Èáøóå ÂÏã ÈÇÔÑ

ÕÇÍÈ ÇáÍÞíÈÉ ÇáÍãÑÇÁ

-

-

ÑæÇíÉ

‫من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬
1998

-2-

ÇáÍÞæÞ ßÇÝÉ
ãÜÍÜÜÜÜÝÜÜÜÜæÙÜÉ
áÇÊÜÍÜÜÇÏ ÇáÜßÜÊÜøÇÈ ÇáÜÜÚÜÑÈ

-3-

-4-

‫قال الراوي‪ ...‬البارحة أكملت لكم قص ة الشاعر ماهر البدوي‬
‫الذي تخفى في زي بائع المشاط والمرايا ووقف تحت شرفة حبيبته‬
‫الميرة فينوس بنت سلطان الجزر الربع‪.‬‬
‫نحن أيضا كنا أربعة أشباح وخامسنا الليل حينما تكلم الراوي‪..‬‬
‫لقد قال‪ :‬البحر كان يعلم ويبارك‪ ،‬والجزر الربع والسماء‪ ،‬لكن الناس‬
‫ف ي تل ك القل ع العائم ة يكرهو ن الح ب ب ل يكرهو ن حت ى الشعراء‪..‬‬
‫وقالوا‪ :‬قد أحبت شاعرا صعلوكا ل يملك من حطام الدنيا غير خرج‬
‫محش و بالكت ب والكراريس‪ . .‬فه ل عجز ت الدني ا ع ن أ ن تل د غير‬
‫الشعراء‪ . .‬الشعرا ء فقراء‪ . .‬كله م صعاليك ‪ ،‬رأسماله م هذ ه البضاعة‬
‫الفاسد ة الت ي اسمه ا الحب‪ ...‬وقا ل شي خ م ن بطان ة السلطا ن ‪-‬تجارة‬
‫الشعراء كاسدة في البدء وبضاعتهم فاسدة منذ الزل‪.‬‬
‫ومضى الراوي يقول‪ ،‬والليل لم يزل في أوله ونح ن أربعة‪،‬‬
‫والكون فقاعة كبيرة علمها عند علم الغيوب‪ ،‬ونحن أربعة‪ ..‬لقد باح‬
‫الليل بسر الهوى الفاضح وكذلك الجزر الربع والسماء والبحر‪...‬‬
‫هل رآها بائع المشاط والمرايا في ذلك المساء‪ ..‬لم يكن وجه‬
‫فينوس مثل الوجوه‪ ،‬ولكنه الشوق النبيل إلى معانقة الكون بأسره‪.‬‬
‫وعيناها‪ ...‬رباه "هاتان لم تكونا عينين" ولكنهما النداء والصد‪،‬‬
‫الث م والغفران ‪ ،‬الحيا ة والموت ‪ ،‬وكا ن الشاع ر البدو ي يعر ف تينك‬
‫العينين وسر السماء المودع فيهما‪ ،‬شعرها كان ثملً معربدا ومتعبا‬
‫يود لو يستريح على كتف عاشق مذبوح‪.‬‬

‫‪-5-‬‬

‫ه ل عان ق خصره ا ساع ة بائ ع المشا ط والمرايا‪ . ..‬ل م يكن‬
‫خصرا ولم يكن كشحا هضيما‪ ،‬ولكنه مشنقة يتأرجح من تحتها جسد‬
‫غريب‪.‬‬
‫فينو س يارفا ق الظلم‪ . .‬امرأ ة الفجيع ة والموت ‪ ،‬وأنث ى النداء‬
‫المحموم والعويل‪ ،‬وفي ليل الصبوات والسأم تلتقي بكر وتغلب وعبس‬
‫وذبيان ‪ ،‬وقلو ع الشاع ر البدو ي نشر ت فأبح ر ف ي الدماء ‪ ،‬والحب‪...‬‬
‫الحب هذه الفجيعة والحسرة‪ ،‬الحب والموت صِنوان في بدء الخليقة‪،‬‬
‫والتقت بكر وتغلب وعبس وذبيان‪ ،‬الحرب في الجزر الربع والغريم‬
‫واح د والقات ل عل ى مرم ى البص ر والمقتو ل واحد ‪ ،‬وف ي قل ب الموت‬
‫شاع ر مضر ج بدمائ ه ويتلو‪ . .‬ولق د ذكرت ك والرما ح نواه ل مني‪...‬‬
‫وبيض الهند تقطر من دمي‪.‬‬
‫لكن الرماح السمهرية ظمأى للدم الملوث بالحب‪ ...‬ل ما أغلى‬
‫دمت الشاعرت العاشقت لقدت ما ت ماه ر البدوي‪ . .‬قتلو ه تحتت شرفة‬
‫الميرة‪...‬‬
‫في ساعة توقف فيها البحر عن المد والجزر‪ ،‬وليس في الغابات‬
‫طي ر يغني ‪ ،‬ل تيسم ع للنه ر خرير ‪ ،‬لق د توق ف الكو ن ع ن النم و تلك‬
‫الساع ة الرهيب ة م ن الزمان ‪ ،‬لق د ضاع ت أنفاس ه عب ر الثير ‪ ،‬تلك‬
‫النفا س المضمخ ة بعبي ر الضفا ف والودي ة البعيدة ‪ ،‬لق د طالم ا بثها‬
‫لفينوس عبر تلك القصبة السماوية‪ ،‬وذلك الناي المغرد‪ ،‬الناي الذي‬
‫لخص في أنّاته أشواق الشباب وحزن المشيب‪..‬‬
‫ومض ى الراو ي يق ص علين ا ونح ن ننص ت خاشعين ‪ ،‬لق د كان‬
‫يتحدث بيننا‪ ،‬نحن جلوس‪ ،‬لكن صوته في الواقع كان يأتينا من مكان‬
‫بعيد من فراغات هذا الكون‪.‬‬
‫قال‪ . ..:‬لق د كا ن شابا تغريبا ‪ ،‬يجو ب ذا ك الرخبي ل كلم ا أتى‬
‫المساء‪،‬وكان وهو يدفع تلك العربة الصغيرة التي يبيع عليها المشاط‬
‫والمرايا ‪ ،‬ل تيبد و علي ه التع ب ولكن ه الحز ن النبيل ‪ ،‬حز ن الشعراء‪،‬‬
‫‪-6-‬‬

‫وذوي النفوس الكبيرة‪ ،‬كان على الدروب يرمي بثقل جسده الضعيف‬
‫عل ى العرب ة الصغير ة الت ي يدفعه ا فتبد و وكأنه ا هي الت ي تقود ه إلى‬
‫حيث تشاء وكان إذا نودي من تلك الشرفات العالية‪ ،‬توقف برهة ورفع‬
‫بصره إلى السماء وحلق به في الفاق كأنه يبحث عن وديعة في قبة‬
‫الكو ن وكأ ن الصو ت يأتي ه م ن مكا ن م ا م ن هذ ه القب ة حت ى إذ ا ما‬
‫انتفض الصوت في طيف مليحةٍ تتسربل في حياء أنوثتها‪ ،‬باعها مالديه‬
‫من بضاعة الزينة بل اكتراث ثم مضى على الدروب‪.‬‬
‫كان ذلك شأنه‪ ،‬يوزع على الغيد المليحات تلك المشاط وهاتيك‬
‫المرايا‪ ،‬بثمن وبدون ثمن‪ ،‬كان ل يسأل ول يجادل في ثمن‪ ،‬إن أُعطِي‬
‫أخذ بل اكتراث وإل فأعطى ومضى‪ ،‬ل ما أكثر المليحات في ذاك‬
‫الرخبيل ‪ ،‬لك ن مليح ة واحد ة ظ ل يحمله ا حزنا تجميلً بي ن الحنايا‬
‫والضلوع‪ ،‬فكان إذا ماوقف تحت شرفتها وتطلع بعينيه السماويتين إلى‬
‫ذلك المكمن الصغير الذي يشبه الهلل‪ ،‬تلك الرجوحة الجميلة الناعمة‬
‫المعلقة في فضاء القلعة حيث أطلّت حبيبته أول مرة ورآها‪ ،‬في مساء‬
‫كذلك المساء ومكان هو ذاك المكان‪ ،‬لقد رأى أول مارأى تلك الستائر‬
‫الوردية الحالمة‪ ،‬كانت متدلية ومعقودة على جانبي الشرفة‪ ،‬لقد بدت‬
‫لعينيه هذه الشرفة في ذاك المساء أرجوحة من أراجيح الجنة ل تمت‬
‫بصلةتتإلىتتتلكتتالقلعةتتالمحضةتتالتيتتتشمختتبقسوتهاتتفيتتفضاء‬
‫النسانية‪..‬‬
‫وأطل ت فينوس‪ . ..‬كان ت كائنا تعذبا تعذوب ة صو ت نايٍ متقطع‬
‫يأتي من آخر الدنيا وأقاصي الكون‪ .‬لقد كانت طيفا حالما كحقل من‬
‫البنفسج والياسمين يفيق إثر يوم ماطر‪ ،‬ولفينوس جسد شفاف يعانق‬
‫شفافية أرديتها عناق محموم‪.‬‬
‫وشاع ر تالمشاطت والمراي ا تكانتتممسكا تبقصبةت النايت وينفخ‬
‫مفجوعا حسرة آلف السنين‪ ،‬هل كانت قصبة الناي تعرف أن أنفاسه‬
‫آخر أنّات الشاعر المذبوح‪ ،‬هل كان المساء في تلك الفجاج يُشيّع آخر‬
‫الشعراء في صمت مهيب‪ .‬لقد مات الشاعر البدوي‪ ،‬قتلوه تحت شرفة‬
‫‪-7-‬‬

‫الميرة فينوس‪.‬‬
‫عندم ا رأت ه ينف خ مزمار ه تح ت شرفتها ‪ ،‬وقع ت تَسم ع نشّيج‬
‫الناي‪ ،‬كان صوتا حنونا وشجيا كهمس لذيذ بجوار مدفأة في ليلة من‬
‫ليالي الشتاء يعبث فيها الصقيع بنوافذ البيوت‪ ،‬وكانت أنفاسه المتقطعة‬
‫المحمومة تتلحق صعودا إليها‪ ..‬فاتكأت ومالت عليه حانية مسحورة‪،‬‬
‫وانفلت شعرها من عقاله وهمى همى من أعلى الشرفة فضمخ الفضاء‬
‫بعطر نفاذ ثم انسكب كالغيمة المنحلّة على وجه الشاعر البدوي‪...‬‬
‫سبحا ن ال‪ . ..‬ه ل رأيت م كائنا تعلويا تخر ج عل ى قيو د الزمان‬
‫والمكان‪ ..‬هل علمتم عن كوكب حطم ناموس المدار وهوى في فج‬
‫بعيد القرار‪ ،‬يارفاق الظلم‪ ،‬حريّ بالشاعر أن يقتل في ذلك المساء‪،‬‬
‫فإنه ل يليق بالشاعر المتيم إل أن يموت هكذا‪.‬‬
‫لقد قرأتم كثيرا من سير الحب ول ريب‪ ،‬ولطالما تباهيتم أمام‬
‫أقرانكم ومعشوقاتكم بأنكم تحفظون أسماء مشاهير العشاق ممن خلدتهم‬
‫هذه الحياة‪ ،‬فهل تذكرون لي اسما واحدا لم تكن نهايته مأساة‪..‬؟‪ ..‬أنا‬
‫أقول لكم‪ ...‬الحب العظيم هو تلك المأساة العظيمة التي تسمعون عنها‬
‫ولتعرفو ن عنه ا الكثير ‪ ،‬وعزا ء المحبي ن أنه م ل تيرونه ا مأساة‪،‬‬
‫فالعاشق العظيم هو الفاتح العظيم والبطل المغوار ل يرى في الحب‬
‫إل حربا ضارية في صقيع سيبريا‪ ،‬فتراه حتى وهو يجود بآخر أنفاسه‬
‫نبيلً مترنما‪ . .‬ول م ل؟ ! فه و شهي د العاطف ة النبيل ة الذ ي سيذو ب في‬
‫فجر السماء السرمدي ولسوف يلتقي بمن أحب ومات‪.‬‬
‫ومض ى الراو ي يق ص علين ا نهاي ة الحكاي ة الت ي قصه ا علينا‬
‫البارحة في مثل هذه الظلمة‪ ،‬لكن سمعي تمرّ د وكرّ عائدا إلى قلبي‬
‫مرة أخرى‪ ...‬وابتعد صوته شيئا فشيئا إلى أن تلشى والتهمه الليل‪...‬‬
‫الليل موطن الصبوات والفجيعة‪ ،‬وفي غياهب الروح عواءٌ أليم‪،‬‬
‫والقلب مفازةٌ يسكنها جارح الطير‪.‬‬
‫وفي نهر الطريق يسكن الليل‪ ،‬وعلى الرصيف غريب ينتظر‪،‬‬
‫‪-8-‬‬

‫وتحتتتشرفةتتمنتتشرفاتتتالمدينةتتيقتلتتماهرتتالبدوي‪.‬تتكان‬
‫الشاعرالمقتول غريبا ومات بين غرباء هذ ا العالم الكبير ‪ ،‬وأنا‪ ..‬أنا‬
‫أيضا تمساف ر غريب ‪ ،‬عبر ت الصحرا ء مثلم ا عبر ت البحر ‪ ،‬لكنني‬
‫تمرّدتُ على الصحراء فأحببتُ البحرَ فكنتُ بذلك أول آبق صحراوي‬
‫تمرد على أمه‪ ،‬لقد غضبتْ عليّ ولحقَتني لعنتها‪ ..‬أنا البدوي المسافر‬
‫وابن الصحراء العاق المحكوم عليه بالظمأ والحزن مدى الحياة‪..‬‬
‫أنا صاحب الحقيبة الحمراء‪ ،‬أسعى كمعظم دراويش العالم أتسول‬
‫لنفسي مكانا أقف عليه في طوابير الجياع‪.‬‬
‫وفي الربع الخالي من الكون‪ ..‬فقدتُ بعيري وحملني السراب في‬
‫تلك اللجة الحمراء‪ ،‬إلى حيث تستوي الحياة والموت‪ ،‬والنوار والظلم‪،‬‬
‫وعدوتُ ف ي الف ج العمي ق أطل ب قطر ة م ن ماء ‪ ،‬رفع ت عقيرتي‬
‫المفجوعة إلى الطرف القصي من الكون أنادي‪ ..‬وأنادي‪ ،‬لكن النداء‬
‫ظل يتردد في تلك البقاع الموحشة من الكون‪..‬‬
‫أن ا صاح ب الحقيب ة الحمراء‪ . ..‬الغري ب الذيت أفردت لمركبه‬
‫الشراع‪ ،‬ويوم رست مركبتي في مرفأ من مرافئ الدنيا‪ ،‬نظرتُ فإذا‬
‫الصحراء والبحر يقتتلن وأنا بينهما كالذبيحة المعلقة كلهما يقول إنه‬
‫ملكي‪ ..‬إنه لي وحدي دون سائر الوجود‪ ،‬رأيتُ البحر يلتهم الصحراء‬
‫ورأيتُ الصحرا ء تلته م البحر ‪ ،‬كلهم ا شر س ومخيف ‪ ،‬وكلهم ا قو‬
‫لحدو د لجبروته‪ . ..‬وأن ا م ن أنا؟‪ . ..‬مجر د كائ ن ضعي ف م ن هذه‬
‫الكائنات الحقيرة الصغيرة التي تدب على اليابسة أو تسبح في الماء‪،‬‬
‫لكنن ي جز ء منهم ا شئ ت أ م أبيت‪ . ..‬أن ا الخ ر بح ر وصحراء ‪ ،‬في‬
‫داخل ي بيدا ء ل تحدو د لفاقه ا الموحشة ‪ ،‬تنو ح ف ي أرجائه ا الغيلن‬
‫والشباح‪ ،‬وفي داخلي بحر مزمجر ليس له أول ول آخر‪ ،‬سأفلت من‬
‫حصار الصحراء‪ ،‬وسأفرّ من أسر البحر‪ ،‬ولكن‪ ...‬هل أستطيع الفرار‬
‫من ذاتي؟‪...‬‬
‫مصلوبا على جبين المأساة‪ ،‬وأنا البدوي الذي أضاع ناقته في‬
‫الربع الخالي‪ ...‬حملت حزني على وعاء مملوء بالصدأ‪ ،‬وعند ذلك‬
‫‪-9-‬‬

‫الرصي ف المهجو ر م ن الكو ن ألقيت ه كم ا تلق ى الزبال ة القديم ة‬
‫ماكدتُ أخطو الخطوة الولى عائدا حتى سمعتُ بكاء الرصيف‬
‫مشفقا على الرصيف المسكين وحملتُ زبالتي‪ ،‬فلما هبط الظلم‬
‫م ن جديد وقصدتُ ذلك الف ج الغريب حيث النهر فوقفتُ على‬
‫العجوز وسلمت عليه بسلم أهل الليل‪..‬‬

‫لكنني‬
‫فعدت‬
‫حملته‬
‫ضفته‬

‫قال‪ :‬من أنت أيها الظل؟‬
‫قلت‪ :‬ل أعرف نفسي‪..‬‬
‫قال‪ :‬ماذا تحمل في وعائك الصدئ؟‬
‫قلت ‪ :‬زبال ة قديم ة جمعتها م ن مزاب ل الحياة‪ ..‬فلما تعب ت منها‬
‫وشقيت‪ ،‬جئت أرميها بين أمواجك يانهر‪...‬‬
‫قا ل ل تطاق ة ل ي بحزن ك أيه ا الظ ل ولكنن ي سأعطي ك عنوان‬
‫الغابة‪ ..‬وقال اقترب أيها الظل لطبع علىشفتيك هذا العنوان‪ ....:‬في‬
‫الرب ع الخال ي م ن السدي م الثال ث عن د ملتق ى الذك ر والنثى ‪ ،‬والظلم‬
‫والنور‪ ،‬والحياة والموت‪ ،‬والموت والحياة‪ ،‬والجهل والمعرفة‪ ،‬والجمال‬
‫والجمال‪ ،‬والظل والشبح‪ ،‬والماضي والمستقبل‪ ،‬والنسان والله‪..‬‬
‫وأناتتمتوت ر تالعصاب‪،‬ت مشبو ب تالشعور‪،‬ت معلقتتبينتتالنداء‬
‫والنداء‪ ،‬يملؤني الخوف والقلق‪ ،‬ويدق قلبي بسرعة عجيبة‪ ،‬أرى العالم‬
‫كل ه وحشةَ ومتاهةَ عظيمة ‪ ،‬وأران ي طفلً ضا ع م ن أم ه ف ي زحمة‬
‫الخلئق‪ ،‬فيا ضباب الشتاء‪ ...‬خبئني تحت جلدك واطويني كما يطوي‬
‫الشراع واعتصرني نبيذا المذاق ثم انشرني على صفحة المدى‪ ..‬فأنا‬
‫ياصديق ي ذل ك الشاع ر الذ ي فق د الظ ل والنه ر ومض ى يحث و مسامَهُ‬
‫ببارود القصيدة‪ ...‬أنا الدرويش المهرول ساعيا بين البكاء والبكاء‪...‬‬
‫أنا ياصديقي ضيف العنكبوت‪..‬‬
‫وقالت الغابة‪ ..‬منذ آلف السنين كان يمر من هنا نهر‪ ،‬وأذكر‬
‫أن ك كن ت صغيرا تحينم ا كان ت أم ك الطيب ة تحتط ب م ن أشجاري‬
‫‪- 10 -‬‬

‫اليابسة‪ ،‬لقد كان يحبك ذلك النهر لكنك لم تكن تعرف السباحة‪ ..‬كنت‬
‫شغوفا تبالجلو س عل ى الضفاف ‪ ،‬وكان ت الصحرا ء من ا عل ى مرمى‬
‫حجر‪ ..‬أيه ياولدي‪ ..‬لقد مات ذلك النهر‪ ،‬وكذلك تفنى الحياة‪.‬‬
‫ومض ى اللي ل يمش ي بخطا تثابت ة نح و غدٍ آخ ر وقافل ة الزمان‬
‫تضرب في وهاد السديم‪ ،‬وقال الليل‪ ...‬في مكان ما من هذا الخلء‬
‫البدي وعلى بعد مليين السني ن الضوئية م ن هذه الرض ‪ ،‬كواكب‬
‫مبثوثة في فضاء ل نهائي مهيب‪ ،‬بعضها من ضخامة الحجم وهول‬
‫المشهد مال يحيط به الدراك ول يعلم أحد من أمرها إل الذي فطر‬
‫السموات والرض وأحاط بكل شيء علما‪.‬‬
‫ومضى الليل يقول‪ ..:‬كنتُ في بدء الخليقة أسافر عبر المجرات‬
‫إل ى تل ك الجز ر السديمي ة الهائل ة فأكن س وحشته ا ث م آت ي به ا إلى‬
‫الرض‪ ،‬وكنت أوزع الوحشة والهول على القلوب المشرئبّة بأعناقها‬
‫نح و السماء‪،‬ت كانت ذلكت دأب ي وقافلةت الزمانت تمض ي فيت مصبها‬
‫المحزون‪ ،‬وقتها قالت الخلئق يأتي إله الشر‪ ،‬ولكنني لست إلها للشر‬
‫كما أن الفجر ليس إلها للخير‪ ،‬ولكننا سفران من أقدم أسفار الوجود‬
‫باركنا ال ربنا في البدء‪ ..‬لقد فتحنا لول الخلق آدم وحواء ونظرا في‬
‫فصلٍ من صفحاتنا الكثيرة ول زالت الجيال جيلً إثر جيل تقرأ في‬
‫صفحاتنا وتحاول ف ك طلسمها ‪ ،‬ف ي تلك الليل ة نفسه ا تكلم ت صورة‬
‫النثى التي علقتها في غرفة نومي‪ ،‬لقد قالت‪ .. :‬ستظل مصلوبا على‬
‫وجهي أيها البدوي الحزين‪ ،‬فماذا تفتدي بربك؟‪...‬‬
‫وتكلّم شخص آخر يسكن في إهابي فقال‪ ...:‬إنه يفتديني أنا أيتها‬
‫النثى المشاغبة‪ ،‬قالت‪ :‬لكنني أنا العدم‪...‬قال‪ :‬وأنا الوجود‪.‬‬
‫ومض ى الرج ل المحزو ن الذ ي يسك ن ف ي إهاب ي يسر د لليل‬
‫وأكداس الظلم فصلً من مأساة الحب والموت‪ ،‬والحزن والظمأ‪.‬‬
‫قال‪ .. :‬في البدء كانت المرأة ضبابا في البحار المتجمدة وفي‬
‫حقول العالم البارد الذي ل تشرق فيه الشمس‪ ،‬وكان الكون كهفا من‬
‫‪- 11 -‬‬

‫كهوف الصقيع‪ ،‬وأنا الغريب الذي يتجمد في البحار الميتة‪ ..‬بحثت عن‬
‫المرأة في كل صقع بارد وفي المغارات البعيدة وفي وادي العاصفة‬
‫البيضاء‪ ...‬قابلني شيخ البطريق الكبير يقود سبعين حفيدا بين الشعاب‬
‫المتجمدة‪.‬‬
‫قال سل مٌ أيها النسان الذي باركه ال في العالي‪ ،‬ثم ارتضاه‬
‫خليفة على الرض يحكم فيها حيث يشاء‪.‬‬
‫قلت سلم أيها الشيخ الوقور وبورك في نسلك الحميد‪.‬‬
‫قال عمّ تبحث أيها النسان في بقاع الزمهرير ووادي العاصفة‬
‫البيضاء الذي ماطلعت عليه شمس سبعين عاما‪.‬‬
‫قلتُ أبحث عن الفجر الرمادي في مغارة الضباب‪ ..‬لقد خطف‬
‫امرأتي أيها الشيخ الجليل وقيدها بالدخان المسحور في مغارته‪.‬‬
‫أومأ الشيخ لحفاده فجلسوا على صخرة من صخور الجليد‪ ،‬ثم‬
‫اقترب مني وأخذ بيدي فجلسنا على صخرة أخرى‪.‬‬
‫قال ياولدي‪ ...‬لقد خطف باريس العاشق هيلين الجميلة‪ ،‬فقامت‬
‫الحرب الضروس وتدافع البطال في ميادين القتال‪ ،‬ثم صرع أخيل‬
‫الشجا ع هكتو ر الجبا ر واستله م هومي ر ملح م البطا ل والدما ء التي‬
‫تسيل في البطاح وفي الجبال فتغنى وشعر‪ ...‬للتاريخ ياولدي ذاكرة‬
‫انتقائيّة‪ ،‬لقد خلد أشياء وغابت عنه أشياء‪ :‬هل وقف التاريخ العجوز‬
‫ساعة في هذي الوهاد المظلمة؟ في هذا المكان الذي تجمد منذ آلف‬
‫السنين؟‪ . ..‬كان ت سواك ن العذرا ء راعي ة البجعا ت البيضاء ‪ ،‬صدق‬
‫ياولدي انها كانت من شفافية الماء الذي يسيل بين صخور الجليد‪...‬‬
‫ونح ن أطفا ل أشقيا ء تربصن ا به ا ف ي فج ر عي د الشم س المجيد ة في‬
‫واحدة من دوراتها السبعينية‪ ،‬نظرنا إليها ياولدي وهي تنضو عن جسدٍ‬
‫مارأينا مثلهُ أردية الحضارة والدب‪ ،‬عارية كانت والبحيرة تغفو على‬
‫وسائد الفجر القدسي الذي ماطلع قبل سبعين عاما في فجاج الزمهرير‪،‬‬
‫‪- 12 -‬‬

‫ونح ن صبي ة أشرا ر ياولد ي رأين ا حزم ة م ن شعا ع علو ي يخصب‬
‫جسده ا فتوه ج حت ى الشعا ل وخلنا ه سيتفجر‪ . ..‬ه ل تران ي أبالغ‬
‫ياولدي؟ ! كل توالذ ي نفس ي بيده‪ . .‬ل م يك ن مشهدا تمسحورا تفحسب‪،‬‬
‫ولكنها الحياة في أعنف تجلياتها‪.‬‬
‫في ذلك المساء ياولدي‪ ..‬عادت البجعات الصغيرة البيضاء ولكن‬
‫سواك ن العذرا ء ت ل م تع د الغطا ء البي ض ينسح ب باردا تعل ى جسد‬
‫الرض ‪ ،‬والنا س ف ي إرجائه ا القصو ى والدني ا يتصارعو ن ف ي فرح‬
‫محموم وفي حزن محموم‪ ،‬يمشون في فرحة العيد غير أنهم يشيعون‬
‫جسد الرض إلى مثواها الخير‪ .‬تحت الغطاء البيض جسد مسجى‬
‫مغمورٌ ببرود الفناء والموت‪ ،‬وفوقه وحواليه تمشي الحياة زاخرة إلى‬
‫مصبها المحزون‪ ،‬والخلئق تسير لهية تغني لفراح الحياة وترقص‬
‫مغتبطة بسحر الوجود وفتنة الدنيا‪.‬‬
‫ومضى الشيخ يقول‪ ...‬وانحدرت الشمس المجيدة في ذلك اليوم‬
‫ومالت عن وادي العاصفة البيضاء ثم ابتلعتها اللجّة‪ ،‬وشيّعتها الخلئق‬
‫عند الغروب وشيعوا معها سواكن العذراء راعية البجعات الصغيرة‬
‫البيضاء‪.‬‬
‫ونهض الشيخ يتحامل على جسد واهن وكان قد بلغ من الكبر‬
‫عتيا‪ ،‬ثم نهض من بعده الحفاد ومضوا يشقون دربا في الجليد‪.‬‬
‫والليل مابرح يقود روحي نحو آفاق أكثر ظلمة ووحشة‪ ،‬ووحيد‬
‫أنا وغريب في متاهات البرد والصقيع أمضى فتختفي عبراتي وتشنقني‬
‫كلماتي‪ . .‬وأن ا المل ح اليتي م والعيو ن مراف ئ مجهولة ‪ ،‬ف ي ك ل بحر‬
‫منارة ومأساة وفي كل مرفأ علم للهداية وللضلل‪.‬‬
‫لق د قال ت ل ي ذا ت يوم‪ . .‬سأري ح قصيدت ك المتعب ة بي ن دفاتري‬
‫ولتكن لي نعم الذكرى‪ ،‬ويوم أعطيتها القصيدة توهمت أن أشتريها بلغة‬
‫السما ء وعاطف ة العال ي ولكنه ا ظل ت تقو ل ل ي أن ت أجم ل ذكرى‬
‫وستظل كذلك إلى يوم البعث‪ ،‬وأنا الحاضر أبدا في زوايا عينيها‪..‬‬
‫‪- 13 -‬‬

‫وضعتني تمثالً رائعا في متحف ذكرياتها الجميلة‪.‬‬
‫في اليوم الول من عام مجهول في ساعة حزينة ومجهولة هي‬
‫الخرى ‪ ،‬عرفته ا وحفظ ت ف ي خشو ع الظل م اسمها ‪ ،‬ودخل ت معبد‬
‫عينيها أصليّ‪.‬‬
‫ف ي اليو م الثان ي نهضتُ م ع الشمس ‪ ،‬ث م التقين ا ف ي منتصف‬
‫الطريق‪ ،‬كانت قادمة لتعمل وكنت ذاهبا أبحثُ عنها‪ ..‬أكان مفروضا‬
‫أ ن تأخذن ي ف ي حضنها ؟ ه ل كن ت أجر ؤ عل ى اختطافه ا مثلم ا فعل‬
‫باريس مع هيلين‪ ،‬أم تراني خليقا بأن أموت تحت شرفتها مثلما مات‬
‫ماه ر البدو ي تح ت شرف ة المير ة فينوس ‪ ،‬لكنه ا سلّم ت عليّ تسلم‬
‫الغراب ثم طفقت تعمل ل مبالية بما يحدث في الكون‪.‬‬
‫في اليوم الثالث كانت منحنية في رداء أحمر شدّته إلى وسطها‬
‫بعنف فتأرجح جسدٌ إلى أسفل واشرأب جسدٌ إلى أعلى‪ ،‬وكانت تسوي‬
‫مساك ب القرنف ل والياسمي ن والزنبق ‪ ،‬ويو م اقتربتُ منه ا كنتُ أهذي‬
‫وكانت تجهل ما أقول وكنتُ أجهل‪ ،‬نظراتها إليّ من تحت اللثام‪ .‬ل‬
‫أعر ف م ن خارط ة وجهه ا سو ى عينيها‪ . .‬العينا ن فق ط هم ا اللتان‬
‫أعرفهما فرأسها كا ن معصوبا بقبعة عمالية ووجهها كان يموت من‬
‫تحت اللثام‪ ،‬لكن عينيها كانتا خنجرا مغروزا في كبدي ومقصلة تدق‬
‫عنقي أل ف مر ة ك ل يوم ‪ ،‬كان ت تعم ل دائما تبانشرا ح غري ب وأحيانا‬
‫أسمعها تغني بصوت فيه أنوثة متحفظة وشجن كثير وكنت مسحورا‬
‫أترك عملي وأمشي باتجاهها مشي نائم يتبع في موهن الليل قبيل من‬
‫الجن ‪ ،‬وكن ت أم ر قربه ا مرو ر رج ل ل تيعر ف كي ف يستمي ل إليه‬
‫النساء ‪ ،‬لكنن ي كنتُ أتخب ط ف ي الحدي ث خب ط عشواء ‪ ،‬وكن ت أهذي‬
‫بأشعار أحفظها وأخرى أرتجلها في حينها وكانت تحس بأنفاسي لهبةً‬
‫تسوط جسدها‪ ،‬لكنها كانت حبيسة انفعال ت ل أعرفها‪ ،‬وكنا عالمين‬
‫مختلفين يفصل بينهما خلء أبديا ليس له أول ول آخر‪.‬‬
‫كنت ل آراها إل منحنية على مساكب الورد‪ ،‬وعندما تنتصب‬
‫قامتها لحظة‪ ..‬كنت ألمح في عينيها فرحا يولد ويموت في ثانية‪.‬‬
‫‪- 14 -‬‬

‫وأنا التي م ن كوكب الذكرى ‪ ،‬م ن تلك المد ن النجمي ة البعيدة‬
‫الت ي تدو ر حو ل الشمس‪ . .‬فارقته ا ف ي اليو م الراب ع وحمل ت حقيبتي‬
‫الحمراء الحزينة ذات ليلة تنوح في أرجائها الريح وسبحت في نهر‬
‫الطريق عائدا أو ذاهبا ل أعلم‪.‬‬
‫حفظتُ ف ي اليو م الو ل خارط ة جسده ا وكان ت ترتد ي تنورة‬
‫مخططة طوليا بألوان كثيرة أذكر من بينها خطوطا زرقاء وصفراء‬
‫فاقع لونها‪.‬‬

‫في اليوم الثاني جاءت صباحا في كوكبة من البنات‪ ،‬لكنها كانت‬
‫ترتدي فستانا أسود وكانت تمشي على استحياء‪.‬‬
‫اليوم الثالث كان الفستان السود نفسه‪ ،‬وكان باليا وجميلً حتى‬
‫الفجيعة والموت‪ ،‬وفي اليوم الرابع كان بلون البنفسج وكان زلقا عندما‬
‫تمشي أو تنحني أو تنتصب‪ ،‬رأيتها فيه وتخيلت مابداخله وبكيت في‬
‫تل ك الليل ة كمث ل الذ ي يبك ي لو ل مر ة واستيقظتْ ف ي داخل ي ينابيعُ‬
‫الحزن والنشيج وتأوّه الليلُ والجبل وحقل القرنفل والزنابق والخراف‬
‫التي أطعمها الشعير وأسقيها الماء‪ ،‬والدجاجات التي أبعثر لها الحب‬
‫صباحا ومساءً حتى الكلب الثلثة التي تشاطرني المسكن نبحت في‬
‫تلك الليلة نباحا ممضا ومفجعا لكن تلك العيون مابرحت تراني من‬
‫تحت القبعة وفوق اللثام‪ ،‬وظللت أنا بين تلك الرموش وتلك الضفاف‪..‬‬
‫غريبا يسير في قافلة الزمان‪.‬‬
‫وكنتُ حاضرا تمادم ت خار ج عينيها ‪ ،‬لك ن م ا إ ن أدخ ل فيهما‬
‫حتى أصبح ذكرى يغمرها تراب البدي ة ولحظةً مندثرة كمثل بريق‬
‫النيازك التي تحتك بغلف الرض‪.‬‬
‫أصحيح أن آخر الصحبة الفراق‪...‬؟‬
‫العيون ينابيع أحلمنا في فجرها الول‪ ...‬ذلك الفجر الكاذب‪،‬‬
‫‪- 15 -‬‬

‫لقد طلبناها ونحن ركب القافلة المشؤومة‪ ،‬وكان ذلك في عام الظمأ‬
‫العظيم وعام الحزن الجليل‪.‬‬
‫لقد كان بيننا وبين العيون خل ءٌ أبديّ مسكون بالجن والعفاريت‬
‫وأشبا ح الظلم ‪ ،‬يومه ا تذكرن ا أ ن شي خ الخلو ة ف ي الح ي القدي م قد‬
‫قال‪":‬إن الرض ل تطوى إلّ لصالح أو نبي‪ ...‬لكن الفقيه الذي درسنا‬
‫القرآن ل يعد طلب العيون من الصلح في شيء‪.‬‬
‫وأن ا صاح ب الحقيب ة الحمراء‪ . ..‬ظام ئ وردتُ لعينيّ تصاحبة‬
‫القرنف ل والزناب ق وظامئٌ صدرتُ م ن عينيها‪ . .‬فارقته ا كمث ل يوم‬
‫حطّ تْ ركابي في حقلها‪ ،‬ومشيتُ أطلب عينا أخرى لفراق آخر‪ ،‬ووطنا‬
‫جديدا للتقى‪ ،‬وألما عظيما للتواصل مع روح الكون‪...‬‬
‫وقال الليل‪ ..." :‬ركاب المحطة الخيرة حتما سينزلون‪ ،‬ويبقى‬
‫السائ ق المنذو ر للطرقا ت وحد ه ولكن ه معي‪ . ..‬روا د الحانا ت التي‬
‫تتوارى بين شعاب المدينة في حياء‪ ،‬حتما سينهضون مترنحين‪ ،‬تفوح‬
‫من نواصيهم رائحة الشراب‪ ،‬وفي قلوبهم قلق الحياة والهّ مُ الذي ينزلُ‬
‫مع نزول الشعاع الول‪..‬لكن ساقي الحانة العجوز يبقى وحيدا وكسيرا‬
‫غير أنه معي‪.‬‬
‫ومضى الليل يقول‪ ...‬أفق الحياة طيف امرأة شهية التكوين‪ ،‬ثم‬
‫تبخرت وانقشع الطيف‪ ..‬كانت تحمل في خبايا نفسها وعلى ضفاف‬
‫عينيها بذرة فنائها‪ ...‬نعم أيها الشباح الذين تظنون أنكم أحياء‪ ...‬كلكم‬
‫مو ت وهلك ‪ ،‬ك ل واح د من ا يحم ل ف ي داخل ه بذور الفناء ‪ .‬جا ء من‬
‫أقصى الكون صديق‪ ،‬وغاب من داخل النفس صديق‪ ،‬ولد في الليل‬
‫طفل وعند الصباح مات شيخ‪ ،‬قطاران في سفر دائم لكل منهما وجهة‬
‫مجهولة ‪ ،‬قواف ل وأمتع ة وركاب ‪ ،‬نسا ء وشيو خ وشبان ‪ ،‬ما ل وبنون‪،‬‬
‫غناء و حداء وشعر وعلوم وفلسفة كلها محطات للسفر‪ ..‬أقسم أنها‬
‫محطات لقافلة الزمان في سيرها الحثيث نحو مصبها المحزون‪..‬‬
‫***‬
‫‪- 16 -‬‬

‫وأنا صاحب الحقيبة الحمراء والمقلة الدمعاء‪...‬‬
‫اليأس في الفاق القاصية والدانية‪ ،‬في بلد الحر وبلد الصقيع‪،‬‬
‫وعلى الصحراء وعلى البحر‪ ،‬في المحيط المتجمد والمحيط المذاب‪،‬‬
‫في ليالي الشتاء والزمهرير والمطر‪ ،‬ورياح السموم والقيظ المحموم‬
‫في الصيف‪.‬‬
‫والح ب عل ى الصوار ي وف ي القلو ع الت ي أفرد ت ذاهبة‪ . .‬وفي‬
‫القلوع التي لحت مع اليم عائدة في مرافئ المدن البعيدة التي ندخلها‬
‫ف ي آخ ر الليل ‪ ،‬ف ي فناد ق التر ف وعل ى (البلجات ) وف ي مناخات‬
‫المترية‪.‬‬

‫ونحن غرباء‪ ..‬لم تستقبلنا الحدائق بالدفوف والزغاريد‪ ،‬ل ولم‬
‫تطلق في سماواتنا نوارسها الجميلة‪ ...‬لقد لثمت فتياتها فَصِرنَ كجيشِ‬
‫يوسف بن تاشفين‪...‬‬
‫ونح ن غرباء‪ . .‬كان ت قلوبن ا قل ع محصنة ‪ ،‬لك ن الحصا ر كان‬
‫طويلً جدا والزاد كان قليلً جدا وعلى كل بابٍ حصان طروادة‪ ،‬فما‬
‫لبثت قلعنا أن سقطت وداهمها الطوفان‪ ،‬غرباء كنا في الشعاب وعلى‬
‫الدروب‪ ،‬نسير حيثما طاب لنا المسير وننام حيثما طاب لنا النوم‪..‬‬
‫وحيثم ا برك ت الناق ة ف ي مناخه ا المحتوم‪ . .‬أنزلتُ رَحْلَه ا وبركتُ‬
‫بجانبها‪ ..‬وأنا المسافر الغريب‪ ...‬مناخ ناقتي مناخي‪..‬‬
‫وعل ى ك ل دربٍ فتا ة ملثمة ‪ ،‬وف ي ك ل حقلٍ قرنف ل وزنابق‪،‬‬
‫والعيون ضفاف المأساة وينابيع للحزن القديم‪ ،‬والحب في كل الشعاب‬
‫فص ل م ن فصو ل الهزيم ة والنكسا ر وف ي مد ن النوار س الجميلة‪..‬‬
‫ميدان للحب‪ ،‬بيد أنه ميدان إسباني أو "فورم" رومي قديم‪ ...‬والعاشق‬
‫مصارع ثيران وحشية‪ ،‬ومنظر الدم الملوث بالحب يُسرّي عن أكابر‬
‫‪- 17 -‬‬

‫القوم وأبناء النعيم الذي ن أضناهم الرقاد الطويل بين ملحق السعادة‬
‫والعيش الخضيل‪...‬‬
‫في البد ء كا ن الحب‪ ...‬وكانت الرض عذراء ‪ ،‬في البدء كان‬
‫أبونا آدم وأمنا حواء وقيوم السماوات والرض بداية البدايات ومنتهى‬
‫النهايات‪.‬‬
‫وفي البدء كانت الخطيئة وأول الذنوب والثام‪ ..‬لقد تكبر إبليس‬
‫ثم كفر‪.‬‬
‫في البدء كان السفر‪ ،‬وكان الغتراب ورحلة الهباط من الجنة‬
‫الخضراء‪.‬‬
‫ونحن أغراب وعصاة‪ ...‬درجنا في الرض مخرّبين ومعمّرين‪،‬‬
‫مفسدي ن ومصلحي ن كافري ن ومؤمنين ‪ ،‬أقويا ء ومستضعفين ‪ ،‬ملوكا‬
‫وصعاليك‪ ،‬أغنياء وفقراء‪ ،‬علماء وجاهلين‪ ،‬عاشقين وكارهين‪ ،‬عقلء‬
‫ومجانين‪.‬‬
‫وللتاريخ عين ل تنام‪ ،‬وقافلة الزمان تسير‪ ،‬وبين البدء والمنتهى‬
‫أحلم وأشواق وفكر وعلم كثير‪ ،‬والحلم يندثر‪ ،‬والشوق يندثر‪ ،‬والفكر‬
‫يندثر ‪ ،‬والعل م يندثر ‪ ،‬وماتبق ى م ن شب ح النسا ن يسي ر ف ي موكب‬
‫الشباح العظيم إلى النداء البعد‪...‬‬
‫***‬
‫قال شبح الطفل الذي كنته ذات يوم‪ ..‬الكون لم يتسع لنا نحن‬
‫الثنين ‪ ،‬فتبع ت قافل ة الن س الت ي كان ت تضر ب ف ي عم ق السديم‪،‬‬
‫وخلفتني وراء ظهرك أعوي بين أودية الجن‪ ،‬قلت للطفل الذي كنته‬
‫ذا ت يوم‪ . .‬تبعتُ القافل ة م ن بيدا ء إل ى بيدا ء ولحقته ا ف ي ك ل سهل‬
‫ونجد بين الحراش والدغال‪ ،‬أواه ياطفلي الذي كان‪ ..‬كانت القافلة‬
‫تشق الفاق مسرعة‪ ،‬وكنتُ على أذيالها أعدو مستوحشا بين غابات‬
‫تلك الوعور‪.‬‬
‫‪- 18 -‬‬

‫ياطفل ي الذ ي كان‪ . .‬ف ي فجا ج الر ض هل ع وخو ف عظيم‪،‬‬
‫وللروح عويل واستغاثة في تلك الوعور‪ ،‬وبكاء ممض ومفجع‪ ،‬تجفل‬
‫منه الوعول في كناسها الممنعة‪ ،‬ويفر منه مذعورا قسورة الجمات‬
‫البعيدة‪،‬تتوتثورتتمنتتروعهاتتبراكينتتالبحار‪،‬تتوتنّهدتتمنتتوخشتة‬
‫الهرامات والجبال‪.‬‬
‫قال الطفل‪ ..‬لقد كنتَ مسرعا فلم نخبر الوادي الذي خلفتني فيه‪،‬‬
‫لق د مسّ ك السرا ب ت المسحو ر فطفق ت تلحق ه ول تتلحق ه ف ي الخلء‬
‫البدي الوسيع‪ ،‬لكنني ل أعاتبك أيها الكبير فذلك شأن الكبار دائما‪،‬‬
‫إنم ا أن ا جئتُ لك ي أحدث ك ع ن الوادي‪ . .‬ذل ك الواد ي الفسي ح الذي‬
‫خلفتن ي فيه‪ . ..‬أمازل ت تح س برعش ة العش ب الثم ل الذ ي استيق ظ مع‬
‫الفجر الول أم أن شعورا باليباس والذبول يلتهم منك المدارك‪.‬‬

‫أمازلتَ تذك ر تل ك الغيوم‪ . .‬الغيو م المجنح ة الت ي تسب ق فصل‬
‫الخريف‪ ،‬أم تراك نسيتها كما نسيتني وأنكرتني لول وهلة‪ ..‬الغيوم‬
‫المجنحة ل زالت مَظّلةُ وادينا‪ ،‬ول زلنا نغني لها أغنية الظل والحر‪،‬‬
‫والدعا ء رسول المطر الول وحامل لوا ء الغ د المجيد يأتي مشبعا‬
‫بريح الرض التي شربت فارتوت من طلئع المطر الول‪ ،‬يأتي بردا‬
‫وسلما من الضفة المرتوية إلى الضفة العطشى‪ ،‬يأتي عبيرا ومسكا‬
‫م ن الضف ة المخصّب ة إل ى الضف ة البتول ‪ .‬والر ض رح م مبارك‪...‬‬
‫أودعته الطبيعة ذات ليلة‪ ،‬سرها القدس‪ ،‬واكتمل السر العلوي في تلك‬
‫الليلة ثم كان المخاض‪.‬‬
‫فلم ا أقب ل الصبا ح وترج ل كالمل ك فمش ى عل ى التلل ‪ ،‬وعلى‬
‫السهو ل والبطاح ‪ ،‬ومراك ب الشم س خيو ل مطهم ة بيضاء ‪ ،‬وشفافية‬
‫النور أيقظت كل حيّ دب في ذاك الخلء‪ ،‬وضعت الرض مولودها‬
‫البكر‪ ،‬وكان طفلً ليس كمثله طفل في العالمين‪ ،‬وسرى النسيم يعُبّ‬
‫من ترف المياه‪ ،‬ثم ينشر الطياب في قمم الحراز وعلى السيال‪ ،‬بين‬
‫‪- 19 -‬‬

‫أفياء التبلدى والللوي وجلل المها وفي والبنوس‪..‬‬
‫طيو ر القمر ي عل ى نواص ي النخي ل وسفو ح الصنوبر ‪ ،‬تسجع‬
‫ماطاب لها السجع وتبارك مولود الحياة‪.‬‬
‫وترج ل الطاوو س ف ي زه و البتول ‪ ،‬ث م مش ى عل ى الضفاف‬
‫كالمليك في موكب جم الفتون‪.‬‬
‫يارفيق المس‪ ..‬لقد مشت الخلئق بأجمعها في الفجر الخضر‬
‫ومولد الوادي الجديد‪ ،‬وأقبل شيخ الذئاب في رهط من بني جنسه‪ ،‬ثم‬
‫التقوا بقطيع من الضأن والحملن الوديعة‪ ،‬غنى شيخهم أغنية الذئب‬
‫الوسيم الذي أحب نعجة جميلة فتبتّل في العشق حتى الجنون‪ ،‬وعلى‬
‫أنغام أغنية الشيخ‪ ..‬راقص كل ذئب نعجة حسناء ثم خاضوا في الحب‬
‫أيُ خوض‪ ،‬وسقوا القوافي من كل حوض‪.‬‬

‫أتذكُرُ الران ب الصغيرة الملونة‪ ..‬؟ لق د شبب ت بوسام ة الثعلب‪،‬‬
‫فأسرعو ا لقط ف الورو د الحمراء ‪ ،‬وقد م ك ل ثعل ب لرنب ه المحبوب‬
‫وردة حمراء‪ ،‬ثم تماسكوا‪ ،‬فما من شاب من شباب الثعالب إل ويُرى‬
‫في ذلك الصباح متأبطا ذراع صبية حسناء من صبايا الرانب‪.‬‬
‫لقد مشت الُسْدُ بجانب الحمرُ الوحشي ة وابتسم ت لها في رقة‬
‫ليس كمثلها رقة‪ .‬يارفيق المس‪ ...‬لم تزل الظباء في وادي النعيم‪،‬‬
‫ترد الجداول ثم تصدر للمقيل بين أفياء ظل رحيم‪.‬‬
‫وعصافير الجنة في كل دوحة خضراء تغني في نشوة العناق‬
‫الول مع الرض وسحر الوجود‪..‬‬
‫***‬
‫واللي ل موط ن الصبوا ت والفجيعة‪ . .‬وف ي غياه ب الرو ح وبين‬
‫أدغاله ا وشعابه ا المعتمة ‪ ،‬يرب ض الغو ل الذ ي حُدثْن ا عن ه ف ي ليالي‬
‫‪- 20 -‬‬

‫الخريف الداجية‪.‬‬
‫لق د مض ت تل ك الليل ة الخريفي ة وتلش ت كمثيلته ا م ن ليالي‬
‫الحياة‪ .‬لقد حزمت أمطارها المتنافرة كمثل وقع الحوافر على أرضٍ‬
‫يابسة‪ ،‬وقادت مراكب الريح إلى حيث العدم‪ .‬ولكن الحكاية المأسورة‬
‫ملّتْ قعودها في كهف ليلة الخريف‪،‬وعندما خرجت من الكهف فرت‬
‫إلى صدر أمي‪ ..‬وكانت تجلس إلى النار جلستها الدافئة تلك‪ ..‬إيه ما‬
‫أبعدها‪ ،‬كانت لنار الحطب الموقدة في صحن اللّدايا علقة حب عظيم‬
‫وود حميم بأمي وبالبيت وكل العائلة وكانت الرّاكُوَبهْ مكان العائلة‬
‫القدس ‪ ،‬في ه دف ء النا ر ودف ء ال م ودف ء العائلة ‪ ،‬أحببته ا مثلما‬
‫أحببتُ أمي‪ ،‬وكانت ينبوعِ الحكاية الولى‪.‬‬
‫وقالت النار في صحن اللّدايا‪ ..‬بردٌ وسل مٌ يا أم العيال‪ ،‬مبارك‬
‫في ه الجبي ن المزهر ‪ ،‬والبط ن الت ي تلد ‪ ،‬والثد ي الذ ي يرضع ‪ ،‬والقلب‬
‫الذ ي من ح أو ل الح ب وأو ل الحياة ‪ .‬باس م ال تالذ ي بار ك في ك سهر‬
‫الليالي على الولد الحبيب‪ ،‬لك الحب آناء الليل وأطراف النهار آمين‪.‬‬
‫وقال ت أمي‪ . .‬أص ل الحكاي ة ياولد ي أ ن الغو ل كا ن يح ب ست‬
‫البنات الجميلة الحسناء ذات النون‪ ،‬وقيل وال أعلم في سبب تسميتها‬
‫بذات النون أن صدغيها كانا معقربين فسبحان من صورها في أحسن‬
‫صورة‪.‬‬
‫للغول ياولدي سبعة رؤوس وكان يصور هيئته كيفما شاء‪ ،‬كان‬
‫يأتي في صورة إنسان أو بقرةٍ أو حمار‪ ،‬كان ينتحل صور المخلوقات‬
‫جميعا وكان الناس في تلك البقاع يخافون منه خوفا عظيما وكان ليلهم‬
‫موحشا وطويلً‪ ،‬وأكثر خوفهم كان على الجميلة ذات النون لنه كان‬
‫متربصا بها في كل مكان وزمان‪.‬‬
‫لقد فرّ بها أهلها ياولدي‪ ،‬لكن الغول الشرير ظل يلحقهم من‬
‫أرض إلى أرض‪ ،‬وعندما ملّوا الفرار من وجه الغول‪ ،‬قالوا نُزوجها‬
‫لبن عمها وضاح‪.‬‬
‫‪- 21 -‬‬

‫فلما علم بمكرهم‪ ،‬مكرَهو الخر‪ ،‬فتحول جملً ما شهدت تلك‬
‫البوادي كمثله بياضا وحسنا‪ ،‬كان لونه كلون البرد‪ ،‬وعيناه سوداوين‬
‫وعميقتي ن كمث ل هذ ه الليلة ‪ ،‬وكا ن ير د العي ن الت ي تشر ب منه ا إبل‬
‫القبيلة ‪ ،‬فلم ا رأو ه قالو ا تال تماف ي الب ل الت ي نملكه ا أكر م م ن هذا‬
‫الجمل‪ ،‬فمن أين جاء‪..‬؟‪..‬‬
‫ويوم الزفاف ياولدي‪ ..‬تخاصموا عليه‪ ،‬فمن قائل نذبحه‪ ،‬فإن له‬
‫سناما تكالقب ة الرومية ‪ ،‬ولح م لش ك أن ه طر ي ودسم ‪ ،‬وم ن قائ ل بل‬
‫نطلق ه فحلً فإ ن أصل ه طي ب وكريم ‪ ،‬ولسوف نرزق م ن صلب ه نوقا‬
‫عتاقا كعصافير النعمان ملك الحيرة‪.‬‬
‫فلما اشتد الخصام‪ ،‬وانتشر في تلك البوادي اللغط وشين الكلم‪،‬‬
‫أقبل والد العروس‪ ،‬وكان شيخا ذا مهابة ووقار فانصتوا له خاشعين‪،‬‬
‫قال ياجماعة الخير‪ ،‬هذا الجمل البيض دخل في مراحي أنا دون سائر‬
‫العالمين ‪ ،‬وأُعجبتُ ب ه ابنت ي ذا ت النون ‪ ،‬وقالت ‪" :‬ي ا أبت ي ( وال‬
‫مايوضع هودجي إل على هذا الجمل ذي الصل الكريم‪ ،‬أول أدخل‬
‫على عريسي هذه الليلة)‪ ،‬فقلتُ لها يازينة البنات قرّي عينا فو ال‬
‫ماكنتُ لخالف لك أمرا‪ ،‬وليس عندي في الدنيا أعز منك ياذات النون‪.‬‬
‫فتفرق الجمع ياولدي وقد أذعنوا لرأي الشيخ الوقور‪.‬‬
‫فلما أقبل الليل ياولدي‪ ..‬أسرعوا إليه فرسنوه وقادوه إلى مكان‬
‫العروس ‪ ،‬وأُنيخَ ف ي قل ب الساح ة ذل ك الجم ل الجه م الكبير ‪ ،‬وعيونه‬
‫أضحت حمراء كنيران ذلك الفريق‪ ،‬وكان باركا في قلب الساحة كجبل‬
‫من جبال الجليد‪ ،‬حملته قدرة الرحمن إلى ذلك الفج البعيد‪.‬‬
‫لقد أضمر في نفسه الشر ياولدي وكان متجها برأسه الكبير إلى‬
‫الخيمة التي فيها الصبايا وفيها ذات النون عروس البادية المفجوعة‪.‬‬
‫وأقبل جمع من نساء الفريق يحملن هودجا فوضعنه على ظهر‬
‫الجمل‪ ،‬وقلن هذا للعروس‪ ،‬ثم غُطىَ الهودج ‪.‬بالِكدَانة وفرشت عليه‬
‫المفارش‪ ،‬وزيّنه بالزقاف المصنوعة من جلود الظباء‪ ،‬وطوقن عنق‬
‫‪- 22 -‬‬

‫الجمل البيض بالعَقّادْ‪ ،‬وكان مرسونا برسن الدير‪ ،‬ثم وضعت على‬
‫رأسه القَنْبارْ‪ ،‬فتبارك الرحمن ياولدي‪...‬‬
‫لقد أقسم كل م ن حضر ذلك الزفاف ‪ ،‬إنه ماشهد منظرا كذلك‬
‫المنظر البديع‪ ،‬وعندما أُخْرِجَتْ ذات النون في جوقة النسوة اللئى كن‬
‫يرقصن ويغنين ويزغردن ويضربن على الدفوف‪ ...‬كانت كالبدر في‬
‫أوج اكتماله فسبحان خالقها‪.‬‬
‫حنّوا قدميها ويديها ياولدي‪ ..‬وأبدعت أيدي المواشط في شعرها‬
‫الناعم الطويل ‪ ،‬وتلك الخدود ياولدي ألهبها الحياء والطيب فاحمرت‬
‫حتى أضحت كالتبر المذاب‪ .‬ثم مشت كالملك بين الناس‪ ،‬ثم حملوها‬
‫وأدخلوها باطن الهودج‪ ،‬فَبَشّر الرجال وزغردت النساء‪.‬‬
‫لقد بنوا لهما بيتا في ناحية من نواحي الفريق‪ ،‬ووضاح العريس‬
‫كان في أيدي رفاقه من شباب القبيلة يزينونه لليلة الموعودة‪ ،‬وضاح‬
‫الفتى‪ ..‬كان ياولدي أبلج كالقمر أو ليلة من ليالي السمر‪ ،‬فلماتحرك‬
‫ركبه مع الشباب يطلب ذلك البيت‪ ،‬وتحرك ركب ذات النون مع النساء‬
‫والطفال والشيوخ‪ ،‬لح جمعه ولح جمعها‪ ،‬فهللوا وبشروا‪ ،‬وارتفعت‬
‫الزغاريد وعل دق الطبول‪ ..‬وتلفت الغول يمينا وشمالً ورفع عقيرته‬
‫بصو ت كالفحي ح المشؤوم ‪ ،‬بُه ت ل ه النا س فغش ي عليهم ‪ ،‬وادْلَهمّ من‬
‫وحشته المكان‪ ،‬ثم مرق كالسهم على أعقاب الطرائد‪ ،‬وفر بذات النون‬
‫إلى باطن الوعر‪.‬‬
‫ويظل يتناهى لمسمعك لحن شجيّ من بعيد‪ ..‬والموسيقى تستبي‬
‫الرواح في الليل‪ ..‬وقالت اللحان‪ ....‬أنا الفجرُ الخضر وأضغاثُ‬
‫أحل مِ العالم الحي‪ ،‬أنا شهوة الندماج في روح الكون‪.‬‬
‫منذ فجري الول نزلت من عالم الملكوت السمى‪ ،‬ودرجتُ في‬
‫الرض أمشي وحيدة ومستوحشة ثم جلستُ على دربِ الخلئق‪ ،‬ذلك‬
‫الدرب الزلي الذي تمرّ منه الكائنات‪.‬‬
‫في البدء‪ ..‬مر من أمامي الطفل الذي ملك الرض‪ ،‬جاء يركب‬
‫‪- 23 -‬‬

‫العنقاء بنت الريح‪ ،‬وعندما حطت أمامي ونزل‪ ،‬بدا طفلً سماويا بهي‬
‫المنظر‪ ،‬وسعى يركض نحوي حتى ارتمى في حضني فضممته إلى‬
‫صدري بقوة‪ ،‬وقبلت مفرقه وزرعتُ شفاهي في كل عين وعلى كل‬
‫خد‪.‬‬
‫وعندم ا أرا د الرحيل ‪ ،‬أدخ ل يد ه الصغير ة ف ي جوف ه ث م أخرج‬
‫قطعة بلون الغسق وناولني إياها وقال‪ :‬خذي مني يا أماه فليس لدي‬
‫أع ز منها ‪ ،‬ولي س لد ي أع ز منك ‪ ،‬والعزي ز للعزي ز عطاء ‪ ،‬وعندما‬
‫طارت به العنقاء وبسطت أجنحتها في الفضاء‪ ،‬أخذتُ أقلبُ القطعة‬
‫الصغيرة التي أعطانيها‪ ،‬فوجدتها مزمارا ياللدهشة‪ ...‬مزمار صغير‬
‫مصنو ع م ن القصب ‪ .‬وطفقتُ ياصاح ب الحقيبة‪ . .‬أنف خ ف ي ذلك‬
‫المزمار ‪ ،‬وأعز ف ألحانا تغريب ة تسلل ت عب ر مسا م الكون ‪ ،‬فسمعتها‬
‫الكائنات في عمق البحار والصحارى والجبال وعلى السهول وفي كل‬
‫فج من فجاج الحياة‪ ،‬ثم هرعت تسعى إلي وكنتُ جالسة فوقفت‪ ،‬لقد‬
‫كان مشهدا من تلك المشاهد التي ل تحيا مرتين‪ ،‬وكان الكون في أبهى‬
‫تجلياته تلك‪...‬‬
‫وتقد م من ي فتىً ف ي عم ر الشباب ‪ ،‬فأودعَ ف ي يد ي حلم ه ثم‬
‫مضى‪ ..‬وتقدمت مني فتاة بكر "بتول" قالت‪ :‬سلم يا أماه‪ ..‬قلت سلم‬
‫يا ابنتي العذراء‪...‬‬
‫قالت ‪ :‬سأودعك سرا يا أماه‪.‬‬
‫قلت‪ ...‬إنما تودع البنت سرها في قلب أمها‪ ،‬عندها وضعت في‬
‫يدي سرها ومضت تمشي على استحياء‪...‬‬
‫وسعى نحوي كهل وق د خالط بياض شيب ه سواد شعره‪ ،‬فوقف‬
‫بين يدي وقال‪ ..‬أيتها الم الرحيمة والسيدة الكريمة‪ ،‬ها أنذا أودع فيك‬
‫سكوني فاحفظيه يا أماه‪ ...‬ثم وقفت بين يدي سيدتان‪ ،‬وقد بدا عليهما‬
‫العياء والنكسار وقالتا بصوت واحد احفظي لنا يا أماه هذا الحزن‬
‫‪- 24 -‬‬

‫النبيل‪ . ..‬قلتُ ماشأنكم ا ي ا ابنتيّ ‪ ،‬قال ت إحداهما‪ . ..‬ما ت زوج ي في‬
‫الحرب‪ ،‬وقالت الخرى‪ :‬طلّقني زوجي بعد عِشْرَة‪.‬‬
‫ونظرتُ فإذا شيخ قد بلغ من الكبر عتيا يتقدم نحوي ببطء‪ ،‬فلما‬
‫وق ف وقورا توهادئا تأمامي ‪ ،‬بادر ت فسألت ه ماوديعت ك أيه ا الشيخ‬
‫الجليل؟‪ . .‬قا ل خذ ي هذ ا الجدو ل أيته ا السيد ة المبارك ة فه و جدول‬
‫أحزاني ودموعي‪ ..‬سألتك بال أن تحفظيه لي في مكان أمين‪.‬‬
‫ياصاحب الحقيبة‪ ،‬في تلك الساعة دنا مني المجنون‪ ..‬واقترب‬
‫م ن شبحي حتى خلته سيقع على صدري ‪ ،‬عند ذلك احتواني بعينين‬
‫فيهما م ن الرحم ة والشجن مال يوصف وقال‪ :‬يا أماه‪ ...‬فقلت لبيك‬
‫ولدي وأبَرّ نسلي وأحبهم إلى قلبي‪ ..‬قال في الغابة العذراء التي لم‬
‫تطأها قد م أن س م ن قبلي أدركتني سن ة م ن النوم ‪ ،‬وعندما استيقظت‬
‫ياأماه‪ ،‬كان البحر مني على مرمى حجر وكذلك الصحراء‪ ،‬وتنبهت‬
‫فإذا بالقرب مني ينبوع ماء‪ ،‬ورأيتُ سربا من طير غريب حط بجانب‬
‫ذل ك الينبو ع وقطيعا تم ن الغزل ن والوعو ل والحُم ر الوحشي ة كانت‬
‫تقترب مطمئنة‪ ،‬وكنت أشعر بالظمأ يا أماه‪ ...‬رأيتُ كل هذا فانفتحت‬
‫شهيتي للشراب أنا الخر‪ ،‬ودنوتُ من ذلك الينبوع وأنا أمشي على‬
‫مشط ي قدم ي ف ي توج س وحذ ر مخاف ة أ ن أفس د عل ى تل ك الكائنات‬
‫الوديعة لحظتها الرائعة تلك‪ ،‬ولكنني ذهلتُ يا أماه حينما اقتربت منها‬
‫ولم تجفل مني أو تبدي أي ذعر بل كانت في تلك السكينة التي رأيتها‬
‫فيها من بعيد‪ ،‬فجلست لكي أشرب ثم أتوضأ فأصلي‪ ،‬فماكادت يدي يا‬
‫أماه تلمس سطح الماء حتى سمعتُ صوتا كأنه وشوشة النسيم في‬
‫أذني يقول ل تشرب م ن هذ ا الينبو ع أيها المجنون ‪ ،‬وإذ ا أرد ت أن‬
‫تشرب فعليك أولً أن تذهب إلى أقصى الغابة العذراء فستجد هناك‬
‫ثلثة ينابيع‪ ،‬ستجد على الول شجرة تين وهو ينبوع الحكمة فاجلس‬
‫خاشعا تواشر ب حت ى ترتوي ‪ ،‬فإذ ا م ا ارتويتَ انظ ر أمام ك فسترى‬
‫شجرة زيتون مباركة فامشِ إليها حتى تصلها فإذا وصلتها تجد هنالك‬
‫الينبو ع الثان ي وه و المعرف ة فاست و قاعدا تف ي خشو ع واشر ب حتى‬
‫ترتوي فإذا ارتويت انظر أمامك فسترى شجرة سيال فاقصدها حتى‬
‫‪- 25 -‬‬

‫تصل إليها فإذا بلغتها وجدت هناك الينبوع الثالث وهو ينبوع الحزن‬
‫النبيل فاستو جالسا أيها المجنون واشرب في خشوع الظلل حتى إذا‬
‫ما ارتويت انظرأمامك واطلب شجرة النخيل حتى إذا وصلتها وجدتَ‬
‫هذ ا الينبو ع الذ ي أن ت في ه ال ن واشر ب حت ى ترتوي ‪ ،‬فإن ه الينبوع‬
‫الرابع والخير‪ ،‬ينبوع النعتاق‪.‬‬
‫قالت ‪ :‬ياصاح ب الحقيبة‪ . ..‬مض ى المجنو ن يق ص والكو ن في‬
‫لحظة إصغاء غريب‪ ،‬قال‪:‬يا أماه‪ ...‬عدوت إلى أقصى الغابة العذراء‬
‫كما أمرني الهاتف‪ ،‬ورأيتُ الذي حدثني عنه وبلغتُ الينبوع الول‬
‫فشربت منه ثم بلغت الثاني فالثالث وأخيرا الرابع حيث كلمني الهاتف‬
‫العلوي‪ ،‬عند ذلك ارتفع الصوت يا أماه‪ ،‬حتى خلته يأتي من مكان بعيد‬
‫ف ي قب ة الكو ن وظ ل يحدثن ي بأحادي ث غريب ة ل تأفهمه ا إل ى أ ن قال‬
‫مبار ك أيه ا المجنو ن فق د ارتفع ت ع ن الر ض بمقدا ر ماشرب ت من‬
‫ينبوع الحكمة وينبوع المعرفة وينبوع الحزن وينبوع النعتاق فامضِ‬
‫طليقا ‪ ،‬وترن م بحكم ة الكون ‪ ،‬فإذ ا حدثت ك نفس ك أيه ا المجنو ن ببلوغ‬
‫غاي ة الغايات ‪ ،‬فاعل م أ ن تل ك غاي ة ل م يصله ا بشر ‪ ،‬وانقط ع الصوت‬
‫الغريب يا أماه‪ ،‬وها أنذا بين يديك فاحفظي لي هذا السر في مكانٍ‬
‫أمين‪..‬‬
‫شيء‪.‬‬

‫قالت ‪ .. :‬وضع بي ن يد ي سر ه الغري ب ومض ى ل تيلوي على‬

‫ياصاح ب الحقيبة ‪ ،‬ل م أز ل كذل ك إل ى أ ن مر ت م ن أمام ي كل‬
‫الكائنات وحمّلتني من السرار عبئا ثقيلً‪.‬‬
‫ياصاحب الحقيبة‪ ..‬أودعتني الخلئق ليلها الثقيل وحزنها النبيل‬
‫والنشو ة والفر ح الجميل ‪ ،‬ف ي داخل ي دمع ة ال م الت ي ثكل ت ابنه ا في‬
‫ساحة القتال‪ ،‬وحزن الوالد على ولد ضاع في آفاق الرض ومجاهيل‬
‫الديار‪.‬‬
‫ياصاحب الحقيبة‪ ..‬أنا الزوجة التي تنتظر زوجا في كل لحظة‬
‫‪- 26 -‬‬

‫يعود ول يعود ‪ ،‬وقفتُ على شاطئ البحر‪ ...‬فعل المد وعادت معه‬
‫السفائن والمراكب تحمل بحارتها ونظرت فإذا النوارس عادت وكل‬
‫شيء عاد إل زوجي أنا فلم يعد‪.‬‬
‫وحملتُ نفسي‪ ،‬ياصاحب الحقيبة‪ ،‬على أعيائها فلما بلغتُ مرفأ‬
‫الصحراء ‪ ،‬جلستُ أنتظ ر القواف ل العائد ة م ع الريح ‪ ،‬فعاد ت القوافل‬
‫وعادت الريح‪ ،‬وحده الحبيب الغائب لم يعد‪ ،‬قالت‪ :‬ياصاحب الحقيبة‪،‬‬
‫أنا الطفل اليتيم أنام على وسادة الحزن وعند الصباح‪ ،‬أبحث في كل‬
‫الوجوه عن الوجه الحاضر الغائب‪ ،‬عن الوالد الحنون الذي مضى‪..‬‬
‫وطواه المجهول‪...‬‬
‫ياصاح ب الحقيبة‪ . .‬أن ا الشاع ر الحال م الحزين ‪ ،‬أترن م بالجمال‬
‫السمى وروح الوجود‪ ،‬أمشي في الربع الذي لم تمشِ فيه الكائنات‪،‬‬
‫وأُلح ق ف ي اللي ل طي ف امرأ ة م ن أثي ر الماني ‪ .‬أصغيتُ لرواح‬
‫الكائنات وهي تعوي في الخلء البدي‪ ،‬ولم تسمع تلك الكائنات عويل‬
‫روحي ‪ ،‬ياصاح ب الحقيب ة الحمراء ‪ ،‬ي ا أيه ا البدو ي المسكين‪ . .‬أنا‬
‫المل ك الذ ي يبو ح بس ر الكائنات ‪ ،‬حمل ت ف ي البد ء المان ة وأشواق‬
‫الحياة‪ ،‬وأنا الينبوع الذي اغتسلت فيه الخلئق في فجرها الول‪.‬‬
‫مشت على جسدي الجيوش المحاربة‪ ،‬والتقى على شجني أول‬
‫العشاق‪...‬‬
‫أن ا أوف ى م ن صح ب النسان ‪ ،‬فرح ت م ع أم ه عن د مولده‪،‬‬
‫وهدهدت ه لد ى السري ر ف ي طفولته ‪ ،‬ملت ه شجنا توحزنا تجميلً في‬
‫مراهقته‪ ،‬وعزما وإقداما في شبابه ورجولته‪..‬‬
‫وتفتقت عاطفة النسان فكنت أنا مستودع عاطفته وأرّقَ السهاد‬
‫النسان‪ ،‬فكنتُ أنا أنيسا لوحشته‪ ،‬وتُعذّب وبكى النسان‪ ،‬فحملت أنا‬
‫عذاباته وجراحاته ودمعته‪ ،‬وابتسم النسان فابتسمت لبسمته‪.‬‬
‫أنا الموسيقى أوفى من صحب النسان‪...‬‬
‫‪- 27 -‬‬

‫رافقت ه ف ي بد ء رحلته ‪ ،‬ومشيتُ م ع طفولت ه السعيدة ‪ ،‬وشبابه‬
‫الغضتتالعنيد‪،‬تتورجولتهتتالتيتتتُشْتَهى‪،‬تتوكهولتهتتالتيتتاستسلمت‪،‬‬
‫وشيخوخته الجليلة المتأملة‪ ،‬رافقته في كل مراحل حياته بكيت لدمعته‬
‫وضحكت لضحكته‪ ،‬وحزنت لحزنه وفرحت لفرحه وأنا الموسيقي‪....‬‬
‫أوف ى م ن صح ب النسان ‪ ،‬أكمل ت وفائ ي فمشيتُ م ع النسا ن في‬
‫جنازته‪..‬‬
‫أن ا ياصاح ب الحقيب ة الحمراء‪ . ..‬صحب ت الكائنا ت ف ي الزل‪،‬‬
‫ومشينا مع الحياة‪...‬‬
‫نشوة العناق الولى كانت في صميم الليل‪ ،‬والليل سيد المتاهات‬
‫الكبيرة‪ ...‬والتقينا على مراشق المدن البعيدة‪ ،‬غرباء كنا‪ ...‬والرصيف‬
‫أول المنفى‪..‬‬
‫ودرجنا نشق الدروب التي تتناطح على جوانبها رؤوس الموال‪،‬‬
‫وتنحني الهامات ذلً‪ ...‬هامات الرجال‪...‬‬
‫غربا ء كنا‪ . ..‬والمدين ة امرأ ة مقنعة ‪ ،‬حبس ت شعره ا ف ي قبعة‪،‬‬
‫والمدن الملثمة ياصاح‪ ،‬توقد قناديلها في الليل فتشتعل اشتعال الكواكب‬
‫ف ي السماء ‪ ،‬وتنطف ئ عن د الصباح ‪ ،‬لكنه ا ل تتبو ح بسره ا للفقراء‬
‫والمساكين وأبناء السبيل‪...‬‬
‫وقال ت المدائن‪ . ..‬ف ي البد ء كن ا فتيا ت له ن حس ن فريد ‪ ،‬وكان‬
‫الفقر سيدنا وأبونا شي خ كبير فلما ضاقت بنا الحال ‪ ،‬خرجنا وجلسنا‬
‫عل ى قارع ة الطريق ‪ ،‬وأقب ل موك ب السلطا ن الغاص ب فنظرتن ا عينه‬
‫الفاجرة‪.‬‬
‫في الليل جاء السلطان الغاصب إلى بيتنا تحوطه مسوخٌ بشرية‬
‫مثقلةٌ بالدرو ع والسيو ف والرما ح السمهري ة فهددَ أبان ا ورم ى في‬
‫حِجر ه بض ع دراه م وسبانا ‪ ،‬نا ل مايشته ى ف ي ليلت ه تل ك ث م رمانا‬
‫كالطيور المذبوحة في حظيرة الجواري‪.‬‬
‫‪- 28 -‬‬

‫وانحن ت رؤو س المدائن ‪ ،‬وانخرط ت تبك ي بكاءً مرا تمكبوتا‬
‫ومخنوقا منذ آلف السنين‪ ،‬وارتفع ذلك النحيب حتى تجاوبت أصداؤه‬
‫بي ن أركا ن الكون ‪ ،‬وكا ن اللي ل موحشا توالنحي ب أكث ر وحش ة وألما‬
‫وفجيعة‪.‬‬
‫وسمعت المدائن تقول في زحمة نشيجها وبكائها الليم‪ :‬لقد كان‬
‫ف ي سال ف عهدن ا المذبو ح ياصاح ب الحقيب ة الحمراء‪ . .‬نه د أبكار‪،‬‬
‫واليوم‪ ..‬آه من اليوم‪ ،‬هانحن كما ترى يظننا من يرانا أننا أسعد أهل‬
‫هذا الزمان‪ ،‬ونحن في الحقيقة أتعس الخلق أجمعين‪.‬‬
‫نجل س ف ي صمي م هذ ه السوار ‪ ،‬ف ي اللي ل وف ي النهار ‪ ،‬أيدينا‬
‫وأرجلن ا مغلول ة بالما ل والعا ر ونمش ي متعثرا ت كالعاهرات ‪ ،‬على‬
‫شفاهنا بسمة مصنوعة وقلوبنا تحترق‪..‬‬
‫ثم ندخل تلك الدهاليز المعتمة‪ ..‬الدهاليز التي مات فيها النسان‬
‫وانتحل صورته الشيطان‪.‬‬
‫ياصاحب الحقيبة‪ ..‬نحن جواري السلطان‪ ،‬في قصره المنيع ذي‬
‫الفنان‪ ،‬في دهاليزه المعتمة التي مات فيها النسان‪ ،‬وانتحل صورته‬
‫الشيطان‪...‬‬
‫وعرةٌ هذي المسالك وطويلة هذي الدروب‪...‬‬
‫لكن الرحلة انطلقت‪ ،‬ياصاحب الحقيبة الحمراء‪ ،‬ولم تعد تصلح‬
‫للعودة‪.‬‬
‫أنا الصارية المسافرة في كل السفن‪ ،‬وأنا البحار الحزين‪ ،‬وأنا‬
‫الشراع‪...‬‬
‫أنا السندباد المسافر ياصاحب البحر‪...‬‬
‫تعرفني البحار البعيدة والجزر المجهولة‪ ،‬والمنارات والعواصف‬
‫والجبال التي تجثم في قاع البحر فتتحطم على صخورها السفن‪...‬‬
‫‪- 29 -‬‬

‫***‬
‫وتحطم ت سفين ة الملحت اليتي م عل ى ذل ك الشاط ئ الصخري‬
‫المجهول‪..‬‬
‫وكان ذلك الشاطئ مرفأ الجزيرة التي توارت بحزنها في ظلمات‬
‫البحار‪ ،‬كان ليل تئن تحت وطأته الكائنات‪ ،‬وعاصفة تقيم مناحة في‬
‫صميم الكون‪.‬‬
‫وتسلق الملح اليتيم صخور الجزيرة‪ ،‬وارتمى في عتمة النبات‬
‫الغريب‪ ،‬ثم نام الملح وعند الصباح ترجل من دابة الحلم ومشى في‬
‫زحمة المشاعر وتدافع الفكار‪ ،‬ظل يمشي في الدغل الكثيف‪ ،‬ويشق‬
‫دربا مابين الغصون المشتبكة هو أول الدروب في تلك الجزيرة التي‬
‫توارت بحزنها في متاهات البحار‪.‬‬
‫وانحدر به الدرب الوليد على بحيرة صغيرة تنام كالحسناء على‬
‫بساط أخضر حتى السواد‪ ،‬وعندما انشرح صدره المغموم فرّت من‬
‫عينيه دمعتان هما أول الدموع في تلك الجزيرة‪ .‬وتأمل سطح البحيرة‬
‫فرأى بطا وأوزا جميلً يسبح في هناء وراحة بال‪ ،‬ورأى على ضفاف‬
‫البحيرةتتترتعتتأسرابتتمنتتالطيورتتالنيسة‪،‬تتعلىتتتلكتتالضفاف‬
‫الوادعة‪ ...‬مَثّ لَ الطاووس زهو البتول‪ ،‬ومشى بجانبه الهدهد مزهوا‬
‫بحكمته‪ ،‬والبجع المسكون بحلم الخريف يتنزه على تلك الضفاف‪.‬‬
‫الطيور‪..‬تتالطيورتتقالتتالملح‪..‬تتالحسونتتوالبلبلتتالشادي‬
‫والكناري المغرد و‪ ...‬ياللروعة أبو مركوب‪ ..‬أبو مركوب هنا‪.‬‬
‫ونام الملح اليتيم مستأنسا بالبحيرة وكائناتها الجميلة‪ ،‬لكنه في‬
‫الليل استيقظ مذعورا وأحس بألم عظيم‪ ،‬وتلفت فإذا البحيرة راقدة مثل‬
‫طفلة صغيرة وداهمها نوم خارج البيت‪ ،‬وإذا الطيور التي آنستها منذ‬
‫برهة غادرتها وعادت إلى وكناتها بين الشجار‪ ،‬أفيقي أيتها البحيرة‪..‬‬
‫وأقبلي أيتها الطيور‪.‬‬
‫‪- 30 -‬‬

‫واللي ل طوي ل القامة ‪ ،‬والبحير ة العذب ة والطيو ر الجميل ة في‬
‫سكو ن عميق ‪ ،‬عم ق هذ ا الظلم ‪ ،‬لك ن المل ح اليتي م ظ ل يغن ي في‬
‫الليل‪ ..‬أفيقي أيتها البحيرة‪ ..‬أقبلي أيتها الطيور‪ ..‬وفجأة ثقب حجاب‬
‫الظلمتتصوتٌ تيقول‪ . .:‬تالوحشةتتوالنس‪،‬تتالليلتتوالنهار‪،‬تتالخوف‬
‫والسكون‪.‬تتاللمتتواللذة‪،‬تتالظلمتتوالنور‪،‬تتالذكرتتوالنثى‪،‬تتالجهل‬
‫والمعرفة ‪ ،‬الجما ل والقبح ‪ ،‬النو م واليقظة ‪ ،‬الظ ل والحر ‪ ،‬الصحراء‬
‫والبحر‪،‬تتالسهلتتوالجبل‪،‬تتالحربتتوالسلم‪،‬تتالحبتتوالكره‪،‬تتالبكاء‬
‫والضحك‪ ،‬الخوف والفرح‪ ،‬العافية والمرض‪ ،‬الموت والحياة‪ ،‬العذاب‬
‫والغفران‪ ،‬ومضى الصوت يقول‪ ..‬أنت الذي اخترت أيها النسان‪..‬‬
‫والليل رداء أسود يجلل الكون‪ ،‬ومن تحته ترزح الكائنات في‬
‫خوف مقيم‪.‬‬
‫في الليل‪ ...‬وبعد أن أطفئ المصباح‪ ...‬أشعر بوحشة غريبة‪..‬‬
‫ولجل عينيك ياسدرة السراب الزلي‪ ،‬لجلك يا امرأة المنتهى‪،‬‬
‫وسيدة البداية والنهاية لجلك‪ ..‬أبارك وحشتي‪ ...‬وليلي الموشح بأردية‬
‫الحزن‪.‬‬
‫سأظ ل أمش ي وحيدا تف ي ذل ك الخل ء البد ي المروّع ‪ ،‬أُلحق‬
‫القافلة التي تهتُ منها في ليلة عاصفة وهبوب السموم الكاسحة‪ ،‬لقد‬
‫مش ت القافل ة يقودها الخبير الذي تعل م حكم ة النجم ‪ ،‬ثم انحدرت بها‬
‫الرمال على شفق مجهول‪.‬‬
‫بيد‪.‬‬

‫وأنا على آثارها أتعقب السراب‪ ،‬وأُلحقَ الطياف من بيد إلى‬

‫لقد أرخيت لبعيري الرسن‪ ،‬وتركته حرا يخب في الخلء الوسيع‬
‫ليحملني إلى حيث تقوده القدار‪.‬‬
‫أنام حيثما يبرك‪ ،‬وأرحل وقتما يطيب له الرحيل‪.‬‬
‫‪- 31 -‬‬

‫لكنك سراب ياسيدتي‪ ..‬وهمٌ أتعقبه في دروب الحياة الوعرة‪.‬‬
‫أنتِ فجر كاذب وملثم ياسيدتي‪ ..‬صحوت في أوله لرى وجه‬
‫الملك العائد‪ ..‬فرأيُت شبح المأساة‪..‬‬
‫لكنني ياصاحبة النداء الحزين‪ ..‬قَبِلتُ الرهان الخاسر في البدء‪،‬‬
‫وطفقتُ أغرس في مرارة بذور الهزيمة والخذلن‪..‬‬
‫قايضتُ بكِ كل ما أملك ياسيدتي‪ ،‬فما ربحتكِ وماربحتُ نفسي‪،‬‬
‫لقد خسرتُكِ في أول المغامرة فعدوتُ ألهثُ كالمجنون‪ ،‬أقدم كل شيء‬
‫وأتنازل عن كل شيء‪ ،‬ولكنني أخسر‪ ...‬وأخسر إلى أن أصبحتُ أنا‬
‫الخسران ول خسران غيري‪..,‬‬
‫وأنا البدوي الذي قايض عمره بابتسامة‪ ..‬وجلس على حافة القبر‬
‫ينتظر القيامة‪..‬‬
‫قا ل تالبحر‪ . ..‬ياصاحبت الحقيبةتتالحمراء‪،‬تتشهدتُ تأنكتتأنت‬
‫السندباد القديم الجديد وعهدي بك مولود وفي يدك الحقيبة‪ ..‬فهل تقعد‬
‫أيها السندباد ومجاهيل الحياة تشتهي أن تراك؟!‬
‫لقد اشتقت لصحبتك أيها الملح اليتيم فتعال معي‪..‬‬
‫البحر يناديني‪...‬والمراكب التي طال عليها المد تتوثب لنطلقة‬
‫ميمونة في صميم المجهول‪...‬‬
‫***‬
‫حيّ على السفر‪ ...‬حيّ على السفر‪..‬‬
‫حيّ على السفر أيها المسافر الغريب‪ ،‬كأن ليس لغربتك نهاية‬
‫وليس لسفارك حدود‪.‬‬
‫حيّ عل ى السفر‪ . .‬ياصاح ب الحقيب ة الحمرا ء ي ا أيه ا البدوي‬
‫‪- 32 -‬‬

‫المعفر بالتراب والظمأ والحزن‪..‬‬
‫المراكب تناديني‪..‬‬
‫والبحر يناديني‪...‬‬
‫وأنا ابن السبيل‪..‬‬
‫حيّ عل ى السف ر أيه ا المل ح الذ ي تضحكُ لمرآهُ الصواري‬
‫وترقصُ من بهجتها القلع‪.‬‬
‫الضياع يناديني‪..‬‬
‫مرافئ الموت البعيدة تناديني‬
‫زوابع البحر تناديني‬
‫تعالَ أيها المتشرد في الفاق‪ ،‬فأنت بل وطن‪..‬‬
‫عاطفتك قيد لمعصميك‪..‬‬
‫وقلبك جلدك الوحد‬
‫الغربة موطنك البدي‪..‬‬
‫***‬
‫ومسكنك في الكون الحقيبة‪..‬‬
‫وتهالكنا تحت وطأة الذات المستوحشة في الليل‪.‬‬
‫وارتعشت مداركي في ذروة المعانقة مع الشوق السمى‪ ،‬وثورة‬
‫الحزن الذي ينام في مغارة الروح‪.‬‬
‫واقشع ر بدن ي تل ك القشعرير ة الت ي تتحف ز فيه ا جمي ع الحواس‪،‬‬
‫وصحوتُ فجأ ة عل ى مكا ن اكتم ل في ه اللي ل ول م يبقَ سو ى الهامش‬
‫‪- 33 -‬‬

‫الخير‪..‬‬
‫وتنبهت فإذا أنا في مجلس الراوي وحوله الرفاق ينصتون في‬
‫سكون مهيب‪..‬‬
‫وسمعتُ صو ت الراو ي كأن ه منبع ث م ن داخل ي يقول‪ . .‬بعد‬
‫سبعين عاما يارفاق الظل م كان ملك الجزر الربع قد مات‪ ،‬وابنته‬
‫الميرة فينوس ماتت هي الخرى‪.‬‬
‫أتذكرون تلك القلعة يارفاق الليل‪ ..‬تلك القلعة المتجبرة التي مات‬
‫تح ت إحد ى شرفاته ا بائ ع المشا ط والمرايا ‪ ،‬لق د أصبح ت طللً في‬
‫ذاكرة الحياة‪..‬‬
‫ولما هاج البحر واضطرب داهمها في ليلة مظلمة فأصبحت أثرا‬
‫بعد عين‪..‬‬
‫أصغين ا للراو ي ف ي ذل ك الهزي ع الخي ر م ن اللي ل وه و يسدل‬
‫الستار الخير على موت الشاعر‪.‬‬
‫وتلى الراوي البتول ختام الرواية التي تموت على الشفاه لتولد‬
‫من جديد في خبايا الذاكرة‪.‬‬
‫ونح ن خشو ع نستم ع ذه ب يقول‪ . ..‬يمو ت الشاع ر ليحي ا وهو‬
‫الرابح الخير في مقامرة الحياة والعدم‪..‬‬
‫ويو م اشتد ت حرار ة الرض ‪ ،‬وأُضرم ت النا ر ف ي تل ك البقاع‬
‫المتجمدة من الكون‪ ،‬ذابت جبال الجليد وتلل الثلج الكبيرة‪ ،‬وارتفعت‬
‫كالطوفان‪ ،‬ثم انحدرت تغمر المحيطات والبحار‪ ،‬لقد هاج البحر على‬
‫البحر‪،‬وسم ا الما ء عل ى الما ء فاحتد م الصرا ع الضار ي ف ي صميم‬
‫الخضم العظيم‪..‬‬
‫يوم التقى البحر بالبحر‪ ،‬وتدفق الماء على الماء‪ ..‬غابت جزرٌ‬
‫‪- 34 -‬‬

‫بأكملها تحت اللج ة وتوارت سواحل اليابسة البعيدة بعمارها وزينتها‬
‫وابتلعتها الهاوية التي ليس لها قرار‪.‬‬
‫يارفاق الليل‪ ...‬صراع الماء واليابسة ل ينتهي‪...‬‬
‫يوما غلبت اليابسةُ البحرَ‪ ،‬فمشى التراب مزهوا بخلقه وكائناته‬
‫يلحقُ البحرَ في كل مكان‪ ،‬وعندما أيقن البحرُ بهزيمته أمام التراب‬
‫فرّ من وجهه مذعورا وتوارى بحزنه في الركن القصي من الكون‪...‬‬
‫لك ن الترا ب جبّا ر عنيد ‪ ،‬أخذت ه نشو ة النص ر وسكر ة الغلبة‬
‫المفاجئ ة فل م يكت ف برد م جوان ب البح ر وطمره ا تح ت أثقا ل كائناته‬
‫الليفة والمستوحشة‪ ،‬بل طفق بعتو وغلظة يتربص بالبحر المهزوم في‬
‫كل مكان يلوّح في وجهه بالرعب والموت ويدوس بأرجله المسمومة‬
‫باطنه الحزين‪...‬‬

‫عندها يارفاق الليل‪ ...‬طفح الكيل وبلغ السيل الزبى‪ ...‬والبحر‬
‫في غضبته سيد السياد ‪ ،‬يوم استنجد البحر بقوى الطبيعة الخرى‪،‬‬
‫توافد ت علي ه م ن ك ل ف ج وتواطأ ت ف ي ليل ة مظلم ة م ع البح ر ضد‬
‫التراب الغاصب‪.‬‬
‫لقد تضافرت عناصر الكون على التراب وكان من أمره ماكان‪..‬‬
‫***‬
‫عندما هبت نسمة الفجر الولى قال الراوي‪ ...‬الرض أخذت‬
‫مالها وردت ما عليها فل غالب ول مغلوب‪ ،‬والكل في ملكوت ال‬
‫واحد‪..‬‬
‫هي الرض‪ ..‬حسناء الكواكب وكاعب التراب‪.‬‬
‫على بابها يتزاحم الخُطّاب في كل جيل‪ ،‬وتلهجُ ألسنةُ الخلئق‬
‫‪- 35 -‬‬

‫بجمالها في كل الفصول وعلى جسدها الغض النبيل نما الموت ونمت‬
‫الحياة‪...‬‬
‫هي الرض‪ ...‬ميدان الصراع الزلي الذي لن ينتهي مادامت‬
‫الحياة‪.‬‬
‫جمي ع الكائنا ت ف ي الكو ن لتر ى غي ر الر ض مكانا تيصلح‬
‫للحروب‪،‬تتفجسدتتالرضتتأقدستتالجسادتتوأصلحهاتتمكانا تللحياة‬
‫والموت‪.‬‬
‫الكواكب المعلقة في الخل ء السرمدي الفسيح عندما تغضب ل‬
‫تثو ر إلّ عل ى الرض ‪ ،‬الشمو س ومدائ ن النجو م والمدارا ت الكبيرة‬
‫والمجرات وسائر الفلك ل تعشق سوى الرض‪..‬‬
‫لو تقاتلت في الفضاء المهيب لرسلت هدية الحرب للرض‪ ،‬أو‬
‫تصالحت لبعثت للرض هدية السلم‪..‬‬
‫البح ر والصحرا ء يتقاتل ن عل ى جس د الر ض وباس م الرض‪،‬‬
‫يقت ل النسا ن أخا ه النسا ن باس م الرض ‪ ،‬يسجنه ‪ ،‬يعذبه ‪ .‬ينفي ه إلى‬
‫أقص ى الكو ن باس م الر ض وح ب الرض ‪ ،‬يقف ز ليلً عل ى رقاب‬
‫المليين من التعساء والشقياء سلطانا وحاكما ومؤيدا باسم الرض‪...‬‬
‫الحيوا ن يقات ل الحيوان ‪ ،‬والحشر ة تقات ل الحشرة ‪ ،‬ك ل العوالم‬
‫والكائنات على رحابة الوجود يقاتل بعضها بعضا باسم الرض وحب‬
‫الرض‪..‬‬
‫الرض ميدان الصراع وساحة القاتل والمقتول‪.‬‬
‫الحياة تقاتل الموت والموت يقاتل الحياة‪..‬‬
‫أخذ ت الر ض ماله ا ورد ت ماعليها ‪ ،‬فل تغال ب ول تمغلوب‪،‬‬
‫والكل واحد في ملكوت ال الكبير وفي ذيل المأساة‪ ...‬يستوي الخاسر‬
‫والرابح‪ ،‬الحاكم والمحكوم‪ ،‬الغاصب والمغصوب‪ ،‬السالب والمسلوب‪،‬‬
‫‪- 36 -‬‬

‫القاه ر والمقهور ‪ ،‬السجا ن والمسجون ‪ ،‬الطاع ن والمطعون‪ . .‬القاتل‬
‫والمقتول‪...‬‬
‫وطلع الفجر القدس من بعد الطوفان والمأساة‪..‬‬
‫وانحنى رحيما بوجهه البلج ونوره السني يضمّد جراحَ الرض‬
‫النازف ة ويلفه ا بأرديت ه البيضا ء النقية ‪ ،‬ث م ضمه ا إلي ه ضم ة العاشق‬
‫البتول ‪ ،‬عنده ا ارتعش ت الرض ‪ ،‬وقا ل الفج ر سلما تأيته ا الرض‬
‫الطيبة‪..‬‬
‫مبارك فيكِ صخب الجسد واقتتال الكائنات‪.‬‬
‫وطيبي مكانا نبيلً للموت وللحياة‪.‬‬
‫مضى‬

‫غاض الماء وانحسر الغمر ‪ ،‬وتوارت الكارثة في المس الذي‬
‫والحياة تولد اليوم‪..‬‬
‫والرض تولد اليوم‪...‬‬
‫والفجر فجر اليوم‪...‬‬
‫ذهب المس بخيره وشره‪...‬‬
‫والكون حضور دائم‪..‬‬
‫***‬

‫سكت الراوي زمنا ل أعلم مقداره‪ ،‬فظننا أن ماعنده قد نفد‪ ،‬لكنه‬
‫رفع رأسه إلينا وتأملنا واحدا واحدا‪ ،‬ثم التفت ناحية الباب وقال‪ ..‬لقد‬
‫أدركنا الفجر‪..‬‬
‫أيها الرفاق‪ ،‬وآن الوان لكي نتهيأ لصلة الفجر في المسجد‪.‬‬
‫‪- 37 -‬‬

‫ث م عا د ينظ ر إلين ا ويقول‪ . ...‬الليل ة أكملتُ لك م قص ة الشاعر‬
‫ماهر البدوي الذ ي تخفى ف ي زي بائع المشا ط والمرايا لكي يلتقي‬
‫بحبيبته فينوس بنت سلطان الجزر الربع‪.‬‬
‫وحدثتك م بمأسا ة موت ه تح ت شرف ة حبيبت ه الميرة ‪ ،‬وأخبرتكم‬
‫بالطوفانتتومابعدتتالطوفان‪...‬تتلكننيتتلمتتأحدثكمتتبخرجتتالشاعر‬
‫المقتول‪...‬‬
‫ونح ن أشبا ح أربعة‪ . ..‬اختلط ت أصواتن ا بصو ت المؤذ ن الذي‬
‫يناد ي لصل ة الفجر ‪ ،‬قلن ا بصو ت واحد‪ . .‬أه و ذل ك الخر ج المحشو‬
‫بالدفاتر والكتب القديمة؟‪..‬‬
‫تبلى‪ . ..‬ه و ذا ك الخر ج الذ ي عيرو ه ب ه ونسبو ه إل ى الفقر‬
‫والمتربة‪ ،‬وقالوا شاعر صعلوك ل يملك من حطام الدنيا سوى خرج‬
‫قديم محشو بالدفاتر والكتب‪ ،‬وقالوا هو شاعر والشعراء أفقر خلق ال‪،‬‬
‫ليس معهم غير هذه البضاعة الفاسدة التي اسمها الحب‪ ،‬وقالوا أينما‬
‫حل شاعر فأبشر بفقرٍ مؤبد‪...‬‬
‫ولك ن يارفا ق الظل م والفج ر قريب‪ . ..‬ه ل كانو ا يعلمو ن أن‬
‫الشع ر يطي ل عم ر الكائنات ‪ ،‬مض ى الشحرو ر وبق ي صوت ه العذب‬
‫الجميل‪ ،‬ومات العندليب ولكن حنجرته بقيت تغرد في الكون‪ ،‬القمرية‬
‫التي سجعت في ذلك المساء اللزوردي الحالم‪ ..‬ذهبت إلى حيث ل‬
‫نعلم ولكن سجعها الشجي بقي في آذاننا إلى اليوم‪...‬‬
‫وكذلك هو الشاعر‪ ...‬يموت ليبقى ويفنى ليعيش‪...‬‬
‫بعد مقتل الشاعر بعشرات السنين حمل اليم ذلك الخرج الحزين‬
‫وألقاه على شاطئ جزيرة في قلب المحيط‪ ،‬ويوم اكتشف الناس تلك‬
‫الجزير ة وجدو ا دفات ر الشاع ر بعضه ا ممح ي أذابت ه اللج ة وبعضها‬
‫معافى من الذى‪ ،‬وجدوا اسم فينوس واسم الشاعر البدوي فتيا منوا‬
‫بالفأ ل الطيب‪ . ..‬وأطلقو ا عل ى تل ك الجزير ة المجهول ة اس م الشاعر‬
‫فعرفت بين الناس بجزيرة الشاعر البدوي‪...‬‬
‫‪- 38 -‬‬

‫وانتصب الراوي قائما وانتعل حذاءه وأحكم على رأسه عمامته‬
‫الكبيرة ‪ ،‬وتناو ل عصا ه بيد ه وقا ل أدركن ا الفج ر يارفا ق وينبغ ي أن‬
‫لتفوتنا بركات الفجر‪( ..‬وقرآن الفجر‪ ،‬إن قرآن الفجر كان مشهودا)‪.‬‬
‫ومضى‪..‬‬
‫ودخل كل واحد منا في إهاب صمته‪ ،‬ونهضنا فتفرقت بنا سبل‬
‫الحياة مع أول طلوع النهار‪...‬‬
‫***‬
‫م ن المه د إل ى اللحد ‪ ،‬وم ن الغي ب إل ى الغيب ‪ ،‬يسي ر النسان‬
‫ضاحكا وباكيا‪ ،‬عالما وجاهلً‪ ،‬مسحورا يتبع النداء المحموم‪.‬‬
‫لكن النداء ل ينتهي إلى غايةٍ معلومة‪ ،‬كما أن الوجيب ل يسكنه‬
‫إل الفناء والضمحلل في صميمٍ البدية‪.‬‬
‫ولهذ ا أبث ك يا سيدت ي شظاي ا سكينت ي المحترقة ‪ ،‬لذ ا أتل و عليكِ‬
‫قصيدتي التي اختزنت حلم الوجود وعويل الصبا وحزن المشيب‪.‬‬
‫فأن ت إذ ن ي ا سيدت ي امرأةٌ مجهول ة تد ب ف ي مجاهي ل الحياة‪،‬‬
‫لكنني اصطفيتك بيتا لوجاعي وأسقامي‪ ،‬وأخترتك وسادةً عائمة أُريح‬
‫رأسي عليها بعد الدوار الطويل‪ ،‬فاغفري لي إذن هذا الدخول المباغت‬
‫بسماحة النثى التي ل يخلو قلبها المضرج بالحياء من الرحمة‪.‬‬
‫ربما كان مخجلً يا سيدتي أن أحطم جدار العدم وأجرؤ على‬
‫اقتحامك من عالمك المجهول‪ ،‬ولكنه النداء يا سيدتي‪..‬‬
‫هذا النداء المبهم الغريب الذي اختارني من بيت أشباح الكون‬
‫لمضي معه مسحورا إلى حيث ل أعلم‪.‬‬
‫هذ ا الحني ن الشج ي إلى امرأةٍ ل أعرفها و ل تعرفني‪ ...‬إلى‬
‫امرأةٍ تنام كالملك على تخت الحروف ونزيف الكلمات‪.‬‬
‫‪- 39 -‬‬

‫أواه‪ ...‬أيتها النثى التي ل أعرفها‪ ...‬اغفري لي هذي المناغاة‬
‫عبر سديم الحياة واغفري لي هذا النزيف المحموم الذي يسيل كالنهر‬
‫من جسد الحروف وجسد الكلمات‪.‬‬
‫فأنا وهمٌ يا سيدتي‪ ..‬وهمٌ يتكور في أسط ح البيوت التي بللها‬
‫المطر‪ ،‬وعلى الدروب الحزينة التي يتزاحم فيها البشر‪ ،‬على نواحي‬
‫الليل المشدوه المحدق في فراغ البدية‪.‬‬
‫أنا الطيف الباكي يا سيدتي أسير في موكب الطياف حتى آخر‬
‫الهذيان والحلم‪ ،‬إلى الفناء في قعر البدية السحيقة‪.‬‬
‫ولذلك اصطفيتك لنفسي أبديةً أضمحل فيها مبهورا‪ ،‬وأنحلّ فيها‬
‫كالغيم ة الهوجاء ‪ .‬واخترت ك فناءً وعدما تأمش ي إلي ه مختارا تلغفو‬
‫متلشيا فيه كما يغفو الناي الحزين بين شفتي راعٍ على مرجٍ أخضر‪.‬‬
‫أنا رسمٌ ممحيّ يا سيدتي ملوثٌ كالمسخ‪ ،‬كالشبح الحزين أدرج‬
‫من فراغ ل نهائيٍ مهيب‪.‬‬
‫فكم مرةٍ إذن‪ ..‬أشرق نور الصباح‪.‬‬
‫وكم مرة أقبل الليل الكتوم‬
‫وكم مرة حدق من عليائه القمر‪.‬‬
‫وغفوة الخريف الرحيم على الجروف وفي المنحدرات ما بين‬
‫الشجار ‪ ،‬وهدي ل القمري على السفوح ‪ ،‬وهدير الميا ه بي ن الصخور‪،‬‬
‫وتسبيحة الوادي الساجد بين يدي ال ‪ .‬عفوك يا صاحبة الوجه النبيل‬
‫الذي ل أنسبه إل لوجه أمي‪.‬‬
‫عفوك إذا أحرقني السهاد في صميم الليل فطفقت أنفخ فيك من‬
‫روحي ‪ ،‬ث م دحوت ك حقلً خصيبا تأُبعث ر في ه العذابا ت وأسف ح عليه‬
‫الدماء‪.‬‬
‫‪- 40 -‬‬

‫فأنت يا سيدة المزمار متاهتي التي أدرج فيها واثقا من فنائي‪.‬‬
‫فلتعلمي إذن أنك أنت القافلة المسحورة التي تبعتها في التيه العظيم‪.‬‬
‫وأنت الهودج المحروس بأسنة الرماح وظمأ الصحراء والعدم‪.‬‬
‫أوا ه يا سيدتي‪...‬يوم فُطمتُ م ن ثد ي أُمي ‪ ،‬أهرقتُ ف ي جوفي‬
‫قارورة الدواة‪ ...‬شربتها حتى سكرت‪ ،‬لقد كان أبي فقيها فبارك هذا‬
‫الشراب‪ ...‬لذا فأنا أكتبكِ اليوم يا صاحبة النشيد بمزيج من حليب الم‬
‫ومداد الكتابة وأنا حقا لزلتُ طفلً يندد بالفطام ويحتج بشرب الدواة‬
‫في كل يوم‪.‬‬
‫لقد كتبتني أمي بثدييها صحيفة بيضاء‪...‬‬
‫وكتبني المداد من لدنه صحيفةً سوداء‪..‬‬
‫وها أنذا لم أزل طفلً يعبث باللوان‪ ،‬ويلهو بأدوات الكتابة‪..‬‬
‫ولطالما كتبتُ نفسي في موهن الليل ثم محوتها في أول النهارِ‪،‬‬
‫حتى إذا ما اقبل الليل ثانيةً أعدت الكتابة من جديد‪.‬‬
‫ويوم أيقنتُ أنني منذور لكتابة امرأةٍ مجهولة‪ ،‬علمتُ أن طفولتي‬
‫لها أصلٌ في رحم الغيب‪.‬‬
‫لطالما شدني إليك حنين مبهم أيتها القديسة‪ ،‬وأنا طفلٌ تسحرني‬
‫النداءات الغامضة فأركض نحوها مبهورا حتى الجحيم‪.‬‬
‫وإذن‪ ..‬فقد مهدتكِ للبوح الليم يا سيدتي‪ ،‬والكون ل يعدو كائنا‬
‫فردا يتدحرج من حزنٍ تحت المطر‪.‬‬
‫أوا ه ي ا سيد ة الغوا ر البعيدة‪ . ..‬لق د شدن ي إلي ك عق م السنين‬
‫اليابسة فأفردتُ لجسدي الشراع لكي يبحر مبهورا تحت زخات المطر‪،‬‬
‫ومشيتُ في وجل اليتامى أترنح على الدروب العاطلة‪.‬‬
‫لكن شعاب الزمان مقفرةٌ وأفق الحياة غبيّ وشحوب‪ ،‬بيد أني يا‬
‫‪- 41 -‬‬

‫متاه ة الرغائ ب حملتُ نعش ي عل ى كتف ي وعدوتُ أطلب ك ف ي فجاج‬
‫الهلك في فجاج الردى وأفواه الجحيم‪.‬‬
‫أموتُ شوقا تإلي ك ي ا سيدتي ‪ ،‬وأهذ ي باسم ك محموما تعلى‬
‫الطرقات هذا أنا يامليكة البحار التي تنام تحت أمواجها روحي‪..‬‬
‫هذا أنا يا صاحبة الناشيد التي ما فتئت تدق أجراسي‪...‬‬
‫هذا أنا أمشي إليكِ خاشعا كالحبار والرهبان في عيد العذراء‬
‫البتول متعثرا في صبابتي‪ ،‬تنظمني وتنثرني ألحان شبابتي‪.‬‬
‫أحم ل عل ى ظهر ي تابوت ي وأكفاني ‪ ،‬وأش ق الهو ل أطلب ك قبرا‬
‫لنفسي في الضريح الكبير‪.‬‬
‫أواه‪ . ..‬ي ا صاحب ة النا ي الحزي ن والندا ء المفجوع ‪ ،‬أ ي بيداء‬
‫موحشة بيدائي أيّ صحراء تسكنها الغيلن والِشباح صحرائي‪.‬‬
‫فيا ليالي الشتاء والثلج والمطر‪...‬‬
‫يا موقد النار والشهوة‪.‬‬
‫يا هزيم الرعد البعيد‪.‬‬
‫يا جسر الظلم القتيل‪ ،‬وسراط البرق‬
‫يا رعشة الذبيح في المحراب‪ ،‬ودمعة الثكلى‪.‬‬
‫يا شهقة الملحف الباردة‪ ،‬وضجعة الموتى‬
‫ي ا أيه ا المعلو م والمجهول‪ . .‬تلط ف بالدن ف الذ ي يعد و خلف‬
‫السراب الجنبي البعيد‪.‬‬
‫يا سيدة البكاء والنواح‪...‬‬
‫‪- 42 -‬‬

‫والليل حيّ يشيع جثمان الصباح‬
‫وأنا ابن السبيل‪ ،‬وابن الشهور‬
‫أسعى إليك فزعا مع الرياح التي يتنفسها السديم‬
‫آتيك مجبولً من سكينة الكتابة‪ ،‬وكتابة السكينة‬
‫وحشرجة الحرف الشهيد تحت سنابك الليل‪.‬‬
‫وصهيل الدماء التي أضرمها الشوق‪.‬‬
‫سيقتلني هذا النزيف يا سيدتي ‪ ،‬وسأموت مسحوبا على وجهكِ‬
‫الذي مل الرض عيونا وضفائر وعانق السماء بنحر الصلة‪.‬‬
‫ولسو ف يخر ج م ن هامت ي طائرا تيعو ي ويصيح‪ . ..‬يصي ح في‬
‫حرق ة الظم أ للدما ء والثأ ر يقو ل اسقوني‪ . .‬اسقون ي شربةً م ن أصل‬
‫الحياة وأصل الفناء‪.‬‬
‫أيُسكته الرصاص الذي يمشطُ ضفائر الطفال‪...‬؟‬
‫أم دوى قنابل اللهب على جنبات وادينا والبيوت‪...‬‬
‫أيُخمد ثورته قهر الطغاة‪ ،‬أم يُحبس في قفص المأساة الخالدة‪.‬‬
‫أيُصلب في ساحة المدينة الباكية‪ ،‬أيرجم في البيت الحرام‪..‬‬
‫أم سيُلقى للكلب تنهش من لحمه في الليل‪.‬‬
‫لكن هامتي يا صاحبة الشفاه المضرّجة بدماء شهدائها‪ ،‬تُفرخ في‬
‫الليل آل ف الطيور التي تصيح ‪ ،‬ول ن تعو د إلى هامتي المتعب ة حتى‬
‫ترتوي‪ ...‬لن تعود حتى يبلغ سيل الدماء الزبى‪.‬‬
‫وتغوص الخيل الصافنة في تلك الروابي بحر الظلمات المتلطم‬
‫‪- 43 -‬‬

‫من ذ الزل‪ . .‬فإذ ا تلون ت مناقي ر تل ك الطيو ر بمدا د الحيا ة الذ ي ل‬
‫ينضب‪ . ...‬عاد ت إل ى وكره ا المن ‪ ،‬واستو ت هامت ي عل ى التراب‬
‫راضيةً مطمئنة‪.‬‬
‫والليل يا سيدة الجياد والصهيل‪..‬‬
‫ليس في الكائنات له شبيه و ل مثيل‪.‬‬
‫لكنن ي وأن ا الملحت اليتيم‪ . ..‬خرجتُ إلي ه تح ت واب ل البرد‬
‫والمطر‪ ،‬فحبستُ أنفاسي‪ ،‬وتلوت أورادي‪ ،‬وتقدمت أمشي إليه‪ .‬بخطىً‬
‫واثقة‪..‬‬
‫قاتلته يا سيدتي بغرفةٍ من دمائي التي أخُطّ كِ بها الن‪ ،‬فاستسلم‬
‫من خشية الدماء المتكلمة‪ ،‬فقبضتُ عليه وحبسته في قارورة المداد‪.‬‬
‫مظلمةٌ هي النفس‪ ،‬ومظلمٌ هذا الحديث‪.‬‬
‫فأي الناث أنتِ يا سيدتي حتى آتيك هذا النشيد‪ ،‬فإنه ليس كمثل‬
‫الناشيد التي قرأتِ ول كالحاديث التي سمعت‪.‬‬
‫إنها قصة قلبٍ سحرته قرمزية الشفق‪ ،‬وألوان المغيب التي تدعو‬
‫للسفر فمضى حالما ومبهورا يطلب آفاق الرجوان‪.‬‬
‫ذلكم قلبي أنا يا مليكة القلوب الحالمة‪ ،‬قلبي الذي أضر به عقم‬
‫السنين ويباس المحيط والبحر‪ ،‬فترجل عن أفراسه مكسورا يلهث من‬
‫قف ر الحيا ة ويتعق ب السرا ب دارا تإث ر دار ‪ ،‬عفرت ه البواد ي ودفنته‬
‫الرمال ‪ ،‬مش ى عل ى ك ل الدرو ب القاحلة ‪ ،‬ونا م عل ى ك ل الرصفة‪،‬‬
‫داسته أقدام العابرين ونهشته ذئاب الجبل‪ ،‬حملته أسراب الغمام وحملته‬
‫أسراب الحمام‪ ،‬وتلوى في دهاليز السفن المسافرة وأذناب الجِمال‪.‬‬
‫فأيّ تامرأةٍ أنتِ لك ي أدعوكِ لصحبت ي ف ي آخ ر الليل ‪ ،‬وآخر‬
‫الهذيان‪ ،‬وآخر الحلم‪.‬‬
‫‪- 44 -‬‬

‫أل نّ عناق الليل تباركه النجوم‪.‬‬
‫وعطر الُنثى المهذّبة يطرد الشباح‪.‬‬
‫والوسائد العطشى على السرير تتفتح كالورود لضم امرأةٍ عابرة‬
‫ورئة السحاب التي ترشح مطرا وثلجا تصوغ حكاية الدفء الوليد‪.‬‬
‫وفحيح الرياح في أقصى الحقول يدعو لعناق امرأةٍ مجهولة‪...‬‬
‫الليل‪.‬‬

‫م ن آخ ر اللي ل إل ى أو ل الصباح ‪ ،‬وم ن أو ل الصبا ح إل ى آخر‬

‫في صهيل الليل المتوجع المحموم‪ ،‬وتحت حوافر المطر والبرد‬
‫الشديد أرقد مرميا كجثة قرصان ممجوج في مغارة الشباح والرواح‬
‫التي ل تنام مطمئنّة‪ ،‬لكم سمعتُ صوتكِ الهامس المتضرع وهو يأتيني‬
‫كصدى حلمٍ قديم أو أغنية بعيدة من ضفة الحياة الخرى حيث الناث‬
‫والطعام والشراب علب السجائر وعلب النوم‪.‬‬
‫وأنا الغريب المُلقى على وجهه في كهف الظلم‪ ،‬يليق بتعاستي‬
‫التصور والحلم وخليقٌ بمثلي التوهم والجنون‪.‬‬
‫وإذن‪ ...‬فهلوسة مداركي تقول لي‪ ،‬أن لك صوتا مشبّعا بالنوثة‬
‫حتى النزيف واللم‪ ،‬وحتى البكاء والنشيج‪.‬‬
‫وحكت مداركي تقول‪....‬‬
‫لم يكن عطرا باريسيا ذاك الذي يضوع منك كلما أتى المساء‬
‫كل ولم يكن بخورا شرقيا تسكنه الساطير‪.‬‬
‫ولكنه النداء يا سيدة النداء‪...‬‬
‫هذا النداء القديم الجديد‪..‬‬
‫صلوات أمٍ تفرق بنوها في شعاب الحياة‪.‬‬
‫‪- 45 -‬‬

‫دعوات شيخ بتول في مغارةٍ مهجورة‪.‬‬
‫عينا صبيةٍ أشرقتا بدمعٍ هتون‬
‫مزمار عاشقٍ يئن في موهن الليل‪.‬‬
‫قصيدةً تتلوها الرياح فتسمعها البساتين‪.‬‬
‫صوتك القديم يا سيدتي‪ ..‬لقد كان أول من دعاني وكنتُ أول من‬
‫لبّ ى الدعاء ‪ ،‬وطفقتُ أعدو في الخل ء السرمدي المهيب ‪ ،‬في الفراغ‬
‫الذ ي يتمد د في ه الرع ب والهو ل ولي س ل ه نهاية ‪ ،‬أفز ع فز ع الظليم‬
‫المذعور وليس أمامي سوى البيداء‪ ...‬وهذا النداء‪.‬‬
‫نداؤك يا سيدة السراب الزلي‪.‬‬
‫يا متاهة الحلم والرؤيا‪ ،‬وشاطئ الهلك الكيد‪.‬‬

‫بيد أن العيون محض افتراض وأضغاث أحلم‪ ،‬وصوتكِ الهامس‬
‫وهمٌ كحياتي‪ ،‬كنهر السراب الذي يجري في فجاج الظمأ الفطيم‪.‬‬
‫وجنائن القحوان التي عهدتها تنهض مع أبي في غبش الفجر‬
‫وتشرب من يديه عندما يتوضأ للصلة‪.‬‬
‫ه ل كا ن صوت ه م ع أو ل الفج ر يملؤني حنينا توه و يتل و سورة‬
‫الرحمن‪.‬‬
‫هل وشوشت مسبحة الللوب في غفوتي وسكينتي المطمئنّة‪.‬‬
‫هل أكمل الشيخ الجليل أوراده ثم مضى يتوكأ في دروب الحياة‪،‬‬
‫لقد أقسم أنه كلما ذهب يحتطب من غابة السيال‪ ،‬يسمع القمري وهو‬
‫ينشد ويقول‪....‬‬
‫‪- 46 -‬‬

‫رزقك الرض والنهر يا والد العيال‪..‬‬
‫وكفاك ال الهوان وشر السؤال‪..‬‬
‫لق د أقس م الشي خ أ ن القمار ى ناشدت ه ال تف ي ك ل الصباحات‬
‫الباكرة‪.‬‬
‫وإذن‪ ....‬فأين البريق النحاسي والزمزمية‪....‬‬
‫وأي ن الركو ة الت ي قي ل أنه ا كان ت لوليّ تم ن أوليا ء ال تيصلي‬
‫الفجر في البيت الحرام ويعود ضحىً لحوارييه في خلوة مليط؟‬
‫بل أين السيف والمصلة العسجدية‪....‬‬
‫ومسبحة الللوب واللوح والدواة‬
‫والمصحف العتيق‪...‬‬
‫ولوحة الكعبة والقصى ومسجد الرسول‪.‬‬
‫وراتب المام وذكرى المهديه‪...‬‬
‫وروح عبد الفضيل‪..‬‬
‫وعبد القادر إمام‪.‬‬
‫والقرشي الول‬
‫والدماء السخية التي سُكبت على ضفاف النهر الخالد‪..‬‬
‫في مذابح الضلل القديم تموت الكائنات قربانا لصنمٍ معبود‪ ،‬لقد‬
‫كانت تُساق إلى جحيم المأساة كما تُساق الضحيات‪ ،‬لقد كانت فديةً‬
‫لسواها من الملوك والقديسين والكهنة‪.‬‬
‫‪- 47 -‬‬

‫بيد أني أسوق نفسي إليك يا سيدتي قربانا وأضحيةً‪ ،‬وأسفحُ دمي‬
‫على أعتابكِ كل يوم ولم أكن فداءً لملكٍ أو كاهن‪.‬‬
‫فأن ا لس ت قربانا تإل تلجل ك ودمائ ي ل تتسف ح إل تلمثل ك أيتها‬
‫النثى النبيلة‪.‬‬
‫ليكن سعيي إليك قنوطا ويأسا‪ ،‬ولتكن دمائي التي سفحتها على‬
‫مواط ئ قدمي ك لهوا توعبثا ‪ ،‬ولتك ن قصائد ي المفجوع ة بي ن القوافل‬
‫جنونا وسفها‪.‬‬
‫ليكن مال مناص من أن يكون‪...‬‬
‫فأن ا ي ا سيد ة المحا ر الت ي أف ر إليه ا م ن ذات ي وحياتي‪ . ...‬قد‬
‫أقسمتُ لطفولتي في فجرها الول بأن نسير معا على الدرب الحزين‬
‫من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة‪..‬‬
‫يا آهة البرد والمطر الراشح في ليل الغرباء‪...‬‬
‫والشجن الملقى على قارعة الطريق وقارعة البروق‬
‫والحنين القرمزي إلى الدفء والمنفى‬
‫واليأس المتكرر تحت أوجاع الزمان‪.‬‬
‫أواه‪ ...‬يا سيدة المنفى‪...‬‬
‫يحرضني شوق الكتابة إلى الكتابة‪.‬‬
‫وتحرضني الكتابة على الكآبة‬
‫والصحائف البيضاء باكيةً مستلقيةً‪ ،‬كحقول من القطن في عالم‬
‫المسغبة‬
‫كالصقيع المتراكم في الزمن المنطفئ‬
‫‪- 48 -‬‬

‫يحضني الشوق إلى الكتابة‪...‬‬
‫إلى النزيف الحلو بطعم الكآبة‬
‫إلى الطفولة المبعوثة بلون الخريف العائد والبجعات العائدة‪.‬‬
‫إلى السكينة في ساحل الليل المطمئن ‪ ،‬بين غفوة النام ويقظة‬
‫الحلم‬
‫يحرضني شوق الكتابة‪...‬‬
‫أن أرفع مرساتي وقلوعي‬
‫وأعصر قلبي كمثل النبيذ‬
‫بين أوجاعي وضلوعي‬
‫ثم أبحر ما طابت الريح‬
‫فلعل الرحيل في المنفى سلم‬
‫ولربما ترياق الشعر‬
‫يذهب اللم‪.‬‬
‫يحرضني الشوق يا مليكة الحسن الماحق‪ ،‬والجمال الذي ل يُبقى‬
‫ول يذر أن أغفو على وجه صحائفي‪.‬‬
‫انتظر قافلة الكلمات في رحلتها البدية بين الشام واليمن‬
‫كم جملةٍ لحنيةٍ عبرتْ‬
‫وكم صورةٍ باكيةٍ رُسمت‬
‫كم قصيدةٍ غرامية سُمعت‬
‫‪- 49 -‬‬

‫وكم دمعةٍ قيسيةٍ سقطت‬
‫يدفعني الحنين إلى الكتابة‪...‬‬
‫حين يمتزج الحزن بالحبر‬
‫وتتخذ الكلمات شكل السحابة‬
‫حيث يتجاسر الحرف‪....‬‬
‫ويغدو أديما للمزامير البعيدة‪.‬‬
‫وشجوا للكمانات والقمارى النائحة‪.‬‬
‫آه‪ ..‬لقد مشت على جسدي قوافل الزمان‪ ،‬وأنا مازلتُ ملقىً ل‬
‫أستطيع حتى الكلم‪.‬‬
‫فحدثيني يا سيدة هذا الحديث‪ ،‬كيف أكلم الناس عنكِ‪ ،‬وكيف أُفهم‬
‫ذلك الشرطي الذي يسألني دوما عن هويتي‪.‬‬
‫هل أقول له أنا الخطوة الولى في رحلةً المأساة‪.‬‬
‫فلطالما يظن أنني الغريب الذي يدرج باحثا في الكون عن وطنٍ‬
‫حملته أشباح الظل م إلى حيث يجف الحليب من ثدي المهات‪ ،‬إلى‬
‫حيث اقتضت حكمة السياسة الرشيدة بناء أول مقبرةٍ جماعية لموتى‬
‫المجاعة‪.‬‬
‫أتراه يظ ن أنني أنا التائ ه الذي يعر ج نحو السماء صعودا في‬
‫رحلةٍ أبدية الطوار‪ ،‬كالحقيقة وكالحلم‪ ،‬كالموت وكالحياة‪.‬‬
‫غي ر أن ي مح ض حل م صغي ر يتكو ر ف ي حش ى اللي ل السرمدي‬
‫المهيب‪ ،‬مجرد كائن يحمل بذرة فنائه في نفسه ويدب مزعورا في فج‬
‫الحياة مروّعٌ في النور وفي الظلم‪ ،‬غريب أينما يحط قدميه يمور من‬
‫تحت قدميه التراب‪.‬‬
‫‪- 50 -‬‬

‫***‬
‫عندما يهبط الليل يا سيدتي ويطوي تحت جناحيه السودين كل‬
‫العالمي ن يف ر النو م م ن تح ت وسائد ي وجفون ي وأبي ت عل ى سرر‬
‫الصحوة المستوحشة‪ .‬دكة نومي أتونٌ مشتعل وملحفي نسجتها أحزان‬
‫اليتامى من التعاسة والوجع‪.‬‬
‫رباه‪ . ..‬م ن يغنين ي هذ ه الليل ة ك ي أنام ‪ ،‬م ن يهده د جفني‬
‫ليستريح‪ ،‬من يمسد خصلت شعري براحةٍ حنونة فأغفو عليها وأحلم‬
‫بالجن ة والحو ر العين ‪ ،‬م ن يكن س حطا م اللي ل المتكد س عل ى باب‬
‫أُدحيتي ونوافذ قلبي‪.‬‬
‫وإذن‪ ...‬فخذي مزمارك يا سيدتي واملئيني أنغاما تعيد لعينيّ‬
‫السكون وتُريح رأسي على مخدات السلم‪.‬‬
‫أوجعيني يا سيدتي‪ ،‬فليس ثمّ وجعٌ نبيل إن لم يكن على يدك‪،‬‬
‫وليس ثم مزمار حزين إن لم يشتعل بين شفتيك‪.‬‬
‫غنيني‪ ...‬غني لي يا سيدتي وامطريني ببرد الغناء‪ ،‬وهل بردٌ‬
‫وسل مٌ إل الغناء‪ ،‬فكذلك أوصتني أمي النبيلة وأنا طفلٌ ل يحفظ إلى‬
‫الوصايا وحكايات المهات‪.‬‬
‫غني لي يا سيدة الوصايا التي أصلها في الماضي المجيد‪ ،‬ففي‬
‫غربت ي أبط ل الحز ن ك ل مراجع ي وفقد ت ذاكرت ي ف ي لج ة النسيان‬
‫والعدم‪ ،‬لقد محى الزمان صحائفي وألغى كل الذكريات‪ ،‬لم أعد أذكر‬
‫كم شجرةٍ من أشجار الللوب تشمخ في فناء الدار التي ولدتُ فيها‪،‬‬
‫ول أذكر كم سدرةٍ على الدروب العاطلة التي طالما لعبنا عليها‪ ،‬ل‬
‫ول أذكر شكل جنائن الليمون والمنجة ول لون العراجين عند أقاصي‬
‫التلل حيث للقمرى مع النخيل حكاية عشق ل يموت‪.‬‬
‫لقد نسيت ألوان الملحف والمواعين النحاسية والصور المطرزة‬
‫‪- 51 -‬‬

‫على السجاجيد القديمة وخزائن الحديد التي جلبت من مصر وجربان‬
‫الجلود والقرب والشِمال والبروش الملونة في أدحيات بيتنا الكبير‪.‬‬
‫لم أعد أذكر الراكوبة المنمقة ول اللّدايا ول موضع المصحف‬
‫والسيف والبريق من البيت‪.‬‬
‫أُمي‪.‬‬

‫لقد نسيت كم جبةٍ لبست وكم عيد ‪ ،‬وكم مرةٍ بكيت في صدر‬

‫لق د تكلس ت ك ل الصو ر وتجمد ت ك ل الصوا ت ف ي خرائب‬
‫ذاكرتي العجوز‪.‬‬
‫لكن صورة واحدة ل تزال كعهدي بها وصوتا واحدا ل يزال‬
‫كعهد ي ب ه وج ه ل تيزا ل حيا تيرز ق ف ي الذاكر ة الميتة ‪ ،‬وموسيقى‬
‫صوتٌ إلهي ل تزال أصداؤه تتردد على أفلك سمع أصمّ هُ الطنين‪.‬‬
‫الوج ه النبي ل ل تيزا ل كعهد ي ب ه حيا تونقيا تحت ى الشفافية‬
‫والحزن‪.‬‬
‫الصوت السماوي الوقور أين منه سوناتات بتهوفن وألحان الطفل‬
‫اللهي موزار‪.‬‬
‫ذلكم صوت أمي الذي أسمعه في كل صوت جميل وهو أجمل‪،‬‬
‫وذلك م وجهه ا الذ ي ل تيضاهي ه جمالً وطهرا توج ه م ن تل ك الوجوه‬
‫الملئكية الجميلة التي أبدعتها قرائح الرسامين في عصر النهضة وفي‬
‫كل العصور وأودعت فيها كل أشواق النسان إلى السمو وإلى الكمال‪.‬‬
‫ذلكم وجهها الذي أبدعته يد الرحمن فتبارك ال أحسن الخالقين‪،‬‬
‫وذلكم صوتها الذي باركه ال في العالي وأودع فيه الحكمة الخالدة‬
‫فتبارك ال الذي يصعد إليه الكلم الطيب‪.‬‬
‫هدهديني كي أنام هذه الليلة يا سيدتي‪ ،‬فأنا في شعاب هذا الليل‬
‫‪- 52 -‬‬

‫المنتح ب أتوه ج شوقا تلي د امراةٍ كامل ة النوثة ‪ ،‬أتنف س م ن راحتها‬
‫الوكسجين وأعبّ منها ما يعصر من رئتي قطران السجائر ورائحة‬
‫المازوت وأتحوط بها درعا سليمانيا مطلسما أتقي به شبحا يمتصني‬
‫في خل ء الليل المهيب‪ ،‬وأحملها سراجا مباركا في عتمة السراديب‬
‫والظلل المروّعة‪.‬‬
‫***‬
‫دفئيني بعطفكِ يا سيدتي فأنا طفلٌ مقرور تحت سماءٍ منطفئة‪،‬‬
‫وأنزعي من على جسدي الضعيف ثيابي المبللة‪ ،‬وخذيني إليك أخذة‬
‫صدق‪.‬‬
‫دثريني بعباء ة قط ن صنعتها بيديك ودعين ي بجوار موق د النار‬
‫أتجشأ دفئا وسكينة وأنصت في خشوع لصمت التلل البعيدة وسكون‬
‫تلك الجبال التي ابتلعت في جوفها سرها العظم وجثمت في جلل‬
‫مهيب تتأمل صغار الكائنات في عتوٍ ول مبالة‪.‬‬
‫ل تم ا أوس ع هذ ا اللي ل ي ا سيدتي‪ . ..‬أتحفظي ن موشحا تلشاعر‬
‫أدركه الليل على ظهر دابته وهي تخب نحو ديار الحبيب‪ ،‬لقد ضاع‬
‫في مثل هذه العتمة شاعرٌ صعلوك يقرض الشعر ول تجد الفئران في‬
‫بيت ه م ا تقرض ه فتصوف ت ه ي الخر ى وانتشر ت ف ي حُبَكْ الظلم‬
‫تقرض الشعر‪.‬‬
‫أم تراك تحفظين سيدتي أرجوزة الطارق الغريب في موهن ليلةٍ‬
‫من ليالي كانون العتيد والكون جبّ ينز من جوانبه الصقيع‪.‬‬
‫هل آنس نارا في ذلك الكوخ البعيد على حافتيّ الغابة والنهر‪ ،‬أم‬
‫يقوده طيف امرأةٍ تغتسل بالمطار وتتعطر بالعواصف‪.‬‬
‫ل تم ا أوس ع ليل ك يا سيدتي ‪ ،‬وأنا الغري ب الذ ي يقتح م الصقيع‬
‫فزعا تإليك ‪ ،‬دبي ب الشتا ء يسر ي ف ي عظامي ‪ ،‬والمط ر الراش ح يثقل‬
‫‪- 53 -‬‬

‫هامتي‪.‬‬
‫لكأنني أزحف في جوف مغارةٍ متجمدة منذ مئات السنين‪ ،‬لكأن‬
‫قلب ي فضا ء بل تحدود ‪ ،‬لكأن ه خل ء أبد ي تخش ع م ن هول ه البصار‬
‫وتقشعر من وحشته البدان‪.‬‬
‫لكنني وأنا الطفل الذي ضاع من أمه وهو يحبو مأخوذا خلف‬
‫طيفٍ مسحور آنستُ فيك نارا فعدوت أطلبكِ في التيه العظيم‪.‬‬
‫دنوت منك وما دنوت‪.‬‬
‫وبين القدام والحجام أراني واضحا كما لم أر نفسي من قبل‪،‬‬
‫وأرى الحياة مذبحةً تجز فيه ا العنا ق قب ل أ ن تشرئ ب وتموت فيها‬
‫النفوس موتا مكثفا قبل رقدتها الخيرة وقبل أن تشيع محمولةً على‬
‫المناكب إلى المثوى الحزين‪.‬‬
‫لم ن هذ ه الرؤى الباكي ة ي ا سيدتي ‪ ،‬لم ن هذ ا الضري ح الذ ي ل‬
‫يستبشر بقبر الموتى‪ ،‬لمن جهنم التي كلما قيل لها هل امتلئت تقول هل‬
‫من مزيد؟ لمن سعادتي وشقائي وبكائي وابتسامي‪ ،‬لمن هذه الكوان يا‬
‫سيدتي ولمن أنا‪.‬‬
‫دنوت منك وما دنوت‪.‬‬
‫وبي ن الٌقدا م والحجا م أهي ل عل ى نفس ي ركا م الحيا ة البالية‪،‬‬
‫واجلس مدحورا بفشلي وذلي‪.‬‬
‫اجل س كالثكل ى ف ي خرائ ب الماض ي المحترق ‪ ،‬ل تأمل ك من‬
‫حاضر ي إل تالحدي ث عن ه ولق د يستعص ي اليرا ع أحيانا تفيك ف عن‬
‫الحديث‪.‬‬
‫أراني كصاحب جرة السمن الذي علقها فوق رأسه وطفق يحلم‬
‫ويحلم حتى تهشمت جرته واندلق السمن على رأسه الحالم فاستيقظ‪.‬‬
‫‪- 54 -‬‬

‫لم أر الحلم الذي طالما حدثته وحدثني ول الحب في فج الحياة‬
‫ول الشعر ول الفن‪.‬‬
‫لكنك قدري يا سيدتي‪ ،‬قدري الذي أسوق نفسي إليه مدفوعا بكل‬
‫ميراث الكائنات التي تنوس على عواتقها المصائر‪.‬‬
‫تلك الدروب التي مشيت عليها‪ ،‬أذكر أنني عبرتها كالنائم‪ ،‬بيد‬
‫أني ل زلت أسري وأتخب ط كالعشوا ء ف ي السُرى ‪ ،‬تتفت ح في وجهي‬
‫المتاهات وتتأهب لبتلعي كهوف مظلمة‪ ،‬فل أدري أيّ جبّ مظلمٍ‬
‫ألق ي إلي ه بقطعةٍ م ن نفسي ‪ ،‬ول تأدر ي بأ ي قطعةٍ م ن نفس ي أفتدي‬
‫نفسي‪.‬‬
‫يشتد شقائي حين آوي إلى مضجعي في آخر الليل‪ ،‬فحين أستلقي‬
‫عل ى رطوب ة تل ك الدك ة الحزينة ‪ ،‬تل ك الحشي ة البارد ة الت ي أستشعر‬
‫صقيعها يسري في عظامي‪ ..‬أحدث نفسي توا بحديث النوم ويالشقائي‬
‫بذاك الحديث‪ .‬أغمض جفنيّ لكنني ل أنام‪ ،‬أتنفس بعمق وهدوء لكنني‬
‫ل أنام‪ ،‬أتقلّب وأتأوه كالسقيم بيد أني ل أنام‪ ،‬أتمدد مسترخيا كالشيخ‬
‫العتيق‪ ،‬أتكور منكمشا مقرورا كالطفل الوليد غير أني ل أنام‪.‬‬
‫فلو أن لعينيك أشعةً تكشف ما في الصدور‪ ...‬إذن لرأيتِ فؤادا‬
‫غريبا ل يكف عن النواح ول يكف عن العويل‪.‬‬
‫بيد أن للناس عيونا ل ترى إل الذي أوحت به الوجوه وتكلمت‬
‫به الشفاه‪.‬‬
‫عيون الورى يا سيدتي يقصر مداها أميالً و أميالً عما وراء‬
‫القنعة والشكال‪ .‬عيون الورى يا سيدتي ل تستشف أحزان الغرباء‬
‫وجراحات اليتامى والمساكين وأبناء السبيل‪ ،‬فذلك شأن الله‪.‬‬
‫ولق د حملتُ فأس ي وحطمتُ تل ك الحصو ن الت ي حو ت سرها‬
‫القدس‪.‬‬
‫‪- 55 -‬‬

‫هشمتُ النواف ذ والبواب واقتحم ت كمغتصب أثيم حرم ة القلب‬
‫الحرام‪.‬‬
‫مشي ت عل ى ثر ى الفؤا د الذ ي طالم ا تحاشيت ه رهبةً وخوفا‪،‬‬
‫وافتضتُ بكارة قلبي الذي ظل أجيالً في عتمة الضباب والغيب‪.‬‬
‫فبأي أبجدية باكيةٍ أحدثك يا سيدة هذا الحديث‪ ،‬بأي لغةٍ موحشةٍ‬
‫كخرائب الفلوات المهجورة أبثك هذا الخطاب‪ ،‬وبأي مداد موجعٍ أكتبك‬
‫يا سيدة هذا الكتاب‪.‬‬
‫آه لو تعلمين كيف تمضغ الكلمات قلمي‪ ،‬وكيف أتمزق أشل ءً‬
‫وأنا أخطط وجهك مسهدا والنوم يمسّد أجفان العالمين‪.‬‬
‫غمستُ ريشت ي ف ي دمائ ي وطفقتُ أكتب ك لغةً حمرا ء كمثل‬
‫الجحيم الذي يعتمل في النفوس المعذبة‪ ،‬وأنثرك على الصفحات وجعا‬
‫دمويا من صميم الصميم‪.‬‬
‫فتحتُ قلبي الذي كان مختوما بالتهجد آناء الليل وأطراف النهار‬
‫ومحروسا تبتلوةتتالكتبتتالمقدسةتتوصلواتتتالنبياءتتوالصالحين‬
‫والقديسين وأولياء ال من ذوي الكرامات‪.‬‬
‫فتحت ه واستخرجتُ م ا ف ي جوف ه م ن الكنو ز الت ي ل تيعلوها‬
‫الصدأ‪ ،‬وعدوتُ أطليكِ بثراء قلبي وترف مشاعري‪ ،‬وأبذر بين يديك‬
‫الكرامة والعطيات وأبثكِ بإسراف الذي ظل يبخل بقلبه مدى الزمان‬
‫حت ى إذ ا م ا تحر ك الشو ق السرمدي ‪ ،‬حت ى إذ ا م ا بد أ الندا ء البدي‬
‫أخرج قلبه للناس وكان من المسرفين‪ ،‬وأنا الفتى الغريب‪ ...‬راهنتُ‬
‫على أعتابك بكل ماملكت يداي وكنت أعلم أنني أراهن على سراب‪.‬‬
‫كنتُ أعل م أنن ي إنم ا أُريقُ دمائ ي للرياح ‪ ،‬للشف ق المسحور‬
‫‪- 56 -‬‬

‫اللزوردي للنورس البحري‪ ،‬للهذيان الليلي‪.‬‬
‫كنتُ أعلم أنني أنا المحارب الذي تُكسر حربته في أول الصدام‬
‫ويعرف هزيمته قبل اللقاء‪.‬‬
‫غير أني يا سيدتي خُلقتُ هكذا لتعقب السراب وأروم المحال‬
‫فجا إثر فج‪ ،‬وغورا إثر غور‪.‬‬
‫وأعلم أنني الخاسر الول والخير‪.‬‬
‫***‬
‫ل يليق بالتعيس إل الشكوى‪ ،‬بيد أني لستُ التعيس الذي يشكو‬
‫وإنما أنا التعيس الذي يحزن في صمت‪.‬‬
‫وصمت ي ق د فضّت ه الصحائ ف الت ي نذرته ا للحدي ث ف ي وجه‬
‫السراب الزلي وللحديث الجهنميّ أزهارا حمراء دامية كتلك الشجار‬
‫الجهنمية التي تزين واجهات البيوت في السودان‪.‬‬
‫وللحديث الجهنميّ نزيف متفجع يضرّ ج بياض الدفاتر المترفة‬
‫فل تعود تشبه إل خدود العذارى الحييات المترفات في بعض السهول‬
‫التي منّ ال عليها بالعيش الخضيل والسلم الجميل‪.‬‬
‫***‬
‫طوب ى لعيني ك ي ا سيدت ي م ا أبعدهما ‪ ،‬سأظ ل أسع ى نحوهم ا ما‬
‫حييت سأظل أمشي كما يمشي الدراويش ولن أكف عن الرحيل‪.‬‬
‫ليس لنهما طوق النجاة فل نجاة مع الحياة‪ ،‬وليس لنهما ساحل‬
‫لزوردي للخلص إذ ل خلص في كونٍ ليس فيه حقيقة خالدة سوى‬
‫الموت والفناء‪.‬‬
‫بلى يا سيدتي فليس لتلك ول لهذه ول لشيءٍ ربما‪.‬‬
‫‪- 57 -‬‬

‫غير أني كائنٌ ككل الكائنات التي تدب بين فجاج الحياة والموت‪،‬‬
‫تسير مع قافلة الزمان يبعدها شوقٌ ويدنيها ويرفعها حلمٌ ويرميها‪.‬‬
‫وإذ أسعى لعينيك يا سيدة العيون البعيدة‪...‬‬
‫تكور الكون الموشيّ بالضباب واستدار السديم‪ ،‬وتوقف قلبي في‬
‫تلك الوعور وبكى‪ ..‬أواه أيّ دمع مفجع بكى‪.‬‬
‫هل حدث به الناي المغرد في الليل البهيم‪ ،‬هل رواه مليك الشعر‬
‫في عرش اليمام أم سجعت به حسناء في نظمٍ رخيم‪.‬‬
‫إذ أسعى لعينيك يا سيدتي‪...‬‬
‫يتأوه‪.‬‬

‫عيون الصبايا في كل فج وجلت‪ ،‬وسكون الليل في كل عمق‬
‫ولحن الشبابة وهم‪....‬‬
‫وضحى الحلم موت‬
‫وحنين النوق سراب‪.‬‬
‫***‬

‫يوم طلبتُ عينيك يا سيدتي وعدوت نحوهما‪ ،‬عدوت على شجن‬
‫في صباحات الحياة ومشيتُ كالظل ل على الدروب‪ ،‬وتلوت أناشيدي‬
‫كمثل الصلة‪.‬‬
‫يوم طلبتُ عينيك‪...‬‬
‫أنشدتُ أغنيتي الثيرة ونفختُ نايّ ونقرتُ عودي وضربت دفي‪،‬‬
‫وتراءت لي في السراب الُمنيات‪....‬‬
‫ذاك فردوس وعلى الظل فتاة‪ ،‬وهنا نهرٌ وعطر غريب‪.‬‬
‫‪- 58 -‬‬

‫وكان الليل شاعرا ينظم للحياة‪ ،‬وكان الفجر أندلسا خصيب‪.‬‬
‫ومضيت أقلّب سفر الزمان الكذوب‪...‬‬
‫أواه‪ ...‬لق د كذبتني عيناك وأضلن ي السراب ‪ ،‬وابتلعتن ي المتاهة‬
‫وغيبني الجب لكنني قطعت في عينيك فضاءً بعيدا وليس لي أن أعود‬
‫من هذا الرحيل المرهق فكلنا يا سيدتي يمضي إلى حيث تقوده قدماه‬
‫وهول يعلم‪ ،‬نمضي وليس لحدنا أن يقف في منتصف الطريق ليرنو‬
‫بعينيه إلى المسافات الطويلة التي خلفها وراء ظهره في سباق الحياة‬
‫الرهيب وإلى المسافات التي سيقطعها من التراب إلى التراب‪.‬‬
‫نمضي وليس لحدنا أن يتساءل هل يعود أم ل يعود‪.‬‬
‫***‬
‫في فجر عينيك يا سيدة السراب الذي يغشي العيون‪ ،‬ذهبت بعيدا‬
‫في رحلةٍ مرهقة‪ ،‬طويتُ مليين السنين الترابية‪.....‬‬
‫طوي ت مليينت السنينت الترابيةت والكلما ت تتزاحمت فيت نفسي‬
‫كالعصار تتفجر في شراييني تفجر البركان وأكاد أن أموت ودابتي ل‬
‫تكف عن المسير‪.‬‬
‫ف ي فجا ج عيني ك عدو ت طفلً سر ه كظيم ‪ ،‬رو ح م ن جنة‬
‫الفردوس أهبطت في كونٍ أثيم خطوت فيهما وكانتا كمثل المتاهة‪.‬‬
‫في فجاج عينيك حُشر الناس للسُرى وفيهما ظمأٌ عظيم‪ ،‬رحماك‬
‫يا سيدتي إننا في العير التي أقبلت تسعى في صميم السديم‪.‬‬
‫إنن ا رك ب القافل ة المسحورة ‪ ،‬نضر ب ف ي التيمو ر بغي ر هدىً‬
‫ونشق الهوال تلو الهوال‪.‬‬
‫تعالىتتبينناتتالعويلتتوالصياحتتوانبرىتتالشقاقتتقائدتترحلتنا‬
‫‪- 59 -‬‬

‫المشؤومة‪.‬‬
‫يو م تواعدن ا تقاطرن ا م ن ك ل ف ج وغو ر والتقين ا فضربن ا بيننا‬
‫عطر منشم‪.‬‬
‫لقد أخذ البريق منا ما ادخرناه من حكمة وتلل السراب يدعونا‬
‫للمسير ‪ ،‬فسرنا يتأج ج في نفوسنا الجهل والطمع ‪ ،‬ومضينا بل زعيم‬
‫يقودنا ول حيكم يحفظنا من الزلل‪.‬‬
‫أواه يا صاحبة العيون التي لها علمٌ في كل مأساة‪ ،‬لقد خطوتُ‬
‫فيهم ا حت ى الهلك ‪ ،‬وأبحرتُ فيهم ا م ن لحظ ة الميل د وسأجر ي مع‬
‫الريح حتى الحتضار‪.‬‬
‫ذلكم زماني يا سيدتي‪....‬زمان اليأس والحب والبكاء والشعر‪.‬‬
‫ذلكم زماني زمن القصيد والنواح‪ ،‬تقلدت فيه بربابتي العطشى‬
‫وضربت عودي ونفخت مزماري وتلوت قصائدي‪ ،‬بلغت ارزل العمر‬
‫وهممت أن أبوح ببعض أسراري‪.‬‬
‫لم يكن الزمان فجرا قدسيا مشعشع النوار‪ ،‬ل ولم يكن المكان‬
‫ضفةُ نهرٍ عجوز يعربد ما بين الغصون والظلل‪.‬‬
‫وبساط الرض لم يكن بساطا من النجم والعشب والزهار‪ ،‬ل‬
‫ولم تكن سمائي سماء للطيور وللعبير‪.‬‬
‫ولم يكن في خاطري أنني في حضرة قداس ولم تقبّلني العصافير‬
‫ول م تنشدن ي القمارى ‪ ،‬وذل ك النه ر ل م يملن ي م ن شجو ه القدي م ولم‬
‫يحتضني كالسفائن ولم يطعم سكوني ببعض تأملته وأحلمه وصمته‬
‫الزليّ‪.‬‬
‫ذاك زماني زمان الرحيل‪.‬‬
‫‪- 60 -‬‬

‫لق د تعب ت روح ي وتعط ل مزمار ي وتلحق ت أنفاس ي وتشوهت‬
‫أفكاري‪.‬‬
‫الرحلة يا سيدتي انطلقت في مجاهيل العتمة والضباب الذي ل‬
‫يفضي إل إلى عتمة أخرى وضباب آخر‪..‬‬
‫ما هذا السديم يا سيدتي‪ ..‬لكأن بصري معصوب فل أرى إل‬
‫خل ءً أبديا فسيحا يتعطل فيه الح س من الهول والرعب ويتجمد فيه‬
‫الكلم من الحقارة والضعف والنكسار‪.‬‬
‫لكأننا يا سيدتي في غبابات الحياة نجهل من نكون وهذا الكون‬
‫من حولنا ما يكون‪.‬‬
‫لكأننا في قلب إعصار يحملنا كالريش من مكان إلى مكان وقد‬
‫تعطل فينا السمع والبصر‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي زمان السأم والتكرار‪.‬‬
‫بيد أني لك ولعينيك أسعى وأمشي‪ ،‬في الضريح الكبير أمشي‪،‬‬
‫في غابة الشواهد والحزن والفناء أمشي‪.‬‬
‫أمشي وروحي تعوي في كل المواسم ونفسي تنوح كالثكلى‪.‬‬
‫أشق قفرا فل يقضي إل إلى قفرٍ آخر أبشع وأكثر وحشة ول‬
‫سبيل لبن السبيل إل السبيل‪ ،‬وليس للراحل إل الرحيل‪.‬‬
‫ليل يعقبه صباح وصباح يعقبه ليل‪ ،‬وأنا بينهما كالذبيحة المعلقة‬
‫والناس من حولي يضحكون ويفرحون ويتزوجون ويتناسلون لكنني ل‬
‫أسمع إل هدير الدماء والعاصفة ول أرى سوى شبح المأساة‪.‬‬
‫الناس من حولي يصنعون أفراحا من العدم‪ ،‬يغنون ويرقصون‬
‫ويتراشقون بالزهر والنّوار‪.‬‬
‫‪- 61 -‬‬

‫يعشقون ويكرهون‪ ،‬ويروّج بعضهم لبعض كأنهم أرباب‪..‬‬
‫البع ض منهم ل يملك قوت يومه فانحاز إلى صف المتفرجين‬
‫ذو ي المترب ة والبع ض منه م يغو ص ف ي لج ة الثرا ء والتر ف يأكلون‬
‫ويشربون ويتنعمون على ضفاف النهار والبحيرات وفي القصور التي‬
‫تشرئب بجهامةٍ وقسوة‪ .‬بعض النساء يقفن على النوافذ والبواب من‬
‫الصباح حتى المساء يلتقطن سخافات العابرين ويتناقلن ما يبثه التلفاز‬
‫م ن العلنا ت والدعوا ت الت ي تح ض عل ى المزي د م ن الستهلك‬
‫والنهم‪.‬‬
‫وبعض النساء يقفن على مسرح الحياة المضاء بمليين النجوم‬
‫الصناعي ة يتزحلق ن كالسحال ي ف ي الصحار ي الحامية ‪ ،‬تضغ ط على‬
‫أجساده ن الردي ة العاصي ة الضيق ة وتغي ب ملمحه ن تح ت وطأة‬
‫الصباغ والقنعة الشمعية استعرن من القطط السائبة موائها ووقفن‬
‫يعربدن وقد تلصصت على أنوثتهن متبذلة عدسات المصورين وعيون‬
‫العابثي ن المترفي ن وس ط بؤر ة مشتعل ة م ن الشهو ة والتهري ج والتهليل‬
‫والتصفيق‪.‬‬
‫الناس من حولي مهرجون ومهرجات‪ ،‬عابثون وعابثات‪ ،‬يمشون‬
‫ف ي موك ب المأسا ة يغنو ن ويرقصون ‪ ،‬يرفعو ن هاماته م ف ي خيلء‬
‫ويهتفون‪.‬‬
‫يمشون وقد تحدبت ظهورهم من الوزار التي يحملونها‪ ،‬أوزار‬
‫الحياة التي تنحني من وطأتها العناق وتقشعر من هولها البدان‪.‬‬
‫لكنهم في لهوهم وعبثهم ل يلتفتون إلى حقيقة ول يعيرونها أدنى‬
‫اهتمام‪ ،‬بل هم في غيّهم يسعون كما تسعى البُهم وقد تشاكل النسان‬
‫والحيوان‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي‪.‬‬
‫زم ن النسا ن الذي شاكل الحيوا ن في شراهت ه وسفالت ه السفلى‬
‫‪- 62 -‬‬

‫زمن النسان الذي تخلى عن ربوبيته العليا ليغوص طائعا في الوحل‬
‫والطين‪.‬‬
‫والسلم معقودةٌ في صميم التراب وليس لها قرار مكين‪ ،‬ولم يزل‬
‫يتسفل على عبتاتها هابطا هابطا حتى أسفل السافلين‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي‪.‬‬
‫زمن الذي ل هم في دنياه غير مخادع النساء وما حوت القدور‬
‫والقوارير فليس ثم ما يشغله في الكون إن هو أشبع فحولته ومعدته‪.‬‬
‫فلكأن الحياة فراغ ولكأن الكون عدم ومن بعده الطوفان‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي‪.‬‬
‫النا س ف ي قافلت ه الطويل ة يتصارعو ن كالغيلن ‪ ،‬وكالثيران‪،‬‬
‫يقتتلون بضراوة الوحوش على امرأةٍ أوكرسيٍ أو درهم‪.‬‬
‫ل يرو ن ف ي الكو ن الكبير الذي ل تحد ه المدارك وتخشع من‬
‫هول ه النفو س إل تغنيم ة كبير ة يو د أحده م ل و يستول ي عليه ا دون‬
‫الخرين‪.‬‬
‫يتنازعون على السراب ول يعلمون‪ ،‬وهم في غفلتهم وهذيانهم‬
‫يمضون إلى آخر المأساة‪ ،‬غير أنهم ل يقفون ولو لحظة ليتفكروا في‬
‫الذ ي بي ن أيديهم ‪ ،‬ف ي هذ ه الحيا ة الغريب ة المهيب ة والت ي ل تنعل م من‬
‫أمرها إل ما كشفه ال لنا‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي‪.‬‬
‫زم ن العب ث المخي م عل ى النفو س وعتم ة البصائ ر الت ي بلغت‬
‫أقصاها ‪ ،‬زم ن الذي ن يدعو ن الحقائ ق الخالد ة تنو ح عل ى وحدتها‬
‫وغربتها في الكون ويتكالبون تكالب الجراد على الضلل والكاذيب‬
‫‪- 63 -‬‬

‫الزائلة‪.‬‬
‫يتهافتون على الشكال والصور وينسون مبدع الشكال والصور‬
‫وينحتون من ملذاتهم آلهةً يعيدونها ويروجون لها آناء الليل وأطراف‬
‫النهار‪.‬‬
‫ذاك زماني يا سيدتي‪.‬‬
‫زم ن الذي ن دفنو ا جوه ر النسا ن وجلسو ا عل ى قبر ه يندبونه‬
‫ساعة ثم وقفوا يعربدون على حوافي قبورهم ول يعلمون‪.‬‬
‫ليلٌ يعقبه صباح وصباح يعقبه ليل‪.‬‬
‫وأنا من أكون يا أيها الرعد القاصف في الليالي الممطرة‪ ،‬من‬
‫أكون يا أيها الوهج العاصف‪.‬‬
‫من أكون يا أيها الليل المتثائب على الدروب المقفرة‪.‬‬
‫فيا ليت لي صوتٌ قويّ يقتحم النفوس ويتردد على تخوم الكون‬
‫كالصدى‪.‬‬
‫ليت لي صوت قويّ يهز السامعين في كل مكان فأحدث الناس‬
‫بلغة سماويةٍ معطرة‪ ،‬وأروي لهم في ليلةٍ مقدسة عن كائنٍ علويّ هوى‬
‫كالصمت في المقبرة‪.‬‬
‫وغامت الرؤيا فلي س في الكو ن مصباح ‪ ،‬والطوفا ن القدي م عاد‬
‫كرةً أخرى بوجهٍ أكثر ألما وحزنا ووحشة‪.‬‬
‫وعلى الدروب أشباح وفي الوعور غيلن‪.‬‬
‫لي ت ل ي صو ت قويّ تيه ز السامعين ‪ ،‬فأحد ث النا س ل تبلغة‬
‫الشعرا ء المترف ة ول تبلغ ة العلما ء الحيي ة الخفر ة ول تبلغ ة الفقهاء‬
‫الحاكمة بل بلغة النسان الذي أضربه الشتياق فتكلم‪.‬‬
‫‪- 64 -‬‬

‫أواه يا سيدتي‪ ..‬ليت لي أن أجلجل مثل الرعود ومثل العواصف‬
‫والبرو ق فأقص ف كالفج ر ذ ي النوار ‪ ،‬هذ ي الفجا ج وتل ك الهضاب‬
‫وأغس ل هذ ا الوجو د وأكن س تل ك التفاها ت السخيف ة المكررة ‪ ،‬وأحطم‬
‫تلك القلع والكاذيب المسورة‪ ،‬وأدك أركان الظلم بضربةٍ كالزلزلة‬
‫ثم أعتذر إلى ال وأطلب المغفرة‪.‬‬
‫آ ه ي ا سيدت ي ل و تعلمي ن ك م يعذبن ي الكلم ‪ ،‬فلي س ك ل الكلم‬
‫بسواء‪.‬‬
‫فبع ض المفردا ت م ن النا ر وبعضه ا م ن صقي ع الصقيع ‪ ،‬وفي‬
‫القلوب ما هو باردٌ كالوكب المنطفئ‪ ،‬وفي القلوب ما هو بركان متفجر‬
‫يتحدر حمما ونارا يمينا ويسارا‪.‬‬
‫فبعض الكل م إذن يغرف من نُتف الثلج‪ ،‬وبعض الكلم يغرف‬
‫من عيون الحمم‪.‬‬
‫وأنا يا سيدتي أهرول ساعيا من الكل م إلى الكلم‪ ،‬أبحث عن‬
‫لغةٍ وسطى‪ ،‬عن لغةٍ ل كالثلج ول كالنار‪ ،‬عن كل مٍ ل كالكلم‪.‬‬
‫أبحث عن كل مٍ من بردٍ وسلم‪.‬‬
‫شقيّ أنا بتعاستي يا سيدة هذا الحديث‪ ،‬بالشوق أحمله كالمانة‬
‫التي أشفقت من هولها السموات والرض‪ ،‬بأوزار الحياة التي تكبلني‬
‫وأجرها مرغما على ثقلها لطوق بها الدنيا‪.‬‬
‫بالشع ر ينظمن ي وينثرن ي آنا ء اللي ل وأطرا ف النهار ‪ ،‬يبعدني‬
‫ويدنيني يرفعني إلى علياء السموات ثم يرميني‪ ،‬أتلوه كصلوات عابدٍ‬
‫في موهن الليل وكعاشقٍ يبوح بسره لكائنات ل يراها إل هو‪.‬‬
‫لكن الرياح ل تحمل صوتي إلى حيث يُسمع‪ ،‬والناس في دفء‬
‫مخادعهم ل يسمعون انتحاب القلوب المتوجعة في صميم الليل‪.‬‬
‫صوتي يا سيدتي مخنوقٌ في كوبٍ ل يُسمع فيه إلى الفحيح‪ ،‬في‬
‫‪- 65 -‬‬

‫دوامةٍ ترغ ي وتزب د تتمز ق فيه ا الحناج ر وتتلش ى الكلمات ‪ ،‬لكأنني‬
‫أتكلم من قعر بئرٍ سحيق فل أكاد أُميز صوتي وفحيح الجدران‪.‬‬
‫بل أكاد ألّ أعرف صوتي ألّ أعرف نفسي في صخب الحياة‬
‫الذي ل يرتاح إلى نهاية ول يستنيم إلى لحظةٍ من لحظات الهدوء‪.‬‬
‫أنا كوكبٌ منفلت يا سيدتي‪ ،‬خرجتُ من مداري ومجرتي لطارد‬
‫في الخلء البدي الفسيح نجمةً سرابية يفصلها التيه والتيهور العظيم‬
‫عني بمليين السنين الضوئية‪.‬‬
‫معتمٌ أنا يا مليكتي حتى النطفاء والوحشة ومتعبٌ حتى التلشي‬
‫وحتى الفناء‪.‬‬
‫أوا ه ي ا مليكتي‪ . .‬أن ا سال ك الدر ب الحزي ن والتائ ه البد ي في‬
‫الظلما ت بل تمسرجةٍ ول تمصباح ‪ ،‬وه و الضل ل القدي م إذ ن واللعنة‬
‫الكبرى والوهج البعيد أطلبه وأجري إليه سعيا والهلع المروّ ع يعظم‬
‫في قلبي حتى الغماء والهذيان‪ ،‬لكأني يا مليكتي طفل يهرع في غابة‬
‫ترقد تحت ليلٍ مضنٍ وسقيم وتتراقص فيها الظنون والشباح‪.‬‬
‫لكأنني يا مليكتي ذلك الخوف الذي ل ترقى إليه المدراك وليس‬
‫بوسع أرقى الكائنات حسا وفنا أن يطلّع على كهوفه المظلمة‪.‬‬
‫وإذ ن فمعذر ة إذ ا خاطبت ك بلغةٍ تكا د م ن وحشته ا أ ن تستغيث‬
‫فلستُ أجهل أن مثلك ل يخاطب بلغة الكهوف التي طُمرت في باطن‬
‫الرض بيد أني يا مليكتي ل أكلمك بلغة الكون الذي أسكنه بل بلغة‬
‫الكون الذي يسكنني أكلمك بلغتي‪ ..‬لغة المخاض العسير والمأساة‪ ،‬لغة‬
‫الطائر الذي يخرج من هامة القتيل ل يفتأ يقول اسقوني اسقوني حتى‬
‫يشرق بالدماء ويموت مضرجا بصحيته المفجوعة‪.‬‬
‫أكلمك بلغتي يا سيدتي‪ ..‬لغتي التي ل أدين بها لترف الحياة‪،‬‬
‫فلغتي ليست من ترف الحياة في شيء‪.‬‬
‫‪- 66 -‬‬

‫أهمّ بقول كل شيء‪ ،‬بقول مالم أقله لنسيٍ قط‪ ،‬وبين ما أقول‬
‫وما ل أقول بُعد المشرقين‪ ،‬أل نّ كبت الكلم يورث العيّ‪ ،‬أم أن رحلة‬
‫الكلمات من الصميم إلى الشفاه أطول مما نتعلم ‪ ،‬فيها تموت كلمات‬
‫وتحيا كلمات‪ ،‬أم أننا ل ننطق إل بعض حروف البجدية التي يحيط‬
‫بها القيد‪ ،‬أم أن الشعور لغة أخرى والكلم لغة أخرى وشتان ما بين‬
‫اللغتين‪.‬‬
‫أواه يا مليكتي لو أن بوسع إحساسي أن يزكي نفسه بين يديك‪،‬‬
‫وإذن لرأيت شيئا عجبا ل تجود بمثله الكلمات ول تعبر عنه أذكى‬
‫الحاديث و لأفصح اللغات‪ ،‬ول العصافير إن غردت سحراص ول‬
‫البلبل إن شدتْ في أبهى التلل‪ ،‬ول المليحات إن خطرن في عُجبٍ‬
‫ومشي ن بانسيا ب كالظل ل ل تالشج ن القاد م م ن أقص ى الكو ن تحمله‬
‫المزاميرتتفتنشرهتتبينتتالسماءتتوالرضتتول ترقصتتالعذارىتتفي‬
‫الضواحي المترفة وقد فردن اليادي ونشرن الشعور وسبحن في لجة‬
‫اللحان كالفراس في الحلم‪.‬‬
‫ل ول الرياح إن غضبت‪ ،‬ول السيول إن هدرت‪ ،‬ول البروق‬
‫إن سطعت ول الرعود إن قصفت‪.‬‬
‫أوا ه يامليكت ي لي س ف ي الكو ن لغ ة تسبرغو ر القلوب ‪ ،‬فم ا بين‬
‫أغواره ا السحيق ة المستوحش ة وسماواته ا البعيد ة المتحفظ ة ل تتطير‬
‫الكلمات ول تحلق‪.‬‬
‫قد دخلت لجة عينيك يا سيدتي وخطوتُ فيهما بعيدا ولكن‪ ..‬هل‬
‫بعد السراب إل السراب‪ ،‬أحقيقةٌ لعينيك تلوح من بعد السراب وهل‬
‫سأظل أجري وألج الشعاب والمتاهات وتظلين أبدا يا مليكتي كالسراب‬
‫الذي ظنه الظمآن ماء‪.‬‬
‫على أنني في البدء تبعتُ النداء ولم يكن النداء معلوما‪ ،‬وكانت‬
‫الفاق غيوما تبتلع الرؤيا وتسد منافذ النور‪.‬‬
‫وحيدا كنتُ ولم أزل وقد تشعبت أمامي الجُدد فأضحت نسيجا‬
‫‪- 67 -‬‬

‫مروّعا لعناكب خرافية‪ ،‬وأنا الغريب والضيف الوحيد‪ ،‬أمامي وخلفي‬
‫غي ب المتاهات ‪ .‬ل م يك ن العو د محمودا تول تالمض ي محمودا ‪ ،‬لكنني‬
‫مغامرٌ طائش اتلفت كل شيء ولم يزل بوسعي أتلف المزيد‪.‬‬
‫مغامرٌ غرٌ أنا يا سيدتي وفارسٌ سيفه من خشبٍ قديم‪ ،‬هزمتني‬
‫ظنوني وأوهامي وأتلفتْ مهجتي آمالي الكثيرة وأحلمي‪.‬‬
‫مكسورٌ ي ا مليكت ي ولمّ ا أب ح الحقيق ة بعد ‪ ،‬فه ل تأذني ن لفارس‬
‫الظنون والوهم فارسك الذي يمتطي دابةً عرجاء ويشهر سيفا خشبيا‬
‫قديما ‪ .‬يحار ب ب ه طواحي ن الهواء‪ . .‬أ ن يرف ع لسموكِ انتصاراته‬
‫الوهمية‪ ،‬وزبدة حروبه وبطولته وهزائمه وانكساراته‪.‬‬
‫أتأذنين يا سيدتي لفارسك ذي السيف الخشبي والدرع الورقية‪،‬‬
‫ولمّ ا ينضُ ع ن بدن ه بعدُ لبا س الحر ب وحس ك الحرو ب والقتتال‬
‫العنيف ‪ ،‬أ ن يمث ل بي ن يدي ك مزهوا تببطولتٍ خلتْ ‪ ،‬وبطولتٍ في‬
‫الطريق آتية ليتلو عليك بعضا م ن نشيد الفارس الذي تذكّ ر حبه إذ‬
‫دنت من جسده الرماح تطلبه قوتا لها‪ ،‬وهمّ بتقبيل السيف الذي غاص‬
‫في لحمه حتى احمرّ من الدم‪ ،‬لنه برق كابتسامةٍ ظلّ يحملها في قلبه‬
‫وجعا كحد الحسام‪.‬‬
‫أتأذني ن ي ا سيدت ي لفارس ك الحزي ن أ ن يلق ى عل ى سمو ك آخر‬
‫النشيد وآخر الهذيان‪ ،‬فالسفر إليك ل ينتهي والحرب لم تضع أوزارها‬
‫بعد ولكنها استراحة المحارب التي لبد منها‪ ،‬استراحة الفارس الحزين‬
‫الذ ي ظ ل يجال د الطواحي ن والغيل ن والشبا ح حت ى تثلم ت سيوفه‬
‫وتكسرت رماحه وكلّتْ سواعده‪.‬‬
‫أتأذنين يا سيدتي لفارسك المحارب بوقفة قصيرةٍ بين يديك ثم‬
‫يضرب في الرض راحلً كعادته‪ ،‬فليس لنهاية الرحيل أجلٌ معلوم‪،‬‬
‫والسفر البدي يبدأ منك وينتهي إليك وما بينك وبينك خلء أبدي متسع‬
‫وفسيح ‪ ،‬وبيدٌ موحشةٌ تسكنها الغيل ن والشبا ح يهلك فيه ا الراحلون‬
‫ظمأً وإشفاقا وخوفا‪.‬‬
‫‪- 68 -‬‬

‫سل مٌ على البيد التي طويتها والبيد التي لم تزل أمامي‪...‬‬
‫وعلى السفائن التي ألقت مرساها وعلى التي لم تزل في سيرها‬
‫ومجراها ‪ ،‬سل مٌ على الدروب التي سلكناها والبيوت التي هجرناها‪،‬‬
‫والدموع التي ذرفناها‪.‬‬
‫سلمٌ عل ى تل ك البواد ي وكهو ف الجبال ‪ ،‬عل ى الوديا ن بقفرها‬
‫وخضرتها ويباسها وخصبها‪ ،‬على كل غورٍ ومنحدر وكل جرفٍ وتل‪.‬‬
‫على عرائش الليل المتلبد المزحوم‪ ،‬وعرائس الفجر بين مقاصير‬
‫الر ض والسما ء ومراب ط أفرا س النجوم والنجوى والنك د الطالع من‬
‫سديم السديم‪....‬‬
‫على الصحراء والبحر والعصار‪ ،‬والريح التي تعصف والغمام‬
‫والمطر‪ .‬على البرد يحثو جلود الغرباء صقيعا ووجعا ووحشةً وقنوط‪،‬‬
‫على نشيج البكاء يخنقنا كأنشوطة متدلية من سقف بعيد أو أرجوحةٍ‬
‫من أراجيح الشياطين سل مٌ على ماضى وما سيأتي‪ ،‬على ما كان وما‬
‫سيكون‪.‬‬
‫سلمٌ عل ى الحزا ن الت ي تبخر ت واندثر ت وتل ك الت ي ترسبت‬
‫فأضحت في قرار مكين‪.‬‬
‫سلمٌ عل ى الخط ا الت ي مشيناه ا والخط ا الت ي سنمشيها ‪ ،‬على‬
‫الناشيد التي تلوناها وتلك التي سنتلوها‪.‬‬
‫على الكنة الصمّ التي جلوناها وتلك التي سنجلوها‪.‬‬
‫سلمٌ عل ى مافا ت وم ا سيفوت ‪ ،‬عل ى السرا ب الذ ي أضلّنا‬
‫والسراب الذي يتربص بنا‪.‬‬
‫وقال ت دابت ي الت ي حملتن ي إلي ك قفرا تبع د قفر‪ . ..‬أنِخْنِ ي ي ا ذا‬
‫المتشرد الذي ليس لغربته نهاية‪ ...‬فهذا مناخى وهذا مراحى والسلم‪.‬‬
‫‪- 69 -‬‬

‫وقالت ‪ ....‬ترجل عني يا صاحبي فهذا أول السراب ثم بركتْ‪.‬‬
‫بسم ال طاب مناخك ومراحك فابركي واستريحي وارتعي‪...‬‬
‫سأطو ي الفجا ج بعد ك آسفا توسأمض ي فتل ك عادتي ‪ ،‬وسأحملك‬
‫ماضيا تجميلً ومحزنا تمثلم ا حملتني ‪ ،‬ولئ ن أضناكِ الرحي ل وهدّك‬
‫التع ب فلق د أضنان ي وأتعبني ‪ ،‬ولئ ن أوجع ك السُر ى وأمض ك عقم‬
‫المتاهات فلقد أوجعني وأمضني عقم المتاهات‪ ،‬ولئن استبدّ بك الشوق‬
‫والحنين إلى القطيع والمراح‪ ،‬فلقد قتلني الشوق أو كاد‪ ،‬فأنا مثلك أيتها‬
‫الداب ة الحزينة‪ . ...‬مثل ك ق د تعب ت م ن الرحي ل وسئم ت م ن السفر‪،‬‬
‫وعاف ت نفس ي الطرقا ت والضر ب بغي ر هدىً ف ي صمي م البوادي‬
‫والفلوات‪ ،‬مثلك يا صاحبتي أشتاق وأشتهي ساعةً على ضفة نهرٍ أو‬
‫ساح ل بح ر أ و مرجٍ أخض ر مثل ك أيته ا الرفيق ة البائس ة يكا د يقتلني‬
‫الظمأ والشوق إلى حضن أمي وراحة أبي‪.‬‬
‫مثلك يأخذني الحنين إلى البعيد البعيد‪ ،‬إلى الغدران والبحيرات‪،‬‬
‫إلى البرك الخريفية ببجعاتها ورهواتها‪ ،‬إلى السدر والسيال والحراز‬
‫والكتر والللوب والريحان النابت‪ ،‬والطل ح والطنضب والراك على‬
‫جوان ب الخيرا ن والمستنقعا ت مثل ك ي ا صاحبت ي يأخذن ي الحني ن إلى‬
‫صبايا لهيات‪ ،‬وعجائز ينسجن الشمال وشيوخ ينحنون للماضي في‬
‫خشوع ويتذاكرون أيامهم في ظلل الرواكيب‪.‬‬
‫أواه أيتها الدابة البائسة‪ ...‬أواه يا صديقتي الحزينة فلست أعاتبك‬
‫إذ وقعت في براثن الردة والكفر بالسفر‪ ،‬كل يا عزيزتي فلست أنا من‬
‫يحاسب على الكفر بعد اليمان‪ ،‬ولست أنا من يعاتب الصديق إذا ما‬
‫توقف يوما في منتصف الطريق‪.‬‬
‫بيد أني أيتها الدابة العجوز‪ ..‬أيتها الرفيقة المتعبة‪ ...‬ما تعودت‬
‫الوقوف طويلً أمام المرآة لرى على وجهي أخاديد الطريق وعبرة‬
‫الفجا ج والسف ر ب ل م ا تعود ت أ ن أرث ي لنفس ي أ و أفر ح له ا فلست‬
‫أعرف معنى الرثاء ولست أعرف معنى المديح أو الهجاء‪.‬‬
‫‪- 70 -‬‬

‫بل ل أفرق بين الخُسران والربح‪ ،‬والهزيمة والنصر والحقيقة‬
‫والحلم ل أفرق بين الضداد فسيان عندي كل شيء‪.‬‬
‫فلربم ا آخ ذ أنفاس ي وأستري ح بي ن أفيا ء ظ ل يتي م وس ط جحيم‬
‫الصحراء غير أني عاجلً أم آجلً أمضي‪ ،‬فتلك شيمة من يبحث في‬
‫الرض عن وطن‪ ...‬وواقع المر أن ل وطن فوق التراب أو تحت‬
‫التراب سوى القبر والكفن‪ .‬لكنه الحلم أيا دابتي العجوز‪ ...‬الحلم الذي‬
‫أقل ك وأقعد ك وقاد ك وأوقف ك والذ ي سيظ ل يقلن ي ويقعدن ي ويقودني‬
‫ويوقفني ‪ ،‬وسأظ ل أله ث خل ف سرابي الذي يناديني ويسحرني وأعلم‬
‫أنن ي ل ن أص ل غير أني أكره الوقوف ول و أ ن المض ي ل يقو د إلى‬
‫للهلك‪.‬‬
‫هذا أنا يا مليكةَ الشواق التي ملّكتها أزمّتي وألقيت في مجراها‬
‫سفينتي وأمانتي‪.‬‬
‫هذا أنا يا سيدتي سيدة السراب والضباب ومليكة الظنون والوهم‪.‬‬
‫هذا أنا فارسك الذي تضخم في جوفه الحلم فأوحى له ما أوحى‪.‬‬

‫لق د كا ن الندا ء قويا تكالهات ف العلو ي وأن ا بي ن الحقيق ة والحلم‬
‫أعي ش كالصوف ي الذ ي ير ى م ا ل تترا ه العيو ن ويسم ع مال تتسمعه‬
‫الذان ويرجو مال يرجوه الخرون‪.‬‬
‫كالدرويش المجذوب أنا لعوالم أراها ول أراها وحقائق أعلمها‬
‫وأجهلها وطوائف من الكائنات تسحرني فأتبعها ول ألحقها‪.‬‬
‫ف ي البد ء كا ن الندا ء ي ا سيدت ي ف ي صمي م الملكو ت اللهي‬
‫المهيب‪ ،‬وفي الناس من سمع النداء وكنت أنا ممن سمع‪.‬‬
‫وفي الناس من باع واشترى‪ ،‬وفي الناس من استاق واشتهى ثم‬
‫كان الخسران‪.‬‬
‫‪- 71 -‬‬

‫وكنت أنا أول الخاسرين‪ ...‬كنت أنا أول من سُلبتْ منه أعلم‬
‫البطولة ودفعتْ إليه أعلم الهزيمة‪...‬‬
‫لكنني وأنا أسعى إليه يا سيدتي تماثلت في نفسي ألوان الحياة‪،‬‬
‫فطعم البيع كطعم الشراء وطعم الربح كطعم الخسران وطعم البطولة‬
‫كطعم الهزيمة‪.‬‬
‫وأنا أسعى إليك يا سيدتي رأيت العالم في اضطراب عجيب فل‬
‫حدود ول ماهيات ل سماء ول أرض‪ ،‬ل فجرٌ قدسي ول ليل موشح‬
‫بالسى‪.‬‬
‫وأن ا أسع ى إلي ك ي ا سيدت ي ل م أرثيّ تدموعا تول تابتساما ت ل‬
‫مراثى ول أغنياتي ل يطنّ في أذني إل نداءك يا سيدتي ول أرى في‬
‫مجاهيل الحياة إل السراب‪ ..‬سرابك يا سيدتي‪.‬‬
‫حدثني الهاتف العلوي قال‪...‬‬
‫يا صاحب الحقيبة الحمراء‪..‬‬
‫يا أيها البدوي المعفر بالتراب والظمأ والحزن‪..‬‬
‫إخلع نعليك واقترب‪...‬‬
‫قل ت إن ي ق د ترك ت قوم ي يقتتلو ن ف ي واد ي السراب ‪ ،‬وكنت‬
‫أصي خ السم ع إل ى نداءٍ مجهول ‪ ،‬فخرج ت أطلب ه بك ل عنفوا ن الفتوة‬
‫والشباب لكنني قد ضللت الطريق‪ ،‬وطفقت أخوض في لُجَجْ السراب‪.‬‬
‫قال هو السعي الدؤوب‪ ،‬وكذلك تستوي الدواب‪.‬‬
‫لهفي عليك يا صاحب الحقيبة‪ ،‬إنما أنت ترابٌ يطلب التراب‪.‬‬
‫والقلب الذي يعانق هذي الحياة‪ ..‬القلب أيها الهاتف؟‬
‫والكلمات التي ننفخ فيها من روحنا وأشواقنا‪ ،‬والحب الذي نطلبه‬
‫من كف امرأةٍ ل نعرفها ونحن يومئذٍ غرباء نطرق البواب في آخر‬
‫‪- 72 -‬‬

‫الليل‪ .‬ودماء الشهداء العاشقين أحباب ال ‪ ،‬وقد بلغ سيل الدماء الزبى‬
‫والساهرون على كل نجمٍ‪ ،‬الناشدون في كل غدٍ أملً وأمنيةً من أماني‬
‫الحياة‪.‬‬
‫قال إني أرى في عينيك إشفاقا ل يليق بمن يسير مع الحياة‪ .‬أنت‬
‫أكثر السالكين في الدرب جهلً يا صاحبي‪ ،‬وأكثرهم خوفا وحزنا وإن‬
‫كنت أقلهم غفلةً وطمعا في النجاة‪.‬‬
‫على رسلك فمن يجدف نحو الحق في الدنيا‪ ،‬إنما يجدف في بحرٍ‬
‫أهلكت أمواجه الولين واللحقين‪ ،‬وال يخرج من يشاء من الظلمات‬
‫إلى النور‪.‬‬
‫يا أيها التي من مكانٍ بعيد‪ ،‬أيها القادم من الغيب‪..‬‬
‫سمعتك تحدثني عن الغفلة‪ ،‬فما الغفلة؟‬
‫قال هي أن تكثر النظر في ظهور الخرين فتنسى أن لك ظهرا‬
‫كظهورهم‪ ،‬وأن تسرف في الحياة فيباغتك الموت‪.‬‬
‫وكيف ل أغفل ومن طبيعتي النسيان‪ ،‬بل إني لميل إلى النسيان‬
‫م ن الذك ر وم ا م ن عادات ي الكثير ة عادةً تشقين ي كالهوى ‪ ،‬فبالهوى‬
‫عصيت ربي وكنت أظنني لن أعصى‪ ،‬وبالهوى وكأتُ قلبي وذبحته‬
‫كالضحيات‪ ..‬أجل يا صاحبي إنما النسان يحيا بالهوى‪.‬‬
‫قا ل زدن ي علما تبجهل ك أيه ا المسكي ن وتكلم‪ . .‬وإ ن ل م تسعفك‬
‫الكلمات فاجلس وانتحب قليلً ريثما تستريح وقل ربي احلل عقدةً من‬
‫لساني‪ .‬وبارك دموعي فإني قد حملّتها ما أشفق منه لساني وقصّر عنه‬
‫بياني‪.‬‬
‫والرغبة التي تفتك بالكائن الحي‪ ،‬وشهوة الندماج في الجسد‬
‫الخ ر حت ى الرعش ة والموت ‪ ،‬وحني ن الذكرا ن إل ى النسوان ‪ ،‬وحنين‬
‫النسوان إلى الذكران‪.‬‬
‫‪- 73 -‬‬

‫قال هو الطين يحن إلى الطين‪ ،‬والرغام يشتهي الرغام‪ ،‬ومن‬
‫النسوان أمشاجا من نارٍ وماء‪ ،‬وكذلك الذكران‪ ،‬وكلهما يطفئ الخر‪.‬‬
‫فم ا الح ب إذ ن ياسيد ي البعي د والقريب ‪ ،‬والشو ق الذ ي أحمله‬
‫كالمانة ووجيب قلبي أسمعه كنواقيس الكنائس البعيدة‪.‬‬
‫قال فُطر النسا ن على حب الخلود ‪ ،‬فلما كا ن الموت ما انفك‬
‫يبح ث ع ن خلود ه وكا ن سعي ه مشكورا تإ ذ أخر ج م ن نفس ه الحب‪،‬‬
‫والحب كالروح الذي يسري في الكائن الحي‪ ،‬فهو عدو الفناء وأوفى‬
‫من صحب الخلود‪ ،‬ولذلك فالنسان كائنٌ خالد‪ ،‬فآدم لم يمت وكذلك‬
‫الم حواء‪ ،‬فانظر إلى يمينك أو يسارك أو فانظر بين يديك إن شئت‬
‫فستر ى آد م وستر ى حواء ‪ ،‬إن ك أن ت آد م فابح ث ع ن حوائ ك يا هذا‬
‫ودعني بسلم‪.‬‬
‫قلت زدني‪..‬‬
‫قال يا صاحب الحقيبة‪ ،‬يا أيها الطفل الشقي الذي لزال يبحث‬
‫في وجوه النساء عن وجه أمه‪ ،‬تلك هي الحقيقة‪ ..‬أنتم معشر الرجال‬
‫لتكبرون أبدا ‪ ،‬فأنتم أكثر خلق ال إحساسا بالطفولة ‪ ،‬بل وبمخاوف‬
‫الطفول ة وأوها م الطفولة ‪ ،‬وإذ ن فلي س كحض ن المها ت مكانا تآمنا‬
‫تعتصمون به من شبح الحياة‪.‬‬
‫أنتم أيها الرجال لزلتم تشعرون بحنين غامض ومبهم إلى ذلك‬
‫المكان الصغير الذي خرجتم منه‪ ،‬ولذلك فأنتم تبحثون في كل النساء‬
‫عن أمهاتكم فحبيباتكم وزوجاتكم وبناتكم لسنَ في الحقيقة التي تسكن‬
‫بواطن نفوسكم سوى أمهاتكم‪ ،‬ولقد يحتمل الرجال أن ليكون لهم آباء‬
‫ولكنهم ل يحتملون أن ل تكون لهم أمهات‪.‬‬
‫قلت وما المرأة؟‬
‫قال اسمٌ من أسماء الرجل!!‬
‫‪- 74 -‬‬

‫قلت وما الرجل؟؟‬
‫قال اسمٌ من أسماء المرأة!!!‬
‫إزددتُ جهلً من حيث أردتُ أن أعرف‪ ،‬فزدني علما يا سيدي‬
‫وتلطف بنفسي فإنني ل أعرف‪.‬‬
‫قا ل أغم ض عيني ك وتخي ل أل تامرأةً ف ي الحيا ة الدنيا ‪ ،‬وكذلك‬
‫الرجل ‪ ،‬فلم ا أغمض ت عيني ‪ ،‬هالن ي م ا رأي ت واقشع ر بدن ي حتى‬
‫الغما ء إ ذ رأي ت فيم ا رأيت‪ . ..‬شبحا تبتقم ص رداءً أبيضَ ويسير‬
‫مستوحشا في مسوح الظلمة الشاحبة‪ ،‬وكان الخلء من حوله تيها ل‬
‫تحده البصار وموحشا حتى لتكاد تُسمَعُ فيه النفاس من مكانٍ بعيد‪..‬‬
‫وطفقتُ أرقبه وهو يزرع البيداء مشيا ثم عودا على بدأ‪ ،‬حتى‬
‫ليكا د يبي ن ول تيبين ‪ ،‬ويبد و ول تيبدو ‪ ،‬وعادان ي فسر ت إل ى نفسي‬
‫المطمئنة عدواه فسمعت كأنما قلبي يُقْرعُ بمطرقة غليظة‪ ،‬ثم شعرت‬
‫كم ا ل و أ ن نسرا تضخما تس د بجناحي ه أرجا ء الفضا ء فأظلم ت الدنيا‬
‫وغام ت الرؤي ا وأطفئ ت الشم س ورأي ت نفس ي كم ا ل و كن ت أعدو‬
‫وأصيح بهلعٍ من تحت جناحي النسر السودين وإذ ا بالنسر يباغتني‬
‫بقوةٍ رهيبة وأنا بين مخالبه كمزقة اللحم الصغيرة فلما اشتد على نفسي‬
‫المر‪ ،‬وبلغت من الرعب أقصاه‪ ،‬هززتً رأسي بعنفٍ وفتحت عيني‬
‫ونظرت حولي بدهشةٍ غريبة فلم أصدق أن مارأيته وأحسسته محض‬
‫وهمٍ وخيال ‪ ،‬وأرخي ت سمع ي فإذ ا الصو ت البعي د يقول‪ . .‬المرأة‬
‫والرجل‪ ،‬الرجل والمرأة‪ ،‬هو النسان كلمة ال في البدء وبورك في‬
‫الطيبين من نسله إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين‪.‬‬
‫قال إني أسمعك فتكلم‪...‬‬
‫بي ن كلم ي وصيام ي ع ن الكلم ‪ ،‬توج د أرضٌ حرام ‪ ،‬منطقةٌ‬
‫وسطى ل تمشط جوانبها الحروف‪ ،‬ول تُعَبّ دُ مسالكها قافلةُ الكلم‪.‬‬
‫فبأ ي حرفٍ استنط ق السكو ن والحرو ف كله ا خواءٌ ومحض‬
‫‪- 75 -‬‬

‫افتراءٍ وتكلفٍ والكلمات هي السجون‪.‬‬
‫الحرف جلد المشاعر‪ ،‬والعبارة نعش‪ ،‬والدفاتر أرماس وكفن‪..‬‬
‫بي ن الكل م واللكل م تول د الحاسي س كولد ة البرق ‪ ،‬حمراء‬
‫دامية‪ ،‬مشحونةً بحدة النزيف واللم كاشتعال السيف مسلولً ويُغْمَدُ من‬
‫جديد‪.‬‬
‫كالطفل يعود مسرىً وما استيقنت أمه‪ ..‬أما زال في بطنها أم‬
‫وليد؟ قال هو الحرف إذن لم يزل يئد الحاسيس حتى أضحت صحفا‬
‫موضوعة ‪ ،‬وبلغةٍ مصنوعة ‪ ،‬وعبارا ت كثير ة تتداولونه ا فيم ا بينكم‬
‫تداول المتاع‪ ،‬تحملونها ماشئتم من ألوان الزينة والبهرج فتُخدعون بها‬
‫وتظنون أنكم قد أتيتم بجديد‪ ،‬وما هو بجديد‪ ،‬إن هو إل التكرار مستترا‬
‫تحت غطاءٍ ل يلبث أن ينكشف لمن أوتي فهما عميقا وبصرا جديدا‪.‬‬
‫قل ت ه ل يعق ب شتا ء الكلما ت هذ ا ربي ع في ه يزه ر الحرف‬
‫ويخضر؟‬
‫قال بلى إذ ليس الشتاء فصلً سرمديا‪ ،‬وكذلك الربيع والصيف‪،‬‬
‫إ ن ه و إل تغفو ة الطبيعة ‪ ،‬عل ى رحاب ة الكون ‪ ،‬واستراح ة الشجر‬
‫الحمول على وسائد الدنيا‪ ،‬وكذلك تحيا الرياحين والوراد ما بين تألقٍ‬
‫وذبول‪ ،‬إذ ليس الموت عدما‪ ،‬كما أن الشتاء ليس بخاتم الفصول‪.‬‬
‫هل أسرد على سمعك فصلً من شجن الكتابة‪...‬؟‬
‫قا ل تكل م فأن ا مصغٍ إليك ‪ ،‬هاتِ أسمعن ي م ا تقو ل الكتاب ة بين‬
‫كآبتي وكتابتي أهاجر كالدراويش في الحضرة المشهدية‪ ،‬وكثيرةٌ هي‬
‫العيون ‪ ،‬وي ا لفتنتها ‪ ،‬لق د مسن ي منه ا ألمٌ عظيم ‪ ،‬فسلمٌ عليه ا بقدر‬
‫قسوتها علينا‪ ،‬سل مٌ على تلك العيون‪.‬‬
‫سل مٌ على ما كان وما سيكون‪ ،‬سل مٌ على غرباء الدنيا من كل‬
‫أرض وعلى كل فجٍ يكونون‪ ،‬سل مٌ على غرباء الحياة حيثما كانوا في‬
‫‪- 76 -‬‬

‫بلدهم أم في بلد الخرين‪.‬‬
‫سل مٌ على تلك العيون‪...‬‬
‫والشعر الذي يشرب من أريج الضفاف البعيدة‪ ،‬الشعر الذي ل‬
‫يتوسده الرجال العابرون‪ ،‬والشفاه الطافحات بالخمر‪ ،‬الشفاه التي كأنها‬
‫خضبت بدمانا ونحن ميتون‪.‬‬
‫ونحن الحالمون في كل منفى بآنسةٍ لها شكل الوطن‪.‬‬
‫ولقد يسري إلينا النسيم بعطرٍ ذات مساء‪ ،‬ولربما نسمع وسوسة‬
‫الحُلّ ي مشربةً بحفي ف ثوبٍ تعابث ه الرياح ‪ ،‬أ و ربم ا تلتق ط أسماعنا‬
‫صدفةً عبارة حبٍ على أثرها أغنية لعاشقةٍ من زمنٍ رومنسي غبر‪.‬‬
‫ولقد يباغتنا الحب كما باغت النهر ساكن الضفاف‪ ،‬فيفيض على‬
‫قلوبنا ويغمرها ونحن يومئذ غرقى‪ ،‬واليوم ل عاصم من أمر ال‪.‬‬
‫لكننا في الصباح التي وقد بدا لعيوننا السراب‪ ،‬يمر بخاطرنا‬
‫توا أ ن الحياة كلها مح ض سراب ‪ ،‬فالعطر الذ ي نستاف ه في الصيل‬
‫وهم ‪ ،‬ووسوس ة الحليّ وحفي ف الثيا ب وهم س العذار ى مح ض وهمٍ‬
‫وأضغاث أحلم‪ ،‬وسنذكر فقط‪ ،‬أنه بالمس الذي مضى‪ ،‬في مساءٍ ل‬
‫كالمساء عبرت بأكواخنا الحقيرة‪ ،‬فاتنةً حمراء‪ ...‬حمراء‪ ...‬حمراء‪.‬‬
‫ولنني غريب‪ ،‬ولنني بل وطن‪ ،‬أبالغ في حبك يا صاحبتي‪.‬‬
‫ففي مكانٍ ما من ظلمات نفسي أحمل بيتا فسيح الجنبات‪ ،‬وامرأةً‬
‫ف ي داخ ل البي ت تطه و الطعام ‪ ،‬وله ا وجهٌ يضيء‪ . .‬ربم ا ه ي النار‬
‫تصطخب من تحت القدر ألقت عليها رداءً من الوهج‪ ،‬أو ربما هو نورٌ‬
‫من عند ال‪.‬‬
‫وضريحت الشيخت الكبيرت أسفلت البيت‪ . ..‬أينت منتتعينيّ تذاك‬
‫الضريح‪.‬‬
‫‪- 77 -‬‬

‫لقد قيل لي فيما مضى‪ ..‬إن الشيخ أوراده وصلواته المحمدية‪،‬‬
‫ث م ما ت وكأ ن ل م يم ت وه و ل م يز ل ره ن مصلت ه العسجدية ‪ ،‬ربما‬
‫كانت في نفسه وهو يجود بها رغبةٌ بأن يُدفن قريبا من دفء البيت‪،‬‬
‫لكنهم في مطلع الصباح حملوه على تلك اللة الحدباء ‪ ،‬وقصدوا به‬
‫مدينة الموات عند ذلك الوادي‪ ..‬أسفل البيت‪.‬‬
‫في مكان ما يا صاحبتي‪ ..‬أخبئُ خارطةً لوطني‪ ،‬حتى ل يُقال‬
‫أن ي بل توطن ‪ ،‬حت ى إذ ا الشرط ي ف ي تل ك البل د الت ي ننز ح إليها‬
‫مرغمين‪ ،‬ألقى على وجهي الشتائم وعيرني بأني بل وطن‪ ..‬تبسمتُ‬
‫ضاحكا تم ن جهله ‪ ،‬ومدد ت يد ي إل ى مخبأ ي الصغير ‪ ،‬فإذ ا الشرطي‬
‫يُصعق من هول ما يرى‪ ..‬إذ يرى كيف أخرجتُ من مخبئي الصغير‪،‬‬
‫وطنا جميلً بحجم هذا العالم الكبير‪.‬‬
‫ولنني أبالغ في حبك يا صاحبتي‪ ،‬فأذني لي بأن أطويك طي‬
‫الشرا ع كخارط ة وطن ي الكبير ‪ ،‬ث م بس م ال تأدخل ك مدخلً طيبا تفي‬
‫قد س أقداس ي حي ث ل تتجوعي ن ول تتظمئين ‪ ،‬ول ن يعر ف جسدك‬
‫الصغير فقر الثياب ول الحر ول الزمهرير‪.‬‬
‫قيل أي لعنةٍ تحل عليك في كل ليلةٍ يا خادم القلم‪.‬‬
‫وأنا أمين سر الدفاتر‪ ،‬وصاحب الدواة المين‪ ،‬وخادم القلم‪ .‬فمن‬
‫أين أبدأ يا حبيبي‪ ،‬وحديث الصحبة وادٍ ذو شعب‪.‬‬
‫هل أبدأ من حيث التقينا‪ ،‬ذاك لعمري حديثٌ يطول‪ ،‬فكلنا كان‬
‫في الحب فقيها مُعمما‪ ،‬وكلنا في الحب مدرسة‪ ،‬ومذهب وإمام لكل‬
‫العاشقين ‪ .‬أَوَتَظُنن ي ق د بدأت ‪ ،‬فخ ذ بيد ي إذ ن لك ي نمش ي معا تعلى‬
‫السراط المستقيم‪ ،‬وتوكل على ال يا حبيبي‪ ،‬كذلك دأب العاشقين‪.‬‬
‫ورثنا مجد عنترة بن شداد‪ ،‬إذ أحب عبلة بنت مالك‪ ،‬فكان حرا‬
‫وهو يرسف في الغلل حينا من الدهر‪.‬‬
‫ورثنا جميلً‪ ،‬وقيسا‪ ،‬وكُثيرا‪ ،‬ووردا‪ ،‬فكيف إذن تدهمنا السنون‬
‫‪- 78 -‬‬

‫العجاف وفي أهرائنا هذا الحب والمدد‪.‬‬
‫مدد يا قلمي مدد‪..‬‬
‫فلن أكف عن الحب مدى الدهر‪ ..‬مدد‪.‬‬
‫ولن أكف عن البوح بالحب‪ ،‬إلّ تبح بالحب تمت‪ ،‬فإنما بالبوح‬
‫يحيا الحب‪ ،‬إنما بالبوح يحيا الحب‪ ..‬مدد‪..‬‬
‫مدد يا قلمي مدد‪...‬‬
‫فأنت رافدي حين تشيخ الطفولة في ملمح الفق‪ ،‬وحين يعتزل‬
‫النهر المسير وتأبى السماء نزولً بكلمات المطر‪.‬‬
‫وأنت شاهدي حين يؤرقني سهاد الحب في صميم الليل‪ ،‬وحين‬
‫القلب يئن موجوعا من ألمٍ مجهول‪.‬‬
‫وقيل حسبنا ال لو يعلم الناس كيف حال الحالمين‪.‬‬
‫والرجا ل المؤمنو ن ألق ت به م القافل ة الت ي تضر ب ف ي وهاد‬
‫السديم‪ ،‬على تخوم العالم الذي يحكمه التجار‪ ،‬والفئة الباغية من نساءٍ‬
‫كالسحالي ‪ ،‬ورجالٍ ل تكالرجال ‪ .‬الرجا ل المؤمنو ن ألق ت به م ه ا هنا‬
‫القافلة‪ ،‬على تخوم العالم الذي يفر من جحيمه البرار‪.‬‬
‫ثم درجوا يلهون بأيامهم مثل كل البائسين‪ ،‬والمدينة خلية نحلٍ‬
‫شطرت إلى نصفين‪ ،‬في نصفها العلى مساكن الفجار‪ ،‬وفي عتمتها‬
‫السفلى منازل التعساء والبرار‪.‬‬
‫والقومت يجأرو ن (ل تإل ه إل تال)ت لكنه م ل تيعبدو ن ال‪،‬ت‬
‫(وربما كنت تفكر فيمن يعبدون)‪ ،‬لكنه حتما غير الواحد القهار‪.‬‬
‫وكا ن المؤمنو ن غرباء ‪ ،‬يدقو ن النواف ذ والبواب ‪ ،‬ربم ا كانوا‬
‫يبحثون عن وطنٍ ومأوى‪ ،‬أو ربما كسرة خبز أوشربة ماء‪.‬‬
‫‪- 79 -‬‬

‫لك ن نسا ء المدين ة اللوات ي يشبه ن السحال ي م ا تعود ن إطعام‬
‫الغرباء‪ .‬والصبية الشرار في مفارق الطرقات‪ ،‬يلقون على وجوههم‬
‫الحص ى والحجار ة لكنه م كانو ا يسامحونه م ويستغفرو ن ال تلهم‪..‬‬
‫ويستغربون كيف لم يتعلموا في مدارسهم حب الغرباء‪.‬‬
‫بيد أنهم وهم يعبرون‪ ،‬يُفاجأون بأن ما يفعله البناء هو نفسه ما‬
‫يفعله الباء‪ ،‬وعندئذٍ ينظر بعضهم بعضا‪ ،‬ويدركون أنهم حقا غرباء‪.‬‬
‫لكنه م يحبو ن على كل حال ‪ ،‬فلق د يعي ش النسا ن كما الشجار‬
‫بالشمس والماء‪ ،‬يضحكون كثيرا‪ ،‬ويبكون كثيرا‪ ،‬ويفرحون ويحزنون‪،‬‬
‫وقد يغامر أحدهم فيحب‪ ...‬أجل يحب‪ ،‬وليس أصدق من غريبٍ يحب‪..‬‬
‫فَتَرحّمْ يا هذا‪ ،‬واستغفر لذنبك‪.‬‬
‫وقي ل سج ا اللي ل فكأن ه حي ت وقف ت عينا ه ف ي دهش ة الرحيل‬
‫والذهول سجى الليل‪...‬‬
‫والساهرون في كل نجمٍ هذا أوان أوبتهم‪ ،‬فهم لراجيح الطفولة‬
‫عائدون‪ ،‬يتوسدون ذكرياتهم‪ ،‬ويغبضون على أحلمهم خوفا من زائرٍ‬
‫مجهول‪ ،‬وينامون‪ ...‬ينامون‪.‬‬
‫سجا الليل‪...‬‬
‫وآبت كل نفس لصاحبها أوبة الوليف الحنون‪.‬‬
‫آب ت ك ل نفسٍ ‪ ،‬والرجا ل المتعبو ن ف ي سب ل الحياة ‪ ،‬الضاربون‬
‫ضرب العير في الصحراء‪ ،‬الواقفون على كل بابٍ وقفة المملوك الذي‬
‫هدّ هُ الشقاء‪ .‬وهذا أوان أوبتهم‪ ،‬هذا أوان راحتهم‪.‬‬
‫والجنو د المحاربون ‪ ،‬الرجا ل الذي ن يعملو ن ف ي بسالة ‪ ،‬الرجال‬
‫الذين تنازلوا عن حصتهم في النكات الخبيثة وأحاديث البطالة‪.‬‬
‫هذا أوان استراحتهم‪ ،‬في الخندق الحنون‪.‬‬
‫‪- 80 -‬‬

‫سجا الليل‪...‬‬
‫والشبابتتالخائبونتتالبائسون‪،‬تتالشبابتتالذينتتيقفونتتكلفتات‬
‫الطرقات يعابثون العابرين‪ ...‬والغاديات الرائحات‪.‬‬
‫الشبابتتالذينتتل تيعملون‪،‬تتالذينتتلبطالتهمتتعابدون‪،‬تتوعلى‬
‫السخافات عاكفون على أرصفة المقاهي‪ ،‬وظلمة الحانات‪.‬‬
‫هذا أوان أوبتهم‪ ،‬فهم مرهقون‪ ،‬ولسوف ينامون‪.‬‬
‫سجا الليل‪....‬‬
‫والراجفون من وجلٍ‪ ،‬والساهرون من وجع الحياة‪...‬‬
‫إلى متى سيسهرون؟‬
‫قل معي حتما تزول كآبة الرواح‪ ،‬ول محالة نائمون‪.‬‬
‫سجا الليل‪...‬‬
‫والرجال الشرفاء المرهقون‪ ،‬من الحقول والمراعي عائدون‪...‬‬
‫وانحدر ت به م الدرو ب نح و بيوتهم ‪ ،‬فرحي ن بم ا آتاه م ال‪،‬‬
‫ويستبشرون‪ .‬وهذا أوان أوبتهم‪.‬‬
‫سجا الليل‪...‬‬
‫والرجال الشعراء يبعثون في كل أمةٍ كما يبعث النبياء‪.‬‬
‫وهذا أوان وحيهم‪ ،‬تتنزل عليهم الكلمات في كل حين‬
‫سجا الليل‪...‬‬
‫وفي البرية الخضراء راعٍ على فمه مزمار‪...‬‬
‫‪- 81 -‬‬

‫والنوق العصافير تهجع في المراح‪...‬‬
‫تمضغ السكون في استجرار‪.‬‬
‫ولقد يبدد الصمت أحيانا‪ ،‬صوت ناقةٍ تحنّ في شجن‪..‬‬
‫يحاورها في الطرف القصي حوار‪.‬‬
‫وهذا أوان الحنين‪ ،‬والناي المعذّب في القفار‪ ،‬هذا أوان الحنين‪.‬‬
‫سجا الليل‪...‬‬
‫والنساء الضامرات يمرحن في بستاننا الشعري كالجديان‪...‬‬
‫الزاريات بنا من قمم الرجولة‪...‬‬
‫الهاويات بنا من أوج الفحولة‪...‬‬
‫إلى المشهد الليلي‪.‬‬
‫وهذا أوان البطولة‪ ،‬هذا أوان البطولة‪.‬‬
‫سجا الليل‪....‬‬
‫ووجوه النسوة اللئي كُنّ بالمس عابرات‪...‬‬
‫خلّفن في أرواحنا الغبار والصدأ‪..‬‬
‫وضربن في الرض سعيا‪ ،‬وهنّ الضاربات‬
‫يتركن في آفاق الرجال ذكرى‬
‫"فهنا كان وجه جميلة راحلة‬
‫يا لقلبي من نساءٍ راحلت‬
‫وذات عجزٍ تمشي على استحياء‬
‫‪- 82 -‬‬

‫فكأنها الماء يمشي على الماء"‬
‫وهذا أوان الذكرى‪.‬‬
‫سجى الليل‪..‬‬
‫وف ي أزق ة ت اللي ل يتجو ل العشا ق الساهرون ‪ ،‬ضربو ا موعدا‬
‫لحبيبة ل يعرفونها وهي تجهل من يكونون‪.‬‬
‫يشافهون النوار في معاقل النجوم‪ ،‬والظلل إذ تبدو لوحشتهم‬
‫يخالونها من وجدهم طيف إنسان‪.‬‬
‫والشموس السابحات في المجرات البعيدة‪ ،‬قاب قوسين أو أدنى‬
‫من قلوبهم فهم لها ناظرون‪ ،‬وهذا أوان القربى‪.‬‬
‫وقال الهاتف العلوي‪ ...‬الليل يسجو وتهدأ الرواح‪.‬‬
‫والصبح يدنو‪ ،‬إني أسمع لتنفسه كما أسمعك الن‪..‬‬
‫الصبح يدنو‪ ،‬ولسوف يغمر الدنيا بفيضه اللهي الرهيب‪...‬‬
‫ولسوف يمشي متنفسا على تلك الجبال‪ ،‬وتلك الروابي‪ ،‬وهاتيك‬
‫البطاح‪.‬‬
‫في الحلم‪ ،‬وما الرؤى‪ ،‬إن كنتم للرؤى تعبرون‪...‬‬
‫كذلك كان في البدء آدم‪...‬‬
‫وأنتم لدم وارثون‪.‬‬
‫قال ما تظن أنك فاعلٌ باليراع؟‬
‫قلت عبثا أوقد النار في شتاء العيون الذابلت‪..‬‬
‫‪- 83 -‬‬

‫وعبثا أنفخ فيها من روحي‪ ،‬وعبثا أخاطبها بلغة القرآن‪..‬‬
‫وأنا الذي على فمه تشتعل الكلمات‪.‬‬
‫قا ل وإذن‪ . .‬قلت لرجا ل المدين ة تالمترفين‪،‬ت والنساءت الفاتنات‬
‫المائعات قل للبنين وللبنات‪.‬‬
‫تذكرو ا إذ ا التقيت م ف ي مجالسكم ‪ ،‬عل ى شواط ئ البح ر أ و بين‬
‫البساتين‬
‫أو في الفنادق حيث تحلو السهرات‪....‬‬
‫تذكروا وأنتم في أوج نشوتكم‪ ،‬ما بين قعقعة الكؤوس‪ ،‬وصليل‬
‫الحليّ على أيادٍ مشرعات‪ ،‬والنساء الطافحات بالبشر والمرح‪ ،‬اللواتي‬
‫يضحكن من نكات الشاربين وهي أسخف النكات‪..‬‬
‫تذكروا وأنتم يومئذٍ كالطواويس‪ ،‬تتبارون بالخيلء وسط إناثكم‪،‬‬
‫مثل ديكٍ حبشيٍ على قطيعٍ من دجاجات‪ ،‬يتآمر بعضكم على بعض‪،‬‬
‫والخيانات تلو الخيانات‪...‬‬
‫تذكروات وأنتمت تخاصرو ن إناثكم‪،‬ت وقدت أرحنت أذرعهنّ تعلى‬
‫أكتافكم‪ ،‬وأرحتم سواعدكم على أعجازهن المائسات‪...‬‬
‫والموسيق ى تستب ي الروا ح ف ي الليل ‪ ،‬والبيان و العذّ ب يفصل‬
‫ألحانا للراقصين والراقصات‪ ،‬للساهرين والساهرات‪.‬‬
‫تذكرو ا وأنت م حينئذٍ تجلسو ن إل ى الموائ د الت ي يستح ي منها‬
‫الجالسونتتعلىتترصيفتتالحياة‪،‬تتالبائتونتتعلىتتالطوى‪،‬تتوأطفالهم‬
‫كالجراء الصغيرة ما بين الزبالة والنفايات‪..‬‬
‫يبحثو ن ف ي كناستك م أيه ا الثرياء ‪ ،‬يبحثو ن ف ي فضلتك م أيها‬
‫الغنياء عن فتاتٍ ربما أمدهم ببعض الحياة‪..‬‬
‫تذكرو ا وأنتم تنهشو ن اللح م والثريد ‪ ،‬وألوا ن الطعام م ن جنسٍ‬
‫‪- 84 -‬‬

‫مشتهى والشراب الفاخر يسعى به الولدان بينكم كسعاة البريد‪.‬‬
‫تذكروا وأنتم يومئذٍ في أوج شراهتكم‪ ،‬ل تشبعون ول ترتوون‪،‬‬
‫فبطونكم كجهنم‪ ،‬كلما قيل لها هل امتلت‪ ..‬تقول هل من مزيد‪..‬‬
‫تذكروا‪ ...‬أن في مدينتكم‪ ،‬في مكانٍ ما بجوار قصوركم‪....‬‬
‫أطفالً عراة‪ ،‬آبائهم جائعون‪ ،‬وأمهاتهم جائعات‪...‬‬
‫ليشربو ن النبي ذ الذ ي يعب ر البحار ‪ ،‬ل تول م يجلسو ا ف ي بهو‬
‫الفناد ق العلي ا ليستمتعو ا كم ا الطيو ر بغابا ت الصنوب ر والسر و على‬
‫سفوح الجبال‪ ،‬وضفاف البحيرات‪...‬‬
‫ل يغنون ول يرقصون‪ ،‬ول يسكرون فينتشون‪ ،‬ل ولم يعرفوا‬
‫هاتيك الملذات‪...‬‬
‫تذكروا يا أيها الغنياء‪...‬‬
‫تذكروا البائسين الذين ل يملكون ثمن اللقمة الصغيرة‪ ،‬أو ثمن‬
‫الكساء والحذاء‪..‬‬
‫والمرض ى عل ى السر ة يستغيثو ن (وارباه ) ولي س ف ي جيوبهم‬
‫ثمن الدواء‪.‬‬
‫تذكروا أيها السادة الغنياء‪...‬‬
‫يا أيها النائمون على وسائد الريش‪ ،‬ومن حولهم ينتحب الفقراء‪.‬‬
‫يا أيها الذي ن يرمون إليهم بسخرية النظرات‪ ،‬إذ يكونون على‬
‫الرصيف‪ ،‬وأنتم يومئذٍ خلف النوافذ الملونة‪ ،‬على مقاعد السيارات‪..‬‬
‫تنظرون إليهم وشفاهكم تمضغ أعقاب السجائر‪ ،‬وأياديكم تعابث‬
‫عاهرةً بجواركم علمتها اليام كيف تكون لفتةً من تلك اللفتات‪.‬‬
‫‪- 85 -‬‬

‫تذكروا أنكم ستموتون كأتعس الفقراء‪ ،‬بل كالدويبات الصغيرة‬
‫التي تدهسونها وأنتم في نشوة الحياة‪...‬‬
‫تذكروا أنكم تموتون كما يموتون‪ ،‬ولسوف تُدفنون كما يُدفنون‪،‬‬
‫بالتراب الذي تكبرتم عليه وغركم بال الغرور‬
‫تذكروا‪...‬‬
‫يومئذٍ ل ينفع مالٌ ول بنون‪.‬‬
‫***‬
‫قلت وما الموت‪...‬؟‬
‫موتكم‬

‫قا ل ي ا صاح ب الحقيبة‪ ، ...‬إن ك مي ت والنا س ميتون ‪ ،‬فأحبوا‬
‫إذ ليس موتكم هو العدم كما تتوهمون‪.‬‬

‫اعلم أن الناس ل يخافون من الموت‪ ،‬ولكنهم يخافون من الذي‬
‫بعد الموت‪ ،‬ذاك الغموض الذي يجهدون في تصوره فل يفلحون‪ ،‬ذاك‬
‫الغيب المجهول الذي يخافونه‪ .‬بميراث طفولتهم‪ ،‬وما ترسب في ل‬
‫وعيهم من حكاية الشباح والغيل ن والعفاريت‪ ،‬ونواح النسوة اللئي‬
‫يندب ن ف ي المآتم ‪ ،‬وثيابه ن السودا ء والبيضا ء الت ي فُصل ت خصيصا‬
‫لتمثيل المآسي والفجائع والحزان‪.‬‬
‫يا صاحب الحقيبة‪...‬‬
‫النا س إ ذ يقفو ن فجأةً أما م وج ه الموت ‪ ،‬وينظرو ن إل ى القبور‬
‫بشواهدها وصلبانها‪ ،‬يفتحون على عجلٍ كتاب حياتهم أمام أعينهم في‬
‫الحيا ة الدني ا فيرو ن م ا يرو ن م ن خي ر وش ر وسعادةٍ وشقاء ‪ ،‬وإذا‬
‫بأعمارهم تبدو لهم مثل شريط سينمائي يمر بسرعةٍ مدهشة‪ ،‬وينظرون‬
‫‪- 86 -‬‬

‫إلى فصول حياتهم تتعاقب على دولب الحياة‪ ،‬أطفالً فشبابا فكهولً‬
‫فشيوخا فت‪....‬‬
‫وهن ا يقفو ن مذهولي ن عن د نهاي ة الشريط ‪ ،‬وتل ك ه ي القضية‪،‬‬
‫البع ض منه م يه ز رأس ه بعنف ‪ ،‬ويغر ق نفس ه ف ي لج ة الحيا ة حتى‬
‫الغفلة ‪ ،‬ويوه م نفس ه بالنسيا ن خوفا تم ن مجر د التذكر ‪ ،‬ويعل ل نفسه‬
‫بالما ل والزوج ة والولد ‪ ،‬ويبال غ ف ي الح ب وطل ب الحب ‪ ،‬فه و يطلب‬
‫النجاة و لسبيل إلى النجاة‪ ،‬ويطلب الخلود في الحياة الدنيا ول سبيل‬
‫إلى الخلود‪ ،‬فتراه يسعى في كل السبل‪ ،‬وكذلك يسرف في الحياة‪.‬‬
‫وبعضهم يمعن في الخوف من الموت حتى الهذيان والمرض‪،‬‬
‫وهذا هو عين الموت‪ ،‬بل قل العدم‪.‬‬
‫هؤلء هم البؤساء حقا‪ ،‬ل يتأملون ول يتفكرون‪ ،‬ول ينتصحون‬
‫فيرشدون‪.‬‬
‫يغرفون نفوسهم في الخمر والشراب طلبا للراحة النفسية وهم‬
‫واهمون‪.‬‬
‫ينهشون في أجسادهم ويأكلون من أكبادهم‪ ،‬ويسخرون من كل‬
‫ما ل يوافق سفالة أغراضهم إمعانا في الغياب كل الغياب وصولً إلى‬
‫آخر الغيبوبة‪.‬‬
‫تسألهم فيقولون هو الملل‪ ،‬هو الضجر‪ ،‬هو الحساس بل جدوى‬
‫الحياة‪ ،‬هي الكآبة العمياء والحساس بالفجيعة والفشل‪.‬‬
‫ولكنهم في دواخل نفوسهم ل يعنون سوى الخوف من الموت‪.‬‬
‫الموت‬

‫أجل‪ ...‬هل تظن أن الذين يُقدمون على النتحار ل يخافون من‬
‫كل يا صاحب الحقيبة‪ ،‬فهم أكثر الناس خوفا من هذا المجهول‬
‫‪- 87 -‬‬

‫على حد علمهم فمن تضخم هذا الرعب في نفوسهم‪ ،‬وبشاعة إحساسهم‬
‫بالعجز واليأس تجاه هذا الغريب والشبح الذي يتربص بهم‪ ،‬إحساسهم‬
‫بالعجز هذا‪ ،‬هو نفسه ما يدفعهم بقوة عمياء ل واعية إلى الوقوع في‬
‫صميم الموت‪ ،‬اختصارا للطريق المعبد بالعذابات‪ ،‬وتوفيرا للمطاردة‬
‫والفرار الذي ل يجدي‪ ،‬وكذلك يفعلون‪.‬‬
‫وأم ا البع ض منهم ‪ ،‬وه م المؤمنو ن العارفون ‪ ،‬الذي ن يعملون‬
‫لدنياهم وعيونهم تهتك غشاوة العدم إلى حيث يرحلون فيحلون بسلم‬
‫آمنين‪.‬‬
‫أولئ ك الذي ن يستمدو ن حياته م م ن نو ر ال ‪ ،‬فل تيخافو ن ول‬
‫يسأمون‪ ،‬في شعاب الزمان يدرجون لرفد الحياة بالفعل النبيل‪ ،‬يسعون‬
‫لعمارة الدنيا‪ ،‬مع علمهم أنهم لم يخلقوا لجلها وإنما هي التي خلقت‬
‫من أجلهم‪.‬‬
‫تجدهم حيثما تذهب‪ ،‬إن كنت لبد ذاهب لماكن الشرف‪.‬‬
‫ف ي الحقو ل البعيد ة يحرثو ن ويزرعون ‪ ،‬وف ي ساحا ت الوغى‬
‫والزود عن الكرامة والشرف‪ ،‬يتدافعون تدافع البطال يقاتلون عدوهم‬
‫عد و ال توالوط ن فينتصرو ن بإذ ن ال ‪ ،‬ومنه م م ن يستشهدو ن سل مٌ‬
‫عليهم‪ ...‬سل مٌ على الشهداء إن هم إل أحياءً عند ربهم يرزقون‪.‬‬
‫هؤل ء ه م دائما ‪ ،‬تجده م حيثم ا تطلبهم ‪ ،‬ف ي الطرقا ت يعبدونها‬
‫لراحة الناس‪ ،‬في الجسور والكباري يمدونها للتواصل‪ ،‬في المصانع‬
‫ينتجونت تويصنعون‪،‬ت تفيت تالمشافيت توالمختبرات‪،‬تتفيت تالمدارس‬
‫والجامعات ‪ ،‬وف ي البواخ ر الكبير ة والطائرات ‪ ،‬ف ي المراع ي الجميلة‬
‫يسرحونتتويمرحون‪،‬تتوفيتتبيوتهمتتفيتتالمدائنتتوالقرىتتيسكنون‬
‫لزواجهم‪ ،‬فمنهم الساكنون‪.‬‬
‫ياصاحب الحقيبة‪...‬‬
‫ما الموت إل سبيلً للحياة‪ ،‬ما الموت إل خلصا وانعتاقا لهذه‬
‫‪- 88 -‬‬

‫الروح من قوانينكم هذي‪ ...‬قوانين التراب‪ ،‬من سجون أبدانكم هذي‪..‬‬
‫سجون الل م والعذاب‪ ..‬فالموت مطلب الروح‪ ...‬أجل الموت مطلب‬
‫الروح وعدو الجسد‪.‬‬
‫لربما تموت يا صاح ب الحقيب ة على كوك ب الرض ‪ ،‬أ و على‬
‫سطح القمر‪.‬‬
‫فأنت ميت على كل حال‪ ،‬وأنت حي في كل حال‪.‬‬
‫وقيل خُلقتُ لنظر إليك من بعيد‪ ،‬وأنا شحاذ المدينة‪ ،‬أقف في‬
‫الركن المعتم من الكون‪.‬‬
‫ثياب ي لتدف ع عن ي الزمهري ر والصقيع ‪ ،‬ول تتحو ل بين ي وبين‬
‫لهيب الشمس‪.‬‬
‫ل أحمل في جيوبي صكا بمليمٍ أو بمليون‪ ،‬ل ول أعرف كيف‬
‫تجد السبيل إلى جيوب الخرين‪.‬‬
‫لكنني أعرف كيف أختلس إليك النظر ‪ ،‬لذا أحمد ال كثيرا إذ‬
‫خلقني فقيرا ولم يحرمني من نعمة البصر‪.‬‬
‫فحيثما كنتِ أيتها البعيدة البعيدة‪ ،‬سأرنو إليك باسترسال عاطفيٍ‬
‫رهيب‪.‬‬
‫فأنا أقرب إليك من كل القربين‪ ،‬الذين إلى جوارك يجلسون‪،‬‬
‫ولحاديثكت العذب ة ينصتون‪،‬ت وبعطركت الخمر ي يسكرو ن فينتشون‬
‫ويعربدون‪ ،‬وإلى طفولة وجهك ينظرون‪ ،‬فتبتسمين ويبتسمون‪.‬‬
‫أنا أقرب إليك من هؤلء جميعا‪...‬‬
‫فهؤل ء زمرةٌ م ن النخاسين ‪ ،‬بُعثو ا م ن زمنٍ مظلمٍ مندثر‪،‬‬
‫صَغُرتْ عيونهم وضاقت‪ ،‬فإذا الكل في اعتقادهم تجارة‪ ،‬قابلة للربح‬
‫والخسارة‪.‬‬
‫‪- 89 -‬‬

‫فالقوم ليفقهون في الدنيا سوى البيع والشراء‪ ،‬فإذا بسطوا يدا‬
‫للعطاء‪ ،‬بسطوا الخرى لرد العطاء‪.‬‬
‫أو تظنين أنهم يعرفون معنى الشكر‪ ،‬أو تظنين أنهم يقيمون وزنا‬
‫لحمدٍ أو ثناء‪...‬؟‬
‫لذا فهم ل يرونك إل قطعةً من لحمٍ طري‪ ،‬فليس في شرعتهم‬
‫شيء بل ثمن‪ ،‬ذلك منطق السوق‪ ،‬وتلك سنة التجارة‪.‬‬
‫ولسوف يحسبون كم تساوي عيناك من الدراهم‪ ،‬أل ما أشطرهم‬
‫على العد والحساب‪ ....‬وإن كانوا أبلد خلق ال أجمعين‪.‬‬
‫ولسوف يَزِنُونَ بَسْمَتُكِ بقدر معلوم‪ ،‬ولربما يبخلون‪ ،‬فالبخل في‬
‫شرعتهم غير مذموم‪.‬‬
‫وللجيد التلع ثمن‪...‬‬
‫وللنهدين القرنين ثمن‪...‬‬
‫ولمحيط خصرك ثمن‪...‬‬
‫للشعر المستفيض‪ ،‬للشفتين‪ ،‬للكتفين‪ ،‬لليدين‪ ،‬للنامل التي أُحْكِمَ‬
‫صنعها من عند ال‪.‬‬
‫للرجلين ثمن‪..‬‬
‫للردفين ثمن‪....‬‬
‫لكل ما خلق ال‪.‬‬
‫وقيل يخرج الشعر معجونا بدماء العاشقين‪.‬‬
‫فلو ن الشعر أحمر ‪ ،‬ولواؤه أحمر ‪ ،‬وأرضه حمرا ء مثل كوكب‬
‫المريخ‪.‬‬
‫‪- 90 -‬‬

‫وأنا ولد الصحراء‪ ،‬خرجت من باديتي وقومي‪ ،‬أبحثُ في زرقة‬
‫عينيك يا حبيبتي عن ذلك الكل والماء‪.‬‬
‫ع ن تلك الينابيع الصافي ة التي سمع ت بها ‪ ،‬ع ن تلك البحيرات‬
‫والغابات ولؤلؤ البحر‪.‬‬
‫إني أطلب الشتاء في عينيك يا حبيبتي‪ ،‬أطلبه جليدا يغطي البرية‬
‫والجبال‪ ،‬أطلبه مطرا يتحدر به السحاب‪ ،‬فيهمي علينا‪ ،‬نحن والرض‬
‫تشتهي غفوة الخريف‪.‬‬
‫يا لعينيك يا حبيبتي ما أوسعهما‪ ،‬إني أطوف فيهما منذ مليين‬
‫السنين‪ .‬إني أبحث عنهما قبل ولدتي ‪ ،‬وبعد ولدتي‪ ،‬والخُطى تدفع‬
‫الخُطَى‪ ،‬ول زلتُ في بداية السنين‪.‬‬
‫إن ي أر ى ف ي عيني ك ي ا حبيبت ي جنا ت عدنٍ ‪ ،‬وبساتي ن السماء‬
‫والفردوس ‪ ،‬والكوثر العذ ب وأنهار اللب ن والعس ل والخمر ‪ ،‬والسندس‬
‫الخضر والياقوت والمرجان والستبرق‪ ،‬والكأس التي مذابها الكافور‬
‫والزنجبيل‪ ،‬والنور الذي يسعى‪ ،‬والرضى‪.‬‬
‫إني آنست في عينيك يا حبيبتي طفولتي تدرج عاريةً بين الخيام‬
‫وبيوتتتالشعر‪،‬تتورسومتتالديارتتعلىتتالتللتتيعلوهاتتالسراب‪،‬ت‬
‫(فهنا كانت أمي توقد النار‪ ،‬وهنا كان أبي يقيم الصلة‪ ،‬هنا كنا ننام أنا‬
‫وأخي‪ ..‬هذ ا مضجعنا ‪ ،‬هنالك كا ن المُراح ‪ ،‬وتلك الوتا د التي ينخر‬
‫فيها السوس كانت لبيت خالتي‪ ،‬وهنا كانت تلعب ليلى وهند وفاطمة‬
‫وزينب ‪ ،‬وهنا كا ن يقف محمو د يعاتب أحم د وم ن ذل ك الجر ف كان‬
‫يقفز زيد وعمر وكليب وعنتر‪.‬‬
‫وقيل هذا البدوي يمتطي بعيرا ويسأل في المدينة عن بعير‪!!...‬‬
‫ها هو يوقف سيدةً على قارعة الطريق‪ ،‬فيسألها عن حي بني‬
‫الوبر‪ ،‬وخيمة سيدها قيس بن عاصم‪.‬‬
‫‪- 91 -‬‬

‫انظروا إليه‪ ...‬إنه ل يفهم كيف ل تعرف سيدها قيس بن عاصم‬
‫المنقري‪...‬‬
‫ويستغرب كيف لم نسمع بأهل الوبر‪.‬‬
‫ترى‪ ...‬أين نام كل هذه السنين‪ ،‬ومن أي الكهوف أتى‪.‬‬
‫أفل تينظرُ إل ى الناطحا ت تس د نواف ذ الهواء ‪ ،‬وتنم و كالمرجان‬
‫والسرطان في لجة البحر‪ ،‬وليس لها من أمر ال عاصم‪.‬‬
‫أو لم يستنشق رائحة البترول تفوح في أم القرى وكل العواصم‪،‬‬
‫وقد نفد الهواء من صدورنا واحترقنا‪ ،‬إذ ليست البار آبار عاصم‪،‬‬
‫والحي لم يعد لعاصم وإن كان شيخنا في الوزن (جاسم) جاثم‪.‬‬
‫وقيل أيا قومي ضيعتموني‪ ..‬ضيعتموني والربع خالٍ أحن إلى‬
‫ديار بكر بن وائل‪ ،‬أحن إلى عمتي ليلى وخالي وابن خالي‪ ،‬أحن إلى‬
‫خيمة الشعر ونار القِرَى‪ ،‬والضيف أقبل ممتطيا حصانا أبلجَ كالصبح‬
‫عربيا كريما شامخا كالجبال‪ .... ،‬ذاك عمي‪ ..‬هو عمي رادفا بنت‬
‫عمي‪ ،‬أل فانزل ‪ ،‬وأنت يا هند دونك خباء أمي‪ ...‬وترجل أيا عمي‬
‫الغالي‪.‬‬
‫أحن إلى الفجر يبعثني من نومي فأصحو‪ ..‬وتلك عفراء وبثينة‬
‫أمامي‪ . ..‬وذا ت الخا ل والخلخال ‪ ،‬والشع ر منظوما تيم ر بخاطري‬
‫فأصبو‪...‬‬
‫أحن إلى ديار سلمى والصبابات البكر في العصر الخوالي‪.‬‬
‫أحن إلى ربعي‪ ..‬بيد أن الربع خالِ‪.‬‬
‫وقيل نهارات الصحو التي تعقب أياما من المطر‪ ،‬ونكهة الرمل‬
‫الملبّد بعطر السحاب والرياح اللواقح التي تسري بعبير الرض من‬
‫الضفافتتإلىتتالضفاف‪...‬تتتبعثتتالعشاقتتمنتتقبورهم‪،‬تتفيهرعون‬
‫مستيقظين من البيات الشتوي الطويل‪.‬‬
‫‪- 92 -‬‬

‫وانتشرو ا فرحي ن بالنعي م والميلد ‪ ،‬وف ي النورو ز قيام ة الحب‪،‬‬
‫ويوم جزاء العاشقين‪.‬‬
‫والكونتتينبوعا تيتفجرتتعذبا توزللً توسائغا تلذةً تللشاربين‪،‬‬
‫والحوريات العاشقات الناعمات المترفات النسات في كل واد ينتظرن‬
‫القادمين‪ ،‬ويغتسلن في الينابيع الفتية‪ ،‬والجساد في داخل الماء يومئذٍ‬
‫كالبلّور‪ ،‬ثم وقد تعرضت لحرير الشمس مائساتٍ ضاحكاتٍ فه نّ إذن‬
‫قد ذُبنَ كالشمع في لجة النار والنور‪ ،‬ثم استوينَ على الظلل الرحيمة‬
‫في الفلة‪ ،‬حالماتٍ بقدوم الغائبين‪.‬‬
‫والرهوا ت البي ض ف ي تل ك البحيرات ‪ ،‬السابحا ت عل ى الفضاء‬
‫الواسع وفي القلوب كالنجوم وكالشموس وكالكواكب وكالمجرات‪.‬‬
‫الرهوات الفاتنات في تلك البقاع‪ ،‬يرتعينَ في الخمائل والروح‪،‬‬
‫ويأكلنَ من العشاب والحشا‪ ،‬ويمرحن في الوديان والوجدان‪ ،‬فإذا ما‬
‫استدارت الشمس للغياب في أقصى المجرات‪ ،‬وتوارى الحرير والنّوار‬
‫والسح ر ف ي جو ف الظلمات ‪ .‬إذ ا م ا أقب ل اللي ل ف ي تل ك الفجاج‪،‬‬
‫يستوحش من أشباحه العاشقون والعاشقات‪.‬‬
‫وقيل تُحبس النفاس حينا من الدهر‪ ،‬والبحيرة تغفو ومن فوقها‬
‫الدجى‪،‬تتوسنةتتالنومتتل تيقاومهاتتجموحتتالنهر‪،‬تتوكذلكتتالغابات‪،‬‬
‫والرخبيل وتلك الرُبى والبطاح‪ ،‬بيد أن الظلم ليس سرمديا و الفجر‬
‫يعقبه الصباح‪.‬‬
‫قلت أوصني‪ ..‬إني أراك من الناصحين‪.‬‬
‫قال أو تحفظ وصيتي؟‬
‫قلت بلى وأقسم على ذلك‪ ..‬والذي نفسي ونفسك بيده‪.‬‬
‫قا ل كفا ك حمقا تو لتقسم ‪ ،‬فلق د أقس م النسا ن برب ه ولرب ه ثم‬
‫كفر‪ ..‬فكيف تعاهدني وما أنا إل أنت‪ ،...‬وإني لظنك تخون عهدي‪.‬‬
‫‪- 93 -‬‬

‫قلت ل والذي نفسي ونفسك بيده‪ ،‬أوصني فستجدني إن شاء ال‬
‫من الحافظين‪.‬‬
‫قا ل ك ن أن ت ول تتك ن غيرك ‪ ،‬فغير ك لي س أنت ‪ ،‬وأن ت لست‬
‫غيرك‪.‬‬
‫كن أنت ول تقتل نفسك في التشبه بالخر‪ ،‬فذلك هو النتحار‪،‬‬
‫ذلك هو الموت‪.‬‬
‫كن كما خلقك ال ‪ ،‬فأنت الفرد الفريد ‪ ،‬وأنت الشخص الوحيد‪،‬‬
‫فلقد خلق ال قبل مولدك آلف المليين من البشر‪ ،‬ولسوف يخلق بعد‬
‫موتك آلف المليين من البشر‪ ،‬لكن واحدا لن يكون مثلك تماما لمن‬
‫قبل ول من بعد‪ ،‬فأنت آية ال دلّ بك على قدرته وسعة ملكه‪ ....‬قل‪،‬‬
‫فتبارك ال أحسن الخالقين‪.‬‬
‫ك ن نفس ك يا صاحبي ‪ ،‬فلي س بوسع ك أ ن تكو ن إل تأنت ‪ ،‬ربما‬
‫تتشابه الشكال والصور‪ ،‬وربما تتلقى الخيلة والعواطف والهازيج‬
‫والحلم والفِكَرْ‪ ،‬ربما وربما وربما‪ ...‬لكن ستظل نسيج وحدتك أيها‬
‫النسان مدى الحياة ومدى الدهر‪ .‬فخذ نفسك على فطرتها‪ ،‬واقنع بها‬
‫كما وهبها ال لك بجمالها وعيوبها‪ ،‬فهي الهدية من ال‪ ،‬ول يتذمر من‬
‫هديته إل الحمق‪.‬‬
‫جاه د إ ن استطع ت (وإن ك لمستطيع ) ف ي التخل ص م ن سوءات‬
‫نفسك ‪ ،‬فذل ك ه و الجها د حقا ‪ ،‬وتجم ل بتمثل ك كاف ة القي م النسانية‬
‫الفاضلة‪ ،‬وارحم وتعطف وتسامح‪ ،‬فأنت حقا خليفة ال‪.‬‬
‫واطلب لنفسك مكانا في ملكوت ال الكبير‪ ،‬ول تقلل من شأن‬
‫ذات ك ول تتبخ س م ن قد ر نفسك ‪ ،‬فأن ت أيه ا النسا ن مل ك النواع‪،‬‬
‫وقدرك عند ال كبير‪.‬‬
‫ول تقل إني ضعيف ولست قويا كفلن‪ ،‬القوة تكمن فيك‪ ،‬فجاهد‬
‫لكتشافه ا ف ي أعما ق أعما ق نفسك ‪ ،‬وتطو ع لستخراجه ا وتسخيرها‬
‫‪- 94 -‬‬

‫لرفعتك‪ ،‬فلقد أوتيت ما ل يخطر لك على بال‪ ،‬فل تكن جاهلً بأمر‬
‫نفسك ‪ ،‬ول تك ن جاحدا بنعم ال عليك ‪ ،‬فارفق بنفسك أيها النسان‬
‫وأخرجها من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫أل تعلم أنك أن ت الحد ث الفريد ؟ أل تعل م أ ن الكوا ن بأسرها‬
‫سُخَر ت لخدمت ك أل تتعل م أ ن ال تج ل شأن ه أسج د ملئكت ه لك ‪ ،‬أيها‬
‫النسان إن لك شأنا خطيرا‪ .‬أيها النسان تذكر قول ربك (إني خالق‬
‫بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)‪،‬‬
‫فإلى متى تظل سادرا في غيك وجهلك بقدر نفسك‪.‬‬
‫فإل ى مت ى ي ا صاحب ي تبد د طاقات ك ف ي الكثا ر م ن التعاسة‬
‫والقلق ‪ ،‬وفي جوف ك بلسمٌ ل و عرفته ‪ ،‬ف ي جوف ك إنسانٌ ل و خبرته‪...‬‬
‫لعجبت من نفسك كيف أنك ظللت تجهله كل هذه السنين وهو يصحبك‪.‬‬
‫فبادر بنفسك لنفسك‪ ،‬وعجل فإن الشباب يشيخ‪ ،‬والشيخوخة تفنى‬
‫والعمر يندثر‪ ،‬والروح تعود لخالق الرواح‪،‬‬
‫بادر ول تقل غدا‪ ،‬فغدا يتربص بك‪ ،‬فتربص به أنت‪.‬‬
‫بادر‪ . ..‬ول تتق ل مللت ‪ ،‬أ و ضجرت ‪ ،‬أ و سئمت ‪ ،‬فإنه ا من‬
‫مفردات القنوط وقاموس الشقاء‪ ،‬ول يصحبها إل الفاشلون‪.‬‬
‫قلت أوصني كيف أعاشر امرأتي وأصحبها في الدنيا بمعروف؟‬
‫قال نسائكم بيوتكم التي فيها تسكنون‪ ،‬فأحسنوا إلى بيوتكم يحسن‬
‫ال لكم‪.‬‬
‫نسائكم النار التي بها تصطلون في الشتاء‪ ،‬والظل الرحيم الذي‬
‫فيه تنامون في الصيف‪ ،‬والجمال البهي الذي به تتباهون في الناس‪.‬‬
‫فأشعلو ا مواقدك م ل تتبردون ‪ ،‬وأمدو ا ظللك م ل تتُرمضون‪،‬‬
‫وتزينوا بجمالكم ل تُبخسون‪.‬‬
‫‪- 95 -‬‬

‫نسائكم حدائق الليل التي فيها تهجعون‪ ،‬وقوارير العبير التي من‬
‫عطره ا تتنفسون ‪ ،‬وأغمط ة الحري ر الموش ي بتصاوير الملئك ة الذين‬
‫عل ى نومك م يرفون ‪ ،‬والوسائ د العطش ى لعر ق اللي ل الطازج ‪ ،‬وبكر‬
‫الصبوات‪ ،‬والنزوات‪ ،‬والرغبات والشهوة المقموعة منذ آلف السنين‪،‬‬
‫والهات‪ ،‬والشهقات وأوهام الطفولة عن الحب‪ ،‬ومخاوف البنين من‬
‫البنات‪ ،‬وما كنتم تكتمون‪ .‬نسائكم طيوف أنصافكم التي بها تبوحون‬
‫بسرائرتتنفوسكم‪،‬تتوخلجا ت تقلوبكمت ونفائستتحبكم‪،‬تتونب ل تمحتدكم‪،‬‬
‫ومتاعب أعمالكم‪ ،‬ومخاوف ليلكم ونهاركم‪ ،‬نسائكم كرومكم التي منها‬
‫تعصرون ‪ ،‬وشهدك م الذي ب ه تسكرون ‪ ،‬وينبوعك م الذ ي في ه تغتسلون‬
‫وتطهرون‪ ،‬وعينكم التي بها تروم‪ ،‬وصدركم الذي فيه تبكون وأمهاتكم‬
‫اللئ ي بي ن أحضانه ن تطمئنون ‪ ،‬ونص ف حياتك م الت ي فيه ا تعيشون‬
‫وعنه ا تسألون ‪ ،‬يو م يقو م النا س لر ب العالمين ‪ .‬نسائك م قر ة أعينكم‪،‬‬
‫وبَهجة أحسنكم‪ ،‬فاتقوا ال في النساء‪ ،‬واستغفروا لذنوبكم‪.‬‬
‫قلت قد أوصيتني خيرا بامرأتي‪ ،‬فهل أوصيت امرأتي بي خيرا‬
‫وكيف تصحبني في الدنيا بمعروف‪.‬‬
‫قال أيتها المرأة‪ ،‬يا أيها الكائن الجميل والمثير‪ ،‬يا أيقونة السلم‬
‫والمحبة‪ ،‬يا فتنة الكبير والصغير‪ ،‬يا واحة النوار والظلل واللوان‬
‫والعبير‪ ،‬أيتها النثى‪ ..‬يا لمسة الحنان ولذعة الحرير‪ ،‬أيتها النثى‪....‬‬
‫يا أيها الكائن الخطير‪ .‬إن استطعت أن تكوني ساحرةً وفاتنةً فكوني‪،‬‬
‫أو استطعتِ أن تكوني عاقلةً وماكرةً وشاطرةً فل تتريثين‪.‬‬
‫ولكن هل لي أن أسدي لك نصحا طيبا‪ ،‬وإني لناصحٌ أمين‪.‬‬
‫أيته ا الصاحبة‪ . ..‬أعل م أ ن م ا يعجب ك ف ي الرجا ل كثي ر كثير‪،‬‬
‫ولك ن خمسةً منه م عل ى أحس ن تقدي ر ه م أح ب الرجا ل إل ى قلبك‬
‫العجيب‪.‬‬
‫رجلً ذكيا بغير جمال يقول لك‪ ...‬أنت أجمل من في الدنيا‪.‬‬
‫ورجلً طفولي الملمح يكاد يخجل من ظله كلما رآك اضطرب‪،‬‬
‫‪- 96 -‬‬

‫وكالحمل الوديع‪ ،‬يرنو إليك من بعيد‪ ،‬ولكنه وسيمٌ وآسر‪.‬‬
‫ورجلً قويا ‪ ،‬غلي ظ الملمح ‪ ،‬بار ز العضلت ‪ ،‬وحا د البصر‬
‫ويرنو إليك من علٍ كالعقاب‪ ،‬ولكنه ل يقول أحبك بل أريدك‪ ،‬وشتان‬
‫ما بين الحب و (الريد) ورجلً تختلج عيناه بطيبة مريحة‪ ،‬يحدثك عن‬
‫عيني ك م ا نوعهما ‪ ،‬وع ن علق ة وجه ك بلوحا ت بيكاسو ‪ ،‬ث م يأسرك‬
‫وينشد الشعر‬
‫ورجلً أدخل تحت جلدته ومعطفه السميك كل هؤل ء الربعة‪،‬‬
‫ومش ى إلي ك كالملكت تارةً وكالشيطا ن تارةً أخرى ‪ ،‬فأحبب ت فيه‬
‫التناقضات‪ ،‬وليس كالمرأة مخلوق يسحره الغموض‪.‬‬
‫أيتها المرأة النبيلة‪....‬‬
‫أصاب منك الرجل الول مقتلً فأحسست تجاهه بالنوثة‪.‬‬
‫ولم س في ك الرج ل الثان ي عاطف ة الموم ة فأحسس ت تجاهه‬
‫بالمومة ووضع الرجل الثالث يده على طفولتك المندسة كالعصفور‪،‬‬
‫فأحسست تجاهه بالبنوة‪.‬‬
‫أما رابع الرجال‪ ،‬فوحده من شعرت معه بشفافية الحب‪ ،‬وصافي‬
‫المودة‪ .‬وأما خامسهم فلقد أضرم فيك أمشاجا من مشاعر متفرقة‪.‬‬
‫أل هل أدلك على خير الرجال وهم كثيرون في كل حال‪ ،‬وما‬
‫الخمسة إل مثال‪.‬‬
‫رج ل ماز ج التقو ى بروح ه فصا ر تقيا ‪ ،‬وإ ن كا ن أقله م علما‪،‬‬
‫وأعسرهم حالً‪ ،‬وأدناهم مكانة‪ ،‬وأفقرهم وجاهة وشكلً‪.‬‬
‫إذا أحبك أخلصك الحب فصدق‪ ،‬وإذا خلك أنصفك فقضى‪ ،‬إذا‬
‫أولد ك أحس ن التربي ة والنشأة ‪ ،‬وإذ ا أصا ب من ك عقما تدع ا إل ى ال‬
‫وتضرع ‪ ،‬يصون ك ف ي الحضو ر والغياب ‪ ،‬ول تيخون ك ف ي معشر‬
‫الصحاب‪ ،‬فهو البر في أهله‪ ،‬المخلص في حبه‪ ،‬الخلوق في عشرته‪،‬‬
‫‪- 97 -‬‬

‫الكامل في حق زوجته الشريك في بيته‪ ،‬المعتذر عن غلطته‪ ،‬الضاحك‬
‫ف ي وج ه حبيبته ‪ ،‬الصاد ق ف ي غيبت ه وأوبته ‪ ،‬المتسام ح ف ي حقه‪،‬‬
‫العطوف على نسله‪ ،‬الشفوق على حرمانه المانع لعرضه‪ ،‬الغيور على‬
‫بيته وأهله‪ ،‬الزوج والب والخ والبن الحنون مع زوجته‪.‬‬
‫هل أحدثك يا صاحبتي بشأن الرجال مع النساء‪ ...‬وإذن فاعلمي‬
‫أ ن أغل ب الرجا ل يتزلفو ن ويتقربو ن إل ى النسا ء العاريا ت اللواتي‬
‫يتحرش ن بفحولتهم ‪ ،‬حت ى إذ ا قضو ا منهنّ توطرا تقرفو ا منهنّ تومن‬
‫أنفسهم‪ ،‬فتخلصوا منهنّ كما يتخلص المرء من زبالته التي أزكمت أنفه‬
‫بالعفن‪.‬‬
‫(التعفّن) ‪ ،‬ذل ك ه و الحسا س بالضب ط الذ ي يعق ب ك ل مغامرةٍ‬
‫طائشة تمت بين ذكرٍ وأنثى خارج الروابط المقدسة‪.‬‬
‫فاعلمي إذن أن الفضيلة سنة ال الذي فطر الناس عليها‪ ،‬فالرجل‬
‫حتى وهو يتسفل في التجارب الفاحشة‪ ،‬ل يطلب لنفسه إل الشريكة‬
‫الفاضل ة الت ي ل تتخون ه أبدا توكذل ك المرأة ‪ ،‬مهم ا تدن ت وأمعن ت في‬
‫التدني‪ ،‬ل تحلم إل بفارسها الفاضل الذي سيخف إليها يوما‪ ،‬ممتطيا‬
‫حصانه البجر‪ ،‬فيرفعها إليه من بؤس واقعها المشين‪.‬‬
‫كوني كما تشائي ن أيتها المرأة ‪ ،‬لك ن اعلمي أ ن جسدك الجميل‬
‫الغض ‪ ،‬الذ ي طالم ا فت ن الرجال ‪ ،‬وجما ل وجه ك الشه ي البه ي الذي‬
‫أفتن في وصفه الشعراء‪ ،‬وصفاء عينيك الذي يشبه ماء الينابيع‪ ،‬ودقة‬
‫خصرك الذي يتأرجح من تحته ردفٌ ثقيل‪ ،‬وطول شعرك‪ ،‬وامتلء‬
‫شفتيك‪ ،‬ونحول جسمك‪ ،‬ونعومة كفيك وملسة خديك‪ ،‬وارتفاع نهديك‬
‫عن سطح البحر‪ ،‬كل هذا سوف يذوب ويذبل كما تذبل الوردة العطرة‬
‫التي كانت متفتحة بالمس القريب‪.‬‬
‫وإذ ن فالمرأ ة الغبي ة فق ط ه ي الت ي تشي ح بوجهه ا ع ن الجمال‬
‫البقى ‪ ،‬وتتمس ك بالجما ل الذابل ‪ ،‬المرأ ة الغبي ة فق ط ه ي الت ي تخسر‬
‫نفسه ا بثمنٍ رخي ص ف ي معرك ة الحيا ة فاربح ي نفس ك أيته ا المرأة‪،‬‬
‫‪- 98 -‬‬

‫وكوني سيدةً لها أكثر من جمال واحد‪ ،‬كوني ذات جسدٍ جميل وروحٍ‬
‫أجمل‪ ،‬كوني جميلةً في الظاهر وجميلةً في الباطن‪.‬‬
‫كون ي ذا ت صورةٍ وتصور ‪ ،‬بذ ا أن ت السيد ة النبيلة ‪ ،‬والمرأة‬
‫الجميلة‪.‬‬
‫قلت زدني‪...‬‬
‫قال عش بأذنك ل بفمك‪ ،‬وتكلم‪ ،‬ولكن حيث الكلم هو الفيصل‬
‫وكن منصتا‪ ،‬وقدم سمعك على بصرك ولسانك كما قدمه ال ‪ ،‬واصغ‬
‫فإ ن السامعي ن وحده م م ن يستطيعو ن الكل م عن د لزو م الكلم ‪ ،‬ول‬
‫تثرثر‪ ،‬فإن الثرثرة مضيعة للوقت‪ ،‬وإسرافا وإتلفا لنعمة الكلم وهو‬
‫على ذلك سفه وقلة عقلٍ ل تليق بمن علم خطر اللسان وسطوة البيان‪.‬‬
‫والسامع يحمد في الناس‪ ،‬على عكس الذي يسرف في الكلم‪،‬‬
‫فالناس ل يحبون إل من يسمع لهم‪ ،‬ويصغي بانتباهٍ لحاديثهم‪.‬‬
‫فكن سامعا حيثما كنت‪ ،‬واصغِ لمن يحدثك كائنا من كان‪ ،‬تكن‬
‫عنده أخلص الصدقاء‪.‬‬
‫واترك لمحدثك البوح بما يشاء ول تقاطعه‪ ،‬فإنك إن فعلت ذلك‬
‫أرضيته ولربما التقطت من حديثه عبارةً أو جملة أو معنىً أو تجربةً‬
‫تساعدك في حياتك‪ ،‬وتعلم الحكمة من كل شيء‪ ،‬وكن على ثقةٍ بأن‬
‫من يتتلمذ على الخرين ويظهر لهم حسن التواضع والسلوك‪ ،‬سرعان‬
‫ما يتجاوزهم وقد يعلو عليهم‪ .‬ول عجب في ذلك‪ ،‬فالذي يتواضع ل‬
‫وما خلق ال ‪ ،‬سرعان ما يرفعه ال‪ .‬ول يغرنك الغرور فتتكبر‪ ،‬فإني‬
‫وجدت المتكبرين أبلد خلق ال ‪ ،‬فهم أقوياء في الظاهر‪ ،‬ضعفاء في‬
‫الحقيقة‪ ،‬في صلفهم فما تكبرهم إل نوعا من أنواع الدفاع المبكر ضد‬
‫خطر مجهول يتوهمونه في كل ساعة‪.‬‬
‫فالمتكبرون والمجرمون الذين يلحقون الذى بالناس دونما سبب‬
‫واضح ‪ ،‬ه م ف ي الحقيق ة مرض ى وأحو ج إل ى العل ج م ن مريض‬
‫‪- 99 -‬‬

‫السرطان‪ ،‬ذلك أنهم أناسٌ تضخم الخوف في نفوسهم حتى تحول إلى‬
‫ظنٍ مبه م بعدائي ة الخري ن لهم ‪ ،‬ولذل ك فه م يتمترسو ن خل ف قوتهم‬
‫المزيفة‪ ،‬ويبادرون بالذى‪ ،‬تحسبا لوقوع الذى فاستغفر لذنبك يا هذا‪،‬‬
‫وقل ربي أحيني متواضعا وأمتني متواضعا وابعثني يوم القيامة بين‬
‫عبادك المتواضعين المؤمنين‪.‬‬
‫وقل ربي احيني سامعا وأمتني سامعا‪ ،‬وعلمني‪ ،‬إنك أنت العليم‪.‬‬
‫أيها الصاحب‪.....‬‬
‫إن ي أنصح ك بطل ب العل م م ن ك ل شيء ‪ ،‬حت ى م ن الحجر‬
‫الخرس‪ ،‬فهو في الحقيقة ليس أخرسَ كما تظن‪.‬‬
‫وتريث فيما تقرأ وتدبر‪ ،‬فإن الكلمات تحجب المعاني ول يقدر‬
‫على كشفها إل من أوتي صبرا على مقارعة الهوى‪.‬‬
‫واطلب الحكمة فيما تسمع أو تقرأ أو تبصر‪ ،‬فمن أوتي الحكمة‬
‫فقد أوتي خيرا كثيرا‪.‬‬
‫وحاكم نفسك في كل لحظة وخلصها من آفة الجهل وجرثومة‬
‫الل تعل م فلي س كالجه ل مرضَ عضا ل يفت ك بالنسان ‪ ،‬فه و لعمري‬
‫أخطر من مرض "اليدز"‪.‬‬
‫وليس كالعلم عافية ينعم بها النسان‪ ،‬فلو دري الذين يعيشون‬
‫كالشبا ح في ظلمات الجهل وعد م المعرفة ‪ ،‬خطور ة حاله م التي هم‬
‫فيها لخرجوا يجأرون إلى ال ويتعبدون في طلب العلم‪.‬‬
‫وقل ربي زدني علما‪ ،‬ربي أخرجني من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫وليس كالعلم نورا‪ ،‬وال نور السموات والرض‪.‬‬
‫قلت زدني‬
‫قال وإذا تكلمت‪ ،‬فتكلم بخشوع‪ ،‬واخفض من صوتك‪ ،‬وانظر في‬
‫‪- 100 -‬‬

‫عي ن م ن تحدثه ‪ ،‬وتلط ف ف ي الكل م فإن ه يض ر وينفع ‪ ،‬فر ب جاهلٍ‬
‫تتحو ل الكلما ت عل ى لسان ه كطلقا ت الرصاص ‪ ،‬يُرد ي به ا الخرين‬
‫وه و ليعلم ‪ .‬ور ب عارفٍ يجع ل م ن كلمات ه البلس م الشاف ي يزي ل به‬
‫أوجاع الخرين‪ .‬وإذا مشيت فانظر إلى موضع قدميك‪ ،‬ول تكن مثل‬
‫أولئ ك الحمق ى الذي ن يمشو ن وه م يدورو ن بأعينه م ف ي ك ل الجهات‪،‬‬
‫فيرون مال يحق لهم أن يروا‪.‬‬
‫ول تقحم نفسك فيما ل يعنيك من أمور الناس‪ ،‬وانفق وقتك في‬
‫إصلح عيوبك إن كنت لبد مصلح‪ ،‬وتجنب ما استطعت الخوض في‬
‫أحاج ي النا س فإن ك إ ن فعل ت ذلك ‪ ،‬خليقٌ ب ك أ ن تحس ب ف ي زمرة‬
‫الجهل ء والسفها ء الذي ن ل تيشغله م ف ي دنياه م سو ى الخرين ‪ ،‬فكن‬
‫مشغولً بنفسك ل بالناس‪ .‬ول تعترض سبيل الخرين إل بما أمرك‬
‫ال ‪ ،‬واعرض لنفسك بالحساب إن كنت لبد معترض‪ ،‬وتذكر أن ال‬
‫خالقك وخالقهم قد أرجأ محاسبة خلقه إلى أجلٍ يعلمه هو‪ ،‬فاتقِ ال في‬
‫خلق ال ‪ ،‬وتجنب أن تخوض فيما ليس لك به علم‪ ،‬وقل ربي زدني‬
‫علما‪.‬‬
‫***‬
‫لكن الليل يلتهم أنفاسي‪ ،‬وعاصفة الرغائب الهوجاء تقتلع قلبي‬
‫من جذوره‪ ،‬فتلقي به في الجحيم الليلي المستعر‪.‬‬
‫أنا مح ض دمٍ يتخلى ع ن لون ه وملوحت ه ف ي ك ل ساعة ‪ ،‬ليعود‬
‫حتما تإل ى الماء ‪ .‬جسد ي يتحل ل م ن فر ط الحتراق ‪ ،‬وأنفاس ي تضيق‬
‫بسجنها داخل القفص‪ ،‬وروحي تهم بانطل قٍ على إثره انطلق‪.‬‬
‫كالهباء الذريّ أنا‪ ...‬أموت منطفئا على هامش الكواكب‪.‬‬
‫أتضخم بالشوق حتى ما تكاد تحملني قدماي‪ ،‬والجمال المشهدي‬
‫يفتك بي فتكا أليما ل هوادة فيه‪ ،‬حتى لكاد أعصب بصري وأشد على‬
‫قلبي فل أرى أني أتزحلق على مرآةٍ بحجم الكون ‪ ،‬أرنوا إليها فل‬
‫أراني إل مترنحا على وشك السقوط‪ ،‬أو ساقطا يتعثر في القيام‪ ،‬لكنني‬
‫‪- 101 -‬‬

‫أمشي وأرقص نحو المام‪ ،‬ل مشفقا على نفسي ول ناقما عليها‪ ،‬إنني‬
‫أتزحلق بمنتهى الحياد‪ .‬وهذا الهواء من حولي أتنفسه بعمق‪ ،‬وأعب‬
‫بشبقٍ روائح البرتقال والليمون والنعناع ‪ ،‬لك ن ظمأي ل يرتوي ولو‬
‫أهرقت في جوفي الفرات والنيل‪ .‬أنا سفر المتاهة والظمأ‪ ،‬وصحراء‬
‫السراب على حافة الكون‪ ،‬فمن يقرأني فليتحوط بجدولٍ من ماء دجلة‪.‬‬
‫أنا البدوي الذي جاء يتسكع في محطة القطار‪ ،‬فلما أعجبه وهو‬
‫يعج بالذاهبين والذاهبات‪ ،‬والراكبين والراكبات‪ ،‬تسلق مندفعا بينهم‪،‬‬
‫ممسكا تجلباب ه الطوي ل بأسنانه ‪ ،‬ث م غا ب ف ي زحم ة المتا ع والناس‪،‬‬
‫وأطلقت صافرة القطار إيذانا ببداية السفر‪.‬‬
‫قال إذا استطعت أن تطوف حول المجرات على بساطٍ من الريح‬
‫فافعل ‪ ،‬فالحالمو ن ه م ورث ة العلم ‪ ،‬والعل م مفتا ح المعجزا ت وتمرس‬
‫بترويض عقلك كل يوم‪ ،‬وكابده ول تستسلم لمغريات الراحة وعبثية‬
‫الجهل‪ ،‬فإنه متى ما أتاك طائعا‪ ،‬واسلس لك القياد‪ ،‬انفتحت في وجهك‬
‫سبل الحياة‪ ،‬وانهتكت أمامك بعض أسرار اللنهاية‪ .‬فأنت إذن بدأت‬
‫تعرج نحو السماء ولربما تصل‪.‬‬
‫النسان ل يولد مرة واحدة‪ ،‬بل ثلث مرات‪ ،‬مرة عندما يولد‬
‫م ن رحم أم ه ويبعث م ن الغيب إلى الحياة‪ ،‬ومرة عندما يخرج من‬
‫ظلمات الجهل إلى نور المعرفة‪ ،‬ومرة عندما يموت‪.‬‬
‫واكدح‪ ،‬فإن أعمال الكادحين ل تضيع‪ ،‬وإن توهموا غير ذلك إذ‬
‫ليست العمال شريان الحياة فحسب‪ ،‬ولكنها أكبر من ذلك بكثير‪ ،‬ذلك‬
‫أن لكل عملٍ مهما صغر أو كبر اتصالً كليا بجوهر البداع‪ ،‬فنحن ل‬
‫نكون مبدعين حقا إل بالعمل‪ ،‬وكل العمال سواء من حيث المحصلة‬
‫النهائي ة عل ى سع ة الكون ‪ ،‬فالعس س أ و النواطي ر الذي ن يعملو ن في‬
‫حراسة الضياع والبساتين‪ ،‬ل يقلون خطرا وشأنا عن منصب المين‬
‫العام للمم المتحدة مثلً‪.‬‬
‫ك ل الوظائ ف مهم ا صغر ت أ و كبر ت تتساو ى ف ي محصلتها‬
‫‪- 102 -‬‬

‫النهائي ة وه ي مهم ة وأساسي ة كمث ل الخلي ا والعضا ء لجس د الكائن‬
‫الحي ‪ ،‬فربما ليموت النسا ن ل ن كليت ه اليمنى أو اليسرى تعطلت‪،‬‬
‫وكذلك هي الحال إذ بتر ساعده اليمن أو اليسر‪ ،‬أو كان ذا عينٍ أو‬
‫رجلٍ واحدة‪ ،‬ولكنه في كل الحالت ل يحسب كامل العضاء‪.‬‬
‫قلت أوصني كيف أعيش حرا؟‬
‫قال ما خُلق النسان إل ليكون حرا‪ ،‬ذلك أن في أعماق نفسك‬
‫منطقة حراما ‪ ،‬ل تطالها يد الغاصبين‪ ،‬ول تنقاد أبدا لحبل العبودية‪.‬‬
‫فأنت حر‪ ،‬ولو كره الذين يريدون لك العبودية‪ ،‬وحريتك من عند ال‬
‫ل يمن بها أحدٌ عليك‪.‬‬
‫فانظر إلى نفسك يا هذا‪ ،‬وتأمل كيف أحكم صنعها ال ‪ ،‬فهي ل‬
‫تفصح لحدٍ عن ماهيتها‪ ،‬فهي مستودع السرار‪ ،‬والجواهر المكنون‪،‬‬
‫وطلسم الطلسم‪ ،‬وشاشة التجلي‪.‬‬
‫ليس ثمة من يجرؤ على القفز من فوق حصونها‪ ،‬فهي آية ال‪،‬‬
‫ول تشهد إل له وحده باللوهية‪ ،‬ومطلق الربوبية‪.‬‬
‫فاغبط نفسك على ذلك‪ ،‬وجاهر بحريتك و لتخشَ إل ال‪ ،‬ولكن‬
‫تذكر وأنت تمجد الحرية‪ ،‬أنك لست حرا إل بمقدار ما أنت مسؤول‪.‬‬
‫لست حرا إل بمقدار فهمك ووعيك لماهية الحرية‪.‬‬
‫فأنت حر‪ ،‬مادمت تخدم بحريتك قيم الحق والعدل والجمال‪ ،‬فكن‬
‫حرا تلم ن عبودي ة الخ ر فحسب ‪ ،‬ولك ن م ن عبودي ة نقص ك أيضا‪،‬‬
‫فانشد بحريتك الكمال‪ ،‬فهو السراط المستقيم‪.‬‬
‫وق ل الحم د ل تالذ ي خلقني حرا ول م يجع ل لحدٍ سلطانا على‬
‫نفسي إل هو‪.‬‬
‫ربي أحيني حرا‪ ،‬وأمتني ميتة الحرار البرار‪.‬‬
‫قلت أوصني كيف أكتب؟‬
‫‪- 103 -‬‬

‫قال ل تحرك لسانك بما ليس في قلبك‪ ،‬فذلك من ترف الثقافة‪،‬‬
‫وتر ف الثقاف ة كالتجش ؤ الذ ي يعق ب المتل ء والشبع ‪ ،‬وه و لي س من‬
‫الكتابة في شيء‪.‬‬
‫ل ول تمت ح م ن زب د البح ر فتخ ط بيمين ك مال يبقى ول ينفع‬
‫الناس‪ .‬بل كن كمن يضغط على جرحه بشدة فيظل ينزف إلى الرمق‬
‫الخير‪ .‬أجل‪ ...‬فالكتابة حالة من حالت الموت‪.‬‬
‫ول تسود صحائفك بالمداد المتخثر‪ ،‬بل حَبّرها بالدماء الطازجة‬
‫الحمراء‪ ،‬حتى إذا ما أخذت الحروف والكلمات تمسك برقاب بعضها‬
‫وتشابكت تشابك النسيج في الكساء‪ .‬قل لها ابتغي لك مكانا في دولة‬
‫العلم‪ ،‬فيومئذ تراها تسعى‪ .‬وكن حطابا قوي الهمة‪ ،‬ضع فأسك على‬
‫كتفك وخذ حبلك بيدك‪ ،‬واقصد غابة اللغة العذراء‪ ،‬ثم احتطب ما طاب‬
‫لك الحتطاب‪ .‬فإذ ا حزمت م ن لغ ة الحياة ‪ ،‬ما تستعي ن ب ه ف ي شتاء‬
‫الحياة ‪ ،‬أوق د نار ك عل ى ك ل التلل ‪ ،‬وف ي تل ك الدرو ب العفرا ء التي‬
‫تمشي عليها قوافل الجيال‪ ،‬وأضرم حطب اللغة‪ ،‬وكن علما ل تخطئه‬
‫العيون ‪ ،‬أضرمه ا نارا تونورا تيضي ء عتم ة الكون ‪ ،‬وق ل لحروفك‬
‫وكلمات ك اشتعل ي وتأجج ي وتوهجي ‪ ،‬ث م كون ي بردا توسلما تلكل‬
‫العابرين‪.‬‬
‫***‬
‫لكن قلبي يتهشم ثم يحترق‪..‬‬
‫وأنا أنظر من بعيد‪ ،‬فيرجع بصري خاسئا وهو حسير‪.‬‬
‫آه‪ . ..‬ي ا لقسو ة ذل ك المنظر ‪ ،‬فل و أنن ي وق د أبصرتها‪ . .‬تلمس‬
‫عيناي عينيها فتراني كما كنت دائما أراها‪.‬‬
‫فلو أنني وقد تركت يدي ممدودةً في كل مكان‪ ،‬أجدها تقفز على‬
‫كفي وتعزف على أصابعي‪ ،‬ثم ترتعش تلك الرتعاشات الليمة‪.‬‬
‫‪- 104 -‬‬

‫لكنني وأنا ألهث من خلفها في كل الفجاج‪ ،‬أرتطم بالجدران تلو‬
‫الجدران فأنكسر كالفخار القديم‪.‬‬
‫أتحشرج في لغتي‪ ،‬أتنفس من شجني‪ ،‬أتورم في بدني‪.‬‬
‫ولقد أبصرتها في كل مكان‪ ،‬حتى كأنما ل مكان‪ ،‬والكل واحد‪،‬‬
‫حتى كأنما ل وجوه‪ ،‬والوجه واحد‪.‬‬
‫لكنني أتوجع كالحبلى‪ ،‬والمخاض عسير‪ ،‬والليل ما ينفك يلتهم‬
‫البرايا‪ ،‬والساهرون في كل عشقٍ زادهم ينفد بعد حين‪.‬‬
‫والهة اللهباء تخرج من رئتي‪ ،‬لكأنني أتنفس من قاع بركان‪،‬‬
‫لكأنن ي أتكل م حي ن أبك ي فأس د بِعَبرات ي فراغا ت الوحش ة والسكون‪،‬‬
‫لكأنني أبدو ول أبدو‪ ،‬وأكون ول أكون‪.‬‬
‫إني لم أعد أحتمل البوح أكثر فعندما يبوح العاشق الكتوم‪ ،‬يزداد‬
‫في قلبه الوجيب‪ ،‬ولم يزل معرضا لسكته البوح حتى يكف عن الكلم‬
‫أو يصبح في الغابرين‪.‬‬
‫قلت حدثني عن السعادة‪.‬‬
‫قا ل ستخر ج م ن كوخ ك الحقي ر ذا ت يوم ‪ ،‬ولسو ف تسحبك‬
‫الدروب التي تسحر من يمشي عليها‪ ،‬ويُفتن بما يرى‪.‬‬
‫انظر إلى ذلك القصر ذي الشرفات العالية‪ ،‬يا لحجارته الضخمة‬
‫الملساء ‪ ،‬تر ى منذ ا الذ ي ابتناه ‪ ،‬وأ ي الك ف استطاع ت قط ع هذه‬
‫الصخو ر الكبيرة ‪ .‬ومنذ ا الذ ي صفه ا وأعله ا حجرا تفو ق حجر‪،‬‬
‫وصخرةً فو ق صخرة ‪ ،‬ب ل كي ف استو ت أعمدت ه الغليظة ‪ ،‬وغرفاته‬
‫وشرفاته الواسعة‪.‬‬
‫انظر‪ ...‬إنك لتخال أن جنيا ضخما‪ ،‬كان يطير إلى تلك الجبال‬
‫البعيد ة عن د آخ ر الدنيا ‪ ،‬فيجم ع حجارته ا وصخورها عل ى عجل ‪ ،‬ثم‬
‫ينقلب مسرعا وينخرط في رصفها حجرا على حجر‪ ،‬حتى استوى لديه‬
‫‪- 105 -‬‬

‫هذ ا الصر ح الرهي ب وتأم ل نوافذ ه وأبواب ه الثقيل ة الضخمة ‪ ،‬لكأنها‬
‫السدود في مضايقٍ النهار‪ ،‬وانظر إليه كيف يبدو لعينيك من بعيد‪،‬‬
‫وهو يعتم أطراف السحاب‪ ،‬والضباب يلفه بأضوائه‪ ،‬فكأنه مبني على‬
‫تلل الشفق‪.‬‬
‫وإذ ترنو إليه من مكانك البعيد‪ ،‬تراه يطل مزهوا بقامته على‬
‫بحيرة واسعة الضفاف‪ ،‬ومن خلفه وأمامه تقوم بساتين الكروم والتين‪،‬‬
‫مسيجةً بأشجار الصنوبر والسرو‪.‬‬
‫وانظ ر هؤل ء ه م حراس ه وخدم ه وحشم ه يروحو ن ويجيئون‬
‫ممتلئينتتبغبطةتتالمكان‪،‬تتربماتتكانتتبعضهمتتيحملتتأطباقتتالطعام‬
‫والحلوى‪ ،‬وبعضهم يحمل مزهوا أوعية الخمر وكؤوس الشراب‪.‬‬
‫هل ترى المدعوين يملؤون المكان‪ ،‬يفترشون المروج الخضراء‪،‬‬
‫ويدخلون عبر البواب والدهاليز الكثيرة‪ ،‬ثم يخرجون وهم جماعات‬
‫يمسك بعضهم ببعض رجالهم ونسائهم‪ ،‬فاليوم يوم احتفال‪.‬‬
‫واره ف سمع ك جيدا ‪ ،‬ه ل تسمع ‪ ،‬نع م إنه ا الموسيق ى الحالمة‬
‫تصدح في بهو القصر‪ ،‬وتصل إلى آذان السامعين من أمثالنا مختلطة‬
‫بلغط الحاضرين والحاضرات الساهرين والساهرات الذين يعبثون تحت‬
‫تأثير الضاءة القوية المركزة‪ ،‬أجل تصل إلى آذاننا الموسيقى وكأنها‬
‫أضغاث أحلم‪.‬‬
‫انظ ر إليهم ‪ ،‬هاه م يتأبطو ن نسائه م جميعا ‪ ،‬ويرفعو ن كؤوسهم‬
‫وه ي طافح ة بالشراب ‪ ،‬يقرعونه ا بمر ح فيم ا بينهم ‪ ،‬ث م يشربون‬
‫النخاب‪ . ..‬والموسيقى تهم س ف ي آذانه م بغواية ‪ ،‬كأنه ا اللذ ة تغريهم‬
‫بطلبتتالمزيد‪،‬تتوتلكتتالشعاعاتتتمنتتفوقهمتتتلونتتوجوهتتإناثهم‬
‫فيتضرج ن باحمرا ر واخضرا ر واصفرار ‪ ،‬فينتشو ن عل ى انتشائهم‬
‫بالشراب‪ ،‬وهنا الغراء سيد الموقف‪ ،‬والشهوة تستعر‪ ،‬والنار تتأجج‬
‫في ضلوع الساهرين‪ .‬فإذا الكل يطلب الخر‪ ،‬والخر يطلب الكل‪.‬‬
‫خ ذ نفسا تعميقا توأل ق بعيني ك إل ى حي ث يرقصو ن وم ن فوقهم‬
‫‪- 106 -‬‬

‫تتراق ص الشجا ر والضواء ‪ ،‬يبار ك لهوه م ذل ك القص ر الشام خ من‬
‫ورائهم‪ .‬تلك الحسناء الصغيرة ذات الستة عشر ربيعا تبدو محمومة‬
‫وهي تخاصر فتاها ذا الشعر المعقود‪ ،‬وتلك السيدة الوارفة كأنها من‬
‫أشجار الرز تقف في الركن البعيد ولكن أحدهم يحاول لفت انتباهها‪،‬‬
‫وه ي مشغولةً بآخر ‪ .‬أم ا هذ ه الصغير ة الحمرا ء كاللم ‪ ،‬ي ا لفستانها‬
‫القصير‪ ،‬ويا لشعرها الطويل‪ ،‬وخدها السيل‪ ،‬وقدها الجميل‪ ،‬إنها تبدو‬
‫وه ي ترق ص بشغ ف كفراش ة تحتر ق وتجاه د ف ي الفل ت م ن ألسنة‬
‫اللهب‪.‬‬
‫وتلك الغادة الفاتنة‪ ،‬وذلك الرجل الوسيم‪ ،‬وتلك وذاك وتلك‪..‬‬
‫إنهم جميعا يرقصون‪ ،‬وهم فرحون‪ ،‬لكن أتراهم سعيدون؟؟؟‪.‬‬
‫قلت أوصني‪..‬‬
‫قال مباركٌ ابن السبيل‪ ،‬فخذ متاعك وارحل من الفلة إلى الفلة‪.‬‬
‫ول تبتئس يا صاحبي فسقف السماء يظلل آلف الغرباء‪ ،‬والمصابيح‬
‫الدنيا تضيء البوادي‪ ،‬وتآنس وحشة المسافرين والراحلين‪.‬‬
‫والجبالتتالشامخاتتتعلىتتجوانبتتالدنيا‪،‬تتوالتللتتالنافرات‬
‫كالمواج ‪ ،‬ستحن و علي ك مث ل أمك ‪ ،‬ولسو ف تق ص علي ك فصلً من‬
‫فصو ل الغابرين ‪ .‬ودو ح النخي ل ف ي ك ل صحراء ‪ ،‬وتل ك الغابات‬
‫والبحيرات والينابيع البكر‪ ،‬ومراتع النعام في كل وادي‪.‬‬
‫فخ ذ متاع ك ي ا صاح ب الحقيب ة وارحل ‪ ،‬واغب ط نفس ك على‬
‫وحدتك وابتهج لذلك‪ ،‬فأنت بغير وحدتك ل شيء‪.‬‬
‫أن ت ل تشي ء بغي ر حزنك ‪ ،‬وآلمك ‪ ،‬وأشجانك ‪ ،‬ودموع ك التي‬
‫تهمي كالمطر‪.‬‬
‫أنت ل شيء بغير قلبك الذي وسع من لم يسعه شيء‪.‬‬
‫يا صاحب الحقيبة‪ ،‬ولدت وحيدا‪ ،‬وتعيش وحيدا‪ ،‬ولسوف تموت‬
‫‪- 107 -‬‬

‫وحيدا على ظهر كوكبٍ في ملكوت ال الواسع‪.‬‬

‫‪ρρρ‬‬

‫‪- 108 -‬‬

‫‪ÑÞã ÇáÇíÏÇÚ‬‬

‫صاحب الحقيبة الحمراء ‪ :‬رواية ‪ /‬بلّتته آدم باشر؛ اتحاد الكتاب العرب ‪،‬‬
‫‪100 -1998‬ص؛ ‪24‬سم‪.‬‬

‫‪-1‬‬

‫‪813.03‬‬

‫ب ا ش ص ‪ -2‬العنوان‬

‫‪3‬‬

‫ع‪2/1999 /11-‬‬

‫‪ -‬باشر‬

‫مكتبة السد‬
‫‪θ‬‬

‫‪- 109 -‬‬

‫هذا الكتاب‬
‫نص أدبي يمتلك خصوصية ‪ ،‬وروحة المدهشة من خلل إبحاره‬
‫في عوالم العرفانية‪ ،‬والصوفية‪ ،‬والشفافية السرة للنسان الذي تخلى‬
‫ع ن سطو ة المادي ة وضروراتها ‪ ،‬وع ن النرجسي ة ودروبها ‪ ،‬والقناعة‬
‫بالتفرد دون الخرين‪.‬‬
‫"الحقيبة الحمراء " نص له روح المخاطبات‪ ،‬والطواسين احتفاء‬
‫بالتراث العربي الصيل‪ ،‬كما له رشاقة التعبير وجمالية احتفاء بأسرار‬
‫اللغة ومقاصدها النبيلة‪.‬‬
‫ن ص جاذ ب للروا ح العطش ى للتأمل ‪ ،‬وللنفو س الت ي أتعبها‬
‫الرهق والجولن في دنيا غدت بل أبواب‪ ،‬بل نوافذ أو أسيجة‪.‬‬
‫‪θ‬‬

‫‪- 110 -‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful