‫السـلم و الـدمة الجتـماعية‬

‫أ‪.‬د‪ .‬إبراهـيم عبد الرحـمن رجــب‬
‫وكيل كلــية الــدمة الجتـــماعية بـــامعة حـــلوان سابقا‬

‫الطبعة الول‬

‫‪ 1421‬هـ ‪ 2000 -‬م‪.‬‬

‫الحتـــــويات‬
‫مقــــدمة‬

‫الفصل الول ‪ :‬الاجة إل التوجيه السـلمي للخــدمة الجتــماعية ‪.‬‬
‫البحث الول ‪ :‬استزراع النظم الجتماعية والقتصادية والسياسية وآثاره ‪.‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬نقـــل برامج الرعـــاية الجتـــــماعية عن‬
‫الغـــــرب وآثاره‪.‬‬

‫الفصل الثان ‪ :‬الشعور بالشكلة والستجابة للموقف‪.‬‬
‫البحث الول ‪ :‬الدعوة إل توطي وتأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية‪.‬‬

‫البحث الثان ‪ :‬اليقظة السلمية العاصرة وقضية أسلمة العرفة‪.‬‬
‫الفصل الثالث ‪ :‬مفهوم التوجــيه الســلمي للخدمة الجتماعية‪.‬‬
‫الفصل الرابع ‪ :‬أبعـــــــاد التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‪.‬‬
‫البحث الول ‪ :‬الطبيعة البشــرية ف النظـور السـلمي‪.‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬السنن النفسية والجتماعية‪.‬‬
‫البحث الثالث ‪ :‬تفسي الشكلت الفردية والشكلت الجتماعية‪.‬‬
‫البحث الرابع ‪ :‬الرعـــــاية الجتـــماعية والصلح‬
‫الجتماعي‪.‬‬
‫البحث الامس ‪ :‬طـرق التـدخل الهــن للخدمة الجتماعية‪.‬‬

‫‪-2-‬‬

‫السلم و الدمة الجتماعية‬
‫مقـــدمة‬
‫المد ل رب العالي ‪ ،‬والصلة والسلم على أشرف الرسلي ‪ ،‬سيدنا ممد‬
‫وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بـهداه إل يوم الدين ‪ ...‬أما بعد‪:‬‬
‫فلقد أبدى التخصصون ف الدمة الجتماعية ف الدول السلمية ف العقود‬
‫الخية اهتماما متزايدا بقضية الراجعة النقدية التعمقة للفتراضات الساسية الت‬
‫تبن عليها الهنة ‪ ،‬وللمبادئ الهنية الت تستند إليها ‪ ،‬بغرض إحداث التغييات‬
‫اللزمة ف مارساتـها العملية حت تصبح أكثر استجابة لاجات الجتمعات الت‬
‫تتم فيها تلك المارسة ‪ ،‬ولكي تصبح أكثر فاعلية ف النهوض بالعباء‬
‫والسئوليات الت أولتها إياها تلك الجتمعات ‪ ،‬سواء فيما يتصل بإصلح اللل‬
‫ف النظم الجتماعية ‪ ،‬أو فيما يتصل برعاية أو إعادة تأهيل الفراد الذين أصيبوا‬
‫من جراء تلك الشكال من الختلل الجتماعي ‪ ،‬أو فيما يتصل بتنمية وصقل‬
‫شخصيات الشباب ‪ ،‬وتنمية ورفع مستويات الياة ف الجتمعات الحلية ف‬
‫الريف والضر ‪ ..‬إل غي ذلك من صور وأشكال التنمية الجتماعية ‪.‬‬
‫ولقد شاء ال ببالغ حكمته أن تصل تلك الراجعات التعمقة ف السنوات‬
‫الخية إل غايتها إذ تتم ف ضوء ما تشهده الجتمعات السلمية اليوم من عودة‬
‫الوعي فيما نراه من هذه اليقظة السلمية الباركة ‪ ،‬حيث نشأ عن هذا اتاه‬
‫جهود الكثيين من التخصصي ف الدمة الجتماعية بشكل جاد إل استلهام‬
‫الطر النظرية والمارسات التطبيقية لذه الهنة من منظور السلم وتصوره الحدد‬
‫للنسان والكون والجتمع ‪ ،‬دون تفريط فيما صح من الطر والمارسات الديثة‬

‫‪-3-‬‬

‫الت ل تتناف مع التصور السلمي ‪ ،‬وذلك فيما أصبح يعرف اليوم بالتأصيل‬
‫السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬أو التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬أو‬
‫النظور السلمي للخدمة الجتماعية‪.‬‬
‫ول يرج هذا التاه ف جوهره عن أن يكون حلقة أخرى من حلقات‬
‫ماولة "تطبيع" العلقات بي النظم والؤسسات المارسات الت تعيش الجتمعات‬
‫السلمية ف ظلها من جهة ‪ ،‬وبي عقائد وقيم ومبادئ هذا الدين الذي تنطوي‬
‫عليه جوانح أهل تلك الجتمعات من جهة أخرى ‪ ،‬ويقصد بالتطبيع هنا عودة‬
‫المور إل نصابا "الطبيعي" من التساق الواجب بي الادة والفكر ‪ ...‬بي‬
‫التنظيمات الادية والتوجيهات اللية ف كل جانب من جوانب الياة ‪ ..‬علجا‬
‫لذا الفصام النكد الذي تعيشه الجتمعات السلمية العاصرة بي الترتيبات‬
‫الجتمعية الت يُشبع الناس حاجاتم النسانية ف إطارها وبي العقيدة الت تلك‬
‫على الناس مامع قلوبم ‪ ،‬والت تسم ف النهاية مآلم ف دنياهم وأخراهم ‪..‬‬
‫ذلك الفصام الذي يكن أن نرد إليه حالة التخلف الت تعان منها المة السلمية‬
‫اليوم ف كافة اليادين ‪ ،‬والذي ل يكن تصور تقيق التنمية الشاملة للمة على‬
‫أي وجه إل باللص منه ‪ -‬ضمن شروط أخرى يقصر عنها نطاق هذه القدمة‪.‬‬
‫ومن هنا فإن جهدنا ف هذا البحث سينصب أول على التعريف بأصول‬
‫الوضع الراهن لتوضيح السباب الت تعل قضية التوجيه السلمي للعلوم أمرا‬
‫حتميا ‪ ،‬وذلك من خلل تديد الظروف الت نشأ ف ظلها هذا الفصام بي‬
‫علومنا ونظمنا ومارساتنا وبي عقيدتنا السلمية ‪ ،‬قبل أن نركز على النتائج الت‬
‫ترتبت على هذا الوضع ف ميط برامج ومؤسسات الرعاية الجتماعية‪ ،‬ث نتجه‬
‫بعد هذا إل توصيف بعض الحاولت الباكرة لواجهة هذا الوقف لياد نوع‬
‫من التقارب أو اللءمة بي مارسات الدمة الجتماعية وبي ظروف متمعاتنا‬

‫‪-4-‬‬

‫(وغيها) فيما يعرف بهود توطي الدمة الجتماعية أو أقلمتها ‪ ،‬أو ما يعرف‬
‫بتأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية ‪.‬‬
‫ث إننا نتعرض بعد ذلك بقدر من التفصيل لركة أسلمة العرفة ف صورتا‬
‫الصيلة النقية لستقصاء الظروف الت أبرزتا حت أصبحت من أكثر التاهات‬
‫تأثيا ف ميط العلوم الجتماعية ف عالنا السلمي اليوم ‪ ،‬وذلك قبل أن ننتقل‬
‫مباشرة لستجلء مفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬أما ما تبقى من‬
‫البحث فإننا نصصه لعدد من الباحث الستقلة الت نتناول فيها البعاد المسة‬
‫للتوجيه السلمي للخدمة الجتماعية بشيء من التفصيل‪.‬‬
‫وسيلحظ القارئ الكري أن تناولنا لوضوع "أبعاد" التوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية وإن ظهر مطول إل أنه ل يرج ف كثي من الحيان عن مرد إعطاء‬
‫أمثلة وناذج مدودة لتصل إل استقصاء هذا الوضوع التعدد الوانب الذي‬
‫يتاج معالة أكثر تفصيل وتعمقا‪ .‬فلقد كان الدف من تناول موضوع أبعاد‬
‫التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية على هذه الصورة مرد تقدي مؤشرات لا‬
‫يكن أن يكون عليه تطبيق منهج التأصيل السلمي للعلوم الجتماعية ف دراسة‬
‫هذه الوضوعات المسة قدر ما تسمح به معرفتنا الراهنة حول الوضوع ‪ ،‬ومن‬
‫هنا جاء حرصنا ‪ -‬عند التعامل مع كل بعد من البعاد المسة ‪ -‬على تلخيص‬
‫الفكار الساسية لا تتضمنه كتابات العلوم الجتماعية الديثة حول كل‬
‫موضوع ‪ ،‬ث نقد تلك الفكار ‪ ،‬ث استكمالا أو استبدالا با يلئمها من عناصر‬
‫التصور السلمي التصلة بالوضوع ‪ ،‬ف ماولة لياد التكامل النشود بي ما‬
‫صح من نتائج تلك العلوم الجتماعية الديثة وبي ما نظن أنه يثل أصول التصور‬
‫السلمي التفق عليه ‪ -‬ف حدود ما نعلم ‪.‬‬
‫وال الوفق والستعان وهو نعم الول ونعم النصي‪.‬‬

‫‪-5-‬‬

‫الــؤلف‬

‫‪-6-‬‬

‫الفصل الول‬
‫الاجة إل التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫البحث الول‪ :‬نقل النظم الجتماعية والقتصادية والسياسية وآثاره‬
‫البحث الثان ‪ :‬نقـل برامج الرعاية الجتماعية عن الغـرب وآثاره‪.‬‬

‫‪-7-‬‬

‫الفصل الول‬

‫الاجة إل التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫البحث الول ‪ :‬نقل النظم الجتماعية والقتصادية والسياسية وآثاره‬

‫إن أي ماولة لفهم الواقع العاصر لمارسة الدمة الجتماعية ف العال‬
‫السلمي ل يكن أن تقق أهدافها إل بإلقاء نظرة فاحصة على جذور هذا الواقع‬
‫وأصوله التاريية غي البعيدة ‪ ،‬وخصوصا بتحليل الظروف الت سبقت وأحاطت‬
‫بعملية نقل استزراع الؤسسات والمارسات الجتماعية من الدول الغربية بعد‬
‫انيار الدولة العثمانية وبعد اقتسام الناطق الت كانت تكمها بي القوى‬
‫الستعمارية الوربية ‪ ،‬ث ما تل ذلك كله ( وما سبقه ف بعض الحيان ) من‬
‫تغلغل وتأثي شديد للحضارة الغربية والنفوذ الغرب بصفة عامة على المة‬
‫السلمية‪.‬‬
‫والق أنه مهما قيل حول ظروف التخلف والعزلة والتدهور الت أصابت‬
‫نظم الجتمع السلم ف كل جوانبها ف أواخر أيام الدولة العثمانية ‪ ،‬فإن هذا‬
‫التخلف كان بعن ما تلفا " نسبيا" أي أنه يتصل بتخلف المة " بالنسبة "‬
‫لغيها من المم النافسة والعاصرة لا‪ .‬ولكن ذلك الوضع قد انتهي ‪ -‬نتيجة‬
‫للتفاوت التزايد ف فوارق القوة بي الدولة العثمانية وبي الدول الوربية ‪ -‬إل‬
‫سيطرة القوى الجنبية الوربية على السلمي واحتلل أراضيهم ‪ ،‬غي أن ذلك‬
‫التخلف الذي أصاب السلمي ف أواخر أيام الدولة العثمانية ‪ -‬رغم كل آثاره‬
‫السلبية ‪ -‬ل يرم الجتمعات السلمية من درجة ما من درجات التكامل‬
‫الجتماعي الداخلي … ذلك التكامل الذي كان يقوم على القل على تشرب‬
‫النظم والؤسسات الجتماعية والسياسية والقتصادية بقيم السلم ومبادئه العامة‬

‫‪-8-‬‬

‫‪ ،‬با يؤدي إل ترابط تلك النظم فيما بينها بدرجة ما وبشكل ما ف إطار موحد‬
‫يقوم ف جوهره على اليان بال واليوم الخر ‪ ،‬ويستهدف ليس فقط النجاح ف‬
‫الدنيا ولكن أيضا النجاة ف الخرة ‪ ،‬على الوجه الذي تفيض به قلوب الؤمني‬
‫الوحدين‪.‬‬
‫ولكن انيار الدولة العثمانية قد أتى إل عال السلم ببعد تفكيكي جديد على‬
‫مستوى أخطر بكثي من مرد تلف المة نسبيا ف النواحي العلمية والتقنية عن‬
‫العال الحيط با ( رغم الطورة الكبى لذا البعد ف ذاته )‪ ،‬ذلك أن الدول الت‬
‫استولت على أراضى السلم بقوة السلح قد آلت على نفسها ‪ -‬من خلل كل‬
‫قنوات التأثي والتوجيه العسكري والقتصادي والسياسي التاحة لا ‪ -‬إل أن‬
‫تقتلع النظم والؤسسات الجتماعية والقتصادية والسياسية الصيلة أو الحلية ف‬
‫تلك الناطق ‪ ،‬وأن تستبدلا بنظم ومارسات متوافقة مع منظورها هي للحضارة‬
‫الغربية "الديثة" (هذا إذا أحسنا الظن بنوايا تلك الدول) ‪ ،‬أو أن تضمن لا‬
‫إحكام سيطرتا على حياة الشعوب السلمة حت ل تقوم لا بعد ذلك قائمة بأي‬
‫شكل تتصور أنه يتعارض مع مصالها ‪ ..‬هذا إذا اخترنا أن نكون أكثر واقعية ‪،‬‬
‫وإذا استأنسنا بنظرة تاريية تليلية وتسلحنا بوعي كاف بغزى العلقات بي‬
‫القوى السلمية وغي السلمية من الناحية التاريية والؤسسية (إبراهيم رجب ‪،‬‬
‫‪.)1980‬‬
‫ولقد فصّل بعض الكتاب الغربيي أنفسهم القول حول طبيعة الساليب الت‬
‫اتبعتها القوى السياسية الوربية قبل مرحلة الحتلل العسكري بكثي ‪ -‬ومنذ‬
‫بدية القرن التاسع عشر ‪ -‬لفرض سيطرتا على الياة الفكرية والسياسية ف مصر‬
‫مثل برضاء بل وبتشجيع من ممد على وبعض أبنائه من بعده ‪ ،‬جريا وراء‬
‫سراب تديث مصر على أسس الضارة الغربية ‪ ،‬ما يعتب بذاته عمل "مكافئا‬

‫‪-9-‬‬

‫للستعمار" إذا أخذنا الستعمار بعن السيطرة والتوجيه وقصد إحلل نط ثقاف‬
‫وحضاري أجنب مل الناط الثقافية التقليدية (ميتشل‪ ، )1990 ،‬كما قام بعض‬
‫الؤرخي العرب من جهة أخرى بالوصول إل نفس النتيجة من خلل الدراسة‬
‫القارنة بي "النهضة" العربية والنهضة اليابانية ‪ ،‬حيث بينوا أنه بالرغم من أن‬
‫النطقتي قد بدأتا متساويتي (إن ل تكن مصر مثل ف وضع أفضل من اليابان ف‬
‫النصف الول من القرن التاسع عشر) إل أن الول فشلت فشل ذريعا ف حي‬
‫أن الثانية قد نحت ناحا عظيما ‪ ،‬وأن السبب الرئيسي ف ذلك إنا يرجع إل‬
‫تبن الصفوات الاكمة ف مصر والدولة العثمانية لسياسات تغريبية تثلت ف نقل‬
‫النظم والؤسسات والعادات الوربية ف حي نقلت اليابان التكنولوجيا الديثة‬
‫وحدها ‪ ،‬فمن الثابت أن مصر كانت تتميز مثل بفائض زراعي ضخم وكانت‬
‫شبكة مواصلتا النهرية والبحرية وخطوط السكك الديدية فيها أفضل منها ف‬
‫اليابان ‪ ،‬يقول مسعود ضاهر أنه "ف العام ‪ 1913‬كان متوسط دخل الفرد‬
‫الصري من الناتج الحلي الجال أعلى بقليل من نصيب اليابان ‪ ،‬وكان نصيب‬
‫الفرد من التجارة الارجية الصرية ضعف نصيب اليابان … [ومع ذلك] فإن‬
‫تربتْ مصر والسلطنة العثمانية… انتهتا إل التغريب الشامل … [بينما] تلى‬
‫النجاح الكب للتجربة اليابانية ف رفض اقتباس الثقافات الغربية الت تقود إل‬
‫التغريب ف السكن والأكل واللباس والتعليم والتخاطب اليومي على غرار ما فعل‬
‫الصريون والعثمانيون ‪ .‬فنجحت حركة التحديث اليابانية ف اقتباس تكنولوجيا‬
‫الغرب فقط حي عملت على توطينها واستيعابا وتطويرها دون أن تغادر أصالة‬
‫‪) .‬تقاليدها" (ضاهر ‪: 1999 ،‬‬

‫‪19-15‬‬

‫وإذا كان هذا هو الوقف على مستوى مصادر التوجيه والتأثي الرسي‬
‫"للقائمي على الكم" ف بعض الناطق السلمية ف القرن الخي من حكم‬

‫‪- 10 -‬‬

‫الدولة العثمانية ‪ ،‬ث من خلل الكم الستعماري الباشر لتلك الناطق فيما تل‬
‫ذلك ‪ ،‬ومن خلل الكومات الحلية الت أقيمت ف ظله أو الت التزمت‬
‫بالطوط الت تليها القوى الضاغطة الجنبية فيما بعد الستقلل ‪ ،‬فإن الال ل‬
‫يتلف كثيا على مستوى خاصة " الباء والتخصصي" من أبناء السلم وأبناء‬
‫الشعوب السلمية الذين يسيون بثقة وانقياد وراء التوجيه "الفن والعلمي"‬
‫لولئك التخصصي ‪ ،‬فلقد أبدى معظم أولئك الباء انبهارا با قدمته لم‬
‫الضارة الغربية من علوم "حديثة " ‪ ،‬وتبنوا ضمنا الفكر وفلسفة الياة الت قامت‬
‫تلك الضارة على أساسها ‪ ،‬كما سارعوا إل اقتباس أو استزراع أو شتل‬
‫‪ Transplantation‬النظم والؤسسات الجتماعية والسياسية والقتصادية الجلوبة‬
‫من الغرب ف التربة الحلية اعتقادا منهم بأن ذلك هو السبيل إل حصول "‬
‫التقدم" النشود واللحوق "بركب الضارة " من أقرب سبيل‪.‬‬
‫ول يتبي لؤلء ول لولئك ‪ -‬سواء من الكام الرسيي أو القادة الفنيي‬
‫التخصصي والعامة تبع لم ‪ -‬ول تتكشف لم حقيقة "عدم التوافق الذري" بي‬
‫ما بنيت عليه تلك النظم والؤسسات والعارف الغربية من قيم ومبادئ ونظرة‬
‫للحياة وبي القيم والبادئ السلمية والنظرة السلمية للكون والياة إل بعد أن‬
‫انقضت سنوات تطاولت عددا ‪ ،‬تولت فيها التاهات نو تلك النظم‬
‫والؤسسات والمارسات الوافدة من مرحلة التشكك البدئي ‪ ،‬إل التقبل بل‬
‫والنبهار ‪ ،‬ث الستزراع النشط والنشر التحمس لتلك الستحدثات ‪ ،‬إل‬
‫ماولت جاءت بعد ذلك لتعديل وأقلمة تلك الستحدثات بطريقة تافظ على‬
‫جوهر الستزرع مع تقريبه من واقع الجتمع عندما ظهرت عوارض عدم التلؤم‬
‫بينهما ‪ ،‬إل الشعور بفشل الشروع الضاري الغرب ف عقر داره ‪ ،‬وبدء‬
‫التشكك ف صلحيته لغيه من الجتمعات‪.‬‬

‫‪- 11 -‬‬

‫وهنا انقسم الناس ف عالنا السلمي فريقي ‪ ،‬فريق قد ارتبطت مصالهم‬
‫الذاتية الضيقة بالشروع الضاري الغرب سواء من حيث بقائهم ف مقاعد‬
‫السلطة السياسية ‪ ،‬أو احتللم لواقع التأثي والتوجيه الجتمعي ‪ ،‬أو تكّمهم ف‬
‫موارد هامة للقوة القتصادية ‪ ،‬أو حت تتعهم بالكانة العلمية والتقدير الدب ف‬
‫ظل ذلك الشروع الرتبط بالضارة الغربية والتابع لا ( كما ف حالة رجال العلم‬
‫وأستاذة الامعات)‪.‬‬
‫وفريق آخر أدرك أن الشروع الضاري الغرب با يقوم عليه من‬
‫توجهات مادية علمانية وما يعانيه من "خواء روحي" ‪ -‬على حد تعبي فرانسيس‬
‫فوكوياما أحد كبار السئولي بوزارة الارجية المريكية ف مقاله الشهي عن "‬
‫ناية التاريخ " ( والذي بالناسبة يشي ف ثناياه ضمنا إل أن السلم يثل الفكر‬
‫والوعي الوحيد الذي يقدم بديل سياسيا منافسا للمشروع الضاري الغرب على‬
‫الساحة اليديولوجية ف العال العاصر) (‪ - )Fukuyama, 1989 : 14‬نقول أن‬
‫هذا الفريق قد أدرك أن النموذج الغرب ليس صالا ف الدى البعيد لتوجيه السية‬
‫البشرية خصوصا بعد ظهور الثار الدمرة لذا التوجه على الكثي من جوانب‬
‫حياة الجتمعات الغربية بل وغي الغربية ف متلف دول العال ‪.‬‬
‫ولقد أدرك هذا الفريق الخي أن ما تعان منه الشعوب السلمية اليوم‬
‫ف متلف الجالت إنا يرتد ف جزء كبي منه إل تبن تلك الشعوب لذه‬
‫الؤسسات الجلوبة ‪ ،‬وللممارسات الت تتم ف إطارها والت تتناف ‪ -‬على خط‬
‫مستقيم ‪ -‬ف معظم الحوال مع أصول السلم ومبادئه ‪ ،‬كما أدرك هذا الفريق‬
‫أن جوهر الل الصحيح لتلك الشكلت إنا يكمن ف إعادة النظر ف جيع النظم‬
‫والؤسسات الت يعيش الناس ف ظلها ‪ ،‬والمارسات الت تتم ف إطارها بتوجه‬
‫جديد من منظور السلم ‪ ،‬فرأينا نتيجة لذلك دعوة متنامية إل إعادة إحلل‬

‫‪- 12 -‬‬

‫الشريعة السلمية مل القواني الوضعية عند الطالبي " بتطبيق الشريعة السلمية‬
‫"‪ ،‬كما رأينا مطالبة قوية بإحلل "القتصاد السلمي والبنوك السلمية" مل‬
‫القتصاد الوضعي والبنوك الربوية ‪ ،‬كما ظهرت حركات قوية تطالب بمارسات‬
‫" إسلمية" ف متلف جوانب الياة كالتربية السلمية والعلم السلمي ‪ ..‬ال‬
‫(إبراهيم رجب ‪.)1980 ،‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬نقل برامج الرعاية الجتماعية عن الغرب وآثاره‬
‫إذا طبقنا هذا التحليل التاريي ‪ -‬الؤسسي‬

‫‪Historical / Institutional‬‬

‫ف ميط‬

‫الدمة الجتماعية فإننا سنجد أن أجهزة أن أجهزة ومؤسسات الرعاية‬
‫الجتماعية ومارسات الدمة الجتماعية ف الجتمعات السلمية قد مرت بكل‬
‫مرحلة من هذه الراحل الت أشرنا إليها ‪ ،‬كما تعرضت لنفس تلك الؤثرات ‪،‬‬
‫واتذت نفس تلك التوجهات‪.‬‬
‫فإذا عدنا إل الفترات السابقة على الجمة الستعمارية على العال السلمي‬
‫فإننا سنجد أن الرعاية الجتماعية للفراد الحتاجي إل الساعدة كانت تقدم من‬
‫خلل البادرات الفردية والماعية ‪ ،‬كما كانت تقدم من خلل الكومات‬
‫السلمة الت تستشعر ‪ -‬بدرجات متفاوتة ‪ -‬مسئوليتها أمام ال سبحانه وتعال‬
‫عن رعاية مواطنيها ‪ ،‬وقد كانت الفاهيم والقيم السلمية النبيلة الت تؤكد على‬
‫أخوة السلمي ووحدتم العضوية كالسد الواحد خي موجه لتلك الهود‬
‫الفردية والماعية والكومية ‪ ،‬با يؤدى إل " تكامل" الهود التكافلية على‬
‫مستوى الجتمع بميع وحداته ‪ ،‬وقد جسدت مؤسسة "بيت مال" السلمي‬
‫فكرة التكامل هذه فيما يتصل بالنفاق على مصال السلمي عامة با ف ذلك‬
‫الرعاية الجتماعية للمحتاجي ‪ ،‬كما جسدت فكرة "التكامل " بينهم من خلل‬

‫‪- 13 -‬‬

‫نظم دقيقة لباية وإنفاق الزكاة من الوارد وف الصارف الت حددها الشارع‬
‫الكيم العليم با يُصلح العباد ‪ ،‬أما الصدقات الفردية وحقوق القارب وصلة‬
‫الرحام وحقوق اليان وأبناء السبيل ‪ ..‬وغيها فقد فتحت الباب على‬
‫مصراعيه لوصول الي إل الناس ‪ -‬من كل الناس ‪ -‬دون حدود ‪ ،‬ذلك أن فكرة‬
‫الصدقة ل تقتصر على القوق الالية أو التطوع بالال ‪ ،‬ولكنها تتجاوز ذلك إل‬
‫كل أنواع الي وكل أشكال التراحم بي أفراد السلمي ‪ ،‬مع مراقبة ال عز‬
‫وجل ف كل ذلك ‪ ،‬و الطمع فيما عند ال من الثواب ما هو خي وأبقى‪.‬‬
‫وإذا كان البعض قد يتساءل هنا عما إذا كانت هذه الصورة النظرية أو‬
‫"الثالية" للمجتمع السلم التكامل "كالسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى‬
‫له سائر السد بالسهر والمى" تتجسد واقعيا ف كل العصور ‪ ،‬فإن من الواضح‬
‫أن الجتمعات السلمية ف العصور الختلفة كانت تقترب حينا وتبتعد حينا عن‬
‫هذا النموذج بسب درجة تشرب الجتمع ونظمه السياسية والقتصادية‬
‫والجتماعية بتلك القيم السلمية النبيلة ‪ ،‬فالتحليل العلمي الجتماعي الصحيح‬
‫يدلنا بوضوح إل أنه كلما كانت علمية التنظيم الجتماعي‬
‫‪Organization‬‬

‫‪Process of Social‬‬

‫ف الجتمع ف عصر ما ذات كفاءة وذات فاعلية …وكلما‬

‫ازدادت فاعلية التنشئة الجتماعية وصحّت مسيتا ف التاهات الت تتمشى مع‬
‫العايي والقيم السلمية …وكلما ضمنت عمليات الضبط الجتماعي استمرار‬
‫سي الجتمع بأفراده ومؤسساته ونظمه ف نفس التاه ‪ ،‬فإن الوقف ف مثل ذلك‬
‫الجتمع يقترب أشد القتراب من هذا النموذج الذي يتمشى بشكل كبي مع‬
‫القيم العيارية السلمية الصحيحة‪.‬‬

‫‪- 14 -‬‬

‫وعلى العكس مـــن ذلك فإن الجتمعات ف فترات النلل‬
‫والتفكك الجتماعي‬

‫‪Social Disorganization‬‬

‫الت تتسم بتقطع عملية التنشئة‬

‫الجتماعية ‪ ،‬وتضارب توجهاتا‪ ،‬وتأثرها بقيم غريبة عن النسيج العياري‬
‫للمجتمع السلم ‪ ،‬خصوصا إذا اقترنت هذه الظروف جيعا بضبط اجتماعي‬
‫موجه ف أهدافه ووسائله بغي قيم الجتمع السلم ‪ ،‬ل يكن أن تسودها ف تلك‬
‫الفترات تلك الصورة التكاملة التكافلة الت توجهنا إليها قيم هذا الدين ومعاييه‪.‬‬
‫وعلى أي حال فان ما يعنينا هنا هو أن تلك الصورة ‪ -‬الت قد تقترب أو‬
‫تبتعد قليل أو كثيا عن ذلك النموذج التكاملي ف الراحل السابقة على الغزو‬
‫الستعماري ‪ -‬قد تعرضت بعد الحتلل الجنب إل لطمة ساحقة من خلل‬
‫التبن النظم للشكال التنظيمية والمارسات الجتماعية الشاكلة لتلك الت‬
‫انبثقت ف الغرب ‪ ،‬والت تقوم على نوع آخر من التكامل الذي يتلف ف أساسه‬
‫الروحي اختلفا كبيا عن ذلك النمط من التكامل الذي تدعو إليه معايي السلم‬
‫‪ ،‬ذلك أن تلك الشكال التنظيمية الستمدة من الغرب تقوم فيما يعنينا ف هذه‬
‫الدراسة على أساسي ‪:‬‬
‫الساس الول‪ :‬فصل الدين عن شئون الدنيا فيما يعرف بالتوجه العلمان‬
‫‪ ، Secularization‬ما يعن أن الؤسسات والمارسات الجتماعية ‪ -‬مثلها ف‬
‫ذلك مثل غيها من الؤسسات والمارسات ف بقية مناحي الياة ‪ -‬ينبغي أن تبن‬
‫على أســـس تتصل فقط بذه الياة الدنيا ‪ ،‬مستبعدة بذلك أي صلة بال أو‬
‫اليوم الخر ( وما يدر بالذكر هنا أن الدمـة الجتماعية ف الغرب قـد‬
‫قطعت شوطا طويل ف طريق العلمنة حت بدأ التخصصون فيها مؤخرا ينتقدون‬
‫ذلك التوجـه الذي يرونــه مسئول عن قصور المارسة ف الدمة‬
‫الجتماعية ويدعون للتخلص من آثاره الريرة ) (‪.)Marty, 1980: 643‬‬

‫‪- 15 -‬‬

‫الساس الثان ‪ :‬التخصص وتقسيم العمل سعيا وراء تقيق أكب قدر من الكفاءة ‪،‬‬
‫والذي ترتب عليه عدم وجود اهتمام كبي بالعلقات بي الوحدات التخصصة ‪،‬‬
‫حت ولو كانت الوظائف الت تقوم با تلك الوحدات مترابطة بطبيعتها ‪ ،‬كما هو‬
‫الال مثل بالنسبة للعلقات بي السرة والدرسة وأجهزة العلم الت تشترك مع‬
‫بعضها ف وظائف التنشئة الجتماعية ‪.‬‬
‫ولقد أدى إحلل الجهزة والؤسسات والسياسات التصلة بالرعاية‬
‫الجتماعية النطلقة من مثل تلك النطلقات العلمانية والتجزيئية مل النظم‬
‫والترتيبات التقليدية ف الجتمعات السلمية إل عدد من النتائج يكن تلخيص‬
‫أهها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬تبنت معظم الدول السلمية مفهوم " الرعاية الجتماعية"‬

‫‪Social Welfare‬‬

‫القائم على فكرة القوق الوحدة وغي الشخصية للمواطني التساوين ف درجة‬
‫حاجتهم ‪ ،‬والت تقدم بطريقة غي شخصية لن يتاجونا كحقوق مفروضة مدنيا‬
‫‪ ،‬وذلك بدل من مفهوم "التكامل" الجتماعي العضوي القائم على أساس فكرة‬
‫الخوة ف ال والتراحم بي السلمي وما يترتب عليها من ارتباط شخصي وثيق ‪،‬‬
‫والذي تنطلق فيه المارسات ما فرضه ال سبحانه ‪ -‬الذي يعلم ما فيه الي للقه‬
‫ وعلى الوجه الذي شرعه‪.‬‬‫‪ -2‬تولت الكومات الوطنية السؤولية السياسية عن بعض البامج العامة ‪-‬‬
‫كالضمان الجتماعي ‪ -‬الت يتم النفاق عليها من حصيلة الضرائب العامة دون‬
‫أخذ الواجبات الدينية كفريضة الزكاة ف العتبار ‪ ،‬وقد قصُرت موارد معظم‬
‫الدول دون النفاق الكاف على تلك البامج حت أصبحت شكل خارجيا أو‬
‫قوقعة فارغة ل مضمون حقيقي لا ‪ ،‬من جهة عدم القدرة على تقدي الد الدن‬
‫اللزم للمعيشة وفقا لا هو مفروض نظريا‪.‬‬

‫‪- 16 -‬‬

‫‪ -3‬تضاءل الدور الذي تقوم به الترتيبات والنظم الحلية التقليدية الت كانت‬
‫تتحمل ف الاضي السؤوليات التكاملة مع وظائف الرعاية الجتماعية بالفهوم‬
‫الديث ‪ ،‬وخصوصا شبكة الدعم الجتماعي غي الرسي‬

‫‪Social Support‬‬

‫‪ Network‬التمثلة ف الدعم السرى وعلقات الوار والوقاف اليية ‪ ،‬نتيجة‬
‫لشعور الواطني بأن الدولة قد التزمت بالقيام بتلك اللتزامات بدل من الفراد ‪،‬‬
‫فاستشرت السلبية بي السلمي إل حد يصل إل التبلد وعدم الحساس باجة‬
‫الخرين ف بعض الحوال‪.‬‬
‫‪ -4‬تضاءل دور الهود التطوعية النظمة ‪ ،‬وضعفت البادرة والهود الذاتية‬
‫للمواطني نتيجة لتضييق بعض الكومات (خصوصا ف فترات ما يسمى بالتحول‬
‫الشتراكي) على المعيات الهلية وإحاطتها بالشكوك بسبب التخوف الذي‬
‫تشعر به تلك الكومات نو أي تعاون أصيل فيما بي الواطني للصال العام ‪،‬‬
‫لئل يؤدى ذلك ف الدى البعيد إل تقوية شعور الواطني بكيانم وقوتم ما يقلق‬
‫بعض النظم الاكمة ‪)Springborg, 1989 : 170- 173( .‬‬
‫‪ -5‬ت نشر العديد من الؤسسات الت تقدم الدمات اللزمة لبعض فئات‬
‫الجتمع الحتاجة للرعاية كالطفال والعاقي والسني على نفس السس الت‬
‫تقدم با ف الجتمعات غي السلمية حيث يتم التركيز على إشباع الاجات‬
‫الادية أساسا ‪ ،‬والنفسية والجتماعية بشكل أقل ‪ ،‬أما الاجات الروحية فل‬
‫تكاد تدخل ف العتبار أصل إل ف أضيق نطاق ‪ ،‬وكقطاع مستقل ومنفصل‬
‫بشكل مصطنع عن بقية جوانب الرعاية الخرى ‪ ،‬بدل من أن تكون مورا‬
‫لميع ما يقدم من خدمات وما يبذل من جهود ‪ ،‬ما أفقد تلك الؤسسات قدرا‬
‫كبيا من فاعليتها ‪.‬‬

‫‪- 17 -‬‬

‫‪ -6‬وف خضم الماس الزائد لنقل الفكار والشروعات من الدول الوربية ومن‬
‫الوليات التحدة المريكية فقد ت نقل أفكار لشروعات مستحدثه دون فهم‬
‫للمسلمات والصول الثقافية الت بنيت عليها ‪ ،‬ودون إدراك بأنا غي ملئمة‬
‫أصل للبيئة الحلية ‪ ،‬كفكرة الحلت الجتماعية ‪ ، Settlement Houses‬والت‬
‫بدأت تذوي أو تلغى ‪ ،‬أو تتحول للقيام بوظائف أخرى غي تلك الت أنشئت‬
‫من أجلها‪.‬‬
‫‪ -7‬أما ف الدول الت توفرت لا الوارد الالية من عائدات النفط فإن المارسة‬
‫فيها وإن نحت ف تقيق بعض أهدافها إل أنا تعان أيضا من نقص الفاعلية‬
‫بسبب التزامها بالطار الفلسفي العام وبالمارسات الستمدة من النموذج الغرب‬
‫للخدمة الجتماعية ‪ ،‬مع توف من النعتاق من ربقة ذلك النموذج وكأنه‬
‫سيؤدى إل التخلي عن الصول الهنية والعلمية ‪ ،‬أو يؤدى إل انيار المارسة ‪،‬‬
‫مع أن الكثر احتمال هو أن استجابتهم التلقائية لواقعهم الثقاف هو أفضل‬
‫ضمان للنجاح والفاعلية ‪.‬‬
‫‪ -8‬اتهت عملية إعداد الخصائيي الجتماعيي اللزمي للعمل ف مؤسسات‬
‫الرعاية الجتماعية والتنمية الجتماعية للسي ف اتاهات متطابقة مع مثيلتها ف‬
‫الغرب ‪ ،‬خصوصا فيما يتصل بالقررات والناهج والراجع العلمية العتمدة ‪،‬‬
‫واستمرت تسي ف ذلك التاه إل حد كبي رغم ما يزيد عن نصف قرن من‬
‫تعليم الدمة الجتماعية ف بعض الدول كمصر مثل‪.‬‬
‫‪ -9‬تفاقم النفصال بي التخصصات الت تعمل ف ميادين الرعاية الجتماعية‬
‫والتنمية الجتماعية وازداد التعاون بينها صعوبة نتيجة للتركيز الزائد على‬
‫التخصص وتقسيم العمل حت ولو أدى ذلك إل عدم تقق أهداف البامج أصل‬
‫‪ ،‬وكما يقول موريس كلين " إن ثن التخصص هو العُقم ‪ ،‬وربا يتطلب‬

‫‪- 18 -‬‬

‫التخصص براعة فائقة ‪ ،‬ولكنه قلما يكون له معن " (أجروس وستانسيو ‪،‬‬
‫‪.)1984:115‬‬
‫فماذا كانت الصيلة النهائية لذا كله؟ ل يكن إل لكابر أن ينكر أن‬
‫خدمات الرعاية الجتماعية الت قدمت من خلل البامج والؤسسات الت ت‬
‫استحداثها وفقا للتصور الغرب للنسان والجتمع قد أفادت قطاعات معينة من‬
‫السكان ‪ ،‬وأن مارسة الدمة الجتماعية ف إطار تلك البامج والؤسسات وف‬
‫إطار غيها من الؤسسات التعليمية والصحية والصناعية قد أسهمت ف تقيق‬
‫قدر من الهداف العقودة عليها‪.‬‬
‫ولكن ‪ -‬وبنفس النطق ‪ -‬فإنه ل يسع أحدا أن يزعم أن تلك البامج‬
‫والؤسسات والمارسات ف قطاعات الرعاية الجتماعية والتنمية الجتماعية قد‬
‫كانت ذات فاعلية كبية ف تقيق أهدافها ‪ ،‬والتفحص لذه الجهزة ولا يتم‬
‫خللا من مارسات مهنية لن يلك إل أن يشعر بأنا "تفتقد الروح" بالعنيي‬
‫العروفي لذا التعبي ‪ ،‬فهي تفتقد الروح بعن افتقاد اليوية و الدينامية‬
‫والفاعلية ‪ ،‬ولكنها أيضا تفتقد الروح بالعن الكثر عمقا ‪ ،‬والذي يتمثل ف‬
‫إغفالا للجوانب الروحية والدينية سواء فيما يتصل بتنظيمها أو بدماتا أو‬
‫بالمارسات الهنية الت تتم فيها ‪ ،‬ونن نقصد بالوانب الروحية هنا تلك‬
‫الوانب التعلقة " بصلة النسان بربه" سبحانه وتعال ‪ .‬فالبامج يتم تنظيمها‬
‫على أسس علمانية جافة وجافية ‪ ،‬والدمات تقدم للعملء وكأنه ل صلة بي‬
‫مشكلتم وبي نوع معرفتهم بربم ونوع صلتهم بالقهم ‪ ،‬والمارسون يقومون‬
‫(حسب تصورهم ) بعمل "إنسان" مايد قيميا ل بعمل ربان التوجه قائم على‬
‫مراقبة ال عز وجل ‪ ،‬ما جعل تلك المارسات بتراء منبتّه الذور منقطعة‬
‫الثمار‪.‬‬

‫‪- 19 -‬‬

‫ونتيجة لذلك فإن الرء ل يتمالك عند تقوي ما يتم ف إطار تلك البامج‬
‫والؤسسات من الشعور " بالشكلية " الت تضرب أطنابا ف ميط تلك البامج‬
‫ذات الرني الجوف الذي ل يستثي ف الشاركي فيه ولء ول انتماء إل ف‬
‫حدود ما يقق مصالهم قصية المد‪ .‬ولقد توصلت إحدى الدراسات الامة‬
‫الت أجريت على ما يكن اعتباره عينة مثلة لعظم تلك البامج ف مصر أل‬
‫وهي "الوحدات الجتماعية" التابعة لوزارة الشئون الجتماعية إل توصيف دقيق‬
‫للوضاع السائدة ف تلك الؤسسات الجتماعية بشكل يتسم بالصراحة والعمق‬
‫‪ ،‬فوجدت أنا تعان من "نقص الشعور بالدف أو الرسالة " ‪ ،‬و "ضعف شعور‬
‫الوظفي بالنتماء"‪ ،‬و"عدم تقبل الهال للوحدة الجتماعية وعدم ارتباطهم با ‪،‬‬
‫مع "انفاض مستوى الشعور بالسئولية" عند العاملي با (هاردستر و بارفيس ‪،‬‬
‫‪ ،)1981‬وبطبيعة الال فإن الثمار الرة لذا كله قد تلت ف النهاية ف ضعف‬
‫تقيق الهداف ونقص كل من الفاعلية والكفاية بشكل خطي‪.‬‬
‫والواقع أن المر ل يكن يتطلب من لديهم أي إلام بالصول العامة‬
‫لتصميم البامج ‪ -‬أو من يقوّمون المور من منظور السلم ‪ -‬إجراء أي‬
‫دراسات تقويية منظمة حت يتبي لم حقيقة تلك البامج والؤسسات ‪،‬‬
‫خصوصا من حيث خوائها الداخلي ونقص فاعليتها الحتوم ‪ ،‬ذلك أن من‬
‫ت الصلة‬
‫السس القررة ف تصميم البامج أن كل برنامج يصمم على أساس منب ّ‬
‫بالواقع الثقاف والجتماعي الذي يعمل ف إطاره هو برنامج مكوم عليه منذ‬
‫اليوم الول بالفشل أو على القل بضعف الفاعلية ‪ ،‬فما بالك ‪ -‬من وجهة‬
‫إسلمية ‪ -‬ببناء الؤسسات والمارسات على غي أساس من الهتداء با شرعه‬
‫خالق الناس للقه ما أنزله لصلحهم وارتضاه تنظيما لشئونم ‪ ،‬وتوعدهم على‬

‫‪- 20 -‬‬

‫مالفته بأن يعل لم معيشة ضنكا ف هذه الدنيا بلف ما ينتظرهم من عذاب‬
‫ف الخرة ؟‬
‫ولكن العجيب حقا أن الناس قد ألفوا هذه الوضاع التردية ف‬
‫مؤسساتنا حت حسبوها قضاء مبما وقدرا مقدورا ‪ ،‬باعتبارها جزءا من حالة‬
‫"التخلف" الت تبدو وكأنا مقدّرة على السلمي ‪ ،‬وكأنه ل فكاك منها مهما‬
‫بذلنا من جهد ‪ ،‬حت أصبح الديث عن الصلح وكأنه صرخة ف واد ‪ ،‬أو‬
‫كأنه أمر ينبغي على العقلء أن يتنبوا الوض فيه لنه من أشباه الستحيلت ‪،‬‬
‫مع أن تشخيص الوقف هي ويسي على من يسره ال عليه ‪ ،‬وعلى من ولّى‬
‫وجهه إل ال وهو مسن‪.‬‬
‫لقد نادت أصوات كثية منذ فترة طويلة بضرورة انطلق برامج ومارسات‬
‫الدمة الجتماعية من منظور السلم حت يكن لا أن تقق الفاعلية النشودة ف‬
‫إحداث التغيي ف الفرد والماعة والجتمع ‪ ،‬ولكن تلك الصوات كانت ‪ -‬أو‬
‫كادت ‪ -‬تذهب أدراج الرياح ف خضم طوفان التغريب‪-‬تت‪-‬اسم‪-‬التحديث‬
‫الذي ساد العال السلمي ‪ ،‬ونود أن نشي هنا بشكل خاص ف هذا النطاق إل‬
‫رسالة للدكتوراه قدمها عبد ال نويرة إل إحدى جامعات الوليات التحدة‬
‫المريكية ف أواخر المسينات والت نشرتا وزارة العمل والشئون الجتماعية‬
‫(‪ )1960‬حول "السلم والدمة الجتماعية" والت حاول فيها التوصل إل‬
‫أسس ومبادئ للخدمة الجتماعية من منظور السلم ‪ ،‬باعتبارها تثل أحد أهم‬
‫تلك الهود الادة ف هذا السبيل‪.‬‬
‫ولقد سبقت هذه الدراسة وتلتها ماولت أخرى سارت ف نفس الطريق‬
‫‪ ،‬ولكنها كانت مدودة الثر ول يكن لا آثار تراكمية تذكر ‪ ،‬وإن كانت تثل‬
‫ول شك إرهاصات لركة التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬ومن المثلة‬

‫‪- 21 -‬‬

‫الت ترد هنا على سبيل الثال ماولت د‪ .‬لبيب السعيد بجلة الرسالة عن الدمة‬
‫الجتماعية ف السلم (‪ )1949‬وعن تنظيم الحسان ف السلم (‪،)1952‬‬
‫ودراسة عبد الستار الدمنهوري (‪ )1958‬عن الدمة الجتماعية ف السلم‬
‫ودراسة خالد صبحي عثمان (حول عام ‪ )1960‬عن أثر العامل الدين ف تطور‬
‫الدمات الجتماعية‪ ،‬ودراسة إبراهيم رجب (‪ )1963‬عن التوجيه الدين ف‬
‫مؤسسات رعاية الشباب‪.‬‬
‫ث جاءت الستينات بتطوير جديد يتمثل ف التاه نو " توطي الدمة‬
‫الجتماعية" و " تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية" نتيجة للشعور‬
‫التزايد على مستوى دول العال الثالث كلها بعدم التوافق بي النموذج الغرب‬
‫للخدمة الجتماعية وبي الرضية الثقافية والقتصادية والجتماعية السائدة ف‬
‫تلك الدول ‪ ،‬وقد كان لذا التاه قيمة كبى ف إثارة السئلة حول مدى‬
‫ملءمة النموذج الغرب ‪ ،‬ما مهد الطريق من الناحية النفسية على القل أمام‬
‫حركة التأصيل السلمي ف الراحل التالية ‪.‬‬
‫وسنقوم ف الفصل التال بالديث عن هذه التاهات بشيء من التفصيل‬
‫على اعتبار أن جهود التوطي والتأصيل ف الدول النامية تثل شعورا مبكرا‬
‫بالشكلة ‪ ،‬ونوعا من الستجابة الباكرة للها ‪ ،‬وأن حركة أسلمة العرفة وما‬
‫تزامن معها من يقظة ف العال السلمي كانت بثابة الدافع القوى لبلورة جهود‬
‫التأصيل السلمي للعلوم بصفة عامة والدمة الجتماعية بصفة خاصة ف‬
‫التاهات الت سارت فيها فيما بعد‪.‬‬

‫‪- 22 -‬‬

‫الفصل الثان‬

‫الشعور بالشكلة والستجابة للموقف‬
‫البحث الول ‪ :‬الدعوة إل توطي وتأصيل الدمة الجتماعية ف الدول‬
‫النامية‪.‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬اليقظة السلمية العاصرة وقضية أسلمة العرفة‪.‬‬

‫‪- 23 -‬‬

‫الفصل الثان‬

‫الشعور بالشكلة والستجابة للموقف‬
‫البحث الول ‪ :‬الدعوة إل توطي وتأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية‬

‫لعل من النصاف أن نذكر ابتداء أن اصطلح "التوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية" أو ما يكافئه "كالتأصيل السلمي للخدمة الجتماعية" ل تظهر إل‬
‫الوجود ف أشكالا الكتملة الالية إل ف السنوات العشر الخية ‪ ،‬وقد سبقها‬
‫بالظهور ف الستينات كما ذكرنا مفهومان هامان يتفقان معها ف التاه وإن ل‬
‫يتفقا ف التوجه ‪ ،‬أل وها‪:‬‬
‫‪ -1‬اصطلح " توطي الدمة الجتماعية " الذي هو ف أصله ترجــة‬
‫لصطلح أجنب بـدأ يظهر ف بعض الكتابات الغربيـة الستنية ‪ ،‬وف بعض‬
‫كتابات الشتغلي بالدمة الجتماعية ف بعض دول العال ل ثالث ‪ ،‬هو‬
‫اصطلح ‪.Indigenization of Social Work‬‬
‫‪ -2‬ث اصطلح " تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية" ‪ ،‬الذي تبلور‬
‫لدى الشتغلي بتعليم الدمة الجتماعية ف مصر تاوزا لسلبيات الصطلح‬
‫الول وتعميقا للنواحي اليابية فيه‪.‬‬
‫ونظرا لهية هذين الصطلحي فقد يكون من الفيد أن نتناول كل منهما هنا‬
‫بشيء من الياز قبل أن ننتقل لعالة مفهوم التوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية ‪.‬‬
‫توطي الدمة الجتماعية‬

‫‪- 24 -‬‬

‫لقد استخدم اصطلح توطي الدمة الجتماعية ف الكتابات الغربية والعربية‬
‫ليشي إل "تكييف أو تطويع أو (أقلمة ) الهنة حسب ظروف ومتطلبات الجتمع‬
‫الذي تعمل فيه" بدل من مرد النقل الكامل من مارسة الدول الخرى ‪ ،‬وقد‬
‫عرف عبد الفتاح عثمان وزملؤه (‪ )290 ، 285 :1984‬التوطي بأنه " تلك‬
‫الهود العلمية الت تبذل لحداث تغييات ف بعض مكونات الدمة‬
‫الجتماعية النتشرة ثقافيا من الارج ‪ ،‬بقصد التوصل إل بعض البتكارات‬
‫والتجديدات استجابة لبعض الظروف والعوامل الثقافية الميزة لذا الجتمع ‪،‬‬
‫والختلفة بقدر ما عن الظروف السائدة ف الجتمعات الت انتشرت منها الدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬وذلك كي تكتسب الدمة الجتماعية فاعلية أكب ف تنمية‬
‫الجتمع العاملة فيه وحل مشكلته الجتماعية ‪ ،‬والدف الساسي من التوطي‬
‫هو إكساب الهنة فاعلية يدركها الجتمع ‪ ..‬على نو يعل من الدمة‬
‫الجتماعية موضع اهتمام وتقدير قومي"‪.‬‬
‫ولعلنا نلحظ أول أن هذا التعريف يشي على استحياء إل أن التوطي يتطلب‬
‫إحداث تغييات ف " بعض" مكونات الدمة الجتماعية ‪ ،‬للتوصل إل " بعض"‬
‫البتكارات ‪ ،‬استجابة " لبعض " العوامل الحلية ‪ ،‬تنبا ‪-‬فيما يبدو‪ -‬للتحديد‬
‫الدقيق لنواع التغييات الطلوبة أو لدى تلك التغييات ‪ ،‬وكأن أصحاب‬
‫التعريف قد استشعروا أن التغييات الطلوبة ستكون تغييات جذرية إن أردنا لا‬
‫أن تقق الهداف الرجوة من ورائها ‪ ،‬أو كأنم استشعروا أن تديد أنواع تلك‬
‫التغييات أو مداها قد يكشف عن أن الطلوب ليس مرد أقلمه أو تطويع لبعض‬
‫الفاهيم الوافدة وإنا هو أمر ل يقل ف نطاقه عن عملية إعادة نظر شاملة ف‬
‫الهنة ومكوناتا ‪ ،‬فالقضية ليست قضية استبعاد بعض الصطلحات ‪ ،‬أو استبدال‬
‫ألفاظ بأخرى ‪ ،‬كما أنا ليست مرد إعادة ترتيب الولويات ( التنموية قبل‬

‫‪- 25 -‬‬

‫العلجية مثل) فمثل هذا التطويع ل يصل إل التعامل الواضح مع ما جاء‬
‫بالتعريف نفسه حول الستجابة لبعض الظروف " الثقافية " ‪ ،‬وإنا يتصل فقط‬
‫ببعض الوضاع البنائية ‪ ،‬وما يرتبط با من نوعية الشكلت وأولويات طرق‬
‫التدخل ‪ ،‬أما العوامل والظروف الثقافية فإنا تشتمل أول ما تشتمل على التعامل‬
‫مع الوانب القيمية والكونات الروحية والدينية ‪ ،‬وهذا ما تنبته مناقشات "‬
‫توطي الدمة الجتماعية " بشكل مستمر‪.‬‬
‫كما نلحظ من جهة أخرى أن التوطي ‪ -‬وفقا لذلك التعريف‪ -‬إنا هو ف‬
‫جوهره مفهوم نفعي أو براجاتى ‪ ،‬هدفه أساسا زيادة فاعلية الهود الهنية‬
‫للخدمة الجتماعية اكتسابا للعتراف الجتمعي بقيمتها ‪ ،‬وذلك من خلل زيادة‬
‫درجة التوافق بي مفاهيم ونظريات المارسة الهنية الستوردة وبي الواقع‬
‫الجتماعي والقتصادي الثقاف للمجتمع الذي تارس فيه ‪ ،‬فالقضية بالنسبة‬
‫لتاه التوطي إذن ل تبدو مسألة مبدأ أو توجه فكرى واضح بقدر ما هي مسألة‬
‫ملءمة اجتماعية (وثقافية ؟) ما يعل مردوده الهن مل شك كبي لعدم وضوح‬
‫الطار الفكري الذي ينتظم جوانبه ويلم شتاته‪.‬‬
‫وأخيا فإننا نلحظ أن توطي الدمة الجتماعية بذا الفهوم إنا يقوم على‬
‫التسليم ضمنا بصدق وصلحية النموذج الغرب ف جوهره ‪ ،‬وبأن كل الطلوب‬
‫هو " أقلمته أو تطويعه " ليناسب الوضاع الحلية ليزداد فاعلية ف التطبيق ‪،‬‬
‫وهو بذا ل يتضمن رؤية " نقدية " أصيلة للختلفات الذرية بي السلمات‬
‫والفتراضات الساسية الت تقوم عليها الهنة تقليديا والستمدة من التصورات‬
‫العامة للحضارة الغربية ‪ ،‬وبي التصورات العامة للثقافة العربية السلمية‬
‫لجتمعاتنا ‪ ،‬وإل لا كان بعض رواد اتاه التوطي هم أنفسهم من أساطي الدمة‬
‫الجتماعية ف الجتمعات "الغربية" ذاتا ( من أمثال العال الشهي الستاذ‬

‫‪- 26 -‬‬

‫هيمان شتاين) هم الذين أدركوا برجاحة عقولم وخبتم الطويلة أنه ل يكن‬
‫للمهنة أن تضرب بذورها ف دول العال النامي إل إذا كانت متوافقة مع ثقافة‬
‫تلك الدول وبناءاتا القتصادية والسياسية والجتماعية ‪ ،‬بعد أن لحظوا فشل‬
‫العديد من البامج الت ت نقلها واستزراعها ف الدول النامية دون تطويعها أو‬
‫أقلمتها ‪ -‬مع عدم إمكان الظن بأن أولئك الباء الغربيي لديهم أي شكوك قوية‬
‫ف السس الت بنيت عليها الهنة عندهم وذلك باعتبار تشربم بقيم تلك‬
‫الضارة الغربية وصعوبة تاوزهم لا‪.‬‬
‫تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية‬
‫لواجهة أوجه القصور الشار إليها ف اتاه توطي الدمة الجتماعية فقد نادى‬
‫بعض الشتغلي بتعليم الدمة الجتماعية ف مصر بالتحول إل مفهوم " تأصيل‬
‫الدمة الجتماعية ف الدول النامية" كبديل لفهوم التوطي الشار إليه ‪ ،‬على‬
‫أساس أن " التأصيل" ينظر للموقف من الزاوية الصحيحة ‪ ،‬فإذا كان التوطي يبدأ‬
‫بالنطلق من النماذج الغربية (مع نوع من التسليم الضمن بأنه ل اعتراض على‬
‫تلك النماذج ف جوهرها) وياول تطويعها للظروف الحلية ‪ ،‬فان التأصيل ‪-‬‬
‫على العكس من ذلك ‪ -‬يبدأ من الواقع الحلى واحتياجاته كأساس للختيار من‬
‫بي النماذج الغربية أو غي الغربية ‪ ،‬بعن أن اتاه التأصيل يرفض التسليم ابتداء‬
‫بصحة النموذج الغرب أو غيه ث الجتهاد ف البحث عن طرق أقلمته ‪ ،‬وإنا هو‬
‫يبدأ من التسليم أول بويتنا الثقافية وظروفنا البنائية الت إذا حددنا معالها‬
‫بوضوح فإنا ستكون هي العيار الصحيح لا يكن التسليم به وما ل يكن التسليم‬
‫به‪.‬‬

‫‪- 27 -‬‬

‫ومن هنا يتضح لنا أن اتاه تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية ليس‬
‫اتاها رافضا على أساس "مبدئي" للنماذج الغربية أو غي الغربية ‪ ،‬فهذا أمر‬
‫مستحيل من الناحية العلمية (حت لو تصور البعض إمكانه نظريا ) لن الدمة‬
‫الجتماعية كإحدى مهن الساعدة النسانية ل تلك رفاهية " التوقف" أو حت‬
‫التردد حت نتوصل إل البديل الصحيح ‪ ،‬ذلك أن الخصائيي الجتماعيي‬
‫مسؤولون عن مؤسسات اجتماعية تارس أعمالا ف خدمة الناس ‪ ،‬وهناك‬
‫قرارات تتخذ يوميا لداء تلك العمال ‪ ،‬واستناد القرارات حت إل تلك النماذج‬
‫الت تعرضت للنقد هو أفضل بالتأكيد من انتظار الوصول إل البديل ف فراغ ‪،‬‬
‫أو العتماد على مرد الحاولة والطأ ‪ ،‬ومن الطبيعي إذن أن الطالبي " بتأصيل‬
‫الدمة الجتماعية ف الدول النامية" يتصورون أن الل إنا يكمن ف " البدء"‬
‫مباشرة بالتخطيط لبنامج جاد لفهم الواقع الحلى يكن على أساسه التوصل إل‬
‫النماذج الحلية اللئمة جنبا إل جنب مع استمرار الؤسسات القائمة ف أداء‬
‫أعمالا وفق النموذج التقليدي ‪ ،‬مع الحلل الستمر لي مارسات أو أدوات‬
‫مستحدثة مل مثيلتا التقليدية بالتدريج ‪ ..‬مهما كان الوقت الذي تتاجه عملية‬
‫التأصيل‪.‬‬
‫وف ضوء ذلك فإن عملية " تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول‬
‫النامية" تتطلب القيام بعدد من الجراءات الت يتصل بعضها بهود ذات طبيعة‬
‫بثية ‪ ،‬كما يتصل بعضها الخر بالمارسة ‪ ،‬أما البعض الخي فيتصل بتعليم‬
‫الدمة الجتماعية كما يلي ( رجب ‪:)1981 ،‬‬
‫‪ -1‬بلورة " القيم الجتماعية الساسية " الؤثرة على نسق الرعاية الجتماعية ف‬
‫الجتمع الذي تتم فيه المارسة‪.‬‬

‫‪- 28 -‬‬

‫‪ -2‬دراسة أوضاع " التنظيمات الجتماعية والقتصادية والدينية والسياسية "‬
‫الحلية خصوصا من حيث نوع تأثيها على رفاهية الفراد والماعات ف‬
‫الجتمع‪.‬‬
‫‪ -3‬تديد " الشكلت الجتماعية" الت تؤثر سلبا على حياة السكان ف‬
‫علقتها بتلك الوضاع الجتماعية والقتصادية والسياسية الت يتم إشباع‬
‫حاجات الناس ف إطارها ‪.‬‬
‫‪ -4‬دراسة " البدائل الوطنية" الحلية القابلة للبامج النقولة عن الدول الخرى ‪،‬‬
‫لتكون نقطة البداية نو ابتكار برامج أكثر ملءمة للظروف الحلية ‪ ،‬ف نفس‬
‫الوقت الذي تتم فيه الستفادة من البات الديدة الستفادة من الدول الخرى‬
‫‪.‬‬
‫‪ -5‬بلورة أساليب المارسة الهنية اللئمة ف ضوء ذلك الفهم الذي تبلور للواقع‬
‫الحلى مع الستفادة با لدى الغي ما ل يتعارض معها‪.‬‬
‫‪ " -6‬تربة" تلك الساليب ف الواقع الحلى " وتقوي درجة فاعليتها" ‪ ،‬وإعادة‬
‫التجريب اليدان مرة بعد مرة "وتسجيل" النتائج توصل إل " نظريات المارسة‬
‫الحلية " الؤصلة ‪.‬‬
‫‪ -7‬إدماج تلك النظريات ف برامج " العداد الهن " للخصائيي الجتماعيي‬
‫لتكون موجهة لمارستهم الؤصلة ف مستقبل عملهم‪.‬‬
‫وإذن فإن مفهوم " تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية" بذا الوصف‬
‫يتجاوز إل حد كبي الكثي من أوجه النقد الت وجهت لفهوم " التوطي"‬
‫خصوصا وأن التأصيل يقوم أول على معرفة الذات والوعي بالواقع الحلى ‪،‬‬
‫ويعل التطابق مع هذه العرفة وهذا الوعي جواز الرور الوّل لكل مبدأ مهن أو‬
‫أداة للممارسة ‪ ،‬ما يتمشى مع الصول العلمية الصحيحة الرعية ف " تليل‬

‫‪- 29 -‬‬

‫الشكلت " و " تطيط السياسات والشروعات" ‪ ،‬الت تبدأ بالظروف البنائية‬
‫والحددات القيمية والثقافية الؤثرة ف الوقف أو الشكلة قبل الدخول ف اختيار‬
‫بدائل السياسة والتخطيط للمشروعات اللزمة لواجهتها ‪.‬‬
‫ورغم ذلك فإن اتاهات توطي وتأصيل الدمة الجتماعية الت ظهرت‬
‫ف الستينات تشترك فيما بينها ف خاصيتي رئيسيتي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن هذه الدعوات قد انصب اهتمامها على إصلح مسار الدمة الجتماعية‬
‫ف " الدول النامية" بصفة عامة ‪ ،‬ول يكن أساسا منصبا على الدول السلمية ‪،‬‬
‫بل إن علماء الدمة الجتماعية ف الغرب هم الذين صكوا اصطلح التوطي‬
‫ودعوا إليه كما ذكرنا ‪ ،‬ومن هنا فقد كان من الحتم أن تتخذ هذه التوجيهات‬
‫شكل "الدعوة العامة" غي الوجهة بشكل مدد لدمة قضايا الدول السلمية‬
‫الت تشترك مع بعضها ف الطر الثقافية والقيمية بل والبنائية التميزة ‪ ،‬وقد كان‬
‫من الطبيعي ف ضوء ذلك أن العائد منهما كان مدودا ‪ ،‬ل يتجاوز ‪ -‬كما‬
‫ذكرنا‪ -‬الناقشات حول تديد أولويات التدخل الت تناسب العال الثالث ف‬
‫مقابل تلك الت تناسب الدول الصناعية التقدمة‪.‬‬
‫‪ -2‬كانت هذه الدعوات مدفوعة ‪ -‬كما يرى البعض‪ " -‬بالماس الوطن"‬
‫إضافة إل إدراك الختلفات بي الدول النامية والدول الصناعية ( عبد العال ‪،‬‬
‫‪ )196-195 :1989‬وهذا دافع له قوته ولكن له حدوده ولشك ‪ ،‬ف حي أن‬
‫اتاه التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية كما سنرى ينظر للقضية بشكل أعمق‬
‫بكثي ‪ ،‬إذ يرى أن تقيق تنمية العال العرب والسلمي إنا تتوقف ف جانب من‬
‫أهم جوانبها على انطلق علومه ومهنه من منظور السلم ‪ ،‬كما يرى ف المر‬
‫واجبا والتزاما دينيا أمام ال سبحانه وتعال ف الصدع بأمره ومتابعة هديه قبل‬
‫التنمية وقبل الماس الوطن ‪ ،‬وبعدها ‪.‬‬

‫‪- 30 -‬‬

‫وعلى أي حال فليس هناك من شك ف أن دعوات التوطي والتأصيل قد كانت‬
‫بثابة الستجابة الطبيعية لشعور التخصصي ف الدمة الجتماعية بعدم التوافق‬
‫بي ناذج المارسة الوافدة وبي الواقع الحلى ف الجتمعات الت انتقلت إليها‬
‫الهنة ‪ ،‬وأنا بذلك تعتب بثابة الشهادة الية على الاجة إل إعادة النظر ف‬
‫النماذج الوافدة ف ضوء حقائق الواقع الحلى ما هيأ الذهان وأعدها لسن‬
‫استقبال الدعوة إل الراجعة الذرية لتلك النماذج ف ضوء حقائق السلم‪.‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬اليقظة السلمية العاصرة وقضية أسلمة العرفة‬
‫رغم أن التأريخ التفصيلي والتحليل النظم للظروف الت أسهمت ف بزوغ‬
‫حركة اليقظة السلمية العاصرة ‪ ،‬وما صحبها من ظهور أهية قضية " أسلمة‬
‫العرفة" يرج عن نطاق هذه الورقة ‪ ،‬إل أننا نستطيع هنا على الق ّل أن نشي‬
‫باختصار إل عدد من الظروف والعوامل الت كانت ذات أهية خاصة لبلورة‬
‫تلك التوجهات الباركة ونضجها ‪ ،‬وسنكتشف على الفور أن بعض هذه العوامل‬
‫إنا يرجع ‪ -‬ومن عجب ‪ -‬إل تطورات ظهرت على مسرح الياة العلمية ف‬
‫ميط الضارة الغربية ذاتا ‪ ،‬كما أن بعضها الخر ل يرج عن كونه انعكاسا‬
‫ع تأّثرٍ با ف ميط العال السلمي ‪ ،‬بينما يرجع‬
‫لتلك التطورات نفسها ونو َ‬
‫البعض الخي إل طبيعة وظروف وتاريخ العال السلمي ذاته ‪ ،‬وسنشي فيما يلي‬
‫إل بعض تلك العوامل باختصار‪:‬‬
‫‪ -1‬لعلنا ل نكون مبالغي إذا قلنا أن من أهم العوامل الت أسهمت ‪ -‬بطريق غي‬
‫مباشر‪ -‬ف تكوين اليقظة السلمية العاصرة ودفعها دفعا حثيثا إل حيث تقف‬
‫الن ‪ -‬بفضل ال ‪ -‬هو تلك الثورة الت تققت ف ميط علم الفيزياء الديثة‬
‫ف النصف الول من القرن العشرين فيما يتعلق بفهم طبيعة الذرة وما دونا من‬

‫‪- 31 -‬‬

‫جسيمات ف إطار نظرية النسبية ونظرية الكم ‪ Quantum Theory‬ومبدأ عدم‬
‫التيقن على أيدي أينشتاين وهيزنبج وبور وغيهم ‪ ،‬تلك التطورات الت أدت‬
‫إل انيار النظرة "الادية" اليكانيكية القدية الت كانت ترى الكون نسقا‬
‫ميكانيكيا مكونا من " ذرات مادية صلبة" ‪ ...‬حيث بينت تلك الكشوف‬
‫الديدة أن الذرة تتكون بدل من ذلك من فضاء شاسع ‪ ،‬تدور فيه باستمرار‬
‫جسيمات متناهية الصغر هي اللكترونات ‪ ،‬حول نواة تتكون بدورها من‬
‫بروتونات ونيوترونات وأعداد كبية من السيمات‪.‬‬
‫ولقد أوضحت نظرية الكم أن هذه السيمات ( اللكترونات والبوتونات‬
‫والنيوترونات وغيها) كما يقول كابرا ليست من قبيل تلك الجسام الصلبة الت‬
‫كانت تدثنا عنها الفيزياء الكلسيكية ‪ ... ،‬وإنا هي كيانات مردة ذات طبيعة‬
‫مزدوجة تتوقف هويتها على الطريقة الت ننظر با إليها! فهي تبدو أحيانا‬
‫كجسيمات ‪ Particles‬وأحيانا كموجات ‪ Waves‬من الطاقة ‪ ،‬ومعن ذلك أننا‬
‫عندما ننل ببحوثنا إل مستوى مكونات الذرة فإننا ند " أن الجسام الادية‬
‫الصلبة الت كانت تدثنا عنها الفيزياء التقليدية قد ذابت فاتذت شكل أناط‬
‫احتمالية شبيهة بالوجات ‪ ،‬وفوق ذلك فإن هذه الناط ل تثل "احتمالت‬
‫لشياء" ‪ Probabilities of Things‬وإنا هي أقرب لن تكون احتمالت لنواع‬
‫من " الرتباطات التبادلة "‪ ...Interconnections‬وقد أدت هذه الكتشافات‬
‫الدهشة ف الفيزياء الديثة إل إدراك العلماء "لوحدة الكون" ‪ ،‬كما فتحت‬
‫الباب على مصراعيه أمام "التوافق التام مع الهداف الروحية والعتقدات الدينية"‬
‫(‪.)Capra : 1982: 67-70‬‬
‫وقد ترتب على هذه الثورة ف فهم العال شيء من التخاذل ف صفوف رجال‬
‫العهد القدي ف ميط العلوم الطبيعية وغيهم من درجوا على تجيد اللاد‬

‫‪- 32 -‬‬

‫والتطورية لضفاء مسحه علمية زائفة عليها ‪ ،‬كما أدى ذلك إل تقوية قلوب‬
‫أهل اليان الذين زادتم تلكم الكشوف إيانا على إيانم ‪ ،‬كما زادتم ثقة بوعد‬
‫ربم ‪ --‬وذلك بالرغم ما يرونه واقعيا أمامهم من ضعف المة السلمية ماديا‬
‫وتاذلا وهزيتها الداخلية نفسيا ‪ ،‬ولكن آثار هذا كله ل تظهر بوضوح وبشكل‬
‫مباشر ‪ ،‬نظرا لا تتاجه التطورات العلمية عادة من زمن طويل ‪ -‬قدره بعض‬
‫العلماء بمسي سنة ‪ -‬حت يتم تشربا ف العلوم الخرى وف وجدان العامة‪.‬‬
‫‪ -2‬وقد دعم تلك التاهات نفسها ذلك التقدم الكبي الذي تقق من جهة‬
‫أخرى ف السبعينات ف علوم العصاب ‪ Neuroscience‬وذلك فيما يتعلق‬
‫بفهم طبيعة الخ والهاز العصب وعلقتهما بالسلوك النسان ‪ ....‬فلقد كانت‬
‫كل الوظائف العقلية ووظائف الخ تفسر ف الاضي ‪ -‬كما يقول سبيى ‪-‬‬
‫بتفسيات مادية بتة "على أساس أنا مكومة بنشاط الليا العصبية‪ ، ...‬وأن‬
‫هذا النشاط بدوره تكمه قواني الطبيعة والكيمياء اليوية ‪ " ...‬حت نصل ف‬
‫النهاية إل أن سلوك النسان متوم بالتفاعلت الطبيعية الت تدث داخل‬
‫مكونات الذرات الت يتكون منها الخ بعن أن التأثي هو دائما من أسفل إل‬
‫أعلى ‪ ...‬إل أن جاء التوجه "العرف ‪ -‬العقلي"‬

‫الديد ‪Cognitive/ Mentalist‬‬

‫ليكشف عن أن النسان "كوحدة حية" ذات مستوى وجودي أرقى من مرد‬
‫مستوى الذرات والليا قادر أيضا ‪ -‬على هذا الستوى النسان ‪ -‬على إحداث‬
‫تأثي من أعلى إل أسفل نتيجة لظهور خصائص جديدة منبثقة على هذا الستوى‬
‫ل تكن موجودة من قبل ‪ ،‬هي الواص "العقلية" ‪ ،‬الت تتفاعل وتؤثر كعوامل‬
‫سببية على نفس هذا الستوى العلى من الوجود ‪ ،‬كما أنا ف الوقت ذاته‬
‫تتحكم سببيا فيما هو أدن منها من الستويات (الليا العصبية ومكوناتا) ‪،‬‬
‫ويقول سبيى معلقا على ذلك "إن هذا التوجه يدل على أننا وهذا الكون الذي‬

‫‪- 33 -‬‬

‫نعيش فيه أكثر من مرد أسراب راكضة من الذرات واللكترونات والبوتونات‬
‫الدائبة الركة ‪ ..‬وهذه النظرة الديدة للواقع ‪ ..‬تتقبل الواص العقلية والروحية‬
‫كحقائق سببية فاعلة"(‪. )Sperry, 1988: 609‬‬
‫ولقد أدت تلك الكشوف العلمية الديدة من جهتها إل ثورة أخرى ولكنها‬
‫تتصل هذه الرة بالنظرة إل طبيعة النسان والعوامل الؤثرة ف سلوكه ‪ ،‬حيث‬
‫أزيح كابوس التوجهات اليكانيكية الادية ف النظر إل النسان وانفتحت آفاق‬
‫البحث العلمي الشروع ف الوانب العقلية والروحية والدينية ف تأثيها على‬
‫السلوك ‪ ،‬فجاء ذلك تدعيما لتوجهات أولئك الباحثي السلمي الذين ل يكن‬
‫أمامهم ف الاضي إل أن ينكروا ذلك الضلل العلمي بقلوبم فأصبحوا ينكرون‬
‫بألسنتهم وببحوثهم ‪ ،‬بل ويضيفون بصائر جديدة ف فهم النسان وسلوكه ل‬
‫يكن من المكن التوصل إليها ف إطار التصورات الادية اليكانيكية التقليدية ‪.‬‬
‫‪ -3‬ترتب على الكتشافات الشار إليها ف مال علم الفيزياء الديثة وف مال‬
‫العلوم البيولوجية وخصوصا علم العصاب أن بدأ الشك ييط بقوة بالسس الت‬
‫يقوم عليها النهج العلمي الديث ذاته‪ ،‬خصوصا فيما يتصل بالشروعية "العلمية"‬
‫لتطبيقه ف الدراسات التصلة بالنسان والجتمع ‪ ،‬وذلك بعد أن ثبت أن‬
‫الغراق ف‬

‫المبييقية ‪Empiricsm‬‬

‫والعتماد على الواس وحدها كأساس‬

‫للمعرفة مع استبعاد العوامل الروحية والدينية من العتبار عند دراسة السلوك‬
‫النسان والترتيبات الجتمعية قد أدت إل إعاقة تقدم العلوم الجتماعية وكانت‬
‫السبب ف أزمتها الراهنة ‪ ،‬فبدأت ثورة علمية موازية ف عال النهج أيضا‬
‫تطالب بإعادة النظر ف مسلمات النهج العلمي التقليدي وفتح الباب أمام ألوان‬
‫أخرى من الستبصار مصدرها الوحي الصحيح ‪.‬‬

‫‪- 34 -‬‬

‫وقد أزال هذا التطور النهجي آخر الواجز التلفعة برداء العلم والت كانت‬
‫تول دون الراجعة الريئة لكثي ما درج العلماء على احترامه بل وتقديسه ما‬
‫توجهات قدية ف فلسفة العلوم أو ف مسائل النهج ‪ ،‬وقد أدى هذا إل فتح‬
‫الباب على مصراعيه أمام الدراك التزايد لهية الوحي والطر التصورية الستمدة‬
‫منه ف توجيه العلوم عامة والعلوم الجتماعية خاصة ‪ ،‬وقد نوقشت هذه القضايا‬
‫تفصيل ف غي هذا الوضع حيث يكن الرجوع إليها (رجب ‪ ، )1991 ،‬فزادت‬
‫هذه الثورة البستمولوجية والنهجية من الشعور بأن العال السلمي مغبون كل‬
‫الغب إذا التزم أبناؤه نفس الطوط الت التزمها علماء الغرب حت لو دخلوا‬
‫حجر ضب لدخلوه ‪ ،‬ما أعطى دفعة قوية أخرى لقضايا أسلمة العرفة أو تأصيلها‬
‫إسلميا ‪.‬‬
‫‪ -4‬زوال النبهار بالتقدم الادي والتكنولوجي العاصر بعد انكشاف الثار‬
‫الدمرة على البيئة والنسان الت نمت عنه مباشرة من جهة ‪ ،‬وتلك الت نمت‬
‫من جهة أخرى عن انسياق الجتمعات العاصرة وراء قيم الضارة الغربية‬
‫الوجهة لتلك التطبيقات التكنولوجية ‪ ،‬والت تركز على " قهر الطبيعة" ‪ ،‬وعلى‬
‫" النمو بأي ثن" ‪ ...‬تلك الثار الت وصفها كابرا"بالوانب الظلمة للنمو"‬
‫والت تتمثل ف "تلوث الواء ‪ ،‬والضوضاء القلقة ‪ ،‬وازدحام الطرق بالركبات ‪،‬‬
‫والتلوث الكيميائي ‪ ،‬والخاطر الشعاعية ‪ ،‬وغي ذلك من مصادر الضغوط‬
‫الفيزيقية والنفسية الت أصبحت جزءا من الياة اليومية لكل منا ‪ ، ...‬إن هذا‬
‫التركيز على (التوسع القتصادي ) وتعظيم الربح وزيادة النتاجية ف الوليات‬
‫التحدة وغيها من الدول الصناعية قد أدى إل إياد متمعات من الستهلكي‬
‫التنافسي ‪ ،‬الذين يتم إغراؤهم على شراء واستعمال ث إلقاء كميات متزايدة‬
‫باستمرار من النتجات الشكوك ف قيمتها" والت يتطلب إنتاجها استخدام‬

‫‪- 35 -‬‬

‫تقنيات تستهلك الزيد والزيد من الوارد الطبيعية ‪ ،‬كما تتطلب كميات رهيبة‬
‫من الطاقة لنتاجها ‪ ،‬ف نفس الوقت الذي يتخلف عن إنتاجها كميات كبية‬
‫من الخلفات الكيماوية والنووية الطية بشكل متزايد ‪.‬‬
‫فإذا أضفنا إل ذلك كله الشكلت والثار " الرضية " الناشئة عن‬
‫سوء توجيه المارسات الطبية والصيدلية ‪ ،‬وعن الستخدامات غي الصحية‬
‫للكيماويات ف الزراعة الغذاء ‪ ،‬وانتهاء بشكلت تكديس السلح النووي ‪،‬‬
‫فإن الصورة النهائية الت تتجمع من وراء هذا كله تشي بوضوح إل ما يتهدد‬
‫البشرية كلها من ماطر من جراء متابعة ذلك النموذج الغرب‬

‫(‪Capra, 1982:‬‬

‫‪.)249-281‬‬
‫ول شك أن هذه الراجعة الفاحصة لنتائج التقدم العلمي والتقن قد‬
‫أسهمت ف تغيي النظرة التقليدية الت كانت تجد "التقدم" التكنولوجي‬
‫والبتكارات "الديثة" دون أي تفظ ‪ ،‬وأثبتت أن ما يفعله النسان ببيئته سرعان‬
‫ما يرتد ف نره إن عاجل أو آجل ‪ ،‬وأنه ليس هناك من بديل عن التعامل‬
‫السئول مع البيئة ‪ ،‬ما قوّى حجة من ينظرون للنسان على أنه مستخلف ف‬
‫الرض الت سخرت من أجله ‪ ،‬وأنه مسئول عن رعايتها والحافظة عليها ‪-‬‬
‫تلك القيم النبيلة الت تبي النسان السلم أنه يلكها رغم تلفه التكنولوجي ‪،‬‬
‫وأصبح يتطلع إل ذلك اليوم الذي يستطيع فيه أن يسهم ف التقدم التكنولوجي‬
‫ولكن من منظور مهتد بدى ال خالق الرض والسماوات‪.‬‬
‫‪ -5‬ازدياد ثقة الشعوب السلمية بدينها وشريعتها ونظمها بعد أن شهدت فشل‬
‫حكوماتا التعاقبة ف تاربا السياسية التهورة الت تبنت فيها كل أشكال نظم‬
‫الكم الوضعي العلمانية العروفة ف عصرنا ‪ ،‬وبعد أن تبي لكل ذي بصر‬
‫وبصية أن استمرار التخلف والفساد ف الجتمعات السلمية ل علج له إل‬

‫‪- 36 -‬‬

‫بتبن القيم والنظم السلمية اللية ‪ ،‬ليس فقط فيما يتصل بالنظم السياسية بل‬
‫والقتصادية والتعليمية والجتماعية بالعن الشامل ‪ ،‬وبالطاعة الطلقة ل سبحانه‬
‫وتعال فيما أمر ونى ‪ ،‬سواء على مستوى الفراد أو على مستوى الدول ‪ ،‬أو‬
‫على مستوى الفكر والنهج والمارسة ‪.‬‬
‫‪ -6‬قيام الامعات السلمية بإنشاء كليات وأقسام للعلوم الجتماعية على أمل‬
‫"التوجيه السلمي" لتلك العلوم ولا تضمها من تصصات ‪ ،‬وشعور القائمي‬
‫بالتدريس ف تلك الكليات بالتنافر العرف العنيف الناتج عن قيامهم بتدريس‬
‫تلك العلوم الجتماعية النطلقة ف كثي من مصادرها الصلية من فكر إلادي‬
‫نشط ( أو على القل فكر علمان منبت الصلة عن كل ما يتصل بال واليوم‬
‫الخر) ف جامعات "إسلمية" يفترض منطقيا أن يكون كل ما يدرس فيها‬
‫ملتزما بالطر التصورية للسلم ‪ ،‬ول شك أن هذا الوقف الصعب قد حفز‬
‫الكثيين من القائمي بتدريس العلوم الجتماعية ف الامعات السلمية بل‬
‫وغيها من الامعات لبذل مزيد من الهد ليس فقط لرجعة ما يدرّسونه لطلبم‬
‫وعرضه على الكتاب والسنة ‪ ،‬بل والجتهاد ف النظر فيما يقتضيه التصور‬
‫السلمي بالنسبة لتخصصاتم الديثة ‪.‬‬
‫وبتأثي هذه التطورات الذرية كلها ‪ -‬سواء منها ما كان على مستوى‬
‫العلم وما كان على مستوى العالَم ‪ -‬فقد شهدت الوطان السلمية ف‬
‫السنوات الخية تلك النبعاثة السلمية الباركة بأبعادها الشاملة ( وليس فقط‬
‫با اصطلح على تسميته بالصحوة السلمية الت كانت جوانبها السياسية أكثر‬
‫ظهورا من غيها) الت جاءت تأويل واقعيا لقوله تعال "سنريهم آياتنا ف الفاق‬
‫وف أنفسهم حت يتبي لم أنه الق" ( فصلت ‪ )53 :‬والت تبينت أنه ل صلح‬
‫لذه المة ‪ ،‬ول ناة لا ما يدبره لا أعداؤها التربصون ‪ ،‬ول فلح لا ف‬

‫‪- 37 -‬‬

‫الخرة ‪ ،‬إل بأن تعيد النظر ف كل شأن من شؤون حياتا لتزنه بيزان السلم ‪،‬‬
‫وبأن تقيم كل نظمها القتصادية والسياسية والجتماعية على عُمُد ما شرعه ال‬
‫وارتضاه لم ‪ ،‬دون تردد أو نكول ‪ .‬وقد جاء هذا تصديقا لا سبق أن أوضحناه‬
‫من أن استعادة التوافق بي النظم والؤسسات الت ييا الناس ف إطارها وبي‬
‫القيم والعتقدات الت يدينون با هو من الشروط الرئيسة لفاعلية عملية التنظيم‬
‫الجتماعي ف تقيق أهداف الجتمع‪.‬‬
‫ولقد صاحب تلك النبعاثة الباركة ‪ ،‬أو كان بثابة القلب منها ‪ ،‬أو كان أثرا‬
‫من آثارها الكبى ‪ ،‬الشعور بضرورة التوجيه السلمي للعلوم والهن ف كل‬
‫مناحي الياة ‪ ،‬وقد جاءت هذه الركة الت بدأت بالطالبة " بأسلمة العرفة"‬
‫بثابة القطب الذي انتظمت حوله الهود التفرقة الت كانت تتوق دوما للربط‬
‫بي السلم والدمة الجتماعية ‪ ،‬ما أعطى جهود التوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية دفعة كبى منذ بداية الثمانينات ‪ ،‬حيث اتسع وتعمق نطاق الشعور‬
‫بأن ناذج المارسة الهنية للخدمة الجتماعية الستمدة من النهج الغرب العلمان‬
‫للحياة ل يكن أن يتحقق منها الي لمة السلم الت تؤمن بال واليوم الخر ‪،‬‬
‫والت تعلم علم اليقي أن كل وجه من أوجه حياة الفرد السلم والجتمع السلم‬
‫تتأثر أشد التأثر بذلك اليان وبقتضياته ‪ .‬فلم يعد مفهوما ول مقبول أن يتعامل‬
‫الخصائي الجتماعي مع العميل وكأن صلة هذا العميل بربه ل تعن شيئا بالنسبة‬
‫للمشكلة الت يعان منها ‪ ،‬أو كأنا ل تعن شيئا بالنسبة لنوع الساعدة الت‬
‫يصلح أن تقدم إليه لعاونته على حلها ‪.‬‬
‫وإذا كان هناك البعض من ترددوا ف القبول بذه الثورة العلمية القبلة ف‬
‫ميط الدمة الجتماعية ف بعض الدول السلمية ‪ ،‬تت وطأة اللف والعتياد‬
‫لتلك النماذج الغربية الت قضوا العمر ف تصيلها ‪ ،‬فإن بعض علماء الدمة‬

‫‪- 38 -‬‬

‫الجتماعية الغربيي أنفسهم قد بدأوا يشعرون بأن من الستحيل أن تقدم الدمة‬
‫الجتماعية مساعداتا للناس دون اكتراث بقيمهم الدينية ول لشواقهم‬
‫الروحية ‪ ،‬بجة الياد القيمي والوضوعية الزعومة الت ورثتها الهنة عندهم من‬
‫التاهات المبيييقية التطرفة الت طفت على سطح النهج العلمي التقليدي ف‬
‫البحث ردحا طويل من الزمن ‪ ،‬فأوضح جوزيف هيس مثل أن أساس " أزمة‬
‫الوية " الت تعان منها الدمة الجتماعية ف الوليات التحدة المريكية إنا‬
‫يكمن ف إهال البعد الروحي ف المارسة (‪ ،)Hess, 1980: 59-66‬كما بي‬
‫مارتن مارت ف مقال هام بعنوان " الدمات الجتماعية ‪ :‬مؤمنة أم كافرة" أن‬
‫إهال الدين ف كتابات ومارسات الدمة الجتماعية يؤدى إل وجود "فجوة‬
‫ف التصور بي الخصائيي الجتماعيي وبي الناس الذين تقدم لم الدمات‬
‫الجتماعية ‪ ،‬فأولئك الناس قد تكون لديهم دوافع تركها الرغبة ف إياد معن‬
‫لياتم لكن تلك الدوافع والرغبات ل تد أذنا صاغية عند الخصائي الجتماعي‬
‫الذي يستبعد ف لغته التخصصة أي اهتمام بذه النواحي "‬

‫(‪Marty, 1980 :‬‬

‫‪ )463-465‬أما سو سبنسر فقد تساءلت قبل ذلك بسنوات طويلة ‪ ،‬وبعبارات‬
‫تتضمن العجب الشديد من هذه التوجهات العلمانية ف إعداد الخصائيي‬
‫الجتماعيي ومارستهم بقولا "إذا كانت هذه الاجات والدوافع الروحية هي‬
‫جزء ل يتجزأ من حياة تلك العداد الكبية من الناس ‪ ،‬وإذا كان استخدام‬
‫العقيدة الدينية له تلك القيمة القيقية أو الحتملة بالنسبة لذه العداد الغفية من‬
‫الناس فإن الرء ليتساءل عن أسباب تردد الخصائيي الجتماعيي ف العتراف‬
‫بتلك الاجات ومقابلتها ‪. )Spencer, 1957 : 527( " ...‬‬
‫ويق لنا أن نشارك سبنسر العجب ‪ -‬بل والدهشة الشديدة ‪ -‬إذا وجدنا بي‬
‫ظهرانينا من يؤمنون بال واليوم الخر ولكنهم يدون حرجا ف أن تنطلق‬

‫‪- 39 -‬‬

‫نظريات المارسة الهنية ف الدمة الجتماعية من منظور السلم ‪ ،‬وقد يكون‬
‫لبعض هؤلء بعض عذر أو شبهة ناشئة من شىء من بعض اللتباس الذي قد يقع‬
‫لديهم حول مفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ( أو التأصيل السلمي‬
‫للخدمة الجتماعية ) ‪ ،‬ومن هنا فقد يكون من الناسب أن ننتقل الن إل‬
‫التعريف بفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬وتييز ما هو أصيل‬
‫بالنسبة لذا الفهوم ما هو عارض أو ماهو غي وارد ‪ ،‬ث تديد أبعاد التوجيه‬
‫السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬والشارة إل بعض الهود الت بذلت ف هذا‬
‫السبيل‪.‬‬

‫‪- 40 -‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫مفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬

‫‪- 41 -‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫مفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫‪ -1‬التوجيه السلمي للعلوم‪:‬‬

‫لعل من الناسب أن نقدم لناقشتنا لفهوم التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫بإيراد التعريف الكلسيكي "لسلمة العلوم" الذي قدمه الدكتور إساعيل‬
‫الفاروقي يرحه ال ف عام ‪ ، 1982‬والذي لقي قبول واسعا لدى التخصصي ف‬
‫متلف العلوم والهن ‪ ،‬حيث عرف أسلمة العلوم ببساطة بأنا "إعادة صياغة‬
‫العلوم ف ضوء السلم " ‪( ...‬الفاروقي ‪ )14 :1982 ،‬وقد فصّل القصود‬
‫بذلك بقوله أن ذلك يتضمن "إعادة تديد وترتيب العلومات ‪ ،‬وإعادة تقوي‬
‫النتائج ‪ ،‬وإعادة تصور الهداف ‪ ،‬وأن يتم ذلك بطريقة تكّن ‪ ..‬من إثراء‬
‫وخدمة قضية السلم" (الفاروقي ‪.)54 : 1986 ،‬‬
‫وقد بي الفاروقي أن تقيق أهداف أسلمة العلوم أو إسلمية العرفة (كما‬
‫ترجها البعض) يتطلب‪:‬‬
‫‪ -1‬فهم واستيعاب العلوم الديثة ف أرقى حالت تطورها ‪ ،‬والتمكن منها ‪،‬‬
‫وتليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪ -2‬فهم واستيعاب إسهامات التراث ‪ ،‬النطلق من فهم السلمي للكتاب والسنة‬
‫ف متلف العصور ‪ ،‬وتقدير جوانب القوة والضعف ف ذلك التراث ف ضوء‬
‫حاجة السلمي ف الوقت الاضر ‪ ،‬وف ضوء ما كشفت عنه العارف الديثة ‪.‬‬

‫‪- 42 -‬‬

‫‪ -3‬القيام بتلك القفزة البتكارية الرائدة اللزمة لياد " تركيبة" تمع بي‬
‫معطيات التراث السلمي وبي نتائج العلوم العصرية با يساعد على تقيق‬
‫غايات السلم العليا (الفاروقي ‪.)21 -17 :1982 ،‬‬
‫والتوجيه السلمي للعلوم ف إطار هذا فهم يقوم على أساس من عدم التفريط‬
‫ف النتائج العلمية الت توصل إليها التخصصون ف العلوم الديثة ‪ ،‬بشرط أل‬
‫نعزو لتلك النتائج أي قدر زائد من‬

‫الصدق ‪Validity‬‬

‫الزائد الذي يرج عما‬

‫تستحقه تلك النتائج ف ضوء التحليل النقدي الرصي ‪ ،‬كما يقوم التوجيه‬
‫السلمي للعلوم من جهة أخرى على العتقاد بأن العلم ‪ -‬شأنه ف ذلك شأن‬
‫أي نشاط إنسان آخر ما يقوم به السلم ف حياته الدنيا ‪ -‬ينبغي أن يهتدي بنور‬
‫العقيدة الصحيحة ‪ ،‬وأن ينضبط بضوابط الشريعة ‪ ،‬وبالتال فإن هذا التوجه يمع‬
‫بي الفادة من ‪ :‬هداية الوحي ومن اجتهاد البشر بطريقة تتمشى بشكل دقيق مع‬
‫ما قصد لكل منهما من وظيفة ف التصور السلمي ‪.‬‬
‫وف ضوء هذا الفهم يتبي لنا أن إعادة النظر ف متوى ومناهج العلوم‬
‫والهن من منظور السلم ( أو التوجيه السلمي للعلوم) يستحيل أن يكون كما‬
‫قد تصور البعض "نظرة إل الوراء ‪( ..‬أو) حركة ارتداد للخلف…" (عبد‬
‫العال ‪ ، )197 :1989 ،‬وذلك لن التوجيه السلمي للعلوم يقوم ‪ -‬كما رأينا ‪-‬‬
‫ضمن ما يقوم على "استيعاب العلوم الديثة ف أرقى حالت تطورها" استيعابا‬
‫يكّننا من نقد نتائج تلك العلوم ‪" ..‬على علم" ‪ ،‬بيث نستطيع الستفادة ما فيها‬
‫من نتائج صحيحة إل أقصى حد مكن ‪ ،‬ولكن مع القدرة ف الوقت ذاته على‬
‫"تاوز" تلك النتائج بشكل بناء كلما اقتضى المر ذلك‪.‬‬

‫‪- 43 -‬‬

‫كما يتبي لنا أن التوجيه السلمي للعلوم ل يقصد به مرد الرجوع إل‬
‫إسهامات علماء السلمي الوائل للستفادة منها ‪ ،‬أو العتماد على الصادر‬
‫الشرعية وحدها ف التوصل إل السنن والقواني الزئية ‪ ،‬وإنا المر يتطلب فوق‬
‫هذا وذلك إياد "تكامل حقيقي بي ما تدنا به تلك السهامات والصادر من‬
‫تصور إسلمي للنسان والجتمع والكون ‪ ،‬وبي نتائج تلك العلوم الديثة بعد‬
‫غربلتها وتنقيتها ‪ ،‬ما يوصلنا إل فهم أفضل للظاهرات النسانية يعيننا على‬
‫حسن التعامل مع النسان ومشكلته بطريقة فعالة وواقعية ‪.‬‬
‫‪ -2‬التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪:‬‬

‫وفـ ضوء هذا التحديـد لفهوم التوجيـه السـلمي للعلوم بصـفة عامـة ‪ ،‬فإننـا‬
‫نستطيع تعريف التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية تديدا بأنه‪:‬‬
‫"عملية بلورة أبعاد التصور السلمي للطبيعة البشرية والسنن النفسية والجتماعية الت‬

‫تكم السلوك البشرى والتنظيمات الجتمعية ‪ ،‬وكذلك لسباب الشكلت الفردية‬

‫والجتماعية ‪ ،‬واستخدام هذا التصور لتفسي القائق العلمية الزئية الت تعتمد عليها‬

‫الهنة من جهة ‪ ،‬ولتوجيه القيم الهنية الت تبن عليها نظرية المارسة و أساليب التدخل‬

‫الهن من جهة أخرى" ‪.‬‬
‫ومن هذا التعريف يتبي لنا ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية "عملية" مستمرة تتطلب القيام‬
‫بإجراءات منهجية منظمة للوصول إل نتائج معينة ‪ ،‬حيث تتراكم تلك النتائج‬
‫باضطراد بشكل يقربنا من الدف التمثل ف إعادة صياغة معارف ومبادئ الهنة‬
‫وطرقها ف التدخل بشكل ل يوز القول فقط بأنه "يتمشى" مع التصور‬

‫‪- 44 -‬‬

‫السلمي ‪ ،‬ولكن نقول أنه "ينطلق" من هذا التصور ويهتدي بداه بشكل‬
‫أساسي ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن عملية التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ستتطلب ف البداية بذل‬
‫جهود نشطة ومكثفة وواسعة النطاق نتمكن من خللا من بلورة ذلك التصور‬
‫السلمي واستكشاف أبعاده والتعرف على حدوده ‪ ،‬لكي نقوم ف ضوء ذلك‬
‫من إسقاط هذا التصور على نظرية المارسة الالية واستبعاد ما ل يتوافق معه ‪ ،‬ث‬
‫البناء على قواعد هذا التصور وعلى ما يصمد من الطر التصورية التفصيلية‬
‫الستمدة من الشاهدات الحققة ومن خبات المارسة ‪ ،‬حت يبلغ المر غايته‬
‫بظهور نظرية المارسة النطلقة من التصور السلمي ( الواكب لستوى العرفة‬
‫العلمية التاحة عند تلك النقطة من الزمن)‪ ،‬حت إذا انتهينا إل مرحلة الستواء ‪-‬‬
‫الت يصبح فيها هذا التوجه هو التوجه السائد ‪ - The paradigm‬فإن إيقاع‬
‫النشاط العلمي يعود إل معدله الطبيعي العتاد الذي ل تده إل حدود المكانات‬
‫البشرية والادية والتكنولوجية ‪ ،‬والذي يدوه فضل ال سبحانه وتعال وما قدره‬
‫الناس من رزق "معرف" ببالغ حكمته ورحته‪.‬‬
‫‪ -3‬إن من الطبيعي أن يقدم التعريف مهمة " بلورة التصور السلمي" على غيها‬
‫مـن الهام ‪ ،‬باعتبارهـا تثـل " البعـد الغائب " فـ التصـورات التقليديـة للخدمـة‬
‫الجتماع ية (وغي ها من ال هن والعلوم الجتماع ية) على الو جه الذي و صلتنا به‬
‫من الغرب ‪ ،‬فمراجع الدمة الجتماعية ومارساتا غاصة بالعارف الستمدة من‬
‫إسهامات العلم الديث ‪ -‬أيا كانت قيمتها القيقية ‪ ،‬وأيا كانت درجة رضائنا‬
‫عن وصف تلك السهامات بالعلمية أصل ‪ -‬كما أنا غاصة بنظريات المارسة‬
‫وطرق التدخل النطلقة من النطلقات الغربية ‪ ،‬وليست قضية التوجيه السلمي‬
‫اليوم ‪ -‬كمـا يظـن بعـض التعجليـ للنتائج ‪ -‬هـي قضيـة ترجيـح أي مـن هذه‬

‫‪- 45 -‬‬

‫النطلقات النظرية على الخر بزعم أنا أقرب للتصور السلمي ‪ ،‬ولكن قضيتنا‬
‫ال ساسية هي أول وق بل كل شىء هي قض ية تد يد أبعاد "الت صور ال سلمي"‬
‫الذي يكننا ف ضوئه الكم على تلك النطلقات أو الضافة إليها‪.‬‬
‫‪ -4‬ويلحظ أن "التصور السلمي" للنسان والكون والياة ‪ ،‬وللسنن النفسية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬ولسباب الشكلت الفردية ‪ ،‬ل تتم خدمته حت الن بطريقة‬
‫منظمة تصلح للستفادة منه بشكل مباشر ف صياغة نظريات المارسة ف‬
‫الدمة الجتماعية ‪ ،‬والهنة أحوج ما تكون اليوم إل بلورة ذلك التصور‬
‫وصياغته ف شكل قضايا تضمها أنساق استنباطية يكن أن تستمد منها الفروض‬
‫لختبارها ف الواقع ‪ ،‬كما يكن ضمها ف جوانبها "القيمية" إل‬
‫الشاهدات"الحققة واقعيا" لتكوين نظرية المارسة‪.‬‬
‫‪ -5‬وبذا تتحدد وظائف " التصور السلمي" الستمد من فهمنا للكتاب والسنة‬
‫الصحيحة ف مقابل الصادر الجتهادية التفصيلية "البشرية" للوصول إل العرفة (‬
‫والت تتمثل ف اللحظات الزئية الت يتم التوصل إليها باستخدام النهج‬
‫العلمي الصحيح‪ ،‬كما تتمثل ف البادئ الت ت التوصل إليها من خلل خبات‬
‫المارسة ) على الوجه التال‪:‬‬
‫أ‪ -‬التصور السلمي للطبيعة البشرية ‪ ،‬وللسنن النفسية والجتماعية ‪ ،‬ولسباب‬
‫الشكلت الفردية والجتماعية ‪ ،‬يعتب بثابة "الطار النظري" الذي يفسر ويربط‬
‫بي الشاهدات أو اللحظات الزئية الحققة ‪ ،‬كما يقدم الفروض الت توجه‬
‫إل مزيد من البحوث با يدم القاعدة العرفية للمهنة‪.‬‬
‫ب‪ -‬يوجه هذا التصور السلمي جهود الهنيي ف المارسة ‪ -‬حت ف‬
‫الوانب الت ل يتم التحقق من صدقها بعد بطريقة علمية منظمة ‪ -‬ويصبح هذا‬
‫التصور بالتال جزءا ل يتجزأ من عناصر الطار الفكري الذي يتم ف ضوئه‬

‫‪- 46 -‬‬

‫التوصل إل "خبات" المارسة الت يكن تعميمها (والت تسمى ف الكتابات‬
‫الهنية "حكمة المارسة")‪.‬‬
‫ج‪ -‬يعتب "التصور السلمي" الشار إليه حجر الزاوية ف تديد القيم الهداف‬
‫النهائية الت تتم المارسة ف ضوئها ‪ ،‬وذلك على اعتبار أن هذا التصور يتضمن‬
‫توصيف الهداف النهائية والشاملة لياة البشر ( العملء منهم والخصائيي‬
‫الجتماعيي) كما يتضمن التوجيهات اللية لصلح حياتم ف الدنيا ولسن‬
‫عاقبتهم ف الخرة ‪ ،‬وبطبيعة الال فإن هذا التصور الشامل يترك مال لقيم‬
‫تفصيلية ومبادئ مددة تلئم متلف الواقف الت تواجه الخصائي الجتماعي‬
‫خلل عمله اليومي ‪ ،‬وهذه لبد فيها من اجتهادنا البشرى ف ضوء التصور‬
‫الشامل وف إطاره‪.‬‬
‫‪ -6‬وهذا يقودنا إل ما جاء ف ناية التعريف ما يشي إل مكان الجتهاد‬
‫البشرى ف التوصل إل ‪ ،‬والستفادة من ‪ ،‬الدراسة العلمية النظمة للظواهر ‪،‬‬
‫وال استنباط البادئ الزئية التفصيلية الوجّهة للمواقف العملية الحددة ‪ ،‬وإل‬
‫ابتكار أساليب التدخل الجرائية اللئمة ‪ ،‬ما يفتح الباب على مصراعيه أمام‬
‫الستفادة بنتائج البحوث العلمية الديثة سواء ف العلوم التأسيسية أو ف بوث‬
‫الدمة الجتماعية ذاتا ‪ ،‬والستفادة من ما يتبلور لدى غينا من مبادئ جزئية‬
‫أو من طرق حديثة للتدخل ‪ ،‬على أن يتم ذلك كله ف نطاق التصور السلمي‬
‫الشامل على الوجه الشار إليه‪.‬‬
‫وإذا ما حاولنا تقدير موقفنا الراهن ف ضوء هذا التعريف يتبي لنا أننا‬
‫لزلنا ف بداية الطريق نو التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬فبالرغم من‬
‫أن الكتبة السلمية زاخرة والمد ل بالراجع والكتب القيمة ف متلف فروع‬
‫العرفة الشرعية ‪ ،‬إل أننا لزلنا باجة إل جهود كبية تبذل لستخلص ما‬

‫‪- 47 -‬‬

‫نتاجه ف ميط الدمة الجتماعية من صياغة "التصور السلمي" للنسان‬
‫والجتمع والكون ف شكل قضايا مترابطة تثل نسقا استنباطيا يكن استخدامه‬
‫بشكل مباشر ف توجيه نظريات المارسة الهنية ‪ ،‬وبطريقة يكن أن نستمد منها‬
‫فروضنا العلمية لختبارها ف بوث الدمة الجتماعية‪.‬‬
‫كما أننا ل نكد نبدأ بعد مهمة الراجعة النقدية الادة للكتابات الديثة ف‬
‫ميط الدمة الجتماعية ف ضوء التصور السلمي ‪ ،‬ولزالت نظريات المارسة‬
‫النطلقة من النساق القيمية للمجتمعات الت تقدمت فيها الدمة الجتماعية ‪-‬‬
‫خصوصا الوليات التحدة المريكية ‪ -‬توجه الكتابات الهنية للخدمة الجتماعية‬
‫ف كل أرجاء العال السلمي ‪ ،‬باستثناء ماولت مدودة الجم والثر على ما‬
‫يتم تدريسه رسيا ف إطار الطط الدراسية ومتويات القررات ف كليات‬
‫ومعاهد وأقسام الدمة الجتماعية‪.‬‬
‫أما عن مهمة إياد "التكامل القيقي" بي نظريات المارسة الهنية‬
‫الديثة من جانب وبي التصور السلمي للنسان والجتمع والكون من جانب‬
‫آخر فإن من الواضح أن تلك الهمة ل تزال تنتظر تقيق التقدم على البهتي‬
‫السابقتي حت يكن أن تبدأ ‪ .‬ومع ذلك فإن معال الطريق ول المد قد باتت‬
‫واضحة ‪ ،‬وحاجتنا القيقية هي إل أن نعقد العزم ‪ ،‬ونعد العدة ‪ ،‬وندّ ف‬
‫السي ‪ ،‬فالنور واضح ف ناية النفق الظلم ‪ -‬كما يقولون ‪ -‬ومن هنا فقد يكون‬
‫ما يفيد هذه السية الباركة أن نتهد هنا لوضع بعض الطوط والؤشرات العامة‬
‫حول أبعاد التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬قُصد منها أن تكون بثابة‬
‫نقاط مبدئية يكن أن يبدأ حولا الوار العلمي ‪ ،‬الذي نرجو أن يعاون بشيئة ال‬
‫على بلوغ الدف وتقيق الأمول بفضله وإكرامه‪.‬‬

‫‪- 48 -‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫أبعاد التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫البحث الول ‪ :‬الطبيعة البشــرية ف النظور السـلمي‪.‬‬
‫البحث الثان ‪ :‬السنن النفسية والجتماعية‪.‬‬
‫البحث الثالث ‪ :‬تسي الشكلت الفردية والشكلت الجتماعية‪.‬‬
‫البحث الرابع ‪ :‬الرعـاية الجتـماعية والصلح الجتماعي‪.‬‬
‫البحث الامس ‪ :‬طـرق التـدخل الهــن للخدمة الجتماعية‪.‬‬

‫‪- 49 -‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫أبعاد التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية‬
‫إذا كانت الدمة الجتماعية كمهنة تستهدف مساعدة "النسان" كفرد أو‬
‫كعضو ف جاعة أو متمع على مواجهة "مشكلته" وإشباع حاجاته ‪ ،‬مع تنمية‬
‫قدراته إل أقصى حد مكن ‪ ،‬فإن من الواضح أن عملية الساعدة لبد أن تكون‬
‫مبنية ف الساس على فهم كاف "لوضوع" تلك الساعدة ‪ ..‬أل وهو‬
‫"النسان"… سواء من حيث طبيعته ومكوناته الت رُكّب منها ‪ ،‬أو من حيث‬
‫ديناميات التفاعل بي تلك الكونات ‪.‬‬
‫حت إذا اتضحت لدينا الصورة حول طبيعة النسان ومكوناته الت‬
‫رُكّب منها ‪ ،‬لزِ َمنَا أن نتعرف على السنن والقواني الت تكم سلوك هذا‬
‫النسان كفرد ‪ ،‬وتلك الت تكم علقاته مع غيه ‪ ،‬إضافة إل تلك الت تكم‬
‫البناء الجتماعي والثقاف الذي تتم تلك العلقات ف إطاره ‪ ،‬وذلك على اعتبار‬
‫أن معرفتنا بتلك السنن تساعدنا من جهة على تفسي السلوك النسان ف حال‬
‫السواء ‪ ،‬كما تقدم لنا من جهة أخرى معيارا لضاهاة السلوك عليه ف حالة‬
‫النراف‪.‬‬
‫ولكن لا كانت الدمة الجتماعية منذ بداياتا التاريية الول وحت اليوم‬
‫تتم اهتماما خاصا بساعدة أولئك الذين يواجهون "مشكلت" أو صعوبات ف‬
‫أدائهم لوظائفهم الجتماعية ‪ ،‬وهو ما يثل الانب العلجي من التدخل الهن ‪،‬‬
‫كما تتم بإزالة الظروف والؤثرات الت يكن أن تؤدى إل النراف معاونة على‬
‫حاية الناس من الوقوع ف مثل تلك الشكلت ‪ ،‬وهو ما يثل الانب الوقائي‬
‫من التدخل الهن ‪( ،‬ف نفس الوقت الذي تعمل فيه بالطبع على إتاحة الفرص‬

‫‪- 50 -‬‬

‫أمام الناس لستثمار طاقاتم وتقيق ذواتم إل أقصى حد مكن ‪ ،‬وهو ما يثل‬
‫الانب التنموي من التدخل الهن) ‪ ،‬فإن فهم السباب والعوامل الؤدية إل‬
‫حدوث الشكلت الفردية والشكلت الجتماعية يثل أساسا لزما لتصميم‬
‫برامج التدخل الهن ف جوانبها العلجية والوقائية على أساس واقعي ‪.‬‬
‫ولا كانت سياسات وبرامج ومؤسسات الرعاية الجتماعية والتنمية‬
‫الجتماعية تثل الوعاء الذي تتم ف إطاره المارسة الهنية للخدمة الجتماعية ‪،‬‬
‫فإن وضوح التصور السلمي للسس الت تقوم عليها تلك "السياسات والبامج‬
‫والؤسسات" يعتب شرطا لزما لنجاح جهود التدخل الهن‪.‬‬
‫وأخيا فإن استجلء جوانب كل بعد من البعاد الربعة السابقة ‪ ،‬ووضوح‬
‫العلقات فيما بينها ف ترابطها وتسلسلها ‪ ،‬يهد الطريق ‪ -‬بشكل منطقي ‪-‬‬
‫لوضع السس العامة "لنظرية المارسة" ف الدمة الجتماعية ‪ ،‬والت تشمل‬
‫الواقف والعراض الت تتطلب التدخل ‪ ،‬كما تشمل الهداف الت يوجه نوها‬
‫العمل الهن ف كل نوع من تلك الواقف ‪ ،‬إضافة إل استراتيجيات وأدوات‬
‫التدخل اللئمة لكل منها‪.‬‬
‫وما سبق فإننا نستطيع أن نصر "البعاد الساسية" الت ينبغي أن تنصب‬
‫عليها جهودنا لعادة بناء الدمة الجتماعية وفق التصور السلمي ‪ -‬والت‬
‫ألحنا إليها ضمنا ف تعريف التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪ -‬ف البعاد‬
‫المسة التالية ‪:‬‬

‫‪ -1‬الطبيعة البشرية ف النظور السلمي‪.‬‬
‫‪ -2‬السنن النفسية والجتماعية‪.‬‬

‫‪ -3‬تفسي الشكلت الفردية والشكلت الجتماعية‪.‬‬

‫‪ -4‬سياسات وبرامج الرعاية الجتماعية والتنمية الجتماعية ‪.‬‬

‫‪- 51 -‬‬

‫‪ -5‬طرق وأساليب التدخل الهن للخدمة الجتماعية ‪.‬‬

‫والتأمل لذه القائمة يتبي له على الفور أن مهمة التأصيل السلمي للبعاد‬
‫الثلثة الول إنا تقع أساسا ف نطاق اختصاص الشتغلي بعلم النفس ‪ ،‬وعلم‬
‫النفس الجتماعي ‪ ،‬وعلم الجتماع كشركاء أصليي ‪ ،‬إضافة إل التخصصي‬
‫ف علم القتصاد والعلوم السياسية كشركاء متضامني ‪ ،‬ولكن الشاهَد أن‬
‫التخصصي ف هذه العلوم "النظرية" إذ ينصب اهتمامهم الوّل على الفهم‬
‫والتفسي وبناء النظريات فإنم عادة ما تستغرق جهودهم لتأصيل علومهم‬
‫إسلميا وقتا أطول بكثي ما يأمله منهم التخصصون ف الهن الستفيدة من‬
‫علومهم ( كالتربية والعلج النفسي والدمة الجتماعية )‪.‬‬
‫وقد يرجع السبب ف هذه الفجوة الزمنية بي رجال التنظي ورجال المارسة إل‬
‫متطلبات الجراءات النهجية الت يتعي على التخصصي ف تلك العلوم الوفاء‬
‫با قبل إصدار أحكامهم العلمية (الت هي ف كل الحوال ذات طبيعة احتمالية)‬
‫سواء على صعيد البحوث أو على صعيد النظرية ‪ ،‬ولكنه قد يرجع أيضا إل ألوان‬
‫القاومة و التحرج الألوفة والتوقعة عند العلماء عندما يواجهون مواقف تتطلب‬
‫تعديلت جوهرية ف أطرهم النظرية أو ف "التوجه العلمي السائد" الذي يتبعونه‬
‫إذا استخدمنا تعبي توماس كون (‪ ، )Kuhn 1970‬كما قد يرجع السبب ف تلك‬
‫الفجوة إل اختلف درجة إلاح أو ضغط الزمن على كل من الفريقي ‪ ،‬فرجال‬
‫العلوم النظرية يلكون كل الوقت الذي يشاءون لجراء بوثهم واستنباط أطرهم‬
‫النظرية وإجراء التعديلت عليها‪ ،‬ف حي أن رجال المارسة تقع عليهم ضغوط‬
‫أشد كثيا لتاذ قرارات ل إمهال فيها ‪ ،‬وليس أمامهم من سبيل إل السترشاد‬
‫بأفضل ما هو متاح أمامهم من معرفة ف اتاذ تلك القرارات ‪.‬‬

‫‪- 52 -‬‬

‫ولذا السبب فإنه ليس أمام التخصصي ف الدمة الجتماعية مفر من أن‬
‫يأخذوا زمام البادرة بأيديهم لتأصيل تلك البعاد الثلثة (ضمن بقية أبعاد التوجيه‬
‫السلمي للخدمة الجتماعية) ‪ ،‬بدءا من مسح الكتابات الت تتعرض بشكل أو‬
‫آخر لعملية تأصيل تلك البعاد الثلثة ف مصادر العلوم النظرية الشار إليها‪ ،‬إل‬
‫ماولة إياد قدر من التكامل بي تلك السهامات ف متلف تلك العلوم ف‬
‫حدود المكان ‪ ،‬بل والجتهاد وسع الطاقة للدلء بدلوهم أيضا ف عملية‬
‫تأصيل تلك البعاد ف ضوء خبتم الباشرة ‪ ،‬على اعتبار أن هذا الوقف أفضل‬
‫بكثي من مرد النتظار ‪ -‬الذي قد يطول ‪ -‬حت يقوم الزملء التخصصون ف‬
‫تلك العلوم الخرى بتلك الهام بأنفسهم ‪ ،‬هذا علوة على أننا إذا أخذنا الاضي‬
‫دليل على ما يكون ف الستقبل فإننا ل نتوقع أن يبذل التخصصون ف كل علم‬
‫من تلك العلوم جهودا كافية لياد "التكامل" مع العلوم الشقيقة الخرى ‪،‬‬
‫وذلك لنشغال كل فريق من العلماء با يعُدّونه " قلب التخصص" ‪ ،‬وعدم‬
‫الهتمام با يعدونه "هامش" التخصص‪ ،‬رغم أن الواقع الذي نعمل معه نادرا ما‬
‫يعرف هذه التفرقة الصطنعة‪.‬‬
‫ولعل من أهم الواجبات الت يتعي على الهتمي بالتوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية القيام با ‪ ،‬بلورة "الفتراضات الساسية" حول النسان والجتمع‬
‫والكون الت يقوم عليها التصور النظري لكل هذه البعاد المسة جيعا ‪ ،‬وذلك‬
‫من خلل الحاولة الادة لياد تكامل حقيقي بي معطيات التصور السلمي‬
‫من جهة وبي معطيات العلوم الديثة من جهة أخرى ‪ ،‬ولكن ما الذي نقصده‬
‫بتلك الفتراضات الساسية ؟ وما علقتها بالتصور النظري النطلق من منظور‬
‫إسلمي ؟‬

‫‪- 53 -‬‬

‫إن معظم طلب العلم البتدئي ل يتصورون أن النظريات الت يدرسونا مبينة‬
‫على أي افتراضات أو مسلمات "غي مققه علميا" عن طبيعة النسان والجتمع‬
‫والكون ‪ ،‬وذلك لنم ل يقعون عادة على مثل تلك الفتراضات والسلمات‬
‫معروضة بشكل ظاهر ومدد ف الكتابات الت تعرض تلك النظريات ‪ ،‬وقد‬
‫يظن بعضهم أن تلك النظريات مبنية من ألفها إل يائها على مشاهدات ت التحقق‬
‫من صدقها وبالتال فل مال للتساؤل عن مدى صحة تلك القائق أو التشكك‬
‫ف مدى إمكان العتماد عليها ‪ ،‬وأخيا فإنم قد يتوهون بأن أمثال تلك‬
‫الفتراضات أو السلمات سواء كانت جزءا من النظرية أو ل تكن جزءا منها فإن‬
‫ذلك ل يغي من الواقع شيئا ول يؤثر على قيمة النظرية ف قليل أو أكثر ما دامت‬
‫تلك الفتراضات أشياء "مسلما با"‪ ،‬وقد يظنون أن تناول مثل تلك المور‬
‫الجردة بالبحث والتقصي إنا هو من باب التفلسف أو الترف العقلي الذي هم‬
‫ف غن عنه‪.‬‬
‫وليس هناك أمر أبعد من القيقة عن تلكم التصورات والظنون ‪ ،‬فكل العلماء‬
‫الهتمي ببناء النظريات ‪ Theory Building‬يُجمعون على أن كل نظرية تقوم‬
‫بالضرورة على عدد من الفتراضات الت يسلم با أصحاب النظرية دون‬
‫إخضاعها للبحث والتحقق العلمي ‪ -‬أو حت دون أن تكون قابلة أصل للتحقق‬
‫من صحتها إمبييقيا (‪ ، )Black & Champion, 1976: 59‬ولكن هذه‬
‫الفتراضات تكون معلنة أحيانا ومضمرة ضمنية ف كثي من الحيان ‪ ،‬وغالبا ما‬
‫تكون مستمدة من الطار الثقاف الشل للمجتمع وملونة بانيازاته القيمية ‪،‬‬
‫ومن هنا فإنا تصبغ التفسيات الت تفسر با النظرية مموعة القائق العلمية الت‬
‫ت الوصول إليها من خلل البحوث الواقعية (‪، )Hoover,1980 : 74- 75‬‬
‫ويؤكد مايردال هذا العن ف بثه الشهي حول التفرقة العنصرية ف الوليات‬

‫‪- 54 -‬‬

‫التحدة المريكية وما تقوم عليه من افتراضات ضمنية ومن انيازات قيمية ‪،‬‬
‫حيث شبه تلك الفتراضات وصّور صعوبة الفكاك منها بأنا " كالضباب الذي‬
‫يغلفنا به ذلك النوع الذي نأخذ به من الثقافة الغربية ‪ ،‬فالؤثرات الثقافية قد‬
‫حددت الفتراضات الت ننطلق منها بصدد العقل والسد والكون ‪( ،‬فهذه‬
‫الؤثرات الثقافية ) تطرح السئلة الت نلقيها ‪ ،‬وتؤثر ف الوقائع الت نلتمسها ‪،‬‬
‫وتقرر التفسي الذي نعطيه لذه الوقائع ‪ ،‬وتوجه ردود أفعالنا إزاء هذه التفسيات‬
‫والستنتاجات " (أجروس وستانسيو ‪.)144:‬‬
‫وإذن فإن هذه الفتراضات العلنة أو الضمنية تكون بثابة القواعد أو‬
‫العمدة الختفية الت يبن عليها صرح النظرية الظاهر للعيان ‪ ،‬ولكنها رغم‬
‫خفائها تؤثر أبلغ الثر على الشكل العام أو البناء العام للنظرية ‪ ،‬فإذا كانت‬
‫الفتراضات صحيحة وكافية كان هذا أدعى لقوة النظرية واتساقها ومطابقتها‬
‫للواقع ‪ ،‬أما إذا كانت خاطئة أو جزئية أو‬

‫اختزالية ‪reductionist‬‬

‫(تيل بعض‬

‫العوامل إل ما هو أقل منها قدرة على التفسي ‪ ،‬أو تذف متغيات هامة تعسفا )‬
‫فإننا قد ند أنفسنا أمام موقف مدهش ‪ ،‬تكون فيه القائق الزئية الت تضمها‬
‫النظرية صحيحة ‪ ،‬ولكنها تكون ف الوقت ذاته قائمة على قواعد متهاوية أو‬
‫منهارة ‪ ،‬وبلغة أخرى فإن النظرية ف هذه الالة تكون صحيحة بعن ‪ ،‬وغي‬
‫صحيحة بعن آخر ‪ ،‬ما يؤدى إل كثي من اللط ‪ ،‬فهي صحيحة بعن أنا تضم‬
‫مموعة من الشاهدات الحققة والثابتة ‪ ،‬ولكنها غي صحيحة ف ضوء‬
‫الفتراضات الت ت جع البيانات حول تلك القائق ف ظلها ‪ ،‬فإذا كانت‬
‫"الفتراضات" غي صحيحة أو غي كاملة لزم عن ذلك أن النظرية بأسرها تكون‬
‫غي صحيحة أو غي كاملة تبعا للقاعدة الت أقيمت عليها ‪ ،‬وهذا تاما هو‬
‫الوقف الذي اتذه السي جون إيكلز ‪ Eccles‬ف تقويه لسهامات الدرسة‬

‫‪- 55 -‬‬

‫السلوكية إذ يقول " إنن ‪ ...‬أؤيد كل التأييد البحوث العلمية عن السلوك وردود‬
‫الفعل الشرطية ‪ ،‬بل وجيع البامج الالية لعلم النفس النظري ‪ ..‬على أنن‬
‫اختلف اختلفا جذريا مع السلوكيي ف دعواهم بأنم يقدمون تفسيا كامل‬
‫لسلوك النسان ‪ ،‬لن ( السلوكية ) تتجاهل تارب الواعية ‪ ..‬الت تشكل ف‬
‫نظري ‪ ..‬القيقة الول " ( أجروس وستانسيو ‪.)119 :‬‬
‫وف نطاق نظريات علم الجتماع يقول ألفي جولدنر " سواء أعجبك‬
‫هذا أو ل يعجبك ‪ ...‬وسواء عرفت ذلك أم ل تعرفه ‪ ...‬فإنه علماء الجتماع‬
‫يصممون بوثهم ف إطار افتراضاتم السبقة ‪ ..‬فإذا أردت التعرف على طبيعة‬
‫أي توجه سوسيولوجي فإن المر يتطلب منك ‪ ...‬ف ضوئها أن تدد‬
‫الفتراضات العميقة الت يقوم عليها ذلك التوجه فيما يتصل بالنسان‬
‫والجتمع ‪ .. ،‬وأنا إن أردت فهم طبيعة أي توجه نظري فإنن ل أنظر ف الناهج‬
‫الت يستخدمها وإنا أنظر بدل من ذلك ف الفتراضات الت يقوم عليها من‬
‫حيث نظرته للنسان والجتمع‪ "..‬وتضيف بولوما (‪ )Poloma, 1970 :1‬الت‬
‫أوردت هذا النقل عن جولدنر أن "كل نظريات علم الجتماع تقوم على‬
‫افتراضات حول طبيعة النسان وطبيعة الجتمع ‪ ،‬وأن هذه الفتراضات تعتب‬
‫الساس الذي يقام عليه بناء الطر النظرية الختلفة ‪ ..‬والتخصصون ف علم‬
‫الجتماع غالبا ما َيعْمَ ْو َن عن الفتراضات الت تتويها أطرهم النظرية"‪.‬‬
‫ومن هنا فإننا نرى من واجبنا فيما يلي أن نتحن بعض الفتراضات الساسية‬
‫الت تقوم عليها نظريات العلوم الجتماعية ونظرية المارسة ف الدمة‬
‫الجتماعية فيما يتعلق بكل بعد من البعاد الساسية لعملية التوجيه السلمي‬
‫للخدمة الجتماعية ‪ ،‬مع مقارنتها با نظنه مبدئيا يتمشى مع التصور السلمي‬

‫‪- 56 -‬‬

‫لتلك البعاد ‪ ،‬لعلنا نكتسب شيئا من الستبصار بتلك الهمة ‪ ،‬ولعلنا نوفق ف‬
‫الشارة إل بدايات الطريق ف اتاه انطلق الدمة الجتماعية من منظور‬
‫السلم‪.‬‬
‫البحث الول ‪ :‬الطبيعة البشرية ف النظور السلمي‬
‫العلوم الجتماعية الديثة وتصورها للطبيعة البشرية‪:‬‬

‫لو أننا قمنا بتحليل الفتراضات الساسية الت تقوم عليها نظريات علم النفس‬
‫الديث فيما يتصل بالطبيعة البشرية لوجدنا مع كارل روجرز أن "لكل تيار ف‬
‫علم النفس فلسفته الضمنية الاصة به عن النسان ‪ ،‬وهذه الفلسفات وإن كانت‬
‫ف الغلب ل تُطرح بصراحة (فإنا ) تارس نفوذها بأساليب خفية ‪ ..‬فالنسان‬
‫عند السلوكي مرد آلة ‪ ،‬آلة معقدة ولكنها مع ذلك قابلة للفهم (كآلة ) ‪ ،‬وف‬
‫وسعنا أن نتعلم كيف نؤثر فيه ‪ ..‬ليفكر ‪ ..‬ويتحرك ‪ ...‬ويتصرف بالطرائق الت‬
‫نتارها له ‪ ،‬والنسان عند الفرويديي كائن غي عقلن ‪ ،‬رهي ماضيه بل فكاك‬
‫‪ ،‬وحصيلة لذلك الاضي ‪ ،‬أي (حصيلة) عقله اللواعي ‪ ، "..‬ويضيف أجروس‬
‫وستانسيو إل هذا النقل عن روجرز قولم بأن نظريات علم النفس تنظر للنسان‬
‫على أنه "مرد كائن مادي" ‪ ، ..‬حيث ترى السلوكية مثل أن "جسم النسان‬
‫هو القيقة النسانية الوحيدة" ‪ ،‬أما فرويد فإنه "يبدأ دراسته مفترضا أنه " ل‬
‫وجود إل للمادة " (‪.)120 ، 84-79‬‬
‫ومن الطبيعي أن من يسلمون بثل هذه الفتراضات الختزلة حول الطبيعة‬
‫النسانية ‪ ،‬والت ل ترى ف النسانية أكثر من مرد آلة أو حيوان مدفوع‬
‫بدوافع مادية ( ول يطلعونا ‪ -‬بالناسبة ‪ -‬هل لديهم من سلطان بذا أو أثارة من‬
‫علم !) لبد واصلون إل تفسيات للسلوك النسان تتلف عن تلك الت يسلم‬

‫‪- 57 -‬‬

‫با غيهم من أصحاب النظريات العارضة لم كأصحاب التاه النسان‬
‫‪ Humanistic Approach‬الحدث نسبيا الذين يرفضون الفتراضات الساسية‬
‫للسلوكيي والفرويديي الت ل يقم عليها أي دليل علمي مقق بأن النسان مرد‬
‫آلة مادية أو حيوان تسيه غرائزه ‪ ،‬ويطالب أصحاب ذلك التاه "بأنسنة" علم‬
‫النفس بيث يعترف إل جانب تلك العناصر الادية ف النسان بأولوية تأثي‬
‫الوانب العقلية والروحية فيه (ويلحظ أن الكثيين من أصحاب هذا التوجه‬
‫يستخدمون هذا الصطلح الخي ‪ -‬أقصد الوانب الروحية ‪ -‬غالبا بعن‬
‫الوانب الخلقية والمالية كسمات منبثقة "تطوريا" عن الوانب الفيزيقية و‬
‫البيولوجية)‪ ،‬وإن كانوا ل يزالون متحرجي ‪ -‬لسباب ل تفى ‪ -‬من العتراف‬
‫بأن للروح وجودا حقيقيا واقعيا كامل وإن كان يتلف عن الوجود الادي بأنه‬
‫غي مقيد بقيود الزمان والكان ‪ ،‬أو العتراف بأن الروح هي مستقر "معرفة" ال‬
‫عز وجل ‪ ،‬وبأنا هي وعاء الصلة به‪.‬‬
‫ومن الواضح أن التصور السلمي للطبيعة البشرية يستند إل افتراضات‬
‫تتلف اختلفا جوهريا عن الفتراضات السابقة جيعا ‪ ،‬وإن استوعبت جوانب‬
‫الق فيها كما سنرى ‪ ،‬وبديهي أن هذا التصور لبد أن يقودنا بالضرورة إل‬
‫تفسيات للسلوك تتلف اختلفا جوهريا عن التفسيات الت تقودنا إليها‬
‫التصورات الوضعية الختزلة الت أشرنا إليها فيما سبق ‪ ،‬ورغم أن ماولة‬
‫توصيف التصور السلمي للطبيعة البشرية تفصيل ترج عن نطاق هذه الورقة ‪،‬‬
‫وأن هذه الحاولة تتاج لتضافر جهود التخصصي ف العلوم الشرعية والعلوم‬
‫الديثة ‪ ،‬إل أننا سنشي فيما يلي فقط إل بعض عناصر هذا التصور لغرض‬
‫القارنة بالسلمات والفتراضات الت وجدناها عند رجال علم النفس الديث ‪،‬‬
‫ولغرض بيان ما يترتب على الختلفات بينهما من آثار عميقة ف فهمنا للنسان‬

‫‪- 58 -‬‬

‫والجتمع ‪ ،‬والت تنعكس بدورها على تصوراتنا للصلح والتغيي القصود ف‬
‫ميط الدمة الجتماعية ‪.‬‬

‫التصور السلمي للطبيعة البشرية‪:‬‬
‫إذا بدأنا بتعريف النسان ف كتابات السلميي لوجدنا مثل أن الراغب‬
‫الصفهان ييز ف هذا الصدد بي مفهومي للنسان ‪ :‬مفهوم عام ومفهوم‬
‫خاص ‪ ،‬فالنسان بالعن العام هو "كل منتصب القامة متص بقوة الفكر‬
‫واستفادة العلم" وأما بالعن الاص فالنسان هو "كل من عرف الق فاعتقده‬
‫والي فعمله بسب وسعه" ‪ ،‬والناس يتفاضلون بذا العن ‪ ،‬وبسب تصيله‬
‫تستحق النسانية الت تعن "فعل الختص بالنسان" ‪ ،‬فتحصل له النسانية بقدر‬
‫ما تصل له العبادة الت لجلها خلق (الدباغ ‪ ، )1991،‬و ينبغي أن نلحظ هنا‬
‫أن الفروق بي الفهومي شاسعة حقا ‪ ،‬وأن لا آثاره العميقة على سلوك النسان‬
‫وحياة الجتمعات‪.‬‬
‫ولعلنا ل نكون قد ابتعدنا عن القيقة كثيا إذا قلنا أن التصور السلمي للطبيعة‬
‫البشرية على هذا الساس يقوم على الفتراضات الساسية التية ‪ -‬أو على ما‬
‫هو قريب منها ‪ ( -‬ويكن لن أراد مزيدا من التفصيل أن يرجع إل مقال أفدت‬
‫منه كثيا حول "النظور السلمي للطبيعة النسانية " (الدباغ‪1991 ،‬أ )‪:‬‬
‫‪ -1‬أن النسان " كائن فريد" خلفه ال سبحانه وتعال ‪ -‬مبدع هذا الكون‬
‫وصاحب التصرف الطلق فيه (أَلَ لَهُ الْخَلْقُ وَالَ ْمرُ) (العراف ‪ - )54 :‬وأن ال‬
‫قد فضل هذا النسان على كثي من خلقه تفضيل‪.‬‬

‫‪- 59 -‬‬

‫‪ -2‬اقتضت مشيئته تعال خلق النسان لغاية أو لوظيفة رئيسة تتمثل ف "عبادة‬
‫ال " التضمنة لعرفته ‪ ،‬وتعظيمه ‪ ،‬وطاعة أمره ‪ ،‬والقيام با شرع لعمارة الرض‬
‫الت استخلفه فيها‪.‬‬
‫‪ -3‬النسان ملوق من عنصرين "جسد" من طي و "روح" نورانية من أمر ال ‪،‬‬
‫ك لِلْمَلَائِكَ ِة ِإنّي خَالِ ٌق بَشَرا مِن ِطيٍ ‪ ،‬فَإِذَا‬
‫تل ف السد فتحييه ‪ِ( ،‬إذْ قَالَ َربّ َ‬
‫سَوّْيتُ ُه وَنَفَخْتُ فِي ِه مِن رّوحِي َفقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ( ص ‪ ، )72 -71 :‬وينتج عن‬
‫اندماج الروح والبدن "نفس" تدبر هذا الخلوق وتعطيه وحدته وتكامله ‪.‬‬
‫‪ -4‬يترتب على الطبيعة الادية الطينية للجسد وجود ميل طبيعي ف النفس‬
‫للفراط وتاوز الدود سعيا وراء ضمان الحافظة على بقاء النسان واستمرار‬
‫وجوده ‪ ،‬ما ينتج ف النفس صفات "كنفاذ الصب والستعجال" لا ليس عندها ‪،‬‬
‫"والشح والبخل" با عندها ‪ " ،‬والبطر والفرح والعُجب" با تراها تيزت به عن‬
‫الخرين ‪" ،‬والزع واليأس واللع" عندما تفقده ‪" ،‬والراء و اللّدَد ف‬
‫الصومة" إن تنازعته مع الغي وهكذا ‪.‬‬
‫‪ -5‬إذا تُرك لتلك الصفات الفرصة لن تعب عن نفسها تعبيا حرا غي مقيد فإنا‬
‫تصبح غي‬

‫وظيفية ‪dysfunctional‬‬

‫بعن أنا تتعارض مع متطلبات بقاء النسان‬

‫ف حياة اجتماعية تعاونية منظمة ‪ ،‬مع أن تلك الياة الجتماعية لزمة لشباع‬
‫حاجته التعددة ‪ ،‬لنه ل يلق قادرا على إشباعها منفردا أبدا‪.‬‬
‫‪ -6‬هنا يأت دور الطبيعة "الروحية" للنسان ‪ ،‬والت تثل عنصر ارتباط النسان‬
‫بربه وخالقه ‪ ،‬والت تقوم بعادلة أو موازنة تلك التاهات التجاوزية ‪ ،‬با يعطى‬
‫النسان قيمته القيقية كإنسان ‪ ،‬ويتجلى هذا الدور من خلل ما يلي‪:‬‬

‫‪- 60 -‬‬

‫أ‪ -‬يتصف ال ‪ -‬خالق النسان والكون ‪ -‬بكل صفات اللل والكمال ‪ ،‬فهو‬
‫سبحانه القوى القادر العليم الكيم ‪ ،‬النتقم البار ‪ ،‬الرءوف الرحيم ‪ ،‬الغفور‬
‫الودود ‪.‬‬
‫ب‪ -‬عرّف ال سبحانه وتعال خلقه به وهم ف عال سابق على الوجود ف هذه‬
‫ك مِن‬
‫الدنيا ‪ ،‬فأشهدهم على ربوبيته ووحدانيته وهم ف عال الذر ‪ ،‬وَِإ ْذ أَخَذَ َربّ َ‬
‫ستَ ِب َربّكُمْ قَالُواْ بَلَى‬
‫َبنِي آدَ َم مِن ُظهُورِهِمْ ُذرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ َألَ ْ‬
‫شَهِدْنَا أَن َتقُولُواْ يَوْمَ الْ ِقيَامَةِ) ( العراف ‪ )172 :‬كيل يتج أحد بعد ذلك بأنه‬
‫كان عن هذا من الغافلي ‪ ،‬وف الديث الذي رواه المام أحد (…جَمَعَهُمْ‬
‫فَجَعَلَهُمْ َأرْوَاحًا ثُ ّم صَ ّورَهُمْ فَا ْسَتنْطَقَهُمْ َفتَكَلّمُوا ثُمّ َأخَ َذ عََليْهِمْ اْلعَهْدَ‬
‫وَالْمِيثَاقَ…) وف رواية أخرى لحد أيضا (…أَخَذَ اللّهُ الْمِيثَاقَ مِ ْن ظَ ْهرِ آدَمَ‬
‫ج مِنْ صُ ْلبِهِ كُ ّل ُذرّيّ ٍة َذرَأهَا فََنَثرَهُمْ َبيْنَ يَدَيْهِ كَال ّذرّ ثُمّ‬
‫ِبَنعْمَانَ َيعْنِي عَرَفَةَ فََأ ْخرَ َ‬
‫ت ِب َربّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا…) (انفرد به المام أحد) ‪.‬‬
‫كَلّمَهُمْ ِقبَل قَا َل أَلَسْ ُ‬
‫ج‪ -‬ث إنه سبحانه ‪ -‬إيقاظا وتدعيما لا أودعه كامنا ف هذه الفطرة ‪ -‬قد أرسل‬
‫الرسل مذكرين ومبشرين ومنذرين لئل يكون للناس على ال حجة بعد الرسل ‪،‬‬
‫فمن حافظ على صفاء فطرته ونقاء سريرته فإنه يسارع عند ساع الرسل‬
‫بالتصديق والنضمام إل أهل اليان ‪ ،‬وأما من التَوَتْ فطرته فإنه يلتصق بالرض‬
‫وينضم إل أهل التكذيب والضلل ‪ ،‬وهذا هو جوهر "الختبار النسان" ف‬
‫هذه الياة ‪ ،‬وهو أيضا الحك الذي ف ضوئه تتحدد "نوعية حياة" النسان ‪.‬‬
‫د‪ -‬فأما من آمن برسالت ربه ‪ ،‬ث اهتدى بإرشاد الرسل ‪ ،‬فوعى رسالته‬
‫ووظيفته ف هذه الياة ‪ ،‬وعرف حق ربه ‪ ،‬فوقف عند أمره ونيه ‪ ،‬فإن ثرة‬
‫ذلك تتمثل ف ضبط تلك الصفات التجاوزية البدنية وكبح جاحها (إِنّ الْإِنسَانَ‬
‫شرّ َجزُوعا {‪ }20‬وَِإذَا مَسّ ُه الْخَْيرُ َمنُوعا {‪}21‬‬
‫خُلِقَ هَلُوعا {‪ِ }19‬إذَا مَسّهُ ال ّ‬

‫‪- 61 -‬‬

‫إِل الْمُصَلّيَ { ‪ }22‬الّذِينَ هُ ْم عَلَى صَلتِهِمْ دَائِمُونَ {‪ }23‬وَالّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ‬
‫حرُومِ {‪ }25‬وَالّذِي َن ُيصَدّقُونَ ِبيَوْ ِم الدّينِ‪) ...‬‬
‫حَ ّق مّعْلُومٌ {‪ }24‬لّلسّائِ ِل وَالْمَ ْ‬
‫(العارج‪ )26 -19 :‬وذلك إضافة إل تقيق الفلح ف الخرة (وَأَمّا مَنْ خَافَ‬
‫س عَنِ الْهَوَى {‪ }40‬فَِإ ّن الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (النازعات) ‪،‬‬
‫مَقَا َم َربّهِ وَنَهَى الّنفْ َ‬
‫والعكس صحيح على كل الستويات وبكل القاييس‪.‬‬
‫‪ -7‬ث إن ال جل وعل راد الناس إل معاد ‪ ،‬وماسبهم على ما استخلفهم فيه‬
‫فمجازيهم على أعمالم ف حياة أخرى هي ف التصور السلمي "الياة"‬
‫القيقية ‪ ،‬أما الدنيا بكل ما فيها فإنا دار ابتلء واختبار ف مدى ودرجة اللتزام‬
‫بواجبات العبودية القة ل ‪" ،‬فالنسان الذي يقوم بالعبادة ‪ -‬الت من أجلها‬
‫خلق ‪ -‬حق القيام فقد استكمل النسانية ومن رفضها فقد انسلخ من النسانية‬
‫فصار حيوانا ودون اليوان ‪ ،‬كما وصف ال الكفار إِنْ هُ ْم إِلّا كَالَْنعَا ِم بَلْ هُمْ‬
‫أَضَلّ َسبِيلً) (الفرقان ‪( " )44 :‬الدباغ ‪1991،‬أ)‪.‬‬
‫‪ -8‬ومور الياة الروحية للنسان هو " القلب" الذي يثل الرابطة بي "العرفة‬
‫والعتقاد" من جهة "والسلوك والرادة" من جهة أخرى ‪ ،‬وعرفه المام الغزال‬
‫بأنه هو "الروح النسان التحمل لمانة ال ‪ ،‬التحلي بالعرفة ‪ ،‬الركوز فيه العلم‬
‫بالفطرة ‪ ،‬الناطق بالتوحيد بقوله (بلى شهدنا) ‪ ،‬وهو بذا مل معرفة ال عز‬
‫وجل" (الدباغ‪ 1991 :‬أ ‪ ، )11 :‬فإذا قام القلب بوظيفته الروحية التمثلة ف‬
‫معرفة ال عز وجل وحبه وعبادته وذكره وإيثار ذلك على كل شهوة سواء ‪،‬‬
‫استقامت حياة النسان ككل ‪ ،‬فجاء سلوكه متمشيا مع ما يرضى خالقه وبارئه‬
‫ومثل هذا النسان ييا حياة طيبة مليئة بالطمأنينة والسكينة ‪ ،‬ويعيش مَن حوله‬
‫منه ف راحة ‪ ،‬حت إذا جاء أوان الرتال ‪ ...‬القريب دائما ‪ ...‬عن هذه الدنيا‬
‫حِيَينّهُ‬
‫كان مآله نعيم الخرة (مَ ْن عَمِلَ صَالِحا مّن ذَ َكرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُ ْ‬

‫‪- 62 -‬‬

‫جزَِينّهُمْ أَ ْج َرهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ َيعْمَلُونَ) (النحل ‪ )97:‬وأما إذا‬
‫َحيَا ًة َطيّبَةً وََلنَ ْ‬
‫مرض القلب فلم يقم بتلك الوظائف فإن ذلك يكون مدعاة لضطراب حياة‬
‫النسان ككل ‪ ،‬فيعيش معيشة ضنكا مهما تقلب ف زخارف الدنيا ‪ ،‬وكان‬
‫الناس منه ف بلء وشر ‪ ،‬ث هو ف الخرة من الاسرين ‪( ،‬وَمَنْ َأ ْعرَضَ عَن‬
‫ش ُرهُ يَوْمَ الْ ِقيَامَ ِة أَعْمَى) ( طه ‪. )124 :‬‬
‫ذِ ْكرِي فَِإ ّن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا وَنَحْ ُ‬
‫فإذا قارنا بي السلمات الت تقوم عليها العلوم الجتماعية والسلوكية العاصرة‬
‫وبي تلك السلمات النطلقة من هذا التصور السلمي لوجدناه كالفرق بي‬
‫الثرى والثريا ‪ ،‬فتلك العلوم تقدم لنا صورة جزئية منقطعة عن سياقها لكائن‬
‫مادي معزول كأنه وجد من فراغ وكأنه يعيش ف فراغ ‪ ،‬ل صلة له بالكون‬
‫الذي هو جزء منه ‪ ،‬ول بوجد الكون الذي خلقه وصوره ‪ ،‬مع تاهل كامل لا‬
‫كان قبل وجود النسان ف هذه الدنيا (كالشهاد على الوحدانية ف عال‬
‫الذّر ) ول لا يكون بعد انقضاء هذا الوجود (كالبعث والزاء) ‪ ،‬ويترتب على‬
‫هذا كله إهال الوانب الروحية التصلة بعرفة ال سبحانه وتعال ‪ ،‬وإهال العمل‬
‫وفقا لتطلبات تلك العرفة ‪ ،‬مع أن هذا الانب بالذات ‪ -‬الذي يدور حوله‬
‫الوجود النسان كله ف النظور السلمي ‪ -‬قد يكون هو البعد الاكم على‬
‫كل ألوان سلوك النسان والوجه لا ‪.‬‬
‫وإن أي نظرية تستبعد من افتراضاتا الساسية حول طبيعة النسان جوانبه‬
‫الروحية بدءا من الشهاد على الوحدانية الغروس ف الفطرة ‪ ،‬إل اليان بال‬
‫واليوم الخر التضمّن ف رسالت الرسل ‪ ،‬إل الثار الترتبة على تقوى ال‬
‫العظيم أو عصيانه ل يكن إل أن توصلنا إل نتائج خاطئة تاما أو مبتورة على‬
‫القل فيما يتصل بالسلوك النسان ‪ ،‬ومن هنا فإن من أول واجبات التوجيه‬

‫‪- 63 -‬‬

‫السلمي للخدمة الجتماعية استجلء هذا البعد الام التصل بالطبيعة البشرية ف‬
‫متلف جوانبه باعتباره الساس الذي تبن عليه بقية البعاد الخرى ‪ ،‬مع‬
‫استيعاب تأثي تلك العوامل الادية الت أسرفت العلوم الديثة ف تقدير أهيتها ‪،‬‬
‫ووضعها موضعها الصحيح ‪ ،‬ف تكامل واتساق مع حقائق هذا الوجود‬
‫الشاهدة الت ل يكن إنكارها‪.‬‬

‫البحث الثان ‪ :‬السنن النفسية والجتماعية‬
‫العلوم الجتماعية وتفسي السلوك النسان والترتيبات الجتماعية ‪:‬‬

‫قد يكون ف حكم الستحيل إعطاء نظريات كل من علم النفس الجتماعي‬
‫وعلم الجتماع حقها فيما يتصل بعرض ما انطوى عليه كل منها ما يدخل ف‬
‫نطاق وصف أشكال النتظام ‪ ،‬أو القواني ‪ ،‬أو السنن الت تكم السلوك‬
‫الفردي والترتيبات الجتماعية ف الدود الت يكن أن تتسع لا مثل هذه الدراسة‬
‫‪ ،‬ذلك أن سُوق النظريات ف تلك العلوم غاصة بعشرات من النظريات التوافقة‬
‫حينا والتصارعة أحيانا ‪ ،‬والت يركز كل منها على تفسي جانب أو آخر من‬
‫جوانب السلوك الفردي أو التنظيم الجتماعي ‪ ،‬وإن زعم البالغون من أتباعها‬
‫أنا كفيلة وحدها بتقدي التفسي الكمل ‪ -‬ف حي أن هناك ما يشبه التفاق‬
‫بي العلماء على أن كل النظريات متمعة ل تفلح ف إعطاء تفسيات مُرضية‬
‫للسلوك الفردي والجتماعي حت الن (راجع ما ورد بذا الصوص ف ‪ :‬رجب‬
‫‪.)1991 ،‬‬
‫ولذلك فليس أمامنا هنا من خيار إل القتصار على بعض التاهات العامة‬
‫ف تفسي السلوك الفردي والترتيبات الجتمعية ما يكن اعتباره عينة مثلة لتلك‬

‫‪- 64 -‬‬

‫التاهات بصفة عامة ‪ ،‬وبا يكّننا من تاوز الوصف إل التحليل والنقد ‪ ،‬ث‬
‫القارنة با نده من أطر نظرية مستمدة من التصور السلمي للنسان والجتمع‪.‬‬
‫ولقد أكد بعض الشتغلي بتعليم الدمة الجتماعية ف الوليات التحدة‬
‫المريكية على التعقيد الشديد الذي يتسم به السلوك النسان ف ميط البيئة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬وحاول بعضهم القيام براجعة وتلخيص أهم النظريات الت‬
‫تصدت لفهم وتفسي السلوك البشرى والت تصلح لن تكون أساسا يستند إليه‬
‫الخصائيون الجتماعيون ف تدخلهم الهن ‪ ،‬والعبارة التية تثل الرؤية الت‬
‫توصل إليها اثنان منهم ها بيجر وفيديريكو للصورة الت تواجهنا ف هذا‬
‫الجال ‪ " :‬إن السلوك البشرى بالغ التعقيد والتنوع ‪ ،‬وأحد السباب الؤدية‬
‫لذلك هو تعدد الصادر الت ينبع منها السلوك ‪ ،‬وهي الصادر البيولوجية ‪،‬‬
‫والنفسية ‪ ،‬والثقافية ‪ ،‬وتلك التصلة بالبناء الجتماعي ‪ ...‬ورغم أنه يبدو لنا أن‬
‫العرفة الت تتيحها لنا العلوم البيولوجية والسلوكية والجتماعية قاصرة ومتناقضة‬
‫بشكل ميف ‪ ،‬فإن علينا كمهنيي أن نتدخل لحداث تغييات (مرغوبة) ف‬
‫حياة الفراد والماعات والنظمات والجتمعات الحلية والجتمع الكبي ‪ ،‬ولو‬
‫أننا انتظرنا حت تصلنا كل القائق [العلمية الت نتاجها] لكنا ببساطة كمن‬
‫يلس "ليعزف ويترك روما تترق" (‪ ، )Berger & Federico, 1985: 26‬ث إن‬
‫الؤلفي يضيان بعد ذلك ف ماولة حصر الفاهيم الت تقدمها لنا العلوم‬
‫السلوكية والجتماعية تفسيا لتأثي العوامل الوراثية والسمية على السلوك ‪ ،‬ث‬
‫يتبعان ذلك بفحص تأثي العوامل الدراكية والعرفية والوجدانية ‪ ،‬ث العوامل‬
‫التصلة بالبناء الجتماعي كالنواحي السرية والقتصادية ‪ ،‬ث العوامل التصلة‬
‫بالطار الثقاف للمجتمع ‪ ،‬ول يكتفي الؤلفان بدراسة الثار الباشرة لكل نوع‬
‫من العوامل ‪ ،‬بل يتناولن الطريقة الت تتأثر با كل مموعة من تلك الجموعات‬

‫‪- 65 -‬‬

‫الربعة ببقية مموعات العوامل الخرى ‪ ،‬ويبينان أثر ذلك على سلوك النسان‬
‫ف حدود العرفة العلمية الراهنة ‪ ،‬وقد نا الؤلفان ف هذا العرض نوا انتقائيا ‪،‬‬
‫فتعرضا لفاهيم مستمدة من أطر نظرية متلفة ‪ ،‬ودون إشارة إل تلك الطر‬
‫تديدا ف بعض الحيان‪.‬‬
‫أما أندرسون وكارتر (‪ )Anderson & Carter, 1974‬فقد حاول أيضا التوصل‬
‫إل ما يشبه الريطة الشاملة للطر النظرية الفسرة "لسلوك النسان ف البيئة‬
‫الجتماعية" ‪ ،‬على الوجه الذي يكن للخصائيي الجتماعيي استخدامه لتوجيه‬
‫مارستهم الهنية ‪ ،‬وذلك من خلل عرض أكثر نظريات العلوم الجتماعية شيوعا‬
‫واستخداما ف ميط الدمة الجتماعية ‪ ،‬فقاما بعرض الفكار الساسية لتلك‬
‫النظريات ف إطار مستمد من نوذج النساق الجتماعية ‪ ،‬وقد تعرض الؤلفان‬
‫فيما يتصل بتفسي سلوك النسان لنظرية التحليل النفسي عند كل من فرويد‬
‫وإريكسون ‪ ،‬ث للنظرية السلوكية عند واطسون وسكينر ‪ ،‬ث للنظرية العرفية عند‬
‫بياجيه باعتبارها تثل الساس للتوجهات النظرية ف الدمة الجتماعية ف هذا‬
‫الجال ‪ ،‬ولا كنا قد تعرضنا ف البحث السابق للتوجهات العامة لتلك النظريات‬
‫بالنقد فإننا سنكتفي بذلك وننتقل للحديث عن نظريات التنظيم الجتماعي حت‬
‫تكتمل أمامنا صورة النطلقات الت تنطلق منها هذه العلوم الديثة‪.‬‬
‫لقد كفانا عال الجتماع الشهر مارفي أولسن (‪)Olsen, 1988 : 239 -257‬‬
‫مؤونة البحث والستقصاء عندما استعرض الفاهيم الرئيسة لستة ما اعتبه أكثر‬
‫النظريات شيوعا ف تفسي عملية التنظيم الجتماعي ‪ ،‬وهي نظرية التبادل‬
‫‪Exchange theory‬‬

‫ونظرية التفاعل‬

‫الجتماعي ‪Interaction theory‬‬

‫اليكولوجية ‪ Ecological theory‬ونظرية‬

‫القوة ‪Power theory‬‬

‫والنظرية‬

‫والنظرية‬

‫العيارية ‪ Normative theory‬ونظرية القيم ‪ Value theory‬وقد نوه أولسن أنه‬

‫‪- 66 -‬‬

‫بالرغم من أن كل من هذه النظريات يسهم ف زيادة فهمنا للحياة الجتماعية‬
‫النظمة إل أن أي نظرية منها ليست كافية وحدها لتحقيق ذلك ‪ ،‬وأشار إل أن‬
‫أهم مطلب ملح ف التنظي السسيولوجى العاصر هو "تركيب هذه الطر النظرية‬
‫الختلفة ف شكل نظرية أكثر تكامل وكفاءة لتفسي التنظيم الجتماعي"‬

‫(‪P‬‬

‫‪.)240‬‬
‫وتقوم نظرية التبادل باختصار على أن التنظيم الجتماعي يقوم على أساس من‬
‫"عمليات تبادل مبنية على الصلحة الشخصية للشخاص الذين يشتركون ف‬
‫التفاعل ‪ ، Actors‬والذين يسعون للحصول على منافع لم من خلل تبادلت‬
‫قائمة على الخذ والعطاء مع الخرين ‪ ،‬ولكن مع مرور الوقت فإن هذه‬
‫العمليات التبادلية تتطور لتتخذ شكل أناط من الترتيبات الؤسسة ‪ ،‬وتؤدى إل‬
‫ظهور معايي ثقافية يلتزم با الشاركون ف التبادل "‪.‬‬
‫أما نظرية التفاعل فترى أن عملية التنظيم الجتماعي تبدأ من خلل تفاعلت‬
‫اجتماعية بي الفراد من خلل ما يقوم به كل مشارك ف التفاعل من تفسي‬
‫للمواقف الت تقابله ف ضوء مردودها على تقيقه لهداف ‪ ،‬والنظرية بذا‬
‫تركز على أن الفرد ل يستجيب للسلوكيات الظاهرة ‪ ،‬وإنا "للمعان الت‬
‫يضفيها هو والخرون على الفعال والشياء ‪ ..‬بيث أن أفعاله اللحقة تتشكل‬
‫ف ضوء تفسياته السابقة للموقف" ‪ .‬والتنظيم الجتماعي عند أصحاب هذه‬
‫النظرية يتكون من الفعال المعية للفراد الذين يفكرون ف تقيق أهدافهم من‬
‫خلل أفعال تعاونية ف مواقف يعطونا تفسيات من لدنم باستمرار ‪" ،‬والتنظيم‬
‫الجتماعي إذن هو حصيلة لتفاق الرؤية حول كيفية التصرف ف الواقف العينة‬
‫‪ ،‬ما يؤدى إل تشابه ف التصرفات بي الفراد ‪ ،‬يسمح بوجود قدر من‬
‫الستقرار ف الواقف الت يتصرف فيها الفراد" ‪ ،‬ومن هنا فإن الثقافة الشتركة‬

‫‪- 67 -‬‬

‫الت تتكون من العان والفكار الت يعتنقها الفراد التفاعلون تعتب أكثر أهية‬
‫بكثي من التنظيمات الؤسسية ‪ .." ،‬فإذا ما ظهرت الثقافة الشتركة بي عدد من‬
‫الفراد فإنا تؤثر على أفعالم المعية وتوجهها ‪ ،‬وإن كانت ل تسمها حتما‬
‫بشكل كامل ‪ ،‬فهي تقدم لم تفسيات للحياة الجتماعية ‪ ،‬كما تبي لم‬
‫توقعات الدوار والتعريفات العتمدة للمواقف الجتماعية ‪ ،‬وفوق هذا فإن هذه‬
‫العايي والفكار الثقافية يتم إدماجها ف شخصيات الفراد خلل عملية التنشئة‬
‫الجتماعية " فتصبح موجهة لسلوكهم ‪.‬‬
‫أما نظرية القوة فتقوم باختصار على أن القوة الجتماعية ف كل صورها سواء‬
‫ف ذلك القوة البية أو السلطة الشروعة أو السيطرة أو الاذبية إنا هي سبب‬
‫ونتيجة لكل تنظيم اجتماعي ‪ ،‬كما تقوم على أن القوة الجتماعية ليست موزعة‬
‫بطريقة متساوية بي أفراد الجتمع وجاعاته ‪ ،‬فهناك من يتحكمون ف القوة‬
‫الجتماعية وهناك من هم أقل قوة ‪ ،‬ولكن الدارس الختلفة ف داخل النظرية‬
‫تتلف حول ما إذا كانت هناك قلة مترابطة من ذوي النفوذ ف الجتمع (الصفوة‬
‫) تتحكم دائما ف مصائر الكثرة ‪ ،‬أو ما إذا كانت هناك مراكز متعددة للقوة‬
‫تتنافس على حيازة القوة ف أي متمع‬

‫‪vs. Pluralist‬‬

‫‪. Elitist‬‬

‫وترى النظرية اليكولوجية أن التنظيم الجتماعي ينشأ عندما تاول‬
‫التجمعات البشرية التعامل مع بيئاتا باستخدام العرفة التقنية التاحة للحصول‬
‫على الوارد الضرورية للبقاء أو لتحقيق أهداف أخرى ‪ ،‬وتقوم على فكرة "‬
‫العتماد التبادل " ‪ Interdependence‬بي أفراد الجتمع على أساس أن هذه‬
‫العتمادات تبهم على إياد نوع من التنظيم الذي يسمح لم بالبقاء أو بتحقيق‬
‫أهدافهم‪.‬‬

‫‪- 68 -‬‬

‫ويرى أصحاب النظرية العيارية أن العايي الشتركة تنبت من الياة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬ذلك أن الفراد إذ يسعون لتحقيق أهداف مشتركة تت ظروف‬
‫حياتية متشابة ‪ ،‬فإنم يكتشفون بعض أناط الياة الت يرونا مفيدة أو بعض‬
‫اللول اليدة لشكلتم الشتركة ‪ ،‬وييلون بالتال لتكرار تلك النشطة ‪،‬‬
‫ويتناقلون هذه الفكار فيما بينهم ‪ ،‬ما يؤدى بالتدريج إل ظهور طرق موحدة‬
‫للتعامل مع مواقف الياة الساسية ‪ ،‬ومع الوقت فإن هذه العايي تنفصل عن‬
‫الواقف الت نبتت ف إطارها ‪ ،‬ويتم تعميمها لتغطى أنواعا جديدة من الواقف ‪،‬‬
‫وبذا تصبح العنصر "الحوري" لثقافة الجتمع أو لتنظيمه ‪ ،‬وتصبح ملزمة أخلقيا‬
‫للخرين ‪ ،‬فتحدد الطريقة الت ينبغي أن يسلكوا با ف موقف معي ‪ ،‬ث إن‬
‫اللتزام الخلقي قد يدعم بفرض عقوبات على الخالفي بقواني تصدرها‬
‫الدولة‪.‬‬
‫أما نظرية القيم عند بارسونز فتقوم على أن " القيم الشتركة "‬

‫‪Common‬‬

‫‪ Values‬تشكل كل جوانب الياة الجتماعية وتتحكم فيها ‪ ،‬ويتم التعبي عن‬
‫هذه القيم ف شكل معايي‬

‫‪Norms‬‬

‫‪ ،‬تدخل بدورها ف البناء الؤسسي‬

‫للتجمعات ‪ ، Collectivities‬ويتم تشربا حت تصبح جزءا من الشخصيات‬
‫‪ ، Personalities‬وبلغة أخرى فإن النظرية تبدأ بوجود مموعة من القيم الشتركة‬
‫التفق عليها ف إطار النسق الثقاف ‪ ، Cultural System‬ولكن معانيها الساسية‬
‫تستمد من "إدراك القيقة‬

‫الطلقة" ‪Ultimate Reality‬‬

‫‪ ،‬ويكن لذه القيم أن‬

‫تتغي مع الوقت نتيجة للتغي ف إدراك "القيقة الطلقة" ‪،‬ث إن القيم الخلقية‬
‫تعطى الشرعية لتجمعات من العايي التخصصة ‪ ،‬وهذه العايي الشروعة تتحكم‬
‫بدورها ف أنشطة التجمعات الحددة ف داخل كل نسق فرعى ‪ ،‬وأخيا فإن‬

‫‪- 69 -‬‬

‫الفراد الذين يقومون بأدوارهم يتم التحكم فيهم وتوجيههم عن طريق العايي‬
‫الجتمعية الت تصبح جزءا من شخصياتم خلل عملية التنشئة الجتماعية ‪.‬‬
‫ويلحظ أن هذه النظريات تتدرج من حيث ماولة التفسي بي أول‬
‫خطوات عملية التنظيم الجتماعي وأوسطها وأواخرها ‪ ،‬فنجد أن نظريات‬
‫التبادل والتفاعل هي من نوع النظريات التحليلية الذرية بعن أنا تستهدف تليل‬
‫عملية التنظيم الجتماعي إل عناصرها الولية لتفسر لنا كيف ينبت التفاعل بي‬
‫الفراد كبداية لياد الياة الجتماعية النظمة ‪ ،‬أما نظرية القوة والنظرية‬
‫اليكولوجية فهما أكثر اهتماما بالراحل الوسطى من مراحل عملية التنظيم‬
‫الجتماعي والتصلة بأناط التنظيم الؤسسي البنائي للمجتمع ‪ ،‬ف حي أن‬
‫النظرية العيارية ونظرية القيم تركزان على ناية عملية التنظيم الجتماعي والتمثلة‬
‫ف مستوى الثقافة ‪ ، Culture‬وإن كانت النظرية العيارية تعطى اهتمامها الول‬
‫إل الوجهات والوامر الخلقية الت ترى أنا تشكل الياة الجتماعية مباشرة‬
‫كما يقول أولسن ف حي أن نظرية القيم تعطى اهتماما الول إل "القيم‬
‫الساسية" الت يتم ترجتها إل معايي وقواعد‪.‬‬
‫والق أن من يتفحص النظريات السابقة جيعا ليتعرف على ما تنطلق منه من‬
‫افتراضات أساسية حول طبيعة النسان والجتمع ‪ -‬استجابة للنصيحة القيمة الت‬
‫قدمها لنا ألفي جولدنر ‪ -‬لبد واصل إل نتيجة مؤداها أن تلك النظريات إنا‬
‫تبدأ وتنتهي بالنسان ‪ ،‬وكأنه جاء من فراغ وينتهي إل عدم ‪ ،‬وأنه بي هاتي‬
‫النقطتي مرد كائن عضوي آخر تدفعه حاجاته دفعا إل تنظيم علقاته مع غيه ‪،‬‬
‫لدف واحد هو الحافظة على بقائه حت ل يهلك قبل الوان ‪ -‬أما عن جوهر‬
‫هذه الياة وعمادها ‪ ...‬أما عن حياته الروحية ومتطلباتا ‪ ،‬وعن صلته بالقه‬

‫‪- 70 -‬‬

‫وآثارها ‪ ،‬وعن شرائع ربه الت ارتضاها للقه ‪ ،‬وأما عن البعث والساب‬
‫والزاء ف يوم تشخص فيه البصار وأما عن الياة الخرى الت هي الياة‬
‫القيقية بكل معن ل ينكره إل الاحدون ‪ ...‬فكل هذه الوانب غائبة غيابا تاما‬
‫عن تلك النظريات جيعا‪.‬‬
‫وحت عندما يقوم هؤلء النظرون بدراسة ما يسمى عندهم "بالظاهرة‬
‫الدينية" أو "بالنظام الدين" كنظام اجتماعي ف إطار تلك النظريات ‪ ،‬فإن الدين‬
‫عندهم سرعان ما يؤول إل مرد اختراع بشرى ‪ ،‬ابتكره النسان ليساعده على‬
‫البقاء ف مواجهة الظروف الطبيعية والجتماعية القاسية ‪ ،‬أما العتراف بصدر‬
‫متعال إلي للعقائد الدينية فأمر يرج عندهم بالكلية عن نطاق العلم ‪ ،‬فيدخل ف‬
‫باب الرافات عند التطرفي منهم ‪ ،‬أو ف باب ما ل يوز للعال أن يشغل به‬
‫نفسه عند أهل العتدال‪.‬‬
‫ولعل نظرية النساق لتالكوت بارسونز تعطينا مثال لوقف رجال علم الجتماع‬
‫من أحد كبار منظريهم عندما "يظنون" أنه قد تطى الدود الوهومة بي " العلم‬
‫الجتماعي" والعلم الغيب ‪ ،‬حت عندما تس أن الرجل قد اقتنع أو أدرك أن حياة‬
‫الناس وتنظيم الجتمعات يتطلب ما هو أكثر من تلك النظريات النسانية القاصرة‬
‫‪ ،‬أو أكثر من ذلك الوجود الائر البائر‪ ،‬فلقد أوضح تالكوت بارسونز أن "الياة‬
‫النسانية ف كليتها" والذي ساه ‪( Action Frame of Reference‬وإعادة صياغة‬
‫الفهوم هنا هي لولسن) يكن تقسيمها إل أربعة مستويات من النساق الت‬
‫يعلو بعضها فوق بعض ‪ ،‬بيث يكون هناك باستمرار تيار من العلومات‬
‫والقرارات ‪ Information, Decisions‬هابطا من النساق العلى إل النساق‬
‫الدن ‪ ،‬كما يكون هناك تيار مستمر من الطاقة ‪ Energy‬صاعدا من النساق‬
‫الدن إل النساق العلى ‪ ،‬وهذه النساق الربعة تبدأ ‪ -‬من أعلى إل أسفل ‪-‬‬

‫‪- 71 -‬‬

‫بالنساق الثقافية ‪ ،‬الت توجه النساق الجتماعية ‪ ،‬الت توجه النساق‬
‫الشخصية ‪ ،‬الت توجه النساق العضوية ‪ ،‬ولكن بارسونز يضيف إل ذلك أن "‬
‫البيئة الطبيعية" تقع ف مستوى أدن من النساق العضوية ‪ ،‬وأنا الصدر لكل‬
‫الطاقة الت تتطلبها الياة البشرية ‪ ،‬وأنه ‪ -‬وهذا هو ما يهمنا ف هذه النقطة ‪-‬‬
‫"… فوق النساق الثقافية يقع عال القيقة الطلقة ‪ Ultimate Reality‬والذي‬
‫هو الصدر النهائي لكل تكم سيبنطيقى ف النشطة النسانية" (‪)Olsen : 254‬‬
‫‪ ،‬فماذا كان موقف علماء الجتماع من هذا الفرض؟ لقد كان أول نقد وجه‬
‫لبارسونز هو التساؤل عن ماهية ذلك الصدر للقيم ‪ ،‬حيث رأوا أن بارسونز ل‬
‫يبي لنا ماهية عال "القيقة الطلقة" ويضيف أولسن أن "الكثيين من النقاد يرون‬
‫أن تصور بارسونز للحياة الجتماعية هو أقرب للفلسفة الثالية البحتة ‪ ،‬حيث‬
‫تتنل القيم من عال علوي يرج عن نطاق التحكم البشرى جزئيا أو كليا"‬

‫(‪P.‬‬

‫‪ ، )257‬وبطبيعة الال فإن مثل هذه التهمة ‪ -‬إذا ثبتت ‪ -‬تعتب طعنا خطيا ف‬
‫منهجية بارسونز تكاد ترجه عندهم من مصاف العلماء‪.‬‬
‫ولكن ما موقفنا نن كمسلمي نؤمن بال واليوم الخر من مثل هذه‬
‫القضية ؟ هل يوز لنا التسليم مع هؤلء "العلماء" أن النسان ليس إل مرد كائن‬
‫عضوي منقطع إل عن نفسه ‪ ،‬مدفوع بغرائز وآليات ل هدف لا إل حفظ بقائه‬
‫الادي ‪ ،‬وأن النسان يبن نظمه الجتماعية وليس له من موجه إل ما يتحصل‬
‫عليه من فتات وقائع خبته ‪ ،‬الحكومة بدود عقله وتافت رؤيته ‪ ،‬دون هداية‬
‫من فطرة ف داخله ‪ ،‬أو شريعة إلية مؤيدة لقتضيات تلك الفطرة من خارجه؟‬
‫‪ ...‬إن من الواضح أنه ل يوز لنا ‪ -‬دينا وعقل ‪ -‬أن نستبدل الذي هو أدن‬
‫بالذي هو خي ‪ ...‬ونن من الناحية النهجية مطالبون بإعادة النظر ف هذه‬
‫النظار البشرية القاصرة ‪ ،‬ومطالبون باستلهام التصور السلمي كبديل أو‬

‫‪- 72 -‬‬

‫كمكمل لثل تلك النظار ‪ ،‬عسى أن نكون من الهتدين ‪ ...‬وعسى أن نكون‬
‫من الفلحي ‪.‬‬
‫السنن النفسية والجتماعية ف التصور السلمي‪:‬‬
‫لقد تبي لنا بوضوح ما عرضناه ف مبحث سابق أنه ل يكن بأي حال فهم‬
‫"النسان" ف حياته الفردية أو الجتمعية إل ف ضوء ذلك البعد الروحي التصل‬
‫"بوعي" النسان بوجود ربه ومليكه ‪ ،‬و"معرفته" بصفات الالق وأسائه‬
‫وكمالته ‪ ،‬وما يترتب على ذلك من نوع "صلته" وصفة ارتباطه بال عز وجل ‪،‬‬
‫ودرجة استعداده للقاته ف "اليوم الخر" يوم البعث والزاء ‪ .‬فهذا البعد‬
‫الروحي هو الذي يعطى حياة النسان معناها القيقي ‪ ،‬وهو الذي ينتزع منها‬
‫سات العبثية والعدمية ومعاداة الياة الجتماعية النظمة الت ندها لدى‬
‫أصحاب التاهات الادية والوجودية والفرويدية‪.‬‬
‫والتأمل لقيقة التصور السلمي للطبيعة النسانية ل يلك إل التسليم‬
‫بالكانة الحورية الت تشغلها الوانب الروحية ف حياة النسان ‪ ،‬با ييز هذا‬
‫التصور بوضوح ويباعد بينه وبي غيه من التصورات البشرية الت تقف عند‬
‫حدود الياة الدنيا (ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مّنَ اْلعِلْمِ)(النجم‪ )30 :‬وكأنا هي البداية وهي‬
‫النهاية ‪ ،‬فتجعل من النسان كائنا تافها ضعيفا ل وزن له ف هذا الكون ول‬
‫كرامة ‪ .‬أما التصور السلمي القائم على مورية الوانب التعلقة بصلة النسان‬
‫بربه فإنه يضع حياة النسان ووجوده الوقوت ف هذه الدنيا التحولة الزائلة ف‬
‫إطارها الكون واللي الشل والدوم ‪ ،‬ومن هنا تتضح الهية القصوى لسألة‬
‫"الحافظة على صفاء الفطرة ونقائها" ‪ ،‬حت تصح رؤية النسان لنفسه ولذا‬
‫الكون ‪ ،‬وحت تستقيم صلته بربه‪ ،‬ف التاهات الت تلب له سعادة الدارين ‪.‬‬

‫‪- 73 -‬‬

‫فإذا صح لدينا هذا التصور لزم عنه أن يكون الدف الول لسلوك‬
‫الفرد ‪ ،‬والهمة الول للمجتمع السلم ‪ ،‬هو ف الفاظ بكل وسيلة مكنة على‬
‫صفاء الروح ونقاء الفطرة ‪ -‬الت فطر ال الناس عليها ‪ -‬على مدار حياة‬
‫النسان على ظهر هذه الرض بكل مراحلها ‪ ،‬حت إذا جاء يوم البعث والنشور‬
‫كان من (أتى ال بقلب سليم ) (الشعراء ‪ )89 :‬ما يعطى وجود النسان ف‬
‫الياة الدنيا قيمته القيقية من حيث هي مر إل حياة اللد القيقية ‪ ،‬عندما‬
‫تؤوب الروح إل موطنها ومستقرها من رضوان ال الدائم ف نعيم مقيم‪.‬‬
‫وعلينا أن ننتبه هنا إل أن نوع الياة النطلقة من مثل ذلك "القلب السليم"‬
‫تتلف اختلفا يكاد يكون كليا عن نوع الياة الت طمس فيها على القلب ‪،‬‬
‫فالنسان الذي صفا قلبه واستقامت فطرته يكون توكله على ال ل على نفسه أو‬
‫الخرين ‪ ،‬ويكون أنسه بال ووحشته من الناس ‪ ،‬فيعيش حياة متلفة وجوديا ‪،‬‬
‫وكأنه بالتعبي الدارج يعيش "على موجة متلفة"‪ ،‬فحياته الداخلية مطمئنة هادئة‬
‫‪ ...‬ل تفجعه الفواجع ‪ ...‬ول تطغيه النعم ‪ ...‬وإنا هو يعيش بي الصب والشكر‬
‫على مستوى يستحيل أن يتوفر لغيه من كبت الدنيا ف عينه ‪ ..‬من يصاب‬
‫بالزع والنكد إذا فقد من دنياه شيئا ولو قليل ‪ ،‬ول يأبه بضياع أخراه‬
‫بكليتها ‪ ،‬أنسه بالناس وبا ف يده من أعراض زائلة ‪ ...‬ووحشته من ال ومن‬
‫كل ما يذكره به ‪ ،‬فشتان بي النمطي من أناط الياة‪.‬‬
‫ولعل من الناسب أن ننتقل الن لنعرض بعض الوانب الختارة من العمليات‬
‫الفردية والجتماعية الت نتصور أنا وثيقة التصال "بالحافظة على صفاء القلب‬
‫ونقاء الفطرة" لتحقيق مثل هذا الستوى الرفيع من الياة ولكننا نود أن نشي إل‬
‫أن هذه العمليات تذكر هنا كمجرد أمثلة يكن القياس عليها أو إجراء الوار‬
‫حولا ‪ ،‬مع ملحظة أن اهتمامنا ف هذا العرض ليس منصبا على "الليات" الت‬

‫‪- 74 -‬‬

‫تكم سي النساق "الشخصية" ‪ Personality System‬أو‬

‫"الجتماعية" ‪Social‬‬

‫‪ Systems‬ف ذاتا ‪ 0‬إذا استعرنا اصطلحات تالكوت بارسونز‬

‫(‪Reiss,‬‬

‫‪ )1968:2-3‬ولكننا أكثر اهتماما "بتوجه" تلك النساق أو ما يكن اعتباره‬
‫"النسق الثقاف" الوجه لتلك النساق من أعلى (‪، )Olsen , 1968:253-257‬‬
‫وبلغة أخرى فإننا لن نتم ببيان السنن والضوابط والشروط الت تضمن فاعلية‬
‫تقيق تلك النساق "لهدافها" بصرف النظر عن ماهية تلك الهداف ‪ ،‬فذلك‬
‫خارج نطاق اهتمامنا نظرا لوفرة الكتابات الت تتناول هذه الليات تفصيل ف‬
‫أدبيات العلوم الجتماعية الديثة ‪،‬كما أن توصيف تلك الليات من جهة أخرى‬
‫ليس مور الختلف مع التصور السلمي ‪ ،‬ولكن قضيتنا أكثر اتصال بنوع‬
‫"الهداف" الت تسعى النساق الشخصية والجتماعية لتحقيقها وبيان صلة‬
‫ذلك بالطار الشل للنسق "الثقاف" النطلق من التصور السلمي‪.‬‬
‫أول‪ :‬التنشئة الجتماعية ف الجتمع السلم‪:‬‬

‫‪ -1‬تتحمل السرة السئولية الول عن الفاظ على سلمة فطرة أبنائها من‬
‫الناحية العقيدية ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم "ما من مولود إل يولد على الفطرة‬
‫فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يجسانه" (متفق عليه)‪.‬‬
‫‪ -2‬تتحمل السرة من جهة أخرى مسئولية تدريب أبنائها على تقيق التوازن بي‬
‫الشباعات الادية والروحية فالسرة الت تقوّي عند أبنائها استمراء الشباعات‬
‫الادية مع إهال الوانب الروحية ‪ ،‬تعلهم يشبون على اتباع الشهوات والهواء‬
‫الت تطمس الفطرة‪.‬‬
‫‪ -3‬التعويد على مارسة العبادات والطاعات منذ الصغر يساعد على تقيق‬
‫الهداف السابقة ‪ ،‬إذ أنا تعي البناء وتيسر عليهم الطاعة والمتثال لوامر ال ‪،‬‬
‫كما تعلهم يشبون على التوكل عليه والثقة فيما عنده أكثر من ثقتهم با ف‬

‫‪- 75 -‬‬

‫أيديهم ‪ ،‬أما إذا ل تقم السرة بسئولياتا الدعوية فإن البناء ينشأون على انراف‬
‫العتقاد واستمراء البدع ‪ ،‬و اتباع الوى والشهوة ‪ ،‬وتلك هي المراض الت‬
‫تصيب " القلوب" ‪ ،‬والت يترتب عليها اضطراب الياة الدنيا‪ ،‬والسران القيم ف‬
‫الخرة‪.‬‬
‫‪ -4‬إذا انطلقت الدرسة بناهجها ومناخها اليومي والعلقات بي طلبا‬
‫والعاملي فيها من نفس النسق القيمي الدعوي ‪ ،‬فإن هذا يدعم ما قامت به‬
‫السرة من جلء للفطرة وتذيب لنفوس الشباب ‪ ،‬أما أجهزة قضاء أوقات‬
‫الفراغ وأجهزة الترويح وأجهزة العلم وجيع أجهزة وأدوات التوجيه الجتمعي‬
‫فإنا إذا انطلقت من نفس النطلقات فإن ذلك يؤدى ف النهاية إل أن يتنفس‬
‫الشباب ( والبالغون) نسمات العقيدة الصافية ف كل مراحل حياتم فتصح‬
‫قلوبم وعقولم وتسمو أرواحهم ويستقيم سلوكهم حت يلقوا ربم غي مبدلي‬
‫ك الّذِي َن َنَت َقبّ ُل عَنْهُ ْم أَحْسَ َن مَا عَمِلُوا وََنتَجا َو ُز عَن َسيّئَاتِهِمْ‬
‫ول مفتوني ‪( ،‬أُوَْلئِ َ‬
‫ب الْجَنّةِ وَعْ َد الصّدْقِ الّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) ( الحقاف ‪.)16 :‬‬
‫فِي أَصْحَا ِ‬
‫‪ -5‬والعكس صحيح فإذا أهلت السرة واجبها الدعوى ‪ ،‬فإن البناء يصابون‬
‫بأمراض الشبهات والشكوك والشهوات الت تصيب قلوبم ‪ ،‬وكذلك إذا أهلت‬
‫الدرسة جانب الحافظة على سلمة الفطرة مكتفية بسلمة البدان وتعليم العلوم‬
‫والصناعات ‪ ،‬وإذا تاهت أجهزة الترويح والعلم عن أهداف الياة ف‬
‫السلم ‪ ،‬وخبطت ف كل واد فإن النتيجة الحتومة لذا كله هي التشتت‬
‫ب اللّهُ‬
‫والضطراب والقلق والحباط الستمر اللزم للفراد والجتمعات ‪( ،‬ضَرَ َ‬
‫ستَوِيَا ِن مَثَلً الْحَمْدُ‬
‫مَثَلً رّجُلً فِيهِ ُشرَكَاء ُمتَشَاكِسُونَ َورَجُلً سَلَما ّلرَجُلٍ هَ ْل يَ ْ‬
‫لِلّ ِه بَلْ أَكَْث ُرهُمْ ل َيعْلَمُونَ) (الزمر‪ ، )29 :‬وهم ف الخرة من الاسرين‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬توفي الظروف البنائية الواتية‪:‬‬

‫‪- 76 -‬‬

‫‪ -1‬يقوم التصور السلمي على ضرورة إقامة الترتيبات الجتمعية الت تضمن‬
‫لفراد الجتمع أفضل إشباع مكن لاجاتم الادية والنفسية والجتماعية ‪ --‬أو‬
‫وهو الصح الت تضمن "إتاحة الفرصة" أمامهم لشباع تلك الاجات ف إطار‬
‫التوجيهات اللية والقوى الروحية الت تفرض تعديلت على ما يعب عنه‬
‫"بأفضل إشباع مكن" ليترك الجال أمام كل إنسان ليتفع عن قيود الرض إل‬
‫أرفع قدر يستطيعه ‪ ،‬أو ليتوقف عند حدود استطاعته ما دامت ف نطاق‬
‫"القصد" والعتدال‪.‬‬
‫‪ -2‬ويرتبط بذا البدأ قضية توفي "العدالة الجتماعية" التضمنة لسن توزيع‬
‫الثروة من خلل الترتيبات الوجوبية كالزكوات ‪ ،‬أو الطوعية كالصدقات ‪ ،‬أو‬
‫من خلل التربية الدعوية الت تغرس ف الفراد معن العطاء دون حساب ‪ ،‬مع‬
‫الحافظة ف الوقت ذاته على حق اللكية الفردية ومع شيوع عواطف التراحم‬
‫والتواد بي العطى والتلقي ‪ ،‬دون م ّن ول أذى ول استعلء‪.‬‬
‫‪ -3‬منع التظال بكافة صوره وأشكاله وألوانه ووضع الضوابط الت تكفل ذلك‬
‫حت يشعر جيع أبناء الجتمع السلم بلكيتهم لذا الجتمع وبانتمائهم له‬
‫فيضمحل الغتراب والحباط ونزعات العدوان إل أقل حد مكن‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬مسئولية الفرد عن اختياراته وسلوكه‪:‬‬
‫‪ -1‬مع التأكيد على دور الترتيبات البنائية فإن التصور السلمي يقوم على أن‬
‫النسان أيضا مسئول عن الحافظة على نقاء فطرته وسلمة قلبه وتزكية نفسه ‪،‬‬
‫س وَمَا سَوّاهَا {‪ }7‬فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {‪ }8‬قَدْ أَفَْل َح مَن زَكّاهَا {‬
‫(وََنفْ ٍ‬
‫‪ }9‬وَقَ ْد خَابَ مَن دَسّاهَا) (الشمس)‪.‬‬

‫‪- 77 -‬‬

‫‪ -2‬طاعة ال فيما أمر وني ‪ ،‬تسليما لكمه ‪ ،‬وثقة ف علمه وحكمته ‪ ،‬ووعده‬
‫ووعيده … ففي هذه جيعا الضمان لسلمة القلب ‪ ،‬والعكس صحيح ‪،‬‬
‫فالسلوك النحرف ينكت على القلب نكتا سوداء حت تكاد تعميه عن رؤية الق‬
‫فل يراه حقا ‪ ،‬وتكاد تعله يكره ما ينفعه من الي ويب ما يضره من كل باطل‬
‫(كَلّا بَ ْل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الطففي‪.)14 :‬‬
‫‪ -3‬يتل مفهوم " ماهدة النفس " مكانا موريا ف الياة الداخلية للنسان‬
‫السلم ‪ ،‬فالنفس (التمثلة ف تيار الوعي النسان ) تتنازعها قوتان ‪ :‬الدوافع‬
‫الادية البدنية الرضية الت تلح على الشباع الباشر ‪ ،‬وتنع إل الظلم والتجاوز‬
‫ف ذلك ‪ ،‬والنوازع الروحية الت تتوق إل القرب من خالقها وإرضاء بارئها ‪،‬‬
‫الذي عرفته بصفات المال واللل‪ ،‬فهي لذا تستشعر حبه وتشفق من غضبه‬
‫وعقابه … فترتفع بالنسان إل آفاق تضمحل معها قيمة إشباع الاجات الدنيا‬
‫إل حد كبي ‪ ،‬يصل إل حد استعذاب الستشهاد ف سبيل ال ‪ ،‬رغم أنه يعن‬
‫زوال النفس الواعية الكونة من البدن والروح ‪ ،‬كما يعن فناء البدن ‪ ،‬لنه فوق‬
‫هذا يعن صعود الروح الباقية إل حياة اللود ف النعيم والرضوان من رب‬
‫العالي ‪.‬‬
‫‪ -4‬بالقدر الذي تسود فيه الفطرة السليمة العارفة بربا والتصلة به يكون التوافق‬
‫بي النسان ونفسه ‪ ،‬وبينه وبي خلق ال ‪ ،‬بل بينه وبي الوجود كله ‪ ،‬وبينه‬
‫وبي ربه ‪ ،‬ويتنل الدعم والتأييد على النسان من "ملئكة" الرحن (إِنّ الّذِينَ‬
‫شرُوا‬
‫حزَنُوا وَأَبْ ِ‬
‫قَالُوا َربّنَا اللّهُ ثُمّ ا ْستَقَامُوا َتَتَنزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَ ُة أَلّا تَخَافُوا وَلَا تَ ْ‬
‫جنّ ِة الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {‪ }30‬نَحْنُ أَ ْولِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّْنيَا وَفِي الْآ ِخ َرةِ‬
‫بِالْ َ‬
‫وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدّعُونَ {‪( )}31‬فصلت)‪.‬‬

‫‪- 78 -‬‬

‫‪ -5‬وبالقدر الذي تسود فيه دفعات الغرائز الدنيا ‪ ،‬وتكبت فيه الفطرة السليمة‬
‫يكون اضطراب النسان داخليا ‪ ،‬ويكون شعوره بعدم التوافق مع اللق ‪،‬‬
‫وبالتنافر مع هذا الوجود ‪ ،‬وتتنل "الشياطي" بالتحريض والتزيي لضمان‬
‫ي عَلَى‬
‫استمرار النسان ف هذا الطريق الهلك (أَلَ ْم َترَ َأنّا َأرْسَ ْلنَا الشّيَاطِ َ‬
‫الْكَاِفرِينَ تَ ُؤزّهُمْ َأزّا) (مري‪ )83:‬أي تزهم وتستفزهم باطنيا (ابن عاشور ‪،‬‬
‫‪.)1984‬‬
‫رابعا‪ :‬الضبط الجتماعي النطلق من روح السلم‪:‬‬
‫‪ -1‬ل يستهدف الضبط الجتماعي من منظور السلم مرد الحافظة على‬
‫الموال أو النفس أو العراض مع أهيتها ‪ -‬ولكنه يستهدف أول وقبل كل‬
‫شىء الحافظة على طهارة الرواح والقلوب والفاظ على صلتها ببارئها‬
‫باعتبارها مور الوجود ف الدنيا والخرة‪.‬‬
‫‪ -2‬وأول الضبط وأهه ما كان منبثقا عن تقوى ال عز وجل ومراقبته ف كل‬
‫قول وفعل انطلقا من الفطرة السليمة ‪ ،‬ث التنشئة الجتماعية السليمة ‪ ،‬الت‬
‫تنتهي إل غرس معرفة ال وحبه وتقواه ف النفوس والقلوب فل ترج الفعال إل‬
‫مستجيبة لتلك العواطف النبيلة‪.‬‬
‫‪ -3‬المر بالعروف والنهي عن النكر كمفهوم ‪ ،‬والحتساب كتجسيد شرعي‬
‫ورسي لذا الفهوم ‪ ،‬يقوم بدور مكمل ومؤيد للضبط والرقابة الشخصية ولكنه‬
‫ضبط يقوم به الخرون جيعا حيث يكون كل مسلم راعيَ أخيه ومعاونه على‬
‫الحافظة على سلمة فطرته ‪ ،‬وحافظ متمعه من أن تسوده الفاحشة ‪ ،‬فظهور‬
‫الفاحشة وشيوعها يؤدى إل إصابة البرياء وتشجيع الترددين ف الخالفة ‪ ،‬كما‬
‫يفتح الباب للتعريض ‪ Exposure‬لناط السلوك النراف با يؤدى إل انتشار‬

‫‪- 79 -‬‬

‫العدوى بي قطاعات جديدة من الناس ‪ ،‬ومن هنا فإننا نستطيع أن نفهم كيف‬
‫أن ترك المر بالعروف والنهي عن النكر كان سببا ف حلول غضب ال ونقمته‬
‫على بن إسرائيل حيث جاء ضمن حيثيات حلول اللعنة عليهم (كَانُواْ َل َيَتنَاهَوْنَ‬
‫عَن مّن َكرٍ َفعَلُوهُ لَِبئْسَ مَا كَانُوْا َيفْعَلُونَ) (الائدة ‪.)79:‬‬
‫‪ -4‬أما الضبط الرسي فيقوم على مبادئ ثابتة شرعا ف شكل حدود قررها‬
‫الشارع بشكل ل يكن الطعن بانيازه لفئة أو جاعة أو طبقة ‪ -‬كما هو الال‬
‫ف التشريع الوضعي ‪ -‬وف شكل تعازير ترك فيها الجال للجتهاد وفق الاجة‬
‫ضمانا للمرونة ف مواجهة أشكال النراف‪.‬‬
‫‪ -5‬وف إطار هذا كله فإن البدأ الساسي هو أن يستهدى التطبيق ما يرضى ال‬
‫سبحانه وتعال ‪ ،‬وأن يضمن العدل إل أقصى حد يطيقه البشر الذين يراقبون ال‬
‫ف كل ما يصدر عنهم ف هذا الشأن ‪ ،‬بصرف النظر عن هوية أو مكانة الذي‬
‫ت مُحَمّدٍ َلقَطَعْتُ‬
‫يتعرض للعقوبة على الخالفة (وَايْمُ اللّهِ لَوْ َسرَقَتْ فَاطِمَةُ ِبْن ُ‬
‫يَ َدهَا) (متفق عليه)‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬أحوال المم ‪:‬‬
‫‪ -1‬وعد ال سبحانه وتعال المم الطائعة بأن تيا حياة طيبة ‪ ،‬وأن يأتيها رزقها‬
‫رغدا من كل مكان ‪ ،‬وتوعد المم الت ل تقيم حدود ال ‪ ،‬والت تكفر بأنعم‬
‫ال بأن يذيقها من صنوف الوع والوف والوان وبأن يلبسها شيعا ويذيق‬
‫بعضها بأس بعض با كانوا يصنعون‪.‬‬
‫‪ -2‬كما قضى سبحانه بأنه ل يكن مغيا نعمة أنعمها على قوم حت يغيوا ما‬
‫بأنفسهم‪.‬‬

‫‪- 80 -‬‬

‫‪ -3‬يتنل الغضب والعذاب على المم وفيها الصالون لنم ل يستنكروا منكرا‬
‫ول تتمعر وجوههم غضبا ل ‪ ،‬وخصوصا ف إنكار على أئمة الور وذوى‬
‫الكانات القيادية والتأثي ف قطاعات عريضة من الناس ‪ ،‬لنم بذا يتركون‬
‫البواب مفتوحة للنفوس والرواح عامة أن تضل وللقلوب أن تزيغ عن فطرة‬
‫ال الت فطر الناس عليها فتشيع الفاحشة ويستحق العذاب على الميع‪.‬‬
‫‪ -4‬شيوع الترف والبطر والكفر بأنعم ال يلب غضب ال وعقابه الليم على‬
‫المم ‪ ،‬وترتبط هذه الظواهر بالظلم والبغي برباط وثيق (فَلَمّا أَحَسّوا بَأْسَنَا ِإذَا‬
‫هُم مّنْهَا َيرْكُضُونَ {‪ }12‬ل َترْكُضُوا وَارْ ِجعُوا إِلَى مَا أُْترِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ‬
‫لَعَلّكُمْ تُسْأَلُونَ { ‪ }13‬قَالُوا يَا وَيَْلنَا ِإنّا كُنّا ظَالِمِيَ {‪ }14‬فَمَا زَالَت تّلْكَ‬
‫دَعْوَاهُ ْم َحتّى َجعَلْنَاهُ ْم َحصِيدا خَامِدِينَ {‪( )}15‬النبياء)‪.‬‬
‫ولعل من اللئم أن نذر ف ختام حديثنا عن السنن النفسية والجتماعية من‬
‫خطأ شائع يتعرض البعض للوقوع فيه عند تناول الصطلحات التصلة بالوانب‬
‫الروحية التعلقة بنوعية الصلة بي النسان وربه ‪ ،‬أل وهو خطأ التعامل مع تلك‬
‫الصطلحات كألفاظ تنقل صورا "بلغية" أدبية ‪ ،‬أو كتعبيات "مازية" ‪ ،‬مع أن‬
‫الق الذي ل ينبغي أن ياري فيه مسلم هو أن لتلك الصطلحات وجودا حقيقيا‬
‫كامل ل يقل ‪ -‬إن ل يزد ‪ -‬ف صدقه عن وجود ما تدركه حواسنا وما يكب‬
‫ف صدورنا ‪ ،‬ولكن مع فرق أساسي هو أن لذه الظواهر مقاييسها وأبعادها الت‬
‫تتلف عن أبعاد التحيز ف الكان (الطول والعرض والرتفاع والكتلة) والزمان‬
‫الألوفة لدراكاتنا السية ‪ ،‬ولا علقاتا وقوانينها وسننها الت تتلف كذلك عن‬
‫الظواهر الحسوسة الألوفة لنا‪.‬‬
‫ومن هنا فإن أي ماولة لقياس وجودها على الوجودات الحسوسة من خلل‬
‫إعطائها صفة "مازية" أو بلغية خطابية لي أمر يتناف على خط مستقيم مع‬

‫‪- 81 -‬‬

‫أساسيات التصور السلمي ذاته ‪ ،‬ويبدو أن الوقوع ف مثل هذا الطأ ليس إل‬
‫من بقايا ما ألفناه من أساليب وتصورات مادية ف التفكي ‪ ،‬ومن هنا فإن منهجنا‬
‫ف التعامل مع مثل تلك الصطلحات ينبغي أن يكون واعيا ومنتميا بشكل حقيقي‬
‫للتصور السلمي‪.‬‬
‫فإذا قلنا أن " الفطرة" تتضمن إدراك الوحدانية كما جاء بذلك القرآن الكري‬
‫صراحة فإن النماذج النظرية الت نبنيها ينبغي أن تتضمن ذلك البعد كأمر واقعي‬
‫يقين ل مازى ‪ ،‬وإذا حدثَنا الكتاب الكري عن القلوب وأحوالا وأمراضها ف‬
‫مثل قوله تعال (ف قلوبم مرض فزادهم ال مرضا) (البقرة ‪ )10 :‬وقوله (فل‬
‫تضعن بالقول فيطمع الذي ف قلبه مرض) (الحزاب ‪ )32 :‬فإن علينا أن ندرك‬
‫أن " القلب" له وجوده القيقي كأحد أوجه الياة الروحية للنسان (وإن ل‬
‫يكن وجودا ماديا) وأن له "أمراضا" تصيبه بعن أشد قوة وتأثيا على حياة‬
‫النسان ككل من غيها من المراض الت تصيب السد ‪ .‬وإذا عرّفنا القرآن‬
‫الكري "بالشيطان" وبوقفه منا وبصائصه ف مثل قوله تعال (إِ ّن الشّيْطَانَ َلكُمْ‬
‫ب السّعِيِ) (فاطر‪، )6:‬‬
‫عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّا إِنّمَا يَ ْدعُو ِحزْبَهُ ِليَكُونُوا مِنْ أَصْحَا ِ‬
‫وقوله (زين لم الشيطان أعمالم فصدهم عن السبيل) (النمل‪ ، )24:‬وقوله (وَِإمّا‬
‫ك مِنَ الشّيْطَانِ َنزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ ِإنّ ُه هُ َو السّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت‪ )36:‬وقوله‬
‫يَ َنغَنّ َ‬
‫(إِنّا َجعَ ْلنَا الشّيَاطِيَ أَوْلِيَاء لِلّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ) ( العراف‪ )27:‬وقوله (إنا ذلكم‬
‫الشيطان يوف أولياءه ) (آل عمران ‪ )175:‬فإن علينا كباحثي "علميي" أول أن‬
‫نأخذ من هذه اليات وجود "الشيطان" كحقيقة وجودية واقعية فعالة ومؤثرة ف‬
‫حياتنا اليومية ‪ ،‬كما أن علينا ثانيا أن نعرف أنه عدو مبي لبن آدم ‪ ،‬وأن نعرف‬
‫ثالثا أن من صفاته وأساليبه أنه يزين للناس باطل العمال ‪ ،‬وأنه ينغ ويوسوس‬

‫‪- 82 -‬‬

‫ويوف ويعد الناس وينيهم بغرور ‪ ،‬وأنه ول وقرين لهل الضلل ‪ ...‬وهكذا ‪،‬‬
‫كما أن علينا أن ندخل تلك البعاد والصائص ف ناذجنا النظرية‪.‬‬

‫البحث الثالث‪ :‬تفسي الشكلت الفردية والجتماعية‬
‫الشكلت الفردية والجتماعية ف كتابات العلوم الجتماعية‪:‬‬
‫لقد ذكرنا فيما سبق أن الدمة الجتماعية قد كانت منذ نشأتا الول ف‬
‫العصر الديث تتم اهتماما خاصا بساعدة الناس على مواجهة "مشكلتم‬
‫الشخصية" ‪ ،‬إضافة إل العمل على التخفيف من ويلت "الشكلت الجتماعية"‬
‫إل أقصى حد مكن ‪ ،‬كما أشرنا أيضا إل اهتمام الهنة التزايد ف السنوات‬
‫الخية بقضايا الوقاية من الشكلت الفردية والجتماعية ‪ ،‬ما يتطلب توافر‬
‫قاعدة نظرية متماسكة لتفسي تلك الشكلت تكون أساسا لتصميم البامج‬
‫الوقائية وتديد طرق التدخل العلجية الفعالة ‪.‬‬
‫فإذا رجعنا إل الكتابات النظرية الديثة لتتعرف على التفسيات الت‬
‫تقدمها لنا للمشكلت الفردية والجتماعية ‪ ،‬فإننــــا سنجد أن ما قرره‬
‫روبرت مرتون وروبرت نيزبيت منذ مايزيد عن ربع قرن من الزمان ل يزال‬
‫يصدق اليوم ‪ ،‬من جهة أنه "ل توجد حت الن نظريـة شاملة (لتفسي)‬
‫الشكلت الجتماعية ‪ ،‬ولكنها قد تكون ف طريقها إل‬
‫‪:V‬‬

‫الوجود"(& ‪Merton‬‬

‫‪ ، )Nisbet, 1966‬والصورة الت تعكسها الكتابات الالية لزالت تكشف‬

‫عن وجود عدد كبي من النظريات الزئية التنافسة الت تاول تفسي هذه‬
‫الظاهرة ‪ ،‬والت ل تفلح أي منها ف تقدي صياغة تفسيية متكاملة لا‪.‬‬

‫‪- 83 -‬‬

‫ويرى ميتون أن من المكن تقسيم "الشكلت الجتماعية" من الناحية‬
‫التحليلية الجردة إل فئتي عريضتي إحداها تتمثل ف التفكك الجتماعي‬
‫‪ Social disorganization‬والخرى تتمثل ف السلوك النراف‬

‫‪Deviant‬‬

‫‪ ، behavior‬وهاتان الفئتان ها ف الواقع متشابكتان متفاعلتان تؤدى كل منهما‬
‫إل الخرى ‪ ،‬بيث أنك إذا تعرضت لدراسة أي مشكلة واقعية فستجد ما يشي‬
‫إل كل منهما ولكن بدرجات متفاوتة (‪ ، )Merton & Nisbet: 799-800‬وتتبع‬
‫معظم الكتابات النظرية ف الوضوع هذا التصنيف‪.‬‬
‫والتفكك الجتماعي هو عجز النظم الجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة ‪،‬‬
‫ويرى ويليامسون وزملؤه (‪ )Williamson, et al. , 1974:18-22‬أن التفكك‬
‫الجتماعي يدث عادة نتيجة للتغي الجتماعي السريع الذي يؤدى إل اختلل‬
‫التوازن ف الجتمع ‪ ،‬ما يؤدى إل اللط والضطراب ف العايي الجتماعية ‪،‬‬
‫فيصعب التنبؤ باستجابات الخرين ‪ ،‬ويضعف تأثي القواعد التفق عليها للسلوك‬
‫على الفراد‪.‬‬
‫ويقارن أولئك الؤلفون بي التفكك الجتماعي والسلوك النراف بقولم أنه‬
‫"إذا كانت نظرية التفكك الجتماعي تركز على التغي الجتماعي وما يؤدى إليه‬
‫من اضطراب العايي والنظم الجتماعية ‪ ...‬فإن نظرية السلوك النراف تركز‬
‫على انراف الفرد عن العايي الجتماعية" ‪ ،‬وبلغة أخرى فإن تفسي السلوك‬
‫النراف يقوم على الفتراض بأن العايي الجتماعية العامة سليمة ‪ ،‬ولكن لسبب‬
‫أو لخر فإن الفراد ل يتم لم من التنشئة الجتماعية الصحيحة ما يضمن‬
‫التزامهم بتلك العايي ‪ ،‬ويلخص ويليامسون وزملؤه عددا من النظريات الفسرة‬
‫للسلوك النراف ‪ ،‬والت تقوم إحداها على أن تنشئة الفرد قد تتم أحيانا ف‬
‫إطار "ثقافة فرعية انرافية" ‪ Deviant Subculture‬كما ف حالة من ينشأون ف‬

‫‪- 84 -‬‬

‫أحياء متخلفة تشيع فيها العايي النرافية ‪ ،‬بينما ترى الخرى أن السلوك‬
‫النراف يرجع إل متابعة الفرد لعايي انرافية من وجهة نظر الجتمع والثقافة‬
‫الفرعية ولكنها تعتب سوية ف نظر جاعة مرجعية‬

‫‪Reference group‬‬

‫أخرى‬

‫يتخذها الفرد مرجعا موجها لسلوكه ‪ ،‬كما ترى نظرية ثالثة أن السلوك النراف‬
‫يكون متوقعا عندما تَحُول أوضاع بنائية مستقرة ف الجتمع ‪ -‬وبشكل مضطرد‬
‫ دون إتاحة الفرصة لبعض فئات الجتمع للحصول على الوسائل الشروعة الت‬‫تكنهم من تقيق الهداف الرغوب فيها وفق الطار الثقاف السائد‬

‫‪Anomie‬‬

‫‪ ..theory‬وهكذا‪.‬‬
‫وبصفة عامة فإننا نلحظ أن التفسيات الت تقدمها لنا تلك الطر‬
‫التصورية تتسم بالتركيز على الليات والعمليات الجتماعية من جهة ‪ ،‬وبالنسبية‬
‫الثقافية من جهة أخرى ‪ ،‬فالتركيز على التغي الجتماعي والتفكك الجتماعي‬
‫والتنشئة الجتماعية والضبط الجتماعي يعل الشكلت الجتماعية "الواسعة‬
‫النطاق" تبدو وكأنا أمر طبيعي تتمه ميكانيكية هذه الليات الجتماعية الت ل‬
‫ترحم ‪ ،‬وأما التفسيات الت تركز على دور العايي الجتماعية والثقافات‬
‫الفرعية فإنا تبدأ وتنتهي من القيم الجتماعية السائدة أيا كانت تلك القيم ‪،‬‬
‫فتُحيل التفسي إل قضية فنية بتة تتم فيها مضاهاة توجهات الثقافات الفرعية‬
‫والسلوكيات الفردية على القيم الت تبنتها الثقافة القائمة ف الجتمع ‪ ،‬أما نقد‬
‫تلك القيم الجتمعية من منظور أرقى فإن هؤلء العلماء (باستثناء أصحاب اتاه‬
‫اليسار الديد) يرونه خارج نطاق مهمتهم‪.‬‬
‫ولعل ما يشهد على التزام العلماء بذا الوقف ما ذكره مارفي أولسن‬

‫(‪Olsen,‬‬

‫‪ )1968:130‬ف مرد حاشية تعليقا على ما ذكره من أن النراف يتم تعريفه ف‬
‫ضوء الثقافة ‪ ،‬وأن السلوكيات الحرمة ف إحدى الثقافات الفرعية قد تكون‬

‫‪- 85 -‬‬

‫سلوكا مثابا ف ثقافة أخرى ‪ ،‬حيث قال ف تعليقه "إن حقيقة كون السلوك‬
‫النراف على الدوام أمر نسب للتنظيم الذي يدث فيه ل يستبعد إمكانية اعتبار‬
‫بعض السلوكيات ل أخلقية ف ذاتا ف ضوء مبادئ قدسية أو متعالية على‬
‫البشر ‪ ،‬ولكن هذه مسألة تقع خارج نطاق العلوم الجتماعية" (!!) ‪ ،‬وهو بذا‬
‫يبر مسألة النسبية ف النظر إل النراف ف كتابات العلوم الجتماعية ‪ ،‬ول‬
‫يرى سبيل إل حل الشكال بإياد التكامل مع القيم الدينية مثل‪.‬‬
‫فإذا انتقلنا إل الكتابات الهنية ف ميط الدمة الجتماعية ‪ ،‬فإننا سنجد‬
‫أنا تعكس نفس الطر التصورية السابقة الت وجدناها عند التخصصي ف علم‬
‫الجتماع ‪ ،‬مع ماولة لياد قدر من التكامل بينها وبي ما يقدمه التخصصون‬
‫ف علم النفس تفسيا للمشكلت الفردية ‪ ،‬والواقع أنه يكننا ‪ -‬مع الخاطرة‬
‫بالوقوع ف قدر قليل من التبسيط الزائد ‪ -‬القول بأن كتابات الدمة الجتماعية‬
‫تنظر لسباب الشكلت النفسية ‪ -‬الجتماعية ‪ Psychosocial‬على أنا تتمثل‬
‫فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬النقص أو القصور ف إشباع الاجات النسانية ( مع تعريف الاجات‬
‫تعريفا ضيقا يكاد ينصب أساسا على الاجات الادية ث ما يتبعها من حاجات‬
‫نفسية واجتماعية) وما يترتب على ذلك القصور ف إشباع الاجات من إحباط‬
‫وعدوان‪.‬‬
‫‪ -2‬ما يترتب على استمرار القصور ف إشباع الاجات ‪ -‬أو ما يسببه ‪ -‬من‬
‫مشكلت ف العلقات مع الخرين وف التوافق الجتماعي ‪ ،‬وهو ما يعب‬
‫بالشكلت التصلة بعملية "أداء الوظائف الجتماعية" ‪.Social functioning‬‬

‫‪- 86 -‬‬

‫‪ -3‬العمليات الجتماعية الشل الت تيط بذا كله كالتغي الجتماعي وما‬
‫يؤدى إليه من تفكك اجتماعي ‪ Social disorganization‬يتصل بقصور النظم‬
‫لجتماعية عن القيام بوظائفها بكفاءة (قارن (‪.:Northen, 1987 :173‬‬
‫وتتفاوت الحاولت الختلفة بعد ذلك ف تركيزها على عامل أو آخر‬
‫من تلك العوامل ‪ ،‬أو حت ف التركيز على الديناميات الت تندرج تت أي‬
‫عامل منها بذاته ‪ ،‬أو ف تشكيلة العوامل الت تمع بينها كأسباب‬
‫للمشكلت ‪ ،‬فنجد أن بعض الكتاب مثل يرون أن الشكلت إنا ترجع ف‬
‫أساسها إل الصراع النفسي بي جوانب النفس الختلفة ‪ ،‬كما يرى آخرون أن‬
‫الشكلت عبارة عن سلوك يتم تعلمه من خلل مثيات بيئية خارجية ‪ ،‬ف حي‬
‫يرى غيهم أن الشكلت إنا ترجع إل تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل البيئية ‪.‬‬
‫النظور السلمي لتفسي الشكلت الفردية والجتماعية‪:‬‬
‫والن ما هو موقفنا كمسلمي من هذه التفسيات لسباب الشكلت الفردية‬
‫والجتماعية؟ إن من الطبيعي أن مناقشتنا لذا البعد الثالث من أبعاد التوجيه‬
‫السلمي للخدمة الجتماعية والتصل بالشكلت وتفسيها من منظور إسلمي‬
‫ ينبغي أن تكون مبنية بشكل مباشر على ما توصلنا إليه ف دراستنا للبعدين‬‫الول والثان والتصلي بفهم طبيعة النسان بختلف جوانبها الادية والروحية ‪،‬‬
‫وتوضيح ديناميات التفاعل بي تلك القوى الداخلة ف تكوين ذلك النسان ‪،‬‬
‫وبيان تأثياتا على العلقات بي الناس ‪ ،‬وعلى بناء الجتمع‪.‬‬
‫لقد بذلت ف العقد الاضي بعض الحاولت اليدة لستجلء معال‬
‫النظور السلمي لتفسي الشكلت الفردية بوجه خاص ‪ ،‬ومن هذه الحاولت‬
‫ما قام به ممد مروس الشناوي (‪ )1991‬من استقصاء لنظريات الرشاد والعلج‬

‫‪- 87 -‬‬

‫النفسي الغربية وتقويها ف ضوء النهج السلمي من حيث أهدافها ف مساعدة‬
‫الفراد على مواجهة مشكلتم‪.‬‬
‫ومنها أيضا ماولة عفاف الدباغ (‪1991‬ب) للتوصل إل "منظور إسلمي لتفسي‬
‫الشكلت الفردية" والت قامت فيها بعرض نقدي لبعض التوجهات الالية حول‬
‫تفسي الشكلت الفردية سواء ف كتابات العلوم الجتماعية أو كتابات الدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬ث حاولت المع بي ما صح عندها من هذه التوجهات وبي ما‬
‫يشي إليه التصور السلمي ف الوضوع‪.‬‬
‫أما على زيدان (‪ )1991‬فقد قام بدراسة حول التصور السلمي "للتعامل مع‬
‫ظاهرة النراف وصفا وتليل وتفسيا وعلجا" ولكنه اختار القتصار على‬
‫الصادر السلمية وحدها "حت ل يقع أسيا للفكر الوضعي با فيه من مفاهيم‬
‫وتصنيفات ‪ ...‬حت نستطيع استخلص النظور السلمي نقيا ل تشوبه شوائب‬
‫الزج بينه وبي النظريات الغربية الت يسهل النزلق إليها لا تتضمنه من مفاهيم‬
‫وعلقات جاهزة" (ص ص ‪.)4-3‬‬
‫ولقد كفتنا تلك الحاولت ‪ -‬كل منها من زاويته الفريدة ‪ -‬مؤونة استعراض‬
‫العناصر التفصيلية لعال التصور السلمي لتفسي الشكلت الفردية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬ولذلك فإننا سنكتفي هنا بعرض موجز لهم ما استخلصناه من‬
‫هذه الدراسات ومن غيها (ويكن لن أراد الزيد الرجوع إل تلك الصادر )‪.‬‬
‫لقد رأينا فيما سبق أن النظريات النفسية ‪ -‬الجتماعية نتيجة لقيامها على‬
‫تصورات مادية متزلة بالنسبة للطبيعة النسانية ‪ ،‬فإنا تنحو نوا ماديا متطرفا ف‬
‫نظرتا للحاجات النسانية ‪ ،‬ف حي أن النظرة السلمية للحاجات تقوم ‪-‬‬
‫بدل من ذلك ‪ -‬على أساس "أن هناك حاجة أولية مهيمنة على جيع الاجات ‪-‬‬
‫لنا ضامنة لشباعها جيعا ‪ -‬أول وهي "الفتقار إل ال عز وجل" (الدباغ‪،‬‬

‫‪- 88 -‬‬

‫‪1991‬ب‪ )12:‬والتضمنة ف قوله تعال "يأيها الناس أنتم الفقراء إل ال ‪ ،‬وال‬
‫هو الغن الميد " (فاطر ‪ ، )15 :‬حيث يفسر ابن كثي " أنتم الفقراء" بقوله‬
‫"أي أنتم متاجون إليه ف جيع الركات والسكنات" ‪ ،‬كما فسر الفخر الرازي‬
‫"إل ال" بأن ف هذا إعلما من ال بأنه ل افتقار إل إليه ‪ ،‬وأن هذا يوجب‬
‫عبادته لكونه مفتقرا إليه سبحانه ‪ ،‬وعدم عبادة غيه لعدم الفتقار إل غيه ‪،‬‬
‫فالنسان ف حاجة إل ال لنه سبحانه وتعال هو الذي خلق وسخر ما ف‬
‫السماوات وما ف الرض لشباع حاجاته الدنيوية ‪ ،‬وكل إنسان كائنا من كان‬
‫ف حاجة إل شكر ال ‪ -‬بعبادته ‪ -‬حت تقضى حاجاته ف الدنيا وف الخرة‬
‫أيضا (‪.)13-12‬‬
‫وإذن فالسلم ينظر للحاجات الادية وغي الادية على أن لكل منها‬
‫مشروعيته ‪ ،‬ولكنه ينظر لشباع كل الاجات جيعها من منظور ل يتوقف فقط‬
‫عند حدود هذه الياة الدنيا ‪ ،‬بل يربط دوما بي كل ما ف الدنيا وبي الخرة‬
‫الت هي دار القرار‪ ،‬فيجعل إشباع الاجات الدنيوية "وسيلة" طيبة للقيام بهام‬
‫العبودية ل ول يعل ذلك الشباع غاية ف ذاته ‪.‬‬
‫ورغم ما يبدو لول وهلة من بساطة هذا النظور أمام العقل السلم ‪ ،‬إل أن‬
‫هذا الفهم تترتب عليه آثار شديدة العمق والشمول ‪ ،‬تقلب رأسا على عقب‬
‫تصوراتنا حول توصيف وتفسي الشكلت الفردية والجتماعية ‪ ...‬آثار ل تكد‬
‫كتاباتنا العلمية تصل إل الوعي با بشكل كاف ‪ -‬ناهيك عن أن تتشربا أو أن‬
‫تنطلق منها!‬
‫فعلى عكس ما يظن التخصصون ف العلوم الجتماعية العاصرة فإن‬
‫حاجات النسان تقع ف فئتي رئيسيتي على الترتيب الت‪:‬‬

‫‪- 89 -‬‬

‫‪ -1‬الفتقار إل ال عز وجل ‪ ،‬والاجة إل الرتباط به والستمساك ببله التي ‪،‬‬
‫باعتبار أن هذا الرتباط فيه الضمان لشباع كل حاجة أخرى ف هذه الياة‬
‫الزائلة التحولة ‪ ،‬بل وفيما وراءها ما يعتب الياة القيقية الدائمة‪.‬‬
‫‪ -2‬الاجات الادية والنفسية والجتماعية " الدنيوية " ‪ ،‬الت أفاض ف وصفها وتليل‬
‫أبعادها أولئك التخصصون ‪ ،‬والت تتصل بإشباع الاجات الفزيولوجية والاجة‬
‫إل المن والب والتقدير والكانة وصول إل تقيق الذات ‪ ..‬ال ‪.‬‬
‫ولقد اتضح لنا ما سبق قيام النظور السلمي على الرتباط الوثيق بي هذين‬
‫النوعي من الاجات ‪ -‬بشكل يتوازى مع الرتباط الوثيق بي الروح والبدن‬
‫اللذين منهما يتكون النسان ‪ ،‬ولكن مع أولوية وهيمنة النوع الول من‬
‫الاجات على الوجود النسان كله ‪ ،‬وف ضوء ذلك الفهم فإن بإمكاننا القول‬
‫ بصورة مبدئية ‪ -‬بأن التصور السلمي لتفسي الشكلت الفردية والجتماعية‬‫يقوم على ثلثة مسلمات أساسية نصوغها فيما يلي ف شكل قضايا يكن‬
‫استنباط فروض قابلة للختبار منها ‪ ،‬وهي ‪:‬‬

‫السلمة الول ‪ :‬مع ثبات جيع العوامل الخرى ‪ -‬فإن انقطاع أو ضعف صلة النسان‬

‫بال عز وجل يعتب ف ذاته سببا "أساسيا وكافيا وحده" لوقوع الفرد ف الشكلت‬

‫الشخصية والشكلت التصلة بالعلقات الجتماعية ف هذه الياة الدنيا ‪ ،‬كما يكون‬

‫فوق ذلك سببا للهلك ف الخرة ‪ ،‬ويصدق ذلك عند كل مستويات إشباع الفرد‬
‫للحاجات الدنيوية الذكورة‪.‬‬

‫وتفسي ذلك ‪ :‬أن انقطاع الصلة بال عز وجل أو ضعفها يؤدى إل افتقاد إشباع‬
‫النوع الول من الاجات ‪ ،‬أل وهو افتقار الروح إل الرتباط بالقها وبارئها‬
‫الذي ليس لا من دونه من ملجأ أو ملذ ‪ ،‬ما يعلها تعيش ف حالة من الشعور‬
‫بالرمان الطلق من المان أو الطمئنان إل اليوم أو الغد ‪ ،‬وتس كما لو أنا‬

‫‪- 90 -‬‬

‫واقفة على شفا حفرة عميقة مالا من قرار ‪ ،‬هذا من جهة ‪ ،‬كما أن انقطاع‬
‫الصلة بال من جهة أخرى أمر يلب سخَط ال وغضبه وخذلنه للعبد ‪،‬‬
‫فالنسان إذا افتقد اليقي بال سبحانه وتعال ‪ ،‬وإذا ضل عن طريق ال الذي‬
‫اشترعه لعباده ‪ ،‬فإنه يتخبط ف إشباع حاجاته الدنيوية (الادية والنفسية‬
‫والجتماعية ) على غي هدى من ال ‪ ،‬فيبالغ مبالغة شديدة ف الزع من أي‬
‫نقص ف إشباع تلك الاجات الت هي عنده غاية الغايات ‪ ،‬وفوتا ل يعوض ل‬
‫ف عاجل ول ف آجل ( ف الدنيا والخرة ) ‪ ،‬فتتأثر بذلك حالته النفعالية ‪،‬‬
‫وقد يتد التأثي إل الصابة بالمراض البدنية أو ظهور العراض السيكوسوماتية‪.‬‬
‫وعلى الانب الخر‪ ...‬فإن من توفرت له الوارد الكثية الت تكفي لشباع‬
‫حاجاته الادية وتفيض ‪ ،‬فإنه نتيجة لضعف صلته بال عز وجل يبالغ ف تقدير‬
‫قيمة نفسه فيميل إل الطغيان والتجاوز ‪ ،‬فيكون بذلك سببا ف الشكلت لنفسه‬
‫ولغيه ‪ ،‬ومن ذلك نستنتج أن نقص العرفة وضعف اليقي بال تعال يؤدى إل‬
‫وقوع الشكلت سواء أشبعت الاجات الادية على أرقى الستويات ‪ ،‬أو كان‬
‫الرمان والفتقار إل الوارد ‪.‬‬
‫والدلة الشرعية على صحة هذه السلمة ل حصر لا ولكننا نكتفي هنا بذه اليات‬
‫ض عَدُوّ فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم‬
‫الكرية من سورة طه (قَالَ ا ْهبِطَا ِمنْهَا جَمِيعا َبعْضُكُ ْم لِبَعْ ٍ‬
‫ض عَن ذِكْرِي‬
‫مّنّي هُدًى فَمَ ِن اتّبَعَ هُدَايَ فَلَا َيضِ ّل وَلَا يَشْقَى {‪ }123‬وَمَنْ أَ ْعرَ َ‬
‫ب لِ َم حَشَ ْرَتنِي‬
‫فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا َونَحْشُ ُرهُ َيوْمَ اْلقِيَامَةِ أَعْمَى {‪ }124‬قَالَ رَ ّ‬
‫ت َبصِيا { ‪ }125‬قَالَ كَذَلِكَ َأَتتْكَ آيَاُتنَا َفنَسِيتَهَا وَكَ َذلِكَ اْليَوْمَ‬
‫أَعْمَى وَقَدْ كُن ُ‬
‫ب الْآ ِخ َرةِ‬
‫جزِي مَ ْن أَ ْسرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ َربّ ِه وَلَعَذَا ُ‬
‫تُنسَى { ‪ }126‬وَكَذَلِكَ نَ ْ‬
‫أَشَ ّد وَأَْبقَى { ‪ ، )}127‬والق أن التحليل العلمي لذه اليات الكرية وحدها‬
‫بغرض صياغة القضايا الت يكن أن تستخلص منها لتكون أساسا لبناء النظرية‬

‫‪- 91 -‬‬

‫السلمية حول النسان والشكلت الفردية والجتماعية ليتطلب مؤلفا مستقل‬
‫لعطائها ما تستحق ‪ ،‬ول يسعنا ف هذا القام إل التوقف عند هذه الشارة بأمل‬
‫التوفيق إل خدمة الوضوع بشكل أوف ف الستقبل إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫أما الدلة الواقعية على صحة هذه السلمة فكثية أيضا وتضيق عن الصر ف هذا‬
‫القام ونكتفي منها لجرد الدللة على التاه فقط با أورده ماسلو ف مقاله‬
‫الام (‪ )1977‬حول نظرية "الدوافع الرقى"‬

‫‪Metamotivation‬‬

‫الت قرر فيها‬

‫نتيجة لبحوثه ومارسته الطويلة بأن النسان حت بعد أن يتم له إشباع كل‬
‫حاجاته الساسية عند أعلى مستوى ‪ ،‬وعندما يصل إل تقيق ذاته‬

‫‪Self‬‬

‫‪ Actualization‬فإنه ل يزال يشعر بقوى دافعة خارجية (ذكر ماسلو أنه يصعب‬
‫تديد كنهها) ل تزال تدفعه ف اتاه تقيق قيم عليا تتصل بالياة الروحية ‪ ،‬وأن‬
‫النسان إذا حرم من التعبي عن هذه الاجات العليا ‪ Metaneeds‬فإنه يصاب با‬
‫أساء المراض العليا ‪ ، Metapathologies‬وإذا كان ماسلو ‪ -‬بنعته التطورية‬
‫الواضحة ‪ -‬قد رأي أن هذه الدوافع الراقية لا أساسها البيولوجي حت اعتبها‬
‫نوعا من اليوانية "الرقى" ‪ ،‬فإن ما يعنينا هنا أن ملحظاته وما يشبهها ما تكتظ‬
‫به كتابات أمثال فروم ويونج وروجرز وغيهم من إشارات إل مظاهر وآثار‬
‫الواء الداخلي أو الروحي حت عند أولئك الذين يلكون كل شىء ول يفتقرون‬
‫لشيء من متاع الدنيا لتدل دللة واضحة على أن الفطرة الت فطر ال الناس‬
‫عليها ل تزال تصرخ ف داخل النسان مطالبة بالمان للروح ف كنف خالقها‬
‫الذي أخذ عليها اليثاق وأشهدها على نفسها بذلك مهما أوتيت من إشباعات‬
‫لدوافعها الدنيوية‪.‬‬
‫وبإمكاننا أن نضيف إل هذه الدلة كلها دليل واقعيا آخر يتمثل ف ذلك العجز‬
‫والقصور الواضح الذي تعان منه مهن الساعدة النسانية كالدمة الجتماعية‬

‫‪- 92 -‬‬

‫والعلج النفسي ف مساعدة العملء على مواجهة مشكلتم بطريقة فعالة‬
‫وحاسة ‪ ،‬ما يكن أن نعزوه إل أن تلك الهن تبن مساعداتا للناس على نظريات‬
‫قائمة على تفسيات مادية متزلة ‪ ،‬و هذا ما يشي إل أن أصحاب تلك النظريات‬
‫وأصحاب تلك المارسات الهنية قد ضلوا طريق الق ف نظرتم للنسان‬
‫ومشكلته ‪ ،‬وأنه لبد من عكس السار ف هذه الهن بيث تتل الوانب‬
‫الروحية مكان الصدارة ف تفسياتنا لشكلت النسان إذا أردنا حقيقة أن نقدم‬
‫خدمات ذات فاعلية عالية لساعدته على مواجهة تلك الشكلت‪.‬‬
‫السلمة الثانية ‪ :‬مع ثبات جيع العوامل الخرى ‪ -‬فإن القصور ف إشباع‬
‫الاجات الدنيوية (الادية والنفسية والجتماعية ) سبب أساسي ‪ -‬ولكنه ليس‬
‫كافيا وحده ‪ -‬لوقوع الفرد ف الشكلت الشخصية والشكلت التصلة‬

‫بالعلقات الجتماعية ‪ ،‬وذلك على أساس أنه حت حالة وجود مثل ذلك القصور‬
‫ف الوارد الادية والدنيوية مع حسن الصلة بال سبحانه وتعال فإن الشكلت‬
‫الت يواجهها الفرد تكون أقل حدة بكثي ‪ --‬ويتوقف المر على درجة ونوع‬
‫تلك الصلة بال جل وعل‪.‬‬
‫وتفسي ذلك‪ :‬أن النظور السلمي يقوم على أن للنسان ول شك حاجاته الدنيوية‬
‫الت با قيام حياته واستمرارها ‪ ،‬ولكن هذه الاجات تتسم أيضا بأنا شديدة‬
‫النسبية نتيجة لا يتميز به النسان من مرونة مدهشة ف هذا الصدد ‪ ،‬فإذا نظرنا‬
‫إل الاجة إل الطعام كمثال لوجدنا أن النسان ف الساس تكفيه "لقيمات‬
‫يقمن صلبه" ولكنه مع ذلك قد يتجاوز ف طلبه إشباع تلك الاجة تاوزا كبيا‬
‫بيث تتطلب الكثي والكثي لشباعها ‪ .‬ومن هنا فإن الناس عندما يواجهون‬
‫بظروف بفتقدون فيها من الوارد ما يشبع حاجاتم الدنيوية فإنم يتعرضون‬
‫للشعور بالحباط والضيق ما يعرضهم للوقوع ف الشكلت ‪ ،‬ولكن درجة‬

‫‪- 93 -‬‬

‫الشعور بالحباط وحجم العدوان الصاحب لذا الشعور يتوقف ف القيقة على‬
‫عدد كبي من العوامل ‪.‬‬
‫ويبدو لنا أن التصور السلمي يقوم على أن أهم هذه العوامل ‪ -‬مرة أخرى ‪-‬‬
‫هو نوع صلة النسان بربه ‪ ،‬فالنسان الذي يوقن بأن له ربا يلك خزائن كل‬
‫خي ف الرض أو ف السماء ‪ ،‬وأنه الكري الرتى عفوه والأمول عطاؤه ‪،‬‬
‫ولكنه أيضا يؤمن بأن ال يعطى وينع بقدَر وفقا لكمته وعلمه با يصلح خلقه‬
‫ض وَلَكِن ُيَنزّلُ ِبقَ َد ٍر مّا يَشَاءُ ِإنّهُ ِب ِعبَا ِدهِ‬
‫ق لِ ِعبَا ِدهِ َلبَغَوْا فِي الرْ ِ‬
‫ط اللّ ُه ال ّرزْ َ‬
‫سَ‬
‫(وَلَوْ بَ َ‬
‫َخبِ ٌي َبصِيٌ) (الشورى‪ )27:‬فإنه لبد أن يوقن إما بقرب الفرج ف العاجل‬
‫وبضمان التعويض عما فاته ف الدنيا ‪ ،‬وإما بالجر العظيم الذي وُعده الصابرون‬
‫ف الخرة (ِإنّمَا ُيوَفّى الصّاِبرُونَ َأ ْجرَهُم ِبغَْي ِر حِسَابٍ) (الزمر‪ ،)10:‬ما يؤدى إل‬
‫الطمئنان النفسي الذي يقلل معدلت التوتر والحباط والعدوان ‪ -‬الت‬
‫تصاحب بشكل طبيعي نقص إشباع الاجات ‪ -‬بل وقد تؤدى إل استبعاد مثل‬
‫تلك الشاعر والتاهات بالكلية ف بعض الالت وعند بعض الشخاص ‪.‬‬
‫ولعل من اللئم هنا أن نشي إل دور العوال الخرى ونقصد با عال‬
‫اللئكة والشياطي ف الوقاية من وقوع الشكلت أو الساعدة على إحداثها ‪،‬‬
‫فالواقع أن دور الشياطي كأحد العناصر الساعدة ف وقوع الشكلت وف‬
‫تفاقمها يعد من أبرز الفروق بي التفسي السلمي وتفسيات العلم الديث‬
‫للمشكلت الفردية ‪ ،‬فالشيطان كما تدلنا آيات القرآن الكري الواضحات يثبت‬
‫يقينا أن الشيطان يقوم بأدوار تزيي الشر ‪ ،‬وإغواء الناس واستهوائهم ‪ ،‬وهو‬
‫يسول لم ويوسوس ف خفاء ‪ ،‬وهو يعدهم وينيهم وما يعدهم إل غرورا ‪،‬‬
‫وهو ينَغ بي الناس ويسعى إل إيقاع العداوة والبغضاء بينهم ‪ ،‬ومن هذا تتضح‬
‫كثرة الداخل الت يؤثر با الشيطان وقبيله ف بن آدم ‪ -‬الذين ثبتت عداوته لم‬

‫‪- 94 -‬‬

‫بكل دليل ‪ -‬حت ل يكاد يفلت من هذه التأثيات إل من رحم ال (ولول فضل‬
‫ال عليكم ورحته لتبعتم الشيطان إل قليل) "النساء ‪( "83 :‬الدباغ ‪:‬‬

‫‪1991‬‬

‫ب)‪.‬‬
‫ويكن تفسي فاعلية الشيطان وقدرته ف التأثي ف بن آدم من خلل إدراكنا‬
‫لوجود حليف له داخل النسان ‪ -‬أل وهو النفس الذمومة التجاوزة الت تأمر‬
‫بالسوء ‪ ،‬فالنفس هنا تكون حليفة للشيطان ويكون الشيطان لا قرينا يأمرها‬
‫بالسوء ويزينه ف نظرها ‪ ،‬ومع ذلك فان تأثي الشيطان انتقائي ل يتضمن عنصر‬
‫الجبار (إِنّ ُه َليْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّذِي َن آمَنُواْ وَعَلَى َربّهِمْ َيتَوَكّلُونَ) (النحل ‪:‬‬
‫‪ )99‬فال سبحانه وتعال يُنّ بفضله على الؤمني التوكلي عليه بدفع الشيطان‬
‫عنهم (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (النساء ‪ ،)76 :‬غي أن هذا ل يعن أنه ل‬
‫يتعرض للمؤمني الصادقي أبدا بدليل قوله تعال (إِنّ الّذِينَ اّتقَواْ ِإذَا مَسّهُ ْم طَائِفٌ‬
‫صرُونَ) (العراف ‪. )201 :‬‬
‫مّنَ الشّيْطَا ِن تَذَ ّكرُواْ فَِإذَا هُم مّْب ِ‬
‫أما اللئكة فإنم وإن كانوا يقومون بدور الراقبة وتسجيل أعمال بن آدم إل أنم‬
‫يقومون أيضا بساندة وتدعيم الؤمني التقي (إِنّ الّذِينَ قَالُوا َربّنَا اللّ ُه ثُمّ ا ْسَتقَامُوا‬
‫شرُوا بِالْجَنّ ِة الّتِي كُنتُ ْم تُوعَدُونَ {‬
‫حزَنُوا وََأبْ ِ‬
‫َتَتَنزّلُ عَلَيْهِ ُم الْمَلَاِئكَةُ َألّا تَخَافُوا وَلَا تَ ْ‬
‫شتَهِي أَنفُسُكُمْ‬
‫حيَا ِة الدّنْيَا وَفِي الْآ ِخ َرةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَ ْ‬
‫‪ }30‬نَحْ ُن أَوِْليَاؤُكُمْ فِي الْ َ‬
‫وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَ ّدعُونَ {‪ُ }31‬نزُلً مّنْ غَفُورٍ رّحِيمٍ {‪( )}32‬فصلت) ‪.‬‬
‫كما أن الديث الشريف يشي أيضا إل أن النسان عندما يهم بعمل من العمال‬
‫فإنه تعرض له لتان لة من الشيطان ولة من اللك ‪ ،‬والنفس بي هاتي بسب‬
‫حالا ‪ ،‬فأما النفس الطيبة فإنا تستجيب لداعي الي ‪ ،‬و أما النفس البيثة فإنا‬
‫تستجيب لداعي الشيطان (الدباغ ‪ 1991 :‬ب) قَالَ رَسُو ُل اللّ ِه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ‬
‫شرّ‬
‫ك لَمّةً فَأَمّا لَمّةُ الشّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِال ّ‬
‫وَسَلّ َم إِ ّن لِلشّيْطَا ِن لَمّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَ ِ‬

‫‪- 95 -‬‬

‫خْي ِر وََتصْدِي ٌق بِالْحَقّ فَمَنْ وَجَ َد َذلِكَ‬
‫وَتَكْذِيبٌ بِالْحَ ّق وََأمّا لَمّ ُة الْمَلَكِ فَإِيعَا ٌد بِالْ َ‬
‫فَ ْليَعْلَ ْم َأنّ ُه مِنْ اللّهِ فَلْيَحْمَدْ اللّهَ وَمَنْ وَجَدَ ا ُل ْخرَى فَلَْيَتعَ ّوذْ بِاللّهِ مِ ْن الشّيْطَانِ…‬
‫(رواه الترمذي)‪.‬‬
‫ول شك ف أن دعم اللئكة للمؤمني التقي واستفزاز الشياطي لهل الهواء‬
‫والشبهات يضاعف من قوة الثار التضمنة ف البدأين السابقي بشكل كبي ‪،‬‬
‫فدعم اللئكة يقلل من حدة الشعور بالرمان من إشباع الاجات عند الؤمني ‪،‬‬
‫ويقلل من فرص وقوعهم ف الشكلت بشكل هائل ‪ ،‬كما أن استفزاز الشياطي‬
‫لهل العصيان ل يزيدهم إل خسارا ‪ ،‬ويكاد ينع خروجهم من دائرة الشكلت‬
‫الت وقعوا فيها ‪.‬‬
‫ونود أن نشي هنا إل أن من أهم العوامل الت تتضمنها عبارة "مع ثبات جيع‬
‫العوامل الخرى" الواردة كضابط على العلقات التضمنة ف السلمات السابقة‬
‫تشمل العوامل "الجتمعية" التصلة بدرجة فاعلية أداء النظم الجتماعية‬
‫لوظائفها ‪ ،‬ما ييسر أو يعوق توافق النسان مع نفسه ومع غيه ف ضوء‬
‫الضوابط الشرعية ‪ ،‬وترجع أهية هذه العوامل إل أنا تثل الطار الجتمعي والبيئة‬
‫النسانية الت يسلك ف إطارها الفراد ‪ ،‬والت ينبغي أن تكون دائما مأخوذة ف‬
‫العتبار عند تطبيق هذه السلمات واستنباط الفروض منها ‪.‬‬
‫السلمة الثالثة ‪ :‬إن التغي الجتماعي السريع وما يؤدى إليه من تفكك اجتماعي لو سبب‬

‫أساسي ف حدوث الشكلت الجتماعية ف كل الجتمعات ‪ ،‬ولكن درجة حدة تلك‬

‫الشكلت ودرجة انتشارها تكون أقل كثيا ف حالة الجتمعات الت تيمن فيها القيم‬
‫الستمدة من السلم ‪ ،‬والت تعكس مؤسساتا ونظمها الجتماعية تلك القيم اللية‬

‫التوجه ‪ ،‬والت (نتيجة لذلك) يتفظ فيها الناس بسلمة فطرتم‪.‬‬

‫‪- 96 -‬‬

‫وتقوم هذه السلمة على أساس ما ثبتت صحته ف الدراسات الواقعية‬
‫من الرتباط بي سرعة التغي وسرعة التفكك الجتماعي ‪ ،‬الذي ل تستطيع‬
‫عملية إعادة التنظيم الجتماعي‬

‫‪Social Reorganization‬‬

‫ملحقته ‪ ،‬ما يؤدى‬

‫إل ظهور الشكلت الجتماعية‬
‫‪Social Problems‬‬

‫الت تصيب فئات واسعة نسبيا من السكان ‪ ،‬على أساس‬

‫أن سبب الشكلت ف هذه الالة مؤسسي أو نسقى ‪ Systemic‬وليس فرديا‪.‬‬
‫ومع ذلك فان الجتمع السلم الذي تسوده درجات من التكامل‬
‫الجتماعي ‪ Social Integration‬القوى نسبيا من غيه بيث يكون "كالسد‬
‫الواحد" بتعبي سيد اللق ‪ ،‬والذي رغم تايزه إل أنساق فرعية متعددة إل أن‬
‫توجه كل منها وسلوكه يكون سلوك "الجزاء اللتزمة" ‪- Committed Parts‬‬
‫على حد تعبي دارسي عملية التنظيم الجتماعي ‪ ، -‬تكون قدرته على الستجابة‬
‫السريعة والفعالة لتلك الشكلت أقوى بدرجة كبية من غيه من الجتمعات الت‬
‫تتصرف أجزاؤها (الفراد أو الماعات أو النظمات) كعناصر ذات استقللية‬
‫عالية ‪( Autonomous Elements‬هذه مصطلحات أولسن‬

‫‪Olsen , 1968 :‬‬

‫‪.) 79‬‬
‫ويرجع السبب ف ذلك إل أن الجتمع السلم ‪ -‬بقدر اتصافه بالتماسك‬
‫والتكامل الجتماعي التوقع ف الجتمعات السلمة ‪ -‬يكون أسرع إل الحساس‬
‫أو "الكتشاف البكر للمشكلت" عند بدء ظهورها ‪ ،‬ما يكن مؤسسات‬
‫التوجيه الجتمعي من سرعة الستجابة قبل أن تنتشر الشكلت وتتفاقم ‪،‬‬
‫بالقارنة ببطء الستجابة الذي تتصف به نسبيا الجتمعات الخرى ‪ ،‬ومن جهة‬
‫أخرى فإن وحدة الطار القيمي للمجتمع تكن تلك الجتمعات من اتاذ‬
‫القرارات حول التاه الذي ينبغي أن تتخذه الستجابة للمشكلت ف سرعة‬

‫‪- 97 -‬‬

‫ويسر ‪ ،‬وأخيا فإن إلية الصدر بالنسبة لتلك القيم يعطيها قدرة أكب على حسم‬
‫الختلفات بي التوجهات الت تظهر عندما يقوم الناس بتقوي التغيات‬
‫والتحولت الطارئة ‪ ،‬وهذا بالطبع موقف يتلف اختلفا جذريا عن الوقف الذي‬
‫يسود الجتمعات الت ل تتبن قيم السلم ‪ ،‬ففي مثل تلك الجتمعات تتصارع‬
‫الراء التساوية الوزن لكل البشر ويبقى الترجيح لن يلك القوة على فرض‬
‫رؤيته ‪ ،‬أما ف الجتمع السلم فإن التوجهات الطروحة لواجهة الشكلت تنبع‬
‫من معي واحد ربان الصدر ل ينحاز إل ذي قوة أو ذي هوى ‪ ،‬فيقل التناقض‬
‫والصراع القيمي الذي يؤدى ف غيها من الجتمعات إل مضاعفات تؤدى‬
‫بدورها إل مزيد من الشكلت الجتماعية‪.‬‬
‫هذا فيما يتصل بالتغيات الوافدة من خارج الجتمع ‪ ،‬أما بالنسبة للتغي‬
‫النابع ذاتيا من داخل الجتمع ‪ ،‬فإنه ف الجتمعات السلمية يكون موجها منذ‬
‫البداية بتوجيهات الطار القيمي السلمي الذي يقوم على مبادئ الخوة ف ال‬
‫‪ ،‬والعدل ‪ ،‬واليثار ‪ ،‬فيكون أثر التغي الجتماعي ف إحداث التفكك‬
‫الجتماعي مدودا جدا ‪.‬‬
‫وبالقارنة فإن الجتمعات الخرى ‪ -‬وأيضا الجتمعات السلمية الت‬
‫تذو حذوها ‪ -‬الت ينظر فيها كل فرد وكل مؤسسة وكل نظام اجتماعي‬
‫لنفسه على أنه وحدة ذات استقلل ‪ -‬كما أشرنا ‪ -‬فإن كل وحدة ترى أن من‬
‫حقها أن تدث التغييات الت تراها مققة لصلحتها الذاتية ‪ Self - interest‬مع‬
‫اكتراث قليل با على هذه التغييات من تفكك اجتماعي أو نقص ف إشباع‬
‫حاجات الخرين ‪ ،‬فرجال العمال فيها مثل يكون أكب ههم هو تقيق أكب‬
‫ربح مكن ‪ ،‬ورجال السياسة يكون أكب ههم حشد أكب قدر مكن من القوة‬
‫السياسية ‪ ...‬وهكذا ‪ ،‬أما لاذا؟ وعلى حساب من ؟ وما هي النتائج الترتبة على‬

‫‪- 98 -‬‬

‫ذلك السلوك على الجتمع ف الدى البعيد ؟ فهي أسئلة غي مطروحة ‪ -‬تكنس‬
‫تت البساط كما يقولون ‪ ،‬ول تتم مواجهتها مواجهة جادة وكأن عدم رؤيتها‬
‫يؤدى إل إبطال مفعولا ! ومن الواضح أن تلك الناط "النتهازية" من الياة‬
‫الجتماعية تؤدى إل بقاء ‪ -‬بل وال تفاقم ‪ -‬الشكلت الجتماعية على الوجه‬
‫الذي نلحظه بشكل مؤل ف الجتمعات العاصرة من حولنا ‪.‬‬
‫وأخيا فإن من الضروري أن ننبه هنا إل أن غرضنا الساسي ف هذا‬
‫البحث (كما هو الال بالنسبة لبقية أبعاد التوجيه السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية ) ليس هو حصر أو استنفاد العوامل الؤثرة ف إحداث الشكلت‬
‫الفردية أو الجتماعية بقدر ما ندف إل لفت النظار إل العوامل الفريدة الت‬
‫يتميز با التصور السلمي عن التصورات الوضعية الشائعة بيننا اليوم ‪ ،‬با يؤدى‬
‫ إن شاء ال تعال ‪ -‬إل مناقشة تلك الصياغات وإجراء الوار حولا ‪ ،‬با يهد‬‫الطريق أمام إجراء الدراسات والبحوث الت تنطلق من هذا التوجيه الديث ‪.‬‬

‫البحث الرابع ‪ :‬الرعاية الجتماعية والصلح الجتماعي‬
‫(‪ )1‬الشكلت الجتماعية ‪ ،‬والسياسة الجتماعية ‪ ،‬والرعاية الجتماعية ‪:‬‬

‫ل يلو متمع من الجتمعات من الشكلت الجتماعية ‪ ،‬الت تعب عن‬
‫نفسها ف النهاية ف صورة مواقف أو صعوبات أو مشكلت تواجه الفراد أو‬
‫السر ‪ ،‬وظهور هذه الشكلت يتطلب اتاذ إجراءات لواجهتها وللوقاية منها‬
‫على مستوى الجتمع ككل ‪ ، ...‬أو اتاذ إجراءات ومارسات لواجهة أثارها‬
‫وأعراضها من خلل مساعدة الفراد والسر ‪ -‬بطريقة مباشرة‪ -‬على حل تلك‬
‫الشكلت ‪ ،‬وتنمية قدرتا على التعامل مع مثلها ف الستقبل ‪.‬‬

‫‪- 99 -‬‬

‫والصلة وثيقة بي سرعة التغي الجتماعي وبي انتشار الشكلت‬
‫الجتماعية والنرافات الفردية ‪ ،‬فكلما ازدادت سرعة التغي ( على الصورة الت‬
‫تعانيها الجتمعات ف العصر الديث وخصوصا منذ بدء الثورة الصناعية ) كلما‬
‫ازدادت الشكلت الجتماعية تفاقما ‪ ،‬وذلك نتيجة لن جهود الصلح ‪ -‬أو‬
‫عملية إعادة التنظيم الجتماعي ‪ - Social Reorganization‬تقصر سرعتها عادة‬
‫عن ملحقة السرعة الت يدث با التفكك الجتماعي كما رأينا ف البحث‬
‫السابق ‪ ،‬ومن هنا فإن عجز النظم الجتماعية عن القيام بوظائفها (أي التفكك‬
‫الجتماعي ) يعن وجود حاجات إنسانية غي مشبعة عند قطاعات عريضة من‬
‫السكان ‪ ،‬ولواجهة ذلك الوقف فقد تخضت جهود الصلح ف الجتمع‬
‫الديث عن ظهور نظام اجتماعي جديد هو نظام الرعاية الجتماعية‬
‫‪Social welfare institution‬‬

‫‪The‬‬

‫مهمته الساسية هي الساعدة على مواجهة قصور‬

‫النظم الجتماعية الخرى ومعالة آثار ذلك القصور ‪ ،‬ث العمل ف الوقت ذاته‬
‫على توفي الظرف اليابية الت تنع حدوث الشكلت الجتماعية ف الستقبل‬
‫بقدر المكان ‪.‬‬
‫ولقد عرّفت دائرة معارف الدمة الجتماعية (‪ ) 1971‬الرعاية‬
‫الجتماعية ‪Social welfare‬‬

‫بأنا اصطلح "يشي بصفة عامة إل جيع النشطة‬

‫النظمة للمؤسسات الهلية والكومية ‪ ،‬الت تستهدف الوقاية من الشكلت‬
‫الجتماعية العروفة ‪ ،‬أو تفيف وطأتا ‪ ،‬أو السهام ف حلها أو الت تستهدف‬
‫تسي أحوال الفراد والماعات الحلية " (‪ ) Pumphrey , 1971 : 1446‬ويعتب‬
‫هذا التعريف من أشل التعريفات الطروحة للرعاية الجتماعية ‪ ،‬ذلك أنه ل‬
‫يتوقف عند الوانب العلجية للرعاية الجتماعية ‪ ،‬بل ضم إليها الهود الوقائية‬

‫‪- 100 -‬‬

‫وأيضا الهود التنموية أو النشائية ‪ ،‬كما أنه يأخذ ف العتبار الهود الهلية‬
‫ول يتوقف عند حدود الدمات والبامج الكومية وحدها ‪.‬‬
‫أما ريتشارد تتمس فيبط بي الرعاية الجتماعية والسياسة الجتماعية‬
‫‪ Social Policy‬على وجه يقصر مداها على القرارات والبامج والدمات‬
‫الكومية وحدها ‪ ،‬حيث يقول "إن الدمات الجتماعية أو الرعاية الجتماعية‬
‫هي مسميات أعطيت منذ وقت طويل لوصف مال معي من مالت تدخل‬
‫الدولة ‪ ،‬يتضمن برامج الساعدات الالية وبرامج الصحة العامة الت ينظر إليها‬
‫على أنا هي الكونات الرئيسة للسياسة الجتماعية ‪ ،‬لنا تتصل بإجراءات‬
‫حكومية واضحة مباشرة قابلة للقياس ‪ ،‬اتذت لسباب سياسية متلفة لواجهة‬
‫عدد معي من الاجات الادية والجتماعية الت ل يكن لنظام السوق إشباعها‬
‫بالنسبة لفئات معينه من السكان ( ‪ )Schorr , et al., 1971 : 1363‬ومعن ذلك‬
‫أن تتمس (وهو من كبار رجال السياسة الجتماعية البيطانيي العروفي) يرى‬
‫أن الصل هو قيام السرة ونظام السوق (الذي يقوم على فكرة شراء السلع‬
‫والدمات الشبعة لكل الاجات مقابل دفع الثمن ‪ ،‬الذي يتحدد ف ضوء‬
‫العرض والطلب) بتنظيم إشباع الاجات بطريقة تلقائية طبيعية ‪ ،‬أما ف حالة‬
‫عجز السرة ونظام السوق عن إشباع حاجات فئات اجتماعية معينة ‪ ،‬فإن على‬
‫الدولة أن تتدخل لياد وسائل لشباع الاجات خارج نظام السوق ‪.‬‬
‫ويوضح آلفي شور وزميله هذا العن بقولما "إن السياسة الجتماعية تعن‬
‫عند الكثيين مموعة برامج الرعاية الجتماعية الوجهة للتعامل مع مشكلت‬
‫الفقراء ‪ ،‬ومن يعيشون على هامش النظم القائمة ‪ ،‬والعاقي ‪ ،‬وأولئك الذين‬
‫عجزوا عن تدبي أمورهم ف حدود النظام القتصادي القائم ‪ ،‬ومن هنا فإن بنود‬
‫السياسة الجتماعية إنا تتصل ببامج وتشريعات معينة ف ميط الرعاية‬

‫‪- 101 -‬‬

‫الجتماعية" ولكنهما من جهة أخرى يفضلن تعريف السياسة الجتماعية‬
‫بطريقة أكثر شول على أنا "البادئ والجراءات الت توجه مسار أي برامج أو‬
‫خطوات تتخذ لتعديل العلقات الفردية والمعية ف الجتمع (ف اتاهات‬
‫مرغوبة ) ‪ ...‬والسياسة الجتماعية الستقرة تثل اتاذ خط متفق عليه للتعامل مع‬
‫بعض الظواهر الجتماعية الختارة ‪ ،‬يتحكم ف العلقات الجتماعية وف توزيع‬
‫الوارد ف الجتمع" ( ‪.) 1362 -1361‬‬
‫ومن هذا نرى أن تعريفات سياسة الرعاية الجتماعية تتلف سعة ضيقا‬
‫بي من يرون أنا ينبغي أن تركز ‪ -‬إجرائيا‪ -‬على مموعة القرارات والبامج‬
‫الكومية التصلة برعاية الفئات الجتماعية الت تعان من أثار قصور النظم‬
‫الجتماعية الت أشرنا إليها من قبل ‪ ،‬وبي من يرون أنا ينبغي أن تتسع لتشمل‬
‫كل الجراءات والهود والطوات (ما أمكن قياسه منها إجرائيا وما ل يكن‬
‫قياسه) الوجهة نو التأثي ف العلقات بي متلف فئات الجتمع والتحكم فيها‬
‫حت تكون أكثر توازنا ‪ ،‬ث التأثي ف نظم توزيع الوارد ف الجتمع حت تكون‬
‫أكثر عدل ‪ ،‬على وجه يضمن ف النهاية إشباع حاجات كل فئات السكان‬
‫بصورة يكن النظر إليها على أنا مقبولة اجتماعيا ‪ ،‬ما يكن أن يؤدى إل تقليل‬
‫فرص النراف والغتراب والظلم الجتماعي إل أقل حد مكن ‪.‬‬
‫(‪ )2‬الرعاية الجتماعية والقيم والتفصيلت الجتماعية ‪:‬‬

‫ما سبق يتضح لنا بلء أن السياسات الجتماعية ‪ -‬الت تكم تصميم‬
‫وتنفيذ برامج الرعاية الجتماعية ف أي متمع ‪ -‬إنا تنقلنا مباشرة إل صميم‬
‫"القيم" الت ارتضاها هذا الجتمع لنفسه ‪ ،‬مع الربط ‪ -‬بطبيعة الال ‪ -‬بي هذه‬
‫القيم وبي ما يتصل بالفهم والتحليل العلمي لسباب الشكلت الجتماعية‬
‫وطرق مواجهتها ‪ ،‬وهذه بدورها توجه برامج الرعاية الجتماعية ف التاهات‬

‫‪- 102 -‬‬

‫الت تتمشى مع تلك الهداف والتفضيلت الجتمعية ‪ ،‬أما معطيات العلم وثار‬
‫البة الهنية فإنا تقدم الوسـائل الت يُتوقع أن تـؤدى إل تقيق تلك‬
‫الهداف اعتمادا على ما تشي إليه نتائـج البحوث والدراسات العلميـة من‬
‫جهة ‪ ،‬وما تشي إليه نتائج تقوي المارسات والتجارب اليدانيـة‬
‫‪Experiments‬‬

‫النظمة ‪Field‬‬

‫‪ Demonstrations , Field‬من جهة أخرى ‪ ،‬فقيم الجتمع‬

‫وتفضيلته أصل ‪ ،‬والتطبيقات العلمية والهنية ف هذا الجال فرع‬
‫والق أن هناك شبه إجاع بي التخصصي ف علوم الجتمع على أن‬
‫كل متمع كما ينشئ ترتيباته وتنظيماته الجتماعية فإنه ف الوقت ذاته ينشئ ‪-‬‬
‫أو يهد الطريق لظهور‪ -‬أنواع معينه من الشكلت الجتماعية ‪ ،‬فما يتاره‬
‫الجتمع من معايي وقيم ‪ ،‬وما يتاره من أبنية مؤسسية تعب عن تلك العايي‬
‫والقيم ‪ ،‬يترتب عليه ظهور أنواع من الشكلت النبثقة عن تلك الختيارات‬
‫والترتبة عليها ‪ ،‬يقول ميتون و نيزبت ف عبارة تعتب من أكثر ما قيل ف هذا‬
‫الصدد حكمة "إن نفس البناء الجتماعي والثقافة الت هي ف أصلها موجّهة‬
‫لياد ألوان السلوك اللتزم النظم تولّد ف الوقت ذاته ميل لياد أشكال بعينها‬
‫من السلوك ‪ ،‬وتفتح البواب أمام ألوان من التفكك الجتماعي ‪ ،‬وبذا العن‬
‫فإن الشكلت الجتماعية الارية ف أي متمع إنا هي تسجيل للنفقات‬
‫الجتماعية لتلك الصورة الاصة من صور تنظيم الياة الجتماعية فيه" (‬
‫‪. )Merton & Nisbet : XII‬‬
‫وصلحية القيم وصدقها وملءمتها لياة الناس إنا تتوقف على مدى‬
‫واقعيتها واتساقها مع الرؤية الصحيحة لذا الوجود ‪ ،‬وبقدر تطابق القيم‬
‫والتفضيلت الجتماعية الوجهة للبناء الجتماعي مع "الواقع" بعناه الشامل ‪،‬‬
‫أو مع "القيقة الطلقة" بتعبي بارسونز ‪ ،‬يكون ناح عملية التنظيم الجتماعي ‪،‬‬

‫‪- 103 -‬‬

‫وبقدر هذا التطابق تقل الشكلت الجتماعية ‪ ،‬ولكن أنّى للنسان أن يتعرف‬
‫على هذه القيقة الطلقة أو هذا الواقع الطلق لكي يتار من القيم ما يتطابق معه؟‬
‫إن الجتمعات الغربية العاصرة الت أعلنت مؤخرا بكل لسان أن حضارتا قد‬
‫انتصرت وتربعت على عرش العال قد اختارت العتماد على "البة النسانية"‬
‫وحدها ف الوصول إل تصور حقائق هذا الوجود ‪ ،‬فتوقفت غالبا عند ما هو‬
‫مسوس ‪ ،‬وعند ماهو قابل للقياس واللحظة ‪ ،‬وقد أدى هذا التركيز على‬
‫الاديات والحسوسات إل ناحات كبية ف الحيط الادي والقتصادي‬
‫والعسكري ‪ ،‬أما ف الحيط النسان فمازال النسان يعيش ف إطار تلك‬
‫الضارة بعيدا عما يطمح إليه من العيش ف سعادة وسلم ف هذه الياة الدنيا‬
‫(إضافة إل تاهل ما يكون وراءها)‪ .‬ولكن هل هذا هو اليار الوحيد الطروح‬
‫أمام البشرية ؟ إننا سنرى بعد قليل أن نظم السلم تقدم لنا البديل الصحيح لذه‬
‫العاناة البشرية الت ل أول لا ول آخر ‪ ،‬والت تعان منها الجتمعات النسانية‬
‫العاصرة رغم التقدم العلمي والتقن الكبي الذي تقق ف ميط الرفاهية الادية ‪.‬‬
‫لنتوقف قليل لنعطي مثال ‪ -‬مدودا جدا ‪ -‬ما قام به ألفريد كان ف‬
‫تليله للبيانات الحصائية للوضاع السكانية والجتماعية ف الوليات التحدة‬
‫المريكية ف أوائل الثمانينات لتحديد التاهات الت تسي فيها ‪ ،‬لكي ندلل‬
‫على أن اختيارات الناس وتفضيلتم هي الت تلق أنواع الشكلت والاجات‬
‫غي الشبعة الت يعانون منها كما قال ميتون و نيزبيت ‪ ،‬فلقد توصل "كان" من‬
‫هذا التحليل إل أن خروج الرأة إل العمل قد أدى إل انفاض عدد السر‬
‫التقليدية ‪ -‬الت تتكون من زوج يعمل وزوجته تتول شئون البيت والولد ‪-‬‬
‫إل حد ل يسبق له مثيل ‪ ،‬وأن ‪ % 52‬من الطفال المريكيي الت تقل‬
‫أعمارهم عن عام واحد هم أطفال لمهات عاملت ‪ ،‬وأن الكثيين منهم تتم‬

‫‪- 104 -‬‬

‫تربيتهم تت ظروف مضطربة ومتغية باستمرار ‪ ،‬أما الطفال ف سن الدرسة ‪،‬‬
‫فلقد تبي أن نسبة كبية منهم يعيشون دون أي رعاية منذ خروجهم من الدرسة‬
‫إل الساعة السادسة أو السابعة مساء حت يعود الوالدان من العمل ‪ ،‬أما الياة‬
‫السرية ف مثل هذه السر فإنا مضغوطة "ل يكاد يلتقط فيها أفراد السرة‬
‫أنفاسهم" ‪ ،‬وف إطار ذلك كله فإن معدلت حالت القسوة على الطفال‬
‫(بالضرب البح أو التعذيب) ‪ ،‬والقسوة على الزوجات ‪ ،‬والقسوة على كبار‬
‫السن قد ارتفعت ‪ ،‬كما ازدادت حالت هروب الراهقي من أسرهم بسبب‬
‫مشكلت الخدرات أو الشكلت الدرسية أو السلوك النراف أو المل غي‬
‫الشرعي (يلحظ أن ‪ %16‬من حالت المل ف الوليات التحدة المريكية هي‬
‫لفتيات ف سن الراهقة من غي التزوجات) (‪. )Kahn, 1987 : 634 - 635‬‬
‫ولقد أجهد آلفريد كان نفسه ليوضح أن الجتمع المريكي ينبغي أن‬
‫ينظر لذه الظواهر ل على أنا "مشكلت" أو ظواهر مرضية ‪ ،‬وإنا على أنا‬
‫"حاجات" طبيعية نشأت نتيجة للمسار الذي اختاره الجتمع بنفسه وارتضاه‬
‫لنفسه ‪ ،‬وكأخصائي اجتماعي ملص لبادئ الدمة الجتماعية التقليدية (الت‬
‫تسلم بأن على الهنة أن تعمل ف إطار القيم الت اختارها الجتمع ) فإنه يقرر أن‬
‫التغيات القتصادية والجتماعية والتغيات ف أوضاع السر الت أشرنا إليها‬
‫فيما سبق والت تقوم على عمل الرأة والرجل خارج النل قد أصبحت هي‬
‫"العيار الديد القبول ف هذا العصر" وأنا قد ترتبت عليها أوضاع جديدة‬
‫تتطلب إياد البامج الجتماعية اللزمة لواجهتها ‪ ،‬وأنه إذا كان لدينا ( يقصد‬
‫ف الجتمع المريكي ) أسر يعمل البوان فيها خارج النل ‪ ،‬وأسر تعولا نساء‬
‫ل تتزوجن ‪ ،‬وأسر تعيش منعزلة دون دعم من القارب ‪ ،...‬وإذا كانت كل‬
‫هذه السر تاول تربية أطفالا ‪ ،...‬فإن من الواضح أن الكثي من هذه السر‬

‫‪- 105 -‬‬

‫يتاج دعما مؤسسيا منظما ف شكل برامج وخدمات اجتماعية واسعة النطاق‬
‫[تنفق عليها الدولة طبعا]" (‪.)p 639‬‬
‫ولكن دور القيم والعايي الت يتارها الجتمع ل يتوقف عندما ذكرناه من‬
‫أنا تدد صورة الشكلت الجتماعية وترسم خريطة الاجات غي الشبعة ‪،‬‬
‫ولكن القيم الجتمعية إضافة إل ذلك تدد أيضا نوعية "استجابة الجتمع" لتلك‬
‫الشكلت ‪ ،‬ودرجة تلك الستجابة ‪ ،‬ذلك أن مواجهة الشكلت الجتماعية‬
‫تتطلب نوعا من "التفاق" الجتمعي حول ماهية الشكلت الوْل بالواجهة ‪،‬‬
‫وكذا حول الهة الت تتحمل نفقات مواجهتها ‪ ،‬وهذا يصرفنا إل قضية‬
‫ديناميات التفاق الجتمعي وكيفية الوصول إليه ‪ ،‬وقضية العمليات السياسية الت‬
‫تتضمنها تلك الديناميات ‪ ،‬والقوى والصال الؤثرة فيها والتأثرة با ‪.‬‬
‫فإذا عدنا مرة أخرى إل المثلة الت تقدمها لنا الضارة الغربية الغالبة‬
‫اليوم ‪ ،‬لوجدنا مع "شور" وزميله أن السياسة الجتماعية ف أمريكا تددها ثلثة‬
‫اتاهات هي ‪ :‬الفردية ‪ ، Individualism‬وعدم تدخل الدولة إل ف أضيق نطاق‬
‫مكن ‪ ،‬والتفاوض بي جاعات الصال الختلفة ‪ ،‬ويضيفان أن اختلف جاعات‬
‫الصال ف الجتمع المريكي وطبيعة العملية السياسية قد عملت ضد ظهور‬
‫سياسة اجتماعية متماسكة ‪" ،‬وبدل من ذلك فقد جاء ظهور السياسات‬
‫كاستجابة موقوتة ونفعية (براجاتية) لتوازنات القوة التغية بي هذه الماعات‬
‫‪ ...‬وأن أحد الصائص الواضحة للسياسة الجتماعية ف الوليات التحدة‬
‫المريكية هو أن المة ل تلك بيانا واضحا شامل بأهدافها القومية ‪ ،‬أو‬
‫سياسات اجتماعية تتضن هذه الهداف" (‪ ) Schorr , et al . 1367‬أما جيمس‬
‫ليب (‪ ) Leiby, 1971 : 1461 - 1477‬فإنه قد استعرض تاريخ الرعاية‬

‫‪- 106 -‬‬

‫الجتماعية ف الوليات التحدة المريكية بطريقة يكن لن يشاء أن يراجعها‬
‫ليى أمامه بوضوح كيف أن ترك المور للصراع ( ديوقراطيا ) بي جاعات‬
‫الصال الختلفة دون دليل إلي موجه ف متمع يقوم على الفردية ويَدين فقط با‬
‫يراه البشر قد أدى إل الكثي من الفوضى والضطراب ف هذه البامج ‪ ،‬وكيف‬
‫أن هذه النظار البشرية التلطمة والتصارعة لزالت توجه سياسات الرعاية‬
‫الجتماعية إل اليوم‪.‬‬
‫(‪ )3‬الرعاية الجتماعية ‪ ،‬والقاعدة العلمية ‪ ،‬والمارسات الهنية ‪:‬‬
‫يواجه الباحثون عند هذه النقطة بإغراء شديد لصدار تعميم يقضى بأن‬
‫"الساليب" الت تتحقق با أهداف الرعاية الجتماعية ف ضوء العرفة العلمية‬
‫التاحة حول طبيعة النساق الفردية والجتماعية ف ضوء المارسات الهنية‬
‫السابقة إنا هي من المور الفنية والعملية الت ل تتلف كثيا من متمع لخر ‪،‬‬
‫وأنا ل تتأثر كثيا بالختلفات الثقافية أو العتقدات الدينية ‪،‬باعتبارها مرد‬
‫وسائل مايدة ‪ ،‬ولكن الدلة على خطأ مثل ذلك التعميم كثية ‪ ،‬فلقد تبي لنا ما‬
‫سبق أن القيم أيضا كامنة بشكل خفي وراء السلمات الت يقوم عليها النهج‬
‫العلمي الديث ومع ذلك فهي تعتب جزءا ليتجزأ منه ‪ ،‬كما أن القيم توجه‬
‫نظريات العلوم الجتماعية ومهن الساعدة النسانية ف اتاهات تثي تساؤلت‬
‫خطية جدا وبالتال فإن برامج الرعاية الجتماعية البنية على هذه جيعا ليكن‬
‫إل أن ينالا نصيبها الواف من اللتواء الناتج عن التشوهات الت أوضحناها ف‬
‫موضع أخر خصوصا فيما يتصل بنهج العلم ‪ ،‬أو نظرياته ‪ ،‬أو تطبيقات تلك‬
‫النظريات (رجب ‪ ، )1991 ،‬وفيما يلي نشي بكلمة متصرة إل كل من هذه‬
‫التأثيات ‪:‬‬

‫‪- 107 -‬‬

‫(‪ )1‬إذا كان النهج العلمي للبحث ‪ -‬الذي يُعتمد عليه ف التحقق من صدق‬
‫الشاهدات الواقعية ‪ -‬مقتصرا فقط على دراسة الوانب الحسوسة من النسان‬
‫وحاجاته ومشكلته ‪ ،‬فلبد أن ينعكس هذا على برامج الرعاية الجتماعية الت‬
‫يستخدم الختصون عند تصميمها وتنفيذها أدوات العلم ومناهجه للتأكد من‬
‫درجة صدقها وصلحيتها لواجهة الشكلت الجتماعية والسلوكيات النحرفة‬
‫الت أقيمت من أجل مواجهتها ‪.‬‬
‫(‪ )2‬وإذا كانت نظريات العلوم الجتماعية منطلقة من نظرة مادية آلية للنسان ‪،‬‬
‫فإن الشتغلي بتصميم وتنفيذ برامج الرعاية الجتماعية الذين يقومون بتطبيق تلك‬
‫النظريات لبد أن تأتى برامهم أيضا متزلة بشكل يساير تلك النظرة الادية اللية‬
‫‪.‬‬
‫(‪ )3‬وإذا كانت منهجيات التدخل ف الدمة الجتماعية منطلقة من منطلقات‬
‫علمانية تباعد بي هذه الهنة وبي كل ما ينتسب إل الروح أو الدين أو إهاله‬
‫إهال ذريعا ‪ ،‬فإن من الطبيعي أن تأتى برامج الرعاية الجتماعية أيضا متمشية مع‬
‫هذه التوجهات العلمانية النبتة الصلة بال واليوم الخر ‪.‬‬
‫وقد كان من الطبيعي أن تترتب على هذه التأثيات نتائج حدّت من‬
‫فاعلية برامج الرعاية الجتماعية ف تقيق المال العقودة عليها ‪ ،‬ونشي إل‬
‫بعضها فيما يلي ‪:‬‬
‫(‪ )1‬نشأ عن هذه النظرة اللية الادية للنسان عدم اكتراث بقيمة العلقات‬
‫الجتماعية الطبيعية بي الناس ‪ ،‬وجرأة شديدة على تقطيع أوصال العلقات‬
‫النسانية بشكل مصطنع عند تصميم برامج الرعاية الجتماعية ‪ ،‬وساد على مدى‬
‫حقبة زمنية طويلة مثل اتاه يرى بأن الل المثل إنا يكمن ف إنشاء "الؤسسات‬
‫اليداعية" لرعاية أي فئة اجتماعية تواجه أي نوع من الصعوبات أو الاجات‬

‫‪- 108 -‬‬

‫الاصة (مثل مؤسسات رعاية السني ‪ -‬مؤسسات رعاية العاقي ) ولو أدى‬
‫ذلك إل عزلة النلء عن أسرهم وعن الياة الطبيعية ف الجتمع الحلى ‪ -‬مهما‬
‫كانت آثار ذلك على نفوسهم ‪ -‬مادامت حاجاتم الادية مؤمنة ف إطار تلك‬
‫الؤسسات ‪.‬‬
‫(‪ )2‬أصبحت برامج الرعاية الجتماعية تصمم على أساس من اللشخصية‬
‫‪Impersonal‬‬

‫بطريقة تتوازى مع فكرة خطوط النتاج ‪ ،‬فالعملء يتم "تشغيلهم"‬

‫‪ Processing‬أو تريرهم ف برامج "سابقة التجهيز" يتوقع منهم التوافق معها وإل‬
‫ت تصنيفهم على أنم أشخاص غي متوافقي أو غي متعاوني وبالتال يتعرضون‬
‫للحرمان من الدمات ‪.‬‬
‫(‪ )3‬استبعاد النواحي الروحية والدينية ‪ -‬إل لاما ‪ -‬من برامج الرعاية الجتماعية‬
‫اكتفاء بالنشطة الت تشبع الاجات الدنيوية أساسا ‪ ،‬وأيضا خلو طرق ومناهج‬
‫الساعدة الهنية من أي اهتمام بنوع صلة النسان بربه كما لو كانت هذه ل أثر‬
‫لا إطلقا على مساعدته على مواجهة مشكلته‪.‬‬
‫(‪ )4‬أصبح اختيار العاملي ف أجهزة ومؤسسات الرعاية الجتماعية خلوا من‬
‫أي اكتراث بنوعية هؤلء العاملي من الناحية الروحية أو الدينية أو حت الخلقية‬
‫‪ ،‬اكتفاء بالتحري فقط عن الؤهل الذي يشهد بالصول على العارف والهارات‬
‫الطلوبة لدمة الاجات الدنيوية للعملء وحدها ‪ ،‬فجاء إفساد هؤلء العاملي‬
‫للعملء ف بعض الالت أقرب من إصلحهم ‪.‬‬
‫(‪ )4‬التصور السلمي للرعاية الجتماعية ‪:‬‬
‫ل تل الكتابات الهنية ف الدمة الجتماعية خلل العشرين عاما‬
‫الاضية من ماولت لبلورة التصور السلمي للرعاية الجتماعية ‪ ،‬ولقد قامت‬

‫‪- 109 -‬‬

‫عفاف الدباغ (‪ )1989‬براجعة لتلك الحاولت ( تتضمن حصرا وتوثيقا‬
‫لهها ) ‪ ،‬وقد توصلت نتيجة لذلك إل أن تلك الكتابات يكن تصنيفها ف‬
‫قسمي ‪:‬‬
‫‪ -1‬قسم يركز على الدراسة "التاريية" لا كان يقدم ف الدولة السلمية من‬
‫برامج متنوعة لرعاية الفئات الختلفة من يتاجون للمساعدة ‪ ،‬وهي عادة‬
‫دراسات ذات طابع وصفي سردي تنصب على أحكام الزكاة والصدقات‬
‫والنفقة والوقاف ‪ ،‬أو تنصب على الؤسسات الت تقدم من خللا الدمات‬
‫كالساجد والبيمارستانات والدارس وغيها‪.‬‬
‫‪ -2‬اتاه يركز على الدراسة "التحليلية" للمبادئ العامة للسلم بصفة عامة ‪ ،‬ث‬
‫استنباط ما يكن اعتباره مبادئ الرعاية الجتماعية ف السلم ‪ ،‬ويلحظ أن مثل‬
‫هذه الصياغات ذات طبيعة شديدة العمومية ‪ ،‬ول تتوصل عادة إل مفهوم‬
‫متكامل للمحور الذي تدور حوله برامج الرعاية الجتماعية ف السلم ( ص‬
‫ص ‪. ) 32-31‬‬
‫أما فيما يتعلق بالفاهيم الحورية الت تنتظم حولا برامج الرعاية‬
‫الجتماعية ف النظور السلمي فقد كان أبرزها مفهوم "التكافل الجتماعي"‬
‫الذي اعتبه عبد العزيز متار "أساس العلقات بي الفراد والماعات داخل‬
‫الجتمع السلم" ( ‪ ) 106 ، 99 : 1988‬وقد اختار ممد نيب توفيق هذا الفهوم‬
‫أيضا كأساس للرعاية الجتماعية ف السلم ( ‪ ، ) 1988‬أما الفاروق زكى‬
‫يونس فقد حرص على الربط بي مفهوم " التكافل الجتماعي" ومفهوم "الخوّة‬
‫ف السلم" كأسس تقوم عليها الرعاية الجتماعية (‪ ، ) 1991 ، 1981‬أما‬
‫عفاف الدباغ (‪ )1989‬فقد اقترحت اتاذ مفهوم "مقاصد الشريعة" عند‬
‫الشاطب مورا تستمد منه وظائف الرعاية الجتماعية من منظور السلم ‪،‬‬

‫‪- 110 -‬‬

‫والواقع أن مفهوم مقاصد الشريعة كمحور تنطلق منه نظرية الرعاية الجتماعية‬
‫ف السلم يعتب أوسع نطاقا وأكثر شول من مفهوم التكافل الجتماعي ‪ ،‬ذلك‬
‫أنه يلمس كل جوانب التنظيم الجتماعي ف الجتمع ول يقتصر على الوانب‬
‫التقليدية للرعاية الجتماعية ‪ ،‬ولذلك فإننا سنتوقف هنا للقاء الضوء على هذا‬
‫الفهوم ولنتحدث عن إمكانات تطبيقه كمحور لبامج الرعاية الجتماعية ف‬
‫الجتمع السلم ‪.‬‬
‫لقد أوضح الشاطب أن مقاصد الشريعة إنا هي تقيق "مصال العباد ف‬
‫العاجل والجل معا" ‪ ،‬ث إنه قام بتقسيم تلك القاصد إل ثلثة أقسام ( ص ص‬
‫‪:) 5-1‬‬
‫‪ -1‬الضروريات ‪ :‬وهي المور الت "لبد منها ف قيام مصال الدين والدنيا ‪،‬‬
‫بيث إذا فُقدت ل تر مصال الدنيا على استقامة ‪ ،‬بل على فساد وتارُج وفوْت‬
‫حياة ‪ ،‬وف الخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالسران البي " ‪.‬‬
‫‪ -2‬الاجيات ‪ :‬وهي المور الت "يُفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق‬
‫الؤدى ف الغالب إل الرج والشقة اللحقة بفوت الطلوب ‪ ...‬ولكنه ل يبلغ‬
‫مبلغ الفساد ‪ ...‬التوقع ف الصال العامة "‪.‬‬
‫‪ -3‬التحسينات ‪ :‬ويقصد با "الخذ با يليق من ماسن العادات وتنب الحوال‬
‫الدنسات الت تأنفها العقول الراجحات" ث أوضح أن مموعة الضروريات‬
‫خسة ( ترى أيضا ف الاجيات والتحسينات) وهي ‪ :‬حفظ الدين ‪ ،‬وحفظ‬
‫النفس ‪ ،‬وحفظ النسل ‪ ،‬وحفظ الال ‪ ،‬وحفظ العقل ‪ ،‬وبي أن "الفظ" لذه‬
‫الضروريات يكون بأمرين أحدها ما يقيم أركانا ويثبّت قواعدها وذلك عبارة‬
‫عن مراعاتا من جانب الوجود ‪ ،‬والثان ما يدرأ عنها الختلل الواقع أو التوقع‬
‫فيها " ‪.‬‬

‫‪- 111 -‬‬

‫وقد علق الطاهر بن عاشور على ما ذكره الشاطب ف هذا الصدد بقوله‬
‫"فالصال الضرورية هي الت تكون المة بجموعها وآحادها ف ضرورة إل‬
‫تصيلها بيث ل يستقيم النظام بإخللا ‪ ...‬ولست أعن باختلل نظام المة‬
‫هلكها واضمحللا لن هذا قد سلمت منه ‪ ...‬المم الوثنية والمجية ‪ ،‬ولكن‬
‫أعن به أن تصي أحوال المة شبيهة بأحوال النعام بيث ل تكون على الالة‬
‫الت أرادها الشارع منها" ( ‪. )79 :1978‬‬
‫والواقع أن مفهوم مقاصد الشريعة يصلح كمفهوم موري يكن أن تنطلق‬
‫منه نظرية الرعاية الجتماعية ف السلم ‪ ،‬فالرعاية الجتماعية ف النظور‬
‫السلمي هي مرد نظام آخر من النظم الجتماعية الت يضمها الجتمع السلم‬
‫والت تلتزم بأهدافه العامة ومقاصده الشرعية ‪ ،‬بالتعاون الوثيق مع بقية النظم‬
‫التخصصة الخرى لتكون جيعا "كالبنيان الرصوص يشد بعضه بعضا" ‪ ،‬فنحن‬
‫ل نتحدث ف الجتمع السلم إذن عن كيانات اجتماعية شبه مستقلة ف داخل‬
‫البناء الجتمعي ‪ ،‬كما ل نتصور الوقف ف هذا الجتمع ‪-‬كما ف غيه من‬
‫الجتمعات ‪ -‬وكأنه يقوم على وجود جاعات ذات مصال متعارضة تتنافس فيما‬
‫بينها "ديقراطيا" أو بالحرى تتصارع فيما بينها لكي يلى القوى منها ( أو من‬
‫بي التحالفات الت تقيمها فيما بينها ) إرادته على الجموع دون ميزان عام‬
‫عادل يدد مدى ونوع القوق والستحقي لدمات الرعاية الجتماعية ‪ ،‬وإنا‬
‫الصل ف النظور السلمي هو النطلق من تلك السس والقاصد العامة‬
‫اللزمة للفراد والماعات ‪ ،‬ولختلف النظم والقطاعات ‪ ،‬وللقائمي على أمر‬
‫الجتمع ككل ‪ ،‬والت تصدر عن شارع حكيم عليم ‪ ،‬مبأ عن الظلم أو النياز‬
‫لفئة اجتماعية دون أخرى ‪.‬‬

‫‪- 112 -‬‬

‫فأما ما يتصل بفظ الدين ‪ ،‬فإن الرعاية الجتماعية ينبغي أن تقوم من‬
‫الناحية اليابية أو النشائية بالسهام الفعال ف جهود الدعوة إل ال ‪ ،‬وقد قدم‬
‫ممد أحد عبد الادي إسهامات جيدة ف هذا السبيل ‪ ،‬فأوضح ف مؤلفه عن‬
‫الدمة الجتماعية السلمية (‪ ) 1989‬أن أحد الهداف الساسية للخدمة‬
‫الجتماعية ‪ -‬وهي الهنة الرئيسة ف ميط الرعاية الجتماعية ‪ -‬ينبغي أن يكون‬
‫هو "بناء الوعي السلمي" وصول بأفراد الجتمع إل "بناء قيمهم وفق نسق القيم‬
‫السلمي" على أساس أن هذا هو الصل الذي بدونه ل صلح ول إصلح‬
‫للمجتمع السلم ‪ ،‬كما أنه وضع ف بثه عن الدمة الجتماعية ف مال الدعوة‬
‫السلمية (‪ )1991‬معال هامة لا يكن أن تقدمه برامج الرعاية الجتماعية كوعاء‬
‫تنطلق منه جهود الدعوة إل ال ‪.‬‬
‫أما عن حفظ النفس ‪ ،‬فلعل أهم إسهامات الرعاية الجتماعية ف تقيقه‬
‫إنا تتمثل ف الوظائف التصلة بالتنشئة الجتماعية والضبط الجتماعي الت‬
‫تستكمل با وظائف النظام السرى والنظام التعليمي والنظام الكومي ‪ ،‬وهذه‬
‫السهامات ذات طبيعة وقائية وعلجية أيضا ‪ ،‬ذلك أن برامج الرعاية‬
‫الجتماعية إذ تتيح الفرص أمام الناشئة والشباب لصقل شخصياتم ف إطار‬
‫إسلمي ‪ ،‬وإذ تقوم بتدريبهم على التعامل مع غيهم بقتضى العدل والحسان‬
‫فإن هذا يثل أحد الوانب الوقائية والنشائية الت تدعم الفطرة السليمة وتُول‬
‫دون ألوان التجاوز والعتداء الت ييل إليها النسان جبليا بكم طبيعته البدنية‬
‫الطينية ( راجع البحث الول من هذا الفصل ) ‪ ،‬أما من النواحي العلجية‬
‫والتعويضية فإن برامج الرعاية الجتماعية تسهم ف صيانة النفس من خلل‬
‫اهتمامها التقليدي بتوفي الرعاية والتنشئة الصالة للطفال الذين ل عائل لم ‪،‬‬
‫كما أنا ف الوقت ذاته تقوم بدور رئيس ف إعادة‪-‬التنشئة الجتماعية لن‬

‫‪- 113 -‬‬

‫قصرت النظم الخرى ف رعايتهم وضبط سلوكهم ما أدى بالتال إل وقوعهم‬
‫ف الخالفات والرائم كالحداث النحرفي ونزلء السجون ‪ ،‬ما يفظ على‬
‫هؤلء حياتم كما تؤدى ‪ -‬وقائيا ‪ -‬إل حفظ حياة الخرين ‪.‬‬
‫وأما عن حفظ النسل ‪ ،‬فإنه يتم من خلل جيع البامج الوقائية والنشائية الت‬
‫تصمم لساعدة الشباب على الزواج وتكوين السرة ‪ ،‬وغيها من برامج تدعيم‬
‫وتقوية الياة السرية وصيانتها لتكون الطار الوحيد والسليم الذي تنبت ف‬
‫ظلله الجيال الديدة ‪ ،‬كما يتضمن ذلك برامج رعاية المومة والطفولة وما‬
‫تتضمنه من تعليم المهات ما ينبغي عليهن ف فترات المل والناب والعناية‬
‫بالطفولة وغيها‪.‬‬
‫وأما عن حفظ الال ‪ ،‬فإنه أيضا يتم من خلل البامج التنموية والعلجية‬
‫للرعاية الجتماعية ‪ ،‬فنجد هنا أن "التنمية الذاتية ف الطار السلمي" تعتب‬
‫الدف الرئيس الخر الذي يقترحه ممد أحد عبد الادي للخدمة الجتماعية‬
‫السلمية ‪ ،‬وذلك ف مواجهة التخلف الذي يضرب أطنابه ف أرجاء العال‬
‫السلمي ‪ ،‬ويتضمن ذلك أيضا توزيع الزكوات على مستحقيها القيقيي ‪ ،‬كما‬
‫يتضمن الهود الت تبذل لتوجيه من يعانون من مشكلت مادية نو حسن‬
‫التصرف ف إنفاق دخولم الحدودة بيث تكفي حاجتهم الساسية وهكذا ‪.‬‬
‫أما عن حفظ العقل ‪ ،‬فإن الرعاية الجتماعية تقوم به من خلل الهود‬
‫الوقائية والعلجية أيضا ف كل مالت اللل الذي يكن أن يطرأ على عقول‬
‫أبناء المة سواء ف مال الضطرابات النفسية والعقلية أو ف مال تعاطى‬
‫الخدرات والسكرات أو ما شاكلها ‪ ،‬فجميع برامج الرعاية الجتماعية الوجهة‬
‫نو إصلح أوضاع السرة ف الجتمع السلم ف اتاه دعم التكوين السليم‬
‫لفراد الجتمع وتفيف الضغوط غي الطبيعية الت يتعرضون لا إنا تقلل من‬

‫‪- 114 -‬‬

‫فرص التعرض للضطرابات النفسية وتغلق البواب أمام الاجة إل تعاطى‬
‫مغيبات العقول ‪ .‬أما الانب العلجي لسهام الرعاية الجتماعية ف تقيق حفظ‬
‫العقول فيتجلى ف برامج علج الضطرابات النفسية والعقلية وعلج تعاطى‬
‫الخدرات‪.‬‬
‫ورغم وجود قدر من التشابه بي بعض البامج الت ذكرناها هنا ‪-‬‬
‫باعتبارها تثل نصيب الرعاية الجتماعية من تقيق مقاصد الشريعة ‪ -‬وبي بعض‬
‫برامج الرعاية الجتماعية الت ندها ف الدول غي السلمية إل أننا ينبغي أن‬
‫ندرك أن هناك فروقا جوهرية بي هذين النوعي من البامج يكن أن نلخص‬
‫أهها فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬أن حفظ الدين ‪ -‬ف التصور السلمي ‪ -‬يتل مكانا خاصا من أهداف‬
‫برامج الرعاية الجتماعية على وجه يفتقر إليه بالكلية التصور العلمان للرعاية‬
‫الجتماعية ‪ ،‬وحفظ الدين وإن كان هدفا ف ذاته توجه إليه برامج بعينها‬
‫(كتلك الوجهة لتنمية الوعي السلمي والوجهة للدعوة إل ال من خلل‬
‫الدمات الجتماعية) فإنه أيضا هدف مصاحب لبقية البامج الخرى الوجهة‬
‫لتحقيق بقية مقاصد الشريعة ‪ ،‬بيث يتم تصميم برامج الرعاية الجتماعية‬
‫وتنفيذها ف جيع الحوال على الوجه الذي يقق أيضا هدف حفظ الدين ‪،‬‬
‫باعتبار أن هذا يضمن النجاح ف الدنيا والفلح ف الخرة‪.‬‬
‫‪ -2‬ويترتب على ما سبق أن جيع برامج الرعاية الجتماعية الوقائية منها أو‬
‫العلجية إنا تقوم على إدراك لسألة وجوب أخذ الوانب الروحية التصلة بصلة‬
‫النسان بالقه ف العتبار وبوجوب العمل بكل الوسائل على الحافظة على‬
‫سلمة الفطرة ونقائها لا بيناه ف الباحث السابقة من حاكمية هذه البعاد‬
‫وآثارها البعيدة على الوجود النسان ف هذه الياة وف الخرة‪.‬‬

‫‪- 115 -‬‬

‫‪ -3‬ومن جهة أخرى فإننا ند أن الرعاية الجتماعية ل تعود ‪ -‬ف التصور‬
‫السلمي ‪ -‬مرد مموعة من البامج الزئية الفتتة دون ما صلة فيما بينها ‪،‬‬
‫والت تقدم بطريقة غي شخصية تقوم على انقطاع الصلة بي مقدمي الرعاية‬
‫والستفيدين منها ‪ ،‬وإنا تنطلق جيعا من شعور بالخوة ف ال ‪ ،‬وترتبط ف‬
‫النهاية بتحقيق رضاء ال سبحانه وتعال ‪ ،‬ف نفس الوقت الذي تسعى فيه‬
‫لتحقيق مصال العباد ‪ ،‬وتنمية قدراتم إل أقصى حد مكن ‪ ،‬ومساعدتم على‬
‫مواجهة صعوبات حياتم بأفضل طريقة مكنة‪.‬‬
‫‪ -4‬أما بالنسبة لتدخل الدولة ف تقدي برامج الرعاية الجتماعية فإنه ل يقوم ‪-‬‬
‫ف التصور السلمي ‪ -‬على مرد الستجابة للضغوط السياسية الضيقة ‪ ،‬أو‬
‫الستجابة لتوازنات القوى التقلبة ‪ ،‬وإنا يقوم على شعور الاكم "بالسئولية أمام‬
‫ال سبحانه وتعال" ‪ ،‬ف ضوء ما شرع من حقوق للعباد ‪ ، ..‬على الوجه الذي‬
‫يرى فيه عمر رضي ال عنه مثل أنه لو عثرت مثل بغلة ف العراق لكان متحمل‬
‫للمسئولية عما أصابا ‪ -‬وهي صورة تتناقض بشكل صارخ مع ما تشي به‬
‫الكيافيلية أو الباجاتية القصية النظر الت تستشري ف نظم الكم الديثة ف‬
‫الجتمعات العاصرة‪.‬‬

‫‪- 116 -‬‬

‫البحث الامس ‪ :‬نظرية المارسة ف الدمة الجتماعية‬
‫يكن تعريف " نظرية المارسـة" بأنا مموعة من الفاهيم الت تربط ‪ -‬بطريقة‬
‫متسقة ‪ -‬بي ما نعرفه عن السلوك النسان والنساق الجتماعية والتفاعل‬
‫بينهما مـن جهة ‪ ،‬وبي القيم والهداف الت تسعى الهنة لتحقيقها مـن جهة‬
‫أخرى ‪ ،‬وبي الساليب الفنية الحددة والهارات الت يكن استخدامها ف‬
‫تقيق تلك الهداف مـن جهة ثالثة (‪ ، )Barker,1987:123‬وف ضوء ما‬
‫عرضه أندرسون ( ‪ )Anderson, 1981: 134-138‬فإننا نستطيع أن نيز بي‬
‫جانبي أساسيي من جوانب نظرية المارسة يترابطان فيما بينهما أشد الترابط‬
‫وها‪:‬‬
‫‪ -1‬تقدير الوقف أو الاجة أو الشكلة أو السلوك‬

‫‪Assessment‬‬

‫ف ضوء‬

‫افتراضاتنا الساسية حول الطبيعة النسانية ‪ ،‬وف ضوء النظريات العلمية‬
‫الساسية التصلة بالسلوك النسان ف ميطه الجتماعي ‪ ،‬وف ضوء الهداف‬
‫العامة والنسق القيمي والهداف العامة والنسق القيمي والهداف الهنية الت‬
‫تنطلق منها المارسة ‪.‬‬
‫‪ -2‬التدخل الهن ‪ Intervention‬الذي يستهدف إحداث تأثيات مددة ‪ ،‬باستخدام‬
‫الوسائل والدوات الناسبة ‪ ،‬ف ضوء تقدير الوقف ‪ ،‬وف إطار النظريات‬
‫العلمية والنسق القيمي والفلسفة العامة للمهنة ‪.‬‬
‫وإذا كنا ف الباحث السابقة قد تعرضنا بالتحليل والنقد للفتراضات الساسية‬
‫حول الطبيعة النسانية ‪ ،‬كما تعرضنا للقضايا التصلة بالسلوك الفردي والترتيبات‬
‫الجتمعية ‪ ،‬ولتفسي الشكلت الفردية والجتماعية ‪ ،‬ف إطار التصورات الغربية‬
‫مقارنة بالفتراضات والقيم السلمية ‪ ،‬فإننا سنحاول ف هذا البحث تميع هذه‬

‫‪- 117 -‬‬

‫اليوط معا لنرى إل أين توجهنا فيما يتصل لطرق التدخل الهن ف الدمة‬
‫الجتماعية ‪.‬‬
‫‪ -1‬النظور التقليدي لمارسة الدمة الجتماعية ‪:‬‬
‫قدم أحد التقارير الامة الت تعب عن السياسات العامة الت يتبناها الجلس‬
‫المريكي لتعليم الدمة الجتماعية تديدا للهداف الرئيسة للخدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬يتبي منه مور اهتمام الهنة هو "العلقات أو التفاعلت الت تتم‬
‫بي الناس وبيئاتم" ‪ ،‬إذ تسعى الهنة إل تسي قدرة الناس على القيام بطالب‬
‫حياتم ‪ ،‬والساعدة على تفيف كروبم ‪ ،‬ومساعدتم على تقيق آمالم الفردية‬
‫والمعية ‪ ،‬ويتضمن ذلك "تقوية وتدعيم وتسي أداء الفراد والسر والماعات‬
‫والنظمات والجتمعات الحلية لوظائفها الجتماعية أو استعادة تلك الوظائف‬
‫(عند فقدها) ‪ ،‬وذلك من خلل الساعدة على وقايتهم من الوقوع ف الضيق‬
‫والرج ‪ ،‬ومساعدتم على استخدام الوارد التاحة"‪ ،‬إضافة إل وضع الطط‬
‫والبامج والسياسات الجتماعية اللزمة لشباع الاجات الساسية للناس‬
‫ولتنمية قدراتم وإمكاناتم (‪ )CSWE, 1982: 958‬وقد بذل الكثيون جهودا‬
‫لتحديد ماهية تلك الصعوبات والشكلت والاجات الت تتدخل الدمة‬
‫الجتماعية للمعاونة ف مواجهتها أو الوقاية منها ‪ ،‬وقد قامت هيلي نورثن (‬
‫‪ )Northen, 1987 :172-173‬براجعة لتلك السهامات ‪ ،‬فبينت أن هناك فروقا‬
‫بي نظرة العملء لشكلتم وبي نظرة الخصائيي الجتماعيي لشكلت‬
‫العملء ‪ ،‬فالعملء عندما يأتون طلبا للمساعدة من الخصائيي الجتماعيي فإنم‬
‫ينظرون إل مشكلتم على أنا إما ‪:‬‬
‫‪ -1‬مشكلت ف العلقات الجتماعية‬

‫‪Social Relationships‬‬

‫‪- 118 -‬‬

‫‪ -2‬أو مشكلت تتصل بعدم قدرتم على أداء الدوار الجتماعية‬

‫‪Role‬‬

‫‪Functioning‬‬

‫‪ -3‬أو صعوبات ذات مصدر خارجي‬

‫‪External Difficulties‬‬

‫أما من زاوية التخصصي ف الدمة الجتماعية أنفسهم ‪ ،‬فقد وجدت نورثن‬
‫أنم ينظرون لتلك الشكلت والصعوبات من زوايا متعددة وإن كان من المكن‬
‫التوفيق بينها ‪ ،‬فأشارت إل أن هيلي بيلان مثل قد أكدت على أن مشكلت‬
‫العملء إنا تدور حول أداء الدوار ‪ Role Performance‬وخصوصا فيما يتصل‬
‫با يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬قصور أو نقص المكانات الادية ‪ ،‬سواء منها ما اتصل بضعف ف القدرات‬
‫الشخصية الذي يعوق أداء الدوار ‪ ،‬أو ما اتصل بنقص ف العرفة والتدريب‬
‫والعداد ‪.‬‬
‫‪ -2‬اضطرابات الشخصية ‪ ،‬أو المراض العقلية ‪.‬‬
‫‪ -3‬تناقض متطلبات أداء الدوار الجتماعية ‪ ،‬كعدم القدرة على التوفيق بي‬
‫عدد من الدوار الهمة ‪ ،‬أو عدم القدرة على الرتفاع إل مستوى توقعات‬
‫الخرين ‪ ،‬أو غموض توقعات الدوار وتناقضها‪.‬‬
‫وقد قام وليام رايد بحاولة ‪ -‬لقيت قبول واسعا ‪ -‬لتصنيف الشكلت الت‬
‫تتصدى لا المارسة ‪ ،‬فأوضح أول أنه يُنظر للمشكلت على أنا أساسا "رغبات‬
‫غي مشبعة" ‪ ،‬ث قسم هذه الشكلت إل الفئات التية ‪:‬‬
‫‪ -1‬الصراع ف العلقات الشخصية بي الفراد‪.‬‬
‫‪ -2‬مشكلت ف العلقات مع النظمات الرسية ‪.‬‬
‫‪ -3‬صعوبات ف أداء الدوار الجتماعية ‪.‬‬
‫‪ -4‬صعوبات ف اتاذ قرارات هامة‪.‬‬
‫‪ -5‬اضطرابات انفعالية نشأت كردود أفعال لواقف صعبة ‪.‬‬

‫‪- 119 -‬‬

‫‪ -6‬نقص الوارد ‪.‬‬
‫‪ -7‬اضطرابات نفسية وسلوكية أخرى (‪.)173‬‬
‫والتأمل للطريقة الت ينظر با العملء لشكلتم وأيضا للطريقة الت ينظر با‬
‫الخصائيون الجتماعيون لشكلت العملء ‪ -‬والت ف ضوئها يتم التدخل‬
‫الهن للخدمة الجتماعية ف الجتمعات العاصرة ‪ -‬سرعان ما يتبي له أن مور‬
‫الهتمام فيهما جيعا يدور حول‪:‬‬
‫أ‪ -‬إشباع الاجات الدنيوية‪.‬‬
‫ب‪ -‬مواجهة ما يرتبط بنقص الشباع من صعوبات ف العلقات مع الخرين ‪-‬‬
‫أيضا ف نطاق هذه الياة الدنيا أو ما يرتبط بذا كله من اضطرابات ف النفوس‬
‫والعقول تنغص على الناس عيشهم‪.‬‬
‫هذا إذا صرفنا النظر عن البحث ف أي هذه الصعوبات يعتب أعراضا‬
‫للمشكلت وأيها يعتب أسبابا لا من بي تلك العوامل ‪ ،‬وإذا اعترفنا أنه ف كثي‬
‫من الحيان فإن تفيف العراض الت قد يتحمل معها العميل ما ل يطاق من‬
‫اللم البدنية والنفسية قد ل يقل أهية ف الدى القصي عن معالة السباب‪.‬‬
‫ول يادل إل مكابر ف أهية العوامل الذكورة ‪ ،‬فهي تتصل اتصال مباشرا‬
‫بنوعية الياة والعاناة اليومية للناس ‪ ،‬وهي تستحق أن يبذل الخصائيون‬
‫الجتماعيون جهودهم للمساعدة على مواجهتها ‪ ،‬ولكن السئلة الت تطرح‬
‫نفسها بقوة هنا ‪ -‬ف ضوء ما تعرضنا له ف الفصول السابقة ‪ -‬هي‪:‬‬
‫‪ -1‬هل يكن فهم مشكلت العملء ‪ -‬حت ما اتصل منها بإشباع الاجات‬
‫الادية والدنيوية بصفة عامة ‪ -‬دون دراسة مدى تأثرها بالوانب الروحية التصلة‬
‫بصلة النسان بربه؟‬

‫‪- 120 -‬‬

‫‪ -2‬هل يكن أن يبن التدخل الهن لساعدة العملء على مواجهة تلك‬
‫الشكلت الدنيوية ذاتا مع الصرار على إغفال تلك العوامل الروحية؟‬
‫‪ -3‬وحت لو سلمنا جدل بأن بالمكان فهم تلك الشكلت الدنيوية والساعدة‬
‫على حلها مع إغفال العوامل الروحية ‪ ،‬فأي نوع من الدمة الجتماعية هذه الت‬
‫نقدمها للناس والت تأخذ بأيدي العملء ف سعيهم لتجاوز عقبات تافهة‬
‫تعترض دنياهم الزائلة ول تأخذ بجزتم عن الوقوع فيما يؤدى إل غضب ال‬
‫وعقابه الليم ف دار اللود والبقاء ؟‬
‫لقد تثور دهشة القارئ عندما يتبي أنه ف الوقت الذي يتردد فيه بعض‬
‫رجالت الدمة الجتماعية ف أوطاننا السلمية عن الرد الصحيح والاسم عن‬
‫تلك السئلة ‪ ،‬فإن رجالت الدمة الجتماعية الت اتذت من العلمانية دينا قد‬
‫فطنوا من خلل مارستهم العملية ف اليدان إل أنه ل يكن فهم مشكلت‬
‫العملء أو التدخل الهن لساعدتم إل بأخذ الوانب الروحية ف العتبار ‪ -‬أي‬
‫أنم أجابوا بالنفي عن السؤالي الول والثان ‪ -‬أما بالنسبة لعلقة الدنيا بالخرة‬
‫فإن إجاباتم عنها قد جاء مفتوحة ‪ ،‬بعن أنم ل يفعلوا كما فعل آباء لم من‬
‫قبل من رواد الدمة الجتماعية ف الجتمع المريكي من رفض كل ما يتصل‬
‫بالوانب الروحية والدينية ‪ ،‬وإنا رأوا ترك هذا السؤال دون حسم ‪ ،‬وإحالة‬
‫الجابة عنه إل ما يراه العميل ف المر وال ما يراه الخصائي الذي يقدم له‬
‫الساعدة ‪ ،‬حيث يول دون حسم هذا السؤال ما هو معروف عن دياناتم من‬
‫جهة ‪ ،‬وتضمن تلك الديانات لتصورات ل يكن لعال التسليم با‪.‬‬
‫فلقد قام جوزيف هيس مثل بتحليل " أزمة الوية" الت تعان منها الدمة‬
‫الجتماعية ومناقشة أبعادها الختلفة ‪ ،‬وانتهي إل أن هذه الزمة ‪ -‬ف التحليل‬

‫‪- 121 -‬‬

‫الخي ‪ -‬ترجع إل أنه بالرغم من أن الرسالة الساسية للمهنة تتصل اتصال وثيقا‬
‫"بعن الوجود النسان ذاته" فإنا مع ذلك كغيها من مهن الساعدة النسانية‬
‫الديثة قد "أهلت هذا العامل الروحي ف النسان إهال ذريعا إذ اختزلت‬
‫النسان إل مرد تفاعل بي قوى غريزية أو حاجة (حاكمة ) للحصول على‬
‫القوة" ‪ ،‬ث استشهد بفرانكل الذي قال أن هذه العوامل الروحية تتصل "بقدرة‬
‫النسان على أن يد معن أعمق لوجوده خلل عملية مكافحته أو ماولته لتغيي‬
‫موقفه ف الياة" ونقل عنه قوله " إن البعد الروحي ل يكن تاهله لنه هو ما‬
‫يعل النسان إنسانا " (‪.)Hess, 1980:61 -62‬‬
‫ولقد ناقش دادل وهلفجوت مفهوم النواحي الروحية والفرق بينه وبي النواحي‬
‫الدينية عندهم ‪ ،‬فأوضحوا أول أن السبب ف اللفات الدائرة حول النواحي‬
‫الروحية إنا يرجع إل أنا "تتطلب العتقاد بوجود روح" ‪ ،‬وينقلن عن هايفيلد‬
‫وكاسون تعريفهما للنواحي الروحية على أنا "ذلك البعد التضمن لاجة النسان‬
‫للتوصل إل إجابات مرضية حول معن الياة ومعن الرض ومعن الوت ‪ ،‬إضافة‬
‫إل السعي للوصول إل علقة أعمق مع ال ومع الناس ومع الذات" ‪ ،‬وقد اته‬
‫الؤلفان بعد ذلك للقول بأن الوانب الروحية أشل من الدين على أساس أن‬
‫الدين (ف إطار الضارة الغربية) يشي إل "الطر الؤسسية الرسية الت تارس ف‬
‫إطارها العتقدات والمارسات الروحية"‪ ،‬وأوضحوا أن الدل الدائر حول‬
‫النواحي الروحية إنا يرجع ف جانب منه إل صلة النواحي الروحية بالدين ‪،‬‬
‫ذلك أن الفصل القانون بي الدين والدولة عندهم ينع تدريس الدين ف أي‬
‫مؤسسة حكومية ‪ ،‬ويول دون إدخال الدين كجزء من برامج الؤسسات‬
‫الجتماعية الت تتلقى دعما حكوميا‬

‫(‪Dudley & Helfgott, 1990 :277-‬‬

‫‪.)278‬‬

‫‪- 122 -‬‬

‫وتتفق فنسنتيا جوزيف مع من يرون أن "العوامل الدينية والروحية الت تؤثر‬
‫تأثيا كبيا على الفراد ف متلف مراحل حياتم ل تناقش إل قليل ف كتابات‬
‫الدمة الجتماعية ‪ ..‬ول يقدم أحد أي إطار نظري لساعدة الخصائي على فهم‬
‫وتقوي ديناميات الياة الدينية للعملء أو لساعدته على التدخل بهارة ف هذا‬
‫الجال " ‪.))Joseph, 1988: 443‬‬
‫ولكن إدوارد كاندا يرى أن "الهتمام بالنواحي الروحية يتزايد بي الخصائيي‬
‫الجتماعيي ‪ ...‬يشهد بذلك ما ت تقديه مؤخرا من بوث ف الؤترات الهنية‬
‫وما صدر من دوريات حول الوضوع ‪ ،‬وعلى سبيل الثال فقد أكد ماكس‬
‫سيبورين وايرين براور أنه لا كانت الوانب الروحية تثل بعدا أساسيا من أبعاد‬
‫البة النسانية ‪ ...‬فلبد من إعطائها ما تستحق من اهتمام ف بوث الدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬وف بناء نظرياتا ‪ ،‬وف مارستها الهنية " (‪.)Canda, 1988: 238‬‬
‫ومن هذا يتبي أن التاه الذي لزال سائدا ف المارسات التقليدية للخدمة‬
‫الجتماعية رغم هذه الرهاصات لزال ل يبد اهتماما كافيا بالوانب الروحية‬
‫والياة الدينية للعملء ‪ ،‬وأنه يكن تلخيص طريقة التدخل الهن للخدمة‬
‫الجتماعية ف كلمات قليلة ‪:‬‬
‫‪ -1‬قدم الوارد الناقصة الت يكن أن تشبع حاجات العملء‪.‬‬
‫‪ -2‬أصلح العلقات الجتماعية الضطربة‪.‬‬
‫‪ -3‬أعِن العملء على أداء أدوارهم الجتماعية ‪.‬‬
‫‪ -4‬قدم العونة النفسية والتشجيع الكاف لطمأنة العملء أنم ليسوا وحدهم‪.‬‬
‫‪ -2‬ماولت على طريق التوجيه السلمي للخدمة الجتماعية ‪:‬‬

‫‪- 123 -‬‬

‫لقد بذلت بعض الحاولت لستطلع ما يكن أن تكون عليه مارسة الدمة‬
‫الجتماعية من منظور إسلمي ‪ ،‬وقد اختلفت تلك الحاولت من حيث‪:‬‬
‫أ‪ -‬درجة "عمومية " التناول‪ :‬فجاء بعضها عاما ياول التنظي على مستوى الهنة‬
‫ككل ‪ ،‬بينما اقتصر البعض الخر على تناول إحدى طرق الدمة الجتماعية أو‬
‫أحد ميادينها ‪ ،‬أو حت أحد الفاهيم الساسية ف واحدة من الطرق‪.‬‬
‫ب‪ -‬من حيث "طريقة" التناول‪ :‬فجاء بعضها شامل بينما جاء البعض جزئيا‪.‬‬
‫فلقد جاءت ماولة عفاف الدباغ (‪ )1994‬مثل من النوع العام والشامل ف آن‬
‫واحد ‪ ،‬إذ أنا حاولت بلورة الطوط العريضة لتدخل الهنة ككل ‪ ،‬كما أنا‬
‫تستخدم ف ذلك مدخل شامل على الوجه الذي يبدأ براجعة الكتابات الهنية‬
‫الديثة ‪ ،‬ث نقد هذه الكتابات ف ضوء التصور السلمي للنسان والكون‬
‫والياة ‪ ،‬ث ماولة إياد تكامل حقيقي بينهما ‪ -‬أعن بي الكتابات الهنية الديثة‬
‫وبي إسهامات التراث السلمي النطلق من الكتاب والسنة ‪.‬‬
‫وقد حاول عبد الفتاح عثمان أيضا التوصل إل "منظور إسلمي شول لمارسة‬
‫الدمة الجتماعية ف ضوء نظريات المارسة العاصرة" (‪ )1988‬قام فيها باختيار‬
‫مموعة من "البادئ العامة ينطلق منها نوذج عام لمارسة الدمة الجتماعية"‬
‫استخدمها كأساس لتقوي النظريات العاصرة ‪ ،‬فانتهي إل أن نظرية النسق ‪،‬‬
‫والدخل العقلي ‪ ،‬والدخل الخلقي ‪ ،‬يكن أن تقدم متمعة ركائز البناء النظري‬
‫للنموذج السلمي ‪ ،‬ف حي أنه يكن من وجهة نظره استخدام كل من‬
‫النموذج التحليلي النقح ‪ ،‬والنموذج الوظيفي ‪ ،‬والنموذج السلوكي ‪ ،‬ونوذج‬
‫الدور ‪ ،‬بطريقة انتقائية ف الواقف الختلفة ومع الالت الختلفة ‪ ،‬وهو رأي‬
‫يتاج إل مناقشة ف ضوء ما عرفناه من فساد الفتراضات النطولوجية‬
‫(الوجودية) والبستمولوجية (العرفية) الت تقوم عليها تلك الطر النظرية ‪.‬‬

‫‪- 124 -‬‬

‫أما عبد العزيز عبد ال متار فقد قدم تصورا "للمنظور السلمي للخدمة‬
‫الجتماعية ف مال توفي خدمات الرعاية الجتماعية" (‪ )1986‬حيث وصف‬
‫هذا النظور بأنه "بثابة التاه النسان التوازن" ‪ Humanitarian‬الذي يقوم على‬
‫أن "التغيي ينبغي أن ينبثق من الداخل ول يفرض من الارج"‪.‬‬
‫وعلى الانب القابل ند ماولة ممد أحد عبد الادي ف اتاه ما‬
‫أطلق عليه "الدمة الجتماعية السلمية" (‪ )1988‬وهي ماولة من النوع العام‬
‫أيضا من حيث أنا تنصب على الهنة ككل ‪ ،‬وإن كانت ف نفس الوقت‬
‫اختارت أل تتخذ خط التأصيل الشامل للخدمة الجتماعية ‪ ،‬إذ أن الؤلف قد‬
‫دعا فقط إل استخدام ما ثبتت فاعليته من مهارات وأساليب وطرق الدمة‬
‫الجتماعية التقليدية ف تقيق أهداف الجتمع السلم ‪ ،‬حيث أنه يرى أن القضية‬
‫اللحة الت تواجهنا اليوم هي الستفادة من هذه الدوات الهنية الفعالة ف خدمة‬
‫الهداف العليا للسلم‪ ..‬إل أن يأت اليوم الذي تصل فيه جهود التأصيل الشامل‬
‫إل ثرتا الرجوة‪.‬‬
‫ومن جهة أخرى فقد وجدت ماولت لتأصيل كل طريقة من طرق‬
‫الدمة الجتماعية على حدة أو على القل إعادة النظر ف مفهوم الطريقة‬
‫وأسسها ‪ ،‬ومن أمثلة هذه الهود ما قدمه ممد سلمة غباري حول التأصيل‬
‫السلمي لطريقة خدمة الفرد (‪ ، )1985‬ورسالة الدكتوراه الت قدمها على‬
‫الدين السيد وقارن فيها بي النموذج السلمي للمعونة النفسية كأسلوب‬
‫علجي وبي اتاه سيكولوجية الذات ف خدمة الفرد (‪ ، )1981‬وبث عبد‬
‫النعم يوسف السنهوري بعنوان "نو مفهوم لدمة الفرد من النظور السلمي" (‬
‫‪ )1990‬الذي حاول فيه تديد مفهوم خدمة الفرد السلمية ‪ ،‬وتديد أهدافها ‪،‬‬

‫‪- 125 -‬‬

‫وصفات أخصائي خدمة الفرد السلم ‪ ،‬وبث مصطفي أحد حسان بعنوان "نو‬
‫أسلوب إسلمي للعمل مع الماعات ف ميط الدمة الجتماعية" (‪)1986‬‬
‫الذي تعرض فيه لفلسفة خدمة الماعة وأهدافها ومبادئها وبرامها ف ضوء‬
‫بعض اليات القرآنية والفاهيم السلمية ‪ ،‬وكتاب "طريقة تنظيم الجتمع ف‬
‫الدمة الجتماعية ‪ :‬مدخل إسلمي" الذي قدمه نبيل ممد صادق (‪1983‬أ)‬
‫والذي حاول فيه الربط بي مفاهيم طريقة تنظيم الجتمع وبي اليات القرآنية‬
‫والحاديث النبوية التصلة بتلك الفاهيم ‪ ،‬وكذا بث ممد عبد الي نوح بعنوان‬
‫"النهج السلمي ف تنظيم الجتمع كطريقة من الدمة الجتماعية" (‪.)1987‬‬
‫كما وجدت ماولت للتأصيل السلمي لبعض مالت أو ميادين الدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬ومثال ذلك ما قدمه ممد عزمي صال حول "التأصيل السلمي‬
‫لرعاية الشباب" (‪ ، )1985‬وكذا ما قدمه ممد سلمة غباري عن "الدمة‬
‫الجتماعية ورعاية الشباب ف الجتمعات السلمية" (‪ ، )1983‬ث ما قدمه أيضا‬
‫بعنوان "مدخل علجي جديد لنراف الحداث‪ :‬العلج السلمي ودور الدمة‬
‫الجتماعية فيه" (‪ ،)1986‬وبث أحد يوسف بشي عن "النسان وعلقته بالبيئة‬
‫من منظور إسلمي" (‪ ، )1991‬وكذا رسالة الدكتوراه الت قدمها عبد الستار‬
‫الدمنهوري عن استخدام نظام التحكيم السلمي بي الزوجي ف علج‬
‫الشكلت السرية (‪ ، )1980‬وما كتبه يي بسيون مصطفي عن "البدائل‬
‫السلمية لجالت الترويج العاصرة" (‪.)1990‬‬
‫وأخيا فإننا ند ماولت لعالة بعض الفاهيم الهنية من منظور إسلمي ‪ ،‬يثل‬
‫ذلك ما قدمه مصطفي أحد حسان حول "الناقشة الماعية من النظور‬
‫السلمي" (‪ ، )1984‬وما قدمه نبيل ممد صادق حول "السلم ومشاركة‬
‫الواطني ف تنمية الجتمع" (‪1983‬ب) ‪ ،‬وبث على حسي زيدان حول "القيم‬

‫‪- 126 -‬‬

‫الخلقية لدمة الفرد من النظور السلمي" (‪ ، )1985‬وبث عبد الكري‬
‫العفيفي بعنوان "نو رؤية جديدة للمقابلة ف خدمة الفرد من منظور إسلمي" (‬
‫‪ ، )1990‬وبث عبد الميد عبد الحسن حول " النشطة الطلبية وأثرها ف‬
‫تكامل شخصية الطالب ‪ :‬مدخل إسلمي" (‪ ، )1986‬ودراسة رشاد أحد عبد‬
‫اللطيف حول تقدي "الشورة الهنية لنظمات العمل السلمي" (‪.)1991‬‬
‫وينبغي أن نلحظ هنا أننا ل نقصد الصر الشامل لكل الهود الت بذلت ف‬
‫سبيل تفهم منظور السلم لكل جانب من جوانب التدخل الهن بقدر ما قصدنا‬
‫إعطاء صورة للتاهات العامة ف تناول الوضوعات ‪ ،‬كما أنه ليس ف‬
‫المكان من جهة أخرى مناقشة متوى هذه العمال تفصيل أو نقدها ف ضوء‬
‫معايي التأصيل السلمي أو التوجيه السلمي للعلوم ‪ ،‬فهذا أمر يتطلب جهدا‬
‫مستقل ل يدخل ف نطاق الدراسة الالية‪.‬‬

‫نظرية المارسة ف الدمة الجتماعية من وجهة إسلمية‬
‫رغم أن معالة القضايا التصلة بنظرية المارسة من وجهة إسلمية تتطلب مؤلفا‬
‫مستقل حت يكن توفية الوضوع حقه من التفصيل ‪ ،‬إل أننا سنحاول هنا ف‬
‫حدود ما تسمح به هذه العجالة التعرض لبعض الوانب الت نستشعر أنا تثل‬
‫خطوطا أساسية ف تناول الوضوع ف ضوء ما تكشّف لنا ف الفصول السابقة‬
‫‪.‬‬
‫لقد اتضح لنا فيما سبق أن مفهوم "نظرية المارسة" يقوم ف جوهره على فكرة‬
‫التوصل إل مموعتي من القوائم التقابلة توى أولها متلزمات العراض‬
‫‪ Syndromes‬أو العوارض أو الحوال الت تستدعى التدخل الهن من جهة ‪ ،‬أما‬
‫الجموعة الخرى من القوائم فإنا توى بيانا باستراتيجيات وأدوات التدخل‬

‫‪- 127 -‬‬

‫الهن الحددة اللئمة لواجهة تلك الشكلت أو على القل تفيف أعراضها‬
‫(وذلك ف حالة التدخل على الستوى العلجي) ‪ ،‬أو تصحيح الوقف (ف حالة‬
‫التدخل على الستوى الوقائي) أو إحداث التغييات اليابية الرغوبة (ف حالة‬
‫التدخل على الستوى التنموي)‪.‬‬
‫وف ضوء هذه القوائم التقابلة فإن مهمة الخصائي الجتماعي الذي‬
‫يريد مساعدة عملئه انطلقا من نظرية مارسة متماسكة تتمثل فيما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬القيام بهمة تقدير الوقف ‪Assessment‬‬

‫لتحديد نوع الصعوبة أو الشكلة أو الالة‬

‫الت تواجه العميل والت تتاج إل التدخل ‪ ،‬وذلك يتطلب ‪:‬‬
‫أ‪ -‬جع بيانات دقيقة حول الوضع الراهن الذي يعايشه العميل بدءا من‬
‫وصف الشخصية ‪ ...‬إل مسح الظروف البيئية ‪ ..‬إل توصيف طبيعة‬
‫العلقات بي الشخص والبيئة ف الوقت الاضر‪.‬‬
‫ب‪ -‬مقارنة الوضع الراهن بالسمات العيارية الت تدد ما هو "طبيعي"‬
‫أو "سوى" بالنسبة لن هم ف مثل خصائصه الديوجرافية ف ضوء‬
‫النظرية (أو النظريات) العتمدة‪.‬‬
‫ج‪ -‬النتهاء بتحديد مناطق أو مواضع الفتراق عن النمط العياري ‪،‬‬
‫ومضاهاتا بتلزمات العراض الت تتضمنها نظرية المارسة‪.‬‬
‫‪ -2‬اختيار استراتيجية التدخل اللئمة ‪ ،‬والدوات الناسبة لحداث التعديل الناسب ف‬
‫النسق (أو النساق) الستهدف ‪ ،‬وذلك لتحقيق أهداف التدخل الهن‪.‬‬
‫وسنحاول فيما يلي طرح بعض التصورات لا يكن أن يكون عليه‬
‫النظور السلمي لكل جانب من الوانب السابقة ‪ ،‬ولكننا نود أول أن نسوق‬
‫اللحظتي التيتي قبل الدخول ف الوضوع‪:‬‬

‫‪- 128 -‬‬

‫‪ -1‬يلحظ أننا سنقصر جهدنا هنا على ما يتصل بالعمل على مستوى الوحدات‬
‫الصغرى ‪( Micro Practice‬وخصوصا على مستوى العمل مع الفراد) دون‬
‫الوحدات الكبى ‪ Macro Practice‬وذلك ف حدود ما تسمح به الساحة من‬
‫جهة ‪ ،‬وعلى اعتبار أن هدفنا ف هذه الدراسة يقتصر على تقدي بعض الؤشرات‬
‫الت نرجو أن تفيد ف طرح القضية وليس استغراق جوانب الوضوعات‬
‫الطروحة‪.‬‬
‫‪ -2‬نود أن نؤكد هنا أن الديث عن "النظور السلمي" ل يعن استبعاد أو‬
‫إهال ما جاء ف الكتابات العلمية الديثة حول نظرية المارسة ‪ ،‬وإنا يعن‬
‫استبقاء ما صح منه ‪ ،‬أو إعادة صياغته ف ضوء التصور السلمي ‪ ،‬أو استكمال‬
‫ما نقص منه بإدخال البعاد الت يتفرّد با النظور السلمي ‪ ،‬و ل يفي أن هذا‬
‫البعد الخي هو مور اهتماما ف هذه الدراسة ‪.‬‬
‫أول ‪ :‬تقدير الوقف أو الشكلة أو الالة‬

‫‪Assessment‬‬

‫لقد تبي لنا من استعراض أنواع الصعوبات والشكلت والاجات‬
‫والواقف الت تتدخل الدمة الجتماعية لواجهتها ف النظور الغرب الديث أن‬
‫هذه الواقف تتمثل عندهم أساسا ف نقص إشباع الاجات الادية والنفسية‬
‫والجتماعية ‪ ،‬أو ف معاناة صعوبات ف العلقات الجتماعية ‪ ،‬أو ف وجود‬
‫مشكلت تتصل بأداء الدوار الجتماعية ‪ ،‬أو ف ظهور مشكلت انفعالية‬
‫متصلة بذه الواقف أو بعضها ‪ .‬وقد انتهينا إل أن هذه الشكلت أو الوقف الت‬
‫تتطلب التدخل جيعا إنا تتوقف ف النظور الغرب عند حدود هذه الياة الدنيا‬
‫من جهة ‪ ،‬كما أنا تفرغها ‪ -‬حت ف نطاق هذه الياة الدنيا ‪ -‬من أي متوى‬
‫روحي يتعلق بصلة العميل بربه ‪.‬‬

‫‪- 129 -‬‬

‫ولكننا قد انتهينا أيضا ف البحث الثالث إل أنه ل يكن فهم هذه الشكلت‬
‫والصعوبات بالقتصار على دراسة الاجات الدنيوية وحدها ‪ -‬أشبعت أو ل‬
‫تشبع ‪ -‬وإنا يكون هذا الفهم مكنا إذا استطعنا أول وقبل كل شىء أن نتعرف‬
‫على "نوع صلة النسان بربه" البنية على مفهوم " الشعور بالفتقار إل ال عز‬
‫وجل" باعتبار أن هذا الشعور يكون أساسا لرتباط النسان بالقه ورازقه ‪ ،‬على‬
‫أساس أن رضاء ال سبحانه وتعال عن العبد فيه كفالة إشباع كل تلك الاجات‬
‫الدنيوية (إن شاء ال ذلك ‪ ،‬وهو أعلم بعباده وبا يصلحهم ) إضافة إل تقيق‬
‫النجاة والفوز العظيم ف الياة الخرة ‪ ،‬ولكننا توصلنا أيضا إل أنه ل يوز ‪ -‬ف‬
‫النظور السلمي ‪ -‬إغفال إشباع الاجات الدنيوية (الادية والنفسية والجتماعية‬
‫) وإن كان إشباعها ينبغي أن يكون إشباعا متوازنا ل يعل منها أبدا هدفا ف‬
‫ذاتا ‪ ،‬بيث ل تكون أكب هم العبد ول تكون مبلغ علمه‪.‬‬
‫وبذا فقد انتهينا إل أن النظور السلمي يستوعب الهتمامات‬
‫والاجات الدنيوية للنسان الت أسرف النظور الغرب ف التركيز عليها ‪ ،‬ولكنه‬
‫يقدرها حق قدرها دون زيادة أو نقصان ‪ ،‬ويضعها ف موضعها الصحيح من‬
‫حاجات النسان ف الدنيا (التضمنة أيضا لشواقه الروحية ) ومن حاجاته‬
‫التصلة بالياة الخرى ‪.‬‬
‫وبناء على ما تقدم فإن عملية تقدير الوقف ‪ -‬ف النظور السلمي ‪ -‬ينبغي‬
‫دون شك أن تتضمن دراسة ما يتصل بالاجات الدنيوية (الادية والنفسية‬
‫والجتماعية ) غي الشبعة ولكنها أيضا ينبغي أن تتضمن قبل هذا وبعده تقدير‬
‫الوقف أيضا فيما يتعلق "بنوع صلة العميل بربه" سواء من النواحي العرفية‬
‫التعلقة بصحة العتقاد والسلمة من البدعيات والشركيات ‪ ،‬أو من النواحي‬
‫القلبية الوجدانية ‪ ،‬أو من النواحي السلوكية التعبدية بالعن الضيق للعبادات‬

‫‪- 130 -‬‬

‫وبالعن الواسع "للعبادة" الذي يشمل طاعة ال فيما أمر وني ف كل جوانب‬
‫الياة‪.‬‬
‫وقد يبدو هذا الطلب غريبا ف عيوننا الت عاشت طويل ف رحاب ‪-‬‬
‫أقصد ف ضيق ‪-‬منطلقات البحث المبييقية (الت تقتصر على دراسة ما هو‬
‫مسوس) الت تصر الدراسة"العلمية" ف نطاق السلوك "الوضوعي" الظاهر‬
‫على الوجه الذي وصل إلينا من الغرب العلمان ‪ ،‬ولكن عجبنا قد يزول عندما‬
‫نرى أن بعض كبار رجال الدمة الجتماعية الغربيي أنفسهم قد بدأوا ف‬
‫الطالبة بالهتمام بالنواحي الروحية والخلقية أيضا عند تقدير الوقف ودراسة‬
‫العميل وبيئته‪.‬‬
‫لقد دعا كاندا على سبيل الثال (‪ )Canda, 1988 :246‬إل توسيع نطاق مفهوم‬
‫"الش خص‪ -‬ف البيئة" الذي يع تب مور ارتكاز الد مة الجتماع ية ل كي يش مل‬
‫ليس فقط "دراسة علقات العميل مع البيئة الجتماعية ‪ ،‬وإنا أيضا مع العال غي‬
‫النسان ‪ ،‬ومع القيقة الطلقة ‪ ،‬كما ينبغي أن نتوصل إل معايي لتقدير درجة‬
‫الرتقاء الروحي والخل قي للعم يل" ‪، Moral and Spiritual development‬‬
‫ث يقترح كاندا ب عض العاي ي ال ت يرى أن ا ت صلح مبدئ يا لتقي يم أو قياس‬

‫درجـة‬

‫الرتقاء الروحي للعملء مثل‪:‬‬
‫أ‪ -‬درجة رضاء العميل عن حياته‪.‬‬
‫ب‪ -‬درجة الهتمام والدب الت تشيع ف علقات العميل مع الخرين ‪.‬‬
‫ج‪ -‬القدرة على إدراك العان الخلقية السامية ف الواقف العقدة‪.‬‬
‫د‪ -‬الستعداد لتقبل فكرة حتمية الوت والرض وما يشابها ما يتحدى شعور‬
‫النسان بعن الياة وهدفها‪.‬‬

‫‪- 131 -‬‬

‫وينبهنا كاندا بعد ذلك إل أن "بلورة هذه العايي لتقييم (درجة الرتقاء الروحي)‬
‫لزالت تتطلب بذل جهود كبية ‪ ،‬وأن هذه العايي ينبغي أل تتزل الياة‬
‫الروحية للعميل إل مرد السلوكيات الظاهرة القابلة للملحظة من الارج " (‬
‫‪ ، )P.246‬وينبغي أن نذكّـر هنا با أوضحناه من قبل من أن كاندا وغيه من‬
‫الكتاب الغربيي عندما يتكلمون عن الياة الروحية فإنم يوسعون نطاقها لكي‬
‫تشمل كل جوانب البة الدينية وغي الدينية دون إصدار أي حكم عام أو قطعي‬
‫ف هذا النطاق ‪ ،‬وذلك بكم النطلقات الشائعة ف متمعاتم والت أشرنا إليها‬
‫من قبل‪.‬‬
‫أما ف عالنا السلمي فلقد قام صال الصنيع (‪ )1989‬من جهة أخرى بالبحث‬
‫حول مفهوم مشابه عندما أجرى دراسة عن العلقة بي مستوى التدين والسلوك‬
‫الجرامي ‪ ،‬وقد عن الباحث بصر الحاولت السابقة لقياس درجة التدين‬
‫وتقويها ‪ ،‬وقرر أن أقرب القاييس الت تصلح الستخدام ف هذا الصدد هي‬
‫مقياس "السلوك الدين" لنار مهدي الطائي الذي اعتمد فيه على فكرة شعب‬
‫اليان ‪ ،‬ث أخذ بالرأي القائل أنا سبع وسبعون شعبة ‪ ،‬ووضع لكل منها‬
‫سؤال ‪ ،‬وقد قام الصنيع ف ضوء تقويه لذلك القياس ببناء مقياس جديد أساء‬
‫"مقياس مستوى التدين" يتكون من ‪ 60‬عبارة يطلب من البحوث أن يتار‬
‫واحدة من الستجابات الت تلحق بكل منها ‪ ،‬وقد بن هذا القياس على بعض‬
‫السلمات منها " أن ال وحده هو الذي يعلم صدق تدين النسان من عدمه ‪،‬‬
‫ولكن هذا ل ينعنا نن البشر من ماولة التعرف على هذا التدين من خلل‬
‫السلوب التوفر لدينا وهو الثار الترتبة على هذا التدين والت يب أن تنعكس‬
‫على أقوال وأفعال هذا النسان ‪( ..‬ومنها ) أن اليان قول وعمل ‪ ،..‬وأن‬
‫اليان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية" (ص ص ‪.)226 -217‬‬

‫‪- 132 -‬‬

‫وعلى أي حال فل شك أننا كأخصائيي اجتماعيي مطالبون ببذل جهود كبية‬
‫لبلورة أدوات تصلح لقياس مثل هذه الفاهيم لستخدامها ف تقدير موقف‬
‫العملء من الناحية الروحية أو الدينية ‪ ،‬والواقع أنه ل يبدو أن هناك ما ينع من‬
‫استخدام اصطلح "مستوى التدين" أو اصطلح "درجة الرتقاء الروحي" للتعبي‬
‫عن فكرة "نوع صلة العميل بال سبحانه وتعال" الت تعنينا ف تقدير موقف‬
‫العميل ف المارسة الهنية للخدمة الجتماعية والت تتضمن كما أسلفنا ف‬
‫الفصول السابقة العناصر التالية ‪:‬‬
‫‪ -1‬العرفة بال والعتقاد بوحدانية وبكمال هيمنته على كل ما ف الوجود‪.‬‬
‫‪ -2‬هيمنة تلك العرفة على القلب با يييه ‪ ،‬وعلى الوجدان با يسخره ليسي‬
‫طائعا وفقا لقتضيات هذه العرفة وذلك العتقاد ‪.‬‬
‫‪ -3‬تقوى ال سبحانه وتعال ‪ ،‬الناشئة عن حياة القلب وتسخي الوجدان ‪ ،‬والت‬
‫تنعكس ف صورة طاعات وأعمال صالات ‪.‬‬
‫وإذن فإننا نتوقع من الخصائي الجتماعي السلم ‪ -‬ونقصد بذلك الخصائي‬
‫الجتماعي الذي ينطلق ف مارسته من منظور إسلمي ‪ -‬نتوقع منه أن يقوم‬
‫بعملية تقدير تتسم بالشمول (الشمول لا يتصل بالاجات الدنيوية الادية وأيضا‬
‫للنواحي الروحية التصلة بصلة العميل بربه) ومن الطبيعي أننا لن نركز هنا على‬
‫النوع الول من الاجات (الدنيوية والادية والنفسية والجتماعية ) على اعتبار‬
‫أن مراجع الدمة الجتماعية التقليدية تفيض با ‪ ،‬ولكننا سنركز بدل من ذلك‬
‫على النوع الثان (التصل بالاجات الروحية ) وبالتفاعل بينهما ‪.‬‬
‫وف هذا القام فإننا نتوقع أن تنتهي نتيجة عملية تقدير الوقف بالنسبة للعملء إل‬
‫ظهور واحدة من الالت التية‪:‬‬

‫‪- 133 -‬‬

‫الالة الول ‪ :‬أن يكون العميل صحيح العتقاد (مقيما على التوحيد الالص بريئا من‬
‫الشركيات والبدعيات ) ‪ ،‬وأن يكون هذا العتقاد الصحيح عميقا بدرجة يهيمن معها‬

‫على القلب والوجدان ‪ ،‬ويكون مقترنا بسلمة الفطرة ونقائها ‪ ،‬وهنا فإننا نتوقع أن يكون‬

‫السلوك ف جلته مطابقا للشرع ‪ ،‬مستهدفا ما يرضى ال سبحانه وتعال ‪ ،‬كما نتوقع أن‬
‫مثل هذا الشخص إذا ابتلى بشيء من الوف أو الوع أو بنقص من الموال‬
‫والنفس والثمرات فإنه يكون من الصابرين الحتسبي الطامعي ف حسن‬
‫العوض من ال ف الدنيا ‪ ،‬الوقني بسن الزاء ف الخرة ‪ ،‬ويترتب على ذلك‬
‫أن يكون سعيه لواجهة أي مشكلت تصادفه سعيا متزنا غي مشوب بالزع أو‬
‫الفزع أو الوف أو الضطراب ‪ ،‬وأما إذا ابتلى مثل هذا الشخص بفتنة الوفرة‬
‫ف النعم واليات فإن هذا لن يؤدى إل الطغيان أو التجاوز أو الوقوع ف‬
‫الحظورات (اللهم اجعلنا من هؤلء بفضلك ورحتك)‪.‬‬
‫الالة الثانية‪ :‬أن يكون العميل صحيح العتقاد أيضا ‪ ،‬ولكن هذا العتقاد الصحيح ل‬

‫أثر له على القلب والوجدان ‪ ،‬بعن أن الشخص يواجه حالة من عدم الرتباط بي الفكر‬

‫والعاطفة ‪ ،‬فأقواله تعب عن اعتقادات صحيحة ‪ ،‬ولكن هذه القوال لتصل إل تريك‬

‫القلب و الوجدان ‪ ،‬ما يعن عجز هذا النوع من العتقاد عن جع المة بالقوة الكافية ف‬

‫اتاه فعل الأمورات واجتناب الحظورات ‪ ،‬وهنا فإننا سنلحظ اضطرابا ف‬
‫السلوك ‪ ،‬لن مداخل الشيطان على مثل هذا الشخص تكون كثية ‪ ،‬وميله مع‬
‫ما توى النفس شديدا ‪ ،‬فنجد العميل يلط عمل صالا وآخر سيئا ‪ ،‬وبالتال‬
‫فإن استجاباته عندما يواجه البتلء بالشر أو البتلء بالي تتفاوت تفاوتا كبيا‬
‫(ولقد فصلنا القول ف أسباب ظهور مثل هذه الالة ف البحث الثالث)‪.‬‬
‫الالة الثالثة ‪ :‬أن يكون العميل سقيم العتقاد ‪ ،‬يتلط التوحيد عنده ببعض الشركيات‬

‫أو البدعيات‪ ،‬وهنا فإننا نتوقع أن يكون مثل هذا الشخص مصابا بأمراض القلوب الت‬

‫وصفها الكثيون من أهل العلم ‪ ،‬سواء منها ما كان من أمراض الشبهات أو أمراض‬

‫‪- 134 -‬‬

‫الشهوات ‪ ،‬فثقة مثل هذا العميل ف ال وصدق التوكل عليه تكون مل نظر شديد ‪ ،‬كما‬

‫أن احتمالت انراطه ف التجاوزات ف إشباع الشهوات تكون كبية ‪ ،‬ومن هنا‬
‫يكون الذلن نصيبه ‪ ،‬فتجده يصاب باللع والزع الشديد عند البتلء بالنقص‬
‫كما يصاب بالشح والطغيان أن رآه استغن ‪ ،‬وف كل الحوال فهو مصدر‬
‫للمشكلت لنفسه ولغيه (اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات‬
‫أعمالنا )‪.‬‬
‫والن ما هي الستراتيجيات والدوات الت ينبغي أن يستخدمها الخصائي‬
‫الجتماعي السلم للتدخل الهن لساعدة العملء الذين يقعون ف كل فئة من‬
‫الفئات السابقة؟‬

‫ثانيا ‪ :‬استراتيجيات وأدوات التدخل الهن‬
‫لعل من الواضح ابتداء أن كل فئة من الفئات الثلثة من العملء ستتطلب نوعا‬
‫متلفا من التدخل الهن الذي يلئمها ‪ ،‬ولعله قد تبي لنا أن هذه النواع الثلثة‬
‫تتدرج فيما بينها تصاعديا فيما يتصل بدرجة حاجتنا للتركيز على نوع صلتها‬
‫بال كأساس للمساعدة على مواجهة النواحي الشكالية ف موقفها ‪ ،‬وأن النوع‬
‫الول ‪ -‬على العكس من النوعي الثان والثالث ‪ -‬ستعتب درجة ارتقاء الياة‬
‫الروحية عنده من نقاط القوة الت يكن استثمارها لزيادة فاعليته ف مواجهة‬
‫الوقف أو الصعوبة الت صادفته ‪ ،‬ومن هنا فإننا سنمر على هذا النوع مرورا‬
‫سريعا لكي نركز على النوع الثان باعتباره أكثر حاجة للمساعدة ف هذه‬
‫الوانب الروحية من النوع الول ‪ ،‬ولا كان النوعان الثان والثالث من جهة‬
‫أخرى مشتركي ف معظم الصائص العامة مع حاجة الخي لنوع إضاف من‬
‫الساعدة لتصحيح الوانب العتقادية فإننا ‪ -‬لتجنب التكرار ‪ -‬سنركز ف النوع‬

‫‪- 135 -‬‬

‫الثالث على هذه الشكلة الضافية مكتفي با أوردناه ما هو مشترك ف التعامل‬
‫مع النوع الثان من العملء ‪ .‬ونود أن نعيد التأكيد هنا مرة أخرى على أن‬
‫الستراتيجيات والدوات الت نصفها فيما يلي ل تستبعد الستراتيجيات‬
‫والدوات الفنية التقليدية ‪ ،‬ولكنها من جهة تستكملها ومن جهة أخرى تضعها‬
‫ف مواضعها اللئمة بعد أخذ البعاد الروحية ف العتبار ‪.‬‬
‫النوع الول ‪ :‬حالة سلمة العتقاد ‪ ،‬مع حياة القلب ‪ ،‬وصفاء الفطرة‪:‬‬

‫يلحظ أن الخصائي الجتماعي ل يتوقع أن يواجه صعوبة كبية ف‬
‫العمل مع مثل تلك الالت للسباب التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬أن هذه الالت لن تكون معقدة بتفاعلت نفسية ‪ ،‬أو مشوشة بضاعفات‬
‫وجدانية منعكسة عن الشكلت أو الصعوبات الدنيوية العتادة‪.‬‬
‫‪ -2‬أن تعامل هذا النوع من الشخاص مع الخصائي أو مع غيه يتصف عادة‬
‫بالستقامة والبعد عن اللتواء ‪ ،‬ما يتوقع معه التزام العميل بالصدق ‪ ، ،‬وإمكانية‬
‫العتماد على التزامه بالطط العلجية ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن عناصر القوة ف الشخصية تكون كبية ما يتيح مدى أوسع من فرص‬
‫العمل مع العميل لتجاوز الوقف الال ‪.‬‬
‫وهنا تتمثل الستراتيجية الستخدمة ف تقدي العون الادي أو التصل بالعلقات‬
‫الجتماعية أو غيها بسب الاجة‪:‬‬
‫‪ -1‬ففي حالة احتياج العميل إل موارد مادية فإن من الناسب هنا الكتفاء‬
‫بتقدي "العون الادي" الناسب لالته ‪ ،‬حيث لن توجد عادة مضاعفات انفعالية‬
‫أو روحية من النوع الذي يتطلب معونة أكثر عمقا ‪.‬‬
‫‪ -2‬وف حالة مواجهة العميل لصعوبات ف العلقات مع آخرين نتيجة لعدم‬
‫كفاية خباته ومهاراته الجتماعية ‪ ،‬فإن من الناسب هنا تقدي العون الجتماعي‬

‫‪- 136 -‬‬

‫التمثل ف "التدريب على الهارات الجتماعية" اللزمة لساعدته على مواجهة‬
‫تلك الصعوبات ‪.‬‬
‫‪ -3‬وقد يتاج العميل من هذا النوع إل "معونة تيسيية" من نوع التوسط‬
‫‪Brokerage‬‬

‫أو الدفاع ‪ Advocacy‬أو الفاوضة ‪ Negotiation‬عند التعامل مع‬

‫النظمات الرسية الت يرج التعامل معها عن نطاق خباته السابقة ‪.‬‬
‫النوع الثان‪ :‬حالة صحة العتقاد دون هيمنته على القلب‪:‬‬
‫إن مثل هذا العميل عندما يواجه مشكلت أو صعوبات ف حياته الدنيوية ‪ ،‬أو‬
‫عندما يعان ‪ -‬دون إدراك كامل ‪ -‬من الثار الترتبة على عدم التزامه القلب‬
‫والسلوكي با "يعرف" بعقله أنه الق يكون ف حالة من القلق والضطراب‬
‫والتردد ‪ ،‬فهو قد يتذكر ما يقضى به سلمة اعتقاده فيصب على مواجهة الواقف‬
‫الصعبة حينا ‪ ،‬ولكنه يعود للجزع أحيانا كثية لنه يسلم نفسه لنفسه أكثر من‬
‫تسليمها لالقه وموله ‪ ،‬والصعوبة الول الت تواجه الخصائي الجتماعي‬
‫السلم ف العمل مع هذا العميل تكمن ف مقاومته الشديدة للعتراف بالتقصي ف‬
‫حق نفسه وف حق ربه ‪ ،‬وف مقاومته الشديدة للعتراف بأن الطة الت اختطها‬
‫لنفسه ف الياة تبتعد ف جوانب جوهرية منها عما يُلزمه به اعتقاده الصحيح ‪،‬‬
‫وكلما فاته الخصائي ف هذا المر فإن العميل يسابقه ف ترديد "القوال" الت‬
‫تعب عن عقيدة صحيحة ‪ ،‬مع دفاعات شديدة ياول أن ينع نفسه أو الخصائي‬
‫با من النفاذ إل حقيقة ولئه القلب غي الستقر ‪.‬‬
‫ويرجع السبب ف مثل هذا التشبث الزائد بالعتماد على النفس والثقة با ‪ ،‬الذي‬
‫يول دون كمال الستسلم ل عز وجل والعتماد عليه والنطراح ف ساحة‬
‫رحته ‪ ،‬إل ما سبق أن عرضناه حول الطبيعة النسانية والسنن النفسية‬

‫‪- 137 -‬‬

‫والجتماعية ‪ ،‬فلقد علمنا فيما سبق أن النسان مكون من مادة (بدن) وروح ‪،‬‬
‫وأن الادة تأنس بالشباع الادي البدن ‪ ،‬وتطمئن با تمعه وتكنه ما تظنه‬
‫يضمن لا استمرار بقائها ووجودها ويول دون فاقتها واحتياجها إل الناس ‪،‬‬
‫وعلى العكس فإن الروح ‪ -‬من جانب آخر ‪ -‬إنا تأنس فقط بالقرب من ال ‪،‬‬
‫وتطمئن بالصلة به سبحانه ‪ ،‬ولكن هذه الصلة بال ‪ -‬والعبادات والطاعات‬
‫طريقها ‪ -‬ليست من نفس الطبيعة الادية الت يتشوف لا البدن ‪ -‬والنفس بالتبعية‬
‫‪.‬‬
‫والنسان بكم قرب الشباعات الدنيوية من نفسه على هذا الوجه ييل إل الظن‬
‫بأن السعادة تتحقق طرديا مع ازدياد إشباع مرغوبات النفس ‪ ،‬بعن أنه كلما‬
‫ازداد إشباع الاجات البدنية الدنيوية كلما ازدادت السعادة ‪ ،‬ول يطر بالبال ‪-‬‬
‫إل بتوجيه وتعليم وخبة شخصية وتدريب ‪ -‬حقيقة أن النسان كائن معقد‬
‫يوى إل جانب البدن (الذي يسي وفقا للقاعدة الذكورة) روحا قد تسي ف‬
‫"عكس التاه " بعن أنه كلما أغرق النسان وتاوز ف إشباع حاجاته الدنيوية‬
‫كلما قلت سعادته "الكلية" وكلما قل الشباع ازدادت السعادة الكلية (أي الت‬
‫تشمله كله ككائن حي مكون من بدن وروح)‪.‬‬
‫وإذن فإن العلج هنا يتمثل أساسا ف معاونة العميل على مقاومة أنس‬
‫النفس (البلي) بالاديات لفساح الجال أمام أنس الروح بالعبادات والطاعات‬
‫الت تفتح الطريق أمام حسن الصلة بال سبحانه وتعال ‪ ،‬ومن هنا يصبح "التحكم‬
‫ف النفس" والسيطرة عليها لتوجيهها نو خدمة حاجات النسان الكلى (بدنا‬
‫وروحا) بدل من خدمة حاجات البدن وحدها هو الفتاح الوحيد لل الوقف‬
‫الشكال ‪ ،‬فبه يتمكن الرء من المساك بزمام نفسه وقيادتا ف الطريق الذي‬
‫يييها ومن ث يتمكن من المساك بزمام حياته كلها ليوجهها بنعمة ال إل ما‬

‫‪- 138 -‬‬

‫يرضى الرب ‪ ،‬ولكن هذا يتطلب عملية إعادة ‪ -‬تعليم ضد التيار كما يقولون ‪،‬‬
‫أي تغيي التوجه البشرى ضد ما تواه النفس ‪ ،‬أي تويلها من العتماد على‬
‫الخلوقي (الذات‪ -‬الخرين) للب ما يظن النسان أنه ينفعه (الال‪ -‬الاه‪-‬‬
‫الشهوات) ‪ ،‬إل العتماد على ال سبحانه وتعال والطمئنان إل أن ف ذلك‬
‫أكب ضمان لتحقيق كل الرغوبات على الوجه الذي يرضى الرب ويقق أكب‬
‫حاصل إجال مكن من النفعة ف الوقت ذاته‪.‬‬
‫ويتطلب التعامل مع هذا النوع مع العملء استخدام استراتيجية متعددة‬
‫الوجه ‪ ،‬تستهدف معاونة العميل على إعادة النظر ف حياته واستعادة توازنه ‪،‬‬
‫يتول الخصائي الجتماعي ف إطارها الخذ بيد العميل خلل كل مرحلة أو‬
‫وجه من أوجهها على النحو التال‪:‬‬

‫‪ -1‬إنشاء علقة " الخوة ف ال" بي الخصائي والعميل‪:‬‬
‫إن "العلقة الهنية" بتوصيفها التقليدي ل تستوعب ما يتطلبه النظور السلمي‬
‫للممارسة من اهتمام الخصائي الجتماعي بالعميل كاهتمام الخ بأخيه ‪ ،‬الذي‬
‫يرعى مصلحته ويرقب ال فيه ‪ ،‬ومن هنا فقد فضلنا تسمية هذا النوع من العلقة‬
‫بعلقة الخوة ف ال ‪ ،‬والق أن عمق التأثي الرغوب ف العملء لساعدتم ليس‬
‫فقط على مواجهة مشكلتم وصعوباتم الالـة بل ومساعدتم أيضا على‬
‫إصلح حياتم وإقامتها على طريق ال ‪ ،‬يتطلب التركيز منذ البداية على إقامة‬
‫هذا النوع الاص من العلقة ‪ -‬علقة ف ال ول وبال‪.‬‬
‫فالخصائي الجتماعي يتخذ زمام البادرة ف إنشاء هذه العلقة منذ القابلة‬
‫الول مع العميل ‪ ،‬ث هو يتعهدها ويرعاها طول الوقت ‪ ،‬لنا هي أساس‬
‫النجاح ف تقيق الهداف النبيلة الت يريد الخصائي الجتماعي ‪ ،‬وذلك‬
‫للعتبارات التية‪:‬‬

‫‪- 139 -‬‬

‫أ ‪ -‬أنا حجر الزاوية ف تقبل العميل للخصائي الجتماعي‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأنا الساس ف قبول تدخل الخصائي فيما يعتب من أخص‬
‫وأخفي جوانب حياة النسان‪ :‬الانب الروحي ‪ -‬العتقادي‪.‬‬
‫ج‪ -‬وهي الساس ف تقبل الطة العلجية من جانب العميل‪.‬‬
‫د‪ -‬وهي من العوامل الساعدة على التزام العميل بتنفيذ الطة العلجية‬
‫ولكن هذا الستوى من " العلقات الهنية" بذا العن الوسع يثي‬
‫التساؤل حول نوع توجه الخصائي الجتماعي القادر عليه ‪ ،‬ويشي‬
‫بوضوح إل أهية اختيار الخصائيي الجتماعيي وإعدادهم العداد‬
‫الكاف ليكونوا هم أنفسهم من أهل السلمة ف العتقاد‪ ،‬والياة ف‬
‫القلب ‪ ،‬والستقامة ف السلوك ‪ ،‬وكلما اقترب الخصائي الجتماعي‬
‫من هذا النموذج الثال كلما ازدادت احتمالت ناحه ف العمل من‬
‫منظور إسلمي‪.‬‬
‫وهناك قضية أخرى تتصل بكيفية تعامل الخصائي الجتماعي السلم مع مواقف‬
‫الرفض الت قد يواجهها مع بعض أنواع العملء الذين يقاومون التعاون معه‬
‫عندما يتعامل على هذا الستوى التعمق الذي يتطلبه العمل من النظور‬
‫السلمي ‪ ،‬وهنا فإننا نقترح أن يكون لدى الخصائي الجتماعي الستعداد‬
‫دائما للعودة بالتعامل مع العميل ‪ -‬ف مثل هذه الالة ‪ -‬إل مستوى التعامل‬
‫الكثر سطحية والذي ألفناه ف الكتابات التقليدية للخدمة الجتماعية ‪ ،‬والذي‬
‫يقتصر على المور الدنيوية القريبة ‪ ،‬على أن يتم هذا النتقال ‪ -‬إذا حدث ‪-‬‬
‫بنفس راضية ودون أي غضاضة أو مرارة من جانب الخصائي الجتماعي ‪،‬‬
‫انطلقا من اليان بأن "الدى هدى ال" وبأن ال سبحانه وتعال "يعطى الدنيا‬

‫‪- 140 -‬‬

‫لن يب ومن ل يب ولكنه ل يعطى الدين إل لن أحب" ‪ ،‬وضمانا لعدم‬
‫انقطاع العلقة بي الخصائي الجتماعي والعميل ‪ ،‬بل إن من المكن القول أن‬
‫عملية الرجوع إل الستوى الألوف من التعامل بناهة وترد من جانب‬
‫الخصائي ل يزيد العميل إل اطمئنانا إليه ‪ ،‬وقد يكون هذا هو الضمان لعودة‬
‫العميل لطلب العونة ف الوقت الذي يناسبه ‪ ،‬وباليقاع الذي تتمله حالته ‪.‬‬
‫‪ -2‬مساعدة العميل على العتراف بأنه يواجه مشكلة ل يستطيع حلها وحده ‪،‬‬

‫ومساعدته على العتراف بأنه باجة للمساعدة ‪ ،‬والعتراف بأن حل الشكلة يتطلب ما‬
‫هو لبد منه لتوافر الرغبة والعزم على تقيق التغييات الذرية الت يتطلبها العلج من‬

‫النظور السلمي ‪ ،‬ولعل ما يعي الخصائي الجتماعي ف هذه الهمة أن يدرك‬
‫بأن العميل ما دام يواجه ف الوقت الال صعوبة أو ضائقة أو مشكلة فإنه يكون‬
‫مهيأ للتخلي عن حال الشعور الزائف بالسيطرة على وجوده (أن رآه استغن)‬
‫الذي يرتبط ف أحوال السلمة بشيء من ال ِكبْر الذي يعوق العتراف بالقصور أو‬
‫التقصي ‪ ،‬ومن هنا فإن الوقف الشكال قد يكون من مظاهر رحة ال به ‪ ،‬إذ‬
‫أنه يعطيه الفرصة لرؤية الواقع من منظور جديد ‪ ،‬فيقبل الساعدة ف توجيه حياته‬
‫بشكل أكثر عمقا ف اتاهات أكثر صحة وأقرب إل تقيق رضاء ال سبحانه‬
‫وتعال‪.‬‬
‫‪ -3‬البدء ف إجراءات تقدي العون والساعدة لشباع الاجات الدنيوية (الادية والنفسية‬
‫والجتماعية) الت تتطلبها مواجهة الوقف العاجل الذي يعان منه العميل على‬
‫الوجه العهود ف المارسة الهنية التقليدية ‪ ،‬وذلك حت يطمئن العميل من جهة‬
‫لرغبة الخصائي الجتماعي القيقية ف مد يد العون له ‪ ،‬وحت ل يتوهم أن‬
‫العمل من منظور السلم يتنكر لشباع الاجات النسانية الطبيعية أو ينكرها‬
‫(مع التأكيد بالطبع على العتدال ف المر على الوجه الذي سبق أن بيناه)‪.‬‬

‫‪- 141 -‬‬

‫‪ -4‬مساعدة العميل ‪ -‬ف الوقت ذاته ‪ -‬على إعادة النظر ف الطريقة الت‬
‫يسوس با حياته حاليا ‪ ،‬وإدراك العلقة بي طريقة حياته وبي الوقوع ف‬
‫الشكلت ليتبي له أنه يسي ف طريق مسدود‪ ،‬طريق العتماد على البشر بدل‬
‫من العتماد على البشر بدل من العتماد على خالق البشر ‪ ،‬وليتبي أنه ل خيار‬
‫أمامه ‪ -‬إذا ل يتغي ‪ -‬إل استمرار السي ف طريق الشقاء النفسي والعاناة الروحية‬
‫‪ ،‬ف مقابل ما يكن أن يققه ‪ -‬بالتغي والسي ف طريق التوكل على ال سبحانه‬
‫وتعال والرضا بكمه ‪ -‬على أساس أنه ل يكون ف ملكه إل ما يريد ‪ ،‬وأنه ل‬
‫يرضى لعباده إل الطاعة والمتثال لمره وإل خذلم ووكَلَهم إل أنفسهم وال‬
‫حياة من الضياع والسران ف الدنيا وف الخرة‪ ،...‬فإذا أراد ال للعميل التوفيق‬
‫فأراد معرفة الطريق ‪ ،‬فيتم النتقال معه إل الطوة التالية ‪ .‬وإن أعرض ونأي‬
‫بانبه ول يُرد إل الياة الدنيا ‪ ،‬فإن الخصائي الجتماعي ‪ -‬بعد أن بذل جهده‬
‫ ل يكون أمامه إل التسليم بوجب (إنك ل تدى من أحببت ولكن ال يهدى‬‫من يشاء) (القصص‪ ، )56:‬ث تنبيه العميل إل أنه على استعداد دائما للمساعدة ‪،‬‬
‫والدعاء له بي ‪ ،‬مع تنب ما يوحي بالزراء به أو توجيه اللوم إليه‪.‬‬
‫‪ -5‬بدء برنامج “ التنمية الروحية" التدرجة مع العملء الذين استجابوا لا‬
‫يييهم والذي يستهدف إزالة الران الذي أحاط بالقلب ‪ ،‬واستعادة صفاء الفطرة‬
‫ونقائها ‪ ،‬والذي يتم من خلل التدريب على القيام بقادير مسوبة من كل من‬
‫العبادات والطاعات ‪ ،‬ف إطار مواقف الياة العادية ‪ ،‬ويلحظ أن ناح هذا‬
‫البنامج ف هذه الرحلة مرهون باقتناع العميل باجته إل التغيي ‪ ،‬واقتناعه باجته‬
‫إل النتقال من الياة الت تركز على الاجات الدنيا إل الياة الت تركز على‬
‫الاجات "الكلية" للنسان ‪ -‬أي إل إحياء روحه مع عدم التنكر لاجات بدنه ‪،‬‬
‫وهذا يقتضي مساعدة الخصائي الجتماعي للعميل على اختيار الستوى اللئم‬

‫‪- 142 -‬‬

‫كما ونوعا من بي الوسائل والدوات التية ‪ ،‬والسي به بشكل متدرج ف‬
‫معارجها بسب وسعه ووفق درجة استعداده ‪ -‬ف نفس الوقت الذي يتم فيه‬
‫التعامل مع الوقف الشكال ‪ ،‬ويتم فيه تقدي الدمات الادية والعينية الناسبة لن‬
‫هم ف مثل حاجته‪:‬‬
‫أ‪ -‬العبادات‪ :‬يلحظ أن العبادات عموما ل يترتب عليها أي إشباع للحاجات‬
‫البدنية أو الدنيوية ‪ ،‬وأنا تتضمن على العكس من ذلك توفقا "مسوبا" ومتكررا‬
‫بصفة منتظمة عن مارسة الياة العادية وعن إشباع الاجات الادية ‪ ،‬وهذا يؤدى‬
‫بالتدريج إل إفساح الجال أمام سيادة الروح على متطلبات الوجود الخرى ‪،‬‬
‫فالنسان يدخل ف العبادة ‪ -‬ولنضرب لا مثل هنا بالصلة ‪ -‬كائنا دنيويا عاديا‬
‫يسود تيار الشعور عنده النشغال بتطلبات البقاء الدنيوية العهودة ‪ ،‬ولكنه مع‬
‫الدخول ف نية الصلة ث البدء ف القراءة يبدأ ف اللتفات عن هذا النمط الدنيوي‬
‫العتاد إل مناجاة ربه مشبعا لاجات روحه ‪ ،‬ويتدافع النوعان من الوعي‬
‫(النشغال با هو أرضي دنيوي ‪ ،‬والتطلع إل ما هو أكثر دواما ‪ :‬الرتباط بال‬
‫عز وجل ) وكلما كسب أحدها أرضا ازدادت قدرته على مدافعة الخر وهكذا‬
‫‪ ،‬فإذا صدق العزم فإن الوقعة تنتهي وقد ازدادت الروح هيمنة على الياة ‪،‬‬
‫وكلما اعتاد النسان الستغراق ف العبادة اعتاد سيطرة الروح على متطلبات‬
‫البدن ‪ ،‬واعتاد تمل الشاق النفسية والبدنية الت يتطلبها حسن التعامل مع‬
‫الناس ‪ ،‬وارتفعت عتبة الحباط النفسي عنده فابتعد عن تاوزات البلة الطينية‬
‫من جزع وهلع وشح و ِكبْر ‪ ،‬فيحسُن توافقه مع نفسه ومع الناس نتيجة لرتقائه‬
‫ف مدارج السالكي إل ال سبحانه وتعال(راجع ‪ :‬رجب ‪1991 ،‬ب ؛ وأيضا‬
‫سلطان ‪ 1999 ،‬أ ‪ 1999 ،‬ب) ‪.‬‬

‫‪- 143 -‬‬

‫ب‪ -‬الطاعات والعمال الصالات‪ :‬لقد اكتشف د‪ .‬هنري لنك بعد مارسة الطب‬
‫النفسي مع آلف الالت الت أتت إليه تطلب مساعدته أن أولئك الرضى ل‬
‫يكونوا ف الغالب العم باجة إل علج أو تليل نفسي متعمق لواجهة‬
‫مشكلتم ‪ ،‬لن مصدر الشكلت والضطرابات النفسية كما تبي له إنا يتمثل‬
‫ف أن الكثيين منهم اعتادوا منذ الصغر أن يعيشوا لنفسهم فقط ‪ ،‬بعن أن‬
‫تفكيهم ونشاطهم ل يدور إل حول ذواتم وحسب ‪ ،‬فكان ينصحهم بالقيام‬
‫بأعمال نافعة للخرين حت يتعلموا إنكار الذات وإيثار الغي ‪ ،‬لن طمأنينة النفس‬
‫وهدوءها ل تتأتيان إل إذا قام الرء بعمل نافع أو أدى خدمة للغي أثناء الوض‬
‫ف معمعة الياة كما يقول ‪ ،‬ورغم أنه شخصيا كان ملحدا فإنه قد وجد أن ما‬
‫توصل إليه من خبته نتيجة عمله مع العملء ف واقع المارسة الهنية هو تديدا‬
‫ما تطالب به الديان ‪ ،‬وهو يلخص ما توصل إليه نتيجة خبته الطويلة بقوله "إن‬
‫سعادة النسان وإمكانه إدراك كنه نفسه لن يتأتيا بغي تضحية بالنفس ف سبيل‬
‫الغي ‪ ،‬وتعويد الرء نفسه الضوع لنظم خاصة" (لنك ‪ 18- 15 :1964 ،‬؛‬

‫‪49‬‬

‫)‪.‬‬
‫ولعلنا نلحظ أن الطاعات العملية والعمال الصالات (مثل صلة الرحام ‪،‬‬
‫وإكرام اليان والضيفان ‪ ،‬والسعي ف مصال الضعفاء) تتفق مع العبادات ف‬
‫أنما تتطلبان جهادا للنفس لملها على إفساح الجال للروح والسي ف غي‬
‫طريق اللف والعتياد وغي طريق الراحة والدعة ‪ ،‬ولكنهما تتلفان من حيث أن‬
‫العبادات تقصد بطريق مباشر إل إخلء تيار الشعور من الهتمامات الدنيا‬
‫صعودا إل الهتمامات العلى ‪ ،‬ف حي أن الطاعات والعمال الصالات بذاتا‬
‫تتل تيار الشعور كله ‪ ،‬ولكنها ل يكن أن تبدأ أصل ول أن تستمر إل بدافع من‬
‫قوة روحية "واعية" مريدة لتام أعمال الي ‪ ،‬وبذا فإن العبادات والعمال‬

‫‪- 144 -‬‬

‫الصالات إنا ها طريقان لتحقيق نفس الدف الواحد ‪ ،‬أل وهو إحكام هيمنة‬
‫الروح (الساعية إل الصلة بالقها) على الياة "الكلية" للنسان ‪ ،‬بيث تبتعد به‬
‫عن استمرار ذلك اليل الطبيعي إل التجاوز الناتج عن الضوع لطالب السد‬
‫الدائمة اللاح‪.‬‬
‫ج‪ -‬الذكر والتلوة‪ :‬معلوم أن العقل البشرى ل يكف عن العمل والتفكي ‪،‬‬
‫والعقل مناط الوعي ‪ ،‬والنشاط العقلي الواعي يفيض كثيا عما يتاجه التفكي‬
‫فيما يتصل بتحقيق متطلبات البقاء الدنيوية ‪ ،‬وفائض النشاط العقلي إما أن ينفق‬
‫فيما خُلق له من ذكر ال سبحانه وتعال وتسبيحه وتجيده ‪ ،‬أو أن يُهدر ف‬
‫التفكي فيما هو أدن من ذلك كثيا ولذلك فقد ني القرآن الكري عن الغفلة‬
‫وتوعد الغافلي بأشد العقوبات ‪ ،‬لن الغفلة قمة النكول عن القيام بقوق الالق‬
‫الذي خلق العباد لطاعته وذكره وتسبيحه ‪ ،‬ول يرمهم ف الوقت ذاته من‬
‫التفكي فيما يصلح به أمرهم من شئون الدنيا ‪ ،‬ومن هنا فإن معاونة الخصائي‬
‫للعميل على مداومة الذكر وتعهد القرآن الكري بالتلوة والتدبر تعن مساعدته‬
‫على الرتباط التواصل بالقه من الناحية العقلية ‪ -‬ومن جهة الوعي ‪ -‬ما يدعم‬
‫تأثي العبادات والطاعات ‪ ،‬وما يؤثر ف القلب فيلزمه الطمئنان والستقرار بدل‬
‫من التشتت والضطراب (وَُنَنزّ ُل مِنَ اْل ُقرْءَانِ مَا هُوَ ِشفَاءٌ َورَحْمَ ٌة لِلْمُؤْمِنِيَ وَل‬
‫َيزِي ُد الظّالِمِيَ إِل خَسَارًا) (السراء‪ ، )82 :‬وأيضا (الّذِي َن ءَا َمنُوا َوتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ‬
‫بِذِ ْكرِ اللّهِ أَل بِذِ ْك ِر اللّ ِه تَطْمَئِنّ اْلقُلُوبُ) (الرعد‪.)28:‬‬
‫‪ -6‬إعادة النظر ف الشكلة الصلية وف طرق الستجابة لواقف الياة ف ضوء‬

‫جديد ‪ :‬إذا نحت جهود الخصائي الجتماعي والعميل ف تقيق مستوى أرقى‬
‫من النمو الروحي عند العميل فإنه يكون الن مستعدا لا يلي‪:‬‬

‫‪- 145 -‬‬

‫أ‪ -‬مراجعة الشكلة أو الوقف الذي احتاج بسببه إل الساعدة ‪،‬‬
‫والتعرف على السباب القيقية لشكلته الن وقد تلص بفضل ال من‬
‫النفعالت الت تكبل العقل أو تشوش عليه‪ ،‬ث اتاذ الجراءات الواقعية‬
‫لواجهة الشكلة أو الوقف وفقا للخطة العلجية الت يتفق عليها مع‬
‫الخصائي الجتماعي‪.‬‬
‫ب‪ -‬مراجعة توجهاته ف الياة بطريقة جذرية ‪ ،‬واستعادة توازنه فيها ‪،‬‬
‫با يكفل له بإذن ال سيطرته على نفسه ليسي ف طريق ال ضمن وفد‬
‫عباده الصالي ‪.‬‬
‫‪ -7‬التدعيم والتثبيت‪ :‬إن تقيق أي مرتبة أرقى من مراتب الياة الروحية ل يعن‬
‫الثبات عليها ‪ ،‬فالقوى الؤثرة إيابا وسلبا ف التكوين النسان فعالة متحركة‬
‫على الدوام ومن هنا فإن من الضروري معاونة العميل على حاية مواقعه وتثبيت‬
‫دعائمها‪ ،‬بل والعمل الدائب نو كسب مواقع جديدة وذلك من خلل ‪:‬‬
‫أ‪ -‬التأكيد على الثقة ف ال تعال ‪ ،‬وتوقع التوفيق منه سبحانه وتعال لن‬
‫أقبل على سلوك طريقه ‪ ،‬والطمئنان إل معونته ونصره لن أطاعه واتقاه‬
‫‪ ،‬ما يؤدى إل تثبيت قلب العميل ‪ ،‬ومعاونته على الستمرار على النهج‬
‫حت يلقى ربه غي مبدل‪.‬‬
‫ب‪ -‬توقع الدعم من ملئكة الرحن لولئك الذين قالوا ربنا ال ث‬
‫استقاموا ‪ ،‬با يزيد الثقة ف سلوك الطريق إل ال سبحانه وتعال ‪ ،‬مع‬
‫البِشْر أو التفاؤل الذي يرفع الروح العنوية ‪ ،‬ويقوى الناعة الداخلية ‪،‬‬
‫ويساعد على بلوغ الغاية‪.‬‬
‫ج‪ -‬التحذير من نزغات الشياطي ‪ ،‬والتعرف على الطرق الت يتخذها‬
‫الشيطان وقبيله لضلل البشر ‪ ،‬وبيان الطرق الت يتم التحصن با من‬

‫‪- 146 -‬‬

‫تأثيه‪ ،‬وذلك لساعدة العميل على إغلق أبواب النكوص والتراجع ‪،‬‬
‫وعلى الثبات أو الضي قدما بإذن ال‪.‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬حالة فساد العتقاد وسقم القلوب‪:‬‬
‫يتمثل العلج ف هذه الالة أساسا ف العمل على تصحيح العقيدة أول حت ينفتح‬
‫الباب أمام إمكانية إصلح القلب ‪ ،‬ويتضمن ذلك تديد مناطق الختلل ف‬
‫العتقاد ‪ ،‬الت ترتب عليها متابعة الهواء والشهوات ‪ ،‬الت تسببت بدورها ف‬
‫حدوث الشكلت الت يواجهها العميل ‪ ،‬ث العمل على إزالة تلك الختللت ‪،‬‬
‫وإعادة‪-‬تعليم العميل ما ينبغي أن يل ملها من سليم العتقاد سواء قام‬
‫الخصائي الجتماعي بذلك بنفسه أو بالتعاون مع أهل العلم من هم أقدر منه‬
‫على ذلك المر‪.‬‬
‫وعلى كل حال فإن العمل مع هذا النوع من العملء يتطلب إلام كافيا من‬
‫جانب الخصائي الجتماعي بأشكال النرافات العقيدية الامة الشائعة ف منطقة‬
‫عمله ‪ ،‬كما يتطلب ترسا ف فهم الوانب الشرعية التصلة با وبالرد عليها ‪،‬‬
‫وهذا يقتضي بذل جهد خاص من جانب الخصائي الجتماعي لعداد نفسه‬
‫على الوجه الذي ينمى لديه الهارة ف هذا الجال ‪ ،‬وليس هذا بغريب على‬
‫الخصائيي الجتماعيي الذين يبذلون عادة جهودا كبية للتزود بالعارف اللزمة‬
‫لداء عملهم ف متلف اليادين ‪ ،‬والثال على ذلك ما يفعله الشتغلون بالدمة‬
‫الجتماعية الطيبة من تزود بالعرفة الطيبة اللزمة لتعاملهم مع الرضى بأمراض‬
‫معينة كالفشل الكلوي والسرطان وغيها‪.‬‬
‫ويلحظ أنه بعد إتام مرحلة تصحيح العقيدة من الشركيات والبدع والرافات ‪،‬‬
‫فإن على الخصائي الجتماعي السلم أن يسي ف تدخله الهن وفقا‬

‫‪- 147 -‬‬

‫للستراتيجيات الت سبق وصفها بالنسبة للعملء من النوع الثان ‪ ،‬والت ل نتاج‬
‫إل تكرارها هنا مرة أخرى ‪ ،‬وال الوفـــق‪.‬‬

‫‪- 148 -‬‬

‫قائمة الراجع العربية‬
‫أجروس وستانسيو ‪ :‬العلم ف منظوره الديد (‪ )1984‬ترجة كمال خل يلي (الكويت ‪:‬‬
‫الجلس الوطن للثقافة والفنون والداب‪.)1989 ،‬‬
‫ابن عاشور ‪ ،‬الطاهر (‪ )1978‬مقاصد الشريعة السلمية (تونس‪ :‬الشركة التونسية للتوزيع)‪.‬‬
‫ابن عاشور ‪ ،‬الطاهر (‪ )1984‬تفسي التحرير والتنوير (تونس ‪ :‬الدار التونسية للنشر)‪.‬‬
‫الدباغ ‪ ،‬عفاف إبراهيم (‪ )1994‬النظور السلمي لمارسة الدمة الجتماعية (الرياض ‪:‬‬
‫مكتبة الؤيد)‪.‬‬
‫الدباغ ‪ ،‬عفاف إبراهيم (‪ " )1989‬النظور السلمي لمارسة الدمة الجتماعية" خطة بث‬
‫الدكتوراه ‪ ،‬مقدم إل كلية الدمة الجتماعية للبنات بالرياض ‪.1409 ،‬‬
‫الدباغ ‪ ،‬عفاف إبراهيم (‪1991‬أ) "النظور السلمي للطبيعة البشرية " بث مقدم لندوة‬
‫التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية(العهد العالي للفكر السلمي بالقاهرة‪1412 ،‬هـ)‪.‬‬
‫الدباغ ‪ ،‬عفاف إبراهيم (‪1991‬ب) " النظور السلمي لتفسي الشكلت الفردية " بث‬
‫مقدم لندوة التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية (العهد العال للفكر السلمي بالقاهرة‬
‫‪1412‬هـ)‪.‬‬
‫الدمنهوري ‪،‬عبد الستار (‪ : )1958‬الدمة الجتماعية ف السلم (بث مقدم لدرسة الدمة‬
‫الجتماعية بالقاهرة ‪ ،‬غي منشور)‪.‬‬
‫الدمنهوري ‪،‬عبد الستار (‪ )1980‬دراسة تريبية لمكانيات الفادة من نظام التحكيم‬
‫السلمي بي الزوجي ف علج الشكلة السرية‪ ،‬رسالة دكتوراه غي منشورة ‪ ،‬كلية الدمة‬
‫الجتماعية بامعة حلوان‪.‬‬

‫‪- 149 -‬‬

‫السعيد ‪ ،‬لبيب(‪ " )1949‬الدمة الجتماعية ف السلم " ملة الرسالة ‪ ،‬العدد السنوي‬
‫المتاز ‪1369‬هـ ‪.‬‬
‫السعيد ‪ ،‬لبيب(‪ " )1952‬تنظيم الحسان ف السلم " ملة الرسالة ‪،‬العدد السنوي المتاز ‪،‬‬
‫‪1372‬هـ ‪.‬‬
‫السعيد ‪ ،‬لبيب(‪ )1980‬العمل الجتماعي ‪ :‬مدخل إليه ودراسة لصول السلمية (جدة ‪:‬‬
‫دار عكاظ)‪.‬‬
‫السنهوري ‪ ،‬عبد النعم يوسف (‪ " )1990‬نو مفهوم لدمة الفرد من النظور السلمي "‬
‫الؤتر العلمي الثالث لكلية الدمة الجتماعية بامعة القاهرة فرع الفيوم ‪.‬‬
‫الشاطب (أبو إسحاق إبراهيم بن موسى )(التوف ‪790‬هـ)‪ :‬الوافقات ف أصول الحكام ج‬
‫‪( 2‬دار الفكر للطباعة والنشر)‪.‬‬
‫الشناوي ‪ ،‬ممد مروس (‪ " )1991‬الهداف العامة لساعدة الفراد على مواجهة مشكلتم‬
‫النفسية كما تعرضها نظريات الرشاد والعلج النفسي الغربية " ‪ ،‬بث قدم لندوة التأصيل‬
‫السلمي للخدمة الجتماعية (العهد العالي السلمي ‪ ،‬القاهرة )‪.‬‬
‫الصنيع ‪ ،‬صال إبراهيم (‪ )1989‬العلقة بي مستوى التدين والسلوك الجرامي ‪ ،‬رسالة‬
‫دكتوراه غي منشورة ‪ ،‬كلية العلوم الجتماعية بامعة المام ممد بن سعود السلمية‬
‫بالرياض‪.‬‬
‫الصنيع ‪ ،‬صال إبراهيم (‪ )1998‬التدين علج الرية (الرياض‪ :‬مكتبة الرشد)‪.‬‬
‫العفيفي ‪ ،‬عبد الكري(‪ " )1990‬نو رؤية جديدة للمقابلة ف خدمة الفرد من منظور‬
‫إسلمي" ملة القاهرة للخدمة الجتماعية‪ -‬الجلد الول ‪ -‬العدد الول ‪ -‬يناير ‪.1990‬‬
‫الفار وقى‪ ،‬إساعيل (‪ " )1982‬أسلمة العرفة " ‪ ،‬السلم العاصر‪ ،‬العدد ‪، 32‬م ‪1402 -‬هـ‪.‬‬

‫‪- 150 -‬‬

‫الفاروقي ‪ ،‬إساعيل (‪ )1986‬إسلمية العرفة ‪ ،‬ترجة د‪ .‬عبد الميد أبو سليمان (واشنطون‪:‬‬
‫العهد العالي للفكر السلمي)‪.‬‬
‫بشي ‪ ،‬أحد يوسف (‪ " )1991‬النسان وعلقته بالبيئة من منظور إسلمي بث قدم لندوة‬
‫التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬العهد العالي للفكر السلمي ‪ ،‬القاهرة ‪.‬‬
‫توفيق ‪ ،‬ممد نيب(‪ )1984‬أضواء على الرعاية الجتماعية ف السلم (القاهرة ‪ :‬النلو)‪.‬‬
‫حسان ‪ ،‬مصطفي أحد (‪ ")1984‬الناقشة الماعية من النظور السلمي " الؤتر الدول‬
‫التاسع للحصاء والسابات العلمية والبحوث الجتماعية والسكانية‪.‬‬
‫حسان ‪ ،‬مصطفي أحد (‪ )1986‬نو أسلوب إسلمي للعمل مع الماعات ف ميط الدمة‬
‫الجتماعية ‪ ،‬مكتبة الرية ‪.‬‬
‫رجب ‪ ،‬إبراهيم (‪ )1963‬التوجيه الدين ف مؤسسات رعاية الشباب (بث مقدم لدرسة‬
‫الدمة الجتماعية بالقاهرة‪ -‬غي منشور)‪.‬‬
‫رجب ‪ ،‬إبراهيم (‪ " )1980‬السلم والتنمية" مقال ف كتاب ناذج ونظريات تنظيم‬
‫الجتمع‪ :‬إبراهيم عبد الرحن رجب (مرر) (القاهرة ‪ :‬دار الثقافة ‪.)1983 ،‬‬
‫رجب ‪ ،‬إبراهيم (‪ " )1981‬نو تأصيل الدمة الجتماعية ف الدول النامية" ورقة مقدمة إل‬
‫الؤتر الدول السادس للحصاء والاسب الل والبحوث الجتماعية والديوجرافية‪ ،‬القاهرة‪.‬‬
‫رجب ‪ ،‬إبراهيم (‪" )1991‬النهج العلمي للبحث من وجهة إسلمية " بث مقدم إل ندوة‬
‫التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية ‪ ،‬العهد العالي للفكر السلمي‪ ،‬القاهرة ‪.‬‬
‫رجب ‪ ،‬إبراهيم( ‪1991‬ب) شرود الذهن أثناء الصلة ‪ :‬الشكلة والل (الرياض ‪ :‬دار عال‬
‫الكتب)‪.‬‬

‫‪- 151 -‬‬

‫زيدان ‪ ،‬على حسي (‪ " )1985‬القيم الخلقية لدمة الفرد من النظور السلمي الؤتر‬
‫العاشر للحصاء والسابات العلمية والبحوث الجتماعية والسكانية ‪ ،‬جامعة عي شس‪.‬‬
‫زيدان ‪ ،‬على حسي (‪ " )1991‬دور الدمة الجتماعية ف العمل مع النحرفي ‪ :‬منظور‬
‫إسلمي " بث مقدم لندوة التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية(العهد العالي للفكر‬
‫السلمي‪،‬القاهرة‪.‬‬
‫سلطان ‪ ،‬صلح (‪ 1999‬أ) الثار التربوية للعبادات ف الروح والخلق (القاهرة ‪ :‬نضة‬
‫مصر)‪.‬‬
‫سلطان ‪ ،‬صلح (‪ 1999‬ب) الثار التربوية للعبادات ف العقل والسد (القاهرة ‪ :‬نضة‬
‫مصر)‪.‬‬
‫صادق ‪ ،‬نبيل ممد (‪1983‬أ) طريقة تنظيم الجتمع ف الدمة الجتماعية ‪ :‬مدخل إسلمي‬
‫(القاهرة ‪ ،‬دار الثقافة )‪.‬‬
‫صادق ‪ ،‬نبيل ممد (‪1983‬ب) السلم ومشاركة الواطني ف تنمية الجتمع (القاهرة ‪ ،‬دار‬
‫الثقافة)‪.‬‬
‫صال ‪ ،‬ممد عزمي (‪ )1985‬التأصيل السلمي لرعاية الشباب (القاهرة‪:‬دار الصحوة)‪.‬‬
‫ضاهر ‪ ،‬مسعود (‪ )1999‬النهضة العربية والنهضة اليابانية ‪ :‬تشابه القدمات واختلف‬
‫النتائج (الكويت ‪ :‬الجلس الوطن للثقافة والفنون والداب)‬
‫عبد الصمد ‪ ،‬عبد الفتاح عثمان (‪ )1988‬نوذج إسلمي لمارسة الدمة الجتماعية ف‬
‫الوطن العرب ‪ ،‬العهد العال للخدمة الجتماعية للبنات بالرياض (غي منشور )‪.‬‬
‫عبد الصمد ‪ ،‬عبد الفتاح عثمان وآخرون (‪ ، )1984‬مقدمة ف الدمة الجتماعية (القاهرة ‪:‬‬
‫النلو)‪.‬‬

‫‪- 152 -‬‬

‫عبد العال ‪ ،‬عبد الليم رضا (‪ " )1989‬قضايا متضاربة ف الدمة الجتماعية "‪ ،‬الكتاب‬
‫السنوي الول ف الدمة الجتماعية ‪ ،‬إشراف د‪ .‬عبد النعم شوقي (القاهرة ‪ :‬مكتبة النهضة‬
‫الصرية)‪.‬‬
‫عبد اللطيف ‪ ،‬رشاد أحد (‪" )1991‬النظم الجتماعي يقدم الشورة الهنية لحدى منظمات‬
‫العمل السلمي " ‪ ،‬الركز العرب للدراسات المنية والتدريب بالرياض‪.‬‬
‫عبد الحسن عبد الميد (‪ " )1986‬النشطة الطلبية وأثرها ف تكامل شخصية الطالب‪:‬‬
‫مدخل إسلمي " ملة بوث ودراسات ‪ ،‬كلية العلوم الجتماعية بالرياض‪.‬‬
‫الادي ‪ ،‬ممد أحد (‪ )1988‬الدمة الجتماعية السلمية (القاهرة ‪ :‬مكتبة وهبة)‪.‬‬
‫عبد الادي ‪ ،‬ممد أحد (‪ " )1991‬الدمة الجتماعية ف مال الدعوة السلمية " بث قدم‬
‫لندوة التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية (العهد العالي للفكر السلمي بالقاهرة )‪.‬‬
‫عثمان ‪ ،‬خالد صبحي (حول ‪ )1960‬أثر العامل الدين ف تطور الدمات الجتماعية(بث‬
‫مقدم لدرسة الدمة الجتماعية ‪ ،‬غي منشور )‪.‬‬
‫غباري ‪ ،‬ممد سلمة (‪ )1983‬الدمة الجتماعية ورعاية الشباب ف الجتمعات السلمية ‪،‬‬
‫(السكندرية ‪ :‬الكتب الامعي الديث)‪.‬‬
‫غباري ‪ ،‬ممد سلمة(‪ )1985‬الدخل إل الدمة الجتماعية السلمية ‪ :‬خدمة الفرد‬
‫(السكندرية ‪ ،‬الكتب الامعي الديث)‪.‬‬
‫كوهن ‪ ،‬توماس ‪ ،‬بنية الثورات العلمية(‪ ،)1970‬ترجة على نعمة (بيوت ‪:‬دار الداثة ‪،‬‬
‫‪.)1986‬‬

‫‪- 153 -‬‬

‫متار ‪ ،‬عبد العزيز عبد ال (‪ )1986‬النظور السلمي للخدمة الجتماعية ف مال توفي‬
‫الرعاية الجتماعية " ملة للخدمة الجتماعية (الكويت) الجلد الول ‪ -‬العدد الول ‪ -‬مارس‬
‫‪.1986‬‬
‫متار ‪ ،‬عبد العزيز عبد ال (‪ )1988‬النظور السلمي للخمة الجتماعية ‪ ،‬بث غي منشور‪.‬‬
‫مصطفي ‪ ،‬يي بسيون (‪ )1990‬البدائل السلمية لجالت الترويح العاصرة ‪،‬‬
‫(السكندرية‪ ،‬دار العرفة الامعية)‪.‬‬
‫ميتشل ‪ ،‬تيموثى (‪ )1990‬استعمار مصر (ترجة بشي السباعي وأحد حسان)( القاهرة ‪:‬‬
‫سينا للنشر)‪.‬‬
‫نوح ‪ ،‬ممد عبد الي (‪ " )1987‬النهج السلمي ف تنظيم الجتمع كطريقة ف الدمة‬
‫الجتماعية" الؤتر العلمي الول لكلية الدمة الجتماعية بامعة حلوان ‪.‬‬
‫نويرة ‪ ،‬فؤاد عبد ال (‪ ) 1960‬السلم والدمة الجتماعية (القاهرة ‪ :‬وزارة العمل والشئون‬
‫الجتماعية )‪.‬‬
‫هاردستر ‪ ،‬روجر ‪ ،‬و ريتشارد بارفيس(‪ )1981‬مشروع الدمات الجتماعية التكاملة‬
‫وتطوير الوحدات الجتماعية (ترجة إبراهيم رجب) (القاهرة ‪ :‬وزارة الشئون الجتماعية ‪-‬‬
‫مشروع الدمات الجتماعية التكاملة)‪.‬‬
‫هنري ل نك (‪ )1964‬العودة إل اليان (ترج ة د‪ .‬أنور عكا شة) ط‬
‫العارف)‪.‬‬

‫‪ ( 3‬القاهرة ‪ :‬دار‬

‫يونس ‪ ،‬الفاروق زكى (‪ " )1981‬الرعاية الجتماعية ف السلم " بث قدم للمؤتر الدول‬
‫لعلماء السلمي ‪ -‬إسلم أباد ‪ -‬باكستان‪.‬‬

‫‪- 154 -‬‬

‫يونس ‪ ،‬الفاروق زكى (‪ " ")1991‬سياسة الرعاية الجتماعية من منظور إسلمي " بث‬
‫مقدم إل ندوة التأصيل السلمي للخدمة الجتماعية‪ ،‬العهد العالي للفكر السلمي ‪،‬‬
‫القاهرة ‪.‬‬

‫‪- 155 -‬‬

BIBLIOGRAPHY
Anderson, Ralph & Carter, Irl (1974) Human Behavior in the
Social Environment (Chicago : Aldine).
Anderson, Joseph (1981) Social Work Methods and Processes
(Belmont, California : Wadsworth).
Berger, Robert & Federico, Ronald (1985) Human Behavior : A
Perspective for the Helping Professions, 2nd ed. (New York:
Longman)
Black, James & Champion, Dean (1976) Methods and Issues in
Social Research (New York : Wiley).
Canda . Edward (1988) “ Spirituality, Religious Diversity, and Social
Work Practice”, Social Casework, April 1988, P.P. 238-247.
Capra, Fritjof (1982) The Turning Point : Science, Society and the
Rising Culture. (London: Flamingo ).
CSWE (1982) “ Curriculum policy for the Master’s Degree and
Baccalaureate Degree Programs in Social Work Education” in
Encyclopedia of Social work, 18th ed., 1987, App. 2, P.P. 957-964.
Dudley, James & Helfgott, Chava “Exploring a place for Spirituality
in the Social work Curriculum” Journal of Social work Education,
Vol. 26, No3, Fall 1990, P.P. 287-294.
Fukuyama, Francis (Summer 1989) “The end of History?”. The
National Interest.
Hess, Joseph. (Winter 1980)” Social work’s Identity Crisis” Social
Thought.
Hoover, Kenneth (1980) The Elements of Social Scientific
Thinking (New York : St Martin).

- 156 -

Joseph, M. Vincentia “ Religion and Social Work Practice” , Social
Casework, Sept. 1988, P.P. 443-452.
Kahn, Alfred (1987)” Social problems and Issues: Theories and
Definitions”, Encyclopedia of Social Work, 18th ed. Vol. 2, P.P. 632644.
Kuhn, Thomas. (1962, 1970) The Structure of Scientific
Revolutions (Chicago: University of Chicago press).
Leiby, James (1971) “ social Welfare: History of Basic Ideas”
Encyclopedia of Social Work 17th ed., P.P. 1461- 1477.
Marty, Martin (Dec, 1980) “Social Service : Godly and Godless”
Social Service Review.
Maslow, Abraham (1977) “ A theory of Metamotivation” in HungMin Chang, ed. The Healthy Personality (New York: Van Nostrand).
Merton, Robert & Nisbet, Robert, eds., (1966) Contemporary Social
Problems, 2nd ed. (New York: Harcourt).
Northen, Helen (1987) “ Assessment of Direct Practice”, in, Encyclopedia
of Social Work, 18th ed. Vol. 1, P.P. 171- 183.
Olsen, Marvin (1968) The Process of Social Organization (Holt, Rinehart
& Winston).
Pumphrey, Ralph (1971) “ Social Welfare: History”, in Encyclopedia of
Social Work, 17th ed., National Association of Social Workers, P.P. 14461460.
Reiss, Albert Jr. (1968) “ Sociology: The Field” , in, Sills, David ed.,
International Encyclopedia of the Social Sciences Vol., 15.
Schorr, Alvin, et al. (1971) “ Social Policy “, Encyclopedia of Social Work,
17th ed., P.P. 1361-1376.
Spencer, Sue (Dec 1957) Religious and Spiritual Factors in Social
Casework Practice”, Social Casework.

- 157 -

Sperry, Roger (August 1988) “ Psychology’s Mentalist Paradigm and the
Religion / Science Tension”. American Psychologist. Vol. 43. No 8.
Springborg, Robert (1989) Mubarak’s Egypt (Boulder, Colorado:
Westview).
Williamson, John, et al. (1974) Social Problems (Boston: Little, Brown &
Co.)

- 158 -

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful