‫َتأْلِيفُ‬

‫الفَقِي إل َع ْفوِ َربّهِ‬

‫َل ُه وَلِوالدَيه‬

‫َغفَر ال‬
‫جمِي ِع ا ُلسْلِمِي‬
‫وَلِ َ‬

‫مَنْ أَرا َد طباعته لوَجه ال تعَال ل يُريد به عَرضًا مِنْ الدّنيا فقد ُأ ِذنَ لَ ُه وَجزاه‬
‫ل الكر َي العَلي العَظِيم الرّؤف الرّحِيم َأنْ يَْنفَع‬
‫ال عن وعَن الُسلِمي خَيًا‪َ ،‬أسْأل ا َ‬
‫بِه مَنْ َقرَأه َومَ ْن سَ ِمعَ ُه وَأن يأجر مَن دَل عَليه أو سَعى بهِ إِلَى مَ ْن ينتفِع بِه‪ ،‬اللهُم‬
‫حبِه أجْمعِي‬
‫صْ‬
‫ص ِل عَلى ممّد َوعَلى آلِ ِه وَ َ‬
‫َ‬
‫ل تَعَال‬
‫َوقْفٌ ِ‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫المد ل الذي منّ علينا باليان والسلم‪ ،‬وتفضل ببيان الشرائع والحكام‪،‬‬
‫ووعد من أطاعه واتبع رضاه الثواب ف دار السلم‪.‬‬
‫وأوعد من عصاه بالعقاب ف دار الوان والنتقام‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫واجبب على‬
‫ٌ‬
‫نمده على مبا أفاض علينبا مبن النعام‪ ،‬ونشكره شُكرُ النعبم‬
‫النام‪.‬‬
‫ونشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له اللك العلم‪.‬‬
‫ونشهد أن ممدًا عبده ورسوله وعلى آله وأصحابه السادة العلم‪.‬‬
‫وبعد؛ فإن قد جعت بعون ال وتوفيقه ف كتاب هذا فوائد ومواعظ ونصائح‬
‫و ِحكًمًا وأحكامًا ووصايا وآدابًا وأخلقًا فاضلة من كلم ال جل جلله وتقدّ َستْ‬
‫أ ساؤه‪ ،‬و من كلم ر سول ال ‪ ،‬و من كلم أئ مة ال سلف‪ ،‬و صال اللف الذي‬
‫امتثلوا ف أفعالم وأقوالم ما قاله ال جل جلله‪ ،‬وما قاله رسوله ‪.‬‬
‫وج عت م ا قاله الكماء والعلماء والعباد والزهاد أنواعًا ج ة ف فنون متل فة‬
‫وضروب متفرقة ومعان مؤتلفة‪ ،‬بذلت ف ذلك جُهدي حسب معْرفت وقُدْرت‪.‬‬
‫ب ِمثْلِي َغيْرُ خَاَفَيةٍ والنّمْ ُل ُيعْذَرُ فببب القَدْرِ الذي حَ َملَا‬
‫لكنّببب قُ ْدرَهبب َ‬
‫اللهم مالك اللك تؤت اللك من تشاء وتنع اللك من تشاء‪ ،‬وتعز من تشاء‬
‫وتذل من تشاء بيدك الي إنك على كل شيء قدير‪.‬‬
‫يا ال يا حي ويا قيوم يا من ل تأخذه سن ٌة ول نوم‪.‬‬
‫يا بديع السموات والرض‪.‬‬
‫فالق الب والنوى ذا اللل والكرام‪.‬‬
‫الواحد الحد الفرد الصمد الذي ل يلد ول يولد ول يكن له كفوًا أحد‪.‬‬
‫اللك القدوس السلم الؤمن الهيمن العزيز البار التكب الالق البارئ الصور‬
‫الول الخر الظاهر الباطن الذي أحاط بكل شيء علمًا‪.‬‬
‫القوي العزيز الرحن الرحيم الغفور الودود ذا العرش الجيد البدؤ العيد الفعال‬
‫لا يُريد‪.‬‬
‫نسألك أن تعل عملنا خال صًا لوجهك الكري وأن تفتح ل ُدعَاِئنَا باب القبُول‬
‫والجَابة‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأن تن فع بذا الكتاب من قرأه و من سعه وأن تأ جر من طبع ُه أو أعان على‬
‫طبعه‪.‬‬
‫أو تسبّبَ لطبعه وقفًا لوجهك الكري يُوزع على من ينتفع به من السلمي‪.‬‬
‫اللهم صل على ممد وعلى آله وصحبه أجعي ‪...‬‬
‫عبدالعزيز آل ممد السلمان‬

‫‪4‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل ف الكمة‬
‫قال ال تبارك وتعال‪ :‬يُؤْتِي الِكْ َمةَ مَن يَشَاءُ َومَن يُؤْ تَ الِكْ َمةَ َف َقدْ أُوتِ يَ‬

‫خَيْرًا كَِثيًا َومَا َيذّكّرُ إِلّ أُ ْولُوا ا َللْبَابِ ‪ ،‬وعن عبدال بن عمر ب رضي ال عنهما‬
‫ب قال‪ :‬قال ر سول ال ‪« :‬ما َأهْدَى الر ُء ال سلمُ لخيه هديةً أفض َل مِ نْ حك َم ٍة‬
‫يزيْدُ هُ بَا هُدَى ويَ ُردُ هُ ب ا عن َردَى» أخر جه البيه قي ف «ش عب اليان»‪ ،‬وأ بو‬
‫نعيم ف «اللية»‪.‬‬
‫وقال –عليه الصلة والسلم‪« :-‬أوتي تُ جوامع الكلم وا ْختُ صَرتْ ل الكمةُ‬
‫اخْتصارًا»‪.‬‬
‫ُعثتب بوامبع‬
‫فب «الصبحيحي»‪ :‬عبن أبب هريرة ‪ ،‬عبن النبب قال‪« :‬ب ُ‬
‫الكلم»‪.‬‬
‫و عن ا بن م سعود قال‪ :‬سعت ر سول ال يقول‪« :‬ل ح سد إل ف اثنت ي‪:‬‬
‫رجل آتاه ال مالً فسلطه على هلكته ف الق‪ ،‬ورجل آتاه ال ِحكْمةً فهو يقضي‬
‫با ويعلمها» رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬إن فب التوراة أن ال قال لوسبى –عليبه وعلى نبينبا أفضبل الصبلة‬
‫وال سلم‪« :-‬عَظّم الك مة فإ ن ل أج عل الك مة ف قلب ع بد إل وأوردت أن‬
‫أغ فر له فتعلم ها‪ ،‬ثُم اع مل ب ا‪ ،‬ثُم ابذل ا كي تنال بذلك كرام ت ف الدن يا‬
‫والخرة»‪.‬‬
‫وخرج أبو يعلى الوصلي من حديث ع مر بن الطاب ‪ ،‬عن النب قال‪:‬‬
‫ِعب الكلم وخواتهب واختصبر ل الكلم اختصبارًا»‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫ْتب َجوَام َ‬
‫«إنب أوتي ُ‬
‫«أعطيت جوامع الكلم واختصر ل الديث اختصارًا»‪.‬‬
‫وقال لقمان‪ :‬إن القلب ليح يا بالكل مة من الك مة ك ما ت يا الر ضُ بوا بل‬
‫الطر‪.‬‬
‫وقال أبان بن سليم‪ :‬كلمة حكمة من أخيك خيٌ لك من مال يعطيك‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال بعبض الكماء‪ :‬الكمبة صبديقة العقبل‪ ،‬وميزان العدل‪ ،‬وعيب البيان‪،‬‬
‫ورو ضة الرواح‪ ،‬ومزي ة الموم عن النفوس بإذن ال‪ ،‬وأ نس ال ستوحش‪ ،‬وأ من‬
‫الائف‪ ،‬ومتجبر الراببح‪ ،‬وحبظ الدنيبا والخرة بإذن ال لنب وفقبه ال‪ ،‬وسبلمة‬
‫العاجل والجل لن وفقه ال‪.‬‬
‫وقال آخبر‪ :‬الكمبة نور البصبار‪ ،‬وروضبة الفكار‪ ،‬ومطيبة اللم‪ ،‬وكفيبل‬
‫النجاح‪ ،‬وضميب اليب والرشبد‪ ،‬والداعيبة إل الصبواب‪ ،‬والسبفي بيب العقبل‬
‫والقلوب‪.‬‬
‫ل تندرس آثارها ول تعفو ربوعها كل ذلك لن وفقه ال تعال‪.‬‬
‫وروي عن الشعب أنه قال‪ :‬لو أن رجلً سافر من أقصى الشام إل أقصى اليمن‬
‫ليسمع كلمة واحدة ينتفع با فيما يُستقبل من عمره ما رأيت أن سفرهُ قد ضاع‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬من تفرد بالعلم ل تُوحشه اللوة‪ ،‬ومن تسلى بالكتب ل‬
‫تفته سلوة‪ ،‬وإن هذه القلوب تلُ كما تل البدان فابتغوا لا طرائف الكمة‪.‬‬
‫والكمة موقظة للقلوب من سنة الغفلة‪ ،‬ومنقذة للبصائر من سنة الية وميية‬
‫لا بإذن ال من موت الهالة ومستخرجة لا من ضيق الضللة لن وفقه ال تعال‪،‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد‪.‬‬
‫حكم وفوائد ومواعظ‬
‫ق يل لب عض العلماء‪ :‬ل تر كت مال سة الناس؟ قال‪ :‬ما ب قي إل كبي يتح فظ‬
‫عليك أو صغي ل يوقرك‪.‬‬
‫من سوء الدب ف الجالسة‪ :‬أن تقطع على جليسك حديثه أو تبدره إل تام‬
‫ما ابتدأ به تُريه أنك احفظ له منه‪.‬‬
‫س بالمانة‪ ،‬وإنا يتجالس الرجلن بأمانة ال –عز‬
‫قال رسول ال ‪« :‬الجال ُ‬
‫وجل‪ -‬فإذا تفرقا فليسترُ كل منهما حديث صاحبه»‪.‬‬
‫روي عن عيسى ب عليه السلم ب أنه قال‪ :‬جالسوا من تُذكركم بال رؤيته‪،‬‬
‫ويزيد ف علمكم منطقه‪ ،‬ويرغبكم ف الخرة عمله‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال مسعرُ بن كدام‪ :‬رحن ال من أهدى إل عيوب ف ست ٍر بين وبينه‪ ،‬فهو‬
‫الناصح‪ ،‬فإن النصيحة ف الل تقريع‪.‬‬
‫إياك وكل جليس ل يفيدك علمًا ول تكسب منه خيًا‪ ،‬وإياك وطول الجالسة‬
‫لن ل يفيدك علمًا نافعًا‪ ،‬فإن السد إنا يترؤ عليها من أدام النظر إليها‪.‬‬
‫وق يل‪ :‬أز هد الناس بالعال أهل هُ وجيا نه لكثرة الت صال بين هم‪ ،‬كل ش يء إذا‬
‫تكرر يل إل كلم ال وكلم رسله‪.‬‬
‫جيبب الكتببب يُدرك مببن قراهببا ملل أو فتورٌ أو سببببببببآمةْ‬
‫سببوى القرآن فافهببم واسببتمع ل وقول الصبببطفى يبببا ذا الشهامةْ‬
‫وقال آ خر‪ :‬يا بُ ن ل تُم كن الناس من نف سك‪ ،‬فإن أجرأ الناس على ال سباعِ‬
‫أكثرُهم لا مُعاينةً‪.‬‬
‫قال الشاعر‪:‬‬
‫رأيتببُ حياة الرء تُرخصببُ قدرهببُ فإن مات أغلتهببُ النايببا الطوائحببُ‬
‫كمببا يُخلق الثوب الديببد ابتذاله كذا تلقبببُ الرء العيون اللوامعبببُ‬
‫وقال بعض العلماء يصف أهل بلده‪:‬‬
‫ب فل يُعجب ببُ‬
‫ببا القريب ب ُ‬
‫يرون العجيبببب كلم الغريبببب وأمب‬
‫وجوابُهبببم عنبببد تعنيفهبببم مُغنيببببة اليبببب ل تُطرب‬
‫من التواضع الرضا بالدُون من الجلس‪.‬‬
‫ويروى عبن اببن مسبعود أنبه قال‪ :‬إنّ مبن التواضبع أن ترضبى بالدُون مبن‬
‫الجلس‪ ،‬وأن تبدأ السلم من لقيت‪.‬‬
‫قال إبراهيم النخعي‪ :‬إن الر جل ليجلس مع القوم فيتكلّ ُم بالكلم يُر يد ال به‬
‫فتصيبهُ الرحة فتعم من حوله‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وإن الر جل يلس مع القوم فيتكل ُم بالكلم ي سخطُ ال به فت صيبه ال سخطة‬
‫فتعمُ من حولهُ‪.‬‬
‫ح َكهُ ْم َويْلٌ لَهُ ثُم َويْلٌ لَهُ»‪.‬‬
‫ث الناسَ َفَيكِْذبُ ِلُيضْ ِ‬
‫وقال ‪َ « :‬ويْلٌ لِلّذِي يُحدّ ُ‬
‫قلت‪ :‬وف زمننا هذا قد كثروا جدًا فكُن على حذر منهم ومن يتصلُ بم عافنا‬
‫ال وإياك من شرهم‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد‪.‬‬
‫فصل ف حكم وفوائد ومواعظ ووصايا ينبغي العتناء با‬
‫أجلّ السرور رضى الرب جلّ وعل وتقدّس‪.‬‬
‫أغن الغنا صح ُة العقيدة والفقه ف الدين‪.‬‬
‫القلوب الفارغة من طاعة ال مُوكل ٌة بالشهوات‪.‬‬
‫أفضل أ مر الدين والدن يا وأشر فه العلم النا فع والع مل ال صال والعلم النا فع ما‬
‫جاء عن النب ‪.‬‬
‫أفضل ما ف الخرة رضى ال ورؤيته وساع كلمه‪.‬‬
‫وما أوصى به بعضهم ما يل‪:‬‬
‫ل ت ل مع الوى وحلوة الدن يا فإن ما ي صُدّانكَ عن الش غل بعاد كَ وتكون‬
‫كالغريق الشتغل عن التدبي للص نفسه بم ِل بضاعةٍ ثقيلة قد اغتر بسنها وهي‬
‫سبب عطبه‪.‬‬
‫وقال‪ :‬أبعدوا عن مُخالطة الونة والفسقة ومُبتغي اللهي والضلل وأصحاب‬
‫البدع كالشاعرة والرافضة والعتزلة والهمية والصوفية النحرفة‪.‬‬
‫واحذر أن تغت ّر بقول الُغفلي نُخال ُطهْمَ لنجذَبهُم إل الستقامة وهذا غلط‪.‬‬
‫أ هل البدع والف سقة وأ صحاب الل هي كأ صحاب الكورة والتلفاز والفيد يو‬
‫مالستهم تضر وهم مرضاء عقول‪.‬‬
‫وال صحيح هو الذي يتضرر بخال طة الر يض‪ ،‬وأ ما الر يض فل يبأ بخال طة‬
‫الصحيح‪ ،‬وقديًا قيل‪:‬‬
‫جرَببُ‬
‫بحيحة تُ ْ‬
‫با ولكنّب الصب‬
‫ب صبحيحةٍ إليهب‬
‫ومبا ينفبع الرباء قُرب ُ‬
‫‪8‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يب قى ال صال صالًا ح ت يُ صاحب فا سدًا‪ ،‬فإذا صاحبهُ ف سد م ثل مياه النار‬
‫ط ماء البحر‪ ،‬فإذا خالطته ملُحتْ وامترتْ وفسدتْ‪.‬‬
‫تكونُ حُلو ًة عذبةً حت تُخالِ َ‬
‫ول كن الدعا ية إل مال طة أ هل الن كر لذب م ع نه خِدْعَة من إبل يس وأتبا عه‬
‫خفَا ِء العُقول‪.‬‬
‫لِسُ َ‬
‫فكم أوقعوا ف هذه الشبكة من مُغفّل زعم أنه يذبم فجذبوه وأغرقوه وبقي‬
‫ف السرة والندامة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬اعلموا واسبتيقنوا أن تقوى ال سببحانه وتعال هبي الكمبة الكببى‬
‫والنعمة العُظمى والسببُ الداعي إل الي والفاتح لبواب الفهم والعقل والي‪.‬‬
‫َكيْفببَ الرّحيلُ بل زادٍ إل وطببن مببا ينفعببُ الرء فيببه غ ُي تقواهببُ‬
‫مبن ل يكبن زادُه التقوى فليبس له يوم القيامببة عُذْ ٌر عنببد مولهببُ‬
‫وقال‪ :‬ا ستشعروا الك مة‪ ،‬وابتغوا الديا نة‪ ،‬وعودُوا أنف سكم الوقا َر وال سكينة‪،‬‬
‫وتلوا بالداب السبنة الميلة‪ ،‬وتر ّووْا فب أموركبم‪ ،‬ول تعجلوا ولسبيما فب‬
‫مُجازاة الُسيء‪.‬‬
‫واجعلوا خشيبة ال حشبو جنوبكبم فب الكبم‪ ،‬واحذروا النّفاق والرياء ول‬
‫تُزكوا الونة ول تُخونوا الزكياء‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إذا جادل كم الخالفُون ل كم ف الد ين بالفضاضَة والغل ظة و سُوء القول‬
‫فل تقابلوهُم بثل ذلك‪ ،‬بل قابلُوهُم بالرف ِق واللي واللطف والدللة والداية‪.‬‬
‫قال ال جل وعل لنبيه‬

‫‪ :‬ادْ عُ ِإلَى َسبِيلِ َربّ كَ بِاْلحِكْ َمةِ وَالْمَ ْو ِعظَةِ الَ سََنةِ‬

‫سنُ ‪.‬‬
‫وَجَا ِدلْهُم بِالّتِي ِهيَ أَحْ َ‬
‫وقال جل وعل وتقدس‪ :‬ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ َفإِذَا اّلذِي بَيْنَكَ َوبَيْنَهُ َعدَا َوةٌ‬

‫َكأَّنهُ َولِيّ حَمِيمٌ * َومَا يُ َلقّاهَا إِ ّل اّلذِينَ صَبَرُوا َومَا يُ َلقّاهَا إِلّ ذُو َحظّ َعظِيمٍ ‪.‬‬
‫وقال عز من قائل ف صفة أ هل العبود ية الا صة‪َ :‬وعِبَا ُد الرّحْمَ ِن اّلذِي نَ‬
‫يَمْشُونَ َعلَى الَرْضِ َه ْونًا َوإِذَا خَاطَبَهُمُ الَاهِلُونَ قَالُوا سَلمًا ‪ ،‬وقال‪َ :‬وإِذَا مَرّوا‬
‫‪9‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بِال ّلغْوِ مَرّوا كِرَامًا ‪ ،‬وقال جل وعل وتقدس‪ :‬وَاّلذِي نَ هُمْ عَ نِ ال ّلغْوِ مُعْرِضُونَ ‪،‬‬
‫ُمه‬
‫ْهه َوقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا َولَك ْ‬
‫سهِمعُوا ال ّلغْوَ أَعْرَضُوا عَن ُ‬
‫وقال عبز مبن قائل‪َ :‬وإِذَا َ‬

‫أَعْمَالُ ُكمْ سَلمٌ عَلَ ْي ُكمْ لَ نَبَْتغِي الَاهِلِيَ ‪.‬‬
‫بكُوت‬
‫ببفيهُ فل تبه ببُ فخيٌ مببن إجاَبتِهببِ السب ُ‬
‫إذا نطق ببَ السب‬
‫با عييت بُ‬
‫بن الواب ومب‬
‫ت عبن السبفيهِ فظنّب أنب عييت بُ عب‬
‫بكَ ّ‬
‫س َ‬
‫وقال حكيبم‪ :‬أكثروا مبن الصبمت فب الحافبل ول تطلقوا ألسبنتكم بضرة‬
‫التحفظ ي علي كم بِمَا عَ سَى أن يعلوه سلحًا يضربون كم به وأقلوا الراء والذْر‬
‫والفضلَ من القول‪.‬‬
‫واحذروا م صاحبة الشرار‪ ،‬وأ صحاب البدع ف الد ين‪ ،‬وال ساد‪ ،‬والشتغل ي‬
‫على العداوة والحقاد والهال‪.‬‬
‫وإذا همتم بالي فقدموا فعله لئل يعارضكم سواه فتوقفوا عنه‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ب فاعْجَبل‬
‫بر خيب‬
‫بت بأمب‬
‫وإذا همببت بأمببر سببو ٍء فاتئدْ وإذا همب‬
‫وقال‪ :‬اتفقوا‪ ،‬وتابوا ف ال‪ ،‬وثابروا على العمال الصالة من صيام وصلة‬
‫مع الماعة وزكاة وحج ببصائر صافية ونية نقية صالة غي متقسمة ول مشوبة‪،‬‬
‫وتوادوا على طاعة ال عز وجل والتقوى له‪ ،‬واسعوا للخي‪ ،‬وافعلوا له‪ ،‬واجتهدوا‬
‫فيه‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫عباد ال‪ :‬احرصببوا على تأديتكببم لفرائض ال بالكمال والتمام والشوع‬
‫والضوع‪ ،‬من غي عُجبٍ ول استكبار‪ ،‬وإيّاكم والتفاخر والتكاثر‪.‬‬
‫وعليكم بالسكينة والخبات والتواضع لتستثمروا الي من عمالكم‪ ،‬وتفوزوا‬
‫برضاء ربكم‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وإذا فرط من النسان بادرة إث بأن ارتكب منكرًا فعليه أن يُقلع فورًا ويتوب‬
‫توب ًة نصوحًا ول تمله السلم ُة منها على العودة إليها‪.‬‬
‫فإناب وإن سبترت عل يه ف الدن يا‪ ،‬فإن أمامبه يومُب الديبن يومُب الجازات على‬
‫َهه * وَم َن‬
‫العمال‪ ،‬قال ال جبل وعل وتقدس‪ :‬فَم َن َيعْمَلْ مِ ْثقَالَ َذ ّرةٍ َخيْرًا يَر ُ‬

‫يَعْمَلْ مِ ْثقَالَ َذ ّرةٍ شَرًا يَ َرهُ ‪.‬‬
‫وأوصيكم بالتمسك بكتاب ال وسّنة رسوله ‪.‬‬
‫سكْ بِاّلذِي أُوحِ يَ إِلَيْ كَ ِإنّ كَ َعلَى صِرَاطٍ‬
‫قال ال جل وعل وتقدس‪ :‬فَا ْستَمْ ِ‬

‫مّ سَْتقِيمٍ ‪ ،‬وقال ‪« :‬علي كم ب سنت و سنة اللفاء الراشد ين الهدي ي من بعدي‬
‫عضوا عليها بالنواجذ»‪.‬‬
‫وتأدبوا بأداب ما‪ ،‬أي الكتاب وال سّنة‪ ،‬واقتدوا بالعلماء العامل ي بعلم هم الذي‬
‫جَعلوا الدنيا مطية للخرة‪.‬‬
‫واحذروا كل الذر من الت سمي بالعلم الذ ين هدف هم الدن يا ف قط‪ ،‬فضرر هم‬
‫ب ل يقب ُل إل طيبًا‪.‬‬
‫عظيم وترزوا من الآكل البيثة‪ ،‬فإن ال طي ٌ‬
‫واحتشموا الكاسب الدّنيئة‪ ،‬فإنا سببٌ لعدم قبول الدعاء‪.‬‬
‫اجعوا بي مبة الديانة والكمة وقفوا نفوسكم على تعلمها‪.‬‬
‫وإن قدرتب على أن يكون زمان مقامكبم فب هذه الدنيبا مصبروفًا بأسبره إل‬
‫العمل بالكتاب والسّنة فافعلوا‪.‬‬
‫ومت كنتم بذه الصفة سهل عليكم ما يصعب على غيكم‪ ،‬وكان ما يصل‬
‫لكم من شرف الفضيلة أنفع من ذخائر الموال؛ لن عروض الدنيا تفن ول تبقى‬
‫وثواب ال يبقى ول يفن‪.‬‬
‫قال ال جل وعل وتقدس‪ :‬بَلْ تُؤْثِرُونَ الَيَاةَ ال ّدنْيَا * وَالخِ َرةُ خَيْرٌ َوأَْبقَى ‪،‬‬
‫ه خَ ْيرٌ ّللَبْرَارِ عباد ال سباووا بيب‬
‫وقال جبل وعل وتقدس‪ :‬وَمَها عِندَ اللّه ِ‬
‫ظواهركم وبواطنكم ف الخاطبات بينكم‪ ،‬ول تكن ألسنتكم مالفة لضمائركم‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول تُخالفوا الرأي الصواب‪ ،‬ومشاورة النُصحاء؛ لتأمنوا من الندامة‪ ،‬ويسلموا‬
‫من اللمة‪.‬‬
‫ولتكبن أفواهكبم ملوءة بمبد ال‪ ،‬وذكره‪ ،‬وشكره‪ ،‬والثناء عليبه وتقديسبه‬
‫وتنيهه عن النقائص والعيوب‪.‬‬
‫ولي كن ه كم م صروفًا إل طا عة رب كم سبحانه وتعال‪ ،‬واجتهدوا ف دعائه‬
‫بقلوب سليمة‪ ،‬واعتقادات مستقيمة‪.‬‬
‫ي ستجب ل كم‪ ،‬ويبلغ كم آمال كم‪ ،‬ويف تح ل كم أبواب الر شد ف م ساعيكم‬
‫ومتوجهاتكم‪ ،‬ويعصمكم من أفكار السُوء‪ ،‬ويفظ أنفسكم من الكاره‪ ،‬وينجيكم‬
‫من فخاخ الثام‪ ،‬ويردّ عنكم الخاوف‪ ،‬فما من دابة إل هو آخ ٌذ بناصيتها‪.‬‬
‫وقال‪ :‬اكتسببوا الصبدقاء‪ ،‬وقدموا الختبار لمبن قببل السبتنامة إليهبم‪ ،‬ول‬
‫تعجلوا بالثقبة بمب قببل الختبار‪ ،‬لئل يلحقكبم الندم والسبف‪ ،‬وتنالكبم منهبم‬
‫الضرة‪.‬‬
‫بب‬
‫ببم وتفقّدب‬
‫أبببل الرجال إذا أردت إخاءهُمببْ وتوس ببّم ّن أمورُهب‬
‫بى فبببه اليديببن قريْ َر عَيْببن فاشْدُد‬
‫بة والتّقب‬
‫فإذا ظفرت بَ بذي المانب‬
‫صحبة أهل الصلح تورث ف القلب ال صلح‪ ،‬و صحبة أهل ال شر والف ساد‬
‫تورث ف القلب الفساد‪.‬‬
‫أخوك من عرّفك العيوب‪ ،‬وصديقك من حذّرك من ال ُذنُوب‪.‬‬
‫كان ب عض العلماء ل يدع أحدًا يغتاب ف مل سه أحدًا‪ ،‬يقول‪ :‬إن ذكر ت ال‬
‫أعناكم‪ ،‬وإن ذكرت الناس تركناكم‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬ل تكن وليًا ل ف العلنية وعدوهُ ف السر‪.‬‬
‫وقال‪ :‬كل ما شغلك عن ال عز وجل من أهل ومال وول ٍد فهو عليك شُؤمٍ‪.‬‬
‫إذا كا نت الخرة بالقلب جاءت الدن يا تزاحُ ها وإذا كا نت الدن يا بالقلب ل‬
‫تزاحها الخرة؛ لنا كرية‪ ،‬فاجعل الخرة ف قلبك‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومبن أعطاه ال فضلً فب دنيبا فليحمبد ال‪ ،‬وليكثبر مبن شكره وذكره‪ ،‬ول‬
‫ب والتعاظمُ‪.‬‬
‫يفخر ّن به على أخيه‪ ،‬ول يتداخله الك ُب والعج ُ‬
‫وقال‪ :‬ل تبدر من كم ع ند الغ ضب كلم ُة الف حش‪ ،‬فإن ا تز يد العار والنق صة‪،‬‬
‫وتلح ُق بكم العيب والجنة‪ ،‬وتر عليكم الآث والعُقوبة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬خي اللوك شرفًا من بدل سُنة السوء ف ملكته بالسّنة الصالة‪ ،‬وشرهم‬
‫من بدّل السّنة الصالة السنة بالسُنة السيئة‪.‬‬
‫والدليبل على غريزة الود السبماح ُة عنبد العسبرة ومعنب العُسبرة (الضيبق‬
‫والشدة)‪.‬‬
‫والدليل على غريزة الورع الصدق عند السخط والبُعد عن الشبهات ومواضع‬
‫الريبب والكثار مبن ذكبر ال وحده وشكره والتفتيبش على الآكبل والشارب‬
‫واللبس ونوها بدقة‪.‬‬
‫والدليل على غريزة اللم العفو عند الغضب‪.‬‬
‫ومن أعظم الناس مُصيبة من ل يكن عقل ول حكمة‪ ،‬ول له ف الدب رغبة‪.‬‬
‫ل يب خل بالعلم على م ستحقيه إل جا هل قل يل العلم‪ ،‬وإن ل ي كن قل يل العلم‬
‫فهو دنء المة حسّاد‪.‬‬
‫ومن جاد بالعلم والكمة فهو أف ضل مّن جاز بالال وأبقى لذكره؛ لن الال‬
‫يفن والعلم يبقى‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل يتوي على حكم وآداب متنوعة‬
‫ما ينبغي للعال أن يطلب طاعة غيه وطاعة نفسه متنعة عليه‪.‬‬
‫يَببا أيّهببا الرجلُ ا ُلعَلّم غيَهببُ َهلّ ِلنَفْسببِكَ كانببَ ذَا الّتعِْليْمببُ‬
‫ب وأنْت بَ س بَقيمُ‬
‫با يَص بِ ُح بِه ِ‬
‫ف الدواءَ لِذِي السبِقامِ مِن الضنب كيمب‬
‫َصب ُ‬
‫ت ِ‬
‫بن الرشاد عَ ِديْم بُ‬
‫بت مب‬
‫بت وأنب‬
‫با عظب‬
‫با زِلْت بَ ُت ْلقَح بُ بالرشّا ِد ُعقُولنب‬
‫مب‬

‫‪13‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫إذا وليبت أمرًا فأبعبد عنبك الشرار والفسبقة والجرميب‪ ،‬فإن جيبع عُيوبمب‬
‫ب إليك رضيت أم سخطت‪.‬‬
‫تُنس ُ‬
‫عبن الرء ل تسبأل وسبل عبن قرينبه فكبببل قريبببن بالقارن يقتدي‬
‫آخر‪:‬‬
‫ّمب‬
‫صبدْ ُر ال َقنَاة مبن الد ِ‬
‫َتب َ‬
‫فإنّب َقرِين بَ الس بُوءِ يُ ْردِي وشَاهِدِي كمبا شَرق ْ‬
‫الكمة كالواهر ف الصدف ف قعور البحار‪ ،‬فل تنال إل بالغواصي الذّاق‪.‬‬
‫العاقل ل تدعُ ُه عيوبه يفرح با ظهر من ماسنه‪.‬‬
‫النصح بي الناس تقريع‪.‬‬
‫إعادة العتذار تذكي للذنب وما عفا عن الذنب من ويّخ به‪.‬‬
‫رب كلم جوا به ال سكوت‪ ،‬ورب عم ٍل الك فُ ع نه أف ضل‪ ،‬ورب خ صومة‬
‫العراض عنها أصوب‪.‬‬
‫ْتب ت ْطعِم ُه‬
‫والرضب تأكبل م َن كان ْ‬
‫ُ‬
‫ب تكْرمُبه‬
‫الدنيبا تُهيُب مَبن كانْت ْ‬
‫بيْ َط ِة مِنببْ أجْسببَا ِد نَامِيَرُ‬
‫نَميْرُ مببن أمّنَببا ال َغبْراءِ ِميْرتَنَببا ولِ ْلبَسب ِ‬
‫أمر الدنيا أقصر من أن تتعادى فيه النفوس‪ ،‬وأن تتفانا وأن تطاع فيه الضغائن‬
‫والحقاد‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ل ي ستطيع أ حد أن ي د ال ي والك مة إل أن تُخلص نف سه ف العاد‪،‬‬
‫ول خلص له إل أن تكون له ثلثة أشياء‪ :‬وزير‪ ،‬وول‪ ،‬وصديق‪.‬‬
‫فوزيره عقله‪ ،‬ووليه عفته‪ ،‬وصديقه عمله الصال‪.‬‬
‫الود أن تود بالك‪ ،‬وت صون نف سك عن مال غيك‪ ،‬وأق صى غا ية الود أن‬
‫تود بنفسك ف سبيل ال‪.‬‬
‫لوْ ُد بالنّفْسببِ أَقْصببَى غَاَيةِ الَودِ‬
‫ب ظَنّب البخي ُل باب وا ُ‬
‫ب إن ْ‬
‫جوْ ُد بالّنفْس ِ‬
‫يَ ُ‬
‫‪14‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قا بل غض بك بل مك‪ ،‬وجهلك بعل مك‪ ،‬ون سيانك بذكرك‪ ،‬وتزود من ال ي‬
‫وأنت مقبل خي من أن تتزود وأنت مدبر‪.‬‬
‫الع جب م ن يت مي من الآ كل الرديئة ول يترك الذنوب ما فة رب العال ي‪،‬‬
‫خفُونَ‬
‫ويستحي من اللق ول يستحق من ل تفى عليه خائفة‪ ،‬قال تعال‪ :‬يَ سَْت ْ‬

‫خفُونَ مِنَ ال ّلهِ وَهُوَ َمعَ ُهمْ ‪.‬‬
‫مِ َن النّاسِ َولَ يَسَْت ْ‬
‫ف منه السُقوط ف حُفرة‪ ،‬والهل ياف‬
‫العمى خيٌ من الهل؛ لن العمى يا ُ‬
‫منه الوقوع ف اللك‪.‬‬
‫ينبغي للرئيس أن يبتدي بتقوي نفسه قبل أن يبتدي بتقوي رعاياه‪.‬‬
‫وإل كان بنلة من رام استقامة ظل معوجّ قبل تقوي عوده الذي هو ظل له‪.‬‬
‫ب عنببه فأنْتببَ َحكَيُبم‬
‫ك فاْنهَهَبا عببن َغيّهَبا فإذا إْنَتهَتبْ‬
‫إبْ َدأُ ِبَنفْسببِ َ‬
‫ب الّتعْليمببُ‬
‫ب ُيقْبلُ مبببا تقُو ُل وُيقْتَدَى بالرّأي مِنْببك وَيْنفَعب ُ‬
‫فهناكبب َ‬
‫استدامةُ الصحة تكون بإذن ال بترك التكا سُل عن التّعب‪ ،‬وبترك المتلء من‬
‫الطعام والشراب وترتيب الآكل‪.‬‬
‫ض منه السهر‪.‬‬
‫للقلب آفتان المّ والغم‪ ،‬فالغ ُم يعرض منه النوم‪ ،‬والم يعر ُ‬
‫العلم كثي والعمر قصي فخذ من العلم أحسنه وما بلغك قليله إل كثيه‪.‬‬
‫بببببببَنةْ‬
‫مببا حوى العلم مببن اللق أحببد ل ولو حاوله ألف سب‬
‫بنَهُ‬
‫إنّمببببا العِلْمببببُ َكبَحْرٍ زاخرٍ فاتّخذْ مِبببن ُكلْ شيءٍ أَحْسبب َ‬
‫عجبًا لن عرف الدُنيا وأنا دار فناء كيف تلهيه عن دار البقاء الت فيها ما ل‬
‫عي رأت ول أذن سعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬
‫إعطاء الريض ما يشتهيه أنفع له من أخذه كل ما ل يشتهيه‪.‬‬
‫الدن يا تن صح تارك ها وت غش طالب ها‪ ،‬فن صيحتها لتارك ها ما تُر يه من تغي ها‬
‫بأهلها وفتكها بم ونكدها وكدرها وغمومها وهومها‪ ،‬وغشها لطالبها ما تذيبقه‬
‫من لذة ساعتها ث تعقبُهُ مرارة طعمها وسُوء مُنقلبها‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫طالب الدنيا كناظر السراب يسبه سببًا لريه فيتعب نفسه ف طلبه‪ ،‬فإذا جاءه‬
‫خانه ظنه وفاته أمله وبقي عطشه ودامت حسرته وندامتُهُ وخسر طُول عنائه‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬النسان ف الدنيا مُعذّ بٌ بميع أحوالا غي باق عليه ما يصيُ إليه‬
‫من أسبابا‪.‬‬
‫قل يل التهنئة ب ا يده من ملذ ها دائم الن كد والك بد والغُ صص بفار قة أحبا به‬
‫فيها‪.‬‬
‫يبا هذا الدنيبا وراءك والخرة أمامبك والطلب لاب وراءك هزيةٌ‪ ،‬إناب يعجبب‬
‫بالدنيا من ل فهم له الدنيا كأضغاث أحلم تس ّر النائم‪.‬‬
‫لُعب خيال يسبها الطفل حقيقةً‪ ،‬فأما العاقل فيفهمها‪.‬‬
‫ب الَقْي َقةِ رَاقِبي‬
‫ب هُبو فب علْم ِ‬
‫َرَأيْتببببببُ َخيَاَ الظِلِ أ ْكبَ َر عْبَرةٍ لن ْ‬
‫حرّكببُ بَاقببِ‬
‫با وَتفْنبب والُ َ‬
‫بي جَمْيعًب‬
‫ب تَ ُم ّر وتَْنقَضب‬
‫ب وأشْبَاحبٌ‬
‫شُخُوصبٌ‬
‫قال ثا بت بن قرة‪ :‬را حة ال سم ف قلة الطعام‪ ،‬ورا حة الروح ف قلة الثام‪،‬‬
‫وراحة اللسان ف قلة الكلم‪ ،‬قلت‪ :‬إل بذكر ال فكثرته أولً‪.‬‬
‫والذنوب للقلب بنلة السموم إن ل تلكه أضعفته ولبُدّ‪ ،‬والضعيف ل يقوى‬
‫على مقاومة العوارض‪ ،‬قال عبدال بن البارك‪:‬‬
‫ببد يُورث ببُ الذلّ إ ْدمَانُهَببا‬
‫َرَأيْتببُ ال ُذنُوبببَ تُ ِميْتببُ القُلوب وقب‬
‫وتَرْكببُ ال ُذنُوبببِ َحيَاةُ القُلوبببِ و َخْيرٌ ِلنَفْسببببِكَ عِصببببْيَاُنهَا‬
‫كل شيء إذا كثر رخص إل العلم والعقل كلما كثر أحدها إل‪ ،‬وال أعلم‪،‬‬
‫وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫أ شد المور تأييدًا للع قل أرب عة‪ :‬ا ستخارة ال‪ ،‬ث مشاورةُ العلماء الخل صي‪،‬‬
‫وتربة المور‪ ،‬وحُسن التثبت والتوكل على ال‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و أشدها ضررًا على العقل الستبدادُ بالرأي‪ ،‬والتهاون والعجلة‪.‬‬
‫قال ب عض العلماء‪ :‬إذا ظ فر إبل يس من ا بن آدم بثلث ل يطل به بغي هن‪ :‬إذا‬
‫أعجب بنفسه‪ ،‬واستكثر عمله‪ ،‬ونسي ذنوبه‪.‬‬
‫ثلثةٌ من أقل الشياء ول يزددن إل قلة‪ :‬درهم حلل تنفقُه ف حلل‪ ،‬وأخ ف‬
‫س به وتسك ُن إليه‪ ،‬وأمي تطمئن إليه وتستريح إل الثقة به‪.‬‬
‫ال تأن ُ‬
‫إذا عاد يت أمرًا فل تعادي ج يع أهله‪ ،‬بل صادق بعض هم‪ ،‬لي كن سلحًا لك‬
‫عليه‪ ،‬ويكف أذيته عنك‪.‬‬
‫قيل لبعضهم‪ :‬من الذي يسلم غالبًا من الناس‪ ،‬قال‪ :‬من ل يظهر منه لم خيٌ‬
‫ول شبر؛ لنبه إذا ظهبر منبه لمب خ ٌي عاداه شرارهبم‪ ،‬وإن ظهبر منبه شبر عاداهُب‬
‫خيارهم‪.‬‬
‫احرص على مالسة العُلماء الستقيمي‪ ،‬فإنّ العقول تلقُح العُقول‪ ،‬واحذر من‬
‫علماء الدنيا كل الذر فهو الذئاب الضارية‪.‬‬
‫ل تفن عمرك ف البطالة ول بالكد فيما ل منفعة لك به‪.‬‬
‫ولكنه أفنه ف الباقيات الصالات لتفوز برضا ال‪.‬‬
‫قال أ حد اللوك ل حد الكماء‪ :‬من ترى نُولّي القضاء؟ قال له‪ :‬من ل يهُزّ هُ‬
‫الدحُ‪ ،‬ول يحكُه الغراء‪ ،‬ول تضجرهُ فدامة الغب‪ ،‬ول يغره فهمُ الذكي‪.‬‬
‫وقال آ خر‪ :‬إن ال سعاة أخب ثُ من الل صوص؛ لن الل صوص ي سلبون الموال‬
‫وهؤلء يسلبون الودّات‪ ،‬قلتُ‪ :‬ويوقعون ف الهالكِ والضرارِ‪.‬‬
‫ّمب بالك قببل أن يتنعّمب ببه غيُرك واحرص على بذله فيمبا يقرببك إل ال‬
‫تنع ْ‬
‫والدار الخرة كبناء مسباجد وببث كُتْب دينيةٍ تعيب على فهبم الكتاب والسبّنة‪،‬‬
‫واحذر أن يكون عونًا على معاصي ال‪.‬‬
‫من نزلت به مصيبة فأراد تفيفها وتحيقها فليتصور أكثر ما هي وأعظم تن‬
‫عليه وليجو ثوابا يرى الربح ف القتصار عليها‪.‬‬
‫وليتصور سرعة زوالا فإنه لول كرب الشدة ما رُجيت ساعة الراحة‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وليعلم أن مدة مقام ها كمدة مقام الضيف فليتفقد حوائ جه ف كل ل ظة فيا‬
‫سرعة انقضاء مقامه‪.‬‬
‫قال عمر بن الطاب‪ :‬الفواقرُ ف ثلث‪ :‬جارُ سوء ف دار مقام إن رأى حسنة‬
‫سترها وإن رأى سيئة أذاعها‪ ،‬وامرأة سوء إن دخلت لسنتْكَ (أي سليطةُ اللسان)‬
‫وإن غبْتَ ل تأمنها‪ ،‬وسُلطانُ جائر إنْ أحسنت ل يمدك وإن أسأت قتلك‪.‬‬
‫قال السن‪ :‬لول ثلث ما وضع ابنُ آدم رأسه‪ :‬الرض‪ ،‬والفقر‪ ،‬والوت‪.‬‬
‫كدر العيش ف ثلث‪ :‬الار السوء‪ ،‬والولد العاق‪ ،‬والرأة السيئة اللق‪.‬‬
‫ث الضغائن والعداوات ويزرع الحقاد ويُكم ُن الشر وينع الب‬
‫حب الدنيا يُور ُ‬
‫ويسبب العقوق وقطيعة الرحم والظلم‪.‬‬
‫طالب الدنيا قصيُ العُمر كثي الفكر فيما يض ُر ول ينفع‪.‬‬
‫طالب الدنيا كراكب البحر إن سلم‪ ،‬قيل‪ :‬ماطر وإن عطب قيل مغرور‪.‬‬
‫شعرًا‪:‬‬
‫ببٍ فبب الالكيَب عَ ِريْقببُ‬
‫ب هَالِكبٍ و ُذوْ نَسبَ‬
‫ب هالِكبٌ وابن ُ‬
‫أل كْلُ حَي ٍ‬
‫حيْق‬
‫بِ‬
‫بببب َ‬
‫َفقُلْ ِلغَريْببببِ الدا ِر إنّكبببَ رَاحِلٌ إل مَنْ ِز ٍل نَائي الَحَلّ سب‬
‫وَمَبا َتعْدِمببُ الدُنيببا ال ّدِنيّ ُة أهْلَهَبا شِواظ بَ َح ِريْق بٍ أو دُخَان بَ َحرِيْبق‬
‫با هَالِكًبا َفقْ َد هالِك بٍ وتشجببى فريقًببا ِمْنهُمُوا بفَريْببق‬
‫ب فيهب‬
‫تُجَرّع ُ‬
‫ب َكْنَتهَا َقرَارًا فَمَببا ُدْنيَاكببَ َغيْ ُر طَرِيْببق‬
‫ببِ الدُنيَبا إذَا مبا س َ‬
‫فل تَحْس َ‬
‫ب له عببن عَ ُدوٍ فبب ثِيَابببِ صببَ ِديْق‬
‫شفَت ْ‬
‫ب َتكَ ّ‬
‫ب الدنيبا لَبيْب ٌ‬
‫إذا ا ْمتَحَن َ‬
‫ضيْقببببِ‬
‫عَليْكبببَ بدا ٍر ل يَزَا ُل ظِللُهبببا ول َيتَأذّى أهْلُهَبببا بِ َم ِ‬
‫بّادِي ص بَداهُ برِيْبق‬
‫ب الصب‬
‫ب ِببُ ْل َغةٍ ول َيْنفَعبُ‬
‫فَمَبا َيبْلُغببُ الرّاضِبي رِضاهبُ‬
‫من خاف من شيء عمل ما يُؤ ّمنُه‪ ،‬فمن خاف من الوت فليعمل ما يرجُو به‬
‫السلمة وبابُ التوبة مفتوحٌ‪ ،‬وأبوابُ الي مفتوحة‪ ،‬وقد حث ال ورسوله عليها‪.‬‬
‫العاقل يعرف بكثرة صمته‪ ،‬والاهلُ يُعرفُ بكثرة كلمه‪.‬‬
‫الكلم ملوك للنسان ما ل ينطق به صاحبه‪ ،‬فإذا نطق به خرج عن ملكه له‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫حُسن اللق يغطي غيه من القبائح‪ ،‬وسوء اللق يغطي غيه من الحاسن‪.‬‬
‫من ح سُن خلقه طابت عيشته ودام تْ سلمته ف الغالب وتأكدت ف النفوس‬
‫مبتهُ‪ ،‬ومن ساء خلقه تنكدت عيشته ودامت بغضته ونفرت النفوسُ منه‪.‬‬
‫قال ال جل وعل وتقدس لنبيه‬

‫‪َ :‬ولَوْ كُن تَ َفظًا َغلِي ظَ القَ ْل بِ لنفَضّوا مِ نْ‬

‫حَ ْوِلكَ ‪.‬‬
‫حُ سْنُ اللُق يُؤدي غالبًا إل السلمة ويؤم نُ من الندامة ويُسببُ اللفة ويبعث‬
‫على الفعل الميل‪ ،‬ويؤم نُ من الفرقة بإذن ال تعال‪ ،‬ومن ساء خُُلقُه اجتمع عليه‬
‫نكد الدنيا والخرة‪.‬‬
‫شعرًا‪:‬‬
‫ب ُن الُلق أبىبب وأكملُ‬
‫با كمالً فحُسب ْ‬
‫بت الفعال يومًبا لهلهب‬
‫لن كانب‬
‫ب ُج ْهدِ الَرْء فب الكَسببِ أجْمَلُ‬
‫ب كانَتببِ الرزاق رزقا ُمقَدّرا فقلت ُ‬
‫وإنب ْ‬
‫وإن كانببت الدُنيببا تع ّد نفيسببةٍ فدارُ ثواب ال أعلى وأنبلُ‬
‫بل‬
‫بيف فب ال أفضب‬
‫أنشئتب فقتلُ امرئٍ بالسب‬
‫ْ‬
‫للموتب‬
‫ِ‬
‫البدانب‬
‫ُ‬
‫وإنب كانبت‬
‫ْ‬
‫وإن كانببت الموال للترك جعهببا فمببا بالُ متروكببٍ بببه الرء يبخلُ‬
‫وقال ‪« :‬الب حَسْنُ اللق»‪.‬‬
‫وقال ‪« :‬إن من خياركم أحسنكم أخلقًا»‪.‬‬
‫وقال ‪ « :‬ما من ش يء أث قل ف ميزان الع بد الؤ من يوم القيا مة من حُ سْن‬
‫الُلُق»‪.‬‬
‫وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النةَ‪ ،‬قال‪« :‬تقوى ال‪ ،‬وحُسْ ُن الُلُق»‪.‬‬
‫سنُهم خُُلقًا»‪.‬‬
‫وقال ‪« :‬أكمل الؤمني إيانًا أحْ َ‬
‫سنِ خُُلقِهِ دَرَ َج َة الصائِ ِم القائمِ»‪.‬‬
‫وقال ‪« :‬إن الؤمن َليُدْ ِر ُك بِحُ ْ‬
‫وقال ‪« :‬إنّ من أحَب كم إلّ وأقْرَ ب كم مِ ن مَجْل سًا يو َم القيا ِمةِ أحَ سِنكم‬
‫أخلقًا»‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقيل ف تفسي حُسْن الُلُق‪ :‬هو طلقةُ الوجه‪ ،‬وبذل العروف‪ ،‬وكفّ الذى‪،‬‬
‫وطيبُ الكلم‪ ،‬وقلة الغضب‪ ،‬واحتمال الذى‪.‬‬
‫لجل ُحبّ الدُنيا صُمت الساعُ عن ما ينف ُع النسان دُنيا وأخرى‪ ،‬وعميت‬
‫ب عن نُور البصيةِ‪.‬‬
‫القُلُو ُ‬
‫سمِهِ‪.‬‬
‫حةِ جِ ْ‬
‫ينبغي للعاقِلِ أن ل يغترّ بُسْن شبابِهِ وص ّ‬
‫فإن عاقبةَ الصح ِة السقم وربا أعقبه الوت‪.‬‬
‫بِ ُشبّان بُ‬
‫شيْبب‬
‫بَ َقبْلَ ال ّ‬
‫بم َتقَدّمب‬
‫ل َتغْترر بشَبَاب ناعبببببم خظلٍ فكب‬
‫من ألْ َم نف سه حُبّ الدُن يا امْتل قلبُه من ثل ثَ خِللَ‪ :‬ف قر ل يُدْرِ كُ غناه‪،‬‬
‫وأمل ل يبل ُغ ُمْنَتهَاه‪ ،‬و ُشغْ ٌل ل يُدْ ِركُ َفنَاه‪.‬‬
‫م ا ينب غي ويُ ستحس ُن عِما َرةُ الذِ هن بالك مة‪ ،‬وجل ُء الع قل بالدب‪ ،‬وقم عُ‬
‫الغضب باللم‪ ،‬وقم ُع الكِب والعُجْب بالتواضع‪.‬‬
‫ع الِرص بالقنا ِعةِ‬
‫سكُون‪ ،‬وردْ ُ‬
‫وق مع الشهوة بال ُزهْ ِد والعفةِ‪ ،‬وتذليلُ الرَ حِ بال ُ‬
‫س والبَ َدنِ‪.‬‬
‫سبُ رَاحَة النف ِ‬
‫يُكْ ِ‬
‫ب مِلكًبا لو ل يَكنببْ لكببَ الراحةَ البَدَنببِ‬
‫هبي القناعةُ فاْل َزمْهبا تكن ْ‬
‫آخر‪:‬‬
‫بوَاء‬
‫إذا ُكنْتببَ فبب الدنيببا َقنُوعببٍ فَأنْتببَ ومالكببُ الدنيببا سب َ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب عبن السبُؤالِ فإنّمبا‬
‫ب يَ َديْك َ‬
‫أكْرم ْ‬
‫ولقَدْ أضُمّبب إلّبب َفضْلَ قَناعَتبب‬
‫ص ِة شَا َرةً‬
‫وأرى الغُ ُد ّو على الَصبببَا َ‬
‫وإذا الفَتَبى أفْنَبى الّليَالَب حَس بْ َرةً‬

‫ب أن تسبببْألَا‬
‫َقذَ ُر الياةِ أق ّل مِنبب ْ‬
‫ب مُشتملً باببب ُمتَز ّملً‬
‫وأبيْتبب ُ‬
‫تَصببِفُ الغِنبب فتخَالُنبب مُتمّولً‬
‫وأمَانيببببا أ ْفَنيُْتهُنّبببب توكلً‬
‫‪20‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال لقمان لبنه‪ :‬يا بن‪ ،‬أكثر من ذكر ال عز وجل‪ ،‬فإنّ ال ذاكرُ من ذكرهُ‪،‬‬
‫قال جل وعل وتقدس‪ :‬فَا ْذكُرُونِي أَ ْذكُ ْر ُكمْ ‪.‬‬
‫يا بُن‪ ،‬لتك نُ ذُنوبُ كَ بي عَيَنيْ كَ‪ ،‬وعملك خلف ظهرك‪ ،‬وفرّ من ذنوب كَ إل‬
‫ال‪ ،‬ول تستكثر عملك‪.‬‬
‫يا بن‪ ،‬إذا رأيتَ الاطئ فل ُت َعيّ ْرهُ واذْكُرْ ُذنُوبَكَ فإنا تسأل عن عَمَلِك‪.‬‬
‫يا بُن‪ ،‬أطعْ ال فإنَ ُه من أطاعَ ال كفا ُه ما أهّهُ وعصَمَ ُه مِن َخ ْلقِهِ‪.‬‬
‫شغِلْ قَلبَكَ ببها فإنَك ل تلق لا وما خلق ال‬
‫يا بُنّ‪ ،‬ل تَرْكَنْ إل الدنيا ول تُ ْ‬
‫خلقًا أهون عليه منها؛ لنه ل يعل نعمتها ثوابًا للمطيعي ول يعل بلها عُقُوبةً‬
‫للعاصي‪.‬‬
‫ميّزْتببُ بيبب جالابب وفعالَهببا فإذا اللحةُ بالقباح ِة ل تَفِبببببي‬
‫ب ل تفبي‬
‫ب لَنَبا أن ْ‬
‫ب ُعهُودَنَبا فكَأنّاب حََلفَت ْ‬
‫ب لنبا أن ل تون َ‬
‫حََلفَت ْ‬
‫وقال ال جل وعل‪َ :‬ومَا أُوتِيتُم مّن َش ْيءٍ فَمَتَاعُ الَيَاةِ ال ّدنْيَا َوزِينَتُهَا َومَا عِندَ‬
‫اللّ هِ خَيْرٌ َوأَبْقَى أَ َفلَ َتعْقِلُو نَ ‪ ،‬وقال تعال‪ :‬بَلْ تُ ْؤثِرُو نَ الَيَاةَ الدّنْيَا * وَالخِ َرةُ‬

‫خَيْرٌ َوأَبْقَى ‪ ،‬وقال ‪ « :‬من أ صبح وه ه الخرة ج ع ال عل يه أمره وح فظ عل يه‬
‫ضيعته وأتته الدنيا وهي راغمة» الديث‪.‬‬
‫وحقيقة الزهد خروج حب الدنيا والرغبة فيها من القلب‪.‬‬
‫وهوان الدن يا على الع بد ح ت يكون إدبار الدن يا وقلة الش يء أ حب إل يه وآ ثر‬
‫عنده من إقبالا وكثرتا هذا من حيث الباطن‪.‬‬
‫وأما من حيث الظاهر فيكون متجافيًا عنها مع القدرة عليها‪.‬‬
‫ويكون مقت صرًا من سائر أمتعت ها مأكلً وملب سًا وم سكنًا وغ ي ذلك على ما‬
‫لبد نه‪ ،‬قلت‪ :‬هذا ف عصرنا نادرًا الوجود كالكبيت الحر‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫كما قال ‪« :‬ليكن بلغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب»‪.‬‬
‫يا بُن‪ ،‬ل َتفْ َر حْ بطول العافية‪ ،‬واكتم البلوى فإنه من كنوز الب‪ ،‬واصب عليها‬
‫فإنّهُ ذُ ْخرٌ لك ف العاد‪.‬‬
‫يا بُنّ‪ ،‬عليك بالصب واليقي وماهدة نفسك‪ ،‬واعلم أنّ الصب فيه الشوقُ (أي‬
‫الشرف)‪ ،‬وفيه الشفق ُة والزهادةُ والترَقُب‪.‬‬
‫فإذا صبت عن مارم ال وزهدت ف الدنيا وتا َونْ تَ بالصائب (أي مصائب‬
‫ب إليكَ مِن الوت وأْنتَ تترقبُه‪.‬‬
‫الدنيا) ل يكنْ أح ّ‬
‫وإيّاك والغفْلةَ‪ ،‬خَ فِ ال ول ُتعْلِ مْ بذلك النا سَ‪ ،‬ول يغُرنّ ك النا سُ ب ا ل تعلم‬
‫من نفسك‪ ،‬ل تغتر بقول الاهل إن ف يَ َدكَ ُلؤْلُؤةً وأنت تعلم أنّها َبعْ َرةٌ‪.‬‬
‫ب العروف‪ ،‬كث َي التف كر قلي َل الكلم إل ف‬
‫يا ب ن‪ ،‬ك نْ لَيْن الا نب‪ ،‬قريْ ِ‬
‫الق‪ ،‬كثي البُكاء قليل الفرح‪.‬‬
‫ت فاسب ُكتْ فب تفكرُ‪ ،‬وإذا‬
‫ب َك ّ‬
‫ب ول تصبَاخبْ ول تارِ‪ ،‬و إذا س َ‬
‫ول تازح ْ‬
‫حكَمٍ‪.‬‬
‫تكلمتَ فتكلم ِب ِ‬
‫ك مَا قدّمتَ لِنفْسِكَ‪ ،‬ومالَ‬
‫ضيّعْ مالكَ وتصل ْح ما َل غيكَ‪ ،‬فإن مال َ‬
‫يا بن‪ ،‬ل ُت َ‬
‫غيكَ ما تر ْكتَ وراء َظهْركَ‪.‬‬
‫ت ول تعل هّك فيما كُفيت‪ ،‬ل ْتتَمّ للدُنيا‬
‫ك في ما كُلفْ َ‬
‫يا ب ن‪ ،‬ا ْجعَ ْل هَمّ َ‬
‫ك عن الخرة‪.‬‬
‫فتشغل َ‬
‫وقال‪ :‬يا بنّ‪ ،‬إذا أنعم ال عليك نعمة فيَ أث ُرهَا علي كَ ف شُكْر َك وتواضُع كَ‬
‫وإحْسَانكَ إل مَن هُو دُونك‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ل كل ش يء آ فة وآ فة الع مل العُج بُ‪ ،‬ل تُرائي الناس ب ا يعلم ال م نك‬
‫غيهُ‪.‬‬
‫ول تعجب با تعمل وإن كثر‪ ،‬فإنّك ل تدري أيقبل ال منك أم ل؟ وال أعلم‬
‫وصلى ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪22‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يا بُن‪ ،‬أداءُ صلتك الت فُرضت عليك أفضلُ من كُل ما تعمل‪.‬‬
‫يا بُ ن‪ :‬جالس قومًا يذكرون ال‪ ،‬إن كُ نت عالًا نف عك عل مك‪ ،‬وإن ك نت‬
‫جاهلً عَلّمُوك‪ ،‬وإن نزلت عليهم رحةٌ أو رزقٌ شركتهمُ فيه‪.‬‬
‫يا بُ ن‪ ،‬ل تالس قومًا ل يذكرون ال‪ ،‬فإن ك نت جاهلً زادوك‪ ،‬وإن ك نت‬
‫عالًا ل ينفعك علمك شيئًا‪ ،‬وإن نزلت عليهم لعنةٌ أو سخطٌ شركتهم فيها‪.‬‬
‫وتطبب‬
‫ْ‬
‫وقال‪ :‬اعتزلوا شرار الناس تصبل ْح لكبم قلوبك ُم وتسبترح أبدانُك ُم‬
‫نُفوسُكم‪.‬‬
‫وقال‪ :‬اش كر ل ن أن عم عل يك وأن عم على من شكرك‪ ،‬فإ نه ل بقاء للنع مة إذا‬
‫كُفرت‪ ،‬ول زوال لا إذا شكرت‪.‬‬
‫وقال‪ :‬لقاء أهل الي عمارة القلوب‪.‬‬
‫س كثي‪ ،‬فاجعل سفينتك‬
‫وقال‪ :‬يا بن‪ ،‬إن الدنيا ب ٌر عمي قٌ وقد غرق فيها نا ٌ‬
‫ص عليها ريُكَ‪،‬‬
‫فيها تقوى ال‪ ،‬والعمال الصالة بضاعتك الت تم ُل فيها‪ ،‬والر َ‬
‫واليام موجُها‪ ،‬وكتاب ال دليلها‪ ،‬ور ّد النفس عن الوى حبالا‪ ،‬والوت ساحلها‪،‬‬
‫والقيامة أرض التجر الت ترج إليها‪ ،‬وال مالكُها‪.‬‬
‫با بالكَ ّد والّتعَبببِ‬
‫ك بالدنيبا وزُخرُفهبا وجدّ فبب جعهَب‬
‫ب َ‬
‫ب تَمَس ّ‬
‫يبا مَن ْ‬
‫ب ُكنُهَا دَار القَرا ِر وفيهببا َمعْدِنببُ الطّلَبببِ‬
‫هَلّا عَمَرتببَ لِدَا ٍر أنتببَ تسب ْ‬
‫ب مِبن نَشَبب‬
‫ّقب مبا جَ ّمعْت َ‬
‫َفعَنببْ قَلِيلٍ تراهَببا وهْيببَ دائرةٌ وقَ ْد تَمز َ‬
‫وروي عن ابن عباس ب رضي ال عنهما ب أنه قال‪ :‬يُؤتى بالدنيا يوم القيامة‬
‫شوّ َه ُة اللقبة ل يراهبا أحدٌ إل‬
‫على صبُورةٍ عجوزٍ شطاء زرقاء‪ ،‬أنيابُهبا بادي ٌة مُ َ‬
‫ف على اللئقِ‪ ،‬فيُقال َلهُمْ‪ :‬أتعرفُون هذه؟‬
‫ك ِر َههَا‪ ،‬فتُشْرِ ُ‬
‫فيقال لم‪ :‬هذه الت تفاخرتُم وتاربتُم عليها‪ ،‬ث يُؤمَ ُر با إل النار‪ ،‬فتقولُ‪ :‬يا‬
‫ربّ أين أتباعي وأصحاب وأحباب؟ فيلحقوَنهَا‪.‬‬
‫ووجه إلقائها ف النار لينظر إليها أهلها فيون هوانا على ال ج ّل وعَل‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ت يومٍ ماشيًا إ ْذ نظر‬
‫وذكر ف الب عن عيسى ب عليه السلم ب‪ :‬أنه كان ذا َ‬
‫إل امرأةٍ علي ها من كل زينةٍ فذ هب ليُغ طي وجه هُ عن ها‪ ،‬فقالت‪ :‬اك شف عن‬
‫ج كثي‪،‬‬
‫وجه كَ فلستُ بامرأة أنا الدنيا‪ ،‬فقال لا‪ :‬أل كِ زو جٌ؟ فقالت ل هُ‪ :‬ل أزوا ٌ‬
‫فقال‪ :‬أكل طّلقَ كِ أم كلً قتل تِ؟ فقالت‪ :‬بلْ ُكلً قتل تُ‪ ،‬فقال‪ :‬حزنت على أحد‬
‫منهم؟ فقالت‪ :‬هم يزنون عليّ ول أحزنُ عليهم ويبكون علي ول أبكي عليهم‪.‬‬
‫با ل تَ َزوّجببُ‬
‫ب أوْلَادَهَب‬
‫ب عَ ُروْسبًا وجَ ْدتَهبا بابب َقتَلَتب ْ‬
‫َتب ال ُدنْيَ ا‬
‫ولو كان ِ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ولو كانَ تِ ال ُدنْيَا من النْ سِ ل تكُ نْ‬

‫ِسوَى ُم ْومِ سٍ أ ْفنَ تْ بِمَا سَاء عُ ْمرَهَا‬

‫ورُوي أن رجُلً قدم على ال نب من أرض‪ ،‬ف سأله عن أرضهم‪ ،‬فأخبهُ عن‬
‫سعتها وكثرة النّع يم في ها‪ ،‬فقال ر سول ال ‪« :‬ك يف تفعلون؟» قال‪ :‬إ نا نت خذ‬
‫ألوانًا من الطعام ونأكل ها‪ ،‬قال ر سول ال ‪ « :‬ث ت صي إل ماذا؟» قال‪ :‬إل ما‬
‫تعلم يا رسول ال‪ ،‬يعن بولً وغائطًا‪ ،‬فقال رسول ال ‪« :‬فكذلك مث ُل الدنيا»‪.‬‬
‫ببا على َنفْسبببهَا لَو كانببَ فبب العَالَم مَبن يَسببْمَع‬
‫قَ ْد نَادَت ال ُدنْيَب‬
‫ب بَددْتببُ مببا يمعببُ‬
‫ب واثِقببِ بالعُمْببر أفنيتُهببُ وجَامِعب ٍ‬
‫كَمب ْ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ث اعلم‪ :‬أن الدنيا عبارة عن كل ما يشغل عن ال قبل الوت‪ ،‬فكلما لك فيه‬
‫حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة ف عاجل الال قبل الوفاة‪ ،‬فهي الدنيا‪.‬‬
‫وليس كل ذلك مذموم‪ ،‬بل الذموم النهي عن مبته هو كل ما فيه حظ عاجل‬
‫ول ثرة له ف الخرة‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وإذا سعت بذم الدن يا‪ ،‬فاعلم أ نه ل يس راجعًا إل زَمان ا الذي الل يل والنهار‬
‫التعاقبان إل قيام الساعة‪.‬‬
‫فإن ال سبحانه وتعال جعلهُما خلفة لن أراد أن يذكر أو أراد شكورا‪.‬‬
‫ول يس الذم راجعًا إل مكان الدن يا و هو الرض ول إل ما أنب ته ال في ها مِن‬
‫الشجر والزرع‪.‬‬
‫ل والعتبار‬
‫فإن ذلك كله من نعم ال على عباده لا لُم فيه من الناف ِع والصا ِ‬
‫والستدللِ بذلك على وحدانيّة ال وقدرته وعظمته وحكمته ورحته بعباده‪.‬‬
‫قال جل وعل‪ُ :‬ه َو الّذِي َخلَ قَ لَكُم مّا فِي الَرْ ضِ جَمِيعًا ‪ ،‬وقال تعال‪:‬‬
‫وَفِي الَ ْرضِ آيَاتٌ لّلْمُوقِنِيَ ‪.‬‬
‫وإناب الذموم أفعال بنب آدم مبن العاصبي الكبائر والصبغائر كالشرك وترك‬
‫الصبلة وترك الزكاة أو الصبوم أو الجب وكالكذب على ال أو على رسبله أو‬
‫كراهة ما أنزل ال أو قتل نفس بغي حق أو ظلم أو شهادة زور‪.‬‬
‫واللواط وقذف الح صنات وال سحر والز نا والر با والتول يوم الز حف والرياء‬
‫والعقوق وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم والسرقة والغصب والنميمة والغيبة والكب‬
‫والسد والعُجْب والمر والدخان‪.‬‬
‫والل هو وا ستعمال آل ته والجتماع مع الكفار والتارك ي لل صلة ومواكلت هم‬
‫واستخدامهم مزارعي أو سائقي أو خدامي خياطي أو فراشي أو نو ذلك‪.‬‬
‫نسبأل ال اليب القيوم الذي ل تأخذه سبنة ول نوم أن يعصبمنا وإخواننبا‬
‫ف معَهم‪.‬‬
‫السلمي منهم وأن يتوفانا ما أضّلنَا سقْ ٌ‬
‫وما يدخل ف الدنيا الذمومة‪ ،‬ما قا َد العبدَ إل العاصي وشوقه إليها وألاه عن‬
‫ذكر ال وأغفله عن الخرة‪.‬‬
‫وذلك كاللعبب بالكورة‪ ،‬واللوس عنبد التلفاز‪ ،‬والفيديبو‪ ،‬والذياع‪ ،‬وضياع‬
‫الوقبت فب الجلت‪ ،‬والرائد‪ ،‬واللعبب فب الورق‪ ،‬والشتغال بظوظ الدنيبا‪،‬‬
‫والعراض عن ال‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫والتكا سل عن طاع ته والتفا خر والتكا ثر ف الموال والولد‪ ،‬وإيثار ملذات‬
‫الدنيا وشهواتا على الخرة‪.‬‬
‫ل يسب الدنيا‪ ،‬فقال له‪ :‬إنا لدار‬
‫جاء عن علي بن أب طالب أنه سع رج ً‬
‫صِ ْدقِ لِمَنْ صَدَقها‪ ،‬ودا ُر عافية لن فهم عنها‪ ،‬ودارُ غن َلمِنْ تزود با‪.‬‬
‫مسجدُ أحباب ال‪ ،‬ومهبطُ وحيه‪ ،‬ومُصلّى ملئكته ومتج ُر أوليائِهِ‪.‬‬
‫اكتسبُوا فيها الرحة‪ ،‬وربوا فيها النة‪ ،‬فمن ذا يذُ ُم الدنيا وقد آذنت بفراقها‪،‬‬
‫ت ب سُرورها إل أهل‬
‫ت ببلئها وشوّقَ ْ‬
‫ونادت بعيبها‪ ،‬ونعت نفسها وأهلها‪ ،‬فمثّلَ ْ‬
‫السرور‪.‬‬
‫فذ ّمهَا قو ٌم عند الندامة وم َد َحهَا آخرون‪ ،‬حدْثتُهم فصدقوا وذكرتم فذكروا‪.‬‬
‫فيا أيها الغتر بالدنيا الغتر بغرورها‪ ،‬مت استلمت إليك الدنيا‪ ،‬بل مت غرتك‬
‫أبضاج ِع آبائك تت الثرى‪ ،‬أمْ بصارع ُأمّهاتِكَ من البلى‪.‬‬
‫أسبَلفَتْ إليكببَ فأنتببَ الظالُبب التُكَذّب‬
‫ْبب ْ‬
‫ْتب على الدنيبا ول َذن َ‬
‫َنقِم َ‬
‫ب‬
‫صببٌ فب َهوَاهَبا ُمعَذّب ُ‬
‫َنب هُوَ َ‬
‫وهَبْهَبببا َفتَاةً هَ ْل عَلَيهبببا ِجنَاَيةٌ بِم ْ‬
‫ت بيدك تطلب له الشفاء وتسأل له الطباء فلم تظفُر‬
‫كم َقّلبْتَ بكفيك ومَرّضْ َ‬
‫سعَفْ بط ْلَبتِ كَ قد مَثلَ تْ لك الدنيا بَ صْ َرعِه مَ صْرعَكَ غدًا ول ُيغْن‬
‫با َجتِ كَ ول تُ ْ‬
‫ك بُكاؤكَ ول ينفعُكَ أ ْحبَابُك‪.‬‬
‫عَن َ‬
‫قال اب نُ ر جب ب رح ه ال ب على كل علي بن أ ب طالب ‪َ :‬فَبيّ َن أم ي‬
‫الؤمن ي أن الدن يا ل تُذم مطلقًا وأن ا تم ُد بالن سبة إل من تزود من ها العمال‬
‫ط الوحي‪.‬‬
‫الصالة‪ ،‬وأن فيها مساج ُد النبياء ومهبَ ُ‬
‫وهي دا ُر التجارة للمؤمني اكتسبُوا فيها الرحةَ وربُوا با النةَ فهي نعم الدارُ‬
‫لِمَ ْن كانت هذه صفتُه‪.‬‬
‫ع فإن ا تُنادي بواعظ ها وتن صح بعب ها تبدي‬
‫وأ ما ما ذ كر من أن ا تَغُر وتد ُ‬
‫عيوبا با تُرى من أهلها من مصارع اللكى‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وتقلب الحوال من الصحة إل السقم‪ ،‬ومن الشبيبة إل الرم‪ ،‬ومن الغن إل‬
‫الفقر‪ ،‬ومن العز إل الذل؛ ولكن مُحبها قد أعماه وأصمه حبها‪.‬‬
‫ب إليهببا عَالِمببٌ و َج ُهوْلُ‬
‫َنعَمببْ إنابب الدنيببا إل الغَدْرِ َد ْعوَةٌ أجَابب َ‬
‫ب عَ ِقيْلُ‬
‫ب عَ ْمرُو بنببُ ال ُزَبيْ ِر َش ِقيْقَهببُ و َخلّى أ ِميْ َر الؤ ِمِنيْنببببب َ‬
‫َففَارَقبَ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫روي أن عبدالعز يز بن مروان ب رح ه ال ب قال ل ا حضر ته الوفاة‪ :‬إئتو ن‬
‫بكفن الذي أكفن فيه أنظر إليه فلما وضع بي يديه نظر إليه‪ ،‬فقال‪ :‬مال من كبي‬
‫ما أخل فُ من الدنيا إل هذا‪ ،‬ث ول ظهره فبكى وهو يقول‪ :‬أف لك من دار وإن‬
‫كان كثيك لقليل وإن كان طويلك لقصي وإن كنَا منك لفي غرور‪.‬‬
‫ب عَلينببا غ ُي َم ْأمُونببِ فل تَ ُظنَنّببب أمْرًا غَيَ مَ ْظنُونبببِ‬
‫مَكرُ الذنوببِ‬
‫ُونب‬
‫ْضب وال ِ‬
‫ُونب َمكْ ِر البي ِ‬
‫با مَكْبر أْنفُسبِنا ذَات النَى د َ‬
‫ب علينب‬
‫بَلْ الخَوف ُ‬
‫ب‬
‫بتُو ٍر و َمكْنُون ٍ‬
‫شفَت بْ مِبن َمكْرهَبا كُ ّل مَس ْ‬
‫إنّب الليالَب واليام بَ قَدْ كَ َ‬
‫بيْ ٍح غَيِ َملْحُونببِ‬
‫بهَا نواطقًببا َبفَصب ِ‬
‫وحَ ّدثْتنَببا بأنببا مِببن فَرائِسب ِ‬
‫با ومَدْفُون‬
‫بى مِنَب‬
‫بن ذاك كلُ لَقَب‬
‫َضيب ِمنّاب فأنْبأن َا عَب‬
‫ت م َن م َ‬
‫واسبتَشْهَدَ ْ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫ب ّد َم ْزبُون ِ‬
‫بدَ عنهبا ص َ‬
‫بوْءِ إذا مَبا رَامبَ ُم ْرتَضِعبُ أخْلفَهبا ص َ‬
‫وأُمبُ س ُ‬
‫وننببُ فبب ذاك نُصببْفْيهَا َموَ ّدتَنَبا تَبًبا لكُبل سببَفيْهِ الرَأي َمغْبُونببِ‬
‫ب‬
‫ْمب َم ْفتُون ِ‬
‫ل ولكبن عل َ‬
‫ب َج ْه ً‬
‫با بَ ْل ليْس َ‬
‫بو إل ال َج ْهلً َقدْ أضَرّر بنَب‬
‫نَشكُب‬
‫ببِ‬
‫جنُونب‬
‫حْيحًا له أَفعْا ُل مَ ْ‬
‫ببَ ِ‬
‫ستَ ترَى إل صب‬
‫أغَوَى الَوىَ كلّ ذي َعقْلً فَلَ ْ‬
‫بفَا َه ًة ونبببي ُع ال َفوْقببَ بال ّدوْنببِ‬
‫شتَري دُنيًببا بآ َخرَة سبَ‬
‫َحتّىبب مَتَببى نَ ْ‬
‫خلِيدَ قارُونببِ‬
‫با تَ ْ‬
‫بى َقبْلَنَب‬
‫َنبْنببب العَاقِ َل والعْدا ُء يُخَلدِنَبببا وقببد أبَب‬
‫ُونب‬
‫َسبخُوا باب ع ِ‬
‫ُوسب ول ن ْ‬
‫نَظَ ُل نَسببببببْتنفقُ العْمَا َر طّيَبةً عنهبا النُف ُ‬
‫ب بَعدَ ميتهبببِ إل تأخّ َر َنقْ ٌد بَع َد عُ ُربُونبببببببِ‬
‫ومبببا تأخّرَ حَيبب ٌ‬
‫‪27‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان العتمبد ببن عباد ملك إشبيليبة يرفُلُ فب زاهبي حُلل اللك ويتقلب فب‬
‫أنواع النعيم والشرف‪ ،‬وبعد أن سلبُه تاشفي مُلكَ هُ وقبض عليه وأسره وسجنه ف‬
‫أغمات‪ ،‬دخلت عليه ف السجن بناتُه بعد مُدة وكان يوم عيد وكُنّ بعد ما انتزع‬
‫اللك من أبي هن يغزلن للناس بالجرة ف أغمات ح ت إن إحدا هن غزل تْ ل هل‬
‫بيت صاحب الشرطة الذي كان ف خدمة أيبها فيما مضى وهو ف سلطانه فراهُنّ‬
‫ف أطما ٍر رثةٍ وحال ٍة سيئةٍ يرثى له فصد عن قلبه‪ ،‬فأنشد هذه البيات‪:‬‬
‫ب َمأْسبُورَا‬
‫فيمبا مَضَبى فب العيَا ِد مَسبْ ُروْرًا فَسبَا َءكَ ال ِعيْدُ فب أغْمات ٍ‬
‫بب الطمار جَائعةً َيغْزلْنببَ لِلناس مببا يَ ْمِلكْنببَ قِطْ ِمْيرَا‬
‫تَرَى َبنَاتِكببَ فب‬
‫ول ا ر جع ال سلطان م مد بن ممود بن ملكشاه من ما صرة بغداد إل هذان‬
‫أصابه مرضُ السل فلم ينج منه‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقبل وفاته بأيام أمر أن يُعرض عليه جيع ما يلكه ويقدر عليه وهو جالس ف‬
‫النظرة‪.‬‬
‫ب حتب جواريبه‬
‫فركبب اليبش بكماله وأحضرت الموال كلهبا وماليكه ُ‬
‫وحظاياه‪.‬‬
‫جعَ َل يبكي ويقول‪ :‬هذه العساكر ل يدفعون عن مثقال ذرة من أمر رب ول‬
‫فَ‬
‫يزيدون ف عمري لظةً‪.‬‬
‫ث ندم وتأ سف على ما كان م نه إل اللي فة القت في وأ هل بغداد وح صارهم‬
‫وأذيتهم‪.‬‬
‫ك الوت من فداءً لدتُ‬
‫ث قال‪ :‬وهذه الزائن والموال والواهر لو قبلهم مل ُ‬
‫بذلك جيعه له‪.‬‬
‫ملكب الوت منب فداءً‬
‫ُ‬
‫وهذه الظايبا والواري السبان والمالك لو قبلهبم‬
‫لدتُ بذلك جيعه له‪.‬‬
‫ث قال‪ :‬مَا أَغْنَى عَنّ ي مَالِيَ هْ * َهلَ كَ عَنّ ي ُس ْلطَانَِيهْ ث فَرّق شيئًا من ذلك‬
‫الواصل والموال ث توف‪.‬‬
‫ح وإمْسبَاءٌ‬
‫ببَا ٌ‬
‫يأتب على الناسبِ إص ْ‬
‫ب‬
‫ستِ يبا دَارَ ُدْنيَانَبا فأفّب لن ْ‬
‫بْ‬
‫خَس ِ‬
‫َاتب لنبا‬
‫ف العِض ِ‬
‫بأصبنَا ِ‬
‫ْتب ْ‬
‫لَق َد نَ ِطق َ‬
‫بَيةً‬
‫إذا َتعَ ّطفْت بِ َيوْمًبا ُكنْت بِ قَاس ِ‬
‫أيْنببَ اللُوكببُ وأْبنَاءُ اللوك ومَنببْ‬
‫ب وارْتَلُوا‬
‫بْيًا مِبن اللّذَاتبِ‬
‫نالوا يَسب‬

‫وكُلُنببا لِصببُ ُروْفِ الده ِر نَسببّاءُ‬
‫ب أخِسبَاءُ‬
‫سةَ أو نَاس ٌ‬
‫بيْ َ‬
‫يَرضَبى الس ِ‬
‫ب خَرْسبَاءُ‬
‫ب الناس ُ‬
‫ب فيمبا يظن ُ‬
‫وأنْت ِ‬
‫ب بعَيٍب فهبي َشوْسبَاءُ‬
‫ب نَظرت ِ‬
‫وإن ْ‬
‫ب عزةٌ فب اللك َقعْسبَاء‬
‫ب لم ُ‬
‫كَانَت ْ‬
‫بِ َرغْ ِمهِمبببْ فإذا الّنعْمَاءُ بأسبببَاءُ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪29‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيبل‪ :‬إن حاتب الصبم قال لولده‪ :‬إنب أريبد الجب‪ ،‬فبكوا‪ ،‬وقالوا‪ :‬إل مبن‬
‫تكِ ْلنَا‪ ،‬فقالت ابنته‪ :‬لم اسكتوا‪ ،‬دعوه فليس هو برزّاق‪ ،‬هو الرزاق فباتوا جياعًا‬
‫وجعلوا يوبون البنت‪ ،‬فقالت‪ :‬اللهم ل تُخجلن بينهم‪ ،‬فم ّر أميُ البلد وطلب ماءً‬
‫فناوله أهلُ حاتب كُوزًا جديدًا فيبه ماء بارد فشرب‪ ،‬وقال‪ :‬دا ُر مبن هذه؟ فقالوا‪:‬‬
‫دارُ حا ت ال صَم فرمَى في ها منطقةً من ذ هب‪ ،‬وقال ل صحابه‪ :‬من أحب ن ف عل‬
‫مثلي‪ ،‬فر مى من حوله ُكلُ هم مثله فجعلت ب نت حا ت تب كي‪ ،‬فقالت ل ا أم ها‪ :‬ما‬
‫ق ن ظر إلي نا فا ستغنينا‪ ،‬أي ف ما ظ نك‬
‫يُبك يك و قد و سّعَ ال علي نا‪ ،‬فقالت‪ :‬ملُو ٌ‬
‫بالالق جل وعل الذي سخر لنا هذا الخلوق فعطفه علينا‪.‬‬
‫ق يل لبعض العلماء‪ :‬ك يف تركت ال صبيان؟ فقال‪َ :‬ولَْيخْ شَ اّلذِي نَ لَوْ تَ َركُوا‬

‫ضعَافًا خَافُوا عَلَ ْيهِ مْ فَلْيَّتقُوا اللّ هَ َولَْيقُولُوا قَوْلً َسدِيدًا تقوى ال‬
‫مِ نْ َخ ْلفِهِ مْ ُذ ّريّةً ِ‬
‫لنَا ولُم‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه كان عبدال بن البارك يتجر ف البحر‪ ،‬ويقول‪ :‬لول خسة ما اترت‪:‬‬
‫سفيان الثوري‪ ،‬وسفيان بن عيينة‪ ،‬والفضيل بن عياض‪ ،‬وممد بن السماك‪ ،‬وابن‬
‫علية‪.‬‬
‫وكان يرج فيتجرُ إل خراسان فكلما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة‬
‫الج والباقي يصلُ به إخوان ُه المسة‪.‬‬
‫فقدم سنة‪ ،‬فقيل له‪ :‬قد ولّ ابن علية القضاء‪ ،‬فلم يأته ول يصله بال صّرة الت‬
‫كان يصلُه با ف كل سنة‪.‬‬
‫فبلغ ابن علية أن ابن البارك قد قدم فركب وتنكس على رأسه‪ ،‬فلم يرفع به‬
‫عبدال بن البارك رأسًا ول يكلمه فانصرف‪.‬‬
‫فل ما كان من ال غد ك تب إل يه رقعةً‪« :‬ب سم ال الرح ن الرح يم‪ ،‬أ سعدك ال‬
‫بطاعته وتولك بفظه وحاطك بياطته قد كُنت منتظرًا لبك وصلتك أتبك با‪،‬‬
‫وجئ تك أ مس فلم تُكلم ن ورأيتُك واجدًا علي فأي ش يء رأ يت م ن ح ت اعتذر‬
‫إليك منه»‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فلما وردت الرقعة على ابن البارك دعا بالدواة والقرطاس ث كتب إليه‪« :‬بسم‬
‫ال الرحن الرحيم»‪ ،‬وكتب إليه أبياتًا من الشعر‪:‬‬
‫ب وابببن سببيْرين‬
‫«أَيْنببَ ِروَايَاتُكببَ فبب سببَ ْر ِدهَا عببن ابببن َعوْنبٍ‬
‫أيْنببَ ِروَايَاتُكببُ فبب سببَرْدها ِلتَرْكببببِ أبواب السببببّلطِي»‬
‫فل ما و قف اب نُ عل ية على البيات قام من ملس القضاء فو طئ ب ساط هارون‬
‫الرشيد‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬ال ال ارحم شيبت فإن ل أصبُ على القضاء‪.‬‬
‫فأعفا هُ من القضاء‪ ،‬فلما اتصل بعبدال بن البارك وجه إليه بالصرة الت كانت‬
‫حفُه با مع زُملئه‪ .‬اهب‪.‬‬
‫ُيتْ ِ‬
‫عن الشعب‪ ،‬قال‪ :‬جاء رجلن إل شريح‪ ،‬فقال أحدها‪ :‬اشتريتُ من هذا دارًا‬
‫فوجدتُ فيها عشرة آلف درهم‪ ،‬فقال‪ :‬خذها‪ ،‬فقال له‪ :‬إنا اشتريتُ الدارَ‪.‬‬
‫فقال للبائع‪ :‬فخذ ها أ نت‪ ،‬فقال له‪ :‬ول و قد بع ته الدار ب ا في ها فأدار ال مر‬
‫بينهما‪.‬‬
‫فأ تى زيادًا فأ خبه‪ ،‬فقال‪ :‬ما ك نت أرى أن أحدًا هكذا ب قي‪ ،‬وقال لشر يح‪:‬‬
‫أدخل بيت الال فألق ف كل جراب قبضة حت تكون للمسلمي‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬كان مورث العجلي يتجر فيصيب الال فل يأت جعة وعنده منه شيء‬
‫يلقبى الخ فيعطيبه أربعمائة أو خسبمائة أو ثلثائة‪ ،‬فيقول‪ :‬ضعهبا عندك حتب‬
‫نتاج إليها‪.‬‬
‫قال‪ :‬ث يلقاه ب عد ذلك‪ ،‬فيقول الخ‪ :‬ل حا جة ل في ها‪ ،‬فيقول‪ :‬وال إ نا ما‬
‫نن بآخذيها أبدًا فشأنك با‪ ،‬وعلى هذه الطريقة كان كثي من السلف على حد‬
‫قول الشاعر‪:‬‬
‫صبّرَتنَا َلكِنببْ يَمُ ّر عََليْهَببا َو ْه َو ُمنْطَلِقببُ‬
‫ب ُ‬
‫ِرهمب الَضْ ُروْب ُ‬
‫ب الد ُ‬
‫ل يَألف ُ‬
‫ع وإتقا نٍ‪ ،‬فقال له ب عد‬
‫روي أن صحابيًا رأى طفلً ف ال سجد يُ صلي بشو ٍ‬
‫صلته‪ :‬أب نُ من أنت؟ فقال‪ :‬إن يتيم‪ ،‬فقدت أب وأمي‪ ،‬فقال‪ :‬أترضَى أن تكو نَ‬
‫‪31‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ل ولدًا‪ ،‬فقال‪ :‬هل تطعمن إذا جعت؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬وهل تكسون إذا عري تُ؟‬
‫قال‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬و هل تُحيي ن إذا مت؟ فد هش ال صحابُ‪ ،‬وقال‪ :‬هذا ل يس إل يه‬
‫سبيل‪ ،‬فأشاح الصب بوجهه‪ ،‬وقال‪ :‬إذن اتركن للذي خلقن ث رزقن ث ييتن ث‬
‫ييين‪ ،‬فقال الصحاب‪ :‬لعمري من توكل على ال كفاه‪.‬‬
‫ش كى أحد هم إل عال كثرة العيال وقلة الرزق‪ ،‬فقال‪ :‬ار جع إل بي تك‪ ،‬ف من‬
‫ليس رزقه على ال فاطرده عنك‪.‬‬
‫هدد الجاج ممبد ببن علي بكتاب‪ ،‬فكتبب إليبه‪« :‬إن ل ثلثائة وسبتي‬
‫ل نظرة ينُعن با منك»‪.‬‬
‫نظرة إل خلقه وأنا أرجو أن ينظر ال إ ّ‬
‫من اتّكل على حسن اختيار ال له ل يتم ّن غي ما اختار ال عز وجل له‪.‬‬
‫التوكل اعتماد القلب على ال ف جلب النافع ودفع الضار مع الثقة بال وفعل‬
‫السباب‪.‬‬
‫بُ وخَطّه بُ‬
‫ب مِمّا ب َقضَاهب‬
‫ْحب رَاضي ًا فل َمهْرَببٌ‬
‫ُنب بالذي قَدْ خُط ّ بالّلو ِ‬
‫وك ْ‬
‫ب شَ ْرطَهبُ‬
‫ب َتعَ ّديْت َ‬
‫بد َيَتعَدّى إن ْ‬
‫بِهِ وقب‬
‫بُ التِمَاسب‬
‫وإن مَعببَ الرزق اشتراطب‬
‫ب ولَكنّهببُ أوْحَببى إل ال ّطيْرِ َلقْطَهببُ‬
‫ب ال ّطيْرِ ُق ْوتَه ُ‬
‫وَلوْ شَاءَ ألْقَبى فب فَم ِ‬
‫قال النب لعبدال بن عباس ب رضي ال عنهما ب‪« :‬إن أعلمك كلمات‪:‬‬
‫اح فظ ال يف ظك‪ ،‬اح فظ ال تده تا هك‪ ،‬إذا سألت فا سأل ال‪ ،‬وإذا ا ستعنت‬
‫فاسبتعن بال‪ ،‬واعلم أن المبة لو اجتمعبت على أن ينفعوك بشيبء‪ ،‬ل ينفعوك إل‬
‫بشيء قد كتبه ال لك‪ ،‬ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ل يضروك إل بشيء‬
‫ت القلمُ‪ ،‬و َج ّفتِ الصُحُف»‪.‬‬
‫قد كتبه ال عليك‪ ،‬رُفعَ ِ‬
‫قال بعضهم يوصي إخوانه‪:‬‬
‫إن النبة ل تنال إل بالعمبل‪ ،‬اخلطوا الرغببة بالرهببة‪ ،‬ودموا على صبال‬
‫العمال‪ ،‬والقوا ال بقلوب سليمة وأعمال صادقة من خاف أدلْ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫مَببا دَارُ ُدنْيبببا لِ ْلمُقيمبببِ بدَارِ‬
‫با َبيْنببَ ليلٍ عاكفببٍ ونَهارهببِ‬
‫مَب‬
‫بيْرهَا‬
‫طُولُ الياة إذا مَضَببى َكقَصب ِ‬
‫ب يَعقبببُ بالرا َرةِ حُ ْلوَهببُ‬
‫والعَيشب ُ‬
‫وكأنابب َتقْضيببْ ُبِنيّاتببُ الرّدَى‬
‫ب وعمْرُهببُ‬
‫والَرْءُ كَال ّطيْفببِ الُطْيفبِ‬
‫ب‬
‫ب ِل َهوْلِه ِ‬
‫ب الُطُوب ُ‬
‫ب َتضَاءَلَت َ‬
‫خَطْب ٌ‬
‫ب َبنَوا مَشيْدًا وانثنوا‬
‫إنّببب الذينبب َ‬
‫بَبحُوا‬
‫س بُلبُوا الّنضَا َرةَ والّنعِيْم بَ فاص ْ‬
‫ب على أعْدَائِهبببم‬
‫تَركُوا دِيا َرهُمبب ُ‬
‫بم‬
‫ضعْيفِهب‬
‫بب َ‬
‫خَلَط بَ الِمَام بُ قَويّهم ُ‬
‫بم‬
‫جلُنببا عَلىَ آثارِهِب‬
‫لوْفببُ ُيعْ ِ‬
‫وا َ‬
‫وتَعَاقُب ببُ الَلوَيْببن فِينَببا ناثِرٌ‬

‫ب ُة القْدارِ‬
‫وبِهببا النفُوسببُ فَريْسب َ‬
‫لعْمَارِ‬
‫َنفَسبببَانِ ُم ْرتَشفَانبببِ ل َ‬
‫واليُسببْرُ لِلنْسببَانِ كَالعْسببَار‬
‫ب الكْدَارِ‬
‫خلّفب ُ‬
‫ب ْفوُ فِيببه مُ َ‬
‫والصب ّ‬
‫بببن الوْطَارِ‬
‫ل َفنَائنَبببا وَطَرًا مب‬
‫ج ِر والسببْحَارِ‬
‫ب َبيْنببَ الفَ ْ‬
‫كَالنّومب ِ‬
‫شعَارِ‬
‫بن حَرْبببٍ إل اسببْتِ ْ‬
‫ونََلوْذُ مِب‬
‫ب الَبّارِ‬
‫بعْ َي الفاتِكب َ‬
‫بعَونَ سب َ‬
‫يَسب ْ‬
‫ُمتَوَسبببّديْ َن وَسبببَائِدَ الحْجَارِ‬
‫وتوسبببببببّدُوا مَدَرًا بغَيِ دثَارِ‬
‫وغَنّيهمبببُ سبببًاوَى بذي القْتَارِ‬
‫ببْ ٍح الُجِدّ السببّارِي‬
‫بن صب ُ‬
‫لبُدّ مِب‬
‫باكَرّ مَببا نَظَمَببا مِببن العْمَارِ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ل ت ستعي ف حا جة ب ن يبت غي مثل ها فين سى الذي كلف ته أو يتنا ساه‪ ،‬ويبدؤ‬
‫باجته قبلها؛ لنا عنده أهمُ‪.‬‬
‫ت سعة ل يُفارق هم الز نُ ول الكآ بة‪ :‬القود‪ ،‬وال سود‪ ،‬وجد يد عه ٍد بغناه‪،‬‬
‫وغنٌ ي شى الف قر‪ ،‬وفق ي مديون‪ ،‬وطال بُ رت بة يق صر عن ها قدر هُ‪ ،‬وجل يس أ هل‬
‫العلم وليس منهم‪ ،‬والسجون‪ ،‬ومن يطلب بثأر‪.‬‬
‫من اهتم بالدنيا ضيع نفسه‪ ،‬ومن اهتم بنفسه زهد ف الدنيا‪ ،‬طال بُ الدُنيا ل‬
‫يلو من الزن ف حال ي‪ :‬حزن على ما فا ته ك يف ل ينل هُ‪ ،‬وحُز نٌ على ما نال هُ‬
‫‪33‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يشى أن يسلبه‪ ،‬وإن أمن سلبه أيقن بتركه لغيه بعد موته فهو مغموم ومزون ف‬
‫جيع أحواله‪.‬‬
‫ومهما كان النسان آمنًا ف سربه معاف ف بدنه وله قوت يومه وليلته فحزنه‬
‫وغمه وكدره بسبب أمر الدنيا علمة على نقصان عقله وجهله وحاقته‪ ،‬فإن ذلك‬
‫ل يلو إما أن يكون تأ ُسفًا على ما مضى أو خوفًا من مُستقبل أو حُزنًا على سبب‬
‫حاضر ف الال‪.‬‬
‫فإن كان على فائت‪ ،‬فالعاقبل بصبي بأن الزع والزن على مبا فات ل يلم‬
‫شعثًا ول يَ ُرمّ ما انتكث‪.‬‬
‫وما ل حيلة فيه فالغمّ والمّ عليه جهل؛ ولذلك يقول ال جل وعل وتقدس‪:‬‬
‫لِكَيْل َتأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَ ُكمْ ‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫ك الفَاِئتَ الَ َزنُ‬
‫ول َيرُ ّد علي َ‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫ج ٍد عليّ فأجز ُ‬
‫ع‬
‫ع مُ ْ‬
‫وهل جَ َز ٌ‬
‫وإن كان تأسبف على حاضبر‪ ،‬فإمبا أن يكون حسبدًا لوصبول نعمةً إل مبن‬
‫يعرفهُ أو يكون حزنًا للفقر وفقدان الال والاه وأسباب الدنيا‪.‬‬
‫وسبب هذا الهل بغوائل الدنيا وتقلباتا وسومها وأكدارها‪.‬‬
‫ولو عرفها حق معرفتها لشكر ال قائمًا وقاعدًا وماشيًا على كونه من الُخفي‬
‫ُد ْونَ الثقَلي‪.‬‬
‫قال رسول ال ‪« :‬من أصبح منكم آ ِمنًا ف ِس ْربِهِ‪ُ ،‬معَافَى ف جسده‪ ،‬عنده‬
‫ِهب فكأناب حِيزت له الدنيبا بِحَذافِيِهبا» رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديبث‬
‫قوتب يوم ِ‬
‫َ‬
‫حسن‪.‬‬
‫ب ِعيْدُ‬
‫إذا مبببا كان عندي قُوت يَومبببٍ طَ َرحْتببُ الَمّب عنبب يببا سبَ‬
‫بببببببد‬
‫ول تطبببببببر هوم غدٍ ببال لن غدًا له رزق جديب‬
‫‪34‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن ا بن عباس وعمران بن ال صي عن ال نب قال‪« :‬اطلع تُ ف النةِ‬
‫فرأيت أ ْكثَرَ أهلِها الفُقَراء» الديث متفق عليه‪.‬‬
‫و عن أ ب هريرة قال‪ :‬قال ر سول اله ‪« :‬يد خل ال ُفقَراءُ ال نة ق بل الغنياء‬
‫بمسمائة عام» رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫قال أح د بن عا صم‪ :‬أن فع اليق ي ما ع ظم ف عين يك ما به أيق نت‪ ،‬وأن فع‬
‫الوف ما حجزك عن العاصي‪ ،‬وأطال منك الزن على ما فات‪ ،‬وألزمك الفكر‬
‫ف بقية عُمرك وخاتة أمرك‪.‬‬
‫وأنفع الصدق أن تقرّ ل عز وجل بعيوب نفسك‪ ،‬وأنف عُ الياء أن تستحي أن‬
‫ب وتأت ما يكره‪.‬‬
‫تسأل ُه ما تُح ُ‬
‫وأن فع ال صب ما قواك على خلف هواك‪ ،‬وأف ضل الهاد مُجاهد تك نف سك‬
‫لتردها إل قبول الق‪.‬‬
‫وأوجبب العداء منبك ماهدة أقربُهبم منبك ُدُنوّا وأخفاهُم عنبك شخصبًا‬
‫ُ‬
‫وأعظمهم لك عداو ٌة وهو إبليس‪.‬‬
‫قُلتبُ‪ :‬فمبا ترى ف النبس بالناس؟ قال‪ :‬إن وجدت عاقلً مأمونًا فأنبس ببه‬
‫واهرب من سائرهم كهربك من السباع‪.‬‬
‫قُلتُ‪ :‬فما أفضل ما أتقرب به إل ال عز وجل؟ قال‪ :‬ترك معاصيه الباطنة‪.‬‬
‫قل تُ‪ :‬فما بال الباطنة أول من الظاهرة؟ قال‪ :‬لنّك إذا اجتنبت الباطنة بطلت‬
‫الظاهرةُ والباطنةُ‪.‬‬
‫قل تُ‪ :‬ف ما أ ضر الطاعات ل؟ قال‪ :‬ما ن سيت ب ا م ساوئك‪ ،‬وجعلت ها نُ صب‬
‫عينيك إدللً با وأمنًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬و سعته يقول‪ :‬ا ستكثر من ال عز و جل لنف سك قل يل الرزق تل صًا إل‬
‫الشكر‪ ،‬و استقلل من نفسك ل ع ّز وجلّ كثي الطاعة إزراءً على النفس وتعرضًا‬
‫للعفو‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫واسبتجلب شدة التيقبظ بشدة الوف‪ ،‬وادفبع عظيبم الرص بإيثار القناعبة‪،‬‬
‫واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس‪ ،‬وسد سبيل العُجب بعرفة النفس‪.‬‬
‫واطلب راحبببة البدن بإجام القلب‪ ،‬وتلص إل إجام القلب بقلة الُلطاء‪،‬‬
‫وتعرض لرقبة القلب بدوام مالسبة أهبل الذكبر‪ ،‬وبادر بانتهاز البُغيبة عنبد إمكان‬
‫الفرصة‪ ،‬وأُحذرك «سوف»‪.‬‬
‫وكُ نْ صَا ِرمًا كَاْلوَقْ تِ فَا َلقْ تُ ف عَ سَى وإيّاكببَ َم ْهلً فهببي أخْطَرُ عِلَتبب‬
‫ّدتب‬
‫ْتب ج ِ‬
‫إنب ُجد َ‬
‫ْسب ْ‬
‫سبوْفَ فإن َتجُدْ تَجِ ْد َنفَسبًا فالّنف ُ‬
‫ْمب َ‬
‫بسبيْف العَز ِ‬
‫وجُ ّذ َ‬
‫عن الوزا عي أ نه و عظ‪ ،‬فقال ف موعظ ته‪ :‬أي ها الناس‪ ،‬تقوّوا بذه الن عم ال ت‬
‫أصبحتم فيها على الرب من نار ال الوقدة الت تطلع على الفئدة‪ ،‬فإنكم ف دار‬
‫الثواءُ في ها قل يل وأن تم في ها مُؤجلون خلئف من ب عد القرون الذ ين ا ستقبلوا من‬
‫الدن يا أنف ها وزهرت ا‪ ،‬ف هم كانوا أطول من كم أعمارًا وأمدّ أج سامًا وأع ظم آثارًا‬
‫فخددوا البال‪ ،‬وجابوا ال صخور‪ ،‬ونقبوا ف البلد مُؤيد ين بب طش شديدٍ وأج سام‬
‫كالعماد‪.‬‬
‫اليامب والليال أن طوت مُددهبم وعفبت آثارهبم وأخوت منلمب‬
‫ُ‬
‫فمبا لبثبت‬
‫س منهم من أحدٍ ول تسمع لم ركزًا‪.‬‬
‫وأنست ذكرهم‪ ،‬فما ت ُ‬
‫كانوا بلهو المل آمني لبيات قوم غافلي أو لصباح قوم نادمي‪ ،‬ث إنكم قد‬
‫علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة ال عز وجل‪.‬‬
‫فأ صبح كث ي من هم ف ديار هم جاث ي‪ ،‬وأ صبح الباقون ينظرون ف آثار نق مة‬
‫وزوال نعمبة ومسباكن خاويبة فيهبا آيبة للذيبن يافون العذاب الليبم وغيه لنب‬
‫يشى‪.‬‬
‫وأصبحتمُ من بعدهم ف أجل منقو صٍ ودُنيا مقبوضة ف زمان قد ول عفوه‬
‫وذهب رخاؤه‪.‬‬
‫فلم تق منه إل ح ة شر وصبابة كدر‪ ،‬وأهاو يل عب‪ ،‬وعقوبات غ ي وإر سال‬
‫فت‪ ،‬وتتابع زلزل ورذالة خلفٍ بم ظهر الفسادُ ف الب والبحر‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فل تكونوا أشباهًا ل ن خدع هُ الملُ وغرّ بطول ال جل وتبلغ بالما ن‪ ،‬ن سأل‬
‫ال أن يعلنا وإياكم مّن وعى نذرهُ‪ ،‬وعقل فمهد لنفسه‪.‬‬
‫ك تب بعض هم إل أخ يُو صيه‪ :‬أ ما ب عد‪ ،‬فإ ن أو صيك بتقوى ال‪ ،‬والع مل ب ا‬
‫علمك ال عز وجل‪ ،‬والراقبة حيث ل يراك أحد إل ال عز وجل‪ ،‬والستعداد لا‬
‫ليس لحد فيه حيلة‪ ،‬ول تنفع الندامة عند نُزوله‪.‬‬
‫فاح سر عن رأ سك الغافل ي‪ ،‬وانت به من رقدة الو تى‪ ،‬وش ر لل سباق غدًا فإن‬
‫الدنيا ميدان السابقي‪ ،‬ول تغترّ بن أظهر النّسك‪ ،‬وتشاغل بالوصف‪ ،‬وترك العمل‬
‫بالوصوف‪.‬‬
‫واعلم يا أخي‪ :‬أنه لبدّ ل ولك من القام بي يدي ال عز وجل‪ ،‬ولست آمن‬
‫أن ي سألن وإياك عن و ساوس ال صدور‪ ،‬ولظات العيون‪ ،‬وإ صغاء ال ساع‪ ،‬و ما‬
‫عسى أن َيعْجز مثلي عن صفته‪.‬‬
‫واعلم‪ :‬أ نه م ا وُ صف به منافقوا هذه ال مة أن م خالطوا أ هل الدن يا بأبدان م‬
‫وطابقوهم عليها بأهوائهم‪ ،‬وخضعوا لا طمعوا من نائلهم‪ ،‬وداهن بعضهم بعضًا‬
‫ف القول والف عل‪ ،‬فأ شر وب طر قول م‪ ،‬ومرّ خبيث فعل هم‪ ،‬تركوا با طن الع مل بل‬
‫تصحيح فحرمهم ال تعال بذلك الثمن الرّبيح‪.‬‬
‫واعلم يا أ خي‪ :‬أ نه ل يزي من الع مل القول‪ ،‬ول من البذل العدةُ‪ ،‬ول من‬
‫التقوى ول من التوقّي التلوُم‪.‬‬
‫وقد صرنا ف زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرّض للمقت وصُدّ‬
‫عن سواء السبيل‪ ،‬وفقنا ال ع ّز وجل وإياك لا يب ويرضى‪ ،‬انتهى‪ .‬وال أعلم‪،‬‬
‫وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫فوائد ومواعظ‬
‫‪37‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال مالك بن دينار‪ :‬مثلُ قُراء هذا الزمان كمثل رج ٍل نصب فخًا ونصب فيه‬
‫بُرة فجاء عُصبفورٌ‪ ،‬فقال‪ :‬مبا غيّببك ف التراب؟ قال‪ :‬التواضبع‪ ،‬قال‪ :‬لي شيبء‬
‫اننيت؟ قال‪ :‬من طول العبادة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما هذه البُروة النصوبة فيك؟ قال‪ :‬أعددتُها للصائمي‪ ،‬فقال‪ :‬نعم الار‬
‫أنت‪.‬‬
‫فلما كان عند الغرب َدنَا العصفور ليأخذها فخنقه الفخّ‪.‬‬
‫فقال العصبفور‪ :‬إن كان العباد ينقون خنقبك فل خيب فب العباد اليوم‪ ،‬ومرّ‬
‫وال البصر بالك بن دينار والوال يرفلُ (أي يرّ ذيل ُه ويتبختر)‪ ،‬فصاح به مالك‪:‬‬
‫أقل من مشيتك هذه‪ ،‬فهمّ خدم الوال بالك‪ ،‬فقال‪ :‬دعوه‪.‬‬
‫ث قال‪ :‬ما أراك تعرفن‪ ،‬فقال له مالك‪ :‬ومن أعرف بك من أما أولك فنطفة‬
‫مذرة‪ ،‬وأما آخرك فجيفة قذرة ث أنت بي ذلك تم ُل البول والعذرة فنكس الوال‬
‫رأسه ومشى‪.‬‬
‫ت بالسر‪ ،‬قال العشّار‬
‫عن مالك بن دينار قال‪ :‬قدمت من سفر ل فلما صر ُ‬
‫(الذي يأخذ العشر ضريبة)‪ :‬ل يرجن أحد من السفينة ول يقومن أحدٌ من مكانه‬
‫فأخذت ثوب فوضعته على عُنقي ث وثبت فإذا أنا على الرض‪.‬‬
‫فقال العشّار‪ :‬ما أخر جك؟ قل تُ‪ :‬ل يس م عي ش يء‪ ،‬قال‪ :‬اذ هب‪ ،‬فقل تُ ف‬
‫ف تعو يق يوم القيا مة) التعو يق‬
‫نف سي‪ :‬هكذا ال مر الخرة (يع ن ما ي صلُ للمخ ِ‬
‫يصل لهل الموال كل بسبه‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬ما يس ُر العاقل أن الدنيا له منذ خلقت إل أن تفن يتنعم‬
‫فيها حل ًل ل يسأ ُل عنه يوم القيامة‪ ،‬وأنه حُجب عن ال عز وجل ساعةً واحدةً‪،‬‬
‫فكيف بن حُجب أيام الدنيا وأيام الخرة‪.‬‬
‫من أك ثر ذ كر الوت كفا هُ الي سي‪ ،‬و من علم أن منط قه من عمله قلّ كلم هُ‬
‫(إل بذكر ال وحده وشكره)‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن الوزاعي‪ ،‬قال‪ :‬كان يُقا ُل يأت على الناس زمانٌ أقل شيءٍ ف ذلك الزمان‬
‫أخ مؤنسٌ أو درهمٌ من حلل‪ ،‬أو عملٌ ف سنة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬كان ال سلفُ إذا صدع الف جر أو قبله بش يء كأنّ على رؤو سهم الطيُ‬
‫مُقبلي على أنفسهم لو أن حيمًا (أي صديقًا أو قريبًا) لحدهم غاب عنه حينًا ث‬
‫قدم ما التفت إليه‪.‬‬
‫فل يزالون كذلك ح ت يكون قريبًا من طلوع الش مس‪ ،‬ث يقوم بعض هم إل‬
‫ب عض فيتحلقون‪ ،‬وأوّل ما يُفيضون ف يه أمرُ معاد هم‪ ،‬و ما هم صائرون إل يه‪ ،‬ث‬
‫يتحلفون إل الفقه والقرآن‪.‬‬
‫علمهب بخالطتهبم‬
‫ُ‬
‫مبن توفيبق ال للنسبان أن يكون له إخوان فب ال يزدادُ‬
‫وتزداد طاعاته ويزداد حفظًا لوقاته‪.‬‬
‫به َنقْصببٌ وخُسببْرانُ‬
‫برّ فإنّ ب أوقاتَب‬
‫ب َبيْن بَ إخْوان بٍ يُس َ‬
‫مَبن ل َيكُن ْ‬
‫ببع ال ْحبَاب َميْدَان‬
‫ْسب فيبه تقبى سببَ ّم الياط مب‬
‫َبب الرض مبا لِلّنف ِ‬
‫وأ ْطي ُ‬
‫ب العْداء نيان‬
‫ب َ‬
‫ببر النان مَعب‬
‫ْسب فيبه أذَى خضب‬
‫الرضب م َا لِلّنف ِ‬
‫ِ‬
‫َثب‬
‫وأ ْخب ُ‬
‫عن عا مر أن ابنًا لشر يح قال لب يه‪ :‬بي ن وب ي قوم خ صومة فان ظر فإن كان‬
‫القُ ل خاصمتهم‪ ،‬وإن ل يكن ل الق ل أخاصمهم‪ ،‬فقص قصته عليه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬انطلق فخاصمهم‪ ،‬فانطلق فخاصمهم إليه فقضى على ابنه‪.‬‬
‫فقال له لا رجع إل أهله‪ :‬وال لو ل أتقدم إليك ل ألك فضحتن‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وال يا بن لنت أحب إلّ من ملئ الرض مثلهم؛ ولكن ال هو أعزّ‬
‫عليّ م نك أخ شى أن أ خبك أن القضاء عل يك فت صالهم فتذ هب بب عض حق هم‪،‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬هل يوجد مثل العدل والورع؟‬
‫ق يل لياس بن معاو ية‪ :‬ف يك أر بع خ صال‪ :‬دما مة‪ ،‬وكثرة كلم‪ ،‬وإعجاب‬
‫بنفسك‪ ،‬وتعجيل بالقضاء‪.‬‬
‫قال‪ :‬الدمامبة فالمبر فيهبا إل غيي‪ ،‬وأمبا كثرة الكلم فبصبواب أتكلم أم‬
‫بطأ؟ قالوا‪ :‬بصواب‪ ،‬قال‪ :‬فالكثار من الصواب أمثل (أي أحسن)‪ ،‬وأما إعجاب‬
‫‪39‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بنف سي‪ ،‬أفيعجبُك مُ ما ترون م ن؟ قالوا‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬فإن أحقّ أن أع جب بنف سي‪،‬‬
‫وأما قولكم‪ :‬فإن أتعجل القضاء‪ ،‬فكم هذه ‪-‬وأشار بأصابع يده؟ فقالوا‪ :‬خسة‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أعجلتم أل قُ ْلتُم واحدًا واثني وثلثة وأربعة وخسة‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ما نعدّ شيئًا قد عرفناه‪ ،‬قال‪ :‬وأنا ما أحبس شيئًا قد تبي ل فيه الكم‪.‬‬
‫عن جعفر بن يي بن خالد البمكي‪ ،‬قال‪ :‬ما رأينا ف القُراء أحدًا مثل عيسى‬
‫بن يونس أرسلنا إليه فأتانا بالرقة فاعتل قبل أن يرجع‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا عمرو‪ ،‬قد أمر‬
‫لك بعشرة آلف‪ ،‬فقال‪ :‬هبي‪ ،‬فقلت‪ :‬خسبون ألف ًا‪ ،‬قال‪ :‬ل حاجبة ل فيهبا‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬لِمَ وال لهنئنكها هي وال مائة ألف‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل وال ل يتحدث أهل العلم أن أكل تُ لل سّنة ثنًا‪ ،‬أل كان هذا قبل أن‬
‫ترسلوا إلّ‪ ،‬فأما على الديث فل وال ول شرابةَ ماء ول هليلجة‪.‬‬
‫وقال أبو بكر الرزوي‪ :‬سعتُ أحد بن حنبل وذكر ورع عيسى بن يونس‪،‬‬
‫قال‪ :‬قدم فأُمر له بائة ألف‪ ،‬أو قال‪ :‬بال فلم يقبل‪ ،‬وتدري ابن كم؟ كان عيسى‬
‫أراد أنه كان حدث السن‪.‬‬
‫وقال ممد بن النكدر‪ :‬حج الرشيد فدخل الكوفة فركب المي والأمون إل‬
‫عيسى بن يونس فحدثهما فأمر له الأمون بعشرة آلف درهم‪.‬‬
‫فأب أن يقبل ها فظن أنه استقلها‪ ،‬فأ مر له بعشر ين ألفًا‪ ،‬فقال عي سى‪ :‬ل وال‬
‫ول إهليل جة ول شر بة ماء على حد يث ر سول ال ‪ ،‬ولو ملت ل هذا ال سجد‬
‫ذهبًا إل السقف‪.‬‬
‫طلب الليفة هشام ب ُن عبداللك ذات يوم أحد العلماء‪ ،‬فلما دخل عليه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫السلم عليك يا هشام‪ ،‬ث خلع نعليه وجلس بانبه‪.‬‬
‫فغضب هشام وهم بقتله ولا تدث معه وجده عالًا كبيًا‪.‬‬
‫فلمبا انتهبى الديبث عاتببه بقوله له لقبد سبيتن باسبي ول تُكنّنب أو ت ْدعُنب‬
‫باللفة‪ ،‬وخلعت نعليك وجلست بانب فلم فعلت ذلك‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬ل أدعُك باللفة؛ لن الناس ل ينتخبوك كُلّهم‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وسيتك ول أكنّك؛ لن ال جل وعل وتقدس نادى النبياء بأ سائهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يا عيسى‪ ،‬يا إبراهيم‪ ،‬يا موسى‪ ،‬يا نوح‪ ،‬يا داود‪.‬‬
‫وكنّى عدوه‪ ،‬فقال‪ :‬تَبّتْ َيدَا أَبِي لَ َهبٍ ‪.‬‬
‫وخلعتُ نعلي بانبك وأنا أخلعهما لا أدخُل بيت رب‪.‬‬
‫وجل ست بان بك؛ ل ن سعتُ أن ر سول ال قال‪« :‬مَن سَ ّرهُ أن يُ َمثَلَ له‬
‫الرجَالُ قِيامًا َف ْليَتَبوّءْ َم ْقعَ َدهُ من النار»‪.‬‬
‫فكرهت لك النار فأمر له هشام بال فلم يقبله وانصرف‪.‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬هذا الورع عن أخذ شيء من حطام الدنيا على ما حدثهما به‪،‬‬
‫وقال‪ :‬ل يتحدث أهل العلم أن أكلتُ للسّنة ثنًا‪.‬‬
‫فما ظنك بن يأكل بالكتب الت تتوي على اليات والحاديث باسم تقيق‬
‫أو نشر ويتكرها‪ ،‬نسأل ال العفو والعافية ف الدنيا والخرة‪ ،‬نعوذ بال من عمى‬
‫البصية‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬أَفَمَن ُزيّنَ َلهُ سُوءُ عَمَ ِلهِ فَرَآهُ حَسَنًا ‪.‬‬
‫قال يوسف بن أسباط‪ :‬عجب تُ كيف تنا مُ عيٌ مع الخافة أو يغفلُ قلب مع‬
‫اليقي بالحاسبة!!‬
‫مبن عرف وجوب حبق ال عبز وجبل على عباده ل تسبتحل عيناه أبدًا إل‬
‫بإعطاء الجهود من نفسه‪.‬‬
‫خلق ال تعال القلوب مساكن للذكر‪ ،‬فصارت مساكن للشهوات‪.‬‬
‫الشهوات مُفسببدة للقلوب‪ ،‬وتلف للموال‪ ،‬وإخلق للوجوه‪ ،‬ول يحببو‬
‫الشهوات من القلوب إل خوف مزعج أو شوق مُقلق‪.‬‬
‫وقال‪ :‬الزهدُ ف الرياسة أشد من الزهد ف الدنيا‪.‬‬
‫وكان يُقال‪ :‬اعمل عمل رجل ل يُنجيه إل ال ث عمله‪ ،‬وتوكل توكل رجل‬
‫ل يصيبه إل ما كُتب له‪.‬‬
‫اللهم عرّفن نفسي ول تقطع رجاءك من قلب‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقالت زوج ته‪ :‬كان يقول اشت هي من ر ب ثلث خ صال‪ ،‬قُل تُ‪ :‬و ما هُنّ؟‬
‫قال‪ :‬اشتهي أن أموت حي أموت وليس ف ملكي درهم‪ ،‬ول يكو نُ عليّ دي نٌ‪،‬‬
‫ول على عظمي لم‪.‬‬
‫فأعطي ذلك كُله‪ ،‬ولقد قال ل ف مرضه‪ :‬أبقي عندك نفقة؟ فقلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فماذا تر ين؟ قل تُ‪ :‬أخرج هذه الاب ية للب يع‪ ،‬فقال‪ :‬يعلم الناس بال نا ويقولون ما‬
‫باعُوها إل وث حاجة شديدة‪ .‬فأخرج إلّ شيئًا كان أهداه إليه بع ضُ إخوانه فباعه‬
‫بعشرة دراهم‪ ،‬وقال‪ :‬اعز ل منها درهًا لنوطي وأنفقي باقيها‪ ،‬فمات‪ ،‬وما بقي‬
‫غي درهم‪.‬‬
‫بَتقِ ُروْنَ ُد ْونَهببُ‬
‫ب عِبا ٌد وَحْدَهببُ يَ ْعبُ ُد ْونِهببُ يَ ُر ْو ُموْنَهببُ ل يَسب ْ‬
‫لِ َربّيب ْ‬
‫ب ُدوْنَهُ‬
‫ب ُد السبْن الذي َيقْص ُ‬
‫بتَنَ ُدوْا ببه ُهوَ ا َلقْص َ‬
‫السبنَ ُد القْوى الذي اس ْ‬
‫ُهوَ ّ‬
‫بوَى َموْلهُمُوا يَ ْطُلُبوْنَهببُ‬
‫ب فليسببَ سبِ‬
‫ب غَيْرَه ُ‬
‫إذا ا ْعتَمَ َد ا ُلضْطَرُ فب الَطب ِ‬
‫ْسبُد ْونَهُ‬
‫الناسب مبن يَح ُ‬
‫ْسب لمب فب ِ‬
‫َمب فَلي َ‬
‫ُوكب بِمُ ْل ِكه ْ‬
‫الناسب الل َ‬
‫ُ‬
‫َسب َد‬
‫وإنب ح َ‬
‫ْ‬
‫ج ُد ْونَهببُ‬
‫لّنهُ ُموْا َحّلوْا بسبببَا َح ٍة مَالِكبببِ فَ َمهْمَببا أرَادُوا ِعنْدَهببُ يَ ِ‬
‫ب القُوتببُ الذي يَ ْقتَ ُد ْونَهببُ وتو ِحيْدُهبببُ الوِ ْردُ الذي يَر ُد ْونَهبببُ‬
‫حّبتُهب ُ‬
‫مَ َ‬
‫َهب‬
‫ُمب َيفْتَ ُد ُون ُ‬
‫َاكب القَدْ َر ه ْ‬
‫الروحب ذ َ‬
‫ِ‬
‫بلِهِ َقدْرُ َذ ّرةٍ فَببا‬
‫ب مبن وَص ْ‬
‫مَتَبى فَاَتهُم َ‬
‫ب ُطوْلَ الَدَى َي ْعبُ ُد ْونَهبُ‬
‫بوَاهُمْ َفهُم ْ‬
‫ِلهَذا اص بْ َطفَاهُمْ َل ْلعِبَا َدةِ ُدوْن بَ مَن بْ س ِ‬
‫بى يَ ْرتَ ُد ْونَهببُ‬
‫ب الوَرَى َفوَلؤُه ببُ طِر ٌز على ثوبببِ التُقَب‬
‫ب َ‬
‫َتوَلّهُ ُموْا ُدوْنب‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫ت على عا بد وإذا أهلُ بيته حوله فإذا هو مهود‬
‫عن يز يد الرقاشي قال‪ :‬دخل ُ‬
‫قد أجهده الجتهاد‪.‬‬
‫قال‪ :‬فبكى أبوه فنظر إليه‪ ،‬ث قال‪ :‬أيها الشيخ‪ ،‬ما الذي يُبكيك؟ قال‪ :‬يا بُن‪،‬‬
‫أبكي فقدك‪ ،‬وما أرى من جهدك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فبكت أمه‪ ،‬فقال‪ :‬أيتها الوالدة الشفيقة الرقيقة‪ ،‬ما الذي يبكيك؟ قالت‪:‬‬
‫يا بُ ن‪ ،‬فرا قك و ما أتعجلُ من الوح شة بعدك؟ قال‪ :‬فب كى أهله و صبيانه‪ ،‬فن ظر‬
‫‪42‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫إليهم‪ ،‬ث قال‪ :‬يا معشر اليتامى‪ ،‬بعد قليل ما الذي يُبكيكم؟ قالوا‪ :‬يا أبانا نبكي‬
‫فراقك‪ ،‬وما الذي تتعجل من اليُتم بعدك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقال‪ :‬أقعدون أرى كلكم يبكي لدُنياي‪ ،‬أما فيكم من يبكي لخرت!‬
‫أما فيكم من يبكي لا يلقاه ف التراب وجهي! أما فيكم من يبكي لسألة منكر‬
‫ونكي وإيّاي! أما فيكم من يبكي لوقوف بي يدي ال رب!‬
‫قال‪ :‬ث صرخ صرخةً فمات‪.‬‬
‫عن عبدالرحن بن يزيد بن جابر قال‪ :‬كان عبدالرحن بن يزيد بن معاوية خلً‬
‫لعبد اللك بن مروان‪ ،‬فلما مات عبداللك بن مروان وتصدع الناس عن قبه وقف‬
‫عليه‪ ،‬فقال‪ :‬أنت عبداللك الذي كُنت تعدُن فأرجوك وتوعدن فأخافك أصبحت‬
‫ول يس م عك من مل كك غ ي ثو بك ول يس لك م نه غ ي أرب عة أذرع ف عرض‬
‫ذراعي‪.‬‬
‫ث انك فأ إل أهله واجت هد ف العبادة ح ت صار كأ نه ش ٌن بال‪ ،‬فد خل عل يه‬
‫ب عض أهله فعات به ف نف سه وإضراره ب ا‪ ،‬فقال للقائل‪ :‬أ سألك عن ش يء ت صدقن‬
‫عنه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أخبن عن حالتك الت أنت عليها أترضاها للموت؟ (العن‬
‫أتر ضى أن يأت يك الوت وأ نت علي ها)‪ ،‬قال‪ :‬الل هم ل‪ .‬قال‪ :‬أفعز مت على انتقال‬
‫منها إل غيها؟ قال‪ :‬ما انتصحت رأيي ف ذلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬أفتأم نُ من أن يأتيك الو تُ على حالك الت أنت عليها؟ قال‪ :‬اللهم ل‪،‬‬
‫قال‪ :‬حال ما أقام عليها عاقل‪ ،‬ث انكفأ إل مصله‪.‬‬
‫وروي أن سليمان بن عبداللك ت مل يومًا ول بس ثيابه واع تم بعما مة وعند هُ‬
‫جار ية‪ ،‬فقال ل ا‪ :‬ك يف تر ين اليئة؟ فقالت‪ :‬أ نت أج ل العرب لول‪ ،‬فطلب من ها‬
‫أن تكمل الواب وتصرح با أضمرت‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫ب َتبْقَبى غَيَ أن ل َبقَاءَ للنْسبببببببَانِ‬
‫ب َلوْ ُكنْت َ‬
‫ب التاع ُ‬
‫ب ِنعْم َ‬
‫أنْت َ‬
‫ب َغيْ َر أنّكببَ فَانببِ‬
‫ب ال ُعيُوب بِ وما ب يكَرَهببُ الناسب ُ‬
‫ب مِن ْ‬
‫أنْت بَ خِلْق ٌ‬

‫‪43‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فتكدر عليه ما كان فيه من ال َبةِ والنعيم وما لبث بعدها إل أيامًا قلئل حت‬
‫تُوف‪.‬‬
‫َعب‬
‫َاهب م ِن زَخَارِف تَخْد ُ‬
‫ب ُطوْلُ عُمِره ومبا قبد َحو ُ‬
‫َفقُلْ لِلّذي قببد غَرّهب ُ‬
‫بيْرةٍ تَجِدْ كُلّ مببا فيهببا ودَائِع ت ْرجِعببُ‬
‫ب وانْظِبر الدنيبا بعَيِب بَص ِ‬
‫أفِق ْ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب عِبْ َرةً وتَتْرُكُهببببببا وَْلهَاءَ َحوْ َل ا َلقَابِرِ‬
‫ب الّنفْسب َ‬
‫ب بِ ٍر ُتوْرِثب ُ‬
‫َموَاعِظب ُ‬
‫ب ثَائِرِ‬
‫ب ذِكْرَهَبا ُتهَيّجببُ أ ْحزَانًبا مِبن القلببِ‬
‫ب إمّاب تَسبْأ ِم النّفْس ُ‬
‫مَواعِظ ُ‬
‫ب أوّ ُل زائِرِ‬
‫فَدُونَ كَ يا ذَا ال َفهْ مِ إ نْ ُكنْ تَ ذَا نُهَى َفبَادِ ْر فإنّببب الوتبب َ‬
‫روي عن عبدال بن عمرو بن العاص أ نه قال‪ :‬لن أدمع دمعةً من خشية ال‬
‫عز وجل أحب إلّ من أن أتصدق بألف دينار‪.‬‬
‫ول ا حضرت عا مر بن ق يس الوفاة ب كى‪ ،‬وقال‪ :‬إ ن ل أ بك جزعًا من الوت‬
‫ول حر صًا على الدن يا؛ ول كن أب كي على عدم قضاء وطري من طا عة ر ب وقيام‬
‫الليل ف أيام الشتاء‪.‬‬
‫وب كى أ حد العباد عند ما احت ضر‪ ،‬وقال‪ :‬ما تأ سفي على دار الموم والنكاد‬
‫والحزان والطايبا والذنوب‪ ،‬وإناب تأسبفي على ليلة منتهبا ويوم أفطرتبه وسباعة‬
‫غفلت فيها عن ذكر ال‪.‬‬
‫ولا احتضر مسروق بن الجدع بكى‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما هذا الزع؟ قال‪ :‬ما ل ل‬
‫أجزع وإن ا هي ساعة ول أدري أ ين ي سلك ب وب ي يدي طريقان ل أدري إل‬
‫النة أم إل النار‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫الناس ف القناعة والزهد أقسام‪ ،‬منهم من عمل لدنياه وآخرته واستع من الدنيا‬
‫با رزقه ال ورضي وقع به‪ ،‬وهذا عيش الؤمن والقناعةُ ممودة‪ ،‬قال بعضهم‪:‬‬
‫‪44‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ُفب نَائِبًا‬
‫سببْلِ الخَاو ِ‬
‫َاتب عبن ُ‬
‫ب ِعيْشَبة ومَن ب َ‬
‫يُقولُون ل مَبن أ ْرغَ ُد الناس ِ‬
‫ب رَاضِيًبا‬
‫ب ال فب الرزق ِ‬
‫َفقُلْتببُ ِلَبيْبببٌ عارِفببٌ َقهَ َر الَوى وصبارَ ُبكْم ِ‬
‫آخر‪:‬‬
‫بعَ ِد البَشَرِ‬
‫ب إذًا مِبن أس ْ‬
‫ْنب لَو جُمع َا عِنْدِي َل ُكنْت ُ‬
‫ْفب قَلْبب على َشيَْئي ِ‬
‫يبا َله َ‬
‫ب َيقِيْن ب شَ ّر مَس بْألةٍ وخِ ْد َم ِة العِلم بِ َحتّى ب َينْتَهِبي عُ ُمرِي‬
‫ب َعيْش ٍ‬
‫كَفاف ِ‬
‫ع الَياة الدن يا وزخرف ها عرضًا زائلً ولذة‬
‫الق سم الثا ن من الناس وَ َج َد َمتَا َ‬
‫مؤقتة وشاغلً ل هُ عن عبادة ربه والدار الخرة‪ ،‬فأخذ من الدنيا ما لبُدّ منه وعاش‬
‫عيش الكفاف من الكسب اللل‪.‬‬
‫ل بقوله ‪:‬‬
‫وصبرف معظبم أوقاتبه لعبادة رببه طمعًا فب مببة ال ورضاه عم ً‬
‫ك الناس»‪ ،‬وهذا هو الذي‬
‫«ا ْزهَدْ ف الدُنيا يُحبُكَ ال‪ ،‬وازهَ ْد فيما عند الناس يُحبُ َ‬
‫ف وقته عكس من ذهبت أعمارهم فُرطًا‪.‬‬
‫عَرف كيف يصر ُ‬
‫ح با‪ ،‬وإ نْ ل تأ تِ ل‬
‫وأهم الزهد ف الدنيا أ نْ ل تُلقى لا بالً إ نْ َأتَ تْ ل َتفْ َر ْ‬
‫تأسف عليها‪ ،‬وترجها من قلبك وتصرف رغبتك وفرحك إل فضل ال ورحته‪،‬‬
‫قال تعال‪ُ :‬قلْ ِبفَضْلِ ال ّلهِ َوبِ َرحْمَِتهِ فَِب َذِلكَ فَلَْيفْ َرحُوا هُوَ خَ ْيرٌ مّمّا َيجْ َمعُونَ ‪.‬‬
‫ب الشبهات خوفًا‬
‫وق سمٌ من الناس ورعون ودر جة الورع عال ية‪ ،‬و هي اجتنا ُ‬
‫من الوقوع ف الرام‪ ،‬والقل ُل من اللل لئل يُشغِ ْل عن العبادة‪.‬‬
‫والورعُ مل ُك الدين وآفة الدين الطمع‪.‬‬
‫وأ هم ما ف الز هد والورع‪ ،‬الز هد ف الرام‪ ،‬والورع عن الشبهات‪ ،‬وحُ سنُ‬
‫الدب مع ال‪.‬‬
‫روي عن أب حنيفة أنه له ديْ نٌ على رجل ف بغداد فذهب إليه ومعه بعض‬
‫تلميذه‪ ،‬وذلك ف وسط النهار‪ ،‬والرُ شديد فطرق الباب على الدائن‪ ،‬وابتعد عن‬
‫الباب لوجود سبقيفة فوق الباب لاب ظ ٌل يقبي مبن حَرّ الشمبس‪ ،‬فقال له أحبد‬
‫‪45‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫تلميذه‪ :‬ل ابتعدنا عن السقيفة ووقفنا ف الشمس‪ ،‬فقال أبو حنيفة‪ :‬لنا دين على‬
‫صاحب السقيفة‪ ،‬ووقوفنا تت السقيفة هو استفادة من الدين‪ ،‬وهذه ُشْب َهةُ ربا‪.‬‬
‫جاءت امرأة إل عمرو ببن قيبس بثوب‪ ،‬فقالت‪ :‬يبا أببا عبدال‪ ،‬اشتبر هذا‬
‫الثوب‪ ،‬واعلم أن غزله ضعيبف وكان إذا جاءه إنسبان يعرضبه عليبه قال‪ :‬إن‬
‫صاحبته أ خبتن أ نه كان ف غزله ض عف ح ت جاء ر جل فاشتراه‪ ،‬وقال‪ :‬برأناك‬
‫منه‪.‬‬
‫وبعث أبو حنيفة إل حفص بن عبدالرحن شريكه ف التجارة وأعلمه أن ثوبًا‬
‫من البيع فيه عيبًا فبينهُ للمشتري‪.‬‬
‫ص التاع ون سي أن يُبي الع يب وا ستوف الث من كاملً‪ ،‬وق يل‪ :‬إن‬
‫فباع حف ُ‬
‫الثمن كان ثلثي ألفًا أو خسة وثلثي ألفًا‪ ،‬فبعث أبو حنيفة لشريكه وكلّفه أن‬
‫يب حث عن الشتري فلم يهتدي إل الر جل‪ ،‬ففارق أ بو حني فة شري كه وتتار كا‪،‬‬
‫ق به كاملً‪.‬‬
‫ورفض أبو حنيفة أن يُضيف الثمن إل ُحرّ ماله وتص ّد َ‬
‫وكان عند يونس بن عُبيد حُلل متلفة فيها ما قيمتها أربعمائة وفيها ما قيمتها‬
‫مائتان‪.‬‬
‫فخلّف ا بن أخ يه ف الدُكان فجاء أعرا ب فطلب حُّل ًة بأر بع مائة فعرض عل يه‬
‫من الذي قيمتُه مائتان فاشتراها بأربعمائة‪.‬‬
‫فاسبتقبل ُه يُونبس وهبي على يده فعرفهبا‪ ،‬فقال له‪ :‬بكبم اشتريتهبا؟ فقال‪:‬‬
‫بأربعمائة‪ ،‬فقال‪ :‬ل تساوي أكثر من مائتي فارجع حت ت ُر ّدهَا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬هذه ف لد نا تُ ساوي خ سمائة وأ نا ارتضيتُ ها‪ ،‬فقال يو نس‪ :‬ان صرف‬
‫معي‪ ،‬فإن النصح ف الدين خيٌ من الدنيا وما فيها‪ ،‬ث أتى إل الدكان وردّ عليه‬
‫مائت درهم‪.‬‬
‫وخا صم ا بن أخ يه ف ذلك ووب ه‪ ،‬وقال‪ :‬أ ما ا ستحييت أ ما اتق يت ال تر بح‬
‫مثل الثمن وتترك النصح للمسلمي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما أخذها إل وهو راضٍ با‪ ،‬قال‪ :‬فهل رضيت له با ترضاهُ لنفسك‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقيل لجمع التيمي وقد جلب شاته للبيع‪ :‬كيف شاتك‪ ،‬قال‪ :‬ما أرضاها؟‬
‫وروي عن ممد بن النكدر أن غلمه باع لعراب ف غيبته ما يُساوي خسةً‬
‫ب العراب ويسأل عنه حت وجدهُ‪.‬‬
‫بعشرة‪ ،‬فلم يزل يطل ُ‬
‫فقال له‪ :‬إن الغُلم قد غلط فباعك ما يُساوي خسةً بعشرة‪ ،‬فقال‪ :‬يا هذا قد‬
‫رضي تُ‪ ،‬فقال‪ :‬وإن رضي تَ‪ ،‬فإ نا ل نر ضى لك إل ما نرضاه لنف سنا‪ ،‬ورَدّ عل يه‬
‫خسة‪.‬‬
‫ول در القائل‪:‬‬
‫بم‬
‫ب فل تَ ُظنّيبب غَيْرَهببُ أنّب التّورُعببَ عنببد هذا الدّرْهَب‬
‫وََلقَ ْد عَلِمْتب ُ‬
‫ب َتقْوى الُس بْلِمِ‬
‫ب بأنّب هُناك َ‬
‫فإذا قَ ِدرْتببَ عليببه ثُمّ ب تَرَ ْكتَهببُ فاعْلَم ْ‬
‫وف الثل السائر‪ :‬الدنيا مَحَكّ الدِين‪.‬‬
‫وعرض ممد بن واسع بسوق مرو حارًا له على البيع‪ ،‬فقال له رجل‪ :‬أترضاهُ‬
‫ل؟ قال‪ :‬لو رضيتُه لكَ لَ ْم أبّعهُ‪.‬‬
‫وذ كر أن جر ير بن عبدال ‪-‬وكان من أفا ضل ال صحابة‪ -‬اشترى له غُلمُ هُ‬
‫فر سًا بثلثائة‪ ،‬فل ما رأى جر ير الفرس أعج به‪ ،‬فذ هب إل صاحبه‪ ،‬وقال له‪ :‬إن‬
‫فر سك خيٌ من ثلثائة (أي ت سوى أز يد) و ما زال يزيده ف الث من ح ت أعطاه‬
‫ثانائة‪.‬‬
‫تأ مل يا أ خي‪ ،‬هذا الورع هل له نظ ي ف زمننا الذي ساد فيه الغش‪ ،‬بلّغ يا‬
‫أخي معشر الغشّاشي والطماعي والغرارين والدّاعي‪.‬‬
‫وروى ابن أب حات بسنده أن أبا الدرداء لا رأى ما أحدث السلمون ف‬
‫الغوطة من البنيان‪ ،‬وغرس الشجار‪ ،‬قام خطيبًا ف مسجدهم‪.‬‬
‫فنادى يبا أهبل دمشبق‪ ،‬فاجتمعوا إليبه فحمبد ال وأثنب عليبه‪ ،‬ثب قال‪ :‬أل‬
‫تسبتحيون! أل تسبتحيون! أل تسبتحيون! تمعون مبا تأكلون وتبنون مبا ل‬
‫تسكنون‪ ،‬وتؤملُن ما ل تُدركون‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫إنبه قبد كان قبلكبم قرون‪ ،‬يمعبن فيُوعون‪ ،‬ويبنُون فيوثقون‪ ،‬ويُؤملُون‬
‫فيُطيلون‪.‬‬
‫فأصبح أملهم غرورًا وأصبح جعهم بُورًا‪ ،‬وأصبحت مساكنهم قبورًا‪ ،‬أل إن‬
‫ل وركابًا‪ ،‬فمبن يشتري مبي مياث عادٍ‬
‫عدنب وعُمان خي ً‬
‫عادًا ملكبت مبا بيب ٍ‬
‫بدرهي‪.‬‬
‫إذا مَرضْنَببا نَويْنَببا كُلّ صببَالة وإن ُش ْفيْنَببا َف ِمنّابب الزيببغ والزَّللُ‬
‫با عَمَلُ‬
‫بو لَنَب‬
‫نرجببو الله إذا خِفنببا ونُسببْخِطُه إذا أمنّابب فمببا َيزْكُب‬
‫وكَتب أبو الدرداء إل مسلمة بن ملد النصاري‪ :‬أما بعد‪ ،‬فإن العبد إذا عمل‬
‫بطاعة ال أحبهُ ال‪ ،‬فإذا أحبهُ ال حّببَهُ إل خلقِهِ‪ ،‬وإذا عمل بعصيةِ ال أبغضهُ ال‪،‬‬
‫فإذا أبغضه ال بغضهُ إل خلقه‪.‬‬
‫وك تب مرةً إل أخ ل هُ‪ :‬أ ما ب عد فل ست ف شيءٍ من أ مر الدنيا إل ما قد مت‬
‫لنفسك‪ ،‬فآثرها على الُصلح من ولدك فإنك تقد مُ على من ل يعذُرك وتمع لن‬
‫ل يمدك‪.‬‬
‫وإن ا تم عُ لواحدٍ من اثن ي‪ ،‬إمّ ا عاملٌ ف يه بطاعةِ ال عز و جل‪ ،‬في سعد ب ا‬
‫شقيت به‪.‬‬
‫وإما عاملٌ فيه بعصية ال عز وجل‪ ،‬فيشقى با جعتَ له‪.‬‬
‫وليس وال واح ٌد منهما أهلٍ أن تُبّد لهُ على ظهرك‪ ،‬وأن تؤثرهُ على نفسك‪.‬‬
‫ج ل ن م ضى من هم رح ة ال‪ ،‬و ثق ل ن ب قي من هم برزق ال عز و جل‪،‬‬
‫أر ُ‬
‫والسلم‪.‬‬
‫ت فاسْمعوا‪:‬‬
‫وقيل لب الدرداء‪ :‬مالك ل تشعر؟ قال‪ :‬قد قُ ْل ُ‬
‫بببب ال إل مَببببا أرَادَا‬
‫يُريْدُ الرءُ أن ببْ يُعْطَببى ُمنَاه ببُ ويَأبب‬
‫َيقَولُ الر ُء فائِدتببببببب ومَال وتقوى ال أفضلُ مبببا اسبببَْتفَادا‬

‫‪48‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال‪ :‬ما من أ حد إل و ف عقله ن قص عن حل مه وعل مه‪ ،‬وذلك أ نه إذا أتت هُ‬
‫الدُنيا بزيادة ف مال ظل فرحًا مسرورًا‪.‬‬
‫و الل يل والنها ُر دائبَا نِ ف هدم عُ ُمرِ ِه ل يُحزنُه لك‪ ،‬ظلّ ظللُه‪ ،‬ما ينف عُ مالٌ‬
‫يزيد وعُمُ ٌر ينقص‪.‬‬
‫وقال‪ :‬نِعْم صومَعةِ الر ِء ال سلم بيتُه يكُ فُ ل سانه وفر جه وب صرهُ‪ ،‬و إيا كم‬
‫ومالس السواق‪ ،‬فإنا تُلهي وتلغِي‪.‬‬
‫بن العاد وذكره وتشاغلُوا بالرص والطماع‬
‫خَلَت بِ القلوب بُ مب‬
‫ف والتلفاز والذياع‬
‫ح ِ‬
‫َالسب مبن ترى وحديثهبم فببب الصبببُ ْ‬
‫صبَارتْ م ُ‬
‫وعن أب الدرداء قال‪ :‬أخو فُ ما أخا فُ أ ْن يُقال ل يوم القيامة‪ :‬أعلم تَ أم‬
‫جهلتَ‪.‬‬
‫ت بفرضيتها المرةُ هل‬
‫ت ل تبقى آية آمرةٌ أو زاجرةٌ إل أخذ ُ‬
‫فإن قُل تُ‪ :‬علم ُ‬
‫ائتمرت والزاجر هل ازدجرت‪.‬‬
‫شبَع ودعا ٍء ل يُسْمَع‪ ،‬رواه أحد‪.‬‬
‫فأعوذُ بال من عل ٍم ل يَْنفَع وِن ْفسٍ ل تَ ْ‬
‫وقال‪ :‬لو تعلمون ما أنتم راؤون َبعْ َد الوت‪ ،‬لا أكلتم طعامًا على شهوة‪ ،‬ول‬
‫شربتُم شرابًا على شهوة‪ ،‬ول دخلتبم بيتًا تسبتظلون‪ ،‬ولرجتبم إل الصبعدات‬
‫تضربون صدوركم‪ ،‬وتبكون على أنفسكم‪ ،‬ولوددتُ أن شجرة ُتعْضَد ث تُوكل‪.‬‬
‫و عن جبي بن نف ي قال‪ :‬ل ا فُت حت قبص فرق ب ي أهل ها فب كى بعض هم إل‬
‫بعض‪ ،‬فرأيا أبا الدرداء جالسًا وحدهُ يبكي‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا أبا الدرداء‪ ،‬ما يُبكيك ف يوم أعز ال السلم وأهله؟ قال‪ :‬ويك يا‬
‫جُبي‪ ،‬ما أهون اللق على ال عز وجل إذا تركوا أمره‪.‬‬
‫بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لم اللك تركوا أمر ال فرأيتهم كما ترى‪.‬‬
‫ليَاةِ فإنابب تُلْهببي وتُنْسببِي والُنَببى تَظِْليْلُ‬
‫ل تَخْ َد َعنْكببَ مُنَببى ا َ‬
‫ب والبَقَاءُ َقلِيلُ‬
‫بب ٌ‬
‫وتأ ّهبَنببْ ِللْمَوتببِ قَب َل نُزُولِهببِ فالَوتبببُ َحتْمب‬
‫‪49‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فوائد ونصائح‬

‫اجعل مراقبتك لن ل تغيب عن نظره إليك‪ ،‬واجعل شكرك لن ل تنقطعُ نعمهُ‬
‫عنك واجعل خضوعك لن ل ترجُ عن مُلكه‪.‬‬
‫ْسبكَ إعراضبك عبن ال بأن ترى مبا‬
‫وقال العمري‪ :‬إن مبن غفلتبك عبن نف ِ‬
‫يُسخطه فتجاوزه ول تأمر ول تنهى خوفًا من ل يلك ضرًا ول نفعًا‪.‬‬
‫الشكر من أعلى القامات وهو أعلى من الصب والوف والزهد‪ ،‬وهو مقصود‬
‫لنفسه ولذلك ل ينقطع ف النة‪ ،‬وليس فيها خوف‪ ،‬ول توبة ول صب‪ ،‬ول زهد‪.‬‬
‫والشكر دائم ف النة‪ ،‬ولذلك قال جل وعل‪ :‬وَآخِرُ دَعْوَاهُ مْ أَ نِ الَ ْمدُ لِلّ هِ‬
‫َربّ العَالَمِيَ ‪ ،‬وقال عن أهل النة‪َ :‬وقَالُوا الَ ْمدُ لِلّهِ اّلذِي أَذْهَبَ عَنّا الَزَنَ ِإنّ‬

‫َربّنَا َلغَفُورٌ َشكُورٌ ‪.‬‬
‫أما كيفية شكر ال فيتم بأمور‪ ،‬أولً‪ :‬أن يمد ال على نعمه بلسانه ويشكره‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن يعتقد أن هذه النعمة أو النعم آتيتُه من ال تعال كرمًا منه وإحسانًا‪.‬‬
‫ي با على مَعاصيه‪ ،‬بل يُطيع ال فيها‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن ل يستع َ‬
‫رابعًا‪ :‬أن يعرف ف ضل ال عل يه وكر مه في ستحي م نه فل يع صه‪ ،‬وال أعلم‪،‬‬
‫وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ب حلوةَ الزُ هد بق صر ال مل‪ ،‬واق طع أ سباب‬
‫قال سهل بن عبدال‪ :‬ا ستجل ْ‬
‫الطمع بصحّة اليأسِ‪ ،‬وتع ّرضْ لرقة القلب بجالسة أهل الذكر‪.‬‬
‫واستفت ْح باب الُزن بُطول الفكر‪ ،‬وتزيّنْ ل بالصدق ف كل الحوال‪.‬‬
‫وإيّاك والتّ سويف‪ ،‬فإ نه يُغر قُ الل كى‪ ،‬وإياك والغفلة فإن في ها سواد القلب‪،‬‬
‫واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر‪.‬‬
‫وقال يي ب ُن مُعاذ‪ :‬عمل كالسراب‪ ،‬وقل بٌ من التقوى خراب‪ ،‬و ُذنُوب بِعدد‬
‫الرمل والتُراب‪ ،‬ث تطمع ف الكواعب التراب‪.‬‬
‫‪50‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫هيهات أ نت سكرانٌ بغ ي شراب‪ ،‬ما أكملك لو بادرت أملك‪ ،‬ما أجلّك لو‬
‫بادرت أ َجلَكَ‪ ،‬وما أقواك لو خالفت هواك‪.‬‬
‫وقال يي بن معاذ‪ :‬يا ابن آدم‪ ،‬طلب تَ الدنيا طلب من لبُد له منها‪ ،‬وطلب تَ‬
‫الخرة طلب من ل حاجة له إليها‪.‬‬
‫والدُنيا قد كُفيتها وإن ل تطلبها‪ ،‬والخرة بالطلب منك تنالُها‪ ،‬فاعقل شأنك‪.‬‬
‫وقال‪ :‬مفاو ُز الدنيا تُقطعُ بالقدام‪ ،‬ومفاوز الخرة تُقطعُ بالقُلُوب‪.‬‬
‫وقال‪ :‬يا ابن آدم‪ ،‬ل يزالُ دينُك مُتمزقًا ما دام قلبُك بُب الدنيا متعلقًا‪.‬‬
‫بى ول مببا نُرَقّعببُ‬
‫با َيبْقَب‬
‫نرقببع ُدْنيَانَببا بتَمْ ِزيْقببِ ِدْينَنببا فَل دِينُنَب‬
‫فَطُوبَببى ِل َعبْدِ آثببر ال و ْحدَهببُ وجاد بدنياه لِمببببا ُيتَوقّعببببُ‬
‫الدنيا لذ ُة ساعة‪ ،‬يتبعُها ُح ْزنٌ طويل‪ ،‬وهومٌ وغموم وأنكاد‪ ،‬ومصائب ومتاعب‪.‬‬
‫والخرة صبٌ قل يل‪ ،‬و سرور‪ ،‬ونع يم‪ ،‬ل نا ية له ل ن ر ضي ال ع نه‪ ،‬قال ال‬
‫تعال‪َ :‬فلَ َتعْ َلمُ َنفْسٌ مّا أُ ْخفِيَ لَهُم مّن قُ ّرةِ أَعُْينٍ َجزَاءً بِمَا كَانُوا َيعْمَلُونَ ‪.‬‬
‫وعن سهل بن سعد قال‪ :‬شهد تُ من رسول ال مل سًا وصف فيه النة‬
‫س َعتْ ول خطر على‬
‫حت انتهى‪ ،‬ث قال ف آخرته‪« :‬فيها مَا ل عيٌ رَأتْ ول أذنٌ ِ‬
‫قلب ب شر»‪ ،‬ث قرأ‪ :‬تََتجَافَى جُنُوبُهُ مْ عَ نِ الَضَاجِ عِ إل قوله تعال‪َ :‬فلَ َتعْلَ مُ‬

‫نَ ْفسٌ مّا أُ ْخفِيَ لَهُم مّن ُق ّرةِ أَعْيُنٍ رواه البخاري‪.‬‬
‫و عن صهيب ‪ :‬أن ر سول ال قال‪« :‬إذا د خل أ هل ال نة ال نة يقول ال‬
‫تبارك وتعال‪ :‬تُ ِريْدُو َن َشْيئًا أ ِزيْدُكم؟ فيقولون‪ :‬أل ُتَبيّض وجُوهَنَا! أل تُ ْدخِلْنا الَنةَ‬
‫وتنجي نا من النار‪ ،‬فيكشَ فُ الجا بَ‪ ،‬ف ما أعْطُوا َشْيئًا أَحَبّ إلي هم مِن النظرِ إل‬
‫َربِهم»‪.‬‬
‫حكم ووصايا‬
‫َكب العُيُوببَ‪ ،‬وصبديقك مبن حذرك مبن الذنوب‪ ،‬وعلى قدر‬
‫أخوك مَن عَرّف َ‬
‫خوفك من ال يهابُك اللق‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وعلى قدر حُبك ل يُحبك اللق‪ ،‬وعلى قدر شغلك بال يشتغل الل ُق بأمرك‪.‬‬
‫عجب من يز ُن على نُقصان ماله كيف ل يزنُ على نُقصان عمره‪.‬‬
‫وقال‪ :‬أيهبا الريدون‪ ،‬إن اضطررتب إل طلب الدُنيبا‪ ،‬فاطلبوهبا ول تُحبوهبا‪،‬‬
‫واشغلوا با أبدانكم‪ ،‬وعلقوا بغيها قُلوبكم‪.‬‬
‫فإنا دار مر‪ ،‬وليست بدار مقر‪ ،‬الزاد منها‪ ،‬والقيلُ ف غيها‪.‬‬
‫ب عَ ِمُلوْا ِمقْدَارَ مَببا عَِل ُموْا‬
‫ب ل بَقَاءَ َلهُمببْ َل ْو أّنهُمب ْ‬
‫النّاس قَ ْد عَِل ُموْا أنب ْ‬

‫وقال آخر‪ :‬يا مَن قد بَلَ َغ أرَبعِي َسنَة‪ ،‬وكُ ُل عُمره نو ٌم وَ ِسَنةْ‪ ،‬يا ُمْتعِبًا ف جع‬
‫سِبهَا مُ ْرَتهََنةْ‪.‬‬
‫حَنةْ‪ ،‬إنا بكَ ْ‬
‫الال بَ َدنَهْ‪ ،‬ث ل يَدْرِي لِمَنْ خَ َزنَهْ‪ ،‬أعْلِ ْم هذه النّ ْفسَ الُ ْمتَ ِ‬
‫أل يعتب الغرور بن قد دفنه‪ ،‬كم رأى من جبارٍ فارق أهله وأولده ومسكنه‪،‬‬
‫انتِبهُوا يا راحلي بالقامة‪ ،‬يا هالكي بالسلمة‪.‬‬
‫أين من أخذ صفو ما أنتمُ ف كدره‪ ،‬أما وعظكم بسيه ف سيه‪ ،‬بل قد حل‬
‫بريد النذار أخبارهم‪ ،‬وأراكم تصفح الثار آثارهُم‪.‬‬
‫لبَرَا‬
‫بمَ ِع ا َ‬
‫ب مبا جَ َمعَتْبه فاس ْ‬
‫وحَ ّدَثتْكببَ اللّيال أنّبب شي َمتَهَببا َتفْريْق ُ‬
‫حتْ وانَ ُظرْ إليهببا ترى اليات والعبببا‬
‫بَ‬
‫ب على حَذ ٍر منهبا فقَ ْد نَص َ‬
‫وكُن ْ‬
‫حبال الدنيبا خيال تغ ُر الغرّ‪ ،‬التمسبك باب يلعبب بلعاب الشمبس وبيبت‬
‫العنكبوت‪ ،‬الدنيا كالرأة الفاجرة ل تثبت مع زوج‪.‬‬
‫أفنتب باسبَاء عُ ْمرَه َا‬
‫ْ‬
‫ولو كا نت ال ُدنْيَا من ال نس ل ت كن سبوى مُوم ِس‬
‫يا مقيمًا ف دائرة الغي‪ ،‬كم حضرت فيها من مُحتضر‪ ،‬وكم عاينت فيها من‬
‫قب يتفر‪ ،‬لقد ألنت مواعظها كُلّ صلدٍ وحجر‪ ،‬اسع يا من إذا عامل خان وظلم‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يا هذا أما علمت أن اللطف مع الضعيف أكثر لا كانت الدجاجة ل تبو على‬
‫الولد أخرج كا سيًا‪ ،‬ول ا كا نت النملة ضعي فة الب صر أعي نت بقوة ال شم فب ها تدُ‬
‫ريح الطعوم من بعيد فتطلب‪.‬‬
‫ول ا كان التم ساح مُختلف ال سنان كُل ما أ كل ح صل ب ي أ سنانه ما يؤذ يه‬
‫فيخر جُ إل شا طئ الب حر فاتًا فاه طالبًا للرا حة فيأ ت طيٌ فين قر ما ب ي أ سنانه‬
‫فيكون ذلك رزقًا للطائر وترويًا عن التّمْسَاح‪.‬‬
‫وهذه الُلد دويبة عمياء من أقوى الخلوقات سع‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ُحسب ببه الُ ْلدُ‬
‫ْجب ل ي ّ‬
‫جي ٍ‬
‫ضِ‬
‫ابنب دَايةٍ وهبم فب َ‬
‫ُموعب ل يَراه َا ُ‬
‫فه ُم فب ج ٍ‬
‫قد أْلهِمَ تْ هذه ال ّد َويَْب َة العَ ْميَاء و قت الَا َجةِ ِل ْلقُو تِ أ ْن َتفَ تح فا ها في سقط‬
‫الذباب فيه فتتناول منه‪.‬‬
‫ك ل تنطق ي‪ ،‬فتقول مع‬
‫وهذه الطيار تترنّ م طُول النهار فيقال للضفدع‪ :‬مال ِ‬
‫صوت الزار‪ :‬يُستبشعُ صوت‪.‬‬
‫فيُقالُ‪ :‬هذا الل يل ول ا خلق ال جَل وعل الخرس ل يقدر على الكلم سُلبَ‬
‫السّمْ َع لئل يسمعُ ما يكره ول يُمكنِهُ الواب فكُلُ أخرس أطرُوش‪.‬‬
‫و لّا تولع الذام بأظفار أصحابه ص ُعبَ عليهم الكّ ف ُمنِ َع منهم القملُ فليس‬
‫ف ثياب الجذوم قملة‪.‬‬
‫سُبحان من هذا لُط فه وهذه حك مه‪ ،‬صُ ْنعَ اللّ هِ اّلذِي َأْتقَ نَ كُلّ شَ ْيءٍ ‪،‬‬
‫اّلذِي أَحْسَنَ كُلّ شَ ْيءٍ َخ َل َقهُ ‪ ،‬و أَ ْعطَى ُكلّ َش ْيءٍ َخ ْلقَهُ ُثمّ َهدَى ‪.‬‬
‫من أدعية الضطرين‪ :‬يا و ُدوْدُ يا ذا العرش الجيد‪ ،‬يا ُمبْدئُ يا ُم ِعيْد‪ ،‬يا َفعَا ٌل‬
‫ك الت قدرت با‬
‫لِمَا تُريْد‪ ،‬أسألك بنوُرِ وجهك الذي مل أركا نَ عرشك وبقُدْ َرتِ َ‬
‫على جيع خلقك‪.‬‬
‫وبرحتك الت وسعت كل شيء ل إله إل أنت‪ ،‬يا ُم ِغيْث أغثن‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيل لعفر الصادق‪ :‬مالنا ندعوا فل يستجاب لنا؟ قال‪ :‬لنكم تدعُون من ل‬
‫تعرفونه‪.‬‬
‫عن سهم بن منجاب قال‪ :‬غزونا مع العلء بن الضرمي دارين (قرية ف بلد‬
‫فارس) فد عا بثلث دعوا تٍ‪ ،‬فا ستُجيبت له في هن‪ :‬نزل نا منلً فطلب الاء ليتو ضأ‬
‫فلم يده‪ ،‬فقام فصلى ركعتي‪ ،‬وقال‪ :‬اللهم إنا عبيدُك وف سبيلك نُقاتلُ ع ّدوَ كَ‪،‬‬
‫اللهم أ ْسقِنَا غيثًا نتوضأُ منه ونشر بُ‪ ،‬فإذا توضأنا ل يكن لحدٍ فيه نصيب غينا‪،‬‬
‫ف سرنا قليلً‪ ،‬فإذا ن ن باء ح ي أقلع تْ عنه ال سماء فتوضأنا منه وتزود نا ومل تُ‬
‫إدوا ت (إناء صغي من جلد) وتركتُ ها مكان ا ح ت أن ظر هل ا ستُجيب له أم ل؟‬
‫ف سرنا قليلً ث قُلْ تُ ل صحاب‪ :‬ن سيتُ إدوا ت‪ ،‬فجئ تُ إل ذلك الكان فكأن هُ ل‬
‫يُ صيبهُ ماءٌ ق طُ‪ ،‬ث سرنا ح ت أتي نا دار ين والب حر بين نا وبين هم‪ ،‬فقال‪ :‬يا علي مُ يا‬
‫حلي مُ يا عل يُ يا عظي مُ إنا عبي ُدكَ وف سبيلك نُقات ُل عَ ُدوّ كَ‪ ،‬الم فاجعل لنا إليهم‬
‫ضنَا ما يَبُْل غُ لبودنا‪ ،‬فخرجنا إليهم فلما رجع أخذه وج عُ‬
‫خ ْ‬
‫سبيلً‪ ،‬فتقحّم البحر ف ُ‬
‫البطنِ فمات فطلبنا ماء نغسلهُ فلم نده فلففناهُ ف ثيابه ودفناهُ‪.‬‬
‫فسرنا غي بعيد فإذا ن نُ باء كثي‪ ،‬فقال بعضُنا لبعضٍ‪ :‬لو رجعنا فاستخرجناهُ‬
‫فغ سّلناه‪ ،‬فرجعنا فطلبنا هُ فلم ندُه‪ ،‬فقال رجلٌ من القوم‪ :‬إن سعته يقول‪ :‬يا عل يُ‬
‫يا عظي مُ يا حلي مُ أ خف علي هم مو ت ‪-‬أو كل مة نو ها‪ -‬ول تُطلِع على عور ت‬
‫أحدُا‪ ،‬فرجعنا وتركناه‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫اعلم وفق نا ال وإياك أن العمال ال صالة تُفيدُ الرا حة ف الدن يا والتن عم ف‬
‫الخرة‪.‬‬
‫وعمارة الدنيا تكسب التعب فيها والشقاء بعد مُفارقتها‪.‬‬
‫ومن صدق نفس ُه بفنا ِء الدنيا زهد فيها ومن صدّق نفسه ببقاء الخرة رغب‬
‫فيها‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫احذر كبل الذر مبن الكذاب‪ ،‬والُ َمثّلب‪ ،‬والنّمام‪ ،‬والُتجسبّس‪ ،‬والسبّاخر‪،‬‬
‫والغشاش والا سد‪ ،‬والعيان‪ ،‬والت كب‪ ،‬والُع جب بنف سه‪ ،‬والت هم باللواط‪ ،‬والت هم‬
‫بالزنا‪ ،‬فإن هؤلء قُربم وخيم وضررهم عظيم ف الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ينبغي للعاقل أن يغتنم أوقاته ف الدنيا‪ ،‬إما بسبب يُثمر راحة ف الدنيا أو يُثمر‬
‫نعيمًا وحدًا ف الخرة‪ ،‬وهذا ما يتمناه اللبيبُ العاقل‪.‬‬
‫ب شَامِلةٌ فالعُم ُر َمعْ ُدوْدُ‬
‫ب عَافيةٌ عَلَيكببببب َ‬
‫ب ل َتغْرُرْكب َ‬
‫با ابْنببَ آدَمب َ‬
‫أيَب‬
‫ب بكُ ِل شيءٍ مِببن الفات َمقْص ببُودُ‬
‫ب ُخضْ َرتِه ِ‬
‫مبا أنبت إل َكزَرْع عِن َ‬
‫ب أجْ َمعِهَبا فأنْتببَ عندَ كمالِ الم ِر مَحْصببُودُ‬
‫بلِ ْمتَ مِبن الفات ِ‬
‫فإن س َ‬
‫قال بعضهم‪ :‬عجبًا لن ل يهتم بؤنة الشتا حت يقوى البد‪ ،‬ول بؤنة الصيف‬
‫ضلّ‬
‫ح ت يش تد الرُ‪ ،‬و من هذه صفته ف أمور الدن يا َفهُوَ فِي الخِ َرةِ أَعْمَى َوأَ َ‬

‫سَبِيلً ‪.‬‬
‫هذا الطائر إذا علم أن النثبى قبد حلت أخبذ ينقبل العيدان لبناء العبش قببل‬
‫الو ضع أفتراك ما علم تَ قُر بَ رحيلك إل ال قب الظلم الذي ستنفرد ف يه وحدك‬
‫ويُسد عليك فيه باللب والطي‪.‬‬
‫فهلّا عملت لك فراش تقوى‪ ،‬قال ال جل وعل وتقدس‪َ :‬ومَ نْ عَ ِملَ صَاِلحًا‬

‫َفلَنفُسِ ِهمْ يَمْ َهدُونَ ‪.‬‬
‫ب‬
‫ب العَوائِق ُ‬
‫ب باب مَبا ل َت ُعقْك َ‬
‫با بس بَاعَتِكَ الت ب ظَفِرْت َ‬
‫بن الدُنيب‬
‫تَ َزوّدْ مب‬
‫ب‬
‫ب وَاثِق ُ‬
‫ب التب ببه أنْت َ‬
‫ب بعَائدٍ ول يَومُك َ‬
‫بي عَ ْليْكب َ‬
‫فل َيوْمُكببَ الَاضِب‬
‫وهذا اليبوع ل يتخذ بيتًا إل ف موضع طيب مرتفع ليسلم من سيل أو حافر‪،‬‬
‫ث ل يعله إل ع ند أك مة أو صخرة لئل ي ضل ع نه إذا عاد إل يه‪ ،‬وليجده ب سرعة‬
‫عندما يذر من شيء‪.‬‬
‫ث يعل له أبوابًا من جهات‪ ،‬ويرقق بعضها ليسهل عليه الروج‪ ،‬فإذا أت ن‬
‫باب دفع برأسه مأرق وخرج‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وهذا اليل يأكل اليات فيشتد عطشه فيحومُ حول الاء ول يشربُ لعلمه أن‬
‫الاء يُنفذ السموم إل أماكن ل يبلغها الطعام‪.‬‬
‫ومبن عادتبه أنبه يسبقط قرنُه كُلّ سبنة وهبو سبلحه فيختفبي إل أن يَنبُت‬
‫فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ث هدى‪.‬‬
‫وهذه اليبة تتفبي طول الشتاء بالرض فتخرج وقبد عشبى بصبرها فتحكبه‬
‫بأصول الرازيانج؛ ل نه يزيل الغشاء‪ ،‬فسبحانه من حكيم عليم أع طى كل شيء‬
‫خلقه ث هدى‪.‬‬
‫وهذا الفهد إذا سن علم أنه مطلوب وشحمه ينعُه من الرب فهو يستر نفسه‬
‫إل أن ينحل جسمه ويزول الشحم‪ ،‬فسبحانه من إله بصي بكل شيء‪.‬‬
‫وهذه النملة تدخر ف الصيف للشتاء‪ ،‬فإذا خافت فساد الب وتعفُنَ هُ أخرجته‬
‫إل الوى‪ ،‬فإذا حذرت أن ينبت نقرت موضع القطمي‪.‬‬
‫وهو الش قُ ف البة والنواة‪ ،‬فسبحانه من إله حي قيوم ل تأخذه سنة ول نوم‬
‫أحاط بكل شيء علمًا‪.‬‬
‫وهذه السمكة إذا حبستها الشبكة قفزت بكل قوتا لتقطع الابس وأنت لو‬
‫نضت بقوة العزم لنرقت شبكة الوى‪.‬‬
‫اسعْ يا من ضيق على نفسه الناق بفعل العاصي‪ ،‬فما أبقى لعُذ ٍر موضعًا‪ ،‬يا‬
‫مقهورًا بغلبة النفس قم عليها بسوط العزم‪ ،‬فإنا إن علمت منك الدّ والجتهاد‬
‫والعزم الصادق استأسرت لك‪ ،‬فامنعها ملذوذها ليقع الصلحُ على ترك الرام‪.‬‬
‫ب‬
‫ب َح فاّتهِم ِ‬
‫ب النُص ْ‬
‫ب هُمَبا مَحضَاك َ‬
‫ْصبهِمَا وإن ْ‬
‫والشيطانب واع ِ‬
‫َ‬
‫ِسب‬
‫ِفب الَنف َ‬
‫وخَال ِ‬
‫بْنتْ لَ َذةً لِلْمَر ِء قاتَِلةً مِن حَيْث ل يَ ْدرِ أنّ ال سم ف الدّ سَمِ‬
‫كبببم حَسبب ّ‬
‫ث اعلم‪ :‬أن الدنيا والشيطان خارجيان خارجان عليك خارجان عنك‪ ،‬فالنفس‬
‫عدو مباطن‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومن آداب الهاد ما أرشدنا إليه ال‪ ،‬قال جل وعل وتقدس‪ :‬يَا أَيّهَا اّلذِي نَ‬

‫آمَنُوا قَاتِلُوا اّلذِينَ يَلُونَكُم ‪.‬‬
‫وليس من بارز بالحاربة كَمَ نْ َكمَ َن واختفى‪ ،‬فما دامت النف سُ حية تسعى‪،‬‬
‫فهي حية تسعى أقل فعلها تزيقُ العمرِ بكفّ التبذير كالرقاء وجدت صُوفًا‪.‬‬
‫أخلُ بنف سك ف ب يت الف كر ساعة‪ ،‬وان ظر هل هي م عك أو عل يك‪ ،‬نادِهَا‬
‫بلسان التذكرة‪ ،‬وقُل يا نف سُ صابري عطش الجي‪ ،‬يصل الصوم وتزمي تزُم‬
‫الجي فإنا هو يوم‪.‬‬
‫ب ُتصِبْ عن قَريْب غَايَة الملِ‬
‫ب فب الكَسبلِ فاْنصَ ْ‬
‫الَ ّد بالِ ّد والِرمَان ُ‬
‫بل‬
‫با َت َعوّد نقَض بَ القَو َل والعَمب‬
‫ّصبفًا ومب‬
‫ْمب ُمت ِ‬
‫إنّ الفَتب مبن باضِي الَز ِ‬
‫ب الَولِ‬
‫ب مِبن أيّامِه ِ‬
‫ب َيعُودَ مبا فَات َ‬
‫ب َفلَن ْ‬
‫ب سبَاعَاتِ ال ّزمَان ِ‬
‫ول ُيضَيّع ُ‬
‫بن الَلَلِ‬
‫به مب‬
‫ول َيعُ ُد ُعيُوبًببببا بالورى أبَدَا بَ ْل َيعْتَن ب بالذي فيب‬
‫ول يؤمّلُ آمالً بصبببببُبْ ِح غَدٍ إل عَلى وَجَلٍ مِبببن َوثَْبةِ الجَلِ‬
‫ببُلِ‬
‫بيْرتَهُ لنابب ِللْ َمعَال أوضَببح السب ُ‬
‫بن التّقوَى بَص َ‬
‫ول يَص بُ ُد عب‬
‫ب مغمُورًا مِبن الُللِ‬
‫ب كان َ‬
‫ِسبهُ عَا ٍر وإن ْ‬
‫َهب ماب يُ َدن ُ‬
‫َصب ْن عِرْض ُ‬
‫م َن ل ي ُ‬
‫يا هذا دَبرْ دينَ كَ ك ما َدبّرْ تَ ُدْنيَا كَ لو عَِل َق ِبثَوبِ كَ مِ سْمَار رج عت إل وراء‬
‫لتخلصه‪.‬‬
‫هذا مسمارُ الضرار قد تشبث بقلبك‪ ،‬فلو عدلت إل الندم خطوتي تّلصْتَ‪.‬‬
‫ب الغَفَْلةِ‪ ،‬كُلّما ُح ّركَ نَامَ‪.‬‬
‫صُ‬
‫ولكن َهيْهَاتَ َ‬
‫كُل يوم تضبر الجلس وتسبمع الوعظبة‪ ،‬فإذا خرجبت كمبا دخلت‪ ،‬قال‬
‫الشيطان‪ :‬فديتُ من ل يُفلح‪.‬‬
‫ويك إبك بكاء من يدري قيمة الفائت من الوقت‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يا هذا‪ ،‬اسع كلم الناصح الخلص الذي يريد نفع جيع السلمي‪ ،‬الدنيا حال ُة‬
‫الصائب كدرةُ الشارب تورثُ للبية أنواع البلية مع كل لقمة غُصّة فما أح ُد فيها‬
‫إل وهو ف كل غرض لسهُ ٍم ثلثةٍ‪ :‬سهم نقمة‪ ،‬وسهم رزية‪ ،‬وسهم منّيةٍ‪.‬‬
‫بيْبُهُ‬
‫ببب ِ‬
‫ب َفتُخْطئُه َطوْرًا و َطوْرًا تُصب‬
‫ب مِبن كُلّ جَانِب ٍ‬
‫ُتنَاضِلُه الوقات ُ‬
‫فمن كان معتبًا با يتجدد كل يوم من حلول الوادث بأصحابا‪.‬‬
‫ومعتببًا باب يتجدد كبل يوم مبن ارتاع النعبم مبن أرباباب وشدة حُزنمب‬
‫واغتمامهم بفقدها ل يأسف على فواتا‪.‬‬
‫با بُِلبَابهببِ‬
‫بى اْلبَابَنَب‬
‫أرَىَ الدهرًا َأغْنَى َخ ْطبُ هُ عن خِطَابِ هِ ِبوَعْظببٍ شَفَب‬
‫ِهب‬
‫ْكب اْنقِلب ِ‬
‫بوَاديًا إليهبا وَتعْم َى عبن َو ِشي ِ‬
‫بص َ‬
‫ب َتهْدِي القُلوُب َ‬
‫ب ُقلّب ٌ‬
‫لَه ُ‬
‫س غابِ هِ‬
‫ب وهْوَا خَا ِدرٌ سَطَا فأغَا بَ اللّي ثَ عن أنْ ِ‬
‫ب إل أنّهبُ‬
‫هُبو الليثبُ‬
‫به مِبن مَرَا َرةِ ص بَابِهِ‬
‫ِهب لِص بَابِ إليب‬
‫َسبَلمْ حَل َوةُ َشهْد ِ‬
‫َمب ت ْ‬
‫َيهاتب ل ْ‬
‫َ‬
‫وه‬
‫ببا عَواُقبَهببببُ مَختُو َم ٌة ِب ِعقَابِهببببِ‬
‫مُبببيْ ٌد َمبَادِيه ببِ َتغُ ّر وإنّمب‬
‫ت مُلُو كُ الرَ ضِ تَح تَ رِكَابِ هِ‬
‫ب قادرًا و سَارَ ْ‬
‫س الَمالِك َ‬
‫أَمْبم تَرَ مَبن سبَا َ‬
‫با لَول خُمُو ُد شهَابِهببِ‬
‫ّهب عَلى ُش ْهبِهَب‬
‫حل ُ‬
‫ْتب تُ ِ‬
‫َهب الدنيبا وكَاد ْ‬
‫َتب ل ُ‬
‫ودَان ْ‬
‫ببِ ِه با ْكتِسبَابِهِ‬
‫بنُهُ وحُصبُونُهُ غَدَا َة غَدًا عَبن كَس ْ‬
‫بَل َمتْهُ حِص ْ‬
‫لقبد أس ْ‬
‫ب عِندَ َذهَابِهببِ‬
‫ب أغْنَاهب ُ‬
‫جتْهببُ عن َد اْنفِضَاضِهببِ ول ذَهبب ٌ‬
‫ض ٌة أنْ َ‬
‫فَل ِف ّ‬
‫ب بتُراثِهببِ وأفْرَدَهبببُ أتْرابُهبببُ بتُرابهبببِ‬
‫سببَل َشخْصببَ ُه وُرّاثُهبُ‬
‫ومه ما أم عن اللب يب فكره ف أ صحاب الدن يا وغفلت هم عن الخرة وكثرة‬
‫مصائبهم فيها‪ ،‬تسلّي عنها وهان عليه تركها‪.‬‬
‫وكان بعضهم ي ضر دار الرضى ليُشاهدهم ويُشاهد عللهم ومنهم‪ ،‬ويضر‬
‫السجون والستشفيات والقابر مساكن الوتى‪.‬‬
‫فيشاهبد أرباب العزاء وأسبفهُم على مبا فرطوا وعلى مبا ل ينفبع مبع اشتغال‬
‫الوتى با هو فيه‪.‬‬
‫‪58‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان يعودُ إل بيته بالمد والشكر طُول النهار على نعم ال عليه ف تليصه‬
‫من البليا‪.‬‬
‫وينبغبي للنسبان أن ينظبر إل مبن دونبه فب الال والاه ليشكبر ال ويمده‪،‬‬
‫وينظر ف الدين إل من هو فوقه ليجتهد ويُشمر ليلحقه‪.‬‬
‫وإبليس لعنه ال إذا استول واستحوذ على النسان نكّس هذا النظر وعكسه‪.‬‬
‫فإذا ق يل له ل تتعا طى هذا الف عل القب يح‪ ،‬اعتذر بعذرٍ قبيحٍ‪ ،‬وذلك بأن يقول‪:‬‬
‫فلن يتعاطى ما هو أعظم منه‪.‬‬
‫وإذا قيل له‪ :‬ل ل تقنع بذا الوجود‪ ،‬يقول‪ :‬فلن أغن من ول قنع فلم أصب‬
‫على ما ليس يصب عنه‪.‬‬
‫وهذا عي الضلل والهل‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬إخوان الدنيا غرّارة‪ ،‬غدّارة‪ ،‬خدّاعة‪ ،‬مكّارة‪ ،‬تظنها مقيمة وهي‬
‫سيارة‪ ،‬وتظنها مصالة‪ ،‬وهي قد شنّت على أهلها الغارة‪ ،‬فانتبه لا‪:‬‬
‫ب وال َجلُ‬
‫ب مبا يأم ُل الّتْنغِيْص ُ‬
‫ب المَلُ و ُدوْن َ‬
‫يَبا أيّهبا ذا الذي قَبد غَرّه ُ‬
‫ّتب ا ْرتَحَُلوْ‬
‫ّكبب حَّلوْا ثُم َ‬
‫با ك َمنْزلِ الر ْ‬
‫أل ترى إنّمببا الدُنيببا وزيَْنتُهَب‬
‫ب ّفوُها كدَ ٌر ومُلكُهببا ُدوَلُ‬
‫با نكَدٌ وصب َ‬
‫ب ٌد وعَيْشُهَب‬
‫با رَصب َ‬
‫ُحتُوفُهَب‬
‫ب ول جَذَلُ‬
‫ب عَيْش ٌ‬
‫تَظَ ُل ُتفْزِع بُ بالر ّوعَات بِ س بَا ِكَنهَا فَمَبا يَسبُوغ لَه ُ‬
‫بهَامُ ال ّدهِ ْر َتْنتَظِلُ‬
‫ببه س ب ِ‬
‫كأنّهببُ لِ ْل َمنَايببا والرّدَى غَرَضببٌ تَظَلُ فيب‬
‫بببا َجلَلُ‬
‫والنفسببُ ها ِرَب ٌة والوتببُ َيْتَبعُهَبا وكُ ُل عَثْ َرةِ ِرجْ ٍل ِعنْدَهَب‬
‫َهب الرّجُلُ‬
‫َسبعَى ل ُ‬
‫ِثب مبا ي ْ‬
‫ب وال َقبْ ُر وَار ُ‬
‫بعَى ِلوَا ِرثِه ِ‬
‫بعَى بِمَبا يَس ْ‬
‫والر ُء يَس ْ‬
‫قال وهب بن كيسان‪ :‬كتب إلّ عبدال بن الزبي بوعظة‪:‬‬
‫أ ما ب عد‪ ،‬فإن ل هل التقوى علما تٍ يُعرفون ب ا ويعرفُون ا من أنف سهم‪ :‬من‬
‫صب على البلء ورضي بالقضاء وشُكرٍ للنعماء‪ ،‬وذُلّ لكم القرآن‪.‬‬
‫وإنا المام كالسوق ما نفق فيها حل إليها إن نفق الق عنده حل إليه وجاء‬
‫أهل الق وإن نفق عنده الباطل جاءه أهل الباطل‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيل لبعضهم‪ :‬من يعرف كل العلم قال كل الناس‪ ،‬قُل تُ‪ :‬هذا غلط واضح ما‬
‫يعرف كل العلم إل ال جل وعل‪ ،‬قال عز من قائل‪ :‬وَمَا أُوتِيتُم مّ نَ العِلْ مِ إِلّ‬

‫قَلِيلً ‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه لا طُعن عمر قال لبنه‪ :‬ضَ عْ خدّي على التُراب فوضعه فبكا حت‬
‫لصق الطيُ بده وعينه‪ ،‬وجعل يقول‪ :‬ويل ْي وويلُ أمي إن ل يرحَمن رب‪ ،‬ودخل‬
‫عليه كعب وكان قد قال له‪ :‬إنك ميت إل ثلثة أيام فلما رآه أنشد‪:‬‬
‫ْبب‬
‫َهب َكع ُ‬
‫َكب أنّ القَو َل مبا قَال ُ‬
‫ب ثلثًبا َيعُدّهَبا ول ش ً‬
‫َووَاعَدَانِبي َكعْب ٌ‬
‫ْبب‬
‫ُهب ال ّذن ُ‬
‫َيتب ولكبن حِذارَ الذّن ْب َيْتبَع ُ‬
‫الوتب إن ّي َلم ٌ‬
‫ِ‬
‫ومبا بب حِذَا َر‬
‫واعجبًا من خوف عمر مع كماله‪ ،‬وأمنك مع نقصانك‪ ،‬قيل لبن عباس ه‬
‫ر ضي ال عنه ما ه‪ :‬أيّ ر جل كان ع مر؟ فقال‪ :‬كان كالطائر الذر الذي له‬
‫بكل طريق شرَكَا‪.‬‬
‫وكان ل يكن له وق تٌ معي ينام فيه فكان ينع سُ وهو قاعد‪ ،‬فقيل له‪ :‬يا‬
‫ت بالنهار ضّيعْ تُ أمور السلمي‪،‬‬
‫أمي الؤمني‪ ،‬أل تنام؟ فقال‪ :‬كيف أنام! إن نُم ُ‬
‫وإن نتُ بالّليْ ُل ضّي ْعتُ حظِي من ال عز وجل‪.‬‬
‫قال حاد بن سلمة‪ :‬ما أتينا سليمان التيمي ف ساعة يُطاع ال عز وجل فيها‬
‫إل وجدناه مطيعًا‪.‬‬
‫فإن كان ف ساعة صلة وجدناه م صليًا‪ ،‬فإن ل ت كن ساعة صلة وجدناه‬
‫متوضأ أو عائدًا مريضًا أو مُشيعًا لنازة أو قاعدًا يُسبّحُ ف السجد‪.‬‬
‫وقال السود بن سال‪ :‬سعتُ مُعتمر بن سليمان التيمي قال‪ :‬سقط بي تٌ لنا‬
‫كان أب يكون فيه‪ ،‬فضرب فُسْطاطًا فكان فيه حت مات‪ ،‬فقيل له‪ :‬لو بنيته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫المر أعجل من ذاك غدًا الوت‪.‬‬
‫َتبْنِبببببى ا َلنَاز َل أعْمَا ٌر ُمهَدّمةٌ مِبن الزمانببِ بأنْفَاس وسببَاعَات‬
‫آخر‪:‬‬
‫‪60‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بت َقِليْ ُل‬
‫ب وإنّمببا َمقَامُكببَ فيهببا لو عَرَفْب‬
‫أَتبْنبب ِبنَاء الالِدِينب َ‬
‫ب ِكفَاَيةٌ لِمَبن كان يومًبا يقتفيببه رَ َحيْلُ‬
‫لقبد كان فب ظبل الرَاك ِ‬
‫ف يا مُ سَدود الف هم بكثرة الشوا غل حض ْر قل بك لظةً للموع ظة‪ ،‬يا ع بد‬
‫الطمع طالع دار الحرار القنوعي‪.‬‬
‫ما أطول غشية غفلتك فلمن نُحدّث‪.‬‬
‫قلبك ف غلف غفلة وفطنتك ف غشاوة غباوة‪.‬‬
‫وكلمُنا يدور حول ستور سعك وموانع الوى تجب هُ أن يصل فلو قد وصل‬
‫إل القلب أثر‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه عضت رجلً حية فلم يعلم أنا حّي ٌة فلم يتغيّرْ‪.‬‬
‫فل ما أ خب أن ا حّيةٌ مات؛ ل نه ح ي أ خب انفت حت م سامّهُ فو صل ال سّمُ إل‬
‫القلب‪.‬‬
‫فيا أعمى البصية‪ ،‬إمش مع من ُيْبصِر‪.‬‬
‫ويا أطرش‪ ،‬الوى صاحب من يسمع‪.‬‬
‫جالس الخبت ي والاشع ي والبكائ ي‪ ،‬فلعلك أن تتأ ثر فتأث ي ال صحبة أ مر ل‬
‫يفى‪.‬‬
‫يا من يشاهد ما يري على الائفي ول ينعج‪.‬‬
‫أقبل الالت أن تبكبي رحةً لمب إذا رأيبت دموع الثُكلى والرملة واليتيبم‪،‬‬
‫فلبُدّ من الرحة إل أن تكون مّن نزعت من قلوبم الرحة‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصلى ال‬
‫على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل ف فوائد نافعة لن له عقل وفهم‬
‫اطلب فب الياة العلم والال‪ :‬العلم لزالة الهبل عبن نفسبك وعبن الؤمنيب‪،‬‬
‫والال لستعماله فيما يرضي ال ل للتكاثر والتباهي ترزْ بما الرّياسة على الناس‪.‬‬
‫‪61‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫لنمب ينقسبمون إل قسبمي‪ :‬خواص وعوام‪ ،‬فالاصبة تُفضّلُك باب تُحسبنُ‪،‬‬
‫والعامة تُفضلك با تلك‪.‬‬
‫ل تطلب سبُرعة العمبل واطلب حُسبنُه وجودتبه‪ ،‬قال ال تبارك وتعال‪:‬‬
‫لِيَبْلُ َوكُ مْ َأيّكُ مْ أَحْ سَنُ عَ َملً والناس ل يسألون كم يوم استغرقت مُدة العمل وإنا‬
‫يسألُون عن جودة صنعته‪.‬‬
‫الُعلم زارع والنفوس مزارع‪ ،‬والدرا سة ماء الترب ية ف من ل ت كن مزرع ته نق ية‬
‫وماؤها متدفقًا ل ينجح الزرع‪.‬‬
‫القدوةُ مُعلم يفيد بل لسانٍ بإذن ال ومرشد ناصح من غي بيان‪.‬‬
‫وهي مدرسة النسان العلمية الت يرسخ تعليمها ف النفوس ويعل ُق بالفهام‪.‬‬
‫والناس مائلون دائمًا إل أن يتعلموا بعيونم أكثر ما يتعلمون بآذانم‪.‬‬
‫وال ْرئِي يؤثرُ أكثر من القروء والسموع‪.‬‬
‫وتعليبم العمبل أنفبع مبن تعليبم القول والرشاد يُرى الطريبق‪ ،‬ولكبن القدرة‬
‫البكما ُء تسيه فيه بإذن ال‪.‬‬
‫ومهما أوت الُعلم من الفصاحة والباعة ف تذيب النفوس فليس ببالغ ما يبلغه‬
‫زميل له دُونه ف الهارة وفوقه ف السية‪.‬‬
‫ولذا قيل‪ :‬خي النصح افعل كما أفعل ل كما أقول‪ ،‬ولا كانت غريزة التشبه‬
‫أقوى ف الحداث ينب غي أن ينشئوا ف بيئة صالة لينشئوا نافع ي‪ ،‬فإن م يتشبهون‬
‫صدّهَا مَا كَانَت ّتعُْبدُ مِن دُو نِ‬
‫ويتمثلُو نَ بن حولُم‪ ،‬قال ال تعال عن بلقيس‪ :‬وَ َ‬

‫ال ّلهِ ِإنّهَا كَانَتْ مِن َق ْومٍ كَافِرِينَ ‪.‬‬
‫ت به‪.‬‬
‫ولذا قالوا‪ :‬انظر إل الشرات الصغية تتلون بلون النّباتِ الذي تقتا ُ‬
‫ومن أجل ذلك كان التّربيةُ البيتية أبلغ ف نفوسهم من التربية الدرسية‪.‬‬
‫فالبيت أصل الجتمع ومن ينوعه تنبعث الداب والخلق؛ ولذا يب العتناء‬
‫به‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وصفات الوالدين تظهر ف أولدها وأفعالما الختلفة الت يارسونا تيا ف‬
‫أولدها بعد أن يكونوا قد نسوْا تعليمها الشفوي‪.‬‬
‫ونظرة واحدة من الب أو الم قد تبقى مؤثرة ف الولد مدى الياة‪.‬‬
‫و عن ن شل بن كث ي‪ ،‬عن أب يه قال‪ :‬أد خل الشاف عي يومًا إل ب عض حُ جر‬
‫هارون الرشيد ليستأذن له ومعه سراج الادم‪ ،‬فأقعده عند أب عبدالصمد مؤدب‬
‫أولد هارون الرشيبد‪ ،‬فقال سبراجُ للشافعبي‪ :‬يبا أببا عبدال‪ ،‬هؤلء أول ُد أميب‬
‫الؤمني‪ ،‬وهذا مؤدبم فلو أوصيته بم‪ ،‬فأقبل عليهم‪ ،‬فقال‪ :‬ليكن أول ما تبدأ به‬
‫من إ صلح أولد أم ي الؤمن ي إ صلحك نف سك‪ ،‬فإن أعينُ هم معقودٌة بعي نك‪،‬‬
‫فالَ س ُن عند هم ما ت ستحسنهُ‪ ،‬وال قبي ُح عند هم ما تكرهُه‪ ،‬علم هم كتاب ال ول‬
‫تُكرههُم عليه فيملوُه ول تتركُه ُم منه فيهجُروه‪ ،‬ثُمّ روهم من الشعر أعف هُ‪ ،‬ومن‬
‫الديث أشرفه‪ ،‬ول تُخرجهم من علم إل غيه حت يُحكمُوه فإن ازدحام الكلم‬
‫ف السمع مضلةٌ للفهم‪.‬‬
‫إذا وقفت النف سُ عما اشتبه عليها وقبلت ما اتضح لا فهو دليلٌ على ذكائها‬
‫وورعها‪.‬‬
‫نُفوسُ البرار تنفر من أعمال الفُجار‪.‬‬
‫ونفوسُ الشرار مُتبمة ومتكرهةٌ لعمال البرار‪.‬‬
‫مُتب عُ الشهوات ناد مٌ ف العاقبة مذمو مٌ ف العاجلة‪ ،‬وتارك الشهوات سال غان‬
‫ف العاجلة‪ ،‬ممود مغتبط ف الجلة‪.‬‬
‫من مال إل الدنيا تعجل التعب فيها‪ ،‬وكان على يقي من فنائه‪.‬‬
‫و من ز هد في ها ا ستراح من عنائ ها وأحب هُ أهلُ ها‪ ،‬وأ من خوف العاق بة ب عد‬
‫مُفارقتها‪.‬‬
‫ما أغفل من يتيقن بالرحيل عن الدنيا‪ ،‬وهو دائب جاد ف عمارتا‪.‬‬
‫وجدير بالعاقل أن ل يُجدّ ف عمار ِة شيء يتركه لغيه‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ل عَشْرٌ مِببن العوامببِ باهِرةَ‬
‫كذا ترُ لَيال العُمْرَ راحلةً‬
‫ُسبّر ببه‬
‫ُصبِحُ فبَل ْهوٍ ن َ‬
‫ْسب ُي ون ْب‬
‫نُم ِ‬
‫والعُم ُر يَ ْمضِ يُ ول نَدْري فوا أ َسفًا‬
‫ص به‬
‫ت ِش ْعرِي غدًا كيف الل ُ‬
‫يا َلْي َ‬
‫ب قبد َجنَتْه يدِي‬
‫َكبعم ا‬
‫ب رب َع ْفو َ‬
‫يا‬

‫ج ِل‬
‫َمضَيْنَ كالسه ِم أو كالبَرقِ ف عَ َ‬
‫ب المالِ فب ُشغُلِ‬
‫ب مَع َ‬
‫عَنّاب ونن ُ‬
‫ب يُ ْدنِينبا مِبن الجَلِ‬
‫َج ْهلً وذَلِك َ‬
‫عليببه إذْ مرّ فبب الثام والزّلَلِ‬
‫با شيئًا مِبن العملِ‬
‫بْ لنب‬
‫ول نُقدمب‬
‫ب قِبلِ‬
‫ب مِن ْ‬
‫ب ل بَزَاء الذنْب ِ‬
‫فليس َ‬

‫حكم متنوعة‬
‫ْنب على فقدان الطاعبة مبع عدم القيام والجتهاد فب طلبهبا مبن علمات‬
‫الُز ُ‬
‫الغترار‪.‬‬
‫إذا أردت أن تشاور أحدًا فب شيبء مبن أمبر نفسبك فانظبر كيبف يُدرُ ذلك‬
‫الستشار أمر نفسه‪.‬‬
‫فإن كان ل ي صلح تدب ي نف سه ول يُك سبها خيًا فأ نت أحرى أن ل تنت فع به‬
‫ولست ألزم عليه من نفسه‪.‬‬
‫الكمةُ والذكرُ السن أبقى وأحسنُ من الال عند العقلء؛ لن الال مضمحلٌ‬
‫والكمة والذكر السنُ باقيان‪.‬‬
‫سفَل والراذل‪.‬‬
‫وقد يكون الالُ عند ال ُ‬
‫وأما الكمة والذكر الميل فعند أهل الفضل‪.‬‬
‫العجزُ يُعر فُ ف الر جل من ثلث خَ صال‪ :‬قل ُة اهتما مه ب صال نف سه وقلةُ‬
‫مُخالفتِهِ لا يشتهي وقبولُه الشيء بدُون تفكّر ونضرٍ ف العواقب‪.‬‬
‫كُن مع والديك كما تُحب أن يكون معك ولدُك‪.‬‬
‫يا هذا‪ ،‬مثّ ْل لنفسك صرعة الوت وما قد عزم تَ أن تفعل حينئ ٍذ وقت السرِ‬
‫فافعل ُه وقت الطلق‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب جهنّمب وأنبت تبكبي أبدًا وأبواباب مُغلقبة‬
‫ومثبل نفسبك فب زاويبة مبن زواي ا‬
‫وسقوفها مُطبقة وهي سوداء مظلة‪.‬‬
‫ل رفيق تأن سُ به ول صديق تشكو إليه ول نوم يُري ُح ول نفس ول طعام إل‬
‫ب إل الميم‪.‬‬
‫الزّقُوم ول شرا َ‬
‫ُونب أيديهُم إل الناكبب مِن النّدامبة على‬
‫قال كَع ْب‪ :‬إنّ أهبل النار ليأكل َ‬
‫تفريطهم وما يشعرون بذلك‪.‬‬
‫ِركب وازرع فب ربيبع حياتبك قبلَ جُدوببة أرض‬
‫فانتببه يبا غافبل لغتنام عُم َ‬
‫شخصك‪.‬‬
‫وادّ ِخرْ من وقت قُدرتك لزمن عجزك واعتب رحلك قبل رحيلك‪.‬‬
‫فكأنك برب التّلف قدْ قامت على ساق وانزمت جُيوشُ المل‪.‬‬
‫وإذا ملك الوت قد بارز الروح يتذبا بطاطيف الشدائد من تيار العُروق‪.‬‬
‫وقد أوثق كتاف الذبيح وحار البصر لشدة ا َلوْلِ‪.‬‬
‫ول تسألْ عن حال الُحتضر وما نزل به من الكروب والسكرات‪.‬‬
‫فتيقظ يا مسكي وتيأ لتلك الساعة وحصّلْ زادًا قبل العوزِ‪.‬‬
‫ضيْحَتب َفيَحْزَنُب َقلْبِي مِن عَظِيمِب خَ ِطْيئَتب‬
‫أَفكّرُ فب َموْتب وَبعْدُ َف ِ‬
‫وتَبْكِي دَمًا عَيْ ن وحُقّ َلهَا البُكَا على س بُوء أ ْفعَال وقِّلةِ ِحيْلَتَبي‬
‫ب َمِنيّتِبي‬
‫بيّمَا عن َد اقْترَاب ِ‬
‫ب َغيْرَهبُ ول س ِ‬
‫فمبا ل إل ال ل أرْج ُ‬
‫واسبأَلُ رَبب فب وَفَاتب َم ْؤمِن ًا على ِمّلةِ السببلم أشْرَفببَ مِّلةِ‬
‫يا عجبًا ربنا جل وعل يتحبب إلينا بالنعم وهو غنٌ عنا وعن كل خلقه‬
‫أهل السموات والرض‪.‬‬
‫ونتمقت ونتبغض إليه بالعاصي ونن متاجون إليه‪ ،‬بل مضطرون إليه‪.‬‬
‫علمة مَحبة ال إيثار طاعته وتنب معاصيه ومُتابعة رسوله ‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬أحببتُ رب ُحبًا سهل عليّ كُ ّل مُصيبة ورضان ف كل قضيّة‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ف ما أبال مع حب إياه ما أ صبحت عل يه و ما أم سيت وأر جو أن أكون من‬
‫أحبابه‪.‬‬
‫قال أحبد الشعراء أبياتًبا فب ملوق ل تصبلح إل لرب العزة واللل تبارك‬
‫وتعال‪ ،‬فعدلنا فيها ووجهنا الطلب والتمن إل ال‪:‬‬
‫َابب‬
‫والنامب غِض ُ‬
‫ُ‬
‫َكب تَرض َى‬
‫وَليْت َ‬
‫ب َتعْفُببو والياةُ مِ ْريَرةٌ‬
‫فََلْيتَكب َ‬
‫ب‬
‫ب العَالِيَب َخرَاب ُ‬
‫وبَيْنْب وَبيْن َ‬
‫ب عامِرٌ‬
‫ب الذي َبيْنب وبَْينَك َ‬
‫وَليْت َ‬
‫ُرابب‬
‫ُرابب ت ُ‬
‫ْقب الت ِ‬
‫فكبل الذي َفو َ‬
‫إذا نِ ْلتُ ِمنْكَ الو َد يَا خَالِ َق الوَرَى‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال سبفيان الثوري‪ :‬ل يتمبع فب هذا الزمان لحبد مال إل وعنده خسب‬
‫خصال‪ :‬طول المل‪ ،‬وحرص غالب‪ ،‬وشح شديد‪ ،‬وقلة الورع‪ ،‬ونسيان الخرة‪.‬‬
‫ستة أشياء هن غريبةٌ ف ستة مواضع‪ :‬السجدُ غريب بي ناس ل يصلون فيه‪،‬‬
‫والصحفُ غري بٌ ف منل قوم ل يقرءون فيه‪ ،‬والقرآن غريب ف جوف الفاسق‪،‬‬
‫والرأة السلمة غريبة ف يد رجل ظال سيئ اللق‪ ،‬والرج ُل السل ُم الصالُ غري بٌ‬
‫ف يد امرأةٍ رديئ ٍة سيئة اللق‪ ،‬والعال غريب بي قوم ل يستمعُون إليه‪.‬‬
‫اعلم أن القلوب القاسية تعال بأمور‪:‬‬
‫أولً‪ :‬القلع عَ ما هي عل يه من العا صي‪ ،‬وذلك بضور مالس الو عظ والتذك ي‬
‫والتخويف والترغيب‪ ،‬وأخبار الصالي‪ ،‬والكثار من مطالعة الكتب الحتوية‬
‫على ذلك‪ ،‬فإنّ ذلك يُلي القلوب بإذن ال‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ذكر الوت فيكثر من ذكر هادم اللذات‪ ،‬ومفرق الماعات‪ ،‬وميت البني‬
‫والبنات‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يروى أن امرأة ش كت إل عائ شة أم الؤمن ي ب ر ضي ال عن ها ب ق ساوة‬
‫يرقب قلببك‪ ،‬ففعلت ذلك فرق ّ قلبهبا‪،‬‬
‫قلبهبا‪ ،‬فقالت‪ :‬أكثري مبن ذكبر الوت ُ‬
‫فجاءت تشكر عائشة‪.‬‬
‫قال ب عض العلماء‪ :‬يا من ي د ف قل به ق سوةً‪ ،‬احذر أن تكون نق ضت عهدًا‪،‬‬
‫فإن ال تعال يقول‪َ :‬فبِمَا َنقْضِهِم مّيثَاقَ ُهمْ َلعَنّا ُهمْ وَ َجعَ ْلنَا قُلُوبَ ُهمْ قَاسَِيةً ‪.‬‬
‫ول ا احت ضر عمرو بن ق يس اللئي ب كى‪ ،‬فقال له أ صحابه‪ :‬علم تب كي من‬
‫الدنيا فوال لقد كُنت تبغ ضُ العيش أيام حياتك!! فقال‪ :‬وال ما أبكي على الدنيا‬
‫إنا أبكي خوفًا أن أحرم خوف الخرة‪.‬‬
‫وكان إذا نظر إل أهل السُوقِ‪ ،‬قال‪ :‬ما أغفل هؤلء عما أع ّد لُم‪.‬‬
‫قال جا ٌر لسعر بن كدام‪ :‬بكى مسعر فبكت أمه‪ ،‬فقال لا مسعر‪ :‬ما أبكاك يا‬
‫ك تب كي فبكي تُ‪ ،‬فقال‪ :‬يا أماه ل ثل ما نج مُ عل يه غدًا‬
‫أمّاه؟ فقالت‪ :‬يا بُ ن رأيت َ‬
‫فلن طل البكاء‪ ،‬قالت‪ :‬و ما ذاك؟ فانت حب‪ ،‬فقال‪ :‬القيا مة و ما في ها‪ ،‬قال‪ :‬ث غل به‬
‫البكاء‪ ،‬فقام‪.‬‬
‫ت ال سجد إل ل ا ل بد م نه‪ ،‬وكان إذا د خل‬
‫وكان يقول‪ :‬لول أ مي ما فارق ُ‬
‫بكى‪ ،‬وإذا خرج بكى‪ ،‬وإن صلى بكى‪ ،‬إن جلس بكى‪.‬‬
‫ول ا حضر ته الوفاة د خل عل يه سفيان الثوري فوجده جزعًا‪ ،‬فقال له‪ :‬تزع‬
‫فوال لوددتُ أن ُمتّ الساعة‪.‬‬
‫فقال م سعر‪ :‬أقعدو ن فأعاد سفيان الكلم عل يه‪ ،‬فقال‪ :‬إ نك لوا ثق بعملك يا‬
‫سُفيان‪.‬‬
‫لك ن وال على شاه َقةِ ج بل ل أدري أ ين أه بط‪ ،‬فب كى سفيان‪ ،‬وقال‪ :‬أن تَ‬
‫أخوفَ ل مِن‪.‬‬
‫قال بعضُهم‪ :‬من غض بصرهُ عن الحارم وأمسك نفسهُ عن الشهوات وعمر‬
‫ْطب له‬
‫باطنبه بدوام الراقببة وظاهره باتباع السبّنة وعوّد نفسبه أكبل اللل ل تُخ ِ‬
‫فراسة‪.‬‬
‫‪67‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل ف بعض ذكر فوائد الوت‬
‫اعلم أن ف ذكر الوت فوائد عديدة من ذلك‪:‬‬
‫ي القلب القاسي‪.‬‬
‫ع عن العاصي‪ ،‬ويُل ُ‬
‫أولً‪ :‬أنه يرد ُ‬
‫ثانيًا‪ :‬يُذهب الفرح والسرور بالدنيا‪ ،‬ويُزه ُد فيها‪ ،‬ويُهون الصائب‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬التأثبر ف مشاهدة الحتضريبن الذي ترج أرواحهبم‪ ،‬فإن ف النظبر إليهبم‬
‫ومشاهدة سبكراتم عنبد نزع أرواحهبم‪ ،‬وشخوص أبصبارهم عنبد نزعهبا‪،‬‬
‫وعجزهم عن الكلم‪ ،‬عند تسلُل الروح من السد‪.‬‬
‫س لذات ا ويطرد عن‬
‫وتأ مل صُورهم ب عد خروج الروح ما يقط عُ عن النُفو ِ‬
‫القلوب مسرّاتا وين ُع الفون من النّوم وين ُع البدان من الراحة‪ ،‬ويبعثُ على‬
‫الد والجتهاد ف العمل للخرة‪.‬‬
‫فروي أن السن البصري دخل على مريض يعوده فوجده ف سكرات الوت‪،‬‬
‫فنظر إل كُربه وشدّة ما نزل به‪ ،‬فرجع إل أهله بغي اللون الذي خرج به من‬
‫عندهم‪ ،‬فقالوا له‪ :‬الطعام‪ ،‬فلم يأكل‪ ،‬وقال‪ :‬فوال لقد رأي تُ مصرعًا ل أزالُ‬
‫أعمل له حت اللقاء‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬ما يلي القلوب القاسية زيار ُة القبور‪.‬‬
‫فإنا َتبْلُ ُغ مِن القلوب ما ل يبلغه الول والثان والثالث؛ لنا تذكر بالخرة‪.‬‬
‫بِهم كالقابِرِ‬
‫َعب َمنْظِرًا ول واعِظِبي جُلّاسب‬
‫كالمواتب أفْج َ‬
‫ِ‬
‫ول أرَى‬
‫آخر‪:‬‬
‫ُرابب ُخ ُفوْتُب‬
‫وأصبحَابُها تْتَب الت ِ‬
‫ْ‬
‫صبُموْتُ‬
‫َاثب وهُنّ ُ‬
‫ْكب أ ْجد ٌ‬
‫َوعَ َظت َ‬
‫الا مس‪ :‬زيارة ال ستشفيات وال ستوصفات فإن ا تل ي القلوب وت ث الن سان‬
‫على ح د ال وشكره وعلى ال د والجتهاد في ما يعودُ نفعُه على الن سان‬
‫ف الخرة‪.‬‬
‫وينب غي للن سان أن يُقوّي ظ نه بال ويسبتحضر رح ته ورأف ته ولط فه بعباده‬
‫ولسيما عند الحتضار‪.‬‬
‫‪68‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال ‪« :‬ل يوتن أحدكم إل وهو يسن الظن بال» رواه مسلم‪ ،‬ف حديث‬
‫أب هريرة عن رسول ال أنه قال‪« :‬قال ال عز وجل‪ :‬أنا عند ظن عبدي ب»‬
‫الديث متفق عليه‪.‬‬
‫ول ر يب أن حُ سن ال ظن برب العال ي الذي خلق ف سوى والذي قدر فهدى‬
‫الل يم الكر ي الواد الرح ن الرح يم الرءوف بالعباد الغ ن ع نا و عن أعمال نا و عن‬
‫تعذيبنا عقابنا‪.‬‬
‫من أعظم ما نتقرب به إليه ومن أجزل ما نتوجه به عليه‪.‬‬
‫أيّ عبا َدةٍ أعظ مُ من حُ سْ ِن ظننا برب العالي مع الوف مِن مُعاملتِ هِ إيّانا بعَدْ‬
‫لِهِ‪.‬‬
‫فالعا قل يكون ب ي الوف والرجاء ل كن يُغلب الرجاء ع ند الحتضار وي سن‬
‫ال ظن بالكر ي الغفار‪ ،‬وي ستحضر أ نه قادم على أكرم الكرم ي‪ ،‬وأجود الجود ين‬
‫الب الرحيم‪.‬‬
‫وإن ح صل أن يتلى ع ند الحت ضر آيات الرجاء وأحاد يث الرجاء ليقوى ظ نه‬
‫بال تعال أجود الجودين وأكرم الكرمي‪.‬‬
‫َسهَرفُوا‬
‫ِينه أ ْ‬
‫ِيه اّلذ َ‬
‫ومبن آيات الرجاء قوله ج ّل وعل وتقدس‪ُ :‬قلْ يَا عِبَاد َ‬
‫ّهه ُهوَ‬
‫ُوبه جَمِيعًا ِإن ُ‬
‫ّهه َي ْغفِ ُر ال ّذن َ‬
‫ّهه إِنّ الل َ‬
‫ُسههِ ْم َل تَقْنَطُوا مِن ّرحْ َم ِة الل ِ‬
‫عَلَى أَنف ِ‬
‫ال َغفُو ُر الرّحِيمُ ‪.‬‬
‫وقال تعال‪ :‬وَرَحْمَتِي َوسِعَتْ ُك ّل َشيْءٍ ‪ ،‬وقوله‪ :‬وَالّذِي َن لَ َيدْعُونَ مَعَ‬
‫حقّ وَ َل َيزْنُو َن َومَن َيفْ َعلْ‬
‫اللّ ِه ِإلَهًا آ َخرَ َو َل يَقْتُلُو َن الّنفْ سَ الَتِي َحرّ َم اللّ هُ ِإلّ بِالْ َ‬
‫ف لَهُ العَذَابُ َيوْ َم القِيَامَ ِة َويَخْ ُلدْ فِيهِ ُمهَانًا * ِإلّ مَن تَابَ‬
‫ك يَلْقَ َأثَامًا * يُضَاعَ ْ‬
‫َذلِ َ‬
‫ت وَكَا َن اللّهُ َغفُورًا‬
‫وَآمَ َن وَعَ ِملَ عَ َملً صَالِحًا َفُأوْلَئِكَ يَُب ّدلُ اللّهُ سَيّئَاِتهِ ْم حَسَنَا ٍ‬
‫ّرحِيمًا ‪.‬‬
‫وقوله‪ :‬إِنّ ال ّلهَ لَ يَ ْغفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ َوَيغْفِرُ مَا دُونَ َذِلكَ لِمَن يَشَاءُ ‪.‬‬
‫‪69‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و من أحاد يث الرجاء ما ورد عن ع مر بن الطاب قال‪ :‬قُدم على ر سول‬
‫ال ب سب فإذا امرأة من ال سّبْي ت سعى إذا وجدت صبيًا ف ال سب أخذ ته فألزق ته‬
‫ببطنها فأرضعت هُ‪ ،‬فقال رسول ال ‪« :‬أترو َن هَذَ هِ الرأةَ طا َر ِحةً ولَ َدهَا ف النار؟»‬
‫قلنا‪ :‬ل يا رسول ال‪ ،‬فقال‪« :‬ال أرْ َح ُم بعباد ِه مِن هذه ِبوَلَدِها» متفق عليه‪.‬‬
‫وورد ع نه أ نه قال‪« :‬فإنّ ال حَرّ مَ على النا ِر مَن قال‪ :‬ل إله إل ال يبت غي‬
‫بذلك وجْهَ ال» متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪« :‬لا َخلَق ال الَلْقَ َكتَبَ ف كِتابٍ فهو عنده فوق العرشِ‪ :‬إن رحت‬
‫تغلب غضب»‪ ،‬وف رواية‪« :‬غَلبت غضب»‪ ،‬وف رواية‪َ « :‬سَبقَتْ غضب» متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫ْقب عَليّ‬
‫وروي عبن المام أحدب أنبه لاب حضرتبه الوفاة قال لولده عبدال‪ :‬ال ِ‬
‫سنُ‬
‫أحاد يث الرجاء؛ لن الؤ من إذا سع آيات الرجاء وأحاد يث الرجاء َقوِ يَ حُ ْ‬
‫ظنه بربه عز وجل‪ ،‬واشتاق إل لقاء سيده وموله الذي هو أرحم به من والديه‬
‫وأولده فعند ذلك تَهون عليه سكراتُ الوت إذا أرَادَ ال‪.‬‬
‫َصب َل الُحِب ّ َفتَحْي َا عِندَ ِمْيعَادِ‬
‫ت مِن كَل ِل ال ّسْي ِر أ ْو َع َدهَا و ْ‬
‫إذا اشْت َك ْ‬
‫والهم أنه يرص كل الرص على تقوية وحسن ظنه برب العالي‪ ،‬ث أن‬
‫اعلم‬

‫للموت سكرات قال ال جل وعل وتقدس‪ :‬وَجَاءَ تْ سَ ْك َرةُ الَوْ تِ بِاْلحَقّ َذلِ كَ‬

‫مَا كَنتَ مِ ْنهُ َتحِيدُ ‪.‬‬
‫وق يل‪ :‬إن العضاء ي سلم بعضُ ها على ب عض‪ ،‬ف في تذكرة القر طب‪ ،‬عن أ نس‬
‫ب الوت‪ ،‬وإن َمفَا صِلَهُ َليُ سَلَ ُم َب ْعضَ ها على ب عض‪،‬‬
‫مرفوعًا‪« :‬إن الع بد َلُيعَال ُكرَ َ‬
‫ك ُتفَارُِقنِي وأفارِقُكَ إل يو ِم القيامةِ»‪.‬‬
‫يقول‪ :‬السلم علي َ‬
‫ع بعضها بعضًا‪.‬‬
‫أي يُو ّد ُ‬

‫‪70‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب الليال فَرائِسبًا‬
‫خُلقْنَبا ل ْحدَاث ِ‬
‫جهّ ُز ِمنّابب ِل ْلقُبوِر عَسببَاكِرًا‬
‫تُ َ‬
‫ب‬
‫إذا أمَلٌ أرْخَبى لنبا مبن ِعنَانِه ِ‬
‫أرَى الغُ صْنَ لَمّ ا اجتُثّ و هو بائِ هِ‬
‫بفَا َهةً‬
‫نَشِيدُ قُصببورًا ِللْخُلودِ سبَ‬
‫ُوسبنَا‬
‫َعتب الدنيبا إلينبا نُف َ‬
‫وقبد ن ِ‬
‫لقَدَ ضَ َربَ تْ كِ سْرَى اللو َك وتُبّ عا‬
‫وقد َفضَح الدنيا لنَا الو تُ واعِظًا‬

‫َاثب ِمنّاب عَرائِسبَا‬
‫َفب إل الجْد ِ‬
‫تُز ُ‬
‫ب أعوادَ النايبا فَوارِسبَا‬
‫وتُرْدِف ُ‬
‫غَدًا أ َج ٌل عَمّابب نُحَاوِلُ حَابسببَا‬
‫رَطيبًا وما أ نْ أصب َح الغُ صْن ياب سَا‬
‫ونصبب مبا شئنبا فتورًا َدوَارسبا‬
‫ت ِمنّ ا لو أ صَاَبتْ أكَاي سَا‬
‫بِمَن مَا َ‬
‫بَا‬
‫بَ َر أمثالً فلم نَبر قَائِسب‬
‫وَقيْصب‬
‫ب مبا نَزْدَادُ إل تقاعُسبَا‬
‫وهيهات َ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال مالك بن دينار‪ :‬عجبًا لن يعلم أن الوت مصيه والقب مورده‪ ،‬كيف تقر‬
‫بالدنيا عينه‪ ،‬وكيف يطيب فيها عيشه‪ ،‬ث يبكي حت يسقط مغشيًا عليه‪.‬‬
‫قال الارث ببن سبعيد‪ :‬كنبا عنبد مالك ببن دينار وعنده قارئ يقرأ‪ :‬إِذَا‬

‫ُزلْ ِزلَ تِ الَرْ ضُ ِزلْزَالَهَا فج عل مالك ينت فض وأ هل الجلس يبكون‪ ،‬ح ت انت هى‬
‫القارئ إل‪ :‬فَمَن َيعْمَلْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ خَيْرًا يَرَ هُ * وَمَن َيعْمَلْ مِ ْثقَالَ َذ ّرةٍ َشرًا يَرَ هُ ‪،‬‬
‫فجعل مالك يبكي ويشهق حت غُشي عليه‪ ،‬فحُمل بي القوم صريعًا‪.‬‬
‫واحترق بيته فأخذ الصحف وأخذ القطيفة فأخرجهما‪ ،‬فقيل له‪ :‬يا أبا يي‪،‬‬
‫البيت‪ ،‬فقال‪ :‬ما فيه إل السندانة ما أُبال أن يترق‪.‬‬
‫وروي ع نه أ نه كان يقول‪ :‬إن ال عز و جل إذا أ حب عبدًا انتق صه من دنياه‬
‫وكفّ عنه ضيعته‪ ،‬ويقول‪ :‬ل تبح من بي يديّ‪ ،‬قال‪ :‬فهو متفرغٌ لدمة ربه عز‬
‫وجل‪.‬‬
‫‪71‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وإذا أبغض عبدًا دفع ف نره شيئًا من الدنيا‪ ،‬ويقول‪ :‬أعزب من بي يدي فل‬
‫أراك بي يدي‪ ،‬فتراه معلقُ القلب بأرض كذا وبتجارة كذا‪.‬‬
‫وروي عن أب عبدال الباثي أنه كان يقول‪ :‬حلتنا الطام ُع على أسوأ الصنائع‬
‫نذل ل ن ل يقدرُ ل نا على ضر ٍر ول على نف عٍ‪ ،‬ونض ُع ل ن ل يل كُ ل نا رزقًا ول‬
‫حياةً ول موتًا ول نشورًا‪ ،‬فك يف أزع مُ أ ن أعرف ر ب حقّ معرف ته وأ نا أ صنع‬
‫ذلك‪ ،‬هيهات هيهات‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه مر تاجر بعشار فحبسوا عليه سفينته‪ ،‬فجاء إل مالك بن دينار‪ ،‬فذكر‬
‫ذلك له‪ ،‬قال‪ :‬فقام مالك فمشى إل العشار‪ ،‬فلما رأوه‪ ،‬قالوا‪ :‬يا أبا يي أل تبعث‬
‫إلينا حاجتك؟ قال‪ :‬حاجت أن تلوا سفينة هذا الرجل‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬قد فعلنا‪ ،‬قال‪ :‬وكان عندهم كوز يعلون فيه ما يأخذون من الناس من‬
‫الدراهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ادع ال لنا يا أبا يي‪ ،‬قال‪ :‬قولوا للكوز يدعو لكم‪ ،‬كيف أدعو‬
‫لكم وألف يدعون عليكم‪ ،‬أترى يُستجاب لواحد ول يستجاب للف؟‬
‫وقال الربيع‪ :‬نصب التقون الوعيد من ال أمامهم فنظرت إليه قلوبم بتصديق‬
‫وتقيق‪ ،‬فهم وال ف الدنيا منغصون‪ ،‬ووقفوا ثواب العمال الصالة خلف ذلك‪.‬‬
‫فمتب سبعت أبصبار القلوب وارتاحبت إل حلول ذلك فهبم وال إل الخرة‬
‫متطلعون بي وعي ٍد هائل ووعدٍ حق صادق ل ينفكون من خوف وعيد إل رجعوا‬
‫إل شوق موعود‪.‬‬
‫فهم كذلك وعلى ذلك‪ ،‬وف الوت جُعلتْ لم الراحة ث يبكي‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إن ل عبادًا أخصوا له البُطون عن مطاعم الرام وغضّوا له الُفون عن‬
‫مناظر الثام‪.‬‬
‫وأهلُوا له العيون ل ا اختلط علي هم الظلم رجاءَ أن يُن ي ُقلُوب م إذا تضمنت هم‬
‫الرضُ بي أطباقهم فهُم ف الدنيا مُكتئِبون وإل الخرة مُتطلعون‪.‬‬
‫فهم الذين ل راح َة لم ف الدنيا وهم الذين تق ّر أعينُهم بطلع ِة ملك الوت‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال فب كلم له‪ :‬قطعتنبا غفل ُة المال عبن مبادرة الجال فنحبن فب الدنيبا‬
‫حيارى ل ننتبه من رقدةٍ إل أعقبتنا ف أثرها غفلة‪.‬‬
‫ف يا إخوتاه‪ ،‬نشد كم بال‪ ،‬هل تعلمون مؤمنًا بال أغ ّر ولنقم ته أ قل حذرًا من‬
‫قومٍ هجمت بم العب والمثال‪ ،‬ث رجعوا عن ذلك إل غي قلعةٍ ول نقلة‪.‬‬
‫فإن تسن أيها الرء يُحسن إليك‪ ،‬وإن تُسيء فعلى نفسك بالعُتب فارجع فقد‬
‫بيّن وحذّر فما للناس على ال حُجة بعد الرسُل َوكَانَ ال ّلهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‪.‬‬
‫نزل جاعبة مبن العباد ذات ليلة على السباحل فهيّأب لمب أحدُ إخوانمب طعامًا‬
‫ودعاُهم إليه فجاءوا فلمّا وُضع الطعام بي أيديهم إذا قائل ينشد وهو على ساحل‬
‫البحر هذا البيت‪:‬‬
‫ِمب ولَ ّذةُ َنفْسببٍ غيّهببا َغيْ ُر نافِعببِ‬
‫ْكب عبن دار اللو ِد مَطَاع ٌ‬
‫وتلي َ‬
‫فبكى القوم ورُف َع الطعام وما ذاقوا منه لُقمةً‪.‬‬
‫َتب‬
‫َمب َدن ْ‬
‫َكب فالدُنيبا الدنيةَ ك ْ‬
‫ُر َويُد َ‬
‫ّقب‬
‫الفاقب كُ ُل ُموَف ٍ‬
‫ِ‬
‫فاقب فب‬
‫َلقَ ْد َ‬
‫فَسَبلْ جَامِعَب الموالِ فيهبا برصِبهِ‬
‫ب ِد سبَا َد البَرايَبا بببِه‬
‫وكبم أس ِ‬
‫ببَحَ فيهبا ِعبْرةً لول النُهَبى‬
‫فأص ْ‬

‫وصبحَابا‬
‫َبكْ ُر ْوهِه َا م ِن أهْلِهبا ِ‬
‫وصبحَابَا‬
‫سبكْرِها َ‬
‫أفاقب باب مِن ُ‬
‫َ‬
‫سبرَى باب‬
‫أمب َ‬
‫ِهب ْ‬
‫أخّلفَهَا مِن َبعْد ِ‬
‫ولو نَابَ ها خَطْ بٌ إذا ما وَنَى بِ ها‬
‫با‬
‫ب ونَابِهَب‬
‫با َق ْد مَزَّقتْهب ُ‬
‫خَلبِهَب‬
‫بِمِ ْ‬

‫وقال بعض العباد‪ :‬لو يعلم اللئق ما يستقبلون غدًا ما لذوا بعيش أبدًا‪،‬‬
‫وال إن لا رأيت الليل وهولة وشدت سواده‪.‬‬
‫ذكر تُ به الو قف (أي مو قف يوم القيا مة) وشدة ال مر ه نا ك و كل امرئ‬
‫يومئذ تمه نفسه يوم لّ َيجْزِي وَاِلدٌ عَن َوَلدِ هِ وَلَ مَ ْولُودٌ ُهوَ جَازٍ عَن وَاِلدِ هِ شَيْئًا‬

‫‪.‬‬
‫كا نت إحدى العابدات تقول‪ :‬طوى أملي طلوع الش مس وغروب ا‪ ،‬ف ما من‬
‫حركة تُسمع‪ ،‬ول من قدم تُوضع‪ ،‬إل ظننتُ أن الوت ف أثرها‪.‬‬
‫‪73‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكا نت تقول‪ :‬سكانُ دار أوذنوا بالنقلة (أي اعلموا بالرتال) و هم حيارى‬
‫يركضون ف الهلة كأن الراد غيهم‪ ،‬أو التأذي ُن ليس لم‪ ،‬والعن بالمر سواهم‪.‬‬
‫آهٍ من عقول ما أنقصها‪ ،‬ومن جهالة ما أتها‪ ،‬بؤسًا لهل العاصي‪ ،‬ماذا غرّوا‬
‫به من المهال وال ستدراج؟ ب سطوا آمال م‪ ،‬فأضاعوا أعمال م ولو ن صبوا الجال‬
‫وطووا المال خفت عليهم العمال‪.‬‬
‫وكا نت تقول‪ :‬ل ي نل الطيعون ما نالوا من حُلو ِل النان ور ضا الرح ن إل‬
‫بتعب البدان ل والقيام ل بقه ف النشط والكرَه‪.‬‬
‫ت وهبب ببن مُنببه‪ ،‬وأقببل على عطاء‬
‫وعبن أبب سبنان القسبملي قال‪ :‬سبع ُ‬
‫الراسان‪ ،‬فقال‪« :‬ويك يا عطاء‪ ،‬أل أخبك أنك تمل علمك إل أبواب اللوك‬
‫وأبناء الدن يا؟ ويْح ضك يا عطاء‪ ،‬تأ ت من يُغلق ع نك با به‪ ،‬ويُظ هر لك فقر هُ‪،‬‬
‫ويُواري عنك غناه‪ ،‬وتدع من يفت حُ لك بابه‪ ،‬ويُظهر لك غناءه ويقول‪ :‬ادْعُونِي‬

‫أَسَْتجِبْ لَ ُكمْ ‪.‬‬
‫ويْحَ كَ يا عطاء‪ ،‬ارْ ضَ بالدّون من الدن يا مع الك مة ول ترض بالدون من‬
‫الكمة مع الدنيا‪ ،‬ويك يا عطاء‪ ،‬إن كان يُغنيك ما يكفيك فإن أدن ما ف الدنيا‬
‫يكفيك‪ ،‬ويك يا عطاء‪ ،‬إنا بطنُ كَ بر من البُحور ووادٍ من الدوية فليس يلؤه‬
‫إل التراب»‪.‬‬
‫قال مقاتل بن صال الراسان‪ :‬دخلت على حاد بن سلمة فإذا ليس ف البيت‬
‫إل حصي وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه وجرا بٌ فيه علمه ومطهرةٌ يتوضأ‬
‫منها‪.‬‬
‫فبين ما أ نا عنده جالس إذا دقّ الباب‪ ،‬فقال‪ :‬يا صبيةُ أخر جي‪ ،‬فانظري من‬
‫هذا؟ فقالت‪ :‬رسول ممد بن سليمان أمي البصرة‪ ،‬قال‪ :‬قُول له يدخل وحده‪،‬‬
‫فدخل فناول هُ كتابًا فإذا فيه‪« :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ ،‬من ممد بن سليمان إل‬
‫حاد بن سلمة‪ ،‬أ ما ب عد‪ ،‬ف صبّحك ال ب ا صبح به أولياءه وأ هل طاع ته وق عت‬
‫مسألة فأتنا نسألك عنها والسلم»‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬يا صبية‪ ،‬هلمي الدواة‪ ،‬ث قال ل‪ :‬اقلب الكتاب (أي الورقة)‪ ،‬واكتب‪:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬وأنت فصبّحَكَ ال با صبح به أولياءَه وأهل طاعته‪.‬‬
‫إنا أدركنا العُلماء وهم ل يأتون أحدًا‪.‬‬
‫فإن كانت وقعت مسألة فأتنا واسألنا عمّا بدا لك‪.‬‬
‫وإن أتيتنب فل تأتنب إل وحدك ول تأتنب بيلك ورجلك فل أنصبحُك ول‬
‫أنصح نفسي والسلم‪.‬‬
‫ب أنبا عنده دق الباب داق‪ ،‬فقال‪ :‬يبا صببية‪ ،‬أخرجبي فانظري مبن هذا؟‬
‫فبينم ا‬
‫فقالت‪ :‬مُحمد بن سليمان‪.‬‬
‫قال‪ :‬قول له ليدخل وحده‪ ،‬فدخل فسلم‪ ،‬ث جلس بي يديه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬مال إذا نظرت إليك امتلتُ رُعبًا‪.‬‬
‫فقال حادُ‪ :‬سبعت ثابتًا البُنان يقول‪ :‬سبعتُ أنبس ببن مالك يقول‪ :‬سبعتُ‬
‫رسول ال يقُول‪« :‬إنّ العَالِ مَ إذا أرَا َد بعِ ْلمِ هِ وجْ َه ال عَزّ وجَل هَابَه ك ُل شيءٍ‪،‬‬
‫وإذا أرادَ أ ْن َيكََتنِ َز به ال ُكنُو َز هَابَ مِن كُ ِل شيءٍ»‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أربعُون ألف درهم تأخذها تستعي با على ما أنت عليه‪.‬‬
‫قال‪ :‬ارددها على من ظلمت ُه با‪.‬‬
‫قال‪ :‬وال ما أعطيتك إل ما ورثته‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل حاجة ل فيها إزوها عن (أي أبعدها عن) زوى ال عنك أوزارك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فتقسمها‪ ،‬قال‪ :‬فلعلي إن عدلت ف قسمتها أن يقول بع ضُ من ل يُرزق‬
‫منها ل يعدل إزوها عن ذوى ال عنك أوزارك‪ .‬اهب‪.‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬كيف يؤثر ف القلوب كلم الخلصي الذين ل يريدون الدنيا‬
‫متقشفب مُتزهدٍ‬
‫ٍ‬
‫الوعظب إل مبن‬
‫ُ‬
‫وعروضهبا‪ ،‬قال أببو الوفاء ببن عقيبل‪ :‬ل يعمبل‬
‫ج بطينًا فا خر‬
‫متور عٍ ف نظا فة ج سمٍ (قل تُ‪ :‬ونظا فة قلب)‪ ،‬قال‪ :‬فأ ما من ير ُ‬
‫الثياب مدا ِخلً للمراء فكيف تستجيبُ له القُلوبُ إنا يُسمعُ من هؤلء على سبيل‬
‫الفُرجة‪ ،‬قلت‪ :‬والنتقاد والستهزاء والسخرية‪.‬‬
‫‪75‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان حاد ب رح ه ال ب مشغولً بنف سه إ ما أن يدث‪ ،‬وإ ما أن ي سبح ‪،‬‬
‫وإما أن يصلي‪ ،‬كان قد قسم النهار على هذه العمال‪.‬‬
‫ب ِفهِمْ َرجُلُ‬
‫بفْ بعَال وص ْ‬
‫ب ل َيتّص ِ‬
‫ب أن يٌُالُ ِلمَن ْ‬
‫ب الرجَا ُل و َغبْن ٌ‬
‫هُم ُ‬
‫جاء رجل إل يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقًا من حاله ومعاشه واغتما مً‬
‫منه بذلك‪.‬‬
‫فقال له يونس‪ :‬أيسرّك ببصرك هذا الذي تُبص ُر به مائةُ ألفٍ‪ ،‬قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فسمعك الذي تسمعُ به يسرّك به مائةُ ألف‪ ،‬قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فيداك يسرّك بما مائة ألف‪ ،‬قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرجلك‪ ،‬قال‪ :‬فذكره نعم ال عليه‪.‬‬
‫فأقبل عليه يونس‪ ،‬فقال‪ :‬أرى لك مئي أو لُوفًا وأنت تشكو الاجة‪.‬‬
‫وجاءته امرأة ببةِ خز‪ ،‬فقالت له‪ :‬اشترها‪ ،‬فقال‪ :‬بكم تبيعينها؟ قالت‪ :‬بمس‬
‫مائة (‪ ،)500‬قال‪ :‬هي خي من ذلك (يعن تسوى أزيد)‪.‬‬
‫قالت‪ :‬بستمائة (‪ ،)600‬قال‪ :‬هي خي من ذلك‪ ،‬فلم يزل يقول هي خي من‬
‫ذلك حت بلغت ألفًا (‪ ،)1000‬وقد بذلتها له بمسمائة (‪.)500‬‬
‫وكان يشتري البري سم من الب صرة فيب عث به إل وكيله وكان وكيله يب عث‬
‫إليه بالز (أي الرير) فإن أخب وكيله أن التاع عنده زائد ل يشتر منهم أبدًا حت‬
‫يبهم أنه زائد‪ ،‬لئل يغتروا‪.‬‬
‫وإذا زاد عند هم التا عُ قال لوكيله‪ :‬أ خب من تشتري ل نا م نه أن الش يء زائد‬
‫عندنا‪.‬‬
‫وكان يقولُ‪ :‬لو أصبت درهًا حللً من تارة لشتريت به بُرًا ث صيته سوقًا‬
‫ث سقيته الرضى‪.‬‬
‫وأخرج شاة للبيع‪ ،‬وقال للدّلل‪ :‬ب ْعهَا وابرأ من أنا تقل بُ العلف وتنع الوتد‬
‫(أي أشرط على الشتري هذا العيب) هل يوجد مثل هذا النصح والورع ف زمننا‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان السبلف –رحهبم ال‪ -‬قبد جعوا خصبا ًل حيدة منهبا النصبح للمبة‬
‫والصبدع بالقب‪ ،‬ولو أدى ذلك إل ضررهبم وبذل الال و الاه والحافظبة على‬
‫الوقات أعظم من مُحافظة أهل الموال على أموالم‪.‬‬
‫يقطعون الوقات إما بتعليم علم ما جاء به النب وإما بصلة‪.‬‬
‫وإمبا بالباقيات الصبالات ل إله إل ال وسببحان والمبد ل وال أكبب ول‬
‫حول ول قوة إل بال العلي العظيم أو نو ذلك‪.‬‬
‫وأ ما أك ثر أ هل هذا الزّمان ف قد ذه بت أعمار هم فُرطًا مضا عة ع ند قتالت‬
‫الوقات في ما ي ضر ول ين فع كالتلفزيون‪ ،‬والفيد يو‪ ،‬والذياع‪ ،‬والكورة‪ ،‬والورق‪،‬‬
‫والقيل والقال‪ ،‬والكذب‪ ،‬والغيبة‪ ،‬والنميمة‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫وقد اتسع ف زمننا الغيبة والنميمة والسعاية بسبب التلفون؛ لنا بالزمان الول‬
‫لبُدّ من اجتماع البدان‪.‬‬
‫ويندُرُ جدًا أن تد الفطن اللوذعي الحاسب لنفسه على الركات واللحظات‬
‫الصائن لوقته عن الضياع‪.‬‬
‫بع َمعَاذرٌ‬
‫با للوضيب‬
‫ب ْهوِ فيهب‬
‫ب السبّ‬
‫ل يَحْقِبببر الرجُلُ الرفيعبببُ دَقيقةً فب‬
‫بغِيةٌ وصبببغائرُ الرجلِ الكببببيِ َكبَائِرُ‬
‫ب ِغيْرِ صبب َ‬
‫فكبَائ ُر الرج ِل الصبب ّ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب بالّنعْ َمتَيب بَبل أجْهدِ‬
‫سببَهْلَل ول ُت ْغَبنَن ْ‬
‫ْكب َ‬
‫ول يَ ْذ َهبّنّب العُمْ ُر ِمن َ‬
‫ت نَا َل الُنِى ومَ نْ أكَبّ على اللّذَا تِ عَ ضَ على اليَدِ‬
‫فَمَ ْن هَجرَ اللّذَا ِ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪77‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يفجاءهب قببل‬
‫ُ‬
‫ينبغبي للنسبان أن يكون دائم الذكبر للموت ليلً ونارًا لئل‬
‫الستعداد والتأهب له كما هي طريقة كثي من السلف‪.‬‬
‫والناسُ ف ذكر الوت أقسام ثلثة‪:‬‬
‫قسم ل يذكره أبدًا‪.‬‬
‫وقسم يذكره رُعبًا وخشيةً‪.‬‬
‫وقسم يذكره عقلً وحكمة‪.‬‬
‫القسم الول‪ :‬أحق وهو الذي ل يتذكر الوت ول يري له على خاطر كأنّه‬
‫قد ثبت ف عقله أن ل موت‪.‬‬
‫فل ي س هذه القي قة إل ع ند الشاهدة‪ ،‬ول يذ كر الوت إل ريث ما تنق ضي‬
‫تلك الشاهدة كأن يشتد به الرض أو يتطف الوت أحد أهله أو جيانه أو يصل‬
‫عليه حادث يقربه من اللك‪.‬‬
‫فهو ل يتفكر ف الوت وما يعقبه إل نظرًا ف حال ماله وأولده عند موته‪ ،‬ول‬
‫ينظر ويتدبر ف أحوال نفسه‪.‬‬
‫وعندما يرى جنازة يقول بلسانه‪« :‬إنا ل وإنا إليه راجعون» ول يرجع إل ال‬
‫بأفعاله‪ ،‬بل يرجع بأقواله فقط‪ ،‬وهذا على خطر عظيم‪.‬‬
‫القسم الثان‪ :‬يذكره دائمًا لشية وقوعه وخو فٍ من نُزوله فيتولهم الرعب‬
‫ويستول عليهم الفزع‪.‬‬
‫وأك ثر ما يذكرو نه إذا خلوا من أشغال م وانتقلوا إل أوقات فراغ هم فيكدر‬
‫علي هم صفاء هناءت م وأ شد ما يكون كدر هم ونكد هم إذا أقبلت علي هم الدن يا‬
‫وتتاب عت علي هم الن عم وازداوا من متاع الدن يا وزينت ها‪ ،‬فترا هم ف هم دائ مٍ وقلق‬
‫وعناء مُقيم للتوقي من الخطار والتحرُز من أسباب اللك ويتوهون ف كُلّ لقمة‬
‫صةً وتد هم مهتم ي دائمًا بالف حص عن أبدان م خوف‬
‫تم ًة و ف كل جُرع ٍة غُ ّ‬
‫الوت‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫القسم الثالث‪ :‬وهو الذي وفقه ال للستعداد للموت والتأهب للقاء ال‪ ،‬فهذا‬
‫ل يفار قه ذك ُر الوت كالتن قل من م ل إل م ل آ خر أو كال سافر من بلدٍ إل بلدٍ‬
‫ليُقيم فيها‪.‬‬
‫فإنبه ل يفارقبه ذكبر مقصبده‪ ،‬وذلك لنبه يعلم أن ذكبر الوت يطردُ فضول‬
‫ال مل‪ ،‬ويق طع ال ن‪ ،‬ويهون ال صائب‪ ،‬ويول ب ي الن سان والطُغيان‪ ،‬و من فوائد‬
‫ذكر الوت أن يُول ُد القناعة با رُزق‪ ،‬والرضا باليسور‪ ،‬والبادرة إل التوبة‪.‬‬
‫والعتناء بالو صية‪ ،‬والتخلص من حقوق ال وحقوق عباده‪ ،‬وترك التحا سد‪،‬‬
‫والرص على الدنيبا‪ ،‬والبتعاد عبن الكبب والعُجبب‪ ،‬ومبن فوائد ذكره أنبه يزيبد‬
‫النشاط ف العبادة‪.‬‬
‫فعلى العاقل أن يكثر من ذكره‪ ،‬ول يهل نفسه‪ ،‬بل يصبح كل يوم على تقدير‬
‫الستعداد للرحلة؛ لنه ما من وقت إل والوت فيه مُمكن‪ ،‬وهذا أمر متفق عليه‪.‬‬
‫والناس متلفون فب كبل الشياء إل الوت فل خلف فيبه‪ ،‬قال ال تبارك‬
‫وتعال‪ :‬كُلّ َن ْفسٍ ذَائِ َقةُ الَ ْوتِ ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫أكْدَ حْ ِلَنفْسكَ َقبْلَ الو تِ ف َمهَ ٍل‬
‫ببة مَورُو ٌد َمنَاهِلُهبببا‬
‫إن النيّب‬
‫ب تَجْربةٌ‬
‫وفب الّليَال وفب اليام ِ‬
‫ب ُمنْحَنيًا‬
‫َبعْدَ الشبا بِ يَ صِي ال صّ ْل ُ‬
‫ُوسب ول ُيبْقِي على أحَدٍ‬
‫ُيفْنب الُنف َ‬
‫ب ُمقَدّرةٍ‬
‫لِمُسبببَتق ٍر ومِيقَاتبب ٍ‬
‫ومَبن تعَاقِرهببُ اليامببُ ُتبْدِلُهببُ‬
‫خَلّوا بُروَجًبا وأوطانًبا و ُمغْترَبًبا‬
‫ب نَا ٍء َمحَّلتُهببُ‬
‫ضيّقب ٍ‬
‫بُوحِشببٍ َ‬
‫ك ُمتّخِذٍ‬
‫كَ ْم مَن َم ِهيْ بٍ عَ ِظيْ ِم الُلْ ِ‬
‫صغِيَ الشأ ِن ُمنْفردًا‬
‫أضْحَى ذليلً َ‬
‫ك الناسُ قَ ْد عَاشُوا وقد هَلكُوا‬
‫وَقبْل َ‬

‫القب مُرْتابًا‬
‫ول تَكُن جاهلً فب ِ‬
‫ب أحْقابًبا‬
‫لبُ ّد ِمنْهَبا ولو عُمّرت َ‬
‫ب ألبابًبا‬
‫يَزْدادُ فيهبا أولُو اللْباب ِ‬
‫كانب َق ْد شَاب َا‬
‫والشّعرُ بع َد سبوا ٍد َ‬
‫ْسب كَرّهبا دَاب َا‬
‫سبرَي ٌع وشَم ٌ‬
‫لَي ٌل َ‬
‫ب غُيّابًبا‬
‫َحتّىب َيعُو َد شُهو ُد الناس ِ‬
‫بالارِ جارًا وبال صحابِ أ صحَابًا‬
‫ت مِنبه ِلطُو ِل الّنأْي أثْوَابًبا‬
‫بيْ َ‬
‫كُس ِ‬
‫ّهب مَبن َغْيبَةٍ آبَبا‬
‫ب مَبن حَل ُ‬
‫وَليْس َ‬
‫ُونب السبّرا ِدقِ حُرّاسبًا َوحُجّاب ًا‬
‫د َ‬
‫َهب فب الق َب َبوّاببا‬
‫ومبا يُرَى ِعنْد ُ‬
‫ب اليّ عن ذِي النأيِيْ إضرابًا‬
‫فاضْرَ َ‬

‫الل هم ار حم ذُل نا يوم يقوم الشهاد‪ ،‬وأمّ ن خوف نا من فزع العاد ووفق نا ل ا‬
‫تنجينها بهه مهن العمال فه ظلم اللاد‪ ،‬ول تزنها يوم القيامهة إنهك ل تلف‬
‫اليعاد‪ ،‬واغ فر ل نا ولوالدي نا ولم يع ال سلمي الحياء من هم واليت ي برح تك يا‬
‫أرحم الراحي‪ ،‬وصل ال على ممد وعلى آله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫فصل‬
‫ث اعلم أن للموت نُذُر‪ ،‬قال القرطب‪ :‬ورد ف الب أن بعض النبياء قال للك‬
‫الوت‪ :‬أما لك رسول تقدمه بي يديك يكون الناس على حذر منك‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫ل وال ُرسُل كثية من العلل والمراض والرم وتغيّر السمع والبصر والشيب‪.‬‬
‫فإذا ل يتذ كر من نزل به ذلك ول يتب ناديتُ هُ إذا قبضتُه أل أقدم لك ر سُولً‬
‫بعد رسول وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير‪.‬‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫‪80‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫َسبمَعُ‬
‫َاتب َوَيْثقُلُ م ْ‬
‫ب ناظِرٌ وتَقْصبرُ خُ ْطو ٌ‬
‫ضعُف ُ‬
‫بنَانٌ وَي ْ‬
‫ط أس ْ‬
‫تَسبَاقَ ُ‬
‫ف ما من يوم تطلع ش سه ل وملك يُنادي‪ :‬يا أبناء الربع ي‪ ،‬هذا و قت أ خذ الزاد‬
‫أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد‪ ،‬يا أبناء المسي‪ ،‬قد دنا الخذ والصاد‪ ،‬يا‬
‫أبناء الستي‪ ،‬نسيتم العقاب وغفلتم عن ر ّد الواب‪.‬‬
‫وكأنب قَدِ‬
‫ْ‬
‫ْهب الُ ْلتَق َى‬
‫َانب ِمن ُ‬
‫جةً َفقَدْ ح َ‬
‫بيْنَ َح ّ‬
‫حوَ الدا ِر سِتّ‬
‫ومَن ْب سبَا َر نَ ْ‬
‫ئ آ خر أجله ح ت بلغ ستي سنة‪،‬‬
‫وورد ف « صحيح البخاري»‪ :‬أعذر ال إل امر ٍ‬
‫ورُوي أن ملك الوت دخل على داوُد ب عليه السلم ب‪ ،‬فقال‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬من ل‬
‫ب اللوك‪ ،‬ول يتن ُع من ال ُقصُور‪ ،‬ول يقب ُل ال ّرشَاء‪.‬‬
‫يها ُ‬
‫ك الوت ول أ ستعدّ بعدُ‪ ،‬قال‪ :‬يا داوُدُ‪ ،‬أ ين فُل نٌ جارك؟‬
‫قال‪ :‬فإذًا أ نت مل ُ‬
‫أين فلنٌ قريبك؟ قال‪ :‬ماتا‪ ،‬قال‪ :‬أما كان لك ف هؤلء عبة لتستعد‪.‬‬
‫ْتب م َن زَادِ‬
‫آنب الرّ ِحيْلُ ومبا َق ّدم َ‬
‫ب َ‬
‫يبا سبَا ِهيًا لهِيًبا عَمّاب يُرا ُد بِه ِ‬
‫ت غَدًا مَ ْع مَن غَدَا غادِ‬
‫ت أنْ َ‬
‫ب البَقَاءَ صبَحيْحًا سبَالًا أبَدَا هِْيهَا َ‬
‫تَرْج ُ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب ف غفلةٍ بانْ صِرا ِم العُمْرِ ما َشعِرُوا‬
‫ب به ِ‬
‫تضبي الياةُ وأبناءُ الزمان ِ‬
‫ت أيامه ولياليه ف هيئة الزائن‪،‬‬
‫ض على النسان ف الدار الخرة ساعا ُ‬
‫قيل‪ :‬إنا تُعر ُ‬
‫كل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة بعدد ساعاتما فيى الساعة الت عمل فيها بطاعة ال‬
‫خزا نة ملوءة نورًا فيفرح بذلك فرحًا شديدًا‪ ،‬وال ت ع مل في ها بع صية ال ملوءة ظُل مة‪،‬‬
‫والت ل يعمل فيها بطاعة ول معصية يدها فارغة ل شيء فيها‪.‬‬
‫فيع ظم ند مه وح سرته إذا ن ظر إل الفار غة‪ ،‬ويتم ن لو مل ها بذ كر ال جل‬
‫ضيَ ا َلمْرُ وَهُمْ فِي َغفْ َلةٍ‬
‫وعل‪ ،‬قال جل وعل وتقدس‪َ :‬وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الَسْ َرةِ إِذْ قُ ِ‬

‫وَ ُهمْ لَ يُ ْؤمِنُونَ ‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال عز من قائل‪ُ :‬هنَالِ كَ تَ ْبلُو ُكلّ َنفْ سٍ مّ ا أَ سْ َلفَتْ فالعا مل بطا عة ال‬
‫يكون فرحًا مسرورًا مغتبطًا على الدوام يزيد فرحُه واغتباطه ويكاد فؤاده يطي من‬
‫شدة الفرح‪.‬‬
‫وعك سه العا مل بعا صي ال يكون مغمومًا مزونًا قلقًا يزداد حُز نه وح سرتُه‬
‫وندامتُه إل غي ناية‪.‬‬
‫ففكر يا أخي‪ ،‬واختر لنفسك رحنا ال وإياك وجيع السلمي ما دُمت ف قيد‬
‫الياة ف دار الختيار ل تطوى صحيفتك‪.‬‬
‫فالبدار البدار فيمبا ينفعبك ويرفعبك وإياك والتسبويف‪ ،‬فإنبه ش ٍر والنسبان‬
‫معرض للفات والشواغل الكثية‪.‬‬
‫قال ‪« :‬اغتنم خ سًا قبل خس‪ :‬شبابك قبل هرمك‪ ،‬وصحتك قبل سقمك‪،‬‬
‫وفراغك قبل شغلك‪ ،‬وغناك قبل فقرك‪ ،‬وحياتك قبل موتك»‪.‬‬
‫وأخرج الترمذي وح سنه والا كم و صححه‪ ،‬وا بن ما جه عن ال نب ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«الؤمبن يوت بعرق الببي»‪ ،‬وقال اببن مسبعود‪ :‬إن الؤمبن يبقبى عليبه خطايبا‬
‫يُجازي با عند الوت‪ ،‬فيعرق لذلك جبينه‪.‬‬
‫وقال سبفيان‪ :‬كانوا يسبتحبونة العرق للموت‪ ،‬ومبن ثب قال علقمبة لبعبض‬
‫أصحابه‪ :‬أحضرن فَلِقن ل إله إل ال‪ ،‬فإن عرق جبين فبشرن‪.‬‬
‫قال بعضُ العلماء‪ :‬وإنا يعرق جبينه حياءً من ربه لا اقترف من مافته؛ لن ما‬
‫سفل منه قد مات وإنا بقيت منه قوة الياة وحركاتا فيما عل‪.‬‬
‫والياءُ ف العيني‪ ،‬والكافر ف عما عن هذا كله‪ ،‬والُوحد الُعذّبُ ف شغل عن‬
‫هذا با حل به‪.‬‬
‫ولا احتضر عمرو بن العاص قال ابنه‪ :‬يا أبت‪ ،‬إنك كُنت تقول‪ :‬ليتن ألقى‬
‫ل عاقلً ع ند الوت ح ت ي صف ما يدُ‪ ،‬وأ نت ذلك الر جل ف صِفْ ل الوت‪،‬‬
‫رج ً‬
‫قال‪ :‬يا بُن وال لكأن أنتفسُ من سمّ أبرةٍ وكأن ُغصْ َن شوكٍ يُجرّ به من قدمي‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال‪ :‬أجدُ كأن السموات أطبقت على الرض وأنا ينهما وكأن نفسي ترج‬
‫على ثقب لبر ٍة وكأن غُصن شو ٍك يُجذبُ به من هامت إل قدمي‪.‬‬
‫ص ْد ُر‬
‫َلعَمْرَ كَ مَا ُيغْنِي الثراءُ عن الفَتَى إذا َح ْشرَجت يومًا وضَا َق با ال ّ‬
‫سع بعض هم بكاء على م يت‪ ،‬فقال‪ :‬عَجبًا من قوم مُ سافرين يبكون على‬
‫مسافر قد بلغ منله‪.‬‬
‫قال عمر بن عبدالعزيز‪ :‬ما أحب أن تون عليّ سكرات الوت؛ لنه آخر ما‬
‫يؤجر عليه الؤمن‪.‬‬
‫أهل القبور مبُو سُون ندموا على ما قدموا‪ ،‬وأهل الدور مُنتظرون يقتتلُون على‬
‫ما عليه أهل القبور مُتندمُون‪.‬‬
‫فل هؤلء إل هؤلء يرجعون‪ ،‬ول هؤلء بؤلء معتبون‪.‬‬
‫سُئل بعضهم‪ :‬هل من علمة تدل على أن ال قد َقبِلَكَ؟‬
‫فقال‪ :‬إذا رأ يت ال عز و جل قد ع صمك عن العا صي كُلّ ها كره ها إل يك‪،‬‬
‫ووف قك لطاع ته عل مت أ نه قد قبلك‪ ،‬قُل تُ‪ :‬لو قال قوي ظ نك ورجاؤك لكان‬
‫أول‪ ،‬إن لل سيئة ظل مة ف القلب وشينًا ف الو جه‪ ،‬ووهنًا ف البدن‪ ،‬ونق صًا ف‬
‫الرزق‪ ،‬وبغضة ف قلوب اللق‪ ،‬ونق صًا ف العقل والدين‪ ،‬وأما السنة فإن لا نورًا‬
‫ف الو جه‪ ،‬ونشاطًا ف البدن‪ ،‬وزيادة ف الرزق وم بة ف قلوب اللق وزيادة ف‬
‫العقل والدين‪.‬‬
‫ُوكب‬
‫ْتب َمْنه ُ‬
‫ّكب لَو َفكّر َ‬
‫ْتب عِز َ‬
‫ب عُمْرِ كَ يا َمغْرُو ُر َم ْهتُو كُ وبَي ُ‬
‫ِحجَا ُ‬
‫ب‬
‫ببِحُ يَومًبا و ْه َو ْمتُروك ُ‬
‫َكفَا كَ ما قَمَشَ تْ َكفّاك مِن نَشَ بٍ لبُ ّد يُص ْ‬
‫َسبفُوكُ‬
‫ح ُر م ْ‬
‫ّبب منبه النّ ْ‬
‫خض ُ‬
‫ب عَلى زَ ّلتِهببِ نَدَمًببا دَمًا يُ َ‬
‫ل بَاكب ٍ‬
‫ُوكب‬
‫ِكب الفِكْرِ فب اليات مَأف ُ‬
‫حقُ هُ وإف ُ‬
‫ل شَكّ ف الجَ ِل الحتُو مِ يَ ْل َ‬
‫ك هُ ْلكًا ومَمْلُو كُ‬
‫َيقْلى الثّواءَ بدَار غَيبببب ثَا ِويَةٍ فيها ا ْسَتوَى مالِ ٌ‬

‫‪83‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫موعظة‬

‫أيُ ها الع بد‪ ،‬حا سب نف سك ف خلو تك وتف كر ف سرعة إنقراض مُد تك‪،‬‬
‫واعمل بد واجتهاد ف زمان فراغك لوقت حاجتك وشدتك‪.‬‬
‫وتدبّر قبل الفعل ما يُملى ف صحيفتك وانظر هل نفسك معك على الشيطان‬
‫والوى والدنيا أو عليك ف ماهدتك‪.‬‬
‫ل قد َسعِدَ من حا سبها وفاز من حارب ا وقام با ستيفاء القوق من ها وطالب ها‬
‫ت عاتبها وكلما توّقفَتْ جذبا‪.‬‬
‫وكلما قصرت أو وَن ْ‬
‫قال –عليه الصلة والسلم‪« :-‬الكيس مَن دَان َنفْ سَه وعمل لا بعد الوت‪،‬‬
‫والعاجِز من أتبع نفسه هواها وتن على ال المان»‪.‬‬
‫وقال ع مر‪ :‬حا سبوا أنف سكم ق بل أن تا سبوا وطالبو ها بال صدق ف العمال‬
‫قبل أن تطالبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا‪ ،‬فإنه أهون عليكم ف الساب غدا‬
‫وتزينوا للعرض الكب يَ ْومَِئذٍ ُتعْرَضُونَ لَ َتخْفَى مِن ُكمْ خَافَِيةٌ ‪.‬‬
‫فصل‬
‫أخرج الاكم ف «الستدرك» واب نُ سعدٍ عن عوانة بن الكم‪ :‬أن عمرو بن‬
‫العاص كان يقول‪ :‬عجبًا لن نزل به الوت‪ ،‬قال له ابنه عبدال‪ :‬يا أبتِ إنك ُكنْتَ‬
‫َتقُولُ‪ :‬عجبًا لن نزل به الوت وعقلُه معه كيف ل يصفُه‪ ،‬فصفْ لنا الوت؟ قال‪:‬‬
‫يا بُن‪ ،‬أجلّ من أن يوصف‪ ،‬ولكن سأصف لك منه شيئًا‪ ،‬أجدن كأن على عنقي‬
‫جبال رضوى‪ ،‬وأجد ن كأن ف جو ف شوك ال سلن‪ ،‬وأجد ن كأن نف سي تر جُ‬
‫من ثقب إبرة‪.‬‬
‫وقال عمر لكعب‪ :‬أخبن عن الوت؟ قال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬هو مثل شجرةٍ‬
‫كثية الشوك ف جوف ابن آدم فليس منه عرق ول مفصل إل وفيه شوكة‪ ،‬ورجُلٌ‬
‫شديدُ الذراعي فهو يُعالها وينعها‪.‬‬
‫وأخرج أببو نعيبم فب «الليبة»‪ ،‬عبن واثلة ببن السبقع‪ ،‬عبن النبب قال‪:‬‬
‫«ا ْحضُروا َم ْوتَاكم ولقِنُوهُم ل إله إل ال وبَشروهُم بالنةِ‪ ،‬فإنّ الَلي مَ مِن الرجالِ‬
‫‪84‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫حيّ ُر عند ذلك الَ صْ َرعِ‪ ،‬وإنّ الشيطا نَ أقر بُ ما يكون من ابن آدم عند‬
‫والنسا ِء َيتَ َ‬
‫ذلك الصرع‪ ،‬والذي نفسي بيده لُعاينةُ ملك الوت أشدّ من ألف ضربةٍ بالسيف‪،‬‬
‫عرقب منبه على‬
‫ْسب عب ٍد مبن الدنيبا حتب َيتَأل كلُ ٍ‬
‫والذي نفسبي بيده ل ترج َنف ُ‬
‫ِحيَالِهِ»‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬من خاف الوعيد قصّ َر البعيد‪ ،‬ومن طال أمله ضعف عمله وكل‬
‫ما هو آتٍ قريب‪.‬‬
‫واعلم يا أخي‪ ،‬أن كل ما يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤم‪.‬‬
‫واعلم أن أهل القبور إنا يفرحون با يُق ّدمُون‪ ،‬ويندمُون على ما يُخلفُون‪.‬‬
‫وأهل الدنيا يقتتلون ويتنافسون فيما عليه أهل القبور يندمُون‪.‬‬
‫وقال مالك بن دينار‪ :‬إن ال ج عل الدن يا دار م فر والخرة دار م قر‪ ،‬فخذوا‬
‫لقركم من مفركم‪ ،‬وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن ترج منها أبدانكم‪ ،‬ول‬
‫تتكُوا أستاركم عند من يعلم أسراركم‪.‬‬
‫ف في الدن يا حيي تم ولغي ها خُلق تم إن ا م ثل الدن يا كال سُم أكله من ل يعر فه‬
‫واجتنبه من عرفه‪.‬‬
‫ومثل الدنيا مث ُل الية مسّها ليٌ وف جوفها السّم القاتل يذرها ذووا العقول‪،‬‬
‫ويهوى إليها الصبيان بأيديهم‪.‬‬
‫وقال رجل لالك بن دينار‪ :‬يا مُرائي‪ ،‬قال‪ :‬مت عرفت إسي؟ ما عرف اسي‬
‫غيُك‪.‬‬
‫ب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ما ضُر َ‬
‫وقال‪ :‬إن العال إذا أتيتُه ف بيته رأيت حصيةُ للصلة ومصحفه ومطهرته ف‬
‫جانب البيت ترى أثر الخرة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إن البرار لتغلي قُلوبمب بأعمال الب وإن الفجار تغلي قلوبُهبم بأعمال‬
‫الفُجُور وال يرى هُمُومكم فانظروا ما هُمُومكم رحكم ال‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب الوَاقِفَيْبن على ال َقبْرِ‬
‫ْتب لِلْق َ ِب والبلى وللْ َملَكيْنبِ‬
‫مُحَمّ ُد مبا أعْ َدد َ‬
‫وأنْت بَ مُص بِ ٌر ل تُراجِع بُ تَوَبةً ول ترعَوي عمبا يُذَم ّ م ِن المْرِ‬
‫ْثب والنّشْرِ‬
‫َهب زادًا إل البَع ِ‬
‫ّمب ل ُ‬
‫ب َفقَد ْ‬
‫ب ل تُحاوِل دَ ْفعَه ُ‬
‫بيَ ْأِتيْكَ يَوم ٌ‬
‫سَ‬
‫قال بعهض العلماء‪ :‬الشياء القتضيهة لسهُوء الاتةه والعياذ بال أربعهة‪:‬‬
‫التهاون بالصهلة‪ ،‬وشرب المهر‪ ،‬وعقوق الوالديهن‪ ،‬وإيذا ُء السهلمي‪ ،‬وزاد‬
‫بعضهم النظر إل الحداث‪.‬‬
‫و عن أ ب سعيد قال‪ :‬د خل ر سول ال مُ صله فرأى نا سًا يكتشرون (أي‬
‫شغَلكُم عَمّ ا‬
‫يضحكون)‪ ،‬فقال‪« :‬أ ما إن كم لو أكثرتُم مِن ذِكرِ هادِ مِ اللذا تِ لَ َ‬
‫أرَى»‪.‬‬
‫فأكثر ذكرها ذم اللذات الوت‪ ،‬فإنه ل يأت على القب يوم إل يتكلم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫أنا بيت الغُربة‪ ،‬وأنا بيت الوحدة‪ ،‬وأنا بيت التُراب‪ ،‬وأنا بيت الدود‪.‬‬
‫فإذا د فن الع بد الؤ من قال له ال قب‪ :‬أهلً ومرحبًا‪ ،‬أ ما إن ك نت ل حب من‬
‫ي شي على ظهري فإذا ولي تك اليوم و صرت إل ف سترى صنيعي بك فيت سعُ مدّ‬
‫بصره ويُفتحُ لهُ بابٌ إل النة‪.‬‬
‫وإذا دُفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القب‪ :‬ل مرحبًا ول أهلً‪ ،‬أما إن كنت‬
‫لبغض من يشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلّ فسترى صنيعي بك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فليتئم عليه حت تلتقي وتتلف أضلعُه‪ ،‬وقال ‪« :‬ف أصابعه و أدْ َخلَ‬
‫ضهَا ف بعض‪ ،‬ويُقي ضُ له تِسعُونَ تَّنْينًا لَو أنّ واحدًا َنفَ خَ ف الر ضِ ما أْنبَتَ تْ‬
‫َبعْ َ‬
‫خ ِدشُه حت ُيفْضى به إل الساب»‪.‬‬
‫َشيْئًا ما َبقَِيتِ الدُنيا فَتْنهَشُه وتَ ْ‬
‫ض ٌة مِن رِياض النة أو ُحفْ َرٌة مِن ُحفَرِ‬
‫قال‪ :‬وقال رسول ال ‪« :‬القب إمّا َروْ َ‬
‫النار» أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫وقال‪ :‬هذا حديث حسن غريب ل نعرفه إل مِن هذا الوجه‪.‬‬
‫قال الافظ ابن رجب‪ :‬لكن روي معناه من وجوه ذكر بعضها‪ .‬اهب‪.‬‬
‫‪86‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فتفكر يا مغرور بالوت وسكراته وصعوبة كأ سِهِ ومرارته فيا للموت من وعدٍ‬
‫ما أصدقه ومن حاكم ما أعد له‪.‬‬
‫فكفى بالوتِ مُقرّحًا للقلوب و ُمبْكيًا لِ ْلعُيون ومُفرقًا ِللْجَماعات وهاذمًا للذات‬
‫وقاطعًا للمنيات‪.‬‬
‫فهل تفكرت يا ابن آدم ف يوم مصرعك وانتقالك من موضعك‪ ،‬ونقلت من‬
‫سعة إل ضيق‪ ،‬وفارقك الصاحب والرفي قُ‪ ،‬وهجرك الخ والصديق‪ ،‬وأخذت من‬
‫فرشك وغطائك إل حفر وغطوك من بعد لي لافك بترابٍ ومدرٍ‪.‬‬
‫ب‬
‫ب ال ُدنْيَبا َفنَ ْلهُوا ونَ ْلعَب ُ‬
‫الوتب سبَاعةَ ذِ ْكرِه وتَ ْعتَرض ُ‬
‫ِ‬
‫َاعب لِذكْ ِر‬
‫نُز ُ‬
‫ْسببُ‬
‫لهْ ِل ُين َ‬
‫َانب إل ا َ‬
‫ِهب عليبه وعِرْف ٌ‬
‫ِبب َأمْر ِ‬
‫الشكب غَال ُ‬
‫َ‬
‫ْنب كأنّ‬
‫َيقِي ُ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب فب كبل َلحْ َظ ٍة يَشيْدُ وَيبْن ب دَائمًبا ويُحَصبّنُ‬
‫ومُْنتَظِرٍ ِللْموت ِ‬
‫ِنب‬
‫ْسب يُوق ُ‬
‫ب وأعمالُه أعْمَا ُل م َن َلي َ‬
‫ب َح ِقيْ َق ُة ُموْقِن ٍ‬
‫ب َتبْلُوه ُ‬
‫ب ِحيْن َ‬
‫لَه ُ‬
‫با يَتَيقَن بُ‬
‫جهْلِ علْمُهبُ بَمَ ْذ َهبِه بِ ف ب كُلّ مب‬
‫ب كإنْكَارٍ وكالْ َ‬
‫عِيان ٌ‬
‫ف يا جاع الال والجت هد ف البنيان ل يس لك من مالك إل الكفان َب ْل هِ يَ‬
‫ك للتّراب والآب‪.‬‬
‫للخراب و ِجسْ ُم َ‬
‫فأين الذي جعته من الال أأنقذك من الهوال كل بل تتركه إل من ل يمدك‬
‫وقدمت بأوزارٍ إل من ل يعذرك‪.‬‬
‫ب وأميْن بُ‬
‫به خَازن ٌ‬
‫سكًا فأنْت بَ عليب‬
‫ك مُمْ ِ‬
‫إذا ُكنْ تْ جَمّاعًا ِلمَالِ َ‬
‫ب مَ ْذ ُموْمًبا إل غيب حَامِدٍ فيأكله َع ْفوًا وأنَتببَ دَِفيْنببُ‬
‫تُؤ ّديْه ِ‬
‫كان بعضهم يوبخ نفسه‪ ،‬فيقول‪ :‬عمل كال سّراب وقل بٌ من التقوى خرا‪،‬‬
‫ب بعدد الرمل والتراب‪.‬‬
‫وذنو ٌ‬
‫ث تطمع ف الكواعب التراب هيهات أنت سكرات بغي شراب‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ما أكملك لو بادرت أملك‪ ،‬ما أجلّك لو بادرت أجلك‪ ،‬ما أقواك لو خالفت‬
‫هواك‪.‬‬
‫وقال آ خر‪ :‬العل ُم ع صمة اللوك؛ ل نه ينُع هم من الظلم‪ ،‬ويدر هم إل اللم‪،‬‬
‫ويصدهم عن الذية‪ ،‬ويعطفهم على الرعية‪.‬‬
‫فمبن حقهبم أن يعرفوا حقبه‪ ،‬ويسبتنبطوا أهله‪ ،‬فأمبا الال فظبل زائل وعاريبة‬
‫مسترجعة‪ ،‬وليس ف كثرته فضيلة‪ ،‬إل لن يسلطه ال على هلكته ف الق‪.‬‬
‫كمن ينفقه ف الهاد ف سبيل ال‪ ،‬وعمارة الساجد وسائر الشاريع الدينية‪،‬‬
‫ويتَنسّخ من زكاته‪.‬‬
‫كان موسى بن جعفر بن ممد بن علي بن السي يُدعى العبد الصال لجل‬
‫عبادته واجتهاده وقيامه بالليل‪ ،‬وكان كريًا إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه‪ ،‬بعث إليه‬
‫بال‪.‬‬
‫وبعث موسى إل الرشيد من البس رسالة إنه لن ينقضي عن يوم من البلء‬
‫إل انق ضى ع نك مع ُه يو مٌ من الرّخاء ح ت نُف ضي جيعًا إل يوم ل يس له انقضاء‬
‫يس ُر فيه البطلون‪.‬‬
‫بةٍ ودَا ُر غُرور آ َذنَتببْ ِبفِراقببِ‬
‫أخِبي إنّمبا الدُنيبا ملّة َنغْص َ‬
‫ب بِسباقِ‬
‫تزوّد أخِي مِن قَب ِل أن َت ْس ُك َن الثّرى وتَ ْلتَفّب سباقٌ ِللْمَمات ِ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫من فوائد ذ كر الوت أ نه يورث ال ستشعار بالنزعاج عن هذه الدار الفان ية‬
‫الملوءة بالكدار والنكاد والموم والغموم‪.‬‬
‫ويثُك ذكر الوت على التوجُه ف كل لظةٍ إل الخرة بالستعداد لا ث إن‬
‫النسان ل ينفك عن حالت ضي ٍق وسع ٍة ونعمةٍ ومْنةٍ‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فإن كان ف حال ضيقةٍ ومنةٍ فذ كر الوت سهّلَ عليه بعض ما هو فيه إذ ل‬
‫مُصيبة إل والوت أعظم منها وهو ذائقه ولبُد‪.‬‬
‫قال ال تعال‪ :‬كُلّ َن ْفسٍ ذَائِ َقةُ الَ ْوتِ وإن كان ف حال سع ٍة ونعمةٍ‪.‬‬
‫فذك ُر الوت ينعه من الغترار بالدُنيا والركون إليها لتحقق عدم دوامها وتقق‬
‫ذهابا عنه وانصرامها‪.‬‬
‫قال ال جل وعل وتقدس‪َ :‬فلَ تَغُ ّرنّكُ مُ الَيَا ُة الدّنْيَا َولَ َيغُ ّرنّكُم بِاللّ هِ الغَرُورُ‬

‫‪.‬‬
‫َقب‬
‫َتب تُسبِي ُء وُتوْم ُ‬
‫َاكب مَا زَال ْ‬
‫ب و ُدَنْي َ‬
‫ب دَائِمً ا‬
‫يُسبِي ُء امْر ٌؤ منبا َفُيْبغَض ُ‬
‫َقب‬
‫ا سَ ّر َهوَاهَا الشي خُ والكهلُ وال َف ت َبهْلٍ فمبن كُبل النّواظبر تُ ْرم ُ‬
‫ومبا هبي أهْلٌ أن يؤهّ َل ِمثْلُهَبا َلوُدٍ وَلكِنّب ابنببَ آدم أحْمَقببُ‬
‫وكتهب عمهر بهن عبدالعزيهز إل بعهض أههل بيتهه‪ :‬أمها بعهد‪ ،‬فإنهك إن‬
‫استشعرت ذكر الوت ف ليلك ونارك بغض إليك ُك ّل فان‪.‬‬
‫اليامب سبهام والناس أغراض والدهبر يرميبك كُ ّل يوم‬
‫ُ‬
‫وقال بعبض العلماء‪:‬‬
‫بسهامه ويترمك بلياليه وأيامه حت يستغرق ويستكمل جيع أجزائك فكيف تبقى‬
‫ف لك عما أحدثت‬
‫سلمتُك مع وقوع اليام بك وسرعة الليال ف بدنك لو كُش َ‬
‫ت مَمرَ‬
‫اليام ف يك من الن قص ل ستوحشت من كل يو ٍم يأ ت عل يك وا ستثقل َ‬
‫الساعات بك ولكن تدبيُ ال فوق كل تدبي‪.‬‬
‫ب َووَ ْقعَه بُ وَ َر ْو َعةَ مَ ْلقَاه بُ َومَ ْطعَم بَ ص بَابِهِ‬
‫ومَثّلْ ِل َعْينَيْك بَ المام َ‬
‫ب‬
‫بَتنْزَ ًل عبن ُقبَابِه ِ‬
‫بَينْزلُها مُس ْ‬
‫وأنّ قُ صَارَى ُمْنتَهَى الَي ُحفْرةٌ س َ‬
‫آخر‪:‬‬
‫سببُ ْوتًا وآحادًا وَننْشُرَهَبا ونَحَ نُ ف الطّي َبيْ َن ال سّبتِ والحَ ِد‬
‫ْويب ُ‬
‫نَط ْ‬
‫بُ ف ب العَ َددِ‬
‫ت ومِ نْ أحَدٍ لبُدّ أن يَدْ ُخلَ الَ ْطوِيب‬
‫ت مِن َسبْ ٍ‬
‫فعُدّ ما ِشئْ َ‬
‫‪89‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وبالسلو عن غوائل الدنيا وأنكادها وتكديراتا وجد طعم لذاتا‪ ،‬وإنا لمرّ‬
‫من العلقم‪ ،‬و الصب والر والنظل إذا عجنها الكيم وقد أعيت الواصفون‬
‫لعيوبا بظاهر أفعالا وما تأت به من العجائب أكثر ما يُحيط به الواعظُ والحذّر‬
‫سأَلْ ُكمْ‬
‫منها‪ ،‬ومع هذا فالقلب متعلق با أعظم تعلق‪ ،‬قال ال جل وعل‪َ :‬ولَ يَ ْ‬

‫ضغَانَكُ مْ أمّ ا الل سان فيذ مُ‬
‫حفِكُ مْ تَ ْبخَلُوا َوُيخْرِ جْ أَ ْ‬
‫سَألْكُمُوهَا فَُي ْ‬
‫أَمْوَالَكُ مْ * إِن يَ ْ‬
‫الدنيا‪ ،‬وأما القلب فمحبتها ف سويدائه على حدّ قول الشاعر‪:‬‬
‫ب‬
‫ب فيهبا ِللّسبَا ِن ُمبَايِن ٌ‬
‫ب وقَ ْلبُك َ‬
‫لِسبَانُكَ لِل ّدنْيبا عَ ُدوٌ مُشَاحِن ٌ‬
‫صفَا لَهَا ِمنْكَب وِدٌ فب فُؤادِكَب كَامِنُب‬
‫ت فيها وَقدْ َ‬
‫وما ضَرّها ما قُلْ َ‬
‫آخر‪:‬‬
‫سِوى أم عمرو ُموْجَ ُع القل بِ هائِ مُ‬

‫أبَى القَلْبُب ألّا أمّ دَفْر كَمَا آبب‬
‫سهَى‬
‫هي الُشَْتهَى والُْنَتهَى ومَ َع ال ُ‬
‫ب‬
‫أمَانب ِمنْهَبا ُد ْوَنهُنّب العَظَائِم ُ‬
‫بدٌ‬
‫ب تُ ْلفِنَبا إلّا وِفيْنَبا تَحَاس ُ‬
‫ولَم ْ‬
‫سبخَا ِءمُ‬
‫الصبدُور َ‬
‫عليهبا وإل فب ُ‬
‫تنبيه‪:‬‬

‫اعلم يا أخي‪ ،‬أن الدنيا ل تذم لذاتا وكيف يذم ما منّ ال به على عباده وما‬
‫هو ضرورة ف بقاء الدمي وسبب ف إعانته على تصيل العلم والعبادة من مطعم‬
‫ومشرب ومل بس وم سجد يُ صلى ف يه‪ ،‬وإن ا الذموم أ خذ الش يء من غ ي حله أو‬
‫ف النفبس فيبه بُمقتضبى‬
‫تناوله على وجبه السبرف ل على مقدار الاجبة‪ ،‬ويُصبر ُ‬
‫رُعوناتاب ل بإذن الشرع فالعاقبل يعلهبا مطيبة للخرة فينفقهبا فب سببيل ال فب‬
‫الشار يع الدين ية من طبا عة م صاحف ك تب دين ية وعمارة م ساجد وبذل للفقراء‬
‫الذين ل موارد لم‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها‪ ،‬فقال‪ :‬الدنيا وقتك الذي يرجعُ‬
‫إليك فيه طرف كَ؛ لن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه‪ ،‬وما ل يأت فل علم لك‬
‫‪90‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ببه‪ ،‬والده ُر يوم مقببل تنعاه ليلتبه وتطويبه سباعاته وأحداثبه تتوال على النسبان‬
‫بالتغي ي والنق صان والد هر مُوكّلُ بتشت يت الماعات وانرام الش مل وتنقُل الدُول‬
‫والم ُل طويل والعمر قصي‪ ،‬و إل ال تصي المور‪.‬‬
‫س يَنْجَا بُ‬
‫ْيتب ببه أم دُو نَ ُذ ْهنِ كَ سِتْرٌ َليْ َ‬
‫َميب أتَدرْي م َا ُمن َ‬
‫يبا آد ُ‬
‫َابب‬
‫فيهب إ ْخض ُ‬
‫وعامب ِ‬
‫ْبب ٌ‬
‫َومب وَيفْنَى العُمْ ُر ُمنْطَويًا عَام جَدي ٌ‬
‫َومب وي ٌ‬
‫ي ٌ‬
‫إنب بَلَاهَبا عَاقِلٌ صبَابُ‬
‫فل تَغُرنّك بَ ال ُدنْيَبا بزُ ْخرُفِهَبا فأ ْريُهَبا ْ‬
‫والَزْ ُم يَجْ ن أ ُموْرًا كُلّهَا شَرَ فٌ والُرْ قُ ي َجْن أمُورًا كُلّها عا بُ‬
‫أ ما عمرك كل يوم يُنتهب‪ ،‬أ ما الُع ظم من ُه قد تولّى وذ هب‪ ،‬إل أي حي أنت ف جع الورق والذهب‪ ،‬تبخل‬
‫بالال وأوقات العمر تب‪ ،‬يا من إذا خل تفكر وحسب‪ ،‬فأمّا لنول الوت فما قدر وحسبْ‪.‬‬

‫تأهب فإنك مُقبل على كربةٍ ل كالكرب‪ ،‬تطلب النجاة من غي باب الطّلب‪،‬‬
‫وتقفُ ف الصلة وإن صلتك لعجبْ‪ ،‬السْمُ حاض ٌر والقلبُ ف شُعب‪.‬‬
‫السدُ بالعراق والقل بُ ف حلب‪ ،‬الفهم أعجم يُ و اللفظ لفظ العرب‪ ،‬وهذا‬
‫يدل على أن ُحبّ الدُنيا والوى على قلبك قد غلب‪.‬‬
‫فكأنكم الدنيا قد تولت‪ ،‬والنفوس الكرية قد هانت وذلت‪ ،‬وبكؤوس السى‬
‫والتأسف قد انلت وعلت‪ ،‬وبمول الظاعني على السف قد استقّلتْ‪.‬‬
‫مت يُقال لذه الغمرة الت جّلتْ قد تلّت‪ ،‬فواعجبًا لنفس ما تنتبه وقد زلت‪.‬‬
‫ف مَطُْلوْبَا مُذْ كَا نَ وَ ْسنَانُ‬
‫بى غَيْ ُر مُطْرَقةٍ وطَرْ ُ‬
‫ب الني ٍة َيقْضَب‬
‫عَيْنب ُ‬
‫ِدهب فالنّطْ قُ صاحٍ ولُبّ الرءِ َسكْرَانُ‬
‫ْنب َموْل ِ‬
‫ِنهب ِحي َ‬
‫ّنب م ُ‬
‫ل تَمك َ‬
‫َج ْه ً‬
‫قال أ حد العلماء‪ :‬وجدت الدن يا شيئ ي‪ ،‬فش يء من ها هو ل فلن أعجله ق بل أجله ولو طلب ته بقوة ال سموات‬
‫والرض‪.‬‬

‫وشيءٌ من ها هو لغ ي فلم أنل ُه في ما م ضى ول أرجوه في ما ب قي يُمن عُ الذي ل‬
‫من غيي كما ينع الذي لغيي من‪ ،‬ففي أي هذين أفن عمري‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ووجدت ما أعطي تُ من الدن يا شيئ ي‪ ،‬فشي ٌء يأ ت أجله ق بل أجلي فأغل ُ‬
‫ب‬
‫عليه‪ ،‬وشيء يأت أجلي قبل أجله فأموتُ وأخلفُه لن بعدي ففي أي هذين أعصي‬
‫رب عز وجل‪.‬‬
‫وعن مصعب بن عبدال قال‪ :‬سع عامر بن عبدال الؤذن وهو يو ُد بنفسه أي‬
‫ف النع ومنله قريبٌ من السجد‪ ،‬فقال‪ُ :‬خذُوا بيدي‪.‬‬
‫فقيل له‪ :‬إنك عليل‪ ،‬فقال‪ :‬أسع داعي ال فل أجيبه‪ ،‬فأخذوا بيده‪ ،‬فدخل ف‬
‫صلة الغرب فركع مع المام ركعة ث مات‪ ،‬بلغ يا أخي الذي إذا سعوا داعي ال‬
‫تلفلفوا بأرديتهم‪.‬‬
‫كان لتاجبر صباحب أكياس عببد صبال فقال لعبده‪ :‬افتقدنبا بعبض الكياس‬
‫ففتبش لعلك تدهبا فلمبا ل يدهبا‪ ،‬قال لعبده‪ :‬أتعرف مبن هبي عنده؟ قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫وبعد ذلك حضرت الصلة‪ ،‬فصل التاجر وتذكرها ف صلته وبعد إنتهاء الصلة‪،‬‬
‫قال لملوكه‪ :‬لقد ذكرتُ من هي عنده‪ ،‬عند فلن اذهبْ فأت با‪.‬‬
‫س أو طالب خالق‪،‬‬
‫فقال الغلم‪ :‬يا عمّ‪ ،‬أ نت ف صلتك كُن تَ طال بَ أكيا ٍ‬
‫فأعتقهُ حيث نّبهَهُ للخلل ف صلته الت هي أول ما يُحاسب عنه العبد‪.‬‬
‫كان أبو الدرداء يقول‪ :‬اللهم إن أعوذ بك من تفرقة القلب‪ ،‬قيل‪ :‬وما تفرقة‬
‫القلب؟ قال‪ :‬أن يوضع ل ف كل وادٍ مال‪.‬‬
‫وقال سفيان الثوري‪ :‬بلغ ن أ نه يأ ت على الن سا زمان تتلئ قلوبُ هم ف ذلك‬
‫الزمان مِن حب الدنيا فل تدخله الشية‪.‬‬
‫عن ماهد قال‪ :‬مرر تُ مع ابن عُمر على خربة‪ ،‬فقال‪ :‬يا ماهد‪ ،‬ناد يا خربة‬
‫ما فعل أهلك؟ أين أهلك؟ قال‪ :‬فناديتُ‪ ،‬فقال اب ُن عُمر‪ :‬ذهبوا وبقيت أعمالم‪.‬‬
‫وعن السن قال‪ :‬م ّر عمر على مزبلةٍ فاحتبس عندها فكأنّ أصحابه تأذوا‬
‫با‪ ،‬فقال‪ :‬هذه دُنياكم الت ترصون عليها‪.‬‬
‫عن عمر بن الطاب قال‪ :‬لو نا َد مُنادٍ من السماء أيها الناس‪ ،‬إنكم داخلون‬
‫النة إل رجلً واحدًا لفتُ أن أكون ذلك الواحد‪.‬‬
‫‪92‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب أن‬
‫ولو ناد مُنا ٍد أيهبا الناس‪ ،‬إنكبم داخلون النار إل ر ُجلً واحدًا لرجوت ُ‬
‫أكون أنا ذلك الواحد‪.‬‬
‫وقال عثمان ‪ :‬لو أن بي النة والنار ول أدْري إل أيتهما يُؤمرُ ب لختر تُ‬
‫أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إل أيتهما أصب‪.‬‬
‫وعن عون بن ذكوان قال‪ :‬صلّى بنا زرارةُ ب ُن أوف صلة الصبح‪ ،‬فقرأ‪ :‬يَا‬

‫أَيّهَا ا ُل ّدثّرُ حت بلغ‪َ :‬فإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُورِ فخر مغشيًا‪ ،‬وكُنت فيمن حله إل‬
‫داره‪.‬‬
‫وقال عبدالعلى التي مي‪ :‬شيئان قط عا ع ن لذات الدن يا ذك ُر الوت‪ ،‬والوقو فُ‬
‫بي يدي ال‪.‬‬
‫الياطب لتكون الياطةُ جيدة‬
‫ُ‬
‫أتبى رجبل إل خياط ليخيبط له ثوبًا‪ ،‬فاجتهبد‬
‫ومُتقنة‪ ،‬ولا جاء صاحب الثوب أعطاه الجرة وأخذ الثوب‪ ،‬وذهب‪.‬‬
‫و ف اليوم الثا ن عاد الر جل وأ تى الياط‪ ،‬وقال له‪ :‬وجدت ف اليا طة ب عض‬
‫العيوب وأراه إيا ها‪ ،‬فب كى الياط‪ ،‬فقال له الر جل‪ :‬ما ق صدت أن أحز نك وأ نا‬
‫راضٍ بالثوب‪ ،‬فقال له الياط‪ :‬ليس على هذا أبكي لن عملت جهدي لتقن لك‬
‫اليا طة‪ ،‬ث خر جت هذه العيوب فأ نا أب كي على طاع ت لر ب‪ ،‬و قد اجتهدت ب ا‬
‫عُمري فكم فيها من العُيُوب‪.‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬هذا التفكي ل دره‪.‬‬
‫بعًا‪ ،‬فكان هبو وامرأتبه‬
‫ْتب أببا هريرة س ب‬
‫وعبن أبب عثمان النهدي قال‪ :‬تضّيف ُ‬
‫يتعقبُون الليل أثلثًا‪ ،‬يُصلي هذا ث يوقظ هذا‪ ،‬ويُصلي هذا ث يُوقظ هذا‪.‬‬
‫وعن عطاء بن أب رباح عن أب هريرة‪ ،‬قال‪ :‬ما وج عٌ أحب إل من المى؛‬
‫لنا تُطي كل مفصل قسطهُ من الوجع‪ ،‬وإن ال تعال يُعطي كل مفصلٍ قسطهُ‬
‫من الجر‪.‬‬
‫عن عبدالرح ن بن مهدي قال‪ :‬ليلة بات سفيان عندي فل ما اش تد به ال مر‬
‫ب أببا عبدال‪ ،‬أراك كثيب الذنوب‪ ،‬فرفبع شيئًا مبن‬
‫جعبل يبكبي‪ ،‬فقال له ر جل‪ :‬ي ا‬
‫‪93‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫الرض‪ ،‬فقال‪ :‬وال ل ُذنُو ب أهو نُ عندي من ذا إ ن أخا فُ أن أُ سَلبَ اليان ق بل‬
‫الوت‪.‬‬
‫قال ابن القيم‪:‬‬
‫بِبيْل ال َع ْفوِ وال ُغفْرَانبببِ‬
‫وال مببا َخوْفبب ال ُذنُوبببَ فإنّهَبا َلعَلَى سبب َ‬
‫ْبب م ِن تَحْكببي هذا الوَحْببي والقُرآنببِ‬
‫خ القَل ِ‬
‫ْسبلَا َ‬
‫َلكِنّمبا أخْش َى ان ِ‬
‫ورِضًببا بآرَاءِ الرِجالِ وخَرصبببِها ل كان ذَاكببببَ بِ ِمّن َة الَنَانببببِ‬
‫قال وهيب‪ :‬عجبًا للعال كيف تُجيبه دواعي قلبه إل ارتياح الضحك‪ ،‬وقد‬
‫علم أنّ لهُ ف القيامة روعات ووقفات وفزعات‪.‬‬
‫و عن وه يب يقول ال عز و جل‪ :‬وعز ت وجلل وعظم ت ما من ع بد آ ثر‬
‫ت الف قر من قل به‬
‫ت هُمو مه وجع تُ عل يه ضيع ته ونزع ُ‬
‫هواي على هواه إل أقْلَلْ ُ‬
‫ت الغن بي عينيه واترت له من وراء كُل تاجرٍ‪.‬‬
‫وجعل ُ‬
‫ت هومه وفرقت عليه‬
‫وعزت وجلل ما من عبد آثر هواهُ على هواي إل كثر ُ‬
‫ضيعته ونزع تُ الغن من قلبه‪ ،‬وجعلت الفقر بي عينيه ث ل أبال ف أي أوديتها‬
‫هلك‪.‬‬
‫وعن وهيب قال‪ :‬بلغن أن موسى ب عليه السلم ب قال‪ :‬يا رب أخبن عن‬
‫آية رِضاكَ عن عبدك؟ فأوحى ال تعال إليه إذا رأيتن أهيئُ له طاعت‪ ،‬وأصرفه عن‬
‫مَعصيت فذلك آيةُ رضاي عنه‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫وعن حفص بن ميسرة قال‪ :‬قال أ بو حات‪ :‬عجبًا لقوم يعملون لدار يرحلون‬
‫عنها كُ ّل يوم مرحلة‪ ،‬ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬شيئان إذا عملت ب ما أ صبت خ ي الدن يا والخرة‪ ،‬ت مل ما تكره إذا‬
‫أحبّهُ ال‪ ،‬وتترك ما تُحبُ إذا كرههُ ال‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال‪ :‬يس ُي الدنيا يُشغ ُل عن كثي من الخرة‪.‬‬
‫كرهتب أن‬
‫َ‬
‫فقدمهب اليوم‪ ،‬ومبا‬
‫ُ‬
‫أحببتب أن يكون معبك فب الخرة‬
‫َ‬
‫وقال‪ :‬مبا‬
‫يكون معكَ ف الخرة فاترك ُه اليوم‪.‬‬
‫حج أبو جع فر فدعا ابن أ ب ذئب‪ ،‬فقال‪ :‬نشدتُ كُ بال ألستُ أعم ُل بال ق؟‬
‫ألستَ تران أعدلُ؟‬
‫فقال ا بن أ ب ذئب‪ :‬أ ما إذا نشدت ن بال‪ ،‬فأقول‪ :‬الل هم ل أراك تعدل‪ ،‬وإ نك‬
‫لائر‪ ،‬وإنك لتستعمل الظلمة وتدعُ أهل الي‪.‬‬
‫قال ممد بن عمر‪ :‬فحدثن ممد بن إبراهيم بن يي‪ ،‬وأخبتُ عن عيسى بن‬
‫علي‪ ،‬قالوا‪ :‬فظننا أن أبا جعفر سيعاجله بالعقوبة‪ ،‬فجعلنا نل فُ إلينا ثيابنا مافة أن‬
‫يُصيبنا من دمه‪ ،‬فجزع أبو جعفر واغتم‪ ،‬وقال له‪ :‬قم فاخرج‪.‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬هل يوجد هذا الطراز من ل تأخذهم ف الدنيا لومة لئم أظنه‬
‫ع بال ق فل حول ول قوة إل بال‬
‫معدُو مٌ ف هذا الو قت ما ف يه اليوم من ي صد ُ‬
‫العلي العظيم‪.‬‬
‫د خل عمرو بن عُب يد على النصور‪ ،‬فقال‪ :‬أن ال أعطاك الدُنيا بأ سرها فاشترْ‬
‫ض صبيحتها عن يوم القياة‪.‬‬
‫ح ُ‬
‫منه نفسك ببعضها وإن لحذرك ليلةً تتم ّ‬
‫ثب قال له عبن حاشيتبه‪ :‬إن هؤلء اتذوك سبُلمًا لشهواتمب‪ ،‬فأنبت الخبذ‬
‫بالقرني وهم يلبون‪.‬‬
‫فا تق ال فإ نك م يت وحدك‪ ،‬وما سب وحدك‪ ،‬ومبعو ثٌ وحدك‪ ،‬ولن يغنوا‬
‫عنك هؤلء من ربك شيئًا‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬أعن بأصحابك فأستعي بم دون هؤلء فرّد عليه أظهر الق يتبعُك‬
‫أهله‪.‬‬
‫فقال ل هُ‪ :‬ألك حاجة؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬ما هي؟ قال‪ :‬أل تعث إلّ حت آتيك‪،‬‬
‫إذًا ل نلتقي‪ ،‬قال‪ :‬عن حاجت سألت‪ ،‬ث ذهب‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال الجاج ليحي بن يعمر‪ :‬ما تقول ف واسط (مدينة بناها الجاج)‪ ،‬فقال‬
‫له‪ :‬ما أقول فيها وقد بنيتها من غي مالك وسيس ُكنُها غيُ أهلك‪.‬‬
‫ظ وغض بٍ‪ :‬ما حلك على ما قُلت؟ قال‪ :‬ما أ خذ ال‬
‫فقال له الجاج ف غي ٍ‬
‫تعال على العلماء من العهد أل يكتموا الناس حديثًا‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬أل تش سيف الجاج؟‬
‫ع مكانًا لشية سواه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬لقد ملتن خشيةُ ال جل وعل فلم تد ْ‬
‫وق يل‪ :‬إن الجاج خ طب يومًا‪ ،‬فقال‪ :‬أي ها الناس‪ ،‬ال صب عن مارم ال أي سر‬
‫من ال صب على عذاب ال‪ ،‬فقام إل يه ر جل فقال له‪ :‬وي كَ يا حجا جُ‪ ،‬ما أ صفق‬
‫وجهك وأقل حياءك تفعلُ ما تفعلُ وتقو ُل مثل هذا الكلم ِخْبَئتَ وضل س ْعيُكَ‪.‬‬
‫فقال للحرس‪ :‬خذوه‪ ،‬فلمبا فرغ مبن خُطبتبه‪ ،‬قال له‪ :‬مبا الذي جرّأك عليّ؟‬
‫فقال‪ :‬ويكَ يا حجاج‪ ،‬أنت تترئُ على ال ول أجترئُ عليك‪ ،‬ومن أنت حت ل‬
‫ئ عليك‪ ،‬وأنت تترئُ على رب العالي! فقال‪ :‬خلوا سبيلهُ‪ ،‬فأطلق‪.‬‬
‫أجتر ُ‬
‫ودخل العزُ ب ُن عبدالسلم على السلطان فوعظ هُ وشدّد ف الوعظة فعاتب هُ ولدُه‬
‫ف ذلك‪ ،‬فقال له‪ :‬هذا اجتماع ل فل أكد ُر ُه بشيءٍ من عرض الدنيا‪.‬‬
‫يا بُن‪ ،‬لقد رأيت السلطان ف تلك العظمة‪ ،‬فأرد تُ أن أهينُه لئل تكبُر نف سُه‬
‫عليه فتُؤذيه‪.‬‬
‫ت هيبة ال تعال إذ أخُاطِبُه‪ ،‬فصار السلطان أقلّ من القط‪.‬‬
‫ولقد استحضر ُ‬
‫ولو كانت بنفسي لديه حاجة من حاجات الدنيا لرأيتُه الدُنيا كلّها‪.‬‬
‫وأجبب أحبد العلماء على أن يدخبل على ملك مصبر وطلب منبه أن يلببس‬
‫ملبس خاصة فأب‪ ،‬وقال‪ :‬كيف أتملُ لهُ بلباسٍ ل أتملُ به لرب ف الصلة‪.‬‬
‫دخل عباد الواص على إبراهيم بن صال ‪-‬وهو أمي فلسطي‪ ،-‬فقال له‪ :‬يا‬
‫شيخ‪ ،‬عظن‪ ،‬فقال‪ :‬ب أعظُك أصلحك ال‪ ،‬بلغن أن أعمال الحياء تُعر ضُ على‬
‫أقارب م من الو تى فان ظر ما يُعرض على ر سوله من عملك فب كى ح ت سالت‬
‫دموعُه على ليته‪.‬‬
‫‪96‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال مالك‪ :‬وجّ هَ إلّ الرشيدُ أن أحد ثه‪ ،‬فقل تُ‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن العلم‬
‫يُؤتى ول يأت فصار إل منل فاستند إل الدار َمعِي‪.‬‬
‫فقُل تُ له‪ :‬يا أم ي الؤمن ي إنّ من إجلل ال إجلل ذي الشيبة ال سلم‪ ،‬فقام‪،‬‬
‫فجلس بي يدي‪ ،‬قال‪ :‬فقال بعد مدةٍ‪ :‬يا أبا عبدال‪ ،‬تواضعنا لعلمك فانتفعنا به‪،‬‬
‫وتواضع لنا عل ُم سُفيان بن عُيينة فلم ننتفع به‪.‬‬
‫وروى البيهقي وغيه أن الهدي لا قدم الدينة حاجًا جاءه مالك فسلم عليه‪،‬‬
‫فأمر الهدي ابنيه الادي وهارون الرشيد أن يسمعا منه‪ ،‬فطلباه إليهما فامتنع‪.‬‬
‫فعاتبه الهدي ف ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬إن للعلم نضارة‪ ،‬يُؤتى أهلُه‪.‬‬
‫وف رواية‪ :‬العلم أهل أن يُوقر‪ ،‬ويُوقّرَ أهلُه‪ ،‬فأمرها والداها بالصي إليه فسأله‬
‫مؤدبُمبا أن يقرأ عليهمبا‪ ،‬فقال‪ :‬إن أهبل هذه البلدة يقرءون على العال كمبا يقرأ‬
‫ال صبيانُ على الُعلم فإذا أخطوا أفتاهُم فرجعُوا إل اللي فة فعاتب هُ الهدي ف ذلك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬سعت ا بن شهاب يقولُ‪ :‬سعنا هذا العِلْم من رجال ف‬
‫الروضة سعيد بن السيب وأبو سلمة وعروة والقاسم بن ممد وسال بن عبدال‬
‫وعبد آخريبن كبل هؤلء يُقرأ عليهبم ول يقرؤون‪ ،‬فقال الهدي فب هؤلء‪ :‬قدوة‬
‫صيُوا إليه فأقرءوا عليه‪.‬‬
‫أراد الوليد أن يول يزيد بن مرثد القضاء‪ ،‬فبلغ ذلك يزيد‪ ،‬فلبس فروةً وقلبها‬
‫فج عل اللد على ظهره وال صوف خارجًا وأ خذ بيده رغ يف (أي خُبزة) وعرقًا‬
‫(أي ع ظم عليه ل م) وخرج بل رداء ول قلن سُوة (أي أ صلع الرأس) ول ن عل ول‬
‫خُف ويشي ف السواق ويأكل‪ ،‬فقيل للوليد‪ :‬إن يزيد قد اختلط (أي خرّف)‪،‬‬
‫وأ خب ب ا ف عل فتر كه الول يد‪ ،‬قل تُ‪ :‬وف عل يز يد يدل على ورعه وخو فه من تب عة‬
‫القضاء؛ لن القضاء ف يه خ طر عظ يم؛ ولذا قال العلماء‪ :‬يرم على من ل يُح سنه‬
‫ول تتمع فيه شروطُه الدخول فيه‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال ‪« :‬القضاة ثل ثة وا حد ف ال نة واثنان ف النار»‪ ،‬وقال ‪« :‬مَن وُل‬
‫القضاء ف قد ذ بح بغ ي سكي»‪ ،‬وقال ‪« :‬لَيأت ي على القا ضي العدل يوم القيا مة‬
‫سَاعة َيتَ َمنّى أنه ل يقض بي اثني ف ترة قط»‪.‬‬
‫وف لفظ يُدعى القاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الساب ما يتمن أنه‬
‫ل يقض بي اثني ف عمُره قط‪.‬‬
‫ترك خلفُ البزار الرواية عن الكسائي‪ ،‬فلم يروي عنه مع أنه كان أستاذه وهو‬
‫باجة إليه ف تصنيفه كتاب «القراءات»‪ ،‬ولا أن ضايقُوه ِلمَ لَ ْم يَرو عنه‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل قد سعتُه يقول‪ :‬قال ل سيّديِ الرش يد‪ ،‬فقل تُ‪ :‬إن إن سانًا مقدا ُر الدن يا‬
‫ي أن يُؤخذ عنه شيءٌ من العلم‪.‬‬
‫عنده أن يُج ّل أهلها هذا الجلل لر ٌ‬
‫قُلتُ‪ :‬ل درهُ حيث ل يطمئنّ قلبُهَ لن يُعظمُ الدنيا‪.‬‬
‫فانظر رحك ال إل شدة ورعهم وترفُعهم وتنُهِهم عن مُخالطة اللوك و أهل‬
‫الدن يا‪ ،‬و صيانة العلم وإعزازه وب ثل هذه الخلق العطرة وال صفات الفاضلة عظ مَ‬
‫السلمُ وأهله‪.‬‬
‫دخل رجل على الأمون كان يشي ف الناس فيأمرهم بالعروف وينهاهم عن‬
‫النكر دُو نَ أن يكون مأمورًا من قبل الليفة‪ ،‬فاستدعاه الأمو نُ‪ ،‬وقال له‪ :‬لِ َم تأمُرْ‬
‫وتنهى وقد جعل ال ذلك إلينا‪ ،‬ونن الذين قال ال فيهم‪ :‬الّذِي نَ إِن مّكّنّاهُمْ فِي‬

‫َنه الُنكَرِ ؟ فقال‬
‫ُوفه َونَهَوْا ع ِ‬
‫ْضه أَقَامُوا الصهّلةَ وَآتَوُا ال ّزكَاةَ َوَأمَرُوا بِالْ َمعْر ِ‬
‫الَر ِ‬
‫الرجل‪ :‬صدقتَ يا أمي الؤمني‪ ،‬أنت كما وصفت نفسك من ال سُلطان والتمكن‬
‫غي أنا أولياؤُك وأعوانُك فيه‪ ،‬ول يُنكر ذلك إل من جهل كتاب ال وسّنة رسوله‬
‫ْضه‬
‫ُمه أَ ْولِيَاءُ َبع ٍ‬
‫َاته َبعْضُه ْ‬
‫ُونه وَالْمُ ْؤمِن ُ‬
‫‪ ،‬قال ال جبل وعل وتقدس‪ :‬وَالْمُ ْؤمِن َ‬

‫َنه الُنكَرِ ‪ ،‬وقال رسبول ال ‪« :‬الؤمبن للمؤمبن‬
‫ْنه ع ِ‬
‫ُوفه َويَنْهَو َ‬
‫ُونه بِالْ َمعْر ِ‬
‫يَ ْأمُر َ‬
‫ب الأمونُ بكلمِ ِه وسُرّ به‪ ،‬وقال‪ :‬مثلك يوزُ أن‬
‫كالبنيان يشد بعضُه َب ْعضَا» فُأعْج َ‬
‫يأمر بالعروف فامض على ما ُكْنتَ عليه بأمرنا وعن رأينا‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫جةّ الأمون‪،‬‬
‫وهكذا حي أحسن الرجل الحتجاج بالقُرآن وال سّنة انقطع تْ ُح ّ‬
‫ول ي ْد بُدًا من إقرار الرجل على طريقته بالمر بالعروف والنهي عن النكر‪.‬‬
‫وعكس هذا الرجل‪ ،‬دخل واعظ على الأمون فوعظه وأغلط عليه ف القول‪،‬‬
‫فقال له الأمون‪ :‬يا رجُل‪ ،‬ارفُ قْ فإن ال ب عث من ُهوَ خ ٌي م نك إل من هو شرٌ‬
‫من‪ ،‬وأمره بالرّفْق‪ ،‬بعث موسى وهارون إل فرعون‪ ،‬فأوصاهُما بقوله‪َ :‬فقُول لَهُ‬

‫قَوْلً لّيّنًا ّلعَ ّلهُ يََتذَكّرُ أَوْ َيخْشَى ‪.‬‬
‫وهُنا كان موقف الأمون هو القوى؛ لنّ الدليل معه‪.‬‬
‫بعث المي طاهر بن عبدال إل ممد بن رافع بمسة آلف درهم على يد‬
‫رسوله‪ ،‬فدخل عليه بعد صلة العصر وهو يأكل البز مع الفجل‪ ،‬فوضع كيس‬
‫الدراهبم بيب يديبه‪ ،‬فقال‪ :‬بعثَب الم ُي طاهبر بذا الال إليبك لتُنفقبه على أهلك‪،‬‬
‫أحتاجب إليبه‪ ،‬فإن الشمبس قبد بلغبت رؤوس اليطان‪ ،‬وإناب‬
‫ُ‬
‫فقال‪ :‬خُذه خُذه ل‬
‫ت الثماني سنة إل مت أعيشُ‪ ،‬فرد الال ول يقبل‪،‬‬
‫ب بعد ساعة وأنا قد جاوز ُ‬
‫تغر ُ‬
‫فأخذ الرسو ُل الال وذهب ودخل على الشيخ ابنه‪ ،‬وقال‪ :‬يا أب تِ ليس لنا الليلة‬
‫خبز‪.‬‬
‫قال‪ :‬فذهب بعض أصحابه خلف الرسول ليُرد الال إل صاحبه خوفًا من أن‬
‫يذهب ابنُه خلف الرسول فيأخذ الال‪.‬‬
‫وقال أحدُ الزهاد للمنصُور‪ :‬أذكُرْ ليلةً تبيتُ ف القب ل تبت ليلةً مثلها‪ ،‬واذكر‬
‫خضُ عن يوم القيامة ل ليلة بعدها‪.‬‬
‫ليلةً ت ّ‬
‫احتجتب إل مالك مبا‬
‫ُ‬
‫فأفحبم النصبور قولُه فأمبر لُه بالٍ فردّهبُ‪ ،‬وقال‪ :‬لو‬
‫وعظتُك‪.‬‬
‫وقال لب نه ل ا ولّاه الع هد‪ :‬ا ستدم النعمةَ بالش كر‪ ،‬والقدرة بالع فو‪ ،‬والن صر‬
‫بالتواضع‪ ،‬والتألف بالطاعة‪ ،‬ول تنس نصيبك من الدنيا‪ ،‬ونصيبك من رحة ال‪.‬‬
‫ل وق فَ ف باب هذا‬
‫وقال للرب يع‪ :‬ويْحَ كَ‪ ،‬ل قد رأي تُ منامًا هال ن رأ يت قائ ً‬
‫القصر يقول‪:‬‬
‫‪99‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫برِ قبد بَادَ أهلُه وأوحَشببَ منببه أهلُه و َمنَازلُه‬
‫كأنب بذا القص ْ‬
‫ب‬
‫ب ُيبْنَبي عليبه َجنَادِلُه ْ‬
‫جةٍ إل َجدَث ٍ‬
‫س القصر من َبعْ ِد َبهْ َ‬
‫و صَارَ َرِئيْ ُ‬
‫وكان ابن أب ذئب جالسًا ف السجد النبوي الشريف ف الدينة فدخل أمي الؤمني الهدي فلم يبق أح ٌد إل قام‪،‬‬
‫فلما وصل إل ابن أب ذئب ل يُقم‪ ،‬قال السيب بن زهي‪ :‬قُم هذا أمي الؤمني‪ ،‬فقال‪ :‬إنا يقو مُ الناس لرب العالي‪،‬‬
‫فقال الهدي‪ :‬دعهُ فلقد قامت كُلُ شعر ٍة ف رأسي‪.‬‬

‫فهكذا العُلماء الخلصون الذين يفظ ال بم السلم ويرفع ال بم السلمي‪.‬‬
‫تأمّل يا أخي‪ ،‬هل يوجد ف زمننا مثل هؤلء ما أظنّ يُوجد ول رقم ثلثة ل‬
‫حول ول قوة إل بال‪.‬‬
‫ْتب َزنْ َد العِلم كَاب فإنّمبا َكبَى َحيْ ثُ ل تُحْمى ِحمَا هُ وأظلما‬
‫فإنب قُل ُ‬
‫ْ‬
‫ب َلعُظّمَبا‬
‫ب فب النفوس ِ‬
‫ولَو أنّ أهلَ العل مِ صَانُوهُ صَاَنهُم ولو عَ َظمُوه ُ‬
‫جهّمَبا‬
‫ب َحتّىب َت َ‬
‫حيّاه بالطْمَاع ِ‬
‫ولكنّب أهانُوه فهانوا ودنّسببُوا مُ َ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫فصل ف فوائد ومواعظ منوعة‬
‫قال وهي بُ بن الورد‪ :‬لو أن عُلماءنا عفا ال عنّا وعنهم نصحُوا ل ف عباده‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يا عبادَ ال اسعُوا ما نُخبكم عن نبيكم وصال سلفكم من الزهد ف‬
‫الدن يا فاعملوا به‪ ،‬ول تنظروا إل أعمال نا هذه الف سَْلةِ‪ ،‬كانُوا قد ن صحوا ل ف‬
‫عباده‪ ،‬ولكنهم يأبون إل أن يرّوا عباد ال إل فتنهم وما هُم فيه‪.‬‬
‫وكان عيسى بنُ مري يقول‪ :‬يا معشر العلماء‪ ،‬مثلكُم مثل الدّفْلَى يُعجب وردهُ‬
‫من ن ظر إل يه ويقتلُ طعم هُ من أكله‪ ،‬كلم كم دوا ٌء يُبئ الداء‪ ،‬وأعمال كم داءٌ ل‬
‫يقب ُل الدواء‪ ،‬والكمة تر جُ من أفواهكم وليس بينها وبي آذانكم إل أربعُ أصابع‬
‫ث ل تعيها قلوبُكم‪.‬‬
‫خبِرَ به ول‬
‫ب الكل مَ ِليُ ْ‬
‫مع شر العلماء‪ ،‬ك يف يكون من أ هل العلم من يطل ُ‬
‫يطلبه ليعمل به‪.‬‬
‫‪100‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫العلم فوق رُؤسكم‪ ،‬والعمل تت أقدامكم‪.‬‬
‫فل أحرارٌ كرام و لعبي ٌد أتقياء‪.‬‬
‫أهلُ الشَاغِلِ بالدنيببا وَزْيَنتِهَبا عَ نْ ذِكْر َرّبهِ ُموْا سَاهُو َن ل ُهوْنَا‬
‫بوْنَا‬
‫َلوْ أنّهُبم َقِنعُوا مِمّابب ُيبَّلغُهُبم َلعَجّلُوا رَا َح ًة مِمّابب ُيقَاسب ُ‬
‫ّتب الدارَ ال ْخرَى وهبي فَاِنَيةٌ يبا َويْ َل عُشّاقِهَبا مِمّاب يُلُقوْنَبا‬
‫ُتفَو ُ‬
‫ل دارهبم َلهُ ُموْا فب ال ّدهْ ِر بَاِقَيةٌ كلّا ول هم لَهَا ف ال ّدهْ ِر بَاُقوْنَا‬
‫وقال بعهض العلماء‪ :‬اعلم أن للعال العامهل بعلمهه حقيقةً علمات وأمارات تُفرق بينهه وبيه عُلماء اللسهان‬
‫الخلطي التبعي للهوى الؤثرين للدنيا على الخرة‪ ،‬فمن علمات العال القيقي المتاز‪ :‬أن يكون متواضعًا خائفًا وجلً‬
‫مشفقًا من خشية ال زاهدًا ف الدنيا قانعًا باليسي منها بعيدًا عن السد والعُجب والغيبة والنّميمة والُداهنة‪ ،‬ملتم سًا‬
‫للفقراء التمسكي بدينهم الالية بيوتم من اللهي والنكرات‪ ،‬الذين ليس لم موارد ول مساكن ليُ سْ ِعفَهم با يقدر‬
‫ل له وناهيًا عن النكر‪ ،‬ومُجتنبًا له‬
‫عليه من مال وجاه‪ ،‬ناصحًا لعباد ال شفيقًا عليهم رحيمًا بم‪ ،‬آمرًا بالعروف‪ ،‬فاع ً‬
‫وم سارعًا فهاليات ملزمًا للعبادات‪ ،‬دا ًل على اليه‪ ،‬داعيًا إل الدى‪ ،‬ذا صهمتٍ وتوأدة ووقار و سكينةِ‪ ،‬حَسَهنُ‬
‫الخلق‪ ،‬واسهَع الصّهدْرِ‪ ،‬ليّنَه الانهب‪ ،‬مفوض الناح للمؤمنيه‪ ،‬ل متكهبًا‪ ،‬ول مُتجهبًا‪ ،‬ول طامعًا فه الناس‪ ،‬ول‬
‫حريصًا على الدنيا‪ ،‬ول مؤثرًا لا على الخرة‪.‬‬

‫ول منهمكًا بمبع الال‪ ،‬ول مانعًا له عبن حقبه‪ ،‬ول فظًا ول غليظًا‪ ،‬ول‬
‫ضيّ َق الصدرِ‪ ،‬ول مداهنًا‪،‬‬
‫مُمَاريًا‪ ،‬ول مُخاصمًا بالباطل‪ ،‬ول سيئ الخلق‪ ،‬ول َ‬
‫ول مادعًا‪ ،‬ول غشاشًا‪ ،‬ول مقدمًا للغنياء على الفقراء‪ ،‬ول مُرائيًا‪ ،‬ول مُحبًا‬
‫للوليات‪.‬‬
‫وبالملة فيكون مُتصفًا بميع ما يثُه عليه الكتاب والسّنة‪ ،‬مؤترًا با يأمرانه به‬
‫من الخلق الحمودة والعمال ال صالة‪ ،‬مانبًا ل ا ين هى ع نه كتا بُ ال و سّنةُ‬
‫رسول ال من الخلق والعمال الذمومة‪.‬‬
‫وهذه صفات ينب غي أن يت صف ويتحلى ب ا كل مُؤ من‪ ،‬إل أنّ العال وطالب‬
‫العلم أول أن تصف با ويافظ عليها ويدعو إليها‪.‬‬
‫وينبغي للعال أن يكون حديثه مع العامة ف حال مالطته لم ف بيان الواجبات‬
‫الحرمات ونوافبل الطاعات وذكبر الثواب والعقاب على الحسبان والسباءة‪،‬‬
‫ويكون كلمه بعبارة يعرفونا ويفهمونا‪ ،‬ويبي لم المور الت هم ملبِسُون لا‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول ينبغبي له أن يسبكُت حتب يُسبأل وهبو يعلم أنمب مُحتاجُون إليبه‪ ،‬أو‬
‫مضطرون له‪ ،‬وال الوفق‪.‬‬
‫وقال رجل لعبد العزيز بن أب رواد‪ :‬كيف أصبحت؟ فبكى‪ ،‬وقال‪ :‬أصبحتُ‬
‫وال ف غفلة عظيمةٍ عن الوت مع ُذنُوبٍ كثية ومؤئل لستُ أدري علم أهج ُم ث‬
‫بكى‪.‬‬
‫اليام ثل ثة‪ :‬فأ مس حك يم مؤدب ترك حكم ته وأبقا ها عل يك‪ ،‬واليوم صديق‬
‫مودّع كان عنك طويل الغيبة حت أتاك ول تأته وهو عنك سريع الفراق‪ ،‬وغدًا ل‬
‫تدري أتكون من أهله أو ل تكون‪.‬‬
‫وكان يُقال من أ شد الناس ح سرةً يوم القيا مة ثل ثة‪ :‬ر جل كان له عبدٌ فجاء‬
‫يوم القيا مة أفضَل عملً م نه‪ ،‬ورجلٌ له مال فلم يت صدق م نه فمات فور ثه غي هُ‬
‫فتصدقَ منه‪ ،‬ورجلٌ عال ل ينتفع بعلمِه َفعَلّم غي ُه فانتفعَ به‪.‬‬
‫َظب مبن قبب‪ ،‬ول آنبس مبن كتاب‪ ،‬ول أسبل َم مبن‬
‫وقال بعضهبم‪ :‬لْ أ َر أ ْوع َ‬
‫الوَحْ َدةِ‪.‬‬
‫فقيل له‪ :‬قد جاء ف الوحدةٍ ما جاء‪ ،‬قال‪ :‬ل تُفسدُ إل جاهلً‪.‬‬
‫قيل‪ :‬كان مبدؤ توبة داود الطائي أنه دخل القبة‪ ،‬فسمع امرأة عند قب وهي‬
‫تقول‪:‬‬
‫َريبب‬
‫ْتب ق ُ‬
‫ُكب ل يُرْج َى وأن َ‬
‫َهب ِلقَاؤ َ‬
‫َثب ال ُ َخ ْلق ُ‬
‫أنب َيْبع َ‬
‫ْمب إل ْ‬
‫ُمقِي ٌ‬
‫ب وََليَْلةِ وتُ سْلَى كَمَا تَبْلَى وأنْ تَ حَبْيبُ‬
‫تَ َزيْدُ بلىً فبب كُ ّل يَومب ٍ‬
‫آخر‪:‬‬

‫ب َينْقصببُونَ والقُبُو ُر تَزيدُ‬
‫لكُببل أناس مقبببٌ ب ِفنَائهببم َفهُمب ْ‬
‫بى فَبعِيْدُ‬
‫ب وأمّابب الُ ْلتَقَب‬
‫َواتب أمّاب مَزَارَهُم فَدَانب ٍ‬
‫فهُم ِجيْ َز ُة الم ِ‬
‫وكان بعض هم إذا وا فق أخاه ف ال قال‪ :‬نق صت العمارُ بعدك‪ ،‬واقتر بت الجا ُل ما ف عل جيا نك (يع ن أ هل‬
‫القبور)‪ ،‬ولعلّ مسكنه قريب من القبة‪ ،‬قلت‪ :‬وف عصرنا من الذي فاز ف الكورة؟ وما الذي ظهر ف التلفاز؟‬

‫‪102‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب َمعْ بأ ْخبَار مَبن مَضَبى‬
‫ب ل تَس ْ‬
‫كأنْك َ‬
‫ب ِديَارُهُبم‬
‫ب ل تَ ْدرِي َفتِلْك َ‬
‫ب ُكنْت َ‬
‫فإن ْ‬
‫ب حيّاب َبْنزِلٍ‬
‫ت عينَاك َ‬
‫برَ ْ‬
‫وهَبل أبْص َ‬
‫وأهَ ْل الثّرَى نَحْببو ا َلقَاب ِر ُشرّعببٌ‬
‫ب مَرّوا أجْ َمعُونببَ و َهكَذا‬
‫على ذاكب َ‬
‫ب الوفْ َر مَالً َج ْمعْتَه ببُ‬
‫فل تَحْس ببَ ّ‬
‫أنتب جَام ِع‬
‫ْسب الذي يَبْق َى الذي َ‬
‫وَلي َ‬
‫قَضَبببى جَا ِمعُوا المْوالِ ل َيتَزودّوا‬
‫ف الغَطَا‬
‫ف تَ صّحُو ِحيَ َينْكَشِ ُ‬
‫بَلى َسوْ َ‬
‫ومببا بَيَب ميْل ِد الفَتبب َووَفَاتِهببِ‬
‫لنّب الذي يَأتب كَ ِمثْلِ الذي مَضَبى‬
‫َاتب حتب تُحوزَه َا‬
‫فصببْرًا على الوق ِ‬
‫َ‬

‫بنَعُ الدهرُ‬
‫ولْب تَرَ فب الباقيَب مَبا يَص ْ‬
‫ب َبعْدَك والقَطْرُ‬
‫عليهببا ِمجَالُ الريحب ِ‬
‫على الرضببِ إل بالفَنَاءِ لَهببُ َقبْرُ‬
‫شرُ‬
‫ب نَ ْ‬
‫وَليْسببَ لَهببم إل إل ربّهمب ْ‬
‫بتَ ِر ّدهُم الَشْرُ‬
‫يَمُرّونببَ حتّبى يَسبْ‬
‫ل وَفْرُ‬
‫ب مِبن صبا ٍ‬
‫وَلكِنّب مبا َق ّدمْت َ‬
‫ب منبه هُبو الذّ ْخرُ‬
‫ولكنّب مَبا أوَْليْت َ‬
‫سِبوَى الفَقْرِ يَا بُؤسبًا لِمَ نْ زَادُ هُ ال َفقْرُ‬
‫ب ل يَْنفَعببُ الذّكْرُ‬
‫وتَذْكُرُ قَولَي ِحيْنب َ‬
‫إذا نَصببَ َح القوامببُ أنفسببَهم عُ ْمرُ‬
‫ب الضيّبق النّزْرُ‬
‫ومبا هُبو إل وقتُك َ‬
‫ب الصببُ‬
‫فعمّاب قَليْبل َبعْدَهبا َينْفَع ُ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصلى ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫فصل‬
‫قال بعض العلماء‪ :‬إذا بلغك عن صديق لك ما تكره فإيّاك أن تُبادره بالعداوة‬
‫وق طع الول ية فتكون مّ ن أزال يقين ُه ب شك؛ ول كن إل قه وقُل له بلغ ن ع نك كذا‬
‫وكذا‪ ،‬واحذر أن تُ س ّميْ ل هُ البلّغ‪ ،‬فإن أن كر ذلك فاد فع بال ت هي أح سن واع فُ‬
‫عنه ول تزد على ذلك شيئًا‪.‬‬
‫لهب فب ذلك وجهًا لعذر فاقببل منبه‪ ،‬و إن ل تُرد‬
‫وإن اعترف بذلك فرأيبت ُ‬
‫ذلك‪ ،‬فقلْ ل هُ‪ :‬ماذا أردت ب ا بلغ ن ع نك‪ ،‬فإن ذ كر ما له وج هٌ من العذر فاق بل‬
‫منه‪ ،‬وإن ل تر لذلك وجهًا لعذرٍ وضاق عليك السلكُ فحينئذٍ أثبتها عليه‪.‬‬
‫‪103‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ثب أنبت بعبد ذلك باليار إن شئت كافأتبه بثله مبن غيب زيادة‪ ،‬و إن شئت‬
‫عفو تَ عنه‪ ،‬والعفوُ أقر بُ للتقوى وأبلغ ف الكرم؛ لقول ال تعال‪ :‬وَ َجزَاءُ سَيَّئةٍ‬

‫ص َلحَ َفأَ ْج ُرهُ ‪ ،‬وقوله‪َ :‬وأَن تَ ْعفُوا أَقْ َربُ لِلّتقْوَى ‪.‬‬
‫سَيَّئةٌ مّ ْثلُهَا َفمَنْ َعفَا َوأَ ْ‬
‫ك بالكافأة‪ ،‬فأفكر فيما سبق لديك من الحسان فعاجل ل هُ‬
‫فإن نازعتك نفُس َ‬
‫إحسانًا بذه السيئة‪ ،‬ول تبخس باقي إحسانَهُ السالف بذه السيئة‪ ،‬فإنه ظلم‪.‬‬
‫فوائد‬
‫قبول ال سعاية شرٌ من ال سعاية؛ لن ال سعاية دللة‪ ،‬والقبول إجازة‪ ،‬ول يس من‬
‫دل على شيء كمن قبل وأجاز‪.‬‬
‫قال بعبض العلماء‪ :‬ل تُنلن حاجتبك مبن أغلق دُونبك أبواببه وجعبل عليهبا‬
‫ُحجّابَ هُ؛ ول كن انزل ا بن باب هُ مفتو حٌ لك إل يوم القيامة أمرك أن تدعو هُ وضم نَ‬
‫لك أن يستجيب لك‪.‬‬
‫ُمه ‪ ،‬وقال تبارك وتعال‪َ :‬وإِذَا‬
‫َسهَتجِبْ لَك ْ‬
‫قال ال جبل وعل‪ :‬ادْعُون ِي أ ْ‬

‫َسَألَكَ عِبَادِي عَنّي َفِإنّي َقرِيبٌ أُجِيبُ َدعْ َوةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ ‪.‬‬
‫ب ل تُحْجَبببُ‬
‫ل تَسبببْألَنّ إل اببببن آدم حَا َجةً وسببَل الذي أبْوابُهب ُ‬
‫ب‬
‫ب يُسبْأ ُل َي ْغضَب ُ‬
‫ب ِحيْن َ‬
‫ب آدم َ‬
‫ال َيغْضَبببُ إن تَرَكْتببَ سببُؤالَهُ وُبنَي ُ‬
‫قيل‪ :‬إنه عرض عثمان على ابن عمر ب رضي ال عنهما ب القضاء فأب‪،‬‬
‫ولّ ا أل عل يه لقبول القضاء مُذكرًا إيا هُ بأن أباه كان يق ضي‪ ،‬قال عبدال‪ :‬إن أ ب‬
‫كان يقضي‪ ،‬فإذا أشكل عليه سأل النب ‪ ،‬وإذا أشكل على النب سأل جبيل‪،‬‬
‫وإن ل أجدُ من أسأل‪.‬‬
‫وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء من ماله يقربه إل ال عز وجل‪ ،‬وكان عبيده‬
‫قد عرفوا م نه ذلك‪ ،‬فرب ا لزم أحد هم ال سجد فإذا رآه ا بن ع مر على تلك الال‬
‫أعتقه‪.‬‬
‫فيقال له‪ :‬إنم يدعونك‪ ،‬فيقول‪ :‬من خدعنا بال اندعنا له‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان له جار ية يب ها كثيًا فأعتق ها وزوج ها لوله نا فع‪ ،‬وقال‪ :‬لَن تَنَالُوا‬

‫البِرّ حَتّى تُنفِقُوا مِمّا ُتحِبّونَ ‪.‬‬
‫واشترى مرة بعيًا فأعجبه لا ركبه فأدخله ف إبل الصدقة‪.‬‬
‫وأعطاه ابن جعفر ف نافع عشرة آلف‪ ،‬فقال‪ :‬أو خي من ذلك هو حر لوجه‬
‫ال تعال‪.‬‬
‫واشترى مرة غلمًا بأربع ي ألفًا وأعت قه‪ ،‬فقال الغلم‪ :‬يا مولي قد أعتقت ن‬
‫فهب ل شيئًا أعيش به فأعطاه أربعي ألفًا‪.‬‬
‫واشترى مرة خسة عبيد‪ ،‬فقام يصلي‪ ،‬فقاموا خلفه يصلون‪ ،‬فقال‪ :‬لن صليتم‬
‫هذه الصلة؟ فقالوا‪ :‬ل‪ ،‬فقال‪ :‬أنتم أحرار لن صليتم له‪ ،‬فأعتقهم‪.‬‬
‫والقصود أنه ما مات حت أعتق ألف رقبة وربا تصدق ف الجلس الواحد‬
‫بثلثي ألفًا‪.‬‬
‫وكانت تضي عليه اليام الكثي والشهر ل يذوق لمًا إل وعلى يديه يتيم‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬ل أسأل أحدًا شيئًا وما رزقن ال فل أرده‪.‬‬
‫عن عبدال بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم‪ ،‬قال‪ :‬بينما أنا مع عمر‬
‫بن الطاب و هو يع سّ (أي يدور على البيوت وال سواق يرس الناس ويك شف‬
‫عن أهل الريبة) إذ أعيا واتكأ على جانب جدار ف جوف الليل‪ ،‬وإذا امرأة تقولُ‬
‫لبنتها‪ :‬يا ابنتاه قُومي إل ذلك اللب فامذُقيه بالاء‪ ،‬فقالت لا‪ :‬يا أُمتاه وما علمت‬
‫ما كان من عز َم َة أمي الؤمني اليوم؟ قالت‪ :‬وما كان من عزمته يا بُنية‪ ،‬قومي إل‬
‫اللبب فامذُقيبه بالاء فإنبك بوضبع ل يراك عُمَ ُر ول مُنادي عُمبر‪ ،‬فقالت الصببية‬
‫لمها‪ :‬يا أمتا ُه ما كنت لطيعهُ ف الل وأعصيه ف اللء‪.‬‬
‫ف الوضع‪ ،‬ث مضى‬
‫وعُمُر يسمع كل ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬يا أسلم علّم الباب واعر ْ‬
‫ف عسسه حت أصبح‪ ،‬فلما أصبح قال‪ :‬يا أسلم امض إل الوضع فانظر من القائلة‬
‫ومن القو ُل لا؟ وهل لُم من بعل؟ فأتيت الوضع فنظرت‪ ،‬فإذا الارية أيّمٌ ل بعل‬
‫لا‪ ،‬وإذا تِيك أمها وإذا ليس لُم رجُل‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فأتيت عمر بن الطاب فأخبته‪ ،‬فدعا عمر ولده فجمعهم‪ ،‬فقال‪ :‬هل فيكم‬
‫من يتاج إل امرأةٍ أزوجُه‪ ،‬ولو كان بأبيكم حركة إل النساء ما سبقه منكم أحد‬
‫إل هذه الرأة‪ ،‬فقال عبدال‪ :‬ل زوجة‪ ،‬وقال عبدالرحن‪ :‬ل زوجة‪ ،‬وقال عاصم‪:‬‬
‫يا أبتا هُ ل زوجةَ ل فزوّجْن‪ ،‬فبعث إل الارية فزوّجَها من عاصم فولدت ِلعَا صِمٍ‬
‫بنتًا وولدت البنتُ عُم َر بن عبدالعزيز ب رحه ال ب‪.‬‬
‫ب َقبْلَ الرّدَى ل ُتخْلَقِبي عَبثًبا‬
‫ب بِهبببِ يبا َنفْس ُ‬
‫جهَا ٍز َتبُْلغِيْنبب َ‬
‫تَجّهزي ِب َ‬
‫ب الباقبي ومَبا وَرثًبا‬
‫ب َيبْقَببى وتَ ْفَتقِري إن الرّ َد وارث ُ‬
‫ول تكُدّي لِمَنب ْ‬
‫شعَثَبا‬
‫ب وال ّ‬
‫شيْنبَ‬
‫بُ ال ّ‬
‫صيْبُ الشم سُ َجْب َهتَ هُ أو الغُبَا َر يَخَافب‬
‫مَن كان حيْ َن تُ ِ‬
‫َسبكُ ُن َيوْم ًا راغم ًا جَدَث َا‬
‫في ْ‬
‫َسبوْ َ‬
‫ب ف َ‬
‫ب الظِلّ كبي تَبْقَبى بشاشَتُه ُ‬
‫ويَألَف ُ‬
‫ْتب الثَرى فب َق ْعرِهَبا الّلبَثَبا‬
‫فببببب َق ْع ِر ُموْحِشةٍ غَبْرا َء مُظِْل َمةٍ يُ ِطيْ ُل تَح َ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقال ف الفنون‪ :‬لقد عظم ال اليوان لسيّما ابن آدم حيثُ أباحهُ الشرك عند‬
‫الكراه وخوف الضرر على نف سه‪ ،‬فقال جل وعل‪ :‬إِلّ مَ نْ ُأكْرِ هَ َوقَلْبُ هُ ُمطْمَئِنّ‬

‫بِا ِليَانِ ‪.‬‬
‫ك أن تتوقى وتُحامي عن نفسك‬
‫من قدّم حرمة نفسك على حُرمته حت أباحَ َ‬
‫بذكره با ل ينبغي له سبحانه‪.‬‬
‫فحقيق أن تعظم شعائرهُ وتوقّر أوامرهُ وزواجرهُ‪.‬‬
‫وعصم عرضك بإياب الد بقذفك‪ ،‬وعصم مالك بقطع مسلم ف سرقته‪.‬‬
‫وأ سقط ش طر ال صلة ل جل مشق تك‪ ،‬وأقام م سح الُفّ مقام غَ سْل الر جل‬
‫إشفاقًا عليك من مشقة اللع واللبس وأباحك اليتة سدًا لرمقك وحفظًا لصحتك‪،‬‬
‫وزجرك عببن مضارك بدٍ عاجببل ووعيدٍ آجلٍ‪ ،‬وخرق العوائد لجلك وأنزل‬
‫الكتب إليك‪.‬‬
‫‪106‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫أيسنُ بك مع هذا الكرام أن ترى على ما ناك مُنهمكًا وعمّا أمرك مُتنكبًا‬
‫وعن داعيه مُعرضًا ولسنته هاجرًا ولداعي عدُوك فيه مُطيعًا‪.‬‬
‫ت وهو حطّ رُنب عباده لجلك وأهبط‬
‫يُعظمُك وهُو ُهوَ وتمِلُ أمره وأنت أن َ‬
‫إل الرض من امتنع من سجد ٍة يسجدُ لبيك‪.‬‬
‫هل عاديت خادمًا طالت خدمته لك لترك صلة‪ ،‬هلْ نفيتهُ من دارك للخلل‬
‫بفرض أو لرتكاب نى‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وفب وقتنبا هبل أخرجبت اللهبي والنكرات مبن بيتبك؟ هبل منعبت‬
‫الجانب والجنبيات سوّاقي وخدّمات من بيتك؟‬
‫فائدة‬
‫كُل ما قو يت حاج ُة الناس إل الش يء ومعرف ته ي سر ال أ سبابه‪ ،‬ك ما يُي سرُ ما‬
‫كانت حاجتهم إليه ف أبدانم أشد‪.‬‬
‫فلما كانت حاجتهم إل النفس والوى أعظم منها إل الاء كان مبذولً لكل‬
‫أحد ف كل وقت‪.‬‬
‫ول ا كا نت حاجت هم إل الاء أك ثر من حاجت هم إل القُوت كان وجود الاء‬
‫أكثر لذلك‪.‬‬
‫فلمبا كانبت حاجتهبم إل معرفبة الالق أعظبم كانبت آياتُه ودلئ ُل ربوبيتبه‬
‫وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيها‪.‬‬
‫ولا كانت حاجتهم إل معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إل‬
‫غي ذلك‪.‬‬
‫أقام ال من دلئل صدقهم وشواهد نُبوتم وحُسن حال من اتبعهم و سعادته‬
‫وناته وبيان ما يصل له من العلم النافع والعمل الصال‪.‬‬
‫وقُ بح حال من خالف هم وشقاوت م وجهله وظل مه ما يظ هر ل ن تدبر ذلك‬
‫جعَلِ ال ّلهُ لَهُ نُورًا فَمَا َلهُ مِن نّورٍ ‪.‬‬
‫َومَن ّلمْ َي ْ‬
‫‪107‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال وهيب بن الورد‪ :‬بلغنا أن البيث إبليس تبدى ليحي ابن زكريا –عليهما‬
‫ال سلم‪ -‬فقال له‪ :‬إ ن أر يد أن أن صحك! قال‪ :‬كذ بت‪ ،‬أ نت ل تن صحن؛ ول كن‬
‫أخبن عن بن آدم‪.‬‬
‫قال‪ :‬هم عندنا على ثلثة أصناف‪ ،‬أما صنف منهم‪ :‬فهم أشد الصناف علينا‬
‫نُقبل حتّى نفِْتنُ هُ ونستمكن منه‪ ،‬ث يفزع إل الستغفار والتوبة‪ ،‬فُيفْ سِ ُد علينا كل‬
‫شيء أدركنا منه‪ ،‬ث نعود له فيعود فل نن نيأس منه‪ ،‬ول نن نُدر كُ منه حاجتنا‬
‫فنحنُ من ذلك ف َعنَا‪.‬‬
‫وأما ال صنف ال خر‪ :‬فُ هم ب ي أيدي نا بنلة الكرة ف أيدي صبيانكم نتلقفُهُم‬
‫كيف شئنا فقد كفونا أنفُسهم‪.‬‬
‫وأما الصنف الخر‪ :‬فهم مثلك معصومُون ل نقد ُر منهم على شيء‪.‬‬
‫فقال له يي‪ :‬على ذاك هل قدرتَ من على شيء؟‬
‫قال‪ :‬ل إل مرةً واحدةً فإ نك ق ّدمْ تَ طعامًا تأكله‪ ،‬فلم أزل أشه يه لك ح ت‬
‫أكلتَ أكثر ما تُريدُ َفنِ ْمتَ تلكَ الليلة ول تقم إل الصلة كما ُكنْت تقومُ إليها‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقال له يي‪ :‬ل َج َر َم ل شبعتُ من طعام أبدًا حت أموت‪.‬‬
‫حتُ آدميًا َبعْ َدكَ‪.‬‬
‫فقال له البيث‪ :‬ل جَ َر َم ل َنصَ ْ‬
‫با س بُلّطُوا إلّا لجْ ِل َشقَاوَتبببببب و َعنَائِي‬
‫إنّي ب بُِليْت بُ بأربْع بِ مب‬
‫ب الَلصببُ وكُلّهُبم أعدائي‬
‫با وَنفّسببِي والَوَى َكيْفبَ‬
‫إبِْليْسببُ وال ُدنْيَب‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫مواعظ وفوائد‬
‫ما أقبح الغفلة عن طاعة من ل يغفل عن برّك وعن ذكر من أمرك بذكره‪.‬‬
‫قال أبو حازم‪ :‬يس ُي الدنيا يُشغلُ عن كثي الخرة‪ ،‬وقال‪ :‬ما أحببت أن يكون‬
‫معك ف الخرة فقدم ُه اليوم‪ ،‬وما كرهْتَ أن يكون معك ف الخرة فاتركَ ُه اليوم‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫سمَ ال له ا سْتغن‪ ،‬و من دا خل‬
‫وقال بعضُ هم يُو صِي ابنَه‪ :‬إ نه مَن قن عِ ب ا قَ َ‬
‫ط العُلما َء وقّرْ‪.‬‬
‫السُفهاءَ حُقر‪ ،‬ومَن خال َ‬
‫ومن دَخل مداخل السوء اتم‪ ،‬يا بن‪ ،‬قُل الق لك أو عليك‪ ،‬وإيّا َك والنّميْ َمةَ‬
‫فإنا تَزْ َرعُ الشحناء‪.‬‬
‫وعنه أنه قال‪ :‬من اشتاق إل النة سارع إل اليات ومن أشفق من انتهى‬
‫عن الشهوات ومن تيقن بالوت اندمتْ عليه اللذات ومن عرف الدنيا هانت عليه‬
‫الصيبات‪.‬‬
‫وقال بدي ُل العقيلي‪ :‬من أراد بعمله و جه ال عز و جل أق بل ال عل يه بوج هه‬
‫وأق بل بقُلُوب العباد إل يه‪ ،‬و من ع مل لغ ي ال عز و جل صرف ال عز و جل ع نه‬
‫ب العباد عنه‪.‬‬
‫وجهه وصرفَ قلو َ‬
‫وقال ممد بن واسع‪ :‬إذا أقبل العبد بقلبه إل ال عز وجل أقبلَ ال عز وجل‬
‫إليه بقلوب الؤمني‪.‬‬
‫ت ابن واسع يقول‪ :‬واصحاباه‪ ،‬ذهب أصحاب‪،‬‬
‫وقال الارث بن نبهان‪ :‬سع ُ‬
‫ب يصومون النهار ويقومون الليل وياهدون‬
‫فقلت‪ :‬يرحك ال‪ ،‬أليس قد نشأ شبا ٌ‬
‫ف سبيل ال عز وجل‪ ،‬قال‪ :‬بلى‪ ،‬ولكن أخ وتفل أفسدهم العُجبُ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فك يف لو رأى شباب زمان نا الالق ي للّحَا ال سبلي للثياب الخنف سي‬
‫أصحاب الشنبات‪.‬‬
‫سبُئل بعضهبم‪ :‬هبل يعرف العببد إذا تاب أن توبتبه قُبلت ْب أم ُردّتبْ؟ قال‪ :‬ل‬
‫أح كم ف ذلك؛ ول كن لذلك علمات‪ ،‬إحداها‪ :‬أن يرى نفسه غي معصومة من‬
‫العصية‪ ،‬ويرى ف قلبه الفرح غائبًا والزن شاهدًا‪ ،‬ويُقرّبَ أه َل الي‪ ،‬ويُباعدُ أهل‬
‫الشرّ‪ ،‬ويرى القل يل من الدن يا كثيًا‪ ،‬ويرى الكث ي من ع مل الخرة قليلً‪ ،‬ويرى‬
‫قلبه مشتغلً با ضمن من ال تعال‪ ،‬فارغًا عما ضمن ال له‪ ،‬ويكونُ حافظًا للسانه‬
‫دائم الفكرة‪ ،‬لزم الغم والنّدَامةِ‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال يي بن معاذ‪ :‬من أعظم الغترار عندي التمادي ف الذُنو بُ على رَجَاء‬
‫العَفو من غي ندامة‪ ،‬وتوقّ ُع القُربِ من ال تعال بغي طاعة‪.‬‬
‫وطلبب دار الطيعيب بالعاصبي‪ ،‬وانتظار الزاء بغيب‬
‫ُ‬
‫وانتظار زرع النبة ببذر‬
‫عمل والتمن على ال مع الفراط‪.‬‬
‫ب ِفْيَنةَ ل تَجْري على اليَبَبس‬
‫ك مَس بَال َكهَا إنّب الس ّ‬
‫تَرجُوا النجاةَ ول تَس بْلُ ْ‬
‫وقال السبن البصبري‪ :‬فسباد القلوب متولد مبن سبتة أشياء‪ ،‬أولاه‪ :‬يذنبون‬
‫برجاء التوببة‪ ،‬ويتعلمون العلم ول يعملون ببه‪ ،‬وإذا عملوا ل يُخلصبُون‪ ،‬ويأكلون‬
‫رزق ال ول يشكرون‪ ،‬ول يرضون بقسمة ال‪ ،‬ويدفنون موتاهم ول يعتبون‪.‬‬
‫عن أ ب وائل قال‪ :‬خرج نا مع عبدال بن م سعود ومع نا الر ببيع بن خي ثم‪،‬‬
‫فمررنا على حداد‪ ،‬فقام عبدال ينظر حديدة ف النار‪.‬‬
‫فن ظر الرب يع إلي ها فتما يل لي سقط‪ ،‬فم ضى عبدال ح ت أتي نا على أتون على‬
‫شاطئ الفرات‪.‬‬
‫فلما رآه عبدال والنار تلتهب ف جوفه قرأ هذه الية‪ :‬إِذَا َرَأتْهُم مّن مّكَا نٍ‬

‫بَعِيدٍ سَ ِمعُوا لَهَا تَغَّيظًا َوزَفِيًا إل قوله‪ :‬ثُبُورًا ‪.‬‬
‫فصعق الربيع بنُ خيثم فاحتملناه فجئنا به إل أهله‪.‬‬
‫قال‪ :‬ث راب طه عبدال إل الظ هر فلم يُ فق‪ ،‬ث رابط هُ إل الع صر فلم ي فق‪ ،‬ث‬
‫رابطهُ إل الغرب فلم يُفق‪ ،‬ث إنه أفاق فرجع عبدال إل أهله‪.‬‬
‫عن سعيد بن جبي قال‪ :‬إن الشية أن تشى ال حت تول خشيته بينك وبي‬
‫معصيتك فتلك الشية والذكر طاعة ال‪ ،‬فمن أطاع ال فقد ذكره ومن ل يطعه‬
‫فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلوة القرآن‪.‬‬
‫كتب أبو الدرداء إل سلمان ب رضي ال عنهما ب‪ :‬يا أخي‪ ،‬اغتنم صحتك‬
‫وفراغك قبل أن ينل بك من البلء ما ل يستطي ُع العبادُ ردّه واغتنم دعوة البتلىَ‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يا أخي‪ ،‬ليكن السج ُد بيتك‪ ،‬فإن سعتُ رسول ال يقول‪« :‬الساج ُد بي ُ‬
‫ت‬
‫كل ت قي‪ ،‬و قد ض من ال عز و جل ل ن كا نت ال ساجد بيوت م بالروح والرح ة‪،‬‬
‫والواز على الصراط إل رضوان ال عز وجل» حديث حسن‪ ،‬أخرجه الطبان ف‬
‫«الكبي» و«الوسط»‪ ،‬والبزار‪ ،‬وقال‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫وروي عن عيسى ب عليه السلم ب‪ :‬ل تالسوا الوتى فتموت قُلُوبكم‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫ومن الوتى؟ قال‪ :‬الحبون للدنيا‪.‬‬
‫قال ب عض العلماء‪ :‬من عج يب ما نقد تُ من أحوال الناس‪ :‬كثرة ما ناحُوا‬
‫على خراب الديار‪ ،‬وموت القارب والسببلف‪ ،‬والتحسببر على الرزاق بذم‬
‫الزمان وأهله‪ ،‬وذ كر ن كد الع يش ف يه‪ ،‬و قد رأوا من اندام ال سلم وموت ال سُنن‬
‫وظهور البدع وارتكاب العاصي وتقضي العُمر ف الفارغ الذي ل يُجدي والقبيح‬
‫الذي يُوبقُ ويؤذي‪.‬‬
‫ط عُمُر هِ ول آ سَي على‬
‫فل أ جد من هم من ناح على دي نه ول ب كى على فا ِر ِ‬
‫فَاِئتِ َدهْره‪.‬‬
‫وما أرى لذلك سببًا إل قلة مبالتم ف الديان وعظم الدُنيا ف عيونم‪ ،‬ضد‬
‫ما كان عليه السلف الصال يرضون بالبلغ وينوحُون على الدين‪ .‬اهب‪.‬‬
‫كتب عباد الواص إل إخوانه يعظهم‪ ،‬فقال‪ :‬إنكم ف زمان قد رق فيه الورع‬
‫وقلّ ف يه الشوع وح ل العلم مُف سدُوه فأحبّوا أ ْن يُعرفوا بمله وكرهوا أن يعرفوا‬
‫بإضاعة العمل به فنطقوا فيه بالوى ليزينوا ما دخلوا فيه من الطر فذنوبم ذنوب‬
‫عظيمبة وتقصبيهم تقصبي ل يعترف ببه أحبُوا الدنيبا وكرهوا منلة أهلهبا‬
‫فشاركوهم ف العيش وزايلوهم بالقول (أي فارقوهم ف القول)‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫الطر يق إل ال م سدودًا على خلق ال عز و جل إل على القتف ي آثار ال نب‬
‫والتابعي لسنته‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬لَ َقدْ كَانَ لَ ُكمْ فِي َرسُولِ ال ّلهِ أُسْ َوةٌ حَسََنةٌ ‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫مبن علمات توفيبق العببد أنبه إذا زاد جَاهبه زاد تواضعبه‪ ،‬وإذا زاد ماله زاد‬
‫سخاؤه‪ ،‬وإذا زاد عمره زاد اجتهاده‪.‬‬
‫خ س خ صال يعرف ب ا الا هل‪ :‬الغ ضب ف غ ي ش يء‪ ،‬والث قة ب كل أ حد‪،‬‬
‫والكلم ف غي نفع‪ ،‬والعظة ف غي موضعها‪ ،‬ول يعرف ع ُد ّوهُ من صديقه‪.‬‬
‫من توفيق ال للنسان أن يكون بي قوم صالي‪ ،‬إن أمر بعروف آزروه‪ ،‬وإن‬
‫نى عن منكر أعانُوه‪ ،‬وإن احتاج إل شيء من الدنيا ساعدوه‪ ،‬وإن مات دعوا له‬
‫وشيعوه‪.‬‬
‫الناس أربعة أق سام من هم من مُخالط ته كالغذاء ل ي ستغن ع نه ف اليوم والليلة‬
‫وهبم العلماء بال وأمره ومكائد عدوه وأمراض القلوب وأدويتهبا الناصبحون ل‬
‫ولكتا به ولرسوله وللقه‪ ،‬فهؤلء مالطتهم ربح كل ها‪ ،‬قلت‪ :‬وهؤلء يندر وجود‬
‫أحد منهم‪ ،‬فهم مثل الكبيت الحر‪ ،‬إن ظفرت بأحد منهم ولو رقم ‪ 2‬فالزمه‬
‫ليلً ونارًا ون على عتبة بابه‪.‬‬
‫الثا ن‪ :‬من مُخالط ته كالدواء يتاج إل يه ع ند الرض ف ما دُ مت صحيحًا فل‬
‫حاجة لك ف خلطته‪ ،‬وهم من ل يستغن عن مالطتهم ف مصلحة العاش وقيام ما‬
‫أنت متاج إليه‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬من مالطته كالداء على اختلف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه‪ ،‬وهم‬
‫من ف خلطته ضرر دين أو دنيوي‪.‬‬
‫ومت ابتليت بواحد من هؤلء فعاشره بالعروف حت يعل ال لك فرجًا ومت‬
‫تكنت من نقله إل الي فهي فرصة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬من مالطته اللك والدمار وهو بنلة السم وهم أهل البدع والضللة‪،‬‬
‫قلت‪ :‬كالهم ية والعتزلة والشاعرة والراف ضة ونو هم‪ ،‬و من أ ضر ما يكون ف‬
‫عصرنا الال الشاعرة والرافضة‪.‬‬
‫وقال ب رح ه ال ب‪ :‬حذار حذار من أمر ين ل ما سوء العوا قب رَ ّد ال ق‬
‫لخالفة هواك فإنك تعاقبُ القلب‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وردّ ما يردُ عل يك من ال ق رأ سًا ثانيًا التهاون بال مر إذا ح ضر وق ته فإ نك‬
‫تعاقب بالتثبيط والقعاد والكسل‪.‬‬
‫القلب ف سيه إل ال بنلة الطائر‪ ،‬فالحبة رأسه والوف والرجاء جناحاه‪.‬‬
‫فمتب سبلم الرأس والناحان فالطائر جيبد الطيان‪ ،‬ومتب قطبع الرأس مات‬
‫الطائر ومع عدم الناحان فهو عرضة لكُلّ صائد وكاسر‪.‬‬
‫الياء خلق ناشئ عن حياة القلب ورؤية التقصي ف حقوق ال‪.‬‬
‫ويث مر الياء اجتناب الحرمات والقيام بالواجبات؛ ولذا قال ال نب ‪« :‬الياء‬
‫ل يأت إل بي»‪.‬‬
‫كان بعضهم يقول ف دعائه‪ :‬اللهم اغفر ل ريائي وسُعت‪.‬‬
‫قال عون بن عبدال‪ :‬صحبت الغنياء فلم يكن أحد أطول غمًا من أن رأيت‬
‫أحدًا أحسن ثيابًا من وأطيب ريًا من‪ ،‬فصحبت الفقراء فاسترحت‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ما أحسبُ أحدًا تفرغ لعيب الناس إل من غفل ٍة غفلها عن نفسه‪.‬‬
‫وقال‪ :‬جالسوا التوابي‪ ،‬فإنم أرق الناس قلوبًا‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إن من كان قبل نا كانوا يعلون للدن يا ما ف ضل عن آخرت م‪ ،‬وإن كم‬
‫تعلون لخرتكم ما فضل عن دنياكم‪.‬‬
‫وقال عمرو بن مرة‪ :‬من طلب الخرة أ ضر بالدن يا‪ ،‬و من طلب الدن يا أ ضر‬
‫بالخرة‪ ،‬فاضروا بالفان للباقي‪ ،‬وما كتب لك من الرزق سوف يأتيك‪.‬‬
‫للناسببِ ِحرْص على الدُنيببا وتَ ْدِبيْرُ وفببببب مُرَادِ ا َلوَى َعقْ ٌل وتَشْ ِميْرُ‬
‫مأسبوْرُ‬
‫الطاعاتب ُ‬
‫ِ‬
‫وإن أتَوا طاعةً ل َربّهمبببببببُ فالعقلُ منهبم عبن‬
‫ب وتكْدِيرٌ‬
‫بفَا ُء عيشاتِهببا هَمب ٌ‬
‫ب صب َ‬
‫لجبل هذا وذاك الرص َق ْد مُزِجَت ْ‬
‫ب َمتْ َلكِنّهُببم رُزِقُوهَببا با َلقَادِيبببر‬
‫ل يُرْزَقُوهَبا ب َعقْلٍ عنبد مَبا قُس َ‬
‫ب العَصببَافِي‬
‫ب بأقْواتب ِ‬
‫ببن قُوةٍ أو عَببن ُمغَاَلَبةٍ طَا َر البُزَاتب ُ‬
‫لو كان عب‬
‫ك تب بعض هم إل صديق له يشاروه ف ش يء من أ مر الدن يا‪ ،‬فكان الواب‪:‬‬
‫اطلب الدنيا على قدر مكثك فيها‪ ،‬واطلب الخرة على قدر حاجتك إليها‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ق يل للح نف بن ق يس‪ :‬أل تأ ت المراء؟ قال‪ :‬فاخرج جرة مك سورة فكب ها‪،‬‬
‫فإذا في ها ك سر (أي ك سر خ بز وت ر)‪ ،‬فقال‪ :‬من كان يُجز يه م ثل هذا ما ي صنع‬
‫بإتيانم‪.‬‬
‫ت مثل النة نام طالبُها‪ ،‬وما رأي تُ‬
‫وقيل‪ :‬كان عا مر بن قيس يقول‪ :‬ما رأي ُ‬
‫مثل النار نام هاربُا‪.‬‬
‫وكان إذا جاء النهار‪ ،‬قال‪ :‬اذ هب ح ّر النار النّوم ف ما ينا مُ ح ت يُم سي‪ ،‬وإذا‬
‫جاء الليل قال‪ :‬من خاف أدل‪ ،‬وعند الصباح يمد القوم السرى‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬أحبب تُ ال عز وجل ُحبًا سهل عليّ كل مُصيبة‪ ،‬ورضان كل‬
‫قضية‪ ،‬فما أبال مع حب إياهُ ما أصبحتُ عليه وما أمسيت‪.‬‬
‫لقي معاويةُ بن قُرة أحد إخوانه وقد جاء من الكلء‪ ،‬فقال له معاوية بن قرة‪:‬‬
‫ما صنعت؟ قال‪ :‬اشتريت لهلي كذا وكذا‪ ،‬قال‪ :‬وأصبت من حلل‪.‬‬
‫قُل تُ‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬لن أغدو في ما غدو تَ به أحبّ إلّ من أقوم الليل وأصوم‬
‫النهار‪.‬‬
‫قيل لسان بن أب سنان‪ :‬كيف تدك؟ قال‪ :‬بي إن نوت من النار‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫ما تشت هي؟ قال‪ :‬ليل ًة بعيدةً ما ب ي الطرف ي أح يي ما ب ي طرفي ها يع ن بالته جد‬
‫وكان كثيًا ما يتمثلُ هذا البيت‪:‬‬
‫با َم ْوتَهببُ الوجَعببُ‬
‫ب يومًب‬
‫حةُ الرءِ فب ال ُدنْيَبا تُؤ ِخرُهبُ ول ُيقَدِمبُ‬
‫بّ‬
‫لص َ‬
‫جهّ ُز‬
‫وكان من تار أهل البصرة وله شريك بالبصرة وحسان مقيم بالهواز يُ َ‬
‫على شري كه بالب صرة ث يتمعان على رأس ال سنة يتحا سبان‪ ،‬ث يقت سمان الر بح‪،‬‬
‫فكان يأخذ قوته من ربه‪ ،‬ويتصدّق با بقي‪.‬‬
‫وكان صاحبه يب ن الدور‪ ،‬ويتخذُ الرض ي‪ ،‬قال‪ :‬فقدم ح سان الب صرة ففرق‬
‫ما أراد أن يفرق‪.‬‬
‫فذ كر له أه ُل بيت ل ت كن حاجت هم ظهرت‪ ،‬فقال‪ :‬أما تُبنا فا ستقرض ل م‬
‫ثلثائة درهم فبعث با إليهم‪.‬‬
‫‪114‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال امرأته‪ :‬كان ي يء فيدخل معي ف فراشي ث يادعن ك ما تادع الرأة‬
‫صبيها‪.‬‬
‫فإذا علم أن قد نتُ س ّل نفسهُ فخرج‪ ،‬ث يقومُ فيصلي‪.‬‬
‫ك فيو شك أن أرق رقدةً ل‬
‫ب نف سك‪ ،‬فقال‪ :‬ا سكت وي ِ‬
‫فقالت له‪ :‬كم تُعذّ ُ‬
‫أقوم منها زمانًا‪.‬‬
‫و مر بغر فة‪ ،‬فقال‪ :‬م ت ُبنِ تْ هذه؟ ث أق بل على نف سه‪ ،‬فقال‪ :‬ت سألي عمّال‬
‫يعنيك لعاقبنّك بصوم سنة فصامها‪.‬‬
‫وكان يف تح باب حانو ته في ضع الدواة‪ ،‬وين شر ال ساب‪ ،‬ويُر خي سترهُ‪ ،‬ث‬
‫س بالنسان قد جاء يُقبل على الساب‪ ،‬يريه أنه كان ف الساب‪،‬‬
‫يُصلي فإذا أح ّ‬
‫خوفًا من الرياء وكان يقول‪ :‬لول الساكي ما اتّجَرْتُ‪.‬‬
‫وقال شيبط ببن عجلن‪ :‬بادروا بالصبحة السبقم‪ ،‬وبالفراغ الشغبل‪ ،‬وبادروا‬
‫بالياة الوت‪ ،‬ويقول‪ :‬بئس الع بد خلق للعاق بة‪ ،‬ف صدته العاجلة عن العاق بة فزالت‬
‫عنه العاجلة‪ ،‬وشقي ف العاقبة‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬أعطيت ما يكفيك وأنت تطل بُ ما يُطغيك ل بقليل تقنع ول بكثي‬
‫تشبع‪.‬‬
‫كيف يعمل للخرة من ل تنقضي من الدنيا شهوته‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬العجب كل العجب لُصدقٍ بدار الق‪ ،‬وهو يسعى لدار الغرور‪.‬‬
‫ببب ُمعَمّرٌ وأنّبب الذي أخشاه عنبب مُؤخببر‬
‫تُخَببببّن المَا ُل أنّيب‬
‫ب ل ُيغَيّرُ‬
‫ضّيةٌ عَليّبب بُكْببم قاطِع ب ٍ‬
‫ب ومَرّ ال َربْعيَببب ق ِ‬
‫فكيفبب َ‬
‫ببَابِ ا َلنَايَببا و َم ْعبَرُ‬
‫بيْرٌ لسب ْ‬
‫ب فإنّهببب أسب َ‬
‫إذا الَرْءُ جَا َز الَربعيْنبب َ‬
‫آخر‪:‬‬
‫با َلغَاَي ُة مَطْلُوب بٍ لَمَن بْ هُبو طالب بُ‬
‫با وإنّهَب‬
‫بن الدُنيببا ثلثًب‬
‫أريْدُ مِب‬
‫ب َعفِْي َفةٌ وإكثارُ أعما ٍل عليهبببا أوَاظِببببُ‬
‫ِتلَ َوةُ قرآنبببٍ ونفْسبب ٌ‬
‫‪115‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ك و قد حُقّ له ف كتاب ال تز‬
‫ب ويضح ُ‬
‫رُبّ م سرو ٍر مغبون يأكلُ ويشر ُ‬
‫وجل أنه من وقود النار‪.‬‬
‫من الغرور ذك ُر السنات ونسيانُ السيئات‪.‬‬
‫وقال بلل بن سعد‪ :‬يا أول اللباب ليتفكّر مُتفكّر فيما يبقى له وينفعهُ‪.‬‬
‫أما ما وكلكم ال ع ّز وج ّل به فتُضّيعُونَه‪.‬‬
‫وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه ما هكذا نعت ال عبادة الؤمني‪.‬‬
‫أذووا عقول ف طلب الدنيا وبله عما خُلقتم له فكما ترجون ال با تؤدون من‬
‫طاعته فكذلك أشفقوا من عذاب ال با تنتهكون من معاصيه‪.‬‬
‫وقال‪ :‬عباد ال إعلموا أنكم تعملو نَ ف أيام قصار ليّا ٍم طوال‪ ،‬وف دار زوال‬
‫لدار مقام‪ ،‬وف دار نصبٍ وحُزنِ لدارِ نعيم و ُخلْدٍ‪.‬‬
‫ومن ل يعمل على اليقي فل َيَتعَنّ‪.‬‬
‫عباد ال‪ ،‬هل جاءكم مُخب ي بكم أن شيئًا من أعمالك تقبل منكم أو شيئًا‬
‫من أعمالكم ُغفَر لكم!!‬
‫قال أبو عمرو الوزاعي‪ :‬ليس ساعةٌ من ساعات الدنيا إل وهي معروضة على‬
‫العبد يوم القيامة يومًا فيومًا وساعةً فساعةً‪.‬‬
‫ول تر به ساعة ل يذكر ال فيها إل وتقطعت نفسهُ عليها حسرات‪ ،‬فكيف‬
‫إذا مرّت به ساعة مع ساعة ويومٌ إل يومٍ!!‬
‫ا بن آدم اعْمَ ْل عَ َملَ ر جل ل ينج يه إل ال ث عملُ هْ‪ ،‬وتو كل تو كل ر جل ل‬
‫يصيبه إل ما كتبه ال له‪.‬‬
‫فصل‬
‫سسُ‬
‫روي أن امرأة جاءت إل المام أحد بن حنبل تسأل وتقول‪ :‬ير بنا العَ َ‬
‫الليل حاملي مشاعل السلطان ويقفون أمام بيتنا‪ ،‬فهل يل ل أن أغزل على ضوء‬
‫مشاعِلِهم؟‬
‫فقال‪ :‬من أنت؟ قالت‪ :‬أخت بشر الاف‪ ،‬فقال‪ :‬ل يَحلُ لك‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وروي عن المام النووي أ نه كان يل بس من غزل زوج ته ون سجها‪ ،‬فل بس‬
‫ت مُدة اض طر مع ها أن يلع‬
‫قمي صًا جديدًا ذات يوم فش عر بكةٍ شديد ٍة وا ستمر ْ‬
‫القم يص‪ ،‬ث سأل زوج ته‪ :‬ك يف ن سجت القم يص؟ فذكرت أن ا ن سجتْ بع ضه‬
‫على ضوء الشارع‪ ،‬فتصدق به‪.‬‬
‫كتب غلم لسان بن أب سنان إليه من الهواز‪ :‬إن قصب السكر أصابته آفةُ‪،‬‬
‫فاش تر ال سكر في ما قبلك‪ ،‬قال‪ :‬فاشترى من ر جل‪ ،‬فلم يأت عل يه إل القل يل‪ ،‬فإذا‬
‫فيما اشترى ربح ثلثي ألفًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأتبى صباحب السبكر‪ ،‬فقال‪ :‬يبا هذا‪ ،‬إن غلمبي كان كتبب إل ول‬
‫أعلمك فأقلن فيما اشتريتُ منك‪ ،‬قال‪ :‬قد أعلمتن الن وطيبته لك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرجع حسان فلم يتمل قلبه‪ ،‬فأتى البائع‪ ،‬وقال‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن ل آت المر‬
‫من وجهه‪ ،‬أي لنه ل يبه أن السكر زائد‪.‬‬
‫قال حسان للبائع‪ :‬فأحب أن تسترد هذا البيع‪ ،‬فما زال به حت رده عليه‪.‬‬
‫دخل ابن مييز حانوتًا بدانق وهو يريد أن يشتري ثوبًا‪ ،‬فقال رجل لصاحب‬
‫الانوت‪ :‬هذا ابن مي يز‪ ،‬فأح سن بيعه (أي سامه)‪ ،‬فغ ضب ا بن مي يز وخرج‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إنا نشتري بأموالنا لسنا نشتري بديننا‪.‬‬
‫ح ل إل م مد بن إ ساعيل البخاري بضا عة أنفذ ها إل يه الرا سل له‪ ،‬فاجت مع‬
‫التجار إل يه بالعش ية فطلبو ها م نه بر بح خ سة آلف در هم‪ ،‬فقال ل م‪ :‬ان صرفوا‬
‫الليلة‪ ،‬فجاءه من ال غد تار فطلبوا م نه تلك البضا عة بر بح عشرة آلف‪ ،‬فرد هم‪،‬‬
‫وقال‪ :‬إ ن نو يت البار حة أن أد فع إلي هم ب ا طلبوا –يع ن الذ ين طلبوا أول مرة‪،-‬‬
‫ففعل‪ ،‬وقال‪ :‬ل أحب أن انقض نيّت‪ ،‬فقنع بربح خسة آلف درهم مُحافظة على‬
‫النية وترك ربح عشرة آلف الدرهم تورعًا منه ب رحه ال ب‪.‬‬
‫قال حذي فة الرع شي‪ :‬إن ا هي أرب عة‪ :‬عيناك ول سانك وهواك وقل بك‪ ،‬فان ظر‬
‫عينيك ل تنظر با إل ما ل يل لك وانظر لسانك ل تقل به شيئًا يعلم ال خلفه‬

‫‪117‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫من قل بك‪ ،‬وان ظر قل بك ل ي كن ف غ ٌل على أ حد من ال سلمي‪ ،‬وان ظر هواك ل‬
‫توى شيئًا –أي مالفًا لا جاء به النب ‪.‬‬
‫وقال آ خر‪ :‬كان عشرة م ن م ضى من أ هل العلم ل يدخلون بطون م إل ما‬
‫يعرفون من اللل‪.‬‬
‫وقال آ خر‪ :‬ليُ كن عملك ل خال صًا‪ ،‬وأن ت ب للناس ما ت ب لنف سك‪ ،‬وأن‬
‫تتحرى ف مأكلك فل يدخل بطنك إل حلل‪.‬‬
‫قال حذيفة الرعشي‪ :‬إياكم وهدايا الفُجار والسفهاء‪ ،‬فإنكم إن قبلتموها ظنوا‬
‫أنكم قد رضيتُم فعلهُم‪.‬‬
‫أنعم الناس عيشًا من تلى بالعفاف ورضي بالكفاف وتاوز ما يُخاف إل ما‬
‫ل يُخاف‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬طوب للفقي ف الدنيا والخرة‪ ،‬ل يطلب السلطان منه خراجًا ف‬
‫الدنيا ول زكاة عليه‪ ،‬وف الخرة خفيف الساب‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬كوخ تتبسط فيه خي من قصر تبكي فيه‪.‬‬
‫ومن تام نعمة ال عليك أن منعك ما يطغيك ويملُك على الكب والبوت‪.‬‬
‫ب والكبُ حُمُق يُغطي به صاحبُه عيوب نفسه‪.‬‬
‫العج ُ‬
‫مثل الذي ل يدُ ما يُفاخر به سوى الباء والجداد مثل البطاطا أهم ما فيه‬
‫مدفون تت الرض‪.‬‬
‫رؤي رجبل يطوف بالكعببة وحوله شرطبة ينعون الناس حوله مبن الطواف‬
‫لجله‪ ،‬ثب رؤي بعبد مدة على جسبر بغداد يسبأل الناس‪ ،‬فعجبب منبه الذي رآه‬
‫وسأله‪ ،‬فقال‪ :‬تكبت ف موضع يتواضع الناس فيه‪ ،‬فأذلن ف موضع يترفع الناس‬
‫فيه‪.‬‬
‫مر السن بصبيان يأكلون كسر البز فاستضافوه فنل وأكل معهم‪ ،‬ث حلهم‬
‫إل منله فأطعمه ُم وكساهُم‪.‬‬
‫وقال الفضل لم‪ :‬لنم ل يدوا غي ما أطعمونا وننُ ند أكثر ما أعطيناهم‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان أم ي الؤمن ي ع مر بن الطاب يطوف على العجائز يق ضي حوائج هن‪،‬‬
‫وقبله الصبديق كان يتفقبد ضُعفاء السبلمي‪ ،‬وقبد ذكرنبا عنهمبا فب الوارد مبن‬
‫القصص ما فيه كفاية‪.‬‬
‫خبّرُنببببا أنّبببب الثّواءَ قليلُ‬
‫ب رَسبُولُ يُ َ‬
‫ب النواصبِي لل َمنُون ِ‬
‫شيْب ُ‬
‫مَ ِ‬
‫ب صبَامتًا ُمثِ ُي الَعَانببب للُنفُوسبببِ عَذُولُ‬
‫ب كان َ‬
‫بيْحٌ إذا نَادَا وإن ْ‬
‫فَص ِ‬
‫فواعَجَبًببا مِببن مُوقببن بفنَائهببِ وآمَالُهببُ َتنْمُببو وليسببَ يَحُول‬
‫جةً وقَدْ آنبببَ منّبببي لِ ْل ُقبُورِ رَ ِحيْلُ‬
‫جاوزتب سبَبعيَ حِ ّ‬
‫َ‬
‫أمبن بَع ْد مبا‬
‫ُأ َؤمِلُ آمَا ًل وأرغَبببُ فبب الغِنَببى بدَا ٍر غِنَاهَبببا َينْقَضِبببي ويَزُولُ‬
‫لهُولُ‬
‫به وُيؤِثرُهَببا ُحبّاببب لاببب َ‬
‫وإنببْ امرءً ُدْنيَاهببُ أكبببُ هّمِب‬
‫ب ِمقْولٌ عنبببد الِطَاب طَويلُ‬
‫ب عَالٍب واله ُل أوْلَى بِعلِمِهببِ لَهبب ُ‬
‫فكَمب ْ‬
‫خبَرٌ لِلصبببّالاتِ وصبببُول‬
‫ب كثيةٍ لَه مَ ْ‬
‫وكبم مبن قَصبيٍ فب عُلوم ٍ‬
‫شَي ُة ال والتّقَبى فكُ ّل تقيّ ب فبب العُيونببِ جَليببل‬
‫فَمَبا العلمببُ إل خَ ْ‬
‫ببيلُ‬
‫ببحتُ ل يَخْفَبى عليّب سب‬
‫ببُ َل الُدى فأصب‬
‫فيبا ربّب قبد علّمتنب س ُ‬
‫بوَا ْه ُينِيْلُ‬
‫فيا ربّ ه بْ ل من كَ ع ْزمًا على التّ قى فأنتبببَ الذي مَال سبب ِ‬
‫قال الغية ببن حببيب‪ :‬قال عبدال ببن غالب الدانب‪ :‬لاب برزوا للعدو علم‬
‫آسى من الدنيا‪ ،‬فوال ما فيها للبيب جذلٌ‪.‬‬
‫وال لول مبت لُباشرت السهر بصفحة وجهي‪ ،‬وافترش البهة لك يا سيدي‪،‬‬
‫والُراو حة ب ي العضاء ف ظُلم الل يل رجاءَ ثوابِ كَ وحُلول رضوا نك‪ ،‬ل قد ك نت‬
‫متمنيًا لفراق الدنيا وأهلها‪.‬‬
‫ث كسر جفن سفيه‪ ،‬ث تقدم فقاتل حت قتل‪ ،‬قال‪ :‬فحُمِل من العركة وإنّ به‬
‫لرمقات‪ ،‬فمات دون العسكر‪.‬‬
‫فلما دفن أصابوا من قبه رائحة السك‪ ،‬قال‪ :‬فرآه رجل من إخوانه ف منامه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا أبا فراسٍ ما صنعت؟ قال‪ :‬خي الصنيع‪.‬‬
‫‪119‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬إل مبا صبرت؟ قال‪ :‬إل النبة‪ ،‬قال‪ :‬بِمبَ؟ قال‪ :‬بسبن اليقيب وطول‬
‫التهجّد وظمأ الواجر‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما هذه الرائحة الطيبة الت توجد من قبك؟‬
‫قال‪ :‬تلك رائ حة التلوة والظ مأ‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬أو صن‪ ،‬قال‪ :‬اك سب لنف سك‬
‫خيًا ل َتخْرجْ عنك الليال واليام عُ ُطلً‪.‬‬
‫ببَهَْللَا ول ُت ْغبَنَنببْ بَالّنعْمَتيْنببِ بببل ا ْجهِدِ‬
‫ول يَ ْذ َهبَنّب العُمْرُ منببك سبَ‬
‫ب عَضّب على اليَدِ‬
‫َاتب نالَ الُن َى وم َن أكَبّب على اللّذَات ِ‬
‫َنب هَج َر اللّذ ِ‬
‫فَم ْ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫ب ومواعظٌ‬
‫عٌ‬
‫قيبل‪ :‬إنبه مرض بعبض العلماء وكبف بصبره واعتراه أل ل يهدأ بالُسبكنات‪،‬‬
‫فد خل عل يه أ حد تلمذ ته فوجده يب كي‪ ،‬فبدأ يوا سيه ويثُ هُ على ال صب على ما‬
‫أصابه‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬أ نا ل أب كي ضجرًا من أل ي ولكن ن أب كي فرحًا و سرورًا؛ لن ال‬
‫وجدن أهلً لن يبتلين‪ ،‬وقد قال رسول ال حي سأله سعد بن أب وقاص‪ :‬أي‬
‫الناس أش ّد بلءً؟ فقال‪« :‬النبياء ث المثل فالمثل»‪.‬‬
‫فيبتلى الرجل على حسب دينه‪ ،‬فإن كان رقيق الدين ابتُلي على حسب ذاك‪،‬‬
‫وإن كان صلب الدين ابتلى على حسب ذاك فما تزال البليا بالرجل حت يشي‬
‫على الرض وما عليه خطيئة‪.‬‬
‫وكف بصرُ سعدُ ب نُ أب وقاص ‪ ،‬وكان ماب الدعوة تأت الناس ليدعُو لُم‬
‫فيستفيدُوا‪.‬‬
‫فقال لم أحدهم‪ :‬يا عم‪ ،‬إنك تدعو للناس فلو دعوت لنفسك لَيُدّ ال عليك‬
‫بصرك‪ ،‬فقال ‪ :‬يا بُنّ‪ ،‬قضاءُ ال عندي أحسنُ من بصري‪ ،‬فالرضا درجته أعلى‬
‫من درجة الصب‪ ،‬وقلّما يبلغها إل من آتاه ال إيانًا كاملً وصبًا عظيمًا‪.‬‬
‫‪120‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فترى الراضي مسرورًا با هو فيه سواء كان ما أصابه علة أو مرض أو فقر أو‬
‫نو ذلك؛ لنا حدثت بشيئة ال‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إنه لا أصيب جيش السلم بعد وقعة اليمُوك بالطاعون‪ ،‬كان الصاب‬
‫به يُقبّلُ ُدمّ َل الطاعون ف يده وي مد ال؛ ل نه إذا مات بالطاعون يكت سب در جة‬
‫الشهادة‪ ،‬ف قد قال ‪« :‬الطاعون شهادة ل كل م سلم»‪ ،‬و من أدعي ته ‪« :‬أ سْألكَ‬
‫الرِضا بالقضاءِ»‪.‬‬
‫وقال زين العابدين‪ :‬الرضا بالقضاء أرفع درجات اليقي‪.‬‬
‫طلب اللي فة من أ ب حازم أن ير فع إل يه حوائ جه‪ ،‬ف كت إل يه هيهات رف عت‬
‫حوائجبي إل مبن ل يتزنِب الوائج‪ ،‬فمبا أعطانب منهبا قنعبت ومبا أمسبك عنب‬
‫رضيت‪ ،‬وقال شيط بن عجلن‪ :‬يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حت إذا‬
‫علمه أخذ الدنيا فضَ ّمهَا إل صدره وحلها على رأسه‪.‬‬
‫فنظر إليه ثلثة ضعفاء‪ :‬امرأة ضعيفة‪ ،‬وأعراب جاهل‪ ،‬وأعجمي‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذا‬
‫أعلم بال منا لو ل ير ف الدنيا ذخية ما فعل هذا فرغبوا ف الدنيا وجعوها‪ ،‬فصار‬
‫هو السبب ف جعهم لا‪.‬‬
‫وقال‪ :‬رأس الؤمبن دينُه حيثمبا زال معبه ل يلفُه الرجال‪ ،‬ول يأمبن عليبه‬
‫الرجال‪ ،‬وقال‪ :‬إن ال عز وجل وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس الطيعي به‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬الناس رجلن‪ ،‬فمُتمرّدُن مبن الدنيبا‪ ،‬ومتنعبم فيهبا‪ ،‬فانظبر أيّ‬
‫الرجليب أنبت‪ ،‬إن تطيبع ال عبز وجبل وتُسبن عبادتبه‪ ،‬وتتقرب إليبه بالعمال‬
‫الصالة فطوب لك‪.‬‬
‫أم ت ب طول البقاء لتأ كل وتشرب‪ ،‬وت مع الدن يا وتثمر ها وتن عم زوج تك‬
‫وولدك فلبئس ما أردْت له البقاء‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إذا و صف الؤمن ي أتا هم عن ال تبارك وتعال أ مر صرفهم عن‬
‫الباطبل فأسبهروا العيب وأجاعوا البطون‪ ،‬وأظمئوا الكباد‪ ،‬وأنفقوا الموال‪،‬‬

‫‪121‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫واهتضموا التالد والطارف ف طلب ما يقربم إل ال عز وجل‪ ،‬وف طلب النجاة‬
‫ما خَوفهم به‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إنّ الؤمن اتّ خذ كتاب ال عز و جل مرآة (أي قدوة يقتدي به)‬
‫فمرّة ينظر إل ما نعت ال به الُغت ّريْنَ‪.‬‬
‫ومرة ينظر إل النة وما أعد ال عز وجل فيها‪.‬‬
‫تلقاه حزينًا كالسهم الرمي به شوقًا إل ما شوقهُ ال عزّ وجل منه‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إن الؤمن أبصر الدنيا فأنزلا منلتها فإن هي أقبلت عليه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ل مرحبًا ول أهلً‪ ،‬وال ما أراك جئت ب ي و ما ف يك من خ ي إل أن تطلب بك‬
‫النة‪ ،‬ويُفتدى بك من النار‪.‬‬
‫فإن هي أدبرت‪ ،‬قال‪ :‬عليك العفاء‪ ،‬وعلى من يتّبعُ كِ المد ل الذي خار ل‬
‫وصرف عن فتنتك وشغلك‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬أ هل الدن يا حيارى سكارى فار ُسهُم يرك ضُ وراجل هم ي سعى‬
‫سعيًا ل غنيهم يشبع ول فقيهم يقنع‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إذا وصف القبل على الدنيا‪ ،‬دائ بُ البطنة‪ ،‬قليل الفطنة‪ ،‬إنا هه‬
‫بطنه وفرجُ ُه وجلدُه‪.‬‬
‫م ت أصبح فأ كل وأشرب وأل و وألعب‪ ،‬م ت أم سي فأنام‪ ،‬جي فة بالل يل بطّال‬
‫بالنهار‪.‬‬
‫ويك ألذا خُلقت‪ ،‬أم بذا أُمرت أم بذا تطلب النة وتربَ من النار‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إن العافية سترت ال ّب والفاجر‪ ،‬فإذا جاءت البليا استبان عندها‬
‫الرجُلن‪ .‬فجاءت البل يا إل الؤ من فأذهب تْ ماله وخاد مه وداب ته‪ ،‬ح ت جاع ب عد‬
‫الشبع ومشى بعد الركوب وخدم نفسه بعد أن كان مدومًا‪.‬‬
‫ف صب ور ضي بقضاء ال عز و جل‪ ،‬وقال‪ :‬هذا ن ظر من ال عز و جل ل هذا‬
‫أهون لساب غدًا‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وجاءت البليا إل الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته‪ ،‬فجزع وهل عَ‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫مال وال بذا طاقة‪.‬‬
‫صْبرٌ من الُ ْل ِو والَامِض والار والبارد‬
‫ت نفسي عاد ًة مال عنها َ‬
‫وال لقد عود ُ‬
‫وِليْن العيش‪.‬‬
‫فإن هو أصابه من اللل‪ ،‬وإل طلبه من الرام والظلم ليُعود إليه ذلك العيش‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬الناس ثلثة‪ :‬فرج ٌل ابتكر الي ف حداثة سنه ث داوم عليه حت‬
‫خرج من الدنيا‪ ،‬فهذا القرّبُ‪.‬‬
‫ورجل ابتكر عمُ َر ُه بالذنوب وطول الغفلة ث راجع توبة‪ ،‬فهذا صاحب يي‪.‬‬
‫ور جل ابت كر الشرّ ف حدا ثة سنّه ث ل يزل ف يه ح ت خرج من الدن يا‪ ،‬فهذا‬
‫صاحب شال‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬أيها الغتر بطول صحته‪ ،‬أما رأيت ميتًا قط من غي سقم! أيها‬
‫الغتر بطول الهلة‪ ،‬أما رأيت مأخوذًا قط من غي عدة! أبالصحة تغترون! أم بطول‬
‫العافية ترحون‪ ،‬أم الوت تأمنون! أم على اللك تترؤن!‬
‫إن ملك الوت إذا جاء ل ينعبه منبك ثروةُ مالك‪ ،‬ول كثرة احتشادك‪ ،‬أمبا‬
‫علمت أن ساعة الوت ذاتُ كربٍ شدي ٍد و ُغصَص وندامة على التفريط‪.‬‬
‫ثب يقول‪ :‬رحبم ال عبدًا عمبل لسباعة الوت‪ ،‬رحبم ال عبدًا عمبل لاب بعبد‬
‫الوت‪ ،‬رحم ال عبدًا نظر لنفسه قبل نزول الوت‪.‬‬
‫قال بعض هم‪ :‬للبكاء دوا عي‪ ،‬أحد ها‪ :‬الفكرة ف الذنوب‪ ،‬فإن أجا بت الن فس‬
‫إل ذلك وإل نقلها إل موقف العرض‪ ،‬وتلك الشدائد والهوال‪.‬‬
‫فإن أجابت على ذلك وإل فاعرض عليها التّقُلبَ ف أطباق النيان‪.‬‬
‫قال ي ي بن سعيد لر جل‪ :‬اقرأ‪ ،‬فقرأ ح هم الدخان‪ ،‬فل ما بلغ إِنّ يَوْ مَ‬

‫الفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْ َمعِيَ صعق يي وغشي عليه وسقط وأصاب البابُ فقار ظهره‬
‫وسال الدم وتقّرح مل الصدمة‪ ،‬ث عاد إل فراشه وجعل يُردّ ُد الية ث ما زالت به‬
‫القرحة حت مات ب رحه ال ب‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال أ حد أقرباء رباح بن عمرو القي سي‪ :‬كُن تُ أد خل عل يه ف ال سجد و هو‬
‫يبكي‪ ،‬وأد خل عليه البيت وهو يبكي‪ ،‬فقل تُ له‪ :‬أنت دهرك ف مأت‪ ،‬فب كى ث‬
‫قال‪ :‬ي ُق لهل الصائب والذنوب أن يكونوا هكذا‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬إل كم يا ليل يا نارُ تُطّان من أجلي وأنا غافل عما يُرادُ ب إنا‬
‫ل إنا ل‪.‬‬
‫غ شى على م سروق ف يوم صائف و هو صائم‪ ،‬فقالت ابن ته‪ :‬أف طر‪ ،‬قال‪ :‬ما‬
‫أردت ب‪ ،‬قالت‪ :‬الرفق‪ ،‬قال‪ :‬يا بُنية إنا أطلب الرفق لنفسي ف يوم كان مقداره‬
‫خسي ألف سنة‪.‬‬
‫قال السن البصري‪ :‬لّا أهبط آدم أوحى ال إليه أرب ٌع فيهن جاع المر لك‬
‫ولولدك من بعدك‪.‬‬
‫أما واحدة‪ :‬فلي‪.‬‬
‫وأما الثانية‪ :‬فلك‪.‬‬
‫وأما الثالثة‪ :‬فبين وبينك‪.‬‬
‫وأمّا الرابعة‪ :‬فبينك وبي الناس‪.‬‬
‫أمّا الت ل فتعبدن ول تشرك ب شيئًا‪.‬‬
‫وأمّا الت لك فعملك أجزيكهُ أفقر ما تكون إليه‪.‬‬
‫وأما الت بين وبينك فعليك الدعاء وعلي الجابة‪.‬‬
‫ي الناس فتُصا ِحُبهُم با تُحبّ أن يُصاحبُو َك به‪.‬‬
‫وأما الت بينك وب َ‬
‫أرب عٌ من ح صل علي ها واجتم عت عنده اجت مع له خ ي الدن يا والخرة‪ :‬امرأة‬
‫صالة عفي فة‪ ،‬و صدي ٌق موا فق على طا عة ال‪ ،‬ومال من حلل وا سع ينف قه ف‬
‫مراضي ال‪ ،‬وعمل صال‪.‬‬
‫أو صى ر سول ال رجلً‪ ،‬فقال‪« :‬هَ يء َجهَازَ كَ‪ ،‬وقدِم زادك‪ ،‬وكُن و صي‬
‫نفسك‪ ،‬فإنه ل َخلَفَ من التقوى‪ ،‬ول ِعوَض مِن ال عَزّ وجَلّ» اهب‪.‬‬
‫ضّيعْتَبه َعوَضبُ‬
‫ضّيعَتَبه عَوضببٌ ومبا مِبن ال إنبْ َ‬
‫مِبن ك ِل شيءٍ إذا َ‬
‫‪124‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ك ع ما سواه وعلي كَ‬
‫صيْه‪« :‬عَليْ كَ بذِكْ ِر الوت فإ نه يَشغل َ‬
‫وقال لر جل ُيوْ ِ‬
‫ستَجَابُ لَكَ‪ ،‬وأكثر من الشكر فإنه زيادة»‪.‬‬
‫بكثرة الدعاء‪ ،‬فإنك ل تدري مت يُ ْ‬
‫قال أعشى قيس‪:‬‬
‫حمّدٍ َنبّيبب الله ِحيْنببَ أوصببَى وأشْهَدَا‬
‫ببمعْ وصببَاةَ مُ َ‬
‫أجدك ل تسب‬
‫ب قَبد تَزَودّا‬
‫ب مَن ْ‬
‫ب بَع َد الوت ِ‬
‫إذا أنْت بَ ل ترحلْ بزَادٍ مِبن التُقَبى ولَقيْت َ‬
‫بدَا‬
‫ب الذي كان أرْص َ‬
‫بدَ ِللْ َموْت ِ‬
‫ب َفتُرْص ِ‬
‫ب كَ ِمثْله ِ‬
‫ب ل َتكُون َ‬
‫ب على أن ْ‬
‫نَ ِدمْت َ‬
‫مَرّ عَامِرُ ببن عبدِ قَيْس بر جل مبن أعوان السبلطان وهبو ي ر ذميًا و الذمبي‬
‫يستغيث‪ ،‬فأقبل على الذمي‪ ،‬فقال‪ :‬أ ّديْت جزيتك‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأقبل عليه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ما تريد منه؟ قال‪ :‬أذه بُ به يكن سُ دار المي‪ ،‬قال‪ :‬فأقبل على الذمي‪ ،‬فقال‪ :‬هلْ‬
‫ب نفسُكَ له بذا‪ ،‬قال‪ :‬يُشغلن عن صنعت‪.‬‬
‫تطيْ ُ‬
‫قال للر جل‪َ :‬دعْ هُ‪ ،‬قال‪ :‬ل أدَعُه‪ ،‬قال‪َ :‬دعْ هُ‪ ،‬قال‪ :‬ل أد عه‪ ،‬فوض عَ ك ساءهُ‪،‬‬
‫خفَر ذ ّمةُ ممد وأنا حي‪ ،‬ث خّلصَ ُه منه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ل تُ ْ‬
‫قالت الرأة ال ت نزل علي ها عا مر بن عبدال‪ :‬مال أرى الناس ينامُون ول أراك‬
‫تنام؟ قال‪ :‬ذكر جهنم ل يدعن أن أنام‪.‬‬
‫وقال عامر بن عبد قيس‪ :‬أربع آيات ف كتاب ال إذا ذك ْرتُهن ل أبال على ما‬
‫أصبحت أو أمسيت‪:‬‬
‫ل ُمرْ ِسلَ لَ هُ‬
‫سكْ فَ َ‬
‫ك َلهَا َومَا يُمْ ِ‬
‫س َ‬
‫ل مُمْ ِ‬
‫س مِن ّرحْ َم ٍة فَ َ‬
‫ح اللّ هُ لِلنّا ِ‬
‫‪ -1‬مَا َيفْتَ ِ‬
‫ِم ْن َبعْ ِدهِ ‪.‬‬
‫سكَ ال ّلهُ بِضُرّ َفلَ كَاشِفَ َلهُ إِلّ ُهوَ ‪.‬‬
‫‪َ -2‬وإِن يَمْسَ ْ‬
‫جعَلُ ال ّلهُ َبعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ‪.‬‬
‫‪ -3‬سََي ْ‬
‫‪َ -4‬ومَا مِن دَاّبةٍ فِي الَ ْرضِ إِلّ عَلَى ال ّلهِ رِ ْزقُهَا ‪.‬‬
‫وقال‪ :‬عل يك ب ا يُرغبُك ف الخرة‪ ،‬ويُزهدُ كَ ف الدن يا‪ ،‬ويُقرّبُك إل ال عز‬
‫وجل‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬الُوصّى‪ ،‬قُلتُ‪ :‬ما هو؟ فقال‪ :‬تَقْصرُ عن الدنيا هّك‪ ،‬وتشحذ إل الخرة‬
‫نيّتك‪ ،‬وتُص ّدقُ ذلك بفعلك‪.‬‬
‫فإن ُكنْ تَ كذلك ل يكن شيءٌ أح بّ إليك من الوت‪ ،‬ول شيء أبغض إليك‬
‫من الياة‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا أبا عبدال كُن تُ ل أحسبُك تُحس ُن مثل هذا‪ ،‬فقال‪ :‬كم من شيء‬
‫ُكنْتُ أحسنُه وددْتُ أن ل أحسنُه‪.‬‬
‫وما يغن عن ما أحسنُ من الي إذا ل أعمل به‪ ،‬وكان يشترط على رفقائه أن‬
‫يُنفق عليهم بقدر طاقته‪.‬‬
‫عن السن قال‪ :‬كان عامر بن قيس إذا صلى الصبح تنَحّى ف ناحية السجد‪،‬‬
‫فقال‪ :‬من أقرئه؟ قال‪ :‬فيأتيه قوم فيقرئهم‪ ،‬حت إذا طلعت الشمس وأمكنته الصلة‬
‫قام يُصلي إل أن ينتصف النهار‪ ،‬ث يرجعُ إل منله فيقيْلُ‪.‬‬
‫ث يرجعُ إل السجد إذا زالت الشمس فيصلي حت يصلي الظهر‪ ،‬ث يصلي إل‬
‫العصر‪ ،‬فإذا صلى العصر تنحّى ف ناحية السجد‪.‬‬
‫ث قال‪ :‬من أقرئه؟ قال‪ :‬فيأت يه قوم فيُقرئهُم ح ت إذا غر بت الش مس صلى‬
‫الغرب‪ ،‬ثب يصبلي حتب يصبلي العشاء الخرة‪ ،‬ثب يرجبع إل منله فيتناول أحبد‬
‫رغيف يه‪ ،‬فيأ كل ث يه جع هجع ًة خفيفةً‪ ،‬ث يقوم فإذا أ سحر تناول رغي فه ال خر‬
‫فأكله‪ ،‬ثب شرب عليبه شرببة مبن ماء ثب يرج إل السبجد‪ ،‬وكان يأخبذ عطاءه‬
‫فيجعله ف طرف ردائه فل يلقى أحدًا من الساكي يسأل إل أعطاه‪ ،‬وكان يتجوز‬
‫ف الصلة النافلة إذا جاءه أحدًا خشية الرياء‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬جلست إليه وهو يصلي فتجوز ف صلته (أي خففها)‪ ،‬وقال‬
‫لن جاءه‪ :‬أرحن باجتك فإن أبادر‪.‬‬
‫قال‪ :‬قُلتبُ‪ :‬ومبا تبادر؟ قال‪ :‬ملك الوت رحكب ال‪ ،‬قال‪ :‬فقمتُب عنبه وقام‬
‫يصلي‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪126‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن أنس‪ ،‬عن أب العالية‪ ،‬قال‪ :‬كُن تُ أرحلُ إل الرجل مسية أيا مٍ‪ ،‬فأولُ ما‬
‫ت وسعتُ منه‪ ،‬وإن وجدته‬
‫أتفقدهُ من أمره صلته‪ ،‬فإن وجدته يقيمها ويُتمها أقم ُ‬
‫يضيعها رجعت ول أسع منه‪ ،‬وقلتُ‪ :‬هو لغي الصلة أضيع‪.‬‬
‫ابنب البارك فيمبا يقري مبن الال فب البلدان ول يفعلُ فب أهبل بلده‬
‫َبب ُ‬
‫عُوت َ‬
‫ف مكا نَ قو ٍم ل م فض ٌل و صدقٌ طلبوا الد يث وأح سنوا‬
‫كذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إ ن أعر ُ‬
‫الطلب فاحتاجوا‪.‬‬
‫فإن تركناهُم ضاع علمهم وإن أعنّاهُم بثوا العلم لمة ممد ول أعلم ب عد‬
‫النبوة أفضل من بث العلم‪.‬‬
‫كان شاب يتل فُ إل ا بن البارك ويقوم بوائ جه وي سمع م نه الد يث‪ ،‬فقدم‬
‫عبدال الرّقبة مرّة‪ ،‬فلم يرى ذلك الشاب وكان مُسبتعجلً‪ ،‬فخرج فب النفيب إل‬
‫الهاد‪ ،‬فلما قفلُ من غزوته ورجع إل الرقة سأل عن الشاب‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنه مبوس‬
‫بدين ركبه‪.‬‬
‫فقال عبدال‪ :‬و كم مبلغ دي نه؟ قالوا‪ :‬عشرة آلف در هم‪ ،‬فلم يزل ي سأل عن‬
‫صاحب الدين حت دُلّ عليه‪ ،‬فدعا به ليلً ووزن له عشرة آلف درهم‪ ،‬وحلفه أن‬
‫ل يُخبا أحدًا ما دام حيًا عبدال‪ ،‬وقال‪ :‬إذا أصبحت فأخرج الرجل من البس‪.‬‬
‫قال بعض هم‪ :‬لول أ ن أكره أن يُع صَى ال‪ ،‬تني تُ أن ل يب قى ف هذا ال صر‬
‫ف واغتابن‪.‬‬
‫أحد إل وقع ّ‬
‫فأي شيء أهنأ من حسنةٍ يدها الرجل ف صحيفته يوم القيامة ل يعملها ول‬
‫يعلم با‪.‬‬
‫وقال يي بن معاذ‪ :‬لستُ آمركم بترك الدُنيا آمركم بترك الذنوب‪ ،‬تر ُك الدنيا‬
‫فضيلة وتر ُك الذنوب فريضة وأنتم إل إقامة الفريضة أحوج منكم إل السنات‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ل تكن مّ ْن يفضحه يوم موته مياثه ويوم حشره ميزانُه‪.‬‬
‫وقال إبراهيبم الواص‪ :‬دواء القلب فب خسبة أشياء‪ :‬قراءة القرآن بالتدبر‪،‬‬
‫وخلء البطن‪ ،‬وقيام الليل‪ ،‬والتضرع عند السحر‪ ،‬ومالسة الصالي‪.‬‬
‫‪127‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال‪ :‬على قدر إعزاز الرء لمر ال يُلب سُه ال من عِزه ويقيم له العز ف قلوب‬
‫الؤمني‪.‬‬
‫وقال يو سف بن ال سي‪ :‬على قدر خو فك من ال يها بك اللق‪ ،‬وعلى قدر‬
‫حبك ال يبك اللق‪ ،‬وعلى قدر شُغلك بأمر ال يُشغلُ الل ُق بأمرك‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬وقد سُئل عن الصحبة مع ال عز وجل‪ ،‬قال‪ :‬بسن الدب ودوام‬
‫اليبة والراقبة‪.‬‬
‫والصحبة مع الرسول بإتباع ُسنّته ولزوم ظاهر الكم‪.‬‬
‫والصحة مع أولياء ال بالحترام والدمة‪.‬‬
‫والصحبة مع الهل والولد بسن الُلق‪.‬‬
‫والصحبة مع الخوان بدوام البشر لم والنبساط معهم ما ل يكن إثًا‪.‬‬
‫والصحة مع الهال بالدعاء لم والرحة عليهم ورؤية نعمة ال عليك إ ْذ عافاك‬
‫ما ابتلهم به‪.‬‬
‫جلس أحد العلماء للتّذكي حت طال سكوته فناداه رجل ما ترى أن تقول ف‬
‫سُكوتك شيئًا‪ ،‬فأنشأ يقول‪:‬‬
‫ب و ْهوَ مَريض بُ‬
‫ب بالتّقَببى طَبْيب بٌ يُدَاوِي الناس َ‬
‫َوغَ ُي ِتقِيّبب يَأمُ ُر الناسب َ‬
‫فارتفعت الصواتُ بالبُكاء والضجيج‪.‬‬
‫سُئل بعض هم‪ :‬ما عل مة العارف؟ قال‪ :‬أن ل َيفْترُ من ذ كر ال ول ي ل من‬
‫حقه ول يستأنس بغيه‪.‬‬
‫وقال أ با يز يد الب سطامي‪ :‬الناس كل هم يهربون من ال ساب ويتجافون ع نه‪،‬‬
‫وأنا أسأل ال تعال أن ياسبن‪ ،‬فقيل‪ :‬لِ مَ قال لعله أن يقول ل فيما َبيْ نَ ذلك يا‬
‫عَبْدِي‪ ،‬فأقولُ َلّبيْك‪.‬‬
‫فقوله ل يا عبدي‪ ،‬أعجب إلّ من الدنيا وما فيها‪ ،‬ث بعد ذلك يفعل ب ما‬
‫يشاء‪ ،‬وقال أبو يعلى‪:‬‬
‫‪128‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب‬
‫بِي أطَبؤ الثُ َريّاب‬
‫ب بأخْمُصب‬
‫َومِمّابب زادَنبب شَرَفًببا َوِتيْهَببا وكِدْتبُ‬
‫حدَ لِيببْ َنبِيَببا‬
‫بيّرتَ أ َ‬
‫ب يبا عبادي وأنببْ صب َ‬
‫ب َقوْلِك َ‬
‫ب تَحُت َ‬
‫ُد ُخوْلِي ْ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال أ حد العلماء‪ :‬ل ي كن هم أحد هم ف كثرة الع مل؛ ول كن لي كن ه ه ف‬
‫إحكا مه وإتقا نه وت سينه‪ ،‬فإن الع بد قد يُ صلي و هو يع صي ال ف صلته‪ ،‬و قد‬
‫يصوم وهو يعصي ال ف صيامه‪.‬‬
‫وق يل ل خر‪ :‬ك يف أ صبحت‪ ،‬فب كى‪ ،‬وقال‪ :‬أ صبحت ف غفل ٍة عظي مة عن‬
‫الوت مع ذُنوب كثية قد أحاطت ب‪ ،‬وأجل يسرع كل يوم ف عمري‪ ،‬وموئل‬
‫لستُ أدري علما أهجم ث بكى‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬ل تغتم إل من شيء يضرُك غدًا (أي ف الخرة) ول تفرح بشيء‬
‫ل يسرك غدًا‪ ،‬وأنف عُ الوف ما حجزك عن العاصي‪ ،‬وأطال الُزْ نَ ِمنْ كَ على ما‬
‫ك الفِكْرَ ف بَقي ِة عُمرك‪.‬‬
‫فاتك من الطاعة‪ ،‬وألْ َزمَ َ‬
‫وقال آ خر‪ :‬عل يك ب صحبة من تُذكرُك ال عز و جل رُؤيتُه‪ ،‬وت قع هيبتُه على‬
‫باطنك‪ ،‬ويزيدُ ف عملك منطقُه‪.‬‬
‫ويُزهِدُ كَ ف الدنيا عمله‪ ،‬ول تعصي ال ما دُمت ف قُربه‪ ،‬يعظك بلسان فعله‬
‫ول يعظك بلسان قوله‪.‬‬
‫قال إسرافيل‪ :‬حضرت ذي النون الصري وهو ف البس‪ ،‬وقد دخل الشرطي‬
‫بطعام له‪ ،‬فقام ذُو النون فنفض يده (أي قبضها عن الطعام)‪.‬‬
‫فقيبل له‪ :‬إن أخاك جاء ببه‪ ،‬فقال‪ :‬إنبه على يدي ظال‪ ،‬قال‪ :‬وسبعت رجلً‬
‫سأله ما الذي أتعب العباد وأضعفهم؟‬
‫فقال‪ :‬ذكبر القام وقلةُ الزاد‪ ،‬وخوفُب السباب‪ ،‬ول ل تذوبُب أبدانُب العمال‬
‫وتذهلُ عقولم‪ ،‬والعرضُ على ال جل وعل أمامهم‪ ،‬وقراءة كتبهم بي أيديهم‪.‬‬
‫‪129‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ف بي يدي البار ينتظرون أمر هُ ف الخيار والشرار‪ ،‬ث مثّلوا‬
‫واللئكة وقو ٌ‬
‫ب أعُْيِنهِم‪.‬‬
‫هذا ف نفوسهم وجعلُوه نُص َ‬
‫وقال‪ :‬سقم ال سد ف الوجاع‪ ،‬و سقم القلوب ف الذنوب‪ ،‬فك ما ل ي د‬
‫السد لذة الطعام عند سقمه‪ ،‬كذلك ل يد القلب حلوة العباد مع الذنوب‪.‬‬
‫وقال‪ :‬من ل يعرف قدر النعم‪ ،‬سُلبها من حيث ل يعلم‪.‬‬
‫ما خلع ال على عبد خلعة أحسن ول أشرف من العقل ول قلده قلدة أجل‬
‫من العلم ول زينة بزينة أفضل من اللم وكمال ذلك التقوى‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬أدركت أقوامًا يستحيون من ال ف سواد ال من طول الجعة‪ ،‬إنا‬
‫هو على النب فإذا ترّك قال لنفسه‪ :‬ليس لك قومي خُذي حظّك من الخرة‪.‬‬
‫وقال أ بو ها شم الزا هد‪ :‬إن ال عز و جل و سم الدن يا بالوح شة‪ ،‬لي كن أن سُ‬
‫الريديبن ببه دوناب‪ ،‬وليُقْببل الطيعُون له بالعراض عنهبا‪ ،‬وأه ُل العرفبة بال فيهبا‬
‫ستَوْحِشُون‪ ،‬وإل الخرة مُشتاقون‪.‬‬
‫مُ ْ‬
‫ونظر أبو هاشم إل شريك القاضي يرجُ من دار يي بن خالد‪ ،‬فبكى‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫أعوذ بال من عل ٍم ل ينفع‪.‬‬
‫وقال أسود بن سال‪ :‬ركعتان أصليهما أحب إل من النة با فيها‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫هذا خطأ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬دعُونا من كلمكم‪ ،‬رأيت النة رضا نفسي‪ ،‬وركعتي أصليهما رضا‬
‫رب‪ ،‬ورضاء رب أحبّ إلّ من رضا نفسي‪ ،‬تأمل يا أخي دقّة هذا الفهم ل دره‪.‬‬
‫وقال وهيبب‪ :‬اليان قائد‪ ،‬والعمبل سبائق‪ ،‬والنفبس بينهُمبا حرون‪ ،‬فإذا قاد‬
‫القائدُ ول يسُق السائقٌ ل يُغن ذلك شيئًا‪.‬‬
‫وإذا سباق السبائق ول يقبد القائد ل يغبن ذلك شيئًا‪ ،‬وإذا قا َد القائ ُد وسباقَ‬
‫السائ ُق ابتعتْ ُه النفسُ طوعًا وطاب العمل‪.‬‬
‫قال بعض هم يو بخ نف سه ويعظ ها‪ :‬يا نف سُ بادري بالوقات ق بل إن صرامها‪،‬‬
‫واجتهد ف حراسة ليال الياة وأيامها‪.‬‬
‫‪130‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فكأنبك بالقبور قبد تشققبت‪ ،‬وبالمور وقبد تققبت‪ ،‬وبوجوه التقيب وقبد‬
‫أشرقبت‪ ،‬وبرؤوس العصباة وقبد أطرقبت‪ ،‬قال تعال وتقدس‪َ :‬ولَوْ تَرَى إِذِ‬
‫ا ُلجْرِمُو نَ نَاكِ سُوا ُرءُو سِ ِهمْ عِندَ َربّهِ مْ َربّنَا َأبْ صَ ْرنَا وَ سَ ِمعْنَا فَا ْر ِجعْنَا َنعْمَلْ صَاِلحًا إِنّا‬

‫مُوقِنُو نَ يا ن فس‪ ،‬أ ما الورعُون ف قد جدّوا‪ ،‬وأ ما الائفون ف قد ا ستعدوا‪ ،‬وأ ما‬
‫الصالون فقد فرحوا وراحوا‪ ،‬وأما الواعظون فقد نصحوا وصاحوا‪.‬‬
‫العلم ل يصل إل بالنصب والال ل يمع إل بالتعب‪ ،‬أيها العبد الريص على‬
‫تليص نفسه إن عزمت فبادر وإن همت فثابر‪ ،‬واعلم أنه ل يُدرك العز والفاخر‬
‫من كان ف الصف الخر‪.‬‬
‫ب وشَدّوا ُدوْنَببه الزُرَا‬
‫َدبّوا إل الجدِ والسبباعُونَ قببد بَلغُوا ُجهْ َد الُنفُوسب ِ‬
‫صببَرا‬
‫َنب َ‬
‫ج َد م َن واف َى وم ْ‬
‫َقب الَ ْ‬
‫وسبَاوَ َروْا الجدَ َحتّىب مَلّ أ ْكثَرُهُبم وعَان َ‬
‫ببِرَا‬
‫ب الجدَ َحتّىب تْلعَبق الص ّ‬
‫ب َتبْلُغ َ‬
‫ببِ الجدَ تَمْرًا أنْتببَ آكلُه لَن ْ‬
‫ل تَحْسب َ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫اعلم وفقنا ال وإيّاك وجيع السلمي‬
‫أن ظُلم العبد نف سه يكون بترك ما ينفعها وهي مُحتا جة إل يه‪ ،‬وذلك فعل ما‬
‫أمر ال به وبفعل ما يضرها‪ ،‬وذلك العاصي كلها‪.‬‬
‫كما أن ظلم الغي كذلك إما بنع حقه أو التعدي عليه‪ ،‬فإن ال أمر العباد با‬
‫ينفعهم وناهم عما يضرهم‪.‬‬
‫وجاء القرآن بالمبر بالصبلح والنهبي عبن الفسباد‪ ،‬والصبلح كله طاعبة‬
‫والفساد كله معصية‪.‬‬
‫وقبد ل يعلم كثيب مبن الناس ذلك على حقيقتبه فعلى الؤمبن أن يأمبر بكبل‬
‫مصلحة وينهي عن كل مفسدة‪.‬‬
‫وكل ما أمر ال به راجع إل العدل وكل ما نى عنه راجع إل الظلم‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫والظلم الذي حرمه ال على نفسه أن يترك حسنات ا لُحسن فل يزيه با‪ ،‬أو‬
‫يُعاقب البي على ما ل يفعله من السيئات‪.‬‬
‫أو يعاقب هذا بذنب غيه‪ ،‬أو يكم بي الناس بغي العدل ونو ذلك ما ينه‬
‫ال جل وعل عنه و ذلك لكمال عدله وحده‪.‬‬
‫مبن أسبباب قوت اليان ونوره سباع القرآن وتدبره ومعرفبة أحوال النبب‬
‫ومعجزاته‪ ،‬ونظر ف آيات ال والتفكر ف ملكوت السموات والرض‪ ،‬والتأمل ف‬
‫أحوال نفس النسان‪ ،‬ومثل رؤية أهل اليان والنظر ف أحوالم ونو ذلك‪.‬‬
‫ب والفِكَرا‬
‫بتَعْذبُوا الوجْ َد والّتبْريح َ‬
‫ل دَرّ ِرجَا ٍل وَاصبببلُوا السبببّهَرَا واس ْ‬
‫ب الُدَى والّليْلُ َيعْرِفُهُبم إذا نَظَ ْر َتهُمُوا هُمبببْ سبببَا َدةٌ ُبرَرَا‬
‫ب نُجُوم ُ‬
‫ُفهُم ْ‬
‫جرَا‬
‫بوَاهُ ولِلّذَاتببِ قَ ْد هَ َ‬
‫شَت ِغلً عَمّابب سب ِ‬
‫ببببُ بالذّكْ ِر مُ ْ‬
‫كُ ّل غَدَا وَقْتهب‬
‫بيان ُمنْذَعرَا‬
‫َقب مِمّاب جَناهبُ مِبن العِصب‬
‫ُصبِرحُ فب وجْدٍ وفب َقل ٍ‬
‫يُمْسبِي وي ْ‬
‫ِرهب لْ يبا َخْي َر مَن َغفَرا‬
‫ْبب فاغْف ُ‬
‫ب ُمعْتَرفًبا بال ّذن ِ‬
‫بيّدِي قَدْ جِئت ُ‬
‫َيقُو ُل يبا س َ‬
‫بيّدِي فب كُلّ مَبا أمَرَا‬
‫بس َ‬
‫ب ول أطِع ْ‬
‫ب لَه ُ‬
‫ب ذَنبًبا عَ ِظيْمًبا ل أ ِطيْق ُ‬
‫حَ َملْت ُ‬
‫بتَرا‬
‫بتْ َرهُ كَرمًبا يبا طَالَبا قبد عَفَبا عَنب وَق ْد س َ‬
‫بيْتُ ُه و ْهوَ يُرخبي س ِ‬
‫عَص َ‬
‫بَت َغثْتُ بهبِ مِنبْ كُرْبةٍ نَصبَرا‬
‫وطَالَمَببا كَانببَ ل فبب كُ ّل نَائَِبةٍ إذا اس ْ‬
‫ب ُم ْعتَذرَا‬
‫ب يبا َموْلي َ‬
‫ب بَابَك َ‬
‫ب مِمّابب َجَنيْتببُ وقَدْ وَافَيْت ُ‬
‫وإنّنبب تَائِببٌ‬
‫برَا‬
‫ب ُمنْكس ِ‬
‫ب الِسبَاب إذا قُ ّدمْت ُ‬
‫جبُرُنببب َيوْم َ‬
‫َلعَ َل َتقْبَ َل عُذْرِي ثببب تَ ْ‬
‫ب ُم ْفتَقِرَا‬
‫بيّدِي قَدْ ِجئْت ُ‬
‫ب يبا س َ‬
‫وقَ ْد أَتيْتببُ بذلُ رَاجيًببا كَرَمًببا إليك َ‬
‫اللهم أجرنا من النار وأدخلنا النة مع البرار برحتك يا عزيز يا غفار‪ ،‬اللهم‬
‫ا ستر عورات نا وأ من روعات نا وأقل نا من عثرات نا ول تفضح نا ب ي يد يك يا أر حم‬
‫الراحي‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫فصل‬
‫‪132‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال ممد بن مهدي‪ :‬وال ل تد فقد شيء تركت ُه ابتغاء وجه ال‪ ،‬كُن تُ أنا‬
‫وأخي شريكي فأصبنا ما ًل كثيًا‪ ،‬فدخل قلب من ذلك شيء فتركتُه ل وخرج تُ‬
‫م نه‪ ،‬ف ما خر جت من الدن يا ح ت ردّ ال عليّ ذلك الال عامت هُ إلّ وإل ولدي‪،‬‬
‫زوج أخي ثلث بناتٍ من بنّ‪ ،‬وزوّجت ابنت من ابنه‪.‬‬
‫ومات أخي فورثه أب ومات أب فورثته أنا‪ ،‬فرجع ذلك كله إلّ وإل ولدي‬
‫ف الدنيا‪.‬‬
‫عبن عطاء السبن الرسبان أنبه كان يقول‪ :‬إنب ل أوصبيكم بدنياكبم أنتبم‬
‫مُستوصون با‪ ،‬وأنتم عليها حراص‪.‬‬
‫وإناب أوصبيكم بآخرتكبم‪ ،‬فخذوا مبن دار الفناء لدار البقاء‪ ،‬واجعلوا الوت‬
‫كشيبء ذقتُموه‪ ،‬فوال لتذوُقنّهب‪ ،‬واجعلوا الخرة كشيبء نزلتموه فوال لتنُُلنّهبا‪،‬‬
‫و هي دار الناس كل هم‪ ،‬ل يس من الناس أ حد يرج ل سفر إل أ خذ له أهب ته‪ ،‬ف من‬
‫أخذ لسفره الذي يُصلحُ ُه اغتبط‪.‬‬
‫ومن خرج إل سفر ل يأخذ له أهبتهُ ندم‪ ،‬فإذا أضحى ل يد ظلً‪ ،‬وإذا ظمئ‬
‫ل يد ماء يتروى به‪ ،‬وإنا سف ُر الدنيا منقطع‪ ،‬وأكيس الناس من قام يتجهّز لسفر‬
‫ل ينقطعُ‪.‬‬
‫وقال آ خر يو صي أخًا له‪ :‬اعلم أ نك تل قى ما أ سلفت ول تل قى ما خل فت‬
‫فمهد لنفسك‪ ،‬فإنك ل تدري مت يفجؤك أمرُ ربك‪ ،‬قال‪ :‬فأبكان كلمُه وهوّن‬
‫عليّ الدنيا‪.‬‬
‫قيبل للقمان الكيبم‪ :‬مبا بلغ ببك مبا نرى (يُريدون الفضبل)‪ ،‬قال‪ :‬صبدقُ‬
‫الديث‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وترك ما ل يعن‪.‬‬
‫عبن جابر العفبي‪ ،‬قال‪ :‬قال ل ممبد ببن علي ببن السبي‪ :‬يبا جابر‪ ،‬إنب‬
‫لحزون‪ ،‬وإن لشتغ ُل القلب‪ ،‬قلت‪ :‬وما حُزنُك؟ وما شُغل قلبك؟‬
‫قال‪ :‬يا جابر‪ ،‬إنه من دخل قلبهُ صاف خالصُ دين ال شغلهُ عمّا سواه‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب لبسته‬
‫ب ركبت ُه أو ثو ٌ‬
‫يا جابر‪ ،‬ما الدنيا ما عسى أن تكون هل هو إل مرك ٌ‬
‫أو امرأة أصبتها‪.‬‬
‫يا جابر‪ ،‬إن الؤمن ي ل يطمئنوا إل الدن يا لبقا ٍء في ها‪ ،‬ول يأمنوا قدوم الخرة‬
‫عليها‪ ،‬ول يصمهُم عن ذكر ما سعوا بآذانم من الفتنة‪ ،‬ول يعمهم عن نور ال ما‬
‫رأوا بأعينهم من الزينة‪ ،‬ففازوا بثواب البرار‪.‬‬
‫إن أهبل التقوى أيسبر أهبل الدنيبا مؤونبة وأكثرهبم لك معُونبة‪ ،‬إن نسبيت‬
‫ذكّروك‪ ،‬وإن ذكرت أعانوك‪.‬‬
‫قوال ي ب ق‪ ،‬قوام ي بأ مر ال‪ ،‬فأنزل الدن يا كمنلٍ نزلت به وارتلت م نه‪ ،‬أو‬
‫كمال أ صبته ف منا مك فا ستيقظت ول يس م عك م نه ش يء‪ ،‬واح فظ ال تعال ما‬
‫استرعاك من دينه وحكمته‪.‬‬
‫ت الور عُ ف قلبك‪ ،‬واقطع‬
‫قال بعضهم‪ :‬فكّر ف ذنبك‪ ،‬وتُب إل ربك‪َ ،‬يْنبُ ُ‬
‫الطمع إل من ربك‪ ،‬ذم مولنا الدنيا فمدحناها‪ ،‬وأبغضها فأحببناها‪ ،‬وزهّدَنا فيها‬
‫فآث ْرنَاهَا‪ ،‬ورغبنبا فب طلبهبا‪ ،‬دعتكُم إل هذه الغرارة دواعيهبا فأجبتبم مُسبرعي‬
‫مُناديها خدعتكم بغُرورها تتمرُون ف زهراتا وزخارفها‪ ،‬قال ال جل وعل‪َ :‬فلَ‬

‫تَغُ ّرنّ ُكمُ الَيَاةُ الدّنْيَا ‪.‬‬
‫أ تى ال سن بكوز من ماء ليُف طر عل يه فل ما أدناه إل فيه ب كى‪ ،‬وقال‪ :‬ذكرت‬
‫أمنية أهل النار‪ ،‬قولم‪ :‬أَفِيضُوا عَلَ ْينَا مِنَ الَاءِ ‪ ،‬وذكرت ما أجيبوا به‪ :‬إِنّ اللّهَ‬

‫حَ ّرمَهُمَا عَلَى الكَافِرِينَ ‪.‬‬
‫وقال ك عب الحبار‪ :‬لن أب كي من خش ية ال فت سيل دموعبي على وجن ت‬
‫أحب إل من أتصدق بوزن ذهبًا‪.‬‬
‫وعن إبراهيم بن الشعث قال‪ :‬كنا إذا خرجنا مع الفضيل ف جنازة ل يزال‬
‫يعظ ويذكر ويبكي حت لكأنه يودع أصحابه ذاهبٌ إل الخرة حت يبلغ القابر‪.‬‬
‫فيجلس فكأنه بي الوتى جلس من الزن والبكاء حت يقوم وكأنه رجع من‬
‫الخرة يب عنها‪.‬‬
‫‪134‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان يقول‪ :‬الوف أف ضل من الرجاء ما دام الر جل صحيحًا‪ ،‬فإذا نزل به‬
‫الوت فالرجاء أفضل من الوف‪.‬‬
‫يقول‪ :‬إذا كان ف صحته م سنًا ع ظم رجاؤه ع ند الوت وح سن ظ نه (أي‬
‫بال)‪ ،‬وإذا كان ف صحته مسيئًا ساء ظنه عند الوت ول يعظم رجاؤه‪.‬‬
‫حيْحُ‬
‫ب عببن رَجُببل بريءٍ مببن الفاتببِ ظَاهُره صبب ِ‬
‫إذا أ ْخبَرَتب َ‬
‫ب هَ ْل ُهوَ آدمِي ببٌ فإنببْ قالُوا َنعَمببْ فالقوَلُ ريْحببُ‬
‫ب ْلهُم َعنْه ب ُ‬
‫فَس ب َ‬
‫ببن َب ْعضُنَببا أهْ ُل اس ببِْتتَارٍ وعنبببد ال أجْ َمعُنبببا جَريحبببُ‬
‫ولكب‬
‫ببُ‬
‫بتْ َت ُفوْحب‬
‫ب َ‬
‫ببا ليْسب‬
‫ومبببن إنعام خَالقنبببا عَلينبببا بأن ُذنُوبنب‬
‫حنَا هُرُوبًببا فُرادَى فبب الفَل مببا نسببْتَريحُ‬
‫ببَ ْ‬
‫فََلوْ فاحَتببْ لصب ْ‬
‫ب البَلَ ُد الفَس ببَيحُ‬
‫وضاقببَ بِكُببل ُمْنتَحِلٍ صببَلحًا ِلنَتْن ببِ ذُنوبِه ب ِ‬
‫العاصي تنقسم إل قسمي‪ :‬قسم ذنوب جوارح ظاهرة‪ ،‬مثل القذف‪ ،‬والغيبة‪،‬‬
‫والظلم‪ ،‬والغتصاب‪ ،‬والقتل‪ ،‬والزنا‪ ،‬واللواط‪ ،‬والسرقة ونو ذلك‪.‬‬
‫والقسبم الثانب‪ :‬وهبي ذنوب القلوب‪ ،‬وهبن الهلكات القاصبمات‪ ،‬ومنهبا‪:‬‬
‫الشرك‪ ،‬والشك‪ ،‬والنفاق‪ ،‬والكفر‪ ،‬والغترار بال‪ ،‬والمن من مكر ال‪ ،‬والقنوط‬
‫من رحة ال‪.‬‬
‫ومن ها احتقار الذنوب والتهاون ب ا والت سويف بالتو بة والنا بة وال صرار على‬
‫العا صي والرياء والت يه وال كب والع جب واليا نة والغدر وال سد وال غل وال قد‬
‫والبغض‪.‬‬
‫وسوء الظن والفاء والقطيعة والعقوق والقسوة والشح والرص والشره على‬
‫ما ل ينبغي الرص والشره عليه‪.‬‬
‫ومن ها‪ :‬الطغيان بالال والقوة والاه واحتقار الن عم والحتقار ب صائب الد ين‪،‬‬
‫ومنها الستهانة بعلم ال ونظره وسعه وإطلعه‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومن ها‪ :‬قلة الياء من ال عز و جل وتقدس وقلة الياء م ن على اليم ي وعلى‬
‫الشمال من اللئكة عند فعلك ما يكرهه ال ونو ذلك من الذنوب الت ل يسلم‬
‫منها إل من عصمه ال‪.‬‬
‫موعظة‬
‫قال ا بن الوزي‪ :‬يا عجبًا ك يف أ نس بالدن يا مفارق ها! وأ من النار وارد ها!‬
‫ك يف يغفُل من ل يُغ فل ع نه! ك يف يفر حُ بالدن يا من يو مه يهدم شهره‪ ،‬وشهره‬
‫بتُه تدم عمُره! ك يف يل هو من يقوده عُمُره إل أجله وحيا ته إل‬
‫يهدم سنته وس ن‬
‫موته!‬
‫إخوان‪ :‬الدنيا ف إدبار‪ ،‬وأهلُها منها ف استكثار‪ ،‬والزارع فيها غي التقي ل‬
‫يصُدُ إل الندم‪.‬‬
‫با أفْضَبح ال ُدنْيَبا لهِْليْهَبا‬
‫مبا أ ْفضَحبَ الوت لِل ّدنْيَبا وَزْيَنتِهَبا جِدّا ومب‬
‫بَا ِوْيهَا‬
‫ب مَسب‬
‫ب بادٍ فب‬
‫بب على الدنيبببا بلئِمةٍ َفعُ ْذرُهَبا لَكبَ‬
‫ل تَرْ ِجعَنّب‬
‫ببا ل ُنعَاديْهَببا‬
‫بَتنِيْ ُم إليهب‬
‫بل دائِبةً ونَس ب ْ‬
‫ُتفْن ب الَبنِيْن بَ وتُفْنِبي الهب‬
‫فَمَببا يَ ِزيْدُكُمُوا َقتْلُ الذي َقتَلَتببْ ول العَدَاوة إل َرغْب ًة فيهببببببا‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب فيهببا ِللّسببَانِ ُمبَاينببُ‬
‫لِسببَانُكَ لل ُدنْيببا عَ ُدوٌ مُشَاحِنببٌ وقَ ْلبُكب َ‬
‫ب‬
‫ب كَامِن ُ‬
‫ب ودٌ فب فُؤادك َ‬
‫صبفَا لَهَبا ِمنْك َ‬
‫ْتب فيهبا وَقدْ َ‬
‫ومبا ضَرّهَا مبا قُل َ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب َعبْيدُهَبا‬
‫ب ُعهَا شَتَمًبا ونَحْن ُ‬
‫ول أرى كال ُدنْيَببا نَذُم صببُ ُروْفَها ونُوس ِ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب وتُطْلَبببُ‬
‫با تُذَمّب‬
‫جِلبُونابب ول أرَى كال ُدنْيَب‬
‫ب يَ ْ‬
‫يَ ُذمُونببَ ُدْنيَاهُبم وهُمبْ‬
‫‪136‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫اعلم وّفقَنبا ال وإيّاك أن الصبلة عماد الديبن وأجبل مبانب السبلم بعبد‬
‫الشهادتي‪ ،‬وملها من الدين مل الرأس من السد‪ ،‬فكما أنه ل حياة لن ل رأس‬
‫له فكذلك ل ديْنَ لِ َمنْ ل صَلةَ له‪.‬‬
‫جعلنا ال وإياكم من الحافظي عليها الاشعي فيها الدائمي عليها القيمي‬
‫لا‪ ،‬قال جل وعل‪َ :‬وأَقِمِ الصّلةَ ِإنّ الصّلةَ تَنْهَى عَنِ ال َفحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ‪ ،‬وقال‬
‫عَزّ من قائل‪ :‬ال هم * َذلِ كَ الكِتَا بُ لَ َريْ بَ فِي هِ ُهدًى لّلْمُّتقِيَ * الّذِي نَ يُ ْؤمِنُو نَ‬
‫بِاْلغَيْ بِ َوُيقِيمُو نَ ال صّلةَ ‪ ،‬وقال‪ :‬مُنِيِبيَ إِلَيْ هِ وَاّتقُو هُ َوأَقِيمُوا ال صّلةَ َولَ تَكُونُوا‬

‫مِنَ الُشْ ِر ِكيَ ‪.‬‬
‫فالنا بة هي الرجوع إل ال‪ ،‬والتقوى هي امتثال أوا مر ال واجتناب نواه يه‪،‬‬
‫والقامة للصلة التيان با على الوجه الذي أمر ال به‪.‬‬
‫قال ج ّل وعل‪َ :‬قدْ أَفْلَ حَ الُ ْؤمِنُو نَ * اّلذِي نَ هُ مْ فِي صَلتِ ِهمْ خَا ِشعُو نَ إل‬
‫قوله‪ :‬وَاّلذِي نَ هُ مْ عَلَى صَلَوَاتِ ِهمْ ُيحَا ِفظُو نَ ‪ ،‬وقال ر سول ال ‪ « :‬صلوا ك ما‬
‫رأيتمو ن أ صلي» فال صلي على التباع والقتداء بر سول ال ف صلته على‬
‫الو جه الذي نقله عُلماء ال مة من ال سلف واللف هو الُ صَلِي العدو ُد ع ند ال‬
‫من القيمي للصلة والحافظي عليها‪.‬‬
‫وللصلة صُورةٌ ظاهرةٌ وحقيق ٌة باطنة ل كمال للصلة ول تام لا إلّا بإقامتهما‬
‫جيعًا‪.‬‬
‫فأ ما صُورتا الظاهرة ف هي القيام والقراءة والركوع وال سجود ون و ذلك من‬
‫وظائف الصلة الظاهرة‪.‬‬
‫ب وكمال‬
‫وأمبا حقيقتهبا الباطنبة فمثبل الشوع والخبات وحُضور القلب ِ‬
‫الخلص‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫والتدبر والتفهبم لعانب القراءة ومعانب التسببيح ونوب ذلك وظائف الصبلة‬
‫الباطنة‪.‬‬
‫فظاهر الصلة حفظ البدن والوارح وباطن الصلة حفظ القلب‪.‬‬
‫ومن الحافظة على الصلة والقامة لا كمال الطهارة والحتياط فيها ف البدن‬
‫والثوب والكان‪.‬‬
‫قال –عل يه ال صلة وال سلم‪« :-‬الطهور ش طر اليان»‪ ،‬و ف الد يث ال خر‪:‬‬
‫«الطهور مفتاح الصلة وإسباغِ الوضوء وتثليثه مِن غي وسوسة ول إسراف»‪.‬‬
‫فإن الوسوسةَ ف الطهارة والصلة من عمل الشيطان يُلبّسُ با على من ضعُف‬
‫عقلُه وقلّ علمه‪.‬‬
‫و قد وردت الحاد يث ال صحيحة‪« :‬أن مَن تو ضأ فأحْ سَنَ الوضوء خرجَ تْ‬
‫خطاياه مِن أعضائه ودَ َخلَ ف الصلة نقيًا مِن الذنوب»‪.‬‬
‫ومِن الحافظة على الصلة والقامَة لا البادرة با ف أول مواقيتها‪ ،‬وف ذلك‬
‫فضلٌ وأجر عظيم‪.‬‬
‫و هو دل يل على م بة الع بد لر به وعلى ال سارعة ف مر ضا ته وما به‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫«أول الوقت رضوان ال وآخره عفو ال»‪.‬‬
‫وقبيح بالؤمن العاقل أن يدخل عليه وقت الصلة وهو على شغل من أشغال‬
‫الدنيا فل يتركه ويقوم إل فريضة ال الت كتبها ال عليه فيؤديها‪.‬‬
‫وما يفعل ذلك إل من عظمت غفلته‪ ،‬وقلت معرفتُه بال وعظمته وضعُفت‬
‫رغبته فيما أع ّد ال لوليائه ف الدار الخرة‪.‬‬
‫وأما تأخيها وقتها فل يو ُز وفيه إث عظيم‪.‬‬
‫ومن الحافظة على الصلة والقامة لا الشوع وحُضور القلب وتدبُر القراءة‬
‫وفه ُم معانيها واستشعا ُر الُضُوع والتواضُع ل عند الركوع والسجود‪.‬‬
‫وامتلءُ القلب بتعظيبم ال وإجلله وتقديسبه عنبد التكببي والتسببيح وجيبع‬
‫أجزاء الصلة‪.‬‬
‫‪138‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫والرص والجتهاد ف د فع الوا طر والواج يس ف شؤون الدن يا والعراض‬
‫عن حديث النفس ف ذلك‪.‬‬
‫ويكون هه ف الصلة وحُس ُن تأديتها كما أمر ال‪.‬‬
‫فإن الصلة مع الغفلة وعدم الشوع والضور قليلة الدوى‪.‬‬
‫فاجتهد ف تدبّر ما تقول من كلم ربك واحرص على الطمأنينة فيها‪.‬‬
‫فإن الذي ل يتم الركوع والسجود ف الصلة سارق لا كما ورد ف الديث‬
‫وورد أن من حافظ عليها وأتها ترج بيضاء تقول‪ :‬حفظك ال كما حفظن‪.‬‬
‫والذي ل يتم الصلة ترج سوداء مظلمة تقولُ‪ :‬ضّيعَ كَ ال كما ضيعتن‪ ،‬ث‬
‫ب با وجهُهُ‪.‬‬
‫ف الثوبُ اللق فيضر ُ‬
‫تلف كما يُل ُ‬
‫ظ الناس‪ ،‬فقال‪ :‬يا حاتُ‪ ،‬أراك تع ظُ الناس‬
‫رأى رُجلٌ حا ت ال صم واقفًا يع ُ‬
‫أفتحسنُ أن تُصلي؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬كيف تُصلي؟‬
‫قال‪ :‬أقوم بال مر‪ ،‬وأم شي بال سكينة‪ ،‬و أدخُل بالي بة‪ ،‬وأ كبُ بالعظ مة‪ ،‬واقرأ‬
‫بالترتيل‪ ،‬واجلس للتشهد بالتمام وأسلم على السنة‪ ،‬وأسلمُها إل رب‪ ،‬وأحفظها‬
‫أيام حيا ت‪ ،‬وأر جع باللّوم على نفسي‪ ،‬وأخا فُ أن ل تُق بل م ن‪ ،‬وأرجُو أن تُق بل‬
‫من‪ ،‬وأنا بي الرجا والوف‪.‬‬
‫واشكر من علّمن وأعلّمُ من سألن وأحدُ رب إذ هدان‪.‬‬
‫قال له ممد بن يوسف‪ :‬مثلك يصلح أن يعظ‪.‬‬
‫روي أن زين العابدين بن علي بن السي ‪ :‬كان يتغيّر عند الوضوء ويصفر‬
‫لونه‪ ،‬فإذا قام إل الصلة أخذتُه ر ْع َدةٌ‪.‬‬
‫فقيل له ف ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرُونَ بي يدَي مَن أقُوم؟‬
‫وقال أبو بكر الوراق‪ :‬ربا انصرف من الصلة وأنا استحي من ال ج ّل وعل‬
‫ف مِن الزِنا‪.‬‬
‫ول حياءَ رجُلٍ انصر َ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫مواعظ‬

‫عن أ ب ب كر بن عياش قال‪ :‬قال ل ر ُجلٌ مرّة وأ نا شابّ خلّ صْ رقب تك ما‬
‫ق الخرة‪.‬‬
‫استطعت ف الدنيا من ر ّ‬
‫فإن أسي الخرة غي مفكوك أبدًا‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬فما نسيتُها أبدًا‪.‬‬
‫وكان يقو مُ الليل ف قباء صُوف وسراويل وعُكازة يضعُها ف صدره فيتكيءُ‬
‫عليها حي ك ُب فيُحْيي ليَْلتَ ْه ويُذكّ ِرهُ َحمْ ُل العَصَى بالسّفرِ إل الخرة‪.‬‬
‫قال بعضهم‪:‬‬
‫حلْت بُ مِبن ال ِكبَرْ‬
‫ف أوْجَبَ حَمَْلهَا عَليّب ول انّي ب نَ َ‬
‫ضعْ َ‬
‫حَ َملْتُ العَصَا ل ال ّ‬
‫بفَرْ‬
‫ب عَلى سبَ‬
‫لعْلِمَهَبا أنّب ا ُلقْيِمبَ‬
‫بيَ حَمْلَهَبا‬
‫ب َنفْس ِ‬
‫ولكِنّنِبي ألْزمْت ُ‬
‫قال ب عض أ صحاب وك يع بن الراح‪ :‬كان ل ينام ح ت يقرأ ثلث القرآن ث‬
‫يقوم ف آخر الليل فيقرأ الُفَ صّلَ‪ ،‬ث يلس فيأخذ ف الستغفار حت يطلع الفجر‬
‫فيصلي ركعتي‪.‬‬
‫و عن عا صم قال‪ :‬سعت شق يق بن سلمة يقول و هو ساجد‪ :‬رب اغفرْ ل‪،‬‬
‫ف عن تعف عن تطوّلً من فضلك‪ ،‬وإن تعذبن تُعذبن غي‬
‫ف عن إن تع ُ‬
‫رب اع ُ‬
‫ظال ل‪ ،‬قال‪ :‬ث يبكي حت أسع نيبه من وراء السجد‪.‬‬
‫عن خيثمة قال‪ :‬كان يُعجبهم أن يوت الرجل عند خيٍ يعمله إما حج‪ ،‬وإما‬
‫عمرٌة وإما غزاة‪ ،‬وإما صيام رمضان‪.‬‬
‫قال الربيع بن أب راشد وقد رأى رجلً مريضًا يتصدق بصدفة فقسمها بي‬
‫جيانه‪ ،‬فقال‪ :‬الدايا أمام الزيارة فلم يلبث الرجل إل أيامًا حت مات‪ ،‬فبكى عند‬
‫ذلك الربيع بن أب راشد‪ ،‬وقال‪ :‬أحسن وال بالوت وعلم أنه ل ينفعه من ماله إل‬
‫ما قدم بي يديه‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال أح د بن عبدال بن يو نس‪ :‬كان معروف بن وا صل التي مي إمام م سجد‬
‫بن عمرو بن سعد‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه كان يتم القرآن ف كل ثلث سفرًا وحضرًا وأنه أم قومه ستي سنة‬
‫ل يسهُ ف صلته؛ لنا كانت تمّه‪.‬‬
‫وقال عبداللك بن أب ر‪ :‬ما من الناس إل مُبتلى بعاف ية ليُن ظر ك يف ُشكْرُه أو‬
‫ُمبْتَلى ببلّيةٍ ليُنظر كيف صبُه‪.‬‬
‫و ف ال ب يأ ت على الناس زمان يكون هلك الر جل على يد زوج ته وأبو يه‬
‫وولده يُعيونهُ بالفقر ويكلفونه ما ل يطيق فيدخل ف الداخل الت يذهب فيها دنه‬
‫فيهلك‪ ،‬قلت‪ :‬هذا حاصل ف عصرنا فتأمل‪.‬‬
‫عن معمر مؤذن سُليمان التي مي‪ ،‬قال‪ :‬صلّى إل جنب سُليمان التيمي العشاء‬
‫الخرة‪ ،‬وسعته يقرأ‪ :‬تَبَارَكَ اّلذِي بَِيدِهِ ا ُل ْلكُ ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلما أتى على هذه الية َفلَمّ ا َرأَوْ هُ ُزْلفَةً سِيَئتْ وَجُو هُ اّلذِي نَ َكفَرُوا‬

‫جعل يُردّ ُدهَا حت خفّ أهل السجد وانصرفوا‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت وتركتُه‪.‬‬
‫قال‪ :‬وعدت لذان الفجر فإذا هو ف مقامه‪ ،‬قال‪ :‬فتس ّم ْعتُ‪ ،‬فإذا هو ل يزها‬
‫وهو يقول‪ :‬فَ َلمّا َرأَ ْوهُ ُزلْ َفةً سِيئَتْ وَجُوهُ اّلذِينَ َكفَرُوا ‪.‬‬
‫وق يل له‪ :‬أ نت أن تَ (أي يثنون عل يه)‪ ،‬قال‪ :‬ل تقولوا هكذا ل أدري ما يبدو‬
‫سبُونَ‬
‫ل من رب عز وجل‪ ،‬سعتُ ال يقول‪َ :‬وَبدَا لَهُم مّنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَ ِ‬

‫‪.‬‬
‫ولّا حضر ُه الوتُ قال لبنه‪ :‬يا ُمعْتَ ِمرُ حدّثن بالرّخَصِ لعلي ألقى ال ع ّز وجل‬
‫وأنا حسنُ الظّن به‪.‬‬
‫عن العمش قال‪ :‬قال عمرو بن عُتبة ب نُ فَرْقَد سَأْلتُ ال ثلثًا فأعطان اثنتي‬
‫وانت ظر الثالثة‪ ،‬سألته أن يُزهّد ن ف الدنيا ف ما أبال ما أق بل و ما أدبر‪ ،‬و سألته أن‬
‫يُق ّويْن على الصلة فرزقن منها‪ ،‬وسألته الشهادة فأنا أرجوها‪.‬‬
‫كان طلحة بن مُصرّف يقول ف دعائه‪ :‬اللهم اغفر ل ريائي وسُمعت‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال خُليد العصري‪ :‬كلنا قد أيقن بالوت وما نرى له مستعدًا‪ ،‬وكلنا قد أيقن‬
‫بالنة وما نرى لا عاملً‪.‬‬
‫وكلنبا قبد أيقبن بالنار ومبا نرى لاب خائف ًا‪ ،‬فعلم تعرجون‪ ،‬ومبا عسبيتم‬
‫تنتظرون‪ ،‬الوت فهو أول وارد عليكم من ال بي أو بشر‪.‬‬
‫إخوان‪ ،‬إنكم تغدون وتروحون ف آجال قد غيبت عنكم ل تدرون مت تجم‬
‫ب مُسْرع‪.‬‬
‫عليكم فالوحا الوحا والنجا النجا فالطال ُ‬
‫يَج ّد بنببا صببَ ْرفُ ال ّزمَانببِ ونَهْ ُزلُ ونُوقَظببُ بالحْدَاثببِ فيببه وَن ْغفُلُ‬
‫ب مُسبببْتعْجَلٌ أو مُؤجّلُ‬
‫ب أ ْو ُموَدّعبٌ ومُسبببْتَل ٌ‬
‫ومَبا الناسبُ إل ظاعِن ٌ‬
‫ب اليامببُ إل َمنَازِلٌ إذا مَببا قَ َطعْنَببا َمنْز ًل بَانببَ مَنْزلُ‬
‫ومببا هَذِهب ِ‬
‫ب أوّلُ‬
‫ب منّابب آ ِخ ٌر مَاتب َ‬
‫َفنَاءٌ مُلحببٌ مَببا ُيغِبببُ جْيعَنَببا إذا عاشب َ‬
‫ببب الفَنَا ُء الُعَجّلُ‬
‫بببَلّمَ ُه منّيب‬
‫َهب تَسب‬
‫أكرهب َف ْقد ُ‬
‫ْتب ُ‬
‫وكبم صبَا ِحبٍ ل كن ُ‬
‫اسبعوا عظبة الزمان إن كنتبم تسبمعون‪ ،‬وتأملوا تقلّب الحوال إن كنتبم‬
‫تُبصرون‪.‬‬
‫قال يي بن معاذ‪ :‬لو سع اللئق صوت النياحة على الدنيا من ألسنة الفناء‬
‫ب منهم حزنًا‪.‬‬
‫لتساقطت القلو ُ‬
‫ولو رأت العقولُ بعيِ اليان نُ ْز َهةَ النةِ َلذَاِبتِ النُفوسُ شوقًا إليها‪.‬‬
‫ولو أدركت القلو بُ الحب َة لالقِها لتخّلعَ تْ َمفَا صُِلهَا ولا فسبحان من أغفل‬
‫الليقة عن ُكنْهِ هذه الشياء وألاهُم الوصف عن حقائق هذه النباء‪.‬‬
‫ب‬
‫ح ِقرُ قَومًبا حَظُهُبم عَرَض ُ‬
‫بن جَوهَ ِر الشياء ُب ْغَيتَه بُ يأسبَى ويَ ْ‬
‫بن نَالَ مب‬
‫مب‬
‫ب حُبّ الزّخَا ِر فِ ل يدرُو نَ مَا الغر ضُ‬
‫ب يش ُفهُم ُ‬
‫ب مِبن قوم ٍ‬
‫إنب لعْجَب ُ‬
‫ببُ بَلَى ُعقُولٌ وأحْلمببٌ بابب مَرَضببُ‬
‫ب تَزْ ُج ُرهُمب‬
‫ب َ‬
‫أل ُعقُول أل أحْلمب‬
‫جتَنَا‪ ،‬واهْد‬
‫الل هم تق بل توبت نا‪ ،‬واغ سل حوبت نا‪ ،‬وأ جب دعوت نا‪ ،‬وث بت ُح ّ‬
‫قُلوبنا‪ ،‬وسدّدْ ألسنتنا‪ ،‬واسُْللْ سخيمةَ صُدُورنا‪.‬‬
‫‪142‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫واغفر لنا ولوالدينا وجيع السلمي برحتك يا أرحم الراحي‪ ،‬وصل ال على‬
‫ممد وآله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫فوائد ومواعظ‬
‫اعلم يا أ خي‪ ،‬أن الناس ع ند الوت ثل ثة أق سام‪ ،‬الول‪ :‬ذو ب صية علم أن‬
‫الن سان وإن طال عمره ف الدن يا ف هو كخط فة برق ل عت ف ال سماء ث عادت‬
‫للختفاء‪ ،‬فل يث قل على العا قل اللب يب الُروج من الدن يا إل بقدر ما يفو ته من‬
‫خدمة ربه عز وجل‪ ،‬والزدياد مِن ما يقربه إليه‪ ،‬والشفاق ما يقول أو يقال له‪.‬‬
‫ك ما قال بعض هم لّ ا ق يل له‪ :‬لِ مَ تزع؟ قال‪ :‬ل ن أ سلُكُ طريقًا ل أعهدْ هُ‪،‬‬
‫وأقدم على رب جل وعل ول أدري ما أقول وما يقال ل‪.‬‬
‫ومثْلُ هذا الش خص ل ينفُر من الوت‪ ،‬بل إذا عجزَ عن العبادة ربّ ما أشتا قَ‬
‫إليه‪.‬‬
‫وقال بعضُهم ف مناجاته‪ :‬إلي إن سألتُكَ الياة ف دار المات فقد رغب تُ ف‬
‫البعد عنك‪ ،‬وزهدتُ ف القرب منك‪.‬‬
‫فقد قال نبيُك وصفيُك ‪« :‬مَن أ َحبّ لِقاءَ ال أ َحبّ ال ِلقَاءَهُ ومَن كَرِهَ ِلقَاءَ‬
‫ال كَ ِرهَ ال لقاءه»‪.‬‬
‫الثان‪ :‬رجلٌ رديء البصية مُتلطخ السريرة مُنهمكٌ ف الدنيا مُنكرٌ للبعث‪ ،‬قد‬
‫رضي بالياة الدنيا واطمأن با ويئس مِن الخرة‪.‬‬
‫فهذا مصيهُ كما ذكر ال‪ِ :‬إنّ اّلذِي نَ لَ يَرْجُو نَ لِقَاءَنَا َورَضُوا بِاْلحَيَاةِ ال ّدنْيَا‬
‫وَاطْ َمأَنّوا بِهَا وَاّلذِينَ هُمْ َعنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُ ْولَئِكَ َمأْوَاهُ ُم النّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‬

‫‪.‬‬
‫القسم الثالث‪ :‬مَن خلطوا عملً صالًا وآخر سيئًا واعترفوا بذنوبم‪ ،‬وهؤلء‬
‫ُونه اعْتَرَفُوا‬
‫أيض ًا مصبيهم كمبا ذكبر ال‪ ،‬قال ال ج ّل وعل وتقدس‪ :‬وَآخَر َ‬
‫بِ ُذنُوبِهِ مْ خَ َلطُوا عَ َملً صَاِلحًا وَآخَرَ سَيّئًا عَ سَى اللّ هُ أَن يَتُو بَ َعلَيْهِ مْ إِنّ اللّ هَ َغفُورٌ‬

‫رّحِيمٌ ‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ث اعلم أن طول الع مر مبوب ومطلوب إذا كان ف طا عة ال؛ لقوله –عل يه‬
‫ال صلة وال سلم‪« :-‬خي كم من طال عمره وح سُن عمله» وكل ما كان الع مر‬
‫أطول ف طاعة ال‪ ،‬كانت السنات أكثر والدرجات أرفع‪.‬‬
‫وأ ما طوله ف غ ي طا عة‪ ،‬أو ف العا صي‪ ،‬ف هو شر وبلء‪ ،‬تك ثر ال سيئات‪،‬‬
‫وتضاعف الطيئات‪.‬‬
‫ومن زعم أنه ي بُ طول البقاء ف الدُنيا ليستكثر من العمال الصالة القربة‬
‫إل ال تعال‪ ،‬فإن كان مع ذلك حري صًا عليها ومُشمرًا فيها ومانبًا لا يشغل عنها‬
‫من أمور الدنيا فهو بالصادقي أشبه‪.‬‬
‫سوّفًا فيها أي العمال الصالة‪ ،‬فهو من الكاذبي‬
‫ل عنها ومُ َ‬
‫وإن كان متكاس ً‬
‫التعللّي با ل يُغن عنه‪.‬‬
‫لن من أحب أن يبقى لجل شيء وجدته ف غاية الرص عليه مافةَ أن يفوتهُ‬
‫ويُحال بينُه وبينَه‪.‬‬
‫ولسيّمَا والعمل الصال مَلّه الدنيا ول يكن ف غيها؛ لن الخرة دارُ جزاء‬
‫وليست بدار عمل‪.‬‬
‫فتفكر يا أخي ف ذلك عسى ال أن ينفعنا وإيّاك واستعن بال واصب واجتهد‬
‫وشّر وبادر بالعمال الصالة قبل أن يُحال بينك وبينها فل تد إليها سبيلً‪.‬‬
‫ف من صوبُ ل سهام‬
‫وكُ نْ حذر من مفاجأة ال جل فإ نك غر ضٍ للفات وهد ٌ‬
‫النايا وإنا رأ سُ مالك الذي يكنُ كَ إن وَفقَ كَ ال أن تشتري به سعادة البد هذا‬
‫العُمْر‪.‬‬
‫قال ال جل وعل‪ :‬أَوَ لَ مْ نُعَمّ ْركُم مّا يََت َذكّرُ فِي هِ مَن تَ َذكّرَ الية‪ ،‬فإيّاك أن‬
‫تن فق أوقا ته وأيام ُه و ساعاته وأنفا سَه في ما ل خ ي ف يه ول منف عة فيطول ت سّركَ‬
‫ون َدمُك وحُزنُكَ بعد الوت‪.‬‬
‫ب‬
‫ب فب َغيْ ِر واجِب ِ‬
‫إذا كان رأسببُ الا ِل عُمْرِكببَ فا ْحتَ ِرزْ عليبه مبن النفاق ِ‬

‫‪144‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال م مد بن القا سم خادم م مد بن أ سلم‪ ،‬قال م مد بن أ سلم‪ :‬مال ولذا‬
‫اللق كُنتُ ف صلب أب و ْحدِي‪.‬‬
‫ث صرت ف بطن أمي وحْدِي‪.‬‬
‫ث َدخَ ْلتُ الدنيا و ْحدِي‪.‬‬
‫ث أدخل ف قبي وحدي‪.‬‬
‫ث يأتين منكر ونكي فيسألن وحدي‪ ،‬فإن صرت إل خي صرت وحدي‪.‬‬
‫ث يوضع عملي وذنوب ف اليزان وحدي‪.‬‬
‫وإن بُعْثتُ إل النة بُعثتُ وحدي‪.‬‬
‫وإن بُعثتُ إل النار بعثتُ وحدي‪ ،‬فما ل وللناس‪.‬‬
‫ث تف كر ساعة فوق عت عل يه ال ّرعْ َدةُ ح ت خشي تُ أن ي سقُط‪ ،‬قال‪ :‬و سعته‬
‫يلف كذا وكذا مرة يقول‪ :‬لو قدرتُ أن أتطوع حيثُ ل يران ملكاي لفعلتُ‪.‬‬
‫ولكن ل أستطيع ذلك خوفًا من الرياء‪.‬‬
‫وكان يدخل بيته ويُغلقُ بابه ويدخل معه كُوزًا من ماء فلم أدري ما يصنع‪.‬‬
‫ت ابنًا له صغيًا يكي بُكاءهُ فنهتهُ أمهُ‪ ،‬فقلتُ لا‪ :‬ما هذا البكاء؟‬
‫حت سع ُ‬
‫فقالت‪ :‬إن أ با ال سن يد خل هذا الب يت فيقرأ القرآن ويب كي في سمعه ال صب‬
‫فيحكيه (أي يقلده)‪.‬‬
‫وكان إذا أراد أن يُخرج غسل وجهه واكتحل لئل يُرى عليه أثرُ البُكاءِ‪.‬‬
‫بلغ يا أخي الذين يذكرون أعمالم للناس من حج وصدقة وصيام رياءً وسعةً‪.‬‬
‫ث إليهم ويقول للرسول‪ :‬انظر أن‬
‫وكان يصل قومًا وُيعْطِيهم ويكسوهم فيبع ُ‬
‫ل يعلموا من بعثه إليهم ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويفى نفسه‪.‬‬
‫ول يعلمون من الذي أعطاهم ول أعلم أنه وصل أحدًا بأقل من مائة درهم إل‬
‫أن ل يكنه ذلك‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫صنَعَ ال‬
‫ودخل تُ عل يه ق بل مو ته بأرب عة أيام‪ ،‬فقال‪ :‬يا أ با عبدال‪ ،‬أب شر ب ا َ‬
‫بأخيبك مبن اليب ق ْد نَ َزلَ بب الوتُب وقبد مَنّ ال علي أنبه ليبس عندي درهبم‬
‫يُحاسبن ال عليه‪.‬‬
‫ضعْفِي فإ ن ل أطي ُق ال سابَ‪ ،‬فلم يدع عندي شيئًا يُحا سبن ال‬
‫و قد علم َ‬
‫عليه ث أغلق الباب ول تأذن لحدٍ علي حت أموت‪.‬‬
‫واعلم أن أخر جُ ن الدنيا وليس أد عُ مياثًا غي كسائي‪ ،‬وإنائي الذي أتوضأ‬
‫فيه وكتب‪.‬‬
‫وكانت معه صُر ٌة فيها نو ثلثي درهًا‪ ،‬فقال‪ :‬هذا لبن أهدا هُ إليه قري بٌ له‬
‫ول أعلم شيئًا أحَلّ ل منه؛ لن النب قال‪« :‬أنْتَ ومالُك لبيك»‪.‬‬
‫ف َك ّفنُو ن من ها وابْ سُطُوا على جناز ت لبدي وغطوا عليّ بك سائِي وت صدّقوا‬
‫بإنائي أعطُو ُه مسكينًا يتوضأ منه ث مات باليوم الرابع ب رحه ال ب‪.‬‬
‫ق يل‪ :‬إ نه مرض ق يس أ حد الكرماء فا ستبطأ إخوا نه ف عياد ته‪ ،‬ف سأل عن هم‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬إنم يستحيون لالكَ عليهم من الدّين‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أخزى ال مالً ينعُ الخوان عن الزيارة‪.‬‬
‫س عليه مال فهو منه ف حِلّ‪.‬‬
‫ث أمر مُناديًا ينادي من كان ِل َقْي ٍ‬
‫ت عتبةُ داره بالعشى لكثرة ُعوّاده‪.‬‬
‫فكُسر ْ‬
‫وأتبى رجبل صبديقًا ودقّ عليبه الباب فلمبا خرجبَ‪ ،‬قال‪ :‬لاذا جئتنب؟ قال‪:‬‬
‫لربعمائة درهم َديْنٌ عَليّ‪.‬‬
‫فدخل الدار ووزن له أربعمائة درهم وسلمها له ودخل الدار يبكي‪.‬‬
‫فقالت امرأته‪ :‬هلّا تعللت واعتذرت حي شقّ عليك الجابة؟‬
‫فقال‪ :‬إنا أبكي لن غفلتُ عنه ول أتفقّدْ حَاله حَت احتاجَ أن يُفاجئن به‪.‬‬
‫ت يوم اليمُوك لطلب ابن عم ل ومعي‬
‫وحكي عن حُذيفة العَدَوي قال‪ :‬انطلق ُ‬
‫شيء من ما ٍء وأنا أقولُ إن كان به رم قٌ سقيته ومسحت وجه هُ فإذا أنابه‪ ،‬فقل تُ‪:‬‬
‫ل َنعَمْ فإذا رَ ُج ٌل يقول‪ :‬آهْ‪ ،‬فقال اب ُن عمي‪ :‬انطلقْ إليه‪.‬‬
‫ك فأشار إ ّ‬
‫أسقي َ‬
‫‪146‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فجئتُ إليه فإذا ُهوَ هشامُ ب ُن العاص‪ ،‬فقلتُ‪ :‬اسقيكَ فسم َع هشامُ آخر يقول‪:‬‬
‫آه‪ ،‬فقال‪ :‬انطلق به إليه فجئت إليه فإذا هو قد مَات‪.‬‬
‫ث رجعت إل هشام فإذا هو أيضًا قد مات‪.‬‬
‫ث رجعتُ إل ابن عمّي فإذا هو قد مات‪.‬‬
‫إل كَمببْ ذا التراخِببي و التّمَادي وحادي الوت بالرواحببببِ حَادي‬
‫فلو كُنّبببا جَمَادًا لّت َعضْنَبببا وَلكِنّببببا أشدّ مببببن الَمَادِ‬
‫بغِي إل قَولِ ا ُلنَادِي‬
‫ُتنَادِينببببا الَنّيةُ كُ ّل وقتببببً ومبببا نُصبب ْ‬
‫ب النُفوس إل انِْتقَاصبببٍ ولكنّببب ال ُذنَوببببَ إل ازْدَيادِ‬
‫وأنفاسبب ُ‬
‫بفِرَارٌ فليسبببَ دَواؤُهبببُ غ َي الَصبببادِ‬
‫با الزّرْعببُ قَا َرنَهببُ اصب ْ‬
‫إذا مَب‬
‫كأنّكبب بالشيبببِ وقببد َتبَدّى‬
‫وبالخرى ُمنَاديهبببببببا يُنادِي‬
‫وقالوا‪:‬‬
‫قَدْ قَضَببببى فاقْ َروْا عليببببه سببببَل َمكُمُ إل َيوْمببببِ التّنَادِ‬
‫عن أب معشر قال‪ :‬رأي تُ عو نَ بن عبدال ف ملس أب حازم يبكي ويسحُ‬
‫وجههُ بدُموعه‪.‬‬
‫فقيل له‪ :‬ل تسح و ْجهَ كَ بدمُوعِ كَ؟ قال‪ :‬بلغن أنه ل تصيب دموع النسان‬
‫مكانًا من جسده إل حرم ال عز وجل ذلك الكان على النار‪.‬‬
‫ب التائب بنلة الزُجَا جة يُؤثّ ر في ها جي عُ مَا أ صابا‪ ،‬فالوع ظة إل‬
‫وقال‪ :‬قل ُ‬
‫قلوبم سريْعة وهُمْ إل الرقة أقرب‪.‬‬
‫فداوُوا القلوب بالتو بة فلرُبّ تائب دع ته توبتُ هُ إل ال نة ح ت أوفدتْ ُه علي ها‪،‬‬
‫وجالسوا التوابي‪ ،‬فإن رحة ال إل التوابي أقرب‪.‬‬
‫ل يقولُ‪ :‬أ ين الزاهدون ف الدن يا الراغبون في ما ع ند ال؟‬
‫سع ال سعودي ر ُج ً‬
‫فقال‪ :‬اقلب العن وضع يدك على من شئت‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن صال الري‪ ،‬قال‪ :‬كان عطاء ال سلمي قد أضرّ بنف سه ح ت ضُع فَ قال‪:‬‬
‫ك شَيئًا فل تردّ كرامَ ت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ك وأ نا ُمتَكَِل فٌ لَ َ‬
‫ت بنف س َ‬
‫ضرَرْ َ‬
‫قل تُ له‪ :‬إ نك قد أ ْ‬
‫أفعل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فاشتر يت سويقًا من أجودِ ما وجد تُ و سنًا فجعل تُ له شُريبةً ولينتُ ها‬
‫وأرسلتُها مع ابن وكوزًا من ماءٍ‪ ،‬وقُل تُ له‪ :‬ل تبح حت يشرَبهَا‪ ،‬فرجع‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫قد شربَا‪.‬‬
‫فلما كان من الغد جعل تُ له نوها فر ّجعَها ول يشربْها فأتيتُه فلمتُه‪ ،‬فقل تُ‪:‬‬
‫سبحان ال رددت عليّ كرام ت إن هذا م ا يُعْينُ كَ‪ ،‬ويقو يك على ال صلة وعلى‬
‫ذكر ال‪.‬‬
‫سوْ ُءكَ ال قد شربتُ ها أولَ مرة‪ ،‬فل ما كان الغدُ راود تُ‬
‫قال‪ :‬يا أ با ب شر ل ي ُ‬
‫نفْسي على أن تسيغهَا فما َقدِرْتُ ذلك‪.‬‬
‫ت هذه الية‪ :‬يََتجَرّعُهُ َولَ يَكَادُ يُسِي ُغهُ َوَي ْأتِيهِ الَوْتُ‬
‫إذا أردتُ أن أشربا ذكر ُ‬

‫مِن كُلّ مَكَانٍ َومَا هُوَ بِمَيّتٍ َومِن َورَائِه َعذَابٌ غَلِيظٌ ‪.‬‬
‫ت لنفسي‪ :‬أران ف وا ٍد وأنت ف آخر‪.‬‬
‫فبكى صال عند هذه‪ ،‬وقال‪ :‬قل ُ‬
‫وقال العلء بن ممد‪ :‬دخلتُ على السلمي وقد غُشي عليه‪ ،‬فقلت لمرأته‪ :‬ما‬
‫شأن عطاء؟ فقالت‪ :‬سجّرتْ جارتنا التنور فنظر إليه فخرّ ُمغْشيًا عليه‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إذا ذكر تُ أ هل النار و ما ينل ب م من عذاب ال وعقا به تَمثّلَ تْ ل‬
‫َنفْسِي بم‪.‬‬
‫فكيف ِلَنفْسٍ تغلّ يدُها إل ُعنُقها وتسحبُ ف النار‪ ،‬أل تصيح فتبكي!‬
‫وك يف لن فس تعذب أل تبْكِي! و ما أ قل غنا ُء البُكاء عن أهله إن ل يرح هم‬
‫ال!‬
‫وقال له ب شر بن من صور‪ :‬ما هذا الزن؟ قال‪ :‬وي كَ الوت ف عُن قي وال قب‬
‫بيت‪ ،‬وف القيامة موقفي‪ ،‬وعلى جسر جهنم طريقي‪ ،‬ورب ما أدري ما يصنع ب‪،‬‬
‫ث تن ّفسَ فغُشي عليه‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال عُمر بن درهم لعطاء‪ :‬حت مت نسهو ونلعب وملك الوت ف طلبنا ل‬
‫حةً َخ ّر َمغْشيًا عليه‪.‬‬
‫يَكُفَ فصاح عطاء صي َ‬
‫واجت مع الناس وق عد ع مر ع ند رأ سه فلم يزل على حاله ح ت الغرب ث أفاق‬
‫فحُمل‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إن أبا عثمان النتخب أنشد نور الدين أبياتًا تتضمنُ ما هو مُتلبسٌ به نور‬
‫الدين ف ملكه من الكوس والضرائب وفيها تويف وتذير شديد له كانت هذه‬
‫البيات سببًا لوضعها عن الناس‪:‬‬
‫بببا الغْ ُروْرُ يوم ال ِقيَا َمةِ والسببببببما ُء تَمُورُ‬
‫ب أيهب‬
‫بب َ‬
‫ِمثّلْ وُُقوْفَكب‬
‫ب مُنكَ ٌر وَن ِكيْرُ‬
‫ماذا تقولُ إذا ُنقِلْتبببببَ إل البِلىَ فرْدًا وجَاءَكببببب َ‬
‫بيْرُ‬
‫ب عَسبب ِ‬
‫ل والسبببا ُ‬
‫ببٍ َفرْدًا ذَِلْي ً‬
‫ببَ بِ َموْقِفب‬
‫ماذا تقولُ إذا وَقفْتب‬
‫ب فب يوم الِسببَابِ مُس ببَلْسَلٌ مَجْ ُروْرُ‬
‫ُصب ْومُ وأنْت َ‬
‫ْكب ال ُ‬
‫َتب ِفي َ‬
‫وتَعَّلق ْ‬
‫بببّ ٌد َم ْقبُورُ‬
‫ب ال ُقبُورِ ُموَسب‬
‫بب ِ‬
‫ضيْقب‬
‫ب فب ِ‬
‫لُنوْ ُد وأنْت َ‬
‫با ُ‬
‫ب عَنْك َ‬
‫وتَفَرّقَت ْ‬
‫بببُ أ ميُ‬
‫ب ولَيةً َيوْمًبببا ول قال النامب‬
‫َووَدِدْت بْ أنك بَ مَبا وَِليْت َ‬
‫وبَ ِقيْتبببَ َبعْ َد العِزّ َرهْنبببَ َح ِفيْرةً فبب عَالَم الوتببى وأنْتببَ َح ِقيْرُ‬
‫ب مُجيْرُ‬
‫ب عُ ْريَانًبا َح ِزيْنًبا باكِيًبا قَلقًبا ومالكببَ فبب النامبِ‬
‫وحُشِرْت َ‬
‫ب عَافبب الَرَابببِ وجْسببْمُكَ ا َلعْ ُموْرُ‬
‫ب دَارس ٌ‬
‫ب تْيَبا وقَ ْلبُك َ‬
‫ب أن ْ‬
‫ضيْت َ‬
‫أرَ ِ‬
‫جوْرُ‬
‫ب ُمعَذّببببٌ َم ْه ُ‬
‫ب أبدًا وأنْتبب َ‬
‫سبوَاك بقُ ْربِه ِ‬
‫ب ُيحْظَبى ِ‬
‫ب أن ْ‬
‫ضيْت َ‬
‫أرَ ِ‬
‫ج ًة َتنْجُببو بَببا َيوْم العا ِد َويْومببببببَ َتبْ ُد ْو العُوْرُ‬
‫َمهّدْ ِلَنفْسببِكَ ُح ّ‬
‫فلمبا سبع نور الديبن هذه البيات بكبى بكاءً شديدًا وأمبر بوضبع الضرائب‬
‫والكوس ف سائر البلد وكتب إل الناس ليكون منهم ف حل ما كان أخذ منهم‪،‬‬
‫ويقول ل م‪ :‬إن ا صرف ذلك ف قتال أعدائ كم من الكفرة والذب عن بلد كم‬
‫ونسائكم وأولدكم‪ ،‬وكتب ذلك إل سائر مالكه وبلدان سلطانه وأمر الوعاظ أن‬
‫يستحلوا له من التجار‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫‪149‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل‬

‫قال ممد بن واسع‪ :‬ما آسى مِن الدنيا إل على ثلث‪ :‬صاحب إذا اعوججت‬
‫قومن‪ ،‬وصلة ف جاعة يُحمل عن سهوها وأفو ُز بفّضْلِها‪ ،‬وقوتٍ من الدنيا ليس‬
‫لحد فيه منة‪ ،‬ول ل عز وجل علي فيه تبعة‪.‬‬
‫كان بالكوفة رجل قد خرج عن ُدْنيًا واسعةً وتعبّد‪ ،‬فقال الفضيل لعبدال بن‬
‫البارك‪ :‬إن هاهنا رجلً من الُتعبدين قد خرج عن دُنيا واسعة فامض بنا إليه ننظر‬
‫عقله‪ ،‬فجاءوا إليه وهو عل يل وعل يه عباء ٌة وت ت رأ سه قطع ُة لب نة ف سلم عليه ابن‬
‫البارك‪ ،‬ث قال لهُ‪ :‬يا أخي‪ ،‬بلغنا أنه ما ترك عب ٌد شيئًا ل إل عوضُهُ ال ما هو أكثر‬
‫منه فما عوّضَكَ؟‬
‫سبُكَ‪ ،‬وقاما على ذلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬الرّضَا بَا أنا فيه‪ ،‬فقال ابنُ البارك‪ :‬حَ ْ‬
‫ك الناس عن ذات نفسك‪ ،‬فإن‬
‫وأوصى بعضهم أخًا له ف ال‪ ،‬فقال‪ :‬ل يُ ْل ِهَينّ َ‬
‫ال مر يلص إ ل يك دون م ول أر شيئًا أح سن طلبًا ول أ سرع إدراكًا من ح سنة‬
‫حديثة لذنب قدي‪.‬‬
‫قال خليد العصري‪ :‬كلنا قد أيقن بالوت وما نرى له مستعدًا‪ ،‬وكلنا قد أيقن‬
‫بالنة وما نرى لا عاملً‪ ،‬وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى له خائفًا‪ ،‬فعلم تعرجون‪.‬‬
‫و ما ع سيتم تنتظرون الوت ف هو أول وارد علي كم من ال ب ي أو شر‪ ،‬ف يا‬
‫اخوتاه‪ ،‬سيوا إل ربكم سيًا جيلً‪.‬‬
‫وقال آ خر‪ :‬ا بن آدم لو رأ يت ي سيَ ما ب قي من أجلك‪ ،‬لزهد تَ ف طول ما‬
‫ت مِن حِرْصِكَ و ِحيَلِك‪.‬‬
‫ترجُو من أملك ولرغبتَ ف الزيادة من عملك‪ ،‬ولقصّرْ َ‬
‫ك أهْلُ كَ وحَشَمُ كْ‪ ،‬وتَبَا م نك‬
‫وإن ا يَ ْلقَا َك نَ َدمُ كَ إذا زَلّ ق َدمُ كْ‪ ،‬وا سْلِم َ‬
‫ف عنكَ الَبيْب‪ ،‬فل أنت إل ُدنْياك عَائد ول ف حسناتك زائد‪.‬‬
‫القريب‪ ،‬واْنصَر َ‬

‫‪150‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫با‬
‫با الُطُوبببُ كُ ُروْرَهَب‬
‫أبَدًا تُفهّمُنَب‬
‫ب‬
‫بُ كأناب‬
‫بَا ِمعَنا العِظاتب‬
‫تَلْقَبى مَسب‬
‫ب سبُطورها‬
‫ب نن ُ‬
‫ف اليام ِ‬
‫بحَائ ُ‬
‫وص َ‬
‫ضرْيُهبببببُ‬
‫لَحْدٌ على َلحْ ٍد ُيهَالُ َ‬
‫مَن ببْ ذا تَوقّاه النون ببُ وَقبْلنَببا‬
‫والّتبّعانببِ َتلَحقَببا و ُمحَرّقببٌ‬

‫ب ل َي ْفهَم بُ‬
‫ونَعُودُ ف ب عَمَه بٍ كَمَن ْ‬
‫ب‬
‫فب الظ ِل يَرْقُبم َوعْظَبه مَبن يَرقُم ُ‬
‫ُيقْرَا الخِ ُي ويُدْرج التقدّمببببببُ‬
‫ب عليهببا أعْظُمببُ‬
‫وبأعَظُببم ِرمَمب ٌ‬
‫عادٌ أطاحَهببم الِمَامببُ ُوجُرْهمببُ‬
‫ب و ُمتَمّم ببُ‬
‫ب ومَالِك ب ٌ‬
‫وا ُلنْذِرَان ب ِ‬

‫ل يُسِيءُ ف صلته‪ ،‬فقال‪ :‬ما أرحن لعياله‪.‬‬
‫رأى مالك بن دينار رَ ُج ً‬
‫فقيل له‪ :‬يُسيءُ هذا صلته وترحم عياله‪ ،‬قال‪ :‬إنه كبيهم ومنه يتعلمون‪.‬‬
‫وقال سهل بن عبدال‪ :‬ا ستجلب حلوة الز هد بق صر ال مل‪ ،‬واق طع أ سباب‬
‫الطمع بصحة اليأس‪ ،‬وتعرض لرقة القلب بجالسة أهل الذكر‪.‬‬
‫واستفتح باب الزن بطول الفكر‪ ،‬وتزيّن ل بالصدق ف كل الحوال‪.‬‬
‫يغرقب اللكبى‪ ،‬وإياك والغفلة فإن فيهبا سبواد القلب‪،‬‬
‫ُ‬
‫وإياك والتسبويف فإنبه‬
‫واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر‪.‬‬
‫كان السلف أحرص ما يكونون على أوقاتم؛ لنم يعرفون قيمة الوقت وأنه‬
‫إذا فات ل يُستدرك فهو أعز شيء يُغار عليه أن ينقضي بدون عملٍ صال‪.‬‬
‫فالوقت ينقضي وينصرم بنفسه‪ ،‬فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم‬
‫فواته واشتدّت حسراتُه‪.‬‬
‫فكيف حالُه إذا علم عند تقق الفوات مقدار ما أضاع‪ ،‬وطلب الرجُوع فحيل‬
‫س الفائت ف اليوم الديد‪.‬‬
‫بينه وبينه‪ ،‬وطلب تناول الفائت‪ ،‬وكيف يُر ُد الم ُ‬
‫قال ال جل وعل‪َ :‬وقَالُوا آمَنّا بِ هِ َوأَنّى لَهُ مُ التّنَاوُ شُ مِن مّكَا نٍ َبعِيدٍ ومنع‬
‫ما يبه ويرضيه‪.‬‬
‫وعلم أن ما اقتناه ليس للعاقل ما ينبغي أن يقتنيه‪ ،‬وحيل بينه وبي ما يشتهيه‪.‬‬
‫فيا لا من حسرة ما إل رد مثلها من سبيل‪.‬‬
‫كان السن يقول‪ :‬أصول الشر ثلثة‪ :‬الرص‪ ،‬والسد‪ ،‬والكب‪.‬‬
‫‪151‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فالكب منع إبليس من ال سجود لدم‪ ،‬والرص أخرج آدم من النة‪ ،‬والسد‬
‫حل ابن آدم على قتل أخيه‪.‬‬
‫وقال غيه‪ :‬ل يس لثلث حيلة ف قر يُخال طه ك سل‪ ،‬وخُ صومة يُداخل ها ح سد‪،‬‬
‫ومرض يُداخله هرم‪.‬‬
‫ثلثة ينبغي مداراتم‪ :‬اللك السلط‪ ،‬والرأة المقى‪ ،‬والريض‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬ل نوم أثقل من الغفلة ول رق أملك من الشهوة‪ ،‬ولول ثقل الغفلة‬
‫ل تظفر بك الشهوة‪.‬‬
‫وقال آخبر‪ :‬يبا اببن آدم‪ ،‬مالك تأسبف على مفقود ل يرده عليبك الفوت‪،‬‬
‫ومالك تفرح بوجود ل يتركه ف يديك الوت‪.‬‬
‫ب مزدحة على عاقبةٍ مبهمةٍ‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬ذنو ٌ‬
‫إلي أرحن لقدرتك علي ولاجت إليك‪.‬‬
‫إلي ضيعت بالذنب نفسي فارددها بالعفو عَليّ يا أجود الجودين‪.‬‬
‫يا من يغضب على من ل يسأل ل تنع من قد سألك‪.‬‬
‫وق يل ل خر و هو يود بنف سه‪ ،‬قل‪ ،‬فقال‪ :‬الل هم إ ن ن صحت خل قك ظاهرًا‪،‬‬
‫ك ث خرجت روحه‪.‬‬
‫وغششت نفسي باطنًا‪ ،‬فهب ل غشي لنفسي‪ ،‬لُنصْحِي لَ ْلقِ َ‬
‫وقال آخر‪ :‬من ل يزن أفعاله وأحواله ف كل وقت بالكتاب وال سّنة ول يتهم‬
‫خواطره فل تعده ف ديوان الرجال‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ح سن أدب الظا هر عنوان على ح سن أدب البا طن؛ لن ال نب قال‪:‬‬
‫«لو خشع القلب هذا لشعتْ جوارحُه»‪.‬‬
‫بن الرجال‪ ،‬فقال‪ :‬القائمون بوفاء العهود‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬رِجَالٌ‬
‫وس بُئل عب‬

‫صدَقُوا مَا عَا َهدُوا ال ّلهَ َعلَ ْيهِ ‪.‬‬
‫َ‬
‫من نظر ف سي السّلف عرف تقصيه وتلفه عن درجات الرجال‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقيل لمدون‪ :‬ما بال كلم السلف أنفع من كلمنا‪ ،‬قال‪ :‬لنم تكلموا لعز‬
‫السلم وناة النفوس ورضا الرحن‪ ،‬ونن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا‬
‫اللق‪.‬‬
‫قُل تُ‪ :‬فكيف لو رأى أهل هذا الزمان وما أصيبوا به مِن التكَالُب على الدنيا‬
‫والفتنان بزخارفِها ومغرياتا فل حول ول قوة إل بال العلي العظيم‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال شيخ السلم‪ :‬القلبُ ل يصلح ول يفلح ول يسر ول يلتذ ول يطيب ول‬
‫يسكن ول يطمئن إل بعبادة ربه وحُبه والنابة إليه‪ ،‬ولو حصل له كُل ما يلتذُ به‬
‫من الخلوقات ل يطمئنّ ول يسكن‪ ،‬إذ فيه فقر ذات إل ربه من حيث هُو معبودُهُ‬
‫ومبوب ُه ومطلوب ُه‪ ،‬وذلك يصبل له الفرح والسبرور واللذ ُة والنعم ُة والسبُكونُ‬
‫والطمأنينة‪.‬‬
‫وهذا ل ي صل إل بإعا نة ال له‪ ،‬ول يقدر على ت صيل ذلك له إل ال‪ ،‬ف هو‬
‫دائمَا مفتقرٌ إل حقيقة إيّاك نعب ُد وإيّاك نستعي‪.‬‬
‫فهو مفتقرٌ إليه من حيث هو الطلوب الحبوبُ العبو ُد ومن حيثُ هو الُستعانُ‬
‫به التوكلُ عليه‪.‬‬
‫فهو إله ل إله ل ُه غيهُ وهو ربّهُ ل ربّ له سواهُ ول تت ُم عبوديتُه إل بذين‪.‬‬
‫وقال‪ :‬إعراض القلب عن الطلب من ال والرجا له يوجب إنصراف قلبه عن‬
‫العبودية ل لسيما من كان يرجو الخلوق ول يرجو الالق‪.‬‬
‫بيبث يكون قلببه معتمدًا إمبا على رئاسبته وجنوده وأتباعبه وإمبا على أهله‬
‫وأصدقائه وإما على أمواله أو غيهم من مات أو يوت‪ ،‬قال تعال‪َ :‬وتَ َوكّلْ عَلَى‬

‫الَيّ اّلذِي لَ يَمُوتُ ‪.‬‬
‫وقال‪ :‬على كل مؤ من أن ل يتكلم ف ش يء من الد ين إل تبعًا ل ا جاء به‬
‫الرسول ول يتقدم بي يديه‪.‬‬
‫‪153‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعًا لقوله‪ ،‬وعمله تبعًا لمره‪ ،‬فمن قول ال وقول‬
‫رسوله يتعلم وبه يتكلم‪.‬‬
‫وكل من خالف ما جاء به الرسول ل يكن عند علم بذلك ول عدل‪ ،‬بل ل‬
‫يكون عنده إل جهل وظلم وظن وما توى النفس َوَل َقدْ جَاءَهُم مّن ّربّهِمُ ا ُلدَى‬

‫‪.‬‬
‫وقال ب رحه ال ب‪ :‬من ابتلي ببلءٍ قلب أزعجه فأعظمُ دواء له قو ُة اللتجاء‬
‫إل ال ودوا ُم التضرع والدُعاء بأن يتعلم الدعية الأثورة ويتو خى الدُعاء ف مظان‬
‫الجابة‪.‬‬
‫مثلُ آ خر الل يل وأوقات الذان والقا مة و ف سجوده وأدبار ال صلوات ويضُمّ‬
‫إل ذلك الستغفار‪.‬‬
‫وليتخ ْذ وردًا من الذكار طرف النهار وعند النوم وليصبْ على ما يعرضُ له من‬
‫الوانع والصوارف‪.‬‬
‫فإنه لبُدّ أن يُؤيده ال بروح منه ويكتب اليان ف قلبه‪.‬‬
‫وليحرص على إكمال الفرائض مبن الصبلوات المبس بباطنبه وظاهره فإناب‬
‫عمود الدين‪.‬‬
‫وليكن هجياه ل حول ول قوة إل بال العلي العظيم‪.‬‬
‫فإنه با يمل الثقال ويكابد الهوال وينال رفيع الحوال‪.‬‬
‫ول يسأم من الدعاء والطلب‪ ،‬فإن العبد يُستجاب له ما ل يعجل‪.‬‬
‫وليعلم أن النصر مع الصب وأن الفرج مع الكرب وأن مع العُسر يسرا‪.‬‬
‫وقال ابن القيم‪ :‬مراقبة الرب علم العبد وتيقنه بإطلع ال على ظاهره وباطنه‬
‫فاستدامته لذا العلم واليقي هي الراقبة‪.‬‬
‫وهي ثرة عمله بأن ال سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله ومطلع على‬
‫عمله كل وقت وكل لظة‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ق َطعْ مَ اليان من رضى بال ربًا‪ ،‬وبالسلم دينًا‪ ،‬وبحمد‬
‫قال النب ‪« :‬ذا َ‬
‫رسولً»‪.‬‬
‫وقال‪« :‬من قال حي يسمع النّداءَ رضي تُ بال ربًا‪ ،‬وبالسلم دينًا‪ ،‬وبحمد‬
‫نبيّا غفرت ذنوبه»‪.‬‬
‫وهذا الديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما َيْنتَهِي‪.‬‬
‫و قد تضَ ّمنَهَا الر ضا بربوبي ته سبحانه وألوهي ته والر ضا بر سوله والر ضا بدي نه‬
‫والتسليم له‪.‬‬
‫ومن اجتمعت له فهو الصديق َحقًا‪ ،‬وقال‪ :‬الد بُ اجتما عُ خصال الي ف‬
‫العبد‪ ،‬وهي ثلثة أنواع‪:‬‬
‫أدب مع ال بأن يَ صُون قلب هُ أن يلتف تَ إل غيه أو تتعلّق إرادته با يقتُه عليه‪،‬‬
‫ويصون معاملته أن يشوبا بنقيصه‪.‬‬
‫وأدب مبع الرسبول بكمال النقياد‪ ،‬وتلقبى خببه بالقبول والتصبديق وأن ل‬
‫يعارضه ب غيه بوجه من الوجوه‪.‬‬
‫وأدب مع اللق بعاملتهم على اختلف مراتبهم با يليق بم ويناسب حالتهم‪.‬‬
‫وقال ب رح ه ال ب‪ :‬القبول من الع مل ق سمان‪ ،‬أحده ا‪ :‬أن يُ صلي الع بد‬
‫ويعمل سائر الطاعات‪ ،‬وقلبه متعلق بال عز وجل ذاكر ال على الدوام فعمله ف‬
‫أعلى الراتب‪.‬‬
‫الثا ن‪ :‬أن يع مل الع بد العمال على العادة والغفلة وينوي ب ا الطا عة والتقرب‬
‫إل ال‪.‬‬
‫فأركا نه مشغولة بالطا عة وقل به له عن ذ كر ال وكذلك سائر أعماله‪ ،‬فهذا‬
‫عمله مقبُولٌ ومُثابٌ عليه بسبه‪.‬‬
‫وقال العارف‪ :‬ل يأ مر الناس بترك الدن يا فإن م ل يقدرون على ترك ها ول كن‬
‫يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب عليهم ترك الذنوب فاجتهد‬
‫وكيف يؤمر بفضيلة من ترك فريضة‪ ،‬فإن ص ُع َ‬
‫أن تبب ال إليهم بذكر نعمه وصفات كماله‪.‬‬
‫فإن القلوب مفطورة على مبتبه‪ ،‬فإذا تعلقبت بببه هان عليهبا ترك الذنوب‬
‫والقلل منها‪.‬‬
‫جبِ ورؤَي ِة النفس‪.‬‬
‫ل شيء أفْسَ َد للعمال من العُ ْ‬
‫ول ش يء أ صلح ل ا من شهود الع بد م نة ال وتوفي قه وال ستعانة به والفتقار‬
‫إليه وإخلص العمل له‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫وقال ابن القيم ب رحه ال ب‪:‬‬
‫العقبات الت يتدرج منها الشيطان لغواء العبد‪:‬‬

‫العقبة الول‪:‬‬

‫عقبة الكفر بال ولقائه وبصفات كماله وبا أخبت به رسله عنه‪ ،‬فإنه إن ظفر‬
‫به ف هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح‪.‬‬
‫فإن اقت حم هذه العق بة ون ا من ها بب صية الدا ية و سلم م عه نور اليان طل به‬
‫على‪.‬‬

‫العقبة الثانية‪:‬‬
‫وهي عقبة البدعة إما باعتقاد خلف الق الذي أرسل ال به رسوله وأنزل به‬
‫كتابه‪ ،‬وإما بالتعبد با ل يأذن به ال‪ ،‬من الوضاع والرسوم الحدثة ف الدّين الت‬
‫ل يقبل ال منها شيئًا‪.‬‬
‫والبدعتان ف الغالب متلزمتان قل أن تن فك إحداه ا عن الخرى‪ ،‬ك ما قال‬
‫بعضهبم‪ :‬تزوجبت بدعبة القوال ببدعبة العمال‪ ،‬فاشتغبل الزوجان بالعرس فلم‬
‫يفجأهم إلّا وأولد الزّنا يعيشون ف بلد السلم‪ ،‬تضج منهم العباد والبلد إل ال‬
‫تعال‪.‬‬
‫‪156‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال شيخ نا‪ :‬تزو جت القي قة الكافرة بالبد عة الفاجرة فتولّد بينه ما خ سران‬
‫الدّنيا والخرة‪.‬‬
‫فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور ال سّنة واعتصم منها بقيقة التابعة وما‬
‫مضى عليه السلف الخيار من الصحابة والتابعي لم بإحسان‪.‬‬
‫وهيهات أن تسمح العصار التأخرة بواحد من هذا الضرب‪ ،‬فإن سحت به‬
‫نصبب له أهبل البدع البائل ويغوْه الغوائل‪ ،‬وقالوا‪ :‬مبتدع مدث‪ ،‬فإذا وفقبه ال‬
‫لقطع هذه العقبة طلبه على‪:‬‬

‫العقبة الثالثة‪:‬‬

‫وهي عقبة الكبائر‪ ،‬فإن ظفر فيها زينّها له وح سّنها ف عينه وسوّف به وفتح‬
‫له باب الرجاء‪ ،‬وقال له‪ :‬اليان هو الت صديق نف سه فل تقدح ف يه العمال (أي‬
‫أعمال الفسوق والعصيان)‪.‬‬
‫وربا أجرى على لسانه وأُذنه كلم ًة طالا أهلك با اللق وهي قوله‪« :‬ل يضر‬
‫مع التوحيد ذنب‪ ،‬كما ل ينفع مع الشرك حسنة» والظفر به ف عقبة البدعة أحب‬
‫إليه‪ ،‬لناقضتها الدين‪ ،‬ودفعها لا بعث ال به رسوله‪.‬‬
‫وصاحبها ل يتوب منها‪ ،‬ول يرجع عنها بل يدعو اللق إليها‪ ،‬والجتهاد على‬
‫إطفاء نور السّنة‪.‬‬
‫وتولية من عزله ال ورسوله‪ ،‬وعزل من وله ال ورسوله‪ ،‬واعتبار ما ردّه ال‬
‫ور سوله‪ ،‬ورد ما اع تبه‪ ،‬وموالة من عاداه‪ ،‬ومعاداة من واله وإثبات ما نفاه‪،‬‬
‫ونفي ما أثبته‪.‬‬
‫وتكذ يب ال صادق وت صديق الكاذب‪ ،‬ومعار ضة ال ق بالبا طل وقلب القائق‬
‫ب عل ال ق باطلً والبا طل حقًا‪ ،‬واللاد ف د ين ال‪ ،‬وتعمي ُة ال ق على القلوب‬
‫وطلب العوج لصراط ال الستقيم‪ ،‬وفتح باب تبديل الدين جلة‪.‬‬
‫فإن البدع تستدرج بصغيها إل كبيها‪ ،‬حت ينسلخ صاحبها من الدين كما‬
‫تنسل الشعرة من العجي‪.‬‬
‫‪157‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فمفا سد البدع ل ي قف علي ها إل أرباب الب صائر‪ ،‬والعميان ضالون ف ظل مة‬
‫جعَلِ ال ّلهُ لَهُ نُورًا فَمَا َلهُ مِن نّورٍ ‪.‬‬
‫العمى َومَن ّلمْ َي ْ‬
‫فإن قطع هذه العقبة بعصمة ال أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على‪:‬‬

‫العقبة الرابعة‪:‬‬

‫وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقُفزان‪ ،‬وقال‪ :‬ما عليك إذا اجتنب الكبائر‬
‫ما غش يت الل مم أو ما عل مت أن ا تكفّ ر باجتناب الكبائر وبال سنات‪ ،‬ول يزال‬
‫يهوّن عليه أمرها حت يصر عليها‪.‬‬
‫فيكون مرتكب الكبية الائف الوجل النادم أحسن حا ًل منه‪ ،‬فالصرار على‬
‫الذنب أقبح منه ول كبية مع التوبة والستغفار‪ ،‬ول صغية مع الصرار‪.‬‬
‫ل بقوم نزلوا بفلة‬
‫وقد قال ‪« :‬إيّاكم ومقرات الذنوب» ث ضرب لذلك مث ً‬
‫من الرض فأعوزهم الطب‪ ،‬فجعل هذا ييء بعود وهذا بعود حت جعوا حطبًا‬
‫كثيًا فأوقدوا نارًا وأنضجوا خبزتم‪.‬‬
‫فكذلك فإن مقرات الذنوب تتجمبع على العببد وهبو يسبتهي بشأناب حتب‬
‫تلكه‪.‬‬
‫فإن نا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والستغفار وأتبع السّيئة‬
‫السنة طلبه على‪:‬‬

‫العقبة الامسة‪:‬‬
‫و هي عق بة الباحات ال ت ل حرج على فاعل ها‪ ،‬فشغله ب ا عن ال ستكثار من‬
‫الطاعات‪ ،‬و عن الجتهاد ف التزود لعاده ث ط مع ف يه أن ي ستدرجه من ها إل ترك‬
‫السنن‪ ،‬إل ترك الواجبات‪.‬‬
‫وأ قل ما ينال م نه‪ :‬تفوي ته الرباح والكا سب العظي مة والنازل العال ية‪ ،‬ولو‬
‫عرف السعر ما فوّت على نفسه شيئًا من القربات؛ ولكنه جاهل بالسعر‪.‬‬
‫فإن ناب مبن هذه العقببة ببصبية تامبة ونور هاد ومعرفبة بقدر الطاعات‬
‫والسبتكثار منهبا وقلة القام على اليناء وخطبر التجارة وكرم الشتري‪ ،‬وقدر مبا‬
‫‪158‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يعوّض به التّجار فبخل بأوقاته وضنّ بأنفاسه أن تذهب ف غي ربح‪ ،‬طلبه العدو‬
‫على‪:‬‬

‫العقبة السادسة‪:‬‬

‫وهي عقبة العمال الرجوحة الفضولة من الطاعات فأمره با وحسّنها ف عينه‬
‫وزينّها له و أراه ما فيها من الفضل والربح‪ ،‬ليشغله با عما هو أفضل منها وأعظم‬
‫كسبًا وربًا‪.‬‬
‫لنه لّا عجز عن تسيه أصل الثواب طمع ف تسيه كماله وفضله‪ ،‬ودرجاته‬
‫العال ية‪ ،‬فشغله بالفضول عن الفا ضل وبالرجوح عن الرا جح‪ ،‬وبالحبوب ل عن‬
‫الحبّ إليه‪ ،‬وبالرضي عن الرضى له‪.‬‬
‫ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الفراد ف العال‪ ،‬والكثرون قد ظفر بم‬
‫ف العقبات الوَلْ‪.‬‬
‫فإن ن ا من ها بف قه ف العمال ومراتب ها ع ند ال ومنازل ا ف الف ضل‪ ،‬ومعر فة‬
‫مقادير ها والتمي يز ب ي عالي ها و سافلها ومفضول ا وفاضل ها ورئي سها ومرؤو سها‬
‫وسيدها ومسودها‪.‬‬
‫فإن ف العمال سيدًا وم سودًا ورئي سًا ومرؤو سًا وذروة و ما دو نا‪ ،‬ك ما ف‬
‫الد يث ال صحيح‪ « :‬سيد ال ستغفار أن يقول الع بد‪ :‬الل هم أ نت َربّيب ل إله إل‬
‫أنت» الديث‪.‬‬
‫وفب الديبث الخبر‪« :‬الهاد ذروة سبنا م المبر» وفب الثبر الخبر‪« :‬إن‬
‫العمال تفاخرت فذ كر كبل عمبل منهبا مرتبتبه وفضله وكان للصبدقة مزيبة ف‬
‫الفخر عليهنّ»‪.‬‬
‫ول يق طع هذه العق بة إل أ هل الب صائر وال صدق من أول العلم ال سائرين على‬
‫جادة التوفيق‪ ،‬قد أنزلوا العمال منازلا وأعطوا كل ذي حقّ حقّه‪.‬‬
‫فإذا ن ا من ها أ حد ل ي بق هناك عق بة يطل به العدو علي ها سوى واحدة ل بد‬
‫منها‪ ،‬ولو نا منها أحد لنجا منها رسول ال وأنبياؤه وأكرم اللق عيه‪.‬‬
‫‪159‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الذى باليد واللسان والقلب على حسب‬
‫مرتب ته ف ال ي‪ ،‬فكلّ ما عل تْ مرتب ته أجلب عل يه العدو بيله وظا هر عل يه بنده‪،‬‬
‫وسلّط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط‪.‬‬
‫وهذه العقبة ل حيلة له ف التخلص منها‪ ،‬فإنه كلما جدّ ف الستقامة والدعوة‬
‫إل ال والقيام له بأمره ج ّد العدوّ ف إغراء السّفهاء به‪ ،‬فهو ف هذه العقبة قد َلبِسَ‬
‫لمة الرب‪ ،‬وأخذ ف ماربة العدوّ ل وبال‪.‬‬
‫فعبوديته فيها عبودية خواص العارفي وهي تسمى عبودية الراغمة ول ينتبه لا‬
‫إل أولو البصائر التّامّة‪ ،‬ول شيء أحبّ إل ال من مراغمة وليّه لعدوّه وإغاظته له‪.‬‬
‫اهب‪.‬‬
‫فصل‬
‫كان ال صدق ف صدر ال سلم أ ساسًا ف القول والعلم والعاملة‪ ،‬وخ صوصًا‬
‫فيما يتعلق بالدين وحفظ الديث‪.‬‬
‫ف قد ور ثت عن العُلماء الوائل علو مُ الد ين مضبو طة كامِلةً ك ما أنزلت على‬
‫رسول ال وحدّث عنها‪.‬‬
‫وكان عُلماءُ الدين وجامعُوا أحاديث النب يتحرون صدق الحدث بشكل‬
‫عجيب‪.‬‬
‫يدر سون حيا ته ويتحققون من أقواله وأعماله وأ نه يأ كل من ك سب يده ول‬
‫يدخل على سلطان ف صحبة أو وظيفة‪.‬‬
‫وأنه يُطب قُ تعال يم الد ين كاملة ول تع هد عليه كذبة ف َحيَا ته‪ ،‬فعندها يُؤخذُ‬
‫عنه الديث النبوي‪.‬‬
‫ومثالُ على ما ذكر عن المام أحد ب رحه ال ب أنه سع بوجود حديث‬
‫عند عال بدمشق مسافر إليه من بغداد حت وصل دمشق فمكث مُ ّد ًة يسأل عن‬
‫العال وعن أخلقه ومُعاملته وكلمه‪.‬‬
‫‪160‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫حت إذا وثق من صدقه أتاه مبكرًا بعد أن اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه‬
‫إجللً للحديث ولَنْ يمله‪.‬‬
‫ول ا اقترب من بي ته و جد العال خارجًا من بي ته يقود حار ُه و قد كان حالً‬
‫يكتسبُ رزقه‪.‬‬
‫فرفض المار أن يسي معه فحاول أن يره أو يسوقه بختلف الوسائل ويأب‬
‫المار‪.‬‬
‫فجمع له طرف جُبته وقدّم هُ للحمار ليُوهه أنّ ف البّة شعيًا أو نوه فتبعه‬
‫المار‪.‬‬
‫فنظر المام أحد إل البة فوجدها خالية ما فيها شيء‪.‬‬
‫فترك أح ُد العال والخذ عنه حيثُ تبيّنَ له كذبُه على المار‪.‬‬
‫فل يُؤتَمَن على الديث الشريف‪ .‬اهب‪.‬‬
‫ِبه‬
‫وأخطبر الكذب الكذب على ال ورسبله‪ ،‬قال تعال‪ِ :‬إنّم َا يَفْتَرِي ال َكذ َ‬

‫اّلذِينَ لَ يُ ْؤمِنُونَ بِآيَاتِ ال ّلهِ َوأُ ْولَِئكَ ُهمُ الكَا ِذبُونَ ‪.‬‬
‫ِقيْلَ‪ :‬إن ربعي بن حراش ل يكذبْ كذْبةً قطْ‪.‬‬
‫وكان له ابنان عاصيان على الجاج‪ ،‬فطلبهما فلم يعثر عليهما‪.‬‬
‫فقيل للحجاج‪ :‬إن أباها ل يكذب كذبة قط‪ ،‬لو أرسلت إليه فسألته عنهما‪،‬‬
‫فاستدعا أباها‪ ،‬فقال‪ :‬أين أبناؤك؟‬
‫قال‪ :‬هُما ف البيت فاستغرب الجاج‪.‬‬
‫وقال لبيهما‪ :‬ما حلك على هذا وأنا أريدُ قتلهُما‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ل قد كره تُ أن أل قى ال تعال بكذبةٍ‪ ،‬فقال الجاج‪ :‬قد عفونا عنه ما‬
‫بصدقك‪.‬‬
‫أتى الجاج برجُلي من أصحاب ابن الشعث فأمر بقتلهما‪ ،‬فقال أحدها‪ :‬إن‬
‫ل عندك يدًا‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬وما هي؟ قال‪ :‬ذكر اب ُن الشعث يومًا أمّك فردد تُ عليه‪ ،‬فقال‪ :‬ومن‬
‫يشهدُ لك؟ قال‪ :‬صاحب هذا فسأله‪ ،‬فقال‪ :‬نعم (أي صدق)‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما منعك أن تفعل كما فعل صاحبك (العن لِمَ ل تُدافِ ْع َعنّي مِثله)‪.‬‬
‫ِهب‬
‫ُكب (أي لنب أبغضُكبَ) فقال‪ :‬أطلقُوا هذا لصبدقِهِ وهذا لفعل ِ‬
‫فقال‪ :‬بُغض َ‬
‫فأطلقوها‪.‬‬
‫فانظر يا أخي‪ ،‬كيف يُنجي ال الصادقي‪ ،‬قال ال جل وعل‪ :‬يَا َأيّهَا اّلذِي نَ‬

‫آمَنُوا اتّقُوا ال ّلهَ َوكُونُوا مَعَ الصّادِقِيَ ‪.‬‬
‫تنبيه‪ :‬اعلم أن الصدق إنا يسُن إذا تعلّق به نفع ول يلحق ضررُ ُه بأحد‪ ،‬ومن‬
‫صدْقًا‪.‬‬
‫العلوم قب ُح الغيبة والنميمة والسّعَاية وإن كانتا ِ‬
‫ولذلك قيل‪ :‬كفى بالسعاية والغيبة والنميمة ذمًا أنّ الصدق يقبح فيها‪.‬‬
‫رحل المام أحد ب رحه ال ب إل ما وراء النهر ليوي أحاديث ثُلثيةً‪ ،‬قيل‬
‫له‪ :‬إن هناك من يرويها ويفظها فوجد شيخًا يُطع مُ كلبًا‪ ،‬فسلّم على الشيخ فردّ‬
‫عل يه ال سلم‪ ،‬ث اشت غل الش يخ بإطعام الكلب فو جد المام أح د ف نف سه حي ثُ‬
‫أقبل الشي ُخ على الكلب ول يُقبل عليه‪ ،‬فلما فرغ الشي خُ من إطعام الكلب التفت‬
‫إل المام أحد‪ ،‬وقال له‪ :‬كأنك وجدت ف نفسك حيث أقبلت على الكلب ول‬
‫أقبل عليك‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬حدثن أبو الزناد عن العرج‪ ،‬عن أب هريرة‪ :‬أن النب‬
‫قال‪« :‬من َقطَ عَ رَجَا َء مَن ارْتا هُ قَطَ عَ الُ رَجَاءَ هُ منه يوم القيامة فلم يَلج النة»‬
‫فخفتب أن أقطبع‬
‫ُ‬
‫وأرْضُنبا هذه ليسبت بأرض كلب‪ ،‬وقبد قصبدن هذا الكلب‪،‬‬
‫رجاءهُ‪ ،‬فقال المام أحد‪ :‬هذا الديث َي ْك ِفيْن ث رجع‪.‬‬
‫مر عبدال بن جع فر على ع بد ف بُ ستان م عه ثلثةُ أقراص شع ي‪ ،‬فأتاه كلب‬
‫فر مى إل يه بأول قُرص‪ ،‬ث ر مى بالثا ن‪ ،‬ث بالثالث‪ ،‬ف سأله جعفرُ‪ :‬ما هُو قُو تُ‬
‫يومِ كَ؟ فقال‪ :‬هو ما رأي تَ‪ ،‬قال‪ :‬ما حلك على هذا؟ قال‪ :‬آثر تُ الكلب على‬
‫نفسي؛ لنه أتى من بعيد جائعًا‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬ومبا تفعلُ فب يومبك؟ قال‪ :‬أطويبه بل طعام‪ ،‬فاشترى البُسبتان واشترى‬
‫العبد من سيده وأعتقه ووهبَهُ البُستان‪.‬‬
‫خرج عبدال بن البارك إل ال ج مع جا عة وب عد م سيهم مرحلة خرج ف‬
‫ال صباح من الي مة‪ ،‬فو جد صبية آ تت إل مطرح القما مة وأخذت من ها دجا جة‬
‫مُلقاةً مي تة وذه بت ب ا فتبع ها عبدال فوجد ها دخلت ف خيم ٍة مُهلهلة أي خل قة‬
‫وفي ها ولدٌ صغي‪ ،‬فقال ل ا‪ :‬لِ مَ أخذت الدجا جة الي تة؟ فقالت‪ :‬أنتُم رميتمو ها‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أل تعلمي أنه ل يل أكلها؟ فقالت‪ :‬إنا تل لنا لشدة فقرنا‪ ،‬فذهب عبدال‬
‫بن البارك إل وكيله‪ ،‬وقال له‪ :‬ما الذي مع كَ؟ قال‪ :‬ألف دينار‪ ،‬قال‪ :‬أبق منها ما‬
‫يُوصِلُنا إل بلدنا وادفع للنثى الباقي وسنحُجّ ف العام القبل إن شاء ال‪.‬‬
‫دخل ممد بن واسع على أمي وعليه ُجّبةُ صُوف‪ ،‬فقال المي‪ :‬ما الذي دعاك‬
‫إل لبس هذه فسكت‪ ،‬فقال المي‪ :‬لِمَ لَ ْم تُجبن؟‬
‫فقال‪ :‬أكره أن أقول ُزهْدًا فأزكي نفسي أو أقول فقرًا فأشكو رب‪.‬‬
‫قال ا بن ر جب‪ :‬دخلوا على ب عض ال صحابة ف مر ضه ووج هه يتهلّل ف سألوه‬
‫عن سبب تلُلُ وجهه‪ ،‬فقال‪ :‬ما من عَمَل أوثقُ عندي من خصلتي كُنتْ ل أتكلم‬
‫فيما ل يعنين‪ ،‬و كان قلب سليمًا للمسلمي‪.‬‬
‫أتى ُجنْدِ يٌ إل بلده فوجد إبراهيم بن أدهم‪ ،‬فسأله‪ :‬أين العُمران؟ فدّله على‬
‫ال قبة‪ ،‬ف ظن أ نه ي ستهزئ به‪ ،‬فضرب هُ ح ت أدما هُ‪ ،‬فق يل للجندي‪ :‬هذا الم ي بن‬
‫أدهم‪ ،‬فعاد يعتذر إليه‪ ،‬فقال إبراهي مُ‪ :‬لّا كُن تُ تضربن كن تُ أسألُ ال لك النة‪،‬‬
‫قال‪ :‬ولِ مَ‪ ،‬قال‪ :‬لنك ظلمتن فصبت حي ضربتن‪ ،‬فخمل تُ رجاء النة‪ ،‬فكان‬
‫لك فضلٌ علي فسألك لك النة‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫حتْ‬
‫ببَ َ‬
‫ب وَأص ْ‬
‫ب ضَاع َ‬
‫ولول رواةُ الدِين ِ‬
‫هُمُوا هَا َج ُروْا فبب جَ ْمعِهَبا وَتبَادَ ُروْا‬
‫وقامُوا بتَعْدِيلِ ال ّروَاةِ وجَرْ ِحهِمببببْ‬
‫بُ ِدْينِنَبا‬
‫ت شَرَائِعب‬
‫ح ْ‬
‫بَ ّ‬
‫بْ صب‬
‫بتَبِْلْي ِغهِمب‬
‫ُمب‬
‫ُمب حِجَا ُجه ْ‬
‫وصبحّ لهْ ِل النّق ْل ِمْنه ْ‬
‫َ‬
‫بُبهُموا أنّ ب الصببّحَاَبةَ َبّل ُغوْا‬
‫وحَسب ْ‬
‫ب‬
‫ب فمارق ٌ‬
‫فَمَبن حَا َد عَبن هَذَا اليَ ِقيْن ِ‬
‫ولكنبببْ إذا جَا َء الُدَى ودَلْيلُهبببُ‬
‫با‬
‫وإنببْ رَامببَ أعْدَاءُ الدِياَنةِ َكيْدَهَب‬

‫ب َتبْيدُ‬
‫ب َ‬
‫بب الخَريْنب‬
‫َمعَالُمُببه فب‬
‫بببُ َكؤُدْدُ‬
‫ب والَرَامب‬
‫بب ٍ‬
‫إل كُلّ أُفْقب‬
‫حيْ ُح الّنقْ ِل وهُبو جَ ِديْدُ‬
‫فدامببَ صبب ِ‬
‫ح ّروْا ِحفْظَهَبببببا و ُعهُودُ‬
‫حُ ُدوْ ٌد تَ َ‬
‫ب إل عاندٌ و َح ُقوْدُ‬
‫ببببب َ‬
‫فلم َيبْقب‬
‫ح ْودُ‬
‫بْتطاعُ جُ ُ‬
‫بم َر َووْا ل يُسب‬
‫و َعنْهب‬
‫شكُوكبببببِ مَريْدُ‬
‫مُ ِريْدٌ لظِهارِ ال ّ‬
‫َفَليْسببببَ ِل َموْجُو ِد الضّللِ ُو ُجوْدُ‬
‫ب مَكيْدُ‬
‫فكيدهُمُبببو بالُخْزَياتبب ِ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فوائد وحكم ومواعظ وآداب منوعة‬
‫ف با تَ ْمْيزًا جازمًا مُطابقًا للواقع‪ ،‬وله ثلث مراتب‪:‬‬
‫العلم صفة ييز الّتصِ ُ‬
‫الرت بة الول‪ :‬علم اليق ي أو خب اليق ي‪ ،‬و هو انكشاف العلوم للقلب ب يث‬
‫أنه ل يشك فيه‪.‬‬
‫الرتبة الثانية‪ :‬مرتبةُ عي اليقي‪ ،‬ونسبتها للعي كنسبة الول للقلب‪.‬‬
‫الرتبة الثالثة‪ :‬حق اليقي‪ ،‬وهي مباشرة العلوم وإدراكه التام‪.‬‬
‫فالول‪ :‬كعلمك أن ف هذا البستان ماء‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬كرؤيتك إياه‪.‬‬
‫والثالثة‪ :‬كالشرب منه‪.‬‬
‫ت مؤمنًا حقًا‪ ،‬فقال رسول ال ‪« :‬إن لكل حق‬
‫ومن هذا قول حارثة أصبح ُ‬
‫ت نفسي عن الدنيا وشهواتا فأسْهَرتُ ليلي‬
‫حقيقة‪ ،‬فما حقيقة إيانك؟» قال‪ :‬عزف ْ‬
‫واظمأ تُ ناري‪ ،‬وكأ ن أن ظر إل عرش ر ب بارزًا‪ ،‬وكأ ن أن ظر إل أ هل النبة‬
‫‪164‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يتزاورون فيها‪ ،‬وإل أهل النار يتعاوون فيها‪ ،‬قال النب ‪« :‬عَرَفْتَ فالزم‪َ ،‬عبْ ٌد َنوّر‬
‫ال اليان ف قلبه»‪.‬‬
‫مَرّ أببو هريرة بسبوق الدينبة فوقبف عليهبا‪ ،‬فقال‪ :‬يبا أهبل السبوق‪ ،‬مبا‬
‫أعجز كم؟ قالوا‪ :‬و ما ذاك يا أ با هريرة‪ ،‬قال‪ :‬مياث ر سول ال ُيقْ سَ ُم وأنت مُ‬
‫هاهُ نا أل تذهبون فتأخذون ن صيبكم ف يه؟ قالوا‪ :‬وأ ين هو يا أ با هريرة؟ قال‪ :‬ف‬
‫ال سجد‪ ،‬فخرجوا سراعًا وو قف أ بو هريرة ل م ح ت رجعُوا‪ ،‬فقال ل م‪ :‬ما ل كم؟‬
‫فقالوا‪ :‬يا أبا هريرة‪ ،‬قد أتينا السجد فدخلنا فيه فلم نرى شيئًا يقسم‪.‬‬
‫فقال لمب أببو هريرة‪ :‬ومبا رأيبت فب السبجد أحدًا؟ قالوا‪ :‬بلى رأينبا قومًا‬
‫يصلون‪ ،‬وقومًا يقرؤون القرآن‪ ،‬وقومًا يتذاكرون اللل والرام‪.‬‬
‫فقال لمب أببو هريرة‪ :‬ويكبم فذاك مياث ممبد ‪ ،‬رواه الطببان فب‬
‫«الوسط»‪.‬‬
‫و عن ا بن م سعود ‪ ،‬قال‪ :‬ك يف ب كم إذا لب ستكم فت نة ير بو في ها ال صغي‪،‬‬
‫ويهرم فيها الكبي‪ ،‬وتتخذ سّنة فإن غيت يومًا‪ ،‬قيل‪ :‬هذا منكر!!‬
‫قال‪ :‬وم ت ذلك؟ قال‪ :‬إذا قَلّ تْ أُمناؤ كم وكثُر تْ أمراؤ كم وقَلّ تْ ُفقَهاؤ كم‬
‫و َكثُر تْ قُرّاؤ كم وُتفُقّ هَ لغ ي الد ين والتم ست الدن يا بع مل الخرة‪ ،‬قل تُ‪ :‬هذا‬
‫موجود الن بكثرة‪ ،‬فتأمل ودقّق النظر!!‬
‫وروى أ بو نع يم وغيه عن كم يل بن زياد عن علي بن أ ب طالب أ نه قال‪:‬‬
‫الناس ثل ثة‪ :‬عال ربا ن‪ ،‬ومتعلم على سبيل النجاة‪ ،‬وه ج رعاع أتباع كل نا عق‬
‫ييلون مع كل صائح ل يستضيئوا بنور العلم ول يلجوا إل ركن وثيق‪.‬‬
‫ث ذ كر كلمًا ف ف ضل العلم إل أن قال‪ ...« :‬إن هاه نا لعلمًا جًا ‪-‬وأشار‬
‫إل صدره‪ -‬لو أ صبتُ له حلةً‪ ،‬بل أ صيبُ لقنًا غ ي مأمون مُ ستعملً آلة الد ين‬
‫للدنيا ومستظهرًا بنعم ال على عباده ُبجَجِ ِه على أوليائه‪ ،‬أو مقلدًا لملة الق ل‬
‫ب صيةَ ف أحنائه ينقدح ال شك ف قل به لول عارض من شب هة‪ ،‬أل لذَا ول ذاك‪،‬‬

‫‪165‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ش ْهوَةِ‪ ،‬أو مُغرمًا بالمع والدّخار‪ ،‬ليس من رُعاة‬
‫أو مْنهُومًا باللّذة سلس القيادِ لل ّ‬
‫الدين ف شيء‪.‬‬
‫ت العِلْمُ بوتِ حَامِليْهِ‪.‬‬
‫أقربُ شبهًا بما النعامُ السائمةُ‪ ،‬كذلك يو ُ‬
‫الل هم بلى ل تلُو الر ضُ من قائم ل بج جه إمّ ا ظاهرًا مشهورًا‪ ،‬أو خائفًا‬
‫مغمورًا‪.‬‬
‫لئل تبطل حُج ُج ال وبيناتُه كم ذا وأين أولئك وال القلّون ع َددَا‪ ،‬العظمُون‬
‫عند ال قدْرَا‪.‬‬
‫يف ظُ ال ب م حُججَ ُه وبيّنَا ته‪ ،‬ح ت ُيوْ ِد ُعوْهَا نُظَراءَهُم‪ ،‬ويزرعُو ها ف قُلُوب‬
‫أشباههم‪.‬‬
‫ه جم ب م على حقي قة الب صية‪ ،‬وباشروا روح اليق ي وا ستلنوا ما ا ستوعرهُ‬
‫سوْا با استوحش منه الاهِلون‪.‬‬
‫الترفُون‪ ،‬وأن ُ‬
‫و صحبوا الدن يا بأبدان أرواحُ ها مُتعل قة بال حل العلى‪ ،‬أولئك خلفاء ال ف‬
‫أرضه‪ ،‬والدُعاةُ إل دينه‪ ،‬آه أل شوقًا إل رؤيتهم»‪.‬‬
‫ْيب الراجلِ‬
‫ْبب غَل َ‬
‫ْنب َتغْلي الَر ُ‬
‫ل ِقْيقِي ّ فب الورى على ِحي ِ‬
‫ْمب ا َ‬
‫لقبد نَش َروْا العِل َ‬
‫ببن ُمتُون الصبببّواهِلِ‬
‫ض بال ِق مِن عَلى َمنَابِ ِر عِزّ مِب‬
‫وقَدْ َخ َطبُوا ف الر ِ‬
‫ب الَلئِلِ‬
‫بفَا ِسفَهم بالكْ ُرمَات ب ِ‬
‫شعُوب وقَابَلُوا س ب َ‬
‫بفَاهَات ال ُ‬
‫أزَالوا سبب َ‬
‫ب التّقَبى والفَضَائِلِ‬
‫وشادُوا على تلك الرسبببُومِ َحضَارةً أ ْقيِمَت بْ على أس ّ‬
‫ببب َبنَاءَ الوَائِلَ‬
‫با أل َلْيتَنَبببا َنبْنب‬
‫كذلكببَ َقدْ كانتببْ أوائلُ َق ْومِنَب‬
‫ببَح منهببا دَارِسببًا كُ ُل مَائِلِ‬
‫ب ْومًا غادَ ُروْا لعْتِبارِنَبا فأصب َ‬
‫حيِي بْ رُس ُ‬
‫ونُ ْ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ق يل‪ :‬إن القاضي أبا الطيب صعد من سيية (مركوب بري) وهو ف ع شر‬
‫الائة ‪ 100‬سنة‪ ،‬فقفز منها إل الشط‪.‬‬
‫‪166‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال له بعض من ح ضر‪ :‬يا ش يخ‪ ،‬ل تف عل هذا‪ ،‬فإن أعضاءك تض عف ورب ا‬
‫أورثت هذه القفزة فتقًا ف بطنك‪ ،‬فقال‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن هذه أعضاؤنا حفظناها عن‬
‫معاصبي ال فحفظهبا ال علينبا‪ ،‬فب حديبث اببن عباس قال له ‪« :‬احفبظ ال‬
‫يفظك»‪.‬‬
‫قال بعضهبم‪ :‬مبن نقّرب على الناس قلّ أصبدقاؤه‪ ،‬ومبن نقبر على ُذنُوببه طال‬
‫بُكاؤُه‪ ،‬ومن نقر على مطعمه طال جُوعُه‪.‬‬
‫أشببد الشياء تأييدًا للعقببل مُشاورة العلماء‪ ،‬والناة فبب المور والعتبار‬
‫بالتجارب وأشدهبا ضررًا بالعقبل السبتبداد بالرأي‪ ،‬والتهاون بالمور‪ ،‬والعجلة‬
‫ومشاورة سخفاء العقول والنساء‪.‬‬
‫العجبُ من ورثة الوتى كيف ل يزهدُونَ ف الدنيا‪.‬‬
‫أوصبى رجبل بنيبه‪ ،‬فقال‪ :‬يبا بنب‪ ،‬عليكبم بالنُسبك‪ ،‬فإنبه إذا ابتُلي أحدُكبم‬
‫ُحبب السبراف‪ ،‬وإن ابتلى بالعيّ‪ ،‬قيبل‪ :‬يكره كثرةَ‬
‫بالبخبل‪ ،‬قيبل‪ :‬مقتصبد ل ي ُ‬
‫لبْن‪ ،‬قِيل‪ :‬ل ُيقْ ِدمُ على شبهة‪.‬‬
‫الكلم فيما ل يعنيه‪ ،‬وإن ابتُلي با َ‬
‫أكثر ما يكون النسان غفلةً عن نعم ال عليه حينما يكون مغمورًا بتلك النعم‬
‫ول يعرف فضلها إل بعد زوالا‪.‬‬
‫فالنسبان ل يعرف فضبل هذه النعمبة العظيمبة إل عنبد فقدهبا ومثله السبمع‬
‫والكلم والشهوة للطعام والنكاح وسائر نعم ال الت قال عنها‪َ :‬وإِن َتعُدّوا ِنعْ َمةَ‬

‫ال ّلهِ لَ ُتحْصُوهَا فعلى النسان أن يسأل ال أن يلهمه ذكره وحده وشُكره‪.‬‬
‫والشكرُ يكون بأمور‪ ،‬منها‪ :‬أن يمد ال بلسانه وأن يشكره‪ ،‬ثانيًا‪ :‬أن يعتقد‬
‫أن النعم كلها من ال فضلً وإحسانًا‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن ل يعصي ال في ها‪ ،‬رابعًا‪ :‬أن يط يع ال فيها‪ ،‬خام سًا‪ :‬أن يُق بل على‬
‫طاعة ال بدٍ واجتهادٍ‪.‬‬
‫غربةُ الصادقي بي أهل ال ّريَا َء والنفاق‪.‬‬
‫وغربة العلماء بي أهل الهل و َسّييِيْ َن الخلق‪.‬‬
‫‪167‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وغر بة علماء الخرة ب ي علماء الدن يا الذ ين سُِلبُوا الش ية والشفاق وأ َحبّوا‬
‫شهْرَة و الظهور والرياء والسمعة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وغربة الزاهدين بي الراغبي فيما ينفذُ وليس بباق‪.‬‬
‫وغرببة أهبل الصبلح بيب الفُسبّاق والرج ِة وأهبل النكرات‪ ،‬كأهبل التلفاز‬
‫والفيد يو والكورة والدخان وحالقِي اللّ حا‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬و صل ال على م مد وآله‬
‫وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال أحد العلماء‪ :‬من صفات العال الطبق للشرع‪ :‬أن يأمن شره من خالطه‪،‬‬
‫ويأ مل خيه من صاحبه‪ ،‬ول يؤا خذ بالعثرات‪ ،‬ول يُش يع الذنوب عن غيه‪ ،‬ول‬
‫يُف شي سرّ من عاداه‪ ،‬ول ينت صر م نه بغ ي حق ويع فو وي صفح ع نه‪ ،‬ذليلٌ لل حق‪،‬‬
‫عزيزٌ ف الباطل‪ ،‬كاظم للغيظ عمن آذاه‪ ،‬شديد البغض لِ َم ْن َعصَى موله‪.‬‬
‫ييب السفيه بالصمت عنه‪ ،‬والعال بالقبول منه‪ ،‬ل مداهن‪ ،‬ول مشاحن‪ ،‬ول‬
‫متال‪ ،‬ول فخور‪ ،‬ول حسبود‪ ،‬ول جاف‪ ،‬ول فبظ‪ ،‬ول غليبظ‪ ،‬ول طعان‪ ،‬ول‬
‫ُهب مبن النكرات والكافريبن والكافرات‪،‬‬
‫لعان‪ ،‬ول مغتاب‪ ،‬ول سبباب‪ ،‬خَا ٍل بيت ُ‬
‫يالط مبن الخوان مبن عاونبه على طاعبة رببه وناه عمبا يكره موله‪ ،‬ويالق‬
‫بالميل من ل يأمن شرّ هُ‪ ،‬إ بقاءً على دينه‪ ،‬سليم القلب للعباد مِن الغل والسد‪،‬‬
‫يغلب على قلبه حسنُ الظن بالؤمني ف كل ما أمكن فيه العذر‪.‬‬
‫ل يُحبّ زوال الن عم عن أ حد من العباد‪ ،‬يداري ج هل من عامله برف قه‪ ،‬إذا‬
‫تعجب من جه ِل غيه ذكر أنّ جهله فيما بينه وبي ربه أكثر‪.‬‬
‫ل يتو قع له بائ قة‪ ،‬ول ياف م نه غائلة‪ ،‬الناس م نه ف را حة‪ ،‬ونف سه م نه ف‬
‫جهد‪.‬‬
‫ومبن صبفته أيض ًا أن يكون شاكرًا ل وله ذاكرًا‪ ،‬دائم الذكبر بلوة حبب‬
‫الذكور ُمَنعَ مُ القلب بُناجاة الرح ن َيعُ ُد نف سه مع شدةِ اجتهاده مذنبًا مُوقرًا من‬
‫العاصي والثام‪.‬‬
‫‪168‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و مع ال ستمرار على ح سن الع مل مق صرًا ل أ إل ال فقوى ظهره وو ثق بال‬
‫فلم يف غيه مستغن بال عن كل شيء ومفتقر إل ال ف كل شيء أنسه بال‬
‫وحده ووحشته من يشغله عن ربه‪.‬‬
‫إن ازداد علمًا خاف توكيد الجة مشفق على ما مضى من صال عمله أن ل‬
‫يقبل منه هه ف تلوة كلم ال الفهم عن موله‪ ،‬وف سُنن الرسول الفقه لئل‬
‫يضيع ما أمر به‪.‬‬
‫مَتأدب بالقرآن وال سّنة ل يُنافِ سُ أهل الدنيا ف عِ ّزهَا ول يز عُ من ذلا يشي‬
‫على الرض هونًا بال سّكينة والوقار ومشت غل قل به بالف هم والعتبار والتفك ي في ما‬
‫يقربه إل ال‪.‬‬
‫إن فرغ قلبه عن ذكر ال فمصيبة عنده عظيمة‪ ،‬وإن أطاع ال عز وجل بغي‬
‫حضور فهم فخسران عنده مبي‪.‬‬
‫يذ كر ال مع الذاكر ين‪ ،‬عالٌ بداء نف سه و ُمتّه ٌم ل ا ف كل حال ُشغْلُه بال‬
‫مُتص ٌل وعن غيه مُنفصِل‪.‬‬
‫فإن قال قائل‪ :‬ف هل لذا الن عت الذي ن عت به العلماء وو صفتهُم به أ صل ف‬
‫القرآن أو السّنة أو أثر عمن تقدم‪.‬‬
‫ق يل له‪ :‬ن عم‪ ،‬قال ال جل وعل‪ :‬إِنّ اّلذِي نَ أُوتُوا العِلْ مَ مِن قَ ْبلِ هِ إِذَا يُتْلَى‬
‫جدًا * َويَقُولُو نَ سُ ْبحَانَ َربّنَا إِن كَا نَ َو ْعدُ َربّنَا لَ َم ْفعُولً *‬
‫عَ َليْهِ مْ َيخِرّو نَ ِللَذْقَا نِ ُس ّ‬

‫َوَيخِرّونَ ِللَذْقَانِ يَبْكُونَ َويَزِيدُ ُهمْ خُشُوعًا ‪.‬‬
‫وصبف العلماء بالبكاء والشيبة والطاعبة والتذلل فيمبا بينبه وبينهبم‪ .‬اهبب‬
‫بتصرف واختصار‪.‬‬
‫قال أ حد العلماء‪ :‬الكايات ُجنْدٌ من جنود ال يُث بت ال ب ا قلو بَ العارف ي‬
‫مبن عباده‪ ،‬وقال‪ :‬مصبداق ذلك قول ال جبل وعل لرسبوله‬

‫ُصه‬
‫‪َ :‬و ُكلً نّق ّ‬

‫عَ َليْ كَ مِ نْ أَنبَا ِء الرّ سُلِ مَا نُثَبّ تُ بِ هِ فُؤَادَ كَ كان يقال‪ :‬من أع طي أربعًا ل ي نع‬
‫أربعًا‪ :‬من أعطى الشكر ل ينع الزيد‪ ،‬قال تعال‪ :‬لَئِن شَ َك ْرتُمْ لَزِي َدنّ ُكمْ ‪.‬‬
‫‪169‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫َنه‬
‫ومبن أعطبى التوببة ل ينبع القبول‪ ،‬قال تعال‪ :‬وَهُوَ اّلذِي يَقَْب ُل التّ ْوبَةَ ع ْ‬

‫عِبَا ِدهِ ومن أعطى الشورة ل ينع الصواب‪ ،‬ومن أعطى الستخارة ل ينع الية‪.‬‬
‫هذه ق صيدة لبعض هم في ها غلو صلحنا ما في ها من الغلط العتقادي وجعل نا‬
‫على ما فيه تصليح أقواسًا‪:‬‬
‫شَيةِ‬
‫ب َوبَادِرْ فَفِببي التّاخِيِ أعْظَمببُ خَ ْ‬
‫ب هُدَاهَبا َتوَلت ْ‬
‫ب عَن ْ‬
‫ب ِلنَفْس ٍ‬
‫َتيَقّض ْ‬
‫با كُ ّل ُب ْغَيةِ‬
‫ب مِنببْ غَيّهَب‬
‫ب ل تَلْو ى لِ ُرشْ ٍد ِعنَانَهَببا وَقْ ْد بََلغَتب ْ‬
‫ب َ‬
‫حتّامب‬
‫فَ َ‬
‫بتْ لِ ْلهُدَى مُ ْط َمِئّنةِ‬
‫وأمّارَةٌ بالسبببّوءِ َلوّا َمةٌ لِمَنبببْ َنهَاهَببا فََليْسبب َ‬
‫ب التّقَبى وَالَبَ ّرةِ‬
‫بن ال ِفعْلِ إ ْخوَانبُ‬
‫إذا أ ْز َمعَتببْ أمْرًا فََليْسببَ يَرُدّهَببا عَب‬
‫بب كُ ّل مَ ّرةِ‬
‫ب َمرّ ِفعْ ُل الَيْرِ فب بَالِهَبا أنْثَنَبى أبُببو مُ ّرةٍ َيْثنِيه ببِ فب‬
‫وَإن ْ‬
‫ب وََلوْ أنّيبب ُدعِيتببُ ِلقُ ْرَبةِ‬
‫وَل قَدَمبببٌ َلوْ قُ ّدمَتبببْ لِظُل َمةِ لَطَارَتب ْ‬
‫ب‬
‫ب فَشلّت ِ‬
‫حةٌ وَرِجْلٌ رَمَبى فِيهَبا ال ّزمَان ُ‬
‫صبحِي َ‬
‫ْنب رِ ْجلٌ َ‬
‫ْتب كَذِي رِجَْلي ِ‬
‫َلكْن ُ‬
‫ب وَزَفْرَتب‬
‫ب لِيب ٍ‬
‫ب مِن ْ‬
‫با أصببَابَن ومَبا أنَبا فِيه ِ‬
‫وَقَائَلةٍ لَمّابب رَأتببْ مَب‬
‫ب ورَ ْح َمةِ‬
‫ب نَيْلِ َروْح ٍ‬
‫بنْ مِن ْ‬
‫ب وإن َكثُ َر الَطَبا ول َتيْأس َ‬
‫ُر َويْدَك بَ ل َت ْقنُط ْ‬
‫ب َرةٌ ول َفرَجببببببٌ إل بشِ ّدةِ أ ْز َمةِ‬
‫ببّ ُر نُص ْ‬
‫ب ٌر والتّص َ‬
‫ب ِر يُس ْ‬
‫ب العُس ْ‬
‫مَع َ‬
‫لّنةِ»‬
‫«وكَم بْ عَامِ ِل أعْمَا َل أهْبل َج َهنّم بٍ فَلَمّاببب دَعَبببى ا َلوْل أعِي َد َ‬
‫حةِ‬
‫ت مِ َن البُشْرَى وَحُ سْ ِن النّ صِي َ‬
‫ب َخيْرًا على الذي َمنَحْ ِ‬
‫ب لَبا ُجوِزيت ِ‬
‫َفقُلْت ُ‬
‫ب كُ ْربَتب‬
‫ب ُتفَرّج َ‬
‫َفهَ ْل مِنبْ سبَبيلِ لِلنّجَا ِة مِنبَ الرّدَى وَمَبا حِيلَتب فب أن ْ‬
‫ب بَوارٍ و َخيَْبةِ»‬
‫ُمب مَُتوَجّه ًا لِربّكببَ تَسببْلَ ْم مِنب ْ‬
‫ِبب َنفْسبًا وَق ْ‬
‫َتب فَط ْ‬
‫«َفقَال ْ‬
‫ب كُبل َخطِيَئةِ»‬
‫به َفحُطّت بْ عَنْه ُ‬
‫ب رَحْ َمةِ فالتْجَبا إليب‬
‫ب مِن ْ‬
‫ب آيس ٌ‬
‫«فَكَم ْ‬
‫ب مِنببْ كُ ّل َعثْ َرةِ»‬
‫«فَ َدْيتُكببَ فَأقْصببِ ْدهُ بذلّ فَإنببه ُيقِي َل بَنبب الزلّاتبِ‬
‫«إذا مَبا أتوه بُ تَائِبيْن بَ مِبن الذي َجنْوه بُ مِبن الثَام بِ َت ْوَبةَ ُمخْبت بِ»‬
‫فصل‬
‫‪170‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عبن أبب الدرداء قال‪ :‬إن الذيبن ألسبنتهُم رطببة بذكبر ال عزّ وجبل يدخلُ‬
‫أحدهم النة وهو يضحك‪.‬‬
‫خرج زي ُد ب ُن ثابت يُريد المعة فاستقبل ُه الناسُ راجعي‪ ،‬فدخل دارًا‪ ،‬فقيل له‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إنه من ل يستحي من الناس ل يستحي من ال‪.‬‬
‫صلى ت يم الداري ليلةً ح ت أ صبح أو قارب ال صبح و هو يقرؤ آي ًة ويُردد ها‬
‫ويب كي‪ :‬أَ مْ حَ سِبَ اّلذِي نَ اجْتَرَحُوا ال سّيّئَاتِ أَن ّنجْعَ َلهُ مْ كَاّلذِي نَ آمَنُوا وَعَ ِملُوا‬

‫الصّاِلحَاتِ ‪.‬‬
‫وقام مرة بعدَ أن صلى العشاء ف السجد فم ّر بذه الية وَهُ مْ فِيهَا كَالِحُو نَ‬

‫فما خرج منها حت سع أذان الصبح‪.‬‬
‫و سأله ر جل عن صلته بالل يل‪ ،‬فغ ضب غضبًا شديدًا‪ ،‬ث قال‪ :‬وال لرك عة‬
‫أ صليها ف جوف الليل ف سرٍ أحبّ إلّ من أن أُ صّلي الل يل كلُه‪ ،‬ث أقُ صّهُ على‬
‫الناس بَلّغَْ مَن َيعُدّكم جَ ّج مِن َم ّرةٍ وكم ا ْعتَمَر و َحذِره مِن الرياءِ والسمعةِ‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬قليل ف سُنة خيٌ من كثي ف بدعة‪ ،‬كيف يق ُل عمل مع تقوى‪،‬‬
‫أقوى القُوة غلبتُك نفسَك‪.‬‬
‫و من ع جز عن أدب نف سه كان عن أدب غيه أع جز‪ ،‬و من خاف ال خا فه‬
‫ك ُل شيء‪.‬‬
‫ص مِن عمرك ف غي‬
‫ك على ما َينْقُ ُ‬
‫وقال‪ :‬إن اغتممت با يْنقُص مِن مالكَ فابْ ِ‬
‫طاعة ال‪.‬‬
‫ولن يكْمُلَ رجلٌ حت يؤثر دينه على شهوته ولن يهلك حت يؤثر شهوته على‬
‫دينه‪.‬‬
‫ومن علمة الستدراج العمى عن عيُوب النفس‪.‬‬
‫كان الربيع بن خيثم بعد ما سقط ِسقّثه يعتمدُ على رجلي إل السجد‪ ،‬وكان‬
‫أصحاب عبدال يقولون له‪ :‬لقد ر ّخصَ ال لك لو صليت ف بيتك‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب تقولون ولكنب سبعتُ الذان حيّ على الفلح‪ ،‬فمبن سبع‬
‫فيقولُ‪ :‬إنبه كم ا‬
‫منكم فليجبه ولو زحفًا ولو حبوًا‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬يا أخي‪ ،‬إن الشفقة ل تزل بالؤمن حت أوفدته على خي حال‪،‬‬
‫وإن الغفلة ل تزل بالفاجر حت أسلمتهُ إل شرِ حال‪.‬‬
‫وما خ ُي عُمرِ امرئٍ ل يدري ما عاقبة أمره‪ ،‬وما خ ُي عيشٍ ل يكملُ ما حُفظ‬
‫م نه‪ ،‬ولئن كا نت الرغبةُ ف الدن يا هي ال ستولية على قلوب نا ك ما ا ستولت على‬
‫أبداننا لقد خبنا غدًا ف القيامة وخسِ ْرنَا‪.‬‬
‫مرض خيثمبة وثقبل وجاءتبه امرأتبه‪ ،‬فجلسبت عنده فبكبت‪ ،‬فقال لاب‪ :‬مبا‬
‫يبكيك؟ الوت لبد منه‪ ،‬فقالت‪ :‬الرجا ُل عليّ حرا‪ ،‬فقال لا‪ :‬ما كل هذا أرد تُ‬
‫منك إنا كن تُ أخاف ر ُجلً واحدًا وهو أخي‪ ،‬وهو رجل فاسق يتناول الشراب‪،‬‬
‫فكرهتُ أن يشربَ ف بيت الشراب بعد إذ القرآن يُتلى فيه كلّ ثلث‪.‬‬
‫وعن العمش عن خيثمة‪ ،‬قال‪ :‬تقول اللئكة‪ :‬يا رب عبدك الؤمن تزوي عنه‬
‫الدنيبا‪ ،‬وتعرضبه للبلء‪ ،‬قال‪ :‬فيقول للملئكبة‪ :‬اكشفوا لمب عبن ثواببه‪ ،‬فإذا رأوا‬
‫ثوابه‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رب ل يضره ما أصابه ف الدنيا‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويقولون عبدك الكافبر تزوي عنبه البلء وتبسبط له الدنيبا‪ ،‬قال‪ :‬فيقول‬
‫للملئكة‪ :‬اكشفوا لم عن عقابه‪ ،‬قال‪ :‬فإذا رأوا عقابه‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رب ل ينفعه ما‬
‫أصابه من الدنيا‪.‬‬
‫ت القرآن ف‬
‫ولا نزل بابن إدريس الوت بكت ابنتُه‪ ،‬فقال‪ :‬ل تبكي فقد ختم ُ‬
‫هذا البيت أربعةَ آلف ختمة‪.‬‬
‫قال عبدال بن مسعود ‪ :‬ذهب صفو الدّنيا وبقي كدرها‪ ،‬فالوت اليوم تفةٌ‬
‫لكل مسلم‪.‬‬
‫وعظ السنُ أصحابهُ‪ ،‬فقال‪ :‬وال لقد صحبنا أقوامًا كانُوا يقولُون‪ :‬ليس لنا‬
‫ف الدنيا حاجةٌ ليس لا خلقنا‪ ،‬فطلبوا النة بغُدوهم ورواحِهم‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫نعم‪ ،‬وال حت أهرقوا فيها دماءهم فأفلحوا ونحوا هنيئًا لم ل يطوى أحدُهم‬
‫ثوبًا ول يفْترشُه ول تل قى إل صائمًا ذليلً متباي سًا خائفًا إذا د خل على أهله إن‬
‫قِرُب إليه شيء أكلُه وإل سكت ل يسألُم عن شيءٍ ما هذا؟ وما هذا؟ ث قال‪:‬‬
‫ح بِ َميْتبٍ إنّمَببا اليتبببُ َميّتبببُ ال ْحيَاءِ‬
‫ليسبَ مَبن مَات فاسبْترا َ‬
‫قال حذيفة ف مرضه الذي مات فيه‪ :‬لول أن أرى أن هذا اليوم آخ ُر يوم من‬
‫الدنيا وأو ُل يومٍ من الخرة ل أتكلم به‪.‬‬
‫الل هم إنّ ك تعلم أ ن ك نت أ حب الف قر على الغ ن‪ ،‬وأحبّ العُزَْلةَ على العِز‬
‫وأحبّ الوت على الياة حبيبٌ جاء على فاقة ل أفلحَ من ندِم‪ ،‬ث مات ‪.‬‬
‫قال بعضُهم‪ :‬من عرف ربّهُ أحبّهُ‪ ،‬ومن أحبّهُ ترك الدنيا إل لا لبُدّ له منه‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬يا وي حَ نفسي كيف أغف ُل ول يُغف ُل عن! أم كيف تنُؤن معيشت‬
‫واليوم الثقي ُل ورائي! أم كيف يشت ُد عُجب بدار ف غيها قراري وخلدي!‬
‫وعن عون بن ذكوان قال‪ :‬صلى بنا زرارةُ بنُ أب أوف صلة الصبح حت بلغ‪:‬‬
‫َفإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُورِ فخ ّر ميتًا وكنتُ فيمن حلهُ إل داره‪.‬‬
‫قال الشيخ ت قي الد ين‪ :‬من تام نع مة ال على عباده الؤمن ي أن ينل ب م من‬
‫الشدة والضبر مبا يلجئهبم إل توحيده فيدعونبه ملصبي له الديبن ويرجونبه ول‬
‫يرجون أحدًا غيه‪.‬‬
‫فتتعلق قلوب م به ل بغيه فيح صل ل م من التو كل عل يه والنا بة إل يه وحلوة‬
‫ب هبو أعظبم مبن زوال الرض والوف‬
‫اليان وذوق طعمبه والباءة مبن الشرك م ا‬
‫والُدْب والضر‪ .‬اهب‪.‬‬
‫شقَا َوةِ أربعة‪ :‬نسيان الذنوب الاضية وهي عند ال مفوظة‪ ،‬وذكر‬
‫علمات ال ّ‬
‫السنات الاضية ول يدري أقبل تْ أم ُردّت‪ ،‬ونظره إل من فوقه ف الدنيا‪ ،‬ونظره‬
‫إل من دُونه ف الدين‪.‬‬
‫وعلمات ال سعادة أرب عة‪ :‬ذ كر الذنوب الاض ية‪ ،‬ون سيان ال سنات الاض ية‪،‬‬
‫ونظره إل من فوقه ف الدين‪ ،‬ونظره إل من دُونه ف الدنيا‪.‬‬
‫‪173‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال بعضهم‪ :‬الد بُ أد بُ الد ين وهو داعية إل التوفيق‪ ،‬وسببٌ إل السعادة‬
‫وزادٌ من التقوى‪.‬‬
‫وهبو أن تعلم شرائع السبلم وأداء الفرائض وأن تأخُذ لنفسبك بظهبا مبن‬
‫النافلة وتز يد ذلك ب صحة الن ية وإخلص الن فس وحُب ال ي مُناف سًا ف يه مُبغضًا‬
‫للشر نازعًا عنه‪.‬‬
‫ويكون طلببك للخيب رغبةً فب ثواببه ومُجانببة للشبر رهب ًة مبن عقاببه فتفوز‬
‫بالثواب وتسبلم مبن العقاب ذلك إذا اعتزلت رُكوب الُوبقات وآثرت السبنات‬
‫النجيات‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫حكم وفوائد منوعة‬
‫ما شيء أضع فُ من عال ترك الناس علمه لفساد طريقته‪ ،‬وما شيء أضعف‬
‫من جاهل أخذ الناس بهله لنظرهم إل عبادته الت بناها على غي أساس‪.‬‬
‫كان أحد الكماء قليل الكل خشن اللباس‪ ،‬فكتب إليه بعض الفلسفة‪ :‬أنت‬
‫تسبُ أن الرحة لكل ذي رُوح واجبة وأنت ذو روح ول ترحها بترك قلة الكل‬
‫وخشن اللباس‪.‬‬
‫فك تب إل يه‪ :‬عاتبت ن على ل بس ال شن و قد يع شق الن سان القبي حة ويترك‬
‫السناء وعاتبتن على قلة الكل وأنا إنا أريدُ أن أكل لعيش وأنت تُريد أن تعيش‬
‫لتأكل والسلم‪.‬‬
‫ت ال سبب ف قلة ال كل ف ما ال سبب ف قلة‬
‫فك تب إل يه الفيل سوف‪ :‬قد عرف ُ‬
‫الكلم‪.‬‬
‫فك تب الك يم إل يه‪ :‬أمّ ا ما احتج تُ إل مفارق ته وتر كه للناس فل يس لك‪،‬‬
‫والشغل با ليس لك عبث‪.‬‬
‫و قد خلق القّ سبحانه وتعال لك أذُن ي ول سانًا لت سمعَ ضِ عف ما تقول ل‬
‫لتقول أكثر ما تسمع والسلم‪.‬‬
‫‪174‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫تقد مت امرأة إل قا ضي الري فادّ عت على زوج ها ب صداقها خ سمائة دينار‪،‬‬
‫فأنكر فجاءت ببينة تشهد لا به‪.‬‬
‫فقالوا‪ :‬نُريد أن تسفُر لنا عن وجهها حت نعلم أنا الزوجة أم ل‪.‬‬
‫فلما صمّمُوا على ذلك قال الزوج‪ :‬ل تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه‪.‬‬
‫فأقر با أدعت ليصُونَ زوجتَهَ عن النظر إل وجهها‪.‬‬
‫فقالت الرأة ح ي عر فت ذلك م نه وأ نه أق ّر لي صُونَ و ْجهَهَا عن ن ظر الرجال‬
‫إليه‪ :‬هو ف حِلّ من صداقي الذي عليه ف الدنيا والخرة‪.‬‬
‫مَن خَل قلبُه من ذكر أخطار أربعة فهو ُمغْتَر فل يأمن الشقاء‪:‬‬
‫الول‪ :‬خ طر اليثاق ح ي قال‪ :‬هؤلء ف ال نة ول أبال‪ ،‬وهؤلء ف النار ول‬
‫أبال‪ ،‬فل يعلم ف أي الفريقي كان‪.‬‬
‫والثا ن‪ :‬ح ي خَِل قَ ف ظلمات ثلث‪ ،‬فنادى اللك بالشقاوة وال سعادة‪ ،‬ول‬
‫يدري أمن الشقياء هو أم من السعداء‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬ذكرُ هول الطلع‪ ،‬فل يدري أيبشر برضاء ال أم بسخطه‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬يوم يصدر الناس أشتاتًا‪ ،‬فل يدري أي الطريقي يسلك به‪ .‬اهب‪.‬‬
‫قال علي بن الو فق‪ :‬كان ل جار مو سي ا سه شهريار‪ ،‬فكن تُ أعرض عل يه‬
‫السلم‪ ،‬فيقول‪ :‬نن على الق‪ ،‬فمات على الجوسية‪ ،‬فرأيته ف النوم‪ ،‬فقل تُ له‪:‬‬
‫ما الب؟ فقال‪ :‬نن ف قعر جهنم‪ ،‬قال‪ :‬قلتُ‪ :‬تتكم قوم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قو ٌم منكم‪،‬‬
‫قال‪ :‬قل تُ‪ :‬من أي الطوائف ِمنّ ا‪ ،‬قال‪ :‬الذ ين يقولون إن القرآن ملوق‪ .‬اه ب من‬
‫«طبقات النابلة» الجلد (‪.)2‬‬
‫قيل للعمش‪ :‬قد أحببت العلم بكثرة من يأخذه عنك؟ قال‪ :‬ل تعجبوا‪ ،‬فإن‬
‫ثلثا منهم يوتون قبل أن يدركوا وثلثًا يلزمون السلطان فهم شرٌ من الوتى‪.‬‬
‫ومن الثلث الثالث قليل من يفلح‪ ،‬وقال‪ :‬شرّ المراء أبعدهم من العلماء‪ ،‬وشرّ‬
‫العلماء أقربُهم من المراء‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال آ خر‪ :‬اجتنب صحبة ثلثة أ صناف من الناس‪ :‬البابرة الغافل ي‪ ،‬والقُراء‬
‫الُداهني‪ ،‬والتصوفة الاهلي‪.‬‬
‫وقال الليل بن أحد‪ :‬أيامي أربعة‪ :‬يوم ألقى فيه من هو أعلم من فأتعلم منه‪،‬‬
‫فذاك يو مٌ فائدت وغنيمت‪ ،‬ويوم ألقى فيه من أنا أعلم منه فذاك يوم أجري‪ ،‬ويوم‬
‫ألقى فيه من هو مثلي فأذاكِرُهُ فذلك يومُ درْسي‪ ،‬ويوم ألقى فيه من هو دون وهو‬
‫يرى أنه فوقي فل أكلمه وأجعله يوم راحت‪.‬‬
‫قال ا بن ال سيب‪ :‬ل قد أ تى علي ثانُون سنة وذهب تْ إحدى عينّ وأ نا أع شو‬
‫بالخرى وصاحب أعمى وأصم يُريدُ ذكرهُ و إن أخاف من فتنة النساء‪.‬‬
‫وقال عبادة ببن الصبامت‪ :‬أل ترونب ل أقُوم إل رفْدًا (يعنب إنبه يسباعد على‬
‫القيام) ول آكل إل ما لُو قَ ل (يعن ماليّن و سُخنّ) وقد مات صاحب منذ زمان‬
‫(يعن ذكرهُ)‪.‬‬
‫وما يسرن أن خلوتُ بامرأة ل تل ل وأن ل ما تطلعُ عليه الشمسُ مافةَ أن‬
‫يأتي ن الشيطان فيحركُه عليّ؛ ل نه ل سع له ول ب صر‪ ،‬وكان من ال سلف ف‬
‫السوق ل ينظر إل إل قدمه‪.‬‬
‫ت على ب يت مال لدي تُ الما نة‪ ،‬ولو أتن تُ‬
‫وقال سعيد بن ال سيب‪ :‬لو أتن ُ‬
‫على امرأة سوداءَ لفتُ أن ل أؤدي المانة فيها‪.‬‬
‫وكذلك الال ل يؤت ن عل يه أ صحاب الن فس الري صة على أخذه‪ ،‬وهذا كله‬
‫يبي أن النفس تون أمانتها إل من عصمهُ ال‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب‬
‫خلَب ُ‬
‫ب ومِ ْ‬
‫ب نَاب ٌ‬
‫ب مشبن اليام ِ‬
‫فَرَاك َ‬
‫ب هِ ّمةٍ‬
‫فحتّام ل َتنْفَكبببُ جَامِحبب َ‬
‫ب‬
‫ب فيبه ُمَنغَص ّ‬
‫برّث بعَيْبش أنْت َ‬
‫تُس َ‬
‫ك َتغْتَذِي‬
‫بمَ َ‬
‫ب جِس ْ‬
‫ب والوْقَات ُ‬
‫ُتغَ ّذيْك َ‬
‫با‬
‫با ُمتََلفِتًب‬
‫وتَعْجَبببُ مببن آفاتِهَب‬
‫ببُهَا بالبشْببر ّتبْطِنببُ خّلةً‬
‫وتْسب ِ‬
‫ُقب الُدَى‬
‫ْكب عبن طُر ِ‬
‫ْتب أعْ َمت َ‬
‫ضي ْ‬
‫إذا رَ ِ‬
‫وفبب سببَ ْلبَها ثوبببَ الشّبَاب دَلَلةٌ‬
‫ب والجبا‬
‫ب َشْيبُك َ‬
‫أتَرْضَبى بأن َينْهَاك َ‬
‫ب َموْعدًا‬
‫أجدّكببَ ل تَسببمَعْ لِ ُدْنيَاكبَ‬

‫َبب‬
‫والرأسب أشْي ُ‬
‫ُ‬
‫الرأسب‬
‫ِ‬
‫َونب‬
‫َكب ل ُ‬
‫وخان َ‬
‫َبب‬
‫والوتب أ ْقر ُ‬
‫ُ‬
‫النفسب‬
‫ِ‬
‫َبعْيبد مَرَامبي‬
‫ب‬
‫ب ُمعَذّب ُ‬
‫ب الدنيبا وأنت َ‬
‫بَتعْذِ ُ‬
‫وتَس ْ‬
‫شرَبُب‬
‫ك والسباعَاتُ ُروْحَكَبتَ ْ‬
‫وتَسبْقيْ َ‬
‫ب أعْجَبببُ‬
‫إليْهَببا َلعَمْرُ ال ِفعْلُكب َ‬
‫ببُ‬
‫فيَ ْظهَ ُر منهببا َغيْرُ مببا َتتَحَسب ّ‬
‫َبب‬
‫ذيبلُبّ باب حْيَ َتغْض ُ‬
‫فمبا ظنّ ْ‬
‫بِلبُ‬
‫على أناب ُتعْطِبي خِدَاعًبا وتَس ْ‬
‫ب‬
‫ب تَلْهُبو وتَ ْلعَب ُ‬
‫ب اليام ِ‬
‫ب مَع َ‬
‫وأنْت َ‬
‫بُ‬
‫بُ ُخلّبب‬
‫ول َتتَرجّب الرّيّب والبَرْقب‬

‫قال ا بن الوزي ب رح ه ال ب‪ :‬إخوا ن اليام ل كم مطا يا‪ ،‬فأ ين العُدة ق بل‬
‫النايا؟ أين النفة من دار الذايا؟ أين العزائم؟ أترضون الدنايا؟‬
‫ب وإن خطيئة الصبرار ل كالطايبا‪ ،‬وإن سبريّة‬
‫إنّ بليبة الوى ل تشببه البلي ا‬
‫الوت ل كالسرايا‪ ،‬وقضية اليام ل كالقضايا‪ ،‬وملك الوت ل يقبل الدايا‪.‬‬
‫فيا مستورين ستطهر البايا‪ ،‬أيها الستوطن بيت غُروره‪ ،‬تأهب لزعاج كْ‪،‬‬
‫أيها السرور بقصوره‪ ،‬تيأ لخراجْك‪.‬‬
‫خُ ْذ عُدّتك وقم ف قضاء حاجتك قبل فراق أولدك‪ ،‬وأزواجك‪ ،‬ما الدنيا دار‬
‫مقامك‪ ،‬بل مثًا لدلجك‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب تَمرُ على الفَتَبى‬
‫بر تَارَاتبٌ‬
‫وللدّهْب‬
‫ب فب الدنيبا فل َي ْعتَبنّهبا‬
‫ب يَك ُ‬
‫ومَن ْ‬
‫أجدّكببَ مببا الدنيببا ومَاذَا َمتَاعُهَبا‬
‫فَ َدعْهَببا وَنعْمَاهَببا َهنِْيئًا لهلهببا‬
‫با‬
‫بب إنّب َمقَالي َد المُور مَل ْكتَهَب‬
‫هَب‬
‫ومُّتعْتبببَ باللّذاتبببِ َدهْرًا بغِبْ َطةٍ‬
‫ب البَايَببا والُُلوْ ِد َتبَايُنببٌ‬
‫َفَبيْنب َ‬
‫لكْمِهَبببا‬
‫ب ُ‬
‫ضيّ ٌة اْنقَا َد النامبب ُ‬
‫َق ِ‬
‫ضَ ُروْ ِرّي ٌة َتقْضِببي العُقولُ بصببِدِْقهَا‬
‫سَلِ الرض عن حَالِ اللو ِك الت َخلَ تْ‬
‫ب تَرَاكثم ببٌ‬
‫بأْبوَاِبهِم ببْ لِ ْلوَافِ ِديْن ب َ‬
‫سيُوفِ ال ت َجرَ تْ‬
‫تبْ كَ عن أ سْرَار ال ُ‬
‫با‬
‫با أقْصببَ َدْتهُم ِنبَالُهَب‬
‫بأنّ ب النَايَب‬
‫ب إل الرّدَى‬
‫ق الغابرين َ‬
‫بْيقُوا مَسبَا َ‬
‫وس ِ‬
‫ببُ‬
‫ل َغيْرَ مَببا َيعْهَ ُد ْونَهب‬
‫حً‬
‫وحَلُوا مَ َ‬
‫ألَمّب بم ب ريْب بُ النُون بِ َفغَاَلهُم بْ‬

‫بقَامُ‬
‫ح ٌة وسب َ‬
‫ب وُيؤْسببٌ صببِ ّ‬
‫َن ِعيْمب ٌ‬
‫ب عليهببا َم ْعتِبببٌ وملَامببُ‬
‫فليسب َ‬
‫وماذا الذي َتْبغِيْهبببِ َف ْهوَ ُحطَامبببُ‬
‫با وسببوَامُ‬
‫ولتَكببُ فيهببا راعيًب‬
‫ب‬
‫ب هُمَام ُ‬
‫ب الدنيبا وأنْت َ‬
‫ب لَك َ‬
‫َودَانَت ْ‬
‫بد ذاك بَ ِحمَام بُ‬
‫أَليْس بَ َبتْم بٍ بَعب‬
‫وَبيْنببَ النايببا والُنفُوسببِ ِلزَامببُ‬
‫بيّ ٌد وغُلمببُ‬
‫ومببا حَا َد عنهببا سب َ‬
‫ومببا كان فيهببا مِرْيةٌ وخِصببَامُ‬
‫ب‬
‫ب مَرَقْبى الفَرَْقدِيْبن َمقَام ُ‬
‫ب َفوْق َ‬
‫َلهُم ْ‬
‫بأعْتابِهِببم ِل ْلعَاكِ ِفيْنببَ زِحَامببُ‬
‫به كَلَام بُ‬
‫بم َجوَابًبا َليْس بَ فيب‬
‫عَليهب‬
‫سبهَامُ‬
‫طاشب ع َن مَرْمىً َلهُن ّ ِ‬
‫َ‬
‫ومبا‬
‫وأ ْقفَ َر منهببببم َمنْزِ ٌل َو َمقَامببببُ‬
‫بب القِيام قِيام‬
‫بب حَتب‬
‫ببس لمب‬
‫فليب‬
‫ب أ ْطبَاقبِ ال ُرغَامبِ ُرغَام بُ‬
‫ب َبيْن َ‬
‫َفهُم ْ‬

‫اللهم يا عظيم العفو يا واسع الغفرة يا قر يب الرحة يا ذا اللل والكرام‬
‫فرغْ نا ل ا خلقت نا له‪ ،‬ول تشغل نا ب ا تكفلت ل نا به‪ ،‬و هب ل نا العاف ية ف الدن يا‬
‫والخرة‪ ،‬واغفر لنا ولوالدينا وجيع السلمي برحتك يا أرحم الراحي‪ ،‬وصل ال‬
‫على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل‬
‫اعلم أن المبر بالعروف والنهبي عبن النكبر‪ ،‬تار ًة يُحملُ على رجاء ثواببه‪،‬‬
‫وتارة على خوف العقاب ف تركه‪ ،‬وتارة الغضب ل‪ ،‬وتارة النصيحة للمسلمي‬
‫والرحة لم‪.‬‬
‫ورجاء إنقاذ هم م ا أوقعوا أنف سهم ف يه من التعرض للعقو بة وغض به ف الدّن يا‬
‫والخرة وتارة يمل عليه إجللً ل وعظمته ومبته وأنه أهل أن يُطاع فل ُيعْ صَى‬
‫وأن يذكر فل ينسى وأن يشكر فل يكفر‪.‬‬
‫وأن يُفتدى مبن انتهاك مارمبه بالنفوس والموال‪ ،‬كمبا قال بعبض السبلف‪:‬‬
‫و ِددْتُ أن اللْقَ كلهم أطاعوا ال وأن َلحْمِي قُرِض بالقاريض‪.‬‬
‫وكان عبداللك بن عمر بن عبدالعزيز يقول لبيه‪ :‬ودِدْ تُ أن غل تْ ب وب كَ‬
‫القدور ف ال تعال‪.‬‬
‫ظ هذا القام والذي قبله هَان عليه كل ما يَلقى من الذى ف ال تعال‬
‫ومَن ل َ‬
‫ورب ا دَعَا ل ن آذاه ك ما قال ذلك ال نب لَمّ ا ضر به قو مه فج عل ي سح الدم عن‬
‫وجهه‪ ،‬ويقول‪« :‬اللهم اغفر لقومي‪ ،‬فإنم ل يعلمون» اهب‪.‬‬
‫أ تت امرأة إل ع مر بن الطاب‪ ،‬فقالت‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن زو جي ي صوم‬
‫النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة ال عز وجل‪.‬‬
‫فقال ل ا‪ِ :‬نعْ مَ الزو جُ زوجُك فجعل تْ ُتكَرر عل يه القول وهبو يكرر علي ها‬
‫الواب‪ ،‬فجاء كعبُ السدي‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬هذه الرأة تشكو زوجها ف‬
‫مُباعد ته إيّا ها عن فرا شه‪ ،‬فقال ع مر‪ :‬ك ما فهم تَ كلم ها‪ ،‬فا قض بينه ما‪ ،‬فقال‬
‫عليّ بزوجهبا‪ ،‬فأتبببه‪ ،‬فقال له‪ :‬إن امرأتبك هذه تشكوك‪ ،‬قال‪ :‬أفب طعامبٍ‪ ،‬أم‬
‫شراب‪ ،‬قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫فقالت الرأة‪:‬‬
‫‪179‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب ألْهَبى خَليلي عبن فِرَاشِبي مَسبْج ُدهُ‬
‫ب ُرشْدُه ُ‬
‫يبا أيّهبا القَاضِبي الَكيم ُ‬
‫ب القَضَبا كعْب بٌ ول تُرَددُه بْ‬
‫َزهّدي فبب َمضْجَعِببي تعبُدُهببُ فاقْض َ‬
‫ب أمْ ِر النِسبباء أ ْحمَدُهببُ‬
‫بتُ فب‬
‫نارُهبببُ وَليْلُه مبببا يَرُْقدُهبببْ وَلَسبْ‬
‫فقال َزوْ ُجهَا‪:‬‬
‫با وف ب الَجَلْ أنبب امْرؤ أ ْذهَلَنبب مَببا قَ ْد نَزَلْ‬
‫َزهّدَن ب ف ب فُرشِهب‬
‫خ ِويْفبببٌ َجلَلْ‬
‫السببْعِ الطّولْ وفببب كتاب ال َت ْ‬
‫حلِ وفب ّ‬
‫سبوْ َر ِة النّ ْ‬
‫فب ُ‬
‫فقال كعب‪:‬‬
‫ب عَقَلْ‬
‫بيُبَها فبب أ ْربَعببٍ لِمَنب ْ‬
‫بَ حَقًبا يَبا رَجُلْ نَصب ْ‬
‫إنّب لَبا عَليْكب‬
‫ع َعنْكَ العِلَ ْل‬
‫فأعْ ِطهَا ذَا َك وَ َد ْ‬
‫ث قال‪ :‬إن ال عز و جل قد أح ّل لك الن سا َء مث ن وثُلث ورُباع‪ ،‬فلك ثلثةُ‬
‫أيام ولياليُه ّن ت َعبّد فيهنّ لربك‪.‬‬
‫فقال ع مر‪ :‬وال ما أدري من أي أمر يك أعج بُ أ من فه مك أمره ا أم من‬
‫حُكمك بينهُما‪ ،‬اذهب فقد ولّيتُك قضاء البصرة‪.‬‬
‫قال ب عض العلماء‪ :‬أ نا أخاف من الن ساء أك ثر م ا أخاف من ك يد الشيطان؛‬
‫ضعِيفًا ‪ ،‬وقال سبحانه ف‬
‫لن ال سبحانه وتعال يقول‪ :‬إِنّ كَ ْيدَ الشّ ْيطَا نِ كَا نَ َ‬
‫النساء‪ِ :‬إنّ كَ ْي َدكُنّ َعظِيمٌ ‪.‬‬
‫كان بعض العلماء يقول‪ :‬إذا رأيت الليل مقبلً فرح تُ وأقول أخلُو برب‪ ،‬وإذا‬
‫رأيت الصباح استوحشتُ كراهة لقاء من يُشغلن عن رب‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬غي واد ف جهنم‪ ،‬وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره‪ ،‬أعد ال‬
‫ذلك الوادي للزا ن ال صر على الز نا‪ ،‬والشارب ال مر الد من عل يه‪ ،‬ول كل الر با‬
‫الذي ل ينع عنبه‪ ،‬ولهبل العقوق‪ ،‬ولشاهبد الزور ولمرأة أدخلت على زوجهبا‬
‫ولدًا ليس منه‪.‬‬
‫‪180‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال ع مر بن ذر‪ :‬ل ا رأى العابدون الل يل قد ه جم علي هم‪ ،‬ونظروا إل أ هل‬
‫الغفلة قبد سبكنوا إل فرشهبم ورجعوا إل ملذهبم‪ ،‬قاموا إل ال سببحانه وتعال‬
‫جدِ‪ ،‬فا ستقبلوا الل يل‬
‫فرح ي مُ ستبشرين ب ا قد وهب هم ال من ال سهر وطُول التّه ُ‬
‫بأبدانِهم وباشر ظلمتَ ُه بصفاح وجوههم‪ ،‬فانقضى عنهم اللي ُل وما انقضت لذّاتُم‬
‫ّتب أبدانمب مبن طول العبادة‪ ،‬فأصببح الفريقان وقبد ول بربحٍب‬
‫مِن التلوة ول مل ْ‬
‫وغب‪.‬‬
‫فاعملوا لنفسبكم فب هذا الليبل وسبواده‪ ،‬فإن الغبون مبن غبب خيب الدنيبا‬
‫والخرة‪.‬‬
‫بلِ‬
‫ب ُطوْلَ ل يَص ِ‬
‫ب نام َ‬
‫برَى فَمَن ْ‬
‫بيْ ُر فا ْغَتنِ ُموْا الْمَس ْ‬
‫ب الس ّ‬
‫يبا رُ ْف َقةَ اللّي ِل طَاب َ‬
‫اجتمع الزهري وأبو حازم الزاهد بالدينة عند بعض بن أمية لا حج‪ ،‬وسع‬
‫الزهري كلم أ ب حازم وحك مه فأعج به ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬هو جاري م نذ كذا وكذا‬
‫وما جالستُه ول عرفت أن هذا عنده‪ ،‬فقال له أبو حازم‪ :‬أجل إن من الساكي‪،‬‬
‫ولو كنتُ من الغنياء لعرفتن‪ ،‬فوبه بذلك‪.‬‬
‫ت ال أحببتن؛ ولكن نسيت ال فنستين‪ ،‬يُشي إل‬
‫وف رواية أنه قال‪ :‬لو أحبب َ‬
‫أن من أحب ال أحبّ الساكي من أهل العلم والكمة لجل مبته ل تعال‪ ،‬ومن‬
‫غفل عن ال غفل عن أوليائه من الساكي‪.‬‬
‫وقد كان علماء السلف يأخذون العلم عن أهله والغالب عليهم السكنة وعدم‬
‫الال والرفعة ف الدنيا ويدعون أهل الرياسات والوليات إذا ل يكونوا أهلً‪.‬‬
‫وأ ما إذا كانوا أهلً‪ ،‬فإن الرئا سة ل ت نع‪ ،‬بل تز يد العال شرفًا وح سن اعتقاد‬
‫ويكون علمه أنفذ؛ لنه ل لطمع‪ ،‬كاللفاء الربعة ‪.‬‬
‫و قال اببن الوزي‪ :‬إخوانب‪ ،‬إن الذنوب تغطبي على القلوب‪ ،‬فإذا أظلمبت‬
‫مرآة القلب ل يب فيها وجه الدى‪ ،‬ومن علم ضرر الذنب استشعر الندم‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يا من أعماله إذا تُؤمّل تْ سقط‪ ،‬كم أثبت له عمل فلما عدم الخلص سقط‪،‬‬
‫يا حاضر الذهن ف الدنيا‪ ،‬فإذا جاء الدين خل طْ‪ ،‬يعل هّ هُ ف الساب فإذا صلى‬
‫اختلط‪.‬‬
‫يا ساكتًا عن الصواب فإذا تكلم لغط‪ ،‬يا قريب الجل وهو يري من الزلل‬
‫على نَطْ‪.‬‬
‫يا من ل يعظه وهنُ العظم ول كلمُ الشّمطْ‪ ،‬يا من ل يرعوى ول ينتهي‪ ،‬بل‬
‫على منهاج الطيئة فقط‪ ،‬ويك بادر هذا الزمان فالصحة غنيمة والعافية لقطْ‪.‬‬
‫فكأنك بالوت قد سلّ سيفهُ عليك واخترط‪ ،‬أين العزيز ف الدنيا؟ أين الغن‬
‫الغتبط؟ خيّم بي القبور‪ ،‬وضرب فسطاطه ف الوسط‪ ،‬وبات ف اللحد كالسي‬
‫الرتبط‪.‬‬
‫واسبتلبت ذخائره ففرغ الصبندوق والسبفط‪ ،‬وتزق اللد السبتحسن وتعبط‬
‫الش عر فكأ نه ما رجله وكأ نه ما امت شط ور ضي وُرّاثُه ب ا أ صابُوه وجعلُوا ن صبه‬
‫السخط‪.‬‬
‫وفرقوا ما كان يمعه بكف البخل والقنط ووقع ف قفر ل ماء فيه ول حنط‬
‫وكم حُدّثَ أن سعد بن معاذ ف القب انضغط‪ ،‬وكم حُذّر من العاصي‪ ،‬وأخب أن‬
‫آدم بلقمة زل فهبط‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب مَعالِمُهبا‬
‫نا ِد القُصبورَ التب أقوَت ْ‬
‫ب الُلُوك بُ وأبناءُ اللوك بِ ومَبن‬
‫أيْنبَ‬
‫ب السبودُ التب كانَبت تُحاذِرهبا‬
‫أين َ‬
‫أي َن الُيو شُ ال ت كا نت لَو ا ْعتَرضَ تْ‬
‫َهب‬
‫الجابب ل ُ‬
‫ُ‬
‫أينب الِجَاب وم َن كان‬
‫َ‬
‫بن َلهْوا عمّا ب لَه بُ خُلِقوا‬
‫أين بَ الذيب‬
‫جتْ‬
‫أي َن البيُوت ال ت مِن عَ سْج ٍد نُ س َ‬
‫با‬
‫با ضراغِمهب‬
‫ب الس بِ ّر ُة َتعْلوهب‬
‫أين َ‬
‫هذِي العَاقِلُ كانَببت قب ُل عَاصببِ َمةً‬

‫َتب مَطَاعمهبا‬
‫أينب السبُوم التب طاب ْ‬
‫َ‬
‫ألاه ناضِرُ دُنياهببببُ وناعِمُهببببا‬
‫َوفب تُسبالُ ِمهَا‬
‫َرينب وم ِن خ ٍ‬
‫أسب ُد الع ِ‬
‫ْ‬
‫با‬
‫با ال ُعقَابببُ لاَنتْهببا قَوا ِدمُهَب‬
‫لَهَب‬
‫وأيْنببَ ُرتْبتُبه الكبببىَ وخادمُهببا‬
‫بوَائِمُها‬
‫ب فب مَراعيهبا س َ‬
‫كمبا لَهت ْ‬
‫هَ ْل الدنَانيُ أغنَتببْ أمببْ دَرَاهِمُهَبا‬
‫ضرَاغِمُهَبا‬
‫ب َ‬
‫ب أم ْ‬
‫ب ّر ُة أغْنَت ْ‬
‫هَ ِل الس ِ‬
‫ول يَرَى عِصببَمٍ الغرورِ عاصببمُها‬

‫اللهم أنقذنا من سنة الغفلة ووفقنا لغتنام أيام الهلة واغفر لنا ولوالدينا وجيع‬
‫السلمي برحتك يا أرحم الراحي‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال ابن الوزي‪ :‬إنا فضل العقل على الس بالنظر ف العواقب‪ ،‬فإن الس ل‬
‫يرى الاضر والعقل يلحظ الخرة ويعمل على ما يتصور أن يقع‪.‬‬
‫فل ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمُح العواقب‪.‬‬
‫ف من ذلك أن التكا سل ف طلب العلم وإيثار عا جل الرا حة يُوج بُ ح سرات‬
‫دائمة ل تفي لذ ُة البطالة بعشار تلك السرة‪.‬‬
‫ومن ذاك أن النسان قد يهل بعض العلم فيستحي من السؤال والطلب لكبَ‬
‫ِسنّه‪.‬‬
‫ولئل يُرى بعي الهل فيلقى من الفضيحة إن سُئل عن ذلك أضعاف ما آثر‬
‫من اليا‪.‬‬
‫ومن ذلك أن الطبع يطالب بالعمل بقتضى الالة الاضرة مثل جواب جاهل‬
‫وقت الغضب‪.‬‬
‫‪183‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ث يقع الندم ف ثان الال على أن لذة اللم أوف من النتقام‪ ،‬وربا أثر القد‬
‫من الاهل فتمكن فبالغ ف الذى له‪.‬‬
‫ومن ذلك أن يعادي بعض الناس ويأمن أن يرتفع العادى فيؤذيه وإنا ينبغي أن‬
‫يضمر عداوة العدو‪.‬‬
‫و من ذلك أن ي ب شخ صًا فيف شي إل يه أ سراره ث ي قع بينه ما عداوة فيظ هر‬
‫ذلك عليه‪.‬‬
‫ول ر جل تبالةً ف صعد ال نب ف ما ح د ال ول أث ن عل يه ح ت قال‪ :‬إن الم ي‬
‫أعزنا ال وإياه ولن بلدكم هذه‪ ،‬وإن وال ما أعرف من الق موضع َس ْوطِي‪،‬‬
‫ولن أوتب بظال ول مظلوم إل أو َج ْعُتهُم َا ضرب ًا‪ ،‬فكانوا يتعاملون بالقب بينهبم‬
‫ويتصالون ول يرتفعون إليه‪.‬‬
‫ومن ذلك أن يرى الال الكثي فينفق ناسيًا أن ذلك يفن فيقع له ف ثان الال‬
‫حوائج فيلقى من الندم أضعاف ما التذّ به ف النفقة‪.‬‬
‫فينب غي ل ن رزق مالً أن ي صور كب ال سن والع جز عن الك سب‪ ،‬ويت صور‬
‫ذهاب الاه ف الطلب من الناس ليحفظ ما معه‪.‬‬
‫و من ذلك أن ينب سط ذو دولة‪ ،‬فإذا عُزِلَ ند َم على ما ف عل‪ ،‬وإن ا ينب غي أن‬
‫يُصور العزل ويعمل بقتضاه‪.‬‬
‫ومن ذلك أن يؤثر لذة مطعم فيشبع فيفوته قيامُ الليل‪ ،‬أو يؤثر لذة النوم فيفوته‬
‫التهجد‪ ،‬أو يأكل أو يامع بشره فيمرض‪.‬‬
‫أو يشتهي جاع سوداء وينسى أنا ربا حَمَلتْ فجاءت بنت سوداء‪ ،‬فكم من‬
‫حسرةٍ تقعُ له على مدى الزمان‪ ،‬كلما رأى تلك البنتَ‪.‬‬
‫و قد كان ف زمن نا من جا مع سوداء فجاءت بولد أ سود فافت ضح به من هم‬
‫صاحب الخزن وقاضي القضاة الدامغان‪ ،‬وكان تاجرًا قد ولد له ابن أسود‪ ،‬فلما‬
‫رآه قال‪ :‬لعن ال شهوت‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و من ذلك الشتغال ب صورة العلم‪ ،‬وإن ا يُراد الع مل به والخلص ف طل به‬
‫فيذهب الزمان ف حب الصيت وطلب مدح الناس فيقع السران إذا حُ صّلَ ما ف‬
‫الصدور‪ ،‬قُل تُ‪ :‬ما أكثر هذا ف وقتنا‪ ،‬نسأل ال الي القيوم أن يعصمنا وإخواننا‬
‫السلمي‪.‬‬
‫ومبن ذلك إقناع العلم بطرف مبن العلم فأيبن مزاحةب الكامليب والنظبر فب‬
‫عواقب أحوالم‪.‬‬
‫ومن ذلك الكثار من الماع ناسيًا مغبته وأنه يضعف البدن ويؤذي‪ ،‬فالطبع‬
‫يرى اللذة الاضرة والعقل يتأمل‪.‬‬
‫ولقد جئت يومًا من حر شديد فتعجل تُ راحة البودة فنعت ثوب فأصابن‬
‫زكام أشر فت م نه على الوت‪ ،‬ولو صبت ساعة رب ت ما لق يت فقِ سْ كل لذة‬
‫عاجلة ودَع العقْل يتل مح عواقبِهَا‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬و صل ال على م مد وآله و صحبه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال ا بن ر جب ب رح ه ال ب ف «شرح الم سي»‪« :‬فالا صل من هذه‬
‫الحاديث كلها أن ما حرم ال النتفاع به‪.‬‬
‫فإ نه يرم بي عه وأ كل ث نه ك ما جاء م صرحًا به ف الروا ية التقد مة أن ال إذا‬
‫حرّم شيئًا حرّم ثنه‪.‬‬
‫وهذه كلم ٌة عامةٌ جامعةٌ تطردُ ف كل ما كان القصود من النتفاع به حرامًا‪،‬‬
‫و هو ق سمان‪ :‬أحده ا‪ :‬ما كان النتفاع به حا صلً مع بقاء عي نه كال صنام‪ ،‬فإن‬
‫منفعتها القصودة منها الشرك بال وهو أعظم العاصي على الطلق‪.‬‬
‫ويلتحبق بذلك مبا كانبت منفعتبه مرمبة ككتبب الشرك والسبحر والبدع‬
‫والضلل‪ ،‬وكذلك الصور الحرمة وآلت اللهي الحرمة كالطنبور وكذلك شراء‬
‫الواري للغناء‪.‬‬
‫‪185‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و ف «ال سند»‪ :‬عن أ ب أما مة عن ال نب قال‪« :‬إن ال بعث ن رح ة وهدى‬
‫للعالي‪ ،‬وأمرن أن أمق الزامي والكبارات» يعن البابط والعازف والوثان الت‬
‫كانت تعبد ف الاهلية‪.‬‬
‫ب عبدٌ من عبيدي جرعة من خر إل سقيته مكانا‬
‫وأقسم رب بعزته ل يشر ُ‬
‫من حيم جهنم مُع ّذبًا أو مغفورًا له ول يسقاها صبيًا صغيًا إل سقيته مكانا من‬
‫حيم جهنم معذبًا أو مغفورًا له‪.‬‬
‫ول يدع ها ع بد من عبيدي من ماف ت إل سقيته إيا ها ف حظية القدس ول‬
‫يل بي ُعهُ ّن ول شراؤهُنّ ول تعليمهن ول تارة فيهن وأثانن حرام» اهب‪.‬‬
‫ذكر ابن القيم ف «الدي»‪ :‬أنه من صح له يو مُ جعته وسلم سلمت له سائر‬
‫جعته‪ ،‬ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته‪ ،‬ومن صحت له حجّته‬
‫وسبلمت له صبح له سبائر عمره‪ ،‬فيوم المعبة ميزان السببوع‪ ،‬ورمضان ميزان‬
‫العام‪ ،‬والج ميزان العمر‪.‬‬
‫وصى بعضهم ابنه‪ ،‬فقال‪ :‬عليك بالشاورة فإنك واجد ف الرجال من ينصح‬
‫لك ال كي وي سمُ ع نك الدّاء ويُخرج لك الُ ستكن ول يدع لك ف عدوك فر صة‬
‫صنَها‪.‬‬
‫إل انتهزها ول لعدوك فيك فرصة إل ح ّ‬
‫ول ينعك شدة رأيك ف ظنك‪ ،‬ول عُلو مكانك ف نفسك من أن تمع إل‬
‫ت َن َفيْت‪.‬‬
‫رأيك رأي غيك‪ ،‬فإن أحدت أجتنيت وإنّ ذمَ ْم َ‬
‫فإن ف ذلك خصالً‪ ،‬منها‪ :‬أنه إن وافق رأيك ازداد شد ًة عندك‪ ،‬وإن خالف‬
‫رأيك عرضت هُ على نظرك‪ ،‬فإن رأيته مُعتليًا لا رأيت قبلت‪ ،‬وإن رأيته متضعًا عنه‬
‫استغنيتَ‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يدد لك النصيحة من شاروت وإن أخطأ ويحض لك مودته وإن‬
‫قصّر‪.‬‬
‫ح عند من ل يستعمله‪ ،‬والا ُل عند‬
‫إذا كان الرأي عند من ل يُقبل منه‪ ،‬والسل ُ‬
‫من ل ينفقه ضاعت المور‪.‬‬
‫‪186‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأو صى آ خر اب نه‪ ،‬فقال‪ :‬يا ب ن‪ ،‬كن على حذر من اللئ يم إذا أكرم ته و من‬
‫الكري إذا أهنته‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ْشب الذَى عندَ إكْرَام الّلئِيبم كمبا تَخْشَى الَذَى إ نْ أ َهنْ تَ الُرّ ذَا النُبَل‬
‫واخ َ‬
‫وكن على حذر من الاهل إذا صاحبته‪ ،‬ومن الفاجر إذا خاصمته‪.‬‬
‫ومن الرشد مشاورة الناصح ومدارة العدو والاسد‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ف يُرَى عَمّابب قَلِي ٍل نَ ِديْمًببا لِلنّدَامَاتببِ‬
‫مَن يَدْارِ دَارَى ومَن ل يَدْر سَو َ‬
‫ف الن فس ويع قب الندم‪ ،‬وال‬
‫يا ُبنّ ي‪ ،‬احذر ال سد فإ نه يُف سدُ الد ين ويُضع ُ‬
‫أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫فصل‬
‫و من و صايا أ ب حني فة ل ب يو سف‪ :‬ل تتكلم ب ي يدي العا مة إل ب ا ت سأل‬
‫عنه‪ ،‬قلت‪( :‬أو فيما يعود عليهم با ينفعهم وإن ل يسألوا)‪.‬‬
‫ول تكثر الروج إل السوق‪ ،‬ول تكلم الراهقي فإنم فتنة (قلت إل لضرورة‬
‫أو حاجة)‪.‬‬
‫ول ت ش ف قار عة الطريبق مع الشا يخ والعا مة‪ ،‬فإ نك إن قدّمتهبم ازدري‬
‫ث أنم أسَنّ منك‪.‬‬
‫بعلمك‪ ،‬وإن أخرتم ازدري بك من حي ُ‬
‫قال النب ‪« :‬من ل يرحم صغينا ول يوقر كبينا فليسَ ِمنّا»‪.‬‬
‫ول تقعد على قوارع الطريق فإن دعاك ذلك فاقعد ف السجد‪.‬‬
‫ول تأكل ف السواق والساجد‪ ،‬قلتُ‪ :‬إل لضرورة أو حاجة‪.‬‬

‫‪187‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول ترض لنفسك من العبادات إل بأكثر ما يفعله غيك وتعاطاها‪ ،‬فإن العامة‬
‫إذا ل يروا منك القبال عليها أكثر ما يفعلون اعتقدوا فيك قلة الرغبة واعتقدوا أن‬
‫علمك ل ينفعك إل ما نفعهم الهل الذي هم فيه‪.‬‬
‫وإذا دخلت بلدة في ها أ هل العلم فل تتخذ ها لنف سك‪ ،‬بل كن كوا حد من‬
‫أهلهبا ليعلموا أنبك ل تقصبد جاههبم ول يرجون عليبك بأجعهبم ويطعنون ف‬
‫مذهبك وتصي مطعونًا عندهم بل فائدة‪.‬‬
‫وإن استفتوك فل تناقشهم ف الناظرة والطارحات‪.‬‬
‫ول تذكر لم شيئًا إل عن دليل واضح‪.‬‬
‫ول تطعبن فب أسباتذتم فإنمب يطعنون فيبك‪ ،‬قلت‪ :‬إل أن يكونوا مبتدعيب‬
‫كالشاعرة والعتزلة والهمية والرافضة فيحذر عنهم‪.‬‬
‫وكن من الناس على حذر‪.‬‬
‫وكن ل تعال ف سرك كما أنت له ف علنيتك‪.‬‬
‫ول يصلح أمر العلم إل بعد أن يعل سره كعلنيته‪.‬‬
‫ل فل تق بل ذلك م نه إل ب عد أن تعلم أ نه إن ا يُول يك‬
‫وإذا أولك ال سلطان عم ً‬
‫ذلك لعلمك‪.‬‬
‫ب اللل فب‬
‫وإياك أن تتكلم فب ملس النظبر على خوف‪ ،‬فإن ذلك يُورث ُ‬
‫اللفاظ‪ ،‬والكلل ف اللسان‪.‬‬
‫وإياك أن تكثر الضحك‪ ،‬فإنه ييت القلب‪.‬‬
‫ِينه‬
‫َنه اّلذ َ‬
‫قلتب لقول ال تعال‪ :‬وَعِبَادُ الرّ ْحم ِ‬
‫ُ‬
‫ول تشب إل على طمأنينبة‪،‬‬

‫يَمْشُونَ َعلَى الَ ْرضِ َه ْونًا ‪.‬‬
‫ول تكبن عجُولً فب المور‪ ،‬قلت‪ :‬إل فيمبا حبث الشارع على السبراع‬
‫والبادرة فيه‪.‬‬

‫‪188‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وإذا تكلمت فل تكثر التصويت‪ ،‬ول ترفع صوتك‪ ،‬قلت‪ :‬لنه يدل على قلة‬
‫لجُرَا تِ َأكْثَرُهُ مْ لَ يَ ْعقِلُو نَ‬
‫العقل‪ ،‬قال ال تعال‪ِ :‬إنّ اّلذِي نَ يُنَادُونَ كَ مِن وَرَاءِ ا ُ‬

‫‪.‬‬
‫وات ذ لنف سك ال سكوُن وقلة الر كة‪ ،‬ليتحقّ قَ ع ند الناس ثباتُك‪ ،‬ول نه يدل‬
‫على رزانة العقل‪.‬‬
‫وأكثر من ذكر ال تعال فيما بي الناس‪ ،‬ليتعلّمُوا ذلك منك‪ ،‬قلت‪ :‬وليكون‬
‫له مثل أجورهم؛ لديث‪« :‬من دلَ على خي فله مثل أجر فاعله»‪.‬‬
‫واتذ لنفسك وردًا خلف الصلوات تقرأ فيه القرآن‪ ،‬وتذكر ال تعال وتمده‬
‫وتشكره‪.‬‬
‫واتذ أيامًا معدودةً من كل شهر تصوم فيها‪ ،‬ليقتدي بك غيك‪.‬‬
‫ول تطمئن إل دُنياك وإل ما أنت فيه‪ ،‬فإن ال سائلك عن جيع ذلك‪.‬‬
‫وإذا عرفت إنسانًا بالشر فل تذكره به‪ ،‬بل اطلب منه خيًا فاذكره به‪ ،‬إل ف‬
‫باب الدين فإنك إن عرفت ف دينه ذلك فاذكره للناس كي ل يتبعوه وليحذروه‪،‬‬
‫قال –عل يه ال صلة وال سلم‪« :-‬اذكروا الفا جر ب ا ف يه ح ت يذره الناس»‪ ،‬وإن‬
‫كان ذا جاه ومنلة فاذكر ذلك ول تبال من جاهه‪ ،‬فإن ال تعال مُعينك وناصرك‬
‫وناصر الدين‪.‬‬
‫فإذا فعلت ذلك مرة هابوك ول يتجاسر أحد على إظهار البدعة ف الدين‪.‬‬
‫ول تالس أحدًا من أهل الهواء إل على سبيل الدعوة إل الدين ول تشات‪.‬‬
‫وإذا أذن الؤذن فتأ هب لدخول ال سجد لئل تتقدم عل يك العا مة‪ ،‬قل تُ‪ :‬بل‬
‫للمبادرة إل أداء الفريضة وليقتدي بك غيك‪.‬‬
‫ول تتخذ دارك ف جوار السلطان‪.‬‬
‫ومبا رأيبت على جارك فاسبتره فإنبه أمانبة‪ ،‬قُلتبُ‪ :‬إل أن يكون مُجاهرًا‬
‫بالعاصي‪.‬‬
‫ول تظهر أسرار الناس‪ ،‬قلتُ‪ :‬إل أن يكون فيها ضررٌ على مسلم‪.‬‬
‫‪189‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومن استشارك ف شيء فأشر عليه با يقربك إل ال تعال‪.‬‬
‫وإياك والب خل فإ نه تن قص به الروءة ول ت كن طماعًا ول كذابًا‪ ،‬قل تُ‪ :‬ول‬
‫جاسوسًا ول غيابًا ول نامًا ول غشاشًا ول صاحب مقابلة‪.‬‬
‫وأظ هر غ ن القلب مظهرًا ف نف سك قلة الرص والرغ بة وأظ هر من نف سك‬
‫الغن‪ ،‬ول تظهر الفقر وإن كنت فقيًا‪.‬‬
‫ت منلته‪.‬‬
‫وكن ذا هِ َمةٍ فإن من ضعفت هته ضعف ْ‬
‫وإذا مشيت مع الطريق فل تتلفت يينًا ول شالً‪ ،‬بل داوم النظر ف الرض‪،‬‬
‫قلتُ‪ :‬إل لضرورة أو حاجة‪.‬‬
‫ول تاكس بالبات والدوانق وحقر الدنيا الحقرة عند أهل العلم (أي علماء‬
‫الخرة العاملون بعلمهم ل علماء الدنيا)‪.‬‬
‫وَو ّل أمور َك غيَ كَ ليمك نك القبال على العلم‪ ،‬وإياك أن تكلم الجان ي و من‬
‫ل يعرف الناظرة وال جة من أ هل العلم والذ ين يطلبون الاه وي ستغرقون بذ كر‬
‫ال سائل في ما ب ي الناس‪ ،‬فإن م يطلبون تجيلك ول يبالون م نك وإن عرفُوك على‬
‫الق‪.‬‬
‫وإذا دخلت على قوم كبار فل ترتفع عليهم ما ل يرفعوك لئل يلحق بك منهم‬
‫أذية‪.‬‬
‫وإذا كنبت فب قوم فل تتقدم عليهبم فب الصبلة مبا ل يقدموك على وجبه‬
‫التقدير‪ ،‬قلت‪ :‬إل أن يكون أقرأهم لكتاب ال فيتقدم‪ .‬اهب‪.‬‬
‫جعَلَ كَ آَيةً لّلنّا سِ ‪ :‬يعن لبن إسرائيل وذلك‬
‫قال ابن عباس ف أمر عزير َولَِن ْ‬
‫أنه كان يلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب؛ لنه مات وهو ابن أربعي سنة‪،‬‬
‫فبعثه ال شابًا كهيئته يوم مات‪.‬‬
‫وقيل ف معن ما قاله ابن عباس‪:‬‬

‫‪190‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب ابنُبه‬
‫ب شاب مبن قبْلِه ِ‬
‫وأسبْودُ رَاس ٍ‬
‫ب شْيخًبا يدِبّب على العَصبَا‬
‫يَرَى ابْنَه ُ‬
‫ومَببا لبِنِببه َحيْلٌ ول َفضْلُ ُق ّوةٍ‬
‫جةٌ‬
‫ب ِعيْنَ ح ّ‬
‫ب تِس ْ‬
‫َيعُدّ ابنُبه فب الناس ِ‬
‫ب أمَرّهَببا‬
‫وعُمْ ُر أِبيْه ببِ أ ْرَبعُوْن ب َ‬
‫ْتب دَارِيًا‬
‫إنب ُكن َ‬
‫فمبا هبو فب ا َلعْقُو ِل ْ‬

‫ب ف ْهوَ أكْبَرُ‬
‫ب ابْنِهبِ‬
‫ومببن َقبْلِهببِ ابنبُ‬
‫ب أ ْشقَرُ‬
‫حَيتُهببُ سببَودا ُء والرأسب ُ‬
‫ولِ ْ‬
‫ببِيُ َفيْعثرُ‬
‫بي الصب ّ‬
‫با يَمْشِب‬
‫َيقُوم كَمَب‬
‫ختَرُ‬
‫ب ول يَتبَ ْ‬
‫ب ل يَجْريب ْ‬
‫وعشرينب َ‬
‫الناسب َعبّروا‬
‫ِ‬
‫َسبعُونَ فب‬
‫ولببن إبِن ِه ت ْ‬
‫لهْلِ تُعْ َذرُ‬
‫بَ ل تَ ْدرِي فبِا َ‬
‫بْ ُكنْتب‬
‫وإنب‬

‫عن بعض أصحاب جعفر الصادق قال‪ :‬دخلت على جعفر وموسى بي يديه‬
‫و هو يو صيه بذه الو صية فكان م ا حف ظت من ها أ نه قال‪ :‬يا ُب ن‪ ،‬اقب ٍل و صيت‪،‬‬
‫واحفظ مقالت‪ ،‬فإنك إن حفظتها تعش سعيدًا وتت حيدًا‪.‬‬
‫يا بن‪ ،‬إنه من قنع با قسم ال له استغن ومن م ّد عينه إل ما ف يد غيه مات‬
‫فقيًا‪ ،‬ومن ل يرضَ با قسم ال عزّ وج ّل له اتّهم ال تعال ف قضائه‪.‬‬
‫ومن استصغر زلّة نفسه استعظم زلة غيه‪ ،‬ومن استصغر زلة غيه استعظم زلة‬
‫ت عورا تُ بيته‪ ،‬ومن سل سيف‬
‫نفسه‪ ،‬يا بن‪ ،‬من كشف حجاب غيه انكشف ُ‬
‫البغي قُتل به‪.‬‬
‫و من احت فر لخ يه بئرًا سقط في ها‪ ،‬و من دا خل ال سفهاء حُ قر‪ ،‬و من خالط‬
‫العلماء وقّرْ‪ ،‬ومن دخل مداخل السوء أتم‪.‬‬
‫يا ب ن‪ ،‬قُل ال ق لك وعل يك‪ ،‬وإياك والنمي مة فإن ا تزر عُ الشحناء ف قلوب‬
‫الرجال‪ ،‬يا ب ن‪ ،‬إذا طل بت الود فعل يك بعادِ نه‪ .‬وال أعلم‪ ،‬و صل ال على م مد‬
‫وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫ومن نصيحة والد لولده‬
‫اعمل أن من تفكر ف الدنيا قبل أن يوجد رأى مد ًة طويلةً‪ ،‬فإذا تفكر ف يوم‬
‫القيامة علم أنه خسون ألف سنة‪ ،‬فإذا تفكر ف اللبث ف النة أو النار علم أنه ل‬
‫ناية لهُ‪.‬‬
‫‪191‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فإذا أعاد إل الن ظر ف مقدار بقائه فرض نا ستي سنة مثلً‪ ،‬فإ نه ي ضي من ها‬
‫ثلثون سنة ي النوم‪ ،‬ونو من خس عشر ف الصّبا‪.‬‬
‫فإذا حسب الباقي كان أكثر ف الشهوات والطاعم والكاسب‪ ،‬فإذا خلص ما‬
‫للخرة و جد ف يه من الرياء والغفلة كثيًا‪ ،‬فماذا تشتري الياة البد ية وإن ا الثم نُ‬
‫هذه الساعات؟‬
‫فانت به يا بنُ لنف سك‪ ،‬واندم على ما م ضى من تفري طك‪ ،‬واجت هد ف لاق‬
‫الكاملي ما دام ف الوقت سعة‪ ،‬واسق غُصنك ما دامت فيه رُطوبة‪.‬‬
‫ك الت ضاع تْ فكفى با عظة‪ ،‬ذهب تْ لذ ُة الكسل فيها وفاتت‬
‫واذكر ساعت َ‬
‫مراتبب الفضائل‪ ،‬وقبد كان السبلف الصبال رحهبم ال يبون جعب كُل فضيلة‬
‫ُ‬
‫ويبكون على فوات واحد ٍة منها‪.‬‬
‫قال إبراهيم بن أدهم ب رحه ال ب دخلنا على عاد مريض‪ ،‬وهو ينظر إل‬
‫رجليه ويب كي‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما لك تب كي؟ فقال‪ :‬عل ّي يوم مضى ما صُمتُه‪ ،‬وعل يّ ليلة‬
‫ذهبت ما قمتها‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد‪.‬‬

‫حكم وآداب ومواعظ‬
‫قال السن البصري ف قول ال جل وعل‪َ :‬فإِذَا َطعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا نزلت ف‬
‫الثقلء‪.‬‬
‫وقال ال سري أ حد رجال الد يث‪ :‬ذ كر ال جل وعل الثُقلء ف القرآن ف‬
‫قوله تعال‪َ :‬فإِذَا َطعِمُْتمْ فَانتَشِرُوا ‪.‬‬
‫وكان أبو هريرة إذا استثقل رجلً‪ ،‬قال‪ :‬اللهم اغفر لنا وله وأرِ ْحنَا منه‪.‬‬
‫وكان حاد بن سلمة إذا رأى من يستثقلُه قال‪َ :‬ربّنَا اكْشِ فْ عَنّا ال َعذَا بَ إِنّا‬

‫مُ ْؤمِنُونَ ‪.‬‬
‫‪192‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيبل لبب عمرو الشيبانب‪ :‬لاذا يكون الثقيبل أثقبل على النسبان مبن المبل‬
‫الثق يل؟ فقال‪ :‬لن الثق يل يق عد على القلب‪ ،‬والقل بُ ل يتملُ ما يتمل هُ الرأ سُ‬
‫والبدنُ من الِثقَلِ‪.‬‬
‫قال حبيب بن أوس‪:‬‬
‫بهَدِ‬
‫با ب َط ْلعَتِبه كَمَببا تَبَ ّرمَتببِ ال ْجفَان بالسب ّ‬
‫با مَبن تَبَ ّرمِت بِ الدنيب‬
‫يب‬
‫ِهب يَمْشبي على َكبِدِي‬
‫ْسببُه مِن بُغ ْض طَ ْل َعت ِ‬
‫ختَالً فأح ِ‬
‫الرضب مُ ْ‬
‫ِ‬
‫يَمش ِي على‬
‫قيل لب مسلم‪ :‬ما كان سبب خروج الدولة عن بن أمية؟ قال‪ :‬لنم أبعدوا‬
‫أولياءهم ثقة بم وأدنوا أعداءهم تألفًا لم‪ ،‬فلم ي صر الع ُدوّ صديقًا بالدنو و صار‬
‫الصديق عدوًا بالبعاد‪.‬‬
‫نظر عبداللك بن مروان عند موته وهو ف قصره إل قصا ٍر يضرب بالثوب ف‬
‫الغسلة‪ ،‬قال‪ :‬يا ليتن كنتُ قصارًا ول أتقلد اللفة‪.‬‬
‫فبلغ كلمه أبا حات‪ ،‬فقال‪ :‬المد ل الذي جعلهمُ إذا حضرهم الوت يتمنون‬
‫ما نن فيه‪ ،‬وإذا حضرنا الوت ل نتمن ما هم فيهم‪.‬‬
‫عن و هب بن من به قال‪ :‬قال الواريون‪ :‬يا عي سى‪ ،‬من أولياء ال الذ ين ل‬
‫خوف عليهم ول هم يزنون؟ فقال‪ :‬الذين نظروا إل باطن الدنيا حي نظر الناس‬
‫إل ظاهرها‪ ،‬والذين نظروا إل آجل الدنيا حي نظر الناس إل عاجلها فأماتوا ما‬
‫خشوا أن ييتهم‪ ،‬وتركُوا ما علموا أن سيتركهم‪ ،‬فصار استكثارهم منها استقللً‪،‬‬
‫وذكرهم إياها فواتًا‪ ،‬وفرحُهم با أصابوا منها حُزنًا‪ ،‬فما عارضهم منها رفضوه‪ ،‬أو‬
‫من رفعتها بغي الق وضعوه‪.‬‬
‫خلقت الدنيا عندهم فلم يددوها‪ ،‬وخربت بينهم فلم يعمروها‪ ،‬وماتت ف‬
‫حيُوها‪.‬‬
‫صدورهم فليسوا يُ ْ‬
‫يهدمُون ا فيبنون ب ا آخرت م‪ ،‬ويبيعون ا فيشترون ب ا ما يب قى ل م‪ ،‬رفضو ها‬
‫وكانوا برفضها فرحي‪ ،‬وباعوها وكانوا ببيعها رابي‪.‬‬
‫‪193‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫نظروا إل أهلها صرعى قد حلت بم الثلت‪ ،‬فأحيوا ذكر الوت وأماتوا ذكر‬
‫الياة‪ ،‬يبون ال ويبون ذكره ويستضيئون بنوره‪.‬‬
‫ل م خب عج يب‪ ،‬و عند هم ال ب العج يب‪ ،‬ب م قام الكتاب و به قاموا‪ ،‬وب م‬
‫ن طق الكتاب‪ ،‬و به نطقوا‪ ،‬وب م عُلم الكتاب و به علموا فلي سوا يرون نائلً مع ما‬
‫نالوا ول أمانًا دون ما يرجون ول خوفًا دُو نَ ما يذرون‪ ،‬رواه المام أحد‪ ،‬وال‬
‫أعلم‪.‬‬
‫قصص ومواعظ رائعة ومطالب عالية‬
‫عن عمارة بن خزية النصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النب ‪ :‬أن‬
‫النب ابتاع فر سًا من أعراب فاستتبعه النب ليقضيه ثن فرسه‪ ،‬فأسرع النب‬
‫الشبي وأبطبأ العرابب‪ ،‬فطفبق رجال يعترضون العرابب فيسباومون بالفرس ول‬
‫يشعرون أن النب ابتاعه‪.‬‬
‫حت زاد بعضهم العراب ف السوم على ثن الفرس الذي ابتاعه به النب ‪.‬‬
‫ت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإل بعته‪.‬‬
‫فنادى العراب النب ‪ ،‬فقال‪ :‬إن كن َ‬
‫فقام ال نب ح ي سع نداء العرا ب‪ ،‬فقال‪« :‬أو ل يس قد ابتع ته م نك؟» قال‬
‫العراب‪ ،‬ل‪ ،‬وال ما بعتُك‪.‬‬
‫فقال النب ‪« :‬بلى قد ابتعتُه منك» فطفق الناس يلوذُون بالنب والعراب‪،‬‬
‫وها يتراجعان‪ ،‬فطفق العراب يقول‪ :‬هل ّم شهيدًا يشهد أن بايعتك‪.‬‬
‫فمن جاء من السلمي قال للعراب‪ :‬ويْلَكَ إن النب ل يكن ليقول إل حقًا‪.‬‬
‫ح ت جاء خزي ة فا ستمع لُراج عة ال نب ومُراج عة العرا ب‪ ،‬وط فق العرا ب‬
‫يقول‪ :‬هل ّم شهيدًا أن بايعتُك‪.‬‬
‫فقال خزية‪ :‬أنا أشهد أنك قد بايعته‪ ،‬فأقبل النب على خُزية‪ ،‬فقال‪« :‬ب‬
‫تشهبد؟» قال‪ :‬بتصبديقك يبا رسبول ال‪ ،‬فجعبل النببُ شهادة خُزيةب شهادة‬
‫رجلي‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقد روي ف بعض طرق هذا الديث أن النب قال لزية‪« :‬بِ مَ تَشْهدُ ول‬
‫تكن َمعَنا؟» قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أنا أصدقك بب السما َء أفل أصدّقُكَ با َتقُولُ؟‬
‫قال الطاب‪ :‬ووجه هذا الديث أن النب حكم على العراب بعلمِه إذ كان‬
‫النبب صبادقًا بارًا وجرت شهادةُ خزيةب فب ذلك مرى التوكيبد؛ لقوله‬
‫والستظهار با على خصمه‪.‬‬
‫فصارت ف التقدير مع قول رسول ال كشهادة رجلي ف سائر القضايا ب‬
‫رحه ال ب‪.‬‬
‫ّثب عبن إسبلمه‪،‬‬
‫قال الواقدي عبن أشياخ له‪ :‬إن شيببة ببن عثمان كان يُحد ُ‬
‫فيقول‪ :‬ما رأيتُ أعجب مّا ُكنّا فيه من لُزُوم ما مضى عليه آباؤُنا من الضّللت‪.‬‬
‫فل ما كان عام الف تح ود خل ال نب عُنوةً‪ ،‬قل تُ‪ :‬أ سيُ مع قُر يش إل هوازن‬
‫بُني فعسى إن اختلطوا أن أُصيب من ممدٍ غر ًة فأثا ُر منه فأكون أنا الذي قم تُ‬
‫بثأر قُر يش كُلّ ها‪ ،‬وأقولُ‪ :‬ولو ل ي بق من العرب والع جم أح ٌد إل ات بع ممدًا ما‬
‫اتبعته أبدًا‪.‬‬
‫فلما اختلط الناس اقتحم رسول ال عن بغلته وأصلت السيفَ فدنوت أُريدُ‬
‫ما أري ُد م نه ورفع تُ سيفي‪ ،‬فر فع ل شوا ظٌ من نارٍ كالبق حتّ ى كاد يحش ن‪،‬‬
‫فوض عت يدي على ب صري خوفًا عل يه‪ ،‬فالت فت إل ر سول ال ونادا ن‪ « :‬يا‬
‫شيب‪ ،‬ا ْدنُ من»‪ ،‬فدنوت منه فمسح صدري‪ ،‬وقال‪« :‬اللهمُ أعِذ ُه مِن الشيطان»‪.‬‬
‫فوال َلوُ كان ساعتئذٍ أحبّ إلّ من سعي وبصري ونفسي‪ ،‬وأذهب ال عز‬
‫وجل ما كان ب‪.‬‬
‫ب بسيفي‪ ،‬ال يعل مُ أن أحبّ أن‬
‫ث قال‪« :‬ادْ نُ َفقَاتِلْ»‪ ،‬فتق ّدمْ تُ أمامه أضر ُ‬
‫أقيهُ بنفسي كُ ّل شيء‪ ،‬ولو لقيت تلك الساعة أب لو كان حيًا لوقعتُ به السيف‪.‬‬
‫ْتب بغَْلةَ رسبول ال ‪،‬‬
‫فلمبا تراجبع السبلمون وكروا كرّة رجلٍ واحبد ق ّرب ُ‬
‫فا ستوى علي ها فخرج ف أثر هم ح ت تفرقُوا ف كُل و جه‪ ،‬ور جع إل مُع سكره‬

‫‪195‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فدخل خباء هُ‪ ،‬فدخل تُ عليه‪ ،‬فقال‪« :‬يا شيْب‪ ،‬الذي أراد ال بك خ ٌي ما أرد تَ‬
‫بنفسك»‪.‬‬
‫ث حدثن بكل ما أضمرت ف نفسي ما ل أكُنْ أذكرُهُ لحدٍ قط‪ ،‬فقلتُ‪ :‬فإن‬
‫أشهدُ أن ل إله إل ال وأنك رسولُ ال‪ ،‬ث قل تُ‪ :‬استغفر ل يا رسول ال‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«غفر ال لك»‪.‬‬
‫ضعّف ذِي‬
‫ضعِيف ُمَت َ‬
‫وعن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول ال ‪« :‬كم مشن َ‬
‫طِمْ َريْن لو أقْسَمَ على ال لبرهُ‪ ،‬منهم الباءُ بنُ مالك»‪.‬‬
‫وإن الباء لقي زحفًا من الشركي وقد أوجع الشركون ف السلمي‪ ،‬فقالوا‬
‫له‪ :‬يا براءُ‪ ،‬إن ر سول ال قال‪« :‬إ نك لو أقْ سَ ْمتَ على ال لبر كَ» فأق سم على‬
‫ت عليك يا رب لا منحتنا أكتافهم فمُنحوا أكتافهُم‪.‬‬
‫ال‪ ،‬فقال‪ :‬أقسم ُ‬
‫ث التقوا على قنطرة ال سُوس فأوجعُوا ف ال سلمي‪ ،‬فقالوا‪ :‬أق س ْم على رب كَ‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أقسبمت عليبك يبا رب لاب منحتنبا أكتافهبم وألقتنب بنبيبك ‪ ،‬فمُنحوا‬
‫أكتافهم‪ ،‬وقُتل الباء شهيدًا‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫فصل‬
‫أرسل عمر إل الكوفة من يسأل عن سعد فكان الناس يثنون عليه خيًا حت‬
‫سُئل عنه رجل من بن عبس‪ ،‬فقال‪ :‬أما إذا أنشدتونا عن سعد فإنه كان ل يرج‬
‫ف السرية ول يعدل بالرعية ول يقسم بالسوية‪.‬‬
‫فقال سبعد‪ :‬اللهبم إن كان كاذب ًا قام رياء وسبعة فأطبل عره وعظبم فقره‬
‫وعرضه للفت‪.‬‬
‫فكان يُرى وهبو شيبخ كببي قبد تدلّى حاجباه مبن الكبب يتعرض للجواري‬
‫يغم ُزهُنّ ف الطرقات‪ ،‬ويقول‪ :‬شيخ كبي مفتُون أصابتن دعوة سعْد‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكذا سبعيد ببن زيبد كان ماب الدعوة‪ ،‬فقبد روي أن أروى بنبت أوس‬
‫استعدت مروان على سعيد‪ ،‬وقالت‪ :‬سرق من أرضي وأدخله ف أرضه‪.‬‬
‫فقال سعيد‪ :‬اللهم إن كانت كاذبة فأذهب بصرها وأقتُلها ف أرضها‪ ،‬فذهب‬
‫بصرُها وماتت ف أرضها‪.‬‬
‫قال إبراه يم بن أد هم‪ :‬مرض بع ضُ ال ُعبّاد فدخل نا عل يه نعُوده‪ ،‬فج عل يتن فس‬
‫ويتأسف‪ ،‬فقل تُ له‪ :‬على ماذا تتأسف؟ قال‪ :‬على ليلة نتُها‪ ،‬ويوم أفطرته‪ ،‬وساعةٍ‬
‫غفلتُ فيها عن ذكر ال عز وجل‪.‬‬
‫وبكى بعضُ العباد عند موته‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما يبُكيك؟ فقال‪ :‬أن يصوم الصائمون‬
‫ت فيهم‪ ،‬ويصلي الصلون ولستُ فيهم‪ .‬تأمل‬
‫ت فيهم‪ ،‬ويذكر الذاكرون ولس ُ‬
‫ولس ُ‬
‫يا أخي‪ ،‬هذه المان ل دره‪.‬‬
‫عن ابن أب مُليكة قال‪ :‬لا كان يوم الفتح ركب عكرمةُ بن أب جهل البحر‬
‫هاربًا فخبّ ب م البحرُ‪ ،‬فجعلت ال صرّارِي (أي اللحون) يدعُون ال ويُوحّدُونَ هُ‪،‬‬
‫إلهب ممدٍ الذي‬
‫فقال‪ :‬مبا هذا؟ قالوا‪ :‬هذا مكان ل ينفبع فيبه إل ال‪ ،‬قال‪ :‬هذا ُ‬
‫يدعونا إليه‪ ،‬فارجعُوا بنا‪ ،‬فرجع فأسلم‪.‬‬
‫وعن مصعب بن سعد‪ ،‬عن عكرمة بن أب جهل‪ ،‬قال‪ :‬قال النب يوم جئته‪:‬‬
‫ب ا ُلهَاجرِ‪ ،‬مَ ْر َحبًا بالراك بِ الهاجرِ»‪ ،‬قلت‪ :‬وال يا رسول ال‪ ،‬ل‬
‫«مَرْ َحبًا بالراك ِ‬
‫ع نفق ًة أنفقتُها عليك إل أنفقتُ مثلها ف سبيل ال‪.‬‬
‫أد ُ‬
‫وعن عبدال بن أب مليكة أن عكرمة بن أب جهل كان إذا اجتهد ف اليمي‬
‫قال‪ :‬ل والذي نّا ن يوم بدرٍ‪ ،‬وكان يض ُع الُ صحف على وج هه‪ ،‬ويقول‪ :‬كتا بُ‬
‫رب‪ ،‬كتابُ رب‪.‬‬
‫استشهد عكرمة يوم اليمُوك ف خل فة أ ب ب كر‪ ،‬فوجدُوا فيه بضعًا و سبعي‬
‫من بي ضرب ٍة وطعن ٍة ورميةٍ‪.‬‬
‫قال الزب ي‪ :‬وحدث ن ع مي م صعب بن عبدال قال‪ :‬جاء ال سلم ودا ُر الندوة‬
‫بيد حكيم بن حزام‪ ،‬فباعها بع ُد مِن معاوية بن أب سفيان بائة ألف درهم‪.‬‬
‫‪197‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال له عبدال بن الزبي‪ :‬بعتَ مكرمة قريش؟ فقال حكيمُ‪ :‬ذهبت الكارمُ إل‬
‫التقوى‪ ،‬يا ا بن أ خي‪ ،‬إ ن اشتر يت ب ا دارًا ف ال نة‪ ،‬أشهدك أ ن قد جعلت ها ف‬
‫سبيل ال‪.‬‬
‫وعن أب بكر بن سليمان قال‪ :‬ح جّ حكيم بن حزام معه مائة بدنة قد أهداها‬
‫وجلّل ها ال بة وكفّ ها عن أعجاز ها ووقّ ف مائةَ و صيفٍ يوم عرفةَ ف أعناقِ هم‬
‫أطوق هُ‪ ،‬الفضّ ة قد نُ قش ف ُرؤُ سِها‪« :‬عُتقاء ال ع ّز وجلّ عن حك يم بن حزام»‪،‬‬
‫وأعتقهم وأهدى ألف شاة‪.‬‬
‫وعن ممد بن سعد يرفعه‪ :‬أن حكيم بن حزام بكى يومًا‪ ،‬فقال هل ابنه‪ :‬ما‬
‫يُبكيك؟ قال‪ :‬خصالٌ كلها أبكان‪ :‬أما أولا‪ :‬فبطءُ إسلمي حت سُبقتُ ف مواطن‬
‫ت يوم بدر واحدٍ‪ ،‬فقلت‪ :‬ل أخرج أبدًا من مكة ول أوضعُ مع‬
‫كلها صالة‪ ،‬ونو ُ‬
‫قُريش ما بقيت‪.‬‬
‫فأقمت بكة ويأب ال عز وجل أن يشرح صدري للسلم‪ ،‬وذلك أن أنظرُ‬
‫إل بقايا من قريش لم أسنان متمسكي لا هم عليه من أمر الاهلية فأقتدي بم‪،‬‬
‫ويا ليت أن ل أقتد بم‪ ،‬فما أهلكنا إل القتداء بآبانا وكُبائنا‪.‬‬
‫فلما غزا النب مكة جعل تُ أفكرُ‪ ،‬فخرج تُ أنا وأبو سفيان نستروح الب‪،‬‬
‫ت بيت‪ ،‬فأغلقتُه عليّ‬
‫فلقي العباسُ أبا سفيان‪ ،‬فذهب به إل النب ورجعتُ فدخل ُ‬
‫ودخل النب مكة فآمن الناس‪ ،‬فجئتُه فأسلمت وخرجتُ معه إل حني‪.‬‬
‫وعن عُروة أن حكيم بن حزام أعتق ف الاهلية مائة رقبة‪ ،‬وف السلم مائة‬
‫رقبة وحل على مائة بعي‪.‬‬
‫قال ابن سعد‪ :‬قال ممد بن عمر‪ :‬قدم حكيم بن حزام الدينة ونزلا وبن با‬
‫دارًا‪ ،‬ومات با سنة أربع وخسي وهو ابن مائة وعشرين سنة ب رحه ال ب‪.‬‬
‫عن أب برزة السلمي أن ُجَلْيبِْيبًا كان امرأ من النصار وكان أصحاب النب‬
‫ج ل ا) ل يزوج ها ح ت يُعل َم ال نب ‪ :‬هل ل هُ‬
‫إذا كان لحد هم أيّم (أي ل زو َ‬
‫فيها حاج ًة أمْ ل؟‬
‫‪198‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال رسول ال ذات يو مٍ لرجُل من النصارِ‪« :‬يا فُلَا نُ‪َ ،‬زوّجْن ابَْنتَ كَ»‪،‬‬
‫َسبتُ ِلَنفْسبِي أرْيدُه َا» قال‪ :‬لِمَنبْ؟ قال‪:‬‬
‫قال‪ :‬نعبم ونعم ُة عَيْبن‪ ،‬قال‪« :‬إنب ل ْ‬
‫«لَُليِْبيْ بْ»‪ ،‬قال‪ :‬يا ر سول ال‪ ،‬ح ت أ ستأمِرَها (أي أشاورُهَا) وأمَهّا‪ ،‬فأتا ها‪،‬‬
‫ب ابنت كِ‪ ،‬قالت‪ :‬نَع َم وِنعْ ِم ُة عَيْن‪َ ،‬ز ِو جْ ر سولَ ال‬
‫فقال‪ :‬إن ر سول ال يَخْطُ ُ‬
‫‪ ،‬قال‪ :‬إنبه ليبس لنفسبه يُريدُهبا‪ ،‬قالت‪ :‬فلِمَنبْ؟ قال‪ :‬لُلَيببيب‪ ،‬قالت‪َ :‬حلْقَي‬
‫ألُليبيب؟ ل لعَمْرُ ال ل أ َز ِوجُ جُليبيًا‪.‬‬
‫فل ما قام أبو ها ليأ ت ال نب ‪ ،‬قالت الفتاةُ من خدرِ ها لبويْ ها‪ :‬من خطب ن‬
‫إليكما؟ قال‪ :‬رسول ال ‪ ،‬قالت‪ :‬أفترُدُو نَ على رسول ال أمرَ هُ؟ ادَْفعُون إل‬
‫رسول ال فإنّهُ لَ ْن يُضيّعَن‪.‬‬
‫ك بِها‪ ،‬فزوّ َجهَا جُليبيبًا‪.‬‬
‫فذهب أبوها إل النب ‪ ،‬فقال‪ :‬شأنَ َ‬
‫قال إ سحاق بن عبدال بن أ ب طل حة لثا بت‪ :‬أتدري ما د عا ل ا به ال نب ؟‬
‫قال‪ :‬وما دعا لا به النب ب عليه السلم ب؟‬
‫صبّا ول ْتعَ ْل عَيشَهَا كَدّا كَدّا»‪.‬‬
‫صبّ عَلَيها الَيَ َ‬
‫قال‪« :‬اللهم ُ‬
‫قال ثابتُ‪ :‬فزوّجها إيّاهُ‪ ،‬فبينما رسولُ ال ف مغزى له‪ ،‬قال‪« :‬هَ ْل َتفْقِدُونَ‬
‫مِن أحَدٍ؟» قالوا‪ :‬نفقدُ فُلنًا ونفق ُد فلنًا ونفق ُد فلنًا‪ ،‬ث قال‪« :‬هَ ْل َت ْفقِدُو نَ مِن‬
‫أحَدٍ؟» قالوا‪ :‬نفقد فلنًا ونفقد فلنًا‪ ،‬ث قال‪« :‬هَ ْل َت ْفقِدُونَ مِن أ َحدٍ؟» قالوا‪ :‬ل‪،‬‬
‫قال‪« :‬لكن أفقدُ جَُلْيِبيْبًا‪ ،‬فطلبُوه ف القتلى»‪ ،‬فنظروا فوج ُدوْ هُ إل جنب سبعةٍ قد‬
‫قتله مُ ث قتلُوه‪ ،‬فقال رسول ال ‪« :‬هذا من وأنا منه‪ ،‬أََقتَلَ سبعةً! ث قتلوه‪ ،‬هذا‬
‫ِمنّي وأنا ِمنْ هُ‪ ،‬أقتلَ سبعةً! ث قتلوْه هذا من وأنا منه»‪ ،‬فوضعه رسول ال على‬
‫ساعديه‪ ،‬ث حف ُروْا لهُ ما له سريِر إل ساعدي رسول ال حت وضعه ف قبه‪.‬‬
‫ل در هذه النفس فما أعزّها‪ ،‬وهذه المم ما أرفعها!‬

‫‪199‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وَلَمّاببب رَأوَا َبعْضبببَ الياةِ مَذلةً‬
‫ب‬
‫ب والذَمّب واقع ٌ‬
‫أنب يَذُوقُوا ال َعيْش َ‬
‫أبْوْا ْ‬
‫َتب باب‬
‫إنب َظفِر ْ‬
‫ِلسب ِد ْ‬
‫َبب ل ْ‬
‫ول َعج ٌ‬
‫حرْبةُ وحْشِيّب سب َقتْ حَمزةَ الردَى‬
‫فَ َ‬

‫حرّمببِ‬
‫ب غَيَ مُ َ‬
‫عليهببم وعِزّ الوتب ِ‬
‫ب تُ َذمّمببِ‬
‫عليببه وماتُوا ِمْيَتةً لَمب ْ‬
‫َمب‬
‫ِلبب العادِي م ِن فَصبِيحْ وأعج ِ‬
‫ك ُ‬
‫ْجمب‬
‫ْفب علي ّ فب حُسبَام اببن مُل ِ‬
‫و َحت ُ‬

‫فصل‬
‫روى م سلم ف أفراده من حد يث أ نس بن مالك قال‪ :‬انطلق ر سول ال‬
‫وأصبحابه إل بدر حتب سببقوا الشركيب‪ ،‬وجاء الشركون‪ ،‬فقال رسبول ال ‪:‬‬
‫«قوموا إل جن ٍة عَرْضُها السمواتُ والرضُ»‪.‬‬
‫قال عُمَي ْر ببن المام النصباري‪ :‬يبا رسبول ال‪ ،‬جن ٍة عَرْضُهبا السبموات‬
‫والرض؟! قال‪« :‬نعم»‪ ،‬قال‪ :‬بَ ٍخ بَخٍ يا رسول ال‪ ،‬فقال‪« :‬ما يملك على قولك‬
‫بَ ِخ بَ خِ؟» قال‪ :‬ل‪ ،‬وال يا رسول ال إل رَجَاءَ أن أكو نَ مِن أهلها‪ ،‬قال‪« :‬فإنك‬
‫من أهلها»‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأخرج ترات من قرنه فجعل يأكُلُهنّ‪ ،‬ث قال‪ :‬إ نْ حضِييْ تُ حت آكُلَ‬
‫تَمرات هذه إنا لياةٌ طويلة‪ ،‬فرمى با كان معهُ من التمر‪ ،‬ث قاتل حت قُتل‪.‬‬
‫قال الواقدي‪ :‬ل ا أراد عمرو بن المُوح الروج إل أ حد‪ ،‬من عه بنُوه‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫قد عذرك ال‪ ،‬فجاء إل النب ‪ ،‬فقال‪ :‬إن بن يريدون حبسي عن الروج معك‬
‫وإن لرجو أن أطأ بعرجت [هذه] ف النة‪ ،‬فقال‪« :‬أمّا أنت فقد عذَرك ال»‪ ،‬ث‬
‫قال لبنيه‪« :‬ل عليكم أن ل تنعوه لعل ال عز وجل يرزقه الشهادة» فخلوا سبيله‪.‬‬
‫قالت امرأته هند بنت عمرو بن خُزَام‪ :‬كأن انظر إليه موّليًا‪ ،‬قد أخذ درقته‪،‬‬
‫وهو يقول‪ :‬اللهم ل تردن إل خرب‪ ،‬وهي منازل بن سلمة‪.‬‬
‫قال أبو طلحة‪ :‬فنظر تُ إليه حي انكشف السلمون ث ثابوا‪ ،‬وهو ف الرّعيل‬
‫الول‪ ،‬لكأن أنظر إل ظلع ف رجله‪ ،‬وهو يقول‪ :‬أنا وال مشتاق إل النة!‬
‫ث انظر إل ابنه خَلّاد [وهو] َيعْدو [معه] ف إثْره حت قتل جيعًا‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و ف الديث‪ :‬أ نه دُ فن عمرو بن المُوح وعبدال بن عُمر وأ بو جابر ف قب‬
‫وا حد‪ ،‬فخرّب ال سيلُ قُبور هم‪ ،‬فح فر عن هم ب عد ست وأربع ي سنة فوجدوا ل‬
‫يتغيوا كأنم ماتوا بالمس‪.‬‬
‫عن أ نس بن مالك قال‪ :‬ك نا جُلو سًا مع ر سول ال ‪ ،‬فقال‪« :‬يَطْلُ ُع الن‬
‫ف ليت هُ من وضُوئه قدْ‬
‫لنّةِ» فطل عَ رجُ ٌل مِن النصار تنظ ُ‬
‫عليْكُ مْ رجُ ٌل مِ ْن أهْ ِل ا َ‬
‫علق نعليه بيده الشمال‪.‬‬
‫فلما كان الغدُ‪ ،‬قال النب ‪ِ :‬مثْلَ ذلك‪ ،‬فطلع ذلك الر ُج ُل مثْلَ الرّة الول‪.‬‬
‫فل ما كان اليوم الثال ثُ‪ ،‬قال ال نب ِمثْلَ مقال ته أيضًا فطلع ذلك الر جل على‬
‫مثل حاله الول‪ ،‬فلما قام النب تبع هُ عبدال اب نُ عمرو‪ ،‬فقال‪ :‬إن ل َحيْ تُ أب‪،‬‬
‫فأقسمتُ أن ل أدخُلُ عليه ثلثًا‪ ،‬فإن رأيْ تَ أن تؤويَن إلي كَ حت تَ ْمضِي َفعَلْ تَ‪،‬‬
‫قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ث أن هُ بات مع هُ تلك الثلث الليال فل مْ يرَ ُه يقُو مُ‬
‫قال أنس‪ :‬فكان عبدال يُحدّ ُ‬
‫من الل يل شيئًا غ ي أن هُ إذا تعارّ تقلّب على فرا شه ذكرَ ال عز و جل‪ ،‬و كب ح ت‬
‫لصلة الفجر‪.‬‬
‫الثلثب الليال‪،‬‬
‫ُ‬
‫قال عبدال‪ :‬غيَ أنب ل أسبع ُه يقولُ إل خيًا‪ ،‬فلمّاب مضبت‬
‫وكِدْ تُ أ نْ أحتق َر عمل هُ‪ ،‬قل تُ‪ :‬يا عبدال‪ ،‬ل ي كن بي ن وب ي أ ب غض بٌ ول‬
‫هُجْ َرةٌ‪ ،‬ول كن سعتُ ر سول ال يقول لك ثلث مرات‪« :‬يَطُْل عُ عليكُ ُم ال نَ‬
‫رَ ْج ٌل مِن أهل النة» فطلع تَ أنت ثلث مرّا تٍ‪ ،‬فأرد تُ أن آوي إليك‪ ،‬فانظر ما‬
‫عملتب كببيَا عَمَلٍ‪ ،‬فمبا الذي بلغ ببك مبا قال‬
‫َ‬
‫عملُك‪ ،‬فأقتدي ببك‪ ،‬فلم أرَك‬
‫ر سول ال ؟ قال‪ :‬ما هو إل ما رأيْ تَ‪ ،‬فلمّ ا وّليْ تُ َدعَا ن‪ ،‬فقال‪ :‬ما ُهوَ إل ما‬
‫ت غيَ أن ل أجدُ ف نفسي لحَدٍ مِن السلمي غِشّا ول أحْسُدُ أحدًا على غيٍ‬
‫رأيْ َ‬
‫أعطاهُ ال إيّاهُ‪.‬‬
‫بلغتب بِكبَ‪ ،‬رواه أحدب بإسبناد على شرط البخاري‬
‫ْ‬
‫فقال عبدال‪ :‬هذه التب‬
‫ومسلم والنسائي‪.‬‬
‫‪201‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن نا فع عن ا بن ع مر أن ر سول ال ب عث جيشًا في هم ر جل يقال له‪:‬‬
‫حُ َديْر‪ ،‬وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام‪ ،‬فزودَهم رسولُ ال‬
‫ونَسِ َي أنْ يُ َزوّدَ حُديرًا‪.‬‬
‫فخرج حد ير صابرًا مت سبًا‪ ،‬و هو ف آ خر الر كب يقول‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬وال‬
‫أكب‪ ،‬والمد ل‪ ،‬وسبحان ال‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‪ ،‬ويقول‪ :‬نعْم الزّاد هو‬
‫يارَب‪ ،‬فهو يردّدها وهو ف آخر الركب‪.‬‬
‫قال‪ :‬فجاء جب يل إل ال نب ‪ ،‬فقال له‪ :‬إن ربّ أر سلن إل يك يُ خبك أ نك‬
‫زوّدْ تَ أصحابك ونسيتَ أن تزوّدَ حُ َدْيرًا‪ ،‬وهو ف آخر الركب‪ ،‬يقول‪ :‬ل إله إل‬
‫ال وال أ كب و سبحان ال وال مد ل‪ ،‬فد عا ال نب رجلً فد فع إل يه زاد حُد ير‬
‫وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما ُيقُول‪ ،‬وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول‪،‬‬
‫ويقول له‪ :‬إن رسول ال يُقرئك السلم ورح ة ال‪ ،‬ويُ خبك أنه كان نِ سَيَ أن‬
‫يَ ُزوّدَكبَ‪ ،‬وإن ربب تبارك وتعال أرسبل إلّ جبيبل يذكرّنبببك‪ ،‬فذكّره جبيبل‬
‫وأعلمه مكانك‪.‬‬
‫فانت هى إل يه و هو يقول‪ :‬ل إله إل ال و ال أ كب و سبحان ال وال مد ل ول‬
‫حول ول قوة إل بال‪ ،‬ويقول‪ :‬ن عم الزاد هذا يا رب‪ ،‬قال‪ :‬فد نا م نه‪ ،‬ث قال له‪:‬‬
‫إن ر سول ال يُقرئك ال سلم ورحةَ ال و قد أر سلن إل يك بزا ٍد م عي‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫إن إنا نسيتُك‪ ،‬فأرسل إلّ جبيل من السماء يُذكّرُن بك‪ ،‬قال‪ :‬فحمد ال وأثن‬
‫عليه‪ ،‬وصلى على النب ‪.‬‬
‫ث قال‪ :‬المد ل رب العالي‪ ،‬ذكرن رب من فوق سبع سواتٍ‪ ،‬ومن فوق‬
‫عر شه‪ ،‬ورحِم جُو عي وضع في‪ ،‬يا ر بّ ك ما ل ت نس حُديرًا فاج عل حُديرًا ل‬
‫ينساك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فحفظ ما قال‪ ،‬ورجع إل النب فأخبه با سع منه حي أتاه‪ ،‬وبا قال‬
‫ح ي أ خبه‪ ،‬فقال ر سول ال ‪« :‬أ ما إ نك لو رف عت رأ سك إل ال سماء لرأي تَ‬
‫لكلمه ذلك نورًا ساطعًا ما بي السماء والرض»‪.‬‬
‫‪202‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن م مد بن سعد قال‪ :‬كان ذو البجاد ين يتيمًا ل مال له‪ ،‬فمات أبوه ول‬
‫يورثه شيئًا‪ ،‬وكفله عمه حت أيسر‪ ،‬فلما قدم النب الدينة جعلت نفسه تتوق إل‬
‫السلم ول يقدرُ عليه من عمه حت مضتْ السنُون والشاهد‪ ،‬فقال لعمه‪ :‬يا عمّ‪،‬‬
‫إ ن قد انتظر تُ إ سلمك فل أراك تر يد ممدًا‪ ،‬فأذن ل ف ال سلم‪ ،‬فقال‪ :‬وال‬
‫لئن اتبعتَ ممدًا ل أترك بيدك شيئًا ُكْنتُ أعطيتُكَهُ إل نز ْعتُه منك‪ ،‬حت ثوبيك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأنا وال متبعٌ ممدًا وتاركٌ عبادة الجرِ‪ ،‬وهذا ما بيدي َفخُذْهُ‪ ،‬فأخذ ما‬
‫أعطاه حت جرّدَهُ من إزاره‪ ،‬فأتى أمه فقطعتْ بادًا لا باثني فأتزر بواحدٍ وارتدى‬
‫حرِ‪.‬‬
‫بالخر‪ ،‬ث أقبل إل الدينة وكان بورقان فاضطجع ف السجد ف السّ َ‬
‫وكان ر سولُ ال يت صف ُح الناس إذا ان صرف من ال صبح فن ظر إل يه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ب عبدُ ال ُذوْ‬
‫ب أنْتبَ؟» فانتسبب له‪ ،‬وكان اسبه عبدُالعزّى‪ ،‬فقال‪« :‬أنت َ‬
‫«مَن ْ‬
‫ضيَافِهِب حتب قَرأ قرآنًا‬
‫البجَادَيبن»‪ ،‬ثب قال‪« :‬انْزِ ْل مِنَ قَريْبًا»‪ ،‬فكان يكون فب أ ْ‬
‫كثيًا‪ ،‬فل ما خرج ال نب إل تَبُو كَ‪ ،‬قال‪ :‬ادْ عُ ل بالشهادة‪ ،‬فرب طَ ال نب على‬
‫عضُدِه لَحِي سَمُرة‪ ،‬وقال‪« :‬اللهم إن أحرم َدمَهُ على الكفار»‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ليسَ هذا أرَدْتُ‪.‬‬
‫ت شهيْد‪،‬‬
‫ت غازيًا فأخَ َذتْ كَ الُمّى َف َقتَلتْ كَ فأنْ َ‬
‫قال النب ‪« :‬إنك إذا خَرَجْ َ‬
‫ت َشهِيد» فأقامُوا بتبُو َك أيامًا ث تُوفَي‪.‬‬
‫صتْكَ دَاّبتُكَ فأنْ َ‬
‫أو وََق َ‬
‫قال بللُ ب نُ الارث‪ :‬حضر تُ ر سولَ ال ومَ عَ بلل الؤذ ُن ُشعْلةٌ من نار‬
‫عند القب واقفًا با‪.‬‬
‫حدِ‪،‬‬
‫شقّ هِ ف اللّ ْ‬
‫وإذا رسول ال وهو يقول‪« :‬أدْنيا إلّ أخَاكُما» فلما هَيأه لِ ِ‬
‫ض عنه»‪.‬‬
‫قال‪« :‬اللهم إن قد أمْسَيتُ عنه راضيًا فا ْر َ‬
‫حدِ‪.‬‬
‫فقال ابنُ مسعود‪ :‬لَيتن كُنتُ صاحبَ اللّ ْ‬
‫وعن أب وائل‪ ،‬عن عبدال قال‪ :‬وال لكأن أرى رسول ال ف غزوة تبوك‬
‫وهو ف قب عبدال ذي البجادين‪ ،‬وأبُو بكر وعُمر يقول‪« :‬أ ْدِنيَا إل أخَاكُمَا»‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ج النبُ َووَّليَاهُمَا العَمَلَ‪ ،‬فلما‬
‫وأخذ هُ من القبلةِ حت أسكنهُ ف َلحْدِه ث خرَ َ‬
‫فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعًا يديه يقول‪« :‬اللهم إن أمسيتُ عنه راضيًا فارْضَ‬
‫عنه»‪.‬‬
‫وكان ذلك ليلً‪ ،‬فوال لودد تُ أ ن مكا نه‪ ،‬ول قد أ سلمتُ قبل هُ بم سَ عشرَ‬
‫َسنَة‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫عن م مد بن سعد قال‪ :‬أ تى واثلةُ ر سول ال ف صلى م عه ال صبح‪ ،‬وكان‬
‫ر سول ال إذا صلى وان صرف ت صفّحَ أصحابهُ‪ ،‬فل ما دَنا من واثلة‪ ،‬قال‪« :‬من‬
‫أنت؟» فأخبه‪.‬‬
‫ْتب‬
‫جئتب أبايبع‪ ،‬فقال رسبول ال ‪« :‬فيمبا أ ْحَبب َ‬
‫ُ‬
‫فقال‪ :‬مبا جاء بكبَ؟ قال‪:‬‬
‫وكَ ِر ْهتَ؟» قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪« :‬فِيما أ َط ْقتَ؟» قال‪َ :‬نعَمْ‪ ،‬فأسلم وبَاَيعَهُ‪.‬‬
‫ج واثلةُ إل أهلِ هِ فَلَقِي أبَا هُ‬
‫خرَ َ‬
‫وكان ر سول ال يتجه ُز يومئذٍ إل َتبُو كَ فَ َ‬
‫السبقعَ فلمبا رَأى حَاله‪ ،‬قال‪ :‬قبد فعلتهبا؟ قال‪ :‬نعبم‪ ،‬قال أبوه‪ :‬وال ل أكلمُك‬
‫أبدًا‪.‬‬
‫فأتى عمه فسلّم عليه‪ ،‬فقال‪ :‬قَدْ َفعَ ْلَتهَا؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فلمهُ أيسر من ملمة‬
‫أبيه‪ ،‬وقال‪ :‬ل يكُن ينبغي لك أن تسبقنا بأمرٍ‪.‬‬
‫فسمعت أخت واثلة كلم هُ فخرجت إليه وسلّ َمتْ عليه بتحّية السلم‪ ،‬فقال‬
‫واثلة‪ :‬أنّي لك هذا يا أخّيةُ؟ قالت‪ :‬سعتُ كلمك وكلم عمك فأسلمتُ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬جهزّي أخاك جهاز غا ٍز فإنّ رسبول ال على جناح سبفر‪ ،‬فجهزتهُب‬
‫الناسب وهبم على‬
‫ِ‬
‫ّراتب م ِن‬
‫ُوكب وبقبي ُغب ٌ‬
‫ِقب برسبول ال قدْ تمّلَ إل تب َ‬
‫فلح َ‬
‫الشُخُوص‪.‬‬
‫جعَل يُنادي بسوقِ بن قينقاع‪ :‬من يملُن وله سهمِي؟ قال‪ :‬وكُنتُ ر ُجلً ل‬
‫َف َ‬
‫رُحلةَ ب‪.‬‬
‫‪204‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بنب عجرة‪ ،‬فقال‪ :‬أنبا أحلُك عُقبةً بالليبل و ُعقْب ًة بالنهار‬
‫كعبب ُ‬
‫ُ‬
‫قال‪ :‬فدعانب‬
‫وي ُدكَ أسوةُ يدي وسهْمُكَ ل‪ ،‬قال واثلة‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال واثلة‪ :‬جزا هُ ال خيًا لقد كان يملُن ويزيْدُن وآكُلُ مع هُ ويرف عُ ل حت‬
‫لنْدَل‪.‬‬
‫إذا بعث رسول ال خالد بن الوليد إل أكيِدرِ بن عبداللك بد ْو َمةِ ا َ‬
‫خر جَ ك عب ف ج يش خالد وخرج تُ م عه‪ ،‬فأ صبنا فيئًا كثيًا فق سمه خالدُ‬
‫ت قلئص فأقبل تُ أسوقُها حت جئ تُ با خيمة كعب بن عجرة‪،‬‬
‫بيننا فأصابن س ُ‬
‫فقلتُ‪ :‬اخرُج رحك ال فانظر إل قلئصك فاقبضها‪.‬‬
‫ك وأ نا أري ُد أن آ خذ‬
‫فخرج و هو يبت سم ويقول‪ :‬بارك ال لك في ها ما حلت َ‬
‫منك شيئًا‪.‬‬
‫عن ب شر بن عبدال عن واثلة بن ال سقع قال‪ُ :‬كنّ ا أ صحاب ال صفة ف‬
‫مسجد رسول ال وما فينا رجلٌ له ثوبٌ‪.‬‬
‫ول قد ات ذ العر قُ ف ُجلُود نا طُرقًا من الغبار‪ ،‬إذ خرج علي نا ر سول ال ‪،‬‬
‫فقال‪« :‬ليْبشِرْ فُقراءُ الهاجرين» ثلثًا‪.‬‬
‫عن نع يم بن ربي عة بن ك عب قال‪ :‬كن تُ أخد مُ ر سول ال وأقوم له ف‬
‫حوائجه ناري أجع‪ ،‬حت يُصلي رسول ال العشاء الخرة‪.‬‬
‫فأجل سُ على بابه إذا دخل بيته‪ ،‬أقولُ‪ :‬لعلها أن تدث لرسول ال حاجة‪،‬‬
‫ف ما أزالُ أ سعه سبحان ال‪ ،‬سبحان ال‪ ،‬سبحان ال وبمده ح ت أملّ فارج ُع أو‬
‫تغلُبن عين فأرقُد‪.‬‬
‫فقال ل يومًا لاب رأى مبن حفّتب (أي العنايبة والدمبة) له وخدمتب إيّاه‪ ،‬يبا‬
‫ربيعةُ‪ ،‬سَلْن أعْطِك‪ ،‬قال‪ :‬فقلتُ‪ :‬انظر ف أمري يا رسول ال ث أعلمُك ذلك‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ففكر تُ ف نف سي فعلم تُ أن الدن يا ُمنْقطعةٌ وزائل ٌة وأن ل في ها رزقًا‬
‫سيأتين‪ ،‬قال‪ :‬فقل تُ‪ :‬أ سأل ر سول ال لخر ت‪ ،‬فإ نه من ال ع ّز و جل بالنل‬
‫الذي هو به‪ ،‬فجئتُه‪ ،‬فقال‪« :‬ما َفعَلْ تَ يا َربِي َعةُ؟» فقل تُ‪ :‬أسألُكَ يا رسولَ ال أن‬
‫تشف عَ ل إل َربِ كَ َفَي ْعِتقَن مِن النار‪ ،‬فقال‪« :‬مَ ْن أمَرَ َك بذا يا ربيعة؟» فقل تُ‪ :‬ل‬
‫‪205‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ك وكُنت من ال‬
‫والذي بعثك بالق ما أمرن به أحدٌ ولكنك لّا قل تَ سلن أعط َ‬
‫بالنل الذي أنت به نظرتُ ف أمري‪ ،‬فعرفتُ أن الدنيا منقطعة وزائل ُة وأنّ ل فيها‬
‫رزقًا سيأتين‪.‬‬
‫فقلتُ‪ :‬أسأل رسول ال لخرت‪ ،‬قال‪ :‬فصمت رسول ال طويلً‪ ،‬ث قال‬
‫ك بكثرةِ السُجُود»‪.‬‬
‫ل‪« :‬إن فاع ٌل فأ ِعنّي على َنفْس َ‬
‫وأخرجا ف «الصحيحي» من حديث قيس بن عبادة قال‪ :‬كنت جال سًا ف‬
‫م سجد الدي نة ف ناس في هم ب عض أ صحاب ال نب ‪ ،‬فجاء ر جل ف وج هه أثرُ‬
‫خشوع‪ ،‬فقال بع ضُ القوم‪ :‬هذا رجلُ من أهل النة‪ ،‬فصلى ركعتي توّ َز فيهما‪،‬‬
‫ت فأخبتُه‪.‬‬
‫ث خرج فابتعتُه‪ ،‬فدخل منله فدخل ُ‬
‫فقال‪ :‬ل ينب غي لحدٍ أن يقول ما ل يعلم‪ ،‬و سأحدثك لِمَا ذاك؟ رأي تُ رُؤيًا‬
‫على عهد رسول ال فقصصتها عليه‪ ،‬رأيتن ف روضة‪ ،‬وسط الروضة عمود من‬
‫حد يد‪ ،‬أسبفلُه ف الرض وأعلهُب ف السبماء‪ ،‬ف أعله عُروة‪ ،‬فقيبل ل‪ :‬إرقبه‪،‬‬
‫فقل تُ‪ :‬ل أستطيعُ‪ ،‬فجاءن منصفٌ يعن خادمًا‪ ،‬فقال‪ :‬بثياب من خلفي‪ ،‬فأخذ تُ‬
‫ب‬
‫بالعروة‪ ،‬فقصبصتها على رسبول ال ‪ ،‬فقال‪« :‬تلك الروض ُة السبلم‪ ،‬وذاك َ‬
‫العَمُو ُد عَمُو ُد السبلم‪ ،‬وتلك العُروةُ‪ ،‬العُروة الوثقبى‪ ،‬وأنْتَب على السبلم حتب‬
‫توت» والرج ُل عبدال بن سلم‪.‬‬
‫وعن أب بُردة بن أب موسى قال‪ :‬قدم تُ الدينة فأتي تُ عبدال بن سلم‪ ،‬فإذا‬
‫ستَ إلينا وقَدْ حَانَ قِيامُنا‪،‬‬
‫رجلٌ متخشعٌ‪ ،‬فجلستُ إليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا بنَ أخي إنكَ جَلَ ْ‬
‫أفتأ َذنُ؟ وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫بعث عمر بن الطاب عمي بن سعد عاملً على حص فمكث حو ًل ل يأتيه‬
‫خبه‪ ،‬فقال ع مر لكات به‪ :‬أك تب إل عم ي‪ ،‬فوال ما أراه إل قد خان نا‪ ،‬إذا جاءك‬
‫كتاب هذا‪ ،‬فأقبل وأقبلْ با جبيتَ من فء السلمي حي تنظر ف كتاب هذا‪.‬‬
‫‪206‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬فأخذ عمي جرابه فوضع فيه زاده وقصعتهُ وعلق إداوته وأخذ عنت هُ‪ ،‬ث‬
‫أقبل يشي من حص حت قدم الدينة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقدم و قد شحُب لو نه وا غب وجه ُه وطالت شعرتُه‪ ،‬فد خل على ع مر‪،‬‬
‫فقال‪ :‬السلم عليك يا أمي الؤمني ورحة ال‪ ،‬قال عمر‪ :‬ما شأنك؟ قال‪ :‬ما ترى‬
‫من شأن ألست تران صحيح البدن ظ اهر الدم‪ ،‬معي الدنيا أ ُج ّرهَا بقُرونا؟‬
‫قال عمر‪ :‬وما َمعَك؟ وظنّ عمر أنه جاء هُ بال‪ ،‬قال‪ :‬معي جراب أجعل فيه‬
‫زادي‪ ،‬وق صعت آك ُل في ها‪ ،‬وإدوا ت أح ل في ها وضوئي وشرا ب‪ ،‬وعن ت أتو كأ‬
‫عليها وأجاهد با عدوًا إن عرض ل‪ ،‬فوال ما الدنيا إل تب ٌع لتاعي‪.‬‬
‫ع لك بدابةٍ‬
‫قال ع مر‪ :‬فجئ تَ ت شي؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬أ ما كان لك أح ٌد ي تب ُ‬
‫تركبُها؟ قال‪ :‬ما فعلوا وما سألتهم ذلك‪ ،‬فقال عمر‪ :‬بئس السلمون خرجت من‬
‫عِندهم‪.‬‬
‫فقال عُمي‪ :‬اتق ال يا عمر‪ ،‬قد ناك ال عن الغيبة‪ ،‬وقد رأيتهم يصلون صلة‬
‫الغداة‪ ،‬قال ع مر‪ :‬فأ ين بعث تك؟ وأي ش يء صنعت؟ قال‪ :‬و ما سؤالك يا أم ي‬
‫الؤمني؟‬
‫قال عمر‪ :‬سبحان ال‪ ،‬فقال عمي‪ :‬أما إن لول أخشى أن أغُمك ما أخبتُك‪،‬‬
‫بعثتن حت أتيت البلد فجمع تُ صُلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم حت إذا جعُو هُ‬
‫ك منه شيء لتيتُكَ به‪.‬‬
‫ضعَه ولو مال َ‬
‫وض ْعتُه موا ِ‬
‫قال‪ :‬فما جئتنا بشيء؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬جَدّدُوا لعُمي َعهْدًا‪ ،‬قال‪ :‬إن ذلك شيءٌ‬
‫قلتب لنصبران‬
‫أسبلَم‪ ،‬لقدْ ُ‬
‫ت بَلْ ل ْ‬
‫أعملهب لك ول لح ٍد بعدك‪ ،‬وال مبا سبَلم ُ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ت معك‪.‬‬
‫ضتَن له يا عمر‪ ،‬وإن أشقى أيامي يوم خُل ْف ُ‬
‫أخزاك ال‪ ،‬فهذا ما عرّ ْ‬
‫ث ا ستأذنه فأذن له فر جع إل منله وبي نه وب ي الدي نة أميال‪ ،‬فقال ع مر ح ي‬
‫انصرف عمي‪ :‬ما أراه إل قد خاننا‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فب عث رجلً يقال له الارث‪ ،‬وأعطاه مائة دينار‪ ،‬وقال‪ :‬انطلق إل عم ي ح ت‬
‫تنل به كأنّك ضيْف فإن رأيت أثر شيء فأقبل‪ ،‬وإن رأيت حالً شديدًا فادفع إليه‬
‫هذه الائة الدينار‪.‬‬
‫فانطلق الارث فإذا هو عمي جالس يفلي بقميصه إل جنب الائط‪ ،‬فقال له‬
‫عمي‪ :‬انزل رحك ال‪ ،‬فنل ث سألهُ‪ ،‬فقال‪ :‬مِن أين جئت؟ فقال‪ :‬من الدينة‪.‬‬
‫فقال‪ :‬كيبف تركبت أميب الؤمنيب؟ فقال‪ :‬صبالًا‪ ،‬قال‪ :‬فكيبف تركبت‬
‫السلمي؟ قال‪ :‬صالي‪ ،‬قال‪ :‬ألْيسَ يُقيم الدود؟‬
‫قال‪ :‬بلى ضرب ابنًا له على فاحشة فمات من ضربه‪ ،‬فقال عمي‪ :‬اللهم أعن‬
‫عمر فإن ل أعلمه إل شديدًا حبّه لك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فنل ببه ثلثبة أيام وليبس لمب إل قُرصبٌة مبن شعيب كانوا يُصبّونهُ باب‬
‫لهْدُ‪ ،‬فقال له عُميُ‪ :‬إن كَ َقدْ أجعت نا فإ ْن رأيْ تَ أن تتحّول‬
‫ويطوون ح ت أتاهُم ا َ‬
‫عنّا فا ْفعَلْ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأخرج الدّنان ي فدفع ها إل يه‪ ،‬فقال‪ :‬بع ثَ ب ا أميُ الؤمن ي فا ستعن ها‪،‬‬
‫قال‪ :‬فصاح‪ ،‬وقال‪ :‬ل حاجة ل فيها ف ُر ّدهَا‪.‬‬
‫فقالت لهُ امرأته‪ :‬إن احتجت إليها وإل فضعها ف مواضعها‪.‬‬
‫فقال عم ي‪ :‬وال ما ل شيءٌ أجعلُ ها ف يه‪ ،‬فشقّ ت الرأةُ أ سفل درع ها فأعطت هُ‬
‫خرقةً فجعلها فيها‪ ،‬ث خرج فقسّمهَا بي أبناءِ الشُهداء والفُقراء‪.‬‬
‫ث ر جع والر سولُ يظ ُن أنهّ يُعط يه من ها شيئًا‪ ،‬فقال له عم ي‪ :‬أقرئ م ن أم ي‬
‫الؤمني السلم‪.‬‬
‫فر جع الارث إل عُ مر‪ ،‬فقال‪ :‬ما رأ يت؟ قال‪ :‬رأ يت يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬حالً‬
‫شديدًا‪ ،‬قال‪ :‬فما صنع بالدناني؟ قال‪ :‬ل أدري‪.‬‬
‫قال‪ :‬فكتب إليه عُمَرُ‪ :‬إذا جاءك كتاب هذا فل تضعه من يدك حت تُقبل‪.‬‬
‫فأقبل إل عُمر‪ ،‬فدخل عليه‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬ما صنعتَ بالدناني؟ قال‪ :‬صنعتُ‬
‫ما صنعت‪ ،‬وما سؤالك عنها؟ قال‪ :‬أنش ُد عليك لتُخبن ما صنعت با‪.‬‬
‫‪208‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬قدّمتُها لنفسي‪ ،‬قال‪ :‬رحك ال‪ ،‬فأمر له بوسقٍ من طعام وثوبي‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أما الطعامُ فل حاجة ل فيه قد تركت ف النل صاعي من شعي‪.‬‬
‫إل أن آكبل ذلك قبد جاء ال بالرزق ول يأخُذ الطّعام وأمبا الثّوبان فإنّ أمّ‬
‫فلن عارية‪ ،‬فأخذهُمَا ورجعَ إل منله‪.‬‬
‫فلم يل بث أن هلك ب رح ه ال ب فبلغ ذلك ع مر ف شق عل يه وتر حم عل يه‬
‫وخرج يشي ومعه الشاؤون إل بقيع الغرقَد‪.‬‬
‫فقال ل صحابه‪ :‬ليتم نّ كل ر جل من كم أمن ية‪ ،‬فقال ر جل‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪،‬‬
‫وددت أن عندي مالً فأعتق لوجه ال كذا وكذا‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬وددت أن عندي ما ًل فأنفق ف سبيل ال‪.‬‬
‫وقال آخر‪ :‬وددت أن ل قوة فأميح بدلو زمزم لجاج بيت ال‪.‬‬
‫ل ِمثْلَ عمي بن سعدٍ أستعيُ به ف‬
‫فقال عمر بن الطاب‪ :‬وددت أن ل رج ً‬
‫أعمال السلمي ب رحه ال ورضي ال عنه ب ‪.‬‬
‫ب بالْبوَابببِ إ ْذ ظَ ّل ُمعْسببِرًا‬
‫ب أ ْغبَرا يُدَافَعب ُ‬
‫أل رُبّب ذِي طِ ْمرَيْبن أشْعَث َ‬
‫ببن الحْزَان أنبببْ َيَتفَطّرا‬
‫ب يَخَافبُ ال فب كُ ّل أمِرهبِ يَكَادُ مِب‬
‫مُ ِطيْع ٌ‬
‫جَبرَا‬
‫ب ويُ ْ‬
‫ب َ‬
‫با عليببه أبَرّهببُ وكان حَريًببا أن يُجَابب‬
‫وََلوْ أقْسببَ َم ْن َيوْمًب‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫عن ا بن قماد ين قال‪ :‬ل ي كن أ حد من كُباء قر يش الذ ين تأ خر إ سلمهم‪،‬‬
‫فأسلموا يوم فتح مكة‪ ،‬أكثر صلةً ول صومًا ول صدقةً‪ ،‬ول أقبل على ما يعنيه‬
‫من أمر الخرة من سهيل بن عمرو‪ ،‬حت إن كان لقد شحُ بَ لونه‪ ،‬وكان كثي‬
‫البكاء رقيقًا عند قراءة القرآن‪.‬‬
‫ل قد رُئي يتل فُ إل مُعاذ بن ج بل ح ت يُقرئ هُ القرآن و هو ب كة‪ ،‬ح ت خرج‬
‫مُعاذُ من مكة‪ ،‬فقال له ضرا ُر ب نُ الطاب‪ :‬يا أ با يز يد‪ ،‬تتل فُ إل هذا الزر جي‬
‫ك مِن قريش؟‬
‫يُقرئُك القرآن؟ أل يكون اختلفك إل رجُلٍ من قومِ َ‬
‫‪209‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫صنَع (يش ي إل ال كب والع جب) ح ت‬
‫فقال‪ :‬يا ضرار هذا الذي صنع ب نا ما َ‬
‫سبْق‪.‬‬
‫سبقنا كلّ ال َ‬
‫ف [إليه] لقد وض َع السلمُ أم َر الاهلية ورف عَ ال بالسلم‬
‫أ يْ لعمري اختل ُ‬
‫قومًا كانوا ل يُذكرون ف الاهلية فليتنا كنّا مَ َع أولئك فتق ّد ْمنَا‪.‬‬
‫وعن السن قال‪ :‬حَضر باب عُمر بن الطاب سُهيلُ بن عمرو‪ ،‬و الارثُ‬
‫وبلل‪ ،‬وتلك الوال الذين شهدوا بدرًا‪ ،‬فخرج آذن عمر‪ ،‬فأذن لم وترك هؤلء‪.‬‬
‫فقال أبو سُفيان‪ :‬ل أر كاليوم قط‪ ،‬يأذ ُن لؤلء العبيد ون ُن على بابه ل يلتفتْ‬
‫إلينا؟‬
‫ل عاقلً‪ ،‬أيها القوم إن وال لقد أرى الذي‬
‫فقال سهيل ب نُ عمرو‪ :‬وكان ر ُج ً‬
‫ف وجوهكم‪ ،‬إن كُنتُم غضابًا فاغضبُوا على أنفسكم‪.‬‬
‫القومب ودُعيتُم فأسبْرعُوا وأبطأتُم‪ ،‬فكيبف بكبم إذا ُدعُوا يوم القيامبة‬
‫ُ‬
‫دُعبي‬
‫وتُركتُم؟‬
‫أما وال لا سبقوكم إليه من الفضل مّا ل ترون أشدّ عليكم فوتًا من بابكم‬
‫هذا الذي كنتم تنافسونم عليه‪ ،‬قال‪ :‬ونفضَ ثوبهُ وانطلق‪.‬‬
‫قال السن‪ :‬وصدق وال سهيل‪ ،‬ل يعل ال عبدًا أسرع إليه كعب ٍد أبطأ عنه‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫و عن أ ب قدا مة ال سرخسي قال‪ :‬قام العمري للخلي فة على الطر يق‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫ب وفعلتبَ‪ ،‬فقال له‪ :‬ماذا تريبد؟ قال‪ :‬تعم ُل بكذا وتعمبل بكذا‪ ،‬فقال له‬
‫فعلت َ‬
‫هارون‪ :‬نع ْم يا عمّ‪ ،‬نعم يا عمّ‪.‬‬
‫وعن سعيد بن سليمان قال‪ :‬كنت بكة ف زقاق الشطوى وإل جنب عبدال‬
‫بن عبدالعزيز العمري‪ ،‬وقد حج هارون الرشيد‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال له إنسبان‪ :‬يبا أببا عبدالرحنب هبو ذا أميب الؤمنيب يسبعى قبد أخلى له‬
‫السعى‪ ،‬قال العمري للرجل‪ :‬ل جزا ك ال عن خيًا‪ ،‬كلفتن أمرًا كنت عنه غنيًا‪،‬‬
‫ث تعلّق نعليه (أي لبسهما)‪.‬‬
‫وقام فتبعته وأقبل هارون الرشيد من الروة يريد الصفا‪ ،‬فصاح به‪ :‬يا هارون‪،‬‬
‫فلما نظر إليه‪ ،‬قال‪ :‬لبي كَ يا ع مّ‪ ،‬قال‪ :‬ارْ قَ ال صّفا‪ ،‬فلما رقيه‪ ،‬قال‪ :‬ارم بطرفك‬
‫إل الب يت‪ ،‬قال‪ :‬قد فعل تُ‪ ،‬قال‪ :‬كم هُم؟ قال‪ :‬و من يُح صيهم؟ قال‪ :‬ف كم ف‬
‫الناس ِمثُْلهُم؟ قال‪ :‬خل ٌق ل يُحصيهم إل ال‪.‬‬
‫قال‪ :‬اعلم أيُ ها الر جل أنّ كُلّ واح ٍد من هم يُ سألُ عن خا صّة نف سه وأ نت‬
‫وحدك تسأ ُل عنهم كلّهم فانظر كيف تكون؟ قال‪ :‬فبكى هارون وجل سَ وجعلُوا‬
‫يُعطُونه مِنديلً منديلً للدموع‪.‬‬
‫قال العُمري‪ :‬وأخرى أقولا‪ ،‬قال‪ُ :‬قلْ يا عَم‪ ،‬قال‪ :‬وال إن الرجل ليُ سْرفُ ف‬
‫جرَ عليه‪ ،‬فكيف بن يُ سْرِفُ ف مال السلمي؟ ث مضى وهارون‬
‫ماله فيستح ّق الَ ْ‬
‫يبكي‪.‬‬
‫قال ممبد ببن خلف‪ :‬سبعتُ ممبد ببن عبدالرحنب يقول‪ :‬بلغنب أن هارون‬
‫الرش يد قال‪ :‬إ ن لح بّ أن أح جّ كل سنة ما ينع ن إل ر جل من ول ِد ع مر ث‬
‫يُسمعن ما أكره‪.‬‬
‫وقد روي لنا من طريق آخر أنه لقي هُ ف السعى فأخذ بلجام دابتّه فأهْوت إليه‬
‫الجناد فكفّهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على معرفة دابتّه‪.‬‬
‫ث انصرف‪ ،‬وأنه لقيه م ّرةً‪ ،‬فقال‪ :‬يا هارون‪ ،‬فعلتَ وفعلتَ‪ ،‬فجعل يسم ُع منه‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬مقبولٌ منك يا عم على الرأس والعي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي من حال الناس كي تَ وكي تَ‪ ،‬فقال‪ :‬عن غ ي عل مي‬
‫وأمري وخرج العمري إل الرشيد مرّة ليعظه فلما نزل الكوفة زحف العسكر حت‬
‫لو كان نزل بم مائة ألف من العدوّ ما زادوا على هيبته‪ ،‬ث رجع ول يص ْل إليه‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫و عن أ ب ي ي الزهري‪ ،‬قال‪ :‬قال عبدال بن عبدالعز يز العُمري ع ند مو ته‪:‬‬
‫بنعمة رب أحدّث أن ل أصبح أملك إل سبعة دراهم مِن لاء شجرٍ فتلته بيدي‪،‬‬
‫وبنعمة رب أحدّث‪ :‬لو أن الدّنيا أصبحت تت قدمي ما ينعن أخذها إل أن أزيل‬
‫قدمي عنها‪ ،‬ما أزلتها‪.‬‬
‫استسقى مُوسى بن نُصي ف الناس ف سنة ‪ 93‬حي أقحطُوا بإفريقية فأمرهم‬
‫ب صيام ثل ثة أيام‪ ،‬ث خرج ب م و َميّ ز أ هل الذ مة عن ال سلمي وَفرّ قَ بيَ البهائِم‬
‫ف النهار‪،‬‬
‫جيْ ِج وهو يَ ْدعُو ال تعال حت انتص َ‬
‫وأولدها ث أمَ َر بالبُكاء وارْتفَاع الضّ ِ‬
‫ث نزَل‪ ،‬فقيْل لَه‪ :‬أل دعو تَ لمي الؤمني؟ فقال‪ :‬هذا موط نٌ ل يذكَر فيه إل ال‬
‫عزّ وجل فسقاهُم ال عزّ وجل لا قال ذلك‪.‬‬
‫كتب زر بن حُبيش إل عبداللك بن مروان كتابًا يعظُهُ فيه فكان ف آخر‪ :‬ول‬
‫يُطْ ِمعَ كَ يا أم ي الؤمن ي ف طول الياة ما يَ ْظهَرُ من صحة بد نك فأ نت أعلى‬
‫بنفسك واذكرْ ما تكلّم به الولون‪.‬‬
‫ببت مِببن ِكبَر أجْس ببَا ُدهَا‬
‫ب أوْلدُهَبببا وبليب‬
‫إذَا الرجَا ُل وَلَدَتبب ْ‬
‫وَ َجعَلَتببْ أسببْقَا ُمهَا َتعْتَادُهَببا فذِي ُزوْعببٌ قَدْ دَنَببا حَصببَا ُدهَا‬
‫فلما قرأ عبداللك الكتب بكى حت بلّ طرف ثوبه بدموعه‪ ،‬ث قال‪ :‬صدق‬
‫ز ٌر ولو كتب إلينا بغي هذا كان أرفق بنا‪.‬‬
‫آخر‪:‬‬
‫بِ َقدْ كَلَحَبا‬
‫حيّابب ال َعيْشب‬
‫َسب َمتْ بِ َمفْرق فَ ُم َ‬
‫ْبب قَدْ ب َ‬
‫ْقب الشّي ِ‬
‫ْتب ُب ُرو َ‬
‫إذَا رَأي َ‬
‫ب َق ْد أعَدّ مِبن العما ِل مبا صبَلحُا‬
‫شيْبببَ بإجْل ٍل وتَكْرِمةٍ مَن ْ‬
‫يَلْقَببى الَ ِ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬

‫‪212‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وعبن الفضبل ببن الربيبع قال‪ :‬حبج أميب الؤمنيب الرشيبد فأتانب‪ ،‬فخرجبت‬
‫مسرعًا‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬لو أرسلت إلّ أتيتك‪ ،‬فقال‪ :‬ويك قدْ حَا كَ ف‬
‫نفسي شيء‪ ،‬فانظر ل رجلً أسأله‪ ،‬فقلت‪ :‬هاهنا سفيان بن عيينة‪.‬‬
‫فقال‪ :‬امض بنا إليه‪ ،‬فأتيناه فقرعت الباب‪ ،‬فقال‪ :‬من ذا؟ فقلت‪ :‬أجب أم ي‬
‫الؤمن ي‪ ،‬فخرج م سرعًا‪ ،‬فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬لو أر سلت إل أتي تك‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫خذ لا جئناك له رحك ال‪.‬‬
‫فحد ثه ساعة ث قال له‪ :‬عل يك د ين؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬فقال‪ :‬أ با عباس ا قض دي نه‪،‬‬
‫فلما خرجنا‪ ،‬قال‪ :‬ما أغن عن صاحبك شيئًا‪ ،‬انظر ل رجلً أسأله‪.‬‬
‫فقلت له‪ :‬هاهنا عبدالرزاق بن هام‪ ،‬قال‪ :‬امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب‪،‬‬
‫فقال‪ :‬من هذا؟ قلت‪ :‬أجب أمي الؤمني‪.‬‬
‫فخرج م سرعًا‪ ،‬فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬لو أر سلت إل أتي تك‪ ،‬قال‪ :‬خذ ل ا‬
‫جئناك له‪.‬‬
‫فحادثه ساعة‪ ،‬ث قال له‪ :‬عليك دين؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أبا عباس‪ ،‬اقض دينه‪،‬‬
‫فلما خرجنا قال‪ :‬ما أغن صاحبك شيئًا انظر ل رجلً أسأله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬هاهنا ال ُفضَيْلُ بن عياض‪ ،‬قال‪ :‬امض بنا إليه‪ ،‬فأتيناه فإذا هو قائم يصلي‬
‫يتلو آ ية من القرآن يردد ها‪ ،‬فقال‪ :‬اقرع الباب‪ ،‬فقر عت الباب‪ ،‬فقال‪ :‬من هذا؟‬
‫فقلت‪ :‬أ جب أم ي الؤمن ي‪ ،‬فقال‪ :‬مال ولم ي الؤمن ي؟ فقلت‪ :‬سبحان ال أ ما‬
‫عليك طاعة! أليس قد روى النب أنه قال‪« :‬ليس للمؤمن أن يُذل نفسه» فنل‬
‫ففتح الباب‪ ،‬ث ارتقى إل الغرفة فأطفأ الصباح ث التجأ إل زاوية من زوايا البيت‪.‬‬
‫فدخلنا فجعلنا نول عليه بأيدينا فسبقت كفّ هارون قبلي إليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا لا‬
‫من كف ما ألينها إن نت غدًا من عذاب ال عز وجل‪.‬‬
‫فقلت ف نف سي‪ :‬ليكلم نه الليلة بكلم ن قي من قلب ت قي‪ ،‬فقال له‪ :‬خذ ل ا‬
‫جئناك له رح ك ال‪ ،‬فقال‪ :‬إن ع مر بن عبدالعز يز ل ا ول الل فة د عا سال بن‬

‫‪213‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عبدال‪ ،‬وممد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة‪ ،‬فقال لم‪ :‬إن قد ابتُليت بذا‬
‫البلء فأشيوا عليّ‪ ،‬فع ّد اللفة بلء وعددتا أنت وأصحابك نعمة‪.‬‬
‫فقال له سال بن عبدال‪ :‬إن أردت النجاة غدًا من عذاب ال ف صُم عن الدنيا‬
‫وليكن إفطارك من الوت‪.‬‬
‫وقال له ممد بن كعب القرظي‪ :‬إن أردت النجاة من عذاب ال‪ ،‬فليكن كبي‬
‫ال سلمي عندك أبًا وأو سطهم أخًا وأ صغرهم عندك ولدًا فو قر أباك وأكرم أخاك‬
‫وتنن على ولدك‪.‬‬
‫وقال له رجاء بن حيوة‪ :‬إن أردت النجاة غدًا من عذاب ال عز وجل فأحبّ‬
‫للمسلمي ما تُحبّ لنفسك واكره لم ما تكره لنفسك ث مُت إذا شئت‪.‬‬
‫وإن أقول لك‪ :‬إن أخاف عليك أش ّد الوف يوم تزل فيه القدام‪ ،‬فهل معك‬
‫رحك ال من يشي عليك بثل هذا؟‬
‫فب كى هارون بكاء شديدًا ح ت غُ شي عل يه‪ ،‬فقلت له‪ :‬ار فق بأم ي الؤمن ي‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا اب نْ أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفُق به أنا ث أفاق‪ ،‬فقال له‪ :‬زدْن‬
‫رحك ال‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬بلغ ن أن عاملً لع مر بن عبدالعزيز شكا إل يه‪ ،‬فكتب‬
‫إليه عمر‪ :‬يا أخي‪ ،‬أذكّرك طول سهر أهل النار ف النار مع خلود البد‪ ،‬وإياك أن‬
‫يُنصرف بك من عند ال فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلما قرأ الكتاب طوى البلد حت قدم على عمر بن عبدالعزيز‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫ما أقد مك؟ قال‪ :‬خل عت قل ب بكتا بك‪ ،‬ل أعود إل ول ية أبدًا ح ت أل قى ال عز‬
‫وجل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فب كى هارون بكاءً شديدًا‪ ،‬ث قال له‪ :‬زد ن رح ك ال‪ ،‬فقال‪ :‬يا أم ي‬
‫الؤمني‪ ،‬إن العباس عم الصطفى جاء إل النب ‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أمرن‬
‫على إمارة‪ ،‬فقال له النب ‪« :‬إن المارة حسرة وندامة يوم القيامة‪ ،‬فإن استطعت‬
‫أن ل تكون أميًا فافعل»‪.‬‬
‫‪214‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فبكى هارون بكاء شديدًا‪ ،‬وقال له‪ :‬زدن رح ك ال‪ ،‬فقال‪ :‬يا حَسن الوجه‬
‫أنت الذي يسألك ال عز وجل عن هذا اللق يوم القيامة‪ ،‬فإن استطعت أن تقي‬
‫هذا الو جه من النار فاف عل‪ ،‬وإياك أن ت صبح وتُم سي و ف قل بك غ شٌ ل حد من‬
‫ح رائحة النة»‪.‬‬
‫رعيتك‪ ،‬فإن النب قال‪« :‬من أصبح لم غاشًا ل ير ْ‬
‫فبكى هارون‪ ،‬وقال له‪ :‬عليك َديْن؟ قال‪ :‬نعم دَين لرب ياسبن عليه‪ ،‬فالويل‬
‫ل إن سألن‪ ،‬والو يل ل إن ناقش ن‪ ،‬والو يل ل إن ل أل م حج ت‪ ،‬قال‪ :‬إن ا أع ن‬
‫ديْن العباد‪.‬‬
‫قال‪ :‬إن ر ب ل يأمر ن بذا‪ ،‬أ مر ر ب أن أوحّده وأط يع أمره‪ ،‬فقال ع ّز و جل‪:‬‬
‫وَمَا َخ َلقْ تُ الِنّ وَالِن سَ إِلّ لَِيعُْبدُو نِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّ ن رّزْ قٍ وَمَا أُرِيدُ أَن‬

‫يُ ْطعِمُونِ * ِإنّ ال ّلهَ هُ َو الرّزّاقُ ذُو القُ ّوةِ الَتِيُ ‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬هذه ألف دينار خذهبا فأنفقهبا على عيالك وتقوّ باب على عبادتبك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬سبحان ال أنه أدُلّ كَ على طريق النجاة وأنت تكافئن بثل هذا؟ سلمك ال‬
‫ووفقك‪.‬‬
‫ث صمت فلم يكلم نا فخرج نا من عنده فل ما ضر با على الباب‪ ،‬قال هارون‪:‬‬
‫أبا عباس إذا دَلَ ْلتَن على رجل فدُلّن على مثل هذا‪ ،‬هذا سيد السلمي‪.‬‬
‫فدخلت عل يه امرأة من ن سائه‪ ،‬فقال‪ :‬يا هذا قد ترى ما ن ن ف يه من ض يق‬
‫الال فلو قبلت هذا الال فتفرجنا به‪ ،‬فقال لا‪ :‬مثلي ومثلكم كمثل قومٍ كان لم‬
‫بعي يأكلون من كسْبه فلما كبِ نْحَروه فأكلُوا لمه‪.‬‬
‫فلم َا سبع هارون هذا الكلم قال‪ :‬ندخبل فعسبى أن يقببل الال فلمبا علم‬
‫الفض يل خرج فجلس ف ال سطح على باب الغر فة‪ ،‬فجاء هارون فجلس إل جن به‬
‫فجعل يكلمه فل ييبه فبينا نن كذلك إذ خرجت جارية سوداء‪ ،‬فقالت‪ :‬يا هذا‬
‫قد أتع بت الشي َخ م نذ الليلة فان صرف رح ك ال‪ ،‬فان صرف‪ ،‬تأ مل يا أ خي‪ ،‬هل‬
‫يُوجَد ف َز َمنِنِا مَن يَردُ حُطَا َم الدنيا إذا عُر ضَ عليه ل حول ول قوة إل بال العلي‬

‫‪215‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫العظيم‪ ،‬بَلّ غْ يا أخي من يأكلون بالكتُب الدينية باسم تقيق ونشرٍ‪ ،‬وقل لم قال‬
‫ال تعال‪ :‬قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا َقلِيلٌ ‪.‬‬
‫ب الَبق ُمْنفَردٌ والسببّالِكُو َن طَ ِريْقببَ الَببق أفْرَا ُد‬
‫ب بأنّب طَريْقبَ‬
‫اعْلَمبْ‬
‫ب على مَهَبل يشوُنببَ قُصببّادُ‬
‫ب مَس بَاعِيهُم َفهُمبُ‬
‫ل يَطلبُون بَ ول تُطلَب ْ‬
‫ب الَقّب رُقّادُ‬
‫جلُهُبم عببن طريقبِ‬
‫ب ُدوْا فَ ُ‬
‫ب فب َغفْل ٍة عَمّاب له قَص َ‬
‫والناس ُ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫د خل سليمان بن عبداللك الدينة فأقام ب ا ثلثًا‪ ،‬فقال‪ :‬أما هاه نا رجل م ن‬
‫أدرك أ صحاب ر سول ال يدث نا؟ فق يل له‪ :‬هاه نا ر جل‪ ،‬يقال له‪ :‬أ بو حازم‪،‬‬
‫فب عث إل يه فجاء‪ ،‬فقال سليمان‪ :‬يا أ با حازم‪ ،‬ما هذا الفاء؟ فقال له أ بو حازم‪:‬‬
‫وأيُ جفاءٍ رأيت من؟ فقال له‪ :‬أتان وجوه الدينة كلهم ول تأتن‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما جرى بين وبينك معرفة آتيك عليها‪ ،‬قال‪ :‬صدق الشيخ يا أبا حازم‬
‫ما لنا نكره الوت؟ قال‪ :‬لنكم عمرت دنياكم وخربتم آخرتكم‪ ،‬فأنتم تكرهون أن‬
‫تنقلوا من العمران إل الراب‪ ،‬قال‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫يا أبا حازم‪ ،‬فكيف القدوم على ال تعال؟ قال‪ :‬أما الحسن فكالغائب يقدم‬
‫على أهله فرحًا مسرورًا‪ ،‬وأما السيء فكالبق يقدم على موله خائفًا مزونًا‪.‬‬
‫فبكى سليمان‪ ،‬وقال‪ :‬ليت شعريّ ما لنا عند ال يا أبا حازم‪ ،‬فقال أبو حازم‪:‬‬
‫اعرض نفسك على كتاب ال‪ ،‬فإنك تعلم ما لك عند ال‪.‬‬
‫ب أببا حازم‪ ،‬وأنب أصبيب تلك العرفبة مبن كتاب ال‪ ،‬قال‪ :‬عنبد قوله‬
‫قال‪ :‬ي ا‬
‫تعال‪ :‬إِنّ ا َلبْرَارَ َلفِي َنعِيمٍ * َوِإنّ اْل ُفجّارَ لَفِي َجحِيمٍ ‪.‬‬
‫قال‪ :‬يا أبا حازم‪ ،‬فأين رحة ال‪ ،‬قال‪ :‬قريب من الحسني‪.‬‬
‫قال‪ :‬يا أبا حازم من أعقل الناس؟ قال‪ :‬مَن تعلم الكمة وعلمها الناس‪.‬‬
‫‪216‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬ف من أح ق الناس؟ قال‪ :‬من حط نف سه ف هوى ر جل و هو ظال فباع‬
‫آخرته بدنيا غيه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما أسع الدعاء؟ قال‪ :‬دعاء الخبتي‪ ،‬قال‪ :‬فما أزكا الصدقة؟ قال‪ :‬جهد‬
‫القل‪.‬‬
‫قال‪ :‬يا أ با حا ت ما تقول في ما ن ن ف يه‪ ،‬قال‪ :‬أعف ن من هذا‪ ،‬قال سليمان‪:‬‬
‫نصيحة تلقيها‪.‬‬
‫قال أ بو حازم‪ :‬إن نا سًا أخذوا هذا ال مر عنوة مِن غ ي مشاورة ال سلمي ول‬
‫إجاع من رأيهم فسفكوا فيها الدماء على طلب الدُنيا ث ارتلوا عنها فليت شعري‬
‫ما قالوا وما قيل لم‪.‬‬
‫ت يا شيخ‪.‬‬
‫فقال بعض جلسائهم‪ :‬بئس ما قل َ‬
‫ب إن ال أخبذ اليثاق على العلماء ليببيننه للناس ول‬
‫فقال أببو حازم‪ :‬كذبْت َ‬
‫يكتمونه‪.‬‬
‫قال سليمان‪ :‬يا أبا حازم‪ ،‬أصبحنا تُصيبُ منا ونصيبُ من كَ‪ ،‬قال‪ :‬أعوذ بال‬
‫من ذلك‪ ،‬قال‪ :‬ولِ مَ؟ قال‪ :‬أخاف أن أر كن إلي كم شيئًا قليلً َفيُذيق ن ال ضع فَ‬
‫الياة وضعفَ الماتِ‪.‬‬
‫ث ناك أو يفقدك حيثُ أمرك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأشرْ عليّ‪ ،‬قال‪ :‬اتق ال أن يراك حي ُ‬
‫قال‪ :‬يا أ با حازم‪ ،‬ادع ل نا ب ي‪ ،‬فقال‪ :‬الل هم إن كان سليمان ول يك في سره‬
‫للخي وإن كان غي ذلك فخُذْ إل الي بناصيته‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا غلم هات مائة دينار‪ ،‬ث قال‪ُ :‬خذْ هذا يا أ با حازم‪ ،‬قال‪ :‬ل حا جة‬
‫ل ب ا ل ولغيي ف هذا الال أ سوة فإن وا سيت بين نا وإل فل حا جة ل في ها إ ن‬
‫ت مِن كلمي أيْ ثنًا له‪.‬‬
‫أخاف أن يكون لا سع َ‬
‫فكأن سليمان أعجبَ بأب حازم‪ ،‬فقال الزهري‪ :‬إنه لاري منذ ثلثي سنة ما‬
‫كلمته قط‪.‬‬
‫شتُمن؟‬
‫فقال أبو حازم‪ :‬إنك نسيتَ ال فنسيتن‪ ،‬قال الزهري‪ :‬أت ْ‬
‫‪217‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال سليمان‪ :‬بل أنْت شتمت نفسك‪ ،‬أما علمت أن للجار على الار حقًا‪.‬‬
‫قال أبو حازم‪ :‬إن بن إسرائيل لا كانوا على الصواب كانت المراء تتاج إل‬
‫العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من المراء‪.‬‬
‫فل ما رأى قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأوتوا به المراء ا ستغنت المراء‬
‫عن العلماء واجتمع القوم على العصية فسقطُوا وهلكوا‪.‬‬
‫ب هؤلء يصبونون علمهبم لكانبت المراء تابمب وتعظمهبم‪،‬‬
‫ولو كان علماؤن ا‬
‫فقال الزهري‪ :‬كأنك إيّايّ تريد وب تعرض‪ ،‬قال‪ :‬هو ما تسمع‪ .‬اهب‪.‬‬
‫ل ليوليبه القضاء‪ ،‬فقال له‪ :‬إنب ل أحسبن القضاء ولَس ْبتُ‬
‫أحضبر الرشيبد رج ً‬
‫بفقيه‪.‬‬
‫قال الرشيد‪ :‬فيك ثلث خلل‪ :‬لك شرف‪ ،‬والشرف ينع صاحبه من الدناءة‪،‬‬
‫وفيك حلم ينعك من العجلة‪ ،‬ومن ل يعجل قل خطؤه‪ ،‬وأنت تشاور ف أمرك‪،‬‬
‫ومن شاور كثر صوابه‪ ،‬وأما الفقه فنظُ مُ إليك من تتفق هُ عليه فوله فما وجد فيه‬
‫مطْعنًا‪.‬‬
‫د خل يز يد الرقا شي على ع مر بن عبدالعز يز‪ ،‬فقال له‪ :‬عِظْنِي يا يز يد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫اعلم يا أمي الؤمني‪ ،‬أنك أول خليفة توت‪ ،‬فبكى عمر‪ ،‬ث قال‪ :‬زدن يا يزيد‪،‬‬
‫ب َميّت فبكى عمر‪ ،‬وقال‪ :‬زدن يا‬
‫قال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬ليس بينك وبي آدم إل أ ٌ‬
‫يزيد‪ ،‬قال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬ليس بي النة والنار منلة‪ ،‬فسقط عمر مغشيًا عليه ب‬
‫رحه ال ب‪.‬‬
‫وقال الرشيد لبن السماك‪ :‬عظن وكان ف يد الرشيد شربة من ماء‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬
‫ت عَنْ كَ هذه الشّ ْرَبةَ أ ُكنْ تَ تفدي ها بل كك؟ قال‪:‬‬
‫أم ي الؤمن ي‪ ،‬أرأيْ تَ لو حُب س ْ‬
‫نعم‪ ،‬قال‪ :‬فلو ُحِبسَ َعنْكَ خُرو ُجهَا أكُْنتَ تَفْدِيها ُب ْلكِكَ؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل خي ف ملك ل يُساوي شربةَ ماء ول َبوَْلةَ‪ ،‬فبكى الرشيد‪.‬‬
‫وقال علي ل ْسقُفٍ قد أ سلم‪ :‬عِظ ن‪ ،‬فقال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن كان ال‬
‫معك فمن تاف‪ ،‬قال‪ :‬أحسنت زدن‪.‬‬
‫‪218‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬هب إن ال غ فر ذنوب ال سيئي أل يس قد فات م ثواب الح سني‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حسب حسب‪.‬‬
‫وقال سليمان بن عبداللك لم يد الطو يل‪ :‬عظ ن‪ ،‬قال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن‬
‫ُكنْتَب إذا عصبيت ال تعال ظننبت أنبه يراك فقبد إجترأت على رب عظيبم‪ ،‬وإن‬
‫كن نت ت ظن أ نه ل يراك ف قد كفرت برب كر ي‪ .‬وال أعلم‪ ،‬و صل ال على م مد‬
‫وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫عن أ ب هريرة‪ ،‬عن ال نب أ نه قال‪ « :‬كل ع ي باك ية يوم القيا مة إل ع ي‬
‫غ ضت عن مارم ال‪ ،‬وع ي سهرت ف سبيل ال‪ ،‬وع ي يرج من ها م ثل رأس‬
‫الذباب من خشية ال» يعن دمعة مثل رأس الذباب‪.‬‬
‫قال ابن مسعود ‪ :‬أفرس الناس ثلثة‪ :‬عزيز مصر حي قال لمرأته‪ :‬أَكْ ِرمِي‬
‫هأْجِ ْرهُ إِنّ خَيْرَ مَنِه‬
‫مَثْوَاهُه ‪ ،‬والرأة ال ت قالت لبيهبا عن موسبى‪ :‬يَا أَبَتِه اس َْت‬

‫ا سَْتأْ َج ْرتَ القَ ِويّ ا َلمِيُ ‪ ،‬وأبو بكر الصديق حي استخلف عمر بن الطاب ب‬
‫رضي ال عنهما ب‪.‬‬
‫قال شقيق البلخي لات الصم‪ :‬قد صحبتن مدة فماذا تعلّمْتَ من؟ قال‪ :‬ثان‬
‫مسائل‪:‬‬
‫لشخصب مبوببٌ‪ ،‬عندمبا يصبل إل القبب‬
‫ٍ‬
‫الول‪ :‬نظرت إل اللق فإذا كان‬
‫يفارقه‪ ،‬فجعلت مبوب حسنات لتكون معي ف القب‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬نظرت إل قول ال تعال‪َ :‬ونَهَى النّفْ سَ َع نِ الَوَى فاجتهدت ف‬
‫دفع الوى عن َنفْسِي حت استقرت على طاعة ال تعال‪.‬‬
‫وأما الثالثة‪ :‬فإن رأيت كل من معه ش يء له قيمة عنده يف ظه‪ ،‬فنظرت ف‬
‫قوله تعال‪ :‬مَا عِن َدكُ مْ يَن َفدُ وَمَا عِندَ اللّ هِ بَا قٍ فكل ما و قع م عي ش يء له قي مة‬
‫و ّج ْهتُه إليه ليبقى عنده‪.‬‬
‫‪219‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأما الرابعة‪ :‬فإن رأيت الناس يرجعون إل الال والسب والشرف‪ ،‬فنظر تُ‬
‫إل قول ال تعال‪ِ :‬إنّ َأكْرَمَ ُكمْ عِندَ ال ّلهِ أَْتقَا ُكمْ ‪.‬‬
‫وأما الامسة‪ :‬فإن رأيت الناس يتحاسدون فنظرتُ ف قول ال تعال‪ :‬نَحْنُ‬

‫قَسَ ْمنَا بَيْنَهُم ّمعِيشَتَ ُهمْ فتركتُ السد‪.‬‬
‫وأما السادسة‪ :‬فإن رأيتهم يتعادون‪ ،‬فنظرت ف قول ال تعال‪ِ :‬إنّ الشّ ْيطَانَ‬

‫ت عداوتم واتذتُ الشيطان عدوًا‪.‬‬
‫خذُوهُ َعدُوًا فترك ُ‬
‫لَ ُكمْ َعدُوّ فَاّت ِ‬
‫وال سابعة‪ :‬رأيت هم يذلون أنف سهم ف طلب الرزق‪ ،‬فنظرت ف قول ال تعال‪:‬‬
‫َومَا مِن دَاّبةٍ فِي الَرْضِ إِلّ عَلَى اللّهِ ِرزْقُهَا فاشتغلتُ با له علي وتركت ما ل‬
‫عنده‪.‬‬
‫وأ ما الثام نة‪ :‬فإ ن رأيت هم متوكل ي على تارت م و صنائعهم و صحة أبدان م‬
‫فتوكلتُ على ال تعال‪.‬‬
‫فائدة‬
‫اعلم أن ذ كر ال تارة يكون لعظم ته فيتولد م نه الي بة فالجلل‪ ،‬وتارة يكون‬
‫لقدرته فيتولد منه الوف والزن‪ ،‬وتارة لنعمته فيتولد منه المد والشكر؛ ولذلك‬
‫قيل‪ :‬ذكر النعمة شكرها‪ ،‬وتارة لفعاله الباهرة فيتولد منه العب‪ ،‬فحق على الؤمن‬
‫أن ل يْنفَكّ أبدًا من ذكره على أحد هذه الوجه‪.‬‬
‫سأل بعضهم وكيعًا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد‪،‬‬
‫فقال‪ :‬كان أول مَن َدعَا به أنا‪.‬‬
‫فقال ل هارون‪ :‬يا وك يع‪ ،‬إن أ هل بلدك طلبوا م ن قاضيًا و سَ ُم ْوكَ ل في من‬
‫سّوا وقد رأيت أن أشركك ف أمانت‪.‬‬
‫فقل تُ‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬أنا شيخ كبي وإحدى عينّ ذاهبة والخرى ضعيفة‪،‬‬
‫فقال هارون‪ :‬اللهم غفرًا خذ عهدك أيها الرجل وامض‪.‬‬

‫‪220‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقلت‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬وال لئن ُكنْ تُ صادقًا إنه لينبغي أن ل يُقبل من ولئن‬
‫كُنتُ كاذبًا فما ينبغي أن تول القضاء كذّابًا‪ ،‬فقال‪ :‬اخرُج فخرجتُ‪.‬‬
‫ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الرض حي برَ َك وما سعناه يُسلم‬
‫إل سلمًا خفيًا‪.‬‬
‫فقال له هارون‪ :‬أتدري لاب دعوتُك؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إن أهبل بلدك طلبوا منب‬
‫قاضيًا وإنم سّوك ل فيمن سّوا‪.‬‬
‫وقد رأيت أن أشركك ف أمانت وأدخلُك ف صال ما أدخُل فيه من أمر هذه‬
‫المة فخ ْذ عهدكَ وامضِ‪.‬‬
‫فقال له ابن إدريس‪ :‬وأنا ودد تُ أن ل أكُ ْن رأيتُك فخرج‪ ،‬ث دخل حف صُ‬
‫فقبل عهده‪ ،‬فأتى خادمٌ معه ثلثةُ أكياس ف كل كيس خسةُ آلف‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن أمي الؤمني ُيقْرؤ َك السلمَ‪ ،‬ويقولُ لكم‪ :‬قد لزمتكم ف شخوصكم‬
‫مؤُن ٌة فاستعينُوا بذه ف سفركم‪.‬‬
‫ت م ن ب يث‬
‫قال وكي عُ‪ ،‬فقلت‪ :‬أقرئ أم ي الؤمن ي ال سلم‪ ،‬وقُل له قَ ْد وقع ْ‬
‫يبُ أمي الؤمني‪ ،‬وأنا مُستغن عنها‪.‬‬
‫وأما ابنُ إدريس فصاح به مُرّ من هاهنا أي رُ ّدهَا وقبلها حفصُ‪ .‬ل در وكيع‬
‫وابن إدريس من رقم (‪ )1‬ف «الزهد»‪.‬‬
‫وخرجَت الرقعةُ إل ابن إدريس من بيننا عافانا ال وإيّا كَ سألناك لن تدخل‬
‫ف أعمالنا فلم تفعل ووصلناك من أموالنا فلم تقبل‪.‬‬
‫فإذا جاءك ابن الأمون فحدثه إن شاء ال‪.‬‬
‫فقال للرسول‪ :‬إذا جاءنا مع الماعة حدثناه إن شاء ال‪,.‬‬
‫قام صال بن عبدالل يل ب ي يدي الهدي‪ ،‬فقال‪ :‬إ نه ل ا ُسهّل علي نا ما توعّرَ‬
‫على غينا ن الوصول إليه‪ ،‬قُمنا مقام الداء عنهم‪ ،‬وعن رسول ال ‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بإظهار ما ف أعناق نا من فريضَ ِة ال مر والن هي‪ ،‬ع ند انقطاع عُذْر الكتمان‪،‬‬
‫ولسيّمَا حي اتسمت بيسم التّواضع َو َوعَدْ تَ ال وحَ َمّل َة كتابه بإيثار الق على‬
‫ما سواه‪.‬‬
‫فجمع نا وإيّاك مشهدٌ من مشا هد التمح يص‪ ،‬لي تم مُؤدي نا على موعود الداء‬
‫وقابلنا على موعود القبول‪ ،‬أو يزيدنا تحيص ال إيانا ف اختلف السر والعلنية‪.‬‬
‫وقد كان أ صحاب رسول ال يقولون‪ :‬من حجب ال عنه العلم عذبه ال‬
‫على الهل وأشد منه من أقبل عليه العلم وأدبر عنه‪ ،‬ومن أهدى ال إليه علمًا فلم‬
‫يعمل به‪ ،‬فقد رغب عن هدية ال وقصر با‪.‬‬
‫فا ْقبَ ْل مَا أهْدَى ال إلي كَ من ألسنتنا قبول تقيق وعمل‪ ،‬ل قبول سعة ورياء‪،‬‬
‫فإنه ل يعدمك منا إعلم لا تهل أو مواطئة على ما تعمل أو تذكي من غفلة‪.‬‬
‫ف قد وطّ ن ال عز و جل نبيه على نزول ا تعز ية ع ما فات وتحي صًا من‬
‫التمادي ودللةً من الخرج‪ ،‬فقال جل وعل‪َ :‬وِإمّ ا يَنَغَنّ كَ مِ نَ الشّ ْيطَا نِ نَزْ غٌ‬

‫فَاسَْت ِعذْ بِال ّلهِ ‪.‬‬
‫ُهب على إيثار القب ومنابذة الهواء ول حول ول‬
‫اطلع ال على قلببك مبا يُنوّر ُ‬
‫قوة إل بال العلي العظ يم‪ ،‬خرج أحدُ الزهاد ف يوم ع يد ف هيئة ر ثة‪ ،‬فق يل له‪:‬‬
‫أترج فب هذا اليوم فب مثبل هذه اليئة والناس يتزينون‪ ،‬فقال له‪ :‬إنب أريبد أن‬
‫أرافقبك‪ ،‬فقال له إبراهيبم‪ :‬على أن أكون أملك لشيئك منبك‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪ ،‬فقال‬
‫إبراهيبم‪ :‬أعجبنب صبدقك‪ ،‬وال أعلم‪ ،‬وصبل ال على ممبد وعلى آله وصبحبه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قام عمرو بن عبيد بي يدي النصور‪ ،‬فقال له‪:‬ن إن ال أعطاك الدنيا بأسرها‬
‫فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلةً تخض عن يوم ل ليلة بعده‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ت أمي الؤمني‪ ،‬فقال‬
‫فوحم أبو جعفر ن قوله‪ ،‬فقال له الربيع‪ :‬يا عمرو‪ ،‬غَمَمْ َ‬
‫عمرو‪ :‬إن هذا صحبك عشرين سنة ل ير لك عليه أن ينصحك يومًا واحدًا وما‬
‫عمل وراء بابك بشيء من كتاب ال ول سّنة نبيه‪.‬‬
‫قال أ بو جع فر‪ :‬ف ما أ صنع قد قل تُ لك‪ :‬خات ي ف يدك فتعال وأ صحابك‬
‫سنَا ِبعَونك‪.‬‬
‫فاكفن‪ ،‬قال عمرو‪ :‬أ ْد ُعنَا بعَدْ لِك تَس ُخ أْنفُ ُ‬
‫ببابك ألف مظلمة أردُ ْد منها شيئًا نعلم أنك صادق‪.‬‬
‫سُئل بعضهم‪ :‬أيّ شيء أشد على النفس؟ فقال‪ :‬الخلص؛ لنه ليس للّنفْس‬
‫فيه نصيب‪.‬‬
‫وقال آخبر‪ :‬أعبز شيبء فب الدنيبا الخلص (والخلص أن يكون العمبل‬
‫مق صودًا به و جه ال خال من الرياء وج يع الف سدات والنق صات)‪ ،‬قل تُ‪ :‬هذا‬
‫يتاج إل تيقظٍ دائمٍ ف كل العمال‪.‬‬
‫قال بعضهم‪ :‬لستُ أستبشع ول أستنكر ما يرد علي من الل؛ لن قد أصلتُ‬
‫أصلً وهو أن الدنيا دا ُر ه ٍم وغ ٍم وبل ٍء وفتنةٍ وكد ٍر ومصائبٍ وأن كله شر‪ ،‬ولبد‬
‫أن يلقى النسان بكل ما يكره وإن تلقاه با يب فهو فضل‪ ،‬وإل فالصل الول‬
‫وهو كثرة النكد والموم والحزان والذى‪.‬‬
‫ببْرِ‬
‫َتعَوّدْت بُ مَس بّ الضرُ حت ب الفْتُبه وأسببْلَمن طولُ البَلءِ إل الصب ّ‬
‫صب ْدرِي‬
‫ْقب ببه َ‬
‫ضي ُ‬
‫َووَسبّعَ صبَدْرِي للذَى َكثْرةُ الذَى وكان قَدِي ًا قبد َي ِ‬
‫د خل ا بن ال سماك على الرش يد‪ ،‬فقال له‪ :‬ا تق ال وحده ل شر يك له واعلم‬
‫أنك واقف بي يدي ربك ث ُمنْصَرفٌ إل إحدى منلتي ل ثالث لما جنة أو نار‪.‬‬
‫فب كى الرش يد ح ت خ ضل لي ته‪ ،‬فأق بل الف ضل بن الرب يع على ا بن ال سماك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬سبحان ال وهل يتخال شك ف أن أمي الؤمني مصروف إل النة إن شاء‬
‫ال لقيامه بق ال وعدله ف عباده‪.‬‬

‫‪223‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬فلم يفل ابن السماك بقوله ول يلتفت إليه وأقبل على الرشيد‪ ،‬وقال‪ :‬يا‬
‫أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن هذا يع ن الف ضل بن الرب يع ل يس وال م عك ول عندك ف ذلك‬
‫اليوم‪ ،‬قلت‪ :‬ولو كان عنده ومعه ماذا يفيد؛ لن الكم ل وحده‪.‬‬
‫فاتق ال وانظر لنفسك‪ ،‬فبكى هارون بكاءً شديدًا حت أشفقوا وأفحم الفضل‬
‫فلم يَنْطق برف‪.‬‬
‫كان يي بن ييا النيسابوري يضر ملس مالك‪ ،‬فانكسر قلمه فناوله الأمون‬
‫قلمًا من ذهبً فامتنعَ عن قبوله‪.‬‬
‫فقال له الأمون‪ :‬ما ا سُكَ؟ قال‪ :‬ي ي بن ي ي الني سابُوري‪ ،‬فقال‪َ :‬تعْرُف ن؟‬
‫قال‪ :‬ن عم أنبت الأمون اب نُ أم ي الؤمن ي‪ ،‬قال‪ :‬فك تب الأمون على ظ هر جزئه‪:‬‬
‫ناولتُ يي بن ييا النيسابوري قلمًا ف ملس مالك فلم يقبلهُ‪.‬‬
‫فلما أفضت اللفة إليه بعث إل عامله بنيسابور وأمره أن يول يي بن يي‬
‫القضاء فبعث إليه يستدعيه‪.‬‬
‫فقال بعض الناس‪ :‬إنه يتنع من الضور‪ ،‬فذهب إليه الرسول فأنفذ إليه كتاب‬
‫الأمون فقرئ عليه فامتنع من القضاء‪ ،‬فردّ إليه ثانيًا‪ ،‬وقال‪ :‬إن أمي الؤمني يأمرك‬
‫بشيء وأن تَ تتنع عليه؟ فقال‪ :‬قُل لمي الؤمني ناولتن قلمًا وأنا شاب فلم أقبله‬
‫فتجبُن الن على القضاء وأنا شيخ‪.‬‬
‫علمتب امتناعبه ولكبن نُول القضاء رجلً‬
‫ُ‬
‫فرفبع البب إل الأمون‪ ،‬قال‪ :‬قبد‬
‫ل فوُل القضاء‪.‬‬
‫يتاره‪ ،‬فاختار ر ُج ً‬
‫ود خل على ي ي ف ضم يي فراشًا كان جال سًا عليه كراهية أن يمعه وإيّاه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬أيّهُ الشيخ أل تترن؟‬
‫ت اختاره وما قُلتُ لك تقلّ َد القضاء‪.‬‬
‫قال‪ :‬إنا قل ُ‬
‫عن ممد بن عبدالكري الروزي‪ ،‬قال‪ :‬لا ول يي بن أكثم القضاء كتب إليه‬
‫أخوه من مرُو وكان زاهدًا‪:‬‬

‫‪224‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وُلقَ َمةٌ بَرِيبببش اللح تأكلهبببا ألذّ مِبببن ترة تُحْشَبببى ب ُزنُْبوْ ِر‬
‫بفُوْر‬
‫ب عُص ْ‬
‫حّب ِة الفَخّب دَقّتبْ عُنْق َ‬
‫وَأكلةٌ قَ ّربْتببْ لِ ْلمَلْكببِ صببَا ِحبَها ك َ‬
‫قال ابن سيين‪ :‬كنا عند أب عُبيدة بن أب حذيفة ف قبة له وبي يديه كانون‬
‫فيه نار فجاءه رجل فجلس معه فساره بشيء ل ندري ما هو‪.‬‬
‫فقال له أبو عبيدة‪ :‬ضع ل أصبعك ف هذه النار‪ ،‬فقال‪ :‬سبحان ال تأمرن أن‬
‫أ ضع أ صبعي‪ ،‬فقال أ بو عبيدة‪ :‬أتب خل علي بأ صبع من أ صابعك ف نار الدن يا‬
‫وتسألن أن أضع لك جسدي كله ف نار جهنم‪ ،‬قال‪ :‬فظننا أنه دعاه للقضاء‪.‬‬
‫بنب أحبد الغنياء دارًا وكان فب جواره بيبت لعجوز يسباوي عشريبن دينارًا‬
‫وكان متاجًا إليه للصقته لداره ليتوسّع به‪ ،‬فبذل لا فيه مأت دينار فلم تبعه‪.‬‬
‫فقيل له‪ :‬إن القاضي يجر عليك بسفهك حيثُ تركتِ مأت دينار لا يُساوي‬
‫عشر ين دينارًا‪ ،‬قال تْ‪ِ :‬ل مَ لَ ْم يَحْجُر القا ضي على من يشتري بأت ي ما ي ساوي‬
‫عشرين دينارًا‪.‬‬
‫حمَت القاضي ومن معه جيعًا وترك البيتَ ف يدها حت ماتت‪.‬‬
‫فأف َ‬
‫كان رجل ُمتَعَبدٌ بالبصرة فعُرض عليه القضاء فتوله‪ ،‬فلقيه النيد يومًا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫من أراد أن يستودع سرًا لِ َم ْن ل يفشيه فعليه بفلن و سّاه‪ ،‬فإنه كتم ُحبّ الدنيا‬
‫أربعي سنة حت قدر عليه‪.‬‬
‫قال ر جل لداود الطائي‪ :‬أو صن‪ ،‬فدمعبت عيناه‪ ،‬وقال‪ :‬يا أخبي‪ ،‬إن ا الليبل‬
‫والنهار مراحل ينلا الناس مرحلة بعد مرحلة‪ ،‬حت ينتهي ذلك إل آخر سفرهم‪،‬‬
‫فإن ا ستطعت أن تُقدّ مَ كُ ّل يوم زادًا ل ا ب ي يد يك فاف عل‪ ،‬فإن انقطاع ال سفر عن‬
‫قريب‪ ،‬والمر أعجلُ من ذلك‪ ،‬فتزود لنفسك واقض ما أنت قاض‪ ،‬فكأنك بالمر‬
‫قد بغتكَ‪ ،‬إن لقول لك هذا‪ ،‬وما أعلم أحدًا أش ّد تقصيًا من!! ث قام وتركه‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫يببا لهيًببا بالنايببا غَ ّرةُ الملُ‬
‫تبغببي اللُحُوقببَ بل زادٍ تُقَ ّدمُهببُ‬
‫ل تركننّ ب إل الدنيببا وزُخرفهببا‬
‫ت تَرجُبو غدًا يأتب وبعدَ غدٍ‬
‫ببَح َ‬
‫أص ْ‬
‫به‬
‫بك قَدْ ولّتببْ بشاشتُب‬
‫هذا شَبابُب‬
‫ماذا التعلّلُ بالدنيببا وقببد نَشَرَتببْ‬

‫حلُ‬
‫ف تَ ْرتَ ِ‬
‫ب عَمّابب قَليلٍ سببَو َ‬
‫وأنْتبَ‬
‫بلُوا‬
‫ب لابب شَمّرُوا وَصب َ‬
‫إن الخفّيَب‬
‫بتَْنتَقلُ‬
‫ب مِبن عاجلِ الدنيبا س َ‬
‫فأنْت َ‬
‫ورُبّبب ذِي أملٍ َقدْ خَانَببه المَلُ‬
‫مببا َبعْدَ َشيْبببك ل َلوٌ ول جَذَلُ‬
‫حةً فبب طيّهببا عَِللُ‬
‫بّ‬
‫با صب ِ‬
‫لهْلِهَب‬

‫كان م مد بن ال سّمّاك يقول‪ :‬يا ا بن آدم‪ ،‬أ نت ف ح بس م نذ ك نت‪ ،‬أ نت‬
‫مبوس ف الصّلْب‪ ،‬ث ف البطن‪ ،‬ث ف القمّاط‪ ،‬ث ف الكتب‪ ،‬ث تصي مبوسًا‪ ،‬ف‬
‫الك ّد على العيال‪ ،‬فاطلب لنفسك الراحة بعد الوت‪ ،‬ل تكون ف َحبْس أيضًا!‬
‫وكان أبو حازم يقول‪ :‬اضمنوا ل اثني‪ ،‬أضمن لكم النة‪ :‬عملً با تكرهون‬
‫إذا أحبه ال‪ ،‬وتركًا لا تبون إذا كرهه ال‪.‬‬
‫وقال‪ :‬انظر ك ّل عمل كرهت الوت لجله فاتركه‪ ،‬ول يضرك مت ِمتّ‪ .‬وال‬
‫أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫فصل‬
‫ق يل‪ :‬إن رجلً نادى الأمون با سه فغ ضب الأمُو نُ‪ ،‬وقال له‪ :‬أتدعُو ن با سي‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ننُب ندعُوا ال جل جلله با سه‪ ،‬فسبكت الأمون‪ ،‬وقضبى حاجبة الر جل‬
‫وأنعم عليه‪.‬‬
‫ح كي أن الأمون كان يلس للمظال يوم ال حد‪ ،‬فن هض ذات يوم من ملس‬
‫نظره و الشمسُ قد زالت‪ ،‬فتلقته امرأةٌ ف ثياب رثةٍ‪ ،‬وقالت‪:‬‬

‫‪226‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫با بِهببِ قَ ْد أشَرْقببَ البَلَدُ‬
‫با إمامًب‬
‫ف ُيهْدَى لَهبُ ال ّرشَدُ ويَب‬
‫يَبا َخْي َر ُمنْتَص بِ ٍ‬
‫با َت ْقوَى بِه بِ أس بَدُ‬
‫بو غليببه َح ِفيْدَ الُلْكببِ أ ْرمََلةٌ عَدَا عَلَيهَبا فمب‬
‫تَشْكُب‬
‫فاْبتَ ّز مِنهببا ضَياعًببا َبعْدَ مِْن َعتِهَببا لَمّابب َتفَرّقببَ عَنهببا الهْ ُل والولَدُ‬
‫فأطرق الأمون مُفكرًا ف مقالتها ث رفع رأسه‪ ،‬وقال ميبًا لا‪:‬‬
‫ب والكَمَدُ‬
‫ب هَذا الُزْن ُ‬
‫ْتب عِيْ َل الصببْ ُر والَلَدُ وأقْرَحبَ القلب َ‬
‫ْنب مبا ُقل ِ‬
‫مِن ُدو ِ‬
‫َومب الذِي أعِدُ‬
‫َصبمَ فب الي ِ‬
‫بَرِف وأ ْحضِرِي ال ْ‬
‫بلةِ الظه ِر فانْصب‬
‫بُ صب‬
‫هذا أوانب‬
‫ب الحَدُ‬
‫جلِس ُ‬
‫بفْكِ منبه وإلّا ال ْ‬
‫س ال سبتُ إن ُيقْضَى الُلو سُ لَنَا أنْص ِ‬
‫الجل ُ‬
‫فانصرفت وحضرت يوم الحد أوّل الناس‪ ،‬فوقفت ف ملس التظلمي‪ ،‬فقال‬
‫س ب نُ أم ي الؤمن ي‪،‬‬
‫ل ا الأمون‪ :‬من خَ صمُك؟ فقالت‪ :‬القائ مُ على رأ سك العبا ُ‬
‫فقال‪ :‬الأمون لقاضيه يي بن أكثم‪ :‬أجلسها معه‪ ،‬وانظر بينهما‪ ،‬فأجلستْ معه‬
‫ض الُجّاب‪ ،‬فقال الأمون‪:‬‬
‫والأمون ين ظر إلي ها فج عل كلم ها يعلُو‪ ،‬فزجر ها بع ُ‬
‫د ْعهَا فإن ال ق أنطقها والباطل أخرسه‪ ،‬وأ مر بردّ ضياعها إليه‪ ،‬ففعل الأمون ف‬
‫النظر بينهُما ما يلزم‪.‬‬
‫وردّ النظبر بحضبر منبه إل مبن كفاه ماورة الرأة فب اسبتيضاح الدعوى‬
‫والُجة‪ ،‬وباشر بنفسه تنفيذَ الُكمِ‪ ،‬وإلزام ابنه ال َق وسلوكَ الحجّة‪.‬‬
‫قال الأمون لببن إدريبس‪ :‬يبا عبم‪ ،‬إل جانبب مسبجدك دار إن أذنبت لنبا‬
‫اشتريناها ووسعنا با السجد‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما ل إل هذا حا جة قبد أجزأ مبن كان قبلي وهبو يزو ن‪ ،‬فن ظر إل‬
‫قرحةٍ فب ذراع الشيبخ‪ ،‬فقال‪ :‬إن ّ معنبا مُتطبببي وأوديبة‪ ،‬أتأذن أن ييئك مبن‬
‫يُعالك؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قد ظهر ب مثل هذا وبرأ‪.‬‬
‫فأمر له بال‪ ،‬فأب أن يقبله‪ ،‬تأمل يا أخي‪ ،‬هل يوجد مثل هذا ف عصرنا ما‬
‫أظن يوجد ول رقم ثلثة‪ ،‬ولّا نزل بابن إدريس الوت بكت ابنته‪ ،‬فقال‪ :‬ل تبكي‬
‫فقد ختمتُ القرآن ف هذا البيت أربعة آلف ختمة‪.‬‬
‫‪227‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بلغ يا أخي من ضاعت أعمارهم فرطًا عند التلفاز والذياع والكورة والرائد‬
‫والجلت والورق واللهي‪ ،‬والقيل والقال‪.‬‬
‫قال عبدالعلى بن حاد أ حد رجال الد يث‪ :‬دخل تُ على ب شر بن من صور‬
‫سَتبْشرًا‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هذا ال سرور؟ قال‪ :‬أخرُ جُ من ب ي‬
‫و هو ف الوت‪ ،‬فرأي ته مُ ْ‬
‫الاسدين والباغي والغتابي‪ ،‬وأق َدمُ على رب العالي ول أفرح‪.‬‬
‫ق يل لب عض ال صالي و هو يو ُد بنف سه‪ :‬ك يف تدك؟ وك يف حالُك؟ فقال‪:‬‬
‫كيف حالُ من يريدُ سفرًا بعيدًا بل زاد‪ ،‬ويدخل قبًا موحشًا بل مُؤنس‪ ،‬وينطلق‬
‫إل رب ملك عاد ٍل بل حُجّة!!‬
‫ب َتنْزِلُ‬
‫ب أَيّب الكَانَيْنبِ‬
‫ب تَدْرِ فب‬
‫ب تَنام بُ العَيُب وهْي بَ َقرِيرةٌ ولَمبْ‬
‫و َكيْف َ‬
‫موعظة‬
‫قال ال جبل وعل‪ :‬فَاعَْتبِرُوا يَا أُ ْولِي ا َلبْصهَارِ العتبار‪ :‬النظبر فب المور‬
‫ليعرف با شيء من غي جنسها‪ ،‬والبصار‪ :‬العقول‪ ،‬والعن‪ :‬تَ َدبّ ُروْا‪.‬‬
‫إخوان‪ ،‬الدنيا دار عبة ما وقعت فيها حبة إل وردفتها عبة أين من عاشرناه‬
‫كثيًا وألفنا؟ أين من ملنا إليه بالوداد وانعطفنا؟ أين من ذكرناه بالحاسن ووصفنا؟‬
‫ما نعرفهم لو عنهم كشفنا ما ينطقون لو سألناهُم والفنا‪.‬‬
‫و سنصيُ ك ما صاروا فليت نا أنف صفنا‪ ،‬كم أغمض نا من أحباب نا على كره هم‬
‫جفنا؟ كم ذكرتنا مصارعُ من فن من يفن؟ كم عزيز أحببنا دفناهُ وانصرفنا؟ كم‬
‫مُؤنسٍ أضجعناهُ ف اللحد وما وقفنا؟ كم كري علينا إذا مررنا عليه انرفنا؟‬
‫ما ل نا نتحقّ قُ القّ فإذا أيقنّ ا صدفنا‪ ،‬أ ما ضرّ أهل ُه الت سويف‪ ،‬و ها ن ن قد‬
‫ب مصينا فلماذا منه أنفنا‪ ،‬إلم تغرّنا السلمة وكأن قد تلفنا‪.‬‬
‫سوّفْنا‪ ،‬أما التُرا ُ‬
‫أ ين حبيب نا الذي كان وانت قل؟ أ ما غم س ُه التل فُ ف بره وارتلْ أ ما خل ف‬
‫لده بالعمل‪ ،‬أين من جرّ ذيل اليلء غافلً ورفل أما سافر عنا وإل الن ما قفلْ‪.‬‬
‫‪228‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫أين من تنعم ف قصره وف قبه قد نزل‪ ،‬فكأن بالدار ما كان‪ ،‬وف اللحد ل‬
‫يزل‪ ،‬أ ين البابرة الكا سرة الول الذ ين كنوا الكنوز العُتاة الول‪ ،‬ملك الموال‬
‫سواهُم والدنيا دُول‪.‬‬
‫ب يَطْرقُهبا الكَرى ولِحْيلَتبب وقببد انْجلَى عنّيبب الِرَا‬
‫عَجَبًبا ِلعَينب َكيْف َ‬
‫أمب َحيْنب كَرَى‬
‫َفب ْ‬
‫لت ِ‬
‫ب أنّهببُ قَدْ ُفوّقَتببْ نَحْوي سبِهامُ ا ْ‬
‫أْل ُهوْ وأعلَمب ُ‬
‫ب ال َق ْهقَرَي‬
‫ب لّب الدُنيبا فعُدْت ُ‬
‫وإذا هَ َممْتبببببببُ بتَوَبةٍ وإنَاَبةٍ عَرضَت ْ‬
‫أسبمَ ُع أوْ أرَى‬
‫ْتب أعقلُ حِيَب ْ‬
‫رأيتب َموَاعِظًا َلوْ ُكن ُ‬
‫ُ‬
‫ت وقَ ْد‬
‫سبِم ْع ُ‬
‫كبم قبد َ‬
‫أيْنببَ الذيببن َط َغوْا وجَارُوا واعتَ َدوْا وعَتْوا وطَالُوا واسببببْتَخفّوا بالوَرَى‬
‫أسبدُ الشّرَى‬
‫َتب لمب ْ‬
‫ضع ْ‬
‫ب أعْ َطْتهُمببْ َمقَالِيببد العُل حتب لقبد َخ َ‬
‫أوَ َليْسب َ‬
‫با وثيقات العُرَى‬
‫ببا فَصبَ َمتْ لمب منهب‬
‫بكُوا ِببَالاببب لكِنّهَب‬
‫وتسبب َ‬
‫ب الذّرَى‬
‫مببا أخْلَ َدتْهببم بَعدَ سببالِفِ رِ ْف َعةٍ ببل أنْزََلتْهُبم مِبن شَما ِريْخ ِ‬
‫َباقب الثّرى‬
‫َحتب أط ِ‬
‫ْكب الحاسب ُن ت َ‬
‫ش ّوهَتببْ تِل َ‬
‫ببد ُنقّلُوا وتَ َ‬
‫وإل البلَى قب‬
‫ب مبا عليهبم قَدْ َجرَى‬
‫ب َدهْرَك َ‬
‫َلوْ أ ْخبَروْكببَ بالمبب ومَآلِببم أبْكاك َ‬
‫أ ْفنَاهُبم مَبن َليْسبَ َيفْنب مُلْكثهبُ ذُو البَطْشبببة الكُبْرَى إذا أ َخ َذ القُرَى‬
‫ب يُفتَرى‬
‫ب إناب ِميْعَادُهَبببا أبَدًا َح ِديْثبب ٌ‬
‫ف عبن الدنيبا طِماعَك َ‬
‫فاصبرِ ْ‬
‫ْ‬
‫ببا إل مُواص ببَلةُ الس ببّرَى‬
‫جيْكَب مِن ْب آفاتِهب‬
‫وصِب ِل ال سّرَى عنهبا ف ما ُينْ ِ‬
‫قال يي بن أكثم‪ :‬كان للمأمون وهو أمي إذ ذاك ملس نظر فدخل ف جلة‬
‫الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة‪ ،‬قال‪ :‬فتكلم فأحسن‬
‫الكلم والعبارة‪.‬‬
‫فل ما تقوض الجلس دعاه الأمون‪ ،‬فقال له‪ :‬إ سرائيلي؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬أ سلم‬
‫حت أفعل بك وأصنع ووعده‪ ،‬فقال‪ :‬دين ودين آبائي‪ ،‬وانصرف‪.‬‬
‫قال‪ :‬فل ما كان ب عد سنة جاء مُ سلمًا فتكلم على الف قه‪ ،‬فأح سن الكلم فل ما‬
‫تقوض الجلس دعاه الأمون‪ ،‬وقال‪ :‬أل ستَ صا ِحبَنا بال مس؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬ف ما‬
‫ب إسبلمك؟ قال‪ :‬انصبرفت مبن حضرتبك‪ ،‬فأحبببت أن أمتحبن هذه‬
‫كان سبب ُ‬
‫‪229‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫الديان‪ ،‬وأنت تران حس ُن الط‪ ،‬فعمدتُ إل التوراة‪ ،‬فكتبتُ ثلث نُسخ‪ ،‬فزد ُ‬
‫ت‬
‫فيها ونقصتُ وأدخلتها الكنيسة فاشتريت من‪ ،‬العن‪ :‬ما بار تْ تصرّفت وطافت‬
‫ما ُحقّ َق فيها‪.‬‬
‫ت فيها ونقصتُ وأدخلتُها البيعة‬
‫ث نسخ فزد ُ‬
‫وعمدتُ إل النيل‪ ،‬فكتبتُ ثل َ‬
‫فاشتريت من أي كالتوراة‪.‬‬
‫صتُ وأدخلتُ ها‬
‫ت في ها ونقَ َ‬
‫ت ثل ثَ ن سخ وزِدْ ُ‬
‫وعمد تُ إل القرآن‪ ،‬فعمل ُ‬
‫الورّاقي فتصفحُوها‪.‬‬
‫فعلمتب أن هذا‬
‫ُ‬
‫فلمبا وجدوا فيهبا الزيادة والنقصبان رموا باب فلم يشتروهبا‪،‬‬
‫كتابٌ مفوظ‪ ،‬فكان هذا سبب إسلمي‪.‬‬
‫قال يي بن أكثم‪ ،‬فحججتُ تلك السنة‪ ،‬فلقيت سُفيان بن عُيينة‪ ،‬فذكرت له‬
‫ال ب‪ ،‬فقال ل‪ :‬م صداقُ هذا ف كتاب ال‪ ،‬قال‪ :‬قل تُ‪ :‬ف أي مو ضع؟ قال‪ :‬ف‬
‫ح ِفظُوا مِن كِتَا بِ اللّ هِ فج عل حفظ هُ‬
‫قوله تعال ف التوراة والن يل‪ :‬بِمَا ا سُْت ْ‬
‫إليهم‪ ،‬فضاع‪ ،‬وقال عز وجل‪ِ :‬إنّا َنحْ نُ نَزّلْنَا الذّكْرَ َوإِنّا لَ هُ َلحَا ِفظُو نَ فحفظه‬
‫ال جل وعل علينا فلم يَضع‪ .‬اهب‪.‬‬
‫قلتُ‪ :‬ومن الدلة أيضًا قوله تعال‪ :‬لَ يَ ْأتِي ِه البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَ َديْهِ وَلَ مِنْ َخ ْلفِهِ‬

‫‪.‬‬
‫قيل للحسي بن الفضل‪ :‬هل تد ف القرآن من جهل شيئًا عاداه؟ قال‪ :‬نعم ف‬
‫ِهه ‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫َمه ُيحِيطُوا ِبعِلْم ِ‬
‫موضعيب‪ :‬بَلْ َك ّذبُوا بِم َا ل ْ‬

‫ِهه‬
‫َمه يَهَْتدُوا ب ِ‬
‫َوإِذْ ل ْ‬

‫فَسََيقُولُونَ َهذَا إِ ْفكٌ َق ِديٌ ‪.‬‬
‫قال عث ما ن بن مرة الول ن‪ :‬ل ا ابتدأ الول يد ببناء م سجد دم شق و جد ف‬
‫حائط السجد لوحًا من حجارة فيه كتابة باليونانية‪ ،‬فعرضه على جاعة من أهل‬
‫الكتاب فلم يقدروا على قراءته‪.‬‬
‫فوجه به إل وَهْب بن مُنبه‪ ،‬فقال‪ :‬مكتوب ف أيام سليمان ابن داود –عليهما‬
‫وعلى نبي نا ال سلم‪ ،-‬فقرأه‪ ،‬فإذا ف يه‪« :‬ب سم ال الرح ن الرح يم‪ .‬يا ا بن آدم‪ ،‬لو‬
‫‪230‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عاينت م ا بقي من يسي أجلك لزهدت فيما بقي من طول أملك‪ ،‬وق صّرت عن‬
‫ت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك‪،‬‬
‫رغبتك وحيلك‪ ،‬وإنا تلقى ندمك إذا زل ْ‬
‫وانصرف عنك البيب‪ ،‬وودعك القريب‪ ،‬ث صرْتَ تدعى فل تيب‪ ،‬فل أنت إل‬
‫أهلك عائد ول ف عملك زائد‪ ،‬فاغتنم الياة قبل الوت والقوة قبل الفوت‪ ،‬وقبل‬
‫أن يُؤخذ منك بالكظم ويال بينك وبي العمل» وكُتبَ ز َمنَ سليمان بن داود‪.‬‬
‫فأ مر الول يد أن يك تب بالذ هب على الزورد ف حائط ال سجد‪ :‬رب نا ال ل‬
‫نعبد إل ال‪ ،‬أمر ببناء هذا السجد وهدم الكنيسة الت كانت فيه عبدال الوليد أمي‬
‫الؤمني‪ ،‬ف ذي الجة سنة سبع وثاني‪ ،‬وهذا الكلم مكتوب بالذهب ف مسجد‬
‫دم شق إل وقت نا هذا و هو سنة اثن ي وثلث ي وثلثائة‪ .‬وال أعلم و صلى ال على‬
‫ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫وقال صال بن أحد بن حنبل‪ :‬ورد كتاب علي بن الهم‪ :‬أن أمي الؤمني –‬
‫بصبّرةٍ‪ ،‬ومعبه جائزة ويأمرك‬
‫يعنب التوكبل‪ -‬قبد وج ّه إليبك يعقوب العروف ُ‬
‫بالروج‪ ،‬فال ال أن تستعفى أو ترد الال‪ ،‬فيتسع القولُ لن يُبغضك‪.‬‬
‫فلما كان من الغد ورد يعقوب فدخل عليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا عبدال‪ ،‬أمي الؤمني‬
‫آنسب بُقرببك وأن أتببك بدعائك‪ ،‬وقبد‬
‫أحببتب أن َ‬
‫ُ‬
‫يُرئك السبلم‪ ،‬ويقول‪ :‬قبد‬
‫وجّهتُ إليك عشرة آلف درهم معونةً على سفرك‪.‬‬
‫ص ّر ًة فيها بدرة نو مائت دينار والباقي صحاح‪ ،‬فلم ينظر إليها ث شدّها‬
‫أخرج ُ‬
‫يعقوب‪ ،‬وقال له‪ :‬أعودُ غدًا حت أبصر ما تعزم عليه وانصرف‪.‬‬
‫فجئت بإجّانبة خضراء فكببتُهبا على البدْرة‪ ،‬فلمبا كان عنبد الغرب قال‪ :‬يبا‬
‫صال‪ ،‬خذ هذا صيّرة عندك‪ ،‬فصيّتا عند رأسي فوق البيت‪ ،‬فلما كان سحرًا إذا‬
‫ت إليه‪ ،‬فقال‪ :‬ما نت ليلت هذه‪.‬‬
‫هو ينادي‪ :‬يا صال‪ ،‬فقمتُ فصعد ُ‬
‫فقلت‪ :‬لِ مَ يا أب تِ؟ فج عل يب كي‪ ،‬وقال‪ :‬سلمتُ من هؤلء ح ت إذا كان ف‬
‫آخر عمري بُليت بم‪ ،‬قد عزمت على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحتُ‪.‬‬
‫‪231‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقلت‪ :‬ذاك إليك‪ ،‬فل ما أ صبح‪ ،‬قال‪ :‬جئ ن يا صال بيزان‪ ،‬وقال‪ :‬وجهوا إل‬
‫أبناء الهاجر ين والن صار‪ ،‬ث قال‪ :‬و جه إل فلن يفرق ف ناح ية‪ ،‬وإل فلن فلم‬
‫يزل حت فرّقا كلها ونفضت الكيس‪ ،‬ونن ف حالة ال تعال با عليم‪.‬‬
‫فجاء بُن ل‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبت أعطن درهًا‪ ،‬فنظر إلّ فأخرجت قطعة فأعطيته‬
‫وكتب صاحب البيد‪ :‬إنه قد تصدق بالدراهم من يومه حت تصدّق بالكيس‪.‬‬
‫قال علي بن الهم‪ :‬فقلت‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬قد علم الناس أنه قد قبل منك‪،‬‬
‫وما يصنع أحد بالال؟ وإنا قُوتُه رغيف‪ ،‬فقال ل‪ :‬صدقت يا عليّ‪.‬‬
‫عن ممد بن موسى بن حاد الزيدي‪ ،‬قال‪ :‬ح َل السن بن عبدالعزيز الروي‬
‫من مياثه من مصر مائة ألف دينار‪ ،‬فحمل إل أحد بن حنبل ثلثة أكياس ف كل‬
‫ك يس أل فُ دينار‪ ،‬فقال‪ :‬يا أ با عبدال هذه مياث حللٌ فخذ ها فاستع ْن ب ا على‬
‫عائلتك‪.‬‬
‫وعن إسحاق بن راهويه‪ ،‬قال‪ :‬لا خرج أحد بن حنبل إل عبدالرزاق انقطعت‬
‫به النفقة‪ ،‬فأكرى نفسه من بعض المالي‪ ،‬إل أن واف صنعاء‪ ،‬وقد كان أصحابه‬
‫فعرضوا عليه الواساة فلم ي ْقبَل مِن أحد شيئًا‪.‬‬
‫فدمعتب‬
‫ْ‬
‫ت عبدالرزاق –وذكبر أحدب ببن حنببل‬
‫وعبن الرمادي‪ ،‬قال‪ :‬سبع ُ‬
‫عينا هُ‪ ،-‬فقال‪ :‬بلغ ن أن نفق ته نفدت فأخذ تُ عشرةَ دنان ي وأقمتُه خلف الباب‪،‬‬
‫وما معي ومعه أحدٌ‪ ،‬وقُل تُ‪ :‬إنه ل تتمع عندنا الدناني وقد وجد تُ الساعة عند‬
‫النساء عشرة دناني‪ ،‬فخذها فأرجُو أل تنفقها حت يتهيأ عندنا شيء‪ ،‬فتَب سّمَ وقال‬
‫ت شيئًا من الناس قبلتُ منك‪.‬‬
‫ل‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬لو قبل ُ‬
‫ت على أب ف أيام الواثق وال يعلم‬
‫وعن صال بن أحد بن حنبل‪ ،‬قال‪ :‬دخل ُ‬
‫ف أي حالة ن نُ وخرج ل صلة الع صر‪ ،‬وكان له جلد يل سُ عل يه‪ ،‬قد أ تت عليه‬
‫سنون كثيةٌ حت قد بلى فإذا تته كتاب فيه‪« :‬بلغن يا أبا عبدال ما أنت فيه من‬
‫الض يق‪ ،‬و ما عل يك من الد ين‪ ،‬و قد وجه تُ إل يك بأرب عة آلف در هم على يدي‬

‫‪232‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فلن لتقضي با دينك وتُو سّ ْع با على عيالك‪ ،‬وما هي مِن صدق ٍة ول زكاةٍ‪ ،‬إنا‬
‫هُو شيء ورثُته من أب» ‪.‬‬
‫فقرأت الكتاب ووضعته‪ ،‬فلما دخل‪ ،‬قلتُ له‪ :‬يا أبت‪ ،‬ما هذا الكتاب؟ فاحر‬
‫وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬رفعتُه منك‪ ،‬ث قال‪ :‬تذهب بوابه إل الرجل‪ ،‬وكتب‪:‬‬
‫«بسم ال الرحن الرحيم‪ .‬و صَل كتابك إلّ ونن ف عافية‪ ،‬فأما الدين فإنه‬
‫لرجل ل يُرهقنا‪ ،‬وأما عيالنا فهم بنعمة ال والمد ل»‪.‬‬
‫قال صال‪ :‬وأمر التوكل أن تُشترى لنا دار‪ ،‬فقال‪ :‬يا صال‪ ،‬لئن أقررت لمن‬
‫بشراء دار لتكوننّ القطيع ُة بين وبينك فلم يزل يدفع شري الدار حت اندفع‪.‬‬
‫وقال الشافعي لحد بن حنبل وهو يتردد إليه ف جلة‪ :‬من يأخذ عنه العلم أل‬
‫تقبل قضاء اليمن‪ ،‬فامتنع من ذلك امتناعًا شديدًا‪.‬‬
‫وذلك أن الرشيد قال للشافعي‪ :‬إن اليمن يتاج إل قاضي‪.‬‬
‫وبالتال قال أحد للشافعي‪ :‬إن أختلف إليك لجل العلم الزهد ف الدنيا‪،‬‬
‫فتأمرن أن أل القضاء ولول العلم ل أكملك بعد اليوم‪ ،‬فاستحي الشافعي منه‪.‬‬
‫وروي أنبه كان ل يصبلي خلف عمبه إسبحاق ول خلف بنيبه ول يكلمهبم‬
‫أيضًا؛ لنم أخذوا جائزة السلطان‪.‬‬
‫ومكث مر ًة ثلثة أيام ل يد ما يأكله حت بعث إل بعض أصحابه فاستقرض‬
‫منه دقيقًا فعرف أهلُه حاجته إل الطعام فعجلوا‪ ،‬وعجنوا وخبزوا له سريعًا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما هذه العجلة كيف خبزتُم؟ فقالوا‪ :‬وجدنا تنُور بيت صال مسجورًا‬
‫فخبز نا لك ف يه‪ ،‬فقال‪ :‬ارفعوا ول يأ كل وأ مر ب سد با به إل دار صال؛ لن صال‬
‫أخذ جائزة السلطان وهو التوكل على ال‪.‬‬
‫وقال اب نه عبدال‪ :‬م كث أ ب بالع سكر ع ند اللي فة ستة ع شر يومنًا ل يأ كل‬
‫فيها إل ربع مد سويق يفطر بعد كل ثلث ليال على قبضة منه حت رجع إل بيته‬
‫ول ترجع إليه نفسه إل بعد ستة أشهر‪ .‬ل دره ما أورعه وأزهده‪ ،‬العفاف‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال البيهقي‪ :‬وقد كان الليفة يَبْعث إليه الائدة فيها أشياء كثية من النواع‪،‬‬
‫وكان أحد ل يتناول منها شيئًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬وب عث الأمون مرة ذهبًا يق سم على أ صحاب الد يث‪ ،‬ف ما ب قي من هم‬
‫أحد إل أخذ إل أحد بن حنبل‪ ،‬فإنه أب أن يأخذ‪.‬‬
‫قال الروزي‪ :‬دخلت على أحدب ببن حنببل‪ ،‬فقلت‪ :‬كيبف أصببحت؟ فقال‪:‬‬
‫ك يف أ صبح من ر به يطال به بأداء الفرائض‪ ،‬و نبيه يطال به بأداء ال سّنة‪ ،‬والالكان‬
‫يطالبا نه بت صحيح الع مل‪ ،‬ونف سُه تطال به بوا ها‪ ،‬وإبل يس يطال به بالفحشاء‪ ،‬وملك‬
‫الوت يطالببه بقببض روحبه‪ ،‬وعياله يطلبونبه بنفقتهبم‪ .‬وال أعلم وصبل ال على‬
‫ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫حُجب رجلٌ عن باب السلطان فكتب إليه‪« :‬نن نعوذُ بال من الطاع الدّنيّة‪،‬‬
‫هةٍ‪،‬‬
‫والمم القصية‪ ،‬وابتذال الُريّة‪ ،‬فإن نفسي ول المد أبية ما سقطت وراء ّ‬
‫ول خذل ا ص ٌب ع ند نازلة‪ ،‬ول ا سترقها طم ٌع ول طب عت على هلع‪ ،‬و قد رأي تك‬
‫وليت عرضك من ل ي صُونه‪ ،‬ووصلت ببابك من يشينُه‪ ،‬وجعلت ترجُمان عقلك‬
‫ويوجهب وفدَ الذم‬
‫ُ‬
‫مبن يكثبر مبن أعدائك ويتعدّى أوليائك ويُسبيء العبارة عنبك‪،‬‬
‫إل يك‪ ،‬ويُضغ نُ قُلوب إخوا نك عل يك؛ ل نه ل يعرف لشري فٍ قدرًا‪ ،‬ول ل صديق‬
‫منلةً‪ ،‬ويُز يل الرا تب عن ج هل ب ا وبدرجات ا‪ ،‬في حط العليّ إل مرت بة الوض يع‪،‬‬
‫ويرف عُ الدّنّ إل مرتبة الرفيع‪ ،‬ويتقر الضعيف لضعفه وتنبو عينه عن ذي البذاذة‪،‬‬
‫وييلُ إل ذي اللباس والزينة ويُق ِدمُ على الوى ويقبلُ الرُشا»‪.‬‬
‫ل ا مات جالينوس ُو جد ي جي به رق عة مكتوب في ها‪« :‬أح ق الم قى من يل‬
‫بطنه من كل ما يد‪ ،‬وما أكلته فلجسمك‪ ،‬وما تصدقت به فلروحك‪ ،‬وما خّل ْفتَهُ‬
‫فلغيك‪ ،‬والحسن حي وإن نقل إل دار البلى‪ ،‬والسيء ميت وإن بقي ف الدنيا‪،‬‬
‫والقناعة تستر اللةَ‪ ،‬وبالصب تدرك المور‪ ،‬وبالتدبي يكثر القليل‪ ،‬ول أرى لبن‬
‫آدم شيئًا أنفع له من التوكل على ال»‪.‬‬
‫‪234‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيل لبعض العلماء‪ :‬ما خي الكاسب؟ قال‪ :‬خي مكاسب الدنيا طلب اللل‬
‫لزوال الاجة‪ ،‬والخذ منه للقوة على العبادة وتقدي فضله الزائد ليوم القيامة‪.‬‬
‫وأمّا خي مكاسب الخرة فعل مٌ معمول به نشرته‪ ،‬وعملٌ صال قدمته‪ ،‬و سّنةُ‬
‫حسنةٌ أحييتهَا‪.‬‬
‫ق يل‪ :‬و ما شر الكا سب؟ قال‪ :‬أمّ ا شر مكا سب الدن يا فحرام جع ته‪ ،‬و ف‬
‫العاصي أنفقته‪ ،‬ولن ل يطيع ربه َخّلفْتَه‪.‬‬
‫وأما شر مكاسب الخرة‪ :‬فحق أنكرته حسدًا‪ ،‬ومعصية قدمتها إصرارًا‪ ،‬وسّنة‬
‫سيئة أحييتها عُدوانًا‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه ظهر إبليس –لعنه ال‪ -‬لعيسى ب عليه السلم ب‪ ،‬فقال له‪ :‬أفلست‬
‫تقول؟ لن يصيبك إل ما كتب ال عل يك؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فارم نفسك من ذروة‬
‫هذا الببل‪ ،‬فإذا قدّرَ ال لك السبلمة تسبلم‪ ،‬فقال له‪ :‬ملعون‪ ،‬إن ال تعال يتبب‬
‫عباده‪ ،‬وليس للعبد أن يتر ربه‪.‬‬
‫خي الرزق ما سلم من خسة‪ :‬من الث ف الكتساب‪ ،‬والذلة والضوع ف‬
‫السؤال‪ ،‬والغش ف الصناعة‪ ،‬وأثان آلت العاصي‪ ،‬ومعاملة الظلمة‪.‬‬
‫جعل الشر كله ف بيت‪ ،‬وجعل مفتاحه الرغبة ف الدنيا‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫قصة‬
‫روى ابن عساكر عن أب السي النوري أنه اجتاز بزورق فيه خر مع ملح‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ما هذا؟ ول ن هذا؟ فقال‪ :‬هذه خ ر للمعت ضد‪ ،‬ف صعد أ بو ال سي إلي ها‪،‬‬
‫فجعل يضرب الدنان بعمود ف يده حت كسرها كلها إل دنا واحدًا تركه‪.‬‬
‫واسبتغاث اللح فجاءت الشرطبة‪ ،‬فأخذوا أببا السبي‪ ،‬فأوقفوه بيب يدي‬
‫العتضد‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬من أ نت؟ فقال‪ :‬الحت سب‪ ،‬فقال‪ :‬و من ولك ال سبة؟ فقال‪ :‬الذي‬
‫ولك اللفة يا أمي الؤمني‪ ،‬فأطرق رأسه ث رفعها‪.‬‬
‫‪235‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال‪ :‬ما الذي حلك على ما فعلت؟ فقال‪ :‬شفقةً عل يك لد فع الضرر ع نك‪،‬‬
‫فأطرق رأ سه ث رفع ها‪ ،‬فقال‪ :‬ولي ش يء تر كت من ها دنّ ا واحدًا ل تك سره؟‬
‫ت علي ها فك سرتا إجللً ل تعال‪ ،‬فلم أبال بأحدٍ ح ت إذا‬
‫فقال‪ :‬ل ن إن ا أقدم ُ‬
‫انته يت إل هذا الدّ نِ د خل َنفْ سِي إعجاب من قب يل أ ن قد أقدم تُ على مثلك‬
‫فتركته‪.‬‬
‫ت يدك‪ ،‬فغيّرْ ما أحببتَ أن تغيه من النكر‪،‬‬
‫فقال له العتضد‪ :‬اذهب فقد أطلق ُ‬
‫فقال له النوري‪ :‬الن انتقض عزمي عن التغيي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ولِ مَ؟ فقال‪ :‬ل ن كُن تُ أغي هن ل وأ نا الن تغيت الن ية‪ ،‬فقال‪ :‬سل‬
‫حاجتك‪ ،‬فقال‪ :‬أ ُحبّ أن ترجن من بي يديك سالًا فأمر به فأخرج فصار إل‬
‫البصرة‪ ،‬فأقام با متفيًا خشية أن يشق عليه أحد ف حاجة عند العتضد‪ ،‬فلما توف‬
‫العتضدُ رجع إل بغداد‪.‬‬
‫قصة‬
‫ج ب نُ فضالة‪ ،‬فقال له‬
‫د خل الن صور يومًا إل ق صر الذ هب‪ ،‬فقام الناس إل فر ُ‬
‫وقد غضب عليه‪ :‬لِمَ لَ ْم تقم؟‬
‫ْتب بذلك‪ ،‬وقبد كره‬
‫ضي َ‬
‫خفتب أن يسبألن ال عبن ذلك ويسبألك ل رَ ِ‬
‫ُ‬
‫قال‪:‬‬
‫رسول ال القيام للناس‪.‬‬
‫قال‪ :‬فبكى النصور وقربه وقضى حوائجه‪.‬‬
‫وقال الصمعي‪ :‬قال النصور لرجل من أهل الشام‪ :‬احد ال يا أعراب الذي‬
‫دفع عنكُم الطاعون بوليتنا‪ ،‬فقال العراب‪ :‬إن ال أحكم الاكمي ل يمع علينا‬
‫حشفًا وسُوء كَيل وليتكم والطاعُون‪.‬‬
‫وقال‪ :‬أت برجل ليُعاقبه‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬النتقام عدلٌ‪ ،‬والعفو فضْل‪،‬‬
‫ونعو ْذ أمي الؤمني بال أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبي‪ ،‬وأدن القسمي دُو نْ‬
‫أرفع الدرجتي فعفا عنه‪.‬‬
‫‪236‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال النصبور لبنبه الهدي‪ :‬إن الليفبة ل يُصبلحه إل التقوى‪ ،‬والسبلطان ل‬
‫يصبلحه إل الطاعبة‪ ،‬والرعيبة ل يُصبلحُها إل العدل‪ ،‬وأول الناس بالعفبو أقدرهُم‬
‫ص الناس عَقلً من ظلم من هو دُونه‪.‬‬
‫على العُقوبة‪ ،‬وأنق ُ‬
‫وقال‪ :‬يا بُن استدم النعمة بالشكر‪ ،‬والقدرة بالعفو‪ ،‬والطاعة بالتأليف‪ ،‬والنّصر‬
‫س نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحة ال‪.‬‬
‫بالتواضع والرحة للناس‪ ،‬ول تن َ‬
‫كتب سال بن عبدال بن عمر بن الطاب إل ع مر بن العزيز لّا ول عُ مر‬
‫اللفة‪ :‬أما بعد يا عمر‪ ،‬فإنه قد ول اللفة واللك قبلك أقوام‪ ،‬فماتوا على ما قد‬
‫نزعب الوت الذي‬
‫رأيبت ولقُوا ال فرُادًا بعبد الُموع والفدة والشبم‪ ،‬وعالوا َ‬
‫كانوا منه يفرُون فانفقأت أعينهم الت كانت ل تفتأ تنظر لذاتا واندفنت رقابُهم‬
‫غ ي مُو سدين ب عد ل ي الو سائد وتظا هر الفُرش والرا فق وال سُرُر والدم وانش قت‬
‫بطون م ال ت كا نت ل تش بع من كل نوع ولون من الموال والطع مة و صارُوا‬
‫جيفًا بعد طيب الروائح العطرة حت لو كانوا إل جانب مسكي مّ ْن كانوا يقرُونَه‬
‫و هم أحياء لتأذّى ب م ولن فر من هم ب عد إنفاق الموال إل أغراض هم من الط يب‬
‫والثياب الفاخرة اللي نة كانوا ينفقوا الال إ سرافًا ف أغراض هم وأهوائ هم‪ ،‬ويُقترون‬
‫ف حق ال وأمره‪ ،‬فإن ا ستطعت أن تلقاهُم يوم القيا مة و هم مبو سُون ب ا علي هم‬
‫وأنت غي مبوس ول مُرت ٌن بشيء‪ ،‬فافعل واستعنْ بال ول حول ول قوة إل بال‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫بَالٍ ولو َكثُرَتببْ أحْرَاسببُهُ و َموَاكِبُهببْ‬
‫بل بسب‬
‫ب قَليب‬
‫ب عَمّاب‬
‫با مَلكبٌ‬
‫ومب‬
‫جرُ البابببَ حَا ِجبُهببْ‬
‫ب شَ ِديْدٍ وحاجبب َفعَمّابب قَلي ٍل َيهْ ُ‬
‫ومَبن كان ذَا بَاب ٍ‬
‫ب إل َغيْرِه أ ْعوَانُهببببُ و َحبَائِبُهببببْ‬
‫ب َحتّىب َتفَرّقَت ْ‬
‫ومبا كان غَ ُي الوت ِ‬
‫بدٍ وأس ببْلَمَهُ أص ببْحَابُه وحَبائبُه ببْ‬
‫ب ُروْرًا ببه كُلُ حَاس ِ‬
‫ببَحَ مَس ْ‬
‫فأص ْ‬
‫عن عُ مر بن ذر عن ما هد‪ ،‬قال‪ :‬إذا أراد أحد كم أن ينام فلي ستقبل القبلة‬
‫ولي نم على يي نه‪ ،‬وليذ كر ال ولي كن آ خر كل مه ع ند منا مه ل إله إل ال‪ ،‬فإن ا‬
‫وفاء ل يدري لعلها تكون ميتته‪ ،‬ث يقرأ‪ :‬وَهُوَ اّلذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّ ْيلِ ‪.‬‬
‫‪237‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫كان ممد بن طارق يطوف ف البيت العتيق ف اليوم والليلة سبعي أسبوعًا‪،‬‬
‫وكان كرز يتم القرآن ف كل ليلة ويوم‪ ،‬وف ذلك يقول ابن شبمة‪:‬‬
‫ب‬
‫ب والَرَم ِ‬
‫ب طارق حَو َل البيت ِ‬
‫ب أو كابْن ِ‬
‫ب َككُرزٍ فب َت َعبّدِه ِ‬
‫ب ُكنْت ُ‬
‫لو شِئت ُ‬
‫ب خوُْفهُمَبا وس بَا َرعَا ف ب طِلب الفَوز والكَرَم بِ‬
‫ب َل ِذيْ ِذ ال َعيْش ِ‬
‫قَدْ حَالَ ُدوْن َ‬
‫فائدة‬
‫من أحبّ أن يكون للنبياء وارثًا‪ ،‬وف مزارعهم حارثًا فليتعلم العلم النافع‪.‬‬
‫وهو ما جاء عن النب وهو علمُ دين السلم‪ ،‬ففي الديث‪« :‬العُلماء ورثة‬
‫النبياء»‪.‬‬
‫ض النة‪.‬‬
‫وليحضر مالس العُلماء فإنا ريا ُ‬
‫ومن أحبّ أن يعلم ما نصيبه من عناية ال فلينظر ما نصيبه من الفقه ف دين‬
‫ال‪.‬‬
‫ففي الديث‪« :‬مَن يُرد ال به خيًا يفقهْ هُ ف الدي نِ» ومن أحب أن ل ينقطع‬
‫عمله بعد موته فلينش ُر العِ ْل َم بالتّ ْدوِيْن والتَعْليم‪.‬‬
‫ففي الديث‪« :‬إذا مات النسان انقطَع عَمَلُه إل مِن ثلث‪ :‬صدقة جارية‪ ،‬أو‬
‫علم ُيْنتَفَ ُع بِهِ‪ ،‬أو ولد صال يَدعو له»‪.‬‬
‫ومن سأل عن طريق تَبلغه النة‪ ،‬فليمشِ إل مالسِ العلم‪ ،‬ففي الديث‪« :‬مَن‬
‫ك طَ ِرْيقًا يلتمس فيه عِ ْلمًا سَلَكَ ال به طَ ِرْيقًا إل النةِ»‪.‬‬
‫سَلَ َ‬
‫وقال عمر بن الطاب‪ :‬من حدّثَ بديْث فعُمِلَ به فله أجر مثل ذلك العمل‪.‬‬
‫وقال الس ُن البصري‪ :‬لول ال ث العُلماء لصَار الناس أمثال البهائم‪.‬‬
‫ِسبمَهُ كثيُ صبببَلةٍ دَائِم الصبببوم عابدُ‬
‫أل رُب ّ م َن قَ ْد أنْحَلَ ال ُزهْدُ ج ْ‬
‫بدُ‬
‫ب قاص ِ‬
‫ب وِصبَالً و ْهوَ بالطّرْقبِ جَاهِلٌ إذا ُج ِهلَ ا َلقْصبُودُ قبد خاب َ‬
‫يَ ُروْم ُ‬
‫لهْلِ فاسببدُ‬
‫ب نافِعببٌ كثيٌ مِببن العما ِل با َ‬
‫قَِليْ ٌل مِنببَ العما ِل بالعِلْمب ِ‬
‫‪238‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فائدة عظيمة‬

‫أربعة أعمال قطعتْ أعناق الرجال‪ ،‬فاستعذ بال منها‪:‬‬
‫أولا‪ :‬الكفر‪ ،‬وهو قسمان‪ :‬الول‪ :‬كفر الشك وهو كفر الظن‪ ،‬والثان‪ :‬كفر‬
‫ط والباء والستكبار‪ ،‬وهو أعظم البليتي؛ لن الشاك قد يؤمن إذا اتضح له‬
‫ال سّخَ ِ‬
‫اليقي‪ ،‬وأما الساخط فعلى بصية كفر برب العالي‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬البد عة‪ ،‬و هي ق سمان‪ :‬مكفرة‪ ،‬ومُظلّلَة‪ ،‬ف من سلم منه ما ف قد سلم له‬
‫إسلمهُ‪ ،‬ومن ابتلي بأحدها فقد حاد عن طريق السلم أو تاه عن سبيل النجاة‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬الغفلةُ عن ذكر ال‪ ،‬فإن العصية إل الغافل أسرعُ من اندار الصّخْرةِ إل‬
‫الكان النازل‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬حُبّ الدن يا إذا تكّ ن من القلْب ولو كان عابدًا فبدنُه مُشتغلٌ بالعبادة‬
‫وقلبُهُ ف أودية الدنيا فترا ُه طُولَ عُمره يتقربُ إل ال بظواهره ويبع ُد عنه بقلبه‪.‬‬
‫ب الَقّب مَسبْلُوكُ‬
‫ب فب حُطَامِهَبا وطَريْق ُ‬
‫ب ال ِميْرُ على الدنيبا ب ُزهْدِك َ‬
‫أنْت َ‬
‫ب مَمُْلوْك بُ‬
‫ب َي ْهوَاه ُ‬
‫شقُهَبا إنّب الُحِب بَ لن َ‬
‫ب تَع ِ‬
‫ب َعبْدٌ لَبا مبا ُدمْت َ‬
‫وأنْت َ‬
‫موعظة‬
‫ب طويل فتهيئُوا للنقلة عنها قبل‬
‫عباد ال الثواءُ ف الدنيا قليل‪ ،‬ولنا عليها حسا ٌ‬
‫أن يُزعجكم الرحيل‪ ،‬ليس لكم ف سفر الخرة إل ما قدمتموه ليوم العاد‪.‬‬
‫ا سع يا من أحياه ال على ال سلم ا سأله أن يتوفاك عل يه‪ ،‬و يا من سربلهُ ال‬
‫قميص اليان‪ ،‬اجتهد أن يكون بالنقا ِء مُعلمًا‪ ،‬ويا من استحفظه ال القرآن كُن به‬
‫مُؤمنًا‪ ،‬القرآن يَدُلنا على التاجر الرابة ون ُن متأخرون‪ ،‬ويُزهدنا ف الدنيا الفانية‬
‫ونن فيها راغبون‪.‬‬
‫عباد ال ينب غي للحا ضر أن يكون سامعًا‪ ،‬ولل سامع أن يكون واعيًا‪ ،‬وللدّاعِي‬
‫أن يكون با دعا إليه عاملً‪ ،‬وللعامل ف عمله أن يكون ملصًا‪.‬‬
‫‪239‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫واعلم يا ابن آدم‪ ،‬أنك مريض القلب من جهتي‪ ،‬إحداها‪ :‬مالفتك لمر ال‪،‬‬
‫والخرى‪ :‬غفلتك عن ذكر ال‪.‬‬
‫ولن ت د ط عم العاف ية ح ت تكون على طا عة مُقيمًا‪ ،‬ولذ كر ال مُديًا‪ ،‬فعالْ‬
‫مرض الخالفة بالتوبة‪ ،‬ومرض الغفلة بالنابة والرجوع إل ال‪.‬‬
‫شرِ ِكتَابِهببِ‬
‫ب وحِسبَابِهِ ل يَسببْتَعدَث لَيوْمببِ نَ ْ‬
‫يَبا ُمعْرضًبا عبن عَرْضِه ِ‬
‫ببببِ ْمتَلَهيًببا فبب أهْلِهببِ وصببِحَابِهِ‬
‫ببببِ وبِمَالِهب‬
‫ل بعيَالِهب‬
‫ُمتَعَّل ً‬
‫ب ومآبِهبببِ‬
‫ب َووُقُوفِهبب ِ‬
‫ُمتَنَاس ببِيًا لِ َممَاتِه ببِ وض ِريْحِه ببِ ونُشُورِهبب ِ‬
‫ق وال ِفعْلُ فعْ ُل ُمكَذّبببٍ بثوابببه وعقَابِهببِ‬
‫القولُ َقوْ ُل مُصببببببَ ّد ٍ‬
‫مَبن قَالَ َقوْلً ثبب خَالفببَ َقوْلَهببُ ِبفِعَالِهببببِ َف ِفعَالُه أوْلَى بِهببببِ‬
‫قصة‪:‬‬
‫كان شريبك ببن عبدال القاضبي الكوفب ل يلس للحكبم بيب الناس حتب‬
‫يتغدى‪ ،‬ث يرج ورق ًة فينظر قبل أن يكم بي الناس‪ ،‬ث يأمر بتقدي الُصُومَة إليه‪،‬‬
‫فحرس ب عض أ صحابه على قراءة ما ف تلك الور قة ال ت يقرؤ ها ق بل ال كم ب ي‬
‫الناس‪ ،‬فإذا فيها‪« :‬يا شريك بن عبدال‪ ،‬اذكر الصراطَ و ِح ّدتَه‪ ،‬يا شريك‪ ،‬اذكر‬
‫الوقف بي يد ال عز وجل»‪.‬‬
‫تأمل يا أخي‪ ،‬هل يُوجَد ف زمننا أمثال هؤلء!!‬
‫قصة‪:‬‬
‫ذكر القاضي أبو السن ممد بن عدالواحد الاشي عن شيخ من التجار‪ ،‬قال‪:‬‬
‫كان ل على بعض المراء مال كثي‪ ،‬فما طلن ومنعن حقي وجعل كلما جئ تُ‬
‫أطالبه حججن عنه‪ ،‬ويأمر غلمانه يُؤذونَن‪ ،‬فاشتكي تُ عليه إل الوزير‪ ،‬فلم يفد‬
‫ذلك شيئًا وإل أول المر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئًا‪ ،‬وما زاده ذلك إل منعًا‬
‫وجحودًا‪ ،‬فأي ست من الال الذي عل يه ودخل ن ه مٌ من جه ته‪ ،‬فبين ما أ نا كذلك‬

‫‪240‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأنبا حائر إل مبن أشتكبي‪ ،‬إذ قال ل رجبل‪ :‬أل تأتب فلنًا الياط إمام مسبجد‬
‫هناك؟‬
‫فقلت‪ :‬وما عسى أن يصنع خياط من هذا الظال وأعيان الدولة ل يقطعوا فيه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬الياط هو أق طع وأخوف عنده من ج يع من اشتك يت إل يه‪ ،‬فاذ هب إل يه‬
‫لعلك أن تد عنده فرجًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬فق صده غ ي متفلٍ ف أمره (يع ن م ستبعدٌ النجاح) فذكرت له حاج ت‬
‫ومال وما لقيت من هذا الظال‪.‬‬
‫فقام معي‪ ،‬فحي عاينه المي قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إل قضاء حقي‬
‫الذي عليه فأعطاِنيْه كاملً من غي أن يكون منه إل المي كبي أمر‪.‬‬
‫ت فتغي لو ُن المي ودَفَ عَ‬
‫غي أنه قال له‪ :‬ادفع إل هذا الرجل حقه‪ ،‬وإل أ ّذنْ ُ‬
‫إل حقي‪.‬‬
‫قال التاجر‪ :‬فعجبتُ من ذلك الياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته كيف انطاع‬
‫وانقاد ذلك الميُ لهُ!‬
‫ث إن عرضتُ عليه شيئًا من الال فلم يقبل‪ ،‬وقال‪ :‬لو أدرتُ هذا لكان ل من‬
‫الال ما ل يصى‪ ،‬فسألته عن خبه‪ ،‬وذكرتُ له تعجب منه وألحتُ عليه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن سبب ذلك أ نه كان عند نا ف جوار نا أم ي تر كي من أعال الدولة‬
‫و هو شاب ح سن (أي ج يل)‪ ،‬فمرت به ذات يوم امرأة ح سناء قد خر جت من‬
‫المام وعلي ها ثياب مرتف عة ذات قي مة‪ ،‬فقام إلي ها و هو سكران فتعلق ب ا يريد ها‬
‫على نفسبها ليدخلهبا منله‪ ،‬وهبي تأبب عليبه وتصبيح بأعلى صبوتا تقول‪ :‬يبا‬
‫مُسلمي‪ ،‬أنا امرأة ذات زوج‪ ،‬وهذا رجل يُريدين على نفسي ويدخلن منله‪ ،‬وقد‬
‫حلف زوجي بالطلق أن ل أبيت ف غي منله ومت بت هاهنا طلقت منه ولقن‬
‫بسبب ذلك عار ل تدحضه اليام ول تغسله الدامع‪.‬‬
‫قال الياط‪ :‬فقمبت إليبه فأنكرت عليبه وأردت خلص الرأة مبن بيب يديبه‬
‫فضربن بدبوس ف يده فشج رأسي وغلب الرأة على نفسها فأدخلها منله قهرًا‪.‬‬
‫‪241‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فرجعت وغسلت الدم عن وعصبتُ رأسي وصليت بالناس صلة العشاء‪ ،‬ث‬
‫قلت للجماعة‪ :‬إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معي إليه ِلُنْنكِرَ عليه ونلص‬
‫الرأة منه‪.‬‬
‫فقام الناس معي‪ ،‬فهجمنا عليه ف دار فثار إلينا ف جاعة من غلمانه بأيديهم‬
‫الع صى والدباب يس يضربون الناس‪ ،‬وق صدن هو من بين هم فضرب ن ضربًا شديدًا‬
‫ُمبَرّحًا حت أدمان وأخرجنا من منله ونن ف غاية الهانة والذل‪.‬‬
‫فرجع تُ إل منل وأ نا ل أهتدي إل الطر يق من شدة الو جع وكثرة الدماء‪،‬‬
‫فنم تُ على فراشي فلم يأخذن النوم‪ ،‬وتيت ماذا أصنع حت أنقذ الرأة من يده‬
‫ف الليل لترجع فتبيت ف منلا حت ل يقع عليها من زوجها الطلق‪ ،‬فألِمْ تُ أن‬
‫أذن للصبح ف أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منله فتذهب‬
‫إل منل زوجهبا‪ ،‬فصبعدت النارة وجعلت انظبر إل باب داره وأنبا أتكلم على‬
‫عادت قبل الذان هل أرى الرأة خرجت‪ ،‬ث أذنتُ فلم ترج‪ ،‬ث صمّ ْمتُ على أنه‬
‫إن ل ترج أقمت الصلة حت يتحقق الصباح‪ ،‬فبينما أنا أنظر هل ترج الرأة أم‬
‫ل؟ إذ امتلت الطريق فرسانًا ورجالة‪.‬‬
‫وهم يقولون‪ :‬أين الذي أذّن هذه الساعة؟ فقل تُ‪ :‬أنا ذا وأنا أريد أن يعينون‬
‫عليه‪ ،‬فقالوا‪ :‬انزل‪ ،‬فنلت‪ ،‬فقالوا‪ :‬أجب أمي الؤمني‪.‬‬
‫فأخذو ن وذهبوا ب إليه ول أملك مِ ْن نف سي شيئًا ح ت أدخلو ن عل يه‪ ،‬فل ما‬
‫رأيته جالسًا ف مقام اللفة ارتعدت من الوف وفزعت فزعًا شديدًا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ادن‪ ،‬فدنوت‪ ،‬فقال ل‪ :‬ليسكن روعك وليهدأ قَلبك‪ ،‬وما زال يلطفن‬
‫حت اطمأننت وذهب خوف‪.‬‬
‫فقال ل‪ :‬أنت الذي أ ّذنْت هذه الساعة؟ قلت‪ :‬نعم يا أمي الؤمني‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬
‫حلك على أن أذ نت هذه ال ساعة‪ ،‬و قد ب قي من الل يل أك ثر م ا م ضى م نه فت غر‬
‫بذلك الصائم والسافر والصلي و غيهم‪.‬‬

‫‪242‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقلت‪ :‬يؤمنن أمي الؤمني حت أقص عليه خبي؟ فقال‪ :‬أنت آم نٌ‪ ،‬فذكرتُ‬
‫له القصّة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فغ ضب غضبًا شديدًا‪ ،‬وأ مر بإحضار ذلك الم ي والرأة من ساعته على‬
‫أي حالة كانا فأحضرا سريعًا‪ ،‬فبعث بالرأة إل زوجها مع نسوة من جهته ثقات‬
‫ومعهن ثقة من جهته‪.‬‬
‫وأمره أن يأ مر زوج ها بالع فو وال صفح عن ها والح سان إلي ها‪ ،‬فإن ا مكر هة‬
‫ومعذورة‪.‬‬
‫ث أقبل على ذلك الشاب المي‪ ،‬فقال له‪ :‬كم لك من الرزق؟ وكم عندك من‬
‫الال؟ وكم عندك من الواري والزوجات؟ فذكر له شيئًا كثيًا‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬وي ك‪ ،‬أ ما كفاك ما أن عم ال به عل يك ح ت انته كت حر مة ال‬
‫وتعديت حدوده‪ ،‬وترأت على ال سلطان‪ ،‬و ما كفاك ذلك ح ت عمدت إل ر جل‬
‫أمرك بالعروف وناك عن النكر فضربته وأهنته وأدميته فلم يكن له جواب‪ ،‬فأمر‬
‫به فج عل ف رجله ق يد و ف عن قه غل‪ ،‬ث أ مر به فأدخِلَ ف جوالق‪ ،‬ث أ مر به‬
‫فضرب بالدبابيس ضربًا شديدًا حت خفت‪.‬‬
‫ث أمر به فألقي ف دجلة فكان ذلك آخر العهد ث أمر بدرًا صاحب الشرطة‬
‫أن يتاط على ما ف داره من الواصل والموال الت كان يتناولا من بيت الال‪.‬‬
‫ث قال لذلك الرجل الصال الياط‪ :‬كل ما رأيت منكرًا صغيًا كان أو كبيًا‪،‬‬
‫ولو على هذا وأشار إل صاحب الشرطة فأعلمن‪.‬‬
‫فإن ات فق اجتما عك ب وإل‪ ،‬فعلى ما بي ن وبي نك الذان فأذن ف أي و قت‬
‫كان أو ف مثل وقتك هذا‪.‬‬
‫قال‪ :‬فلهذا ل آمرُ أحدًا مبن هؤلء الدولة بشيبء إل امتثلوه ول أناهبم عبن‬
‫شيء إل تركوه خوفًا من العتضد‪ ،‬وما احتجت أن أؤذن ف مثل تلك الساعة إل‬
‫الن‪.‬‬
‫قال بعضهم ُم َوبّخًا َنفْسَهُ‪:‬‬
‫‪243‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب والغَزَلِ‬
‫دَع التّشَاغُلَ باْلغِزْلَنبببب ِ‬
‫ْتب ب َا‬
‫َكب ل ُدنْي َا َظفِر َ‬
‫ْتب عُمْر َ‬
‫ضّيع َ‬
‫َ‬
‫حةٍ‬
‫س واضِ َ‬
‫ق الُدَى كالشم ِ‬
‫تَرَكْ تَ طُرْ َ‬
‫ول َتكُنببْ نَاظَرًا فبب أمْببر عَاقََبةٍ‬
‫ب‬
‫يَبا عَاجِزًا َيتَمَادَى فب ُمتَاَب َع ِة الّنفْس ِ‬
‫شّبهْتببَ بالكياسببِ إذْ فَ ْطنُوا‬
‫هل تَ َ‬
‫جلٍ‬
‫ت يَا صَاحِ فَا ْستَدْ ِر ْك عَلَى عَ َ‬
‫فَ ّرطْ َ‬
‫ب َزوْ َرتِهَبا‬
‫ب َيقِينًبا وَقْت َ‬
‫ه ْل أنْذَ َرتْك َ‬
‫هَْيهَات َهْيهَاتببَ مَبا ال ّدنْيَبا ببَاقِيةٍ‬
‫ببَنَ اللَيال سببَالَ َمتَ أَحَدًا‬
‫ل تَحْسب َ‬
‫ب‬
‫ب ِنعَم ٍ‬
‫ب مِن ْ‬
‫ب مَبا أولِيت َ‬
‫ول َيغُ ّرنْك َ‬
‫ب َرتِهِ‬
‫ب َبعْدَ كَس ْ‬
‫ب َفتً َجبَرتْه ُ‬
‫ب مِن ْ‬
‫كَم ْ‬
‫ب تَرْفُلُ فبب َثوْبببِ الغُرُو ِر على‬
‫إلَامبَ‬
‫بحٌ حَذِرٌ‬
‫ب نَاص ِ‬
‫ب مِنْه ُ‬
‫ب وَافَاك َ‬
‫والشّيْب ُ‬
‫ُهب‬
‫ت َتنْشُد ُ‬
‫ح َ‬
‫أصببَ ْ‬
‫ْهب بَلْ ْ‬
‫َعب ِمن ُ‬
‫َمب تُر ْ‬
‫ول ْ‬
‫ت تَطْلُ بُ حَظّ الّنفْ سِ مِ نْ َسفَهٍ‬
‫وَ سِرْ َ‬
‫حلً‬
‫ب مُ ْرتَ ِ‬
‫ب ُر التّصبَاب ِمنْك َ‬
‫َومَا َل عَص ْ‬
‫ك م َا‬
‫ْسب َ‬
‫ْصبْفتَ َنف َ‬
‫ْسب ْمتُ بال لو أن َ‬
‫أق َ‬
‫أمَببا عَلِمْتببَ بأنّبب ال مُطّلِعببٌ‬
‫وكُلّ َخيْ ٍر وشَ ّر أنْتبببَ فَاعِلُهبببُ‬
‫ب ِبتَ ْردَاتدِ ا َلنُونببِ إل‬
‫با اعَْتبَرْتب َ‬
‫أمَب‬
‫وسبوْفَ تأتب بل شَك ّ إليبك فَم َا‬
‫َ‬
‫خذْ‬
‫لكِنّهببُ َغيْ ُر َمعْلُومببٍ َل َديْكببَ فَ ُ‬
‫ب وَابْكببِ على‬
‫دَع البطَاَلةَ والّتفْريطب َ‬

‫ِكب الوَلِ‬
‫ِنب أيّام َ‬
‫َاعب م ْ‬
‫ِيكب م َا ض َ‬
‫َي ْكف َ‬
‫ل العمَالِ فب ُشغُلِ‬
‫َنب صبَا ِ‬
‫ْتب ع ْ‬
‫وَ ُكن َ‬
‫ببُلِ‬
‫ب الس ّ‬
‫ب عنهبا لِ ُم ْعوَجّب مِن َ‬
‫َومِلْت َ‬
‫ب فب َخبَلِ‬
‫ب فب َغفَْلةٍ أم أنْت َ‬
‫أأنْت َ‬
‫ب النّزلِ‬
‫اللجُوجببِ ويَرْجُببو أكْرَمب َ‬
‫ب العَمَلِ‬
‫َفقَ ّدمُوا َخيْرَ مَبا يُرْجَبى مِن َ‬
‫إن ا َلِنيّ َة ل تَأتبببببب على َمهَلِ‬
‫ب بعُمْبر غَيْبر ُمْنفَص بِلِ‬
‫أ ْو بَشّ َرتْك َ‬
‫به مَلي‬
‫ول ال ّزمَان بُ بَبا أمّلْت بَ فيب‬
‫ب ْفوًا فَمَبا سبَالَ َمتْ إل على دَ َخلِ‬
‫صَ‬
‫ببا َغيْ َر ُمْنتَقِلِ‬
‫َفهَلْ رَأيْتبببَ َنعِيمًب‬
‫ب َغيْ ِر ُمنْ َدمِلِ‬
‫جرْحبب ٍ‬
‫ب بِ ُ‬
‫َفقَابََلتْهبب ُ‬
‫ب والَذَلِ‬
‫بِسبَاطِ َلهْوكبَ بيب التّيه ِ‬
‫فَمَببا بِهببِ ُكنْتببَ إل َغيْ َر ُم ْهَتبِلِ‬
‫ْبب فب عَذَلِ‬
‫شي ِ‬
‫َصبحَ ال ّ‬
‫ْتب ن ِي‬
‫إنّيب أّتهَم ُ‬
‫ب تَص بِلِ‬
‫بْ ولَمبْ‬
‫ج ُة العُمْرِ ِق ْد وَلّتب‬
‫َفَبهْ َ‬
‫ب تَحُلِ‬
‫ب الغَيّب لَم ْ‬
‫ب طَرِيق ِ‬
‫وَحَال ٌة عَن ْ‬
‫بابِ الوِزْرِ ف ب ثِقلِ‬
‫تَرَ ْكتَهَبا با ْكتِسب‬
‫ببببْرَا ِر والِيلِ‬
‫على الضّمَائِ ِر والسب‬
‫يُحْ صَى ولو ُكنْ تَ ف ال سْتَا ِر والكِلَلِ‬
‫بهْلٍ وف ب َجبَلِ‬
‫هَذي الَلي َقةِ ف ب س َ‬
‫ب مَضَبى إل إل أجَلِ‬
‫ب عَمّن ْ‬
‫أخّرْت َ‬
‫ْكب ُمكْتَ ِملِ‬
‫ْمب ِمن َ‬
‫َضب ِبعَز ٍ‬
‫ْمب وانْه ْ‬
‫بالز ِ‬
‫َمب يَط ُل‬
‫َابب الذي وَلّى ول ْ‬
‫ْخب الشّب ِ‬
‫شَر ِ‬

‫‪244‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب ُتحَص بّ ْل بِه بِ عِلْمًبا ول عَملً‬
‫ولَم ْ‬
‫َكب ل َتبْغ ِي ببه ِعوَض ًا‬
‫وابْخ َل بدِين َ‬
‫واتْ ُل الكِتَابببَ ِكتِابببَ ال ُمنْتَهيًبا‬
‫ب‬
‫ب بِه ِ‬
‫ب أمْبر عََليْك َ‬
‫وكُلّ مَبا فِيبه مِن ْ‬
‫ب بَبا‬
‫بّن َة الغَرّا َء تَحْظبَ‬
‫ولزِمببِ السبّ‬
‫ُهب‬
‫ت َتعْلَم ُ‬
‫َسب َ‬
‫ْضب فِيم َا ل ْ‬
‫لو َ‬
‫ِبب ا َ‬
‫وَجَان ِ‬
‫وكُ نْ حَري صًا على كَ سْب الَللِ وَلوْ‬
‫ب تَج ْد ُغنَْي ًة عببن كُ ّل مَسببْألَةٍ‬
‫واقنَعبْ‬
‫ب مِ َن ال واتْرُ كْ مَ نْ ِسوَاهُ تَجدْ‬
‫واطُلُ ْ‬
‫ت مِنببْ أجْ ِل ِنعْ َمتِهببِ‬
‫ول تُدَاهِنببْ َف ً‬
‫ِهب‬
‫ْقب ب ِ‬
‫ْهب تَش َ‬
‫ِكب ل َتهْجُر ُ‬
‫واعْمَ ْل بعِ ْلم َ‬
‫ْهب ول‬
‫ْفب عَن ُ‬
‫َكب َذنْبًا فَاع ُ‬
‫َنب أتَى ل َ‬
‫وم ْ‬
‫َتب‬
‫أنب ُتجْزَى إذَا نُشِر ْ‬
‫عَسبَاكَ بال َع ْفوِ ْ‬
‫ب‬
‫َسبتَ تُظْهرُه ُ‬
‫ُنب ُمضِمرًا مَبا ل ْ‬
‫ول َتك ْ‬
‫ب الكَريَب لاب‬
‫ب آيسبًا وارْج ُ‬
‫ول َتكُن ْ‬
‫برًا‬
‫ب ُمْنكَس ِ‬
‫ب الَ ْفتُوح ِ‬
‫ب على بَابِه ِ‬
‫وَقِف ْ‬
‫َسبلْهُ إذا‬
‫ِصبةَ الشّكوَى و َ‬
‫َهب ق ّ‬
‫َعب ل ُ‬
‫وارْف ْ‬
‫جلً‬
‫ُنب عَ ِ‬
‫واصببِ ْر ل َتك ْ‬
‫َابب ْ‬
‫ِمب الب َ‬
‫ولز ِ‬
‫ونَا ِد يَبا مَالِكِبي قَدْ ِجئْت بُ ُم ْعتَذِرًا‬
‫بفَهًا‬
‫بوْءِ قَدْ جَنَبى س َ‬
‫فَإنّنب َعبْ ُد س َ‬
‫ب وال ْمهَا ُل ِمنْكبَ لَهبُ‬
‫وغَرّهبُ الِلْم ُ‬
‫وَليْسَب ل غَيْرُ حُس ْبنِ الظّنّ فِيكَب فَإن ْب‬
‫ِنب َر ّد َمثْلي خَائِب ًا َجزِع ًا‬
‫َاكب م ْ‬
‫حَاش َ‬
‫ب مُشْركًبا وإل‬
‫ِكب يَومً ا‬
‫ُنب ب َ‬
‫َمب أك ْ‬
‫ول ْ‬

‫ِثب الَلَلِ‬
‫ْمب الَاد ِ‬
‫ِنب َهوْ ِل َيو ِ‬
‫ِيكب م ْ‬
‫ُينْج َ‬
‫بفَلِ‬
‫ولضوْ تَعَاظَمببَ وا ْحذَ ْر َبيْ َعةَ السب ّ‬
‫ب بِل مََللِ‬
‫عَمّببا نَهَببى وتَ َدبّرْهب ُ‬
‫ب مِنبببَ الظُلَلِ‬
‫َف ْه َو النّجّاةُ لتَاليهبب ِ‬
‫ب ال ْهوَاءِ واعْتَ ِزلِ‬
‫َوعَ ّد عَنببْ طُرُقب ِ‬
‫ك واحْذَرْ ِفْتَنةَ الَدَلِ‬
‫وا ْحفَظ بْ لِس بَانَ َ‬
‫حتَمَلِ‬
‫به غَيْرَ مُ ْ‬
‫حَمّلْت بَ َنفْس بَكَ فيب‬
‫فَفِبببببي ال َقنَاعةِ عِ ّز َغيْ ُر مُ ْرَتحِلِ‬
‫مَببا َتْبتَغِيه ببِ بلَا مَنّبب ول بَدَلِ‬
‫ب ِمنْهببُ غَاَي َة المَلِ‬
‫با وَلوْ نِلْتب َ‬
‫َيوْمًب‬
‫وانْشُرهببُ تَسببْعَ ْد بِذِ ْك ٍر َغيْ ِر ُمنْخَذِلِ‬
‫حقِدْ عََليْهببِ وفبب عُْتبَاهببُ ل تطُلِ‬
‫تَ ْ‬
‫صَبحَائفٌ لَكَب ِمنْهَا صِبرْتَ فب َخجَلِ‬
‫ب بالرّجُبل‬
‫ب النّاس ِ‬
‫ب َبيْن َ‬
‫ب َيقْبح ُ‬
‫َفذَاك َ‬
‫أس بَْل ْفتَ مِن بْ زَّل ٍة لكِن بْ على وَ َجلِ‬
‫ي مَا ف الّنفْ سِ مِ ْن عِلَلِ‬
‫جزِ ْم ِبتَ سْك ِ‬
‫تَ ْ‬
‫جُنّب الظّلمببُ ِبقَلْبببً َغيْ ِر مُشْتغِلِ‬
‫ب واْبَتهِلِ‬
‫ب وتَذَلّلْ وادْع ُ‬
‫وا ْخضَع بْ لَه ُ‬
‫بمَحُ ل‬
‫ب تَس ْ‬
‫عَسبَا َك بِال َع ْفوِ والغُفْرَان ِ‬
‫بلِ‬
‫ب والكَس َ‬
‫ب الّنوْم ِ‬
‫ب العُمْ َر َبيْن َ‬
‫ضيّع َ‬
‫وَ‬
‫َحتّى ب غَدَا ف ب الَعَاص بِي غَاَيةَ الُثُلِ‬
‫شقَاءٌ كَانببَ فبب الزَلِ‬
‫َردَ ْدتَنبب فَ َ‬
‫ب زََللَي‬
‫ب ُع يَبا ُموْلي مِن ْ‬
‫وال َعفْ ُو أوْس َ‬
‫َمب أَملَ‬
‫ِكب السبْلمِ ل ْ‬
‫سبوَى دْين َ‬
‫دينب ِ‬
‫ٍ‬

‫‪245‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب ِقبَلِي‬
‫ب مِن ْ‬
‫ب ْعيٍ كَان َ‬
‫ب ذَاك بِس َ‬
‫ِهب وَليْس َ‬
‫ْتب ب ِ‬
‫ْكب ُجد َ‬
‫ضلً ِمن َ‬
‫ِكب َف ْ‬
‫َانب ذَل َ‬
‫وك َ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وسلم‪.‬‬
‫فصل ف ذكر قصص من نوادر الذكياء واللوك‬
‫من ذلك ما ح كي أ نه قدم ر جل إل بغداد وم عه ع قد ي ساوي ألف دينار‪،‬‬
‫فأراد بيعه فلم يتفق‪ ،‬فجاء إل عطّار موصوف بالي والدّيانة‪ ،‬فأودع العقد عنده‪،‬‬
‫وحجّ‪ ،‬وأتى بديّة للعطار‪ ،‬وسلم عليه‪ ،‬فقال له‪ :‬من أنت ومن يعرفك؟ فقال‪ :‬أنا‬
‫ب العقد‪ ،‬فلما كلمه رفسه وألقاه عن دكانه‪ ،‬فاجتمع الناسُ‪ ،‬وقالوا‪ :‬ويلك!‬
‫صاح ُ‬
‫هذا رجل صال‪ ،‬فما وجدت من تكذب عليه إل هذا! فتحيّر الاج‪ ،‬وتردد عليه‪،‬‬
‫ف ما زاده إل شتمًا وضربًا‪ ،‬فق يل له‪ :‬لو ذه بت إل عضُد الدولة ل صل لك من‬
‫فراسته خيْر‪.‬‬
‫فكتب قصته‪ ،‬وجعلها على قصبةٍ ورفعها إليه‪ ،‬فقال‪ :‬ما شأنُك؟ فق صّ عليه‬
‫القصة‪ ،‬فقال‪ :‬اذهب غدًا واجلس على دُكان العطّار ثلثة أيّام حتّى أمرّ عليك ف‬
‫اليوم الرابع‪ ،‬فأقف وأسلم عليك فل ترُدّ عليّ إل السلم‪.‬‬
‫‪246‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فإذا ان صرفتُ فأعِدْ عل يه ذ كر الع قد‪ ،‬ث أعلم ن ب ا يقولُ لك‪ ،‬فف عل الا ُ‬
‫ج‬
‫ذلك‪ ،‬فل ما كان ف اليوم الرا بع‪ ،‬جاء عضدُ الدولة ف موك به العظ يم‪ ،‬فل ما رأى‬
‫ج –ول يتحرك‪ :-‬وعليكم السلم‪.‬‬
‫الاجّ وقفَ‪ ،‬وقال‪ :‬سلمٌ عليكم‪ ،‬فقال الا ّ‬
‫فقال‪ :‬يا أخي‪ ،‬تقد مُ من العراق ول تأتينا‪ ،‬ول تعر ضْ علينا حوائجك! فقال‬
‫له‪ :‬ما اَتفَ َق هذا‪ ،‬ول يزد على ذلك شيئًا‪ ،‬هذا والع سك ُر وا قف بكماله‪ ،‬فانذ هل‬
‫العطارُ‪ ،‬وأيق َن بالوت‪.‬‬
‫فل ما ان صرف عضدُ الدولة‪ ،‬الت فت العطار إل الاجّ‪ ،‬وقال له‪ :‬يا أ خي‪ ،‬م ت‬
‫أودعْت ن هذا الع قد؟ و ف أيّ شي ٍء هُو ملفو فٌ؟ فذكرّ ن لعلّي أتذكّ ر‪ ،‬فقال‪ :‬من‬
‫صفته كذا وكذا‪ ،‬فقام وفتّ ش‪ ،‬ث ف تح جرابًا وأخرج م نه الع قد‪ ،‬وقال‪ :‬ال أعلم‬
‫ت ناسيًا‪ ،‬ولو ل تذكرن ما تذكّرتُ‪.‬‬
‫أنّن كُن ُ‬
‫فأخذ الاج عقده ومضى إل عضد الدولة‪ ،‬فأعلم ُه [فبعث به مع الاجب إل‬
‫دكان العطّار] فعلّقه ف عنقه‪ ،‬وصله على با بُ دكانِ ِه ونُودِ يَ عليه‪ :‬هذا جزاء من‬
‫استودع فجحد! ث أخذ الاج العقد ومضى إل بلده‪.‬‬
‫ومثله ما نُقل عن ذكاء إياس الذي سارت به الرّكبان‪ ،‬قيل‪ :‬إن رجلً استودع‬
‫أم ي إياس مالً‪ ،‬وخرج الود عُ إل الجاز‪ ،‬فل ما ر جع طل به فجحد ُه فأ تى إيا سًا‬
‫فأخبهُ‪ ،‬فقال إياس‪ :‬أعلم أنّك أتيتن؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أفنازعته عند غيي؟ قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫قال‪ :‬فانصرف واكتُم سرك‪ ،‬ث عُدْ إلّ بعد يومي‪.‬‬
‫فم ضى الر جل‪ ،‬ود عا إيا سٌ أم ي‪ ،‬فقال‪ :‬قد ح ضر عند نا ما ٌل كث ي أريدُ أن‬
‫أسبلم ُه إليبك‪ ،‬أفحصبيٌ منلُكبَ؟ قال‪ :‬نعبم‪ ,‬قال‪ :‬فأعبد موضعًا للمال‪ ،‬وقومًا‬
‫أعطاكب الال‬
‫َ‬
‫انطلقب إل صباحبك‪ ،‬فإن‬
‫ْ‬
‫يملونبه‪ ،‬وعاد الرجبل إل إياس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فذَاكَ‪ ،‬وإن جحد فقُل له‪ :‬إن أخبُ القاضي بالقصّة‪.‬‬
‫فأ تى الرجلُ صاحبه‪ ،‬فقال‪ :‬تُعطي ن الودي عة أو أشكوك إل القا ضي‪ ،‬وأ خبه‬
‫بالال‪ ،‬فدفع إليه الال‪ ،‬فرجع الرجُ ُل وأخ َب إيا سًا‪ ،‬وقال‪ :‬أعطان الوديعة ث جاء‬

‫‪247‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫الم ي إل إياس ليأ خذ الال الوعود به‪ ،‬فزجر هُ‪ ،‬وقال له‪ :‬ل َتقْ َربْ ن ب عد هذا يا‬
‫خائن‪.‬‬
‫ومن لطائف النقول من كتاب الذكياء‪ :‬أن يي بن أكثم القاضي ول القضاء‬
‫بالب صرة و سنه عشرون سنة‪ ،‬فا ستصغره أ هل الب صرة‪ ،‬فقال أحدُ هم‪ :‬كم سِنّ‬
‫القاضي؟ َفعَِلمَ يي أنه استصغرَ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أ نا أ كب من عتّاب بن أ سيد ح ي بع ثه ر سول ال قاضيًا على أ هل‬
‫مكة يوم الفتح‪ ،‬وأنا أكبُ من مُعاذ بن جبل حي وجه هُ رسول ال قاضيًا على‬
‫أهل اليمن‪ ،‬وأنا أكبُ من كعُ بِ بن سُور حي وله عُمر بن الطاب قاضيًا على‬
‫أهل البصرة‪ ،‬قال‪ :‬فعظُمَ ف أعيُ أهل البصرة وهابُوه‪.‬‬
‫ومن النقول من كتاب «الذكياء»‪ :‬أن بعض اللصوص دخل بيتًا ومعه جاعة‬
‫تت أمره ون يه ف القتل وال سرقة‪ ،‬فظفرُوا بصاحب البيت‪ ،‬وأوْقفوه للقتلِ فد خل‬
‫عليهم ف إبقاء رُوحه‪ ،‬وأخذ ما ف البيت بكماله‪ ،‬فقال كبيهم‪ :‬حَّلفُوه بالطلق‬
‫الثلث‪ ،‬وعلى الصحف [الشريف أل يذكرنا إل بي‪ ،‬فحلف لم بالطلق الثلث‬
‫وعلى الصحف] أل يعلمَ بم أحدًا‪.‬‬
‫فأصبح الرجل يرى الل صُوصَ يبيعون متاع هُ‪ ،‬ول يقدر أن يتكل مَ لجل اليمي‪،‬‬
‫وأعلمهب حاله‪ ،‬فقال له‪ :‬أحضبر أكابر حيّكبَ‪ ،‬وأعيان‬
‫ُ‬
‫فجاء إل المام أبب حنيفبة‬
‫جيانك‪ ،‬وإمام جاعتك‪ ،‬فلما حضروا‪ ،‬قال لم أبو حنيفة‪ :‬هلْ تُحبّون أن يَ ُردّ ال‬
‫على هذا الرجل متاعهُ؟ قالوا‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ق من هم‪ ،‬فأدخلو هم الامِ عَ‪ ،‬ث أخرجو هم واحدًا‬
‫فقال‪ :‬أجعُوا كلّ ذي عر ٍ‬
‫واحدًا‪ ،‬وكُلمّا خرجَ منهم واحدٌ قُولوا‪ :‬هذا لصكَ‪ ،‬فإن كان ليس بلصّ‪ ،‬قال‪ :‬ل‪،‬‬
‫وإن كان ل صّ ُه فيسكتُ‪ ،‬فإذا سكت فاقبضوا عليه‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬فردّ ال عليه جيع ما‬
‫سُرق له‪.‬‬
‫ومنه أنّ الربيع صاحبُ النصور كان يعادي أبا حنيفة‪ ،‬فحضر يومًا عند أمي‬
‫الؤمني‪ ،‬فقال الربي عُ‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬إن أبا حنيفة يُخالف جدك ابن عباس‪ ،‬وك‬
‫‪248‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ان جدّك يقول‪ :‬إذا حلف الرجل على شيء يينًا ث استثن بعد ذلك بيوم أو يومي‬
‫كان ذلك جائزًا‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ل يُو ُز الستثناء إل مُتصلً باليمي‪ ،‬فقال أبو‬
‫حنيفة‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬إن الربيع يزعُ مُ أن ليس لك ل رقاب جُند كَ عهدٌ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫كيف [ذلك]؟‬
‫قال‪ :‬يلفون لك ث يرجعون إل منازل م في ستثنون‪ ،‬فتبطلُ أيانُ هم‪ ،‬فض حك‬
‫النصورُ‪ ،‬وقال‪ :‬يا ربيع‪ ،‬ل تتعرضْ لب حنيفة‪.‬‬
‫ت الباد ية فاحتج تُ إل الاء‪ ،‬فجاء ن‬
‫وم نه أن المام أ با حني فة قال‪ :‬دخل ُ‬
‫أعرابّ ومعه قربةٌ ملنة‪ ،‬فأب أن يبيعها إل بمسة دراهم فدفعتُها إليه‪ ،‬ث أخذت‬
‫القربة‪.‬‬
‫فقل تُ‪ :‬ما رأ يك يا أعرا ب ف ال سويق؟ فقال‪ :‬هات‪ ،‬فأعطي ته سويقًا ملتوتًا‬
‫بز يت‪ ،‬فج عل يأ كل ح ت امتل‪ ،‬ث ع طش‪ ،‬فقال عليّ بشر بة‪ ،‬فقل تُ له‪ :‬بم سة‬
‫ت المسة‪ ،‬وبقي الاء‪.‬‬
‫دراهم على قدحٍ من ماءٍ‪ ،‬فاستردد ُ‬
‫ل استودع رجلً مالً‪ ،‬وحجّ ورجع‪ ،‬فطلبه فجحده وجعل يلف‬
‫ومنه أن رج ً‬
‫له‪ ،‬فانطلق الرجُل إل أ ب حني فة‪ ،‬فخل به وأ خبهُ بأمره‪ ،‬فقال له المام‪ :‬ل تُعلِ مْ‬
‫أحدًا بحوده‪ ،‬وكان الرجل يُجال سُ أبا حنيفة‪ ،‬فقال له وقد خل لُما الكان‪ :‬إن‬
‫هؤلء بعثوا يستشيونن ف رجُل يصلحُ للقضاء‪ ،‬وقد اخترتُ كَ‪ ،‬فانصرف من عند‬
‫المام وقد طمع بذلك‪.‬‬
‫ث جاء صاحب الوديعة‪ ،‬فقال له المام‪ :‬ارج عْ إل صاحبك وذكر هُ لحتمال‬
‫أن يكون ناسيًا فذهب إليه‪ ،‬وسأله فلم يتج معه إل علمة‪ ،‬بل دفع إليه متاعه‪،‬‬
‫وتوجه بعد ذلك إل أب حنيفة‪ ،‬فقال له أبو حنيفة‪ :‬إن نظر تُ ف أمرك‪ ،‬فأرد تُ‬
‫س مِن هذا‪.‬‬
‫أن أرفع قدرك‪ ،‬ول أسيّكَ حت يضر ما هُو أنف ُ‬
‫ومنه أنه كان بوار أب حنيفة شابّ يغشى ملسه‪ ،‬فقال له يومًا من اليام‪ :‬يا‬
‫إمام‪ ،‬إن أريدُ التزويج إل فلن من أهل الكوفة‪ ،‬وقد خطبتها من وليّها فطلب من‬

‫‪249‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫من ال هر فوق و سعي وطاق ت‪ ،‬فقال أ بو حني فة‪ :‬فا ستخر ال تعال‪ ،‬وأع ِطهِ مْ ما‬
‫طلبُوه ِمنْكَ‪.‬‬
‫فأجابمب إل مبا طلبوا‪ ،‬فلمبا عقدوا النكاح جاء إل أبب حنيفبة‪ ،‬فقال‪ :‬إنب‬
‫سبألتهم أن يأخذوا منب البعبض‪ ،‬ويدعوا البعبض عنبد الدخول‪ ،‬فأبوا‪ ،‬فمبا ترى؟‬
‫قال‪ :‬احتبل‪ ،‬واقترض حتب تدخبل بأهلك‪ ،‬فإن المبر يكون أسبهل عليبك مبن‬
‫تعقيدهم‪ ،‬ففعل ذلك‪.‬‬
‫فل ما زُفّ تْ إل يه‪ ،‬ود خل ب ا‪ ،‬قال له أ بو حني فة‪ :‬ما عل يك أن تُظْهِر الروج‬
‫بأهلك عن هذا البلد إل موضع بعيد‪ ،‬فاكترى الرجل جلي وأحضر آلت ال سّفر‬
‫و ما يتا جُ إل يه‪ ،‬وأظ هر أنّ هُ يُريدُ الروج من البلد ف طلب العاش‪ ،‬وأن ي صحبَ‬
‫أهلهُ معهُ‪.‬‬
‫فاشتدّ ذلك على أ هل الرأة وجاءوا إل أ ب حني فة ي ستشيونَهُ‪ ،‬فقال ل م أ بو‬
‫حنيفبة‪ :‬له أن يُرجهبا إل حيبث شاء‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل نصبب على ذلك‪ ،‬قال‪ :‬فارضوه‬
‫بأن ترُدّثوا عليه ما أخذتُم منه‪ ،‬فأجابُوه إل ذلك‪.‬‬
‫فقال أب ُو حنيفبة للفتب‪ :‬إن القوم قبد سبعوا‪ ،‬وأجابوا إل أن يرُدوا عليبك مبا‬
‫أخذوا منك من الهر‪ ،‬ويبئوك منه‪ ،‬فقال الفت‪ :‬لبُدّ من زيادة آخذُها منهم‪ ،‬فقال‬
‫ب إليك‪ ،‬أن ترضى با بذلوا لك‪.‬‬
‫أبو حنيفة‪ :‬أيّما أح ّ‬
‫وإل أقرت الرأة لرَجُلٍ بد ين علي ها يزي ُد على ال هر‪ ،‬ول يُمك نك حلُ ها‪ ،‬ول‬
‫ال سّف ُر ب ا ح ت تق ضي ما علي ها من الدّ ين؟ قال‪ :‬فقال الف ت‪ :‬ال ال يا إمام! ل‬
‫يسمعُ أح ٌد منهم بذلك‪ ،‬ث أجاب وأخذ ما بذلوه من الهر‪.‬‬
‫ومنه أن رجلً جاء إل أب حنيفة‪ ،‬وقال‪ :‬يا إمام‪ ،‬دفن تُ مالً من مدة طويلة‪،‬‬
‫ت الوض عَ الذي دفنته فيه‪ ،‬فقال المام‪ :‬ليس ف هذا فق هٌ فأحتال لك‪ ،‬ولكن‬
‫ونسي ُ‬
‫اذهب فصلّ الليلة إل الغداةِ‪ ،‬فإنك ستذكره إن شاء ال تعال‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ففعلَ‪ ،‬فل ْم يَمْض إل أقل من رُبع الليل َحتّى ذكر الوضع الذي فيه‪ ،‬فجاء إل‬
‫أب حنيفة فأخبه‪ ،‬فقال‪ :‬قد علم تُ أن الشيطان ل يدعُ كَ تصلّي الليلَ كُلّه‪ ،‬فهل‬
‫أتمت ليلتك كُلّها شُكرًا ل تعال‪.‬‬
‫ومنبه أن بعضهبم كانبت له زوجةٌ جيلة‪ ،‬وكان يبّهبا حبّاب شديدًا‪ ،‬وتبغضبه‬
‫بغضًا شديدًا‪ ،‬ول تزُل الُنافرة بينهما البتة‪ ،‬فأضجره ذلك‪ ،‬وطالت مُدة ترّئها عليه‬
‫ف تغل يظ الكلم‪ ،‬فقال ل ا يومًا‪ :‬أ نت طالق ثلثًا بتاتًا إن خاطبت ن بش يء‪ ،‬ول‬
‫أخاطبك بشيء مثله‪ ،‬فقالت له ف الال‪ :‬أنت طالق ثلثًا بتاتًا‪.‬‬
‫فأبلسب الرجلُ‪ ،‬ول يدر مبا يُجيببُ! وخاف فب جواباب مبن وقُوع الطلق‪،‬‬
‫َ‬
‫فأر شد إل أ ب جع فر ال طبي‪ ،‬فأ خبه ب ا جرى‪ ،‬فقال ل هُ‪ :‬إذا طالب تك بالواب‪،‬‬
‫فقُ ْل لا‪ :‬أنت طالق ثلثًا بتاتًا إن أنا طّلقُتك‪ ،‬فتكون قد خاطبتها ووفيت بيمينك‪،‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫و من النقول عن أذكياء ال صبيان أن هُ و قف إياس ب ُن مُعاو ية و هو صبّ إل‬
‫قاضي دمشق ومعه شيخ‪ ،‬فقال‪ :‬أ صَْلحَ ال القاضي! هذا الشي خُ ظلمن‪[ ،‬واعتدى‬
‫عليّ]‪ ،‬وأكل مال‪ ،‬فقال القاضي‪ :‬ارفَق بالشيخ‪ :‬ول تستقبله بثل هذا الكلم‪.‬‬
‫فقال إياس‪[ :‬أصبلح ال القاضبي!] إن القّ أكببُ منب ومنبه ومنبك‪ ،‬قال‪:‬‬
‫أسبكت‪ ،‬قال‪ :‬فإن سبكت فمبن يقوم ُبجّتب! قال‪ :‬فتكلّم‪ ،‬فوال ل تتكلم بيب‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ل إله إل ال وحدهُ ل شريك له‪ ،‬فبلغ ذلك الليفة‪ ،‬فعزل القاضي‪.‬‬
‫ومنه أن التوكل قال يومًا للسائه‪ :‬نقم السلمون على عثمان أشياء‪ ،‬منها‪ :‬أن‬
‫المام أبا بكر لا تسنّم النب هبط عن مقام النب مبقاة‪ ،‬ث قام عُمرُ دون مقام‬
‫أب بكر‪ ،‬وصعد عثمانُ ذروة النب‪.‬‬
‫فقال عباد‪ :‬ما أحدٌ أعظم منه عليك من عثمان يا أمي الؤمني‪ ،‬وكيف ويلك!‬
‫قال‪ :‬لنه صعد ذورة النب‪ ،‬ولو أنه كُلما قام خليفة نزل مرقاةً‪ ،‬ونزل عُثمان عمن‬
‫تقدمه‪ ،‬كنت أنت تطبنا من بئر! فضحك التوكل ومن حوله‪.‬‬
‫‪251‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومن دهاء النصور أنه كان جال سًا ف بعض الليال‪ ،‬وكانت ليلة شديدة البد‬
‫والر يح وال طر‪ ،‬فد عا بأ حد الفر سان‪ ،‬وقال له‪ :‬ان ض الن إل فج طليارش وأ قم‬
‫فيه‪ ،‬فأول خاطر يطر عليك سقه إل‪.‬‬
‫قال‪ :‬فنهض الفارس وبقي ف الفج ف البد والريح والطر واقفًا على فرسه‪ ،‬إذ‬
‫وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حار له ومعه آلة الطب‪ ،‬فقال له الفارس‪:‬‬
‫إل أين تريد يا شيخ؟ فقال‪ :‬وراء حطب‪.‬‬
‫فقال الفارس ف نفسه‪ :‬هذا شيخ م سكي نض إل البل يسوق حطبًا‪ ،‬فما‬
‫عسبى أن يريبد النصبور منبه؟ قال‪ :‬فتركتبه فسبار عنب قليلً‪ ،‬ثب فكرت فب قول‬
‫النصبور‪ ،‬وخفبت سبطوته‪ ،‬فنهضبت إل الشيبخ‪ ،‬وقلت له‪ :‬ارجبع إل مولنبا‬
‫النصور‪.‬‬
‫فقال‪ :‬و ما ع سى أن ير يد الن صور من ش يخ مثلي‪ ،‬سألتك بال أن تترك ن‬
‫لطلب معيشت؟ فقال له الفارس‪ :‬ل أفعل‪ ،‬ث قدم به على النصور ومثله بي يديه‪،‬‬
‫وهو جالس ل ينم ليلته تلك‪.‬‬
‫فقال النصبور للصبقالبة‪ :‬فتشوه‪ ،‬ففتبش فلم يوجبد عنده شيبء‪ ،‬فقال‪ :‬فتشُوا‬
‫ب كتابًا مبن نصبارى كانوا قبد نزوعُوا إل النصبور‬
‫برذعبة حاره‪ ،‬فوجدوا داخله ا‬
‫يدمون عنده إل أصبحابم مبن النصبارى‪ ،‬ليُقبلوا ويضروا فب إحدى النواحبي‬
‫العلومبة‪ ،‬فلمبا انبلج الصببح‪ ،‬أمبر بإخراج أولئك النصبارى إل باب الزاهرة‪،‬‬
‫فضُربت أعناقهم‪ ،‬وضربتْ رقبةُ الشيخ معهم‪.‬‬
‫و من ذلك ق صة الوهري التا جر‪ ،‬وذلك أن رجلً جوهريًا من تار الشرق‬
‫قصد النصور من مدينة عدن بوهر كثي وأحجار نفيسة‪ ،‬فأخذ النصور من ذلك‬
‫ما استحسنه ودفع إل التاجر الوهري صرته‪ ،‬وكانت قطعة يانية‪ ،‬فأخذ التاجر‬
‫ف انصرافه طريق الرملة على شط النهر‪.‬‬
‫فل ما تو سطها –واليوم قائظ وعر قه من صب‪ -‬دع ته نف سه إل ال تبد ي الن هر‪،‬‬
‫فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط‪ ،‬فمرت حدأة فاختطفت الصرة تسبها لمًا‪،‬‬
‫‪252‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وصاعدت ف الفق ذاهبة‪ ،‬فقطعت الفق الت تنظر إليه عي التاجر‪ ،‬فقامت قيامته‪،‬‬
‫وعلم أنه ل يقدر أن يستدفع ذلك بيلة‪ ،‬فأسر الزن ف نفسه‪ ،‬ولقه لجل ذلك‬
‫علة اضطرب فيها‪.‬‬
‫وح ضر الد فع إل التجار‪ ،‬فح ضر الر جل لذلك بنف سه‪ ،‬فا ستبان للمن صور ما‬
‫بالرجل من الهانة والكآبة وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة‪ ،‬فسأله‬
‫النصور عن شأنه‪ ،‬فأعلمه بقصته‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬هل أت يت إلي نا بدثان وقوع ال مر فك نا ن ستظهر على اليلة‪ ،‬ف هل‬
‫هد يت إل الناح ية ال ت أ خذ الطائر إلي ها؟ قال‪ :‬مر مشرقًا على سعت هذا ال بل‬
‫الذي يلي ق صرك –يع ن الرملة‪ -‬فد عا الن صور شرط يه الاص به‪ ،‬فقال له‪ :‬جئ ن‬
‫بشيخة أهل الرملة الساعة‪.‬‬
‫فم ضى وجاء ب م سريعًا‪ ،‬فأمر هم بالب حث عن من غ ي حال القلل من هم‬
‫سريعًا‪ ،‬وانتقل عن الضافة دون تدريج‪ ،‬فتناظروا ف ذلك‪ ،‬ث قالوا‪ :‬يا مولنا‪ ،‬ما‬
‫ل مبن ضعفائنبا كان يعمبل هبو وأولده بأيديهبم ويتناولون السببق‬
‫نعلم إل رج ً‬
‫بأقدامهبم عجزًا عبن شراء داببة‪ ،‬فابتاع اليوم داببة‪ ،‬واكتسبى هبو وولده كسبوة‬
‫متوسطة‪ ،‬فأمر بإحضاره من الغد‪ ،‬وأمر التاجر بالغدو إل الباب‪.‬‬
‫فح ضر الر جل بعي نه ب ي يدي الن صور‪ ،‬فا ستدناه والتا جر حا ضر‪ ،‬وقال له‪:‬‬
‫سبب ضاع منا وسقط إليك ما فعلت به؟ قال‪ :‬هو ذا يا مولي‪ ،‬وضرب بيده إل‬
‫حجزة سراويله فأخرج الصرة بعينها‪.‬‬
‫ف صاح التا جر طربًا وكاد يط ي فرحًا‪ ،‬فقال له الن صور‪ :‬صف ل حديث ها‪،‬‬
‫فقال‪ :‬بينمبا أنبا أعمبل فب جنانب تتب نلة إذ سبقطت أمامبي فأخذتاب وراقنب‬
‫منظرها‪ ،‬فقلت‪ :‬إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الوار‪ ،‬فاحترزت با ودعتن‬
‫فاقت إل أخذ عشرة مثاقيل عيونًا كانت معها مصرورة‪ ،‬وقلت‪ :‬أقل ما يكون ف‬
‫كرم مولي أن يسمح ل با‪.‬‬

‫‪253‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فأعجب النصور ما كان منه‪ ،‬وقال للتاجر‪ :‬خذ صرتك وانظرها واصدقن عن‬
‫عددها‪ ،‬ففعل‪ ،‬وقال‪ :‬ما ضاع منها شيء سوى الدناني الت ذكرها وقد وهبتها‬
‫له‪ ،‬فقال له النصور‪ :‬نن أول بذلك منك‪ ،‬ول ُنَنغّ صُ عليك فرحك‪ ،‬ولول جعه‬
‫بي الصرار والقرار لكان ثوابه موفورًا عليه‪ ،‬ث أمر للتاجر بعشرة دناني عوضًا‬
‫عن دنانيه‪ ،‬وللجنان بعشرة دناني ثوابًا لتأنيه عن فساد ما وقع بيده‪.‬‬
‫و قال‪ :‬لو بدأنا بالعتراف قبل البحث لوسعناه جزاء‪ ،‬قال‪ :‬فأخذ التاجر ف‬
‫الثناء على النصور وقد عاوده نشاطه‪.‬‬
‫الدْه ُر يُعببب مببا َيضُ ّر وينفعببُ والصبببُ أحدُ مببا إليببه يُرْجَعببُ‬
‫با‪ ،‬وليببس عببن الني ِة مَدْفعببُ‬
‫والَرْءُ فيمببا منببه كان مَصببِيهُ حينًب‬
‫بتَشْفعُ‬
‫فاحذر مفَاجأة الَنون فإنببببببه ل يُ ْلتِجَببى منهببا ول يُسب ْ‬
‫أيْنببَ الذيببن ت ّمعُوا وتَصببّنُوا وتوّثقُوا وتيّشُوا وتّنعُوا‬
‫وتَ َكبّرُوا و َتوّلُوا وتَرّفعُوا‬
‫جبّرْوا‬
‫وتَعظّمُوا وتَشّمُوا وتَ َ‬
‫فأسبَرعُوا وحَدَا بمبببب حَادِي البِلىَ فتق ّطعُوا‬
‫َبب الزمان ْ‬
‫صبا َحتْ بمب ُنو ُ‬
‫ب بَاتِرٍ أو ماَنعُوهبببببُ بالذي قدَ جَ ّمعُوا‬
‫أل ا ْحتَ َموْا عنبببه ِبعَضْببب ٍ‬
‫ضعُوا‬
‫ضعْ َ‬
‫ببَالُم وَت َ‬
‫ببْ أوْصب‬
‫بةً فَتفرّقَتب‬
‫ب مأنُوسب َ‬
‫بم بمب ْ‬
‫كانَتببْ َمنَازِلُب‬
‫بفَتْ على الثارِ ريحببٌ َز ْعزَعببُ‬
‫ب َبعْدَ قُصبُورهم وسبَ‬
‫بَتوْ َطنُوا الجْدَاث َ‬
‫واس ْ‬
‫بم فيببه وماذَا يُصببْنَعُ‬
‫بببب الواب لِ ُمْنكَرٍ أنببْ غَرّهُب‬
‫ماذا أعَدّثوا فب‬
‫بفَعُ‬
‫ب أبْيَضببُ بَمِي ِل طاعَتِهببِ َووَجْهببٌ أسب ْ‬
‫وجَدُوا الذي عَملُوا‪َ ،‬فوَجْهبٌ‬
‫ب‬
‫ب حَيًبا فالنصبيح ُة تنفع ُ‬
‫أبُنَيببّ كُبن ُمتَمَسببّكًا بنَصببِيْحَت مبا ُدمْت َ‬
‫ب مبا فب نفسبِ ِه َيتَذَرّعبُ‬
‫واحْذَ ْر مُجَاوَرةَ الَسبببوُدِ فإنَببه بِخلف ِ‬
‫ب‬
‫ب أنْفَع ُ‬
‫وعََليْكببَ بالقّ ب الميببل فإنببه مِبن كُبل شيءٍ ُي ْقتَنَبى لك َ‬
‫جنّببب الدُنيببا وكُبن ُمَت َع ّففّابب فال ّر يَرْضَبببى بالقلي ِل وَي ْقنَعبببُ‬
‫وتَ َ‬
‫بذ الكتابببَ ب ُق ّوةٍ واعْمَلْ بابب أمَرَ الهيمنببُ فهببو حقّ ب يُْتبَعببُ‬
‫وخُب‬
‫ب الهْيَع بُ‬
‫بو الطّرِيق ُ‬
‫به فهب‬
‫ب َتنْجُبو بب‬
‫ك سبَبيلَ رَسبُولِهِ فب أمْرِه ِ‬
‫بلَ ْ‬
‫واس ْ‬
‫‪254‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب بأنّ ب ال َليْسببَ ك ِمثْلهببِ‬
‫واعْلَمب ْ‬
‫ببب قَدِيرٌ واحدٌ مَُتنَزّهببببٌ‬
‫حَيّب‬
‫ب عَدْلٌ َجوَا ٌد ُمنْعِمببببٌ‬
‫ُمتَكلّمببب ٌ‬
‫به سببَريرَة‬
‫ذُو العَرْش ل تفببى عليب‬
‫بب الش ِر يَ ْظهَرُ لِ ْلعِباد بلُ ْطفِه ببِ‬
‫فب‬
‫العَ ْدلِ يكمببُ فبب القيام ِة ِبيْنَنَببا‬
‫بببِدّيقُه‬
‫بببُ صب‬
‫َخيْ ُر البّيةِ َبعْدَهب‬
‫ب صبَاحبٍ‬
‫ب أكْرَم ُ‬
‫ب الفاروق ُ‬
‫وكَذَلِك َ‬
‫اليشب العظيبم‪ ،‬ومبن ثوَى‬
‫ِ‬
‫جهّزب‬
‫ومُ َ‬
‫ب ِفيّهُ‬
‫ب َ‬
‫ببْيبُهُ وصب‬
‫بْيبُ ُه ونِسب‬
‫ب ِ‬
‫وحَسب‬
‫لَهُببم النَاقِبببُ والواهِبببُ والعُل‬
‫بْ‬
‫حّبهُمب‬
‫بن بِبم َيفُو ُز مُ ِ‬
‫بم الذيب‬
‫وهب‬

‫شيءٌ‪ ،‬إليببه مَصببِ ُينَا والرْجعببُ‬
‫ب وتَخْضعببُ‬
‫بمَ ٌد تَذِلّ له الرقاببُ‬
‫صبَ‬
‫بن يشاء و َينَعبُ‬
‫بالقِسبْطِ ُيعْطِبي مب‬
‫منّابب وَيعْلَمببُ مببا َنقُو ُل ويَسببْمَعُ‬
‫ب وَكُ ّل َيضْرَعبببُ‬
‫كُ ّل يَذِلّ لَهبب ُ‬
‫ونَِبيُنَببا فِينَببا إليببه يشفَعببُ‬
‫بتََتبِعُ‬
‫ب اللفةِ سببَاب ٌق مُسبْ‬
‫هببو فب‬
‫مِببن بَعدِهببِ َحبْرٌ َجوَادٌ سببَلفَعُ‬
‫بو ُيَبضّعبُ‬
‫بتَسْلِمًا فب الدارِ وهب‬
‫مُس ْ‬
‫وحُسببَامُهُ ذاكببَ البَطيُب النْزَعببُ‬
‫ب‬
‫ب الطّلع ُ‬
‫ب الصبّواحبُ والنجُوم ُ‬
‫وهُم ُ‬
‫يومبببَ العَا ِد وكُلّ ذُخْرٍ يَْنفَعبببُ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫ت منشأةُ من حُب الدنيا‪،‬‬
‫قال بعضُ العلماء‪ :‬تأملتُ التحاسُد بي العُلماء‪ ،‬فرأي ُ‬
‫فإن علماء الخرة‪ ،‬يتوادون ول يتحاسدون‪ ،‬كما قال عز وجل‪ :‬وَلَ َيجِدُونَ فِي‬

‫صةٌ ‪.‬‬
‫صدُورِ ِهمْ حَا َجةً مّمّا أُوتُوا َويُ ْؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِ ِهمْ َولَوْ كَانَ بِ ِهمْ خَصَا َ‬
‫ُ‬
‫وقال جل وعل‪ :‬وَاّلذِي نَ جَاءُوا مِ نْ بَ ْعدِهِ مْ َيقُولُو نَ َربّنَا ا ْغفِرْ لَنَا وَلِ ْخوَانِنَا‬

‫جعَلْ فِي قُلُوبِنَا ِغلً لّ ّلذِينَ آمَنُوا ‪.‬‬
‫اّلذِينَ سََبقُونَا بِالِيَانِ وَلَ تَ ْ‬
‫وقد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لماعة من إخوانه‪.‬‬
‫وقال المام أحد لولد الشافعي‪ :‬أبُوكَ من الستة الذين أدعُو لُم كل ليلة وق َ‬
‫ت‬
‫السّحَر‪.‬‬
‫‪255‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب ويبون‬
‫والم ُر الفارقُب بيب الفئتيب أن علماء الدنيبا ينظرُون إل الرياسبة فيه ا‬
‫كثرة المبع والثناء‪ ،‬وعلماء الخرة بعز ٍل مبن إيثار ذلك‪ ،‬وكانوا يتخوفونهبُ‪،‬‬
‫ويرحون من بُلي به‪.‬‬
‫وقال علقمة‪ :‬أكره أن يُوطأ عقب‪.‬‬
‫وكانوا يتدافعون الفتوى‪ ،‬ويبون الُمول‪ ،‬وهو عكس الشُهرة فهم ل يطلبُون‬
‫جاهًا ول منصبًا‪.‬‬
‫ت المواج‪ ،‬فعنده‬
‫ج واضطربَ ْ‬
‫فمثل القوم كمثل راكب البحر إذا خبّ أي ها َ‬
‫ُشغْلٌ إل أن يُوقِنَ بالنجاة‪.‬‬
‫ب تصاحبُوا وتابوا‬
‫ف يَ ْدعُو بعضهم لبعض؛ لنم رك ٌ‬
‫وإنا كان عُلمَاء ال سّل ِ‬
‫ف طاعة ال فاليام والليال مراحلُهم إل سفر النة‪.‬‬
‫ك والعِظامببُ َر ِميْمببُ‬
‫ب فب التُراب شخوصبُهم فالنش ُر مِسببْ ٌ‬
‫ماتوا وغيّب َ‬
‫بحُون (أي يتوسبعون فب أمرهبم‬
‫ب جاع ًة مبن العُلماء يتفس ّ‬
‫وقال‪ :‬رأيت ُ‬
‫ويترخصون) ويظنون أن العلم يدفع عنهم‪.‬‬
‫و ما يدرون أن العلم خ صمهم وأ نه يغ فر للجا هل سبعون ذنبًا ق بل أن يغ فر‬
‫للعال ذنب؛ وذلك لن الاهل ل يتعرض بالق والعال ل يتأدب معه‪.‬‬
‫ووجه الدب مع ال أن يعمل العال بعلمه فيستفيْد ويفيد ويشى ال‪ ،‬قال ال‬
‫جل وعل‪ :‬إِنّمَا َيخْشَى ال ّلهَ مِنْ عِبَا ِدهِ العُلَمَاءُ ‪ ،‬قال‪ :‬فتفكرت‪.‬‬
‫فإذا العلم الذي هو معرفة ال ب و ما ي ب له ومعرفة القائق والن ظر ف سي‬
‫القدماء والتأدب بآداب القوم ليس عندهم‪.‬‬
‫وإن ا عند هم صور ألفاظ يعرفون ب ا ما ي ل و ما يرم ول يس كذلك العلم‬
‫النافع‪ ،‬إنا العلم النافع فهم الصول‪ ،‬ومعرفة العبود‪.‬‬
‫والنظر ف سية الرسول وسي صحابته والتأدب بآدابم وفهم ما نقل عنهم‬
‫لهَال‪.‬‬
‫هذا هو العلم النافع الذي يدعُ أعظمَ العلماءِ عند نفسه أحق َر مِن أ ْجهَ ِل ا ُ‬
‫‪256‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بتَبْشِرُ‬
‫ب ل أس ْ‬
‫ب بغَيب رضَاه ُ‬
‫يبا مَن ْ‬
‫ب‬
‫ب لْم أعْمَبل بِه ِ‬
‫ُحزْنب على مَبا فات َ‬
‫بب مَطَاعِبم‬
‫وإذا اغتذى قَلْب بٌ بطيب‬
‫حيّةبب‬
‫ك ِبضَ ِ‬
‫ب ناسبب ٌ‬
‫وإذا َتقَرّبب َ‬
‫ُنب‬
‫ِنب جُوده فب قول ك ْ‬
‫يبا م َن خَزَائ ُ‬
‫ب تُعطِبي السبائِليَ ِل َفقْرهبم‬
‫إن ُكنْت َ‬
‫ب الكبببي َخ ِطيْئَتبب‬
‫إن كان بالُرْمبِ‬
‫با‬
‫بي أَتْيتُكببَ بالَرَائِمببِ كُلِهَب‬
‫هَبْنِب‬

‫بن َجنَابِكببَ أ ْظفُرُ‬
‫أترى بقُرببب مِب‬
‫عَ َملً بببه ترضببى عَليّبب وَت ْغفِرُ‬
‫ب يَذكرُ‬
‫َفغِذَاءُ قلببب أنّهببُ لَكب َ‬
‫حرُ‬
‫حيّتبب أنبب ِلَنفْسببِي أنْ َ‬
‫فضَ ِ‬
‫بب الفضِ َل عندك أغزرُ‬
‫ب فإنّب‬
‫أمْنُنبب ْ‬
‫فأنببا إل جَ ْدوَاكببَ منهببم أ ْفقَرُ‬
‫فأنبببببا الشهي ُد بأن عَفوَك أ ْكبَرُ‬
‫أنْتبببَ الذي كُ ّل الَرَائمبببِ َت ْغفِرُ‬

‫وقال‪ :‬من أحب تصفية الحوال‪ ،‬فليجتهد ف تصفية العمال‪.‬‬
‫قال ال عز وجل‪َ :‬وأَن لّوِ اسَْتقَامُوا عَلَى الطّرِيقَةِ َل ْسقَيْنَاهُم مّاءً َغدَقًا ‪.‬‬
‫وقال تبارك وتعال‪َ :‬ولَوْ أَنّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتّقَوْا َلفََتحْنَا عَلَيْهِم بَ َركَاتٍه‬

‫مّنَ السّمَاءِ وَالَ ْرضِ ‪.‬‬
‫وقال النبب فيمبا يرويبه عبن رببه تبارك وتعال‪« :‬لو أنّ عبادي أطاعونب‬
‫س َقيُْتهُمُ الطر بالليل‪ ،‬وأطلعت عليهم الشمس بالنهار‪ ،‬ول أسعهم صوت الرعد»‪.‬‬
‫لَ َ‬
‫وقال ‪« :‬الب ل َيبْلىَ‪ ،‬وال ث ل ُينْ سَى‪ ،‬والديان ل ينام‪ ،‬وك ما تد ين تُدان»‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫موعظة‬
‫عباد ال‪ ،‬ي ب على من ل يدري م ت يبغ ته الوت أن يكون مُ ستعدًا ل ُه ول‬
‫يغت ّر بشبابه وصحته‪ ،‬فإن أقل من يوتُ الشيوخُ الطاعني ف السن‪.‬‬
‫وأكثرُ من يوت الشُبا نُ خُ صوصًا ف زمن نا الذي كثُر تْ ف يه الوادث؛ ولذا‬
‫ينذرُ من يكبُ وقد أنشدوا‪:‬‬
‫ب‬
‫شبَاب ِ‬
‫ب مبن ال ّ‬
‫ُيعَمّرُ واحدٌ َفَيغُرّ َقوْمًبببببببا وُينْسبَى مَبن يَمُوت ُ‬
‫‪257‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫آخر‪:‬‬
‫بَ ُشبّان بُ‬
‫شيْبب‬
‫بَ َقبْلَ ال ّ‬
‫ب َتقَدّمب‬
‫ب ناعِمبببٍ خَ ِظلٍ َفكَمبْ‬
‫ل َتغْتَرِرْ بِشَبَاببب ٍ‬
‫ُركب وكثرة‬
‫وماب يعينبك على الدب والجتهاد فب الطاعبة‪ :‬تصبور قصبَر عُم َ‬
‫الشغال‪ ،‬وتصبور قُوة الندم على التفريبط والضاعبة عنبد الوت‪ ،‬وطول السبرة‬
‫على البدار بعد الفوت‪.‬‬
‫وتصبور عظبم ثواب السبابقي الكامليب وأنبت ناقبص‪ ،‬والجتهديبن وأنبت‬
‫متكاسل‪ ،‬واجع ْل نصب عينيكَ ما يلي‪:‬‬
‫قوله تعال‪ُ :‬هنَاِلكَ تَبْلُو كُلّ نَ ْفسٍ مّا أَسْ َلفَتْ ‪.‬‬
‫وقوله تعال‪ :‬يَ ْومَ يَنظُرُ الَ ْرءُ مَا َقدّمَتْ َيدَاهُ ‪.‬‬
‫س َرتَى َعلَى مَا َفرّطتُ فِي جَنبِ ال ّلهِ ‪.‬‬
‫وقوله تعال‪ :‬أَن َتقُولَ نَ ْفسٌ يَا حَ ْ‬
‫ُمه لَ‬
‫ُمه فِي َغفْ َلةٍ وَه ْ‬
‫ِيه ا َلمْرُ وَه ْ‬
‫َسهَرةِ إِذْ قُض َ‬
‫ْمه ال ْ‬
‫ُمهيَو َ‬
‫وقوله تعال‪َ :‬وأَنذِرْه ْ‬

‫يُ ْؤمِنُونَ فتصور السرة والندامة والُزن عندما ترى الفائزين‪.‬‬
‫ب مَبن قبد تزوّدَا‬
‫ت َبعْدَ الوت ِ‬
‫برْ َ‬
‫بى وأبْص َ‬
‫بَ ل تَرْحَ ْل بِزادٍ مِبن التُقب‬
‫إذا أنْتب‬
‫ْصبدَا‬
‫َانب أر َ‬
‫ْصبدْ كَم َا ك َ‬
‫ّكب ل ُتر ِ‬
‫ب وأن َ‬
‫ب ك ِمثْلِه ِ‬
‫ب ل َتكُون َ‬
‫ب على أن ْ‬
‫نَ ِدمْت َ‬
‫ّهب لول‬
‫فالبدا َر البدا َر والذر والَذر مبن الغفلة والتسبويف وطول المبل‪ ،‬فإن ُ‬
‫صلً‪.‬‬
‫طولُ المل ما وقع إهالٌ أ ْ‬
‫وإنا ُيقْ ِد ُم على العاصي ويُؤخر التوبةَ ِلطُول المل وتبادر الشهوات‪.‬‬
‫عملتب فيهبا مبن‬
‫َ‬
‫وتنسبى التوببة والنابةُ لطُول المبل وتفقبد أوقاتبك ومبا‬
‫الذنوب‪.‬‬
‫وتن سى التو بة والناة لطول ال مل ف يا أيّ ها الُهْ ِم ُل وكُلّ نا كذلك انت هز فر صة‬
‫المكان وتفقد أوقاتك وما عملت فيها من الذنوب‪.‬‬
‫فبادر فب موهبا بالتوببة النصبوح وأكثبر مبن الدعاء والسبتغفار كبل وقبت‬
‫خصوصًا ف أوقات الجابة‪.‬‬
‫‪258‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومن أوقات الجابة ثُلثُ الليل الخر‪ ،‬قال تعال‪َ :‬وبِالَ ْسحَارِ هُ مْ يَ سَْت ْغفِرُونَ‬

‫‪.‬‬
‫ويوم المعة عند صعود المام النب للخطبة‪.‬‬
‫وف آخر ساعة من يوم المعة وعند دخول المام للخطبة‪.‬‬
‫وعندما تسمع الذان إل أن يفرغ‪.‬‬
‫وبي الذان والقامة‪.‬‬
‫وبعد الصلة الفريضة وبعد النافلة‪.‬‬
‫وعند الفطر للصائم وف أيام رمضان ولياليه‪.‬‬
‫وعند نُزُول الغيث‪.‬‬
‫عشية عرفة‪.‬‬
‫وف السجود‪.‬‬
‫وعند ختم القرآن وف ليلة القدر‪.‬‬
‫وعند البكاء والشية من ال‪.‬‬
‫فعلى النسبان أن يُكثبر مبن الدعاء واللاح فيبه‪ ،‬فإن الدعاء له أث ٌر عظيبم‪،‬‬
‫وموقعٌ جسيم‪ ،‬وهو مخُ العبادة‪.‬‬
‫لسبيما مبع حضور قلب‪ ،‬وإخباتبٍ‪ ،‬و خشوع‪ ،‬وذلٍ‪ ،‬وانكسبار‪ ،‬ورقةٍ‪،‬‬
‫وتضرعٍ‪ ،‬وخشيةٍ‪ ،‬واستقبال القبلة حال دُعائه‪ ،‬وعلى طهارة‪ ،‬ويدد التوبة‪ ،‬ويكثر‬
‫من الستغفار‪ ،‬ويبدأ بمد ال وتنيهه‪ ،‬وتجيده‪ ،‬وتقديسه‪ ،‬والثناء عليه‪ ،‬وشكره‪،‬‬
‫ث يصلي على النب بعد الثناء على ال‪.‬‬
‫ويدعو بالدعاء الشروع باسم من أساء ال السن‪ ،‬مناسب لطلوبه‪ ،‬فإن كان‬
‫يُريد عِلمًا‪ ،‬قال‪ :‬يا عليم علمن‪ ،‬وإن كان يطلب رحةً قال‪ :‬يا رح ُن ارحن‪ ،‬وإن‬
‫كان ي سأل رزقًا‪ ،‬قال‪ :‬يا رزاق أرزق ن ون و ذك‪ ،‬ويُوق نُ بالجا بة‪ ،‬فإن ال جل‬
‫وعل أصدقُ القائلي‪ ،‬و قد قال سبحانه وتعال‪ :‬ادْعُونِي أَ سَْتجِبْ لَكُ مْ ‪ ،‬وقال‬
‫لرسوله‬

‫‪َ :‬وإِذَا َسأََلكَ عِبَادِي عَنّي َفِإنّي قَرِي بٌ أُجِي بُ دَعْ َوةَ الدّا عِ إِذَا دَعَا نِ ‪،‬‬
‫‪259‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ضطَرّ‬
‫وقال عَزّ من قائل‪ :‬ادْعُوا َربّكُ مْ تَضَرّعًا َو ُخفْيَةً ‪ ،‬وقال‪ :‬أَمّ ن ُيجِي بُ الُ ْ‬
‫إِذَا دَعَا هُ ‪ ،‬و هو سبحانه أو ف الواعد ين‪ ،‬قال تعال‪َ :‬و ْعدَ اللّ هِ لَ ُيخْلِ فُ اللّ هُ‬
‫ص َدقُ مِ نَ اللّ هِ‬
‫ص َدقُ مِ نَ اللّ هِ قِيلً ‪َ ،‬ومَ نْ أَ ْ‬
‫وَ ْعدَ هُ ‪ ،‬وقال جل وعل‪َ :‬ومَ نْ أَ ْ‬

‫صدَقَنَا وَ ْع َدهُ ‪.‬‬
‫َحدِيثًا ‪ ،‬وقال أهل النة‪ :‬الَ ْمدُ لِ ّل ِه الّذِي َ‬
‫وإذا وق عت ف م نة ي صعب اللص من ها‪ ،‬فل يس لك إل الدعاء واللجوء إل‬
‫ُوجبب العقوببة‪ ،‬قال ال جبل‬
‫ُ‬
‫ال‪ ،‬بعبد أن تقدم التوببة مبن الذنوب‪ ،‬فإن الزّلل ي‬
‫وعل‪َ :‬ومَا أَصَابَكُم مّن مّصِيَبةٍ فَبِمَا كَسََبتْ َأْيدِي ُكمْ ‪.‬‬
‫سبَب‪ ،‬فإذا أث بت ودعو تَ‬
‫فإذا زال الذن بُ بالتو بة ال صادقة الن صوح‪ ،‬ارت فع ال ّ‬
‫ول تر لجابة الدُعاء أثرًا‪ ،‬فتفق ْد نفسك فربا كانت التوبة ما صحّت فصحّحْها‪.‬‬
‫ع ول تض جر ول ت ل من الدعاء فإ نه عبادة‪ ،‬ورب ا كا نت ال صلحة ف‬
‫ث اد ُ‬
‫تأخي الجابة‪ ،‬وربا ل تكن الصلحة ف الجابة‪ ،‬قال تعال‪َ :‬وعَ سَى أَن تَكْرَهُوا‬

‫شَيْئًا وَهُوَ خَ ْيرٌ لّ ُكمْ َوعَسَى أَن ُتحِبّوا َشيْئًا َوهُوَ شَرّ لّ ُكمْ ‪.‬‬
‫فأ نت تثاب وتُجا بُ إل مناف عك‪ ،‬و من مناف عك أن ل تع طى ما طل بت بل‬
‫تعوض غيه‪.‬‬
‫فإذا جاءك الشيطان‪ ،‬فقال‪ :‬إل م ت تد عو ول تاب‪ ،‬ف قل‪ :‬أ نا أتع بد بالدعاء‪،‬‬
‫الدعاء مخ العبادة‪ ،‬وأنا واثق كل الثقة بالجابة؛ لن ال أصدق القائلي‪.‬‬
‫و قد قال جل وعل وتقدس ل نبيه‬

‫‪َ :‬وإِذَا َسأََلكَ عِبَادِي عَنّ ي َفإِنّ ي قَرِي بٌ‬

‫أُجِيبُ دَعْ َوةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ ‪ ،‬وقال تبارك وتعال‪ :‬ادْعُونِي أَسَْتجِبْ لَ ُكمْ ‪.‬‬
‫وعلم أ نه رب ا كان التأخ ي لب عض ال صال ف هو ييءُ ف و قت منا سب‪ ،‬وإذا‬
‫ب سببًا للهلك‪.‬‬
‫سألت شيئًا فاقرنه بسؤال الية فربا كان الطلو ُ‬
‫وإذا كُن تَ قد أمرت بالشاورة ف أمور الدن يا ليُبي لك صاحبُك ف ب عض‬
‫الراء ما يعجزُ رأيك عنه ث ترى أن ما وقع لك ل يصلح فكيف ل تسأل الي‬
‫ربّك الذي أحاط بكل شيء علمًا‪ ،‬والستخارة من حسن الشاورة‪.‬‬
‫‪260‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب‬
‫ب طَامع ُ‬
‫والكُلُ فب صبَدقاتِ جُودك َ‬
‫بببِعُ‬
‫بببَ َفضْلٌ لِ ْلبَرّي ِة وَاسب‬
‫َف ُهنَاكب‬
‫بي القَضَا َء فل يُدَافِعببُ دَافِعببُ‬
‫َيقْضِب‬
‫بعْيٌ لَ َديْهببِ ضَائِعببُ‬
‫كَلّا ول سب َ‬
‫ب الواسببِعُ‬
‫ب و ْهوَ الكريْمب ُ‬
‫فِبفَضْلِهب ِ‬
‫حّبةَ زَارِعببُ‬
‫فالذِكْرُ فبب القَلْبببِ ال َ‬

‫كُ ُل الوُ ُجوْدِ ِلعِزّ َقهْركببَ خَاضِعببُ‬
‫يببا َمعْشَببر ال ُفقَرا ِء أ ّموْا بَابَهببُ‬
‫ب مَانِعببٌ‬
‫ُيعْطِببي العَطَا َء فل يُمَانِعب ُ‬
‫ب واجِبببُ‬
‫مببا لِ ْل ِعبَا ِد عَليببه حَقبٌ‬
‫إن عُ ّذبُوا فبعَ ْد له أو ُنعّ ُموْا‬
‫ب طَريْق بَ الذِكْ ِر عُمْرك بَ دَائِبًبا‬
‫إلزَم ْ‬

‫قال أح ُد الوعاظ‪ :‬هذا نذير الوت قد غدا يقول الرح يل غدًا‪ ،‬كأن كم بال مر‬
‫وقد قرُب ودنا‪ ،‬فطوب لعب ٍد استيقظ من غفلته ووعا‪.‬‬
‫ك يف ب كم إذا صاح إ سرافيل ون فخ ف ال صور‪ ،‬قال جل وعل‪َ :‬وُنفِ خَ فِي‬

‫سلُونَ ‪.‬‬
‫الصّورِ َفإِذَا هُم مّنَ ا َل ْجدَاثِ إِلَى َربّ ِهمْ يَن ِ‬
‫فت صور خرو جك مذعورًا ت سعى من ت ت الدر‪ ،‬و قد ُر جت الرض ويُ ست‬
‫شعَت هِ‬
‫بار لتلك العظائم والهوال والزعجات وَ َخ َ‬
‫بت البصب‬
‫البال‪ ،‬وشخصب‬

‫الَصْوَاتُ لِلرّ ْحمَنِ َفلَ تَسْ َمعُ إِلّ هَمْسًا ‪.‬‬
‫ففلق الائفبُ‪ ،‬وشاب الصبغيُ‪ ،‬وزفرت النارُ‪ ،‬وأحاطبت الوزار‪ ،‬ونُصبب‬
‫الصراط‪ُ ،‬ووُضع اليزان‪ ،‬وحضر الساب‪.‬‬
‫وجيء بهنم تقاد بسبعي ألف زمام‪ ،‬مع كل زمام سبعون ألف ملك يرونا‪،‬‬
‫قال تعال‪َ :‬وجِيءَ يَ ْومَِئذٍ ِبجَهَّنمَ يَ ْومَِئذٍ يََتذَكّرُ الِنسَانُ َوَأنّى َلهُ ال ّذكْرَى ‪.‬‬
‫وشهد الكتاب وتقطعت السباب‪ ،‬فكم من كبي يقول‪ :‬واشيبتاه‪ ،‬وكم من‬
‫كهل يُنادي بأعلى صوته‪ :‬واخيبتاهْ‪ ،‬وكم من شاب يصيح‪ :‬واشباباه‪.‬‬
‫وبرزت النار‪ ،‬قال ال جل وعل وتقدس‪َ :‬وبُرّزَ تِ الَحِي مُ لِ ْلغَاوِي نَ ‪ ،‬وقال‬
‫جل وعل وتقدس‪َ :‬وبُرّ َزتِ الَحِيمُ لِمَن يَرَى ‪.‬‬
‫و سع اللئ قُ ح سيسها إل من سبقت له الُ سن من ال‪ ،‬قال تعال‪ :‬إِنّ‬
‫سهَا وَهُمْ فِي‬
‫اّلذِي نَ سََبقَتْ لَهُم مّنّا الُ سْنَى أُوْلَئِكَ عَ ْنهَا مُ ْب َعدُونَ * لَ يَ سْ َمعُونَ حَ سِي َ‬
‫‪261‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ُمه الَلئِ َكةُ َهذَا‬
‫َعه ا َلكْبَرُ َوتَتَ َلقّاه ُ‬
‫ُمه الفَز ُ‬
‫ُونه * لَ َيحْزُنُه ُ‬
‫ُسهُهمْ خَاِلد َ‬
‫َته أَنف ُ‬
‫مَا اشْتَه ْ‬

‫يَ ْومُ ُكمُ اّلذِي كُنُتمْ تُو َعدُونَ ‪.‬‬
‫وأيقن بالردى واللك كل فاجر‪ ،‬قال تعال‪َ :‬وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ال ِز َفةِ إِذِ القُلُوبُ‬

‫لَدَى الَنَاجِرِ وقامبت ضوضا ُء الدَل‪ ،‬وأحاط بصباحبه العملْ‪ ،‬قال جبل وعل‬
‫جدُوا عَ ْنهَا مَصْرِفًا ‪.‬‬
‫وتقدس‪َ :‬و َرأَى ا ُلجْرِمُو َن النّارَ َفظَنّوا َأنّهُم مّوَا ِقعُوهَا َوَلمْ يَ ِ‬
‫وحالت اللوان‪ ،‬وتوالت الح ُن على النسان‪ ،‬فأين عُ ّدتُك‪ ،‬يا غافل عن هذا‬
‫الزمان‪ ،‬أين تصحيح اليقي واليان‪.‬‬
‫أتر ضى بال سران والوان‪ ،‬أ ما عل مت أ نك ك ما تد ين تُدان‪ ،‬أ ما تاف أن‬
‫تقول‪ :‬يَا َحسْ َرتَى َعلَى مَا فَرّطتُ فِي جَنبِ ال ّلهِ أما علمت أعظم السران‪.‬‬
‫سرُوا أَنفُسَ ُهمْ َوأَهْلِيهِمْ يَوْمَ‬
‫قال جل وعل وتقدس‪ :‬قُلْ ِإنّ الَا سِرِينَ اّلذِينَ خَ ِ‬

‫القِيَا َمةِ أَلَ َذِلكَ ُهوَ الُسْرَانُ الُبِيُ ‪.‬‬
‫كم ف كتابك من خطأ وزلل! وكم ف عملك من سهو وخلل! هذا وشس‬
‫ت واجبًا وفرضًا! و كم‬
‫عُمرك على أطراف الذوائب و قد قرُب ال جل! كم ضّيعْ َ‬
‫نقضت عهدًا مكمًا نقضًا! وكم أتيت حرامًا صريًا مضًا! يا أجسادًا صحاحًا‬
‫فيها قلوبٌ مرضى‪.‬‬
‫عباد ال أطول الناس ُحزْنًا ف الدن يا أكثر هم فرحًا ف الخرة‪ ،‬وأ شد الناس‬
‫خوفًا ف الدنيا أكثرهم أمنًا ف الخرة‪.‬‬
‫إخوا ن‪ ،‬الؤ من يتقلب ف الدن يا على جرات الذر من نيان الوف‪ ،‬ير هب‬
‫العاقبة‪ ،‬ويذ ُر الُعاقبةَ‪ ،‬فالوفُ من النار مُتمك ٌن من سويداء قلبه‪.‬‬
‫فإن هفبا بأن حصبل منبه زلةٌ توقدت فب قلببه نا ُر النّدم‪ ،‬وإن تذكبر ذنب ًا‬
‫اضطرمت نارُ الُزْ نِ ف باطنه‪ ،‬وإن تفكر ف مصيه ومُنقلبه التهب تْ نارُ الذرِ ف‬
‫قلبِهِ‪ ،‬وصار ل يهنؤ ُه طعامٌ ول شراب‪.‬‬

‫‪262‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ليَاةُ غُروْرُ‬
‫ب فا َ‬
‫بفَا لَكبَ‬
‫خُذْ مببا صبَ‬
‫ب فإنّهببُ‬
‫ل َتعِْتبَنّبب على الزمانب ِ‬
‫ب َعهْدُهَبا‬
‫َتعْفُبو السبُطوْرُ إذا َتقَادَم َ‬
‫ك ٌل يَفرُ مبببن الرّدَى ِلَي ُفوْتَهبببُ‬
‫فانظُ ْر لَنفْسببِكَ فالسببّلمة ُنهْزَهببٌ‬
‫ب ِقيَْلةٌ‬
‫شبَابببِ صب َ‬
‫مِرْآةُ عَيْشِكببَ بال ّ‬
‫ف قاطِع بٌ‬
‫بيْ ٌ‬
‫بَ سبَ‬
‫بَادِ ْر فإنّب الوَقْتب‬

‫ب واللّبيْبببُ َخِبيْرُ‬
‫والوتببُ آتب ٍ‬
‫ب يَدورُ‬
‫بب اللكب ِ‬
‫فَلَكببٌ على قُطْب‬
‫ليَاةِ سببُ ُطوْرُ‬
‫با َ‬
‫والَلْقببُ فبب رِقبَ‬
‫وله إل مَببا فببر منهببُ مَصببِيْرُ‬
‫ب يَ ِطيْرُ‬
‫لنَاحب ِ‬
‫و َزمَانُهببا ضَافبب ا َ‬
‫بيْرُ‬
‫ب كس ِ‬
‫شيْب ِ‬
‫ب بال ِ‬
‫ب عُ ْمرَك َ‬
‫و َجنَاح ُ‬
‫ب أ ِميْرُ‬
‫ب والشَباببب ُ‬
‫والعُ ْمرُ َجيْشبب ٌ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فائدة عظيمة النفع‬
‫قال بعض العلماء‪ :‬ذكر ال تعال ف ابتداء القوال والفعال أنسةٌ من الوحشة‬
‫وهداية من الضلل‪.‬‬
‫وحدُه جل وعل فرضٌ لزمٌا لكُلّ أحد على كُلّ حال؛ لنه أهلٌ أن يُحمد إن‬
‫ابتلى‪ ،‬وإن منع‪ ،‬وإن أنال‪.‬‬
‫ففضلُه جل وعل ع ّم النساء والرجال والكهُو َل والطفال‪.‬‬
‫ولطف ف قدره وقضائه بأهل أرضه وسائه‪ ،‬فلم يْلُ من لُ ْطفِهِ سافلٌ ول عال‪.‬‬
‫الل هم يا من ل تُمدّ اليدي بالرغ بة وال سألة إل إل يه‪ ،‬ول يُعول ف ك شف‬
‫الشدائد والكروب ف الدنيا والخرة إل عليه‪.‬‬
‫يا مَن كُ ُل الرغائب والطالب لديه‪ ،‬وجيع الواهب لديه‪ ،‬ليس لضُرنا سواك‬
‫كاشف‪ ،‬ول على ضعفنا سواك عاطف‪.‬‬
‫العاف من عافيته‪ ،‬فعافنا يا مولنا من مُوجبات سخطِك وعقابك‪ ،‬والهد يُ‬
‫من هديته‪ ،‬فاهدنا يا ربنا سُبُل الواصلي إل مرْضاتك‪.‬‬
‫بذكر ال تيا القُلوُب من موت غفلتها‪ ،‬فال ال بالداومة على ذكر ال سرًا‬
‫وجهارًا ليلً ونارًا قيامًا وقُعودًا ماشي ومُضطجعي‪.‬‬
‫‪263‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ذاكبر ال ل يسبتطيع الشيطان فب ظلّه مقيلً‪ ،‬ذاكبر ال ل يدب الشيطان إل‬
‫ُهب مدحُورًا ذليلً‪ ،‬ذاكبر ال قبد تكفبل ال‬
‫إغوائه سببيلً‪ ،‬ذاكبر ال ل يزال شيطان ُ‬
‫بفظه‪ ،‬وكيف يضي عُ من كان ال به كفيل! بذكر ال تطمئن القلوب وتيا‪ ،‬قال‬
‫ال تعال‪ :‬أَلَ ِبذِكْرِ ال ّلهِ َتطْمَئِنّ القُلُوبُ ‪ ،‬وقال تعال‪ :‬فَا ْذكُرُونِي أَ ْذكُ ْر ُكمْ ‪.‬‬
‫ب هُ ِديْتببَ ِلذِكِرهببِ فيببه القلوبببُ تَ ِطيْبببُ وال ْفوَاهببُ‬
‫ذِ ْكرُ إله الزَمب ْ‬
‫آخر‪:‬‬
‫با الَطرُ‬
‫والذكرُ فيببه َحيَاةٌ ِل ْلقُلُوبببِ كمببا تيببا البِلدُ إذا مببا جَاءَهَب‬
‫وقال ابن رجب ب رحه ال ب‪ :‬أعظ ُم عذاب أهل النار حجاُبهُمْ عن ال ع ّز‬
‫وجلّ‪ ،‬وإبعادهم عنه‪ ،‬وإعراضُه عنهم‪ ،‬وسخطُه عليهم‪ ،‬كما أن رضوان ال على‬
‫أهل النة أفضلُ من كل نعيم ال نة‪ ،‬وتليه لُم‪ ،‬ورؤيتهم إيا هُ‪ ،‬أعظ مُ من جيع‬
‫حجُوبُونَ * ُثمّ ِإنّهُمْ‬
‫أنواع نعيم النة‪ ،‬قال ال تعال‪َ :‬كلّ ِإنّهُمْ عَن ّربّهِمْ يَ ْومَِئذٍ لّ َم ْ‬

‫لَصَالُوا ا َلحِيمِ * ثُمّ ُيقَالُ َهذَا اّلذِي كُنتُم ِبهِ تُ َكذّبُونَ ‪.‬‬
‫فذكر تعال لُم ثلثة أنواع من العذاب‪ ،‬حجابُهم عنه‪ ،‬ث صليهُم الحيم‪ ،‬ث‬
‫توبيخهّم بتكذيبهم به ف الدنيا‪ ،‬ووصفهم بالرّان على قُلُوبم‪ ،‬وهو صدأ الذنوب‬
‫الذي أسودّتْ به ُقلُوبم‪ ،‬فل ْم يصلْ إليها َبعْدَ ذلك ف ال ُدْنيَا شيءٌ من معرَفةِ ال‪،‬‬
‫ول من إجلله ومهابته‪ ،‬وخشيته ومبته‪.‬‬
‫جبُوا ف الخرة عن رُؤي ته‪ ،‬وهذا‬
‫جبَ تْ ُقلُوُبهُ مْ ف الدن يا عن ال‪ ،‬حُ ِ‬
‫فك ما حُ ِ‬
‫َقه‬
‫ُسهنَى َو ِزيَا َدةٌ وَلَ يَرْه ُ‬
‫ْسهنُوا ال ْ‬
‫ِينه أَح َ‬
‫بلف حال أهبل النبة‪ ،‬قال تعال‪ :‬لّ ّلذ َ‬

‫وَجُوهَهُ مْ قَتَرٌ وَلَ ِذّلةٌ والذ ين أح سنُوا هُ مْ أهلُ الح سانِ‪ ،‬والح سانُ «أ ْن َتعْبُدَ‬
‫ك تَراه» كما فسره النب لّا سَألَ ُه عنه ِجبْريْلُ ب عليه السلم ب‪ ،‬فجعل‬
‫ال كأنّ َ‬
‫سنَى‪ ،‬و هو ال نة‪ ،‬والزيادةُ و هي النظرُ إل و جه ال عز و جل‪،‬‬
‫جزاءَ الح سان الُ ْ‬
‫ب وغيه‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫كما فسّ َرهُ بذلك رسول ال ف حديث صهي ٍ‬
‫وقال ابن القيم –رحه ال تعال‪:-‬‬
‫‪264‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب اليْمَان بِ‬
‫ت ُمنَادِي َ‬
‫أوَ مَبا س بَ ِم ْع َ‬
‫ب لدى الرحنب َوعْدُ‬
‫يبا أهْلَهبا َلكُم ُ‬
‫ثالوا أمَببا َبّيضْتببَ أوْ ُجهَنَببا كَذَا‬
‫ب‬
‫ب ِحيْن َ‬
‫ب قَدْ أدْخَ ْلتَنَبا الَنات ِ‬
‫وكَذَاك َ‬
‫فيقولُ ِعنْدِي َم ْوعِدٌ قَدْ آنببَ أنببْ‬
‫ب ِحجَابِهبِ‬
‫َفيَر ْونَهبُ مِبن بَعْدِ كَشْف ِ‬
‫حيْن اللذيبن‬
‫حيْ َ‬
‫بِ‬
‫ولقَ ْد أتَانبا فب الص ّ‬
‫بِروَاَي ِة الثّق ِة الصببببببُ ُد ْوقِ جَريرٍ‬
‫ببْحَانَهُ‬
‫أَنّبب العِبَا َد يَر ْونَهبببُ سبب ُ‬
‫ب فا ْحفَظُوا‬
‫بتَ َط ْعتُمْ ُك ّل وَقْت ٍ‬
‫ب اس ْ‬
‫فإن ْ‬
‫ب امْرُوءٌ‬
‫ب وعَشْ ُروْن َ‬
‫ولقبد َروَى ِبضْع ٌ‬
‫أ ْخبَارَ هذا الباب عَمّنببْ قَبد أتَبى‬
‫وَألَ ُذ شَيءٍ لِ ْل ُقُلوَبببِ َفهَذِهببِ الخبارُ‬
‫ب‬
‫وال لَول ُر ْؤَيةُ الرّحْمَبن فب الَنّات ِ‬
‫ب َنعِيْمببُ ُر ْؤَيةِ وجْههببِ‬
‫أعْلَى الّنعِيْمب ِ‬
‫وأشدُ شيءٍ فبب العَذَابببِ ِحجَابُهببُ‬
‫بوْا الذِي بْ‬
‫وإذا رَآه بُ الُؤمِنُون بَ نَس ُ‬
‫فإذا َتوَارَى َعنْهُبببببم عَادُوا إل‬
‫بوَى‬
‫بد ُر ْؤَيتِهبِ س ِ‬
‫ب عنب‬
‫فَلَهُبم َنعِيْم ٌ‬
‫ْرفب خَلْق ِه‬
‫سبؤَا َل أع ِ‬
‫ت ُ‬
‫سب ِم ْع َ‬
‫أو م َا َ‬
‫شَوقًبببا إليبببه وَلَ َذ ِة النّ َظرِ الذِي‬
‫ْقب لَ َذةٌ ُروُحبه فب هذه ال ّدنْي َا‬
‫شو ُ‬
‫فال ّ‬
‫تَ ْلتَ ُذ بالنّظَرِ الذي فَازَتبببْ ببببه‬
‫وال مَببا فبب هذه ال ُدنْيَببا ألَذُ‬

‫يُخْبب ُب عببن ُمنَادِي َجّن ِة الَيَوانببِ‬
‫ب بضَمَانببِ‬
‫هَببو ُمنْجِزُهببُ لكُمب ْ‬
‫أعْمَالنَببا َثقّلْتببَ فبب ا ِليْزَانببِ‬
‫ب مَدْ َخ ِل النِيانببِ‬
‫أجَ ْرتَنَببا مِنب ْ‬
‫ب بِرَ ْحمَتْبب و َحنَانْبب‬
‫أعْطِْيكُمُوهب ُ‬
‫بببِ‬
‫بببْلِم ِبَبيَانب‬
‫َجهْرًا َروَى َذ مُسب‬
‫ب‬
‫ب بعبد قُرآن ِ‬
‫ب ّح الكُتْب ِ‬
‫هُمَبا أص َ‬
‫البجليّبب عَمّنبب جَاء بالقُرْآنببِ‬
‫ُرؤْيبا ال ِعيَانبَ كَمَبا يُرَى القَمَرَانبِ‬
‫ب‬
‫ب مبا عِشْتُبم مَدَى الزمان ِ‬
‫البَ ْر َديْن ِ‬
‫مِبن ص بَحْب أحْ َمدِ ِخيْرةِ الرّ ْحمَن بِ‬
‫ل بل ِكتْمَانببِ‬
‫بالوَحْببي َتفْصببِْي ً‬

‫ب‬
‫ب أ ْمثَالِهَبا هبي َبهْجَبة اليْمَان ِ‬
‫مَع ْ‬
‫مَببا طَابَببت لذِي العِرْفَانبببِ‬
‫ليَوان ببِ‬
‫بب َجّنةِ ا َ‬
‫وخِطَابُببه فب‬
‫ببْحَانَه عببن سببَاكِن الِنيْرَانببِ‬
‫سبُ‬
‫هُمببْ فيببه ِممّابب نَالَت العَْينَانببِ‬
‫لَذَاتِهببم مِببن سببَائِ ِر الْلوَانببِ‬
‫حبَذا المْرَانبببِ‬
‫هذا الّنعِيْمبببِ فَ َ‬
‫ب بالقُرْآنبببِ‬
‫ب الَْبعُوثبب ِ‬
‫بِجَلَالِهبب ِ‬
‫بَلَا ِل َوجْهببِ الربببِ ذِي السببُلْطَانِ‬
‫َوَيوْمبببَ ِقيَامَهبببِ البْدَانبببِ‬
‫ب هَذِهببِ ال َعيْنَانببِ‬
‫ُدوْنببَ الَوارحب ِ‬
‫‪265‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ببْحَانَهُ مِببن اشَتيَاقببِ ال َعبْدِ لِلرّحْمَنببِ‬
‫وَكَذَاكببَ ُر ْؤَي ُة وَ ْجهِهببِ سب ُ‬
‫ب للنْسببَانِ‬
‫هببي أَكْ َملُ اللذّاتب ِ‬
‫اللهم انفعنا با علّمتنا‪ ،‬وعلمنا ما ينفعُنا‪ ،‬ووفقنا للعمل با فهمتنا‪ ،‬الل ُهمّ إن‬
‫ُكنّا ُمقَصّريْنَ ف حفظ حقك‪ ،‬والوفاء بعهدكَ‪ ،‬فأنْتَ تَعَْلمُ صِدَْقنَا ف رجاء رفْدِكَ‪،‬‬
‫وخالص ودّ كَ‪ ،‬اللهُمّ أ نت أعل ُم ب نا منّ ا‪ ،‬فبكمال ُج ْودَ كَ تاوز عَنّ ا‪ ،‬واغ فر ل نا‬
‫ولوالدي نا ولم يع ال سلمي‪ ،‬الحياء من هم واليت ي‪ ،‬برحت كَ يا أرح مَ الراح ي‪،‬‬
‫وصل ال على ممد وعلى آله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال بعض هم‪ :‬بين ما أ نا سائر ف ب عض جبال ب يت القدس إ ْذ هب طت إل وادٍ‬
‫ي منه فاّتبَ ْعتُ الصوت‪.‬‬
‫ك البالِ َدوِ ٌ‬
‫هناك وإذا أنا بصوت عالٍ ولتل َ‬
‫جدُ‬
‫فإذا أنا بروض ٍة فيها شجر مُ ْلتَ فٌ وإذا برجل قائم يُرددُ هذه الية‪ :‬يَوْ َم َت ِ‬
‫ت مِن سُوءٍ تَ َو ّد لَ ْو أَنّ بَيَْنهَا َوبَيْنَهُ‬
‫ضرًا َومَا عَمِلَ ْ‬
‫ت مِنْ خَ ْي ٍر مّحْ َ‬
‫ُك ّل َنفْسٍ مّا عَمِ َل ْ‬
‫حذّرُ ُك ُم اللّ ُه َن ْفسَهُ ‪.‬‬
‫َأمَدًا َبعِيدًا َويُ َ‬
‫صيْحةً َخ ّر مغشيًا عل يه فانتظر ُ‬
‫ت‬
‫قال‪ :‬فوق فت وهو يُردد هذه ال ية ث صاحَ َ‬
‫إفاقته‪ ،‬فأفاق بعد ساعة‪ ،‬وهو يقول‪ :‬أعو َذ ب كَ مِن أعمال البطالي وأعوذُ بك من‬
‫إعراض الغافلي‪.‬‬
‫ب العارفي‬
‫ب الائفي وفزع تْ أعمال القصرين‪ ،‬وذلّ تْ قلو ُ‬
‫لك خشعت قلو ُ‬
‫ث نف ضَ يديه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬مال ولل ّدنْيَا وما لل ُدنْيَا ول أيْ َن القرو نُ الاضية وأهلُ‬
‫الدُهور السّالِفة ف التراب يبَْلوْن وعلى مر الدهُور يفنون‪.‬‬
‫فناديتُ هُ‪ :‬يا عبدال‪ ،‬أنا ُمنْ ُذ اليوم خلفك انتظرُ فراغك‪ ،‬قال‪ :‬وكيف يفر غُ من‬
‫ت آثامُه‪.‬‬
‫يبادر الوقات وتبادرُه كيف يفرغَ من ذهبت أيامُه وبقي ْ‬

‫‪266‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ث قال‪ :‬أنت لا ولكل شدة أتوقع يُرددُها ث لى عن ساعة‪ ،‬وقرأ‪َ :‬وَبدَا لَهُم‬

‫سبُونَ ث صاح صِيحةً أشد من الول وخَر مغشيًا عليه‪،‬‬
‫مّنَ ال ّلهِ مَا لَمْ يَكُونُوا َيحْتَ ِ‬
‫فقلتُ‪ :‬قد خرَجت َنفْسُه‪.‬‬
‫ق وهو يقولُ‪ :‬مَن أنا مَا خطري ه بْ ل‬
‫فدنوت منه‪ ،‬فإذا هُو َيضْطَرب ث أفا َ‬
‫ك إذا وقفتُ َبيْن يَ َديَك‪.‬‬
‫إساءت بفضك وجللن بستر َك واعْفُ عن بكرم و ِجهْ َ‬
‫فقل تُ له‪ :‬يا سيدي بالذي ترجوه ِلَنفْ سِكَ وتث قُ به إل كلمتي‪ ،‬فقال‪ :‬عليك‬
‫بكلم من ينفع كَ كلمُه‪ ،‬ودع كلم من أوبقت هُ ُذنُوبه أنا ف هذا الوضع ما شاء‬
‫س وياهد ن‪ ،‬فلم ي د عونًا علي ليُخرج ن م ا أنا فيه غيك فإل يك‬
‫ال أجاه ُد إبلي َ‬
‫عن‪ ،‬فقد عطّلْتَ لسان‪ ،‬ومَالتْ إل حديثك ُش ْعَبةٌ من قلب فأنا أعوذ من شرك بن‬
‫أرجو أن يعيذن من سخطه‪.‬‬
‫فقلت ف نف سي‪ :‬هذا ول من أولياء ال أخاف أن أشغلُه عن ر به‪ ،‬ث ترك ته‬
‫ومضيتُ لوجهت‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫قدمتب الدينبة‪،‬‬
‫َ‬
‫ل وأعطاه عشرة آلف درهبم‪ ،‬وقال له‪ :‬إذا‬
‫وصبَى رجلٌ ر ُج ً‬
‫فان ظر أفقرَ أ هل ب يت بالدي نة فأعط هم إيّا ها ف ُدلّ على أ هل ب يت‪ ،‬فطرق الباب‪،‬‬
‫فأجابتهُ امرأةٌ قائلةً من أنْتَ؟‬
‫فقال‪ :‬أ نا رجلٌ من أ هل بغداد أودع تُ عشرة آلف‪ ،‬وأمر تُ أن أ سَلّمهَا إل‬
‫أفقر أهل بالدينة وَق ْد وصفهُم ل‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬يا عبدال‪ ،‬إن صاحبك اشترط أف قر أ هل بي تٍ وهؤلء الذ ين بإزائ نا‬
‫ت الباب‪ ،‬فأجابت ن امرأة‪ ،‬فقلت ل ا م ثل‬
‫أف قر م نا فتركت هم وأت يت أولئك فطرق ُ‬
‫الذي قُل تُ لتلك الرأة‪ ،‬فقالت‪ :‬يا عبدال‪ ،‬ن نُ وجياُننَا ف الفقر سواء‪ ،‬فاقسمها‬
‫بيننا وبينهم‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ِمب عبن فَطَامِهَا‬
‫ِعب الدُنيبا انْفَط ْ‬
‫أيبا رَاض َ‬
‫بببَه‬
‫بببا لِيْنقِ َذ َنفْسب‬
‫أل عَام ٌل فيهب‬
‫أل آسبببِفٌ ُذوْ َل ْو َعةٍ وتَخرّقبببٍ‬
‫بن ُذنُوبِه بِ‬
‫بتَ ْغفِرُ مب‬
‫أل مُ ْذنِب بُ مُس ْ‬
‫شَيةِ ال خَاضِع بٌ‬
‫أل خَاشِع بٌ مِبن خَ ْ‬
‫ب فب غَدٍ‬
‫بتَلْقون مبا ق ّدمْتُبم اليوم َ‬
‫سَ‬

‫ب َعنْهَبا الشوائِب بُ‬
‫بد آن َتْنهَاك َ‬
‫فقب‬
‫ب‬
‫ب فب طاعبة ال رَاغِب ُ‬
‫إل مُخْلص ٌ‬
‫ب الُزْن بِ نادِب‬
‫أل نَائِح بٌ ف ب مَأتَم ِ‬
‫شَيةِ ال رَاهِب بُ‬
‫أل خائِف بٌ مِبن خَ ْ‬
‫أل ناحِ ٌل َشوْقًببا إل ال ذَائببببُ‬
‫ببُ‬
‫جزَى بابب ُهوَ كَاسبِ‬
‫ئ يُ ْ‬
‫وكُ ُل امْر ٍ‬

‫قال القرطب ف «تفسيه» ف سورة النمل‪ :‬عند قول ال تعال‪َ :‬وقَالَ يَا أَيّهَا‬

‫النّا سُ ُعلّمْنَا مَنطِ َق الطّيْرِ ‪ ،‬قال مقاتل بن سليمان‪ :‬بينما سليمان بن داود جالس‬
‫ذات يوم إذ مَ ّر به طائرٌ يطوف‪.‬‬
‫فقال للسائه‪ :‬أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنا قالت ل‪ :‬السلم عليك أيها‬
‫اللك الُ سَلّط‪ ،‬والنب لبن إسرائيل‪ ،‬أعطاك ال الكرامة‪ ،‬وأظهرك على عدوك‪ ،‬إن‬
‫منطلق إل أفراخي‪ ،‬ث أمر بك ثانية و إنه سيجع إلينا الثانية‪.‬‬
‫ث رجع‪ ،‬فقال‪ :‬إنه يقول السلم عليك أيها اللك السلط إن شئت أن تأذن ل‬
‫كي ما اكت سبُ على أفرا خي ح ت يشبوا ث آت يك فاف عل ب ما شئت‪ ،‬فأ خبهم‬
‫سليمان با قال وأذن له فانطلق‪.‬‬
‫وقال فرقبد السببخي‪ :‬مَ ّر سبُليمان على بُلب ٍل فوق شجرة يُحركُب رأسبه ويُميلُ‬
‫ذنب هُ‪ ،‬فقال ل صحابه‪ :‬أتدرون ما يقول هذا البل بل؟ قالوا‪ :‬ل يا نب ال‪ ،‬قال‪ :‬إ نه‬
‫ت نصف ترة فعلى الدنيا العفاء‪.‬‬
‫يقول‪ :‬أكل ُ‬
‫ومرّ بد هد فوق شجرة و قد ن صب له صب فخًا‪ ،‬فقال له سليمان‪ :‬احذَرْ يا‬
‫هُ ْدهُدُ‪ ،‬فقال‪ :‬يا نب ال‪ ،‬هذا صب ل عقْلَ لَ ُه فأنا أسْخَر به‪.‬‬
‫ث رجع سليمان فوجده قد وقع ف حبال ِة الصب وهو ف يده‪ ،‬فقال هُدهد‪ :‬ما‬
‫ت فيها يا نب ال‪ ،‬قال‪ :‬وي كَ فأنْ تَ ترى الاء تت‬
‫هذا؟ قال‪ :‬ما رأيتُها حت وقع ُ‬
‫الرض أما ترى الفخّ؟ قال‪ :‬يا نب ال إذا نزل القضاء عَ ِميَ البصرُ‪.‬‬
‫‪268‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال ك عب‪ :‬صاح ورشان ع ند سليمان بن داود‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟‪,‬‬
‫قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إنه يقول لدُوا للموت وابنوا للخراب‪.‬‬
‫ت هذا‬
‫و صاحت فاختةٌ‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إن ا تقول ليْ َ‬
‫اللق ل يُخلقُوا وليتهُم إذ خلقوا علمُوا لا خُِلقُوا له‪.‬‬
‫و صاح عنده طاوس‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إ نه يقول ك ما‬
‫تدين تدان‪.‬‬
‫وصاح عنده هدهد‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إنه يقول مَن ل‬
‫يرحم ل يرحم‪.‬‬
‫برَد عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون مبا يقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إنبه يقول‬
‫وصباح ص ُ‬
‫استغفروا ال يا مذنبي‪ ،‬فمن ث نى رسول ال عن قتله‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬إن الصبرد هبو الذي دل آدم على مكان البيبت وهبو أول مبن صبام‪،‬‬
‫ولذلك يقال للصرد الصوام‪.‬‬
‫روي عن أب هريرة‪ ،‬وصاحت عنده طيطوي‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪:‬‬
‫ل‪ ،‬قال‪ :‬إنا تقول كلُ حَي َميّت وكلُ جديد بَالٍ‪.‬‬
‫وصباحت خَطّافبة عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون مبا تقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إناب تقول‬
‫ق ّدمُوا خْيرًا تدُوه‪ ،‬فم ْن ث نى رسولُ ال عن َقتْلِها‪.‬‬
‫وقيبل‪ :‬أن آدم خرج مبن النبة فاشتكبى إل ال الوحشبة فآنسبه ال تعال‬
‫بالطاف والزمها البيوت‪ ،‬فهي ل تفارق بن آدم أنسًا لم‪.‬‬
‫قال‪ :‬ومعها أربع آيات من كتاب ال عز وجل‪ :‬لَوْ أَن َزلْنَا َهذَا القُرْآ نَ عَلَى‬

‫جََبلٍ لّ َرأَيَْتهُ إل آخرها وتد صوتا بقوله العزيز الكيم‪.‬‬
‫وهدرت حامبة عنبد سبليمان‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون مبا تقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬إناب‬
‫تقول‪ :‬سبحان رب العلى عدد ما ف سواته وأرضه‪.‬‬
‫وصاح قمري عند سليمان‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ ،‬إنه يقول‬
‫سبحان رب العظيم الهيمن‪.‬‬
‫‪269‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال كعبب‪ :‬وحدثهبم سبليمان‪ ،‬فقال‪ :‬الغراب يقول‪ :‬اللهبم الْع َن العَشار‪،‬‬
‫ت سَلِمْ‪.‬‬
‫والدأة تقول‪ :‬كل شيء هالك إل وجهه‪ ،‬والقطاة تقول‪ :‬من َسكَ َ‬
‫والببغا ُء تقول‪ :‬و يل لِمَن الدنيا هّ ه‪ ،‬و الضفد عُ يقول‪ :‬سبحان الذكور ب كل‬
‫لسان ف كل مكان‪.‬‬
‫وقال مكحول‪ :‬صاح دراج ع ند سليمان‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ل‪،‬‬
‫قال‪ :‬إ نه يقول‪« :‬الرح ن على العرش ا ستوى»‪ ،‬وقال ال سن‪ :‬قال ال نب ‪« :‬إذا‬
‫صاح الديك‪ :‬قال اذكروا يا غافلي»‪.‬‬
‫وقال ال سن بن علي ا بن أ ب طالب‪ :‬قال ال نب ‪« :‬الن سر إذا صاح قال‪ :‬يا‬
‫ابن آدم عِش ما شئتَ فآخِركَ الوت»‪.‬‬
‫وإذا صاح العقاب‪ ،‬قال‪ :‬ف البعد عن الناس الراحة‪.‬‬
‫وإذا صباح الطاف‪ ،‬قرأ المبد ل رب العاليب إل آخرهبا‪ ،‬فيقول‪ :‬ول‬
‫الضال ي وي د ب ا صوته‪ ،‬ك ما ي د القارئ‪ ،‬قال قتادة والش عب‪ :‬إن ا هذا ال مر ف‬
‫الطي خاصة؛ لقوله‪ُ :‬علّمْنَا مَنطِ قَ الطّيْرِ ‪ ،‬والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة‪،‬‬
‫قال الشعب‪ :‬وكذلك كانت هذه النحلة ذات جناحي‪.‬‬
‫وقال‪ :‬فر قة‪ ،‬بل كان ف ج يع اليوان وإن ا ذ كر الط ي؛ ل نه كان جندًا من‬
‫جند سليمان يتاجه ف التظليل عن الشمس‪ ،‬وف البعث ف المور‪ ،‬فخص بالذكر‬
‫لكثرة مداخلته‪ ،‬ولن أمر سائر اليوان نادر وغي متردد ترداد أمر الطي‪.‬‬
‫وقال أبو جعفر النحاس‪ :‬والنطق يقع لا يفهم بغي كلم‪ ،‬وال جل وعز أعلم‬
‫با أراد‪ ،‬قال ابنُ العرب‪ :‬مَن قال‪ :‬إنه ل يعلم إل منطق الطي‪ ،‬فنقصان عظيم‪.‬‬

‫‪270‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫إليبب إنبب شاكرٌ لَكببَ حَا ِمدٌ‬
‫وأنّك بَ َمهْمَبا زَلّت بِ الّنعْ ُل بالفَتَبى‬
‫ب َتعَطُفًببا‬
‫ب مَجْدًا واَّنيْتب َ‬
‫َتبَاعَدْتب َ‬
‫بوَا َك ُم َعوّلٌ‬
‫ومببا ل على شيءٍ سب ِ‬
‫با‬
‫با وخَالِقًب‬
‫بو ل إلًب‬
‫أغَيْرَكببَ أدْعُب‬
‫ب‬
‫بوَاكَ فَلم َيقُم ْ‬
‫بس ِ‬
‫وقِدْمًبا دَعَبى قوم ٌ‬
‫ْقب الوَرى مِن دَلئِل‬
‫َكب فب خَل ِ‬
‫وكبم ل َ‬
‫ُوسبهُمْ‬
‫ْكب ُنف ُ‬
‫كَف َى ُمكْذِب ًا ِللْجَاحِ ِدي َ‬

‫ب وَجَاهِدُ‬
‫وإنب لَسبَاعٍ فب رضَاك َ‬
‫ب بالعف ِو عائد‬
‫على العَائِ ِد التّوبببب ِ‬
‫و ِحلْمًببا فأنْتببَ الُدّنبب ا ُلَتبَاعِدُ‬
‫بب ا ُل ْعضِلت ببُ الشدائدُ‬
‫إذا َدهَ َمتْنب‬
‫ب واحِدُ‬
‫ب أنّك َ‬
‫وقبد أوضحبَ البُ ْرهَان ُ‬
‫ب شاهِدُ‬
‫ب بُرْهان بٌ ول لح َ‬
‫على ذَاك َ‬
‫به ويُشَاهِدُ‬
‫با الفَتَبى ف ب نفسب‬
‫يَرَاهب‬
‫تُخَاصبببِ ُم ُهمْ إنبببْ أْنكَ ُروْا وُتعَانِدُ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫موعظة‬
‫قال ابن الوزي ب رحه ال ب‪:‬‬
‫اسبتم ْع يبا رهيب الفات والصبائب‪ ،‬يبا أسبي الطارقات النوائب‪ ،‬إياك وإياك‬
‫المال الكواذب‪ ،‬فالدنيا دا ٌر وليست بصاحب أما أرتْكَ ف فعلها العجائب‪.‬‬
‫فيمن مشى ف الشارق والغارب‪ ،‬ث أرتك فيك شيب الذوائبْ‪.‬‬
‫صوَاِئبْ‪ ،‬ل يَرُدّهَا مُحَارِ بْ‪ ،‬ول يفوتُ ها هار بْ‪،‬‬
‫ت أنّ سهامَ الوت َ‬
‫أ ما علم َ‬
‫صوْت‬
‫تدبّ إلينا دبيب اليّات والعَقارِ بْ‪ ،‬بينما أنْ تَ تسمعُ صوتَ م ْزهِر صار َ‬
‫نادِبْ‪.‬‬
‫يا أ سي حُبّ الدن يا إن قتل تك من نطالب كأ ن بك ق ْد بتّ فرحًا م سرورًا‪،‬‬
‫فأصبحت ترحًا مثبورًا‪ ،‬وتركتَ مالك ِل َغيَركَ َموْفُورًا‪.‬‬
‫وخرج من يدك فصار للكُ ّل ُشوْرَى‪ ،‬وعَاَينْتَ ما َفعَْلتَ ف الكتاب مَسْطْورًا‪.‬‬
‫صبَا ال صّبَا فعاد تْ َدبُورًا‪،‬‬
‫وعَلِمْ تَ أنك كن تَ ف الوى َمغْرُورًا‪ ،‬وا ستحالتْ َ‬
‫وأ سكنتَ لدًا ت صيُ ف يه مأ سورًا‪ ،‬ونزلت جدثًا خربًا وترك تَ ق صرًا معمورًا‪،‬‬
‫ودخلت ف خب كان َوكَانَ أَمْرُ ال ّلهِ َقدَرًا ّم ْقدُورًا ‪.‬‬
‫‪271‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ومببا هذه ال ُدنْيَببا بَدارِ إقَامَببة‬
‫هبببي الدّارُ إل أنّهَبببا كَ َمفَا َزةٍ‬
‫لنب مَ ّر ال ِد يْديبن فب الوغَبى‬
‫وإنّاب ْ‬
‫ب ِمفْصببَلٌ‬
‫ل والَلئِقب ُ‬
‫بً‬
‫تُجَرّ ُد نَصب ْ‬
‫ومببا َخ ْلفَنَبا منهببا َمفَرٌ لابب رب‬
‫بيْرهُ‬
‫ب طَا َل الّثوَاءُ مَص ِ‬
‫وكُ ٌل وإن ْ‬

‫ب فيهببا القاطنببُ الترحّلُ‬
‫َفيَحزَنب ُ‬
‫ب َتحَمّلُوا‬
‫ب ورَكْب ٌ‬
‫ب باب رَكْب ٌ‬
‫أنَاخ َ‬
‫حفَلُ‬
‫حفَلٌ َكرّ َج ْ‬
‫إذا مَ ّر منهببببا جَ ْ‬
‫بهْمًا والبَريّةبب َم ْقتَلُ‬
‫وُتْنبِضببُ سب َ‬
‫بف لنبب رام النجاة التخيببل‬
‫فكيَب‬
‫إل َموْرِدٍ مببا عنببه للخلق َمعْدِلُ‬

‫أيبن الوالدان وعمبا ولدوا؟ أيبن البارون؟ وأيبن مبا قصبدوا؟ أيبن أرباب‬
‫العاصبي على ماذا وردوا؟ أم َا جَنوا ثرات مبا جنوا وحصبدوا‪ ،‬أمبا قدموا على‬
‫أعمالم ف مآلم ووفدوا‪ ،‬أما خلوا ف ظلمات القبور‪.‬‬
‫بكوا وال على تفريطهم وانفردوا أما ذَلّوا وقلوا بعد أن عتوا ومردوا أما طلبو‬
‫ا زادًا يكفي ف طريقهم ففقدوا‪.‬‬
‫عاينوا وال كلّ ما قدّموا ووجدُوا‪ ،‬فمنهم أقوام شقوا‪ ،‬ومنهم أقوام سعدوا‪.‬‬
‫كان اب ُن ال سماك يقول‪ :‬أل منت به من رقدة؟ أل م ستيقظ من غفلة؟ أل مف يق‬
‫من سكرته؟ أل خائف من صرعته؟‬
‫أق سم بال لو رأ يت القيا مة ت فق بزلزل أهوال ا و قد عَلت النار مِشر فة على‬
‫أهلها وجيء بالنبيي والشهداء لس ّركَ أن يكون لك ف ذلك المع منلة وزلفى‪.‬‬
‫اهب‪.‬‬
‫ب وال يببا هَذَا ِلرِزْقِكببَ ضَامِنببُ‬
‫ببَ َق القَضَا ُء بكبل مبا هُبو كائِن ُ‬
‫سَ‬
‫حوَادِثببِ آمِنببُ‬
‫بي كأنّكببَ لِلْ َ‬
‫ب ُتعْنَب‬
‫ب مبا بِه ِ‬
‫َتعْنِبي باب ُتكْفَبي وتَتْرك ُ‬
‫با آمِنببُ‬
‫أو مَبا تَرىَ الدُنيَبا ومَصبْرعَ أهلِهَبا فاعْمَلْ ِليَومببِ ِفرَاقِهببا يَب‬
‫حتَ ت َمعُه بُ ِل َغيْرك بَ خَازن بُ‬
‫ببَ ْ‬
‫ب بأنّكببَ ل أبالَكببَ الذي أص ْ‬
‫واعْلَمب ْ‬
‫بن النيةِ سببَاكِنُ‬
‫يبببا عَامِرَ الدنيبببا أِتعْمُ ُر َمنْزلً ل َيبْقببَ فيهببِ مِب‬
‫ب ُمَتهَاوِنببُ‬
‫ب وأنْتببَ بِذِ ْكرِهب ِ‬
‫ب شيءٌ أنْتببَ َتعْلَمببُ أنّهببُ حَقبٌ‬
‫الوتب ُ‬
‫بتَأ ِذنُ‬
‫با ول تَسب ْ‬
‫بت فبب َنفْسببِ ِه يَومًب‬
‫ب الِنيّ َة ل تُؤامِببر مِببن أتَب‬
‫إنّب‬
‫‪272‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل ف ذكر طرف ما حدث ف بعض السني من الوبية والمراض‬
‫أجدبت الرض ف سنة ثان عشرة فكانت الريح تسفي ترابًا كالرماد فسمي‬
‫عام الرمادة‪ ،‬وجعلت الوحوش تأوي إل النس‪ ،‬فآل ع مر أل يذوق سنًا ول لبنًا‬
‫ول لمًا حت يي الناس‪ ،‬واستسقى العباس‪ ،‬فسقوا‪.‬‬
‫وفي ها كان طاعون عمواس مات ف يه أ بو عبيدة ومعاذ وأ نس‪ ،‬و ف سنة أر بع‬
‫وستي وقع طاعون بالبصرة وماتت أم أميهم فما وجدوا من يملها‪.‬‬
‫وف سنة ست وتسعي كان طاعون الارف هلك ف ثلث أيام سبعون أ لفًا‬
‫ومات فيه لنس ثانون ولدًا وكان يوت أهل الدار فيطي الباب عليهم‪.‬‬
‫و ف سنة إحدى وثلث ي ومائة مات أول يوم ف الطاعو نة سبعون ألفًا‪ ،‬و ف‬
‫ف وسبعون ألفًا‪ ،‬وف اليوم الثالث خد الناس‪.‬‬
‫الثان نيّ ٌ‬
‫و ف سنة أر بع وثلث ي وثلث مائة ُذبِ َح الطفال وأكلت ال يف وب يع العقار‬
‫برغفان واشترى لِعزِ الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم‪.‬‬
‫و ف سنة أر بع وأربع ي وثلثائة أ صاب أ هل الب صرة حَ ٌر فكانوا يت ساقطون‬
‫موتى ف الطرقات‪.‬‬
‫وف سنة ثان وأربعي وأربعمائة عم القحط فأكلت اليتة وبلغ الكوك من بزر‬
‫البقلة سبع دناني‪ ،‬والسفرجلة والرمانة دينارًا واليارة واللينوفرة دينارًا‪ ،‬وورد الب‬
‫‪273‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫من م صر بأن ثل ثة من الل صوص نقبوا دارًا فوجدوا ع ند ال صباح مو تى أحد هم‬
‫على باب النقب‪ ،‬والثان على رأس الدرجة‪ ،‬والثالث على الثياب الكورة‪.‬‬
‫وف السنة الت تليها وقع وباء‪ ،‬فكان تفر زبية لعشرين وثلثي فيلقون فيها‪،‬‬
‫وتاب الناس كلهم وأراقوا المور ولزموا الساجد‪.‬‬
‫و ف سنة ست وخ سي وأربعمائة و قع الوباء وبلغ الر طل من الت مر الندي‬
‫أربعة دناني‪ ،‬وف سنة اثنتي وستي وأربعمائة اشتد الوع والوباء بصر حت أكل‬
‫الناس بعض هم بعضًا وب يع اللوز وال سكر بوزن الدرا هم والبي ضة بعشرة قرار يط‪،‬‬
‫وخرج وزير صاح مصر إليه فنل عن بغلته فأخذها ثلثة فأكلوها فصلبوا فأصبح‬
‫الناس ل يرون إل عظامهبم تتب خشبهبم وقبد أكلوا‪ ،‬وفب سبنة أرببع وسبتي‬
‫وأربعمائة وقع الوت ف الدواب حت إن راعيًا قام إل الغنم وقت الصباح ليسوقها‬
‫فوجدوها كلها موتى‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫وقال ا بن كث ي ب رح ه ال ب‪ :‬و ف سنة أر بع وثلث ي وثلثائة و قع غلء‬
‫شد يد ببغداد ح ت أكلوا الي تة وال سناني والكلب‪ ،‬وكان من الناس من ي سرق‬
‫الولد فيشويهم ويأكلهم‪.‬‬
‫وك ثر الوباء ف الناس ح ت كان ل يد فن أحدٌ أحدًا‪ ،‬بل يُتركون على الطرق‬
‫فيأكل كثيًا منهم الكلب‪.‬‬
‫وبيعت الدور بالبز وانتجع الناسُ إل البصْرة فكان منهم من مات ف الطريق‪.‬‬
‫وذكر ب رحه ال ب أن ف سنة اثنتي وثلثي وثلثائة ف جاد الول غلت‬
‫السعار ببغداد جدًا وكثُرت المطار حت تدم البناء‪ ،‬و مات كثي من الناس تت‬
‫الدم وتعطّلت أكثر الساجد من قلة الناس‪.‬‬
‫ونق صت قي مة العقار ح ت ب يع م نه بالدر هم ما يُ ساوي الدينار وخلت الدُور‬
‫وكان الدّللُون يُعطُون من يسكنُها أجرة ليحفظها من الداخلي إليها ليُخرُبوْها‪.‬‬
‫وكثرت الكب ساتُ من الل صوص بالل يل ح ت كان الناس يتحار سُون وكثُرت‬
‫الفتُ من كل جهة إِنّا لِ ّلهِ َوإِنّا ِإلَيْهِ رَا ِجعُونَ ‪ .‬اهب‪.‬‬
‫‪274‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ث وثلث ي وخ سمائة كا نت زلزلة عظي مة بدي نة جبت فمات‬
‫و ف سنة ثل ٍ‬
‫بسببها مائتا ألف وثلثون ألفًا وصار مكانا ماء أسود عشرة فراسخ ف مثلها‪.‬‬
‫وزلزل أ هل حلب ف ليلة واحدة ثان ي مرة‪ ،‬فو ضع ال سلطان ممود مكو سًا‬
‫كثية عن الناس وكثُرت الدعية له‪.‬‬
‫قال‪ :‬و ف سنة اثنت ي وخ سي وخ سمائة كا نت زلزلة عظي مة بالشام هلك‬
‫بسببها خلق كثي ل يعلمهم إل ال‪.‬‬
‫وتدّم أكثرُ حلب وحاة وشيز وحصب وكفبر طاب وحصبن الكراد والعرّة‬
‫وقامية واللذقية وأنطاكية وطرابُلس‪.‬‬
‫قال‪ :‬وقال اب ُن الوزي‪ :‬وأما قامية فساخت قلعتها وتل حران انقسم قسمي‬
‫فأبدى نواويس وبيوت كثية ف وسطه‪.‬‬
‫وتدّمت أسوار أكثر مدن الشام حت أن مكتبًا من مدينة حاة اندم على من‬
‫فيه من الصغار فهلكوا عن آخرهم‪.‬‬
‫وف سنة أربع وعشرين ومائتي زلزلت فرغانة فمات فيها خسة عشر ألفًا‪.‬‬
‫و ف ال سنة ال ت تلي ها رج فت الهواز وت صعدت البال وهرب أ هل البلد إل‬
‫البحر والسفن ودامت ستة عشر يومًا‪.‬‬
‫و ف ال سنة ال ت تلي ها م طر أ هل تي ما مطرًا وبردًا كالب يض‪ ،‬فق تل به ‪370‬‬
‫إنسانًا‪.‬‬
‫وسع ف ذلك صوت يقول‪ :‬ارحم عبادك‪ ،‬اعف عن عبادك‪.‬‬
‫ونظروا إل أثر قدم طولا ذراع بل أصابع وعرضها ش ٌب وبي الطوتي خس‬
‫أذرع أو ستة‪.‬‬
‫فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتًا ول يرون شخصًا‪.‬‬
‫وف سنة ‪ 233‬رجفت دمشق رجفة انقضت منها البيوت وسقطت على من‬
‫فيها فمات خلق كثي‪.‬‬
‫وانكفأت قرية ف الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إل رجل واحد‪.‬‬
‫‪275‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وزلزلَت أنطاكية فمات منها عشرون ألفًا‪.‬‬
‫وف السنة الت تليها هبت ريح شديدة ل يعهد مثلها فاتصلت نيفًا وخسي‬
‫يومًا‪.‬‬
‫وشلت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان وهوازن‪.‬‬
‫ث ذهبت إل هدان فأحرقت الزرع‪.‬‬
‫ث ذهبت إل الوصل فمنعت الناس من السعي وتعطلت السواق‪.‬‬
‫وزلزلت هراة فوقعت الدور‪.‬‬
‫وذكروا أشياء كثية غريبة عجيبة يطول ذكرها اقتصرنا منها على هذا الطرف‬
‫اليسي الذي ربا يكون سببًا للعتبار والتيقظ والرجوع إل ال‪.‬‬
‫ن سأل ال ال ي القيوم العلي العظ يم الوا حد ال حد الفرد ال صمد الذي ل يلد‬
‫ول يولد ول يكن له كفوًا أحد‪.‬‬
‫أن يو قظ قلوبنا وي ستر عيوبنا ويغ فر ذنوبنا ويثبتنا على قوله الثا بت ف الياة‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬إنه سيع قريب على كل شيء قدير‪.‬‬

‫‪276‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب النام بِ مَطَالب ب‬
‫برَ ْفتُ إل رِب ّ‬
‫ص َ‬
‫ب العْلَى الذّي ليسبَ فَوقَهبُ‬
‫إل الَلِك ِ‬
‫ب‬
‫ب ُجوْدُه ُ‬
‫بمَ ِد البَرّ الذي فَاض َ‬
‫إل الص ّ‬
‫ُمقِيْليببْ إذا زَلّتببْ بَب الّنعْ ُل عَاثِرًا‬
‫با‬
‫با زَا َل ُيوِْليْنبب الَ ِميْ َل تَلَطّفًب‬
‫فَمَب‬
‫ل وَقبْلَهَببا‬
‫ل وكه ً‬
‫ويَرْزُقُنببب طِ ْف ً‬
‫ب ُدوْنب قُصبُو َرهُمْ‬
‫ب المْلَاك ُ‬
‫إذا أغْلَق َ‬
‫بُ إل بَاب ا ُل َهيْمِبن طارقًبا‬
‫فِزعْتب‬
‫با وَل أخْشببَ مِْن َعةً‬
‫فلم ألْف حُجّابًب‬
‫ب كُلّمَبا دَعَبا‬
‫ب يُلَبْبي عَبْدَه ُ‬
‫كَريْم ٌ‬
‫س بَأسْألهُ مَبا شِئت بُ إنّب يَ ِمْينَه بُ‬
‫ب الَرّاهِ ِز مَ ْلجًَبا‬
‫ببِيَ رَبْب فب‬
‫فَحَسبْ‬

‫ب َومَآربب‬
‫حوَه ُ‬
‫ب وَجْهِبي َن ْ‬
‫َووَ ّجهْت ُ‬
‫ب‬
‫بْيبُهُ فب الْتَاعِب ِ‬
‫ب يُ َرجّىب س َ‬
‫مَليْك ٌ‬
‫وعَمّبب الوَرَى طُرًا َبزْ ِل ا َلوَاهِبببِ‬
‫ب وَاهِبببِ‬
‫وأسببْمَ َح َغفّارٍ وأكْرمب َ‬
‫ب‬
‫بدُورِ النّوائِب ِ‬
‫ب َعنّيب فب ص ُ‬
‫ويَدْفَع ُ‬
‫ببِ‬
‫ب وَبّب الكاسبِ‬
‫َجنِيْنًبا ويْ ِميْنب‬
‫ِبب‬
‫ِمب َزجْرُ حَاج ِ‬
‫وَنهْنَبه عبن غِشْياِنه ْ‬
‫مُدِلً أُنادِي بإسببْمِهِ غيبب هائِبببِ‬
‫ِبب‬
‫َامب ال َكوَاك ِ‬
‫ْقب ه ِ‬
‫سبؤْلِيْ َفو َ‬
‫ولو كَان ُ‬
‫َنهَارًا وَليْلً فب الدُجَبى والغَياهِببِ‬
‫تَسببِحّ دِفَاقًبا باللّهَبى وال ّرغَائِبببِ‬
‫ب‬
‫بهِا ُم النّوائِب ِ‬
‫بس ِ‬
‫و ِحرْزًا إذا ِخْيفَت ْ‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فوائد نافعة حول الفتاء والستفتاء‬
‫اعلم وفق نا ال وإياك وج يع ال سلمي ل ا ي به ويرضاه أن ال ُفتْيَا أمر ها عظ يم‪،‬‬
‫ولقد كان السلف –رحهم ال‪ -‬يأبون الفُتيا‪ ،‬ويُشددون فيها‪ ،‬ويتدافعون عكس‬
‫ما عليه علماء هذا العصر‪.‬‬
‫فعن عبدالرحن بن أب ليلى قال‪ :‬أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول‬
‫ال يُسئلُ أحدهم عن السألة ف ُي ّدهَا هذا إل هذا‪ ،‬وهذا إل هذا حت ترجع إل‬
‫الول‪.‬‬
‫وف رواية ما منهم من يُحدث بديث إل ود أن أخاه كفاه إياه‪ ،‬ول يُستفت‬
‫عن ش يء إل ودّ أن أخاه كفاه الفُت يا‪ ،‬وأن كر المام أح د وغيه على من يهج مُ‬
‫على الواب؛ لب‪« :‬أجرؤكم على الفُتيا أجرؤكم على النار»‪.‬‬
‫‪277‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال المام أحد‪ :‬ل ينبغي أن ييب ف كل ما يُ ستفت فيه‪ ،‬وقال‪ :‬ل ينبغي‬
‫للرجل أن يُعرض نفسه للفُتيا حت يكون فيه خس خصال‪:‬‬
‫أحدهبا‪ :‬أن تكون له نيبة‪ ،‬وهبي أن يلص ل تعال‪ ،‬ول يقصبد رياسبًة ول‬
‫نوها‪ ،‬فإن ل يكن له نية ل يكن عليه نور‪ ،‬ول على كلمه نور‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬أن يكون له حلم ووقار وسكينة‪ ،‬وإل ل يتمكن من فعل ما تصدّى له‬
‫من بيان الحكام الشرعية‪.‬‬
‫الثال ثة‪ :‬أن يكون قويًا على ما هو ف يه وعلى معرف ته‪ ،‬وإل ف قد عرّض نف سه‬
‫لطر عظيم‪.‬‬
‫الراب عة‪ :‬الكفّا ية‪ ،‬وإل أبغض ُه الناس؛ ل نه احتاج إل الناس وإل ال خذ م ا ف‬
‫أيديهم‪ ،‬فيتضررون منه‪.‬‬
‫الامسة‪ :‬معرفة الناس بأن يكون بصيًا بكرهم وخداعهم‪ ،‬ليكون حذرًا منهم‬
‫لئلً يوقعوه ف الكروه‪.‬‬
‫وإليك ما ورد ف ذلك‪ ،‬نقل اليمون عن المام أحد أنه سُئل عن حديث‪،‬‬
‫فقال‪ :‬سلوا أ صحاب الغر يب فإ ن أخاف أن أتكلم ف قول ر سول ال بال ظن‬
‫فأخطئ‪.‬‬
‫ت الصمعي عن حديث النب‬
‫وقال أبو داود الطيالسي‪ :‬سعتُ شُعبة قال‪ :‬سأل ُ‬
‫‪« :‬إنه َلُيغَانُ على قلب» ما معن ُيغَان؟‬
‫قال‪ :‬فقال ل هذا الديث عن رسول ال ‪ ،‬فقل تُ‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬لو كان عن‬
‫غي النب لفسّرْتُ ذلك‪ ،‬ولكن عن النب ل أجترئ عليه‪.‬‬
‫وعن الصمعي عن مُعتمر بن سُليمان عن أبيه قال‪ :‬كانوا يتقون حديث النب‬
‫كما يتقون تفسي القرآن‪.‬‬
‫وكان المام أحد ييء إل أب عبيد يسأله ف الغريب روى ذلك اللل‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال ابن عباس‪ :‬إذا ترك العال ل أدري أصيبت مقالته‪ ،‬وقال‪ :‬كان رسول ال‬
‫إمام السلمي وسيد العالي يسأل عن الشيء فل ييب حت يأتيه الوحي من‬
‫السماء‪.‬‬
‫وقال الشعب‪ :‬ل أدري نصف العلم‪.‬‬
‫َسب ُل عبن الشيبء فيقدّم ويؤخبر‬
‫وقال أحدب فب روايبة الروذي‪ :‬كان مالك ي ْئ‬
‫يتثبت‪ ،‬وهؤلء يقيسون على قوله‪ ،‬ويقولون‪ :‬قال مالك‪.‬‬
‫وعبن علي ببن أبب طالب قال‪ :‬مبن عِلْم الرجبل أن يقول لاب ل يعلم‪ :‬ال‬
‫أعلم؛ لن ال عز وجل قال لرسوله‬

‫‪ :‬قُلْ مَا أَ ْسأَلُ ُكمْ عَلَيْ هِ مِ نْ أَجْرٍ َومَا أَنَا مِ نَ‬

‫الُتَكَ ّلفِيَ ‪.‬‬
‫و صح عن ا بن ع مر ب ر ضي ال عنه ما ب قال‪ :‬العلم ثل ثة‪ :‬كتاب ناط قٌ‪،‬‬
‫وسّنة ماضية‪ ،‬ول أدري‪.‬‬
‫وقال أحد ف رواية الروذي‪ :‬ليس ف كل شيء ينبغي أن يُتكلم فيه‪ ،‬وذكر‬
‫أحاديث النب كان يُسأل فيقول ل أدري حت أسأل جبيل‪.‬‬
‫وقال عبدال‪ :‬سعتُ أب يقول‪ :‬كان سفيان ل يكاد يفت ف الطلق‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫مَ ْن يُحسنُ ذا من يُحسنُ ذا‪.‬‬
‫وقال ف رواية الارث‪ :‬ودد تُ أنه ل يسألن أحد عن مسألة أو ما شيء أشد‬
‫علي من أن أسأل عن هذه السائل البلء يُخرجُه الرج ُل عن عُُنقِه ويُقَلّدك‪.‬‬
‫وخاصّة مسائل الطلق والفُروج‪ ،‬ونقل الثرم عنه أنه سأله عن شيء‪ ،‬فقلتُ‪:‬‬
‫كيف هو عندك‪ ،‬فقال‪ :‬وما عندي أنا‪.‬‬
‫و سعتُه يقول‪ :‬إن ا هو يع ن العل مَ ما جاء من فوق‪ ،‬وقال سفيان‪ :‬من فت نة‬
‫ب إليه من السكوت‪.‬‬
‫الرجل إذا كان فقيهًا أن يكون الكلم أح ّ‬
‫وقال الروذي‪ :‬قُل تُ لب عبدال إن العال يظنون عنده عل مُ كل شيء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫قال ابن مسعود ‪ :‬إن الذي يُفت الناس ف كل ما يستفتُونه لجنُون‪ ،‬وأنكر أبو‬
‫عبدال على من يتهجّم ف السائل والوابات‪.‬‬
‫‪279‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬وسعتُ أبا عبدال يقول‪ :‬ليتّ قِ ال عب ٌد ولينظر ما يقول وما يتكلم‪ ،‬فإنه‬
‫مسئول‪.‬‬
‫الناسب على مذهببه‪ ،‬ويُشدّد‬
‫َ‬
‫وقال‪ :‬مبن أفتب الناس ليبس ينبغبي له أن يُحيبل‬
‫عليهم‪.‬‬
‫وقال ف رواية القاسم‪ :‬إنا ينبغي أن يُؤمر الناسُ بالمر البي الذي ل شك فيه‬
‫وليت الناس إذا أمروا بالشيء الصحيح أن ل ياوزوه‪.‬‬
‫ونقل ممد بن أب طاهر عنه أنه سُئل عن مسألة ف الطلق‪ ،‬فقال‪ :‬س ْل غيي‬
‫ليس ل أن أفت بالطلق بشيء‪.‬‬
‫وقال ف رواية ابن منصور‪ :‬ل ينبغي أن تُجي بَ ف كل ما يُستفت‪ ،‬وصح عن‬
‫مالك أنه قال‪ :‬ذ ٌل وإهانةٌ للعال أن تيب كُلّ من سألَكَ‪.‬‬
‫وقال أيضًا‪ :‬ك ُل مَن أ خبَ النا سَ ب كل ما ي سم ُع فهُو منُون‪ ،‬وقال أح د ف‬
‫رواية أحد بن علي البار‪ ،‬وقال له رجل‪َ :‬حَلفْ تُ بيميْ ل أدري أيش هي؟ قال‪:‬‬
‫ت أنك إذا دَ َرْيتَ دَ َرْيتُ أنا‪.‬‬
‫لي َ‬
‫وقال ف رواية الثرم‪ :‬إذا هاب الرجل شيئًا فل ينبغي أن يمل على أن يقول‪.‬‬
‫وقال ف روايبة الروذي‪ :‬إن الذي يُفتب الناس يتقلدُ أمرًا عظيمًا‪ ،‬وقال‪ :‬يُقدم‬
‫على أمر عظيم ينبغي لن أفت أن يكون عالًا بقول من تقدم وإل فل يُفت‪.‬‬
‫وقال ف رواية اليمون‪ :‬من تكلم ف شيء ليس له فيه إمام أخاف عليه الطأ‪.‬‬
‫وقال الثوري‪ :‬ل نزال نتعلم ما وجد نا من يعلم نا‪ ،‬وقال أح د‪ :‬ن ن ال ساعة‬
‫نتعلم‪ ،‬و سأله إ سحاق بن إبراه يم عن الد يث الذي جاء‪« :‬أجرؤ كم على الفت يا‬
‫أجرؤكم على النار» ما معناه‪.‬‬
‫قال أببو عبدال‪ :‬يُفتب باب ل يسبمع‪ ،‬وقال ممبد ببن أبب حرب‪ :‬سبعت أببا‬
‫عبدال‪ ،‬و سُئل عن الرجل يفت بغي علم‪ ،‬قال‪ :‬يروى عن أب موسى‪ ،‬قال‪ :‬يرق‬
‫من دينه‪.‬‬

‫‪280‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ونقبل الروذي‪ :‬أن رجلً تكلم بكلم أنكره عليبه أببو عبدال‪ ،‬قال‪ :‬هذا مبن‬
‫حبه الدنيا يُسئلُ عن الشيء الذي ل يسن فيحمل نفسه على الواب‪.‬‬
‫ونو هذا عن حاد‪ ،‬وقال‪ :‬كنت أسائل إبراهيم عن الشيء‪ ،‬فيعرف ف وجهي‬
‫أن ل أفهم فيعيده حت أفهم‪ ،‬روى ذلك اللل وغيه‪.‬‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال ا بن و هب عن يو نس عن الزهري‪ :‬أن أ با ب كر ال صديق حدث رج ً‬
‫ل‬
‫ض ُتقِلُ ن إذا‬
‫بد يث فا ستفهمهُ الر جل‪ ،‬فقال ال صديق‪ :‬هو ك ما حدّثتُك‪ ،‬أي أرْ ٍ‬
‫قلتُ با ل أعلم‪.‬‬
‫وروى نوه من غ ي و جه عن أ ب هريرة مرفوعًا‪ « :‬من أف ت بفت يا غَيْر ثِبْ تٍ‬
‫فيها‪ ،‬فإنا إثه على الذي أفتاه»‪ ،‬وف لفظ‪« :‬من أفت بفتيا بغي علم كان إث ذلك‬
‫على الذي أفتاه» رواه ا أح د‪ ،‬وروى الثا ن أ بو داود‪ ،‬والول ا بن ما جه‪ ،‬و هو‬
‫حديث جيد له طرق مذكورة ف حواشي «النتقى»‪.‬‬
‫وقال الثوري عن العمش عن أب وائل عن ابن مسعود‪ ،‬قال‪ :‬من أفت الناس‬
‫ف كل ما ي ستفتونه ف هو منون‪ ،‬وقال مالك‪ :‬عن ي ي بن سعيد عن ا بن عباس‬
‫مثله‪.‬‬
‫وقال الزهري عن خالد بن أسلم‪ ،‬قال‪ :‬كنا مع ابن عمر‪ ،‬فسأله أعراب أترثُ‬
‫العمبة؟ فقال‪ :‬ل أدري‪ ،‬قال‪ :‬أنبت ل تدري‪ ،‬قال‪ :‬نعبم إذهبب إل العلماء‪،‬‬
‫فا سألم‪ ،‬فل ما أدبر الر جل َقبّ َل اب ُن ع مر يد هُ‪ ،‬فقال‪ :‬ن عم ما قال أ بو عبدالرح ن‪،‬‬
‫سُئل عما ل يدري‪ ،‬فقال‪ :‬ل أدري‪.‬‬
‫وقال سفيان بن عيينة والثوري عن عطاء بن السائب عن عبدالرحن بن أب‬
‫ليلى‪ ،‬قال‪ :‬أدركت عشرين ومائة من النصار من أصحاب رسول ال ما منم‬
‫من أحد يدث بديث إل ود أن أخاه كفاه إياه‪.‬‬
‫‪281‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول يُ ستفت عن ش يء إل ودّ أن أخاه كفاه الفتوى‪ ،‬هذا ل فظ روا ية الثوري‪،‬‬
‫ولفظ ابن عيينة إذا سُئل أحدهم عن السألة ردها هذا إل هذا‪ ،‬وهذا إل هذا حت‬
‫ترجع إل الول‪.‬‬
‫وقال أ بو حُ صَي عثمان بن عا صم التاب عي‪ :‬إن أحد كم يُف ت ف ال سألة ولو‬
‫وردتْ على عمر لمع لا أهْ َل بَدْرٍ‪.‬‬
‫وقال القاسم وابن سيين‪ :‬لن يوت الرجل جاهلً خي له من أن يقول ما ل‬
‫يعلم‪ ،‬وقال مالك عن القاسم بن ممد‪ :‬إنّ مِن إكرام الرء لنفسه أن ل يقول إل ما‬
‫أحاط به علمه‪.‬‬
‫وقال سعيد بن جبي‪ :‬ويل لن يقول لا ل يعلم إن أعلم‪ ،‬وقال مالك‪ :‬من فقه‬
‫العال أن يقول ل أعلم‪ ،‬فإنه عسى أن يهيأ له الي‪.‬‬
‫وقال أحد بن حنبل‪ :‬سعتُ الشافعي ب رضي ال عنهما ب سعت مالكًا‪،‬‬
‫سبعت ممبد ببن عجلن يقول‪ :‬إذا ترك العال ل أدري أصبيبت مقاتله‪ ،‬ورواه‬
‫إ سحاق بن راهو يه عن ا بن عيي نة عن داود بن أ ب ال ُزبَ ي الزبيي عن مالك بن‬
‫عجلن‪ ،‬قال‪ :‬قال ابن عباس‪ ،‬فذكره وقد سبق‪.‬‬
‫وقال عبدالرزاق عن مع مر‪ ،‬قال‪ :‬سأل ر جل عَمْرَو ب نَ دينار عن م سألة فلم‬
‫يبه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬إن ف نفسي منها شيئًا فأجبن‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن ي كن ف نف سك منها مثل أ ب قُبيس أ حب إلّ أن يكون ف نف سي‬
‫منها مثل الشعرة‪.‬‬
‫وقال ابن مهدي‪ :‬سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة فطال ترداده إليه فيه‬
‫ب فيبه اليب‬
‫وأل عليبه‪ ،‬فقال‪ :‬مبا شاء ال يبا هذا‪ ،‬إنب ل أتكلم إل فيمبا احتسب ُ‬
‫ولستُ أحسنُ مُسألتَكَ هذه‪.‬‬
‫نوعب مبن الهبل‬
‫ت مالكًا يقول‪ :‬العجلة فب الفتوى ٌ‬
‫ابنب وهبب‪ :‬سبع ُ‬
‫وقال ُ‬
‫والُرق‪.‬‬

‫‪282‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال يي بن سعيد‪ :‬كان سعيد بن السيب ل يكاد يفت فُتيًا ول يقول شيئًا‬
‫إل قال‪ :‬اللهم سلّمْن وسَلّمْ من‪ ،‬ذكره البيهقي وغيه‪.‬‬
‫ولسيما إن كان من يُف ت يعلم من نف سه أ نه ليس أهلً للفتوى لفوات شرط‬
‫أو وجود مانع ول يعلم الناس ذلك منه‪.‬‬
‫فإ نه يرم عل يه إفتاء الناس ف هذه الال بل إشكال ف هو ي سارع إل ما يرم‬
‫لسيما إن كان الامل على ذلك عرض الدنيا‪.‬‬
‫وأ ما ال سف فكانوا يتركون ذلك خوفًا‪ ،‬ول عل غيه يكف يه و قد يكون أد ن‬
‫لوجود مَن هو أول منه‪.‬‬
‫قال ابن معي‪ :‬الذي يدث بالبلدة وبا من هو أول منه بالديث فهو أحق‪.‬‬
‫وقال مالك‪ :‬ما أفتيتُ حت شهد ل سبعون أن أهلٌ لذلك‪.‬‬
‫وقال ابن عُيينة وسحنون‪ :‬أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا‪ ،‬وقال سحنون‪:‬‬
‫أشقى الناس من باعَ آخرتَ ُه بدنيا غيه‪.‬‬
‫وقال‪ :‬فتن ُة الواب بالصواب أشدُ من فِتنة الال‪.‬‬
‫وقال سفيان‪ :‬أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن ييبوا ف السائل والفُتيا حت‬
‫ل يدوا بُدّا من أن يُفتُوا‪ ،‬وقال‪ :‬أعل ُم الناس بالفُت يا أ سكتُهم عن ها وأجهل هم ب ا‬
‫أنطقهم فيها‪.‬‬
‫وبكى ربيعة‪ ،‬فقيلَ‪ :‬ما يُبكيك؟ فقال‪ :‬اسُتفْتِي مَن ل عِ ْل مَ له‪ ،‬وقال‪ :‬ولبعض‬
‫من يُفت هاهنا أحقّ بالسّجْن من السّراق‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء لبعض الفتي‪ :‬إذا ُسئِ ْلتَ عن مسألة فل يكن هك تليص‬
‫ال سائل؛ ول كن لي كن هّ كَ تل يص نف سك‪ ،‬وقال عمرو بن دينار‪ :‬ل ا جلس قتادة‬
‫للفتيا تدري ف أي عمل وقعت؟ وقعت يا قتادة بي ال وبي خلقه‪ ،‬وقل تُ‪ :‬هذا‬
‫يصلح‪ ،‬وهذا ل يصلح‪.‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬إن العال داخل بي ال وبي خلقه‪ ،‬فلينظر كيف يدخل بينهم!‬

‫‪283‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وكان ابن سيين إذا سُئل عن الشيء من اللل والرام تغيّر لونه وتبدل حت‬
‫كأنه ليس بالذي كان‪.‬‬
‫وكان النخ عي ي سأل فتظ هر عل يه الكرا هة‪ ،‬ويقول‪ :‬ما وجدت أحدًا ت سأله‬
‫غيي؟‬
‫وقال آخر‪ :‬إذا سُئلت عن مسألة فتفكر‪ ،‬فإن وجدت لنفسك مرجًا فتكلم‪،‬‬
‫وإل فاسكت‪.‬‬
‫وعن مالك‪ :‬أنه كان إذا سُئل عن السألة كأنه واقف بي النة والنار‪.‬‬
‫ت بُدًا ما تكلمت‪ ،‬وإن زمانًا أكون فيه‬
‫وقال النخعي‪ :‬قد تكلم تُ ولو وجد ُ‬
‫فقيه أهل الكوفة لزمان سوء‪.‬‬
‫وقال ابن عيينة‪ :‬ليس هذا المر لن ود أن الناس احتاجوا إليه‪ ،‬إنا هذا المر‬
‫لن ود أن وجد من يكفيه‪.‬‬
‫وسُئل عمر بن عبدالعزيز عن مسألة‪ ،‬فقال‪ :‬ما أنا على الفتيا بريء‪ ،‬انتهى‪.‬‬
‫ب َبعْدُ جَ ِديْدُ‬
‫ب هِدَاَيةً إذا غاب َنجْمببٌ لحب َ‬
‫با نوم ُ‬
‫ض ُووْا العلم فب الدنيب‬
‫َ‬
‫بُ ال طُرًا وهُم بْ له بُ َمعَاقِلُ مبببببببن أعْدَائه و ُجنُودُ‬
‫ب عَزّ ِديْنب‬
‫ِبهِمبْ‬
‫ب وُيفِيْدُ‬
‫ب ك ان يَ ْروِي عِ ْلمَه ب ُ‬
‫ولو ل َيقُمببْ أه ُل الديثببِ بنقِلهببِ فَمَن ب ْ‬
‫ب النّبو ِة وا ْحتَووْا مِبن الفضلِ مبا عنبه النامبُ رُُقوْدُ‬
‫هُمُوا وَرِثوا عِلْمببب َ‬
‫ببببا ل ُموْا َبعْدَ المات خُ ُم ْودُ‬
‫ِمب وَمَب‬
‫ُمب كَمَصبَابِيْحِ الدّجَى ُيهْتَدَى ِبه ْ‬
‫وه ْ‬
‫آخر‪:‬‬
‫ب الصببو ِم عابِدُ‬
‫ِسبمَهُ َكِثيْرُ صببَلةٍ دَائِمب ِ‬
‫ِنب قَ ْد أنْحَلَ الزّهدُ ج ْ‬
‫أل رُب ّ م ْ‬
‫بدُ‬
‫ب جَاهِلٌ إذا ُج ِهلَ ا َلقْصبُودُ قبد خَاب قاص ِ‬
‫ب وِصبَالً وهبو بال ُطرْق ِ‬
‫يَرُوم ِ‬
‫لهْلِ فاسببِدُ‬
‫ب نَافِعببٌ كَثيٌ مببن العما ِل با َ‬
‫قليلٌ مببن العمالِ بالعلمب ِ‬
‫جج‬

‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫‪284‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فصل‬

‫أسئلة وأجوبة ال أعلم بالسائل عنها والسئول‪:‬‬
‫السؤال الول عن واحد ل ثان له‪.‬‬
‫وعن دين ل يقبل ال غيه‪.‬‬
‫وعن مفتاح الصلة وب تتم‪.‬‬
‫وعن غراس النة وعن صلة كل شيء‪.‬‬
‫وعن أربعة فيهم الروح ول يكونوا ف أصلب الرجال ول أرحام النساء‪.‬‬
‫وعن رجل ل أب له‪.‬‬
‫وعن رجل ل أم له ول أب‪.‬‬
‫وعن حيوان جرى بصاحبه‪.‬‬
‫وعن بقعة من الرض طلعت عليها الشمس مرة واحدة ول تطلع عليها قبل‬
‫ذلك ول بعده‪.‬‬
‫وعن ظاعِن ظعن م ّرةً ول يظعن قبلها ول بعدها‪.‬‬
‫وعن شجرة نبتت على إنسان‪.‬‬
‫وعن شيء يتنفس ول روح له‪.‬‬
‫وعن الكمة ف الحو الذي ف القمر‪.‬‬
‫وعن ميت مات ألف شهر ومائت شهر‪.‬‬
‫وعن جبل ارتفع ث رجع‪.‬‬
‫وعن اثنان ل ثالث لما‪.‬‬
‫وخسة ل سادس لا‪.‬‬
‫وستة ليس سابع‪.‬‬
‫وسبعة ليس لا ثامن‪.‬‬
‫وثانية ل تاسع لا‪.‬‬
‫وتسعة ل عاشر لا‪.‬‬
‫‪285‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وعشرة ليس لم حادي عشر‪.‬‬
‫واثنا عشر ل ثالث عشر لا‪.‬‬
‫وثلثة عشر ل رابع لا‪.‬‬
‫وعن أحب كلمة إل ال‪.‬‬
‫وما الوضع الذي ليس له قبلة‪.‬‬
‫وعن شيء حل بعضه وحرم بعضه‪.‬‬
‫وعن نب نى ال النب أن يعمل مثل عمل عمله‪.‬‬
‫وعن مَ ْن بعثه ال وليس من بن آدم ول من الن ول من اللئكة‪.‬‬
‫وعن نفس ماتت وضُرب ببعضها ميت فحيا بإذن ال‪.‬‬
‫وعن كافر ل تأكل الرض لمه‪.‬‬
‫س ول نسبة بينهما‪.‬‬
‫وعن نفسٍ خرجت من نف ٍ‬
‫وعن اثني تكلما ف الدهر مرةً واحدة فقط ث ها سكوت إل يوم القيامة‪.‬‬
‫وعن أنفع كلمة وأرفع كلمة وأحسن كلمة وأزكى‪.‬‬
‫وعن جاعة شهدوا بالق وهمُ كاذبون‪.‬‬
‫وعن جاعة شهدوا بالق فأدخلوا النار ومن شهدوا عليه‪.‬‬
‫وعن شيء ف الرض من النة‪.‬‬
‫وعن صيدين صادها رجل فحل أحدها له وحرم عليه الخر‪.‬‬
‫وعن امرأة أوحى ال إليها‪.‬‬
‫وعن خسة مشوا على وجه الرض ول يولدوا‪.‬‬
‫وعن أم ل تلد‪.‬‬
‫وعن أم ل تولد‪.‬‬
‫و ‪7‬عن ماء ل يذكر أنه نبع من الرض ول يذكر أنه نزل من السماء‪.‬‬
‫الواب‪:‬‬
‫‪286‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫الواحد الذي ل ثان له فال جل جلله وتقدست أساؤه‪ ،‬وأما الدين الذي ل‬
‫يقبل غيه فدين السلم‪ ،‬قال تعال‪َ :‬ومَن يَبَْتغِ غَيْرَ الِسْلمِ دِينًا فَلَن ُيقْبَلَ مِنْهُ ‪.‬‬
‫وأما مفتاح الصلة فالتكبي وتتتم بالتسليم‪.‬‬
‫وأما غرس النة فسبحان ال والمد ل ول إله إل ال وال أكب‪.‬‬
‫وأما صلة كل شيء سبحان ال وبمده‪.‬‬
‫وأ ما الذي في هم الروح ول يكونوا ف أ صلب الرجال ول ف أرحام الن ساء‪،‬‬
‫فهم‪ :‬آدم وحواء‪ ،‬وناقة صال ب عليه السلم ب‪ ،‬وعصا موسى لا قلبها ال حية‪،‬‬
‫والكبش الذي فدى به إبراهيم ابنه‪ ،‬قال ال تعال‪َ :‬و َفدَيْنَا هُ ِب ِذبْ حٍ َعظِي مٍ ‪ ،‬وأما‬
‫الوضع الذي ليس له قبلة فظهر بيت ال (أي سطح الكعبة)‪.‬‬
‫وأما الرجل الذي ل أب له فعيسى –عليه وعلى نبينا السلم‪.-‬‬
‫وأما الرجل الذي ل أم له ول أب فآدم ب عليه السلم ب‪.‬‬
‫وأما اليوان الذي جرى بصاحبه‪ ،‬فالوت الذي سار بيونس ف البحر‪.‬‬
‫وأما البقعة ال ت طل عت عل يه الش مس مرةً واحدة فأرض الب حر الذي فل قه ال‬
‫لوسى ومن معه من بن إسرائيل‪.‬‬
‫وأما الثنان اللذان ليس لما ثالث فالليل والنهار‪.‬‬
‫وأما الثلث الت ليس لا رابع فالطلق الثلث‪.‬‬
‫وأما المس الت ل سادس لا فالصلوات المس الفروضة‪.‬‬
‫وأما الستة الذين ل سابع لم فاليام الت خلق ال فيها السموات والرض‪.‬‬
‫وأما السبعة الت ل ثامن لا فأيام السبوع‪.‬‬
‫وأ ما الثمان ية الذ ين ل يس ل م تا سع فحملة العرش يوم القيا مة‪ ،‬قال ال جل‬
‫وعل‪َ :‬وَيحْمِلُ عَ ْرشَ َربّكَ َفوْقَ ُهمْ يَ ْومَِئذٍ ثَمَانَِيةٌ ‪.‬‬
‫وأما التسعة الذين ل عاشر لم‪ ،‬فالتسعة الرهط الذين ذكرهم ال ف سورة‬
‫سدُونَ فِي الَ ْرضِ ‪.‬‬
‫س َعةُ رَ ْهطٍ ُيفْ ِ‬
‫النمل‪ ،‬قال تعال‪َ :‬وكَانَ فِي ا َلدِيَنةِ تِ ْ‬

‫‪287‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأ ما الع شر ال ت ل يس ل ا حادي عشرة‪ ،‬فقوله تعال‪ :‬وَاْل َفجْرِ * َولَيَالٍ عَشْرٍ‬

‫‪.‬‬
‫وأما الحد عشر فإخوة يوسف‪.‬‬
‫وأما الثنا عشر فشهور السنة‪.‬‬
‫وأما الثلثة عشر فإخوة يوسف وأبوه وأمه‪.‬‬
‫و ما أحب كلمة إل ال فكلمة الخلص «ل إله إل ال»‪.‬‬
‫وأما الشيء الذي أحِ ّل بعضُه وحُرّ َم بعضُه فهو نر طالوت‪ ،‬قال تعال‪ :‬إِنّ‬
‫س مِنّي َومَن لّ ْم يَ ْطعَمْ هُ َفِإنّ هُ مِنّي ِإ ّل مَ نِ‬
‫اللّ َه مُبْتَلِيكُم بَِن َهرٍ َفمَن َشرِ بَ مِنْ ُه فَلَيْ َ‬
‫اغَْترَفَ ُغ ْر َفةً بَِي ِدهِ ‪.‬‬
‫وأ ما الذي بع ثه ال ول سي من ال نس ول من اللئ كة ول من ال ن‪ ،‬ف هو‬
‫الغراب‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬فََبعَثَ ال ّلهُ ُغرَابًا يَ ْبحَثُ فِي ا َل ْرضِ ‪.‬‬
‫وأما النفس الت ماتت وضرب ببعضها ميتًا آخر فحيا بإذن ال‪ ،‬فهي بقرة بن‬
‫إسرائيل‪ ،‬قال ال جل وعل‪َ :‬فقُ ْلنَا اضْ ِربُوهُ بَِبعْضِهَا َكذَِلكَ ُيحْيِي ال ّلهُ الَ ْوتَى ‪.‬‬
‫وأما الشجرة الت نبتت على إن سان فالت أنبت ها ال على يونس بن َمتّى‪ ،‬قال‬
‫تعال‪َ :‬وأَنْبَتْنَا عَ َل ْيهِ َشجَ َرةً مّن يَ ْقطِيٍ ‪.‬‬
‫وأ ما الن فس ال ت دخلت ف ن فس أخرى وخر جت ول يس بينه ما منا سبة ف هو‬
‫يو نس بن م ت ب عل يه ال سلم ب د خل ف ب طن الوت وخرج‪ ،‬قال تعال‪:‬‬
‫فَالْتَقَ َمهُ الُوتُ ‪.‬‬
‫وأما الكن من كنوز النة فل حول ول قوة إل بال‪ ،‬كما ف الديث‪.‬‬
‫وأ ما الاء الذي ل يذ كر أ نه ن بع من الرض ول يذ كر أ نه نزول من ال سماء‪،‬‬
‫فالاء الذي نبع بي أصابع النب ‪.‬‬
‫وأما الكمة الت ف مو آية الليل القمر‪ ،‬فال أعلم أنه لجل تييز الليل من‬
‫النهار‪ ،‬ولنافع أخرى تتعلق بالنبات والزروع والشجار‪.‬‬
‫‪288‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأ ما أن فع كل مة وأر فع كل مة وأح سن كل مة‪ ،‬فكل مة الخلص‪« :‬ل إله إل‬
‫ال»‪.‬‬
‫وأما النب الذي نى ال النب أن يعمل مثل عمل عمله‪ ،‬فهو يونس‪ ،‬قال ال‬
‫جل وعل وتقدس‪ :‬فَا صْبِرْ ِلحُكْ مِ َربّ كَ َولَ تَكُن كَ صَا ِحبِ الُو تِ إِذْ نَادَى وَهُوَ‬

‫مَ ْكظُومٌ ‪.‬‬
‫وأما الشهود الذين شهدوا حقًا وهم كاذبون فهم النافقون‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬
‫ك َلرَ سُوُلهُ وَاللّ هُ‬
‫إِذَا جَاءَ َك الُنَا ِفقُو َن قَالُوا َنشْ َه ُد إِنّ كَ لَرَ سُولُ اللّ ِه وَاللّ هُ يَعْلَ ُم ِإنّ َ‬
‫ي لَكَا ِذبُونَ ‪.‬‬
‫َيشْ َه ُد إِ ّن الُنَا ِفقِ َ‬
‫وأما الشهود الذ ين شهدوا بال ق وأدخلوا النار‪ ،‬و من شهدوا عل يه فالوارح‪،‬‬
‫ش َهدُ عَلَ ْيهِ مْ َألْ سِنَُت ُهمْ َوَأيْدِيهِ ْم َوأَرْجُ ُلهُم بِمَا‬
‫قال ال جل وعل وتقدس‪ :‬يَوْ َم َت ْ‬
‫سه ْم ُعهُمْ‬
‫ِمه َ‬
‫ُونه ‪ ،‬وقال تعال‪ :‬حَتّىه ِإذَا م َا جَاءُوه َا َشهِدَ عَلَ ْيه ْ‬
‫كَانُوا يَعْمَل َ‬
‫وََأبْصَا ُرهُ ْم وَجُلُودُ ُه ْم بِمَا كَانُوا َيعْمَلُونَ اليات‪.‬‬
‫وأ ما ال بل الذي ارت فع وعاد فج بل الطور‪ ،‬أعاده ال‪ ،‬قال ال جل وعل‪:‬‬
‫وَِإ ْذ نََتقْنَا الََبلَ َف ْو َقهُمْ َكَأّنهُ ظُ ّلةٌ وَظَنّوا َأنّ ُه وَاقِ ٌع ِب ِهمْ ‪.‬‬
‫وأما الكافر الذي ل تأكل الرض لمه فقارون‪.‬‬
‫وأما الذي ف الرض وهو من النة فالجر السود‪.‬‬
‫و أ ما ال صيدان اللذان صادها ر جل‪ ،‬فأحِل له أحده ا وحرم عل يه ال خر‪،‬‬
‫فمحرم صاد صيدين من الب واحد ومن البحر واحد‪ ،‬فالذي من الب حرام‪ ،‬والذي‬
‫من البحر حلل‪.‬‬
‫وأما الذي مات ألف شهر ومائت شهر ث أحياه ال‪ ،‬فالعزيز ب عليه السلم‬
‫ب‪ ،‬قال ال جل وعل وتقدس‪َ :‬فَأمَاَتهُ ال ّلهُ مِاَئةَ عَامٍ ثُمّ َبعََثهُ ‪.‬‬
‫وأما الرأة الت أوحى ال إليها فأم موسى‪ ،‬قال ال جل وعل‪َ :‬وأَوْحَيْنَا إِلَى‬

‫ضعِيهِ ‪.‬‬
‫أُمّ مُوسَى َأنْ أَرْ ِ‬
‫وأما الم الت ل تولد فحواء –عليها السلم‪.-‬‬
‫‪289‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وأ ما الم ال ت ل تلد فم كة الكر مة أم القرى‪ ،‬قال ال جل وعل‪ :‬لّتُنذِرُ أُمّ‬

‫القُرَى ‪ .‬اهب‪.‬‬
‫سُئل الشافعي عن رجلي خطبا امرأة فحلت لحدها ول تل للخر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إن الذي ل تل له‪ ،‬له أربع زوجات فحرمت عليه الامسة‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما تقول ف رجلي شربا خرًا فوجب على أحدها الد‪ ،‬ول يب على‬
‫الخر وكانا مسلمي؟ فقال‪ :‬إن أحدها كان حرًا بالغًا فوجب عليه الد‪ ،‬والخر‬
‫صغي ل يبلغ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما تقول ف خسة زنوا بامرأة فوجب على أحدهم القتلُ‪ ،‬وعلى الخر‬
‫الرجمُ‪ ،‬وعلى الثالث الدُ‪ ،‬وعلى الرابع نصف الدِ‪ ،‬ول يب على الامس حَدّ‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أمّ ا الول فمشرك ز ن بُ سلمة فو جب عل يه الق تل‪ ،‬وأ ما الثا ن فم سلم‬
‫مُحصن زن فوجب عليه الرجم‪ ،‬وأما الذي وجب عليه الد فمسل ٌم بكر زنَى‪،‬‬
‫ف الد‪ ،‬وأما الذي ل يب عليه شيء‬
‫وأما الرابع فمملو كَ زن فوجب عليه نص ُ‬
‫ب والجنون‪.‬‬
‫فالص ّ‬
‫قال‪ :‬فما تقول ف رجل أخذ كأسًا من ماء فشرب بعضه وحرُم عليه الباقي؟‬
‫قال‪ :‬هذا لا شرب بعضه وقع على الباقي ناسة فحرم عليه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما تقول ف رجل دفع إل امرأته كيْ سًا متومًا‪ ،‬وقال لا‪ :‬أن تِ طال قٌ إن‬
‫ل تُفرغيه ول تفتحيه ول تقطعيه ول تفتقيه‪ ،‬ففرغته على ذلك الكم ول يلحقها‬
‫طلق؟‬
‫فقال‪ :‬إن الكيس ملوءًا سكرًا أو ملحًا فوضعته ف الاء فذاب وتف ّرغَ‪.‬‬
‫قال‪ :‬فمبا تقول فب جاعبة صبلحاء سبجدوا لغيب ال تعال وهبم فب فعلهبم‬
‫مُطيعون؟ قال‪ :‬اللئكة سجدوا لدم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما تقول ف رجل لقي جارية فقبّلها‪ ،‬وقال‪ :‬فديتُ من أب جدّها وأخي‬
‫عمها وأنا زوج أمها‪ ،‬فما تكون منه؟ قال‪ :‬هي ابنته‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قال‪ :‬فما تقول ف امرأة لقيت غُلمًا‪ ،‬فقبلته‪ ،‬قالت‪ :‬فديتُ من أُمي ولدت أمهُ‬
‫وأ ُخوْ زوْجِي عمّ ُه وأبُوه ابن حات وأنا امرأة أبيه؟ قال‪ :‬هي أمّهُ‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ما تقول ف ر جل تزوّج امرأ ًة وزوّج ابن ُه أمّ ها‪ ،‬فجاءت الم والبن تُ‬
‫بولدين‪ ،‬فما يكون الولدُ من ذلك وذلك؟ فقال‪ :‬اب نُ الم خالُ لبن البنت‪ ،‬واب نُ‬
‫البنت ع ّم لبن الم‪.‬‬
‫وقال‪ :‬ما تقول ف ر جل مات وخلّف ستّمائة در هم وله من الور ثة أخ تٌ‬
‫فأصابا درهمٌ واحد‪.‬‬
‫فقال‪ :‬هذا شخبص مات وخلف سبتّمائة درهبم وترك بنتيب أصبابُما الثُلُثان‬
‫أربعمائة در هم وخلّ فَ والد ته أ صابا ال سُدُسُ مائة در هم وخلّ فَ زو جة أ صابا‬
‫الثم نُ و هو خ س و سبعون درهًا‪ ،‬وله اث نا ع شر أخًا ل كل وا حد من هم درهان‪،‬‬
‫ففضل للخت درهم‪.‬‬
‫وقال آخر مُلغزًا‪:‬‬
‫ب ِببَاطِلِ‬
‫ْصب وأخُت َه كذا أ ْختَهببُ الخرى وليسب َ‬
‫ْصب أم ّ شَخ ٍ‬
‫ّجب َشخ ٌ‬
‫تَ َزو َ‬
‫ب وقالوا له أجْرٌ لدى كُلّ فاضبببببل‬
‫حرّم ٍ‬
‫ب أتَبى أيضًبا ِب ِفعْ ٍل مُ َ‬
‫وشَخْص ٌ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ب بَارِعًبا‬
‫أل فاسبْألُوا مَبن كان بالعلم ِ‬
‫ّهب‬
‫ْهب َرب ِ‬
‫َاصبدًا وَج َ‬
‫عبن الر ِء ُيوْصبِي ق ِ‬
‫ب الوصببى له ُمتَ َموّلً‬
‫ب َيكُنب ْ‬
‫فإنب ْ‬
‫وإن كان ذا َفقْ ٍر وقِ ّل وفَاَقةٍ‬
‫ب‬
‫بُ ذُو الغنب‬
‫بُ ُذوْ َفقْ ٍر وُيعْطَاهب‬
‫أيُحْرَمب‬
‫فل ت ْعتَمِدْ إل على ال وَحْدِهبببببُ‬

‫ب‬
‫ب بابْتِذَاله ِ‬
‫ب أفْنَبى عُمْرَه ُ‬
‫وفب الفقه ِ‬
‫با سبَمّاهُ مِبن ثلث مَالِهبِ‬
‫ِل َزيْدٍ كمب‬
‫دََفعْنَببا له الوصببى له بكمالهببِ‬
‫حَ َر ْمنَاهببُ ذَاكببَ الالَ فارْث لَحِالِهببِ‬
‫ب‬
‫ب الفتب باحْتيالِه ِ‬
‫ب مبا رِزْق ُ‬
‫َلعَ ْمرُك َ‬
‫بببِ‬
‫بَتنِدْ إل ِلعِزّ جَللِهب‬
‫بب ْ‬
‫ول تسب‬

‫وحلها موجود ف السئلة والجوبة الفقهية ف الزء السابع‪.‬‬
‫‪291‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ت ميتٌ ف البحر ول‬
‫وقال آخر‪ :‬هل ينوب الاء عن التراب؟ فقيل‪ :‬نعم إذا ما َ‬
‫يتسّرْ د ْفنُه ف الب‪ ،‬يُجعل فيه مُثقِل ويُ ْلقَى ف البحر‪ ،‬ويَنُوبُ الاءُ عن التراب‪,.‬‬
‫ب بُدّلَا‬
‫ب فَفِبي البَح ِر يُلْقَبى وهبو بالتُرْب ِ‬
‫ح ٍر وقبد عَزّ دَ ْفنُه ُ‬
‫ب ل بَ ْ‬
‫ومَبن مَات َ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫موعظة‬
‫ب نفْسَه ويُناجي ربّهُ‪.‬‬
‫عن الزهري قال‪ :‬سعتُ علي بن السي يُحاس ُ‬
‫يا نف سُ حتّا مَ إل الدن يا سُكوتك‪ ،‬وإل عمارت ا رُكُون كِ‪ ،‬أ ما اع تبت ب ن‬
‫مضى من أسلفك‪ ،‬ومن وارتهُ الرض من الفك‪ ،‬ومن فُجعت به مِن إخوانك‪.‬‬
‫ونُقل إل الثرى من أقرابك‪ ،‬فهم ف بُطُون الرضِ بعد ظهورها‪ ،‬ماسنهم فيها‬
‫بوالٍ دواثر‪.‬‬
‫ح َو النايَبببا الَقَا ِدرُ‬
‫صهُم وسبببَاَقهُم نَ ْ‬
‫خَلَ تْ ُدوْرُ هم من هم وأ ْقوَ تْ عرا ُ‬
‫لفَائرُ‬
‫بب التراب ا َ‬
‫وخَّلوْا عبن الدنيبا ومبا جَ َم ُعوْا لَهَبا وض ّمْتهُمببُ تتب‬
‫كم خرّ بت أيدي الُنون من قُرون ب عد قُرون! و كم غبّرَت الرض! وغيب تْ‬
‫ف تُرابا مّ نْ عاشر تَ من صُنوف وشيّعتهُم إل الهَالِك ث رجعت عنهم إل أهل‬
‫الفلس!‬
‫ب ُمكَاثِرُ‬
‫ب لُطّابابب فيهببا حَريْصب ٌ‬
‫ب على الدُنيبا مُكِبّب ُمنَافِس ٌ‬
‫وأنْت َ‬
‫ببِحُ لهِيًبا أتدْرِي بِمَاذَا َل ْو َعقَلْتببببَ ُتخَاطِرُ‬
‫على خَطَرٍ تَمْشِبي وتُص ْ‬
‫برُ‬
‫ب خَاس ِ‬
‫ب ل شَك َ‬
‫بُ دَائبًبا ويَ ْذهَلُ عبن أ ُخرَاه ُ‬
‫بعَى ِل ُدْنيَاهب‬
‫وإنّب امْرءًا يسبْ‬
‫حتّام على الدنيبا إقبالُك وبشهواتاب اشتغالك‪ ،‬وقبد وخطبك الشيبب وأتاك‬
‫فَ‬
‫النذير وأنت عما يُرادُ بك سا ٍه وبلذة يومك وغدك ول ٍه وقد رأيت انقل بَ أهل‬
‫الشهوات وعاَينْتَ ما َح ّل بم مِن الُصيبات‪.‬‬
‫‪292‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب تَربصببٌ وشيببببببب قَذَا ٍل ُمنْذِر للكَابرِ‬
‫أبعببد ا ْقتَراب الربَ ِعيْنب َ‬
‫ك عَمْدًا أو عببن الرشدِ حائر‬
‫كأنّكبب َمعْنّبب بابب هُببو ضَائرٌ لِنفْسببِ َ‬
‫انظر إل المم الاضية واللوك الفانية كيف اختطفتهم ُع ْقبَا نُ اليام ووافاهم‬
‫المامُ فانحتْ من الدنيا آثارهُم وبقيت فيها أخبارهم وأضحوا رمًا ف التراب إل‬
‫يوم الش ِر والآب والساب‪.‬‬
‫بم وأخْلى ا َلقَاص بِرُ‬
‫بهُم منهب‬
‫َتب مَجَالس َ‬
‫الترابب وعُطّل ْ‬
‫ِ‬
‫ْسبوْا َر ِميْم ًا فب‬
‫فأم َ‬
‫بكّان ال ُقبُورِ التّزَاوُرُ‬
‫وحَلُوا بدَار ل تزاور بَْيَنهُمببببببْ وأنّىببب لسبب ُ‬
‫برُ‬
‫بفِي عليهبا العاص ِ‬
‫ح ًة تس ْ‬
‫بطّ َ‬
‫فمببا أن تَرى إل ُقبُورًا َث َووْا بِهَببا مُس َ‬
‫كم مِن ذي منعةٍ و سُلطانٍ وجنُود وأعوان تكن من دُنياه ونال فيها ما تناه‪،‬‬
‫السبرِاري‬
‫َحب ّ‬
‫وبنب فيهبا القُصبُورَ والدسبَاكِرُ‪ ،‬وجعب فيهبا الموال والذخائر‪ ،‬ومُل َ‬
‫والَرائِر‪.‬‬
‫به ا َلِنّيةَ إذا أتَتبْ ُمبَادَرَة توى إليهببببببا الذَخَائِرُ‬
‫برََفتْ عنب‬
‫با ص َ‬
‫فمب‬
‫َتب عنبه الُصبُونُ التب بَن َى وحَفّب بابب أنارُهببُ والدّسببَاكِرُ‬
‫ول دََفع ْ‬
‫َتب فب الذّب عنبه العَسبَاكِرُ‬
‫ب عنبببه ا َلنِّيةَ ِحيْلةٌ ول طَ ِمع ْ‬
‫ول قا َرعَتبب ْ‬
‫أتا هُ من ال ما ل يُردّ ونزَلَ به من قضائه ما ل يُ صدّ فتعال ال اللك البار‬
‫الت كب العز يز القهار قا صم البار ين ومُبيْد الت كبين الذي ذلّ لعِزِه كلُ سلطان‬
‫وأبا َد بقُوتِه كُلّ ديّان‪.‬‬
‫ب عَزيْ ٌز ل يُ َردّ َقضَاؤُهبببُ حكيمبببٌ عليمبببٌ ناف ُذ المْرِ قاهرُ‬
‫مَِليْكبب ٌ‬
‫ب مِبن عَ ِزيْزٍ ل ْل ُم َهيْمبن صباغرُ‬
‫بز ِلعِزِة وجْهببه َفكَم ْ‬
‫بى كلُ ذِي عِب‬
‫عَنَب‬
‫ب الَبَابِرُ‬
‫ب اللوكب ُ‬
‫َتب ِلعِزِة ذِي العرشب ِ‬
‫واسبتَسْلَ َمتْ وتضَأل ْ‬
‫َتب ْ‬
‫ضع ْ‬
‫َلقَدْ َخ َ‬

‫‪293‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فالبدا َر البدا َر والِذا َر الِذا َر مبن الدنيبا ومكائدهبا‪ ،‬ومبا نصببتْ لك مبن‬
‫ك مِن شهواتِ ها وأخف تْ ع نك من‬
‫م صائدها‪ ،‬وتلّ تْ لك من زينت ها‪ ،‬وأبرز تْ ل َ‬
‫قواتِلِها وهََلكَاِتهَا‪.‬‬
‫جعَاتاب إل دَفْعهَبببا دَاعبببٍ وبال ُزهْدِ آمِرُ‬
‫ب عَايَنْبت مبن فَ َ‬
‫وفب ُدوْن مَ ا‬
‫ببا فعَمّاببب قلي ٍل يَتركبببُ الدا َر عَامِرُ‬
‫ج ّد ول َت ْغفُلْ وكبببن ُمَتيِقظًب‬
‫فَ ُ‬
‫فَشمّ ْر ول ت ّفتُرْ َفعُمْركبببببَ زَائِلٌ وأنْتبببَ إل دار القامةِ صبببَائِرُ‬
‫با فإنّب ن ِعيْمَهَبا وإنببْ نِلْتببَ منببه غِّبةُ لَكببَ ضَائرُ‬
‫بَ الدنيب‬
‫ول تَ ْطلُبب‬
‫ف هل ير صُ على الدن يا لب يب‪ ،‬أو يُ س ّر ب ا أر يب‪ ،‬و هو على ثقةٍ ف فنائ ها‪،‬‬
‫وغ ُي طامع ف بقائها! أم كيف تنام عيُ من يشى البيات! وكيف تسكُنُ نف سُ‬
‫من توقّعَ فلي جيع أموره المات!‬
‫ب عَمّابب نُحَاذِرُ‬
‫شغَلُنَببا اللّذَاتب ُ‬
‫بنَا وتَ ْ‬
‫أل ل وَل ِكنّابببب َنغُ ّر نُفوسببب َ‬
‫ب تُبُلى السبّرائرُ‬
‫ب يَوم َ‬
‫ِنب بِ َموْقِبف عَرْض ٍ‬
‫ْشب م َن ه ُو مُوق ٌ‬
‫وكيبف يََل ُذ العَي َ‬
‫بدّى مبا لنبا َبعْدِ المات مَصبَادرُ‬
‫ب ل نُشُورَ وأننببا س ُ‬
‫كأنببا نَرَى أنب ْ‬
‫و ما ع سى أن ينال صاحبُ الدن يا لذت ا ويتم تع به من بجت ها مع صُنوف‬
‫عجائب ها وقوارع فجائع ها وكثرة عذاب هِ ف م صائبها و ف طلب ها و ما يُكابدُ من‬
‫أسقامها وأوصابا وآلمها‪.‬‬
‫برْفُها وُيبَاكرُ‬
‫ب علينببا صب َ‬
‫با َق ْد نَرى فبب كُ ّل يومببٍ وَليَْلةٍ يَ ُروْحب ُ‬
‫أمّب‬
‫ببا وكببم قَ ْد نَرى يَبْقببى لَهَبا ا ُلتَعَاورُ‬
‫ُتعَاوِرُنَببا آفَاتُهَببا وهُمُومُهب‬
‫برُ‬
‫ب قاص ِ‬
‫فَل هُ َو َم ْغبُوطببٌ ب ُدْنيَاهببُ آمِنببٌ ول ُهوَ مِبن تطْل باب النَفْس َ‬
‫كم غرّت الدنيا من مُخْلد إليها‪ ،‬وصرعتْ مِ َن مُك بٍ عليها‪ ،‬فلم تنعَشْ ُه مِن‬
‫عثْ َرتِه‪ ،‬ول ُتنْقِذْ هُ من صَ ْر َعتِه‪ ،‬ول تشف ِه مِن ألِ هِ‪ ،‬ول ُتبْر هِ من َسقَمِهِ‪ ،‬ول ُتخَلّ صْهُ‬
‫مِن وصَمِه‪.‬‬
‫‪294‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫بوْءٍ مبا لُنّب مَصبَادرُ‬
‫َموَا ِر َد س ُ‬
‫ب بَعدَ ع ٍز و ِمْنعَةٍ‬
‫بَلَى أوْرَ َدتْهببب ُ‬
‫ب التّحَاذُرُ‬
‫جيْه بِ مِنه ُ‬
‫ب ل ُينْ ِ‬
‫فلمببا رأى أنببْ ل نَجَا َة وأنّهببُ ُهوَ الوت ُ‬
‫َتنَدّمببَ إذ ل ُتغْنببِ عنببه نَدَا َمةٌ عليببه وأبكَتْهببُ ال ُذنُوبببُ ال َكبَائِرُ‬
‫إذا بكى على ما سلف من خطاياه‪ ،‬وتسّر على ما خلّف من ُدْنيَاه‪ ،‬واستغفر‬
‫حت ل ينفعهُ الستغفار‪ ،‬ول يُنجيه العتذار عند هول النية ونزُول البِليّة‪.‬‬
‫جزَتْببه ا َلقَادِرُ‬
‫بب أعْ َ‬
‫ب لّاب‬
‫ب وهُمُومُبه وأبْلَسب َ‬
‫أحَاطَتببْ بببه أحْزَانُهبُ‬
‫ب مِمّابب يُحَاذِرُ ناصببِرُ‬
‫ب وليسببَ لَهب ُ‬
‫ب فارِج ٌ‬
‫ب له مِبن كُ ْرَب ِة الوت ِ‬
‫فليس َ‬
‫ب النِّي ِة نفْسبُه تُ َردّدُهَببا ِمنْهببُ اللّهَببا والَنَا ِجرُ‬
‫ب خَوف َ‬
‫وقبد جَشَأت ْ‬
‫ف ُعوّادَ هُ وأسلمهُ أهلُه وأولده وارتفعت البيّة بالعويل وقد أي سُوا‬
‫ُهنَالِ كَ خلّ َ‬
‫مِن العليبل‪ ،‬فغ ّمضُوا بأيديهبم عينيبه ومَدّ عنبد خروج ُروْحبه رجليبه وتل َى عنبه‬
‫الصّديق والصاحب الشفيق‪.‬‬
‫ببْرًا ومَبا ُهوَ صبَابِرُ‬
‫بَتنْجِدٌ ص َ‬
‫ب ومُس ْ‬
‫ب َيبْكِبي عليبه ُمفَجّع ٌ‬
‫ب ُموْجَع ٌ‬
‫َفكَم ْ‬
‫بتْرِجعٌ دَاعببٍ له ال ُمخْلصببًا ُيعَدّدُ منببه كُلّ مببا هببو ذَاكِرُ‬
‫ومُسبَ‬
‫بَائِرُ‬
‫بَارَ صب‬
‫بل للّذي صب‬
‫با قَليب‬
‫بِ وعمب‬
‫بَتبْشِ ٌر بوَفَاتِهب‬
‫ب مُسبْ‬
‫بم شامِتبٌ‬
‫وكب‬
‫َتب خُ ُدوْدَه َا إمَاؤه‪ ،‬وأ ْعوَلَ لِفقده جيان ُه‪،‬‬
‫ّتب ُجيُوبَهبا نسباؤه‪ ،‬ولَ َطم ْ‬
‫فشق ْ‬
‫وتوجّعَب لرزّيتِهِب إخوانبه‪ ،‬ثب أقبلُوا على جهازه وشروا لبرازه كأن ل يكُن ْب بينهبم‬
‫العَزيز ا ُلفَدّى ول البيب ا ُلبَدّى!‬
‫ج ِهيْزه وُيبَادِرُ‬
‫وحَلّ أحَبّ ب القوم كانببَ َبقُرْبببه يَحُثببببببُ على تَ ْ‬
‫بن قَدْ أ ْحضَرُوهببُ ِلغَسببْلِهِ وَوجّهبب لّابب فَاضببَ ِل ْل َقبْرِ حَاِفرُ‬
‫وشّرَ مَب‬
‫شيّعُهببببُ إ ْخوَانُهببببُ والعَشائِرُ‬
‫ب واجتَ َمعُوا لَه بُ مُ َ‬
‫و ُكفّن بَ ف ب ثَوبَيْن ِ‬

‫‪295‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫صغَر مبن أولده‪ ،‬و قد غلب الُزْ نُ على فؤاده‪ ،‬ويُخشبى مبن‬
‫فلو رأيبت ال ْ‬
‫ب أباه‪ ،‬ويقول‪ :‬يا ويله واح ْربَاه‪.‬‬
‫الزع عليه وقد خضبت الدموع عينيه وهو يندُ ُ‬
‫بببُ ناظِرُ‬
‫بببُ ويَ ْرتَاعب‬
‫َلعَايَنْتببَ مِببن ُقبْحببِ النيةِ َمنْظرًا ُيهَالُ لَمِرْآهب‬
‫باغِرُ‬
‫با َتنَاس بَاهُ الَبنُون بُ الصب‬
‫أكاب ُر أوْل ٍد َيهِيبببج اكتئابمببب إذا مب‬
‫و َرّيةُ نسبببوان عليبببه جوازع مَدَامِعُهُببم فَوقبببَ الدود غوازِرُ‬
‫ث أخرج من سعة قصره إل مضيق قبه‪ ،‬فلما استقرّ ف اللحد‪ ،‬وهيئ عليه‬
‫اللّب احتوشت هُ أعمالُه وأحاط تْ به خطاياه وأوزاره‪ ،‬وضا قَ ذرعًا با رآه‪ ،‬ث حثوا‬
‫بأيديهم عليه التراب‪ ،‬وأكثرُوا عليه البُكاء والْنتِحَابَ‪ ،‬ث وَقفُوا ساعة عليه وأيسُوا‬
‫من النظر إليه‪ ،‬وتركُوهُ ر ْهنًا با كسب وطلبَ‪.‬‬
‫بل الذي لقَبى أ ُخوْهببُ مُحَا ِذرُ‬
‫ب وكُلّهُببم لِمِثْب‬
‫َفوَلّوا عليببه ُمعْوِليْنب َ‬
‫بببَ بَدَالابببب بِ ُم ْديِتِببه بادِي الذّرَاعَيبب حَاسببِرُ‬
‫كَشَا ٍء رعَاءٍ آ ِمنِيْنب‬
‫ب َفلَمّابب نأى عنهببا الذي هببو جازرُ‬
‫ل وا ْجفَلَت ْ‬
‫ب ول تَرْعَبى قَِلْي ً‬
‫فَ ِرْيعَت ْ‬
‫عادت إل مرعاها‪ ،‬ونسيتْ ما ف أختها دهاها‪ ،‬أفا بأفعال النعام ا ْقتَ َدْينَا أم‬
‫على عادتا جرينا‪ ،‬عُدْ إل ذكر النقُول إل دار البلَى‪ ،‬واعتبه بوضعه تتَ الثرى‪،‬‬
‫الدفُوع إل هول ما ترى‪.‬‬
‫ب وَتوَ ّزعَتببْ َموَارْيثَهببُ أولدُهببُ و الصببَاهِرُ‬
‫ثوى ُمفْ َردًا فَبي لْدِهبِ‬
‫ببا وشاكِرُ‬
‫ببم عليهب‬
‫ب َيقْس ببِمُونَها فل حَام ٌد منهب‬
‫وأ ْحنَوا على أ ْموَالِه ب ِ‬
‫بن أن تدُورَ ال ّدوَائِرُ‬
‫با مِب‬
‫فيبا عامِ َر الدنيبا ويَبا سباعيًا لاب ويببا آمنًب‬
‫ت هذه الالة‪ ،‬وأنت صائر إليها ل مالة؟ أمْ كيف ضّيعْتَ حياتَكَ‪،‬‬
‫كيف آمن َ‬
‫ت مُنتظِرَ ِحمَامَ كْ؟ أم‬
‫ف تش بع مِن َطعَامِك‪ ،‬وأنْ َ‬
‫و هي مَطّيتُ كَ إل ما تك؟ أ مْ كي َ‬
‫كيف تنأُ بالشهوات وهي مطيّة الفات؟‬
‫‪296‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول تتَ َزوّدْ لِلرّحِيبببل وَقَدْ دنبببا وأنْت بَ على حَا ٍل و ِشيْك بٌ مُس بَاِفرُ‬
‫َفيَالَهْبف قلبب كبم أسبوّفُ توبتب وعُمْرِيببَ فانببٍ والرّدَى لَبب ناظِرُ‬
‫ببِ قادِرُ‬
‫ببه عادِلُ الكمب‬
‫وكل الذي أ سْلفْتُ ف ال صُحْفِ مُْثبَ تٌ يَازي عليب‬
‫ف كم تُرت عْ بآخر تك دُنياك‪ ،‬وتر كب غيّ ك وهواك‪ ،‬أراك ضع يف اليق ي‪ ،‬يا‬
‫مُؤثر الدنيا على الدين‪ ،‬أبذا أمرك الرحن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ أما تذكرُ ما‬
‫أما مك من شدّة ل ساب و شر الآب‪ ،‬أ ما تذكرُ حال من ج ع وثّ ر‪ ،‬ور فع البناء‬
‫ف وعمّرْ‪ ،‬أما صار ج ُعهُم بُورًا ومساكنُهم قبورًا‪.‬‬
‫وز ْخرَ َ‬
‫ب عَامِرُ‬
‫تُخَرّبببُ مببا َيبْقَبى وَتعْمُرُ فَانِيًبا فل ذَاكبببَ َموْفُورٌ ول ذَاكبب َ‬
‫ببْ َخيْرًا لَدَى ال عَا ِذرُ‬
‫بب ِ‬
‫ب َبغَْتةً ول َت ْكتَسب‬
‫ب َحْتفُك َ‬
‫ب وَافَاك َ‬
‫ب إن ْ‬
‫وهَلْ لَك َ‬
‫ب وافِرُ‬
‫ب ومَالُكب َ‬
‫ليَاةُ وَتنْقضِبي و ِديْنُكببَ َمْنقُوصب ٌ‬
‫ب َتفْنَبى ا َ‬
‫أتَرْضَبى بأن ْ‬
‫وقال ب رحه ال ب‪ :‬اللهم إن أعوذ بك أن تُح سّنَ ف َلوَام ِع ال ُعيُون علنيت‬
‫وتُ َقبّحَ ف خفيّات الغُيوب سريرت‪.‬‬
‫اللهم كما أسأت وأحسنت إلّ فإذا عُدْ تُ فعُدْ إلّ‪ ،‬اللهم ارزقن مُواساة من‬
‫قترت عليه رزقك با وسعت عليّ من فضلك‪.‬‬
‫وقال يومًا ل ن كان م عه‪ :‬إ ن اتكأت على هذا الائط وأ نا حز ين فإذا رجلٌ‬
‫حس ُن الوجه حس ُن الثياب ينظرُ ف تاه وجهي‪ ،‬ث قال‪ :‬يا عليُ ب ُن السي‪ ،‬ما ل‬
‫أراك كئيبًا حزينًا على الدنيا‪ ،‬فهي رزق حاضر يأخذ منه الب والفاجر‪ ،‬فقلت‪ :‬ما‬
‫عليها أحزن؛ لنا كما تقول‪.‬‬
‫فقال‪ :‬على الخرة ف هي و عد صادق ي كم في ها ملك قادر‪ ،‬فقلت‪ :‬ما على‬
‫هذا أحزن؛ لنه كما تقول‪.‬‬
‫فقال‪ :‬فعَلمَ حُزنك؟ فقلت‪ :‬ما أتوف من الفتنة‪ ،‬يعن فتنة ابن الزبي‪.‬‬
‫فقال ل‪ :‬يا علي‪ ،‬هل رأيت أحدًا سأل ال فلم يعطه؟ قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬وياف‬
‫ال فلم يكفه؟ قلت‪ :‬ل ث غاب عن‪.‬‬
‫‪297‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقيل‪ :‬إنه لّا مات ب رحه ال ب فغ سّلُوه‪ ،‬جعلوا ينظرون إل آثار سوادٍ ف‬
‫ل على ظهره يعط يه فُقراء‬
‫ظهره‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما هذا؟ فق يل‪ :‬كان يملُ جُرا الدق يق لي ً‬
‫الدينة‪.‬‬
‫وقال اب ُن عائشة‪ :‬سعتُ أهل الدينة يقولون‪ :‬ما فقدنا ال صّدقة حت مات علي‬
‫بن السي‪.‬‬
‫ُقمب أه ُل الفضْل‬
‫وروى الطببان عنبه‪ ،‬قال‪ :‬إذا كان يوم القيامبة نادى مُنا ٍد لي ْ‬
‫فيقومُ ناسٌ من الناس‪.‬‬
‫فيقال ل م‪ :‬انطلقوا إل ال نة‪ ،‬فتتلقاهُم اللئ كة‪ ،‬فيقولون‪ :‬إل أ ين؟ فيقولون‪:‬‬
‫إل النة فيقوُلُون قبل الساب‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ما أنتمُ؟ قالوا‪ :‬نن أهل الفضل‪ ،‬قالوا‪ :‬وما كان فضلكم؟ قالوا‪ :‬كنا إذا‬
‫جُ هل علي نا حل نا‪ ،‬وإذا ظُلم نا صبنا‪ ،‬وإذا أ سيئ إلي نا غفر نا‪ ،‬قالوا ل م‪ :‬أد ُخلُوا‬
‫النة‪ ،‬فِنعْمَ أجْرُ العاملي‪.‬‬
‫ث يُناد مُنا ٍد ليقُ مْ أ هل ال صب‪ ،‬فيقُوم نا سٌ من الناس‪ ،‬فيقال ل م‪ :‬انطلقوا إل‬
‫النة‪ ،‬فتتلقاهُم اللئكة‪ ،‬فيقولون لم مثلَ ذلك‪.‬‬
‫فيقولون‪ :‬نن أهل الصب‪ ،‬قالوا‪ :‬فما كان صبكم؟ قالوا‪ :‬صبنا أنفسنا على‬
‫طاعة ال‪ ،‬وصبناها عن معصية ال‪ ،‬وصبنا على البلء‪ ،‬فقالوا لم‪ :‬أدخلوا النة‬
‫فنعم أجر العاملي‪.‬‬
‫ث يُناد مناد ليُ قم جيا نُ ال ف داره‪ ،‬فيقوم ناس من الناس و هم قل يل‪ ،‬فيقال‬
‫لم‪ :‬انطلقوا إل النة فتتلقاهُم اللئكة‪ ،‬فيقولون لم‪ :‬مثل ذلك‪.‬‬
‫فيقولون‪ :‬ب استح َق ْقتُم ماورة ال عز وجل ف داره‪ ،‬فيقولون‪ُ :‬كنّا نتزاورُ ف‬
‫ال ونتجال سُ ف ال‪ ،‬ونتبادلُ ف ال عز وجل‪ ،‬فيقال لم‪ :‬أدخلوا النة فنِعم أجر‬
‫العاملي‪.‬‬

‫‪298‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ب‬
‫ب وهبو ُمِبيْدُه ُ‬
‫برّ الفتب بالعَيْش ِ‬
‫يُس َ‬
‫وفبب عِبَر اليامببِ لِ ْلمَر ِء واعظببٌ‬
‫ب يبا غافلُ ال ّدهْرَ صبَا ِمتًا‬
‫بْ‬
‫فل تَحْس َ‬
‫أصببَحْ ُل ِمنَاجَاةِ الزمانببِ فإنّهببُ‬
‫بْ‬
‫بًا َفكُّلهُمب‬
‫أدَارَ على الاضِيَب كأسب‬
‫ُسبّقوْا بكَأسبِهمْ‬
‫ول يَحْمِهبم مبن أن ي َ‬

‫وَي ْغتَرّ بالدنيببا ومببا هيببَ دَارُهببُ‬
‫إذَا صببَ ّح فيهببا ِفكْرهببُ وا ْعتِبارُهببُ‬
‫بببُ‬
‫بببَ ُح شيءٍ َليْلُه وَنهَارُهب‬
‫فأفْصب‬
‫برَا ُرهُ‬
‫بيْ ْغِنيْكَ عبن جَهْبر القا ِل س ِ‬
‫سَ‬
‫أُبيْحَتببْ َمغَاِنيْهببِ وأَ ْقوَتببْ ِديَارُهببُ‬
‫ب‬
‫ب القَنَبا وا ْشتِجَارُه ُ‬
‫ب أطْراف ِ‬
‫َتنَاوُش ُ‬

‫ب ينق صُ اليان‪ُ ،‬معْرضًا عبن الرباح ومُتعرضٌب‬
‫ا سع يا مُضي عَ ال ّزمَا نَ فيم ا‬
‫ك الشامتْ‪.‬‬
‫للخسران‪ ،‬لقد ُس ّر بفعل َ‬
‫ح الع يد لتح سي لبا سه‪ ،‬ويُوقِ ُن بالوت و ما ا ستعدّ لبا سه ويغ تر‬
‫يا من يفر ُ‬
‫بإخوانه وأقرانه وجُلّاسِه‪ ،‬وكأنه قد أمن سُ ْر َع َة اختلسِهْ‪.‬‬
‫يا غافلً قد طُلِ بْ‪ ،‬ويا مُخاصمًا قد غُلِ بْ‪ ،‬ويا واثقًا قد سُِلبْ‪ ،‬إيّاك والدنيا‬
‫فما الدنيا بدائمة‪ ،‬لقد أبانت للنواظرِ عُيُوْبهَا‪ ،‬وكشف تْ للبصائر غيُوبا‪ ،‬وعدّدَ تْ‬
‫على السامع ُذنُوبا‪ ،‬وما مرّتْ حت أمرّت مشرُوبا‪.‬‬
‫ق ومُصيبتُها وا سعةُ الر قْ‪ ،‬سوّتْ عواقبُها ب ي سُلطان‬
‫فلذات ا مثلُ لعا ِن الب ْ‬
‫الغرب والشرق‪ ،‬فما نا منها ذو عدَدْ‪ ،‬ول سلم فيها صاحبُ عُ َددْ‪ ،‬مزّقَت الكُلّ‬
‫ف البُدَ ْد ث وّلتْ فما اْلوَت على أحدْ‪.‬‬
‫بك ّ‬
‫ْصببٍ‬
‫ذاتب َمن ِ‬
‫قال ‪« :‬سببعة يُظللّهُم ال فب ظِلّه‪ ،‬منهبم رجبل َدعَتْه امرأةٌ ُ‬
‫وجال‪ ،‬فقال‪ :‬إنّي أخافُ ال»‪.‬‬
‫ب عَجُوزًا هتْمَا عَمْيَا صَمّا جَرْبَا سودا َء َشوْهَاء ُم ْقعَدة على‬
‫ا سع يا مَ نْ أجا َ‬
‫حبُّتهَا عُرضَ تْ على النب بطحاء مكة َذ َهبًا فأبَى أن‬
‫ت علي كَ َم َ‬
‫مَ ْزبَلَة ولكن غََلبَ ْ‬
‫َيقْبَلهَا‪.‬‬

‫‪299‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ببا بدَارِ مَسببَرةٍ‬
‫مَببا هذه الدنيب‬
‫بِه‬
‫ب ّر بنفْسب‬
‫َليْنَبا الفَت ب فيْهَبا يُسب‬
‫ب َقتْهُ مِببن النّيةِ شرْبةً‬
‫َحتّىبب سب َ‬
‫بَبتْ يَداهببُ َر ِهيَْنةً‬
‫َفغَدًا بَببا كسب َ‬
‫ب الثرى‬
‫ب تْت َ‬
‫ب قال مَن ْ‬
‫لو كان َينْطِق ُ‬

‫خوّفبب َمكْرًا لَهببا و ِخدَاعَببا‬
‫َفتَ َ‬
‫ب يَسبببْتَ ْمتِ ُع اسبببْتِ ْمتَاعَا‬
‫وبالِهبب ِ‬
‫با‬
‫به فيببه بعدَ ذَاكببَ رَضَاعَب‬
‫وحَمتْب‬
‫بتَ ِطيْعُ لابب عَ َرتْهببُ دِفَاعَببا‬
‫ل يَسب ْ‬
‫بطَاعَا‬
‫ف ْليُحْسبِن العمَلَ الفَتَبى مَبا اس ْ‬

‫فائدة عظيمة النفع‬
‫فشفاؤهب الطاعبة‪ ،‬ومبن كان داؤُه الغفلة‪،‬‬
‫ُ‬
‫ُهب العصبية‪،‬‬
‫اعلم أن مبن كان داؤ ُ‬
‫فشفاؤه اليقظة‪ ،‬ومن كان داؤه كثر ُة الشغال‪ ،‬فشفاؤه ف تفريغ الال‪.‬‬
‫فمن تفرّغ من هوم الدنيا قلبُه‪ ،‬ق ّل تعبُه‪ ،‬وتوفّر من العبادة نصيبه‪ ،‬واتصل إل‬
‫ال م سيه‪ ،‬وارت فع ف ال نة م صيه‪ ،‬وت كن من الذ كر والف كر والورع والز هد‬
‫والحتراس من وساوس الشيطان‪ ،‬وغوائل النفس‪.‬‬
‫و من ك ثر ف الدن يا ه ه‪ ،‬أظلم طريقُه‪ ،‬ون صب بدنُه‪ ،‬وضاع وق ته‪ ،‬وتش تت‬
‫شله‪ ،‬وطاش عقلُه‪ ،‬وانعقد لسانُه عن الذكر‪ ،‬لكثرة هُمومه وغمُومه‪ ،‬وصار مُقيّدَ‬
‫الوارح عن الطاعة من قلبهِ ف كل وا ٍد ُشعْبَة‪ ،‬ومن عُمرهِ لك ِل شغل حصّة‪.‬‬
‫فاستعذ بال من فضول العمال والموم‪ ،‬فكل ما شغل العبد عن الرب فهو‬
‫مشئومن و من فاته ر ضا موله فهو مروم‪ ،‬كل العافية ف الذكر والطاعة‪ ،‬وكل‬
‫البلء فب الغفلة والخالفبة‪ ،‬وكبل الشفاء فب الناببة والتوببة‪ ،‬وانظبر لو أن طبيبًا‬
‫نصرانيًا ناك عن شرب الاء البارد لجل مرض ف جسدك لطعته ف ترك ما ناك‬
‫ب وقد يُخطئ وقد‬
‫عنه‪ ،‬وأنت تعلم أن الطبيب قد يصدُق وقد يكذب‪ ،‬وقد يصي ُ‬
‫ينص ُح وقد يغشُ‪ ،‬فما بالك ل تترك ما ناك عنه أنص ُح الناصحي وأصدق القائلي‬
‫تشفب منبه فأنبت مبن أهلك‬
‫َ‬
‫مرضب القلب الذي إذا ل‬
‫ِ‬
‫وأول الواعديبن لجبل‬
‫الالكي‪.‬‬
‫‪300‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫صيْرُ قَدْ سَارَ‬
‫سيْرَ فيه َتقْ ِ‬
‫َتبْغِي الوُ صُو َل ب َ‬
‫بلُوا‬
‫ب أبْطَالٌ فمبببا وَصبب ِ‬
‫بْلَكبب َ‬
‫يبا مُدّعِي الُبّ فب َشرْع الغَرامِب وقَد‬
‫ِعبب‬
‫َركب فب لَهْبو وفب ل ٍ‬
‫ْتب عُم َ‬
‫أ ْفنَي َ‬
‫ْتب م ِن كَمَدٍ‬
‫ُكب حَي ًا ُذب َ‬
‫كانب قَ ْلب َ‬
‫لو َ‬

‫ب َمغْ ُروْرُ‬
‫ب فيمبا ُرمْت َ‬
‫ل شَكّب أنّك َ‬
‫بيْرهم وج ٌد وتشْ ِميْرُ‬
‫هَذا وفبب سب َ‬
‫ببببَ َبّيَنةً َل ِكنّهَببببا ُزوْرُ‬
‫أقَامب‬
‫جوْرُ‬
‫ببببَ َب ْعيِدُ الدارِ َم ْه ُ‬
‫هَذا وأنْتب‬
‫ب ِم الَيْت بِ تأثِيْرُ‬
‫جرَاح بِ جِس ْ‬
‫با لِلْ ِ‬
‫مب‬

‫الل هم إ نا ن سألك نف سًا مطمئ نة تؤم نُ بلقائك وتر ضى بقضائك‪ ،‬الل هم إ نا‬
‫نسألك باسك الطاهر الطيب الُبارك الحبّ إليك الذي إذا دُعيت به أجبت‪ ،‬وإذا‬
‫سُئلت به أعطي تَ‪ ،‬وإذا استُرحتَ به رحت‪ ،‬وإذا استفرجت به فرّج تْ أن تغفر‬
‫سيئاتنا وتبدلا لنا بسنات يا أرحم الراحي‪ ،‬وصل ال على ممد وآله وصحبه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وختامًا فالواجب على النسان البادرة إل العمال الصالة‪ ،‬وأ ْن ينتهز فرصة‬
‫المكان قبل هجوم هادم اللذات‪.‬‬
‫وأن يسبتعي بال ويتوكبل عليبه ويسبأله العون فب تسبيي العمال الصبالة‬
‫وصرف الوانع الائلة بينه وبينها‪.‬‬
‫وليحرص على ح فظ القرآن‪ ،‬وتدبره‪ ،‬وتفه مه‪ ،‬والع مل به‪ ،‬وكذلك ال سّنة‪،‬‬
‫ويرص على أداء الصلة ف جاعة‪.‬‬
‫ويرص على مالس الذكبر‪ ،‬ويفبظ لسبانه عبن الغيببة والنميمبة والسبعاية‬
‫والكذب وجيع العمال والخلق السيئة‪.‬‬
‫ُوقب ل‬
‫ويتهيبأ للرحيبل‪ ،‬ويتفقبد نفسبه باب عليبه‪ ،‬ومبا له فإن كان عنده ُحق ٌ‬
‫كزكاة‪ ،‬أو لل قه كأمانات أو عواري أو و صايا أدا ها ب سُ ْر َعةٍ خش ية أن يفجَاءَ هُ‬
‫ت وهي عنده‪.‬‬
‫الو ُ‬
‫فإذا ل تُؤدها أنت ف حياتك‪ ،‬فمن بعدك من أولد أو إخوان َيْبعُدُ اهتمِامُهم‬
‫بذلك؛ لنم يهتمون ويشتغلون با خّل ْفتَهُ لم وضّي ْعتَ بسببه نفسك‪.‬‬
‫فال ال البدارَ بالتفتيش على النفس‪ ،‬والباردة بالتوبة والكثار من الستغفار‪.‬‬
‫‪301‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وما يثُك على ذلك ذكرُ مرارة الوت الذي ساه رسول ال هادم اللذات‪،‬‬
‫وتذكر شدة النع والتفكر ف الوتى الذي حُب سُوا على أعمالم ليُجازوا با فليس‬
‫فيهم من يقدرُ على مو خطيئةٍ‪ ،‬ول على زيادة حسنة‪.‬‬
‫وعاد بعضهم مريضًا‪ ،‬فقال له‪ :‬كيف تدُك؟‬
‫قال‪ :‬هبو الوت‪ ،‬قال له‪ :‬وكيبف علمبت أنبه الوت؟ قال‪ :‬أجدُنب أجْتذَب‬
‫اجتذابًا‪ ،‬وكأن الناجر ف جوف‪ ،‬وكأن جوف تنوُ ٌر ُمحْمىً يتلهّب‪.‬‬
‫قال له‪ :‬فاعهبد (أي أوصبي)‪ ،‬قال‪ :‬أرى المبر أعجبل مبن ذلك فدعبا بدواة‬
‫وصحيفة‪ ،‬وقال‪ :‬فوال ما أتى با حت شخص بص ُرهُ فمات‪.‬‬
‫وقال إبراهيم بن يزيد العبدي‪ :‬أتان رياح القيسي‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا إسحاق انطلق‬
‫ث بقربم َعهْدًا‪.‬‬
‫حدِ ُ‬
‫بنا إل أهل الخرة نُ ْ‬
‫فانطلقبت معبه‪ ،‬فأتبى القابر فجلسبنا إل بعبض تلك القبور‪ ،‬فقال‪ :‬يبا أببا‬
‫إ سحاق‪ ،‬ما ترى هذا مُتمنيًا لو مُنّ ء‪ ،‬قلت‪ :‬أن يُ َردّ وال إل الدن يا في ستمتع من‬
‫طاعة ال ويُصلح‪.‬‬
‫قال‪ :‬فها ننُ‪ ،‬ث نض فج ّد واجتَهَد‪ ،‬فلم يلبث إل يسرًا حت مات‪.‬‬
‫صوّر لنف سك عرضَهَا‬
‫ك على التأ هب وال ستعداد لادم اللذات أن تُ َ‬
‫حثُ َ‬
‫وم ا يَ ُ‬
‫على َربِ كَ وتجيله إياك بضيضِ العتاب على فعلِ ما ناكَ عنه‪ ،‬قال ج َل وعل‪:‬‬
‫َوكُلّ ُهمْ آتِيهِ يَ ْومَ القِيَا َمةِ فَرْدًا ‪.‬‬
‫وقال رسول ال ‪« :‬ما منكم من أحد إل سيُكلمُهُ ربه تبارك وتعال يس بينه‬
‫وبينه ترجان»‪.‬‬
‫وعن صفوان بن مرر قال‪ :‬كنتُ آخذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجُل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كيف سعتَ رسول ال يقول ف النجوى يوم القيامة؟‬
‫فقال‪ :‬سبعتُ رسبول ال يقول‪« :‬إن ال يُدْنب الؤمبن َفَيضَعُب عليبه َكنَفَه‪،‬‬
‫ستُره من الناس‪ ،‬وُيقَرّرُ هُ ب ُذنُو به‪ ،‬ويقُولُ له‪ :‬أتَعْر فُ َذنْ بَ كذا‪ ،‬أتعرف ذ نب‬
‫ويَ ْ‬

‫‪302‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫كذا‪َ ،‬حتّ ى إذا قرره بذنو به ورأى ف نف سه أ نه قد هلك‪ ،‬قال‪ :‬فإ ن قد َستَرْتا‬
‫عليك ف الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»‪.‬‬
‫وم ا يثُك على ال ستعداد للموت والبتعاد عن العا صي أن تتخا يل وتت صوّر‬
‫شهادة الكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة‪.‬‬
‫فعبن أبب هريرة قال‪ :‬قرأ رسبول ال‬

‫ّثه أَخْبَارَه َا ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حد ُ‬
‫يَ ْومَئِذٍ ُت َ‬

‫«أتدرون ما أخبار ها! أن تشهَدَ على كل ع بد ب ا ع مل على ظهر ها‪ ،‬أن تقول‬
‫عَمِلَ كذا وكذا ف يوم كذا وكذا‪ ،‬فهو أخبارها»‪.‬‬
‫وم ا ي ثك على التأ هب وال ستعداد للموت والبتعاد عن العا صي أ ْن تُ َمثِلَ‬
‫َنفْسَكَ عند بعض زََللِكَ كأنه يُؤمَ ُر بك إل النار الت ل طاقةَ لخلوق با‪.‬‬
‫وتصور نفاذ اللذة وذهاَبهَا وَبقَا َء العار والعذاب‪.‬‬
‫بى الث ب والعَارُ‬
‫ب وَيبْقب‬
‫ب نَا َل َش ْه َوتَهببُ مِبن الَرَام ِ‬
‫تَفنبب اللّذَا َذةُ مِمّنب ْ‬
‫با النَارُ‬
‫بن َبعْدِهَب‬
‫بوْءِ فب َم َغّبتِهَبا ل َخيْرَ فبب لَ ّذةٍ مِب‬
‫بس ُ‬
‫َتبْقَبى َعوَاقِب ُ‬
‫عن أ ب هريرة‪ ،‬عن ال نب أ نه قال‪« :‬نار كم هذه ما يُوقِدُ بَنُوا آدَ مَ ُجزْءٌ‬
‫واح ٌد مِن َسْبعِيْنَ جزءًا من حر َج َهنَمّ»‪ ،‬قالوا‪ :‬وال إن كانت لكافية‪.‬‬
‫وقال بعض السلف‪ :‬ربا ُمثّلَ ل رأسي بي جبلي من نار وربا رأيتن أهوى‬
‫فيها حت أبلغ قعرها فكيف تنا الدنيا من كانت هذه صفته‪.‬‬
‫وكان عمر ربا توقد له النار ث يدن يديه منها‪ ،‬ث يقول‪ :‬يا ابن الطاب‪،‬‬
‫هل لك على هذا صَب!‬
‫وما يثك على الستعداد وتفقد شؤونك وأمرك ذكر أحوال كثي من السلف‬
‫ف الساب والعذاب ف البزخ والنار‪.‬‬
‫الصال الذي أقلقهم خو ُ‬
‫لا أهديت مُعاذة العدويةو إل زوجها صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه المام‪ ،‬ث‬
‫أدخله بيتًا مُطيبًان فقام يصلي حت أصبح‪ ،‬وفعل تْ زوجتُه معاذة مثله‪ ،‬فلما أصبح‬
‫عاتبهُ اب نُ أخ يه على فعله ليلة الزواج‪ ،‬فقال له‪ :‬أدخلت ن ال مس بيتًا ذكّرت ن به‬
‫النار‪ ،‬ث أدخلتن بيتًا ذكرتن به النة‪ ،‬فما زالت فكرت فيهما حت أصبحت‪.‬‬
‫‪303‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ونظر عمر بن عبدالعزيز إل رجل عنده مُتغيّ اللون‪ ،‬فقال له‪ :‬ما الذي بك؟‬
‫فقال‪ :‬إ ن ذُقْ تُ حلوة الدن يا ف صغُر ف عي ن زهرت ا وملعبُ ها‪ ،‬وا ستوى عندي‬
‫حجارتُهبا وذهبُهبا‪ ،‬ورأيتُب كأن الناس يُسباقون إل النبة‪ ،‬وأنبا أسباقُ إل النار‪،‬‬
‫ب عفو ال‪،‬‬
‫فأسهرتُ لذلك ليلي‪ ،‬واظمأ تُ ناري‪ ،‬وكلُ ذلك صغيٌ حقيٌ ف جن ِ‬
‫وثوابه عز وجل وجنْب عقابه‪.‬‬
‫وقال إبراه يم التي مي‪ :‬مثل تُ نف سي ف النار آ كل من زقُومِ ها‪ ،‬وأشْر بُ من‬
‫ل سلسلها وأغللا‪.‬‬
‫صديدها وأعا ُ‬
‫ت لنفسي‪ :‬أيّ شيءٍ تُريدين‪ ،‬قالت‪ :‬أريدُ أن أردّ إل الدنيا فأعمل صالًا‪،‬‬
‫فقل ُ‬
‫قال‪ :‬فقلت‪ :‬أنت ف المنّيةِ فاعملي‪.‬‬
‫وسع عُمر بن الطاب رجلً يتهجدُ ف الليل ويقرأ سورة الطور‪ ،‬فلما لغ قوله‬
‫تعال‪ :‬إِنّ َعذَابَ َرّبكَ لَوَا ِقعٌ * مَا َلهُ مِن دَا ِفعٍ ‪.‬‬
‫قال عمر‪ :‬قسم ورب الكعبة حق‪ ،‬ث رج عَ إل يته فمرض شهرًا يعُوده الناس‪،‬‬
‫ول يدرُونَ ما سببُ مرضه‪.‬‬
‫وكان جا عة من ال سلف َمرِضوا مِن الوف ول ِزمُوا َمنَازِل م وبعضُ هم و صار‬
‫صاحب فراش‪.‬‬
‫وكان ال س ُن يقول ف و صف الائف ي‪ :‬قد براهُم الو فُ فَ هم أمثالُ القداح‬
‫ينظر إليهم الناظر‪ ،‬فيقول‪َ :‬مرْضَي وما بم مَرَ ضٌ‪ ،‬ويقولُ‪ :‬قد خُولِطُوا وقد خَالَ طَ‬
‫القومَ من ذِكر الخرةِ أمرٌ عظيم‪.‬‬

‫هذه القصيدة عدّلنا فيها بعض البيات‪:‬‬

‫‪304‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫جؤٌ‬
‫و َحقّكبب يببا ذَا الُو ِد مَال مَ ْل َ‬
‫إذا ل َتكُنببْ ل عِن َد َغيْرِكببَ حَا َجةُ‬
‫بوَا َك بِمَ ْطلَبِبي‬
‫إذ ل يَكبن ُمعْطبٍ س ِ‬
‫بُ‬
‫بِ مَبا يَرَى مَبا رَأْيتُهب‬
‫عَ ُذوْ ل فيهب‬
‫لسبُلوْ ِكهَا‬
‫ل مبا ا ْهتَدى ُ‬
‫ت سبَبيْ ً‬
‫سبَل ْك ُ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫حجّب ٍ‬
‫بّل ٌو عبن جَمَا ٍل مُ َ‬
‫بس ُ‬
‫وَ َكيْف َ‬
‫باسبمِهِ‬
‫ْبب ْ‬
‫ْنب لِلرّك ِ‬
‫س الَا ُدو َ‬
‫اسبتَاَن َ‬
‫إذ ْ‬
‫حّبيْنببَ ذِكْرُهببُ‬
‫حُلوْ لِلْ ُم ِ‬
‫يَطيْبببُ ويَ ْ‬
‫ب َشهْدًا فهبو أحْلَى مَذَاَقةً‬
‫فإنبْ ُقلْت ُ‬
‫با حَادِي الرَكَائِب حَا َجةً‬
‫سببَأْلتُكَ يَب‬
‫ب ِقبَابُهَبا‬
‫ب َقدْ َح َوتْه ُ‬
‫بلّم على مَن ْ‬
‫فَس َ‬
‫ختَا ُر والاجِدُ الذي‬
‫مُحَمّدٌ الُ ْ‬
‫َهب‬
‫هبو الصبا ِدقُ الدّاع ِي إل ال وَحْد ُ‬
‫به دائمًبا فَص بَلتكم‬
‫فَص بَلوا عليب‬

‫ب غَيك بَ مَ ْطلَب بُ‬
‫ول ل إل أبْواب ِ‬
‫ب‬
‫َكَب أ ْذهَب ُ‬
‫ب َغيْر َ‬
‫ب إل أْبوَاب ِ‬
‫َفكَيْف َ‬
‫فكيفَب سِبوَى َمعْ ُروْفِب ُجوْدِكَب أطْلُبُب‬
‫به ويُ ْطنِب بُ‬
‫َفيُ ْكثِرُ مِبن َلوْمِبي عَلَيب‬
‫ب َيعْجَببُ‬
‫ب ِمنْهبُ وَ ْه َو ِمنّي َ‬
‫فأعْجَب ُ‬
‫َبب‬
‫حج ُ‬
‫أيَادِي ْه عبن كُلِ الوَرَى ليبس تُ ْ‬
‫فكُّلهُ ُموْا حتبب الركائبببِ تَطْرَبببُ‬
‫فَل طَيّبببٌ إل وذ ْكرُكببَ أ ْطيَبببُ‬
‫َبب‬
‫أصبفَى وأعْذ ُ‬
‫ْتب ما ًء فهبو ْ‬
‫وإنب ُقل ُ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫ب َيثْرب ُ‬
‫ب يومًبا ِل َعْينَيْك َ‬
‫إذا مَبا بَدَت ْ‬
‫ب‬
‫ب تُ ْملَى وُت ْكتَب ُ‬
‫وشِ ْرعَتُبه فب الكَون ِ‬
‫ببُ‬
‫ببِ ُتنْسبَ‬
‫إل فَخرْهببِ كُ ُل الناسبِ‬
‫َبب‬
‫ْهب َف ْهوَ فب الَشْ ِر ُينْد ُ‬
‫جب ُ‬
‫َنب ل يُ ِ‬
‫فَم ْ‬
‫بن ال يُطْلَبببُ‬
‫ثَواُبكُمُوا فيهببا مِب‬

‫وختامًا‪ :‬فالواجبب على العاقبل البادرة إل العمال الصبالة مبا دام فب قيبد‬
‫الياة وخصوصًا الصلة الت فرضها ال جل وعل على عباده آكد أركان السلم‬
‫بعد الشهادتي وملها من الدين مل الرأس من السد‪.‬‬
‫فك ما أن ل حياة ل ن ل رأس له فكذلك ل د ين ل ن ل صلةَ له و هي خاتةُ‬
‫وصّيةِ النب عند آخر عهدهِ من الدنيا‪.‬‬
‫ف عن أ نس قال‪ :‬كا نت عامةُ و صيّة ر سول ال ح ي حضرتْ ُه الوفا ُة وهُو‬
‫يُغرغر بنفسه‪« :‬الصلة وما ملكت أيانكم» رواه أحد وأبو داود‪.‬‬
‫وهي أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة‪ ،‬كما ورد بذلك الديث عن أب‬
‫هريرة قال‪ :‬سعت رسول ال يقول‪« :‬إن أول ما ياسب به العبد يوم القيامة‬
‫‪305‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫مِن عمله صلته‪ ،‬فإن صلحت فقد أفلح وأنح‪ ،‬وإن فسدت فقد خاب وخسر»‬
‫الديث رواه الترمذي‪.‬‬
‫والصلة أكب عون للعبد على مصال دينه ودنياه‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬وَا سَْتعِينُوا‬

‫بِالصّبْرِ وَالصّلةِ الية‪.‬‬
‫فالصلة سعادة وسرور للمؤمن الاشع الحب لربه‪ ،‬فقد قال رسول ال ‪:‬‬
‫«وجعلت قرة عي ن ف ال صلة» وكان إذا حز به أ مر فزع إل ال صلة‪ ،‬فال صلة‬
‫جسدٌ وروْح‪.‬‬
‫أما جسدها فهو كلم اللسان وحركات العضاء‪ ،‬وأما روحها فهو الشوع‪،‬‬
‫قال ال جل وعل‪َ :‬قدْ أَفْ َلحَ الُ ْؤمِنُونَ * الّذِينَ ُهمْ فِي صَلتِ ِهمْ خَا ِشعُونَ ‪.‬‬
‫والشوع حضور الذهن وأن يتصوّر النسانُ أن ره أمام ُه يسمعه ويناجيه‪ ،‬فل‬
‫يشغل فكره بشيء من الدنيا ما دام ف صلته ويمع فكره إل تأمل ما يتلو وما‬
‫يسمع من المام ويرص كل الرص على طرد الواجيس‪.‬‬
‫قال أحبد العلماء‪ :‬إن مبن العلوم أن النتصبب لطاب ملك مبن مُلوك الدنيبا‬
‫يمعُ قلبهُ للقبال عليه ويُحسن التودد إليه ويتحر ُز التحرز الكلي عن أن تفرط منه‬
‫كلم ُة م ستهجنةً أو التفات هُ غ ي مُ ستحسنةٍ أو ذهُول عمّ ا يُخاط به به أو يتلقا هُ من‬
‫خطابِ ِه وإن ك ان ل ياف نقمت ُه ول يرجُو نعمته‪.‬‬
‫فيا عجبًا من منتصبٍ لُناجات ملك السموات والرض وهو يعل مُ أنه حاضرٌ‬
‫لديه ورقيب عليه وأنه مُحتا جٌ ف كُل لظةٍ إليه غي مُستغ ٍن عنه وإن إحسانهُ إليه‬
‫فوق كُل إحسان‪.‬‬
‫وعاقبة عصيانه إنه اللودُ ف قعر النيان وإن عظمت ُه ل تُدانيها عظمة سُلطان‪،‬‬
‫ومع ذلك يتر ُك القبال عليه ويعرض له الذهو ُل عن هُ لواطر دنيوي ٍة ووساوس غي‬
‫نافعة ول مرضيّة حت ل يشعر بعان ما يتلوه ف صلته ول يعقل ما الطلو بُ با‬
‫ويسهو عن أركانا وأذكارها هذا ما تا ُر فيه العقول‪.‬‬

‫‪306‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ولعل السبيل إل ذلك هو التحفظ عن تلك الشواغل ف حالة الصلة الت هي‬
‫عماد الد ين والفارقةُ ب ي الكفرة والؤمن ي ال ت فرض ها ال ليتطهّ ر ب ا عبادُ هُ عمّ ا‬
‫اقترفوه في ما ب ي أوقات ا من الذنوب ويغ سلُوا ب ا أبدان م وأرواح هم عن درَ نِ‬
‫الُوْب‪.‬‬
‫ت الم سَ َك َمثَلِ َنهْرٍ جا ِر يَ ُم ُر على باب‬
‫ك ما يشِعرُ به قوله ‪َ « :‬مثَ ُل ال صلوا ِ‬
‫أحدكم يَغتسل منه كُ ّل يو مٍ خ سَ مرا تٍ»‪ ،‬وف رواية‪« :‬فماذا ِت َروْ َن أَيبْقَى عليه‬
‫من الدَ َرنِ بعد ذلك»‪.‬‬
‫وال هم أن ي صرف العبدُ ذهن هُ إل أن قيامَ هُ للوضوء وال صلة إن ا هو لطاب‬
‫ملك الُلُو كِ والعتذار إل يه من التق صي ف اليَا ِء مِ نه ف أحْواله ال سابقة‪ ،‬وليطلب‬
‫منه العفو والسامة والحسان ولداءِ ما كّلفَ ُه مِن العبادة‪.‬‬
‫فصل‬
‫س مُبتدع و هو‬
‫ذ كر ا بن كث ي ب رح ه ال ب‪ :‬أن أ حد العلماء حَضرَ مل َ‬
‫يتكلم على الناس فلمبا نام‪ ،‬قال‪ :‬رأيتُب ربّ العِزة واللل فب الليلة‪ ،‬وهبو يقول‬
‫صبَحَ ل ُيبْصر‬
‫ك النظر ف الدنيا‪ ،‬فأ ْ‬
‫ت على مُبتدع وسعتَ كلمه لحْر ّمنَ َ‬
‫ل‪ :‬وقف َ‬
‫وعَيْناهُ مفتوحتان كأنه بصي‪ .‬اهب‪.‬‬
‫قطاع الطر يق على أرباب ال سلوك أرب عة‪ُ :‬مبْتدِ عٌ يُ ِزْيغُ كَ عن سُنة ر سول ال‬
‫‪ ،‬وفاسق يُجَرؤ َك على َمعَاصي ال‪ ،‬غاف ٌل يُنسيك صُحبة ذكر ال‪ ،‬وكافر يَصُ ّدكَ‬
‫عن ِديْن السلم‪.‬‬
‫َاصبلُ‬
‫َبحب ح ِ‬
‫صبْف َقةِ الر ِ‬
‫ُنب له م ِن َ‬
‫جرٍ يكو ُ‬
‫السبيَ فب نَي ْل َمتْ َ‬
‫ْتب ّ‬
‫إذا مبا عَ َزم َ‬
‫ببْيَل ُهمْ َكفُو ٌر وبِ ْدعِيبببببٌ وعَاص وغَافِلُ‬
‫فأ ْربَ َع ٌة ل تَسبببُلكَنّ سبب َ‬
‫آخر‪:‬‬

‫‪307‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ت بِحِ ْملِهَببا‬
‫إذا أثقََلتْكببَ السببّيئا ُ‬
‫النفسب فب شَهوَاتِهبا‬
‫ُ‬
‫َليكب‬
‫ّتب ع َ‬
‫ول ْ‬
‫الرزقب فب ك ّل مَ ْدخَلٍ‬
‫ُ‬
‫َليكب‬
‫َاقب ع َ‬
‫وض َ‬
‫بيْتَ ذَا دَيْببن وَفقْ ٍر وغُ ْرَبةٍ‬
‫ب َ‬
‫وأمْسب‬
‫ب وال َقبْ ِر والبلىَ‬
‫ب ذِكْ َر الوت ِ‬
‫وأ ْحضَرْت َ‬
‫ب ومَا ْحتِوى‬
‫وَفكّرْتُب فب يوم الِسبَا ِ‬
‫ْتب م ِن النارِ التب م َن ثَوى باب‬
‫و ِخف َ‬
‫ِفب‬
‫ِصبةَ الَا ِل ث ُم ق ْ‬
‫َعب ق ّ‬
‫ِكب فارْف ْ‬
‫هُنَال َ‬
‫ب أنْظُرْ إل حَا ِل عَا ِجزٍ‬
‫با كَريْمبُ‬
‫وقُلْ يب‬
‫با‬
‫َخزِاِئنُهببُ فيهببا الَطَالِبببُ ُكلّهَب‬
‫بة أحْمَبد‬
‫ب البيب‬
‫بلى على خيب‬
‫وصب‬

‫ب‬
‫جهْدِه ِ‬
‫ب فيهبا بِ ُ‬
‫ب الشَيْطان ُ‬
‫وَاوَْقعَك َ‬
‫ب‬
‫وصبرْتَ لاب شبْبه السبيْر بقَيْدِه ِ‬
‫ول تَلْقبببَ ذَا رِ ْف ٍد يَجُو ُد بِرِ ْفدِهبببِ‬
‫با ُبنْدِهببِ‬
‫بم قدْ أحَاطَب‬
‫ب وغَب‬
‫وهَمبٍ‬
‫ب‬
‫ب ْدرًا بِ َردّه ِ‬
‫بص َ‬
‫ضقْت َ‬
‫ب َحتّىب ِ‬
‫ِبقَ ْلبِك َ‬
‫عليببه مِببن ا َلوْلِ الشّ ِديْدِ وادّهببِ‬
‫َفذَاكبَ مِبن الَيْراتبِ آخِ ُر َعهْدِهبِ‬
‫ب‬
‫ت َعبْدِه ِ‬
‫صبوْ َ‬
‫على باب َموْل سبَامعٍ َ‬
‫َفقِيْبر عَمىً ل َي ْهتَدِي طُرْقبَ ُر ْشدِهبِ‬
‫حمْدِه بِ‬
‫ببِ ْح بِ َ‬
‫به ثُبم س َ‬
‫تَوكّلْ عليب‬
‫ب َبهَ ْديِهببِ‬
‫وأصببحابِ ِه والهت ِديْنب َ‬

‫فصل‬
‫قيل‪ :‬إ نه زر حاتُ ال صمُ ممد بن مقا تل قاضي الري فلما و صل إل الباب‪،‬‬
‫ب مُشرف فبقي حات مُتفكرًا يقولُ‪ :‬عالٌ على هذا الال‪.‬‬
‫فإذا با ٌ‬
‫ث أذن لم فدخلوا فإذا دارٌ قوراء (أي مزخرفة) وإذا بزّة وسع ٌة وستو ٌر وبذ خٌ‬
‫فبقي حات مُتفكرًا‪.‬‬
‫ث دخلوا إل الجلس الذي ف يه القا ضي فإذا لفُرش وطيئةٍ (أي لينةٍ جيلةٍ) وإذا‬
‫هو راقد عليها وعند رأسه غُلمُه بيده م َذّبةٌ‪.‬‬
‫فتقدم التاجر الذي عند القاضي يسأله عن حاله وحات واقف‪ ،‬فأومأ القاضي‬
‫ممد بن مقاتل إل حات أن أقعد‪ ،‬وقال له‪ :‬لعَلّ لك حاجة!‬
‫قال حات‪ :‬نعم‪ ،‬قال القاضي‪ :‬وما هي؟‪ ,‬قال‪ :‬مسألةٌ ف العلم أسألك عنها‪،‬‬
‫قال‪ :‬سلن‪ ،‬قال‪ :‬فقم واستوى جالسًا حت أسألُكها فأمر غلمانهُ فأسندُوه‪.‬‬
‫‪308‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقال حات‪ :‬علمُ كَ هذا من أين جئت به؟ قال الثقاة‪ :‬حدثون‪ ،‬قال‪ :‬عن مَن؟‬
‫قال‪ :‬عن أصحاب رسول ال ‪.‬‬
‫قال‪ :‬وأصحاب رسول ال عَمّنْ؟‬
‫قال‪ :‬عن رسول ال ‪ ،‬قال‪ :‬ورسول ال من أينَ جَاء به؟‬
‫قال‪ :‬من عند ال بإملء جبيل ب عليه السلم ب‪.‬‬
‫قال‪ :‬أفيما آتاه جبيل عن ال وأدّاه رسول ال إل أصحابه وأداه الصحابة‬
‫الثقاة إليكَ‪.‬‬
‫ف هل سعتَ ف العلم الؤدى إل يك أن من كان ف داره كأنّ هُ أميًا ف إمار ته‬
‫وحوله الثاث والرياض تكون له النلة عند ال أكثر؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال حات‪ :‬فكيف سعتَ؟ قال‪ :‬من زهدِ ف الدنيا ورغِ بَ ف الخرة وأ َحبّ‬
‫الساكي وقدّم من دُنياه لخرَته كان له عند ال من النلة أكثر‪.‬‬
‫قال‪ :‬نعَ مْ‪ ،‬قال حات الصم‪ :‬فأنْ تَ بن اقتدي تَ ف ذلك أب النب وأصحابه‬
‫أو بصالي تلك المة‪ ،‬أم بفرعون والنمرود؟ فقال‪ :‬رجعْنا إل ال وتُْبنَا إليه‪.‬‬
‫فقال حات‪ :‬غفر ال ل ولك وعفا عن وعنك‪.‬‬
‫فبلغ أهل الري ما جرى بي حات الصم وابن مقاتل‪ ،‬وقالوا‪ :‬بقزوين أكثر من‬
‫هذا ال سراف‪ ،‬وأشاروا به إل الطنافُ سي‪ ،‬ف سار إل يه حا ت‪ ،‬فد خل عل يه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫رح ك ال أ نا ر جل أعج مي أ حب أن تُعلّ َم ن أوّل مبدأ دي ن‪ ،‬ومفتاح صلت‪،‬‬
‫كيف أتوضأ للصلة؟‬
‫قال‪ :‬نعَمْ يا غلمُ هاتِ ماءً‪ ،‬فقعد الطنافُسي وتوضأ ثلثًا ث قال‪ :‬هكذا توضأ‪.‬‬
‫قال حات‪ :‬مكانك حت أتوضأ بي يديك‪ ،‬فيكون أؤك َد لا أري ُد فتوضأ حات‬
‫ث غَسَل الذراعَي أربع مرات‪.‬‬
‫قال له الطناف سي‪ :‬أ سرفت يا هذا‪ ،‬قال له حا ت‪ :‬ف أي ش يء أ سرفت؟ قال‪:‬‬
‫غسلت ذراعك أربعًا‪.‬‬

‫‪309‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ت وأنت يا هذا ف ب ْذخِك ف‬
‫قال حات‪ :‬سبحان ال أنا ف كفٍ من ماءٍ أسرف ُ‬
‫هذا المع ل تسرف‪.‬‬
‫فعرف الطنافُ سي أ نه أراده بذلك ول يُ ِر ْد م نه التّعَلُم‪ ،‬فد خل البي تَ ول ير جْ‬
‫إل الناس أربعي يومًا‪.‬‬
‫فالعالُ إذا خالف علمُه عملهُ وكذّب قولُهُ ِفعْلَهُ كان ْم ُق ْوتًا ف الرض والسماء‬
‫يُضلُ من أراد أن يقتدي به‪.‬‬
‫ت عند الناس مهابتُه وزَلَ تْ‬
‫ع كلم هُ‪ ،‬وقلّ ْ‬
‫وإذا أمر بغي ما يعمل مّت السا ُ‬
‫من القلوبِ َم ْوعِ َظتُهُ ومكَانتُه‪.‬‬
‫كما قال مالك بن دينار‪ :‬إن العال إذا ل يعمل بعلمه تَزِ ُل موعظته مِن القُلوبِ‬
‫كما يزلُ القَطْر عن الصفاةِ‪.‬‬
‫وحكى الوزاعي عن بلل بن سعد أنه كان يقول‪ :‬ينظر أحدكم إل الشرطي‬
‫فيستعيذ بال منه‪.‬‬
‫وين ظر إل علماء الدن يا الت صنعي للخَلْق التشوق ي إل الريا سة فل ْي ُقتُه ْم هذا‬
‫أحَ ُق با َلقْتِ من هذا الشُرطَي‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنه أصاب الناس ُقحْ طٌ ف بعض السني‪ ،‬فأمر اللك عبدالرحن الموي‬
‫ستَسْقى للناس‪.‬‬
‫القاضي منذر البلوطي ب رحه ال ب أن يَ ْ‬
‫فلما جاءته الرسالة مع البيد‪ ،‬قال للرسول‪ :‬كيف تركتَ اللك؟ فقال‪ :‬تركته‬
‫أخش َع ما يكون وأكثر دعاء وتضرعًا‪.‬‬
‫فقال القاضي‪ُ :‬سقِيتم وال إذا خشع جبار الرض رَحِ مَ جبّار السماء‪ ،‬ث قال‬
‫لغلمه‪ :‬نَادِ ف الناس الصلة‪ ،‬فجاء الناس إل مل الستسقاء‪ ،‬وجاء القاضي مُنذِر‪،‬‬
‫فصعد النب والناس ينظرون إليه ويسمعون ما يقول‪ ،‬فلما أقبل عليهم كان أول ما‬
‫س ِه الرّحْ َمةَ َأنّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ‬
‫خاطبهم به‪ ،‬قال‪ :‬سَلمٌ عَلَ ْيكُمْ كََتبَ َربّكُمْ عَلَى َنفْ ِ‬

‫ص َلحَ َفَأّنهُ َغفُورٌ رّحِيمٌ ‪.‬‬
‫سُوءًا ِبجَهَاَلةٍ ثُمّ تَابَ مِنْ َب ْعدِهِ َوأَ ْ‬

‫‪310‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ثب أعادهبا مرارًا فأخبذ الناس فب البكاء والنحيبب والدُعاء والتضرع والتّوببة‬
‫بقُوا ورجعوا يَخُوضُون الاء‬
‫بتغفار‪ ،‬فلم يزالوا كذلك حت ب س ُ‬
‫بة والسب‬
‫والنابب‬

‫بأرجلهم‪.‬‬
‫الل هم هب ل نا ما وهب ته لعبادك الخيار‪ ،‬وأنظم نا ف سلك القرب ي والبرار‪،‬‬
‫وآت نا ف الدن يا ح سنة و ف الخرة ح سنة وق نا عذاب النار‪ ،‬واغ فر ل نا ولوالدي نا‬
‫وج يع ال سلمي برح تك يا أر حم الراح ي‪ ،‬و صل ال على م مد وآله و صحبه‬
‫أجعي‪.‬‬
‫فصل‬
‫أمهاتب العاملة‪ :‬التوببة‪ ،‬والعبوديبة‪ ،‬والزهبد‪،‬‬
‫ُ‬
‫قال العلماء –رحهبم ال‪:-‬‬
‫والستقامة‪ ،‬تامُ هذه الربع بأربعة‪ :‬إقلل الطعام‪ ،‬وإقلل الكلم إل بذكر ال وما‬
‫وله‪ ،‬وإقلل النوم؛ لن العمال َتنْقَطعُ به‪ ،‬والعُزلة عن الناس إل لا لبُ ّد منه؛ فإنه‬
‫أصوَن لدينه وعرضه‪.‬‬
‫الول‪ :‬مُعاملةُ النفبس وذلك بنعهبا هواهبا وإذللاب‪ ،‬ورد جاحهبا بالطاعبة‬
‫وكسرها‪ ،‬فإنا ف القيقة أكب العداء‪.‬‬
‫وذلك بأن ين ظر ف القلب فيطهره من الخلق الذمو مة كالرياء‪ ،‬وال سُمعة‪،‬‬
‫والسبد‪ ،‬والكبب‪ ،‬والعُجبب‪ ،‬والبُخبل‪ ،‬والَرِص‪ ،‬والطّمعبِ‪ ،‬والكبر‪ ،‬والديعبة‪،‬‬
‫والنفاق‪ ،‬والغش‪ ،‬و ُحبّ الدح‪ ،‬والثناء‪.‬‬
‫والسبعَاية‪ ،‬والسبُخرية‪،‬‬
‫ويُطهِر لِسبَانَه وجيبع أعضائِهِب عبن ال ِغْيَبةِ‪ ،‬والنميمبة‪ِ ،‬‬
‫والسبتهزاء‪ ،‬والكذب‪ ،‬والبهبت‪ ،‬والولوع بالشهوات‪ ،‬ومببة الدنيبا والغفلة عبن‬
‫الخرة‪ ،‬وغي ذلك من غرائزه الذ ُموْ َمةِ‪.‬‬
‫سنَ‬
‫ويغرس ف قلبه الخلص ل‪ ،‬والتواضع‪ ،‬والنصيحة‪ ،‬واللم‪ ،‬والشفقة‪ ،‬وحُ ْ‬
‫الُلق‪ ،‬والصب واعتماد الشكر‪ ،‬والسّخاء‪ ،‬ومبة الدار الخرة والدعوة إليها‪.‬‬
‫والعراض عن الدنيا وشهواتا الرام‪ ،‬وينظر ف حل مطعمه وملبسه ومشربِه‬
‫ومسكنه وسائر تصرُفه‪.‬‬
‫‪311‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ول يط يع نف سه ف ش يء من هوا ها‪ ،‬قال ال جل وعل وتقدس‪َ :‬وَأمّ ا مَ نْ‬

‫خَافَ مَقَامَ َرّبهِ َونَهَى الّن ْفسَ عَنِ الَوَى * َفِإنّ الَّنةَ هِيَ ا َلأْوَى ‪.‬‬
‫الثان ية‪ :‬معاملة ال جل وعل‪ ،‬و هي اللتجاء إل يه والتو كل عل يه ورؤ ية أن ل‬
‫سواه وأن العمل خالصًا له‪.‬‬
‫وليحذر أن يفقده أمره أو يراه ح يث ناه وي ثق به غا ية الث قة ل بغيه‪ ،‬ف من‬
‫عامله جل وعل ربح وأفلح ورشد ونح وأصلح‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬معاملة عدو ال الشيطان الرجيم‪ ،‬وذلك بأن يبن على أنه عدوه اللدود‬
‫فل يطي عه أبدًا وي ستشعر أ نه يأت يه من طرق كثية‪ ،‬فعل يه أن يتن به له ويذره أ شد‬
‫الذر‪ ،‬فإن له حيلً ومكرًا وخداعًا‪ ،‬قل من يسْلم منها‪ ،‬فإذا خطر بقلبه ما ل يعلم‬
‫أنه م نه عر ضه على الشري عة الطهرة‪ ،‬ث تث بت وتأ ن وا ستخار ال سبحانه وتعال‬
‫وتعوذ بال من كيده ومكره وسأل ال أن يكشف له ما لتبس عليه‪.‬‬
‫وذكر ابن القيم ب رحه ال ب‪ :‬أن من كيده العجيب أنه يُشَام النفس حت‬
‫يعلم أيّ القُوّتيْ تغلبُب عليبه قوة القدام والشجاعبة أم قوة النكفاف والحجام‬
‫والهانة‪.‬‬
‫فإن رأى الغالب على الن فس الها نة والحجام أ خذ ف ت ثبيطه وإضعاف ه ته‬
‫وإرادته عن الأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه جل ًة أو يقصر فيه ويتهاون به‪.‬‬
‫وإن رأى الغالب عل يه قوة القدام وعلو ال مة أ خذ ُيقَلّلُ عنده الأمورَ ويُوهُه‬
‫أنه ل يكفيه وأنه يتاجُ معه إل مُبالغةٍ وزيادة ينقص بالول ويتجاوز بالثان‪.‬‬
‫ك ما قال ب عض ال سلف‪ :‬ما أ مر ال تعال بأ مر إل وللشيطان ف يه نزعتَان‪ ،‬إ ما‬
‫إل تفريط وتقصي‪ ،‬وإما إل ماوزة وعلو‪ ،‬ول يُبال بأيّهما ظَفر‪.‬‬
‫وقد ا ْقتَطَعَ أكثر الناس إل أقلّ القليل ف هذين الوَادَييِ نْ‪ ،‬وادي التقصي ووادي‬
‫الجاوزة والتعدي‪.‬‬
‫والقليبل منهبم جدّا الثاببت على الصبراط السبتقيم الذي كان عليبه النبب‬
‫وأصحابه‪.‬‬
‫‪312‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فقو ٌم قصّ َر بم عن واجبات الطهارة‪.‬‬
‫وقومٌ تاوز بم إل مُجاوزة الد بالوسواس‪.‬‬
‫وقو ٌم قصّرَ بم عن إخراج الواجب من الال‪.‬‬
‫وقومٌ تاوزَ بم حت أخرجوا جيع ما بأيديهم‪.‬‬
‫وقو مٌ ق صّر بم حت عن تناول ما يتاجُو نَ إليه مِن الطعام والشراب واللباس‬
‫حت أضروا بأبْدَانم وقُلوبم‪.‬‬
‫وقومٌ تاوزَ بم حت أخذوا فوق الاجة فأضروا بقلوبم وأبدانم‪.‬‬
‫وقصّ َر بقوم ف حق النبياء وورثتهم حت قتلوهم‪.‬‬
‫وتاوز بآخرين حت عبدُوهم‪.‬‬
‫وق صّ َر بقوم ف ُخلْ َط ِة الناس حت اعتزلُوهُم ف الطاعات كالمعة والماعات‬
‫والهاد وتعلّم العِلْم‪.‬‬
‫وتاوز بقوم حت خالطوهم ف الظلم والعاصي والثام‪.‬‬
‫وقصّ َر بقوم حت امتنعُوا من ذبح ُعصْفُو ٍر أو شاةٍ ليأكلهُ‪.‬‬
‫وتاوز بآخرين حت جرأهُم على الدماءِ ال ْعصُو َمةِ‪.‬‬
‫وقصّ َر بقوم حت مَن َعهُم مِن الشتغال بالعلم النافع‪.‬‬
‫وتاو َز بآخريْنَ حت جعَلوا العِ ْلمَ وحْ َد ُه ُهوَ غايتُهم دُونَ العَملَ به‪.‬‬
‫وقصّ َر بقومٍ حت أطعمهم مِن العُشب ونبَاتِ البية دونَ غذَاءِ بن آدم‪.‬‬
‫وتاو َز بآخرين حت أطعمهم الرامَ الالصَ‪.‬‬
‫وقصّ َر بقوم حت زين لم ترك سّنة النب من النكاح فرغبوا عنه بالكلية‪.‬‬
‫وتاوز بآخرين حت ارتكبوا ما وصلوا إليه من الرام‪.‬‬
‫وق صّ َر بقوم ح ت جفوا الشيوخ من أ هل الدِ ين وال صلح وأعرضوا عن هم ول‬
‫يقوموا بقهم‪.‬‬
‫وتاوز بآخرين حت عبدوهم مع ال‪.‬‬
‫وقصّ َر بقوم حت منعهم قبول أقوال أهل العلم‪.‬‬
‫‪313‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وتاوز بآخريبن حتب جعلوا اللل مبا حلّلُوه والرام مبا حرموه‪ ،‬وقدموا‬
‫أقوالم على سّنة رسول ال الصحيحة الصرية‪.‬‬
‫وعد ب رحه ال ب أشياء كثية يطول ذكرها اقتصرنا على ذكر بعضها‪.‬‬
‫الراب عة‪ :‬معاملة الدن يا والضا بط لذلك أن كل ما ل ن فع ف يه ف الخرة ف هو‬
‫دنيوي وما فيه نفع ف الخرة فأخروي‪.‬‬
‫ومعاملة الدن يا أن يعرف الن سان أن ل را حة في ها فل يطلب ها ول يتعلق قل به‬
‫بالتنعم والترفه والرياسة فيها وليس له منها كفاية‪.‬‬
‫فليطلب منها ما يطلب السافر وهو ما يبلغه منله ول يتم إل بالبناء على قُرْبِ‬
‫الجل وترُقبِ هادم اللذات‪ ،‬فإنه من أطال المل أساءَ العمل‪.‬‬
‫ب وَحُطَامببببُ‬
‫ب أهْلِهَبا إلّا غُ ُروْرٌ ُكلّهببب ُ‬
‫ب الدنيبا و ُزبْرُج ُ‬
‫مبا ُزخْرُف ُ‬
‫ضيَنّب كَمَبا مَضَبى ال ْقوَامببُ‬
‫بِبيِْلهِمْ وَلتَ ْم ِ‬
‫ضوْا لِسب َ‬
‫ب َم َ‬
‫ولَرُبّبب أ ْقوَامب ٍ‬
‫ب مُ َمهَ َدةٍ لَهببُ أمسبى عليبه مِبن التُراببِ رُكَامبُ‬
‫ولَرُبّبب ذِي فرشب ٍ‬
‫بب وَتنَام ببُ‬
‫والوتبببُ َيعْمَ ُل والعُيونبببُ قَ ِرْي َرةٌ تَ ْل ُهوْا وتَ ْلعَب ببُ بالنب‬
‫ب اليَامببببُ‬
‫وعلى ال َفنَا ِء تُديْرُهببب ُ‬
‫كُ ٌل يَ ُدوْ ُر على الَبقَا ِء مُؤمِلً‬
‫ب الوْهَامببُ‬
‫ب يَزَلْ مَلِكًببا َتقَطّعببُ ُد ْونَهب ُ‬
‫والدّائِمبُ اللكوتبُ رَببٌ لَم ْ‬
‫بوَاهُ َدوَامببُ‬
‫فالمدُ ل الذي ُهوَ دَائِمببببببٌ أبدًا وليببس لَببا سب ِ‬
‫الامسهة‪ :‬معاملة اللق‪ ،‬وقبد عظمبت البلوى بمب‪ ،‬فإن لمب حقوقًا‪ ،‬ومنهبم‬
‫وبسببهم تنشأ أكثر الشرور‪ ،‬فليقم بقوقهم ويتسامح عن حقوقه ما أمكن‪.‬‬
‫وليبتعد عنهم ما أمكن إن صلحت له العزلة‪ ،‬وإن ل تصلح فليجالس من فيه‬
‫خي وصلح‪.‬‬
‫فجليس الي خي من الوحدة‪ ،‬والوحدة خي من جليس السوء‪.‬‬
‫ويب لخوانه السلمي ما يب لنفسه‪.‬‬
‫ويكره لم ما يكره لنفسه وتكون مبته ف ال ومولته ومعاداته كذلك‪.‬‬
‫‪314‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ويأمبر بالعروف وينهبى عبن النكبر بقدر طاقتبه ويلك نفسبه عنبد الشهوة‬
‫والغضب‪.‬‬
‫ول يعجل ف شيء من المور فيخطي إل ما يستحسن فيه البادرة ول يتوان‬
‫فتبطل‪.‬‬
‫ول يداهن على العصية ول يل بالداراة الائزة عند خوف الضرر‪.‬‬
‫وليحسن الظن بم ما أمكنه وينظر إل من فوقه ف الدين فيقتدي به‪.‬‬
‫وينظر إل من دونه ف الدنيا فيأمن الزدراء والحتقار لِنعم ال عليه‪,.‬‬
‫ويكثر من حد ال وشكره على أن فضله على غيه‪.‬‬
‫وبالملة ف ما عرف رشده اتب عه‪ ،‬و ما عرف قب حه اجتن به‪ ،‬و ما أش كل عل يه‬
‫والت بس تو قف فيه واجتهد ف معرف ته‪ ،‬و سأل ال تعال أن يدله على ما ف يه ال ي‬
‫والصلح‪.‬‬
‫فوائد وقصص ومواعظ مُنوّعَة‬
‫قال بعضهم‪ :‬ما زاولت شيئًا أيسر من الورع إذا رابن شيء تركتُه‪.‬‬
‫أوصى أنس بن مالك أن يغسله ممد بن سيين‪ ،‬فلما مات أنس قيل لحمد‬
‫بن سيين‪ ،‬فقال‪ :‬أنا مبوس ف ال سجن‪ ،‬قالوا‪ :‬استأذنا المي فأذن لك‪ ،‬قال‪ :‬إن‬
‫المي ل يبسن إنا حبسن الذي له عليّ الق‪.‬‬
‫عن إبراهيم عن علقمة قال‪ :‬خرجنا ومعنا مسروق وعمرو ب ُن عُتبة ومعضد‬
‫غاز ين فل ما بلغ نا ماء سندان وأميها عتبة بن فرْقَد‪ ،‬قال لنا اب نه عمرو بن ُعتْبَة‪:‬‬
‫إنكم إنْ نزلتم عليه صنع لكم نُزلً ولعلهُ يظلم فيه أحدًا ولكن إن شئتم ق ْلنَا ف ظِلّ‬
‫هذه الشجرة فأكلنا كسرَنا (أي كِسَر خُبز يابس) ث رجعنا ففعلنا‪.‬‬
‫عبن السبن قال‪ :‬كان عطاء سبلمان الفارسبي خسبة آلف وكان أميًا على‬
‫زُهاء ثلثي ألفًا من السلمي وكان يطب الناس ف عباءةٍ يفترش بعضها ويلبس‬
‫بعض ها‪ ،‬فإذا خرج عطاؤه أمضاه (أي ت صدق به) ويأ كل مِن شُغْل يديْه‪ .‬ل دره‬
‫من رقم (‪ )1‬ف الورع والزهد‪.‬‬
‫‪315‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫عن وهب بن كيسان قال‪ :‬مر رجل برجل يتصدق على الساكي‪ ،‬فقال أبو‬
‫هام‪ :‬شر يك در هم أ صيبُه بكدٍ يعر قُ به جبين أح بُ إل من صدقة هؤلء مائة‬
‫ألف ومائة ألف‪.‬‬
‫صبًا ليكون‬
‫ق يل ل ب عبدال‪ :‬ما تقول في من ب ن سُوقًا وح شر الناس إلي ها غ ْ‬
‫البي عُ والشراء با ترى أن يشتري منها‪ ،‬فقال‪ :‬ي ُد موضعًا غيه وكره الشراء منها‪،‬‬
‫تأمل يا أخي هذا الورع ل د ّرهُم على هذا التدقيق ما أكثر هذه الواضع الشتبهة‪.‬‬
‫ب‬
‫ب والجلُ الحتُوم َيقْ َطعُه ُ‬
‫جبْتبُ لِ ْلمَرْءِ فب ُدْنيَاهبُ تُ ْطعِمُهبُ فب ال َعيْش ِ‬
‫عَ ِ‬
‫بيْرة والما ُل تَخْ َدعُهببُ‬
‫خبِطُه َا أعْمَبى البَصبِ‬
‫ُصببِحُ فب عَشْواء يَ ْ‬
‫يُمْسبِي وي ْ‬
‫ب إنّب الوتببَ يَصببْ َرعُهُ‬
‫حبِتهَا وقَ ْد َتَيقّنبَ‬
‫بْ‬
‫با مَسببْ ُروْرًا ِصب ُ‬
‫َيغْتَرّ بال ُدنْيَب‬
‫ويَجْمَعببُ الال ِحرْصببًا ل ُيفَارِقُهببُ وقَدْ دَرَى أنبببه ِل ْل َغيْ ِر يَجْ َمعُهبببُ‬
‫ب‬
‫ب ُيضَيعُه ُ‬
‫ب مِبن ِديْن َ‬
‫شفَق ُ‬
‫ب يَ ْ‬
‫ب وليس َ‬
‫ب دِ ْرهَمِه ِ‬
‫ب َتضِْييْع ِ‬
‫ب مِن ْ‬
‫شفَق ُ‬
‫ب يَ ْ‬
‫تَرَاه ُ‬
‫ب‬
‫ب العُمْرَ فيمَبا ليبس َينْ َفعُه ُ‬
‫ب أنْفَق َ‬
‫ب تَ ْدِبيْرًا ِلعَاقَِبةٍ مَن ْ‬
‫وأسبببْوَأ الناسبب ِ‬
‫وال أعلم‪ ،‬وصل ال على ممد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫ذكر نوذج من أكاذيب القصاص للتحذير‬
‫ذكر ابن الوزي ف كتاب «الوضوعات»‪ ،‬قال‪ :‬صلى المام أحد ويي بن‬
‫مع ي ف م سجد الر صافة‪ ،‬فقام ب ي أيدي هم قا صّ‪ ،‬فقال‪ :‬حدث نا أح د بن حن بل‬
‫وي ي ب ُن مع ي قال‪ :‬حدث نا عبدالرزاق عن مع مر‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن أ نس قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪« :‬من قال ل إله إل ال خلق ال من كل كلمة منها طيًا منقاره من‬
‫ذهب وريشه من مرجان وأخذ ف قصه نوًا من عشرين ورقة»‪.‬‬
‫فجعل أحد بن حنبل ينظر إل يي بن معي‪ ،‬ويي ينظر إل أحد‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫أنت ح ّدْثتَهُ بذا؟ فقال‪ :‬وال ما سعت بذا إل هذه الساعة‪ ،‬فلمّا فرغ من قصصه‪،‬‬
‫قال له ي ي بن مع ي بيده‪ :‬تعال‪ ،‬فجاء مُتوّهِمًا لنوال (أي يظ نُ أ نه يُعط يه شيئًا)‪،‬‬
‫فقال له يي بن معي‪ :‬من ح ّدثَك بذا الديث؟ فقال‪ :‬أحد بن حنبل ويي بن‬
‫‪316‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫معي‪ ،‬فقال‪ :‬أنا يي بن معي‪ ،‬وهذا أحد بن حنبل‪ ،‬ما سعنا بذا قط ف حديث‬
‫رسول ال ‪ ،‬فإن كان لبُدّ والكذب فعلى غينا‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬أنت يي بن مع ي‪ ،‬قال‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‪ :‬ل أزلْ أس ْع أنّ يي بن معي‬
‫أحق ما تققتُه إل الساعة‪ ،‬فقال يي‪ :‬كيف علمت أن أحق؟‬
‫قال‪ :‬كأن ليس ف الدنيا يي بن معي وأحد بن حنبل غيكما‪ ،‬قد كتبتُ عن‬
‫سبعة عشر أحد بن حنبل ويي بن معي‪.‬‬
‫فوضع أحد كمّهُ على وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬دعه يقُوم‪ ،‬فقام كالُستهزئ بما‪.‬‬
‫وف الوادث والبدع للطُرطُوشي لا دخل سليمان بن مهران العمش البصرة‬
‫ن ظر إل قا صّ يق صّ ف ال سجد‪ ،‬فقال‪ :‬حدثنا العمش عن أب إسحاق عن أب‬
‫وائل فتوسّط العمشُ اللقة وجعل ينتفُ شع َر إبْطِهِ‪ ،‬فقال له القاصّ‪ :‬يا شيخ‪ ،‬أل‬
‫تستحي ننُ ف عل ٍم وأنت تفع ُل مثل هذا؟‬
‫فقال العمش‪ :‬الذي أنا فيه خي من الذي أنت فيه‪.‬‬
‫قال‪ :‬كيف؟ قال‪ :‬لن ف ُسّن ٍة وأن تَ ف كذ بٍ‪ ،‬أنا العم شُ وما حدثتُ كَ ما‬
‫تقول شيئًا‪.‬‬
‫موعظة‬
‫ح بالع صيةِ دلي ٌل على شدةِ الرغَْب ِة في ها‬
‫قال ا بن الق يم ب رح ه ال ب‪ :‬الفر ُ‬
‫والهل بقدر من عصاه‪ ،‬وهو ال جل جلله‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬الهل بسوء عاقبتها وعظم خطَرها‪.‬‬
‫ففرحُ ُه با غطى عليه ذلك كلّه وفرحُه با أشد ضررًا عليه من مُواقعتها‪.‬‬
‫والؤمبن ل تتبم له لذةٌ بعصبية أبدًا ول يكم ُل باب فرحُهبُ‪ ،‬ببل ل يُباشرُهبا إل‬
‫والُ ْزنُ مالط لقلبِهِ‪.‬‬
‫ولكبن سُبكْرُ الشهوة يجبُهُب عبن الشعور ببه ومتب خلي قلببه مبن هذا الُزْن‬
‫واشتدت غبط ته و سروُ ْر ُه فليت هم إيان ُه وليب كِ على موْ تِ قل به‪ ،‬فإ نه لو كان حيًا‬
‫‪317‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫س القل بُ بذلك فحي ثُ ل‬
‫صعُبَ عل يه ول يُح ّ‬
‫لحزنَ هُ ارتكا بُ الذنْب وغاضَ ُه و َ‬
‫س به فما لُرْح بيّت إيلم‪.‬‬
‫ُي ّ‬
‫وهذه النكتة ف الذنب ق ّل مَ ْن يهتدي إليها أو يتّنبُه لا وهي موضعٌ مُوفٌ جدًا‬
‫مُترام إل اللك إن ل يتدرك بثلثة أشياء‪ :‬خوف من الوافاةً عليه قبل التوبة‪ ،‬وندمٍ‬
‫على ما فاته من ال بُخالفته أمره‪ ،‬وتشمي للجد ف استدراكه‪.‬‬
‫ب مآرببُ لْب فب َرْبعِهبِ و َموَاقِفبُ‬
‫ب وَقوّضَت ْ‬
‫ب التّصبَا ْ‬
‫خليليّب و ّدعْت ُ‬
‫بل آس بِفُ‬
‫ّيب َف ِفئْت بُ ولكن ب على الليب‬
‫ْبب فب لَيْبل لت ْ‬
‫صببْحُ الشّي ِ‬
‫ّنب ُ‬
‫وأذ َ‬
‫ب كنّابب نُسببَ ّر ِبقُ ْربِهببِ وآخ ُر مَطْويببٌ عليببه اللفَائِفببُ‬
‫وبَاعَ َد مَنب ْ‬
‫ب بالَببْيبِ مُس بَاعِفُ‬
‫ببيبةٍ َمضَوا و َزمَان ٌ‬
‫رِجَالٌ وأوقاتببٌ وشرْخببُ شَب‬
‫با أنببا واصببِفُ‬
‫بة َم ْوُتوْرٍ بَب‬
‫تصب ّد َعتُ بلوْعَب‬
‫جةٍ َقدْ َ‬
‫َفقُ ْل م َا تَش َا فب ُمهْ َ‬
‫بوَالِفُ‬
‫با القُ ُروْنببُ السب ّ‬
‫ْنب عَ ّز مُسبَامِري دَفَاتِ َر أمَْلتْهَب‬
‫سب ِميْريْ ِحي َ‬
‫ْتب َ‬
‫َجعَل ُ‬
‫ب‬
‫ب ا َلعَارِف ُ‬
‫ب ُدعَاه ُ‬
‫فَطَورًا أناجبببي كُلّ َحبْ ٍر ُموَفقبببٍ إذا مبا دَعَبا لبّت ْ‬
‫مالسة العارف الزاهد تدعو من ست إل ست‪:‬‬
‫من الشك إل اليقي‪.‬‬
‫ومن الرياء إل الخلص‪.‬‬
‫ومن الغفلة إل الذكر‪.‬‬
‫ومن الرغبة ف الدنيا إل الرغبة ف الخرة‪.‬‬
‫ومن الكب إل التواضع‪.‬‬
‫ومن سوء الطوية إل النصيحة‪.‬‬
‫الفضل ف أوقات السحر الشتغال بقراءة القرآن والصلة والستغفار‪.‬‬
‫وف وقت الذان إجابة الؤذن والدعاء‪.‬‬
‫وف وقت الصلوات المس الستعداد لا والد والجتهاد والرص على طرد‬
‫الفكار الصادة عن تأمل معان اليات والتسبيح‪.‬‬
‫‪318‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫والن صح ف إيقاع ها على أك مل الوجوه‪ ،‬والبادرة إل تأديت ها ف أول وقت ها‬
‫والروج إل الامع وإ ْن َبعُدَ كان أفضل لكثرة الُطَا‪.‬‬
‫والفضبل فب أوقات ضرورة الحتاج إل السباعدة بالال أو الاه أو البدن‪،‬‬
‫الشتغالُ بساعدته وإغاثته‪.‬‬
‫والفضبل فب وقبت قراءة القُرآن الرص على تدبره وتفهمبه حتب كأنّ ال‬
‫ياطبه به‪ ،‬ويعزم على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه‪.‬‬
‫و الفضبل فب عشبر ذو الجبة الجتهاد والرص على الكثار مبن العمال‬
‫الصالة والدعاء والتضرع والكثار من قراءة القرآن وذكر ال‪.‬‬
‫والفضل ف الوقوف بعرفة الجتهاد ف الدعاء والتضرع والكثار من قول ل‬
‫إله إل ال‪.‬‬
‫والفضبل فب العشبر الخيب مبن رمضان لزوم السباجد واللوة والعتكاف‬
‫وتلوة القرآن‪.‬‬
‫والكثار من الباقيات ال صالات والرص على إخراج الزكاة ف هذا الش هر‬
‫البارك وإفطار الصوام‪.‬‬
‫والفضبل فب وقبت مرض أخيبك السبلم أو موتبه عيادتبه وحضور جنازتبه‬
‫وتشييعه‪ ،‬وتقدي ذلك على خلواتك وجعيتك‪.‬‬
‫والفضل ف وقت نزول النوازل وأذاة الناس له أداء واجب الصب مع خلطتك‬
‫بم دون الرب منهم‪.‬‬
‫فإن الؤ من الذي يالط الناس وي صب على أذا هم أف ضل من الذي ل يالط هم‬
‫ول يؤذونه‪.‬‬
‫والف ضل خلطت هم ف ال ي ف هي خ ي من اعتزالِ هم ف يه‪ ،‬واعتزال م ف ال شر‬
‫أفضل‪ ،‬فإن علم أنه إذا خالطهم أزالهُ أو قلّلَهُ فخلطتهم حينئذ أفضلُ من اعتزَالِهم‪.‬‬
‫قلتبُ‪ :‬وفب زمننبا هذا تترجبح العزلة لفُشبو النكرات وكثرتاب‪ ،‬وموت الغية‬
‫الدينية عند الكثي هذا فيما يترجح عندي‪ ،‬وال أعلم؛ لنه كما قال العلماء‪ :‬من‬
‫‪319‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫اتصل اللق ول يالقهم بأخلقهم مقتو هُ واستْثقَلُو ُه واغتَابُوه ويذه بُ دينهم فيه‪،‬‬
‫ويذهبُ دينُه ودُنياه ف النتقام منهم ومُسارقةُ ال ّطبْع من أخلقِهم الرّ ِديْئةِ‪ ،‬وهُو داءُ‬
‫ل عن الغافلي‪.‬‬
‫دَفي قلما ينتبه ل ُه العُقلء فض ً‬
‫وذلك أنه قلّ أن يُجالس النسانُ فاسقًا مدة مع كونه مُنكرًا عليه ف باطنه إل‬
‫ولو قاس نفسه إل ما قبل مالسته لوجد فرقًا ف النُفور عن الف ساد؛ لن الفساد‬
‫يصي بكثرة الُباشرة هيّنًا على الطبع ويسقط وقعُهُ واستعظامُهُ‪.‬‬
‫ومهما طالت مُ ّد ُة النسان إذا لحظ أحوال السلف ف الزهد والتعبد احتقر‬
‫نفسه واستصغر عبادته‪.‬‬
‫فيكون ذلك داعيبة إل التشميب والدّ والجتهادِ فب الطاعات والبتعا ِد عبن‬
‫النكرات‪.‬‬
‫وما يدُ ُل على سُقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته أن أكثر الناس إذا‬
‫رأوا مسلمًا قد أفطر ف رمضان استعظموا ذلك حت يكادُ أن يُفضي إل اعتقادهم‬
‫فيه الكفرَ‪.‬‬
‫وقد يشاهدون من يُؤخر الصلة عن أوقاتا فل ينفرون عنه نفورهم عن تأخي‬
‫الصوم ول سبب لذلك إل أ ّن الصلة تتكرر والتساهل فيها يكثر‪.‬‬
‫وكذلك لو لبس الفقيه ثوبًا من حرير أو خاتًا من ذهب ل ْشتَ ّد إنكار الناس‬
‫لذلك‪.‬‬
‫ب فل يستعظمونَ ذلك والغيبةُ أشدُ من لبسِ الرير‪.‬‬
‫وقد يشاهدونه يغتا ُ‬
‫ولكن لكثرة ساعها ومُشاهدةُ ا ُل ْغتَابي سقطَ عن القلوب وقعُها‪.‬‬
‫ب بُؤسببًا ُيعَ ّد ول ُنعْمَبا‬
‫ب الفَتَبى َفلَمببْ يَرَهبُ‬
‫بَتهَانَ بِه ِ‬
‫ب الشي ُء اس ْ‬
‫إذا ألِف َ‬
‫ُحسب له َطعْم َا‬
‫ْقب عَذْب ًا ل ي ّ‬
‫ب َومَسببَاغِهِ م ِن ال ِري ِ‬
‫بن عُمْرهبِ‬
‫كإنفاقِهببِ مِب‬
‫ب ينفعكَب فب الخرة‪،‬‬
‫فالذر الذر مبن التصبال بالناس ومالسبتهم إل فيم ا‬
‫فإ نك ل تكادُ ترى من هم إل ما يز يد ف حر صك على الدن يا و ف غفل تك عن‬
‫‪320‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫الخرة‪ ،‬وتون عل يك العا صي وتض عف رغبتُك ف الطاعات؛ لن مال طة الكث ي‬
‫ت أناسًا يذكرون ال فل تفارقهم‪.‬‬
‫اليوم ضرر وإن وجدْ َ‬
‫ِلقَاءُ الناسبببِ ليسبببَ ُي ِفيْ ُد َشْيئًا سببوى الَذَيانببِ مِببن ِقيْ ٍل وقَالِ‬
‫فأقْلِ ْل مِنببببْ لقاءِ الناسببببِ إل لخْ ِذ العِلْم أوْ إصببببببلحِ حَالِ‬
‫قال ا بن الق يم ب رح ه ال ب‪ُ :‬مفْ سداتُ القلب خ سةٌ‪ :‬الُلْ َط ُة والتّمِنْ‪،‬‬
‫والّتعَلُقُ غي ال‪ ،‬والشّبعُ‪ ،‬والنّومُ‪.‬‬
‫ط الناف عُ ف أمر الُلطةِ أن يالط الناس ف الي‪ ،‬كالُ ُم َعةِ‪ ،‬والماعة‪،‬‬
‫والضاب ُ‬
‫والعياد‪ ،‬والج‪ ،‬وتعلم العلم‪ ،‬والهاد‪ ،‬والنصيحة‪ ،‬ويعتزلُهم ي الشر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬و من ال شر ما مع الكورة‪ ،‬والتلفزيون‪ ،‬والفيد يو‪ ،‬والتمثيليات‪ ،‬والل عب‬
‫بالورق‪ ،‬ومالس شرب المبر‪ ،‬والدخان‪ ،‬والفلت التب تتوي على التصبوير‪،‬‬
‫والسراف‪ ،‬والختلط بالنساء الجانب‪.‬‬
‫قال –رح ه ال تعال‪ :-‬وفضول الباحات‪ ،‬فإذا د عت الاجةُ إل خلطت هم ف‬
‫الشر ول يكنه اعتزالم‪.‬‬
‫فالذر الذر أن يوافقهم‪ ،‬وليصب على أذاهم‪ ،‬فإنم لبُدّ أن يؤذوه إن ل يكن‬
‫له قوة ول ناصر‪.‬‬
‫ول كن أذى يَع ِقبُ هُ عِ ٌز ومبةٌ له وتعظ يم وثناء عل يه من هم‪ ،‬و من الؤمن ي‪ ،‬و من‬
‫رب العالي‪ ،‬فالصب على أذاهم خي وأحسن عاقبة وأحد مآلً‪.‬‬
‫وإن د عت الاجةُ إل خُلطت هم ف فضول الباحات‪ ،‬فليجت هد أن يقلب ذلك‬
‫الجلس طاعة ل إن أمكنه‪ ،‬ويُشجّ ُع نفسه ويُقوي قلبه‪.‬‬
‫ول يلتفبت إل الوارد الشيطان القاطبع له عبن ذلك‪ ،‬بأن هذا رياء‪ ،‬ومببة‬
‫لظهار علمك‪ ،‬وحالِك‪ ،‬ونو ذلك‪.‬‬
‫فليُحاربْ ُه وليستعنْ بال‪ ،‬ويُؤثر فيهم من الي ما أمكنه‪.‬‬
‫فإن أعجز ته القاديرُ عن ذلك‪ ،‬فلي سُلّ قلب هُ من بين هم‪ ،‬ولي كن في هم حاضرًا‬
‫غائبًا بعيدًا نائمًا يقظان ينظر إليهم ول ُيبْ صِرهُم‪ ،‬ويسمع كلمهم ول يعيه؛ لنه‬
‫‪321‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قد أ خذ قلب هُ من بين هم ورَ قى به إل الل العلى يُ سبحُ حولَ العر شِ مع الرواح‬
‫العلوّيةِ الزّكية و ما أصعب هذا وأشق هُ على النفوس وإنه ليسيٌ على من ي سّرهُ ال‬
‫عليه‪.‬‬
‫فبي الع بد وبي نه أن ي صدق ال تبارك وتعال ويُ ِديْ َم اللجَاءَ إل يه ويُلْقِي نف سه‬
‫على بابه طريًا ذليلً‪.‬‬
‫ّبب‬
‫الدائمب بالقلب واللسبان وتن ُ‬
‫ُ‬
‫ول يُعيب على هذا إل مبةٌ صبادقةٌ الذكبر‬
‫ا ُلفْسداتِ‪.‬‬
‫جةٌ‪.‬‬
‫وقال‪ُ :‬كلُ علمٍ صحبةُ عملٌ يُرضي ال فهو مّن ٌة وإل فهو ُح ّ‬
‫وكبل قوةٍ ظاهرة وباطنةٌ صبحبها تنفيذٌ لرضات ال وأوامره‪ ،‬فهبي منّةب وإل‬
‫جةٌ‪.‬‬
‫فهي حُ ّ‬
‫وكلُ ما اقترن به إنفا قٌ ف سبيل ال وطاعته ل لطلب الزاء ول الشكر فهو‬
‫مّنةٌ من ال وإل فهو حجةٌ‪.‬‬
‫وكل قبول ف الناس وتعظيم ومبّة ل ُه اتصل به ُخضُو عٌ للرب وذل وانكسار‬
‫ومعرفة بعيب النفس والعمل‪ ،‬وبذل النّصيحة للخلق فهو منة‪ ،‬وإل فهو حجة‪,.‬‬
‫وكل بصية‪ ،‬وموعظة‪ ،‬وتذكي‪ ،‬وتعريف من تعريفات الق إل العبد اتصل‬
‫به عبة ومزيد ف العقل ومعرفة ف اليان فهي منة‪ ،‬وإل فهي حجة‪.‬‬
‫وكل حال مع ال تعال أو مقام اتصل به السي إل ال‪ ،‬وإيثار مراده على مراد‬
‫العبد فهو منة من ال‪.‬‬
‫وإن صبحبه الوقوف عنده والرضبا ببه وإيثار مقتضاه مبن لذة النفبس ببه‬
‫وطمأنينتها إليه وركونا إليه فهو حجة من ال عليه‪.‬‬
‫فليتأمبل العببد هذا الوضوع العظيبم الطيب‪ ،‬وييبز ببه مواقبع الِنَن والِحَن‬
‫والُجج والنِعم‪.‬‬
‫فما أكثر ما يلبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك وَاللّ هُ يَ ْهدِي مَن‬

‫يَشَاءُ ِإلَى صِرَاطٍ مّسَْتقِيمٍ ‪.‬‬
‫‪322‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫وقال‪ :‬وحاصل هذا كله أن ال سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الدين‬
‫منهم‪ ،‬ل مع مراد أنف سهم‪ ،‬فأهل طاعته آثروا ال ومراده على مُرَادِهم فاستحقوا‬
‫كرامته‪.‬‬
‫وأ هل مع صيتِه آثروا مُراد هم على مُراده وعلم سبحانه من هم أن م ل يؤثرون‬
‫مراده البتة وإنا يؤثرون أهواءهم ومرادهم‪ ،‬فأمرهم وناهم‪ ،‬فظهر بأمره ونيه من‬
‫القدر الذي قدّ َر عليهبم مبن إيثارهبم هوى نفوسبهم ومرادهبم على مرضاة ربمب‬
‫جةُ عدله فعاقبهم بظلمهم‪.‬‬
‫ومراده‪ ،‬فقامت عليهم ُح ّ‬
‫قال‪ :‬سعت شيخ السلم ابن تيمية يقول ف قول النب ‪« :‬ل تدخل اللئكة‬
‫بيتًا فيه كلبٌ ول صورةٌ» إذا كانت اللئكة الخلوقون ينعها الكلبُ والصورة عن‬
‫دخول البيت‪.‬‬
‫فك يف تلج معر فة ال عز و جل ومبتُه وحلوةُ ذكره وال نس بقر به ف قلب‬
‫مُمَتلئٍ بكلب الشهوات وصُورها! فهذا من إشارة اللفظ الصحيح‪.‬‬
‫ومن هذا أن طهارة الثوب والبدن إذا كانت شرطًا ف صحة الصلة والعتداد‬
‫با‪ ،‬فإذا أخل با كانت فاسدة‪.‬‬
‫فك يف إذا كان القلب ن سًا ول يطهره صاحبه! فك يف يع تد له ب صلة وإن‬
‫أسقطت القضاء!‬
‫وهبل الطهارة الظاهرة إل تكميبل لطهارة الباطبن! ومبن هذا أن اسبتقبال فب‬
‫الصلة شرط لصحتها وهي بيت الرب‪.‬‬
‫فتوجه الصلي إليها ببدنه وقالبه شرط‪ ،‬فكيف تصح صلة من ل يتوجه بقلبه‬
‫إل رب القبلة والبدن‪ ،‬بل وجّ َه بَ َدنَه إل البيت ووجّهِ قلبهُ إل غي رب البيت‪.‬‬
‫وأمثال ذلك مبن الشارات التب ل تنال إل بصبفاء الباطبن وصبحة البصبية‬
‫وحسن التأمل‪ ،‬وال أعلم‪.‬‬
‫عن ع مر بن الطاب قال‪ :‬قال ر سول ال ‪ « :‬ما مِن م صل إل وملك عن‬
‫يينه وملك عن يساره‪ ،‬فإن أتها عرجا با‪ ،‬وإن ل يتمها ضربا با و ْجهَهُ»‪.‬‬
‫‪323‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫تُصببلي بل قلب صببلة بثلهببا‬
‫تظببل وقببد أتْمَ ْمتَهَبا غيبب عال‬
‫ب مَبن تناجيبه ُمعْرضًبا‬
‫فويلك تَدْري ْ‬
‫ب َن ْعبُدُ ُمقْبلً‬
‫تاطبببببه إيّاكببب َ‬
‫ولو رَدّ مَبن ناجَاكبَ للغيب طرفهبَ‬
‫أنب يرى‬
‫َسبحِي مِن مالك اللك ْ‬
‫أمبا ت ْتَ‬
‫ْتب وخُ ْذ بنبا‬
‫ِيب اهْدِن َا فيمبن ه َدي َ‬
‫إل ْ‬

‫يكون الفتبب مسببتوجبًا للعقوبببة‬
‫با رَ ْك َعةً بعببد رَكعةِ‬
‫تَزِيببد ا ْحِتيَاطًب‬
‫ب‬
‫وبيَب يَدي مَبن تنحَنب غيب مبت َ‬
‫على غيه فيهبببا ِلغَيببب ضَ ُروْ َرةِ‬
‫تَ َميّزْتببَ مِبن َغيْظببٍ عيببه وغَيْ َرةِ‬
‫بدُودَك عنببه يببا قلي َل الُ ُروْ َءةِ‬
‫صب ُ‬
‫ب السبّوّيةِ‬
‫ب َنهْجًبا فب طريق ِ‬
‫إل الق ِ‬

‫وقال ابن القيم ب رحه ال ب‪َ :‬فضِيح ُة البهرج تبيُ عند الحك‪ ،‬لو أبصرت‬
‫طلئع الصديقي ف أوائل الركب‪ ،‬أو سعت استغاثة الحبي ف وسط الركب‪ ،‬أو‬
‫شاهدت ساقة الُستغفرين ف آخر الرّكْب‪ ،‬لعلم تَ أنك قد انقطعت ت تَ شجرة‬
‫أم َغيْلَان‪.‬‬
‫ْبب َيعُدّ النازلَ إل الرواح فب الوى والتفليبس‬
‫ُنقطعب ُدوْن الرّك ِ‬
‫واحسبرتَاه ل ٍ‬
‫حَبةِ إبلْيسِ‪.‬‬
‫صْ‬
‫وحتّامَ السعُي ف ُ‬
‫سيْس أعلم تَ‬
‫وكم برجةٍ ف العملِ وتدليس أي نَ أقرانُ كَ هل تسم ُع لم من ح ِ‬
‫أنُه ْم اشتد ندمُهم وحسرتم على إيثار السِيس‪.‬‬
‫سيْس‪.‬‬
‫تال لقد ودُوا أن لو كانوا طّلقُوا الدنيا قبل الَ ِ‬
‫ب على َشفِيْرِ‬
‫ب اللكب ِ‬
‫أتلهُوا َبيْنببببببببَ با ِطَيةٍ و ِزيْرِ وأنتببَ مِنب َ‬
‫ب أمَ ٌل َطوِيلٌ بببببه ُيرْدى إل أجَلٍ قَصببببِيْرِ‬
‫ببن غَرّهبب ُ‬
‫ببا مَب‬
‫فيَب‬
‫ب ال ُقُبوْرِ‬
‫بَ فب‬
‫بَ َقبْرِكب‬
‫بَ مكانب‬
‫ب وا َلنِّيةُ كُ ّل يَومببببٍ تُ ِريْكب‬
‫أتَفْرَحببب ُ‬
‫ب ّرتْكَ َيوْمًبا فإنّبب الُزْن ببَ عَاقِبةُ الس ببُرُورِ‬
‫بي ال ُدنْيَبا وإنبْ س َ‬
‫هب‬
‫با َكعَارِي ٍة تُرَدّ إل ُم ِعيْرِ‬
‫با جَمّعْبت فيهب‬
‫بتَسِْلبُ كُلّ مب‬
‫سبَ‬
‫بي ودَارَ الَقّببب مِبببن دَار الغُ ُروْرِ‬
‫بن التَظَنِب‬
‫وتَ ْعتَاضببُ اليَقيْنببَ مِب‬

‫‪324‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫قيل‪ :‬إنه دخل أعرابٌ على سليمان بن عبداللك‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬إن‬
‫حبُ إن قبلتهُ‪.‬‬
‫ك بكلم فاحتمله وإن كرهتهُ‪ ،‬فإن وراءهُ ما ُت ِ‬
‫مُكلّمُ َ‬
‫قال‪ :‬قُلْ‪ ،‬قال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إنّ ه قد اكتن فك رجال ابتاعوا دُنياك بدين هم‬
‫ورضاك بسخط ربم خافوك ف ال ول يافُوهُ فيك‪.‬‬
‫خربوا الخرة وعمّروا الدنيا ف هم حر بٌ للخرة‪ ،‬سِلمٌ للدنيا فل تأمن هم على‬
‫ائتمنك ال عليه‪ ،‬فإنمن ل يألوا المانة تضييعًا والمة خسفًا‪.‬‬
‫وأنبت مسبؤولٌ عمبا اجترحُوا ولي سوا ب سئولي عمّاب اجترحبت‪ ،‬فل تُصبلحْ‬
‫ك فإنّ أعظ َم الناسِ غبنًا بائع آخرته بدنيا غيه‪.‬‬
‫دُنياهم بفساد آخِ َرتِ َ‬
‫فقال سليمان‪ :‬أما أنت فقد سللت لسانك وهو أقط ُع من سيفك‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أجل يا أمي الؤمني‪ ،‬لك ل عليك‪.‬‬
‫قال‪ :‬ف هل مِن حاجةٍ ف ذات نف سك‪ ،‬قال‪ :‬أ ما خا صّة دون عا مة فل ث قام‬
‫فخرج‪ ،‬ل دره هذا من رقم (‪ )2‬ف «الزهد»‪.‬‬
‫فقال سليمان‪ :‬ل دره‪ ،‬ما أشرف أ صله وأذرب لِ سانه وأ صدق نيتّ ه وأروع‬
‫ف والعقلُ‪.‬‬
‫نفسه‪ ،‬هكذا فليكن الشر ُ‬
‫شبَابببِ ا ُلفَارقببِ‬
‫ب َح ّل بعَارضبي ن ِذيْرًا بَتْرحَال ال ّ‬
‫ب الشَيْب َ‬
‫ولّاب رَأيْت ُ‬
‫ْتب لَا انظري إل مببا أتببى هذا ابتداءُ القَائِقببِ‬
‫ْتب إل نَفْسبِي َفقُل ُ‬
‫رَ َجع ُ‬
‫َاتب وَ ْقتُه َا كمببا قَدْ أزالَ اللي ُل نورَ الَشَارقببِ‬
‫لواتب اللهبو قبد ف َ‬
‫ِ‬
‫دَعبى‬
‫بابقي‬
‫ب وسب‬
‫دعببي َمنْزِلَ اللذَاتببِ ينلُ أهلُهببُ وجُدّي لَبا تُ ْدعَي بْ إليْه ِ‬
‫د خل عطاء بن أ ب رباح على هشام‪ ،‬فر حب به‪ ،‬وقال‪ :‬ما حاج تك يا أ با‬
‫ممد‪ ،‬وكان أشرافُ الناس يتحدثون فسكتوا‪.‬‬
‫فذكره عطاء بأرزاق أهل الرمي وعطياتم‪ ،‬فقال‪ :‬نعم يا غلم‪ ،‬اكت بْ لهل‬
‫الدينة وأهل مكة بعطاءِ أرْزَاقِهم‪.‬‬

‫‪325‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫ث قال‪ :‬يا أ با م مد‪ ،‬هل من حا جة غي ها‪ ،‬فقال‪ :‬ن عم فذكّر هُ بأ هل الجاز‬
‫وأهل ند وأهل الثغور ففعل مثل ذلك‪ ،‬حت ذكره بأهل الذمّة أن ل يكلفُوا ما ل‬
‫يُطيقُون‪.‬‬
‫فأجابه إل ذلك‪ ،‬ث قال له ف آخر ذلك‪ :‬هَلْ من حاجة غيها؟‬
‫قال‪ :‬ن عم يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬ا تق ال ف نف سك‪ ،‬فإن خُلقْ تَ وحدك‪ ،‬وتو تُ‬
‫وحدك‪ ،‬وتُحشر وحدك‪ ،‬وتاسبُ وحدك‪ ،‬ل وال ما معك مّن ترى أحدًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأكب هشا مٌ يبكي‪ ،‬وقام عطاء‪ ،‬فلما كان عند الباب إذا رجلٌ قد تبعه‬
‫بكيس‪ ،‬ما ندري ما فيه أدراهم أم دناني؟‬
‫وقال‪ :‬إن أمي الؤمني قد أمر لك بذا‪ ،‬فقال‪ :‬مَا أَ ْسَألُ ُكمْ عَ َليْ هِ مِ نْ أَجْرٍ إِ نْ‬

‫سوَة مَاء‪ ،‬ل‬
‫أَجْرِ يَ إِلّ َعلَى َربّ العَالَمِيَ ث خرج ول وال ما شرب عندهم حَ ْ‬
‫دره سلك طريقة الرسل عليهم السلم‪ ،‬هذا من رقم (‪ )1‬ف «الزهد»‪.‬‬
‫ولا رجع الرشيد قيل له‪ :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬قد حج شيبان‪ ،‬قال‪ :‬اطلبُوه ل فأتوه‬
‫به‪ ،‬فقال‪ :‬يا َشيْبانُ‪ ،‬عظن!‬
‫قال‪ :‬يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬أ نا رج ٌل ألك نٌ ل أف صحُ بالعرب ية‪ ،‬فجئ ن ب ْن يف هم‬
‫كلمي حت أكلمه‪ ،‬فأت برجُل يفهم كلمهُ‪.‬‬
‫ك قبْل أن تبلُ غَ الأ من أن صحُ‬
‫خوّفُ َ‬
‫فقال له‪ُ :‬قلْ له يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬إن الذي يُ َ‬
‫لك من الذي يُؤمّنُكَ قبل أن تبلغ الوف‪.‬‬
‫قال له‪ :‬أي شيء تفسي هذا؟ قال‪ :‬قُلْ لهُ الذي يقو ُل لك‪ :‬اتّق ال فإنك رجلٌ‬
‫مسئول عن هذه المة الت استرعاك ال عليها وقلّد َك أمورها وأنت مسئو ٌل عنها‪.‬‬
‫فاعدل ف الرع ية واق سم بال سوية وان فذ ف ال سرية‪ ،‬وا تق ال ف نف سك هذا‬
‫الذي يوفك فإذا بلعتَ الأمَ َن أمنْتَ‪.‬‬
‫هذا أنصحُ لك مّ ْن يقول‪ :‬أنتُم أه ُل بي تٍ مغفورٌ لكم وأنت قرابةُ نبيكم‪ ،‬وف‬
‫ت الوفَ ع ِطْبتَ‪.‬‬
‫شفاعته فل يزال يُؤ ّمنُكَ حت إذا بلغ َ‬
‫قال‪ :‬فبكى هارون حت رحه من َحوْلَه‪ ،‬ث قال‪ :‬زدن‪ ،‬قال‪ :‬حسبك‪.‬‬
‫‪326‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫رُوي أن عوف بن مالك أسبر الشركون ابنًا له‪ ،‬فأتبى ر سول ال ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ُأسِ َر ابن وشَكَا إليه الفَاقَة‪.‬‬
‫فقال رسول ل ‪« :‬ما أم سْى عند آل ممد إل مُدّ‪ ،‬فاتق ال‪ ،‬واصب وأكثر‬
‫من قول‪ :‬ل حول ول قوة إل بال العلي العظيم»‪ ،‬فعاد إل بيته‪ ،‬وقال لمرأته‪ :‬إن‬
‫رسول ال أمرن أن تستكثر من قول ل حول ول قوة إل بال العلي العظيم‪.‬‬
‫فقالت‪ :‬نعم ما أمر به رسول ال ‪ ،‬فأخذا يقولن ذلك فبينما هو ف بيته إذْ‬
‫ع ابنُه الباب‪ ،‬ومع ُه مائةٌ من ال بل تغَفّ َل عن ها الع ُدوّ‪ ،‬فا ستاقها وأ تى ب ا إل‬
‫قر َ‬
‫سُبهُ ‪.‬‬
‫والديه‪ ،‬فنلت هذه الية‪َ :‬ومَن يَتَ َوكّلْ عَلَى ال ّلهِ فَهُوَ حَ ْ‬
‫قيبل لبعبض العُقلء‪ :‬لِمَب اعتزلت الناس؟ فقال‪ :‬خشيتُب أن ْب أسبلبَ ديْنب ول‬
‫أشعُر‪ ،‬وهذا دل يل على م سارقَة الط بع ك ما هو مُشا هد‪ ،‬ودل يل على ذكاء العا قل‬
‫ودقة نظره وزهده‪.‬‬
‫قال السن البصري‪ :‬إنا الفقيه الزاهدُ ف الدنيا الراغب ف الخرة البصي بدينه‬
‫الداوم على عبادة ربه‪.‬‬
‫الورع الكاف من أعراض السلمي‪ ،‬العفيف عن أموالم‪ ،‬الناصح لم‪.‬‬
‫لكبل شيبء آفبة تفسبده فآفبة العبادة الرياء‪ ،‬وآفبة اللم الظلم‪ ،‬وآفبة الياء‬
‫الضعف‪ ،‬وآفة العلم النسيان‪ ،‬وآفة العقل العجب بالنفس‪ ،‬وآفة الكمة الفُح شُ‪،‬‬
‫وآفةُ ال َقصْدِ الشُخُ‪ ،‬وآفةُ العُمُر الكبَرُ‪ ,‬وآفة الودِ التبذير‪.‬‬
‫سُئل علي بن أ ب طالب‪ :‬كم ب ي اليان واليق ي؟ قال‪ :‬أرب عُ أ صابع‪ ،‬ق يل‪:‬‬
‫وك يف ذلك؟ قال‪ :‬اليا نُ كُلُ ما سعتهُ أذنَا كَ و صدّقهُ قلبُك‪ ،‬واليقيُ ما رأت هُ‬
‫س بي العي والذُن إل أرب عُ أصابع‪ .‬وال أعلم‪ ،‬وصل‬
‫عيناك‪ ،‬فأيقن به قلبُك وليْ َ‬
‫ال على ممد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫فصل‬
‫قال شي خُ ال سلم بن تيم ية‪ ،‬و ف الثار يقول ال تعال‪ :‬أ نا ال ل إله إل أ نا‬
‫ملك اللوك ونواصيها بيدي‪.‬‬
‫‪327‬‬

‫إيقاظ أول المم العالية‬

‫فمن أطاعن جعلت قلوب اللوك عليه رحة ومن عصان جعلتُهم عليه نقمة‪.‬‬
‫ل وأطيعون أعطفهم عليكم‪.‬‬
‫فل تشغلوا أنفسك بسب اللوك‪ ،‬ولكن توبوا إ ّ‬
‫وقال ابن القيم‪ :‬لهل الذنوب ثلثة أنار عظام‪ ،‬يتطهّرون با ف الدنيا‪ ،‬فإن ل‬
‫حيْم يوم القيا َمةِ‪.‬‬
‫تَفِ بطُهرهم ُطهّ ُروْا ف نر ال ِ‬
‫نر التوبة النصوح‪ ،‬ونر السنات الستغرقة للوزار الحيطة با‪ ،‬ونر الصائب‬
‫العظيمة الكفرة‪.‬‬
‫أدخلهب أحبد هذه النار الثلثبة‪ ،‬فورد القيامبة طيب ًا‬
‫ُ‬
‫فإذا أراد ال بعبده خيًا‬
‫طاهر‪ ،‬فلم يتج إل التطهي الرابع‪.‬‬
‫من غلب عل يه حُبّ الاه صار مق صور ال م على مُراعاة اللق مونعًا