها‪:‬‬
‫‪ - 1‬كان التناف�س على حب مي والظفر بقلبها �سبب ًا من الأ�سباب التي �أوقدت‬
‫نار املعارك الأدبية بني بع�ض الأدباء حر�ص ًا على �إبراز قدرته يف الت�صدي‬
‫والتفوق والغلبة حتى يرتفع �ش�أنهم يف عني املحبوبة كفر�سان الع�صور‬
‫الو�سطى‪ ،‬وال ين�سى التاريخ الأدبي تلك احلرب الب�شعة التي �شنها الرافعي‬
‫على العقاد يف �سل�سلة مقاالت ن�شرت يف �صحيفة (الع�صور) ثم جمعت بعد‬
‫ذلك يف كتاب با�سم (على ال�سفود) وعلى الغالف ر�سم ج�سد �سلك يف �سفود‬
‫(�أي �سيخ من �أ�سياخ الكباب)‪ ،‬و�ضع على نار موقدة‪ ،‬وحتتها كتب هذان‬
‫البيتان‪:‬‬
‫ولل�سفـود نار لـو تلقــت‬
‫بجاحمها حديدً ا ظن حمما‬
‫وت�شوى ال�صخر ترتكه رمادًا‬
‫فكيف وقد رميتك فيه حلما ؟‬
‫‪ - 2‬وكان هذا ال�صالون و�صاحبته منبع �إلهام للأدباء وال�شعراء‪ ،‬فهو الذي‬
‫فجر طاقة م�صطفى �صادق الرافعي فقدم للعربية �أ�شهر كتبه مثل ‪ :‬ال�سحاب‬
‫الأحمر‪ ،‬ور�سائل الأحزان‪ ،‬و�أوراق الورد ‪ ..‬كما كان وراء كثري من الق�صائد‬
‫الغزلية ـ �أو ذات الطابع الغزيل ـ التي نظمها العقاد‪ ،‬وويل الدين يكن‪،‬‬
‫وا�سماعيل �صربي‪ ،‬وقد قال يف �إحدى ق�صائده‪:‬‬
‫روحي على بع�ض دور احلي هائمة‬
‫كظامئ الطري تواق �إىل املاء‬

‫�إن مل �أمتـع مبي ناظـري غـدً ا‬
‫�أنكرت �صبحك يا يوم الثالثاء‬
‫‪� - 3‬أحدث ال�صالون يف ال�ساحة الثقافية والأدبية امل�صرية ما ي�شبه ال�صدمة‬
‫الكهربية ‪ :‬فربزت �أ�سماء مل تكن معروفة‪ ،‬وازداد امل�شهورون �شهرة‪ ،‬وتر�سخ‬
‫الأ�سلوب ال�سليم لأدب احلوار واجلدل‪ ،‬ومناق�شة مو�ضوعات متعددة فتحت‬
‫العيون على نوعيات وم�صادر ثقافية جديدة‪ ،‬وفتح عيون املر�أة امل�صرية‬
‫لإثبات وجودها‪ ،‬والتطلع لتحقيق مزيد من حقوقها ‪ .‬وعلى درب هذا ال�صالون‬
‫انت�شرت ال�صالونات الأدبية والثقافية بعد ذلك يف القاهرة والإ�سكندرية‪،‬‬
‫وبع�ض العوا�صم امل�صرية‪ ،‬و�إن اختلفت الأ�سماء ما بني �صالون‪ ،‬ومنتدى‪،‬‬
‫وندوة‪ ،‬ولقاء‪ ،‬وملتقى‪.‬‬
‫بني �صالونني‪:‬‬
‫�صالـون العـقـاد (‪ 1889‬ـ ‪:)1964‬‬
‫ال يختلف اثنان يف �أن العقاد كان ذا عقلية مو�سوعية متعددة املعارف‪،‬‬
‫منهومة بالقراءة‪ ،‬ورمبا كان هو �آخر املو�سوعيني يف الفكر العربي‪� ،‬أو‬
‫امل�صري على الأقل ‪ ..‬لذلك كان غزير العطاء يف �شتى املجاالت واملعارف‬
‫الإن�سانية من �أدب‪ ،‬و�سيا�سية‪ ،‬وتاريخ‪ ،‬ونقد‪ ،‬وفل�سفة‪ ،‬حتى �أربت كتبه على‬
‫املائة‪ ،‬هذا غري �آالف من الف�صول واملقاالت‪ ،‬وعدد من دواوين ال�شعر‪.‬‬
‫وكان �صالون العقاد م�صدر ًا �آخر من م�صادر العطاء على مدى عقدين‬
‫من الزمان ‪ ..‬يعقد �صباح كل جمعة وميتد لعدة �ساعات يف م�سكنه مب�صر‬
‫اجلديدة ‪ ..‬ح�ضره كثري من ال�شخ�صيات العربية‪ ،‬وكثري من تالميذه‬
‫ومريديه‪ ،‬وهو الذي مل ينل من ال�شهادات الدرا�سية �إال ال�شهادة االبتدائية ‪..‬‬
‫ومن رواد هذا ال�صالون حممد خليفة التون�سي‪ ،‬و �أحمد �إبراهيم ال�شريف‪،‬‬
‫و حممد طاهر اجلبالوي‪ ،‬و عبد الفتاح الديدي‪ ،‬و �أني�س من�صور‪ ،‬و�أحمد‬
‫حمدي �إمام‪ ،‬و عبد احلي دياب‪ ،‬و طاهر الطناحي‪ ،‬وعبد الرحمن �صدقي‪،‬‬
‫ونظمي لوقا‪ ،‬و�صويف عبد اهلل‪ ،‬والعو�ضي الوكيل‪.‬‬
‫وكان ال�صالون مفتوح ًا بال تقييد مو�ضوعي‪ ،‬مبعنى �أن امل�سائل التي تتناول‬
‫تكون بنت �ساعتها‪ ،‬وقد تكون �ساعات ال�صالون كلها م�ستغرقة يف �إجابة‬
‫�س�ؤال واحد ‪� ..‬إال �أن فار�س ال�صالون وقمته وقا�ضيه الوحيد هو العقاد نف�سه‪،‬‬
‫فحججه هي الأقوى‪ ،‬و�شواهده جاهزة دائمة دامغة‪ ،‬ومريدوه يثقون بعلمه‬
‫وثقافته وعظمته‪ ،‬وهذا ال يعني �أنه كان املتكلم الوحيد‪ ،‬فالباب مفتوح ملن‬
‫يريد الكالم‪ ،‬وفرق كبري بني املتكلم الوحيد‪ ،‬والقا�ضي الوحيد‪.‬‬
‫وهناك تنويعات مو�ضوعية وفكرية فيما يدور ‪ ..‬فل�سفة ‪� ..‬أدب ‪ ..‬تاريخ ‪..‬‬
‫�سيا�سة ‪ ..‬نقد ‪ ..‬وكان �أوفى ما كتب عن ال�صالون هو كتاب �أني�س من�صور‬
‫(يف �صالون العقاد كانت لنا �أيام)‪ ،‬وقد جاء الكتاب يف قرابة �سبعمائة‬
‫�صفحة ‪ ..‬وكتب لأني�س من�صور �شهرة وا�سعة ‪ .‬وال ي�ستطيع باحث �أن يكتب‬
‫عن �صالون العقاد دون الرجوع �إىل هذا الكتاب‪ ،‬فمنه ي�ستطيع القارئ �أن‬
‫ي�ستخل�ص كثري ًا من الت�ضاري�س الفكرية للعقاد‪ ،‬وعاداته‪ ،‬وتقاليده‪ ،‬ومنهجه‬
‫يف املناق�شة واجلدل ‪ ..‬وجنتزئ بال�سطور الآتية لنتبني م�صداقية هذا‬
‫احلكم‪« :‬كان من عادة الأ�ستاذ �أن يقول لنا وهو �شديد االقتناع‪ ،‬وعظيم‬
‫االطمئنان �إىل كل النتائج التي و�صل �إليها بالعقل والتحليل واملنطق ‪� :‬أمل �أقل‬
‫لكم ذلك ؟ لقد �أثبتت الأيام �صحة ما ذهبت �إليه ‪ .‬جاءك كالمي يا موالنا ؟ !‬
‫فقد كان من بني احلا�ضرين من يحب �أن يعرف ر�أي الأ�ستاذ يف �سري‬
‫احلرب بني �أملانيا و�أوروبا‪ ،‬وكان يحب �أن ي�ستمع �إىل تعليقه على الأحداث ‪.‬‬
‫وكان الأ�ستاذ يحب ذلك �أي�ض ًا‪ .‬فنحن نعلم �أن له ر�أي ًا معروف ًا‪ ،‬فهو يعتقد ‪:‬‬
‫�أن احلرب �سوف تنتهي بهزمية هتلر ومو�سيليني‪ .‬متام ًا كما انتهت بهزمية‬

‫نابليون قبل ذلك‪ .‬ولنف�س الأ�سباب‪ .‬فهو يرى �أن نابليون مثل هتلر ‪ :‬كالهما‬
‫يحارب ويهدم ويقتل‪ ،‬وال يب�شر بعقيدة �أو دين ‪»...‬‬
‫لقد دخل العقاد التاريخ مب�ؤلفاته املتعددة املو�ضوعات التي كان لها منهج‬
‫وا�ضح يعتمد على �أ�س�س عقلية‪ ،‬وثقافة مو�سوعية وا�سعة املدى‪ ،‬كما دخل التاريخ‬
‫كذلك ب�صالونه الذي يعترب كتاب ًا ناطق ًا معرب ًا عن ت�ضاري�سه النف�سية ومالحمه‬
‫ال�شخ�صية ووجهته العاطفية يف احلياة‪،‬‬
‫ور�أيه يف النا�س والزعامات والقادة‪،‬‬
‫واملذاهب على اختالف �أنواعها‪.‬‬
‫وكل ما �سبق كان عر�ض ًا ل�صالونات‬
‫ن�ساء ورجال فارقوا احلياة وتركوا‬
‫ب�صماتهم وا�ضحة يف الفكر واملجتمع‬
‫والأدب والعلوم الإن�سانية‪ .‬ومل يبق‬
‫علينا �إال �أن نتعرف على �صالونات‬
‫الأحياء ‪ ...‬بع�ضها ال كلها‪:‬‬
‫�صالون تيمور‪:‬‬
‫يف �شارع الهرم باجليزة يقوم‬
‫�صالون �أدبي ثقايف �شهري هو �صالون عبا�س حممود العقاد‬
‫الدكتور �أحمد تيمور الأ�ستاذ بكلية‬
‫طب الأزهر‪ ،‬وزميل �أبحاث جامعة ‪ Tufts‬الأمريكية‪ ،‬واخلبري يف جممع‬
‫اللغة العربية‪ .‬وهو �شاعر �صدر له عدد من الدواوين منها ‪ :‬فل�سطني يا وجع‬
‫العاملني‪ ،‬و�أيام الر�سالة ال�سبعة‪ ،‬والع�صافري يف زيها القاهري‪ ،‬ويف و�صف‬
‫�أمريكا‪ .‬زيادة على كتب علمية م�شهور منها ‪ :‬دليل طبي لل�صحة وال�شباب‪.‬‬
‫وال�صالون ثقايف �أدبي‪ ،‬بد�أ �سنة ‪ ،1987‬وهو ن�صف �شهري‪ ،‬يعقد م�ساء‬
‫الأربعاء الأول والثالث يف العا�شرة م�ساء‪ ،‬وقد ميتد �إىل الثانية �صباح ًا‪،‬‬
‫ومن �أهم �أهدافه املعلنة هدفان ‪ :‬الأول ‪ :‬حتقيق التنوير مبفهومه الأ�صيل‬
‫ال�سديد الذي ي�سرتفد املا�ضي واحلا�ضر ‪ .‬الثاين ‪ :‬االعتماد على التجريب‬
‫الداخلي‪ ،‬و�إ�شباع الأنواع الأدبية والثقافية املظلومة التي ال تنال من الآخرين‬
‫كثري ًا من االهتمام‪ .‬وقد ر�أيت بنف�سي م�صداقية العمل النا�شط يف هذا‬
‫ال�صالون واملتابعة اجلادة لتحقيق الأهداف املعلنة يف �صورة عملية حقيقية‪.‬‬
‫وي�ست�ضيف ال�صالون يف الأم�سية علم ًا من �أعالم ال�شعر �أو الأدب والنقد �أو‬
‫الثقافة ال�سيا�سية �أو االقت�صادية �أو العلمية التجريبية متحدث ًا عن م�شواره‬
‫وجتاربه يف حياته ومع تخ�ص�صه ‪ .‬ومن املو�ضوعات التي عاجلها ال�صالون‬
‫‪ :‬مكان ال�شعر يف جمتمعات التقنية ـ احلداثة وما بعد احلداثة ـ ال�صحافة‬
‫احلزبية ـ الدراما التلفازية ـ العوملة ـ اال�ستن�ساخ ‪ .‬و�أحيان ًا يقدم يف ال�صالون‬
‫لوحات ت�شكيلية‪ ،‬ومعزوفات مو�سيقية‪ ،‬وم�شاهد متثيلية‪.‬‬
‫ويح�ضر ال�صالون عدد كبري من الإعالميني وال�صحفيني و�أ�ساتذة‬
‫اجلامعة والفنانني الت�شكيليني منهم د‪� .‬أحمد يو�سف القرعي‪ ،‬و حمدي‬
‫الكني�سي‪ ،‬ودكتور نادر الطويل‪ ،‬وف�ؤاد قنديل‪ ،‬و حممد حجي‪ ،‬و حممود‬
‫الهندي‪ ،‬و�إ�سماعيل �إمام‪ ،‬وغريهم ‪ .‬وما زال ال�صالون يقدم عطاءاته‬
‫بانتظام‪ ،‬وتقدم مطرد‪.‬‬
‫�صالون الو�سطية‪:‬‬
‫هو ال�صالون الذي �أقامه ويرعاه �أ�ستاذ عامل جليل فا�ضل هو الدكتور عبد‬
‫احلميد �إبراهيم �أ�ستاذ الأدب والنقد يف اجلامعات امل�صرية والعربية ‪ ..‬وقد‬
‫قام هذا ال�صالون انبثاق ًا من (جماعة الو�سطية) التي دعا �إليها و�شكلها‬
‫ورعاها الدكتور عبد احلميد ‪ ..‬ويت�سم هذا ال�صالون مبالمح �أربعة فارقة‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪19‬‬

‫فنون‬

‫دراسة‬
‫‪ :‬الأول ‪� :‬أنه قام على (نظرية) يتبناها‪ ،‬وي�شرح �أبعادها ويدعو �إليها ‪ ..‬هي‬
‫نظرية (الو�سطية)‪ ،‬وهي تنطلق من مرتكزاتنا الإ�سالمية والعربية الأ�صيلة‪،‬‬
‫وهي تعني ـ يف �إيجاز مقطر ـ التزام حد االعتدال واملو�ضوعية‪ ،‬وجتنب الغلو‬
‫والتطرف يف �شتى جماالت احلياة فكر ًا وتعبد ًا‪ ،‬و�سيا�سة‪ ،‬واقت�صاد ًا‪ ،‬و�أدب ًا‬
‫ونقد ًا و�سلوك ًا‪ .‬وقد �شرح الأ�ستاذ �أبعاد هذه النظرية يف كتاب �ضخم من‬
‫ت�سعة �أجزاء‪.‬‬
‫وامللمح الثاين‪� :‬صدور جملة ف�صلية عن ال�صالون با�سم (الت�أ�صيل) ثم‬
‫غري ا�سمها �إىل (جملة الو�سطية)‪.‬‬
‫وامللمح الثالث‪� :‬إ�صدار عدد من الكتب با�سم (�إ�صدارات الو�سطية) وهي‬
‫كتب �صغرية لل�شباب ت�شرح �أبعاد الو�سطية والأ�صالة ‪.‬‬
‫وامللمح الرابع‪ :‬ر�صد جوائز مالية متجددة لبحوث يكتبها ال�شباب حول ما‬
‫يتبناه ال�صالون من قيم ومبادئ‪.‬‬
‫وال�صالون يقام يف منزل راعيه مبدينة ن�صر ب القاهرة يف م�ساء ال�سبت‬
‫الأول من كل �شهر‪ ،‬وملا كرث رواده انتقل �إىل متحف حممد حممود خليل ب‬
‫اجليزة‪.‬‬
‫ومن املو�ضوعات التي �أثريت من قبل‪ ،‬ونوق�شت يف ال�صالون ‪ :‬ما ي�سمى‬
‫بق�صيدة النرث‪ :‬وقفة وتقييم ـ الفنون الت�شكيلية بني الأ�صالة واملعا�صرة‪.‬‬
‫البحث عن هوية ـ م�صر والعامل العربي ـ احل�ضارة العربية بني الثبات‬
‫والتغري ـ الو�سطية العربية ‪ :‬حا�ضرها وم�ستقبلها‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن طموحات راعي ال�صالون ‪� :‬أن يعقد ال�صالون �أ�سبوعيا‪ ،‬وتو�سيع‬
‫القاعدة ب�إن�شاء �صالونات يف الأقاليم تتبنى الأ�صالة والو�سطية ‪ .‬ومن ح�ضور‬
‫هذا ال�صالون �شخ�صيات عربية و�إ�سالمية منهم ‪ :‬د‪ .‬عبد الويل ال�شمريي‪،‬‬
‫ودكتور عبد العزيز حمودة‪ ،‬وال�شاعر عبد املنعم عواد يو�سف‪ ،‬والدكتورة‬
‫ثريا الع�سيلي‪ ،‬والدكتور �سيد قطب‪ ،‬وم�صطفى �أغا ويعقوب �شيحا‪ ،‬وال�شاعر‬
‫حممد يون�س‪.‬‬
‫�صالون الرابطة الإ�سالمية‪:‬‬
‫وهو من �أقدم ال�صالونات يف القاهرة‪ ،‬فعمره يتجاوز الثالثني عام ًا‪ ،‬وقد‬
‫تواىل على ريا�سته‪ ،‬ورعايته الدكتور �أحمد ال�شربا�صي‪ ،‬فالأ�ستاذ قا�سم‬
‫مظهر‪ ،‬ثم الأ�ستاذ �أحمد يو�سف‪ ،‬ثم الأ�ستاذ ربيع الغزايل‪ ،‬ثم الأ�ستاذ‬
‫�إبراهيم �إمام‪ ،‬ثم الفنان ال�شاعر حممد وجدي �شبانة‪ ،‬وه�ؤالء جميع ًا‬
‫توفاهم اهلل‪ ،‬واختري لريا�سة ال�صالون الأ�ستاذ ال�شاعر حممد يون�س‪.‬‬
‫ومقر ال�صالون ‪� 4‬شارع �صربي �أبو علم بالقاهرة‪ ،‬ويعقد يف م�ساء الأحد‬
‫من كل �أ�سبوع‪ ،‬وقد �أعطى الأ�ستاذ حممد يون�س وما زال يعطي هذا ال�صالون‬
‫دفقات طيبة من ال�شباب واحليوية واحلما�سة والتجديد‪.‬‬
‫ونالحظ ـ مبعاي�شتنا لأن�شطة هذا ال�صالون ـ‬
‫‪ 1‬ـ االهتمام بال�شعر �أكرث من الأجنا�س الأدبية الأخرى‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ االهتمام ب�صفة �أخ�ص ـ بال�شعر الإ�سالمي ‪ ،‬و�شعر املقاومة واجلهاد ‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ االهتمام بال�شعراء ال�شباب وت�شجيعهم‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ 4‬ـ بجانب �شعر الف�صحى و�سع ال�صالون �شعر العامية‪ ،‬و�أحيانا يقدم يف‬
‫ال�صالون قطع ًا مو�سيقية وم�شاهد متثيلية‪.‬‬
‫ومن رواد ال�صالون الناقد الكبري حممد �شر�شر‪ ،‬والناقد ال�شاعر م�صطفى‬
‫عبد الوهاب ‪ ..‬ومن ال�شعراء ‪ :‬مدحت قا�سم ‪ ،‬وعلى حم�سب‪ ،‬وخمي�س عطية‪،‬‬
‫و�سيد علي‪ ،‬و�صالح عفيفي‪ ،‬و ال�شيخ �أمني الديب‪.‬‬
‫�صـالـون الفـجـر‪:‬‬
‫�صالون �أدبي �أقامه بع�ض الأدباء ال�شباب يف �سبتمرب �سنة ‪ 1977‬ان�شقاقاً‬
‫‪ 20‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫من ندوة (القباين) الأدبية التي كانت تقام بكازينو اجلزيرة باملنيل بالقاهرة‬
‫منذ ال�ستينيات ‪ .‬ومن م�ؤ�س�سي �صالون الفجر الأ�ساتذة �أحمد �سويلم‪ ،‬وعبد‬
‫العال احلمام�صي وحممد �أبو دومة‪ ،‬وحممد م�ستجاب‪ ،‬وحممد ال�سيد عيد‪،‬‬
‫و�إدري�س علي‪ ،‬وغريهم‪ ،‬والتحق بال�صالون بعد ذلك �أ�ساتذة جامعيون‪،‬‬
‫و�شخ�صيات �أكادميية منهم د‪ .‬مرعي مدكور‪ ،‬د‪ .‬مدحت اجليار‪ ،‬د‪� .‬شاكر‬
‫عبد احلميد‪ ،‬د‪� .‬شم�س الدين احلجاجي‪.‬‬
‫كما يح�ضر ال�صالون عدد كبري من خارج القاهرة للم�شاركة يف �أن�شطة‬
‫ال�صالون مثل الأ�ساتذة ‪ :‬حجاج الباي‪ ،‬وفنجري التايه‪ ،‬و�سمري الفيل‪،‬‬
‫وحممد العرت‪ .‬وتتمثل �أن�شطة ال�صالون فيما ي�أتي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الور�شة الأدبية التي يقدم فيها الأديب ال�شاب عمله اجلديد‪ ،‬فيناق�شه‬
‫احلا�ضرون بكل �صراحة و�أمانة‪ ،‬دون حرج �أو جماملة‪ .‬ودون تهاون �أو تطرف‪.‬‬
‫‪� - 2‬إ�صدار مطبوعات الفجر يف الكتب الأوىل (الإبداع الأول لل�شبان) مثل‬
‫القا�صني �إدري�س علي‪ ،‬وح�سن نور‪ ،‬وليلى حممد علي وعزت زايد و�آخرين‪،‬‬
‫كما ن�شرت كتب ًا للأع�ضاء ـ الذين �صدرت لهم كتب من قبل‪ ،‬مثل د‪ .‬ي�سري‬
‫العزب‪ ،‬وجندي �إبراهيم‪ ،‬ومنت�صر ثابت من الفيوم ) ‪ ..‬وبلغت �إ�صدارات‬
‫ال�صالون من الكتب ت�سعة ع�شر كتاب ًا حتى كتابة هذه ال�سطور ‪.‬‬
‫‪� - 3‬إ�صدار جملة با�سم (الفجر)‪ ،‬و�صدر العدد الأول يف الثمانينيات من ‪16‬‬
‫�صفحة بطريقة (املا�سرت) ‪ ..‬و�صدر العدد الثاين مطبوع ًا طباعة فاخرة يف‬
‫�أكرث من مائة �صفحة �سنة ‪ ، 1998‬وتواىل �صدور الأعداد ‪ ،‬عدد ًا كل �شهرين‬
‫حتى بلغت ع�شرة ثم كان التوقف ل�ضيق ذات اليد ‪ ..‬و�إن بد�أ �أع�ضاء ال�صالون‬
‫يعدون العدة لإ�صدار العدد احلادي ع�شر بجهودهم الذاتية كالعادة‪.‬‬
‫وال�صالون ير�أ�سه‪ ،‬ويرعاه الأ�ستاذ اجلامعي ال�شاعر الناقد الدكتور ي�سري‬
‫العزب‪ ،‬ويعقد م�ساء كل جمعة‪ ،‬بنادي اجليزة الريا�ضي على �شاطئ النيل ‪.‬‬
‫ومن حمامد هذا ال�صالون �أنه ي�ستقبل الأ�شقاء العرب من الأدباء والنقاد‬
‫واملثقفني‪ ،‬ويقيم لقاءات معهم‪/‬ومن ه�ؤالء‪ :‬ال�شاعر والناقد البحريني‬
‫الدكتور علوي الها�شمي‪ ،‬ال�شاعر الكويتي الدكتور خليفة الوقيان‪ ،‬والقا�ص‬
‫الناقد الكويتي الدكتور �سليمان ال�شطي‪ ،‬وال�شاعر التون�سي املن�صف‬
‫املزغني‪ ،‬وال�شعراء الفل�سطينيون �آمال ال�شرقاوي‪ ،‬وم�صطفى الأغا‪ ،‬وعبد‬
‫البديع عراق‪ .‬كما ات�سعت جملة الفجر لن�شر �إبداعات كثري منهم‪.‬‬
‫�صالون ِم َ‬
‫�شخ�ص وهو �صالون كان يقيمه الأخ ال�سعودي الأ�ستاذ الأديب‬
‫عبد احلميد م�شخ�ص ابتدا ًء من �أوائل ال�سبعينيات يف م�سكنه بالدقي‬
‫باجليزة‪ ،‬وكان يعقد م�ساء كل يوم جمعة بعيد املغرب‪ ،‬وي�ستمر قرابة �أربع‬
‫�ساعات‪ ،‬وقد كنت حري�ص ًا على ح�ضور هذا ال�صالون الذي كان من رواده‬
‫الأ�ساتذة طاهر �أبو فا�شا‪ ،‬وال�شاعر عبد العليم عي�سى رحمها اهلل‪ ،‬وال�شاعر‬
‫حممد التهامي‪ ،‬والأديب �أحمد حمدي �إمام‪ ،‬والأ�ستاذ حممد منري عبد‬
‫اللطيف �صاحب مكتبة امللك في�صل‪ ،‬وكثري من (العقاديني)‪.‬‬
‫وكان راعي ال�صالون مو�سوعة يف تاريخ اململكة وتفا�صيل حياة امللك عبد‬
‫العزيز‪ .‬وقد زار هذا ال�صالون عدد من الأدباء وال�شعراء العرب وال�سعوديني‪،‬‬
‫منهم الأ�ساتذة ح�سني قا�ضي‪ ،‬وحممود عارف‪ ،‬وعبد العزيز الربيع ‪.‬‬
‫وكان ال�صالون يعتمد على النقا�ش احلر‪ ،‬دون التقيد مبو�ضوع معد �سلف ًا‪.‬‬
‫وكثري ًا ما كان الأ�ستاذ طاهر �أبو فا�شا ميتعنا ب�شعره اخلا�ص (الذي مل‬
‫ين�شر) والذي ميثل �أيام (�شقاوته) يف �سني الطلب‪.‬‬
‫و�أكرر القول �أن ال�ساحة الأدبية والثقافية فيها من ال�صالونات �أكرث مما‬
‫ذكرته بكثري ‪ :‬يف القاهرة والإ�سكندرية واملن�صورة ‪ ..‬وغريها‪ ،‬وقد يكون لنا‬
‫معها وقفة �أو وقفات يف امل�ستقبل القريب �إن �شاء اهلل‪.‬‬

‫كوكوشكا ‪ ..‬نقطة التقاء مدارس فنية عديدة‬
‫كوكو�شكا‬

‫ فنان من�ساوي �شامل ير�سم ويكتب ال�شعر‬‫ ت�أثريات فان جوخ هيمنت على بع�ض �أعماله الأولية‬‫ ينجز عمله العظيم (م�أ�ساة برومثيو�س) يف لندن‬‫ باروخ لي�شت‪ :‬كوكو�شكا و�ضع نواة �إبداعية للتكعيبية‬‫ نولده‪ :‬كوكو�شكا ثمرة فاكهة يف حلية فان جوخ‬‫ كوكو�شكا يفر من النازية حتى تنتهي احلرب العاملية الثانية‬‫ً‬
‫( رمبا مل ميت يف الفن اجلنون ورمبا حتيا بالفن العبقرية رمبا �أي�ضا يكون‬
‫الفن هو كل ما يبقى مني �أو من �أي فنان لذا �سوف نبقى‪.‬‬
‫اطمئني �إذ ًا حبيبتي �إننا �سوف نبقى حيث نحن حيث �آفاق الالحمدود‬
‫وبعيد ًا عن �سجون الفكرة ومعتقالت اجل�سد‪.‬‬
‫�إذن �سوف تبقني يا ليلي رغم كل املوت الذي عرب بك �إىل حدائق العظام‬
‫واطعم بخالياكي زهور اجلبانات‬
‫لأن فني �سوف يبقى �سوف تبقني يا ليلي ‪ ........‬لأن �ألواين �سوف تبقى �سوف تعود الدماء‬
‫ت�ضخ يف عروقك من جديد بلون حمرة الواين‪.‬‬
‫�أنا �أقاوم موتك بالفن ‪ .......‬لتحيا ليلي وحتيا ري�شتي النازفة والدامعة فوق قرب ليلي‬
‫احلبيبة)‬

‫يف مفاجئة �أذهلت حمبي الفن يف فينا ويف‬
‫جر�أة غري م�سبوقة ن�شرت �صحيفة بورتريه الفنية‬
‫النم�ساوية جزء ًا نادر ًا من جمموعة ق�صائد كان‬
‫قد كتبها الفنان العظيم الذي واحلق يقال مل‬
‫ي�أخذ حقه من الدعاية الإعالنية وال ذكره التاريخ‬
‫ع�شر ما ذكر فنانني �شديدي ال�ضعف والتوا�ضع لوحة عرو�س الريح �إحدى لوحات كوكو�شكا‬
‫بالن�سبة له وهو الفنان النم�ساوي اجلميل �أو�سكار‬
‫كوكو�شكا والذي قد يكون ا�سمه غريب ًا على معظم‬
‫قراء املنطقة العربية بالرغم �أن هناك فنانني عرب ًا‬
‫تتلمذوا على يديه �أو على الأقل نهلوا من �أ�سلوبه‬
‫املتدفق باحلركة والتعبري ومن طبقاته اللونية التي‬
‫جعلت منه حالة و�سطى بني االنطباعية والتعبريية‬
‫بل والتجريدية �أو قل جعلت منه ملتقى ثالث‬
‫مدار�س كبرية حيث خلقت نقطة االلتقاء الذي عرب‬
‫عنها �أ�سلوب كوكو�شكا مما جعل منه مدر�سة جديدة‬
‫م�ستقلة بذاتها حيث كان كوكو�شكا مرحلة انتقالية‬
‫ومكتملة يف نف�س الوقت بني �أ�ساليب عدة مثله مثل‬
‫الهولندي اخلالد فان جوخ ونقول جوخ بالتحديد‬
‫لتقارب الو�شائج التكنيكية بينهما كما �سوف نذكر‬
‫بالتف�صيل فيما بعد‪.‬‬
‫املفاج�أة التي �أطلقتها �صحيفة(بورتريه) املعنية‬

‫ب�ش�ؤون الفن الت�شكيلي يف فينا هي �أنها ن�شرت‬
‫جمموعة من الق�صائد اجلديدة للر�سام العظيم‬
‫�أو�سكار كوكو�شكا والذي ا�شتهر �أي�ض ًا بكونه �شاعر ًا‬
‫وكاتب ًا م�سرحي ًا بجانب �أنه فنان ت�شكيلي كبري ينتمي‬
‫�إىل املدر�سة التعبريية‪ ،‬وهذه الق�صائد مل تن�شر قبل‬

‫ذلك فهي خمطوطات �أولية وبع�ضها ق�صائد‬
‫مل تكتمل مثل (زهور فوق باب �أملا) كما‬
‫ك�شف البع�ض الآخر عن دقائق خفية يف حياة‬
‫كوكو�شكا مثل ق�صيدة (مرثية لونيه لليلي)‬
‫والتي �أزاحت ال�ستار عن عالقة حب قويه‬
‫لإحدى املمر�ضات النم�ساويات وتدعى‬
‫ليلي �شليكماين حيث تعرف‬
‫عليها يف امل�ست�شفى امليداين‬
‫حينما �أ�صيب �أثناء خدمته‬
‫يف اجلي�ش النم�ساوي �أثناء‬
‫احلرب العاملية الأوىل حيث‬
‫ن�ش�أت بينهما ق�صة حب عنيفة‬
‫لكنها انتهت نهاية م�أ�ساوية‬
‫حيث �أ�صيبت ليلي بطلق ناري يف‬
‫فخذها و�أ�صيبت بالغارغرينا ومن‬
‫ثم ماتت وكانت بالتحديد ق�صيدته‬
‫(مرثية لونيه لليلي) والتي كتبها‬
‫كوكو�شكا بعد موت ليلي بع�شر �سنوات‬
‫هي الق�صيدة التي جعلت القراء يتابعون‬
‫قراءة الق�صائد اجلديدة �أ�سبوع ًا بعد �أ�سبوع‬
‫حيث كانت تدور يف �أجواء ع�شق وفن عالية‬
‫ال�شفافية‪.‬‬
‫وكوكو�شكا الذي مل يعرفه الكثريون كان �سر ًا‬
‫�شديد التعقيد ولغز ًا حري النقاد وكتاب ال�سري‬
‫الذاتية فقد كانت حياته ملتب�سة ومت�ضاربة‬
‫الأحداث حيث كان رحا ًال ومتمرد ًا وطريد ًا‬
‫�إذا جاز التعبري حيث ولد �أو�سكار كوكو�شكا‬
‫يف بو�شالرن يف الأول من �آذار‪/‬مار�س عام‬
‫‪ 1886‬يف النم�سا لأب يهودي من�ساوي و�أم‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪21‬‬

‫فنون‬

‫ثقافة التقنية‬
‫لوحة �أم�سرتدام �إحدى لوحات كوكو�شكا قام بر�سمها يف عام ‪1925‬‬

‫م�سيحية ذات �أ�صول ت�شيكية ودر�س الفن على يد‬
‫�أ�ساتذة حمرتفني مثل �شيمربو�سكو وكانت باكورة‬
‫�إنتاجه ال�شديدة التميز لوحته ال�شهرية (احتفاالت‬
‫فيني�سيا) التي تعترب تعبري ًا �شديد ًا عن ميوله‬
‫االنطباعية يف بداية م�شواره الفني والذي كما‬
‫قلنا تغلب على �أحادية الر�ؤية لديه وخلطها بخلطة‬
‫عالية التحوير حتى �أن بع�ض النقاد النم�ساويني‬
‫مثل باكو�س ماورا يعتربها �أ�سلوب ًا خا�صا ويطلق‬
‫عليه الـ (الكوكوا�شكيزم) ن�سبة �إىل كوكو�شكا‪.‬‬
‫وحيث جند �أنه يف بداية حياته الفنية كان ذا‬
‫ميول انطباعية كما �أ�سلفنا ف�إننا جند �أن هذا‬
‫الفنان املبدع واملطور قد ت�سلق يف البداية فان‬
‫جوخ وفر�ض نف�سه كثمرة نا�ضجة نبتت يف حلية‬
‫جوخ كما ي�صفه الفنان النم�ساوي نولده فنحن‬
‫جند �أن رائحة جوخ تفوح من �أ�صباغ كوكو�شكا‬
‫ب�شكل دائم يف بداية حياته وحتى فرتة الن�ضج‬
‫وبعدها �أي�ض ًا مل يتخل�ص متام ًا من هيمنة جوخ‬
‫عليه فمث ًال يف لوحته ال�شهرية (ت�أمل) جند �أن‬
‫فان جوخ يكاد يقفز من بني الألوان لدرجة �أن‬
‫معظم النقاد ي�ؤكدون انه من �شدة ت�أثري جوخ‬
‫يف هذه اللوحة تبدو وك�أنها بورتريه لفان جوخ‬

‫حيث ي�شبه موديل اللوحة جوخ كثري ًا وما يقال على‬
‫هذه اللوحة يقال �أي�ض ًا على لوحته الأخرى (رجل‬
‫يقر�أ) والتي تعترب من �سمات الن�ضج التي �صعد عليها‬
‫كوكو�شكا حيث قدم لنا ر�ؤيا مغايرة ومتمازجة �أي�ض ًا‬
‫مع ر�ؤى فان جوخ‪.‬‬
‫لكن كوكو�شكا يف طفرة جريئة متاهى بري�شته‬
‫مع تقنية جديدة يثار فيها اجلدل كثري ًا وهي تبدو‬
‫بو�ضوح يف لوحته ال�شهرية �أي�ض ًا (�شاب يلب�س كنزه)‬
‫وهذه التقنية التي ي�ؤكد اجلميع �أن بدايتها كوكو�شكا‬
‫تبدو يف ا�ستخدام متوجات حركة الفر�شاة يف �ضربات‬
‫متنافرة ومع متيع لوين متعمد لإظهار جزء من‬
‫مالمح ال�ضوء والظل وتبدو بو�ضوح يف هذه اللوحة يف‬
‫املعاجلة التي عالج بها كوكو�شكا كنزة ال�شاب حيث‬
‫ا�ستخدم فيها هذه التقنية ويعزو الكثري من النقاد‬
‫�إىل هذه التقنية بداية التكعيبية وهذا بالطبع جمرد‬
‫ر�أي فعلى حني يرى الربت جا�سان الناقد الفرن�سي‬
‫�أنها ال تعدو �أن تكون بع�ض روا�سب فان جوخ التي مل‬
‫ي�ستطع كوكو�شكا �أن يتخل�ص منها كلية‪ ،‬يراها باروخ‬
‫لي�شت �أنها بداية �أو نواة ا�ستلهمها بيكا�سو لتكون بنية‬
‫لتكعيبيته ال�شهرية‪.‬‬
‫�إذن عبقرية كوكو�شكا كانت دائم ًا ومازالت حمل‬

‫المذهب التعبيري‬

‫التعبريية مذهب الفن ي�ستهدف‪ ،‬يف املقام الأول‪،‬‬
‫التعبري عن امل�شاعر �أو العواطف واحلاالت الذهنية‬
‫التي تثريها الأ�شياء �أو الأحداث يف نف�س الفنان‪،‬‬
‫ويرف�ض مبد�أ املحاكاة الأر�سطية‪ ،‬حتذف ُ�ص َور‬
‫العامل احلقيقي بحيث تتالءم مع هذه امل�شاعر‬
‫والعواطف واحلاالت‪ ،‬وذلك من طريق تكثيف‬

‫‪ 22‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫التبا�س وغمو�ض نقدي‪.‬‬
‫وعلى حني نرى يف كوكو�شكا حار�س ًا لبع�ض‬
‫تراث فان جوخ التكنيكي نراه يف مرات �أخرى‬
‫يتقلب بني الكثري من الأ�ساليب املختلطة التي‬
‫قد ت�ستخدم حتى الكال�سيكية يف بع�ض الأحيان‬
‫ويبدو ذلك بكل قوة يف لوحته ال�شهرية (بورتريه‬
‫مزدوج لرتودي) حيث تبدو نف�س املوديل هنا‬
‫مكررة يف نف�س اللوحة يف و�ضيعتني خمتلفتني‬
‫وجند �أن كوكو�شكا يقرتب من �أ�سلوب البورتريه‬
‫يف املدار�س احلديثة لكنه �أي�ض ًا ي�سري يف خطوط‬
‫متقاطعة مع �أ�ساليب فرد اللون يف املدار�س‬
‫الكال�سيكية حيث يطلق عليه �أحيان ًا باروخ لي�شت‬
‫(يعي�ش مراحل مراهقة لونية)‬
‫وكما كان فن كوكو�شكا مت�أرجحا بني الأ�ساليب‬
‫املختلفة مع عدم انتفاء الأ�صالة عنه وثبوت‬
‫م�شروعه الإبداعي اخلا�ص كانت حياة �أو�سكار‬
‫كوكو�شكا �أي�ض ًا متالطمة كموج البحر حيث‬
‫خدعته بزة اجلنود يف �أثناء احلرب العاملية‬
‫الأوىل فخدم حتت لواء اجلي�ش النم�ساوي حيث‬
‫عا�ش �أول ق�ص�ص احلب امللتهبة يف حياته فوقع‬
‫يف غرام ليلي �شليكماين كما ذكرنا ثم ما لبث‬
‫�أن اكت�شف ال�إن�سانية احلرب والتي عاي�شها بعد‬
‫ذلك ب�شكل مفجع يف �أثناء احلرب العاملية الثانية‬
‫كمدين مطارد حيث كان مثله مثل معظم الفنانني‬
‫النم�ساويني وخا�صة ذوي الأ�صول اليهودية والذين‬
‫كانوا م�ستهدفني من قبل احلكم النازي بقيادة‬
‫�أودلف هتلر حيث فر كوكو�شكا �إىل براغ بعد‬
‫اجتياح اجلي�ش النازي للنم�سا عام ‪ 1934‬حتى‬
‫زحفت عليها قوات النازي �أي�ض ًا ففر مرة �أخرى‬
‫�إىل لندن وبقى هناك حتى انتهت احلرب وهناك‬
‫�أجنز جداريته ال�شهرية (م�أ�ساة برومثيو�س)‬
‫والتي نفذها يف ق�صر الرثي النم�ساوي �أنطوين‬
‫�سيلرن‪.‬‬
‫ويف عام ‪ 1947‬ح�صل كوكو�شكا على املواطنة‬
‫الإجنليزية حيث مل ترد �إليه جن�سيته النم�ساوية‬
‫�إال عام ‪ 1978‬ويف �أواخر الأربعينيات �سافر �إىل‬
‫الواليات املتحدة الأمريكية حيث عاد وا�ستقر يف‬
‫�سوي�سرا بقية حياته �إىل �أن تويف يف ‪� 22‬شباط‪/‬‬
‫فرباير ‪ 1980‬يف مونرتو�س يف �سوي�سرا‪.‬‬

‫الألوان‪ ،‬وت�شويه الأ�شكال‪ ،‬وا�صطناع اخلطوط‬
‫القوية واملُغا َيرات املثرية‪� -‬أ�شار الناقد جريالد‬
‫ويلز ب�أن املذهب التعبريي هو �أكرث مذهب فني‬
‫مت�أثر بالذاتية املفرطة‪ .‬وترتبط التعبريية بالفن‬
‫الأملاين يف �أواخر القرن التا�سع ع�شر و�أوائل القرن‬
‫الع�شرين‪ ،‬على الرغم من �أن مالحمها تتبدّى يف‬

‫بع�ض الأعمال الفنية التي ترقى �إىل الع�صر‬
‫الو�سيط‪ .‬من �أ�شهر ممثليها يف الر�سم فان‬
‫جوخ يف مرحلة من مراحل حياته الفنية‬
‫وكوكو�شكا‪ ،‬ويف امل�سرح كايزر وبرخت ويوجني‬
‫�أونيل‪ ،‬ويف املو�سيقى ريت�شارد �شرتاو�س‪.‬‬

‫هؤالء غيروا حياة البشرية‬
‫مما ال �شك فيه �أن الكثري من م�ستخدمي‬
‫الإنرتنت يدخلون �إىل موقع جوجل‬
‫والفاي�سبوك ويحملون مت�صفح موزيال‬
‫فايرفوك�س ولكن ال يعرفون الأ�شخا�ص‬
‫وراء هذه املواقع امل�شهورة العاملية التي‬
‫غريت جمرى العامل وحياة الب�شرية‬
‫و�أقدم لكم تعاريف ب�سيطة عن هذه‬
‫ال�شخ�صيات امل�شهورة‪.‬‬

‫قد يخربك البع�ض ب�أنهم يبذلون جمهود كبري‬
‫لي�صلوا ملنزله عالية على الإنرتنت‪ .‬لكن من‬
‫يحققون �أعلى �أرباح من الإنرتنت هم من قاموا‬
‫باخرتاع �أجزاء منه وما كان الإنرتنت �سي�صبح‬
‫متداول بهذه ال�صورة حتى الآن لوال ه�ؤالء‬
‫الرجال‪� .‬أثروا ب�أفكارهم التي �أ�صبحث �صروح‬
‫كبرية فب عامل الإنرتنت‪.‬‬
‫يف عام ‪ 1997‬ظهرت املدونات على يد جون‬
‫بارغر‪ ،‬وهي �سهلة الإن�شاء‪ ،‬فال حتتاج لكبري‬
‫معرفة �أو خربة بلغات الربجمة‪ ،‬فهناك الكثري من‬
‫القوالب اجلاهزة امل�ساعدة يف الإن�شاء والت�صميم‪،‬‬
‫وميكن للمدون التدوين يف �أي وقت �شاء من ليل �أو‬
‫نهار‪ ،‬ومن �أي مكان كان فيه‪ ،‬كل ما يحتاجه جهاز‬
‫و�شبكة وفكر فقط‪.‬‬
‫يف عام يف عام ‪� ،2004‬أطلق الأمريكي مارك‬
‫جوكربريج الطالب يف جامعة هافارد موقع‬
‫الفي�س بوك‪ ،‬وكانت ع�ضوية املوقع مقت�صرة يف‬
‫بداية الأمر على طلبة جامعة هارفارد‪ ،‬ولكنها‬
‫امتدت بعد ذلك لت�شمل الكليات الأخرى يف مدينة‬
‫بو�سطن وجامعة �آيفي ليج وجامعة �ستانفورد‪ .‬ثم‬
‫ات�سعت دائرة املوقع لت�شمل �أي طالب جامعي‪ ،‬ثم‬
‫طلبة املدار�س الثانوية‪ ،‬و�أخري ًا �أي �شخ�ص يبلغ‬
‫من العمر ‪ 13‬عام ًا ف�أكرث‪ .‬ي�ضم املوقع حالي ًا �أكرث‬
‫من ‪ 750‬مليون م�ستخدم على م�ستوى العامل‪.‬‬
‫يف عام ‪� 2005‬أ�س�س جاويد كرمي من بنجالدي�ش‬
‫مع زميليه الأمريكيني ت�شاد هوريل و�ستيف ت�شني‬
‫موقع اليوتيوب ومن املعلوم �أن موقع يوتيوب هو‬
‫�أكرب موقع يف العامل يخت�ص بالفيديو وحتميله‬
‫وم�شاهدته على الإنرتنت‪ ،‬ونقطة قوة هذا املوقع‬
‫حجم اجلمهور املوجود وعدد املقاطع املحملة‬
‫وجاء كل هذا نتيجة التقنية العالية املوجودة من‬
‫حيث حتويل الفيديو �إىل حجم �أقل ي�سهل حتميله‬

‫على الإنرتنت مع احلفاظ على جودته‪ .‬وهو حالي ًا‬
‫مزود بـ ‪ 67‬موظف‪ .‬يف �أكتوبر ‪� 2006‬أعلنت �شركة‬
‫‪ Google‬الو�صول التفاقية ل�شراء املوقع مقابل‬
‫‪ 1.65‬مليار دوالر �أمريكي‪� ،‬أي ما يعادل ‪ 1.31‬مليار‬
‫يورو‪ .‬وهو يعترب من مواقع ويب ‪.2.0‬‬
‫اختارت جملة (تامي) الأمريكية موقع يوتيوب على‬
‫الإنرتنت رجل عام ‪ 2006‬لدوره يف �إعطاء الفر�صة‬
‫لزواره يف �إنتاج املواد التي يعر�ضونها يف املوقع‪.‬‬
‫الري بايج و�سريجي برين اخرتعا جوجل عندما كان‬
‫كانا طالبني بجامعة )�ستانفورد(‪ ،‬وكان عمرهما‬
‫‪ 24‬عام‪ ,‬وقد كان اجلراج هو �أول مكتب عمل لهم‬
‫وقد اعتربهم ال�شباب ملهمني لهم لتحقيق �أرباح‬
‫من الإنرتنت‪ ،‬يف بادئ الأمر مت ت�أ�سي�س ال�شركة يف‬
‫الرابع من �أيلول‪�/‬سبتمرب عام ‪ 1998‬ك�شركة خا�صة‬
‫ملك لعدد قليل من الأ�شخا�ص‪ .‬ويف التا�سع ع�شر من‬
‫�آب‪�/‬أغ�سط�س عام ‪.2004‬‬
‫جريي ياجن ودافيد فايلو �أ�س�سا الياهو عام ‪1995‬‬
‫عندما كان عمر جريي ‪ 26‬عام وديفيد ‪ 28‬عام‪,‬‬
‫وهو حمرك البحث الأقرب لـجوجل‪ ,‬وقد عر�ضت‬
‫ميكرو�سوفت ‪ 44.6‬بليون دوالر �أمريكي ل�شراء الياهو‪،‬‬
‫و�أعلنت ك�شركة ر�سميا يف ‪� 2‬آذار‪/‬مار�س ‪،1995‬‬
‫ومقرها الرئي�سي يف �سانيفال بوالية كاليفورنيا‪ ،‬يف‬
‫وادي ال�سيليكون‪.‬‬
‫مات ميلينواج اخرتع مدونة الووردبري�س عندما كان‬
‫عمره ‪ 19‬عام الذي تطور بحرفية عام ‪ 2005‬وبدء‬
‫النا�س يف التغيري �إليه ب�سهوله و�أكرثوا من ا�ستعماله‬
‫للتح�سينات امل�ستمرة فيه ل�سهولة ا�ستخدامه وجتديد‬
‫حمتواة‪.‬‬
‫توم �أندر�سون �أ�س�س ‪ MySpace‬عندما كان عمره‬
‫‪� 23‬سنه وي�ستعمل هذه ال�شبكه �أكرث من ‪ 100‬مليون‬
‫م�ستخدم‪ ,‬وهو قد اليعترب غني اذا قورن بـ مارك‬
‫لكنه خمرتع ال�شبكه االجتماعيه الأكرث ا�ستخدام ًا‬
‫على الإنرتنت‪ .‬وطبق ًا ملوقع �أليك�سا �إنرتنت يعد موقع‬
‫ماي �سبي�س هو �ساد�س �أكرث مواقع الوب الإنكليزية‬
‫�شعبية يف العامل‪ ،‬و�ساد�س �أكرث مواقع الوب املكتوبة‬

‫ب�أي لغة يف العامل �شعبية‪ ،‬كما �أنه يعد ثالث �أكرث‬
‫املواقع �شعبية على الإطالق يف الواليات املتحدة‪.‬‬
‫بيري �أوميديار اخرتع الـ ‪ E.Bay‬وهو بعمر ‪28‬‬
‫�سنه وهو �أكرب مزاد عاملي على الإنرتنت وقد‬
‫قدر النا�س هذا الإخرتاع وقد انتفع به العامل‬
‫كثري ًا‪ .‬مت �إطالق املوقع عام ‪ 1995‬وكان ا�سمه‬
‫‪ Auction-web‬مت تغريه �إىل ‪ ebay‬الحق ًا‬
‫بعد �أن تطور املوقع‪ .‬ا�ستطاع بيع �أول �سيارة عن‬
‫طريقه عام ‪ .1996‬وي�صل حجم �أعمال املوقع‬
‫اليوم ‪ 40‬مليار دوالر‪.‬‬
‫الك رو�س �أ�س�س املوزيال ‪ Mozilla‬وهو بعمر‬
‫‪ 19‬عام ًا‪ ,‬ومنذ ذلك احلني �أ�صبح الكثري‬
‫ي�ستعملون املوزيال فايرفوك�س كمت�صفح �أ�سهل‬
‫من كثري من املت�صفحات الأخرى‪.‬‬
‫كيفن روز قام بت�أ�سي�س ‪ Digg‬وهو بعمر ‪27‬‬
‫عام وقد ا�ست�ضيف هذا الرجل وحتدث يف بع�ض‬
‫برامج التلفاز‪.‬‬
‫جاك دور�سي هو مربمج كمبيوتر من مواليد‬
‫‪ 19‬نوفمرب ‪ .1976‬ولد يف �سانت لوي�س بوالية‬
‫مي�سوري‪� .‬أ�صبح دور�سي مهتما يف الكومبيوتر‬
‫واالت�صاالت يف �سن مبكر‪ ،‬وبد�أ الربجمة عندما‬
‫كان ال يزال طالب ًا يف مدر�سة بي�شوب ديبورج‬
‫عندما كان عمره ‪ 15‬عاما‪ ،‬اخرتع برناجم ًا ال‬
‫يزال ي�ستخدمه بع�ض مكاتب �سيارات الأجرة‬
‫نظر ًا ل�شغفه وولعه بال�سيارات‪ .‬بعد الفرتة‬
‫الق�صرية التي ق�ضاها يف جامعة مي�سوري‬
‫للعلوم والتكنولوجيا‪ ،‬انتقل دور�سي �إىل جامعة‬
‫نيويورك‪ .‬مت ا�ستبعاده من اجلامعة قبل �أن‬
‫يح�صل على �شهادته انتقل دور�سي �إىل �أوكالند‪،‬‬
‫كاليفورنيا‪ ،‬وبد�أ عام ‪ 2000‬تقدمي برامج له‬
‫من خالل �شبكة االنرتنت‪ .‬بعد وقت ق�صري من‬
‫بدء �شركته‪ ،‬جاءت لدور�سي فكرة ملوقع التي‬
‫من �ش�أنها �أن جتمع بني �سهولة الر�سائل الفورية‬
‫والب�ساطة‪ ،‬ودعى املدير التنفيذي ال�سابق‬
‫ل�شركة الفيديو فاىل يدعى (�أوديو) فتطورت‬
‫الفكرة �إىل �إن�شاء موقع تويرت‪ .‬يف غ�ضون‬
‫�أ�سبوعني‪ ،‬بنى دور�سي موقع ب�سيط حيث ميكن‬
‫للم�ستخدمني ن�شر ر�سائل ق�صرية على الفور‬
‫من ‪ 140‬حرف ًا �أو �أقل‪ ،‬وعرفت با�سم (تويت)‬
‫�أو التغريدة‪.‬‬
‫يف ‪� 21‬آذار‪/‬مار�س ‪ ،2006‬ن�شر جاك دور�سي‬
‫التغريدة الأوىل يف العامل‪�« :‬أنا �أ�شغ ّل التويرت‬
‫اخلا�ص بي»‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪23‬‬

‫معالم وحضارات‬

‫معالم وحضارات‬

‫مدرج الكولوسيوم‬
‫المتعة في مواجهة الموت!‬
‫لطالما كانت األساطير التاريخية ذات وقع خاص على عاطفة‬
‫اإلنسان‪ .‬فكيف إذا ارتبطت األسطورة بمكان صامد ألكثر من ألفي‬
‫سنة مخلفة وراءها أحجارًا تكاد تنطق‪ ،‬رواية حكايات عما م ّر عليها‬
‫من غزاة صنعوا التاريخ‪ .‬تقول األسطورة «مادام الكولوسيوم ح ّيًا‬
‫ستبقى روما ح ّية‪ ،‬وحين تسقط روما سيسقط العالم بأسره »‪.‬‬

‫�سقفه حلجب �ضياء ال�شم�س القوية عن املتفرجني �أما الآن فيتوافد عليه‬
‫ال�سياح من كافة بقاع الأر�ض ويق�ضون �ساعات طويلة من دون غطاء يحميهم‬
‫من �أ�شعة ال�شم�س احلارقة‪ ،‬خالل موجة احلر ال�شديد لكن ذلك مل مينع البع�ض‬
‫من �إقامة حفالت الزواج والتقاط ال�صور التذكارية يف بهو املدرج‪� ،‬أو مكان‬
‫�صراع العبيد �أو الأ�سرى �أو املارقني مع الوحو�ش ال�ضارية‪.‬‬

‫يف باحة املدرج مثل بول ماكارتني من فريق البيتلز‪ ،‬لكن �أن�صار البيئة‬
‫احتجوا على �إف�ساد �أهم الآثار التاريخية من قبل اجلمهور فخفت تلك‬
‫احلفالت �أخري ًا وال �شك �أن ق�ضاء حلظات �شاعرية يف باحة الكولو�سيوم‬
‫حتت �ضوء القمر املكتمل يف الليايل ال�صافية‪ ،‬هي �أروع دقائق للعودة يف‬
‫الزمان �إىل �ألفي �سنة وك�أنك تعي�ش الأ�سطورة بكل �أبعادها التاريخية‪.‬‬

‫ومنذ تاريخ البدء يف البناء وحتى الوقت احلا�ضر مر املبنى بالعديد من‬
‫التطورات من حيث اال�ستعمال و�أي�ض ًا �شكل املبنى معماري ًا فقد كان يعتقد �أن‬
‫ال�ساحة كانت مغطاة بقبة �سماوية كبرية‪ .‬ويعد املبنى �أ�شهر مثال للم�سارح‬
‫الرومانية على هذه ال�شاكلة والتي تتميز بكونها كاملة اال�ستدارة �أو بي�ضاوية‬
‫متام ًا‪ .‬وظل املبنى م�ستخدم ًا ملده تقرب من ‪ 500‬عام و�سجلت �أخر �ألعاب‬
‫�أقيمت فيه يف القرن ال�ساد�س‪ ،‬بعد التاريخ التقليدي الذي يعتقد �سقوط روما‬
‫فيه وهو عام ‪ .476‬كان طول حميطه يبلغ ‪ 527‬مرت ًا‪ ،‬وارتفاعه ‪ 50‬مرت ًا‪،‬‬
‫وا�ستعمل فيه احلجر اجلريي‪ ،‬وكان يت�سع خلم�سني �ألف ًا من املتفرجني‪ ،‬الذين‬
‫كانوا يق�صدونه مل�شاهدة �أكرث العرو�ض �إثارة‪ ،‬كامل�صارعة‪ ،‬ومطاردة احليوانات‬
‫املفرت�سة‪ ،‬بل وبع�ض املعارك البحرية‪ .‬و�أمكنه ال�صمود �أمام غزوات الرببر‬
‫املتتابعة‪.‬‬

‫ويتمتع املدرج الروماين ال�شهري يف روما (الكولو�سيوم) مبكانة خا�صة لدى‬
‫الإيطاليني وهو املوقع الأثري الأكرث ا�ستقطاب ًا لل�سائحني الأجانب �أي�ض ًا‪،‬‬
‫وقال نائب وزير الثقافة الإيطايل فران�شي�سكو جريو �أن مبيعات تذاكر‬
‫املواقع الأثرية يف روما «بلغت ‪ 41‬مليون يورو وهي ت�ش ّكل ن�صف عائدات‬
‫املواقع الأثرية يف كل �إيطاليا واملقدرة بـ ‪ 97‬مليون ًا‪ ،‬علم ًا �أن عائدات زيارة‬
‫الكولو�سيوم وامليدان الروماين واملواقع الأثرية املحيطة به تدر وحدها ريع ًا‬
‫يزيد على ‪ 30‬مليون يورو» و�أ�ضاف‪ُ « :‬تبينّ هذه النتائج �أن ثلث ال�سائحني‬
‫تقريب ًا �أي ثمانية ماليني �سائح من �أ�صل ‪ 33‬مليون ًا من املرتددين على‬
‫املتاحف واملعامل الرتاثية يف �إيطاليا يزورون روما ويحر�ص خم�سة ماليني‬
‫منهم على دخول الكولو�سيوم ما يجعله املوقع الأثري الأكرث ا�ستقطاب ًا‬
‫للزوار يف �إيطاليا»‪.‬‬

‫بعد حتطم جزء من الكولو�سيوم �إثر هزة �أر�ضية عنيفة يف القرون الو�سطى‬
‫ا�ستخدم �أمراء ع�صر النه�ضة ق�سم ًا من حجارة املدرج لبناء ق�صورهم‬
‫العامرة مثل باباريني الذي حتول �إىل متحف االن وفرنيزي الذي ا�ستوىل‬
‫عليه نابليون لي�صبح مقر ال�سفارة الفرن�سية‪.‬‬
‫�أقيمت يف ال�سنوات الأخرية عدة حفالت مو�سيقية لأ�شهر الفنانني العامليني‬
‫تقول الأ�سطورة‪ :‬مادام الكولو�سيوم قائم ًا �ستبقى روما قائمة وحني ت�سقط‬
‫روما �سي�سقط العامل ب�أ�سره‪� .‬شيد هذا املبنى ال�ضخم على �شكل مدرج وم�سرح‬
‫ن�صف دائري يف و�سط العا�صمة االيطالية منذ �ألفي �سنة ك�أكرب �شاهد على‬
‫عظمة العامل القدمي والإمرباطورية الرومانية‪.‬‬

‫والتهتك وتزدان تيجان الأعمدة بزخارف ت�شبه �أوراق الأ�شجار) وله ثمانون‬
‫مدخ ًال مثل مالعب املدن الريا�ضية احلديثة �أما داخله فينق�سم �إىل ثالثة‬
‫�أق�سام‪ ، :‬امل�سرح املدور �أو مكان التناف�س‪ ،‬واملن�صة العالية‪ ،‬ومقاعد املتفرجني‪.‬‬

‫الكولو�سيوم من الداخل‬

‫وتنق�سم ح�سب طبقاتهم من الأ�شراف و�أع�ضاء جمل�س ال�شيوخ وبقية �أفراد‬
‫الكولو�سيوم �أو مدرج فالفيان‪ ،‬وهو بي�ضاوي ال�شكل ويقع يف و�سط مدينة روما‪ ،‬ال�شعب‪.‬‬
‫�إيطاليا‪ ،‬وهو �أكرب مبنى يف الإمرباطورية الرومانية‪ .‬فهو يعترب واحد ًا من �أعظم‬
‫وقد انتبه الرومان منذ ذلك الوقت �إىل �ضرورة ال�سيطرة على مواطنيهم‬
‫�أعمال الهند�سة املعمارية الرومانية والهند�سة الرومانية ‪.‬‬
‫بتوفري اخلبز وت�سليتهم بالريا�ضة‪ .‬وقد �أقيم املدرج بالقرب من دار الإمرباطور‬
‫�شيد هذا املبنى ال�ضخم على �شكل مدرج وم�سرح ن�صف دائري يف و�سط نريون الذي �أحرق روما كتعوي�ض لأهلها عن ال�ضيم الذي حلق بهم بعد م�صادرة‬
‫العا�صمة االيطالية منذ �ألفي �سنة ك�أكرب �شاهد على عظمة العامل القدمي نريون لأر�ضهم و�سمي الكولو�سيوم ن�سبة �إىل متثال نريون الربونزي ال�ضخم يف‬
‫والإمرباطورية الرومانية‪ .‬حني تتجول هذه الأيام يف �أروقة الكولو�سيوم حت�س �شكل اله ال�شم�س وارتفاعه ‪ 38‬مرت ًا‪ ،‬والذي كان منت�صب ًا بالقرب من املدرج‬
‫وك�أن الأحجار تتكلم وتخاطبك الآثار مبا مر عليها من غزاة �صنعوا التاريخ‪ .‬يف �أول �شارع الن�صر (�أو املن�صة الإمرباطورية الآن) بعد �أن جره ‪ 12‬في ًال‬
‫ور�أيت البع�ض يقر�أ يف �ساعة الغروب كتاب مرغريت يور�سينار «مذكرات لإقامته يف ذلك املوقع وبني بالقرب منه قو�س ق�سطنطني عام ‪ 315‬بعد امليالد‬
‫الإمرباطور �أدريانو» الذي انت�صر على امللكة زنوبيا يف تدمر ب�سورية‪ ،‬وتذكرت تكرميا لن�صر الإمرباطور الذي بني الق�سطنطينية والذي قلده الفرن�سيون يف‬
‫مو�سيقى «�صنوبر روما» للمو�سيقار ر�سبيغي ت�صور جحافل جيو�ش الرومان قو�س الن�صر بباري�س‪ .‬ومت حتطيم التمثال يف القرن ال�ساد�س ب�أمر من البابا‬
‫غريغوري الكبري حني تن�صرت روما ورد ًا على ا�ضطهاد امل�سيحيني ثم �إجبارهم‬
‫تتقدم يف ال�شرق والغرب لتقيم �أ�ضخم �إمرباطورية يف الزمن القدمي‬
‫على م�صارعة الأ�سود‪.‬‬
‫ورمبا كان مار�ش الن�صر من �أوبرا (عايدة) لفردي �أن�سب قطعة ن�ستمع �إليها‬
‫بد�أ �إن�شاء الكولو�سيوم عام ‪ 72‬بعد امليالد حتت حكم الإمرباطور في�سبا�سيان‬
‫حتت قو�س ق�سطنطني املجاور‪ .‬يعترب الكولو�سيوم حتفة هند�سية لفن العمارة‬
‫مبحيط دائرة ت�صل �إىل ‪ 52‬مرت ًا وا�ستعمل فيه احلجر اجلريي‪ ،‬وهو م�ؤلف من ومت االنتهاء منه ب�شكل �أ�سا�سي �سنة ‪ 80‬يف عهد تيتو�س‪ ،‬ولكن متت بع�ض‬
‫�أربعة طوابق يحمل الطابق الأول �أعمدة من النوع الدوري (وهو �أب�سط و�أقدم التغيريات الإ�ضافية يف عهد دوميتيان‪.‬‬
‫د�شنه الإمرباطور تيتو�س الذي هدم املعبد يف القد�س بعد ‪� 8‬سنوات من‬
‫نوع من الأعمدة يف الهند�سة املعمارية الإغريقية) ويليه طابق حتمله �أعمدة من‬
‫النوع الأيوين (ن�سبة �إىل�أايونيا اليونانية) ثم ترى الطابق الثالث حتمله �أعمدة البناء ف�أقيمت فيه الألعاب الريا�ضية ملدة مائة يوم قتل خاللها خم�سة �آالف‬
‫من النوع الكورنثي (ن�سبة �إىل كورنث يف اليونان التي ا�شتهرت قدمي ًا بالرتف حيوان مفرت�س ون�صب البحارة خيام ًا و�أ�شرعة على‬
‫‪ 24‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪25‬‬

‫صدر حديثًا‬

‫صدر حديثًا‬
‫حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي‬
‫�صدر عن دار ف�ضاءات للن�شر والتوزيع كتاب (حركة‬
‫الوعي يف كاريكاتري ناجي العلي) للكاتب الفل�سطيني‬
‫خالد الفقيه‪ ،‬وقدم للكتاب رفيق ناجي العلي الدكتور‬
‫عادل �سمارة‪ ،‬ويقع الكتاب يف ‪� 380‬صفحة من‬
‫احلجم الكبري‪.‬‬
‫يتناول هذا الإ�صدار مو�ضوع ًا مهم ًا له ت�أثرياته‬
‫وتفاعالته املختلفة يف املجتمع الفل�سطيني واملجتمعات‬
‫الأخرى‪ ،‬ويتمثل هذا يف الدور الذي ا�ضطلعت به‬
‫فنون الكاريكاتري اخلا�صة بالفنان ناجي العلي‪،‬‬
‫وكيف �أ�سهمت هذه النتاجات الكاريكاتريية يف حتفيز‬
‫الق ّراء وحتري�ضهم باجتاه خلق وعي خا�ص بهم نحو‬
‫خمتلف الق�ضايا‪ .‬وربط الإ�صدار �أثر كاريكاتريات‬
‫العلي مبفهوم التنمية ال�سيا�سية ب�شكل �أ�سا�س‪ ،‬عدا عن‬
‫مفاهيم الدميقراطية والفقر والوحدة القومية‪.‬‬
‫يقول د‪ .‬عادل �سمارة يف مقدمته‪ :‬ربع قرن م�ضى‬
‫على اغتيال الفنان‪/‬املثقف امل�شتبك ناجي العلي على‬
‫وعجم وفل�سطينيني‪ .‬ال �أقول هذا تك ُّهنا وال‬
‫يد عرب‬
‫ٍ‬
‫اتهام ًا‪.‬‬
‫ال�ساعة ال�سابعة من �صباح ‪ 20‬متوز ‪ 1987‬قال‬
‫يل وكالنا يف مطبخ بيته يف �ضاحية وميبلدون – من‬
‫لندن‪ ،-‬وكنا ن�شرب قهوة ُم َّرة غالها بيده حيث كانت‬
‫الأ�سرة نيام ًا‪� :‬أنا الآن مت�أكد �أنهم �سوف يقتلونني �إن‬
‫مل �أمدح!‬
‫وال�ساعة اخلام�سة م�ساء يوم ‪ 22‬متوز ‪1987‬‬
‫ات�صلت ليال �إبنة ناجي الكربى وقالت‪ :‬ع ُّمو طخوا �أبي‪.‬‬
‫هي ر�صا�صة واحدة‪ ،‬لي�س �صدفة �أنها من �صنع‬
‫بريطانيا‪ ،‬ويف بريطانيا �أُغتيل ناجي العلي‪ .‬ر�صا�صة‬
‫واحدة �أطلقها قنا�ص حمرتف على و�سط عنقه اخللفي‬
‫فخرجت من خده الأمين‪ .‬وحينها قالت ال�شرطة‬
‫الربيطانية لل�سيد �أحمد الهوين حمرر جريدة العرب‪،‬‬
‫حيث نقل يل قول ال�شرطة بو�ضوح كي يثنيني عن‬
‫الكتابة �ضد القتلة كي ال �أُقتل �أي�ض ًا‪ ،‬و�إثرها عدت‬

‫من لندن لأحتمي بقريتي‪ .‬قال‪�« :‬أخربتني‬
‫ال�شرطة الربيطانية �أن القاتل حمرتف‬
‫ويعلم �أن الرجل ال يحتاج لأكرث من طلقة‬
‫واحدة» وهكذا كان‪ .‬و�أ�ضاف الهوين‪« :‬يا‬
‫�أُ�ستاذ �إذا كنت �أنت م�ستموت‪� ،‬أنا ال‪� ،‬أنتم‬
‫رب لكم» اخرتقت الر�صا�صة‬
‫الفل�سطينيني ال َّ‬
‫جممع الأع�صاب معتقدة �أن ناجي العلي‬
‫�سوف ينتهي حلظتها‪ .‬لكن ناجي العلي ُبعث‬
‫حينها‪ ،‬وما زال ينا�ضل وب�أقوى ِعرب كل‬
‫مواطن ومفكر وباحث عروبي‪.‬‬
‫كان بحث الكاتب خالد الفقيه مثابة ت�أكيد‬
‫على �أن الفن امل�شتبك يهب احلياة لفنان بعد‬
‫رحيله‪ ،‬كالبندقية النظيفة توا�صل �إطالق‬
‫النار بعد ال�شهيد‪ ،‬وكالأ�صيلة حتمل فار�سها‬
‫وتعود �إىل البيت وهي تبكي‪ .‬توا�صل بحث‬
‫الفقيه مع ناجي العلي‪ ،‬فهو بحث ُيقيم حوار ًا‬
‫بني امليت والأحياء‪ ،‬امليت احلي رغم �أحياء هم موتى‬
‫بال قبور‪ ،‬و�إن كانو يف �صيا�صي وق�صور‪.‬‬
‫انطلقت هذه الدرا�سة من فر�ضيتني هما‪� :‬أثرت‬
‫ر�سومات الفنان ناجي العلي الكاريكاتريية يف مواقف‬
‫اجلماهري املتلقية لها‪ ،‬ويف مواقف القيادات ال�سيا�سية‬
‫الفل�سطينية والعربية باجتاه الإ�صرار على احلقوق‬
‫الوطنية‪� ،‬أما الفر�ضية الثانية فكانت‪ :‬جناح الفنان‬
‫ناجي العلي يف تو�صيف هموم املواطن العربي ورفع‬
‫م�ستوى وعيه جتاه م�شاكله‪ ،‬وبثّ روح التغيري على‬
‫خمتلف ال�صعد االجتماعية والثقافية وال�سيا�سية على‬
‫امل�ستويني الفل�سطيني والعربي‪ .‬مل تقت�صر فر�ضيات‬
‫الكتاب على الفرتة الزمنية التي ن�شر فيها ناجي‬
‫ر�سوماته بل تعدّت ذلك لتطال �أثرها على متلقيها بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫احتاج الكاتب لالعتماد على عدد من املقابالت‬
‫اخلا�صة لأنّ مو�ضوع الكتاب مل يتم تناوله يف �أ ّية‬

‫�صدرت حديث ًا عن دار الأملعية اجلزائرية رواية‬
‫(توا�شيح الورد) للكاتبة منى ب�شلم‪ .‬كتب عن الرواية‬
‫الناقد املغربي د‪� .‬شعيب حليفي قائ ًال‪ :‬تخو�ض ُمنى‬
‫ب�شلم يف روايتها الأوىل (توا�شيح الورد) مغامرة الإبداع‬
‫الباحث عن فرادة ممكنة ت�سمح لها بتجريب كلي يف‬
‫طريقة �صوغ احلكاية �أو تدبري ر�ؤيتها‪،‬مما يمُ كنُ اعتباره‬
‫جتربة �أخرى يف ال�سرد املغاربي‪ ،‬تُعزز الرتاكم الذي‬
‫�ساهمت فيه كل الأجيال ‪.‬‬
‫َّ‬
‫تعك�س العديد‬
‫ولعل الرواية التي تُقدمها الأديبة ُمنى ُ‬
‫من املرايا املتفاعلة يف ما بينها‪ ،‬ذاتية وغريية‪ ،‬اجتماعية‬

‫وثقافية ‪...‬يف �أفق معرفة تُع ُرب بالرمزي ما تعجز اللغة‬
‫املبا�شرة عن قوله‪ .‬لهذا جاءت الرواية بحكاية واحدة‬
‫و�أ�سئلة متعددة‪ ،‬ذات قدرة على التخفي والتكيف‪..‬‬
‫متنح للكاتبة مقدرة بناء ن�ص تخييلي مركب‬
‫حتى َ‬
‫بج�سور متت ُّد �أفقي ًا وعمودي ًا‪ ،‬انطالق ًا من قوة دفع‬
‫حا�سمة هي اللغة ال�شعرية التي ك�سرت رتابة النرثي‬
‫ووجلت جتريب ًا جتديدي ًا يف احلكي‪.‬‬
‫وقد احتوت اللغة ال�شعرية م�ساحات النرث يف زمن‬
‫امر�أة تبوح بتفا�صيل احلياة‪ ،‬وال جتد �سوى هذا ال َّن َف�س‬
‫الذي يحررها‪ ،‬روح ًا وج�سد ًا و ُيقي ُد املعنى والداللة‪.‬‬

‫(تواشيح الورد) للكاتبة منى بشلم‬

‫‪ 26‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫درا�سة �سابقة من قبل �أي من الكتّاب‬
‫الفل�سطينيني والعرب �سابق ًا‪ ،‬ا�ستفاد‬
‫الكاتب من بع�ض الدرا�سات العامة التي‬
‫تناولت كاريكاتري ناجي العلي‪ ،‬و�أثره ب�شكل‬
‫عام دون �أن تخو�ض يف الربط بينها وبني‬
‫التنمية ال�سيا�سية والوعي وعليه ف�إنّ �أهمية‬
‫الكتاب تكمن يف �أنه الأول يف جماله‪ ،‬وهو‬
‫ما من �ش�أنه ت�شجيع كتاب �آخرين للتو�سع‬
‫والتطوير يف هذا املجال واملجاالت الأخرى‬
‫التي تناولها‪ ،‬والتي يو�صي الكاتب الكتّاب‬
‫غنى‬
‫املهتمني بالتقاطها ملا حتمله من ً‬
‫وعمق ودالالت اجتماعية و�سيا�سية وثقافية‬
‫ٍ‬
‫ت�صب يف جمال التنمية‬
‫وفكرية و�إبداعية‪ّ ،‬‬
‫ال�سيا�سية وتطوير الوعي الب�شري‪ ،‬وال�سري‬
‫نحو احلرية والعدالة و الدميقراطية احل ّقة‬
‫املرج ّوة‪.‬‬

‫(يائيل) للروائي محمد الغربي عمران‬
‫�صدرت رواية (ظلمة) للقا�ص والروائي الكبري‬
‫حممد الغربي عمران عن دار طوى يف طبعتها‬
‫الأوىل حتت عنوان (يائيل) والرواية تعالج فرتة‬
‫مهمة من تاريخ جمتمع جنوب �شبه اجلزيرة‬
‫العربية‪ ،‬منت�صف القرن اخلام�س الهجري‪ ،‬حيث‬
‫ا�ستدعى كاتبها التاريخ‪ ،‬مركز ًا على ال�صراع الديني‬
‫بني املذاهب‪ ،‬ليدور �صراع عنيف لل�سيطرة على‬
‫املجتمع بني ثالثة مذاهب �إ�سالمية هي‪ :‬املذهب‬
‫الإ�سماعيلي‪ ،‬وكان امتداد ًا للدولة الفاطمية يف‬
‫القاهرة‪ ،‬واملذهب ال�سني االمتداد ملذهب العبا�سيني‬
‫يف بغداد‪ ،‬واملذهب الثالث هو املذهب الزيدي‪.‬‬
‫وتدور �أحداث الرواية يف �أعايل جبال ال�سروات يف‬
‫اليمن وع�سري وحتى احلجاز‪ ،‬وهي بيئة �شخ�صيات‬
‫الرواية‪ ،‬حني يعي�ش �إن�سان ذلك اجلزء من العامل يف‬
‫�صراع دموي رهيب يقوده زعماء تلك املذاهب‪ ،‬وهو‬
‫ما يحدث اليوم‪ .‬ففي الوقت الذي كان يقود زعماء‬
‫تلك املذاهب العامة من قبائل ودهماء ليوجهونهم‬
‫لنهب املدن وتدمريها بفتوى ف�ساد حكامها‪ ،‬تنت�شر‬
‫عمليات القتل وال�سلب بدعوى ن�شر الدين احلق‪،‬‬
‫ليدخل زعيمهم معلن ًا نف�سه �أمري للم�ؤمنني‪ ،‬لي�ستعد‬
‫زعماء املذاهب الأخرى بتجيي�ش القبائل لتدور‬
‫الدائرة‪ .‬وهكذا دواليك ما �أن ي�سيطر زعيم مذهب‬
‫على �صنعاء معلن ًا نف�سه �إمام ًا على جنوب �شبه‬
‫جزيرة العرب حتى يدعو زعيم مذهب �آخر �أتباعه‬
‫وبقية القبائل للهجوم على �صنعاء مبيح ًا النهب‬
‫وال�سلب مقابل ما قاموا به‪.‬‬
‫والرواية ت�سقط املا�ضي على ما نعي�شه اليوم‪ .‬فال‬
‫يزال الدين و�أئمته هم املتحكمون بوعي العامة من‬
‫النا�س‪ .‬ولذلك يعي�ش الوطن العربي حالة �شبيهة‬
‫�أو مطابقة ملا عاي�شه جمتمعنا قبل �ألف عام مع‬
‫اختالف الأدوات‪ ،‬وما نعانيه اليوم‪ .‬فها هي الثورات‬
‫ال�شبابية‪ ،‬وها هي التيارات املت�أ�سلمة تقطف ثمارها‬
‫دون �أن يكون قد قدمت �أي ت�ضحيات‪.‬‬
‫الرواية عاجلت �أي�ض ًا العلقة بني �أتباع الديانات‬
‫الأخرى واملذاهب املخالفة للإ�سالم يف جنوب �شبه‬
‫اجلزيرة العربية‪ ،‬مثل الوثنية واليهودية‪ ،‬لينكفئ‬
‫�أتباع كل دين على �أنف�سهم‪ ،‬و�إن ظهر العك�س من‬
‫ذلك‪ ،‬خوفا من التنكيل والإبادة‪ .‬وهنا ي�ستخدم‬
‫الكاتب تعدد �أ�صوات الرواة وتوازى حكيها‪،‬‬
‫الأ�صوات التي تت�ضافر ب�شكل مطرد‪ ،‬لتقدم لنا‬
‫�أحداث ًا وتطورات العالقات بني فئات املجتمع يف‬
‫قالب �سل�س وممتع‪ .‬هناك عدة تيمات ن�سج الكاتب‬
‫روايته حولها‪ ،‬مثل‪� :‬صراع النف�س حول الإميان‬

‫وال�شك مب�صداقية دين عن �آخر‪ .‬ومذهب دون غريه‬
‫من املذاهب‪ .‬ولذلك ظلت ال�شخ�صية الرئي�سية‬
‫للرواية (جوذر) تت�أرجح بني املعتقدات اليهودية‬
‫والإ�سالمية‪ ،‬وظل جوذر يف بحث وت�سا�ؤل م�ستمر‬
‫عن وجود اهلل من عدمه‪.‬‬
‫واملحور الثاين ق�صة حب م�ضطربة وغري متوازنة‬
‫بني (جوذر) االبن من زواج بني م�سلم ويهودية وبني‬
‫حبيبته (�شوذب) ابنة املعلم الباطني �صع�صة الذي‬
‫علمه ر�سم احلروف ونق�ش الأ�شكال وتلوينها‪ ،‬كما‬
‫لقنه الكثري مما يعتقد‪� .‬شوذب احلبيبة التي تتعر�ض‬
‫للخطف والبيع كجارية يف �سوق النخا�سة‪ ،‬يف الوقت‬
‫الذي يقتل والدها املعلم من قبل رجال �إمام �صنعاء‬
‫بتهمة ترويجه للأفكار الباطنية‪ ،‬الك�أ�س الذي‬
‫جترعه �صبيه جوذر؛ والذي يرمى بعد مقتل معلمه‬
‫ب�شهور يف �سجن مظلم‪ ،‬عبارة عن �سرداب حتت‬
‫ق�صر احلاكم ليق�ضي فيه عدة �سنوات‪ ،‬وحني يخرج‬
‫من �سجنه بعد �صعود �إمام جديد‪ ،‬ال يجد حبيبته‬
‫�شوذب �أو �أمه اليهودية‪ ،‬ليبد�أ بالبحث امل�ضني بعد‬
‫�أن علم ب�أنها ُخطفت وبيعت يف �إحدى موجات �إباحة‬
‫�صنعاء للقبائل‪ ،‬لتباع ك�أمة ويرحل بها النخا�س من‬
‫�صنعاء باجتاه مكة لبيعها‪.‬‬
‫وال�شخ�صية الرئي�سة يف الرواية هي جوذر الذي‬
‫�أتقن الن�سخ والنق�ش والتلوين‪ ،‬وب�سبب مهنته تلك‬
‫تعر�ض للمالحقة وال�سجن‪ ،‬ثم �شخ�صية املعلم‬
‫�صع�صة الذي علمه �أ�سرار تلك املهنة التي ت�سببت يف‬
‫مقتل املعلم من قبل رجال �أحد الأئمة‪ ،‬ثم �شخ�صية‬
‫�أم جوذر يائيل اليهودية التي دفعت ثمن خمالفة‬
‫�أهل ملتها حني هربت لتتزوج �شاب ًا م�سلم ًا كان يعمل‬
‫م�ساعد ًا مع �أحد زعماء املذاهب‪ ،‬لكنه يقتل يف �إحدى‬
‫موجات النهب وال�سلب ل�صنعاء‪ ،‬ويرتكها ووليدها‬
‫ال�صغري فتعي�ش منبوذة من الطائفة اليهودية ومن‬
‫�أ�سرة زوجها‪� .‬إ�ضافة �إىل ع�شرات ال�شخ�صيات التي‬
‫تتفاوت ت�أثريها يف جمريات �أحداث الرواية‪.‬‬
‫يبحر الكاتب بالقارئ �إىل عوامل �أ�سطورية‬
‫و�أحداث غام�ضة ومواقف مبهمة يف �أكرث من ‪450‬‬
‫�صفحة‪ ،‬من خالل الراوي جوذر الذي يروي يف‬
‫خمطوطته كل ما عا�شه وما عاي�شه منذ طفولته‬
‫وحتى �صباه و�شبابه‪ ،‬م�سج ًال يف خمطوطته التي‬
‫يكت�شفها �أحد العاملني يف دار املخطوطات والكتب‬
‫ب�صنعاء‪ ،‬باعتبار جوذر فنان ًا ونا�سخ كتب ونقا�ش‬
‫زخارف ور�سام �أحرف‪ ،‬يحكي حياة �أفراد جمتمعه‬
‫يف ذلك الزمن املوغل ب�إبهامه وغمو�ضه‪ ،‬م�سج ًال‬
‫�صراع ًا رهيب ًا واقتتا ًال متوا�ص ًال على احلكم‪ .‬وما‬

‫تعر�ض له من �سجن وت�شرد ب�سبب مهنته‪ .‬ثم رحلته‬
‫للبحث عن حبيبته �شوذب بعد خروجه من ال�سراديب‬
‫املظلمة عقب ا�ستيالء �أتباع املذهب الباطني على‬
‫�صنعاء (ال�صليحيون) لريحل باحث ًا عنها وعن �أمه‬
‫متنق ًال مع القوافل من بلد �إىل �آخر حتى ي�صل مكة‬
‫عرب جبال ع�سري‪ .‬لينتقل جوذر من طور �إىل �آخر‬
‫راوي ًا ما ي�صادفه من عقبات وم�شاكل‪ ،‬وخالل رحلته‬
‫�إىل مكة تتداخل الر�ؤى والأفكار بني بحثه عن حبيبته‬
‫وبحثه عن يقني اهلل ليعود من مكة خائب ًا عرب تهامة‬
‫�إىل �صنعاء تائه ًا بني ال�شك واليقني‪ ،‬ليكت�شف غربته‬
‫عما حوله وعن نف�سه‪ ،‬وقد تداخل احلب بالإميان‬
‫بالفناء‪ .‬الرواية تظهر لنا �أ�سلوب حياة جمتمع‬
‫جنوب اجلزيرة مع تداخل العقائد الوثنية بال�سماوية‬
‫ومتازجها بال�سيا�سة‪ ،‬و�شناعة احلروب املتتالية التي‬
‫يقودها زعماء الدعوات املذهبية لي�س حب ًا يف اهلل‬
‫ولكن بهدف ال�سيطرة واال�ستبداد‪ ،‬لتتعاقب احلروب‬
‫التي يتخللها النهب وال�سلب والتدمري ب�صورة متعاقبة‪،‬‬
‫وك�أن القاعدة هي احلروب وما عداها هو اال�ستثناء‪.‬‬
‫ي�ستدعي الروائي التاريخ ليوظفه يف ا�ستجالء‬
‫غوام�ض ما تعي�شه جمتمعاتنا يف الوقت احلا�ضر‬
‫بفنية عالية متكئ ًا عليه ليحلق بخيالة فا�ضحا ما‬
‫يعتمل على �ساحتنا العربية املعا�صرة من ت�سلط‬
‫وف�ساد ودكتاتورية‪ ،‬حني يظل الدين �أداه فاعلة‬
‫لرتوي�ض و�إخ�ضاع املجتمعات وا�ستغاللها‪ ،‬لي�ضفي‬
‫على �شخ�صية احلاكم هالة من القدا�سة لأغرا�ض‬
‫�سيا�سية‪.‬‬
‫والرواية توحي بالتمرد والثورة كقيمة �إن�سانية من‬
‫خالل وقودها الطبقة الدنيا من املجتمع وحتالفهم‬
‫مع الطبقات الواعية واملفكرة‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪27‬‬

‫صدر حديثًا‬

‫صدر حديثًا‬
‫)عالم الفوضى ‪..‬وضع مسار جديد للقرن الواحد والعشرين)‬
‫للكاتب أمين معلوف‬

‫رواية (أعشقني) لألديبة األردنية سناء الشعالن‬
‫عن م�ؤ�س�سة الوراق للن�شر والتوزيع �صدرت‬
‫رواية (�أع�شقني) للأديبة الأردنية �سناء ال�شعالن‪.‬‬
‫وهي الرواية الفائزة بجائزة دبي الثقافية للإبداع‬
‫للعام ‪ 2011/2010‬يف دورتها ال�سابعة‪ .‬وتقع‬
‫ال�صغري‪،‬وتتك ّون‬
‫ال ّرواية يف ‪� 234‬صفحة من القطع ّ‬
‫من ‪ 8‬ف�صول‪.‬‬
‫والرواية امتداد لروايات اخليال العلمي عرب‬
‫توليفة �سردّية روائية رومان�س ّية‪ ،‬وباخت�صار‬
‫ن�ستطيع �أن ّ‬
‫نلخ�ص فكرة الرواية يف كلمة بطلتها‬
‫يف البداية حيث تقول‪« :‬وحدهم �أ�صحاب القلوب‬
‫العا�شقة من يدركون حقيقة وجود ُبعد خام�س‬
‫ينتظم هذا الكون العمالق‪� ،‬أنا ل�ستُ �ض ّد �أبعاد‬
‫ّ‬
‫الطول والعر�ض واالرتفاع والزّمان‪ ،‬ول�ستُ معنية‬
‫بتفكيك نظرية �إين�شتاين العمالقة التي يدركها‪،‬‬
‫ويفهمها جيد ًا حتى �أكرث الطلبة توا�ضع ًا يف ال ّذكاء‬
‫واالجتهاد يف � ّأي مدر�سة من مدار�س هذا الكوكب‬
‫ال�صغري‪ ،‬ولك ّنني �أعلم علم اليقني وامل�ؤمنني‬
‫ّ‬
‫والعاملني والعارفني والدارين وورثة املت�ص ّوفة‬
‫ّ‬
‫احلب‬
‫ال�سنني �أنّ‬
‫ّ‬
‫والع�شاق املنقر�ضني منذ �آالف ّ‬
‫هو ال ُبعد اخلام�س الأهم يف ت�شكيل معامل وجودنا‪،‬‬
‫احلب هو الكفيل ب�إحياء هذا املوات‪ ،‬وبعث‬
‫وحده ّ‬
‫اجلمال يف هذا اخلراب الإلكرتوين الب�شع‪ ،‬وحده‬
‫القادر على خلق عامل جديد يعرف معنى نب�ض‬
‫قلب‪،‬وفل�سفة انعتاق حلظة‪� ،‬أنا كافرة بك ّل الأبعاد‬
‫خال هذا البعد اخلام�س اجلميل»‪.‬‬
‫فهذه ال ّرواية تقدّم م�ساحات ال ّنف�س الإن�سان ّية‬
‫مبا فيها من مع�ضالت فكر ّية ونف�س ّية وج�سد ّية‬
‫عرب منظور زمني عامودي يخرتق �أكرث من �ألفي‬
‫عام من تاريخ احل�ضارة الإن�سانية‪ ،‬حتى النفاذ‬
‫�إىل �ألف عام �أخرى م�ستقبل ّية مفرت�ضة حيث عام‬
‫‪ 3000‬ميالدي عرب توليفة ا�ست�شراف ّية فنتازية ملا‬
‫قد يكون عليه م�ستقبل الب�شر ّية يف �ضوء معطياتها‬
‫احلا�ضرة‪ ،‬وانطالق ًا من �أزماتها ال ّراهنة يف �إزاء‬
‫خيال علمي يعد بالكثري من التقدّم على امل�ستوى‬
‫التقني‪ ،‬يف حني يظ ّل عاجز ًا عن االرتقاء ب�إن�سانية‬
‫ال�سمو بقلبه وعقله‪ ،‬ليظ ّل هو‬
‫الإن�سان‪،‬وقا�صر ًا عن ّ‬
‫الآخر حبي�س �أزمات الإن�سان ومع�ضالته و�أفكاره‬
‫و�أ�سئلته الكربى‪.‬‬
‫هذه ال ّرواية تهجر التّخوم لتدخل �إىل عوامل‬
‫الأ�سئلة الكربى عند الإن�سان‪،‬مثل‪ :‬املوت واحلياة‬
‫وال�سعادة واخللق والقوة والعلم واجلن�س والع�شق‬
‫ّ‬
‫وال�سلطة وال ّثورة وال ّن�صر والهزمية‬
‫ب‬
‫ر‬
‫وال‬
‫ّين‬
‫د‬
‫وال‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫‪ 28‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫والفرد واجلماعة‪،‬وحتاول �أن تقدّم جتربة ع�شق ّية‬
‫هاربة من عامل املادي التقني املفرت�ض يف امل�ستقبل‬
‫يف �ضوء اخليال العلمي‪،‬لتقدّم جتربة طوبائ ّية‬
‫للع�شق واجلن�س واخللود واالمتداد الب�شري‪.‬‬
‫وهي بذلك تهز�أ من ت�شيء الإن�سان يف الوقت‬
‫احلا�ضر‪ ،‬وتقدّم نبوءة مت�شائمة مل�ستقبل الب�شرية‬
‫�إن �أ�ص ّرت الإن�سان ّية على ما هي عليه من فرقة‬
‫وق�سوة وحروب ووح�ش ّية وانتهاز ّية ودمار؛ فرت�سم‬
‫عوامل م�ستقبلية يف جغراف ّية كون ّية هائلة متت ّد �إىل‬
‫ك ّل كواكب درب الت ّبانة‪ ،‬وت�شمل الب�شر ّية جمعاء‬
‫ب�شري م�أزوم يف م�ستقبل يدين للآلة‬
‫يف م�شهد‬
‫ّ‬
‫والرباغمات ّية والعلم املقطوع عن الإن�سان ّية وعن‬
‫ال�سماء‪ ،‬ويح ّول الإن�سان �إىل رقم كو ّ‬
‫ين مفرغ من‬
‫ّ‬
‫ال�سعادة‪.‬‬
‫الأمل وامل�شاعر وال ّذات ّية بل ومن ّ‬
‫ويف هذا الفراغ ال ّروحي القبيح حيث ال ج�سد‬
‫التفاعلي‪ ،‬وال �أ�سماء‪،‬وال �أحالم‪،‬وال ذاتية‪،‬‬
‫مبعناه‬
‫ّ‬
‫وال �أوطان‪ ،‬والدين‪ ،‬وال �أمل‪ ،‬وال جمال يولد الع�شق‬
‫بني القاتل واملقتول‪ ،‬ويجد بطل الرواية نف�سه‬
‫�سجين ًا يف ج�سد اغتاله �ضمن توليفة �سرد ّية تقوم‬
‫على افرتا�ض نقل دماغ الإن�سان من ج�سد �إىل‬
‫�آخر يف امل�ستقبل القريب‪ ،‬ثم يجد نف�سه حام ًال‬
‫بطفل اجل�سد الذي ي�سكنه‪ ،‬وهنا تبد�أ رحلته‬
‫مع نف�سه‪ ،‬ومع ج�سده اجلديد‪ ،‬ومع جنينه‪ ،‬ومع‬
‫�أ�سئلته الكربى‪ ،‬ليجد يف ال ّنهاية ك ّل الإجابات عن‬
‫�أ�سئلته املع ّلقة التي تقهر وجوده امل�ستلب يف عامل‬
‫امل�ستقبل املفرت�ض‪ ،‬فيقع يف ع�شق ج�سده الذي‬
‫كان يف يوم ما هو ج�سد املر�أة التي اغتالها بعد �أن‬
‫يعرفها عرب دفرت يومياتها‪ ،‬وي�ؤمن مثلها بالع�شق‪،‬‬
‫ويهجر الإحلاد حيث الإميان بال ّرب‪ ،‬وي�ؤمن من‬
‫جديد ب�إن�سانيته وبحق الب�شر ّية يف فر�صة �أخرية‬
‫وال�سعادة والع�شق‪ ،‬ويع�شقها بك ّل عمق‬
‫يف احلياة ّ‬
‫و�صدق‪ ،‬ويق ّرر �أن يبد�أ حياة جديدة بج�سده‬
‫ي�ضم رجولته العا�شقة لتلك املر�أة‬
‫ال ّ‬
‫أنثوي الذي ّ‬
‫التي تركت جنينها يف ج�سدهما‪.‬‬
‫وينت�صر خيار احلياة والع�شق يف نهاية ال ّرواية‪،‬‬
‫ويق ّرر بطل ال ّرواية �أن يحتفظ باجلنني‪ ،‬و�أن يلده‬
‫عندما يحني وقت ذلك ليهرب به �إىل كوكب �آخر‪،‬‬
‫ويبد�أ به جي ًال �آخر من الب�شرية يكون حام ًال للواء‬
‫املحبة والإخاء والعدل وامل�ساواة بعيد ًا عن ظلم‬
‫الب�شرية‪ ،‬و�سريها يف طريق الهالك احلتمي‪.‬‬
‫هذه ال ّرواية هي انت�صار الع�شق واحلياة على‬
‫املوت والفناء‪� ،‬إ ّنها دعوة مفتوحة لبدايات جديدة‪،‬‬

‫ال�سعادة‬
‫و�آفاق �أرحب‪ ،‬وفر�ص �أخرية‪� ...‬إ ّنها خيار ّ‬
‫ملن �أرادها بحق بعيد ًا عن املادة الباردة املوغلة يف‬
‫العزلة‪.‬‬
‫وعن �سبب اختيار ال�شعالن للكتابة يف جن�س‬
‫الأدب الروائي القائم على اخليال العلمي تقول‪«:‬‬
‫ُ‬
‫العلمي يفتح �شرفة ثالث ّية الأبعاد على‬
‫اخليال‬
‫ُّ‬
‫م�ستقبل التّقدّم املعريف‪ ،‬وممكن الإن�سان املحتمل‬
‫احلدوث يف حمدّدات زمان ّية ومكان ّية ومعرف ّية‬
‫قادمة �ضمن �سريورة التقدّم العامودي والأفقي يف‬
‫ّقليدي يف �ضوء‬
‫مدارج احل�ضارة‪ ،‬و�شكل ال ّرواي ّة الت ّ‬
‫�سلطات معرف ّية جديدة َت ِعد ب�أن تقدّم معطيات‬
‫حداث ّية ّ‬
‫ال�سردي مبا يتنا�سب مع‬
‫لل�شكل‬
‫احلكائي ّ‬
‫ّ‬
‫�أيدولوجيات ّ‬
‫الطرح املختلف‪ ،‬ومعطيات العوامل‬
‫املقرتحة‪ ،‬والإمكان ّيات امل�شروطة‪ ،‬مبا يتنا�سب‬
‫مع فر�ضيات كاتب اخليال العلمي‪ ،‬ومع نظرياته‪،‬‬
‫ور�ؤاه امل�ستقبل ّية‪.‬‬
‫ومن هذه ّ‬
‫ال�شرفة الثالث ّية العري�ضة التي‬
‫يقدّمها هذا الأدب‪ ،‬ن�ستطيع القول �إنّ اخليال‬
‫العلمي جتربة رياد ّية خا�صة يف كتابة امل�ستقبل‬
‫باالرتكاز على درا�سة علم ّية دقيقة ملعطيات الواقع‬
‫املعر ّيف‪ ،‬و�أفق منائه وامتداده يف �ضوء �إمكانياته‬
‫واحتماالته وحاجاته‪ ،‬وبخالف ذلك ت�صبح جتربة‬
‫كتابة اخليال العلمي هي جم ّرد �شطحات فانتاز ّية‬
‫مغرقة يف ّ‬
‫ال�شطط‪ ،‬ال ت�ساعد يف �أن تقوم بدورها‬
‫والتحري�ضي يف تقدمي �صيغ معرف ّية‬
‫التنويري‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جديدة يف �ضوء منتاجات معرف ّية حال ّية حقيق ّية‬
‫الوجود‪ ،‬والتّماهي يف ت�شكيل �صورة الوجود‬
‫الإن�سا ّ‬
‫ين على كوكب الأر�ض»‪.‬‬

‫�صدر حديث ًا كتاب للم�ؤلف اللبناين العاملي‬
‫�أمني معلوف بعنوان (عامل الفو�ضى ‪ ..‬و�ضع‬
‫م�سار جديد للقرن الواحد والع�شرين) يتناول‬
‫من خالله ما يجري يف العامل عموم ًا والعامل‬
‫العربي وال�شرق الأو�سط خ�صو�ص ًا‪ ،‬وفيما يخت�ص‬
‫ب�أو�ضاع املهاجرين العرب وامل�سلمني املقيمني‬
‫حالي ًا يف �أوروبا واملهجر‪ ،‬والذين يعانون من �أزمة‬
‫يف هويتهم وانتماءاتهم احل�ضارية وال�سيا�سية‬
‫ومبا يتعلق بالأقليات املقيمة يف العامل العربي‪.‬‬
‫والكتاب �صدر بعدة لغات‪ ،‬ون�سخته الإجنليزية‬
‫�صدرت عن دار (بلومبزبري) يف نيويورك‬
‫ولندن‪ ،‬وهى مرتجمة من الن�سخة الأ�صلية‬
‫بالفرن�سية‪.‬‬
‫وي�ستهل معلوف كتابه بقوله‪» :‬عندما قررت‬
‫�أن ا�ستك�شف عامل الفو�ضى تو�صلت �إىل ا�ستنتاج‬
‫ب�أن يف جذور م�شكلة العامل العربي كون قادة‬
‫هذه املنطقة من العامل يفتقرون �إىل ال�شرعية‬
‫يف نظر �أبناء �شعوبهم التي حرمت احلرية‬
‫والكرامة واحل�ص�ص امل�شروعة من مواردها‬
‫املادية ال�ضخمة من النفط واخلريات الطبيعية‪،‬‬
‫مما �أدى �إىل ت�شا�ؤم ه�ؤالء املواطنني وميلهم �إىل‬
‫حتطيم �أنف�سهم يف �سبيل تبديل الأو�ضاع»‪.‬‬
‫و�أ�ضاف‪�« :‬أن الربيع العربي بد�أ بانتحار‬
‫مواطنني فقدوا الأمل وهو ي�شبه �إىل حد كبري‬
‫انتحار الكهنة البوذيني الذين احرقوا �أنف�سهم‬
‫اعرتا�ض ًا على احلرب الأمريكية يف فيتنام يف‬
‫�ستينات القرن املا�ضي»‪.‬‬
‫ويرى معلوف �أن الربيع العربي الذي انطلق يف‬
‫عام ‪ 2011‬ي�شكل �أقوى و�أفعل رد على اعتداءات‬

‫(�سبتمرب) ‪ 2001‬يف نيويورك ووا�شنطن وعلى‬
‫النظرة اجلهادية العنيفة التي دفعت �إليها‪.‬‬
‫�إذ �أن االنتفا�ضات ال�سلمية يف ‪ 2011‬يف‬
‫�شوارع املدن العربية �أ�سقطت �إيديولوجية منظمة‬
‫القاعدة قبل �سقوط قادتها‪ ،‬ويطرح الكاتب �أمني‬
‫معلوف من خالل كتابه (عامل الفو�ضى ‪..‬و�ضع‬
‫م�سار جديد للقرن الواحد والع�شرين) ال�س�ؤال‬
‫التايل هل �ست�ستعيد م�صر الدولة الأكرث �سكان ًا‬
‫عربي ًا والتي قادت العامل العربي يف املا�ضي خا�صة‬
‫�أبان فرتة قيادة الرئي�س جمال عبد النا�صر‬
‫قيادتها لهذا العامل‪.‬‬
‫ً‬
‫وي�ؤكد �أنه من ال�صعب جدا الإجابة على هذا‬
‫ال�س�ؤال يف �ضوء املتغريات ال�سريعة التي حتدث‬
‫يف العامل العربي والعنا�صر العديدة املتداخلة يف‬
‫هذه الأحداث‪ ،‬ولكن ما يعتربه معلوف الأمر الأهم‬
‫يف التطورات الأخرية هو �أن العرب و�ضعوا حد ًا‬
‫للأ�سطورة القائلة ب�أنهم ال يتوقون �إىل احلرية‪،‬‬
‫�ش�أنهم �ش�أن �شعوب العامل الأخرى‪.‬‬
‫و�شيد ب�شجاعة املاليني من �أبناء الوطن العربي‬
‫الذين واجهوا القنابل والر�صا�ص ب�صدورهم‬
‫العارية و�أيديهم يف �شتى املدن العربية الثائرة‪.‬‬
‫ويرى �أمني معلوف �أن �أحد الأمور التي قد تنجي‬
‫العامل العربي من �أزماته اخلطرية ومن هيمنة‬
‫الغرب عليه هو قدرته على جتاوز اخلالفات‬
‫الطائفية واالثنية املنت�شرة فيه‪.‬‬
‫ومن دون ذلك بنظره ال جمال للتقدم ال�سيا�سي‬
‫واالقت�صادي‪ ،‬الفت ًا �إىل معاناة الأقليات امل�سيحية‬
‫يف بع�ض الدول العربية يف ال�سنوات الأخرية‪.‬‬
‫كما يت�ساءل‪« :‬هل تتحمل �إ�سرائيل و�أمريكا بع�ض‬

‫امل�س�ؤولية فيما يحدث مل�سيحيي العامل العربي؟»‪.‬‬
‫ويجيب بنعم‪ ،‬ولكن ب�ضرورة عدم ا�ستخدام هذا‬
‫الأمر كذريعة لتحقيق امل�آرب ال�سيا�سية‪ ،‬كما ينبه‬
‫�إىل خطورة الإرهاب فيما بني الطوائف امل�سلمة‬
‫املختلفة والذي يخدم الهيمنة الأجنبية على العامل‬
‫العربي‪.‬‬
‫و�أ�شار معلوف �إىل �أن دوافع التدخالت الع�سكرية‬
‫الأمريكية والأوروبية‪ ،‬ال ميكن ف�صلها عن رغبة هذه‬
‫الدول با�ستمرار و�ضع يدها على املوارد النفطية‬
‫والغازية الطبيعية يف املنطقة‪ ،‬منوه ًا �إىل �أن ت�صاعد‬
‫دور ال�صني ورو�سيا والهند والربازيل ودول �أخرى‬
‫يف القارة الآ�سيوية �أ�ضعف الهيمنة االقت�صادية‬
‫الأمريكية‪ ،‬ودفعها �إىل البحث عن خيارات �أخرى‬
‫ال�ستمرار نفوذها‪.‬‬

‫)أحزان اإلمبراطورية( للبروفيسور تشالمرز جونسون‬
‫�صدور حديث ًا كتاب )�أحزان الإمرباطورية‪:‬‬
‫النزعة الع�سكرية‪ ،‬ال�سرية‪ ،‬ونهاية اجلمهورية(‬
‫للربوفي�سور ت�شاملرز جون�سون‪ ،‬و ُيعد هذا الكتاب‬
‫هو اجلزء الثاين من ثالثية كتبها الربوفي�سور‬
‫جون�سون �أ�ستاذ العالقات الدولية بجامعة‬
‫كاليفورنيا وترجمه الإعالمي الكبري �صالح‬
‫عوي�س املحا�ضر بكلية الإعالم بجامعة م�صر‬
‫الدولية يف �إطار �إ�صدارات املركز القومي‬
‫للرتجمة ويقع يف حوايل �أربعمائة �صفحة من‬
‫القطع الكبري‪.‬‬
‫لقد بحث الكاتب يف جذور النزعة الع�سكرية‬

‫الأمريكية «التي حولتها احلرب الأ�سبانية‬
‫الأمريكية – �أواخر القرن التا�سع ع�شر – �إىل‬
‫نزعة ا�ستعمارية وو�ضعت �أمريكا على طريق‬
‫النزعة الع�سكرية»‪ ،‬كما قام بجولة يف القواعد‬
‫الع�سكرية الأمريكية يف اخلارج وكيف منت‬
‫وانت�شرت‪ ،‬وقال �إنه مع احتالل بغداد عام ‪2003‬‬
‫كانت الواليات املتحدة الأمريكية ت�شق طريقها‬
‫ببطء نحو النزعتني الإمرباطورية والع�سكرية منذ‬
‫�سنوات عديدة‪ ،‬وكان زعما�ؤنا ميوهون االجتاه‬
‫الذي ي�سريون فيه‪ ،‬يلفون �سيا�ساتهم اخلارجية‬
‫بعبارات مثل القوة العظمى الوحيدة‪ ،‬والأمة التي‬

‫ال غنى عنها‪ ،‬والعوملة‪ ،‬وبعد هجمات احلادي ع�شر‬
‫من �سبتمرب �أف�سحت هذه املزاعم املتباهية الطريق‬
‫لإعالنات الإمرباطورية الرومانية القادمة‪ ،‬وكتبت‬
‫ال�صحفية الإجنليزية مادلني ناتنج تقول‪« :‬كان من‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪29‬‬

‫صدر حديثًا‬
‫املعتاد �أن تكون الإمرباطورية الأمريكية جمرد‬
‫حكاية تداعب خيال �أق�صى الي�سار‪� ..‬أما الآن فهي‬
‫حقيقة مزعجة من حقائق احلياة»‪.‬‬
‫واعترب امل�ؤلف �أن احلكومة الأمريكية ما زالت‬
‫تت�صرف تقريب ًا بنف�س �أ�سلوبها �أيام احلرب‬
‫الباردة‪ ،‬و�أكد على احتمال ن�شوب حرب يف‬
‫�شرق �آ�سيا‪ ،‬وقال �إنه «يف �أعقاب احلادي ع�شر‬
‫من �سبتمرب مل يعد �ضروري ًا �إطالق التحذيرات‪،‬‬
‫وبد ًال من ذلك كان الت�شخي�ص �أو حتى الت�شريح‬
‫�أمر ًا �أكرث مالئمة‪ ،‬وفى ر�أيي �أن من املحتمل تعذر‬
‫�إلغاء تنامي النزعة الع�سكرية وال�سرية الر�سمية‬
‫واالعتقاد ب�أن الواليات املتحدة مل تعد ملزمة‬
‫بالفقرة ال�شهرية يف �إعالن اال�ستقالل التي تن�ص‬
‫على التم�سك باالحرتام الالئق لآراء الب�شر‪ ،‬وقد‬
‫يتطلب الأمر اندالع ثورة تهدف �إىل �إعادة وزارة‬
‫الدفاع حتت ال�سيطرة الدميقراطية‪� ،‬أو �إلغاء‬
‫وكالة املخابرات املركزية‪� ،‬أو حتى التفكري يف‬
‫فر�ض تنفيذ املادة الأوىل من الق�سم التا�سع للبند‬
‫ال�سابع من الد�ستور التي تن�ص على عدم ال�سماح‬
‫ب�سحب �أية �أموال من اخلزانة العامة �إال وفق ًا‬
‫للمخ�ص�صات املحددة بحكم القانون‪ ،‬ووجوب‬
‫�إ�صدار بيان ح�سابي بانتظام للواردات والنفقات‬
‫اخلا�صة بجميع الأموال العامة ون�شره من وقت‬
‫لآخر»‪.‬‬
‫وعلى ذكر النفقات اخلا�صة يقول الربوفي�سور‬

‫آخر خبر‬
‫جون�سون‪« :‬وكاالت اال�ستخبارات الأمريكية تنفق‬
‫�أكرث من جمموع الناجت الوطني الإجمايل لكل من‬
‫كوريا ال�شمالية وليبيا و�إيران والعراق جمتمعة‪،‬‬
‫وهذه الوكاالت تفعل ذلك با�سم ال�شعب الأمريكي‬
‫ولكن دون م�شورته �أو �إ�شرافه»‪.‬‬
‫وعن الإمرباطورية الع�سكرية الأمريكية يقول‬
‫�إنها «تتكون من قواعد بحرية دائمة ومطارات‬
‫حربية وثكنات للجي�ش ومراكز جت�س�س للتن�صت‬
‫ومواقع ا�سرتاتيجية حماطة ب�أرا�ض �أجنبية‪ ،‬وكل‬
‫ذلك ينت�شر يف كل قارة على وجه الأر�ض‪ ..‬وال‬
‫تعترب �شبكة القواعد الأمريكية ‪ 725 -‬قاعدة‪-‬‬
‫عالمة على اجلاهزية الع�سكرية‪ ،‬ولكن على نزعة‬
‫الت�سلط الع�سكري وهى الرفيق الذي ال مفر منه‬
‫للنزعة الإمرباطورية»‪.‬‬
‫ويتلخ�ص التعريف الب�سيط للنزعة الإمرباطورية‬
‫يف «�أنها هيمنة الدول القوية على الدول ال�ضعيفة‬
‫وا�ستغاللها‪ ،‬وتعقب �أحزان كثرية هذه النزعة‬
‫القدمية التي ت�سهل مالحظتها‪ ،‬فالنزعة‬
‫الإمرباطورية على �سبيل املثال هي ال�سبب اجلذري‬
‫لأحد �أ�سو�أ الأمرا�ض التي �أ�صابت بقية العامل عن‬
‫طريق احل�ضارة الغربية‪ ،‬و�أعنى بها العن�صرية»‪.‬‬
‫ويقول الربوفي�سور جون�سون‪�« :‬إن القوات امل�سلحة‬
‫الأمريكية حتجم متام ًا عن �إخالء �أية قاعدة‬
‫مبجرد �أن ت�ستويل عليها‪ ،‬وبد ًال من ذلك تبتكر لها‬
‫�أغرا�ضا جديدة‪ ..‬والقواعد الأمريكية ال تطبق �إال‬

‫)روبيسير‪ ..‬حياة ثورية( كتاب يتناول سيرته الذاتية‬
‫(روبي�سري‪..‬حياة ثورية) كتاب جديد �صدر‬
‫بالإجنليزية لبيرت ماكفى مبثابة درا�سة عميقة‬
‫عن الثوري الفرن�سي روبي�سري ويت�ضمن عديد من‬
‫التفا�صيل املثرية والغنية عن ال�سنوات املبكرة يف‬
‫حياته‪ .‬وعلى حد تعبري روث �سكور فى �صحيفة‬
‫(االوبزرفر) الربيطانية ف�إن هذا الكتاب هام لأنه‬
‫يتناول �شخ�صية بالغة الأهمية يف تاريخ الثورة‬
‫الفرن�سية وتاريخ الثورات ككل‪.‬‬
‫فروبي�سري يبدو مثل اجلن �أو املارد يف حكايات‬
‫(�ألف ليلة وليلة القادمة) من ال�شرق‪ ،‬فهو رجل‬
‫ظهر فج�أة وحظي بقوة هائلة ك�أحد جبابرة الثورة‬
‫وكما ظهر فج�أة اختفى فج�أة وال يرتك �سوى‬
‫ق�ص�ص الرعب والإرهاب والرتويع‪ .‬غري �أن هذا‬
‫الكتاب اجلديد مل يقع يف فخاخ الت�صورات امل�ألوفة‬
‫�أو املتداولة حول روبي�سري وبحار الدم التي ولغ فيها‬
‫و�إمنا �آثر م�ؤلفه �أن ي�سلط �أ�ضواء كا�شفة على مالمح‬
‫الفيل�سوف واملفكر الثوري الفرن�سي ب�صورة ال جتافى‬
‫املنهج العلمي الواجب‪.‬‬
‫وهكذا �ستجد بيرت ماكفي يتناول بر�صانة وعمق يف‬
‫كتابه املراحل املبكرة من طفولة ومراهقة روبي�سري‬
‫‪ 30‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫القوانني الأمريكية على من فيها �إذا ارتكب �أيهم‬
‫جرمية ما �ضد ال�سكان الأ�صليني للبالد حمل‬
‫القواعد‪ ..‬كما �أن جلب �آالف من ال�شباب الأمريكي‬
‫الذين ترتاوح �أعمارهم بني الثامنة ع�شرة والرابعة‬
‫والع�شرين من العمر �إىل ثقافات غريبة عليهم‬
‫ويجهلونها متام ًا‪ ،‬يعترب طريقة لن�شر �سل�سلة ال‬
‫تنتهي من احلوادث لت�صبح كالوباء الذي ي�صيب‬
‫الدول التي وافقت على ا�ست�ضافة تلك القواعد»‪.‬‬
‫ويلم�س امل�ؤلف كبد احلقيقة التي يجهلها‬
‫كثري من الأمريكيني وقادة الدول التي ت�سري يف‬
‫فلكها ‪� -‬أو يعرفونها ويتجاهلونها مل�صاحلهم‬
‫اخلا�صة‪ -‬حني يقول يف الف�صل الأخري بعنوان‬
‫�أحزان الإمرباطورية «منذ اللحظة التي ا�ضطلعنا‬
‫فيها بدور ا�شتمل على الهيمنة الع�سكرية الدائمة‬
‫على العامل‪ ،‬ونحن خائفون ومكروهون وفا�سدون‬
‫ومف�سدون‪ ،‬ونحافظ على(النظام) من خالل‬
‫�إرهاب الدولة والر�شوة‪ ،‬وقد اعتدنا على اخلطب‬
‫املغمو�سة بجنون العظمة‪ ،‬واملغالطات التي دعت‬
‫بقية العامل �إىل التوحد �ضدنا»‪.‬‬
‫و�أخري ًا ف�إن الربوفي�سور جون�سون الذي ح�صل‬
‫على الدكتوراه من جامعة بريكلى‪ ،‬خدم باعتباره‬
‫�ضابط ًا بحري ًا يف اليابان وكوريا اجلنوبية وكان‬
‫م�ست�شار ًا لوكالة اال�ستخبارات املركزية الأمريكية‪،‬‬
‫وله م�ؤلفات عديدة‪.‬‬

‫الذي ولد يوم ال�ساد�س من مايو عام ‪ 1758‬كثمرة‬
‫لعالقة غري �شرعية غري �أن والديه تزوجا بعد مولده‪.‬‬
‫ومبقايي�س التعليم كان روبي�سري طالب ًا جمتهد ًا‬
‫ومثابر ًا كما يو�ضح الكتاب‪ ،‬م�شريا �إىل �أنه مل يخل من‬
‫وم�ضات نبوغ مبكر �أثناء درا�سته يف مدر�سة لوي�س لو‬
‫جراند لكن ال ميكن القول باطمئنان �إنه كان عبقري ًا‬
‫�أو وحيد دهره فهناك مثله املئات �إن مل يكن الآالف‬
‫من الفرن�سيني‪.‬‬
‫وكمحام طموح وع�ضو يف �أكادميية �آرا�س‪ ،‬بدا‬
‫روبي�سري مهتم ًا وم�شاركا يف املناق�شات التي عرفها‬
‫القرن الثامن ع�شر حول مفهوم الف�ضيلة وعرف‬
‫كتابات مونت�سكيو ورو�سو‪.‬‬
‫ومي�ضى الكتاب مو�ضح ًا ر�ؤية روبي�سيري للثورة حيث‬
‫اعترب «�أن الثورة م�ستمرة وال يجوز لها �أن تنتهي قبل‬
‫�أن ي�شعر الفقراء باحلماية كما ي�شعر الأغنياء بالأمن‬
‫والأمان»‪ .‬وال جدال �أن روبي�سري كما ي�ؤكد امل�ؤلف كان والطريف �أن بيرت ماكفى تعر�ض كم�ؤلف ل�شيء من‬
‫مفكر ًا �صاحب ح�س اجتماعي يدعو للعدالة وي�شدد �سوء احلظ بعد �أن ك�شفت دار املحفوظات القومية‬
‫عليها بقدر ما يجهر عالي ًا برف�ض كل �صور اجلور الفرن�سية عن وثائق جديدة وهامة تتعلق بروبي�سري‬
‫والظلم االجتماعي ومن هنا �أطلق �س�ؤاله ال�شهري ولعل امل�ؤلف يوردها يف طبعة جديدة من كتابه‪.‬‬
‫والدال‪« :‬هل تريدون ثورة بدون ثورة؟!»‪.‬‬

‫الكشف عن قائمة الروايات المرشحة لجائزة‬
‫جونكور األدبية الفرنسية‬
‫ك�شف امل�سئولون يف الأكادميية الأدبية الفرن�سية جونكور عن قائمة‬
‫الروايات املر�شحة لنيل اجلائزة ال�شهرية‪ ،‬والتي �سوف متنح يف ‪ 7‬نوفمرب‬
‫القادم‪.‬‬
‫ومن بني هذه الروايات (الطفل اليونانى) للكاتب فا�سيلي�س الزاكي�س‪،‬‬
‫ورواية (الهجرة) للكاتب تريى بن�ستجيل‪.‬‬
‫و�أي�ض ًا هناك رواية (الطاعون والكولريا)‪ ،‬للكاتب باتريك دوفيل‪،‬‬
‫و(احلقيقة يف ق�ضية هارى كوبري) للكاتب جويل ديكر‪ ،‬و(�شارع الل�صو�ص)‬
‫للكاتب ماتيا�س �إينار‪.‬‬
‫اجلدير بالذكر‪� ،‬أن هذه القائمة ال حتتوى �أعما ًال ن�شرتها كل من دار‬
‫دجرا�سيه ودار فالماريون وهناك رواية وحيدة ن�شرتها دار جاليمار‪.‬‬

‫المكتبات في وطن شكسبير مهددة باإلغالق‬
‫تعالت �أ�صوات �أدباء وكتاب بريطانيون حلماية مئات الفروع من املكتبات‬
‫املحلية املهددة بالإغالق ب�سبب ال�ضائقة املالية‪ ،‬يف بالد عرفت على مر‬
‫تاريخها بولعها بالقراءة و�أجنبت مئات املبدعني وامل�ؤلفني‪.‬‬
‫وك�شفت �أرقام مل�ؤ�س�سات تراقب عمليات الإغالق يف املدن الربيطانية عن‬
‫وجود ‪ 245‬مكتبة حملية مهددة بالإغالق من قبل املجال�س املحلية من �أ�صل‬
‫‪ 4000‬مكتبة‪.‬‬
‫وتقود الروائية الربيطانية زادي �سميث احلا�صلة على جائزة (�إوراجن)‬
‫للرواية الن�سائية عن روايتها «عن اجلمال» حملة ملواجهة عملية الإغالق‬
‫املت�صاعدة لفروع املكتبات املحلية‪ ،‬مب�شاركة نا�شطني ومتطوعني من �أجل‬
‫املحافظة على �إرث �أ�سهم يف �صنع معرفة �أجيال من الربيطانيني‪.‬‬
‫أعلى مبيعات الكتب في قائمة (نيويورك تايمز)‬
‫بروايتها (‪ 50‬ظ ًال للرمادي) وللأ�سبوع الع�شرين على التوايل‪ ،‬ت�صدرت‬
‫الكاتبة الربيطانية (�أي ‪�.‬إل‪.‬جيم�س) قائمة (نيويورك تاميز) للروايات‬
‫الأكرث مبيع ًا �سواء للن�سخ الورقية �أو الإلكرتونية يف الأ�سبوع الأخري ‪.‬‬
‫ويف املركز الثاين‪ ،‬جاءت روايتها (‪ 50‬ظ ًال �أكرث قتامة) فيما احتل‪:‬‬
‫(‪ 50‬ظ ًال طليقا) لهذه الكاتبة الربيطانية الظاهرة املركز الثالث للأ�سبوع‬
‫ال�ساد�س ع�شر على التوايل‪.‬‬
‫ويف املركز الرابع جاءت رواية (فتاة راحلة) جليليان فلني للأ�سبوع الثالث‬
‫على التوايل‪ ،‬بينما كان املركز اخلام�س والأخري يف قائمة (نيويورك تاميز)‬
‫من ن�صيب رواية (عارية �أمامك) ل�سيلفيا داي ‪.‬‬
‫�أما على م�ستوى الأعمال غري الأدبية للكتب الأكرث مبيع ًا للن�سخ الورقية‬
‫والإلكرتونية يف قائمة (نيويورك تاميز) للأ�سبوع الأخري؛ فجاءت كالتايل‪:‬‬
‫احتفظ كتاب (الرباري) ل�شرييل �سرتايد باملركز الأول للأ�سبوع ال�ساد�س‬
‫على التوايل‪ ،‬كما احتفظ كتاب (بال توقف) للورا هيلينرباند باملركز الثاين‬
‫للأ�سبوع الرابع على التوايل‪.‬‬
‫وحل كتاب (الهاوي) الدوارد كالين ثالث ًا‪ ،‬فيما جاء كتاب (خديعة) لبني‬
‫ماكينرتى راب ًعا‪ ،‬ويقبع كتاب (اغتيال لينكولن) لبيل �أوريلى ومارتني دوجارد‬
‫يف املركز اخلام�س والأخري لقائمة (نيويورك تاميز)‬

‫الربيع العربي وعوالم ألف ليلة في معرض‬
‫فرانكفورت للكتاب‬
‫تتوا�صل فعاليات معر�ض فرانكفورت الدويل للكتاب الذي فتح �أبوابه‬
‫يف ‪ 10‬ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪ 2012‬للجمهور �أي�ض ًا‪ ،‬وقد حظيت عدد من‬
‫املوا�ضيع الثقافية وال�سيا�سية بحيز من النقا�ش ومن �ضمنها ق�ضايا الربيع‬
‫العربي ونتائجه وت�أثريه على امل�شهد الثقايف‪.‬‬
‫�شكل الربيع العربي ب�ؤرة احل�ضور العربي يف معر�ض فرانكفورت الدويل‬
‫للكتاب هذه ال�سنة‪ ،‬حيث خ�ص�ص املنظمون حلقات للنقا�ش مع كتاب �أملان‬
‫وعرب‪ ،‬تتناول الأو�ضاع يف م�صر وتون�س وليبيا واليمن‪ .‬غري �أن االحتجاجات‬
‫التي ت�شهدها �سوريا يف الوقت احلايل ظلت هي الأكرث ح�ضور ًا‪ .‬وقد‬
‫خ�ص�صت �إدارة املعر�ض لقاء خا�صا مع الكاتبة واملرتجمة الأملانية الري�سا‬
‫بندر لتقدمي الكتاب الذي �أ�شرفت على ن�شره �سوريا‪( ،‬الطريق ال�صعب نحو‬
‫احلرية)‪ .‬وهو الكتاب الذي يعر�ض �شهادات عدد من الن�شطاء والكتاب حول‬
‫الو�ضع ال�سوري املت�أزم‪.‬‬
‫كما �شكل و�ضع الن�ساء يف ظل الثورات العربية حمور ًا للنقا�ش‪ ،‬حيث حتكي‬
‫الكاتبة الرتكية نيكال كيليك التي �سافرت يف عز الثورات العربية �إىل عدد‬
‫من الدول العربية عن �شهادتها حول ن�ساء يطمحن �إىل احلرية‪ ،‬وت�شاركها‬
‫يف النقا�ش وزيرة �ش�ؤون اندماج املهاجرين يف والية بادن‪-‬فومتربغ بيلكاي‬
‫�أونيي‪.‬‬
‫ويذكر هنا �أن املعر�ض فتح �أبوابه جلمهور القراء يف ‪ 13‬ت�شرين الأول‪/‬‬
‫�أكتوبر ‪ 2012‬بعد �أن اقت�صرت الثالث الأيام املا�ضية على الزائرين‬
‫املتخ�ص�صني والنا�شرين والتجار‪.‬‬
‫حضور عربي وإسالمي في ترشيحات جائزة الكتاب األلماني‬
‫بالرغم من �أن �أية رواية لكاتب �أملاين من �أ�صول‬
‫عربية مل تر�شح جلائزة الكتاب الأملاين لهذه ال�سنة‪،‬‬
‫ف�إن قائمة الروايات املر�شحة للفوز بهذه اجلائزة‬
‫الأملانية املهمة‪ ،‬ت�ضمنت ق�ص�ص ًا كان للعرب وامل�سلمني‬
‫ح�ضور ًا قوي ًا فيها‪.‬‬
‫ومثلما �أفاد تقرير بـ (الدويت�ش فيال) ف�إنه منذ عام‬
‫‪ 2005‬تقوم جمعية جتارة الكتب الأملانية وبالتعاون مع‬
‫النا�شرين الأملان وهيئات توزيع الكتب الأملانية �سنوي ًا‬
‫مبنح (جائزة الكتاب الأملاين) يف فرانكفورت‪.‬‬

‫وكما يوحي ا�سم هذه اجلائزة‪ ،‬تقت�صر هي على‬
‫الروائيني الأملان‪ ،‬وبالفعل �صدرت قائمة تر�شيحات‬
‫للع�شرين رواية املحتمل فوزها للعام ‪ ،2012‬والغريب‬
‫يف الأمر �أن عديد من هذه الروايات تناولت مو�ضوعات‬
‫مت�س غري الأملان‪.‬‬
‫ففي معر�ض احلديث عن املو�سيقى مث ًال‪ ،‬مت تر�شيح‬
‫ق�صة (الأ�صوات) ملايكل روي�س‪ ،‬حيث ر�سم الكاتب‬
‫حياة عزيز ال�شاب اليمني الذي متلكته الأنغام بعد �أن‬
‫�صعقته ال�سماء ليفقد بعد حني قدرته على ال�سمع لكن‬

‫ذلك مل يحده من حتقيق حلمه كملحن‪.‬‬
‫ويف رواية (رمال) لفولفجاجن هرندورف نتحول‬
‫�إىل مفت�شني وحمققني يف ق�ضية غام�ضة وقعت‬
‫يف ال�صحارى �أيام عملية منظمة �أيلول الأ�سود‬
‫الفل�سطينية عام ‪ 1972‬يف ميونيخ‪.‬‬
‫�أما على ال�صعيد الرومان�سي‪ ،‬فقد مت تر�شيح رواية‬
‫بودو كري�شهوف (احلب يف قطارات حقرية)‪ ،‬التي‬
‫تتناول ت�صادم عالقة حب زوجية بعالقة حب �آنية‬
‫جذابة يف عامل ال حمل فيه للحب الأبدي‪.‬‬
‫يف حني تربز �أولغا غري�سنوفا يف روايتها (الرو�سي‬
‫حمب البيتوال) واقع �شباب اليوم الذي يكرث ترحاله‬
‫وانفتاحه ليجد نف�سه معدوم الوطن يف نهاية الأمر‪.‬‬
‫هي تتطرق �إىل حياة فتاة �أذربيجانية يهودية يف‬
‫�أملانيا دعتها الظروف للذهاب �إىل �إ�سرائيل؛ لتجد‬
‫ذاتها و�سط عوامل ال تنتمي �إليها‪.‬‬
‫فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

‫‪31‬‬

‫نقطة ضوء‬

‫ّ‬
‫ذاكرة تقنية‬
‫حينما تعبث بك التكنولوجيا فتُ�صبح يف عداد املفقودين �إلكرتوني ًا ب�سبب اخرتاق هكري يدمر كل‬
‫�شيء ب�ضغطة زر‪ ،‬ويكون من �آثاره فقدان كل املعلومات التي حملها املوقع الذي �أنت ع�ضو فيه‪ ،‬ومل‬
‫يعد ب�إمكان �صاحبه‪� ،‬أو �أي فرد من �أع�ضائه ‪ .‬ا�ستعادة �شيء من ذواتهم ولو طاولوا النجوم‪ ،‬كيف‬
‫ميكن �أن تت�صرف؟‬
‫حينها من ُينقذ ذاكرتك‪ ،‬فكرك‪� ،‬إبداعك‪ ،‬جزء ًا من عقلك‪ ،‬من �ضياع م�ؤكد لعمل طاملا ق�ضيتَ‬
‫الوقت من �أجل ن�شره عرب و�سيط ي�سمى موقع �إلكرتوين‪ ،‬ومن يعزّيك يف فقد ذاكرتك‪� ،‬أو يوا�سيك عند‬
‫�إ�صابتك ب�صدمة نف�سية �إلكرتونية مبا�شرة؟‬
‫�شيخة اجلابري‬

‫كثريون ير ّوجون لفكرة �أن ال ّنت واالت�صال ال�شبكي �سحب الب�ساط من و�سائط االت�صال التقليدية‪،‬‬
‫مبا فيها من و�سائل توا�صل كالربيد التقليدي‪ ،‬وال�صحف‪ ،‬واملجالت‪ ،‬واملطبوعات الورقية‪ ،‬فقد �أ�صبح‬
‫ب�إمكان املرء ت�صفح ما ي�شاء من �إ�صدارات وهو يحمل جهاز ًا بحجم كف اليد‪ ،‬و�صارت ال�صحف‬
‫الإلكرتونية مناف�سة للورقية كما يزعمون‪ ،‬لكن‪ ،‬وميكننا �أن ن�ضع حتت ال”لكن” تلك �أكرث من خط‬
‫�أحمر‪ ،‬ماذا يفعل املرء �إذا انقطعت الكهرباء مث ًال وهو يف حالة توحد مع كتاب �أو �صحيفة‪� ،‬أو كان‬
‫يقوم بكتابة عمل �أدبي ما بغية ن�شره عرب �إحدى الو�سائط النت ّية‪ ،‬حينها �أي ردة فعل �ست�سيطر عليه؟‬
‫وكيف ميكنه التعامل مع املوقف؟ وهل يهرب منه �إىل مطبوع ورقي يكفيه عناء الغ�ضب‪ ،‬واالنتظار؟‬
‫الذي جعلني �أد ّون هذه اخلاطرة ذهابي للبحث عن مو�ضوع يف �أحد املواقع النت ّية الكربى‪ ،‬ولكنني‬
‫فوجئت بعدم وجود املوقع‪ ،‬ثم حني �س�ألت علمتُ ب�أنه قد تعر�ض لقر�صنة �إلكرتونية ذهبت بكنز املعلومات‬
‫التي يحملها �أدراج الرياح‪ ،‬ومل يعد ممكن ًا ا�سرتجاع �أي من املواد التي ُح ّملت على ذاك املوقع وهو‬
‫الأو�سع انت�شار ًا �ضمن ت�صنيف املواقع الإخبارية والأدبية ‪.‬‬
‫لقد فقد مع املوقع ن�سبة كبرية من املواد الأدبية والفكرية التي كتبها �أ�صحابها بدم قلوبهم‪ ،‬وماء‬
‫�أع�صابهم‪ ،‬فمن يعيد لل�شعراء ق�صائدهم‪ ،‬وللكتّاب كلماتهم‪ ،‬وللمتعبني ا�سرتاحاتهم اخلا�صة؟‬
‫هكذا هي التكنولوجيا �سكني حاد‪ ،‬البد �أن تعرف متى وكيف ت�ستخدمه‪ ،‬و�إال كانت العواقب الوخيمة‪،‬‬
‫نف�سي ًا‪ ،‬ومادي ًا‪ ،‬و�أخالقي ًا كذلك ‪.‬‬
‫ويف ظل تلك االنتكا�سات التقن ّية رفيعة امل�ستوى يظل البقاء للأرق‪ ،‬للقلق‪ ،‬لفعل الكتابة احلقيقي‪ ،‬للورق‬
‫الأبي�ض الراعب الذي ي�أخذك عرب م�ساحاته �إىل عوامل من الده�شة والإبداع‪ ،‬للموت �أمام ظل ورقة‪،‬‬
‫ليبقى العقل حا�ضر ًا‪ ،‬مت ّقد ًا وهو ينحت حرف ًا‪ ،‬وي�صنع جملة �إبداعي ًة خمتلفة‪ ،‬يبحث بني �أرفف املكتبات‪،‬‬
‫وغبار الوقت عن �سفر يعيد �إليه تلك العالقة املفقودة بني الكتاب والكاتب‪ ،‬فيكون �صديق الروح‪ ،‬وخ ّلها‬
‫الويف الذي الي�ستع�صي رغم حكايات الأ�ساطري وامل�أثورات ال�شعبية ‪.‬‬
‫بال �شك‪ ،‬هناك فرق كبري بني �أ ّنات الكيبورد و�إزعاج مفاتيحه‪ ،‬و�صفحات تق ّلبها بحب وروية‪،‬‬
‫وان�سجام‪ ،‬وحيوية‪ ،‬هكذا ُي�صبح الكتاب �أكرث �أهمية من موقع يغيب بغياب �ضمري �إن�ساين‪ ،‬وب�ضغطة‬
‫زر ‪.‬‬

‫‪ 32‬فكر‬

‫العدد ‪� - 1‬أكتوبر ‪2012‬‬

You're Reading a Free Preview

تحميل
scribd
/*********** DO NOT ALTER ANYTHING BELOW THIS LINE ! ************/ var s_code=s.t();if(s_code)document.write(s_code)//-->