‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬

‫ابن رشد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫للمام ابن رشد القرطبي‬
‫الجزء الثاني من هذا الكتاب‬
‫‪ .‬وهو النظر في أحكام الجارات‪.‬‬
‫@‪-‬وأحكام الجارات كثيرة‪ ،‬ولكنهيا بالجملة تنحصير فيي جملتيين‪:‬‬
‫الجملة الولى فييي موجبات هذا العقييد ولوازمييه ميين غييير حدوث‬
‫طارئ عليييه‪ .‬الجملة الثانييية‪ :‬فييي أحكام الطوارئ‪ .‬وهذه الجملة‬
‫تنقسم في الشهر إلى معرفة موجبات الضمان وعدمه‪ ،‬ومعرفة‬
‫وجوب الفسخ وعدمه‪ ،‬ومعرفة حكم الختلف‪.‬‬
‫*‪(*3‬الجملة الولى) ومن مشهورات هذا الباب متى يلزم المكري‬
‫دفيع الكراء إذا أطلق العقيد ولم يشترط قبيض الثمين؟ فعنيد مالك‬
‫وأبيي حنيفية‪ :‬أن الثمين إنميا يلزم جزءا فجزءا بحسيب ميا يقبيض‬
‫من المنافع‪ ،‬إل أن يشترط ذلك أو يكون هنالك ما يوجب التقديم‪،‬‬
‫مثيييل أن يكون عوضيييا معينيييا أو يكون كراء فيييي الذمييية‪ .‬وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬يجيب علييه الثمين بنفيس العقيد‪ .‬فمالك رأى أن الثمين‬
‫إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من العوض؛ والشافعي كأنه رأى‬
‫أن تأخره من باب الدين بالدين‪ .‬ومن ذلك اختلفهم فيمن اكترى‬
‫دابيية أو دارا ومييا أشبييه ذلك‪ ،‬هييل له أن يكري ذلك بأكثيير ممييا‬
‫اكتراه؟ فأجازه مالك والشافعيي وجماعية قياسيا على البييع‪ ،‬ومنيع‬
‫ذلك أبو حنيفة وأصحابه‪ .‬وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم يضمن‪،‬‬
‫لن ضمان الصل هو من ربه‪ :‬أعني من المكري‪ ،‬وأيضا فإنه من‬
‫باب بيييع مييا لم يقبييض‪ ،‬وأجاز ذلك بعييض العلماء إذا أحدث فيهييا‬
‫عمل‪ .‬ومميين لم يكره ذلك إذا وقييع بهذه الصييفة سييفيان الثوري‬
‫والجمهور‪ ،‬رأوا أن الجارة فيي هذا شبيهية بالبييع‪ ،‬ومنهيا أن يكري‬
‫الدار من الذي أكراها منه‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يجوز‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ل‬
‫يجوز‪ ،‬وكأنيه رأى أنيه إذا كان التفاضيل بينهميا فيي الكراء فهيو مين‬
‫باب أكييل المال بالباطييل‪ .‬ومنهييا إذا اكترى أرضييا ليزرعهييا حنطيية‬
‫فأراد أن يزرعهيا شعيرا‪ ،‬أو ميا ضرره مثيل ضرر الحنطية أو دونيه‪،‬‬
‫فقال مالك له ذلك‪ ،‬وقال داود‪ :‬ليس له ذلك‪ .‬ومنها اختلفهم في‬
‫كنيس مراحييض الدور المكتراة‪ ،‬فالمشهور عين ابين القاسيم أنيه‬
‫على أرباب الدور‪ ،‬وروي عنيييييه أنيييييه على المكتري‪ ،‬وبيييييه قال‬
‫الشافعي؛ واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها قوم‬
‫وتخرج قوم‪ ،‬فقال‪ :‬الكنييييس فييييي هذه على رب الدار‪ .‬ومنهييييا‬
‫اختلف أصحاب مالك في النهدام اليسير من الدار‪ ،‬هل يلزم رب‬
‫الدار إصيلحه‪ ،‬أم لييس يلزم؟ وينحيط عنيه مين الكراء ذلك القدر؟‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فقال ابيين القاسييم‪ :‬ل يلزمييه‪ ،‬وقال غيره ميين أصييحابه يلزمييه‪.‬‬
‫وفروع هذا الباب كثيرة‪ ،‬وليس قصدنا التفريع في هذا الكتاب‪.‬‬
‫*‪(*3‬الجملة الثانية‪ :‬وهي النظر في أحكام الطوارئ)‬
‫*‪*3‬الفصل الول منه‪ ،‬وهو النظر في الفسوخ‪.‬‬
‫@‪-‬فنقول‪ :‬إن الفقهاء اختلفوا فيي عقيد الجارة؛ فذهيب الجمهور‬
‫إلى أنيه عقيد لزم‪ ،‬وحكيي عين قوم أنيه عقيد جائز تشبيهيا بالجعيل‬
‫والشركيية‪ .‬والذييين قالوا إنيه عقييد لزم اختلفوا فيميا ينفسييخ بيه؛‬
‫فذهيب جماعية فقهاء المصيار مالك والشافعيي وسيفيان الثوري‬
‫وأبييو ثور وغيرهييم إلى أنييه ل ينفسييخ إل بمييا تنفسييخ بييه العقود‬
‫اللزمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة‪ .‬وقال‬
‫أبيو حنيفية وأصيحابه‪ :‬يجوز فسيخ عقيد الجارة للعذر الطارئ على‬
‫المستأجر‪ ،‬مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق‪.‬‬
‫وعمدة الجمهور قوله تعالى {أوفوا بالعقود} لن الكراء عقيييييييد‬
‫على منافيع فأشبيه النكاح‪ ،‬ولنيه عقيد على معاوضية فلم ينفسيخ‬
‫أصيله البييع‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية أنيه شبيه ذهاب ميا بيه تسيتوفي‬
‫المنفعية بذهاب العيين التيي فيهيا المنفعية‪ .‬وقيد اختلف قول مالك‬
‫إذا كان الكراء فيي غيير مخصيوص على اسيتيفاء منفعية مين جنيس‬
‫مخصوص؛ فقال عبد الوهاب الظاهر من مذهب أصحابنا أن محل‬
‫ا ستيفاء المنافع ل يتعين في الجارة‪ ،‬وإن عين فذلك كالوصف ل‬
‫ينفسيخ بيبيعه أو ذهابيه‪ ،‬بخلف العيين المسيتأجرة إذا تلفيت قال‪:‬‬
‫وذلك مثيل أن يسيتأجر على رعايية غنيم بأعيانهيا أو خياطية قمييص‬
‫بعينيييه فتهلك الغنيييم ويحترق الثوب فل ينفسيييخ العقيييد‪ ،‬وعلى‬
‫المسيتأجر أن يأتيي بغنيم مثلهيا ليرعاهيا أو قمييص مثله ليخيطيه‪،‬‬
‫قال‪ :‬وقيد قييل إنهيا تتعيين بالتعييين فينفسيخ العقيد بتلف المحيل‪.‬‬
‫وقال بعيض المتأخريين‪ :‬إن ذلك لييس اختلفيا فيي المذهيب وإنميا‬
‫ذلك على قسييمين‪ :‬أحدهمييا أن يكون المحييل المعييين لسييتيفاء‬
‫المنافع مما تقصد عينه أو مما ل تقصد عينه‪ ،‬فإن كان مما تقصد‬
‫عينيه انفسيخت الجارة كالظئر إذا مات الطفيل‪ ،‬وإن كان مميا ل‬
‫يقصيد عينيه لم تنفسيخ الجارة على رعايية الغنيم أو بييع طعام فيي‬
‫حانوت وما أشبه ذلك‪ .‬واشتراط ابين القاسيم فيي المدونة أنه إذا‬
‫اسيتأجر على غنيم بأعيانهيا فإنيه ل يجوز إل أن يشترط الخلف هيو‬
‫التفات منه إلى أنها تنفسخ بذهاب محل استيفاء المعين‪ ،‬لكن لما‬
‫رأى التلف سييائقا إلى الفسييخ رأى أنييه ميين باب الغرر‪ ،‬فلم يجييز‬
‫الكراء علي ها إل باشتراط الخلف‪ .‬ومن نحو هذا اختلفهم في هل‬
‫ينفسيخ الكراء بموت أحيد المتعاقديين‪ :‬أعنيي المكري والمكتري؛‬
‫فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور‪ :‬ل ينفسخ ويورث‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عقد الكراء؛ وقال أبو حنيفة والثوري والليث‪ :‬ينفسخ‪ .‬وعمدة من‬
‫لم يقييل بالفسييخ أنييه عقييد معاوضيية‪ ،‬فلم ينفسييخ بموت أحييد‬
‫المتعاقدييين أصييله البيييع‪ .‬وعمدة الحنفييية أن الموت نقلة لصييل‬
‫الرقبية المكتراة مين ملك إلى ملك‪ ،‬فوجيب أن يبطيل أصيله البييع‬
‫فيي العيين المسيتأجرة مدة طويلة‪ :‬أعنيي أنيه ل يجوز فلميا كان ل‬
‫يجتميع العقدان معيا غلب ههنيا انتقال الملك وإل بقيي الملك لييس‬
‫له وارث‪ ،‬وذلك خلف الجماع‪ ،‬وربميييييا شبهوا الجارة بالنكاح إذ‬
‫كان كلهما استيفاء منافع‪ ،‬والنكاح يبطل بالموت وهو بعيد‪ ،‬وربما‬
‫احتجوا على المالكيييية فقيييط بأن الجرة عندهيييم تسيييتحق جزءا‬
‫فجزءا بقدر ميا يقبيض مين المنفعية‪ ،‬قالوا‪ :‬وإن كان هذا هكذا فإن‬
‫مات المالك وبقيييت الجارة‪ ،‬فإن المسييتأجر يسييتوفي فييي ملك‬
‫الوارث حقا بموجب عقد في غير ملك العاقد وذلك ل يصح‪ ،‬وإن‬
‫مات المستأجر فتكون الجرة مستحقة عليه بعد موته‪ ،‬والميت ل‬
‫يثبيت علييه ديين بإجماع بعيد موتيه‪ .‬وأميا الشافعيية فل يلزمهيم هذا‬
‫لن اسيتيفاء الجرة يجيب عندهيم بنفيس العقيد على ميا سيلف مين‬
‫ذلك‪ ،‬وعنييد مالك أن أرض المطيير إذا أكريييت فمنييع القحييط ميين‬
‫زراعتهيييا أو زرعهيييا فلم ينبيييت الزرع لمكان القحيييط أن الكراء‬
‫ينفسخ‪ ،‬وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة‪،‬‬
‫فلم يتمكين المكتري مين أن يزرعهيا وسيائر الجوائح التيي تصييب‬
‫الزرع ل يحط عنه من الكراء شيء‪ ،‬وعنده أن الكراء الذي يتعلق‬
‫بوقت ما أنه إن كان ذلك الوقت مقصودا مثل كراء الرواحل في‬
‫أيام الحيج فغاب المكري عين ذلك الوقيت أ نه ينفسخ الكراء‪ .‬وأميا‬
‫إن لم يكيين الوقييت مقصييودا فإنييه ل ينفسييخ‪ ،‬هذا كله عنده فييي‬
‫الكراء الذي يكون فيي العيان‪ .‬فأميا الكراء الذي يكون فيي الذمية‬
‫فإنه ل ينفسخ عنده بذهاب العين التي قبض المستأجر ليستوفي‬
‫منها المنفعة إذ كان لم ينعقد الكراء على عين بعينها وإنما انعقد‬
‫على موصيوف فيي الذمية‪ .‬وفروع هذا الباب كثيرة‪ ،‬وأصيوله هيي‬
‫هذه التي ذكرناها‪.‬‬
‫*‪*3‬الفصل الثاني وهو النظر في الضمان‪.‬‬
‫@‪-‬والضمان عنييييييد الفقهاء على وجهييييييين‪ :‬بالتعدي‪ ،‬أو لمكان‬
‫المصيييلحة وحفيييظ الموال‪ .‬فأميييا بالتعدي فيجيييب على المكري‬
‫باتفاق‪ ،‬والخلف إنمييا هييو فييي نوع التعدي الذي يوجييب ذلك أو ل‬
‫يوجبييه وفييي قدره؛ فميين ذلك اختلف العلماء فييي القضاء فيميين‬
‫اكترى دابييية إلى موضيييع ميييا فتعدى بهيييا إلى موضيييع زائد على‬
‫الموضيع الذي انعقيد علييه الكراء‪ ،‬فقال الشافعيي وأحميد‪ :‬علييه‬
‫الكراء الذي التزمه إلى المسافة المشترطة‪ ،‬ومثل كراء المسافة‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫التي تعدى فيها؛ وقال مالك‪ :‬رب الدابة بالخيار في أن يأخذ كراء‬
‫دابته في المسافة التي تعدى فيها أو يضمن له قيمة الدابة؛ وقال‬
‫أبيو حنيفية‪ :‬ل كراء علييه فيي المسيافة المتعداة‪ ،‬ول خلف أنهيا إذا‬
‫تلفيت فيي المسيافة المتعداة أنيه ضامين لهيا‪ .‬فعمدة الشافعيي أنيه‬
‫تعدى على المنفعية فلزميه أجرة المثيل أصيله التعدي على سيائر‬
‫المنافيع‪ .‬وأميا مالك فكأنيه لميا حبيس الدابية عين أسيواقها رأى أنيه‬
‫قيد تعدى عليهيا فيهيا نفسيها فشبهيه بالغاصيب‪ ،‬وفييه ضعيف‪ .‬وأميا‬
‫مذهييب أبييي حنيفيية فبعيييد جدا عمييا تقتضيييه الصييول الشرعييية‪،‬‬
‫والقرب إلى الصيول فيي هذه المسيألة هيو قول الشافعيي‪ .‬وعنيد‬
‫مالك أن عثار الدابية لو كانيت عثور تعيد مين صياحب الدابية يضمين‬
‫بهييا الحمييل‪ ،‬وكذلك إن كانييت الحبال رثيية‪ ،‬ومسييائل هذا الباب‬
‫كثيرة‪ .‬وأميا الذيين اختلفوا فيي ضمانهيم مين غيير تعيد إل مين جهية‬
‫المصيلحة فهيم الصيناع‪ ،‬ول خلف عندهيم أن الجيير لييس بضامين‬
‫لمييا هلك عنده ممييا اسييتؤجر عليييه إل أن يتعدى مييا عدا حامييل‬
‫الطعام والطحان‪ ،‬فإن مالكيا ضمنيه ميا هلك عنده‪ ،‬إل أن تقوم له‬
‫بينة على هلكه من غير سببه‪ .‬وأما تضمين الصناع ما ادعوا هلكه‬
‫مين المصينوعات المدفوعية إليهيم‪ ،‬فإنهيم اختلفوا فيي ذلك‪ ،‬فقال‬
‫مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف‪ :‬يضمنون ما هلك عندهم‪ ،‬وقال‬
‫أبييو حنيفيية‪ :‬ل يضميين ميين عمييل بغييير أجيير ول الخاص‪ ،‬ويضميين‬
‫المشترك وميين عمييل بأجيير‪ .‬وللشافعييي قولن فييي المشترك‪.‬‬
‫والخاص عندهيم هيو الذي يعميل فيي منزل المسيتأجر‪ ،‬وقييل هيو‬
‫الذي لم ينت صب للناس‪ ،‬وهو مذهب مالك في الخاص‪ ،‬وهو عنده‬
‫غيير ضامين‪ ،‬وتحصييل مذهيب مالك على هذا أن الصيانع المشترك‬
‫يضمن‪ ،‬وسواء عمل بأجر أو بغير أجر‪ ،‬وبتضمين الصناع قال علي‬
‫وعمير‪ ،‬وإن كان قيد اختلف عين علي فيي ذلك‪ .‬وعمدة مين لم يير‬
‫الضمان عليهيم أنيه شبيه الصيانع بالمودع عنده والشرييك والوكييل‬
‫وأجير الغنم ومن ضمنه فل دليل له إل النظر إلى المصلحة وسد‬
‫الذريعيية‪ .‬وأمييا ميين فرق بييين أن يعملوا بأجيير أو ل يعملوا بأجيير‪،‬‬
‫فلن العاميل بغيير أجير إنميا قبيض المعمول لمنفعية صياحبه فقيط‬
‫فأشبيه المودع‪ ،‬وإذا قبض ها بأجير فالمنفعية لكليهميا‪ ،‬فغلبيت منفعية‬
‫القابيض‪ ،‬أصيله القرض والعاريية عنيد الشافعيي‪ ،‬وكذلك أيضيا مين‬
‫لم ينصيب نفسيه لم يكين فيي تضمينيه سيد ذريعية‪ ،‬والجيير عنيد‬
‫مالك كما قلنا ل يضمن إل أنه استحسن تضمين حامل القوت وما‬
‫يجري مجراه‪ ،‬وكذلك الطحان وميييا عدا غيرهيييم فل يضمييين إل‬
‫بالتعدي‪ ،‬وصياحب الحمام ل يضمين عنده‪ ،‬هذا هيو المشهور عنيه‪،‬‬
‫وقد قيل يضمن‪ .‬وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫هلكه عندهم من غير تعد منهم ول تفريط و هو شذوذ‪ ،‬ول خلف‬
‫أن الصيييناع ل يضمنون ميييا لم يقبضوا فيييي منازلهيييم‪ .‬واختلف‬
‫أصيييحاب مالك إذا قاميييت البينييية على هلك المصييينوع وسيييقط‬
‫الضمان عنهم هل تجب لهم الجرة أم ل‪ ،‬إذا كان هلكه بعد إتمام‬
‫الصنعة أو بعد تمام بعضها؟ فقال ابن القاسم‪ :‬ل أجرة لهم‪ ،‬وقال‬
‫ابين المواز‪ :‬لهيم الجرة؛ ووجيه ميا قال ابين المواز أن المصييبة إذا‬
‫نزلت بالمستأجر فوجب أن ل يمضي عمل الصانع باطل؛ ووجه ما‬
‫قال ابيين القاسييم أن الجرة إنمييا اسييتوجبت فييي مقابلة العمييل‪،‬‬
‫فأشبيه ذلك إذا هلك بتفر يط مين الجيير‪ ،‬وقول ا بن المواز أقييس‪،‬‬
‫وقول ابين القاسيم أكثير نظرا إلى المصيلحة لنيه رأى أن يشتركوا‬
‫فييي المصيييبة‪ .‬وميين هذا الباب اختلفهييم فييي ضمان صيياحب‬
‫السييفينة‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل ضمان عليييه‪ ،‬وقال أبييو حنيفيية‪ :‬عليييه‬
‫الضمان إل ميين الموج‪ ،‬وأصييل مذهييب مالك أن الصييناع يضمنون‬
‫كيل ميا أتيى على أيديهيم مين حرق أو كسير فيي المصينوع أو قطيع‬
‫إذا عمله فييي حانوتييه‪ ،‬وإن كان صيياحبه قاعدا معييه‪ ،‬إل فيمييا كان‬
‫فيييه تغرييير ميين العمال‪ ،‬مثييل ثقييب الجواهيير ونقييش الفصييوص‬
‫وتقويييم السيييوف واحتراق الخبييز عنييد الفران والطييبيب يموت‬
‫العلييل مين معالجتيه وكذلك البيطار إل أن يعلم أنيه تعدى فيضمين‬
‫حينئذ‪ .‬وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله‪ ،‬وكان من أهل‬
‫المعرفية فل شييء علييه فيي النفيس‪ ،‬والديية على العاقلة فيميا‬
‫فوق الثلث وفييي ماله فيمييا دون الثلث‪ ،‬وإن لم يكيين ميين أهييل‬
‫المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية‪ ،‬قيل في ماله‪ ،‬وقيل على‬
‫العاقلة‪.‬‬
‫*‪*3‬الفصل الثالث في معرفة حكم الختلف‪.‬‬
‫@‪-‬وهيو النظير فيي الختلف‪ ،‬وفيي هذا الباب أيضيا مسيائل‪ :‬فمنهيا‬
‫أنهيم اختلفوا إذا اختلف الصيانع ورب المصينوع فيي صيفة الصينعة‪،‬‬
‫فقال أبيو حنيفية‪ :‬القول قول رب المصينوع‪ ،‬وقال مالك وابين أبيي‬
‫ليلى‪ :‬القول قول الصانع‪ .‬وسبب الخلف من المدعي منهما على‬
‫صيياحبه‪ ،‬وميين المدعييى عليييه؟‪ .‬ومنهييا إذا ادعييى الصييناع رد مييا‬
‫اسيتصنعوا فييه وأنكير ذلك الدافيع‪ ،‬فالقول عنيد مالك قول الدافيع‪،‬‬
‫وعلى الصناع البينة لنهم كانوا ضامنين لما في أيديهم؛ وقال ابن‬
‫الماجشون‪ :‬القول قول الصيناع إن كان ميا دفيع إليهيم دفيع بغيير‬
‫بينية‪ ،‬وإن كان دفيع إليهيم ببينية فل ييبرءون إل ببينية‪ .‬وإذا اختلف‬
‫الصيانع ورب المتاع فيي دفيع الجرة‪ ،‬فالمشهور فيي المذهيب أن‬
‫القول قول الصيييانع ميييع يمينيييه إن قام يحدثان ذلك‪ ،‬وإن تطاول‬
‫فالقول قول رب المصينوع‪ ،‬وكذلك إذا اختلف المكري والمكتري‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقييييل بيييل القول قول الصيييانع وقول المكري وإن طال‪ ،‬وهيييو‬
‫الصيل‪ .‬وإذا اختلف المكري والمكتري أو الجيير والمسيتأجر فيي‬
‫مدة الزمان الذي وقييع فيييه اسييتيفاء المنفعيية إذا اتفقييا على أن‬
‫المنفعييية لم تسيييتوف فيييي جمييييع الزمان المضروب فيييي ذلك‪،‬‬
‫فالمشهور فيي المذهيب أن القول قول المكتري والمسيتأجر لنيه‬
‫الغارم‪ ،‬والصييييييييول على أن القول قول الغارم؛ وقال ابيييييييين‬
‫الماجشون‪ :‬القول قول المكتري له والمسييتأجر إذا كانييت العييين‬
‫المسيتوفاة منهيا المنافيع فيي قبضهميا مثيل الدار وميا أشبيه ذلك‪.‬‬
‫وأميا ميا لم يكين فيي قبضيه مثيل الجيير فالقول قول الجيير‪ .‬ومين‬
‫مسائل المذهب المشهورة في هذا الباب اختلف المتكاريين في‬
‫الدواب وفيي الرواحيل‪ ،‬وذلك أن اختلفهميا ل يخلو أن يكون فيي‬
‫قدر المسافة أو نوعها‪ ،‬أو قدر الكراء أو نوعه‪ ،‬فإن كان اختلفهما‬
‫فيييي نوع المسيييافة‪ ،‬أو فيييي نوع الكراء‪ ،‬فالتحالف والتفاسيييخ‬
‫كاختلف المتبايعين في نوع الثمن‪ ،‬قال ابن القاسم‪ :‬انعقد أو لم‬
‫ينعقد‪ ،‬وقال غيره‪ :‬القول قول رب الدابة إذا انعقد وكان يشبه ما‬
‫قال‪ .‬وإن كان اختلفهما في قدر المسافة‪ ،‬فإن كان قبل الركوب‬
‫أو بعييد ركوب يسييير‪ ،‬فالتحالف والتفاسييخ‪ ،‬وإن كان بعييد ركوب‬
‫كثيير‪ ،‬أو بلوغ المسيافة التيي يدعيهيا رب الدابية فالقول قول رب‬
‫الدابية فيي المسيافة إن انتقيد وكان يشبيه ميا قال‪ ،‬وإن لم ينتقيد‬
‫وأشبيه قوله تحالفيا ويفسيخ الكراء على أعظيم المسيافتين‪ ،‬فميا‬
‫جعييل منييه للمسييافة التييي ادعاهييا رب الدابيية أعطيييه‪ ،‬وكذلك إن‬
‫انتقيد ولم يشبيه قوله وإن اختلفيا فيي الثمين واتفقيا على المسيافة‬
‫فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد لنه مدعى عليه‪ .‬وإن اختلفا‬
‫في المرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول رب الدابة‬
‫بقرطبية‪ :‬اكترييت منيك إلى قرمونية بديناريين ويقول المكتري بيل‬
‫بدينار إلى إشبيلييية‪ ،‬فإن كان أيضييا قبييل الركوب أو بعييد ركوب ل‬
‫ضرر عليهما في الرجوع تحالفا وتفاسخا‪ ،‬وإن كان بعد سير كثير‬
‫أو بلوغ المسيييافة التيييي يدعيهيييا رب الدابييية‪ ،‬فإن كان لم ينقيييد‬
‫المكتري شيئا كان القول قول رب الدابيية فييي المسييافة‪ ،‬والقول‬
‫قول المكتري في الثمن‪ ،‬ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة‬
‫إلى قرمونيية‪ ،‬على أنييه لو كان الكراء بييه إلى إشبيلييية وذلك أنييه‬
‫أشبيه قول المكتري‪ ،‬وإن لم يشبيه ميا قال وأشبيه رب الدابية غرم‬
‫ديناريين وإن كان المكتري نقيد الثمين الذي يدعيى أنيه للمسيافة‬
‫الكييبرى وأشبييه قول رب الدابيية كان القول قول رب الدابيية فييي‬
‫المسيافة ويبقيى له ذلك الثمين الذي قبضيه ل يرجيع علييه بشييء‬
‫منيه إذ هيو مدعيي علييه فيي بعضيه‪ ،‬وهيو يقول‪ :‬بيل هيو لي وزيادة‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيقبيل قوله فييه لنيه قبضيه‪ ،‬ول يقبيل قوله فيي الزيادة‪ ،‬ويسيقط‬
‫عنه ما لم يقرب به من المسافة أشبه ما قال أو لم يشبه‪ ،‬إل أنه‬
‫إذا لم يشبييه قسييم الكراء الذي أقيير بييه المكتري على المسييافة‬
‫كلهيا‪ ،‬فيأخيذ رب الدابية مين ذلك ميا ناب المسيافة التيي ادعاهيا‪،‬‬
‫وهذا القدر كاف في هذا الباب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الجعل‪.‬‬
‫@‪-‬والجعيييل هيييو الجارة على منفعييية مظنون حصيييولها‪ ،‬مثيييل‬
‫مشارطية الطيبيب على البرء والمعلم على الحذاق والناشيد على‬
‫وجود العبييد البييق‪ .‬وقييد اختلف العلماء فييي منعييه وجوازه؛ فقال‬
‫مالك‪ :‬يجوز ذلك في اليسير بشرطين‪ :‬أحدهما أن ل يضرب لذلك‬
‫أجل‪ .‬والثانيي أن يكون الثمين معلوميا؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل يجوز؛‬
‫وللشافعييي قولن وعمدة ميين أجازه قوله تعالى {ولميين جاء بييه‬
‫حمل بعير وأنا به زعيم} وإجماع الجمهور على جوازه في الباق‬
‫والسييؤال‪ .‬ومييا جاء فييي الثيير ميين أخييذ الثميين على الرقييية بأم‬
‫القرآن‪ ،‬وقيد تقدم ذلك‪ .‬وعمدة مين منعيه الغرر الذي فييه قياسيا‬
‫على سييائر الجارات‪ ،‬ول خلف فييي مذهييب مالك أن الجعييل ل‬
‫يسيتحق شييء منه إل بتمام العميل وأ نه لييس بعقيد لزم‪ .‬واختلف‬
‫مالك وأصيحابه فيي هذا الباب فيي كراء السيفينة‪ ،‬هيل هيو جعيل أو‬
‫إجارة فقول مالك‪ :‬لييس لصياحبها كراء إل بعيد البلوغ‪ ،‬وهيو قول‬
‫ابن القاسم ذهابا إلى أن حكمها حكم الجعل‪ .‬وقال ابن نافع من‬
‫أصيييحابه‪ :‬له قدر ميييا بلغ مييين المسيييافة‪ ،‬فأجرى حكميييه مجرى‬
‫الكراء‪ .‬وقال أصبغ‪ :‬إن لجج فهو جعل وإن لم يلجج فهو إجارة له‬
‫بحسييب الموضييع الذي وصييل إليييه‪ .‬والنظيير فييي هذا الباب فييي‬
‫جوازه ومحله وشروطه وأحكامه ومحله هو ما كان من الفعال ل‬
‫ينتفيع الجاعيل بجزء منيه‪ ،‬لنيه إذا انتفيع الجاعيل بجزء مميا عميل‬
‫الملتزم للجعيل (هكذا بالنسيخ‪ ،‬ولعله للعميل‪ ،‬لن الملتزم للجعيل‬
‫هيو المنتفيع‪ ،‬أو تجعيل اللم للعلة‪ ،‬تأميل ا هيي مصيححه)‪ ،‬ولم يأت‬
‫بالمنفعة التي انعقد الجعل علي ها‪ ،‬وقلنا على حكم الجعيل إنه إذا‬
‫لم يأت بالمنفعية التيي انعقيد الجعيل عليهيا لم يكين له شييء‪ ،‬فقيد‬
‫انتفيع الجاعيل بعميل المجعول مين غيير أن يعوضيه مين عمله بأجير‬
‫وذلك ظلم‪ ،‬ولذلك يختلف الفقهاء فيي كثيير مين المسيائل هيل هيو‬
‫جعيل أو إجارة مثيل مسيألة السيفينة المتقدمية هيل هيي مميا يجوز‬
‫فيهييا الجعييل أول يجوز مثييل اختلفهييم فييي المجاعلة على حفيير‬
‫البار‪ ،‬وقالوا في المغارسة إن ها تشبه الجعل من جهة والبيع من‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫جهيية‪ ،‬وهييي عنييد مالك أن يعطييي الرجييل أرضييه لرجييل على أن‬
‫يغرس فيييه عددا ميين الثمار معلومييا‪ ،‬فإذا اسييتحق الثميير كان‬
‫للغارس جزء من الرض متفق عليه‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وعلى‬
‫آله وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القراض‪.‬‬
‫@‪-‬ول خلف بين المسلمين في جواز القراض‪ ،‬وأنه مما كان في‬
‫الجاهلية فأقره السلم‪ .‬وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل‬
‫الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من‬
‫ربيح المال‪ ،‬أي جزء كان مميا يتفقان علييه ثلثيا أو ربعيا أو نصيفا‪،‬‬
‫وأن هذا مسييتثنى ميين الجارة المجهولة‪ ،‬وأن الرخصيية فييي ذلك‬
‫إنميا هيي لموضيع الرفيق بالناس‪ ،‬وأنيه ل ضمان على العاميل فيميا‬
‫تلف مين رأس المال إذا لم يتعيد‪ ،‬وإن كان اختلفوا فيميا هيو تعيد‬
‫ممييا ليييس بتعييد‪ .‬وكذلك أجمعوا بالجملة على أنييه ل يقترن بييه‬
‫شرط يزيييد فييي مجهلة الربييح أو فييي الغرر الذي فيييه وإن كان‬
‫اختلفوا فيمييا يقتضييي ذلك ميين الشروط ممييا ل يقتضييي‪ .‬وكذلك‬
‫اتفقوا على أنيه يجوز بالدنانيير والدراهيم‪ ،‬واختلفوا فيي غيير ذلك‪.‬‬
‫وبالجملة فالنظير فييه‪ :‬فيي صيفته وفيي محله وفيي شروطيه وفيي‬
‫أحكاميييه‪ ،‬ونحيين نذكيير فييي باب باب ميين هذه الثلثيية البواب‬
‫مشهورات مسائلهم‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في محله‪.‬‬
‫@‪-‬أميا صيفته فقيد تقدميت وأنهيم أجمعوا عليهيا‪ .‬وأميا محله فإنهيم‬
‫أجمعوا على أنيه جائز بالدنانيير والدراهيم‪ ،‬واختلفوا فيي العروض‬
‫فجمهور فقهاء المصيييييار على أنيييييه ل يجوز القراض بالعروض‪،‬‬
‫وجوزه ابييين أبيييي ليلى‪ .‬وحجييية الجمهور أن رأس المال إذا كان‬
‫عروضا كان غررا لنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما‪ ،‬ويرده‬
‫وهو يساوي قيمة غيرها‪ ،‬فيكون رأس المال والربح مجهول‪ .‬وأما‬
‫إن كان رأس المال مييييا بييييه يباع العروض‪ ،‬فإن مالكييييا منعييييه‬
‫والشافعي أيضا‪ ،‬وأجازه أبو حنيفة‪ .‬وعمدة مالك أنه قارضه على‬
‫مييا بيعييت بييه السييلعة وعلى بيييع السييلعة نفسييها‪ ،‬فكأنييه قراض‬
‫ومنفعة‪ ،‬مع أن ما يبيع به السلعة مجهول‪ ،‬فكأنه إنما قارضه على‬
‫رأس مال مجهول‪ ،‬ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على‬
‫قيييم العروض لمكان مييا يتكلف المقارض فييي ذلك ميين البيييع‪،‬‬
‫وحينئذ ينيض رأس مال القراض‪ ،‬وكذلك إن أعطاه العرض بالثمين‬
‫الذي اشتراه بيه‪ ،‬ولكنيه أقرب الوجوه إلى الجواز‪ ،‬ولعيل هذا هيو‬
‫الذي جوزه ابن أبي ليلى‪ ،‬بل هو الظاهر من قولهم؛ فإنهم حكوا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عنيه أنيه يجوز أن يعطيي الرجيل ثوبيا ييبيعه‪ ،‬فميا كان فييه مين ربيح‬
‫فهيو بينهميا‪ ،‬وهذا إنميا هيو على أن يجعل أصيل المال الثمين الذي‬
‫اشترى به الثوب‪ ،‬ويشبه أيضا إن جعل رأس المال الثمن أن يتهم‬
‫المقارض فيي تصيديقه رب المال بخرصيه على أخيذ القراض منيه‪.‬‬
‫واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة‪ ،‬فروي‬
‫عنييه أشهييب منييع ذلك‪ ،‬وروى ابيين القاسييم جوازه‪ ،‬ومنعييه فييي‬
‫المصييوغ‪ ،‬وبالمنييع فييي ذلك قال الشافعييي والكوفييي‪ ،‬فميين منييع‬
‫القراض بالنقييد شبههييا بالعروض‪ ،‬وميين أجازه شبههييا بالدراهييم‬
‫والدنانيير لقلة اختلف أسيواقها‪ .‬واختلف أيضيا أصيحاب مالك فيي‬
‫القراض بالفلوس‪ ،‬فمنعيه ابين القاسيم‪ ،‬وأجازه أشهيب‪ ،‬وبيه قال‬
‫محميد بين الحسين؛ وجمهور العلماء مالك والشافعيي وأبيو حنيفية‬
‫على أنييه إذا كان لرجييل على رجييل دييين لم يجييز أن يعطيييه له‬
‫قراضييا قبييل أن يقبضييه؛ أمييا العلة عنييد مالك فمخافيية أن يكون‬
‫أعسير بماله‪ ،‬فهيو يرييد أن يؤخره عنيه على أن يزييد فييه‪ ،‬فيكون‬
‫الربيا المنهيي عنيه‪ .‬وأميا العلة عنيد الشافعيي وأبيي حنيفية‪ ،‬فإن ميا‬
‫فييي الذميية ل يتحول ويعود أمانيية‪ .‬واختلفوا فيميين أميير رجل أن‬
‫يقبيض دينيا له على رجيل آخير‪ ،‬ويعميل فييه على ج هة القراض فلم‬
‫يجيز ذلك مالك وأصيحابه‪ ،‬لنيه رأى أنيه ازداد على العاميل كلفية‪،‬‬
‫وهيو ميا كلفيه مين قبضيه‪ ،‬وهذا على أصيله أن مين اشترط منفعية‬
‫زائدة فييي القراض أنييه فاسييد؛ وأجاز ذلك الشافعييي والكوفييي‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬لنييه وكله على القبييض‪ ،‬ل أنييه جعييل القبييض شرطييا فييي‬
‫المصارفة‪ ،‬فهذا هو القول في محله‪ .‬وأما صفته فهي الصفة التي‬
‫قدمناها‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في مسائل الشروط‪.‬‬
‫@‪-‬وجملة ما ل يجوز من الشروط عند الجميع هي ما أدى عندهم‬
‫إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة‪ .‬ول خلف بيييييين العلماء أنيييييه إذا‬
‫اشترط أحدهميا لنفسيه مين الربيح شيئا زائدا غيير ميا انعقيد علييه‬
‫القراض أن ذلك ل يجوز‪ ،‬لنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض‬
‫مجهول‪ ،‬وهذا هو الصل عند مالك في أن ل يكون مع القراض بيع‬
‫ول كراء ول سيلف ول عميل ول مرفيق يشترطيه أحدهميا لصياحبه‬
‫ميع نفسيه‪ ،‬فهذه جملة ميا اتفقوا علييه وإن كانوا قيد اختلفوا فيي‬
‫التفصيييل؛ فميين ذلك اختلفهييم إذا شرط العامييل الربييح كله له‪،‬‬
‫فقال مالك‪ :‬يجوز‪ ،‬وقال الشافعيي‪ :‬ل يجوز‪ ،‬وقال أبيو حنيفية‪ :‬هيو‬
‫قرض ل قراض؛ فمالك رأى أنه إحسان من رب المال وتطوع‪ ،‬إذ‬
‫كان يجوز له أن يأخيييذ منيييه الجزء القلييييل مييين المال الكثيييير‬
‫والشافعييي رأى أنييه غرر‪ ،‬لنييه إن كان خسييران فعلى رب المال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وبهذا يفارق القرض‪ ،‬وإن كان ربيح فلييس لرب المال فييه شييء‪.‬‬
‫ومنهييا إذا شرط رب المال الضمان على العامييل‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل‬
‫يجوز القراض وهييو فاسييد‪ ،‬وبييه قال الشافعييي؛ وقال أبييو حنيفيية‬
‫وأصحابه؛ القراض جائز والشرط باطل‪ .‬وعمدة مالك أن اشتراط‬
‫الضمان زيادة غرر فيي القراض ففسيد؛ وأميا أبيو حنيفية فشبهيه‬
‫بالشرط الفاسد في البيع على رأيه أن البيع جائز والشرط باطل‬
‫اعتمادا على حدييييييث بريرة المتقدم‪ .‬واختلفوا فيييييي المقارض‬
‫يشترط رب المال علييه خصيوص التصيرف‪ ،‬مثيل أن يشترط علييه‬
‫تعيين جنس ما من السلع‪ ،‬أو تعيين جنس ما من البيع‪ ،‬أو تعيين‬
‫موضيع ما من التجارة‪ ،‬أو تعيين صينف ما من الناس يتجير معهم‪.‬‬
‫فقال مالك والشافعييي فييي اشتراط جنييس ميين السييلع‪ :‬ل يجوز‬
‫ذلك إل أن يكون ذلك الجنيس مين السيلع ل يختلف وقتيا ميا مين‬
‫أوقات السيينة؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬يلزمييه مييا اشترط عليييه‪ ،‬وإن‬
‫تصرف في غير ما اشترط عليه ضمن‪ .‬فمالك والشافعي رأيا أن‬
‫هذا الشتراط مييين باب التضيييييق على المقارض فيعظيييم الغرر‬
‫بذلك؛ وأبيييو حنيفييية اسيييتخف الغرر الموجود فيييي ذلك‪ ،‬كميييا لو‬
‫اشترط عليه أن ل يشتري جنسا ما من السلع لكان على شرطه‬
‫فيي ذلك باجماع‪ .‬ول يجوز القراض المؤجيل عنيد الجمهور‪ ،‬وأجازه‬
‫أبيو حنيفية إل أن يتفاسيخا؛ فمين لم يجزه رأى أن فيي ذلك تضييقيا‬
‫على العاميل يدخيل علييه مزييد غرر‪ ،‬لنيه ربميا بارت عنده سيلع‬
‫فيضطير عنيد بلوغ الجيل إلى بيعهيا فيلحقيه فيي ذلك ضرر؛ ومين‬
‫أجاز الجيل شبيه القراض بالجارة ومين هذا الباب اختلفهيم فيي‬
‫جواز اشتراط رب المال زكاة الربيح على العاميل فيي حصيته مين‬
‫الربيح‪ ،‬فقال مالك فيي الموطيأ‪ :‬ل يجوز‪ ،‬ورواه عنيه أشهيب؛ وقال‬
‫ابيييين القاسييييم‪ :‬ذلك جائز‪ ،‬ورواه عيييين مالك‪ ،‬وبقول مالك قال‬
‫الشافعييي‪ .‬وحجيية ميين لم يجزه أنييه تعوض حصيية العامييل ورب‬
‫المال مجهولة‪ ،‬لنييه ل يدري كييم يكون المال فييي حييين وجوب‬
‫الزكاة فييه‪ ،‬وتشبيهيا باشتراط زكاة أصيل المال علييه‪ :‬أعنيي على‬
‫العامل‪ ،‬فإنه ل يجوز باتفاق وحجة ابن القاسم أنه يرجع إلى جزء‬
‫معلوم النسيييبة وإن لم يكييين معلوم القدر‪ ،‬لن الزكاة معلومييية‬
‫النسبة من المال المزكى‪ ،‬فكأنه اشترط عليه في الربح الثلث إل‬
‫ربيع العشير‪ ،‬أو النصيف إل ربيع العشير‪ ،‬أو الربيع إل ربيع العشير‪،‬‬
‫وذلك جائز ولييييس مثيييل اشتراطيييه زكاة رأس المال‪ ،‬لن ذلك‬
‫معلوم القدر غييير معلوم النسييبة‪ ،‬فكان ممكنييا أن يحيييط بالربييح‬
‫فيبقيييييى عميييييل المقارض باطل‪ ،‬وهيييييل يجوز أن يشترط ذلك‬
‫المقارض على رب المال؟ فيي المذهيب فييه قولن‪ :‬قييل بالفرق‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫بين العامل ورب المال‪ ،‬وقيل يجوز أن يشترطه العامل على رب‬
‫المال‪ ،‬ول يجوز أن يشترطه رب المال على العامل؛ وقيل عكس‬
‫هذا‪ .‬واختلفوا فييي اشتراط العامييل على رب المال غلمييا بعينييه‬
‫على أن يكون للغلم نصيييب ميين المال‪ ،‬فأجازه مالك والشافعييي‬
‫وأبيو حنيفية؛ وقال أشهيب مين أصيحاب مالك‪ :‬ل يجوز ذلك‪ ،‬فمين‬
‫أجاز ذلك شبهيه بالرجيل يقارض الرجليين‪ ،‬ومين لم يجيز ذلك رأى‬
‫أنها زيادة ازدادها العامل على رب المال‪ .‬فأما إن اشترط العامل‬
‫غلمييه‪ ،‬فقال الثوري‪ :‬ل يجوز‪ ،‬وللغلم فيمييا عمييل أجرة المثييل‪،‬‬
‫وذلك أن حظ العامل يكون عنده مجهول‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في أحكام القراض‪.‬‬
‫@‪-‬والحكام‪ ،‬منهيا ميا هيي أحكام القراض الصيحيح‪ ،‬ومنهيا ميا هيي‬
‫أحكام القراض الفاسد‪ .‬وأحكام القراض الصحيح‪ ،‬منها ما هي من‬
‫موجبات العقد‪ ،‬أعني أنها تابعة لموجب العقد‪ ،‬ومختلف فيها هل‬
‫هي تابعة أو غير تابعة؟ ومنها أحكام طوارئ تطرأ على العقد مما‬
‫لم يكن موجبه من نفس العقد‪ ،‬مثل التعدي والختلف وغير ذلك‪.‬‬
‫ونحن نذكر من هذه الوصاف ما اشتهر عند فقهاء المصار‪ .‬ونبدأ‬
‫من ذلك بموجبات العقد فنقول‪ :‬إنه أجمع العلماء على أن اللزوم‬
‫ليس من موجبات عقد القراض‪ ،‬وأن لكل واحد منهما فسخه ما‬
‫لم يشرع العامييل فييي القراض‪ .‬واختلفوا إذا شرع العامييل‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬هيو لزم‪ ،‬وهيو عقيد يورث‪ ،‬فإن مات وكان للمقارض بنون‬
‫أمناء كانوا فيي القراض مثيل أبيهيم‪ ،‬وإن لم يكونوا أمناء كان لهيم‬
‫أن يأتوا بأمييين؛ وقال الشافعييي وأبييو حنيفيية‪ :‬لكييل واحييد منهييم‬
‫الفسخ إذا شاء‪ ،‬وليس هو عقد يورث‪ .‬فمالك ألزمه بعد الشروع‬
‫في العمل لما فيه من ضرر‪ ،‬ورآه من العقود الموروثة‪ .‬والفرقة‬
‫الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل‪ .‬ول‬
‫خلف بينهيم أن المقارض إنميا يأخيذ حظيه مين الربيح بعيد أن ينيض‬
‫جمييع رأس المال‪ ،‬وأنيه إن خسير ثيم أتجير ثيم ربيح جيبر الخسيران‬
‫من الربح‪ .‬واختلفوا في الرجل يدفع إلى رجل مال قراضا فيهلك‬
‫بعضه قبل أن يعمل فيه‪ ،‬ثم يعمل فيه فيربح‪ ،‬فيريد المقارض أن‬
‫يجعيل رأس المال بقيية المال بعيد الذي هلك‪ ،‬هيل له ذلك أم ل؟‬
‫فقال مالك وجمهور العلماء‪ :‬إن صييدقه رب المال‪ ،‬أو دفييع رجييل‬
‫مال قراضييا لرجييل فهلك منييه جزء قبييل أن يعمييل فأخييبره بذلك‬
‫فصيييدقه ثيييم قال له يكون الباقيييي عندك قراضيييا على الشرط‬
‫المتقدم لم يجييز حتييى يفاصييله ويقبييض منييه رأس ماله وينقطييع‬
‫القراض الول‪ .‬وقال ابين حيبيب مين أصيحاب مالك إنيه يلزميه فيي‬
‫ذلك القول‪ ،‬ويكون الباقيي قراضيا‪ ،‬وهذه المسيألة هيي مين أحكام‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الطوارئ‪ ،‬ولكين ذكرناهيا هنيا لتعلقهيا بوقيت وجوب القسيمة‪ ،‬وهيي‬
‫من أحكام العقد‪ .‬واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض‬
‫عليه أم ل؟ على ثلثة أقوال‪ :‬فقال الشافعي في أشهر أقواله‪ :‬ل‬
‫نفقية له أصيل إل أن يأذن له رب المال؛ وقال قوم‪ :‬له نفقتيه‪ ،‬وبيه‬
‫قال إبراهييم النخعيي والحسين‪ ،‬وهيو أحيد ميا روي عين الشافعيي؛‬
‫وقال آخرون‪ :‬له النفقة في السفر من طعامه وكسوته‪ ،‬وليس له‬
‫شييء فيي الحضير‪ ،‬وبيه قال مالك وأبيو حنيفية والثوري وجمهور‬
‫العلماء‪ ،‬إل أن مالكييييييا قال‪ :‬إذا كان المال يحمييييييل ذلك؛ وقال‬
‫الثوري‪ :‬ينفييق ذاهبييا ول ينفييق راجعييا؛ وقال الليييث‪ :‬يتغدى فييي‬
‫المصر ول يتعشى؛ وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض‪،‬‬
‫والمشهور عنييه مثييل قول الجمهور‪ :‬أن ل نفقيية له فييي المرض‪.‬‬
‫وحجية مين لم يجزه أن ذلك زيادة منفعية فيي القراض فلم يجيز‪.‬‬
‫أصله المنافع‪ .‬وحجة من أجازه أن عليه العمل في الصدر الول‪،‬‬
‫ومن أجازه في الحضر شبهه بالسفر‪ .‬وأجمع علماء المصار على‬
‫أنييه ل يجوز للعامييل أن يأخييذ نصيييبه ميين الربييح إل بحضرة رب‬
‫المال‪ ،‬وأن حضور رب المال شرط فييييي قسييييمة المال وأخييييذ‬
‫العاميل حصيته‪ ،‬وأنيه لييس يكفيي فيي ذلك أن يقسيمه بحضور بينية‬
‫ول غيرها‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في أحكام الطوارئ‪.‬‬
‫@‪-‬واختلفوا إذا أخيذ المقارض حصيته مين غيير حضور رب المال‪،‬‬
‫ثييم ضاع المال أو بعضييه؛ فقال مالك‪ :‬إن أذن له رب المال فييي‬
‫ذلك فالعامل مصدق فيما ادعاه من الضياع؛ وقال الشافعي وأبو‬
‫حنيفية والثوري‪ :‬ميا أخيذ العاميل يرده ويجيبر بيه رأس المال‪ ،‬ثيم‬
‫يقتسمان فضل إن كان هنالك‪ .‬واختلفوا إذا هلك مال القراض بعد‬
‫أن اشترى العامل به سلعة ما وقبل أن ينقده البائع‪ .‬فقال مالك‪:‬‬
‫البييع لزم للعاميل‪ ،‬ورب المال مخيير إن شاء دفيع قيمية السيلعة‬
‫مرة ثانيية‪ ،‬ثيم تكون بينهميا على ميا شرطيا مين المقارضية‪ ،‬وإن‬
‫شاء تيبرأ عنهيا؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬بيل يلزم ذلك الشراء رب المال‬
‫شبييه بالوكيييل‪ ،‬إل أنييه قال‪ :‬يكون رأس المال فييي ذلك القراض‬
‫الثمنيين‪ ،‬ول يقتسيمان الربيح إل بعيد حصيوله عينيا‪ :‬أعنيي ثمين تلك‬
‫السييلعة التييي تلفييت أول‪ ،‬والثميين الثانييي الذي لزمييه بعييد ذلك‪.‬‬
‫واختلفوا في بيع العامل من رب المال بعض سلع القراض‪ ،‬فكره‬
‫ذلك مالك‪ ،‬وأجازه أبيييو حنيفييية على الطلق‪ ،‬وأجازه الشافعيييي‬
‫بشرط أن يكونيا قيد تبايعيا بميا ل يتغابين الناس بمثله‪ .‬ووجهية ميا‬
‫كره مين ذلك مالك أن يكون يرخيص له فيي السيلعة مين أجيل ميا‬
‫قارضه‪ ،‬فكأن رب المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫اشترط علييه‪ .‬ول أعرف خلفيا بيين فقهاء المصيار أنيه إن تكارى‬
‫العاميل على السيلع إلى بلد فاسيتغرق الكراء قييم السيلع وفضيل‬
‫عليييه فضلة أنهييا على العامييل ل على رب المال‪ ،‬لن رب المال‬
‫إنميا دفيع ماله إلييه ليتجير بيه‪ ،‬فميا كان مين خسيران فيي المال‬
‫فعليه‪ ،‬وكذلك ما زاد على المال واستغرقه‪ .‬واختلفوا في العامل‬
‫يستدين مال فيتجر به مع مال القراض‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ذلك ل يجوز؛‬
‫وقال الشافعيي وأبيو حنيفية‪ :‬ذلك جائز‪ ،‬ويكون الربيح بينهميا على‬
‫شرطهميييا‪ .‬وحجييية مالك أنيييه كميييا ل يجوز أن يسيييتدين على‬
‫المقارضية‪ ،‬كذلك ل يجوز أن يأخيذ دينيا فيهيا‪ .‬واختلفوا هيل للعاميل‬
‫أن ييبيع بالديين إذا لم يأمره بيه رب المال؟ فقال مالك‪ :‬لييس له‬
‫ذلك‪ ،‬فإن فعييل ضميين‪ ،‬وبييه قال الشافعييي؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬له‬
‫ذلك‪ .‬والجمييع متفقون على أن العاميل إنميا يجيب له أن يتصيرف‬
‫فيي عقيد القراض ميا يتصيرف فييه الناس غالبيا فيي أكثير الحوال؛‬
‫فمين رأى أن التصيرف بالديين خارج عميا يتصيرف فييه الناس فيي‬
‫الغلب لم يجزه؛ وميين رأى أنييه ممييا يتصييرف فيييه الناس أجازه‪.‬‬
‫واختلف مالك والشافعيي وأبيو حنيفية واللييث فيي العاميل يخلط‬
‫ماله بمال القراض مين غيير إذن رب المال‪ ،‬فقال هؤلء كلهيم ميا‬
‫عدا مالكيا‪ :‬هيو تعيد ويضمين؛ وقال مالك‪ :‬لييس بتعيد‪ .‬ولم يختلف‬
‫هؤلء المشاهيير مين فقهاء المصيار أنيه إن دفيع العاميل رأس مال‬
‫القراض إلى مقارض آخيير أنييه ضاميين إن كان خسييران‪ ،‬وإن كان‬
‫ربيح فذلك على شرطيه‪ ،‬ثيم يكون للذي عميل شرطيه على الذي‬
‫دفيع إلييه‪ ،‬فيوفييه حظيه مميا بقيي مين المال‪ .‬وقال المزنيي عين‬
‫الشافعي‪ :‬ليس له إل أجرة مثله‪ ،‬لنه عمل على فساد‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في حكم القراض الفاسد‪.‬‬
‫@‪-‬واتفقوا على أن حكيم القراض الفاسيد فسيخه ورد المال إلى‬
‫صيياحبه مييا لم يفييت بالعمييل‪ .‬واختلفوا إذا فات بالعمييل مييا يكون‬
‫للعاميل فييه فيي واجيب عمله على أقوال‪ :‬أحدهيا أنيه يرد جميعيه‬
‫إلى قراض مثله‪ ،‬وهي رواية ابن الماجشون عن مالك‪ ،‬وهو قوله‬
‫وقول أشهييب‪ .‬والثانييي أنييه يرد جميعييه إلى إجارة مثله‪ ،‬وبييه قال‬
‫الشافعيي وأبيو حنيفية وعبيد العزييز بين أبيي سيلمة مين أصيحاب‬
‫مالك‪ ،‬وحكيى عبيد الوهاب أنهيا روايية عين مالك‪ .‬والثالث أنيه يرد‬
‫إلى قراض مثله ميا لم يكين أكثير مميا سيماه‪ ،‬وإنميا له القيل مميا‬
‫سيمي أو مين قراض مثله إن كان رب المال هيو مشترط الشرط‬
‫على المقارض‪ ،‬أو الكثييير مييين قراض مثله‪ ،‬أو مييين الجزء الذي‬
‫سيييمى له إن كان المقارض هيييو مشترط الشرط الذي يقتضيييي‬
‫الزيادة التييي ميين قبلهييا فسييد القراض‪ ،‬وهذا القول يتخرج رواييية‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عيين مالك‪ .‬والرابييع أنييه يرد إلى قراض مثله فييي كييل منفعيية‬
‫اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس ينفرد‬
‫أحدهما بها عن صاحبه‪ ،‬وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها‬
‫أحيد المتقارضيين خالصية لمشترطهيا مميا ليسيت فيي المال وفيي‬
‫كيل قراض فاسيد مين قبيل الغرر والجهيل‪ ،‬وهيو قول مطرف وابين‬
‫نافع وابن عبد الحكم وأصبغ‪ ،‬واختاره ابن حبيب؛ وأما ابن القاسم‬
‫فاختلف قوله فيي القراضات الفاسيدة‪ ،‬فبعضهيا وهيو الكثير قال‪:‬‬
‫إن فيها أجرة المثل‪ ،‬وفي بعضها قال‪ :‬فيها قراض المثل‪ .‬فاختلف‬
‫الناس فيي تأوييل قوله؛ فمنهيم مين حميل اختلف قوله فيهيا على‬
‫الفرق الذي ذهيب إلييه ابين عبيد الحكيم ومطرف‪ ،‬وهيو اختيار ابين‬
‫حييبيب واختيار جدي رحميية الله عليييه‪ .‬ومنهييم ميين لم يعلل قوله‬
‫وقال‪ :‬إن مذهبيه أن كيل قراض فاسيد ففييه أجرة المثيل إل تلك‬
‫التييي نييص فيهييا قراض المثييل وهييي سييبعة‪ :‬القراض بالعروض‪،‬‬
‫والقراض بالضمان‪ ،‬والقراض إلى أجيييل‪ ،‬والقراض المبهيييم‪ ،‬وإذا‬
‫قال له اعميييييل على أن لك فيييييي المال شركيييييا‪ ،‬وإذا اختلف‬
‫المتقارضان وأتييا بميا ل يشبيه فحلفيا على دعواهميا‪ ،‬وإذا دفيع إلييه‬
‫المال على أن ل يشتري بيه إل بالديين فاشترى بالنقيد‪ ،‬أو على أن‬
‫ل يشتري إل سيلعة كذا وكذا والسيلعة غيير موجودة فاشترى غيير‬
‫ميا أمير بيه‪ .‬وهذه المسيائل يجيب أن ترد إلى علة واحدة‪ ،‬وإل فهيو‬
‫اختلف من قول ابن القاسم‪ ،‬وحكى عبد الوهاب عن ابن القاسم‬
‫أنيه فصييل فقال‪ :‬إن كان الفسياد مين جهية العقيد رد إلى قراض‬
‫المثل‪ ،‬وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الخر رد إلى‬
‫أجرة المثييل‪ ،‬والشبييه أن يكون المير فييي هذا بالعكييس‪ .‬والفرق‬
‫بين الجرة وقراض المثل أن الجرة تتعلق بذمة رب المال سواء‬
‫كان فييي المال ربييح أو لم يكيين‪ ،‬وقراض المثييل هييو على سيينة‬
‫القراض إن كان فيه ربح كان للعامل منه‪ ،‬وإل فل شيء له‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في اختلف المتقارضين‪.‬‬
‫@‪-‬واختلف الفقهاء إذا اختلف العاميييل ورب المال فيييي تسيييمية‬
‫الجزء الذي تقارضييا عليييه‪ ،‬فقال مالك‪ :‬القول قول العامييل لنييه‬
‫عنده مؤتمين‪ ،‬وكذلك المير عنده فيي جمييع دعاوييه إذا أتيى بميا‬
‫يشبييه‪ ،‬وقال الليييث‪ :‬يحمييل على قراض مثله‪ ،‬وبييه قال مالك إذا‬
‫أتييى بمييا ل يشبييه؛ وقال أبييو حنيفيية وأصييحابه‪ :‬القول قول رب‬
‫المال‪ ،‬وبييه قال الثوري؛ وقال الشافعييي‪ :‬يتحالفان ويتفاسييخان‪،‬‬
‫ويكون له أجرة مثله‪ .‬وسيبب اختلف مالك وأبيو حنيفية اختلفهيم‬
‫في سبب ورود النص بوجوب اليمين على المدعى عليه‪ ،‬هل ذلك‬
‫لنيه مدعيى علييه‪ ،‬أو لنيه فيي الغلب أقوى شبهية؛ فمين قال لنيه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مدعيى علييه قال القول قول رب المال؛ ومين قال لنيه أقواهميا‬
‫شبهة في الغلب قال‪ :‬القول قول العامل لنه عنده مؤتمن؛ وأما‬
‫الشافعييي فقاس اختلفهمييا على اختلف المتبايعييين فييي ثميين‬
‫السلعة‪ .‬وهذا كاف في هذا الباب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‬
‫*‪*2‬كتاب المساقاة‪.‬‬
‫*‪*3‬القول فييي المسيياقاة‪ .‬أمييا أول ففييي جوازهييا‪ .‬والثانييي‪ :‬فييي‬
‫معرفة الفساد والصحة فيها‪ .‬والثالث‪ :‬في أحكامها‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في جواز المساقاة‪.‬‬
‫@‪-‬فأمييا جوازهييا فعليييه جمهور العلماء مالك والشافعييي والثوري‬
‫وأبيو يوسيف ومحميد بين الحسين صياحبا أبيي حنيفية وأحميد وداود‪،‬‬
‫وهيي عندهيم مسيتثناة بالسينة مين بييع ميا لم يخلق‪ ،‬ومين الجارة‬
‫المجهولة؛ وقال أبيييو حنيفييية‪ :‬ل تجوز المسييياقاة أصيييل‪ .‬وعمدة‬
‫الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت "أن رسول الله صلى‬
‫الله علييه وسيلم دفيع إلى يهود خييبر نخيل خييبر وأرضهيا على أن‬
‫يعملوهيا من أموالهيم‪ ،‬ولر سول الله صلى الله علييه وسيلم شطير‬
‫ثمرها" خرجه البخاري ومسلم وفي بعض رواياته "أنه صلى الله‬
‫علييه وسيلم سياقاهم على نصيف ميا تخرجيه الرض والثمرة" وميا‬
‫رواه مالك أيضيا مين مرسيل سيعيد بين المسييب أن رسيول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم قال ليهود خييبر يوم افتتيح خييبر "أقركيم‬
‫على ما أقركيم الله على أن التمر بيننا وبينكم" قال وكان رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه‬
‫وبينهم‪ ،‬ثم يقول "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" وكذلك مرسله‬
‫أيضيا عين سيليمان بين يسيار فيي معناه‪ ،‬وأميا أبيو حنيفية ومين قال‬
‫بقوله فعمدتهم مخالفة هذا الثر للصول مع أنه حكم مع اليهود‪،‬‬
‫واليهود يحتمل أن يكون أقرهم على أنهم عبيد‪ ،‬ويحتمل أن يكون‬
‫أقرهييم على أنهييم ذميية‪ ،‬إل أنييا إذا أنزلنييا أنهييم ذميية كان مخالفييا‬
‫للصيول‪ ،‬لنيه بييع ميا لم يخلق؛ وأيضيا فإنيه مين المزابنية‪ ،‬وهيو بييع‬
‫التمر بالتمر متفاضل‪ ،‬لن القسمة بالخرص بيع الخرص‪ ،‬واستدلوا‬
‫على مخالفته للصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة أنه‬
‫كان يقول لهييم عنييد الخرص "إن شئتييم فلكييم وتضمنون نصيييب‬
‫المسيلمين‪ ،‬وإن شئتيم فلي وأضمين نصييبكم" وهذا حرام بإجماع‪.‬‬
‫وربمييا قالوا إن النهييي الوارد عيين المخابرة هييو مييا كان ميين هذا‬
‫الفعل بخيبر‪ .‬والجمهور يرون أن المخابرة هي كراء الرض ببعض‬
‫مييا يخرج منهييا‪ ،‬قالوا‪ :‬وممييا يدل على نسييخ هذا الحديييث‪ ،‬أو أنييه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫خاص باليهود ميا ورد مين حدييث رافيع وغيره مين النهيي عين كراء‬
‫الرض بمييا يخرج منهييا‪ ،‬لن المسيياقاة تقتضييي جواز ذلك‪ ،‬وهييو‬
‫خاص أيضا في بعض روايات أحاديث المساقاة‪ ،‬ولهذا المعنى لم‬
‫يقل بهذه الزيادة مالك ول الشافعي‪ ،‬أعني بما جاء من "أنه صلى‬
‫الله علييه وسيلم سياقاهم على نصيف ميا تخرجيه الرض والثمرة"‬
‫وهي زيادة صحيحة وقال بها أهل الظاهر‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في صحة المساقاة‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي الصيحة راجيع إلى النظير فيي أركانهيا‪ ،‬وفيي وقتهيا‪،‬‬
‫وفيي شروطهيا المشترطية فيي أركانهيا‪ .‬وأركانهيا أربعية‪ :‬المحيل‬
‫المخصييوص بهييا‪ .‬والجزء الذي تنعقييد عليييه‪ .‬وصييفة العمييل الذي‬
‫تنعقد عليه‪ .‬والمدة التي تجوز فيها وتنعقد عليها‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الول‪ :‬فييي محييل المسيياقاة) واختلفوا فييي محييل‬
‫المسيياقاة‪ ،‬فقال داود‪ :‬ل تكون المسيياقاة إل فييي النخيييل فقييط؛‬
‫وقال الشافعيي‪ :‬فيي النخيل والكرم فقيط؛ وقال مالك‪ :‬تجوز فيي‬
‫كيل أصيل ثابيت كالرمان والتيين والزيتون وميا أشبيه ذلك مين غيير‬
‫ضرورة‪ ،‬وتكون فيي الصيول غيير الثابتية كالمقاثيئ والبطييخ ميع‬
‫عجيز صياحبها عنهيا‪ ،‬وكذلك الزرع‪ ،‬ول تجوز فيي شييء مين البقول‬
‫عنييد الجميييع إل ابيين دينار‪ ،‬فإنييه أجازهييا فيييه إذا نبتييت قبييل أن‬
‫تسيتغل؛ فعمدة مين قصيره على النخيل أنهيا رخصية‪ ،‬فوجيب أن ل‬
‫يتعدى بهييا محلهييا الذي جاءت فيييه السيينة‪ .‬وأمييا مالك فرأى أنهييا‬
‫رخصية ينقدح فيهيا سيبب عام‪ ،‬فوجيب تعديية ذلك إلى الغيير‪ .‬وقيد‬
‫يقاس على الرخييص عنييد قوم إذا فهييم هنالك أسييباب أعييم ميين‬
‫الشياء التيي علقيت الرخيص بالنيص بهيا؛ وقوم منعوا القياس على‬
‫الرخييص؛ وأمييا داود فهييو يمنييع القياس على الجملة‪ ،‬فالمسيياقاة‬
‫على أصيوله مطردة؛ وأميا الشافعيي فإنميا أجازهيا فيي الكرم مين‬
‫قبيل أن الحكيم فيي المسياقاة هيو بالخرص‪ ،‬وقيد جاء فيي حدييث‬
‫عتاب بين أسييد الحكيم بالخرص فيي النخيل والكرم وإن كان ذلك‬
‫في الزكاة‪ ،‬فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة‪ ،‬والحديث‬
‫الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو "أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب وتؤدى زكاته زبيبا‪ ،‬كما تؤدى‬
‫زكاة النخيل تمرا" ودفيع داود حدييث عتاب ابين أسييد لنيه مرسيل‪،‬‬
‫ولنيه انفرد بيه عبيد الرحمين بين إسيحاق ولييس بالقوي‪ .‬واختلفوا‬
‫إذا كان ميع النخيل أرض بيضاء أو ميع الثمار‪ ،‬هيل يجوز أن تسياقى‬
‫الرض ميع النخيل بجزء مين النخيل أو بجزء مين النخيل وبجزء مميا‬
‫يخرج مين الرض؟ فذهيب إلى جواز ذلك طائفية‪ ،‬وبيه قال صياحبا‬
‫أبيي حنيفية واللييث وأحميد والثوري وابين أبيي ليلى وجماعية؛ وقال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الشافعيي وأهيل الظاهير‪ :‬ل تجوز المسياقاة إل فيي التمير فقيط؛‬
‫وأما مالك فقال‪ :‬إذا كانت الرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك‬
‫فل بأس بدخولهيا فيي المسياقاة اشترط جزءا خارجيا منهيا أو لم‬
‫يشترطييه‪ ،‬وحييد ذلك الجزء بأن يكون الثلث فمييا دونييه‪ ،‬أعنييي أن‬
‫يكون مقدار كراء الرض الثلث مين الثمير فميا دونيه‪ ،‬ولم يجيز أن‬
‫يشترط رب الرض أن يزرع البياض لنفسييه‪ ،‬لنهييا زيادة ازدادهييا‬
‫عليييه؛ وقال الشافعييي‪ :‬ذلك جائز (هكذا بالنسييخ‪ ،‬ولعله متناقييض‬
‫فيي النقيل عين الشافعيي‪ ،‬فإنيه نقيل عنيه أول أنيه ل يجوز إل فيي‬
‫الثمرة وهنيا أنيه تجوز المسياقاة فيي الرض والنخيل معيا فلعيل له‬
‫قوليين‪ ،‬تأميل ا هيي مصيححه)‪ .‬وحجية مين أجاز المسياقاة عليهميا‬
‫جميعيا‪ ،‬أعنيي على الرض بجزء مميا يخرج منهيا حدييث ابين عمير‬
‫المتقدم‪ .‬وحجيية ميين لم يجييز ذلك مييا روي ميين النهييي عيين كراء‬
‫الرض ب ما يخرج منهيا فيي حدييث رافيع بن خدييج‪ ،‬وقيد تقدم ذلك؛‬
‫وقال أحمد بن حنبل‪ :‬أحاديث رافع مضطربة اللفاظ‪ ،‬وحديث ابن‬
‫عمر أصح‪ .‬وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف‪ ،‬وهو استحسان‬
‫مبنييي على غييير الصييول‪ ،‬لن الصييول تقتضييي أنييه ل يفرق بييين‬
‫الجائز مين غيير الجائز بالقلييل والكثيير مين الجنيس الواحيد‪ .‬ومنهيا‬
‫اختلفهييم فييي المسيياقاة فييي البقييل؛ فأجازهييا مالك والشافعييي‬
‫وأصيحابه ومحميد بين الحسين؛ وقال اللييث‪ :‬ل تجوز المسياقاة فيي‬
‫البقل‪ ،‬وإنما أجازها الجمهور لن العامل وإن كان ليس عليه فيها‬
‫سيقي فيبقيى علييه أعمال أخير‪ ،‬مثيل البار وغيير ذلك؛ وأميا اللييث‬
‫فيرى السييقي بالماء هييو الفعييل الذي تنعقييد عليييه المسيياقاة‪،‬‬
‫ولمكانه وردت الرخصة فيه‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الثانييي) وأمييا الركيين الذي هييو العمييل‪ ،‬فإن العلماء‬
‫بالجملة أجمعوا على أن الذي يجيييب على العاميييل هيييو السيييقي‬
‫والبار‪ .‬واختلفوا فييي الجذاذ على ميين هييو؟ وفييي سييد الحظار‬
‫وتنقيية العيين والسيانية‪ .‬أميا مالك فقال فيي الموطيأ‪ :‬السينة فيي‬
‫المسياقاة التيي يجوز لرب الحائط أن يشترطيه سيد الحظار وخيم‬
‫العيين وشرب الشراب وإبار النخيل وقطيع الجرييد وجيذ الثمير‪ ،‬هذا‬
‫وأشباهه هو على العامل‪ ،‬وهذا الكلم يحتمل أن يفهم منه دخول‬
‫هذه فيي المسياقاة بالشرط‪ ،‬ويمكين أن يفهيم منيه دخولهيا فيهيا‬
‫بنفيس العقيد‪ .‬وقال الشافعيي‪ :‬لييس علييه سيد الحظار لنيه لييس‬
‫مين جنيس ميا يؤثير فيي زيادة الثمرة مثيل البار والسيقي‪ .‬وقال‬
‫محمد بن الحسن‪ :‬ليس عليه تنقية السواني والنهار‪ .‬وأما الجذاذ‬
‫فقال مالك والشافعييي‪ :‬هييو على العامييل‪ ،‬إل أن مالكييا قال‪ :‬إن‬
‫اشترطييه العامييل على رب المال جاز؛ وقال الشافعييي‪ :‬ل يجوز‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫شرطييه وتنفسييخ المسيياقاة إن وقييع؛ وقال محمييد بيين الحسيين‪:‬‬
‫الجذاذ بينهمييا نصييفان؛ وقال المحصييلون ميين أصييحاب مالك‪ :‬إن‬
‫العميل فيي الحائط على وجهيين‪ :‬عميل لييس له تأثيير فيي إصيلح‬
‫الثمرة‪ ،‬وعميل له تأثيير فيي إصيلحها‪ .‬والذي له تأثيير فيي إصيلحها‬
‫منيه ميا يتأبيد ويبقيى بعيد الثمير‪ ،‬ومنيه ميا ل يبقيى بعيد الثمير‪ .‬فأميا‬
‫الذي لييس له تأثيير فيي إصيلح الثمير فل يدخيل فيي المسياقاة ل‬
‫بنفيس العقيد ول بالشرط إل الشييء اليسيير منيه‪ .‬وأميا ماله تأثيير‬
‫فييي إصييلح الثميير ويبقييى بعييد الثميير فيدخييل عنده بالشرط فييي‬
‫المسياقاة ل بنفيس العقيد‪ ،‬مثيل إنشاء حفير بئر‪ ،‬أو إنشاء ظفيرة‬
‫للماء‪ ،‬أو إنشاء غرس‪ ،‬أو إنشاء بييت يجنيي فييه الثمير‪ .‬وأميا ميا له‬
‫تأثير في إصلح الثمر ول يتأبد‪ ،‬فهو لزم بنفس العقد‪ ،‬وذلك مثل‬
‫الحفير والسيقي وزبر الكرم وتقلييم الشجير والتذكيير والجذاذ وميا‬
‫أشبيييه ذلك؛ وأجمعوا على أن مييا كان فيييي الحائط مييين الدواب‬
‫والعبيد أنه ليس من حق العامل‪ .‬واختلفوا في شرط العامل ذلك‬
‫على المساقي‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط‬
‫قبيل المسياقاة‪ .‬وأميا إن اشترط فيهيا ميا لم يكين فيي الحائط فل‬
‫يجوز؛ وقال الشافعيي‪ :‬لبأس بذلك وإن لم يكين فيي الحائط‪ ،‬وبيه‬
‫قال ابن نافع من أصحاب مالك؛ وقال محمد بن الحسن‪ :‬ل يجوز‬
‫أن يشترطه العامل على رب المال‪ ،‬ولو اشترطه رب المال على‬
‫العامل جاز ذلك؛ ووجه كراهيته ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل‬
‫بنصييب رب المال؛ ومين أجازه رأى أن ذلك تافيه ويسيير‪ ،‬ولتردد‬
‫الحكيم بيين هذيين الصيلين اسيتحسن مالك ذلك فيي الرقييق الذي‬
‫يكون فييي الحائط فييي وقييت المسيياقاة ومنعييه فييي غيرهييم‪ ،‬لن‬
‫اشتراط المنفعة في ذلك أظهر‪ ،‬وإنما فرق محمد بن الحسن لن‬
‫اشتراطهمييا على العامييل هييو ميين جنييس مييا وجييب عليييه ميين‬
‫المسياقاة‪ ،‬وهيو العميل بيده‪ .‬واتفيق القائلون بالمسياقاة على أنيه‬
‫إن كانيت النفقية كلهيا على رب الحائط ولييس على العاميل إل ميا‬
‫يعمييل بيده أن ذلك ل يجوز‪ ،‬لنهييا إجارة بمييا لم يخلق‪ ،‬فهذه هييي‬
‫صفات هذا الركن والشروط الجائزة فيه من غير الجائزة‪.‬‬
‫@‪(-‬الركن الثالث) وأجمعوا على أن المساقاة تجوز بكل ما اتفقا‬
‫علييه مين أجزاء الثمير‪ ،‬فأجاز مالك أن تكون الثمرة كلهيا للعاميل‬
‫كما فعل في القراض‪ ،‬وقد قيل إن ذلك منحة ل مساقاة‪ ،‬وقيل ل‬
‫يجوز‪ .‬واتفقوا على أنييه ل يجوز فيهييا اشتراط منفعيية زائدة‪ ،‬مثييل‬
‫أن يشترط أحدهمييا على صيياحبه زيادة دراهييم أو دنانييير ول شيئا‬
‫مين الشياء الخارجية عين المسياقاة إل الشييء اليسيير عنيد مالك‬
‫مثييل سييد الحظار وإصييلح الظفيرة وهييي مجتمييع الماء؛ ول يجوز‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عنييد مالك أن يسيياقي على حائطييين‪ :‬أحدهمييا على جزء‪ ،‬والخيير‬
‫على جزء آخر‪ ،‬واحتج بفعله عليه الصلة والسلم في خيبر‪ ،‬وذلك‬
‫أنيه سياقي على حوائط مختلفية بجزء واحيد‪ ،‬وفييه خلف‪ .‬وأكثير‬
‫العلماء على أن القسمة بين العامل والمساقي في الثمر ل تكون‬
‫إل بالكيل‪ ،‬وكذلك في الشركة‪ ،‬وأنها ل تجوز بالخرص؛ وأجاز قوم‬
‫قسييمتها بالخرص‪ .‬واختلف فييي ذلك أصييحاب مالك‪ ،‬واختلفييت‬
‫الروايية عنيه‪ ،‬فقييل يجوز‪ ،‬وقييل ل يجوز مين الثمار فيي الربويية‬
‫ويجوز فيييي غيييير ذلك‪ ،‬وقييييل يجوز بلطلق إذ اختلفيييت حاجييية‬
‫الشريكيييين‪ .‬وحجييية الجمهور أن ذلك يدخله الفسييياد مييين جهييية‬
‫المزابنية ويدخله بييع الرطيب بالتمير‪ ،‬وبييع الطعام بالطعام نسييئة‪.‬‬
‫وحجية مين أجاز قسيمتها بالخرص تشبيههيا بالعريية وبالخرص فيي‬
‫الزكاة‪ ،‬وفيه ضعف‪ .‬وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من‬
‫الخرص في مساقاة خيبر من مرسل سعيد ابن المسيب وعطاء‬
‫بن يسار‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الرابييع) وأمييا اشتراط الوقييت فييي المسيياقاة فهييو‬
‫صينفان‪ :‬وقيت هيو مشترط فيي جواز المسياقاة‪ ،‬ووقيت هيو شرط‬
‫فيي صيحة العقيد‪ ،‬وهيو المحدد لمدتهيا‪ .‬فأميا الوقيت المشترط فيي‬
‫جواز عقدهيييا فإنهيييم اتفقوا على أنهيييا تجوز قبيييل بدو الصيييلح‪.‬‬
‫واختلفوا فييي جواز ذلك بعييد بدو الصييلح‪ ،‬فذهييب الجمهور ميين‬
‫القائليين بالمسياقاة على أنيه ل يجوز بعيد الصيلح‪ .‬وقال سيحنون‪:‬‬
‫من أصحاب مالك ل بأس بذلك‪ .‬واختلف قول الشافعي في ذلك؛‬
‫فمرة قال‪ :‬ل يجوز‪ ،‬ومرة قال‪ :‬يجوز‪ ،‬وقيد قييل عنيه إنهيا ل تجوز‬
‫إذا خلق الثمير‪ .‬وعمدة الجمهور أن المسياقاة ميا بدا صيلحه مين‬
‫الثميير ليييس فيييه عمييل ول ضرورة داعييية إلى المسيياقاة إذ كان‬
‫يجوز بيعييه فييي ذلك الوقييت‪ .‬قالوا‪ :‬وإنمييا هييي إجارة إن وقعييت‪.‬‬
‫وحجة من أجازها أنه إذا جازت قبل أن يخلق الثمر فهي بعد بدو‬
‫الصيلح أجوز‪ ،‬ومين هنيا لم تجيز عندهيم مسياقاة البقول لنيه يجوز‬
‫بيعهييا‪ ،‬أعنييي عنييد الجمهور‪ .‬وأمييا الوقييت الذي هييو شرط فييي‬
‫المسييياقاة‪ ،‬فإن الجمهور على أنيييه ل يجوز يكون مجهول‪ :‬أعنيييي‬
‫مدة غير مؤقتة‪ ،‬وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة منهم‬
‫أهل الظاهر‪ .‬وعمدة الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياسا‬
‫على الجارة؛ وعمدة أهيل الظاهير ميا وقيع فيي مرسيل مالك مين‬
‫قوله صيلى الله علييه وسيلم "أقركيم ميا أقركيم الله" وكره مالك‬
‫المساقاة في ما طال مين السينين‪ ،‬وانقضاء السينين فيهيا هيو بالجيذ‬
‫ل بالهلة‪ .‬وأمييا هييل اللفييظ شرط فييي هذا العقييد‪ ،‬فاختلفوا فييي‬
‫ذلك؛ فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها أن ل تنعقد إل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫بلفييظ المسيياقاة‪ ،‬وأنييه ليييس تنعقييد بلفييظ الجارة‪ ،‬وبييه قال‬
‫الشافعييي؛ وقال غيرهييم‪ :‬تنعقييد بلفييظ الجارة‪ ،‬وهييو قياس قول‬
‫سحنون‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في أحكام الصحة‪.‬‬
‫@‪-‬والمسيياقاة عنييد مالك ميين العقود اللزميية باللفييظ ل بالعمييل‬
‫بخلف القراض عنده الذي ينعقييد بالعمييل ل باللفييظ‪ ،‬وهييو عنييد‬
‫مالك عقيد موروث‪ ،‬ولورثية المسياقي أن يأتوا بأميين يعميل إن لم‬
‫يكونوا أمناء‪ ،‬وعليييه العمييل إن أبييى الورثيية ميين تركتييه؛ وقال‬
‫الشافعي إذا لم يكن له تركة سلم إلى الورثة رب المال أجرة ما‬
‫عميل وفسيد العقيد‪ ،‬وإن كانيت له تركية لزمتيه المسياقاة؛ وقال‬
‫الشافعييي‪ :‬تنفسيخ المسياقاة بالعجيز ولم يفصييل؛ وقال مالك إذا‬
‫عجيز وقيد حيل بييع الثمير لم يكين له أن يسياقي غيره ووجيب علييه‬
‫أن يسيتأجر مين يعميل وإن يكين له شييء اسيتؤجر مين حظيه مين‬
‫الثمير‪ ،‬وإن كان العاميل لصيا أو ظالميا لم ينفسيخ العقيد بذلك عنيد‬
‫مالك‪ .‬وحكي عن الشافعي أنه قال‪ :‬يلزمه أن يقيم غيره للعمل؛‬
‫وقال الشافعيييي‪ :‬إذا هرب العاميييل قبيييل تمام العميييل اسيييتأجر‬
‫القاضيي علييه مين يعميل عمله‪ ،‬ويجوز عنيد مالك أن يشترط كيل‬
‫واحيد منهميا على صياحبه الزكاة بخلف القراض‪ ،‬ونصيابهما عنده‬
‫نصياب الرجيل الواحيد بخلف قوله فيي الشركاء‪ .‬وإذا اختلف رب‬
‫المال والعاميل فيي مقدار ميا وقعيت علييه المسياقاة مين الثمير‪،‬‬
‫فقال مالك‪ :‬القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه؛ وقال‬
‫الشافعييي‪ :‬يتحالفان ويتفاسييخان‪ ،‬وتكون للعامييل الجرة شبهيية‬
‫بالبييع؛ وأوجيب مالك اليميين فيي حيق العاميل لنيه مؤتمين‪ ،‬ومين‬
‫أصيله أن اليميين تجيب على أقوى المتداعييين شبهية‪ .‬وفروع هذا‬
‫الباب كثيرة‪ ،‬لكين التيي اشتهير الخلف فيهيا بيين الفقهاء هيي هذه‬
‫التي ذكرناها‪.‬‬
‫*‪*4‬أحكام المساقاة الفاسدة‪.‬‬
‫@‪-‬واتفقوا على أن المسيياقاة إذا وقعييت على غييير الوجييه الذي‬
‫جوزهيا الشرع أنهيا تنفسيخ ميا لم تفيت بالعميل‪ .‬واختلفوا إذا فاتيت‬
‫بالعميل ماذا يجيب فيهيا؟ فقييل إنهيا ترد إلى إجارة المثيل فيي كيل‬
‫نوع ميين أنواع الفسيياد‪ ،‬وهييو قياس قول الشافعييي وقياس إحدى‬
‫الروايتين عن مالك؛ وقيل إنها ترد إلى مساقاة المثل بإطلق‪ ،‬هو‬
‫قول ابين الماجشون وروايتيه عين مالك؛ وأميا ابين القاسيم فقال‬
‫في بعضها‪ :‬ترد إلى مساقاة مثلها‪ ،‬وفي بعضها‪ :‬إلى إجارة المثل‪.‬‬
‫واختلف التأويل عنه في ذلك‪ ،‬فقيل في مذهبه إنها ترد إلى إجارة‬
‫المثيل إل فيي أربيع مسيائل فإنهيا ترد إلى مسياقاة مثلهيا‪ :‬إحداهيا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫المسيياقاة فييي حائط فيييه تميير قييد أطعييم‪ .‬والثانييية إذا اشترط‬
‫المسياقي على رب المال أن يعميل معيه‪ .‬والثالثية المسياقاة ميع‬
‫البييع فيي صيفقة واحدة‪ .‬والرابعية إذا سياقاه فيي حائط سينة على‬
‫الثلث وسيينة على النصييف؛ وقيييل إن الصييل عنده فييي ذلك أن‬
‫المسيياقاة إذا لحقهييا الفسيياد ميين قبييل مييا دخلهييا ميين الجارة‬
‫الفاسيدة أو مين بييع الثمير مين قبيل أن يبدو صيلحه‪ ،‬وذلك مميا‬
‫يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل‪،‬‬
‫مثيل أن يسياقيه على أن يزييد أحدهميا صياحبه دنانيير أو دراهيم‪،‬‬
‫وذلك أن هذه الزيادة إن كانيييت مييين رب الحائط كانيييت إجارة‬
‫فاسدة‪ ،‬وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق‪ .‬وأما‬
‫فسياده مين قبيل الغرر مثيل المسياقاة على حوائط مختلفية فيرد‬
‫إلى مسيياقاة المثييل‪ ،‬وهذا كله اسييتحسان جار على غييير قياس‪.‬‬
‫وفي المسألة قول رابع‪ ،‬وهو أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن‬
‫أكثير مين الجزء الذي شرط علييه إن كان للمسياقي‪ ،‬أو أقيل إن‬
‫كان الشرط للمساقي‪ ،‬وهذا كاف بحسب غرضنا‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الشركة‪.‬‬
‫@‪-‬والنظر في الشركة‪ ،‬في أنواعها‪ ،‬وفي أركانها الموجبة للصحة‬
‫فييي الحكام ونحيين نذكيير ميين هذه البواب مييا اتفقوا عليييه‪ ،‬ومييا‬
‫اشتهيير الخلف فيييه بينهييم على مييا قصييدناه فييي هذا الكتاب‪.‬‬
‫والشركيية بالجملة عنييد فقهاء المصييار على أربعيية أنواع‪ :‬شركيية‬
‫العنان‪ :‬وشركييية البدان‪ .‬وشركييية المفاوضييية‪ .‬وشركييية الوجوه‪.‬‬
‫واحدة منها متفق عليها‪ ،‬وهي شر كة العنان‪ ،‬وإن كان بعضهم لم‬
‫يعرف هذا اللفيظ ‪ ،‬وإن كانوا اختلفوا فيي بعيض شروطهيا على ميا‬
‫سييأتي بعيد‪ .‬والثلثية مختلف فيهيا‪ ،‬ومختلف فيي بعيض شروطهيا‬
‫عند من اتفق منهم عليها‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في شركة العنان‪.‬‬
‫@‪-‬وأركان هذه الشركة ثلثة‪ :‬الول‪ :‬محلها من الموال‪ .‬والثاني‪:‬‬
‫فيي معرفية قدر الربيح مين قدر المال المشترك فييه‪ .‬والثالث فيي‬
‫معرفة قدر العمل من الشريكين من قدر المال‪.‬‬
‫@‪(-‬الركن الول) فأما محل الشركة‪ ،‬فمنه ما اتفقوا عليه‪ ،‬ومنه‬
‫مييا اختلفوا فيييه؛ فاتفييق المسييلمون على أن الشركيية تجوز فييي‬
‫الصنف الواحد من العين‪ :‬أعني الدنانير والدراهم‪ ،‬وإن كانت في‬
‫الحقيقة بيعا ل تقع فيه مناجزة‪ ،‬ومن شرط البيع في الذهب وفي‬
‫الدراهم المناجزة‪ ،‬لكن الجماع خصص هذا المعنى في الشركة‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وكذلك اتفقوا فيمييا أعلم على الشركيية بالعرضييين يكونان بصييفة‬
‫واحدة واختلفوا فيييي الشركييية بالعرضيييين المختلفيييين وبالعيون‬
‫المختلفة‪ ،‬مثل الشركة بالدنانير‪ .‬من أحدها والدراهم من الخر‪،‬‬
‫وبالطعام الربوي إذا كان صنفا واحدا‪ ،‬فههنا ثلث مسائل‪:‬‬
‫@‪(-‬المسألة الولى) فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض‪ ،‬أو‬
‫فيي عروض ودراهيم ودنانيير‪ ،‬فأجاز ذلك ابين القاسيم‪ ،‬وهيو مذهيب‬
‫مالك‪ ،‬وقييد قيييل عنييه إنييه كره ذلك‪ .‬وسييبب الكراهييية اجتماع‬
‫الشركية فيهيا والبييع‪ ،‬وذلك أن يكون العرضان مختلفيين‪ ،‬كأن كيل‬
‫واحيد منهميا باع جزءا مين عرضيه بجزء مين العرض الخير؛ ومالك‬
‫يعتييبر فييي العروض إذا وقعييت فيهييا الشركيية القيييم؛ والشافعييي‬
‫يقول‪ :‬ل تنعقيد الشركية إل على أثمان العروض؛ وحكيى أبيو حاميد‬
‫أن ظاهير مذهيب الشافعيي يشيير إلى أن الشركية مثيل القراض ل‬
‫تجوز إل بالدراهيم والدنانيير‪ ،‬قال‪ :‬والقياس أن الشاعية فيهيا تقوم‬
‫مقام الخلط‪.‬‬
‫@‪(-‬المسييألة الثانييية) وإمييا إن كان الصيينفان ممييا ل يجوز فيهمييا‬
‫الن َّيساء مثل الشركية بالدنانيير من عنيد أحدهميا والدراهيم من عند‬
‫الخيير‪ ،‬أو بالطعامييين المختلفييين‪ ،‬فاختلف فييي ذلك قول مالك‪،‬‬
‫فأجازه مرة‪ ،‬ومنعيه مرة‪ ،‬وذلك لميا يدخيل الشركية بالدراهيم مين‬
‫عنيد أحدهميا والدنانيير مين عنيد الخير مين الشركية والصيرف معيا‬
‫وعدم التناجز‪ ،‬ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة وعدم‬
‫التناجييز؛ وبالمنييع قال ابيين القاسييم‪ ،‬وميين لم يعتييبر هذه العلل‬
‫أجازها‪.‬‬
‫@‪(-‬المسييألة الثالثيية) وأمييا الشركيية بالطعام ميين صيينف واحييد‪،‬‬
‫فأجازهييا ابيين القاسييم قياسييا على إجماعهييم على جوازهييا فييي‬
‫الصينف الواحيد من الذهب أو الف ضة ومنعهيا مالك فيي أحيد قوليه‬
‫وهيو المشهور بعدم المناجزة الذي يدخيل فييه‪ ،‬إذ رأى أن الصيل‬
‫هيو أن ل يقاس على موضيع الرخصية بالجماع؛ وقيد قييل إن وجيه‬
‫كراهيية مالك لذلك أن الشركية تفتقير إلى السيتواء فيي القيمية‪،‬‬
‫والبييييع يفتقييير إلى السيييتواء فيييي الكييييل‪ ،‬فافتقرت الشركييية‬
‫بالطعاميين مين صينف واحيد إلى اسيتواء القيمية والكييل وذلك ل‬
‫يكاد يوجد‪ ،‬فكره مالك ذلك‪ ،‬فهذا هو استواء القيمة والكيل وذلك‬
‫ل يكاد يوجيد‪ ،‬فكره مالك ذلك فهذا هيو اختلفهيم فيي جنيس محيل‬
‫الشركيية‪ .‬واختلفوا هييل ميين شرط مال الشركيية أن يختلطييا إمييا‬
‫حسا وإما حكما‪ ،‬مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما مطلقة‬
‫عليهمييا؛ وقال الشافعييي‪ :‬ل تصييح الشركيية حتييى يخلطييا ماليهمييا‬
‫خلطيا ل يتمييز بيه مال أحدهميا مين مال الخير؛ وقال أبيو حنيفية‪:‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫تصييح الشركيية وإن كان مال كييل واحييد منهمييا بيده‪ .‬فأبييو حنيفيية‬
‫اكتفييييى فييييي انعقاد الشركيييية بالقول؛ ومالك اشترط إلى ذلك‬
‫اشتراك التصيييرف فيييي المال؛ والشافعيييي اشترط إلى هذيييين‬
‫الختلط‪ .‬والفقه أن بالختلط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم‪،‬‬
‫لن النصيح يوجيد منيه لشريكيه كميا يوجيد لنفسيه‪ ،‬فهذا هيو القول‬
‫في هذا الركن وفي شروطه‪.‬‬
‫@‪(-‬فأما الركن الثاني) وهو وجه اقتسامهما الر بح‪ ،‬فإنهم اتفقوا‬
‫على أنيه إذا كان الربيح تابعيا لرؤوس الموال‪ ،‬أعنيي إن كان أصيل‬
‫مال الشركية متسياويين كان الربيح بينهميا نصيفين‪ .‬واختلفوا هيل‬
‫يجوز أن يختلف رؤوس أموالهمييا ويسييتويان فييي الربييح؟ فقال‬
‫مالك والشافعييييي‪ :‬ذلك ل يجوز؛ وقال أهييييل العراق‪ :‬يجوز ذلك‪.‬‬
‫وعمدة ميين منييع ذلك أن تشييبيه الربييح بالخسييران‪ ،‬فكمييا أنييه لو‬
‫اشترط أحدهمييا جزءا ميين الخسييران لم يجييز كذلك إذا اشترط‬
‫جزءا من الربح خارجا عن ماله وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار‬
‫الذي بيين الشريكيين‪ :‬أعنيي أن المنفعية بينهميا تكون على نسيبة‬
‫أصل الشركة‪ .‬وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض‪ ،‬وذلك‬
‫أنيه لميا جاز فيي القراض أن يكون للعاميل مين الربيح ميا اصيطلحا‬
‫عليه‪ ،‬والعامل ليس يجعل مقابله إل عمل فقط كان في الشركة‬
‫أحرى أن يجعيل للعميل جزء مين المال إذا كانيت الشركية مال مين‬
‫كل واحد منهما وعمل‪ ،‬فيكون ذلك الجزء من الربح مقابل لفضل‬
‫عمله على عمييل صيياحبه‪ ،‬فإن الناس يتفاوتون فييي العمييل كمييا‬
‫يتفاوتون في غير ذلك‪.‬‬
‫@‪(-‬وأميا الركين الثالث) الذي هيو العميل‪ ،‬فإنيه تابيع كميا قلنيا عنيد‬
‫مالك للمال فل يعتبر بنفسه‪ ،‬وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال؛‬
‫وأظين أن مين العلماء مين ل يجييز الشركية إل أن يكون مالهميا‬
‫متسياويين التفاتيا إلى العميل‪ ،‬فإنهيم يرون أن العميل فيي الغالب‬
‫مسييتو فإذا لم يكيين المال بينهمييا على التسيياوي كان هنالك غبيين‬
‫على أحدهمييا فييي العمييل‪ ،‬ولهذا قال ابيين المنذر‪ :‬أجمييع العلماء‬
‫على جواز الشركية التيي يخرج فيهيا كيل واحيد مين الشريكيين مال‬
‫مثل مال صاحبه من نوعه‪ :‬أعنيي دراهم أو دنانير‪ ،‬ثم يخلطانهما‬
‫حتى يصيرا مال واحدا ل يتميز‪ .‬على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من‬
‫أنواع التجارة‪ ،‬وعلى أن ميا كان مين فضيل فهيو بينهميا بنصيفين‪،‬‬
‫وميا كان مين خسيارة فهيو كذلك‪ ،‬وذلك إذا باع كيل واحيد منهميا‬
‫بحضرة صيياحبه‪ ،‬واشتراطييه هذا الشرط يدل على أن فيييه خلفييا‬
‫والمشهور عند الجهمور أ نه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل‬
‫واحد منهما بحضرة صاحبه‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪*3‬القول في شركة المفاوضة‪.‬‬
‫@‪-‬واختلفوا فييي شركيية المفاوضيية؛ فاتفييق مالك وأبييو حنيفيية‬
‫بالجملة على جوازهيا‪ ،‬وإن كان اختلفوا فيي بعيض شروطهيا؛ وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬ل تجوز‪ .‬ومعنيى شركية المفاوضية أن يفوض كيل واحيد‬
‫من الشريكين إلى صاحبه التصرف فيي ماله ميع غيبتيه وحضوره‪،‬‬
‫وذلك واقيع عندهيم فيي جمييع أنواع الممتلكات‪ .‬وعمدة الشافعيي‬
‫أن اسييم الشركيية إنمييا ينطلق على اختلط الموال‪ ،‬فإن الرباح‬
‫فروع‪ ،‬ول يجوز أن تكون الفروع مشتركييية إل باشتراك أصيييولها؛‬
‫وأميا إذا اشترط كيل واحيد منهميا ربحيا لصياحبه فيي ملك نفسيه‬
‫فذلك من الغرر ومما ل يجوز‪ ،‬وهذه صفة شركة المفاوضة‪ .‬وأما‬
‫مالك فيرى أن كيل واحيد منهميا قيد باع جزءا مين ماله بجزء مين‬
‫مال شريكيه‪ ،‬ثيم وكيل واحيد منهميا صياحبه على النظير فيي الجزء‬
‫الذي بقيي فيي يده‪ .‬والشافعيي يرى أن الشركية ليسيت هيي بيعيا‬
‫ووكالة‪ .‬وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه ل يراعي في‬
‫شركة العنان إل النقد فقط‪ .‬وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة‬
‫ميين شروط هذه الشركيية‪ ،‬فإن أبييا حنيفيية يرى أن ميين شرط‬
‫المفاوضيية التسيياوي فييي رؤوس الموال؛ وقال مالك‪ :‬ليييس ميين‬
‫شرطهييا ذلك تشبيهييا بشركيية العنان؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬ل يكون‬
‫لحدهمييا شيييء إل أن يدخييل فييي الشركيية‪ .‬وعمدتهييم أن اسييم‬
‫المفاوضية يقتضيي هذيين المريين‪ ،‬أعنيي تسياوي الماليين وتعمييم‬
‫ملكهما‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في شركة البدان‪.‬‬
‫@‪-‬وشركة البدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة‪ ،‬ومنع‬
‫منها الشافعي‪ .‬وعمدة الشافعية أن الشركة إنما تختص بالموال‬
‫ل بالعمال‪ ،‬لن ذلك ل ينضبط فهو غرر عندهم‪ ،‬إذ كان عمل كل‬
‫واحد منهما مجهول عند صاحبه‪ .‬وعمدة المالكية اشتراك الغانمين‬
‫في الغنيمة‪ ،‬وهم إنما استحقوا ذلك بالعمل‪ .‬وما روي من أن ابن‬
‫مسيعود شارك سيعدا يوم بدر‪ ،‬فأصياب سيعد فرسيين ولم يصيب‬
‫ابين مسيعود شيئا‪ ،‬فلم ينكير النيبي صيلى الله علييه وسيلم عليهميا‪.‬‬
‫وأيضيا فإن المضاربية إنميا تنعقيد على العميل فجاز أن تنعقيد علييه‬
‫الشركية؛ وللشافعيي أن المفارضية خارجية عين الصيول فل يقاس‬
‫عليهيا‪ ،‬وكذلك يشبيه أن يكون حكيم الغنيمية خارجيا عين الشركية؛‬
‫وميين شرطهييا عنييد مالك اتفاق الصيينعتين والمكان؛ وقال أبييو‬
‫حنيفييييية‪ :‬تجوز ميييييع اختلف الصييييينعتين‪ ،‬فيشترك عنده الدباغ‬
‫والقصيار‪ ،‬ول يشتركان عنيد مالك‪ .‬وعمدة مالك زيادة الغرر الذي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يكون عند اختلف الصنعتين أو اختلف المكان‪ .‬وعمدة أبي حنيفة‬
‫جواز الشركة على العمل‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في شركة الوجوه‪.‬‬
‫@‪-‬وشركية الوجوه عنيد مالك والشافعيي باطلة؛ وقال أبيو حنيفية‪:‬‬
‫جائزة‪ .‬وهذه الشركية هيي الشركية على الذميم مين غيير صينعة ول‬
‫مال‪ .‬وعمدة مالك والشافعيي أن الشركية إنميا تتعلق على المال‬
‫أو على العميل‪ ،‬وكلهميا معدومان فيي هذه المسيألة ميع ميا فيي‬
‫ذلك مين الغرر‪ ،‬لن كيل واحيد منهميا عاوض صياحبه بكسيب غيير‬
‫محدود بصيناعة ول عميل مخصيوص؛ وأبيو حنيفية يعتميد أنيه عميل‬
‫من العمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في أحكام الشركة الصحيحة‪.‬‬
‫@‪-‬وهييي ميين العقود الجائزة ل ميين العقود اللزميية‪ :‬أي لحييد‬
‫الشريكييين أن ينفصييل ميين الشركيية متييى شاء‪ ،‬وهييي عقييد غييير‬
‫موروث‪ ،‬ونفقتهمييا وكسييوتهما ميين مال الشركيية إذا تقاربييا فييي‬
‫العيال ولم يخرجييا عيين نفقيية مثلهمييا ويجوز لحييد الشريكييين أن‬
‫يبضييع وأن يقارض وأن يودع إذا دعييت إلى ذلك ضرورة‪ ،‬ول يجوز‬
‫له أن يهيب شيئا مين مال الشركية‪ ،‬ول أن يتصيرف فييه إل تصيرفا‬
‫يرى أنه نظر لهما؛ وأما من قصر في شيء أو تعدى فهو ضامن‬
‫مثييل أن يدفييع مال ميين التجارة فل يشهييد وينكره القابييض‪ ،‬فإنييه‬
‫يضمين لنيه قصير إذ لم يشهيد‪ ،‬وله أن يقبيل الشييء المعييب فيي‬
‫الشراء وإقرار أحيد الشريكيين فيي مال لمين يتهيم علييه ل يجوز‪،‬‬
‫وتجوز إقالته وتوليته‪ ،‬ول يضمن أحد الشريكين ما ذهب من مال‬
‫التجارة باتفاق‪ ،‬ول يجوز للشريييييك المفاوض أن يقارض غيره إل‬
‫بإذن شريكيه ويتنزل كيل واحيد منهميا منزلة صياحبه فيميا له وفيميا‬
‫عليه في مال التجارة‪ ،‬وفروع هذا الباب كثيرة‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وعلى‬
‫آله وصحبه وسلم)‬
‫*‪*2‬كتاب الشفعة‬
‫@‪-‬والنظير فيي الشفعية أول قسيمين‪ :‬القسيم الول‪ :‬فيي تصيحيح‬
‫هذا الحكم وفي أركانه‪ .‬القسم الثاني‪ :‬في أحكامه‪.‬‬
‫*‪(*3‬القسم الول)‬
‫@‪-‬فأميا وجوب الحكيم بالشفعية‪ ،‬فالمسيلمون متفقون علييه‪ ،‬لميا‬
‫ورد فيي ذلك مين الحادييث الثابتية‪ ،‬إل ميا يتأميل على مين ل يرى‬
‫شق ص وال َّ‬
‫شقِييص‪:‬‬
‫بييع الشقيص المشاع [قال فيي النهايية‪ ... :‬ال ّ ِ‬
‫ُي‬
‫م ْ‬
‫شتركيية ميين كييل شيييء‪ .‬دار الحديييث]‪،‬‬
‫النصييي ُ‬
‫ب فييي العييين ال ُ‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وأركانهيا أربعية‪ :‬الشافيع‪ ،‬والمشفوع علييه‪ ،‬والمشفوع فييه‪ ،‬وصيفة‬
‫الخذ بالشفعة‪.‬‬
‫*‪(*4‬الركين الول) وهيو الشافيع‪ ،‬وذهيب مالك والشافعيي وأهيل‬
‫المدينيية إلى أن ل شفعيية إل للشريييك مييا لم يقاسييم؛ وقال أهييل‬
‫العراق‪ :‬الشفعية مرتبية‪ ،‬فأولى الناس بالشفعية الشرييك الذي لم‬
‫يقاسم‪ ،‬ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن‬
‫شركية‪ ،‬ثم الجار الملصيق؛ وقال أهل المدينة‪ :‬ل شفعية للجار ول‬
‫للشرييك المقاسيم‪ .‬وعمدة أهيل المدينية مرسيل مالك عين ابين‬
‫شهاب عين أبيي سيلمة بين عبيد الرحمين وسيعيد بين المسييب أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في ما لم يقسم‬
‫بيين الشركاء‪ ،‬فإذا وقعيت الحدود بينهيم فل شفعية‪ ،‬وحدييث جابر‬
‫أيضيا "أن رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم قضيى بالشفعية فيميا‬
‫لم يقسم‪ ،‬فإذا وقعت الحدود فل شفعة" خرجه مسلم والترمذي‬
‫وأبيو داود‪ .‬وكان أحميد بين حنبيل يقول‪ :‬حدييث معمير عين الزهري‬
‫عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أصح ما روي في الشفعة‪ .‬وكان‬
‫ابين معيين يقول‪ :‬مرسيل مالك أحيب إلي‪ ،‬إذ كان مالك إنميا رواه‬
‫عين ابين شهاب موقوفيا‪ ،‬وقيد جعيل قوم هذا الختلف على ابين‬
‫شهاب في إسناده توهينا له‪ ،‬وقد روي عن مالك في غير الموطأ‬
‫عن ابن شهاب عن أبي هريرة‪ ،‬ووجه استدللهم من هذا الثر ما‬
‫ذكير فييه مين أنيه إذا وقعيت الحدود فل شفعية‪ ،‬وذلك أنيه إذا كانيت‬
‫الشفعيية غييير واجبيية للشريييك المقاسييم‪ ،‬فهييي أحرى أن ل تكون‬
‫واجبيية للجار‪ ،‬وأيضييا فإن الشريييك المقاسييم هييو جار إذا قاسييم‪.‬‬
‫وعمدة أهل العراق حديث رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أنييه قال "الجار أحييق بصييقبه" وهييو حديييث متفييق عليييه‪ ،‬وخرج‬
‫الترمذي وأبيو داود عنيه علييه الصيلة والسيلم أنيه قال "جار الدار‬
‫أحيق بدار الجار" وصيححه الترمذي ومين طرييق المعنيى لهيم أيضيا‬
‫أنه لما كانت الشفعة إنما المق صود منها دفع الضرر الداخل من‬
‫الشركية‪ ،‬وكان هذا المعنيى موجودا فيي الجار وجيب أن يلحيق بيه؛‬
‫ولهيل المدينية أن يقولوا‪ :‬وجود الضرر فيي الشركية أعظيم منيه‬
‫فييي الجوار‪ .‬وبالجملة فعمدة المالكييية أن الصييول تقتضييي أن ل‬
‫يخرج ملك أحد من يده إل برضاه‪ ،‬وأن من اشترى شيئا فل يخرج‬
‫من يده إل برضاه حتى يدل الدليل على التخصيص‪ ،‬وقد تعارضت‬
‫الثار في هذا الباب‪ ،‬فوجب أن يرجح ما شهدت له الصول‪ ،‬ولكل‬
‫القولين سلف متقدم لهل العراق من التابعين لهل المدينة من‬
‫الصحابة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪(*4‬الركين الثانيي) وهيو المشفوع فييه‪ ،‬اتفيق المسيلمون على أن‬
‫الشفعية واجبية فيي الدور والعقار والرضيين كلهيا‪ ،‬واختلفوا فيميا‬
‫سييوى ذلك‪ ،‬فتحصيييل مذهييب مالك أنهييا فييي ثلثيية أنواع‪ :‬احدهييا‬
‫مقصيود‪ ،‬وهيو العقار مين الدور والحوانييت والبسياتين‪ .‬والثانيي ميا‬
‫يتعلق بالعقار مما هو ثابت ل ينقل ول يحول‪ ،‬وذلك كالبئر ومحال‬
‫النخل‪ ،‬ما دام الصل فيها على صفة تجب فيها الشفعة عنه‪ ،‬وهو‬
‫أن يكون الصيل الذي هيو الرض مشاعيا بينيه وبيين شريكيه غيير‬
‫مقسيم‪ ،‬والثالث ميا تعلق بهذه كالثمار‪ ،‬وفيهيا عنيه خلف‪ ،‬وكذلك‬
‫كراء الرض للزرع وكتابة المكاتب‪ .‬واختلف عنه في الشفعة في‬
‫الحمام والرحا‪ ،‬وأما ما عدا هذا من العروض والحيوان فل شفعة‬
‫فيهييا عنده‪ ،‬وكذلك ل شفعيية عنده فييي الطريييق ول فييي عرصيية‬
‫الدار‪ .‬واختلف عنيه فيي أكريية الدور وفيي المسياقاة وفيي الديين‪،‬‬
‫هيل يكون الذي علييه الديين أحيق بيه‪ ،‬وكذلك الذي علييه الكتابية‪،‬‬
‫وبيه قال عمير بين عبيد العزييز‪ .‬وروى "أن رسيول الله صيلى الله‬
‫عليييه وسييلم قضييى بالشفعيية فييي الدييين" وبييه قال أشهييب ميين‬
‫أصحاب مالك؛ وقال ابن القاسم‪ :‬ل شفعة في الدين‪ .‬ولم يختلفا‬
‫فيي إيجابهيا فيي الكتابية لحرمية العتيق‪ ،‬وفقهاء المصيار على أن ل‬
‫شفعية إل فيي العقار فقيط‪ .‬وحكيي عين قوم أن الشفعية فيي كيل‬
‫شييء ميا عدا المكييل والموزون؛ ولم يجيز أبيو حنيفية الشفعية فيي‬
‫البئر والفحيل‪ ،‬وأجازهيا فيي العرصية والطرييق؛ ووافيق الشافعيي‬
‫مالكيا فيي العرصية وفيي الطرييق وفيي البئر‪ ،‬وخالفاه جميعيا فيي‬
‫الثمار‪ .‬وعمدة الجمهور في قصر الشفعة على العقار ما ورد في‬
‫الحدييث الثابيت مين قوله علييه الصيلة والسيلم "الشفعية فيميا لم‬
‫يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فل شفعة" فكأنه قال‪:‬‬
‫الشفعة فيما تمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم‪ ،‬وهذا استدلل‬
‫بدلييل الخطاب‪ ،‬وقيد أجميع علييه فيي هذا الموضيع فقهاء المصيار‬
‫ميع اختلفهيم فيي صيحة السيتدلل بيه‪ .‬وأميا عمدة مين أجازهيا فيي‬
‫كيل شييء فميا خرجيه الترمذي عين ابين عباس "أن رسيول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم قال "الشرييك شفييع والشفعية فيي كيل‬
‫شييء" ولن معنيى ضرر الشركية والجوار موجود كيل شييء وإن‬
‫كان فيي العقار أظهير؛ ولميا لحيظ هذا مالك أجرى ميا يتبيع العقار‬
‫مجرى العقار‪ .‬واسيتدل أبيو حنيفية على منيع الشفعية فيي البئر بميا‬
‫روى "ل شفعة في بئر" ومالك حمل هذا الثر على آبار الصحاري‬
‫التي تعمل في الرض الموات‪ ،‬ل التي تكون في أرض متمكلة‪.‬‬
‫*‪(*4‬الركن الثالث) وأما المشفوع عليه فإنهم اتفقوا على أنه من‬
‫انتقيل إلييه الملك بشراء مين شرييك غيير مقاسيم أو مين جار عنيد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ميين يرى الشفعيية للجار‪ .‬واختلفوا فيميين انتقييل إليييه الملك بغييير‬
‫شراء‪ ،‬فالمشهور عند مالك‪ .‬أن الشفعة إنما تجب إذا كان انتقال‬
‫الملك بعوض كالبيييع والصييلح والمهيير وأرش الجنايات وغييير ذلك‪،‬‬
‫وبيه قال الشافعيي؛ وعنيه روايية ثانيية أنهيا تجيب بكيل ملك انتقيل‬
‫بعوض أو بغييير عوض‪ ،‬كالهبيية لغييير الثواب والصييدقة‪ ،‬مييا عدا‬
‫الميراث فإنييه ل شفعيية عنييد الجميييع فيييه باتفاق‪ .‬وأمييا الحنفييية‬
‫فالشفعيية عندهييم فييي المييبيع فقييط‪ ،‬وعمدة الحنفييية ظاهيير‬
‫الحادييث‪ ،‬وذلك أن مفهومهيا يقتضيي أنهيا فيي الميبيعات بيل ذلك‬
‫نص فيها ل في بعضها فل يبع حتى يستأذن شريكه‪ .‬وأما المالكية‬
‫فرأت أن كل ما انتقل بعوض فهو في معنى البيع‪ ،‬ووجه الرواية‬
‫الثانية أنها اعتبرت الضرر فقط‪ .‬وأما الهبة للثواب فل شفعة فيها‬
‫عنيد أبيي حنيفية ول الشافعيي؛ وأميا أبيو حنيفية فلن الشفعية عنده‬
‫فييي المييبيع‪ ،‬وأمييا الشافعييي فلن هبيية الثواب عنده باطلة‪ ،‬وأمييا‬
‫مالك فل خلف عنده وعنيد أصيحابه فيي أن الشفعية فيهيا واجبية‪.‬‬
‫واتفيق العلماء على أن الميبيع الذي بالخيار أنيه إذا كان الخيار فييه‬
‫للبائع أن الشفعة ل تجب حتى يجب البيع‪ .‬واختلفوا إذا كان الخيار‬
‫للمشتري؟ فقال الشافعيي والكوفيون‪ :‬الشفعية واجبية علييه لن‬
‫شق ص وال َّ‬
‫شق ِيص‪:‬‬
‫البائع قد صرم الشقص [قال في النهاية‪ ... :‬ال ّ ِ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫شتركية مين كيل شييء‪ .‬دار الحدييث] عين‬
‫النصيي ُ‬
‫ب فيي العيين ال ُ‬
‫ملكه وأبانه منه‪ ،‬وقيل إن الشفعة غير واجبة عليه لنه غير ضامن‬
‫وبييه قال جماعيية ميين أصييحاب مالك‪ .‬واختلف فييي الشفعيية فييي‬
‫المسيياقاة‪ ،‬وهييي تبديييل أرض بأرض‪ ،‬فعيين مالك فييي ذلك ثلث‬
‫روايات‪ :‬الجواز‪ ،‬والمنييع‪ ،‬والثالث أن تكون المناقلة بييين الشراك‬
‫والجانب فلم يرها في الشراك ورآها في الجانب‪.‬‬
‫*‪(*4‬الركين الرابيع فيي الخيذ بالشفعية) والنظير فيي هذا الركين‬
‫بماذا يأخذ الشفيع‪ ،‬وكم يأخذ‪ ،‬ومتى يأخذ؟ فإنهم اتفقوا على أنه‬
‫يأخييذ فييي البيييع بالثميين إذا كان حال؛ واختلفوا إذا كان البيييع إلى‬
‫أجيل هيل يأخذه الشفييع بالثمين إلى ذلك الجيل‪ ،‬أو يأخيذ الميبيع‬
‫بالثمين حال‪ ،‬وهيو مخيير؟ فقال مالك‪ :‬يأخذه بذلك الجيل إذا كان‬
‫ملييا أو يأتيي بضامين ملييء‪ ،‬وقال الشافعيي‪ :‬الشفييع مخيير‪ ،‬فإن‬
‫عجيل تعجلت الشفعية وإل تتأخير إلى وقيت الجيل‪ ،‬وهيو نحيو قول‬
‫الكوفيييين؛ وقال الثوري ل يأخذهييا إل بالنقييد لنهييا قييد دخلت فييي‬
‫ضمان الول‪ ،‬قال‪ :‬ومنيا مين يقول تبقيى فيي ييد الذي باعهيا‪ ،‬فإن‬
‫بلغ الجيييل أخذهيييا الشفييييع‪ .‬والذيييين رأوا الشفعييية فيييي سيييائر‬
‫المعاوضات ممييا ليييس بييبيع‪ ،‬فالمعلوم عنهييم أنييه يأخييذ الشفعيية‬
‫بقيميية الشقييص إن كان العوض ممييا ليييس يتقدر‪ ،‬مثييل أن يكون‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫معطيى فيي خلع‪ .‬وإميا أن يكون معطيى فيي شييء يتقدر ولم يكين‬
‫دنانيير ول دراهيم ول بالجملة مكيل ول موزونيا‪ ،‬فإنيه يأخذه بقيمية‬
‫ذلك الشيء الذي دفع الشقص فيه؛ وإن كان ذلك الشيء محدود‬
‫القدر بالشرع أخيييذ ذلك الشقيييص بذلك القدر‪ ،‬مثيييل أن يدفيييع‬
‫الشقييص فييي موضحيية وجبييت عليييه أو منقلة‪ ،‬فإنييه يأخذه بدييية‬
‫الموضحة أو المنقلة‪ .‬وأما كم يأخذ؟ فإن الشفيع ل يخلو أن يكون‬
‫واحدا أو أكثيير‪ ،‬والمشفوع عليييه أيضييا ل يخلو أن يكون واحدا أو‬
‫أكثير‪ .‬فأميا أن الشفييع واحيد والمشفوع علييه واحدا فل خلف فيي‬
‫أن الواجييب على الشفيييع أن يأخييذ الكييل أو يدع‪ ،‬وأمييا إذا كان‬
‫المشفوع علييه واحدا والشفعاء أكثير مين واحيد فإنهيم اختلفوا مين‬
‫ذلك في موضعين‪ :‬أحدهما في كيفية قسمة المشفوع فيه بينهم‪.‬‬
‫والثاني إذا اختلفت أسباب شركتهم هل يحجب بعضهم بعضا عن‬
‫الشفعيية أم ل؟ مثييل أن يكون بعضهييم شركاء فييي المال الذي‬
‫ورثوه‪ ،‬لنهم أهل سهم واحد‪ ،‬وبعضهم لنهم عصبة‪.‬‬
‫@‪(-‬فأميا المسيألة الولى) وهيي كيفيية توزييع المشفوع فييه‪ ،‬فإن‬
‫مالكيا والشافعيي وجمهور أهيل المدينية يقولون‪ :‬إن المشفوع فييه‬
‫يقتسيمونه بينهيم على قدر حصيصهم‪ ،‬فمين كان نصييبه مين أصيل‬
‫المال الثلث مثل أخيذ مين الشقيص بثلث الثمين‪ ،‬ومين كان نصييبه‬
‫الربييع أخييذ الربييع‪ .‬وقال الكوفيون‪ :‬هييي على عدد الرؤوس على‬
‫السييواء‪ ،‬وسييواء فييي ذلك الشريييك ذو الحييظ الكييبر وذو الحييظ‬
‫الصيغر‪ .‬وعمدة المدنييين أن الشفعية حيق يسيتفاد وجوبيه بالملك‬
‫المتقدم‪ ،‬فوجيب أن يتوزع على مقدار الصيل‪ ،‬أصيله الكريية فيي‬
‫المسيتأجرات المشتركية والربيح فيي شركية الموال؛ وأيضيا فإن‬
‫الشفعة إنما هي لزالة الضرر‪ ،‬والضرر داخل على كل واحد منهم‬
‫على غيير اسيتواء‪ ،‬لنيه إنميا يدخيل على كيل واحيد منهيم بحسيب‬
‫حصييته‪ ،‬فوجييب أن يكون اسييتحقاقهم لدفعييه على تلك النسييبة‪.‬‬
‫وعمدة الحنفيييية أن وجوب الشفعييية إنميييا يلزم بنفيييس الملك‬
‫فيسييتوفي ذلك أهييل الحظوظ المختلفيية لسييتوائهم فييي نفييس‬
‫الملك‪ ،‬وربميا شبهوا ذلك بالشركاء فيي العبيد يعتيق بعضهيم نصييبه‬
‫أنه يقوم على المعتقين على السوية‪ :‬أعني حظ من لم يعتق‪.‬‬
‫@‪(-‬وأما المسألة الثانية) فإن الفقهاء اختلفوا في دخول الشراك‬
‫الذين هم عصبة في الشفعة مع الشراك الذين شركتهم من قبل‬
‫السيهم الواحيد فقال مالك‪ :‬أهيل السيهم الواحيد أحيق بالشفعية إذا‬
‫باع أحدهم من الشراك معهم في المال من قبل التعصيب‪ ،‬وأنه‬
‫ل يدخييل ذو العصييبة فييي الشفعيية على أهييل السييهام المقدرة‬
‫ويدخييل ذوو السييهام على ذوي التعصيييب‪ ،‬مثييل أن يموت ميييت‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيترك عقارا ترثييه عنييه بنتان وابنييا عييم ثييم تييبيع البنييت الواحدة‬
‫حظها‪ ،‬فإن البنت الثانية عند مالك هي التي تشفع في ذلك الحظ‬
‫الذي باعتيه أختهيا فقيط دون ابنيي العيم‪ ،‬وإن باع أحيد ابنيي العيم‬
‫نصييبه يشفيع فييه البنات وابين العيم الثانيي‪ ،‬وبهذا القول قال ابين‬
‫القاسيم‪ ،‬وقال أهيل الكوفية‪ :‬ل يدخيل ذوو السيهام على العصيبات‬
‫ول العصبات على ذوي السهام‪ ،‬ويتشافع أهل السهم الواحد فيما‬
‫بينهيم خاصية‪ ،‬وبيه قال أشهيب‪ ،‬وقال الشافعيي فيي أحيد قولييه‪:‬‬
‫يدخيل ذوو السيهام على العصيبات والعصيبات على ذوي السيهام‪،‬‬
‫وهييو الذي اختاره المزنييي‪ ،‬وبييه قال المغيرة ميين أصييحاب مالك‪.‬‬
‫وعمدة مذهييب الشافعييي عموم قضائه صييلى الله عليييه وسييلم‬
‫بالشفعية بيين الشركاء‪ ،‬ولم يفصيل ذوي سيهم مين عصيبة‪ .‬ومين‬
‫خصيص ذوي السيهام من العصيبات فلنيه رأى أن الشركية مختلفية‬
‫السيباب‪ :‬أعني بين ذوي السهام وبين العصبات فشبه الشركات‬
‫المختلفية السيباب بالشركات المختلفية مين قبيل محالهيا الذي هيو‬
‫المال بالقسيمة بالموال‪ .‬ومين أدخيل ذوي السيهام على العصيبة‬
‫ولم يدخيل العصيبة على ذوي السيهام فهيو اسييتحسان على غيير‬
‫قياس‪ ،‬ووجييه السييتحسان أنييه رأى أن ذوي السييهام أقعييد ميين‬
‫العصيبة‪ .‬وأميا إذا كان المشفوع عليهميا اثنيين فأكثير فأراد الشفييع‬
‫أن يشفييع على أحدهمييا دون الثانييي‪ ،‬فقال ابيين القاسييم‪ :‬إمييا أن‬
‫يأخيذ الكيل أو يدع؛ وقال أبيو حنيفية وأصيحابه والشافعيي‪ :‬له أن‬
‫يشفييع على أيهمييا أحييب‪ ،‬وبييه قال أشهييب‪ .‬فأمييا إذا باع رجلن‬
‫شقصييا ميين رجييل‪ ،‬فأراد الشفيييع أن يشفييع على أحدهمييا دون‬
‫الثانيي‪ ،‬فإن أبيا حنيفية منيع ذلك‪ ،‬وجوزه الشافعيي‪ .‬وأميا إذا كان‬
‫الشافعون أكثر من واحد‪ :‬أعني الشراك‪ ،‬فأراد بعضهم أن يشفع‬
‫وسيييلم له الباقيييي فيييي البيوع‪ ،‬فالجمهور على أن للمشتري أن‬
‫يقول للشريك إما أن تشفع في الجميع أو تترك‪ ،‬وأنه ليس له أن‬
‫يشفع بحسب حظه إل أن يوافقه المشتري على ذلك‪ ،‬وأنه ليس‬
‫له أن يبعيض الشفعية على المشتري إن لم يرض بتبعيضهيا‪ .‬وقال‬
‫أصبغ من أصحاب مالك‪ :‬إن كان ترك بعضهم الخذ بالشفعة رفقا‬
‫بالمشتري لم يكن للشفيع إل أن يأخذ حصته فقط‪ .‬ول خلف في‬
‫مذهييب مالك أنييه إذا كان بعييض الشفعاء غائبييا وبعضهييم حاضرا‪،‬‬
‫فأراد الحاضير أن يأخيذ حصيته فقيط أنيه لييس له ذلك‪ ،‬إل أن يأخيذ‬
‫الكيييييل أو يدع‪ ،‬فإذا قدم الغائب فإن شاء أخيييييذ وإن شاء ترك‪.‬‬
‫واتفقوا على أن مييين شرط الخيييذ بالشفعييية أن تكون الشركييية‬
‫متقدمية على البييع‪ .‬واختلفوا هيل مين شرطهيا أن تكون موجودة‬
‫في حال البيع‪ ،‬وأن تكون ثابتة قبل البيع؟‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫@‪(-‬فأما المسألة الولى) وهي إذا لم يكن شريكا في حال البيع‪،‬‬
‫وذلك يتصيور بأن يكون يتراخيى عين الخيذ بالشفعية بسيبب مين‬
‫السيباب التيي ل يقطيع له الخيذ بالشفعية حتيى ييبيع الحيظ الذي‬
‫كان بييه شريكييا‪ .‬فروى أشهييب أن قول مالك اختلف فييي ذلك‪،‬‬
‫فمرة قال‪ :‬له الخييذ بالشفعيية‪ ،‬ومرة قال‪ :‬ليييس له ذلك؛ واختار‬
‫أشهب أنه ل شفعة له‪ ،‬وهو قياس قول الشافعي والكوفيين‪ ،‬لن‬
‫المقصيود بالشفعية إنميا هيو إزالة الضرر مين جهية الشركية‪ ،‬وهذا‬
‫لييس بشرييك‪ .‬وقال ابين القاسيم‪ :‬له الشفعية إذا كان قياميه فيي‬
‫أثره‪ ،‬لنه يرى أن الحق الذي وجب له لم يرتفع ببيعه حظه‪.‬‬
‫@‪(-‬وأما المسألة الثانية) فصورتها أن يستحق إنسان شقصا في‬
‫أرض قد بيع منها قبل وقت الستحقاق شقص ما‪ ،‬هل له أن يأخذ‬
‫بالشفعية أم ل؟ فقال قوم‪ :‬له ذلك‪ ،‬لنيه وجبيت له الشفعية بتقدم‬
‫شركتيه قبيل البييع‪ ،‬ول فرق فيي ذلك كانيت يده علييه أو لم تكين؛‬
‫وقال قوم‪ :‬ل تجب له الشفعة‪ ،‬لنه إنما ثبت له مال الشركة يوم‬
‫السيتحقاق‪ ،‬قالوا‪ :‬أل ترى أنيه ل يأخيذ الغلة مين المشتري؛ فأميا‬
‫مالك فقال‪ :‬إن طال الزمان فل شفعيييية‪ ،‬وإن لم يطييييل ففيييييه‬
‫الشفعية‪ ،‬وهيو اسيتحسان‪ .‬وأميا متيى يأخيذ وهيو له الشفعية؟ فإن‬
‫الذي له الشفعيية رجلن حاضيير أو غائب‪ .‬فأمييا الغائب فأجمييع له‬
‫العلماء على أن الغائب على شفعتييه مييا لم يعلم بييبيع شريكييه؛‬
‫واختلفوا إذا علم وهييو غائب؛ فقال قوم‪ :‬تسييقط شفعتييه؛ وقال‬
‫قوم‪ :‬ل تسيقط‪ ،‬وهيو مذهيب مالك‪ ،‬والحجية له ميا روي عين النيبي‬
‫صييلى الله عليييه وسييلم ميين حديييث جابر أنييه قال "الجار أحييق‬
‫بصييقبه" أو قال "بشفعتييه ينتظيير بهييا إذا كان غائبييا" وأيضييا فإن‬
‫الغائب فييي الكثيير معوق عيين الخييذ بالشفعيية‪ ،‬فوجييب عذره‪.‬‬
‫وعمدة الفرييق الثانيي أن سيكوته ميع العلم قرينية تدل على رضاه‬
‫بإسيقاطها‪ .‬وأميا الحاضير‪ ،‬فإن الفقهاء اختلفوا فيي وقيت وجوب‬
‫الشفعية له‪ ،‬فقال الشافعيي وأ بو حنيفية‪ :‬هيي واجبية له على الفور‬
‫بشرط العلم وإمكان الطلب‪ ،‬فإن علم وأمكييييييييين الطلب‪ ،‬ولم‬
‫يطلب بطلت شفعتيه‪ ،‬إل أن أبيا حنيفية قال‪ :‬إن أشهيد بالخيذ لم‬
‫تبطيل وإن تراخى‪ .‬وأ ما مالك فليست عنده على الفور‪ ،‬بل وقيت‬
‫وجوبها متسع‪ ،‬واختلف قوله في هذا الوقت هل هو محدود أم ل؟‬
‫فمرة قال‪ :‬هو غير محدود وأنها ل تنقطع أبدا إل أن يحدث المبتاع‬
‫بناء أو تغييرا كثيرا بمعرفتيه وهيو حاضير عالم سياكت؛ ومرة حدد‬
‫هذا الوقيت‪ ،‬فروى عنيه السينة وهيو الشهير‪ ،‬وقييل أكثير مين سينة‪،‬‬
‫وقيد قييل عنيه إن الخمسية أعوام ل تنقطيع فيهيا الشفعية‪ .‬واحتيج‬
‫الشافعيي بميا روي أنيه علييه الصيلة والسيلم قال "الشفعية كحيل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العقال" وقيد روي عن الشافعيي أن أمدهيا ثلثة أيام‪ .‬وأ ما من لم‬
‫يسقط الشفعة بالسكوت واعتمد على أن السكوت ل يبطل حق‬
‫امرئ مسلم ما لم يظهر من قرائن أحواله ما يدل على إسقاطه‪،‬‬
‫وكان هذا أشبيه بأصييول الشافعييي‪ ،‬لن عنده أنيه ليييس يجييب أن‬
‫ينسييب إلى سيياكت قول قائل‪ ،‬وإن اقترنييت بييه أحوال تدل على‬
‫رضاه‪ ،‬ولكنيه فيميا أحسيب اعتميد الثير‪ ،‬فهذا هيو القول فيي أركان‬
‫الشفعة وشروطها المصححة لها وبقي القول في الحكام‪.‬‬
‫*‪*3‬القسم الثاني القول في أحكام الشفعة‪.‬‬
‫@‪-‬وهذه الحكام كثيرة‪ ،‬ولكين نذكير منهيا ميا اشتهير فييه الخلف‬
‫بين فقهاء المصار‪ ،‬ف من ذلك اختلفهم فيي ميراث حق الشفعة‪،‬‬
‫فذهييب الكوفيون إلى أنييه ل يورث كمييا أنييه ل يباع؛ وذهييب مالك‬
‫والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة قياسا على الموال وقد‬
‫تقدم‪ .‬سيبب الخلف فيي هذه المسيائل فيي مسيألة الرد بالعييب‪،‬‬
‫ومنها اختلفهم في عهدة الشفيع هل هي على المشتري أو على‬
‫البائع؟ فقال مالك والشافعي‪ :‬هي على المشتري؛ وقال ابن أبي‬
‫ليلى‪ :‬هيييي على البائع‪ .‬وعمدة مالك أن الشفعييية إنميييا وجبيييت‬
‫للشريييك بعييد حصييول ملك المشتري وصييحته‪ ،‬فوجييب أن تكون‬
‫عليييه العهدة‪ .‬وعمدة الفريييق الخيير أن الشفعيية إنمييا وجبييت‬
‫للشرييك بنفيس البييع‪ ،‬فطروؤهيا على البييع فسيخ له وعقيد لهيا‪.‬‬
‫وأجمعوا على أن القالة ل تبطيل الشفعية مين رأى أنهيا بييع‪ ،‬ومين‬
‫رأى أنهييا فسييخ‪ :‬أعنييي القالة‪ .‬واختلف أصييحاب مالك على ميين‬
‫عهدة الشفيييع فييي القالة؟ فقال ابيين القاسييم‪ :‬على المشتري؛‬
‫وقال أشهيب‪ :‬هيو مخيير‪ .‬ومنهيا اختلفهيم إذا أحدث المشتري بناء‬
‫أو غرسييا أو مييا يشبييه فييي الشقييص قبييل قيام الشفيييع‪ ،‬ثييم قام‬
‫الشفييييع يطلب شفعتيييه‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل شفعييية إل أن يعطيييي‬
‫المشتري قيمة ما بنى وما غرس؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة‪ :‬هو‬
‫متعييد وللشفيييع أن يعطيييه قيميية بنائه مقلوعييا أو يأخذه بنقضييه‪.‬‬
‫والسبب في اختلفهم تردد تصرف المشفوع عليه العالم بوجوب‬
‫الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذي‬
‫يطرأ عليييه السييتحقاق وقييد بنييي فييي الرض وغرس‪ ،‬وذلك أنييه‬
‫وسط بينهما‪ ،‬فمن غلب عليه شبه الستحقاق لم يكن له أن يأخذ‬
‫القيمية‪ ،‬ومين غلب علييه شبيه التعدي قال‪ :‬له أن يأخذه بنقضيه أو‬
‫يعطييييه قيمتيييه منقوضيييا‪ .‬ومنهيييا اختلفهيييم إذا اختلف المشتري‬
‫والشفيع في مبلغ الثمن‪ ،‬فقال المشتري‪ :‬اشتريت الشقص بكذا‪،‬‬
‫وقال الشفيع‪ :‬بل اشتريته بأقل‪ ،‬ولم يكن لواحد منهما بينة‪ ،‬فقال‬
‫جمهور الفقهاء‪ :‬القول قول المشتري‪ ،‬لن الشفيييييييييييييييع مدع‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫والمشفوع عليييه مدعييى عليييه وخالف فييي ذلك بعييض التابعييين‬
‫فقالوا‪ :‬القول قول الشفييييع‪ ،‬لن المشتري قيييد أقييير له بوجوب‬
‫الشفعية وادعيى علييه مقدارا مين الثمين لم يعترف له بيه‪ .‬وأميا‬
‫أصييحاب مالك فاختلفوا فييي هذه المسييألة‪ ،‬فقال ابيين القاسييم‪:‬‬
‫القول قول المشتري إذا أتيى بميا يشبيه باليميين‪ ،‬فإن أتيى بميا ل‬
‫يشبه فالقول قول الشفيع وقال أشهب‪ :‬إذا أتى بما يشبه فالقول‬
‫قول المشتري بل يميين وفيميا ل يشبيه باليميين‪ .‬وحكيي عين مالك‬
‫أنيه قال‪ :‬إذا كان المشتري ذا سيلطان يعلم بالعادة أنيه يزييد فيي‬
‫الثمين قبيل قول المشتري بغيير يميين وقييل إذا أتيى المشتري بميا‬
‫ل يشبيه رد الشفييع إلى القيمية‪ ،‬وكذلك فيميا أحسيب إذا أتيى كيل‬
‫واحيد منهميا بميا ل يشبيه‪ .‬واختلفوا إذا أتيى كيل واحيد منهميا ببينية‬
‫وتسيياوت العدالة فقال ابيين القاسييم يسييقطان معييا ويرجييع إلى‬
‫الصييل ميين أن القول قول المشتري مييع يمينييه‪ .‬وقال أشهييب‪:‬‬
‫البينة بينة المشتري لنها زادت علما‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القسمة‪.‬‬
‫@‪-‬والصيييل فيييي هذا الكتاب قوله {وإذا حضييير القسيييمة أولوا‬
‫القربييى} وقوله {ممييا قييل منييه أو كثيير نصيييبا مفروضييا} وقول‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما دار قسمت في الجاهلية‬
‫فهيي على قسيم الجاهليية وأيميا دار أدركهيا السيلم ولم تقسيم‬
‫فهيي على قسيم السيلم" والنظير فيي هذا الكتاب فيي القاسيم‬
‫والمقسيوم علييه والقسمة والنظير فيي القسيمة فيي أبواب‪ .‬الباب‬
‫الول‪ :‬فيي أنواع القسيمة‪ .‬الثانيي‪ :‬فيي تعييين محيل نوع نوع مين‬
‫أنواعها‪ :‬أعني ما يقبل القسمة وما ل يقبلها‪ ،‬وصفة القسمة فيها‬
‫وشروطها أعني فيما يقبل القسمة‪ .‬الثالث‪ :‬في معرفة أحكامها‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في أنواع القسمة‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي القسيمة ينقسيم أول إلى قسيمين‪ :‬قسيمة رقاب‬
‫الموال‪ .‬والثاني‪ :‬منافع الرقاب‪.‬‬
‫(القسم الول من هذا الباب) فأما قسمة الرقاب التي ل تكال ول‬
‫توزن‪ ،‬فتنقسم بالجملة إلى ثلثة أقسام‪ :‬قسمة قرعة بعد تقويم‬
‫وتعديل‪ .‬وقسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل‪ .‬وقسمة مراضاة بغير‬
‫تقويم ول تعديل‪ .‬وأما ما يكال أو يوزن فبالكيل والوزن‪.‬‬
‫(القسم الثاني) وأما الرقاب‪ ،‬فإنها تنقسم إلى ثلثة أقسام‪ :‬ما ل‬
‫ينقيل ول يحول‪ ،‬وهيي الرباع والصيول‪ .‬وميا ينقيل ويحول‪ ،‬وهذان‬
‫قسيمان‪ :‬إميا غيير مكييل ول موزون‪ ،‬وهيو الحيوان والعروض؛ وإميا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مكييل أو موزون‪ .‬ففيي هذا الباب ثلثية فصيول‪ :‬الول‪ :‬فيي الرباع‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬في العروض‪ .‬والثالث‪ :‬في المكيل والموزون‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الول في الرباع‪.‬‬
‫@‪-‬فأما الرباع والصول‪ ،‬فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا‬
‫عدلت بالقيمة‪ ،‬اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجمل‪ ،‬وإن كانوا‬
‫اختلفوا فيي محيل ذلك وشروطيه‪ .‬والقسيمة ل تخلو أن تكون فيي‬
‫محييل واحيد أو فييي محال كثيرة‪ ،‬فإذا كانييت فييي محيل واحيد فل‬
‫خلف فيي جوازهيا إذا انقسيمت إلى أجزاء متسياوية بالصيفة ولم‬
‫تنقص منفعة الجزاء بالنقسام ويجبر الشركاء على ذلك‪ .‬وأما إذا‬
‫انقسيمت إلى ميا ل منفعية فييه‪ ،‬فاختلف فيي ذلك مالك وأصيحابه‪،‬‬
‫فقال مالك‪ :‬إنها تقسم بينهم إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر‬
‫لواحد منهم إل ما ل منفعة فيه مثل قدر القدم‪ ،‬وبه قال ابن كنانة‬
‫من أصحابه فقط‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة والشافعي‪ ،‬وعمدتهم في‬
‫ذلك قوله تعالى {مميا قيل منيه أو كثير نصييبا مفروضيا} وقال ابين‬
‫القاسم‪ :‬ل يقسم إل أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من‬
‫غيير مضرة داخلة علييه فيي النتفاع مين قبيل القسيمة‪ ،‬وإن كان ل‬
‫يراعيي فيي ذلك نقصيان الثمين‪ .‬وقال ابين الماجشون‪ :‬يقسيم إذا‬
‫صار لكل واحد منهم ما ينتفع به‪ ،‬وإن كان من غير جنس المنفعة‬
‫التييي كانييت فييي الشتراك أو كانييت أقييل‪ .‬وقال مطرف ميين‬
‫أصحابه‪ :‬إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم وإن‬
‫صار في حظ بعضهم ما ينتفع به‪ ،‬وفي حظ بعضهم ما ل ينتفع به‬
‫قسييم وجييبروا على ذلك سييواء دعييا إلى ذلك صيياحب النصيييب‬
‫القلييل أو الكثيير‪ ،‬وقييل يجيبر إن دعيا صياحب النصييب القلييل‪ ،‬ول‬
‫يجييبر إن دعييا صيياحب النصيييب الكثييير‪ ،‬وقيييل بعكييس هذا وهييو‬
‫ضعيف‪ .‬واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى‬
‫منفعية أخرى مثيل الحمام‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يقسيم إذا طلب ذلك أحيد‬
‫الشريكيين‪ ،‬وبيه قال أشهيب؛ وقال ابين القاسيم‪ :‬ل يقسيم‪ ،‬وهيو‬
‫قول الشافعييي‪ .‬فعمدة ميين منييع القسييمة قوله صييلى الله عليييه‬
‫وسييلم "ل ضرر ول ضرار" وعمدة ميين رأى القسييمة قوله تعالى‬
‫{مميا قيل منيه أو كثير نصييبا مفروضيا} ومين الحجية لمين لم يير‬
‫القسيمة حدييث جابر عين أبييه "ل تعضيية على أهيل الميراث إل ما‬
‫حمل القسم" والتعضية‪ :‬التفرقة‪ ،‬يقول‪ :‬ل قسمة بينهم‪ .‬وأما إذا‬
‫كانيت الرباع أكثير مين واحيد فإنهيا ل تخلو أيضيا أن تكون مين نوع‬
‫واحيييد أو مختلفييية النواع‪ ،‬فإذا كانيييت متفقييية النواع فإن فقهاء‬
‫المصيار فيي ذلك مختلفون؛ فقال مالك‪ :‬إذا كانيت متفقية النواع‬
‫قسمت بالتقويم والتعديل والسهيمة‪ ،‬وقال أبو حنيفة والشافعي‪:‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫بييل يقسييم كييل عقار على حدتييه؛ فعمدة مالك أنييه أقييل للضرر‬
‫الداخيل على الشركاء من القسمة‪ .‬وعمدة الفريق الثانيي أن كل‬
‫عقار تعينيه بنفسيه لنيه تتعلق بيه الشفعية‪ .‬واختلف أصيحاب مالك‬
‫إذا اختلفت النواع المتفقة في النفاق وإن تباعدت مواضعها على‬
‫ثلثية أقوال؛ وأميا إذا كانيت الرباع مختلفية مثيل أن يكون منهيا دور‬
‫ومنهييا حوائط ومنهييا أرض‪ ،‬فل خلف أنييه ل يجمييع فييي القسييمة‬
‫بالسيهمة‪ .‬ومين شرط قسييمة الحوائط المثمرة أن ل تقسييم مييع‬
‫الثمرة إذا بدا صيلحها باتفاق فيي المذهيب‪ ،‬لنيه يكون بييع الطعام‬
‫بالطعام على رؤوس الثمير وذلك مزابنية‪ .‬وأميا قسيمتها قبيل بدو‬
‫الصلح ففيه اختلف بين أصحاب مالك‪ :‬أما ابن القاسم فل يجيز‬
‫ذلك قبيل البار بحال مين الحوال‪ ،‬ويعتيل لذلك لنيه يؤدي إلى بييع‬
‫طعام بطعام متفاضل‪ ،‬ولذلك زعيم أنيه لم يجيز مالك شراء الثمير‬
‫الذي لم يطيب بالطعام ل نسييئة ول نقدا؛ وأميا إن كان بعيد البار‪،‬‬
‫فإنه ل يجوز عنده إل بشرط أن يشترط أحدهما على الخر أن ما‬
‫وقيع مين الثمير فيي نصييبه فهيو داخيل فيي القسيمة‪ ،‬وميا لم يدخيل‬
‫في نصيبه فهم فيه على الشركة‪ ،‬والعلة في ذلك عنده أنه يجوز‬
‫اشتراط المشتري الثمييير بعيييد البار ول يجوز قبيييل البار‪ ،‬فكأن‬
‫أحدهما اشترى حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت له في‬
‫القسيمة بحظيه مين الثمرات التيي وقعيت لشريكيه واشترط الثمير‬
‫وصيفة القسيم بالقرعية أن تقسيم الفريضية وتحقييق وتضرب إن‬
‫كان فيي سيهامها كسير إلى أن تصيح السيهام‪ ،‬ثيم يقوم كيل موضيع‬
‫منها وكل نوع من غراساتها‪ ،‬ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة‪،‬‬
‫فربما عدل جزء من موضع ثلثة أجزاء من موضيع آخر على قييم‬
‫الرضين ومواضعها‪ ،‬فإذا قسمت على هذه الصفات وعدلت كتبت‬
‫في بطائق أسماء الشراك وأسماء الجهات‪ ،‬فمن خرج اسمه في‬
‫جهية أخيذ منهيا‪ ،‬وقييل يرميي بالسيماء فيي الجهات‪ ،‬فمين خرج‬
‫اسمه في جهة أخذ منها‪ ،‬فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف‬
‫له حتييى يتييم حظييه‪ ،‬فهذه هييي حال قرعيية السييهم فييي الرقاب‪.‬‬
‫والسيييهمة إنميييا جعلهيييا الفقهاء فيييي القسيييمة تطييبيييا لنفوس‬
‫المتقاسيمين‪ ،‬وهيي موجودة فيي الشرع فيي مواضيع‪ :‬منهيا قوله‬
‫تعالى {فساهم فكان من المدحضين} وقوله {وما كنت لديهم إذ‬
‫يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم} ومن ذلك الثر الثابت الذي جاء‬
‫فييه " أن رجل أعتيق سيتة أعبيد عنيد موتيه‪ ،‬فأسيهم رسيول الله‬
‫صييلى الله عليييه وسييلم بينهييم‪ ،‬فأعتييق ثلث ذلك الرقيييق"‪ .‬وأمييا‬
‫الق سمة بالتراضيي سواء كانيت بعيد تعديل وتقوييم‪ ،‬أو بغير تقوييم‬
‫وتعديييل‪ ،‬فتجوز فييي الرقاب المتفقيية والمختلفيية لنهييا بيييع ميين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫البيوع‪ ،‬وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الثاني في العروض‪.‬‬
‫@‪-‬وأمييييا الحيوان والعروض‪ ،‬فاتفييييق الفقهاء على أنييييه ل يجوز‬
‫قسيمة واحيد منهميا للفسياد الداخيل فيي ذلك‪ .‬واختلفوا إذا تشاح‬
‫الشريكان فييي العييين الواحدة منهمييا‪ ،‬ولم يتراضيييا بالنتفاع بهييا‬
‫على الشياع‪ ،‬وأراد أحدهميييا أن ييييبيع صييياحبه معيييه‪ ،‬فقال مالك‬
‫وأصييحابه‪ :‬يجييبر على ذلك‪ ،‬فإن أراد أحدهمييا أن يأخذه بالقيميية‬
‫التيي أعطيى فيهيا أخذه‪ ،‬وقال أهيل الظاهير‪ :‬ل يجيبر‪ ،‬لن الصيول‬
‫تقتضيي أن ل يخرج ملك أحيد مين يده إل بدلييل مين كتاب أو سينة‬
‫أو إجماع‪ .‬وحجيية مالك أن فييي ترك الجبار ضررا‪ ،‬وهذا ميين باب‬
‫القياس المرسيل‪ ،‬وقيد قلنيا فيي غيير ميا موضيع إنيه لييس يقول بيه‬
‫أحييد ميين فقهاء المصييار إل مالك‪ ،‬ولكنييه كالضروري فييي بعييض‬
‫الشياء‪ .‬وأمييا إذا كانييت العروض أكثيير ميين جنييس واحييد‪ ،‬فاتفييق‬
‫العلماء على قسيييمتها على التراضيييي؛ واختلفوا فيييي قسيييمتها‬
‫بالتعدييل والسيهمة‪ ،‬فأجازهيا مالك وأصيحابه فيي الصينف الواحيد‬
‫ومنييع ميين ذلك عبييد العزيييز ابيين أبييي سييلمة وابيين الماجشون‪.‬‬
‫واختلف أصيحاب مالك فيي تميييز الصينف الواحيد الذي تجوز فييه‬
‫السييهمة ميين التييي ل تجوز فاعتييبره أشهييب بمييا ل يجوز تسييليم‬
‫بعضيه فيي بعيض‪ .‬وأميا ابين القاسيم فاضطرب‪ ،‬فمرة أجاز القسيم‬
‫بالسيهمة فيميا ل يجوز تسيليم بعضيه فيي بعيض‪ ،‬فجعيل القسيمة‬
‫أخيف مين السيلم‪ ،‬ومرة منيع القسيمة فيميا منيع فييه السيلم؛ وقيد‬
‫قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف‪ ،‬وأن مسائله التي يظن‬
‫مين قبلهيا أن القسيمة عنده أشيد مين السيلم تقبيل التأوييل على‬
‫أصيله الثانيي‪ .‬وذهيب ابين حيبيب إلى أنيه يجميع فيي القسيمة ميا‬
‫تقارب مين الصينفين مثيل الخيز والحريير والقطين والكتان‪ .‬وأجاز‬
‫أشهيب جميع صينفين فيي القسيمة بالسيهمة ميع التراضيي‪ ،‬وذلك‬
‫ضعيف لن الغرر ل يجوز بالتراضي‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الثالث في معرفة أحكامها‪.‬‬
‫@‪-‬فأمييا المكيييل والموزون فل تجوز فيييه القرعيية باتفاق إل مييا‬
‫حكييى اللخمييي‪ ،‬والمكيييل أيضييا ل يخلو أن يكون صييبرة واحدة أو‬
‫صيبرتين فزائدا‪ ،‬فإن كان صينفا واحدا‪ ،‬فل يخلو أن تكون قسيمته‬
‫على العتدال بالكييل أو الوزن إذا دعيا إلى ذلك أحيد الشريكيين‪،‬‬
‫ول خلف فييي جواز قسييمته على التراضييي على التفضيييل البييين‬
‫كان ذلك مين الربوي أو مين غيير الربوي‪ :‬أعنيي الذي ل يجوز فييه‬
‫التفاضل‪ ،‬ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول‪ ،‬ول يجوز قسمته‬
‫جزافيا بغيير كييل ول وزن‪ .‬وأميا إن كانيت قسيمته تحرييا‪ ،‬فقييل ل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يجوز فييي المكيييل ويجوز فييي الموزون‪ ،‬ويدخييل فييي ذلك ميين‬
‫الخلف ميا يدخيل فيي جواز بيعيه تحرييا‪ .‬وأميا إن لم يكين ذلك مين‬
‫صيييبرة واحدة وكانيييا صييينفين‪ ،‬فإن كان ذلك مميييا ل يجوز فييييه‬
‫التفاضييل فل تجوز قسييمتها على جهيية الجمييع إل بالكيييل المعلوم‬
‫فيميا يكال‪ ،‬وبالوزن بالصينجة المعروفية فيميا يوزن‪ ،‬لنيه إذا كان‬
‫بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا‬
‫مختلفييين ميين الكيييل المعلوم‪ ،‬وهذا كله على مذهييب مالك‪ ،‬لن‬
‫أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعهما‬
‫مثييل القمييح والشعييير‪ ،‬وأمييا إن كان ممييا ل يجوز فيييه التفاضييل‬
‫فيجوز قسيمته على العتدال والتفاضيل البيين المعروف بالمكيال‬
‫المعروف أو الصينجة المعروفية‪ :‬أعنيي على جهية الجميع وإن كانيا‬
‫صنفين‪ ،‬وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضا‪ .‬وأما فيي‬
‫واجب الحكم فل تنقسم كل صبرة إل على حدة وإذا قسمت كل‬
‫صييييبرة على حدة جازت قسييييمتها بالمكيال المعلوم والمجهول‪،‬‬
‫فهذا كله هو حكم القسمة التي تكون في الرقاب‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في القسم الثاني وهو قسمة المنافع‪.‬‬
‫@‪-‬فأميا قسيمة المنافيع‪ ،‬فإنهيا ل تجوز بالسيهمة على مذهيب ابين‬
‫القاسيم‪ ،‬ول يجيبر عليهيا مين أباهيا‪ ،‬ول تكون القرعية على قسيمة‬
‫المنافيع‪ .‬وذهيب أبيو حنيفية وأصيحابه إلى أنيه يجيبر على قسيمة‬
‫المنافييع‪ ،‬وقسييمة المنافييع هييي عنييد الجميييع بالمهايأة‪ ،‬وذلك إمييا‬
‫بالزمان وإما بالعيان‪ .‬وأما قسمة المنافع بالزمان فهو أن ينتفع‬
‫كيل واحيد منهميا بالعيين مدة متسياوية لمدة انتفاع صياحبه‪ .‬وأميا‬
‫قسيم العيان بأن يقسيما الرقاب على أن ينتفيع كيل واحيد منهميا‬
‫بمييا حصييل له مدة محدودة والرقاب باقييية على أصييل الشركيية‪.‬‬
‫وفييي المذهييب فييي قسييمة المنافييع بالزمان اختلف فييي تحديييد‬
‫المدة التيي تجوز فيهيا القسيمة لبعيض المنافيع دون بعيض للغتلل‬
‫أو النتفاع مثييل اسييتخدام العبييد وركوب الدابيية وزراعيية الرض‪،‬‬
‫وذلك أيضا فيما ينقل ويحول‪ ،‬أو ل ينقل ول يحول‪ .‬فأما فيما ينقل‬
‫ويحول فل يجوز عند مالك وأصحابه في المدة الكثيرة ويجوز في‬
‫المدة اليسييرة‪ ،‬وذلك فيي الغتلل والنتفاع وأميا فيميا ل ينقيل ول‬
‫يحول‪ ،‬فيجوز في المدة البعيدة والجل البعيد‪ ،‬وذلك في الغتلل‬
‫والنتفاع واختلفوا فييي المدة اليسيييرة فيمييا ينقييل ويحول فييي‬
‫الغتلل فقييل اليوم الواحيد ونحوه‪ ،‬وقييل ل يجوز ذلك فيي الدابية‬
‫والعبد‪ .‬وأما الستخدام فقيل يجوز في مثل الخمسة اليام‪ ،‬وقيل‬
‫فيي الشهير وأكثير مين الشهير قليل‪ .‬وأميا التهاييؤ فيي العيان بأن‬
‫يسييتعمل هذا دارا مدة ميين الزمان‪ ،‬وهذا دارا تلك المدة بعينهييا‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فقييل يجوز فيي سيكنى الدار وزراعية الرضيين‪ ،‬ول يجوز ذلك فيي‬
‫الغلة والكراء إل فيييي الزمان اليسيييير‪ ،‬وقييييل يجوز على قياس‬
‫التهايؤ بالزمان‪ ،‬وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجري‬
‫القول فيييه على الختلف فييي قسييمتها بالزمان‪ .‬فهذا هييو القول‬
‫فييي أنواع القسييمة فييي الرقاب‪ ،‬وفييي المنافييع وفييي الشروط‬
‫المصححة والمفسدة‪ .‬وبقي من هذا الكتاب القول في الحكام‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في الحكام‪.‬‬
‫@‪-‬والقسيمة مين العقود اللزمية ل يجوز للمتقاسيمين نقضهيا ول‬
‫الرجوع فيهييا إل بالطوارئ عليهييا‪ .‬والطوارئ ثلثيية غبيين؛ أو وجود‬
‫عييب‪ ،‬أو اسيتحقاق‪ .‬فأميا الغبين فل يوجيب الفسيخ إل فيي قسيمة‬
‫القرعية باتفاق فيي المذهيب إل على قياس مين يرى له تأثيير فيي‬
‫البييع‪ ،‬فيلزم على مذهبيه أن يؤثير فيي القسيمة‪ .‬وأميا الرد بالعييب‪،‬‬
‫فإنه ل يخلو عن مذهب ابن القاسم أن يجد العيب في جل نصيبه‬
‫أو فييي أقله‪ ،‬فإن وجده فييي جييل نصيييبه‪ ،‬فإنييه ل يخلو أن يكون‬
‫النصييب الذي حصيل لشريكيه قيد فات أو لم يفيت‪ ،‬فإن كان قيد‬
‫فات رد الواجييد للعيييب نصيييبه على الشركيية وأخييذ ميين شريكييه‬
‫نصف قيمة نصيبه يوم قبضه‪ ،‬وإن كان لم يفت انفسخت القسمة‬
‫وعادت الشركة إلى أصلها‪ ،‬وإن كان العيب في أقل ذلك رد ذلك‬
‫القيل على أصيل الشركية فقيط‪ ،‬سيواء فات نصييب صياحبه أو لم‬
‫يفت‪ ،‬ورجع على شريكه بنصف قيمة الزيادة ول يرجع في شيء‬
‫مميا فيي يده وإن كان قائميا بالعييب‪ .‬وقال أشهيب‪ :‬والذي يفييت‬
‫الرد قيد تقدم فيي كتاب البيوع‪ .‬وقال عبيد العزييز بين الماجشون‪:‬‬
‫وجود العيييب يفسييخ القسييمة التييي بالقرعيية ول يفسييخ التييي‬
‫بالتراضيي‪ ،‬لن التيي بالتراضيي هيي بييع‪ ،‬وأميا التيي بالقرعية فهيي‬
‫تمييييز حييق‪ ،‬وإذا فسييخت بالغبيين وجييب أن تفسييخ بالرد بالعيييب‪.‬‬
‫وحكييم السييتحقاق عنييد ابيين القاسييم حكييم وجود العيييب إن كان‬
‫المستحق كثيرا وحظ الشريك لم يفت رجع معه شريكا فيما في‬
‫يدييه‪ ،‬وإن كان قيد فات رجيع علييه بنصيف قيمية ميا فيي يدييه‪ ،‬وإن‬
‫كان يسييرا رجيع علييه بنصيف قيمية ذلك الشييء‪ .‬وقال محميد‪ :‬إذا‬
‫استحق ما في يد أحدهما بطلت القسمة في قسمة القرعة‪ ،‬لنه‬
‫قيد تيبين أن القسيمة لم تقيع على عدل كقول ابين الماجشون فيي‬
‫العييب وأميا إذا طرأ على المال حيق فييه مثيل طوارئ الديين على‬
‫التركية بعيد القسيمة أو طرو الوصيية أو طرو وارث‪ ،‬فإن أصيحاب‬
‫مالك اختلفوا في ذلك‪ .‬فأما إن طرأ الدين قيل في المشهور في‬
‫المذهيب وهيو قول ابين القاسيم‪ :‬إن القسيمة تنتقيض إل أن يتفيق‬
‫الورثة على أن يعطوا الد ين من عندهيم‪ ،‬وسواء كانت حظوظهم‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫باقية بأيديهم أو لم تكن‪ ،‬هلكت بأمر من السماء أو لم تهلك‪ .‬وقد‬
‫قيل إن القسمة أيضا إنما تنتقض بيد من بقي في يده حظه ولم‬
‫تهلك بأمير مين السيماء‪ ،‬وأميا مين هلك حظيه بأمير مين السيماء فل‬
‫يرجيع علييه بشييء مين الديين‪ ،‬ول يرجيع هيو على الورثية بميا بقيي‬
‫بأيديهم بعد أداء الدين؛ وقيل بل تنتقض القسمة ول بد لحق الله‬
‫تعالى لقوله {من بعد وصية يوصى بها أو دين} وقيل بل تنتقض‬
‫إل فيي حيق مين أعطيى منيه ميا ينوي بيه مين الديين‪ ،‬وهكذا الحكيم‬
‫فيييي طرو الموصيييى له على الورثييية‪ .‬وأميييا طرو الوارث على‬
‫الشركية بعيد القسيمة وقبيل أن يفوت حيظ كيل واحيد منهيم فل‬
‫تنتقيض القسيمة وأخيذ مين كيل واحيد حظيه إن كان ذلك مكيل أو‬
‫موزونيا وإن كان حيوانيا أو عروضيا انتقضيت القسيمة‪ ،‬وهيل يضمين‬
‫كيل واحيد منهيم ميا تلف فيي يده بغيير سيبب منيه؟ فقييل يضمين‪،‬‬
‫وقيل ل يضمن‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الرهون‪.‬‬
‫@‪-‬والصيل فيي هذا الكتاب قوله تعالى {ولم تجدوا كاتبيا فرهان‬
‫مقبوضيية} والنظيير فييي هذا الكتاب فييي الركان وفييي الشروط‬
‫وفيييي الحكام‪ ،‬والركان هيييي النظييير فيييي الراهييين والمرهون‬
‫والمرتهن والشيء الذي فيه الرهن وصفة عقد الرهن‪.‬‬
‫@‪(-‬الركين الول) فأميا الراهين فل خلف أن مين صيفته أن يكون‬
‫غير محجور عليه من أهل السداد‪ ،‬الوصي يرهن لمن يلي النظر‬
‫علييه إذا كان ذلك سيدادا ودعيت إلييه الضرورة عنيد مالك؛ وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬يرهين لمصيلحة ظاهرة ويرهين المكاتيب والمأذون عنيد‬
‫مالك‪ .‬قال سحنون‪ :‬فإن ارتهن في مال أسلفه لم يجز‪ ،‬وبه قال‬
‫الشافعيي‪ .‬اتفيق مالك والشافعيي على أن المفلس ل يجوز رهنيه؛‬
‫وقال أبيو حنيفية يجوز؛ واختلف قول مالك فيي الذي أحاط الديين‬
‫بماله هيل يجوز رهنيه؟ أعنيي هيل يلزم أم ل يلزم؟ فالمشهور عنيه‬
‫أنييه يجوز‪ :‬أعنييي قبييل أن يفلس‪ ،‬والخلف آيييل إلى هييل المفلس‬
‫محجور علييه أم ل؟ وكيل مين صيح أن يكون راهنيا صيح أن يكون‬
‫مرتهنا‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الثانييي) وهييو الرهيين‪ ،‬وقالت الشافعييية‪ :‬يصييح بثلثيية‬
‫شروط‪ :‬الول أن يكون عينا‪ ،‬فإنه ل يجوز أن يرهن الدين‪ .‬الثاني‬
‫أن ل يمتنييع إثبات يييد الراهيين المرتهيين عليييه كالمصييحف؛ ومالك‬
‫يجييز رهين المصيحف ول يقرأ فييه المرتهين‪ ،‬والخلف مبنيي على‬
‫البييع‪ .‬الثالث أن تكون العيين قابلة للبييع عنيد حلول الجيل؛ ويجوز‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عنيد مالك أن يرتهين ميا ل يحيل بيعيه فيي وقيت الرتهان كالزرع‬
‫والثميير لم يبييد صييلحه ول يباع عنده فييي أداء الدييين إل إذا بدا‬
‫صلحه وإن حل أجل الدين؛ وعند الشافعي قولن في رهن الثمر‬
‫الذي لم يبييد صييلحه‪ ،‬ويباع عنده عنييد حلول الدييين على شرط‬
‫القطيع؛ قال أبيو حاميد‪ :‬والصيح جوازه؛ ويجوز عنيد مالك رهين ميا‬
‫لم يتعييين كالدنانييير والدراهييم إذا طبييع عليهييا‪ ،‬وليييس ميين شرط‬
‫الرهين أن يكون ملكيا للراهين ل عنيد مالك ول عنيد الشافعيي‪ ،‬بيل‬
‫قيد يجوز عندهميا أن يكون مسيتعارا‪ .‬واتفقوا على أن مين شرطيه‬
‫أن يكون إقراره فيي ييد المرتهين مين قبيل الراهين‪ .‬واختلفوا إذا‬
‫كان قبيض المرتهين له بغصيب ثيم أقره المغصيوب منيه فيي يده‬
‫رهنيا‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يصيح أن ينقيل الشييء المغصيوب مين ضمان‬
‫الغصييب إلى ضمان الرهيين‪ ،‬فيجعييل المغصييوب منييه الشيييء‬
‫المغصوب رهنا في يد الغاصيب قبيل قبضيه منه؛ وقال الشافعيي‪:‬‬
‫ل يجوز بيل يبقيى على ضمان الغصيب إل أن يقبضيه‪ .‬واختلفوا فيي‬
‫رهن المشاع‪ ،‬فمنعه أبو حنيفة وأجازه مالك والشافعي‪ .‬والسبب‬
‫في الخلف هل تمكن حيازة المشاع أم ل تمكن‪.‬‬
‫@‪(-‬الركن الثالث) وهو الشيء المرهون فيه‪ ،‬وأصل مذهب مالك‬
‫فيي هذا أنيه يجوز أن يؤخيذ الرهين فيي جمييع الثمان الواقعية فيي‬
‫جمييييع البيوعات إل الصيييرف ورأس المال فيييي السيييلم المتعلق‬
‫بالذميية‪ ،‬وذلك لن الصييرف ميين شركييه التقابييض‪ ،‬فل يجوز فيييه‬
‫عقدة الرهييييين‪ ،‬وكذلك رأس مال السيييييلم وإن كان عنده دون‬
‫الصرف في هذا المعنى‪ .‬وقال قوم من أهل الظاهر‪ :‬ل يجوز أخذ‬
‫الرهين إل فيي السيلم خاصية‪ :‬أعنيي فيي السيلم فييه‪ ،‬وهؤلء ذهبوا‬
‫إلى ذلك لكون آييية الرهيين واردة فييي الدييين فييي المييبيعات وهييو‬
‫السلم عندهم‪ ،‬فكأنهم جعلوا هذا شرطا من شروط صحة الرهن‪،‬‬
‫لنيه قال فيي أول اليية {ييا أيهيا الذيين آمنوا إذا تداينتيم بديين إلى‬
‫أجيل مسيمى فاكتبوه} ثيم قال {وإن كنتيم على سيفر ولم تجدوا‬
‫كاتبيا فرهان مقبوضية} فعلى مذهيب مالك يجوز أخيذ الرهين فيي‬
‫السلم وفي القرض وفي الغصب وفي قيم المتلفات وفي أروش‬
‫الجنايات فييييي الموال‪ ،‬وفييييي جراح العمييييد الذي ل قود فيييييه‬
‫كالمأموميية والجائفيية‪ .‬وأمييا قتييل العمييد والجراح التييي يقاد منهييا‬
‫فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولن‪:‬‬
‫أحدهميييا أن ذلك يجوز‪ ،‬وذلك على القول بأن الولي مخيييير فيييي‬
‫العمييد بييين الدييية والقود‪ .‬والقول الثانييي أن ذلك ل يجوز‪ ،‬وذلك‬
‫أيضا مبني على أن ليس للولي إل القود فقط إذا أبى الجاني من‬
‫إعطاء الديية‪ ،‬ويجوز فيي قتيل الخطيأ أخيذ الرهين ممين يتعيين مين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العاقلة وذلك بعد الحول‪ ،‬ويجوز في العارية التي تضمن‪ ،‬ول يجوز‬
‫فيميا ل يضمين‪ ،‬ويجوز أخذه فيي الجارات‪ ،‬ويجوز فيي الجعيل بعيد‬
‫العمييل‪ ،‬ول يجوز قبله‪ ،‬ويجوز الرهيين فييي المهيير‪ ،‬ول يجوز فييي‬
‫الحدود ول فيي القصياص ول فيي الكتابية‪ ،‬وبالجملة فيميا ل تصيح‬
‫فييييه الكفالة‪ .‬وقالت الشافعيييية‪ :‬المرهون فييييه له شرائط ثلث‪:‬‬
‫أحدهيا أن يكون دينيا‪ ،‬فإنيه ل يرهين فيي عيين‪ .‬والثانيي أن يكون‬
‫واجبيييا‪ ،‬فإنيييه ل يرهييين قبيييل الوجوب‪ ،‬مثيييل أن يسيييترهنه بميييا‬
‫يسيييتقرضه‪ ،‬ويجوز ذلك عنيييد مالك‪ .‬والثالث أن ل يكون لزوميييه‬
‫متوقعيا أن يجيب‪ ،‬وأن ل يجيب كالرهين فيي الكتابية‪ ،‬وهذا المذهيب‬
‫قريب من مذهب مالك‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الشروط‪.‬‬
‫@‪-‬وأميييا شروط الرهييين‪ ،‬فالشروط المنطوق بهيييا فيييي الشرع‬
‫ضربان‪ :‬شروط صيييحة‪ ،‬وشروط فسييياد‪ .‬فأميييا شروط الصيييحة‬
‫المنطوق بها في الرهن‪ :‬أعني في كونه رهنا فشرطان‪ :‬أحدهما‬
‫متفيق علييه بالجملة ومختلف فيي الجهية التيي هيو بهيا شرط وهيو‬
‫القبييض‪ .‬والثانييي مختلف فييي اشتراطييه‪ ،‬فأمييا القبييض فاتفقوا‬
‫بالجملة على أنيييييه شرط فيييييي الرهييييين لقوله تعالى {فرهان‬
‫مقبوضيية} واختلفوا هييل هييو شرط تمام أو شرط صييحة؟ وفائدة‬
‫الفرق أن مين قال شرط صيحة قال‪ :‬ميا لم يقيع القبيض لم يلزم‬
‫الرهيين الراهيين؛ وميين قال شرط تمام قال‪ :‬يلزم بالعقييد ويجييبر‬
‫الراهين على القباض إل أن يتراخيى المرتهين عين المطالبية حتيى‬
‫يفلس الراهييين أو يمرض أو يموت‪ ،‬فذهيييب مالك إلى أنيييه مييين‬
‫شروط التمام‪ ،‬وذهب أبو حنيفة والشافعي وأهل الظاهر إلى أنه‬
‫من شروط ال صحة‪ .‬وعمدة مالك قياس الرهن على سائر العقود‬
‫اللزمييية بالقول‪ .‬وعمدة الغيييير قوله تعالى {فرهان مقبوضييية}‬
‫وقال بعيض أهيل الظاهير‪ :‬ل يجوز الرهين إل أن يكون هنالك كاتيب‬
‫لقوله تعالى {ولم تجدوا كاتبييا فرهان مقبوضيية} ول يجوز أهييل‬
‫الظاهر أن يوضع الرهن على يدي عدل‪ ،‬وعند مالك أن من شرط‬
‫صيحة الرهين اسيتدامة القبيض‪ ،‬وأنيه متيى عاد إلى ييد الراهين بإذن‬
‫المرتهين بعاريية أو وديعية أو غيير ذلك‪ ،‬فقيد خرج مين اللزوم وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬لييس اسيتدامة القبيض مين شرط الصيحة‪ ،‬فمالك عميم‬
‫الشرط على ظاهره‪ ،‬فألزم ميين قوله تعالى {فرهان مقبوضيية}‬
‫وجود القبيض واسيتدامته‪ .‬والشافعيي يقول‪ :‬إذا وجيد القبيض فقيد‬
‫صح الرهن وانعقد‪ ،‬فل يحل ذلك إعارته ول غير ذلك من التصرف‬
‫فييه كالحال فيي البييع‪ ،‬وقيد كان الولى بمين يشترط القبيض فيي‬
‫صيحة العقيد أن يشترط السيتدامة‪ ،‬ومين لم يشترط فيي الصيحة‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أن ل يشترط السييييتدامة‪ .‬واتفقوا على جوازه فييييي السييييفر‪.‬‬
‫واختلفوا فييي الحضيير؛ فذهييب الجمهور إلى جوازه؛ وقال أهييل‬
‫الظاهيير ومجاهييد‪ :‬ل يجوز فيي الحضير لظاهيير لقوله تعالى {وإن‬
‫كنتيم على سيفر} اليية‪ .‬وتمسيك الجمهور بميا ورد مين "أنيه صيلى‬
‫الله عليييه وسييلم رهيين فييي الحضيير" والقول فييي اسييتنباط منييع‬
‫الرهين فيي الحضير مين اليية هيو مين باب دلييل الخطاب‪ .‬وأميا‬
‫الشرط المحرم الممنوع بالنيص فهيو أن يرهين الرجيل رهنيا على‬
‫أنييه إن جاء بحقييه عنييد أجله وإل فالرهيين له فاتفقوا على أن هذا‬
‫الشرط يوجيب الفسيخ‪ ،‬وأنيه معنيى قوله علييه الصيلة والسيلم "ل‬
‫يغلق الرهن"‪.‬‬
‫*‪*3‬القول فييي الجزء الثالث ميين هذا الكتاب‪ ،‬وهييو القول فييي‬
‫الحكام‪.‬‬
‫@‪-‬وهذا الجزء ينقسييم إلى معرفيية ميا للراهيين مين الحقوق فييي‬
‫الرهين وميا علييه‪ ،‬وإلى معرفية ميا للمرتهين فيي الرهين وميا علييه‪،‬‬
‫وإلى معرفية اختلفهميا فيي ذلك‪ ،‬وذلك إميا مين نفيس العقيد‪ ،‬وإميا‬
‫لمور طارئة على الرهين‪ ،‬ونحين نذكير مين ذلك ميا اشتهير الخلف‬
‫فيه بين فقهاء المصار والتفاق‪ .‬أما حق المرتهن في الرهن فهو‬
‫أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه‪ ،‬فإن لم يأت به عند الجل‬
‫كان له أن يرفعيه إلى السيلطان‪ ،‬فييبيع علييه الرهين وينصيفه منيه‬
‫إن لم يجبييه الراهيين إلى البيييع‪ ،‬وكذلك إن كان غائبييا‪ ،‬وإن وكييل‬
‫الراهين المرتهين على بييع الرهين عنيد حلول الجيل جاز؛ وكرهيه‬
‫مالك إل أن يرفييع الميير إلى السييلطان‪ .‬والرهيين عنييد الجمهور‬
‫يتعلق بجملة الحيق المرهون فييه وببعضيه‪ ،‬أعنيي أنيه إذا رهنيه فيي‬
‫عدد ما فأدى منه بعضه‪ ،‬فإن الرهن بأسره يبقى بعد بيد المرتهن‬
‫حتيى يسيتوفي حقيه وقال قوم‪ :‬بيل يبقيى مين الرهين بييد المرتهين‬
‫بقدر ما يبقى من الحق‪ .‬وحجة الجمهور أنه محبوس بحق‪ ،‬فوجب‬
‫أن يكون محبوسيا بكيل جزء منيه أصيله حبيس التركية على الورثية‬
‫حتييى يؤدوا الدييين الذي على الميييت‪ .‬وحجيية الفريييق الثانييي أن‬
‫جميعيييه محبوس بجميعيييه‪ ،‬فوجيييب أن يكون أبعاضيييه محبوسييية‬
‫بأبعاضه‪ ،‬أصله الكفالة‪.‬‬
‫وميين مسييائل هذا الباب المشهورة اختلفهييم فييي نماء الرهيين‬
‫المنفصيل‪ ،‬مثيل الثمرة فيي الشجير المرهون‪ ،‬ومثيل الغلة‪ ،‬ومثيل‬
‫الولد هل يدخل في الرهن أم ل؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن‬
‫المنفصيل ل يدخيل شييء منيه فيي الرهين‪ :‬أعنيي الذي يحدث منيه‬
‫فيي ييد المرتهين‪ ،‬وممين قال بهذا القول الشافعيي؛ وذهيب آخرون‬
‫إلى أن جمييع ذلك يدخيل فيي الرهين‪ ،‬وممين قال بهذا القول أبيو‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫حنيفييية والثوري؛ وفرق مالك فقال‪ :‬ميييا كان مييين نماء الرهييين‬
‫المنفصييل على خلقتييه وصييورته‪ ،‬فإنييه داخييل فييي الرهيين كولد‬
‫الجارية مع الجارية وأما ما لم يكن على خلقته فإنه ل يدخل في‬
‫الرهيين كان متولدا عنييه كثميير النخييل أو غييير متولد ككراء الدار‬
‫وخراج الغلم‪ .‬وعمدة من رأى أن نماء الرهن وغلته للراهن قوله‬
‫عليييه الصييلة والسييلم "الرهيين محلوب ومركوب" قالوا‪ :‬ووجييه‬
‫الدليييل ميين ذلك أنييه لم يرد بقوله "مركوب ومحلوب" أي يركبييه‬
‫الراهين ويحلبيه‪ ،‬لنيه كان يكون غيير مقبوض‪ ،‬وذلك مناقيض لكونيه‬
‫رهنيا‪ ،‬فإن الراهين مين شرطيه القبيض‪ ،‬قالوا‪ :‬ول يصيح أيضيا أن‬
‫يكون معناه أن المرتهييين يحلبيييه ويركبيييه‪ ،‬فلم يبيييق إل أن يكون‬
‫المعنى في ذلك أن أجرة ظهرة لربه ونفقته عليه‪ .‬واستدلوا أيضا‬
‫بعموم قوله علييه الصيلة والسيلم "الرهين ممين رهنيه له غنميه‬
‫وعليه غرمه" قالوا‪ :‬ولنه نماء زائد على مارضيه رهنا‪ ،‬فوجب أن‬
‫ل يكون له إل بشرط زائد‪ .‬وعمدة أبييي حنيفيية أن الفروع تابعيية‬
‫للصول فوجب لها حكم الصل‪ ،‬ولذلك حكم الولد تابع لحكم أمه‬
‫فيي التدبيير والكتابية‪ .‬وأميا مالك فاحتيج بأن الولد حكميه حكيم أميه‬
‫في البيع‪ :‬أي هو تابع لها‪ ،‬وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة‬
‫المفرقية فيي ذلك‪ ،‬وذلك أن الثمير ل يتبيع بييع الصيل إل بالشرط‬
‫وولد الجاريية يتبيع بغيير شرط‪ .‬والجمهور على أن لييس للمرتهين‬
‫أن ينتفييع بشيييء ميين الرهيين؛ وقال قوم‪ :‬إذا كان الرهيين حيوانييا‬
‫فللمرت هن أن يحلبيه ويرك به بقدر ما يعل فه وينفيق علييه‪ ،‬وهو قول‬
‫أحمد وإسحق‪ ،‬واحتجوا بما رواه أبو هريرة عن النبي عليه الصلة‬
‫والسيييلم أنيييه قال "الرهييين محلوب ومركوب" ومييين هذا الباب‬
‫اختلفهم في الرهن يهلك عند المرتهن ممن ضمانه؟ فقال قوم‪:‬‬
‫الرهن أمانة وهو من الراهن‪ ،‬والقول قول المرتهن مع يمينه أنه‬
‫مييا فرط فيييه ومييا جنييى عليييه‪ ،‬ومميين قال بهذا القول الشافعييي‬
‫وأحمييد وأبييو ثور وجمهور أهييل الحديييث؛ وقال قوم‪ :‬الرهيين ميين‬
‫المرتهين ومصييبته منيه‪ ،‬وممين قال بهذا القول أبيو حنيفية وجمهور‬
‫الكوفيين‪.‬‬
‫والذييين قالوا بالضمان انقسييموا قسييمين‪ :‬فمنهييم ميين رأى أن‬
‫الرهين مضمون بالقيل مين قيمتيه أو قيمية الديين‪ ،‬وبيه قال أبيو‬
‫حنيفة وسفيان وجماعة‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬هو مضمون بقيمته قلت‬
‫أو كثرت‪ ،‬وإنييه إن فضييل للراهيين شيييء فوق دينييه أخذه ميين‬
‫المرتهيين‪ ،‬وبييه قال علي ابيين أبييي طالب وعطاء وإسييحق‪ .‬وفرق‬
‫قوم بييين مييا ل يغاب عليييه مثييل الحيوان والعقار ممييا ل يخفييى‬
‫هلكيه‪ ،‬وبيين ميا يغاب علييه مين العروض‪ ،‬فقالوا‪ :‬هيو ضامين فيميا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يغاب عليييه ومؤتميين فيمييا ل يغاب عليييه‪ ،‬ومميين قال بهذا القول‬
‫مالك والوزاعيييي وعثمان البتيييي‪ ،‬إل أن مالكيييا يقول‪ :‬إذا شهيييد‬
‫الشهود بهلك ميا يغاب علييه مين غيير تضيييع ول تفرييط‪ ،‬فإنيه ل‬
‫يضمين وقال الوزاعيي وعثمان البتيي‪ :‬بيل يضمين على كيل حال‬
‫قامييت بينيية أو لم تقييم‪ ،‬وبقول مالك قال ابيين القاسييم‪ ،‬وبقول‬
‫عثمان والوزاعيييي قال أشهيييب‪ .‬وعمدة مييين جعله أمانييية غيييير‬
‫مضمون حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى‬
‫الله علييه وسيلم قال "ل يغلق الرهين وهيو ممين رهنيه له غنميه‬
‫وعلييه غرميه"‪ :‬أي له غلتيه وخراجيه‪ ،‬وعلييه افتكاكيه مصييبته منيه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وقد رضي الراهن أمانته فأشبه المودع عنده‪ .‬وقال المزني‬
‫ميين أصييحاب الشافعييي محتجييا له‪ :‬قييد قال مالك ومين تابعييه إن‬
‫الحيوان وميا ظهير هلكيه أمانية‪ ،‬فوجيب أن يكون كله كذلك‪ .‬وقيد‬
‫قال أبيو حنيفية‪ :‬إن ميا زاد مين قيمية الرهين على قيمية الديين فهيو‬
‫أمانيية فوجييب أن يكون كله أمانيية‪ ،‬ومعنييى قوله عليييه الصييلة‬
‫والسييلم عنييد مالك وميين قال بقوله "وعليييه غرمييه" أي نفقتييه‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ومعنييى ذلك قوله عليييه الصييلة والسييلم "الرهيين مركوب‬
‫ومحلوب" أي أجرة ظهره لربه‪ ،‬ونفقته عليه‪،‬‬
‫وأميا أبيو حنيفية وأصيحابه فتأولوا قوله علييه الصيلة والسيلم "له‬
‫غنمه وعليه غرمه" أن غنمه ما فضل منه على الدين‪ ،‬وغرمه ما‬
‫نقص‪ .‬وعمدة من رأى أنه مضمون من المرتهن أنه عين تعلق بها‬
‫حيق السيتيفاء ابتداء فوجيب أن يسيقط بتلفيه‪ ،‬أصيله تلف الميبيع‬
‫عنيد البائع إذا أمسيكه حتيى يسيتوفي الثمين‪ ،‬وهذا متفيق علييه مين‬
‫الجمهور‪ ،‬وإن كان عند مالك كالرهين؛ وربميا احتجوا بما روي عن‬
‫النيبي صيلى الله علييه وسيلم "أن رجل ارتهين فرسيا مين رجيل‪،‬‬
‫فنفق في يده‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم للمرتهن‪ :‬ذهب حقك"‬
‫وأميا تفرييق مالك بيين ميا يغاب علييه وبيين ميا ل يغاب علييه فهيو‬
‫اسييتحسان‪ ،‬ومعنييى ذلك أن التهميية تلحييق فيمييا يغاب عليييه‪ ،‬ول‬
‫تلحق فيما ل يغاب عليه‪ .‬وقد اختلفوا في معنى الستحسان الذي‬
‫يذهيب إلييه مالك كثيرا‪ ،‬فضعفيه قوم وقالوا‪ :‬إنيه مثيل اسيتحسان‬
‫أبييي حنيفيية‪ ،‬وحدوا السييتحسان بأنييه قول بغييير دليييل‪ .‬ومعنييى‬
‫السيتحسان عنيد مالك هيو جميع بيين الدلة المتعارضية‪ ،‬وإذا كان‬
‫ذلك كذلك فلييس هيو قول بغيير دلييل‪ .‬والجمهور على أنيه ل يجوز‬
‫للراهين بييع الرهين ول هبتيه‪ ،‬وأنيه إن باعيه فللمرتهين الجارة أو‬
‫الفسيخ‪ .‬قال مالك‪ :‬وإن زعيم أن إجارتيه ليتعجيل حقيه حلف على‬
‫ذلك وكان له‪ .‬وقال قوم‪ :‬يجوز بيعه‪ .‬وإن كان للرهن غلما أو أمة‬
‫فأعتقهيا الراهين فعنيد مالك أنيه إن كان الراهين موسيرا جاز عتقيه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وعجيل للمرتهين حقيه‪ ،‬وإن كان معسيرا بيعيت وقضيي الحيق مين‬
‫ثمنهييا وعنييد الشافعييي ثلثيية أقوال‪ :‬الرد‪ ،‬والجازة‪ ،‬والثالث مثييل‬
‫قول مالك وأمييا اختلف الراهيين والمرتهيين فييي قدر الحييق الذي‬
‫وجب به الرهن‪ ،‬فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك‪ ،‬فقال مالك‪ :‬القول‬
‫قول المرتهين فيميا ذكره مين قدر الحيق ميا لم تكين قيمية الرهين‬
‫أقييل ميين ذلك‪ ،‬فمييا زاد على قيميية الرهيين فالقول قول الراهيين‪.‬‬
‫وقال الشافعيييي وأبيييو حنيفييية والثوري وجمهور فقهاء المصيييار‪:‬‬
‫القول في قدر الحق قول الراهن‬
‫وعمدة الجمهور أن الراهين مدعيى علييه‪ ،‬والمرتهين مدع‪ ،‬فوجيب‬
‫أن تكون اليميييين على الراهييين على ظاهييير السييينة المشهورة‪.‬‬
‫وعمدة مالك ههنييا أن المرتهيين وإن كان مدعيييا فله ههنييا شبهيية‬
‫بنقيل اليميين إلى حيزه‪ ،‬وهيو كون الرهين شاهدا له‪ ،‬ومين أصيوله‬
‫أن يحلف أقوى المتداعيين شبهة‪ ،‬وهذا ل يلزم عند الجمهور‪ ،‬لنه‬
‫قيد يرهن الراهين الشيء وقيمتيه أكثير من المرهون فييه‪ .‬وأما إذا‬
‫تلف الرهيين واختلفوا فييي صييفته‪ ،‬فالقول ههنييا عنييد مالك قول‬
‫المرتهين لنيه مدعيى علييه‪ ،‬وهيو مقير ببعيض ميا ادعيى علييه وهذا‬
‫على أصوله‪ ،‬فإن المرتهن أيضا هو الضامن فيما يغاب عليه‪ .‬وأما‬
‫على أصول الشافعي‪ ،‬فل يتصور على المرتهن يمين إل أن يناكره‬
‫الراهن في إتلفه‪ .‬وأما عند أبي حنيفة فالقول قول المرتهن في‬
‫قيمة الرهن‪ ،‬وليس يحتاج إلى صفة‪ ،‬لن مالك يحلف على الصفة‬
‫وتقوييم تلك الصيفة‪ .‬وإذا اختلفوا فيي المريين جميعيا‪ ،‬أعنيي فيي‬
‫صفة الرهن وفي نقدار الرهن كان القول قول المرتهن في صفة‬
‫الرهن‪ ،‬وفي الحق ما كنت قيمة الصفة التي حلف عليها شاهدة‬
‫له‪ ،‬وفييه ضعيف‪ ،‬وهيل يشهيد الحيق لقيمية الرهين إذا اتفقيا فيي‬
‫الحق واختلفا في قيمة الرهن؟ في المذهب فيه قولن‪ ،‬والقيس‬
‫الشهادة‪ ،‬لنه إذا شهد الرهن للدين شهد الدين للمرهون‪ .‬وفروع‬
‫هذا الباب كثيرة‪ ،‬وفيما ذكرناه كفاية في غرضنا‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الحجر‬
‫@‪-‬والنظيير فييي هذا الكتاب فييي ثلثيية أبواب‪ :‬الباب الول‪ :‬فييي‬
‫أصييناف المحجورييين‪ .‬الثانييي‪ :‬متييى يخرجون ميين الحجيير‪ ،‬ومتييى‬
‫يحجيير عليهييم‪ ،‬وبأي شروط يخرجون‪ .‬الثالث‪ :‬فييي معرفيية أحكام‬
‫أفعالهم في الرد والجازة‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في أصناف المحجورين‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫@‪-‬أجميع العلماء على وجوب الحجير على اليتام الذيين لم يبلغوا‬
‫الحلم لقوله تعالى {وابتلوا اليتامييى حتييى إذا بلغوا النكاح} الييية‪.‬‬
‫واختلفوا فييي الحجيير على العقلء الكبار إذا ظهيير منهييم تبذييير‬
‫لموالهيم‪ ،‬فذهيب مالك والشافعيي وأهيل المدينية وكثيير مين أهيل‬
‫العراق إلى جواز ابتداء الحجر عليهم بحكم الحاكم‪ ،‬وذلك إذا ثبت‬
‫عنده سيفههم وأعذر إليهيم فلم يكين عندهيم مدفيع‪ ،‬وهيو رأي ابين‬
‫عباس وابن الزبير‪ .‬وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق إلى‬
‫أنيه ل يبتدأ الحجير على الكبار‪ ،‬وهيو قول ابراهييم وابين سييرين‪،‬‬
‫وهؤلء انقسيموا قسيمين‪ :‬فمنهيم مين قال‪ :‬الحجير ل يجوز عليهيم‬
‫بعييد البلوغ بحال وإن ظهيير منهييم التبذييير‪ .‬ومنهييم ميين قال‪ :‬إن‬
‫استصحبوا التبذير من الصغر يستمر الحجر عليهم وإن ظهر منهم‬
‫رشد بعد البلوغ ثم ظهر منهم سفه‪ ،‬فهؤلء ل يبدأ بالحجر عليهم‪.‬‬
‫وأبييو حنيفيية يحييد فييي ارتفاع الحجيير وإن ظهيير سييفهه خمسيية‬
‫وعشرييين عامييا‪ .‬وعمدة ميين أوجييب على الكبار ابتداء الحجيير أن‬
‫الحجير على الصيغار إنميا وجيب لمعنيى التبذيير الذي يوجيد فيهيم‬
‫غالبيا‪ ،‬فوجيب أن يجيب الحجير على مين وجيد فييه هذا المعنيى وإن‬
‫لم يكين صيغيرا‪ ،‬قالوا‪ :‬ولذلك اشترط فيي رفيع الحجير عنهيم ميع‬
‫ارتفاع الصييغر إيناس الرشييد‪ ،‬قال الله تعالى {فإن آنسييتم منهييم‬
‫رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} فدل هذا على أن السبب المقتضي‬
‫للحجير هيو السيفه‪ .‬وعمدة الحنفيية حدييث حبان بين منقيذ "إذ ذكير‬
‫فيييه لرسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم أنييه يخدع فييي البيوع‪،‬‬
‫فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار ثلثا ولم يحجر‬
‫علييه"‪ .‬وربميا قالوا‪ :‬الصيغر هيو المؤثير فيي منيع التصيرف بالمال‪،‬‬
‫بدلييل تأثيره فيي إسيقاط التكلييف‪ ،‬وإنميا اعتيبر الصيغر لنيه الذي‬
‫يوجد فيه السفه غالبا‪ ،‬كما يوجد نقص العقل غالبا‪ ،‬ولذلك جعل‬
‫البلوغ علمية وجوب التكلييف وعلمية الرشيد‪ ،‬إذ كانيا يوجدان فييه‬
‫غالبيا‪ ،‬أعنيي العقيل والرشيد‪ ،‬وكميا لم يعتيبر النادر فيي التكلييف‪،‬‬
‫أعني أن يكون قبل البلوغ عاقل فيكلف‪ ،‬كذلك لم يعتبر النادر في‬
‫السفه‪ ،‬وهو أن يكون بعد البلوغ سفيها فيحجر عليه‪ ،‬كما لو يعتبر‬
‫كونييه قبييل البلوغ رشيدا‪ .‬قالوا‪ :‬وقوله تعالى {ول تؤتوا السييفهاء‬
‫أموالكيم} اليية‪ ،‬لييس فيهيا أكثير مين منعهيم مين أموالهيم‪ ،‬وذلك ل‬
‫يوجب فسخ بيوعها وإبطالها‪.‬‬
‫والمحجورون عنيييد مالك سيييتة‪ :‬الصيييغير ‪ ،‬والسيييفيه‪ ،‬والعبيييد‪،‬‬
‫والمفلس‪ ،‬والمرييض‪ ،‬والزوجية‪ .‬وسييأتي ذكير كيل واحيد منهيم فيي‬
‫بابه‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪*3‬الباب الثانيي‪ .‬متيى يخرجون مين الحجير‪ ،‬ومتيى يحجير عليهيم‪،‬‬
‫وبأي شروط يخرجون؟‬
‫@‪-‬والنظير فيي هذا الباب فيي موضعيين‪ :‬فيي وقيت خروج الصيغار‬
‫ميين الحجيير‪ ،‬ووقييت خروج السييفهاء‪ .‬فنقول‪ :‬إن الصييغار بالجملة‬
‫صينفان‪ :‬ذكور‪ ،‬وإناث‪ ،‬وكيل واحيد مين هؤلء إميا ذو أب‪ ،‬وإميا ذو‬
‫وصي‪ ،‬وإما مهمل‪ ،‬وهم الذين يبلغون ول وصي لهم ول أب‪ .‬فأما‬
‫الذكور الصغار ذوو الباء فاتفقوا على أنهم ل يخرجون من الحجر‬
‫إل ببلوغ سن التكليف وإيناس الرشد منهم‪ ،‬وإن كانوا قد اختلفوا‬
‫فيي الرشيد ميا هيو‪ ،‬وذلك لقوله تعالى {وابتلوا اليتاميى حتيى إذا‬
‫بلغوا النكاح فإن آنسيييتم منهيييم رشدا فادفعوا إليهيييم أموالهيييم}‬
‫واختلفوا فييي الناث‪ ،‬فذهييب الجمهور إلى أن حكمهيين فييي ذلك‬
‫حكم الذكور أعني بلوغ المحيض وإيناس الرشد؛ وقال مالك‪ :‬هي‬
‫فيي وليية أبيهيا فيي المشهور عنيه حتيى تتزوج ويدخيل بهيا زوجهيا‬
‫ويؤنيس رشدهيا‪ ،‬وروى عنيه مثيل قول الجمهور؛ ولصيحاب مالك‬
‫في هذا أقوال غير هذه قيل إنها في ولية أبيها حتى يمر بها سنة‬
‫بعد دخول زوجها بها‪ ،‬وقييل حتى يمر بها عامان‪ ،‬وقييل حتى تمر‬
‫سيبعة أعوام‪ .‬وحجية مالك أن إيناس الرشيد ل يتصيور مين المرأة‬
‫إل بعد اختبار الرجال‪ .‬وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة للنص‬
‫والقياس؛ أميا مخالفتهيا النيص‪ ،‬فإنهيم لم يشترطوا الرشيد؛ وأميا‬
‫مخالفتها للقياس‪ ،‬فلن الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة‬
‫المحدودة‪ ،‬وإذا قلنيييييييا على قول مالك ل على قول الجمهور إن‬
‫العتبار فييييي الذكور ذوي الباء البلوغ وإيناس الرشييييد‪ ،‬فاختلف‬
‫قول مالك إذا بلغ ولم يعلم سيفهه مين رشده وكان مجهول الحال‬
‫فقيييل عنييه إنييه محمول على السييفه حتييى يتييبين رشده وهييو‬
‫المشهور؛ وقييل عنيه إنيه محمول على الرشيد حتيى يتيبين سيفهه‪.‬‬
‫فأما ذوو الوصياء فل يخرجون من الولية في المشهور عن مالك‬
‫إل بإطلق وصييه له مين الحجير‪ :‬أي يقول فييه إنيه رشييد إن كان‬
‫مقدما من قبل الب بل خلف أو بإذن القاضي مع الوصي إن كان‬
‫مقدميا مين غيير الب على اختلف فيي ذلك‪ .‬وقيد قييل فيي وصيي‬
‫الب أنه ل يقبل قوله في أنه رشيد إل حتى يعلم رشده وقد قيل‬
‫إن حاله ميع الوصيي كحاله ميع الب يخرجيه مين الحجير إذا آنيس‬
‫منيه الرشيد وإن لم يخرجيه وصييه بالشهاد‪ ،‬وإن المجهول الحال‬
‫فيي هذا حكميه حكيم المجهول الحال ذي الب‪ .‬وأميا ابين القاسيم‬
‫فمذهبيه أن الوليية غيير معتيبر ثبوتهيا إذا علم الرشيد‪ ،‬ول سيقوطها‬
‫إذا علم السيفه‪ ،‬وهيي روايية عين مالك‪ ،‬وذلك مين قوله فيي اليتييم‬
‫ل فيي البكير‪ ،‬والفرق بيين المذهيبين أن مين يعتيبر الوليية يقول‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أفعاله كلهيا مردودة وإن ظهير رشده حتيى يخرج مين الوليية‪ ،‬وهيو‬
‫قول ضعيف‪ ،‬فإن المؤثر هو الرشد ل حكم الحاكم‪ .‬وأما اختلفهم‬
‫فييي الرشيد ميا هيو؟ فإن مالكيا يرى أن الرشيد هيو تثميير المال‬
‫وإصيلحه فقيط‪ ،‬والشافعيي يشترط ميع هذا صيلح الديين‪ .‬وسيبب‬
‫اختلفهيم هل ينطلق اسم الرشد على غير صالح الدين؟ ؟ وحال‬
‫البكير ميع الوصيي كحال الذكير ل يخرج مين الوليية إل بالخراج ميا‬
‫لم تعنيس على اختلف فيي ذلك‪ ،‬وقييل حالهيا ميع الوصيي كحالهيا‬
‫مع الب وهو قول ابن الماجشون‪ .‬ولم يختلف قولهم إنه ل يعتبر‬
‫فيهيا الرشيد كاختلفهيم فيي اليتييم‪ .‬وأميا المهميل مين الذكور فإن‬
‫المشهور أن أفعاله جائزة إذا بلغ الحلم كان سيفيها متصيل السيفه‬
‫أو غيير متصيل السيفه‪ ،‬معلنيا بيه أو غيير معلن‪ .‬وأميا ابين القاسيم‬
‫فيعتييبر نفييس فعله إذا وقييع‪ ،‬فإن كان رشدا جاز وإل رده‪ .‬فأمييا‬
‫اليتيمية التيي ل أب لهيا ول وصيي فإن فيهيا فيي المذهيب قوليين‪:‬‬
‫أحدهميا أن أفعالهيا جائزة إذا بلغيت المحييض‪ .‬والثانيي أن أفعالهيا‬
‫مردودة ما لم تعنس وهو المشهور‪.‬‬
‫الباب الثالث في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والجازة‪.‬‬
‫والنظير فيي هذا الباب فيي شيئيين‪ :‬أحدهميا ميا يجوز لصينف صينف‬
‫مين المحجوريين مين الفعال‪ ،‬وإذا فعلوا فكييف حكيم أفعالهيم فيي‬
‫الرد والجازة‪ ،‬وكذلك أفعال المهملين وهم الذين بلغوا الحلم من‬
‫غيير أب ول وصيي‪ ،‬وهؤلء كميا قلنيا إميا صيغار وإميا كبار متصيلو‬
‫الحجر من الصغر وإما مبتدأ حجرهم‪ .‬فأما الصغار الذين لم يبلغوا‬
‫الحلم من الرجال ول المحيض من النساء فل خلف في المذهب‬
‫في أنه ل يجوز له في ماله معروف من هبة ول صدقة ول عطية‬
‫ول عتيق وإن أذن له الب فيي ذلك أو الوصيي‪ ،‬فإن أخرج مين يده‬
‫شيئا بغير عوض كان موقوفا على نظر وليه إن كان له ولي‪ ،‬فإن‬
‫رآه رشدا أجازه وإل أبطله‪ ،‬وإن لم يكييييييين له ولي قدم له ولي‬
‫ينظر في ذلك‪ ،‬وإن عمل في ذلك حتى يلي أمره كان النظر إليه‬
‫فيي الجازة أو الرد‪ .‬واختلف إذا كان فعله سيدادا ونظرا فيميا كان‬
‫يلزم الولي أن يفعله هييل له أن ينقضييه إذا آل الميير إلى خلف‬
‫بحوالة السيييواق أو نماء فيميييا باعيييه أو نقصيييان فيميييا ابتاعيييه‪،‬‬
‫فالمشهور أن ذلك له‪ ،‬وقييل إن ذلك لييس له‪ ،‬ويلزم الصيغير ميا‬
‫أفسيد فيي ماله مميا لم يؤتمين علييه‪ .‬واختلف فيميا أفسيد وكسير‬
‫مما اؤتمن عليه‪ ،‬ول يلزمه بعد بلوغه رشده عتق ما حلف بحريته‬
‫في صغره وحنث به في صغره‪ .‬واختلف فيما حنث فيه في كبره‬
‫وحلف بيه فيي صيغره‪ ،‬فالمشهور أنيه ل يلزميه‪ .‬وقال ابين كنانية‪:‬‬
‫يلزمه ول يلزمه فيما ادعى عليه يمين‪ .‬واختلف إذا كان له شاهد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫واحيد هيل يحلف معيه؟ فالمشهور أنيه ل يحلف‪ ،‬وروي عين مالك‬
‫واللييث أنيه يحلف‪ .‬وحال البكير ذات الب والوصيي كالذكير ميا لم‬
‫تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها‪ .‬أما السفيه البالغ‪ ،‬فجمهور‬
‫العلماء على أن المحجور إذا طلق زوجتيه أو خالعهيا مضيى طلقيه‬
‫وخلعيه‪ ،‬إل ابين أبيي ليلى وأبيا يوسيف‪ ،‬وخالف ابين أبيي ليلى فيي‬
‫العتق فقال‪ :‬إنه ينفذ‪ ،‬وقال الجمهور‪ :‬إنه ل ينفذ‪ .‬وأما وصيته فل‬
‫أعلم خلفيا فيي نفوذهيا‪ ،‬ول تلزميه هبية ول صيدقة ول عطيية ول‬
‫عتيق ولشييء مين المعروف إل أن يعتيق أم ولده‪ ،‬فيلزميه عتقهيا‪،‬‬
‫وهذا كله فيي المذهيب‪ ،‬وهيل يتبعهيا مالهيا؟ فييه خلف‪ ،‬قييل يتبيع‪،‬‬
‫وقييل ل يتبيع‪ ،‬وقييل بالفرق بيين القلييل والكثيير‪ .‬وأميا ميا يفعله‬
‫بعوض‪ ،‬فهو أيضا موقوف على نظر وليه إن كان له ولي‪ ،‬فإن لم‬
‫يكييين له ولي قدم له ولي‪ ،‬فإن رد بيعيييه الولي وكان قيييد أتلف‬
‫الثمن لم يتبع من ذلك بشيء‪ ،‬وكذلك إن أتلف عين المبيع‪.‬‬
‫وأمييا أحكام أفعال المحجورييين أو المهملييين على مذهييب مالك‬
‫فإنهييا تنقسييم إلى أربعيية أحوال‪ :‬فمنهييم ميين تكون أفعاله كلهييا‬
‫مردودة‪ ،‬وإن كان فيها ما هو رشد‪ .‬ومنهم ضد هذا‪ ،‬وهو أن تكون‬
‫أفعاله كلهييا محمولة على الرشييد وإن ظهيير فيهييا مييا هييو سييفه‪.‬‬
‫ومنهييم ميين تكون أفعاله كلهييا محمولة على السييفه مييا لم يتييبين‬
‫رشده‪ .‬وعكيس هذا أيضيا وهيو أن تكون أفعاله كلهيا محمولة على‬
‫الرشيد حتيى يتيبين سيفهه‪ .‬فأميا الذي يحكيم له بالسيفه وإن ظهير‬
‫رشده فهيو الصيغير الذي لم يبلغ‪ ،‬والبكير ذات الب‪ ،‬والوصيي ميا‬
‫لم تعنييس على مذهييب ميين يعتييبر التعنيييس‪ .‬واختلف فييي حده‬
‫اختلفا كثيرا من دون الثلثين إلى الستين‪ ،‬والذي يحكم له بحكم‬
‫الرشد وإن علم سفهه‪ ،‬فمنها السفيه إذا لم تثبت عليه ولية من‬
‫قبل أبيه‪ ،‬ول من قبل السلطان على مشهور مذهب مالك‪ ،‬خلفا‬
‫لبين القاسيم الذي يعتيبر نفيس الرشيد ل نفيس الوليية‪ ،‬والبكير‬
‫اليتيميية المهملة على مذهييب سييحنون‪ .‬وأمييا الذي يحكييم عليييه‬
‫بالسفه بحكم ما لم يظهر رشده‪ :‬فالبن بعد بلوغه في حياة أبيه‬
‫على المشهور فيي المذهيب‪ ،‬وحال البكير ذات الب التيي ل وصيي‬
‫لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها ما لم يظهر رشدها‪ ،‬وما لم تبلغ‬
‫الحيد المعتيبر فيي ذلك مين السينين عنيد مين يعتيبر ذلك‪ ،‬وكذلك‬
‫اليتيمة التي ل وصي لها على مذهب من يرى أن أفعالها مردودة‪.‬‬
‫وأما الحال التي يحكم فيها بحكم الرشد حتى يتبين السفه‪ :‬فمنها‬
‫حال البكير المعنيس عنيد مين يعتيبر التعنييس‪ ،‬أو التيي دخيل بهيا‬
‫زوجهيا ومضيى لدخوله الحيد المعتيبر مين السينين عنيد مين يعتيبر‬
‫الحيد‪ ،‬وكذلك حال البين ذي الب إذا بلغ وجهلت حاله على إحدى‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الروايتين‪ ،‬والبنة البكر بعد بلوغها على الرواية التي ل تعتبر فيها‬
‫دخولها مع زوجها‪ .‬فهذه هي جمل ما في الكتاب والفروع كثيرة‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب التفليس‪.‬‬
‫@‪-‬والنظر في هذا الكتاب فيما هو الفلس‪ ،‬وفي أحكام المفلس‪،‬‬
‫فنقول‪ :‬إن الفلس فييي الشرع يطلق على معنيييين‪ :‬أحدهمييا أن‬
‫يسييتغرق الدييين مال المدييين‪ ،‬فل يكون فييي ماله وفاء بديونييه‪.‬‬
‫والثانييي أن ل يكون له مال معلوم أصييل‪ ،‬وفييي كل الفلسييين قييد‬
‫اختلف العلماء فيي أحكامهميا‪ .‬فأميا الحالة الولى وهيي إذا ظهير‬
‫عنيد الحاكيم مين فلسيه ميا ذكرنيا‪ ،‬فاختلف العلماء فيي ذلك هيل‬
‫للحاكم أن يحجر عليه التصرف في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه‬
‫على الغرماء على نسبة ديونهم‪ ،‬أم ليس له ذلك؟ بل يحبس حتى‬
‫يدفيع إليهيم جمييع ماله على أي نسيبة اتفقيت أو لمين اتفيق منهيم‪،‬‬
‫وهذا الخلف بعينيه يتصيور فيمين كان له مال يفيي بدينيه‪ ،‬فأبيى أن‬
‫ينصف غرماءه‪ ،‬هل يبيع عليه الحاكم فيقسمه عليهم‪ ،‬أم يحبسه‬
‫حتيى يعطيهيم بيده ميا علييه؟ فالجمهور يقولون‪ :‬ييبيع الحاكيم ماله‬
‫علييه‪ ،‬فينصيف منيه غرماءه أو غريميه إن كان ملييا‪ ،‬أو يحكيم علييه‬
‫بالفلس إن لم ييف ماله بديونيه ويحجير علييه التصيرف فييه‪ ،‬وبيه‬
‫قال مالك والشافعيي‪ ،‬وبالقول الخير قال أبيو حنيفية وجماعية مين‬
‫أهل العراق‪ .‬وحجة مالك والشافعي حديث معاذ بن جبل "أنه كثر‬
‫دينيه فيي عهيد رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم فلم يزد غرماءه‬
‫على أن جعله لهم من ماله‪ ،‬وحديث أبي سعيد الخدري" أن رجل‬
‫أصيييب على عهييد رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم فييي ثميير‬
‫ابتاعهييا فكثيير دينييه فقال رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم‪:‬‬
‫تصدقوا عليه‪ ،‬فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬خذوا ما وجدتم وليس لكم إل‬
‫ذلك" وحدييث عمير فيي القضاء على الرجيل المفلس فيي حبسيه‬
‫وقوله فييه‪ :‬أميا بعيد‪ ،‬فإن السييفع "أسييفع جهينية" رضيي مين دينيه‬
‫وأمانتيه بأن يقال سيبق الحاج‪ ،‬وأنيه ادان معرضيا فأصيبح قدريين‬
‫علييه‪ ،‬فمين كان له علييه ديين فليأتينيا‪ .‬وأيضيا مين طرييق المعنيى‬
‫فإنييه إذا كان المريييض محجورا عليييه لمكان ورثتييه‪ ،‬فأحرى أن‬
‫يكون المدييييين محجورا عليييييه لمكان الغرماء‪ ،‬وهذا القول هييييو‬
‫الظهير‪ ،‬لنيه أعدل والله أعلم‪ .‬وأميا حجيج الفرييق الثانيي الذيين‬
‫قالوا بالحبييس حتييى يعطييي مييا عليييه أو يموت محبوسييا‪ ،‬فيييبيع‬
‫القاضيي حينئذ ماله ويقسيمه على الغرماء‪ ،‬فمنهيا حدييث جابر بين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عبد الله حين استشهد أبوه بأحد وعليه دين‪ ،‬فلما طالبه الغرماء‬
‫قال جابر "فأتييت النيبي صيلى الله علييه وسيلم فكلمتيه‪ ،‬فسيألهم‬
‫أن يقبلوا منييي حائطييي‪ ،‬ويحللوا أبييي‪ ،‬فأبوا‪ ،‬فلم يعطهييم رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم حائطي قال‪ :‬ولكن سأغدو عليك‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فغدا علينا حين أصبح فطاف بالنخل فدعا في ثمرها بالبركة قال‪:‬‬
‫فجذذتها فقضيت منها حقوقهم‪ ،‬وبقي من ثمرها بقية" وبما روي‬
‫أيضيا أنيه مات أسييد بين الحضيير وعلييه عشرة آلف درهيم‪ ،‬فدعيا‬
‫عمير بين الخطاب غرماءه‪ ،‬فقبلهيم أرضيه أربيع سينين مميا لهيم‬
‫علييه‪ .‬قالوا‪ :‬فهذه الثار كلهيا لييس فيهيا أنيه بييع أصيل فيي ديين‬
‫ي الواجيد‬
‫قالوا‪ :‬يدل على حبسيه قوله صيلى الله علييه وسيلم "ل ُّي‬
‫يحيل عرضيه وعقوبتيه" قالوا‪ :‬العقوبية هيي حبسيه‪ .‬وربميا شبهوا‬
‫اسييتحقاق أصييول العقار عليييه باسييتحقاق إجازتييه‪ ،‬وإذا قلنييا إن‬
‫المفلس محجور علييه‪ ،‬فالنظير فيي ماذا يحجير علييه‪ ،‬وبأي ديون‬
‫تكون المحاصة في ماله وفي أي شيء من ماله تكون المحاصة؟‬
‫وكيييف تكون؟‪ .‬فأمييا المفلس فله حالن‪ :‬حال فييي وقييت الفلس‬
‫قبيل الحجير علييه‪ ،‬وحال بعيد الحجير‪ .‬فأميا قبيل الحجير فل يجوز له‬
‫إتلف شييء مين ماله عنيد مالك بغيير عوض إذا كان مميا ل يلزميه‬
‫ومميا ل تجري العادة بفعله‪ ،‬وإنميا اشترط إذا كان مميا ل يلزميه‪،‬‬
‫لن له أن يفعيل ميا يلزم بالشرع وإن لم يكين بعوض كنفقتيه على‬
‫الباء المعسيرين أو البناء‪ ،‬وإنميا قييل مميا لم تجير العادة بفعله‪،‬‬
‫لن له إتلف اليسيير مين ماله بغيير عوض كالضحيية والنفقية فيي‬
‫العييد والصيدقة اليسييرة‪ ،‬وكذلك تراعيي العادة فيي إنفاقيه فيي‬
‫عوض كالتزوج والنفقية على الزوجية‪ ،‬ويجوز بيعيه وابتياعيه ميا لم‬
‫تكين فييه محاباة‪ ،‬وكذلك يجوز إقراره بالديين لمين ل يتهيم علييه‪.‬‬
‫واختلف قول مالك في قضاء بعض غرمائه دون بعض وفي رهنه‪.‬‬
‫وأما جمهور من قال بالحجر على المفلس فقالوا‪ :‬هو قبل الحكم‬
‫كسييائر الناس‪ ،‬وإنمييا ذهييب الجمهور لهذا لن الصييل هييو جواز‬
‫الفعال حتيى يقيع الحجير‪ ،‬ومالك كأنيه اعتيبر المعنيى نفسيه‪ ،‬وهيو‬
‫إحاطية الديين بماله لكين لم يعتيبره فيي كيل حال‪ ،‬لنيه يجوز بيعيه‬
‫وشراؤه إذا لم يكين فييه محاباة‪ ،‬ول يجوزه للمحجور علييه‪ .‬وأميا‬
‫حاله بعييد التفليييس فل يجوز له فيهييا عنييد مالك بيييع ول شراء ول‬
‫أخييذ ول عطاء‪ ،‬ل يجوز إقراره بدييين فييي ذمتييه لقريييب ول بعيييد‪،‬‬
‫قيل إل أن يكون لواحد منهم بينة‪ ،‬وقيل يجوز لمن يعلم منه إليه‬
‫تقاض‪ .‬واختلف فييي إقراره بمال معييين مثييل القراض والوديعيية‬
‫على ثلثيية أقوال فييي المذهييب‪ :‬بالجواز‪ ،‬والمنييع‪ ،‬والثالث بالفرق‬
‫بييين أن يكون على أصييل القراض أو الوديعيية ببينيية أو ل تكون‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فقييل إن كانيت صيدق وإن لم تكين لم يصيدق‪ .‬واختلفوا مين هذا‬
‫الباب فيييي ديون المفلس المؤجلة هيييل تحيييل بالتفلييييس أم ل؟‬
‫فذهيب مالك إلى أن التفلييس فيي ذلك كالموت‪ ،‬وذهيب غيره إلى‬
‫خلف ذلك‪ ،‬وجمهور العلماء على أن الديون تحيييييل بالموت‪ .‬قال‬
‫ابن شهاب‪ :‬مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات‪ .‬وحجتهم أن‬
‫الله تبارك وتعالى لم يبييح التوارث إل بعييد قضاء الدييين‪ ،‬فالورثيية‬
‫في ذلك بين أحد أمرين‪ :‬إما أن ل يريدوا أن يؤخروا حقوقهم في‬
‫الموارييث إلى محيل أجيل الديين فيلزم أن يجعيل الديين حال‪ ،‬وإميا‬
‫أن يرضوا بتأخيير ميراثهيم حتيى تحيل الديون فتكون الديون حينئذ‬
‫فيي التركية خاصية ل فيي ذممهيم‪ ،‬بخلف ميا كان علييه الديين قبيل‬
‫الموت‪ ،‬لنييه كان فييي ذميية الميييت‪ ،‬وذلك يحسيين فييي حييق ذي‬
‫الدييين‪ .‬ولذلك رأى بعضهييم أنييه إن رضييي الغرماء بتحمله فييي‬
‫ذممهييم أبقيييت الديون إلى أجلهييا‪ ،‬ومميين قال بهذا القول ابيين‬
‫سيرين واختاره أبو عبيد من فقهاء المصار‪ ،‬لكن ل يشبه الفلس‬
‫فييي هذا المعنييى الموت كييل الشبييه‪ ،‬وإن كانييت كل الذمتييين قييد‬
‫خربت فإن ذمة المفلس يرجى المال لها بخلف ذمة الميت‪ .‬وأما‬
‫النظير فيميا يرجيع بيه أصيحاب الديون مين مال المفلس فإن ذلك‬
‫يرجع إلى الجنس والقدر‪ .‬أما ما كان قد ذهب عين العوض الذي‬
‫اسييتوجب ميين قبله الغريييم على المفلس فإن دينييه فييي ذميية‬
‫المفلس‪ .‬وأميا إذا كان عيين العوض باقييا بعينيه لم يفيت إل أنيه لم‬
‫يقبض ثمنه‪،‬‬
‫فاختلف فيييي ذلك فقهاء المصيييار على أربعييية أقوال‪ :‬الول أن‬
‫صيياحب السييلعة أحييق بهييا على كييل حال إل أن يتركهييا ويختار‬
‫المحاصة؛ وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور‪ .‬والقول الثاني ينظر‬
‫إلى قيمة السلعة يوم الحكم بالتفليس فإن كانت أقل من الثمن‬
‫خيير صياحب السيلعة بيين أن يأخذهيا أو يحاص الغرماء‪ ،‬وإن كانيت‬
‫مسيياوية للثميين أخذهييا بعينهييا‪ ،‬وبييه قال مالك وأصييحابه‪ .‬والقول‬
‫الثالث تقوم السييلعة بييين التفليييس‪ ،‬فإن كانييت قيمتهييا مسيياوية‬
‫للثمن أو أقل منه قضى له بها‪ :‬أعني للبائع‪ ،‬وإن كانت أكثر دفع‬
‫إلييه مقدار ثمنيه ويتحاصيون فيي الباقيي‪ ،‬وبهذا القول قال جماعية‬
‫مين أهيل الثير‪ .‬والقول الرابيع أنيه أسيوة الغرماء فيهيا على كيل‬
‫حال‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة وأهل الكوفة والصل في هذه المسألة‬
‫ميا ثبيت مين حدييث أبيي هريرة أن رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيلم قال "أيميا رجيل أفلس فأدرك الرجيل ماله بعينيه فهيو أحيق‬
‫بيييه مييين غيره" وهذا الحدييييث خرجيييه مالك والبخاري ومسيييلم‪،‬‬
‫وألفاظهم متقاربة‪ ،‬وهذا اللفظ لمالك؛ فمن هؤلء من حمله على‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عمومه وهو الفريق الول؛ ومنهم من خصصه بالقياس وقالوا‪ :‬إن‬
‫معقوله إنما هو الرفق بصاحب السلعة لكون سلعته باقية‪ ،‬وأكثر‬
‫ما في ذلك أن يأخذ الثمن الذي باعها به‪ ،‬فإما أن يعطي في هذه‬
‫الحال الذي اشترك في ها مع الغرماء أكثر من ثمن ها فذلك مخالف‬
‫لصيول الشرع‪ ،‬وبخاصية إذا كان للغرماء أخذهيا بالثمين كميا قال‬
‫مالك‪ .‬وأمييا أهييل الكوفيية فردوا هذا الحديييث بجملتييه لمخالفتييه‬
‫للصيول المتواترة على طريقتهيم فيي رد الخيبر الواحيد إذا خالف‬
‫الصييول المتواترة لكون خييبر الواحييد مظنونييا‪ ،‬والصييول يقينييية‬
‫مقطوع بهيا‪ ،‬كميا قال عمير فيي حدييث فاطمية بنيت قييس‪ :‬ميا كنيا‬
‫لندع كتاب الله وسيينة نبينييا لحديييث امرأة‪ .‬ورواه عيين علي أنييه‬
‫قضييى بالسييلعة للمفلس‪ ،‬وهييو رأى ابيين سيييرين وإبراهيييم ميين‬
‫التابعين‪.‬‬
‫وربميييا احتجوا بأن حدييييث أبيييي هريرة مختلف فييييه‪ ،‬وذلك أن‬
‫الزهري روى عين أبيي بكير بين عبيد الرحمين عين أبيي هريرة أن‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم قال "أيميا رجيل مات أو فلس‬
‫فوجيد بعيض غرمائه ماله بعينيه فهيو أسيوة الغرماء" وهذا الحدييث‬
‫أولى لنيه موافيق للصيول الثابتية‪ .‬قالوا‪ :‬وللجميع بيين الحديثيين‬
‫وجييه‪ ،‬وهييو حمييل ذلك الحديييث على الوديعيية والعارييية‪ ،‬إل أن‬
‫الجمهور دفعوا هذا التأوييل بميا ورد فيي لفيظ حدييث أبيي هريرة‬
‫في بعض الروايات من ذكر البيع‪ ،‬وهذا كله عند الجميع بعد قبض‬
‫المشتري السلعة‪ ،‬فأما قبل القبض فالعلماء متفقون أهل الحجاز‬
‫وأهييل العراق أن صيياحب السييلعة أحييق بهييا لنهييا فييي ضمانييه‪،‬‬
‫واختلف القائلون بهذا الحدييث إذا قبيض البائع بعيض الثمين‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬إن شاء أن يرد مييا قبييض ويأخييذ السييلعة كلهييا‪ ،‬وإن شاء‬
‫حاص الغرماء فيميا بقيي مين سيلعته؛ وقال الشافعيي‪ :‬بيل يأخيذ ميا‬
‫بقي من سلعته بما بقي من الثمن؛ وقالت جماعة من أهل العلم‬
‫داود وإسحق وأحمد‪ :‬إن قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء‪.‬‬
‫وحجتهييم مييا روى مالك عيين ابيين شهاب عيين أبييي بكيير بيين عبييد‬
‫الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل باع‬
‫متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه شيئا فوجده بعينه‬
‫فهيييو أحييق بييه‪ ،‬وإن مات الذي ابتاعييه فصيياحب المتاع أسييوة‬
‫الغرماء" وهيو حدييث وإن أرسيله مالك فقيد أسينده عبيد الرزاق‪،‬‬
‫وقد روي من طريق الزهري عن أبي هريرة فيه زيادة بيان‪ ،‬وهو‬
‫قوله فيه "فإن كان قبض من ثمنه شيئا فهو أسوة الغرماء" ذكره‬
‫أبيو عبييد فيي كتابيه فيي الفقيه وخرجيه‪ .‬وحجية الشافعيي أن كيل‬
‫سييلعة أو بعضهييا فييي الحكييم الواحييد‪ ،‬ولم يختلفوا أنييه إذا فوت‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫المشتري بعضهيا أن البائع أحيق بالمقدار الذي أدرك مين سيلعته‪،‬‬
‫إل عطاء فإنييه قال‪ :‬إذا فوت المشتري بعضهييا كان البائع أسييوة‬
‫الغرماء‪ .‬واختلف الشافعييي ومالك فييي الموت هييل حكمييه حكييم‬
‫الفلس أم ل؟‬
‫فقال مالك‪ :‬هيو فيي الموت أسيوة الغرماء‪ ،‬بخلف الفلس؛ وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬المير فيي ذلك واحيد‪ .‬وعمدة مالك ميا رواه عين ابين‬
‫شهاب عين أبيي بكير وهيو نيص فيي ذلك وأيضيا مين جهية النظير إن‬
‫فرقيا بيين الذمية فيي الفلس والموت‪ ،‬وذلك أن الفلس ممكين أن‬
‫تثرى حاله فيتبعيه غرماؤه بميا بقيي علييه وذلك غيير متصيور فيي‬
‫الموت‪ .‬وأميا الشافعيي فعمدتيه ميا رواه ابين أبيي ذئب بسينده عين‬
‫أبييي هريرة قال‪ :‬قال رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم "أيمييا‬
‫رجييل مات أو فلس فصيياحب المتاع أحييق بييه" فسييوى فييي هذه‬
‫الرواية بين الموت والفلس‪ .‬قال‪ :‬وحديث ابن أبي ذئب أولى من‬
‫حديييث ابيين شهاب‪ ،‬لن حديييث ابيين شهاب مرسييل وهذا مسييند‪،‬‬
‫ومن طريق المعنى فهو مال ل تصرف فيه لمالكه إل بعد أداء ما‬
‫عليييييه‪ ،‬فأشبييييه مال المفلس؛ وقياس مالك أقوى ميييين قياس‬
‫الشافعيي‪ ،‬وترجييح حديثيه على حدييث ابين أبيي ذئب مين جهية أن‬
‫موافقييية القياس له أقوى‪ ،‬وذلك أن ميييا وافيييق مييين الحادييييث‬
‫المتعارضيية قياس المعنييى فهييو أقوى ممييا وافقييه قياس الشبييه‪:‬‬
‫أعنييي أن القياس الموافييق لحديييث الشافعييي هييو قياس شبييه‪،‬‬
‫والموافيق لحدييث مالك قياس معنيى‪ ،‬ومرسيل مالك خرجيه عبيد‬
‫الرزاق‪ .‬فسبب الخلف تعارض الثار في هذا المعنى والمقاييس‪،‬‬
‫وأيضا فإن الصل يشهد لقول مالك في الموت‪ ،‬أعني أن من باع‬
‫شيئا فلييس يرجيع إلييه فمالك رح مه الله أقوى فيي هذه الم سألة‪،‬‬
‫والشافعي إنما ضعف عنده فيها قول مالك لما روي من المسند‬
‫المرسيل عنده ل يجيب العميل بيه‪ .‬واختلف مالك والشافعيي فيمين‬
‫وجيد سيلعته بعينهيا عنيد المفلس وقيد أحدث زيادة مثيل أن تكون‬
‫أرضيا يغرسيها أو عرصية يبنيهيا‪ ،‬فقال مالك‪ :‬العميل الزائد فيهيا هيو‬
‫فوت ويرجيع صياحب شرييك الغرماء‪ .‬وقال الشافعيي‪ :‬بيل يخييير‬
‫البائع بين أن يعطي قيمة ما أحدث المشتري في سلعته ويأخذها‪،‬‬
‫أو أن يأخيذ أصيل السيلعة ويحاص الغرماء فيي الزيادة‪ ،‬وميا يكون‬
‫فوتييا ممييا ل يكون فوتييا فييي مذهييب مالك منصييوص فييي كتبييه‬
‫المشهورة‪.‬‬
‫وتحصيييل مذهييب مالك فيمييا يكون الغريييم بييه أحييق ميين سييائر‬
‫الغرماء فيييييي الموت والفلس‪ ،‬أو فيييييي الفلس دون الموت أن‬
‫الشياء المبيعية بالديين تنقسيم فيي التفلييس ثلثية أقسيام‪ :‬عرض‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يتعيين‪ ،‬وعيين اختلف فييه هيل يتعيين فييه أم ل؟ وعميل ل يتعيين‪.‬‬
‫فأميييا العرض فإن كان فيييي ييييد بائعيييه لم يسيييلمه حتيييى أفلس‬
‫المشتري‪ ،‬فهييو أحييق بييه فييي الموت والفلس‪ ،‬وهذا مييا ل خلف‬
‫فيييه‪ ،‬وإن كان قييد دفعييه إلى المشتري ثييم أفلس وهييو قائم بيده‬
‫فهيو أحيق بيه مين الغرماء فيي الفلس دون الموت‪ ،‬ولهيم عنده أن‬
‫يأخذوا سلعته بالثمين وقال الشافعيي‪ :‬ليس لهم‪ ،‬وقال أشهب‪ :‬ل‬
‫يأخذونها إل بالزيادة يحطونها عن المفلس؛ وقال ابن الماجشون‪:‬‬
‫إن شاءوا كان الثمين مين أموالهيم أو مين مال الغرييم؛ وقال ابين‬
‫كنانية‪ :‬بيل يكون مين أموالهيم وأميا العيين فهوأحيق بهيا فيي الموت‬
‫أيضييا‪ ،‬والفلس مييا كان بيده‪ .‬واختلف إذا دفعييه إلى بائعييه فيييه‬
‫ففلس أو مات وهييو قائم بيده يعرف بعينييه‪ ،‬فقيييل إنييه أحييق بييه‬
‫كالعروض فيي الفلس دون الموت وهيو قول ابين القاسيم‪ ،‬وقييل‬
‫إنييه ل سييبيل له عليييه‪ ،‬وهييو أسييوة الغرماء‪ ،‬وهييو قول أشهييب‪،‬‬
‫والقولن جاريان على الختلف فييي تعيييين العييين؛ وأمييا إن لم‬
‫يعرف بعينيه فهيو أسيوة الغرماء فيي الموت والفلس‪ .‬وأميا تعميل‬
‫الذي ل يتعين فإن أفلس المستأجر قبل أن يستوفي عمل الجير‬
‫كان الجيير أحيق بميا عمله فيي الموت والفلس جميعيا‪ ،‬كالسيلعة‬
‫إذا كانييت بيييد البائع فييي وقييت الفلس‪ ،‬وإن كان فلسييه بعييد أن‬
‫استوفى عمل الجير‪ ،‬فالجير أسوة الغرماء بأجرته التي شارطه‬
‫عليهيا فيي الفلس والموت جميعيا على أظهير القوال‪ ،‬إل أن تكون‬
‫بيده السييلعة التييي اسييتؤجر على عملهييا‪ ،‬فيكون أحييق بذلك فييي‬
‫الموت والفلس جميعيا‪ ،‬لنيه كالرهين بيده‪ ،‬فإن أسيلمه كان أسيوة‬
‫الغرماء بعمله‪ ،‬إل أن يكون له فييه شييء أخرجيه فيكون أحيق بيه‬
‫فيييي الفلس دون الموت‪ ،‬وكذلك المييير عنده فيييي فلس مكتري‬
‫الدواب إن استكرى أحق بما عليه من المتاع في الموت والفلس‬
‫جميعا‪ ،‬وكذلك مكتري السفينة‪،‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@(تابييع‪- :)1 ...‬والنظيير فييي هذا الكتاب فيمييا هييو الفلس‪ ،‬وفييي‬
‫أحكام المفلس‪ ،‬فنقول‪ :‬إن‪... ...‬‬
‫وهذا كله شبهييه مالك بالرهيين وبالجملة فل خلف فييي مذهبييه أن‬
‫البائع أحييق بمييا فييي يديييه فييي الموت والفلس‪ ،‬وأحييق بسييلعته‬
‫القائميية الخارجيية عيين يده فييي الفلس دون الموت‪ ،‬وأنييه أسييوة‬
‫الغرماء فييي سييلعته إذا فاتييت‪ ،‬وعندمييا يشبييه حال الجييير عنييد‬
‫أصييييحاب مالك‪ .‬وبالجملة البائع منفعيييية بالبائع الرقبيييية‪ ،‬فمرة‬
‫يشبهون المنفعية التيي عميل بالسيلعة التيي لم يقبضهيا المشتري‬
‫فيقولون‪ :‬هيو أحيق بهيا فيي الموت والفلس‪ ،‬ومرة يشبهونيه بالتيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫خرجت من يده ولم يمت فيقولون‪ :‬هو أحق بها في الفلس دون‬
‫الموت‪ ،‬ومرة يشبهون ذلك بالموت الذي فاتيت فييه فيقولون‪ :‬هيو‬
‫أسييوة الغرماء ومثال ذلك اختلفهييم فيميين اسييتؤجر على سييقي‬
‫حائط فسيقاه حتيى أثمير الحائط ثيم أفلس المسيتأجر فإنهيم قالوا‬
‫فيه الثلثة القوال‪ .‬وتشبيه بيع المنافع في هذا الباب ببيع الرقاب‬
‫هو شيء ‪ -‬فيما أحسب ‪ -‬انفرد به مالك دون فقهاء المصار‪ ،‬وهو‬
‫ضعييف لن قياس الشبيه المأخوذ مين الموضيع المفارق للصيول‬
‫يضعييف‪ ،‬ولذلك ضعييف عنييد قوم القياس على موضييع الرخييص‪،‬‬
‫ولكين انقدح هنالك قياس علة‪ ،‬فهيو أقوى؛ ولعيل المالكيية تدعيى‬
‫وجود هذا المعنييى فييي القياس‪ ،‬ولكيين هذا كله ليييس يليييق بهذا‬
‫المختصر‪ .‬ومن هذا الباب اختلفهم في العبد المفلس المأذون له‬
‫فيي التجارة هيل يتبيع بالديين فيي رقبتيه أم ل؟ فذهيب مالك وأهيل‬
‫الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في يده ل في رقبته‪ ،‬ثم إن أعتق بما‬
‫بقيي علييه ورأى قوم أنيه يباع‪ ،‬ورأى قوم أن الغرماء يخيرون بيين‬
‫بيعيه وبيين أن يسيعى فيميا بقيي علييه مين الديين‪ ،‬وبيه قال شرييح‪،‬‬
‫وقالت طائفية‪ :‬بيل يلزم سييده ميا علييه وإن لم يشترطيه‪ ،‬فالذيين‬
‫لم يروا بيع رقبته قالوا‪ :‬إنما عامل الناس على ما في يده فأشبه‬
‫الحيير‪ ،‬والذييين رأوا بيعييه شبهوا ذلك بالجنايات التييي يجنييي‪ ،‬وأمييا‬
‫الذيين رأوا الرجوع على السييد بميا علييه مين الديين فإنهيم شبهوا‬
‫ماله بمال السيد إذ كان له انتزاعه‪.‬‬
‫فسيبب الخلف هيو تعارض أقيسية الشبيه فيي هذه المسيألة‪ ،‬ومين‬
‫هذا المعنى إذا أفلس العبد والمولى معا بأي يبدأ‪ ،‬هل بدين العبد‪،‬‬
‫أم بديين المولى؟ فالجمهور يقولون‪ :‬بديين العبيد‪ ،‬لن الذيين داينوا‬
‫العبيد إنميا فعلوا ذلك ثقية بميا رأوا عنيد العبيد مين المال‪ ،‬والذيين‬
‫داينوا المولى لم يعتدوا بمال العبيد‪ ،‬ومين رأى البدء بالمولى قال‪:‬‬
‫لن مال العبيد هيو فيي الحقيقية للمولى‪ .‬فسيبب الخلف تردد مال‬
‫العبيد بيين أن يكون حكميه حكيم مال الجنيبي أو حكيم مال السييد‪.‬‬
‫وأميا قدر ما يترك للمفلس من ماله فقيل في المذهيب‪ :‬يترك له‬
‫ميا يعييش بيه هيو وأهله وولده الصيغار اليام؛ وقال فيي الواضحية‬
‫والعتبيية‪ :‬الشهير ونحوه‪ ،‬ويترك له كسيوة مثله؛ وتوقيف مالك فيي‬
‫كسيوة زوجتيه لكونهيا هيل تجيب لهيا بعوض مقبوض‪ ،‬وهيو النتفاع‬
‫بهيا أو بغيير عوض؛ وقال سيحنون ل يترك له كسيوة زوجتيه؛ وروى‬
‫ابن نافع عن مالك أنه ل يترك له إل ما يواريه‪ ،‬وبه قال ابن كنانة‪.‬‬
‫واختلفوا فيي بييع كتيب العلم علييه على قوليين‪ :‬وهذا مبنيي على‬
‫كراهية بيع الكتب الفقه أو ل كراهية ذلك‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وأميا معرفية الديون التيي يحاص بهيا مين الديون التيي ل يحاص بهيا‬
‫على مذهييب مالك فإنهييا تنقسييم أول إلى قسييمين‪ :‬أحدهمييا أن‬
‫تكون واجبية عين عوض‪ .‬والثانيي أن تكون واجبية مين غيير عوض‪.‬‬
‫فأميا الواجبية عين عوض‪ ،‬فإنهيا تنقسيم إلى عوض مقبوض وإلى‬
‫عوض غييير مقبوض‪ ،‬فأمييا مييا كانييت عيين عوض مقبوض‪ ،‬وسييواء‬
‫كانييت مال أو أرش جناييية‪ ،‬فل خلف فييي المذهييب أن محاصيية‬
‫الغرماء بها واجبة‪ .‬وأما ما كان عن عوض غير مقبوض‪ ،‬فإن ذلك‬
‫ينقسييم خمسيية أقسييام‪ :‬أحدهييا أن ل يمكنييه دفييع العوض بحال‬
‫كنفقيية الزوجات لمييا يأتييي ميين المدة‪ ،‬والثانييي أن ل يمكنييه دفييع‬
‫العوض‪ ،‬ولكن يمكنه دفع ما يستوفي فيه‪ ،‬مثل أن يكتري الرجل‬
‫الدار بالنقيد‪ ،‬أو يكون العرف فييه النقيد‪ ،‬ففلس المكتري قبيل أن‬
‫يسييكن أو بعييد مييا سييكن بعييض السييكنى وقبييل أن يدفييع الكراء‪.‬‬
‫والثالث أن يكون دفيع العوض يمكنيه وطرحيه كرأس مال السيلم‬
‫إذا أفلس المسيلم إلييه قبيل دفيع رأس المال‪ .‬والرابيع أن يمكنيه‬
‫دفيع العوض ول يلزميه مثيل السيلعة إذا باعهيا ففلس المبتاع قبيل‬
‫أن يدفعهييا إليييه البائع‪ .‬والخامييس أن ل يكون إليييه تعجيييل دفييع‬
‫العوض‪ ،‬مثيل أن يسيلم الرجيل إلى الرجيل دنانيير فيي عروض إلى‬
‫أجييل فيفلس المسييلم قبييل أن يدفييع رأس المال وقبييل أن يحييل‬
‫أجل السلم‪ .‬فأما الذي ل يمكنه دفع العوض بحال فل محاصة في‬
‫ذلك إل فيييي مهور الزوجات إذا فلس الزوج قبيييل الدخول‪ .‬وأمييا‬
‫الذي ل يمكنيه دفيع العوض ويمكنيه دفيع ميا يسيتوفي منيه‪ ،‬مثيل‬
‫المكتري يفلس قبيل دفيع الكراء‪ ،‬فقييل للمكري المحاصية بجمييع‬
‫الثمن وإسلم الدار للغرماء‪ ،‬وقيل ليس له إل المحاصة بما سكن‬
‫ويأخيذ داره‪ ،‬وإن كان لم يسيكن فلييس له إل أخيذ داره‪ .‬وأميا ميا‬
‫يمكنه دفع العوض ويلزمه وهو إذا كان العوض عينا‪ ،‬فقيل يحاص‬
‫بيه الغرماء فيي الواجيب له بالعوض ويدفعيه‪ ،‬فقييل هيو أحيق بيه‬
‫وعلى هذا ل يلزميه دفيع العوض‪ .‬وأميا ميا يمكنيه دفيع العوض ول‬
‫يلزمييه فهييو بالخيار بييين المحاصيية والمسيياك‪ ،‬وذلك هييو إذا كان‬
‫العوض عينيا‪ .‬وأميا إذا لم يكين إلييه تعجييل العوض مثيل أن يفلس‬
‫المسيلم قبيل أن يدفيع رأس المال‪ ،‬وقبيل أن يحيل أجيل السيلم‪،‬‬
‫فإن رضييي المسييلم إليييه أن يعجييل العروض ويحاصييص الغرماء‬
‫برأس مال السييلم فذلك جائز إن رضييي بذلك الغرماء‪ ،‬فإن أبييى‬
‫ذلك أحد الغرماء حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد‬
‫للغرييم مين مال وفيى العروض التيي علييه إذا حلت لنهيا مين مال‬
‫المفلس‪ ،‬وإن شاءوا أن يبيعوهييا بالنقييد ويتحاصييوا فيهييا كان ذلك‬
‫لهم‪ .‬وأما ما كان من الحقوق الواجبة عن غير عوض فإن ما كان‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫منهييا غييير واجييب بالشرع بييل باللتزام كالهبات والصييدقات فل‬
‫محاصة فيها‪ .‬وأما ما كان منها واجبا بالشرع كنفقة الباء والبناء‪،‬‬
‫ففيهييا قولن‪ :‬أحدهمييا أن المحاصيية ل تجييب بهييا‪ ،‬وهييو قول ابيين‬
‫القاسم‪ .‬والثاني أنها تجب بها إذا لزمت بحكم من السلطان‪ ،‬وهو‬
‫قول أشهب‪ .‬وأما النظر الخامس وهو معرفة و جه التحاص‪ ،‬فإن‬
‫الحكيم فيي ذلك أن يصيرف مال الغرييم مين جنيس ديون الغرماء‪،‬‬
‫وسيواء كان مال الغرماء مين جنيس واحيد أو مين أجناس مختلفية‪،‬‬
‫إذ كان ل يقتضيي فيي الديون إل ميا هيو مين جنيس الديين إل أن‬
‫يتفقوا من ذلك على شيء يجوز‪ .‬واختلفوا من هذا الباب في فرع‬
‫طارئ‪ ،‬وهيو إذا هلك مال المحجور علييه بعيد الحجير وقبيل قبيض‬
‫الغرماء‪ :‬ممن مصيبته؟ فقال أشهب‪ :‬مصيبته من المفلس‪ ،‬وقال‬
‫ابيين الماجشون‪ :‬مصييبته مين الغرماء إذا وقفيه السييلطان‪ .‬وقال‬
‫ابن القاسم‪ :‬ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم لنه إنما يباع‬
‫على ملكيه‪ ،‬وميا ل يحتاج إلى بيعيه فضمانيه مين الغرماء مثيل أن‬
‫يكون المال عينيا والديين عينيا‪ ،‬كلهيم روى قوله عين مالك‪ .‬وفرق‬
‫أصبغ بين الموت والفلس فقال‪ :‬المصيبة في الموت من الغرماء‪،‬‬
‫وفييي الفلس ميين المفلس‪ .‬فهذا هييو القول فييي أصييول أحكام‬
‫المفلس الذي له من المال ما ل يفي بديونه‪ .‬وأما المفلس الذي‬
‫ل مال له أصيييل‪ ،‬فإن فقهاء المصيييار مجمعون على أن العدم له‬
‫تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته‪ ،‬إل ما حكي عن عمر‬
‫بيين عبييد العزيييز أن لهييم أن يؤاجروه‪ ،‬وقال بييه أحمييد ميين فقهاء‬
‫المصيار‪ ،‬وكلهيم مجمعون على أن المديين إذا ادعيى الفلس ولم‬
‫يعلم صيدقه أنيه يحبيس حتيى يتيبين صيدقه أو يقير له بذلك صياحب‬
‫الدييين‪ ،‬فإذا كان ذلك خلي سييبيله‪ .‬وحكييي عيين أبييي حنيفيية أن‬
‫لغرمائه أن يدوروا معييه حيييث دار‪ ،‬وإنمييا صييار الكييل إلى القول‬
‫بالحبييس فييي الديون‪ ،‬وإن كان لم يأت فييي ذلك أثيير صييحيح‪ ،‬لن‬
‫ذلك أمر ضروري في اسيتيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض‪،‬‬
‫وهذا دليل على القول بالقياس الذي يقتضي المصلحة‪ ،‬وهو الذي‬
‫يسييمى بالقياس المرسييل‪ .‬وقييد روي أن النييبي عليييه الصييلة‬
‫والسييلم حبييس رجل فييي تهميية‪ ،‬خرجييه فيمييا أحسييب أبييو داود‬
‫والمحجورون عنيد مالك‪ :‬السيفهاء والمفلسيون والعبييد والمرضيى‬
‫والزوجيية فيمييا فوق الثلث لنييه يرى أن للزوج حقييا فييي المال‪،‬‬
‫وخالفيه فيي ذلك الكثير‪ .‬وهذا القدر كاف بحسيب غرضنيا فيي هذا‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪*2‬كتاب الصلح‪.‬‬
‫@‪-‬والصيل فيي هذا الكتاب قوله تعالى {والصيلح خيير} وميا روي‬
‫عيين النييبي عليييه الصييلة والسييلم مرفوعييا وموقوفييا على عميير‬
‫"إمضاء الصيلح جائز بيين المسيلمين إل صيلحا أحيل حراميا أو حرم‬
‫حلل" واتفييق المسييلمون على جوازه على القرار‪ ،‬واختلفوا فييي‬
‫جوازه على النكار‪ ،‬فقال مالك وأبيييو حنيفييية‪ :‬يجوز على النكار؛‬
‫وقال الشافعيي‪ :‬ل يجوز على النكار لنيه مين أكيل المال بالباطيل‬
‫من غير عوض؛ والمالكية تقول فيه عوض‪ ،‬وهو سقوط الخصومة‬
‫واندفاع اليميين عنيه‪ ،‬ول خلف فيي مذهيب مالك أن الصيلح الذي‬
‫يقيع على القرار يراعيي فيي صيحته ميا يراعيي فيي البيوع‪ ،‬فيفسيد‬
‫بمييا تفسييد بييه البيوع ميين أنواع الفسيياد الخاص بالبيوع ويصييح‬
‫بصحته‪ ،‬وهذا هو مثل أن يدعي إنسان على آخر دراهم فيصالحه‬
‫عليها بعد القرار بدنانير نسيئة‪ ،‬وما أشبه هذا من البيوع الفاسدة‬
‫من قبل الربا والغرر‪ .‬وأما الصلح على النكار فالمشهور فيه عن‬
‫مالك وأصيحابه أنيه يراعيي فييه مين الصيحة ميا يراعيي فيي البيوع‪،‬‬
‫مثيل أن يدعيي إنسيان على آخير دراهيم فينكير ثيم يصيالحه عليهيا‬
‫بدنانيير مؤجلة‪ ،‬فهذا ل يجوز عنيد مالك وأصيحابه؛ وقال أصيبغ‪ :‬هيو‬
‫جائز‪ ،‬لن المكروه فيه من الطرف الواحد‪ ،‬وهو من جهة الطالب‬
‫لنه يعترف أنه أخذ دنانير نسيئة في دراهم حلت له‪ .‬وأما الدافع‬
‫فيقول‪ :‬هي هبة مني‪ .‬وأما إن ارتفع المكروه من الطرفين‪ ،‬مثل‬
‫أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه دنانير أو دراهم فينكر كل‬
‫واحد منهما صاحبه‪ ،‬ثم يصطلحان على أن يؤخر كل واحد منهما‬
‫صياحبه فيميا يدعييه قبله إلى أجيل‪ ،‬فهذا عندهيم هيو مكروه‪ ،‬أميا‬
‫كراهيتييه فمخافيية أن يكون كييل واحييد منهمييا صييادقا‪ ،‬فيكون كييل‬
‫واحيد منهميا قيد أنظير صياحبه لنظار الخير إياه فيدخله أسيلفني‬
‫وأسيلفك‪ .‬وأميا وجيه جوازه فلن كيل واحيد منهميا إنميا يقول ميا‬
‫فعلت إنميا هيو تيبرع منيي‪ ،‬وميا كان يجيب علي شييء‪ ،‬وهذا النحيو‬
‫مين البيوع قييل إنيه يجوز إذا وقيع‪ ،‬وقال ابين الماجشون يفسيخ إذا‬
‫وقيع علييه أثير عقده‪ ،‬فإن طال مضيى‪ ،‬فالصيلح الذي يقيع فييه مميا‬
‫ل يجوز فيي البيوع هيو فيي مذهيب مالك على ثلثية أقسيام‪ :‬صيلح‬
‫يفسيخ باتفاق‪ ،‬وصيلح يفسيخ باختلف‪ ،‬وصيلح ل يفسيخ باتفاق إن‬
‫طال وإن لم يطل فيه اختلف‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الكفالة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫@‪-‬واختلف العلماء فييي نوعهييا وفييي وقتهييا‪ ،‬وفييي الحكييم اللزم‬
‫عنها‪ ،‬وفي شروطها‪ ،‬وفي صفة لزومها‪ ،‬وفي محلها‪ .‬ولها أسماء‪:‬‬
‫كفالة‪ ،‬وحمالة‪ ،‬وضمانيية‪ ،‬وزعاميية‪ .‬فأمييا أنواعهييا فنوعان‪ :‬حمالة‬
‫بالنفس‪ ،‬وحمالة بالمال‪ .‬أما الحمالة بالمال فثابتة بالسنة ومجمع‬
‫عليهيا مين الصيدر الول ومين فقهاء المصيار‪ .‬وحكيي عين قوم أنهيا‬
‫ليسيت لزمية تشبيهيا بالعدة وهيو شاذ‪ .‬والسينة التيي صيار إليهيا‬
‫الجمهور فيي ذلك هيو قوله علييه الصيلة والسيلم "الزعييم غارم"‪.‬‬
‫وأمييا الحمالة بالنفيس وهييي التيي تعرف بضمان الوجيه‪ ،‬فجمهور‬
‫فقهاء المصيار على جواز وقوعهيا شرعيا إذا كانيت بسيبب المال‪.‬‬
‫وحكييي عيين الشافعييي فييي الجديييد أنهييا ل تجوز‪ ،‬وبييه قال داود‪،‬‬
‫وحجتهمييا قوله تعالى {معاذ الله أن نأخييذ إل ميين وجدنييا متاعنييا‬
‫عنده} ولنهييا كفالة بنفييس فأشبهييت الكفالة فييي الحدود‪ .‬وحجيية‬
‫ميين أجازهييا عموم قوله عليييه الصييلة والسييلم "الزعيييم غارم"‬
‫وتعلقوا بأن فيي ذلك مصيلحة‪ ،‬وأنيه مروي عين الصيدر الول وأميا‬
‫الحكم اللزم عنها‪ ،‬فجمهور القائلين بحمالة النفس متفقون على‬
‫أن المتحميل عنيه إذا مات لم يلزم الكفييل بالوجيه شييء‪ ،‬وحكيي‬
‫عين بعضهيم لزوم ذلك‪ .‬وفرق ابين القاسيم بيين أن يموت الرجيل‬
‫حاضرا أو غائبا فقال‪ :‬إن مات حاضرا لم يلزم الكفيل شيء‪ ،‬وإن‬
‫مات غائبيا نظير‪ ،‬فإن كانيت المسيافة التيي بيين البلديين مسيافة‬
‫يمكن الحميل فيها إحضاره في الجل المضروب له في إحضاره‪،‬‬
‫وذلك فيييي نحيييو اليوميييين إلى الثلثييية ففرط غرم وإل لم يغرم‪.‬‬
‫واختلفوا إذا غاب المتحمل عنه ما حكم الحميل بالوجه على ثلثة‬
‫أقوال‪ :‬القول الول‪ :‬أنيييه يلزميييه أن يحضره أو يغرم‪ ،‬وهيييو قول‬
‫مالك وأصيحابه وأهيل المدينية‪ .‬والقول الثانيي إنيه يحبيس الحمييل‬
‫إلى أن يأتي به أو يعلم موته‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق‪.‬‬
‫والقول الثالث إنييه ليييس عليييه إل أن يأتييي بييه إذا علم موضعييه‪،‬‬
‫ومعنييييييى ذلك أن ل يكلف إحضاره إل مييييييع العلم بالقدرة على‬
‫إحضاره‪ ،‬فإن ادعيى الطالب معرفية موضعيه على الحمييل‪ ،‬وأنكير‬
‫الحميييل كلف الطالب بيان ذلك‪ .‬قالوا‪ :‬ول يحبييس الحميييل إل إذا‬
‫كان المتحمييل عنييه معلوم الموضييع‪ ،‬فيكلف حينئذ إحضاره‪ ،‬وهذا‬
‫القول حكاه أبيو عبييد القاسيم ابين سيلم فيي كتابيه فيي الفقيه عين‬
‫جماعة من الناس واختاره‪.‬‬
‫وعمدة مالك أن المتحمييل بالوجييه غارم لصيياحب الحييق فوجييب‬
‫عليه الغرم إذا غاب‪ ،‬وربما احتج لهم بما روي عن ابن عباس "أن‬
‫رجل سييأل غريمييه أن يؤدي إليييه ماله أو يعطيييه حميل‪ ،‬فلم يقدر‬
‫حتى حاكمه إلى النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬فتحمل عنه رسول‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الله صيلى الله علييه وسيلم ثيم أدى المال إلييه" قالوا‪ :‬فهذا غرم‬
‫فيي الحمالة المطلقية‪ .‬وأميا أهيل العراق فقالوا‪ :‬إنميا يجيب علييه‬
‫إحضار ميا تحميل بيه وهيو النفيس‪ ،‬فلييس يجيب أن يعدى ذلك إلى‬
‫المال إل لو شرطيه على نفسيه‪ ،‬وقيد قال علييه الصيلة والسيلم‬
‫"المؤمنون عند شروطهم" فإنما عليه أن يحضره أو يحبس فيه‪،‬‬
‫فكميا أنيه إذا ضمين المال فإنميا علييه أن يحضير المال أو يحبيس‬
‫فيه‪ ،‬كذلك المر في ضمان الوجه‪ .‬وعمدة الفريق الثالث أنه إنما‬
‫يلزميه إحضاره إذا كان إحضاره له مميا يمكين‪ ،‬وحينئذ يحبيس إذا‬
‫لم يحضره‪ ،‬وأميا إذا علم أن إحضاره له غيير ممكين فلييس يجيب‬
‫علييه إحضاره كميا أنيه إذا مات لييس علييه إحضاره‪ .‬قالوا‪ :‬ومين‬
‫ضميين الوجييه فأغرم المال فهييو أحرى أن يكون مغرورا ميين أن‬
‫يكون غارا‪ .‬فأمييا إذا اشترط الوجييه دون المال وصييرح بالشرط‬
‫فقيييد قال مالك‪ :‬إن المال ل يلزميييه‪ ،‬ول خلف فيييي هذا فيميييا‬
‫أحسيب‪ ،‬لنيه كان يكون قيد ألزم ضيد ميا اشترط‪ ،‬فهذا هيو حكيم‬
‫ضمان الوجيه‪ .‬وأميا حكيم ضمان المال فإن الفقهاء متفقون على‬
‫أنييييه إذا عدم المضمون أو غاب أن الضاميييين غارم‪ .‬واختلفوا إذا‬
‫حضير الضامين والمضمون وكلهميا موسير‪ ،‬فقال الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفة وأصحابهما والثوري والوزاعي وأحمد وإسحق‪ :‬للطالب أن‬
‫يؤاخييذ ميين شاء ميين الكفيييل أو المكفول؛ وقال مالك فييي أحييد‬
‫قوليه‪ :‬ليس له أن يأخذ الكفيل مع وجود المتكفل عنه‪ .‬وله قول‬
‫آخيير مثييل قول الجمهور‪ .‬وقال أبييو ثور‪ :‬الحمالة والكفالة واحدة‪،‬‬
‫وميين ضميين عيين رجييل مال لزمييه وبرئ المضمون‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫يكون مال واحيد على اثنيين‪ ،‬وبيه قال ابين أبيي ليلى وابين شبرمية‪.‬‬
‫وميين الحجيية لمييا رأى أن الطالب يجوز له مطالبيية الضاميين كان‬
‫المضمون عنيه غائبيا أو حاضرا‪ ،‬غنييا أو عديميا حدييث قبيصية بين‬
‫المخارقي قال "تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فسيألته عنهيا‪ ،‬فقال‪ :‬تخرجهيا عنيك مين إبيل الصيدقة ييا قبيصية إن‬
‫المسيألة ل تحيل إل فيي ثلث‪ ،‬وذكير رجل تحميل حمالة رجيل حتيى‬
‫يؤديها"‬
‫ووجيه الدلييل مين هذا النيبي صيلى الله علييه وسيلم أباح المسيألة‬
‫للمتحميل دون اعتبار حال المتحميل عنيه‪ .‬وأميا محيل الكفالة فهيي‬
‫الموال عنيييد جمهور أهيييل العلم لقوله علييييه الصيييلة والسيييلم‬
‫"الزعييم غارم" أعنيي كفالة المال وكفالة الوجيه‪ ،‬وسيواء تعلقيت‬
‫الموال من قبل أموال أو من قبل حدود مثل المال الواجب في‬
‫قتل الخطأ أو الصلح في قتل العمد أو السرقة التي ليس يتعلق‬
‫بهيا قطيع وهيي ميا دون النصياب أو مين غيير ذلك‪ .‬وروي عين أبيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫حنيفية إجازة الكفالة فيي الحدود القصياص‪ ،‬أو فيي القصياص دون‬
‫الحدود وهيو قول عثمان البتيي‪ :‬أعنيي كفالة النفيس‪ .‬وأميا وقيت‬
‫وجوب الكفالة بالمال أعني مطالبته بالكفيل‪ ،‬فأجمع العلماء على‬
‫أن ذلك بعد ثبوت الحق على المكفول إما بإقرار وإما ببينة‪ .‬وأما‬
‫وقيت وجوب الكفالة بالوجيه‪ ،‬فاختلفوا هيل تلزم قبيل إثبات الحيق‬
‫أم ل؟ فقال قوم‪ :‬إنها ل تلزم قبل إثبات الحق بوجه من الوجوه‪،‬‬
‫وهو قول شريح القاضي والشعبي‪ ،‬وبه قال سحنون من أصحاب‬
‫مالك‪ .‬وقال قوم‪ :‬بيل يجيب أخيذ الكفييل بالوجيه على إثبات الحيق‪،‬‬
‫وهؤلء اختلفوا متيى يلزم ذلك؟‪ ،‬وإلى كيم مين المدة يلزم؟ فقال‬
‫قوم‪ :‬إن أتى بشبهة قوية مثل شاهد واحد لزمه أن يعطي ضامنا‬
‫بوجهييه حتييى يلوح حقييه وإل لم يلزمييه الكفيييل إل أن يذكيير بينيية‬
‫حاضرة في المصر فيعطيه حميل من الخمسة اليام إلى الجمعة‪،‬‬
‫وهيو قول ابين القاسيم مين أصيحاب مالك‪ ،‬وقال أهيل العراق‪ :‬ل‬
‫يؤخذ عليهم حميل قبل ثبوت الحق إل أن يدعي بينة حاضرة في‬
‫المصيير نحييو قول ابيين القاسييم‪ ،‬إل أنهييم حدوا ذلك بالثلثيية اليام‬
‫يقولون إنه أن أتى بشبهة لزمه أن يعطيه حميل حتى يثبت دعواه‬
‫أو تبطييل‪ ،‬وقييد أنكروا الفرق فييي ذلك والفرق بييين الذي يدعييي‬
‫البينة الحاضرة والغائبة‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل يؤخذ حميل على أحد إل ببينة‪،‬‬
‫وذلك إلى بيان صدق دعواه أو إبطالها‪.‬‬
‫وسيبب هذا الختلف تعارض وجيه العدل بيين الخصيمين فيي ذلك‪،‬‬
‫فإنيه إذا لم يؤخيذ علييه ضامين بمجرد الدعوى لم يؤمين أن يغييب‬
‫بوجهيه فيعنيت طالبيه‪ ،‬وإذا أخيذ علييه لم يؤمين أن تكون الدعوى‬
‫باطلة فيعنييت المطلوب‪ ،‬ولهذا فرق ميين فرق بييين دعوى البينيية‬
‫الحاضرة والغائبية‪ .‬وروي عين عراك بين مالك قال "أقبيل نفير مين‬
‫العراب معهيم ظهير فصيحبهم رجلن فباتيا معهيم‪ ،‬فأصيبح القوم‬
‫وقيد فقدوا كذا وكذا مين إبلهيم‪ ،‬فقال رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسلم لحد الرجلين‪ :‬اذهب واطلب وحبس الخر‪ ،‬فجاء بما ذهب‪،‬‬
‫فقال رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم لحيد الرجليين‪ :‬اسيتغفر‬
‫لي‪ ،‬فقال‪ :‬غفيير الله لك‪ ،‬قال‪ :‬وأنييت فعفيير الله لك وقتلك فييي‬
‫سيبيله" خرج هذا الحدييث أبيو عبييد فيي كتابيه بالفقيه قال‪ :‬وحمله‬
‫بعييض العلماء على أن ذلك كان ميين رسييول الله حبسييا قال‪ :‬ول‬
‫يعجبني ذلك‪ ،‬لنه ل يجب الحبس بمجرد الدعوى‪ ،‬وإنما هو عندي‬
‫ميين باب الكفالة بالحييق الذي لم يجييب إذا كانييت هنالك شبهيية‬
‫لمكان صيحبتهما لهيم‪ .‬فأميا أصيناف المضمونيين فلييس يلحيق مين‬
‫قبييل ذلك اختلف مشهور لختلفهييم فييي ضمان الميييت إذا كان‬
‫عليييه دييين ولم يترك وفاء بدينييه‪ ،‬فأجازه مالك والشافعييي‪ ،‬وقال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أبيو حنيفية‪ :‬ل يجوز‪ .‬واسيتدل أبيو حنيفية مين قبيل أن الضمان ل‬
‫يتعللق بمعلوم قطعا‪ ،‬وليس كذلك المفلس‪ .‬واستدل من رأى أن‬
‫الضمان يلزميه بميا روي أن النيبي علييه الصيلة والسيلم كان فيي‬
‫صدر السلم ل يصلي على من مات وعليه دين حتى يضمن عنه‪.‬‬
‫والجمهور يصييح عندهييم كفالة المحبوس والغائب‪ ،‬ول يصييح عنييد‬
‫أبيييي حنيفييية‪ .‬وأميييا شروط الكفالة فإن أبيييا حنيفييية والشافعيييي‬
‫يشترطان فيي وجوب رجوع الضا من على المضمون بما أدى عنه‬
‫أن يكون الضمان بإذنييييه‪ ،‬ومالك ل يشترط ذلك‪ ،‬ول تجوز عنييييد‬
‫الشافعيي كفالة المجهول ول الحيق الذي لم يجيب بعيد‪ ،‬وكيل ذلك‬
‫لزم وجائز عنيد مالك وأصيحابه‪ .‬وأميا ميا تجوز فييه الحمالة بالمال‬
‫مما ل تجوز‪ ،‬فإنها ل تجوز عند مالك بكل مال ثابت في الذمة إل‬
‫الكتابيية ومييا ل يجوز فيييه التأخييير‪ ،‬ومييا يسييتحق شيئا فشيئا مثييل‬
‫النفقات على الزواج‪ ،‬وما شاكلها‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الحوالة‪.‬‬
‫@‪-‬والحوالة معاملة صييحيحة مسييتثناة ميين الدييين بالدييين‪ ،‬لقوله‬
‫علييه الصيلة والسيلم "مطيل الغنيي ظلم وإذا أحييل أحدكيم على‬
‫غني فليستحل" والنظر في شروطها وفي حكمها‪ ،‬فمن الشروط‬
‫اختلفهيم فيي اعتبار رضيا المحال والمحال علييه‪ ،‬فمين الناس مين‬
‫اعتيبر رضيا المحال ولم يعتيبر رضيا المحال علييه‪ ،‬وهيو مالك؛ ومين‬
‫الناس ميين اعتييبر رضاهمييا معييا؛ ميين الناس ميين لم يعتييبر رضييا‬
‫المحال واعتيبر رضيا المحال علييه‪ ،‬وهيو نقييض مذهيب مالك‪ ،‬وبيه‬
‫قال داود‪ ،‬فمين رأى أنهيا معاملة اعتيبر رضيا الصينفين‪ ،‬ومين أنزل‬
‫المحال علييه مين المحال منزلتيه مين المحييل لم يعتيبر رضاه معيه‬
‫ك ما ل يعتبره مع المحيل إذا طلب منه ح قه ولم يحل علييه أحدا‪.‬‬
‫وأمييا داود فحجتييه ظاهيير قوله عليييه الصييلة والسييلم "إذا أحيييل‬
‫أحدكييم على ملئ فليتبييع" والميير على الوجوب‪ ،‬وبقييي المحال‬
‫علييه مين الصيل‪ ،‬وهيو اشتراط اعتبار رضاه‪ .‬ومين الشروط التيي‬
‫اتفيق عليهيا فيي الجملة كون ميا على المحال علييه مجانسيا لميا‬
‫على المحييل قدرا ووصيفا‪ ،‬إل أن منهيم مين أجازهيا فيي الذهيب‬
‫والدراهيم فقيط ومنعهيا فيي الطعام‪ ،‬والذيين منعوهيا فيي ذلك رأوا‬
‫أنهيا مين باب بييع الطعام قبيل أن يسيتوفي‪ ،‬لنيه باع الطعام الذي‬
‫كان له على غريمييييه بالطعام الذي كان عليييييه‪ ،‬وذلك قبييييل أن‬
‫يسييتوفيه مين غريمييه؛ وأجاز ذلك مالك إذا كان الطعامان كلهمييا‬
‫ميين قرض إذا كان دييين المحال حال‪ .‬وأمييا إن كان أحدهمييا ميين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫سيلم فإنيه ل يجوز إل أن يكون الدينان حاليين؛ وعنيد ابين القاسيم‬
‫وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حال؛‬
‫ولم يفرق بيين ذلك الشافعيي‪ ،‬لنيه كالبييع فيي ضمان المسيتقرض‬
‫وإنما رخص مالك في القرض لنه يجوز عنده بيع القرض قبل أن‬
‫يستوفي‪ .‬وأما أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطعام وشبهها بالدراهم‬
‫وجعلهيا خارجية عين الصيول كخروج الحوالة بالدراهيم‪ ،‬والمسيألة‬
‫مبنييية على أن مييا شييذ عيين الصييول هييل يقاس عليييه أم ل؟‬
‫والمسيألة مشهورة فيي أصيول الفقيه‪ ،‬وللحوالة عنيد مالك ثلثية‬
‫شروط‪ :‬أحدهييا أن يكون دييين المحال حال‪ ،‬لنييه إن لم يكيين حال‬
‫كان دينيا بديين‪ .‬والثانيي أن يكون الديين الذي يحيله بيه مثيل الذي‬
‫يحيله عليه في القدر والصفة‪ ،‬لنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعا‬
‫ولم يكن حوالة‪ ،‬فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع‪ ،‬وإذا خرج‬
‫ميين باب البيييع دخله الدييين بالدييين‪ .‬والشرط الثالث أن ل يكون‬
‫الديين طعاميا مين سيلم أو أحدهميا ولم يحيل الديين المسيتحال بيه‬
‫على مذهيب ابين القاسيم‪ ،‬وإذا كان الطعامان جميعيا مين سيلم فل‬
‫تجوز الحوالة بأحدهميا على الخير حلت الجال أو لم تحيل‪ ،‬أو حيل‬
‫أحدهميا ولم يحيل الخير‪ ،‬لنيه يدخله بييع الطعام قبيل أن يسيتوفي‬
‫كميا قلنيا‪ ،‬لكين أشهيب يقول إن اسيتوت رؤوس أموالهميا جازت‬
‫الحوالة وكانيييت توليييية؛ وابييين القاسيييم ل يقول ذلك كالحال إذا‬
‫اختلفييت ويتنزل المحال فييي الدييين الذي أحيييل عليييه منزلة ميين‬
‫أحاله‪ ،‬ومنزلته في الدين الذي أحاله به‪ ،‬وذلك فيما يريد أن يأخذ‬
‫بذله منه أو يبيعه له من غيره‪ ،‬أعني أنه ل يجوز له من ذلك إل ما‬
‫يجوز له مع الذي أحاله وما يجوز للذي أحال مع الذي أحاله عليه‪،‬‬
‫ومثال ذلك إن احتال بطعام كان له مييين قرض فيييي طعام مييين‬
‫سلم أو بطعام من سلم في طعام من قرض لم يجز له أن يبيعه‬
‫ميين غيره قبييل قبضييه منييه‪ ،‬لنييه إن كان احتال بطعام كان ميين‬
‫قرض فيي طعام مين سيلم نزل منزلة المحييل فيي أنيه ل يجوز له‬
‫بييع ميا على غريميه قبيل أن يسيتوفيه لكونيه طعاميا مين بييع‪ ،‬وإن‬
‫كان احتال بطعام من سلم في طعام من قرض نزل من المحتال‬
‫عليييه منزلتييه مييع ميين أحاله‪ ،‬أعنييي أنييه مييا كان يجوز له أن يييبيع‬
‫الطعام الذي كان على غريمه المحيل له قبل أن يستوفيه‪ ،‬كذلك‬
‫ل يجوز أن يبيع الطعام الذي أحيل عليه وإن كان من قرض‪ ،‬وهذا‬
‫كله مذهيب مالك‪ ،‬وأدلة هذه الفروق ضعيفية‪ .‬وأمييا أحكامهييا فإن‬
‫جمهور العلماء على أن الحوالة ضييد الحمالة‪ ،‬فييي أنييه إذا أفلس‬
‫المحال علييه لم يرجيع صياحب الديين على المحييل بشييء؛ قال‬
‫مالك وأصيييحابه‪ :‬إل أن يكون المحييييل غره فأحاله على عدييييم؛‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقال أبييو حنيفيية‪ :‬يرجييع صيياحب الدييين على المحيييل إذا مات‬
‫المحال عليه مفلسا أو جحد الحوالة وإن لم تكن له بينة‪ ،‬وبه قال‬
‫شرييح وعثمان البتيي وجماعية‪ .‬وسيبب اختلفهيم مشابهية الحوالة‬
‫للحمالة‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الوكالة‬
‫@‪-‬وفيهيا ثلثية أبواب‪ :‬الباب الول‪ :‬فيي أركانهيا‪ ،‬وهيي النظير فيميا‬
‫فييه التوكييل‪ ،‬وفيي الموكيل‪ .‬والثانيي فيي أحكام الوكالة‪ .‬والثالث‪:‬‬
‫في مخالفة الموكل للوكيل‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول فيي أركانهيا‪ ،‬وهيي النظير فيميا فييه التوكييل‪ ،‬وفيي‬
‫الموكِل‪ ،‬وفي الموَكل‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيييين الول‪ :‬فييييي الموكييييل) واتفقوا على وكالة الغائب‬
‫والمريييض والمرأة المالكييين لمور أنفسييهم‪ ،‬واختلفوا فييي وكالة‬
‫الحاضير الذكير الصيحيح‪ ،‬فقال مالك‪ :‬تجوز وكالة الحاضير الصيحيح‬
‫الذكر‪ ،‬وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة‪ :‬ل تجوز وكالة الصحيح‬
‫الحاضر ول المرأة إل أن تكون برزة‪ .‬فمن رأى أن الصل ل ينوب‬
‫فعييل الغييير عيين فعييل الغييير إل مييا دعييت إليييه الضرورة وانعقييد‬
‫الجماع علييه قال‪ :‬ل تجوز نيابية مين اختلف فيي نيابتيه؛ ومين رأى‬
‫أن الصيل هيو الجواز قال‪ :‬الوكالة فيي كيل شييء جائزة إل فيميا‬
‫أجمع على أنه ل تصح فيه من العبادات وما جرى مجراها‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الثانييي‪ :‬فييي الوكيييل) وشروط الوكيييل أن ل يكون‬
‫ممنوعيا بالشرع من تصيرفه فيي الشييء الذي وكيل فييه‪ ،‬فل يصيح‬
‫توكييل الصيبي ول المجنون ول المرأة عنيد مالك والشافعيي على‬
‫عقيد النكاح‪ .‬أميا عنيد الشافعيي فل بمباشرة ول بواسيطة‪ :‬أي بأن‬
‫توكل هي من يلي عقد النكاح‪ ،‬ويجوز عند مالك بالواسطة الذكر‪.‬‬
‫@‪(-‬الركين الثالث‪ :‬فيميا فييه التوكييل) وشرط محيل التوكييل أن‬
‫يكون قابل للنيابيية مثييل البيييع والحوالة والضمان وسييائر العقود‬
‫والفسييوخ والشركيية والوكالة والمصييارفة والمجاعلة والمسيياقاة‬
‫والطلق والنكاح والخلع والصييلح‪ .‬ول تجوز فييي العبادات البدنييية‪،‬‬
‫وتجوز في المالية كالصدقة والزكاة والحج‪ ،‬وتجوز عند مالك في‬
‫الخصومة على القرار والنكار؛ وقال الشافعي في أحد قوليه‪ :‬ل‬
‫تجوز على القرار‪ ،‬وشبيييه ذلك بالشهادة واليمان‪ ،‬وتجوز الوكالة‬
‫على اسييتيفاء العقوبات عنييد مالك وعنييد الشافعييي مييع الحضور‬
‫قولن‪ :‬والذيييين قالوا إن الوكالة تجوز على القرار اختلفوا فيييي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مطلق الوكالة على الخصييومة هييل يتضميين القرار أم ل؟ فقال‬
‫مالك‪ :‬ل يتضمن‪ ،‬وقال أبو حنيفة‪ :‬يتضمن‪.‬‬
‫@‪(-‬الركين الرابيع) وأميا الوكالة فهيي عقيد يلزم باليجاب والقبول‬
‫كسائر العقود‪ ،‬وليست هي من العقود اللزمة بل الجائزة على ما‬
‫نقوله في أحكام هذا العقد‪ ،‬وهي ضربان عند مالك عامة وخاصة‪،‬‬
‫فالعامية هيي التيي تقيع عنده بالتوكييل العام الذي ل يسيمى فييه‬
‫شيييء دون شيييء وذلك أنييه إن سييمي عنده لم ينتفييع بالتعميييم‬
‫والتفوييض؛ وقال الشافعيي‪ :‬ل تجوز الوكالة بالتعمييم وهيي غرر‪،‬‬
‫وإنميا يجوز منهيا ميا سيمي وحدد ونيص علييه‪ ،‬وهيو القييس إذ كان‬
‫الصل فيها المنع‪ ،‬إل ما وقع عليه الجماع‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في الحكام‪.‬‬
‫@‪-‬وأميا الحكام‪ :‬فمنهيا أحكام العقيد‪ ،‬ومنهيا أحكام فعيل الوكييل‪.‬‬
‫فأما هذا العقد فهو كما قلنا عقد غير لزم للوكيل أن يدع الوكالة‬
‫متيى شاء عنيد الجمييع‪ ،‬لكين أبيو حنيفية يشترط فيي ذلك حضور‬
‫الموكييل‪ ،‬وللموكييل أن يعزله متييى شاء قالوا‪ :‬إل أن تكون وكالة‬
‫في خصومة‪ .‬وقال أصبغ‪ :‬له ذلك ما لم يشرف على تمام الحكم‪،‬‬
‫وليس للوكيل أن يعزل نفسه في الموضع الذي ل يجوز أن يعزله‬
‫الموكيل‪ ،‬ولييس مين شروط انعقاد هذا العقيد حضور الخصيم عنيد‬
‫مالك والشافعي‪ .‬وقال أبو حنيفة‪ :‬ذلك من شروطه‪ .‬وكذلك ليس‬
‫من شرط إثباتها عند الحاكم حضوره عند مالك‪ .‬وقال الشافعي‪:‬‬
‫ميين شرطييه‪ .‬واختلف أصييحاب مالك هييل تنفسييخ الوكالة بموت‬
‫الموكيل على قوليين‪ ،‬فإذا قلنيا تنفسيخ بالموت كميا تنفسيخ بالعزل‬
‫فمتى يكون الوكيل معزول‪ ،‬والوكالة منفسخة في حق من عامله‬
‫فيي المذهيب فييه ثلثية أقوال‪ :‬الول أنهيا تنفسيخ فيي حيق الجمييع‬
‫بالموت والعزل‪ .‬والثانييي أنهييا تنفسييخ فييي حييق كييل واحييد منهييم‬
‫بالعلم‪ ،‬فمن علم انفسخت في حقه ومن لم يعلم لم تنفسخ في‬
‫حقه‪ .‬والثالث أنها تنفسخ في حق من عامل الوكيل بعلم الوكيل‬
‫وإن لم يعلم هيو‪ ،‬ول تنفسيخ فيي حيق الوكييل بعلم الذي عامله إذا‬
‫لم يعلم الوكيل‪ ،‬ولكن من دفع إليه شيئا بعد العلم بعزله ضمنه‪،‬‬
‫لنه دفع إلى من يعلم أنه ليس بوكيل‪.‬‬
‫وأميا أحكام الوكييل ففيهيا مسيائل مشهورة‪ :‬أحدهيا إذا وكيل على‬
‫بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ فقال مالك‪ :‬يجوز‪ ،‬وقد‬
‫قيييل عنييه‪ :‬ل يجوز؛ وقال الشافعييي‪ :‬ل يجوز‪ ،‬وكذلك عنييد مالك‬
‫الب والوصيي‪ .‬ومنهيا إذا وكله فيي البييع وكالة مطلقية لم يجيز له‬
‫عنيد مالك أن ييبيع إل بثمين مثله نقدا بنقيد البلد‪ ،‬ول يجوز إن باع‬
‫نسييئة‪ ،‬أو بغيير نقيد البلد‪ ،‬أو بغيير ثمين المثيل‪ ،‬وكذلك المير عنده‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فييي الشراء؛ وفرق أبييو حنيفيية بييين البيييع والشراء لمعييين فقال‪:‬‬
‫يجوز في البيع أن يبيع بغير ثمن المثل‪ ،‬وأن يبيع نسيئة‪ ،‬ولم يجز‬
‫إذا وكله فييي شراء عبييد بعينييه أن يشتريييه إل بثميين المثييل نقدا‪،‬‬
‫ويشبه أن يكون أبو حنيفة إنما فرق بين الوكالة على شراء شيء‬
‫بعينه‪ ،‬لن من حجته أنه كما أن الرجل قد يبيع الشيء بأقل من‬
‫ثمن مثله ونساء لمصلحة يراها في ذلك كله‪ ،‬كذلك حكم الوكيل‬
‫إذ قييد أنزله منزلتييه‪ ،‬وقول الجمهور أبييين‪ ،‬وكييل مييا يعتدي فيييه‬
‫الوكييل ضمين عنيد مين يرى أنيه تعدى‪ ،‬وإذا اشترى الوكييل شيئا‬
‫وأعلم أن الشراء للموكييل فالملك ينتقييل إلى الموكييل؛ وقال أبييو‬
‫حنيفة‪ :‬إلى الوكيل أول ثم إلى الموكل‪ ،‬وإذا دفع الوكيل دينا عن‬
‫الموكل ولم يشهد فأنكر الذي له الدين القبض ضمن الوكيل‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثالث في مخالفة الموكل للوكيل‪.‬‬
‫@‪-‬وأميا اختلف الوكييل ميع الموكيل‪ ،‬فقيد يكون فيي ضياع المال‬
‫الذي اسيتقر عنيد الوكييل‪ ،‬وقيد يكون فيي دفعيه إلى الموكيل‪ ،‬وقيد‬
‫يكون فييي مقدار الثميين الذي باع بييه أو اشترى إذا أمره بثميين‬
‫محدود‪ ،‬وقيد يكون فيي المثمون‪ ،‬وقيد يكون فيي تعييين مين أمره‬
‫بالدفيع إلييه‪ ،‬وقيد يكون فيي دعوى التعدي‪ .‬فإذا اختلفيا فيي ضياع‬
‫المال فقال الوكيييل ضاع منييي‪ ،‬وقال الموكييل لم يضييع‪ ،‬فالقول‬
‫قول الوكيييل إن كان لم يقبضييه ببينيية‪ ،‬فإن كان المال قييد قبضييه‬
‫الوكييل مين غرييم الموكيل لم يشهيد الغرييم على الدفيع لم ييبرأ‬
‫الغرييم بإقرار الوكييل عنيد مالك وغرم ثانيية‪ ،‬وهيل يرجيع الغرييم‬
‫على الوكييل؟ فييه خلف‪ ،‬وإن كان قيد قبضيه ببينية برئ ولم يلزم‬
‫الوكيل شيء‪ .‬وأما إذا اختلفا في الدفع فقال الوكيل دفعته إليك‪،‬‬
‫وقال الموكييل‪ :‬ل‪ ،‬فقيييل القول قول الوكيييل‪ .‬وقيييل القول قول‬
‫الموكل‪ .‬وقيل إن تباعد ذلك فالقول قول الوكيل‪ .‬وأمر اختلفهم‬
‫في مقدار الثمن الذي به أمره بالشراء؛ فقال ابن القاسم‪ :‬إن لم‬
‫تفيييت السيييلعة فالقول قول المشتري‪ ،‬وإن فاتيييت فالقول قول‬
‫الوكييييل‪ ،‬وقييييل يتحالفان وينفسيييخ البييييع ويتراجعان وإن فاتيييت‬
‫بالقيمية وإن كان اختلفهييم فييي مقدار الثمين الذي أمره بيه فيي‬
‫البيع‪ ،‬فعند ابن القاسم أن القول فيه قول الموكل‪ ،‬لنه جعل دفع‬
‫الثميين بمنزلة فوات السييلعة فييي الشراء‪ .‬وأمييا إذا اختلفييا فيميين‬
‫أمره بالدفييع ففييي المذهييب فيييه قولن‪ :‬المشهور أن القول قول‬
‫المأمور‪ ،‬وقييل القول قول المير‪ .‬وأميا إذا فعيل الوكييل فعل هيو‬
‫تعيد وزعيم أن الموكيل أمره‪ ،‬فالمشهور أن القول قول الموكيل‪،‬‬
‫وقد قيل إن القول قول الوكيل إنه أمره قد ائتمنه على الفعل‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب اللقطة‬
‫@‪-‬والنظير فيي اللقطية فيي جملتيين‪ :‬الجملة الولى‪ :‬فيي أركانهيا‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬في أحكامها‪.‬‬
‫*‪(*3‬الجملة الولى) والركان ثلثة‪ :‬اللتقاط‪ ،‬والملتقط‪ ،‬واللقطة‪.‬‬
‫فأميا اللتقاط فاختلف العلماء هيل هيو فضيل أم الترك؟ فقال أبيو‬
‫حنيفة‪ :‬الفضل اللتقاط‪ ،‬لنه من الواجب على المسلم أن يحفظ‬
‫مال أخيييه المسييلم‪ ،‬وبييه قال الشافعييي؛ وقال مالك وجماعيية‬
‫بكراهييية اللتقاط‪ ،‬وروي عيين ابيين عميير وابيين عباس‪ ،‬وبييه قال‬
‫أحميد‪ ،‬وذلك لمريين‪ :‬أحدهميا ميا روي أنيه صيلى الله علييه وسيلم‬
‫قال "ضالة المؤمن حرق النار" ولما يخاف أيضا من التقصير في‬
‫القيام بما يجب لها من التعريف وترك التعدي عليها‪ ،‬وتأول الذين‬
‫رأوا اللتقاط أول الحدييث وقالوا‪ :‬أراد بذلك النتفاع بهيا ل أخذهيا‬
‫للتعريف؛ وقال قوم‪ :‬بل لقطها واجب‪ .‬وقد قيل إن هذا الختلف‬
‫إذا كانييت اللقطيية بييين قوم مأمونييين والمام عادل‪ .‬قالوا‪ :‬وإن‬
‫كانييت اللقطيية بييين قوم غييير مأمونييين والمام عادل فواجييب‬
‫التقاطهيا‪ .‬وإن كانيت بيين قوم مأمونيين والمام جائر فالفضيل أن‬
‫ل يلتقطهيا‪ .‬وإن كانيت بيين قوم غيير مأمونيين والمام غيير عادل‬
‫فهيو مخيير بحسيب ميا يغلب على ظنيه مين سيلمتها أكثير مين أحيد‬
‫الطرفين‪ ،‬وهذا كله ما عدا لقطة الحاج‪ ،‬فإن العلماء أجمعوا على‬
‫أنه ل يجوز التقاطها لنهيه عليه الصلة والسلم عن ذلك‪ ،‬ولقطة‬
‫مكيية أيضييا ل يجوز التقاطهييا إل لمنشييد لورود النييص فييي ذلك‪،‬‬
‫والمروي فيي ذلك لفظان‪ :‬أحدهميا أنيه ل ترفيع لقطتهيا إل لمنشيد‪.‬‬
‫الثانيي ل يرفيع لقطتهيا إل منشيد‪ ،‬فالمعنيى الواحيد أنهيا ل ترفيع إل‬
‫لمين ينشدهيا‪ ،‬والمعنيى الثانيي ل يلتقطهيا إل لمين ينشدهيا ليعرف‬
‫الناس‪ .‬وقال مالك‪ :‬تعرف هاتان اللقتطان أبدا‪ ،‬فأميييا الملتقيييط‬
‫فهيو كيل حير مسيلم بالغ لنهيا وليية‪ ،‬واختلف عين الشافعيي فيي‬
‫جواز التقاط الكافيير‪ .‬قال أبييو حامييد‪ :‬والصييح جواز ذلك فييي دار‬
‫السيلم‪ .‬قال‪ :‬وفيي أهليية العبيد والفاسيق له قولن‪ :‬فوجيه المنيع‬
‫عدم أهلييية الولييية‪ ،‬ووجييه الجواز عموم أحاديييث اللقطيية‪ .‬وأمييا‬
‫اللقطيية بالجملة فإنهييا كييل مال لمسييلم معرض للضياع كان ذلك‬
‫فيي عامير الرض أو غامرهيا‪ ،‬والجماد والحيوان فيي ذلك سيواء إل‬
‫البيل باتفاق‪ .‬والصيل فيي اللقطية حدييث يزييد بين خالد الجهنيي‪،‬‬
‫وهيو متفيق على صيحته أنيه قال "جاء رجيل إلى رسيول الله صيلى‬
‫الله عليييه وسييلم فسييأله عيين اللقطيية‪ ،‬فقال‪ :‬اعرف عفاصييها‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ووكاءهيا ثيم عرفهيا سينة‪ ،‬فإن جاء صياحبها وإل فشأنيك بهيا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فضالة الغنييم يييا رسييول الله؟ قال‪ :‬هييي لك أو لخيييك أو للذئب‪،‬‬
‫قال‪ :‬فضالة البييل‪ ،‬قال‪ :‬مالك ولهييا معهييا سييقاؤها وحذاؤهييا ترد‬
‫الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" وهذا الحديث يتضمن معرفة‬
‫ميا يلتقيط مميا ل يلتقيط‪ ،‬ومعرفية حكيم ميا يلتقيط كييف يكون فيي‬
‫العام وبعده وبماذا يسيتحقها مدعيهيا‪ .‬فأميا البيل فاتفقوا على أنهيا‬
‫ل تلتقييط‪ ،‬واتفقوا على الغنييم أنهييا تلتقييط‪ ،‬وترددوا فييي البقيير‪،‬‬
‫والنيص عين الشافعيي أنهيا كالبيل‪ ،‬وعين مالك أنهيا كالغنيم‪ ،‬وعنيه‬
‫خلف‪.‬‬
‫*‪(*3‬الجملة الثانية)‬
‫@‪-‬وأما حكم التعريف‪ ،‬فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له‬
‫بال سينة ميا لم تكين مين الغنيم‪ .‬واختلفوا فيي حكمهيا بعيد السينة‪،‬‬
‫فاتفيييق فقهاء المصيييار مالك والثوري والوزاعيييي وأبيييو حنيفييية‬
‫والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور إذا انقضت كان له أن يأكلها‬
‫إن كان فقيرا‪ ،‬أو يتصيدق بهيا إن كان غنييا‪ ،‬فإن جاء صياحبها كان‬
‫مخيرا بيين أن يجيييز الصييدقة فينزل على ثوابهيا أو يضمنيه إياهيا‪.‬‬
‫واختلفوا فيي الغنيي هيل له أن يأكلهيا أو ينفقهيا بعيد الحول؟ فقال‬
‫مالك والشافعيي‪ :‬له ذلك؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬لييس له أن يأكلهيا أو‬
‫يتصيدق بهيا؛ وروي مثيل قوله عين علي وابين عباس وجماعية مين‬
‫التابعيين؛ وقال الوزاعيي‪ :‬إن كان مال كثيرا جعله فيي بييت المال؛‬
‫وروي مثيل قول مالك والشافعيي عين عمير وابين مسيعود وابين‬
‫عمير وعائشية‪ .‬وكلهيم متفقون على أنيه إن أكلهيا ضمنهيا لصياحبها‬
‫إل أهييل الظاهيير‪ .‬واسييتدل مالك والشافعييي بقوله عليييه الصييلة‬
‫والسيلم "فشأنيك بهيا" ولم يفرق بيين غنيي وفقيير‪ .‬ومين الحجية‬
‫لهميا ميا رواه البخاري والترمذي عين سيويد بين غفلة قال "لقييت‬
‫أوييس بين كعيب فقال‪ :‬وجدت صيرة فيهيا مائة دينار‪ ،‬فأتييت النيبي‬
‫صيلى الله علييه وسيلم فقال‪ :‬عرفهيا حول‪ ،‬فعرفتهيا فلم أجيد‪ ،‬ثيم‬
‫أتيتييه ثلثييا فقال‪ :‬احفييظ وعاءهييا ووكاءهييا فإن جاء صيياحبها وإل‬
‫فاسييتمتع بهييا" وخرج الترمذي وأبييو داود "فاسييتنفقها"‪ .‬فسييبب‬
‫الخلف معارضة ظاهر لفظ حديث اللقطة لصل الشرع‪ ،‬وهو أنه‬
‫ل يحيل مال امرئ مسيلم إل عين طييب نفيس منيه‪ ،‬فمين غلب هذا‬
‫الصل على ظاهر الحديث‪ ،‬وهو قوله بعد التعريف "فشأنك بها"‬
‫قال‪ :‬ل يجوز فيها تصرف إل بالصدقة فقط على أن يضمن إن لم‬
‫يجيز صياحب اللقطية الصيدقة؛ ومين غلب ظاهير الحدييث على هذا‬
‫الصيل ورأى أنيه مسيتثنى منيه قال‪ :‬تحيل له بعيد العام وهيي مال‬
‫من ماله ل يضمنها إن جاء صاحبها‪ ،‬ومن توسط قال‪ :‬يتصرف بعد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العام فيهييا وإن كانييت عينييا على جهيية الضمان‪ .‬وأمييا حكييم دفييع‬
‫اللقطية لمين ادعاهيا‪ ،‬فاتفقوا على أنهيا ل تدفيع إلييه إذا لم يعرف‬
‫العفاص ول الوكاء‪،‬‬
‫واختلفوا إذا عرف ذلك هييل يحتاج مييع ذلك إلى بينيية أم ل؟ فقال‬
‫مالك‪ :‬يسيييتحق بالعلمييية ول يحتاج إلى بينييية؛ وقال أبيييو حنيفييية‬
‫والشافعيي‪ :‬ل يسيتحق إل ببينية‪ .‬وسيبب الخلف معارضية الصيل‬
‫في اشتراط الشهادة في صحة الدعوى لظاهر هذا الحديث؛ فمن‬
‫غلب الصل قال‪ :‬ل بد من البينة؛ ومن غلب ظاهر الحديث قال‪:‬‬
‫ل يحتاج إلى بينية‪ .‬وإنميا اشترط الشهادة فيي ذلك الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفية لن قوله علييه الصيلة والسيلم "اعرف عفاصيها ووكاءهيا‬
‫فإن جاء صيياحبها وإل فشأنييك بهييا" يحتمييل أن يكون إنمييا أمره‬
‫بمعرفييية العفاص والوكاء لئل تختلط عنده بغيرهيييا‪ ،‬ويحتميييل أن‬
‫يكون إنمييا أمره بذلك ليدفعهييا لصيياحبها بالعفاص والوكاء‪ ،‬فلمييا‬
‫وقييع الحتمال وجييب الرجوع إلى الصييل‪ ،‬فإن الصييول ل تعارض‬
‫بالحتمالت المخالفيية لهيا إل أن تصيح الزيادة التيي نذكرهيا بعيد؛‬
‫وعنييد مالك وأصييحابه أن على صيياحب اللقطيية أن يصييف مييع‬
‫العفاص والوكاء صييفة الدنانييير والعدد‪ ،‬قالوا‪ :‬وذلك موجود فييي‬
‫بعيض روايات الحدييث ولفظيه "فإن جاء صياحبها ووصيف عفاصيها‬
‫ووكاءها وعددها فادفعها إليه" قالوا‪ :‬ولكن ل يضره الجهل بالعدد‬
‫إذا عرف العفاص والوكاء‪ ،‬وكذلك إن زاد فييه‪ .‬واختلفوا إن نقيص‬
‫مييين العدد على قوليييين‪ ،‬وكذلك اختلفوا إذا جهيييل الصيييفة وجاء‬
‫بالعفاص والوكاء‪ .‬وأميا إذا غلط فيهيا فل شييء له‪ .‬وأميا إذا عرف‬
‫إحدى العلمتين اللتين وقع النص عليهما وجهل الخرى فقيل إنه‬
‫ل شييء له إل بمعرفتهميا جميعيا‪ ،‬وقييل يدفيع إلييه بعيد السيتبراء‪،‬‬
‫وقييل إن ادعيى الجهالة اسيتبرئ‪ ،‬وإن غلط لم تدفيع إلييه‪ .‬واختلف‬
‫المذهيب إذا أتيى بالعلمية المسيتحقة هيل يدفيع إلييه بيميين أو بغيير‬
‫يميين؟ فقال ابين القاسيم بغيير يميين‪ :‬وقال أشهيب‪ :‬بيميين‪ .‬وأميا‬
‫ضالة الغنييم‪ ،‬فإن العلماء اتفقوا على أن لواجييد ضالة الغنييم فييي‬
‫المكان القفيير البعيييد ميين العمران أن يأكلهييا لقوله عليييه الصييلة‬
‫والسلم في الشاة "هي لك أو لخيك أو للذئب"‬
‫واختلفوا هيل يضمين قيمتهيا لصياحبها أم ل؟ فقال جمهور العلماء‬
‫إنييه يضميين قيمتهييا؛ وقال مالك فييي أشهيير القاويييل عنييه‪ :‬إنييه ل‬
‫يضمين‪ .‬وسيبب الخلف معارضية الظاهير كميا قلنيا للصيل المعلوم‬
‫ميين الشريعيية‪ ،‬إل أن مالكييا هنييا غلب الظاهيير فجرى على حكييم‬
‫الظاهير‪ ،‬ولم يجيز كذلك التصيرف فيميا وجيب تعريفيه بعيد العام‬
‫لقوة اللفظ ههنا؛ وعنه رواية أخرى أنه يضمن‪ ،‬وكذلك كل طعام‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ل يبقى إذا خشي عليه التلف إن تركه‪ .‬وتحصيل مذهب مالك عند‬
‫أصييحابه فييي ذلك أنهييا على ثلثيية أقسييام‪ :‬قسييم يبقييى فييي يييد‬
‫ملتقطييه ويخشييى عليييه ميين التلف إن تركييه‪ ،‬كالعييين والعروض‪.‬‬
‫وقسيم ل يبقيى فيي ييد ملتقطيه ويخشيى علييه مين التلف إن ترك‬
‫كالشاة فيي القفير‪ ،‬والطعام الذي يسيرع إلييه الفسياد‪ .‬وقسيم ل‬
‫يخشيى علييه مين التلف‪ .‬فأميا القسيم الول‪ ،‬وهيو ميا يبقيى فيي ييد‬
‫ملتقطيه ويخشيى علييه التلف فإنيه ينقسيم ثل ثة أقسيام‪ :‬أحدهيا أن‬
‫يكون يسيييرا ل بال له ول قدر لقيمتييه ويعلم أن صيياحبه ل يطلبييه‬
‫لتفاهته‪ ،‬فهذا ل يعرف عنده وهو لمن وجده‪ .‬والصل في ذلك ما‬
‫روي "أن رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم ميير بتمرة فييي‬
‫الطرييق فقال‪ :‬لول أن تكون مين الصيدقة لكلتهيا" ولم يذكير فيهيا‬
‫تعري فا‪ ،‬وهذا مثيل العصيا وال سوط‪ ،‬وإن كان أشهيب قيد اسيتحسن‬
‫تعرييف ذلك‪ .‬والثانيي أن يكون يسييرا إل أن له قدر ومنفعية‪ ،‬فهذا‬
‫ل اختلف فيي المذهيب فيي تعريفيه‪ .‬واختلفوا فيي قدر ميا يعرف‪،‬‬
‫فقيل سنة‪ ،‬وقيل أياما‪ .‬وأما الثالث فهو أن يكون كثيرا أو له قدر‪،‬‬
‫فهذا ل اختلف فيي وجوب تعريفيه حول‪ .‬وأميا القسيم الثانيي وهيو‬
‫ميا ل يبقيى بييد ملتقطيه ويخشيى علييه التلف‪ ،‬فإن هذا يأكله كان‬
‫غنييا أو فقيرا‪ ،‬وهيل يضمين؟ فييه روايتان كميا قلنيا الشهير أن ل‬
‫ضمان‪ .‬واختلفوا إن وجييد مييا يسييرع إليييه الفسيياد فييي الحاضرة‬
‫فقييل ل ضمان علييه‪ ،‬وقييل علييه الضمان‪ ،‬وقييل بالفرق بيين أن‬
‫يتصدق به فل يضمن‪ ،‬أو يأكله فيضمن‪.‬‬
‫وأما القسم الثالث فهو كالبل‪ ،‬أعني أن الختيار عنده فيه الترك‬
‫للنيص الوارد فيي ذلك‪ ،‬فإن أخذهيا وجيب تعريفهيا‪ ،‬والختيار تركهيا؛‬
‫وقييل فيي المذهيب هيو عام فيي جمييع الزمنية؛ وقييل إنميا هيو فيي‬
‫زمان العدل‪ ،‬وأن الفضييل فييي زمان غييير العدل التقاطهييا‪ .‬وأمييا‬
‫ضمانهييا فييي الذي تعرف فيييه‪ ،‬فإن العلماء اتفقوا على أن ميين‬
‫التقطهييا وأشهييد على التقاطهييا فهلكييت عنده أنييه غييير ضاميين‪،‬‬
‫واختلفوا إذا لم يشهد‪ ،‬فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد‬
‫بين الحسين‪ :‬ل ضمان علييه إن لم يضييع وإن لم يشهيد؛ وقال أبيو‬
‫حنيفييية وزفييير‪ :‬يضمنهيييا إن هلكيييت ولم يشهيييد‪ .‬اسيييتدل مالك‬
‫والشافعيي بأن اللقطية وديعية فل ينقلهيا ترك الشهاد مين المانية‬
‫إلى الضمان‪ ،‬قالوا‪ :‬وهيي وديعية بميا جاء مين حدييث سيليمان بين‬
‫بلل وغيره أنييه قال‪ :‬إن جاء صيياحبها وإل فلتكيين وديعيية عندك‪.‬‬
‫واسيتدل أبيو حنيفية وزفير بحدييث مطرف بين الشخيير عين عياض‬
‫بن حمار قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من التقط‬
‫لقطيية فليشهييد ذوي عدل عليهييا ول يكتييم ول يعنييت‪ ،‬فإن جاء‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫صاحبها فهو أحق بها‪ ،‬وإل فهو مال الله يؤتيه من يشاء"‪ .‬وتحصيل‬
‫المذهيب فيي ذلك أن واجيد اللقطية عنيد مالك ل يخلو التقاطيه لهيا‬
‫مين ثلثية أوجيه‪ :‬أحدهيا أن يأخذهيا على جهية الغتيال لهيا‪ .‬والثانيي‬
‫أن يأخذهييا على جهيية اللتقاط‪ .‬والثالث أن يأخذهييا ل على جهيية‬
‫اللتقاط ول على جهييية الغتيال‪ ،‬فإن أخذهيييا على جهييية اللتقاط‬
‫فهي أمانة عنده عليه حفظها وتعريفها‪ ،‬فإن ردها بعد أن التقطها‬
‫فقال ابين القاسيم‪ :‬يضمين؛ وقال أشهيب‪ :‬ل يضمين إذا ردهيا فيي‬
‫موضعها‪ ،‬فإن ردها في غير موضعها ضمن كالوديعة‪ ،‬والقول قوله‬
‫فيي تلفهيا دون يميين إل أن يتهيم‪ .‬وأميا إذا قبضهيا مغتال لهيا فهيو‬
‫ضامين لهيا‪ ،‬ولكين ل يعرف هذا الوجيه إل مين قبله‪ .‬وأميا الوجيه‬
‫الثالث فهيو مثيل أن يجيد ثوبيا فيأخذه‪ ،‬وهيو يظنيه لقوم بيين يدييه‬
‫ليسيألهم عنيه‪ ،‬فهذا إن لم يعرفوه ول ادعوه كان له أن يرد حييث‬
‫وجده ول ضمان علييييه باتفاق عنيييد أصيييحاب مالك‪ .‬وتتعلق بهذا‬
‫الباب مسييألة اختلف العلماء فيهييا‪ ،‬وهييو العبييد يسييتهلك اللقطيية‪،‬‬
‫فقال مالك‪ :‬إنهيا فيي رقبتيه إميا أن يسيلمه سييده فيهيا‪ ،‬وإميا أن‬
‫يفدييه بقيمتهيا‪ ،‬هذا إذا كان اسيتهلكه قبيل الحول‪ ،‬فإن اسيتهلكها‬
‫بعيد الحول كانيت دينيا علييه ولم تكين فيي رقبتيه؛ وقال الشافعيي‪:‬‬
‫إن علم بذلك السييد فهيو الضامين‪ ،‬وإن لم يعلم بهيا السييد كانيت‬
‫في رقبة العبد‪ .‬واختلفوا هل يرجع الملتقط بما أنفق على اللقطة‬
‫على صيييياحبها أم ل؟ فقال الجمهور‪ :‬ملتقييييط اللقطيييية متطوع‬
‫بحفظهييا فل يرجييع بشيييء ميين ذلك على صيياحب اللقطيية‪ .‬وقال‬
‫الكوفيون‪ :‬ل يرجيع بميا أنفيق إل أن تكون النفقية عين إذن الحاكيم‪،‬‬
‫وهذه المسيألة هيي مين أحكام اللتقاط‪ ،‬وهذا القدر كاف بحسيب‬
‫غرضنا في هذا الباب‪.‬‬
‫*‪*3‬باب في اللقيط‪.‬‬
‫@‪-‬والنظيير فييي أحكام اللتقاط وفييي الملتقييط واللقيييط وفييي‬
‫أحكامه‪.‬‬
‫وقال الشافعيي كيل شييء ضائع ل كافيل له فالتقاطيه مين فروض‬
‫الكفايات‪ ،‬وفييي وجوب الشهاد عليييه خيفيية السييترقاق خلف‪،‬‬
‫والخلف فييييه مبنيييي على الختلف فيييي الشهاد على اللقطييية‪.‬‬
‫واللقيط‪ :‬هو الصبي الصغير غير البالغ‪ ،‬وإن كان مميزا‪ ،‬ففيه في‬
‫مذهب الشافعي تردد‪ ،‬والملتقط‪ :‬هو كل حر عدل رشيد‪ ،‬وليس‬
‫العبد والمكاتب بملتقط‪ ،‬والكافر يلتقط الكافر دون المسلم‪ ،‬لنه‬
‫ل وليية له علييه‪ ،‬ويلتقيط المسيلم الكافير‪ ،‬وينزع مين ييد الفاسيق‬
‫والمبذر‪ ،‬وليس من شرط الملتقط الغنى‪ ،‬ول تلزم نفقة الملتقط‬
‫على مين التقطيه‪ ،‬وإن أنفيق لم يرجيع علييه بشييء‪ .‬وأميا أحكاميه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فإنه يحكم له بحكم السلم إن التقطه في دار المسلمين ويحكم‬
‫للطفيل بالسيلم بحكيم أبييه عنيد مالك‪ .‬وعنيد الشافعيي بحكيم مين‬
‫أسيلم منهميا‪ ،‬وبيه قال ابين وهيب مين أصيحاب مالك‪ .‬وقيد اختلف‬
‫في اللقيط فقيل إنه عبد لمن التقطه‪ ،‬وقيل إنه حر وولؤه لمن‬
‫التقطه‪ ،‬وقيل إنه حر وولؤه للمسلمين‪ ،‬وهو مذهب مالك‪ .‬والذي‬
‫تشهد له الصول إل أن يثبت في ذلك أثر تخصص به الصول مثل‬
‫قوله علييه الصيلة والسيلم‪ :‬ترث المرأة ثلثية‪ :‬لقيطهيا وعتيقهيا‬
‫وولدها الذي ل عنت عليه‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الوديعة‪.‬‬
‫@‪-‬وجيل المسيائل المشهورة بيين فقهاء المصيار فيي هذا الكتاب‬
‫هييي فييي أحكام الوديعيية‪ :‬فمنهييا أنهييم اتفقوا على أنهييا أمانيية ل‬
‫مضمونيية‪ ،‬إل مييا حكييي عيين عميير ابيين الخطاب‪ .‬قال المالكيون‪:‬‬
‫والدلييييل على أنهيييا أمانييية أن الله أمييير برد المانات ولم يأمييير‬
‫بالشهاد‪ ،‬فوجيب أن يصيدق فيي المسيتودع فيي دعواه رد الوديعية‬
‫ميع يمينيه إن كذبيه المودع‪ ،‬قالوا‪ :‬إل أن يدفعهيا إلييه ببينية فإنيه ل‬
‫يكون القول قوله‪ ،‬قالوا‪ :‬لنييه إذا دفعهييا إليييه ببينيية فكأنييه ائتمنييه‬
‫على حفظهيا ولم يأتمنيه على ردهيا‪ ،‬فيصيدق فيي تلفهيا ول يصيدق‬
‫على ردهيا‪ ،‬هذا هيو المشهور عين مالك وأصيحابه؛ وقيد قييل عين‬
‫ابيين القاسييم إن القول قوله وإن دفعهييا إليييه ببينيية‪ ،‬وبييه قال‬
‫الشافعيي وأبيو حنيفية‪ ،‬وهيو القياس‪ ،‬لنيه فرق بيين التلف ودعوى‬
‫الرد‪ ،‬ويبعد أن تنتقد المانة وهذا فيمن دفع المانة إلى اليد التي‬
‫دفعتها إليه‪ .‬وأما من دفعها إلى غير اليد التي دفعتها إليه‪ ،‬فعليه‬
‫ميا على ولي اليتييم مين الشهاد عنيد مالك وإل ضمين‪ ،‬يرييد قول‬
‫الله عيز وجيل {فإذا دفعتيم إليهيم أموالهيم فأشهدوا عليهيم} فإن‬
‫أنكير القابيض القبيض فل يصيدق المسيتودع فيي الدفيع عنيد مالك‬
‫وأصحابه إل ببينة‪ ،‬وقد قيل إنه يتخرج من المذهب أنه يصدق في‬
‫ذلك‪ ،‬وسييواء عنييد مالك أميير صيياحب الوديعيية بدفعهييا إلى الذي‬
‫دفعهيا أو لم يأمير؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬إن كان ادعيى دفعهيا إلى مين‬
‫أمره بدفعهيا فالقول قول المسيتودع ميع يمينيه‪ ،‬فإن أقير المدفوع‬
‫إليه بالوديعة‪ ،‬أعني إذا كان غير المودع وادعى التلف فل يخلو أن‬
‫يكون المسييتودع دفعهييا إلى أمانيية وهييو وكيييل المسييتودع أو إلى‬
‫ذمية‪ ،‬فإن كان القابيض أمينيا فاختلف فيي ذلك قول ابين القاسيم‬
‫فقال مرة‪ :‬يبرأ الدافع بتصديق القابض‪ ،‬وتكون المصيبة من المر‬
‫الوكييل بالقبيض‪ ،‬ومرة قال‪ :‬ل ييبرأ الدافيع إل بإقامية البينية على‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الدفييع أو يأتييي القابييض بالمال‪ .‬وأمييا إن دفييع إلى ذميية‪ ،‬مثييل أن‬
‫يقول رجييل للذي عنده الوديعيية ادفعهييا إلي سييلفا أو تسييلفا فييي‬
‫سيلعة أو ميا أشبيه ذلك‪ ،‬فإن كانيت الذمية قائمية برئ الدافيع فيي‬
‫المذهب من غير خلف‪ ،‬وإن كانت الذمة خربة فقولن‪.‬‬
‫والسيبب فيي هذا اختلفهيم كله أن المانية تقوي دعوى المدعيي‬
‫حتييى يكون القول قوله مييع يمينييه؛ فميين شبييه أمانيية الذي أمره‬
‫المودع أن يدفعهييا إليييه‪ ،‬أعنييي الوكيييل بأمانيية المودع عنده قال‪:‬‬
‫يكون القول قوله في دعواه التلف كدعوى المستودع عنده؛ ومن‬
‫رأى أن تلك المانة أضعف قال‪ :‬ل يبرأ الدافع بتصديق القابض مع‬
‫دعوى التلف؛ ومييين رأى المأمور بمنزلة المييير قال‪ :‬القول قول‬
‫الدافيع للمأمور كميا كان القول قوله ميع المير‪ ،‬وهيو مذهيب أبيي‬
‫حنيفة؛ ومن رأى أنه أضعف منه قال‪ :‬الدافع ضامن إل أن يحضر‬
‫القابيض المال‪ ،‬وإذا أودعهيا بشرط الضمان فالجمهور على أنيه ل‬
‫يضمن‪ ،‬وقال الغير‪ :‬يضمن‪ .‬وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه‬
‫ل ضمان على صياحب الوديعية إل أن يتعدى ويختلفون فيي أشياء‬
‫هيل هيي تعيد أم لييس بتعيد؟ فمين مسيائلهم المشهورة فيي هذا‬
‫الباب إذا أنفيق الوديعية ثيم رد مثلهيا أو أخرجهيا لنفقتيه ثيم ردهيا‪،‬‬
‫فقال مالك‪ :‬يسيقط عنييه الضمان بحالة مثييل إذا ردهييا؛ وقال أبيو‬
‫حنيفية‪ :‬إن ردهيا بعينهيا قبيل أن ينفقهيا لم يضمين‪ ،‬وإن رد مثلهيا‬
‫ضمين؛ وقال عبيد الملك والشافعيي‪ :‬يضمين فيي الوجهيين جميعيا؛‬
‫فمن غلظ المر ضمنه إياها بتحريكها ونية استنفاقها؛ ومن رخص‬
‫لم يضمنهيا إذا أعاد مثلهيا‪ .‬ومنهيا اختلفهيم فيي السيفر بهيا‪ ،‬فقال‬
‫مالك لييس له أن يسيافر بهيا إل أن تعطيى له فيي سيفر؛ وقال أبيو‬
‫حنيفية‪ :‬له أن يسيافر بهيا إذا كان الطرييق آمنيا ولم ينهيه صياحب‬
‫الوديعية‪ .‬ومنهيا أنيه لييس للمودع عنده أن يودع الوديعية غيره مين‬
‫غيير عذر‪ ،‬فإن فعيل ضمين؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬إن أودعهيا عنيد مين‬
‫تلزمه نفقته لم يضمن‪ ،‬لنه شبهه بأهل بيته‪.‬‬
‫وعنيد مالك له أن يسيتودع ميا أودع عنيد عياله الذيين يأمنهيم وهيم‬
‫تحت غلقه من زوج أو ولد أو أمة أو من أشبههم‪ .‬وبالجملة فعند‬
‫الجمييع أنيه يجيب علييه أن يحفظهيا مميا جرت بيه عادة الناس أن‬
‫تحفيظ أموالهيم‪ ،‬فميا كان بينيا مين ذلك أنيه حفيظ اتفيق علييه‪ ،‬وميا‬
‫كان غيير بيين أنيه حفيظ اختلف فييه‪ ،‬مثيل اختلفهيم فيي المذهيب‬
‫فيمن جعل وديعة في جيبه فذهبت‪ ،‬والشهر أنه يضمن‪ .‬وعند ابن‬
‫وهيب أن مين أودع وديعية فيي المسيجد فجعلهيا على نعله فذهبيت‬
‫أنيه ل ضمان علييه‪ ،‬ويختلف فيي المذهيب فيي ضمانهيا بالنسييان‪،‬‬
‫مثل أن ينساها في موضع أو أن ينسى من دفعها إليه‪ ،‬أو يدعيها‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫رجلن‪ ،‬فقييل يحلفان وتقسيم بينهميا‪ ،‬وقييل إنيه يضمين لكيل واحيد‬
‫منهما‪ ،‬وإذا أراد السفر فله عند مالك أن يودعها عند ثقة من أهل‬
‫البلد ول ضمان علييييه قدر على دفعهيييا إلى الحاكيييم أو لم يقدر‪.‬‬
‫واختلف في ذلك أصحاب الشافعي‪ ،‬فمنهم من يقول‪ :‬إن أودعها‬
‫لغيير الحاكيم ضمين‪ .‬وقبول الوديعية عنيد مالك ل يجيب فيي حال‪،‬‬
‫ومين العلماء مين يرى أنيه واجيب إذا لم يجيد المودع مين يودعهيا‬
‫عنده‪ ،‬ول أجير للمودع عنده على حفيظ الوديعية‪ ،‬وميا تحتاج إلييه‬
‫مين مسيكن أو نفقية فعلى ربهيا‪ .‬واختلفوا مين هذا الباب فيي فرع‬
‫مشهور‪ ،‬وهو فيمن أودع مال فتعدى فيه واتجر به فربح فيه‪ ،‬هل‬
‫ذلك الربيييح حلل له أم ل؟ فقال مالك واللييييث وأبيييو يوسيييف‬
‫وجماعية‪ :‬إذا رد المال طاب له الربيح وإن كان غاصيبا للمال فضل‬
‫عين أن يكون مسيتودعا عنده؛ وقال أبيو حنيفية وزفير ومحميد بين‬
‫الحسين‪ :‬يؤدي الصيل ويتصيدق بالربيح؛ وقال قوم‪ :‬لرب الوديعية‬
‫الصييل والربييح؛ وقال قوم‪ :‬هييو مخييير بييين الصييل والربييح؛ وقال‬
‫قوم‪ :‬البيع الواقع في تلك التجارة فاسد‪ ،‬وهؤلء هم الذين أوجبوا‬
‫التصيييدق بالربيييح إذا مات‪ .‬فمييين اعتيييبر التصيييرف قال‪ :‬الربيييح‬
‫للمتصيرف؛ ومين اعتيبر الصيل قال‪ :‬الربيح لصياحب المال‪ .‬ولذلك‬
‫لميا أمير عمير رضيي الله عنيه ابنييه عبيد الله وعبييد الله أن يصيرفا‬
‫المال الذي أسلفهما أبو موسى الشعري من بيت المال‪ ،‬فتجروا‬
‫فييه فربحيا‪ ،‬قييل له‪ :‬لو جعلتيه قراضيا‪ ،‬فأجاب إلى ذلك‪ ،‬لنيه قيد‬
‫روي أنييه قييد حصييل للعامييل جزء ولصيياحب المال جزء‪ ،‬وأن ذلك‬
‫عدل‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب العارية‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي العاريية فيي أركانهيا وأحكامهيا‪ .‬وأركانهيا خمسية‪:‬‬
‫العارة‪ ،‬والمعير‪ ،‬والمستعير‪ ،‬والمعار‪ ،‬والصيغة‪ .‬أما العارة فهي‬
‫فعيل محيير ومندوب إلييه‪ ،‬وقيد شدد فيهيا قوم مين السيلف الول‪.‬‬
‫روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله ابن مسعود أنهما قال في‬
‫قوله تعالى {ويمنعون الماعون} أنيييه متاع البييييت الذي يتعاطاه‬
‫الناس بينهييم ميين الفأس والدلو والحبييل والقدر ومييا أشبييه ذلك‪.‬‬
‫وأما المعير فل يعتبر فيه إل لكونه مالكا للعارية إما لرقبتها وإما‬
‫لمنفعتها‪ ،‬والظهر أنها ل تصح من المستعير أعني أن يعيرها‪ .‬وأما‬
‫العاريية فتكون فييي الدور والرضيين والحيوان‪ ،‬وجميييع ميا يعرف‬
‫بعينييه إذا كانييت منفعتييه مباحيية السييتعمال‪ ،‬ولذلك ل تجوز إباحيية‬
‫الجوار للسييتمتاع‪ .‬ويكره للسييتخدام إل أن تكون ذا محرم‪ .‬وأمييا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫صيغة العارة‪ ،‬فهي كل لفظ يدل على الذن‪ ،‬وهي عقد جائز عند‬
‫الشافعي وأبي حنيفة‪ :‬أي للمعير أن يسترد عاريته إذا شاء؛ وقال‬
‫مالك فيي المشهور‪ :‬لييس له اسيترجاعها قبيل النتفاع‪ ،‬وإن شرط‬
‫مدة ميا لزمتيه تلك المدة‪ ،‬وإن لم يشترط مدة لزمتيه مين المدة‬
‫ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية‪ .‬وسبب الخلف ما يوجد‬
‫فيهيا مين شبيه العقود اللزمية وغيير اللزمية‪ .‬وأميا الحكام فكثيرة‪،‬‬
‫وأشهرهييا هييل هييي مضمونيية أو أمانيية؟ فمنهييم ميين قال‪ :‬إنهييا‬
‫مضمونييية وإن قاميييت البينييية على تلفهيييا‪ ،‬وهيييو قول أشهيييب‬
‫والشافعيي‪ ،‬وأحيد قولي مالك؛ ومنهيم مين قال نقييض هذا‪ ،‬وهيو‬
‫أنها ليست مضمونة أصل‪ ،‬وهو قول أبي حنيفة؛ ومنهم من قال‪:‬‬
‫يضمين فيميا يغاب علييه إذا لم يكين على التلف بينية‪ ،‬ول يضمين‬
‫فيميا ل يغاب علييه‪ ،‬ول فيميا قاميت البينية على تلفيه‪ ،‬وهيو مذهيب‬
‫مالك المشهور وابيين القاسييم وأكثيير أصييحابه‪ .‬وسييبب الخلف‬
‫تعارض الثار فيي ذلك‪ ،‬وذلك أنيه ورد فيي الحدييث الثابيت أنيه قال‬
‫عليييه الصييلة والسييلم لصييفوان بيين أمييية "بييل عارييية مضمونيية‬
‫مؤداة" وفيي بعضهيا "بيل عاريية مؤداة" وروي عنيه أنيه قال "لييس‬
‫على المستعير ضمان" فمن رجح وأخذ بهذا أسقط الضمان عنه‪،‬‬
‫ومين أخيذ بحدييث صيفوان ابين أميية ألزميه الضمان؛ ومين ذهيب‬
‫مذهييب الجمييع فرق بييين مييا يغاب عليييه وبييين مييا ل يغاب عليييه‪،‬‬
‫فحمل هذا الضمان على ما يغاب عليه‪ ،‬والحديث الخر على ما ل‬
‫يغاب علييه‪ ،‬إل أن الحد يث الذي فيه لييس على المستعير ضمان‪،‬‬
‫غيير مشهور‪ ،‬وحدييث صيفوان صيحيح‪ ،‬ومين لم يير الضمان شبههيا‬
‫بالوديعيية؛ وميين فرق قال‪ :‬الوديعيية مقبوضيية لمنفعيية الدافييع‪،‬‬
‫والعارية لمنفعة القابض‪.‬‬
‫واتفقوا فيي الجارة على أنهيا غيير مضمونية‪ :‬أعنيي الشافعيي وأبيا‬
‫حنيفية ومالكيا‪ ،‬ويلزم الشافعيي إذا سيلم أنيه ل ضمان علييه فيي‬
‫الجارة أن ل يكون ضمان فيي العاريية إن سيلم أن سيبب الضمان‬
‫هو النتفاع‪ ،‬لنه إذا لم يضمن حيث قبض لمنفعتهما فأحرى أن ل‬
‫يضمين حييث قبيض لمنفعتيه إذا كانيت منفعية الدافيع مؤثرة فيي‬
‫إسيقاط الضمان‪ .‬واختلفوا إذا شرط الضمان‪ ،‬فقال قوم‪ :‬يضمين؛‬
‫وقال قوم‪ :‬ل يضمين‪ ،‬والشرط باطيل؛ ويجيئ على قول مالك إذا‬
‫اشترط الضمان فيي الموضيع الذي ل يجيب فييه علييه الضمان أن‬
‫يلزم إجارة المثل في استعماله العارية لن الشرط يخرج العارية‬
‫عيين حكييم العارييية إلى باب الجارة الفاسييدة إذا كان صيياحبها لم‬
‫يرض أن يعيرهيا إل بأن يخرجهيا فيي ضمانيه‪ ،‬فهيو عوض مجهول‬
‫فيجب أن يرد إلى معلوم‪ .‬واختلف عن مالك والشافعي إذا غرس‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫المسيتعير وبنيى ثيم انقضيت المدة التيي اسيتعار إليهيا‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫المالك بالخيار إن شاء أخييذ المسييتعير بقلع غراسييته وبنائه‪ ،‬وإن‬
‫شاء أعطاه قيمته مقلوعا إذا كان مما له قيمة بعد القلع‪ ،‬وسواء‬
‫عنيد مالك انقضيت المدة المحدودة بالشرط أو بالعرف أو العادة؛‬
‫وقال الشافعييي‪ :‬إذا لم يشترط عليييه القلع فليييس له مطالبتييه‬
‫بالقلع‪ ،‬بل يخير المعير بأن يبقيه بأجر يعطاه‪ ،‬أو ينقض بأرش‪ ،‬أو‬
‫يتملك ببدل‪ ،‬فأيهميا أراد المعيير أجيبر عليييه المسييتعير‪ ،‬فإن أبييى‬
‫كلف تفريييغ الملك‪ .‬وفييي جواز بيعتييه للنقييض عنده خلف‪ ،‬لنييه‬
‫معرض للنقييض‪ ،‬فرأى الشافعييي أن آخذه المسييتعير بالقلع دون‬
‫أرش هو ظلم؛ ورأى مالك أن عليه إخلء المحل‪ ،‬وأن العرف في‬
‫ذلك يتنزل منزلة الشروط‪ ،‬وعنييد مالك أنييه إن اسييتعمل العارييية‬
‫اسيتعمال ينقصيها عين السيتعمال المأذون فييه ضمين ميا نقصيها‬
‫بالسيتعمال‪ .‬واختلفوا مين هذا الباب فيي الرجيل يسيأل جاره أن‬
‫يعيره جداره ليغرز فيييه خشبيية لمنفعيية ول تضيير صيياحب الجدار‬
‫وبالجملة في كل ما ينتفع به المستعير ول ضرر على المعير فيه‪،‬‬
‫فقال مالك وأبو حنيفة‪ :‬ل يقضي عليه به إذ العارية ل يقضى بها‪،‬‬
‫وقال الشافعييي وأحمييد وأبييو ثور وداود وجماعيية أهييل الحديييث‪:‬‬
‫يقضى بذلك‪ ،‬وحجتهم ما خرجه مالك عن ابن شهاب عن العرج‬
‫عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ل يمنع‬
‫أحدكييم جاره أن يغرز خشبيية فييي جداره" ثييم يقول أبييي هريرة‪:‬‬
‫مالي أراكم عنها معرضين‪ ،‬والله لرمين بها بين أكتافكم‪.‬‬
‫واحتجوا أيضا بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك بن‬
‫قييس سياق خليجيا له مين العرييض‪ ،‬فأرادوا أن يمير بيه فيي أرض‬
‫محميد بين مسيلمة‪ ،‬فأبيى محميد‪ ،‬فقال له الضحاك‪ :‬أنيت تمنعنيي‬
‫وهيو لك منفعية‪ ،‬تسيقي منيه أول وآخرا ول يضرك؟ فأبيى محميد‪،‬‬
‫فكلم فيييه الضحاك عميير بيين الخطاب‪ ،‬فدعييا عميير محمييد بيين‬
‫مسييلمة‪ ،‬فأمره أن يخلي سييبيله‪ ،‬قال محمييد‪ :‬ل‪ ،‬فقال عميير‪ :‬ل‬
‫تمنع أخاك ما ينفعه ول يضرك‪ ،‬فقال محمد‪ :‬ل‪ ،‬فقال عمر‪ :‬والله‬
‫ليمرن به ولو على بطنك‪ ،‬فأمره عمر أن يمر به‪ ،‬ففعل الضحاك‪.‬‬
‫وكذلك حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال‪ :‬كان في‬
‫حائط جدي ربيييع لعبييد الرحميين بيين عوف‪ ،‬فأراد أن يحوله إلى‬
‫ناحية من الحائط‪ ،‬فمنعه صاحب الحائط‪ ،‬فكلم عمر بن الخطاب‪،‬‬
‫فقضيى لعبيد الرحمين بين عوف بتحويله وقيد عذل الشافعيي مالكيا‬
‫لدخاله هذه الحادييث فيي موطئه‪ ،‬وتركيه الخيذ بهيا‪ .‬وعمدة مالك‬
‫وأبي حنيفة قوله عليه الصلة والسلم "ل يحل مال امرئ مسلم‬
‫إل عين طييب نفيس منيه" وعنيد الغيير أن عموم هذا مخصيص بهذه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الحادييث‪ ،‬وبخاصية حدييث أبيي هريرة‪ .‬وعنيد مالك أنهيا محمولة‬
‫على الندب‪ ،‬وأنيييه إذا أمكييين أن تكون مختصييية وأن تكون على‬
‫الندب فحملهييا على الندب أولى‪ ،‬لن بناء العام على الخاص إنمييا‬
‫يجيب إذا لم يمكين بينهميا جميع ووقيع التعارض‪ .‬وروى أصيبغ عين‬
‫ابين القاسيم‪ :‬أ نه ل يؤخيذ بقضاء عمر على محميد بن مسلمة فيي‬
‫الخلييج‪ ،‬ويؤخيذ بقضائه لعبيد الرحمين بين عوف فيي تحوييل الربييع‪،‬‬
‫وذلك أنه رأى أن تحويل الربيع أيسر من أن يمر عليه بطريق لم‬
‫يكن قبل‪ ،‬وهذا القدر كاف بحسب غرضنا‪.‬‬
‫بسييم الله الرحميين الرحيييم‪ ،‬وصييلى الله على سيييدنا محمييد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما‬
‫*‪*2‬كتاب الغصب‬
‫@‪-‬وفييييه بابان‪ :‬الول‪ :‬فيييي الضمان‪ ،‬وفييييه ثلثييية أركان‪ :‬الول‪:‬‬
‫الموجييب للضمان‪ .‬والثانييي‪ :‬مييا فيييه الضمان‪ .‬والثالث‪ :‬الواجييب‪.‬‬
‫وأما الباب الثاني‪ :‬فهو في الطوارئ على المغصوب‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في الضمان‪.‬‬
‫@‪(-‬الركن الول) وأما الموجب للضمان‪ ،‬فهو إ ما المباشرة لخذ‬
‫المال المغصيوب أو إتلفيه‪ ،‬وإميا المباشرة للسيبب المتلف‪ ،‬وإميا‬
‫إثبات اليييد عليييه‪ .‬واختلفوا فييي السييبب الذي يحصييل بمباشرتييه‬
‫الضمان إذا تناول التلف بواسطة سبب آخر‪ ،‬هل يحصل به ضمان‬
‫أم ل؟ وذلك مثل أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬يضمنيه هاجيه على الطيران أو لم يهجيه‪ .‬وقال أبيو حنيفية ل‬
‫يضمن على حال؛ وفرق الشافعي بين أن يهيجه على الطيران أو‬
‫ل يهيجيه‪ ،‬فقال‪ :‬يضمين إن هاجيه‪ ،‬ول يضمين إن لم يهيجيه؛ ومين‬
‫هذا ميين حفيير بئرا فسييقط فيييه شيييء فهلك؛ فمالك والشافعييي‬
‫يقولن‪ :‬إن حفره بحييث أن يكون حفره تعدييا ضمين ميا تلف فييه‬
‫وإل لم يضمين‪ ،‬ويجييء على أصيل أبيي حنيفية أنيه ل يضمين فيي‬
‫مسيألة الطائر‪ ،‬وهيل يشترط فيي المباشرة العميد أو ل يشترط؟‬
‫فالشهر أن الموال تضمن عمدا وخطأ‪ ،‬وإن كانوا قد اختلفوا في‬
‫مسائل جزئية من هذا الباب‪ ،‬وهل يشترط فيه أن يكون مختارا؟‬
‫فالمعلوم عين الشافعيي أنيه يشترط أن يكون مختارا‪ ،‬ولذلك رأى‬
‫على المكره الضمان‪ :‬أعني المكره على التلف‪.‬‬
‫@‪(-‬الركن الثاني) وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال أتلفت‬
‫عينه أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء أو سلطت اليد‬
‫عليييه وتملك‪ ،‬وذلك فيمييا ينقييل ويحول باتفاق‪ .‬واختلفوا فيمييا ل‬
‫ينقيل ول يحول مثيل العقار‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬إنهيا تضمين بالغصيب‪،‬‬
‫أعنييي أنهييا إن انهدمييت للدار ضميين قيمتهييا؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬ل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يضمين‪ .‬وسيبب اختلفهيم هيل كون ييد الغاصيب على العقار مثيل‬
‫كون يده على ميا ينقيل ويحول؟ فمين جعيل حكيم ذلك واحدا قال‬
‫بالضمان؛ ومن لم يجعل حكم ذلك واحدا قال‪ :‬ل ضمان‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الثالث) وهييو الواجييب فييي الغصييب‪ ،‬والواجييب على‬
‫الغاصييييب إن كان المال قائمييييا عنده بعينييييه لم تدخله زيادة ول‬
‫نقصيان أن يرده بعينيه‪ ،‬وهذا ل خلف فييه‪ ،‬فإذا ذهبيت عينيه فإنهيم‬
‫اتفقوا على أنيه إذا كان مكيل أو موزونيا أن على الغاصيب المثيل‪،‬‬
‫أعنيي مثيل ميا اسيتهلك صيفة ووزنيا واختلفوا فيي العروض فقال‬
‫مالك‪ :‬ل يقضيى فيي العروض مين الحيوان وغيره إل بالقيمية يوم‬
‫استهلك؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود‪ :‬الواجب في ذلك مثل‬
‫ول تلزم القيميية إل عنييد عدم المثييل‪ .‬وعمدة مالك حديييث أبييي‬
‫هريرة المشهور عيين النييبي صييلى الله عليييه وسييلم "ميين أعتييق‬
‫شقصا له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل" الحديث‪ .‬ووجه‬
‫الدلييل منيه أنيه لم يلزميه المثيل وألزميه القيمية‪ .‬وعمدة الطائفية‬
‫الثانيية قوله تعالى {فجزاء مثيل ميا قتيل مين النعيم} ولن منفعية‬
‫الشييء قيد تكون هيي المقصيودة عنيد المتعدى علييه‪ .‬ومين الحجية‬
‫لهيم ميا خرجيه أبيو داود مين حدييث أنيس وغيره "أن رسيول الله‬
‫صييلى الله عليييه وسييلم كان عنييد بعييض نسييائه‪ ،‬فأرسييلت إحدى‬
‫أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام‪ ،‬قال‪ :‬فضربت بيدها‬
‫فكسيرت القصيعة‪ ،‬فأخيذ النيبي صيلى الله علييه وسيلم الكسيرتين‬
‫فضييم إحداهمييا إلى الخرى وجعييل فيهييا جميييع الطعام ويقول‪:‬‬
‫غارت أمكم كلوا كلوا‪ ،‬حتى جاءت قصعتها التي في بيتها‪ ،‬وحبس‬
‫رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم القصييعة حتييى فرغوا‪ ،‬فدفييع‬
‫الصيحفة الصيحيحة إلى الرسيول‪ ،‬وحبيس المكسيورة فيي بيتيه"‬
‫وفي حديث آخر "أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الناء‪،‬‬
‫وأنهييا قالت لرسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم‪ :‬مييا كفارة مييا‬
‫صنعت؟ قال‪ :‬إناء مثل إناء‪ ،‬وطعام مثل طعام"‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في الطوارئ‪.‬‬
‫@‪-‬والطوارئ على المغصوب إما بزيادة وإما بنقصان‪ ،‬وهذان إما‬
‫ميين قبييل المخلوق‪ ،‬وإمييا ميين قبييل الخالق‪ .‬فأمييا النقصييان الذي‬
‫يكون بأميير ميين السييماء فإنييه ليييس له إل أن يأخذه ناقصييا‪ ،‬أو‬
‫يضمنه قيمته يوم الغصب؛ وقيل إن له أن يأخذ ويضمن الغاصب‬
‫قيمية العييب‪ .‬وأميا إن كان النقيص بجنايية الغاصيب فالمغصيوب‬
‫مخيير فيي المذهيب بيين أن يضمنيه القيمية يوم الغصيب أو يأخذه‪،‬‬
‫وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم وعند سحنون ما‬
‫نقصيته الجنايية يوم الغصيب؛ وذهيب أشهيب إلى أنيه مخيير بيين أن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يضمنيه القيمية أو يأخذه ناقصيا‪ ،‬ول شييء له فيي الجنايية كالذي‬
‫يصاب بأمر من السماء‪ ،‬وإليه ذهب ابن المواز‪ .‬والسبب في هذا‬
‫الختلف أن مين جعيل المغصيوب مضمونيا على الغاصيب بالقيمية‬
‫يوم الغصب جعل ما حدث فيه من نماء أو نقصان‪ ،‬كأنه حدث في‬
‫ملك صيحيح‪ ،‬فأوجيب له الغلة ولم يوجيب علييه فيي النقصيان شيئا‬
‫سواء كان من سببه أو من عند الله‪ ،‬وهو قياس قول أبي حنيفة‪.‬‬
‫وبالجملة فقياس قول مين يضمنيه قيمتيه يوم الغصيب فقيط‪ .‬ومين‬
‫جعل المغصوب مضمونا على الغاصب بقيمته في كل أوان كانت‬
‫يده علييييه آخذة بأرفيييع القييييم‪ ،‬وأوجيييب علييييه رد الغلة وضمان‬
‫النقصان‪ ،‬سواء كان من فعله أو من عند الله‪ ،‬وهو قول الشافعي‬
‫أو قياس قوله‪ .‬ومين فرق بيين الجنايية التيي تكون مين الغاصيب‪،‬‬
‫وبيين الجنايية التيي تكون بأمير مين السيماء‪ ،‬وهيو مشهور مذهيب‬
‫مالك؛ وابيين القاسييم فعمدتييه قياس الشبييه‪ ،‬لنييه رأى أن جناييية‬
‫الغاصيب على الشييء الذي غصيبه هيو غصيب ثان متكرر منيه‪ ،‬كميا‬
‫لو جنيى علييه وهيو فيي ملك صياحبه‪ ،‬فهذا هيو نكتية الختلف فيي‬
‫هذا الباب فقف عليه‪.‬‬
‫وأمييا إن كانييت الجناييية عنييد الغاصييب ميين غييير فعييل الغاصييب‪،‬‬
‫فالمغصيوب مخيير بيين أن يضمين الغاصيب القيمية يوم الغصيب‬
‫ويتبع الغاصب الجاني‪ ،‬وبين أن يترك الغاصب ويتبع الجاني بحكم‬
‫الجنايات‪ ،‬فهذا حكيم الجنايات على العيين فيي ييد الغاصيب‪ .‬وأميا‬
‫الجنايية على العيين مين غيير أن يغصيبها غاصيب‪ ،‬فإنهيا تنقسيم عنيد‬
‫مالك إلى قسيمين‪ :‬جنايية تبطيل يسييرا مين المنفعية‪ ،‬والمقصيود‬
‫مين الشييء باق‪ ،‬فهذا يجيب فييه ميا نقيص يوم الجنايية‪ ،‬وذلك بأن‬
‫يقوم صيحيحا ويقوم بالجنايية‪ ،‬فيعطيي ميا بيين القيمتيين‪ .‬وأميا إن‬
‫كانييت الجناييية ممييا تبطييل الغرض المقصييود‪ ،‬فإن صيياحبه يكون‬
‫مخيرا إن شاء أسيلمه للجانيي وأخيذ قيمتيه‪ ،‬وإن شاء أخيذ قيمية‬
‫الجنايية؛ وقال الشافعيي وأبيو حنيفية‪ :‬لييس له إل قيمية الجنايية‪.‬‬
‫وسيييبب الختلف اللتفات إلى الحميييل على الغاصيييب‪ ،‬وتشيييبيه‬
‫إتلف أكثير المنفعية بإتلف العيين‪ .‬وأميا النماء فإنيه على قسيمين‪:‬‬
‫أحدهمييا أن يكون بفعييل الله كالصييغير يكييبر والمهزول يسييمن‬
‫والعييب يذهيب‪ .‬والثانيي أن يكون مميا أحدثيه الغاصيب‪ .‬فأميا الول‬
‫فإنييه ليييس بفوت‪ .‬وأمييا النماء بمييا أحدثييه الغاصييب فييي الشيييء‬
‫المغصييوب فإنييه ينقسييم فيمييا رواه ابيين القاسييم عيين مالك إلى‬
‫قسمين‪ :‬أحدهما أن يكون قد جعل فيه من ماله ما له عين قائمة‬
‫كالصبغ في الثوب والنقش في البناء وما أشبه ذلك‪ .‬والثاني أن ل‬
‫يكون قييد جعييل فيييه ميين ماله سييوى العمييل كالخياطيية والنسييج‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وطحين الحنطية والخشبية يعميل منهيا توابييت‪ .‬فأميا الوجيه الول‪،‬‬
‫وهيو أن يجعيل فييه مين ماله ميا له عيين قائمية‪ ،‬فإنيه ينقسيم إلى‬
‫قسيمين‪ :‬أحدهميا أن يكون ذلك الشييء مميا يمكنيه إعادتيه على‬
‫حاله كالبقعة يبنيها وما أشبه ذلك‪ .‬والثاني أن ل يقدر على إعادته‬
‫كالثوب يصيبغه والسيويق يلتيه فأميا الوجيه الول فالمغصيوب منيه‬
‫مخيير بيين أن يأمير الغاصيب بإعادة البقعية على حالهيا وإزالة ماله‬
‫فيهيا مميا جعله مين نقيض أو غيره‪ ،‬وبيين أن يعطيي الغاصيب قيمية‬
‫ماله فيهيا مين النقيض مقلوعيا بعيد حيط أجير القلع‪ ،‬وهذا إذا كان‬
‫الغاصب ممن ل يتولى ذلك بنفسه ول بغيره‪ ،‬وإنما يستأجر عليه؛‬
‫وقيل إنه ل يحط من ذلك أجر القلع‪ ،‬هذا إن كانت له قيمة‪ ،‬وأما‬
‫إن لم تكين له قيمية لم يكين للغاصيب على المغصيوب فييه شييء‪،‬‬
‫لن مين حيق المغصيوب أن يعييد له الغاصيب ميا غصيب منيه على‬
‫هيئته‪ ،‬فإن لم يطالبه بذلك لم يكن له مقال‪.‬‬
‫وأميا الوجيه الثانيي فهيو فييه مخيير بيين أن يدفيع قيمية الصيبغ وميا‬
‫أشبهه ويأخذ ثوبه وبين أن يضمنه قيمة الثوب يوم غصبه‪ ،‬إل في‬
‫السيويق الذي يلتيه فيي السيمن وميا أشبيه ذلك مين الطعام‪ ،‬فل‬
‫يخيير فييه لميا يدخله مين الربيا ويكون ذلك فوتيا يلزم الغاصيب فييه‬
‫المثيل‪ ،‬أو القيمية فيميا ل مثيل له‪ .‬وأميا الوجيه الثانيي مين التقسييم‬
‫الول‪ ،‬وهيو أن ل يكون أحدث الغاصيب فيميا أحدثيه فيي الشييء‬
‫المغصيوب سيوى العميل‪ ،‬فإن ذلك أيضيا ينقسيم قسيمين‪ :‬أحدهميا‬
‫أن يكون ذلك يسيييرا ل ينتقييل بييه الشيييء عيين اسييمه بمنزلة‬
‫الخياطة في الثوب أو الرفولة (‪ )1‬والثا ني أن يكون العمل كثيرا‬
‫ينتقل به الشيء المغصوب عن اسمه كالخشبة يعمل منها تابوتا‬
‫والقميح يطحنيه والغزل ينسيجه والفضية يصيوغها حلييا أو دراهيم‬
‫فأميا الوجيه الول فل حيق فييه للغاصيب‪ ،‬ويأخيذ المغصيوب منيه‬
‫الشيييء المغصييوب معمول‪ ،‬وأمييا الوجييه الثانييي فهييو فوت يلزم‬
‫الغاصيب قيمية الشييء المغصيوب يوم غصيبه أو مثله فيميا له مثيل‬
‫هذا تفصييل مذهيب ابين القاسيم فيي هذا المعنيى؛ وأشهيب يجعيل‬
‫ذلك كله للمغصييوب‪ ،‬أصييله مسييألة البنيان فيقول‪ :‬إنييه ل حييق‬
‫للغاصييب فيمييا ل يقدر على أخذه ميين الصييبغ والرفييو والنسييج‬
‫والدباغ والطحين‪.‬‬
‫وقييد روي عيين ابيين عباس أن الصييبغ تفويييت يلزم الغاصييب فيييه‬
‫القيمية يوم الغصيب‪ ،‬وقيد قييل إنهميا يكونان شريكيين‪ ،‬هذا بقيمية‬
‫الصبغ‪ ،‬وهذا بقيمة الثوب إن أبى رب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ‪،‬‬
‫وإن أبييى الغاصييب أن يدفييع قيميية الثوب‪ ،‬وهذا القول أنكره ابيين‬
‫القاسم في المدونة في كتاب اللقطة وقال‪ :‬إن الشركة ل تكون‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫إل فيميا كان بوجيه شبهية جليية‪ .‬وقول الشافعيي فيي الصيبغ مثيل‬
‫قول ابين القاسيم إل أنيه يجييز الشركية بينهميا ويقول‪ :‬إنيه يؤمير‬
‫الغاصيييب بقلب الصيييبغ إن أمكنيييه وإن نقيييص الثوب‪ ،‬ويضمييين‬
‫للمغصيوب مقدار النقصيان‪ ،‬وأصيول الشرع تقتضيي أن ل يسيتحل‬
‫ماله الغاصيب مين أجيل غصيبه‪ ،‬وسيواء كان منفعية أو عينيا‪ ،‬إل أن‬
‫يحتيج محتيج بقوله علييه الصيلة والسيلم "لييس لعرق ظالم حيق"‬
‫لكين هذا مجميل‪ ،‬ومفهوميه الول أنيه لييس له منفعية متولدة بيين‬
‫ماله وبيين الشييء الذي غصيبه‪ ،‬أعنيي ماله المتعلق بالمغصيوب‪،‬‬
‫فهذا هو حكم الواجب في عين المغصوب تغير أو لم يتغير‪ .‬وأما‬
‫حكم غلته‪ ،‬فاختلف في ذلك في المذهب على قولين‪ :‬أحدهما أن‬
‫حكيم الغلة حكيم الشييء المغصيوب‪ ،‬والثانيي أن حكمهميا بخلف‬
‫الشيييء المغصييوب؛ فميين ذهييب إلى أن حكمهمييا حكييم الشيييء‬
‫المغصيوب وبيه قال أشهيب مين أصيحاب مالك يقول‪ :‬إنميا تلزميه‬
‫الغلة يوم قبضهيا أو أكثير مميا انتهيت إلييه بقيمتهيا على قول مين‬
‫يرى أن الغاصب يلزمه أرفع القيم من يوم غصبها ل قيمة الشيء‬
‫المغصوب يوم الغصب‪.‬‬
‫‪---------‬‬‫(‪"[ )1‬الرفولة"‪ :‬الصل غير واضح‪ ،‬فليتنبه‪ .‬دار الحديث‪].‬‬
‫‪---------‬‬‫وأميييا الذيييين ذهبوا إلى أن حكيييم الغلة بخلف حكيييم الشييييء‬
‫المغصيوب‪ ،‬فاختلفوا فيي حكمهيا اختلفيا كثيرا بعيد اتفاقهيم على‬
‫أنهييا إن تلفييت ببينيية أنييه ل ضمان على الغاصييب‪ ،‬وأنييه إن ادعييى‬
‫تلفها لم يصدق وإن كان مما ل يغاب عليه‪ .‬وتحصيل مذهب هؤلء‬
‫في حكم الغلة هو أن الغلل تنقسم إلى ثلثة أقسام‪ :‬أحدها غلة‬
‫متولدة عن الشيء المغصوب على نوعه وخلقته وهو الولد‪ ،‬وغلة‬
‫متولدة عن الشيء ل على صورته‪ ،‬وهو مثل الثمر ولبن الماشية‬
‫وجبنهيا وصيوفها‪ ،‬وغلل غيير متولدة بيل هيي منافيع‪ ،‬وهيي الكريية‬
‫والخراجات وميا أشبيه ذلك‪ .‬فأميا ميا كان على خلقتيه وصيورته فل‬
‫خلف أعلمه أن الغا صب يرده كالولد مع الم المغصوبة وإن كان‬
‫ولد الغاصيب‪ .‬وإنميا اختلفوا فيي ذلك إذا ماتيت الم‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫هييو مخييير بييين الولد وقيميية الم؛ وقال الشافعييي‪ :‬بييل يرد الولد‬
‫وقيميية الم وهييو القياس‪ .‬وأمييا إن كان متولدا على غييير خلقيية‬
‫الصييل وصييورته ففيييه قولن‪ :‬أحدهمييا أن للغاصييب ذلك المتولد‪.‬‬
‫والثانييي أنييه يلزمييه رده مييع الشيييء المغصييوب إن كان قائمييا أو‬
‫قيمتهييا إن ادعييى تلفهييا ولم يعرف ذلك إل ميين قوله‪ ،‬فإن تلف‬
‫الشييء المغصيوب كان مخيرا بيين أن يضمنيه بقيمتيه ول شييء له‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيي الغلة‪ ،‬وبين أن يأخذه بالغلة ول شيء له من القيمة‪ .‬وأ ما ما‬
‫كان غييير متولد‪ ،‬فاختلفوا فيييه على خمسيية أقوال‪ :‬أحدهييا أنييه ل‬
‫يلزمه رده جملة من غير تفصيل‪ .‬والثاني أنه يلزمه رده من غير‬
‫تفصييل أيضيا‪ .‬والثالث أنيه يلزميه الرد إن أكرى‪ ،‬ول يلزميه الرد إن‬
‫انتفييع أو عطييل‪ .‬والرابييع يلزمييه إن أكرى أو انتفييع‪ .‬ول يلزمييه إن‬
‫عطل‪.‬‬
‫والخامس الفرق بين الحيوان والصول‪ ،‬أعني أنه يرد قيمة منافع‬
‫الصييول‪ ،‬ول يرد قيمية منافييع الحيوان‪ ،‬وهذا كله فيميا اغتيل مين‬
‫العييين المغصييوبة مييع عينهييا وقيامهييا‪ .‬وأمييا ميين مييا اغتييل منهييا‬
‫بتصييريفها وتحويييل عينهييا كالدنانييير فيغتصييبها فيتجيير بهييا فيربييح‪،‬‬
‫فالغلة قول واحدا في المذهب؛ وقال قوم‪ :‬الربح للمغصوب وهذا‬
‫أيضييا إذا قصييد غصييب الصييل‪ .‬وأمييا إذا قصييد غصييب الغلة دون‬
‫الصيل فهيو ضامين للغلة بإطلق‪ ،‬ول خلف فيي ذلك سيواء عطيل‬
‫أو انتفيع أو أكرى‪ ،‬كان مميا يزال بيه أو بميا ل يزال بيه؛ وقال أبيو‬
‫حنيفية‪ :‬إنيه مين تعدى على دابية رجيل فركبهيا أو حميل عليهيا فل‬
‫كراء عليه في ركوبه إياها ول في حمله‪ ،‬لنه ضامن لها إن تلفت‬
‫فيي تعدييه‪ ،‬وهذا قوله فيي كيل ميا ينقيل ويحول‪ ،‬فإنيه لميا رأى أنيه‬
‫قيد ضمنيه بالتعدي وصيار فيي ذمتيه جازت له المنفعية كميا تقول‬
‫المالكية فيما تجر به من المال المغصوب‪ ،‬وإن كان الفرق بينهما‬
‫أن الذي تجيير بييه تحولت عينييه‪ ،‬وهذا لم تتحول عينييه‪ .‬وسييبب‬
‫اختلفهييم فييي هييل يرد الغاصييب الغلة أو ل يردهييا اختلفهييم فييي‬
‫تعمييم قوله علييه الصيلة والسيلم "الخراج بالضمان" وقوله علييه‬
‫الصييلة والسييلم "ليييس لعرق ظالم حييق" وذلك أن قوله عليييه‬
‫الصييلة والسييلم هذا خرج على سييبب‪ ،‬وهييو فييي غلم قيييم فيييه‬
‫بعييب‪ ،‬فأراد الذي صيرف علييه أن يرد المشتري غلتيه‪ ،‬وإذا خرج‬
‫العام على سيبب هيل يقصير على سيببه أم يحميل على عموميه؟‬
‫فيه خلف بين فقهاء المصار مشهور‪ ،‬فمن قصر ههنا هذا الحكم‬
‫على سيببه قال‪ :‬إنميا تجيب الغلة مين قبيل الضمان فيميا صيار إلى‬
‫النسان بشبهة‪ ،‬مثل أن يشتري شيئا فيستغله فيستحق منه‪ .‬وأما‬
‫ميا صيار إلييه بغيير وجيه شبهية فل تجوز له الغلة لنيه ظالم‪ ،‬ولييس‬
‫لعرق ظالم حييق‪ ،‬فعمييم هذا الحديييث فييي الصييل والغلة‪ :‬أعنييي‬
‫عموم هذا الحدييث وخصيص الثانيي‪ .‬وأميا مين عكيس المير فعميم‬
‫قوله عليييه الصييلة والسييلم "الخراج بالضمان" على أكثيير ميين‬
‫السييبب الذي خرج عليييه‪ ،‬وخصييص قوله عليييه الصييلة والسييلم‬
‫"ليس لعرق ظالم حق" بأن جعل ذلك في الرقبة دون الغلة قال‪:‬‬
‫ل يرد الغلة الغاصب‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وأميا مين المعنيى كميا تقدم مين قولنيا فالقياس أن تجري المنافيع‬
‫والعيان المتولدة مجرى واحدا‪ ،‬وأن يعتييبر التضميين أو ل يعتييبر‪.‬‬
‫وأمييا سييائر القاويييل التييي بييين هذييين فهييي اسييتحسان‪ .‬وأجمييع‬
‫العلماء على أن مين اغترس نخل أو ثمرا بالجملة ونباتيا فيي غيير‬
‫أرضيه أنيه يؤمير بالقلع لميا ثبيت مين حدييث مالك عين هشام بين‬
‫عروة عين أبييه أن رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم قال "مين‬
‫أحييا أرضيا ميتية فهيي له ولييس لعرق ظالم حيق" والعرق الظالم‬
‫عندهيم هيو ميا اغترس فيي أرض الغيير‪ .‬وروى أبيو داود فيي هذا‬
‫الحدييث زيادة عين عروة‪ :‬ولقيد حدثنيي الذي حدثنيي هذا الحدييث‬
‫"أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس‬
‫أحدهما نخل في أرض الخر‪ ،‬فقضى لصاحب الرض بأرضه‪ ،‬وأمر‬
‫صاحب النخل أن يخرج نخلة منها" قال‪ :‬فلقد رأيتها وإنما لتضرب‬
‫أصيولها بالفؤوس وإنهيا لنخيل عيم حتيى أخرجيت منهيا‪ ،‬إل ميا روي‬
‫فيي المشهور عين مالك "أن مين زرع زرعيا فيي أرض غيره وفات‬
‫أوان زراعتييه لم يكيين لصيياحب الرض أن يقلع زرعييه‪ ،‬وكان على‬
‫الزراع كراء الرض‪ .‬وقيد روي عنيه ميا يشبيه قياس قول الجمهور‪،‬‬
‫وعلى قوله‪ :‬إن كيل ميا ل ينتفيع الغاصيب بيه إذا قلعيه وأزاله أنيه‬
‫للمغصيييوب يكون الزرع على هذا للزارع‪ .‬وفرق قوم بيييين الزرع‬
‫والثمار فقالوا‪ :‬الزارع في أرض غيره له نفقته وزريعته‪ ،‬وهو قول‬
‫كثير من أهل المدينة‪ ،‬وبه قال أبو عبيد وروي عن رافع بن خديج‬
‫أنه قال عليه الصلة والسلم "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم‬
‫فله نفقتييه وليييس له ميين الزرع شيييء"‪ .‬واختلف العلماء فييي‬
‫القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال‪ :‬أحدها‬
‫أن كيل دابية مرسيلة فصياحبها ضامين لميا أفسيدته‪ .‬والثانيي أن ل‬
‫ضمان علييييه‪ .‬والثالث أن الضمان على أرباب البهائم باللييييل‪ ،‬ول‬
‫ضمان عليهم فيما أفسدته بالنهار‪.‬‬
‫والرابع وجوب الضمان في غير المنفلت ول ضمان في المنفلت‪،‬‬
‫ومميين قال‪ :‬يضميين بالليييل ول يضميين بالنهار مالك والشافعييي؛‬
‫وبأن ل ضمان عليهييم أصييل قال أبييو حنيفيية وأصييحابه؛ وبالضمان‬
‫بإطلق قال الليييث‪ ،‬إل أن الليييث قال‪ :‬ل يضميين أكثيير ميين قيميية‬
‫الماشيية‪ ،‬والقول الرابيع مروي عين عمير رضيي الله عنيه‪ .‬فعمدة‬
‫مالك والشافعييييي فييييي هذا الباب شيئان‪ :‬أحدهمييييا قوله تعالى‬
‫{وداود وسييليمان إذ يحكمان فييي الحرث إذ نفشييت فيييه غنييم‬
‫القوم} والنفيش عنيد أهيل اللغية ل يكون إل باللييل‪ ،‬وهذا الحتجاج‬
‫على مذهييب ميين يرى أنييا مخاطبون بشرع ميين قبلنييا‪ .‬والثانييي‬
‫مرسييله عيين ابيين شهاب "أن ناقيية للبراء بيين عازب دخلت حائط‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫قوم فأفسدت فيه‪ ،‬فقضى ر سول الله صلى الله عليه وسلم أن‬
‫على أهييل الحوائط بالنهار حفظهييا‪ ،‬وإن مييا أفسييدته المواشييي‬
‫باللييل ضامين على أهلهيا" أي مضمون‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية قوله‬
‫عليييه الصييلة والسييلم "العجماء جرحهييا جبار" وقال الطحاوي‪:‬‬
‫وتحقيق مذهب أبي حنيفة أنه ل يضمن إذا أرسلها محفوظة‪ ،‬فأما‬
‫إذا لم يرسييلها محفوظيية فيضميين؛ والمالكييية تقول‪ :‬ميين شرط‬
‫قولنا أن تكون الغنم في المسرح وأما إذا كانت في أرض مزرعة‬
‫ل مسيرح فيهيا فهيم يضمنون ليل ونهارا وعمدة مين رأى الضمان‬
‫فيمييا أفسييدت ليل ونهارا شهادة الصييول له‪ ،‬وذلك أنييه تعييد ميين‬
‫المرسييل‪ ،‬والصييول على أن على المتعدي الضمان‪ ،‬ووجييه ميين‬
‫فرق بيييين المنفلت وغيييير المنفلت بيييين‪ ،‬فإن المنفلت ل يملك‪.‬‬
‫فسيبب الخلف فيي هذا الباب معارضية الصيل للسيمع‪ ،‬ومعارضية‬
‫السييماع بعضييه لبعييض‪ ،‬أعنييي أن الصييل يعارض "جرح العجماء‬
‫جبار" ويعارض أيضييا التفرقيية التييي فييي حديييث البراء‪ ،‬وكذلك‬
‫التفرقية التيي فيي حدييث البراء تعارض أيضيا قوله "جرح العجماء‬
‫جبار"‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@(تابيييع‪- :)1 ...‬والطوارئ على المغصيييوب إميييا بزيادة وإميييا‬
‫بنقصان‪ ،‬وهذان إما من قبل‪... ...‬‬
‫ومين مسيائل هذا الباب المشهورة اختلفهيم فيي حكيم ميا يصياب‬
‫مين أعضاء الحيوان‪ ،‬فروي عين عمير بين الخطاب أنيه قضيى فيي‬
‫عيين الدابية بربيع ثمنهيا‪ ،‬وكتيب إلى شرييح فأمره بذلك‪ ،‬وبيه قال‬
‫الكوفيون‪ ،‬وقضى به عمر بن عبد العزيز؛ وقال الشافعي ومالك‪:‬‬
‫يلزم فيمييا أصيييب ميين البهيميية مييا نقييص فييي ثمنهييا قياسييا على‬
‫التعدي فيي الموال؛ والكوفيون اعتمدوا فيي ذلك على قول عمير‬
‫رضييي الله عنييه وقالوا‪ :‬إذا قال الصيياحب قول ول مخالف له ميين‬
‫الصيحابة وقوله ميع هذا مخالف للقياس وجيب العميل بيه لنيه يعلم‬
‫أنه إن ما صار إلى القول به من جهة التوقيف‪ ،‬فسبب الخلف إذا‬
‫معارضيية القياس لقول الصيياحب‪ .‬وميين هذا الباب اختلفهييم فييي‬
‫الجميل الصيئول وميا أشبهيه يخاف الرجيل على نفسيه فيقتله‪ ،‬هيل‬
‫يجيب علييه غرميه أم ل؟ فقال مالك والشافعيي‪ :‬ل غرم علييه إذا‬
‫بان أنه خافه على نفسه؛ وقال أبو حنيفة والثوري‪ :‬يضمن قيمته‬
‫على كيل حال‪ .‬وعمدة مين لم يير الضمان القياس على مين قصيد‬
‫رجل فأراد قتله‪ ،‬فدافيع المقصيود عين نفسيه فقتيل فيي المدافعية‬
‫القاصيد المتعدي أنيه لييس علييه قود‪ ،‬وإذا كان ذلك فيي النفيس‬
‫كان في المال أحرى‪ ،‬لن النفس أعظم حرمة من المال‪ ،‬وقياسا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أيضيا على إهدار دم الصييد الحرميي إذا صيال وتمسيك بيه حذاق‬
‫أصيييحاب الشافعيييي‪ .‬وعمدة أبيييي حنيفييية أن الموال تضمييين‬
‫بالضرورة إليهيا‪ ،‬أصيله المضطير إلى طعام الغيير ول حرمية للبعيير‬
‫مين جهية ميا هيو ذو نفيس‪ .‬ومين هذا الباب اختلفهيم فيي المكرهية‬
‫على الزنيى‪ ،‬هيل على مكرههيا ميع الحيد صيداق أم ل؟ فقال مالك‬
‫والشافعيي واللييث‪ :‬علييه الصيداق والحيد جميعيا؛ وقال أبيو حنيفية‬
‫والثوري‪ :‬عليييه الحييد ول صييداق عليييه‪ ،‬وهييو قول ابيين شبرميية‪.‬‬
‫وعمدة مالك أنيه وجيب علييه حقان‪ :‬حيق لله وحيق للدميي‪ ،‬فلم‬
‫يسيقط أحدهميا الخير‪ ،‬أصيله السيرقة التيي يجيب بهيا عندهيم غرم‬
‫المال والقطييع‪ .‬وأمييا ميين لم يوجييب الصييداق‪ ،‬فتعلق فييي ذلك‬
‫بمعنيييين‪ :‬أحدهمييا أنييه إذا اجتمييع حقان‪ :‬حييق لله وحييق للمخلوق‬
‫سقط حق المخلوق لحق الله‪ ،‬وهذا على رأي الكوفيين في أنه ل‬
‫يجمع على السارق غرم وقطع‪ .‬والمعنى الثاني أن الصداق ليس‬
‫مقابل البضع‪ ،‬وإنما هو عبادة إذ كان النكاح شرعيا‪ ،‬وإذا كان ذلك‬
‫كذلك فل صداق في النكاح الذي على غير الشرع‪ .‬ومن مسائلهم‬
‫المشهورة فييي هذا الباب ميين غصييب أسييطوانة فبنييى عليهييا بناء‬
‫يسياوي قائميا أضعاف قيمية السيطوانة‪ ،‬فقال مالك والشافعيي‪:‬‬
‫يحكم على الغاصب بالهدم ويأخذ المغصوب منه أسطونته؛ وقال‬
‫أبييو حنيفيية‪ :‬تفوت بالقيميية كقول مالك فيميين غييير المغصييوب‬
‫بصناعة لها قيمة كثيرة؛ وعند الشافعي ل يفوت المغصوب بشيء‬
‫من الزيادة‪ .‬وهنا انقضى هذا الكتاب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الستحقاق‪.‬‬
‫@‪-‬وجييل النظيير فييي هذا الكتاب هييو فييي أحكام السييتحقاق‪،‬‬
‫وتحصييل أصيول هذا الكتاب أن الشييء المسيتحق مين ييد إنسيان‬
‫بمييا تثبييت بييه الشياء فييي الشرع لمسييتحقها إذا صييار إلى ذلك‬
‫النسييان الذي اسييتحق ميين يده الشيييء المسييتحق بشراء أنييه ل‬
‫يخلو مين أن يسيتحق مين ذلك الشييء أقله أو كله أو جله‪ ،‬ثيم إذا‬
‫اسيتحق منيه كله أو جله فل يخلو أن يكون قيد تغيير عنيد الذي هيو‬
‫بيده بزيادة أو نقصان أو يكون لم يتغير‪ ،‬ثم ل يخلو أيضا أن يكون‬
‫المسيتحق منيه قيد اشتراه بثمين أو مثمون‪ .‬فأميا إن كان اسيتحق‬
‫منيه أقله‪ ،‬فإنيه إنميا يرجيع عنيد مالك على الذي اشتراه منيه بقيمية‬
‫مييا اسييتحق ميين يده‪ ،‬وليييس له أن يرجييع بالجميييع‪ .‬وأمييا إن كان‬
‫اسييتحق كله أو جله‪ ،‬فإن كان لم يتغييير أخذه المسييتحق ورجييع‬
‫المستحق من يده على الذي اشتراه منه بثمن ما اشتراه منه إن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫كان اشتراه بثمن‪ ،‬وإن كان اشتراه بالمثمون رجع بالمثمون بعينه‬
‫إن كان لم يتغير‪ ،‬فإن تغير تغيرا يوجب اختلف قيمته رجع بقيمته‬
‫يوم الشراء‪ ،‬وإن كان المال المستحق قد بيع‪ ،‬فإن للمستحق أن‬
‫يمضي البيع ويأخذ الثمن أو يأخذه بعينه‪ ،‬فهذا هو حكم المستحق‬
‫والمسييتحق ميين يده مييا لم يتغييير الشيييء المسييتحق‪ ،‬فإن تغييير‬
‫الشيييء المسييتحق فل يخلو أن يتغييير بزيادة أو نقصييان‪ .‬فأمييا إن‬
‫كان تغيير بزيادة فل يخلو أن يتغيير بزيادة مين قبيل الذي اسيتحق‬
‫من يده الشيء‪ ،‬أو بزيادة من ذات الشيء‪ .‬فأما الزيادة من ذات‬
‫الشيء فيأخذها المستحق‪ ،‬مثل أن تسمن الجارية أو يكبر الغلم‪.‬‬
‫وأما الزيادة من قبل المستحق منه‪ ،‬فمثل أن يشتري الدار فبنى‬
‫فيهييا فتسييتحق ميين يده‪ ،‬فإنييه مخييير بييين أن يدفييع قيميية الزيادة‬
‫ويأخيذ ميا اسيتحقه وبيين أن يدفيع إلييه المسيتحق مين يده قيمية ميا‬
‫اسيتحق أو يكونيا شريكيين‪ ،‬هذا بقدر قيمية ميا اسيتحق مين يده‪،‬‬
‫وهذا بقدر قيمية ميا بنيى أو غرس‪ ،‬وهيو قضاء عمير بين الخطاب‪.‬‬
‫وأمييا إن كانييت الزيادة ولدة ميين قبييل المسييتحق منييه‪ ،‬مثييل أن‬
‫يشتري أميية فيولدهييا ثييم تسييتحق منييه أو يزوجهييا على أنهييا حرة‬
‫فتخرج أميية‪ ،‬فإنهييم اتفقوا على أن المسييتحق ليييس له أن يأخييذ‬
‫أعيان الولد‪ ،‬واختلفوا فييي أخييذ قيمتهييم‪ .‬وأمييا الم فقيييل يأخذهييا‬
‫بعينهييا‪ ،‬وقيييل يأخييذ قيمتهييا‪ .‬وأمييا إن كان الولد بنكاح فاسييتحقت‬
‫بعبوديية فل خلف أن لسييدها أن يأخذهيا ويرجيع الزوج بالصيداق‬
‫على ميين غره‪ ،‬وإذا ألزمناه قيميية الولد لم يرجييع بذلك على ميين‬
‫غره‪ ،‬لن الغرر لم يتعلق بالولد‪ .‬وأما غلة الشيء المستحق‪ ،‬فإنه‬
‫إذا كان ضامنييا بشبهيية ملك فل خلف أن الغلة للمسييتحق منييه‪،‬‬
‫وأعنيي بالضمان أنهيا تكون مين خسيارته إذا هلكيت عنده‪ .‬وأميا إذا‬
‫كان غييير ضاميين‪ ،‬مثييل أن يكون وارثييا فيطرأ عليييه وارث آخيير‬
‫فيستحق بعض ما في يده فإنه يرد الغلة‪ .‬وأما إن كان غير ضامن‬
‫إل أنيه ادعيى فيي ذلك ثمنيا مثيل العبيد يسيتحق بحريية‪ ،‬فإنيه وإن‬
‫هلك عنده يرجع بالثمن ففيه قولن‪ :‬أنه ل يضمن إذا لم يجد على‬
‫مين يرجيع‪ ،‬ويضمين إذا وجيد على مين يرجيع‪ .‬وأميا مين أي وقيت‬
‫تصييح الغلة للمسييتحق؟ فقيييل يوم الحكييم‪ ،‬وقيييل ميين يوم ثبوت‬
‫الحيق‪ ،‬وقييل مين يوم توقيفيه‪ .‬وإذا قلنيا إن الغلة تجيب للمسيتحق‬
‫فيي أحيد هذه الوقات الثلثية فإذا كانيت أصيول فيهيا ثمرة فأدرك‬
‫هذا الوقيت الثمير ولم يقطيف بعده‪ ،‬فقييل إنهيا للمسيتحق ميا لم‬
‫تقطيف‪ ،‬وقييل ميا لم تيبيس‪ ،‬وقييل ميا لم يطيب ويرجيع علييه بميا‬
‫سييقى وعالج المسيتحق مين يدييه‪ ،‬وهذا إن كان اشترى الصيول‬
‫قبل البار‪ .‬وأما إن كان اشتراها بعد البار فالثمرة للمستحق عند‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ابين القاسيم إن جذت ويرجيع بالسيقي والعلج؛ وقال أشهيب‪ :‬هيي‬
‫للمسييتحق مييا لم تجييذ‪ .‬والرض إذا اسييتحقت‪ ،‬فالكراء إنمييا هييو‬
‫للمسييتحق إن وقييع السييتحقاق فييي إبان زريعيية الرض‪ .‬وأمييا إذا‬
‫خرج البان فقيد وجيب كراء الرض للمسيتحق منيه‪ .‬وأميا إن كان‬
‫بغير نقصان‪ ،‬فإن كان من غير سبب المستحق من يديه فل شيء‬
‫على المسيتحق مين يدييه‪ .‬وأميا إن كان أخيذ له ثمنيا مثيل أن يهدم‬
‫الدار فيبيع نقضها ثم يستحقها من يده رجل آخر‪ ،‬فإنه يرجع عليه‬
‫بثمين ميا باع مين النقيض‪ .‬قال القاضيي‪ :‬ولم أجيد فيي هذا الباب‬
‫خلفا يعتمد عليه فيما نقلته فيه من مذهب مالك وأصحابه‪ ،‬وهي‬
‫أصولهم في هذا الباب‪ ،‬ولكن يجيء على أصول الغير أنه إذا كان‬
‫المسيييتحق مشتري بعرض‪ ،‬وكان العرض قيييد ذهيييب أن يرجيييع‬
‫المسيتحق مين يده بعرض مثله ل بقيمتيه‪ ،‬وهيم الذيين يرون فيي‬
‫جمييع المتلفات المثيل؛ وكذلك يجييء على أصيول الغيير أن يرجيع‬
‫على المشتري إذا اسيتحق منيه قلييل أو كثيير‪ ،‬لنيه لم يدخيل على‬
‫الباقيييي ول انعقيييد علييييه بييييع ول وقيييع بيييه تراض‪ .‬كميييل كتاب‬
‫الستحقاق بحمد الله‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الهبات‬
‫@‪-‬والنظير فيي الهبية‪ :‬فيي أركانهيا‪ ،‬وفيي شروطهيا‪ ،‬وفيي أنواعهيا‪،‬‬
‫وفيي أحكامهيا‪ .‬ونحين إنميا نذكير مين هذه الجناس ميا فيهيا مين‬
‫المسائل المشهورة‪.‬‬
‫@‪-‬فنقول‪ :‬أميا الركان فهيي ثلثية‪ :‬الواهيب والموهوب له‪ ،‬والهبية‪.‬‬
‫وأمييا الواهييب فإنهييم اتفقوا على أنييه تجوز هبتييه إذا كان مالكييا‬
‫للموهوب صيييحيح الملك‪ ،‬وذلك إذا كان فيييي حال الصيييحة وحال‬
‫إطلق اليد‪ .‬واختلفوا في حال المرض وفي حال السفه والفلس‪.‬‬
‫أميا المرييض فقال الجمهور‪ :‬إنهيا فيي ثلثيه تشبيهيا بالوصيية‪ ،‬أعنيي‬
‫الهبية التامية بشروطهيا‪ .‬وقالت طائفية مين السيلف وجماعية أهيل‬
‫الظاهير‪ :‬أن هبتيه تخرج مين رأس ماله إذا مات‪ ،‬ول خلف بينهيم‬
‫أنيه إذا صيح مين مرضيه أن الهبية صيحيحة‪ .‬وعمدة الجمهور حدييث‬
‫عمران بين حصيين عين النيبي علييه الصيلة والسيلم "فيي الذي‬
‫أعتيق سيتة أعبيد عنيد موتيه‪ ،‬فأمره رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسلم فأعتق ثلثهم وأرق الباقي" وعمدة أهل الظاهر استصحاب‬
‫الحال‪ :‬أعنيي حال الجماع‪ ،‬وذلك أنهيم لميا اتفقوا على جواز هبتيه‬
‫في الصحة وجب استصحاب حكم الجماع في المرض إل أن يدل‬
‫دليييل ميين كتاب أو سيينة بينيية‪ ،‬والحديييث عندهييم محمول على‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الوصيية‪ ،‬والمراض التيي يحجيز فيهيا عنيد الجمهور هيي المراض‬
‫المخوفيية‪ ،‬وكذلك عنييد مالك الحالت المخوفيية‪ ،‬مثييل الكون بييين‬
‫الصيفين‪ ،‬وقرب الحاميل مين الوضيع‪ ،‬وراكيب البحير المرتيج‪ ،‬وفييه‬
‫اختلف‪ .‬وأما الرض المزمنة فليس عندهم فيها تحجير‪ ،‬وقد تقدم‬
‫هذا فيي كتاب الحجير‪ .‬وأميا السيفهاء والمفلسيون فل خلف عنيد‬
‫مين يقول بالحجير عليهيم أن هبتهيم غيير ماضيية‪ .‬وأميا الموهوب‬
‫فكيل شييء صيح ملكيه‪ .‬واتفقوا على أن للنسيان أن يهيب جمييع‬
‫ماله للجنبي‪.‬‬
‫واختلفوا فيي تفضييل الرجيل بعيض ولده على بعيض فيي الهبية‪ ،‬أو‬
‫فييي هبيية جميييع ماله لبعضهييم دون البعييض‪ ،‬فقال جمهور فقهاء‬
‫المصيار بكراهيية ذلك له‪ ،‬ولكين إذا وقيع عندهيم جاز؛ وقال أهيل‬
‫الظاهير‪ :‬ل يجوز التفضييل فضل عين أن يهيب بعضهيم جمييع ماله؛‬
‫وقال مالك يجوز التفضييل ول يجوز أن يهيب بعضهيم جمييع المال‬
‫دون بعيض‪ .‬ودلييل أهيل الظاهير حدييث النعمان بين بشيير‪ ،‬وهيو‬
‫حديييث متفييق على صييحته‪ ،‬وإن كان قييد اختلف فييي ألفاظييه‪،‬‬
‫والحدييث أنيه قال "إن أباه بشيرا أتيى بيه إلى رسيول الله صيلى‬
‫الله علييه وسيلم فقال‪ :‬إنيي نحلت ابنيي هذا غلميا كان لي‪ ،‬فقال‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬أكيل ولدك نحلتيه مثيل هذا؟‬
‫قال‪ :‬ل قال رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬فارتجعيه" واتفيق‬
‫مالك والبخاري ومسيلم على هذا اللفيظ‪ ،‬قالوا‪ :‬والرتجاع يقتضيي‬
‫بطلن الهبة‪ .‬وفي ب عض ألفاظ روايات هذا الحديث أنه قال عليه‬
‫الصييلة والسييلم "هذا جور"‪ .‬وعمدة الجمهور أن الجماع منعقييد‬
‫على أن للرجييل أن يهييب فييي صييحته جميييع ماله للجانييب دون‬
‫أولده‪ ،‬فإذا كان ذلك للجنييبي فهييو للولد أحرى‪ .‬واحتجوا بحديييث‬
‫أ بي بكر المشهور أنه كان نحل عائشة جذاذ وعشرين وسقا من‬
‫مال الغابية فلميا حضرتيه الوفاة قال‪ :‬والله ييا بنيية ميا مين الناس‬
‫أحييد أحييب إلي غنييى بعدي منييك‪ ،‬ول أعييز علي فقرا بعدي منييك‪،‬‬
‫وإنيي كنيت نحلتيك جذاذ عشريين وسيقا فلو كنيت جذذتييه واحتزتييه‬
‫كان لك‪ ،‬وإنما هواليوم مال وارث‪ .‬قالوا‪ :‬وذلك الحديث المراد به‬
‫الندب‪ ،‬والدلييل على ذلك أن فيي بعيض رواياتيه‪" :‬ألسيت ترييد أن‬
‫يكونوا لك فيي البر واللطيف سيواء؟ قال‪ :‬نعيم‪ ،‬قال‪ :‬فأشهيد على‬
‫هذا غيري"‪.‬‬
‫وأمييا مالك فإنييه رأى أن النهييي عيين أن يهييب الرجييل جميييع ماله‬
‫لواحيد مين ولده هيو أحرى أن يحميل على الوجوب‪ ،‬فأوجيب عنده‬
‫مفهوم هذا الحديييث النهييي عيين أن يخييص الرجييل بعييض أولده‬
‫بجمييع ماله‪ .‬فسيبب الخلف فيي هذه المسيألة معارضية القياس‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫للفيظ النهيي الوارد‪ ،‬وذلك أن النهيي يقتضيي عنيد الكثير بصييغته‬
‫التحرييم‪ ،‬كميا يقتضيي المير الوجوب؛ فمين ذهيب إلى الجميع بيين‬
‫السماع والقياس حمل الحديث على الندب‪ ،‬أو خصصه في بعض‬
‫الصيور كميا فعيل مالك‪ ،‬ول خلف عنيد القائليين بالقياس أنيه يجوز‬
‫تخصييص عموم السينة بالقياس‪ ،‬وكذلك العدول بهيا عين ظاهرهيا‬
‫أعنيييي أن يعدل بلفيييظ النهيييي عييين مفهوم الحظييير إلى مفهوم‬
‫الكراهييية‪ .‬وأمييا أهييل الظاهيير فلمييا لم يجييز عندهييم القياس فييي‬
‫الشرع اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا‪ :‬بتحريم التفضيل في الهبة‪.‬‬
‫واختلفوا ميين هذا الباب فييي جواز هبيية المشاع غييير المقسييوم‪،‬‬
‫فقال مالك والشافعيي وأحميد وأبيو ثور‪ :‬تصيح؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل‬
‫تصيح‪ .‬وعمدة الجماعية أن القبيض فيهيا يصيح كالقبيض فيي البييع‪.‬‬
‫وعمدة أبيي حنيفية أن القبيض فيهيا ل يصيح إل مفردة كالرهين‪ ،‬ول‬
‫خلف فييي المذهييب فييي جواز هبيية المجهول والمعدوم المتوقييع‬
‫الوجود‪ ،‬وبالجملة كيل ميا ل يصيح بيعيه فيي الشرع من جهة الغرر؛‬
‫وقال الشافعي‪ :‬ما جاز بيعه جازت هبته كالدين‪ ،‬وما لم يجز بيعه‬
‫لم تجيز هبتيه‪ ،‬وكيل ميا ل يصيح قبضيه عنيد الشافعيي ل تصيح هبتيه‬
‫كالديين والرهين‪ ،‬وأميا الهبية فل بيد مين اليجاب فيهيا والقبول عنيد‬
‫الجمييييع‪ .‬ومييين شرط الموهوب له أن يكون ممييين يصيييح قبوله‬
‫وقبضه‪ .‬وأما الشروط فأشهرها القبض‪ ،‬أعني أن العلماء اختلفوا‬
‫هل القبض شرط في صحة العقد أم ل؟ فاتفق الثوري والشافعي‬
‫وأبو حنيفة أن من شرط صحة الهبة القبض‪ ،‬وأنه إذا لم يقبض لم‬
‫يلزم الواهيييب؛ وقال مالك‪ :‬ينعقيييد بالقبول ويجيييبر على القبيييض‬
‫كالبيع سواء‪ ،‬فإن تأنى الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس‬
‫الواهيب أو مرض بطلت الهبية‪ ،‬وله إذا باع تفصييل إن علم فتوانيى‬
‫لم يكن له إل الثمن‪ ،‬وإن قام في الفور كان له الموهوب‪.‬‬
‫فمالك‪ :‬القبيض عنده فيي الهبية مين شروط التمام ل مين شروط‬
‫الصحة‪ ،‬وهو عند الشافعي وأبي حنيفة من شروط الصحة‪ .‬وقال‬
‫أحميد وأبيو ثور‪ :‬تصيح الهبية بالعقيد‪ ،‬ولييس القبيض مين شروطهيا‬
‫أصييل‪ ،‬ل ميين شرط تمام ول ميين شرط صييحة‪ ،‬وهييو قول أهييل‬
‫الظاهر‪ .‬وقد روي عن أحمد بن حنبل أن القبض من شروطها في‬
‫المكيييل والموزون‪ .‬فعمدة ميين لم يشترط القبييض فييي الهبيية‬
‫تشبيههيا بالبييع‪ ،‬وأن الصيل فيي العقود أن ل قبيض مشترط فيي‬
‫صييحتها حتييى يقوم الدليييل على اشتراط القبييض‪ .‬وعمدة ميين‬
‫اشترط القبيض أن ذلك مروي عين أبيي بكير رضيي الله عنيه فيي‬
‫حدييث هبتيه لعائشية المتقدم‪ ،‬وهيو نيص فيي اشتراط القبيض فيي‬
‫صيحة الهبية‪ .‬وميا روى مالك عين عمير أيضيا أنيه قال‪ :‬ميا بال رجال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ينحلون أبناءهييم نحل ثييم يمسييكونها‪ ،‬فإن مات ابيين أحدهييم قال‪:‬‬
‫مالي بيدي لم أعطييه أحدا‪ ،‬وإن مات قال هييو لبنييي قييد كنييت‬
‫أعطيتيه إياه فمين نحيل نحلة فلم يحزهيا الذي نحلهيا للمنحول له‬
‫وأبقاهيا حتيى تكون إن مات لورثتيه فهيي باطلة‪ ،‬وهيو قول علي‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬وهييو إجماع ميين الصييحابة‪ ،‬لنييه لم ينقييل عنهييم فييي ذلك‬
‫خلف‪ .‬وأ ما مالك فاعتمد المر ين جميعا‪ :‬أعني القياس وما روي‬
‫عين الصيحابة‪ ،‬وجميع بينهميا‪ ،‬فمين حييث هيي عقيد مين العقود لم‬
‫يكن عنده شرطا من شروط صحتها القبض‪ ،‬ومن حيث شرطت‬
‫الصيحابة فييه القبيض لسيد الذريعية التيي ذكرهيا عمير جعيل القبيض‬
‫فيهيا مين شرط التمام‪ ،‬ومين حيق الموهوب له‪ ،‬وأنيه إن تراخيى‬
‫حتييى يفوت القبييض بمرض أو إفلس على الواهييب سييقط حقييه‪.‬‬
‫وجمهور فقهاء المصار على أن الب يجوز لبنه الصغير الذي في‬
‫ولية نظره وللكبير السفيه الذي ما وهبه كما يجوز لهما ما وهبه‬
‫غيره لهييم‪ ،‬وأنييه يكفييي فييي الحيازة له إشهاده بالهبيية والعلن‬
‫بذلك‪ ،‬وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما ل يتعين‪.‬‬
‫والصل في ذلك عندهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد‬
‫بين المسييب أن عثمان بين عفان قال‪ :‬مين نحيل ابنيا له صيغيرا لم‬
‫يبلغ أن يحوز نحلتيييه فأعلن ذلك وأشهيييد علييييه فهيييي حيازة وإن‬
‫وليهييا؛ وقال مالك وأصييحابه‪ :‬لبييد ميين الحيازة فييي المسييكون‬
‫والملبوس‪ ،‬فإن كانت دارا سكن فيها خرج منها‪ ،‬وكذلك الملبوس‬
‫إن لبسييه بطلت الهبيية‪ ،‬وقالوا فييي سييائر العروض بمثييل قول‬
‫الفقهاء‪ ،‬أعنيي أنيه يكفيي فيي ذلك إعلنيه وإشهاده‪ .‬وأميا الذهيب‬
‫والورق فاختلفت الرواية فيه عن مالك‪ ،‬فروي عنه أنه ل يجوز إل‬
‫أن يخرجييه الب عيين يده إلى يييد غيره‪ ،‬وروي عنييه أنييه يجوز إذا‬
‫جعلهييا فييي ظرف أو إناء وختييم عليهييا بخاتييم وأشهييد على ذلك‬
‫الشهود‪ .‬ول خلف بييين أصييحاب مالك أن الوصييي يقوم فييي ذلك‬
‫مقام الب‪ .‬واختلفوا فييي الم؛ فقال ابيين القاسييم‪ :‬ل تقوم مقام‬
‫الب‪ ،‬ورواه عيين مالك؛ وقال غيره ميين أصييحابه‪ :‬تقوم‪ ،‬وبييه قال‬
‫أبيو حنيفية؛ وقال الشافعيي‪ :‬الجيد بمنزلة الب‪ ،‬والجدة عنيد ابين‬
‫وهب أم الم تقوم مقام الم‪ ،‬والم عنده تقوم مقام الب‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في أنواع الهبات‪.‬‬
‫@‪-‬والهبية منهيا ميا هيي هبية عيين‪ ،‬ومنهيا ميا هيي هبية منفعية‪ .‬وهبية‬
‫العيين منهيا ميا يقصيد بهيا الثواب‪ ،‬ومنهيا ميا ل يقصيد بهيا الثواب‪.‬‬
‫والتيي يقصيد بهيا الثواب منهيا ميا يقصيد بهيا وجيه الله‪ ،‬ومنهيا ميا‬
‫يقصيد بيه وجيه المخلوق‪ .‬فأميا الهبية لغيير الثواب فل خلف فيي‬
‫جوازهييا‪ ،‬وإنمييا اختلفوا فييي أحكامهييا‪ .‬وأمييا هبيية الثواب فاختلفوا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيهيا؛ فأجازهيا مالك وأبيو حنيفية؛ ومنعهيا الشافعيي‪ ،‬وبيه قال داود‬
‫وأبيو ثور‪ .‬وسيبب الخلف هيل هيي بييع مجهول الثمين أو لييس بيعيا‬
‫مجهول الثمن؟ فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال هو من نوع بيوع‬
‫الغرر التيي ل تجوز‪ ،‬ومين لم يير أنهيا بييع مجهول قال‪ :‬يجوز وكأن‬
‫مالكيا جعيل العرف فيهيا بمنزلة الشرط وهيو ثواب مثلهيا‪ ،‬ولذلك‬
‫اختلف القول عندهييم إذا لم يرض الواهييب بالثواب مييا الحكييم؟‬
‫فقييل تلزميه الهبية إذا أعطاه الموهوب القيمية‪ ،‬وقييل ل تلزميه إل‬
‫أن يرضييه‪ ،‬وهيو قول عمير على ميا سييأتي بعيد‪ ،‬فإذا اشترط فييه‬
‫الرضييا فليييس هنالك بيييع انعقييد‪ ،‬والول هييو المشهور عيين مالك‪.‬‬
‫وأميا إذا ألزم القيمية فهنالك بييع انعقيد‪ ،‬وإنميا يحميل مالك الهبية‬
‫على الثواب إذا اختلفوا فيي ذلك‪ ،‬وخصيوصا إذا دلت قرينية الحال‬
‫على ذلك مثيل أن يهيب الفقيير للغنيي‪ ،‬أو لمين يرى أنيه إنميا قصيد‬
‫بذلك الثواب‪ .‬وأمييا هبات المنافييع فمنهييا مييا هييي مؤجلة‪ ،‬وهذه‬
‫تسيمى عاريية ومنحية وميا أشبيه ذلك‪ ،‬ومنهيا ميا يشترط فيهيا ميا‬
‫بقيت حياة الموهوب له‪ ،‬وهذه تسمى العمري‪ ،‬مثل أن يهب رجل‬
‫رجل سكنى دار حياته‪ ،‬وهذه اختلف العلماء فيها على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫أحدهيا أنهيا هبية مبتوتية‪ :‬أي هبية للرقبية‪ ،‬وبيه قال الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفية والثوري وأحميد وجماعية‪ .‬والقول الثانيي أنيه لييس للمعمير‬
‫مر أو إلى ورثته‪ ،‬وبه‬
‫فيها إل المنفعة‪ ،‬فإذا مات عادت الرقبة للمع ِ‬
‫قال مالك وأصيحابه‪ ،‬وعنده أنيه إن ذكير العقيب عادت إذا انقطيع‬
‫مر أو إلى ورثتيه‪ .‬والقول الثالث أنيه إذا قال‪ :‬هيي‬
‫العقيب إلى المع ِي‬
‫عمري لك ولعقبييك كانييت الرقبيية ملكييا للمعميير‪ ،‬فإذا لم يذكيير‬
‫مر أو لورثته‪ ،‬وبه قال‬
‫العقب عادت الرقبة بعد موت المعمر للمع ِ‬
‫داود وأبيييييو ثور وسيييييبب الخلف فيييييي هذا الباب اختلف الثار‬
‫ومعارضيية الشرط والعمييل للثيير‪ .‬أمييا الثيير ففييي ذلك حديثان‪:‬‬
‫أحدهما متفق على صحته‪ ،‬وهو ما رواه مالك عن جابر أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه‬
‫فإنهييا للذي يعطاهييا ل ترجييع إلى الذي أعطاهييا أبدا" لنييه أعطييى‬
‫عطاء وقعيت فييه الموارييث‪ .‬والحدييث الثانيي حدييث أبيي الزبيير‬
‫عين جابر قال‪ :‬قال رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم "ييا معشير‬
‫النصييار أمسييكوا عليكييم أموالكييم ول تعمروهييا فميين أعميير شيئا‬
‫حياتيه فهيو له حياتيه ومماتيه" وقيد روي عين جابر بلفيظ آخير "ل‬
‫تعمروا ول ترقبوا فمين أعمير شيئا أو أرقبيه فهيو لورثتيه" فحدييث‬
‫أبيي الزبيير عين جابر مخالف لشرط المعمير‪ .‬وحدييث مالك عنيه‬
‫مخالف أيضيا لشرط المعمير إل أنيه يخييل أنيه أقيل فيي المخالفية‪،‬‬
‫وذلك أن ذكر العقب يوهم تبتيت العطية‪ ،‬فمن غلب الحديث على‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الشرط قال بحديث أبي الزبير عن جابر‪ ،‬وحديث مالك عن جابر‬
‫ومييين غلب الشرط قال بقول مالك؛ وأميييا مييين قال إن العمرى‬
‫تعود إلى المعمير إن لم يذكير العقيب‪ ،‬ول تعود إن ذكير‪ ،‬فإنيه أخيذ‬
‫بظاهير الحدييث‪ .‬وأميا حدييث أبيي الزبيير عين جابر فمختلف فييه‪،‬‬
‫أعنيي روايية أبيي الزبيير عين جابر‪ .‬وأميا إذا أتيى بلفيظ السيكان‬
‫فقال‪ :‬أسيييكنتك هذه الدار حياتيييك‪ ،‬فالجمهور على إن السيييكان‬
‫عندهم أو الخدام بخلف العمرى وإن لفظ بالعقب‪ ،‬فسوى مالك‬
‫بيين التعميير والسيكان‪ .‬وكان الحسين وعطاء وقتادة يسيوون بيين‬
‫السكنى والتعمير في أنها ل تنصرف إلى المسكن أبدا على قول‬
‫الجمهور في العمري‪ .‬والحق أن السكان والتعمير معنى المفهوم‬
‫منهميا واحيد‪ ،‬وأنيه يجيب أن يكون الحكيم إذا صيرح بالعقيب مخالفيا‬
‫له إذا لم يصرح بذكر العقب على ما ذهب إليه أهل الظاهر‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الحكام‪.‬‬
‫@‪-‬ومين مسيائلهم المشهورة فيي هذا الباب جواز العتصيار فيي‬
‫الهبية‪ ،‬وهيو الرجوع فيهيا‪ .‬فذهيب مالك وجمهور علماء المدينية أن‬
‫للب أن يعتصير ميا وهبيه لبنيه ميا لم يتزوج البين أو لم يسيتحدث‬
‫دينيا أو بالجملة ميا لم يترتيب علييه حيق الغيير‪ ،‬وأن للم أيضيا أن‬
‫تعتصيير مييا وهبييت إن كان الب حيييا‪ ،‬وقييد روي عيين مالك أنهييا ل‬
‫تعتصيير؛ وقال أحمييد وأهييل الظاهيير‪ :‬ل يجوز لحييد أن يعتصيير مييا‬
‫وهبيه؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬يجوز لكيل أحيد أن يعتصير ميا وهبيه إل ميا‬
‫وهيب لذي رحيم محرمية علييه‪ .‬وأجمعوا على أن الهبية التيي يراد‬
‫بهيا الصيدقة أي وجيه الله أنيه ل يجوز لحيد الرجوع فيهيا‪ .‬وسيبب‬
‫الخلف فيي هذا الباب تعارض الثار؛ فمين لم يير العتصيار أصيل‬
‫احتييج بعموم الحديييث الثابييت‪ ،‬وهييو قوله عليييه الصييلة والسييلم‬
‫"العائد فييي هبتييه كالكلب يعود فييي قيئه" وميين اسييتثنى البوييين‬
‫احتييج بحديييث طاوس أنييه قال عليييه الصييلة والسييلم "ل يحييل‬
‫لواهب أن يرجع في هبته إل الوالد" وقاس الم على الوالد؛ وقال‬
‫الشافعييي‪ :‬لو اتصييل حديييث طاوس لقلت بييه؛ وقال غيره‪ :‬قييد‬
‫اتصل من طريق حسين المعلم‪ ،‬وهو ثقة‪ .‬وأما من أجاز العتصار‬
‫إل لذوي الرحييم المحرميية‪ ،‬فاحتييج بمييا رواه مالك عيين عميير بيين‬
‫الخطاب رضيي الله عنيه أنيه قال‪ :‬مين وهيب هبية لصيلة رحيم أو‬
‫على جهية صيدقة فإنيه ل يرجيع فيهيا‪ ،‬ومين وهيب هبية يرى أنيه إنميا‬
‫أراد الثواب بها فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها‪ .‬وقالوا‬
‫أيضيا فإن الصيل أن مين وهيب شيئا عين غيير عوض أنيه ل يقضيي‬
‫عليييه بييه كمييا لو وعييد‪ ،‬إل مييا اتفقوا عليييه ميين الهبيية على وجييه‬
‫الصييدقة‪ .‬وجمهور العلماء على أن ميين تصييدق على ابنييه فمات‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫البيين بعييد أن حازهييا فإنييه يرثهييا‪ .‬وفييي مرسييلت مالك أن رجل‬
‫أنصاريا من الخزرج تصدق على أبويه بصدقة فهلكا فورث ابنهما‬
‫المال وهييو نخييل‪ ،‬فسييأل عيين ذلك النييبي عليييه الصييلة والسييلم‬
‫فقال‪" :‬قيد أجرت فيي صيدقتك وخذهيا بميراثيك" وخرج أبيو داود‬
‫عين عبيد الله بن بريدة عين أبيه عين امرأة أتيت ر سول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فقالت "كنت قد تصدقت على أمي بوليدة‪ ،‬وإنها‬
‫ماتت وتركت لي تلك الوليدة‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم‪ :‬وجب‬
‫أجرك ورجعيييت إلييييك بالميراث" وقال أهيييل الظاهييير‪ :‬ل يجوز‬
‫العتصيار لحيد لعموم قوله علييه الصيلة والسيلم لعمير "ل تشتره‬
‫في الفرس الذي تصدق به‪ ،‬فإن العائد في هبته كالكلب يعود في‬
‫قيئه" والحديييث متفييق على صييحته‪ .‬قال القاضييي‪ :‬والرجوع فييي‬
‫الهبية لييس مين محاسين الخلق‪ ،‬والشارع علييه الصيلة والسيلم‬
‫إنما بعث ليتمم محاسن الخلق‪ .‬وهذا القدر كاف في هذا الباب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الوصايا‬
‫@‪-‬والنظيير فيهييا أول ينقسييم قسييمين القسييم الول‪ :‬النظيير فييي‬
‫الركان‪ .‬والثانيي‪ :‬فيي الحكام‪ .‬ونحين فإنميا نتكلم مين هذه فيميا‬
‫وقع فيها من المسائل المشهورة‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الركان‪.‬‬
‫@‪-‬والركان أربعييية‪ :‬الموصيييي والموصيييى له‪ ،‬والموصيييى بيييه‪،‬‬
‫والوصيية‪ .‬أميا الموصيي فاتفقوا على أنيه كيل مالك صيحيح الملك‪،‬‬
‫ويصح عند مالك وصية السفيه والصبي الذي يعقل القرب؛ وقال‬
‫أبييو حنيفيية ل تجوز وصييية الصييبي الذي لم يبلغ‪ ،‬وعيين الشافعييي‬
‫القولن وكذلك وصييية الكافيير تصييح عندهييم إذا لم يوص بمحرم‪.‬‬
‫وأمييا الموصييى له فإنهييم اتفقوا على أن الوصييية ل تجوز لوارث‬
‫لقوله علييه الصيلة والسيلم "ل وصيية لوارث" واختلفوا هيل تجوز‬
‫لغيير القرابية؟ فقال جمهور العلماء‪ :‬إنهيا تجوز لغيير القربيين ميع‬
‫الكراهيية‪ ،‬وقال الحسين وطاوس‪ :‬ترد الوصيية على القرابية‪ ،‬وبيه‬
‫قال إسييحق‪ ،‬وحجيية هؤلء ظاهيير قوله تعالى {الوصييية للوالدييين‬
‫والقربين} واللف واللم تقتضي الحصر‪ .‬واحتج الجمهور بحديث‬
‫عمران بن حصين المشهور وهو "أن رجل أعتق ستة أعبد له في‬
‫مرضيه عنيد موتيه لمال له غيرهيم‪ ،‬فأقرع رسيول الله صيلى الله‬
‫عليه وسلم بينهم‪ ،‬فأعتق اثنين وأرق أربعة" والعبيد غير القرابة‪.‬‬
‫وأجمعوا ‪ -‬كمييا قلنييا ‪ -‬أنهييا ل تجوز لوارث إذا لم يجزهييا الورثيية‪.‬‬
‫واختلفوا ‪ -‬كمييا قلنييا ‪ -‬إذا أجازتهييا الورثيية‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬تجوز‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقال أهيل الظاهير والمزنيي‪ :‬ل تجوز‪ .‬وسيبب الخلف هيل المنيع‬
‫لعلة الورثيية أو عبادة؟ فميين قال عبادة قال‪ :‬ل تجوز وإن أجازهييا‬
‫الورثية؛ ومين قال بالمنيع لحيق الورثية أجازهيا الورثية؛ وتردد هذا‬
‫الخلف راجيع إلى تردد المفهوم مين قوله علييه الصيلة والسيلم‬
‫"ل وصييية لوارث" هييل هييو معقول المعنييى أم ليييس بمعقول؟‬
‫واختلفوا فيي الوصيية للمييت‪ ،‬فقال قوم‪ :‬تبطيل بموت الموصيى‬
‫له‪ ،‬وهيم الجمهور؛ وقال قوم‪ :‬ل تبطيل وفيي الوصيية للقاتيل خطيأ‬
‫وعمدا وفييي هذا الباب فرع مشهور‪ ،‬وهييو إذا أذن الورثيية للميييت‬
‫هيل لهيم أن يرجعوا فيي ذلك بعيد موتيه؟ فقييل لهيم‪ ،‬وقييل لييس‬
‫لهييم‪ ،‬وقيييل بالفرق بييين أن يكون الورثيية فييي عيال الميييت أو ل‬
‫يكونوا‪ ،‬أعنيي إنهيم إن كانوا فيي عياله كان لهيم الرجوع‪ ،‬والثلثية‬
‫القوال في المذهب‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الموصى به والنظر في جنسه وقدره‪.‬‬
‫@‪-‬أميييا جنسيييه فإنهيييم اتفقوا على جواز الوصيييية فيييي الرقاب‪،‬‬
‫واختلفوا فيييي المنافيييع فقال جمهور فقهاء المصيييار‪ :‬ذلك جائز؛‬
‫وقال ابين أبيي ليلى وابين شبرمية وأهيل الظاهير‪ :‬الوصيية بالمنافيع‬
‫باطلة‪ .‬وعمدة الجمهور أن المنافييع فييي معنييى الموال‪ .‬وعمدة‬
‫الطائفية الثانيية أن المنافيع متنقلة إلى ملك الوارث‪ ،‬لن المييت ل‬
‫ملك له فل تصييح له وصييية بمييا يوجييد فييي ملك غيره‪ ،‬وإلى هذا‬
‫القول ذهيب أبيو عمير بين عبيد البر‪ .‬وأميا القدر فإن العلماء اتفقوا‬
‫على أنييه ل تجوز الوصييية فييي أكثيير ميين الثلث لميين ترك ورثيية‪.‬‬
‫واختلفوا فيمن لم يترك ورثة وفي القدر المستحب منها‪ ،‬هل هو‬
‫الثلث أو دونه؟ وإنما صار الجميع إلى أن الوصية ل تجوز في أكثر‬
‫من الثلث لمن له وارث بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم "أنه‬
‫عاد سييعد بيين أبييي وقاص فقال له يييا رسييول الله‪ :‬قييد بلغ منييي‬
‫الوجيع ميا ترى وأنيا ذو مال ول يرثنيي إل ابنية لي‪ ،‬أفأتصيدق بثلثيي‬
‫مالي؟ فقال له رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬ل ‪ ،‬فقال له‬
‫سييعد‪ :‬فالشطيير؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ثييم قال رسييول الله صييلى الله عليييه‬
‫وسيلم‪ :‬الثلث والثلث كثيير إنيك أن تذر ورثتيك أغنياء خيير مين أن‬
‫تذرهييم عالة يتكففون الناس" فصييار الناس لمكان هذا الحديييث‬
‫إلى أن الوصيية ل تجوز بأكثير مين الثلث‪ ،‬واختلفوا فيي المسيتحب‬
‫مين ذلك‪ ،‬فذهيب قوم إلى أنيه ميا دون الثلث‪ ،‬لقوله علييه الصيلة‬
‫والسييلم فييي هذا الحديييث "والثلث كثييير" وقال بهذا كثييير ميين‬
‫السلف‪ .‬قال قتادة‪ :‬أوصى أبو بكر بالخمس‪ ،‬وأوصى عمر بالربع‪،‬‬
‫والخميس أحيب إلي‪ .‬وأميا مين ذهيب إلى أن المسيتحب هيو الثلث‬
‫فإنهيم اعتمدوا على ميا روي عين النيبي صيلى الله علييه وسيلم أنيه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫قال "إن الله جعييل لكييم فييي الوصييية ثلث أموالكييم زيادة فييي‬
‫أعمالكم" وهذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث‪ .‬وثبت عن ابن‬
‫عباس أنيه قال‪ :‬لوغيض الناس فيي الوصيية مين الثلث إلى الربيع‬
‫لكان أحييب إلي‪ ،‬لن رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم قال‬
‫"الثلث والثلث كثيير"‪ .‬وأميا اختلفهيم فيي جواز الوصيية بأكثير مين‬
‫الثلث لمييين ل وارث له‪ ،‬فإن مالكيييا ل يجييييز ذلك والوزاعيييي‪،‬‬
‫واختلف فييه قول أحميد‪ ،‬وأجاز ذلك أبيو حنيفية وإسيحق‪ ،‬وهيو قول‬
‫ابيين مسييعود‪ .‬وسييبب الخلف هييل هذا الحكييم خاص بالعلة التييي‬
‫علله بهييا الشارع أم ليييس بخاص‪ ،‬وهييو أن ل يترك ورثتييه عالة‬
‫يتكففون الناس‪ .‬كمييا قال عليييه الصييلة والسييلم "إنييك أن تذر‬
‫ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" فمن جعل‬
‫هذا السبب خاصا و جب أن يرتفع الحكيم بارتفاع هذه العلة؛ ومن‬
‫جعيييل الحكيييم عبادة وإن كان قيييد علل بعلة‪ ،‬أو جعيييل جمييييع‬
‫المسييلمين فييي هذا المعنييى بمنزلة الورثيية قال‪ :‬ل تجوز الوصييية‬
‫بإطلق بأكثر من الثلث‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في المعنى الذي يدل عليه لفظ الوصية‪.‬‬
‫@‪-‬والوصيييية بالجملة هيييي هبييية الرجيييل ماله لشخيييص آخييير أو‬
‫لشخاص بعد موته أو عتق غلمه سواء صرح بلفظ الوصية أو لم‬
‫يصرح به‪ ،‬وهذا العقد عندهم هو من العقود الجائزة باتفاق‪ ،‬أعني‬
‫أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به‪ ،‬إل المدبر فإنهم اختلفوا فيه‬
‫على مييا سيييأتي فييي كتاب التدبييير‪ ،‬وأجمعوا على أنييه ل يجييب‬
‫للموصيى له إل بعيد موت الموصيي‪ .‬واختلفوا فيي قبول الموصيى‬
‫له هل هو شرط في صحتها أم ل؟ فقال مالك‪ :‬قبول الموصى له‬
‫إياهييا شرط فييي صييحة الوصييية؛ وروي عيين الشافعييي أنييه ليييس‬
‫القبول شرطا في صحتها‪ ،‬ومالك شبهها بالهبة‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الحكام‪.‬‬
‫@‪-‬وهذه الحكام منها لفظية‪ ،‬ومنها حسابية‪ ،‬ومنها حكمية‪ .‬فمن‬
‫مسائلهم المشهورة الحكمية اختلفهم في حكم من أوصى بثلث‬
‫ماله لرجيل وعيين ميا أوصيى له بيه فيي ماله مميا هيو الثلث‪ ،‬فقال‬
‫الورثييية‪ :‬ذلك الذي عيييين أكثييير مييين الثلث‪ ،‬فقال مالك‪ :‬الورثييية‬
‫مخيرون بيين أن يعطوه ذلك الذي عينيه الموصيي أو يعطوه الثلث‬
‫من جميع مال الميت؛ وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي وأبو‬
‫ثور وأحمييد وداود‪ .‬وعمدتهييم أن للوصييية قييد وجبييت للموصييى له‬
‫بموت الموصيي وقبوله إياهيا باتفاق‪ ،‬فكييف ينقيل عين ملكيه ميا‬
‫وجب له بغير طيب نفس منه وتغير الوصية‪ .‬وعمدة مالك إمكان‬
‫صدق الورثة فيما ادعوه‪ ،‬وما أحسن ما رأى أبو عمر بن عبد البر‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫في هذه المسألة‪ ،‬وذلك أنه قال‪ :‬إذا ادعى الورثة ذلك كلفوا بيان‬
‫ميا ادعوا‪ ،‬فإن ثبيت ذلك أخيذ منيه الموصيى له قدر الثلث مين ذلك‬
‫الشييء الموصيى بيه وكان شريكيا للورثية‪ ،‬وإن كان الثلث فأقيل‬
‫جبروا على إخراجه‪ ،‬وإذا لم يختلفوا في أن ذلك الشيء الموصى‬
‫بيه هيو فرق الثلث‪ ،‬فعنيد مالك أن الورثية مخيرون بيين أن يدفعوا‬
‫إليه ما وصى له به‪ ،‬أو يفرجوا له عن جميع ثلث مال الميت‪ ،‬إما‬
‫في ذلك الشيء بعينه‪ ،‬وإما في جميع المال على اختلف الرواية‬
‫عن مالك في ذلك؛ وقال أبو حنيفة والشافعي‪ :‬له ثلث تلك العين‬
‫ويكون بباقيييه شريكييا للورثيية فييي جميييع مييا ترك الميييت حتييى‬
‫يسيتوفي تمام الثلث‪ .‬وسيبب الخلف أن المييت لميا تعدى فيي أن‬
‫جعيل وصييته فيي شييء بعينيه‪ ،‬فهيل العدل فيي حيق الورثية أن‬
‫يخيروا بيين إمضاء الوصيية أو يفرجوا له إلى غايية ميا يجوز للمييت‬
‫أن يخرج عنهيييم مييين ماله أو يبطيييل التعدي ويعود ذلك الحيييق‬
‫مشتركا‪ ،‬وهذا هو الولى إذا قلنا إن التعدي هو في التعيين لكونه‬
‫أكثير مين الثلث‪ ،‬أعنييي أن الواجيب أن يسيقط التعييين‪ .‬وإميا أن‬
‫يكلف الورثيية أن يمضوا التعيييين أو يتخلوا عيين جميييع الثلث فهييو‬
‫حميل عليهيم‪ .‬ومين هذا الباب اختلفهيم فيمين وجبيت علييه زكاة‬
‫فمات ولم يوص بهيا وإذا وصيى بهيا فهيل هيي مين الثلث‪ ،‬أو مين‬
‫رأس المال؟ فقال مالك‪ :‬إذا لم يوص بهييييا لم يلزمييييه الورثيييية‬
‫إخراجهيا‪ ،‬وقال الشافعيي‪ :‬يلزم الورثية إخراجهيا مين رأس المال‪،‬‬
‫وإذا وصيى بهيا‪ ،‬فعنيد مالك يلزم الورثية إخراجهيا وهيي عنده مين‬
‫الثلث‪ ،‬وهيي عنيد الشافعيي فيي الوجهيين مين رأس المال شبههيا‬
‫بالديين لقول رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم "فديين الله أحيق‬
‫أن يقضى" وكذلك الكفارات الواجبة والحج الواجب عنده‪ ،‬ومالك‬
‫يجعلهييا ميين جنييس الوصييايا بالتوصييية بإخراجهييا بعييد الموت‪ ،‬ول‬
‫خلف أنه لو أخرجها في الحياة أنها من رأس المال ولو كان في‬
‫السيياق‪ ،‬وكأن مالكيا اتهميه هنيا على الورثية‪ ،‬أعنيي فيي توصييته‬
‫بإخراجهيا‪ ،‬قال‪ :‬ولو أجييز هذا لجاز للنسيان أن يؤخير جمييع زكاتيه‬
‫طول عمره إذا دنييا ميين الموت وصييى بهييا فإذا زاحمييت الوصييايا‬
‫الزكاة قدمت عند مالك على ما هو أضعف منها؛ وقال أبو حنيفة‪:‬‬
‫هي وسائر الوصايا سواء‪ ،‬يريد في المحاصة‪ .‬واتفق مالك وجميع‬
‫أصحابه على أن الوصايا التي يضيق عنها الثلث إذا كانت مستوية‬
‫أنها تتحاص في الثلث‪ ،‬وإذا كان بعضها أهم من بعض قدم الهم‪.‬‬
‫واختلفوا فييي الترتيييب على مييا هييو مسييطور فييي كتبهييم‪ .‬وميين‬
‫مسييائلهم الحسييابية المشهورة فييي هذا الباب إذا أوصييى لرجييل‬
‫بنصف ماله ولخر بثلثيه ورد للورثة الزائد‪ ،‬فعند مالك والشافعي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أنهمييا يقتسييمان الثلث بينهمييا أخماسييا؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬بييل‬
‫يقتسييمان الثلث بالسييوية‪ .‬وسييبب الخلف هييل الزائد على الثلث‬
‫الساقط هل يسقط العتبار به في القسمة كما يسقط في نفسه‬
‫بإسيقاط الورثية؟ فمين قال يبطيل فيي نفسيه ول يبطيل العتبار بيه‬
‫فيي القسيمة إذا كان مشاعيا قال‪ :‬يقتسيمون المال أخماسيا؛ ومين‬
‫قال يبطيل العتبار بيه كميا لو كان معينيا قال‪ :‬يقتسيمون الباقيي‬
‫على السيواء‪ .‬ومين مسيائلهم اللفظيية فيي هذا الباب إذا أوصيى‬
‫بجزء مين ماله وله مال يعلم بيه ومال ل يعلم بيه‪ ،‬فعنيد مالك أن‬
‫الوصية تكون فيما علم به دون ما لم يعلم‪ ،‬وعند الشافعي تكون‬
‫في المالين‪ .‬وسبب الخلف هل اسم المال الذي نطق به يتضمن‬
‫ميا علم وميا لم يعلم‪ ،‬أو ميا علم فقيط؟ والمشهور عين مالك أن‬
‫المدبر يكون فيي المالين إذا لم يخرج من المال الذي يعلم‪ .‬وفيي‬
‫هذا الباب فروع كثيرة وكلهيا راجعية إلى هذه الثلثية الجناس‪ ،‬ول‬
‫خلف بينهم أن للرجل أن يوصي بعد موته بأولده وأن هذه خلفة‬
‫جزئية كالخلفة العظمى الكلية التي للمام أن يوصي بها‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الفرائض‪.‬‬
‫@‪-‬والنظر في هذا الكتاب‪ ،‬فيمن يرث‪ ،‬وفيمن ل يرث‪ .‬ومن يرث‬
‫هيل يرث دائميا‪ ،‬أو ميع وارث دون وارث؛ وإذا ورث ميع غيره فكيم‬
‫يرث وكذلك إذا ورث وحده كييم يرث؟ وإذا ورث مييع وارث‪ ،‬فهيل‬
‫يختلف ذلك بحسيب وارث وارث أو ل يختلف؟‪ .‬والتعلييم فيي هذا‬
‫يمكين على وجوه كثيرة قيد سيلك أكثرهيا أهيل الفرائض‪ ،‬والسيبيل‬
‫الحاضرة في ذلك بأن يذكر حكم جنس جنس من أجناس الورثة‬
‫إذا انفرد ذلك الجنييس وحكمييه مييع سييائر الجناس الباقييية‪ ،‬مثال‬
‫ذلك أن ينظير إلى الولد إذا انفرد كيم ميراثيه‪ ،‬ثيم ينظير حاله ميع‬
‫سيائر الجناس الباقيية مين الوارثيين‪ .‬فأميا الجناس الوارثية فهيي‬
‫ثلثية‪ :‬ذو نسيب وأصيهار‪ ،‬وموالي‪ .‬فأميا ذوو النسيب‪ ،‬فمنهيا متفيق‬
‫عليها‪ ،‬ومنها مختلف فيها‪ .‬فأما المتفق عليها فهي الفروع‪ :‬أعني‬
‫الولد‪ ،‬والصيول‪ :‬أعنيي الباء والجداد ذكورا كانوا أو إناثيا‪ ،‬وكذلك‬
‫الفروع المشاركة للميت في الصل الدنى‪ :‬أعني الخوة ذكورا أو‬
‫إناثيا‪ ،‬أو المشاركية الدنيى أو البعيد فيي أصيل واحيد وهيم العمام‬
‫وبنييو العمام‪ ،‬وذلك الذكور ميين هؤلء خاصيية فقييط‪ ،‬وهؤلء إذا‬
‫فصيلوا كانوا مين الرجال عشرة ومين النسياء سيبعة؛ أميا الرجال‪:‬‬
‫فالبين وابين البين وإن سيفل والب والجيد أبيو الب وإن عل والخ‬
‫ميين أي جهيية كان‪ :‬أعنييي للم والب أو لحدهمييا وابيين الخ وإن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫سيفل والعيم وابين العيم وإن سيفل والزوج ومولى النعمية‪ .‬وأميا‬
‫النسيياء‪ :‬فالبنيية وابنيية البيين وإن سييفلت والم والجدة وإن علت‬
‫والخت والزوجة والمولة‪ .‬وأما المختلف فيهم فهم ذوو الرحام‪،‬‬
‫وهم من ل فرض لهم في كتاب الله ول هم عصبة‪ ،‬وهم بالجملة‬
‫بنيو البنات وبنات الخوة وبنيو الخوات وبنات العمام والعيم أخيو‬
‫الب للم فقييييط وبنييييو الخوة للم والعمات والخالت والخوال؛‬
‫فذهيب مالك والشافعيي وأكثير فقهاء المصيار وزييد بين ثابيت مين‬
‫الصييحابة إلى أنييه ل ميراث لهييم؛ وذهييب سييائر الصييحابة وفقهاء‬
‫العراق والكوفية والبصيرة وجماعية العلماء مين سيائر الفاق إلى‬
‫توريثهم‪ .‬والذين قالوا بتوريثهم اختلفوا في صفة توريثهم؛ فذهب‬
‫أبيو حنيفية وأصيحابه إلى توريثهيم على ترتييب العصيبات‪ ،‬وذهيب‬
‫سيائر مين ورثهيم إلى التنزييل‪ ،‬وهيو أن ينزل كيل مين أدلى منهيم‬
‫بذي سييهم أو عصييبة بمنزلة السييبب الذي أدلى بييه‪ .‬وعمدة مالك‬
‫ومين قال بقوله أن الفرائض لميا كانيت ل مجال للقياس فيهيا كان‬
‫الصيل أن ل يثبيت فيهيا شييء إل بكتاب أو سينة ثابتية أو إجماع‪،‬‬
‫وجميع ذلك معدوم في هذه المسألة‪ .‬وأما الفرقة الثانية‪ ،‬فزعموا‬
‫أن دليلهييم على ذلك ميين الكتاب والسيينة والقياس‪ .‬أمييا الكتاب‬
‫فقوله تعالى {وأولوا الرحام بعضهييم أولى ببعييض} وقوله تعالى‬
‫{للرجال نصيييب ممييا ترك الوالدان والقربون} واسييم القرابيية‬
‫ينطلق على ذوي الحارم‪ ،‬ويرى المخالف أن هذه مخصييييييييوصة‬
‫بآيات المواريث‪ .‬وأما السنة فاحتجوا بما خرجه الترمذي عن عمر‬
‫بين الخطاب أنيه كتيب إلى أبيي عيبيدة أن رسيول الله صيلى الله‬
‫عليييه وسييلم قال "الله ورسييوله مولى ميين ل مولى له‪ ،‬والخال‬
‫وارث مين ل وارث له"‪ .‬وأميا مين طرييق المعنيى فإن القدماء مين‬
‫أصيحاب أبيي حنيفية قالوا‪ :‬إن ذوي الرحام أولى مين المسيلمين‬
‫لنهم قد اجتمع لهم سببان‪ :‬القرابة والسلم‪ ،‬فأشبهوا تقديم الخ‬
‫الشقيق على الخ للب‪ ،‬أعني أن من اجتمع له سببان أولى ممن‬
‫له سييبب واحييد‪ .‬وأمييا أبييو زيييد ومتأخرو أصييحابه فشبهوا الرث‬
‫بالوليية وقالوا‪ :‬لميا كانيت وليية التجهييز والصيلة والدفين للمييت‬
‫عنييد فقييد أصييحاب الفروض والعصييبات لذوي الرحام وجييب أن‬
‫يكون لهيييم وليييية الرث‪ ،‬وللفرييييق الول اعتراضات فيييي هذه‬
‫المقايييس فيهيا ضعيف‪ .‬وإذ قيد تقرر هذا فلنشرع فيي ذكير جنيس‬
‫جنييس ميين أجناس الوارثييين‪ ،‬ونذكيير ميين ذلك مييا يجري مجرى‬
‫الصول من المسائل المشهورة المتفق عليها والمختلف فيها‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الصيلب) وأجميع المسيلمون على أن ميراث الولد مين‬
‫والدهم ووالدتهم إن كانوا ذكورا وإناثا معا هو أن للذكر منهم مثل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫حييظ النثيييين‪ ،‬وأن البيين الواحييد إذا انفرد فله جميييع المال‪ ،‬وأن‬
‫البنات إذا انفردن فكانت واحدة أن لها النصف‪ ،‬وإن كن ثلثا فما‬
‫فوق ذلك فلهن الثلثان‪ .‬واختلفوا في الثنتين فذهب الجمهور إلى‬
‫أن لهميا الثلثيين‪ ،‬وروي عين ابين عباس أنيه قال‪ :‬للبنتيين النصيف‪.‬‬
‫والسيبب فيي اختلفهيم تردد المفهوم فيي قوله تعالى {فإن كين‬
‫نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} هل حكم الثنتين المسكوت‬
‫عنه يلحق بحكم الثلثة أو بحكم الواحدة؟ والظهر من باب دليل‬
‫الخطاب أنهميا لحقان بحكيم الواحدة؛ وقيد قييل إن المشهور عين‬
‫ابيين عباس مثييل قول الجمهور وقييد روي عيين ابيين عبييد الله بيين‬
‫محمد بن عقيل عن حاتم بن عبد الله وعن جابر "أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم أعطى البنتين الثلثين" قال فيما أحسب أبو عمر‬
‫ابين عبد البر وعبيد الله بن عقييل‪ :‬قد قبيل جماعية من أهل العلم‬
‫حديثييه وخالفهييم آخرون‪ .‬وسييبب التفاق فييي هذه الجملة قوله‬
‫تعالى {يوصييكم الله فيي أولدكيم للذكير مثيل حيظ النثييين} إلى‬
‫قوله {وإن كانييت واحدة فلهييا النصييف} وأجمعوا ميين هذا الباب‬
‫على أن بنيي البنيين يقومون مقام البنيين عنيد فقيد البنيين يرثون‬
‫كميا يرثون ويحجبون كميا يحجبون‪ ،‬إل شييء روي عين مجاهيد أنيه‬
‫قال‪ :‬ولد البن ل يحجبون الزوج من النصف إلى الربع كما يحجب‬
‫الولد نفسيه ول الزوجية مين الربيع إلى الثمين‪ ،‬ول الم مين الثلث‬
‫إلى السدس‪ .‬وأجمعوا على أنه ليس لبنات البن ميراث مع بنات‬
‫الصيلب إذا اسيتكمل بنات المتوفيي الثلثيين‪ .‬واختلفوا إذا كان ميع‬
‫بنات البن ذكر ابن ا بن في مرتبتهن أو أبعد منهن‪ ،‬فقال جمهور‬
‫فقهاء المصار‪ :‬إنه يعصب بنات البن فيما فضل عن بنات الصلب‬
‫فيقسيمون المال للذكير مثيل حيظ النثييين‪ ،‬وبيه قال علي رضيي‬
‫الله عنه وزيد بن ثابت من الصحابة‪ .‬وذهب أبو ثور وداود أنه إذا‬
‫اسيتكمل البنات الثلثيين أن الباقيي لبين البين دون بنات البين كين‬
‫فيي مرتبية واحدة ميع الذكير أو فوقيه أو دونيه‪ .‬وكان ابين مسيعود‬
‫يقول فيي هذه {للذكير مثيل حيظ النثييين} إل أن يكون الحاصيل‬
‫للنساء أكثر من السدس فل تعطي إل السدس‪ .‬وعمدة الجمهور‬
‫عموم قوله تعالى {يوصيييكم الله فييي أولدكييم للذكيير مثييل حييظ‬
‫النثييين} وأن ولد الولد ولد مين طرييق المعنيى‪ ،‬وأيضيا لميا كان‬
‫ابيين البيين يعصييب ميين فييي درجتييه فييي جملة المال فواجييب أن‬
‫يعصيب فيي الفاضيل مين المال‪ .‬وعمدة داود وأبيي ثور حدييث ابين‬
‫عباس أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "اقسيموا المال بيين‬
‫أهييل الفرائض على كتاب الله عييز وجييل‪ ،‬فمييا أبقييت الفرائض‬
‫فلولى رجل ذكر" ومن طريق المعنى أيضا أن بنت البن لما لم‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ترث مفردة ميين الفاضييل عيين الثلثييين كان أحرى أن ل ترث مييع‬
‫غيرها‪ ،‬وسبب اختلفهم تعارض القياس والنظر في الترجيح‪ .‬وأما‬
‫قول ابين مسيعود فمبنيي على أصيله فيي أن بنات البين لميا كين ل‬
‫يرثن مع عدم البن أكثر من السدس لم يجب لهن مع الغير أكثر‬
‫مميا وجيب لهين ميع النفراد‪ ،‬وهيي حجية قريبية مين حجية داود‪،‬‬
‫والجمهور على أن ذكيير ولد البيين يعصييبهن كان فييي درجتهيين أو‬
‫أطرف من هن‪ .‬و شذ بعض المتأخر ين فقال‪ :‬ل يعصيبهن إل إذا كان‬
‫فييي مرتبتهيين‪ .‬وجمهور العلماء على أنييه إذا ترك المتوفييي بنتييا‬
‫لصيلب وبنيت ابين أو بنات ابين لييس معهين ذكير أن لبنات البين‬
‫السيدس تكملة الثلثيين‪ ،‬وخالفيت الشيعية فيي ذلك فقالت‪ :‬ل ترث‬
‫بنييت البيين مييع البنييت شيئا كالحال فييي ابيين البيين مييع البيين‪،‬‬
‫فالختلف في بنات البن في موضعين‪ :‬مع بني البن‪ ،‬ومع البنات‬
‫فيما دون الثلثين وفوق النصف‪ .‬فالمتحصل فيهن إذا كن مع بني‬
‫البين أنيه قييل يرثين‪ ،‬وقييل ل يرثين؛ وإذا قييل يرثين فقييل يرثين‬
‫تعصيبا مطلقا‪ ،‬وقيل يرثن تعصيبا إل أن يكون أكثر من السدس؛‬
‫وإذا قييل يرثين فقييل أيضيا إذا كان ابين البين فيي درجتهين وقييل‬
‫كيفما كان‪ ،‬والمتحصل في وراثتهن مع عدم ابن البن فيما فضل‬
‫عن النصف إلى تكملة الثلثين قيل يرثن‪ ،‬وقيل ل يرثن‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الزوجات) وأجميع العلماء على أن ميراث الرجيل مين‬
‫امرأتييه إذا لم تترك ولدا ول ولد ابيين النصييف ذكرا كان الولد أو‬
‫أنثى‪ ،‬إل ما ذكرنا عن مجاهد‪ ،‬وأنها إن تركت ولدا فله الربع‪ ،‬وأن‬
‫ميراث المرأة مييين زوجهيييا إذا لم يترك الزوج ولد ول ولد ابييين‬
‫الربيع‪ ،‬فإن ترك ولدا أو ولد ابين فالثمين‪ ،‬وأنيه لييس يحجبهين أحيد‬
‫عيين الميراث ول ينقصييهن إل الولد‪ ،‬وهذا لورود النييص فييي قوله‬
‫تعالى {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} الية‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الب والم) وأجمييييييع العلماء على أن الب إذا انفرد‬
‫كان له جميييع المال‪ ،‬وأنييه إذا انفرد البوان كان للم الثلث وللب‬
‫الباقيي لقوله تعالى {وورثيه أبواه فلميه الثلث} وأجمعوا على أن‬
‫فرض البوييين ميين ميراث ابنهمييا إذا كان للبيين ولد أو ولد ابيين‬
‫السييدسان‪ ،‬أعنييي أن لكييل واحييد منهمييا السييدس لقوله تعالى‬
‫{ولبويييه لكييل واحييد منهمييا السييدس ممييا ترك إن كان له ولد}‬
‫والجمهور على أن الولد هيو الذكير دون النثيى وخالفهيم فيي ذلك‬
‫مين شيذ؛ وأجمعوا على أن الب ل ينقيص ميع ذوي الفرائض مين‬
‫السيدس وله ميا زاد؛ وأجمعوا مين هذا الباب على أن الم يحجبهيا‬
‫الخوة مييين الثلث إلى السيييدس لقوله تعالى {فإن كان له أخوة‬
‫فلمه السدس} ‪ .‬واختلفوا في أقل ما يحجب الم من الثلث إلى‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫السدس من الخوة‪ ،‬فذهب علي رضي الله عنه وابن مسعود إلى‬
‫أن الخوة الحاجبين هما اثنان فصاعدا‪ ،‬وبه قال مالك وذهب ابن‬
‫عباس إلى أنهييم ثلثيية فصيياعدا‪ ،‬وأن الثنييين ل يحجبان الم ميين‬
‫الثلث إلى السيدس‪ ،‬والخلف آييل إلى أقيل ميا ينطلق علييه اسيم‬
‫الجمييع؛ فميين قال أقييل مييا ينطلق عليييه اسييم الجمييع ثلثيية قال‪:‬‬
‫الخوة الحاجبون ثلثية فميا فوق؛ ومين قال أقيل ميا ينطلق علييه‬
‫اسم الجمع اثنان قال‪ :‬الخوة الحاجبون هما اثنان أعني في قوله‬
‫تعالى {فإن كان له أخوة} ول خلف أن الذكييير والنثيييى يدخلن‬
‫تحييت اسييم الخوة فييي الييية وذلك عنييد الجمهور‪ .‬وقال بعييض‬
‫المتأخرييييين ل أنقييييل الم ميييين الثلث إلى السييييدس بالخوات‬
‫المنفردات‪ ،‬لنيه زعيم أنيه لييس ينطلق عليهين اسيم الخوة إل أن‬
‫يكون معهيين أخ لموضييع تغليييب المذكيير على المؤنييث‪ ،‬إذ اسييم‬
‫الخوة هييو جمييع أخ‪ ،‬والخ مذكيير‪ .‬واختلفوا ميين هذا الباب فيميين‬
‫يرث السييييدس الذي تحجييييب عنييييه الم بالخوة‪ ،‬وذلك إذا ترك‬
‫المتوفييي أبوييين وأخوة‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬ذلك السييدس للب مييع‬
‫الربعية السيداس‪ .‬وروي عين ابين عباس أن ذلك السيدس للخوة‬
‫الذ ين حجبوا‪ ،‬وللب الثلثان لنه ليس في الصول من يحجب ول‬
‫يأخذ ما حجب إل الخوة مع الباء‪ ،‬وضعف قوم السناد بذلك عن‬
‫ابين عباس‪ ،‬وقول ابين عباس هيو القياس‪ .‬واختلفوا مين هذا الباب‬
‫في التي تعرف بالغراوين‪ ،‬وهي فيمن ترك زوجة وأبوين‪ ،‬أو زوجا‬
‫وأبويين؛ فقال الجمهور‪ :‬فيي الولى للزوجية الربيع‪ ،‬وللم ثلث ميا‬
‫بقيي‪ ،‬وهيو الربيع مين رأس المال‪ ،‬وللب ميا بقيي وهيو النصيف‪،‬‬
‫وقالوا في الثانية‪ :‬للزوج النصف وللم ثلث ما بقي وهو السدس‬
‫مين رأس المال‪ ،‬وللب ميا بقيي وهيو السيدسان‪ ،‬وهيو قول زييد‬
‫والمشهور ميين قول علي رضييي الله عنييه‪ .‬وقال ابيين عباس فييي‬
‫الولى‪ :‬للزوجة الربع من رأس المال‪ ،‬وللم الثلث منه أيضا لنها‬
‫ذات فرض‪ ،‬وللب ميا بقيي لنيه عاصيب؛ وقال أيضيا فيي الثانيية‪:‬‬
‫للزوج النصييف‪ ،‬وللم الثلث لنهييا ذات فرض مسييمى‪ ،‬وللب مييا‬
‫بقي‪ ،‬وبه قال شريح القاضي وداود وابن سيرين وجماعة‪ .‬وعمدة‬
‫الجمهور أن الب والم لمييا كانييا إذا انفردا بالمال كان للم الثلث‬
‫وللب الباقيي‪ ،‬وجيب أن يكون الحال كذلك فيميا بقيي مين المال‪،‬‬
‫كأنهم رأوا أن يكون ميراث الم أكثر من ميراث الب خروجا عن‬
‫الصيول‪ .‬وعمدة الفرييق الخير أن الم ذات فرض مسيمى والب‬
‫عاصييب‪ ،‬والعاصييب ليييس له فرض محدود مييع ذي الفروض‪ ،‬بييل‬
‫يقل ويكثر‪ ،‬وما عليه الجمهور من طريق التعليل أظهر‪ ،‬وما عليه‬
‫الفرييق الثانيي ميع عدم التعلييل أظهير‪ ،‬وأعنيي بالتعلييل ههنيا أن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يكون أحق سببي النسان أولى باليثار‪ :‬أعني الب من الم‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الخوة للم) وأجميييييع العلماء على أن الخوة للم إذا‬
‫انفرد الواحييد منهييم أن له السييدس ذكرا كان أو أنثييى وأنهييم إن‬
‫كانوا أكثير مين واحيد فهيم شركاء فيي الثلث على السيوية‪ ،‬للذكير‬
‫منهييم مثييل حييظ النثييى سييواء‪ .‬وأجمعوا على أنهييم ل يرثون مييع‬
‫أربعييية‪ :‬وهيييم الب والجيييد أبيييو الب وإن عل‪ ،‬والبنون ذكرانهيييم‬
‫وإناثهيم‪ ،‬وبنيو البنيين وإن سيفلوا ذكرانهيم وإناثهيم‪ ،‬وهذا كله لقوله‬
‫تعالى {وإن كان رجييييل يورث كللة أو امرأة وله أخ أو أخييييت}‬
‫الييية‪ ،‬وذلك أن الجماع انعقييد على أن المقصييود بهذه الييية هييم‬
‫الخوة للم فقييط‪ .‬وقييد قرئ "وله أخ أو أخييت ميين أمييه" وكذلك‬
‫أجمعوا فيمييا أحسييب ههنييا على أن الكللة هييي فقييد الصييناف‬
‫الربعية التيي ذكرناهيا مين النسيب‪ :‬أعنيي الباء والجداد والبنيين‬
‫وبني البنين‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الخوة للب والم أو للب) وأجميييييع العلماء على أن‬
‫الخوة للب والم أو للب فقيييط يرثون فيييي الكللة أيضيييا‪ .‬أميييا‬
‫الخت إذا انفردت فإن لها النصف وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان‪،‬‬
‫كالحال فيي البنات‪ ،‬وإنهيم إن كانوا ذكورا وإناثيا فللذكير مثيل حيظ‬
‫النثيين كحال البنين مع البنات‪ ،‬وهذا لقوله تعالى {يستفتونك قل‬
‫الله يفتيكيم فيي الكللة} إل أنهيم اختلفوا فيي معنيى الكللة ههنيا‬
‫في أشياء واتفقوا منها في أشياء يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ؛‬
‫فمين ذلك أنهيم أجمعوا مين هذا الباب على أن الخوة للب والم‬
‫ذكرانا كانوا أو إناثا أنهم ل يرثون مع الولد الذكر شيئا‪ ،‬ول مع ولد‬
‫الولد ول مييع الب شيئا‪ .‬واختلفوا فيمييا سييوى ذلك؛ فمنهييا أنهييا‬
‫اختلفوا فيي ميراث الخوة للب والم ميع البنيت أو البنات‪ ،‬فذهيب‬
‫الجمهور إلى أنهن عصبة يعطون ما فضل عن البنات؛ وذهب داود‬
‫بين علي الظاهري وطائفية إلى أن الخيت ل ترث ميع البنيت شيئا‪.‬‬
‫وعمدة الجمهور في هذا الحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله‬
‫علييه وسيلم أنيه قال فيي ابنية وابنية ابين وأخيت "إن للبنيت النصيف‬
‫ولبنة البن السدس تكميلة الثلثين وما بقي فللخت"‪ .‬وأيضا من‬
‫جهيية النظيير لمييا أجمعوا على توريييث الخوة مييع البنات‪ ،‬فكذلك‬
‫الخوات‪ .‬وعمدة الفرييق الخير ظاهير قوله تعالى {إن امرو هلك‬
‫ليس له ولد وله أخت} فلم يجعل للخت شيئا إل مع عدم الولد‪،‬‬
‫والجمهور حملوا اسيم الولد ههنيا على الذكور دون الناث‪ .‬وأجميع‬
‫العلماء ميين هذا الباب على أن الخوة للب والم يحجبون الخوة‬
‫للب عن الميراث قياسا على بني البناء مع بني الصلب‪ .‬قال أبو‬
‫عمير‪ :‬وقيد روي ذلك فيي حدييث حسين مين روايية الحاد العدول‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عين علي رضيي الله عنيه قال "قضيى رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيييلم أن أعيان بنيييي الم يتوارثون دون بنيييي العلت" وأجميييع‬
‫العلماء على أن الخوات للب والم إذا اسييتكملن الثلثييين فإنييه‬
‫لييس للخوات للب معهين شييء كالحال فيي بنات البين ميع بنات‬
‫الصيلب‪ ،‬وأنيه إن كانيت الخيت للب والم واحدة فللخوات للب‬
‫ميا كين بقيية الثلثيين وهيو السيدس‪ .‬واختلفوا إذا كان ميع الخوات‬
‫للب ذكير‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬يعصيبهن ويقتسيمون المال للذكير مثيل‬
‫حيظ النثييين‪ ،‬كالحال فيي بنات البين ميع بنات الصيلب؛ واشترط‬
‫مالك أن يكون فييي درجتهيين؛ وقال ابيين مسييعود‪ :‬إذا اسييتكمل‬
‫الخوات الشقائق الثلثييين فالباقييي للذكور ميين الخوة للب دون‬
‫الناث‪ ،‬وبييه قال أبييو ثور؛ وخالفييه داود فييي هذه المسييألة‪ ،‬مييع‬
‫موافقتيييه له فيييي مسيييألة بنات الصيييلب وبنيييي البنيييين‪ ،‬فإن لم‬
‫يسيتكملن الثلثيين‪ ،‬فللذكير عنده مين بنيي الب مثيل حيظ النثييين‪،‬‬
‫إل أن يكون الحاصيل للنسياء أكثير مين السيدس كالحال فيي بنيت‬
‫الصيلب ميع بنيي البين‪ .‬وأدلة الفريقيين فيي هذه المسيألة هيي تلك‬
‫الدلة بأعيانهييييييييييا‪ .‬وأجمعوا على أن الخوة للب يقومون مقام‬
‫الخوة للب والم عند فقدهم‪ ،‬كالحال في بني البنين مع البنين‪،‬‬
‫وأنيه إذا كان معهين ذكير عصيبهن‪ ،‬بأن يبدأ بمين له فرض مسيمى‪،‬‬
‫ثم يرثون الباقي للذكر مثل حظ النثيين كالحال في البنين إل في‬
‫موضيع واحيد وهيي الفريضية التيي تعرف بالمشركية‪ ،‬فإن العلماء‬
‫اختلفوا فيهيا‪ ،‬وهيي امرأة توفييت وتركيت زوجهيا وأمهيا وإخوتهيا‬
‫لمهييا وإخوتهييا لبيهييا وأمهييا‪ ،‬فكان عميير وعثمان وزيييد بيين ثابييت‬
‫يعطون للزوج النصييييييف وللم السييييييدس وللخوة للم الثلث‪،‬‬
‫فيسيييتغرقون المال فيبقيييى الخوة للب والم بل شييييء‪ ،‬فكانوا‬
‫يشركون الخوة للب والم فيي الثلث ميع الخوة للم يقتسيمونه‬
‫بينهم للذكر مثل حظ النثيين‪ .‬وبالتشريك قال من فقهاء المصار‬
‫مالك والشافعييي والثوري‪ .‬وكان علي رضييي الله عنييه وأبييي بيين‬
‫كعيييب وأبييو موسييى الشعري ل يشركون إخوة الب والم فيييي‬
‫الثلث مع إخوة الم في هذه الفريضة‪ ،‬ول يوجبون لهم شيئا فيها‪،‬‬
‫وقال به من فقهاء المصار‪ :‬أبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد وأبو‬
‫ثور وداود وجماعييية‪ .‬وحجييية الفرييييق الول أن الخوة للب والم‬
‫يشاركون الخوة للم في السبب الذي به يستوجبون الرث وهي‬
‫الم فوجيب أن ل ينفردوا بيه دونهيم‪ ،‬لنيه إذا اشتركوا فيي السيبب‬
‫الذي بيه يورثون وجيب أن يشتركوا فيي الميراث‪ .‬وحجية الفرييق‬
‫الثانييي أن الخوة الشقائق عصييبة‪ ،‬فلشيييء لهييم إذا أحاطييت‬
‫فرائض ذوي السيهام بالميراث‪ .‬وعمدتهيم باتفاق الجمييع على أن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مين ترك زوجيا وأميا وأخيا واحدا لم وإخوة شقائق عشرة أو أكثير‬
‫أن الخ للم يسيتحق ههنيا السيدس كامل‪ ،‬والسيدس الباقيي بيين‬
‫الباقين مع أنهم مشاركون له في الم‪ .‬فسبب الختلف في أكثر‬
‫مسائل الفرائض هو تعارض المقاييس واشتراك اللفاظ فيما فيه‬
‫نص‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الجيد) وأجميع العلماء على أن الب يحجيب الجيد وأنيه‬
‫يقوم مقام الب عنيد عدم الب ميع البنيين وأنيه عاصيب ميع ذوي‬
‫الفرائض‪ .‬واختلفوا هييييل يقوم مقام الب فييييي حجييييب الخوة‬
‫الشقائق‪ ،‬أو حجييب الخوة للب؟ فذهييب ابيين عباس وأبييو بكيير‬
‫رضيي الله عنهميا وجماعية إلى أنيه يحجبهيم‪ ،‬وبيه قال أبيو حنيفية‬
‫وأبييو ثور والمزنييي وابيين سييريج ميين أصييحاب الشافعييي وداود‬
‫وجماعة‪ .‬واتفق علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن ثابت‬
‫وابين مسيعود على تورييث الخوة ميع الجيد‪ ،‬إل أنهيم اختلفوا فيي‬
‫كيفية ذلك على ما أقوله بعد‪ .‬وعمدة من جعل الجد بمنزلة الب‬
‫اتفاقهميا فيي المعنيى‪ ،‬أعنيي مين قبيل أن كليهميا أب للمييت‪ ،‬ومين‬
‫اتفاقهميا فيي كثيير مين الحكام التيي أجمعوا على اتفاقهميا فيهيا‬
‫حتى إنه قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‪ :‬أما يتقي‬
‫الله زيد ابن ثابت يجعل ابن البن ابنا‪ ،‬ول يجعل أب الب أبا‪ .‬وقد‬
‫أجمعوا على أنييه مثله فييي أحكام أخيير سييوى الفروض‪ ،‬منهييا أن‬
‫شهادتييه لحفيده كشهادة الب وأن الجييد يعتييق على حفيده كمييا‬
‫يعتيق الب على البين‪ ،‬وأنيه ل يقتيص له مين جيد كميا ل يقتيص له‬
‫من أب‪ .‬وعمدة من ورث الخ مع الجد أن الخ أقرب إلى الميت‬
‫من الجيد‪ ،‬لن الجيد أبو أبي المييت‪ ،‬والخ ابين أبيي الميت‪ ،‬والبين‬
‫أقرب مين الب‪ .‬وأيضيا فميا أجمعوا علييه مين أن ابين الخ يقدم‬
‫على العم‪ ،‬وهو يدلي بالب‪ ،‬والعم يدلي بالجد‪.‬‬
‫فسيييبب الخلف تعارض القياس فيييي هذا الباب‪ .‬فإن قييييل‪ :‬فأي‬
‫القياسيين أرجيح بحسيب النظير الشرعيي؟ قلنيا‪ :‬قياس مين سياوى‬
‫بيين الب والجيد‪ ،‬فإن الجيد أب فيي المرتبية الثانيية أو الثالثية‪ ،‬كميا‬
‫أن البين ابين فيي المرتبية الثانيية أو الثالثية‪ ،‬وإذا لم يحجيب البين‬
‫الجد وهو يحجب الخوة فالجد يجب أن يحجب من يحجب البن‪،‬‬
‫والخ ليييس بأصييل للميييت ول فرع‪ ،‬وإنمييا هييو مشارك له فييي‬
‫الصل‪ ،‬والصل أحق بالشيء من المشارك له في الصل‪ ،‬والجد‬
‫ليس هو أصل للميت من قبل الب بل هو أصل أصله‪ ،‬والخ يرث‬
‫مين قبيل أنيه فرع لصيل المييت‪ ،‬فالذي هيو أصيل لصيله أولى مين‬
‫الذي هيو فرع لصيله‪ ،‬ولذلك ل معنيى لقول مين قال إن الخ يدلي‬
‫بالبنوة‪ ،‬والجيد يدلي بالبوة‪ ،‬فإن الخ لييس ابنيا للمييت وإنميا هيو‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ابين أبييه‪ ،‬والجيد أبيو المييت‪ ،‬والبنوة إنميا هيي أقوى فيي الميراث‬
‫مين البوة فيي الشخيص الواحيد بعينيه أعنيي الموروث‪ .‬وأميا البنوة‬
‫التيي تكون لب موروث‪ ،‬فلييس يلزم أن تكون فيي حيق الموروث‬
‫أقوى ميين البوة التييي تكون لب الموروث‪ ،‬لن البوة التييي لب‬
‫الموروث هيي أبوة ميا للموروث‪ :‬أعنيي بعيدة‪ ،‬ولييس البنوة التيي‬
‫لب الموروث بنوة ما للموروث ل قريبة ول بعيدة‪ ،‬فمن قال الخ‬
‫أحيييق مييين الجيييد‪ ،‬لن الخ يدلي بالشييييء الذي مييين قبله كان‬
‫الميراث بالبنوة وهيييو الب والجيييد يدلي بالبوة هيييو قول غالط‬
‫مخييل‪ ،‬لن الجيد أب ميا‪ ،‬ولييس الخ ابنيا ميا‪ .‬وبالجملة الخ لحيق‬
‫مين لواحيق المييت‪ ،‬وكأنيه أمير عارض والجيد سيبب مين أسيبابه‪،‬‬
‫والسيبب أملك للشييء مين لحقيه‪ .‬واختلف الذيين ورثوا الجيد ميع‬
‫الخوة فيي كيفيية ذلك‪ .‬فتحصييل مذهيب زييد فيي ذلك أنيه ل يخلو‬
‫أن يكون معيه سيوى الخوة ذو فرض مسيمى أو ل يكون‪ ،‬فإن لم‬
‫يكن معه ذو فرض مسمى أعطى الفضل له من اثنين‪ ،‬إما ثلث‬
‫المال‪ ،‬وإميييا أن يكون كواحيييد مييين الخوة الذكور‪ ،‬وسيييواء كان‬
‫الخوة ذكرانييا أو إناثييا أو المرييين جميعييا فهييو مييع الخ الواحييد‬
‫يقاسمه المال‪ ،‬وكذلك مع الثنين ومع الثلثة والربعة يأخذ الثلث‪،‬‬
‫وهييو ميع الخييت الواحدة إلى الربيع يقاسيمهن للذكير مثييل حيظ‬
‫النثيييين‪ ،‬ومييع الخمييس أخوات له الثلث‪ ،‬لنييه أفضييل له ميين‬
‫المقاسمة‪ ،‬فهذه هي حاله مع الخوة فقط دون غيرهم‪.‬‬
‫وأمييا إن كان معهييم ذو فرض مسييمى فإنييه يبدأ بأهييل الفروض‬
‫فيأخذون فروضهم‪ ،‬فما بقي أعطى الفضل له من ثلث‪ :‬إما ثلث‬
‫ما بقي بعد حظوظ ذوي الفرائض‪ ،‬وإما أن يكون بمنزلة ذكر من‬
‫الخوة‪ ،‬وإما أن يعطي السدس من رأس المال ل ينقص منه‪ ،‬ثم‬
‫ما بقي يكون للخوة للذكر مثل حظ النثيين في الكدرية على ما‬
‫سنذكر مذهبه فيها مع سائر مذاهب العلماء‪ .‬وأما علي رضي الله‬
‫عنيه فكان يعطيي الجيد الحظيى له مين السيدس أو المقاسيمة‪،‬‬
‫وسييواء كان مييع الجييد والخوة غيرهييم ميين ذوي الفرائض أو لم‬
‫يكين‪ ،‬وإنميا لم ينقصيه مين السيدس شيئا‪ ،‬لنهيم لميا أجمعوا أن‬
‫البناء ل ينقصييييونه منييييه شيئا كان أحرى أن ل ينقصييييه الخوة‪.‬‬
‫وعمدة قول زييد أنيه لميا كان يحجيب الخوة للم فلم يحجيب عميا‬
‫يجيب لهيم وهيو الثلث‪ ،‬وبقول زييد قال مالك والشافعيي والثوري‬
‫وجماعييية‪ ،‬وبقول علي رضيييي الله عنيييه قال أبيييو حنيفييية‪ .‬وأمييا‬
‫الفريضية التيي تعرف بالكدريية وهيي امرأة توفييت وتركيت زوجيا‬
‫وأمييا وأختييا شقيقيية وجدا فإن العلماء اختلفوا فيهييا‪ ،‬فكان عميير‬
‫رضي الله عنه وابن مسعود يعطيان للزوج النصف وللم السدس‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وللخييت النصييف وللجييد السييدس‪ ،‬وذلك على جهيية العول‪ .‬وكان‬
‫علي بين أبيي طالب رضيي الله عنيه وزييد يقولن للزوج النصيف‬
‫وللم الثلث وللخيت النصيف وللجيد السيدس فريضية‪ ،‬إل أن زيدا‬
‫يجميع سيهم الخيت والجيد‪ ،‬فيقسيم ذلك بينهيم للذكير مثيل حيظ‬
‫النثيين‪ ،‬وزعم بعضهم أن هذا ليس من قول زيد‪،‬‬
‫وضعييف الجميييع التشريييك الذي قال بييه زيييد فييي هذه الفريضيية‪،‬‬
‫وبقول زييد قال مالك؛ وقييل إنميا سيميت الكدريية لتكدر قول زييد‬
‫فيهيا‪ ،‬وهذا كله على مذهيب مين يرى العول‪ ،‬وبالعول قال جمهور‬
‫الصيحابة وفقهاء المصيار‪ ،‬إل ابين عباس فإنيه روي عنيه أنيه قال‪:‬‬
‫أعال الفرائض عمير بين الخطاب‪ ،‬واييم الله لو قدم مين قدم الله‬
‫وأخير مين أخير الله ميا عالت فريضية‪ ،‬وقييل له‪ :‬وأيهيا قدم الله‪،‬‬
‫وأيهيا أخير الله؟ قال‪ :‬كيل فريضية لم يهبطهيا الله عيز وجيل عين‬
‫موجبهيا إل إلى فريضية أخرى فهيي ميا قدم الله‪ ،‬وكيل فريضية إذا‬
‫زالت عيين فرضهييا لم يكيين لهييا إل مييا بقييي فتلك التييي أخيير الله‬
‫فالول مثيل الزوجية والم‪ ،‬والمتأخير مثيل الخوات والبنات‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فإذا اجتمع الصنفان بدئ من قدم الله‪ ،‬فإن بقي شيء فلمن أخر‬
‫الله‪ ،‬وإل فل شييء له‪ ،‬وقييل له‪ :‬فهل قلت هذا القول لعمير‪ :‬قال‪:‬‬
‫هبته‪ .‬وذهب زييد إلى أنه إذا كان مع الجيد والخوة الشقائق إخوة‬
‫لب‪ ،‬أن الخوة الشقائق يعادون الجد بالخوة للب‪ ،‬فيمنعونه بهم‬
‫كثرة الميراث‪ ،‬ول يرثون ميييييع الخوة الشقائق شيئا إل أن يكون‬
‫الشقائق أختييا واحدة‪ ،‬فإنهييا تعادي الجييد بأخوتهييا للب مييا بينهمييا‬
‫(هكذا هذه العبارة بالصول‪ ،‬ولينظر ما معناها ا هي مصححه)‪.‬‬
‫وبيين أن تسيتكمل فريضتهيا وهيي النصيف‪ ،‬وإن كان فيميا يحاز لهيا‬
‫ولخوتها لبيها فضل عن نصف رأس المال كله‪ ،‬فهو لخوتها لبيها‬
‫للذكير مثيل حيظ النثييين‪ ،‬فإن لم يفضيل شييء على النصيف فل‬
‫ميراث لهيم‪ ،‬فأميا علي رضيي الله عنيه فكان ل يلتفيت هنيا للخوة‬
‫للب للجماع‪ ،‬على أن الخوة الشقائق يحجبونهييييييييم‪ ،‬ولن هذا‬
‫الفعييل أيضييا مخالف للصييول‪ ،‬أعنييي أن يحتسييب بميين ل يرث‪،‬‬
‫واختلف الصييحابة رضييي الله عنهييم ميين هذا الباب فييي الفريضيية‬
‫التييي تدعييى الخرقاء‪ ،‬وهييي أم وأخييت وجييد على خمسيية أقوال‪.‬‬
‫فذهييب أبييو بكيير رضييي الله عنييه وابيين عباس إلى أن للم الثلث‬
‫والباقي للجد وحجبوا به الخت‪ ،‬وهذا على رأيهم في إقامة الجد‬
‫مقام الب‪ .‬وذهب علي رضي الله عنه إلى أن للم الثلث وللخت‬
‫النصيف وميا بقيي للجيد‪ .‬وذهيب عثمان إلى أن للم الثلث وللخيت‬
‫الثلث وللجيد الثلث‪ ،‬وذهيب ابين مسيعود إلى أن للخيت النصيف‬
‫وللجيد الثلث وللم السيدس‪ ،‬وكان يقول معاذ الله أن أفضيل أميا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫على جد‪ .‬وذهب زيد إلى أن للم الثلث وما بقي بين الجد والخت‬
‫للذكر مثل حظ النثيين‪.‬‬
‫@‪(-‬ميراث الجدات) وأجمعوا على أن للجدة أم الم السيدس ميع‬
‫عدم الم‪ ،‬وأن للجدة أيضيا أم الب عنيد فقيد الب السيدس‪ ،‬فإن‬
‫اجتمعا كان السدس بينهما‪ .‬واختلفوا فيما سوى ذلك؛ فذهب زيد‬
‫وأهيل المدينية إلى أن الجدة أم الم يفرض لهيا السيدس فريضية‪،‬‬
‫فإذا اجتمعت الجدتان كان السدس بينهما إذا كان قعددهما سواء‪،‬‬
‫أو كانييت أم الب أقعييد‪ ،‬فإن كانييت أم الم أقعييد‪ :‬أي أقرب إلى‬
‫الميت كان لها السدس‪ ،‬ولم يكن للجدة أم الب شيء‪ ،‬وقد روي‬
‫عنيه أيهميا أقعيد كان لهيا السيدس‪ ،‬وبيه قال علي رضيي الله عنيه‪،‬‬
‫وميين فقهاء المصييار أبييو حنيفيية والثوري وأبييو ثور‪ ،‬وهؤلء ليييس‬
‫يورثون إل هاتين الجدتين المجتمع على توريثهما‪ ،‬وكان الوزاعيي‬
‫وأحميد يورثان ثلث جدات واحدة مين قبيل الم واثنتان مين قبيل‬
‫الب أم الب وأم أبيي الب‪ :‬أعنيي الجيد‪ ،‬وكان ابين مسيعود يورث‬
‫أربيع جدات‪ :‬أم الم وأم الب وأم أبيي الب‪ :‬أعنيي الجيد وأم أبيي‬
‫الم‪ :‬أعني الجد‪ ،‬وبه قال الحسن وابن سيرين‪ .‬وكان ابن مسعود‬
‫يشرك بيين الجدات فيي السيدس دنياهين وقصيواهن ميا لم تكين‬
‫تحجبها بنتها أو بنت بنتها‪ .‬وقد روي عنه أنه كان يسقط القصوى‬
‫بالدنييا إذا كانتيا مين جهية واحدة‪ .‬وروي عين ابين عباس أن الجدة‬
‫كالم إذا لم تكين أم‪ ،‬وهيو شاذ عنيد الجمهور‪ ،‬ولكين له حيظ مين‬
‫القياس‪ .‬فعمدة زييد وأهيل المدينية والشافعيي‪ ،‬ومين قال بمذهيب‬
‫زييد ميا رواه مالك أنيه قال "جاءت الجدة إلى أبيي بكير رضيي الله‬
‫عنيه تسيأله عين ميراثهيا‪ ،‬فقال أبيو بكير‪ :‬مالك فيي كتاب الله عيز‬
‫وجيل شييء وميا علميت لك فيي سينة رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسييلم شيئا فارجعييي حتييى أسييأل الناس‪ ،‬فقال له المغيرة بيين‬
‫شعبييية‪ :‬حضرت رسيييول الله صييلى الله علييييه وسييلم أعطاهييا‬
‫السييدس‪ ،‬فقال أبييو بكيير‪ :‬هييل معييك غيرك؟ فقال‪ :‬محمييد بيين‬
‫مسلمة‪ ،‬فقال مثل ما قال المغيرة‪ ،‬فأنفذه أبو بكر لها‪ ،‬ثم جاءت‬
‫الجدة الخرى إلى عمير ابين الخطاب تسيأله ميراثهيا‪ ،‬فقال لهييا‪:‬‬
‫مالك فيي كتاب الله عز وجل شييء‪ ،‬و ما كان القضاء الذي قضيى‬
‫به إل لغيرك‪ ،‬وما أنا بزائد في الفرائض‪ ،‬ولكنه ذلك السدس‪ ،‬فإن‬
‫اجتمعتما فيه فهو لكما‪ ،‬وأيتكما انفردت به فهو لها" وروى مالك‬
‫أيضا أنه أتت الجدتان إلى أبي بكر‪ ،‬فأراد أن يجعل السدس للتي‬
‫من قبل الم‪ ،‬فقال له رجل‪ :‬أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي‬
‫كان إياهيا يرث‪ ،‬فجعيل أبيو بكير السيدس بينهميا‪ .‬قالوا‪ :‬فواجيب أن‬
‫ل يتعدى فييي هذا هذه السيينة وإجماع الصييحابة‪ .‬وأمييا عمدة ميين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ورث الثلث جدات فحدييث ابين عيينية عين منصيور عين إبراهييم "‬
‫أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ثلث جدات‪ :‬اثنتين من قبل‬
‫الب‪ ،‬وواحدة من قبل الم" وأما ابن مسعود فعمدته القياس في‬
‫تشبيههيا بالجدة للب لكين الحدييث يعارضيه‪ .‬واختلفوا هيل يحجيب‬
‫الجدة للب ابنهيا وهيو الب؛ فذهيب زييد إلى أنيه يحجيب‪ ،‬وبيه قال‬
‫مالك والشافعيي وأبيو حنيفية وداود؛ وقال آخرون‪ :‬ترث الجدة ميع‬
‫ابنهيا‪ ،‬وهيو مروي عين عمير وابين مسيعود وجماعية مين الصيحابة‪،‬‬
‫وبييه قال شريييح وعطاء وابيين سيييرين وأحمييد‪ ،‬وهييو قول الفقهاء‬
‫المصييريين‪ .‬وعمدة ميين حجييب الجدة بابنهييا أن الجييد لمييا كان‬
‫محجوبا بالب وجب أن تكون الجدة أولى بذلك‪ .‬وأيضا فلما كانت‬
‫أم الم ل ترث بإجماع مييع الم شيئا كان كذلك أم الب مييع الب‪.‬‬
‫وعمدة الفريق الثاني ما روى الشعبي عن مسروق عن عبد الله‬
‫قال‪ :‬أول جدة أعطاهيا رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم سيدسا‬
‫جدة ميع ابنهيا وابنهيا حيي قالوا‪ :‬ومين طرييق النظير لميا كانيت الم‬
‫وأم الم ل يحجبن بالذكور كان كذلك حكم جميع الجدات‪ ،‬وينبغي‬
‫أن يعلم أن مالكا ل يخالف زيدا إل في فريضة واحدة‪ ،‬وهي امرأة‬
‫هلكيت وتركيت زوجيا وأميا وإخوة لم وإخوة لب وأم وجدا‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬للزوج النصيف‪ ،‬وللم السيدس وللجيد ميا بقيي وهيو الثلث‪،‬‬
‫وليييس للخوة الشقائق شيييء؛ وقال زيييد‪ :‬للزوج النصييف‪ ،‬وللم‬
‫السدس‪ ،‬وللجد السدس‪ ،‬وما بقي للخوة الشقائق‪ ،‬فخالف مالك‬
‫في هذه المسألة أصله من أن الجد ل يحجب الخوة الشقائق ول‬
‫الخوات للب‪ .‬وحجتيه أنيه لميا حجيب الخوة للم عين الثلث الذي‬
‫كانوا يسيتحقونه دون الشقائق كان هيو أولى بيه‪ .‬وأميا زييد فعلى‬
‫أصله في أنه ل يحجبهم‪.‬‬
‫*‪*3‬باب في الحجب‪.‬‬
‫@‪-‬وأجمييع العلماء على أن الخ الشقيييق يحجييب الخ للب‪ ،‬وأن‬
‫الخ للب يحجيييب بنيييي الخ الشقييييق‪ ،‬وأن بنيييي الخ الشقييييق‬
‫يحجبون أبناء الخ للب‪ ،‬وبنييو الخ للب أولى ميين بنييي ابيين الخ‬
‫للب والم‪ ،‬وبنيو الخ للب أولى مين العيم أخيي الب‪ ،‬وإبين العيم‬
‫أخي الب الشقيق أولى من ابن العم أخي الب للب‪ ،‬وكل واحد‬
‫من هؤلء يحجبون بنيهم‪ ،‬ومن حجب منهم صنفا فهو يحجب من‬
‫يحجبيه ذلك الصينف‪ .‬وبالجملة‪ ،‬أميا الخوة فالقرب منهيم يحجيب‬
‫البعيد‪ ،‬فإذا اسيتووا حجيب منهيم مين أدلى بسيببين أم وأب مين‬
‫أدلى بسييبب واحييد وهييو الب فقييط؛ وكذلك العمام القرب منييه‬
‫يحجب البعد‪ ،‬فإن استووا حجب منهم من يدلي منهم إلى الميت‬
‫بسيببين مين يدلي بسيبب واحيد‪ ،‬أعنيي أنيه يحجيب العيم أخيو الب‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫لب وابيين العييم الذي هييو أخييو الب لب فقييط‪ .‬وأجمعوا على أن‬
‫الخوة الشقائق والخوة للب يحجبون العمام‪ ،‬لن الخوة بنيييييو‬
‫أب المتوفييي‪ ،‬والعمام بنييو جده‪ ،‬والبناء يحجبون بنيهييم‪ ،‬والباء‬
‫أجدادهم‪ ،‬والبنون وبنوهم يحجبون الخوة‪ ،‬والجد يحجب من فوقه‬
‫ميين الجداد بإجماع‪ ،‬والب يحجييب الخوة ويحجييب ميين تحجبييه‬
‫الخوة‪ ،‬والجييد يحجييب العمام بإجماع والخوة للم‪ ،‬ويحجييب بنييو‬
‫الخوة الشقائق وبنيي الخوة للب‪ ،‬والبنات وبنات البنيين يحجبين‬
‫الخوة للم‪ .‬واختلف العلماء فيمن ترك ابني عم أحدهما أخ للم‪،‬‬
‫فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري‪ :‬للخ للم السدس من‬
‫جهة ما هو أخ لم وهو في باقي المال مع ابن العم الخر عصبة‬
‫يقتسمونه بينهم على السواء‪ ،‬وهو قول علي رضي الله عنه وزيد‬
‫وابن عباس؛ وقال قوم‪ :‬المال كله لبن العم الذي هو أخ لم يأخذ‬
‫سيدسه بالخوة وبقيتيه بالتعصييب‪ ،‬لنيه قيد أدلى بسيببين‪ .‬وممين‬
‫قال بهذا القول من الصحابة ابن مسعود‪ ،‬ومن الفقهاء داود وأبو‬
‫ثور والطبري‪ ،‬وهو قول الحسن وعطاء‪.‬‬
‫واختلف العلماء فيييي رد ميييا بقيييي مييين مال الورثييية على ذوي‬
‫الفرائض إذا بقييييت مييين المال فضلة لم تسيييتوفها الفرائض ولم‬
‫يكين هناك مين يعصيب‪ ،‬فكان زييد ل يقول بالرد ويجعيل الفاضيل‬
‫فييي بيييت المال‪ ،‬وبييه قال مالك والشافعييي؛ وقال جييل الصييحابة‬
‫بالرد على ذوي الفرائض ما عدا الزوج والزوجة وإن كانوا اختلفوا‬
‫فيي كيفيية ذلك‪ ،‬وبيه قال فقهاء العراق مين الكوفييين والبصيريين‪.‬‬
‫وأجمع هؤلء الفقهاء على أن الرد يكون لهم بقدر سهامهم‪ ،‬فمن‬
‫كان له نصييف أخييذ النصييف ممييا بقييي‪ ،‬وهكذا فييي جزء جزء‪.‬‬
‫وعمدتهيم أن قرابية الديين والنسيب أولى مين قرابية الديين فقيط‪:‬‬
‫أي أن هؤلء اجتميع لهيم سيببان وللمسيلمين سيبب واحيد‪ .‬وهناك‬
‫مسييائل مشهورة الخلف بيييين أهيييل العلم فيهيييا تعلق بأسيييباب‬
‫الموارييث يجيب أن نذكرهيا هنيا‪ ،‬فمنهيا أنيه أجميع المسيلمون على‬
‫أن الكافر ل يرث المسلم لقوله تعالى {ولن يجعل الله للكافرين‬
‫على المؤمنيين سيبيل} ولميا ثبيت مين قوله علييه الصيلة والسيلم‬
‫"ل يرث المسلم الكافر‪ ،‬ول الكافر المسلم" واختلفوا في ميراث‬
‫المسييلم الكافيير‪ ،‬وفييي ميراث المسييلم المرتييد‪ ،‬فذهييب جمهور‬
‫العلماء ميين الصييحابة والتابعييين وفقهاء المصييار إلى أنييه ل يرث‬
‫المسيلم الكافير بهذا الثير الثابيت؛ وذهيب معاذ بين جبيل ومعاويية‬
‫من الصحابة وسعيد ابن المسيب ومسروق من التابعين وجماعة‬
‫إلى أن المسيلم يرث الكافير‪ ،‬وشبهوا ذلك بنسيائهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬كميا‬
‫يجوز لنيا أن ننكيح نسياءهم ول يجوز لنيا أن ننكحهيم نسياءنا كذلك‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الرث‪ ،‬ورووا في ذلك حديثا مسندا‪ ،‬قال أبو عمر‪ :‬وليس بالقوى‬
‫عنيد الجمهور‪ ،‬وشبهوه أيضيا بالقصياص فيي الدماء التيي ل تتكافيأ‪.‬‬
‫وأميا مال المرتيد إذا قتيل أو مات‪ ،‬فقال جمهور فقهاء الحجاز هيو‬
‫لجماعة المسلمين ول يرثه قرابته‪ ،‬وبه قال مالك والشافعي وهو‬
‫قول زيد من الصحابة‪.‬‬
‫وقال أبيو حنيفية والثوري وجمهور الكوفييين وكثيير مين البصيريين‬
‫يرثيه ورثتيه مين المسيلمين وهيو قول ابين مسيعود مين الصيحابة‬
‫وعلي رضييي الله عنهمييا‪ .‬وعمدة الفريييق الول عموم الحديييث‪،‬‬
‫وعمدة الحنفيية تخصييص العموم بالقياس‪ ،‬وقياسيهم فيي ذلك هيو‬
‫أن قرابتييه أولى ميين المسييلمين لنهييم يدلون بسييببين‪ :‬بالسييلم‬
‫والقرابة‪ ،‬والمسلمون بسبب واحد‪ ،‬وهو السلم‪ ،‬وربما أكدوا بما‬
‫يبقيى لميا له مين حكيم السيلم بدلييل أنيه ل يؤخيذ فيي الحال حتيى‬
‫يموت فكانييت حياتييه معتييبرة فييي بقاء ماله على ملكييه‪ ،‬وذلك ل‬
‫يكون إل بأن يكون لماله حرميية إسييلمية‪ ،‬ولذلك لم يجييز أن يقيير‬
‫على الرتداد‪ ،‬بخلف الكافير‪ ،‬وقال الشافعيي وغيره يؤخيذ بقضاء‬
‫الصيلة إذا تاب من الردة فيي أيام الردة‪ ،‬والطائفية الخرى تقول‪:‬‬
‫يوقيف ماله لن له حرمية إسيلمية‪ ،‬وإنميا وقيف رجاء أن يعود إلى‬
‫السيلم‪ ،‬وأن اسيتيجاب المسيلمين لماله لييس على طرييق الرث‬
‫وشذت طائفيية فقالت‪ :‬ماله للمسييلمين عندمييا يرتييد‪ ،‬وأظيين أن‬
‫أشهب ممن يقول بذلك‪ .‬وأجمعوا على توريث أهل الملة الواحدة‬
‫بعضهيم بعضيا‪ .‬واختلفوا فيي تورييث الملل المختلفية‪ ،‬فذهيب مالك‬
‫وجماعييييية إلى أن أهيييييل الملل المختلفييييية ل يتوارثون كاليهود‬
‫والنصارى‪ ،‬وبه قال أحمد وجماعة؛‬
‫وقال الشافعييي وأبييو حنيفيية وأبييو ثور والثوري وداود وغيرهييم‪:‬‬
‫الكفار كلهيييم يتوارثون‪ ،‬وكان شريييح وابيين أبييي ليلى وجماعيية‬
‫يجعلون الملل التييي ل تتوارث ثلثييا‪ :‬النصييارى واليهود والصييابئين‬
‫ملة‪ ،‬والمجوس ومن ل كتاب له ملة‪ ،‬والسلم ملة‪ .‬وقد روي عن‬
‫ابين أبيي ليلى مثيل قول مالك‪ .‬وعمدة مالك ومين قال بقوله ميا‬
‫روى الثقات عين عمرو بين شعييب عين أبييه عين جده أن النيبي‬
‫صييلى الله عليييه وسييلم قال "ل يتوارث أهييل ملتييين"‪ .‬وعمدة‬
‫الشافعيية والحنفيية قوله علييه الصيلة والسيلم "ل يرث المسيلم‬
‫الكافيير ول الكافيير المسييلم" وذلك أن المفهوم ميين هذا بدليييل‬
‫الخطاب أن المسيلم يرث المسيلم والكافير يرث الكافير‪ .‬والقول‬
‫بدليييل الخطاب فيييه ضعييف وخاصيية هنييا‪ .‬واختلفوا فييي توريييث‬
‫الحملء‪ ،‬والحملء هييم الذييين يتحملون بأولدهييم ميين بلد الشرك‬
‫إلى بلد السيلم‪ ،‬أعنيي أنهيم يولدون فيي بلد الشرك ثيم يخرجون‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫إلى بلد السيلم وهيم يدعون تلك الولدة الموجبية للنسيب‪ ،‬وذلك‬
‫على ثلثة أقوال‪ :‬قول إنهم يتوارثون بما يدعون من النسب‪ ،‬وهو‬
‫قول جماعيية ميين التابعييين وإليييه ذهييب إسييحاق‪ .‬وقول إنهييم ل‬
‫يتوارثون إل ببينية تشهيد على أنسيابهم‪ ،‬وبيه قال شرييح والحسين‬
‫وجماعيية‪ .‬وقول إنهييم ل يتوارثون أصييل وروي عيين عميير الثلثيية‬
‫القوال‪ ،‬إل أن الشهير عنيه أنيه كان ل يورث إل مين ولد فيي بلد‬
‫العرب وهو قول عثمان وعمر بن عبد العزيز‪ .‬وأما مالك وأصحابه‬
‫فاختلف فيي ذلك قولهيم‪ ،‬فمنهيم مين رأى أن ل يورثون إل ببينية‪،‬‬
‫وهييو قول ابيين القاسييم‪ :‬ومنهييم ميين رأى أن ل يورثون أصييل ول‬
‫بالبينيية العادلة؛ ومميين قال بهذا القول ميين أصييحاب مالك عبييد‬
‫الملك بيين الماجشون‪ ،‬وروى ابيين القاسييم عيين مالك فييي أهييل‬
‫حصيين نزلوا على حكييم السييلم‪ ،‬فشهييد بعضهييم لبعييض أنهييم‬
‫يتوارثون‪ ،‬وهذا يتخرج منييه أنهييم يتوارثون بل بينيية‪ ،‬لن مالكييا ل‬
‫يجوز شهادة الكفار بعضهييم على بعييض قال‪ :‬فأمييا إن سييبوا فل‬
‫يقبيييل قولهيييم فيييي ذلك وبنحيييو هذا التفصييييل قال الكوفيون‬
‫والشافعيي وأحميد وأبيو ثور‪ ،‬وذلك أنهيم قالوا‪ :‬إن خرجوا إلى بلد‬
‫السلم وليس لحد عليهم يد قبلت دعواهم في أنسابهم‪ ،‬وأما إن‬
‫أدركهيم السيبي والرق فل يقبيل قولهيم إل ببينية‪ .‬ففيي المسيألة‬
‫أربعة أقوال‪ :‬اثنان طرفان‪ ،‬واثنان مفرقان‪.‬‬
‫وجمهور العلماء ميين فقهاء المصييار وميين الصييحابة علي وزيييد‬
‫وعميير أن ميين ل يرث ل يحجييب مثييل الكافيير والمملوك والقاتييل‬
‫عمدا‪ ،‬وكان ابيين مسييعود يحجييب بهؤلء الثلثيية دون أن يورثهييم‬
‫أعنيي بأهيل الكتاب وبالعبييد وبالقاتليين عمدا‪ ،‬وبيه قال داود وأبيو‬
‫ثور‪ .‬وعمدة الجمهور أن الحجييييب فييييي معنييييى الرث وأنهمييييا‬
‫متلزمان‪ .‬وحجية الطائفية الثانيية أن الحجيب ل يرتفيع إل بالموت‪.‬‬
‫واختلف العلماء فيي الذيين يفقدون فيي حرب أو غرق أو هدم ول‬
‫يدري ميين مات منهييم قبييل صيياحبه كيييف يتوارثون إذا كانوا أهييل‬
‫ميراث؟ فذهب مالك وأهل المدينة إلى أنهم ل يورث بعضهم من‬
‫بعض‪ ،‬وأن ميراثهم جميعا لمن بقي من قرابتهم الوارثين أو لبيت‬
‫المال إن لم تكين لهيم قرابية ترث‪ ،‬وبيه قال الشافعيي وأبيو حنيفية‬
‫وأصيحابه في ما حكى عنه الطحاوي‪ .‬وذهيب علي وعمر رضي الله‬
‫عنهمييا وأهييل الكوفيية وأبييو حنيفيية فيمييا ذكيير غييير الطحاوي عنييه‬
‫وجمهور البصييريين إلى أنهييم يتوارثون‪ ،‬وصييفة تواريثهييم عندهييم‬
‫أنهيم يورثون كيل واحيد مين صياحبه فيي أصيل ماله دون ميا ورث‬
‫بعضهم من بعض‪ ،‬أعني أنه ل يضم إلى مال المورث ما ورث من‬
‫غيره‪ ،‬فيتوارثون الكل على أنه مال وا حد كالحال في الذ ين يعلم‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ميين تقدم بعضهييم على بعييض‪ ،‬مثال ذلك زوج وزوجيية توفيييا فييي‬
‫حرب أو غرق أو هدم ولكل واحد منهما ألف درهم‪ ،‬فيورث الزوج‬
‫من المرأة خم سمائة درهيم‪ ،‬وتورث المرأة من اللف التيي كانت‬
‫بيييد الزوج دون الخمسييمائة التييي ورث منهييا ربعهييا وذلك مائتان‬
‫وخمسون‪ .‬ومن مسائل هذا الباب اختلف العلماء في ميراث ولد‬
‫الملعنية وولد الزنيى‪ .‬فذهيب أهيل المدينية وزييد بين ثابيت إلى أن‬
‫ولد الملعنة كما يورث غير ولد الملعنة‪ ،‬وأنه ليس لمه إل الثلث‬
‫والباقيي لبييت المال‪ ،‬إل أن يكون له إخوة لم‪ ،‬فيكون لهيم الثلث‬
‫أو تكون أمه مولة فيكون باقي مالها لمواليها‪ ،‬وإل فالباقي لبيت‬
‫مال المسيلمين‪ ،‬وبيه قال مالك والشافعيي وأبيو حنيفية وأصيحابه‪،‬‬
‫إل أن أبيا حنيفية على مذهبيه يجعيل ذوي الرحام أولى مين جماعية‬
‫المسيلمين‪ .‬وأيضيا على قياس مين يقول بالرد يرد على الم بقيية‬
‫المال؛ وذهب علي وعمر وابن مسعود إلى أن عصبته عصبة أمه‬
‫أعني الذي يرثونها‪ .‬وروي عن علي وابن مسعود أنهم ل يجعلونه‬
‫عصيبته عصيبة أ مه إل ميع فقد الم وكانوا ينزلون الم بمنزلة الب‬
‫وبه قال الحسن وابن سيرين والثوري وابن حنبل وجماعة‪.‬‬
‫وعمدة الفريييييق الول عموم قوله تعالى {فإن لم يكيييين له ولد‬
‫وورثييه أبواه فلمييه الثلث} فقالوا‪ :‬هذه أم وكييل أم لهييا الثلث‪،‬‬
‫فهذه لهيا الثلث‪ .‬وعمدة الفرييق الثانيي ميا روي مين حدييث ابين‬
‫عمير عين النيبي صيلى الله علييه وسيلم "أنيه ألحيق ولد الملعنية‬
‫بأميه" وحدييث عمرو بين شعييب عين أبييه عين جده قال "جعيل‬
‫النيبي صيلى الله علييه وسيلم ميراث ابين الملعنية لميه ولورثتيه"‬
‫وحدييث واثلة بين السيقع عين النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال‬
‫"المرأة تحوز ثلثية أموال‪ :‬عتيقهيا‪ ،‬ولقيطهيا وولدهيا الذي لعنيت‬
‫عليه" وحديث مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك‬
‫خرج جمييع ذلك أبيو داود وغيره‪ .‬قال القاضيي‪ :‬هذه الثار المصيير‬
‫إليهيا واجيب لنهيا قيد خصيصت عموم الكتاب‪ .‬والجمهور على أن‬
‫السيينة يخصييص بهييا الكتاب‪ ،‬ولعييل الفريييق الول لم تبلغهييم هذه‬
‫الحادييث أو لم تصيح عندهيم‪ ،‬وهذا القول مروي عين ابين عباس‬
‫وعثمان‪ ،‬وهيو مشهور فيي الصيدر الول‪ ،‬واشتهاره فيي الصيحابة‬
‫دليل على صحة هذه الثار‪ ،‬فإن هذا ليس يستنبط بالقياس‪ ،‬والله‬
‫أعلم‪.‬‬
‫ومن مسائل ثبوت النسب الموجب للميراث اختلفهم فيمن ترك‬
‫ابنين وأقر أحدهم بأخ ثالث وأنكر الثاني؛ فقال مالك وأبو حنيفة‪:‬‬
‫يجيب علييه أن يعطييه حقيه مين الميراث يعنون المقير‪ ،‬ول يثبيت‬
‫بقوله نسبه‪ ،‬وقال الشافعي‪ :‬ل يثبت النسب ول يجب على المقر‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أن يعطيه من الميراث شيئا‪ .‬واختلف مالك وأ بو حنيفة فيي القدر‬
‫الذي يجيب على الخ المقير‪ ،‬فقال مالك يجيب علييه ميا كان يجيب‬
‫عليه لو أقر الخ الثاني وثبت النسب؛ وقال أبو حنيفة‪ :‬يجب عليه‬
‫أن يعطييه نصيف ميا بيده‪ ،‬وكذلك الحكيم عنيد مالك وأبيي حنيفية‬
‫فيمين ترك ابنيا واحدا فأقير بأخ له آخير‪ ،‬أعنيي أنيه ل يثبيت النسيب‬
‫ويجييب الميراث؛ وأميا الشافعييي فعنييه فييي هذه المسيألة قولن‪:‬‬
‫أحدهمييا أنييه ل يثبييت النسييب ول يجييب الميراث‪ .‬والثانييي يثبييت‬
‫النسييب ويجييب الميراث‪ ،‬وهييو الذي عليييه تناظيير الشافعييية فييي‬
‫المسيائل الطبلوليية ويجعلهيا مسيألة عامية‪ ،‬وهيو أن كيل مين يحوز‬
‫المال يثبيييت النسيييب بإقراره وإن كان واحدا أخيييا أو غيييير ذلك‪.‬‬
‫وعمدة الشافعيية فيي المسيألة الولى؛ وفيي أحيد قولييه فيي هذه‬
‫المسييألة‪ ،‬أعنييي القول الغييير المشهور أن النسييب ل يثبييت إل‬
‫بشاهدي عدل‪ ،‬وحييييث ل يثبيييت فل ميراث‪ ،‬لن النسيييب أصيييل‬
‫والميراث فرع‪ ،‬وإذا لم يوجد الصل لم يوجد الفرع‪ .‬وعمدة مالك‬
‫وأبي حنيفة أن ثبوت النسب حق متعد إلى الخ المنكر‪ ،‬فل يثبت‬
‫عليه إل بشاهدين عدلين‪ ،‬وأما حظه من الميراث الذي بيد المقر‬
‫فإقراره فيه عامل لنه حق أقر به على نفسه‪ .‬والحق أن القضاء‬
‫عليه ل يصح من الحاكم إل بعد ثبوت النسب وأنه ل يجوز له بين‬
‫الله تعالى وبين نفسه أن يمنع من يعرف أنه شريكه في الميراث‬
‫حظه منه‪ .‬وأما عمدة الشافعية في إثباتهم النسب بإقرار الواحد‬
‫الذي يحوز له الميراث فالسماع والقياس‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@(تابيع‪- :)1 ...‬وأجميع العلماء على أن الخ الشقييق يحجيب الخ‬
‫للب‪ ،‬وأن الخ للب يحجب‪... ...‬‬
‫أميا السيماع فحدييث مالك عين ابين شهاب عين عروة عين عائشية‬
‫المتفق على صحته قالت "كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه‬
‫سعد بن أبي وقاص أن ا بن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك‪ ،‬فلما‬
‫كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال‪ :‬ابن أخي قد كان‬
‫عهيد إلي فييه‪ ،‬فقام إلييه عبيد بين زمعية‪ ،‬فقال‪ :‬أخيي وابين وليدة‬
‫أبيي ولد على فراشيه‪ ،‬فتسياوقاه إلى رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسلم‪ ،‬فقال سعد‪ :‬يا رسول الله ابن أخي قد كان عهد إلي فيه‪،‬‬
‫فقام إليه عبد بن زمعة فقال‪ :‬أخي وابن وليدة أبي على فراشه‪،‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬هو لك يا عبد بن زمعة‪،‬‬
‫ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬الولد للفراش وللعاهر‬
‫الحجير‪ ،‬ثيم قال لسيودة بنيت زمعية‪ :‬احتجيبي منيه‪ ،‬لميا رأى مين‬
‫شبهيه بعتبية بين أبيي وقاص قالت‪ :‬فميا رآهيا حتيى لقيي الله عيز‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وجيل‪ ،‬فقضيى رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم لعبيد بين زمعية‬
‫بأخيه وأثبت نسبه بإقراره إذا لم يكن هنالك وارث منازع له" وأما‬
‫أكثر الفقهاء فقد أشكل عليهم معنى هذا الحديث لخروجه عندهم‬
‫عيين الصييل المجمييع عليييه فييي إثبات النسييب‪ ،‬ولهييم فييي ذلك‬
‫تأويلت‪ ،‬وذلك أن ظاهير هذا الحدييث أنيه أثبيت نسيبه بإقرار أخييه‬
‫بيييه‪ ،‬والصيييل أن ل يثبيييت نسيييب إل بشاهدي عدل‪ ،‬ولذلك تأول‬
‫الناس فيي ذلك تأويلت‪ ،‬فقالت طائفية‪ :‬إنيه إنميا أثبيت نسيبه علييه‬
‫الصلة والسلم بقول أخيه‪ ،‬لنه يمكن أن يكون قد علم تلك المة‬
‫كان يطؤهيا زمعية بين قييس‪ ،‬وأنهيا كانيت فراشيا له‪ ،‬قالوا‪ :‬ومميا‬
‫يؤكيد ذلك أنيه كان صيهره‪ ،‬وسيودة بنيت زمعية كانيت زوجتيه علييه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬فيمكن أن ل يخفى عليه أمرها‪ ،‬وهذا على القول‬
‫بأن للقاضي أن يقضي بعلمه‪ ،‬ول يليق هذا التأويل بمذهب مالك‪،‬‬
‫لنه ل يقضي القاضي عنده بعلمه‪ ،‬ويليق بمذهب الشافعي على‬
‫قوله الخيير‪ ،‬أعنييي الذي ل يثبييت فيييه النسييب‪ .‬والذييين قالوا بهذا‬
‫التأويل قالوا‪ :‬إنما أمر سودة بالحجبة احتياطا لشبهة الشبه‪ ،‬ل أن‬
‫ذلك كان واجبييا‪ ،‬وقال لمكان هذا بعييض الشافعييية‪ :‬إن للزوج أن‬
‫يحجيب الخيت عين أخيهيا؛ وقالت طائفية‪ :‬أمره بالحتجاب لسيودة‬
‫دليل على أنه لم يلحق نسبه بقول عتبة ول بعلمه بالفراش‪.‬‬
‫وافترق هؤلء فييي تأويييل قوله عليييه الصييلة والسييلم "هييو لك"‬
‫فقالت طائفة‪ :‬إنما أراد هو عبدك إذا كان ابن أمة أبيك‪ ،‬وهذا غير‬
‫ظاهير لتعلييل رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم حكميه فيي ذلك‬
‫بقوله "الولد للفراش وللعاهيير الحجيير" وقال الطحاوي‪ :‬إنمييا أراد‬
‫بقوله علييه الصيلة والسيلم "هيو لك ييا عبيد بين زمعية" أي يدك‬
‫عليه بمنزلة ما هو يد اللقط على اللقطة‪ ،‬وهذه التأويلت تضعف‬
‫لتعليله علييييه الصيييلة والسيييلم حكميييه بأن قال "الولد للفراش‬
‫وللعاهيير الحجيير"‪ .‬وأمييا المعنييى الذي يعتمده الشافعييية فييي هذا‬
‫المذهييب‪ ،‬فهييو أن إقرار ميين يحوز الميراث هييو إقرار خلفيية‪ :‬أي‬
‫إقرار من حاز خلفة الميت‪ ،‬وعند الغير أنه إقرار شهادة ل إقرار‬
‫خلفية‪ ،‬يرييد أن القرار الذي كان للمييت انتقيل إلى هذا الذي حاز‬
‫ميراثيه‪ .‬واتفيق الجمهور على أن أولد الزنيى ل يلحقون بآبائهيم إل‬
‫في الجاهلية على ما روي عن عمر بن الخطاب على اختلف في‬
‫ذلك بييين الصييحابة؛ وشييذ قوم فقالوا‪ :‬يلتحييق ولد الزنييى فييي‬
‫السيلم‪ ،‬أعنيي الذي كان عين زنيى فيي السيلم‪ .‬واتفقوا على أن‬
‫الولد ل يلحيق بالفراش فيي أقيل مين سيتة أشهير‪ ،‬إميا مين وقيت‬
‫العقيد‪ ،‬وإميا مين وقيت الدخول‪ ،‬وأنيه يلحيق مين وقيت الدخول إلى‬
‫أقصير زمان الحميل‪ ،‬أو إن كان قيد فارقهيا واعتزلهيا‪ .‬واختلفوا فيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أطول زمان الحميييل الذي يلحيييق بيييه الوالد الولد‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫خميس سينين؛ وقال بعيض أصيحابه‪ :‬سيبع؛ وقال الشافعيي‪ :‬أربيع‬
‫سيينين؛ وقال الكوفيون‪ :‬سيينتان‪ :‬وقال محمييد بيين الحكييم‪ :‬سيينة؛‬
‫وقال داود‪ :‬سييتة أشهيير‪ ،‬وهذه المسييألة مرجوع فيهييا إلى العادة‬
‫والتجربة‪ .‬وقول ابن عبد الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد‪،‬‬
‫والحكيييم إنميييا يجيييب أن يكون بالمعتاد ل بالنادر‪ ،‬ولعله أن يكون‬
‫مستحيل‪.‬‬
‫وذهيب مالك والشافعيي إلى أن مين تزوج امرأة ولم يدخيل بهيا أو‬
‫دخل بها بعد الوقت وأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد ل من‬
‫وقت الدخول أنه ل يلحق به إل إذا أتت به لستة أشهر فأكثر من‬
‫ذلك مين وقيت الدخول‪ .‬وقال أبيو حنيفية‪ :‬هيي فراش له ويلحقيه‬
‫الولد‪ .‬وعمدة مالك أنهيا ليسيت بفراش إل بإمكان الوطيء وهيو ميع‬
‫الدخول‪ .‬وعمدة أبييي حنيفيية عموم قوله عليييه الصييلة والسييلم‬
‫"الولد للفراش" وكأنيه يرى أن هذا تعبيد بمنزلة تغلييب الوطيء‬
‫الحلل على الوطييييء الحرام فييييي إلحاق الولد بالوطييييء الحلل‪.‬‬
‫واختلفوا مين هذا الباب فيي إثبات النسيب بالقافية‪ ،‬وذلك عندميا‬
‫يطييأ رجلن فييي طهيير واحييد بملك يمييين أو بنكاح‪ ،‬ويتصييور أيضييا‬
‫الحكيم بالقافية فيي اللقييط الذي يدعييه رجلن أو ثلثية‪ .‬والقافية‬
‫عند العرب‪ :‬هم قوم كانت عندهم معرفة بفصول تشابه أشخاص‬
‫الناس‪ ،‬فقال بالقافية مين فقهاء المصيار مالك والشافعيي وأحميد‬
‫وأبيو ثور والوزاعيي وأبيي الحكيم بالقافية‪ ،‬الكوفيون وأكثير أهيل‬
‫العراق‪ ،‬والحكييم عنييد هؤلء أنييه إذا ادعييى رجلن ولدا كان الولد‬
‫بينهما‪ ،‬وذلك إذا لم يكن لحدهما فراش‪ ،‬مثل أن يكون لقيطا‪ ،‬أو‬
‫كانت المرأة الواحدة لكل واحد منهما فراشا مثل المة أو الحرة‬
‫يطؤهيا رجلن فيي طهير واحيد؛ وعنيد الجمهور مين القائليين بهذا‬
‫القول أنيه يجوز أن يكون عندهيم للبين الواحيد أبوان فقيط؛ وقال‬
‫محمييد صيياحب أبييي حنيفيية‪ :‬يجوز أن يكون ابنييا لثلثيية إن ادعوه‪،‬‬
‫وهذا كله تخليط وإبطال للمعقول والمنقول‪ .‬وعمدة استدلل من‬
‫قال بالقافية ميا رواه مالك عين سيليمان بين يسيار أن عمير ابين‬
‫الخطاب كان يليط أولد الجاهلية بمن استلطهم‪ :‬أي بمن ادعاهم‬
‫فييي السييلم فأتييى رجلن كلهمييا يدعييي ولد امرأة‪ ،‬فدعييا قائفييا‬
‫فنظر إليه فقال القائف‪ :‬لقد اشتركا فيه‪ ،‬فضربه عمر بالدرة‪ ،‬ثم‬
‫دعا المرأة فقال‪ :‬أخبرني ب خبرك‪ ،‬فقالت‪ :‬كان هذا لحد الرجلين‬
‫يأتي في إبل لهلها فل يفارقها حتى يظن ونظن أنه قد استمر بها‬
‫حميل‪ ،‬ثيم انصيرف عنهيا فأهريقيت علييه دميا‪ ،‬ثيم خلف هذا عليهيا‪:‬‬
‫تعنيي الخير‪ ،‬فل أدري أيهميا هيو‪ ،‬فكيبر القائف‪ ،‬فقال عمير للغلم‪:‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وال أيهما شئت‪ .‬قالوا‪ :‬فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة‬
‫من غير إنكار من واحد منهم هو كالجماع‪.‬‬
‫وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافة بالشتراك أن يؤخر الصبي‬
‫حتيى يبلغ‪ ،‬ويقال له‪ :‬وال أيهميا شئت‪ ،‬ول يلحيق واحيد باثنيين‪ ،‬وبيه‬
‫قال الشافعي؛ وقال أبو ثور‪ :‬يكون ابنا لهما إذا زعم القائف أنهما‬
‫اشتركيا فييه؛ وعنيد مالك أنيه لييس يكون ابنيا للثنيين لقوله تعالى‬
‫{يييا أيهييا الناس إنييا خلقناكييم ميين ذكيير وأنثييى} واحتييج القائلون‬
‫بالقافيية أيضييا بحديييث ابيين شهاب عيين عروة عيين عائشيية قالت‬
‫"دخيل رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم مسيرورا تيبرق أسيارير‬
‫وجهيه فقال‪ :‬ألم تسيمعي ميا قال مجزز المدلجيي لزييد وأسيامة‬
‫ورأى أقدامهمييا فقال‪ :‬إن هذه القدام بعضهييا ميين بعييض" قالوا‪:‬‬
‫وهذا مروي عين ابين عباس وعين أنيس بين مالك‪ ،‬ول مخالف لهيم‬
‫ميين الصييحابة‪ .‬وأمييا الكوفيون فقالوا‪ :‬الصييل أن ل يحكييم لحييد‬
‫المتنازعين في الولد إل أن يكون هنالك فراش لقوله عليه الصلة‬
‫والسييلم "الولد للفراش" فإذا عدم الفراش أو اشتركييا الفراش‬
‫كان ذلك بينهمييا‪ ،‬وكأنهييم رأوا ذلك بنوة شرعييية ل طبيعييية‪ ،‬فإنييه‬
‫لييس يلزم مين قال‪ :‬إنيه ل يمكين أن يكون ابين واحيد عين أبويين‬
‫بالعقيل أن ل يجوز وقوع ذلك فيي الشرع‪ .‬وروي مثيل قولهيم عين‬
‫عمير‪ ،‬ورواه عبيد الرزاق عين علي؛ وقال الشافعيي‪ :‬ل يقبيل فيي‬
‫القافة إل رجلن‪ .‬وعن مالك في ذلك روايتان‪ :‬إحداهما مثل قول‬
‫الشافعييي‪ ،‬والثانييية أنييه يقبييل قول قائف واحييد‪ .‬والقافيية فييي‬
‫المشهور عين مالك إنميا يقضيي بهيا فيي ملك اليميين فقيط ل فيي‬
‫النكاح؛ وروى ابين وهيب عنيه مثيل قول الشافعيي؛ وقال أبيو عمير‬
‫بن عبد البر‪ :‬في هذا حديث حسن مسند أخذ به جماعة من أهل‬
‫الحديييث وأهييل الظاهيير‪ ،‬رواه الثوري عيين صييالح بيين حييي عيين‬
‫الشعيبي عين زييد بين أرقيم قال "كان علي باليمين فأتيى بامرأة‬
‫وطئهيا ثلثية أناس فيي طهير واحيد‪ ،‬فسيأل كيل واحيد منهيم أن يقير‬
‫لصيياحبه بالولد فأبييى‪ ،‬فأقرع بينهييم وقضييى بالولد للذي أصييابته‬
‫القرعية وجعيل علييه ثلثيي الديية‪ ،‬فرفيع ذلك إلى النيبي صيلى الله‬
‫علييه وسيلم فأعجبيه وضحيك حتيى بدت نواجذه "وفيي هذا القول‬
‫إنفاذ الحكم بالقافة وإلحاق الولد بالقرعة"‪.‬‬
‫واختلفوا فيي ميراث القاتيل على أربعية أقوال‪ :‬فقال قوم‪ :‬ل يرث‬
‫القاتييل أصييل ميين قتله‪ .‬وقال آخرون‪ :‬يرث القاتييل وهييم القييل‪.‬‬
‫وفرق قوم بييين الخطييأ والعمييد فقالوا‪ :‬ل يرث فييي العمييد شيئا‬
‫ويرث فيي الخطيأ إل مين الديية‪ ،‬وهيو قول مالك وأصيحابه‪ .‬وفرق‬
‫قوم بين أن يكون في العمد قتل بأمر واجب أو بغير واجب‪ ،‬مثل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أن يكون مين له إقامية الحدود‪ ،‬وبالجملة بيين أن يكون ممين يتهيم‬
‫أو ل يتهيم‪ .‬وسيبب الخلف معارضية أصيل الشرع فيي هذا المعنيى‬
‫للنظير المصيلحي‪ ،‬وذلك أن النظير المصيلحي يقتضيي أن ل يرث‬
‫لئل يتذرع الناس مين الموارييث إلى القتيل واتباع الظاهير‪ ،‬والتعبيد‬
‫يوجيب أن ل يلتفيت إلى ذلك‪ ،‬فإنيه لو كان ذلك مميا قصيد للتفيت‬
‫إلييه الشارع {وميا كان ربيك نسييا} كميا تقول الظاهريية‪ .‬واختلفوا‬
‫فييي الوارث الذي ليييس بمسييلم يسييلم بعييد موت مورثييه السييلم‬
‫وقبيييل قسيييم الميراث‪ ،‬وكذلك إن كان مورثيييه على غيييير ديييين‬
‫السييلم‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬إنمييا يعتييبر فييي ذلك وقييت الموت‪ ،‬فإن‬
‫كان اليوم الذي مات فيييه المسييلم وارثييه ليييس بمسييلم لم يرثييه‬
‫أصييل سييواء أسييلم قبييل الميراث أو بعده‪ ،‬وكذلك إن كان مورثييه‬
‫على غيير ديين السيلم وكان الوارث يوم مات غيير مسيلم ورثيه‬
‫ضرورة سييواء كان إسييلمه قبييل القسييم أو بعده‪ .‬وقالت طائفيية‬
‫منهييم الحسيين وقتادة وجماعيية‪ :‬المعتييبر فييي ذلك يوم القسييم‪،‬‬
‫وروي ذلك عن عمر بن الخطاب‪ .‬وعمدة كل الفريقين قوله صلى‬
‫الله عليه وسلم "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على‬
‫قسم الجاهلية‪ ،‬وأيما دار أو أرض أدركها السلم ولم تقسم فهي‬
‫على قسم السلم" فمن اعتبر وقت القسمة حكم للمقسوم في‬
‫ذلك الوقيت بحكيم السيلم‪ ،‬ومين اعتيبر وجوب القسيمة حكيم فيي‬
‫وقيت الموت للمقسيوم بحكيم السيلم‪ .‬وروي مين حدييث عطاء‬
‫"أن رجل أسلم على ميراث على عهد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قبل أن يقسم‪ ،‬فأعطاه ر سول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫نصييبه‪ ،‬وكذلك الحكيم عندهيم فيمين أعتيق مين الورثية بعيد الموت‬
‫وقبييل القسييم‪ .‬فهذه هييي المسييائل المشهورة التييي تتعلق بهذا‬
‫الكتاب‪ .‬قال القاضييي‪ :‬ولمييا كان الميراث إنمييا يكون بأحييد ثلثيية‬
‫أسييباب‪ :‬إمييا بنسييب‪ ،‬أو صييهر‪ ،‬أو ولء‪ ،‬وكان قييد قيييل فييي الذي‬
‫يكون بالنسيب والصيهر‪ ،‬فيجيب أن نذكير ههنيا الولء‪ ،‬ولمين يجيب‪،‬‬
‫ومن يجب فيه ممن ل يجب‪ ،‬وما أحكامه؟‪.‬‬
‫*‪*3‬باب في الولء‪.‬‬
‫@‪-‬فأميا مين يجيب له الولء‪ ،‬ففييه مسيائل مشهورة تجري مجرى‬
‫الصول لهذا الباب‪.‬‬
‫@‪(-‬المسيألة الولى) أجميع العلماء على أن مين أعتيق عبده عين‬
‫نفسه فإن ولءه له وأنه يرثه إذا لم يكن له وارث‪ ،‬وأنه عصبة له‬
‫إذا كان هنالك ورثيية ل يحيطون بالمال‪ .‬فأمييا كون الولء للمعتييق‬
‫عين نفسيه‪ ،‬فلميا ثبيت مين قوله علييه الصيلة والسيلم فيي حدييث‬
‫بريرة "إنميا الولء لمين أعتيق" واختلفوا إذا أعتيق عبيد عين غيره؛‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فقال مالك الولء للمعتييق عنييه ل الذي باشيير العتييق‪ ،‬وقال أبييو‬
‫حنيفة والشافعي‪ :‬إن أعتقه عن علم المعتق عنه‪ ،‬فالولء للمعتق‬
‫عنيه‪ ،‬وإن أعتقيه عين غيير علميه‪ ،‬فالولء للمباشير للعتيق‪ .‬وعمدة‬
‫الحنفيية والشافعيية ظاهير قوله علييه الصيلة والسيلم "الولء لمين‬
‫أعتق" وقوله عليه الصلة والسلم "الولء لحمة كلحمة النسب"‬
‫قالوا‪ :‬فلما لم يجز أن يلحق نسب بالحر بغير إذنه‪ ،‬فكذلك الولء‪،‬‬
‫ومين طرييق المعنيى فلن عتقيه حريية وقعيت فيي ملك المعتيق‪،‬‬
‫فوجييب أن يكون الولء له‪ ،‬أصييله إذا أعتقييه ميين نفسييه‪ .‬وعمدة‬
‫مالك أنيه إذا أعتقيه عنيه فقيد ملكيه إياه‪ ،‬فأشبيه الوكييل؛ ولذلك‬
‫اتفقوا على أنيه إذا أذن له المعتيق عنيه كان ولءه له ل للمباشير‪.‬‬
‫وعند مالك أنه من قال لعبده‪ :‬أنت حر لوجه الله وللمسلمين أن‬
‫الولء يكون للمسلمين‪ ،‬وعندهم يكون للمعتق‪.‬‬
‫@‪(-‬المسيألة الثانيية) اختلف العلماء فيمين أسيلم على يدييه رجيل‬
‫هييييييل يكون ولءه له؟ فقال مالك والشافعييييييي والثوري وداود‬
‫وجماعية‪ :‬ل ولء له؛ وقال أبيو حنيفية وأصيحابه‪ :‬له ولءه إذا واله‪،‬‬
‫وذلك أن مذهبهم أن للرجل أن يوالي رجل آخر فيرثه ويعقل عنه‪،‬‬
‫وأن له أن ينصييرف ميين ولءه إلى ولء غيره مييا لم يعقييل عنييه؛‬
‫وقال غيره‪ :‬بنفيييس السيييلم على يدييييه يكون له ولءه‪ .‬فعمدة‬
‫الطائفيية الولى قوله صييلى الله عليييه وسييلم "إنمييا الولء لميين‬
‫أعتييق" وإنمييا هذه هييي التييي يسييمونها الحاصييرة‪ ،‬وكذلك اللف‬
‫واللم هيي عندهيم للحصير‪ ،‬ومعنيى الحصير هيو أن يكون الحكيم‬
‫خاصيا بالمحكوم علييه ل يشاركيه فييه غيره‪ :‬أعنيي أن ل يكون ولء‬
‫بحسيييب مفهوم هذا القول إل للمعتيييق فقيييط المباشييير‪ .‬وعمدة‬
‫الحنفية في إثبات الولء بالموالة قوله تعالى {ولكل جعلنا موالي‬
‫ممييييا ترك الوالدان والقربون} وقوله تعالى {والذييييين عاقدت‬
‫أيمانكيم فآتوهيم نصييبهم} ‪ .‬وحجية مين قال‪ :‬الولء يكون بنفيس‬
‫السيلم فقيط حدييث تمييم الداري قال "سيألت رسيول الله صيلى‬
‫الله علييه وسيلم عين المشرك يسيلم على ييد مسيلم؟ فقال هيو‬
‫أحييق الناس وأولهييم بحياتييه ومماتييه" وقضييى بييه عميير بيين عبييد‬
‫العزييييز‪ .‬وعمدة الفرييييق الول أن قوله تعالى {والذيييين عاقدت‬
‫أيمانكييم} منسييوخة بآييية المواريييث‪ ،‬وأن ذلك كان فييي صييدر‬
‫السيلم‪ ،‬وأجمعوا على أنيه ل يجوز بييع الولء ول هبتيه لثبوت نهييه‬
‫عليه الصلة والسلم عن ذلك إل ولء السائبة‪.‬‬
‫@‪(-‬المسييألة الثالثيية) اختلف العلماء إذا قال السيييد لعبده أنييت‬
‫سييائبة‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ولءه وعقله للمسييلمين وجعله بمنزلة ميين‬
‫أعتيق عين المسيلمين إل أن يرييد بيه معنيى العتيق فقيط‪ ،‬فيكون‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ولءه له؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة‪ :‬ولءه للمعتق على كل حال‪،‬‬
‫وبيه قال أحميد وداود وأبيو ثور؛ وقالت طائفية‪ :‬له أن يجعيل ولءه‬
‫حييييث شاء‪ ،‬وإن لم يوال أحدا كان ولءه للمسيييلمين‪ ،‬وبيييه قال‬
‫الليييث والوزاعييي؛ وكان إبراهيييم والشعييبي يقولن‪ :‬ل بأس بييبيع‬
‫ولء السييائبة وهبتييه‪ ،‬وحجتييه هؤلء هييي الحجييج المتقدميية فييي‬
‫المسألة التي قبلها‪ .‬وأما من أجاز بيعه فل أعرف له حجة في هذا‬
‫الوقت‪.‬‬
‫@‪(-‬المسيألة الرابعية) اختلف العلماء فيي ولء العبيد المسيلم إذا‬
‫أعتقيه النصيراني قبيل أن يباع لمين يكون؟ فقال مالك وأصيحابه‪:‬‬
‫ولؤه للمسيلمين‪ ،‬فإن أسيلم موله بعيد ذلك لم يعيد إلييه ولؤه ول‬
‫ميراثيه؛ وقال الجمهور‪ :‬ولؤه لسييده‪ ،‬فإن أسيلم كان له ميراثيه‪.‬‬
‫وعمدة الجمهور أن الولء كالنسيييب‪ ،‬وأنيييه إذا أسيييلم الب بعيييد‬
‫إسلم البن أنه يرثه‪ ،‬فكذلك العبد‪ .‬وأما عمدة مالك فعموم قوله‬
‫تعالى {ولن يجعييل الله للكافرييين على المؤمنييين سييبيل} فهييو‬
‫يقول‪ :‬أنيه لميا لم يجيب له الولء يوم العتيق لم يجيب له فيميا بعيد‪.‬‬
‫وأميا إذا وجيب له يوم العتيق ثيم طرأ علييه مانيع مين وجوبيه فلم‬
‫يختلفوا أنيه إذا ارتفيع ذلك المانيع أنيه يعود الولء له‪ .‬ولذلك اتفقوا‬
‫أنييه إذا أعتييق النصييراني الذمييي عبده النصييراني قبييل أن يسييلم‬
‫أحدهميا ثيم أسيلم العبيد أن الولء يرتفيع‪ ،‬فإن أسيلم المولى عاد‬
‫إليه‪ .‬وإن كانوا اختلفوا في الحربي يعتق عبده وهو على دينه‪ ،‬ثم‬
‫يخرجان إلينييا مسييلمين‪ ،‬فقال مالك‪ :‬هييو موله يرثييه؛ وقال أبييو‬
‫حنيفية‪ :‬ل ولء بينهميا‪ ،‬وللعبيد أن يوالي مين شاء على مذهبيه فيي‬
‫الولء والتحالف؛ وخالف أشهيب مالكيا فقال‪ :‬إذا أسيلم العبيد قبيل‬
‫المولى لم يعييد إلى المولى ولءه أبدا؛ وقال ابيين القاسييم‪ :‬يعود‪،‬‬
‫وهيييو معنيييى قول مالك‪ ،‬لن مالكيييا يعتيييبر وقيييت العتيييق‪ ،‬وهذه‬
‫المسائل كلها هي مفروضة في القول ل تقع بعد‪ ،‬فإنه ليس من‬
‫ديين النصيارى أن يسيترق بعضهيم بعضيا‪ ،‬ول مين ديين اليهود فيميا‬
‫يعتقدونه في هذا الوقت ويزعمون أنه من مللهم‪.‬‬
‫@‪(-‬المسييألة الخامسيية) أجمييع جمهور العلماء على أن النسيياء‬
‫ليس لهن مدخل في رواثة الولء إل من باشرن عتقه بأنفسهن أو‬
‫ميا جير إليهين مين باشرن عتقيه‪ ،‬إميا بولء أو بنسيب‪ ،‬مثيل معتيق‬
‫معتقها أو ابن معتقها‪ ،‬وأنهن ل يرثن معتق من يرثنه إل ما حكي‬
‫عين شرييح‪ .‬وعمدتيه أنيه لميا كان لهيا ولء ميا أعتقيت بنفسيها كان‬
‫لهييا ولء مييا أعتقييه مورثهييا قياسييا على الرجييل‪ ،‬وهذا هييو الذي‬
‫يعرفونيه بقياس المعنيى‪ ،‬وهيو أرفيع مراتيب القياس‪ ،‬وإنميا الذي‬
‫يوهنيه الشذوذ‪ .‬وعمدة الجمهور أن الولء إنميا وجيب للنعمية التيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫كانيت للمعت َيق على المعت ِيق‪ ،‬وهذه النعمية إنميا توجيد فيمين باشير‬
‫العتييق‪ ،‬أو كان ميين سييبب قوي ميين أسييبابه‪ ،‬وهييم العصييبة‪ .‬قال‬
‫القاضي‪ :‬وإذ قد تقرر من له ولء ممن ليس له ولء‪ ،‬فبقي النظر‬
‫فيي ترتييب أهيل الولء فيي الولء‪ .‬فمين أشهير مسيائلهم فيي هذا‬
‫الباب المسألة التي يعرفونها بالولء للكبر‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬رجل أعتق‬
‫عبدا ثييم مات ذلك الرجييل وترك أخوييين أو ابنييين‪ ،‬ثييم مات أحييد‬
‫الخوييين وترك ابنييا‪ ،‬أو أحييد البنييين‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬فييي هذه‬
‫المسألة أن حظ الخ الميت من الولء ل يرثه عنه ابنه‪ ،‬وهو راجع‬
‫إلى أخييه لنيه أحيق بيه مين ابنيه بخلف الميراث‪ ،‬لن الحجيب فيي‬
‫الميراث يعتييبر بالقرب ميين الميييت‪ ،‬وهنييا بالقرب ميين المباشيير‬
‫العتييق‪ ،‬وهييو مروي عيين عميير ابيين الخطاب وعلي وعثمان وابيين‬
‫مسعود وزيد بن ثابت من الصحابة‪ .‬وقال شريح وطائفة من أهل‬
‫البصيرة‪ :‬حيق الخ المييت فيي هذه المسيألة لبنييه‪ .‬وعمدة هؤلء‬
‫تشيييبيه الولء بالميراث‪ .‬وعمدة الفرييييق الول أن الولء نسيييب‬
‫مبدؤه ميين المباشيير‪ .‬وميين مسييائلهم المشهورة فييي هذا الباب‬
‫المسيألة التيي تعرف بجير الولء‪ ،‬وصيورتها أن يكون عبيد له بنون‬
‫ميين أمية‪ ،‬فأعتقييت الميية ثييم أعتييق العبييد بعييد ذلك‪ ،‬فإن العلماء‬
‫اختلفوا لميين يكون ولء البنييين إذا أعتييق الب‪ ،‬وذلك أنهييم اتفقوا‬
‫على أن ولءهم بعد عتق الم إذا لم يمس المولود الرق في بطن‬
‫أميه‪ ،‬وذلك يكون إذا تزوجهيا العبيد بعيد العتيق وقبيل عتيق الب هيو‬
‫لموالي الم‪ .‬واختلفوا إذا أعتيق الب هيل يجير ولءه بنييه لموالييه‬
‫أم ل يجييير؟ فذهيييب الجمهور ومالك وأبيييو حنيفييية والشافعيييي‬
‫وأصييحابهم إلى أنييه يجيير‪ ،‬وبييه قال علي رضييي الله عنييه وابيين‬
‫مسييعود والزبييير وعثمان ابيين عفان‪ .‬وقال عطاء وعكرميية وابيين‬
‫شهاب وجماعية‪ :‬ل يجير ولءه‪ .‬وروي عين عمير‪ ،‬وقضيى بيه عبيد‬
‫الملك بين مروان لميا حدثيه بيه قبيضية بين ذؤييب عين عمير بين‬
‫الخطاب‪ ،‬وإن كان قيد روي عين عمير مثيل قول الجمهور‪ .‬وعمدة‬
‫الجمهور أن الولء مشبييييه بالنسييييب‪ ،‬والنسييييب للب دون الم‪.‬‬
‫وعمدة الفريق الثاني أن البنين لما كانوا في الحرية تابعين لمهم‬
‫كانوا فيي موجيب الحريية تابعيين لهيا‪ ،‬وهيو الولء‪ ،‬وذهيب مالك إلى‬
‫أن الجيد يجير ولء حفدتيه إذا كان أبوهيم عبدا‪ ،‬إل أن يعتيق الب‪،‬‬
‫وبيه قال الشافعيي وخالفيه فيي ذلك الكوفيون واعتمدوا فيي ذلك‬
‫على أن ولء الجيد إنميا يثبيت لمعتيق الجيد على البنيين مين جهية‬
‫الب‪ ،‬وإذا لم يكييين للب ولء فأحرى أن ل يكون للجيييد‪ .‬وعمدة‬
‫الفريق الثاني أن عبودية الب هي كموته فوجب أن ينتقل الولء‬
‫إلى أبييي الب‪ ،‬ول خلف بييين ميين يقول بأن الولء للعصييبة فيمييا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أعلم أن البناء أحق من الباء‪ ،‬وأنه ل ينتقل إلى العمود العلى إل‬
‫إذا فقيد العمود السيفل بخلف الميراث‪ ،‬لن البنوة عندهيم أقوى‬
‫تعصيبا من البوة‪ ،‬والب أضعف تعصيبا‪ ،‬والخوة وبنوهم أقعد عند‬
‫مالك مين الجيد‪ ،‬وعنيد الشافعيي وأبيي حنيفية الجيد أقعيد منهيم‪.‬‬
‫وسبب الخلف من أقرب نسبا وأقوى تعصيبا وليس يورث بالولء‬
‫جزء مفروض وإنميا يورث تعصييبا‪ ،‬فإذا مات المولى السيفل ولم‬
‫يكييين له ورثييية أصيييل‪ ،‬أو كان له ورثييية ل يحيطون بالميراث كان‬
‫عاصييبه المولى العلى‪ ،‬وكذلك يعصييب المولى العلى كييل ميين‬
‫للمولى العلى عليييه ولدة نسييب‪ :‬أعنييي بناتيه وبنيييه وبنييي بنيييه‪.‬‬
‫وفيي هذا الباب مسيألة مشهورة وهيي‪ :‬إذا ماتيت امرأة ولهيا ولء‬
‫وولد وعصييبة لميين ينتقييل الولء؟ فقالت طائفيية‪ :‬لعصييبتها لنهييم‬
‫الذييين يعقلون عنهييا‪ ،‬والولء للعصييبة‪ ،‬وهييو قول علي ابيين أبييي‬
‫طالب؛ وقال قوم‪ :‬لبنهييا‪ ،‬وهييو قول عميير بيين الخطاب‪ ،‬وعليييه‬
‫فقهاء المصييار‪ ،‬وهييو مخالف لهييل هذا السييلف‪ ،‬لن ابيين المرأة‬
‫ليس من عصبتها‪.‬‬
‫تم كتاب الفرائض والولء والحمد لله حق حمده‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب العتق‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي هذا الكتاب فيمين يصيح عتقيه ومين ل يصيح‪ ،‬ومين‬
‫يلزمييه وميين ل يلزمييه‪ :‬أعنييي بالشرع‪ ،‬وفييي ألفاظ العتييق‪ ،‬وفييي‬
‫اليمان به‪ ،‬وفي أحكامه وفي الشروط الواقعة ف يه‪ .‬ونحن فإنما‬
‫نذكر من هذه البواب ما فيها من المسائل المشهورة التي يتعلق‬
‫أكثرهيا بالمسيموع‪ .‬فأميا مين يصيح عتقيه‪ ،‬فإنهيم أجمعوا على أنيه‬
‫يصييح عتييق المالك التام الملك الصييحيح الرشيييد القوي الجسييم‬
‫الغني غير العديم‪ .‬واختلفوا في عتق من أحاط الدين بماله وفي‬
‫عتيق المرييض وحكميه‪ .‬فأميا مين أحاط الديين بماله‪ ،‬فإن العلماء‬
‫اختلفوا فيي جواز عتقيه‪ ،‬فقال أكثير أهيل المدينية‪ :‬مالك وغيره‪ :‬ل‬
‫يجوز ذلك‪ ،‬وبيه قال الوزاعيي واللييث؛ وقال فقهاء العراق‪ :‬وذلك‬
‫جائز حتى يحجر عليه الحاكم‪ ،‬وذلك عند من يرى التحجير منهم‪،‬‬
‫وقد يتخرج عن مالك في ذلك الجواز قياسا على ما روي عنه في‬
‫الرهن أ نه يجوز‪ ،‬وإن أحاط الدين بمال الراهن ما لم يحجر عليه‬
‫الحاكيم‪ .‬وعمدة مين منيع عتقيه أن ماله فيي تلك الحال مسيتحق‬
‫للغرماء‪ ،‬فليييس له أن يخرج منييه شيئا بغييير عوض‪ ،‬وهييي العلة‬
‫التي بها يحجر الحاكم عليه التصرف والحكام يجب أن توجد مع‬
‫وجود عللها‪ ،‬وتحجير الحاكم ليس بعلة وإنما هو حكم واجب من‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫موجبات العلة فل اعتبار بوقوعييه‪ .‬وعمدة الفريييق الثانييي أنييه قييد‬
‫انعقييد بالجماع على أن له أن يطييأ جاريتييه ويحبلهييا ول يرد شيئا‬
‫مميا أنفقيه مين ماله على نفسيه وعياله حتيى يضرب الحاكيم على‬
‫يدييه فوجيب أن يكون حكيم تصيرفاته هذا الحكيم‪ ،‬وهذا هيو قول‬
‫الشافعي ول خلف عند الجميع أنه ل يجوز أن يعتق غير المحتلم‬
‫مييا لم تكيين وصييية منييه‪ ،‬وكذلك المحجور؛ ول يجوز عنييد العلماء‬
‫عتقيه لشييء مين مماليكيه إل مالكيا وأكثير أصيحابه‪ ،‬فإنهيم أجازوا‬
‫عتقييه لم ولده‪ .‬وأمييا المريييض فالجمهور على أن عتقييه إن صييح‬
‫وقيع وإن مات كان مين الثلث؛ وقال أهيل الظاهير‪ :‬هيو مثيل عتيق‬
‫الصييحيح‪ .‬وعمدة الجمهور حديييث عمران بيين الحصييين أن رجل‬
‫أعتق ستة أعبد له‪ ،‬الحديث على ما تقدم‪ .‬وأما من يدخل عليهم‬
‫العتق كرها فهم ثلثة من بعض العتق‪ ،‬وهذا متفق عليه في أحد‬
‫قسيميه واثنان مختلف فيهميا وهميا مين ملك مين يعتيق علييه ومين‬
‫مثل بعبده‪.‬‬
‫فأميا مين بعيض العتيق فإنيه ينقسيم قسيمين‪ :‬أحدهميا مين وقيع‬
‫تبعييض العتيق منيه ولييس له مين العبيد إل الجزء المعتيق‪ .‬والثانيي‬
‫أن يكون يملك العبد كله ولكن بعض عتقه اختيارا منه‪ .‬فأما العبد‬
‫بيين الرجليين يعتيق أحدهميا حظيه منيه فإن الفقهاء اختلفوا فيي‬
‫حكييم ذلك‪ ،‬فقال مالك والشافعييي وأحمييد بيين حنبييل‪ :‬إن كان‬
‫المعتيق موسيرا قوم علييه نصييب شريكيه قيمية العدل‪ ،‬فدفيع ذلك‬
‫إلى شريكييه وعتييق الكييل عليييه وكان ولؤه له‪ ،‬وإن كان المعتييق‬
‫معسرا لم يلزمه شيء وبقي المعتق بعضه عبدا وأحكامه أحكام‬
‫العبيد؛ وقال أبيو يوسيف ومحميد‪ :‬إن كان معسيرا سيعى العبيد فيي‬
‫قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه وهو حر يوم أعتق حظه منه‬
‫الول ويكون ولؤه للول‪ ،‬وبيه قال الوزاعيي وابين شبرمية وابين‬
‫أبيي ليلى وجماعية الكوفييين‪ ،‬إل أن ابين شبرمية وابين أبيي ليلى‬
‫جعل للعبيد أن يرجيع على المعتيق بميا سيعى فييه متيى أيسير‪ .‬وأميا‬
‫شريييك المعتييق فإن الجمهور على أن له الخيار فييي أن يعتييق أو‬
‫يقوم نصييبه على المعتيق؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬لشرييك الموسير ثلث‬
‫خيارات‪ :‬أحدهيا أن يعتيق كميا أعتيق شريكيه ويكون الولء بينهميا‪،‬‬
‫وهذا ل خلف فيييه بينهييم‪ .‬والخيار الثانييي أن تقوم عليييه حصييته‪.‬‬
‫والثالث أن يكلف العبييد السييعي فييي ذلك إن شاء ويكون الولء‬
‫بينه ما وللسييد المعتيق عبده عنده إذا قوم علييه شريكيه نصييبه أن‬
‫يرجيع على العبيد فيسيعى فييه ويكون الولء كله للمعتيق‪ .‬وعمدة‬
‫مالك والشافعيي حدييث ابين عمير أن رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيلم قال "مين أعتيق شركيا له فيي عبيد وكان له مال يبلغ ثمين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العبيد قوم علييه قيمية العدل‪ ،‬فأعطيى شركاءه حصيصهم وعتيق‬
‫عليييه العبييد وإل فقييد عتييق منييه مييا عتييق"‪ .‬وعمدة محمييد وأبييي‬
‫يوسيف صياحبي أبيي حنيفية ومين يقول بقولهيم حدييث أبيي هريرة‬
‫أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "مين أعتيق شقصيا له فيي‬
‫عبده فخلصيييه فيييي ماله إن كان له مال‪ ،‬فإن لم يكييين له مال‬
‫اسييتسعى العبييد غييير مشقوق عليييه" وكل الحديثييين خرجييه أهييل‬
‫الصيحيح البخاري ومسيلم وغيرهميا‪ ،‬ولكيل طائفية منهيم قول فيي‬
‫ترجييح حديثيه الذي أخيذ بيه‪ ،‬فمميا وهنيت فييه الكوفيية حدييث ابين‬
‫عمير أن بعيض رواتيه شيك فيي الزيادة المعارضية فييه لحدييث أبيي‬
‫هريرة‪ ،‬وهو قوله "وإل فقد عتق منه ما عتق" فهل هو من قوله‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬أم من قول نافع "وإن في ألفاظه أيضا بين‬
‫رواتيه اضطرابيا‪ .‬ومميا وهين بيه المالكيون حدييث أبيي هريرة أنيه‬
‫اختلف أصيحاب قتادة فييه على قتادة فيي ذكير السيعاية‪ .‬وأميا مين‬
‫طريييق المعنييى فاعتمدت المالكييية فييي ذلك على أنييه إنمييا لزم‬
‫السيييد التقويييم إن كان له مال للضرر الذي أدخله على شريكييه‬
‫والعبيد لم يدخيل ضررا فلييس يلزميه شييء‪ .‬وعمدة الكوفييين مين‬
‫طرييق المعنيى أن الحريية حيق شرعيي ل يجوز تبعيضيه‪ ،‬فإذا كان‬
‫الشرييك المعتيق موسيرا عتيق الكيل علييه‪ ،‬وإذا كان معسيرا سيعى‬
‫العبيد فيي قيمتيه وفييه ميع هذا رفيع الضرر الداخيل على الشرييك‬
‫وليس فيه ضرر على العبد‪،‬‬
‫وربميا أتوا بقياس شبهيي وقالوا‪ :‬لميا كان العتيق يوجيد منيه فيي‬
‫الشرع نوعان‪ :‬نوع يقييع بالختيار‪ ،‬وهييو إعتاق السيييد عبده ابتغاء‬
‫ثواب الله‪ .‬ونوع يقيع بغيير اختبار‪ ،‬و هو أن يعتق على السييد من ل‬
‫يجوز له بالشريعيية ملكييه وجييب أن يكون العتييق بالسييعي كذلك‪.‬‬
‫فالذي بالختيار منيه هيو الكتابية‪ .‬والذي هيو داخيل بغيير اختيار هيو‬
‫السيعي‪ .‬واختلف مالك والشافعيي فيي أحيد قولييه إذا كان المعتيق‬
‫موسرا هل يعتق عليه نصيب شريكه بالحكم أو بالسراية؟ أعني‬
‫أنيه يسيري وجوب عتقيه علييه بنفيس العتيق؟ فقالت الشافعيية‪:‬‬
‫يعتق بالسراية؛ وقالت المالكية بالحكم؛ واحتجت المالكية بأنه لو‬
‫كان واجبا بالسراية لسرى مع العدم واليسر‪.‬‬
‫واحتجيت الشافعيية باللزم عين مفهوم قوله علييه الصيلة والسيلم‬
‫"قوم علييه قي مة العدل" فقالوا‪ :‬ما يجيب تقويمه فإن ما يجيب بعيد‬
‫إتلفيه فإذن بنفيس العتيق أتلف حيظ صياحبه فوجيب علييه تقويميه‬
‫فييي وقييت التلف‪ ،‬وإن لم يحكييم عليييه بذلك حاكييم‪ ،‬وعلى هذا‬
‫فلييس للشرييك أن يعتيق نصييبه‪ ،‬لنيه قيد نفيذ العتيق وهذا بيين‪.‬‬
‫وقول أبي حنيفة في هذه المسألة مخالف لظاهر الحديثين‪ ،‬وقد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫روي فيهييا خلف شاذ‪ ،‬فقيييل عيين ابيين سيييرين إنييه جعييل حصيية‬
‫الشريك في بيت المال؛ وقيل عن ربيعة فيمن أعتق نصيبا له في‬
‫عبييد أن العتييق باطييل؛ وقال قوم‪ :‬ل يقوم على المعسيير الكييل‪،‬‬
‫وينفيذ العتيق فيميا أعتيق؛ وقال قوم بوجوب التقوييم على المعتيق‬
‫موسييرا أو معسييرا ويتبعييه شريكييه‪ ،‬وسييقط العسيير فييي بعييض‬
‫الروايات فيي حدييث ابين عمير‪ ،‬وهذا كله خلف الحادييث‪ ،‬ولعلهيم‬
‫لم تبلغهم الحاديث‪ .‬واختلف قول مالك من هذا في فرع وهو إذا‬
‫كان معسرا فأخر الحكم عليه بإسقاط التقويم حتى أيسر‪ ،‬فقيل‬
‫يقوم‪ ،‬وقيل ل يقوم‪ .‬وات فق القائلون بهذه الثار على أن من ملك‬
‫باختياره شقصا يعتق عليه من عبد‪ :‬أنه يعتق عليه الباقي إن كان‬
‫موسرا إل إذا ملكه بوجيه ل اختيار له فيه‪ ،‬وهيو أن يملكيه بميراث‬
‫ فقال قوم‪ :‬يعتيق علييه فيي حال اليسير ‪ -‬وقال قوم‪ :‬ل يعتيق‬‫عليييه؛ وقال قوم‪ :‬فييي حال اليسيير بالسييعاية؛ وقال قوم‪ :‬ل‪ .‬وإذا‬
‫ملك السيييد جميييع العبييد فأعتييق بعضييه؛ فجمهور علماء الحجاز‬
‫والعراق مالك والشافعييي والثوري والوزاعييي وأحمييد وابيين أبييي‬
‫ليلى ومحميد بين الحسين وأبيو يوسيف يقولون‪ :‬يعتيق علييه كله‪،‬‬
‫وقال أبيو حنيفية وأهيل الظاهير‪ :‬يعتيق منيه ذلك القدر الذي عتيق‬
‫ويسييعى العبييد فييي الباقييي‪ ،‬وهييو قول طاوس وحماد‪ .‬وعمدة‬
‫استدلل الجمهور أنه لما ثبتت السنة في إعتاق نصيب الغير على‬
‫الغير لحرمة العتق كان أحرى أن يجب ذلك عليه في ملكه‪.‬‬
‫وعمدة أبي حنيفة أن سبب وجوب العتق على المبعض للعتق هو‬
‫الضرر الداخييل على شريكييه‪ ،‬فإذا كان ذلك كله ملكييا له لم يكيين‬
‫هنالك ضرر‪ .‬فسييبب الخلف ميين طريييق المعنييى هييل علة هذا‬
‫الحكييم حرميية العتييق‪ ،‬أعنييي أنييه ل يقييع فيييه تبعيييض‪ ،‬أو مضرة‬
‫الشريك؟‪ .‬واحتجيت الحنفية بما رواه إسماعيل بن أمية عين أبيه‬
‫عين جده أنيه أعتيق نصيف عبده‪ ،‬فلم ينكير رسيول الله صيلى الله‬
‫عليه وسلم عتقه‪ .‬ومن عمدة الجمهور ما رواه النسائي وأبو داود‬
‫عين أبي الملييح عين أبيه "أن رجل من هذيل أعتيق شقصا له من‬
‫مملوك فتميم النيبي علييه الصيلة والسيلم عتقيه وقال‪ :‬لييس لله‬
‫شر يك" وعلى هذا فقيد نص على العلة التي تمسك ب ها الجمهور‪،‬‬
‫وصيييارت علتهيييم أولى‪ ،‬لن العلة المنصيييوص عليهيييا أولى مييين‬
‫المستنبطة‪ .‬فسبب اختلفهم تعارض الثار في هذا الباب وتعارض‬
‫القياس‪ .‬وأمييييييا العتاق الذي يكون بالمثلة‪ ،‬فإن العلماء اختلفوا‬
‫فييه‪ ،‬فقال مالك واللييث والوزاعيي‪ :‬مين مثيل بعبده أعتيق علييه؛‬
‫وقال أبيو حنيفية والشافعيي‪ :‬ل يعتيق علييه؛ وشيذ الوزاعيي فقال‪:‬‬
‫من مثل بعبد غيره أعتق عليه والجمهور على أنه يضمن ما نقص‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مين قيمية العبيد‪ ،‬فمالك ومين قال بقوله اعتميد حدييث عمرو بين‬
‫شعييب عين أبييه عين جده "أن زنباعيا وجيد غلميا له ميع جاريية‪،‬‬
‫فقطيع ذكره وجدع أن فه‪ ،‬فأتيى النيبي صلى الله علييه وسيلم فذكير‬
‫ذلك له‪ ،‬فقال له النيبي صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬ميا حملك على ميا‬
‫فعلت؟ فقال‪ :‬فعيل كذا وكذا‪ ،‬فقال النيبي صيلى الله علييه وسيلم‪:‬‬
‫اذهييب فأنييت حيير‪ .‬وعمدة الفريييق الثانييي قوله صييلى الله عليييه‬
‫وسيلم فيي حدييث ابين عمير "مين لطيم مملوكيه أو ضربيه فكفارتيه‬
‫عتقيه" قالوا‪ :‬فلم يلزم العتيق فيي ذلك وإنميا ندب إلييه‪ .‬ولهيم مين‬
‫طرييق المعنيى أن الصيل فيي الشرع هيو أنيه ل يكره السييد على‬
‫عتييق عبده إل مييا خصييصه الدليييل‪ .‬وأحاديييث عمرو بيين شعيييب‬
‫مختلف فيي صيحتها‪ ،‬فلم تبلغ مين القوة أن يخصيص بهيا مثيل هذه‬
‫القاعدة‪.‬‬
‫وأمييا هيل يعتييق على النسيان أحييد مين قرابتيه‪ ،‬وإن عتييق فمين‬
‫يعتييق؟ فإنهييم اختلفوا فييي ذلك‪ ،‬فجمهور العلماء على أنييه يعتييق‬
‫على الرجييل بالقرابيية إل داود وأصييحابه‪ ،‬فإنهييم لم يروا أن يعتييق‬
‫أحيد على أحيد مين قبيل قربيى‪ ،‬والذيين قالوا بالعتيق اختلفوا فيمين‬
‫يعتيق ممين ل يعتيق بعيد اتفافهيم على أنيه يعتيق على الرجيل أبوه‬
‫وولده؛ فقال مالك‪ :‬يعتيق على الرجيل ثلثية‪ :‬أحدهيا أصيوله‪ :‬وهيم‬
‫الباء والجداد والجدات والمهات وآباؤهم وأمهاتهم‪ ،‬وبالجملة كل‬
‫ميين كان له على النسييان ولدة‪ .‬والثانييي فروعييه‪ ،‬وهييم‪ :‬البناء‬
‫والبنات وولدهييم مييا سييفلوا‪ ،‬وسييواء فييي ذلك ولد البنييين وولد‬
‫البنات‪ ،‬وبالجملة كييل ميين للرجييل عليييه ولدة بغييير توسييط أو‬
‫بتوسييط‪ ،‬ذكيير أو أنثييى‪ .‬والثالث الفروع المشاركيية له فييي أصييله‬
‫القرييب وهيم الخوة‪ ،‬وسيواء كانوا لب وأم‪ ،‬أو لب فقيط‪ ،‬أو لم‬
‫فقييط؛ واقتصيير ميين هذا العمود على القريييب فقييط‪ ،‬فلم يوجييب‬
‫عتييق بنييي الخوة‪ .‬وأمييا الشافعييي فقال مثييل قول مالك فييي‬
‫العمودين العلى والسفل‪ ،‬وخالفه في الخوة فلم يوجب عتقهم‪.‬‬
‫وأميا أبيو حنيفية فأوجيب عتيق كيل ذي رحيم محرم بالنسيب كالعيم‬
‫والعمية والخال والخالة وبنات الخ‪ ،‬ومين أشبههيم ممين هيو مين‬
‫النسييان ذو محرم‪ .‬وسييبب اختلف أهييل الظاهيير مييع الجمهور‬
‫اختلفهييم فييي مفهوم الحديييث الثابييت‪ ،‬وهييو قوله عليييه الصييلة‬
‫والسييلم "ل يجزي ولد عيين والده إل أن يجده مملوكييا فيشتريييه‬
‫فيعتقيييه" خرجيييه مسيييلم والترمذي وأبيييو داود وغيرهيييم‪ ،‬فقال‬
‫الجمهور‪ :‬يفهيم مين هذا أنيه إذا اشتراه وجييب علييه عتقيه‪ ،‬وأنيه‬
‫لييس يجيب علييه شراؤه‪ .‬وقالت الظاهريية‪ :‬المفهوم مين الحدييث‬
‫أنه ليس يجب عليه شراؤه ول عتقه إذا اشتراه‪ ،‬قالوا‪ :‬لن إضافة‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عتقه إليه دليل على صحة ملكه له‪ ،‬ولو كان ما قالوا صوابا‪ ،‬لكان‬
‫اللفيظ إل أن يشترييه فيعتيق علييه‪ .‬وعمدة الحنفيية ميا رواه قتادة‬
‫عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من‬
‫ملك ذا رحييم محرم فهييو حيير" وكأن هذا الحديييث لم يصييح عنييد‬
‫مالك والشافعيييييييي؛ وقاس مالك الخوة على البناء والباء‪ ،‬ولم‬
‫يلحقهييم بهييم الشافعييي واعتمييد الحديييث المتقدم فقييط‪ ،‬وقاس‬
‫البناء على الباء‪.‬‬
‫وقيد راميت المالكيية أن تحتيج لمذهبهيا بأن البنوة صيفة هيي ضيد‬
‫العبودية‪ ،‬وأنه ليس تجتمع معها لقوله تعالى {وما ينبغي للرحمن‬
‫أن يتخيذ ولدا‪ .‬إن كيل مين فيي السيموات والرض إل آتيي الرحمين‬
‫عبدا} وهذه العبوديية هيي معنيى غيير العبوديية التيي يحتجون بهيا‪،‬‬
‫فإن هذه العبودييية معقولة وبنوة معقولة‪ .‬والعبودييية التييي بييين‬
‫المخلوقين والموليية هي عبودية بالشرع ل بالطبع أعني بالوضع‬
‫ل مجال للعقييل كمييا يقولون فيهييا عندهييم‪ ،‬وهييو احتجاج ضعيييف‪.‬‬
‫وإنما أراد الله تعالى أن البنوة تساوي البوة في جنس الوجود أو‬
‫في نوعه‪ ،‬أعني أن الموجودين اللذين أحدهما أب والخر ابن هما‬
‫متقاربان جدا‪ ،‬حتيى أنهميا إميا أن يكونيا مين نوع واحيد أو جنيس‬
‫واحيد‪ ،‬وميا دون الله مين الموجودات فلييس يجتميع معيه سيبحانه‬
‫فيي جنيس قرييب ول بعييد‪ ،‬بيل التفاوت بينهميا غايية التفاوت‪ ،‬فلم‬
‫يصيح أن يكون فيي الموجودات التيي ههنيا شييء نسيبته إلييه نسيبة‬
‫الب إلى البن‪ ،‬بل إن كان نسبة الموجودات إليه نسبة العبد إلى‬
‫السييد كان أقرب إلى حقيقية المير مين نسيبة البين إلى الب لن‬
‫التباعد الذي بين السيد والعبد في المرتبة أشد من التباعد الذي‬
‫بيين الب والبين‪ ،‬وعلى الحقيقية فل شبيه بيين النسيبتين؛ لكين لميا‬
‫لم يكين فيي الموجودات نسيبة أشيد تباعدا من هذه النسيبة‪ ،‬أعنيي‬
‫تباعييد طرفيهمييا فييي الشرف والخسيية ضرب المثال بهييا‪ ،‬أعنييي‬
‫نسييبة العبييد للسيييد‪ ،‬وميين لحييظ المحبيية التييي بييين الب والبيين‬
‫والرحمة والرأفة الشفقة أجاز أن يقول في الناس إنهم أبناء الله‬
‫على ظاهير شريعية عيسيى‪ .‬فهذه جملة المسيائل المشهورة التيي‬
‫تتعلق بالعتق الذي يدخل على النسان بغير اختياره‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@(تابيع‪- :)1 ...‬والنظير فيي هذا الكتاب فيمين يصيح عتقيه ومين ل‬
‫يصح‪ ،‬ومن يلزمه ومن ل‪... ...‬‬
‫وقيييد اختلفوا مييين أحكام العتيييق فيييي مسيييألة مشهورة تتعلق‬
‫بالسييماع‪ ،‬وذلك أن الفقهاء اختلفوا فيميين أعتييق عييبيدا له فييي‬
‫مرضييه أو بعييد موتييه ول مال له غيرهييم‪ ،‬فقال مالك والشافعييي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وأصييحابهما وأحمييد وجماعيية‪ :‬إذا أعتييق فييي مرضييه ول مال له‬
‫سيواهم قسيموا ثلثية أجزاء وعتيق منهيم جزء بالقرعية بعيد موتيه‪،‬‬
‫وكذلك الحكيم فيي الوصيية بعتقهيم‪ .‬وخالف أشهيب وأصيبغ مالكيا‬
‫فييي العتييق المبتييل فييي المرض فقال جميعييا إنمييا القرعيية فييي‬
‫الوصية‪ .‬وأما حكم العتق المبتل فهو كحكم المدبر‪ .‬ول خلف في‬
‫مذهيب مالك أن المدبريين فيي كلمية واحدة إذا ضاق عنهيم الثلث‬
‫أنيه يعتيق مين كيل واحيد منهيم بقدر حظيه مين الثلث‪ .‬وقال أبيو‬
‫حنيفية وأصيحابه فيي العتيق المبتيل‪ :‬إذا ضاق عنيه الثلث أنيه يعتيق‬
‫مين كيل واحيد منيه ثلثيه‪ .‬وقال الغيير‪ :‬بيل يعتيق مين الجمييع ثلثيه‪.‬‬
‫فقوم من هؤلء اعتبروا في ثلث الجميع القيمة‪ ،‬وهو مذهب مالك‬
‫والشافعيي؛ وقوم اعتيبروا العدد‪ .‬فعنيد مالك إذا كانوا سيتة أعبيد‪:‬‬
‫مثل عتق منهم الثلث بالقيمة كان الحاصل في ذلك اثنين منهم أو‬
‫أقيل أو أكثير‪ ،‬وذلك أيضيا بالقرعية بعيد أن يجيبروا على القسيمة‬
‫أثلثييا؛ وقال قوم‪ :‬بييل المعتييبر العدد‪ ،‬فإن كانوا سييتة عتييق منهييم‬
‫اثنان وإن كانوا مثل سييبعة عتييق منهييم اثنان وثلث‪ .‬فعمدة أهييل‬
‫الحجاز ميا رواه أهيل البصيرة عين عمران بين الحصيين "أن رجل‬
‫أعتييق سييتة مملوكييين عنييد موتيه ولم يكيين له مال غيرهييم فدعييا‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم فجزأهيم أثلثيا ثيم أقرع بينهيم‬
‫فأعتق اثنين وأرق أربعة" خرجه البخاري ومسلم مسندا‪ ،‬وأرسله‬
‫مالك‪.‬‬
‫وعمدة الحنفية ما جرت به عادتهم من رد الثار التي تأتي بطرق‬
‫الحاد إذا خالفتها الصول الثابتة بالتواتر‪ .‬وعمدتهم أنه قد أوجب‬
‫السييد لكيل واحيد منهيم العتيق تاميا‪ ،‬فلو كان له مال لنفيد بإجماع‪،‬‬
‫فإذا لم يكين له مال وجيب أن ينفيذ لكيل واحيد منهيم بقدر الثلث‬
‫الجائز فعلى السيد فيه‪ ،‬وهذا الصل ليس بيننا من قواعد الشرع‬
‫في هذا الموضع‪ ،‬وذلك أنه يمكن أن يقال له إنه إذا أعتق من كل‬
‫واحد منهم الثلث دخل الضرر على الورثة والعبيد المعتقين‪ ،‬وقد‬
‫ألزم الشرع مبعيض العتيق أن يتيم علييه‪ ،‬فلميا لم يمكين ههنيا أن‬
‫يتميم علييه جميع فيي أشخاص بأعيانهيم لكين متيى اعتيبرت القيمية‬
‫فيي ذلك دون العدد أفضيت إلى هذا الصيل‪ ،‬وهيو تبعييض العتيق‪،‬‬
‫فلذلك كان الولى أن يعتبر العدد وهو ظاهر الحديث‪ ،‬وكان الجزء‬
‫المعتيق فيي كيل واحيد منهيم هيو حيق لله فوجيب أن يجميع فيي‬
‫أشخاص بأعيانهيم أصيله حيق الناس‪ .‬واختلفوا فيي مال العبيد إذا‬
‫أعتييق لميين يكون‪ ،‬فقالت طائفيية‪ :‬المال للسيييد؛ وقالت طائفيية‪:‬‬
‫ماله تبيع له‪ ،‬وبالول قال ابين مسيعود مين الصيحابة‪ ،‬ومين الفقهاء‬
‫أبييو حنيفيية والثوري وأحمييد وإسييحق‪ ،‬وبالثانييي قال ابيين عميير‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وعائشيية والحسيين وعطاء ومالك وأهييل المدينيية‪ .‬والحجيية لهييم‬
‫حدييث ابين عمير أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "مين أعتيق‬
‫عبدا فماله له إل أن يشترط السييد ماله" وأميا ألفاظ العتيق‪ ،‬فإن‬
‫منهيا صيريحا ومنهيا كنايية عنيد أكثير فقهاء المصيار‪ .‬أميا اللفاظ‬
‫الصيريحة‪ ،‬فهيو أن يقول‪ :‬أنيت حير‪ ،‬أو أنيت عتييق وميا تصيرف مين‬
‫هذه‪ ،‬فهذه اللفاظ تلزم السييد بإجماع مين العلماء‪ .‬وأميا الكنايية‬
‫فهييي مثييل قول السيييد لعبده‪ :‬ل سييبيل لي عليييك‪ ،‬أو ل ملك لي‬
‫علييك‪ ،‬فهذه ينوي فيهيا سييد العبيد‪ ،‬هيل أراد بيه العتيق أم ل؟ عنيد‬
‫الجمهور‪ .‬ومما اختلفوا فيه في هذا الباب إذا قال السيد لعبده‪ :‬يا‬
‫بنيي‪ ،‬أو لمتيه ييا بنتيي‪ ،‬أو قال‪ :‬ييا أبيي‪ ،‬أو ييا أميي‪ ،‬فقال قوم وهيم‬
‫الجمهور‪ :‬ل عتيق يلزميه؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬يعتيق علييه؛ وشيذ زفير‬
‫فقال‪ :‬لو قال السيد لعبده‪ :‬هذا ابني‪ ،‬عتق عليه وإن كان العبد له‬
‫عشرون سنة وللسيد ثلثون سنة‪ .‬ومن هذا الباب اختلفهم فيمن‬
‫قال لعبده‪ :‬ميا أنيت إل حير‪ ،‬فقال قوم‪ :‬هيو ثناء علييه وهيم الكثير؛‬
‫وقال قوم‪ :‬هيو حير‪ ،‬وهيو قول الحسين البصيري‪ .‬ومين هذا الباب‬
‫من نادى عبدا من عبيده باسمه‪ ،‬فاستجاب له عبد آخر‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫أنت حر‪ ،‬وقال‪ :‬إنما أردت الول‪ ،‬فقيل يعتقان عليه جميعا‪ ،‬وقيل‬
‫ينوي‪ .‬واتفيق على أن مين أعتيق ميا فيي بطين أمتيه فهيو حير دون‬
‫الم‪.‬‬
‫واختلفوا فيمين أعتيق أمية واسيتثنى ميا فيي بطنهيا‪ ،‬فقالت طائفية‪:‬‬
‫له اسييتثناؤه؛ وقالت طائفيية‪ :‬همييا حران‪ .‬واختلفوا فييي سييقوط‬
‫العتيق بالمشيئة‪ ،‬فقالت طائفية‪ :‬ل اسيتثناء فييه كالطلق‪ ،‬وبيه قال‬
‫مالك؛ وقال قوم‪ :‬يؤثير فييه السيتثناء كقولهيم فيي الطلق‪ ،‬أعنيي‬
‫قول القائل لعبده‪ :‬أنيييت حييير إن شاء الله‪ .‬وكذلك اختلفوا فيييي‬
‫وقوع العتيييق بشرط الملك‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يقيييع؛ وقال الشافعيييي‬
‫وغيره‪ :‬ل يقع‪ ،‬وحجتهم قوله عليه الصلة والسلم‪" :‬ل عتق فيما‬
‫ل يملك ابيين آدم" وحجيية الفرقيية الثانييية تشييبيههم إياه باليمييين‪.‬‬
‫وألفاظ هذا الباب شبيهيية بألفاظ الطلق‪ ،‬وشروطييه كشروطييه‪،‬‬
‫وكذلك اليمان فيييه شبيهيية بأيمان الطلق‪ .‬وأمييا أحكامييه فكثيرة‪:‬‬
‫منها أن الجمهور على أن البناء تابعون في العتق والعبودية للم‪،‬‬
‫وشييذ قوم فقالوا‪ :‬إل أن يكون الب عربيييا‪ .‬ومنهييا اختلفهييم فييي‬
‫العتق إلى أجل؛ فقال قوم‪ :‬ليس له أن يطأها إن كانت جارية ول‬
‫ييبيع ول يهيب‪ ،‬وبيه قال مالك؛ وقال قوم‪ :‬له جمييع ذلك‪ ،‬وبيه قال‬
‫الوزاعيييي والشافعيييي واتفقوا على جواز اشتراط الخدمييية على‬
‫المعتيق مدة معلومية بعيد العتيق وقبيل العتيق‪ .‬واختلفوا فيمين قال‬
‫لعبده‪ :‬إن بعتيك فأنيت حير؛ فقال قوم‪ :‬ل يقيع علييه العتيق لنيه إذا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫باعيه لم يملك عتقيه‪ ،‬وقال‪ :‬إن باعيه يعتيق علييه‪ ،‬أعنيي مين مال‬
‫البائع إذا باعيه‪ ،‬وبيه قال مالك والشافعيي‪ ،‬وبالول قال أبيو حنيفية‬
‫وأصحابه والثوري‪ .‬وفروع هذا الباب كثيرة‪ ،‬وفي هذا كفاية‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الكتابة‬
‫@‪-‬والنظيير الكلي فييي الكتابيية ينحصيير فييي أركانهييا وشروطهييا‬
‫وأحكامهيا‪ .‬أميا الركان فثلثية‪ :‬العقيد وشروطيه وصيفته‪ ،‬والعاقيد‪،‬‬
‫والمقعود علييه وصيفاتهما ونحين نذكير المسيائل المشهورة لهيل‬
‫المصار في جنس جنس من هذه الجناس‪.‬‬
‫القول في مسائل العقد‪.‬‬
‫@‪-‬فمن مسائل هذا الجنس المشهورة اختلفهم في عقد الكتابة‪:‬‬
‫هيل هيو واجيب أو مندوب إلييه؟ فقال فقهاء المصيار‪ :‬إنيه مندوب؛‬
‫وقال أهيييل الظاهييير‪ :‬هيييو واجيييب‪ ،‬واحتجوا بظاهييير قوله تعالى‬
‫{فكاتبوهييم إن علمتييم فيهييم خيرا} والميير على الوجوب‪ .‬وأمييا‬
‫الجمهور فإنهيم لميا رأوا أن الصيل هيو أن ل يجيبر أحيد على عتيق‬
‫مملوكيييه حملوا هذه اليييية على الندب لئل تكون معارضييية لهذا‬
‫الصيل‪ ،‬وأيضيا فإنيه لميا لم يكين للعبيد أن يحكيم له على سييده‬
‫بالبييع له وهيو خروج رقبتيه عين ملكيه بعوض‪ ،‬فأحرى أن ل يحكيم‬
‫له عليه بخروجه عن غير عوض هو مال كه‪ ،‬وذلك أن كسب العبد‬
‫هيو للسييد‪ ،‬وهذه المسيألة هيي أقرب أن تكون مين أحكام العقيد‬
‫من أن تكون من أركانه‪ ،‬وهذا العقد بالجملة هو أن يشتري العبد‬
‫نفسييه وماله ميين سيييده بمال يكتسييبه العبييد‪ .‬فأركان هذا العقييد‬
‫الثميين والمثمون والجييل واللفاظ الدالة على هذا العقييد‪ .‬فأمييا‬
‫الثميين‪ ،‬فإنهييم اتفقوا على أنييه يجوز إذا كان معلومييا بالعلم الذي‬
‫يشترط في البيوع‪ .‬واختلفوا إذا كان في لفظه إبهام ما‪ ،‬فقال أبو‬
‫حنيفية ومالك‪ :‬يجوز أن يكاتيب عبده على جاريية أو عبيد مين غيير‬
‫أن يصفهما ويكون له الوسط من العبيد؛ وقال الشافعي‪ :‬ل يجوز‬
‫حتى يصفه؛ فمن اعتبر في هذا طلب المعاينة شبهه بالبيوع؛ ومن‬
‫رأى أن هذا العقييد مقصييوده المكارميية وعدم التشاح جوز فيييه‬
‫الغرر اليسير كحال اختلفهيم فيي الصيداق؛ ومالك يجييز بين العبد‬
‫وسيده من جنس الربا ما ل يجوز بين الجنبي والجنبي من مثل‬
‫بييع الطعام قبيل قبضيه‪ ،‬وفسيخ الديين فيي الديين‪ ،‬وضيع وتعجيل؛‬
‫ومنييع ذلك الشافعييي وأحمييد وعيين أبييي حنيفيية القولن جميعييا‪.‬‬
‫وعمدة مين أجازه أنيه لييس بيين السييد وعبده ربيا‪ ،‬لنيه وماله له‪،‬‬
‫وإنميا الكتابية سينة على حدتهيا‪ .‬وأميا الجيل فإنهيم اتفقوا على أنيه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يجوز أن تكون مؤجلة‪ ،‬واختلفوا فييي هييل تجوز حالة‪ ،‬وذلك أيضييا‬
‫بعييد اتفاقهييم على أنهييا تجوز حالة على مال موجود عنييد العبييد‪،‬‬
‫وهييي التييي يسييمونها قطاعييه ل كتابيية‪ .‬وأمييا الكتابيية فهييي التييي‬
‫يشتري العبيد فيهيا ماله ونفسيه مين سييده بمال يكتسيبه‪ .‬فموضيع‬
‫الخلف إنميا هيو هيل يجوز أن يشتري نفسيه مين سييده بمال حال‬
‫ليس هو بيده؟ فقال الشافعي‪ :‬هذا الكلم لغو‪ ،‬وليس يلزم السيد‬
‫شيء منه؛ وقال متأخروا أصحاب مالك‪ :‬قد لزمت الكتابة للسيد‬
‫ويرفعيه العبيد إلى الحاكيم فينجيم علييه المال بحسيب حال العبيد‪.‬‬
‫وعمدة المالكية أن السيد قد أوجب لعبده الكتابة‪ ،‬إل أنه اشترط‬
‫فيهييا شرطييا يتعذر غالبييا‪ ،‬فصييح العقييد وبطييل الشرط‪ .‬وعمدة‬
‫الشافعيية أن الشرط الفاسيد يعود ببطلن أصيل العقيد كمين باع‬
‫جاريتيه واشترط أن ل يطأهيا‪ ،‬وذلك أنيه إذا لم يكين له مال حاضير‬
‫أدى إلى عجزه‪ ،‬وذلك ضد مقصود الكتابة‪ .‬وحاصل قول المالكية‬
‫يرجع إلى أن الكتابة من أركانها أن تكون منجمة‪ ،‬وأنه إذا اشترط‬
‫فيهيا ضيد هذا الركين بطيل الشرط وصيح العقيد‪ .‬واتفقوا على أنيه‬
‫إذا قال السيد لعبده‪ :‬لقد كاتبتك على ألف درهم فإذا أديتها فأنت‬
‫حر أنه إذا أداها حر‪.‬‬
‫واختلفوا إذا قال له‪ :‬قد كاتبتك على ألف درهم وسكت هل يكون‬
‫حرا دون أن يقول له‪ :‬فإذا أديتهييا فأنييت حيير؟ فقال مالك وأبييو‬
‫حنيفة‪ :‬هو حر‪ ،‬لن اسم الكتابة لفظ شرعي‪ ،‬فهو يتضمن جميع‬
‫أحكامه؛ وقال قوم‪ :‬ل يكون حرا حتى يصرح بلفظ الداء‪ .‬واختلف‬
‫في ذلك قول الشافعي‪ .‬ومن هذا الباب اختلف قول ابن القاسم‬
‫ومالك فيمييين قال لعبده‪ :‬أنيييت حييير وعلييييك ألف دينار‪ ،‬فاختلف‬
‫المذهب في ذلك؛ فقال مالك‪ :‬يلزمه وهو حر؛ وقال ابن القاسم‪:‬‬
‫هو حر ول يلزمه‪ .‬وأما إن قال‪ :‬أنت حر على أن عليك ألف دينار‪،‬‬
‫فاختلف المذهب في ذلك فقال مالك‪ :‬هو حر والمال عليه كغريم‬
‫مين الغرماء؛ وقييل العبيد بالخيار‪ ،‬فإن اختار الحريية لزمييه المال‬
‫ونفذت الحريية وإل بقيي عبدا؛ وقييل إن قبيل كانيت كتابية يعتيق إذا‬
‫أدى‪ ،‬والقولن لبين القاسيم؛ وتجوز الكتابية عنيد مالك على عميل‬
‫محدود‪ ،‬وتجوز عنده الكتابيية المطلقيية‪ ،‬ويرد إلى أن كتابيية مثله‬
‫كالحال فييي النكاح‪ ،‬وتجوز الكتابيية عنده على قيميية العبييد‪ ،‬أعنييي‬
‫كتابيية مثله فييي الزمان والثميين‪ ،‬وميين هنييا قيييل إنييه تجوز عنده‬
‫الكتابية الحالة‪ .‬واختلف هيل مين شرط هذا العقيد أن يضيع السييد‬
‫مين آخير أنجيم الكتابية شيئا عين المكاتيب لختلفهيم فيي مفهوم‬
‫قوله تعالى {وآتوهيم مين مال الله الذي آتاكيم} وذلك أن بعضهيم‬
‫رأى أن السييادة هييم المخاطبون بهذه الييية؛ ورأى بعضهييم أنهييم‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫جماعة المسلمين ندبوا لعون المكاتبين‪ ،‬والذين رأوا ذلك اختلفوا‬
‫هيل ذلك على الوجوب أو على الندب؟ والذيين قالوا بذلك اختلفوا‬
‫فيي القدر الواجيب‪ ،‬فقال بعضهيم‪ :‬ميا ينطلق علييه اسيم شييء‪،‬‬
‫وبعضهم حده‪ .‬وأما المكاتب ففيه مسائل‪ :‬إحداها هل تجوز كتابة‬
‫المراهيق؟ وهيل يجميع فيي الكتابية الواحدة أكثير مين عبيد واحيد؟‬
‫وهل تجوز كتابة من يملك في العبد بعضه بغير إذن شريكه؟ وهل‬
‫تجوز كتابية مين ل يقدر على السيعي؟ وهيل تجوز كتابية مين فييه‬
‫بقية رق؟‪.‬‬
‫فأميييا كتابييية المراهيييق القوي على السيييعي الذي لم يبلغ الحلم‪،‬‬
‫فأجازها أبو حنيفة‪ ،‬ومنعها الشافعي إل للبالغ‪ ،‬وعن مالك القولن‬
‫جميعيا‪ .‬فعمدة مين اشترط البلوغ تشبيههيا بسيائر العقود‪ .‬وعمدة‬
‫ميين لم يشترطييه أنييه ل يجوز بييين السيييد وعبده مييا ل يجوز بييين‬
‫الجانييب‪ ،‬وأن المقصييود ميين ذلك هييو القوة على السييعي‪ ،‬وذلك‬
‫موجود في غير البالغ‪ .‬وأما هل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من‬
‫عبد واحد؟ فإن العلماء اختلفوا في ذلك‪ ،‬ثم إذا قلنا بالجمع فهل‬
‫يكون بعضهيم حملء عين بعيض بنفيس الكتابية حتيى ل يعتيق واحيد‬
‫منهيم إل بعتيق جميعهيم؟ فييه أيضيا خلف‪ .‬فأميا هيل يجوز الجميع؟‬
‫فإن الجمهور على جواز ذلك‪ ،‬ومنعييييه قوم‪ ،‬وهييييو أحييييد قولي‬
‫الشافعي‪ .‬وأما هل يكون بعضهم حملء عن بعض؟ فإن فيه لمن‬
‫أجاز الجميع ثلثية أقوال‪ :‬فقالت طائفية‪ :‬ذلك واجيب بمطلق عقيد‬
‫الكتابية‪ ،‬أعنيي حمالة بعضهيم عين بعيض‪ ،‬وبيه قال مالك وسيفيان؛‬
‫وقال آخرون‪ :‬ل يلزمييه ذلك بمطلق العقييد ويلزم بالشرط‪ ،‬وبييه‬
‫قال أبيو حنيفية وأصيحابه؛ وقال الشافعيي‪ :‬ل يجوز ذلك ل بالشرط‬
‫ول بمطلق العقييد‪ ،‬ويعتييق كييل واحييد منهييم إذا أدى قدر حصييته‪.‬‬
‫فعمدة مين منيع الشركية ميا فيي ذلك مين الغرر‪ ،‬لن قدر ميا يلزم‬
‫واحدا واحدا مين ذلك مجهول‪ .‬وعمدة مين أجازه أن الغرر اليسيير‬
‫يستخف في الكتابة‪ ،‬لنه بين السيد وعبده‪ ،‬والعبد وماله لسيده‪.‬‬
‫وأمييا مالك فحجتييه أنييه لميا كانييت الكتابية واحدة وجييب أن يكون‬
‫حكمهييم كحكييم الشخييص الواحييد‪ .‬وعمدة الشافعييية أن حمالة‬
‫بعضهم عن بعض ل فرق بينها وبين حمالة الجنبيين؛ فمن رأى أن‬
‫حمالة الجنييييبيين فييييي الكتابيييية ل تجوز قال‪ :‬ل تجوز فييييي هذا‬
‫الموضع‪ .‬وإنما منعوا حمالة الكتابة لنه إذا عجز المكاتب لم يكن‬
‫للحميل شيء يرجع عليه‪ ،‬وهذا كأنه ليس يظهر في حمالة العبيد‬
‫بعضهيم عين بعيض‪ ،‬وإنميا الذي يظهير فيي ذلك أن هذا الشرط هيو‬
‫سيبب لن يعجيز مين يقدر على السيعي بعجيز مين ل يقدر علييه‪،‬‬
‫فهييو غرر خاص بالكتابيية‪ ،‬إل أن يقال أيضييا إن الجمييع يكون سييببا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫لنيه يخرج حرا مين ل يقدر مين نفسيه أن يسيعى حتيى يخرج حرا‬
‫فهو كما يعود برق من يقدر على السعي‪ ،‬كذلك يعود بحرية من ل‬
‫يقدر على السعي‪.‬‬
‫وأميا أبيو حنيفية فشبههيا بحمالة الجنيبي ميع الجنيبي فيي الحقوق‬
‫التيي تجوز فيهيا الحمالة فألزمهيا بالشرط ولم يلزمهيا بغيير شرط‪،‬‬
‫وهو مع هذا أيضا ل يجير حمالة الكتابة‪ .‬وأما العبد بين الشريكين‬
‫فإن العلماء اختلفوا هيييل لحدهميييا أن يكاتيييب نصييييبه دون إذن‬
‫صاحبه‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬ليس له ذلك والكتابة مفسوخة‪ ،‬وما قبض‬
‫منهييا هييي بينهييم على قدر حصييصهم؛ وقالت طائفيية‪ :‬ل يجوز أن‬
‫يكاتب الرجل نصيبه من عبده دون نصيب شريكه؛ وفرقت فرقة‬
‫فقالت‪ :‬يجوز بإذن شريكييه ول يجوز بغييير إذن شريكييه‪ ،‬وبالقول‬
‫الول قال مالك‪ ،‬وبالثاني قال ابن أبي ليلى وأحمد‪ ،‬وبالثالث قال‬
‫أبيو حنيفيية والشافعييي فييي أحييد قولييه‪ ،‬وله قول آخيير مثييل قول‬
‫مالك‪ .‬وعمدة مالك أنيه لو جاز ذلك لدى إلى أن يعتيق العبيد كله‬
‫بالتقوييم على الذي كاتيب حظيه منيه‪ ،‬وذلك ل يجوز إل فيي تبعييض‬
‫العتيق؛ ومين رأى أن له أن يكاتبيه رأى أن علييه أن يتيم عتقيه إذا‬
‫أدى الكتابية إذا كان موسيرا‪ ،‬فاحتجاج مالك هنيا هيو احتجاج بأصيل‬
‫ل يوافقيه علييه الخصيم‪ ،‬لكين لييس يمنيع مين صيحة الصيل أن ل‬
‫يوافقيه علييه الخصيم‪ .‬وأميا اشتراط الذن فضعييف‪ ،‬وأبيو حنيفية‬
‫يرى فييي كيفييية أداء المال للمكاتييب إذا كانييت الكتابيية عيين إذن‬
‫شريكيه أن كيل ميا أدى للشرييك الذي كاتبيه يأخيذ منيه الشرييك‬
‫الثاني نصيبه‪ ،‬ويرجع بالباقي على العبد فيسعى له فيه حتى يتم‬
‫له ميا كان كاتبيه علييه‪ ،‬وهذا فييه بعيد عين الصيول‪ .‬وأميا هيل تجوز‬
‫مكاتبيية ميين ل يقدر على السييعي فل خلف فيمييا أعلم بينهييم أن‬
‫شرط المكاتيييب أن يكون قوييييا على السيييعي لقوله تعالى {إن‬
‫علمتيم فيهيم خيرا} وقيد اختلف العلماء ميا الخيير الذي اشترطيه‬
‫الله فيييي المكاتيييبين فيييي قوله {إن علمتيييم فيهيييم خيرا} فقال‬
‫الشافعي‪ :‬الكتساب والمانة؛ وقال بعضهم‪ :‬المال والمانة؛ وقال‬
‫آخرون‪ :‬الصييلح والدييين‪ .‬وأنكيير بعييض العلماء أن يكاتييب ميين ل‬
‫حرفية له مخافية السيؤال‪ ،‬وأجاز ذلك بعضهيم لحدييث بريرة "أنهيا‬
‫كوتبيت أن تسيأل الناس" وكره أن تكاتيب المية التيي ل اكتسياب‬
‫لهييا بصييناعة مخافيية أن يكون ذلك ذريعيية إلى الزنييا؛ وأجاز مالك‬
‫كتابية المدبرة وكيل مين فييه بقيية رق إل أم الولد إذ لييس له عنيد‬
‫مالك أن يستخدمها‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في المكاتب‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫@‪-‬وأمييا المكاتييب فاتفقوا على أن ميين شرطييه أن يكون مالكييا‬
‫صييحيح الملك غييير محجور عليييه صييحيح الجسييم‪ .‬واختلفوا هييل‬
‫للمكاتب أن يكاتب عنده أم ل؟ وسيأتي هذا فيما يجوز من أفعال‬
‫المكاتيب مميا ل يجوز؛ ولم يجيز مالك أن يكاتيب العبيد المأذون له‬
‫فييي التجارة‪ ،‬لن الكتابيية عتييق ول يجوز له أن يعتييق؛ وكذلك ل‬
‫يجوز كتابيية ميين أحاط الدييين بماله‪ ،‬إل أن يجيييز الغرماء ذلك إذا‬
‫كان فيي ثمين كتابتيه إن بيعيت (هكذا ببعيض النسيخ‪ ،‬وفيي بعضهيا‬
‫إسيقاط لفيظ‪ :‬إن بيعيت‪ .‬ا هيي مصيححه)‪ .‬مثيل ثمين رقبتيه‪ .‬وأميا‬
‫كتابية المرييض‪ ،‬فإنهيا عنده فيي الثلث توقيف حتيى يصيح فتجوز أو‬
‫يموت فتكون مين الثلث كالعتيق سيواء‪ ،‬وقيد قييل‪ :‬إن حابيى كان‬
‫ذلك وإن لم يحاب سيعى‪ ،‬فإن أدى وهيو فيي المرض عتيق‪ ،‬وتجوز‬
‫عنده كتابية النصيراني المسيلم‪ ،‬ويباع علييه كميا يباع علييه العبيد‬
‫المسلم عنده فهذه هي مشهورات المسائل التي تتعلق بالركان‪،‬‬
‫أعنيي المكاتيب والمكاتيب والكتابية‪ .‬وأميا الحكام فكثيرة‪ ،‬وكذلك‬
‫الشروط التييي تجوز فيهييا ميين التييي ل تجوز‪ .‬ويشبييه أن تكون‬
‫أجناس الحكام الولى فييي هذا العقييد هييو أن يقال متييى يعتييق‬
‫المكا تب ومتى يعجيز فيرق‪ ،‬وكييف حاله إن مات قبل أن يعتيق أو‬
‫يرق‪ ،‬ومين يدخيل معيه فيي حال الكتابية ممين ل يدخيل‪ ،‬وتميييز ميا‬
‫بقيي علييه مين حجير الرق مميا لم يبيق علييه‪ .‬فلنبدأ بذكير مسيائل‬
‫الحكام المشهورة التي في جنس من هذه الجناس الخمسة‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الول‪.‬‬
‫فأ ما متيى يخرج من الرق؟ فإنهم اتفقوا على أ نه يخرج من الرق‬
‫إذا أدى جميييع الكتابيية‪ ،‬واختلفوا إذا عجييز عيين البعييض وقييد أدى‬
‫البعيض‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬هيو عبيد ميا بقيي مين كتابتيه شييء‪ ،‬وإنيه‬
‫يرق إذا عجيز عين البعيض‪ .‬وروي عين السيلف المتقدم سيوى هذا‬
‫القول الذي علييه الجمهور أقوال أربعية‪ :‬أحدهيا أن المكاتيب يعتيق‬
‫بنفيس الكتابية‪ .‬والثانيي أنيه يعتيق منيه بقدر ميا أدى‪ .‬والثالث أنيه‬
‫يعتيق إن أدى النصيف فأكثير‪ .‬والرابيع إن أدى الثلث وإل فهيو عبيد‪.‬‬
‫وعمدة الجمهور ما خرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه‬
‫عين جده أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "أيميا عبيد كاتيب‬
‫على مائة أوقيية فأداهيا إل عشرة أواق فهيو عبيد‪ ،‬وأيميا عبيد كاتيب‬
‫على مائة دينار فأداهيا إل عشرة فهيو عبيد"‪ .‬وعمدة مين رأى أنيه‬
‫يعتق بنفس عقد الكتابة تشبيهه إياه بالبيع‪ ،‬فكأن المكاتب اشترى‬
‫نفسه من سيده‪ ،‬فإن عجز لم يكن له إل أن يتبعه بالمال‪ ،‬كما لو‬
‫أفلس مين اشتراه منيه إلى أجيل وقيد مات‪ .‬وعمدة مين رأى أنيه‬
‫يعتق منه بقدر ما أدى ما رواه يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عباس أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "يؤدي المكاتيب بقدر‬
‫مييا أدى دييية حيير وبقدر مييا رق منييه دييية عبييد" خرجييه النسييائي‪،‬‬
‫والخلف فيه من قبل عكرمة‪ ،‬كما أن الخلف في أحاديث عمرو‬
‫بين شعييب مين قبيل أنيه روى مين صيحيفة‪ ،‬وبهذا القول قال علي‪،‬‬
‫أعني بحديث ابن عباس‪ .‬وروي عن عمر بن الخطاب أنه إذا أدى‬
‫الشطيير عتييق‪ .‬وكان ابيين مسييعود يقول‪ :‬إذا أدى الثلث‪ .‬وأقوال‬
‫الصحابة وإن لم تكن حجة‪ ،‬فالظاهر أن التقدير إذا صدر منهم أنه‬
‫محمول على أن فيييي ذلك سييينة بلغتهيييم‪ .‬وفيييي المسيييألة قول‬
‫خامس‪ :‬إذا أدى الثلثة الرباع عتق‪ ،‬وبقي عديما في باقي المال‪.‬‬
‫وقيد قييل إن أدى القيمية فهيو غرييم‪ ،‬وهيو قول عائشية وابين عمير‬
‫وزيييد بيين ثابييت‪ .‬والشهيير عيين عميير وأم سييلمة هييو مثييل قول‬
‫الجمهور‪ ،‬وقول هؤلء هيو الذي اعتمده فقهاء المصيار‪ ،‬وذلك أنيه‬
‫صيحت الروايية فيي ذلك عنهيم صيحة ل شيك فيهيا‪ ،‬روى ذلك مالك‬
‫فيييي موطئه‪ .‬وأيضيييا فهيييو أحوط لموال السيييادات‪ ،‬ولن فيييي‬
‫المبيعات يرجع في عين المبيع له إذا أفلس المشتري‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الثاني‪.‬‬
‫وأميا متيى يرق‪ ،‬فإنهيم اتفقوا على أنيه إنميا يرق إذا عجيز إميا عين‬
‫البعيض وإميا عين الكيل بحسيب ميا قدمنيا اختلفهيم‪ .‬واختلفوا هيل‬
‫للعبيد أن يعجيز نفسيه إذا شاء مين غيير سيبب‪ ،‬أم لييس له ذلك إل‬
‫بسبب؟ فقال الشافعي‪ :‬الكتابة عقد لزم في حق العبد وهي في‬
‫حيق السييد غيير لزمية؛ وقال مالك وأبيو حنيفية‪ :‬الكتابية عقيد لزم‬
‫مين الطرفيين‪ :‬أي بيين العبيد والسييد‪ .‬وتحصييل مذهيب مالك فيي‬
‫ذلك أن العبد والسيد ل يخلو أن يتفقا على التعجييز أو يختل فا‪ ،‬ثم‬
‫إذا اختلفيا فإميا أن يرييد السييد التعجييز ويأباه العبيد‪ ،‬أو بالعكيس‪،‬‬
‫أعنيي أن يرييد بيه السييد البقاء على الكتابية‪ ،‬ويرييد العبيد التعجييز‪.‬‬
‫فأما إذا اتفقا على التعجيز فل يخلو المر من قسمين‪ :‬أحدهما أن‬
‫يكون دخييل فييي الكتابيية ولد أو ل يكون‪ ،‬فإن كان دخييل ولد فييي‬
‫الكتابيية فل خلف عنده أنييه ل يجوز التعجيييز‪ .‬وإن لم يكيين له ولد‬
‫ففيي ذلك روايتان‪ :‬إحداهميا أنيه ل يجوز إذا كان له مال‪ ،‬وبيه قال‬
‫أبو حنيفة؛ والخرى أنه يجوز له ذلك‪ .‬فأما إن طلب العبد التعجيز‬
‫وأبيى السييد لم يكين ذلك للعبيد إن كان معيه مال أو كانيت له قوة‬
‫على السييعي‪ .‬وأمييا إن أراد السيييد التعجيييز وأباه العبييد‪ ،‬فإنييه ل‬
‫يعجزه عنده إل بحكم حاكم‪ ،‬وذلك بعد أن يثبت السيد عند الحاكم‬
‫أنه ل مال له ول قدرة على الداء‪.‬‬
‫ونرجيع إلى عمدة أدلتهيم فيي أصيل الخلف فيي المسيألة‪ ،‬فعمدة‬
‫الشافعييي مييا روي أن بريرة جاءت إلى عائشيية تقول لهييا‪" :‬إنييي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أريد أن تشتريني تعتقيني فقالت لها‪ :‬إن أراد أهلك‪ ،‬فجاءت أهلها‬
‫فباعوهيا وهيي مكاتبية" خرجيه البخاري‪ .‬وعمدة المالكيية تشيبيههم‬
‫الكتابة بالعقود اللزمة‪ ،‬ولن حكم العبد في هذا المعنى يجب أن‬
‫يكون كحكييم السيييد وذلك أن العقود ميين شأنهييا أن يكون اللزوم‬
‫فيهييا أو الخيار مسييتويا فييي الطرفييين‪ ،‬وأمييا أن يكون لزمييا ميين‬
‫طرف وغيير لزم مين الطرف الثانيي فخارج عين الصيول‪ ،‬وعللوا‬
‫حدييث بريرة بأن الذي باع أهلهيا كانيت كتابتهيا ل رقبتهيا‪ .‬والحنفيية‬
‫تقول‪ :‬لمييا كان المغلب فييي الكتابيية حييق العبييد‪ ،‬وجييب أن يكون‬
‫العقد لزما في حق الخر المغلب عليه وهو السيد أصله النكاح‪،‬‬
‫لنيه غيير لزم فيي حيق الزوج لمكان الطلق الذي بيده وهيو لزم‬
‫فيي حيق الزوجية‪ ،‬والمالكيية تعترض هذا بأن تقول إنيه عقيد لزم‬
‫فيما وقع به العوض‪ ،‬إذ كان ليس له أن يسترجع الصداق‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الثالث‪.‬‬
‫وأمييا حكمييه إذا مات قبييل أن يؤدي الكتابيية‪ ،‬فاتفقوا على أنييه إذا‬
‫مات دون ولد قبييل أن يؤدي مين الكتابيية شيئا أنييه يرق‪ .‬واختلفوا‬
‫إذا مات عيين ولد فقال مالك‪ :‬حكييم ولده كحكمييه‪ ،‬فإن ترك مال‬
‫فييه وفاء للكتابية أدوه وعتقوا‪ ،‬وإن لم يترك مال وكانيت لهيم قوة‬
‫على السعي بقوا على نجوم أبيهم حتى يعجزوا أو يعتقوا‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن عندهم ل مال ول قدرة على السعي رقوا‪ ،‬وأنه إن فضل عن‬
‫الكتابة شيء من ماله ورثوه على حكم ميراث الحرار‪ ،‬وأنه ليس‬
‫يرثيه إل ولده الذيين هيم فيي الكتابية معيه دون سيواهم مين وارثييه‬
‫إن كان له وارث غييير الولد الذي معييه فييي الكتابيية‪ .‬وقال أبييو‬
‫حنيفية‪ :‬إنيه يرثيه بعيد أداء كتابتيه مين المال الذي ترك جمييع أولده‬
‫الذييين كاتييب عليهييم أو ولدوا فييي الكتابيية وأولده الحرار وسييائر‬
‫ورثته‪ .‬وقال الشافعي‪ :‬ل يرثه بنوه الحرار ول الذين كاتب عليهم‬
‫أو ولدوا فييي الكتابيية‪ ،‬وماله لسيييده وعلى أولده الذييين كاتييب‬
‫عليهيم أن يسيعوا مين الكتابية فيي مقدار حظوظهيم منهيا‪ ،‬وتسيقط‬
‫حصيية الب عنهييم‪ ،‬وبسييقوط حصيية الب عنهييم قال أبييو حنيفيية‬
‫وسييائر الكوفيييين‪ .‬والذييين قالوا بسييقوطها قال بعضهييم‪ :‬تعتييبر‬
‫القيميية‪ ،‬وهييو قول الشافعييي؛ وقيييل بالثميين؛ وقيييل حصييته على‬
‫مقدار الرءوس‪ .‬وإنميا قال هؤلء بسيقوط حصية الب عين البناء‬
‫الذين كاتب عليهم ل الذين ولدوا في الكتابة‪ ،‬لن من ولد له أولد‬
‫فييي الكتابيية فهييم تبييع لبيهييم‪ .‬وعمدة مالك أن المكاتييبين كتابيية‬
‫واحدة بعضهم حملء عن بعض‪ ،‬ولذلك من عتق منهم أو مات لم‬
‫تسيقط حصييته عين الباقيي‪ .‬وعمدة الفريييق الثانيي أن الكتابية ل‬
‫تضمين‪ .‬وروى مالك عين عبيد الملك بين مروان فيي موطئه مثيل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫قول الكوفييين‪ .‬وسيبب اختلفهيم ماذا يموت علييه المكاتيب؟ فعنيد‬
‫مالك أنييه يموت مكاتبييا؛ وعنييد أبييي حنيفيية أنييه يموت حرا؛ وعنييد‬
‫الشافعييي أنييه يموت عبدا‪ .‬وعلى هذه الصييول بنوا الحكييم فيييه‪.‬‬
‫فعمدة الشافعييية أن العبودييية والحرييية ليييس بينهمييا وسييط‪ ،‬وإذا‬
‫مات المكاتيب فلييس حرا بعيد‪ ،‬لن حريتيه إنميا تجيب بأداء كتابتيه‬
‫وهيو لم يؤدهيا بعيد‪ ،‬فقيد بقيي أنيه مات عبدا لنيه ل يصيح أن يعتيق‬
‫المييت‪ .‬وعمدة الحنفيية أن العتيق قيد وقيع بموتيه ميع وجود المال‬
‫الذي كاتيب علييه‪ ،‬لنيه لييس له أن يرق نفسيه‪ ،‬والحريية يجيب أن‬
‫تكون حاصييلة له بوجود المال ل بدفعييه إلى السيييد‪ .‬وأمييا مالك‬
‫فجعييل موتييه على حالة متوسييطة بييين العبودييية والحرييية وهييي‬
‫الكتابيية‪ ،‬فميين حيييث لم يورث أولده الحرار منييه جعييل له حكييم‬
‫العبييد‪ ،‬ومين حييث لم يورث سييده ماله حكيم له بحكيم الحرار‪،‬‬
‫والمسألة في حد الجتهاد‪ .‬ومما يتعلق بهذا الجنس اختلفهم في‬
‫أم ولد المكاتيييب إذا مات المكاتيييب وترك بنيييين ل يقدرون على‬
‫السعي وأرادت الم أن تسعى عليهم‪ ،‬فقال مالك‪ :‬لها ذلك؛ وقال‬
‫الشافعييي والكوفيون‪ :‬ليييس لهييا ذلك‪ .‬وعمدتهييم أن أم الولد إذا‬
‫مات المكاتييب مال ميين مال السيييد؛ وأمييا مالك فيرى أن حرميية‬
‫الكتابيية التييي لسيييدها صييائرة إليهييا وإلى بنيهييا‪ .‬ولم يختلف قول‬
‫مالك أن المكاتييب إذا ترك بنييين صييغارا ل يسييتطيعون السييعي‪،‬‬
‫وترك أم ولد ل تسيييتطيع السيييعي أنهيييا تباع ويؤدي منهيييا باقيييي‬
‫الكتابية‪ .‬وعنيد أبيي يوسيف ومحميد بين الحسين أنيه ل يجوز بييع‬
‫المكاتييب لم ولده‪ ،‬ويجوز عنييد أبييي حنيفيية والشافعييي‪ .‬واختلف‬
‫أصيحاب مالك فيي أم ولد المكاتيب إذا مات المكاتيب وترك بنيين‬
‫ووفاه كتابته‪ ،‬هل تعتق أم ولده أم ل؟ فقال ابن القاسم‪ :‬إذا كان‬
‫معهييا ولد عتقييت وإل رقييت؛ وقال أشهييب‪ :‬تعتييق على كييل حال؛‬
‫وعلى أصل الشافعي كل ما ترك المكاتب مال من مال سيده ل‬
‫ينتفيع بيه البنون فيي أداء ميا علييه مين كتابتيه كانوا معيه فيي عقيد‬
‫الكتابية‪ ،‬أو كانوا ولدوا فيي الكتابية‪ ،‬وإنميا عليهيم السيعي؛ وعلى‬
‫أصييل أبييي حنيفيية يكون حرا ولبييد؛ ومذهييب ابيين القاسييم كأنييه‬
‫استحسان‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الرابع‪.‬‬
‫وهيو النظير فيمين يدخيل معيه فيي عقيد الكتابية ومين ل يدخيل‪.‬‬
‫واتفقوا ميين هذا الباب على أن ولد المكاتييب ل يدخييل فييي كتابيية‬
‫المكاتييب إل بالشرط‪ ،‬لنييه عبييد آخيير لسيييده‪ .‬وكذلك اتفقوا على‬
‫دخول ميا ولد له فيي الكتابية فيهيا‪ .‬واختلفوا فيي أم الولد على ميا‬
‫تقدم‪ .‬وكذلك اختلفوا فييي دخول ماله أيضييا بمطلق العقييد‪ ،‬فقال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مالك‪ :‬يدخييل ماله فييي الكتابيية؛ وقال الشافعييي وأبييو حنيفيية‪ :‬ل‬
‫يدخيييل؛ وقال الوزاعيييي‪ :‬يدخيييل بالشرط‪ ،‬أعنيييي إذا اشترطيييه‬
‫المكاتيب‪ ،‬وهذه المسيألة مبنيية على‪ :‬هيل يملك العبيد أم ل يملك‪،‬‬
‫وعلى هل يتبعه ماله في العتق أم ل؟ وقد تقدم ذلك‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الخامس‪.‬‬
‫وهيو النظير فيميا يحجير فييه على المكاتيب مميا ل يحجير‪ ،‬وميا بقيي‬
‫من أحكام العبد فيه‪.‬‬
‫فنقول ‪ :‬إنييه قييد أجمييع العلماء ميين هذا الباب على أنييه ليييس‬
‫للمكاتيب أن يهيب مين ماله شيئا له قدر ول يعتيق ول يتصيدق بغيير‬
‫إذن سيده‪ ،‬فإنه محجور عليه في هذه المور وأشباهها‪ ،‬أعني أنه‬
‫لييس له أن يخرج مين يده شيئا مين غيير عوض‪ .‬واختلفوا مين هذا‬
‫الباب في فروع منها أنه إذا لم يعلم السيد بهبته أو بعتقه إل بعد‬
‫أداء كتابتيه‪ ،‬فقال مالك وجماعية مين العلماء إن ذلك نافيذ ومنعيه‬
‫بعضهيم‪ .‬وعمدة مين منعيه أن ذلك وقيع فيي حالة ل يجوز وقوعيه‬
‫فيهيا فكان فاسيدا‪ .‬وعمدة مين أجازه أن السيبب المانيع مين ذلك‬
‫قيد ارتفيع وهيو مخافية أن يعجيز العبيد‪ .‬وسيبب اختلفهيم هيل إذن‬
‫السيد من شرط لزوم العقد أو من شرط صحته؟ ف من قال من‬
‫شرط الصحة لم يجزه وإن عتق؛ ومن قال من شرط لزومه قال‬
‫يجوز إذا عتيق لنيه وقيع عقدا صيحيحا‪ ،‬فلميا ارتفيع الذن المرتقيب‬
‫فييه صيح العقيد كميا لو أذن هذا كله عنيد مين أجاز عتقيه إذا أذن‬
‫السييد‪ ،‬فإن الناس اختلفوا أيضيا فيي ذلك بعيد اتفاقهيم على أنيه ل‬
‫يجوز عتقييه إذا لم يأذن السيييد‪ ،‬فقال قوم‪ :‬ذلك جائز؛ وقال قوم‪:‬‬
‫ل يجوز‪ ،‬وبيه قال أبيو حنيفية‪ ،‬وبالجواز قال مالك؛ وعين الشافعيي‬
‫فيييي ذلك القولن جميعييا‪ .‬والذييين أجازوا ذلك اختلفوا فييي ولء‬
‫المعتيق لمين يكون‪ ،‬فقال مالك‪ :‬إن مات المكاتيب قبيل أن يعتيق‬
‫كان ولء عبده لسييده‪ ،‬وإن مات وقيد عتيق المكاتيب كان له ولؤه‬
‫له؛ وقال قوم مين هؤلء‪ :‬بيل ولؤه على كيل حال لسييده‪ .‬وعمدة‬
‫مين لم يجيز عتيق المكاتيب أن الولء يكون للمعتيق‪ ،‬لقوله علييه‬
‫الصيلة والسيلم "إنميا الولء لمين أعتيق" ول ولء للمكاتيب فيي‬
‫حيين كتابتيه فلم يصيح عتقيه‪ .‬وعمدة مين رأى أن الولء للسييد أن‬
‫عبد عبده بمنزلة عبده؛ ومن فرق بين ذلك فهو استحسان‪ .‬ومن‬
‫هذا الباب اختلفهم في هل للمكاتب أن ينكح أو يسافر بغير إذن‬
‫سييده؟ فقال جمهورهيم‪ :‬لييس له أن ينكيح إل بإذن سييده؛ وأباح‬
‫بعضهم النكاح له‪ .‬وأما السفر فأباحه له جمهورهم ومنعه بعضهم‪،‬‬
‫وبه قال مالك وأباحه سحنون من أصحاب مالك‪ ،‬ولم يجز للسيد‬
‫أن يشترطييه على المكاتييب‪ ،‬وأجازه ابيين القاسييم فييي السييفر‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫القريب‪ .‬والعلة في منع النكاح أنه يخاف أن يكون ذلك ذريعة إلى‬
‫عجزه‪ .‬والعلة فييي جواز السييفر أن بييه يقوى على التكسييب فييي‬
‫أداء كتابتييه‪ .‬وبالجملة فللعلماء فييي هذه المسييألة ثلثيية أقوال‪:‬‬
‫أحدها أن للمكاتب أن يسافر بإذن سيده وبغير إذنه‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫يشترط عليه أن ل يسافر‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة والشافعي‪ .‬والقول‬
‫الثانييي إنييه ليييس له أن يسييافر إل بإذن سيييده‪ ،‬وبييه قال مالك‪.‬‬
‫والثالث أن بمطلق عقيد الكتابية له أن يسيافر إل أن يشترط علييه‬
‫سييده أن ل يسيافر‪ ،‬وبيه قال أحميد والثوري وغيرهميا‪ .‬ومين هذا‬
‫الباب اختلفهيم فيي هيل للمكاتيب أن يكاتيب عبدا له؟ فأجاز ذلك‬
‫مالك ميييا لم يرد بيييه المحاباة‪ ،‬وبيييه قال أبيييو حنيفييية والثوري‪.‬‬
‫وللشافعيي قولن‪ :‬أحدهميا إثبات الكتابية‪ ،‬والخير إبطالهيا‪ .‬وعمدة‬
‫الجماعة أنها عقد معاوضة المقصود منه طلب الربح فأشبه سائر‬
‫العقود المباحيية ميين البيييع والشراء‪ .‬وعمدة الشافعييية أن الولء‬
‫لمين أعتيق ول ولء للمكاتيب‪ ،‬لنيه لييس بحير‪ .‬واتفقوا على أنيه ل‬
‫يجوز للسييييد انتزاع شييييء مييين ماله ول النتفاع منيييه بشييييء‪.‬‬
‫واختلفوا فيي وطيء السييد أمتيه المكاتبية‪ ،‬فصيار الجمهور إلى منيع‬
‫ذلك؛ وقال أحمد وداود وسعيد بن المسيب من التابعين ذلك جائز‬
‫إذا اشترطه عليها‪ .‬وعمدة الجمهور أنه وطء تقع الفرقة فيه إلى‬
‫أجيل آت فأشبيه النكاح إلى أجيل‪ .‬وعمدة الفرييق الثانيي تشبيههيا‬
‫بالمدبرة‪ .‬وأجمعوا على أنهيييا إن عجزت حيييل وطؤهيييا‪ .‬واختلف‬
‫الذيين منعوا ذلك إذا وطئهيا هيل علييه حيد أم ل؟ فقال جمهورهيم‪:‬‬
‫ل حيد علييه لنيه وطيء بشبهية؛ وقال بعضهيم‪ :‬علييه الحيد‪ .‬واختلفوا‬
‫فيي إيجاب الصيداق لهيا‪ ،‬والعلماء فيميا أعلم على أنيه فيي أحكاميه‬
‫الشرعية على حكم العبد مثل الطلق والشهادة والحد وغير ذلك‬
‫مميا يختيص بيه العبييد‪ .‬ومين هذا الباب اختلفهيم فيي بيعيه؛ فقال‬
‫الجمهور‪ :‬ل يباع المكاتييب إل بشرط أن يبقييى على كتابتييه عنييد‬
‫مشترييه؛ وقال بعضهيم‪ :‬بيعيه جائز ميا لم يؤد شيئا مين كتابتيه‪ ،‬لن‬
‫بريرة بيعييت ولم تكيين أدت ميين كتابتهييا شيئا؛ وقال بعضهييم‪ :‬إذا‬
‫رضيي المكاتيب بالبييع جاز‪ ،‬وهيو قول الشافعيي‪ ،‬لن الكتابية عنده‬
‫ليسيت بعقيد لزم فيي حيق العبيد‪ ،‬واحتيج بحدييث بريرة إذ بيعيت‬
‫وهيي مكاتبية‪ .‬وعمدة مين لم يجيز بييع المكاتيب ميا فيي ذلك مين‬
‫نقيض العهيد‪ ،‬وقيد أمير الله تعالى بالوفاء بيه‪ ،‬وهذه المسيألة مبنيية‬
‫على هيل الكتابية عقيد لزم أم ل؟ وكذلك اختلفوا فيي بييع الكتابية‪،‬‬
‫فقال الشافعييي وأبييو حنيفيية‪ :‬ل يجوز ذلك‪ ،‬وأجازهييا مالك ورأى‬
‫الشفعة فيها للمكاتب‪ ،‬ومن أجاز ذلك شبه بيعها ببيع الدين‪ ،‬ومن‬
‫لم يجيز ذلك رآه مين باب الغرر؛ وكذلك شبيه مالك الشفعية فيهيا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫بالشفعية فيي الديين‪ ،‬وفيي ذلك أثير عين النيبي صيلى الله علييه‬
‫وسلم‪ ،‬أعني في الشفعة في الدين؛ ومذهب مالك في بيع الكتابة‬
‫أنهيا إن كانيت بذهيب أنهيا تجوز بعرض معجيل ل مؤجيل لميا يدخيل‬
‫في ذلك من الدين بالدين‪ .‬وإن كانت الكتابة بعرض كان شراؤها‬
‫بذهيييب أو فضييية معجليييين أو بعرض مخالف‪ ،‬وإذا أعتيييق فولؤه‬
‫للمكاتييب ل للمشتري‪ .‬وميين هذا الباب اختلفهييم هييل للسيييد أن‬
‫يجبر العبد على الكتابة أم ل؟‪.‬‬
‫وأميا شروط الكتابية فمنهيا شرعيية هيي مين شروط صيحة العقيد‪،‬‬
‫وقييد تقدمييت عنييد ذكيير أركان الكتابيية‪ .‬ومنهييا شروط بحسييب‬
‫التراضييي‪ ،‬وهذه الشروط منهييا مييا يفسييد العقييد‪ ،‬ومنهييا مييا إذا‬
‫تمسيك بيه أفسيدت العقيد وإذا تركيت صيح العقيد‪ ،‬ومنهيا شروط‬
‫جائزة غيير لزمية‪ ،‬ومنهيا شروط لزمية‪ ،‬وهذه كلهيا هيي مبسيوطة‬
‫فيي كتيب الفروع‪ ،‬ولييس كتابنيا هذا كتاب فروع‪ ،‬وإنميا هيو كتاب‬
‫أصيول‪ .‬والشروط التيي تفسيد العقيد بالجملة هيي الشروط التيي‬
‫هي ضد شروط الصحة المشروعة في العقد‪ .‬والشروط الجائزة‬
‫هيييي التيييي ل تؤدي إلى إخلل بالشروط المصيييححة للعقيييد ول‬
‫تلزمهييا‪ ،‬فهذه الجملة ليييس يختلف الفقهاء فيهييا‪ ،‬وإنمييا يختلفون‬
‫في الشروط لختلفهم فيما هو منها شرط من شروط الصحة أو‬
‫ليس منها‪ ،‬وهذا يختلف بحسب القرب والبعد من إخللها بشروط‬
‫الصييحة‪ ،‬ولذلك جعييل مالكييا جنسييا ثالثييا ميين الشروط‪ ،‬وهييي‬
‫الشروط التييي إن تمسييك بهييا المشترط فسييد العقييد‪ ،‬وإن لم‬
‫يتمسك بها جاز‪ ،‬وهذا ينبغي أن تفهمه في سائر العقود الشرعية‪.‬‬
‫فمين مسيائلهم المشهورة فيي هذا الباب إذا اشترط فيي الكتابية‬
‫شرطيا مين خدمية أو سيفر أو نحوه وقوي على أداء نجوميه قبيل‬
‫محييل أجييل الكتابيية هييل يعتييق أم ل؟ فقال مالك وجماعيية‪ :‬ذلك‬
‫الشرط باطل‪ ،‬ويعتق إذا أدى جميع المال؛ وقالت طائفة‪ :‬ل يعتق‬
‫حتى يؤدي جميع المال‪ ،‬ويأتي بذلك الشرط وهو مروي عن عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه أنه أعتق رقيق المارة وشرط عليهم‬
‫أن يخدموا الخليفيية بعييد ثلث سيينين‪ .‬ولم يختلفوا أن العبييد إذا‬
‫أعتقه سيده على أن يخدمه سنين أنه ل يتم عتقه إل بخدمة تلك‬
‫السييينين‪ ،‬ولذلك القياس قول مييين قال‪ :‬إن الشرط لزم‪ .‬فهذه‬
‫المسائل الواقعة المشهورة في أصول هذا الكتاب‪.‬‬
‫وههنيا مسيائل تذكير فيي هذا الكتاب وهيي مين كتيب أخرى‪ ،‬وذلك‬
‫أنهيييا إذا ذكرت فيييي هذا الكتاب ذكرت على أنهيييا فروع تابعييية‬
‫للصول فيه‪ ،‬وإذا ذكرت في غيره ذكرت على أنها أصول‪ ،‬ولذلك‬
‫كان الولى ذكرهييا فييي هذا الكتاب‪ .‬فميين ذلك اختلفهييم إذا زوج‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫السييد بنتيه مين مكاتبيه‪ ،‬ثيم مات السييد وورثتيه البنيت‪ ،‬فقال مالك‬
‫والشافعييي‪ :‬ينفسييخ النكاح لنهييا ملكييت جزءا منييه‪ ،‬وملك يمييين‬
‫المرأة محرم عليهييا بإجماع؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬يصييح النكاح‪ ،‬لن‬
‫الذي ورثت إنما هو مال في ذمة المكاتب ل رقبة المكاتب‪ ،‬وهذه‬
‫المسييألة هييي أحييق بكتاب النكاح‪ .‬وميين هذا الباب اختلفهييم إذا‬
‫مات المكاتب وعليه دين وبعض الكتابة هل يحاص سيده الغرماء‬
‫أم ل؟ فقال الجمهور‪ :‬ل يحاص الغرماء؛ وقال شريييح وابيين أبييي‬
‫ليلى وجماعييية‪ :‬يضرب السييييد ميييع الغرماء‪ .‬وكذلك اختلفوا إذا‬
‫أفلس وعليييه دييين يغترق مييا بيده‪ ،‬هييل يتعدى ذلك إلى رقبتييه؟‬
‫فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة‪ :‬ل سبيل لهم إلى رقبته؛ وقال‬
‫الثوري وأحميد‪ :‬يأخذونيه إل أن يفتكيه السييد‪ .‬واتفقوا على أنيه إذا‬
‫عجيز عين عقيل الجنايات أنيه يسيلم فيهيا إل أن يعقيل عنيه سييده‪،‬‬
‫والقول فيي هيل يحاص سييده الغرماء أو ل يحاص هيو مين كتاب‬
‫التفلييس‪ ،‬والقول فيي جنايتيه هيو مين باب الجنايات‪ .‬ومين مسيائل‬
‫القضيية التيي هيي فروع فيي هذا الباب وأصيل فيي باب القضيية‬
‫اختلفهييم فييي الحكييم عنييد اختلف السيييد والمكاتييب فييي مال‬
‫الكتابييية؛ فقال مالك وأبيييو حنيفييية‪ :‬القول قول المكاتيييب؛ وقال‬
‫الشافعيي ومحميد وأبيو يوسيف يتحالفان ويتفاسيخان قياسيا على‬
‫المتبايعييين‪ ،‬وفروع هذا الباب كثيرة‪ ،‬لكيين الذي حضيير منهييا الن‬
‫فيي الذكير هيو ميا ذكرناه‪ ،‬ومين وقعيت له مين هذا الباب مسيائل‬
‫مشهورة الخلف بيين فقهاء المصيار وهيي قريبية مين المسيموع‪،‬‬
‫فينبغيي أن تثبيت فيي هذا الموضيع إذ كان القصيد إنميا هيو إثبات‬
‫المسائل المشهورة التي وقع الخلف فيها بين فقهاء المصار مع‬
‫المسييائل المنطوق بهيييا فيييي الشرع وذلك أن قصيييدنا فيييي هذا‬
‫الكتاب كما قلنا غير مرة‪ :‬إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها‬
‫فيي الشرع المتفيق عليهيا والمختلف فيهيا‪ ،‬ونذكير مين المسيائل‬
‫المسيكوت عنهيا التيي شهير الخلف فيهيا بيين فقهاء المصيار‪ ،‬فإن‬
‫معرفية هذيين الصينفين مين المسيائل هيي التيي تجري للمجتهيد‬
‫مجرى الصيول فيي المسيكوت عنهيا وفيي النوازل التيي لم يشتهير‬
‫الخلف فيها بين فقهاء المصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد‬
‫منهيم أو لم ينقيل‪ ،‬ويشبيه أن يكون مين تدرب فيي هذه المسيائل‬
‫وفهم أصول السباب التي أوجبت خلف الفقهاء فيها أن يقول ما‬
‫يجييب فييي نازلة نازلة ميين النوازل‪ ،‬أعنييي أن يكون الجواب فيهييا‬
‫على مذهيب فقييه فقييه مين فقهاء المصيار‪ ،‬أعنيي فيي المسيألة‬
‫الواحدة بعينهييا‪ ،‬ويعلم حيييث خالف ذلك الفقيييه أصييله وحيييث لم‬
‫يخالف‪ ،‬وذلك إذا نقيل عنيه فيي ذلك فتوى‪ .‬فأميا إذا لم ينقيل عنيه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫في ذلك فتوى أو لم يبلغ ذلك الناظر في هذه الصول فيمكنه أن‬
‫يأتييي بالجواب بحسييب أصييول الفقيييه الذي يفتييي على مذهبييه‪،‬‬
‫وبحسيب الحيق الذي يؤدييه إلييه اجتهاده‪ ،‬ونحين نروم إن شاء الله‬
‫بعيد فراغنيا مين هذا الكتاب أن نضيع فيي مذهيب مالك كتابيا جامعيا‬
‫لصيول مذهبيه ومسيائله المشهورة التيي تجري فيي مذهبيه مجرى‬
‫الصييول للتفريييع عليهييا‪ ،‬وهذا هييو الذي عمله ابيين القاسييم فييي‬
‫المدونيية‪ ،‬فإنييه جاوب فيمييا لم يكيين عنده فيهييا قول مالك على‬
‫قياس ميا كان عنده فيي ذلك الجنيس مين مسيائل مالك التيي هيي‬
‫فيهييا جارييية مجرى الصييول لمييا جبييل عليييه الناس ميين التباع‬
‫والتقليد في الحكام والفتوى‪ ،‬بيد أن في قوة هذا الكتاب أن يبلغ‬
‫به النسان كما قلنا رتبة الجتهاد إذا تقدم‪ ،‬فعلم من اللغة العربية‬
‫وعلم مين أصيول الفقيه ميا يكفييه فيي ذلك‪ ،‬ولذلك رأينيا أن أخيص‬
‫السماء بهذا الكتاب أن نسميه كتاب‪:‬‬
‫[بداية المجتهد وكفاية المقتصد]‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب التدبير‬
‫@‪-‬والنظر في التدبير‪ :‬في أركانه‪ ،‬وفي أحكامه‪ .‬أما الركان فهي‬
‫أربعة‪ :‬المعنى‪ ،‬واللفظ‪ ،‬والمدبِر‪ ،‬والمدبَر‪ .‬وأما الحكام فصنفان‪:‬‬
‫أحكام العقد‪ ،‬وأحكام المدبر‪.‬‬
‫@‪(-‬الركيين الول) فنقول‪ :‬أجمييع المسييلمون على جواز التدبييير‪،‬‬
‫وهييو أن يقول السيييد لعبده‪ :‬أنييت حيير عيين دبر منييي‪ ،‬أو يطلق‬
‫فيقول‪ :‬أنيييت مدبر‪ ،‬وهذان هميييا عندهيييم لفظيييا التدبيييير باتفاق‪.‬‬
‫والناس فييي التدبييير والوصييية على صيينفين‪ :‬منهييم ميين لم يفرق‬
‫بينهميا‪ ،‬ومنهيم مين فرق بيين التدبيير والوصيية بأن جعيل التدبيير‬
‫لزما والوصية غير لزمة‪ .‬والذين فرقوا بينهما اختلفوا في مطلق‬
‫لفييظ الحرييية بعييد الموت هييل يتضميين معنييى الوصييية؟ أو حكييم‬
‫التدبيير؟ أعنيي إذا قال‪ :‬أنيت حير بعيد موتيي‪ ،‬فقال مالك‪ :‬إذا قال‬
‫وهو صحيح‪ :‬أنت حر بعد موتي فالظاهر أنه وصية‪ ،‬والقول قوله‬
‫في ذلك؛ ويجوز رجوعه فيها إل أن يريد التدبير‪ .‬وقال أبو حنيفة‪:‬‬
‫الظاهيير ميين هذا القول التدبييير وليييس له أن يرجييع فيييه‪ ،‬وبقول‬
‫مالك قال ابين القاسيم‪ ،‬وبقول أبيي حنيفة قال أشهب قال‪ :‬إل أن‬
‫يكون هنالك قرينية تدل على الوصيية‪ ،‬مثيل أن يكون على سيفر أو‬
‫يكون مريضييا‪ ،‬ومييا أشبييه ذلك ميين الحوال التييي جرت العادة أن‬
‫يكتيب الناس فيهيا وصياياهم‪ ،‬فعلى قول مين ل يفرق بيين الوصيية‬
‫والتدبيير‪ ،‬وهيو قول الشافعيي ومين قال بقوله هذا اللفيظ هيو مين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ألفاظ صيريح التدبيير‪ .‬وأميا على مذهيب مين يفرق فهيو إميا مين‬
‫كنايات التدبير‪ ،‬وإما ليس من كناياته ول من صريحه‪ ،‬وذلك أن ما‬
‫يحمله على الوصيية فلييس هيو عنده مين كناياتيه ول مين صيريحه‪،‬‬
‫ومن يحمله على التدبير وينويه في الوصية فهو عنده من كناياته‪.‬‬
‫وأميا المدبر فإنهيم اتفقوا على أن الذي يقبيل هذا العقيد هيو كيل‬
‫عبييد صييحيح العبودييية ليييس يعتييق على سيييده سييواء ملك كله أو‬
‫بعضييه‪ .‬واختلفوا فييي حكييم ميين ملك بعضييا فدبره‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫يجوز ذلك‪ ،‬وللذي لم يدبر حظييييه خياران‪ :‬أحدهمييييا أن يتقاوماه‪،‬‬
‫فإن اشتراه الذي دبره كان مدبرا كله‪ ،‬وإن لم يشتره انتقيييييييض‬
‫التدبيير والخيار الثانيي أن يقوميه علييه الشرييك؛ وقال أبيو حنيفية‪:‬‬
‫للشريييك الذي لم يدبر ثلث خيارات‪ :‬إن شاء اسييتمسك بحصييته‪،‬‬
‫وإن شاء اسيتسعى العبيد فيي قيمية الحصية التيي له فييه وإن شاء‬
‫قومهيا على شريكيه إن كان موسيرا‪ ،‬وإن كان معسيرا اسيتسعى‬
‫العبيد؛ وقال الشافعيي‪ :‬يجوز التدبيير ول يلزم شييء مين هذا كله‪،‬‬
‫ويبقييى العبييد المدبر نصييفه أو ثلثييه على مييا هييو عليييه‪ ،‬فإذا مات‬
‫مدبره عتييق منييه ذلك الجزء ولم يقوم الجزء الباقييي منييه على‬
‫السييد على ميا يفعيل فيي سينة العتيق‪ ،‬لن المال قيد صيار لغيره‬
‫وهم الورثة‪ ،‬وهذه المسألة هي من الحكام ل من الركان‪ ،‬أعني‬
‫أحكام المدبر فلتثبييت فييي الحكام‪ .‬وأمييا المدبر فاتفقوا على أن‬
‫مين شروطيه أن يكون مالكيا تام الملك غيير محجور علييه سيواء‬
‫كان صيحيحا أو مريضيا‪ ،‬وإن مين شرطيه أن ل يكون ممين أحاط‬
‫الديين بماله‪ ،‬لنهيم اتفقوا على أن الديين يبطيل التدبيير‪ .‬واختلفوا‬
‫فييي تدبييير السييفيه‪ .‬فهذه هييي أركان هذا الباب‪ .‬وأمييا أحكامييه‬
‫فأصولها راجعة إلى أجناس خمسة‪ :‬أحدها‪ :‬مما يخرج المدبر‪ ،‬هل‬
‫من رأس المال أو الثلث؟‪ .‬والثاني‪ :‬ما يبقى فيه من أحكام الرق‬
‫مميا لييس يبقيى فييه‪ ،‬أعنيي ميا دام مدبرا‪ .‬والثالث‪ :‬ميا يتبعيه فيي‬
‫الحريية مميا لييس يتبعيه‪ .‬والرابيع‪ :‬مبطلت التدبيير الطارئة علييه‪.‬‬
‫والخامس‪ :‬في أحكام تبعيض التدبير‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الول‪.‬‬
‫فأميا مماذا يخرج المدبر إذا مات المدبر‪ ،‬فإن العلماء اختلفوا فيي‬
‫ذلك؟ فذهب الجمهور إلى أنه يخرج من الثلث؛ وقالت طائفة‪ :‬هو‬
‫مين رأس المال معظمهيم أهيل الظاهير؛ فمين رأى أنيه مين الثلث‬
‫شبهيه بالوصيية‪ ،‬لنيه حكيم يقيع بعيد الموت‪ .‬وقيد روي حدييث عين‬
‫النيبي صيلى الله علييه وسيلم أنيه قال "المدبر مين الثلث" إل أنيه‬
‫أثير ضعييف عنيد أهيل الحدييث‪ ،‬لنيه رواه علي بين طيبان عين نافيع‬
‫عن عبد الله بن عمر‪ ،‬وعلي بن طيبان متروك الحديث عند أهل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الحديث‪ .‬ومن رآه من رأس المال شبهه بالشيء يخرجه النسان‬
‫من ماله في حياته فأشبه الهبة‪ .‬واختلف القائلون بأنه من الثلث‬
‫فيي فروع‪ ،‬وهيو إذا دبر الرجيل غلميا له فيي صيحته‪ ،‬وأعتيق فيي‬
‫مرضيه الذي مات عنيه غلميا آخير فضاق الثلث عين الجميع بينهميا؛‬
‫فقال مالك‪ :‬يقدم المدبر لنييه كان فييي الصييحة؛ وقال الشافعييي‪:‬‬
‫يقدم المعتيق المبتيل‪ ،‬لنيه ل يجوز له رده‪ ،‬ومين أصيله أنيه يجوز‬
‫عنده رد التدبير‪ ،‬وهذه المسألة هي أحق بكتاب الوصايا‪.‬‬
‫@‪-‬وأما الجنس الثاني‪.‬‬
‫فأشهير مسيألة فييه هييي هيل للمدبر أن ييبيع المدبر أم ل؟ فقال‬
‫مالك وأبيو حنيفية وجماعية مين أهيل الكوفية‪ :‬لييس للسييد أن ييبيع‬
‫مدبره؛ وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور‪ :‬له أن يرجع‬
‫فيييبيع مدبره؛ وقال الوزاعييي‪ :‬ل يباع إل ميين رجييل يريييد عتقييه‪.‬‬
‫واختلف أبو حنيفة ومالك من هذه المسألة في فروع وهو إذا بيع‬
‫فأعتقييه المشتري‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ينفييذ العتييق؛ وقال أبييو حنيفيية‬
‫والكوفيون البييع مفسيوخ سيواء أعتقيه المشتري أو لم يعتقيه وهيو‬
‫أقييس مين جهية أنيه ممنوع عبادة‪ .‬فعمدة مين أجاز بيعيه ميا ثبيت‬
‫من حديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا" وربما‬
‫شبهوه بالوصيية‪ .‬وأميا عمدة المالكيية فعموم قوله تعالى {ييا أيهيا‬
‫الذيين آمنوا أوفوا بالعقود} لنيه عتيق إلى أجيل فأشبيه أم الولد أو‬
‫أشبيه العتيق المطلق‪ .‬فكان سيبب الختلف ههنيا معارضية القياس‬
‫للنييص‪ ،‬أو العموم للخصييوص‪ .‬ول خلف بينهييم أن المدبر أحكامييه‬
‫فييي حدوده وطلقييه وشهادتييه وسييائر أحكامييه أحكام العبيييد‪.‬‬
‫واختلفوا مين هذا الباب فيي جواز وطيء المدبرة‪ ،‬فجمهور العلماء‬
‫على جواز وطئها؛ وروي عن ابن شهاب منع ذلك؛ وعن الوزاعي‬
‫كراهييية ذلك إذا لم يكيين وطئهييا قبييل التدبييير‪ .‬وعمدة الجمهور‬
‫تشبيههيا بأم الولد؛ ومين لم يجيز ذلك شبههيا بالمعتقية إلى أجيل؛‬
‫ومنيع وطيء المعتقية إلى أجيل شبههيا بالمنكوحية إلى أجيل‪ ،‬وهيي‬
‫المتعية‪ .‬واتفقوا على أن السييد فيي المدبر الخدمية‪ ،‬ولسييده أن‬
‫ينتزع ماله منييه متييى شاء كالحال فييي العبييد؛ قال مالك‪ :‬إل أن‬
‫يمرض مرضا مخوفا فيكره له ذلك‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الثالث‪.‬‬
‫فأميا ميا يتبعيه فيي التدبيير مميا ل يتبعيه‪ ،‬فإن مسيائلهم المشهورة‬
‫فيي هذا الباب اختلفهيم فيي ولد المدبرة الذيين تلدهيم بعيد تدبيير‬
‫سيييدها ميين نكاح أو زنييى‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬ولدهييا بعييد تدبيرهييا‬
‫بمنزلتهيا يعتقون بعتقهيا ويرقون برقهيا‪ :‬وقال الشافعيي فيي قوله‬
‫المختار عنيد أصيحابه إنهيم ل يعتقون بعتقهيا‪ .‬وأجمعوا على أنيه إذا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أعتقهيا سييدها فيي حياتيه أنهيم يعتقون بعتقهيا‪ .‬وعمدة الشافعيية‬
‫أنهييم إذا لم يعتقوا فييي العتييق المنجييز فأحرى أن ل يعتقوا فييي‬
‫العتيق المؤجل بالشرط‪ .‬واحتيج أي ضا بإجماعهم على أن الموصيي‬
‫لها بالعتق ل يدخل فيه بنوها؛ والجمهور رأوا أن التدبير حرمة ما‪،‬‬
‫فأوجبوا اتباع الولد تشبيهيييا بالكتابييية‪ ،‬وقول الجمهور مروي عييين‬
‫عثمان وابين مسيعود وابين عمير‪ ،‬وقول الشافعيي مروي عين عمير‬
‫ابين عبيد العزييز وعطاء بين أبيي رباح ومكحول‪ .‬وتحصييل مذهيب‬
‫مالك فيي هذا أن كيل امرأة فولدهيا تبيع لهيا‪ ،‬إن كانيت حرة فحرة‪،‬‬
‫وإن كانت مكاتبة فمكاتب وإن كانت مدبرة فمدبر‪ ،‬أو معتقة إلى‬
‫أجييل فمعتييق إلى أجييل‪ ،‬وكذلك أم الولد ولدهييا بمنزلتهييا‪ ،‬وخالف‬
‫فيي ذلك أهيل الظاهير‪ ،‬وكذلك المعتيق بعضيه عنيد مالك‪ .‬وأجميع‬
‫العلماء على أن كييل ولد ميين تزويييج فهييو تابييع لمييه فييي الرق‬
‫والحرية وما بينهما من العقود المفضية إلى الحرية إل ما اختلفوا‬
‫فيه من التدبير ومن أمة زوجها عربي‪ .‬وأجمعوا على أن كل ولد‬
‫مين ملك يميين أنيه تابيع لبييه‪ ،‬إن حرا فحرا‪ ،‬وإن عبدا فعبدا‪ ،‬وإن‬
‫مكاتبيييا فمكاتبيييا‪ .‬واختلفوا فيييي المدبر إذا تسيييرى فولد له فقال‬
‫مالك‪ :‬حكميه حكيم الب‪ :‬يعنيي أنيه المدبر؛ وقال الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفية‪ :‬لييس يتبعيه ولده فيي التدبيير‪ .‬وعمدة مالك الجماع على‬
‫أن الولد مين ملك اليميين تابيع للب ميا عدا المدبر‪ ،‬وهيو مين باب‬
‫قياس موضييع الخلف على موضييع الجماع‪ .‬وعمدة الشافعييية أن‬
‫ولد المدبر مال مين ماله‪ ،‬ومال المدبر للسييد انتزاعيه منيه ولييس‬
‫يسلم له أنه مال من ماله‪ ،‬ويتبعه في الحرية ماله عند مالك‪.‬‬
‫@‪-‬الجنس الرابع‪.‬‬
‫وأميا النظير فيي تبعييض التدبيير فقيد قلنيا فيمين دبر له حظيا فيي‬
‫عبده دون أن يدبر شريكييه ونقله إلى هذا الموضييع أول‪ ،‬فلينقييل‬
‫إلييه‪ .‬وأميا مين دبر جزءا مين عبيد هيو له كله‪ ،‬فإنيه يقضيي علييه‬
‫بتدبير الكل‪ ،‬قياسا على من بعض العتق عند مالك‪.‬‬
‫@‪-‬وأما الجنس الخامس وهو مبطلت التدبير‪.‬‬
‫فميين هذا الباب اختلفهييم فييي إبطال الدييين للتدبييير؛ فقال مالك‬
‫والشافعيي‪ :‬الديين يبطله؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬لييس يبطله ويسيعى‬
‫فيي الديين‪ ،‬وسيواء كان الديين مسيتغرقا للقيمية أو لبعضهيا‪ .‬ومين‬
‫هذا الباب اختلفهيم فيي النصيراني يدبر عبدا له نصيرانيا‪ ،‬فيسيلم‬
‫العبيد قبيل موت سييده‪ ،‬فقال الشافعيي‪ :‬يباع علييه سياعة يسيلم‬
‫ويبطييل تدبيره؛ وقال مالك‪ :‬يحال بينييه وبييين سيييده ويخارج على‬
‫سييده النصيراني‪ ،‬ول يباع علييه حتيى ييبين أمير سييده‪ ،‬فإن مات‬
‫عتق المدبر ما لم يكن عليه دين يحيط بماله؛ وقال الكوفيون‪ :‬إذا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أسلم مدبر النصراني قوِّم وسعى العبد في قيمته‪ ،‬ومدبر الصحة‬
‫يقدم عند مالك على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب أمهات الولد‬
‫@‪-‬وأصييول هذا الكتاب النظيير فييي هييل تباع أم الولد أم ل؟ وإن‬
‫كانيت ل تباع فمتيى تكون أم ولد‪ ،‬وبماذا تكون أم ولد‪ ،‬وميا يبقيى‬
‫فيها لسيدها من أحكام العبودية‪ ،‬ومتى تكون حرة؟‪.‬‬
‫@‪(-‬أميييا المسيييألة الولى) فإن العلماء اختلفوا فيهيييا سيييلفهم‬
‫وخلفهيم‪ ،‬فالثابيت عين عمير رضيي الله عنيه أنيه قضيى بأنهيا ل تباع‬
‫وأنهييا حرة ميين رأس مال سيييدها إذا مات‪ .‬وروي مثييل ذلك عيين‬
‫عثمان‪ ،‬وهيو قول أكثير التابعيين وجمهور فقهاء المصيار‪ ،‬وكان أبيو‬
‫بكير الصيديق وعلي رضوان الله عليهميا وابين عباس وابين الزبيير‬
‫وجابر بين عبيد الله وأبيو سيعيد الخدري يجيزون بييع أم الولد‪ ،‬وبيه‬
‫قالت الظاهريية مين فقهاء المصيار‪ .‬وقال جابر وأبيو سيعيد‪" :‬كنيا‬
‫نيبيع أمهات الولد والنيبي علييه الصيلة والسيلم فينيا ل يرى بذلك‬
‫بأسيا" واحتجوا بميا روي عين جابر أنيه قال "كنيا نيبيع أمهات الولد‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من‬
‫خلفية عمير‪ ،‬ثيم نهانيا عمير عين بيعهين" ومميا اعتميد علييه أهيل‬
‫الظاهييير فيييي هذه المسيييألة النوع مييين السيييتدلل الذي يعرف‬
‫باسييتصحاب حال الجماع‪ ،‬وذلك أنهييم قالوا‪ :‬لمييا انعقييد الجماع‬
‫على أنهيا مملوكية قبيل الولدة‪ ،‬وجيب أن تكون كذلك بعيد الولدة‬
‫إلى أن يدل الدليل على غير ذلك‪ ،‬وقد تبين في كتب الصول قوة‬
‫هذا السيتدلل‪ ،‬وأنيه ل يصيح عنيد مين يقول بالقياس‪ ،‬وإنميا يكون‬
‫ذلك دليل بحسييب رأي ميين ينكيير القياس‪ ،‬وربمييا احتييج الجمهور‬
‫عليهييم بمثييل احتجاجهييم‪ ،‬وهييو الذي يعرفونييه بمقابلة الدعوى‬
‫بالدعوى‪ ،‬وذلك أنهم يقولون‪ :‬أليس تعرفون أن الجماع قد انعقد‬
‫على منع بيعها في حال حملها‪ ،‬فإذا كان ذلك وجب أن يستصحب‬
‫حال هذا الجماع بعييد وضييع الحمييل‪ ،‬إل أن المتأخرييين ميين أهييل‬
‫الظاهير أحدثوا فيي هذا الصيل نقضيا‪ ،‬وذلك أنهيم ل يسيلمون منيع‬
‫بيعهييا حامل‪ .‬وممييا اعتمده الجمهور فييي هذا الباب ميين الثيير مييا‬
‫روي عنيه علييه الصيلة والسيلم أنيه قال فيي ماريية سيريته لميا‬
‫ولدت إبراهييم "أعتقهيا ولدهيا" ومين ذلك حدييث ابين عباس عين‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أيما امرأة ولدت من سيدها‬
‫فإنهييا حرة إذا مات" وكل الحديثييين ل يثبييت عنييد أهييل الحديييث‪،‬‬
‫حكيى ذلك أبيو عمير ابين عبيد البر رحميه الله‪ ،‬وهيو مين أهيل هذا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الشأن‪ ،‬وربميا قالوا أيضيا مين طرييق المعنيى أنهيا قيد وجبيت لهيا‬
‫حرمية وهيو اتصيال الولد بهيا وكونيه بعضيا منهيا‪ ،‬وحكيو هذا التعلييل‬
‫عيين عميير رضييي الله عنييه حييين رأى أن ل يبعيين فقال‪ :‬خالطييت‬
‫لحومنا لحومهن‪ ،‬ودماؤنا دماؤهن‪ .‬وأ ما متى تكون أم ولد‪ ،‬فإنهم‬
‫اتفقوا على أنهيا تكون أم ولد إذا ملكهيا قبيل حملهيا منيه‪ .‬واختلفوا‬
‫إذا ملكهيا وهيي حاميل منيه أو بعيد أن ولدت منيه‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل‬
‫تكون أم ولد إذا ولدت منه قبل أن يملكها ثم ملكها وولدها؛ وقال‬
‫أبيييو حنيفييية‪ :‬تكون أم ولد‪ .‬واختلف قول مالك إذا ملكهيييا وهيييي‬
‫حاميل‪ ،‬والقياس أن تكون أم ولد فيي جمييع الحوال إذ كان لييس‬
‫مين مكارم الخلق أن ييبيع المرء أم ولده‪ ،‬وقيد قال علييه الصيلة‬
‫والسييلم "بعثييت لتمييم مكارم الخلق" وأمييا بماذا تكون أم ولد؟‬
‫فإن مالكيا قال‪ :‬كيل ميا وضعيت مميا يعلم أنيه ولد كانيت مضغية أو‬
‫علقية؛ وقال الشافعيي‪ :‬لبيد أن يؤثير فيي ذلك شييء مثيل الخلقية‬
‫والتخطييط‪ .‬واختلفهيم راجيع إلى ميا ينطلق علييه اسيم الولدة أو‬
‫ما يتحقق أنه مولود‪ .‬وأما ما يبقى فيها من أحكام العبودية‪ ،‬فإنهم‬
‫اتفقوا على أنهييا فييي شهادتهييا وحدودهييا وديتهييا وأرش جراحهييا‬
‫كالمية‪ .‬وجمهور مين منيع بيعهيا لييس يرون ههنيا سيببا طارئا عليهيا‬
‫يوجب بيعها إل ما روي عن عمر بن الخطاب أنها إذا زنت رقت‪.‬‬
‫واختلف قول مالك والشافعي هل لسيدها استخدامها طول حياته‬
‫واغتلله إياهييا؟ فقال مالك‪ :‬ليييس له ذلك‪ ،‬وإنمييا له فيهييا الوطييء‬
‫فقييط؛ وقال الشافعييي‪ :‬له ذلك وعمدة مالك أنييه لمييا لم يملك‬
‫رقبتها بالبيع لم يملك إجارتها‪ ،‬إل أنه يرى أن إجارة بنيها من غيره‬
‫جائزة‪ ،‬لن حرمتهييييم عنده أضعييييف‪ .‬وعمدة الشافعييييي انعقاد‬
‫الجماع على أنييه يجوز له وطؤهييا‪ .‬فسييبب الخلف تردد إجارتهييا‬
‫بين أصلين‪ :‬أحدهما وطؤها‪ .‬والثاني بيعها‪ .‬فيجب أن يرجح أقوى‬
‫الصيلين شبهيا‪ .‬وأميا متيى تكون حرة‪ ،‬فإنيه ل خلف بينهيم أن آن‬
‫ذلك الوقيت هيو إذا مات السييد‪ ،‬ول أعلم الن أحدا قال تعتيق مين‬
‫الثلث‪ ،‬وقياسيييها على المدبر ضعييييف على قول مييين يقول‪ :‬إن‬
‫المدبر يعتق من الثلث‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الجنايات‪.‬‬
‫@‪-‬والجنايات التيي لهيا حدود مشروعية أربيع جنايات على البدان‬
‫والنفوس والعضاء وهيييو المسيييمى قتل وجرحيييا‪ ،‬وجنايات على‬
‫الفروج وهيو الم سمى زنيى وسيفاحا‪ ،‬وجنايات على الموال‪ ،‬وهذه‬
‫ميا كان منهيا مأخوذا بحرب سيمى حرابية إذا كان بغيير تأوييل‪ ،‬وإن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫كان بتأويييل سييمى بغيييا مأخوذا على وجييه المغافصيية [قال فييي‬
‫َييي‬
‫خذ َيييه ُ على ِغَّرة‪ .‬وقال (فيييي باب‬
‫ه‪ :‬فاجأ هُ‪ ،‬وأ َ‬
‫ص ُ‬
‫القاموس‪ :‬غافَييي َ‬
‫"هزؤ")‪ ... :‬غافيييص الرجيييل مغافصييية وغفاصيييا‪ :‬أخذه على غرة‬
‫بمساءة‪ .‬دار الحديث] من حرز يسمى سرقة‪ ،‬وما كان منها بعلو‬
‫مرتبية وقوة سيلطان سيمى غصيبا؛ وجنايات على العراض‪ ،‬وهيو‬
‫المسيمى قذفيا؛ وجنايات بالتعدي على اسيتباحة ميا حرميه الشرع‬
‫ميين المأكول والمشروب‪ ،‬وهذه إنمييا يوجييد فيهييا حييد فييي هذه‬
‫الشريعة في الخمر فقط‪ ،‬وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع‬
‫صيلوات الله علييه‪ ،‬فلنبتدئ منهيا بالحدود التيي فيي الدماء فنقول‪:‬‬
‫إن الواجب في إتلف النفوس والجوارح هو إما قصاص وإما مال‪،‬‬
‫وهيو الذي يسيمى الديية‪ ،‬فإذا النظير أول فيي هذا الكتاب ينقسيم‬
‫إلى قسمين‪ :‬النظر في القصاص‪ ،‬والنظر في الدية‪ .‬والنظر في‬
‫القصياص ينقسيم إلى القصياص فيي النفوس‪ ،‬وإلى القصياص فيي‬
‫الجوارح‪ .‬والنظير أيضيا فيي الديات ينقسيم إلى النظير فيي ديات‬
‫النفوس‪ ،‬وإلى النظير فيي ديات قطيع الجوارح والجراح‪ .‬فينقسيم‬
‫أول هذا الكتاب إلى كتابيين‪ :‬أولهميا يرسيم علييه كتاب القصياص‪.‬‬
‫والثاني يرسم عليه كتاب الديات‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القصاص‬
‫@‪-‬وهذا الكتاب ينقسيم إلى قسيمين‪ :‬الول‪ :‬النظير فيي القصياص‬
‫فيي النفوس‪ .‬والثانيي‪ :‬النظير فيي القصياص فيي الجوارح‪ ،‬فلنبدأ‬
‫من القصاص في النفوس‪.‬‬
‫*‪*3‬كتاب القصاص في النفوس‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير أول فيي هذا الكتاب ينقسيم إلى قسيمين‪ :‬إلى النظير‬
‫في الموجب‪ ،‬أعني الموجب للقصاص‪ .‬وإلى النظر في الواجب‪،‬‬
‫أعني القصاص وفي إبداله إن كان له بدل‪ .‬فلنبدأ أول بالنظر في‬
‫الموجيب‪ ،‬والنظير فيي الموجيب يرجيع إلى النظير فيي صيفة القتيل‬
‫والقاتيل التيي يجيب بمجموعهيا والمقتول القصياص‪ ،‬فإنيه لييس أي‬
‫قاتل اتفق يقتص منه‪ ،‬ول بأي قتل اتفق‪ ،‬ول من أي مقتول اتفق‪،‬‬
‫بيييل مييين قاتيييل محدود بقتيييل محدود ومقتول محدود‪ ،‬فإذ كان‬
‫المطلوب فييي هذا الباب إنمييا هييو العدل‪ .‬فلنبدأ ميين النظيير فييي‬
‫القاتل‪ ،‬ثم في القتل‪ ،‬ثم في المقتول‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في شروط القاتل‪.‬‬
‫@‪-‬فنقول‪ :‬إنهم اتفقوا على أن القاتل الذي يقاد منه يشترط فيه‬
‫باتفاق أن يكون عاقل بالغيا مختارا للقتيل مباشرا غيير مشارك له‬
‫فييييييه غيره واختلفوا فيييييي المكَره والمكرِه‪ ،‬وبالجملة المييييير‬
‫والمباشييير‪ ،‬فقال مالك والشافعيييي والثوري وأحميييد وأبيييو ثور‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وجماعية‪ :‬القتيل على المباشير دون المير‪ ،‬ويعاقيب المير؛ وقالت‬
‫طائفية‪ :‬يقتلن جميعيا‪ ،‬وهذا إذا لم يكين هنالك إكراه ول سيلطان‬
‫للميير على المأمور‪ .‬وأمييا إذا كان للميير سييلطان على المأمور‪،‬‬
‫أعنييي المباشيير‪ ،‬فإنهييم اختلفوا فييي ذلك على ثلثيية أقوال‪ :‬فقال‬
‫قوم‪ :‬يقتييل الميير دون المأمور‪ ،‬ويعاقييب المأمور‪ ،‬وبييه قال داود‬
‫وأبيو حنيفية‪ ،‬وهيو أحيد قولي الشافعيي‪ .‬وقال قوم‪ :‬يقتيل المأمور‬
‫دون المر وهو أحد قولي الشافعي وقال قوم‪ :‬يقتلن جميعا‪ ،‬وبه‬
‫قال مالك‪ .‬فمين لم يوجيب حدا على المأمور اعتييبر تأثيير الكراه‬
‫فيي إسيقاط كثيير مين الواجبات فيي الشرع‪ ،‬لكون المكره يشبيه‬
‫مين ل اختيار له‪ .‬ومين رأى علييه القتيل غلب علييه حكيم الختيار‪،‬‬
‫وذلك أن المكره يشبيييه مييين جهييية المختار‪ ،‬ويشبيييه مييين جهييية‬
‫المضطيير المغلوب‪ ،‬مثييل الذي يسييقط ميين علو‪ ،‬والذي تحمله‬
‫الريييح ميين موضييع إلى موضييع‪ .‬وميين رأى قتلهييم جميعييا لم يعذر‬
‫المأمور بالكراه ول الميير بعدم المباشرة‪ .‬وميين رأى قتييل الميير‬
‫فقيط شبيه المأمور باللة التيي ل تنطيق‪ .‬ومين رأى الحيد على غيير‬
‫المباشير اعتميد أنيه لييس ينطلق علييه اسيم قاتيل إل بالسيتعارة‪.‬‬
‫وقييد اعتمدت المالكييية فيييي قتييل المكره على القتيييل بالقتيييل‬
‫بإجماعهم على أنه لو أشرف على الهلك من مخمصة لم يكن له‬
‫أن يقتيل إنسيانا فيأكله‪ .‬وأميا المشارك للقاتيل عمدا فيي القتيل‪،‬‬
‫فقييد يكون القتييل عمدا وخطييأ‪ ،‬وقييد يكون القاتييل مكلفييا وغييير‬
‫مكلف‪ ،‬وسنذكر العمد عند قتل الجماعة بالواحد‪ .‬وأما إذا اشترك‬
‫في القتل عامد ومخطئ أو مكلف وغير مكلف‪ ،‬مثل عامد وصبي‬
‫أو مجنون‪ ،‬أو حير وعبيد فيي قتيل عبيد عنيد مين ل يقييد مين الحير‬
‫بالعبد‪ ،‬فإن العلماء اختلفوا في ذلك‪ ،‬فقال مالك والشافعي‪ :‬على‬
‫العامييد القصيياص‪ ،‬وعلى المخطييئ والصييبي نصييف الدييية؛ إل أن‬
‫مالكييا يجعله على العاقلة؛ والشافعييي فييي ماله على مييا يأتييي‪،‬‬
‫وكذلك قال فييي الحيير والعبييد يقتلن العبييد عمدا أن العبييد يقتييل‪،‬‬
‫وعلى الحيير نصييف القيميية‪ ،‬وكذلك الحال فييي المسييلم والذمييي‬
‫يقتلن جميعا‪ .‬وقال أبو حنيفة إذا اشترك من يجب القصاص عليه‬
‫مييع ميين ل يجييب عليييه القصيياص‪ ،‬فل قصيياص على واحييد منهمييا‬
‫وعليهما الدية‪ ،‬وعمدة الحنفية أن هذه شبهة‪ ،‬فإن القتل ل يتبعض‬
‫وممكيين أن تكون إفاتيية نفسييه ميين فعييل الذي ل قصيياص عليييه‬
‫كإمكان ذلك ممن عليه الق صاص‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم‬
‫"ادرءوا الحدود بالشبهات" وإذا لم يكييين الدم وجيييب بدله‪ ،‬وهيييو‬
‫الديية‪ .‬وعمدة الفرييق الثانيي النظير إلى المصيلحة التيي تقتضيي‬
‫التغلييظ لحوطية الدماء‪ ،‬فكأن كيل واحيد منهميا انفرد بالقتيل فله‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫حكيم نفسيه‪ ،‬وفييه ضعيف فيي القياس‪ .‬وأميا صيفة الذي يجيب بيه‬
‫القصيياص‪ ،‬فاتفقوا على أنييه العمييد‪ ،‬وذلك أنهييم أجمعوا على أن‬
‫القتل صنفان‪ :‬عمد‪ ،‬وخطأ‪ .‬واختلفوا في هل بينهما وسط أم ل؟‬
‫وهيو الذي يسيمونه شبيه العميد‪ ،‬فقال بيه جمهور فقهاء المصيار‪.‬‬
‫والمشهور عين مالك نفييه إل فيي البين ميع أبييه؛ وقيد قييل أنيه‬
‫يتخرج عنيه فيي ذلك روايية أخرى‪ ،‬وبإثباتيه قال عمير ابين الخطاب‬
‫وعلي وعثمان وزييد بين ثابيت وأبيو موسيى الشعري والمغيرة‪ ،‬ول‬
‫مخالف لهيم مين الصيحابة؛ والذيين قالوا بيه فرقوا فيميا هيو شبيه‬
‫العمد مما ليس بعمد‪ ،‬وذلك راجع في الغلب إلى اللت التي يقع‬
‫بهيا القتيل‪ ،‬وإلى الحوال التيي كان مين أجلهيا الضرب؛ فقال أبيو‬
‫حنيفة‪ :‬كل ما عدا الحديد من القضب أو النار وما يشبه ذلك فهو‬
‫شبه العمد؛ وقال أبو يوسف ومحمد‪ :‬شبه العمد ما ل يقتل مثله؛‬
‫وقال الشافعيي‪ :‬شبيه العميد ميا كان عمدا فيي الضرب خطيأ فيي‬
‫القتييل‪ :‬أي مييا كان ضربييا لم يقصييد بييه القتييل فتولد عنييه القتييل‪.‬‬
‫والخطيأ ميا كان خطيأ فيهميا جميعيا‪ .‬والعميد ميا كان عمدا فيهميا‬
‫جميعا‪ ،‬وهو حسن‪ .‬فعمدة من نفى شبه العمد أنه ل واسطة بين‬
‫الخطأ والعمد‪ ،‬أعني بين أن يقصد القتل أو ل يقصده‪ .‬وعمدة من‬
‫أثبيت الوسيط أن النيات ل يطلع عليهيا إل الله تبارك وتعالى وإنميا‬
‫الحكيم بميا ظهير‪ .‬فمين قصيد ضرب آخير بآلة ل تقتيل غالبيا كان‬
‫حكمه كحكم الغالب‪ ،‬أعني حكم من قصد القتل فقتل بل خلف‪.‬‬
‫ومين قصيد ضرب رجيل بعينيه بآلة ل تقتيل غالبيا كان حكميه مترددا‬
‫بيين العميد والخطيأ هذا فيي حقنيا ل فيي حيق المير نفسيه عنيد الله‬
‫تعالى‪ .‬أميا شبهية العميد فمين جهية ميا قصيد ضربيه‪ .‬وأميا شبهيه‬
‫للخطأ فمن جهة أنه ضرب بما ل يقصد به القتل‪ .‬وقد روي حديث‬
‫مرفوع إلى النييبي صييلى الله عليييه وسييلم أنييه قال "أل إن قتييل‬
‫الخطيأ شبيه العميد ميا كان بالسيوط والعصيا والحجير ديتيه مغلظية‬
‫مائة مين البيل منهيا أربعون فيي بطونهيا أولدهيا" إل أنيه حدييث‬
‫مضطرب عنيد أهيل الحدييث ل يثبيت مين جهية السيناد فيميا ذكره‬
‫أبيو عمير بين عبيد البر‪ ،‬وإن كان أبيو داود وغيره قيد خرجيه‪ ،‬فهذا‬
‫النحو من القتل عند من ل يثبته يجب به القصاص‪ ،‬وعند من أثبته‬
‫تجيب بيه الديية‪ ،‬ول خلف فيي مذهيب مالك أن الضرب يكون على‬
‫وجه الغضب والنائرة يجب به القصاص‪.‬‬
‫واختلف فييي الذي يكون عمدا على جهيية اللعييب‪ ،‬أو على جهيية‬
‫الدب لمين أبييح له الدب‪ .‬وأميا الشرط الذي يجيب بيه القصياص‬
‫فيي المقتول‪ ،‬فهيو أن يكون مكافئا لدم القاتيل‪ .‬والذي بيه تختلف‬
‫النفوس هو السلم والكفر والحرية والعبودية والذكورية والنوثية‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫والواحيد والكثيير‪ .‬واتفقوا على أن المقتول إذا كان مكافئا للقاتيل‬
‫في هذه الربعة أنه يجب القصاص‪ .‬واختلفوا في هذه الربعة إذا‬
‫لم تجتمع‪ .‬أما الحر إذا قتل العبد عمدا‪ ،‬فإن العلماء اختلفوا فيه‪،‬‬
‫فقال مالك والشافعييي والليييث وأحمييد وأبييو ثور‪ :‬ل يقتييل الحيير‬
‫بالعبد؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‪ :‬يقتل الحر بالعبد إل عبد نفسه؛‬
‫وقال قوم‪ :‬يقتيل الحير بالعبيد سيواء كان عبيد القاتيل أو عبيد غيير‬
‫القاتل‪ ،‬وبه قال النخعي؛ فمن قال ل يقتل الحر بالعبد احتج بدليل‬
‫الخطاب المفهوم ميين قوله تعالى {كتييب عليكييم القصيياص فييي‬
‫القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} ومن قال يقتل الحر بالعبد احتج‬
‫بقوله علييه الصيلة والسيلم "المسيلمون تتكافيأ دماؤهيم‪ ،‬ويسيعى‬
‫بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" فسبب الخلف معارضة‬
‫العموم لدلييل الخطاب‪ ،‬ومين فرق فضعييف‪ .‬ول خلف بينهيم أن‬
‫العبد يقتل بالحر‪ ،‬وكذلك النقص بالعلى‪.‬‬
‫ومن الحجة أيضا لمن قال‪ :‬يقتل الحر بالعبد ما رواه عن سمرة‬
‫أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم قال "مين قتيل عبده قتلناه بيه"‬
‫وميين طريييق المعنييى قالوا‪ :‬ولمييا كان قتله محرمييا كقتييل الحيير‪،‬‬
‫وجييب أن يكون القصيياص فيييه كالقصيياص فييي الحيير‪ ،‬وأمييا قتييل‬
‫المؤميين بالكافيير الذمييي‪ ،‬فاختلف العلماء فييي ذلك على ثلثيية‬
‫أقوال‪ :‬فقال قوم‪ :‬ل يقتيل مؤمين بكافير‪ ،‬وممين قال بيه الشافعيي‬
‫والثوري وأحميد وداود وجماعية‪ .‬وقال قوم‪ :‬يقتيل بيه‪ ،‬وممين قال‬
‫بذلك أبيو حنيفية وأصيحابه وابين أبيي ليلى‪ .‬وقال مالك واللييث‪ :‬ل‬
‫يقتل به إل أن يقتله غيلة‪ ،‬وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه وبخاصة‬
‫على ماله‪ .‬فعمدة الفريق الول ما روي من حديث علي أنه سأله‬
‫قيس بن عبادة والشتر هل عهد إليه رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسييلم عهدا لم يعهده إلى الناس قال‪ :‬ل‪ ،‬إل مييا فييي كتابييي هذا‪،‬‬
‫وأخرج كتابيا مين قراب سييفه فإذا فييه "المؤمنون تتكافيأ دماؤهيم‬
‫ويسييعى بذمتهييم أدناهييم وهييم يييد على ميين سييواهم‪ ،‬أل ل يقتييل‬
‫مؤمن بكافر‪ ،‬ول ذو عهد في عهده‪ ،‬من أحدث حدثا أو آوى محدثا‬
‫فعليه لعنة الله والملئكة والناس أجمعين" خرجه أبو داود‪ .‬وروي‬
‫أيضيا عين عمرو بين شعييب عين أبييه عين جده أن النيبي صيلى الله‬
‫علييييه وسيييلم قال "ل يقتيييل مؤمييين بكافييير" واحتجوا فيييي ذلك‬
‫بإجماعهم على أنه ل يقتل مسلم بالحربي الذي أمن‪.‬‬
‫وأما أصحاب أبي حنيفة فاعتمدوا في ذلك آثارا منها حديث يرويه‬
‫ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن السلماني قال "قتل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل القبلة برجل من‬
‫أهل الذمة وقال‪ :‬أنا أحق من وفى بعهده" ورووا ذلك عن عمر‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫قالوا‪ :‬وهذا مخصيص لعموم قوله علييه الصيلة والسيلم "ل يقتيل‬
‫مؤمن بكافر" أي أنه أريد به الكافر الحربي دون الكافر المعاهد‪،‬‬
‫وضعف أهل الحديث حديث عبد الرحمن السلماني وما رووا من‬
‫ذلك عن عمر‪ .‬وأما من طريق القياس فإنهم اعتمدوا على إجماع‬
‫المسيلمين فيي أن ييد المسيلم تقطيع إذا سيرق مين مال الذميي‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬فإذا كانييت حرمية ماله كحرمية مال المسيلم فحرمية دميه‬
‫كحرميية دمييه‪ ،‬فسييبب الخلف تعارض الثار والقياس‪ .‬وأمييا قتييل‬
‫الجماعية بالواحيد‪ ،‬فإن جمهور فقهاء المصيار قالوا تقتيل الجماعية‬
‫بالواحيد‪ ،‬منهيم مالك وأبيو حنيفية والشافعيي والثوري وأحميد وأبيو‬
‫ثور وغيرهيم‪ ،‬سيواء كثرت الجماعية أو قلت‪ ،‬وبيه قال عمير حتيى‬
‫روي أنه قال‪ :‬لو تمال عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا‪ .‬وقال داود‬
‫وأهل الظاهر ل تقتل الجماعة بالواحد‪ ،‬وهو قول ابن الزبير‪ ،‬وبه‬
‫قال الزهري‪ ،‬وروي عين جابر‪ .‬وكذلك عنيد هذه الطائفية ل تقطيع‬
‫أييد بييد‪ ،‬أعنيي إذا اشترك اثنان فميا فوق ذلك فيي قطيع ييد؛ وقال‬
‫مالك والشافعي‪ :‬تقطع اليدي باليد؛ وفرقت الحنفية بين النفس‬
‫والطراف فقالوا‪ :‬تقتييل النفييس بالنفييس‪ ،‬ول يقطييع بالطرف إل‬
‫طرف واحيد‪ ،‬وسييأتي هذا فيي باب القصياص مين العضاء‪ .‬فعمدة‬
‫مين قتيل بالواحيد الجماعية النظير إلى المصيلحة‪ ،‬فإنيه مفهوم أن‬
‫القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه الكتاب في قوله تعالى‬
‫{ولكيم فيي القصياص حياة ييا أولي اللباب} وإذا كان ذلك كذلك‬
‫فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا‬
‫قتيل الواحيد بالجماعية‪ ،‬لكين للمعترض أن يقول‪ :‬إن هذا إنميا كان‬
‫يلزم لو لم يقتل من الجماعة أحد‪ ،‬فأما إن قتيل منهم واحد وهيو‬
‫الذي مين قتله يظين إتلف النفيس غالبيا على الظين‪ ،‬فلييس يلزم‬
‫أن يبطل الحد حتى يكون سببا للتسليط على إذهاب النفوس‪.‬‬
‫وعمدة من قتل الواحد بالواحد قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن‬
‫النفس بالنفس والعين بالعين} وأما قتل الذكر بالنثى‪ ،‬فإن ابن‬
‫المنذر وغيره ممن ذكر الخلف حكى أنه إجماع‪ ،‬إل ما حكي عن‬
‫علي مين الصيحابة‪ ،‬وعين عثمان البتيي أنيه إذا قتيل الرجيل بالمرأة‬
‫كان على أولياء المرأة نصييف الدييية‪ .‬وحكييى القاضييي أبييو الوليييد‬
‫الباجييي فييي المنتقييى عيين الحسيين البصييري‪ ،‬أنييه ل يقتييل الذكيير‬
‫بالنثى‪ ،‬وحكاه الخطابي في معالم السنن‪ ،‬وهو شاذ‪ ،‬ولكن دليله‬
‫قوي لقوله تعالى {والنثييييى بالنثييييى} وإن كان يعارض دليييييل‬
‫الخطاب ههنا للعموم الذي في قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن‬
‫النفييس بالنفييس} لكيين يدخله أن هذا الخطاب وارد فييي غييير‬
‫شريعتنيا‪ ،‬وهيي مسيألة مختلف فيهيا‪ ،‬أعنيي هيل شرع مين قبلنيا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫شرع لنيا أم ل؟ والعتماد فيي قتيل الرجيل بالمرأة هيو النظير إلى‬
‫المصيلحة العامية‪ .‬واختلفوا مين هذا الباب فيي الب والبين‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬ل يقاد الب بالبين إل أن يضجعييه فيذبحييه‪ ،‬فأمييا إن حذفييه‬
‫بسيييف أو عصييا فقتله لم يقتييل‪ ،‬وكذلك الجييد عنده مييع حفيده‪.‬‬
‫وقال أبيو حنيفية والشافعيي والثوري‪ :‬ل يقاد الوالد بولده ول الجيد‬
‫بحفيده إذا قتله بأي وجيه كان مين أوجيه العميد‪ ،‬وبيه قال جمهور‬
‫العلماء‪ .‬وعمدتهييم حديييث ابيين عباس أن النييبي عليييه الصييلة‬
‫والسلم قال "ل تقام الحدود في المساجد ول يقاد بالولد الوالد"‪.‬‬
‫وعمدة مالك عموم القصاص بين المسلمين‪.‬‬
‫وسييبب اختلفهييم مييا رووه عيين يحيييى بيين سييعيد عيين عمرو بيين‬
‫شعيب أن رجل من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنا له بالسيف‬
‫فأصاب ساقه‪ ،‬فنزى جرحه فمات‪ ،‬فقدم سراقة بن جعشم على‬
‫عميير ابيين الخطاب فذكيير ذلك له‪ ،‬فقال له عميير‪ :‬اعدد على ماء‬
‫قدييد عشريين ومائة بعيير حتيى أقدم علييك‪ ،‬فلميا قدم علييه عمير‬
‫أخيذ مين تلك البيل ثلثيين حقية وثلثيين جذعية وأربعيين خلفية‪ ،‬ثيم‬
‫قال‪ :‬أيين أخيو المقتول‪ ،‬فقال‪ :‬هيا أنيا ذا‪ ،‬قال‪ :‬خذهيا‪ ،‬فإن رسيول‬
‫الله صيلى الله علييه وسيلم قال "لييس لقاتيل شييء" فإن مالكيا‬
‫حمل هذا الحديث على أنه لم يكن عمدا محضا‪ ،‬وأثبت منه شبه‬
‫العميد فيميا بيين البين والب‪ .‬وأميا الجمهور فحملوه على ظاهره‬
‫من أنه عمد لجماعهم أن من حذف آخر بسيف فقتله فهو عمد‪.‬‬
‫وأمييا مالك فرأى مييا للب ميين التسييلط على تأديييب ابنييه وميين‬
‫المحبة له أن حمل القتل الذي يكون في أمثال هذه الحوال على‬
‫أنيه لييس بعميد‪ ،‬ولم يتهميه إذ كان لييس بقتيل غيلة‪ ،‬فإنميا يحميل‬
‫فاعله على أنيه قصيد القتيل مين جهية غلبية الظين وقوة التهمية‪ ،‬إذ‬
‫كانييت النيات ل يطلع عليهييا إل الله تعالى‪ ،‬فمالك لم يتهييم الب‬
‫حيث اتهم الجنبي‪ ،‬لقوة المحبة التي بين الب والبن‪ .‬والجمهور‬
‫إنمييا عللوا درء الحييد عيين الب لمكان حقييه على البيين‪ ،‬والذي‬
‫يجيييء على أصييول أهييل الظاهيير أن يقاد‪ ،‬فهذا هييو القول فييي‬
‫الموجب‪.‬‬
‫*‪*4‬وأما القول في الموجب‪.‬‬
‫@‪-‬فاتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين‪ :‬القصاص‪ ،‬أو العفو إما‬
‫على الدييية وإميييا على غيييير الديييية‪ .‬واختلفوا هيييل النتقال مييين‬
‫القصاص إلى العفو على أخذ الدية هو حق واجب لولي الدم دون‬
‫أن يكون في ذلك خيار للمقتص منه‪ ،‬أم ل تثبت الدية إل بتراضي‬
‫الفريقيين‪ ،‬أعنيي الولي والقاتيل‪ ،‬وأنيه إذا لم يرد المقتيص منيه أن‬
‫يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إل القصاص مطلقا أو العفو‪ ،‬فقال‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مالك‪ :‬ل يجييب للولي إل أن يقتييص أو يعفييو عيين غييير دييية إل أن‬
‫يرضى بإعطاء الدية للقاتل‪ ،‬وهي رواية ابن القاسم عنه‪ ،‬وبه قال‬
‫أبيو حنيفية والثوري والوزاعيي وجماعية؛ وقال الشافعيي وأحميد‬
‫وأبو ثور وداود وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيره‪ :‬ولي‬
‫الدم بالخيار إن شاء اقتيص وإن شاء أخيذ الديية‪ ،‬رضيي القاتيل أو‬
‫لم يرض‪ ،‬وروى ذلك أشهيب عين مالك‪ ،‬إل أن المشهور عنيه هيي‬
‫الروايية الولى‪ .‬فعمدة مالك فيي الروايية المشهورة حدييث أنيس‬
‫ابين مالك فيي قصية سين الربييع أن رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيلم قال "كتاب الله القصياص" فعلم بدلييل الخطاب أنيه لييس‬
‫له إل القصياص‪ .‬وعمدة الفرييق الثانيي حدييث أبيي هريرة الثابيت‬
‫"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن‬
‫يعفو" هما حديثان متفق على صحتهما‪ ،‬لكن الول ضعيف الدللة‬
‫فييي أنييه ليييس له إل القصيياص‪ .‬والثانييي نييص فييي أن له الخيار‬
‫والجميع بينهميا يمكين إذا رفيع دلييل الخطاب مين ذلك‪ ،‬فإن كان‬
‫الجمييع واجبييا وممكنييا فالمصييير إلى الحديييث الثانييي واجييب؛‬
‫والجمهور على أن الجمع واجب إذا أمكن وأنه أولى من الترجيح‪،‬‬
‫وأيضيا فإن الله عيز وجيل يقول {ول تقتلوا أنفسيكم} وإذا عرض‬
‫على المكلف فداء نفسيه بمال فواجيب علييه أن يفديهيا‪ ،‬أصيله إذا‬
‫وجد الطعام في مخمصة بقيمة مثله وعنده ما يشتريه‪ ،‬أعني أنه‬
‫يقضى عليه بشرائه فكيف بشراء نفسه؟ ويلزم على هذه الرواية‬
‫إذا كان للمقتول أولياء صيغار وكبار أن يؤخير القتيل إلى أن يكيبر‬
‫الصييغار فيكون لهييم الخيار‪ ،‬ول سيييما إذا كان الصييغار يحجبون‬
‫الكبار مثيل البنيين ميع الخوة‪ .‬وقال القاضيي‪ :‬وقيد كانيت وقعيت‬
‫هذه المسيألة بقرطبية حياة جدي رحميه الله‪ ،‬فأفتيى أهيل زمانيه‬
‫بالروايية المشهورة‪ ،‬وهيو أن ل ينتظير الصيغير‪ ،‬فأفتيى هيو رحميه‬
‫الله بانتظاره على القياس‪ ،‬فشنيع أهيل زمانيه ذلك علييه لميا كانوا‬
‫علييه مين شدة التقلييد حتيى اضطير أن يضيع فيي ذلك قول ينتصير‬
‫فيه لهذا المذهب وهو موجود بأيدي الناس‪،‬‬
‫والنظير فيي هذا الباب هيو فيي قسيمين‪ :‬فيي العفيو والقصياص‪.‬‬
‫والنظر في العفو في شيئين‪ :‬أحدهما فيمن له العفو ممن ليس‬
‫له‪ ،‬وترتيب أهل الدم في ذلك‪ ،‬وهل يكون له العفو على الدية أم‬
‫ل؟ وقد تكلمنا في‪ :‬هل له العفو على الدية‪ .‬وأما من لهم العفو‬
‫بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم‪ ،‬والذين لهم القيام بالدم هم‬
‫العصيبة عنيد مالك وعنيد غيره‪ :‬كيل مين يرث‪ ،‬وذلك أنهيم أجمعوا‬
‫على أن المقتول عمدا إذا كان له بنون بالغون فعفيييا أحدهيييم أن‬
‫القصياص قيد بطيل ووجبيت الديية‪ .‬واختلفوا فيي اختلف البنات ميع‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫البنييين فييي العفييو أو فييي القصيياص‪ .‬وكذلك الزوجيية أو الزوج‬
‫والخوات‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ليييس للبنات ول الخوات قول مييع البنييين‬
‫والخوة فييي القصيياص أو ضده‪ ،‬ول يعتييبر قولهيين مييع الرجال‪،‬‬
‫وكذلك المر في الزوجة والزوج؛ وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد‬
‫والشافعييي كييل وارث يعتييبر قوله فييي إسييقاط القصيياص وفييي‬
‫إسقاط حظه من الدية‪ ،‬وفي الخذ به قال الشافعي الغائب منهم‬
‫والحاضيير والصييغير والكييبير سييواء‪ .‬وعمدة هؤلء اعتبارهييم الدم‬
‫بالدييية‪ .‬وعمدة الفريييق الول أن الولييية إنمييا هييي للذكران دون‬
‫الناث‪ .‬واختلف العلماء فيي المقتول عمدا إذا عفيا عين دميه قبيل‬
‫أن يموت هييل ذلك جائز على الولياء؟ وكذلك فييي المقتول خطييأ‬
‫إذا عفا عن الدية‪ ،‬فقال قوم‪ :‬إذا عفا المقتول عن دمه في العمد‬
‫مضيى ذلك‪ ،‬وممين قال بذلك مالك وأبيو حنيفية والوزاعيي‪ ،‬وهذا‬
‫أحد قولي الشافعي؛ وقالت طائفة أخرى‪ :‬ل يلزم عفوه‪ ،‬وللولياء‬
‫القصيياص أو العفييو‪ ،‬ومميين قال بييه أبييو ثور وداود‪ ،‬وهييو قول‬
‫الشافعييي بالعراق‪ .‬وعمدة هذه الطائفيية أن الله خييير الولي فييي‬
‫ثلث‪ :‬إميا العفيو‪ ،‬وإميا القصياص‪ ،‬وإميا الديية‪ .‬وذلك عام فيي كيل‬
‫مقتول سييواء عفييا عيين دمييه قبييل الموت أو لم يعييف‪ .‬وعمدة‬
‫الجمهور أن الشيء الذي جعل للولي إنما هو حق المقتول‪ ،‬فناب‬
‫فيه منابه وأقيم مقامه‪ ،‬فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم‬
‫مقاميه بعيد موتيه‪ .‬وقيد أجميع العلماء على أن قوله تعالى {فمين‬
‫تصيدق بيه فهيو كفارة له} أن المراد بالمتصيدق ههنيا هيو المقتول‬
‫يتصدق بدمه‪ .‬وإنما اختلفوا على من يعود الضمير في قوله {فهو‬
‫كفارة له} فقييييل على القاتيييل لمييين رأى له توبييية‪ ،‬وقييييل على‬
‫المقتول من ذنوبه وخطاياه‪.‬‬
‫وأمييا اختلفهييم فييي عفييو المقتول خطييأ عيين الدييية فقال مالك‬
‫والشافعي وأبو حنيفة وجمهور فقهاء المصار‪ :‬إن عفوه من ذلك‬
‫فييي ثلثييه إل أن يجيزه الورثيية؛ وقال قوم‪ :‬يجوز فييي جميييع ماله‪،‬‬
‫وممن قال به طاوس والحسن‪ .‬وعمدة الجمهور أنه واهب مال له‬
‫بعيد موتيه فلم يجيز إل فيي الثلث‪ ،‬أصيله الوصيية‪ .‬وعمدة الفرقية‬
‫الثانيية أنيه إذا كان له أن يعفيو عين الدم فهيو أحرى أن يعفيو عين‬
‫المال‪ ،‬وهذه المسألة هي أخص بكتاب الديات‪.‬‬
‫واختلف العلماء إذا عفيا المجروح عين الجراحات‪ ،‬فمات منهيا هيل‬
‫للولياء أن يطالبوا بدميه أم ل؟ فقال مالك‪ :‬لهيم ذلك إل أن يقول‬
‫عفوت عين الجراحات وعميا تئول إلييه؛ وقال أبيو يوسيف ومحميد‬
‫إذا عفيا عين الجراحية ومات فل حيق لهيم‪ ،‬والعفيو عين الجراحات‬
‫عفو عن الدم؛ وقال قوم‪ :‬بل تلزمهم الدية إذا عفا عن الجراحات‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مطلقيا‪ ،‬وهؤلء اختلفوا‪ ،‬فمنهيم مين قال‪ :‬تلزم الجارح الديية كلهيا‪،‬‬
‫واختاره المزنيي مين أقوال الشافعيي؛ ومنهيم مين قال‪ :‬يلزم مين‬
‫الدية ما بقي منها بعد إسقاط دية الجرح الذي عفا عنه‪ ،‬وهو قول‬
‫الثوري‪ .‬وأميا مين يرى أنيه ل يعفيو عين الدم فلييس يتصيور معيه‬
‫خلف في أنه ل يسقط ذلك طلب الولي الدية‪ ،‬لنه إذا كان عفوه‬
‫عيين الدم ل يسييقط حييق الولي‪ ،‬فأحرى أن ل يسييقط عفوه عيين‬
‫الجرح‪ .‬واختلفوا في القاتل عمدا يعفى عنه‪ ،‬هل يبقى للسلطان‬
‫فييه حيق أم ل؟ فقال مالك واللييث‪ :‬إنيه يجلد مائة ويسيجن سينة‪،‬‬
‫وبييه قال أهييل المدينيية‪ ،‬وروي ذلك عيين عميير؛ وقالت طائفيية‪:‬‬
‫الشافعيي وأحميد وإسيحاق وأبيو ثور‪ :‬ل يجيب علييه ذلك؛ وقال أبيو‬
‫ثور‪ :‬إل أن يكون يعرف بالشيير فيؤدبييه المام على قدر مييا يرى‪.‬‬
‫ول عمدة للطائفية الولى إل أثير ضعييف‪ .‬وعمدة الطائفية الثانيية‬
‫ظاهر الشرع وأن التحديد في ذلك ل يكون إل بتوقيف‪ ،‬ول توقيف‬
‫ثابت في ذلك‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في القصاص‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي القصياص هيو فيي صيفة القصياص‪ ،‬وممين يكون؟‬
‫ومتييى يكون؟ فأمييا صييفة القصيياص فييي النفييس‪ ،‬فإن العلماء‬
‫اختلفوا فيي ذلك‪ ،‬فمنهيم مين قال‪ :‬يقتيص مين القاتيل على الصيفة‬
‫التيي قتيل‪ ،‬فمين قتيل تغريقيا قتيل تغريقيا‪ ،‬ومين قتيل بضرب بحجير‬
‫قتييل بمثييل ذلك‪ ،‬وبييه قال مالك والشافعييي‪ ،‬قالوا‪ :‬إل أن يطول‬
‫تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح‪ .‬واختلف أصحاب مالك فيمن‬
‫حرق آخيير‪ ،‬هييل يحرق مييع موافقتهييم لمالك فييي احتذاء صييورة‬
‫القتل؟ وكذلك فيمن قتل بالسهم؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‪ :‬بأي‬
‫وجيه قتله لم يقتيل إل بالسييف‪ .‬وعمدتهيم ميا روى الحسين عين‬
‫النيبي صيلى الله علييه وسيلم أنيه قال "لقود إل بحديدة"‪ .‬وعمدة‬
‫الفرييق الول حدييث أنيس "أن يهودييا رضيخ رأس امرأة بحجير‪،‬‬
‫فرضيخ النيبي صيلى الله علييه وسيلم رأسيه بحجير‪ ،‬أو قال‪ :‬بيين‬
‫حجريين" وقوله {كتيب عليكيم القصياص فيي القتلى} والقصياص‬
‫يقتضيي المماثلة وأميا ممين يكون القصياص فالظاهير أنيه مين ولي‬
‫الدم‪ ،‬وقيد قييل إنيه ل يمكين منيه لمكان العداوة مخافية أن يجور‬
‫فييه‪ .‬وأميا متيى يكون القصياص فبعيد ثبوت موجباتيه‪ ،‬والعذار إلى‬
‫القاتيييل فيييي ذلك إن لم يكييين مقرا‪ .‬واختلفوا هيييل مييين شرط‬
‫القصاص أن ل يكون الموضع الحرم‪ .‬وأجمعوا على أن الحامل إذا‬
‫قَتَلت عمدا أنه ل يقاد منها حتى تضع حملها‪ .‬واختلفوا في القاتل‬
‫بالسييييف والجمهور على وجوب القصييياص؛ وقال بعيييض أهيييل‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الظاهر‪ :‬ل يقتص منه من أجل أنه عليه الصلة والسلم سم هو‬
‫وأصحابه‪ ،‬فلم يتعرض لمن سمه‪.‬‬
‫كمل كتاب القصاص في النفس‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*3‬كتاب الجراح‪.‬‬
‫@‪-‬والجراح صنفان‪ :‬منها ما فيه القصاص أو الدية أو العفو‪ .‬ومنها‬
‫ما فيه الدية أو العفو‪ .‬ولنبدأ بما فيه القصاص‪ ،‬والنظر أيضا ها هنا‬
‫فييي شروط الجارح والجرح الذي بييه يحييق القصيياص والمجروح‪،‬‬
‫وفييي الحكييم الواجييب الذي هييو القصيياص‪ ،‬وفييي بدله إن كان له‬
‫بدل‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في الجارح‪.‬‬
‫@‪-‬ويشترط فييي الجارح أن يكون مكلفييا كمييا يشترط ذلك فييي‬
‫القاتيل‪ ،‬وهيو أن يكون بالغيا عاقل‪ ،‬والبلوغ يكون بالحتلم والسين‬
‫بل خلف‪ ،‬وإن كان الخلف فييي مقداره‪ ،‬فأقصيياه ثمانييية عشيير‬
‫سينة‪ ،‬وأقله خمسية عشير سينة‪ ،‬وبيه قال الشافعيي‪ ،‬ول خلف أن‬
‫الواحيد إذا قطيع عضيو إنسيان واحيد اقتيص منيه إذا كان مميا فييه‬
‫القصيياص‪ .‬واختلفوا إذا قطعييت جماعيية عضوا واحدا‪ ،‬فقال أهييل‬
‫الظاهيير‪ :‬ل تقطييع يدان فييي يييد؛ وقال مالك والشافعييي‪ :‬تقطييع‬
‫اليدي بالييد الواحدة‪ ،‬كميا تقتيل عندهيم النفيس بالنفيس الواحدة؛‬
‫وفرقيت الحنفيية بيين النفيس والطراف‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل تقطيع أعضاء‬
‫بعضو‪ ،‬وتقتل أنفس بنفس‪ ،‬وعندهم أن الطراف تتبعض‪ ،‬وإزهاق‬
‫النفيس ل يتبعيض‪ .‬واختلف فيي النبات‪ ،‬فقال الشافعيي‪ :‬هيو بلوغ‬
‫بإطلق‪ .‬واختلف المذهيب فييه فيي الحدود‪ ،‬هيل هيو بلوغ فيهيا أم‬
‫ل؟ والصيل فيي هذا كله حدييث بنيي قريظية "أنيه صيلى الله علييه‬
‫وسلم قتل منهم من أنبت وجرت عليه المواسي" كما أن الصل‬
‫فيي السين حدييث ابين عمير أنيه عرضيه يوم الخندق وهيو ابين أربيع‬
‫عشرة سيينة فلم يقبله وقبله يوم أحييد وهييو ابيين خمييس عشرة‬
‫سنة‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في المجروح‪.‬‬
‫@‪-‬وأمييا المجروح فإنييه يشترط فيييه أن يكون دمييه مكافئا لدم‬
‫الجارح والذي يؤثير فيي التكافيؤ العبوديية والكفير‪ .‬أميا العبيد والحير‬
‫فإنهم اختلفوا في وقوع القصاص بينهما في الجرح كاختلفهم في‬
‫النفس؛ فمنهم من رأى أنه ل يقتص من الحر للعبد‪ ،‬ويقتص للحر‬
‫من العبد كالحال في النفس؛ ومنهم من رأى أنه يقتص لكل واحد‬
‫منهميا مين كيل واحيد‪ ،‬ولم يفرق بيين الجرح والنفيس؛ ومنهيم مين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فرق فقال‪ :‬يقتيص من العلى للدنيى فيي النفيس والجرح؛ ومنهيم‬
‫ميين قال‪ :‬يقتييص ميين النفييس دون الجرح‪ ،‬وعيين مالك الروايتان‪.‬‬
‫والصواب كما يقتص من الن فس أن يقتص من الجرح‪ ،‬فهذه هي‬
‫حال العبييد ميع الحرار‪ .‬وأميا حال العبييد بعضهيم ميع بعيض‪ ،‬فإن‬
‫للعلماء فيهيم ثلثية أقوال‪ :‬أحدهيا أن القصياص بينهيم فيي النفيس‬
‫و ما دون ها‪ ،‬وهو قول الشافعي وجماعية‪ ،‬وهو مروي عين عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬وهيو قول مالك‪ .‬والقول الثانيي أنيه ل قصياص بينهيم ل‬
‫في النفس ول في الجرح وأنهم كالبهائم‪ ،‬وهو قول الحسن وابن‬
‫شبرمية وجماعية‪ .‬والثالث أن القصياص بينهيم فيي النفيس دون ميا‬
‫دونهيا‪ ،‬وبيه قال أبيو حنيفية والثوري‪ ،‬وروي ذلك عين ابين مسيعود‪.‬‬
‫وعمدة الفريييييق الول قوله تعالى {والعبييييد بالعبييييد} ‪ .‬وعمدة‬
‫الحنفييية مييا روي عيين عمران بيين الحصييين "أن عبدا لقوم فقراء‬
‫قطييع أذن عبييد لقوم أغنياء‪ ،‬فأتوا رسييول الله صييلى الله عليييه‬
‫وسلم فلم يقتص منه" فهذا هو حكم النفس‪.‬‬
‫*‪*4‬القول في الجرح‪.‬‬
‫@‪-‬وأما الجرح فإنه يشترط فيه أن يكون على وجه العمد‪ ،‬أعني‬
‫الجرح الذي يجييب فيييه القصيياص‪ ،‬والجرح ل يخلو أن يكون يتلف‬
‫جارحة من جوارح المجروح أو ل يتلف‪ ،‬فإن كان مما يتلف جارحة‬
‫فالعمد فيه هو أن يقصد ضربه على وجه الغضب بما يجرح غالبا‪.‬‬
‫وأميا إن جرحيه على وجيه اللعيب أو اللعيب ب ما ل يجرح به غالبيا أو‬
‫على وجه الدب‪ ،‬فيشبه أن يكون فيه الخلف الذي يقع في القتل‬
‫الذي يتولد عين الضرب فيي اللعيب والدب بميا ل يقتيل غالبيا‪ ،‬فإن‬
‫أبيا حنيفية يعتيبر اللة حتيى يقول إن القاتيل بالمثقيل ل يقتيل وهيو‬
‫شذوذ منييه‪ ،‬أعنييي بالخلف هييل فيييه القصيياص أو الدييية إن كان‬
‫الجرح مميا فييه الديية‪ .‬وأميا إن كان الجرح قيد أتلف جارحية مين‬
‫جوارح المجروح‪ ،‬ف من شرط القصاص فيه العميد أي ضا بل خلف‪،‬‬
‫وفيي تميييز العميد منيه مين غيير العميد خلف‪ .‬أميا إذا ضربيه على‬
‫العضيو نفسيه فقطعيه وضربيه بآلة تقطيع العضيو غالبيا‪ ،‬أو ضربيه‬
‫على وجييه النائرة فل خلف أن فيييه القصيياص‪ .‬وأمييا إن ضربييه‬
‫بلطمية أو سيوط أو ميا أشبيه ذلك مميا الظاهير منيه أنيه لم يقصيد‬
‫إتلف العضو مثل أن يلطمه فيفقأ عينه‪ ،‬فالذي عليه الجمهور أنه‬
‫شبيه العميد ول قصياص فييه‪ ،‬وفييه الديية مغلظية فيي ماله وهيي‬
‫روايية العراقييين عين مالك‪ ،‬والمشهور فيي المذهيب أن ذلك عميد‬
‫وفيه القصاص إل في الب مع ابنه؛ وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف‬
‫ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس ل في الجرح‪ .‬وأما‬
‫إن جرحييه فأتلف عضوا على وجييه اللعييب ففيييه قولن‪ :‬أحدهمييا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وجوب القصاص‪ ،‬والثاني نفيه‪ .‬وما يجب على هذين القولين ففيه‬
‫القولن قبل الدية مغلظة‪ ،‬وقيل دية الخطأ‪ ،‬أعني فيما فيه دية‪،‬‬
‫وكذلك إذا كان على وجيه الدب ففييه الخلف‪ .‬وأميا ميا يجيب فيي‬
‫جراح العميد إذا وقعيت على الشروط التيي ذكرناهيا فهيو القصياص‬
‫لقوله تعالى {والجروح قصياص} وذلك فيميا أمكين القصياص فييه‬
‫منها‪ ،‬وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش منه تلف النفس‪،‬‬
‫وإنما صاروا لهذا لما روي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة" فرأى مالك ومن قال‬
‫بقوله أن هذا حكيم ميا كان فيي معنيى هذه مين الجراح التيي هيي‬
‫متالف‪ ،‬مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر والفخذ وما أشبه‬
‫ذلك‪ .‬وقييد اختلف قول مالك فييي المنقلة‪ ،‬فمرة قال بالقصيياص‪،‬‬
‫ومرة قال بالدييية؛ وكذلك الميير عنييد مالك فيمييا ل يمكيين فيييه‬
‫التسياوي فيي القصياص مثيل القتصياص مين ذهاب بعيض النظير أو‬
‫بعض السمع‪ ،‬ويمنع القصاص أيضا عند مالك عدم المثل مثل أن‬
‫يفقيأ أعميى عيين بصيير‪ .‬واختلفوا مين هذا فيي العور يفقيأ عيين‬
‫الصيحيح عمدا‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬إن أحيب الصيحيح أن يسيتقيد منيه‬
‫فله القود‪ ،‬واختلفوا إذا عفييا عيين القود‪ ،‬فقال قوم‪ :‬إن أحييب فله‬
‫الدية كاملة ألف دينار‪ ،‬وهو مذهب مالك‪ ،‬وقيل ليس له إل نصف‬
‫الدييية‪ ،‬وبييه قال الشافعييي‪ ،‬وهييو أيضييا منقول عيين مالك‪ ،‬ويقول‬
‫الشافعييي قال ابيين القاسييم‪ ،‬وبالقول الخيير قال المغيرة ميين‬
‫أصييحابه وابيين دينار‪ .‬وقال الكوفيون‪ :‬ليييس للصييحيح الذي فقئت‬
‫عينه إل القود أو ما اصطلحا عليه؛ وقد قيل ل يستقيد من العور‬
‫وعليييه الدييية كاملة‪ ،‬روي هذا عيين ابيين المسيييب وعيين عثمان‪.‬‬
‫وعمدة صيياحب هذا القول أن عييين العور بمنزلة عينييين‪ ،‬فميين‬
‫فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنين في واحدة‪ ،‬وإلى نحو هذا‬
‫ذهيب مين رأى أنيه إذا ترك القود أنيه له ديية كاملة‪ ،‬ويلزم حاميل‬
‫هذا القول أن ل يسييتقيد ضرورة؛ وميين قال بالقود وجعييل الدييية‬
‫نصف الدية فهو أحرز لصله‪ ،‬فتأمله فإنه بين بنفسه والله أعلم‪.‬‬
‫وأما هل المجروح مخير بين القصاص وأخذ الدية‪ ،‬أم ليس له إل‬
‫القصياص فقيط إل أن يصيطلحا على أخيذ الديية ففييه القولن عين‬
‫مالك مثل القولين في القتل‪ ،‬وكذلك أحد قولي مالك في العور‬
‫يفقيأ عيين الصيحيح‪ :‬أن الصيحيح يخيير بيين أن يفقيأ عيين العور أو‬
‫يأخذ الدية ألف دينار أو خمسمائة على الختلف في ذلك‪.‬‬
‫وأميا متيى يسيتقاد مين الجرح؟ فعنيد مالك أنيه ل يسيتقاد مين جرح‬
‫إل بعييد اندماله‪ ،‬وعنييد الشافعييي على الفور؛ فالشافعييي تمسييك‬
‫بالظاهير‪ ،‬ومالك رأى أن يعتيبر ميا يئول إلييه أمير الجرح مخافية أن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يفضي إلى إتلف النفس‪ .‬واختلف العلماء في المقتص من الجرح‬
‫يموت المقتيييص مييين ذلك الجرح‪ ،‬فقال مالك والشافعيييي وأبيييو‬
‫يوسف ومحمد ل شيء على المقتص‪ ،‬وروي عن علي وعمر مثل‬
‫ذلك‪ ،‬وبه قال أحمد وأبو ثور وداود؛ وقال أبو حنيفة والثوري وابن‬
‫أبييي ليلى وجماعيية‪ :‬إذا مات وجييب على عاقلة المقتييص الدييية؛‬
‫وقال بعضهيم‪ :‬هيي فيي ماله‪ .‬وقال عثمان البتيي‪ :‬يسيقط عنيه مين‬
‫الدييية قدر الجراحيية التييي اقتييص منهييا‪ ،‬وهييو قول ابيين مسييعود‪.‬‬
‫فعمدة الفريق الول إجماعهم على أن السارق إذا مات من قطع‬
‫يده أنيه ل شييء على الذي قطيع يده‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية أنيه قتيل‬
‫خطيأ وجبيت فييه الديية؛ ول يقاد عنيد مالك فيي الحير الشدييد ول‬
‫البرد الشدييد‪ ،‬ويؤخير ذلك مخافية أن يموت المقاد منيه؛ وقيد قييل‬
‫إن المكان شرط فييي جواز القصيياص وهييو غييير الحرم‪ ،‬فهذا هييو‬
‫حكيم العميد فيي الجنايات على النفيس وفيي الجنايات على أعضاء‬
‫البدن‪ ،‬وينبغيي أن نصيير إلى حكيم الخطيأ فيي ذلك‪ ،‬ونبتدئ بحكيم‬
‫الخطأ في النفس‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الديات في النفوس‪.‬‬
‫@‪-‬والصييل فييي هذا الباب قوله تعالى {وميين قتييل مؤمنييا خطييأ‬
‫فتحرييير رقبيية مؤمنيية ودييية مسييلمة إلى أهله إل أن يصييدقوا}‬
‫والديات تختلف فييي الشريعيية بحسييب اختلف الدماء‪ .‬وبحسييب‬
‫اختلف الذين تلزمهم الدية‪ ،‬وأيضا تختلف بحسب العمد إذا رضي‬
‫بهيا إميا الفريقان‪ ،‬وإميا مين له القود على ميا تقدم مين الختلف‪.‬‬
‫والنظر في الدية هو في موجبها‪ ،‬أعني في أي قتل تجب‪ ،‬ثم في‬
‫نوعها وفي قدرها‪ ،‬وفي الوقت الذي تجب فيه‪ ،‬وعلى من تجب‪.‬‬
‫فأميا فيي أي قتيل تجيب‪ ،‬فإنهيم اتفقوا على أنهيا تجيب فيي قتيل‬
‫الخطييأ وفييي العمييد الذي يكون ميين غييير مكلف مثييل المجنون‬
‫والصيبي‪ ،‬وفيي العميد الذي تكون حرمية المقتول فييه ناقصية عين‬
‫حرمية القاتيل‪ ،‬مثيل الحير والعبيد ومين قتيل الخطيأ ميا اتفقوا على‬
‫أنه خطأ‪ .‬ومنه ما اختلفوا فيه‪ ،‬وقد تقدم صدر من ذلك‪ ،‬وسيأتي‬
‫بعد ذلك اختلفهم في تضمين الراكب والسائق والقائد‪.‬‬
‫وأميا قدرهيا ونوعهيا‪ ،‬فإنهيم اتفقوا على أن ديية الحير المسيلم على‬
‫أهل ال بل مائة من ال بل‪ ،‬وهي في مذهب مالك ثلث ديات‪ :‬دية‬
‫الخطيأ‪ ،‬وديية العميد إذا قبلت‪ ،‬وديية شبيه العميد‪ .‬وهيي عنيد مالك‬
‫فيي الشهير عنيه مثيل فعيل المدلجيي بابنيه‪ .‬وأميا الشافعيي فالديية‬
‫عنده اثنان فقيييط‪ :‬مخففييية ومغلظييية‪ .‬فالمخففييية ديييية الخطيييأ‪،‬‬
‫والمغلظية ديية العميد وديية شبيه العميد‪ .‬وأميا أبيو حنيفية فالديات‬
‫عنده اثنان أيضيا‪ :‬ديية الخطيأ‪ ،‬وديية شبيه العميد‪ ،‬ولييس عنده ديية‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيي العميد‪ ،‬وإنميا الواجيب عنده فيي العميد ميا اصيطلحا علييه وهيو‬
‫حال عليه غير مؤجل‪ ،‬وهو معنى قول مالك المشهور‪ ،‬لنه إذا لم‬
‫تلزمه الد ية عنده إل باصطلح فل معنى لتسميتها دية إل ما روي‬
‫عنيه أنهيا تكون مؤجلة كديية الخطيأ فههنيا يخرج حكمهيا عين حكيم‬
‫المال المصيطلح علييه‪ ،‬وديية العميد عنده أرباع‪ :‬خميس وعشرون‬
‫بنييت مخاض‪ ،‬وخمييس وعشرون بنييت لبون‪ ،‬وخمييس وعشرون‬
‫حقيية‪ ،‬وخمييس وعشرون جذعيية‪ ،‬وهييو قول ابيين شهاب وربيعيية‪،‬‬
‫والديية المغلظية عنده أثلثيا‪ :‬ثلثون حقية‪ ،‬وثلثون جذعية‪ ،‬وأربعون‬
‫خلفيية وهييي الحوامييل‪ ،‬ول تكون المغلظيية عنده فييي المشهور إل‬
‫في مثل فعل المدلجي بابنه؛ وعند الشافعي أنها تكون في شبه‬
‫العميد أثلثيا أيضيا‪ ،‬وروى ذلك أيضا عين عمير وزييد بين ثابيت؛ وقال‬
‫أبيو ثور‪ :‬الديية فيي العميد إذا عفيا ولي الدم أخماسيا كديية الخطيأ‪.‬‬
‫واختلفوا في أسنان البل في دية الخطأ‪ ،‬فقال مالك والشافعي‪:‬‬
‫هيييييي أخماس‪ :‬عشرون ابنييييية مخاض‪ ،‬وعشرون ابنييييية لبون‪،‬‬
‫وعشرون ابين لبون ذكرا‪ ،‬وعشرون حقية‪ ،‬وعشرون جذعية‪ ،‬وهيو‬
‫مروي عن ابن شهاب وربيعة‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة وأصحابه‪ ،‬أعني‬
‫التخمييس‪ ،‬إل أنهيم جعلوا مكان ابين لبون ذكير ابين مخاض ذكرا‪،‬‬
‫وروي عن ابن مسعود الوجهان جميعا؛ وروي عن سيدنا علي أنه‬
‫جعلهيا أرباعيا‪ ،‬أسيقط منهيا الخميس والعشريين بنيي لبون‪ .‬وإلييه‬
‫ذهيب عمير بين عبيد العزييز‪ ،‬ول حدييث فيي ذلك مسيند‪ ،‬فدل على‬
‫الباحيية ‪ -‬والله أعلم ‪ -‬كمييا قال أبييو عميير بيين عبييد البر‪ .‬وخرج‬
‫البخاري والترمذي عين ابيين مسيعود عيين النييبي صييلى الله علييه‬
‫وسيلم أنيه قال "فيي ديية الخطيأ عشرون بنيت مخاض وعشرون‬
‫ابين مخاض ذكور وعشرون بنات لبون وعشرون جذعية وعشرون‬
‫حقة"‬
‫واعتيل لهذا الحدييث أبيو عمير بأنيه روى عين حنييف ابين مالك عين‬
‫ابين مسيعود وهيو مجهول قال‪ :‬وأحيب إلي فيي ذلك الروايية عين‬
‫علي‪ ،‬ل نه لم يختلف في ذلك عليه كما اختلف على ا بن مسعود‪.‬‬
‫وخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من‬
‫البيييل‪ :‬ثلثون بنيييت مخاض‪ ،‬وثلثون بنيييت لبون‪ ،‬وثلثون حقييية‪،‬‬
‫وعشرة بني لبون ذكر" قال أبو سليمان الخطابي هذا الحديث ل‬
‫أعرف أحدا ميين الفقهاء المشهورييين قال بييه وإنمييا قال أكثيير‬
‫العلماء إن دييية الخطييأ أخماس‪ ،‬وإن كانوا اختلفوا فييي الصييناف؛‬
‫وقيد روي أن ديية الخطيأ مربعية عين بعيض العلماء وهيم الشعيبي‬
‫والنخعييي والحسيين البصييري‪ ،‬وهؤلء جعلوهييا‪ :‬خمسييا وعشرييين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫جذعيية‪ ،‬وخمسييا وعشرييين حقيية‪ ،‬وخمسييا وعشرييين بنات لبون‪،‬‬
‫وخمسيا وعشريين بنات مخاض‪ ،‬كميا روي عين علي وخرجيه أبيو‬
‫داود‪ ،‬وإن ما صيار الجمهور إلى تخمييس دية الخطيأ‪ :‬عشرون حقية‪،‬‬
‫وعشرون جذعيية‪ ،‬وعشرون بنييت مخاض‪ ،‬وعشرون بنييت لبون‪،‬‬
‫وعشرون بني مخاض ذكر‪ ،‬وإن كان لم يتفقوا على بني المخاض‬
‫لنها لم تذكر في أسنان فيها‪ ،‬وقياس من أخذ بحديث التخميس‬
‫فيي الخطيأ وحدييث التربييع فيي شبيه العميد إن ثبيت هذا‪ .‬النوع‬
‫الثالث أن يقول فيييي ديييية العميييد بالتثلييييث كميييا قيييد روي ذلك‬
‫الشافعيي‪ ،‬ومين لم يقيل بالتثلييث شبيه العميد بميا دونيه‪ .‬فهذا هيو‬
‫مشهور أقاويلهيم فيي الديية التيي تكون مين البيل على أهيل البيل‪.‬‬
‫وأميا أهيل الذهيب والورق فإنهيم اختلفوا أيضيا فيميا يجيب مين ذلك‬
‫عليهيييم؛ فقال مالك‪ :‬على أهيييل الذهيييب ألف دينار‪ ،‬وعلى أهيييل‬
‫الورق اثنيا عشير ألف درهيم؛ وقال أهيل العراق‪ :‬على أهيل الورق‬
‫عشرة آلف درهييم؛ وقال الشافعييي بمصيير‪ :‬ل يؤخييذ ميين أهييل‬
‫الذهيب ول مين أهيل الورق إل قيمية البيل بالغية ميا بلغيت‪ ،‬وقوله‬
‫بالعراق مثييل قول مالك‪ .‬وعمدة مالك تقويييم عميير بيين الخطاب‬
‫المائة مين البيل على أهيل الذهيب بألف دينار‪ ،‬وعلى أهيل الورق‬
‫باثني عشر ألف درهم‪ .‬وعمدة الحنفية ما رووا أيضا عن عمر أنه‬
‫قوم الدينار بعشرة دراهم‪ ،‬وإجماعهم على تقويم المثقال بها في‬
‫الزكاة‪.‬‬
‫وأميا الشافعيي فيقول‪ :‬إن الصيل فيي الديية إنميا هيو مائة بعيير‪،‬‬
‫وعمير إنميا جعيل فيهيا ألف دينار على أهيل الذهيب‪ ،‬واثنيي عشير‬
‫ألف درهيم على أهيل الورق‪ ،‬لن ذلك كان قيمية البيل من الذهيب‬
‫والورق فيي زمانيه‪ ،‬والحجية له ميا روي عين عمرو بين شعييب عين‬
‫أبييه عين جده أنيه قال كانيت الديات على عهيد رسيول الله صيلى‬
‫الله عليييه وسييلم ثمانمائة دينار وثمانييية آلف درهييم‪ ،‬ودييية أهييل‬
‫الكتاب على النصييف ميين دييية المسييلمين‪ .‬قال‪ :‬فكان ذلك حتييى‬
‫اسييتخلف عميير‪ ،‬فقام خطيبييا فقال‪ :‬إن البييل قييد غلت‪ ،‬ففرضهييا‬
‫عمير على أهيل الورق اثنيي ألف درهيم‪ ،‬وعلى أهيل الذهيب ألف‬
‫دينار‪ ،‬وعلى أهل البقر مائتي بقرة‪ ،‬وعلى أهل الشاة ألفي شاة‪،‬‬
‫وعلى أهيل الحلل مائتيي حلة‪ ،‬وترك ديية أهيل الذمية لم يرفيع فيهيا‬
‫شيئا‪ .‬واحتيج بعيض الناس لمالك لنيه لو لو كان تقوييم عمير بدل‬
‫لكان دينييا بدييين‪ ،‬لجماعهييم أن الدييية فييي الخطييأ مؤجلة لثلث‬
‫سنين؛‬
‫ومالك وأ بو حنيفية وجماعية متفقون على أن الديية ل تؤخيذ إل مين‬
‫البيل أو الذهيب أو الورق‪ .‬وقال أبيو يوسيف ومحميد بين الحسين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫والفقهاء السييبعة المدنيون‪ :‬يوضييع على أهييل الشاة ألفييا شاة‪،‬‬
‫وعلى أهيييل البقييير مائتيييا بقرة‪ ،‬وعلى أهيييل البرود مائتيييا حلة‪،‬‬
‫وعمدتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم‪ ،‬وما‬
‫أسنده أبو بكر بن أبي شبية عن عطاء "أن رسول الله صلى الله‬
‫علييه وسيلم وضيع الديية على الناس فيي أموالهيم ميا كانيت على‬
‫أهل البل مائة بعير‪ ،‬وعلى أهل الشاة ألفا شاة‪ ،‬وعلى أهل البقر‬
‫مائتيا بقرة‪ ،‬وعلى أهيل البرود مائتيا حلة" وميا روي عين عمير بين‬
‫عبيد العزييز أنيه كتيب إلى الجناد أن الديية كانيت على عهيد رسيول‬
‫الله صيلى الله علييه وسيلم مائة بعيير‪ .‬قال‪ :‬فإن كان الذي أصيابه‬
‫من العراب فديته من البل ل يكلف العرابي الذهب ول الورق‪،‬‬
‫فإن لم يجد العرابي مائة من البل فعد لها من الشاة ألف شاة‪.‬‬
‫ولن أهل العراق أيضا رووا عن عمر مثل حديث عمرو بن شعيب‬
‫عين أبييه عين جده نصيا‪ .‬وعمدة الفرييق الول أنيه لو جاز أن تقوم‬
‫بالشاة والبقير لجاز أن تقوم بالطعام على أهيل الطعام‪ ،‬وبالخييل‬
‫على أهل الخيل‪ ،‬وهذا ل يقول به أحد‪ .‬والنظر في الدية كما قلت‬
‫هو في نوعها‪ ،‬وفي مقدارها‪ ،‬وعلى من تجب‪ ،‬وفيما تجب‪ ،‬ومتى‬
‫تجيب؟‪ .‬أميا نوعهيا ومقدارهيا فقيد تكلمنيا فييه فيي الذكور الحرار‬
‫المسيلمين‪ .‬وأميا على مين تجيب؟ فل خلف بينهيم أن ديية الخطيأ‬
‫تجييب على العاقلة وأنييه حكييم مخصييوص ميين عموم قوله تعالى‬
‫{ول تزر وازرة وزر أخرى} ومن قوله عليه الصلة والسلم لبي‬
‫زمنيية لولده "ل يجنييي عليييك ول تجنييي عليييه"‪ .‬وأمييا دييية العمييد‬
‫فجمهورهم على أنها ليست على العاقلة لما روي عن ابن عباس‬
‫ول مخالف له ميين الصييحابة أنييه قال‪ :‬ل تحمييل العاقلة عمدا ول‬
‫إعترافيا ول صيلحا فيي عميد‪ ،‬وجمهورهيم على أنهيا ل تحميل مين‬
‫أصياب نفسيه خطيأ؛ وشيذ الوزاعيي فقال‪ :‬مين ذهيب يضرب العدو‬
‫فقتل نفسه فعلى عاقلته الدية‪ ،‬وكذلك عندهم في قطع العضاء‪.‬‬
‫وروي عين عمير أن رجل فقيأ عيين نفسيه خطيأ‪ ،‬فقضيى له عمير‬
‫بديتهييا على عاقلتييه‪ .‬واختلفوا فييي دييية شبييه العمييد‪ ،‬وفييي الدييية‬
‫المغلظة على قولين‪ :‬واختلفوا في دية ما جناه المجنون والصبي‬
‫على مين تجيب؟ فقال مالك وأبيو حنيفية وجماعية إنيه كله يحميل‬
‫على العاقلة؛ وقال الشافعي عمد الصبي في ماله‪.‬‬
‫وسيبب اختلفهيم تردد فعيل الصيبي بيين العاميد والمخطيئ؛ فمين‬
‫غلب عليه شبه العمد أوجب الدية في ماله؛ ومن غلب عليه شبه‬
‫الخطيأ أوجبهيا على العاقلة‪ ،‬وكذلك اختلفوا إذا اشترك فيي القتيل‬
‫عاميد وصيبي‪ ،‬والذيين أوجبوا على العاميد القصياص وعلى الصيبي‬
‫الدييية اختلفوا على ميين تكون؟ فقال الشافعييي‪ :‬على أصييله فييي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مال الصبي؛ وقال مالك‪ :‬على العاقلة؛ وأما أبو حنيفة فيرى أن ل‬
‫قصاص بينهما‪ .‬وأ ما متى تجب؟ فإنهم اتفقوا على أن دية الخطأ‬
‫مؤجلة في ثلث سنين‪ ،‬وأما دية العمد فحالة إل أن يصطلحا على‬
‫التأجيل‪ .‬وأما من هم العاقلة‪ ،‬فإن جمهور العلماء من أهل الحجاز‬
‫اتفقوا على أن العاقلة هيي بالقرابية مين قبيل الب‪ ،‬وهيم العصيبة‬
‫دون أهييل الديوان‪ ،‬وتحمييل الموالي العقييل عنييد جمهورهييم إذا‬
‫عجزت عنيه العصيبة‪ ،‬إل داود فإنيه لم يير الموالي عصيبة‪ ،‬ولييس‬
‫فيميا يجيب على واحيد واحيد منهيم حيد عنيد مالك؛ وقال الشافعيي‪:‬‬
‫على الغنيي دينار وعلى الفقيير نصيف دينار‪ ،‬وهيي عنيد الشافعيي‬
‫مرتبة على القرابة بحسب قربهم‪ ،‬فالقرب من بني أبيه‪ ،‬ثم من‬
‫بني جده‪ ،‬ثم من بني أبية؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‪ :‬العاقلة هم‬
‫أهل ديوانه إن كان من أهل ديوان‪ .‬وعمدة أهل الحجاز أنه تعاقل‬
‫الناس فيي زمان رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم وفيي زمان‬
‫أبيي بكير ولم يكين هناك ديوان؛ وإنميا كان الديوان فيي زمين عمير‬
‫بين الخطاب‪ .‬واعتميد الكوفيون حدييث جيبير بين مطعيم عين النيبي‬
‫صيلى الله علييه وسيلم أنيه قال "ل حلف فيي السيلم‪ ،‬وأيميا حلف‬
‫كان فيي الجاهليية فل يزيده السيلم إل قوة"‪ .‬وبالجملة فتمسيكوا‬
‫في ذلك بنحو تمسكهم في وجوب الولء للحلفاء‪.‬‬
‫واختلفوا فيي جنايية مين ل عصيبة له ول موالي وهيم السيائبة إذا‬
‫جنوا خطأ هل يكون عليه عقل أم ل؟‪ ،‬وإن كان فعلى من يكون؟‬
‫فقال مين لم يجعيل لهيم موالي‪ :‬لييس على السيائبة عقيل‪ ،‬وكذلك‬
‫من لم يجعل العقل على الموالي‪ ،‬وهو داود وأصحابه‪ .‬وقال‪ :‬من‬
‫جعيييل ولءه لمييين أعتقيييه علييييه عقله‪ ،‬وقال‪ :‬مييين جعيييل ولءه‬
‫للمسيلمين عقله فيي بييت المال‪ ،‬ومين قال إن للسيائبة أن يوالي‬
‫مين شاء جعيل عقله لمين وله‪ ،‬وكيل هذه القاوييل قيد حكييت عين‬
‫السلف‪ .‬والديات تختلف بحسب اختلف المودى فيه‪ ،‬والمؤثر في‬
‫نقصيان الديية هيي النوثية والكفير والعبوديية‪ .‬أميا ديية المرأة فإنهيم‬
‫اتفقوا على أنهيا على النصيف مين ديية الرجيل فيي النفيس فقيط‪.‬‬
‫واختلفوا فيميا دون النفيس مين الشجاج والعضاء على ميا سييأتي‬
‫القول فييه فيي ديات الجروح والعضاء‪ .‬وأميا ديية أهيل الذمية إذا‬
‫قتلوا خطيأ‪ ،‬فإن للعلماء فيي ذلك ثلثية أقوال‪ :‬أحدهيا ديتهيم على‬
‫النصييف ميين دييية المسييلم ذكرانهييم على النصييف ميين ذكران‬
‫المسيلمين‪ ،‬ونسياؤهم على النصيف مين نسيائهم‪ ،‬وبيه قال مالك‬
‫وعمر بن عبيد العزيز‪ ،‬وعلى هذا تكون ديية جراحهم على النصيف‬
‫من دية المسلمين‪ .‬والقول الثاني أن ديتهم ثلث دية المسلم‪ ،‬وبه‬
‫قال الشافعييي‪ ،‬وهييو مروي عيين عميير بيين الخطاب وعثمان ابيين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫عفان‪ ،‬وقال بييه جماعيية ميين التابعييين‪ .‬والقول الثالث‪ :‬أن ديتهييم‬
‫مثيل ديية المسيلمين‪ ،‬وبيه قال أبيو حنيفية والثوري وجماعية‪ ،‬وهيو‬
‫مروي عيين ابين مسييعود‪ ،‬وقييد روي عيين عميير وعثمان‪ ،‬وقال بيه‬
‫جماعية مين التابعيين‪ .‬فعمدة الفرييق الول ميا روي عين عمرو بين‬
‫شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‬
‫"دية الكافر على النصف من دية المسلم" وعمدة الحنفية عموم‬
‫قوله تعالى {وإن كان مين قوم بينكيم وبينهيم ميثاق فديية مسيلمة‬
‫إلى أهله وتحريير رقبية مؤمنية} ‪.‬ومين السينة ميا رواه معمير عين‬
‫الزهري قال‪ :‬ديييية اليهودي والنصيييراني وكيييل ذميييي مثيييل ديييية‬
‫المسلم‪ .‬قال‪ :‬وكانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى كان معاوية‪ ،‬فجعل في بيت‬
‫المال نصفها‪ ،‬وأعطى أهل المقتول نصفها‪ ،‬ثم قضى عمر بن عبد‬
‫العزيز بنصف الد ية ألغى الذي جعله معاو ية في بيت المال‪ ،‬قال‬
‫الزهري‪ :‬فلم يقض لي أن أذكر بذلك عمر بن عبد العزيز فأخبره‬
‫أن الدية كانت تامة لهل الذمة‪.‬‬
‫(يتبع‪)...‬‬
‫@(تابييع‪- :)1 ...‬والصييل فييي هذا الباب قوله تعالى {وميين قتييل‬
‫مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة‪... ...‬‬
‫وأميا إذا قتيل العبيد خطيأ أو عمدا على مين ل يرى القصياص فييه‪،‬‬
‫فقال قوم‪ :‬علييه قيمتيه بالغية ميا بلغيت وإن زادت على ديية الحير‪،‬‬
‫وبييه قال مالك والشافعييي وأبييو يوسييف‪ ،‬وهييو قول سييعيد ابيين‬
‫المسيب وعمر بن عبد العزيز‪ .‬وقال أبو حنيفة ومحمد‪ :‬ل يتجاوز‬
‫بقيمية العبيد الديية؛ وقالت طائفية مين فقهاء الكوفية‪ :‬فييه الديية‪،‬‬
‫ولكين ل يبلغ بيه ديية الحير ينقيص منهيا شيئا‪ .‬وعمدة الحنفيية أن‬
‫الرق حال نقيص‪ ،‬فوجيب أن ل تزييد قيمتيه على ديية الحير‪ .‬وعمدة‬
‫من أوجب فيه الدية ولكن ناقصة عن دية الحر أنه مكلف ناقص‪،‬‬
‫فوجيب أن يكون الحكيم ناقصيا عين الحير لكين واحدا بالنوع أصيله‬
‫الحد في الزنى والقذف والخمر والطلق‪ ،‬ولو قيل فيه إنها تكون‬
‫على النصييف ميين دييية الحيير لكان قول له وجييه‪ :‬أعنييي فييي دييية‬
‫الخطييأ‪ ،‬لكيين لم يقييل بييه أحييد‪ .‬وعمدة مالك أنييه مال قييد أتلف‬
‫فوجب فيه القيمة‪ ،‬أصله سائر الموال‪ .‬واختلف في الواجب في‬
‫العبد على من يجب؟ فقال أبو حنيفة‪ :‬هو على عاقلة القاتل‪ ،‬وهو‬
‫الشهر عن الشافعي؛ وقال مالك‪ :‬هو على القاتل نفسه‪ .‬وعمدة‬
‫مالك تشيبيه العبيد بالعروض‪ .‬وعمدة الشافعيي قياسيه على الحير‪.‬‬
‫ومما يدخل في هذا الباب من أنواع الخطأ دية الجنين‪ ،‬وذلك لن‬
‫سقوط الجنين عن الضرب ليس هو عمدا محضا‪ ،‬وإنما هو عمد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫في أمه خطأ فيه‪ .‬والنظر في هذا الباب هو أيضا في الواجب في‬
‫ضروب الجنية وفيي صيفة الجنيين الذي يجيب فييه الواجيب‪ ،‬وعلى‬
‫مين تجيب‪ ،‬ولمين يجيب‪ ،‬وفيي شروط الوجوب‪ .‬فأميا الجنية فإنهيم‬
‫اتفقوا على أن الواجيب فيي جنيين الحرة وجنيين المية مين سييدها‬
‫هو غرة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة‬
‫وغيره "أن امرأتييين ميين هذيييل رمييت إحداهمييا الخرى فطرحييت‬
‫جنينها" فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو‬
‫وليدة" واتفقوا على أن قيمة الغرة الواجبة في ذلك عند من رأى‬
‫أن الغرة فييي ذلك محدودة بالقيميية وهييو مذهييب الجمهور هييي‬
‫نصيف عشير ديية أميه؛ إل أن مين رأى أن الديية الكاملة على أهيل‬
‫الدراهم هي عشرة آلف درهم قال‪ :‬دية الجنين خمسمائة درهم؛‬
‫ومن رأى أنها اثنا عشر ألف درهم قال‪ :‬ستمائة درهم؛‬
‫والذييين لم يحدوا فييي ذلك حدا أو لم يحدوهييا ميين جهيية القيميية‬
‫وأجازوا إخراج قيمتهييا عنهييا قالوا‪ :‬الواجييب فييي ذلك قيميية الغرة‬
‫بالغية ميا بلغيت؛ وقال داود وأهيل الظاهير‪ :‬كيل ميا وقيع علييه اسيم‬
‫غرة أجزأ‪ ،‬ول يجزئ عنده القيمية فيي ذلك فيميا أحسيب‪ .‬واختلفوا‬
‫فيي الواجيب فيي جنيين المية وفيي جنيين الكتابيية؛ فذهيب مالك‬
‫والشافعيي إلى أن جنيين المية عشير قيمية أميه ذكرا كان أو أنثيى‬
‫يوم يجنييى عليييه؛ وفرق قوم بييين الذكيير والنثييى‪ ،‬فقال قوم‪ :‬إن‬
‫كان أنثى فيه عشر قيمة أمه‪ ،‬وإن كان ذكرا فعشر قيمته لو كان‬
‫حيييا‪ ،‬وبييه قال أبييو حنيفيية‪ ،‬ول خلف عندهييم أن جنييين الميية إذا‬
‫سيقط حييا أن فييه قيمتيه؛ وقال أبيو يوسيف‪ :‬فيي جنيين المية إذا‬
‫سقط ميتا من ها ما نقص من قيمة أمه‪ .‬وأما جنين الذمية‪ ،‬فقال‬
‫مالك والشافعيي وأبيو حنيفية‪ :‬فييه عشير ديية أميه‪ ،‬لكين أبيو حنيفية‬
‫على أصله في أن دية الذمي دية المسلم‪ ،‬والشافعي على أصله‬
‫في أن دية الذمي ثلث دية المسلم‪ ،‬ومالك على أصله في أن دية‬
‫الذمي نصف دية المسلم‪ .‬وأما صفة الجنين الذي تجب فيه فإنهم‬
‫اتفقوا على أن مين شروطيه أن يخرج الجنيين ميتيا ول تموت أميه‬
‫من الضرب‪ .‬واختلفوا إذا ماتت أمه من الضرب ثم سقط الجنين‬
‫ميتييا‪ ،‬فقال مالك والشافعييي‪ :‬ل شيييء فيييه؛ وقال أشهييب‪ :‬فيييه‬
‫الغرة‪ ،‬وبييه قال الليييث وربيعيية والزهري‪ .‬واختلفوا ميين هذا الباب‬
‫فييي فروع‪ ،‬وهييي العلميية التييي تدل على سييقوطه حيييا أو ميتييا‪.‬‬
‫فذهيب مالك وأصيحابه إلى أن علمية الحياة السيتهلل بالصيياح أو‬
‫البكاء؛ وقال الشافعيي وأبيو حنيفية والثوري وأكثير الفقهاء‪ :‬كيل ميا‬
‫علمييت بييه الحياة فييي العادة ميين حركيية أو عطاس أو تنفييس‬
‫فأحكاميه أحكام الحيي‪ ،‬وهيو الظهير‪ .‬واختلفوا مين هذا الباب فيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الخلقة التي توجب الغرة‪ ،‬فقال مالك‪ :‬كل ما طرحته من مضغة‬
‫أو علقية مميا يعلم أنيه ولد ففييه الغرة‪ ،‬وقال الشافعيي‪ :‬ل شييء‬
‫فيه حتيى تسيتبين الخلقية‪ .‬والجود أن يعتيبر نفخ الروح فييه‪ ،‬أعنيي‬
‫أن يكون تجب فيه الغرة إذا علم أن الحياة قد كانت وجدت فيه‪.‬‬
‫وأما على من تجب؟ فإنهم اختلفوا في ذلك؛ فقالت طائفة منهم‬
‫مالك والحسين بين حيي والحسين البصيري‪ :‬هيي فيي مال الجانيي؛‬
‫وقال آخرون‪ :‬هيي على العاقلة‪ ،‬وممين قال بذلك الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفية والثوري وجماعية‪ .‬وعمدتهيم أنهيا جنايية خطيأ فوجبيت على‬
‫العاقلة‪ .‬وما روي أيضا عن جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله‬
‫عليييه وسييلم جعييل فييي الجنييين غرة على العاقلة الضارب وبدأ‬
‫بزوجهيا وولدهيا"‪ .‬وأميا مالك فشبههيا بديية العميد إذا كان الضرب‬
‫عمدا‪ .‬وأميا لمين تجيب؟ فقال مالك والشافعيي وأبيو حنيفية‪ :‬هيي‬
‫لورثية الجنيين‪ ،‬وحكمهيا حكيم الديية فيي أنهيا موروثية؛ وقال ربيعية‬
‫والليييث‪ :‬هييي للم خاصيية‪ ،‬وذلك أنهييم شبهوا جنينهييا بعضييو ميين‬
‫أعضائهيا‪ ،‬ومين الواجيب الذي اختلفوا فييه فيي الجنيين ميع وجوب‬
‫الغرة وجوب الكفارة‪ ،‬فذهييييب الشافعييييي إلى أن فيييييه الكفارة‬
‫واجبية؛ وذهيب أبيو حنيفية إلى أنيه لييس فييه كفارة واسيتحسنها‬
‫مالك ولم يوجبهيا‪ .‬فأميا الشافعيي فإنيه أوجبهيا لن الكفارة عنده‬
‫واجبية فيي العميد والخطيأ‪ .‬وأميا أبيو حنيفية فإنيه غلب علييه حكيم‬
‫العميد‪ ،‬والكفارة ل تجيب عنده فيي العميد‪ .‬وأميا مالك فلميا كانيت‬
‫الكفارة ل تجييب عنده فييي العمييد وتجييب فييي الخطييأ‪ ،‬وكان هذا‬
‫مترددا عنده بين العمد والخطأ استحسن فيه الكفارة ولم يوجبها‪.‬‬
‫ومين أنواع الخطيأ المختلف فييه‪ ،‬اختلفهيم فيي تضميين الراكيب‬
‫والسيائق والقائد؛ فقال الجمهور‪ :‬هيم ضامنون لميا أصيابت الدابية‪،‬‬
‫واحتجوا في ذلك بقضاء عمر على الذي أجرى فرسه فوطئ آخر‬
‫بالعقل‪ .‬وقال أهل الظاهر‪ :‬ل ضمان على أحد في جرح العجماء‪،‬‬
‫واعتمدوا الثير الثابيت فييه عنيه صيلى الله علييه وسيلم مين حدييث‬
‫أبييي هريرة أنييه قال عليييه الصييلة والسييلم "جرح العجماء جبار‪،‬‬
‫والبئر جبار‪ ،‬والمعدن جبار‪ ،‬وفيي الركاز الخمس" فحمل الجمهور‬
‫الحدييث على أنيه لم يكين بالدابية راكيب ول سيائق ول قائد‪ ،‬لنهيم‬
‫رأوا أنه إذا أصابت الدابة أحدا وعليها راكب أو لها قائد أو سائق‪،‬‬
‫فإن الراكب لها أو السائق أو القائد هو المصيب ولكن خطأ‪.‬‬
‫واختلف الجمهور فيما أصابت الدابة برجلها‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل شيء‬
‫فيييه إن لم يفعييل صيياحب الدابيية بالدابيية شيئا يبعثهييا بييه على أن‬
‫ترمح برجلها؛ وقال الشافعي‪ :‬يضمن الراكب ما أصابت بيدها أو‬
‫برجلهيا‪ ،‬وبيه قال ابين شبرمية وابين أبيي ليلى‪ ،‬وسيويا بيين الضمان‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫برجلها أو بغيير رجل ها‪ ،‬وبه قال أ بو حنيفية‪ ،‬إل أنيه اسيتثنى الرمحية‬
‫بالرجل أو بالذنب‪ ،‬وربما احتج من لم يضمن رجل الدابة بما روي‬
‫عنيه صيلى الله علييه وسيلم "الرجيل جبار" ولم يصيح هذا الحدييث‬
‫عنيد الشافعيي ورده‪ .‬وأقاوييل العلماء فيمين حفير بئرا فوقيع فييه‬
‫إنسان متقاربة؛ قال مالك‪ :‬إن حفر في موضع جرت العادة الحفر‬
‫فيي مثله لم يضمين وإن تعدى فيي الحفير ضمين؛ وقال اللييث‪ :‬إن‬
‫حفير فيي أرض يملكهيا لم يضمين وإن حفير فيميا ل يملك ضمين‪،‬‬
‫فمين ضمين عنده فهيو مين نوع الخطيأ‪ .‬وكذلك اختلفوا فيي الدابية‬
‫الموقوفية‪ ،‬فقال بعضهيم‪ :‬إن أوقفهيا بحييث يجيب له أن يوقفهيا لم‬
‫يضمن‪ ،‬وإن لم يفعل ضمن‪ ،‬وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة‪:‬‬
‫يضمن على كل حال‪ ،‬وليس يبرئه أن يربطها بموضع يجوز له أن‬
‫يربطهيا فييه‪ ،‬كميا ل ييبرئه ركوبهيا مين ضمان ميا أصيابته وإن كان‬
‫الركوب مباحييا‪ .‬واختلفوا فييي الفارسييين يصييطدمان فيموت كييل‬
‫واحد منهما؛ فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة‪ :‬على كل واحد منهما‬
‫دية الخر وذلك على العاقلة؛ وقال الشافعي وعثمان البتي‪ :‬على‬
‫كيل واحيد منهميا نصيف ديية صياحبه‪ ،‬لن كيل واحيد منهميا مات مين‬
‫فعييل نفسييه وفعييل صيياحبه‪ .‬وأجمعوا على أن الطييبيب إذا أخطييأ‬
‫لزمتيه الديية‪ ،‬مثيل أن يقطيع الحشفية فيي الختان‪ ،‬وميا أشبيه ذلك‪،‬‬
‫لنيه فيي معنيى الجانيي خطيأ؛ وعين مالك روايية‪ :‬أنيه لييس علييه‬
‫شييء‪ ،‬وذلك عنده إذا كان مين أهيل الطيب‪ ،‬ول خلف أنيه إذا لم‬
‫يكين مين أهيل الطيب أنيه يضمين لنيه متعيد‪ ،‬وقيد ورد فيي ذلك ميع‬
‫الجماع حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم قال "مين تطبيب ولم يعلم منيه قبيل ذلك‬
‫الطب فهو ضامن" والدية فيما أخطأه الطبيب عند الجمهور على‬
‫العاقلة‪ ،‬ومن أهل العلم من جعله في مال الطبيب‪ ،‬ول خلف أنه‬
‫إذا لم يكن من أهل الطب أنها في ماله على ظاهر حديث عمرو‬
‫بن شعيب‪.‬‬
‫ول خلف بينهيم أن الكفارة التيي نيص الله عليهيا فيي قتيل الحير‬
‫خطيأ واجبية‪ .‬واختلفوا فيي قتيل العميد هيل فييه كفارة؟ وفيي قتيل‬
‫العبيد خطيأ‪ ،‬فأوجبهيا مالك فيي قتيل الحير فقيط فيي الخطيأ دون‬
‫العميد وأوجبهيا الشافعيي فيي العميد مين طرييق الولى والحرى؛‬
‫وعنيد مالك أن العميد فيي هذا حكميه حكيم الخطيأ‪ .‬واختلفوا فيي‬
‫تغليييظ الدييية فييي الشهيير الحرام وفييي البلد الحرام؛ فقال مالك‬
‫وأبيو حنيفية وابين أبيي ليلى‪ :‬ل تغلظ الديية فيهميا؛ وقال الشافعيي‪:‬‬
‫تغلظ فيهما في النفس وفي الجراح‪ .‬وروي عن القاسم بن محمد‬
‫وابن شهاب وغيرهم أنه يزاد فيها مثل ثلثها‪ ،‬وروي ذلك عن عمر‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وكذلك عين الشافعيي مين قتيل ذا رحيم محرم‪ .‬وعمدة مالك وأبيي‬
‫حنيفية عموم الظاهير فيي توقييت الديات‪ ،‬فمين ادعيى فيي ذلك‬
‫تخصيييصا فعليييه الدليييل مييع أنهييم قييد أجمعوا على أنييه ل تغلظ‬
‫الكفارة فيمين قتيل فيهميا‪ .‬وعمدة الشافعيي أن ذلك مروي عين‬
‫عمير وعثمان وابين عباس‪ ،‬وإذا روي عين الصيحابة شييء مخالف‬
‫للقياس وجييب حمله على التوقيييف‪ ،‬ووجييه مخالفتييه للقياس أن‬
‫التغلييظ فيميا وقيع خطيأ بعييد عين أصيوال الشرع‪ ،‬وللفرييق الثانيي‬
‫أن يقول إنيه قيد ينقدح فيي ذلك قياس لميا ثبيت فيي الشرع مين‬
‫تعظيم الحرم واختصاصه بضمان الصيود فيه‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الديات فيما دون النفس‪.‬‬
‫@‪-‬والشياء التيي تجيب فيهيا الديية فيميا دون النفيس هيي شجاج‬
‫وأعضاء‪ ،‬فلنبدأ بالقول فييي الشجاج‪ ،‬والنظيير فييي هذا الباب فييي‬
‫محيل الوجوب وشرطيه وقدره الواجيب‪ ،‬وعلى مين تجيب؟ ومتيى‬
‫تجيب؟ ولمين تجيب؟ فأميا محيل الوجوب فهيي الشجاج أو قطيع‬
‫العضاء‪ ،‬والشجاج عشرة فيي اللغية والفقيه‪ :‬أولهيا الداميية وهيي‬
‫التي تدمي الجلد‪ ،‬ثم الخارصة وهي التي تشق الجلد‪ ،‬ثم الباضعة‬
‫وهي التي تبضع اللحم‪ :‬أي تشقه‪ ،‬ثم المتلحمة وهي التي أخذت‬
‫فيي اللحيم‪ ،‬ثيم السيمحاق وهيي التيي تبلغ السيمحاق وهيو الغشاء‬
‫الرقيق بين اللحم والعظم ويقال لها‪ :‬الملطاء بالمد والقصر‪ ،‬ثم‬
‫الموضحة وهي التي توضح العظم‪ :‬أي تكشفه‪ ،‬ثم الهاشمة وهي‬
‫التيي تهشيم العظيم‪ ،‬ثيم المنقلة وهيي التيي يطيير العظيم منهيا‪ ،‬ثيم‬
‫المأمومة وهي التي تصل أم الدماغ‪ ،‬ثم الجائفة وهي التي تصل‬
‫إلى الجوف‪ ،‬وأسيماء هذه الشجاج مختصية بميا وقيع بالوجيه منهيا‬
‫والرأس دون سييائر البدن‪ ،‬واسييم الجرح يختييص بمييا وقييع فييي‬
‫البدن‪ ،‬فهذه أسييماء هذه الشجاج‪ .‬فأمييا أحكامهييا أعنييي الواجييب‬
‫فيهيا‪ ،‬فاتفيق العلماء على أن العقيل واقيع فيي عميد الموضحية وميا‬
‫دون الموضحية خطيأ‪ .‬واتفقوا على أنيه لييس فيميا دون الموضحية‬
‫خطأ عقل‪ ،‬وإنما فيها حكومة‪ ،‬قال بعضهم‪ :‬أجرة الطبيب‪ ،‬إل ما‬
‫روي عيين عميير وعثمان أنهمييا قضيييا فييي السييمحاق بنصييف دييية‬
‫الموضحية‪ ،‬وروي عين علي أنيه قضيى فيهيا بأربيع مين البيل‪ ،‬وروي‬
‫عن زيد بن ثابت أنه قال‪ :‬في الدامية بعير‪ ،‬وفي الباضعة بعيران‪،‬‬
‫وفيي المتلحمية ثل ثة أبعرة‪ ،‬وفيي السيمحاق أربعية‪ ،‬والجمهور من‬
‫فقهاء المصيييار على ميييا ذكرنيييا؛ وذلك أن الصيييل فيييي الجراح‬
‫الحكوميية إل مييا وقتييت فيييه السيينة حدا؛ ومالك يعتييبر فييي إلزام‬
‫الحكومة فيما دون الموضحة أن تبرأ على شين‪ ،‬والغير من فقهاء‬
‫المصار يلزم فيها الحكومة برئت على شين أو لم تبرأ فهذه هي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أحكام ميا دون الموضحية‪ .‬فأميا الموضحية فجمييع الفقهاء على أن‬
‫فيهيا إذا كانيت خطيأ خمسيا مين البيل‪ ،‬وثبيت ذلك عين رسيول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم فيي كتابيه لعمرو بين حزم‪ ،‬ومين حدييث‬
‫عمرو بيين شعيييب عيين أبيييه عيين جده أن النييبي صييلى الله عليييه‬
‫وسييلم قال "فييي الموضحيية خمييس" يعنييي ميين البييل‪ .‬واختلف‬
‫العلماء في موضع الموضحة من الجسد بعد اتفاقهم على ما قلنا‪،‬‬
‫أعنيي على وجوب القصياص فيي العميد ووجوب الديية فيي الخطيأ‬
‫منهيا‪ ،‬فقال مالك‪ :‬ل تكون الموضحية إل فيي جهية الرأس والجبهية‬
‫والخديين واللحيى العلى‪ ،‬ول تكون فيي اللحيى السيفل لنيه فيي‬
‫حكيم العنيق ول فيي النيف؛ وأميا الشافعيي وأبيو حنيفية فالموضحية‬
‫عندهما في جميع الوجه والرأس؛ والجمهور على أنها ل تكون في‬
‫الجسيد وقال اللييث وطائفية‪ :‬تكون فيي الجنيب؛ وقال الوزاعيي‪:‬‬
‫إذا كانيت فيي الجسيد كانيت مين دينهيا فيي الوجيه والرأس‪ .‬وروي‬
‫عين عمير أنيه قال‪ :‬فييي موضحية الجسيد نصيف عشير ديية ذلك‬
‫العضيو‪ .‬وغلظ بعيض العلماء فيي موضحية الوجيه تيبرأ على شيين‪،‬‬
‫فرأى فيهيا مثيل نصيف عقلهيا زائدا على عقلهيا‪ ،‬وروى ذلك مالك‬
‫عين سيليمان بين يسيار‪ ،‬واضطرب قول مالك فيي ذلك‪ ،‬فمرة قال‬
‫بقول سييليمان بيين يسييار‪ ،‬ومرة قال‪ :‬ل يزاد فيهييا على عقلهييا‬
‫شييء‪ ،‬وبيه قال الجمهور؛ وقيد قييل عين مالك إنيه قال‪ :‬إذا شانيت‬
‫الوجيه كان فيهيا حكومية مين غيير توقييف‪ ،‬ومعنيى الحكومية عنيد‬
‫مالك ميا نقيص مين قيمتيه أن لو كان عمدا‪ .‬وأميا الهاشمية ففيهيا‬
‫عنييد الجمهور عشيير الدييية‪ ،‬وروي ذلك عيين زيييد بيين ثابييت‪ ،‬ول‬
‫مخالف له من الصحابة ؛وقال بعض العلماء‪ :‬الهاشمة هي المنقلة‬
‫وشيذ‪ .‬وأميا المنقلة فل خلف أن فيهيا عشير الديية ونصيف العشير‬
‫إذا كانييت خطييأ‪ ،‬فأمييا إذا كانييت عمدا‪ ،‬فجمهور العلماء على أن‬
‫ليس فيها قود لمكان الخوف‪ .‬وحكي عن ابن الزبير أنه أقاد منها‬
‫ومن المأمومة‪ .‬وأ ما الهاشمة فيي العمد‪ .‬فروى ابن القاسم عن‬
‫مالك أنيه لييس فيهيا قود‪ .‬ومين أجاز القود مين المنقلة كان أحرى‬
‫أن يجييز ذلك مين الهاشمية‪ .‬وأميا المأمومية فل خلف أنيه ل يقاد‬
‫منها وأن فيها ثلث الدية إل ما حكي عن ابن الزبير‪ .‬وأما الجائفة‬
‫فاتفقوا على أنهييا مين جراح الجسييد ل مين جراح الرأس وأنهيا ل‬
‫يقاد منهيا وأن فيهيا ثلث الديية وأنهيا جائفية متيى وقعيت فيي الظهير‬
‫والبطيين‪ .‬واختلفوا إذا وقعييت فييي غييير ذلك ميين العضاء فنفذت‬
‫إلى تجويفيه‪ ،‬فحكيى مالك عين سيعيد بين المسييب أن فيي كيل‬
‫جراحة نافذة إلى تجويف عضو من العضاء ‪ -‬أي عضو كان ‪ -‬ثلث‬
‫دية ذلك العضو‪ .‬وحكى ابن شهاب أنه كان ل يرى ذلك وهو الذي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫اختاره مالك لن القياس عنده فيي هذا ل يسيوغ؛ وإنميا سينده فيي‬
‫ذلك الجتهاد ميين غييير توقيييف وأمييا سييعيد فإنييه قاس ذلك على‬
‫الجائفية على نحيو ميا روي عين عمير فيي موضحية الجسيد‪ .‬وأميا‬
‫الجراحات التيي تقيع فيي سيائر الجسيد فلييس فيي الخطيأ منهيا إل‬
‫الحكومة‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في ديات العضاء‪.‬‬
‫@‪-‬والصل فيما فيه من العضاء إذا قطع خطأ مال محدود‪ ،‬وهو‬
‫الذي يسييمى دييية‪ ،‬وكذلك ميين الجراحات والنفوس حديييث عمرو‬
‫بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول "إن في النفس مائة من‬
‫البييل‪ ،‬وفييي النييف إذا اسييتوعب جدعييا مائة ميين البييل‪ ،‬وفييي‬
‫المأمومية ثلث الديية‪ ،‬وفيي الجائفية مثلهيا وفيي العيين خمسيون‪،‬‬
‫وفيي الييد خمسيون‪ ،‬وفيي الرجيل خمسيون‪ ،‬وفيي كيل أصيبع مميا‬
‫هناك عشير مين البيل‪ ،‬وفيي السين والموضحية خميس" وكيل هذا‬
‫مجمييع عليييه إل السيين والبهام‪ ،‬فإنهييم اختلفوا فيهييا على مييا‬
‫سينذكره‪ ،‬ومنهيا ميا اتفقوا علييه مميا لم يذكير ههنيا قياسيا على ميا‬
‫نذكييير فنقول‪ :‬إن العلماء أجمعوا على أن فيييي الشفتيييين الديييية‬
‫كاملة‪ ،‬والجمهور على أن فييي كييل واحدة منهمييا نصييف الدييية؛‬
‫وروي عيين قوم ميين التابعييين أن فييي السييفلى ثلثييي الدييية لنهييا‬
‫تحبييس الطعام والشراب‪ ،‬وبالجملة فإن حركتهييا والمنفعيية بهييا‬
‫أعظم من حركة الشفة العليا‪ ،‬وهو مذهب زيد بن ثابت‪ .‬وبالجملة‬
‫فجماعية العلماء وأئمية الفتوي متفقون على أن فيي كيل زوج مين‬
‫النسان الدية ما خل الحاجبين وثديي الرجل‪ .‬واختلفوا في الذنين‬
‫متييى تكون فيهمييا الدييية؟ فقال الشافعييي وأبييو حنيفيية والثوري‬
‫واللييييث‪ :‬إذا اصيييطلمتا كان فيهميييا الديييية‪ ،‬ولم يشترطوا إذهاب‬
‫السييمع‪ ،‬بييل جعلوا فييي ذهاب السييمع الدييية مفردة‪ .‬وأمييا مالك‬
‫فالمشهور عنده أنيييه ل تجيييب فيييي الذنيييين الديييية إل إذا ذهيييب‬
‫سيمعهما‪ ،‬فإن لم يذهيب ففييه حكومية‪ .‬وروي عين أبيي بكير أنيه‬
‫قضى في الذنين بخمس عشرة من البل وقال‪ :‬إنهما ل يضران‬
‫السمع ويسترهما الشعر أو العمامة‪ .‬وروي عن عمر وعلي وزيد‬
‫أنهم قضوا في الذن إذا اصطلمت نصف الدية‪ .‬وأما الجمهور من‬
‫العلماء فل خلف عندهيييم أن فيييي ذهاب السيييمع الديييية‪ .‬وأميييا‬
‫الحاجبان ففيهميا عنيد مالك والشافعيي حكومية؛ وقال أبيو حنيفية‪:‬‬
‫فيهميا الديية‪ ،‬وكذلك فيي أشفار العيين؛ ولييس عنيد مالك فيي ذلك‬
‫إل حكومة‪ .‬وعمدة الحنفية ما روي عن ابن مسعود أنه قال‪ :‬في‬
‫كيل اثنيين مين النسيان الديية وتشبيههميا بميا أجمعوا علييه مين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العضاء المثناة‪ .‬وعمدة مالك أنيييه ل مجال فييييه للقياس وإنميييا‬
‫طريقيه التوقييف‪ ،‬فميا لم يثبيت مين قبيل السيماع فييه ديية فالصيل‬
‫أن فيه حكومة‪ ،‬وأيضا فإن الحواجب ليست أعضاء لها منفعة ول‬
‫فعيل بيين‪ ،‬أعنيي ضرورييا فيي الخلقية‪ .‬وأميا الجفان فقييل فيي كيل‬
‫جفين منهيا ربيع الديية‪ ،‬وبيه قال الشافعيي والكوفيي‪ ،‬لنيه ل بقاء‬
‫للعيين دون الجفان‪ ،‬وفيي الجفنيين السيفلين عنيد غيرهميا الثلث‬
‫وفيي العلييين الثلثان‪ .‬وأجمعوا على أن مين أصييب مين أطرافيه‬
‫أكثير مين ديتيه أن له ذلك‪ ،‬مثيل أن تصياب عيناه وأنفيه فله ديتان‪.‬‬
‫وأميا النثيان فأجمعوا أيضيا على أن فيهميا الديية‪ ،‬وقال جميعهيم‪:‬‬
‫إن فيي كيل واحدة منهميا نصيف الديية‪ ،‬إل ميا روي عين سيعيد بين‬
‫المسييب أنيه قال‪ :‬فيي البيضية اليسيرى ثلثيا الديية لن الولد يكون‬
‫منها وفي اليمنى ثلث الدية‪،‬‬
‫فهذه مسييائل العضاء المزدوجيية‪ .‬وأمييا المفردة فإن جمهورهييم‬
‫على أن في اللسان خطأ الدية‪ ،‬وذلك مروي عن النبي صلى الله‬
‫علييه وسيلم‪ ،‬وذلك إذا قطيع كله أو قطيع منيه ميا يمنيع الكلم‪ ،‬فإن‬
‫لم يقطع منه ما منع الكلم ففيه حكو مة‪ .‬واختلفوا في القصاص‬
‫فيه عمدا؛ فمنهم من لم ير فيه قصاصا وأوجب الدية‪ ،‬وهم مالك‬
‫والشافعيي والكوفيي‪ ،‬لكين الشافعيي يرى الديية فيي مال الجانيي‪،‬‬
‫والكوفييي ومالك على العاقلة؛ وقال الليييث وغيره‪ :‬فييي اللسييان‬
‫عمدا القصيياص‪ .‬وأمييا النييف فأجمعوا على أنييه إذا أوعييب جدعييا‬
‫على أن فييه الديية على ميا فيي الحدييث وسيواء عنيد مالك ذهيب‬
‫الشيم أو لم يذهيب‪ ،‬وعنده أنه إذا ذهيب أحدهما ففيه الدية‪ ،‬وفيي‬
‫ذهاب أحدهمييا بعييد الخيير الدييية الكاملة‪ .‬وأجمعوا على أن فييي‬
‫الذكير الصيحيح الذي يكون بيه الوطيء الديية كاملة‪ .‬واختلفوا فيي‬
‫ذكير العنيين والخصيي‪ ،‬كميا اختلفوا فيي لسيان الخرس وفيي الييد‬
‫الشلء؛ فمنهم من جعل فيها الدية؛ ومنهم من جعل فيها حكومة؛‬
‫ومنهم من قال‪ :‬في ذكر الخصي والعنين ثلث الدية؛ والذي عليه‬
‫الجمهور أن فيه حكومة‪ .‬وأقل ما تجب فيه الدية عند مالك قطع‬
‫الحشفية؛ ثيم فيي باقيي الذكير حكومية وأميا عيين العور فللعلماء‬
‫فيه قولن أحدهما أن فيه الدية كاملة‪ ،‬وإليه ذهب مالك وجماعة‬
‫من أهل المدينة‪ ،‬وبه قال الليث‪ ،‬وقضى به عمر بن عبد العزيز‬
‫وهيو قول ابين عمير؛ وقال الشافعيي وأبيو حنيفية والثوري‪ :‬فيهيا‬
‫نصيف الديية كميا فيي عيين الصيحيح وهيو مروي عين جماعية مين‬
‫التابعييين‪ .‬وعمدة الفريييق الول أن العييين الواحدة للعور بمنزلة‬
‫العينيين جميعيا لغيير العور‪ .‬وعمدة الفرييق الثانيي حدييث عمرو‬
‫ابين حزم‪ :‬أعنيي عموم قوله "وفيي العيين نصيف الديية‪ ،‬وقياسيا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أيضيا على إجماعهيم أنيه لييس على مين قطيع ييد مين له ييد واحدة‬
‫إل نصييف الدييية‪ .‬فسييبب اختلفهييم فييي هذا معارضيية العموم‬
‫للقياس‪ ،‬ومعارضة القياس للقياس‬
‫ومن أحسن ما قيل فيمن ضرب عين رجل فأذهب بعض بصرها‬
‫ميا روي مين ذلك عين علي رضيي الله عنيه أنيه أمير بالذي أصييب‬
‫بصره بأن عصبت عينه الصحيحة‪ ،‬وأعطى رجل بيضة فانطلق بها‬
‫وهيو ينظير إليهيا حتيى لم يبصيرها‪ ،‬فخيط عنيد أول ذلك خطيا فيي‬
‫الرض ثم أمر بعينه المصابة فعصبت وفتحت الصحيحة‪ ،‬وأعطى‬
‫رجل البيضية بعينهيا فانطلق بهيا وهيو ينظير إليهيا حتيى خفييت عنيه‪،‬‬
‫فخيط أيضيا عنيد أول ميا خفييت عنيه فيي الرض خطيا‪ ،‬ثيم علم ميا‬
‫بييين الخطييين ميين المسييافة‪ ،‬وعلم مقدار ذلك ميين منتهييى رؤييية‬
‫العيين الصيحيحة‪ ،‬فأعطاه قدر ذلك مين الديية‪ .‬ويختيبر صيدقه فيي‬
‫مسيافة إدراك العيين العليلة والصيحيحة بأن يختيبر ذلك منيه مرارا‬
‫شتى في مواضع مختلفة‪ ،‬فإن خرجت مسافة تلك المواضع التي‬
‫ذكر واحدة علمنا أنه صادق‪.‬‬
‫واختلف العلماء في الجناية على العين القائمة الشكل التي ذهب‬
‫بصرها؛ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة‪ :‬فيها حكومة؛ وقال زيد‬
‫بين ثابيت‪ :‬فيهيا عشير الديية مائة دينار؛ وحميل ذلك الشافعيي على‬
‫أنه كان ذلك من زيد تقويما ل تقويتا‪ .‬وروي عن عمر بن الخطاب‬
‫وعبيد الله بين عباس أنهميا قضييا فيي العيين القائمية الشكيل والييد‬
‫الشلء والسين السيوداء فيي كيل واحدة منهميا ثلث الديية‪ .‬وقال‬
‫مالك‪ :‬تتم ديية السين باسودادها ثم فيي قلع ها بعد اسودادها ديية‪.‬‬
‫واختلف العلماء فيييي العور يفقيييأ عيييين الصيييحيح عمدا؛ فقال‬
‫الجمهور‪ :‬فله القود‪ ،‬وإن عفيا فله الديية‪ ،‬وقال قوم‪ :‬كاملة؛ وقال‬
‫قوم‪ :‬ن صفها‪ ،‬وبيه قال الشافعيي وابين القاسيم‪ ،‬وبكل القوليين قال‬
‫مالك‪ ،‬وبالدييية كاملة قال المغيرة ميين أصييحابه وابيين دينار‪ .‬وقال‬
‫الكوفيون‪ :‬ليييييس للصييييحيح الذي فقئت عينييييه إل القود أو مييييا‬
‫اصيطلحوا علييه‪ .‬وعمدة مين رأى جمييع الديية علييه إذا عفيا عين‬
‫القود أنه يجب عليه دية ما ترك له وهي العين العوراء‪ ،‬وهي دية‬
‫كاملة عنيد كثيير مين أهيل العلم‪ .‬ومذهيب عمير وعثمان وابين عمير‬
‫أن عين العور إذا فقئت وجب فيها ألف دينار‪ ،‬لنها في حقه في‬
‫معنى العينين كليتهما إل العين الواحدة‪ ،‬فإذا تركها له وجبت عليه‬
‫ديتهييا‪ .‬وعمدة أولئك البقاء على الصييل؛ أعنييي أن فييي العييين‬
‫الواحدة نصيف الديية‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية أن العميد لييس فييه ديية‬
‫محدودة‪ ،‬وهذه المسألة قد ذكرت في باب القود في الجراح‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقال جمهور العلماء وأئمية الفتوى‪ :‬مالك وأبيو حنيفية والشافعيي‬
‫والثوري وغيرهيم‪ :‬إن فيي كيل أصيبع عشرا مين البيل وإن الصيابع‬
‫في ذلك سواء وإن في كل أنملة ثلث العشر إل ماله من الصابع‬
‫أنملتان كالبهام؛ ففي أنملته خمس من البل‪ ،‬وعمدتهم في ذلك‬
‫ميا جاء فيي حدييث عمرو بين حزم أن رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيلم‪" :‬قال وفيي كيل أصيبع مميا هنالك عشير مين البيل" وخرج‬
‫عمرو بين شعييب عين أبييه عين جده "أن رسيول الله صيلى الله‬
‫عليه وسلم قضى في الصابع بعشر العشر" وهو قول علي وابن‬
‫مسعود وابن عباس وهي عندهم على أهل الورق بحسب ما يرى‬
‫واحد واحد منهم في الدية من الورق‪ ،‬فهي عند من يرى أنها اثنا‬
‫عشر ألف درهم عشرها‪ ،‬وعند من يرى أنها عشرة آلف عشرها‪.‬‬
‫وروي عين السيلف المتقدم اختلف فيي عقيل الصيابع‪ ،‬فروي عين‬
‫عمير بين الخطاب أنيه قضيى فيي البهام والتيي تليهيا بعقيل نصيف‬
‫الدية‪ ،‬وفي الوسطى بعشر فرائض‪ ،‬وفي التي تليها بتسع‪ ،‬وفي‬
‫الخنصر بست‪ .‬وروي عن مجاهد أنه قال في البهام خمسة عشر‬
‫من البل‪ ،‬وفي التي تليها عشر‪ ،‬وفي الوسطى عشر‪ ،‬وفي التي‬
‫تليهيا ثمان‪ ،‬وفيي الخنصير سيبع وأميا الترقوة والضلع‪ ،‬ففيهميا عنيد‬
‫جمهور فقهاء المصييار حكوميية‪ ،‬وروي عيين بعييض السييلف فيهييا‬
‫توقيت‪ .‬وروي عن مالك أن عمر بن الخطاب قضى في الضرس‬
‫بجميل‪ ،‬والضلع بجميل‪ ،‬وفيي الترقوة بجميل‪ .‬وقال سيعيد بين جيبير‬
‫فيييييي الترقوة بعيران‪ .‬وقال قتادة‪ :‬أربعييييية أبعرة‪ .‬وعمدة فقهاء‬
‫المصيار أن ميا لم يثبيت فييه عين النيبي صيلى الله علييه وسيلم‬
‫توقيت فليس فيه إل حكومة‪ .‬وجمهور فقهاء المصار على أن في‬
‫كيل سين مين أسينان الفيم خمسيا مين البيل‪ ،‬وبيه قال ابين عباس‪.‬‬
‫وروى مالك عن عمر أنه قضى في الضرس بجمل وذلك فيما لم‬
‫يكن منها في مقدم الفم‪ .‬وأما التي في مقدم الفم فل خلف أن‬
‫فيهيا خمسيا مين البيل‪ .‬وقال سيعيد بين المسييب‪ :‬فيي الضراس‬
‫بعيران‪ .‬وروي عيين عبييد الملك بيين مروان أن مروان بيين الحكييم‬
‫اعترض فييي ذلك على ابيين عباس فقال‪ :‬أتجعييل مقدم السيينان‬
‫مثييل الضراس؟ فقال ابيين عباس‪ :‬لو لم يعتييبر ذلك إل بالصييابع‬
‫عقلها سواء‪،‬‬
‫وعمدة الجمهور فيي مثيل ذلك ميا ثبيت عين النيبي علييه الصيلة‬
‫والسيلم أنيه قال "فيي السين خميس" وذلك مين حدييث عمرو بين‬
‫شعييب عين أبييه عين جده‪ ،‬واسيم السين ينطلق على التيي فيي‬
‫مقدم الفيم ومؤخره‪ ،‬وتشبيههيا أيضيا بالصيابع التيي اسيتوت ديتهيا‬
‫وإن اختلفيت منافعهيا‪ .‬وعمدة مين خالف بينهميا أن الشرع يوجيد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فييه تفاضيل الديات لتفاضيل العضاء ميع أنيه يشبيه أن يكون مين‬
‫صار إلى ذلك من الصدر الول إنما صار إليه عن توقيف‪ ،‬وجميع‬
‫هذه العضاء التيي تثبيت الديية فيهيا خطيأ فيهيا القود فيي قطيع ميا‬
‫قطع وقلع ما قلع‪.‬‬
‫واختلفوا في كسر ما كسر منها مثل الساق والذراع هل فيه قود‬
‫أم ل؟ فذهب مالك وأصحابه إلى أن القود في كسر جميع العظام‬
‫إل الفخيذ والصيلب‪ ،‬وقال الشافعيي واللييث‪ :‬ل قصياص فيي عظيم‬
‫من العظام يكسر‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة إل أنه استثنى السن‪ .‬وروي‬
‫عن ابن عباس أنه ل قصاص في عظم‪ ،‬وكذلك عن عمر‪ .‬قال أبو‬
‫عمير بين عبيد البر‪ :‬ثبيت أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم أقاد فيي‬
‫السن المكسورة من حديث أنس قال‪ :‬وقد روي من حديث آخر‬
‫أن النيبي علييه الصيلة والسيلم لم يقدر مين العظيم المقطوع فيي‬
‫غيير المفصيل إل أ نه لييس بالقوي‪ .‬وروي عن مالك أن أ با بكر بن‬
‫محميد بين عمرو بين حزم أقاد مين كسير الفخيذ‪ .‬واتفقوا على أن‬
‫دييية المرأة نصييف دييية الرجييل فييي النفييس‪ .‬واختلفوا فييي ديات‬
‫الشجاج وأعضائهييا؛ فقال جمهور فقهاء المدينيية‪ :‬تسيياوي المرأة‬
‫الرجيل فيي عقلهيا مين الشجاج والعضاء إلى أن تبلغ ثلث الديية‪،‬‬
‫فإذا بلغيت ثلث الديية عادت ديتهيا إلى النصيف مين ديية الرجيل‪،‬‬
‫أعنيي ديية أعضائهيا مين أعضائه‪ ،‬مثال ذلك أن فيي كيل أصيبع مين‬
‫أصيابعها عشرا مين البيل‪ ،‬وفيي اثنيين منهيا عشرون‪ ،‬وفيي ثلثية‬
‫ثلثون‪ ،‬وفيي أربعية عشرون‪ ،‬وبيه قال مالك وأصيحابه واللييث بين‬
‫سيعد‪ ،‬ورواه مالك عين سيعيد بين المسييب وعين عروة بين الزبيير‪،‬‬
‫وهييو قول زيييد بيين ثابييت ومذهييب عميير بيين عبييد العزيييز؛ وقالت‬
‫طائفيية‪ :‬بييل دييية جراحيية المرأة مثييل دييية جراحيية الرجييل إلى‬
‫الموضحة‪ ،‬ثم تكون ديتها على النصف من دية الرجل وهو الشهر‬
‫مين قولي ابين مسيعود‪ ،‬وهيو مروي عين عثمان‪ ،‬وبيه قال شرييح‬
‫وجماعية؛ وقال قوم‪ :‬بيل ديية المرأة فيي جراحهيا وأطرافهيا على‬
‫النصييف ميين دييية الرجييل فييي قليييل ذلك وكثيره‪ ،‬وهييو قول علي‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وروي ذلك عن ابن مسعود‪ ،‬إل أن الشهر عنه ما‬
‫ذكرناه أول‪ ،‬وبهذا القول قال أبيييو حنيفييية والشافعيييي والثوري‪.‬‬
‫وعمدة قائل هذا القول أن الصييل هييو أن دييية المرأة نصييف دييية‬
‫الرجيل فواجيب التمسيك بهذا الصيل حتيى يأتيي دلييل مين السيماع‬
‫الثابييييت‪ ،‬إذ القياس فييييي الديات ل يجوز وبخاصيييية لكون القول‬
‫بالفرق بييين القليييل والكثييير مخالفييا للقياس ولذلك قال ربيعيية‬
‫لسعيد ما يأتي ذكره عنه‪ ،‬ول اعتماد للطائفة الولى إل مراسيل‪،‬‬
‫وميا روي عين سيعيد بين المسييب حيين سيأله ربيعية بين أبيي عبيد‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الرحمن كم في أربع من أصابعها؟ قال عشرون‪ ،‬قلت حين عظم‬
‫جرحهيا واشتدت بليتهيا نقيص عقلهيا‪ ،‬قال‪ :‬أعراقيي أنيت؟ قلت بيل‬
‫عالم متثبت أو جاهل متعلم‪ ،‬قال‪ :‬هي السنة‪.‬‬
‫وروي أيضا عن النبي عليه الصلة والسلم من مرسل عمرو ابن‬
‫شعيييب عيين أبيييه وعكرميية‪ .‬وقييد رأى قوم أن قول الصييحابي إذا‬
‫خالف القياس وجب العمل به‪ ،‬لنه يعلم أنه لم يترك القول به إل‬
‫عين توقييف‪ ،‬لكن فيي هذا ضعف إذ كان يمكين أن يترك القول بيه‬
‫إميا لنيه ل يرى القياس‪ ،‬وإميا لنيه عارضيه فيي ذلك قياس ثان أو‬
‫قلد فيي ذلك غيره‪ .‬فهذه حال ديات جراح الحرار والجنايات على‬
‫أعضائهيا الذكور منهيا والناث‪ .‬وأميا جراح العبييد وقطيع أعضائهيم‪،‬‬
‫فإن العلماء اختلفوا فيهييا على قولييين‪ :‬فمنهييم ميين رأى أن فييي‬
‫جراحهم وقطع أعضائهم ما نقص من ثمن العبد؛ ومنهم من رأى‬
‫أن الواجب في ذلك من قيمته قدر ما في ذلك الجراح من ديته‪،‬‬
‫فيكون فيي موضحته نصف عشر قيمته‪ ،‬وفيي عينه نصف قيمته‪،‬‬
‫وبه قال أبو حنيفة والشافعي‪ ،‬وهو قول عمر وعلي؛ وقال مالك‪:‬‬
‫يعتييبر فييي ذلك كله مييا نقييص ميين ثمنييه إل موضحتييه ومنقلتييه‬
‫ومأمومته‪ ،‬ففيها من ثمنه قدر ما فيها في الحر من ديته‪ .‬وعمدة‬
‫الفريييق الول تشييبيهه بالعروض‪ .‬وعمدة الفريييق الثانييي تشييبيهه‬
‫بالحر إذ هو مسلم ومكلف ول خلف بينهم أن دية الخطأ من هذه‬
‫إذا جاوزت الثلث على العاقلة‪ .‬واختلف فيميييييييا دون ذلك‪ ،‬فقال‬
‫مالك وفقهاء المدينيية السييبعة وجماعيية‪ :‬إن العاقلة ل تحمييل مين‬
‫ذلك إل الثلث فميا زاد؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬تحميل مين ذلك العشير‬
‫فما فوقه من الدية الكاملة؛ وقال الثوري وابن شبرمة‪ :‬الموضحة‬
‫فما زاد على العاقلة وقال الشافعي وعثمان البتي‪ :‬تحمل العاقلة‬
‫القليل والكثير من دية الخطأ‪ .‬وعمدة الشافعي هي أن الصل هو‬
‫أن العاقلة هي التي تحمل دية الخطأ فمن خصص من ذلك شيئا‬
‫فعليييه الدليييل‪ ،‬ول عمدة للفريييق المتقدم إل أن ذلك معمول بييه‬
‫ومشهور‪ ،‬وهنا انقضى هذا الكتاب والحمد لله حق حمده‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القسامة‪.‬‬
‫@‪-‬اختلف العلماء فيي القسيامة فيي أربعية مواضيع تجري مجرى‬
‫الصييول لفروع هذا الباب‪ :‬المسييألة الولى‪ :‬هييل يجييب الحكييم‬
‫بالقسيامة أم ل؟‪ .‬الثانيية؛ إذا قلنيا بوجوبهيا هيل يجيب بهيا الدم أو‬
‫الفديية أو دفيع مجرد الدعوى‪ .‬المسيألة الثالثية‪ :‬هيل يبدأ باليمان‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيها المدعون أو المدعى عليهم‪ ،‬وكم عدد الحالفين من الولياء؟‬
‫المسألة الرابعة‪ :‬فيما يعد لوثا يجب به أن يبدأ المدعون باليمان‪.‬‬
‫@‪(-‬المسيألة الولى) أميا وجوب الحكيم بهيا على الجملة فقال بيه‬
‫جمهور فقهاء المصيييار‪ :‬مالك والشافعيييي وأبيييو حنيفييية وأحميييد‬
‫وسيفيان وداود وأصيحابهم وغيير ذلك مين فقهاء المصيار؛ وقالت‬
‫طائفية مين العلماء سيالم بين عبيد الله وأبيو قلبية وعمير بين عبيد‬
‫العزيز وابن علية‪ :‬ل يجوز الحكم بها‪ .‬عمدة الجمهور ما ثبت عنه‬
‫علييه الصيلة والسيلم مين حدييث حويصية ومحيصية وهيو حدييث‬
‫متفق على صحته من أهل الحديث‪ ،‬إل أنهم مختلفون في ألفاظه‬
‫على ما سيأتي بعد‪ .‬وعمدة الفريق النافيي لوجوب الحكم ب ها أن‬
‫القسيامة مخالفية لصيول الشرع المجميع على صيحتها‪ :‬فمنهيا أن‬
‫الصل في الشرع أن ل يحلف أحد إل على ما علم قطعا أو شاهد‬
‫حسييا‪ ،‬وإذا كان ذلك كذلك‪ ،‬فكيييف يقسييم أولياء الدم وهيييم لم‬
‫يشاهدوا القتل بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر‪ ،‬ولذلك‬
‫روى البخاري عين أبيي قلبية أن عمير بين عبيد العزييز أبرز سيريره‬
‫يومييا للناس ثييم أذن لهييم فدخلوا عليييه فقال‪ :‬مييا تقولون فييي‬
‫القسيامة؟ فأضيب القوم وقالوا‪ :‬نقول أن القسيامة القود بهيا حيق‬
‫قيد أقاد بهيا الخلفاء‪ ،‬وقال ميا تقول ييا أبيا قلبية ونصيبني للناس‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬يييا أمييير المؤمنييين عندك أشراف العرب ورؤسيياء الجناد‪،‬‬
‫أرأيت لو أن خمسين رجل شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم‬
‫يروه أكنييت ترجمييه؟ قال‪ :‬ل قلت‪ :‬أفرأيييت لو أن خمسييين رجل‬
‫شهدوا عندك على رجيييل أنيييه سيييرق بحميييص ولم يروه أكنيييت‬
‫تقطعه؟ قال‪ :‬ل‪ .‬وفي بعض الروايات‪ :‬قلت‪ :‬فما بالهم إذا شهدوا‬
‫أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أقدت بشهادتهم؟ قال‪ :‬فكتب عمر‬
‫بيين عبييد العزيييز فييي القسييامة‪ :‬إنهييم إن أقاموا شاهدي عدل أن‬
‫فلنييا قتله فأقده‪ ،‬ول يقتييل بشهادة الخمسييين الذييين أقسييموا‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ومنها أن من الصول أن اليمان ليس لها تأثير في إشاطة‬
‫الدماء‪ .‬ومنهيا أن مين الصيول "أن البينية على مين ادعيى واليميين‬
‫على مين أنكير" ومين حجتهيم أنهيم لم يروا فيي تلك الحادييث أن‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم حكيم بالقسيامة وإنميا كانيت‬
‫حكمييا جاهليييا فتلطييف لهييم رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم‬
‫ليريهيم كييف ل يلزم الحكيم بهيا على أصيول السيلم‪ ،‬ولذلك قال‬
‫لهييم‪ :‬أتحلفون خمسييين يمينييا‪ :‬أعنييي لولة الدم وهييم النصييار؟‬
‫قالوا‪ :‬كيييف نحلف ولم نشاهييد؟ قال‪ :‬فيحلف لكييم اليهود‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫كيييف نقبييل أيمان قوم كفار؟ قالوا‪ :‬فلو كانييت السيينة أن يحلفوا‬
‫وإن لم يشهدوا لقال لهيم رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم هيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫السينة‪ .‬قال‪ :‬وإذا كانيت هذه الثار غيير نيص فيي القضاء بالقسيامة‬
‫والتأوييل يتطرق إليهيا فصيرفها بالتأوييل إلى الصيول أولى‪ .‬وأميا‬
‫القائلون بهيا وبخاصية مالك فرأى أن سينة القسيامة سينة منفردة‬
‫بنفسيها مخصيصة للصيول كسيائر السينن المخصيصة‪ ،‬وزعيم أن‬
‫العلة فيي ذلك حوطية الدماء‪ ،‬وذلك أن القتيل لميا كان يكثير وكان‬
‫يقيل قيام الشهادة علييه لكون القاتيل إنميا يتحرى بالقتيل مواضيع‬
‫الخلوات جعلت هذه السينة حفظيا للدماء‪ ،‬لكين هذه العلة تدخيل‬
‫عليييه فييي قطاع الطريييق والسييراق‪ ،‬ذلك أن السييارق تعسيير‬
‫الشهادة عليييه‪ ،‬وكذلك قاطييع الطريييق‪ ،‬فلهذا أجاز مالك شهادة‬
‫المسييلوبين على السييالبين مييع مخالفيية ذلك للصييول‪ ،‬وذلك أن‬
‫المسلوبين مدعون على سلبهم والله أعلم‪.‬‬
‫@‪(-‬المسألة الثانية) اختلف العلماء القائلون بالقسامة فيما يجب‬
‫بهيا‪ ،‬فقال مالك وأحميد يسيتحق بهيا الدم فيي العميد والديية فيي‬
‫الخطأ؛ وقال الشافعي والثوري وجماعة‪ :‬تستحق بها الدية فقط؛‬
‫وقال بعيض الكوفييين‪ :‬ل يسيتحق بهيا إل دفيع الدعوى على الصيل‬
‫فيي أن اليميين إنميا تجيب على المدعيى علييه؛ وقال بعضهيم‪ :‬بيل‬
‫يحلف المدعى عليه ويغرم الدية‪ ،‬فعلى هذا إنما يستحق منها دفع‬
‫القود فقط‪ ،‬فيكون فيها يستحق المقسمون أربعة أقوال‪ .‬فعمدة‬
‫مالك ومن قال بقوله ما رواه من حديث ابن أبي ليلى عن سهل‬
‫بين أبيي حثمية وفييه فقال لهيم رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‬
‫"تحلفون وتسييتحقون دم صيياحبكم" وكذلك مييا رواه ميين مرسييل‬
‫بشيير بين بشار وفييه‪ :‬فقال رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‬
‫"أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم"‪ .‬وأما‬
‫عمدة مين أوجيب بهيا الديية فقيط‪ ،‬فهيو أن اليمان يوجيد لهيا تأثيير‬
‫فيي اسيتحقاق الموال أعنيي فيي الشرع مثيل ميا ثبيت مين الحكيم‬
‫فييي الموال باليمييين والشاهييد‪ ،‬ومثييل مييا يجييب المال بنكول‬
‫المدعى عليه أو بالنكول وقلبها على المدعي عند من يقول بقلب‬
‫اليميين ميع النكول ميع أن حدييث مالك عين ابين أبيي ليلى ضعييف‬
‫لنيه رجيل مجهول لم يروا عنيه غيير مالك‪ .‬وقييل فييه أيضيا أنيه لم‬
‫يسمع من سهل‪ .‬وحديث بشير ابن بشار قد اختلف في إسناده‪،‬‬
‫فأرسييله مالك وأسيينده غيره‪ .‬قال القاضييي‪ :‬يشبييه أن تكون هذه‬
‫العلة هييي السييبب فييي أن لم يخرج البخاري هذيييين الحديثييين‪،‬‬
‫واعتضيد عندهيم القياس فيي ذلك بميا روي عين عمير رضيي الله‬
‫عنه أنه قال‪ :‬ل قود بالقسامة‪ ،‬ولكن يستحق بها الدية‪ .‬وأما الذين‬
‫قالوا إنما يستحق بها دفع الدعوى ف قط‪ ،‬فعمدتهم أن الصل هو‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أن اليمان على المدعيى علييه‪ ،‬والحادييث التيي نذكرهيا فيميا بعيد‬
‫إن شاء الله‪.‬‬
‫@‪(-‬المسييألة الثالثيية) واختلف القائلون بالقسييامة‪ ،‬أعنييي الذييين‬
‫قالوا إنهيا يسيتوجب بهيا مال أو دم فيمين يبدأ باليمان الخمسيين‬
‫على مييا ورد فييي الثار؛ فقال الشافعييي وأحمييد وداود بيين علي‬
‫وغيرهيم‪ :‬يبدأ المدعون؛ وقال فقهاء الكوفية والبصيرة وكثيير مين‬
‫أهييل المدينيية‪ :‬بييل يبدأ المدعييى عليهييم باليمان وعمدة ميين بدأ‬
‫بالمدعين حديث مالك عن ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة‬
‫ومرسيله عين بشيير بين يسيار‪ .‬وعمدة مين رأى التبدئة بالمدعيى‬
‫عليهم ما خرجه البخاري عن سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن‬
‫يسيار أن رجل مين النصيار يقال له سيهل بين حثمية وفييه "فقال‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬تأتون بالبينية على مين قتله"‬
‫قالوا‪ :‬مييا لنييا بينيية‪ ،‬قال‪ :‬فيحلفون لكييم‪ ،‬قالوا‪ :‬مييا نرضييى بأيمان‬
‫يهود‪ ،‬وكره رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم أن يبطييل دمييه‪،‬‬
‫فواداه بمائة بعيير مين إبيل الصيدقة" قال القاضيي‪ :‬وهذا نيص فيي‬
‫أنه ل يستوجب باليمان الخمسين إل دفع الدعوى فقط‪ .‬واحتجوا‬
‫أيضا بما خرجه أبو داود أيضا عن أبي سلمة بن أبي عبد الرحمن‬
‫وسيليمان بين يسيار عين رجال مين كيبراء النصيار "أن رسيول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال ليهود وبدأ بهم‪ :‬أيحلف منكم خمسون‬
‫رجل خمسيين يمينيا؟ فأبوا‪ ،‬فقال للنصيار‪ :‬احلفوا‪ ،‬فقالوا‪ :‬أنحلف‬
‫على الغييب ييا رسيول الله؟ فجعلهيا رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسيلم ديية على يهود" لنيه وجيد بيين أظهرهيم‪ ،‬وبهذا تمسيك مين‬
‫جعل اليمين في حق المدعى عليه وألزمهم الغرم مع ذلك‪ ،‬وهو‬
‫حديييث صييحيح السييناد‪ ،‬لنييه رواه الثقات عيين الزهري عيين أبييي‬
‫سييلمة‪ ،‬وروى الكوفيون ذلك عيين عميير‪ ،‬أعنييي أنييه قضييى على‬
‫المدعيى عليهيم باليميين والديية‪ .‬وخرج مثله أيضيا مين تبدئة اليهود‬
‫باليمان عين رافيع بين خدييج‪ ،‬واحتيج هؤلء القوم على مالك بميا‬
‫روي عين ابين شهاب الزهري عين سيليمان بين يسيار وعراك بين‬
‫مالك أن عمير بين الخطاب قال للجهنيي الذي ادعيى دم ولييه على‬
‫رجل من بني سعد وكان أجرى فرسه فوطئ على أصبع الجهني‬
‫فترى فيهييا فمات‪ ،‬فقال عميير للذي ادعييى عليهييم‪ :‬أتحلفون بالله‬
‫خمسييين يمينييا مييا مات منهييا؟ فأبوا أن يحلفوا وتحرجوا‪ ،‬فقال‬
‫للمدعيييين‪ :‬احلفوا‪ ،‬فأبوا فقضيييى عليهيييم بشطييير الديييية‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫وأحاديثنيا هذه أولى مين التيي روي فيهيا تبدئة المدعيين باليمان‪،‬‬
‫لن الصل شاهد لحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه‪ .‬قال‬
‫أبو عمر‪ :‬والحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫@‪(-‬المسيألة الرابعية) وهيي موجيب القسيامة عنيد القائليين بهيا‪،‬‬
‫أجمع جمهور العلماء القائلون بها أنها ل تجب إل بشبهة‪ .‬واختلفوا‬
‫في الشبهة ما هي؟ فقال الشافعي‪ :‬إذا كانت الشبهة في معنى‬
‫الشبهيية التييي قضييى بهييا رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم‬
‫بالقسيامة وهيو أن يوجيد قتييل فيي محلة قوم ل يخالطهيم غيرهيم‪،‬‬
‫وبييين أولئك القوم‪ ،‬وبيين قوم المقتول عداوة كمييا كانيت العداوة‬
‫بيين النصيار واليهود‪ ،‬وكانيت خييبر دار اليهود مختصية بهيم‪ ،‬ووجيد‬
‫فيها القتيل من النصار‪ ،‬قال‪ :‬وكذلك لو وجد في ناحية قتيل وإلى‬
‫جانبيه رجيل مختضيب بالدم‪ ،‬وكذلك لو دخيل على نفير فيي بييت‬
‫فوجييد بينهييم قتيل ومييا أشبييه هذه الشبييه ممييا يغلب على ظيين‬
‫الحكام أن المدعي محق لقيام تلك الشبهة؛ وقال مالك بنحو من‬
‫هذا‪ ،‬أعني إن القسامة ل تجب إل بلوث والشاهد الواحد عنده إذا‬
‫كان عدل لوث باتفاق عنيييد أصيييحابه‪ ،‬واختلفوا إذا لم يكييين عدل‪.‬‬
‫وكذلك وافيق الشافعيي فيي قرينية الحال المخيلة مثيل أن يوجيد‬
‫قتيييل متشحطييا بدمييه وبقربييه إنسييان بيده حديدة مدماة‪ ،‬إل أن‬
‫مالكييا يرى أن وجود القتيييل فييي المحلة ليييس لوثييا‪ ،‬وإن كانييت‬
‫هنالك عداوة بين القوم الذين منهم القتيل وبين أهل المحلة‪ ،‬وإذا‬
‫كان ذلك كذلك لم يبيق ههنيا شييء يجيب أن يكون أصيل لشتراط‬
‫اللوث فييي وجوبهييا‪ ،‬ولذلك لم يقييل بهييا قوم؛ وقال أبييو حنيفيية‬
‫وصياحباه‪ :‬إذا وجيد قتييل فيي محلة قوم وبيه أثير وجبيت القسيامة‬
‫على أهيل المحلة؛ ومين أهيل العلم مين أوجيب القسيامة بنفيس‬
‫وجود القتييييل فيييي المحلة دون سيييائر الشرائط التيييي اشترط‬
‫الشافعي‪ ،‬ودون وجود الثر بالقتيل الذي اشترطه أبو حنيفة‪ ،‬وهو‬
‫مروي عين عمير وعلي وابين مسيعود‪ ،‬وقال بيه الزهري وجماعية‬
‫من التابعين وهو مذهب ابن حزم قال‪ :‬القسامة تجب متى وجد‬
‫قتييل ل يعرف مين قتله أينميا وجيد‪ ،‬فادعيى ولة الدم على رجيل‬
‫وحلف منهييم خمسييون رجل خمسييين يمينييا‪ ،‬فإن هييم حلفوا على‬
‫العميد فالقود وإن حلفوا على الخطيأ فالديية‪ ،‬ولييس يحلف عنده‬
‫أقييل ميين خمسييين رجل‪ ،‬وعنييد مالك رجلن فصيياعدا ميين أولئك‪.‬‬
‫وقال داود‪ :‬ل أقضي بالقسامة إل في مثل السبب الذي قضى به‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‪ .‬وانفرد مالك واللييث مين بيين‬
‫فقهاء المصيييار القائليييين بالقسيييامة‪ ،‬فجعل قول المقتول فلن‬
‫قتلنيي لوثيا يوجيب القسيامة‪ ،‬وكيل قال بميا غلب على ظنيه أنيه‬
‫شبهييية يوجيييب القسيييامة ولمكان الشبهييية رأى تبدئة المدعيييين‬
‫باليمان مين رأى ذلك منهيم‪ ،‬فإن الشبيه عنيد مالك تنقيل اليميين‬
‫ميين المدعييى عليييه إلى المدعييي‪ ،‬إذ سييبب تعليييق الشرع عنده‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫اليمين بالمدعى عليه‪ ،‬إنما هو لقوة شبهته فيما ينفيه عن نفسه‪،‬‬
‫وكأنيه شبيه ذلك اليميين ميع الشاهيد فيي الموال‪ .‬وأميا القول بأن‬
‫نفس الدعوى شبهة فضعيف ومفارق للصول والنص لقوله عليه‬
‫الصلة والسلم "لو يعطى الناس بدعاويهم لدعى قوم دماء قوم‬
‫وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" وهو حديث ثابت من‬
‫حدييث ابين عباس‪ ،‬وخرجيه مسيلم فيي صيحيحه‪ ،‬وميا احتجيت بيه‬
‫المالكييية ميين قصيية بقرة بنييي إسييرائيل فضعيييف‪ ،‬لن التصييديق‬
‫هنالك أسيييند إلى الفعيييل الخارق للعادة‪ .‬واختلف الذيييين أوجبوا‬
‫القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك‪ :‬ل تكون‬
‫القسيامة إل على واحيد‪ ،‬وبيه قال أحميد بين حنبيل؛ وقال أشهيب‪:‬‬
‫يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الولياء‪ ،‬وهو ضعيف؛‬
‫وقال المغيرة المخزوميي‪ :‬كيل مين أقسيم علييه قتيل؛ وقال مالك‬
‫واللييييث‪ :‬إذا شهيييد اثنان عدلن أن إنسيييانا ضرب آخييير وبقيييي‬
‫المضروب أياميا بعيد الضرب ثيم مات أقسيم أولياء المضروب إنيه‬
‫مات مين ذلك الضرب وقييد بيه‪ ،‬وهذا كله ضعييف‪ .‬واختلفوا فييي‬
‫القسامة في العبد‪ ،‬فبعض أثبتها‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة تشبيها بالحر‪،‬‬
‫وبعيض نفاهيا تشبيهيا بالبهيمية‪ ،‬وبهيا قال مالك‪ ،‬والديية عندهيم فيهيا‬
‫فيي مال القاتيل‪ ،‬ول يحلف فيهيا أقيل مين خمسيين رجل خمسيين‬
‫يمينيا عنيد مالك‪ ،‬ول يحلف عنده أقيل مين اثنيين فيي الدم ويحلف‬
‫الواحيد فيي الخطيأ‪ ،‬وإن نكيل عنده أحيد مين ولة الدم بطيل القود‬
‫وصييحت الدييية فييي حييق ميين لم ينكييل‪ ،‬أعنييي حظييه منهييا‪ .‬وقال‬
‫الزهري‪ :‬إن نكيل منهيم أحيد بطلت الديية فيي حيق الجمييع‪ ،‬وفروع‬
‫هذا الباب كثيرة‪ .‬قال القاضييي‪ :‬والقول فييي القسييامة هييو داخييل‬
‫فيميا ثبتيت بيه الدماء‪ ،‬وهيو فيي الحقيقية جزء مين كتاب القضيية‪،‬‬
‫ولكيين ذكرناه هنييا على عادتهييم‪ ،‬وذلك أنييه إذا ورد قضاء خاص‬
‫بجنيس مين أجناس المور الشرعيية رأوا أن الولى أن يذكير فيي‬
‫ذلك الجنيس‪ .‬وأميا القضاء الذي يعيم أكثير مين واحيد مين أجناس‬
‫الشياء التييي يقييع فيهييا القضاء فيذكيير فييي كتاب القضييية‪ ،‬وقييد‬
‫تجدهيم يفعلون المريين جميعيا كميا فعيل مالك فيي الموطيأ‪ ،‬فإنيه‬
‫ساق فيه القضية من كل كتاب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وعلى‬
‫آله وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب في أحكام الزنى‬
‫@‪-‬والنظير فيي أصيول هذا الكتاب فيي حيد الزنيا‪ ،‬وفيي أصيناف‬
‫الزناة‪ ،‬وفي العقوبات لكل صنف صنف منهم‪ ،‬وفيما تثبت به هذه‬
‫الفاحشة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪*3‬الباب الول في حد الزنى‪.‬‬
‫@‪-‬فأميا الزنيى فهيو كيل وطيء وقيع على غيير نكاح ول شبهية نكاح‬
‫ول ملك يميين‪ ،‬وهذا متفيق علييه بالجملة مين علماء السيلم‪ ،‬وإن‬
‫كانوا اختلفوا فيميا هيو شبهية تدرأ الحدود مميا لييس بشبهية دارئة‪،‬‬
‫وفي ذلك مسائل نذكر منها أشهرها‪ ،‬فمنها المة يقع عليها الرجل‬
‫وله فيها شرك‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يدرأ عنه الحد وإن ولدت ألحق الولد‬
‫به وقومت عليه‪ ،‬وبه قال أبو حنيفة وقال بعضهم يعزر؛ وقال أبو‬
‫ثور‪ :‬علييه الحيد كامل إذا علم الحرمية‪ .‬وحجية الجماعية قوله علييه‬
‫الصيلة والسيلم "ادرءوا الحدود بالشبهات" والذيين درءوا الحدود‬
‫اختلفوا هييل يلزمييه ميين صييداق المثييل بقدر نصيييبه أم ل يلزم‪.‬‬
‫وسبب الخلف‪ :‬هل ذلك الذي يغلب منها حكمه على الجزء الذي‬
‫ل يملك أم حكييم الذي ل يملك يغلب على حكييم الذي يملك؟ فإن‬
‫حكم ما ملك الحلية‪ ،‬وحكم ما لم يملك الحرمية‪ .‬ومنها اختلفهم‬
‫في الرجل المجاهد يطأ جارية من المغنم‪ ،‬فقال قوم‪ :‬عليه الحد؛‬
‫ودرأ قوم عنه الحد وهو أشبه‪ .‬والسبب في هذه وفي التي قبلها‬
‫واحيد‪ ،‬والله أعلم‪ .‬ومنهيا أن يحيل رجيل لرجيل وطيء خادميه‪ ،‬فقال‬
‫مالك‪ :‬يدرأ عنييه الحييد؛ وقال غيره‪ :‬يعزر؛ وقال بعييض الناس‪ :‬بييل‬
‫هيي هبية مقبوضية والرقبية تابعية للفرج‪ .‬ومنهيا الرجيل يقيع على‬
‫جارية ابنه أو ابنته‪ ،‬فقال الجمهور‪ :‬ل حد عليه لقوله عليه الصلة‬
‫والسيلم لرجيل خاطبيه‪" :‬أنيت ومالك لبييك" ولقوله علييه الصيلة‬
‫والسيلم "ل يقاد الوالد بالولد" ولجماعهيم على أنيه ل يقطيع فيميا‬
‫سرق من مال ولده‪ ،‬ولذلك قالوا‪ :‬تقوم عليه حملت أم لم تحمل‬
‫لن ها قد حرمت على ابنه فكأنه اسيتهلكها‪ .‬ومين الحجة لهم أيضيا‬
‫إجماعهيم على أن الب لو قتيل ابين ابنيه لم يكين للبين أن يقتيص‬
‫مين أبييه‪ ،‬وكذلك كيل مين كان البين له ولييا‪ .‬ومنهيا الرجيل يطيأ‬
‫جاريية زوجتيه‪ ،‬اختلف العلماء فييه على أربعية أقوال‪ ،‬فقال مالك‬
‫والجمهور‪ :‬عليه الحد كامل؛ وقالت طائفة ليس عليه الحد وتقوم‬
‫علييه فيغرمهيا لزوجتيه إن كانيت طاوعتيه‪ ،‬وإن كانيت اسيتكرهها‬
‫قوميت علييه وهيي حرة‪ ،‬وبيه قال أحميد وإسيحاق‪ ،‬وهيو قول ابين‬
‫مسييعود‪ ،‬والول قول عميير‪ ،‬ورواه مالك فييي الموطييأ عنييه‪ .‬وقال‬
‫قوم‪ :‬علييه مائة جلدة فقيط سيواء كان محصينا أم ثيبيا‪ :‬وقال قوم‪:‬‬
‫عليه التعزير‪ .‬فعمدة من أوجب عليه الحد أنه وطئ دون ملك تام‬
‫ول شركة ملك ول نكاح فوجب الحد‪ .‬وعمدة من درأ الحد ما ثبت‬
‫أن رسول الله عليه الصلة والسلم قضى في رجل وطئ جارية‬
‫امرأته أنه إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها لسيدتها‪ ،‬وإن‬
‫كانت طاوعته فهي له‪ ،‬وعليه لسيدتها مثلها‪ ،‬وأيضا فإن له شبهة‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيي مالهيا بدلييل قوله علييه الصيلة والسيلم‪ :‬تنكيح المرأة لثلث‪،‬‬
‫فذكيير مالهييا" ويقوى هذا المعنييى على أصييل ميين يرى أن المرأة‬
‫محجور عليها من زوجها فيما فوق الثلث‪ ،‬أو في الثلث فما فوقه‪،‬‬
‫وهيو مذهيب مالك‪ .‬ومنهيا ميا يراه أبيو حنيفية مين درء الحيد عين‬
‫واطييئ المسييتأجرة‪ ،‬والجمهور على خلف ذلك‪ ،‬وقوله فييي ذلك‬
‫ضعييف ومرغوب عنيه‪ ،‬وكأنيه رأى أن هذه المنفعية أشبهيت سيائر‬
‫المنافع التي استأجرها عليها‪ ،‬فدخلت الشبهة وأشبه نكاح المتعة‪.‬‬
‫ومنهيا درء الحيد عمين امتنيع اختلف فييه أيضيا‪ .‬وبالجملة فالنكحية‬
‫الفاسدة داخلة في هذا الباب‪ ،‬وأكثرها عند مالك تدرأ بالحد إل ما‬
‫انعقد منها على شخص مؤبد التحريم بالقرابة مثل الم وما أشبه‬
‫ذلك‪ ،‬مما ل يعذر فيه بالجهل‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في أصناف الزناة وعقوباتهم‪.‬‬
‫@‪-‬والزناة الذيييين تختلف العقوبييية باختلفهيييم أربعييية أصيييناف‪:‬‬
‫محصيييينون ثيييييب وأبكار وأحرار وعبيييييد وذكور وإناث‪ .‬والحدود‬
‫السيييلمية ثلثييية‪ :‬رجيييم‪ ،‬وجلد‪ ،‬وتغرييييب‪ .‬فأميييا الثييييب الحرار‬
‫المحصيينون‪ ،‬فإن المسييلمين أجمعوا على أن حدهييم الرجييم إل‬
‫فرقة من أهل الهواء فإنهم رأوا أن حد كل زان الجلد‪ ،‬وإنما صار‬
‫الجمهور للرجيم لثبوت أحادييث الرجيم‪ ،‬فخصيصوا الكتاب بالسينة‬
‫أعني قوله تعالى {الزانية والزاني} الية‪ .‬واختلفوا في موضعين‪:‬‬
‫أحدهما هل يجلدون مع الرجم أم ل؟ والموضع الثاني في شروط‬
‫الحصان‪.‬‬
‫@‪(-‬أميا المسيألة الولى) فإن العلماء اختلفوا هيل يجلد مين وجيب‬
‫عليييه الرجييم قبييل الرجييم أم ل؟ فقال الجمهور‪ :‬ل جلد على ميين‬
‫وجب عليه الرجم؛ وقال الحسن البصري وإسحاق وأحمد وداود‪:‬‬
‫الزانيي المحصين يجلد ثيم يرجيم‪ .‬عمدة الجمهور "أن رسيول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا‪ ،‬ورجم امرأة من جهينة‪ ،‬ورجم‬
‫يهودييين وامرأة مين عامير مين الزد‪ ،‬كيل ذلك مخرج فيي الصيحاح‬
‫ولم يروا أنيه جلد واحدا منهيم‪ .‬ومين جهية المعنيى أن الحيد الصيغر‬
‫ينطوي فيي الحيد الكيبر‪ ،‬وذلك أن الحيد إنميا وضيع للزجير فل تأثيير‬
‫للزجيير بالضرب مييع الرجييم‪ .‬وعمدة الفريييق الثانييي عموم قوله‬
‫تعالى {الزانيية والزانيي فاجلدوا كيل واحيد منهميا مائة جلدة} فلم‬
‫يخيص محصين مين غيير محصين‪ .‬واحتجوا أيضيا بحدييث علي رضيي‬
‫الله عنه‪ ،‬خرجه مسلم وغيره أن عليا رضي الله عنه جلد شراحة‬
‫الهمذانيي يوم الخمييس ورجمهيا يوم الجمعية وقال‪ :‬جلدتهيا بكتاب‬
‫الله‪ ،‬ورجمتها بسنة رسوله‪ .‬وحديث عبادة بن الصامت‪ ،‬وفيه أن‬
‫النيبي علييه الصيلة والسيلم قال "خذوا عنيي قيد جعيل الله لهين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫سبيل البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام‪ ،‬والثيب بالثيب جلد مائة‬
‫والرجم بالحجارة" وأما الحصان فإنهم اتفقوا على أنه من شرط‬
‫الرجيييم‪ .‬واختلفوا فيييي شروطيييه فقال مالك‪ :‬البلوغ والسيييلم‬
‫والحرييية والوطييء فييي عقييد صييحيح‪ ،‬وحالة جائز فيهييا الوطييء‪،‬‬
‫والوطء المحظور عنده هو الوطء في الحيض أو في الصيام‪ ،‬فإذا‬
‫زنيى بعيد الوطيء الذي بهذه الصيفة وهيو بهذه الصيفات فحده عنده‬
‫الرجيم‪ ،‬ووافيق أبيو حنيفية مالكيا فيي هذه الشروط إل فيي الوطيء‬
‫المحظور؛ واشترط فيي الحريية أن تكون مين الطرفيين‪ ،‬أعنيي أن‬
‫يكون الزانييي والزانييية حرييين‪ ،‬ولم يشترط السييلم الشافعييي‪.‬‬
‫وعمدة الشافعييي مييا رواه مالك عيين نافييع عيين ابيين عميير‪ ،‬وهييو‬
‫حديث متفق عليه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية‬
‫واليهودي اللذييين زنيييا" إذ رفييع إليييه أمرهمييا اليهود‪ ،‬والله تعالى‬
‫يقول {وإن حكميت فاحكيم بينهميا بالقسيط} ‪ .‬وعمدة مالك مين‬
‫طرييييق المعنيييى أن الحصيييان عنده فضيلة ول فضيلة ميييع عدم‬
‫السيلم‪ ،‬وهذا مبناه على أن الوطيء فيي نكاح صيحيح هيو مندوب‬
‫إليييه‪ ،‬فهذا هييو حكييم الثيييب‪ .‬وأمييا البكار فإن المسييلمين أجمعوا‬
‫على أن حييد البكيير فييي الزنييى الجلد مائة لقوله تعالى {الزانييية‬
‫والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}‬
‫واختلفوا فييي التغريييب مييع الجلد؛ فقال أبييو حنيفيية وأصييحابه‪ :‬ل‬
‫تغرييب أصيل؛ وقال الشافعيي‪ :‬ل بيد مين التغرييب ميع الجلد لكيل‬
‫زان ذكرا كان أو أنثيييييييييى‪ ،‬حرا كان أو عبدا؛ وقال مالك‪ :‬يغرب‬
‫الرجل ول تغرب المرأة‪ ،‬وبه قال الوزاعي؛ ول تغريب عند مالك‬
‫على العبيد‪ .‬فعمدة من أوجب التغريب على الطلق حديث عبادة‬
‫بين الصيامت المتقدم وفييه "البكير بالبكير جلد مائة وتغرييب عام"‬
‫وكذلك مييا خرج أهييل الصييحاح عيين أبييي هريرة وزيييد بيين خالد‬
‫الجهنيي أنهميا قال "إن رجل مين العراب أتيى النيبي علييه الصيلة‬
‫والسييلم قال‪ :‬يييا رسييول الله أنشدك الله إل قضيييت لي بكتاب‬
‫الله‪ ،‬فقال الخصييم وهييو أفقييه منييه‪ :‬نعييم اقييض بيننييا بكتاب الله‬
‫وائذن لي أن أتكلم‪ ،‬فقال له النيبي صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬قيل‪،‬‬
‫قال‪ :‬إن ابنيي كان عسييفا على هذا فزنيى بامرأتيه‪ ،‬وإنيي أخيبرت‬
‫أن على ابنييي الرجييم فافتديتييه بمائة شاة ووليدة‪ ،‬فسييألت أهييل‬
‫العلم فأخيبروني أنميا على ابنيي جلد مائة وتغرييب عام‪ ،‬وأن على‬
‫امرأة هذا الرجم‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬والذي‬
‫نفسييي بيده لقضييين بينكمييا بكتاب الله‪ :‬أمييا الوليدة والغنييم فرد‬
‫عليييك‪ ،‬وعلى ابنييك جلد مائة وتغريييب عام‪ ،‬واغييد يييا أنيييس على‬
‫امرأة هذا فإن اعترفييت فارجمهييا‪ ،‬فغدا عليهييا أنيييس فاعترفييت‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فأمير النيبي علييه الصيلة والسيلم بهيا فرجميت"‪ .‬ومين خصيص‬
‫المرأة من هذا العموم فإنما خصصه بالقياس‪ ،‬لنه رأى أن المرأة‬
‫تعرض بالغربة لكثر من الزنى‪ ،‬وهذا من القياس المرسل‪ ،‬أعني‬
‫المصييلحي الذي كثيرا مييا يقول بييه مالك‪ .‬وأمييا عمدة الحنفييية‬
‫فظاهر الكتاب‪ ،‬وهو مبني على رأيهم أن الزيادة على النص نسخ‬
‫وأنيه لييس ينسيخ الكتاب بأخبار الحاد‪ .‬ورووا عين عمير وغيره أنيه‬
‫حيد ولم يغرب‪ .‬وروى الكوفيون عين أبيي بكير وعمير أنهيم غربوا‪.‬‬
‫وأميا حكيم العبييد فيي هذه الفاحشية‪ ،‬فإن العبييد صينفان‪ :‬ذكور‪،‬‬
‫وإناث أمييا الناث فإن العلماء أجمعوا على أن الميية إذا تزوجييت‬
‫وزنت أن حدها خمسون جلدة لقوله تعالى {فإذا أحصن فإن أتين‬
‫بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} واختلفوا‬
‫إذا لم تتزوج‪ ،‬فقال جمهور فقهاء المصيار‪ :‬حدهيا خمسيون جلدة؛‬
‫وقالت طائفية‪ :‬ل حيد عليهيا‪ ،‬وإنميا عليهيا تعزيير فقيط‪ ،‬وروي ذلك‬
‫عن عمر بن الخطاب؛ وقال قوم‪ :‬لحد على المة أصل‪ ،‬والسبب‬
‫فيي اختلفهيم الشتراك الذي فيي اسيم الحصيان فيي قوله تعالى‬
‫{فإذا أحصيين} فميين فهييم ميين الحصييان التزوج وقال بدليييل‬
‫الخطاب قال‪ :‬ل تجلد غييير المتزوجيية؛ وميين فهييم ميين الحصييان‬
‫السلم جعله عاما في المتزوجة وغيرها‪.‬‬
‫واحتج من لم ير على غير المتزوجة حدا بحديث أبي هريرة وزيد‬
‫بن خالد الجهني أن النبي عليه الصلة والسلم سئل عن المة إذا‬
‫زنت ولم تحصن‪ ،‬فقال‪" :‬إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها‬
‫ثم بيعوها ولو بضفير"‪.‬‬
‫وأما الذكر من العبيد‪ ،‬ففقهاء المصار على أن حد العبد نصف حد‬
‫الحير قياسيا على المية؛ وقال أهيل الظاهير‪ :‬بيل حده مائة جلدة‬
‫مصيييرا إلى عموم قوله تعالى {فاجلدوا كييل واحييد منهمييا مائة‬
‫جلدة} ولم يخصص حرا من عبد‪ .‬ومن الناس من درأ عنه قياسا‬
‫على المية وهيو شاذ‪ .‬وروي عين ابين عباس‪ .‬فهذا هيو القول فيي‬
‫أصناف الحدود وأصناف المحدودين والشرائط الموجبة للحد في‬
‫واحييد واحييد منهييم‪ ،‬ويتعلق بهذا القول فييي كيفييية الحدود‪ ،‬وفييي‬
‫وقتها‪ .‬فأما كيفيتها فمن مشهور المسائل الواقعة في هذا الجنس‬
‫اختلفهييم فييي الحفيير للمرجوم‪ ،‬فقالت طائفيية‪ :‬يحفيير له‪ ،‬وروي‬
‫ذلك عن علي في شراحة الهمدانية حين أمر برجمها‪ ،‬وبه قال أبو‬
‫ثور‪ ،‬وفيييه "فلمييا كان يوم الجمعيية أخرجهييا فحفيير لهييا حفيرة‬
‫فأدخلت في ها وأحدق الناس بها يرمونها‪ ،‬فقال‪ :‬ليس هكذا الرجم‬
‫إني أخاف أن يصيب بعضكم بعضا‪ ،‬ولكن صفوا كما تصفون في‬
‫الصلة‪ ،‬ثم قال‪ :‬الرجم رجمان‪ :‬رجم سر ورجم علنية‪ ،‬فما كان‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫منيه إقرار فأول مين يرجيم المام ثيم الناس؛ وميا كان ببينية فأول‬
‫مين يرجيم البينية ثيم المام ثيم الناس‪ .‬وقال مالك وأبيو حنيفية‪ :‬ل‬
‫يحفر للمرجوم‪ ،‬وخير في ذلك الشافعي؛ وقيل عنه‪ :‬يحفر للمرأة‬
‫فقط‪.‬‬
‫وعمدتهيم ميا خرج البخاري ومسيلم مين حدييث جابر‪ ،‬قال جابر‪:‬‬
‫ه الحجارة فيير‪ ،‬فأدركناه بالحرة‬
‫فرجمناه بالمصييلى‪ ،‬فلمييا أذ ْلَقَت ْيي ُ‬
‫فرضخناه‪ .‬وقيد روى مسيلم أنيه حفير له فيي اليوم الرابيع حفير‪.‬‬
‫وبالجملة فالحادييث فيي ذلك مختلفية‪ .‬قال أحميد‪ :‬أكثير الحادييث‬
‫على أن ل حفييير؛ وقال مالك‪ :‬يضرب فيييي الحدود الظهييير وميييا‬
‫يقاربيه؛ وقال أبيو حنيفية والشافعيي‪ :‬يضرب سيائر العضاء ويتقيى‬
‫الفرج والوجيه؛ وزاد أبيو حنيفية الرأس؛ ويجرد الرجيل عنيد مالك‬
‫في ضرب الحدود كلها‪ ،‬وعند الشافعي وأبي حنيفة ما عدا القذف‬
‫على ميا سييأتي بعيد؛ ويضرب عنيد الجمهور قاعدا ول يقام قائميا‬
‫لمين قال‪ :‬إنيه يقام لظاهير اليية‪ ،‬ويسيتحب عنيد الجمييع أن يحضير‬
‫المام عند إقامة الحدود طائفة من الناس لقوله تعالى {وليشهد‬
‫عذابهميا طائفية مين المؤمنيين} ‪ .‬واختلفوا فيميا يدل علييه اسيم‬
‫الطائفة‪ ،‬فقال مالك‪ :‬أربعة‪ ،‬وقيل ثلثة‪ ،‬وقيل اثنان‪ ،‬وقيل سبعة‪،‬‬
‫وقييل ميا فوقهيا‪ .‬أميا الوقيت‪ ،‬فإن الجمهور على أنيه ل يقام فيي‬
‫الحيير الشديييد ول فييي البرد‪ ،‬ول يقام على المريييض؛ وقال قوم‪:‬‬
‫يقام‪ ،‬وبه قال أحمد وإسحاق‪ ،‬واحتجا بحديث عمر أنه أقام الحد‬
‫على قدامية وهيو مرييض‪ .‬وسيبب الخلف معارضية أهيل الظواهير‬
‫للمفهوم مين الحيد‪ ،‬وهيو أن يقام حييث ل يغلب على ظين المقييم‬
‫له فوات نفييس المحدود؛ فميين نظيير إلى الميير بإقاميية الحدود‬
‫مطلقييا ميين غييير اسييتثناء قال‪ :‬يحييد المريييض؛ وميين نظيير إلى‬
‫المفهوم مين الحيد قال‪ :‬ل يحيد المرييض حتيى ييبرأ‪ ،‬وكذلك المير‬
‫في شدة الحر والبرد‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثالث وهو معرفة ما تثبت به هذه الفاحشة‪.‬‬
‫@‪-‬وأجمييييع العلماء على أن الزنييييى يثبييييت بالقرار وبالشهادة‪.‬‬
‫واختلفوا في ثبوته بظهور الحمل في النساء الغير المتزوجات إذا‬
‫ادعييين السييتكراه‪ .‬وكذلك اختلفوا فييي شروط القرار وشروط‬
‫الشهادة‪ .‬فأميا القرار فإنهيم اختلفوا فييه فيي موضعيين‪ :‬أحدهميا‬
‫عدد مرات القرار الذي يلزم بيه الحيد‪ .‬والموضيع الثانيي هيل مين‬
‫شرطيه أن ل يرجيع عين القرار حتيى يقام علييه الحيد؟ أميا عدد‬
‫القرار الذي يجيب بيه الحيد‪ ،‬فإن مالكيا والشافعيي يقولن‪ :‬يكفيي‬
‫فيي وجوب الحيد علييه اعترافيه بيه مرة واحدة‪ ،‬وبيه قال أبيو داود‬
‫وأبيو ثور والطيبري وجماعية؛ وقال أبيو حنيفية وأصيحابه وابين أبيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ليلى‪ :‬ل يجب الحد إل بأقارير أربعة مرة بعد مرة‪ ،‬وبه قال أحمد‬
‫وإسيحاق‪ ،‬وزاد أبيو حنيفية وأصيحابه‪ :‬فيي مجالس متفرقية‪ .‬وعمدة‬
‫مالك والشافعيي ما جاء فيي حدييث أبي هريرة وزيد بن خالد من‬
‫قوله عليييه الصييلة والسييلم "اغييد يييا أنيييس على امرأة هذا‪ ،‬فإن‬
‫اعترفييت فارجمهييا‪ ،‬فاعترفييت فرجمهييا" ولم يذكيير عددا‪ .‬وعمدة‬
‫الكوفييين ميا ورد مين حدييث سيعيد بين جيبير عين ابين عباس عين‬
‫النبي عليه الصلة والسلم "أنه رد ماعزا حتى أقر أربع مرات ثم‬
‫أمير برجميه" وفيي غيره مين الحادييث قالوا‪ :‬وميا ورد فيي بعيض‬
‫الروايات أنيه أقير مرة ومرتيين وثلثيا تقصيير‪ ،‬ومين قصير فلييس‬
‫بحجة على من حفظ‪.‬‬
‫@‪(-‬وأما المسلة الثانية) وهيي من اعترف بالزنى ثم رجع‪ ،‬فقال‬
‫جمهور العلماء يقبييل رجوعييه‪ ،‬إل ابيين أبييي ليلى وعثمان البتييي؛‬
‫وفصل مالك فقال‪ :‬إن رجع إلى شبهة قبل رجوعه‪ .‬وأما إن رجع‬
‫إلى غير شبهة فعنه في ذلك روايتان‪ :‬إحداهما يقبل وهي الرواية‬
‫المشهورة‪ .‬والثانية ل يقبل رجوعه‪ ،‬وإنما صار الجمهور إلى تأثير‬
‫الرجوع فيي القرار لميا ثبيت مين تقريره صيلى الله علييه وسيلم‬
‫ماعزا وغيره مرة بعييد مرة لعله يرجييع‪ ،‬ولذلك ل يجييب على ميين‬
‫أوجب سقوط الحد بالرجوع أن يكون التمادي على القرار شرطا‬
‫ميين شروط الحييد‪ .‬وقييد روي ميين طريييق "أن ماعزا لمييا رجييم‬
‫ومسته الحجارة هرب فاتبعوه‪ ،‬فقال لهم‪ :‬ردوني إلى رسول الله‬
‫علييه الصيلة والسيلم‪ ،‬فقتلوه رجميا وذكروا ذلك إلى النيبي علييه‬
‫الصيلة والسيلم فقال‪ :‬هل تركتموه لعله يتوب فيتوب الله علييه"‬
‫ومن هنا تعلق الشافعي بأن التوبة تسقط الحدود‪ ،‬والجمهور على‬
‫خلفيه‪ ،‬وعلى هذا يكون عدم التوبية شرطيا ثالثيا فيي وجوب الحيد‪.‬‬
‫وأما ثبوت الزنى بالشهود فإن العلماء اتفقوا على أنه يثبت الزنى‬
‫بالشهود‪ ،‬وأن العدد المشترط فييي الشهود أربعيية بخلف سييائر‬
‫الحقوق لقوله تعالى {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وأن من صفتهم‬
‫أن يكونوا عدول‪ ،‬وأن ميين شرط هذه الشهادة أن تكون بمعاينيية‬
‫فرجيه فيي فرجهيا‪ ،‬وأنهيا تكون بالتصيريح ل بالكنايية‪ ،‬وجمهورهيم‬
‫على أن من شرط هذه الشهادة أن ل تختلف ل في زمان ول في‬
‫مكان إل ميا حكيي عين أبيي حنيفية مين مسيألة الزواييا المشهورة‪،‬‬
‫وهيو أن يشهيد كيل واحيد من الربعية أنيه رآهيا فيي ركين مين البييت‬
‫يطؤهيا غيير الركين الذي رآه فييه الخير‪ .‬وسيبب الخلف هيل تلفيق‬
‫الشهادة المختلفيييية بالمكان أم ل تلفييييق كالشهادة المختلفيييية‬
‫بالزمان؟ فإنهيم أجمعوا على أنهيا ل تلفيق‪ ،‬والمكان أشبيه شييء‬
‫بالزمان‪ .‬والظاهيير ميين الشرع قصييده إلى التوثييق فييي ثبوت هذا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الحد أكثر منه في سائر الحدود‪ .‬وأما اختلفهم في إقامة الحدود‬
‫بظهور الحميل مع دعوى السيتكراه‪ ،‬فإن طائفة أوجبيت فييه الحد‬
‫على ميا ذكره مالك فيي الموطيأ مين حدييث عمير‪ ،‬وبيه قال مالك‪،‬‬
‫إل أن تكون جاءت بأمارة على اسيييتكراهها‪ ،‬مثيييل أن تكون بكرا‬
‫فتأتيي وهيي تدميى‪ ،‬أو تفضيح نفسيها بأثير السيتكراه‪ ،‬وكذلك عنده‬
‫الميير إذا ادعييت الزوجييية إل أن تقيييم البينيية على ذلك‪ ،‬مييا عدا‬
‫الطارئة‪ ،‬فإن ابين القاسيم قال‪ :‬إذا ادعيت الزوجيية وكانيت طارئة‬
‫قبل قولها؛ وقال أبو حنيفة والشافعي‪ :‬ل يقام عليها الحد بظهور‬
‫الحميل ميع دعوى السيتكراه وكذلك ميع دعوى الزوجيية‪ ،‬وإن لم‬
‫تأت فييي دعوى السييتكراه بأمارة‪ ،‬ول فييي دعوى الزوجييية ببينيية‬
‫لنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الستكراه‪ .‬ومن الحجة لهم ما جاء‬
‫فيي حدييث شراحية أن علييا رضيي الله عنيه قال لهيا‪ :‬اسيتكرهت؟‬
‫قالت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فلعييل رجل أتاك فييي نومييك‪ .‬قالوا‪ :‬وروى الثبات‬
‫عيين عميير أنييه قبييل قول امرأة دعييت أنهييا ثقيلة النوم وإن رجل‬
‫طرقهييا فمضييى عنهييا ولم تدر ميين هييو بعييد‪ .‬ول خلف بييين أهييل‬
‫السييلم أن المسييتكرهة ل حييد عليهييا‪ ،‬وإنمييا اختلفوا فييي وجوب‬
‫الصيداق لهيا‪ .‬وسيبب الخلف هيل الصيداق عوض عين البضيع أو هيو‬
‫نحلة؟ فمين قال عوض عين البضيع أوجبيه فيي البضيع فيي الحليية‬
‫والحرمية؛ ومن قال إنه نحلة خص الله به الزواج لم يوجبه‪ .‬وهذا‬
‫الصل كاف في هذا الكتاب‪ ،‬والله الموفق للصواب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القذف‪.‬‬
‫@‪-‬والنظيير فييي هذا الكتاب‪ :‬فييي القذف‪ ،‬والقاذف‪ ،‬والمقذوف‪،‬‬
‫وفيي العقوبية الواجبية فييه‪ ،‬وبماذا تثبيت‪ .‬والصيل فيي هذا الكتاب‬
‫قوله تعالى {والذيييين يرمون المحصييينات ثيييم لم يأتوا بأربعييية‬
‫شهداء} الييية‪ .‬فأمييا القاذف فإنهييم اتفقوا على أن ميين شرطييه‬
‫وصيفين‪ :‬وهميا البلوغ والعقيل‪ ،‬وسيواء كان ذكرا أو أنثيى‪ ،‬حرا أو‬
‫عبدا‪ ،‬مسيلما أو غيير مسيلم‪ .‬وأميا المقذوف فاتفقوا على أن مين‬
‫شرطييه أن يجتمييع فيييه خمسيية أوصيياف وهييي البلوغ والحرييية‬
‫والعفاف والسلم‪ ،‬وأن يكون معه آلة الزنى‪ ،‬فإن انخرم من هذه‬
‫الوصياف وصيف لم يجيب الحيد‪ ،‬والجمهور بالجملة على اشتراط‬
‫الحريية فيي المقذوف‪ ،‬ويحتميل أن يدخيل فيي ذلك خلف‪ ،‬ومالك‬
‫يعتبر في سن المرأة أن تطيق الوطء‪ .‬وأما القذف الذي يجب به‬
‫الحيد‪ ،‬فاتفقوا على وجهيين‪ :‬أحدهميا أن يرميي القاذف المقذوف‬
‫بالزنيى‪ ،‬والثانيي أن ينفييه عين نسيبه إذا كانيت أميه حرة مسيلمة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫واختلفوا إن كانيت كافرة أو أمية‪ ،‬فقال مالك‪ :‬سواء كانيت حرة أو‬
‫أمة أو مسلمة أو كافرة يجب الحد‪ .‬وقال إبراهيم النخعي‪ :‬ل حد‬
‫علييييه إذا كانيييت أم المقذوف أمييية أو كتابيييية‪ ،‬وهيييو قياس قول‬
‫الشافعي وأبي حني فة‪ .‬واتفقوا أن القذف إذا كان بهذين المعنيين‬
‫أنيه إذا كان بلفيظ صيريح وجيب الحيد‪ ،‬واختلفوا إن كان بتعرييض‪،‬‬
‫فقال الشافعيي وأبيو حنيفية والثوري وابين أبيي ليلى‪ :‬ل حيد فيي‬
‫التعرييض‪ ،‬إل أن أبيا حنيفية والشافعيي يريان فييه التعزيير‪ ،‬وممين‬
‫قال بقولهيم مين الصيحابة ابين مسيعود؛ وقال مالك وأصيحابه‪ :‬فيي‬
‫التعرييض الحيد‪ ،‬وهيي مسيألة وقعيت فيي زمان عمير‪ ،‬فشاور عمير‬
‫فيهيا الصيحابة‪ ،‬فاختلفوا فيهيا علييه‪ ،‬فرأى عمير فيهيا الحيد‪ .‬وعمدة‬
‫مالك أن الكنايية قيد تقوم بعرف العادة‪ ،‬والسيتعمال مقام النيص‬
‫الصيريح‪ ،‬وإن كان اللفيظ فيهيا مسيتعمل فيي غيير موضعيه أعنيي‬
‫مقول بالسييتعارة‪ .‬وعمدة الجمهور أن الحتمال الذي فييي السييم‬
‫المسيتعار شبهية‪ ،‬والحدود تدرأ بالشبهات‪ ،‬والحيق أن الكنايية قيد‬
‫تقوم فيي مواضع مقام النص‪ ،‬وقيد تضعف فيي مواضيع‪ ،‬وذلك أنيه‬
‫إذا لم يكثير السيتعمال لهيا والذي يندرئ بيه الحيد عين القاذف أن‬
‫يثبيت زنيى المقذوف بأربعية شهود باجماع‪ ،‬والشهود عنيد مالك إذا‬
‫كانوا أقيل من أربعية قذفية وعنيد غيره ليسوا بقذفية‪ ،‬وإن ما اختلف‬
‫المذهب في الشهود الذين يشهدون على شهود الصل‪ .‬والسبب‬
‫فيي اختلفهيم هيل يشترط فيي نقيل شهادة كيل واحيد منهيم عدد‬
‫شهود الصيل أم يكفيي فيي ذلك اثنان على الصيل المعتيبر فيميا‬
‫سيوى القذف إذ كانوا ممين ل يسيتقل بهيم نقيل الشهادة مين قبيل‬
‫العدد‪.‬‬
‫وأميا الحيد فالنظير فييه فيي جنسيه وتوقيتيه ومسيقطه أميا جنسيه‪،‬‬
‫فإنهيييم اتفقوا على أنيييه ثمانون جلدة للقاذف الحييير لقوله تعالى‬
‫{ثمانين جلدة} ‪ .‬واختلفوا في العبد يقذف الحر‪ :‬كم حده؟ فقال‬
‫الجمهور مين فقهاء المصيار حده نصيف حيد الحير‪ ،‬وذلك أربعون‬
‫جلدة‪ ،‬وروي ذلك عيين الخلفاء الربعيية‪ ،‬وعيين ابيين عباس‪ :‬وقالت‬
‫طائفة‪ :‬حده حد الحر‪ ،‬وبه قال ابن مسعود من الصحابة وعمر بن‬
‫عبيد العزييز وجماعية مين فقهاء المصيار‪ :‬أبيو ثور والوزاعيي وداود‬
‫وأصيييحابه ميين أهييل الظاهيير‪ .‬فعمدة الجمهور قياس حده فييي‬
‫القذف على حده في الزنى‪ .‬وأما أهل الظاهر فتمسكوا في ذلك‬
‫بالعموم ولمييا أجمعوا أيضييا أن حييد الكتابييي ثمانون‪ ،‬فكان العبييد‬
‫أحرى بذلك‪ .‬وأما التوقيت فإنهم اتفقوا على أنه إذا قذف شخصا‬
‫واحدا مرار كثيرة‪ ،‬فعليه حد واحد إذا لم يحد بواحد منها‪ ،‬وأنه إذ‬
‫قذف فحيد ثيم قذفيه ثانيية حيد حدا ثانييا واختلفوا إذا قذف جماعية‪،‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فقالت طائفيية‪ :‬ليييس عليييه إل حييد واحييد جمعهييم فييي القذف أو‬
‫فرقهيم‪ ،‬وبيه قال مالك وأبيو حنيفية والثوري وأحميد وجماعية وقال‬
‫قوم‪ :‬بل عليه لكل واحد حد‪ ،‬وبه قال الشافعي والليث وجماعة‬
‫حتى روي عن الحسن بن حيى أنه قال‪ :‬إن قال إنسان‪ :‬من دخل‬
‫هذه الدار فهيو زان جلد الحيد لكيل مين دخلهيا؛ وقالت طائفية إن‬
‫جمعهم في كلمة واحدة مثل أن يقول لهم يا زناة فحد واحد‪ ،‬وإن‬
‫قال لكل واحد منهم يا زاني فعليه لكل إنسان منهم حد‪ .‬فعمدة‬
‫ميين لم يوجييب على قاذف الجماعيية إل حدا واحدا حديييث أنييس‬
‫وغيره أن هلل بين أميية قذف امرأتيه بشرييك بين سيحماء‪ ،‬فرفيع‬
‫ذلك إلى النييبي عليييه الصييلة والسييلم فلعيين بينهمييا ولم يحده‬
‫لشرييك‪ ،‬وذلك إجماع مين أهيل العلم فيمين قذف زوجتيه برجيل‪.‬‬
‫وعمدة مين رأى أن الحيد لكيل واحيد منهيم أنيه حيق للدمييين‪ ،‬وأنيه‬
‫لو عفا بعضهم ولم يعف الكل لم يسقط الحد‪ .‬وأما من فرق بين‬
‫قذفهييم فييي كلميية واحدة أو كلمات أو فييي مجلس واحييد أو فييي‬
‫مجالس‪ ،‬فلنيه رأى أنيه واجيب أن يتعدد الحيد بتعدد القذف‪ ،‬لنيه‬
‫إذا اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف كان أوجب أن يتعدد الحد‪،‬‬
‫وأميا سيقوطه فإنهيم اختلفوا فيي سيقوطه بعفيو القاذف‪ ،‬فقال أبيو‬
‫حنيفيية والثوري والوزاعييي‪ :‬ل يصييح العفييو‪ :‬أي ل يسييقط الحييد؛‬
‫وقال الشافعي‪ :‬يصح العفو أي يسقط الحد بلغ المام أو لم يبلغ؛‬
‫وقال قوم‪ :‬إن بلغ المام لم يجيز العفيو‪ ،‬وإن لم يبلغيه جاز العفيو‪.‬‬
‫واختلف قول مالك فيييي ذلك‪ ،‬فمرة قال بقول الشافعيييي‪ ،‬ومرة‬
‫قال‪ :‬يجوز إذا لم يبلغ المام‪ ،‬وإن بلغ لم يجيييز إل أن يرييييد بذلك‬
‫المقذوف الستر على نفسه‪ ،‬وهو المشهور عنه‪.‬‬
‫والسيبب فيي اختلفهيم هيل هيو حيق لله؟ أو حيق للدمييين‪ ،‬أو حيق‬
‫لكليهميا؟ فمين قال حيق لله لم يجيز العفيو كالزنيى؛ ومين قال حيق‬
‫للدميين أجاز العفو؛ ومن قال لكليهما وغلب حق المام إذا وصل‬
‫إليه قال بالفرق بين أن يصل المام أو ل يصل‪ ،‬وقياسا على الثر‬
‫الوارد في السرقة‪ .‬وعمدة من رأى أنه حق للدميين وهو الظهر‬
‫أن المقذوف إذا صيدقه فيميا قذفيه بيه سيقط عنيه الحيد‪ .‬وأميا مين‬
‫يقيم الحد فل خلف أن المام يقيمه في القذف‪ .‬واتفقوا على أنه‬
‫يجيب على القاذف ميع الحيد سيقوط شهادتيه ميا لم يتيب‪ .‬واختلفوا‬
‫إذا تاب؛ فقال مالك‪ :‬تجوز شهادتيه‪ ،‬وبيه قال الشافعيي؛ وقال أبيو‬
‫حنيفية‪ :‬ل تجوز شهادتيه أبدا‪ .‬والسيبب فيي اختلفهيم هيل السيتثناء‬
‫يعود إلى الجملة المتقدميية أو يعود إلى أقرب مذكور‪ ،‬وذلك فييي‬
‫قوله تعالى {ول تقبلوا لهيم شهادة أبدا وأولئك هيم الفاسيقون إل‬
‫الذيين تابوا} فمين قال يعود إلى أقرب مذكور قال‪ :‬التوبية ترفيع‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الفسيق ول تقبيل شهادتيه؛ ومين رأى أن السيتثناء يتناول المريين‬
‫جميعيييا قال‪ :‬التوبييية ترفيييع الفسيييق ورد الشهادة‪ .‬وكون ارتفاع‬
‫الفسيق ميع رد الشهادة أمير غيير مناسيب فيي الشرع‪ :‬أي خارج‬
‫عن الصول‪ ،‬لن الفسق متى ارتفع قبلت الشهادة‪ .‬واتفقوا على‬
‫أن التوبية ل ترفيع الحيد‪ .‬وأميا بماذا يثبيت؟ فإنهيم اتفقوا على أنيه‬
‫يثبيت بشاهديين عدليين حريين ذكريين‪ .‬واختلف فيي مذهيب مالك‪:‬‬
‫هيل يثبت بشاهد ويمين وبشهادة النساء؟ وهل تلزم فيي الدعوى‬
‫فيه يمين؟ وإن نكل فهل يحد بالنكول ويمين المدعي؟ فهذه هي‬
‫أصول هذا الباب التي تنبني عليه فروعه‪ .‬قال القاضي‪ :‬وإن أنسأ‬
‫الله فيي العمير فسينضع كتابيا فيي الفروع على مذهيب مالك بين‬
‫أنيس مرتبيا ترتيبيا صيناعيا‪ ،‬إذ كان المذهيب المعمول بيه فيي هذه‬
‫الجزيرة‪ ،‬التيي هيي جزيرة الندلس حتيى يكون بيه القارئ مجتهدا‬
‫فيي مذهيب مالك‪ ،‬لن إحصياء جمييع الروايات عندي شييء ينقطيع‬
‫العمر دونه‪.‬‬
‫*‪*3‬باب في شرب الخمر‪.‬‬
‫@‪-‬والكلم في هذه الجناية‪ :‬في الموجب‪ ،‬والواجب‪ ،‬وبماذا تثبت‬
‫هذه الجنايية؟ فأميا الموجيب‪ ،‬فاتفقوا على أنيه شرب الخمير دون‬
‫إكراه قليلهيا وكثيرهيا واختلفوا فيي المسيكرات مين غيرهيا؛ فقال‬
‫أهيل الحجاز‪ :‬حكمهيا حكيم الخمير فيي تحريمهيا وإيجاب الحيد على‬
‫ميين شربهييا قليل كان أو كثيرا أو لم يسييكر؛ وقال أهييل العراق‪:‬‬
‫المحرم منها هو السكر‪ ،‬وهو الذي يوجب الحد‪ .‬وقد ذكرنا عمدة‬
‫أدلة الفريقيين فيي كتاب الطعمية والشربية‪ .‬وأميا الواجيب فهيو‬
‫الحيد والتفسييق إل أن تكون التوبية‪ ،‬والتفسييق فيي شارب الخمير‬
‫باتفاق وإن لم يبلغ حيد السيكر‪ ،‬وفيمين بلغ حيد السيكر فيميا سيوى‬
‫الخمير‪ .‬واختلف الذيين رأوا تحرييم قلييل النبذة فيي وجوب الحيد‪،‬‬
‫وأكثر هؤلء على وجوبه‪ ،‬إل أنهم اختلفوا في مقدار الحد الواجب؛‬
‫فقال الجمهور‪ :‬الحييد فييي ذلك ثمانون؛ وقال الشافعييي وأبييو ثور‬
‫وداود‪ :‬الحيد فيي ذلك أربعون‪ ،‬هذا فيي حيد الحير‪ .‬وأميا حيد العبيد‬
‫فاختلفوا فيه؛ فقال الجمهور‪ :‬هو على النصف من حد الحر؛ وقال‬
‫أهل الظاهر‪ :‬حد الحر والعبد سواء‪ ،‬وهو أربعون؛ وعند الشافعي‬
‫عشرون؛ وعنييد ميين قال ثمانون أربعون‪ .‬فعمدة الجمهور تشاور‬
‫عمير والصيحابة لميا كثير فيي زمانيه شرب الخمير‪ ،‬وإشارة علي‬
‫عليه بأن يجعل الحد ثمانين قياسا على حد الفرية‪ ،‬فإنه كما قيل‬
‫عنيه رضيي الله عنيه "إذا شرب سيكر‪ ،‬وإذا سيكر هذى‪ ،‬وإذا هذى‬
‫افترى" وعمدة الفرييق الثانيي أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم لم‬
‫يحيد فيي ذلك حدا‪ ،‬وإنميا كان يضرب فيهيا بيين يدييه بالنعال ضربيا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫غير محدود‪ ،‬وأن أبا بكر رضي الله عنه شاور أصحاب رسول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم‪ :‬كيم بلغ ضرب رسيول الله صيلى الله علييه‬
‫وسييلم ل ُ‬
‫شراب الخميير؟ فقدروه بأربعييين‪ .‬وروي عيين أبييي سييعيد‬
‫الخدري "أن رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم ضرب فيي الخمير‬
‫بنعليين أربعيين" فجعيل عمير مكان كيل نعيل سيوطا‪ .‬وروي مين‬
‫طريق آخر عن أبي سعيد الخدري ما هو أثبت من هذا‪ ،‬وهو "أن‬
‫رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم ضرب فييي الخميير أربعييين"‬
‫وروي هذا عين علي عين النيبي علييه الصيلة والسيلم مين طرييق‬
‫أثبت‪ ،‬وبه قال الشافعي وأما من يقيم هذا الحد فاتفقوا على أن‬
‫المام يقيميه‪ ،‬وكذلك المير فيي سيائر الحدود واختلفوا فيي إقامية‬
‫السييادات الحدود على عييبيدهم‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يقيييم السيييد على‬
‫عبده حد الزنى وحد القذف إذا شهد عنده الشهود‪ ،‬ول يفعل ذلك‬
‫بعلم نفسييه‪ ،‬ول يقطييع فييي السييرقة إل المام‪ ،‬وبييه قال الليييث‪،‬‬
‫وقال أبيييو حنيفييية‪ :‬ل يقييييم الحدود على العبييييد إل المام؛ وقال‬
‫الشافعيي‪ :‬يقييم السييد على عبده جمييع الحدود‪ ،‬وهيو قول أحميد‬
‫وإسييحاق وأبييي ثور‪ .‬فعمدة مالك الحديييث المشهور "أن رسييول‬
‫الله صيلى الله علييه وسيلم سيئل عين المية إذا زنيت ولم تحصين‬
‫فقال‪ :‬إن زنييت فاجلدوهييا‪ ،‬ثييم إن زنييت فاجلدوهييا‪ ،‬ثييم إن زنييت‬
‫فاجلدوها‪ ،‬ثم بيعوها ولو بضفير" وقوله عليه الصلة والسلم "إذا‬
‫زنييت أميية أحدكييم فليجلدهييا"‪ .‬وأمييا الشافعييي فاعتمييد مييع هذه‬
‫الحادييث ميا روي عنيه صيلى الله علييه وسيلم مين حدييث عنيه أنيه‬
‫قال "أقيموا الحدود على مييا ملكييت أيمانكييم" ولنييه أيضييا مروي‬
‫عين جماعية مين الصيحابة ول مخالف لهيم‪ ،‬منهيم ابين عمير وابين‬
‫مسيعود وأنيس‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية الجماع على أن الصيل فيي‬
‫إقامية الحدود هيو السيلطان‪ .‬وروي عين الحسين وعمير بين عبيد‬
‫العزييز وغيرهيم أنهيم قالوا‪ :‬الجمعية والزكاة والفيئ والحكيم إلى‬
‫السلطان‪.‬‬
‫@‪(-‬فصييل) وأمييا بماذا يثبييت هذا الحييد‪ ،‬فاتفييق العلماء على أنييه‬
‫يثبت بالقرار وبشهادة عدلين‪ .‬واختلفوا في ثبوته بالرائحة‪ ،‬فقال‬
‫مالك وأصحابه وجمهور أهل الحجاز‪ :‬يجب الحد بالرائحة إذا شهد‬
‫بهيا عنيد الحاكيم شاهدان عدلن؛ وخالفيه فيي ذلك الشافعيي وأبيو‬
‫حنيفيية وجمهور أهييل العراق وطائفيية ميين أهييل الحجاز وجمهور‬
‫علماء البصييرة فقالوا‪ :‬ل يثبييت الحييد بالرائحيية‪ .‬فعمدة ميين أجاز‬
‫الشهادة على الرائحيية تشبيههييا بالشهادة على الصييوت والخييط‪.‬‬
‫وعمدة من لم يثبتها اشتباه الروائح‪ ،‬والحد يدرأ بالشبهة‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب السرقة‪.‬‬
‫@‪-‬والنظييير فيييي هذا الكتاب فيييي حيييد السيييرقة‪ ،‬وفيييي شروط‬
‫المسيروق الذي يجيب بيه الحيد‪ ،‬وفيي صيفات السيارق الذي يجيب‬
‫عليييه الحييد‪ ،‬وفييي العقوبيية‪ ،‬وفيمييا تثبييت بييه هذه الجناييية‪ .‬فأمييا‬
‫السيرقة‪ ،‬فهيي أخيذ مال الغيير مسيتترا مين غيير أن يؤتمين علييه‪،‬‬
‫وإنما قلنا هذا لنهم أجمعوا أنه ليس في الخيانة ول في الختلس‬
‫قطيع إل إياس بين معاويية‪ ،‬فإنيه أوجيب فيي الخلسية القطيع‪ ،‬وذلك‬
‫مروي عين النيبي علييه الصيلة والسيلم‪ .‬وأوجيب أيضيا قوم القطيع‬
‫على ميين اسييتعار حليييا أو متاعييا ثييم جحده لمكان حديييث المرأة‬
‫المخزوميية المشهور "أنهيا كانيت تسيتعير الحلى‪ ،‬وأن رسيول الله‬
‫صيلى الله علييه وسيلم قطعهيا لموضيع جحودهيا" وبيه قال أحميد‬
‫وإسيحاق والحدييث حدييث عائشية قالت "كانيت امرأة مخزوميية‬
‫تسيتعير المتاع وتجحده‪ ،‬فأمير النيبي علييه الصيلة والسيلم بقطيع‬
‫يدها‪ ،‬فأتى أسامة أهلها فكلموه‪ ،‬فكلم أسامة النبي عليه الصلة‬
‫والسييلم‪ ،‬فقال النييبي عليييه الصييلة والسييلم‪ :‬يييا أسييامة ل أراك‬
‫تتكلم فيي حيد مين حدود الله‪ ،‬ثيم قام النيبي علييه الصيلة والسيلم‬
‫خطيبييا فقال‪" :‬وإنمييا أهلك ميين كان قبلكييم أنييه إذا سييرق فيهييم‬
‫الشرييف تركوه‪ ،‬وإذا سيرق الضعييف قطعوه‪ ،‬والذي نفسيي بيده‬
‫لو كانيت فاطمية بنيت محميد لقطعتهيا" ورد الجمهور هذا الحدييث‬
‫لنيه مخالف للصيول‪ ،‬وذلك أن المعار مأمون وأنيه لم يأخيذ بغيير‬
‫إذن فضل أن يأخيذ مين حرز‪ ،‬قالوا‪ :‬وفيي الحدييث حذف‪ ،‬وهيو أنهيا‬
‫سيييرقت ميييع أنهيييا جحدت‪ ،‬ويدل على ذلك قوله علييييه الصيييلة‬
‫والسيلم "إنميا أهلك مين كان قبلكيم أنيه إذا سيرق فيهيم الشرييف‬
‫تركوه" قالوا‪ :‬وروى هذا الحديييث الليييث بيين سييعد عيين الزهري‬
‫بإسناده‪ ،‬فقال فييه‪ :‬إن المخزوميية سرقت‪ ،‬قالوا‪ :‬وهذا يدل على‬
‫أنهيا فعلت المريين جميعيا الجحيد والسيرقة‪ .‬وكذلك أجمعوا على‬
‫أنييه ليييس على الغاصييب ول على المكابر المغالب قطييع إل أن‬
‫يكون قاطع طريق شاهرا للسلح على المسلمين مخيفا للسبيل‪،‬‬
‫فحكميه حكيم المحارب على ميا سييأتي فيي حيد المحارب‪ .‬وأميا‬
‫السيارق الذي يجيب علييه حيد السيرقة‪ ،‬فإنهيم اتفقوا على أن مين‬
‫شرطه أن يكون مكلفا‪ ،‬وسواء كان حرا أو عبدا‪ ،‬ذكرا أو أنثى‪ ،‬أو‬
‫مسيلما‪ ،‬أو ذميييا‪ ،‬إل ميا روي فييي الصييدر الول مين الخلف فييي‬
‫قطع يد العبد البق إذا سرق‪ ،‬وروي ذلك عن ابن عباس وعثمان‬
‫ومروان وعميير ابيين عبييد العزيييز‪ ،‬ولم يختلف فيييه بعييد العصيير‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫المتقدم؛ فمييين رأى أن الجماع ينعقيييد بعيييد وجود الخلف فيييي‬
‫العصيير المتقدم كانييت المسييألة عنده قطعييية‪ ،‬وميين لم ييير ذلك‬
‫تمسيك بعموم المير بالقطيع‪ ،‬ول عيبرة لمين لم يير القطيع على‬
‫العبيد البيق إل تشيبيهه سيقوط الحيد عنيه بسيقوط شطره‪ ،‬أعنيي‬
‫الحدود التي تتشطر في حق العبيد‪ ،‬وهو تشبيه ضعيف‪.‬‬
‫وأمييا المسييروق فإن له شرائط مختلفييا فيهييا؛ فميين أشهرهييا‬
‫اشتراط النصيياب‪ ،‬وذلك أن الجمهور على اشتراطييه‪ ،‬إل مييا روي‬
‫عن الحسن البصري أنه قال‪ :‬القطع في قليل المسروق وكثيره‪،‬‬
‫لعموم قوله تعالى {والسيارق والسيارقة فاقطعوا أيدهميا} اليية‪.‬‬
‫وربما احتجوا بحديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عن النبي‬
‫علييه الصيلة والسيلم أنيه قال "لعين الله السيارق يسيرق البيضية‬
‫فتقطييع يده‪ ،‬ويسييرق الحبييل فتقطييع يده" وبييه قالت الخوارج‬
‫وطائفة من المتكلمين‪ .‬والذين قالوا باشتراط النصاب في وجوب‬
‫القطيييع وهيييم الجمهور اختلفوا فيييي قدره اختلفيييا كثيرا‪ ،‬إل أن‬
‫الختلف المشهور مييين ذلك الذي يسيييتند إلى أدلة ثابتييية‪ ،‬وهيييو‬
‫قولن‪ :‬أحدهميييا قول فقهاء الحجاز مالك والشافعيييي وغيرهيييم‪.‬‬
‫والثاني قول فقهاء العراق‪ .‬وأما فقهاء الحجاز فأوجبوا القطع في‬
‫ثلثية دراهيم مين الفضية‪ ،‬وربيع دينار مين الذهيب‪ .‬واختلفوا فيميا‬
‫تقوم بيه سيائر الشياء المسيروقة مميا عدا الذهيب والفضية‪ ،‬فقال‬
‫مالك فيييي المشهور‪ :‬تقوم بالدراهيييم ل بالربيييع دينار‪ ،‬أعنيييي إذا‬
‫اختلفيت الثلثية دراهيم ميع الربيع دينار لختلف الصيرف‪ ،‬مثيل أن‬
‫يكون الربييع دينار فييي وقييت درهمييين ونصييفا؛ وقال الشافعييي‪:‬‬
‫الصل في تقويم الشياء هو الربع دينار‪ ،‬وهو الصل أيضا للدراهم‬
‫فل يقطيع عنده فيي الثلثية دراهيم إل أن تسياوي ربيع دينار‪ .‬وأميا‬
‫مالك فالدنانيير والدراهيم عنيد كيل واحيد منهميا معتيبر بنفسيه وقيد‬
‫روى بعييض البغداديييين عنييه أنييه ينظيير فييي تقويييم العروض إلى‬
‫الغالب فيي نقود أهيل ذلك البلد‪ ،‬فإن كان الغالب الدراهيم قوميت‬
‫بالدراهيم‪ ،‬وإن كان الغالب الدنانيير قوميت بالربيع دينار‪ ،‬وأظين أن‬
‫في المذهب من يقول إن الربع دينار يقوم بالثلثة دراهم‪ ،‬وبقول‬
‫الشافعيي فيي التقوييم قال أبيو ثور والوزاعيي وداود‪ ،‬وبقول مالك‬
‫المشهور قال أحميد‪ :‬أعنيي بالتقوييم بالدراهيم‪ .‬وأميا فقهاء العراق‬
‫فالنصاب الذي يجب القطع فيه هو عندهم عشرة دراهم ل يجب‬
‫في أقل منه‪ .‬وقد قال جماعة منهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة‪ :‬ل‬
‫تقطع اليد في أقل من خمسة دراهم‪ ،‬وقد قيل في أربعة دراهم‪،‬‬
‫وقال عثمان البتييي‪ :‬فييي درهمييين‪ .‬فعمدة فقهاء الحجاز مييا رواه‬
‫مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي عليه الصلة والسلم قطع‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫في مجن قيمته ثلثة دراهم "وحديث عائشة أوقفه مالك وأسنده‬
‫البخاري ومسيلم إلى النيبي علييه الصيلة والسيلم أنيه قال "تقطيع‬
‫اليد في ربع دينار فصاعدا" وأما عمدة فقهاء العراق فحديث ابن‬
‫عمير المذكور‪ ،‬قالوا‪ :‬ولكين قيمية المجين هيو عشرة دراهيم وروي‬
‫ذلك في أحاديث‪.‬‬
‫وقد خالف ابن عمر في قيمة المجن من الصحابة كثير ممن رأى‬
‫القطع في المجن كابن عباس وغيره‪ .‬وقد روى محمد بن إسحاق‬
‫عين أيوب بين موسيى عين عطاء عين ابين عباس قال‪ :‬كان ثمين‬
‫المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وإذا وجد الخلف في ثمن المجن وجب أن ل تقطع اليد إل‬
‫بيقيين‪ ،‬وهذا الذي قالوه هيو كلم حسين لول حدييث عائشية‪ ،‬وهيو‬
‫الذي اعتمده الشافعيي فيي هذه المسيألة وجعيل الصيل هيو الربيع‬
‫دينار‪ .‬وأميا مالك فاعتضيد عنده حدييث ابين عمير بحدييث عثمان‬
‫الذي رواه‪ ،‬وهييو أنييه قطييع فييي أترجيية قومييت بثلثيية دراهييم‪،‬‬
‫والشافعييي يعتذر عيين حديييث عثمان ميين قبييل أن الصييرف كان‬
‫عندهييم فييي ذلك الوقييت اثنييا عشرة درهمييا (هكذا هذه العبارة‬
‫بجميع الصول‪ ،‬ولينظر ما معناها ا هي مصححه) والقطع في ثلثة‬
‫دراهيم أحفيظ للموال‪ ،‬والقطيع فيي عشرة دراهيم أدخيل فيي باب‬
‫التجاوز والصييفح عيين يسييير المال وشرف العضييو‪ ،‬والجمييع بييين‬
‫حديث ابن عمر وحديث عائشة وفعل عثمان ممكن على مذهب‬
‫الشافعيي وغيير ممكين على مذهيب غيره‪ ،‬فإن كان الجميع أولى‬
‫ميين الترجيييح فمذهييب الشافعييي أولى المذاهييب‪ ،‬فهذا هييو أحييد‬
‫الشروط المشترطيية بالقطييع‪ .‬واختلفوا ميين هذا الباب فييي فرع‬
‫مشهور وهو إذا سرقت الجماعة ما يجب فيه القطع‪ ،‬أعني نصابا‬
‫دون أن يكون حيييظ كيييل واحيييد منهيييم نصيييابا‪ ،‬وذلك أن يخرجوا‬
‫النصياب مين الحرز معيا‪ ،‬مثيل أن يكون عدل أو صيندوقا يسياوي‬
‫النصياب؛ فقال مالك‪ :‬يقطعون جميعيا‪ ،‬وبيه قال الشافعيي وأحميد‬
‫وأبو ثور؛ وقال أبو حنيفة‪ :‬ل قطع عليهم حتى يكون ما أخذه كل‬
‫واحد منهم نصابا؛ فمن قطع الجميع رأى العقوبة إنما تتعلق بقدر‬
‫مال المسييروق‪ :‬أي أن هذا القدر ميين المال المسييروق هييو الذي‬
‫يوجيب القطيع لحفيظ المال؛ ومين رأى أن القطيع إنميا علق بهذا‬
‫القدر ل بميا دونيه لمكان حرمية الييد قال‪ :‬ل تقطيع أييد كثيرة فيميا‬
‫أوجب فيه الشرع قطع يد واحدة‪.‬‬
‫واختلفوا متييى يقدر المسييروق؛ فقال مالك‪ :‬يوم السييرقة؛ وقال‬
‫أبييو حنيفيية‪ :‬يوم الحكييم عليييه بالقطييع‪ .‬وأمييا الشرط الثانييي فييي‬
‫وجوب هذا الحيد فهيو الحرز‪ ،‬وذلك أن جمييع فقهاء المصيار الذيين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫تدور عليهييم الفتوى وأصييحابهم متفقون على اشتراط الحرز فييي‬
‫وجوب القطع‪ ،‬وإن كان قد اختلفوا فيما هو حرز مما ليس بحرز‪.‬‬
‫والشبه أن يقال في حد الحرز إنه ما شأنه أن تحفظ به الموال‬
‫كييي يعسيير أخذهييا مثييل الغلق والحظائر ومييا أشبييه ذلك‪ ،‬وفييي‬
‫الفعيل الذي إذا فعله السيارق اتصيف بالخراج مين الحرز على ميا‬
‫سينذكره بعيد؛ وممين ذهيب إلى هذا مالك وأبيو حنيفية والشافعيي‬
‫والثوري وأصحابهم؛ وقال أهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث‪:‬‬
‫القطيع على مين سيرق النصياب وإن سيرقه مين غيير حرز‪ .‬فعمدة‬
‫الجمهور حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه‬
‫الصيلة والسيلم أنيه قال "ل قطيع فيي ثمير معلق ول فيي حريسية‬
‫جبيل‪ ،‬فإذا أواه المراح أو الجريين فالقطيع فيميا بلغ ثمين المجين"‬
‫ومرسل مالك أيضا عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين‬
‫المكي بمعنى حديث عمرو بن شعيب‪ .‬وعمدة أهل الظاهر عموم‬
‫قوله تعالى {والسيارق والسيارقة فاقطعوا أيديهميا} اليية‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫فوجب أن تحمل الية على عمومها‪ ،‬إل ما خصصته السنة الثابتة‬
‫من ذلك‪ ،‬وقد خصصت السنة الثابتة المقدار الذي يقطع فيه من‬
‫الذي ل يقطيييع فييييه‪ .‬وردوا حدييييث عمرو بييين شعييييب لموضيييع‬
‫الختلف الواقع في أحاديث عمرو بن شعيب‪ ،‬وقال أبو عمر بن‬
‫عبيد البر‪ :‬أحادييث عمرو بين شعييب العميل بهيا واجيب إذا رواهيا‬
‫الثقات‪ .‬وأمييا الحرز عنييد الذييين أوجبوه فإنهييم اتفقوا منييه على‬
‫أشياء واختلفوا في أشياء‪ ،‬مثل اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه‬
‫حرز‪ ،‬واختلفهيم فيي الوعيية‪ .‬ومثيل اتفاقهيم على أن مين سيرق‬
‫مين دار غيير مشتركية السيكنى أنيه ل يقطيع حتيى يخرج مين الدار‪،‬‬
‫واختلفهيم فيي الدار المشتركية‪ ،‬فقال مالك وكثيير ممين اشترط‬
‫الحرز‪ :‬تقطع يده إذا أخرج من البيت؛ وقال أبو يوسف ومحمد‪ :‬ل‬
‫قطع عليه إل إذا أخرج من الدار‪ .‬ومنها اختلفهم في القبر هل هو‬
‫حرز حتيى يجيب القطيع على النباش‪ ،‬أو لييس بحرز؟ فقال مالك‬
‫والشافعيي وأحميد وجماعية‪ :‬هيو حرز‪ ،‬وعلى النباش القطيع‪ ،‬وبيه‬
‫قال عمير بين عبيد العزييز؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل قطيع علييه‪ ،‬وكذلك‬
‫قال سيفيان الثوري‪ ،‬وروي ذلك عين زييد بين ثابيت‪ .‬والحرز عنيد‬
‫مالك بالجملة هييو كييل شيييء جرت العادة بحفييظ ذلك الشيييء‬
‫المسروق فيه‪ ،‬فمرابط الدواب عنده أحراز‪ ،‬وكذلك الوعية‪ ،‬وما‬
‫على النسييان ميين اللباس‪ ،‬فالنسييان حرز لكييل مييا عليييه أو هييو‬
‫عنده‪.‬‬
‫وإذا توسد النائم شيئا فهو حرز له على ما جاء في حديث صفوان‬
‫بيين أمييية وسيييأتي بعييد‪ ،‬ومييا أخذه ميين المنتبييه فهييو اختلس‪ .‬ول‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يقطع عند مالك سارق ما كان على الصبي من الحلي أو غيره إل‬
‫أن يكون معييه حافييظ يحفظييه؛ وميين سييرق ميين الكعبيية شيئا لم‬
‫يقطيع عنده‪ ،‬وكذلك مين المسياجد؛ وقيد قييل فيي المذهيب إنيه أن‬
‫سيرق منهيا ليل قطيع‪ .‬وفروع هذا الباب كثيرة فيميا هيو حرز وميا‬
‫ليس بحرز‪ .‬واتفق القائلون بالحرز على أن كل من سمي مخرجا‬
‫للشيء من حرزه وجب عليه القطع‪ ،‬وسواء كان داخل الحرز أو‬
‫خارجيه‪ .‬وإذا ترددت التسيمية وقيع الخلف‪ ،‬مثيل اختلف المذهيب‬
‫إذا كان سييارقان‪ :‬أحدهمييا داخييل البيييت‪ ،‬والخيير خارجييه‪ ،‬فقرب‬
‫أحدهما المتاع المسروق إلى ثقب في البيت فتناوله الخر‪ ،‬فقيل‬
‫القطيع على الخارج المتناول له؛ وقييل‪ :‬ل قطيع على واحيد منهميا؛‬
‫وقييل القطيع على المقرب للمتاع مين الثقيب‪ .‬والخلف فيي هذا‬
‫كله آييل إلى انطلق اسييم المخرج مين الحرز علييه أو لنطلقييه‪.‬‬
‫فهذا هييو القول فييي الحرز واشتراطييه فييي وجوب القطييع‪ ،‬وميين‬
‫رمى بالمسروق من الحرز ثم أخذه خارج الحرز قطع‪ ،‬وقد توقف‬
‫مالك فييه إذا أخيذ بعيد رمييه وقبيل أن يخرج؛ وقال ابين القاسيم‪:‬‬
‫يقطع‪.‬‬
‫@‪(-‬فصل) وأما جنس المسروق‪ ،‬فإن العلماء اتفقوا على أن كل‬
‫متملك غيير ناطيق يجوز بيعيه وأخيذ العوض منيه‪ ،‬فإنيه يجيب فيي‬
‫سييرقته القطييع مييا عدا الشياء الرطبيية المأكولة‪ ،‬والشياء التييي‬
‫أصييلها مباحيية فإنهييم اختلفوا فييي ذلك‪ ،‬فذهييب الجمهور إلى أن‬
‫القطييع فييي كييل متموَّل يجوز بيعييه وأخييذ العوض فيييه؛ وقال أبييو‬
‫حنيفية‪ :‬ل قطيع فيي الطعام ول فيميا أصيله مباح كالصييد والحطيب‬
‫والحشييش‪ .‬فعمدة الجمهور عموم اليية الموجبية للقطيع وعموم‬
‫الثار الواردة فيي اشتراط النصياب‪ .‬وعمدة أبيي حنيفية فيي منعيه‬
‫القطيع فيي الطعام الرطيب قوله علييه الصيلة والسيلم "ل قطيع‬
‫في ثمر ول كُث ْر" وذلك أن هذا الحديث روي هكذا مطلقا من غير‬
‫زيادة‪ .‬وعمدته أيضا في منع القطع فيما أصله مباح الشبهة التي‬
‫فييه لكيل مالك‪ ،‬وذلك أنهيم اتفقوا على أن مين شرط المسيروق‬
‫الذي يجييب فيييه القطييع أن ل يكون للسييارق فيييه شبهيية ملك‪.‬‬
‫واختلفوا فيما هو شبهة تدرأ الحد مما ليس بشبهة‪ ،‬وهذا هو أيضا‬
‫أحد الشروط المشترطة في المسروق هو في ثلثة مواضع‪ :‬في‬
‫جنسييه‪ ،‬وقدره‪ ،‬وشروطييه‪ ،‬وسييتأتي هذه المسييألة فيمييا بعييد‪.‬‬
‫واختلفوا من هذا الباب أعني من النظر في جنس المسروق في‬
‫المصحف فقال مالك والشافعي‪ :‬يقطع سارقه؛ وقال أبو حنيفة‪:‬‬
‫ل يقطيع‪ ،‬ولعيل هذا مين أبيي حنيفية بناء على أنيه ل يجوز بيعيه‪ ،‬أو‬
‫أن لكل أحد فيه حقا إذ ليس بمال‪ .‬واختلفوا من هذا الباب فيمن‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫سرق صغيرا مملوكا أعجميا ممن ل يفقه ول يعقل الكلم‪ ،‬فقال‬
‫الجمهور‪ :‬يقطع‪ .‬وأما إن كان كبيرا يفقه فقال مالك‪ :‬يقطع‪ ،‬وقال‬
‫أبيو حنيفية‪ :‬ل يقطيع‪ .‬واختلفوا فيي الحير الصيغير‪ ،‬فعنيد مالك أن‬
‫سارقه يقطع؛ ول يقطع عند أبي حنيفة‪ ،‬وهو قول ابن الماجشون‬
‫مين أصيحاب مالك‪ .‬واتفقوا كميا قلنيا أن شبهية الملك القويية تدرأ‬
‫هذا الحد‪ .‬واختلفوا في ما هو شب هة يدرأ من ذلك مما ل يدرأ منها‪،‬‬
‫فمنها العبد يسرق مال سيده؛ فإن الجمهور من العلماء على أنه‬
‫ل يقطييع؛ وقال أبييو ثور‪ :‬يقطييع ولم يشترط شرطييا؛ وقال أهييل‬
‫الظاهيير‪ :‬يقطييع إل أن يأتمنييه سيييده‪ .‬واشترط مالك فييي الخادم‬
‫الذي يجب أن يدرأ عنه الحد أن يكون يلي الخدمة لسيده بنفسه؛‬
‫والشافعييي مرة اشترط هذا ومرة لم يشترطييه‪ .‬وبدرء الحييد قال‬
‫عمير رضيي الله عنيه وابين مسيعود ول مخالف لهميا مين الصيحابة‪.‬‬
‫ومنهيا أحيد الزوجيين يسيرق مين مال الخير‪ ،‬فقال مالك‪ :‬إذا كان‬
‫كل واحد ينفرد ببيت فيه متاعه فالقطع على من سرق من مال‬
‫صياحبه؛ وقال الشافعيي‪ :‬الحتياط أن ل قطيع على أحيد الزوجيين‬
‫لشبهيية الختلط وشبهيية المال‪ ،‬وقييد روي عنييه مثييل قول مالك‪،‬‬
‫واختاره المزنيي‪ .‬ومنهيا القرابات‪ ،‬فمذهيب مالك فيهيا أن ل يقطيع‬
‫الب في ما سيرق من مال البن فقيط لقوله علييه الصيلة والسيلم‬
‫"أنيت ومالك لبييك" ويقطيع كيل ميا سيواهم مين القرابات؛ وقال‬
‫الشافعييي‪ :‬ل يقطييع عمود النسييب العلى والسييفل‪ :‬يعنييي الب‬
‫والجداد والبناء وأبناء البناء؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل يقطيع ذو الرحيم‬
‫المحرمية‪ ،‬وقال أبيو ثور‪ :‬تقطيع ييد كيل مين سيرق إل ميا خصيصه‬
‫الجماع‪ .‬ومنها اختلفهم فيمن سرق من الغنم أو من بيت المال؛‬
‫فقال مالك‪ :‬يقطيع؛ وقال عبيد الملك مين أصيحابه‪ :‬ل يقطيع‪ .‬فهذا‬
‫هو القول في الشياء التي يجب بها ما يجب في هذا الجناية‪.‬‬
‫*‪*3‬القول في الواجب‪.‬‬
‫@‪-‬وأما الواجب في هذه الجناية إذا وجدت بالصفات التي ذكرنا‪،‬‬
‫أعنيي الموجودة فيي السيارق وفيي الشييء المسيروق وفيي صيفة‬
‫السيرقة‪ ،‬فإنهيم اتفقوا على أن الواجيب فييه القطيع من حييث هيي‬
‫جنايية‪ ،‬والغرم إذا لم يجيب القطيع‪ .‬واختلفوا هيل يجميع الغرم ميع‬
‫القطييع؟ فقال قوم‪ :‬عليييه الغرم مييع القطييع‪ ،‬وبييه قال الشافعييي‬
‫وأحميد واللييث وأبيو ثور وجماعية؛ وقال قوم‪ :‬لييس علييه غرم إذا‬
‫لم يجيد المسيروق منيه متاعيه بعينيه‪ ،‬وممين قال بهذا القول أبيو‬
‫حنيفيية والثوري وابيين أبييي ليلى وجماعيية؛ وفرق مالك وأصييحابه‬
‫فقال‪ :‬إن كان موسييرا أتبييع السييارق بقيميية المسييروق‪ ،‬وإن كان‬
‫معسيرا لم يتبيع بيه إذا أثرى‪ ،‬واشترط مالك دوام اليسير إلى يوم‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫القطع فيما حكى عنه ابن القاسم‪ .‬فعمدة من جمع بين المرين‬
‫أنه اجتمع في السرقة حقان‪ :‬حق لله‪ ،‬وحق للدمي‪ ،‬فاقتضى كل‬
‫حق موجبه‪ ،‬وأيضا فإنهم لما أجمعوا على أخذه منه إذا وجد بعينه‬
‫لزم إذا لم يوجييد بعينييه عنده أن يكون فييي ضمانييه قياسييا على‬
‫سيائر الموال الواجبية‪ .‬وعمدة الكوفييين حدييث عبيد الرحمين بين‬
‫عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ل يغرم السارق‬
‫إذا أقيم عليه الحد" وهذا الحديث مضعف عند أهل الحديث‪ .‬قال‬
‫أبيو عمير‪ :‬لنيه عندهيم مقطوع‪ ،‬قال‪ :‬وقيد وصيله بعضهيم وخرجيه‬
‫النسييائي‪ .‬والكوفيون يقولون‪ :‬إن اجتماع حقييين فييي حييق واحييد‬
‫مخالف للصول‪ ،‬ويقولون إن القطع هو بدل من الغرم‪ ،‬ومن هنا‬
‫يرون أنه إذا سرق شيئا ما فقطع فيه ثم سرقه ثانيا أنه ل يقطع‬
‫فييه‪ .‬وأميا تفرقية مالك فاسيتحسان على غيير قياس‪ .‬وأميا القطيع‬
‫فالنظر في محله وفيمن سرق وقد عدم المحل‪ .‬أما محل القطع‬
‫فهو اليد اليمنى باتفاق من الكوع‪ ،‬وهو الذي عليه الجمهور؛ وقال‬
‫قوم‪ :‬الصابع فقط‪ .‬فأما إذا سرق من قد قطعت يده اليمنى في‬
‫السيييرقة‪ ،‬فإنهيييم اختلفوا فيييي ذلك فقال أهيييل الحجاز والعراق‪:‬‬
‫تقطيع رجله اليسيرى بعيد الييد اليمنيى؛ وقال بعيض أهيل الظاهير‬
‫وبعض التابعين‪ :‬تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى‪ ،‬ول يقطع منه غير‬
‫ذلك‪ .‬واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع‬
‫الرجيل اليسيرى بعيد الييد اليمنيى‪ ،‬هيل يقيف القطيع إن سيرق ثالثية‬
‫أم ل؟ فقال سيفيان وأبيو حنيفية‪ :‬يقيف القطيع فيي الرجيل‪ ،‬وإنميا‬
‫علييه فيي الثالثية الغرم فقيط؛ وقال مالك والشافعيي‪ :‬إن سيرق‬
‫ثالثيية قطعييت يده اليسييرى‪ ،‬ثييم إن سييرق رابعيية قطعييت رجله‬
‫اليمنى‪ ،‬وكل القولين مروي عن عمر وأبي بكر‪ ،‬أعني قول مالك‬
‫وأبي حنيفة‪ .‬فعمدة من لم ير إل قطع اليد قوله تعالى {والسارق‬
‫والسيارقة فاقطعوا أيديهميا} ولم يذكير الرجيل إل فيي المحاربيين‬
‫فقيط‪ .‬وعمدة مين قطيع الرجيل بعيد الييد ميا روي "أن النيبي صيلى‬
‫الله علييه وسيلم أتيى بعبيد سيرق فقطيع يده اليمنيى‪ ،‬ثيم الثانيية‬
‫فقطع رجله‪ ،‬ثم أتى به في الثالثة فقطع يده اليسرى‪ ،‬ثم أتى به‬
‫في الرابعة فقطع رجله" وروي هذا من حديث جابر بن عبد الله‪،‬‬
‫وفييه "ثيم أخذه الخامسية فقتله" إل أنيه منكير عنيد أهيل الحدييث‪،‬‬
‫ويرده قوله علييه الصيلة والسيلم "هين فواحيش وفيهين عقوبية"‬
‫ولم يذكر قتل‪ .‬وحديث ابن عباس "أن النبي عليه الصلة والسلم‬
‫قطيع الرجيل بعيد الييد" وعنيد مالك أنيه يؤدب فيي الخامسية‪ ،‬فإذا‬
‫ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلء‪ ،‬فقيل في‬
‫المذهييب ينتقييل القطييع إلى اليييد اليسييرى‪ ،‬وقيييل إلى الرجييل‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫واختلف فيي موضيع القطيع مين القدم‪ ،‬فقييل يقطيع مين المفصيل‬
‫الذي فيي أصيل السياق‪ ،‬وقييل يدخيل الكعبان فيي القطيع‪ ،‬وقييل ل‬
‫يدخلن‪ ،‬وقييل إنهيا تقطيع مين المفصيل الذي فيي وسيط القدم‪.‬‬
‫واتفقوا على أن لصيياحب السييرقة أن يعفييو عيين السييارق مييا لم‬
‫ير فع ذلك إلى المام لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن‬
‫جده أن رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم قال "تعافوا الحدود‬
‫بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" وقوله عليه الصلة والسلم‬
‫"لو كانيت فاطمية بنيت محميد لقميت عليهيا الحيد" وقوله لصيفوان‬
‫"هل كان ذلك قبيل أن تأتينيي بيه؟"‪ .‬واختلفوا فيي السيارق يسيرق‬
‫ميا يجيب فييه القطيع فيرفيع إلى المام وقيد وهبيه صياحب السيرقة‬
‫مييا سييرقه‪ ،‬أو يهبييه له بعييد الرفييع وقبييل القطييع؛ فقال مالك‬
‫والشافعيي‪ :‬علييه الحيد‪ ،‬لنيه قيد رفيع إلى المام وقال أبيو حنيفية‬
‫وطائفة‪ :‬ل حد عليه‪ .‬فعمدة الجمهور حديث مالك عن ابن شهاب‬
‫عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أنه قيل له "إن من‬
‫لم يهاجيير هلك‪ ،‬فقدم صييفوان بيين أمييية إلى المدينيية‪ ،‬فنام فييي‬
‫المسيجد وتوسيد رداءه فجاء سيارق فأخييذ رداءه‪ ،‬فأخييذ صيفوان‬
‫السارق فجاء به إلى ر سول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأمر به‬
‫رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم أن تقطيع يده‪ ،‬فقال صيفوان‪:‬‬
‫لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة‪ ،‬فقال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ :‬فهل قبل أن تأتيني به"‪.‬‬
‫*‪*3‬القول فيما تثبت به السرقة‪.‬‬
‫@‪-‬واتفقوا على أن السييرقة تثبييت بشاهدييين عدلييين‪ ،‬وعلى أنهييا‬
‫تثبيت بإقرار الحير‪ .‬واختلفوا فيي إقرار العبيد؛ فقال جمهور فقهاء‬
‫المصييار‪ :‬إقراره على نفسييه موجييب لحده‪ ،‬وليييس يوجييب عليييه‬
‫غرميا؛ وقال زفير‪ :‬ل يجيب إقرار العبيد على نفسيه بميا يوجيب قتله‬
‫ول قطع يده لكونه مال لموله‪ ،‬وبه قال شريح والشافعي وقتادة‬
‫وجماعية‪ ،‬وإن رجيع عين القرار إلى شبهية قبيل رجوعيه‪ .‬وإن رجيع‬
‫إلى غير شبهة فعن مالك في ذلك روايتان‪ ،‬هكذا حكى البغداديون‬
‫عيين المذهييب‪ ،‬وللمتأخرييين فييي ذلك تفصيييل ليييس يليييق بهذا‬
‫الغرض‪ ،‬وإنما هو لئق بتفريع المذهب‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب الحرابة‪.‬‬
‫@‪-‬والصل في هذا الكتاب قوله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون‬
‫الله ورسييوله} الييية‪ .‬وذلك أن هذه الييية عنييد الجمهور هييي فييي‬
‫المحاربيين‪ .‬وقال بعيض الناس‪ :‬إنهيا نزلت فيي النفير الذيين ارتدوا‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيي زمان النيبي علييه الصيلة والسيلم واسيتاقوا البيل‪ ،‬فأمير بهيم‬
‫رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم فقطعييت أيديهييم وأرجلهييم‬
‫وسيملت أعينهيم‪ ،‬والصيحيح أنهيا فيي المحاربيين لقوله تعالى {إل‬
‫الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وليس عدم القدرة عليهم‬
‫مشترطية فيي توبية الكفار فبقيي أنهيا فيي المحاربيين‪ .‬والنظير فيي‬
‫أصيول هذا الكتاب ينحصير فيي خمسية أبواب‪ :‬أحدهيا‪ :‬النظير فيي‬
‫الحرابية‪ .‬والثانيي‪ :‬النظير فيي المحارب‪ .‬والثالث‪ :‬فيميا يجيب على‬
‫المحارب‪ .‬والرابييع‪ :‬فييي مسييقط الواجييب عنييه وهييي التوبيية‪.‬‬
‫والخامس‪ :‬بماذا تثبت هذه الجناية‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في النظر في الحرابة‪.‬‬
‫@‪-‬فأميا الحرابية‪ ،‬فاتفقوا على أنهيا إشهار السيلح وقطيع السيبيل‬
‫خارج المصيير‪ ،‬واختلفوا فيميين حارب داخييل المصيير‪ ،‬فقال مالك‪:‬‬
‫داخييل المصيير وخارجييه سييواء؛ واشترط الشافعييي الشوكيية‪ ،‬وإن‬
‫كان لم يشترط العدد‪ ،‬وإنمييا معنييى الشوكيية عنده قوة المغالبيية‪،‬‬
‫ولذلك يشترط فيهيا البعيد عين العمران‪ ،‬لن المغالبية إنميا تتأتيى‬
‫بالبعيييد عييين العمران؛ وكذلك يقول الشافعيييي‪ :‬أنيييه إذا ضعيييف‬
‫السيلطان ووجدت المغالبية فيي المصير كانيت محاربية‪ ،‬وأميا غيير‬
‫ذلك فهيو عنده اختلس؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل تكون المحاربية فيي‬
‫المصر‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في النظر في المحارب‪.‬‬
‫@‪-‬فأميا المحارب‪ :‬فهيو كيل مين كان دميه محقونيا قبيل الحرابية‪،‬‬
‫وهو المسلم والذمي‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثالث فيما يجب على المحارب‪.‬‬
‫@‪-‬وأما ما يجب على المحارب‪ ،‬فاتفقوا على أنه يجب عليه حق‬
‫لله وحيق للدمييين واتفقوا على أن حيق الله هيو القتيل والصيلب‬
‫وقطيع اليدي وقطيع الرجيل مين خلف‪ ،‬والنفيي على ميا نيص الله‬
‫تعالى فيي آيية الحرابية‪ .‬واختلفوا فيي هذه العقوبات هيل هيي على‬
‫التخييير أو مرتبية على قدر جنايية المحارب؛ فقال مالك‪ :‬إن قتيل‬
‫فل بد من قتله‪ ،‬وليس للمام تخيير في قطعه ول في نفيه‪ ،‬وإنما‬
‫التخييير فيي قتله أو صيلبه‪ .‬وأميا إن أخيذ المال ولم يقتيل فل تخييير‬
‫فيي نفييه‪ ،‬وإنميا التخييير فيي قتله أو صيلبه أو قطعيه مين خلف‪.‬‬
‫وأما إذا أخاف السبيل فقط فالمام عنده مخير في قتله أو صلبه‬
‫أو قطعيه أو نفييه‪ .‬ومعنيى التخييير عنده أن المير راجيع فيي ذلك‬
‫إلى اجتهاد المام‪ ،‬فإن كان المحارب مميييين له الرأي والتدبييييير‪،‬‬
‫فوجيه الجتهاد قتله أو صيلبه‪ ،‬لن القطيع ل يرفيع ضرره‪ .‬وإن كان‬
‫ل رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلف‪ .‬وإن كان ليس‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فييه شييء مين هاتيين الصيفتين أخيذ بأيسير ذلك فييه وهيو الضرب‬
‫والنفي‪ .‬وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن‬
‫هذه العقوبة هي مرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها‬
‫علييه‪ ،‬فل يقتيل مين المحاربيين إل مين قتيل‪ ،‬ول يقطيع إل مين أخيذ‬
‫المال‪ ،‬ول ينفييي إل ميين لم يأخييذ المال ول قتييل؛ وقال قوم‪ :‬بييل‬
‫المام مخييير فيهييم على الطلق‪ ،‬وسييواء قتييل أم لم يقتييل‪ ،‬أخييذ‬
‫المال أو لم يأخذه‪ .‬وسيييبب الخلف هيييل حرف "أو" فيييي اليييية‬
‫للتخييير أو للتفصييل على حسيب جناياتهيم؟ ومالك حميل البعيض‬
‫مين المحاربيين على التفصييل والبعيض على التخييير‪ .‬واختلفوا فيي‬
‫معنى قوله {أو يصلبوا} فقال قوم‪ :‬إنه يصلب حتى يموت جوعا؛‬
‫وقال قوم‪ :‬بل معنى ذلك أنه يقتل ويصلب معا‪ ،‬وهؤلء منهم من‬
‫قال‪ :‬يقتل أول ثم يصلب‪ ،‬وهو قول أشهب‪ ،‬وقيل إنه يصلب حيا‬
‫ثيم يقتيل فيي الخشبية‪ ،‬وهيو قول ابين القاسيم وابين الماجشون؛‬
‫ومين رأى أنيه يقتيل أول ثيم يصيلب صيلى علييه عنده قبيل الصيلب؛‬
‫ومن رأى أنه يقتل في الخشبة فقال بعضهم‪ :‬ل يصلى عليه تنكيل‬
‫له‪ ،‬وقيل يقف خلف الخشبة ويصلى عليه؛ وقال سحنون‪ :‬إذا قتل‬
‫فيي الخشبية أنزل منهيا وصيلى علييه‪ .‬وهيل يعاد إلى الخشبية بعيد‬
‫الصيلة؟ فييه قولن عنيه؛ وذهيب أبيو حنيفية وأصيحابه أنيه ل يبقيى‬
‫على الخشبيية أكثيير ميين ثلثيية أيام‪ .‬وأمييا قوله {أو تقطييع أيديهييم‬
‫وأرجلهييييم ميييين خلف} فمعناه أن تقطييييع يده اليمنييييى ورجله‬
‫اليسيرى‪ ،‬ثيم إن عاد قطعيت يده اليسيرى ورجله اليمنيى‪ .‬واختلف‬
‫إذا لم تكيين له اليمنييى؛ فقال ابيين القاسييم‪ :‬تقطييع يده اليسييرى‬
‫ورجله اليمنيى؛ وقال أشهيب‪ :‬تقطيع يده اليسيرى ورجله اليسيرى‪.‬‬
‫واختلف أيضيا فيي قوله أو ينفوا مين الرض‪ ،‬فقييل إن النفيي هيو‬
‫السجن‪ ،‬وقيل إن النفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه‬
‫إلى أن تظهر توبته‪ ،‬وهو قول ابن القاسم عن مالك‪ ،‬ويكون بين‬
‫البلديين أقيل ميا تقصير فييه الصيلة‪ ،‬والقولن عين مالك‪ ،‬وبالول‬
‫قال أبو حنيفة؛ وقال ابن الماجشون‪ :‬معنى النفي هو فرارهم من‬
‫المام لقامية الحيد عليهيم‪ ،‬فأميا أن ينفيى بعيد أن يقدر علييه فل؛‬
‫وقال الشافعيييي‪ :‬أميييا النفيييي فغيييير مقصيييود‪ ،‬ولكييين إن هربوا‬
‫شردناهيم فيي البلد بالتباع‪ ،‬وقييل هيي عقوبية مقصيودة‪ ،‬فقييل‬
‫على هذا ينفى ويسجن دائما‪ ،‬وكلها عن الشافعي؛ وقيل معنى أو‬
‫ينفوا‪ :‬أي من أرض السلم إلى أرض الحرب‪ .‬والذي يظهر هو أن‬
‫النفيي تغريبهيم عين وطنهيم لقوله تعالى {ولو أنيا كتبنيا عليهيم أن‬
‫اقتلوا أنفسيكم أو اخرجوا مين دياركيم} اليية‪ .‬فسيوى بيين النفيي‬
‫والقتييل‪ ،‬وهييي عقوبيية معروفيية بالعادة ميين العقوبات كالضرب‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫والقتيل‪ ،‬وكيل ميا يقال فييه سيوى هذا فلييس معروفيا ل بالعادة ول‬
‫بالعرف‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الرابع في مسقط الواجب عنه من التوبة‪.‬‬
‫@‪-‬وأمييا ميا يسيقط الحييق الواجييب عليييه‪ ،‬فإن الصييل فيييه قوله‬
‫تعالى {إل الذييين تابوا ميين قبييل أن تقدروا عليهييم} واختلف ميين‬
‫ذلك في أربعة مواضع‪ :‬أحدها‪ :‬هل تقبل توبته؟‪ .‬والثاني‪ :‬إن قبلت‬
‫فميا صيفة المحارب الذي تقبيل توبتيه؟ فإن لهيل العلم فيي ذلك‬
‫قوليين‪ :‬قول إنيه تقبيل توبتيه وهيو أشهير لقوله تعالى {إل الذيين‬
‫تابوا مين قبيل أن تقدروا عليهيم} وقول‪ :‬إنيه ل تقبيل توبتيه‪ ،‬قال‬
‫ذلك مين قال إن اليية لم تنزل فيي المحاربيين‪ .‬وأميا صيفة التوبية‬
‫التي تسقط الحكم فإنهم اختلفوا فيها على ثلثة أقوال‪ :‬أحدها أن‬
‫توبتيه تكون بوجهيين‪ :‬أحدهميا أن يترك ميا هيو علييه وإن لم يأت‬
‫المام؛ والثانيي أن يلقيي سيلحه ويأتيي المام طائعيا‪ ،‬وهيو مذهيب‬
‫ابين القاسيم‪ .‬والقول الثانيي أن توبتيه إنميا تكون بأن يترك ميا هيو‬
‫عليه ويجلس في موضعه ويظهر لجيرانه‪ ،‬وإن أتى المام قبل أن‬
‫تظهيير توبتييه أقام عليييه الحييد‪ ،‬وهذا هييو قول ابيين الماجشون‪.‬‬
‫والقول الثالث إن توبتييه إنمييا تكون بالمجييئ إلى المام‪ ،‬وإن ترك‬
‫ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الحكام إن أخذ قبل أن‬
‫يأتيي المام‪ ،‬وتحصييل ذلك هيو أن توبتيه قييل إنهيا تكون بأن يأتيي‬
‫المام قبيل أن يقدر علييه‪ ،‬وقييل إنهيا إنميا تكون إذا ظهرت توبتيه‬
‫قبييل القدرة فقييط‪ ،‬وقيييل تكون بالمرييين جميعييا‪ .‬وأمييا صييفة‬
‫المحارب الذي تقبييل توبتييه‪ ،‬فإنهييم اختلفوا فيهييا أيضييا على ثلثيية‬
‫أقوال‪ :‬أحدهيييا أن يلحيييق بدار الحرب‪ .‬والثانيييي أن تكون له فئة‪.‬‬
‫والثالث كيفمييا كانييت له فئة أو لم تكيين لحييق بدار الحرب أو لم‬
‫يلحق‪ .‬واختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه المام على أن ينزل‪،‬‬
‫فقييل له المان ويسيقط عنيه حيد الحرابية‪ ،‬وقييل‪ :‬ل أمان له لنيه‬
‫إنما يؤمن المشرك‪ .‬وأما ما تسقط عنه التوبة‪ ،‬فاختلفوا في ذلك‬
‫على أربعية أقوال‪ :‬أحدهيا أن التوبية إنميا تسيقط عنيه حيد الحرابية‬
‫فقط‪ ،‬ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الدميين‪ ،‬وهو‬
‫قول مالك‪ .‬والقول الثانييي إن التوبيية تسييقط عنييه حييد الحرابيية‬
‫وجميييع حقوق الله ميين الزنييى والشراب والقطييع فييي السييرقة‪،‬‬
‫ويتبييييع بحقوق الناس ميييين الموال والدماء إل أن يعفييييو أولياء‬
‫المقتول‪ .‬والثالث أن التوبة ترفع جميع حقوق الله‪ ،‬ويؤخذ بالدماء‬
‫وفيي الموال بميا وجيد بعينيه فيي أيديهيم ول تتبيع ذممهيم‪ .‬والقول‬
‫الرابيع إن التوبية تسيقط جمييع حقوق الله وحقوق الدمييين مين‬
‫مال ودم إل ما كان من الموال قائم العين بيده‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫*‪*3‬الباب الخامس بماذا تثبت هذه الجناية‪.‬‬
‫@‪-‬وأمييا بماذا يثبييت هذا الحييد فبالقرار والشهادة‪ ،‬ومالك يقبييل‬
‫شهادة المسييلوبين على الذييين سييلبوهم؛ وقال الشافعييي‪ :‬تجوز‬
‫شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا لنفسهم ول لرفقائهم مال‬
‫أخذوه‪ ،‬وتثبت عند مالك الحرابة بشهادة السماع‪.‬‬
‫*‪*4‬فصل في حكم المحاربين على التأويل‪.‬‬
‫@‪-‬وأميا حكيم المحاربيين على التأوييل‪ ،‬فإن محاربهيم المام‪ ،‬فإذا‬
‫قدر على واحييد منهييم لم يقتييل إل إذا كانييت الحرب قائميية‪ ،‬فإن‬
‫مالكيا قال‪ :‬إن للمام أن يقتله إن رأى ذلك لميا يخاف مين عونيه‬
‫لصيحابه على المسيلمين‪ .‬وأميا إذا أسير بعيد انقضاء الحرب‪ ،‬فإن‬
‫حكميه حكيم البدعيي الذي ل يدعيو إلى بدعتيه‪ ،‬وقييل يسيتتاب فإن‬
‫تاب وإل قتيل‪ ،‬وقييل يسيتتاب فإن لم يتيب يؤدب ول يقتيل‪ ،‬وأكثير‬
‫أهييل البدع إنمييا يكفرون بالمآل‪ .‬واختلف قول مالك فييي التكفييير‬
‫بالمآل ومعنيى التكفيير بالمآل‪ :‬أنهيم ل يصيرحون بقول هيو كفير‪،‬‬
‫ولكيين يصييرحون بأقوال يلزم عنهييا الكفيير وهييو ل يعتقدون ذلك‬
‫اللزوم‪ .‬وأميا ميا يلزم هؤلء مين الحقوق إذا ظفير بهيم‪ ،‬فحكمهيم‬
‫إذا تابوا أن ل يقام عليهيم حيد الحرابية‪ ،‬ول يؤخيذ منهيم ميا أخذوا‬
‫من المال إل أن يوجد بيده فيرد إلى ربه‪ .‬وإن ما اختلفوا هل يقتل‬
‫قصيياصا بميين قتييل؟ فقيييل يقتييل وهييو قول عطاء وأصييبغ؛ وقال‬
‫مطرف وابيين الماجشون عيين مالك‪ :‬ل يقتييل‪ ،‬وبييه قال الجمهور‪،‬‬
‫لن كييل ميين قاتييل على التأويييل فليييس بكافيير بتيية‪ ،‬أصييله قتال‬
‫الصحابة‪ ،‬وكذلك الكافر بالحقيقة هو المكذب ل المتأول‪.‬‬
‫*‪*3‬باب في حكم المرتد‪.‬‬
‫@‪-‬والمرتييد إذا ظفيير بييه قبييل أن يحارب‪ ،‬فاتفقوا على أن يقتييل‬
‫الرجييل لقوله عليييه الصييلة والسييلم "ميين بدل دينييه فاقتلوه"‬
‫واختلفوا فييي قتييل المرأة وهييل تسييتتاب قبييل أن تقتييل؟ فقال‬
‫الجمهور‪ :‬تقتيل المرأة؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل تقتيل وشبههيا بالكافرة‬
‫الصييلية‪ ،‬والجمهور اعتمدوا العموم الوارد فييي ذلك؛ وشييذ قوم‬
‫فقالوا‪ :‬تقتل وإن راجعت السلم وأما الستتابة فإن مالكا شرط‬
‫فيي قتله ذلك على ميا راوه عين عمير؛ وقال قوم‪ :‬ل تقبيل توبتيه‪،‬‬
‫وأمييا إذا حارب المرتييد ثييم ظهيير عليييه فإنييه يقتييل بالحرابيية ول‬
‫يسيتتاب‪ ،‬كانيت حرابتيه بدار السيلم أو بعيد أن لحيق بدار الحرب‪،‬‬
‫إل أن يسيلم‪ .‬وأميا إذا أسيلم المرتيد المحارب بعيد أن أخيذ أو قبيل‬
‫أن يؤخييذ‪ ،‬فإنييه يختلف فييي حكمييه‪ ،‬فإن كانييت حرابتييه فييي دار‬
‫الحرب فهو عند مالك كالحربي يسلم لتباعه عليه في شيء مما‬
‫فعل في حال ارتداده‪ .‬وأما إن كانت حرابته في دار السلم‪ ،‬فإنه‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫يسقط إسلمه عنه حكم الحرابة خاصة‪ ،‬وحكمه فيما جنى حكم‬
‫المرتيد إذا جنيى فيي ردتيه فيي دار السيلم ثيم أسيلم؛ وقيد اختلف‬
‫أصييحاب مالك فيييه فقال‪ :‬حكمييه حكييم المرتييد ميين اعتييبر يوم‬
‫الجنايية؛ وقال‪ :‬حكميه حكيم المسيلم مين اعتيبر يوم الحكيم‪ .‬وقيد‬
‫اختلف فيي هذا الباب فيي حكيم السياحر؛ فقال مالك‪ :‬يقتيل كفرا؛‬
‫وقال قوم‪ :‬ل يقتل‪ ،‬والصل أن ل يقتل إل مع الكفر‪.‬‬
‫(بسيم الله الرحمين الرحييم‪ ،‬وصيلى الله على سييدنا محميد وآله‬
‫وصحبه وسلم تسليما)‪.‬‬
‫*‪*2‬كتاب القضية‬
‫@‪-‬وأصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب‪ :‬أحدها‪ :‬في معرفة‬
‫مين يجوز قضاؤه‪ .‬والثانيي‪ :‬فيي معرفية ميا يقضيي بيه‪ .‬والثالث فيي‬
‫معرفة ما يقضي فيه‪ .‬والرابع‪ :‬في معرفة من يقضي عليه أو له‪.‬‬
‫والخامس‪ :‬في كيفية القضاء‪ .‬والسادس‪ :‬في وقت القضاء‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الول في معرفة من يجوز قضاؤه‪.‬‬
‫@‪-‬والنظيير فييي هذا الباب فيميين يجوز قضاؤه‪ ،‬وفيمييا يكون بييه‬
‫أفضييل‪ .‬فأمييا الصييفات المشترطيية فييي الجواز‪ :‬فأن يكون حرا‬
‫مسيلما بالغيا ذكرا عاقل عدل‪ .‬وقيد قييل فيي المذهيب إن الفسيق‬
‫يوجيب العزل ويمضيي ميا حكيم بيه‪ .‬واختلفوا فيي كونيه مين أهيل‬
‫الجتهاد؛ فقال الشافعيي‪ :‬يجيب أن يكون مين أهيل الجتهاد ومثله‬
‫حكييى عبييد الوهاب عيين المذهييب؛ وقال أبييو حنيفيية‪ :‬يجوز حكييم‬
‫العاميي‪ .‬قال القاضيي‪ :‬وهيو ظاهير ميا حكاه جدي رحمية الله علييه‬
‫فييي المقدمات عيين المذهييب لنييه جعييل كون الجتهاد فيييه ميين‬
‫الصييفات المسييتحبة‪ .‬وكذلك اختلفوا فييي اشتراط الذكورة؛ فقال‬
‫الجمهور‪ :‬هيي شرط فيي صيحة الحكيم؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬يجوز أن‬
‫تكون المرأة قاضييييا فيييي الموال؛ قال الطيييبري‪ :‬يجوز أن تكون‬
‫المرأة حاكميا على الطلق فيي كيل شييء؛ قال عبيد الوهاب‪ :‬ول‬
‫أعلم بينهييم اختلفييا فييي اشتراط الحرييية؛ فميين رد قضاء المرأة‬
‫شبهيه بقضاء المامية الكيبرى‪ ،‬وقاسيها أيضيا على العبيد لنقصيان‬
‫حرمتها؛ ومن أجاز حكمها في الموال فتشبيها بجواز شهادتها في‬
‫الموال؛ ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء قال‪ :‬إن الصل هو‬
‫أن كييل ميين يتأتييى منييه الفصييل بييين الناس فحكمييه جائز إل مييا‬
‫خصييصه الجماع ميين الماميية الكييبرى‪ .‬وأمييا اشتراط الحرييية فل‬
‫خلف فييه‪ ،‬ول خلف فيي مذهيب مالك أن السمع والبصير والكلم‬
‫مشترطة في استمرار وليته وليس شرطا في جواز وليته‪ ،‬وذلك‬
‫أن مين صيفات القاضيي فيي المذهيب ميا هيي شرط فيي الجواز‪،‬‬
‫فهذا إذا ولي عزل وفسيخ جمييع ميا حكيم بيه ومنهيا ميا هيي شرط‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫فيي السيتمرار وليسيت شرطيا فيي الجواز‪ ،‬فهذا إذا ولى القضاء‬
‫عزل ونفذ ما حكم به إل أن يكون جورا‪ .‬ومن هذا الجنس عندهم‬
‫هذه الثلث صفات‪ .‬ومن شرط القضاء عند مالك أن يكون واحدا‪.‬‬
‫والشافعي يجيز أن يكون في المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكل‬
‫واحيد منهميا ميا يحكيم فييه‪ ،‬وإن شرط اتفاقهميا فيي كيل حكيم لم‬
‫يجييز‪ ،‬وإن شرط السييتقلل لكييل واحييد منهمييا فوجهان‪ :‬الجواز‬
‫والمنييع‪ ،‬قال‪ :‬وإذا تنازع الخصييمان فييي اختيار أحدهمييا وجييب أن‬
‫يقترعيا عنده‪ .‬وأميا فضائل القضاء فكثيرة‪ ،‬وقيد ذكرهيا الناس فيي‬
‫كتبهيم‪ .‬وقد اختلفوا في المي هل يجوز أن يكون قاضيا؟ والبين‬
‫جوازه لكونه عليه الصلة والسلم أميا؛ وقال قوم‪ :‬ل يجوز؛ وعن‬
‫الشافعييي القولن جميعييا‪ ،‬لنييه يحتمييل أن يكون ذلك خاصييا بييه‬
‫لموضيع العجيز‪ ،‬ول خلف فيي جواز حكيم المام العظيم وتوليتيه‬
‫للقاضي شرط في صحة قضائه ل خلف أعرف فيه‪ .‬واختلفوا من‬
‫هذا الباب فيي نفوذ حكيم مين رضييه المتداعيان ممين لييس بوال‬
‫على الحكام‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يجوز؛ وقال الشافعيي‪ :‬فيي أحيد قولييه‬
‫ل يجوز؛ وقال أبو حنيفة‪ :‬يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثاني في معرفة ما يقضي به‪.‬‬
‫@‪-‬وأما فيما يحكم‪ ،‬فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من‬
‫الحقوق كان حقييا لله أو حقييا للدميييين‪ ،‬وأنييه نائب عيين المام‬
‫العظيم في هذا المعنى وأنه يعقد النكحة ويقدم الوصياء‪ ،‬وهيل‬
‫يقدم الئميية فييي المسيياجد الجامعيية؟ فيييه خلف‪ ،‬وكذلك هييل‬
‫يسيتخلف فييه خلف فيي المرض والسيفر إل أن يؤذن له‪ ،‬ولييس‬
‫ينظير فيي الجباة ول فيي غيير ذلك مين الولة‪ ،‬وينظير فيي التحجيير‬
‫على السفهاء عند من يرى التحجير عليهم‪ .‬ومن فروع هذا الباب‬
‫هيل ميا يحكيم فييه الحاكيم تحلة للمحكوم له بيه‪ ،‬وإن لم يكين فيي‬
‫نفسييه حلل‪ ،‬وذلك أنهييم أجمعوا على أن حكييم الحاكييم الظاهيير‬
‫الذي يعترييييه ل يحيييل حراميييا ول يحرم حلل‪ ،‬وذلك فيييي الموال‬
‫خاصة لقوله عليه الصلة والسلم "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون‬
‫إلي فلعيل بعضكيم أن يكون ألحين بحجتيه مين بعيض فأقضيي له‬
‫على نحو ما أسمع منه‪ ،‬فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فل‬
‫يأخذ منه شيئا‪ ،‬فإنما أقطع له قطعة من النار"‪ .‬واختلفوا في حل‬
‫عصمة النكاح أو عقده بالظاهر الذي يظن الحاكم أنه حق وليس‬
‫بحيق‪ ،‬إذ ل تحيل حرام‪ ،‬ول يحرم حلل بظاهير حكيم الحاكيم دون‬
‫أن يكون الباطييين كذلك هيييل يحيييل ذلك أم ل؟ فقال الجمهور‪:‬‬
‫الموال والفروج في ذلك سواء‪ ،‬ل يحل حكم الحاكم منها حراما‬
‫ول يحرم حلل‪ ،‬وذلك مثل أن يشهد شاهدا زورا في امرأة أجنبية‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫أنهيا زوجية لرجيل أجنيبي ليسيت له بزوجية؛ فقال الجمهور‪ :‬ل تحيل‬
‫له وإن أحلهييا الحاكييم بظاهيير الحكييم؛ وقال أبييو حنيفيية وجمهور‬
‫أصحابه‪ :‬تحل له‪ .‬فعمدة الجمهور عموم الحديث المتقدم‪ ،‬وشبهة‬
‫أبييو حنيفيية أن الحكييم باللعان ثابييت بالشرع‪ ،‬وقييد علم أن أحييد‬
‫المتلعنيييين كاذب‪ ،‬واللعان يوجيييب الفرقييية‪ ،‬ويحرم المرأة على‬
‫زوجهيا الملعين لهيا ويحلهيا لغيره‪ ،‬فإن كان هيو الكاذب فلم تحرم‬
‫علييه إل بحكيم الحاكيم‪ ،‬وكذلك إن كانيت هيي الكاذبية‪ ،‬لن زناهيا ل‬
‫يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء؛ والجمهور أن الفرقة ها هنا‬
‫إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الثالث فيما يكون به القضاء‪.‬‬
‫@‪-‬والقضاء يكون بأربع‪ :‬بالشهادة‪ ،‬وباليمين‪ ،‬وبالنكول‪ ،‬وبالقرار‪،‬‬
‫أو بما تركب من هذه ففي هذا الباب أربعة فصول‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الول في الشهادة‪.‬‬
‫@‪-‬والنظير فيي الشهود فيي ثلثية أشياء‪ :‬فيي الصيفة‪ ،‬والجنيس‪،‬‬
‫والعدد‪ .‬فأمييا عدد الصييفات المعتييبرة فييي قبول الشاهييد بالجملة‬
‫فهيي خمسية‪ :‬العدالة‪ ،‬والبلوغ‪ ،‬والسيلم‪ ،‬والحريية‪ ،‬ونفيي التهمية‪.‬‬
‫وهذه منهييا متفييق عليهييا‪ ،‬ومنهييا مختلف فيهييا‪ .‬أمييا العدالة‪ ،‬فإن‬
‫المسيلمين اتفقوا على اشتراطهيا فيي قبول شهادة الشاهيد لقوله‬
‫تعالى {ممن ترضون من الشهداء} ولقوله تعالى {وأشهدوا ذوي‬
‫عدل منكم} واختلفوا فيما هي العدالة؛ فقال الجمهور‪ :‬هي صفة‬
‫زائدة على السييييلم‪ ،‬وهييييو أن يكون ملتزمييييا لواجبات الشرع‬
‫ومسييتحباته‪ ،‬مجنبييا للمحرمات والمكروهات؛ وقال أبييو حنيفيية‪:‬‬
‫يكفيي فيي العدالة ظاهير السيلم‪ ،‬وأن ل تعلم منيه جرحية‪ .‬وسيبب‬
‫الخلف كميييا قلنيييا ترددهيييم فيييي مفهوم اسيييم العدالة المقابلة‬
‫للفسيق‪ ،‬وذلك أنهيم اتفقوا على أن شهادة الفاسيق ل تقبيل لقوله‬
‫تعالى {يييا أيهييا الذييين آمنوا إن جاءكييم فاسييق بنبييأ} الييية‪ .‬ولم‬
‫يختلفوا أن الفاسيق تقبيل شهادتيه إذا عرفيت توبتيه‪ ،‬إل مين كان‬
‫فسقه من قبل القذف‪ .‬فإن أبا حنيفة يقول‪ :‬ل تقبل شهادته وإن‬
‫تاب‪ .‬والجمهور يقولون‪ :‬تقبيل‪ .‬وسيبب الخلف هيل يعود السيتثناء‬
‫فييييييي قوله تعالى {ول تقبلوا لهييييييم شهادة أبدا وأولئك هييييييم‬
‫الفاسيقون‪ .‬إل الذيين تابوا مين بعيد ذلك} إلى أقرب مذكور إلييه‪،‬‬
‫أو على الجملة إل ميا خصيصه الجماع‪ ،‬وهيو أن التوبية ل تسيقط‬
‫عنييه الحييد‪ ،‬وقييد تقدم هذا‪ .‬وأمييا البلوغ فإنهييم اتفقوا على أنييه‬
‫يشترط حييييث تشترط العدالة‪ .‬واختلفوا فيييي شهادة الصيييبيان‬
‫بعضهيم على بعيض فيي الجراح وفيي القتيل‪ ،‬فردهيا جمهور فقهاء‬
‫المصيار لميا قلناه مين وقوع الجماع على أن مين شرط الشهادة‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫العدالة‪ ،‬وميين شرط العدالة البلوغ‪ ،‬ولذلك ليسييت فييي الحقيقيية‬
‫شهادة عند مالك‪ ،‬وإنما هي قرينة حال‪ ،‬ولذلك اشترط فيها أن ل‬
‫يتفرقوا لئل يجبنوا‪ .‬واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم‬
‫كييبير أم ل؟ ولم يختلفوا أنييه يشترط فيهييا العدة المشترطيية فييي‬
‫الشهادة‪ ،‬واختلفوا هيل يشترط فيهيا الذكورة أم ل؟ واختلفوا أيضيا‬
‫هل تجوز في القتل الواقع بينهم؟ ول عمدة لمالك في هذا إل أنه‬
‫مروي عين ابين الزبيير‪ .‬قال الشافعيي‪ :‬فإذا احتيج محتيج بهذا قييل‬
‫له‪ :‬إن ابيين عباس قييد ردهييا‪ ،‬والقرآن يدل على بطلنهييا؛ وقال‬
‫بقول مالك ابين أبيي ليلى وقوم مين التابعيين‪ ،‬وإجازة مالك لذلك‬
‫هو من باب إجازته قياس المصلحة‪.‬‬
‫وأمييا السييلم فاتفقوا على أنييه شرط فييي القبول‪ ،‬وأنييه ل تجوز‬
‫شهادة الكافير‪ ،‬إل ميا اختلفوا فييه مين جواز ذلك فيي الوصيية فيي‬
‫السيفر لقوله تعالى {ييا أيهيا الذيين آمنوا شهادة بينكيم إذا حضير‬
‫أحدكييم الموت حييين الوصييية اثنان ذوا عدل منكييم أو آخران ميين‬
‫غيركييم} الييية‪ .‬فقال أبييو حنيفيية‪ :‬يجوز ذلك على الشروط التييي‬
‫ذكرهييا الله؛ وقال مالك والشافعييي‪ :‬ل يجوز ذلك‪ ،‬ورأوا أن الييية‬
‫منسيوخة‪ .‬وأميا الحريية فإن جمهور فقهاء المصيار على اشتراطهيا‬
‫فييي قبول الشهادة؛ وقال أهييل الظاهيير‪ :‬تجوز شهادة العبييد‪ ،‬لن‬
‫الصل إنما هو اشتراط العدالة‪ ،‬والعبودية ليس لها تأثير في الرد‪،‬‬
‫إل أن يثبييت ذلك ميين كتاب الله أو سيينة أو إجماع‪ ،‬وكأن الجمهور‬
‫رأوا أن العبوديية أثير مين أثير الكفير فوجيب أن يكون لهيا تأثيير فيي‬
‫رد الشهادة‪ .‬وأميا التهمية التيي سيببها المحبية‪ ،‬فإن العلماء أجمعوا‬
‫على أنهييا مؤثرة فييي إسييقاط الشهادة‪ .‬واختلفوا فييي رد شهادة‬
‫العدل بالتهميية لموضييع المحبيية أو البغضيية التييي سييببها العداوة‬
‫الدنيويية‪ ،‬فقال بردهيا فقهاء المصيار‪ ،‬إل أنهيم اتفقوا فيي مواضيع‬
‫على أعمال التهميية‪ ،‬وفييي مواضييع على إسييقاطها‪ ،‬وفييي مواضييع‬
‫اختلفوا فيها فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم‪ .‬فمما اتفقوا عليه‬
‫رد شهادة الب لبنييه والبيين لبيييه‪ ،‬وكذلك الم لبنهييا وابنهييا لهييا‪.‬‬
‫وممييا اختلفوا فييي تأثييير التهميية فييي شهادتهييم شهادة الزوجييين‬
‫أحدهما للخر‪ ،‬فإن مالكا ردها وأبا حنيفة‪ ،‬وأجازها الشافعي وأبو‬
‫ثور والحسين؛ وقال ابين أبيي ليلى‪ :‬تقبيل شهادة الزوج لزوجيه ول‬
‫تقبل شهادتها له‪ ،‬وبه قال النخعي‪ .‬ومما اتفقوا عليه على إسقاط‬
‫التهمة فيه شهادة الخ لخيه مالم يدفع بذلك عن نفسه عارا على‬
‫ميا قال مالك‪ ،‬ومالم يكين منقطعيا إلى أخييه يناله بره وصيلته‪ ،‬ميا‬
‫عدا الوزاعييي فإنييه قال‪ :‬ل تجوز‪ .‬وميين هذا الباب اختلفهييم فييي‬
‫قبول شهادة العدو على عدوه؛ فقال مالك والشافعييي‪ :‬ل تقبييل؛‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقال أبو حنيفة‪ :‬تقبل‪ .‬فعمدة الجمهور في رد الشهادة بالتهمة ما‬
‫روي عنه عليه الصلة والسلم أنه قال "ل تقبل شهادة خصم ول‬
‫ظنيين" وميا خرجيه أبيو داود مين قوله علييه الصيلة والسيلم "ل‬
‫تقبيل شهادة بدوي على حضري" لقلة شهود البدوي ميا يقيع فيي‬
‫المصير‪ ،‬فهذه هيي عمدتهيم مين طرييق السيماع‪ .‬وأميا مين طرييق‬
‫المعنيى فلموضيع التهمية‪ ،‬وقيد أجميع الجمهور على أن تأثيرهيا فيي‬
‫الحكام الشرعية مثل اجتماعهم على أنه ل يرث القاتل المقتول‪،‬‬
‫وعلى وريث المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلف‪.‬‬
‫وأما الطائفة الثانية وهم شريح وأبو ثور وداود فإنهم قالوا‪ :‬تقبل‬
‫شهادة الب لبنيه فضل عمين سيواه إذا كان الب عدل‪ :‬وعمدتهيم‬
‫قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله‬
‫ولو على أنفسكم أو الوالدين والقربين} والمر بالشيء يقتضي‬
‫إجزاء المأمور به إل ما خصصه الجماع من شهادة المرء لنفسه‪.‬‬
‫وأميا مين طرييق النظير‪ ،‬فإن لهيم أن يقولوا رد الشهادة بالجملة‬
‫إنميا هيو لموضيع اتهام الكذب‪ ،‬وهذه التهمية إنميا اعتملهيا الشرع‬
‫فييي الفاسييق ومنييع إعمالهييا فييي العادل‪ ،‬فل تجتمييع العدالة مييع‬
‫التهميية‪ .‬وأمييا النظيير فييي العدد والجنييس‪ ،‬فإن المسييلمين اتفقوا‬
‫على أنه ل يثبت الزنى بأقل من أربعة عدول ذكور‪ ،‬واتفقوا على‬
‫أ نه تثبيت جمييع الحقوق ما عدا الزنيى بشاهد ين عدليين ذكر ين ما‬
‫خل الحسين البصيري‪ ،‬فإنيه قال‪ :‬ل تقبيل بأقيل مين أربعية شهداء‬
‫تشبيها بالرجم‪ ،‬وهذا ضعيف لقوله سبحانه {واستشهدوا شهيدين‬
‫مين رجالكيم} وكيل متفيق أن الحكيم يجيب بالشاهديين مين غيير‬
‫يمين المدعي‪ ،‬إل ابن أبي ليلى فإنه قال‪ :‬ل بد من يمينه‪ .‬واتفقوا‬
‫على أنييه تثبييت الموال بشاهييد عدل ذكيير وامرأتييين لقوله تعالى‬
‫{فرجييل وامرأتان مميين ترضون ميين الشهداء} واختلفوا فييي‬
‫قبولهمييا فييي الحدود‪ ،‬فالذي عليييه الجمهور أنييه ل تقبييل شهادة‬
‫النسياء فيي الحدود ل ميع رجيل ول مفردات؛ وقال أهيل الظاهير‪:‬‬
‫تقبيل إذا كان معهين رجيل وكان النسياء أكثير مين واحدة فيي كيل‬
‫شييء على ظاهير اليية؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬تقبيل فيي الموال وفيميا‬
‫عدا الحدود مييين أحكام البدان مثيييل الطلق والرجعييية والنكاح‬
‫والعتيق؛ ول تقبيل عنيد مالك فيي حكيم مين أحكام البدن‪ :‬واختلف‬
‫أصييحاب مالك فييي قبولهيين فييي حقوق البدان المتعلقيية بالمال‪،‬‬
‫مثيل الوكالت والوصيية التيي ل تتعلق إل بالمال فقيط؛ فقال مالك‬
‫وابن القاسم وابن وهب‪ :‬يقبل فيه شاهد وامرأتان؛ وقال أشهب‬
‫وابن الماجشون‪ :‬ل يقبل فيه إل رجلن‪.‬‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وأمييا شهادة النسيياء مفردات‪ ،‬أعنييي النسيياء دون الرجال فهييي‬
‫مقبولة عنيييد الجمهور فيييي حقوق البدان التيييي ل يطلع عليهيييا‬
‫الرجال غالبييا مثييل الولدة والسييتهلل وعيوب النسيياء‪ .‬ول خلف‬
‫في شيء من هذا إل في الرضاع‪ ،‬فإن أبا حنيفة قال‪ :‬ل تقبل فيه‬
‫شهادتهين إل ميع الرجال‪ ،‬لنيه عنده مين حقوق البدان التيي يطلع‬
‫عليها الرجال والن ساء‪ .‬والذين قالوا بجواز شهادتهن مفردات في‬
‫هذا الجنييس اختلفوا فييي العدد المشترط فييي ذلك منهيين؛ فقال‬
‫مالك‪ :‬يكفي في ذلك امرأتان‪ ،‬قيل مع انتشار المر‪ ،‬وقيل إن لم‬
‫ينتشير؛ وقال الشافعيي‪ :‬لييس يكفيي فيي ذلك أقيل مين أربيع‪ ،‬لن‬
‫الله عيز وجيل قيد جعيل عدييل الشاهيد الواحيد امرأتيين‪ ،‬واشترط‬
‫الثنينييية؛ وقال قوم‪ :‬ل يكتفييي بذلك أقييل ميين ثلث وهييو قول ل‬
‫معنى له؛ وأجاز أبو حنيفة شهادة المرأة فيما بين السرة والركبة‪،‬‬
‫وأحسيييب أن الظاهريييية أو بعضهيييم ل يجيزون شهادة النسييياء‬
‫مفردات في كل شيء كما يجيزون شهادتهن مع الرجال في كل‬
‫شييء وهيو الظاهير‪ .‬وأميا شهادة المرأة الواحدة بالرضاع‪ ،‬فإنهيم‬
‫أيضا اختلفوا فيها لقوله عليه الصلة والسلم في المرأة الواحدة‬
‫التيي شهدت بالرضاع "كيف وقيد أرضعتك ما" وهذا ظاهره النكار‪،‬‬
‫ولذلك لم يختلف قول مالك في أنه مكروه‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الثاني‪.‬‬
‫@‪-‬وأمييا اليمان‪ ،‬فإنهييم اتفقوا على أنهييا تبطييل بهييا الدعوى عيين‬
‫المدعي عليه إذا لم تكن للمدعي بينة‪ .‬واختلفوا هل يثبت بها حق‬
‫المدعيي؛ فقال مالك‪ :‬يثبيت بهيا حيق المدعيي فيي إثبات ميا أنكره‬
‫المدعيي علييه وإبطال ميا ثبيت علييه مين الحقوق إذا ادعيى الذي‬
‫ثبيت علييه إسيقاطه فيي الموضيع الذي يكون المدعيي أقوى سيببا‬
‫وشبهية مين المدعيى علييه؛ وقال غيره ل تثبيت للمدعيي باليميين‬
‫دعوى سيواء كانيت فيي إسيقاط حيق عين نفسيه قيد ثبيت علييه‪ ،‬أو‬
‫إثبات حق أنكره فيه خصمه‪ .‬وسبب اختلفهم ترددهم في مفهوم‬
‫قوله علييه الصيلة والسيلم "البينية على مين ادعيى واليميين على‬
‫من أنكير" هل ذلك عام فيي كيل مدعيى علييه ومدع‪ ،‬أم إنميا خص‬
‫المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين‪ ،‬لن المدعي في الكثر هو‬
‫أضعف شبهة من المدعى عليه والمدعى عليه بخلفه؟ فمن قال‬
‫هذا الحكيم عام فيي كيل مدع ومدعيى علييه ولم يرد بهذا العموم‬
‫خ صوصا قال‪ :‬ل يثبت باليمين حق‪ ،‬ول يسقط به حق ثبت؛ ومن‬
‫قال إنميا خيص المدعيى علييه بهذا الحكيم مين جهية ميا هيو أقوى‬
‫شبهية قال‪ :‬إذا اتفيق أن يكون موضيع تكون فييه شبهية المدعيي‬
‫أقوى يكون القول قوله‪ ،‬واحتيييج هؤلء بالمواضيييع التيييي اتفيييق‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الجمهور فيهيا على أن القول فيهيا قول المدعيي ميع يمينيه‪ ،‬مثيل‬
‫دعوى التلف فيي الوديعية وغيير ذلك إن وجيد شييء بهذه الصيفة‪،‬‬
‫ولولئك أن يقولوا‪ :‬الصيل ميا ذكرنيا إل ميا خصيصه التفاق‪ ،‬وكلهيم‬
‫مجتمعون على أن اليمييين التييي تسييقط الدعوى أو تثبتهييا هييي‬
‫اليمين بالله‪ ،‬الذي ل إله إل هو‪ ،‬وأقاويل فقهاء المصار في صفتها‬
‫متقاربية؛ وهيي عنيد مالك‪ :‬بالله الذي ل إله إل هيو‪ ،‬ل يزييد عليهيا‪،‬‬
‫ويزييد الشافعيي الذي يعلم مين السير ميا يعلم مين العلنيية‪ .‬وأميا‬
‫هل تغلظ بالمكان؟ فإنهم اختلفوا في ذلك‪ ،‬فذهب مالك إلى أنها‬
‫تغلظ بالمكان وذلك فييييي قدر مخصييييوص‪ ،‬وكذلك الشافعييييي‪.‬‬
‫واختلفوا فيي القدر‪ ،‬فقال مالك‪ :‬إن مين ادعيى علييه بثلثية دراهيم‬
‫فصاعدا وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع‪ ،‬فإن كان مسجد‬
‫النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬فل خلف أنه يحلف على المنبر‪ ،‬وإن‬
‫كان فييي غيره ميين المسيياجد ففييي ذلك روايتان‪ :‬إحداهمييا حيييث‬
‫اتفيق مين المسيجد‪ ،‬والخرى عنيد المنيبر‪ .‬وروى عنيه ابين القاسيم‬
‫أنييه يحلف فيمييا له بال فييي الجامييع ولم يحدد؛ وقال الشافعييي‪:‬‬
‫يحلف فيي المدينية عنيد المنيبر‪ ،‬وفيي مكية بيين الركين والمقام‪،‬‬
‫وكذلك عنده فيي كيل بلد يحلف عنيد المنيبر‪ ،‬والنصياب عنده فيي‬
‫ذلك عشرون دينارا؛ وقال داود‪ :‬يحلف على المنييبر فييي القليييل‬
‫والكثير؛ وقال أبو حنيفة‪ :‬ل تغلظ اليمين بالمكان‪.‬‬
‫وسيبب الخلف هيل التغلييظ الوارد فيي الحلف على منيبر النيبي‬
‫صلى الله عليه وسلم يفهم منه وجوب الحلف على المنبر أم ل؟‬
‫فمين قال إنيه يفهيم منيه ذلك قال‪ :‬لنيه لو لم يفهيم منيه ذلك لم‬
‫يكن للتغليظ في ذلك معنى؛ ومن قال للتغليظ معنى غير الحكم‬
‫بوجوب اليمييين على المنييبر قال‪ :‬ل يجييب الحلف على المنييبر‪.‬‬
‫والحديث الوارد في التغليظ هو حديث جابر بن عبد الله النصاري‬
‫أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حلف على منبري‬
‫آثميا تبوأ مقعده مين النار" واحتيج هؤلء بالعميل فقالوا‪ :‬هيو عميل‬
‫الخلفاء‪ ،‬قال الشافعييي‪ :‬لم يزل عليييه العمييل بالمدينيية وبمكيية‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬ولو كان التغلييظ ل يفهيم منيه إيجاب اليميين فيي الموضيع‬
‫المغلظ لم يكيين له فائدة إل تجنييب اليمييين فييي ذلك الموضييع‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وكميا أن التغلييظ الوارد فيي اليميين مجردا مثيل قوله علييه‬
‫الصيلة والسيلم "مين اقتطيع حيق امرئ مسيلم بيمينيه حرم الله‬
‫علييه الجنية وأوجيب له النار" يفهيم منيه وجوب القضاء باليميين‪،‬‬
‫وكذلك التغلييظ الوارد فيي المكان‪ .‬وقال الفرييق الخير‪ :‬ل يفهيم‬
‫ميين التغليييظ باليمييين وجوب الحكييم باليمييين‪ ،‬وإذ لم يفهييم ميين‬
‫تغلييظ اليميين وجوب الحكيم باليميين لم يفهيم مين تغلييظ اليميين‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫بالمكان وجوب اليميين بالمكان ولييس فييه إجماع مين الصيحابة‪،‬‬
‫والختلف فييه مفهوم مين قضيية زييد بين ثابيت؛ وتغلظ بالمكان‬
‫عنييد مالك فييي القسييامة واللعان‪ ،‬وكذلك بالزمان لنييه قال فييي‬
‫اللعان أن يكون بعيد صيلة العصير على ميا جاء فيي التغلييظ فيمين‬
‫حلف بعيد العصير‪ ،‬وأميا القضاء باليميين ميع الشاهيد فإنهيم اختلفوا‬
‫فييييه؛ فقال مالك والشافعيييي وأحميييد وداود وأبيييو ثور والفقهاء‬
‫السييبعة المدنيون وجماعيية‪ :‬يقضييى باليمييين مييع الشاهييد فييي‬
‫الموال‪ .‬وقال أبيييو حنيفييية والثوري والوزاعيييي وجمهور أهيييل‬
‫العراق‪ :‬ل يقضيى باليميين ميع الشاهيد فيي شييء‪ ،‬وبيه قال اللييث‬
‫من أصحاب مالك‪.‬‬
‫وسييبب الخلف فييي هذا الباب تعارض السييماع‪ .‬أمييا القائلون بييه‬
‫فإنهم تعلقوا في ذلك بآثار كثيرة‪ ،‬منها حديث ابن عباس‪ ،‬وحديث‬
‫أبي هريرة‪ ،‬وحديث زيد ابن ثابت‪ ،‬وحديث جابر‪ ،‬إل أن الذي خرج‬
‫مسلم من ها حديث ابن عباس‪ ،‬ولفظيه "إن رسيول الله صيلى الله‬
‫عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد" خرجه مسلم ولم يخرجه‬
‫البخاري‪ .‬وأميا مالك فإنميا اعتميد مرسيله فيي ذلك عين جعفير بين‬
‫محمييد عيين أبيييه "أن رسييول الله صييلى الله عليييه وسييلم قضييى‬
‫باليمين مع الشاهد" لن العمل عنده بالمراسيل واجب‪.‬‬
‫وأمييا السييماع المخالف لهييا فقوله تعالى {فإن لم يكونييا رجلييين‬
‫فرجيل وامرأتان ممين ترضون مين الشهداء} قالوا‪ :‬وهذا يقتضيي‬
‫الحصيير فالزيادة عليييه نسييخ‪ ،‬ول ينسييخ القرآن بالسيينة الغييير‬
‫متواترة‪ ،‬وعنيد المخالف أنيه لييس بنسيخ بيل زيادة ل تغيير حكيم‬
‫المزيد‪ .‬وأما من السنة ف ما خرجه البخاري ومسلم عن الشعث‬
‫بن قيس قال "كان بيني وبين رجل خصومة في شيء‪ ،‬فاختصمنا‬
‫إلى النييبي عليييه الصييلة والسييلم‪ ،‬فقال‪" :‬شاهداك أو يمينييه"‬
‫فقلت‪ :‬إذا يحلف ول يبالي‪ ،‬فقال النييبي صييلى الله عليييه وسييلم"‬
‫مين حلف على يميين يقتطيع بهيا مال امرئ مسيلم هيو فيهيا فاجير‬
‫لقي الله وهو عليه غضبان" قالوا‪ :‬فهذا منه عليه الصلة والسلم‬
‫حصر للحكم ونقض لحجة كل واحد من الخصمين‪ ،‬ول يجوز عليه‬
‫صلى الله عليه وسلم أل يستوفي أقسام الحجة للمدعي‪ .‬والذين‬
‫قالوا باليمين مع الشاهد هم على أصلهم في أن اليمين هي حجة‬
‫أقوى المتداعييين شبهية‪ ،‬وقيد قوييت ههنيا حجية المدعيي بالشاهيد‬
‫كميا قوييت فيي القسيامة‪ .‬وهؤلء اختلفوا فيي القضاء باليميين ميع‬
‫المرأتيين‪ ،‬فقال مالك‪ :‬يجوز لن المرأتيين قد أقيمتيا مقام الواحيد؛‬
‫وقال الشافعييي‪ :‬ل يجوز له‪ ،‬لنييه إنمييا أقيمييت مقام الواحييد مييع‬
‫الشاهيد الواحيد ل مفردة ول ميع غيره‪ ،‬وهيل يقتضيي باليميين فيي‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫الحدود التي هي حق للناس مثل القذف والجراح؟ فيه قولن في‬
‫المذهب‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الثالث‪.‬‬
‫@‪-‬وأميا ثبوت الحيق على المدعيى علييه بنكوله‪ ،‬فإن الفقهاء أيضيا‬
‫اختلفوا فيييي ذلك‪ ،‬فقال مالك والشافعيييي وفقهاء أهيييل الحجاز‬
‫وطائفية مين العراقييين‪ :‬إذا نكيل المدعيى علييه لم يجيب للمدعيي‬
‫شيييء بنفييس النكول‪ ،‬إل أن يحلف المدعييي أو يكون له شاهييد‬
‫واحييد؛ وقال أبييو حنيفيية وأصييحابه وجمهور الكوفيييين‪ :‬يقضييي‬
‫للمدعي على المدعى عليه بنفس النكول وذلك في المال بعد أن‬
‫يكرر عليه اليمين ثلثا وقلب اليمين عند مالك يكون في الموضع‬
‫الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان‪ ،‬وشاهد ويمين؛ وقلب اليمين عند‬
‫الشافعيي يكون فيي كيل موضيع يجيب فييه اليميين؛ وقال ابين أبيي‬
‫ليلى‪ :‬أردها في غير التهمة ول أردها في التهمة‪ .‬وعند مالك في‬
‫يميين التهمية هيل تنقلب أم ل؟ قولن‪ .‬فعمدة مين رأى أن تنقلب‬
‫اليميين ميا رواه مالك مين "أن رسيول الله صيلى الله علييه وسيلم‬
‫رد فييي القسييامة اليمييين على اليهود بعييد أن بدأ بالنصييار" وميين‬
‫حجة مالك أن الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين‪ :‬إما بيمين وشاهد‪،‬‬
‫وإميا بنكول وشاهيد‪ ،‬وإميا بنكول ويميين‪ ،‬أصيل ذلك عنده اشتراط‬
‫الثنينية في الشهادة؛ وليس يقتضي عند الشافعي بشاهد ونكول‪.‬‬
‫وعمدة مين قضيى بالنكول أن الشهادة لميا كانيت لثبات الدعوى‪،‬‬
‫واليمييين لبطالهييا وجييب إن نكييل عيين اليمييين أن تحقييق عليييه‬
‫الدعوى‪ .‬قالوا‪ :‬وأميا نقلهيا مين المدعيى علييه إلى المدعيي فهيو‬
‫خلف للنيص‪ ،‬لن اليميين قيد نيص على أنهيا دللة المدعيى علييه‪،‬‬
‫فهذه أصيول الحجيج التيي يقضيي بهيا القاضيي‪ .‬ومميا اتفقوا علييه‬
‫فيي هذا الباب أنيه يقضيي القاضيي بوصيول كتاب قاض آخير إلييه‪،‬‬
‫لكيين هذا عنييد الجمهور مييع اقتران الشهادة بييه‪ ،‬أعنييي إذا أشهييد‬
‫القاضيي الذي يثبيت عنده الحكيم شاهديين عدليين أن الحكيم ثابيت‬
‫عنده‪ ،‬أعنيييي المكتوب فيييي الكتاب الذي أرسيييله إلى القاضيييي‬
‫الثاني‪ ،‬فشهدا عند القاضي الثاني أنه كتابه‪ ،‬وأنه أشهدهم بثبوته‪،‬‬
‫وقد قيل إنه يكتفي فيه بخط القاضي‪ ،‬وأنه كان به العمل الول‪.‬‬
‫واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة إن أشهدهم على الكتابة ولم‬
‫يقرأه عليهييم؛ فقال مالك‪ :‬يجوز؛ وقال الشافعييي وأبييو حنيفيية‪ :‬ل‬
‫يجوز ول تصح الشهادة‪.‬‬
‫واختلفوا فييي العفاص والوكاء هييل يقضييي بييه فييي اللقطيية دون‬
‫شهادة‪ ،‬أم ل بيد فيي ذلك مين شهادة؟ فقال مالك‪ :‬يقضيي بذلك؛‬
‫وقال الشافعي‪ :‬ل بد من الشاهدين‪ ،‬وكذلك قال أبو حنيفة؛ وقول‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫مالك هيييو أجرى على نيييص الحادييييث‪ ،‬وقول الغيييير أجرى على‬
‫الصيول‪ .‬ومميا اختلفوا فييه مين هذا الباب قضاء القاضيي بعلميه‪،‬‬
‫وذلك أن العلماء أجمعوا على أن القاضيييي يقضيييي بعلميييه فيييي‬
‫التعدييل والتجرييح‪ ،‬وأنيه إذا شهيد الشهود بضيد علميه لم يقيض بيه‪،‬‬
‫وأنيه يقضيي بعلميه فيي إقرار الخصيم وإنكاره‪ ،‬إل مالكيا فإنيه رأى‬
‫أن يحضر القاضي شاهدين لقرار الخصم وإنكاره‪ ،‬وكذلك أجمعوا‬
‫على أنيه يقضيي بعلميه فيي تغلييب حجية أحيد الخصيمين على حجية‬
‫الخير إذا لم يكين فيي ذلك خلف‪ .‬واختلفوا إذا كان فيي المسيألة‬
‫خلف‪ ،‬فقال قوم‪ :‬ل يرد حكميييه إذا لم يخرق الجماع؛ وقال قوم‬
‫إذا كان شاذا؛ وقال قوم‪ :‬يرد إذا كان حكميييييييييا بقياس‪ ،‬وهنالك‬
‫سيماع مين كتاب أو سينة تخالف القياس وهيو العدل‪ ،‬إل أن يكون‬
‫القياس تشهيد له الصيول والكتاب محتميل والسينة غيير متواترة‪،‬‬
‫وهذا هيو الوجيه الذي ينبغيي أن يحميل علييه مين غلب القياس مين‬
‫الفقهاء في موضع من المواضع على الثر مثل ما ينسب إلى أبي‬
‫حنيفيية باتفاق‪ ،‬وإلى مالك باختلف‪ .‬واختلفوا هييل يقضييي بعلمييه‬
‫على أحييد دون بينيية أو إقرار‪ ،‬أو ل يقضييي إل بالدليييل والقرار؟‬
‫فقال مالك وأكثيير أصييحابه‪ :‬ل يقضييي إل بالبينات أو القرار‪ ،‬وبييه‬
‫قال أحميد وشرييح؛ وقال الشافعيي والكوفيي وأبيو ثور وجماعية‪:‬‬
‫للقاضيي أن يقضيي بعلميه‪ ،‬ولكل الطائفتيين سيلف مين الصيحابة‬
‫والتابعيين‪ ،‬وكيل واحيد منهميا اعتميد فيي قوله السيماع والنظير‪ .‬أما‬
‫عمدة الطائفيية التييي منعييت ميين ذلك‪ ،‬فمنهييا حديييث معميير عيين‬
‫الزهري عين عروة عين عائشية "أن النيبي صيلى الله علييه وسيلم‬
‫بعيث أبيا جهيم على صيدقة فلحاه رجيل فيي فريضية‪ ،‬فوقيع بينهميا‬
‫شجاج‪ ،‬فأتوا النييبي صييلى الله عليييه وسييلم فأخييبروه‪ ،‬فأعطاهييم‬
‫الرش‪ ،‬ثيييم قال علييييه الصيييلة والسيييلم "إنيييي خاطيييب الناس‬
‫ومخيبرهم أنكيم قيد رضيتيم‪ ،‬أرضيتيم؟ قالوا‪ :‬نعيم‪ ،‬فصيعد رسيول‬
‫الله صيلى الله علييه وسيلم المنيبر‪ ،‬فخطيب الناس وذكير القصية‪،‬‬
‫وقال‪ :‬أرضيتيم؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬فهيم بهيم المهاجرون‪ ،‬فنزل رسيول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فأعطاهم‪ ،‬ثم صعد المنبر فخطب‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫أرضيتم؟ قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ .‬وأما من جهة المعنى فللتهمة اللحقة في‬
‫ذلك للقاضي‪.‬‬
‫وقيد أجمعوا أن للتهمية تأثيرا فيي الشرع‪ :‬منهيا أن ل يرث القاتيل‬
‫عمدا عند الجمهور من قتله‪ .‬ومنها ردهم شهادة الب لبنه‪ ،‬وغير‬
‫ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء‪ .‬وأما عمدة من أجاز ذلك‪،‬‬
‫أميا مين طرييق السيماع فحدييث عائشية فيي قصية هنيد بنيت عتبية‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ابين ربيعية ميع زوجهيا أبيي سيفيان بين حرب حيين قال لهيا علييه‬
‫الصيلة والسيلم وقيد شكيت أبيا سيفيان "خذي ميا يكفييك وولدك‬
‫بالمعروف" دون أن يسمع قول خصمها‪.‬‬
‫وأميا مين طرييق المعنيى فإنيه إذا كان له أن يحكيم بقول الشاهيد‬
‫الذي هيو مظنون فيي حقيه فأحرى أن يحكيم بميا هيو عنده يقيين‪.‬‬
‫وخصص أبو حنيفة وأصحابه ما يحكم فيه الحاكم بعلمه فقالوا‪ :‬ل‬
‫يقضي بعلمه في الحدود ويقضي في غير ذلك؛ وخصص أيضا أبو‬
‫حنيفية العلم الذي يقضيي بيه فقال‪ :‬يقضيي بعلميه الذي علميه فيي‬
‫القضاء‪ ،‬ول يقضيي بميا علميه قبيل القضاء‪ .‬وروي عين عمير أنيه‬
‫قضى بعلمه على أبي سفيان لرجل من بني مخزوم‪ .‬وقال بعض‬
‫أصحاب مالك‪ :‬يقضي بعلمه في المجلس أعني بما يسمع وإن لم‬
‫يشهيد عنده بذلك‪ ،‬وهيو قول الجمهور كميا قلنيا‪ ،‬وقول المغيرة هيو‬
‫أجرى على الصييول‪ ،‬لن الصييل فييي هذه الشريعيية ل يقضييي إل‬
‫بدلييل وإن كانيت غلبية الظين الواقعية بيه أقوى مين الظين الواقيع‬
‫بصدق الشاهدين‪.‬‬
‫*‪*4‬الفصل الرابع في القرار‪.‬‬
‫@‪-‬وأما القرار إذا كان بينا فل خلف في وجوب الحكم به‪ ،‬وإنما‬
‫النظيير فيميين يجوز إقراره مميين ل يجوز‪ ،‬وإذا كان القرار محتمل‬
‫رفيع الخلف‪ .‬أميا مين يجوز إقراره ممين ل يجوز فقيد تقدم‪ .‬وأميا‬
‫عدد القرارات الموجبييية فقيييد تقدم فيييي باب الحدود‪ ،‬ول خلف‬
‫بينهم أن القرار مرة واحدة عامل في المال‪ .‬وأما المسائل التي‬
‫اختلفوا فيهييا ميين ذلك فهييو ميين قبييل احتمال اللفييظ‪ ،‬وأنييت إن‬
‫أحببت أن تقف عليه فمن كتاب الفروع‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الرابع‪[ .‬على من يقضي‪ ،‬ولمن يقضي]‬
‫@‪-‬وأما على من يقضي؟ ولمن يقضي؟ فإن الفقهاء اتفقوا على‬
‫أنيه يقضيي لمين لييس يتهيم علييه‪ .‬واختلفوا فيي قضائه لمين يتهيم‬
‫عل يه؛ فقال مالك‪ :‬ل يجوز قضاؤه على من ل تجوز عليه شهاد ته؛‬
‫وقال قوم‪ :‬يجوز لن القضاء يكون بأسيباب معلومية ولييس كذلك‬
‫الشهادة‪ .‬وأمييا على ميين يقضييي؟ فإنهييم اتفقوا على أنييه يقضييي‬
‫على المسييلم الحاضيير‪ .‬واختلفوا فييي الغائب وفييي القضاء على‬
‫أهيل الكتاب فأميا القضاء على الغائب‪ ،‬فإن مالكيا والشافعيي قال‪:‬‬
‫يقضيي على الغائب البعييد الغيبية؛ وقال أبيو حنيفية‪ :‬ل يقضيي على‬
‫الغائب أصييل‪ ،‬وبييه قال ابيين الماجشون؛ وقييد قيييل عيين مالك ل‬
‫يقضيي فيي الرباع المسيتحقة‪ .‬فعمدة مين رأى القضاء حدييث هنيد‬
‫المتقدم ول حجية فييه‪ ،‬لنيه لم يكين غائبيا عين المصير‪ .‬وعمدة مين‬
‫لم ير القضاء قوله عليه الصلة والسلم "فإنما أقضي له بحسب‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫ميا أسيمع" وميا رواه أبيو داود وغيره عين علي أن النيبي صيلى الله‬
‫عليييه وسييلم قال له حييين أرسييله إلى اليميين "ل تقييض لحييد‬
‫الخصيمين حتيى تسيمع مين الخير" وأميا الحكيم على الذميي‪ ،‬فإن‬
‫فييي ذلك ثلثيية أقوال‪ :‬أحدهييا أنييه يقضييي بينهييم إذا ترافعوا إليييه‬
‫بحكيم المسيلمين‪ ،‬وهيو مذهيب أبيي حنيفية؛ والثانيي أنيه مخيير‪ ،‬وبيه‬
‫قال مالك‪ ،‬وعن الشافعي القولن؛ والثالث أنه واجب على المام‬
‫أن يحكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليه‪ .‬فعمدة من اشترط مجيئهم‬
‫للحاكييم قوله تعالى {فإن جاؤك فاحكييم بينهييم أو اعرض عنهييم}‬
‫وبهذا تمسك من رأى الخيار‪ ،‬ومن أوجبه اعتمد قوله تعالى {وأن‬
‫احكييم بينهييم} ورأى أن هذا ناسييخ لييية التخيييير‪ .‬وأمييا ميين رأى‬
‫وجوب الحكيم عليهيم وإن لم يترافعوا‪ ،‬فإنيه احتيج بإجماعهيم على‬
‫أن الذمي إذا سرق قطعت يده‪.‬‬
‫*‪*3‬الباب الخامس‪[ .‬كيف يقضي القاضي]‬
‫@‪-‬وأما كيف يقضي القاضي‪ ،‬فإنهم أجمعوا على أنه واجب عليه‬
‫أن يسوي بين الخصمين في المجلس وأل يسمع من أحدهما دون‬
‫الخير‪ ،‬وأن يبدأ بالمدعيي فيسيأله البينية إن أنكير المدعيى علييه‪.‬‬
‫وإن لم يكن له بينة فإن كان في مال وجبت اليمين على المدعى‬
‫عليييه باتفاق‪ ،‬وإن كانييت فييي طلق أو نكاح أو قتييل وجبييت عنييد‬
‫الشافعيي بمجرد الدعوى؛ وقال مالك‪ :‬ل تجيب إل ميع شاهيد؛ وإذا‬
‫كان فييي المال فهييل يحلفييه المدعييى عليييه بنفييس الدعوى أو ل‬
‫يحلفييه حتييى يثبييت المدعييي الخلطيية؟ اختلفوا فييي ذلك‪ ،‬فقال‬
‫جمهور فقهاء المصيار‪ :‬اليميين تلزم المدعيى علييه بنفيس الدعوى‬
‫لعموم قوله علييه الصيلة والسيلم مين حدييث ابين عباس "البينية‬
‫على المدعيي واليميين على المدعيى علييه" وقال مالك‪ :‬ل تجيب‬
‫اليمين إل بالمخالطة؛ وقال بها السبعة من فقهاء المدينة‪ .‬وعمدة‬
‫ميين قال بهييا النظيير إلى المصييلحة لكيل يتطرق الناس بالدعاوي‬
‫إلى تعنييت بعضهيم بعضيا‪ ،‬وإذايية بعضهيم بعضيا‪ ،‬ومين هنيا لم يير‬
‫مالك إحلف المرأة زوجهييا إذا ادعييت عليييه الطلق إل أن يكون‬
‫معهيا شاهيد‪ ،‬وكذلك إحلف العبيد سييده فيي دعوى العتيق علييه‪،‬‬
‫والدعوى ل تخلو أن تكون فييي شيييء فييي الذميية أو فييي شيييء‬
‫بعينييه‪ ،‬فإن كانييت الذميية فادعييى المدعييى عليييه البراءة ميين تلك‬
‫الدعوى وأن له بينيية سييمعت منييه بينتييه باتفاق‪ .‬وكذلك إن كان‬
‫اختلف في عقد وقع في عين مثل بيع أو غير ذلك‪ .‬وأما إن كانت‬
‫الدعوى فيي عيين وهيو الذي يسيمى اسيتحقاقا‪ ،‬فإنهيم اختلفوا هيل‬
‫تسمع بينة المدعى عليه؟ فقال أبو حنيفة‪ :‬ل تسمع بينة المدعى‬
‫علييه إل فيي النكاح وميا ل يتكرر؛ وقال غيره‪ :‬ل تسيمع فيي شييء؛‬

‫بداية المجتهد ونهاية المقتصد‬
‫ابن رشد‬
‫وقال مالك والشافعيي‪ :‬تسيمع أعنيي فيي أن يشهيد للمدعيي بينية‬
‫المدعييى عليييه أنييه مال له وملك‪ .‬فعمدة ميين قال ل تسييمع أن‬
‫الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى‬
‫عليه‪ ،‬فوجب أن ل ينقلب المر‪ ،‬وكان ذلك عندهما عبادة‪ .‬وسبب‬
‫الخلف‪ :‬هل تفيد بينة المدعى عليه معنى زائدا على كون الشيء‬
‫المدعى فيه موجودا بيده‪ ،‬أم ليست تفيد ذلك؟ فمن قال‪ :‬ل تفيد‬
‫معنى زائدا قال‪ :‬ل معنى لها؛ ومن قال تفيد‪ :‬اعتبرها‪ .‬فإذا باعتبار‬
‫بينية المدعيى علييه فوقيع التعارض بيين البينتيين ولم تثبيت إحداهميا‬
‫أمرا زائدا مما ل يمكن أن يتكرر في ملك ذي الملك؛ فالحكم عند‬
‫مالك أن يقضيي بأعدل البينتيين ول يعتيبر الكثير؛ وقال أبيو حنيفية‪:‬‬
‫بينيية المدعييي أولى على أصييله ول تترجييح عنده بالعدالة كمييا ل‬
‫تترحيييج عنيييد مالك بالعدد‪ ،‬وقال الوزاعيييي‪ :‬تترجيييح بالعدد وإذا‬
‫تساوت في العدالة فذلك عند مالك كل بينة يحلف المدعى عليه‪،‬‬
‫فإن نكييل حلف المدعييي ووجييب الحييق‪ ،‬لن يييد المدعييي عليييه‬
‫شاهدة له‪ ،‬ولذلك جعل دليله أضعف الدليلين‪ :‬أعني اليمين‪ .‬وأما‬
‫إذا أقر الخصم فإن كان المدعى فيه عينا فل خلف أنه يدفع إلى‬
‫مدعيه‪ .‬وأما إذا كان مال في الذمة‪ ،‬فإنه يكلف المقر غرمه فإن‬
‫ادعييى العدم حبسييه القاضييي عنييد مالك حتييى يتييبين عدمييه‪ ،‬إمييا‬
‫بطول السيجن والبينية إن كان متهميا فإذا لح عسيره خلي سيبيله‬
‫لقوله تعالى {وإن كان ذو عسييييرة فنظرة إلى ميسييييرة} وقال‬
‫قوم‪ :‬يؤاجره‪ ،‬وبيه قال أحميد‪ .‬وروي عين عمير بين عبيد العزييز‪،‬‬
‫وحكيي عين أبيي حنيفية أن لغرمائه أن يدوروا معيه حييث دار‪ ،‬ول‬
‫خلف أن البينة إذا جرحها المدعى عليه أن الحكم يسقط إذا كان‬
‫التجرييح قبيل الحكيم‪ ،‬وإن كان بعيد الحكيم لم ينتقيض عنيد مالك؛‬
‫وقال الشافعيي‪ :‬ينتقيض وأميا إن رجعيت البينية عين الشهادة‪ ،‬فل‬
‫يخلو أن يكون ذلك قبييل الحكييم أو بعده‪ ،‬فإن كان قبييل الحكييم‬
‫فالكثر أن الحكم ل يثبت؛ وقال بعض الناس‪ :‬يثبت‪ .‬وإن كان بعد‬
‫الحكم فقال مالك‪ :‬يثبت الحكم؛ وقال غيره‪ :‬ل يثبت الحكم‪ ،‬وعند‬
‫مالك أن الشهداء يضمنون مييييا أتلفوا بشهادتهييييم‪ ،‬فإن كان مال‬
‫ضمنوه على كييل حال؛ قال عبييد الملك‪ :‬ل يضمنون فييي الغلط؛‬
‫وقال الشافعييي‪ :‬ل يضمنون فييي المال‪ .‬وإن كان دمييا فإن ادعوا‬
‫الغلط ضمنوا الديية‪ ،‬وإن أقروا أقييد منهيم على قول أشهيب‪ ،‬ولم‬
‫يقتص منهم على قول ابن القاسم‪.‬‬
‫*‪*3‬