‫نظريات القراءة والتأويل الدبي وقضاياها ‪ -‬دكتور حسن مصطفى سحلول ‪ -‬دراسة ‪ -‬من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬

‫دمشق ‪2001 -‬‬
‫‪:Updated‬‬

‫مقدمـــة‬
‫( الهوامش‬
‫الفصـــل الول ‪:‬في القراءة عامة وفي القراءة الدبية وأشكالها خاصة‬
‫‪ -2‬القراءة تواصل مؤخّر!‬
‫‪ -3‬القراءة الساذجة والقراءة النقدية‪:‬‬
‫الفصل الثاني ‪:‬القارئُ ووجوهُه المتعدّدة‪.‬‬
‫‪-2‬في البدء كان المَرويّ له‪.‬‬
‫‪-3‬ذريّةٌ عديدةٌ‬
‫‪ -4‬القارئُ الحقيقيّ‪.‬‬
‫( هوامش الفصل الثانيّ‬
‫ص الدبيّ؟‬
‫الفصل الثالث ‪:‬كيف نقرأ الن ّ‬
‫‪-2‬النص الدبيّ من حيث أنه "برمجة"‬
‫‪-3‬دور القارئ‬
‫ذد ‪±،à‬‬
‫هوامشُ الفصل الثالث‪:‬‬
‫الفصل الرابع ‪ :‬ماذا نقرأ في النص الدبي‬
‫‪ 2‬ـ القراءة الجابذة أو التوحيدية‪:‬‬
‫‪ 3‬ـ القراءة النابذة أو التفكيكية‪:‬‬

‫هوامش الفصل الرابع‪:‬‬
‫الفصل الخامس ‪:‬القراءة ومُعاش القارئ‬
‫‪-2‬متعة اللعب‬
‫‪-3‬سياحةٌ داخل الزمن‬
‫الفصل السادس ‪:‬مسألة وقع القراءة وأثرها على القارئ‬

‫{\‪rtf1\adeflang1025\ansi\ansicpg1256\uc1\adeff27‬‬
‫‪\deff0\deflang1025\deflangfe1025{\fonttbl{\f0\froman\fcharset0\fprq2{\*\panose‬‬
‫‪02020603050405020304}Times New Roman;}{\f27\fbidi‬‬
‫‪\fnil\fcharset178\fprq2{\*\panose‬‬
‫‪-3‬ارتداد وتق ّدمٌ‪.‬‬
‫هوامش الفصل السادس‪:‬‬
‫خاتمة‬
‫ثبت بالنصوص الدبيّة المدروسة ومؤلّفيها‬
‫مقدمـــة‬
‫توطئة عامة‬
‫لقد شرع محترفو تحليل النصوص الدبية من نقاد وجامعيين وصحفيين اختصاصيين في دراسة القراءة في أواسط‬
‫السبعينات من هذا القرن‪ .‬وكانوا حتى ذلك التاريخ يحاولون أن يفهموا النص وأن يشرحوه لجمهورهم على ضوء‬

‫عصره‪ ،‬وهو ما كان يطلق عليه بعض نقادنا اسم "أضواء على عصر الكاتب أو على بيئته" وكانوا يقسّمون فصلهم‬
‫هذا إلى أبواب ثانوية من قبيل "الحياة الجتماعية" أو "الحياة السياسية" أو "الحركة الفكرية" أو "الحياة العقلية" أو‬
‫"الحياة الدبية" وإلى غير ذلك مما نجده في كتب النقد المدرسية‪1.‬‬

‫وكان بعضهم الخر يقارب النص الدبي عن طريق حياة كاتبه وما مر به من صروف اليام أو من خلل ل وعيه‬
‫ورغباته الدفينة أو من خلل قضاياه الجنسية وسلوكه في حلها‪ .‬ولقد مثّل الناقد السوري جورج طرابيشي (حلب‬

‫‪ )1936‬في كتبه المختلفة هذا النمط من النقد الدبي الذي يستوحي كارل ماركس (‪ )1883-1818‬وسيجموند فرويد (‬
‫‪ )1938-1856‬معا‪2.‬‬

‫وهناك مدرسة أخرى في النقد الدبي تحاول استيعاب النص من خلل أسلوب الكاتب وطريقته في التعبير واستخدام‬

‫أدوات البلغة والمحسنات البديعية ومن خلل مقارنته مع غيره من الكتّاب وأساليبهم وطرقهم في استخدام أدوات‬
‫التعبير نفسها‪.‬‬

‫وها هم يبدؤون في دراسته من خلل الشخص الذي ينفخ في النص الحياة والذي لوله ما وُجِد نص ول ُألّف كتاب‪.‬‬

‫ونعني القارئ‪ .‬لقد بدأ المهتمون بالدب في منتصف العقد السابع يدركون أن السؤالين الجوهريين اللذين طالما شغل‬
‫الناس وهما ما الدب؟ وما أفضل السبل لدراسة النصوص الدبية؟ إنهما يعنيان في حقيقة المر أن نتساءل لماذا نقرأ‬
‫كتابا؟‬

‫ما هي أفضل السبل للحاطة بخلود مقامات الهمذاني أو بعظمة رسالة الغفران أو بإخلص القارئ العربي لبخلء‬

‫الجاحظ ؟‪ .‬أيكون ذلك في دراسة الحياة الفكرية في القرن الثامن العباسي وتياراتها في البصرة بالنسبة لبي عثمان أو‬

‫في القرن العاشر وفي خراسان أو سوريا بالنسبة لبي الفضل وأبي العلء؟‪ .‬أم يكون ذلك في تقصي حياة عمرو بن‬

‫بحر (‪ )868-775‬والتنقيب في أسرار حياة أحمد بن الحسين (‪ )1007-968‬وكشف النقاب عما خفي من معيشة أحمد‬

‫بن عبد ال التنوخي (‪)1058-979‬؟‪ .‬أم أن ذلك يكون بأن نوجه أبحاثنا في طريق أخرى وهي أن نسأل القارئ‬

‫العربي عما يجده أو يعتقد أنه واجده في هاتيك المؤلفات؟‪ .‬فهذه الكتب جميعها وكل الكتب الخرى لم تظهر للوجود إل‬
‫بفضل القارئ ول تستمر بالبقاء إل بفضل العناية الخاصة التي يوليها لها!‬
‫لقد ظهر الهتمام بالقراءة حين راح ضعف المناهج النقدية التي كانت تستوحي النظريات البنيوية يبدو جليا للعيان‪ .‬ثم‬
‫راح هذا الهتمام يتزايد بمقدار ما كان يكبر وعي بعض النقاد بأنه من العبث بل من الحماقة أن يلخص النص الدبي‬
‫بسلسلة من الشكال المجردة كما كانت تقترح الدراسات البنيوية‪.‬‬
‫لقد كان النقد الدبي قد سلك دربا مسدودا‪.‬‬
‫فالدراسة التي تنحصر في بحث البنية الهيكلية كان ل بد لها أن تنتج نماذج نقدية مفرطة في العمومية أو غاية في‬
‫الغموض!‪ .‬ولقد تم البرهان على أن النساق التي كان المنظرون الجماليون قد أعلنوا أنها لحمة الدب وسداه وأنها‬
‫تخص الشكال الدبية دون سواها موجودة كذلك في أشكال غير أدبية‪ .‬ولقد طبق الفرنسي رولن بارت‪ ،‬وبدون‬

‫صعوبة تُذكر‪ ،‬المنهج البنيوي على أفلم جيمس بوند!‪ .‬واكتشف مواطنه جريماس‪ ،‬وبدون كبير عناء‪ ،‬الشكال الدبية‬
‫الكبرى في الوصفات التي تقترحها كتب المطبخ!‪.‬‬

‫والنقد الجمالي البنيوي‪ ،‬بصفته علم لما هو عام وشامل‪ ،‬يقصر عن إدراك خصوصية هذا النص الدبي أو ذاك‪ .‬فهو إذ‬
‫يحاول أن يصف القواعد التي تنطبق على مجموع العمال الدبية التي تنتمي إلى الصنف الدبي المدروس كرواية‬

‫السيرة الذاتية أو الرواية التاريخية أو غيرها فإنه ل يرى بصمة الديب المميزة ول مهارة صنعته والتي تسبغ على‬

‫ل ولكن ل بد لنا‬
‫النص هويته الخاصة‪ .‬فتعدّد وجهات النظر الروائية هو أكثر ما يشدنا في الرواية الديستويفيسكية مث ً‬
‫من القرار أن هذه الوسيلة ل تبلغ نفس الغاية حين يستخدمها كتّاب ضعفاء‪ .‬ولقد قلد أبو الطاهر محمد بن يوسف‬

‫السرقسطي (‪1143‬م) كل محسّنات الحريري (‪1054/1122‬م) وسلك طريقته في التأليف والنظم ولكننا ما زلنا نقرأ‬

‫مقامات الحريري ونعجب لحابيل أبي زيد السروجي ولتمكّنه من اللغة وآدابها ونكاد نجهل كل شيء عن السرقسطي!‪.‬‬

‫إن قيمة العمل الفني ل تقاس بوجود هذه التقنية الفنية أو تلك فيه ول بغيابهما عنه‪ .‬إنها تعود إلى أسباب لم يستطع‬

‫علم الجمال البنيوي الحاطة بها‪ .‬ولقد حث قصور المنهج البنوي الدارسين على تجديد طرقهم في النقد الدبي‪ .‬ثم‬
‫صار هذا التجديد ممكنا حين خرجت الدراسات اللسنية الحديثة من الميدان الذي كان مؤسسوها قد رسموه لها‬
‫فأشرفت على آفاق جديدة‪.‬‬

‫‪-1‬تطور اللسنيات وازدهار مفهوم التداولية‬
‫إن ظهور مفهوم التداولية واغتناءه المستمر في صلب الدراسات اللسنية هو الذي دفع بأهل الدب إلى إيلء مسألة‬
‫التلقي اهتمامهم‪ .‬لقد ظل علم اللسنيات خلل فترة من الزمن يتفرع إلى قسمين تقليديين أساسيين هما "النحو‬

‫التركيبي" وهو يدرس علقة العلمات اللغوية بعضها ببعض و"الدللية" وهو يبحث في علقات العلمات اللغوية‬
‫بالمعاني التي تدل عليها‪ .‬وكان هذان الفرعان يطمحان إلى وصف عمل اللغة البشرية‪ .‬ثم أضاف اللغويون قسما ثالثا‬

‫أطلق عليه اسم "التداولية" وهو يعنى بعلقات العلمة اللغوية بمستخدميها‪.‬‬

‫ويعود الفضل في إنشاء هذه العلقة الثلثية إلى الفيلسوف المريكي موريس ‪ C. Morris‬وإلى كتاب نشره سنة‬

‫‪ 1938‬بعنوان أسس نظرية العلمات اللغوية (‪ )Foundations of the Theory of Signs‬وفي هذا الكتاب أشار‬
‫الفيلسوف إلى أهمية دراسة "ما يصنعه" المتكلم عن طريق اللغة‪.‬‬
‫ثم ازدهر هذا الفرع الجديد من اللسنيات ازدهارا اعتبارا من سنوات العقد السادس من قرننا هذا‪ .‬ولنكتف بالشارة‬
‫إلى كتابين أساسيين في هذا المجال أحدهما للنكليزي أوستين ‪ J.I.Austin‬بعنوان كيف نصنع أشياء بالكلمات (‬

‫‪ )How to do things with words( )1962‬والخر للفرنسي دوكرو ‪ O. Ducrot‬وهو بعنوان القول والفعل (‬
‫‪.)1984‬‬
‫ما الجديد الذي تضيفه التداولية؟‬
‫لقد أبان الفيلسوف النكليزي بأن وظيفة اللغة ل تنحصر بأن تنقل خبرا أو بأن تصف واقعة ول بأن توصل إلى‬

‫المرسَل إليه معلومة يبعث بها عن طريق العلمات الصوتية المتكل ُم الول أي المُرسِل كما وقع التفاق على تسمية‬
‫الطرفين‪ .‬فهناك في اللغة أفعال تنجز أو تحقق ما تحمله من المعاني بمجرد التلفظ بها‪.‬‬
‫ولنهب جملً من طراز‪" :‬نهض زيد من نومه" أو "أنا مشتاق لهلي" أو "عبّرت الحكومة عن استيائها"‪ .‬إن هذه الجمل‬
‫جميعها تخبر عن شيء أو تكشف عن حالة نفسية أو عن موقف سياسي‪ .‬ولنأخذ الن جملة‪" :‬أنتِ طالق بالثلثة"‪ .‬فإن‬

‫هذه الكلمات إن قيلت على نحو معين وخلل ظروف معينة تخلق وضعا جديدا تماما‪ .‬فالزوج تطلّق حقا والخلية‬
‫العائلية تتفتت مع كل النتائج الجتماعية التي يسهل تصورها‪.‬‬

‫واقتفى الفرنسي دوكرو إثر النكليزي أوستين فأظهر كيف أن الكلم يتوجه دائما نحو مُرسَل إليه وأنه يسعى دائما‬
‫على نحو مكشوف أو مستتر أن يؤثر فيه على نحو بيّن أو ل‪.‬‬

‫إن المحادثة هي دائما محاولة لجر الخر إلى اتخاذ موقف ما‪.‬‬
‫إن ما تظهره التداولية للعيان هو أهمية التأثير والتأثر في قلب الخطاب العادي‪ .‬فإذا صح أن وظيفة الكلم هي بأن‬
‫يؤثر في الخرين أكثر مما يسعى إلى إخبارهم فهذا يعني أنه من الصعوبة بمكان أن نفهم كل الفهم خطابا ما إذا‬

‫اكتفينا بإرجاعه إلى صاحبه‪ .‬وهذا يعني كذلك أن علينا أن نأخذ بعين العتبار الثنائي الذي يشكله الشخص المتكلم‬
‫والشخص الذي يوجه إليه كلمه‪.‬‬
‫ونرى هنا بوضوح نتائج مفهوم التداولية اللسني على دراسة النصوص الدبية‪ .‬فإن كان الكلم في اللغة اليومية‬
‫يهدف دائما إلى التأثير على الخر وإلى تحقيق غاية ما‪ ،‬فإن المر هو ول ريب أكثر وضوحا وأشد قوة في العمال‬

‫الدبية حيث يسعى الكاتب على ان ل يترك شيئا للصدفة‪ ،‬وحيث تنتقي إرادة المؤلف الواعية الصارمة المفردات‬
‫وتنظمها بعد تفكير وإمعان نظر‪.‬‬

‫وعليه فإن الكتاب ل يمكن أن يقتصر على الكشف عن بنيته الهيكلية العميقة أو على البحث عن الوشائج القائمة بينه‬
‫وبين مؤلفه‪ .‬ولكنه يفرض علينا أن نحلل علقات التأثير والتأثر بين الكاتب والقارئ‪.‬‬
‫‪-2‬النقد الدبي ونظرية القراءة‬
‫ولكن ماذا تعني دراسة القراءة؟‬
‫إذا كان موضوع النقد الدبي هو العمل الدبي فما هو موضوع نظريات تلقي العمل الدبي؟‪ .‬أهو كفاءات القارئ؟‪ .‬أهو‬
‫النص الذي تظهر من خلله هذه الكفاءات؟‪ .‬أهو علقة التأثير والتأثر بين النص وقارئه؟‪.‬‬
‫ولكن هذه السئلة تتضمن أننا نستطيع أن نقصر عملية القراءة على تبادل بين طرفين وحيدين وحسب!‪ .‬أيمكننا قبول‬
‫هذا؟ أليست علقة المرء بالقراءة علقة ترتبط بالعادات الثقافية وبالنماذج الثقافية التي تقترحها البيئة الجتماعية‬
‫التي ينشأ فيها الفرد القارئ كما أنها ترتبط كذلك بثوابته النفسية؟‪.‬‬

‫ومن جهة أخرى أليس أخذنا بكل هذه العوامل يعني الرجوع إلى ميدان النقد الدبي التقليدي؟‪ .‬إن هناك طرقتين‪ ،‬في‬

‫حقيقة المر‪ ،‬لمعالجة هذه المشكلة‪ .‬إن تحليل نصّ ما يعني إما أن نتساءل عن كيفية قراءة النص أو أن نتساءل عما‬
‫نقرؤه أو عما يمكن أن نقرأه في النص‪ .‬فإذا كانت دراسة "كيفية القراءة" تضفي على نظريات "التلقي" بعضا من‬

‫صفاتها المميزة فإن البحث في "محتوى القراءة" يؤدي في أغلب الحيان إلى التساؤل عن معنى النص أو عن معانيه‪.‬‬
‫ويقود الباحث في هذا الطريق كذلك غموض المصطلحات التي يستخدمها‪ .‬فينشأ عن ذلك خلط بين دراسة القراءة‬
‫ودراسة العمل الدبي‪.‬‬

‫ولقد تردد الدارسون دائما أمام هذين المنهجين وكيفية اللجوء إليهما وتطبيقهما‪ .‬وظهرت نتيجة لهذه المواقف‬

‫المتباينة تيارات نقدية يمكن أن نميز بين أهمها مدرسة كونستانس اللمانية ومدرسة التحليل الدللي (السيميوطيكي)‬
‫ومدرسة تحليل الرموز ونظريات القارئ الحقيقي‪.‬‬

‫ومدرسة كونستانس هي أولى المحاولت الكبرى لتجديد دراسات النصوص على ضوء القراءة‪ .‬وكان اهتمام الباحثين‬

‫قبل ذلك منصبا على كشف الروابط القائمة بين النص ومبدعه‪ ،‬فراح أتباع المدرسة اللمانية ينادون بانتقال البحث من‬
‫العلقة بين الكاتب ونصه إلى العلقة بين القارئ والنص‪.‬‬
‫غير أن مدرسة تحليل كونستانس تتفرع في واقع المر إلى منهجين يتميز أحدهما عن الخر‪ .‬فبينما يعنى الول "بعلم‬
‫جمال التلقي" وأبرز ممثليه هو هانز روبر جوس ‪ Hans Robet Jaus‬يهتم الثاني بفرضية "القارئ الضمني أو‬

‫القارئ المستتر" ويقوده إيزير ‪.W. Iser‬‬

‫لقد ظهر "علم جمال التلقي" في مطلع العقد السابع تحدوه الرغبة بإعادة النظر في طرق دراسة تاريخ الدب‪ .‬ويلحظ‬
‫جوس أن العمل الفني عامة والعمل الدبي على وجه الخصوص ل يفرض نفسه ول يستمر في الحياة إل من خلل‬

‫جمهور ما‪ .‬وعليه فإن التاريخ الدبي هو تاريخ جماهير القراء المتعاقبة أكثر من تاريخ العمل الدبي بحد ذاته‪ .‬وبما‬

‫أن الدب هو نشاط تواصلي فإنه ينبغي علينا أن نحلل الدب من خلل الثار التي يتركها على مجموعة المعايير‬
‫الجتماعية‪.‬‬

‫وأما نظرية إيزير بخصوص القارئ الضمني فقد نشرها عام ‪ .1976‬فبينما كان جوس يستقصي أبعاد التلقي التاريخية‬
‫كان اهتمام إيزير منصبا على تحليل أثر النص الدبي على الفرد القارئ‪ .‬وينطلق إيزير من أن القارئ هو الغاية‬

‫الكامنة في نية المؤلف حين يشرع في الكتابة‪ .‬وعليه فإن واجب النقد الدبي هو أن يبين كيف ينظم الكتاب المدروس‬

‫طريقة قراءته ويوجهها بغاية الحصول على الثر المُبتَغى ثم عليه أن يظهر ردة فعل الفرد القارئ في ملكاته الدراكية‬

‫أمام السبل المختلفة التي يقترحها النص المقروء‪.‬‬

‫إن نموذج التحليل الدللي الذي اقترحه اليطالي أمبيرتو إيكو ‪ Umberto Eco‬عام ‪ 1979‬في كتابه القارئ في النص‬

‫(‪ )Lector in fabula‬ل يختلف اختلفا كبيرا عن النموذج الذي دافع عنه إيزير ‪ .‬وهو يقترح تحليلً لما يسميه‬

‫"بالقراءة المتعاونة أو المستجيبة"‪ .‬وغاية التحليل كما يراها العالم اليطالي هي دراسة كيف يبرمج النص شكل تلقيه‬

‫ودراسة ما يقوم به القارئ وبالحرى ما ينبغي أن يقوم به القارئ الفطن كي يستجيب على نحو حسن للنداء الكامن‬
‫في البنية النصية‪.‬‬

‫ويعود الفضل في ظهور نظريات التحليل "الرمزية" لفيليب هامون ‪ Hamon‬ولوتين ‪ .Otten‬وقد عرضاها في العقد‬
‫الثامن وهي تقوم على الرغبة بدراسة عملية القراءة من خلل تفاصيل النص‪ .‬وليست الغاية هنا هي اقتراح نماذج‬
‫تأويلية عامة تصلح لكل النصوص وإنما الغاية هنا هي اقتراح تحاليل محددة وغاية في الدقة تلقي الضوء على ما‬

‫يميز هذا الجانب أو ذاك من عملية القراءة‪ .‬ومع ذلك فقد حاول أوتين أن يقترح منهجا تركيبيا نستطيع بفضله أن‬
‫نفهم نشاط القراءة من خلل ثلثة ميادين رسم حدودها بدقة‪ .‬وهي ميدان النص المعروض للقراءة ثم ميدان هذا‬

‫النص كما يقرؤه القارئ وأخيرا طبيعة علقة ذلك النص مع قارئه‪.‬‬
‫ولكننا نجد عند هذه النقطة من منهج أوتين تفاصيل كثيرة يقتبسها من دراسات سابقيه وخصوصا إيزير وإيكو‪.‬‬
‫ثم ظهرت طريقة جديدة لدراسة عملية القراءة تأخذ بعين العتبار القارئ الحقيقي‪ .‬وقد عرض الفرنسي ميشيل بيكار‬

‫منهجه ذاك في كتابين نشر أولهما عام ‪ 1986‬بعنوان القراءة كلعبة وظهر ثانيهما بعد ثلث سنوات بعنوان قراءة‬

‫الوقت (‪ .)Lire le temps‬ويأخذ بيكار على المهتمين بدراسة القراءة أنهم يحللون في واقع المر قراءات نظرية‬

‫ومجردة يقوم بها قراء نظريون ومجردون‪ .‬وهو يرى أن الوقت قد أزف لنطرح جانبا تلك القراءات الموهومة والتي‬

‫لم توجد قط ولندرس القراءة الوحيدة الصائبة وهي القراءة الملموسة المحددة التي يقوم بها القارئ الملموس المحدد‪.‬‬
‫وعلى نقيض القارئ المجرد الذي يقترحه نموذجا إيزير وإيكو فإن القارئ الحقيقي الملموس يدرك النص بذكائه‬
‫وبرغباته وبثقافته وبقيوده الجتماعية والتاريخية وكذلك بشخصيته اللواعية‪.‬‬

‫ولقد اقترح الفرنسي فينسان جوف في كتابه الشخصية الروائية بصفتها أثرا في الرواية (‪L'Effet-( )1992‬‬

‫‪ )personnage dans le roman‬منهجا في التحليل قريبا من منهج بيكار ولكنه أكثر اعتمادا على التحليل النفسي‬
‫منه‪.‬‬
‫إن هذه النظريات المختلفة والتي لن نكف خلل دراستنا هذه من العودة إليها ومن اقتباس مفاهيمها وعلى الخص‬
‫كتاب الناقد فينسان جوف القراءة‬
‫(‪ )La lecture‬تقدّم نفسها على أنها شاملة مانعة وتزعم أنها تصلح لتحليل كل نصوص الحقل الدبي!‪ .‬وبما أن‬
‫كثيرا من آثار القراءة يرتبط بطبيعة العمل الدبي الخطية فإن من عادة الباحثين أن يستقوا أكثر أمثلتهم من النصوص‬
‫الروائية من غير أن يهملوا بقية النواع الدبية‪ .‬وسوف نحذو حذوهم في دراستنا هذه‪.‬‬

‫لقد اعتمدنا في توثيق معظم الروايات العربية المعاصِرة وكتّابها المذكورين في دراستنا هذه على معجم الروائيين‬

‫العرب ‪ 3‬للدكتور سمر روحي الفيصل وعلى معجم أعضاء اتحاد الكتّاب العرب في القطر العربي السوري والوطن‬
‫العربي (‪ )4‬والذي أعده أديب عزت وسليمان عامود وراجعه عبد ال أبو هيف‪ .‬فلذلك ولهؤلء عرفاننا بالجميل‪ .‬وإذا‬
‫تعذّر ذلك فقد رجعنا إلى مصادر عديدة من معاجم المؤلفين والكتّاب المتوفرة‪.‬‬

‫ولقد سعينا إلى أن يكون اسم الكاتب حين يذكر للمرة الولى بالحرف الغليظة مشفوعا بتاريخ وفاته‪ .‬فإذا تعذر ذلك‬
‫فحرف (ت) متبوعا بتاريخ الوفاة‪ .‬وإل فتاريخ الولدة‪.‬‬

‫وعملنا على أن تكون أسماء العلم بالحرف الغليظة‪ .‬وليس كذلك أسماء الشخصيات الدبية‪ .‬فالهمذاني بالحرف‬
‫الغليظة واما عيسى بن هشام فبالحرف العادية‪.‬‬

‫وجعلنا اسم الكاتب الجنبي بالحرف اللتينية حين يذكر للمرة الولى وألحقناه برديفه بالحرف العربية‪ .‬وسلكنا في‬
‫ذلك التهجية الشائعة‪ .‬وألحقناه كما في العلم العربية بتاريخ الولدة ثم الوفاة‪.‬‬

‫وذكرنا عنوان الرواية الجنبية حين يُذكر للمرة الولى كما هو في اللغة الجنبية وذكرنا تاريخ نشره‪ .‬ثم ترجمناه إلى‬
‫العربية‪ .‬فإن كان قد سبق ونقل إلى العربية فقد اتخذنا العنوان الذي اختاره من سبقنا‪.‬‬

‫لقد حاولنا أن تكون المثلة من الدب العربي‪ .‬فإن تعذر علينا ذلك فمن الداب الجنبية‪ .‬وعندها بذلنا جهدنا لكي تكون‬

‫من تلك التي ترجمت إلى اللغة العربية‪ .‬وذلك كي يستطيع القارئ العربي الذي ل يتقن لغة غير لغة الضاد أن يرافقنا‬
‫في هذه الطريق ولقد وفقنا إلى ذلك غير مثالين أو ثلثة‪ ،‬فعذرا من القارئ الكريم‪.‬‬
‫( الهوامش‬
‫‪ -1‬انظر كتاب المُفيد في الدب العربي الذي كان يعالج مادة الدب العربي المقررة للسنة الثانية للبكالوريا اللبنانية‪.‬‬
‫تأليف‪ :‬أحمد أبو حاقة‪ ،‬أحمد أبو سعد وإيليا حاوي وجوزيف الهاشم‪ .‬بيروت‪ .‬دار العلم للمليين ‪ 1987‬الطبعة ‪.14‬‬

‫من الصفحة ‪ 12‬حتى الصفحة ‪.44‬‬

‫الدب والنصوص للصف الثاني الثانوي الدبي في سوريا لمؤلفيه فالح فلوح وندوة النوري وياسر عليا وخير الدين‬
‫صيادي ومحمد النميري‪ .‬دمشق‪ .‬المؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية ‪ .1991-1990‬من الصفحة ‪ 5‬إلى‬

‫الصفحة ‪.25‬‬
‫النصوص الدبية للسنة الولى الثانوية الصادر عن وزارة التربية الوطنية في المملكة المغربية سنة ‪ .1992‬ففي‬
‫الفصل المخصص لدب القصة نجد تقديما له (ص ‪ )62-61‬ثم نصا لمحمود تيمور (ص ‪ )65-63‬ثم ثلثة سطور عن‬

‫ل للنص وأخيرا تعليقا عليه‬
‫مصدر النص (انتصار الحياة ‪ )1963‬ثم تعريفا بالكاتب ثم بظروف النص ثم تحلي ً‬
‫( ص ‪.)67-66‬‬

‫‪ -2‬انظر كتبه لعبة الحلم والواقع‪ :‬دراسة في أدب توفيق الحكيم‪ .‬أو دراسته شرقٌ وغرب‪ ،‬أنوثة ورجولة‪ :‬دراسة في‬
‫أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية وكذلك رمزية المرأة في الرواية العربية‪ .‬وقد ظهرت منها طبعات عديدة‬
‫عن دار الداب في بيروت‪.‬‬

‫‪ -3‬سمر روحي الفيصل معجم الروائيين العرب طرابلس‪ .‬لبنان‪ .‬دار جروس برس‪.1995 .‬‬
‫‪ -4‬أعضاء اتحاد الكتاب العرب في القطر العربي السوري والوطن العربي إعداد‪ :‬أديب عزت وإسماعيل عامود‬
‫ومراجعة عبد ال أبو هيف دمشق‪ .‬منشورات اتحاد الكتّاب العرب‪ .1984 .‬الطبعة الثانية‪.‬‬

‫الفصـــل الول ‪:‬في القراءة عامة وفي القراءة الدبية وأشكالها خاصة‬
‫القراءة نشاط متعدد الوجوه‪1-‬‬
‫إن نشاط القراءة نشاط معقد ومتعدد ينمو في اتجاهات كثيرة‪ .‬ولقد ظهرت محاولت نظرية عديدة لللمام بها من‬
‫خلل أبعادها الكثيرة‪ .‬وسنعرض هنا لواحدة منها ترى في القراءة نشاطا ذا أبعاد خمسة أساسية‪.‬‬
‫القراءة نشاط عصبي وفيزيائي‪1-1-‬‬

‫القراءة هي قبل كل شيء فعل مادي ومحسوس تمكن ملحظته ويعبئ ملكات محددة في الكائن البشري‪ .‬فالقراءة‬
‫تتعذر مثلً إن أصاب الجهاز البصري أو بعض أقسام الدماغ عطب كبير فالقراءة إذن وقبل أن تكون تحليلً لمضمون‬

‫هي إدراك حسي لرموز الخط وتعرف عليها وتذكّر لها‪ .‬ولقد حاولت دراسات أن تصف مراحل عملية القراءة هذه‬

‫ولقد ‪). Francois Richaudeau La lisibilité.‬وصفا دقيقا ومنها كتاب فرانسوا ريشودو ‪ :‬المقروئية (‪1969‬‬
‫برهنت جميعها على أن جهاز العين ل يلتقط رموز الخط الواحد تلو الخر ولكنه يأخذها "مجمّعة" في رزم صغيرة‪.‬‬
‫وعليه فمن الشائع أن تقفز العين فوق بعض الكلمات أو أن تخلط بين حرف وآخر‪.‬‬
‫ولقد أثبتت تلك الدراسات كذلك أن حركة النظرة ليست أفقية ول متناسقة‪ .‬ولكنها تقفز قفزات مفاجئة ومتقطعة تفصل‬
‫بينها وقفات قد تطول أو تقصر‪ .‬ويتراوح طول هذه الوقفات بين ربع الثانية وثلثها‪ .‬وهذه الوقفات هي ما يسمح لنا‬

‫بإدراك الحروف‪ .‬فخلل هذه الوقفات "تسجّل" العين سبعة أو ثمانية رموز وتستبق في نفس الوقت بقية الرموز "فتلقي‬
‫نظرة" عليها بفضل محيط العين الجانبي‪.‬‬
‫ويسهل على القارئ إدراك رموز الخط بقدر ما يكون النص المقروء مؤلفا من كلمات قصيرة مألوفة قديمة وسهلة‬
‫ذات معانٍ متعددة‪ .‬ومن جهة أخرى فإن قدرة الذاكرة المباشرة تتراوح بين ثمان كلمات وست عشرة كلمة‪ .‬وهذا‬

‫يعني أن أفضل الجمل تلؤما مع هذا الستعداد الذهني الطبيعي هي الجمل القصيرة ذات البنية المتماسكة‪ .‬ولقد لفت‬

‫ريشودو النظر إلى أن إهمال الكاتب لشروط "المقروئية" العامة هذه قد يتسبب في أن ينزلق القارئ في سبل معانٍ‬
‫كثيرة‪ .‬وعندها ل يكون النص "المقروء" عين النص "المكتوب"‪.‬‬

‫وانزلق معنى النص ليس أمرا نادرا في ميدان الدب‪ .‬ولنذكر غموض الصوغ عند أبي تمام (‪ )845-779‬أو وحشية‬
‫مفرداته وما آلت من صعوبات شتى في التأويل‪ .‬ولنذكر من بين معاصرينا أسلوب حيدر حيدر (سورية‬

‫في روايته المضنية الزمن الموحش (‪ )1973‬أو رواية ادوار خراط (مصر ‪ )1926‬المعقدة رامة والتنين ( )‪1936‬‬
‫‪.)1980‬‬

‫إن هذا وحده يكفي للدللة على أن فعل القراءة ذاته هو نشاط ذاتي إلى درجة بعيدة‪ .‬وهكذا فإن القراءة تظهر‪ ،‬حين‬
‫ننظر إليها من جانبها الفيزيائي العضوي‪ ،‬على أنها نشاط استباقٍ وتنظيم وتأويل‪.‬‬
‫القراءة نشاط معرفي ‪1-2-‬‬
‫بعد أن ينظر القارئ إلى رموز الخط وبعد أن "يفكّها" يحاول عندها أن يفهم ما المر وعما يدور الحديث‪ .‬إن تحويل‬
‫الكلمات أو "رزم الكلمات" إلى عناصر ذات معنى يفترض أن يبذل القارئ جهدا كبيرا للتجريد‪.‬‬
‫وقد يظل فهم القارئ ضمن حده الدنى‪ ،‬وهو يكتفي عندها بأن يرافق الحداث الجارية أمام ناظريه‪ .‬فينصب اهتمامه‬
‫على توالي الحداث وليس له من هم إل أن يبلغ نهاية الكتاب وخاتمة وقائعه‪ .‬وهو ما يحدث على الغلب عندما نقرأ‬

‫روايات بوليسية أو ذات لغز بوليسي كأعمال الكاتبة النكليزية أجاتا كريستي (‪ )...-1891‬أو عندما نقرأ روايات‬

‫تعتمد المغامرة كعنصر جذاب كروايات جرجي زيدان (لبنان ‪ -1861‬القاهرة ‪ )1914‬التاريخية النقلب العثماني (‬

‫‪ )1911‬أو أسير المتمهدي (‪ )1892‬مثلً‪ .‬وهو ما يحدث كذلك في النصوص الدبية التي تبني حبكتها حول التشويق‬
‫الغرامي كما في بعض روايات إحسان عبد القدوس (القاهرة ‪ )1990-1919‬الناجحة (في بيتنا رجل‪.)1957 ،‬‬
‫ويقع نقيض ذلك حين يكون النص أصعب أو أعقد‪ .‬فعندها يستطيع القارئ أن يهمل تعاقب الحداث في سبيل تأويلها‪.‬‬
‫فيتوقف عند هذا المقطع أو ذاك يُعمل فيه نظره ويسعى لدراك كل معانيه المضمرة وكل تفسيراته الممكنة‪.‬‬
‫والحقيقة أن نشاط القراءة في النصوص الولى يمضي قدما في سبل الحبكة الروائية ومنعطفاتها‪ .‬وهو ل ينظر إل‬
‫إلى رقعة النص وانتشارها‪ .‬ول يعبر اهتمامه قط لتراكيب اللغة وبنى جملها‪ .‬فحين يقرأ أحدنا يوسف السباعي‬

‫(القاهرة ‪ -1917‬قبرص ‪ )1978‬فإنه يقرأ بسرعة فائقة وإذا أهمل شيئا من خطاب الكاتب فإنه بدون ريب ل يفقد‬
‫شيئا يعيق قراءته‪ .‬وأما قراءة النصوص الخرى فإنها ل تُفلت شيئا وهي تتفحص كل شيء وتلتصق بنصها التصاقا‪.‬‬
‫فهي إذا صح القول قراءة مجتهدة ومتحمسة‪ .‬وهي تطارد في كل نقطة من نقاط النص مهارة الفن وإتقان الصنعة‪.‬‬

‫وهي تبحث باستمرار عما يربط أطراف الجملة ببعضها وعما يربط الجمل ببعضها وليس ما يربط وقائع الحبكة‬
‫وأحداثها‪.‬‬

‫وبطبيعة الحال فإن هناك سبيلً وسطا بين السعي حثيثا إلى نهاية الكتاب لمعرفة خاتمة الحداث وبين القراءة المتأنية‬
‫التي تهدف إلى فهم تفاصيله الدقيقة‪ .‬ويمكن أن نجمع بين القراءتين بأن نأخذ من كل منهما بنصيب قد يكبر أو‬

‫يصغر‪ .‬ومهما يكن المر‪ ،‬وفي جميع الحوال فإن عملية القراءة تتطلب كفاءة‪ .‬ويفترض النص أن القارئ يمتلك حدا‬
‫أدنى منها إذ يرغب بمتابعة القراءة‪.‬‬
‫القراءة نشاط عاطفي ‪1-3-‬‬
‫تكمن جاذبية القراءة إلى درجة كبيرة في الحاسيس التي تثيرها فينا‪ .‬وإذا كان تلقي النص يعبئ عند قارئه ملكاته‬
‫الفكرية فإنه يهيج كذلك‪ ،‬وربما على نحو أشد‪ ،‬نزعاته العاطفية‪ .‬فالحاسيس هي التي تقوم خلف مبدأ تقمص القارئ‬
‫للشخصيات الروائية‪ .‬وهذا المبدأ هو المحرك الساسي لقراءة العمال المتخيلة‪ .‬ولن الشخصيات الروائية تثير‬

‫استحساننا أو استنكارنا ولنها توقظ فينا الغيرة أو الشفقة والمودة أو البغضاء فإننا نهتم بمصائرها ويشغل بالنا ما‬

‫ومنذ مطلع القرن العشرين إلى ‪ Tomachevski‬يقع لها من خير أو شر‪ .‬ولقد أشار الناقد الروسي توماشفسكي‬
‫أهمية العواطف الولى في "لعبة" النص‪ .‬وكلما كبُرت موهبة الكاتب كلما كبرت صعوبتنا بأن نقاوم سيطرته على‬

‫انفعالتنا وكلما ازدادت كذلك قوة نصّه على القناع‪ .‬وقوة القناع هذه هي منبع افتتاننا بالنص الدبي وسبب تأثرها‬
‫به وذلك لنها إحدى وسائل التعليم والتبشير‪.‬‬
‫كذلك إلى ضعف مقاومتنا العاطفية هذه‪ .‬وكان يرى أنها سبب انخراطنا في عالم النص ‪ Freud‬ولقد أشار فرويد‬
‫الروائي وهي بالتالي سبب العظة التي نستخلصها من تلك التجربة‪ .‬وذلك لننا جميعا وعلى وجه العموم نظل سلبيين‬
‫أمام شؤون الحياة اليومية وممتثلين لنتائجها‪ .‬ولكننا نستكين لنداء الشاعر وهو يستطيع بفضل الحالة النفسية التي‬
‫يثيرها فينا وعن طريق المال التي يلوّح بها أمامنا أن يعبث بعواطفنا فيوجهها حيث يشاء‪.‬‬
‫ويسهل علينا أن ندرك أثر النفعالت في نشاط القراءة‪ .‬فأن نتعلق بشخصية روائية يعني أن نوجه أنظارنا إلى ما يقع‬
‫لها‪ .‬أي إلى الحكاية التي تُخرج الشخصية الروائية من فراغ العدم إلى عالم الوجود ثم تدفع بها إلى ساحة الحدث‬

‫الروائي‪ .‬ولن وشائج عاطفية تربطنا بمصطفى سعيد فإننا نتابع قراءة رواية الطيب صالح (السودان ‪ )1929‬موسم‬
‫الهجرة إلى الشمال) (‪ )1965‬ونهتم بالسباب النفسية والجتماعية التي قادته إلى الضياع‪ .‬ولن شخصيات ثلثية‬

‫نجيب محفوظ (القاهرة ‪ )1911‬جذابة ومنفرة‪ ،‬كريهة ومحبوبة تثير ابتسامتنا أو تهيج غضبنا فإننا نسافر راضين في‬
‫كون الثلثية (‪ )1957-1956‬فنرضى في نفس الوقت بتصور العالم والفن الذي يتمثل من خللها‪.‬‬

‫وإنه لمن الجلي أن عنصر التقمص هو واحد من أهم طرق القراءة وأكثرها شيوعا بين القراء‪ .‬وأن ارتباط القارئ‬
‫العاطفي بالنص المقروء هو مكوّن أساسي من مكوّنات القراءة وأنه سيبقى كذلك حتى زمن بعيد ول شك‪ .‬وعليه فإن‬

‫استبعاد التماهي بين القارئ والشخصية الروائية وبالتالي استبعاد العنصر النفعالي من التجربة الجمالية كما نادى‬
‫حكِم عليها مسبقا بالخفاق‪.‬‬
‫بذلك بعض الكتّاب والمنظّرين المعاصرين هي محاولة قد ُ‬
‫القراءة نشاطٌ حجاجي‪1-4-‬‬

‫وبما أن النص هو نتيجة إرادة الكاتب الخلّقة الواعية ومجموعة عناصر منظّمة فإنه من الممكن دائما أن نحلله على‬
‫أنه خطاب‪ .‬أي على أنه موقف يتخذه الكاتب من الكون ومن الكائنات ول يعدّل من ذلك شيئا أن يلجأ الكاتب في‬
‫روايته إلى ضمير الغائب‪.‬‬
‫وإذا استخدمنا مصطلحات النظرية التداولية في النقد قلنا بأن النية في تعديل سلوك من يتوجه إليه الخطاب والتأثير‬
‫عليه هي صفة لزمة في النصوص الروائية‪ .‬فالسرد‪ ،‬أي ما يقوم به الحاكي حين يروي حكايته‪ ،‬يسعى إلى أن يقود‬

‫المؤوّل الغائب (أي القارئ الذي يقرأ النص المسرود) أو القارئ الحاضر (المستمع الذي يصغي للنص المروي) إلى‬

‫تبني خاتمة ما أو إلى العراض عنها‪ .‬ونية القناع هذه موجودة في كل حكاية سيان ظهرت واضحة جلية أم توارت‬
‫عن عين القارئ المتسرّع‪.‬‬

‫وتظهر الوظيفة الحجاجية بوضوح في الروايات التي تنافح عن فكرة ما أو تدافع عن قضية محددة‪ .‬كأغلب روايات‬

‫حنا مينه التي تهدف إلى إقناع القارئ بصحة موقف الطبقات الكادحة السورية أو كبعض الروايات التي تريد تصوير‬
‫فساد المدينة الجديدة كما في رواية عبد النبي حجازي (جيرود‪ ،‬سورية ‪ )1938‬قارب الزمن الثقيل (‪ )1970‬أو في‬
‫رواية أحمد يوسف داوود (طرطوس سورية ‪ )1945‬دمشق الجميلة (‪.)1977‬‬

‫ولكننا نجد هذه الوظيفة كذلك في نصوص تنتمي إلى أنواع أدبية أخرى‪ .‬فالجاحظ يحاول مثلً في كتابه البخلء أن‬

‫يعدل من طريقة القارئ في النظر إلى مسألة الشح من خلل عرضه لوجهات نظر متباينة حول هذا الموضوع‪ .‬فهو‬
‫يترك سهل بن هارون وأبا يوسف الكندي يشرحان لنا كيف يكون البخل صلحا والشح اقتصادا‪ .‬ويكاد القارئ‬

‫يوافقهما الرأي ويقرّهما على ما هما فيه‪ .‬ثم يدعو أبو عثمان آخرين فيذمّون البخل ويظهرون مساوئه ويردون على‬
‫حجج سهل بن هارون وصاحبه بحجج أخرى ل تقل عنها بلغة ول إقناعا‪ .‬ويصبح من الصعب بعدها على القارئ أن‬
‫يطرح وجهة نظر هؤلء كاملة ليتبنى رأي أولئك بمجموعه‪ .‬فكل منظور يلغي الخر‪ .‬وكل طريقة لها ما يدعمها‪.‬‬

‫وهكذا يقود أبو عثمان عمرو بن بحر قارئه قودا هيّنا إلى غايته الولى وإلى نيّته الساسية‪ .‬وهي نسبية الحالة‬
‫المرجعية وتعذّر تبني أحكام مطلقة‪.‬‬

‫ومهما يكن نوع النص الدبي فإنه يدعو دائما قارئه دعاء سافرا أو مستترا بإلحاح قد يقوى أو يضعُف‪ ،‬إلى تبنّي‬
‫موقف ما‪ .‬ومع ذلك فللقارئ الحق بأن يأخذ بالحجج المطروحة أو أن يرميها‪ ،‬ويستطيع كذلك أن يرضى بالنقاش‬
‫القائم أو يشيح عنه‪.‬‬

‫القراءة نشاط رمزي ‪1-5-‬‬
‫إن المعنى الذي يستخلصه القارئ من قراءته (بردة أفعاله أمام القصة المسرودة‪ ،‬وبتأثره بالحجج المعروضة وبتعدد‬
‫زوايا السرد والرواة) يمضي مباشرة ليتخذ مكانا له في البيئة الثقافية التي يعيش فيها ذلك القارئ‪.‬‬
‫وكل قراءة تؤثر وتتأثر معا بالثقافة وبالبنية السائدة في عصر ما وفي بيئة ما‪ .‬وسيان أنكرت القراءة النماذج الفكرية‬
‫المهيمنة في الخيال الجماعي أو عزّزت من مواقعها فإنها تؤثر بها فتؤكد بذلك بعدها الرمزي‪ .‬ويكتسب المعنى الذي‬

‫ترتديه قراءة ما في وسط ما أهميته بالنسبة لبقية أشياء العالم التي يألفها القارئ في ذلك الوسط‪ .‬ويثبت هذا المعنى‬
‫في خيال ذلك القارئ‪ .‬وبما أن هذا القارئ ينتمي بالضرورة إلى مجموعة بشرية وإلى خيال جماعي تتميز به هذه‬
‫الجماعة عن غيرها من القوام فإن المعنى الذي ثبت في خياله يرفد كذلك الخيال الجماعي‪.‬‬

‫وهكذا فإن القراءة الفردية تظهر هنا كجزء ل يتجزأ من ثقافة جماعية‪ .‬ونحن نعرف الن كيف أثّرت كتابات الثلث‬

‫الول من القرن العشرين تأثيرا كبيرا في تطوّر المجتمع العربي الثقافي‪ .‬فإذا ذكرنا أن طبائع الستبداد لعبد الرحمن‬
‫الكواكبي (حلب‪ ،‬سورية ‪ )1902-1848‬وتحرير المرأة لقاسم أمين‬
‫والشعر الجاهلي لطه حسين (المغاغة‪ ،‬مصر ‪ )1973-1889‬ومسألة الحكم في السلم لعلي عبد )‪(1865-1908‬‬
‫الرزاق قد ظهرت جميعها بين عام ‪ 1900‬وعام ‪ 1925‬أدركنا كيف يمكن للقراءة أن تغير من الذهنية الجتماعية‬

‫خلل بضع سنوات‬

‫‪ -2‬القراءة تواصل مؤخّر!‬
‫‪ -2-1‬شروط فعالية القراءة‬
‫إن أهم ما تتميز به القراءة إذا ما قارناها بالمحادثة الشفهية هو أنها تواصل مؤجّل إلى حين‪ .‬فالكاتب بعيد عن‬
‫قارئه في أغلب الحيان‪ .‬ويفصل بينهما الزمان والمكان معا‪ .‬ولنتخيل قارئا من دمشق يقرأ اليوم رسالة ابن‬

‫المقفّع (ت ‪ )756‬في الدب الكبير‪.‬‬

‫والعلقة بين الكاتب (المرسل) وقارئه (المتلقّي) هي علقة غير متوازية البتة‪ .‬ولهذه الميزة بطبيعة الحال نتائج‬
‫هامة‪.‬‬

‫إن المحادثة الشفهية تتلفى الغموض أو سوء الفهم عن طريق إحالت دائمة وفورية إلى الوسط المكاني والمحيط‬

‫الزماني الذي يشترك به المتكلّمون أطراف المحادثة‪ .‬غير أن النص المكتوب يقع بين يديّ القارئ مقطوعا عن‬

‫وسطه المكاني بعيدا عن محيطه الزماني وليس يشترك القارئ والكاتب في شبكة واحدة من المرجعية‪ .‬فما يُحيل‬
‫إليه أحدهما يجهله الخر‪ .‬وعليه فإن القارئ يتكئ على بنية النص‪ ،‬أي على نسيج علقاته الداخلية‪ ،‬كي يخلق‬

‫السياق العام الضروري لفهم النص المقروء‪.‬‬
‫وبينما يعتمد الحوار الشفهي القائم بين شخصين مثلً اعتمادا مستمرا على الموقف الذي يجمعهما بصفته إطارا‬
‫يتم فيه التواصل بين الطرفين المتحاورين‪ ،‬فإن القارئ يدرك النص وكأنه موضوع مستقل قائم بذاته مغلق على‬

‫نفسه‪.‬‬

‫فحين يلتقي رجلن مثلً ويقول أحدهما للخر‪:‬‬
‫ذهبنا أمس لبرزة ورأينا صاحبنا‪.‬‬‫فإن الخر يدرك فورا ما المقصود‪ .‬برزة المدينة أم ضاحية برزة أم سوق برزة أم مدرسة معينة في برزة الخ‪..‬‬

‫ويعرف كذلك وبدون تردد ما المقصود بفعل (رأينا)‪ .‬هل كانوا جماعة أم أن المتحدث يستخدم ضمير الجمع للدللة‬
‫على شخصه الفريد‪ .‬وهل رأى الخر رؤية العين حقا وبالصدفة أم رآه عن عمد ليطلب إليه شيئا يعرفه الطرفان‪.‬‬

‫أم أن اللقاء هذا كان غير متوقع ("صاحبنا" هذا كان غائبا) وبالتالي فإن المتكلم الول يعلن للخر عن دهشته‪..‬‬
‫الخ‪..‬‬

‫وليست "الرسالة" الدبية المكتوبة كذلك‪ .‬فهي إذ تُقْطَع من سياقها تغدو نظاما داخليا مُغلَقا ليس لعناصره المكوّنة‬
‫من معنى إل من خلل علقاتها المشتركة بعضها ببعض‪ .‬وبما أننا ل نستطيع أن نحيل هذا العنصر المُكوّن أو ذاك‬

‫إلى السياق العام (الذي نجهله) فإننا نتلمّس وظيفته في قلب البناء العام الذي هو العمل الدبي الذي نقرؤه‪ .‬ويتم‬
‫المر وكأن النص الدبي ينشئ بالنسبة لقارئه نظام مرجعيته الخاص‪.‬‬
‫وخصوصية التواصل الكتابي هذه ليست مثلبةً أبدا‪.‬‬

‫إن الخطاب الذي تحمله الحكاية مقطوع فعلً عن الموقف المرجعي الذي تضمن معرفته الكاملة والدقيقة أن يتحقق‬

‫الفعل اللغوي على نح ٍو كامل‪ .‬ولكن هذا النقص البيّن ل يقضي أبدا على خطاب الحكاية بالفشل ولكنه يشكّل نقطة‬

‫انطلق لدراك ما يتميز به هذا الخطاب إدراكا أفضل‪ .‬فما قصور وعجزٌ في خطاب وظيفته الساسية أن يخبر عن‬

‫شيء ليس كذلك في الخطاب الروائي الذي يهدف كما نعرف إلى غايات أخرى‪.‬‬
‫‪ -2-2‬مقام النص المقروء‬

‫يستمد العمل الدبي ثراءه بالتحديد من خاصية التواصل المُؤخّر التي تميز النص المكتوب‪ .‬وبما أن تلقي العمل‬
‫الدبي يحدث خارج إطاره الصلي فإنه ينفتح على أكثر من تأويل ويقبل أكثر من تفسير‪ .‬ذلك أن كل قارئ جديد‬
‫يحمل معه تجربته الخاصة وثقافته الفردية وقيم عصره وهمومه وينظر إلى النص من خللها‪.‬‬

‫وهكذا رأى بعضهم في نصوص الجدل دفاعا عن آراء الشعوبية وأهل التسوية أو تفنيدا لها والذي قام بين‬

‫الجاحظ وابن قتيبة (‪ )889-828‬وسهل بن هارون في القرن التاسع إرهاصا بالقومية العربية وبالفكر القومي كما‬

‫ظهرا في النصف الول من القرن العشرين‪ .‬وهكذا وجد بعض معاصري أبي العلء المعري في رسالة الغفران‬

‫إعلنا عن الزندقة وخبث طوية أعمى المعرة‪ .‬بينما يجد بعض معاصرينا في النصوص ذاتها صوغا لشك منهجي‬
‫س معذّبة وقلقة‪.‬‬
‫سبق الفيلسوف الفرنسي ديكارت (‪ )1650-1596‬وتعبيرا عن نف ٍ‬

‫إن المعنى في العمل المكتوب أكبر من الواقعة التي يقصها ويتجاوزها‪ .‬بمعنى أنه يتحرر من صفة العرضية التي‬

‫تميز الحديث الشفهي‪ .‬فالكلمة تخرج من الشفتين ثم تختفي إلى البد‪ .‬ولكن الكتاب ينقذ المعنى عن طريق أربعة‬
‫أشياء‪.‬‬
‫فهو يصونه من الضياع عن طريق تثبيته كتابة‪.‬‬
‫وهو يعزله عن مؤلفه فيطلقه من نية الكاتب‪.‬‬
‫وهو ينتزعه من حدود موقف المحادثة الشفهية الضيقة فيفتحه على العالم الواسع‪.‬‬
‫وهو يرتقي به إلى الشمولية إذ يجعل له جمهورا ل ينفذ من القراء على مرّ العصور‪.‬‬
‫إن هذه الصفات الربع تُبرز بجلء إمكانيات النص المكتوب الرائعة‪ .‬فبينما يموت الخطاب الشفهي مع اندثار‬

‫الصوت واختفائه‪ ،‬يظل الخطاب المكتوب قائما على مرور الزمان‪ .‬ولن أبا عبيدة (‪ )825-728‬والمفضّل الضبّي‬

‫(ت ‪ )780‬وأبا عمر الشيباني (‪ )820-719‬والصمعي (‪ )828-740‬قد جمعوا كتابة في القرنين الثامن والتاسع‬
‫شعر طرفة بن العبد البكري الذي عاش في القرن السادس فإننا نصغي اليوم لنشيد الشاعر الجاهلي‪.‬‬

‫وإذ يفصم المكتوب الوشائج القوية التي تربط المتكلم بما يقول في موقف المحادثة الشفهية‪ ،‬فإنه يبيح للقارئ أن‬
‫يرى في النص شيئا آخر غير ما كان ينتويه كاتبه‪ .‬وإن تنوع التأويلت التي تسمح بها مسرحيات شيكسبير (‬

‫‪ )1616-1564‬وتعددها يعود أساسا إلى أننا نجهل كل شيء أو نكاد عن شخصية المؤلف وحياته‪ .‬وبما أن‬

‫الكاتب ليس بعد بيننا فينكر علينا هذه القراءة أو ذلك التفسير فإن ميدان المعاني يمكن أن يمتد إلى غير نهاية!‬
‫وإذ ينفلت النص المكتوب من الموقف الخاص الذي تجري خلله المحادثة الشفهية عادة والذي يحدّ منها فإنه‬
‫يوسع أفق القارئ ويجعله مشرفا على آفاق طريفة وعلى كون جديد‪ .‬ومراجع هذا الكون الجديد غامضة وغائبة‬

‫المعالم في أغلب الحيان بالنسبة للقارئ فهو يجهل أكثرها أو أنه يراها على نحو مختلفٍ‪ .‬فحين نقرأ اليوم كتاب‬
‫المتاع والمؤانسة فإننا ل نكتشف في مسامراته دولة البويهين ول أيام صمصام الدولة ول وزارة أبي عبد ال‬

‫الحسيْن بن أحمد كما كانت عليه تلك الدولة أو هاتيك الوزارة‪ .‬وإنما سنكتشف فيها ما قد وصل إلينا منها خلل‬
‫القرون العشرة التي تفصلنا عن مؤلّفها أبي حيّان التوحيدي (‪ )1023-922‬أي مجموعة من الصفات المجرّدة‬
‫التي عبرت تلك الزمنة والتي يمكن لنا أن نشغلها رمزيا‪.‬‬

‫وإذ يستبدلُ النص العدد المحدود بالضرورة والذي يكوّنه المشاركون في المحادثة الشفهية بعدد يمكن أل يتناهى‬
‫من القراء فإنه يكتسب بعدا كونيا‪ .‬وعليه فللقرآن الكريم وهو الكتاب تعريفا قرّاءٌ من كل العصور‪ ،‬ومن كل‬

‫أصقاع الرض‪ ،‬ومن كل القوام على اختلف منازلها‪.‬‬

‫إن انتزاع النص من سياقه هو‪ ،‬كما نرى‪ ،‬الشرط اللزم والضروري لتعدده‪.‬‬
‫‪-2-3‬هل كلّ قراءة مشروعة؟‬
‫إن لنا أن نتساءل‪ ،‬وقد رأينا ما يتميز به التواصل الدبي على نحو خاص‪ ،‬إن لم يكن لكل الحق بأن يقرأ النص‬

‫وبأن يؤوله كما يحلو له‪ .‬وبما أنه يندر أن يُقرأ نص أخرج من سياقه كما أراد مؤلفه منه حين باشر في كتابته‬
‫أفليس من المنطقي والمر كذلك أن نعزف عن كل محاولة لستخلص نية الكاتب الساسية وغايته التي أراد من‬

‫مؤلّفه؟ أوليس من المنطقي أن ل نرى في النص إل ما يحلو لنا أن نراه؟‬

‫ل وحيدا لنص ما فإنه‪ ،‬والحق يقال‪ ،‬يوجد معايير تثبت شرعية التأويل أو‬
‫لئن كان من الصعب أن نفرض تأوي ً‬

‫عدمها‪ .‬وإن كان النص يجيز لنا قراءات كثيرة فإنه ل يأذن لنا أن نقرأ كما نشاء وكيفما اتفق حسب أهوائنا‪ .‬إذ‬
‫لو جاز لنا أن نقرأ ما نشاء في أي نص نشاء لتساوت النصوص جميعها ولختفت الحدود بينها‪ .‬ونحن نعرف‬
‫بتجربتنا أن المر ليس كذلك البتة‪.‬‬

‫فلكي تكون القراءة مقبولة يجب عليها أن تلتزم بما يمكن أن نسميه بقاعدة التماسك الداخلي أي أن موضوعية‬

‫النقد ل تقوم في اختيار مفتاح القراءة أو في انتقاء زاوية التأويل وإنما في تطبيق نموذج التأويل الذي يختاره‬
‫الناقد تطبيقا صارما على كل النص المقروء‪.‬‬
‫ويمكن لنا أن نصوغ ذلك في ثلث قواعد كبرى إن تمسك بها التأويل كان مقبولً‪ .‬يجب أن يكون من الممكن‬
‫تطبيق شبكة التأويل أو نموذجه على مجموع العمل الدبي وليس على بعض مقاطعه وحسب‪ .‬ويجب أن تلتزم‬

‫شبكة التأويل هذه بالمنطق الرمزي كما ظهر من خلل علوم التحليل النفسي‪ .‬ويجب كذلك أن ينحو نموذج التأويل‬
‫دائما نفس التجاه‪ .‬وبكلمة أخرى فإن التأويل يقاس بمقدار "صحته"‪ .‬أي ليس المقصود أن نستخلص من العمل‬

‫الدبي هذه الحقيقة أو تلك‪ .‬ولكن المطلوب أن نتفحصه على ضوء "لغة" أخرى كلغة التحليل البنيوي أو لغة‬
‫التحليل الواقعي أو الرمزي الخ‪..‬‬

‫وإلى مبدأ التماسك الداخلي هذا ينبغي علينا أن نضيف مبدأ التماسك الخارجي‪ .‬فليس للقراءة أن تخالف شيئا من‬
‫المعطيات الموضوعية التي نعرفها عن النص وظروف تأليفه أو حياة الكاتب وعصره أو غير ذلك‪ .‬فليس لنا مثلً‬

‫حين نقرأ الجاحظ ونؤول كتبه أن نتجاهل أنه كان معتزليا وأنه عاصر المحنة التي قادها أصحابه حول موضوع‬
‫خلق القرآن‪ .‬وليس لنا أن نتجاهل حين نقرأ صدقي إسماعيل (إنطاكية‪ ،‬سورية ‪ -1924‬دمشق ‪ )1972‬أنه كان‬

‫مناضلً بعثيا وأنه كتب رواية العصاة (‪ )1964‬من خلل مفاهيم الحزب في الصراع ضد الستعمار وتحليله للبنية‬
‫الجتماعية‪.‬‬
‫وعليه فليس لكل القراءات قيمة واحدة‪ .‬وليس على التفسير أن يكون ممكنا أو محتملً وحسب وإنما يجب أن‬
‫يكون ممكنا أو محتملً أكثر من بقية التفاسير الممكنة أو المحتملة‪.‬‬
‫فهناك معايير كذلك لتفضيل قراءة عن غيرها‪.‬‬

‫ولكن أكثر الجوبة إقناعا على مسألة التأويل وتعدد القراءات هو الجواب الذي يظهر من طريقة علم الدللت في‬
‫النظر للنص الدبي‪ .‬وهذا الجواب قائم على الواقعة التالية وهو أن النص يبرمج وإلى حد كبير كيفية تلقيه‪ .‬أي‬

‫أنه ليس باستطاعة القارئ أن يفعل بالنص ما يشاء ول أن يؤوله كما يحلو له‪ .‬فعليه نحو النص واجبات لغوية ل‬
‫محيد عنها‪ .‬وعليه أن يكتشف أحسن الكتشاف التعليمات التي يتركها الكاتب منثورة هنا وهناك ضمن نصه‪ .‬فإذا‬

‫غابت عنه جميعها أو أكثرها أو أخل بها قاده ذلك إلى تأويلت خاطئة أو غير مقبولة‪.‬‬
‫وهناك مثل شهير على سوء التفاهم الدبي هذا نأخذه من الدب الفرنسي‪ .‬فلقد كتب أوجين سو ‪Eugene Sue‬‬
‫‪ )(1804-1857‬روايته المشهورة أسرار باريس وبدأ بنشرها على حلقات متسلسلة في عام ‪ .1842‬وكان يتوجه‬
‫بها إلى جمهور من القراء الميسورين ويهدف أن يقدّم لهم لوحات طريفة من أزقة باريس بغاية تسليتهم‬

‫والترويح عنهم‪ .‬ولكن بروليتاريا باريس فهمت الرواية على نحوٍ مختلف تماما وتوهمت أنها إدانة شديدة لوضاع‬

‫حياتها البائسة وفضح لفقرها ودعوة سافرة للثورة‪.‬‬

‫وعندما أدرك أوجين سو أن عمّال باريس فهموا الحلقات الولى من روايته على نقيض ما أراد حاول أن يقنعهم‬

‫في الحلقات التالية أن معيشتهم ستتحسن بفضل الحركات السياسية الصلحية وعندما تمتثل الطبقة العاملة لرادة‬

‫الطبقات السائدة‪.‬‬
‫ولكن خطأ التأويل ظل قائما وأدى إلى نتائج خطيرة‪ .‬ولقد شوهد قراء أسرار باريس وهم ينصبون متاريس للثورة‬
‫العمالية التي هزت العاصمة الفرنسية عام ‪ .1848‬ولقد "تلعب" قراء أوجين سو بنصه "وغشّوا" إذ قرؤوا رواية‬

‫إصلحية حقا على أنها رواية تدعو إلى الثورة‪.‬‬

‫ليست القراءات كلها إذن مشروعة‪ .‬وهناك فارق أساسي بين قراءة تستخدم النص أي تُكرهه على قول شيء ما‬
‫وبين قراءة تؤول النص أي أنها تستجيب إلى ما يُبرمجه‪.‬‬

‫‪ -3‬القراءة الساذجة والقراءة النقدية‪:‬‬
‫‪ -3-1‬جمهور القراء الوائل‬
‫ما هي القراءة التي ينبغي علينا أن نختارها موضوعا للتحليل من بين كل القراءات التي يبيحها النص الدبي؟ إن‬
‫اللماني جوس ‪ H.R. Jauss‬يقترح أن نأخذ بعين العتبار القراءة الولى التي استقبل بها النص حين ظهر‬

‫للوجود‪ .‬وموقف الناقد اللماني هذا يعود إلى رغبته بالحفاظ على موضوعية التاريخ الدبي‪ .‬فالوسيلة الوحيدة‬

‫لدخال دراسة التلقي ضمن مواضيع تاريخ الدب هي أن نكشف النقاب عن التأويل الذي ساد بين القراء في‬
‫العصر الذي نُشِر فيه النص للمرة الولى‪.‬‬

‫كيف قُرئ كتاب زينب حين نشره محمد حسين هيكل (كفر غنام‪ ،‬مصر ‪ -1888‬القاهرة ‪ )1956‬باسم مستعار عام‬
‫‪1914‬؟‪ .‬إن إعادة بناء ما يمكن أن نسميه بأفق النتظار أو أفق التوقع الذي يحيط بجمهور القراء الوائل يُنقذ‪،‬‬
‫والحق يقال‪ ،‬التحليل الدبي من النغماس في تحليل نفسي مفرط يتهدده حين يتجاهل ذلك التأويل الول‪ .‬وإعادة‬

‫بناء أفق النتظار ذاك أو إطار الفهم العام الذي يتحكم بالقراءة ويوجهها أمر ل غنى عنه إذا شئنا أن نقيّم طرافة‬

‫العمل الدبي لحظة ظهوره وأن نفهم لماذا ترك هذا الثر أو ذاك في ضمير القراء‪.‬‬
‫ويعرّف الناقد اللماني أفق التوقع بمعايير جمالية في الدرجة الولى‪ .‬ويمكن أن نلخصها بما يلي‪ .‬معرفة جمهور‬
‫القراء الوائل بنوع التجربة الدبية التي يقرؤها (رواية أو قصة صغيرة أو حكاية الخ‪ .)..‬وتجربة ذلك الجمهور‬

‫الدبية من خلل أعمال سابقة عوّدته على أشكال أدبية محددة وعلى مواضيع أدبية محددة تعالج على نحوٍ معين‪.‬‬
‫وأخيرا الحدود التي يقيمها ذلك الجمهور بين اللغة الدبية واللغة اليومية السائدة‪.‬‬
‫وعليه فإن دراسة تلقي "أول رواية عربية فنية" تطلب تذكيرا بالروايات التي كان قد اعتاد قراءتها القراء العرب‬
‫في مطلع القرن العشرين من أمثال كتب نقول حداد (لبنان ‪-1872‬القاهرة ‪ )1954‬أو أحمد شوقي (القاهرة‬

‫‪ )1932-1868‬أو زينب الفواز العاملية (صيدا‪ ،‬لبنان ‪ -1860‬القاهرة ‪ )1914‬أو طانيوس عبده (بيروت ‪-1866‬‬
‫ل لما كان ينتظره هذا الجمهور من الرواية الجديدة ولما كان يتطلع إليه من مواضيع أكثر واقعية‬
‫‪ )1932‬وتحلي ً‬

‫وألصق بحياته اليومية من كله نصيب لنقول حداد (‪ )1903‬أو من ورقة الس لحمد شوقي (‪ )1905‬أو من الملك‬
‫قورش لزينب الفوّاز (‪ )1905‬أو من غرام واحتيال لطانيوس عبده‪ .‬وإعادةُ بناء أفق النتظار الذي وجّه قراءةَ‬

‫ل للغة العربيّة السائدة إذّ ذاك وتردّدها بين السجع والنثر في مقامات محمد المويلحي (‪-1898‬‬
‫زينب تفترض تحلي ً‬
‫‪ )1900‬أو في ليالي سطيح لحافظ إبراهيم (‪ )1906‬وبين العربيّة الركيكة والعامية الطاغية في عذراء دنشواي‬
‫لمحمود طاهر حقّي (‪ )1909‬وبين العربيّة والعجمة في رواية أمين الريحاني (الفريكة‪ ،‬لبنان ‪)1940-1876‬‬

‫خارج الحريم (‪.)1917‬‬
‫إن تحليلً دقيقا لما استقبل به القرّاءُ رواية زينب حين ظهرت في مطلع القرن العشرين يفترض بالناقد أن يدرس‬
‫هذه النقاط وأن يأخذها بعين العتبار‪.‬‬
‫وينبغي أن نلحظَ أن البعدَ الجتماعي غائبٌ عن أفق التوقّع كما يُعرّفه جوس‪ .‬وأنّ هذا الخير يهمل أص َل القيم‬
‫الجماليّةِ الجتماعيّ‪ .‬وهذا يعني أنّ على دارس زينب أن يعير اهتمامه كذلك لخلق القرّاء العرب المصريّين في‬
‫بداية هذا القرن ولنظرتهم إلى العلقة بين الرجل والمرأة ولمعرفتهم أو لجهلهم بالريف وبأهله وعاداتهم‪.‬‬

‫ص الوائل أي إذا أهملنا مجموعَ‬
‫ومهما يكن المر فإن تحليل الناقد اللمانيّ تحليلٌ تاريخيّ‪ .‬وإذا أهملنا جمهورَ الن ّ‬
‫ي أو ذاك ولن نفهمَ أبدا تطوّ َر الدبِ ول تاريخ‬
‫القرّاء العاديين فإننا لن نفهمَ البتّةَ ما صار إليه هذا العمل الدب ّ‬
‫النواع الدبيّة‪.‬‬
‫‪-3-2‬القراءة الخطيّة‪.‬‬
‫إن النتقالَ من نظرية التلقي كما صاغها منظّرو مدرسة كونستانس والتي تخضع للمنظور التاريخيّ إلى مختلف‬

‫نظريّات دلليّة القراءة والتأويل التي تولي عنايتها للبنيّة النصيّة يعني أن تُطرَح المسألةُ من جديد وبمفردات‬
‫مختلفة‪.‬‬

‫ي الجوهريّ‬
‫والمر أنه ما إن يبدأ الناقد بكشف النقاب عن سبل القراءة الكامنة في النص حتى يضع خيارُه النظر ّ‬

‫وجها لوجهٍ القراءةَ "الساذجة" والقراءة "العارفة" أو القراءة "ذات الخبرة"‪ .‬ونقصد بالقراءة الساذجة تلك التي‬

‫تلتزم بمسيرة الكتاب الخطيّة الفقية‪ .‬وأما القراءة العارفة أو ذات الخبرة ففيها يوظّف القارئُ معرفته العميقة‬

‫ص فيروح يقرأ الصفحات الولى من النص على ضوء ما يعرفه من‬
‫بالنص والتي نتجت عن قراءةٍ سابقةٍ لذات الن ّ‬
‫خاتمة الكتاب‪.‬‬

‫ب كي يُقرَأ وهو ينمو مع الزمن‪.‬‬
‫ص الدبيّ يكتَ ُ‬
‫إنّ القراءة "الساذجة" هي أكثر القراءتين شيوعا ول ريب‪ .‬والن ّ‬

‫ولبدّ من الخذ بعين العتبار بهذه النقطة الساسية إذا أردنا أن نفهم كيف يعمل النص‪.‬‬

‫ص والكلب (‪ )1961‬ليضاح ما نقصده‪ .‬إن الرغبةَ بالنتقام هي‬
‫ولنأخذ على سبيل المثال رواية نجيب محفوظ الل ّ‬
‫حافزُ سعيد مهران الشخصية الولى وما يفسر أغلب ما يأتي به‪ .‬ومعرفة القارئ بهذا تثير تطّلعَه وتدفعه إلى‬

‫متابعة القراءة‪ .‬وككلّ فنانٍ ماهر يتقن صنعته يرمي نجيب محفوظ ببطله‪ ،‬وبقارئه كذلك‪ ،‬ومنذ الصفحات الولى‬
‫في قلب المغامرة‪ .‬ومنذ السطور الولى يشير إلى من سيلحقهما سعيد مهران بكراهيته ويصبّ عليهما جام‬
‫غضبه‪ ،‬نبويّة زوجته الخائنة وعليش صديقه الغادر‪.‬‬
‫خ ّيلَ لسعيد مهران وبالتالي للقارئ أن لحظة النتقام قد أزفت كلما دفع بها الكاتب إلى أجلٍ آخر‪ .‬فمن‬
‫وكلّما ُ‬
‫الواضح أن عقاب الخائنْينِ سيعني نهاية الرواية‪ .‬وعليه فإن هذا العقاب يجب أن يقعَ في صفحات الكتاب الخيرة‪.‬‬

‫ولكن إيهام القارئ بشيءٍ ثم إظهار غيره وسيلةٌ ناجعةٌ لبقاء تطلّعه يقظا ورغبته في معرفة الخاتمة شديدةً‪.‬‬
‫ب مغلقٍ‬
‫ففي الفصل السابع مثلً‪ ،‬أي في منتصف الرواية تقريبا‪ ،‬يُطلق سعيد النار على عليش من خلل با ٍ‬

‫ويحسب أنه قد نال مأربه وأنه قد أوقع بالخائن ما يستحقه‪ .‬وكذلك القارئ الذي يرى الحداث من خلل عينيْ‬
‫البطل فإنه يشاطره ذلك الوهم ويؤمن أن جزءا من خطّة البطل قد تحقق‪.‬‬
‫ولكن يقظة القارئ تتضاعف وفضوله يشتدّ حين يكتشف في الفصل الثامن أن القتيل لم يكن عليش وأن قوى‬
‫المن تلحق بطل الرواية بتهمة القتل‪ .‬وهذا تطوّر مفاجئٌ في الرواية يُعقّد أحداثها ويضيفُ إليها بعدا عاطفيّا‬

‫جديدا وهو بالتالي يضاعف من رغبة القارئ في معرفة ما سيأتي‪.‬‬

‫إنّ تلعب النصّ بالقارئ وبأعصابه وهو من أجمل مفاتن القراءة قائمٌ بأكمله على أفقيّة السرد وعلى "خطيّة"‬
‫القراءة‪ .‬ولول القراءة الساذجة لفقد القارئ كثيرا من متعة القراءة وسحرها‪.‬‬
‫‪-3-3‬القراءة الثانية‪.‬‬
‫ب أشكال القراءة من طبيعتها وأكثرها احتراما لصول تنظيمها فإنها ليست أغناها‬
‫إن كانت القراءةُ الفقية هي أقر ُ‬
‫ول أكثرها أهميّةً‪ .‬وليس تتابع الحداث هو صفة الحكاية الوحيدة‪.‬‬
‫وليس النصّ الدبيّ سطحا أو خطا مستمرا وحسب ولكنّه "كتلةٌ" ل تظهرُ الوشائجُ القائمةُ بين أطرافها ول طبيعةُ‬
‫العلقةِ بين هذه الحادثة السرديّة وتلك أو بين هذا المقطع وذاك إلّ عقب قراءة ثانيةٍ‪ .‬وعليه فإن تكرار القراءة‬

‫هو أكثر ما ينسجم مع النصوص الدبية المعقدة‪.‬‬
‫صلً وهو ألف باء الدراسات النقديّة كما يمارسُه المدّرسون والنقّادُ ومحترفو‬
‫ن شرحَ النصوص الدبيّة شرحا مف ّ‬
‫إّ‬
‫ث مثلً حين يلجأ إليها القارئُ بسبب‬
‫ن إعادةَ القراءة ليست نشاطا عابرا أو جزئيّا كما يحد ُ‬
‫الدبِ يجعلهم يُدركون أ ّ‬
‫ف انتباهه عند القراءة الولى‪ .‬وهم يعرفون كذلك أن إعادة القراءة ليست كذلك نشاطا منهجيا‬
‫شرودهِ أو ضع ِ‬

‫ل ولكن محصورا بالهواة ذوّاق ِة الدبِ‪ .‬إن خبرتهم تجعلهم يتساءلون إن لم تكن القراءةُ الثانيةُ أمرا لبد منه‬
‫شام ً‬
‫على الطلق خلل القراءةِ العاديّة نفسها لدراك الرواية إدراكا شاملً‪ .‬ولبد من معرفة بعض التفاصيل التي ل‬
‫نستطيع رؤيتها إلّ عقيْب القراءة لفهم المقصود من هذا المقطع أو ذاك‪.‬‬
‫نحن نرى في الفصل الول‪ ،‬بل في الصفحات الولى من عصفور من الشرق (‪ )1938‬شابّا يأكلُ بلحا في شوارع‬
‫باريس ويلفظُ نواتها تحت مط ٍر عارمٍ ويتخ ّيلُ نفسه في ميدان المسجد بحيّ السّيدة زينب وهو يتخيل أن نافورة‬
‫ميدان الكوميدي فرانسيز هي سبيل مسجد السيّدة‪.‬‬

‫ن هذا الشاب هو مصريّ وأنّ السيدة زينب هي‬
‫ولن يتذوّق القارئُ تمام التذوّق هذا المشهد إ ّل إن كان يعرِفُ أ ّ‬
‫رمزُ الطهارةِ والقدسية‪ ،‬وأن براءةَ المسجد هي التي ستنقذُه من تدهورِه الخلقيّ وأنّ الفنّ الذي يرمز إليه‬

‫الكوميدي فرانسيز سيكون ملجأه وبرجه العاجي بعد مغامرته العاطفية‪ .‬وهذه التفاصيل لن يعرفها القارئ إلّ في‬

‫الفصول التالية من الرواية‪ .‬وعليه أن يعود ثانية إلى الوراء أو أن يعيد قراءة الفصول الولى كي يربطَ هذا بذاك‬

‫وأوّلها بآخرها‪.‬‬
‫ف أن الشرقَ هو رمزُ الروحان ّيةِ‬
‫ئ إلّ إذا كان يعر ُ‬
‫وكذلك عنوان الرواية‪ ،‬وهو لقبُ البطل أيضا‪ ،‬لن يستوعبه القار ُ‬
‫والبُعدِ عن الماديّة الغليظةِ التي تميّز أوروبا كما سيقول توفيق الحكيم (السكندريّة‪ ،‬مصر ‪ -1898‬القاهرة ‪)1987‬‬
‫فيما سيأتي من صفحات الرواية‪.‬‬

‫ن كلّ هذه العناصر المثقلة بالمعاني (عنوان الرواية وإهداؤها‪ :‬إلى حاميتي الطاهرة السيّدة زينب‪ ،‬والفص ُل الولُ)‬
‫إّ‬
‫ل يمكن فهمها على حقيقتها إل إذا كنّا نعرف "سلفا" ماذا سيحدث‪ .‬أي بعد قراءةٍ ثانيةٍ‪.‬‬

‫ليست إعادةُ القراءةِ أمرا مستحبا وحسب حين نقرأُ روايةً ذات حدّ أدنى من الفن ّيةِ‪ ،‬ولكنها ضرورةٌ لزمة‪.‬‬
‫ئ ووجوهُه المتعدّدة‪.‬‬
‫الفصل الثاني ‪:‬القار ُ‬
‫‪-1‬القارئ وأقنعته‪.‬‬
‫‪-1-1‬مكانة المتلقّي في عمليّة التواصل الدبيّ‪.‬‬
‫ن ل متناهيا؟‪ .‬وبكلماتٍ أخرى‬
‫ط بعمليّة القراءة على عملنا بأن عددَ قرّاء نصّ ما يمكن أن يكو َ‬
‫هل نستطيعُ أن نحي َ‬
‫هل يمكن أن نض َع نظريّةً يكون القارئُ موضوعَها؟‬

‫ص بعناي ٍة مقامَ المتلقّي في عمليّةِ التواص ِل الدبيّ‪ .‬لقد درسنا في‬
‫وللجابة على هذا السؤالِ ينبغي علينا أن نتفحّ َ‬

‫ئ بفضل المفرداتِ وعن طريقها فقط كون‬
‫شُ‬
‫ص به الخطابُ المكتوبُ‪ .‬وقلنا بأن هذا الخطابَ يُن ِ‬
‫فصلٍ سابق ما يخت ّ‬

‫سلَ والمُتلقّي يكونان‬
‫ط الذي ظهر فيه إلى الوجود‪ .‬وعليه فإن المُر ِ‬
‫مرجعيّته وذلك بقدر ما تنقطعُ صِلتُه عن الوس ِ‬

‫قائميْنِ في فعلِ الكتاب ِة ذاته قبل أن يتجسّدا في شخصيْن ملموسيْن وواقعيّين‪.‬‬
‫إنّ الطرفين يزدوجان في التواصل الدبيّ‪.‬‬
‫فمن جهة المرسِل‪ ،‬لقد صار من المتعارَف عليه أن نميّزَ بين الطرف الذي يخلُق النصّ ويُظهِرُه إلى الوجود‪،‬‬

‫ف الذي يظه ُر إلى الوجود مع النصّ وينهض بمهمّةِ إعلنه‪ ،‬ونعني بذلك‬
‫ونعني بذلك الكاتبَ عينه‪ ،‬وبين الطر ِ‬
‫ط البتّةَ بين شخص الكاتب توفيق الحكيم‬
‫ن ل نخل ُ‬
‫الراوي‪ .‬فالذي يكتبُ ليس الذي يسرُد‪ .‬ونح ُ‬
‫(‪ )1898-1987‬وشخصيّة موظّفِ القضاء الذي يروي لنا مشاهداته في الريف المصريّ رغم أنّ الرواية تقدّم‬
‫نفسَها على أنّها مذكّرات نائب في الرياف!‬
‫(‪.)1937‬‬
‫وكذلك يتميّز الكاتب شكيب الجابري(‪ )1996-1912‬ذو الحياة المعروفة والمدروسة بعنايةٍ والموثّقة في معجم‬

‫الروائيين العرب للدكتور سمر روحي الفيصل عن راوي قد ٌر يلهو (‪ )1938‬والذي ل نعرف عن حياته إلّ شذرات‬

‫مبعثرة هنا وهناك في أرجاء الكتاب‪.‬‬
‫ث قد يكونان طويليْن‬
‫فإذا شدّنا الفضولُ لمعرفةِ حياة الكاتب أو لمعرفة شيءٍ ضئيلٍ منها فلبدّ لنا من تحقيقٍ وبح ٍ‬
‫وشاقيْن وجمعِ وثائقَ قد يكون بعضُها رسميّا وقراء ِة مذكّراتٍ تركها المؤلّفُ نفسُه أو بعضُ معاصريه‪ ،‬وقد‬

‫يضطرّنا الم ُر كذلك إلى سفرٍ مُنهِكٍ وترحا ٍل إلى بلدٍ بعيدةٍ لتقصّي آثار الرجلِ ومراحلِ أيّامِه‪.‬‬
‫ولكنّه يكفينا أن نقرأ الروايةَ لنلمّ بكلّ ما يمكن أن يُعرَفَ عن الراوي!‪.‬‬

‫إنّ الراوي هو إذن خليقةُ الكاتب وصنيعتُه وهو يتف ّر ُد عنه بجنسِه وبمشاربه وبطبائعهِ وبم ُثلِه الخلقية‪.‬‬
‫فراوي حماري قال لي (‪ )1945‬على ذكائه وفطنته المدهشة ودعابته ينتمي إلى جنس البهائم‪ ،‬وليس كذلك بطبيعة‬
‫الحال كاتبُ النصّ توفيق الحكيم!‬

‫ت قارئٌ حقيقي من لح ٍم ود ٍم ذو صفاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تتنوّعُ‬
‫وأمّا من جهةِ المُتلقّي فهو في نفس الوق ِ‬
‫ض وجودَها وجودُ الراوي نفسِه‪ .‬فكلّ نصّ يتوجّه‬
‫حتى ل يكاد ينضبُ تن ّوعُها‪ ،‬وهو كذلك شخصيّةٌ وهميةٌ يفتر ُ‬
‫بالضرور ِة لقارئٍ أي لمُتلقّ‪.‬‬
‫ص الدبيّ يفترِضُ دائما نمطا خاصّا من القرّاء‪ ,‬فراوي إدوار‬
‫ومن خلل ما يقوله وبالطريقة التي يقولُها فإنّ الن ّ‬
‫خرّاط (‪ )1926‬في رامة والتنّين أو سار ُد جبرا إبراهيم جبرا (‪ )1919‬في رواية البحثُ عن وليد مسعود (‪)1987‬‬

‫ل يتوجّهان إلى ذات القارئ الذي يقصدُه إحسان عبد القدوس (‪ )1990-1919‬في أنا حرّة (‪ )1954‬أو مثيله عند‬

‫يوسف السباعي (‪ )1978-1917‬في جفت الدموع (‪.!)1961‬‬
‫ويمكنُنا أن نستنتجَ من خلل هذه النصوص أن القرّاء الذين تتوجّه إليهم ليسوا جميعا على ذات الدرجةِ من الثقافةِ‬
‫النظرية ول تشغلهم ذات الهموم وأن أعمارهم متفاوتةٌ‪.‬‬
‫كيف نصل إلى هذه النتيجة؟‬
‫ص ذلك من خلل المواضيع التي يطرقُها النص الدبي ومن خلل اللغةِ التي يلجأ إليها لمعالجة تلك‬
‫إننا نستخِل ُ‬
‫ظهِرَ ملمحَ القارئ الذي يخاطبه الساردُ‪.‬‬
‫المواضيع‪ .‬ونستطيع كذلك بفضل هذه الشارات أن نُ ْ‬

‫ن الراوي‪ ،‬ل وجود له إلّ في ثنايا الحكاية‪ ،‬وهو ليس إلّ حصيلة‬
‫وعليه فإن المَر ِويّ له‪ ،‬شأنه في ذلك شأ ُ‬

‫اليماءات التي تُنشِئه‪.‬‬

‫‪-1-2‬القارئ بصفته فردا أو صورةً أو عضوا من جماعة‪.‬‬
‫إن ذهبنا من التمييز الذي رأيناه فيما سبق استطعنا أن نحصي الشكالَ التي يتخذُها القارئُ أو القنعةَ التي‬
‫يحملُها‪ .‬فلنا أن نراه كفردٍ فذّ قائمٍ بذاته المتفرّدة أو كعضوٍ من جماع ٍة بشريّةٍ معروفةٍ أو كصورةٍ كامنةٍ من النصّ‬

‫يُنشئها النصّ بوجودِه‪ .‬ولنا أن ننظرَ إليه كجميع ذلك معا وفي ذات اللحظة‪.‬‬

‫فلننظر الن إلى القارئ الفرد المتميّز‪ .‬إنّه لمن الصعب والحقّ يقال أن نحيطَ بالقارئ حين نعتبره شخصا محدّدا‬

‫ص الدبيّ تخضعُ لسبابٍ نفسيةٍ وأخرى اجتماعيّةٍ وثالث ٍة ثقافيّ ٍة متنوّع ٍة تنوّعا‬
‫وذلك لن ردودَ أفعاله أمام الن ّ‬

‫ن علم التحليل النفسيّ‪ ،‬كما سنرى في خاتمة هذه الدراسةِ‪ ،‬قد يساعدنا على استخلص بعض الثوابت‬
‫شديدا‪ .‬ولك ّ‬
‫الكامنة في القارئ‪.‬‬

‫يل‬
‫ويمكننا أن نحيطَ بالقارئ‪ ،‬في ميدان التاريخ الجماعيّ‪ ،‬من خلل القومِ الذين ينتمي إليهم‪ .‬فالقارئ الفعل ّ‬

‫يرجعنا إلى الجماعةِ التي شهدت ظهورَ الكتاب للمرّة الولى وحسب‪ ،‬ولكنه يُحيلُنا كذلك إلى كلّ الجماعات التي مرّ‬
‫بها الكتاب منذ ظهر حتى وقع بين يدي قارئنا‪ .‬وإن كان من المفيد أن نأخذ بالحسبان ك ّل هذه القوام القارئة فذلك‬

‫لن كلّ قراء ٍة لنصّ ما تح ِملُ في ثناياها القراءات الماضية التي سبقتها‪.‬‬

‫ونحنُ ما كنّا لنقرَأ مقامات الحريري (‪ )1122-1054‬على النح ِو الذي نفعلُه اليومَ لو أنّ أبا العباس أحمد بن عبد‬

‫المؤمن الشُريْشي قرأها قبلنا على نحوٍ غير الذي قام به‪ .‬وكذلك فإن قراءتَنا اليوم لنجيب محفوظ (‪ )1911‬لبدّ أن‬
‫تأخذَ بعين العتبار ما قاله عنه الناقد جورج طرابيشيّ في ال في رحلة نجيب محفوظ الرمزيّة (‪.)1973‬‬
‫ولكن القارئ وقبل أن يكون ذا حقيقةٍ تاريخيّة ملموس ٍة فرديّةٍ أو جماعيّ ٍة فإنه حالةٌ أو هيئةٌ أو صورةٌ تكمن في‬
‫خليا النصّ‪ .‬أي أنّه المرويّ له المستتر الذي يتوجه إلي الحديث‪.‬‬
‫وصورةُ القارئ هذه التي يُنشئها النص ل يحدّدها نوعُ النصّ الدبي وحسبُ (تفترضُ الرواية البوليسيّةُ قارئا‬

‫مُحققا بينما تفترضُ القصةُ الفلسفيّة قارئا ناقدا) ولكن يُحددها كذلك شكلُ التعبير الخاص بكل نوع أدبيّ‪ .‬فكتاب طه‬
‫حسين (‪ )1973-1889‬في الشعر الجاهليّ (‪ )1926‬ل يتوجّه بسبب لغته وأسلوبه على القل إلى ذات الجمهور‬

‫من القرّاء الذي يهدِفُ إليه إحسان عبد القدوس في رواية ل أنام! (‪.)1956‬‬
‫‪-1-3‬النصّ وخارجه‪.‬‬
‫صلُ بين العالم الذي يُنشِئه النصّ‬
‫إن المحاولت السابقة للحاطة نظريّا بالقارئ تُظهِ ُر للعيان أنّ حدودا واضح ًة تف ِ‬
‫ص وجودَه ويحمِله في ثناياه‬
‫ي الذي يفترض الن ّ‬
‫ئ الوهم ّ‬
‫وبين العالم الذي يقوم بنفسه خارج النصٍّ‪ .‬فهناك القار ُ‬

‫ي الذي يُمسكُ بالكتاب بين يديْه‪.‬‬
‫وهناك القارئ الفعليّ الح ّ‬
‫ص الدبيّ والقارئ‬
‫ومن السؤالُ التالي‪ .‬كيف نعرّفُ العلقةَ القائمةَ بين القارئِ المُج ّر ِد الذي يوجد بوجودِ الن ّ‬
‫ي الذي يأكل ويشرب؟‪.‬‬
‫الحقيق ّ‬
‫والحق أن الجواب بسيطٌ‪ .‬يجب أن ننظُرَ إلى القارئ الول على أنه دورٌ يُقتَ َرحُ على القارئ الثاني أن يقوم به‪.‬‬
‫ث عادةً‬
‫وأن باستطاعة هذا الخير أن يرفضَ هذا الدور المقترحَ ويكفيه لذلك أن يُغلقَ دفتي الكتاب‪ .‬وهذا ما يحد ُ‬

‫ف واسعةً بين الراء التي يقت ِرحُ النصّ على القارئ الفعليّ أن يتبنّاها مؤقّتا خلل القراءة‬
‫حين تكون ش ّقةُ الخل ِ‬
‫وبين ما يؤمنُ به القارئ فعلً‪.‬‬

‫وعلى سبيل المثال فإنّ أحدا ل يقسِرُ قارئا على أن يتبنّى نموذجَ القارئ الذي تتوجّه إليه سلسل ُة كرم ملحم كرم (‬
‫‪ )1959-1903‬ونعني قارئا مشغولً بالسبلِ المُلتويةِ التي تطرقها العاطفةُ المشبوبةُ التي تحسّ بها فتاةٌ من أصلٍ‬
‫وضي ٍع نحو شابٍ حسن الصورة فاء عليه القدرُ بالنعم وذلك قبل أن يلتقيَ الحبيبان في خاتمة الرواي ِة لقاءً‬

‫ك ول ريبٍ‪.‬‬
‫يسعدهما بل ش ّ‬
‫وكذلك يمكننا أن نطرحَ بعيدا عنّا دورَ قارئٍ تغلبُ نَزعتُه لعقيدةٍ معيّن ٍة وهو الدو ُر الذي كانت تقترح ُه مثلً روايات‬
‫الدعاية الشيوعيّة والتي كانت تظهرُ عن دار التقدّم في موسكو بلغاتٍ عديدةٍ منها العربيّة‪.‬‬
‫ويغلُبُ أن يثيرَ ر ّدةَ الفع ِل هذه عند القارئ الحقيقيّ ما يمكن أن نسمّيه بالحكايات "الخصامية"‪ .‬ونعني بذلك الروايةَ‬
‫ع أبطالها بين شخصيّاتٍ خيّرةٍ إطلقا وأخرى شرّيرةٍ إطلقا كذلك‪ .‬وهذا النوع من‬
‫ذات البنية الثنائيّة التي توزّ ُ‬

‫الرواية ل يسعى إلى سوقِ القارئ سوقا هيّنا لطيفا إلى حقيقته المسبق ِة وإنما هو ينظرُ إلى القارئ على أنّه مؤمنٌ‬
‫بتلك الحقيقةِ مسّلمٌ بصدقها قبل أن يشرعَ في القراءة أو هو ينظر إليه على أنه رجلٌ تميل به أهواؤه نحو أولئك‬
‫الذين يحملون لواء تلك الحقيقةِ في الرواية أو يناضلون في سبيلها‪.‬‬

‫ونستطيع أن نطِلقَ على هذا النهج في الرواية اسمَ القناع بالنتقاء‪ .‬فهو ينتقي‪ ،‬ومنذ مطلع المر‪ ،‬قارئه من‬

‫معسكر بطلِ الرواية‪ .‬فرواية الدعاية الشيوعيّة مثلً تتوجّه إلى قارئ شيوعيّ أو يتعاطف مع الفكار الشيوعية‪.‬‬
‫وكذلك روايات الدعاية السلميّة عند نجيب الكيلني مثلً فإنها تتوجّه إلى قارئ مسلمٍ أو يتعاطف مع الدعاية‬

‫السلمية‪ .‬ويجد القارئ نفسه بالتالي‪ ،‬وبحكم بناء الرواية نفسه في معسكر الشخصيات اليجابيّة ذات العمال‬

‫الحميدة‪.‬‬
‫فحين يعتبر يحيى حقّي (‪ )1992-1905‬في رواية قنديل أم هاشم‬
‫(‪ )1944‬كأمرٍ مسّلمٍ به أم البطلة النجليزيّة ماري تجسّد في ذاتها كلّ سيّئات الغرب ليس لسبب إلّ لنها أوروبيّةً‪،‬‬
‫أو حين ينظر زكريّا تامر (‪ )1926‬في دمشق الحرائق (‪ )1973‬أو في النمور في اليوم العاشر (‪ )1978‬كأمر‬

‫بدهيّ أن مهنةَ الشرطيّ أو رجلِ لمن أو نشاط المسؤول كافيةً بذاتها لمسخِ الشخصيّة القصصيّة أو لن ينظر‬

‫ض الدور الذي يقترحه عليه يحيى‬
‫إليها القارئُ على أنها سخيفةٌ أو مُهينةٌ أو آثمة‪ ،‬فإنّ من حق القارئ أن يرف َ‬
‫حقّي أو زكريّا تامر‪.‬‬
‫ب الدخولُ إليها حقا ويندرُ أن نقرأها من "الجلدةِ حتى الجلدة"‪.‬‬
‫ثمة نصوصٌ يصع ُ‬
‫‪-2‬في البدء كان المَرويّ له‪.‬‬

‫‪-2-1‬أهو نظي ُر الراوي؟‪.‬‬
‫لقد اقترحَ تعبي ُر المرويّ له أو المسرود له للحاطة بفكرة القارئ الكامن في ثنايا النص‪ .‬لقد عرّفه الناقد الفرنسيّ‬

‫جيرار جينيت ‪ Gerard Genette‬على النحو التالي فقال‪" :‬إنّ المَرويّ له‪ ،‬مَثله في ذلك مَثل الراوي‪ ،‬هو واحدٌ من‬

‫ط مع القارئ‬
‫العناصرِ التي تكونُ الموقفَ القصصي‪ .‬وهو يشغلُ بالضرورة ذات الموضع السردي‪ .‬أي أنّه ل يختل ُ‬

‫ن الراوي ل يختلطُ مع الكاتب‪.".‬‬
‫حتى حين يكون مُضمرا كما أ ّ‬

‫ي وذلك بسبب كلمة مُضمَر‪ .‬فإن وافقناه على أنّه من‬
‫ب علينا أن نقبلَ بهذا التعريف كما صاغه الفرنس ّ‬
‫إنّ من الصع ِ‬
‫ص وبين القارئِ الحقيقيّ فإننا ل نرى بوضوح‬
‫ف الن ّ‬
‫ي أن ل نخلطَ بين ال َمرْويّ له‪ ،‬بصفتهِ واحدا من أطرا ِ‬
‫الضرور ّ‬
‫ما يُميّ ُز القارئَ المَرْويّ له عن القارئ المُضمَر الذي يفترضه النصّ‪.‬‬
‫ن اثنينِ من المسرود له تماما كما يفعلُ بخصوص الراوي‪ .‬فهو يأخذ تارةً بعيْنِ‬
‫ويبدو أن جينيت يُميّ ُز بين نمطيْ ِ‬
‫العتبار عمليّة التواصلِ الخارجية (أيّ نشاط القراءة ذاته وفيه تكون الحكايةُ المسرودةُ هدفَ القراءة وموضوعها)‬

‫سدُ في الحكاية المسرودة فهي إذن جزءٌ منها‪ ،‬كما يحدث على سبيل‬
‫وتارةً أخرى يدرسُ عمليّة تواصل "داخليّ" تتج ّ‬
‫المثال حين تتبادل الرسائلَ شخصيّتان أو أكثر من شخصيّات الرواية‪.‬‬

‫وعليه فإننا نعتقد أنه من الملئم أن نُميّ َز بين مَرويّ له داخلي (أي داخل الحكاية) وبين مرويّ له خارجيّ أو غريب‬
‫(أي غريب عن الحكاية ويقوم خارجها)‪ .‬ففي رواية شكيب الجابري قدر يلهو تكتب إيلزا بطلةَ الرواية رسالة لعلء‬
‫ي (‪ )1953‬تكتب الفتاةُ الفرنسية‬
‫شخصية الرواية الساسية‪ ،‬وكذلك في رواية سهيل إدريس (‪ )1922‬الحيّ اللتين ّ‬

‫جانين عددا من الرسائل لسامي بطل الرواية خلل زيارته لبيروت ويكتب لها بدوره‪ .‬ولكن المرويّ له الداخليّ‬

‫(علء أو سامي أو جانين) هو دائما واحدٌ من شخصيات الرواية ول يُغيّرُ من ذلك شيئا أن يكون شخصيّةً قارئةً!‬
‫خلُ في أحداثها‪.‬‬
‫وليس على شيءٍ من ذلك المسرود له الخارجيّ‪ .‬فهذا ليس شخصيّ ًة من شخصيّات الرواية ول يتد ّ‬

‫ض وجوده‪ .‬وعليه فإننا‬
‫ص بالضرورة ويفتر ُ‬
‫إنّه صورةٌ وهم ّيةٌ مُجرد ٌة هي صور ُة القارئ الذي يتوجّهُ إليه كلّ ن ّ‬

‫نستطيعُ أن نقولَ بأنّ المَرويّ له الخارجيّ يتطابق مع ما سبق لنا أن أسميناه القارئ الضمني أو المضمر‪ ،‬بل إنه‬
‫القارئُ الضمنيُ ذاته‪.‬‬
‫ص والغريبان عن الحكاية هما تعبيران "نصيّان" يُك ِملُ أحدهما الخرَ‬
‫وإذن فالراوي والمَروي له الخارجيّان عن الن ّ‬
‫ن وجودُ ال ّولِ وجودَ الثاني‪ .‬إنهما هيئتانِ مُجرّدتانِ تظهران من بنية الحكاية ذاتها‪ .‬وعليه فإن من واجبنا أن‬
‫ويضم ُ‬
‫نف ّرقَ في رواية الطيب صالح (‪ )1929‬موسم الهجرة إلى الشمال (‪ )1965‬من جه ٍة بين مصطفى سعيد الذي يكتب‬

‫للراوي ومدام روبنسن التي تكتبُ إليه كذلك بخصوص مصطفى فهم جميعا رواةٌ داخليّون ومَروي لهم داخليّون‪ ،‬أي‬
‫أنهم جميعا شخصياتٌ روائيةٌ تعيش في عالم الحكاية‪ .‬ومن طرف آخر بين تلك الجهة المُجرّدة التي تُنشئُ تلك‬

‫ن هذه‬
‫ص كما تبنيه (أي الراوي الخارجيّ) وهي تتوجّه إلى قارئٍ مضمَرٍ تفترضُ أ ّ‬
‫الشخصيات جميعا حين تبني الن ّ‬

‫الحكايةَ ستثيرُ اهتمامه وربما ستبعث فيه شيئا من المتعة (ونعني المَرويّ أو المسرودَ له الخارجيّ)‪ .‬ولكن من هو‬

‫ق على كلّ قارئٍ مستت ٍر في كلّ نصّ قصصيّ‬
‫ت المرويّ له الجوهريّةُ والتي تنطب ُ‬
‫هذا القارئ الضمنيّ؟ ما هي سما ُ‬
‫على الطلق؟‬

‫ص تحديدا شخصا‬
‫ض النصوص أحيانا لقارئها (كأن يخاطبُ الن ّ‬
‫إذا طرحنا بعيدا الصفات الخاصّة التي تنسبُها بع ُ‬

‫ن المرويّ له الذي يولد مع النص نفسه وبمجرد خروج هذا الخير إلى حيّز الوجود يتصفُ بصفاتٍ بعضُها‬
‫معينا) فإ ّ‬
‫إيجابيٌ وبعضُها الخرُ سلبيّ‪.‬‬

‫ن لسانَ الراوي ولغَتَه وحسب (فكلّ حكايةٍ‬
‫وأمّا صفاتُه اليجابية فهو ذو عددٍ معينٍ من الكفاءات‪ .‬وهو ليسَ يُتق ُ‬
‫ل ذو ذاكرةٍ ل‬
‫تفترضُ أن قارئها يفهم الدا َة اللغو ّيةَ المستخدمةَ) ولكنّه يُظهِرُ كذلك بعضَ المهاراتِ العقلية‪ .‬فهو مث ً‬
‫تهن أبدا تجعله قادرا في الصفحاتِ الخيرة من رواي ٍة مؤلّفةٍ من مئاتِ الصفحات على تذكّرِ ما جرى في صفحاتها‬

‫الولى‪ .‬وهو يدركُ كذلك قواعدَ السردِ وخليقٌ بقبولِ مسلّماتها والرضى بنتائجها‪.‬‬
‫وأمّا ما يميّزه سلبا فإنّه ل يتقنُ من القراءات إلّ القراءة "الخطية" الفقية‪ ،‬وليست له أيّة هوية نفسيّةٍ أو اجتماعية‪،‬‬
‫وهو عا ٍر من كلّ تجربةٍ أو حسّ سليمٍ‪.‬‬
‫وتُنشِئ كلّ حكايةٍ مسرودها الخاصّ بها أو مَرويّها بأن تُع ّدلَ من هذه الصفةِ أو تلك من مجموع الصفات الصليّة‬
‫المشتركة تعديلً لطيفا أو شديدا‪.‬‬
‫‪-2-2‬وجوهُ المَرويّ لَه الثلثة‪.‬‬
‫ن مفهومِ المَرويّ له يتغيّرُ إذن إن تمّ الحديثُ عن مستوى الحكاي ِة (أي عن النصّ كنصّ) أو جرى النقاشُ‬
‫إنّ مضمو َ‬

‫حول الحداث المرو ّيةِ‪ .‬ولقد اقترحَ الباحثونَ أنماطا عديدةً للحاطة بهذه المتغيّرات‪ .‬وبإمكاننا أن نميّزَ بينَ أنواعٍ‬
‫ثلثةٍ من المَرويّ له‪.‬‬

‫ط يشتركُ المَرويّ‬
‫ك أو ًل المرويّ له أو المسرودُ له والذي هو في نفس الوقت شخصيةٌ روائ ّيةٌ‪ .‬وفي هذا النم ِ‬
‫فهنا َ‬

‫له في أحداثِ الحكاية المسرودة‪ .‬وهذا النموذج يطابق ما رأيناه عندما نظرنا فيما أسماه جينيت بالمَرويّ له‬

‫الداخليّ‪.‬‬

‫ي (‪ )1918‬الخيلُ والنساء (‪ )1965‬نجد قصّةً بعنوان ثلث رسائل أوربيّة‪ .‬وفي‬
‫ففي مجموعة عبد السلم العُجيل ّ‬

‫الرسالةِ الولى تكتبُ الراويةُ أدنا إلى مروان (المَرويّ له) فتحدّثه عن ذكرياتها وعن حياتها الزوجيّة وعن حادثةٍ‬
‫أليمةٍ جرت لها خلل زيارتها لباريس أبّان حرب التحرير الجزائريّة‪.‬‬
‫ح مروان هو الراوي‬
‫(عاملٌ جزائريّ يتحرّشُ بها ثم يبصقُ في وجهها)‪ .‬وتتغيّ ُر الدوارُ في الرسالةِ التاليةِ فيُصب ُ‬
‫والسيّدة اللمانيّ ُة هي المَرويّ له‪ .‬وفي الرسالة التي يك ُتبُها مروان يفضحُ ما رآه تعبيرا عن عُنصريّةٍ مفاجئةٍ في‬
‫ش ِهدَها في أحد شوارع باريس يوم ‪ 17‬تشرين الوّل عام ‪ 1961‬ويذكر كيف قمع‬
‫رسالة أدنا ثم يصفُ مظاهرةَ َ‬
‫البوليس الفرنسيّ مظاهرةَ الجزائريّين بش ّدةٍ بالغةٍ‪.‬‬
‫وتتغيّ ُر الدوارُ تارة أخرى حين تكتبُ أدنا (الراوي الن) إلى مروان (المَرويّ له حاليّا) فتعتذرُ عمّا كتبته وتتمنّى له‬
‫إقامةً سعيدةً في أوروبّا‪.‬‬
‫ن هذا ما تتميّزُ به على وجه الدقّةِ رواية الرسائل‪ .‬إنّها تبني عقدتَها وتدفع ُقدُما بأحداثها عن طريقِ رسائل‬
‫إّ‬
‫تتبادلها الشخصيّاتُ الروائيّ ُة فتُغيّ ُر بذلك من موقِعها‪ .‬فهي تَروي تارةً‪ ،‬ويُروَى لها تار ًة أخرى‪.‬‬
‫وأمّا النمطُ الثاني فهو نمطُ المَرويّ لَه المُنادى‪ .‬ونعني بذلك القارئَ النكِر َة الذي ل هويةَ حقيقيّ ًة له‪ ،‬والذي يُناجيه‬
‫ي لَه المُخاطَبُ ليس شخصيّةً‬
‫الساردُ خلل مجرى الحداث ويلفتُ اهتمامَه إلى هذه النقط ِة أو تلك‪ .‬وهذا المَرو ّ‬

‫ل أنه كان من عادة جرجي زيدان (‬
‫خلُ أبدا في أحداثها ول يُؤثّر في تطورها‪ .‬ونحن نعرف مث ً‬
‫روائ ّي ًة فهو ل يتد ّ‬

‫‪ )1914-1861‬أن يلجأ في كثيرٍ من الحيان إلى هذا النموذج‪ .‬وهو يستخدمه ليُعّلقَ على هذه الصفةِ أو تلك من‬

‫صفات بعضِ الشخصيّات الروائيّة أو ليضاحِ نقطةٍ من أحداث التاريخ‪".‬وأنت تعرِفُ أنّ العباسييّن ينتسبون إلى‪ )..‬أو‬

‫"ول ينسى قارئنا أنّ السلطان عبد الحميد قد تس ّنمَ العرشَ في عام‪"...‬‬
‫ب ليتحّللَ من دراسةِ الشخصيّة الروائيةِ دارسةً عميقةً‪.‬‬
‫ن كثيرةٍ يستخدمُ جرجي زيدان المَرويّ له المُخاطَ َ‬
‫وفي أحيا ٍ‬
‫"وأنتَ تعرفُ أيها القارئُ أنّ النساءَ من عاداتهن‪ ."..‬ونجد استخداما آخر لهذا النوع على صيغةِ الجمع في رواية‬

‫الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ومنذ سطورِها الولى حين يبدأ الراوي بقوله‪ :‬عُدت إلى أهلي‪ ،‬يا سادتي‪،‬‬

‫ن هؤلء أيضا مَ َثلُهم َم َثلُ المَرويّ لَه الفردُ‪ ،‬ل يفعلون في أحداث الروايةِ لنهم ليسوا من‬
‫بعد غيْبةٍ طويلةٍ‪ ."..‬ولك ّ‬

‫سارديها ول من شخصيّاتها وليسوا كذلك من قرّائها المُضمرين‪.‬‬

‫ص ول يح ِملُ اسما ول‬
‫إنّ آخر أنماطِ المَرويّ له‪ .‬هو ذلك المُنزوي جانبا أو المستتِر‪ .‬وهو ليس موصوفا في الن ّ‬

‫هويّةً‪ ،‬ولكنّه موجودٌ ضمنا من خلل الثقافة والقيم التي يفترضُ الراوي أنها موجودةٌ عند من يتوجّه إليه النصّ‪.‬‬

‫ونسوقُ مثالً على هذا المقطعَ القصي َر التالي الذي نأخذه من أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه البخلء‪.‬‬
‫ع إلى الخبيثِ وأنّ الطيّبَ يدعو إلى الط ّيبِ‪،‬‬
‫ن كسْبَ الحللِ مُض ّمنٌ بالنفاقِ في الحلل‪ ،‬وأنّ الخبيثَ ينز ُ‬
‫"وزَعمتُ أ ّ‬

‫ي هذا القولَ‪ ،‬وقد‬
‫ن النفاقَ في الحقوقِ حجا ٌز دون الهوى‪ ،‬فعِبتُم عل ّ‬
‫ب دون الحقوقِ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن النفاقَ في الهوى حِجا ٌ‬
‫وأ ّ‬
‫ط إلّ وإلى جانب ِه حقّ مُض ّيعٌ‪ .‬وقد قال الحسنُ‪ :‬إذا أردتُم أن تعرِفوا من أين أصابَ مالَه‪.‬‬
‫قال معاوية‪ :‬لم أر تبذيرا ق ّ‬

‫ي شيءٍ يُنفقُه‪)1(.‬‬
‫فانظروا في أ ّ‬
‫هذه بعضٌ من الحججِ التي يسوقُها سهل بن هارون (بدء القرن التاسع) في معرض ردّه على بني زياد بعد أن ذمّوا‬
‫مذهبَه في البُخل‪ .‬ولن يفهمَ قارئ اليومَ برهانَ ابن هارون إن ج ِهلَ أنّ معاويةَ المشار إليه هو معاوية بن أبي‬

‫ن الحسن هذا هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصريّ (‬
‫سفيان (توفي ‪ )680‬مؤسّس الدولة المويّة وأ ّ‬

‫‪ .)728-642‬وإن جهِل كذلك أن أوّلهما كان يرمز في الثقافة العربيّة السائدة أيّام الجاحظ إلى العظمة والثراء مع‬

‫حُسنِ السياسة وأنّ ثانيهما كان يجمع بين الفقه والزهد وأنّ الثنين معا قد عُرِفا بالنظر الثاقبِ وق ّوةِ العبارة‪ .‬وإذن‬
‫فإنّ المَروي له المنزوي في كتاب الجاحظ كان لبدّ له من أن يلمّ بحدّ أدنى من الثقافة العربيّة السائدة في القرن‬

‫ن المرويّ له الخارجي الذي وصفه الناقد‬
‫التاسع الميلديّ وهكذا يتضح لنا أنّ المروي له أو المنزوي هو عي ُ‬

‫ي لـه الثلثة الذي نستطيعُ بفضلهِ أن نُحيط نظريّا بعمليةِ‬
‫ط المرو ّ‬
‫الفرنسيّ جينيت ‪ ،‬وأنّه النمطُ الوحيد من بين أنما ِ‬
‫القراءة‪.‬‬

‫فالمَرويّ له الشخصي ُة ينتمي فعلً وحقا إلى الحكاية‪ ،‬وليس المروي لـه المُخاطَب إلّ مخلوقا روائيا يستطيعُ القارئُ‬

‫الحقيقي كلّ الستطاع ِة ألّ يتماهى معه‪ .‬فحين نقرأُ جرجي زيدان مثلً نستطي ُع تماما أن نطرحَ بعيدا عنّا السئلة‬
‫التي يتوهمُ الساردُ أنّها أسئلتُنا حين يقول‪:‬‬
‫ك بأنّ القارئ يُريدُ أنْ يعرِفَ‪ ...‬ول شكّ بأنّ القارئ ل يجهلُ‪"..‬‬
‫"ول ش ّ‬
‫ي لـه الخارجي بصفته دورا يقترحهُ النصّ على القارئ الحقيقيّ هو أنموذجُ القرّاء‬
‫ن المرو ّ‬
‫والحقّ يُقالُ فإ ّ‬

‫سمَ ملمحه وأن تُبرِزَ صفاته‪.‬‬
‫ن الذي تُحاولُ شتى النظرياتِ الدبية أن تر ُ‬
‫المُفتَرَضينَ أو الوهميينَ أو المُجرّدي َ‬

‫‪-3‬ذريّةٌ عديدةٌ‬
‫‪-3-1‬من القارئ الضِمني إلى القارئ النموذجي‪.‬‬
‫ص والذي يقوّي من دور القارئ الحقيقيّ قد أنجبت بدورها سللة عريضة تثير‬
‫إنّ فكرةَ القارئ المُستَ ِترِ في ثنايا الن ّ‬

‫الدهشة‪ .‬إنّ هذه الفكرة تشغلُ‪ ،‬والحقّ يقالُ‪ ،‬واسطة العِقدِ في كبرى النماذجِ التحليليّة‪ .‬وسوف نذكر‪ ،‬فيما يأتي‪ ،‬أهم‬
‫المحاولت التنظيريّة مرتّبةً حسب تاريخ ظهورها‪ .‬فهناك أنموذج القارئ "الضمني" الذي أبر َز ملمحه إيزير‬

‫‪ .W.Iser‬وهناك أنموذج القارئ"المجرد" كما طرحه لينتفيلت ‪ J. Lintvelt‬وهناك أخيرا أنموذج القارئ "المثاليّ"‬

‫الذي اقترحه منذ فترة قريبةٍ الناقد اليطاليّ أمبيرتو إيكو ‪.Umberto Eco‬‬
‫ويعتمد أنموذج إيزير على التوجيهات التي يمكن أن تُستَخلَص من النصّ والتي تصلح بصفتها هذه لكلّ القراء‪ .‬أي‬

‫ن ك ّل الرشادات الكامنة في نصّ الحكاية والتي يتعذّر تلقي النص وفهمه بدونها‪.‬‬
‫أنّه يتضمّ ُ‬
‫ما المقصود بذلك؟‪.‬‬
‫ص ينبني بنفس الطريقة بالنسبة لجميع القرّاء‪ .‬ولكن الختلف في فهم هذا المعنى من‬
‫المقصود بذلك أن معنى الن ّ‬
‫قارئ إلى آخر يعود إلى اختلف العلقة التي يُنشئها هذا القارئُ مع النصّ عن تلك التي يُنشِئها القارئُ الخر مع‬
‫ك عينَ سُبلِ القراءة التي يفرضُها النصّ على جميع‬
‫نفس النصّ‪ .‬فكلّ قارئٍ ينفعل انفعالً خاصّا به مع أنّه يسل ُ‬

‫القرّاء‪.‬‬

‫ن كلّ قرّاء رواية سهيل إدريس الحي اللتينيّ يطلعون على كلّ الرسائلِ التي تبادلها سامي‬
‫وعلى سبيل المثال فإ ّ‬

‫وجانين والتي تذكرُها الرواية بنصّها‪ .‬وهم يطلعون كذلك على مذكّرات الفتاة الفرنسية التي يقرؤها سامي والقارئ‬
‫معه خِلسةً‪ .‬وعليه فإنّ القرّاء يُطلّون على الحداث الروائيّة من خلل وجهتيْ نظر الشخصيتين الروائيتين‬

‫ويتماهون معهما‪.‬‬

‫ولكن ردود أفعا ِل هؤلء القرّاء أمام هذا التماهي اللي الذي تُثيره المعرفةُ المشتركةُ تختلفُ اختلفا قد يكون كبيرا‪.‬‬

‫فمنهم من يرى في ك ّل ذلك إثراءً في معرفةِ الشخصيّات وخبايا نفوسها ويوافق بالنتيجةِ على سلوكها أو يقبل بعض‬

‫الشيء‪ .‬كما يفعلُ جورج أزوط في سهيل إدريس في قصصه ومواقفه الدبية‬
‫(‪ .)1989‬ولكن بعضهم قد يرى في ذلك مبرّرا لدانة سامي أخلقيّا‪ ،‬وقد ينظ ُر إلى سلوكه على أنّه محاول ًة تثير‬
‫الزدراء تريد أن تصوّرَ نذالةً شخصيّةً على أنها تجرب ٌة حضاريّةٌ عظمى! كما يفعل جورج طرابيشي في كتابه شرقٌ‬

‫و غربٌ‪ ،‬رجولةٌ وأنوثةٌ‪.)1977( .‬‬

‫ولكن المُهم هو أن هذيْن القارئيْن كليهما قد انطلقا من نفس التجربة في القراءة‪ ،‬أي تجربة التماهي الليّ الذي‬
‫ص مع سامي ومع جانين‪.‬‬
‫تفرضه بنيةُ الن ّ‬

‫ب مثلً مختلفا نأخذه من رواية شكيب الجابري قدرٌ يلهو‪ .‬فقارئ الرواية الضمني يُرغم القارئ‬
‫ويمكن أن نضر َ‬
‫شفَ له عن حقيق ِة العاهرة المريضة بالسلّ‪.‬‬
‫الحقيقيّ على أن ينتظرَ حتى خاتمة الكتاب قبل أن يك ِ‬

‫ن القارئ الذي يطلق عليه لينفيلت في نظامه التأويليّ اسم القارئ "المُجرّد" يعادل القارئ الضمني الذي رأيناه في‬
‫إّ‬

‫ص الدبيّ ومن‬
‫ي له والذي يفترضُه الن ّ‬
‫الفقرة السابقة‪ .‬ويرى الناقدُ أن القارئَ يتصرّف من جِهةٍ كأنّه صورة المَرو ّ‬

‫جهةٍ أخرى كأنّه صورة المتلقّي النموذجيّ القادر على استخلص معنى النصّ الشامل بفضل قراءته النشيطة‬
‫اليجابية‪.‬‬

‫ويتحدّث لينفيلت كما يتحدّثُ جينيت عن المَرويّ لـه‪ .‬ولكنه يخصّ بالتسمية القارئ الوهميّ الذي يتوجّه إليه‬

‫الراوي وهو الذي ناقشناه فيما سبق باسم المَروي له المخاطَب‪ .‬ولكي يشرحَ ما يُريدُ فإنه يستشهِد بالمقطع التالي‬
‫وقد أخذه من كتاب الرواية الهزليّة للفرنسيّ بول سكارون ‪P. Scarron‬‬

‫(‪ .)1610-1660‬وفي هذا الكتاب يستخ ِدمُ الراوي ضميرَ المُتكلّم فيقول "إنّ مكانتي العالي َة وسموّ شأني يدفعاني إلى‬
‫ئ الذي يريدُ أن يقرأ كتابي هذا فأقول له‪" :‬إن أغضبتْكَ الدعاباتُ التي صادفتَها حتى الن في الكتابِ‬
‫أن أحذّ َر القار َ‬

‫ك به بين يديْكَ فأنصحك بأن ترمي به بعيدا عنك‪ .‬فإنّك لن تجد به شيئا آخر حتى ولو صار بحجم الجبال‬
‫الذي تُمسِ ُ‬
‫ضخامةً"‪.‬‬

‫ج ّردُ والقارئ‬
‫ويرى لينفيلت أنّ هذا المقطع يُرغمنا على أن نُميّ َز بين جهاتٍ ثلث‪ .‬هي المَروي لَه والقارئ المُ َ‬

‫طوّع الذي يتوجّه إليه الحديثُ بصفته‬
‫ن نميّز ما يسمّيه بالقارئ المُت َ‬
‫الماديّ المحسوس‪ .‬وعلينا كذلك حسبَ ليفيلنت أ ّ‬
‫جهةً وهم ّيةً عن القارئ المُجرّد الذي يُفت َرضُ به بالضبط أنّه يستْملِحُ هذا الصنف من الدعابة والهزل‪ .‬ويرى كذلك‬

‫أنّ علينا أن نُميّزه عن القارئ المحسوس الذي يقرأ حقّا‪.‬‬

‫وبطبيعة الحال فإن من المُمكن أن يتبنّى القارئُ المحسوسُ موقفَ القارئ المُجَرّد الفكري فيرضى بالدعابة‪ .‬ومن‬
‫المُمكن أيضا أن يُشاط َر القارئُ المحسوسُ موقفَ القارئ الوهميّ المستاء من تلك الدعابة فيطرح عنه الكتابَ‪.‬‬
‫ومهما يكن أمره فهذه الجهات الثلث تبقى مُتفرّدةً وذات طبيعةٍ مختلفةٍ‪.‬‬
‫وأمّا نحن فإننا نرى بكلّ بساطةٍ أنّ المَرويّ له المذكور‪ ،‬أي ذلك القارئ المتطوّعُ المغرور بعض الشيء وسريع‬
‫ي له الكامن في ثنايا النصّ‪ .‬ونقصد ذلك القارئ الفطن الذي‬
‫الغضب هو إيماءةٌ ساخرةٌ يُوجهها الراوي إلى المَرو ّ‬

‫ف حقّ المعرفةِ أن تلميح السارد ل يعنيه ول يقصده‪.‬‬
‫ص والذي يعر ُ‬
‫يظهر مع ظهور الن ّ‬

‫وأمّا اليطالي أمبيرتو إيكو فهو يُعرّف القارئَ النموذجيّ بأنه مجموعُ شروط النجاح أو مجموع عناصر التوفيق‬
‫ض وجوده‬
‫ط الفعّال والذي تفتر ُ‬
‫التي تنشأُ نصيّا والتي لبد أن تح ّققَ كي ينتق َل النصّ ونعني هيئةَ المُتلقّي النشي ِ‬

‫ن القارئَ النموذجيّ هو إذن القارئُ الذي يستجيبُ‬
‫عمليّةُ فكّ رموز الحكاية على أحسن ما يكون‪ .‬وبمعنى آخر‪ ،‬فإ ّ‬

‫استجابةً حسن ًة (أي استجاب ًة تطابقُ رغباتِ الكاتب) على كلّ ما يتطلّبُ النصّ سيّان كان ذلك طلبا صريحا خالصا أو‬
‫طلبا مضمرا مُبطّنا‪.‬‬
‫وقد تفرضُ بعضُ النصوص الدبيّة على قارئها أن يقترحَ على سبيل الجواب على مسألة فهم الحداث فرضيّةً‬
‫ط نجاح القراءة التي سبق أن ألمعنا إليها‪.‬‬
‫خاطئةً‪ .‬ويكون عندها خطأُ التأويل الذي برمجه النصّ واحدا من شرو ِ‬
‫وتحضُرُنا كمثالٍ على نصّ "يغشّ" قارئه ويقوده إلى سبلِ تأويلٍ وهم ّيةٍ قصةٌ لبراهيم عبد القادر المازنيّ (‪-1890‬‬
‫‪ )1949‬بعنوان عودةُ الحاج من مجموعته صندوق الدنيا‪.‬‬
‫في هذه القصوصة يحكي لنا راوٍ كهلٌ بعض ذكرياته كطفلٍ‪ .‬فيحدّثنا عن زيارة يوميّةٍ كريهةٍ على قلبه كانت أمّه‬
‫سلُ‪ ،‬حين يجنّ الليلُ‪ ،‬ابنها يحملُ شيئا من الطعام إلى‬
‫تُرغِمه عليها كلّ يومٍ مساءً‪ .‬فهذه المرأةُ طيّبةُ القلبِ كانت تُر ِ‬
‫امرأةٍ عجو ٍز تثير في قلبه رعبا كبيرا‪ .‬وكانت الم تطلبُ من ابنها كتمان المر عن بقيّ ِة أفراد العائلة‪.‬‬

‫ت َلغَطا وصَخَبا‪ ،‬ضحكا وغِناءً‪،‬‬
‫ن البي َ‬
‫وذات يومٍ يشهدُ في بيت العجوز ما يُشبه العرسَ ويبصر نساءً كثيراتٍ يمل َ‬

‫بينما تزيّنُ أخرياتٌ المرأةَ العجوزَ كأنها صبيّةٌ في مقتبل العمر تهمّ باستقبال زوجها لول دخوله بها‪ .‬ويفهم الصبيّ‬

‫ت ال الحرام مؤدّيا‬
‫ب شاقٍ في زيارةٍ لبي ِ‬
‫ن زوجَ المرأ ِة سيعود بعد قليلٍ إلى منزله بعد رحلةٍ طويلةٍ وغيا ٍ‬
‫ذاهلً أ ّ‬

‫فريضةَ الحجّ‪ .‬وينتظِرَ الصبيّ مع النسوةِ المُنتظِرات يملؤها التلهّفُ والترقّبُ‪ .‬وتمضي الساعاتُ بطيئةً ومُرهِقةً‪.‬‬
‫وتفقد العجوزُ قواها فتقعُ أرضا بل حراكٍ غائب ًة عن الوعي‪ .‬وتنص ِرفُ النسوةُ إلى بيوتهنّ وقد ت َركْنَ العجوز على‬

‫حالها‪ ،‬ودون أن ينتظرن عودةَ اليب‪ .‬وحين يسألهن الصبيّ تفسيرا لسلوكهنّ الشائن تجيبه إحداهُنّ بأنّ الرجلَ قد‬
‫مات منذ عشرِ سنينَ خلل زيارته لمكّة ففقدت زوجتُه عقلها وأصابها من الجنون عارضٌ‪ .‬وفي ك ّل عامٍ‪ ،‬وفي اليومِ‬

‫ت ويتظاهرنَ‬
‫الذي كان ينبغي فيه أن يرجعَ من رحلته تلك تعاودها هذه اللوْثةُ‪ ،‬فتحِفّ بها جارتُها‪ ،‬ويُعلّقْنَ الرايا ِ‬
‫أمامها بانتظار الغائب‪.‬‬
‫ن القارئَ يكتشفُ في نهاية القصّةِ ما كان يعرفُه الراوي منذ بدايتها‪ ،‬أيّ أنّ العجوزَ مجنونةٌ‪ .‬ولكن الراوي ل‬
‫إّ‬

‫يكتفي بأنه أخفى على قارئه جزءا من الحقيقةِ فهو يضيف في السطر الخير جملةً تقلب من جديد مفهومَ القارئ‬
‫للقصةِ ولحبكتها رأسا على عقب‪ .‬فهو يصرّح‪" :‬كانت هذه المرأةُ المسكينةُ ض ّر َة أمي!"‪.‬‬

‫وبطبيعة الحال فإنّ المازني كان يعرفُ بأنّ القارئ سيؤ ّولُ الشياء حسب مظاهرها وعلى غير حقيقة ما تُشيرُ إليه‪،‬‬
‫ولقد بذل الجهدَ كلّه لتضليلِ القارئ‪.‬‬

‫ئ كي تبُلغَ الحكايةُ مأربها وكي تترك فيه‬
‫وينبغي على القارئ أن يسلكَ‪ ،‬على غير علمٍ منه‪ ،‬هذا السبيلَ الخاط َ‬

‫أثرها‪ .‬والقارئُ الحقيقيّ الذي يخامره بعضٌ من الضجر وشيءٌ من نفاذ الصبر حين يتو ّهمُ أنّه يعرفُ نهاية الرواية‬
‫التي يقرؤها لبد أن تسعدَه الخاتمة التي لم يكن يتوقّعها ولبدّ له من أن يعترفَ بجميل الراوي الذي كذب عليه‬
‫طيلة فصولِ الحكاية‪.‬‬

‫ف فيه‬
‫ي والقارئَ ال ُمجَ ّردَ والقارئَ النموذجيّ يُظهِرون جميعهم وبجلءٍ‪ ،‬وبقطع النظر عمّا يختلِ ُ‬
‫ن القارئَ الضمن ّ‬
‫إّ‬
‫أحدُهم عن الخر مبدأً أساسيّا في نظريّة الرواية هو أنّ ال ُمتَلقّي ينشأُ نشوءا موضوعيا في جسدِ النصّ نفسه‪.‬‬

‫وسيّان أن يكونوا صورةً مُسبَقةً للقارئ تفترضُها الحكايةُ أو أن يكونوا أعوانا نشيطينَ يُساهمون في مجرى القصّة‬

‫ص دورٌ يُقتَ َرحُ على القارئ‪ .‬وهم يُشبِهون غايةَ‬
‫جدُ في بني ِة كلّ ن ّ‬
‫فإنهم يقومون جميعا على المبدأ الذي يقول بأنّه يو َ‬
‫الشبّه صاحِبنا المَرويّ له الخارجيّ حتى لنكاد ل نُميّزهم عنه‪.‬‬

‫‪-3-2‬من تحليل الحكاية إلى نظريّات القراءة‪.‬‬
‫إنّ تع ّددَ أنماط القرّاء المُحتَمَلين وتعقّد طرق التحليل باستمرار كما رأينا فيما سبق قد نتجا عن تح ّولِ اهتمام‬
‫الباحثين عن نظريّات القصّة إلى الثر الذي تتركه القصّة‪.‬‬

‫لقد كانت النظريّات التي تعنى بالسرد ترى أنّ غايَتها الولى هي وصفُ الطرق السرديّة‪.‬‬
‫ص الدبيّ‬
‫ولم يكن لها بالتالي أن تذهب أبعد من الجهة السرديّة‪ .‬وبما أنّها كانت تعتمد منهجا وصفيّا لدراسة الن ّ‬
‫ت يمكن للتحليلِ أن يُحيطَ بها إحاط ًة كاملةً‪.‬‬
‫ى وتقنيّا ٍ‬
‫فقد كانت تنظر إليه كما لو أنّه شيءٌ قائمٌ بحدّ ذاته يستخدمُ بن ً‬
‫ن الراوي‬
‫ولكن وبقدْر ما كانت مفاهيمُ الراوي أو المَرويّ له تنتمي إلى ميدان دراسة الطرق السرديّة باعتبار أ ّ‬

‫والمَرويّ له يظهران بظهور النصّ بقدر ما كان مفهوم القارئِ المُضمَر يفرِضُ على ال ُمنّظرِ فرضا ألّ يكتفيّ‬
‫بالوصفِ فقط‪.‬‬

‫والمرُ أن المنظو َر يتغيّ ُر تماما إذا كانت غايتُنا هي دراسةُ عمليّة القراءة‪ .‬فبدلً من النظر إلى النظام السرديّ على‬

‫ب علينا أن نحّللَه من جهةِ علقته مع القارئ‪ .‬ول يعود من‬
‫أنّه بنيةٌ قائمةٌ بذاتها ومستقلّةٌ بذاتها يصبح من الواج ِ‬
‫ف القارئُ حيالَ‬
‫الكافي عندها أن نكتشِفَ المَرويّ له وأن نصِفَه بل يُصبِحُ من واجبنا كذلك أن نتساءلَ كيف يتصرّ ُ‬

‫ص الدبيّ‪.‬‬
‫الدور الذي يقترحه عليه الن ّ‬

‫ي أو مفهومَ‬
‫وفي الحقيقة فإن إيزير وإيكو يتطلّعان إلى ما وراء حدود النصّ حين يدرسان مفهومَ القارئ الضمن ّ‬

‫سدُ" القارئُ الحكايةَ أكثر من انصرافه إلى‬
‫القارئِ النموذجي‪ .‬وليس من شكّ في أنّ تحليلَهما ينصرف إلى كيف "يُج ّ‬
‫الحكاي ِة ذاتها‪.‬‬
‫‪ -3-3‬القضايا المُعلّقة‪.‬‬
‫تنبع الصعوبات التي استعرضناها حين درسنا مختلفَ أنماط القارئ النظريّة من أن تلك النماط ليست بالضبط‬

‫ن لم يقم بعدُ فاصلً قاطعا على حقيقةِ وجود هذه النماط وجودا مستقلً عن المُحّللِ‬
‫نظريّ ًة تماما ومن أنّ البرها َ‬
‫يضمن سلمةَ التحليلِ وشموليّتَه‪.‬‬
‫ف ردودِ أفعالِ قارئه النموذجيّ فإنه يصفُ في واقع الم ِر ردودَ فعلِ أمبيرتو إيكو‬
‫فحين يشرعُ أمبيرتو إيكو بوص ِ‬
‫ذاته‪ .‬وهو يقرّ بذلك مُحرَجا‪:‬‬
‫ي (أيّ تأويلِ الناقدِ نفسه) وبين المُشارَكةِ المُؤوّلةِ التي‬
‫"إنّه ليسَ من السهل دائما أن نف ّرقَ بين التأويل النقد ّ‬
‫يُبرمِجُها النصّ نفسُه والتي يضعُها في متناول جميع القرّاء‪ .‬إنّ الحدودَ بين هذيْنِ النشاط ْينِ واهيةٌ تماما‪ .‬وعلينا أن‬
‫ط نتائجها بوضوحٍ ود ّقةٍ‪".‬‬
‫نُنشِئها على ق ّوةِ المُشاركةِ المُؤوّلةِ وعلى بس ِ‬

‫عدُنا على أن نُف ّرقَ بين تلقّي قارئٍ ما وتلقّي القارئِ النموذجيّ ليست بيّنةً البتّة‪.‬‬
‫وعليه فإنّ المعاييرَ التي قد تُسا ِ‬

‫ولقد استخلصَ أمبيرتو إيكو سمات القارئ النموذجي الذي اقترحه‪ ،‬وحسب اعترافه‪ ،‬بفضلِ ق ّوةِ مُشاركتِه المؤوّلةِ‬

‫ووضوحها ودقّتها لقصوصةٍ كتبها الفرنسيّ ألفونس ألليه ‪ Alphonse Allais‬بعُنوان مأساة باريسيّة حقّا‪ .‬ولنا‬

‫ك كلّ الشكّ بأن مُنظّرا آخرَ سيصل إلى ذات السمات وإلى ذات النتائج‪.‬‬
‫ك ّل الحقّ بأن نش ّ‬

‫ئ وهميّ وأنّه ليس‬
‫ي هو على الدوامِ قار ٌ‬
‫ص الدب ّ‬
‫ئ الذي يفترِضه الن ّ‬
‫ن القار َ‬
‫ومهما يكن المرُ فإنّ علينا القرارَ بأ ّ‬

‫إلّ فرضيّ ًة يُقيمُها الكاتبُ ليبنيّ حكايَته‪ .‬والحقّ أنه ليس بإمكان كاتبٍ ما حتّى ولو كان الجاحظ أو الهمذاني أن‬
‫يتوجّه كتاب ًة إلى قارئٍ حقيقيّ‪.‬‬
‫ب يتوجّ ُه على الدوام إلى قارئٍ مُحْ َت َملٍ‪.‬‬
‫إنّ الكات َ‬
‫هل يستطي ُع هذا القارئُ أن يُعلّمنا شيئا عن الطريقة التي يتصرّفُ بها القارئُ الحقيقيّ الملموسُ؟‪.‬‬

‫‪ -4‬القارئُ الحقيقيّ‪.‬‬
‫‪ -4-1‬التلقّي الملموسُ‪.‬‬
‫إن قصورَ النماذجِ القائم ِة على مفهومِ المَرويّ له المُج ّردِ وعجزَها عن الحاطةِ بعمليّةِ التلقّي قد دفعَ بكثيرٍ من‬
‫ن من أمثالِ ميشيل بيكار ‪ M...Picard‬إلى التخلّي عن فكرة القارئ النظري وإلى توجيه اهتمامهم إلى‬
‫الباحثي َ‬

‫دراسة القارئ الحقيقيّ ذلك الفرد المَخلوق من لحمٍ ود ٍم والذي يأخذُ بالكتاب بين يديه‪ .‬وهؤلء يعتبرون أن تلك هي‬

‫ن مفهومَ‬
‫ي على نحو مفيد ويقو ُل بيكار ناطقا بلسان زملئه إ ّ‬
‫ص الدب ّ‬
‫الوسيلةُ الوحيدةُ التي تجعلنا نفهمُ قراءةَ الن ّ‬

‫القرّاء المُجرّدين كان بل ريبٍ خطوةً علميّةً هامةً قادت البحثَ النقديّ إلى المام‪ .‬ولكن اليغالَ في متاهاتِ المَرويّ‬

‫له المُجرّد ِة كالقارئِ القائم في النصّ أو القارئ الضمنيّ أو القارئ النموذجيّ وإلى غير ذلك من دقائقَ وتصوّراتٍ‬

‫ن للقارئِ الحقيقيّ‬
‫طريفة يبدو في كثي ٍر من الحيان وكأنه هروبٌ خجولٌ من مواجهةِ حقيق ٍة شائنة‪ .‬وهي‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أ ّ‬
‫جسدا يعيشُ فيه ويقرأُ فيه كذلك‪ .‬والقارئُ الحقيقيّ ليس أبدا روحا تائه ًة تنفلتُ في سماواتِ الحكاية دون ما قيدٍ‪.‬‬

‫ف وأهوا ٍء أو من أشكالٍ‬
‫إنّه إنسانٌ موجودٌ حقا ينفعلُ بصفته هذه أمام النصّ وأمام ما يقترحُه النصّ من عواط َ‬

‫فكريّةٍ وعقائديةٍ‪ .‬كيف نستطيع أن ندرسَ دراسةً مُثمِرةً رواية توفيق الحكيم عصفور من الشرق بدون أن نعملَ‬
‫ف القارئِ (وهو مخلوقٌ حيّ يتنّفسُ ويهتزّ انفعالً) فتُقحِمُ ُه في عالمِ الرواية‬
‫على اكتشاف الساليب التي تأخذُ بعواط ِ‬

‫جهُ‬
‫ي الذي يشعرُ به القارئُ حيالَ محسن‪ ،‬وهو نفو ٌر يُبرمِ ُ‬
‫إقحاما وتجعلُهُ مُتحفّظا قبالةَ نوايا الكاتب؟‪ .‬فالنفور الحقيق ّ‬
‫النصّ الروائيّ ذاته (إن كان على نحوٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ) هو الذي يجعلُ منه رمزا للتسامي ولقو ِة الفكر‪.‬‬
‫كيف نستطيعُ أن نُقدّ َر حقّ تقديرها روايةَ جرجي زيدان أسير المُتمَهدي‬
‫ع على نحوٍ خفيّ‪ ،‬وراءَ سلسلةِ‬
‫ن القارئَ الحقيقيّ مدفو ٌ‬
‫ب العقائديّ الكامنَ فيها؟ إ ّ‬
‫(‪ )1892‬إن أغفلنا الجان َ‬

‫ع مصر الخديويّة‬
‫المغامراتِ الحربية التي تغصّ بها الرواية ووراء قصّ ِة الغرام الذي يربِطُ بطليْها‪ ،‬إلى قبولِ مشرو ِ‬

‫وبريطانيا العظمى في احتلل السودان وبسطِ هيمنةٍ استعماريّةٍ غريبةٍ عليه؟‪.‬‬
‫ن على فعّاليّةِ البنيةِ‬
‫ص الدبيّ‪ .‬وليس يكفي أن نُبرهِ َ‬
‫إن النظريّات السرديّة ل تكفي وحدها للحاطةِ بك ّل أبعاد الن ّ‬
‫القصصيّة‪ .‬بل لبدّ لنا بعد ذلك أن نستخلِصَ تأثيرَها على القارئِ المحسوس ويبقى المرُ طبعا أن نعرفَ كيف نُحيطُ‬
‫بهذا القارئ تحليلً‪.‬‬

‫ف القارئ‬
‫‪ -4-2‬أطرا ُ‬
‫يقترح ميشيل بيكار في كتابه القراءة كلعبة أن نُميّ َز في كلّ قارئٍ ثلثةَ أطرافٍ أساسيّةٍ أو ثلث جهات‪ .‬فهناك‬
‫ئ الذي يُمسِكُ بالكتابِ أثناء المطالعةِ ويحافظُ على العلقةِ مع الوسط المحيطِ به‪ .‬وهناك الطرفُ‬
‫ف القار ُ‬
‫الطر ُ‬

‫ص الوهميّةِ ويستجيبُ إلى مؤثراته‪ .‬وهناك أخيرا الطرفُ النا ِق ُد الذي‬
‫اللواعي في القارئ والذي ينف ِعلُ ببنى الن ّ‬
‫ف عنايَته إلى إدراك تع ّق ِد النصّ‪ .‬وعليه فإن القراءة في نظام بيكار تبدو على أنّها علقةٌ مُعقّدةٌ بين ثلثة‬
‫يصرِ ُ‬
‫مستويات متباينةٍ في علقتها مع النصّ‪.‬‬

‫وليكن المقطعُ التالي الذي نقتبِسُه من سيرة ابن هشام‪:‬‬
‫"قال ابن إسحاق‪ :‬وقد كان ثابت بن قيسٍ بن الشمّاس‪ ،‬كما ذكر لي ابن شهاب الزهريّ‪ ،‬أتى الزبير بن باطا القُرَظيّ‪،‬‬
‫ض و َلدِ‬
‫وكان يُكنّى أبا عبد الرحمن‪ ،‬وكان الزبير قد منّ على ثابت بن قيس بن شمّاس في الجاهليّةِ‪ .‬ذكر لي بع ُ‬

‫خ كبيرٌ فقال‪)2(".. :‬‬
‫الزبير أنه قد منّ عليه يوم بُعاث‪ -‬أخذه فجزّ ناصيَته ثمّ خلّى سبيلَه‪ -‬فجاءه ثابتٌ‪ ،‬وهو شي ٌ‬
‫ت المذكورة‪ .‬فهذا النمطُ من الكتاب ِة الذي يُق ّدمُ للقارئِ‬
‫ولدينا في هذا المقط ِع شاهدٌ على النتقالِ الدائمِ بين المستويا ِ‬

‫ص ويع ّبئُ كلّ طاقته‪ .‬فإن كانت الجملةُ‬
‫خبرا يُلحِقُ ُه مباشرةً بخبَرٍ آخر يشرحُه أو يعدّل منه يعيقُ استكانةَ القارئِ للن ّ‬

‫ئ الذي‬
‫ف القار ِ‬
‫الولى تنتمي إلى الوهم السرديّ وتُبشّ ُر بمتعةِ الحكاية‪ -‬كان الزبير قد منّ‪ -..‬أي أنها تقصدُ طر َ‬

‫يستجيبُ لنداء السردِ‪ ،‬وإلى الطرفِ الذي يأخذُ بالكتابِ بين يديْه‪ ،‬فإنّ تعليقَ ابن إسحاق‪ -‬ذكر لي بعضَ ولد الزبير‬

‫ع النصّ المُع ّقدِ وبعلقته مع التاريخ‪.‬‬
‫ك بمجمو ِ‬
‫ن عليه يوم بُعاث‪ -‬يتوجّهُ إلى طرفِ القارئ الناق ِد الذي يمس ُ‬
‫أنّه قد م ّ‬
‫ويمكن أن نضرِبَ على ذلك مثالً آخر نأخذه من موسم الهجرة إلى الشمال وخصوصا الفصل السابع منها‪ .‬ففي هذا‬
‫المقطع يختلطُ خطابان ويتداخلن فيُؤثّ ُر كلّ منهما في الخر ويُظهِران بجلء العلق َة بين أطراف القارئِ الثلثة‪.‬‬

‫ت أشعّةِ الشمسِ الحارقةِ والصورُ المُلوّنةُ لنساءٍ عارياتٍ والجملُ المُتألّمةُ على لسان نُسوةٍ‬
‫فالهذيانُ المحمومُ تح َ‬

‫ب الذي يجتاحُ الراوي بسبب جنونِ مصطفى سعيد وهولِ‬
‫تُعذّبهُنّ الشهو ُة والثمُ يبدو ذلك كلّه تعبيرا عن الرع ِ‬
‫الرغبات التي أثارها‪ .‬ومن شأن هذا كلّه إقلق طرف القارئ الل واعي‪.‬‬

‫ولكن لقاء السيّارة الحكوميّة المُعطّلة وبها خمسةُ عساكر ثم قصّة المرأة التي قتلت زوجها توقفُ مؤقّتا سيلَ‬

‫ن هذا المشهدَ‬
‫الهذيان الذي يجتاحَ طرفَ القارئ الذي يُمسكُ بالكتاب ويعيه تما َم الوعي طرفُه الناقدُ الذي يُدركُ أ ّ‬
‫ص بجريمة القتلِ الطقسيّةِ التي سترتكبُها حسنة بنت محمود أرملةُ مصطفى سعيد‪.‬‬
‫إرها ٌ‬
‫ف ال ّولِ الماديّ أمرا ل ريب فيه‬
‫ولكن تقسيم بيكار هذا‪ ،‬وعلى أهميّته‪ ،‬يُثي ُر بعض التحفّظات‪ .‬فإن كان وجودُ الطر ِ‬
‫فإن مفهومَه ل يُساعدُنا كثيرا على تحليلِ النصّ بالمعنى الدقيق‪ .‬ويصعُبُ علينا كذلك أن نقب َل بمبدأ سلبيّة الطرفِ‬

‫الثاني‪ .‬ونرى أن هناكَ موقفا مُتوسّطا بين المُشارك ِة النقديّةِ في النصّ والستجابة السلبيّة لنداءاته‪ .‬ومن جهةٍ‬

‫أخرى إن كان ما يُميّزُ الطرفَ الثالثَ في القارئ هو أنه يتّخذُ بينه وبين النصّ مسافةً تساعده على النقدِ فإنه من‬
‫الضروريّ ول شكّ أن نُنشئَ درجاتٍ في تلك المسافة‪.‬‬

‫‪ -4-3‬أنموذجٌ يُستَك َملُ؟‬
‫ص الدبيّ‪ ،‬أي الحاطة‬
‫ئ بطبيعةِ الحال عن طريقته العامة في تحليلِ الن ّ‬
‫إن نظام بيكار الذي عرضناه فيما سبق ناش ٌ‬
‫بعمليّة القراءة بوصفها لعبة ذات قواعد‪ .‬ولكن إن طرحنا بعيدا عنّا هذه الطريقة في التحليل ورغِبنا أن نحيطَ إحاطةً‬

‫ف ال ّولِ القارئ‬
‫نظريّ ًة بمختلف الجهات القارئةِ لوجب علينا أن نعيد النظر في هذا النموذج‪ .‬فنُهمل مفهومَ الطر ِ‬
‫ونهذّبُ تعريفَ الطرفِ الناقد‪.‬‬

‫ي شيءٍ آخر‪.‬‬
‫نأ ّ‬
‫ص هو بناءٌ يُبنى قبل أن يكو َ‬
‫ب عنه أبدا أن الن ّ‬
‫لقد سبقَ لنا ورأينا أن طرفَ القارئ الناقد ل يغي ُ‬

‫ب الذي يقودُه من خلل‬
‫وكلّ بناءٍ يتطلّبُ مهندسا‪ .‬وعليه فإنّ عينَ هذا القارئِ مشدود ٌة على الدوام إلى طيفِ الكات ِ‬
‫علقاته مع النصّ‪ .‬ويُمكن أن يُنظَ َر إلى الكاتب بطريقتيْن‪.‬‬

‫ي وهو كذلك الجهةُ المُثقفةُ الواعيةُ التي تسعى من خلل‬
‫ف هو الجهةُ السرد ّيةُ التي أنشأت العملَ الدب ّ‬
‫ن المؤلّ َ‬
‫إّ‬

‫النصّ أن تنقلَ رسالةً ما‪.‬‬

‫ن أو ذو شخصيّتيْن‪ .‬فهو قارئٌ يلهو حين يحاولُ أن‬
‫وعليه فإننا نستطيعُ أن نعتبرَ أن الطرفَ القارئ ذو وجهيْ ِ‬

‫يُخمّنَ سياسةَ النصّ السرديّة وهو قارئٌ مؤ ّو ٌل حين يسعى إلى فكّ رموز الغاية التي يقصدها النصّ بأكمله‪.‬‬

‫إن قارئَ موسم الهجرة إلى الشمال يتسلّى مع الراوي الول ويحاولُ أن يتن ّب َأ بخاتمة مصطفى سعيد وبمصير‬

‫الراوي النكرة بينما يسعى إلى تحليل الرواية لستخلص ما تهدف إليه‪ .‬إن سؤال كيف ستنتهي مغامرة مصطفى‬
‫سعيد يرافقه باستمرار سؤالٌ آخر هو ماذا يُريدُ أن يقولَ لنا الطيب صالح من خلل سيرة بطله؟‪.‬‬
‫ف اللواعي الذي‬
‫ك النصّ من خلل صلتِه بمؤلّفه فإنّ الطر َ‬
‫وإذا كان طرفُ المشاطرةِ النقديّةِ في القارئ يُدر ُ‬
‫ب عالم الرواية بذاته ولذاته‪ .‬وهذا الطرفُ من القارئ هو الذي يقعُ في حبائلِ‬
‫يستجيبُ لبني ِة النصّ الروائيّ ِة يستوع ُ‬

‫ن عالم النصّ عالمٌ حقيقيٌ وموجودٌ حقا‪ .‬ولنه ينسى‬
‫ي الذي يجعله يحسب‪ ،‬خلل فترة القراءة‪ ،‬أ ّ‬
‫الوهم السرد ّ‬

‫ف هو الذي يجعلنا نتعاطفُ مع مصطفى سعيد ونثور‬
‫ص اللغويّة فإنه يُص ّدقُ ما يُقالُ له فيه‪ .‬وهذا الطر ُ‬
‫طبيعة الن ّ‬
‫لنهاية حسنة بنت محمود ونحسّ صقيع لندن يدبّ في أعطافنا‪.‬‬

‫وينبغي علينا كذلك أن نضيفَ تأثير بعض دوافعنا الغريزية اللواعية‪ .‬فثمّة مستوى من القراءة يجدُ القارئ في‬

‫ى أو انعكاسا لحلمه الخفيّة ولهلوسته التخيّليّة‪ .‬وعندها تنشُطُ علقةُ القارئ مع ذاته وعلقته‬
‫بعض مشاهده صد ً‬
‫ب القارئ لمشاهد العنفِ أو لوصف العلقات الغراميّة إلّ تنشيطا آنيّا لغرائزَ فيه أسكنتها‬
‫مع ل وعيه‪ .‬وليس انجذا ُ‬

‫التربيةُ والكبتُ‪ .‬وكذلك النزوعُ إلى السلطة ومراكز القوّة التي تحرّك بعض الشخصيّات الروائيّة فإنها ترضي‬
‫الرغبات الدفينة في القارئ‪.‬‬
‫‪ -4-4‬السُس النفسيّة‬

‫ن كلّ قارئٍ يحملُ في تكوينه كقارئٍ أطرافا أساسيّةً مُعيّنةً ثم العملَ على استخلص تلك الطراف وتحديد‬
‫ن الق ْولَ بأ ّ‬
‫إّ‬
‫معالمها يفترضان أن جميع القراء يمتلكون عددا من الثوابت النفسيّة المشتركة‪ .‬وفي حقيقة المر فإنّه ليس من‬

‫ن كلّ إنسان يحملُ بالضافة إلى‬
‫المُمكن أن نأمل بأن نحيط بعمليّة القراءة وأن نفهمَ إن غابت عنّا هذه المُسلّمة‪ .‬إ ّ‬
‫صفاته الشخصيّة الفريدة الفذّة عددا من الصفات العامّة الموجودة عند كلّ الخرين‪.‬‬

‫إنّ هذه الطريقة بتحليل نشاط القراءة تنسجم مع معطيات التحليل النفسيّ‪ .‬ونحن نعرف مثلً أن بعض مفاهيم‬

‫سيجموند فرويد تفترض بالفعل وجود وقائع نفسيّة ثابتة تجتاز التاريخ ويعرّف التحليلُ النفسيّ مثل الستيهامات‬

‫ظمُ‬
‫الولى بأنها البنى التخيّليّة الوهمية النموذجيّة (الحياة في بطن الم والمشهد الصليّ والخصاء والغراء) التي تُن ّ‬
‫الحياة الستيهاميّة لكلّ منا مهما كانت تجربتُه الشخصية‪.‬‬

‫ع بيولوجيّ وبسيكولوجيّ معا فإننا نضعُ في متناول يدنا الدوات اللزمة‬
‫ف القارئ الحقيقيّ على أنّه موضو ٌ‬
‫وإذ نعرّ ُ‬

‫التي نحتاجها لتحليل تجربة القراءة تحليلً دقيقا‪ .‬وإذا كان مفهومُ القارئ المُجرد يساعدُنا على فهم كيف يعملُ ظاهرُ‬
‫س جميعا يساعدنا‬
‫ن النظر إلى القارئ الحقيقيّ على أنه حامل لردود أفعال نفسيّة ولنزوات يشتركُ بها النا ُ‬
‫النصّ فإ ّ‬
‫على فهم كيف يعملُ باطنُ النصّ‪.‬‬

‫وبعد أن درسنا المروي له الخارجيّ‪ ،‬أي بعد أن رأينا كيف يتخ ّيلُ النصّ قارئه‪ ،‬علينا أن نحلّل الن كي يتصرف‬

‫القارئُ أمام الدور الذي يقترحه عليه النصّ‪.‬‬

‫ن المرويّ لـه في رواية دوستويفسكي ‪ Dostoieveski‬الجريمة والعقاب يشهد أحداثَ الرواية‬
‫ف مثلً أ ّ‬
‫نحنّ نعر ُ‬
‫من خلل زاوية راسكولنيكوف القاتل‪ .‬فهو يطّلع بذلك على خبايا نفسه ويدركُ مقدار عذابه‪.‬‬

‫ج هذا التفهّم لفعل آثمٍ يُدرَكُ من‬
‫ج هذه المعرفة الحميميةِ بذات القاتل على القارئ الحقيقيّ؟ ما هي نتائ ُ‬
‫ما هي نتائ ُ‬
‫ض بل ريبٍ في الحياة الواقعيّة؟‬
‫داخله ويُبرّرُ ولكنه يُرف ُ‬

‫ب على هذا النمطِ من التساؤلت‪.‬‬
‫ن تحليل القارئ على أنّه موضوعٌ بيولوجيّ وبسيكولوجيّ يمكن له أن يُجي َ‬
‫إّ‬

‫( هوامش الفصل الثانيّ‬
‫(‪ )1‬الجاحظ ‪ ،‬كتاب البخلء تحقيق طه الحاجريّ‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار المعارف بمصر‪ ،‬سلسلة ذخائر العرب‪ ،‬بدون تاريخ‪،‬‬
‫صفحة ‪.13‬‬
‫(‪ )2‬ابن إسحاق السيرة النبويّة برواية ابن هشام‪ ،‬تحقيق مصطفى السقّا وإبراهيم البياريّ وعبد الحفيظ شلبي‪،‬‬
‫القاهرة‪ ،‬شركة ومطبعة مصطفى الحلبيّ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ 1955‬الجزء الثاني‪ ،‬صفحة ‪.242‬‬
‫ص الدبيّ؟‬
‫الفصل الثالث ‪:‬كيف نقرأ الن ّ‬
‫‪ -1‬العلقة بين النص وقارئه‬
‫ص‬
‫‪-1-1‬نقصانُ الن ّ‬
‫إن الجابة على سؤال (كيف نقرأ نصا أدبيّا؟) تقتضي أن نحدّد نصيب كلّ من النص وقارئه في عمليّة تجسيد معنى‬
‫النص‪ ،‬أي في عمليّة إخراج المعنى من حالة الكمون إلى حالة الظهور‪ .‬فالقراءة ليست تلقيا سلبيّا أبدا‪ .‬وإنما هي‬

‫تفاعل خلّق ومشاركة حقيقي ٌة بين النص والقارئ‪ .‬والعمل الدبي يحتاج‪ ،‬تعريفا‪ ،‬وبسبب طبيعته وبنيته‪ ،‬إلى‬

‫مساهمة الموجّه إليه اليجابيّة‪ .‬فالعالم الذي يُنشئه النص ل يمكن له إلّ أن يكون ناقصا‪ .‬إذ أنه ليس من المستحيل‬

‫ل للعالم الواقعي‪ ،‬بل إنه من المستحيل كذلك أن نصف فيه‬
‫وحسب أن ننشئ عن طريق النص الدبي عالما كاملً بدي ً‬
‫العالم الواقعي وصفا شاملً جامعا وليس في مقدور الرواية قط أن تعرض كونا يختلف الختلف كلّه عن العالم الذي‬
‫نعيش فيه‪ .‬فحجم الكتاب وعدد صفحاته ل يبيح ذلك‪ .‬وهي كذلك ل تستطيع أن تذكر كلّ التفاصيل التي تتعلّق‬

‫بالوسط الذي نتحرّك فيه وإلّ صار الوصف بل نهاية‪.‬‬
‫ويكفي أن ننظر في شخصيّات العالم الروائي‪ .‬كيّ ندرك هذه الستحالة المركّبة‪ .‬فالنص الروائي يعجز عجزا كاملً‬
‫عن إبداع شخصيّات تختلف اختلفا كاملً عن الشخصيّات الحيّة التي يحتكّ بها القارئ في حياته اليوميّة‪ .‬بل وإن‬

‫أكثر المخلوقات غرابة‪ ،‬كتلك التي نجدها في روايات الخيال العلمي مثلً‪ ،‬تظلّ تحتفظ بصفات وخصائص يستعيرها‬

‫المؤلّف من تجربة العالم الحقيقي الواقعي وليست هذه المخلوقات في نهاية المطاف إلّ كائنات بشريّة مشوّهة‪.‬‬
‫ولنتأمّل وصف العفريت التالي من ألف ليلة وليلة‪.‬‬

‫"ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى عنان السماء ومشى على وجه الرض‪ ،‬فتعجّب غاية العجب‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫تكامل الدخان‪ ،‬واجتمع ثمّ انتفض فصار عفريتا رأسه في السحاب ورجله في التراب برأس كالقبة وأي ٍد كالمداري‬

‫ورجلين كالصواري وف ٍم كالمغارة وأسنان كالحجارة ومناخير كالبريق وعينين كالسراجين‪ ،‬أشعث أغبر‪)1("..‬‬
‫وهذه كلّها صفات بشريّة اكتفى الكاتب بتضخيمها‪.‬‬
‫وكذلك المر في كتاب زكريّا بن محمّد القزويني (‪ )1283-1201‬الشهير عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات‪.‬‬
‫فهو حين يريد وصف شياطين الدنيا الذين حشرهم ال أمام النبيّ سليمان يستعير التفاصيل من عالمي النسان‬
‫والحيوان‪:‬‬
‫"فرآهم سليمان على صور عجيبة‪ .‬منهم من كانت وجوههم في أقفيتهم وتخرج النار من فيهم‪ ،‬ومنهم من كان‬
‫يمشي على أربعٍ‪ ،‬ومنهم من كان له رأسان‪ ،‬ومنهم من كانت رؤوسهم رؤوس أسدٍ وأبدانهم أبدان الفيل‪ .‬ورأى‬
‫سليمان شيطانا نصفه صورة كلب ونصفه صورة سنّور وله خرطوم‬
‫طويل‪.)2("..‬‬
‫وسبب ذلك أنّه يستحيل على القارئ أن يتصوّر مخلوقا يختلف عنه كلّ الختلف! وكذلك يستحيل على المؤلّف أن‬
‫يصف وصفا كاملً إنسانا حقيقيا!‬
‫ولنفترض جدلً أن بإمكاننا وصف مظهره ورسم طباعه على نحو يقارب الحقيقية‪ ،‬فإنّه ينبغي علينا كذلك‪ ،‬من أجل‬
‫إنشاء صورته الكاملة أن نذكر كلّ العلقات التي تربطه بالخرين‪ ،‬وبألوف الشخاص الذين صادفهم في طفولته ثمّ‬
‫في صباه ومراهقته‪ ،‬والعلقات التي تشدّه إلى البيئة المحيطة به كالطبيعة والبحر والهواء والحرارة‪ ..‬إلخ وهذه‬
‫حلقات من سلسل ل تنتهي أبدا بالمعنى الحرفي الكلمة‪.‬‬
‫فأبو سفيان بن حرب (توفي نحو ‪ )652‬أو أميّة بن أبي الصلت‬
‫(؟‪ )630 -‬أو امرؤ القيس (‪500‬؟‪540 -‬؟) أو جبلة بن اليهم (توفي نحو ‪ )644‬هم فوق ما يصفهم به معروف‬

‫الرناؤوط (‪ )1948-1892‬في روايته سيد قريش (‪ .)1928‬وفي ما ينوف عن ‪ 480‬صفحة من القطع الكبير! (‪)3‬‬

‫والنبي العربي محمّد بن عبد ال هو أكثر مما يقوله عنه نفس الكاتب في روايته المذكورة ومحمّد ابن إسحاق‬

‫(توفي ‪ )767‬في تهذيب سيرة ابن هشام والواقدي (‪ )822 -747‬في المغازي معا‪.‬‬
‫فهؤلء الشخاص التاريخيّون يستمدّون كثافتهم وقوامهم من ثقافة كلّ قارئ عربي والتحامه بتاريخه وهم يعيشون‬
‫بكلّيتهم في ضميره‪ .‬وبما أنّ الرواية تعجز عن الحاطة الشاملة بهم فإن سيد قريش تسكن إلى معرفة قارئها‬

‫بتاريخه ليُكمل ما ل يذكره النص الدبي‪.‬‬
‫‪ -1-2‬التلقّي بصفته استكمالً للنصّ‪:‬‬

‫ن النص الروائي ناقصٌ بنيويا ول بدّ له من مشاركة القارئ‪ .‬ويمكننا القول بأن على القارئ أن يُكمل النص في‬
‫إّ‬
‫أربعة ميادين أساسيّة أل وهي ميدان الحتمال أو مشابهة الواقع‪ ،‬وميدان تلحق الحداث وتتابعها‪ ،‬وميدان المنطق‬
‫ل من هذه النقاط الواحدة تلو الخرى‪.‬‬
‫الرمزي‪ ،‬وأخيرا ميدان مغزى النص العام‪ .‬وسنناقش فيما يلي ك ً‬

‫وبما أنّه من المستحيل على المؤلّف أن يصف الشخصيّات الروائيّة أو إطارها الجغرافي أو الموقف الروائي وصفا‬
‫كاملً فإن القارئ يُكمل السرد من خياله حسب ما يظهر له على أنّه محتمل أو قريب الوقوع‪.‬‬

‫ولنقرأ كيف يصف لنا علي عقلة عرسان (‪ )1941‬زينب زوجة بطل روايته صخرة الجولن (‪ )1982‬حين يذكرها‬

‫للمرة الولى‪:‬‬

‫ي وهي تعود من الحصاد‪ ،‬ثوبها مغمس بالعرق‪ ،‬والتراب يكسوها حتى أخمص‬
‫"وتراقصت صورتها أمام ناظر ّ‬

‫قدميّها‪ ،‬وفمها ممتلئ بالغبار حتى لتغص به‪ ،‬ول يكاد وجهها الحبيب يظهر من بين طبقات التراب المتراكمة عليه‬

‫ورائحة الشقاء البشري تفوح منها إلخ" (‪ )4‬وهذا الوصف يكاد يخلو من إشارة واحدة إلى شخص زينب‪ .‬أهي‬

‫طويلة أم قصيرة؟ سمراء أم شقراء؟ ما لون عينيها؟ ما شكل أنفها؟ هل تقاطيع وجهها متسقة أم ل؟ هل وجهها‬

‫بيضاوي أم متطاول أم مستدير؟ الخ‪ .‬وبعد صفحات قليلة يضيف النص إشارة توحي بأكثر مما تُظهر‪:‬‬
‫"وعلى صفرة السى في الوجه النحيل تطفو بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء"(‪.)5‬‬
‫إن زينب الفقيرة التي تكافح أثناء غياب زوجها لطعام عائلتها الصغيرة تهم راوي علي عقلة عرسان أكثر مما‬

‫تعنيه صفاتُها الجسديّة‪ .‬وعلى القارئ بل ريب أن يستكمل ملمحها‪ .‬وهي ستبدو لغلب القرّاء امرأة ناحلة‪ ،‬سمراء‬

‫أو قمحيّة اللون وذات عينين واسعتين سوداوين ترتدي ثوبا طويلً غابت ألوانه‪ .‬الخ‪.‬‬
‫فالطار الجغرافي (حوران) الذي تشير إليه الرواية يفرض على القارئ مجموعةً من الصفات العامة التي يعرف‬
‫بثقافته أو يعتقد أنها تميّز هذه المنطقة من سورية‪ .‬وكذلك المر حين يتخيل بطلُ الرواية ابنه فإنه يقول‪:‬‬
‫"زيد بعيونه العسلية ووجهه الناعم وشعره السود الملس"(‪.)6‬‬
‫ول بد للقارئ هنا كذلك من أن يُكمل من خياله بقية ملمح الطفل‪.‬‬

‫وكذلك يهمل السرد عادة ذكر تفاصيل الحركات الثانويّة فيلجأ القارئ إ ّذ ذاك ومن تلقاء نفسه إلى إعادة تركيب‬
‫الوقائع وبناء مجموع الحركات الغائبة معتمدا في ذلك على منطق الحدث‪.‬‬

‫ولنأخذ على سبيل المثال وصف إطفاء اللفافة فهذه الحركة تفترض أن يمد المدخّن يده باللفافة التي يلتقطها بين‬

‫إبهامه وسبابته فيطفئ جذوتها بأن يسحق طرفها في المنفضة‪ .‬ولكن أحمد زياد محبك (حلب ‪ )1949‬يكتفي بجملة‬
‫قصيرة‪:‬‬
‫"وداد تُطفئ بقيّة سيجارتها"(‪.)7‬‬
‫أي أنه يكتفي بذكر حركة واحدة من مجموع الحركات الضروريّة لطفاء اللفافة ويقوم القارئ تلقائيّا بتخيل الحركات‬

‫الناقصة‪.‬‬

‫ونجد كذلك عند حسن حميد (‪ )1956‬الجمل التالية ولعلّه من أكثر الكتّاب لجوءا إلى هذا اليجاز الشديد‪:‬‬
‫ل فوق رجل ودخنّوا الراكيل كذلك"(‪.)8‬‬
‫"ووضعوا رج ً‬
‫وكل من هذه الجمل يصف جزءا واحدا من عمليّة معقّدة فيها كثير من الحركات ولكن القارئ يمل الفراغ من‬

‫مخيلته ومن ثقافته الحياتية‪ .‬ولكنّه قد يعجز عن ذلك فيبقى هذا الجزء من السرد غامضا يستغلق فهمُه عليه‪ .‬كما‬

‫ل ول كيف تدخّن!‬
‫هي حالة قارئ ل يعرف ما هي النرجيلة مث ً‬
‫ولكن السرد قد يتطلّب مساهمة القارئ في تخيّل مجموعة من الحداث أعقد بكثير مما ذكرناه ولننظر في المقطع‬
‫التالي من ابن إسحاق‪:‬‬
‫"قال ابن إسحاق‪ :‬وكان من حديث عبد ال بن سلّم‪ ،‬كما حدّثني بعض أهله عن إسلمه حين أسلم‪ ،‬وكان حبرا‬
‫عالما‪ ،‬قال‪ :‬لمّا سمعت برسول ال صلّى ال عليّه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنّا نتوكّف له‪ ،‬فكنت‬
‫مُسراّ لذلك‪ ،‬صامتا عليه حتى قدم رسول ال صلّى ال عليه وسلّم المدينة‪ ،‬فلّما نزل بقباء في بنى عمرو ابن‬

‫عوف‪ ،‬أقبل رجل حين أخبر بقدومه‪.)9("..‬‬
‫فهذا النص يتراكب في ثلثة طوابق‪ .‬فالراوي الول محمّد بن إسحاق بن يسار كتب مؤلفه في القرن الثاني للهجرة‬
‫‪/‬القرن الثامن للميلد ومات في بغداد (‪767‬م) والراوي الثاني عبد ال بن سلّم توفي في القرن الول للهجرة ‪/‬‬
‫القرن السابع للميلد (‪664‬م) وهذا بدوره يحكي قص ًة جرت معه قبل عام‬

‫(‪ )622‬سنة جاء الرسول العربي فيها يثرب‪ .‬وإذا استطاع القارئ أن يسافر عبر القرون من ابن إسحاق إلى ابن‬

‫سلّم ومنهما إلى رسول ال خلل بضعة أسطرٍ‪ ،‬ودون أن يشعر بانقطاع في الزمن أو في المكان السرديّين فلنه‬

‫استعان بثقافته التاريخية ومل بها الفراغ الذي يفصل بين الراويين والحداث التي يذكرانها‪.‬‬
‫ولقد يشير النص في أحيان كثيرة إلى شيء آخر غير ما يُظهره أو غير ما يظهر أنّه يعنيه‪ ،‬وهنا يتوجّب على‬

‫ك ألغاز اللغة الرمزية‪ ،‬ولكي يبلغ مراده هذا ل بد له أن يأخذ بعين العتبار انتقال النص من‬
‫الطرف المتلقّي أن يف ّ‬
‫السرد المباشر إلى اليحاء أو التشبيه أو التمثيل‪.‬‬

‫ل هو الشكل الفني‬
‫فالحب الذي يعيشه محسن وسليم وعبده في رواية توفيق الحكيم عودة الروح (‪ )1933‬مث ً‬

‫لمشاعر البورجوازيّة الصغيرة في مصر بعد الحرب العالمية الولى‪ ،‬وتعلّق محسن وأعمامه بسنّية‪ ،‬الفتاة التي‬

‫ترمز إلى مصر‪ ،‬هو الترجمة الروائية لتفتح المشاعر الوطنيّة عند تلك البرجوازيّة وبداية وعيها بانتمائها إلى‬

‫ماضٍ تليدٍ‪ .‬وبطبيعة الحال يمكن أن يرى القارئ العجول هذين الجانبين في عودة الروح على أنّهما منفصلن ل‬
‫علقة لولهما بثانيهما أو على أنهما لحظتان متعاقبتان أو متوازيتان في السرد الروائي‪ .‬ولكن قراءة يقظة يمكن‬
‫لها أن تزيح النقاب عن سلسلة المعادلت الرمزيّة تلك وعن دورها في تنظيم الحكاية‪.‬‬

‫وفي مكنة القارئ أخيرا أن يكتشف المعنى العام الذي أراد المؤلّفُ أن تحمله روايتُه‪ .‬ولهذا ليس على القارئ أن‬
‫يرصد تدخّل الراوي المقصود في النص وحسب وإنّما عليه أن يُحيط ببنية النص العامة كذلك‪.‬‬

‫ولقد بنى توفيق الحكيم مثلً روايته عصفور من الشرق على مجموعةٍ من المعارضات الجوهريّة والتي تتفرّع عنها‬

‫ت المنطق‪ .‬ول بد للقارئ من أخذها بعين العتبار ليدرك هدف الرواية العام أي‬
‫متناقضات أخرى ثانويّة ينظّمها ذا ُ‬
‫إدانة الحضارة الوربية الحديثة إدانةً شاملةً قاطعةً باسم قيم القرون الوسطى النخبوية الرستقراطية التي مثلها‬
‫الشرق بقسميه‪ ،‬البوذي من جهة ومجموعة الديانات الموحّدة من جهة أخرى‪ ،‬حسب ما يراه توفيق الحكيم‪،‬‬

‫ومثاقفة محسن بطل الرواية يُفترض بها أن تبرهن للقارئ على التناقض الجوهري القائم بين الشرق والغرب‪.‬‬
‫وهذه المثاقفة تتحقق خلل تجارب وفي ميادين تهدف إلى إبرازي التناقض الساسي‪.‬‬

‫ن السرة الفصول الستة الولى من الرواية ‪ .‬وهي تسعى إلى إقناع القارئ بتمزّق الروابط في صدر‬
‫يشغل ميدا ُ‬
‫الخليّة العائليّة الوربيّة‪ ،‬وتلخّص سيّدة فرنسية عجوز هذا الوضع بقولها‪:‬‬

‫"في زماننا كان البيت كل شيء! لقد ذهب كل شيء طيّب بذهاب زماننا‪ ..‬ولم تعد هنالك أسرة‪ ..‬الرجل والمرأة في‬

‫المصنع طول النهار‪ ..‬ول أمل في أن ينشأ الولد على الخلق القويم ‪ .‬يا له من زمن عجيب!"(‪.)10‬‬

‫وأما الميدان الثاني فهو ميدان العلقة بين الرجل والمرأة‪ .‬وفيها يمثّل محسن الرجلَ الشرقي وهو الطهر جُعل‬

‫إنسانا ورمز الشعر والفن والخيال‪ .‬وأمّا سوزان ديبون الفرنسيّة فهي ترمز إلى أوروبا وإلى نزوة الجسد وإلى لون‬
‫الصلصال المحترق‪ .‬وباختصار إلى الحيوانيّة الثقيلة والنانيّة المجرمة اللتين تسمان كل النساء وخصوصا نساء‬
‫أوروبا منهن‪ ،‬كما يرى توفيق الحكيم‪.‬‬

‫وأمّا تجربة المثاقفة الثالثة ونعني صداقة محسن المصري مع العامل الروسي المهاجر إلى باريس فتهدف إلى‬
‫رفض الفكر الوروبي الحديث برمته وإلى إدانته بشقيه اليساري واليميني الغربيّين معا‪.‬‬

‫وهذه السلسلة من المعارضات هي التي تقود القارئ إلى فهم غاية الكاتب من كتابه‪ :‬إدانةُ النموذج الحضاري الذي‬
‫تمثّله أوروبا الصناعيّة واستنكار افتتان النخبة الشرقيّة بمبادئها‪..‬‬

‫"كل هذا العلم الحديث الذي يبهرك ليس في حقيقته غير طريقة وأسلوب‪ .‬نعم إن الجديد حقا في العلم الوروبي‬

‫الحديث هو أسلوب التفكير المنتظم وطرائق البحث العقلي المرتب‪ .‬أما أكثر من ذلك فل [‪ ]...‬إنها مدنيّة ل تدرك‬
‫ول تعترف إل بما يقع تحت لمسها وبصرها ومنطقها‪ .‬ول تقوم إ ّل على عالم المحسوس‪ .‬وإنّي أص ّر على أن هذه‬

‫الحضارة إن هي إلّ مدنيّة ناقصة"(‪.)11‬‬

‫ولكن يندر في العادة أن يج ّد القارئُ في الرواية الناضجة هذه المعارضات الصريحة والمكشوفة‪ .‬وهي أكثر ما توجد‬
‫في الروايات التعليمية أو في الروايات التي تهدف بصورة أساسيّة إلى الدفاع عن قضيّة عقائديّة معينة‪ .‬وأمّا‬

‫الروايةُ الفنيّة الناجحة فإنها تكتفي عادةً بإشارات رقيقة أو بتلميحات لطيفة فتترك للقارئ مهمة أن يُنشئ بمشاركته‬
‫الفطنة معناها العام‪.‬‬

‫‪ -1-3‬الثابتُ والمضطرب‪:‬‬
‫ق حول قطبين أو‬
‫وإذا كان القارئ حرّا ومقيّدا في آن واحد خلل عمليّة القراءة الدبيّة فذلك لن تلقّي النص يتحق ُ‬
‫محورين أحدهما ثابت واضح ويقيني والخر قلق مضطربُ وظني‪.‬‬
‫ب الول فهو الماكن الصريحةُ في النص والمقاطعُ الواضحة فيه والحالت البيّنة به‪ .‬واستنادا إليها نتبين‬
‫وأما القط ُ‬
‫معنى النص العامَ‪ .‬وأمّا قطبُ التلقّي الثاني فهو المقاطعُ الغامضة والشارات المُلتبسة والتي تقتضي مساهمةَ‬
‫القارئ لتأويلها‪.‬‬

‫والمقاطعُ الواضحة التي تؤّول أو تُقرأ مباشرة هي تلك التي تنشأ على القواعد النصيّة وعلى قواعد السرد كما‬

‫أظهرتها المدارسُ ذات النزعة البنيويّة أو ذات التجاه الدللي‪ .‬وحين يكون أمامنا نصٌ كثيف يستغلق فهمُه فإنه‬
‫من المثمر في أحيان كثيرة أن نؤسس التأويلَ على وشائج التشابه في مقاطع النص أو على تعارضها واختلفها أو‬
‫على طريقة توزيعها وانتظامها انتظاما هرميّا‪.‬‬

‫ومهما يكن المرُ فإنه من الضروري أن نميّز في كل قراءة بين جهتين أو بعدين الولى هي تأويل يُبرمجه النص‬
‫ويفرضه على القارئ‪ ،‬والثانية تأويلٌ ل يتعلّق إلّ بالقارئ نفسه‪.‬‬

‫‪-2‬النص الدبيّ من حيث أنه "برمجة"‪.‬‬
‫‪"-2-1‬عقدُ" القراءة‬
‫إن النص الدبي "يبرمج" شكلَ تلقيه بأن يقترح على القارئ مجموعةً من القواعد العامة المتفق عليها وكذلك نقاطاً‬
‫يلتزم بالعمل بها وبتطبيقها‪ .‬وهذا ما أسماه النقّاد "بعقد" القراءة‪.‬‬
‫ويُحدّد النصُ الدبي على وجه العموم طريقةَ تأويله إذ ينخرط في نوع أدبيّ معين أو حين يتخذّ مكاناً له ضمن‬
‫المؤسسة الدبيّة الرسميّة‪ .‬فالنوعُ الدبي مثلً يحيل القارئ إلى مجموعة من القواعد التي تواضع النقّاد على أنّها تميز‬
‫هذا النوع عن غيره‪ .‬فيثير هذا عند القارئ توقعاً معيّنا‪ .‬ويجعله في حالة "نفسيّة"خاصة"‪.‬‬
‫فهو قد يتقبّل أن ينهض ميتٌ من قبره في الرواية الخيالية وقد ل يجد غضاضة في أن يظهر جني من قمقم أو أن يطير‬
‫بساطٌ يحمل رجلً حين يقرأ حكاية شعبيّة من حكايات ألف ليلة وليلة ولكنه سينكر هذه الحداث بقوة إذا وجدها أو ما‬
‫يماثلها في الرواية الجتماعية أو في الرواية الواقعية مما يكتبه عادة نجيب محفوظ! ولقد رضي القارئ السوري على‬
‫سبيل المثال أن يبعث زكريّا تامر عمر المختار أو يوسف العظمة من قبريهما هجاءً للواقع العربي المعاصر في بعض‬
‫قصصه الصغيرة الغاضبة‪ .‬ولكن هذا القارئ سيستغرب كثيراً إن رأى سيّارة مثلً في رواية جرجي زيدان )‪-1861‬‬
‫‪ (1914‬الحجّاج ابن يوسُف الثقفي )‪ (1902‬أو رأى جبلة بن اليهم يدخّن لفيفةً تبغ في سيد قريش لن هاتين‬
‫الروايتين التاريخيتين تتناقضان عندئذ مع حقيقة التاريخ الذي يقتضي نوعُهما الدبي أن تلتزما بها التزاماً صارماً‪.‬‬
‫وقد يحدث أن يكون النص غامضاً أو يصعب تصنيفُه بين النواع الدبية المعروفة أو أن يثير حيرة القارئ فعندها تتجه‬
‫أبصارُ هذا الخير نحو المؤسسة الدبيّة وهيئاتها ينتظر منها أن "تفتيه" حول شرعية النص الدبية أو أن تضمن له‬
‫على القل انتماءه إلى الدب‪ ،‬أيّ أنّه ينتظر منها شهادة "حسن سلوك" تمنحها لنصوص تثير ريبته وشكوكه‪ .‬وهذا ما‬
‫قامت به المؤسساتُ الدبيّة العربيّة في العقد الخامس من هذا القرن حين ظهرت كتاباتٌ من نوع جديد ل تنتمي إلى ما‬
‫كان يألفه القارئُ من النواع الدبية ول إلى ما كان قد تواضع عليه النقّاد في ميدان الشعر "فأفتى" بذلك المجددون‬
‫في الدب وقبلتها المؤسساتُ وأسمتها شعر التفعيلة وأدخلتها في صنف النواع الدبيّة الشرعيّة!‬
‫ت كذلك حين ظهرت بعضُ الروايات التجريبية التي كانت تعتمد ما كان كتابها يحسبون‬
‫وهذا ما قامت به هذه المؤسسا ُ‬
‫أنه تيار التداعي أو تيّار اللوعي‪ ،‬كنصوص إسماعيل فهد إسماعيل )البصرة العراق ‪ (1940‬كانت السماء زرقاء –‬
‫‪ 1970‬والمستنقعات الضوئيّة ‪ 1971‬والحبل ‪" 1972‬فقد أثارت حيرة بعض القرّاء وتحفظهم قبل أن تضمن الهيئاتُ‬
‫الدبيّة قيمة هذه النصوص الفنية‪.‬‬
‫والحق أن ميثاق القراءة ينعقد بين النص وقارئه في مكانين على القل‪ ،‬في فاتحة النص الدبي ومطلعه أولً‬
‫وفي هامشه ثانيا‪.‬‬
‫وينعقد ميثاق القراءة ويظهر على نحو ضمني وغير مباشر في مطلع النص ومستهلّه‪ .‬والسطر الولى من النص تحدد‬
‫بشكل حاسم طريقة تلقيه‪.‬‬
‫فهناك‪" :‬حدثنا عيسى بنُ هشام‪ :‬قال‪" … :‬الشهيرة التي تستهل أغلبَ مقامات بديع الزمان الهمذاني )‪(1007-969‬‬
‫وهناك قرينتها التي ل تقل عنها شهرة‪" :‬حدث الحارث بن همام‪ :‬قال ‪ "..‬التي تفتح مقامات الحريري )‪-1054‬‬
‫‪ (1222‬مع تنويعاتها حكى وروى وأخبر ‪ .‬وكلها تؤذن منذ مطلع النص بأننا نلجُ بفضلها باباً يقودُنا إلى عالم الكدية‬
‫والمغامرة الهازئة بالعراف والتقاليد الجتماعية‪ .‬وهناك كذلك "كان يا ما كان‪ ،‬في قديم الزمان‪ "..‬التي تهمسُ بها‬
‫جداتُنا حين يُدخلننا ج َو الحكاية الشعبية السحرية‪.‬‬
‫ولكن لمطلع النص وظيف ٌة أخرى‪ .‬وهو غالباً ما يحدد ميدانَ قراءة النص‪ .‬ولنعدْ إلى رواية علي عقلة عرسان فهي تبدأ‬
‫على النحو التالي‪:‬‬
‫"وقفتُ اليوم على سفح الجبل الذي ارتبطت به ارتباط جذر الشيح بالرض ونظرت من فوقه باتجاه الشرق كما هي‬
‫عادتي منذ أصبح الجبل الدنيا بالنسبة لي‪ .‬كانت القرى والمزارع على مد النظر‪ ،‬منبطحة تحت مرمى ذراعي ككائن‬
‫جريح‪.(16)"..‬‬
‫فالكاتب يرمي بقارئه رميًا ل هوادة فيه في عالم واقعي تغشاه نزعةٌ عاطفية أليمة‪ :‬رجلٌ ينتصب واقفاً على جبل يشرف‬
‫على وادٍ كأنه حارس للرض والسماء معاً يضرب بجذوره عميقاً في أرض الوطن وتاريخه‪ .‬إنه رمزٌ للمقاومة‬
‫وللصمود يغرس في زمن الرواية ولكن هذا ل يحيط به‬
‫ثم يضيف علي عقلة عرسان‪ ،‬اعتباراً من السطر الثامن‪ ،‬تفاصيل جديدةً تحدد انتماء هذا الرجل الجتماعي‪ :‬فلّح فقير‬
‫أرغمته ظروفُ الحياة القاسية على الغتراب بعيداً عن أسرته وقريته قبل أن يلبي نداء الوطن‪ .‬وهذه العناصر تشكلُ‬
‫الطار الدللي الذي ستنمو فيه أحداثُ الرواية‪.‬‬
‫وأخيراً فإن عقد القراءة ل يفتأ يظهر طيلة النص من خلل التزام هذا الخير بمجموعة من القواعد والعراف وتقيده‬

‫‪-3‬دور القارئ‬
‫‪ -3-1‬الستباق والتبسيط‬
‫إن الستباق والتبسيط هما ردّتا فعل القارئ الساسيتان أمام النص الدبي‪ .‬وهما قائمتان في صلب عملية القراءة‬
‫والتأويل‪ .‬ويمكن تفسيرُ ذلك بفضل واحدٍ من مبادئ النشاط اللغوي الجوهري التي كشفت عنها اللسنية الحديثةُ‪.‬‬
‫لكي يفهمَ الموَجّه إليه مقولةً ما ل بد له من إدراك النيّة الكامنة خلفها‪ .‬وعليه ما إن يفتح القارئُ كتابا حتى ينشئ‬
‫فرضيّةً حول مضمونه العام وبمعنى آخر فإنه يشرع فورا في استباق المضمون السردي وبالتالي في تبسيطه‪ .‬فهو‬
‫ل أو تطورات الحكاية‪ .‬وهو يصوغ‬
‫إذ يُنشئ في قرارة نفسه فرضي ًة حول النص فهو يستبق أحداثَ الرواية مث ً‬
‫فرضيته على نحو مبسط كما لو كان يطرح على نفسه أسئل ًة من طراز‪ :‬ع ّم يتحدّث الكاتبُ؟ ماذا يقصد؟ ويحاول‬
‫الجابة على ذلك‪ :‬أغلب ظنّي أنه يتحدّث عن كذا وكذا‪ .‬أو يبدو لي أنّه يريد كيْت وكيْت‪.‬‬
‫فلقد يفترض القارئ أمام رواية عبد الكريم ناصيف (سلميّة‪ ،‬سوريّة‬
‫‪ )1939‬المخطوفون (‪ )1991‬أول ما يفترض أنها رواية مغامرات يُخطف فيها أشخاص عديدون وأن الرواية‬
‫تعرض ما جرى لهؤلء المساكين من وقائع ومصائب! وقد تتعزّز فرضيّته عند قراءة السطور الولى من مقدمة‬
‫محمد توفيق البجيرمي التي يذكر فيها الدويسة ورحلت غليفر ثم رحلت الفيلسوف الغريقي لوسيان السمياطي‬
‫ومغامرات سندباد جميعا! ولكن الوحدات المعنوية التي تنتظم الفصل الول من الرواية تجعل القارئ يرمي بعيدا‬
‫فرضيته الولى ليدخل في عالم سردي آخر‪ .‬ولينشئ فرضيةً جديدةً تتوافق مع معطيات الفصل الول‪.‬‬
‫وأما نزع ُة التبسيط فإنها تكشف في حقيقة المر عن ضرورة الفهم التي ترتبط ارتباطا عضويا بعملية القراءة‪.‬‬
‫والقارئ إذ يحتاج إلى معرفة أين تقودُه خطاه في طرق النص يميل باستمرار إلى التبسيط‪ .‬فبينما يسعى الكاتبُ‬
‫الفطن دائما إلى مضاعفة النظمة الرمزية وإلى تعقيد البنية الدلليّة قدر إمكانه يسعى القارئ إلى اختزالها‬
‫وتبسيطها قدر إمكانه كذلك‪.‬‬
‫إن الميلَ إلى تعقيد صفات الشخصية الروائية ومطاردة دقائقها واليحاء بخفاياها ومكامن نفسها هو ما يميّز الكاتب‬
‫في حين أن القارئ يميل دائما إلى إهمال التفاصيل ورقائق اللوان فيراها بيضاء أو سوداء‪ ،‬خيّرةً أو شرّيرةً‪،‬‬
‫شرقي ًة أو غربية‪.‬‬
‫وحين يقصر بالقارئ علمُه فيعجز عن استكشاف معنى النص الحقيقي يلجأ عندها إلى تأويله تأويلً رمزيا‪ .‬فإن‬
‫جعلنا عنوانُ رواية جيمس جويس‬
‫(‪ )1882-1941‬أوليس (‪ )1922‬نظن أن هناك علقة ما بين أوليس هذا والوديسة فما أسرع ما‬
‫نكتشف أن الطار الزماني والمكاني اللذين تنتشر فيهما الرواية النكليزية ل يمتان بصلة إلى ملحمة الشاعر‬
‫الغريقي‪ .‬وأن علينا‪ ،‬لفهم النص على حقيقته أن نؤوله تأويلً رمزيا أي على أنه أوديسة عصرية وهي طواف‬
‫بطلها بلوم في أرجاء مدينة دوبلن اليرلندية‪ .‬ونشعر بذات الضرورة أمام عنوان ابن عربي يترجم أشواقه (فواز‬
‫حجو‪ ،‬اتحاد الكتاب‪ ،‬دمشق ‪ )1994‬وصقر قريش وحيدا (خالد سلمة الجويشي اتحاد الكتاب‪ ،‬دمشق‬
‫‪ )1993‬أو تداعيات بين يدي أبي العلء المعري التي سبق ذكرُها‪.‬‬
‫‪ -3-2‬القراءة بصفتها تو ّق ٌع‬
‫وبسبب نزوع القارئ إلى استباق أحداث الرواية تبدو القراء ُة وكأنها امتحانٌ مستمر يفرضه النصُ لتقييم قدرات‬

‫هوامشُ الفصل الثالث‪:‬‬
‫‪1‬ـ ألف ليلة وليلة‪4 ،‬أجزاء‪ ،‬بيروت‪ ،‬المكتبة الثقافية‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،1981 ،‬الجزء الول‪ ،‬ص ‪.25‬‬
‫‪ 2‬ـ مجاني الب شيخو‪ ،‬بإدارة فؤاد أفرامِ البستاني‪ 5 ،‬أجزاء‪ ،‬بيروت‪ ،‬المطبعة الكاثوليكية ‪ ،1966‬الجزء‬
‫الخامس‪ ،‬ص ‪.281‬‬

‫‪ 3‬ـ معروف الرناؤوط‪ ،‬سيد قريش‪ ،‬بيروت‪ ،‬الطبعة الثالثة‪ ،‬دار القلم‪4 ،1971 ،‬أجزاء في مجلدين‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ علي عقلة عرسان‪ ،‬صخرة الجولن‪ ،‬دمشق‪ ،‬اتحاد الكتاب العرب‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪ ،1987‬ص ‪.13-12‬‬
‫‪ 5‬ـ صخرة الجولن‪ ،‬ص ‪.16‬‬
‫‪ 6‬ـ صخرة الجولن‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫‪ 7‬ـ أحمد زياد محبك‪ ،‬الكوبرا تصنع العسل‪ ،‬حلب‪ ،‬دار القلم العربي‪ ،1996 ،‬ص ‪.18‬‬
‫‪ 8‬ـ حسن حميد‪ ،‬تعالي نطير أوراق الخريف‪ ،‬دمشق‪ ،‬اتحاد الكتاب العرب‪،1992 ،‬‬
‫ص ‪.29‬‬
‫‪ 9‬ـ السيرة النبوية لبن هشام‪ ،‬القاهرة‪ ،‬جزءان‪ ،‬مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي‪ ،‬الطبعة الثانية ‪،1955‬‬
‫الجزء الول ص ‪.516‬‬

‫‪10‬ـ توفيق الحكيم‪ ،‬عصفور من الشرق‪ ،‬القاهرة‪ ،‬المطبعة النموذجية‪ ،‬بدون تاريخ‪،‬‬
‫ص ‪.45-44‬‬
‫‪11‬ـ عصفور من الشرق‪ ،‬ص ‪.190-189‬‬
‫‪12‬ـ صخرة الجولن‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬صفحة الغلف الخيرة‪.‬‬
‫‪13‬ـ عبد ال بن المقفع‪ ،‬كليلة ودمنة‪ ،‬نشر الب لويس شيخو‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار المشرق‪ ،‬الطبعة الثامنة‪ ،1969 ،‬ص‬
‫‪.59‬‬

‫‪ 14‬ـ الجاحظ ‪ ،‬كتاب الحيوان‪ ،‬تحقيق وشرح عبد السلم محمد هارون‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الجيل‪ ،1988 ،‬ص ‪.43-3‬‬
‫‪ 15‬ـ سيد قريش‪ ،‬ص ‪.24‬‬
‫‪16‬ـ صخرة الجولن ‪ ،‬ص ‪.7‬‬
‫‪17‬ـ حنا مينة‪ ،‬الشراع والعاصفة‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الداب‪ ،‬الطبعة الخامسة ‪.1986‬‬
‫‪18‬ـ عمر بن أبي ربيعة‪ ،‬الديوان‪ ،‬تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الندلس‪ ،‬بدون تاريخ‪،‬‬
‫القصيدة‪ ،‬رقم ‪ ،33‬ص ‪.151-150‬‬

‫‪19‬ـ المجاني الحديثة‪ ،‬الجزء الثالث‪ ،‬ص ‪.143‬‬
‫‪20‬ـ نجيب محفوظ‪ ،‬اللص والكلب‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مكتبة مصر‪ ،‬بدون تاريخ‪ ،‬ص ‪.36‬‬
‫‪21‬ـ محمد حيدر‪ ،‬رأي في صخرة الجولن في مجلة الكاتب العربي‪ ،‬دمشق‪ ،‬اتحاد الكتاب العرب‪ ،‬العدد رقم ‪ ،5‬عام‬
‫‪ ،1983‬ص ‪ 92-75‬ا‪.‬ه‪.‬‬

‫‪22‬ـ صخرة الجولن‪ ،‬ص ‪.7‬‬
‫‪23‬ـ الكوبرا تصنع العسل‪ ،‬ص ‪.7‬‬
‫‪24‬ـ علي عقلة عرسان‪ ،‬تحولت عازف الناي‪ ،‬دمشق‪ ،‬اتحاد الكتاب العرب‪.1993 ،‬‬

‫الفصل الرابع ‪ :‬ماذا نقرأ في النص الدبي‬
‫‪ -1‬مستويات القراءة‪:‬‬
‫ت القراءة هي قديمةٌ ِق َدمَ‬
‫إِننا نقرأُ دائماً عدّة أشيا ٍء معاً في نصّ ما‪ ،‬وفكرةُ تعدّد معاني النصّ الواحدِ أو تعدّد مستويا ِ‬
‫القراءة ذاتِها‪.‬‬
‫ق كان التدريسُ مُدرِكاً للصعوبات التي يُثيرُها تأويلُ النصوصِ ويُؤكّد على ضرورةِ العتمادِ على منهجٍ واعٍ‬
‫ومنذ الغري ِ‬
‫في القراءة‪ .‬وكان السوفسطائيون أولَ من وضع قواعدَ ذلك المنهج وجاء بعدهم أرسطو‪ ،‬ومؤلّفاتهُ ونخصّ منها كتاب‬
‫البلغة وكتاب الشعر‪ .‬وثبتَ عندهم أن القافيةَ ووقعَها على نفس القارئ"‪ ،‬وأسلوبَ المؤلّفِ وفنونَ الخطابةِ والبديع‪،‬‬
‫كلّ ذلك عناصرُ موضوعيةٌ نستطيع بفض ِلهِا إنشاءَ تحلي ٍل للنصّ وبالتالي أن نقبضَ على ناصيةِ معنىً من شأنِهِ الفلت‬
‫أبداً‪.‬‬
‫ولقد قطعَ فقهُ اللغة مرحلةً جديدةً في عهدِ أوج السكندرية وازدهارِها أيام البطالمة )بين القرن الرابع والول قبل‬
‫الميلد(‪ ،‬فقد كان تجميعُ التراث الدبي الغريقي وتصنيفهُ في صدور مكتباتِها يقتضي نشاطاً فكرّيا ونقديّا كبيريْن‪ .‬ولم‬
‫تكن غاي ُة عل ِم اللغةِ عند كتّابها تحقيقَ النصوص الدبية المحمولة من كل الصقاع وحسب وإنما تحليلَها وتأويلَها‬
‫ونقدَها‪ .‬وكان نهجُ علماء السكندرية في ذلك صارماً يسعى إلى التدقيقِ ومقاربةِ ظاهر النصّ فكانَ ذلك إيذاناً بالقطيعة‬
‫مع التقاليد اليونانيةِ التي أسسها الرواقيون‪ ،‬ويرفع لواءَها علماءُ بيرغاموس في آسية الصغرى الغريقية وكانت‬
‫تزاحمُ مدينة السكندرية على الصدارة‪ .‬وكان هؤلء يدعون إلى تأويل النصوص تأويلً مجازياً ويعملون على إظهار‬
‫معنى النصّ الخفيّ وكشف النقاب عن نيّةِ الكاتبِ ومراميهِ الخبيئة‪ .‬وكانت نصوص هوميروس بطبيعةِ الحالِ مادّة‬
‫دراستهم المفضّلة‪.‬‬
‫والحقيقةُ أن هاتين المدرستين ورغم البون الشاسع بينهما كانتا تطلبان أمرا واحدا هوإيجادُ طريقةٍ في‬
‫ب كلّ منهما الخرى‪.‬‬
‫التأويلِ تلمّ بكلّ أبعاد النص الدبي‪ .‬وسوف تُخصِ ُ‬
‫شئُ منهج ًا‬
‫وأما في العصور الوسطى الوروبيةِ فإن تأويلَ التوراة بشقيْها العهد القديم والعهد الجديد‪ ،‬هو الذي سيُن ِ‬
‫تفسيرياً حقيقياً‪ .‬وكان هذا يُميزُ بين أربع مستويات في معنى تلك النصوص المقدسة‪ .‬فهناك المعنى "الحرفي" )أي‬
‫القصة المحكيّة(‪ ،‬والمعنى "المجازي" )العهدُ القديمُ يُبشّر بالعهد الجديد(‪ .‬والمعنى "الوعظي" )مغزى القصةِ‬
‫الخلقي(‪،‬وأخيراً المعنى "الباطني" )قيمةُ الرسالة التوراتية عند خاتمة النسان(‪.‬‬
‫ص الدبيةِ الدنيويةِ‪ .‬وكان دانته الياري )‪،(1321-1265‬‬
‫ثم ما لبثَ هذا المذهبُ في التفسيرِ أن راحَ يُطبّق على النصو َ‬
‫يُطالب بأن يُطبّق النقّاد كذلك منهجَهم هذا على ملحمته الشعرية اللعوبة اللهية‪.‬‬
‫وأمّا في ميدان الحضارة العربية فنستطيع القولَ بأن كلّ علوم اللغة العربية وربما كذلك كل علوم الثقافة السلمية قد‬
‫س لهذه الحضارةِ وتأويلهِ ونعني القرآن الكريم‪ ،‬ووضع منهج‬
‫نشأت في أول عهدها حول مسألة قراءة النص المُؤسّ ِ‬
‫علمي في التفسير‪.‬‬
‫ولقد بدأَ الجدلُ الفكري منذ العقد الخامس من القرن السابع الميلدي أي بعد مقتلِ الخليفةِ الثالث عثمان بن عفّان‬
‫وانقسام المّة إلى أحزاب وشيعٍ يبذلُ أنصارُها ك ّل جهدهم لتبرير مواقفهم السياسيةِ تلك بآياتِ القرآن‪ ،‬وبنصوص‬
‫ض دعاوى الخصمِ‪.‬‬
‫الحديث يفسّرونها ويُؤولونَها لدعم قضيتِهم أو لنق ِ‬
‫ثم ظهرت مع اتساع رقعة الدولة العربية ودخول أمم أخرى ذات لغات غير العربية وثقافات مختلف ٍة وانتشار السلم‬
‫كدين للدولة الجديدة قضايا جديدةٌ ومسائل طريفة سُ ِئلَ النصُ القرآني عن إجابة لها وظهرت مذاهب في تأويل القرآن‬
‫عديدةٌ تعتمدُ على أسس فكرية وطرق علميةٍ مختلفةٍ‪.‬‬
‫فكان ما أسمي بالتفسير بالمأثور‪ .‬وأجلّها تفسيرُ ابن جرير الطبري )‪ ،(923-839‬جامع البيان في تفسير القرآن‪ .‬وقد‬
‫عرض فيه لقوال الصحابة وآرائهم وذكر بعض وجوه العراب والقواعد لتعزيز هذا التأويلِ أو ذاك ولتفضيل هذه‬
‫القراءة على غيرها‪ .‬ومن التفاسير بالمأثور تفسير ابن كثير‪ ،‬في القرن الرابع عشر وكتاب السيوطي )‪-1407‬‬
‫‪ ،(1475‬الدرِ المنثورِ في التفسير بالمأثور‪.‬‬
‫وكان ما أسمي بالتفسير بالرأي‪ .‬وقد أثار جدلً شديداً بين العلماء فمنهم من حرّمه ومنهم من جوّزه‪ .‬ولكن اختلفهم كان‬
‫يقوم في الحقيقة حول شروط القراءة والقواعد التي ينبغي الخذ بها حين التأويل وليس حول مشروعية تعدد قراءات‬
‫القرآن الكريم‪ .‬ولقد يستطيع القارئُ الراغبُ في معرف ِة هذا الجدلِ وبمختلف شروط النهج التي لبد منها لقبول التفسير‬
‫بالرأي أن يعود إلى مؤلّف قاضي دمشق بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي )‪ ،(1391-1344‬البرهان في علوم‬
‫القرآن )‪ (1‬وأشهر التفاسير التي تتوافر فيها تلك الشروط تفسيرُ فخر الدين الرازي )‪ ،(1209-1149‬المسمى مفاتيح‬
‫الغيب والمشهور بالتفسير الكبير‪ ،‬وتفسيرُ عبد ال بن عمر البيضاوي )توفي نحو ‪ ،(1282‬المسمى أنوار التنزيل‬

‫‪ 2‬ـ القراءة الجابذة أو التوحيدية‪:‬‬
‫س لك ّل هذه القراءات الممكنة ذات‬
‫إذا كان النصّ يضع القارئَ أمام سبلٍ في القراءةِ متعددةٍ فإنّهُ من الكيد أن لي َ‬
‫الهميّةِ‪.‬‬
‫ن نقرأَ وقد وضعْنا كمسلم ٍة وجودَ معنى جوهريّ أو أصليّ تتعّلقُ به المعاني الخرى أو تنبثقُ عنه‬
‫ن نستطيعُ أ ْ‬
‫ونح ُ‬
‫ئ "العادي" تلقائيا مع النص‬
‫ج ُم فروعُ الشجرةِ المختلفةِ عن أصلٍ واح ٍد أساسي‪ .‬وهذه العلقةُ التي يُنشئِها القار ُ‬
‫كما تن ُ‬
‫يداف ُع عنها بعضُ النقّادِ اليوم ويجعلون منها أساسَ العمليةِ التأويليةِ‪.‬‬

‫ويُطلقُ هذا التّيارُ النقديّ على أنصا ِرهِ اسمَ الهرمونوطيقيين‪ .‬وهذه الكلم ُة الخيرةُ من أصلٍ يوناني وتعني التعريف‬

‫بالشيء والبانةَ عنه ونقلَ ُه وترجم َتهُ أو ترجم َة معانيهِ‪ ...‬وهذا المذهبُ في تأويل النص الدبي يعت ِم ُد مبدأ التماسكِ‬
‫ص المتفرّقةِ على ضو ِء الهيكل العام‪ .‬وهو يرى أنه مهما تباينت هذه‬
‫والترابطِ‪ .‬أيّ أنّه يوجبُ تأويلَ عناصرِ الن ّ‬

‫جعَ العم َل الدبيّ إلى النّيةِ التي أنشأته وإلى أصلِ ِه الوّل أو جذرهِ‬
‫القراءاتُ فيما بينها فإنه من الممكنِ دائما أَنْ ُنرْ ِ‬
‫العميقِ الذي يضمنُ وحدةَ أجزائِ ِه ووحدةَ معانيه المتفرّقة‪.‬‬
‫ي لِيستكشف مركزَه الباطني الحيّ‪.‬فعليه أن‬
‫ك سطحَ العمل الفن ّ‬
‫وواجبُ الباحثِ حسب هذه المدرسة النقدية هو أن يتر َ‬
‫ص والفكار المنثورة الظاهرة ثم يجمعَ تلك التفاصي ِل وهذه الفكارَ ويحاول أن‬
‫ح الن ِ‬
‫يرصدَ التفاصي َل البينةَ على سط ِ‬
‫لقٍ واحدٍ كان ول ريب يقودُ قلمَ المبدع حين يكتب‪ .‬وعلى الباحث بعدها أن يمضي إلى ميادين‬
‫ينظمها في مبدأ خ ّ‬

‫الملحظة ليتحقق إن كان "الهيكل الداخلي" الذي كشف عنه يفسر كل أجزاء النص الدبي‪ ،‬وبعد محاولتين أو ثلث‬

‫يستطيع الناقد أن يعرف إن كان قد بلغ قلب العمل الدبي النابض واكتشف كوكب نظامه الشمسي وسيعرف عندها‬
‫إن كان مبدأُ تأويله قائما في مركز دائرة النص أو في نقطة ما على محيطه‪..‬‬

‫فدراسة "الجزئيات" عند أبي عثمان بحر الجاحظ (‪775‬؟ ـ ‪868‬؟)‪ ،‬وتنظيم "التفاصيل" التي تمل كتاب الحيوان حسب‬
‫أنواعها أو منطق استحضارها في النص ودراسة تد ّرجِ المعاني والصور وتصاعِدها عند ابن الرومي (‪)896-835‬‬
‫تساعدنا بفضل مقاربات متلحقة على فهم شامل لدب الرجلين‪.‬‬

‫إن النقد الهرمونوطيقي يسعى إذن إلى إنشاء قراءة تأويليّة مركزية وعقلنية تربط كل تفاصيل النصوص المعقّدة‬

‫بخط معنوي توحيدي‪ ،‬وهذا المبدأُ المُوحّد الذي يُنظّم القارئ بموجبه تأويله هو الموضوع الذي يسكن كل زوايا‬
‫الكتاب ويتكشف فيها‪..‬‬
‫وأبعدُ النصوص عن النزعة الذاتية‪ ،‬وأفقرُها بالقيم الشخصية كتلك التي تلتزم المواضيع المطروقة والشكال‬

‫المألوفة (كالنسيب في القصيدة الجاهلية مثلً)‪ ،‬لبد وأن يختلج فيها وعلى نحو خفي نشاطٌ روحي مركزي يشد إليه‬

‫أطراف القطعة شدا قويا مع كل ما تحمله من أفكار وعواطف وخطرات‪ .‬فخلف تعدد المواضيع في القصيدة التقليدية‬

‫الجاهلية تكمن فكرةٌ موجّهةٌ قد تكشف عنها القراءة المُتأنيةِ كما فعل طه حسين حين درس لبيد (‪560‬؟‪661-‬؟)‪،‬‬

‫وطرفة بن العبد (‪543‬؟‪569-‬؟)‪ ،‬وزهير بن أبي سلمة (‪530‬؟‪627-‬؟)‪.)5(... ،‬‬

‫ع الذي يسكن كل زوايا الكتاب هو الكاتبُ نفسه وقد انتقل إلى داخل مؤلّفه وعاش‬
‫وليس يسعنا أن ننكر أن الموضو َ‬
‫في ثنايا كتابه‪ .‬وبطبيعة الحال فإننا ل نقصد هنا شخص المؤلّف كما يظهر لنفسه وفي مرآة ذاته أو في عيون‬

‫الخرين محدودا في الزمان والمكان مشغولً بمتاعب الحياة اليومية‪ .‬وإنما المقصودُ بالمؤلف ذاتُه العميقة الفاعلة‬

‫وعقله الخلّق وهو يُع ِم ُل الفكر واعيا وقد التحم بنصه وبكل الشياء التي اختار مواجهتها التحام الرض بالجذر‪.‬‬

‫ليس الجاحظ الذي يعنينا هو الرجل المريض بالنقرس والمصاب بالفالج أو الذي ترك حاميه ابن الزيات حين نكبه‬

‫الخليفة المتوكل لنه ل يريد أن يكون "ثاني اثنين إذ هما في التنور"! هذا هو أبو عثمان عمرو بن بحر من موالي‬
‫كنانة‪ .‬وأما الجاحظ فهو الفكر الوثّاب والذهن المتقد والناظم المُبدِع الذي ينفث في كتابه قوة ذاكرته وفضولهِ‬

‫الموسوعي ودقة ملحظته وسلمة منطقه وقدرته على المحاجة والقناع وتوليد الفكار‪.‬‬
‫إن قراءة النص الدبي تعني إذن أن ندرك حضور الكاتب في داخله‪..‬‬

‫ص ليس والحق يُقال اعتقادا يختصّ به أنصارُ مذهبِ التأويلِ‬
‫إن العتقادَ بوجودِ معنى أصلي يكون مفتاحا لقراءةِ الن ّ‬
‫الهرمونوطيقي دونَ غيرهم ونحن نجدُ هذه الرؤية لمعنى يسكنُ النصّ كحقيقتِ ِه الولى في عل ِم الدللت البنيوي‪.‬‬

‫وإنّ مفاهيمَ كمفهوم "البنية الدللية العميقة" أو مفهومَ "جوهر المضمون"‪ ،‬والتي َقبَسْتها اللسني ُة البنيويّةُ من‬

‫اللسنية التوليديّة توحي كلّها بوجود مضمونٍ يحجبُ ُه الشكلُ‪ .‬فيكونُ هدف القراءةِ إ ّذ ذاك هو كشف الغطاء عنه‪...‬‬
‫ض وجودَ مستوى سرديٍ ظاهرٍ يقابلُ ُه مستوى قائمٌ في الصل فكأنّه جذرٌ‬
‫وهذه الطريقةُ في النظ ِر إلى النصّ تفتر ُ‬
‫سدَ وتظهرَ على سطح المستوياتِ التالية‪ .‬وعليه‬
‫بنيويٌ عامٌ تنتظم فيه المكانياتُ السرديةُ في حال ِة كمون قبل أن تتج ّ‬
‫ففي كلّ نصّ من أنواع الدب التخيلي‪ ،‬حسب هذه المدرسة‪ ،‬معنى أوّليّ وعامٌ يستطيع كلّ قارئٍ أن يدركَهُ!‪...‬‬

‫‪ 2‬ـ ‪ 1‬ـ تأويل النص وثوابت الحياة النفسية‪:‬‬
‫إنّ مقاربةَ التحليل النفسي للنصوصِ الدبيةِ تنطوي في هذا التيّارِ النقدي العام الذي يبحثُ عن جذرٍ تأويلي‪....‬‬
‫ونحن نبتعدُ هنا عن القراءةِ الواعيةِ المدرِكةِ وندخل في عالم التلقّي اللواعي‪ .‬وإذا قبلنا بمبدأ أنّ الرغباتِ الباطنيةَ‬

‫الدفين َة هي في نفس الوقتِ قليل ُة العددِ وعامةٌ يشترك بها جميعُ الناس على اختلف طبقاتهم ومشاربهم استطعنا أن‬
‫ف أو يتو ّهمُ أنه يكتشفُ خللها بُنى‬
‫ح لماذا يميل القارئُ لكتبِ الخيالِ أكثر من غيرِها‪ ...‬فهو يكتش ُ‬
‫نفهمَ وأنْ نشر َ‬
‫رغباتهِ الستيهامية الكبرى‪ .‬والقارئُ ل يفتأُ يبحث دائما عن ذات الرغبات ونفس الشيا ِء في الدب التخَيّلي‪.‬‬

‫ن كلّ قارئ‪ ،‬حسب منهج التحليل النفسي يجدُ خلل الحكايةِ التي يقرؤها "حكايةَ عائلتِهِ"‪ ،‬هو‪ .‬ذلك أن‬
‫وبتعبيرٍ آخر فإ ّ‬

‫ج خيالهِ وعلى صورةِ‬
‫ل منا ينسجُ لنفسهِ في طفولتهِ حكاي ًة وهميةً يستبدلُ فيها أقاربَه الحقيقيين بأقاربِ من نس ِ‬
‫ّكً‬
‫ت ول‬
‫ح هذه الحكاية الخرافي ِة ويدفنها في أعماق ِه ولكنها ل تمو ُ‬
‫نزواتهِ‪ .‬ويكبحُ الطفلُ فيما بعد عندما يكبرُ من جما ِ‬

‫ن كلّ منا‬
‫تختفي اختفاءا كاملً‪ .‬وربما كانَ ميلُنا للرواية الدبية ناشئا عن هذه الحكاية الوهمية النائمة فينا‪ .‬وإيما ُ‬

‫ئ سواءا‬
‫الراسخُ بحكايةِ طفولتِهِ "الوهمية" هو التفسيرُ الوحيدُ المقبو ُل للوهمِ الروائي‪ .‬ذلك الوهم الذي يجعل القار َ‬

‫كان قارئا ساذجا أو فطنا يحسبُ أن بإمكانه حقا أنْ يلتقيَ بمصطفى سعيد أو برؤوف علوان في الحياة اليومية وهذا‬
‫الوهم هو الذي يجعلنا نحزن أو نفرح لما يصيب البطل الروائي أو على القلّ يجعلنا نعنى بمصيره‪ .‬وهكذا فإنّ تأثّر‬

‫القارئ بحياة الشخصيةِ الورائية يبرهن على ق ّوةِ إيمانه بما كانت تبدعهُ مخيلتُهُ في طفولته‪ .‬ولقد تلعب هذه المخيلة‬

‫والقصص التي تبدعها دورا في تنظيم بنيتهِ الشخصية يبلغ من أهميت ِه أنه يصير الساسَ النفسي لكل إيمان القارئ‬

‫بالسرد الروائي‪ .‬فما إن تنخرط الشخصياتُ الروائيةُ في سياقِ الحبكةِ الروائية حتّى تذكّ َر القارئَ بالحكاية الساسية‬
‫ض من‬
‫ت ورغم تقدّمهِ في العمرِ بأنّها حقيقةٌ أو بع ٌ‬
‫التي تخيلَها صغيرا والتي ما يزال يعتق ُد ورغمَ مرورِ الوق ِ‬
‫الحقيقةِ!‪..‬‬

‫ت الحياةِ‬
‫ف عليه بغير علمٍ منّا هو ثواب ُ‬
‫إنّ ما نقرؤه قب َل ك ّل شيءٍ والكلماتِ التي نجدها تلقائيا واضحةً وما نتعرّ ُ‬

‫ن علينا‬
‫ن كا َ‬
‫ب فكّ عراه باستخداماتِها اليديولوجيةِ‪ .‬وبتعبيرٍ آخر إِ ْ‬
‫النفسيةِ غيرُ الواعي ِة وقد امتزجت امتزاجا يصعُ ُ‬

‫ن علينا أن نعيَ أنّ ما يدركُ ُه القارئُ‬
‫ص الدبيّ فإ ّ‬
‫أن ل نهملَ دورَ اليديولوجي ِة الهامَ في توجيهِ تأوي ِل القارئِ للن ّ‬

‫على غير وعي منه هو تلك الثوابت النفسية‪ ..‬وعليهِ فإنّه من المشروع تماما العتقاد بأن الليات النفسية التي‬

‫تتحكم في البداع والخلق الدبيّين ل تختلفُ كثيرا عن الليات النفسية التي تتح ّكمُ بتلقي النص وتأويلِهِ‪ .‬وكما أنّ‬

‫العملَ الدبيَ يُبدعُ إرضاءً لرغباتِ الفنّان الدفنية وترجم ًة لها فإنّه يُرضي كذلك رغباتنا الدفينةَ نحن القرّاءَ‪.‬‬

‫ج فينا عندما نقرأ هي صدى أهوائنا الخبيئةِ التي يوقظُها النصّ في أعماقنا‪ .‬وهذه الحاسيسُ‬
‫والمشاعرُ التي تختل ُ‬
‫ى لِما توقظُهُ فينا أهواءُ الكاتب‪.‬‬
‫ت إلّ صد ً‬
‫ق أو اشمئزا ٍز وضج ٍر وإلى غير ذلك ليس ْ‬
‫ن أو قل ٍ‬
‫من حبورٍ أو حز ٍ‬

‫ولقد أصابت بعضُ الروايات شهر ًة كبيرةً في أوساطِ القرّاءِ رغم سذاجةِ بنائها الفنّي ورغم تحليلِها الضعيف‬

‫والسطحي للشخصيات الروائية بفضل ماكانت تُرضي ِه ـ وما تزا ُل ـ عند قرّائِها‪ .‬ومن هذا القبيل نجاحُ بعضِ‬
‫روايات إحسان عبد القدوس أو محمد عبد الحليم عبد ال (‪ ،)1970-1920‬فتعبي ُر هذه الرواياتِ عن ظمأٍ شديدٍ‬

‫للحبّ وحاجةٍ قوي ٍة لختلطِ الجنسيْن بعضهما ببعض بأسلوبٍ سردي يدغدغُ ميو َل القارئِ وغريزته كان بل ريبٍ‬
‫ب كذلك خلف‬
‫خلف تحمّس جمهور من القرّاء لهذا الشكل من التعبير الدبي رغم تبسيطهِ البالغ للمسألةِ‪ .‬وكان بل ري ٍ‬

‫ض الوساطِ الفكريّة له‪.‬‬
‫استنكارِ بع ِ‬

‫س الولِ توقظُ هواجسَ الخر‪ .‬أي أن فعل‬
‫ت الدفينةَ هي ذاتُها عند المؤلّفِ وقارئِه فإن هواج َ‬
‫إذن ولنّ الرغبا ِ‬
‫ب عند الكتابة‪.‬‬
‫القراءة هو أنْ يجد القارئ في نفسه ذات المتعة التي أحس بها الكات ُ‬

‫‪3‬‬

‫ـ القراءة النابذة أو التفكيكية‪:‬‬

‫ف عن الشكلِ الذي عرضْنا له حتى الن فيما سبقَ من‬
‫ولكننا نستطيعُ مقاربةَ النصِ وقراءته على نحوٍ يختل ُ‬

‫المقالةِ‪ .‬وفي هذه الحالة ل تكون القراءةُ بحثا عن انسجام النص وما يشكل ترابطه وانسجامه الداخليين ولكنها‬
‫سعيٌ حثيثٌ خلف تناقضاتِ النصّ الداخلية ومعارضاتهِ‪ .‬ويمكننا أن نسميها بنزعة القراءة التفكيكية أو بالنشاط‬
‫التهديمي‪.‬‬

‫ولقد نظّرَ نقّا ٌد لهذا النهج في التأويل الدبي (الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا ‪ Dérida.J‬وأعوانه) اعتمادا على‬
‫ت فيها‪ .‬فالعلمةُ الصوتية (أصغر وحدة صوتيةٍ في نظام اللغة‬
‫اللسنية البنيوية وخصوصا على علمِ الصوا ِ‬

‫ف فيه عن بقية العلمات‬
‫شئُ نفسَها داخل النظام اللغوي بما تختل ُ‬
‫الصوتي كالصوت سين أو غين الخ‪ )...‬تُن ِ‬

‫الصوتية في ذات النظام اللغوي‪ .‬أي أن العنصرَ الصوتي ل يوجد إل بالعلقة التي تربطه ببقية العناصر الخرى‬
‫وهي علقةُ تمايزٍ واختلفٍ ومعارضة‪ .‬وعليه فليس للغة إذن مركز ثابتٌ يشدّ إليه عناصرَها المكوّنةَ‪ ،‬ول بدايةَ‬
‫لها وليس لها مستوى أصلي ابتدائي ول مكانَ انطلقٍ‪ .‬وبالتالي يُصبح من المستحيل علينا إن سلّمنا بمقدماتِ‬

‫هذه المدرسةِ النقديةِ أن نتخيّل الكتابَ على صور ِة كلّ كامل ويصبح من العبث أن نحاول تثبيت معنى النص‬
‫والحاطة فيه‪ .‬فهذا سراب عابر ل يكاد يتركّب حتى يتفكّك ول يكاد يتراءى حتى يغيب ويضمحل!‪..‬‬

‫ض كلّ المعارضة نهجَ القراءة المركزية التي يبشر بها أصحاب النزعة‬
‫ن هذا النهج في القراءة يناق ُ‬
‫إّ‬

‫الهرمونوطيقية‪ .‬فهو ينادي كما نرى بقراءة تفكك النص وتبعثِرهُ‪ .‬وهو يدعو كذلك إلى تجنب أن تهيمن خطوط‬

‫ح هذا المذهب القارئ بأن يعبر النص‬
‫المعاني على القارئ فتأخذُ بلبّه وتفرضُ عليه أوهامها التوحيدية‪ .‬وينص ُ‬

‫ل عند أدقّ تفاصيلهِ وأن يتأمل رويدا في كل جزئياته‪ .‬وهذا البطءُ المقصودُ يُضعفُ مقاومةَ‬
‫ببطءٍ وأن يقف طوي ً‬

‫ح الكلمات وترمي به في هذه العوالم التي ل‬
‫القارئُ أمام المفرداتِ فتج ّر ُه هذه إلى اللجّةِ العميقة الساكنة خلف سط ِ‬
‫تكاد تنتهي‪ .‬فالكلمة المُنخرطة في قواعد النص ونحوه تتشقق أرضها فتبر ُز معانيها الكامنة فيها وشبكات الدللة‬
‫التي توحي بها‪ .‬وهذه الشبكات تش ّد القارئَ بدورها إلى شبكات أخرى وإلى عوالم أخرى كامن ًة خلفها وهكذا‬

‫ب ويقوده البابُ‬
‫دواليك‪ .‬كتلك المتاهات التي تصفها سيرة الملك سيف بن ذي يزن حيث يجد البطل نفسه أمام با ٍ‬
‫ح على لغزٍ جدي ٍد أو على‬
‫ب ينفت ُ‬
‫إلى بابٍ آخرَ وسردابٍ في آخرهِ باب جديدٌ يفضي إلى سردابٍ جدي ٍد وكلّ سردا ٍ‬

‫ح كلّ أبوابهِ المغلقة‪.‬‬
‫كونٍ غامضٍ لبد من استكشاف ِه وفت ِ‬

‫إنّ القراءة الجابذة مُتسرّعةٌ تبحث عن بنية المعنى الساسي أو ما تراها كبنية المعنى الساسي وتجهلُ خلجاتِ‬

‫ت النصّ بظواهره اللغوية‪ .‬ولكنّ القراءة المتمهلة الدؤوب تُميطُ اللثامَ عنها‬
‫المعاني وخفقتها الرقيقةِ وتلمسِ ثنيا ِ‬
‫وتضيء من داخلها سبلَها الملتوية‪.‬‬
‫ونجد أمثل ًة لهذه القراءة التفكيكية عند جمهور مفسّري القرآن الكريم‪ .‬وسوف نستشهد على زعمنا من تفسير‬
‫القرآن للحافظ ابن كثير الشافعيّ الدمشقي (توفي عام ‪ .)1372‬فهو بعد أن يستعرض فيما يُنيف على أربع‬

‫صفحات ميادين المعاني التي تقود إليها الحرفُ الثلث ُة الولى من سورة البقرة {ألم} ينتقلُ إلى الية الثانية {ذلك‬

‫ب ل ريبَ فيه هدىً للمتقين}‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫الكتا ُ‬
‫"قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب أي هذا الكتاب‪ .‬وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن ُجَبيْر والسّدي ومقاتل بن‬

‫هوامش الفصل الرابع‪:‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ـ الزركشي‪ .‬البرهان في علوم القرآن‪ ،‬تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم‪ ،‬القاهرة‪ ،‬دار إحياء الكتب العربية‪،‬‬
‫أربعة أجزاء‪.1957 ،‬‬

‫ـ صبحي الصالح‪ ،‬مباحث في علوم القرآن‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار العلم للمليين‪ ،‬الطبعة السابعة عشر‪ ،‬بدون تاريخ‪ ،‬ص‬
‫‪.297-289‬‬

‫‪3‬‬

‫ـ عبد ال بن المقفع‪ ،‬كليلة ودمنة‪ ،‬تنقيح ونشر الب لويس شيخو اليسوعي‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار المشرق‪ ،‬الطبعة‬
‫الثامنة‪ ،1969 ،‬ص ‪.59‬‬

‫‪4‬‬

‫ـ ابن قتيبة‪ ،‬الشعر والشعراء‪ ،‬تحقيق دي غويه ومراجعة محمد يوسف نجم‪ ،‬وإحسان عباس‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار‬
‫الثقافة‪ ،‬بدون تاريخ‪ ،‬الجزء الول‪ ،‬ص ‪.17‬‬

‫‪5‬‬

‫ـ طه حسين‪ ،‬حديث الربعاء‪ ،‬من المجموعة الكاملة‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الكتاب اللبناني‪ ،‬الطبعة الثانية‪،‬‬
‫‪ ،1974‬لبيد ص ‪ ،59-32‬طرفة ص ‪ ،81-59‬زهير ص ‪.118-81‬‬

‫‪6‬‬

‫ـ ابن كثير‪ ،‬تفسير القرآن العظيم‪ ،‬تحقيق حسين بن إبراهيم زهران‪ ،‬أربعة مجلدات‪ ،‬بيروت‪ ،‬دار الكتب العلمية‪،‬‬
‫‪ ،1988‬ج ‪ ،1‬ص ‪.62‬‬

‫‪7‬‬

‫ـ ابن قتيبة‪ ،‬الشعر والشعراء‪ ،‬سبق ذكره‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.245‬‬

‫‪ 8‬ـ حسن سحلول مشكلة القراءة والتأويل في النص الدبي‪ ،‬المعرفة‪ ،‬عدد ‪ ،384‬أيلول ‪ ،1995‬ص‬
‫‪ .194-174‬ونجوى عبد السلم وحسن سحلول معضلة القارئ النظرية المعرفة‪ ،‬عدد ‪ ،402‬آذار‬
‫‪ ،1997‬ص ‪.236-214‬‬
‫الفصل الخامس ‪:‬القراءة ومُعاش القارئ‬
‫‪-1‬متعة التخيّل‬
‫طلِق‬
‫‪-1-1‬الوعيُ المُن َ‬
‫ماذا يحدث حين يقرأ المرء كتابا؟ ما هي المشاعرُ أو الحاسيس والنطباعات التي تثيرها القراءةُ فينا؟‬
‫يبدو أن علقتنا بالنص الدبيّ تؤدّي بنا إلى ما يمكن أن نسمّيه‪ ،‬وبعد كثير ممن سبقنا من النقّاد ونخص منهم‬

‫جوس (‪ ،)Jauss‬بالمتعة الجماليّة‪.‬‬

‫ويتحرّر النسانُ في هذه المتعة الجماليّة مما يكوّن واقع حياته اليوميّة وقيودها بفضل خياله‪ .‬وينفتح الدراك‬

‫المتخيّل في حقيقة المر على إحساس مزدوجٍ من التحرّر والخلق معا‪ .‬ولكيّ يبلغ الدراك المتخيّل هذه الدرجة فإنه‬

‫يجتاز مرحلتين اثنتين فهو يلغي حدود العالم الحقيقيّ ويزيله من الوجود فيتخذ القارئ مساف ًة بينه وبين هذا العالم‪،‬‬

‫ثم يروح في المرحلة التالية يخلق من رموز المادة التي يتأمّلها ويقرؤها بديلً عنه‪ .‬وبمعنى آخر‪ ،‬إنّ القراءة إذن‬

‫هي نشاطٌ تحريريّ (يفك القيود التي تربط القارئ إلى محيطه) ونشاط تملئ ٍة يُنشئ في الخيال واعتبارا من رموز‬
‫النص المقروء عالما تسم ُه الهواء الشخصيّة‪.‬‬

‫ع إلى شيءٍ ما آخر‪.‬‬
‫إنّ القراءة بصفتها تجربة جماليّة هي وعلى وجه الدوام نزوعٌ من شيء ٍما بقدر ماهي منز ٌ‬
‫فمن جهةٍ هي تنزع عن كاهل القارئ عبء الحياة الحقيقية وتخفّف عليه صعوباتها وتفك من شدّة سلسلها‪ ،‬وهي‬

‫من جهةٍ أخرى وإذ تسلكه في عالم النص‪ ،‬فإنها تجدّد من إدراكه للعالم الحقيقيّ‪.‬‬

‫فالقارئ إذ تأخذه الشفقة بنفيسة إحدى بطلت رائعة نجيب محفوظ بداية ونهاية (‪ )1949‬التي يضنيها جسدها كما‬

‫تؤرق الحيوان غريزته‪ ،‬أو يلهو ساخرا من كديات عيسى بن هشام بطل مقامات الهمذاني أو تسلب الحيرة لبّه وهو‬
‫يحاول أن يقتفي آثار أبطال جبرا إبراهيم جبرا خلل سبل روايته الغربية في البحث عن وليد مسعود فإنه يغفل‬
‫بعض الغفلة خلل زمنٍ قد يطول أو يقصر (وهو فترة القراءة) عن هموم حياته الذاتيّة وعن متاعبها‪.‬‬

‫ولكن انشغاله عن نفسه بمصير الشخصيّات الروائيّة وتمثّله لها يجعلنه يعيش مواقف جديد ًة ل يعرفها من خلل‬

‫حياته الحقيقيّة ويطّلع على تجارب جديدة فتتعدلّ نظرته إلى الشياء‪ .‬ويمكننا أن ننظر إلى إحساس القارئ بانفلته‬
‫من ذاته وانفتاحه على تجربة الخر (البطل الروائيّ) على أنّه من قبيل ازدواج الشخصيّة وتماهيها مع الشخصيّة‬
‫الروائيّة أو تقمّصها إهابها‪.‬‬

‫فنحن نحط الرحال خلل القراءة في بلد خياليّة فنقيم فيها حينا من الوقت ونصادف فيها أشخاصا آخرين ونخالطهم‬
‫ونندمج معهم ونفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم‪ .‬أي أننا نرسل أثناء القراءة "ذواتنا الوهميّة" لكتشاف هذه الراضي‬

‫البكر وكأنّنا قد طلبنا إليها أن تُعدّ لنا تقريرا عما تراه وتسمعه خلل رحلتها‪ .‬وذواتنا الوهميّة تلك هي التي تفرح أو‬
‫تحزن وليس نحن‪ .‬وهي التي تُشفق على نفيسة أو تسخر من سذاجة عيسى بن هشام وتتألّم على مصير وليد‬

‫مسعود‪ .‬وأمّا نحن فإننا نكتفي بان نعيرها جسدنا وعواطفنا كما يعير الكاهن أو المشعوذ الوسيط جسده للرواح‬

‫العلويّة أو السفليّة كي تنطق من خلله‪ .‬وكما أن وجود هذه الرواح العلويّة أو السفليّة في الجسد المعار يجعله‬

‫خليقا بالخبار بما حدث أو بما سيحدث أو قادرا على فهم ما جرى أو سيجري فإن ذواتنا الوهميّة التي تغوص في‬

‫الرواية تشعر بمشاعر وتعيش أحاسيس أكبر وأكثف من تلك التي تشعر بها وتعيشها ذواتنا الحقيقيّة التي جفّفتها‬

‫الحداث وأقست قلوبها التجارب‪ .‬ولطالما أعرب الجاحظ والتوحيديّ عن ثقتهما بدور الدب في تهذيب الخلق‪ .‬أو‬

‫لم يكن ذلك ليمانهما بأن ذواتنا الوهميّة أو الروائيّة‪ ،‬وبعد عودتها من رحلتها في ملكوت الفنون ورحاب الدب‪،‬‬
‫ستنصهر من جديد في ذواتنا الحقيقيّة فتغذّيها وتصقلها وتشذبّها؟‬
‫القراءة إذن ارتحالٌ وسياح ٌة في كونٍ آخر يُغني التجربة الفردّية ويوسع من آفاقها‪ .‬والقارئ الذي يغادر أرض‬
‫الواقع في بداية الرواية ليلج الكون الروائيّ يرجع إليها في النهاية وقد غذتّه الرواية‪.‬‬
‫لقد كان الشاعر العربيّ القديم يقول‪ :‬اغترب تتجدّد‪ .‬ويسعنا اليوم أن نقول كذلك‪ :‬اقرأ تتجدّد‪.‬‬

‫‪-1-2‬الدوار‬
‫إن واحدةً من أكثر تجارب القراءة إثارةً لضطراب القارئ هي تلك التي تجعله يتقمّص شخصيّةً تختلف عن‬
‫شخصيّته وتجعله يتلفّظ بأفكارٍ وآراءٍ بعيدةٍ كلّ البعد عن أفكاره وآرائه الخاصة وإذا كان هذا التماهي بين ذات‬

‫القارئ والشخصيّة الروائيّة يتحقّق في كلٌ النصوص الروائيّة فإنه يتجلّى على نحوٍ قويّ في النصوص التي تستخدم‬
‫ضمير المتكلّم‪ .‬فحين أقرأ مثلً يوميّات نائب في الرياف فإنّي أحلّ في إهاب الراوي الذي يقص الحداث‪ ،‬ويختلط‬

‫صوته خلل فترة من الوقت (زمن القراءة) مع صوتي فل أكاد أميّز أحدهما عن الخر‪ .‬ويحدث المر ذاته فأتيه عن‬
‫نفسي مع راوي موسم الهجرة إلى الشمال أو مع راوي جان بول سارتر في (‪ )1980-1905‬الغثيان‪.)1938( .‬‬
‫هذه التجربة تجرب ٌة تثير قلقا في النفس‪ .‬لماذا؟‪.‬‬
‫يكمن الجواب في الواقعة النفسيّة التالية‪ .‬إن كلّ ما أفكّر فيه يكوّن جزءا من عالمي الباطنيّ وعنصرا تأسيسيّا من‬
‫مجموع العناصر التي تكوّن حقيقتي الولى وتوازني الضروري‪ ،‬ولكني حين أباشر القراءة فإني أحتضن أفكارا‬

‫وآراء تنتمي انتماءً جليّا إلى عالمٍ داخليّ آخر غريبٍ عن عالمي الخاص‪ .‬ولكن هذه الفكار الغريبة والمشاعر‬

‫ن ول رضىً مني كما لو أنّني لست موجودا بعد‪ .‬وهذا أمرٌ ل يطاق‬
‫الجنبيّة تشغل ذهني وتمل عالمي عن غير إذ ٍ‬
‫ويصعب قبوله خصوصا إذا أخذنا بعين العتبار أنّه لبد لكلّ فكرةٍ من كائن يفكر بها‪ .‬وهذا يعني أن تلك الفكار‬

‫الغريبة عنّي والتي تسكنني ثم تنمو وتتطوّر لبدّ أن يكون لها كائنٌ أجنبيّ يحملها في باطني ويقيم في داخلي أنا‬

‫وأجهله ك ّل الجهل‪ .‬فل جرم أن يكون استبطان الخر هذا يقلقنا بقدر ما يسحرنا‪ .‬فأن نكون من ل نكون ولو لزمنٍ‬
‫قصير أمرٌ تهتزّ له دعائم شخصيّتنا‪ .‬والقارئ الذي يتحوّل إلى وسيلةٍ تلجأ إليها تجربةٌ غريب ٌة عليه كي تتجسّد أو‬

‫يصير شاشةً تنعكس عليها حياةٌ أخرى غير حياته تختلط عليه ملمح هويّته الخاصة وتختلط عليه السباب ول يعود‬
‫يعرف من هو على وجه اليقين‪.‬‬

‫أن نقرأ هذا يعني أن تصبح حدود شخصيّتنا مباحةً للخرين فتجتاحها التيّارات والنطباعات والفكار الكامنة في‬

‫الكتاب الذي نأخذ بين أيدينا‪ .‬وتنطلق من قمقمها كجنّي علء الدين وتتجسّد في عالمنا الداخليّ منذ أن نشرع في‬
‫القراءة‪.‬‬
‫فأن نقرأ كتاب اليّام (‪ )1929‬لطه حسين هو أن نعيش حقّا ما عاشه الصبيّ الضرير في قريته واللم الماحق الذي‬
‫أخذته بتلبيبه حين ماتت أخته الصبيّة لهمال أهلها الثم وأن نجعل الشارات أو الصرخات الغاضبة التي تصدر عن‬

‫ب تصدر عنّا نحن الذين‬
‫الكاتب الذي يرجع وقد بلغ مبلغ الرجال إلى موطن طفولته الشقيّة إشاراتٍ وصرخات غض ٍ‬
‫بلغنا مبلغ الرجال ونرجع إلى موطن طفولتنا الشقيّة‪.‬‬

‫ن تمثّل شخصٍ آخر يفترض بالضرورة‬
‫وسواء أكان المر متعلّقا بالناحية النفسيّة للقراءة أو ببعدها الفيزيائيّ حقا فإ ّ‬
‫أن نخرج إلى نحوٍ ما من حدودنا‪.‬‬
‫إنّ انهيار دعائم وجودنا هذا انهيارا مؤقّتا هو ما يشرح ول ريب ما اعتاد بعضهم على وصف القراءة بأنها حيرةٌ‬
‫أو دوار يضطرب فيه النسان بين القلق والغبطة‪ .‬ذلك أنّ القراءة تستبدل ما نحن عليه عادةً أي أجزاءٌ من خطاباتٍ‬

‫شتّى تصدر عن جهاتِ شتّى تجعل منا كائنات ممزّقةً مليئةً بالتناقضات وبالعواطف المتباينة بكائنٍ مسحورٍ‪ ،‬كائنٍ‬

‫قارئٍ فذّ ليس ينطبق كلّ النطباق على حقيقتنا المُتشعّبة ولكنه ليس بكائنٍ آخر‪.‬‬
‫‪-1-3‬تأ ّملٌ ومساهم ٌة‬

‫ولكن اندماج القارئ في عالم النصّ قد يرتدي أشكالً مختلف ًة غاية الختلف‪ .‬ويرتبط هذا إلى درجةٍ بعيدةٍ بالمسافة‬
‫ص فإنّ القراءة يمكن‬
‫التاريخيّة التي تفصل بين القارئ وبين عهد النصّ المقروء‪ .‬فحين يكون القارئ معاصرا للن ّ‬

‫لها أن تجدّد من أحاسيسه وربما تجعله يغيّر من طريقة رؤيته للكون وإدراكه للشياء‪.‬‬
‫كيف يمكن أن نشرح هذه الظاهرة؟‬

‫ص الدبيّ لمعطيات العالم وبتغييره لها‪ .‬إنّ رواية عبد الرحمن منيف (‪ )1933‬شرق‬
‫إنّنا نفسّرها بتحوير الن ّ‬
‫المتوسّط (‪ )1975‬تجعل من القمع البوليسيّ نابضا سرديّا أساسيّا في أحداثها التي تجري في دولةٍ ما من دول‬

‫الشرق الوسط العربيّة‪ .‬وتعرض الرواية وقائعها وتصف رعب حامد من خلل حامد نفسه‪ .‬وليس بمقدور القارئ‬
‫العربيّ الذي يعي الحداث من خلل ضمير حامد المقهور إلّ أن يتأمّل في طبيعة هذه النظمة السياسيّة الحديثة‬
‫ي أو إلى قسمه الفريقيّ‪.‬‬
‫والمخيفة سواء أكان هذا القارئ ينتمي إلى هذا القسم من الوطن العرب ّ‬

‫وتقود رواية غسان كنفاني (‪ )1972-1936‬رجالٌ في الشمس (‪ )1963‬مجموعة من العمّال الفلسطينيين الباحثين‬

‫عن سراب الثروة في إحدى الدول العربيّة المنتجة للنفط أو عن لقمة عيش فيها إلى الموت اختناقا في صهريج‬

‫حوّلته شمس الصحراء العربيّة إلى جحي ٍم ذي عجلت‪ .‬وهذه الرواية تقود قارئها على نحوٍ منطقيّ إلى أن يتساءل‬

‫عن هذا الجانب من وضع اللجئين الفلسطينيين وإلى إضافته كبعدٍ جديدٍ في الكارثة الفلسطينيّة‪.‬‬

‫وكذلك رواية الفرنسيّ جان بول سارتر الغثيان تدفع قارئها إلى التساؤل عن معنى الوجود عامة وعن معنى وجوده‬
‫الشخصيّ على وجه الخصوص‪.‬‬

‫إن إيزير يصف سلوك القارئ هذا بأنه سلوك مشاركةٍ ومساهمةٍ‪.‬‬
‫وحين تنهض مسافةٌ زمنيّةٌ كبيرةٌ بين عهد القارئ وأيام النصّ فإن أوّل ما يسعى إليه القارئ هو أن يعيد بناء‬
‫ظروف كتابة النص التاريخيّة‪ .‬فحين يقرأ أحدنا اليوم رواية معروف الرناؤوط سيد قريش فإنّه يحاول خصوصا أن‬

‫ي الذي كان يحيط بالكاتب الشاميّ حين كتب روايته في الثلث الول من القرن العشرين‪ .‬وهذا‬
‫ينشئ الفق الثقاف ّ‬

‫المحيط الفكري يجعلنا قادرين على إدراك تصوّر معروف الرناؤوط لمشكلة بعث المة العربيّة‪ .‬وما تكشف عنه‬

‫قراءتنا للرواية هو ما كان عليه وعي مثقّفٍ عربيّ عاش العقود الخيرة لهيمنة الدولة العثمانيّة على البلد‬

‫السوريّة ثم هزيمتها أمام الثورة العربيّة وعاصر دخول استعمارٍ جديدٍ‪ .‬وما كان يتخيّله من وسائل لبعث المّة‬
‫العربيّة‪.‬‬

‫إنّ تجربة معروف الرناؤوط هذه قد فرضت عليه شكل معالجته الروائيّة لتجربة بعث المة العربيّة الوّل أيام‬

‫الرسول العربيّ‪.‬‬
‫وتصبح الظاهرة أوضح حين نقرأ نصوصا قديمةً أو متأخّرةً‪ .‬فكتاب العتبار لسامة بن منقذ (‪ )1188-1095‬يرغم‬
‫القارئ العربيّ المعاصر على تعديل رؤيته الشخصيّة للكون بقدر ما ترغمه على إعادة بناء الفق الثقافي الذي يسبغ‬
‫ص الذي أمله المير السوري على كاتبه مقتبسا بنية كليلة ودمنة يضع القارئ‬
‫على النص معناه ولحمته‪ .‬فهذا الن ّ‬

‫أمام حياةٍ سياسيّةٍ عاصفة في قرن يملؤه الصخب والعنف سقطت فيه القدس أمام فرسان الحملة الصليبيّة الولى‬

‫وبنى هؤلء فيه دولً وممالك على الساحل السوري وبزغ فيه نجم زنكي فأوقع بالصليبيّين أولى هزائمهم وطردهم‬

‫من الرها في عام (‪ )1144‬وكانوا قد أقاموا فيها إمار ًة منذ (‪ )1097‬ثم بنى فيه ابنه نور الدين دولته بعد أن دخل‬

‫دمشق عام (‪ )1154‬وظهر فيه أخيرا صلح الدين بن أيوب فأنهى دولة الفاطميّين في القاهرة (‪ )1171‬وأعاد مصر‬
‫لبني العبّاس قبل أن يشمر عن ساعديه لطرد الصليبيّين من القدس عام ‪.1187‬‬
‫ص ذلك القرن الثاني عشر المضطرب‪ .‬والقارئ‬
‫إنّ ما يعيد القارئ بناءه إذن هو إشكاليّةٌ سياس ّيةٌ وثقافيّةٌ تخ ّ‬
‫يكتشفها لنها قائمةٌ في صلب النصّ الدبي ذاته ولنها مادة النص الخام ووعيه المجرّد معا‪.‬‬
‫ويصف إيزير سلوك القارئ هذا بأنه سلوك تأمّلي‪.‬‬
‫وعليه فإنّ هناك مشاركةٌ ومساهمةٌ حين يتجاوز القارئ وضعه الضيّق والمحصور في حياته اليوميّة‪ .‬وهناك تأ ّملٌ‬
‫حين يبلغ رؤية للكون ليست من عالمه الثقافي ول من أفقه المألوف‪.‬‬

‫‪-2‬متعة اللعب‬
‫‪"-2-1‬البليينج" و"الجيم"‪.‬‬
‫لقد رأينا فيما سبق أن ميشيل بيكار يقترح أن نفهم تلقّي النصوص الدبيّة حسب أنموذج اللعب‪ .‬وتجمع القراءة إذا‬
‫أخذنا بهذا القول بين صنفين من صنوف التسلية مختلفين كلّ الختلف‪.‬‬

‫ويسمّي بيكار الصنف الول (‪ )Playing‬ويسمّي الصنف الثاني (‪ .)Game‬وتشير المفردة الولى إلى أنواعٍ من‬

‫اللعب تقترح على اللعبين أدوارا يلعبونها أو يتظاهرون بلعبها‪ .‬وهي تقوم بشكل أساسيّ على تماهي اللعب مع‬
‫صورةٍ أو شخصيّةٍ وهميّةٍ‪ .‬ومن هذا القبيل لعبة "الحرامي والشرطي" وأمّا المفردة الثانية فهي تشير إلى ألعابٍ‬
‫تحتاج معرف ًة وذكاءً وحسا بالستراتيجيّة كتلك الكفاءات التي يحتاجها لعب رقعة الشطرنج على سبيل المثال‪.‬‬

‫وبينما تسمح طبيعة لعب الجيم باتخاذ مسافة بين الفرد والموضوع أو بين اللعب واللعبة فإن ألعاب البليينج تضرب‬

‫جذورها في خيال القارئ وتوهّمه‪.‬‬

‫وعليه فإن القراءة الدبيّة هي لعبة أدوارٍ (بليينج) ولعبة قواعد (جيم) معا‪ .‬ومن المستحيل أن نقرأ رواي ًة دون أن‬

‫نتماهى مع شخصيّاتها وأن نتحد بها‪ .‬ولكنه من المستحيل كذلك أن نقرأها دون أن نلتزم بعددٍ من القواعد التفاقيّة‬
‫وبمعجم الرموز الصطلحية وعقود القراءة‪.‬‬

‫‪-2-2‬تورّطٌ ومراقبةٌ‪.‬‬
‫لقد رأينا فيما سبق أن القارئ مسوقٌ باستمرار إلى جدل ّيةٍ دائمة بين استباق الحداث وبين الرجوع إلى الوراء حين‬
‫يبني تلقّيه للنص الدبيّ‪ .‬فعليه أن يبدأ بتخيّل أشكالٍ يمل بها فراغات النص ثم ينبغي عليه أن يغيّر منها أو أن‬
‫يطرحها بعيدا إذا ظهر له فيما بعد أنها ل تتفق مع بقيّة الحكاية‪.‬‬

‫ينبغي علينا إذن أن نميّز بين مسارين أو بين عمليّتين‪ .‬فإذ يمل القارئ فراغات النص بتصوّراتٍ تنبع من تجربته‬

‫الفرديّة الخاصّة ومن أوهامه الذاتيّة فإنه ينخرط بكليّته في النص يتبنّاه ويتورّط فيه‪ .‬ولكنه يرغم على أن يبتعد عن‬
‫تصوّراته نفسها حين يعارضها النص وأن يهمل توقّعاته حين تكذّبها بقية أحداث الرواية‪ .‬وعندها يستطيع أن يراقب‬

‫ذاته وهي تشارك في فعل القراءة‪.‬‬

‫ولنضرب على قولنا هذا مثالً من رواية كوكب القردة لكاتبها بيير بول‪ .‬وتبدأ الحكاية حين يعثر جين وفيليس وهما‬

‫يقومان بنزهة في الفضاء على زجاجةٍ مغلقةٍ تحتوي على قرطاسٍ‪ .‬ويقرآن في القرطاس قصة رجلٍ حطّ عقيب‬

‫رحلةٍ قام بها في رحاب الكون فوق كوكبٍ تحكمه قرد ٌة فطنةٌ‪ .‬وبما أن الكاتب ل يصف لنا شخصيْ جين وفيليس ول‬
‫ملمحهما فإنّ القارئ يمل هذا الفراغ القائم في النص الروائي بتصوّرات من ثقافته العامة ومن ردود فعله‬

‫ن هاتين‬
‫التلقائيّة‪ .‬ويتخيّل أن جين وفيليس زوجان شابان‪ .‬ولكن الكاتب يكشف للقارئ في نهاية القصة أ ّ‬

‫الشخصيّتين هما في الحقيقة قردان وليسا كائنين بشريّين! وهنا يجد القارئ نفسه مرغما على تعديل تصوّره الول‪.‬‬
‫وإذ يفعل فإنّه ل يستطيع إلّ أن يعمل النظر بميله التلقائي إلى إسباغ الصفات البشريّة على ما يتخيّله والذي يفرض‬
‫عليه نحوا من تصوّره للكون‪.‬‬

‫لقد اضطّر قارئنا هنا إلى أن يتورّط شخصيّا في القراءة قبل أن يجد نفسه مرغما على إعادة النظر في ردّة فعله‬

‫الولى وعلى وضع نفسه موضع التساؤل‪ .‬إن تفحّص النسان لنفسه هذا ونقده لذاته يضفيان على القراءة أهم ّيةً‬
‫بالغةً‪ .‬وللتناقضات التي أبدعها القارئ حين تخيّل تصوّراته أهميتها الخاصة بها‪ .‬فهي ترغمه على اكتشاف نقص‬

‫هذه التصوّرات التي تخيّلها بنفسه‪ ،‬وبالتالي على أن يتّخذ مسافة بينه وبين النص الذي يساهم فيه فيصبح هو‬

‫نفسه موضع المراقبة أو إنه يرى نفسه على القل متورّطا في النص‪ .‬إنّ قدرة القارئ على رؤية نفسه منخرطا في‬
‫مسار يؤثّر فيه لحظةٌ أساسيّةٌ في تجربته الجماليّة‪ .‬واستبعاد الذات ومهما كان الشكل الذي يرتديه تجربةٌ تخصب‬

‫الذات أبدا‪.‬‬
‫وتدفع بعض النصوص الدبيّة ككتابات المريكيّ ويليام فوكنر (‪ )1962-1897‬بهذا السلوب الدبيّ حتى نهايته‬
‫القصوى‪ ،‬ولقد لجأ نجيب محفوظ إلى هذه الطريقة على القل م ّرةً واحدةً في روايته ميرامار (‪ .)1967‬فهو يقصّ‬
‫علينا حكايته من خلل عامر وجدي وحسني علّم ومنصور باهي وسرحان البحيري‪ ..‬وهو إذ يغيّر باستمرار من‬
‫زاوية السرد يمنع القارئ من تبنّي منظورٍ واحدٍ عا ٍم وشاملٍ يلمّ بكلّ أطراف النص‪ .‬ويحرمه من رؤية مركزيّةٍ‬

‫تجعل في مقدوره أن يوحّد ضمن منحى سرديّ واضحٍ أفكار شخصيّات الرواية ومناجاتها والتي تتقاطع وتتشابك‬

‫طيلة النص‪.‬‬
‫ك رموز النص فإنّه مضط ٌر لن يتساءل حول صحة طريقته بمقاربة النص‪ .‬وإذ‬
‫وإذ يفشل القارئ باستمرار في ف ّ‬
‫يضطر باستمرار إلى استعادة تصوّراته الولى وتعديلها وأحيانا إلى التخلّي عنها فإنه مرغمٌ في نفس الوقت على أن‬
‫يقرأ وعلى أن يراقب نفسه وهو يقرأ‍!‬

‫ن هذا النوسان الدائم بين النخراط والتورّط تارةً والبتعاد وإعمال النظرة تار ًة أخرى هو ما يجعل من القراءة‬
‫إّ‬
‫واقعةً نعيشها‪.‬‬

‫‪-3‬سياحةٌ داخل الزمن‬
‫‪-3-1‬النكوص إلى الوراء‪.‬‬
‫إنّ القراءة تجعلنا مسافرين داخل الزمن‪ .‬وليست جملتنا هذه من باب الستعارة إلّ قليلً‪ .‬فحين نفتح صفحات رواية‬
‫فإننا نق ّر ضمنا برضانا بأن نتناسى لفترةٍ من الزمن الواقع الذي يحيط بنا كي نصل من جديدٍ الجسور التي تربط‬

‫بيننا وبين طفولةٍ تمل الحكايات والقصص كلّ زواياها‪ .‬وإذ تنّبه القراءة من نومها النا المتخيّلة‪ ،‬وهذه تكون عادةً‬
‫في حالة سباتٍ عند الراشد المستيقظ‪ .‬فإنها تنقل القارئ من جديد إلى الماضي البعيد‪.‬‬

‫ما الذي يجعل هذا الجزء الكامن فينا والذي ورثناه عن طفولتنا ينهض من غفلته بهذه السهولة؟‪.‬‬
‫إن الجواب يكمن في التشابه القائم بين حالة القراءة وحالة النوم‪ .‬فوضع المرء الذي يقرأ قريبٌ‪ ،‬من ناحية الطاقة‬
‫النفسانيّة من وضع المرء الذي يحلم‪ .‬والقراءة كالنوم تقوم على سكونٍ نسبيّ وعلى يقظةٍ محدودةٍ (معدومةٍ عند‬
‫النائم) وعلى تعطيل دور الفاعل اليجابي لصالح دور المتلقّي السلبي‪.‬‬

‫وعليه فإن القارئ وقد وضع على هذا النحو في حالةٍ اقتصاد للطاقة شبيهةٍ بحالة اقتصاد الطاقة عند الحالم يترك‬
‫مؤثّراته النفسانيّة تأخذ طريق الرجعية أو الرتداد إلى حالة سلوك سابقة‪.‬‬

‫ولقد صاغ مفهوم الرتداد هذا كريستيان ميتز ‪ Christian Metz‬في كتابه ‪ Le Signifiant imaginaire‬الدال‬
‫الخيالي‪ .‬ويذهب كريستيان ميتز من التمييز بين ما يدرك في حالة اليقظة وبين ما يتصوّر في حالة الحلم‪.‬‬

‫تَ ِردُ المؤثّراتُ النفسانيّة في حالة الشخص المستيقظ الفعّال من الخارج (أي من العالم المحيط) نحو الداخل (أي‬

‫الجهاز النفساني حيث تنطبع هذه المؤثّرات)‪ .‬ويسمّي الكاتب هذا المسار أو هذا المنحى الذي تسلكه المؤثّرات‬
‫بالمنحى أو المسار التقدّمي‪.‬‬
‫والمر على نقيض ذلك عند الشخص الحالم السلبيّ‪ .‬فالمؤثّرات تصدر من ل وعي الشخص (وهي كائن ٌة ومنذ‬

‫البداية داخل الجهاز النفسانيّ) وتوهم بأنّها خارجيّةٌ عن طريق إنتاجها لصورٍ ذهنيّة‪ .‬ويسمّي ميتز هذا المسار‬

‫التراجعي أو الرتدادي‪.‬‬

‫ي إلى التصوّرات) هو الذي يجعل ممكنا ظهور الهلوسة والهذيان‪.‬‬
‫والمسار التراجعيّ هذا (من الداخل النفسان ّ‬
‫وهذا الرتداد ل يبلغ بطبيعة الحال في القراءة الدرجة التي يبلغها في حالة الحلم‪ .‬وكما أن موج الرتداد يصطدم‬
‫عند الشخص الذي ينظر إلى فيلم سينمائيّ بماديّة صور الفيلم وصوته فإن موج الرتداد عند القارئ يبقى مقيّدا‬

‫بحامل الهلوسة أي بالكتاب نفسه‪.‬‬

‫ويمكننا كذلك أن نضيف ملحظةً أخرى‪ .‬فبما أن الستار اللغويّ هو أقلّ كثاف ًة منه من شاشة السينما فإن المسار‬

‫التراجعي عند القارئ يصل إلى أبعد مما يصل إليه عند مشاهد السينما‪ .‬فتصورّات القارئ الوهمية تتعامل مع عنصرٍ‬

‫واقعيّ هو أقل قسرا بكثيرٍ في القراءة منه في السينما‪ .‬وهذا ما يفسّر تلك الصداقة الحميمة والنادرة (والتي هي‬
‫بإمكان كلّ قارئِ) التي تشدّ الشخص الذي يقرأ إلى الشخصية الروائيّة التي يقرأ ما يقع لها‪.‬‬

‫ويلعب خيال القارئ الشخصيّ في التوهّم دورا يجعلنا نستطيع الحديث عن حضورٍ للشخصيّة الروائيّة داخل شخص‬

‫القارئ‪ .‬وليست تستطيع أي صورةٍ سينمائيّة أبدا مهما بلغت من القوّة أن تعطينا هذا الشعور بالتوحّد الذي نجده‬

‫ص القارئ والشخصيّة الروائيّة التي يتصوّرها‪ .‬وهذا يجعلنا بدوره نفهم الحساس بالخيبة التي‬
‫باستمرار بين شخ ٍ‬
‫تغمرنا عادةً حين نشاهد على شاشة السينما أو التلفزيون فيلما اقتبس من رواية قرأناها‪ .‬وذلك أن الشخصيّة‬

‫الروائيّة التي تبلغ درجة التواجد بفضل تصوّرات القارئ التخيّليّة تبدو على الشاشة وكأنه كائن مطلقٌ مستقلّ بذاته‬

‫يأتي إلى الوجود دون أن يساهم فيه القارئ أبدا‪ .‬وذلك أيضا لن الصلة الحميمة التي كانت تشدّ القارئ إلى‬
‫المخلوقات الروائيّة قد قطعت تماما في العمليّة السينمائيّة‪.‬‬

‫وما يفقده القارئ حين تنقل الرواية إلى السينما هو قدرة الخلق والبداع الممتعة‪ .‬فهو حين يقرأ يلبس الكلمات ثيابا‬
‫زاهيةً حسب سبل متعته الشخصيّة المتفرّدة والمتميّزة عن متع الخرين‪ .‬وهو حين يرى ذات الرواية منقولةً إلى‬

‫السينما فإنه يتشوّق لن يجد من جديدٍ متعته الولى بل وينبغي لنا أن نقول إنه يتشوّق لن يرى من جديدٍ ما كانت‬
‫متعته قد كست به شخصيّات الرواية‪ .‬وهو يخضع إذ ذاك لقوة التكرار القاهرة والتي تكمن في قلب المتعة ذاتها‬
‫فتدفع الطفل مثلً إلى أن يلعب باستمرارٍ نفس اللعبة وتسوق المراهق إلى أن يستمع دائما إلى نفس الشريط‬

‫ط آخر فيرتوي منه حتى الثمالة قبل أن يتركه إلى عقار آخر‪ .‬ولكن‬
‫الموسيقيّ قبل أن تملّه نفسه فينتقل إلى شري ٍ‬

‫قارئ الرواية ل يرى على الشاشة أمامه "فيلمه" هو!‪ .‬إن الصور التي تتوالى أمام ناظريه في الفيلم "الحقيقي" هي‬

‫ص آخر ورغبات شخصٍ آخر وصور تنبع متعة شخصٍ آخر‪ .‬وهو ما يندر بنا أن نجده أمرا سائغا‪.‬‬
‫توهّمات شخ ٍ‬
‫من منّا‪ ،‬غير مخرج فيلم اللص والكلب‪ ،‬كان تخيّل سعيد مهران على صورة شكري سرحان أو كان تمثّل نور على‬
‫ف يحيى شاهين وقد أخذ مكان أحمد عبد الجوّاد تلك الشخصيّة‬
‫ملمح شادية؟ من قارئٌ للثلثيّة يرى دون أس ٍ‬

‫الفريدة والعصيّة على التمثيل والتي كان قد تخيّلها حسب حياته الخاصة الفريدة وحسب ماضيه الفريد والخاص به؟‬

‫ن (حتى ولو كان وجه شكري سرحان أو سعاد حسني!) على الشخصيِة الروائيّة يسلبنا حقّنا‬
‫إنّ فرض وجهٍ معيّ ٍ‬
‫ونصيبنا منها‪.‬‬

‫‪"-3-2‬الطفل الذي يقرأ فينا"‪.‬‬
‫إنّ الطفل الذي يقرأ فينا إذن هو الذي يجعلنا نؤمن بالقصص المتخيّلة ونصدّقها‪ .‬إنّه زمنٌ كانت تسود فيه الخرافة‬
‫ولم نكن نميّز فيه بين ماهو كائنٌ وبين ما كان يحلو لنا أن يكون!‪ .‬من منّا لم يؤمن بالغول؟ من منّا لم يؤمن بعنترة‬
‫بن شدّاد؟‬

‫ن هذا القبول الجذل بالوهم ل يختفي أبدا اختفا ًء كاملً‪ .‬وإنّ ما كنّا نؤمن به أطفالً يعود فينشط في سنّ الرّشد إذا‬
‫إّ‬

‫توفّرت لذلك بعض الظروف (منها ظرف القراءة) وهو يكمن خلف ما نؤمن به كبارا‪ .‬ما إن نفتح رواي ًة حتى يرجع‬

‫الطفل الذي فينا ثانيةً ويظهر ك ّرةً أخرى‪ .‬على هذه الدرجة من القوّة أو تلك‪.‬‬
‫وهذا الطفل الكامن فينا يص ّر ويتشبّث‪ .‬إنّه هناك يقرأ ويلهو متحرّرا من قواعد المنطق الضيّق وعابثا بمقولت‬
‫الزمان والمكان‪ .‬واستسلم القارئ المنافق لوهم القراءة يقوم على إيمان الطفل الساذج والعميق بعالم الخيال‪.‬‬
‫وبكلماتٍ أخرى إنّ القارئ البالغ يستخدم الطفل الكامن فيه كعذرٍ ليؤمن خلل فترة القراءة بما يرفضه منطقه كراشدٍ‬
‫في مكانٍ آخر‪ .‬وهكذا نجد الطفل وسيطا أو شاهدا أو بطلً يختبئ خلفه القارئ الراشد في كثيرٍ من القصص الخياليّة‬
‫وخصوصا منها الرواية القائمة على المبالغة أو الحداث الخارقة للعادة أو البطولت الفذّة كسيرة الملك سيف بن‬
‫ذي يزن أو سيرة فيروز شاه أو في الروايات البوليسيّة‪.‬‬
‫أن نقرأ هو إذن أن نعيد الصلة ك ّرةً أخرى مع ما كنا نؤمن به صغارا‪ .‬وبكلمةٍ أخرى مع ما كنّا نشعر به‪ .‬والقراءة‬
‫التي طالما فتحت لخيالنا في الماضي عوالم ل حدود لها تبعث ذلك الماضي من جدي ٍد كلّما شاقنا الحنين إليه وفتحنا‬
‫ن أوّل ما قرأناه هو الرحم الذي تخرج منه قراءاتنا اللحقة‪.‬‬
‫رواي ًة نقرؤها‪ .‬وبهذا المعنى فإ ّ‬

‫ما عمرنا حين نقرأ؟‬
‫ولنجب وبدون تردّد‪ :‬عمر الطفولة!‪ .‬إنّنا نقرأ كأطفا ٍل مهما كان عمرنا حسب البطاقة الشخصيّة وعلى ضوء أوّل‬
‫ن أوّل حرف في القراءة هو الرغبة الحارقة‪ .‬والقراءة شهوةٌ طفوليّةٌ‪.‬‬
‫م ّرةٍ قرأنا بها أطفالً ومن خلل هاجسها‪ .‬إ ّ‬

‫وحين نراود النصّ بالنظر أو بالقلم فإنّنا نرتاد أرض جنةٍ سلفت ونضارةً مضت ووثبة خيالٍ جموحٍ عقل في مطلع‬
‫حياتنا الواعية‪.‬‬

‫إنّ القراءة هي قبل ك ّل شيءٍ ثأر الطفولة‪.‬‬
‫‪-3-3‬رجعة الماضي العاطفي‪.‬‬
‫إنّ باستطاعتنا أن نقول‪ ،‬وبشكل أكثر دقّةٍ‪ ،‬إنّ القراءة ترجعنا إلى ماضينا بكيفيتين متميّزتين كما برهن على ذلك‬
‫ميشيل بيكر ‪ Michel Picard‬في كتابه قراءة الوقت‪.Lire Le temps .‬‬
‫نستطيع أن نلخّص الكيّفيّة الولى بقولنا‪ :‬إنّ اتحادنا مع بعض المواقف الروائيّة يجعلنا نعيش من جديد القصص‬

‫الوهميّة التي أنشأناها في طفولتنا‪.‬‬
‫وأمّا الكيّفيّة الثانية فهي أنّ بعض تفاصيل النصّ المقروء توقظ فينا صورا باطنيّ ًة دفين ًة وهي ما يسمّى "بشاشة‬
‫الذكرى"‪.‬‬
‫وسوف ندرس الكيّفيّة الولى التي ترتبط بأثر الرواية في الفصل السادس الذي نخصّصه لهذا الموضوع وسوف‬
‫نكتفي هنا بأن نشير على عجل إلى النقطة الثانية‪.‬‬
‫إنّ شأننا‪ ،‬حين نقرأ نصّا‪ ،‬بتخيّل أداةٍ ما أو بتصوّر مشهد ما أو بتمثّل شخصيّة روائيّةٍ ما يبعث فينا ومن باطننا‬
‫صورا كانت خبيئةً يصعب علينا في كثي ٍر من الحيان أن نقول على وجه ال ّدقّة من أين أتتنا‪ .‬فبندقيّة محمّد المسعود‬

‫في (صخرة الجولن) ووجه مصطفى سعيد أو ليالي لندن في (موسم الهجرة إلى الشمال) هي تصوّراتٌ تختلف من‬
‫قارئٍ لخر وأحيانا عند نفس القارئ من عمرٍ لخر رغم وحدة التفاصيل التي تقترحها الروايتان على القرّاء‪.‬‬
‫حين يكتب نجيب محفوظ في مطلع قصر الشوْق‪:‬‬
‫"أغلق السيّد أحمد عبد الجوّاد باب البيت وراءه‪ ،‬ومضى يقطع الفناء على ضوء النجوم الباهت في خطواتٍ‬

‫متراخيةٍ‪ ،‬وطرف عصاه ينغرز في الرض التربة كلّما توكأ عليها في مشيته المتثائبة"‪ .‬من أين تأتينا الصورة التي‬

‫نكسو بها شخصيّة أحمد عبد الجواد؟ من أين تأتينا صورة الفناء الغارق تحت ضوء النجوم الباهت؟‪ .‬كيف هي‬
‫"الخطوات المتراخية"؟ كيف نرى "المشية المتثائبة"؟‪.‬‬

‫ن هذه الصور جميعها وعلى‬
‫ليس بالمر اليسير أن نجيب على هذه السئلة‪ .‬ولكن المر الذي ل ريب فيه هو أ ّ‬

‫ف ول نعيه دائما‪.‬‬
‫ض متف ّردٍ خاط ٍ‬
‫تباينها من فردٍ لخر تنبثق من ما ٍ‬

‫ص الدبيّ يرجع كلّ منا لقصّته الخاصة‪.‬‬
‫إنّ كلمةً واحدةً تبعث فينا أحيانا ماضيا قد غبر‪ .‬والن ّ‬

‫الفصل السادس ‪:‬مسألة وقع القراءة وأثرها على القارئ‬
‫‪-1‬مرامي القراءة الدبيّة‬
‫‪-1-1‬التأثير والمتاع‬
‫إن كانت القراءة تجرب ًة فذلك لن النصّ يؤثّر في القارئ بطريقةٍ أو بأخرى‪ .‬ونحن نستطيع بشكلٍ عامٍ أن نميّز بين‬

‫نوعين من النصوص الدبيّة‪ .‬فبعضها تعمل عملها في القارئ على نحوٍ ملموس فتعزّز من قناعاته الفكريّة السابقة‬
‫ومن سلوكه الواقعي أو تعدّل منها تعديلً ملموسا‪ .‬وتكتفي نصوصٌ أدبيّةٌ أخرى بالترويح عنه وإدخال السرور على‬

‫قلبه‪ .‬وينبغي علينا ألّ نهمل نصوصا أدب ّيةً كثيرةً نصنّفها للوهلة الولى حسب صنفها أو حسب عنوانها أو حسب ما‬

‫يحيط بها في أحد هاتين المجموعتين بينما هي تنتمي حقا حسب مراميها البعيدة إلى المجموعة الثانية‪.‬‬
‫فلقد تزعم بعض الكتابات أنها تعمل على تسلية قارئها وأن غايتها اللهو والعبث بينما هي تسعى في واقع المر إلى‬
‫دفعه لتخاذ موقفٍ فكريّ معيّنٍ أو لقناعه بوجهة نظر محدّدة‪.‬‬
‫ولنأخذ على سبيل المثال واحدةً من مقامات بديع الزمان الهمذاني‪ .‬هي المقامة القريضيّة‪ .‬فنحن نعرف أن مقامات‬
‫الهمذاني حكاياتٌ قصيرةٌ‪ ،‬مختلفة المواضيع لطيفةٌ طريفةٌ ومسجوعةٌ أبدعها خياله‪ .‬وهي قليلة الحظّ من الفنّ‬

‫القصصي عامّ ًة لن غرض البديع فيها كان التفنّن في النشاء وإيراد الحكم والمثال وتصوير شخصيّة بطلها وحيله‬

‫الغريبة وأساليبه العجيبة في التسوّل والكدية‪ .‬ولذلك أسماها‪" :‬مقامات الكدية"‪.‬‬
‫على أن ضعف الفنّ القصصي فيها وغلبة البراعة والسخرية وخفة الروح عليها لم يمنع أن يكون في بعضها‬
‫كالمقامة القريضية مثلً غاي ًة أخرى‪.‬‬
‫ويسلك الكاتب في مقامتنا هذه سلوكه في بقيّة مقاماته‪ ،‬ويلتزم فيها كلّ اللتزام بالقواعد التي استنّها في هذا الفن‬
‫الفريد‪ .‬فهناك الراوي (عيسى بن هشام) والقوم من حوله وهناك البلد البعيد (خوارزم)‪ .‬وهناك اللقاء مع الشخص‬
‫الغريب (أبو الفتح السكندري) الذي يثير فضول الجماعة ويقود حبل الحكاية إلى نهايتها المألوفة‪ .‬وهناك كما في‬

‫بقيّة المقامات الجملة القصيرة النيقة والمسجوعة‪ .‬وهناك التناصّ الذي يلجأ إليه فن المقامة على نحوٍ شديدٍ‪ .‬فهناك‬
‫حكّكُ) وآخر بجملة تذكّر بالمتنّبي (وأسمعت‬
‫جذَ ْيلُها المُ َ‬
‫ع ْذيْقُها المُ َرحّبُ و ُ‬
‫تناصٌ بقول ينسب للحباب بن المنذر (أنا ُ‬

‫كلماتي من به صمم)‪.-1‬‬
‫يسعى الهمذاني إذن في هذه المقامة من خلل لجوئه إلى مجموع حيل فنّ المقامة وحسب ظاهر المور إلى ما‬
‫يسعى إليه أيضا في بقيّة المقامات من إمتاع القارئ وتسليته‪.‬‬
‫ولكن سرعان ما يبدو للعين اليقظة أن الكاتب يريد بالضافة إلى ذلك أن يثير اهتمام القارئ بمسألة كانت تشغل‬
‫أوساط أهل الدب وأنّه يعملُ على إقناعه بوجهة نظر معيّنةٍ‪.‬‬
‫ن فلنا أشعر من فلنٍ إطلقا واحدا من أسس النقد‪ .‬وكانت المفاضلة بين‬
‫لقد كانت المُفاضلة بين الشعراء والقول بأ ّ‬
‫القدماء (شعراء دولة بني أميّة وما قبلها) وبين المتأخّرين (شعراء دولة بني العبّاس وما وليها) تمل المجالس‬

‫الدبيّة في حضرة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عبّاد الطالقاني (‪ )995-938‬التي كان يرتادها أبو الفضل أحمد‬
‫بن الحسين‪ .‬فقام الخلف بين الدباء وصيارف الكلم‪ :‬أيّ الفريقين خير منزلةٍ في الدب وأحسن مقاما فيه؟ وأدلى‬

‫فيه الهمذاني بدلوه مع دلء الخرين وخصوصا أبي بكر الخوارزمي (‪.)993-935‬‬

‫ويعلن أبو الفتح السكندري في المقامة القريضيّة ناطقا ولشك بلسان الكاتب بأن المفاضلة بين كلّ شاعرين عسرةٌ‬

‫ف هو الذعان لحدهما بنوعٍ وللخر بفنّ‪ .‬كأن نقول‬
‫ل يتهجّم عليها ول تجوز لناقدٍ‪ .‬وأن خير ما يذكره حكمٌ منص ٌ‬
‫"الفرزدق أمتن صخرا وأكثر فخرا وجرير أوجع هجوا وأشرف يوما‬

‫إلخ‪."...‬‬
‫وأمّا القول الفصل فيما شجر بين النقّاد بخصوص القدماء والمحدثين فبديع الزمان الهمذاني يقتدي بما ذكره أبو‬
‫العبّاس المبرّد (‪ )898-826‬في الكامل ويحاول أن يقنع القارئ بأنه "ليس لقدم العهد يفضّل القائل‪ ،‬ول لحدثان العهد‬
‫يهتضم المصيب‪ ،‬ولكن يعطى لكلّ ذي حقّ حقّه"‪ .‬وهاهو أبو الفتح يعلن في مقامة تسعى إلى التسلية أمرا على غاية‬

‫الجد‪" :‬المتقدّمون أشرف لفظا‪ ،‬وأكثر من المعاني حظّا‪ ،‬والمتأخّرون ألطف صنعا‪ ،‬وأرقّ نسجا"‪.‬‬
‫ل من أشكال اللهو ليطرق بابا خطرا‪.‬‬
‫لقد جمع الهمذاني هنا بين التسلية الظاهرة والتفكير العميق‪ .‬واستخدم شك ً‬
‫وبالنظر إلى مرامي النصّ وطموحه بالتأثير بالقارئ فالقراءة ليست أبدا نشاطا محايدا‪.‬‬
‫‪-1-2‬الجمعي والفردي‪.‬‬
‫هناك طريقتان لدراك الثار الملموسة التي يتركها عملٌ أدبيّ ما‪ .‬فنحن نستطيع أن ندرس القراءة من خلل نتائجها‬

‫العامّة على مجتمع ما‪ .‬أو من خلل تأثيرها الخاص على قارئ محدد‪ .‬أي أنّنا ننظر إليها في الحالة الولى من خلل‬
‫علقتها مع جمهورٍ من القرّاء بينما ننظر إليها في الحالة الثانية من خلل علقتها مع فردٍ واحدٍ‪.‬‬
‫ي وذلك من خلل المسلّمة التالية‪ :‬ليس القارئ‬
‫إنّ دراسة تأثير النصّ على الجماعة يجعلنا نعيد للنصّ بعده الثقاف ّ‬
‫فردا منعزلً في الساحة الجتماعيّة وهو ليس يعيش متفرّدا على جزيرة حيّ بن يقظان! وعليه فإن التجربة التي‬

‫تنقلها القراءة لبدّ لها أن تلعب بالضرورة دورا في تطوّر المجتمع العام‪.‬‬

‫ويرى جوس ‪ Jauss‬أن تأثير القراءة قد يتخذ أشكالً ثلث ًة متميّزةً‪ .‬فهي قد تنقل النموذج المعياري كما ورثه‬

‫المجتمع من تاريخه‪ .‬وقد تبدع أنموذجا معياريّا جديدا تقترحه على مجتمعها‪ .‬وهي قد تحدث قطيع ًة في النموذج‬

‫السائد وسط هذه الجماعة النسانيّة‪.‬‬
‫ويمكن للعمل الدبيّ أن يعلن شرعيّة القيم المهيمنة في مجتمعٍ ما ويعمل على نقلها كما هي وهذه حالة الدب‬
‫الرسميّ أو حالة الدب الذي يلجأ إلى النماذج الجاهزة‪ .‬وقد يطالب الكتاب بقيمٍ جديدةٍ مستحدثةٍ ويعمل على إضفاء‬
‫ي أو الدب المناضل‪ .‬وقد يقطع العمل الدبيّ صلته بالقيم التقليديّة بأن‬
‫الشرعيّة عليها وهذه حالة الدب التعليم ّ‬

‫يجدّد أفق انتظار القارئ وبأن يغيّر من تطلّعاته‪..‬‬
‫ع أو ل القيم‬
‫وباستثناء حالة الكتب الدبيّة الرسميّة أو القصص الجاهزة فإنّه يكفي أن يحمل نصّ ما على نحوٍ وا ٍ‬
‫السائدة في عصره كي يلعب دورا اجتماعيّا في نقل النماذج المعياريّة في هذا المجتمع وبالتالي في تعزيزها وتدعيم‬
‫أركانها‪.‬‬

‫فإذ يمجّد كتاب كليلة ودمنة من دور السلطان (السد في غابة الحيوان) ويدعو إلى المتثال له والخضوع له حفظا‬

‫على أمن الجماعة وحسن سيرها وهو إذ ينادي باحترام الوالدين والروابط الجتماعية وبضرورة احترام النظام القائم‬
‫على معايبه لنه خير من الفوضى وشرورها فإن الكتاب ينقل القيم التي قام عليها المجتمع العربيّ السلميّ أيّام‬

‫دولة بني العبّاس‪ .‬وعليه فإن قيمة الكتاب في البصرة في القرن الثامن الميلديّ كانت أبعد بكثير من حياة المربد‬
‫الدبيّة ومهاجاة شعرائه‪.‬‬

‫ن العمل الدبيّ يمكن له عن طريق القراءة أن يفتي بشرعيّة قيمٍ جديدةٍ بدلً من الكتفاء بضمان القيم‬
‫ومع ذلك فإ ّ‬

‫المسيطرة‪ .‬ول تكتفي القراءة عندها بنقل النماذج المعياريّة ولكنها تخلق مراجع جديدة‪ .‬وهذا ما نراه في مجموعة‬
‫من الروايات العربية التي ظهرت في نهاية العقد السادس ومطلع السابع‪ .‬كرواية المصري صنع ال إبراهيم‬

‫(القاهرة ‪ )1937‬تلك الرائحة (‪ )1966‬والسوري هاني الراهب (اللذقية ‪ )1939‬شرخٌ في تاريخ طويل (‪)1970‬‬
‫والكويتي إسماعيل فهد إسماعيل كانت السماء زرقاء (‪ )1971‬والردني عبد الرحمن منيف الشجارُ واغتيال‬

‫مرزوق (‪ .)1973‬فقد طالبت جميعها بأن نبحث في واقع المجتمع العربيّ وطبيعة أنظمته تفسيرا لتخلّفه ولهزيمته‬

‫أمام العداء‪ .‬وهي إذ فعلت ذلك فإنّها كانت تدير ظهرها للتفاسير الشائعة آنذاك والقائمة على موضوع المؤامرة‬
‫الخارجيّة وتواطؤ الطابور الخامس والجواسيس العملء‪ .‬وكان نجاح هذه الروايات حسنا في الوساط العارفة‬
‫ففرض حساسيّةً جديدةً وبشّر برؤيةٍ جديدةٍ ونقدٍ مختلفين‪.‬‬
‫وقد تظهر القطيعة مع النموذج السائد في الحقل الجماليّ‪ .‬وهنا يؤكّد العمل الدبيّ الخلّق صفته التجديديّة بأن يغيّر‬
‫من أفق انتظار القارئ الدبيّ‪ .‬ولقد ساهمت رواية البحث عن وليد مسعود عند ظهورها بتغيير حساسيّة القارئ‬

‫الجماليّة‪ .‬فبينما كان القارئ معتادا على الصيغ الجاهزة كما نجدها عند إحسان عبد القدوس أو نوع من الغنائيّة‬

‫العاطفيّة كما نجدها عند نجيب محفوظ جاءنا جبرا إبراهيم جبرا بأسلوب صارم ودقيق يكتفي باليحاء والشارة أكثر‬
‫مما يلجأ إلى الشرح والوصف‪ .‬وترسم جمله عالما داخليّا أكثر قسوةً وعنفا ومواقف معقّد ًة تنبع من ضمير‬

‫الشخصيّة الروائيّة أكثر مما تصدر عن تناقضها مع المجتمع المحيط كما هي في أغلب الحيان عند أستاذنا نجيب‬
‫محفوظ‪ .‬ومن شأن معالجةٍ كهذه أن تمتد من ميدانها الدبي المحدد إلى الميدان‬

‫الجتماعي الواسع بأكمله‪.‬‬
‫وهكذا نخلص إلى أن للعمال الدبية بفضل القراءة تأثيرا عظيما على تطوّر العقليّات‪ .‬فهي تزيد من سلطان سلوكٍ‬
‫ث على اتخاذ سلوكٍ جديدٍ وعاداتٍ جديدةٍ‪ .‬وقد تعدّل من ذوق الجمهور فيتطلّع إلى أمرٍ‬
‫وعاداتٍ قائمةٍ أو أنها تح ّ‬
‫جديدٍ ويسعى إليه‪.‬‬

‫وأمّا تحليل الثر المحصور فإنّه يهدف شيئا آخر‪ .‬هو أن يستخلص وقع النصّ على قارئ بعينه‪ .‬أي أنّه يعنى بأثر‬
‫الكتاب الملموس أكثر مما يهتم ببعده الثقافي‪ .‬وبما أن تأثير القراءة على الشخص المنفرد يسبق تأثيرها على‬
‫ص عند القارئ المنفرد‪.‬‬
‫المجتمع ويحدّده فإننا سندرس في هذه الصفحات الخيرة من كتابنا تلقي الن ّ‬
‫‪-2‬من النص إلى الواقع‪.‬‬
‫‪-2‬الثر والتلّقي‬
‫لكي نحيط بأثر القراءة على القارئ فإنّه ينبغي علينا أن نضع نصب أعيننا الفاصل الذي يقيمه جوس بين ما يسميّه‬

‫ص الدبيّ نفسه على القارئ وبين ما يطلق عليه "تلقّي النصّ" وهو من شأن القارئ‬
‫"أثر النص" وهو ما يفرضه الن ّ‬

‫المتلّقي حرّا ونشيطا‪ .‬وإنّه لمرٌ ذو معنى أن نجد تقسيما مشابها لهذا عند ناقدٍ آخر وهو إيزير ‪ .‬فهذا الخير يرى‬
‫ص الدبيّ قطبين‪ .‬هما "القطب الفنّي" و "القطب الجماليّ"‪.‬‬
‫أن للن ّ‬

‫ي إلى تمثّل القارئ لنفس النصّ‪ .‬وعليه‬
‫ويُرجع القطب الفنيّ إلى النصّ الذي يخلقه كاتبه‪ .‬بينما يُرجع القطب الجمال ّ‬
‫فإن هناك بعدين في عمليّة القراءة‪ .‬ويشمل البعد الول كلّ القرّاء لنه قائمٌ في النصّ ومفروضٌ ومح ّد ٌد به‪ .‬ويختلف‬

‫البعد الثاني ويتنوع إلى مال نهاية له لنه متعلّق بما يسقطه القارئ المنفرد على النصّ ولن كلّ قارئٍ يختلف عن‬
‫غيره اختلفا ل نهاية له‪.‬‬

‫فحين أقرأ على سبيل المثال يوميّات نائب في الرياف فإنني ل أستطيع أن أختار الزاوية التي أنظر منها إلى أحداث‬
‫الرواية‪ .‬وما أعرفه عنها ومنها هو ما يريد الراوي الذي يستخدم ضمير المتكلّم أن أعرفه‪ .‬وليس بوسعي البتة أن‬
‫أعرف وقائع الحداث ول أن أدركها إلّ من خلل نظرته وإدراكه لها‪ .‬وأنا أنظر إليها من خلل عينيه وأنا أفهمها‬

‫من خلل الكلمات التي يختارها هو وينقلها إلي وعلى النحو الذي يريد! وإذن فإن النصّ يفرض عليّ منظوري‬
‫للحداث‪.‬‬

‫وهو "أثر النصّ" العائد للقطب الفنيّ‪.‬‬
‫ت لحقٍ‪ ،‬وعندها فقط‬
‫ولست بقادرٍ أن أتحرّر من قيود هذا المنظور واللجوء إلى قطبي الجمالي الخاص بي إلّ في وق ٍ‬
‫أستطيع أن أعتبر منظور الراوي مشروعا أو ل‪ .‬وعندها يمكنني أن أركن إليه أو أن أطرحه بعيدا!‪ .‬ومهما يكن‬
‫موقفي من النصّ فليس المر بعد أمر الثر الفني الذي يتركه النصّ وإنما هو أمر "تلقّي النصّ" الجمالي‪.‬‬

‫ن هذا التمييز بين "أثر النصّ" وبين "تلقّيه" يجعلنا ندرك أن العلقة بين القارئ والنصّ هي وعلى وجه الدوام علقةٌ‬
‫إّ‬
‫سلبيةٌ وإيجابيّ ٌة معا منفعلةٌ وفاعلةٌ في نفس الوقت‪ .‬وليس يستطيع القارئ أن يستخلص تجربته من القراءة إلّ‬
‫بمقارنة رؤيته للعالم مع الرؤية التي يتضمّنها النصّ‪.‬‬
‫إنّ تلقّي القارئ الذاتيّ مشروطٌ بأثر النصّ الموضوعيّ‪.‬‬
‫ولنّ الجريمة والعقاب تضعني موضوعيا في منظور قاتلٍ يعذّبه ضميره فإنني أستطيع ذاتيّا أن أعدّل من رؤيتي‬
‫للجريمة والمجرمين‪.‬‬

‫‪-2‬مالك الحزين وواقعية السطح‪:‬‬
‫سطحية العالم‪ /‬إغراب السارد‬
‫يعتبر إبراهيم أصلن من كتاب القص المقلين في مصر‪ ،‬فقبل أن يصدر روايته الولى "مالك الحزين"(‪ )1‬لم يعرفه‬

‫القراء إل من خلل مجموعة قصصية تحمل عنوان "بحيرة المساء" (‪ )1971‬ولكنه استطاع من خللها أن يكون‬

‫صوتا متميزا داخل حركة التجديد التي عرفتها الساحة الثقافية في مصر آواخر الستينات إذ أفردت له مجلة "فاليري"‬

‫‪ 68‬عددا خاصا نشرت له فيه أبرز قصصه القصيرة‪ ،‬وبعد هذه الرواية لم نقرأ إل نصا روائيا واحدا عنوانه "وردية‬

‫ليل"(‪ )2‬لم يثر انتباه النقاد‪ ،‬ومع ذلك تظل رواية "مالك الحزين" (‪ )3‬من الروايات القليلة التي استقطبت اهتمام النقاد‬
‫باعتبارها مصدرا أساسيا من مصادر ما يطلق عليه المصريون بالحساسية الروائية الجديدة التي حاولت "الفلت‬
‫من أثر الرؤى التقليدية ومن العلقة اللية بين الدب والواقع ومن قواعد إحالتها له وقبل هذا كله من الفهم‬

‫التقليدي للعمل الفني‪ ،‬طبيعته وآلياته المعقدة وغاياته"(‪ )4‬وقد أدرج صبري حافظ هذه الرواية ضمن "روايات‬

‫الكتابة" فهي "ليست من النوع الذي يسميه "بارت" بروايات القراءة (‪ )Romans Lisibles‬أي النص المكتوب‬

‫للقراءة التقليدية السهلة التي ل تتطلب قراءته جهدا كبيرا من المتلقي ولكنها تنتمي إلى النوع الثاني من الروايات‬

‫التي يسميها "بارت" بروايات الكتابة (‪ )Romans scriptibles‬التي تتطلب قراءتها جهدا ملحوظا من القارئ"(‪)5‬‬

‫ولذلك مهد الكاتب لبحثه عن رواية "مالك الحزين" مستعرضا أهم ما جاء في نظرية "رولن بارت" كما وردت في‬

‫كتابه المعروف "‪ )SZ"(6‬ومتوقفا خاصة عند الشفرات الصانعة للمعنى التي تتحول فيها جزئيات النص إلى تيمات‬

‫تتجمع حول مجموعة من البؤر وتساهم بتفاعلها مع الشفرات الخرى في خلق المجال الرمزي الذي تتحرك فيه‬
‫روايات الكتابة عبر مجموعة من التعارضات بالثنائية والنساق البنائية التي تشكل عبرها هذه التعارضات بنية‬

‫العمل الروائي وبالتالي معناه النهائي"(‪ )7‬ولحظ أنه ل يمكن فهم الرواية وتحليلها إل عبر تحديد مجموعة من‬
‫الجدليات أو التعارضات الفاعلة التي تطل علينا منذ البداية وهي جدليات زمنية وأخرى مكانية وأهمها جدلية‬

‫الحضور والغياب وهي تسفر عن نفسها في صورة العلقة الفاعلة بين الحضور كوجود وكتحقق وكحياة وبين‬

‫الغياب كموت وضياع (‪ )8‬وجدلية المفتوح والمغلق وهي "جدلية أكثر تعقيدا" لن هناك عددا من درجات النفتاح‬
‫والنغلق في الرواية يتزايد وينقص وفق قراءتنا لها أو تصورنا لمستويات المعنى فيها"(‪ )9‬وعلى هذا النحو يعتقد‬

‫المؤلف أنه استطاع أن ‪-‬يحدد معنى الرواية ويدرك قيمتها الفنية‪ ،‬بيد أن هذا المنهج الجدلي في تحليل الرواية‬

‫"مالك الحزين" لبراهيم أصلن يظل محدودا فقد نقده محمد بدوي في كتابه "الرواية الحديثة في مصر"(‪ )10‬قائلً‬

‫"ويهمنا أن نشير إلى استحالة الطمئنان إلى أي ضرب من الثنينيات الضدية حتى لو وجدت وسائط بينهما‪ .‬فكثافة‬
‫النص وامتلؤه يخلق فضاء سمته التشابك والتعقيد‪ ..‬فإن مثل هذا التقسيم وإن بدا مبهرا للوهلة الولى إل أنه‬
‫أقرب إلى الشكلية وينم عن معيار أخلقي ينهض على إثنينية مثالية شر‪ /‬خير‪ ،‬بل قد يشي برؤية تنطوي على‬

‫بعض الرومانتيكية (‪ )11‬مقترحا بذلك منهجا لتحليل الرواية وفهمها وهو الستفادة من نظرية الرواية الجديدة في‬

‫فرنسا لن رواية "مالك الحزين" تعد بالنسبة إليه "نموذجا متميزا في وضع إنجازات الرواية الغربية في سياق مغاير‬
‫لسياقها الذي نشأت فيه (‪ )12‬على الرغم من أن أصلن "لم يكن يسعى إلى أن يكون مندوب الرواية الجديدة في‬

‫مصر‪ ،‬وإنما تحدد مسعاه في توظيف إنجازاتها لنتاج أدب روائي معبر عن واقعه (‪ )13‬وعلى هذا النحو حلل جملة‬

‫من الظواهر الفنية المحدودة كالمكان والشخصيات وأيديولوجية السارد وتشخيص الواقع مستنتجا في النهاية أن‬

‫المكان أبرز ما يميز رواية إبراهيم أصلن‪ ،‬فهو يصر على منحه "هذه البطولة المتفردة "ذات الدللة السياسية‬

‫العميقة ومفادها عند الباحث أنه "على حين تقوم الدولة التابعة بالتفريط في المكان‪ ،‬يحل مشكل التراب الوطني‬
‫المحتل في إطار خطة المركز المبريالي الدولي وما نتج عن هذا المنحى من تغيرات في بنية المجتمع وثقافته‬

‫وأيديولوجيته السياسية‪ ،‬يقوم نص "مالك الحزين" بتحويل المكان المتعين من مجرد بقعة جغرافية معينة إلى رمز‬

‫للوطن ومستقبل من يعيشون فيه (‪.)14‬‬
‫وفي الحقيقة ل يقدم الفصل الخاص برواية "مالك الحزين في كتاب محمد بدوي "الرواية الحديثة في مصر" فهما‬
‫مخالفا لما ورد في دراسة صبري حافظ المتعلقة بالرواية ذاتها ذلك أن الباحثين يتفقان على أهمية استفادة هذه‬

‫الرواية من إنجازات "الرواية الجديدة" في فرنسا على مستوى التنظير للرواية إن لم يكن على مستوى البداع ذاته‬

‫فهما يحيلن على أهم ما ورد من آراء أدبية لدى منظري الرواية الجديدة ونقادها وإن كان بدوي‪ ،‬يحيل مباشرة‬

‫على كتاب ألن روب غريه الشهير "من أجل رواية جديدة (‪ ")1963‬فإن صبري حافظ يهتم بنظرية الناقد الفرنسي‬
‫رولن بارت الذي لم يكن بعيدا عن هذه الحركة الدبية الفرنسية‪ ،‬والكاتبان يلحان على أهمية المكان ودللته في‬

‫هذه الرواية باعتباره يجسد إلى حد بعيد كيفية التعامل مع شخوص الرواية وكيفية فهمهم وتكاد ل تختلف في هذا‬
‫السياق إل العبارات المستعملة ويظل المعني واحدا‪ ،‬ورغم ذلك فإن دراستهما تؤكدان على أهمية هذه الرواية‬

‫وتميزها في إطار حركة الحساسية الروائية الجديدة في مصر‪.‬‬
‫‪-2‬مالك الحزين‪ :‬البنية العامة‪:‬‬

‫تقوم رواية "مالك الحزين" على واحد وعشرين مقطعا ولكن هذه المقاطع السردية ل تتساوى من حيث المساحة‬
‫النصية التي تحتلها فالمقطع الول ل يتجاوز السطر الربعة في حين تبلغ بعض المقاطع العشرين صفحة أو‬

‫تتجاوزها‪ ،‬وتتخلل بعض المقاطع مجموعة من العناوين ولكن بعضها الخر جاء صامتا ل يحمل أي عنوان إضافة‬

‫إلى أن الكاتب يلتجئ أيضا إلى بعض العلمات الطباعية للفصل بين المقاطع الثانوية داخل المقطع الواحد والمرقم‬

‫ولكنه ل يعمم هذا السلوب إذ أن المقاطع القصيرة هي مقاطع بسيطة في تركيبها ول تضم مقاطع سردية ثانوية‬

‫ولكنها في أغلب الحيان تكون بمثابة الختزال الحدثي للمقطع‪( :‬صائد العميان ‪ -‬المعلم رمضان يأخذ نصيبه من‬

‫البرتقال ‪ -‬الشيخان‪ -‬فاطمة‪ -‬علقة‪ -‬من عواقب ركوب الماء‪ -‬الولد والمصباح‪ -‬العم عمران يحمل رسالة من‬

‫الملك السهران‪ -‬ليلة العزاء‪ -‬المستحمة‪ -‬عبد ال الغلبان‪ -‬كفوف الدم‪ -‬سلمان الصغير أضاع الهرم الكبير‪-‬‬

‫رجوع الشيخ إلى عصاه‪ -‬رحيل ‪ -‬مطر ‪ -‬رجوع) ولعل أهم ما فيها ما يتعلق بصياغتها فهي تحيل القارئ على‬
‫بعض العناوين المعروفة في الكتب القديمة والحديثة وخاصة كتاب ألف ليلة وليلة وكتاب كليلة ودمنة‪ .‬وقد رأى‬

‫فيها بعض النقاد شكلً من أشكال التناص‪ .‬يقول صبري حافظ إن الكتابين (ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة) "من‬
‫النصوص الغائبة والفاعلة في "مالك الحزين" وتقيم رواية "مالك الحزين" علقتها التناصية مع هذين النصين‬

‫الكبيرين من خلل أسلوبي المفارقة والتوازي"(‪.)15‬‬

‫بيد أن هذه المقاطع في علقتها بالحكاية التي تقوم عليها الرواية ل تثير إشكالية محددة على غرار بعض الروايات‬

‫الحديثة‪ ،‬فهي ل تعدو أن تكون إشارة إلى النتقال من صيغة إلى أخرى كالنتقال من الوصف إلى السرد شأن‬

‫العلقة بين المقطع الول والثاني‪ ،‬ففي المقطع الول يصف السارد حالة الطقس في يومين‪" ،‬كانت بالمس قد‬

‫أمطرت مطرا كثيرا ابتلت منه حتى عتبات البيوت في الحواري الضيقة‪ .‬أما اليوم فإنها كفت‪ ،‬لم تمطر ول مرة‬
‫واحدة ومع أن الشمس لم تطلع وظلت طول النهار وهي غائبة فإن الجو كان أكثر دفئا‪ .‬ومنذ قليل‪ ،‬جاء المساء‬

‫مبكرا"(‪ )16‬كما يمكن أن تكون إشارة النتقال من شخصية إلى أخرى أو مجموعة شخصيات إلى مجموعة أخرى أو‬

‫كذلك من زمن إلى آخر‪ ،‬فالنتقال من المقطع الثاني إلى المقطع الثالث وهما من المقاطع القصيرة هو النتقال من‬

‫الحديث عن يوسف النجار إلى الحديث عن بعض الشخصيات الخرى وأهمّها فاروق السّينمائي حيث تكون المقاطع‬

‫قصيرة وإن طالت تُجزّأ إلى مقاطع ثانوية لتتحوّل إلى مشاهد اجتماعيّة متنوّعة ولكل مشهد شخوصه ولحظته‬
‫الزمنّية وحدثه ومؤثثاته‪.‬‬

‫وتأكيدا لكلمنا يمكن أن نقف عند المقطع الرابع وهو مقطع طويل نسبيا بالمقارنة مع المقاطع الثلثة الولى‪ ،‬فقد‬
‫قسمّه المؤلف طباعيّا إلى أربعة مقاطع ثانوية‪ ،‬ففي المقطع الثانوي الول يصف السّارد حجرة يوسف النجار مركزا‬

‫على الشياء التي تحويها (الكتب المتراصة وزجاجات خمر فارغة وأكواب‪ ،‬وعلب أدوية وأمشاط كبريت‪ )..‬ولكنه‬

‫يهتمّ بوصف لوحتين معلقتين لبيكاسو فيصفهما وصفا مفصلً ويشخّصهما تشخيصا كلّيا تمثل إحداهما "رجل يركب‬
‫بغلة عجوزا‪ ،‬بدرع على الظهر ورمح طويل كالعصا وكان التّابع قريبا من الرض على ظهر حماره اللهي ذي‬

‫الخرجين‪ ،‬يرفع رأسه المدور ويتطلع إلى فارسه العالي وهو صامت وكانت الرضية مجموعة من الخطوط التي‬
‫استكملها توقيع بيكاسو والتاريخ‪."..‬‬

‫وفي المشهد الثاني يصف السارد يوسف النجار وهو يستعد للخروج إلى الشارع وعندما يصل يلتقي في المقهى‬
‫صديقيه جابرا وفاروقا اللذين يخبراه بموت العم مجاهد ثم يغادر المقهى "شكره يوسف النجار وقدم له سيجارة‪،‬‬

‫أخذها فاروق وأشعلها وراح يتباعد وهو يغادر الوسعاية ويتمتم"(‪ )18‬وفي المشهد الثالث يفصل السارد حادثة موت‬
‫مجاهد عندما تخبر الم ولدها بتفاصيل الموت "في الصباح‪ ،‬أخبرته أمه أن أمناء الشرطة قد وجدوا العم مجاهد ميتا‬
‫عند الفجر‪ ،‬داخل دكانه الذي كان يعرفه‪ )19("..‬وخلل خروج يوسف النجار من جديد إلى المقهى يتعرف على‬

‫شخصيات جديدة هي العم عمران‪ ،‬سالم فرج حنفي ‪ -‬المير عوض ال ويتقدمها السارد من خلل أفعالها اليومية‬
‫العادية "وحينئذ رأى المير عوض ال وهو يجلس عند مدخل المقهى‪ ،‬صافحه ورأى العم عمران وأراد أن يدخل‬

‫لكي يجلس معه ويأخذ بخاطره ويرى وقع موت العم مجاهد على نفسه ولكن المير أحضر مقعدا وطلب له كوبا من‬
‫الشاي"(‪.)19‬‬
‫وفي المقطع الرابع يركز السارد على شخصيات المقهى ‪ :‬قاسم أفندي‪ -‬عبد ال القهوجي‪ -‬المعلم رمضان‪ -‬الشيخ‬
‫حسني‪ -‬عوض ال‪ -‬عبد النبي العرج‪ -‬سليمان الصغير‪ -‬جمال ماسح الحذية‪ -‬العم عمران‪ ،‬من خلل أفعالها‬

‫العادية المتكررة "كان عبد النبي العرج يقف داخل النصبة أمام المنقل الكبير‪ ،‬يشعل الفحم ويهوي عليه بمروحة‬
‫من الريش‪ ،‬أما في الناحية اليمنى‪ ،‬أمام قاسم أفندي‪ ،‬فقد كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على الربعة الذين‬
‫يلعبون الدومينو بالنقود‪ ،‬وكان جمال ماسح الحذية قد ترك صندوقه المقعد واقترب منهم أكثر وراح يتابعهم في‬

‫صمت‪ )20(.‬ويعمد كذلك إلى وصف بعض مؤثثات المقهى "وعلى بعد مقعدين آخرين‪ ،‬كان دولب قصير عليه لوحة‬
‫من البلور وطبقان أحدهما به كمية من الماركات النحاسية ووراء هذا الدولب كان مقعد المعلم موضوعا على‬

‫صندوق كازوزة فارغ ومقلوب‪ ،‬تحت الرف الذي يحمل الراديو الخشبي الكبير"(‪ )20‬ولكن الكيد أن هذه المقاطع‬
‫الثانوية الربعة التي تؤسس المقطع الرئيسي محورها شخصية يوسف النجار وما وصف المقهى وشخوصه إل‬

‫نتيجة علقة يوسف النجار به‪ ،‬فعندما غادر يوسف النجار المقهى ظلت عين السارد مستقرة فلم تتابع الشخصية في‬
‫تنقلها بل ظلت حبيسة المكان تصفه وتشخصه وهو ما يؤكد لنا أهمية تأثير التقطيع السينمائي في التقطيع الروائي‪.‬‬
‫في المقطع السادس يلتجئ السارد إلى أسلوبين للتمييز بين المقاطع الثانوية وهما السلوب الطباعي عن طريق‬

‫نقاط الفصل وأسلوب العناوين الداخلية ولذلك يمكن أن نقول إن هذا المقطع الرئيسي يقوم على سبعة مقاطع ثانوية‬

‫غير متساوية‪ ،‬ففي المقطع الثانوي الول يروي السارد الحكاية التي كانت تجول على ألسنة شخوص المقهى وهي‬
‫حكاية مفادها أن المعلم صبحي تاجر الطيور‪ ،‬اشترى بيت الحاج محمد موسى الذي يوجد به المقهى إل أنه دفع‬

‫نقودا لسكان الدور الول والدور الثاني ولكن المعلم (‪ )21‬وأغراهم لكي يبحثوا بأنفسهم عن بيت آخر يسكنون‬

‫فيه‪ ..‬عطية الذي استأجر المقهى ظل يتلعب مع المعلم صبحي إذ "عاد يأخذ النقود بحجة تدبير مكان آخر وهو‬
‫يقسم أنه سوف يتركه أول الشهر القادم ثم ل يفعل فاضطر صاحب المقهى إلى اليعاز لحد صبيانه باستعمال‬

‫السكين حتى يجبر المتسوغ على تركه حتى حصل منه على ثروة كبيرة(‪ .)22‬أما المقطع الثاني فهو يحمل عنوان‬

‫"المعلم رمضان يأخذ نصيبه من البرتقال‪ ..‬وهو نادرة بطلها المعلم رمضان والشيخ حسني يتخللها استطراد يتعلق‬
‫ببعض شخوص الرواية من خلل بعض مظاهر حياتهم في الحي والنادرة هي أن المعلم "رمضان ناول الكيس إلى‬
‫الشيخ حسني وقال إن هذا هو البرتقال‪ ،‬وطلب منه أن يقسمه بنفسه حتى يكون مطمئنا لكن الشيخ حسني قسم‬

‫البرتقالت على طريقته الخاصة فأخذها باستثناء أربع "فاستغرب المعلم غاية الستغراب وأراد أن يفهم أولً ثم يثير‬
‫الموضوع مع الشيخ ولكنه لم يجد الطريقة التي يفكر بها لكي يفهم وينتهي المقطع الثانوي(‪ )23‬بوصف الشيخ‬

‫حسني وهو "يسحب زميله العمى ويتجه به ناحية الشاطئ ليبدأ المقطع الثالث الذي يحمل عنوان "الشيخان" في هذا‬

‫المقطع الثانوي يروي السارد قصة الشيخين حسني وجنيد وهما أعميان‪ .‬فبعدما أورد السارد في مقطع ثانوي سابق‬

‫"صائد العميان" حكاية الشيخ حسني مع العميان إذ كان يحتال عليهم موهما إياهم بأنه ينظر ويرى ويبتز أموالهم‬

‫وكان يستخدم صبي المقهى "ناظور جينا‪ ،‬يروي الجزء الول من إحدى نوادر الشيخ حسني الذي يقترح على الشيخ‬
‫"جنيد" أن يستأجرا معا مركبا ويتجول في النيل‪ .‬ويتخلل النادرة شيء من سيرة الشيخ حسني كما يرويها بنفسه‬

‫للشيخ جنيد‪ .‬ثم ينتقل السارد إلى المقطع السردي الموالي وهو مقطع قصير عنوانه "فاطمة" يصف هذه الفتاة وهي‬

‫تتجه إلى شارع فضل ال عثمان قادمة من "قطر الندى" لينتهي أخيرا إلى وصف ما يدور من حديث بين الصديقين‬
‫"شوقي" و"فاروق" يتعلق بالستعدادات لليلة العزاء وينتهي المقطع بالعودة إلى فاطمة وهي تلتقي الصديقين عند‬
‫خروجهما من البيت‪.‬‬
‫ما يمكن أن نستنتجه من هذا العرض هو أن الكاتب يعمد إلى ضرب من التقطيع يتسم بالدقة والكثرة ولذلك تتنوع‬
‫البؤر وتتعدد بسرعة مذهلة‪ .‬ثم إن المقاطع ‪ -‬على قصرها‪ -‬تسعى عموما إلى تحقيق استقلليتها السردية‪ ،‬فكل‬

‫مقطع يتمحور حول حديث جديد أو حول حكاية شخصية جديدة وهذا يعود إلى طبيعة الحكاية في هذه الرواية ولكنه‬
‫يؤكد أن هذا الضرب من التقطيع هو تقطيع سينمائي إذ أن المقاطع تتحول إلى مشاهد متراكبة تؤسس الرواية كلها‪.‬‬
‫الحكاية‪:‬‬
‫إن مثل هذا التقطيع المشهدي ل يبني حكاية ولذلك جاءت رواية "مالك الحزين" معادية للحكاية معاداة غريبة‪ .‬فزمن‬

‫الحداث ل يتجاوز يومين‪ ،‬ذلك أن الحداث تبدأ ذات يوم عندما أزاح يوسف النجّار "البطّانيّة عن نصفه السفل‬

‫وجلس على الكنبة وهو يداري ساقيه بطرف الجلباب" وتنتهي الحكاية صباحا بعد يوم‪" :‬في الحجرة الخارجيّة التي‬
‫ل ورأى نور الصباح الحقيقي وهو يدخل من فتحات‬
‫تطلّ على الوسعاية الصغيرة‪ ،‬فتح يوسف النجار عينيه قلي ً‬

‫الشيش المعلق" وبين البداية والنهاية‪ ،‬يقوم خط سردي عام هو موت العم مجاهد ودفنه والستعداد لليلة العزاء بعد‬
‫الدفن وباستثناء هذا الخيط السردي العام الذي يجمع بين شخوص الرواية‪ ،‬ل يمكن أن نعثر على أي مظهر من‬

‫مظاهر الحكاية الكبرى شأن الرواية العادية ولكننا نقرأ مجموعة من الحكايات الصغرى هي في النهاية "ميكرو‬

‫حكايات" وهي ل تكاد تحصى فلكل شخصية من الشخصيات حكايتها الخاصة وهي حكايات قد تتمطّط أحيانا فتتقاطع‬
‫مع بقية الحكايات شان نوادر الشيخ "حسني" العمى وحكاية المعلم صبحي مع المحلّت التي اشتراها وخاصة مع‬

‫المقهى الذي يمثّل مركز الحي ومنتدى سكانه ولكنها تأتي أحيانا مختزلة شأن حكاية السطى "قدري" مع رأس‬
‫العجل(‪.)24‬‬

‫وإذا أدركنا أن عدد الشخوص يفوق الثمانين في الرواية فإن الميكرو‪ -‬حكايات تتعدد بدورها تعددا لفتا للنتباه‬
‫وهي التي تؤسس النسيج السردي في الرواية وعلى هذا النحو ل يمكن الحديث عن شخصيات محوريّة ول عن‬
‫بطولة فيكفي الحكايات أن تكون وقعت في مكان واحد ويكفي الشخوص أن يجمعهم هذا المكان وهي حيّ إمبابة‬

‫"وعندئذ تصبح الرواية على حد عبارة فيصل درّاج "رواية عن المكان أو رواية عن بشر ل يتحدّدون إل في مكانهم‬

‫هو البداية والنّهاية‪ ،‬ولهذا فإن الرواية تقدّم وصفا دقيقا لسمات المكان وتدخل الحواري الرطبة وتصف الجدران‬

‫وترسم النية‪ ،‬تفعل كل ذلك باهتمام وعناية ثم ل تلبث أن تصف المسلسل اللمتناهي للحركة اليوميّة التي تتم في‬

‫هذا المكان‪ ،‬مسلسل يشمل كل أشكال الحركة في العارض اليومي والبسيط والنافل حتى تكاد الرواية أن تكون سردا‬

‫أمينا للحياة اليومية في أمبابة"(‪.27‬‬
‫إن تشعب هذه المقاطع السردية الناتج عن تعدد شخوصها وميكرو حكاياتها يضعنا أمام مفهومين إجرائيين يسهلن‬
‫علينا ولوج عالم "مالك الحزين" الروائي وفهمه وهما مفهوما التسطيح والغراب‪.‬‬
‫التسطيح‪:‬‬
‫عندما نتأمل الوظائف السردية التي تؤسس المقاطع التي إليها أشرنا‪ ،‬نلحظ أنها تشخص اليومي من الفعال فأفعال‬
‫المقطع الثاني من الرواية ‪ -‬على سبيل المثال‪ -‬هي التالية‪ :‬أزاح البطانية عن نصفه السفل‪ -‬جلس على الكنبة‬

‫وهو يداري ساقيه بطرف الجلباب ‪ -‬مد يده إلى كوب الشاي الكبير الدافئ ‪ -‬قام يوسف النجار واقفا‪ .‬ويقوم المقطع‬
‫الثانوي الرابع من المقطع الرابع على الفعال التالية‪ :‬كان قاسم أفندي يقرأ شيئا في جريدة الهرام ‪ -‬عبد ال‬

‫القهوجي يستمع إليه‪ -‬كان المعلم رمضان يجلس وهو نعسان إلى جوار الشيخ حسني‪ /‬الذي ثبت كعبه وراح يدق‬

‫بمشط قدمه على الرض ليضبط إيقاع الجندول التي تذاع من الراديو‪ ..‬وكان عبد النبي العرج يقف داخل النصبة‬

‫أمام الموقد الكبير ‪/‬يشعل الفحم‪ /‬ويهوى عليه بمروحة من الريش‪ -‬كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على‬

‫الربعة الذين يلعبون الدومينو بالنقود‪ -‬كان جمال ماسح الحذية قد ترك صندوقه المقعد واقترب منهم أكثر وراح‬
‫يتابعهم فيصمت ‪ /‬كان العم عمران وحيدا في بيجامة من الكشور وطاقية من نفس القماش‪.‬‬

‫على هذا النحو تمضي الفعال السردية في الرواية كلها والسارد ل يكتفي بوصف الفعال اليومية التي يمارسها‬
‫شخوصه في الحي داخل البيوت أو في المقهى أو في أماكن أخرى ولكنه يبالغ في تفصيل هذه الفعال وتجزئتها‬

‫ولذلك تعتني الجمل السردية عموما بتشخيص الجزيئات من الفعال على نحو هذه الجملة السّرديّة‪" :‬بعد ذلك وقف‬
‫المعلم على أجولة الدقيق الفارغة وراء الفرن وغسل يديه‪ ..‬وغادر المكان وهو يخرج منديله ويجفّف يديه ويمسح‬
‫فمه ويتّجه إلى المقهى"‪.‬‬

‫عن مثل هذه الفعال المفصّلة يمكن الستغناء عنها في الرواية الواقعيّة التقليدية بدون أن يؤثّر ذلك في مساق‬

‫السرد وتطوير الحبكة لكننا ل نستطيع ذلك في هذه الرّواية‪ .‬إن قيمة هذه الفعال في ذاتها إذ تخلو الرّواية من‬
‫حكاية عامة وحبكة وإنما هي مجموعة أفعال مرتبطة بشخوصها تشخّص في مكان محدّد وهو في إمبابة‪.‬‬
‫إن السارد ‪ -‬في هذا السياق‪ -‬يصف ما يرى ويسمع‪ ،‬وما يحدّد الشخصيّة الروائيّة عنده هو ما تُصد ُرهُ من أفعال‬
‫وأقوال في حيّ "امبابة" ول شيء غير ذلك ولذلك ل تقوم الشخصية إل من خلل مظهرها الخارجي‪ ،‬فالعم عمران‬

‫يقدم من خلل الثوب الذي عليه وعرف به في الحيّ والمقهى والبيجامة الكستور المقلّم والطاقيّة من نفس القماش‬

‫يقدّم عبد ال القهوجي من خلل هيأته الفزيولوجية المتمثّلة في قامته النّحيلة وعينيه المريضتين والشيخ حسني‬
‫من خلل جلبابه القديم وسترته المفتوحة وشعره الخشن الذي بقعه البياض ويقدّم عبد النبي العرج من خلل‬

‫عاهته أو من خلل الفعال التي يؤديها ولذلك قلما نجد في الرواية علمة نفسيّة أو اجتماعية تسم الشخصية أو‬

‫تساهم في تحديد أبعادها وهذا يعني أن الشخصية في رواية "مالك الحزين" شخصية بل عمق نفسي أو اجتماعي‪.‬‬
‫إنها شخصية مسطحة‪ ،‬وهي شخصية بل تاريخ‪ ،‬فقد لحظ بعض النقاد أن ل تاريخ للشخصية خارج حياتها في‬

‫"إمبابة" فنحن نعرف ما في المكان حتى ذلك التاريخ البعيد ولكننا ل نعرف ماضي الكثير من الشخصيات‪ .‬فالمعلم‬
‫ل لم يوجد إل عندما جاء "إمبابة" ووجوده قبل قدومه كالعدم وكذلك سيّد طلب الحلّق فقد جاء مع أمه إلى‬
‫صبحي مث ً‬

‫هذا الحي الشعبي ولكن القارئ ل يعرف أي شيء عن ماضيه فكأنه خلق مع قدومه إلى "إمبابة" ولعل أعمق هذه‬

‫الشخصيات شخصية يوسف النجار‪ ،‬فهو مثقف يكتب رواية لم يستطع أن ينجزها وكان شاهدا على بعض الحداث‬

‫السياسية والجتماعية كالمظاهرات العنيفة وتدخل قوات المن بأسلحتها التي بلغت حي "إمبابة" وأخرجته من حياته‬

‫اليومية الروتينية "تقول إنك رأيتهم رأي العين يحرقون وتستجيب لهم حتى أعشاب الشاطئ الخضراء‪ .‬وتكتب أنك‬
‫مشيت على كسور الزجاج التي غطت شوارع المدينة وأرصفتها"(‪ )26‬ولكننا ل نستطيع أن نقرأ شيئا كثيرا عن‬

‫حياته الشخصية وعن مواقفها الفكرية إذ يبدو لنا السارد شحيحا في عرض صورتها فباستثناء الفعال اليومية‪،‬‬
‫التي تؤديها في البيت والشارع والمقهى أو تلك العلقة التي تربطه بالمرأة الشابة "فاطمة" ولم تتطور‪ ،‬تظل‬

‫الشخصية منحصرة في حركتها الخارجية بما تأتيه من أفعال يومية وأقوال عادية عن هوية الشخوص في رواية‬
‫"مالك الحزين" ليست في ذواتهم بل في انتماءاتهم إلى المكان‪ ،‬إن حي "إمبابة" الشعبي هو الذي يبرز وجودهم‬

‫وأفعالهم ويكسبهم ملمحهم الخاصة وخارجه يسقطون في "اللهوية" و"اللانتماء" ويفقد الفعل ذاته معناه‪ ،‬ولعل أكثر‬
‫المواقف السردية دللة في هذا السياق ما يتعلق بعلقة يوسف النجار "بفاطمة" لقد فكرت وعرفت أنها لو ذهبت معه‬

‫إلى بيت صديقه (خارج إمبابة) فسوف يمكنه أن ينام معها حتى تعرف ويثبت لها نفسه ثم يتركها‪ .‬لقد فكرت وهي‬
‫في الوتوبيس عندما تصورت نفسها تخلع ملبسها في مكان ل تعرفه وخافت لنها لم تخلع ملبسها بعيدا عن‬

‫إمبابة أبدا(‪ )27‬فالفعل الجنسي بالنسبة إلى فاطمة ل يمكن أن يتحقق إل في "إمبابة" لنه في هذا المكان يطور‬

‫العلقة بينها وبين يوسف النجار ويحافظ عليها لكنه عندما يقع خارج هذا الطار المكاني فإنه يبدد هذه العلقة‬

‫وينهيها وهو ما ل ترغب فيه فاطمة‪.‬‬
‫إن المكان يظل سيد الموقف السردي‪ ،‬فهو الذي يمنح الشخوص هوياتهم ولكنهم في الوقت ذاته فيه ينغمسون‬
‫ويمارسون ضربا من الحياة الجماعية التي تؤلف بين الخصوصيات الفردية وتخلق نفسا ملحميا واضحا فكأن‬

‫الشخوص مثلهم مثل الشياء والمباني يساهمون في تأثيث المكان وتحديد ملمحه‪" :‬عندما وصل إلى هناك‪ ،‬رأى‬

‫ن وأولد صديق واللمّة أمام‬
‫إمبابة على حالها‪ ،‬المداخل المضاءة وعربات الفاكهة والكبدة والسّمين ومطحن الب ّ‬

‫التلفزيون المفتوح ومطعم الفول والسطى بدري الحلق وبيع المصنوعات وكشك الخواجة والمكتبة والجاويش عبد‬
‫الحميد ومدخل المقهى المزدحم"(‪ )28‬إن مثل هذه الجملة القصصيّة وما يشبهها كثير في الرواية‪ ،‬ل يفصل فيها‬

‫السارد بين ذكره المحلّت والمبيعات والشخوص‪ ،‬فهو يذكرهم جميعا في سياق واحد‪ ،‬فهم بالتالي عناصر تؤثّث‬
‫"إمبابة" ل تختلف عن بقية العناصر الخرى‪ ،‬إضافة إلى أنهم يلتحمون بالمكان التحاما غريبا‪ ،‬فالسارد يتعمدّ‬

‫المبالغة في ذكر المواقع والمحلّت والشوارع بأسمائها وبعض الشوارع تحمل أسماء بعض العلم شأن فضل ال‬
‫عثمان ولكنّه ل ينبّه إلى أنها شوارع وقد يلتبس المر على القارئ فيتوهم أنها شخوص والحال أنها شوارع‪" :‬كان‬
‫يعمل عند السطى بدوي الحلّق وراء الكيت كات ويعيش مع أمه الريفية عند التقاء قطر النّدى مع فضل ال‬

‫عثمان"(‪"- )29‬وظلّت توقظه حتى أصبح يقوم وحده ويرتدي ملبسه ثم يغادر أمير الجيوش ويذهب إلى فضل ال‬
‫عثمان" (‪ )30‬وعلى هذا النحو تتلشى الشخصية في المكان وتتقزم ورغم ذلك‪ ،‬تجد ذاتها فيه‪" :‬ومن مكانه عند‬

‫مدخل المقهى رأى الواجهة الخلفيّة للجامع الكبير العالي‪ ،‬جامع خالد بن الوليد‪ ،‬بلونها الصفر المبتل من المطر‬

‫القديم وسوره الحديدي المطلي على طول الطريق الجانبي المنحدر من شارع النيل أمام المقهى وهو يلتقي مع‬

‫شارع مراد وشارع السلم عند ناصية الجامع والرصيف العريض الذي بدا منحرفا في نقطة التقائها وفي مقدمة‬

‫ذلك الرّصيف رأى العمود الحجريّ المتآكل‪ ،‬تعلوه تلك الذّراع التي تمسك بالغطاء الكبير المقلوب والمصباح‬

‫المكسور دائما‪ ،‬تطلّ من أعلى فوق العربة الخشبيّة التي ترتفع عن الرض قليلً المقوّسة مثل قارب صغير أو مثل‬
‫مركوب والده الحاج عوض ال وهو ما زال منسيّا تحت سريره النّحاسي الكبير"(‪.)31‬‬

‫إن علقة الشخوص بالمكان تقوم على جدليّة النفي والثبات ذلك أن المكان يتعاظم ويحوّل شخصية إلى شيء من‬

‫أشيائه ولكنه في الوقت ذاته يمنحها هويّتها ويجعلها في وضعها هذا تكتشف ذاتها‪.‬‬
‫الغراب‪:‬‬

‫من وجهة نظر مغربة غير (‪ )RECIT‬يعرف الغراب بأنه تقديم فصل أو مرحلة من الحكاية عادية بواسطة طرف‬
‫ثالث ل يفهمها بحيث يكون القارئ مدفوعا إلى أن يرى في الفصل أو في المرحلة تفاصيل وقيما مخالفة للمألوف‬

‫وهو يختلف عن المفهوم عند (‪ )32‬الغرائبي الذي حدّده تودوروف في كتابه "مقدمة للدب الفانطاستيكي" حصر هذا‬
‫المفهوم في تشخيص الخارق من الحداث وبحث عن الصلة التي تربطه بالعجائبي والفانطاستيكي متحدثا عن‬

‫القطيعة مع النظام المعترف به (‪ )33‬والبروز المفاجئ لما ل يمكن قبوله في قلب الشرعية اليومية التي ل تتغير في‬

‫رواية "مالك الحزين" نسق ل يخرج (‪ )SINGULARISATION‬إن الغراب عن النظام المعترف به ول‬

‫يتعارض مع المنطقي‪ ،‬بل يتصل ثابت التصال بالنادرة‪ .‬ذلك أن الرواية تزخر بمجموعة من الحداث الشاذة التي ل‬

‫يقاس عليها وهي أحداث تتقاطع مع تلك الحداث العادية واليومية التي يقوم عليها نسيج الرواية ولكنّه تقاطع‬

‫يحدث مفارقات حدثية عجيبة‪ ،‬فمن غمرة العادي واليومي تنبثق مجموعة من الحداث الشاذة الغريبة التي قد يقبلها‬

‫العقل على مضض ولكن تنفرج لها السريرة وينفتح لها القلب وهي أحداث تخرج على الروتين المألوف وتجابه‬

‫المتكرر وتظهر بمظهر المغرب والشاذ من هذه الحداث ما يتعلق بحكاية الشيخ حسني مع العميان‪ .‬ذلك أن الشيخ‬

‫حسني العمى كان يصطاد العميان بطريقة غريبة‪ ،‬فهو يوهمهم أنه يرى فيصطحبهم إلى الماكن العامة ويبتز‬

‫نقودهم وقد اتخذ من صبيّ المقهى "عبد ال" ناظورجيّا يشتغل لحسابه إذ "لم يكن عليه‪ ،‬عندما يرى أحد العميان‪ ،‬إل‬

‫أن يخبر الشيخ بما رأى‪ ،‬ومع الوقت‪ ،‬صار عبد ال يعرف عمله جيدا ويجيب وحده على بعض السئلة الضرورية‬
‫مثل سن الزبون وأطرف ما في الحكاية الشيخ (‪ )34‬وثيابه أو ما قد يكون من علمات بارزة‪ ..‬حسني مع العميان‬

‫ما يتعلّق بقصّته الغريبة مع الشيخ جنيد فقد أوهمه كالعادة أنه يرى وكان يصطحبه في الشارع والمقاهي ويقصّ‬
‫عليه بعض مظاهر حياة المبصرين ثم دعاه إلى جولة في النيل على مركب خاص يقوده الشيخ حسني بنفسه‬

‫وتنتهي القصة نهاية شاذة نادرة وطريفة في الن ذاته فقد "شمرّ الشيخ حسني كتفه ومال قليلً وبكل هدوء مدّ‬

‫العصا في الماء لكي يقيس عمقه ولكنها لم تصل إلى شيء فأخرجها‪ .‬ومدّ يده الخرى ناحية مقدمة المجداف ثم‬
‫سحبها على الفور وأيقن أنه غارق ل محالة وأنّهم سوف يعرفون جثته من ورقة المجلة‪ )35( ،‬وسكت عن الحركة‬
‫تماما وفجأة صرخ بكل ما يملك من قوة "غريق‪ ،‬غريق" ول تقل هذه النادرة غرابة عن تلك التي تتعلق بركوب‬
‫الشيخ حسني الدراجة النارية‪ ،‬فقد كان ‪-‬رغم عماه‪ -‬يركب "الموتوسيكل" ولم يكف عن ذلك إل عندما دخل‬

‫بالموتوسيكل من واجهة أجزخانة المبابي وهو يكسر كل شيء أمامه حتى وصل إلى الدكتور عبد التّواب الذي‬

‫يشرب الشاي وراء الستارة وخبطه في جنبه اليمن ثم انقلب هو والموتوسيكل على جنبه اليسر ولحقه حسين عبد‬

‫الشافي الذي (‪ )36‬كان قد تركه وقفز عند مدخل الجزخانة ومن هذه النوادر أيضا قصة السطى قدري مع رأس‬
‫العجل‪ ،‬فقد اشترى الرجل رأس عجل وعد به زوجته وركب الترام وأخرج أذن العجل وداس عليها بحذائه كي ل‬

‫تضيع وراح يقرأ في جريدة الخبار عن الحكومة التي سوف تخفض السعار "لكن سارقا قطع الذن وأخذ الرأس‬
‫وعندما وصل إلى سوق الخضر طوى السطى قدري جريدته وانحنى ليحمل رأس العجل ويعبر بها كوبري إمبابة‬

‫ولكنه وجدها قد اختفت تماما بينما هو يدوس على الذن الرمادية الكبيرة التي انفصلت بعناية(‪.)37‬‬

‫كذلك يمكن أن نذكر حكاية الكابتن حسين عبد الشافي التي رواها الشيخ حسني للشيخ جنيد وهو قائد فريق مصر‬
‫لكرة القدم وقد شارك في الكأس العالمية الولى التي دارت في ألمانيا النازية فـ "عندما مات والده لم يكن يملك‬
‫شيئا ول الستر وإنه احتار ماذا يفعل‪ ،‬لم يكن يريد أن يفضح نفسه وهو الكابتن المعروف على مستوى العالم‬

‫ويستدين من أجل دفن والده‪ ،‬لذلك أخرج غيارا نظيفا ونزل بوالده إلى البحر وخلع ثيابه وغطسه في الماء الطاهر‬
‫ثلث مرات وتل الشهادتين ثم ألبسه الغيار النظيف وصعد به إلى الشاطئ وأخذه أمامه على الدراجة وسنده بين‬

‫يديه كأنه لم يمت وذهب به من هنا حتى سيدي عمر ودفنه هناك بمعرفة عبد الخالق الحانوتي"(‪ )38‬وتتواتر هذه‬
‫الحكايات المغربة أو هذه النوادر فنذكر حكاية الشيخ حسني مع برتقالت العم رمضان (‪ )39‬أو حكايته مع هذه‬

‫البرتقالت وعصاه(‪ )40‬ولكن حكاية معزى العم مجاهد تظل أكثر هذه الحكايات خروجا عن المألوف وإغرابا (‪)41‬‬
‫فلما انتهى الشيخ حمادة البيض من ترتيل القرآن في معزى العم مجاهد الذي نظمه سكان الحي غفل الحاضرون‬

‫عن إغلق "ماكينة" تضخيم الصوت وعندئذ ظل العم عمران يتحدث ويقص حكاية حي الكيت كات وصوته يبلغ‬

‫السكان جميعا إلى أن بلغ بعض سكان الحي المعروفين فشرع يفضح أسرارهم واحدا واحدا على هذا النحو‪" :‬إن‬

‫الذي وقع على أوراق البيع (بيع بيت الشيخ حسني) هو الشيخ حسني العمى ولكن الذي قبض الفلوس هو الهرم‬
‫بائع الحشيش لن الشيخ حسني كان مديونا له بثمنه "أيوه‪ ،‬شرب بالبيت حشيش وأفيون‪ ..‬أيوه الهرم يضحك على‬

‫أي حد‪ ،‬النهار ده بس ضحك على الحكومة وهرب من اللومان وقاعد دلوقت عند فتحية اللي بيخبي عندها الحشيش‬
‫والفلوس‪ ،‬فتحية بتاعة حارة توكل"(‪.)42‬‬
‫إن إغراب مثل هذه الوظائف السردية تتمثل في أنها تخيب انتظار المتلقي داخل النص وخارجه فالسطى قدري الذي‬

‫أراد أن يبعد الشيخ حسني بعصاه في مثل هذا الظرف الخطير‪" :‬وحاول أن يسحبه بعيدا عن دائرة القتال ولكن‬

‫الشيخ حسني عاد يصرخ‪" :‬العصايا‪ ،‬العصايا" وقال السطى "عصاية إيه دلوقتي‪ ،‬العصايا ضاعت‪ ،‬ضاعت إزاي؟‬
‫العصايا هناك أهه" "يا أخي إعمل معروف يل بينا وإل أمشي أنا؟ كذلك كان رد فعل بعض من كان يستمع إلى حكاية‬

‫العم عمران وهو يفضح رجال الحي‪" :‬ثم ارتفع في الساحة الكبيرة صوت خبط على الباب وصوت رجل يطلب منهم‬
‫أن يغلقوا الماكينة أنها مفتوحة ولنه سمع الكلم وهو يركب المعدية قادما من الزمالك وضرب النار شغال وصاح‬

‫السطى قدري النجليزي‪" :‬يا نهار أسود"(‪.)44‬‬

‫لقد استعمل محمد بدري للتعبير عن مفهوم الغراب الذي استعملناه مفهوم العجائبي فهو يرى أن العجيب في رواية‬
‫"مالك الحزين" نابع من تحدي النسان للقهر بكل صوره‪ ،‬وربما يكون للعجيب الذي يعني كسر قوانين الطبيعة في‬

‫فضاء روائي يمزج الواقع بالوهم دللة مختلفة عن العجيب في رواية أصلن التي تعلن منذ بدايتها لقارئها أنها‬
‫واقع حدث يوما‪ ،‬فله كما يقول غرييه ثقل الحقيقة النسانية وهو أمر نلمسه منذ بداية الرواية‪ ،‬حيث الوصف‬

‫المقتصد الواقعي وعلقات (‪ )45‬الشياء تعضد لدينا أننا في مستوى المعيش اليومي" الروائي الذي اعتبره من باب‬

‫العجائب ل يناقض الطبيعة البشرية ول يندرج بالتالي في إطار الخارق ولكنه أيضا يتحداها أحيانا دون أن يتجاوزها‬
‫وفي هذا السياق ندرج كل الفعال التي يمارسها الشيخ حسني الذي يرفض طبيعة القاصر الضرير ويسلك سلوك‬
‫المبصر ولكن هذا السلوك يوقعه في مأزق تحول الوضعية إلى نادرة بمعناها الدبي واللغوي كذلك ندرج تلك‬

‫الوظائف السردية التي ذكرناها فهي أفعال (شاذة نادرة الوقوع وتكتسب شرعيتها من تعارضها مع العادي المألوف‬

‫المتكرر الذي يغرق حكاية "مالك الحزين" ولذلك فضلنا مصطلح الغراب بالمعنى الذي أوضحنا معتقدين أن للعجائبي‬
‫دللة مغايرة تماما لمفهوم الفراد أو الغراب وتظل المسألة مسألة مصطلح كان بإمكان محمد بدوي أن يتلفاها بين‬
‫نسقي التسطيح والغراب علقة وطيدة تحدد تعامل جديدا مع الواقعية وهو تعامل ل يخلو من مفارقة عجيبة فبقدر‬
‫ما تسعى الرواية عبر نسق التسطيح بما يحوي من أفعال سردية عادية مألوفة ويومية إلى تكثيف الحالة‬

‫المرجعية‪ ،‬تحاول عبر نسق الغراب أو الفراد إلى تكسير النسق الول والقتراب من خانة الخارق إلى درجة أن‬

‫بعض النقاد تحدث عن العجائبي وهو يحلل هذه الحداث المغربة وهكذا يتقاطع الواقعي واللواقعي تقاطعا عنيفا إذا‬

‫اعتبرنا الواقعي تشخيصا للعادي والمألوف والطبيعي وفي حدود هذا المفهوم تختلف رواية "مالك الحزين" عن‬

‫رواية "صخب البحيرة" فلئن أكدنا في تحليلنا رواية محمد البساطي على تلك النزعة الفريدة المتمثلة في تقليص‬

‫التشخيص الواقعي في اتجاه التشخيص الرمزي رغم عدم الوقوع فيه والكتفاء بمقاربته ومحاذاته فإن رواية‬

‫"إبراهيم أصلن" تحدث هذه المفارقة العجيبة بين الواقعي واللواقعي‪ .‬فهي تغرق من تشخيص الواقعي تشخيصا‬

‫محايدا اجتماعيا ولغويا من خلل تشخيص حيّ شعبي في مدينة القاهرة الكبرى هو حيّ إمبابة بسكانه ومستوياته‬
‫اللغوية إلى حد الغراب إنها واقعية السطح الخارجية التي تظهر مدى زيف الواقعية التقليدية ومدى تشويهها‬

‫للواقع وترفض المفاهيم الرومانسية القديمة وتتخلى عن ميتافيزيقيات العمق حيث تسترد الشياء ألقها باستقللها‬

‫ووجودها الصلب وحيث يستعيد النسان حضوره الحميمي في العالم الذي يعيش فيه(‪.)46‬‬
‫‪ -1‬صدرت طبعتها الولى عام ‪ - 1983‬مطبوعات القاهرة‪ ،‬مصر‬
‫‪ -2‬وردية ليل‪.‬‬

‫‪ -3‬دار الداب‪1992 ،‬‬
‫‪ -4‬صبري حافظ‪ :‬قراءة في رواية حديثة "مالك الحزين" فصول ج ‪ 2‬ص ‪159‬‬
‫‪ -5‬صبري حافظ‪ ،‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪163‬‬
‫‪ROLAND BARTHES S/Z K, E DU SEUIL , 1970 -6‬‬
‫‪ -7‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪163‬‬
‫‪ -8‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪163‬‬
‫‪ -9‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪167‬‬
‫‪ -10‬الهيئة المصرية العامة للكتاب ‪1993‬‬
‫‪ -11‬محمد بدوي‪ ،‬الرواية الحديثة في مصر‪143 ،‬‬
‫‪ -12‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪126‬‬
‫‪ -13‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪132‬‬
‫‪ -14‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪156‬‬
‫‪ -15‬صبري حافظ‪ ،‬ص ‪164‬‬
‫‪ -16‬مالك الحزين‪ -‬دار الداب‪-1992 ،‬ص ‪7‬‬
‫‪ -17‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪9‬‬
‫‪ -18‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪10‬‬
‫‪ -19‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪11‬‬
‫‪ -20‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪12‬‬
‫‪ -21‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪16‬‬
‫‪ -22‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪17‬‬

‫‪ -23‬المرجع ذاته‪ ،‬ص ‪19‬‬
‫‪ -24‬أنظر الرواية ص ‪38‬‬
‫‪ -25‬عن صبري حافظ‪ ،‬فصول‪ ،‬الحداثة في اللغة والدب‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪159‬‬
‫‪ -26‬الرواية‪ ،‬ص ‪163‬‬
‫(‪-)27‬الرواية‪ ،‬ص ‪.117‬‬
‫(‪ -)28‬الرواية‪ ،‬ص ‪.88-87‬‬
‫(‪ -)29‬الرواية‪ ،‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ -)30‬الرواية‪ ،‬ص ‪.21‬‬
‫(‪ -)31‬الرواية‪ ،‬ص ‪.31‬‬
‫(‪.T.TODONAV.introduction àla littérature fantastique ed seuil 1970 -)32‬‬
‫وقد استعمل بوريس أخندارم هذا المفهوم (مفهوم نسق الغراء أو الغراب) في بحثه "نظرية المنهج الشكلي ـ‬

‫أنظر نصوص الشكلنيين الرّوس تعريب إبراهيم الخطيب ـ مؤسسة البحاث العربية ‪ 1982‬ـ ص ‪.42‬‬
‫(‪ -)33‬أنظر المرجع المذكور‪.‬‬
‫(‪ -)34‬انظر الرواية‪ ،‬ص ‪.14-13‬‬
‫(‪-)35‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪56‬‬
‫(‪ -)36‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪53‬‬
‫(‪ -)37‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪38‬‬
‫(‪ -)38‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪55-54‬‬
‫(‪-)39‬انظر الرواية‪ ،‬ص ‪48-43-34-20‬‬
‫(‪ -)40‬انظر الرواية‪ ،‬ص ‪159‬‬

‫(‪ -)41‬انظر الرواية‪ ،‬ص ‪77-74‬‬
‫(‪-)42‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪128‬‬
‫(‪ -)43‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪158‬‬
‫(‪ -)44‬المصدر ذاته‪ ،‬ص ‪129‬‬
‫(‪ -)45‬محمد بدوي‪ ،‬الرواية في مصر‪ ،‬ص ‪.133‬‬
‫(‪-)46‬لمزيد التعمّق في هذه الفكريّة‪ ،‬راجع صبري حافظ‪ ،‬ص ‪.165‬‬
‫‪-3‬ارتداد وتق ّدمٌ‪.‬‬
‫‪-3-1‬الستلب‬
‫ص الدبي أو كلّ ذلك الحديث‪ !.‬ذلك‬
‫يفقد القارئ شيئا من ذاته وربّما يفقدها كاملةً بقدر ما يتبنّى شيئا من حديث الن ّ‬

‫أن استبطان الخر وتمثّله الذي تقوم عليه القراءة وتنشئه ليس بالضرورة القاطعة أمرا حسنا ول إيجابيّا دائما‪.‬‬

‫إنّ أوضح المخاطر هو أن يهيمن النصّ بعقيدته على عقيدة القارئ‪ .‬فالقارئ الذي يقرأ يقبل ضمنا بما أسميناه في‬
‫حةِ‬
‫ص الدبي‪ .‬وعليه فل بدّ له من القرار مبدئيّا بص ّ‬
‫فصلٍ سابقٍ بعقد القراءة وميثاقها أي بالعراف التي تنظم الن ّ‬

‫ما يقوله الراويّ ويمكن أن يقوده هذا من حيث ل يشعر إلى أن يقع في حبال عقيدة النص‪ .‬فبقدر ما يظهر الراوي‬

‫على أنّه أصل الحكاية التي يرويها ومصدرُها بقدرِ ما يظهر على أنه حجّةٌ تقضي بين الحداث التي يرويها وتش ّرعُ‬
‫بما تنقلُه!‪.‬‬
‫فصوت الراوي هو الذي يُطلعنا على أفعال الشخصيّات وعلى الظروف التي تحيط بهذه الفعال وبما أن علينا أن‬

‫ق ول شك فقد ننزلق فعلً ونروح ننظ ُر إلى الحكام التي يطلقها‬
‫نعتبر أن ما يرويه لنا الراوي قد وقع حقا أي أنّه ح ّ‬

‫هذا الراوي على تلك الفعال وعلى هاتيك الشخصيّات ليس على ما هي عليه حقا أي أنّها أحكام الراوي ليس غير‬

‫وإنما على أنها أحكامٌ صائبةٌ وحقيقيّ ٌة بالطلق‪ .‬وهنا يتح ّولُ الراوي من مصدرٍ للقصّة إلى مؤولٍ شرعيّ لها يؤخذُ‬
‫بقوله ويؤمن له‪.‬‬

‫فبما أننا نقرّ ضمنا احتراما مِنّا للتقاليد الروائية بكلّ ما يقوله راوي نجيب محفوظ في اللص والكلب عن أبطال‬

‫ض بالعُصابِ‬
‫القصّة فكيف لنا أن ننكر هذه التقاليد عينها حين تقودنا إلى الشفاق على سعيد مهران وهو لِصّ ومري ٌ‬
‫وقتل نفسا بريئةً؟‬
‫ويكمن في عمليّة القراءة خط ٌر آخر هو ما يضعه القارئ من ذاته في النصّ وما يوظّفُه فيه‪ .‬فقد يحدثُ أن تكون‬
‫الصلة بيننا وبين أحد شخصيّات الرواية من القوة والعمق بحيث ل يشغلُنا بعد إلّ مصيرها هي وبقطع النظر عن كلّ‬

‫ي يخاطبُ فينا قدرتنا على النفعال وحسب‪ .‬وبالتالي فإن حسّنا النقديّ يسهو‬
‫اعتباراتٍ أخرى‪ .‬ذلك أن النصّ الدب ّ‬

‫وقد تختفي قدرتُنا على اتخاذ المسافة النقديّة اللزمة بيننا وبين النصّ‪ .‬ويستطيع الكاتب أن يحبب لنفسنا وأن يزيّن‬

‫لعيننا شخص ّيةً روائيّةً لو قدّر لها أن تتجسّد شخصا نابضا بالحياة لكرهتُه نفوسنا ومجتّه عقولنا‪.‬‬

‫والحقيقة أن العلقة النفعاليّة بين النصّ وقارئه تنتمي إلى بنية النصّ الجماليّ ِة ول تتطابق دائما مع مقتضيات‬

‫الخلق كما يريدها النظام الجتماعي اللهم إن لم يكن في أشكال الرواية البدائيّة أو الساذجة‪.‬‬

‫فحين نقرأ مثلً مغامرات العميل السرّي البريطاني جيمس بوند فإننا نتمنّى أن ينجح هذا الجاسوسُ في مسعاه وأن‬

‫ينتصر على أعدائه وذلك بقطع النظر عن جرائم القتل التي يقترفها (أليس رمزُه ‪ 007‬يعني أن له إجازةً من‬

‫رؤسائه بالقتل دون حساب؟) وبغض البصر عن القيم الخلقيّة أو المصالح السياسيّة التي يقتلُ من أجلها أو ينافحُ‬
‫عنها خصومُه‪.‬‬

‫وهناك كذلك خط ٌر آخر يحدقُ بالقارئ يأتي من البعد التوهيمي الذي يكمن في أغلب النصوص الدبيّة التخيليّة‪ .‬فقد‬
‫يعود القارئ إلى الخلف بسبب قوّة هذا الجانب‪ .‬فهو حين يقرأ هذا المقطع أو ذاك من الرواية فإنّه يرتدّ إلى سنين‬
‫طفولته الولى ويعيش فيها ثانيةً المشاهد القديمة التي مرّت به عندئذٍ فترجعُها القراءةُ صاخب ًة عاصفةً‪.‬‬
‫فحين يقرأ أحدُنا كتاب طه حسين اليّام ويقرأ وصفا لحياة الكتاب ولحياة "شيخنا" و "العريف" فإننا أو إنّ بعضنا ممن‬
‫عاش هذا النمط من التعليم قبل أن ينتشر التعليم الحكومي انتشاره في أيامنا يعيشُ من جديد من خلل حياة الطفل‬
‫طه حسين ما سبق له أن عاشه في طفولته إن سعيدا أو شقيّا‪.‬‬

‫ولكن هذه العودة إلى الماضي وبسبب غياب المسافة اللزمة لتحكيم النقد ل تأتي للقارئ بجديد‪ .‬فهي تعيدُ إلى‬
‫اللحظة الحاضرة وعلى نحوٍ انفعاليّ مشهدا عاشه القارئ في الماضي على نحوٍ انفعاليّ كذلك‪.‬‬

‫‪ -3-2‬التطوّر أو النمو‬
‫ولكن يكفي أن يقود النصّ قارئه إلى أن يوظّف عواطفه في النصّ المقروء توظيفا معتدلً ومتوازنا عن طريق اتخاذ‬
‫مساف ٍة نقديّ ٍة بينه وبين ما يقرأ حتى تظهر القراءة على أنها تجربةٌ مُخصبةٌ وثريّةٌ تدفع به ُقدُما إلى المام بدلً من‬

‫أن تشدّه شدّا إلى الخلف!‬

‫ص القارئ على أن ينتقل‬
‫ويتعلّق اتخاذ المسافة النقديّة هذا على نح ٍو أساسيّ بوضع القراءة‪ .‬فحين يرغمُ الن ّ‬

‫باستمرار من وجهة نظرٍ معيّنةٍ إلى وجهة نظ ٍر أخرى فإنه يرغمُهُ في الوقت نفسه على أن يجعل مسافةً بينه وبين‬
‫ظمُ بها القارئ مختلف وجهات النظر‬
‫المادّة التي يقرؤها والقصّة التي يقترحها النصّ‪ .‬ومهما تكن الطريقة التي ين ّ‬
‫السرديّة تلك فإنّه يخرج من قراءته وقد ازداد وعيه!‬

‫ولنأخذ على سبيل المثال رواية أديب لطه حسين‪ .‬فالراوي الول‪ /‬طه حسين يق ّدمُ لنا في الفصول الولى من روايته‬

‫شخصيّة أديب تقديما ل يخلو من إعجابٍ يشوبه كثيرٌ من التحفّظ‪ .‬وهو يصارحنا بذلك ويعرضُ لنا أسبابه‪ .‬ولكن‬

‫أديب هو الذي يسرد علينا وقائع الفصل السابع‪ .‬وتنمو الرواية على هذا النحو‪ .‬وهي تنقل لنا تباعا ما تراه كلّ من‬

‫الشخصيتين الساسيّتين‪ .‬وكلّ منها تشهد القارئ على سلمة رأيها وخطل ما تدّعيه صاحبتها‪ .‬فتعرض حججها‬

‫عرضا مقنعا وتف ّندُ أقوال الخرى تفنيدا ل يخلو من صواب‪ .‬أي أن القارئ يتماهى في كلّ طو ٍر من أطوار السرد مع‬
‫أحد الشخصيّتين ويتبنّى وجهة نظرها المخالفة لوجهة النظر التي سيتبنّاها في المقطع اللحق‪ .‬وهذا النتقال من‬

‫الشخصيّتين المتباينتين تكشف له أعماق كلّ منهما وأعماق نفسه هو‪.‬‬
‫ولكن لعبة التماهي هي التي تسمح في أغلب الحيان في تطوّر القارئ‪ .‬والحقيقة إن التماهي كما أشار إلى ذلك‬
‫فرويد ليس ظاهر ًة نفسانيةً كغيرها من مظاهر النفس ولكنّها أساس بنية النسان التخيليّة وهي النموذج الذي ينشئ‬
‫عليه الفرد كلّ المسارات التي تميّزه عن غيره من الفراد‪.‬‬

‫وآليّات التماهي التي تقوم عليها النصوص التخيّل ّيةُ هي بعض من هذه الوظيفة المزدوجة الساسيّة والخلّقة‪.‬‬

‫وهناك رسالةٌ بعث بها قارئٌ لجان جاك روسو (‪ )1778-1712‬بعد أن قرأ روايته هيلويز الجديدة (‪ )1761‬توضح‬
‫وضوحا بيّنا آليّةَ التماهي هذه‪ .‬وهو يقول فيها‪" :‬كم يلذّ لي أن الدموع التي تسكبها شخصيّاتك الفاضلة بالدموع‬

‫ت به ول‬
‫التي تنهمر من عينيّ أنا بفضل النسان الحبيب إلى قلبي والذي يسكن منّي الصدر‪ .‬وليس من رسمٍ أتي َ‬

‫عاطف ًة ول فكرةً ول مبدأ جئت به إلّ وينطبقُ كلّ النطباق على وضعي المؤلم" ويذكر يحيى حقّي شيئا من هذا‬

‫القبيل بخصوص روايته قنديل أم هاشم‪ .‬فيقول "إنّ اسمي ل يكاد يذكر إلّ ويذكرُ معه "قنديل أم هاشم "كأني لم أكتب‬

‫غيرها!‪ .‬وكنت أحيانا أضيقُ بذلك ولكنّ كثيرين حدّثوني عنها واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم‪ .‬ومنهم أديبٌ‬
‫يمنيّ قال لي لقد أحسستُ أنّك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن!(‪)2‬‬

‫ويبدو أن ما يدركه القارئ من خلل تماهيه مع الشخصيّات الروائيّة هو حقيقة حياته نفسها‪ .‬فإذا ترتقي به القراءة‬

‫الدبيّة إلى إدراكٍ أوضح لمصيره فإنها تجعله أقدر على فهم خفايا نفسه‪ .‬وهذا يعني أنه إذا أبقت البنى الروائيّة‬

‫ضمير القارئ النقديّ يقظا فإن عودة المكبوت في القراءة تدفع بالقارئ إلى المام عوضا عن أن تشدّه إلى الوراء‪.‬‬
‫وبدلً من أن يعيش من خلل القراءة ثانيةً مشهدا سبق له أن عاشه في حياته فالقارئ يستطيع أن "يوظّفَ" نفسه‬
‫على نحوٍ مختلفٍ في المشهد نفسه‪.‬‬
‫إنّ قراءة بعض النصوص تجعل ممكنا ما يسمّى في التحليل النفسيّ "بإزالة العقد"‪ .‬وهذه المفردةُ تعني تصريف‬
‫النفعال وانطلق الطاقة النفعاليّة المكبوتة التي تسبّبُ الضطرابات النفسيّة والعصبيّة‪ .‬وهذه الضطرابات مصدرها‬
‫ماضي الشخص ور ّدةُ فعله آنذاك أمام حادث ٍة ما‪ .‬وينبغي على هذا الشخص أن يعيش من جديدٍ ر ّدةَ فعله تلك كيّ‬

‫يتخلّص من الضطرابات النفسيّة والعصبيّة التي نشأت عنها في المرّة الولى‪.‬‬
‫وزوال العقد هذا يشير بشك ٍل عامٍ إلى وظيفة الفنّ التطهيريّة‪.‬‬
‫وحين يعيش القارئ ثانيةً ومن خلل القراءة الوقائع الولى التي انعقدت فيها خيوط شخصيّته فبإمكانه أن يدخل‬
‫توازنا جديدا في شخصيّته فيغيّر من طبيعة علقته مع ماضيه‪ .‬فهو كقارئٍ يستطيعُ أن يتخلّص من الضطرابات‬
‫التي قد تركتها في وجدانه عقدة أوديب حين يعيشُ ثانيةً ومن باب التسلية التي تتضمنّها القراءة علقة الراوي‬

‫الغاضبة بأمّه في اليام أو علقة محسن الساخرة بها في عودة الروح أو علقة سامي المقهورة بها في الحيّ‬

‫اللتيني أو علقة مصطفى سعيد الل مبالية بها في موسم الهجرة إلى الشمال وإلى غيرها من المثلة في الدب‬

‫العربيّ الحديث‪.‬‬
‫ج كلّها تظهر لنا كم تختلف المسافة النقديّة الساخرة من كاتبٍ إلى آخر‪.‬‬
‫وهذه النماذ ُ‬
‫‪ -3-3‬القراءة الدبيّة‬
‫فإن كان للقراءة الدبيّة خصوصيتها فعلينا أن نحاول الحاطة بها من خلل ما تتركه من أثرٍ‪ .‬ويرى ميشيل بيكار إن‬
‫القراءة الدبيّة أي قراءة النصوص الدبيّة تتميّز بوظائف جوهريّةٍ ثلث‪.‬‬
‫ص الدبيّ حين يدّعي التمرّد على ثقاف ٍة أدبيّةٍ ما فهو يفترض في‬
‫وأمّا الوظيفة الولى فهي "التجديد في التقليد"‪ .‬فالن ّ‬
‫الوقت نفسه أنها موجودةٌ‪ .‬فحديث عيسى بن هشام لمحمّد المويلحي يؤكّد جدّته وحداثته من خلل مقارنته مع‬
‫مقامات الهمذاني أو الحريري أو مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي‬

‫ض وجود الشعر القديم‪ .‬وليس تفهم إشكاليّة شعر التفعيلة بدون قواعد‬
‫(‪ .)1800-1871‬وثورة الشعر الحديث تفتر ُ‬
‫الشعر العمودي!‪ .‬وليس يُفهم البداع عامّةً بدون خلفيّةٍ ثقافيّةٍ تقليديّة‪.‬‬
‫والوظيفة الثانية هي "انتقاءُ معنى من معانٍ عديدةٍ"‬
‫ص الدبيّ يحفل دائما بمعانٍ كثير ٍة ويمكننا أن نؤوله على سبلٍ شتّى‪ .‬والقراءةُ الدبيّة تتصف أكثر من غيرها‬
‫إن الن ّ‬
‫من القراءات ببعدها الذاتي هذا‪ .‬وهي تثري القارئ على المستوى الفكريّ وتجعله يوظّف على المستوى التخيّلي‬

‫جزءا من ذاته‪.‬‬

‫فإذا كان توفيق الحكيم يريد من روايته يوميّات نائب في الرياف (‪ )1933‬أن تؤدّي مهمةً إصلحيّةً واجتماعيّةً‬

‫فوصف لنا فيها أحوال الفلّحين وأبناء المدن المصريّين في فترة ما بين الحربين وكشف لنا عن الهوّة الواسعة‬

‫التي كانت تفصل بين عامّة الشعب وأفراد الطبقات الغنيّة فإن روايته هذه تحقق كذلك أمرا آخر‪ .‬فهي توجد من‬

‫خلل الشخصيّات التي ترسمها والحداث التي تعرضها والبنية السرديّة التي تختارها ما يمكن للقارئ معه أن‬
‫يتماهى بشخصيّاتها وأن يوظّف تخيليّا في أحداثها شيئا من نفسه‪.‬‬

‫ص الدبيّ مساحةٌ مزدوج ٌة وغامضةٌ يعي ُد فيها الجانب الذاتي النفساني والجانب الجتماعي تشكيل العلقات‬
‫إنّ الن ّ‬
‫التي تربطهما ببعضهما‪.‬‬
‫وأمّا الوظيفة الثالثة حسب بيكار فهي "النمذجة من خلل تجربة واقعة متخيّلة"‪ .‬وهنا نمسّ البعد التربوي لعمليّة‬
‫القراءة‪" .‬فنمذجة" موقفٍ تعني أن تقترحَ الرواية على القارئ أن يجرّب في عالم الخيال أمرا قد يقع له في عالم‬
‫الواقع‪ .‬أي أن القراءة تسمح للقارئ أن "يجرّب" المواقف‪.‬‬

‫ويفترض بالقارئ الذي يواجه مشاكل إسماعيل عند عودته إلى بلده بعد غيابٍ طويلٍ في بلدٍ بعيدٍ أن يختار بعض‬

‫السبل وأن يتجنب غيرها‪.‬‬
‫وهكذا يغتني الفرد بتجرب ٍة لم يعرفها بحياته الفعليّة‪ .‬ويكفيه أن يستبدل بعناصر الحياة الروائيّة عناصر مشابهةً من‬
‫حياته الفعليّة‪ .‬ويمكن أن نقيس نجاح عملٍ فنيّ بالوهم الذي يخلقهُ‪ .‬وهذا الوهم يجعلنا نتخ ّيلُ خلل فترة أننا قد‬
‫عشنا حياةً أخرى غير حياتنا فتثرى تجربتنا الحياتيّ ُة إثراءً كبيرا‪.‬‬

‫تجديدٌ في التقليد وانتقاء معنى من معانٍ عديدةٍ ونمذجةٌ من خلل تجربة واقعةٍ مُتخيّلةٍ‪ .‬إنّ القراءة الدبيّة بهذه‬
‫الطرق الثلث نشاطٌ خصبٌ يُغيّ ُر الفرد القارئ‪.‬‬

‫هوامش الفصل السادس‪:‬‬
‫‪-1‬بديع الزمان الهمذاني المقامات‪ ،‬شرحُ محمد محي الدين عبد الحميد‪ .‬بيروت‪ ،‬دار الكتب العلميّة‪ ،‬بدون تاريخ‪.‬‬
‫انظر المقامة القريضيّة من الصفحة ‪ 10‬إلى الصفحة ‪.17‬‬

‫‪-2‬يحيى حقّي قنديلُ أم هاشم مع سيرة ذاتيّ ٍة للمؤلّف‪ .‬القاهرة‪ ،‬الهيئة المصريّة العامّة للكتاب‪ .1975 ،‬صفحة ‪-43‬‬
‫‪44‬‬
‫خاتمة‬
‫ص الدبيّ وتأويله كما ظهرت في السنوات الخيرة‪ .‬وهي آخر ما وصل إليه النقد‬
‫وبعد فهذه نظريّات قراءة الن ّ‬
‫الدبيّ في أوروبا وآخر ما وصل إلينا منها‪ .‬وها هي صحفنا ومجلّتنا الدوريّة ل تكاد تخلو من دراسةٍ تتبنّى بعض‬

‫هذه النظريّات أو من ترجم ٍة لشيءٍ من نصوصها الساسيّة أو الثانويّة ولقد دخلت مصطلحاتها النقديّة على نحوٍ‬
‫واسعٍ لغة باحثينا‪ .‬فنحن واجدون القراءة والتأويل والتلقّي وأفق التوقّع أو النتظار وغيرها كثير‪.‬‬

‫ولكن ينبغي أن ل يغيّب تعدّد نظريّات التلقّي وتطوّرها الثري خلل السنوات الخيرة عن أنظارنا أهميّة المسائل التي‬
‫تثيرها‪ .‬فتحليل القراءة ونظريّاتها تصطدم بنفس العثرات التي تصطدم بها نظريّاتُ التحليل الدبيّ الخرى وتحدق‬

‫بالولى نفسُ المخاطر التي تحيطُ بالثانية‪.‬‬

‫ن أول هذه المخاطر هو خطر الذاتيّة أي أن يسقط الدارس ذات نفسه على المادة التي يفترض به أنه يدرسها‬
‫إّ‬

‫حسب معايير العلم وأدواته‪ .‬وهذا خطر يتربّص بالباحثين على وجه الدوام كما رأينا في الفصل الذي خصصناه لهذه‬

‫ص الذي يقرؤه على نحوٍ‬
‫القضية‪ .‬من يضمن لنا أن الباحث الذي يزعم لنا أنه يستخلصُ نشاط القارئ من خلل الن ّ‬

‫ي ل يقدّم لنا في نهاية المطاف رؤيته الذاتيّة؟ إنّ بعض الدراسات النقديّة تكشف لنا عن مهارة الناقد أكثر‬
‫موضوع ّ‬
‫ن النصّ يبرمجه‪.‬‬
‫مما تنير لنا مسار القراءة الذي تزعم أنّه قائمٌ في صلب النصّ موضوعيّا وأ ّ‬
‫وثاني هذه المخاطر هو خطر التاريخيانية‪ .‬وقد صبغت التاريخانية بقوة مدرسة جوس النقدية في مطلع شأنها‪.‬‬

‫وليس هذا الخطر بأقلّ شأنا من خطر إسقاط ذات الباحث على المادة المدروسة‪.‬‬
‫فإن كانت دراسة التلّقي تعني أن نكشف النقاب عن التخيّلت السائدة في عصرها فهذا يعني أن موضوع التحليل هو‬
‫وبالمعنى الدقيق دراسة تاريخ العقليّات‪ .‬وقد تكشف لنا دراسة تلقّي نصّ ما عن خصوصيّة ثقافة العصر الذي ظهر‬

‫فيه الكتاب وعن متغيّراته الجتماعيّة أكثر مما تكشف لنا عن آلية التلقّي نفسها!‪.‬‬

‫والخطر الثالث هو ما أظهرته الدراساتُ البنيويّة بشقيها الشكلي والتحليلي‪ .‬فهي تنشئ بنى تحليلي ًة تبلغ من التجريد‬
‫ص عن ذاك ول ما يفرّق الثمين من الغث‪ .‬فإن كنا نجد نفس السبل‬
‫والتعميم درجةً ل نعرف معها ما يميّزُ هذا الن ّ‬

‫على أرض كلّ النصوص فلماذا نتعب أنفسنا بقراءة إدوار الخرّاط أو جبرا إبراهيم جبرا بدلً من الكتفاء بتصفّح‬

‫الروايات المسلسلة في مجلة الشبكة؟ وإذا كانت النصوص كلّها تنهض على نفس البنى وترتفع حسب نفس الهيكل‬

‫فما الفرق عندها بين روايات نجيب محفوظ العظمى وروايات غادة السمّان؟‬
‫ليس النشاط الذي يسعى إلى أن يستخلص عددا معيّنا من الثوابت بقطع النظر عن القارئ وعن النص أمرا متعبا‬
‫وعقيما وحسب‪ .‬ولكنه أمرٌ خط ٌر كذلك‪.‬‬
‫وباختصار ينبغي أن تتجنب نظريّة التلّقي‪ ،‬مثلها في هذا مثل كلّ نظريّات التحليل الدبيّة الخرى مزلقين اثنين‪ .‬أن‬
‫تفرط في السعة أو أن تغالي في الضيق‪ .‬فهي تخطئ هدفها في كلتا الحالتين وهو أن تظهر ما يختصُ به الثر‬

‫المدروس عن سواه‪.‬‬

‫ط ذاتيّ سوى أن نرسم حدود‬
‫ط هو بالتعريف نشا ٌ‬
‫وليس من حلّ لنجمع بين موضوعيّة الباحث الضروريّة وبين نشا ٍ‬
‫مشروع الدراسة وأن نرضى بها‪.‬‬

‫ص بفضلها كيفية قراءته إلّ مرحلة من مراحل التحليل‪ .‬وينبغي‬
‫وليس استخلص العلمات النصيّة التي يبرمجُ الن ّ‬

‫بعدها أن نلجأ إلى بقية العلوم النسانيّة من علم اجتماعٍ وتاريخٍ وتحلي ٍل نفساني ونسألها أن تشرح لنا كيف يتمثّل‬
‫كلّ قارئٍ هذا الجزء العائم من جبل القراءة الذي يضرب جذوره في قرارة المجتمع البشري‪.‬‬

‫ثبت بالنصوص الدبيّة المدروسة ومؤلّفيها‬

‫عبد الرحمن الكواكبي ( ‪)1902 -1849‬‬

‫طبائع الستبداد‬

‫عبد الرحمن منيف ( ‪)1933‬‬

‫الشجار واغتيال مرزوق (‪)1973‬‬
‫شرقُ المتوسط (‪)1975‬‬
‫النهايات (‪)1978‬‬
‫سباق المسافات الطويلة (‪)1979‬‬

‫عبد السلم العُجيلي ( ‪)1918‬‬

‫باسمة بين الدموع (‪)1959‬‬
‫الخيلُ والنساء (‪)1965‬‬
‫المغمورون (‪)1979‬‬

‫عبد الكريم ناصيف (سلميّة سوريّة‬
‫‪)1939‬‬

‫المدّ والجزر –الصعود (‪)1986‬‬
‫المدّ والجزر‪ -‬النكسار (‪)1987‬‬
‫المخطوفون (‪)1991‬‬
‫الطريق إلى الشمس‪ ،‬تشريقة آل الم ّر (‬
‫‪)1992‬‬

‫عبد ال بن المقفع (ت ‪)756‬‬

‫الدب الكبير‬
‫كليلة ودمنة‬

‫عبد ال عبد (اللذقية ‪)1976 -1928‬‬

‫السيران وأولد يعقوب (‪)1972‬‬
‫الرأس والجدار (‪)1977‬‬

‫عبد ال بن عمر البيضاوي (ت ‪)1282‬‬

‫أنوار التنزيل وأسرار التأويل‬

‫عبد النبي حجازي ( ‪)1945‬‬

‫قارب الزمن الثقيل (‪)1970‬‬
‫السنديانة (‪)1971‬‬
‫الصخرة (‪)1978‬‬

‫علي عبد الرازق‬

‫أصول الحكم في السلم‬

‫علي عقلة عرسان ( ‪)1941‬‬

‫صخرة الجولن (‪)1982‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful