‫‪www.ikhwan-info.

net‬‬

‫المستقبل لهـذا الـديــن‬
‫سـيـد قـطب‬

‫‪1‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الإسلم منهج حياة‬
‫السلم منهج‪ .‬منهج حياة‪ .‬حياة بشرية واقعية بكل مقوماتها‪ .‬منهج يشمل التصور‬
‫العتقادي الذي يفسر طبيعة (الوجود)‪ ،‬ويحدد مكان (النسان) في هذا الوجود‪ ،‬كما يحدد‬
‫غا ية وجوده الن ساني‪ ..‬ويش مل الن ظم والتنظيمات الواقع ية ال تي تنب ثق من ذلك الت صور‬
‫العتقادي وتستند إليه‪ ،‬وتجعل له صورة واقعية متمثلة في حياة البشر‪ .‬كالنظام الخلقي‬
‫والينبوع الذي ينب ثق م نه‪ ،‬وال سس ال تي يقوم علي ها‪ ،‬وال سلطة ال تي ي ستمد من ها‪ .‬والنظام‬
‫ال سياسي وشكله وخ صائصه‪ .‬والنظام الجتما عي وأ سسه ومقوما ته‪ .‬والنظام القت صادي‬
‫وفلسفته وتشكيلته‪ .‬والنظام الدولي وعلقاته وارتباطاته‪..‬‬
‫ونحـن نعتقـد أن المسـتقبل لهذا الديـن‪ ،‬بهذا العتبار‪ .‬باعتباره منهـج حياة‪ ،‬يشتمـل‬
‫على تلك المقومات كل ها متراب طة‪ ،‬غ ير منف صل بعض ها عن ب عض‪ .‬المقومات المنظ مة‬
‫لشتى جوانب الحياة البشرية‪ ،‬الملبية لشتى حاجات (النسان) الحقيقية‪ ،‬المهيمنة على شتى‬
‫أوجه النشاط النسانية‪.‬‬
‫وهذا الد ين ‪ -‬بهذا العتبار ‪ -‬ل يس مجرد عقيدة وجدان ية منعزلة عن وا قع الحياة‬
‫البشر ية في كل مجالت ها الواقع ية ‪ -‬إن صح أن هناك دينا إله يا يم كن أن يكون مجرد‬
‫عقيدة وجدانيـة منعزلة عـن واقـع الحياة البشريـة‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ -‬وليـس مجرد شعائر تعبديـة يؤديهـا‬

‫المؤمنون بهذا الديـن فرادى أو مجتمعيـن ‪ ،‬فتكون لهـم صـفة هذا الديـن ! وليـس مجرد‬
‫طريـق إلى الخرة لتحقيـق الفردوس الخروي؛ بينمـا هناك طريـق آخـر أو طرق أخرى‬
‫لتحقيق الفردوس الرضي‪ ،‬غير منهج الدين‪ ،‬وغير نظم وتنظيمات الدين !‬
‫وهذا الدين من الوضوح في هذا المعنى ‪ -‬ومن العمق والقوة كذلك ‪ -‬بحيث يبدو‬
‫أن ل يس هنالك أ مل في نجاح أ ية محاولة لتصويره في صورة العقيدة الوجدانية المنعزلة‬
‫عـن واقـع الحياة البشريـة‪ ،‬والتـي ل علقـة لهـا بتنظيمات الحياة الواقعيـة‪ ،‬وتشكيلتهـا‬
‫وأجهزتهـا العمليـة‪ .‬أو العقيدة التـي تعـد الناس فردوس الخرة إذا هـم أدوا شعائرهـا‬
‫‪) (1‬‬

‫اقرأ الفصل التالي ‪..‬‬
‫‪2‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وعباداتهـا‪ ،‬دون أن يحققوا – فـي واقـع مجتمعهـم – أنظمتهـا وشرائعهـا وأوضاعهـا‬
‫المتميزة المتفردة الخا صة ! فهذا الدين ليس هذا‪ .‬ولم يكن هذا‪ .‬ول يمكن أن يكون هذا‪..‬‬
‫ربما استطاعت أية نحلة في الرض تزعم لنفسها أنها (دين) ويزعم لها أهلها أنها (دين)‬
‫أن تكون كذلك! أما (هذا الدين) فل‪ .‬ثم ل‪ .‬ثم ل‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ونحـن نعرف أن هناك جهودا جبارة تبذل‪-‬منـذ قرون‪ -‬لحصـر السـلم فـي دائرة‬
‫العتقاد الوجدا ني والشعائر التعبد ية‪ ،‬وك فه عن التد خل في نظام الحياة الواقع ية؛ ومن عه‬
‫من الهيمنة الكاملة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية‪-‬كما هي طبيعته‪ ،‬كما هي حقيقته‪،‬‬
‫وكما هي وظيفته‪.‬‬
‫ل قد كا نت هذه الخ صائص في هذا الد ين‪ ..‬خ صائص الشمول والواقع ية والهيم نة‪..‬‬
‫هي ال تي تع بت من ها ال صليبية العالم ية في هجوم ها على (ال مة الم سلمة) في (الو طن‬
‫السلمي)‪ .‬كما أنها هي التي تعبت منها الصهيونية العالمية كذلك‪ ،‬منذ عهد بعيد! ومن‬
‫ثم لم ي كن بد أن تبذل معا الجهود الجبارة لح صر هذا الد ين في دائرة العتقاد الوجدا ني‬
‫والشعائر التعبد ية؛ وك فه عن التد خل في نظام الحياة الواقع ية؛ ومن عه من الهيم نة على‬
‫نشاط الحياة البشرية‪ ..‬وذلك كله كخطوة أولى‪ ،‬او كموقعة أولى‪ ،‬في معركة القضاء عليه‬
‫في النهاية!‬
‫وب عد أن أفل حت تلك الجهود الجبارة؛ ونالت انت صارها الحا سم على يد (اتاتورك)‪-‬‬
‫البطل!!!‪ -‬في إلغاء الخلفة السلمية؛ وفصل الدين عن الدولة؛ وإعلنها دولة (علمانية)‬
‫خالصـة‪ .‬عقـب محاولت ضخمـة بذلت فـي شتـى أقطار (المـة المسـلمة) فـي (الوطـن‬
‫السلمي) التي وقعت في قبضة الستعمار قبل ذلك‪ ،‬لزحزحة الشريعة السلمية عن أن‬
‫تكون هي (المصدر الوحيد) للتشريع؛ والستمداد من التشريع الوروبي؛ وحصر الشريعة‬
‫في ذلك الركن الضيق المسدود‪ :‬ركن ما سموه (الحوال الشخصية)!‬

‫‪3‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ب عد أن أفل حت تلك الجهود الضخ مة‪ ،‬ونالت انت صارها الحا سم على يد (الب طل!!!)‬
‫أتاتورك‪ ..‬تحولت إذن إلى الخطوة التالية ‪ -‬او الموقعة التالية‪ -‬ممثلة في الجهود النهائية‪،‬‬
‫ال تي تبذل الن في ش تى أنحاء (الو طن ال سلمي) ‪ -‬او بت عبير أدق الذي كان إ سلميا‪-‬‬
‫ل كف هذا الد ين عن الوجود أ صلً؛ وتنحي ته ح تى عن مكان العقيدة‪ ،‬وإحلل ت صورات‬
‫وضعيـة أخرى مكانـه ؛ تنبثـق منهـا مفاهيـم وقيـم‪ ،‬وأنظمـة وأوضاع ‪ ،‬تمل فراغ‬
‫( العقيدة ) ! وتسمى مثلها ‪ ..‬عقيدة ‪..‬‬
‫وصاحب هذه المحاولة ضربات وحشية تكال لطلئع البعث السلمي في كل مكان‬
‫على ظهر هذه الرض؛ تشترك فيه كل المعسكرات المتخاصمة التي ل تلتقي على شيء‬
‫في مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬إل على الخوف من البعث السلمي الوشيك؛ الذي تحتمه‬
‫طبائع الشياء‪ ،‬وحقائق الوجود والحياة‪ ،‬ودللت الواقع البشري من هنا و من هناك ‪..‬‬
‫ولكن نا نعلم كذلك أن هذا الد ين اض خم حقي قة‪ ،‬وا صلب عودا‪ ،‬واع مق جذورا‪ ،‬من‬
‫أن تفلح في معالجته تلك الجهود كلها‪ ،‬ول هذه الضربات الوحشية كذلك‪ .‬كما أننا نعلم أن‬
‫حاجة البشرية إلى هذا المنهج اكبر من حقد الحاقدين على هذا الدين؛ وهي تتردى بسرعة‬
‫مخي فة في هاو ية الدمار ال سحيقة؛ ويتنادى الواعون من ها ب صيحة الخ طر‪ ،‬ويتلم سون ل ها‬
‫طريق النجاة‪ ..‬ول نجاة إل بالرجوع إلى ال‪ ..‬والى منهجه القويم للحياة‪.‬‬
‫إن هتافات كثيرة مـن هنـا ومـن هناك تنبعـث مـن القلوب الحائرة‪ .‬وترتفـع مـن‬
‫الحنا جر المتع بة‪ ..‬ته تف بمن قذ‪ ،‬وتتل فت على (مخلّص)‪ .‬وتت صور لهذا المخلص سمات‬
‫وملمح معينة تطلبها فيه‪ .‬وهذه السمات والملمح المعينة ل تنطبق على أحد إل على هذا‬
‫الدين!‬
‫ف من طبي عة المن هج الذي ير سمه هذا الد ين‪ ،‬و من حا جة البشر ية إلى هذا المن هج‪،‬‬
‫نسـتمد نحـن يقيننـا الذي ل يتزعزع‪ ،‬فـي أن المسـتقبل لهذا الديـن‪ ،‬وان له دورا فـي هذه‬
‫الرض هو مد عو لدائه ‪ -‬أراد أعداؤه كل هم أم لم يريدوا ‪ -‬وان دوره هذا المرت قب ل‬
‫‪4‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫تملك عقيدة أخرى‪ -‬كما ل يملك منهج آخر‪ -‬أن يؤديه‪ .‬وأن البشرية بجملتها ل تملك أن‬
‫تستغني طويلً عنه‪.‬‬
‫إن البشريـة قـد تمضـي فـي إعتسـاف تجارب متنوعـة هنـا وهناك‪ -‬كمـا هـي الن‬
‫ماضيـة فـي الشرق وفـي الغرب سـواء‪ -‬ولكننـا نحـن مطمئنون إلى نهايـة هذه التجارب‪،‬‬
‫واثقون من المر في نهاية المطاف‪.‬‬
‫إن هذه التجارب كلها تدور في حل قة مفرغة‪ ،‬ودا خل هذه الحلقة ل تتعداها‪ -‬حل قة‬
‫الت صور البشري والتجر بة البشر ية وال خبرة البشر ية المشو بة بالج هل والن قص والض عف‬
‫والهوى – فـي حيـن يحتاج الخلص إلى الخروج مـن هذه الحلقـة المفرغـة‪ ،‬وبدء تجربـة‬
‫جديدة أ صيلة‪ ،‬تقوم على قاعدة مختل فة كل الختلف‪ :‬قاعدة المن هج الربا ني ال صادر عن‬
‫علم (بدل الجهل) وكمال (بدل النقص) وقدرة (بدل الضعف) وحكمة (بدل الهوى)‪ ..‬القائم‬
‫على أساس‪ :‬إخراج البشر من عبادة العباد إلى عبادة ال وحده دون سواه‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫إن مفرق الطر يق ب ين من هج هذا الد ين‪ ،‬و سائر المنا هج غيره‪ :‬أن الناس في نظام‬
‫الحياة ال سلمي يعبدون إلها واحدا‪ ،‬يفردو نه‪ -‬سبحانه‪ -‬باللوه ية والربوب ية والقوا مة ‪-‬‬
‫بكـل مفهومات القوامـة‪ -‬فيتلقون منـه ‪-‬وحده‪ -‬التصـورات والقيـم والموازيـن‪ ،‬والنظمـة‬
‫والشرائع والقوانيـن‪ ،‬والتوجيهات والخلق والداب‪ ..‬بين ما هم في سائر الن ظم يعبدون‬
‫آلهـة وأربابا متفرقـة‪ ،‬يجعلون لهـا القوامـة عليهـم مـن دون ال‪ ،‬حيـن يتلقون التصـورات‬
‫والقيم والموازين‪ ،‬والنظمة والشرائع والقوانين والتوجيهات والداب والخلق‪ ،‬من بشر‬
‫مثل هم‪ .‬فيجعلون هم ‪ -‬بهذا التل قي‪ -‬أربابا‪ ،‬و يمنحون هم حقوق اللوه ية والربوب ية والقوا مة‬
‫عليهم‪ ..‬وهم مثلهم بشر‪ ..‬عبيد كما انهم عبيد‪..‬‬
‫ونحن نسمي هذه النظم التي يتعبد الناس فيها الناس‪-‬كما يسيمها ال سبحانه‪ -‬نظما‬
‫جاهل ية‪ .‬مه ما تعددت أشكال ها وبيئات ها وأزمان ها‪ .‬ف هي قائ مة على ذات ال ساس الذي جاء‬
‫هذا الديـن‪-‬يوم جاء‪ -‬ليحطمـه‪ ،‬وليحرر البشـر منـه‪ ،‬وليقيـم فـي الرض ألوهيـة واحدة‬
‫‪5‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫للناس؛ وليطلقهـم مـن عبادة العباد إلى عبادة ال وحده؛ بالمعنـى الواسـع الشامـل لمفهوم‬
‫(العبادة) ومفهوم ( الله) ومفهوم (الرب) ومفهوم (الدين) (‪.)1‬‬
‫لقد جاء هذا الدين ليلغي عبودية البشر للبشر‪ ،‬في كل صورة من الصور‪ ،‬وليوحد‬
‫العبودية ل في الرض‪ ،‬كما أنها عبودية واحدة ل في هذا الكون العريض‪.‬‬
‫(أفغ ير د ين ال يبغون‪ ،‬وله أ سلم من في ال سماوات والرض طوعا وكرها‪ ،‬وال يه‬
‫يرجعون)‪..‬‬
‫[ آل عمران‪] 83 :‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫والمنهج السلمي المنبثق من هذا الدين‪ -‬بهذا العتبار‪ -‬ليس نظاما تاريخيا لفترة‬
‫من فترات التاريخ‪ ،‬كما انه ليس نظاما محليا لمجموعة من البشر في جيل من الجيال‪،‬‬
‫ول في بيئة من البيئات‪ ..‬إن ما هو المن هج الثا بت الذي ارتضاه ال لحياة الب شر المتجددة‪،‬‬
‫لتب قى هذه الحياة دائرة حول المحور الذي ارت ضى ال أن تدور عل يه أبدا‪ ،‬ودا خل الطار‬
‫الذي ارتضى ال أن ت ظل داخله أبدا‪ ،‬ولتب قى هذه الحياة مكي فة بالصورة العل يا التي اكرم‬
‫ال فيها النسان عن العبودية لغير ال‪..‬‬
‫وهذا المنهـج حقيقـة كونيـة قائمـة بإزاء البشريـة المتجددة قيام النواميـس الكونيـة‬
‫الدائ مة‪ .‬ال تي تع مل في ج سم الكون م نذ نشأ ته‪ ،‬وال تي تع مل ف يه اليوم وغدا‪ ،‬وال تي يل قى‬
‫البشر من جراء المخالفة عنها‪ ،‬والصطدام بها‪ ،‬ما يلقون من آلم ودمار ونكال!‬
‫والناس‪ ..‬إمـا أن يعيشوا بمن هج ال هذا بكليتـه ف هم مسـلمون‪ ،‬وإ ما أن يعيشوا بأي‬
‫منهج آخر من وضع البشر‪ ،‬فهم في جاهلية ل يعرفها هذا الدين‪ ..‬ذات الجاهلية التي جاء‬
‫هذا الدين ليحطمها‪ ،‬وليغيرها من الساس‪ .‬ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ال‪..‬‬
‫والناس إ ما أن يعيشوا بمن هج ال بكلي ته ف هم في توا فق مع نوام يس الكون‪ ،‬وفطرة‬
‫الوجود‪ ،‬وفطرت هم هم أنفسهم‪ .‬وإ ما أن يعيشوا بأي منهج آخر من صنع الب شر‪ ،‬ف هم في‬
‫‪1‬‬

‫() يراجع بتوسع البحث القيم العميق الدقيق بعنوان‪" :‬المصطلحات الربعة في القرآن" للستاذ المودودي‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫خصام مع نواميس الكون‪ ،‬وتصادم مع فطرة الوجود‪ ،‬ومع فطرتهم هم أنفسهم‪ ،‬بوصفهم‬
‫قطاعا في هذا الوجود‪ ..‬تصادم تظهر نتائجه المدمرة من قريب او من بعيد‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ونحن‪ -‬كما قلنا‪ -‬نستيقن أن الناس عائدون إلى ال؛ عائدون إلى منهجه هذا للحياة‪.‬‬
‫وان المستقبل لهذا الدين عن يقين‪.‬‬
‫ونحن مستيقنون كذلك أن كل الجهود التي بذلت او سوف تبذل لزحزحة هذا الدين‬
‫عن طبيعته هي انه منهج للحياة البشرية الواقعية‪ ،‬في كل مجالتها العملية والشعورية‪،‬‬
‫سوف تبوء بالف شل والخي بة‪ .‬و قد با نت بوادر الف شل والخي بة‪ ..‬لن هذه العزلة لي ست من‬
‫طبيعة هذا الدين‪ .‬كما أنها في الحقيقة ليست من طبيعة أي دين!!!‬

‫‪7‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫حيَاة‬
‫كُلّ ديِن منهَج َ‬
‫هنالك ارتباط وث يق ب ين طبي عة(النظام الجتما عي) وطبي عة(الت صور العتقادي) ‪..‬‬
‫بـل هنالك مـا هـو اكـبر مـن الرتباط الوثيـق‪ .‬هنالك النبثاق الحيوي‪ :‬انبثاق النظام‬
‫الجتما عي من الت صور العتقادي‪ ..‬فالنظام الجتما عي بكل خصائصه هو أ حد انبثاقات‬
‫التصور العتقادي؛ إذ هو ينبت نباتا حيويا وفطريا‪ ،‬ويتكيف بعد ذلك تكيفا تاما بالتفسير‬
‫الذي يقدمـه ذلك التصـور للوجود‪ ،‬ولمركـز النسـان فـي هذا الوجود‪ ،‬ولغايـة وجوده‬
‫النساني‪.‬‬
‫وهذا النبثاق ثم هذا التكيف هو الوضع الصحيح للمور‪ .‬بل هو الوضع الوحيد‪.‬‬
‫فما من نظام اجتماعي يمكن أن ينشأ نشأة طبيعية سوية‪ ،‬وان يقوم بعد ذلك قياما صحيحا‬
‫سليما‪ ،‬إل حين ينبثق من تصور شامل لحقيقة الوجود؛ ولحقيقة النسان‪ ،‬ولمركز النسان‬
‫في هذا الوجود‪ ،‬ولغاية الوجود النساني‪ ..‬إذ أن غاية أي نظام اجتماعي ينبغي أن تكون‬
‫هـي تحقيـق غايـة الوجود النسـاني‪ ..‬كذلك فان الحقوق المخولة للنسـان بحكـم حقيقـة‬
‫مركزه في هذا الوجود هي التي ترسم خط سيره‪ ،‬وتحدد وسائله التي له حق استخدامها‬
‫لتحق يق غا ية وجوده‪ ،‬ك ما تحدد نوع الرتباطات ال تي تقوم بي نه وب ين هذا الوجود‪ ،‬ونوع‬
‫الرتباطات التي تقوم بين أفراد جنسه ومنظماته وتشكيلته‪ ..‬إلى آخر ما يعبر عنه باسم‬
‫(النظام الجتماعي)‪..‬‬
‫وكـل نظام اجتماعـي يقوم على غيـر هذا السـاس‪ ،‬هـو نظام غيـر طـبيعي‪ .‬نظام‬
‫متعسف‪ .‬ل يقوم على جذوره الفطرية‪ ..‬ول أمل في أن تعمر مثل هذه النظم طويلً‪ .‬ول‬
‫أ مل في تنا سق حر كة (الن سان) في ظل ها مع الحر كة الكون ية‪ .‬ول مع الفطرة البشر ية؛‬
‫ول مع احتياجات النسان الحقيقية‪.‬‬
‫وم تى ف قد هذا التنا سق فل م فر من تعا سة الناس وشقوت هم بم ثل هذه الن ظم‪ ،‬مه ما‬
‫استطاعت أن توفر لهم من التسهيلت المادية والنتاجية‪ ..‬ثم ل مفر بعد ذلك من تحطم‬
‫هذه النظم‪ ،‬لتعارضها مع فطرة الكون‪ ،‬وفطرة النسان‪..‬‬
‫‪8‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هذا النبثاق ثم هذا التكيف وجه من وجوه الرتباط بين التصور العتقادي والنظام‬
‫الجتما عي‪ ..‬يمكن تعمي مه حتى يش مل ل مجرد النظام الجتما عي‪ ،‬بل منهج الحياة كله‪،‬‬
‫بما فيه مشاعر الفراد وأخلقهم وعبادات هم وشعائرهم وتقاليدهم؛ وكل نشاط إنساني في‬
‫هذه الرض جميعا‪.‬‬
‫ك ما أن للم سألة كل ها وجها آ خر‪ ..‬إن كل (د ين) هو من هج للحياة ب ما ا نه ت صور‬
‫اعتقادي‪ ..‬او بتعـبير أدق بمـا انـه يشمـل التصـور العتقادي ومـا ينبثـق منـه مـن نظام‬
‫اجتماعي‪ .‬بل من منهج يحكم كل نشاط النسان في هذه الحياة الدنيا‪.‬‬
‫كذلك عكس هذه العبارة صحيح‪ ..‬أن كل منهج للحياة هو (دين)‪ .‬فدين جماعة من‬
‫البشر هو المنهج الذي يصرف حياة هذه الجماعة‪..‬‬
‫غ ير ا نه إن كان المن هج الذي ي صرف هذه الجما عة من صنع ال‪-‬أي منبثقا من‬
‫تصور اعتقادي رباني‪ -‬فهذه الجماعة في (دين ال)‪ ..‬وان كان المنهج الذي يصرف حياة‬
‫هذه الجماعـة مـن صـنع الملك‪ ،‬او الميـر او القـبيلة او الشعـب‪-‬أي منبثقا مـن مذهـب او‬
‫تصور او فلسفة بشرية‪ -‬فهذه الجماعة في (دين الملك) او(دين المير) او(دين القبيلة)‬
‫او(د ين الش عب) ‪ ..‬وليست في (د ين ال) لنها ل تتبع من هج ال‪ ،‬المنب ثق ابتداء من دين‬
‫ال‪ ،‬دون سواه(‪.!)1‬‬
‫والمحدثون مـن أصـحاب المذاهـب والنظريات والفلسـفات الجتماعيـة لم يعودوا‬
‫يحجمون‪ ،‬او يتحرجون‪ ،‬مـن التصـريح بهذه الحقيقـة‪ :‬وهـي انهـم إنمـا يقررون(عقائد)؛‬
‫ويريدون ا خذ الناس ب ها في وا قع الحياة؛ وان هم يريدون إحلل هذه العقائد الجتماع ية او‬
‫الوطنية او القومية محل العقيدة الدينية‪..‬‬
‫فالشيوع ية لي ست مجرد نظام اجتما عي‪ ..‬إن ما هي كذلك ت صور اعتقادي‪ .‬ت صور‬
‫يقوم على أساس مادية هذا الكون‪ ،‬ووجود المتناقضات في هذه المادية‪ ..‬هذه المتناقضات‬
‫‪1‬‬

‫() يراجع بتوسع معنى كلمة "دين" في كتاب المصطلحات الربعة للستاذ المودودي‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫المؤدية إلى كل التطورات والنقلبات فيه‪ .‬وهو ما يعبر عنه بالمادية الجدلية‪ ،‬كما يقوم‬
‫على التفسـير القتصـادي للتاريـخ‪ ،‬ورد التطورات فـي الحياة البشريـة إلى تطور أداة‬
‫النتاج‪ ..‬الخ‪ .‬و من ثم ف هي لي ست مجرد نظام اجتما عي‪ ،‬إن ما هي ت صور اعتقادي يقوم‬
‫عليه‪-‬او يدعي انه يقوم عليه‪-‬نظام اجتماعي‪ ..‬وذلك بغض النظر عما بين اصل التصور‬
‫وحقيقة النظام الذي يقوم الن من فجوات ضخام!‬
‫كذلك سـائر مناهـج الحياة وأنظمتهـا الواقعيـة‪ ،‬يسـميها أصـحابها (عقائد) ويقولون‪:‬‬
‫(عقيدتنا الجتماعية) او(عقيدتنا الوطنية) او(عقيدتنا القومية)‪ ..‬وكلها تعبيرات صادقة في‬
‫تصوير حقي قة ال مر‪ :‬و هو أن كل من هج للحياة او كل نظام للحياة هو (د ين) هذه الحياة‪،‬‬
‫ومن ثم فالذين يعيشون في ظل هذا المنهج او في ظل ذلك النظام‪ ..‬دينهم هو هذا المنهج‬
‫او دينهم هو هذا النظام‪ ..‬فان كانوا في منهج ال ونظامه فهم في (دين ال)‪ ..‬وان كانوا‬
‫في منهج غيره او نظامه‪ ،‬فهم في (دين غير ال)‪.‬‬
‫والمر فيما نحسب واضح ل يحتاج إلى مزيد بيان‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ونظرا لهذه الحقيقـة البسـيطة لم يكـن هناك ديـن الهـي هـو مجرد عقيدة وجدانيـة‪،‬‬
‫منعزلة عن واقع الحياة البشرية في كل مجالتها الواقعية‪ .‬ول مجرد شعائر تعبدية يؤديها‬
‫المؤمنون بهذا الدين فرادى او مجتمعين‪ .‬ول مجرد (أحوال شخصية) تحكمها شريعة هذا‬
‫الديـن‪ ،‬بينمـا تحكـم سائر نوا حي الحياة شريعـة أخرى م ستمدة مـن م صدر آخـر‪ ،‬تؤلف‬
‫منهجا آخر للحياة غير منبثق انبثاقا من (دين ال)‪.‬‬
‫و ما يملك أ حد يدرك مفهوم كل مة (د ين) أن يت صور إمكان وجود د ين ال هي ينعزل‬
‫في وجدان الناس‪ ،‬او يتم ثل فح سب في شعائر هم التعبد ية‪ ،‬او(أحوال هم الشخ صية)‪ ،‬ول‬
‫يشمل نشاط حياتهم كله‪ ،‬ول يهيمن على واقع حياتهم كله‪ ،‬ول يقود خطى حياتهم في كل‬

‫‪10‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫اتجاه‪ ،‬ول يوجه تصوراتهم وأفكارهم ومشاعرهم وأخلقهم ونشاطهم وارتباطاتهم في كل‬
‫اتجاه‪..‬‬
‫ل‪ ..‬ول يس هناك د ين من ع ند ال هو من هج للخرة وحد ها‪ ،‬ليتولى د ين آ خر من‬
‫عند غير ال وضع منهج للحياة الدنيا!‬
‫هذا تصور مضحك لحقيقة الواقع الكوني والبشري‪ ..‬وذلك أن مقتضى هذا التقسيم‬
‫المفت عل أن يكون ل‪ -‬سبحانه‪-‬جا نب وا حد من جوا نب هذه الحياة ينظ مه‪ ،‬ويشرف عل يه‪،‬‬
‫وينح صر (اخت صاصه) ف يه‪ ،‬ويكون لغير ال جوانب أخرى كثيرة ينظم ها ويشرف علي ها‬
‫(أرباب) اخرون‪ ،‬يتعلق بها اختصاصهم‪.‬‬
‫انه‪-‬كما ترى‪ -‬تصور مضحك للغاية‪ ،‬مضحك إلى حد أن الذين يفكرون على هذا‬
‫النحو‪ ،‬سيضحكون من أنفسهم‪ ،‬ومن تفكيرهم‪ ،‬ويسخرون من سذاجتهم وركة أفكارهم‪..‬‬
‫لو انهم رأوا المر حقيقة من هذه الزاوية الصحيحة‪ ،‬وتحت هذا النور الهادئ الهادي‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫على أن للم سالة وجها آ خر‪ ..‬إن (الشخ صية الن سانية) (وحدة)‪ .‬وحدة في طبيعت ها‬
‫وكينونتهـا‪ .‬وحدة تؤدي كـل وظائفهـا كوحدة‪ .‬وهـي ل تسـتقيم فـي حركتهـا ول تتناسـق‬
‫خطواتها إل حين يحكمها منهج واحد منبثق في اصله من تصور واحد‪..‬‬
‫فأما حين تحكم ضمير النسان ووجدانه شريعة‪ ،‬ثم تحكم واقعه ونشاطه شريعة‪..‬‬
‫و كل من هذه وتلك ينب ثق من ت صور مختلف ‪ ..‬هذه من ت صور الب شر‪ ،‬وتلك من و حي‬
‫ال‪ ..‬فان شخ صيته ت صاب ب ما يش به داء الف صام (شيزوفرن يا)! وي قع فري سة لهذا التمزق‬
‫بيـن واقعـه الشعوري الوجدانـي‪ ،‬وواقعـه الحركـي العملي‪ ،‬ويصـيبه القلق والحيرة‪ ..‬كمـا‬
‫نشاهد اليوم في أرقى البلد الوروبية والمريكية‪ ،‬ثمرة للصراع بين بقايا الوجدان الديني‬
‫الذابلة ووا قع الحياة العمل ية‪ ،‬القائم على ت صورات وق يم ل عل قة ل ها بالوجدان الدي ني‪..‬‬

‫‪11‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وذلك بعد (الفصام النكد) الذي وقع هناك بين الدين والحياة‪ ،‬وكانت له أسبابه الخاصة في‬
‫تاريخ النصرانية بها(‪.)1‬‬
‫و(د ين ال) هو الذي يقدم التف سير الشا مل الكا مل للوجود‪ ،‬وعلق ته بخال قه العظ يم‪.‬‬
‫ولمر كز الن سان في هذا الوجود؛ ولغا ية وجوده الن ساني‪ ..‬و من ثم يحدد تحديدا سليما‬
‫نوع الرتباطات التـي تحقـق غايـة وجود النوع البشري‪ ،‬فـي حدود مركـز هذا النوع فـي‬
‫الوجود‪ ،‬وحقو قه المخولة له بح كم هذا المر كز‪ ،‬والو سائل ال تي يبلغ ب ها هذه الغا ية‪ ،‬ول‬
‫تخرج عن حدود حقو قه ومركزه‪ ،‬وال تي يبلغ ب ها من ثم ر ضى خال قه العظ يم؛ و سعادة‬
‫الدنيـا والخرة‪ ،‬بمنهـج واحـد ل يمزقـه كـل ممزق؛ ول يصـيب شخصـيته بداء الفصـام‬
‫اللعين! ول ينتهي به إلى التصادم مع فطرته وفطرة الكون كله في نهاية المطاف!‬
‫من ثم جاء كل د ين من ع ند ال‪ ،‬يقدم للب شر ال ساس الت صوري العتقادي‪ ،‬الذي‬
‫يقوم عليه نظام حياتهم كلها‪ :‬الوجدانية والعملية‪ ..‬جاء ليرد البشر إلى ربهم؛ ويرد نظام‬
‫حياتهـم إلى منهجـه المتفرد‪ ..‬كمـا يقـع التواؤم والتناسـق بيـن ضميرهـم وواقعهـم؛ وبيـن‬
‫وجدانهم ونشاطهم؛ وبين حركتهم ونواميس الكون أيضا‪..‬‬
‫وجاء كل دين من عند ال لينفذ في الدنيا الواقع‪ ،‬وليتبعه الناس في نشاطهم الحيوي‬
‫كله‪ ،‬ل ليبقـى مجرد شعور وجدانـي قابـع فـي ضمائرهـم‪ .‬ول مجرد تهذيـب روحـي فـي‬
‫أخلق هم‪ .‬ول مجرد شعائر تعبد ية في محاريب هم وم ساجدهم؛ ول مجرد أحوال شخ صية‬
‫في جانب واحد من حياتهم‪" :‬وما أرسلنا من رسول إل ليطاع بإذن ال"‪..‬‬
‫[النساء‪]64 :‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وهكذا جاءت التوراة تتضمن عقيدة وشريعة‪ ،‬وكلف أهلها أن يتحاكموا إليها في كل‬
‫شؤون حياتهـم؛ ل أن يجعلوهـا مواعـظ تهذيبيـة ل تتجاوز وجدانهـم‪ ،‬ول شعائر تعبديـة‬
‫يقيمونها في هياكلهم‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() راجع الفصل التالي‪" :‬الفصام النكد"‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫"إ نا أنزل نا التوراة في ها هدى ونور‪ .‬يح كم ب ها ال نبيون الذ ين ا سلموا للذ ين هادوا‪،‬‬
‫والربانيون والحبار‪ ،‬ب ما ا ستحفظوا من كتاب ال‪ ،‬وكانوا عل يه شهداء‪ ،‬فل تخشوا الناس‬
‫واخشون‪ ،‬ول تشتروا بآيا تي ثمنا قليلً و من لم يح كم ب ما انزل ال فأولئك هم الكافرون‪.‬‬
‫وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‪ ،‬والعين بالعين والنف بالنف والذن بالذن‪ ،‬والسن‬
‫بالسـن‪ ،‬والجروح قصـاص‪ .‬فمـن تصـدق بـه فهـو كفارة له‪ .‬ومـن لم يحكـم بمـا انزل ال‬
‫فأولئك هم الظالمون"‪.‬‬
‫[المائدة‪]45-44:‬‬
‫وهذا الذي ذكره القرآن من شريعة التوراة مثل للكثير الذي تحتويه‪ ،‬والذي نظم به‬
‫موسى‪-‬عليه السلم‪ -‬ومن بعده أنبياء بني إسرائيل حياتهم الواقعية عدة قرون‪.‬‬
‫ثم جاء المسيح‪-‬عليه السلم‪ -‬بالنصرانية‪ ..‬أرسله ال إلى بني إسرائيل ‪-‬فهو أحد‬
‫أ نبيائهم‪ -‬و من ثم جاء م صدقا لشري عة التوراة‪ -‬مع ب عض تعديلت خفي فة‪ ،‬لر فع ب عض‬
‫الثقال ال تي فر ضت علي هم في صورة عقوبات تأديب ية‪ ،‬او كفارات عن مع صية؛ كالذي‬
‫أشار إليه القرآن الكريم‪:‬‬
‫"وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر‪ .‬ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها‪-‬‬
‫إل مـا حملت ظهورهمـا او الحوايـا او مـا اختلط بعظـم‪ -‬ذلك جزيناهـم ببغيهـم‪ ،‬وإنـا‬
‫لصادقون"‪..‬‬
‫[النعام‪]146:‬‬
‫وقد أقرت هذه الشريعة المعدلة لتكون نظاما للحكم والحياة أيضا‪:‬‬
‫"وقفي نا على آثار هم بعي سى ا بن مر يم‪ ،‬م صدقا ل ما ب ين يد يه من التوراة‪ ،‬وآتيناه‬
‫النجيـل فيـه هدى ونور‪ ،‬ومصـدقا لمـا بيـن يديـه مـن التوراة‪ ،‬وهدى وموعظـة للمتقيـن‪.‬‬
‫وليحكم أهل النجيل بما انزل ال فيه‪ .‬ومن لم يحكم بما انزل ال فأولئك هم الفاسقون"‪.‬‬
‫[المائدة‪]47-46:‬‬

‫‪13‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ثـم جاء محمـد‪-‬صـلى ال عليـه وسـلم‪ -‬بالسـلم‪ ،‬ل ينقـض الشرائع السـماوية‬
‫ال صحيحة قبله‪،‬ول كن ي صدقها‪ ،‬ويهي من علي ها‪ .‬ب ما ا نه الر سالة الخيرة الشاملة للبشر ية‬
‫كافة‪ ،‬المعلنة عن الرشد النساني‪ ،‬المتضمنة للتفسير الواسع الكلي‪ ،‬الذي يقوم عليه نظام‬
‫الحياة النسانية‪ ،‬الذي يخرج الناس من (الجاهلية) إلى (الربانية) ويكل واقعهم إلى شريعة‬
‫ال‪ ،‬كما يكل ضمائرهم إلى تقوى ال‪:‬‬
‫"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق‪ ،‬مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه‪ ..‬فاحكم‬
‫بينهـم بمـا انزل ال‪ ،‬ول تتبـع أهواءهـم عمـا جاءك مـن الحـق‪ .‬لكـل جعلنـا منكـم شرعـة‬
‫ومنهاجا‪.‬ولو شاء ال لجعلكم أمة واحدة‪ ،‬ولكن ليبلوكم فيما آتاكم‪ .‬فاستبقوا الخيرات‪ .‬إلى‬
‫ال مرجعكم جميعا‪ ،‬فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‪ ..‬وان احكم بينهم بما انزل ال؛ ول تتبع‬
‫أهواءهم‪ ،‬واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل ال إليك‪ .‬فإن تولوا فاعلم إنما يريد ال‬
‫إنّ يصيبهم ببعض ذنوبهم‪ .‬وان كثيرا من الناس لفاسقون‪ ..‬أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن‬
‫احسن من ال حكما لقوم يوقنون"‪.‬‬
‫[المائدة‪]50-48:‬‬
‫ومـن قبـل هذه الديانات الرئيسـية جاء كـل ديـن ليرد الناس إلى ربوبيـة ال وحده؛‬
‫والى من هج ال وحده‪ ..‬وم نذ نوح‪-‬عل يه ال سلم‪ -‬توالت الر سل على هذا المن هج الوا حد‪،‬‬
‫يختلف في تف صيلت الشري عة ويت فق في ا صل الت صور؛ و في الغا ية ال ساسية ال كبرى؛‬
‫وهــي‪ :‬إخراج الناس مــن عبادة العباد إلى عبادة ال دون ســواه‪ .‬وإبطال اللوهيات‬
‫والربوبيات الزائفة ورد اللوهية والربوبية إلى ال دون سواه‪..‬‬
‫وفـي موضـع آخـر يُجمـل القرآن الكريـم هذه الحقيقـة‪ ..‬ويـبين طبيعـة ذلك المنهـج‬
‫الواحـد الموصـول بال‪ .‬بمـا ان ال هـو خالق الكون والناس‪ ،‬وبيده مقاليـد الكون والناس؛‬
‫و يبين كذلك مقام هذا الد ين الخ ير‪ ،‬و سبب مجيئه مهيمنا على الجم يع‪ ،‬ويعلن المفا صلة‬
‫بين أهل هذا الدين‪ ،‬وسائر الجاهليين‪:‬‬

‫‪14‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ال‪ .‬ذلكم ال ربي‪ ،‬عليه توكلت‪ ،‬واليه أنيب‪.‬‬
‫فاطر السموات والرض‪ ،‬جعل لكم من أنفسكم أزواجا‪ ،‬ومن النعام ازواجا‪ ،‬يذرؤكم فيه‪،‬‬
‫ل يس كمثله ش يء و هو ال سميع الب صير‪ .‬له مقال يد ال سماوات والرض‪،‬يب سط الرزق ل من‬
‫يشاء ويقدر‪ ،‬إ نه ب كل ش يء عل يم‪ .‬شرع ل كم من الد ين ما و صى به نوحا والذي أوحي نا‬
‫إليك‪ ،‬وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى‪ :‬أن أقيموا الدين ول تتفرقوا فيه‪ .‬كبر على‬
‫المشركين ما تدعوهم إليه‪ .‬ال يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب‪ .‬وما تفرقوا إل‬
‫من ب عد ما جاء هم العلم‪ ،‬بغيا بين هم‪ ،‬ولول كل مة سبقت من ربك إلى ا جل م سمى لق ضي‬
‫بين هم‪ .‬وان الذ ين أوتوا الكتاب من بعد هم ل في شك م نه مر يب‪ ..‬فلذلك فادع وا ستقم ك ما‬
‫امرت‪ ،‬ول تتبع أهواءهم‪ .‬وقل‪ :‬آمنت بما انزل ال من الكتاب‪ ،‬وأمرت لعدل بينكم ‪ .‬ال‬
‫ربنا وربكم‪ .‬لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‪ .‬ل حجة بيننا وبينكم‪ .‬ال يجمع بيننا واليه المصير"‪.‬‬
‫[الشورى‪]15-10:‬‬
‫وفيما يروي لنا القرآن عن شعيب‪-‬عليه السلم‪-‬وعن قومه‪ ،‬أهل مدين‪ ،‬يرد ذكر‬
‫التشريـع للحياة العمليـة‪ ،‬واعتراض القوم عليـه‪ ،‬لعدم إدراكهـم طبيعـة الديـن‪ :‬وانـه منهـج‬
‫للحياة شامل‪ ،‬ل للضمير المكنون وحده‪ ،‬ول للشعائر التعبدية في الهياكل‪-‬شأنهم شأن أهل‬
‫الجاهلية الحاضرة سواء!‪:‬‬
‫"والى مدين أخاهم شعيبا‪ .‬قال‪ :‬يا قوم اعبدوا ال ما لكم من اله غيره؛ ول تنقصوا‬
‫المكيال والميزان‪ .‬أ ني أرا كم بخ ير‪ ،‬وإ ني أخاف علي كم عذاب يوم مح يط‪ .‬و يا قوم أوفوا‬
‫المكيال والميزان بالقسط‪ ،‬ول تبخسوا الناس أشياءهم‪ ،‬ول تعثوا في الرض مفسدين‪ ،‬بقية‬
‫ال خير لكم إن كنتم مؤمنين‪ ،‬وما انا عليكم بحفيظ‪ ..‬قالوا‪ :‬يا شعيب أصلتك تأمرك أن‬
‫نترك ما يعبد آباؤنا‪ ،‬أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ انك لنت الحليم الرشيد‪."!..‬‬
‫[هود‪]87-84:‬‬
‫كذلك تبدو تلك الحقيقة في حكاية القرآن الكريم لقول صالح‪-‬عليه السلم‪-‬لقومه‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫"فاتقوا ال وأطيعون‪ .‬ول تطيعوا أمـر المسـرفين‪ .‬الذيـن يفسـدون فـي الرض ول‬
‫يصلحون"‪..‬‬
‫[الشعراء‪]152-150:‬‬
‫فهو يردهم إلى دين ال ومنهجه للحياة‪ ،‬عن دين المسرفين المفسدين ومنهجهم‪ ..‬أي‬
‫انه يردهم من العبودية للعبيد‪ ،‬إلى العبودية ل في نظام الحياة‪.‬‬
‫وفـي موضـع آخـر يحدد ال وظيفـة الرسـل كافـة‪ ،‬ووظيفـة كتاب ال عامـة‪ :‬بأنهـا‬
‫الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‪:‬‬
‫"كان الناس أ مة واحدة‪ .‬فب عث ال ال نبيين مبشريـن ومنذريـن‪ ،‬وانزل معهـم الكتاب‬
‫بالحق‪ ،‬ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"‪..‬‬
‫[البقرة‪]213:‬‬
‫فينت هي كل جدل في وظي فة الكتاب و في وظي فة الر سل‪ .‬ويتحدد مع نى د ين ال‪،‬‬
‫ومرادفته لنظام الحياة الذي يريده ال‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ول حا جة ب نا إلى الطالة اك ثر من هذا‪ -‬في الب حث المج مل‪ -‬عن طبي عة (الد ين)‬
‫وشموله لنظام الحياة الواقع ية‪ .‬فا نه ل مع نى للد ين أ صلً إذا هو تخلى عن تنظ يم الحياة‬
‫الواقعية؛ بتصوراته الخاصة‪ ،‬ومفاهيمه الخاصة‪ ،‬وشرائعه الخاصة‪ ،‬وتوجيهاته الخاصة‪،‬‬
‫فهذه الحياة الن سانية ل بد أن يقوم نظام ها ال ساسي على قاعدة الت صور العتقادي‪ ،‬الذي‬
‫يفسر حقيقة الوجود‪ ،‬وعلقته بخالقه‪ ،‬ومركز النسان فيه‪ ،‬وغاية وجوده النساني‪ ،‬ونوع‬
‫الرتباطات ال تي تح قق هذه الغا ية‪ .‬سواء الرتباطات ب ين الن سان ور به‪ .‬او الرتباطات‬
‫بين النسان والكون من حوله‪ .‬او الرتباطات بين النسان وسائر الحياء‪ .‬او الرتباطات‬
‫بين بني النسان‪ .‬كما يرتضيها ال لعباده‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وإل ي جئ هذا التف سير الشا مل الكا مل من ع ند ال‪ ،‬وإل يق يم نظام الحياة كله على‬
‫هذا التف سير الشا مل الكا مل‪ ،‬ف هي إذن أهواء الب شر‪ .‬و هي إذن ( الجاهل ية) ال تي جاء كل‬
‫دين من عند ال لخراج الناس منها‪ ،‬ورفعهم إلى (الربانية)‪.‬‬
‫وإل تكن العبودية ل وحده‪-‬ممثلة في التلقي عنه في هذا كله‪-‬فهي العبودية للعبيد‪..‬‬
‫وقد جاء دين ال لتحرير العباد من عبادة العبيد!‬
‫ل حا جة ب نا للطالة اك ثر من هذا في هذه الحقي قة البديه ية ال تي ما كان يجوز أن‬
‫تكون موضـع جدال‪ .‬لول تلك الملبسـات النكدة التـي قامـت فـي أوروبـا‪ ،‬وأدت إلى ذلك‬
‫( الفصام النكد) بين الدين والدولة‪ .‬بل بين الدين والحياة‪.‬‬
‫إن ما الم هم أن نل قي الن نظرة سريعة على تلك الملب سات النكدة‪ ..‬ال تي ع صمنا‬
‫منها ال في تاريخنا وديننا‪ .‬فاجتلبنا ثمارها النكدة لنفسنا من هناك!‬

‫‪17‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الفصَــامُ ال ّنكِـــدْ‬
‫ل يس من طبي عة (الد ين) أن ينف صل عن الدن يا ول يس من طبي عة المن هج الل هي أن‬
‫ينح صر في المشا عر الوجدان ية‪ ،‬والخلقيات التهذيب ية‪ ،‬والشعائر التعبد ية‪ .‬او في ر كن‬
‫ضيق من أركان الحياة البشرية‪ ..‬ركن ما يسمونه (الحوال الشخصية)‪.‬‬
‫ل يس من طبي عة (الد ين) أن يفرد ل ‪ -‬سبحانه‪ -‬قطاعا ضيقا في ر كن ضئ يل‪-‬او‬
‫سلبي‪ -‬في الحياة البشرية‪ ،‬ثم يسلم سائر قطاعات الحياة اليجابية العملية الواقعية للهة‬
‫أخرى وأرباب متفرقيـن‪ ،‬يضعون القواعـد والمذاهـب‪ ،‬والنظمـة والوضاع‪ ،‬والقوانيـن‬
‫والتشكيلت على أهوائهم‪ ،‬دون الرجوع إلى ال!‬
‫ليـس مـن طبيعـة (الديـن) أن يشرع طريقا للخرة‪ ،‬ل يمـر بالحياة الدنيـا! طريقا‬
‫ينت ظر الناس في نهاي ته فردوس الخرة عن غ ير طر يق الع مل في الرض‪ ،‬وعمارت ها‪،‬‬
‫والخلفة فيها عن ال‪ ،‬وفق منهجه الذي ارتضاه!‬
‫ليـس مـن طبيعـة (الديـن) أن يكون هذا المسـخ الشائه الهزيـل! ول هذه اللعوبـة‬
‫المزو قة التي يل هو ب ها الطفال! ول هذه المرا سم التقليدية ال تي ل عل قة ل ها بن ظم الحياة‬
‫العملية!‬
‫ليـس مـن طبيعـة (الديـن) ‪-‬أي ديـن فضلً عـن ديـن ال‪ -‬أن يكون هذا العبـث‬
‫الممسوخ الهزيل‪ ..‬فمن أين إذن جاءته هذه السلبية الهازلة ؟ وكيف إذن وقع ذلك (الفصام‬
‫النكد) بين الدين والحياة ؟‪.‬‬
‫لقد تم ذلك (الفصام النكد) في ظروف نكدة! وكانت له آثاره المدمرة في أوروبا‪..‬‬
‫ثـم فـي الرض كلهـا‪ ،‬حيـن طغـت التصـورات الغربيـة‪ ،‬والنظمـة الغربيـة‪ ،‬والوضاع‬
‫الغربية‪ ،‬على البشرية كلها في مشارق الرض ومغاربها‪..‬‬
‫ولم يكـن بـد‪-‬وقـد انفصـمت حياة المخاليـق عـن منهـج الخالق‪ -‬ان تسـير فـي هذا‬
‫الطريـق البائس؛ وان تنتهـي إلى هذه النهايـة التعيسـة؛ وان تحيـط بالبشـر الدائرة التـي‬

‫‪18‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫يتعذبون الن فـي داخلهـا‪ ،‬ويذوق بعضهـم بأس بعـض‪ ،‬بينمـا هـم عاجزون عـن معرفـة‬
‫طريق الخلص منها‪ ..‬وهم يصطرخون فيها‪.!!..‬‬
‫ول يس ه نا مجال الحد يث عن الشقوة ال تي ت صطرخ في ها البشر ية ف سيجيء ش يء‬
‫عنها في الفصول التالية‪ .‬فلنعد إلى الحديث عن تلك الظروف النكدة‪ ،‬التي وقع فيها ذلك‬
‫(الفصام النكد)‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لقد جاءت اليهودية لتكون منهجا لحياة بني إسرائيل‪-‬كما جاء كل دين قبلها ليكون‬
‫من هج حياة ل من جاء هم‪ -‬كذلك جاءت الن صرانية ‪ -‬ب عد اليهود ية ‪ -‬لتكون المن هج المعدل‬
‫لبني إسرائيل‪.‬‬
‫ول كن اليهود لم يقبلوا ر سالة الم سيح‪-‬عل يه ال سلم‪ -‬ولم يقبلوا م نه التخف يف الذي‬
‫جاءهم به من عند ال‪ .‬وهو يقول لهم‪-‬كما حكى القرآن الكريم‪:‬‬
‫"ومصدقا لما بين يدي من التوراة‪ ،‬ولحل لكم بعض الذي حرم عليكم‪ ،‬وجئتكم بآية‬
‫من ربكم‪ ،‬فاتقوا ال وأطيعون"‪..‬‬
‫[آل عمران‪]50:‬‬
‫ومـن ثـم قاوموا المسـيح‪-‬عليـه السـلم‪ -‬وقاوموا دعوتـه إلى السـماحة والسـلم‬
‫والتط هر الرو حي‪ ،‬والتخ فف من المرا سم الشكل ية ال تي ل ر صيد ل ها من تقوى القلوب!‬
‫وانتهى بهم المر إلى إغراء (بيلطس) الحاكم الروماني على ارض الشام يومئذ بمحاولة‬
‫قتل المسيح‪-‬عليه السلم‪-‬وصلبه‪ .‬لول أن توفاه ال ورفعه إليه (في صورة ل نعلم كيفيتها‬
‫لنه ليس عندنا نص قاطع من قرآننا ول سنة نبينا عليها)‪.‬‬
‫وأ يا ما كان ال مر‪ ،‬ف قد سارت المور ب عد ذلك الح ين ب ين اليهود واتباع عي سى‪-‬‬
‫عل يه ال سلم‪ -‬سيرتها البائ سة‪ .‬فبذرت بذور الح قد على اليهود في نفوس الذ ين صاروا‬
‫نصـارى‪ .‬كمـا بذرت بذور الكره فـي نفوس اليهود على هؤلء! وانتهـت بانفصـال اتباع‬
‫الم سيح عن اليهود‪ ،‬وانف صال الن صرانية عن اليهود ية (و هي جاءت في ال صل لتكون‬
‫‪19‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫تجديدا لليهودية وتعديلً طفيفا في أحكامها‪ ،‬مع الحياء الروحي والتهذيب الخلقي العميق‬
‫الواضح في دعوة المسيح عليه السلم)‪.‬‬
‫ول ما وق عت الجفوة والفر قة‪ -‬بل البغضاء والح قد‪ -‬ب ين اتباع عي سى عل يه ال سلم‬
‫واليهود‪ ،‬انفصل كتابهم النجيل‪-‬في حسهم‪ -‬عن التوراة‪-‬وان بقيت التوراة وكتبها معدودة‬
‫عندهم من الكتاب المقدس‪ -‬وانفصلت شريعتهم عن شريعة التوراة‪ .‬بينما جسم الشريعة‬
‫لب ني إ سرائيل كل هم في التوراة‪ ..‬وبذلك لم ي عد للن صرانية بهذا النف صال شري عة مف صلة‬
‫تنظم الحياة!‬
‫ولكن التصور العتقادي‪-‬كما جاء به المسيح عليه السلم من عند ال‪ -‬كان كفيلً‪-‬‬
‫لو ظل سليما‪ -‬أن يقدم التفسير الصحيح للوجود‪ ،‬ولمركز النسان في هذا الوجود‪ ،‬ولغاية‬
‫وجوده النسـاني‪ ..‬هذا التفسـير الذي يمكـن ان يقوم عليـه نظام اجتماعـي‪ .‬كمـا كان ذلك‬
‫التصور ‪ -‬لو ظل سليما كما جاء من عند ال‪ -‬كفيلً أن يرد النصارى إلى الشريعة التي‬
‫تضمنت ها التوراة‪ ،‬مع التعديلت ال تي جاء ب ها الم سيح للتخف يف في ب عض تكال يف العبادة‬
‫وتكاليف الحياة‪.‬‬
‫غير ان الذي حدث‪ ،‬هو ان عهدا طويلً من الضطهاد الفظيع قد اظل اتباع عيسى‬
‫عل يه ال سلم‪ .‬سواء من اليهود المنكر ين‪ ،‬او من الرومان الوثني ين‪ ،‬الذ ين كانوا يحكمون‬
‫و طن الم سيح‪ .‬م ما اض طر الحواري ين‪-‬تلم يذ الم سيح‪ -‬واتباع هم وتلميذ هم الى التخ في‪،‬‬
‫والتن قل والع مل سرا‪ ،‬فترة من الو قت طويلة‪ .‬وم ما اضطر هم كذلك إلى تنا قل ن صوص‬
‫النجيل‪ ،‬وتاريخ عيسى عليه السلم‪ ،‬وأحداث الفترة التي عاشها بينهم تناقلً خاطفا‪ ،‬في‬
‫ظروف ل تسمح بالدقة ول بالتواتر‪ ..‬مما انتهى إلى رواية نصوص النجيل الذي أنزله‬
‫ال على عي سى‪-‬عل يه ال سلم‪ -‬في ثنا يا روايات عن حيا ته وأعماله؛ يختلف بعض ها عن‬
‫ب عض؛ في ما سمي بالناج يل‪ ..‬و هي كلم هؤلء التلم يذ وروايات هم عن حياة الم سيح‪،‬‬
‫متضمنة في ثناياها بعض ما يروى من كلم السيد المسيح‪ ..‬وقد كتب اقدم هذه الناجيل‬
‫بعد المسيح بجيل كامل‪ ،‬ويختلف المؤرخون للنصرانية اختلفا كبيرا في تحديد تاريخه ما‬
‫‪20‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بين‪ 40‬سنة و‪ 64‬سنة‪ ،‬ك ما يختلفون في اللغة ال تي ك تب ب ها‪ ..‬إذ لم تو جد سوى ترجمة‬
‫له‪..‬‬
‫ولقـد كان مـن نصـيب (بولس) ( الذي لم يـر المسـيح ‪-‬عليـه السـلم‪ -‬وإنمـا دخـل‬
‫النصرانية من الوثنية الرومانية) أن يتولى نشر النصرانية في أوروبا‪ .‬مطعمة بما رسب‬
‫في ت صوراته من الوثن ية والفل سفة الغريق ية‪ ..‬وكا نت هذه كار ثة على الن صرانية م نذ‬
‫أيامها الولى في أوروبا‪ ..‬فوق ما لحق بها من تحريف في فترة الضطهاد الولى‪ .‬فترة‬
‫تناقل الروايات في ظروف ل تسمح بتمحيصها ول بتواترها!‪.‬‬
‫(وكتب بولس رسائله بعد ذلك‪-‬بعد القرن الول الميلدي‪ -‬وهي شاهد على امتزاج‬
‫المثلة الدينيـة بصـور الفلسـفة‪-‬ول سـيما فلسـفة الحلول‪ -‬وكان يقول‪ :‬ان المسـيح جالس‬
‫على يم ين ال‪ ،‬ويد عو ل من يطلب ل هم الخ ير "أن ت سكن في هم كلم ته" وي سأل ل هم الغفران‬
‫منه‪ ،‬ويبشرهم بأنهم سيبلغون المجد متى عاد إلى الرض! ويبدو من جملة كلمه انه كان‬
‫ينتظر معاده في زمن قريب‪ .‬وكثيرا ما أشار إليه‪-‬صلوات ال عليه‪ -‬باسم‪":‬ربنا يسوع‬
‫المسيح"! وسمى نفسه باسم‪":‬رسول يسوع المسيح بحسب أمر ال مخلصنا وربنا يسوع‬
‫المسيح!") (‪.)1‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ول كن الكار ثة العظ مى كا نت في الحدث الذي تم ب عد ذلك‪ .‬وكان ظاهره انت صار‬
‫النصـرانية‪ ،‬وهـو دخول المـبراطور الرومانـي (قسـطنطين) فـي النصـرانية‪ ،‬واسـتطاعة‬
‫الحزب النصراني أن يصبح هو الحاكم سنة ‪355‬م‪.‬‬
‫ويصف درابر المريكي في كتابه(الدين والعلم) هذا الحادث وآثاره النكدة يقول‪:‬‬
‫( دخلت الوثنيـة والشرك فـي النصـرانية بتأثيـر المنافقيـن‪ ،‬الذيـن تقلدوا وظائف‬
‫خطيرة‪ ،‬ومناصـب عاليـة فـي الدولة الروميـة‪ ،‬بتظاهرهـم بالنصـرانية ولم يكونوا يحفلون‬

‫‪1‬‬

‫() ص‪ 169‬من كتاب "ال" للستاذ عباس محمود العقاد‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫بأمر الدين‪ ،‬ولم يخلصوا له يوما من اليام‪ ..‬وكذلك كان (قسطنطين)‪ ..‬فقد قضى عمره‬
‫في الظلم والفجور؛ ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إل قليلً في آخر عمره (سنة ‪337‬م)‪.‬‬
‫( ان الجماعـة النصـرانية‪ ،‬وان كانـت قـد بلغـت مـن القوة بحيـث ولت قسـطنطين‬
‫الملك‪ ،‬ولكن ها لم تتم كن من أن تق طع دابر الوثن ية‪ ،‬وتقلع جرثومت ها‪ .‬وكان نتي جة كفاح ها‬
‫ان اختلطـت مبادئهـا‪ ،‬ونشـأ مـن ذلك ديـن جديـد‪ ،‬تتجلى فيـه النصـرانية والوثنيـة سـواء‬
‫بسواء‪ ..‬هنالك يختلف السلم عن النصرانية‪ ،‬إذ قضى على منافسه (الوثنية) قضاء باتا‪،‬‬
‫ونشر عقائد خالصة بغير غبش ‪..‬‬
‫(وان هذا المـبراطور الذي كان عبدا للدنيـا‪ ،‬والذي لم تكـن عقائده الدينيـة تسـاوي‬
‫شيئا‪ ،‬رأى لم صلحته الشخ صية‪ ،‬ولم صلحة الحزب ين المتناف سين‪-‬الن صراني والوث ني‪-‬ان‬
‫يوحده ما ويؤلف بينه ما‪ :‬ح تى إن الن صارى الرا سخين أيضا لم ينكروا عل يه هذه الخ طة‪.‬‬
‫ولعلهـم كانوا يعتقدون أن الديانـة الجديدة سـتزدهر إذا طعمـت ولقحـت بالعقائد الوثنيـة‬
‫القديمة! وسيخلص الدين النصراني عاقبة المر من أدناس الوثنية وأرجاسها) (‪.)1‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ول كن الديا نة الجديدة لم تتخلص‪-‬ب عد ذلك‪ -‬قط من أدناس الوثن ية وأرجا سها‪-‬ك ما‬
‫أمل النصارى الراسخون‪ -‬فقد ظلت تتلبس بهذه الساطير والتصورات الوثنية‪ .‬ثم زادت‬
‫الطينة بلة‪ .‬فأصبحت تتلبس كذلك بالخلفات السياسية والعنصرية‪ ،‬وأصبحت العقيدة تغير‬
‫وتنقح لتحقيق أهداف سياسية‪:‬‬
‫يقول (الفرد بتلر) في كتا به‪( :‬فتح العرب لمصر) ترج مة ال ستاذ (مح مد فر يد أبو‬
‫حديد)‪:‬‬
‫(إن ذينـك القرنيـن‪-‬الخامـس والسـادس‪ -‬كانـا عهـد نضال متصـل بيـن المصـريين‬
‫والروماني ين‪ .‬نضال يذك يه اختلف في الج نس واختلف في الد ين‪ .‬وكان اختلف الد ين‬
‫اشد من اختلف الجنس إذ كانت علة العلل في ذلك الوقت‪ ،‬تلك العداوة بين (الملكانية) و‬
‫‪1‬‬

‫() نقلً عن كتاب‪" :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" للسيد أبي الحسن الندوي‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(المونوفيسـية) وكانـت الطائفـة الولى‪-‬كمـا يدل عليهـا اسـمها‪ -‬حزب مذهـب الدولة‬
‫المبراطورية‪ ،‬وحزب الملك والبلد‪ .‬وكانت تعتقد العقيدة السنية الموروثة‪-‬وهي ازدواج‬
‫طبيعة المسيح‪ -‬على حين أن الطائفة الخرى وهي حزب القبط المنوفيسيين‪-‬أهل مصر‪-‬‬
‫كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها‪ ،‬وتحاربها حربا عنيفة‪ ،‬في حماسة هوجاء‪ ،‬يصعب‬
‫علينا ان نتصورها‪ ،‬او نعرف كنهها في قوم يعقلون‪ .‬بله يؤمنون بالنجيل!)‪..‬‬
‫ويقول (ت‪.‬و‪.‬أرنولد) فـي كتابـه‪( :‬الدعوة إلى السـلم) ترجمـة حسـن إبراهيـم‬
‫وزميليه‪ ،‬عن هذا الخلف الطائفي السياسي العنصري وآثاره في البتداعات والضافات‬
‫والتعديلت في النصرانية‪:‬‬
‫"… ولقد افلح (جستنيان) قبل الفتح السلمي بمئة عام في ان يكسب المبراطورية‬
‫الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة‪ .‬ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته‪ ،‬وأصبحت في‬
‫حاجة ماسة إلى شعور قوي مشترك‪ ،‬يربط الوليات وحاضرة الدولة"‪.‬‬
‫(أ ما هر قل ف قد بذل جهودا لم ت صادف نجاحا كاملً في إعادة ر بط الشام بالحكو مة‬
‫المركزية‪ .‬ولكن ما اتخذه من و سائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى‪-‬ل سوء الحظ‪ -‬إلى‬
‫زيادة النق سام‪ ،‬بدلً من القضاء عل يه‪ .‬ولم ي كن ث مة ما يقوم مقام الشعور بالقوم ية سوى‬
‫العوا طف الدين ية‪ .‬فحاول بتف سيره العقيدة تف سيرا ي ستعين به على تهدئة النفوس‪ ،‬ان ي قف‬
‫مـا يمكـن ان يشجـر بعـد ذلك بيـن الطوائف المتناحرة مـن خصـومات‪ ،‬وان يوحـد بيـن‬
‫الخارجين على الدين وبين الكنيسة الرثوذكسية؛ وبينهم وبين الحكومة المركزية) (‪.)1‬‬
‫(وكان مجمع خلقيدونية قد أعلن في سنة‪ 451‬ميلدية أن المسيح ينبغي أن يعترف‬
‫بأ نه يتم ثل في طبيعتيه‪ ،‬ل اختلط بينه ما‪ ،‬ول تغ ير‪ ،‬ول تجزؤ‪ ،‬ول انف صال‪ .‬ول يم كن‬
‫أن ينت في خلفه ما ب سبب اتحاده ما‪ .‬بل الحرى أن تحت فظ كل طبي عة من ها بخ صائصها‪،‬‬

‫‪1‬‬

‫() يدل هذا النص على أن جهود المبراطور لتفسير الدين لم تكن من أجل الدين ولكنها كانت محاولة سياسية بحتة‬
‫دفعه إليها ضعف "القومية" التي تربط بين أجزاء المبراطورية‪ .‬فأراد أن يتخذ من الدين صنما آخر بدلً من صنم‬
‫القومية !!!‬
‫‪23‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وتجت مع في أقنوم وا حد‪ ،‬وج سد وا حد‪ .‬ل ك ما لو كا نت متجزئة او منف صلة في أقنوم ين‪.‬‬
‫بل مجتمعة في أقنوم واحد‪ :‬هو ذلك البن‪ ،‬وال‪ ،‬والكلمة)‪..‬‬
‫(وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع‪ ،‬وكانوا ل يعترفون في المسيح إل بطبيعة واحدة‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬انه مركب القانيم‪ .‬له كل الصفات اللهية والبشرية‪ .‬ولكن المادة التي تحمل هذه‬
‫الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة القانيم‪..‬‬
‫وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الرثوذكس وبين اليعاقبة‬
‫الذ ين ازدهروا بو جه خاص في م صر والشام والبلد الخار جة عن نطاق المبراطور ية‬
‫البيزنطية‪ ،‬في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلح ذات البين‪ ،‬عن طريف المذهب‬
‫القائل بان للم سيح مشيئة واحدة‪ ..‬ف في الو قت الذي ن جد ف يه‪ .‬هذا المذ هب يعترف بوجود‬
‫الطـبيعتين‪ ،‬إذا بـه يتمسـك بوحدة القنوم فـي حياة المسـيح البشريـة‪ .‬وذلك بإنكاره وجود‬
‫نوعيـن مـن الحياة فـي أقنوم واحـد‪ .‬فالمسـيح الواحـد‪-‬الذي هـو ابـن ال‪-‬يحقـق الجانـب‬
‫النساني والجانب اللهي‪ ،‬بقوة إلهية إنسانية واحدة‪ .‬ومعنى هذا انه ل يوجد سوى إرادة‬
‫واحدة‪ ،‬في الكلمة المتجسدة‪..‬‬
‫لكـن هرقـل قـد لقـي المصـير الذي انتهـى إليـه كثيرون جدا ممـن كانوا يأملون أن‬
‫يقيموا دعائم السلم‪ .‬ذلك بان الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب‪ .‬بل إن‬
‫هرقل نفسه قد وصم باللحاد‪ ،‬وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء(‪.)1‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هذه الملبسـات التـي عاجلت النصـرانية فـي بدء نشأتهـا أولً‪ ،‬ثـم عنـد انتصـارها‬
‫ال سياسي على ذلك الن حو ثانيا‪ ،‬ثم ما تل ذلك النت صار من خلفات سياسية وعن صرية‬
‫وتحريفات وتعديلت في العقيدة بسببها ثالثا‪..‬‬
‫كل أولئك قد مل التصور العتقادي فيها بعناصر غريبة كل الغرابة على طبيعتها‪،‬‬
‫وعلى طبيعـة(الديـن اللهـي) كله‪ ..‬ومـن ثـم لم يعـد التصـور النصـراني‪-‬كمـا صـنعته‬
‫‪1‬‬

‫() ص‪ 53-52‬من الترجمة العربية‪.‬‬
‫‪24‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫التحريفات المتوالية أولً ثم كما صاغته المجامع المقدسة العامة والخاصة أخيرا(‪ - )2‬قادرا‬
‫على أن يعطي التفسير اللهي للوجود وحقيقته‪ ،‬وحقيقة صلته بخالقه‪ .‬وحقيقة هذا الخالق‬
‫وصفاته‪ ،‬وحقيقة الوجود النساني وغايته وطريقه‪ ..‬هذه المقومات التي لبد أن تصح كي‬
‫يصح النظام الجتماعي الذي ينبثق منها‪ ،‬ويقوم بعد ذلك عليها‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫غ ير أن ال مر لم ي قف ع ند ف ساد الت صور العتقادي على هذا الن حو؛ بل م ضت‬
‫الملبسات النكدة في طريقها خطوات أخرى عاثرة!‬
‫ل قد أرادت الكني سة أن تقـف في وجـه الترف الرومانـي‪ ،‬وال سعار الشهوا ني الذي‬
‫كا نت المبراطور ية الرومان ية قد انت هت ال يه‪ ،‬ق بل دخول ها في الن صرانية‪ ،‬والذي ي صفه‬
‫درابر المريكي في كتابه (الدين والعلم) بقوله‪:‬‬
‫"لمـا بلغـت الدولة الروميـة فـي القوة الحربيـة والنفوذ السـياسي اوجهـا‪ ،‬ووصـلت‬
‫الحضارة إلى أقصـى الدرجات‪ ..‬هبطـت فـي فسـاد الخلق‪ ،‬وفـي النحطاط فـي الديـن‬
‫والتهذ يب إلى أ سفل الدركات‪ ..‬ب طر الرومان معيشت هم واخلدوا إلى الرض‪ ،‬وا ستهتروا‬
‫استهتارا‪ ،‬وكان مبدؤهم ان الحياة إنما هي فرصة للتمتع‪ ،‬ينتقل فيها النسان من نعيم إلى‬
‫ترف‪ ،‬و من ل هو إلى لذة‪ .‬ولم ي كن اعتدال هم إل ليطول ع مر اللذة! كا نت موائد هم تز هو‬
‫بأوا ني الذ هب والف ضة مر صعة بالجوا هر‪ ،‬ويح تف ب هم خدم في مل بس جميلة خل بة‪،‬‬
‫وغادات روميـة حسـان‪ ،‬وغوان كاسـيات عاريات غيـر متعففات تدل دللً‪ .‬ويزيـد فـي‬
‫نعيمهـم حمامات باذخـة‪ ،‬ومياديـن للهـو واسـعة‪ ،‬ومصـارع يتصـارع فيهـا البطال مـع‬
‫البطال‪ ،‬أو مع السباع؛ ول يزالون يصارعون حتى يخر الواحد منهم صريعا يتشحط في‬
‫دمـه‪ .‬وقـد أدرك هؤلء الفاتحون الذيـن دوخوا العالم‪ ،‬انـه ان كان هناك شيـء يسـتحق‬
‫العبادة فهـو القوة‪ ،‬لنـه بهـا يقدر النسـان ان ينال الثروة التـي يجمعهـا أصـحابها بعرق‬
‫الجـبين وكـد اليميـن‪ ،‬وإذا غلب النسـان فـي سـاحة القتال بقوة سـاعده‪ ،‬فحينئذ يمكـن أن‬
‫‪2‬‬

‫() يراجع بالتفصيل كتاب محاضرات في النصرانية للستاذ محمد أبو زهرة‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫يصـادر الموال والملك‪ ،‬ويعيـن إيرادات القطاع‪ ،‬وان راس الدولة الروميـة هـو رمـز‬
‫لهذه القوة القاهرة‪ ،‬فكان نظام رومة يشف عن أبهة الملك‪ .‬ولكنه كان طلء خادعا كالذي‬
‫نراه في حضارة اليونان في عهد انحطاطها(‪.)1‬‬
‫أرادت الكنيسة أن تقف في وجه هذا السعار الجامح‪ ،‬وهذا التردي الكاسح‪ ..‬ولكنها‬
‫لم تسلك إليه طريق الفطرة السوية المعتدلة المتزنة‪ ،‬ول كان قد بقي بين يديها من حقيقة‬
‫التصور النصراني الصحيح ما تقيم به الميزان بين الناس بالقسط‪ ،‬ول ما تقيم به الميزان‬
‫بين الفراط والتفريط في وظائف فطرتهم الطبيعية‪.‬‬
‫عندئذ اند فع في الجا نب ال خر تيار من (الرهبان ية) العات ية‪ ،‬لعل ها كا نت اشأم على‬
‫البشريـة مـن بهيمـة الرومان الوثنيـة‪ .‬واصـبح الحرمان مـن طيبات الحياة‪ ،‬وسـحق‬
‫الخصائص الفطرية في النسان‪ ،‬ومحق الطاقات والستعدادات التي خلقها ال فيه لتكفل‬
‫بقاء النوع من ناح ية‪ ،‬ك ما تك فل عمارة الرض والقيام بفرائض الخل فة في ها من ناح ية‬
‫أخرى‪ ..‬ا صبح هذا النحراف العا تي عن الفطرة هو عنوان الكمال والتقوى والفضيلة‪..‬‬
‫المر الذي لم يأذن به ال‪ ،‬ول يمكن أن تستقيم معه حياة!‬
‫ولم ينشـئ ذلك علجا لذلك النحلل‪ .‬ولكنـه انشـأ صـراعا بيـن طرفيـن جامحيـن‪،‬‬
‫كلهما بعيد عن جادة الفطرة وحقيقة حاجات النسان‪.‬‬
‫ويصور (ليكى) في كتابه‪( :‬تاريخ أخلق أوروبا) ما كان عليه العالم النصراني في‬
‫ذلك العصر من التاريخ بين الرهبانية والفجور‪ ..‬بقوله‪:‬‬
‫"إن التبذل والسفاف قد بلغا غايتهما في أخلق الناس واجتماعهم‪ .‬وكانت الدعارة‬
‫والفجور‪ ،‬والخلد إلى الترف‪ ،‬والتســاقط على الشهوات‪ ،‬والتحلق فــي مجالس الملوك‬
‫وأنديـة الغنياء والمراء‪ ،‬والمسـابقة فـي زخارف اللباس والحلي والزينـة فـي حدتهـا‬

‫‪1‬‬

‫() عن كتاب‪ " :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للستاذ أبي الحسن الندوي‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وشدت ها‪ ..‬كا نت الدن يا في ذلك الح ين تتأر جح ب ين الرهبان ية الق صوى والفجور الق صى‪.‬‬
‫وان المدن التي ظهر فيها اكثر الزهاد كانت اسبق المدن في الخلعة والفجور(‪.)2‬‬
‫وهكذا ع جز نظام الرهب نة‪ ،‬المنب ثق من ت صورات كن سية ومجمع ية منحر فة عن‬
‫اصـل التصـور النصـراني الربانـي‪ ،‬عـن أن يكون حتـى نظاما أخلقيا للعالم النصـراني‪.‬‬
‫وخلف في النفوس جفوة للدين‪-‬والدين منه براء!‪-‬وترك فيها تحفزا للنتقاض عليه وعلى‬
‫نظامه الذي ل تطيقه الفطرة‪ ..‬وكان عاملً نكدا من عوامل ذلك ( الفصام النكد) في نهاية‬
‫المطاف!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ثم كا نت الطا مة يوم اكت شف الناس‪ ،‬الذ ين تأخذ هم الكني سة بهذا الحرمان القا سي‪،‬‬
‫وتنذرهم باستحالة نفاذهم إلى الجنة إذا هم زاولوا من طيبات الحياة شيئا!‪..‬‬
‫نقول‪ :‬كا نت الطا مة يوم اكت شف الناس ان حياة رجال الكني سة الشخ صية‪ ،‬ل ت عج‬
‫بالمتاع بالطيبات فحسب! ول تسقط في الترف فحسب! وإنما هي تعج بالفواحش والمناكر‬
‫في اشد صورها شذوذا وفحشا ونكرا!‬
‫يقول درابر في كتابه‪( :‬الدين والعلم)‪:‬‬
‫لم تكن الرهبانية والنظام الديني السلبي إل مصادمة للفطرة‪ .‬فبقيت مقهورة بعوامل‬
‫الديانة الجديدة وسلطانها الروحي‪ ،‬وساعدتها عوامل أخرى‪ .‬ثم قهرت الطبيعة‪ ،‬وتسرب‬
‫الض عف والنحراف إلى المرا كز الدين ية‪ ،‬ح تى صارت تزا حم المرا كز الدنيو ية‪-‬ورب ما‬
‫تسـبقها فـي فسـاد الخلق والدعارة والفجور‪ .‬لذلك وقفـت الحكومـة المآدب الدينيـة‪،‬‬
‫والولياء وذكريات هم‪ ،‬ال تي وجدت في ها الخل عة والفجور ح مى ومرتعا‪ ،‬وات هم الق سوس‬
‫بكبائر ومنكرات‪.‬‬
‫(ويقول الرا هب جروم (‪ : )jerume‬ان ع يش الق سوس ونعيم هم كان يزري بترف‬
‫المراء والغنياء المترفيـن‪ .‬وقـد انحطـت أخلق البابوات انحطاطا عظيما‪ ،‬واسـتحوذ‬
‫‪2‬‬

‫() عن كتاب‪ " :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للستاذ أبي الحسن الندوي‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫عليهم الج شع و حب المال‪ ،‬وعدوا طور هم‪ ،‬حتى ان هم كانوا يبيعون المناصب والوظائف‬
‫كالسـلع‪ ،‬وقـد تباع بالمزاد العلنـي‪ ،‬ويؤجرون ارض الجنـة بالوثائق والصـكوك وتذاكـر‬
‫الغفران‪ ،‬ويأذنون بنقــض القانون‪ ،‬ويمنحون شهادات النجاة‪ ،‬وأجازات حــل المحرمات‬
‫والمحظورات‪ ،‬كأوراق النقد وطوابع البريد‪ ،‬ويرتشون ويرابون‪ .‬وقد بذروا المال تبذيرا‪،‬‬
‫حتى اضطر البابا (إنوسنت الثامن) أن يرهن تاج البابوية! ويذكر عن البابا (ليو العاشر)‬
‫انه انفق ما ترك البابا السابق من ثروة واموال‪ ،‬وانفق نصيبه ودخله‪ ،‬واخذ إيراد خليفته‬
‫المترقـب سـلفا وأنفقـه! ويروى ان مجموع دخـل فرنسـا لم يكـن يكفـي البابوات لنفقاتهـم‬
‫وإرضاء شهواتهم!) (‪.)1‬‬
‫ومسألة صكوك الغفران التي يشير إليها درابر في الفقرة السابقة‪ ،‬كانت الكنيسة قد‬
‫قررت أن تم نح لنف سها ال حق في إعطائ ها في أ حد المجا مع الكن سية الكثيرة‪ ،‬ال تي كا نت‬
‫تجتمـع بيـن الحيـن والحيـن‪ .‬وتغيـر وتبدل وتحرف وتنشـئ وتضيـف مـا تشاؤه الهواء‬
‫(المقدسة!) إلى العقيدة النصرانية!‬
‫(و قد جاء فـي كتاب‪ :‬تاريـخ الكني سة في بيان قرار المج مع الثانـي ع شر فـي هذا‬
‫الشأن‪:‬‬
‫(أنهى المجمع تعليمه‪ ،‬فيما يتعلق بأمر الغفران‪ ،‬فقال‪ :‬ان يسوع المسيح لما كان قد‬
‫قلد كني سته سلطان م نح الغفرانات ‪ ،‬و قد ا ستعملت الكني سة هذا ال سلطان الذي نال ته من‬
‫العلي منذ اليام الولى‪ ،‬قد أعلم المجمع المقدس وأمر‪ ،‬بان تحفظه للكنيسة‪ ،‬في الكنيسة‪،‬‬
‫هذه العمل ية الخل صية للش عب الم سيحي‪ ،‬والمثب تة ب سلطان المجا مع‪ ..‬ثم ضرب ب سيف‬
‫الحرمان من يزعمون ان الغفرانات غ ير مفيده‪ ،‬او ينكرون على الكني سة سلطان منح ها‪.‬‬
‫غير انه قد رغب في ان يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز‪ ،‬حسب العادة المحفوظة‬
‫قديما‪ ،‬والمثبتة في الكنيسة‪ ،‬لئل يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل)‪.‬‬
‫"…وهذا نص صك الغفران‪ ،‬الذي كان يباع بيع السلعة"‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() عن كتاب‪ " :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " للستاذ أبي الحسن الندوي‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(ربنـا يسـوع يرحمـك (يـا فلن)‪ ،‬ويحلك باسـتحقاقات المـة الكليـة القداسـة‪ .‬وأنـا‬
‫بالسلطان الرسولي المعطى لي‪ ،‬احلك من جميع القصاصات‪ ،‬والحكام والطائلت الكنسية‬
‫ال تي ا ستوجبتها وأيضا من جم يع الفراط والخطا يا والذنوب ال تي ارتكبت ها‪-‬مه ما كا نت‬
‫عظيمـة وفظيعـة‪ -‬ومـن كـل علة‪-‬وان كانـت محفوظـة لبينـا القدس البابـا والكرسـي‬
‫الرسولي‪ -‬وأمحو جميع أقذار الذنب‪ ،‬وكل علمات الملمة‪ ،‬التي ربما جلبتها على نفسك‬
‫في هذه الفرصة‪ .‬وارفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر؛ وأردك حديثا‬
‫إلى الشر كة في أ سرار الكني سة‪ ،‬وأقر نك في شر كة القدي سين‪ .‬أردك ثان ية إلى الطهارة‬
‫والبر اللذ ين كا نا لك ع ند معمودي تك‪ ،‬ح تى ا نه في ساعة الموت يغلق أما مك الباب الذي‬
‫يد خل م نه الخ طأ إلى م حل العذاب والعقاب‪ ،‬ويف تح الباب الذي يؤدي الى فردوس الفرح‪.‬‬
‫وان لم تمت سنين مستطيلة‪ ،‬فهذه النعمة تبقى غير متغيرة‪ ،‬حتى تأتي ساعتك الخيرة‪..‬‬
‫باسم الب والبن والروح القدس‪.)1( )..‬‬
‫فإذا أضفنا هذه إلى تلك‪ ..‬إذا أضفنا عنت الكنيسة في اخذ الناس بالحرمان القاسي‪،‬‬
‫باسم الدين‪-‬والدين بريء!‪ -‬إلى ترف رجال الكنيسة وفساد حياتهم‪ ..‬إلى مهزلة صكوك‬
‫الغفران‪ ،‬أدركنا طرفا من تلك الملبسات النكدة‪ ،‬التي أدت في النهاية إلى (الفصام النكد)‬
‫في تاريخ أوروبا المنكود!‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫غير أن ال مر لم ي قف ع ند هذه الحدود‪ ..‬ف قد دخلت الكني سة في نزاع طو يل وحاد‬
‫مع الباطرة والملوك‪-‬ل على الدين والخلق‪ -‬ولكن على السلطة والنفوذ‪.‬‬
‫وبدأ النزاع والمنافسة بين البابوية والمبراطورية في القرن الحادي عشر‪ ،‬فاشتدت‬
‫بعنـف‪ ،‬وحمـى وطيسـها‪ ،‬وانتصـرت فيهـا البابويـة أولً حتـى أن هنري الرابـع ممثـل‬
‫المبراطوريـة اضطـر فـي سـنة ‪1077‬م أن يتقدم بخضوع نحـو البلط البابوي فـي قلعـة‬
‫كانو سا‪ ..‬ولم ي سمح له البا با بالدخول إل ب عد أن يش فع له الرجال‪ ،‬ف سمح له بالمثول ب ين‬
‫‪1‬‬

‫() من كتاب‪ " :‬محاضرات في النصرانية " للستاذ الشيخ محمد أبو زهرة‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫يد يه‪ ،‬فد خل ال مبراطور حافيا‪ .‬لب سا ال صوف‪ ،‬وتاب على يد يه؛ فغ فر له البا با زل ته‪..‬‬
‫وكانت الحرب بين البابوية والمبراطورية بعد ذلك سجالً حتى ضعفت البابوية(‪.)1‬‬
‫وقد حدث في سنة ‪-1245‬كما جاء في كتاب (سوسنة سليمان)‪-‬أن المجمع الثالث‬
‫عشر انعقد في ليون من أعمال فرنسا‪ ،‬بأمر البابا‪( .‬إنوسنت) الرابع‪ ،‬لجل عزل فردريك‬
‫ملك فرنسا وحرمه‪ .‬ولكن كنيسة فرنسا لم تسلم بصحته او بسلطانه! (‪.)2‬‬
‫ولمـا كانـت الكنيسـة‪-‬إلى جوار صـراعها مـع الباطرة والملوك على السـلطة‪ -‬قـد‬
‫فرضت لنفسها سلطانا على الجماهير؛ واستغلته ابشع استغلل‪ ،‬في فرض التاوات المالية‬
‫الباه ظة ال تي ت جبى إلي ها مباشرة؛ م ما ج عل الناس يئنون ت حت هذا الرهاق‪ ،‬ف قد ا ستغل‬
‫الحكام ال ساخطون هذا الض غط العام ليثيروا ال سخط العام على الكني سة؛ وا ستخدموا لهذه‬
‫الغاية كل وسيلة؛ وفي أولها فضح رجال الدين؛ وكشف أقذارهم وأدناسهم‪ ،‬وبيان خبايا‬
‫حياتهم الشخصية‪ ،‬التي يخفونها وراء وقار الزي الكهنوتي والمراسم الكنسية!!!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وكانت القاصمة التي تم بها ذلك (الفصام النكد) وانتهى بها المر في أوروبا بين‬
‫الدين والحياة‪ ،‬وانقطع بها نهائيا ما بين التصور العتقادي والنظام الجتماعي من سبب‪..‬‬
‫بل كانت الجناية الكبرى التي جنتها الكنيسة الغربية على نفسها‪ ،‬وعلى الدين النصراني‪،‬‬
‫ثم على الدين كله في الرض جميعا‪-‬إلى أن يأذن ال بتغيير الحوال‪ -‬هي ذاك‪:‬‬
‫ل قد احتجزت (الكني سة) لنف سها حق ف هم (الكتاب المقدس) وتف سيره‪ ،‬وحظرت على‬
‫أي عقل من خارج (الكهنوت) أن يحاول فهمه او تفسيره‪.‬‬
‫ثـم اتبعـت هذا بإدخال معميات فـي العقيدة ل سـبيل لدراكهـا او تصـورها او‬
‫تصــديقها‪ ..‬وقــد ذكرنــا مثلً مــن هذه المعميات فــي النــص الذي نقلناه عــن‬
‫(سيرت‪.‬م‪.‬أرنولد)عن حقيقة السيد المسيح وطبيعته‪..‬‬
‫‪1‬‬

‫() عن كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() عن كتاب محاضرات في النصرانية‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ثم أدخلت مثل هذه المعميات في الشعائر التعبدية‪ ..‬والمثال الصارخ لها هو مسألة‬
‫(العشاء الرباني) الذي كان أحد الحالت التي ثار عليها مارتن لوثر وكالفن وزنجلي فيما‬
‫سمي (بالصلح الديني)‪.‬‬
‫وم سألة العشاء الربا ني م سألة م ستحدثة ما جاء ب ها (الكتاب المقدس) عند هم‪ ،‬و ما‬
‫تعرض لها النصارى الولون‪ ،‬ول (المجامع المقدسة) الولى‪ ..‬وقصتها كما يلي‪:‬‬
‫إن النصـارى يأكلون فـي الفصـح خبزا‪ ،‬ويشربون خمرا‪ ،‬ويسـمون ذلك (العشاء‬
‫الرباني)‪.‬‬
‫وقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح وذلك الخمر يستحيل‬
‫إلى دم الم سيح الم سفوك‪ .‬ف من أكله ما و قد ا ستحال هذه ال ستحالة ف قد اد خل الم سيح في‬
‫جسده‪ .‬بلحمه ودمه‪...‬‬
‫وقـد فرضـت الكنيسـة على الناس قبول هذا الزعـم ومنعتهـم مـن مناقشتـه‪ .‬وإل‬
‫عرضوا أنفسهم للطرد والحرمان‪.‬‬
‫ثم لم تك تف الكني سة بتلك المعميات والخرافات في العقيدة و في الشعائر‪ -‬مع كف‬
‫الناس عن البحث عن أصولها في (الكتاب المقدس) ومحاولة فهمه او تفسيره‪ -‬بل اتبعتها‬
‫بأمثال ها في الكون والحياة‪ .‬فاد عت آراء ونظريات جغراف ية وتاريخ ية وطبيع ية م ما كان‬
‫سائدا في عصرها‪ ،‬مليئة بالخطأ والخرافة عن الكون والحياة والنسان‪ .‬وجعلتها (مقدسة)‬
‫ل تجوز مناقشتها ول تصحيحها ول تجربتها‪ ،‬ول القول بسواها‪.‬‬
‫وكانـت هذه هـي القاصـمة! لنهـا الباطـل الذي يسـهل على التجربـة بيان بطلنـه‪،‬‬
‫وكشف زيفه! ولنها المنطقة التي أطلق ال فيها العقل النساني ليرتادها‪ ،‬وهو مزود بكل‬
‫المؤهلت التي تمكنه من كشفها وتحقيقها‪ ،‬ولم يفرض عليه فيها نظرية معينة!‬
‫و في هذا يقول ال سيد أ بو الح سن الندوي ما يغني نا عن العادة‪ ،‬وي صور ا ثر هذه‬
‫القاصمة في ذلك (الفصام النكد) تصويرا مختصرا دقيقا في كتابه القيم " ماذا خسر العالم‬
‫بانحطاط المسلمين " ‪:‬‬
‫‪31‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( ‪ ..‬ولكـن مـن أعظـم أخطاء رجال الديـن فـي أوروبـا‪ ،‬ومـن اكـبر جناياتهـم على‬
‫أنف سهم وعلى الد ين الذي كانوا يمثلو نه‪ ،‬ان هم د سوا في كتب هم الدين ية المقد سة‪ ،‬معلومات‬
‫بشرية‪ ،‬ومسلمات عصرية‪ ،‬عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية‪ ،‬ربما كانت أقصى‬
‫ما و صلوا إل يه من العلم في ذلك الع صر‪ ،‬وكا نت حقائق راه نة ل ي شك في ها رجال ذلك‬
‫العصر‪ ،‬ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم النساني‪.‬‬
‫( وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر فانه ل يؤمن‬
‫عل يه التحول والتعارض‪ .‬فان العلم الن ساني متدرج مترق ف من ب نى عل يه دي نه ف قد ب نى‬
‫ق صرا على كث يب مه يل من الر مل‪ .‬ولعل هم فعلوا ذلك بن ية ح سنة ولك نه كان ا كبر جنا ية‬
‫على أنفسهم وعلى الدين فان ذلك كان سببا للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم‪ ،‬الذي‬
‫انهزم فيـه الديـن‪ ،‬ذلك الديـن المختلط بعلم البشـر‪ ،‬الذي فيـه الحـق والباطـل‪ ،‬والخالص‬
‫والزائف‪ ..‬هزيمة منكرة‪ ،‬و سقط رجال الد ين سقوطا لم ينهضوا بعده‪ .‬و شر من ذلك كله‬
‫وأشأم‪ :‬أن أوروبا أصبحت ل دينية‪.‬‬
‫ولم يك تف رجال الد ين ب ما ادخلوه في كتب هم المقد سة‪ ،‬بل در سوا كل ما تناقل ته‬
‫اللسن‪ ،‬واشتهر بين الناس‪ ،‬وذكره بعض شراح التوراة والنجيل ومفسريها من معلومات‬
‫جغراف ية وتاريخ ية وطبيع ية‪ .‬وصبغوها صبغة دين ية‪ ،‬وعدو ها من تعاليم الدين وأصوله‬
‫ال تي ي جب العتقاد ب ها‪ ،‬ون بذ كل ما يعارض ها‪ ،‬وألفوا في ذلك كتبا وتآل يف‪ ،‬و سموا هذه‬
‫الجغرافيـا التـي مـا انزل ال بهـا مـن سـلطان‪( :‬الجغرافيـا المسـيحية) (‪Christian‬‬
‫‪ )Geography‬وعضوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وكفروا كل من لم يدن بها‪.‬‬
‫وكان ذلك في ع صر انف جر ف يه بركان العقل ية في أورو با‪ ،‬وح طم علماء الطبي عة‬
‫والعلوم سـلسل التقليـد الدينـي‪ .‬فزيفوا هذه النظريات الجغرافيـة التـي اشتملت عليهـا هذه‬
‫الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة‪ ،‬واعتذروا عن عدم اعتقادها واليمان بها بالغيب؛‬
‫وأعلنوا اكتشافاتهم واختباراتهم‪ .‬فقامت قيامة الكنيسة‪ ،‬وقام رجالها المتصرفون في زمام‬
‫المور فـي أوروبـا وكفروهـم‪ ،‬واسـتحلوا دماءهـم وأموالهـم فـي سـبيل الديـن المسـيحي‪،‬‬
‫‪32‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وأنشأوا محاكم التفتيش‪ ،‬التي تعاقب‪-‬كما يقول البابا‪(-‬أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم‬
‫منتشرون فـــي المدن والبيوت والســـراب والغابات والمغارات والحقول!)‪ ..‬فجدت‬
‫واجتهدت و سهرت على عمل ها‪ ،‬واجتهدت أل تدع في العالم الن صراني عرقا نابضا ضد‬
‫الكنيسـة‪ ،‬وانبثـت عيونهـا فـي طول البلد وعرضهـا‪ ،‬وأحصـت على الناس النفاس‪،‬‬
‫وناق شت علي ها الخوا طر‪ ،‬ح تى يقول عالم ن صراني‪ " :‬ل يم كن لر جل ان يكون م سيحيا‬
‫ويموت حتف انفه" ( يقصد الموت موتة طبيعية)‪.‬‬
‫( ويقدر أن مـن عاقبـت هذه المحاكـم يبلغ عددهـم ثلثمئة ألف‪ .‬احرق منهـم اثنان‬
‫وثلثون ألف أحياء! كان منهم العالم الطبيعي المعروف (برونو)‪ ،‬نقمت منه الكنيسة آراء‬
‫من اشدها قوله بتعدد العوالم‪ ،‬وحكمت عليه بالقتل‪ ،‬واقترحت بان ل تراق قطرة من دمه!‬
‫ـر‬
‫ـبيعي الشهيـ‬
‫ـب العالم الطـ‬
‫ـي أن يحرق حيا! وكذلك كان! وكذلك عوقـ‬
‫وكان ذلك يعنـ‬
‫(جاليليو) بالقتل لنه كان يعتقد بدوران الرض حول الشمس!‪.‬‬
‫( هنالك ثار المجددون المتنورون‪ ،‬وعيـل صـبرهم‪ ،‬واصـبحوا حربا لرجال الديـن‬
‫وممثلي الكني سة‪ ،‬والمحافظ ين على القد يم‪ ،‬ومقتوا كل ما يت صل ب هم‪ ،‬ويعزى إلي هم‪ ،‬من‬
‫عقيدة‪ ،‬وثقافة‪ ،‬وعلم‪ ،‬وأخلق‪ ،‬وآداب‪ ،‬وعادوا الدين المسيحي اولً‪ ،‬والدين المطلق ثانية‪،‬‬
‫وا ستحالت الحرب ب ين زعماء الد ين الم سيحي‪-‬وبل فظ ا صح الديا نة البول سية‪ -‬حربا ب ين‬
‫العلم والديـن مطلقا! وقرر الثائرون أن العلم والديـن ضرتان ل تتصـالحان‪ ،‬وان العقـل‬
‫والنظام الدي ني ضدان ل يجتمعان؛ ف من ا ستقبل أحده ما ا ستدبر ال خر‪ ،‬و من آ من بالول‬
‫كفـر بالثانـي‪ .‬وإذا ذكروا الديـن ذكروا تلك الدماء الزكيـة التـي أريقـت فـي سـبيل العلم‬
‫والتحق يق‪ ،‬وتلك النفوس البريئة ال تي ذه بت ضح ية لق سوة الق ساوسة وو ساوسهم‪ ،‬وتم ثل‬
‫لعينهم وجوه كالحة عابسة وجباه مقطبة‪ ،‬وعيون ترمي بالشرر‪ ،‬وصدور ضيقة حرجة‪،‬‬
‫وعقول سخيفة بليدة؛ فاشمأزت قلوبهم؛ وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلء‪ ،‬وكل ما يمثلونه‪،‬‬
‫وتواصوا به‪ ،‬وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم!‬

‫‪33‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( ولم يكن عند هؤلء الثائرين من الصبر والمصابرة على الدراسة والتفكير‪ ،‬ومن‬
‫الودا عة والهدوء‪ ،‬و من الع قل والجتهاد‪ ،‬ما يميزون به ب ين الد ين‪ ،‬ورجاله المحتكر ين‬
‫لزعامته‪ ،‬ويفرقون به بين ما يرجع إلى الدين من عهدة ومسؤولية‪ .‬وما يرجع إلى رجال‬
‫الكنيسـة مـن جمود واسـتبداد وسـوء تمثيـل‪ ،‬فل ينبذوا الديـن نبـذ النواة‪ ..‬ولكـن الحفيظـة‬
‫وشنآن رجال الد ين‪ ،‬وال ستعجال‪ ..‬لم ي سمح بالن ظر في أ مر الد ين والتر يث في شأ نه‬
‫كغالب الثوار‪ ،‬في أكثر العصار والمصار!!!‪).‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هذه‪-‬باخت صار وإجمال شديد ين‪ -‬أ هم الملب سات النكدة لذلك (الف صام الن كد) الذي‬
‫تعاني أوروبا‪-‬وتعاني معها البشرية كلها اليوم مع السف‪ -‬آثاره التعيسة‪ ،‬وتتجرع كأسه‬
‫المريرة‪.‬‬
‫وهذا هو (الدين) الذي ثارت عليه أوروبا‪ ..‬ثم تابعها في الثورة الببغاوات والقرود‬
‫في الرض كلها‪ ،‬دون تفرقة بين دين ودين!‬
‫وهذا هـو(الديـن) الذي ثارت عليـه أوروبـا‪ ..‬الديـن الذي شوهـت معالمـه منـذ أول‬
‫خطوة‪ .‬ثم زيفت خصائصه الربانية‪ ،‬وتصوراته السماوية‪ ،‬وقيمه وأسسه‪ ..‬ذلك التزييف‬
‫الشنيع!‬
‫هؤلء هم (رجال الد ين) الذ ين قدموا هذه الجنا ية على أنف سهم وعلى الد ين‪ ،‬وعلى‬
‫البشرية المنكودة‪ ،‬بقيادة الغرب الموتور من الدين المزيف‪ ،‬ومن رجال الدين المزيفين!‬
‫وهي كلها‪-‬ول الحمد‪ -‬ملبسات (أوروبية) بحتة‪ ،‬وليست إنسانية عالمية‪-‬ومتعلقة‬
‫بنوع معين من (الدين) ل بحقيقة الدين‪ .‬وخاصة بحقبة من التاريخ خاصة‪ ،‬تملك البشرية‬
‫أن تتخلص من آثار ها التعي سة‪ ،‬ح ين تف تح أعين ها على الحقي قة من وراء دخان المعر كة‬
‫التاريخية!‬
‫ول كن هذا الخلص لن يج يء أبدا عن طر يق العقل ية الغرب ية‪ ،‬ولن ينب ثق أبدا من‬
‫هذه العقليـة المكبلة بأغلل ذلك التاريـخ المريـر‪ ،‬وبالرواسـب التـي خلفتهـا تلك المعركـة‬
‫‪34‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫التعي سة‪ ،‬وبالموجات ال تي أطلقت ها في الف كر والضم ير‪ ،‬و في الدب وال فن‪ ،‬و في ال سياسة‬
‫والقت صاد‪ ،‬و في كل أوضاع الحياة التي قا مت على ذلك (الف صام الن كد) ب عد ما تعم قت‬
‫جذوره في تربة الغرب المنكود!‬

‫‪35‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫انتهى دور الرجل البيض‬
‫يقول الفيلسوف النجليزي المعاصر( برتراند رسل)‪:‬‬
‫لقد انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل البيض‪ .‬وبقاء تلك السيادة إلى البد ليس‬
‫قانونا من قوانين الطبيعة‪ .‬واعتقد أن الرجل البيض لن يلقى أياما رضية كتلك التي لقيها‬
‫خلل أربعة قرون‪ ..‬إن الروسي هو الرجل البيض الوحيد الذي تسنح له الفرصة لنشر‬
‫نفوذه فـي آسـيا‪ .‬والشعوب السـيوية تمقـت السـتعمار‪ ،‬وهـم ل يعتقدون أن (للكريمليـن)‬
‫غايات اسـتعمارية‪ ..‬لنهـم لم يجربوه‪ ..‬بينمـا رزحوا أجيالً طويلة تحـت سـلطان الرجـل‬
‫الغربي‪ ،‬واصبحوا يكرهون تلك التجربة‪ .‬ولهذا لست اعتقد أن للدولة الغربية فرصة في‬
‫آ سيا‪ .‬ولك ني اعت قد أن اله ند قد تع يش في توا فق مع العالم الغر بي‪ .‬أ ما العالم العر بي‪-‬‬
‫وكذلك مصر والباكستان‪ -‬فستنحاز إلى المعسكر الشيوعي!‪.‬‬
‫أطلق (برترانـد رسـل) نبوءتـه هذه عام ‪ .1950‬وربمـا يبدو أن الوقائع التـي تلت‬
‫ذلك‪-‬وبخا صة سقوط ال صين في قب ضة الشيوع ية‪ -‬ت صدق أ ساس هذه النبوءة‪ ..‬ولكن نا‬
‫نل حظ أن ها نظرة قري بة الجذور سطحية المقدمات‪ ،‬ماد ية ال سباب‪ -‬و هو ما ل ن ستغربه‬
‫من مف كر غر بي أيا كا نت قي مة تحرره العقلي الذي اشت هر ع نه‪ ..‬ف هو أ سير عقل ية وبيئة‬
‫ووراثات وحضارة معينـة‪ ،‬ل تسـمح له بأن يفكـر وراءهـا؛ ول ان يخرج مـن إسـارها‪،‬‬
‫ليرى المر كله جملة‪ ،‬ومن زاوية أخرى جديدة!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫إن المسألة اعمق من هذا بكثير‪..‬‬
‫لقد انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل البيض‪ ،‬لن حضارة الرجل البيض قد‬
‫اسـتنفدت أغراضهـا المحدودة القريبـة‪ ،‬ولم يعـد لديهـا مـا تعطيـه للبشريـة مـن تصـورات‬
‫ومفاهيم ومبادئ وقيم‪ ،‬تصلح لقيادة البشرية‪ ،‬وتسمح لها بالنمو والترقي الحقيقيين‪ ..‬النمو‬
‫والترقي للعنصر النساني‪ ،‬وللقيم النسانية‪ ،‬وللحياة (النسانية)‪..‬‬

‫‪36‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫لقد أصيبت بالعقم‪-‬او كادت‪ -‬بعد ما ولدته في (الماجنا كارتا) النجليزية‪ .‬ومبادئ‬
‫الثورة الفرنسية‪ .‬ومبادئ الحرية الفردية التي سادت في ما يسمونه (التجربة المريكية)‪.‬‬
‫وكلهـا كانـت قيما محدودة تروج فـي فترة خاصـة ‪ .‬وتواجـه حالت محدودة‬
‫وأوضاعا خا صة‪ .‬ولم ت كن ر صيدا لب ني الن سان ي صلح للبقاء مدة أطول من الفترة ال تي‬
‫عاشتها تلك المبادئ الموقوتة!‬
‫وكلها كانت مبتوتة عن الصل الكبير الذي ل تقوم النظمة الجتماعية‪ ،‬ول تعيش‬
‫المبادئ والقيم‪ ،‬إل إذا انبثقت منه‪ ،‬وقامت عليه‪ .‬الصل العتقادي المرتبط بال‪ ،‬والتفسير‬
‫الكلي للوجود‪ ،‬ومركز النسان فيه‪ ،‬وغاية وجوده النساني‪ ..‬ومن ثم كانت قيما محدودة‬
‫موقو تة لن ها في ال صل ق يم مبتو تة!‪( ..‬نبات شيطا ني) ل جذور له في أعماق الفطرة‬
‫البشرية‪ ،‬لنه ليس آتيا من المصدر الذي جاءت منه الفطرة البشرية‪.‬‬
‫و من أ جل أن ها لم تنب ثق من ذلك ال صل؛ ولم ت جئ من هذا الم صدر‪ ،‬فإن ها قا مت‬
‫على أسـاس مناقـض لفطرة الحياة‪ ،‬ولفطرة النسـان؛ ولم تراع فـي السـس التـي قامـت‬
‫عليها‪ ،‬ول في الوسائل التي اتخذتها‪ ،‬ول في الطريق التي سارت فيه‪ ..‬لم تراع في هذا‬
‫كله احتياجات (النسان) الحقيقية‪ ،‬المنبثقة من طبيعة تكوينه‪ ،‬واصل خلقته وحقيقة فطرته‬
‫وأهملت إهمالً شنيعا أهم مقوماته‪-‬التي بها صار النسان إنسانا‪ -‬ولم تهملها فحسب‪ ،‬بل‬
‫طاردتها في جفوة وعنف‪..‬‬
‫وكان ذلك كله بسـبب تلك الملبسـات النكدة‪ ،‬التـي أثمرت ذلك (الفصـام النكـد)‪.‬‬
‫فقامت تلك الحضارة‪-‬من ثم‪ -‬على أسس معادية للدين‪ ..‬أسس فكرية وشعورية وواقعية‪..‬‬
‫و سارت كذلك‪ -‬من ثم‪ -‬في طر يق معارض للحقي قة الن سانية‪ ،‬وللحاجات الحقيق ية لب ني‬
‫النسان وللقيم الصحيحة التي ينبغي أن تطبع الحياة النسانية وتميزها‪.‬‬
‫ومـن ثـم اخـذ (النسـان) يشقـى شقاءً مريرا بالحضارة‪ ،‬التـي قامـت أصـلً‪-‬او‬
‫المفروض أن ها قا مت أ صلً‪ -‬لخدم ته وترقي ته وإ سعاده‪ ..‬وح ين تتنا قض(الحضارة) مع‬
‫(النسان) فالنتيجة الحتمية بعد فترة‪-‬تطول او تقصر‪ -‬من صراع النسان مع الحضارة‪،‬‬
‫‪37‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ومـن اللم والتضحيات‪ ،‬والخسـائر والمرارات‪ ،‬ان ينتصـر النسـان‪ ،‬لنـه هـو الصـل‪.‬‬
‫ولن فطرته اعمق وأبقى من أنماط الحضارة الطارئة عليها‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وعند ما يكون هذا هو مقياس البقاء‪ ،‬فإن الرو سي ي قف مع النجليزي والمري كي‬
‫والفرنسي والسويسري والسويدي‪ ..‬وسائر البيض‪ ..‬على قدم سواء!‬
‫ل بل إن الروسي ليبدو متخلفا بنظامه المتعسف‪ ،‬الذي ل يملك البقاء بغير الوسائل‬
‫البوليسـية البشعـة‪ ،‬وبغيـر(حمامات الدم) و( حركات التطهيـر) الدوريـة‪ ،‬ومعسـكرات‬
‫العتقال‪ ،‬ومعسكرات الموت‪ ...‬لشدة مصادمته للفطرة النسانية في الكليات والجزئيات!‬
‫إن الماركسـية‪-‬مـن الوجهـة النظريـة‪ -‬تقوم على جهالة عميقـة بالنفـس البشريـة‬
‫وطبيعتها وتاريخها‪ -‬فضلً على الجهالة العميقة بالحقيقة الكونية‪ ،‬وتفسير الكون والحياة‪-‬‬
‫فهـي إذ تصـور جميـع الدوافـع النسـانية قائمـة على جوعـة المعدة والصـراع على لقمـة‬
‫الخبـز‪ ،‬وتصـور جميـع الحركات التاريخيـة منبثقـة مـن تغيـر أدوات النتاج‪ ..‬تلغـي أهـم‬
‫مقومات الن سان ال تي تفرق ب ين تاري خه وتار يخ البهي مة! وتل غي أ هم وظائف الن سان‪.‬‬
‫و هي أن يكون العا مل اليجا بي الول في هذه الرض و في أطوار التار يخ‪ ..‬ثم هي‪-‬‬
‫فجأة‪ -‬تتصـور المسـتقبل خلوا مـن كـل وراثات البشريـة؛ وتفترض أن الناس سـيتحولون‬
‫ملئكة خيرين‪ ،‬ينتج كل منهم أقصى ما في طوقه‪ ،‬ول يأخذ إل قدر ما يكفيه‪ ..‬وكل هذا‬
‫بدون رقابـة‪ ،‬وبدون حكومـة‪ ،‬وبدون عقيدة سـماوية تطمعـه فـي جنـة او تخيفـه مـن نار‪.‬‬
‫وبدون أي سـبب معقول‪ ..‬اللهـم إل ذلك النقلب الخرافـي العجيـب‪ ،‬الذي يتـم فـي طبائع‬
‫البشر‪ ،‬بمجرد تحطيم العناصر البرجوازية‪ ،‬وتسليم المر للبروليتريا‪.‬‬
‫وإذا كان هذا الت صور (العل مي) عن الم ستقبل يبدو (خرا فة) فان ذلك الت صور عن‬
‫التاريـخ ل يقـل عنـه إمعانا فـي الجهالة (العلميـة) بحقيقـة النفـس البشريـة‪ ،‬وطبيعتهـا‪،‬‬
‫وتاريخها على السواء‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫حيـن يكون هذا الجهـل العميـق‪ ،‬وهذه الخرافـة الطاغيـة‪ ،‬همـا أسـاس التصـور‬
‫المارك سي‪ ،‬فإن نا ل ننت ظر أبدا أن يقوم على أ ساسه وا قع عملي في الحياة ال تي يزاول ها‬
‫الب شر‪ ،‬إل أن يكون ف يه من العت ساف قدر ما في هذا الت صور من رغ بة جام حة في‬
‫مجانية حقائق الفطرة‪ ،‬التي تصطدم اصطداما عنيفا بذلك التصور‪.‬‬
‫و من ثم اضطرت المارك سية‪-‬ع ند الت طبيق العملي‪ -‬ان تتخلى عن أ هم مقد ساتها‬
‫الماركسـية! وعللت هذا التخلي الذي يكاد يكون كاملً‪ ،‬بان الماركسـية مذهـب متطور‪،‬‬
‫على حين أن ليس هنالك مذهب يحتشد (بالحتميات) احتشاد النظرية الماركسية!‬
‫ل قد تحطمت النظرية (العلمية) المارك سية ت حت مطارق الفطرة في مع ظم أجزائ ها‬
‫الرئي سية‪ .‬ولم ي بق إل (الدولة) وإل النظ مة الديكتاتور ية البولي سية‪ ،‬ال تي تعرف ها رو سيا‬
‫جيدا في أيام القيصرية!‬
‫ووفـق النظريـة (المحطمـة) فان (الدولة) كان ينبغـي أن تكون الن‪-‬وبعـد حوالي‬
‫نصـف قرن‪ -‬فـي طريقهـا إلى الذبول والزوال‪ ..‬ولكـن الذي يعلمـه كـل أحـد أن الدولة‬
‫هناك‪ ،‬تتضخم يوما بعد يوم‪ ،‬وتبتلع كل شيء – بما في ذلك الشعب نفسه!‬
‫ولعله من المفارقات الطري فة أن المارك سية ال تي تفترض إمكان قيام المجتمع بدون‬
‫حكومة في نهاية المطاف‪ ،‬هي التي تنتهي فيها الحكومة إلى أن تصبح هي الشيء الوحيد‬
‫الذي له وجود! حيث ل وجود (للفرد) ول وجود (للشعب) ول وجود (لفطرة النسان) في‬
‫ظل ذلك النظام!‬
‫إن الماركسية‪-‬كمذهب‪ -‬ل تزيد على أن تكون جهالة (علمية) منقطعة النظير‪ .‬أما‬
‫النظام البولي سي الذي قام با سمها ‪ ،‬ف هو نظام تعر فه رو سيا من ق بل أيام القي صرية‪ .‬و هو‬
‫نظام يم كن أن تطي قه الشعوب المتخل فة‪-‬ب عض الو قت‪ -‬ول كن الدمي ين الذ ين ي ستشعرون‬
‫وجودهـم (النسـاني) ل يصـبرون عليـه طويلً‪ ..‬وحتـى هذه الشعوب التـي ترزح تحـت‬
‫وطأ ته فان فطرت ها تقاو مه مقاومة عنيفة‪-‬على الر غم من طول خضوعها قبله للقيصرية‬
‫الطاغية‪ -‬وهو ل يعيش إل في ظل الرهاب البوليسي؛ على الرغم من سيطرة (الحزب‬
‫‪39‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الشيوعي) القل يل العدد‪ ،‬على مرافق البلد؛ وعلى الر غم من احتكار كل موارد الرتزاق‬
‫والمعاش في يد الدولة‪ ،‬المر الذي يذل لها الرقاب! وعلى الرغم من بلشفة الصغار عن‬
‫طريـق المنظمات الخاصـة للطفال وللشباب‪ .‬وعلى الرغـم مـن سـيطرة الدولة على كـل‬
‫أجهزة التوجيـه والعلم‪ .‬وعلى الرغـم مـن أن المدرسـين جميعا يتبعون(اليديولوجيـة‬
‫الشيوعيـة)‪ .‬وعلى الرغـم مـن حركات التطهيـر لكـل مـن يشـك فـي عدم ولئه للنظام‬
‫الشيوعي‪ ..‬فلبد ان يكون هذا النظام من الكراهية والصطدام بالفطرة إلى الحد الذي ل‬
‫تجدي كل هذه العوامل الساحقة في جعله آمنا على نفسه من انتقاض الجماهير‪-‬او بتعبير‬
‫آخر من انتقاض الفطرة‪ ،‬التي يستحيل أن تصبر طويلً على مثل هذا النظام المتعسف‪-‬‬
‫وآية الفشل لي نظام ل يقوم إل في حراسة الرهاب‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫من ثم تبدد نبوءة (برتراند رسل) قريبة الجذور سطحية المقدمات مادية السباب‪.‬‬
‫ل تخرج عن نطاق التفكير المادي المحدود‪ .‬سجين هذه الحضارة المادية على كل حال!‬
‫إن القضية اعمق من هذا واشمل بكثير‪ .‬أنها قضية الحضارة المنبتة عن ال‪ ،‬وعن‬
‫منه جه للحياة‪ .‬قض ية النظ مة الجتماع ية والمنا هج الفكر ية والمذا هب الوضع ية‪ ،‬ال تي لم‬
‫تنبثق من اصلها الواحد الصحيح؛ ومن ثم لم تعط النسان التفسير الواحد الصحيح لحقيقة‬
‫هذا الوجود وعلقته بخالقه؛ ولحقيقة هذا النسان ومركزه في هذا الوجود؛ ولغاية وجوده‬
‫النساني ووسائل بلوغها المشروعة‪.‬‬
‫إنه (الفصام النكد) الذي تستوي في القيام على أساسه كل النظمة السائدة في عالم‬
‫(الرجـل البيـض)؛ والذي يسـتوي فيـه الروسـي والمريكـي‪ ،‬والنجليزي والفرنسـي‪،‬‬
‫والسويسري والسويدي‪ ..‬وسائر من يتبعهم في الشرق وفي الغرب سواء‪.‬‬
‫انه ل يس هنالك فارق حقيقي‪-‬من ناحية الصل الوضعي لهذه النظمة كلها!‪ -‬ول‬
‫عبرة بان تكون الكنائس مثلً مفتو حة البواب في أمري كا الرأ سمالية؛ او مغل قة البواب‬

‫‪40‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫في رو سيا الشيوع ية؛ او مهملة ل ل ها ول علي ها‪ -‬مع ضمان حر ية اللحاد‪ -‬في ال سويد‬
‫الشتراكية!‬
‫ل عبرة بهذه الفوارق الشكل ية ما دام أن الن ظم الجتماع ية‪ ،‬والمذا هب الفكر ية في‬
‫هذه البلد كلهـا ليسـت منبثقـة انبثاقا مـن التصـور العتقادي اللهـي‪ ،‬الذي يكفـل‪-‬وحده‪-‬‬
‫التفسـير الصـحيح لحقيقـة الوجود وعلقتـه بخالقـه؛ ولحقيقـة النسـان ومركزه فـي هذا‬
‫الوجود؛ ولغا ية وجوده الن ساني‪ ..‬هذه العنا صر ال ساسية ال تي تنب ثق من ها أ سس النظام‬
‫الجتما عي‪ ،‬كما تنبثق منها مناهج الفكر ال صحيحة‪ ،‬الموصولة بفطرة الن سان الحقيقية‪،‬‬
‫الملبية لحاجات النسان الحقيقية كذلك‪.‬‬
‫هذه هي القض ية في جذور ها العمي قة الشاملة‪ .‬ل ك ما يتصـورها‪-‬دا خل القضبان‬
‫الفكرية!‪( -‬براتراند رسل) شأنه في التفكير من داخل القضبان شأن كل مفكري الغرب‪،‬‬
‫أ سارى بيئتهم وحضارت هم وتاريخ هم التع يس مع كني ستهم الغاش مة‪ ،‬وف صامهم النكد الذي‬
‫طبع حياتهم كلها خلل خمسة قرون مريرة!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ثم ماذا؟‬
‫ثم انه الخواء ينخر في روح الحضارة الغربية‪ ،‬بمذاهبها جميعا‪ .‬وبأنظمتها جميعا‪..‬‬
‫الخواء الذي تختنـق فيـه روح (النسـان)‪ ،‬وتنهدر فيـه قيمـة (النسـان)‪ ،‬وتنحدر فيـه‬
‫خصـائص (النسـان)‪ ..‬بينمـا تتكدس (الشياء) وتعلو قيمتهـا‪ ،‬وتطغـى على كـل قيمـة‬
‫للنسان!‬
‫انـه الخواء الذي يهدد الحياة النسـانية ورقيهـا بالتوقـف‪ .‬بـل يهددهـا بالنكسـة‬
‫والنحدار‪-‬على الرغم من ضخامة النتاج المادي والفتوح العلمية والتقدم الصناعي‪ -‬ذلك‬
‫أن (النسـان) ذاتـه لم تراع فطرتـه‪ ،‬ول احتياجاتـه الحقيقيـة عنـد إقامـة النظام الحضاري‬
‫الذي ساد!‬

‫‪41‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫إن بريق الحضارة المادية ل يجوز أن يغشي أبصارنا عن حقيقة الشقاء الذي باتت‬
‫تعانيـه البشريـة فـي ظـل هذه الحضارة‪ .‬وان الصـواريخ المطلقـة‪ ،‬والقمار الصـاعدة‪ ،‬ل‬
‫يجوز ان تلهينا عن الدرك الذي ينحدر إليه (النسان) ومقومات (النسان)!‬
‫إن النسان هو اكرم ما في هذه الرض‪ .‬انه هو الكائن الساسي فيها‪ ،‬والمستخلف‬
‫في مقدراتها‪ .‬وكل شيء فيها في خدمته‪-‬أو ينبغي أن يكون كذلك‪-‬و(إنسانيته) هي المقوم‬
‫العلى الذي يقاس به مدى صعوده او هبوطه‪ .‬وسعادة روحه هي مقياس ما في الحضارة‬
‫التي يعيش فيها من ملءمة لطبيعته أو مصادمة‪..‬‬
‫فإذا رأينا (النسان) ينحدر في صفاته (النسانية) وفي تصوره للقيم النسانية‪..‬‬
‫إذا رأيناه وقودا لللة‪ ،‬او عبدا لها‪ ،‬او تابعا ذليلً من توابعها‪..‬‬
‫إذا رأيناه‪ -‬تبعا لهذا‪ -‬ينحط في تصوره وذكائه وأخلقه‪..‬‬
‫إذا رأيناه يهبط في علقاته الجنسية إلى أدنأ من درك البهيمة‪..‬‬
‫إذا رأينا وظائفه الساسية تعطل وتذوي وتتراجع‪.‬‬
‫إذا رأيناه يشقـى ويقلق ويتحيـر‪ ،‬ويعانـي مـن القلق والحيرة مـا لم يعانيـه قـط فـي‬
‫تاريخـه مـن الشقاء والتعاسـة والمراض العصـبية والنفسـية والشذوذ والعتـه والجنون‬
‫والجريمة‪..‬‬
‫إذا رأيناه هاربا من نفسه ومن المخاوف والقلقل التي تلفه بها الحضارة المادية ‪،‬‬
‫والنظمة الجتماعية والسياسية والخلقية والفكرية‪.‬‬
‫إذا رأيناه هائمـا على وجهـه يقتـل سـآمته وملله ‪ ،‬بمـا يقتـل بـه روحـه وجسـمه‬
‫وأعصـابه‪ ،‬مـن المكيفات والخمور‪ ،‬او مـا يشبـه المكيفات والخمور مـن الفكار السـود‪،‬‬
‫ومذاهب اليأس الكابي والقنوط الملبس والضياع الليم‪ ..‬كما في (الوجودية) وغيرها من‬
‫مذاهب الفكر التعيسة‪..‬‬
‫إذا رأيناه يئد ن سله‪ ،‬او يبيع اولده‪ ،‬ليشتري ب هم ثلجات وغ سالت كهربائ ية‪-‬ك ما‬
‫جاءتنا النباء عن أوروبا الضائعة‪..‬‬
‫‪42‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫إذا رأيناه في مثل هذه الحال النكدة‪ ..‬فان جميع ما يصل إليه (العلم) في معزل عن‬
‫(روح الن سان) من تي سيرات للحياة الماد ية‪ ،‬و من رفاهيات حضار ية‪ ..‬ل يغ ير شيئا من‬
‫حقيقـة النحدار الذي تهوي إليـه البشريـة؛ ومـن حقيقـة الشقاء الذي تعانيـه؛ ومـن حقيقـة‬
‫التعاسة التي تزاولها‪ ..‬ثم‪ ..‬من حقيقة فشل هذه الحضارة وقرب نهايتها‪ ..‬ومن ثم حقيقة‬
‫الحاجـة الماسـة إلي نظام آخـر أصـيل‪ ،‬بريـء‪-‬فـي أسـاسه‪ -‬مـن العيوب السـاسية التـي‬
‫أف سدت حياة البشر؛ وضيعت عليهم ثمار العلم والمعرفة والتقدم الحضاري‪ ..‬نظام يسمح‬
‫للن سانية بان تح قق غا ية وجود ها الن ساني‪-‬ك ما أراد ها خالق ها العظ يم‪ -‬وان ت ستخدم‬
‫(العقـل) و(العلم) و(التجربـة) اسـتخداما آخـر‪ ،‬يتناسـق مـع احتياجاتهـا الحقيقيـة؛ ومـع‬
‫مقتضيات فطرتها الصيلة‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لقد انتهى دور الرجل البيض‪ ..‬انتهى دوره سواء أكان روسيا أم أمريكيا‪ ،‬إنجليزيا‬
‫أم فرنسـويا‪ ،‬ام سـويسريا أم سـويديا‪ ..‬انتهـى لن ذلك (الفصـام النكـد) فـي التاريـخ‬
‫الورو بي‪ ،‬و في جم يع المذا هب والمنا هج والن ظم والوضاع ال تي تقوم في الغرب‪ ..‬قد‬
‫حدد بدوره نهاية دور الرجل البيض!‬
‫إنـه لبـد مـن قاعدة مـن التصـور العتقادي لكافـة المذاهـب والمناهـج والنظـم‬
‫والوضاع التي تقوم عليها حياة (النسان)‪..‬‬
‫ل بد من تف سير صحيح للوجود‪ ،‬ولمر كز الن سان ف يه‪ ،‬ولغا ية وجوده الن ساني‪..‬‬
‫وهذا التف سير ال صحيح‪ ،‬وذلك الت صور المطا بق للحقي قة‪-‬ك ما هي في الوا قع لك ما يرا ها‬
‫الناس مـن خلل عدسـات عقولهـم القاصـرة وشهواتهـم وأهوائهـم وانفعالتهـم المتغيرة‪-‬‬
‫ضرورة من ضرورات (الحياة النسانية)‪..‬‬
‫وهذا ما أغفل ته حضارة الر جل الب يض‪ .‬بل حارب ته حربا شعواء‪ ،‬ي ستوي في هذا‬
‫جميع النظمة السائدة في الغرب وفي الشرق جميعا‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫والنسان هو النسان منذ نشأ‪ .‬انه في حاجة إلى (عقيدة) تعمر قلبه؛ وتنبثق منها‬
‫تصوراته؛ وتقدم له التفسير الشامل لحياته وللكون من حوله؛ ولعلقته هو والكون بالخالق‬
‫العلى‪(..‬عقيدة) ترسم له أهدافا اكبر من ذاته‪ ،‬واعم من جيله‪ ،‬وابعد من حاضره‪ ،‬وأرفع‬
‫من واقعه؛ وتربطه بذات علوية‪ ،‬لها عليه رقابة وسيطرة؛ يحبها ويخشاها؛ ويتقي غضبها‬
‫ويطلب رضاهـا؛ وينتظـر عونهـا على الخيـر؛ ويسـتحي مـن مواجهتهـا بالشـر؛ ويرجـو‬
‫جزاءهـا العادل الكامـل‪ ،‬الذي يعوض عليـه مـا يفوتـه فـي صـراعه للشـر فـي هذه الحياة‬
‫الدنيا؛ ويربط حياته كلها بها؛ ويتلقى عنها نظام حياته‪ ،‬ومناهج فكره وسلوكه؛ كما يتلقى‬
‫عن ها شعائر عباد ته سواء ب سواء‪ ..‬فت ستقيم حيا ته كل ها حز مة واحدة‪ ،‬ل ف صام في ها ول‬
‫صدام‪..‬‬
‫ول قد يش غل الن سان بعض الو قت بجو عة الج سد‪ ،‬و ما يتعلق ب ها من النتاج بشتى‬
‫وسائله وصنوفه‪ ،‬ومن المتاع الحسي بشتى ألوانه ومذاقاته‪ ..‬ولكن هذه الجوعة وكل ما‬
‫يتعلق بها ل تستغرق الكينونة النسانية‪ .‬وإشباعها ل يسد سائر الجوعات (النسانية)‪ .‬وما‬
‫أن تهدأ هذه الجوعـة حتـى تتحرك فـي الكائن النسـاني جوعـة أخرى‪ .‬جوعـة ل يسـدها‬
‫الطعام‪ ،‬ول يرويهـا الشراب‪ ،‬ول يكفيهـا الكسـاء‪ ،‬ول تسـكنها كـل ضروب المتاع‪ ..‬إنهـا‬
‫جوعة من نوع آخر‪ .‬جوعة إلى اليمان بقوة اكبر من البشر؛ وعالم اكبر من المحسوس؛‬
‫ومجال اكـبر مـن الحياة الدنيـا‪ ..‬وجوعـة إلى الوئام بيـن ضميـر النسـان وواقعـه‪ ،‬بيـن‬
‫الشريعة التي تحكم ضميره والشريعة التي تحكم حياته‪ .‬بين منهج حركته الذاتية ومنهج‬
‫الحركة الكونية من حوله‪ .‬جوعة إلى (إله) واحد؛ يتلقى منه شريعة قلبه وشريعة مجتمعه‬
‫على السواء‪..‬‬
‫وكل نظام للحياة ل يحقق السعادة للكائن البشري إل إذا تضمن كفاية هذه الجوعات‬
‫المتعددة في كينونته الواحدة‪ ..‬وهذه السمة هي التي خلت منها حضارة الرجل البيض!‬
‫ولهذا السبب‪-‬من وراء كل سبب‪ -‬انتهى دور الرجل البيض‪..‬‬

‫‪44‬‬

www.ikhwan-info.net

45

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫صيْحَـــاتُ الخَطــــر‬
‫َ‬
‫والن تتعالى الصيحات من هنا ومن هناك ؛ منذرة بسوء مصير البشرية في ظل‬
‫هذه الحضارة الماد ية الخاو ية من اليمان خواء ها من الروح الن ساني‪-‬حضارة الر جل‬
‫الب يض‪ -‬وتتنوع هذه ال صرخات‪ ..‬فتارة تكون نذيرا بانحدار البشر ية كل ها إلى الهاو ية‪.‬‬
‫وتارة تكون نذيرا بانحدارهـا إلى الماركسـية! وتتنوع كذلك القتراحات لدرء هذا الخطـر‬
‫او ذاك‪..‬‬
‫ولكن ها كل ها تحاول عبثا‪.‬لن ها ل تعالج المشكلة من ال ساس‪ .‬ول تر جع إلى جذور‬
‫المشكلة العميقة البعيدة في التربة الوروبية!‬
‫و من خلل تلك ال صيحات‪ ،‬و من خلل هذه القتراحات كذلك ي تبين ل نا ن حن مدى‬
‫قصر النظر‪ ،‬ومدى العمى النوعي عن الرؤية! في العقلية الغربية!‬
‫وإننـا نكاد نبصـر بهؤلء الحيارى سـجناء فـي قفـص مـن (العلم)! يشـد أقدامهـم‬
‫بالغلل؛ فإذا أرادوا الوثوب‪ ،‬كان أق صى وثوب هم قفزة في دا خل الق فص! او سجناء في‬
‫قفص من (الواقع) يعجزهم عن الستشراف لما وراءه!‬
‫وهي ظاهرة تلقي علينا‪-‬نحن أصحاب المنهج السلمي‪ -‬تبعة خطيرة‪ ..‬إن النقاذ‬
‫الحقيقـي للبشريـة المهددة فـي كينونتهـا النسـانية‪ ،‬ل يجيـء إل عـن طرق تحطيـم هذا‬
‫الق فص‪ ،‬والخروج م نه‪ ،‬ورؤ ية الو ضع كله من زاو ية م ستقلة تماما‪ :‬وتقد يم ت صور كلي‬
‫شامل للمشكلة‪ ،‬واقتراح حلول مبتكرة ‪ ،‬تنبثق من هذا التصور الشامل الجديد‪.‬‬
‫ول نريد أن نسبق السياق‪ ..‬فلنبدأ بإثبات نموذجين من نماذج تلك الصيحات المنذرة‬
‫بالخطر؛ وتلك القتراحات المقدمة من زاوية النظر القصير‪ ،‬او العمى النوعي!‬
‫أ حد هذ ين النموذج ين لعالم كبير من علماء هذا القرن هو دكتور ألك سيس كار يل‪.‬‬
‫والخر لسياسي خطير من ساسة هذا الجيل هو مستر دالس وزير الخارجية المريكية‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫‪46‬‬

‫*‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ك تب دكتور ألك سيس كار يل كتابا ت قع ترجم ته العرب ية في ست و سبعين وثلثمئة‬
‫صـفحة مـن القطـع المتوسـط‪ ،‬بعنوان‪( :‬النسـان ذلك المجهول)‬

‫(‪)1‬‬

‫ضمنـه شهادة ضـد‬

‫الحضارة الماديـة القائمـة‪ ،‬لقتلهـا أهـم خصـائص النسـان؛ وأطلق فيـه صـيحة مدويـة‬
‫بالخطار التـي تهدد الجنـس البشري مـن جراء العتداء على القوانيـن الطبيعيـة‪ ،‬التـي ل‬
‫تدع المعتديـن عليهـا بل عقوبـة؛ وأعلن جهـل (العلم) بحقيقـة النسـان‪ .‬بـل بأبسـط حقائق‬
‫تكوينه الجسدي ذاته!‬
‫ون حن ه نا نقت طف نتفا من هذه الشهادة؛ و من صيحة الخ طر المدو ية في ها؛ و من‬
‫اقتراحاته كذلك لتلفي هذا الخطر الداهم‪:‬‬
‫(إن هدف هذا الكتاب هـو أن يضـع تحـت تصـرف كـل شخـص مجموعـة مـن‬
‫المعلومات العلم ية ال تي تتعلق بالكائنات الح ية في ع صرنا‪ .‬ف قد بدأ نا ندرك مدى ما في‬
‫حضارت نا من ض عف‪ ..‬وكثيرون يرغبون في أن يلقوا عن هم التعال يم ال تي فرض ها علي هم‬
‫المجتمع الحديث‪ .‬ولهؤلء أكتب هذا الكتاب‪ ..‬كذلك كتبت لولئك الذين يجدون من أنفسهم‬
‫شجاعة كافية ليدركوا‪-‬ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية‪ -‬بل‬
‫أيضا ضرورة قلب الحضارة الصــناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري… ) (ص‬
‫‪ 12-11‬مقدمة الكتاب)‬
‫(إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب‪ ،‬لنها ل تلئم نا‪ ،‬فقد أنشئت‬
‫دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية‪ ،‬إذ أنها تولدت من خيالت الكتشافات العلمية‪ ،‬وشهوات‬
‫الناس‪ ،‬وأوهامهم‪ ،‬ونظرياتهم ورغباتهم ‪ .‬وعلى الرغم من انها أنشئت بمجهوداتنا إل أنها‬
‫غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا‪( )...‬ص‪)38‬‬
‫(ل قد أه مل تأث ير الم صنع على الحالة الف سيولوجية والعقل ية للعمال‪ ،‬إهمالً تاما ع ند‬
‫تنظ يم الحياة ال صناعية‪ .‬إذ أن ال صناعة الع صرية تن هض على مبدأ‪ " :‬ال حد الق صى من‬
‫النتاج بأقل التكال يف " ح تى ي ستطيع فرد او مجموعة من الفراد أن يحصلوا على اكبر‬
‫‪1‬‬

‫() ترجمة شفيق أسعد فريد‪ ،‬نشر مكتبة المعارف بيروت‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫مبلغ مستطاع من المال‪ .‬وقد اتسع نطاقها دون أي تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون‬
‫اللت‪ ،‬ودون أي اعتبار للتأثيرات التـي تحدثهـا طريقـة الحياة الصـناعية التـي يفرضهـا‬
‫المصنع على الفراد‪ ،‬وأحفادهم‪( )...‬ص‪)40‬‬
‫(يجب أن يكون النسان مقياسا لكل شيء‪ .‬ولكن الواقع هو عكس ذلك‪ .‬فهو غريب‬
‫في العالم الذي ابتد عه! ا نه لم ي ستطع أن ين ظم دنياه بنف سه‪ ،‬ل نه ل يملك معر فة عمل ية‬
‫بطـبيعته‪ ...‬ومـن ثـم فان التقدم الهائل الذي أحرزتـه علوم الجماد على علوم الحياة هـو‬
‫إحدى الكوارث التي عانت منها الن سانية‪ ...‬فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير‬
‫صالحة ل بالنسبة لقوام نا ول بالنسبة لهيئتنا ‪ ...‬إننا قوم تعساء‪ ،‬ننحط أخلقيا وعقليا‪...‬‬
‫إن الجماعات والمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية اعظم نمو وتقدم هي على وجه‬
‫الدقة‪ ،‬الجماعات والمم الخذة في الضعف؛ والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية‬
‫أسرع من عودة غيرها إليها‪ .‬ولكنها ل تدرك ذلك‪ ،‬إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف‬
‫العدائ ية ال تي شيد ها العلم حول ها… وحقي قة ال مر أن مدنيت نا م ثل المدنيات ال تي سبقتها‪،‬‬
‫أوجدت أحوالً معي نة للحياة من شأن ها ان تج عل الحياة نف سها م ستحيلة‪.‬وذلك ل سباب ل‬
‫تزال غامضـة… إن القلق والهموم التـي يعانـي منهـا سـكان المدن العصـرية تتولد عـن‬
‫نظمهم السياسية والقتصادية والجتماعية…) (ص‪)44‬‬
‫(إننـا لن نصـيب أيـة فائدة مـن زيادة عدد الختراعات الميكانيكيـة‪ .‬وقـد يكون مـن‬
‫الجدى أن ل نضفـي مثـل هذا القدر الكـبير مـن الهميـة على اكتشافات الطبيعـة والفلك‬
‫والكيمياء‪ .‬فحقي قة ال مر أن العلم الخالص ل يجلب ل نا مطلقا ضررا مباشرا‪ .‬ول كن حين ما‬
‫يسيطر جماله الطاغي على عقولنا‪ ،‬ويستعبد أفكارنا في مملكة الجماد‪ ،‬فانه يصبح خطرا‪.‬‬
‫ومن ثم يجب أن يحول النسان اهتمامه إلى نفسه والى السبب في عجزه الخلقي والعقلي‪.‬‬
‫إذ ما جدوى زيادة الرا حة والفخا مة والجمال والمن ظر وأ سباب تعق يد حضارت نا إذا كان‬
‫ضعفنا يمنعنا من الستعانة بها فيما يعود علينا بالنفع؟ حقا انه لمما ل يستحق أي عناء أن‬

‫‪48‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫نمضـي فـي تجميـل طريـق حياة تعود علينـا بالنحطاط الخلقـي‪ ،‬وتؤدي إلى اختفاء أنبـل‬
‫عناصر الجناس الطيبة) (ص‪)60‬‬
‫(النسان نتيجة الوراثة والبيئة‪ ،‬وعادات الحياة والتفكير التي يفرضها عليه المجتمع‬
‫العصـري‪ ..‬ولقـد وصـفنا كيـف تؤثـر هذه العادات فـي حسـه وشعوره‪ ...‬وعرفنـا انـه ل‬
‫يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التي خلقتها (التكنولوجيا) وأن مثل هذه البيئة تؤدي إلى‬
‫انحلله؛ وان العلم والميكاني كا لي سا م سؤولين عن حال ته الراه نة‪ ،‬وإن ما ن حن الم سؤولون‬
‫لن نا لم ن ستطع التمي يز ب ين الممنوع والمشروع… ل قد نقض نا قوان ين الطبي عة‪ ،‬فارتكب نا‬
‫بذلك الخطيئة العظمـى‪ .‬الخطيئة التـي يعاقـب مرتكبهـا دائما‪ ..‬إن مبادئ (الديـن العلمـي)‬
‫و(الداب الصناعية) قد سقطت تحت وطأة غزو الحقيقة(البيولوجية)‪ .‬فالحياة ل تعطي إل‬
‫إجابة واحدة حينما تستأذن في السماح بارتياد (الرض المحرمة)‪ ..‬إنها تضعف السائل!‬
‫ولهذا فان الحضارة آخذة في النهيار‪ ،‬لن علوم الجماد قادت نا إلى بلد لي ست ل نا‪ .‬فقبل نا‬
‫هدايا ها جمي عا بل تمي يز ول تب صر! ول قد ا صبح الفرد ضيقا‪ ،‬متخ صصا‪ ،‬فاجرا‪ ،‬غبيا‪،‬‬
‫غير قادر على التحكم في نفسه ومؤسساته)‪( .‬ص‪.)322‬‬
‫ولسـوف يكون مـن الصـعب أن نتخلص مـن مذهـب ظـل يسـيطر خلل اكثـر مـن‬
‫ثلثمائة عام على عقول القوم المتحضرين‪..‬‬
‫فإذا كان على الحضارة العلمية ان تتخلى عن الطريق الذي سارت فيه منذ عصر‬
‫النهضـة‪ ،‬وتعود إلى ملحظـة المادة الجامدة ببسـاطة‪ ،‬فسـوف تقـع أحداث عجيبـة على‬
‫الفور‪..‬‬
‫ستفقد المادة سيادتها؛ ويصبح النشاط العقلي كالنشاط الفسيولوجي‪ .‬وسيبدو أل مفر‬
‫من دراسة الوظائف الدبية والجمالية والدينية‪ ،‬كدراسة الرياضيات والطبيعة والكيمياء‪..‬‬
‫وسوف تبدو وسائل التعليم الحالية سخيفة‪ ،‬وتضطر المدارس والجامعات إلى تعديل‬
‫برامجها‪..‬‬

‫‪49‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫و سيسأل علماء ال صحة عن ال سبب الذي يحدو هم إلى الهتمام ف قط بم نع المراض‬
‫العضو ية دون المراض العقل ية‪ ،‬والضطرابات الع صبية‪ ،‬ك ما سيسألون ع ما يجعل هم ل‬
‫يبذلون اهتماما بالصـحة الروحيـة؟ ولماذا يعزلون المرضـى بالمراض المعديـة‪ ،‬ول‬
‫يعزلون أولئك الذين ينشرون المراض العقلية والدبية؟ ولماذا يعتبرون العادات المسئولة‬
‫عـن المراض العضويـة عادات ضارة‪ ،‬دون العادات التـي تؤدي إلى الفسـاد والجرام‬
‫والجنون؟‬
‫ول سوف يدرك القت صاديون أن (ب ني الن سان) يفكرون ويشعرون ويتألمون‪ .‬و من‬
‫ثـم يجـب أن تقدم لهـم أشياء أخرى غيـر العمـل والطعام‪ ،‬والفراغ! وان لهـم احتياجات‬
‫روحية مثل الحتياجات الفسيولوجية‪ .‬كما سيدركون أيضا أن أسباب الزمات القتصادية‬
‫والمالية‪ ،‬قد تكون أسبابا أدبية وعقلية‪..‬‬
‫وسـوف ل نضطـر إلى قبول أحوال البربريـة فـي المدن الكـبرى وطغيان المصـنع‬
‫والمك تب‪ ،‬وتضح ية ال كبرياء الدب ية في سبيل الم صلحة القت صادية‪ ،‬او تضح ية الع قل‬
‫للمال‪ ..‬ويجب أيضا أن ننبذ الختراعات الميكانيكية التي تعرقل النمو البشري‪.‬‬
‫( وسوف ل يبدو القتصاديون‪ ،‬وكأنهم المرجع النهائي لكل شيء‪.‬‬
‫(ول ما كان من الواضح أن تحرير النسان من مذ هب (المادية) سوف يقلب اغلب‬
‫جوانب حياتنا‪ ،‬فان المجتمع العصري سوف يعارض بكل قوته هذا التقدم في آرائنا)‪...‬‬
‫(ص‪)331-329‬‬
‫(مهمـا يكـن‪ ،‬يجـب ان نتخـذ دواعـي الحيطـة حتـى ل يحدث فشـل المادة رد فعـل‬
‫روحـي‪ .‬إذ لمـا كانـت (التكنولوجيـا) وعبادة المادة لم يصـيبا نجاحا‪ ،‬فقـد يسـتشعر الناس‬
‫إغراءً عظيما لختيار الطقوس المضادة‪ ..‬طقوس الع قل‪ ..‬ولن تكون رئا سة ال سيكولوجيا‬
‫أ قل خطرا من رئا سة الف سيولوجيا والطبي عة والكيمياء! ف قد احدث (فرو يد) أضرارا اك ثر‬
‫من ال تي أحدث ها أك ثر علماء الميكاني كا تطرفا! فان من الكوارث أن نختزل الن سان إلى‬
‫جان به العقلي‪ ،‬م ثل اختزاله إلى آليا ته الطبيع ية‪-‬الكيماو ية‪ ..‬ول م فر من درا سة ال صفات‬
‫‪50‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الطبيع ية لم صل الدم وتواز نه اليو ني‪ ،‬وقابلي ته اختراق البروتوبلزم‪ ...‬الخ‪ .‬ك ما ندرس‬
‫الحلم والشهوة والتأثيرات ال سيكولوجية لل صلة وذاكرة الكلمات‪ ...‬الخ‪ .‬ب يد أن ا ستبدال‬
‫الرو حي بالمادي لن ي صحح الخ طأ الذي ارتكب ته النه ضة‪ ...‬فا ستبعاد المادة سوف يكون‬
‫أك ثر إضرارا بالن سان من ا ستبعاد الع قل! وإن ما سيوجد الخلص ف قط في التن حي عن‬
‫جميع المذاهب (ص‪)332-331‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هذه هي خلصة صيحة دكتور كاريل‪ ..‬فما هي اقتراحاته؟‬
‫ما الحل الذي يقترحه للخلص؟ ما المنهج الذي يصحح غلطة عصر النهضة في‬
‫اليمان بالمادة‪-‬والمادة وحد ها‪ -‬و في الو قت ذا ته ل ي سبب الغل طة الخرى بإهمال المادة‬
‫وإن ما ي سير و سطا‪ ،‬يل حظ جوا نب الن سان كل ها ‪ ،‬وجوا نب الحياة الن سانية كل ها ؟ ما‬
‫المنهـج الذي يجعـل النسـان سـيدا للمادة‪ ،‬دون ان يهملهـا او يلجـأ إلى سـيكلوجية فرويـد‬
‫المضللة‪ ،‬او إلى رهبانية القرون الوسطى المعطلة للحياة؟‬
‫وماذا عنده بعـد هذا الدراك العميـق للكارثـة التـي تهدد الجنـس البشري‪ .‬ومناداتـه‬
‫بضرورة (قلب الحضارة الصـناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري) و(التنحـي عـن‬
‫جميع المذاهب)؟‪.‬‬
‫إننا نستمع إليه فنسمع عجبا‪ ،‬ونرى عجبا كذلك!‬
‫( إنا ضحايا تأخر علوم الحياة عن علوم الجماد)!‬
‫( إن العلج الوحيد الممكن لهذا الشر المستطير هو معرفة اكثر عمقا بأنفسنا‪ .‬فمثل‬
‫هذه المعرفـة سـتمكننا مـن أن نفهـم مـا هـي العمليات الميكانيكيـة التـي تؤثـر بهـا الحياة‬
‫العصرية على وجداننا وجسمنا‪ ..‬وهكذا سوف نتعلم كيف نكيف أنفسنا بالنسبة للظروف‬
‫المحيطة بنا‪ ،‬وكيف نغيرها‪ .‬إذ لم يعد هناك مفر من أحداث ثورة فيها‪ .‬ولئن استطاع هذا‬
‫العلم‪-‬علم النسان‪ -‬أن يلقي الضوء على طبيعتنا الحقة‪ ،‬وامكانياتنا‪ ،‬والطريقة التي تمكننا‬

‫‪51‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫من تحق يق هذه المكانيات‪ ،‬فا نه سيمدنا باليضاح ال صحيح ل ما يطرأ علي نا من ض عف‬
‫فسيولوجي‪ .‬كذا لمراضنا الدبية والعقلية‪.‬‬
‫( إن نا ل نملك و سيلة أخرى لمعر فة القوا عد ال تي ل تل ين لوجوه نشاط نا العضوي‬
‫والروحي؛ وتمييز ما هو محظور مما هو مباح؛ وإدراك أننا لسنا أحرارا لنعدل في بيئتنا‬
‫وفي أنفسنا تبعا لهوائنا‪..‬‬
‫و ما دا مت الحوال الطبيع ية للحياة قد حطمت ها المدن ية الع صرية‪ ،‬ف قد ا صبح (علم‬
‫النسان) اكثر العلوم ضرورة‪( ..‬ص‪)45-44‬‬
‫هذا هو كل ما في جعبة العالم العالمي الكبير؛ بعد كل هذا الدراك العميق للكارثة‬
‫المحيقة!‬
‫وانتهاء الرجـل إلى هذا القتراح‪ ،‬واعتباره الحـل الوحيـد الممكـن للمشكلة‪-‬مشكلة‬
‫بقاء هذه البشرية متحفظة بإنسانيتها‪ ،‬او انحدارها منها وتراجعها إلى البربرية الوحشية‪-‬‬
‫اعتباره إن ال حل الوح يد المم كن هو (مز يد من علوم الن سان)‪ ..‬هو ظاهرة تل فت الن ظر‬
‫بشدة‪-‬كما أسلفنا‪ -‬إلى فعل هذه الحضارة في تفكير أهلها وتصوراتهم‪ ،‬بحيث تضعهم في‬
‫قفـص حديدي مـن (حدود العلم والواقـع) ل يملكون الخروج مـن إسـاره! كمـا ان هذه‬
‫الظاهرة تجزم بأن ال حل لن يج يء من هناك! ل نه يحتاج إلى را قب ير قب الو ضع من‬
‫خارج القفص ل من داخله!‬
‫إن تأخر علوم البشر عن علوم الجماد ليس ظاهرة تلقائية‪-‬كما يميل دكتور كاريل‬
‫في كتابه إلى تقريره‪ -‬وإنما نتيجة طبيعة‪-‬تكاد تكون حتمية‪ -‬لتقدير قيمة النسان ودوره‪،‬‬
‫في التصور الزائف الذي قامت عليه هذه الحضارة‪ ،‬حين افترقت في نشأتها عن التصور‬
‫العتقادي الصحيح‪ .‬الذي يحمل تكريم النسان‪ ،‬واعتباره خليفة ال في هذه الرض‪..‬‬
‫كما أن تلك الفات التي ذكرها في نظام الصناعة ووسائل النتاج‪ ،‬والتي ل اعتبار‬
‫في ها لن سانية الن سان‪ ،‬وخ صائصه الثمي نة‪ ،‬وحاجا ته الحقيق ية‪ ..‬إن ما تر جع إلى النظ مة‬

‫‪52‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫القتصـادية المنبثقـة مـن تصـورات ومناهـج تتوخـى العداء للتصـور العتقادي وللخلق‬
‫الدينية؛ وتسخر من فكرة تدخل العنصر الخلقي في نظام الحياة القتصادي!‬
‫ك ما أن اعتماد الناس على معلومات هم القليلة‪ ..‬او بت عبير أدق على جهل هم المط بق‪-‬‬
‫كمـا يعـبر دكتور كاريـل‪ -‬بفطرة النسـان وحقيقتـه‪ ،‬فـي إقامـة أنظمتهـم الجتماعيـة‬
‫والقتصـادية والسـياسية والتربويـة‪ ..‬لم يأت عفوا‪ .‬إنمـا جاء نتيجـة مباشرة لروح العداء‬
‫لكل ما يجيء من عند ال؛ ومن كل ما يمدهم به المنهج اللهي من معرفة بهذا النسان‬
‫على حقيقتـه ‪ ..‬هذا العداء الذي قامـت هذه الحضارة على أسـاسه‪ .‬بسـبب تلك الملبسـات‬
‫النكدة بين الكنيسة والعلم في أوروبا‪..‬‬
‫و من هذه اليماءات ال سريعة ندرك أن ال مر اع مق بكث ير م ما يت صوره هذا العالم‬
‫العالمـي الكـبير؛ ويقـف عنده‪ ،‬بسـبب القيود التـي تشده بهـا عقليتـه‪ ،‬الناشئة فـي ظـل تلك‬
‫الحضارة العقيم!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وكمـا أحـس دكتور كاريـل بالخطـر على مقومات النسـان وكينونتـه مـن الحضارة‬
‫الصناعية المادية‪ ..‬كذلك أحس مستر دالس وزير خارجية أمريكا بالخطر على الوليات‬
‫المتحدة‪ ،‬وعلى العالم الغربي من الشيوعية التي يقوم نظامها الجتماعي على أساس من‬
‫(المذ هب المادي) و من (التف سير القت صادي للتار يخ)‪ ..‬وو جه م ستر دالس في كتا به‪(:‬‬
‫حرب أم سلم) صيحة الذعر من هذا الخطر‪ ،‬وطالب بدفعه‪ ،‬ولكن مقترحاته كذلك جاءت‬
‫جزئ ية‪ ،‬ل تعالج المشكلة من جذور ها‪ ..‬ل قد طلب من رجال الكني سة عنده أن يقوموا ب ما‬
‫ل يس من طوق هم‪ ،‬ول في طبي عة موقف هم ان يؤدوه‪ ،‬ب عد ذلك الوا قع التاري خي في حياة‬
‫الكنيسة وحياة المجتمع منذ عهد بعيد‪..‬‬
‫وفي فصل بعنوان (حاجاتنا الروحية) يقول‪:‬‬

‫‪53‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( إن هناك شيئا ما يسير بشكل خاطئ في امتنا‪ .‬وإل لما أصبحنا في هذا الحرج‪،‬‬
‫وفي هذه الحالة النفسية‪ ..‬ل يجدر بنا ان نأخذ موقفا دفاعيا‪ ،‬وان يتملكنا الذعر‪ ..‬إن ذلك‬
‫أمر جديد في تاريخنا!‬
‫( إن المر ل يتعلق بالماديات‪ ،‬فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الشياء المادية‪ ،‬ان ما‬
‫ينق صنا هو إيمان صحيح قوي‪ .‬فبدو نه يكون كل ما لدي نا قليلً‪ .‬وهذا الن قص ل يعو ضه‬
‫السـياسيون مهمـا بلغـت قدرتهـم‪ ،‬او الدبلوماسـيون مهمـا كانـت فطنتهـم‪ ،‬او العلماء مهمـا‬
‫كثرت اختراعاتهم‪ ،‬او القنابل مهما بلغت قوتها!‬
‫( فم تى ش عر الناس بالحا جة إلى العتماد على الشياء الماد ية‪ .‬فإن النتائج ال سيئة‬
‫تصبح أمرا حتميا‪.‬‬
‫( وفي بلدنا ل تجتذب نظمنا الخلص الروحي اللزم للدفاع عنها‪ .‬وهناك حيرة‬
‫في عقول الناس‪ ،‬وتآكل لرواحهم‪ .‬وذلك يجعل أمتنا معرضة للتغلغل المعادي‪-‬كما كشف‬
‫عنه نشاط الجواسيس الذين تم كشفهم حتى الن‪ -‬ولن تستطيع أي إدارة لمكافحة التجسس‬
‫ان تقوم بحمايتها في هذه الظروف)‪.‬‬
‫( لقد تقابلنا مع أقسى الختبارات التي يمكن ان يلتقي بها أي شعب‪ ..‬وهو اختبار‬
‫الحياة في رفاهية‪..‬‬
‫( لقد قال يسوع‪ :‬إن هذه الشياء المادية سيحظى بها أولئك الذين يعملون من اجل‬
‫ما أ مر به ال‪ ،‬و من ا جل تحق يق عدال ته‪ ..‬ول كن عند ما يحدث ذلك فعندئذ يبدأ المتحان‬
‫الكبر‪ .‬لن هذه الشياء المادية‪-‬كما انذر يسوع‪ -‬يمكنها أن تصبح الصدأ الذي ينخر في‬
‫الرواح‪.‬‬
‫( كذلك فإن لدينا نموذجا معروفا‪ .‬فالرجال الذين لديهم إحساس بالواجب إزاء كائن‬
‫أعلى‪ ،‬يجاهدون لتحقيق إرادته‪ ،‬لن إيمانهم يمنحهم القوة والفضيلة والحكمة المبسطة ‪00‬‬
‫إنهـم ل يبنون ليومهـم فقـط‪ ،‬بـل للغـد؛ وليـس لنفسـهم وحدهـم‪ ،‬وإنمـا للجنـس البشري‪.‬‬
‫ومجت مع هذا أ ساسه ستكون من نتائ جه الثروة والرفاه ية للكثير ين إذا ساعدته الحوال‪..‬‬
‫‪54‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وعندما تأتي هذه المنتجات الفرعية فإنها تكون طيبة‪ ،‬إلى درجة أنها تشجع على العتقاد‬
‫بأنهـا النهايـة المرتقبـة! وبذا سـيبتعد الناس عـن بذل الجهود النشائيـة للجـل الطويـل؛‬
‫ويبدأون الصراع من أجل الحصول على الشياء المادية‪.‬‬
‫( ومع ذلك التغير ينمو خطر متزايد‪ .‬فالمريكيون قد حصلوا على المن بالطريقة‬
‫الوحيدة التي يمكن بها ضمان المن‪ .‬أعني كنتيجة فرعية لمسعاهم العظيم‪ .‬وعندما بدأنا‬
‫نتقا عس عن سعينا‪ ،‬ونطلب ال من كنها ية في ذا ته‪ ،‬أ خذ ال من يزداد بعدا ع نا! و ستظل‬
‫الحال دائما هكذا‪ ،‬ومه ما ت كن در جة ثرائ نا‪ .‬فال من ل يم كن شراؤه بأي ث من نقدي ‪00‬‬
‫وخمسة بليين ‪ ،‬أو خمسون بليونا ل تكفي‪ .‬فالمن والسلم ليسا سلعتين يمكن شراؤهما‪.‬‬
‫ل قد حاول الباطرة الرومان أيام انحدار هم أن يشتروا ال سلم‪ .‬وكا نت النتي جة ف تح شه ية‬
‫أولئك الذين كانوا يسعون إلى تدميرهم‪.‬‬
‫( وبينمـا ينحدر نفوذنـا وأمننـا‪ ،‬فإن نفوذ الشيوعيـة السـوفيتية وأمنهـا آخذان فـي‬
‫الرتفاع ‪ 00‬إن ها ت ستطيع أن تن فذ – بل هي تن فذ فعلً‪ -‬سياسات تح مل طا بع " تجر بة‬
‫الشيوعية السوفييتية العظمى" تلك التجربة التي استطاع بها الشيوعيون أن يجتذبوا إليهم‬
‫خيال شعوب العالم‪ .‬تماما كمـا فعلنـا نحـن فـي القرن التاسـع عشـر بالتجربـة المريكيـة‬
‫العظمى!‬
‫( وإننـا نعلم أن التصـويرات الشيوعيـة خادعـة ومضللة؛ ونعلم أن الشيوعيـة‬
‫السوفيتية لن تفتح أبواب التجربة التي قاموا بها في وطنهم للحكم عليها حكما حرّا محايدا‪.‬‬
‫ونعلم أن أولئك الذين يقعون في براثنهم من جراء الغراء الزائف لهذا التصوير‪ ،‬سرعان‬
‫ما يدركون الفرق بين ها وب ين الحقي قة ‪ 00‬إن العنكبوت ين سج بيتا جميلً يتألق في ضوء‬
‫الشمس ويدعوا الذباب إلى صالونه! والدعاية الشيوعية جذابة مثل بيت العنكبوت‪ .‬ومتى‬
‫وقع في قبضتها شعب فإن الستبداد يمتص قواه الروحية ‪ 00‬ولكن الشيوعية –كأمل‪ -‬لها‬
‫قبول عند الجماهير في كل مكان من آسيا‪ ،‬وفي جزر الباسفيك‪ ،‬وجنوب أمريكا‪ ،‬وأفريقيا‬
‫‪ 00‬وحتى في أوروبا الغربية ‪..‬‬
‫‪55‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( لقـد قال سـتالين‪ :‬إن قوة وحيويـة الماركسـية –اللينينيـة‪ ،‬تكمـن‪ ،‬فـي أنهـا تركـز‬
‫نشاطها العملي في الحاجة في تنمية الحياة المادية للمجتمع‪.‬‬
‫( ويبدو أن كثيرا من البلد غير الشيوعية –بما في ذلك الدول المسيحية الغربية‪-‬‬
‫تع طي الولو ية "لتنم ية الحياة الماد ية للمجت مع" وتج عل من "الروح ية" أمرا ثانويّا يتعلق‬
‫بالفراد أنفسهم‪..‬‬
‫( ويت خذ الشيوعيون ذلك مثالً ل كي يثبتوا أ نه ح تى المجتمعات الغرب ية كان علي ها‬
‫أن تتبع النظريات المادية للشيوعية! ول يقوم الزعماء الغربيون بإنكار ذلك بطريقة مقنعة‬
‫‪ 00‬وهكذا يرتفع المستوى الدبي للشيوعية السوفييتية في العالم بدرجة كبيرة!‬
‫( إن الصعوبة ناشئة في أننا نقف موقفا غامضا من إيماننا؛ ومن العلقة التي بين‬
‫هذا اليمان ونشاطنا!‬
‫( إننـا نسـتطيع أن نتحدث ببلغـة عـن التحرر والحريـة‪ ،‬وعـن حقوق النسـان‬
‫والحريات الساسية؛ وعن الكرامة والقيمة النسانية للفرد ‪ 00‬ولكن معظم حديثنا مشتق‬
‫من فترة كان مجتمع نا فيها قائما على "الفرد ية" ‪ 00‬ونتيجة لذلك فليس لها أ ثر كبير عند‬
‫أولئك الذين يعيشون في ظروف يكون معنى الفردية فيها هو الموت المبكر‪..‬‬
‫( ونسـتطيع كذلك أن نتحدث ببلغـة عـن التقدم المادي الذي حققناه‪ ،‬وعـن روائع‬
‫النتاج الجماعي‪ ،‬وعدد السيارات وأجهزة الراديو والتليفزيون التي يمتلكها أفراد شعبنا‪..‬‬
‫ولكن المبالغة في وصف الماديات تعطي البعض فكرة بأننا قد أفلسنا من الناحية الروحية؛‬
‫وتجعل من البعض حاسدين لنا‪ ،‬وأميل إلى التمجيد الشيوعي (للجهود الجماعية) من أجل‬
‫تنمية الحياة المادية للمجتمع! ) ‪..‬‬
‫( إننا ل نستطيع أن نكافح الشيوعية السيوفييتية في العالم‪ ،‬وأن نحبط أساليبها في‬
‫الخداع والرهاب والعنف‪ ،‬ما لم يكن لدينا إيمان‪ ،‬واستعانة بالوسائل الروحية في مجتمعنا‬
‫الحديث المعقد؛ والتي تحول نفسها إلى أعمال خالصة من الدناءة‪ ،‬وظروف الحياة الذليلة‪،‬‬
‫التي ل يمكن أن تنمو فيها الروح! )‬
‫‪56‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( لقد أخفقنا بشكل يدعو إلى الرثاء في أن نرى أن من الممكن الحصول على عدالة‬
‫اجتماعية‪ ،‬دون أن نمارس اللحاد والمادية‪ ..‬إن ذلك يعتمد على الرغبة الختيارية للفرد‬
‫في قبول أو التخلي عن اللتزامات الجتماعية تجاه الفرد الخر‪..‬‬
‫( ونتي جة لذلك فإن كثيرا من قوم نا قد فقدوا إيمان هم في مجت مع حر‪ .‬وكأ مة فقد نا‬
‫كذلك إيمان نا الدي ني وممار سة شعائر نا الدين ية‪ .‬ر غم أن نا ما زل نا متدين ين! إن نا نفرق ب ين‬
‫الد ين وممار سة الد ين! ولم ن عد نؤ من بأن اليمان يتم شى مع الظروف الحدي ثة‪ ..‬وم تى‬
‫تحط مت ال صلة ب ين اليمان والع مل‪ ،‬فلن ن ستطيع ب عد ذلك أن نن مي قوة روح ية ن ستطيع‬
‫نشرها في جميع أنحاء العالم )‪..‬‬
‫( إن علي نا أن نغ ير كل ذلك‪ .‬إن نا ن ستطيع‪ -‬بل ي جب‪ -‬أن نر فض كل ية النظر ية‬
‫الماركسـية القائلة‪ :‬إن الشياء الماديـة لهـا الولويـة‪ ،‬والروحيـة تابعـة لهـا‪ .‬إن العبوديـة‬
‫والستبداد ل يمكن ان يكونا صوابا‪ ،‬حتى ولو بصفة استثنائية‪ .‬ويجب أل نخشى وضع‬
‫اليمان في مرتبة ال صدارة بالن سبة لحرية الن سانية والتحرر‪ ،‬وان نتم سك بالرأي الدي ني‬
‫القائل‪ :‬إن ال قد خلق النسان لكي يكون اكثر من منتج مادي؛ وان غايته النهائية شيء‬
‫آ خر غ ير ال من الجثما ني‪ .‬ي جب أن نؤ من بأ نه ي جب تحر ير الناس في كل مكان من‬
‫التضييـق الروحـي والعقلي والقتصـادي المتزايـد‪ ،‬بحجـة أن ذلك سـينمي الرفاهيـة‬
‫القتصادية للمجتمع الذي ينتمون إليه! )‪..‬‬
‫( ويجب أن نفهم كذلك بوضوح أن مجتمعا حرا ليس معناه مجتمعا يسعى كل فرد‬
‫فيه لنفسه‪ .‬بل انه مجتمع متناسق‪ .‬والقيود المفروضة هي‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬روابط الخوة‬
‫المنبعثة من اليمان‪ .‬فان الناس خلقوا لكي يعيشوا إخوانا في رعاية ال ) ‪..‬‬
‫ثم يختم هذا الفصل بقوله‪:‬‬
‫( لن تكون هناك فائدة مـن إنشاء (أصـوات أمريكـا) أخرى عاليـة الصـوت‪ ،‬إل إذا‬
‫كان لدينا شيء نقوله‪ ،‬يكون اكثر إغراء مما قيل حتى الن!‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫( وإيجاد هذه الرسالة هو قبل كل شيء مهمة الزعماء الروحيين لمتنا‪ .‬وبعثورهم‬
‫عليهـا يسـتطيعون أن يسـاهموا بشكـل حاسـم فـي الحباط السـلمي للسـاليب الشريرة‪،‬‬
‫والخطط التي تعدها الشيوعية السوفييتية‪.‬‬
‫( إن كثيرا مـن الوعاظ والمعلميـن يأسـفون لن المعرفـة العلميـة قـد زادت قدرة‬
‫النسان على الذى إلى درجة كبيرة‪ .‬ول يجب أن نصدق ان المعرفة في حد ذاتها شيء‬
‫يمكن الهرب منه‪.‬‬
‫( إن القوة الماد ية ال كبيرة تكون خطرة في ع صر الماد ية ف قط؛ ول يس في ع صر‬
‫روحي‪ .‬والمعرفة العلمية الجديدة خطرة اليوم لنها حدثت في وقت أخفقت فيه الزعامة‬
‫الروحيـة أن توضـح الصـلة بيـن العقيدة والعمـل‪ .‬ولعله يكون اكثـر أهميـة لو أن العبادة‬
‫الروحية تطورت بدلً من محاولة وقف التقدم العلمي‪ ،‬او الرجوع به القهقري ) ‪.‬‬
‫( لقد كتب الرئيس ولسون قبل وفاته بأسابيع قليلة مقالً استعرض فيه تهديد المبادئ‬
‫الثوريـة وأعمال الشيوعيـة‪ .‬وختمـه بقول‪ :‬إن اختصـار المسـألة بأسـرها هـو مـا يلي‪ :‬إن‬
‫حضارتنا ل تستطيع الستمرار في البقاء من الناحية المادية‪ ،‬إل إذا استردت روحانيتها‪..‬‬
‫( هذا هو التحدي النهائي لكنائ سنا ومنظمات نا ال سياسية وللرأ سماليين عند نا‪ ،‬ول كل‬
‫فرد يخاف ال‪ ،‬او يحب بلده! ) ‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ولكن هذه الصيحة التي أرسلها مستر دالس‪-‬كالصيحة التي أرسلها دكتور كاريل‬
‫من قبل‪ -‬ل تمكن تلبيتها بهذا السهولة! ول بهذا التحدي الذي يضعه دالس أمام كنائسهم‬
‫ومنظماتهم والرأسماليين وكل فرد يخاف ال او يحب بلده!‬
‫إن المسـألة اعمـق مـن هذا بكثيـر‪ .‬فالكنائس لم يعـد لديهـا مـن النصـرانية‪-‬منـذ مـا‬
‫أفسدها بولس أولً‪ .‬وقسطنطين ثانيا‪ .‬والكنيسة والمجامع والبابوات ثالثا‪ -‬ما يصلح أساسا‬
‫شاملً للحياة النسانية‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫وحتى البقية الباقية من التصور النصراني‪-‬هذه التي يتحدث عنها مستر دالس‪ -‬لم‬
‫ت عد الحضارة المريك ية الماد ية تطيق ها‪ .‬هذه الحضارة ال تي قا مت ابتداء على (الفرد ية)‬
‫الجامحة‪ ،‬ممثلة في النظام الرأسمالي الربوي الحتكاري إلى أبعد الحدود‪..‬‬
‫وما أظن مستر دالس نفسه قد فكر‪-‬وهو يرسل هذه الصيحة في ساعة الخطر‪-‬‬
‫في ت طبيق بق ية الت صور الن صراني تلك‪ .‬فان أول ما تقتض يه‪ :‬إلغاء النظام الربوي الذي‬
‫تقوم هذه الحضارة عليـه‪ ،‬والذي يسـاهم بالقسـط الول والوفـر فـي ويلت البشريـة‪،‬‬
‫وويلت الحضارة الماد ية‪ .‬والذي تحرّ مه الن صرانية‪ ،‬ك ما يحر مه كل د ين سماوي و كل‬
‫فطرة سليمة!‬
‫إنمـا أراد مسـتر دالس صـورة باهتـة مـن النصـرانية ل تتدخـل فـي صـميم النظام‬
‫القتصادي‪ .‬وفي الوقت ذاته تخدم أغراضه السياسية الخرى في دفع غائلة الشيوعية!‬
‫وح تى لو كان جادا في أعمال الت صور الدي ني في صميم الحياة كل ها‪ ..‬فان هنالك‬
‫هوة ل تعبر‪ ،‬ول يقام عليها معبر بين التعاليم النصرانية الصحيحة‪ ،‬وبين الحياة الواقعية‬
‫عنده‪ .‬اشترك في حفرها وتعميقها خمسمائة عام من الصراع المرير!‬
‫و هو يكلف رجال الكني سة عنده والزعماء الروحي ين مال ق بل ل هم به‪ .‬ح تى يطلب‬
‫إليهم‪ ،‬بما بين أيديهم من رصيد مهلهل للدين النصراني‪ ،‬ومن تاريخ مرير بين الكنيسة‬
‫ورجالهـا والديـن وأهله وبيـن ضمائر الناس وعقولهـم‪ ،‬ومـن فصـام نكـد قامـت بعده كـل‬
‫جوا نب الحياة والف كر والشعور على أ ساس العداء للد ين كله‪ ..‬أقول يكلف هم مال ق بل ل هم‬
‫به‪ ،‬وهو يطلب إليهم استحداث منهج من ذلك الرصيد المهلهل‪ ،‬يصل بين اليمان والعمل‪.‬‬
‫وبين الفردية والجماعية‪ .‬وبين الروح والمادة‪ .‬وبين التقدم العلمي والهيمنة الروحية على‬
‫هذا التقدم‪ .‬وبين العناية بتنمية الحياة للمجتمع مع سيطرة الروح اليماني‪ ..‬منهج ل يفرق‬
‫ب ين الد ين وممار سة الد ين‪ .‬وير فض القول‪ :‬بأ نه من غ ير المم كن الح صول على عدالة‬
‫اجتماع ية بدون ممار سة اللحاد والماد ية‪ .‬ك ما ير فض أن يكون للشياء المادية الولوية‪.‬‬
‫او أن تكون العبوديـة والسـتبداد وسـيلة الكثار مـن النتاج المادي‪ .‬او أن يعتدي على‬
‫‪59‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الحرية العقلية والروحية والقتصادية في سبيل هذا الكثار‪ ..‬منهج ل يطلب وقف التقدم‬
‫العلمي باسم (الدين)! ول يجعل التدين وسيلة واحدة هي عودة العلم والمعرفة القهقري!‪..‬‬
‫وفي النهاية منهج تتطور (العبادة) فيه حتى يصبح (العمل) إحدى صورها‪..‬‬
‫فأ نى يجدون هذا المن هج في بقا يا الت صور المهل هل؛ و في أنقاض التار يخ المر ير‪،‬‬
‫وفي الفجوة التي ل تعبر‪ ،‬وال تي ل يقام عليها معبر‪ ،‬بين طبيعة الدين الذي عندهم‪-‬كما‬
‫صـاغته هذه الملبسـات كلهـا‪ -‬وبيـن طبيعـة الحياة النسـانية بصـفة عامـة‪ ،‬وطبيعـة هذه‬
‫الحضارة المادية بصفة خاصة؟!‬
‫إن الذي يملك اسـتحداث هذا المنهـج قوم آخرون‪ ..‬والديـن الذي يتضمـن مثـل هذا‬
‫المنهج في اكمل صورة ليس هو ما يسمى عند قومه اليوم بالدين!‬
‫إن مستر دالس يريد أن يجند (الدين) لحماية النظمة الغربية من الشيوعية‪ ..‬ولكن‬
‫الدين ل يملك أن يصنع شيئا في هذه المعركة الصغيرة! بين أنظمة مادية وأنظمة مادية‬
‫من نوع آخر! انه ل يملك أن يصنع شيئا في صورته الباهتة التي تراد له‪ ..‬ل يملك أن‬
‫يدافع عن الناس وهو مطرود من حياتهم طردا قبيحا!‬
‫إن (ديـن ال) ل يصـلح خادما يلبـس منطقـة الخدم‪ ،‬ويقـف بحضرة (أسـياده)‪،‬‬
‫ويوجهونـه حيـث يريدون! يطردونـه مـن حضرتهـم فينصـرف‪ ،‬وهـو يقبـل الرض بيـن‬
‫أيديهم‪ ..‬ثم يقف وراء الباب‪-‬في شارة الخدم‪ -‬رهن الشارة!‪ ..‬ويستدعونه للخدمة‪ ،‬فيقبل‬
‫الرض بين أيديهم‪ ،‬وينحني قائلً‪ :‬لبيك يا مولي! كما يفعل من يسمونهم (رجال الدين)!‬
‫كل! إن (ديـن ال) ل يرضـى إل أن يكون سـيدا مهيمنا‪ .‬قويا متصـرفا‪ .‬عزيزا‬
‫كريما‪ .‬حاكما ل محكوما‪ .‬قائدا ل مقودا ‪ ..‬و هو ل يح مي الناس من الشيوع ية ول من‬
‫غ ير الشيوع ية إل أن تكون حيات هم كل ها ر هن إشار ته‪ .‬ي صرفها بجملت ها‪ ،‬وينظم ها من‬
‫أطراف ها‪ ،‬وين سقها و فق شريع ته ‪ ..‬ح ين يتحا كم إل يه الناس في أمور هم كل ها‪ :‬صغيرها‬
‫وكبيرها‪ .‬ثم يرتضون حكمه في ثقة وفي استسلم‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫" فل وربـك ل يؤمنون حتـى يحكموك فيمـا شجـر بينهـم‪ ،‬ثـم ل يجدوا فـي أنفسـهم‬
‫حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ‪" ..‬‬
‫[النساء‪]65 :‬‬
‫ويومئذ فقط يؤدي دوره كاملً ‪ ..‬دور السيد المدبر ‪ ..‬ل دور الخادم الملبي‪..‬‬
‫ويومئذ ف قط ينت هي ذلك الف صام الن كد‪ .‬الذي أن شأ كل هذا الشقاء المر ير‪ .‬و كل هذا‬
‫الخطر الخطير‪..‬‬
‫ويومئذ ف قط ي جئ المخلص‪ ،‬الذي تتعالى ال صيحات ب صفاته و سماته! هذا المخلص‬
‫المرتقب للناس أجمعين ‪ ..‬هو هذا الدين ‪..‬‬

‫‪61‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫خلّــص‬
‫الم َ‬
‫"إن هتافات كثيرة مـن هنـا ومـن هناك‪ ،‬تنبعـث مـن القلوب الحائرة وترتفـع مـن‬
‫الحنا جر المتع بة ‪ ..‬ته تف بمن قذ‪ ،‬وتتل فت على (مخلص)‪ ،‬وتت صور لهذا المخلص سمات‬
‫وملمح معينة تطلبها فيه ‪ ..‬وهذه السمات والملمح المعينة ل تنطبق على أحد إل على‬
‫(هذا الدين) ‪..‬‬
‫جاءت هذه الفقرة فـي الفصـل الول مـن هذا الكتاب ‪ 00‬والفصـل الذي سـلف‬
‫(صيحات الخطر) يتضمن التفسير الكامل لهذه الفقرة في أقوال دكتور كاريل‪ ،‬وفي أقوال‬
‫م ستر دالس على ال سواء! لول أن كل منه ما –ل مر قد قدر‪ -‬ل يت جه بدعائه للمخلص‬
‫الحقيقي الذي عليه وحده تنطبق هذه الوصاف؛ وفيه وحده تتحقق هذه السمات!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫إن دكتور كاريل يطلب منهجا للحياة غير (دين الصناعة) و (التكنولوجيا)‪.‬‬
‫ير يد منهجا يع تبر (الن سان مقيا سا ل كل ش يء) ول يجعله (غريبا في العالم‬
‫الذي ابتدعه) ‪ ..‬ول ينهض على الجهل المطبق بخصائصه ومقوماته‪.‬‬
‫منهجا ( ل يهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالً تاما‬
‫ع ند تنظ يم الحياة ال صناعية) ول ( ين هض على مبدأ ال حد الق صى من النتاج بأ قل قدر‬
‫من التكال يف ‪ ..‬ح تى ي ستطيع فرد أو مجمو عة من الفراد أن يح صلوا على أ كبر مبلغ‬
‫مستطاع من المال)‪.‬‬
‫منهجا ل ينشئ بيئة (غير صالحة ل بالنسبة لقوامنا ول بالنسبة لهيئتنا)‪ .‬ول يجعلنا‬
‫( ننحط أخلقيا وعقليا)‪ .‬ول يكبت ويعطل ( نمو وجوه النشاط العاطفي والجمالي والديني‬
‫فيخلق أشخاصا في المرتبة الدنيا‪ .‬ذوي عقول ضيقة غير صحيحة)‪.‬‬
‫منهجا ل يل غي شخ صية الفرد من ح سابه‪ ،‬ولك نه كذلك ل ين سى حا جة الفرد للحياة‬
‫الجماعية‪ .‬فل (نربي ونعيش ونعمل في قطعان كبيرة أشبه بقطعان الغنام!)‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫منهجا ل يلغـي شخصـية الذكـر وشخصـية النثـى‪( .‬فإهمال انعدام المسـاواة بيـن‬
‫الجنسين أمر خطر جدّا)‪.‬‬
‫منهجا ل يدع حياة بني الن سان نهبا (لخيالت ماركس ولينين وفرو يد) و (شهوات‬
‫الناس وأهوائهم ونظرياتهم ورغباتهم)‪.‬‬
‫منهجا ل يعتدي على قوانيـن الفطرة‪ .‬ول يشجـع على (ارتياد الرض المحرمـة)‪.‬‬
‫ول يصطدم من الحقائق الحيوية للكينونة النسانية ‪..‬‬
‫وأخيرا ‪ ..‬منهجا ل يتخذ من فشل (المادية) سببا للنكسة إلى (الروحية) السلبية التي‬
‫عرفتها أوربا في نظام الرهبنة ول إلى سيكولوجية فرويد المضللة!‬
‫ولكـن دكتور كاريـل يطلب هذا المنهـج الذي هذه سـماته عنـد (علم النسـان) الذي‬
‫يطالب بإنشائه على الرغـم مـن تقريره أن فـي العقـل البشري بطـبيعته عجزا عـن العلم‬
‫بالنسان!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وما الذي يطلبه مستر دالس كذلك؟‬
‫إنـه يطلب منهجا (ل يعطـي الولويـة المطلقـة لتنميـة الحياة الماديـة للمجتمـع مـع‬
‫إعطاء الروحية أهمية ثانوية‪ ،‬ول يعتبر اليمان أمرا ثانويا يتعلق بالفراد)‪.‬‬
‫منهجا (ل يقف موقفا غامضا من اليمان وعلقته بالنشاط الحيوي)‪..‬‬
‫منهجا (ل يقوم على الفرديـة المطلقـة ‪ -‬كمـا عرفتهـا التجربـة المريكيـة ‪ -‬هذه‬
‫الفردية التي يكون معناها في بعض الظروف‪ :‬الموت المبكر)‪..‬‬
‫منهجا (ل يخفق –بشكل يدعو إلى الرثاء ! – في أن يرى أن من الممكن الحصول‬
‫على عدالة اجتماعية بدون ممارسة اللحاد والمادية)‪.‬‬
‫منهجا (ل يفرق بين الدين وممارسة الدين‪ .‬ول يحطم الصلة بين اليمان والعمل‪.‬‬
‫ول يزعم أن اليمان ل يتمشى مع الظروف الحديثة)‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫منهجا (يرفـض أن يكون للشياء الماديـة الولويـة ول يجعـل الروحيـة تابعـة لهـا‪.‬‬
‫ويرفض أن يعتبر العبودية والستبداد صوابا ‪ -‬ولو في حالة استثنائية ‪ -‬ويرفض اعتبار‬
‫الن سان أداة إنتاج فح سب‪ .‬وير فض الرفاه ية القت صادية على ح ساب الحر ية الروح ية‬
‫والعقلية)‪.‬‬
‫منهجا يعيش الفراد في المجتمع الذي يقوم عليه‪ ،‬إخوانا في ال‪ .‬روابطهم الخوية‬
‫هي القيود التي تشدهم‪ ،‬والتي تحفظ مجتمعهم من الفردية الطاغية ومن الجماعية الطاغية‬
‫كذلك‪.‬‬
‫منهجا ي ظل الروح اليما ني ف يه مهيمنا على المعر فة العلم ية‪ .‬فل يطلب و قف تقدم‬
‫المعرفة والعلم بحجة أنها بذاتها خطرة على اليمان الديني!‬
‫وأخيرا ‪ ..‬يريـد منهجا يوضـح العلقـة بيـن العقيدة والعمـل‪ ،‬وتتطور فيـه (العبادة)‬
‫حتى يصبح العمل إحدى صورها ‪...‬‬
‫ولكن مستر دالس يطلب هذا المنهج عند رجال الكنيسة المريكية‪ ،‬وعند الزعماء‬
‫الروحي ين في بلده ‪ ...‬على الر غم م ما يعر فه من تار يخ الكني سة الغرب ية‪ ،‬و من (الف صام‬
‫النكد) بينها وبين المجتمع‪ ،‬ورواسبه المريرة!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ولكـن الذي ينبغـي أن يكون واضحا ‪ ..‬أنـه ل (علم النسـان) يملك أن يسـتجيب‬
‫لصيحة دكتور كاريل‪ ،‬ول الكنيسة وآباؤها الروحيون يملكون أن يستجيبوا لصيحة مستر‬
‫دالس!‬
‫إن هذه الصفات التي يطلبانها في (المخلص) ل تتوافر في أحد إل في (هذا الدين)‪.‬‬
‫وإن هذا المنهـج الذي يصـفانه ل يملكـه إل السـلم‪ .‬مـن بيـن سـائر المناهـج والمذاهـب‬
‫والنظريات التي يعرفها بنو النسان!‬

‫‪64‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ودكتور كار يل ل يت جه إلى هذا (المخلص) ‪ ..‬ل نه ‪ -‬على الر غم من سعة أف قه‪،‬‬
‫ومـن غزارة علمـه ‪ -‬رجـل أبيـض ‪ ..‬يتجـه بتمجيده كله للجنـس البيـض! ويؤلف كتابـه‬
‫لنقاذ الجنس البيض! ويوجه اهتمامه لنقاذ الجنس البيض من النحلل والبوار‪.‬‬
‫وال سلم ل يس من صنع الر جل الب يض‪ ،‬و من ثم ل يم كن أن يت جه إل يه العالم‬
‫العالمي الكبير!‬
‫وم ستر دالس كذلك ل يت جه إلى هذا (المخلص) ل نه فوق أ نه (ر جل أب يض)‪ ،‬فإن‬
‫له مـع هذا الديـن شأنا ‪ ..‬إنـه الرجـل الذي قام بأكـبر نصـيب قام بـه سـياسي عالمـي فـي‬
‫الع صر الحد يث في حرب ال سلم‪ ،‬وإقا مة الجهزة ال تي تر صد لهذا الد ين في كل بقاع‬
‫الرض بل استثناء‪ ،‬وتحاول أن تحل محله تصورات وقيما أخرى من صنع النسان!‬
‫ولكن هذا الدين‪ ،‬هو وحده الذي يملك تلبية تلك الصرخات وهو وحده الذي تتحقق‬
‫فيه هذه السمات‪ .‬وهو وحده الذي توجد عنده هذه (الوصفة) اللزمة لشفاء بني النسان!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫إن السـلم منهـج جديـد للحياة غيـر الذي عرفتـه أوروبـا وعرفـه العالم فـي فترة‬
‫الفصـام النكـد وقبلهـا وبعدهـا كذلك ‪ 00‬منهـج أصـيل‪ ،‬مسـتقل الجذور ‪ ..‬منهـج شامـل‬
‫متكامـل‪ .‬وليـس مجرد تعديـل للحياة الراهنـة وأوضاعهـا القائمـة ‪ ..‬إنـه منهـج للتصـور‬
‫والعتقاد؛ ك ما أ نه من هج للع مل والوا قع ‪ ..‬و من ثم ف هو ‪ -‬وحده ‪ -‬الك فء للضطلع‬
‫بمهمة إعادة إنشاء الحياة البشرية على قاعدة جديدة‪.‬‬
‫لقد أخطأ المجتمع البشري طريقه‪ .‬ل من يوم أن اتجه إلى تنمية علوم الجماد وترك‬
‫علوم النسـان بدون نماء ‪ ..‬ول مـن يوم أن ترك اللة تتحكـم فـي حياتـه‪ ،‬وتكيفهـا هذا‬
‫التكيـف المناقـض لطبيعـة النسـان ‪ ..‬ول مـن يوم أن ترك النظـم السـياسية والجتماعيـة‬
‫والقتصـادية تحـت رحمـة المسـتغلين يوجهونهـا لغيـر صـالح البشـر‪ ،‬ولغيـر احتياجاتهـم‬
‫الحقيقية‪ -‬كما يقرر دكتور كاريل ‪..‬‬
‫كل! فهذه مراحل متأخرة في تاريخ النحراف‪..‬‬
‫‪65‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫إنما أخطأ المجتمع طريقه يوم أن جعل تلك الملبسات النكدة التي صاحبت عصر‬
‫الحياء وع صر التنو ير‪ ،‬وع صر النه ضة ال صناعية ‪ ..‬ت صرفه عن من هج ال كله ‪ -‬ل‬
‫عن تصورات الكنيسة وحدها‪ -‬وتوقع (الفصام النكد) في حياته‪ ،‬بين التصور العتقادي‬
‫اللهي‪ ،‬ونظام الحياة الجتماعي ‪..‬‬
‫ولم ي عد ذلك الترق يع الجزئي عن طر يق العنا ية بعلوم الحياة وعلوم الن سان –ك ما‬
‫يظن دكتور كاريل‪ -‬فالناس ل يوجه حياتهم ول يغيرها أن ( يعلموا ) ولكن يوجه حياتهم‬
‫ويغيرها أن ( يعتقدوا ) والنسان هو النسان!‬
‫ولقـد انتظرت مـن دكتور كاريـل ‪ -‬وهـو يذكـر "ضرورة قلب الحضارة الصـناعية‬
‫وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري" – أن يثـب وثبـة كاملة‪ ،‬فيخرج مـن قفصـه الحديدي‬
‫"العلمي"! ولكنه لم يستطع هذه الوثبة الكبرى وبقي داخل القفص‪ ،‬يهتف بصيحة الخطر‬
‫الذي يراه يتهدد البشرية المسكينة الصائرة إلى البوار!‬
‫إن الحياة البشرية المهددة في حاجة إلى هذه الوثبة الكاملة‪ ،‬في حاجة إلى أن ترجع‬
‫إلى فطرتهـا التـي فطرهـا ال عليهـا‪ .‬وهـي ل يمكـن أن ترجـع إلى هذه الفطرة بمبادئ‬
‫ونظريات أو و سائل تن بع من ذلك الت صور الحضاري الذي يك من ف يه الخ طر؛ والذي قام‬
‫ابتداء على أصول معادية لينابيع لفطرة ‪ ..‬لبد من تصور جديد جدة حقيقية كاملة؛ يغير‬
‫قاعدة الحياة من ال ساس ويرد ها إلى الفطرة؛ ويقيم ها على أ ساس آ خر يت فق مع طبي عة‬
‫التكو ين الن ساني المتكا مل؛ و مع الحقي قة الكون ية – ك ما هي في الوا قع ل ك ما تبدو من‬
‫خلل المناظير الملونة‪ ،‬المصنوعة في معامل الحضارة المعادية!‬
‫إن علمنـا القليـل المحدود عـن الكائن البشري ‪ -‬أو جهلنـا المطبـق بهذا الكائن‬
‫البشري‪ -‬كما وصفه هذا العالم العالمي الكبير‪ ،‬ل يسمح إطلقا بأن نكون نحن ‪ -‬البشر‪-‬‬
‫الذي نتولى وضع (التصميم) الساسي ابتداءً لحياة هذا الكائن ‪ ..‬ولو كان هذا مدى علمنا‬
‫‪ -‬أو مدى جهل نا ‪ -‬بجهاز مادي صغير‪ ،‬ما أ من صاحبه أن يتر كه ل نا ل صلحه ‪ -‬بله‬

‫‪66‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫تركيبه! ‪ -‬ولكننا بهذا الجهل – نتصدى لقامة نظام (للنسان) ‪ ..‬أعز وأثمن ما في هذه‬
‫الرض جميعا! ول نبالي ما يصيبه من جراء (هذا النظام!)‪.‬‬
‫لقد أدركنا الغرور‪ ،‬ونحن نرى العقل البشري يبدع في عالم المادة‪ ،‬ويأتي بما يشبه‬
‫الخوارق! فوهمنـا أن العقـل الذي يبدع الطائرة والصـاروخ؛ ويحطـم الذرة وينشـئ القنبلة‬
‫اليدروجينيـة؛ ويعرف القوانيـن الطبيعيـة ويسـتخدمها فـي هذا البداع ‪ ..‬وهمنـا أن هذا‬
‫العقـل جديـر بأن نكـل إليـه كذلك وضـع (نظام) الحياة البشريـة ‪ ..‬وقواعـد التصـور‬
‫والعتقاد‪ ،‬وأسس الخلق والسلوك ‪ ..‬ناسين أنه حين يعمل في (عالم المادة) فإنه يعمل‬
‫في عالم يمكن أن يعرفه‪ ،‬لنه مجهز بإدراك قوانينه ‪ ..‬أما حين يعمل في (عالم النسان)‬
‫ف هو يع مل في متا هة وا سعة بالقياس إل يه! هو غ ير مج هز ابتداء بإدراك حقيقت ها الهائلة‬
‫الغامضة‪.‬‬
‫ومـن عجـب أن الذي يقرر هذه الحقيقـة هـو العالم العالمـي الكـبير الذي يطلب هذه‬
‫الحقيقة عند (علم النسان)!!‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وفي مقابل ذلك الوهم الكبير‪ ،‬يوجد وهم آخر كبير!‬
‫إن ب عض الناس ي ظن أن هيمنة المنهج اليما ني على الحياة‪ ،‬من شأ نه طرد العلوم‬
‫المادية ونتائجها الحضارية من الحياة!‬
‫وهو وهم ساذج ‪ -‬على الرغم من أنه وهم كبير! ‪ -‬بل وهم مضحك! ولكنه ‪ -‬مع‬
‫السف ‪ -‬يرتكن في الغرب وفي التاريخ الحضاري له‪ ،‬على واقع تاريخي طويل‪ .‬حتى‬
‫ليحتاج من م ستر دالس إلى ذلك الف صل المطول في كتا به‪( :‬حرب أم سلم) ‪ ..‬ف صل‪:‬‬
‫(حاجاتنا الروحية) الذي اقتطعنا منه في الفصل السابق تلك الصرخات؛ وتلك التحديات!‬
‫غير أن المر في المنهج اللهي الصحيح ليس على هذا النحو ‪ ..‬إن (الدين) ليس‬
‫بديلً مـن العلم والحضارة‪ .‬ول عدوّا للعلم والحضارة‪ .‬إنمـا هـو إطار للعلم والحضارة‪،‬‬

‫‪67‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ومحور للعلم والحضارة‪ ،‬ومنهـج للعلم والحضارة فـي حدود إطاره ومحوره الذي يحكـم‬
‫كل شؤون الحياة‪.‬‬
‫والسـلم ‪ -‬بالذات ‪ -‬كان هـو العلن الشامـل لحريـة العقـل البشري تجاه الكون‬
‫المادي‪ ،‬وقواني نه‪ ،‬وقواه‪ ،‬ومدخرا ته‪ .‬وكان اليذان العام بانطلق هذا الع قل ليع مل ويبدع‬
‫في ذلك الملك العر يض الذي ا ستخلفه ر به ف يه‪ .‬وكا نت هذه إحدى الحقائق ال تي تضمن ها‬
‫التصـور السـلمي عـن حقيقـة علقـة الخلق بالخالق؛ ومركـز النسـان فـي هذا الكون‪،‬‬
‫وحدود اخت صاصه(‪ .. )1‬و من ثم ازدهرت في ظل ال سلم حضارة كاملة ب كل مقومات ها‬
‫البداع ية ال تي كا نت تتيح ها ل ها الدوات والو سائل في حين ها ‪-‬والدوات والو سائل قابلة‬
‫دائما للتطور والتر قي‪ -‬وال سلم يد فع هذا الن مو ويقوده‪ ،‬ولك نه يحف ظه دائما دا خل إطار‬
‫الفطرة؛ ل ي صطدم بطبي عة الن سان وخ صائصه الثمي نة‪ ،‬ول يحطم ها ويكبت ها‪ ،‬ك ما يقرر‬
‫دكتور كاريل عن الحضارة المعاصرة!‬
‫ولقد كان السلم هو الذي أنشأ ‪ -‬بطبيعة واقعية منهجه ‪ -‬المنهج التجريبي‪ ،‬الذي‬
‫انتقـل إلى أوربـا مـن جامعات الندلس؛ والذي أقام عليـه (روجـر بيكون) و (فرنسـيس‬
‫بيكون) ‪ -‬الذي ي سمونه افتراء (أ با المن هج التجر يبي) ‪ -‬منهجه ما ك ما قرر ذلك بريفولت‬
‫وجوهرنج من الكتاب الغربيين أنفسهم(‪.)2‬‬
‫إن السلم يكل رسم (التصميم) الساسي للحياة البشرية‪ ،‬إلى العلم الكامل الشامل‪،‬‬
‫ال مبرأ من الج هل والق صور والهوى كذلك يكله إلى علم ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ب ما أن ال هو‬
‫الذي أبدع الكون وما فيه؛ وأبدع قوانينه وطاقاته؛ وأبدع النسان وزوده باستعداداته للعمل‬
‫في مادة هذا الكون العر يض ‪ ..‬و هو الذي يعلم ‪ -‬وحده ‪ -‬كل حقائق الكينو نة البشر ية‬
‫و كل حقائق الطبي عة الكون ية ‪ ..‬ف هو‪ -‬وحده ‪ -‬القادر على أن ي صنع للن سان نظام حياة؛‬
‫شاملً لحياته الفردية والجماعية؛ ولحياته في الكون المحيط به ‪ ..‬عن (علم مطلق) يقابل‬
‫‪1‬‬

‫() يراجع بتوسع كتاب‪ :‬خصائص التصور السلمي ومقوماته‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() يراجع كتاب‪ :‬هذا الدين ص ‪.74-70‬‬
‫‪68‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫(جهل نا المط بق) ‪ ..‬و في الو قت ذا ته ل يل غي الع قل البشري ‪ -‬ك ما أرادت الكني سة ذات‬
‫يوم‪ -‬هذه الداة العظي مة‪ ،‬ال تي وهب ها ال للن سان ليع مل ب ها ويبدع؛ ل ليغل ها أو يلغي ها!‬
‫وفقط يحوطها بالسياج الواقي من الهوى‪ ،‬ومن التهور‪ ،‬ومن الخبط في التيه‪ ،‬ومن النكسة‬
‫والنحدار‪ .‬ويضع ل ها المنهج الذي يقوّمها من ها فل تم يل؛ ويهدي ها فل تضل؛ ويكفل ل ها‬
‫حريتها واستقامتها على السواء‪.‬‬
‫وبهذا يظـل (النسـان) هـو سـيد (المادة) بضمانـة مـن المنهـج الذي أبدعـه له مبدع‬
‫الن سان والمادة‪ .‬وبالت صور الذي يشعره بكرام ته على ال؛ ك ما يشعره بعبودي ته ل‪ .‬و في‬
‫الوقت ذاته يشعره بأنه مستخلف في هذا الملك العريض ‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ومـن هذا كله يتـبين أن السـلم ‪ -‬وحده ‪ -‬هـو المنهـج الذي يسـتصرخه مسـتر‬
‫دالس ‪ -‬ولك نه ل يت جه إل يه!‪ -‬المن هج الذي يملك أن يتقدم لتخل يص البشر ية من بربر ية‬
‫الحضارة الصـناعية –كمـا يعـبر دكتور كاريـل ‪ -‬ومـن مصـيدة الشيوعيـة ‪ -‬كمـا يقول‬
‫مسـتر دالس‪ -‬وأننـا نحـن أصـحاب المنهـج السـلم ‪ -‬وحدنـا ‪ -‬الذيـن نملك تلك الوثبـة‬
‫الكبرى!‬
‫إن هذه الحضارة الصـناعية التـي تحيـط بالبشريـة اليوم‪ ،‬تحطـم أهـم مـا فـي كيان‬
‫(النسـان) وتحارب أرفـع مقوماتـه النسـانية‪ ،‬وفـي الوقـت الذي تقدم له تلك التسـهيلت‬
‫الرائعة ‪ -‬وإن كانت هذه التسهيلت قد تكون مؤذية لكيانه المادي ذاته ‪ -‬كما يقرر العالم‬
‫العالمي الكبير‪ ،‬في مواضع شتى من كتابه القيم ‪..‬‬
‫والسـلم ‪ -‬بطبيعـة تصـوره لحقيقـة الكون ودور النسـان فيـه‪ ،‬وبطبيعـة منهجـه‬
‫الواق عي التجر يبي‪ -‬لن يع مد إلى الم صانع فيحطم ها! ولن يع مد إلى تلك التي سيرات ال تي‬
‫تقدمها الصناعة للحياة البشرية فيلغيها!‬
‫ولكن السلم سيعمد ‪ -‬ابتداء ‪ -‬إلى تغيير النظرة إلى هذه الحضاريات وقيمتها ‪..‬‬
‫سـيمنحها قيمتهـا الحقيقيـة بل مبالغـة وبل بخـس كذلك! بحيـث يصـبح الروح النسـاني‬
‫‪69‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫المؤمن هو المسيطر عليها‪ .‬ل أن تكون هي المسيطرة عليه‪ ،‬وعلى تصوراته ومشاعره‬
‫وأوضاعه وأنظمته ‪..‬‬
‫إن السـلم سـيقر فـي خلد النسـان قيمتـه العلويـة ومقوماتـه الكريمـة ‪ ..‬سـيستنقذ‬
‫الروح الن ساني من المها نة ال تي فرض ها عل يه (دارون) و (كارل مار كس) وأشباه هم!‬
‫وعندئذ سيشعر أ نه هو ال سيد‪ ،‬الذي ينب غي أن ي سيطر على اللة‪ ،‬وعلى البداع المادي‪،‬‬
‫والحضارة ‪..‬‬
‫وحين يصبح الروح النساني المؤمن هو المسيطر‪ ،‬فيومئذ سيصبح متمتعا بحريته‬
‫ فـي إطار عقيدتـه ‪ -‬قادرا على الختيار ‪ ..‬فالختيار هـو العنصـر الهام الذي يفتقده‬‫الروح الن ساني الن‪ .‬و هو م جبر مقهور ذل يل لللة؛ وللت صورات المنبث قة من دورت ها‬
‫اللية!‬
‫والقدرة على الختيار ستتيح للروح الن ساني المؤ من‪ ،‬أن ي ستبعد العناصر الضارة‬
‫في هذه الحضاريات‪ ،‬وين مي العنا صر ال صالحة‪ ،‬المتف قة مع الحاجات الحقيق ية للكينو نة‬
‫النسانية‪ .‬كما أن سيطرة الروح النساني المؤمن ستتيح له التحرر من الوضاع المنافية‬
‫لكرام ته‪ ،‬و من طرائق النتاج وأنظ مه الع مل ال تي تهدر في ها مقومات الن سان الكري مة ‪،‬‬
‫فليسـت طرائق النتاج وأنظمـة العمـل شرائع مقدسـة! إنمـا هـي مجرد وسـائل اسـتغللية‬
‫لتنميـة مقاديـر النتاج المادي‪ ،‬على حسـاب المقومات النسـانية! فإذا تقرر أن (النسـان)‬
‫أكرم وأغلى مـن (الشياء) تغيرت طرائق النتاج وأنظمـة العمـل بحيـث توائم بيـن وفرة‬
‫النتاج ومقومات النسان الكريمة ‪..‬‬
‫و في حالة نشأة ت صورات وق يم جديدة‪ ،‬منبث قة من المن هج ال سلمي للحياة ‪ ..‬و ما‬
‫يتبـع هذه النشأة مـن سـيطرة الروح النسـاني المؤمـن على الحضارة الصـناعية وأدواتهـا‬
‫وطرائق ها‪ ،‬مع القدرة على الختيار ال تي هي وليدة تلك ال سيطرة ‪ ..‬في هذه الحالة ف قط‬
‫يصبح المزيد من (علوم النسان) ذا قيمة حقيقية في إطار التصميم الكلي‪ .‬كما يصبح من‬

‫‪70‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الممكن تلبية هتاف مستر دالس إلى المنهج الذي يصف سماته‪ ،‬ول يجده بين يديه؛ ول‬
‫تملك كنيسته ول آباؤه الروحيون ‪ -‬وهو أحدهم! ‪ -‬أن تقدمه له!‬
‫و من ح سن ال حظ أن الفطرة الن سانية ذات ها‪ -‬ك ما أبدع ها ال‪ -‬متنا سقة مع فطرة‬
‫الكون‪ .‬وأن فطرة الكون‪ ،‬كفطرة الن سان‪ ،‬تحتوي على عنا صر الحر كة والبداع والن مو‬
‫والترقـي ‪ ..‬ومـن ثـم سـتجد الفطرة أن الكثيـر مـن هذه الحضاريات يلبـي ويتمشـى مـع‬
‫حاجاتها الحقيقية المترقية ‪ ..‬ولن تصطدم إل بما هو ضار بكينونة النسان ذاته‪ .‬وهذا ما‬
‫يجـب أن يطرد وينفـى ‪ ..‬وهذا مـا يكفله منهـج ال للحياة‪ ..‬هذا الديـن ‪ ..‬المخلّص الذي‬
‫يطلبه الغرب ولكنه يأباه !!!‬

‫‪71‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫المستَقبل لهذا الدّين‬
‫وح ين يتقرر أن ال سلم هو ‪ -‬وحده ‪ -‬القادر على إنقاذ البشر ية م ما يحدق ب ها‬
‫من أخطار ماح قة‪ ،‬تدلف إلي ها مقودة ب سلسل الحضارة الماد ية البرا قة‪ .‬و هو ‪ -‬وحده ‪-‬‬
‫القادر على منح ها المن هج الملئم لفطرت ها ولحتياجات ها الحقيق ية‪ .‬و هو ‪ -‬وحده ‪ -‬الذي‬
‫ينسق بين خطاها في البداع المادي وخطاها في الستشراف الروحي‪ .‬وهو ‪ -‬وحده ‪-‬‬
‫الذي يملك أن يقيم لها نظاما واقعيا للحياة يتم فيه هذا التناسق الذي لم تعرفه البشرية قط‬
‫إل في النظام السلمي ‪ -‬وحده ‪ -‬على مدى التاريخ ‪..‬‬
‫ح ين يتقرر هذا كله تت ضح م عه شنا عة الجري مة ال تي يرتكب ها ‪ -‬في حق البشر ية‬
‫كلها ‪ -‬أولئك الذين يوجهون الضربات الوحشية لطلئع البعث السلمي في كل مكان ‪-‬‬
‫و في أول هم م ستر دالس الذي ي صرح وي ستصرخ في طلب م ثل هذا المن هج ‪ -‬والذ ين‬
‫يجندون قواهم كلها‪ ،‬لطمس معالم المنهج السلمي‪ ،‬ومواراته عن أعين البشرية المتطلعة‬
‫إلى منقذ‪ ،‬المتلفتة على (مخلص)‪ ،‬وتنفيرها منه بشتى الخدع والتمويهات والكاذيب!‬
‫إنهـا جريمـة بشعـة ‪ -‬فـي حـق البشريـة كلهـا ‪ -‬البشريـة المسـكينة المنكوبـة بهذه‬
‫الحضارة المناقضـة لفطرتهـا ولحتياجاتهـا الحقيقـة ‪ -‬كمـا يقرر العالم الغربـي الكـبير‪-‬‬
‫المهددة بغل بة الفل سفة الماد ية علي ها ‪ -‬ك ما ينذر م ستر دالس – البشر ية ال تي تدلف إلى‬
‫الهاو ية‪ ،‬مقودة ب سلسل هذه الحضارة الماد ية البرا قة‪ ،‬و هي في كل لح ظة تقترب من‬
‫الهوة الرعيبة‪ ،‬ول منقذ لها إل هذا الدين‪ ،‬الذي يحاربه أعداء البشرية‪ ،‬في كل مكان على‬
‫وجه الرض‪ ،‬بشتى الخطط والمؤامرات والساليب!‬
‫إل أن هذه الحرب المشبو بة على ال سلم ل تفقد نا الث قة المطل قة في أن (الم ستقبل‬
‫لهذا الدين)‪.‬‬
‫لقـد صـمد السـلم فـي حياتـه المديدة‪ ،‬لمـا هـو أعنـف وأقسـى مـن هذه الضربات‬
‫الوحشية‪ ،‬التي توجه اليوم إلى طلئع البعث السلمي في كل مكان‪ .‬وكافح ‪ -‬وهو مجرد‬
‫‪72‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫من كل قوة غير قوته الذاتية‪ -‬وانتصر‪ ،‬وبقى‪ ،‬وأبقى على شخصية الجماعات والوطان‪،‬‬
‫التي كان يحميها‪ ،‬وهو مجرد من السلح!‬
‫إن ال سلم هو الذي ح مى الو طن الٍ سلمي في الشرق من هجمات التتار؛ ك ما‬
‫حماه مـن هجمات الصـليبيين على السـواء ‪ ..‬ولو انتصـر الصـليبيون فـي الشرق كمـا‬
‫انتصـروا فـي الندلس قديما‪ ،‬أو كمـا انتصـر الصـهيونيون فـي فلسـطين حديثا‪ ،‬مـا بقيـت‬
‫قوميـة عربيـة‪ ،‬ول جنـس عربـي ول وطـن عربـي ‪ ..‬والندلس قديما وفلسـطين حديثا‬
‫كله ما شا هد على أ نه ح ين يطرد ال سلم من أرض‪ ،‬فإ نه ل تب قى في ها ل غة ول قوم ية‪،‬‬
‫بعد اقتلع الجذر الصيل!‬
‫والممال يك الذين حموا هذه البقعة من التتار‪ ،‬لم يكونوا من جنس العرب إنما كانوا‬
‫من جنس التتار! ولكن هم صمدوا في و جه ب ني جن سهم المهاجم ين‪ ،‬حمية لل سلم‪ ،‬لنهم‬
‫كانوا م سلمين! صمدوا بإيحاء من العقيدة ال سلمية‪ ،‬وبقيادة روح ية إ سلمية من المام‬
‫المسلم (ابن تيمية) الذي قاد التعبئة الروحية‪ ،‬وقاتل في مقدمة الصفوف!‬
‫ولقد حمى صلح الدين هذه البقعة من اندثار العروبة منها والعرب واللغة العربية‬
‫‪ ..‬و هو كردي ل عر بي ‪ ..‬ولك نه ح فظ ل ها عروبت ها ولغت ها ح ين ح فظ ل ها إ سلمها من‬
‫غارة ال صليبيين‪ .‬وكان ال سلم في ضميره هو الذ ين كا فح ال صليبيين‪ .‬ك ما كان ال سلم‬
‫فـي ضميـر الظاهـر بيـبرس‪ ،‬والمظفـر قطـز‪ ،‬والملك الناصـر ‪ ..‬هـو الذي كافـح التتار‬
‫المتبربرين!‬
‫والسلم هو الذي كافح في الجزائر مئة وخمسين عاما‪ .‬وهو الذي استبقى أرومة‬
‫العرو بة في ها‪ .‬ح تى ب عد أن تحط مت مقومات ها الممثلة في الل غة والثقا فة‪ ،‬حين ما اع تبرت‬
‫فرن سا الل غة العرب ية – في الجزائر‪ -‬ل غة أجنب ية محظورا تعليم ها! هنالك قام ال سلم ‪-‬‬
‫وحده ‪ -‬في الضم ير‪ ،‬يكا فح الغزاة‪ ،‬وي ستعلي علي هم‪ ،‬ول يح نى رأ سه ل هم لن هم أعداؤه‬
‫(ال صليبيون)! وبهذا ‪ -‬وحده ‪ -‬بق يت روح المقاو مة في الجزائر‪ ،‬ح تى أزكت ها من جد يد‬
‫الحركة السلمية التي قام بها عبد الحميد بن باديس‪ ،‬فأضاءت شعلتها من جديد ‪ 00‬وهذه‬
‫‪73‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الحقيقة التي حاول أن يطمسها المغفلون والمضلّلون‪ ،‬يعرفها الفرنسيون والصليبيون جيدا‬
‫لنهم (صليبيون)!‬
‫إنهـم على يقيـن أن (السـلم)‪ ،‬باسـتعلء روحـه على أعدائه‪ ،‬هـو الذي يقـف فـي‬
‫طريقهـم فـي الجزائر‪ .‬ومـن ثـم يعلنونهـا حربا على (المسـلمين) ‪ ..‬ل على (العرب) ول‬
‫على (الجزائريين)!‬
‫والسـلم هـو الذي هـب فـي السـودان فـي ثورة المهدي الكـبير على الحتلل‬
‫البريطانـي للقسـم الشمالي مـن الوادي (مصـر) ثـم القسـم الجنوبـي (السـودان) ومراجعـة‬
‫إعلنات (المهدي) الكبير ‪ ،‬ورسائل (عثمان دقنة) لكتشنر وكرومر وتوفيق‪ ،‬تشهد بحيوية‬
‫هذا الباعث الصيل‪.‬‬
‫وال سلم هو الذي كا فح في بر قة وطرابلس ضد الغزو الطليا ني ‪ ..‬و في أرب طة‬
‫السنوسية وزواياها نمت بذرة المقاومة‪ .‬ومنها انبثق جهاد عمر المختار الباسل النبيل‪..‬‬
‫وأول انتفاضـة فـي مراكـش‪ ،‬كانـت منبثقـة مـن الروح السـلمي‪ .‬وكان (الظهيـر‬
‫البربري) الذي سنه الفرنسيون سنة ‪ 1931‬وأرادوا به رد قبائل البربر هناك إلى الوثنية‪،‬‬
‫وفصلهم عن الشريعة السلمية ‪ ..‬هو الشرارة التي ألهبت كفاح مراكش ضد الفرنسيين‪.‬‬
‫ل قد كا فح الٍ سلم ‪ -‬و هو أعزل ‪ -‬لن عن صر القوة كا من في طبيعته‪ .‬كا من في‬
‫بساطته ووضوحه وشموله‪ ،‬وملءمته للفطرة البشرية‪ ،‬وتلبيته لحاجاتها الحقيقية ‪ ..‬كامن‬
‫في ال ستعلء عن العبود ية للعباد بالعبود ية ل رب العباد؛ و في ر فض التل قي إل م نه‪،‬‬
‫ورفـض الخضوع إل له مـن دون العالميـن ‪ ..‬كامـن كذلك فـي السـتعلء بأهله على‬
‫الملب سات العار ضة كالوقوع ت حت سلطان المت سلطين‪ .‬فهذا ال سلطان ي ظل خارج نطاق‬
‫الضمير مهما اشتدت وطأته ‪ ..‬ومن ثم ل تقع الهزيمة الروحية طالما عمر السلم القلب‬
‫والضمير‪ ،‬وإن وقعت الهزيمة الظاهرية في بعض الحايين‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫و من أجـل هذه الخ صائص في السـلم يحاربـه أعداؤه هذه الحرب المنكرة‪ ،‬ل نه‬
‫ي قف ل هم في الطر يق‪ ،‬يعوق هم عن أهداف هم ال ستعمارية ال ستغللية‪ ،‬ك ما يعوق هم عن‬
‫الطغيان والتأله في الرض كما يريدون!‬
‫و من أ جل هذه الخ صائص يطلقون عل يه حملت الق مع والبادة‪ ،‬ك ما يطلقون عل يه‬
‫حملت التشويه والخداع والتضليل!‬
‫ومـن أجـل هذا يريدون أن يسـتبدلوا بـه قيما أخرى‪ ،‬وتصـورات أخرى‪ ،‬ل تمـت‬
‫بسـبب إلى هذا المناضـل العنيـد؛ لتسـتريح الصـهيونية العالميـة‪ ،‬والصـليبية العالميـة‪،‬‬
‫والستعمار العالمي من هذا المناضل العنيد!‬
‫إن خ صائص ال سلم الذات ية هي ال تي تح نق عل يه أعداءه الطامع ين في أ سلب‬
‫الوطن السلمي ‪ ..‬هذه هي حقيقة المعركة؛ وهذا هو دافعها الصيل‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ولكن الذي ل شك فيه ‪ -‬على الرغم من ذلك كله ‪ -‬هو أن (المستقبل لهذا الدين)‪..‬‬
‫( ف من طبي عة المن هج الذي ير سمه هذا الد ين؛ و من حا جة البشر ية إلى هذا المن هج‬
‫نسـتمد نحـن يقيننـا الذي ل يتزعزع‪ ،‬فـي أن المسـتقبل لهذا الديـن‪ .‬وأن له دورا فـي هذه‬
‫الرض هـو مدعـو لدائه ‪ -‬أراد أعداؤه أم لم يريدوا ‪ -‬وأن دوره هذا المرتقـب ل تملك‬
‫عقيدة أخرى ‪ -‬ك ما ل يملك من هج آ خر‪ -‬أن يؤد يه‪ .‬وأن البشر ية بجملت ها ل تملك كذلك‬
‫أن تستغني طويلً عنه ) ‪ ..‬كما قلنا في صدر هذا الكتاب‪..‬‬
‫ول حا جة ب نا إلى الم ضي في توك يد هذه الحقي قة على هذا الن حو‪ .‬فنكت في في هذا‬
‫الموضع بعرض عبرة عن الواقع التاريخي للسلم‪ ،‬لعلها أنسب العبر في هذا المقام‪:‬‬
‫بين ما كان ( سراقة بن مالك) يطارد ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ .‬و صاحبه أ با‬
‫بكر رضي ال عنه ‪ -‬وهما مهاجران خفية عن أعين قريش ‪ ..‬وبينما كان سراقة يعثر‬
‫بـه فرسـه كلمـا هـم أن يتابـع الرسـول وصـاحبه‪ ،‬طمعا فـي جائزة قريـش المغريـة التـي‬

‫‪75‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫ر صدتها ل من يأتي ها بمح مد و صاحبه أو ي خبر عنه ما ‪ ..‬وبين ما هو ي هم بالرجوع –و قد‬
‫عاهد النبي‪ -‬صلى ال لعيه وسلم‪ -‬أن يكفيهما من وراءه ‪..‬‬
‫في هذه اللح ظة قال ال نبي صلى ال عل يه و سلم‪ ( :‬يا سراقة‪ .‬ك يف بك و سوارى‬
‫كسرى؟ ) ‪ ..‬يعده سوارى كسرى شاهنشاه الفرس! (ملك الملوك!)‪.‬‬
‫وال وحده يعلم ما هي الخوا طر ال تي دارت في رأس سراقة؛ حول هذا العرض‬
‫العجيـب؛ مـن ذلك المطارد الوحيـد ‪ 00‬إل مـن صـاحبه الذي ل يغنـي شيئا عنـه‪،‬‬
‫والمهاجــر ‪ -‬سرّا ً‪ -‬معه!‬
‫ول كن كالر سول ‪ -‬صلى ال عل يه و سلم ‪ -‬كان عارفا بال حق الذي م عه‪ ،‬معرف ته‬
‫بالباطل الذي عليه الجاهلية في الرض كلها يومذاك ‪ ..‬وكان واثقا من أن هذا الحق لبد‬
‫أن ينتصر على هذا الباطل‪ .‬وأنه ل يمكن أن يوجد (الحق) في صورته هذه‪ ،‬وأن يوجد‬
‫(الباطل) في صورته هذه‪ ،‬ثم ل يكون ما يكون!‬
‫كا نت الشجرة القدي مة قد تآكلت جذور ها كل ها‪ ،‬بح يث ل ي صلها ري ول سماد ‪..‬‬
‫كانت قد خبثت بحيث يتحتم أن تجتث ‪ ..‬وكانت البذرة الطيبة في يده هي المعبأة للغرس‬
‫والنماء ‪ ..‬وكان واثقا من هذا كله ثقة اليقين ‪..‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫نحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملبساته‪ ،‬وكل سماته‪ .‬مع الجاهلية كلها من‬
‫حولنا ‪ ..‬فل يجوز ‪ -‬من ثم ‪ -‬أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة‪ .‬العاقبة التي يشير‬
‫إليها كل شيء من حولنا‪ .‬على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا!‬
‫إن حاجـة البشريـة اليوم إلى هذا المنهـج‪ ،‬ليسـت بأقـل مـن حاجتهـا يومذاك ‪ ..‬وإن‬
‫وزن هذا المنهـج اليوم ‪ -‬بالقياس إلى كـل مـا لدى البشريـة مـن مناهـج ‪ -‬ل يقـل عنـه‬
‫يومذاك ‪..‬‬
‫ومن ثم ينبغي أل يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لبد أن‬
‫يقـع‪ .‬ول يجوز أن يتطرق إلى قلوبنـا الشـك‪ ،‬بسـبب مـا نراه مـن حولنـا‪ ،‬مـن الضربات‬
‫‪76‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫الوحش ية ال تي تكال لطلئع الب عث ال سلمي في كل مكان‪ ،‬ول ب سبب ما نراه كذلك من‬
‫ضخا مة ال سس ال تي تقوم علي ها الحضارة الماد ية‪ ..‬إن الذي يف صل في ال مر ل يس هو‬
‫ضخامة الباطل‪ ،‬وليس هو قوة الضربات التي تكال للسلم‪ .‬إنما الذي يفصل في المر‬
‫هو قوة الحق‪ ،‬ومدى الصمود للضربات!‬
‫إن نا ل سنا وحد نا ‪ ..‬إن ر صيد الفطرة مع نا ‪ ..‬فطرة الكون وفطرة الن سان ‪ ..‬و هو‬
‫ر صيد هائل ض خم ‪ ..‬أض خم من كل ما يطرأ على الفطرة من أثقال الحضارة ‪ ..‬وم تى‬
‫تعارضـت الفطرة مـع الحضارة‪ ،‬فل بـد أن يكتـب النصـر للفطرة ‪ ..‬قصـر الصـراع أم‬
‫طال(‪.)1‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أمـر واحـد يجـب أن يكون فـي حسـابنا ‪ ..‬إن أمامنـا كفاحا مريرا شاقا طويلً‪.‬‬
‫لستنقاذ الفطرة من الركام‪ .‬ثم لتغليب الفطرة على هذا الركام‪.‬‬
‫كفاحا مريرا يجب أن نستعد له استعدادا طويلً ‪..‬‬
‫يجب أن نستعد بأن نرتفع إلى مستوى هذا الدين ‪..‬‬
‫نرتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا بال‪ .‬وفي حقيقة معرفتنا بال فإننا لن نؤمن به‬
‫حق اليمان حتى نعرفه حق المعرفة ‪..‬‬
‫ونرت فع إلى م ستواه في عبادت نا ل‪ .‬فإن نا لن نعرف ال حق المعر فة إل إذا عبدناه‬
‫حق العبادة‪.‬‬
‫ونرتفع إلى مستواه في وعينا بما حولنا‪ ،‬ومعرفتنا لساليب عصرنا ‪ ..‬ور حم ال‬
‫رجلً عرف زمانه واستقامت طريقته‪.‬‬
‫ونرت فع إلى م ستواه في إحاطت نا لثقا فة ع صرنا وحضار ته؛ وممار سة هذه الثقا فة‬
‫وهذه الحضارة ممارسـة اختبار واختيار ‪ ..‬فإننـا ل نملك الحكـم على مـا ينبغـي أن نأخـذ‬

‫‪1‬‬

‫() راجع فصل "رصيد الفطرة" في كتاب‪" :‬هذا الدين"‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫من ها و ما ينب غي أن ندع‪ ،‬إل إذا سيطرنا علي ها بالمعر فة وال خبرة‪ .‬ف من المعر فة وال خبرة‬
‫نستمد سلطان الختيار ‪..‬‬
‫ونرتفع إلى مستواه في إدراكنا لطبيعة الحياة البشرية وحاجاتها الحقيقية المتجددة‪،‬‬
‫فنرفض ما نرفض من هذه الحضارة‪ ،‬ونستبقي ما نستبقي عن خبرة بالحياة ذاتها تعادل‬
‫خبرتنا بهذه الحضارة كذلك!‬
‫وهذا كفاح مرير ‪ ..‬وكفاح طويل ‪ 00‬ولكنه كفاح بصير وفاح أصيل‪..‬‬
‫وال معنا ‪" ..‬وال غالب على أمره ولكن أكثر الناس ل يعلمون" ‪..‬‬
‫وصدق ال العظيم‪.‬‬

‫‪78‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful