‫يحيى بن موسى الزهراني‬

‫إمام الجامع الكبير بتبوك‬

‫‪1‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫المد ل الذي امَتنّ على عباده الؤمني ببعثة الرسول الصادق المي ‪ ،‬فأخرجهم به من‬
‫ظلمات الكفر والهل إل نور اليان والعلم واليقي ‪ ،‬وأخبهم على لسانه با كان وما يكون‬
‫إل يوم الدين ‪ ،‬وأنبأهم عن الدار الخرة بأكمل إيضاح وأعظم تبيي ‪ ،‬فمن آمن به وبا جاء به‬
‫فهو من الفلحي ‪ ،‬ومن كان ف ريب ما صحّ عنه فهو من الاسرين ‪ ،‬أحده سبحانه حدَ أوليائه‬
‫الُتّقي ‪ ،‬وأشكره شكر عباده الؤمني ‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له اللك الق‬
‫البي ‪ ،‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله الذي ترك أمته على النهج الواضح الستبي ‪ ،‬صلى ال‬
‫وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إل يوم الدين ‪ . . .‬أما بعد ‪:‬‬
‫فكل ما صحّ عن النب صلى ال عليه وسلم أنه أخب بوقوعه‪ ،‬فاليان به واجب على كل‬
‫مسلم‪ ،‬وذلك من تقيق الشهادة بأنه رسول ال ‪ ،‬وقد قال ال تعال ‪َ { :‬ومَا يَن ِطقُ َع ِن اْلهَوَى *‬
‫إِ ْن ُهوَ ِإلّا َو ْحيٌ يُوحَى } [ النجم ‪ . ] 4 ، 3‬قال المام أحد رحه ال تعال ‪ " :‬كلما جاء عن‬
‫النب صلى ال عليه وسلم إسناد جيد ‪ ،‬أقررنا به ‪ ،‬وإذا ل نقر با جاء به الرسول صلى ال عليه‬
‫خذُوهُ‬
‫وسلم ودفعناه ورددناه ‪ ،‬رددنا على ال أمره ‪ ،‬قال ال تعال ‪ { :‬وَما آتا ُك ُم الرّسو ُل فَ ُ‬
‫وَما نَها ُكمْ عَ ْنهُ فَانَْتهُوا } [ الشر ‪ ، ] 7‬فيجب اليان بكل ما أخب به الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬وصحّ به النقل سواء أدركته عقولنا أو ل تُدركه ‪ ،‬فعن حذيفة رضي ال عنه قال ‪" :‬‬
‫لقد خطبنا النب صلى ال عليه وسلم خطبة ما ترك فيها شيئا إل قيام الساعة إل ذكره ‪ ،‬عَ ِل َمهُ‬
‫َمنْ عَلِمَه َو َجهِلَ ُه َمنْ َجهِ َلهُ ‪ ،‬إن كنت لرى الشيء قد نسيته فأعرفه كما يعرف الرج ُل الرجلَ‬
‫إذا غاب عنه فَرآه فعرفه " [ متفق عليه ] ‪ ،‬وعن عمر رضي ال عنه قال ‪ " :‬قام فينا النب‬
‫صلى ال عليه وسلم مقاما ‪ ،‬فأخبنا عن بدء اللق حت دخل أهل النة منازلم وأهل النار‬
‫ظ ذلك َمنْ حَفِ َظ ُه ‪ ،‬وََنسَِيهُ مَ ْن َنسَِيهُ " [ أخرجه البخاري ]‪.‬‬
‫منازلم ‪َ ،‬حفِ َ‬
‫ونن نذكر علمات الساعة الصغرى والكبى وما يب علينا أن نعرفه عنها ‪ ،‬ول نقول هذا‬
‫الكلم لكي يزع الناس ‪ ،‬وتوقف عجلة الياة ‪ ،‬ويترك العمل ‪ ،‬ويلس الناس لينتظروا تلك‬
‫الحداث الكونية الرهيبة ‪ ،‬بل نقوله للعتبار والتعاظ به ‪ ،‬فإن ف القصص عب ‪ ،‬وطوب لن‬
‫اتعظ وانزجر ‪ ،‬واتعظ بالواعظ واعتب ‪ ،‬فإن فيها ذكرى لن كان له قلب أو ألقى السمع وهو‬
‫شهيد ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫إذ أنه يب على السلم أن يعمل حت قيام الساعة ‪ ،‬ول يلس وينتظر الرزق من السماء ‪ ،‬فإن‬
‫السماء ل تطر ذهبا ‪ ،‬وما يدل على ذلك حديث أنس بن مالك رضي ال عنه قال ‪ :‬قال‬
‫ت السّا َع ُة َوبِيَ ِد َأحَدِ ُك ْم َفسِيْ َلةٌ _ نلة صغية _ فإنِ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إنْ قامَ ِ‬
‫اسْتَطَاعَ أ ْن ل َيقُو َم حَتّى َيغْ ِرسَها فَلَْي ْفعَ ْل " [ أخرجه أحد والبخاري ف الدب الفرد وصححه‬
‫اللبان ] ‪.‬‬
‫وليس القصود من ذكر هذه العلمات تويف الناس ‪ ،‬وأن يتوقفوا عن العمل وينتظرون‬
‫حدوث القيامة ‪ ،‬بل القصود تنبيه الغافلي وإيقاظ النائمي لكي ل يفاجئوا بذه المور وهم‬
‫عنها غافلي ‪.‬‬
‫ش ّق الْقَ َم ُر } [ القمر‬
‫ت السّا َعةُ وَان َ‬
‫واعلموا أن الساعة آتية ل ريب فيها ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬اقَْترَبَ ِ‬
‫ب لِلنّاسِ ِحسَاُب ُهمْ َو ُهمْ فِي َغفْ َلةٍ مّ ْعرِضُونَ * { مَا َي ْأتِيهِم مّن ذِ ْكرٍ‬
‫‪ ، ] 1‬وقال ال تعال ‪ { :‬اقَْترَ َ‬
‫ح َدثٍ ِإلّا اسْتَ َمعُوهُ َو ُهمْ يَ ْلعَبُونَ * { لَاهَِيةً قُلُوُبهُ ْم } [ النبياء ‪. } 3-1‬‬
‫مّن ّرّبهِم مّ ْ‬
‫إن الساعة قريبة ‪ ،‬لذا ينبغي التنبه إل أن الباقي من الدنيا قليل ‪ ،‬بالنسبة إل ما مضى منها ‪،‬‬
‫أخرج البخاري ف صحيحه عن عبداللّه بنَ عمر رضي اللّه عنهما قال ‪ :‬سعت رسو َل اللّهِ صلى‬
‫ال عليه وسلم وهو قائمٌ على النب يقول ‪ " :‬إنا بقاؤكم فيما سلف قبلكم من المم ‪ ،‬كما بي‬
‫صل ِة العصر إل غروب الشمس ‪ ،‬أُعط َي أهلُ التورا ِة التوراةَ ‪ ،‬فعملوا با حت انتصف النهارُ ‪،‬‬
‫ث عجزوا ‪ ،‬فأعطوا قياطا قياطا ‪ ،‬ث أُع ِطيَ أهلُ الِنيلِ الِنيلَ ‪ ،‬فعملوا به حت صلة‬
‫العصر ‪ ،‬ث عجزوا ‪ ،‬فأعطوا قياطا قياطا ‪ ،‬ث أُعطيتم القرآنَ ‪ ،‬فعملتم به حت غروب‬
‫ل وأكثر أجرا ‪،‬‬
‫الشمس ‪ ،‬فأُعطيتم قياطي قياطي ‪ ،‬قال أهل التورا ِة ‪ :‬ربنا هؤلء أ َقلّ عم ً‬
‫وقال ‪ :‬هل ظلمتكم من أجرِكم من شيءٍ ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ ،‬فقال ‪ :‬فذلكَ فضلي أوتيه من أشاء " ‪.‬‬
‫الكفار والفساق والفجار ‪ ،‬يتمتعون بذه الياة الدنيا ‪ ،‬وهي بالنسبة لم دار مقر ‪ ،‬دار حبور ‪،‬‬
‫لكنها للمسلم دار مر ‪ ،‬ودار عبور ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صلى‬
‫ج ُن الْ ُمؤْ ِمنِ ‪ ،‬وَجَّنةُ اْلكَا ِفرِ " [ أخرجه مسلم ] ‪َ ،‬ع ْن خَاِلدِ ْبنِ‬
‫ال عليه وسلم ‪ " :‬ال ّدنْيَا سِ ْ‬
‫ي ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬خَطَبَنَا عُتَْب ُة ْبنُ َغ ْزوَا َن ‪ ،‬فَحَ ِم َد ال ّلهَ َوَأثْنَىٰ عَلَ ْي ِه ُث ّم قَا َل ‪ :‬أَمّا َبعْ ُد ‪َ :‬فإِنّ‬
‫عُمَ ْي ٍر الْ َع َدوِ ّ‬
‫صرْ ٍم َو َولّتْ حَذّا َء ‪َ ،‬ولَ ْم يَ ْبقَ مِ ْنهَا إِلّ صُبَاَبةٌ كَصُبَابَ ِة الِنَا ِء ‪ ،‬يَتَصَابّهَا صَاحِبُهَا ‪،‬‬
‫ت بِ ُ‬
‫الدّنْيَا َقدْ آ َذنَ ْ‬
‫ض َرِتكُ ْم ‪َ ،‬فإِّن ُه َقدْ ذُ ِك َر لَنَا أَنّ‬
‫َوِإنّ ُكمْ مُنَْتقِلُو َن مِ ْنهَا ِإلَ ٰى دَا ٍر لَ َزوَالَ َلهَا ‪ ،‬فَانَْتقِلُوا بِخَ ْي ِر مَا بِحَ ْ‬
‫‪3‬‬

‫ج َر يُ ْل َقىٰ ِم ْن شَ َف ِة جَهَّن َم ‪ ،‬فََيهْوِي فِيهَا سَ ْبعِيَ عَاما َل ُيدْرِ ُك َلهَا َقعْرا ‪َ ،‬ووَال ّلهِ لَتُ ْملَنّ ‪،‬‬
‫الْحَ َ‬
‫ي سَنَ ًة ‪َ ،‬ولََيأْتَِينّ‬
‫ي ُة أَ ْرَبعِ َ‬
‫صرَاعَ ْينِ ِم ْن مَصَارِيعِ الْجَّن ِة َمسِ َ‬
‫َأ َفعَجِبُْتمْ ؟ َوَلقَ ْد ذُ ِكرَ لَنَا أَ ّن مَا بَ ْي َن مِ ْ‬
‫ظ ِمنَ ال ّزحَا ِم ‪َ ،‬وَلقَدْ َرَأيْتُنِي سَابِعَ سَبْ َعةٍ مَعَ َرسُولِ ال ّلهِ صلى ال عليه‬
‫عَلَيْه َيوْ ٌم َوهُوَ كَظِي ٌ‬
‫ش َققُْتهَا بَيْنِي َوبَ ْينَ‬
‫ت ُب ْر َدةً َف َ‬
‫ت أَ ْشدَاقُنَا ‪ ،‬فَالَْتقَطْ ُ‬
‫ج ِر ‪ ،‬حَّتىٰ َق ِرحَ ْ‬
‫ق الشّ َ‬
‫وسلم ‪ ،‬مَا لَنَا َطعَا ٌم ِإ ّل وَرَ ُ‬
‫ح الَْيوْمَ مِنّا َأحَ ٌد ِإلّ أَصَْبحَ‬
‫صبَ َ‬
‫صفِهَا ‪ ،‬فَمَا أَ ْ‬
‫ص ِفهَا ‪ ،‬وَاّتزَ َر سَ ْع ٌد بِنِ ْ‬
‫ت بِنِ ْ‬
‫َس ْعدِ ْب ِن مَاِلكٍ ‪ ،‬فَاّتزَرْ ُ‬
‫صغِيا ‪،‬‬
‫صرٍ ِمنَ ا َلمْصَارِ ‪َ ،‬وِإنّي أَعُوذُ بِال ّلهِ أَ ْن أَكُو َن فِي َن ْفسِي عَظِيما وَعِ ْندَ ال ّلهِ َ‬
‫َأمِيا عَ َلىٰ مِ ْ‬
‫ج ّربُونَ‬
‫ت ‪ ،‬حَتّ ٰى يَكُونَ آ ِخرُ عَاقِبَِتهَا مُلْكا ‪َ ،‬فسَتَخُْبرُو َن وَتُ َ‬
‫خ ْ‬
‫ط إِ ّل تَنَاسَ َ‬
‫َوِإنّهَا لَ ْم َتكُ ْن نُُب ّوةٌ َق ّ‬
‫ا ُلمَرَا َء َبعْ َدنَا " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬قال تعال ‪ِ { :‬إّنهُ ْم َيرَ ْوَنهُ َبعِيدًا * َوَنرَاهُ َقرِيبًا } [ العارج‬
‫‪. ] 7-6‬‬
‫هذه هي الدنيا أخوة اليان ‪ ،‬ل تدوم لحد ‪ ،‬فهي مرتلة ‪ ،‬وكل يوم تفجع الناس بوت قريب‬
‫أو حبب أو صديق ‪ ،‬فلبد من التعاظ ‪ ،‬وأخذ العبة واليطة ‪ ،‬فهي غدارة ماكرة ‪ ،‬ل تترك‬
‫لذي لب لبه ‪ ،‬ول لذي عقل عقله ‪ ،‬من تبعها هلك وغوى ‪ ،‬ومن تركها ‪ ،‬فاز ونا ‪ ،‬وما هي‬
‫إل أيام وسويعات ث يغادر كل من عليها إل حساب رب جبار شديد العقاب ‪ ،‬قال تعال ‪:‬‬
‫ض مِمّا َيأْ ُكلُ النّاسُ‬
‫ط ِبهِ نَبَاتُ الَرْ ِ‬
‫{ ِإنّمَا مََث ُل الْحَيَاةِ ال ّدنْيَا َكمَاء أَن َزلْنَاهُ ِم َن السّمَا ِء فَاخْتَلَ َ‬
‫ت وَ َظ ّن َأهْلُهَا َأنّ ُهمْ قَادِرُونَ عَلَ ْيهَا َأتَاهَا َأ ْمرُنَا لَيْلً‬
‫وَا َلْنعَا ُم حَّت َى ِإذَا أَ َخ َذتِ الَرْضُ ُز ْخ ُرفَهَا وَا ّزيّنَ ْ‬
‫صلُ اليَاتِ ِل َقوْ ٍم يََتفَ ّكرُونَ } [ يونس‬
‫جعَلْنَاهَا حَصِيدا َكأَن ّلمْ َت ْغنَ بِالَمْسِ َك َذِلكَ ُنفَ ّ‬
‫َأوْ نَهَارا فَ َ‬
‫ض ِربْ َلهُم مَّثلَ الْحَيَاةِ ال ّدنْيَا َكمَاء أَن َزلْنَاهُ ِم َن السّمَاءِ‬
‫‪ ، ] 24‬وقال سبحانه وتعال ‪ { :‬وَا ْ‬
‫ح َهشِيما َتذْرُو ُه ال ّريَاحُ وَكَا َن ال ّلهُ عَلَى ُك ّل َشيْ ٍء ّمقْتَدِرا }‬
‫ض َفأَصْبَ َ‬
‫ط ِبهِ نَبَاتُ اْلأَرْ ِ‬
‫فَاخْتَلَ َ‬
‫[ الكهف ‪. ] 45‬‬
‫وكم من الناس من لزم الدنيا وخطب ودها ‪ ،‬ورام حطامها ‪ ،‬ورغب ف زخرفها ‪ ،‬وجع مالا ‪،‬‬
‫ث مات وتركها ‪ ،‬فهو ياسب على ما جن منها ‪ ،‬عن أَب ُه َريْ َرةَ رضي ال عنه قالَ ‪ :‬قالَ َرسُولُ‬
‫ف َيوْ ٍم ‪َ ،‬وهُوَ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪َ " :‬يدْ ُخلُ ُف َقرَا ِء الُسْلِ ِم َن الْجَّن َة قَ ْبلَ ْالَغْنَِياَ ِء بِنِصْ ِ‬
‫ح ‪ ،‬وأخرجه غيه ] ‪.‬‬
‫خَ ْمسُمَاَئةِ عَا ٍم " [ أخرجه الترمذي وقال ‪ :‬حديثٌ حسنٌ صحي ٌ‬

‫‪4‬‬

‫فوائد تعلم أشراط الساعة ‪:‬‬
‫‪ -1‬تديد اليان بال ورسوله ‪ ،‬وذلك من اعتبارنا بدلئل النبوة الدالة على ربوبية ال من جهة‬
‫‪ ،‬وصدق نبوة ممد صلى ال عليه وسلم من جهة أخرى ‪.‬‬
‫‪ -2‬السارعة إل التوبة والنابة إل ال تعال ‪ ,‬حيث أن الوت والساعة ل تأتى إل بغتة ‪ ،‬قال‬
‫تعال ‪َ { :‬يسَْألُوَنكَ َعنْ السّا َعةِ أَيّا َن ُمرْسَاهَا ُقلْ ِإنّمَا عِلْ ُمهَا عِ ْندَ َربّي لَا يُجَلّيهَا لِ َوقِْتهَا ِإلّا ُهوَ‬
‫ض لَا َتأْتِي ُكمْ ِإلّا َبغَْتةً } [ العراف ‪. ] 187‬‬
‫ت فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ِ‬
‫َثقُلَ ْ‬
‫‪ -3‬البادرة باليان والعمل الصال لنا ستكون فت كقطع الليل الظلم ‪ ،‬كإمارة السفاء ‪،‬‬
‫وكثرة الشُرط ‪ ،‬والستخفاف بالدم ‪ ،‬وكثرة الرج ‪ ،‬وفشو الزنا والعياذ بال تعال ‪ ،‬وهى فت‬
‫تتاج إل الصب واللم والعلم ‪ ،‬والعتصام ببل ال التي ‪.‬‬
‫‪ -4‬القامة والصابرة على اليان والعلم والتعلم والعمل الصال ‪ ,‬والتزود بالتقوى مافة‬
‫النكوص على العقبي بعد الداية ‪ ،‬وحت ل نكون من يصبح مؤمنا ويسى كافرا _ والعياذ بال‬
‫_‪.‬‬
‫‪ -5‬عدم الركون إل الدنيا ‪ ،‬لسيما وقد حان الرحيل ‪ ،‬ودنت الجال ‪ ،‬وقد كثر موت الفجأة‬
‫بسبب الوادث ‪ ،‬والسرعة الفرطة ‪ ،‬والتهور القيادي الواضح ‪ ،‬والمراض الهلكة‬
‫الستعصية ‪ ،‬نظرا للبعد عن ال تعال ‪ ،‬وعن منهجه القوي ‪ ،‬وصراطه الستقيم ‪ ،‬وعدم اتباع‬
‫جعَلُوا دُعَاء الرّسُو ِل بَيَْنكُمْ َكدُعَاء‬
‫سنة الصطفى صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬لَا تَ ْ‬
‫حذَرِ اّلذِينَ يُخَاِلفُونَ َع ْن َأ ْم ِرهِ أَن‬
‫ضكُم َبعْضا َقدْ يَعْ َل ُم اللّ ُه الّذِينَ يََتسَلّلُو َن مِنكُ ْم ِلوَاذا فَلَْي ْ‬
‫َبعْ ِ‬
‫تُصِيَب ُه ْم فِتَْنةٌ َأ ْو يُصِيَبهُمْ َعذَابٌ َألِيمٌ } [ النور ‪. ] 63‬‬
‫‪ -6‬العلم القطعي اليقين بأن الدنيا فانية ‪ ،‬ول يبق منها إل القليل ‪ ،‬وليس ف العمر إل أقل ما‬
‫مضى ‪ ،‬فأعمار الناس ف تناقص ‪ ،‬عَن أَب ُه َريْ َرةَ رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قالَ َرسُولُ ال صلى ال‬
‫ي ‪َ ،‬وَأقَّلهُ ْم َمنْ َيجُوزُ َذِلكَ " [ أخرجه‬
‫ي إل السَبْعِ َ‬
‫عليه وسلم ‪ " :‬أَ ْعمَا ُر أُمّتِي مَا بَ ْينَ السّتّ َ‬
‫الترمذي وابن ماجة وابن حبان وغيهم ] ‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫لا سبق ذكره من أسباب وغيها ‪ ،‬فنحن نتعلم علمات الساعة ‪ ،‬وندرسها ‪ ،‬ونعلمها للناس ‪،‬‬
‫حت يكونوا على استعداد للقاء ال تعال ‪ ،‬والتصديق الازم بأن يوم القيامة تسبقه أمارات‬
‫وعلمات ‪ ،‬وأنه قادم ل مالة ‪ ،‬فنسال ال السلمة ‪.‬‬
‫قرب قيام الساعة ‪:‬‬
‫إن ال جلت حكمته ‪ ،‬قد أخفى على كل أحد وقت قيام الساعة‪ ،‬وجعل ذلك من خصائص‬
‫سأَلُوَنكَ َع ِن السّا َعةِ‬
‫ل ‪ ،‬قال تعال ‪َ { :‬ي ْ‬
‫علمه ل يطلع عليها أحدا‪ ،‬ل ملكا مقربا‪ ،‬ول نبيا مرس ً‬
‫ض لَ‬
‫ت وَالَرْ ِ‬
‫ت فِي السّمَاوَا ِ‬
‫َأيّانَ ُم ْرسَاهَا ُق ْل ِإنّمَا عِلْ ُمهَا عِندَ َربّي َل يُجَلّيهَا لِ َوقِْتهَا ِإلّ ُه َو ثَقُلَ ْ‬
‫ك حَ ِفيّ عَ ْنهَا ُق ْل ِإنّمَا عِلْ ُمهَا عِن َد اللّ ِه َولَ ِك ّن أَكَْثرَ النّاسِ َل َيعْلَمُونَ‬
‫سأَلُونَكَ َكَأنّ َ‬
‫َت ْأتِي ُكمْ إِ ّل َبغْتَ ًة َي ْ‬
‫} [ العراف ‪. ]187‬‬
‫ولكنه سبحانه وتعال ‪ ،‬قد أعلمنا بأماراتا ‪ ،‬وعلماتا ‪ ،‬وأشراطها ‪ ،‬لنستعد لا ‪ ،‬فهناك كثي‬
‫من أشراط الساعة ‪ ،‬ذكرها النب صلى ال عليه وسلم تذيرا لمته ‪ ،‬وقد ظهرت هذه الشراط‬
‫منذ عهد الصحابة رضي ال عنهم وهي ف ازدياد ‪ ،‬وقد تكثر ف أماكن دون أخرى ‪،‬‬
‫كالسوفات والزلزل ‪.‬‬
‫أقسام علمات الساعة ‪:‬‬
‫تنقسم علمات الساعة من حيث وقوعها إل ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫القسم الول ‪ :‬ظهر وانقضى ‪.‬‬
‫القسم الثان ‪ :‬ما ظهر ول يزال يتتابع ويكثر ‪.‬‬
‫القسم الثالث ‪ :‬ما ل يظهر إل الن ‪ ،‬ويكون قرب قيام الساعة ‪ ،‬ويكون ف أمور غي معتادة‬
‫عند الناس ‪.‬‬
‫وحت ل أطيل وأطنب ف القدمة ‪ ،‬وينسي آخر الكلم أوله ‪ ،‬فأكتفي با ذكرت ‪ ،‬وحان أوان‬
‫الشروع ف القصود ‪ ،‬وهو سرد أشراط الساعة ‪ ،‬فأقول ‪ :‬مستعينا بال ومتوكلً عليه ‪ ،‬وهو‬
‫حسب ونعم الوكيل ‪:‬‬
‫الشرط الول ‪:‬‬

‫‪6‬‬

‫بعثة النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬عن سهل بن سَعد السا ِعدِي رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسولُ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬بُعثتُ أنا والساعة كَهاتي ‪ ،‬وقرَ َن بي السبّاب ِة والوُسطَى " [ متفق‬
‫عليه ] ‪.‬‬
‫سمِ السّا َعةِ " [ أخرجه الاكم ‪ ،‬وصححه‬
‫ت فِي َن َ‬
‫وقا َل النّبِيّ صلى ال عليه وسلم ‪ُ " :‬بعِثْ ُ‬
‫اللبان ف صحيح الامع ] ‪ ،‬ونسم الساعة هو ‪ :‬من النسم ‪ ،‬أي أول هبوب الريح الضعيفة ‪،‬‬
‫فل نب بعده صلى ال عليه وسلم وإنا بعده القيامة ‪.‬‬
‫ي وَكَا َن اللّهُ‬
‫ح ّمدٌ أَبَا أَ َحدٍ مّن ّرجَالِ ُكمْ َوَلكِن ّرسُو َل اللّ ِه وَخَاتَ َم النّبِيّ َ‬
‫قال ال تعال‪ { :‬مّا كَا َن مُ َ‬
‫ِب ُكلّ َشيْءٍ عَلِيمًا} [ الحزاب ‪. ] 40‬‬
‫إذن بعثة النب صلى ال عليه وسلم دليل على قرب وقوع القيامة ‪ ،‬وهي شرط من أشراط‬
‫الساعة الصغرى ‪ ،‬وقد ظهرت هذه العلمة وانتهت ‪.‬‬
‫وبعثة النب صلى ال عليه وسلم كانت رحة للعالي ‪ ،‬بعد أن كانت المم تغط ف جهل‬
‫سحيق ‪ ،‬يتخللها الوف والضيق ‪ ،‬ل تدين بدين ‪ ،‬إل بقايا من أهل الكتاب ‪ ،‬وإل فكل‬
‫الشعوب تسيطر عليها الوثنية واليهودية والنصرانية الزيفة الحرفة ‪ ،‬انتشرت عبادة الوثان‬
‫والصنام ‪ ،‬والنار واللئكة والن ‪ ،‬وغي ذلك من أنواع الكفر بال تعال ‪.‬‬
‫فرحم ال البشرية ‪ ،‬حيث أرسل لا أفضل البية ‪ ،‬برسالة سامية ‪ ،‬عادلة ‪ ،‬واضحة ل لبس فيها‬
‫‪ ،‬لتنسخ ما قبلها من الرسائل السماوية الحرفة ‪ ،‬فجاء السلم دينا قيما ‪ ،‬دينا رضيه ال‬
‫لعباده ‪ ،‬ول يقبل منهم دينا غيه ‪ ،‬قال تعال ‪َ { :‬ومَن يَبْتَغِ غَ ْيرَ ا ِلسْلَ ِم دِينا فَلَن ُيقَْبلَ مِنْ ُه َوهُوَ‬
‫فِي الخِ َر ِة ِمنَ الْخَا ِسرِينَ } [ آل عمران ‪. ] 85‬‬
‫سرُو َن } [ البقرة ‪ ، ] 121‬وقال تعال ‪:‬‬
‫ـِ‬
‫ـِكَ ُه ُم ٱلْخَ ٰ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬وَمن َي ْك ُفرْ ِبهِ فَأُؤلَـٰۤﯩ ٕ‬
‫ب فَٱلنّا ُر َموْ ِع ُدهُ ۥ ۚ } [ هود ‪. ] 17‬‬
‫{ َومَن َيكْ ُف ْر ِبهِ ۦ ِمنَ ٱل ْحزَا ِ‬

‫و َع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ رضي ال عنه ‪َ ،‬عنْ َرسُو ِل ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ " :‬وَاّلذِي َنفْسُ‬
‫صرَاِنيّ ‪ ،‬ثُ ّم يَمُوتُ َوَلمْ ُي ْؤمِنْ‬
‫ي َولَ نَ ْ‬
‫ح ّمدٍ بَِي ِد ِه ‪ ،‬لَ َيسْ َم ُع بِي َأحَ ٌد ِمنْ ٰه ِذهِ ا ُل ّمةِ ‪َ ،‬يهُودِ ّ‬
‫مُ َ‬
‫ت بِ ِه ‪ِ ،‬إلّ كَا َن ِم ْن أَصْحَابِ النّا ِر " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫بِالّذِي أُ ْرسِلْ ُ‬

‫‪7‬‬

‫وعن جابر بن عبد ال رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ُ . . . " :‬بعِثْتُ‬
‫ت إِل النّاسِ عَا ّمةً ‪. . .‬‬
‫ص ًة ‪َ ،‬وبُعِثْ ُ‬
‫ث إلَى َقوْ ِم ِه خَا ّ‬
‫إِل أَلحْ َمرِ َوأَل ْس َودِ ‪ ،‬وَكا َن النّبِ ّي إنّما يُ ْبعَ ُ‬
‫" [ أخرجه أحد بإسناد صحيح على شرط الشيخي ‪ . 22/165 ،‬الرسالة ‪ ،‬وأخرجه غيه ] ‪.‬‬
‫وهذا الدين العظيم ‪ ،‬دين السلم ‪ ،‬جاء به النب _ صلى ال عليه وسلم _ من عند ربه ‪ ،‬وأُمر‬
‫بتبليغه للعالي كافة ‪ ،‬إنسهم وجنهم ‪ ،‬ممد بن عبد ال _ صلوات رب وسلمه عليه _ وهو‬
‫آخر النبياء وخاتهم ‪ ،‬إذ ل نب بعده ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬مّا كَا َن مُحَ ّم ٌد َأبَا َأ َحدٍ مّن ّرجَاِلكُمْ‬
‫ي وَكَا َن اللّ ُه ِبكُ ّل شَيْءٍ عَلِيما } [ الحزاب ‪. ] 40‬‬
‫َولَكِن ّرسُولَ ال ّل ِه وَخَاتَ َم النّبِيّ َ‬
‫فأخرج ال بذا النب الكري ‪ ،‬جيع الناس من الظلمات إل النور ‪ ،‬ومن الهل إل العلم ‪،‬‬
‫وأخرج الناس من عبادة العباد ‪ ،‬إل عبادة رب العباد ‪ ،‬فكانت بعثته بق نورا أضاء قلوب‬
‫البشرية جعاء ‪ ،‬أنقذتم من النار ‪ ،‬وسلكت لم طرقا إل النة ‪ ،‬فاللهم صل وسلم وزد وبارك‬
‫على حبيبنا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا ممد النب الاشي القرشي ‪ ،‬فلقد كانت بعثته بق نعمة‬
‫مسداة ‪ ،‬ورحة مهداة للنس والن كافة ‪ ،‬إل من رضي بالنار قرارا ومكانا ‪ ،‬عن أب هريرة‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬أن رسولَ اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ك ّل أمت يَدخلونَ النة إل من أب‬
‫" قالوا ‪ :‬يا رسو َل اللّه ومن يأب ؟ قال ‪ " :‬من أطاعن دخ َل النة ‪ ،‬ومن عصان فقد أب‬
‫" [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫الشرط الثان ‪:‬‬
‫موته صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬عن عَوف بنَ مالكٍ رضي ال عنه قال ‪ " :‬أتيتُ النبّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ف غزوةِ تَبوك ـ وهوَ ف قُّبةٍ من أدم ـ فقال ‪ " :‬اعدُ ْد ستا بي يدَي الساعة ‪َ :‬موْت‬
‫ت الَ ْقدِس ‪ّ ،‬ث مُوتا ٌن يأخذُ فيكم كقعاصِ الغنم ‪ ،‬ث استفاضة الال حت يعطى الرجل‬
‫‪ّ ،‬ث فتحُ بي ِ‬
‫ت م َن العربِ إل دخلَتْه ‪ّ ،‬ث هدنةٌ تكون بينكم وبيَ‬
‫مائة دينارٍ فيظل ساخطا ‪ّ ،‬ث فتن ٌة ل يبقى بي ٌ‬
‫ي غايةً ‪ ،‬تت ك ّل غايةٍ اثنا عشر ألفا " [ أخرجه‬
‫بَن الصفرِ فيَغدِرون ‪ ،‬فيأتونَكم تت ثان َ‬
‫البخاري ] ‪.‬‬
‫فكان موته صلى ال عليه وسلم أول أمر دهم السلم ‪ ،‬كان قاصمة الظهر ‪ ،‬حت اختلف‬
‫الناس ف تصديق موته ‪ ،‬لول الب ‪ ،‬وفجأة النبأ على أصحابه رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫وعندما حانت ساعة وفاة البيب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬دخل عليه جبيل عليه السلم وقال ‪:‬‬
‫" ملك الوت بالباب ‪ ،‬ويستأذن أن يدخل عليك ‪ ،‬وما استأذن من أحد قبلك " ‪ ،‬فقال له ‪" :‬‬
‫إذن له يا جبيل " ‪ ،‬ودخل ملك الوت وقال ‪ " :‬السلم عليك يا رسول ال ‪ ،‬أرسلن ال‬
‫أخيك بي البقاء ف الدنيا ‪ ،‬وبي أن تلحق بال " فقال النب ‪ " :‬بل الرفيق العلى ‪ ،‬بل الرفيق‬
‫العلى ‪ ،‬فوقف ملك الوت عند رأس النب صلى ال عليه وسلم _ كما سيقف عند رأس كل‬
‫واحد منا _ فتقول عائشة رضي ال عنها ‪ " :‬فسقطت يد النب وثقل رأسه على صدري فقد‬
‫علمت أنه قد مات " ‪ ،‬وتقول ‪ " :‬ما أدري ما أفعل فما كان من إل أن خرجت من حجرت إل‬
‫السجد حيث الصحابة وقلت ‪ :‬مات رسول ال ‪ ،‬مات رسول ال ‪ ،‬مات رسول ال ‪ ،‬فأنفجر‬
‫السجد بالبكاء ‪ ،‬فهذا علي بن أب طالب أُقعد من هول الب ‪ ،‬وهذا عثمان بن عفان كالصب‬
‫يأخذ بيده يينا ويسارا ‪ ،‬وهذا عمر بن الطاب رضي ال عنه قال ‪ " :‬إن قال أحد أنه قد مات‬
‫سأقطع رأسه بسيفي ‪ ،‬إنا ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه " ‪.‬‬
‫وكان أثبت الناس وأربطهم جأشا ‪ ،‬فهو الليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي ال عنه ‪ ،‬عن‬
‫عائشة رضي ال عنها قالت ‪ " :‬أن أبا بكر دخل على النبّ صلى ال عليه وسلم بعد وفاته ‪،‬‬
‫فوضع فمه بي عينيه ‪ ،‬ووضع يديه على صدغيه وقال ‪ :‬وانبياه ‪ ،‬واخليله ‪ ،‬واصفيّاه "‬
‫[ أخرجه أحد ] ‪.‬‬
‫وقالت رضي ال عنها ‪ :‬ث جاء أَبو بكر فرفعت الـحجاب‪ ،‬فنظر إلـيه‪ ،‬فقال‪ :‬إنا ل وإنا‬
‫إلـيه راجعون‪ ،‬مات رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ث أتاه من قبل رأسه فحدر فـاه فقبّل‬
‫جبهته‪ ،‬ث قال‪ :‬وانبـياه‪ ،‬ث رفع رأسه فحدر فـاه وقبّل جبهته ث قال‪ :‬واصفـياه ث رفع‬
‫رأسه وحدر فـاه وقبّل جبهته وقال‪ :‬واخـلـيله ‪ ،‬مات رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وخرج إِلـى الـمسجد وعمر يطب الناس ويتكلّـم ويقول‪ :‬إن رسول ال ل يـموت‬
‫حتـى يُفنـي ال الـمنافقـي‪ .‬فتكلّـم أَبو بكر‪ ،‬فحمد ال وأثن علـيه‪ ،‬ث قال‪ :‬إن ال‬
‫يقول { إنك ميت وإنم ميتون } [ الزمر ‪ ] 30‬حتـى فرغ من الية ‪ ،‬ث قرأ ‪ { :‬وما‬
‫ت أَو قُتل انْقلبتـمُ علـى أعقابِكم‬
‫ت من قبله الرس ُل أَفـإ ْن ما َ‬
‫مـحمّد إِل رسول قد خـل ْ‬
‫و َمنْ ينقلبُ علـى عقبـيه } [ آل عمران ‪ ] 144‬حتـى فرغ من الية ‪ ،‬ث قال ‪ :‬فمن‬
‫كان يعبد ال فإن ال حيّ ل يـموت ‪ ،‬ومن كان يعبد مـحمّدا فإن مـحمّدا قد مات ‪ ،‬فقال‬
‫‪9‬‬

‫عمر ‪ :‬أَو إنا فـي كتاب ال ؟ ما شعرت أنا فـي كتاب ال ‪ ،‬ث قال عمر‪ :‬يا أيها الناس هذا‬
‫أَبو بكر ‪ ،‬وهو ذو أسبقـية الـمسلـمي فبـايعوه ‪ ،‬فبـايعوه [ أخرجه الترمذي ] ‪.‬‬
‫وعن عائشةَ رضي ال عنها قالت ‪ :‬كان رسولُ ال صلى ال عليه وسلم يقول وهو صحيحٌ ‪:‬‬
‫إنه ل يُقبضْ نبّ قط حت يرى مَقعدَه من النّة ث يُخي ‪ ،‬فلما َنزَل به ورأسه على فخذي ‪ ،‬غُشيَ‬
‫ت ‪ :‬إِذا ل‬
‫ف ث قال ‪ " :‬اللهم الرفيقَ العلىٰ " قل ُ‬
‫ص بَصرَه إل السّق ِ‬
‫عليه ساع ًة ث أفاق ‪ ،‬فأشخَ َ‬
‫يَختارُنا ‪ ،‬وعرَفتُ أنه الديثُ الذي كان يدّثنا به ‪ ،‬قالت ‪ :‬فكانت تلك آخرَ كلم ٍة تكلمَ با‬
‫النبّ صلى ال عليه وسلم قوله ‪ :‬اللهم الرفي َق العلى " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫إن موت النب صلى ال عليه وسلم علمة من علمات قرب الساعة ‪ ،‬لقد كان موت النب‬
‫صلى ال عليه وسلم قاصمة الظهر ‪ ،‬ومن أعظم الصائب الت وقعت على السلمي ‪ ،‬فقد‬
‫أظلمت الدنيا ف عيون الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬عندما مات عليه الصلة والسلم ‪ ،‬عَن َأنَسِ‬
‫ب ِن مَاِلكٍ رضي ال عنه قال ‪ " :‬لَمّا كانَ الَيوْ ُم اّلذِي َد َخلَ فِيهِ َرسُولُ ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم‬
‫ا َلدِيَن َة ‪ ،‬أَضَا َء مِ ْنهَا ُك ّل َشيْ ٍء ‪ ،‬فَلَمّا كَا َن اليَوْ ُم اّلذِي مَاتَ فِي ِه ‪ ،‬أَظْ َل َم مِ ْنهَا ُك ّل شَيْ ٍء ‪ ،‬ومَا‬
‫َنفَضْنَا عَن َرسُولِ ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم الَْيدِي ‪ ،‬وَإنّا َلفِي َدفِْنهِ حَتّى أْن َكرْنَا قُلُوبَنَا "‬
‫[ أخرجه أحد والترمذي وابن ماجة ‪ ،‬وقال أبو عيسى ‪ :‬هَذَا حَدِيثٌ صحيحٌ غَريب " ‪.‬‬
‫قال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬يريد أنم وجدوها _ قلوبم _ تغيّرت عمّا عهدوه ف حياته من‬
‫اللفة والصفاء والرقة ‪ ،‬لفقدان ما كان يدهم به من التعليم والتأديب " ‪.‬‬
‫بوت النب صلى ال عليه وسلم انقطع الوحي من السماء ‪ ،‬وكما قال القرطب رحه ال ‪" :‬‬
‫أول أمر دهم السلم ‪ ،‬وفاة النبوة ‪ ،‬وكان أول ظهور الشر ‪ ،‬بارتداد العرب ‪ ،‬وكان موته‬
‫أول انقطاع الي وأول نقصانه " ‪.‬‬
‫الشرط الثالث ‪:‬‬
‫فتح بيت القدس ‪ ،‬عن عَوف بنَ مالكٍ رضي ال عنه قال ‪ " :‬أتيتُ النبّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ف غزوةِ تَبوك ـ وهوَ ف قُّبةٍ من أدم ـ فقال ‪ " :‬اع ُد ْد ستا بي يدَي الساعة ‪ :‬مَوْت ‪ ،‬ثّ فتحُ‬
‫ص الغنم ‪ ،‬ث استفاضة الال حت يعطى الرجل مائة‬
‫ت ا َل ْقدِس ‪ّ ،‬ث مُوتا ٌن يأخ ُذ فيكم كقعا ِ‬
‫بي ِ‬
‫ي بَن‬
‫ت منَ العربِ إل دخلَتْه ‪ّ ،‬ث هدنةٌ تكون بينكم وب َ‬
‫دينارٍ فيظل ساخطا ‪ّ ،‬ث فتن ٌة ل يبقى بي ٌ‬
‫‪10‬‬

‫الصفرِ فيَغدِرون ‪ ،‬فيأتونَكم تت ثانيَ غايةً ‪ ،‬تت كلّ غاي ٍة اثنا عشر ألفا " [ أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ ،‬وهذا الشرط قد حدث ف عهد عمر بن الطاب رضي ال عنه سنة ‪36‬هـ ‪.‬‬
‫لا أدرك السلمون الوائل أهية بيت القدس ‪ ،‬وأنه أول القبلتي ‪ ،‬وثالث الساجد الت تُشد‬
‫إليها الرحال ‪ ،‬ولا أيقنوا بأهية بيت القدس ‪ ،‬وأنه أسري بالنب صلى ال عليه وسلم إليه ‪،‬‬
‫ومنه عُرج به إل السماء ‪ ،‬وفيه أمّ النب عليه الصلة والسلم النبياء عليهم أفضل الصلة‬
‫والسلم ‪ ،‬ولا يتميز به بيت القدس من موقع جغراف هام ‪ ،‬لا أدركوا ذلك عزموا على تطهيه‬
‫من قوى الشرك الت سيطرت عليه إبان ذاك ‪ ،‬فتم فتح بيت القدس ف عهد الليفة الراشد‬
‫عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ ،‬وت الفتح بدون قتال ‪ ،‬حيث قبل الصليبيون بالصلح على أن‬
‫يضر الليفة عمر هذا الصلح ‪ ،‬فسار حت وصل بيت القدس ‪ ،‬فصال النصارى على إخراج‬
‫الروم خلل ثلثة أيام ث دخل السجد من حيث دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم‬
‫السراء ‪ ،‬وصلى فيه مع السلمي ‪.‬‬
‫وهكذا بقي بيت القدس تت الكم السلمي إل العهد العباسي ‪ ،‬فلما دب الضعف ف تلك‬
‫الدولة بسبب التفكك والفت السياسية ‪ ،‬ما جعل الفاطميي يثنون رقابم للصليبي ‪ ،‬وتعاونوا‬
‫معهم للقضاء على السلجقة والدولة العباسية ‪ ،‬لنم كانوا يعتبونم أعدا ًء لم ‪ ،‬ولكن غدر‬
‫بم الصليبيون ‪ ،‬فسيطروا على القدس ‪ ،‬وقاموا بعمليات ومذابح ومازر بشعة ف كل الدن الت‬
‫فتحوها ‪ ،‬ول يفرقوا بي أحد ‪ ،‬وقد بلغت تلك الجازر أوجها وذروتا ف القدس نفسها ‪ ،‬حيث‬
‫قتلوا السلمي وقطعوا أطرافهم ‪ ،‬وألقوهم على السوار ‪ ،‬وت سقوط القدس ف يد الصليبي‬
‫عام ‪492‬هـ وبقي حت عام ‪583‬هـ ‪.‬‬
‫واستمر الصليبيون على عزل مصر والشام حت ل تتمع قوى السلم ضدها ‪ ،‬حت هيأ ال‬
‫ل مغوارا عمل على توحيد اليوش السلمية تت راية واحدة ‪ ،‬أل وهو البطل‬
‫للمة رجلً بط ً‬
‫صلح الدين اليوب رحه ال ‪ ،‬حيث انطلق لعملية الفتح السلمي ‪ ،‬وبعد معركة حطي توجه‬
‫نو عسقلن ‪ ،‬ومنها إل القدس وفرض عليها حصارا قويا ‪ ،‬اضطر معه الصليبيون إل‬
‫الستسلم وذلك ف عام ‪853‬هـ ‪ ،‬فتم فتح بيت القدس على يد ذلك البطل الشجاع ‪،‬‬
‫ولكن بعد موته دب اللف والفرقة بي السلمي حت سلمت القدس للصليبي مرتي دون‬
‫قتال ‪ ،‬دامت الرة الول عشر سنوات ‪ ،‬ودامت الرة الثانية سنة واحدة ‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫ث وقعت القدس تت طائلة الكم البيطان عقب الرب العالية الول ‪ ،‬وهكذا وقعت‬
‫فلسطي تت الكم اليهودي منذ عام ‪1367‬هـ ‪ ،‬وحت يومنا هذا ‪ ،‬فنسأل ال تعال أن يهيأ‬
‫ل يقودها لستعادة مدها التليد ‪ ،‬وعزها الجيد ‪ ،‬وليس ذلك على ال ببعيد ‪.‬‬
‫للمة رج ً‬
‫الشرط الرابع ‪:‬‬
‫ك َأتَيْتُ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ف ْبنَ مَالِ ٍ‬
‫طاعون _عمواس _ وهي بلدة ف فلسطي ‪ ،‬قَالَ َعوْ َ‬
‫َوسَ ّلمَ فِي َغ ْز َوةِ تَبُو َك وَ ُه َو فِي قُّبةٍ مِ ْن َأدَ ٍم َفقَالَ ‪ " :‬ا ْع ُددْ سِتّا بَ ْي َن َيدَيِ السّا َعةِ ‪َ :‬م ْوتِي ‪ُ ،‬ثمّ فَتْحُ‬
‫ضةُ الْمَالِ حَتّى ُيعْطَى ال ّرجُ ُل مِاَئةَ‬
‫ت الْ َم ْقدِسِ ‪ُ ،‬ثمّ ُم ْوتَا ٌن َيأْ ُخذُ فِي ُكمْ َك ُقعَاصِ اْلغََنمِ ‪ُ ،‬ثمّ اسِْتفَا َ‬
‫بَيْ ِ‬
‫ت ِمنَ اْلعَ َربِ ِإلّا دَخَلَ ْت ُه ‪ُ ،‬ثمّ ُه ْدنَ ٌة تَكُو ُن بَيَْنكُ ْم َوبَيْ َن بَنِي‬
‫دِينَا ٍر فَيَ َظلّ سَاخِطًا ‪ُ ،‬ثمّ فِتَْن ٌة لَا يَبْقَى بَيْ ٌ‬
‫ش َر أَْلفًا " [ أخرجه‬
‫ت ثَمَانِيَ غَاَي ًة تَحْتَ ُكلّ غَاَيةٍ اثْنَا َع َ‬
‫صفَ ِر فََي ْغدِرُو َن ‪ ،‬فََي ْأتُوَنكُ ْم تَحْ َ‬
‫اْلأَ ْ‬
‫البخاري وغيه ] ‪ ،‬قال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬يقال ‪ :‬إن هذه الية ظهرت ف طاعون عمواس‬
‫ف خلفة عمر ‪ ،‬وكان ذلك بعد فتح بيت القدس " [ فتح الباري ‪ . ] 334 / 6‬وكان‬
‫ذلك عام ‪18‬هـ وبلغ عدد من مات فيه من السلمي خسة وعشرين ألفا ‪.‬‬
‫س ْب ِن مَاِلكٍ َرضِي اللّه عَنْه ‪َ :‬ع ِن النّبِيّ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ‬
‫ومن مات بالطاعون فهو شهيد ‪َ ،‬ع ْن أَنَ ِ‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬الطّاعُونُ َشهَا َدةٌ ِل ُكلّ ُمسْ ِلمٍ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ ،‬وعلى الؤمن إذا‬
‫علم بوجود الطاعون ف بلده أن ل يرج منها خوفا منه ‪ ،‬فل يدري فلربا يصاب به ف بلدة‬
‫أخرى ‪ ،‬أو قد يصاب بغيه من المراض ‪ ،‬فعليه أن يتوكل على ال تعال ‪ ،‬وأن يصب متسبا ‪،‬‬
‫وأل يرج وليس ذلك من باب إلقاء اليد إل التهلكة ‪ ،‬بل ذلك من قبيل طاعة أمر النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وكذلك إذا علم السلم أن هناك بلدا با مرضا خطيا ‪ ،‬فيجب عليه أن ل‬
‫يقدم إليها فرارا من أن يصيبه ‪ ،‬فإن تعمد وقدم وأصيب به ‪ ،‬فهذا من قبيل إلقاء النفس إل‬
‫التهلكة والنتحار ‪ ،‬لخالفة أمر النب صلى ال عليه وسلم ف ذلك ‪َ ،‬ع ْن أُسَامَ َة ْبنَ َزيْ ٍد قَالَ ‪:‬‬
‫س أُ ْرسِلَ عَلَى طَاِئ َفةٍ ِم ْن بَنِي ِإسْرَائِيلَ ‪،‬‬
‫قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬الطّاعُونُ ِرجْ ٌ‬
‫ض َوأَنُْت ْم ِبهَا فَلَا‬
‫ض فَلَا َت ْق َدمُوا عَلَ ْي ِه ‪ ،‬وَِإذَا َوقَ َع ِبأَرْ ٍ‬
‫َأوْ عَلَى مَنْ كَا َن قَبْ َل ُكمْ ‪َ ،‬فِإذَا سَ ِمعُْتمْ بِ ِه ِبأَرْ ٍ‬
‫خ ُرجُوا ِفرَارًا مِ ْنهُ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ .‬فما أعظم أن يستسلم العبد لقضاء ربه‬
‫تَ ْ‬
‫تبارك وتعال ‪ ،‬فيصب متوكلً على ال تعال ‪ ،‬ف مقابلة هذا البلء الطي ‪ ،‬والداء الكبي ‪ ،‬وأل‬
‫‪12‬‬

‫يزع ‪ ،‬لن المر كله ل ‪ ،‬فال قضى على لسان رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بأن ل يرج‬
‫أحد من أرض أصابا الوباء خوفا منه ‪ ،‬والوباء والرض يدخل فيه الطاعون وغيه من‬
‫المراض ‪ ،‬لن الطاعون كان معروفا آنذاك ‪ ،‬وهو مرض خطي ومعد ‪ ،‬يقتل آلف البشر‬
‫ويفتك بم ‪ ،‬فمن أيقن أن ذلك قضاء من ال ‪ ،‬وجب عليه الصب والحتساب ف ذلك ‪ ،‬وله‬
‫ت ‪َ :‬سأَلْتُ‬
‫شةَ َرضِي اللّه عَ ْنهَا حيث قَالَ ْ‬
‫أجر شهيد كما جاء ذلك مصرحا به ف حديث عَاِئ َ‬
‫ب يَ ْبعَُثهُ ال ّلهُ عَلَى َمنْ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ َع ِن الطّاعُونِ ؟ فََأخَْبرَنِي ‪ " :‬أَّنهُ َعذَا ٌ‬
‫ث فِي بَ َل ِدهِ صَاِبرًا‬
‫س ِم ْن أَ َح ٍد َيقَعُ الطّاعُو ُن فَيَ ْمكُ ُ‬
‫ي ‪ ،‬لَيْ َ‬
‫َيشَا ُء ‪َ ،‬وأَنّ ال ّلهَ جَعَ َلهُ َرحْ َمةً لِلْ ُم ْؤمِنِ َ‬
‫ب ال ّل ُه لَ ُه ‪ِ ،‬إلّا كَا َن َل ُه مِ ْثلُ َأ ْجرِ َشهِيدٍ " [ أخرجه‬
‫مُحَْتسِبًا َيعْ َلمُ َأّنهُ لَا يُصِيُبهُ ِإلّا مَا كَتَ َ‬
‫البخاري ] ‪.‬‬
‫ولا أراد عمر بن الطاب رضي ال عنه دخول الشام وعلم أن با الطاعون ‪ ،‬توقف فلم يدخلها‬
‫س أَنّ عُ َم َر ْبنَ‬
‫‪ ،‬لنه أذعن لمر النب صلى ال عليه وسلم ف ذلك ‪ ،‬ف َعنْ عَ ْبدِاللّ ِه ْبنِ عَبّا ٍ‬
‫سرْغَ ـ مكان بقرب تبوك يبعد عن‬
‫شأْمِ حَتّى ِإذَا كَا َن ِب َ‬
‫الْخَطّابِ رَضِي اللّه عَنْه َخرَجَ ِإلَى ال ّ‬
‫الدينة ثلث عشرة مرحلة وهي مسية ستة أيام بلياليها على البل ـ َلقَِيهُ ُأ َمرَا ُء اْلأَجْنَادِ ‪ :‬أَبُو‬
‫س ‪َ :‬فقَالَ‬
‫شأْ ِم ‪ ،‬قَا َل ابْنُ عَبّا ٍ‬
‫جرّاحِ َوأَصْحَاُبهُ ‪َ ،‬فَأخَْبرُو ُه أَنّ اْل َوبَا َء َق ْد َوقَ َع ِبأَرْضِ ال ّ‬
‫عُبَ ْي َدةَ ْب ُن الْ َ‬
‫ع لِي الْ ُمهَا ِجرِي َن الَْأوّلِيَ ‪ ،‬فَدَعَا ُهمْ ‪ ،‬فَاسَْتشَا َر ُهمْ َوَأخْبَ َر ُهمْ أَ ّن اْلوَبَا َء َقدْ َوقَ َع بِالشّأْمِ ‪،‬‬
‫عُ َم ُر ‪ :‬ادْ ُ‬
‫ك بَقِّيةُ‬
‫ضهُ ْم ‪َ :‬قدْ َخ َرجْتَ ِلَأ ْمرٍ َولَا َنرَى أَ ْن َترْجِعَ عَ ْن ُه ‪َ ،‬وقَا َل َبعْضُ ُه ْم ‪َ :‬معَ َ‬
‫فَاخْتَلَفُوا ‪َ ،‬فقَا َل َبعْ ُ‬
‫النّاسِ ‪َ ،‬وأَصْحَابُ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪َ ،‬ولَا َنرَى أَ ْن ُت ْقدِ َم ُهمْ عَلَى َهذَا اْلوَبَاءِ ‪،‬‬
‫ع لِي اْلَأنْصَارَ ‪َ ،‬فدَ َع ْوُتهُ ْم ‪ ،‬فَاسَْتشَا َرهُ ْم ‪َ ،‬فسَلَكُوا سَبِيلَ‬
‫َفقَالَ ‪ :‬ا ْرَتفِعُوا عَنّي ‪ُ ،‬ثمّ قَالَ ‪ :‬ادْ ُ‬
‫الْ ُمهَا ِجرِي َن ‪ ،‬وَاخْتَ َلفُوا كَاخْتِلَا ِف ِهمْ ‪َ ،‬فقَالَ ‪ :‬ا ْرَتفِعُوا عَنّي ‪ُ ،‬ث ّم قَا َل ‪ :‬ادْعُ لِي َمنْ كَا َن هَاهُنَا ِمنْ‬
‫ف مِ ْن ُهمْ عَلَ ْيهِ َرجُلَانِ ‪َ ،‬فقَالُوا ‪َ :‬نرَى‬
‫ح ‪َ ،‬فدَ َعوُْت ُهمْ ‪ ،‬فَ َل ْم يَخْتَلِ ْ‬
‫خ ِة ُق َريْشٍ ‪ِ ،‬م ْن ُمهَا ِج َرةِ اْلفَتْ ِ‬
‫َمشْيَ َ‬
‫أَ ْن َت ْرجِعَ بِالنّاسِ ‪َ ،‬ولَا ُت ْقدِ َم ُهمْ عَلَى َهذَا اْل َوبَا ِء ‪ ،‬فَنَادَى عُ َم ُر فِي النّاسِ ‪ِ :‬إنّي مُصَبّحٌ عَلَى َظ ْهرٍ ‪،‬‬
‫ح ‪َ :‬أ ِفرَارًا ِمنْ َقدَ ِر ال ّلهِ ‪َ ،‬فقَالَ ُع َمرُ ‪َ :‬لوْ غَ ْيرُ َك قَاَلهَا يَا‬
‫جرّا ِ‬
‫َفأَصْبِحُوا عَلَ ْي ِه ‪ ،‬قَا َل َأبُو عَُب ْي َدةَ ْب ُن الْ َ‬
‫ت وَا ِديًا َلهُ‬
‫ت َلوْ كَا َن َلكَ ِإِب ٌل هَبَطَ ْ‬
‫َأبَا عُبَ ْي َدةَ ؟ َنعَ ْم ‪َ ,‬ن ِفرّ ِم ْن َقدَرِ ال ّلهِ ‪ ،‬إِلَى َقدَ ِر ال ّلهِ ‪ ،‬أَ َرَأيْ َ‬
‫ت الْخَصَْبةَ رَعَيَْتهَا ِبقَدَ ِر ال ّلهِ ‪َ ،‬وإِنْ‬
‫س إِنْ رَ َعيْ َ‬
‫ُعدْ َوتَانِ ‪ِ ،‬إ ْحدَاهُمَا خَصِبَ ٌة ‪ ،‬وَاْلُأخْرَى جَ ْدَبةٌ ‪َ ،‬ألَيْ َ‬
‫ج ْدبَةَ رَ َعيَْتهَا ِب َقدَرِ ال ّلهِ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فَجَاءَ عَ ْبدُالرّحْ َم ِن ْبنُ َعوْفٍ ‪ ،‬وَكَا َن مَُتغَيّبًا فِي َبعْضِ‬
‫ت الْ َ‬
‫َرعَيْ َ‬
‫‪13‬‬

‫حَاجَِت ِه ‪َ ،‬فقَالَ ‪ :‬إِنّ عِ ْندِي فِي هَذَا عِلْمًا سَ ِمعْتُ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َيقُو ُل ‪ِ " :‬إذَا‬
‫خرُجُوا ِفرَارًا مِ ْن ُه " ‪ ،‬قَالَ ‪:‬‬
‫ض َوأَنُْت ْم ِبهَا فَلَا تَ ْ‬
‫ض فَلَا َت ْق َدمُوا عَلَ ْي ِه ‪ ،‬وَِإذَا َوقَ َع ِبأَرْ ٍ‬
‫سَ ِمعُْتمْ بِ ِه ِبأَرْ ٍ‬
‫ف " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ .‬ول يدخل رضي ال عنه على‬
‫صرَ َ‬
‫ح ِمدَ ال ّلهَ عُ َم ُر ُثمّ انْ َ‬
‫فَ َ‬
‫أرض الوباء خوفا من فتكه بالسلمي ‪ ،‬وهكذا يب على كل مسلم إذا عرف بوجود مرض‬
‫خطي ف بلد ما ‪ ،‬أل يقدم عليها لئل يلقي بنفسه ومن معه إل التهلكة ‪.‬‬
‫قال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬وليس ذاك من باب الطية أو التشاؤم ‪ ،‬بل من باب عدم إلقاء‬
‫النفس إل التهلكة " [ الفتح ‪. ] 230 / 10‬‬
‫وقد جاء عن عمر رضي ال عنه أنه ندم على عودته من أرض الشام إل الدينة ‪ ،‬وكان يقول ‪:‬‬
‫" اللهم اغفر ل رجوعي من َسرْغ " [ أخرجه ابن أب شيبة بسند جيد ] ‪ ،‬وقد أجاب العلماء‬
‫عن قول عمر هذا بأقوال ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أن النهي ف الديث عن القدوم على أرض الوباء ني تنيه ‪ ،‬وأن القدوم جائزا لن‬
‫غلب عليه التوكل ‪ ،‬كما حكاه البغوي ف شرح السنة ‪ ،‬لكن يُجاب عن ذلك بأن النهي ف‬
‫الديث للتحري ول صارف له عنه ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن سبب ندمه أنه خرج بالسلمي وحصلت لم الشقة ‪ ،‬فلو عسكر بم خارج أرض‬
‫ل فقد ارتفع الطاعون من أرض الشام بعد مدة قصية ‪ ،‬فندم‬
‫الوباء ‪ ،‬فلما ارتفع دخلها ‪ ،‬وفع ً‬
‫ل لكان أول من رجوعه إل الدينة‬
‫عمر رضي ال عنه لجل ذلك ‪ ،‬فكأنه رأى لو أنه انتظر قلي ً‬
‫باليش ‪ ،‬خصوصا وأن الديث ورد بالنهي عن القدوم على أرض الطاعون ‪ ،‬وليس‬
‫بالرجوع ‪ ،‬وقد ورد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال ‪ :‬قال عمر ‪ " :‬اللهم إن الناس قد نلون‬
‫ثلثا ‪ ،‬أنا أبرأ إليك منهن ‪ :‬زعموا أن فررت من الطاعون ‪ ،‬وأنا أبرأ إليك من ذلك "‬
‫[ أخرجه الطحاوي وصحح سنده الافظ بن حجر ف الفتح ‪. ] 231 / 10‬‬
‫وقد جاء الوعيد لن خرج من أرض الطاعون بعد علمه بذلك ‪ ،‬ففي حديث لعائشة رضي ال‬
‫عنها وفيه ‪ . . . " :‬قلت ‪ :‬يا رسول ال ! فما الطاعون ؟ قال ‪ " :‬غدة كغدة البل ‪ ،‬القيم فيها‬
‫كالشهيد ‪ ،‬والفار منها كالفار من الزحف " [ أخرجه أحد بسند حسن ‪ .‬الفتح ‪/ 10‬‬
‫‪. ] 231‬‬
‫وينقسم الروج من أرض الرض والوباء إل ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫‪14‬‬

‫القسم الول ‪ /‬الروج لقصد الفرار منه ‪ :‬وهذا منهي عنه للحديث السابق ‪.‬‬
‫القسم الثان ‪ /‬الروج بدون علم وجود الرض ‪ :‬كمن كان على أهبة النتقال من بلد إل بلد‬
‫آخر ‪ ،‬ول يسمع بوجود الرض ‪ ،‬فلما سع به استمر على النتقال ل فرارا منه ‪ ،‬فهذا يوز له‬
‫أن ينتقل ‪.‬‬
‫القسم الثالث ‪ /‬من كان له حاجة وهو يعلم بوجود الطاعون ‪ :‬فخرج من أجل الاجة وفرارا‬
‫من الطاعون ‪ ،‬فهذا فيه خلف بي العلماء ‪ ،‬والصحيح ‪ :‬أنه ل يرج ‪.‬‬
‫واتفق العلماء على جواز الروج بشغل وغرض غي الفرار [ الوسوعة الفقهية ‪332 / 28‬‬
‫]‪.‬‬
‫وقد ذكر النووي رحه ال تعال أن الطاعون قد أصاب السلمي ف أزمنة متعددة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ -1‬طاعون شيويه بالدائن ف عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم سنة ست من الجرة ‪.‬‬
‫‪ -2‬طاعون عمواس بالشام ف عهد عمر بن الطاب رضي ال عنه ومات فيه أبو عبيدة عامر‬
‫بن الراح رضي ال عنه ‪ ،‬وخلق كثي من الصحابة رضوان ال عليهم أجعي ‪ ،‬وكان عدد‬
‫الوتى خسة وعشرين ألفا ‪.‬‬
‫‪ -3‬الطاعون الذي وقع ف زمن ابن الزبي ف شوال سنة تسع وستي ‪ ،‬ومات ف خلل ثلثة‬
‫أيام ف كل يوم منها سبعون ألفا ‪ ،‬ومات فيه لنس بن مالك رضي ال عنه ثلثة وثانون ابنا ‪،‬‬
‫ومات لعبد الرحن بن أب بكرة أربعون ابنا ‪.‬‬
‫‪ -4‬طاعون الفتيات ‪ ،‬وسي بذلك لنه بدأ بالعذارى ‪ ،‬ويقال له ‪ :‬طاعون الشراف ‪ :‬لكثرة‬
‫من مات فيه من الشراف ‪ ،‬وكان ذلك الطاعون سنة سبع وثاني ‪ ،‬ووقع بالبصرة والكوفة‬
‫والشام وواسط ‪ ،‬ومات فيه خلق كثي ‪.‬‬
‫‪ -5‬طاعون الكوفة ‪ ،‬سنة خسي للهجرة ‪ ،‬ومات فيه الغية بن شعبة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪ -6‬طاعون سنة مائة وإحدى وثلثي ‪ ،‬وبدأ ف رجب واشتد ف رمضان ‪ ،‬وكان يصى ف‬
‫سكك الَ ْربَد كل يوم ألف جنازة ‪ ،‬ث خف ف شوال ‪ [ .‬الذكار ‪. ] 224‬‬
‫وهناك بشرى لسكان مدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه ل يدخلها مرض خطي ‪ ،‬فهي‬
‫مروسة بلئكة الرحن جل وعل ‪ ،‬ولن النب صلى ال عليه وسلم قد دعاء ال أن ينقل حُمّاها‬
‫إل الحفة ‪ ،‬فنقلها ال تعال إل الحفة ‪َ ،‬عنْ عَاِئشَةَ رضي ال عنها قَالَتْ ‪َ :‬ق ِدمْنَا الْ َمدِيَنةَ َوهِيَ‬
‫‪15‬‬

‫ل ٌل ‪ ،‬فَلَمّا َرأَىٰ َرسُولُ ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم َشكْوَىٰ‬
‫َوبِيَئةٌ ‪ ،‬فَاشْتَ َكىٰ َأبُو َب ْكرٍ ‪ ،‬وَاشْتَ َكىٰ بِ َ‬
‫حهَا ‪ ،‬وَبَارِكْ‬
‫صحّ ْ‬
‫ت إلينا َمكّ َة َأوْ َأ َشدّ ‪ ،‬وَ َ‬
‫صحَاِب ِه قَا َل ‪ " :‬اللّ ُه ّم حَبّبْ إِلَيْنَا الْ َمدِيَنةَ ‪ ،‬كَمَا حَبّبْ َ‬
‫أَ ْ‬
‫ح َفةِ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫لَنَا فِي صَا ِعهَا َومُ ّدهَا ‪َ ،‬وحَ ّولُ حُمّاهَا ِإَلىٰ الْجُ ْ‬
‫وقد بي النب صلى ال عليه وسلم ف الديث الصحيح أن الطاعون ل يدخل الدينة النبوية ‪،‬‬
‫ج ُد الْمَلَاِئ َكةَ‬
‫س ْبنِ مَالِكٍ َع ِن النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَالَ ‪ " :‬الْ َمدِيَنةُ َي ْأتِيهَا الدّجّا ُل فَيَ ِ‬
‫َعنْ َأنَ ِ‬
‫ح ُرسُوَنهَا فَلَا َيقْ َرُبهَا الدّجّا ُل ‪َ ،‬ولَا الطّاعُو ُن إِ ْن شَا َء اللّ ُه " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪.‬‬
‫يَ ْ‬
‫وربا سأل سائل ‪ :‬هل مكة مثل الدينة أم ل ؟‬
‫والواب ‪ :‬هناك حديث لب هريرة رضي ال عنه أخرجه المام أحد ف مسنده ‪ ،‬ورجاله رجال‬
‫الصحيح ‪ ،‬كما قال ابن حجر رحه ال ‪ ،‬عن أب هريرةَ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال‬
‫ب مِ ْنهَا مَ َلكٌ ‪ ،‬ل‬
‫لِئ َكةِ ‪ ،‬على ُك ّل َنقْ ٍ‬
‫حفُوفَتَا ِن بال َ‬
‫صلى ال عليه وسلّم ‪ " :‬ا َلدِيَنةُ ومَ ّك ُة مَ ْ‬
‫َي ْدخُلُها ال ّدجّالُ ول الطّاعُو ُن " [ أخرجه أحد ورجاله ثقات " [ الفتح ‪ ، ] 235 / 10‬ولو‬
‫ل يصح الثر ‪ ،‬فمكة أفضل البقاع إل ال تعال ‪ ،‬وهي من باب أول أن ل يدخلها الدجال ول‬
‫الطاعون ‪.‬‬
‫القصود أن طاعون عمواس من أشراط الساعة ‪ ،‬وقد وقع هذا الشرط وانقضى ‪ ،‬فهو دليل‬
‫على قرب وقوع الساعة ‪.‬‬
‫الشرط الامس ‪:‬‬
‫استفاضة الال والستغناء عن الصدقة ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رَضِي اللّه عَنْه قَا َل ‪ :‬قَا َل النّبِيّ صَلّى اللّه‬
‫ض ‪ ،‬حَتّى ُي ِهمّ َربّ الْمَالِ _ يهتم‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى َيكُْثرَ فِي ُكمُ الْمَالُ ‪ ،‬فََيفِي َ‬
‫ضهُ عَلَ ْي ِه ‪ :‬لَا أَ َربَ لِي فِيهِ _ ل حاجة ل به‬
‫ضهُ فََيقُولَ اّلذِي َي ْعرِ ُ‬
‫ص َدقََت ُه ‪ ،‬وَحَتّى َي ْعرِ َ‬
‫_ َم ْن َيقْبَلُ َ‬
‫_ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪.‬‬
‫عن أب موسى رضيَ ال ّلهُ عنهُ ‪ ،‬عنِ النبّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬لَيأتِيَ ّن على الناسِ زمانٌ ‪،‬‬
‫جدُ أحدا يأ ُخذُها منه ‪ ،‬وُيرَى الرّجلُ الواحدُ ‪،‬‬
‫ف الر ُجلُ في ِه بالصّدقةِ م َن ال ّذهَبِ ‪ّ ،‬ث ل َي ِ‬
‫يَطو ُ‬
‫يَتب ُعهُ أ ْرَبعُو َن امرأةً يَ ُلذْ َن به ‪ ،‬من قِ ّلةِ الرّجَالِ وكَ ْث َر ِة النساءِ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫فقد أخب النب صلى ال عليه وسلم أن ال تعال سيعطي هذه المة ‪ ،‬ويفتح عليها من كنوز‬
‫الرض ‪ ،‬وأن مُلك أمته سيبلغ مشارق الرض ومغاربا ‪َ ،‬ع ْن َثوْبَانَ رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ‬
‫ض َف َرَأيْتُ َمشَا ِر َقهَا‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬إِنّ ال ّلهَ َزوَى ِليَ ـ جع وطوى ـ الْأَرْ َ‬
‫ت اْلكَ ْنزَْينِ اْلَأحْ َمرَ وَالَْأبْيَضَ ـ‬
‫ي لِي مِ ْنهَا ‪َ ،‬وأُعْطِي ُ‬
‫َو َمغَا ِرَبهَا ‪َ ،‬وإِ ّن أُمّتِي سَيَبْلُ ُغ مُ ْلكُهَا مَا ُزوِ َ‬
‫الذهب والفضة ـ وَِإنّي َسَألْتُ َربّي ِلأُمّتِي أَ ْن لَا ُيهْلِ َكهَا ِبسََنةٍ عَامّ ٍة ‪َ ،‬وأَنْ لَا ُيسَلّطَ َعلَ ْي ِهمْ َع ُدوّا‬
‫ت قَضَا ًء ‪َ ،‬فإِّن ُه لَا‬
‫ح ّمدُ ‪ِ :‬إنّي ِإذَا قَضَيْ ُ‬
‫س ِهمْ ‪ ،‬فََيسْتَبِيحَ بَيْضََتهُ ْم ‪َ ،‬وإِنّ َربّي قَا َل يَا مُ َ‬
‫ِم ْن سِوَى َأنْ ُف ِ‬
‫ك ِلأُمِّتكَ ‪ ،‬أَنْ لَا ُأهْلِ َك ُهمْ ِبسََنةٍ عَامّ ٍة ‪َ ،‬وأَنْ لَا ُأسَلّطَ عَلَ ْي ِهمْ َع ُدوّا ِمنْ سِوَى‬
‫ُي َردّ ‪َ ،‬وِإنّي أَعْطَيُْت َ‬
‫ح بَيْضََت ُهمْ ‪َ ،‬وَلوِ اجْتَمَعَ عَلَ ْي ِهمْ َم ْن ِبأَقْطَا ِرهَا ‪َ ،‬أوْ قَالَ َم ْن بَ ْينَ أَقْطَا ِرهَا ‪ ،‬حَتّى‬
‫َأْن ُفسِ ِهمْ َيسْتَبِي ُ‬
‫ضهُ ْم َبعْضًا " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫ض ُهمْ ُيهْ ِلكُ َبعْضًا ‪َ ،‬وَيسْبِي َبعْ ُ‬
‫َيكُو َن َبعْ ُ‬
‫شكَا ِإلَ ْيهِ اْلفَا َقةَ‬
‫ي ْبنِ حَاتِ ٍم قَا َل ‪ :‬بَيْنَا أَنَا عِ ْن َد النّبِيّ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ِإ ْذ َأتَاهُ َر ُجلٌ َف َ‬
‫و َعنْ َعدِ ّ‬
‫ت ‪َ :‬ل ْم أَ َرهَا‬
‫ي َة " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ت الْحِ َ‬
‫ي ‪َ " :‬هلْ َرأَيْ َ‬
‫شكَا ِإلَ ْيهِ قَ ْط َع السّبِي ِل ‪َ ،‬فقَا َل يَا َعدِ ّ‬
‫‪ُ ،‬ث ّم أَتَاهُ آ َخرُ َف َ‬
‫ي ِة حَتّى تَطُوفَ‬
‫ح ُل ِمنَ الْحِ َ‬
‫ك حَيَاةٌ لََت َرَينّ ال ّظعِيَنةَ َت ْرتَ ِ‬
‫ت بِ َ‬
‫َو َقدْ ُأنْبِئْتُ َع ْنهَا ‪ ،‬قَا َل ‪َ " :‬فإِنْ طَالَ ْ‬
‫ت فِيمَا بَيْنِي َوبَ ْينَ َن ْفسِي ‪َ :‬فَأيْ َن دُعّارُ طَّي ٍئ الّذِينَ َق ْد َسعّرُوا‬
‫ف أَ َحدًا ِإلّا ال ّلهَ " قُلْ ُ‬
‫بِالْ َكعَْبةِ لَا تَخَا ُ‬
‫سرَى‬
‫سرَى " قُلْتُ ‪ِ :‬ك ْ‬
‫حنّ ُكنُوزُ ِك ْ‬
‫ت ِبكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَ َ‬
‫الْبِلَادَ ـ يعن قطاع الطرق ـ ؟ " َولَئِنْ طَالَ ْ‬
‫ج ِملْءَ َك ّف ِه ِمنْ‬
‫خرِ ُ‬
‫ك حَيَا ٌة لََت َريَ ّن ال ّر ُجلَ يُ ْ‬
‫سرَى ْبنِ ُه ْر ُمزَ ‪َ ،‬ولَِئنْ طَالَتْ ِب َ‬
‫ْب ِن ُهرْ ُمزَ ؟ قَالَ ‪ِ " :‬ك ْ‬
‫ج ُد أَ َحدًا َيقْبَ ُلهُ مِنْ ُه ‪َ ،‬ولَيَ ْلقَيَ ّن ال ّلهَ َأ َحدُكُ ْم َيوْ َم يَ ْلقَاهُ‬
‫ب َمنْ يَقْبَ ُل ُه مِ ْنهُ فَلَا يَ ِ‬
‫ض ٍة يَطْلُ ُ‬
‫ب َأوْ فِ ّ‬
‫َذهَ ٍ‬
‫س بَيَْنهُ َوبَيَْنهُ تَ ْرجُمَا ٌن يَُترْ ِجمُ َل ُه ‪ ،‬فَلََيقُوَل ّن لَ ُه ‪َ :‬ألَ ْم َأْبعَثْ ِإلَ ْيكَ َرسُولًا فَيُبَ ّل َغكَ ؟ فََيقُولُ ‪ :‬بَلَى‬
‫َولَيْ َ‬
‫ضلْ عَلَ ْيكَ ؟ فََيقُو ُل ‪ :‬بَلَى ‪ ،‬فَيَنْ ُظرُ َع ْن يَمِيِن ِه فَلَا يَرَى ِإلّا َجهَّنمَ ‪،‬‬
‫ك مَالًا َوُأفْ ِ‬
‫‪ ،‬فََيقُو ُل ‪َ :‬ألَ ْم أُعْ ِط َ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ َيقُولُ ‪" :‬‬
‫ت النِّبيّ َ‬
‫َويَنْ ُظرُ َع ْن َيسَا ِر ِه فَلَا َيرَى ِإلّا َجهَّنمَ " قَالَ َعدِيّ سَ ِمعْ ُ‬
‫ت ال ّظعِيَنةَ‬
‫ي ‪َ :‬ف َرأَيْ ُ‬
‫ج ْد شِ ّقةَ تَ ْم َرةٍ فَِبكَلِ َمةٍ طَيَّب ٍة " ‪ ،‬قَالَ َعدِ ّ‬
‫اّتقُوا النّا َر َولَ ْو ِبشِ ّق ِة تَ ْم َرةٍ َف َمنْ َل ْم يَ ِ‬
‫سرَى ْبنِ‬
‫ت فِي َم ِن افْتَتَحَ كُنُوزَ ِك ْ‬
‫ف ِإلّا ال ّل َه ‪ ،‬وَكُنْ ُ‬
‫ف بِاْل َكعْبَ ِة لَا تَخَا ُ‬
‫ي ِة حَتّى تَطُو َ‬
‫حلُ مِ َن الْحِ َ‬
‫َت ْرتَ ِ‬
‫خرِجُ‬
‫ت ِب ُكمْ حَيَاةٌ لََت َروُ ّن مَا قَالَ النِّبيّ َأبُو اْلقَا ِسمِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ ،‬يُ ْ‬
‫ُه ْرمُ َز ‪َ ،‬ولَِئنْ طَالَ ْ‬
‫ِملْءَ َك ّفهِ " [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫ولقد تقق كثي ما أخبنا به رسول ال صلى ال عليه وسلم فكثر الال ف عهد الصحابة رضي‬
‫ال عنهم بسبب الفتوحات السلمية‪ ،‬وبسبب الهاد ف سبيل ال‪ ،‬واقتسموا أموال الفرس‬
‫‪17‬‬

‫والروم‪ ،‬ث فاض الال ف عهد عمر بن عبدالعزيز‪ ،‬رحه ال‪ ،‬بسبب بركة عدله‪ ،‬فكان الرجل‬
‫يعرض الال للصدقة فل يد من يقبله‪ ،‬لن عمرا قد أغن الناس عن السؤال ‪.‬‬
‫وسيكثر الال ف آخر الزمان حت يعرض الرجل ماله فيقول الذي يعرض عليه ‪ :‬ل حاجة ل‬
‫به ‪ ،‬وهذا وال أعلم سيكون ف زمن الهدي وعيسى عليه السلم ‪ ،‬حيث ستخرج الرض‬
‫كنوزها فيكثر الال ‪ ،‬وينتشر المن ‪ ،‬ويعم الي ‪.‬‬
‫وربا تلل بي هذه الفترات ‪ ،‬بعض فترات يسود الفقر والجاعة بعض المة ‪ ،‬كما هو حاصل‬
‫الن ‪ ،‬من وجود شعوب ومتمعات من هذه المة توت فقرا وجوعا ‪ ،‬ول يكاد يسلم بلد ‪،‬‬
‫من وجود فقراء ومساكي ‪ ،‬ل يعلم بالم إل ال ‪ ،‬ولو أن السلمي أخرجوا زكاة أموالم ‪،‬‬
‫وتصدقوا با زاد عن حاجتهم ‪ ،‬ورفقوا بالفقراء من أمتهم ‪ ،‬ولو أدت المعيات والؤسسات‬
‫اليية دورها بكل صدق وأمانة لا بقي فقي على وجه الرض ‪ ،‬بل ربا استفاض الال حت ل‬
‫يوجد من يقبله ‪ ،‬لكن لا ل يصل ذلك وبل أهل الموال بأموالم ‪ ،‬وشح التجار بتجاراتم ‪،‬‬
‫ومنع بعض الناس زكواتم ‪ ،‬واقتصر دور أهل الي ف أماكنهم ‪ ،‬حصلت فاقة وحاجة كبية ف‬
‫أماكن أخرى ل تطلها اليدي لعدم معرفة أهلها ‪ ،‬والحتاجي فيها ‪.‬‬
‫القصود أن من علمات الساعة استفاضة الال ‪ ،‬ولربا كان ذلك ف علمات الساعة الصغرى‬
‫والكبى ‪ ،‬كما سيأت معنا ف شرطي الساعة الكبى ‪ :‬الهدي ‪ ،‬ونزول عيسى عليه السلم ‪.‬‬
‫ففي زمنهما سيستفيض الال ‪ ،‬ويكثر ويزداد ‪ ،‬حت ل تد من يقبل منك صدقتك وزكاة مالك‬
‫‪.‬‬
‫الشرط السادس ‪:‬‬
‫ظهور الفت ‪ ،‬عن أبـي موسى الشعريّ رضي ال عنه قا َل ‪ :‬قا َل رسولُ ال صَلّـى ال علـيهِ‬
‫ح الرجلُ فِـ ْيهَا مؤمنا ‪،‬‬
‫ي َيدَي الساع ِة ‪ ،‬فِتَنا َكقِطَ ِع الليلِ الظلـ ِم ‪ ،‬يُصْبِ ُ‬
‫َوسَلّـمَ ‪ " :‬إِنّ بـ َ‬
‫ي من القائمِ ‪،‬‬
‫ح كافرا ‪ ،‬القاع ُد فِـيهَا خ ٌ‬
‫ويُـ ْمسِي كافرا ‪ ،‬ويُـ ْمسِي مؤمنا ‪ ،‬ويُصْبِ ُ‬
‫ض ِربُوا سُيُوفَ ُكمْ‬
‫سرُوا ِقسِّيكُ ْم وقَ ّطعُوا َأ ْوتَارَ ُك ْم ‪ ،‬وا ْ‬
‫والـماشِي فِـيهَا خيٌ من السّاعِي ‪َ ،‬فكَ ّ‬
‫بالـحِجَا َر ِة ‪َ ،‬فإِ ْن دُخِـلَ عَلَـى أَح ٍد مِ ْنكُ ْم ‪ ،‬فَلْـَي ُكنْ َكخَ ْيرِ ابْنَـيْ آدَمَ " [ أخرجه أحد‬
‫وأبو داود وصححه اللبان ف صحيح الامع ] ‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫وقد حدث كثي من الفت من عهد الصحابة رضي ال عنهم حت الن وأعظم الفت جاءت من‬
‫الشرق كما ف حديث عبد ال اْبنِ ُع َمرَ رضي ال عنهما ‪َ ،‬أّنهُ سَمِعَ َرسُولَ ال ّلهِ صلى ال عليه‬
‫ث يَطْ ُلعُ‬
‫ق َيقُولُ ‪َ " :‬أ َل إِنّ اْلفِتَْنةَ ٰههُنَا ‪ ،‬أَ َل إِ ّن الْفِتَْن َة ٰههُنَا ‪ِ ،‬منْ حَيْ ُ‬
‫شرِ ِ‬
‫وسلم َوهُ َو ُمسَْتقِْبلُ الْ َم ْ‬
‫َقرْ ُن الشّيْطَانِ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫استحباب العزلة عند الفت وخوف السلم على دينه ‪:‬‬
‫روى البخاري ف عدة مواضع من صحيحه منها ( كتاب الفت ) ‪ ،‬عن أب سعيد الدري رضي‬
‫ال عنه قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى ال ّلهُ عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ " :‬يُو ِشكُ أَ ْن َيكُو َن خَ ْيرَ مَالِ الْ ُمسْ ِلمِ غََن ٌم يَتْبَعُ‬
‫ِبهَا َشعَفَ الْجِبَا ِل وَ َموَاقِ َع اْلقَ ْطرِ َي ِف ّر بِدِيِنهِ ِم ْن الْفِتَن " ‪ .‬وروى مسلم ف صحيحه نوه ‪ ،‬عن أب‬
‫سعيد الدري أيضا رضي ال عنه ال عنه أَنّ َرجُل َأتَى النِّبيّ صَلّى ال ّلهُ عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ فَقَالَ ‪ :‬أَيّ‬
‫ضلُ ؟ َفقَالَ ‪َ :‬ر ُجلٌ يُجَا ِهدُ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ بِمَاِلهِ َوَن ْفسِهِ‪ .‬قَا َل ‪ُ :‬ثمّ َمنْ ؟ قَالَ ‪ُ :‬م ْؤمِ ٌن فِي‬
‫النّاسِ َأفْ َ‬
‫س ِمنْ َش ّرهِ " ‪.‬‬
‫شعَابِ َيعُْبدُ ال ّلهَ َرّبهُ َوَيدَعُ النّا َ‬
‫ب ِمنْ ال ّ‬
‫ِشعْ ٍ‬
‫شعْب ) ‪َ :‬فهُ َو مَا اْنفَرج بَيْن جَبَلَ ْينِ ‪.‬‬
‫قوله ‪َ ( :‬شعَفَ الْجِبَالِ ) أي ‪ :‬رؤوس البال ‪َ .‬وأَمّا ( ال ّ‬
‫شعْب خُصُوصًا‬
‫س الْ ُمرَاد َنفْس ال ّ‬
‫قال النووي رحه ال ف شرح صحيح مسلم ( ‪َ : )13/34‬ولَيْ َ‬
‫شعْب مِثَال لَّن ُه خَالٍ َعنْ النّاس غَالِبًا اهـ‪.‬‬
‫; َبلْ الْ ُمرَاد النْ ِفرَاد وَالعِْتزَال ‪َ ,‬وذَ َكرَ ال ّ‬
‫والديث يدل على أفضلية العزلة عن الناس وترك الختلط بم ‪ ،‬ف حال خوف السلم على‬
‫دينه لكثرة الفت ‪ ،‬بيث إنه لو خالط الناس ل يأمن على دينه من أن يرتد عنه ‪ ،‬أو يزيغ عن‬
‫الق ‪ ،‬أو يقع ف الشرك ‪ ،‬أو يترك مبان السلم وأركانه ‪ ،‬ونو ذلك ‪.‬‬
‫قال الافظ ابن حجر ف الفتح (‪ : )13/42‬وَالْخَبَر دَالّ عَلَى فَضِيلَة اْلعُ ْزلَة لِ َم ْن خَافَ عَلَى‬
‫دِينه ‪ .‬اهـ ‪.‬‬
‫وقال السندي ف حاشيته على النسائي (‪ : )8/124‬فِيهِ َأّنهُ يَجُوز اْل ُعزْلَة َب ْل ِهيَ َأفْضلُ َأيّام‬
‫اْلفِتَن اهـ ‪.‬‬
‫وف الديث الثان الذكور آنفا جعل النب صلى ال عليه وسلم عليه وسلم الؤمنَ العتز َل يتلو‬
‫الجاهد ف سبيل ال ف الفضيلة ‪ ،‬قال الافظ ف الفتح ‪َ " :‬وِإنّمَا كَا َن الْ ُم ْؤمِن الْ ُمعَْتزِل يَتْلُوهُ فِي‬
‫اْلفَضِيلَة لَ ّن الّذِي يُخَالِط النّاس ل َيسْلَم ِمنْ ا ْرِتكَاب الثَام ‪َ ،‬وقَدْ تكون هذه الثام أكثر من‬

‫‪19‬‬

‫السنات الت يصلها بسبب اختلطه بالناس ‪ .‬ولكن تفضيل العتزال خاص بالة وقوع الفت‬
‫" اهـ بعناه ‪.‬‬
‫وأما العزلة ف غي وقت الفت وخوف السلم على دينه فاختلف العلماء ف حكمها ‪ ،‬وذهب‬
‫المهور إل أن الختلط بالناس أفضل من العزلة واستدلوا على ذلك بعدة أدلة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن ذلك هو حال النب صلى ال عليه وسلم عليه وسلم ‪ ،‬والنبياء من قبله صلوات ال‬
‫وسلمه عليهم ‪ ،‬وجاهي الصحابة رضي ال عنهم ‪ .‬شرح مسلم للنووي ( ‪. )13/34‬‬
‫‪ -2‬ما رواه الترمذي وابن ماجة أن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬الْ ُمؤْ ِمنُ اّلذِي يُخَالِطُ‬
‫ط النّاسَ وَل يَصِْبرُ عَلَى َأذَا ُهمْ‬
‫النّاسَ َويَصِْبرُ عَلَى أَذَاهُ ْم أَعْ َظ ُم َأجْرًا مِ ْن الْ ُمؤْ ِم ِن الّذِي ل يُخَالِ ُ‬
‫" [ صححه اللبان ف صحيح الترمذي ‪. ] 2035‬‬
‫حدِيث َي ُدلّ َعلَى أَ ّن الْمُخَالِطَ‬
‫قال السندي ف حاشيته على ابن ماجة ( ‪ " : ) 493 / 2‬الْ َ‬
‫الصّاِب َر خَ ْيرٌ ِم ْن الْ ُمعْتَزِل " اهـ ‪.‬‬
‫وقال الصنعان ف سبل السلم ( ‪ " : ) 4/416‬فيه أفضلية من يالط الناس ‪ ،‬مالطة يأمرهم‬
‫فيها بالعروف ‪ ،‬وينهاهم عن النكر ‪ ،‬ويسن معاملتهم ‪ ،‬فإنه أفضل من الذي يعتزلم ‪ ،‬ول‬
‫يصب على الخالطة " اهـ ‪.‬‬
‫صحَابِ َرسُولِ‬
‫‪ -3‬ما أخرجه الترمذي من حديث َأبِي هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه قَا َل ‪َ :‬مرّ َر ُج ٌل ِمنْ أَ ْ‬
‫ب فِيهِ عُيَيَْن ٌة ِم ْن مَاءٍ َع ْذبَ ٌة َفأَعْجَبَ ْت ُه لِطِيِبهَا ‪َ .‬فقَالَ ‪َ :‬لوْ ا ْعَتزَلْتُ‬
‫ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم ِبشِعْ ٍ‬
‫ب ‪ ،‬وََل ْن َأفْ َع َل حَتّى أَسَْت ْأذِنَ َرسُولَ ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫شعْ ِ‬
‫ت فِي َهذَا ال ّ‬
‫النّاسَ َفَأقَمْ ُ‬
‫ك ِلرَسُو ِل اللّهِ صلى ال عليه وسلم َفقَا َل ‪ " :‬ل َت ْف َعلْ ‪َ ،‬فإِ ّن ُمقَا َم َأ َحدِ ُكمْ فِي سَبِيلِ‬
‫َفذَ َك َر َذلِ َ‬
‫ض ُل ِمنْ صَلِتهِ فِي بَيِْتهِ سَ ْبعِيَ عَامًا ‪ ،‬أَل تُحِبّو َن أَ ْن َيغْ ِفرَ ال ّل ُه لَ ُك ْم وَُي ْدخِلَ ُكمْ الْجَّنةَ ؟‬
‫ال ّلهِ َأفْ َ‬
‫ت َلهُ الْجَّن ُة " [ وحسنه اللبان ف‬
‫ا ْغزُو فِي سَبِيلِ ال ّل ِه ‪َ .‬منْ قَاتَ َل فِي سَبِي ِل اللّ ِه َفوَاقَ نَا َقةٍ َوجَبَ ْ‬
‫صحيح الترمذي ‪. ]1348‬‬
‫‪ -4‬ما يصله السلم ف الخالطة ‪ ،‬من الصال الشرعية ‪ ،‬من مَنَافِع الخْتِلط بالناس ‪ ،‬كَاْلقِيَامِ‬
‫ي ‪َ ،‬وإِيصَال أَْنوَاع الْخَيْر ِإلَ ْي ِهمْ ‪ِ ،‬م ْن إِعَانَة َوإِغَاثَة ونَحْو‬
‫شعَائِر ا ِلسْلم ‪َ ،‬وتَكْثِي َسوَاد الْ ُمسْلِمِ َ‬
‫ِب َ‬
‫جمَاعَة وَالْجَنَائِز ‪ ،‬وَعِيَادَة الْ َمرْضَى ‪ ،‬وَحِلَق الذّكْر ‪ . . .‬وَغَيْر ذَِلكَ‬
‫ج ُمعَة وَالْ َ‬
‫َذِلكَ ‪ ،‬و ُشهُودِ الْ ُ‬
‫[ فتح الباري ‪ ، 13/43‬شرح مسلم للنووي ‪. ] 13/34‬‬
‫‪20‬‬

‫ولقد اقتضت حكمة ال تعال أن يبتلي المم والفراد بالفت والحن ‪ ،‬والصائب ‪ ،‬حت يتبي‬
‫الصابر والزع ‪ ،‬وحت ييز ال البيث من الطيب ‪ ،‬كي يعود الناس إل دينهم ويراجعوا‬
‫أنفسهم ‪ ،‬فالفت ‪ :‬إما اختبار من أجل الصب والحتساب ‪ ،‬وبيان الصادق من الكاذب ‪ ،‬قال‬
‫س أَن يُ ْترَكُوا أَن َيقُولُوا آ َمنّا َو ُهمْ لَا يُفْتَنُو َن * َوَلقَ ْد فَتَنّا اّلذِي َن مِن‬
‫تعال ‪ { :‬أل * َأ َحسِبَ النّا ُ‬
‫ي } [ العنكبوت ‪. ] 3-1‬‬
‫ص َدقُوا َولََيعْلَ َمنّ اْلكَا ِذبِ َ‬
‫قَبْ ِل ِه ْم فَلََيعْلَ َمنّ ال ّلهُ اّلذِينَ َ‬
‫وقد تكون الفت نذير من أجل العودة لدين ال تعال ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬وَاّتقُوْا فِتَْنةً ّل تُصِيَب ّن الّذِينَ‬
‫ص ًة وَاعْ َلمُوْا أَ ّن اللّ َه َشدِيدُ اْل ِعقَابِ } [ النفال ‪. ] 25‬‬
‫ظَلَمُواْ مِن ُكمْ خَآ ّ‬
‫وما يصل ف هذه الزمنة من الفت ما هو إل بيان لكمة ال تعال ف خلقه ‪ ،‬فهو يبتلي الميع‬
‫بصنوف البليا ‪ ،‬ويتبهم بأنواع الفت ‪ ،‬فهذه الروب اليوم ‪ ،‬وما تلفه من دمار ‪ ،‬وإزهاق‬
‫للنفس ‪ ،‬وتطيم لقدرات الدول ‪ ،‬واستيلء على ثرواتا ‪ ،‬وتلك العمال الوجائية من إرهاب‬
‫للمني من مسلمي وغيهم ‪ ،‬لي أعظم دليل على أن هناك خلل يب أن يُسد ‪ ،‬وخرق يب‬
‫أن يرقع ‪ ،‬وجحر ل بد أن يدفن ‪ ،‬فعلى المة أن تراجع نفسها ‪ ،‬وتقف صفا واحدا ضد‬
‫أعدائها ‪ ،‬فالعداء قد كشروا عن أنيابم ‪ ،‬وأبانوا عن مططاتم ‪ ،‬فمنهم من عرفناه ‪ ،‬ومنهم‬
‫من يلبس لباسنا ‪ ،‬ويرتدي زينا ‪ ،‬ويتكلم بلساننا ‪ ،‬من أبناء جلدتنا ‪ ،‬لكنه ل يدين بديننا ‪ ،‬ول‬
‫يعترف بعقيدتنا ‪ ،‬ول يرضى بواقعنا ‪ ،‬فواجبنا التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ويسوءهم ذلك ‪ ،‬فليموتوا بغيظهم ل ينالوا خيا ‪ ،‬والعاقل الصيف يدرك مدى‬
‫خطورة أولئك الفافيش الت تعمل ليلً ‪ ،‬وتتبئ نارا ‪ ،‬فاللهم أصلهم نا ًر ‪ ،‬لنم ما رجوا لك‬
‫وقارا ‪ ،‬فبسبب تلك الفئة الباغية الظالة الثة حصلت النكبات واللمات والدلمات ‪.‬‬
‫وهناك عنصر آخر من عناصر هذه الفت الت تعصف بالمة وتريد إغراقها ‪ ،‬وخرق وحدتا ‪،‬‬
‫أل وهي الفئة الت نكبت عن الطريق القوي ‪ ،‬الت َكفّرت ودمرت وأزهقت ‪ ،‬فهذه الخرى‬
‫عليها أن تعود إل ربا ‪ ،‬وتلتزم بكتابه سبحانه ‪ ،‬وتعيد المور إل نصابا ‪ ،‬فترد اللف إل‬
‫كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فاللف شر ‪ ،‬والفرقة مر ‪ ،‬ول أعظم ول أجل‬
‫من يلتئم صف المة ‪ ،‬وتتمع كلمتها ‪ ،‬وتوحد صفوفها ‪ ،‬حت تسي سفينتها إل بر المان ‪،‬‬
‫بمد من ال النان ‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫وقد ذكر الصطفى صلى ال عليه وسلم الكثي من الفت الت ستمر با هذه المة الحمدية ‪،‬‬
‫ليعدوا لا العدة ‪ ،‬ويأخذوا لا الهبة ‪ ،‬ويستعدوا لا ولو طالت الدة ‪ ،‬فهي قادمة ل مالة ‪،‬‬
‫وواقعة ل ريب فيها ‪ ،‬وهذه بعض الحاديث الصحيحة الت تدل على وقوع الفت والبتلءات‬
‫ف هذه المة ‪:‬‬
‫َعنْ َأبِي ُه َرْيرَةَ رضي ال عنه ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬بَادِرُوا بِالْأَ ْعمَا ِل فِتَنًا‬
‫ح الرّ ُجلُ ُم ْؤمِنًا َويُ ْمسِي كَا ِفرًا ‪َ ،‬أ ْو يُ ْمسِي ُمؤْمِنًا َويُصْبِحُ كَا ِفرًا ‪ ،‬يَبِيعُ‬
‫َكقِ َط ِع اللّيْ ِل الْمُظْ ِل ِم ‪ ،‬يُصْبِ ُ‬
‫ض ِمنَ ال ّدنْيَا " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫دِيَنهُ ِب َعرَ ٍ‬
‫و َع ْن َأبِي مُوسَى اْلأَ ْش َعرِيّ رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ " :‬إِ ّن بَ ْينَ‬
‫ح الرّ ُجلُ فِيهَا مُ ْؤمِنًا َويُ ْمسِي كَافِرًا وَيُ ْمسِي مُ ْؤمِنًا‬
‫َيدَيِ السّا َعةِ فِتَنًا َكقِ َطعِ اللّ ْي ِل الْمُظْ ِل ِم يُصْبِ ُ‬
‫سرُوا ِقسِّي ُكمْ‬
‫َويُصْبِحُ كَا ِفرًا اْلقَا ِع ُد فِيهَا خَ ْي ٌر ِمنَ اْلقَاِئمِ وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْ ٌر ِمنَ السّاعِي َف َك ّ‬
‫حجَا َرةِ فَإِ ْن ُد ِخلَ َيعْنِي عَلَى َأ َحدٍ مِ ْن ُكمْ فَلَْي ُكنْ كَخَ ْي ِر ابْنَيْ‬
‫ض ِربُوا سُيُو َفكُ ْم بِالْ ِ‬
‫َوقَ ّطعُوا أَ ْوتَارَ ُكمْ وَا ْ‬
‫آ َد َم " [ أخرجه أبو داود وأحد ] ‪ ،‬يعن ليكن مقتو ًل ل قاتلً ‪.‬‬
‫سأَلُونَ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ َع ِن الْخَ ْيرِ‬
‫س َي ْ‬
‫وعن ُحذَْي َفةَ ْب َن الْيَمَانِ َيقُولُ ‪ :‬كَا َن النّا ُ‬
‫ت ‪ :‬يَا َرسُولَ ال ّلهِ ! إِنّا كُنّا فِي جَاهِلِّي ٍة وَ َشرّ‬
‫ش ّر مَخَافَ َة أَ ْن ُيدْرِكَنِي َفقُلْ ُ‬
‫ت َأ ْسأَُلهُ َع ِن ال ّ‬
‫وَكُنْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬و َهلْ َب ْعدَ َذِلكَ‬
‫فَجَا َءنَا اللّ ُه ِب َهذَا الْخَ ْيرِ ‪َ ،‬فهَ ْل َبعْ َد َهذَا الْخَ ْي ِر ِمنْ َشرّ ؟ قَا َل ‪َ " :‬نعَ ْم " قُلْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬ومَا َدخَُنهُ ؟ قَا َل ‪َ " :‬قوْمٌ يَ ْهدُونَ ِبغَ ْي ِر هَ ْديِي ‪،‬‬
‫شرّ ِم ْن خَ ْيرٍ ؟ قَا َل ‪ " :‬نَ َع ْم َوفِي ِه َدخَ ٌن " قُلْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ت ‪َ :‬فهَ ْل َب ْعدَ َذِلكَ الْخَ ْي ِر ِمنْ َشرّ ؟ قَالَ ‪َ " :‬ن َعمْ دُعَاةٌ علَى َأبْوَابِ‬
‫ف مِ ْنهُ ْم َوتُنْ ِكرُ " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫َت ْعرِ ُ‬
‫ص ْفهُ ْم لَنَا ؟ َفقَالَ ‪ " :‬هُ ْم ِمنْ جِ ْل َدتِنَا‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّلهِ ِ‬
‫َجهَّنمَ َم ْن أَجَاَبهُ ْم ِإلَيْهَا َقذَفُوهُ فِيهَا " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ت ‪ :‬فَمَا َت ْأمُ ُرنِي إِ ْن َأدْرَكَنِي َذِلكَ ؟ قَا َل ‪ " :‬تَ ْلزَ ُم جَمَا َعةَ الْ ُمسْلِ ِميَ‬
‫َويََتكَلّمُونَ ِبَأْلسِنَتِنَا " قُلْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬فإِ ْن َلمْ َي ُكنْ َل ُهمْ جَمَا َع ٌة َولَا ِإمَامٌ ؟ قَا َل ‪ " :‬فَاعَْت ِزلْ تِ ْلكَ اْل ِفرَقَ كُ ّلهَا َوَلوْ‬
‫َوِإمَا َمهُ ْم " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ت َوأَنْتَ عَلَى َذِلكَ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪،‬‬
‫ج َر ٍة حَتّى ُيدْرِ َككَ الْ َموْ ُ‬
‫ص ِل شَ َ‬
‫ض بِأَ ْ‬
‫أَ ْن َتعَ ّ‬
‫شرّ ‪ ،‬فَجَاءَ‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّل ِه ‪ِ " :‬إنّا كُنّا ِب َ‬
‫وعند مسلم ف صحيحه ‪ ،‬قَا َل حُ َذْيفَ ُة ْبنُ الْيَمَا ِن ‪ :‬قُلْ ُ‬
‫ك الشّرّ‬
‫حنُ فِي ِه َف َهلْ ِم ْن وَرَا ِء َهذَا الْخَ ْيرِ َشرّ ؟ قَالَ ‪َ :‬ن َعمْ " ‪ ،‬قُلْتُ ‪ :‬هَ ْل وَرَا َء َذلِ َ‬
‫خ ْيرٍ ‪ ،‬فََن ْ‬
‫ال ّلهُ بِ َ‬
‫ت ‪َ :‬ف َه ْل وَرَا َء َذلِكَ الْخَ ْي ِر َشرّ ؟ قَالَ ‪َ " :‬ن َعمْ " ‪ ،‬قُلْتُ ‪ :‬كَيْفَ ؟ قَالَ‬
‫خَ ْيرٌ ؟ قَالَ ‪َ " :‬ن َعمْ " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ي ‪َ ،‬ولَا َيسْتَنّونَ ِبسُنّتِي ‪ ،‬وَسََيقُو ُم فِي ِهمْ ِرجَا ٌل قُلُوُب ُهمْ‬
‫‪َ " :‬يكُو ُن َب ْعدِي َأئِ ّم ٌة لَا َيهَْتدُو َن ِب ُهدَا َ‬
‫‪22‬‬

‫ت َذِلكَ ؟‬
‫ف أَصَْن ُع يَا َرسُولَ ال ّلهِ إِ ْن َأدْرَكْ ُ‬
‫س ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬قُلْتُ ‪ :‬كَيْ َ‬
‫ي فِي جُثْمَا ِن ِإنْ ٍ‬
‫قُلُوبُ الشّيَاطِ ِ‬
‫ض ِربَ َظ ْهرُكَ َوُأخِ َذ مَاُلكَ فَاسْمَ ْع َوأَطِعْ " ‪.‬‬
‫ي َوإِنْ ُ‬
‫قَالَ ‪َ " :‬تسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلَْأمِ ِ‬
‫ج َد ‪َ ،‬فِإذَا عَ ْب ُد ال ّلهِ ْبنُ عَ ْمرِو ْبنِ‬
‫ت الْ َمسْ ِ‬
‫و َعنْ عَ ْب ِد الرّحْ َم ِن ْبنِ عَ ْبدِ َربّ اْلكَعَْب ِة قَا َل ‪ :‬دَخَلْ ُ‬
‫ت ِإلَيْ ِه ‪َ ،‬فقَالَ ‪ :‬كُنّا مَعَ‬
‫ج َلسْ ُ‬
‫س فِي ِظ ّل اْلكَعَْب ِة ‪ ،‬وَالنّاسُ مُجَْت ِمعُونَ عَلَ ْيهِ ‪ ،‬فََأتَيُْت ُهمْ فَ َ‬
‫ص جَالِ ٌ‬
‫اْلعَا ِ‬
‫ضلُ‬
‫ح خِبَا َء ُه ‪َ ،‬ومِنّا َم ْن يَنْتَ ِ‬
‫َرسُو ِل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ فِي َسفَ ٍر فََن َزلْنَا مَ ْن ِزلًا ‪ ،‬فَمِنّا َمنْ يُصْ ِل ُ‬
‫ش ِرهِ ‪ِ ،‬إ ْذ نَادَى مُنَادِي َرسُو ِل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ الصّلَا َة جَا ِمعَةً ‪،‬‬
‫‪َ ،‬ومِنّا َم ْن هُ َو فِي َج َ‬
‫فَاجْتَ َمعْنَا ِإلَى َرسُو ِل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َفقَا َل ‪ِ " :‬إنّ ُه َلمْ َي ُكنْ نَِب ّي قَبْلِي ‪ِ ،‬إلّا كَانَ َحقّا‬
‫عَلَ ْيهِ أَ ْن َي ُدلّ ُأمَّتهُ عَلَى خَ ْي ِر مَا َيعْلَ ُم ُه َلهُ ْم ‪َ ،‬ويُنْذِ َر ُهمْ َش ّر مَا َيعْلَ ُم ُه َلهُ ْم ‪َ ،‬وإِنّ ُأمَّتكُ ْم َه ِذهِ ُج ِعلَ‬
‫ضهَا َبعْضًا ‪،‬‬
‫عَافِيَُتهَا فِي َأوِّلهَا ‪َ ،‬وسَيُصِيبُ آ ِخ َرهَا بَلَا ٌء َوأُمُو ٌر تُنْ ِكرُوَنهَا ‪َ ،‬وتَجِي ُء فِتَْن ٌة فَُي َرقّ ُق َبعْ ُ‬
‫ف وَتَجِي ُء اْلفِتَْنةُ فََيقُو ُل الْ ُمؤْ ِم ُن ‪ :‬هَ ِذهِ ‪،‬‬
‫َوتَجِي ُء الْفِتَْن ُة فََيقُولُ الْ ُم ْؤ ِمنُ ‪َ :‬ه ِذهِ ُمهْ ِلكَتِي ‪ُ ،‬ث ّم تَنْ َكشِ ُ‬
‫ب أَ ْن ُيزَ ْحزَحَ َع ِن النّا ِر ‪َ ،‬وُيدْ َخلَ الْجَّن َة ‪ ،‬فَلَْت ْأتِ ِه مَنِيُّت ُه وَ ُهوَ يُ ْؤ ِمنُ بِال ّلهِ وَالْيَوْمِ‬
‫َه ِذهِ ‪َ ،‬ف َمنْ َأحَ ّ‬
‫ص ْف َقةَ َي ِدهِ ‪َ ،‬وثَ َم َرةَ‬
‫الْآ ِخرِ ‪ ،‬وَلَْي ْأتِ ِإلَى النّاسِ اّلذِي يُحِبّ أَنْ ُي ْؤتَى ِإلَ ْيهِ ‪َ ،‬و َمنْ بَايَ َع ِإمَامًا َفأَعْطَاهُ َ‬
‫ت َلهُ ‪:‬‬
‫ت مِ ْنهُ َفقُلْ ُ‬
‫ضرِبُوا ُعُنقَ الْآ َخ ِر ‪َ ،‬فدََنوْ ُ‬
‫ع ‪َ ،‬فإِنْ جَاءَ آ َخ ُر يُنَازِ ُع ُه فَا ْ‬
‫قَلِْب ِه ‪ ،‬فَلْيُ ِط ْعهُ إِ ِن اسْتَطَا َ‬
‫ت َهذَا ِمنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّهم عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ ،‬فَأهْوَى ِإلَى ُأذُنَ ْي ِه َوقَلْبِهِ‬
‫ت سَ ِمعْ َ‬
‫شدُكَ ال ّلهَ ‪ ،‬آنْ َ‬
‫َأْن ُ‬
‫ك ُمعَا ِويَ ُة َي ْأمُ ُرنَا أَ ْن َنأْ ُكلَ‬
‫ت َل ُه ‪ :‬هَذَا اْبنُ عَ ّم َ‬
‫ي ‪ ،‬وَوَعَا ُه قَلْبِي ‪َ ،‬فقُلْ ُ‬
‫بَِي َديْ ِه ‪َ ،‬وقَا َل ‪ :‬سَ ِمعَتْ ُه ُأ ُذنَا َ‬
‫َأ ْموَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَا ِط ِل ‪َ ،‬ونَقُْت َل َأنْ ُفسَنَا ‪ ،‬وَال ّلهُ َيقُولُ ‪ { :‬يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا لَا َتأْكُلُوا َأ ْموَالَ ُكمْ‬
‫ض مِ ْنكُ ْم َولَا َتقْتُلُوا أَْن ُفسَ ُك ْم إِنّ ال ّلهَ كَا َن ِبكُمْ‬
‫بَيَْن ُكمْ بِالْبَا ِطلِ ِإلّا أَ ْن َتكُونَ تِجَا َرةً َعنْ َترَا ٍ‬
‫صهِ فِي َمعْصَِيةِ ال ّلهِ "‬
‫ت سَا َعةً ثُ ّم قَا َل ‪ :‬أَ ِط ْعهُ فِي طَا َع ِة ال ّلهِ ‪ ،‬وَاعْ ِ‬
‫َرحِيمًا } ‪ ،‬قَا َل ‪َ :‬فسَكَ َ‬
‫[ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫فهذه الدلة وغيها تبي وقوع الفت ‪ ،‬وتذر منها ‪ ،‬وعلى السلم حيال ذلك أن يلزم جاعة‬
‫السلمي ويلتف حول علمائها وحكامها ‪ ،‬ويذر الفرقة ‪ ،‬لن من شذ شذ ف النار عياذا بال‬
‫من ذلك ‪ ،‬وعلى السلم أن يبتعد عن الهواء والشبهات والشهوات الت يلقيها كثي من‬
‫الاقدين ف كل زمان ومكان ‪ ،‬وهانن ف زمن قد أظلتنا فيه الفت ‪ ،‬فعلينا بماعة السلمي ف‬
‫بلدنا ‪ ،‬وأن نلتف حول علمائنا الخلصي ‪ ،‬وحكامنا الجتهدين ‪ ،‬وأل نسمح لكائن من كان ‪،‬‬
‫أن يرم جدار اللفة والحبة ‪ ،‬الذي يمع أفراد متمعنا السلم ف بلد الرمي الشريفي ‪ ،‬وأن‬
‫‪23‬‬

‫ل نكن ضعاف الدين والنفوس من أن يرقوا سفينة الياة ‪ ،‬فهي تسي على هدى من ال بإذن‬
‫ال ‪.‬‬
‫وقد وقعت عدة فت ذكرتا كتب السي عب التأريخ ‪ ،‬تبي صدق رسالة ممد صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ولو كره الجرمون ‪ ،‬وزمر الغرضون ‪ ،‬ونق الناهقون ‪ ،‬ونبح النابون ‪ ،‬لن ال تعال‬
‫أيده باليات البينات ‪ ،‬والعجزات الواضحات ‪ ،‬فمن تلك الفت ‪:‬‬
‫‪ -1‬ظهور الفتن من المشرق ‪َ :‬ع ِن اْبنِ ُع َم َر أَّن ُه سَمِعَ َرسُو َل اللّهِ صَلّى‬
‫ق َيقُو ُل ‪َ " :‬ألَا إِ ّن الْفِتَْن َة هَاهُنَا َألَا إِ ّن اْلفِتَْنةَ هَاهُنَا ِمنْ حَيْثُ‬
‫شرِ ِ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ وَ ُهوَ ُمسَْتقِْبلُ الْ َم ْ‬
‫يَطْ ُل ُع َقرْنُ الشّيْطَانِ " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وقرن الشيطان ‪ :‬قيل قوة الشيطان وأتباعه ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫أنه على حقيقته فللشيطان قرن ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس حال طلوعها‬
‫فيسجد له عبدتا ‪ ،‬وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬دعا النب صلى ال عليه وسلم ‪" :‬‬
‫اللهم بارك لنا ف صاعنا ‪ ،‬ومدنا ‪ ،‬وبارك لنا ف شامنا ويننا " فقال رجل من القوم ‪ :‬يا نب ال‬
‫وف عراقنا ؟ قال ‪ " :‬إن با قرن الشيطان ‪ ،‬وتيج الفت ‪ ،‬وإن الفاء بالشرق " [ أخرجه‬
‫الطبان ] ‪ .‬فبداية الفت ومنشؤها من العراق ‪ ،‬فمنها ظهر الوارج ‪ ،‬والشيعة الروافض ‪،‬‬
‫والباطنية ‪ ،‬والقدرية ‪ ،‬والهمية ‪ ،‬والعتزلة ‪ ،‬وغيها من فرق الضللة ‪.‬‬
‫وظهر التتار ف القرن السابع الجري من الشرق ‪ ،‬وحدث على أيديهم من الدمار والقتل‬
‫والشر العظيم الشيء الكثي ‪.‬‬
‫فكل البدع والرافات والفت واللاد منبعها من الشرق ‪ ،‬فالشيوعية اللحدة مقرها روسيا‬
‫والصي الشيوعية ‪ ،‬وها ف الشرق ‪ ،‬وسيكون ظهور الدجال ‪ ،‬ويأجوج ومأجوج من جهة‬
‫الشرق ‪.‬‬
‫‪ -2‬مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ‪َ :‬عنْ ُح َذيْ َفةَ رَضِي اللّه‬
‫ظ َحدِيثَ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ َعنِ‬
‫حفَ ُ‬
‫عَنْه قَالَ ‪ :‬قَالَ عُ َمرُ رَضِي اللّه َعنْه ‪َ :‬أّيكُ ْم يَ ْ‬
‫ت ‪ :‬فِتَْنةُ‬
‫جرِي ٌء ‪َ ،‬فكَيْفَ ؟ قَا َل قُلْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬أنَا َأحْفَ ُظهُ كَمَا قَالَ ؟ قَالَ ‪ِ :‬إّنكَ عَلَ ْيهِ لَ َ‬
‫اْلفِتَْنةِ ؟ قَا َل قُلْ ُ‬
‫صدَ َق ُة وَاْلأَ ْم ُر بِالْ َم ْعرُوفِ وَالّنهْيُ َع ِن الْمُ ْنكَرِ ‪،‬‬
‫الرّ ُج ِل فِي َأهْلِ ِه َووََل ِدهِ وَجَا ِرهِ ُت َك ّفرُهَا الصّلَاةُ وَال ّ‬
‫ك ِبهَا يَا‬
‫ت ‪ :‬لَيْسَ عَلَ ْي َ‬
‫حرِ ؟ قَا َل قُلْ ُ‬
‫س َه ِذهِ أُرِي ُد ‪ ،‬وََلكِنّي أُرِيدُ الّتِي تَمُوجُ َك َموْجِ الْبَ ْ‬
‫قَالَ ‪ :‬لَيْ َ‬
‫ت ‪ :‬لَا ‪،‬‬
‫ح ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬قُلْ ُ‬
‫ب َأوْ ُيفْتَ ُ‬
‫سرُ الْبَا ُ‬
‫ب ُمغْ َلقٌ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فَُي ْك َ‬
‫س ‪ ،‬بَيَْنكَ َوبَيَْنهَا بَا ٌ‬
‫ي َبأْ ٌ‬
‫ي الْ ُمؤْمِنِ َ‬
‫َأمِ َ‬
‫‪24‬‬

‫سَألَ ُه َمنِ الْبَابُ ‪،‬‬
‫ت ‪َ :‬أجَ ْل ‪َ ،‬فهِبْنَا أَ ْن َن ْ‬
‫سرَ َل ْم ُيغْلَ ْق َأَبدًا ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬قُلْ ُ‬
‫سرُ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فَِإّنهُ ِإذَا ُك ِ‬
‫َب ْل يُ ْك َ‬
‫ق ‪ :‬سَ ْلهُ ‪ ،‬قَالَ ‪َ :‬فسََأَلهُ ‪َ ،‬فقَالَ ُع َمرُ رَضِي اللّه عَنْه ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬قُلْنَا ‪َ :‬فعَ ِلمَ عُ َم ُر َمنْ‬
‫سرُو ٍ‬
‫َفقُلْنَا لِ َم ْ‬
‫ط " [ متفق‬
‫س بِالْأَغَالِي ِ‬
‫ك َأنّي حَ ّدثُْتهُ َحدِيثًا لَيْ َ‬
‫َتعْنِي ؟ قَا َل ‪َ :‬نعَمْ ‪ ،‬كَمَا أَ ّن دُونَ َغ ٍد لَيْ َلةً ‪َ ،‬و َذلِ َ‬
‫عليه واللفظ للبخاري ] ‪.‬‬
‫فالديث يدل على أن الفت خامدة نائمة ف عهد عمر رضي ال عنه ‪ ،‬وبعد قتله ‪ ،‬تبدأ الفت ‪،‬‬
‫وإذا بدأت ل توت حت قيام الساعة ‪ ،‬فالمة تعيش ف الفت وتوج فيها ‪ ،‬فأول فتنة وقعت بعد‬
‫موت عمر رضي ال عنه ‪ ،‬مقتل عثمان بن عفان رضي ال عنه ‪ ،‬حيث تسلط عليه القوم من‬
‫العراق ومصر وتكالبوا عليه ‪ ،‬يريدونه أن ينخلع من اللفة ‪ ،‬بسبب ما نسبوه إليه من الظلم‬
‫والور وهو منه براء ‪ ،‬ولكنها دسيسة ومكيدة ‪ ،‬وقع ضحيتها ذو النورين رضي ال عنه ‪ ،‬وقد‬
‫أخب النب صلى ال عليه وسلم بفتنة عثمان رضي ال عنه ف حديث أب موسى الشعريّ رضي‬
‫ط من حَوائط الدينةِ لاجتِ ِه وخرجتُ‬
‫ال عنه قال ‪ " :‬خرجَ النبّ صلى ال عليه وسلم إل حائ ٍ‬
‫ت ‪ :‬لكون ّن اليومَ بَوّابَ النبّ صلى ال عليه‬
‫ت على باِبهِ وقل ُ‬
‫ط ‪ ،‬جَلَس ُ‬
‫ف إثره ‪ ،‬فلما دَ َخ َل الائ َ‬
‫ف البئر‬
‫وسلم ول يأمرْن ‪ ،‬فذهبَ النبّ صلى ال عليه وسلم وقَضىَ حاجته ‪ ،‬وجلسَ على قُ ّ‬
‫فكشفَ عن ساقَيه ودلّها ف البئر ‪ ،‬فجاءَ أبو بكر يستأذِنُ عليه لِيدْ ُخلَ فقلتُ ‪ :‬كما أنتَ حت‬
‫ب ! أبو بكر يستأذِنُ‬
‫ت ‪ :‬يا ن ّ‬
‫ت إل النبّ صلى ال عليه وسلم فقل ُ‬
‫أستأذِ َن لك ‪ ،‬فوقفَ ‪ ،‬فجئ ُ‬
‫عليك ‪ ،‬قال ‪ :‬ائذَن له َوَبشّرْه بالنّة ‪ ،‬فدخلَ عن يي النبّ صلى ال عليه وسلم فكشفَ عن‬
‫ساقَي ِه ودَلها ف البئر ‪ ،‬فجاء عمرُ فقلتُ ‪ :‬كما أنتَ حت أستأذِنَ لك ‪ ،‬فقال النبّ صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ :‬ائذَن له وبَشرْه بالنة ‪ ،‬فجاء عن يَسار النب صلى ال عليه وسلم ف َكشَفَ عن‬
‫ف فلم يَكنْ فيه ملسٌ ‪ ،‬ثّ جاء عثمانُ فقلت ‪ :‬كما أنتَ حت‬
‫ساقيه فدلّها ف البئر ‪ ،‬فامتَل القُ ّ‬
‫ش ْر ُه بالنة معها بَل ٌء يُصِيبه " ‪،‬‬
‫أستأذِ َن لك ‪ ،‬فقال النبّ صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ائذَنْ له َوبَ ّ‬
‫ف َدخَ َل فلم يدَ معهم ملِسا ‪ ،‬فتح ّولَ حت جاء مقابلَهم على شَف ِة البئرِ ‪ ،‬فكشفَ عن ساقَيهِ ثّ‬
‫ت ذلك‬
‫ت أتن أخا ل ‪ ،‬وأَدُعُو ال ّلهَ أن يأتَ " قال ابنُ السيّب ‪ :‬فتأوّل ُ‬
‫َدلّها ف البئرِ ‪ ،‬فجعل ُ‬
‫قُبورَهمْ ‪ ،‬اجتَ َمعَتْ ها هنا ‪ ،‬وانف َردَ عثمانُ " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬ووقع ما أخب به الصادق‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فكان مقتل عثمان رضي ال عنه ف ‪ 18‬من ذي الجة عام ‪ 35‬هـ ‪.‬‬
‫وبعد موته توالت الفت بي السلمي ‪ ،‬وكانت بدايتها بوقعة المل ‪ ،‬وسبب قتله رضي ال عنه‬
‫‪25‬‬

‫‪ ،‬أن مروان بن الكم كتب كتابا على لسان عثمان وهو بريء منه ‪ ،‬بقتل بعض أهل مصر‬
‫والشام نظرا لؤامرتم على عثمان ‪ ،‬فلما علم القوم بالب أخذوا العدة لقتله ‪ ،‬وقد زوروا كتبا‬
‫على علي رضي ال عنه بأنه يأمر بقتال عثمان ‪ ،‬وكذلك زوروا كُتبا على طلحة والزبي بتأليب‬
‫الوارج على عثمان ‪ ،‬فلما حصلت تلك اليانات والدسائس والتزوير ‪ ،‬قدم القوم على عثمان‬
‫فقتلوه وهو يقرأ القرآن ‪ ،‬ول يكن هناك تدخل من أحد من أبناء الصحابة لن عثمان رضي ال‬
‫عنه أمرهم بأن ل يتدخلوا ف هذا المر حت ل تقع فتنة بي السلمي ‪ ،‬فتحامل عليه الوارج‬
‫حت قتلوه ولطخوا جسده بالدماء ‪ ،‬فوقع رأسه على الصحف ملطخا بدمائه بريئا جريا ميتا‬
‫مظلوما ‪ ،‬فألقت زوجته نائلة بن الفرافصة الكلبية نفسها على عثمان ‪ ،‬وقالت ‪ :‬أيقتل أمي‬
‫الؤمني وأخذت السيف ‪ ،‬فقطع رجل أصابع يدها ‪ ،‬وانتهبوا كل ما ف الدار ‪ ،‬ول يبقوا فيه‬
‫شيئا ‪ ،‬وهكذا قُتل رضي ال عنه مظلوما ‪ ،‬بسبب خيانات الشيعة واليهود ‪ ،‬عليهم من ال ما‬
‫يستحقون " [ البداية والنهاية ‪. ] 423-401 / 5‬‬
‫‪ -3‬موقعة الجمل ‪ :‬أخب النب صلى ال عليه وسلم بذه الواقعة ‪ ،‬والت حصلت‬
‫بي فئتي من السلمي بل قصد ‪ ،‬ول عمد ‪ ،‬ولكن قدر ال وما شاء فعل ‪َ ،‬عنْ أَبِي رَافِعٍ أَنّ‬
‫ب ‪ِ " :‬إّنهُ سََيكُو ُن بَيَْنكَ َوبَ ْينَ عَاِئشَ َة َأمْرٌ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ لِعَ ِل ّي بْ ِن َأبِي طَالِ ٍ‬
‫" ‪ ،‬قَالَ ‪َ :‬أنَا يَا َرسُولَ ال ّلهِ ؟ قَالَ ‪َ " :‬ن َعمْ " ‪ ،‬قَالَ ‪َ :‬أنَا ؟ قَا َل ‪َ " :‬نعَ ْم " ‪ ،‬قَا َل ‪َ :‬فَأنَا أَ ْشقَا ُه ْم يَا‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ ‪ ،‬قَالَ ‪ " :‬لَا وََل ِكنْ ِإذَا كَانَ َذِلكَ فَا ْر ُد ْدهَا ِإلَى َمأْمَِنهَا " [ أخرجه أحد وغيه وحسنه‬
‫ابن حجر رحه ال ] ‪.‬‬
‫فبعد مقتل عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬امتنع علي رضي ال عنه أن يقبل باللفة ‪ ،‬ولكن نتيجة‬
‫للضغط التزايد عليه من قبل الصحابة رضوان عليهم ‪ ،‬ولا لشعثهم ‪ ،‬وإطفا ًء لنار الفتنة ‪ ،‬قبل‬
‫بذلك ‪ ،‬ث اجتمع طلحة والزبي وعائشة رضي ال عنهم وهم ف خروج لم إل مكة لداء‬
‫العمرة ‪ ،‬اجتمعوا بشأن مقتل عثمان بن عفان رضي ال عنه ‪ ،‬وتسليم القتلة للقصاص منهم ‪،‬‬
‫فذهبوا إل أمي الؤمني علي رضي ال عنه ف البصرة ‪ ،‬وطلبوا منه أن يُسلمهم من قتلوا عثمان‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬فلم يبهم إل طلبهم ذاك ‪ ،‬لنه كان ينتظر من أولياء عثمان أن يتقدموا بطلب‬
‫التحاكم إليه ‪ ،‬وتقدي جناة معيني ‪ ،‬فإن ثبت عليهم القتل أخذ بق عثمان ـ ول شك أن‬
‫ذلك كان من العدل والنصاف ‪ ،‬أن ل يُؤخذ أحد بريرة غيه ‪ ،‬حت يثبت عليه الد ‪ ،‬قال‬
‫‪26‬‬

‫تعال ‪َ { :‬ولَا َتزِرُ وَازِ َر ٌة وِزْ َر ُأخْرَى } [ فاطر ‪ ، ] 18‬فعندما أيقن قتلة عثمان رضي ال عنه ‪،‬‬
‫أنه قد يُقتص منهم ‪ ،‬ويُقام عليهم الد ‪ ،‬أنشبوا فتنة الرب بي الفئتي السلمتي ‪ ،‬فلما خافوا‬
‫من توحيد الكلمة بي علي من جهة ‪ ،‬وعائشة وطلحة والزبي من جهة أخرى ‪ ،‬حل الظلمة‬
‫السلح على عسكر طلحة والزبي ‪ ،‬فظنوا أن عليا حل عليهم السلح ‪ ،‬وحلوا على عسكر‬
‫علي فظن أن طلحة والزبي قد حلوا عليه ‪ ،‬فحصلت القتلة بي الفئتي الؤمنتي بسبب خيانة‬
‫من خرجوا على عثمان رضي ال عنه وإشعالم لفتيل الرب ‪ ،‬ول تكن هذه الوقعة مقصودة ‪،‬‬
‫بل كانت بغي اختيار الصحابة رضوان ال عليهم ‪ ،‬وهكذا ند أن حصول القتال حصل بغي‬
‫اختيارهم ‪ ،‬فوقعت تلك الفتنة العظيمة ‪ ،‬ومات فيها خلق من الصحابة رضي ال عنهم أجعي ‪،‬‬
‫وقد أشار النب صلى ال عليه وسلم إل وقوعها ‪ ،‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا‬
‫َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى َتقْتَتِ َل فِئَتَانِ عَظِيمَتَا ِن ‪َ ،‬وتَكُونُ بَيَْنهُمَا َمقْتَ َلةٌ عَظِي َم ٌة ‪َ ،‬ودَ ْعوَاهُمَا وَاحِ َدةٌ‬
‫" [ متفق عليه ] ‪ ،‬فكانت تلك الوقعة فاجعة أليمة ذهب ضحيتها عدد كبي من السلمي بل‬
‫قصد لم ول اختيار ف القتال ‪ ،‬ولكنه النفاق والروج على ولة المر ‪ ،‬الذي بسببه تراق‬
‫الدماء البيئة ‪ ،‬وتصل الفرقة بي السلمي ‪ ،‬بل بي الخوة ف البيت الواحد ‪.‬‬
‫ول بد أن نقف عند هذه الوقعة عدة مواقف ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬المساك عما حصل بينهم ‪ ،‬فالقتال حصل بغي رغبة منهم ‪ ،‬وكل منهم يرى أن‬
‫الق معه ‪ ،‬فل نطّئ فئة عن فئة ‪ ،‬بل نسك عن ذلك ‪ ،‬لن دعواها واحدة ‪ ،‬وهي الخذ بثأر‬
‫عثمان رضي ال عنه ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬ل يكن لعلي رضي ال عنه يد ف مقتل عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬وقد قال ذلك‬
‫بلسانه حالفا بال ‪ ،‬وهو الصادق البار ‪ ،‬فقد قال ‪ " :‬وال ما قتلت عثمان ‪ ،‬ول مالت على‬
‫قتله " ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن عائشة رضي ال عنها ‪ ،‬ل تأت لقتال ‪ ،‬بل أتت للصلح مع علي والخذ بثأر‬
‫عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬فقد قال شيخ السلم ابن تيمية رحه ال ف منهاج السنة ‪ " :‬فوقعت‬
‫الفتنة بغي اختيارهم ‪ ،‬وعائشة راكبة ‪ ،‬ل قاتلت ‪ ،‬ول أمرت بقتال " ‪ ،‬وذكر أهل العرفة‬
‫والخبار ‪ ،‬وتناقلت كتب السنة أن عائشة رضي ال عنها أتت للصلح فقط ‪ ،‬ول تأت للقتال ‪،‬‬
‫وما يدل على ذلك حديث قيس ابن أب حازم قال ‪ " :‬لا بلغت عائشة رضي ال عنها بعض‬
‫‪27‬‬

‫ديار بن عامر ‪ ،‬نبحت عليها الكلب ‪ ،‬فقالت ‪ :‬أي ماء هذا ؟ قالوا ‪ :‬الوأب ـ موضع قريب‬
‫من البصرة ـ قالت ‪ :‬ما أظنن إل راجعة ‪ ،‬فقال لا الزبي ‪ :‬ل بعد ‪ ،‬تقدّمي فياك الناس ‪،‬‬
‫فيصلح ال ذات بينهم ‪ .‬فقالت ‪ :‬ما أظنن إل راجعة ‪ ،‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول ‪ " :‬كيف بإحداكن إذا نبحتها كلب الوأب " [ أخرجه الاكم والبزار وأبو يعلى وأحد‬
‫‪ ،‬وقال ابن حجر ‪ :‬سنده على شرط الصحيح ] ‪ ،‬وف رواية البزار ‪ " :‬أيتكن صاحبة المل‬
‫الدبب ـ كثي وبر الوجه ـ ترج حت تنبحها كلب الوأب ‪ ،‬يُقتل عن يينها وعن شالا‬
‫قتلى كثية ‪ ،‬وتنجو من بعد أن كادت " [ صححه اللبان ف الصحيحة برقم ‪. ] 475‬‬
‫فخرجت رضي ال عنها بقصد الصلح ‪ ،‬لنا ظنت أن خروجها فيه مصلحة للمسلمي من‬
‫حيث توحيد الكلمة والصلح فيما بينهم ‪ ،‬ث تبي لا فيما بعد أن ترك الروج كان أول ‪،‬‬
‫فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حت تبل خارها ‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬ندم كل من قاتل ف ذلك القتال ‪ ،‬فندم طلحة والزبي وعلي رضي ال عنهم ‪،‬‬
‫ولكن كما قلت ‪ :‬فالقتال ل يكن باختيارهم ‪ ،‬بل كان مكيدة ومصيدة لم ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬اللتفاف حول العلماء الصادقي ‪ ،‬والثبات على الدين ولو كلف ذلك الغال‬
‫والنفيس ‪ ،‬والذر من الروج على ولة المر ولو صدر منهم ما صدر ‪ ،‬ما ل يكن كفرا بواحا‬
‫عندنا فيه من ال برهان ظاهر ‪ ،‬وإل فالروج عليهم سبب لزعزعة المن ‪ ،‬وعدم الستقرار ‪،‬‬
‫وسبب للقتال الدامي بي السلمي ‪ ،‬ف البلد الواحد ‪ ،‬فل فائدة منه ‪ ،‬ول رجاء من ورائه ‪،‬‬
‫فيجب الوقوف مع ولة المر فأبوابم مفتوحة ‪ ،‬وقلوبم قبل ذلك ‪ ،‬خصوصا ونن ف بلد‬
‫القرآن ‪ ،‬بلد الرمي الشريفي ‪ ،‬بلد تطبق كتاب ال تعال ‪ ،‬وتكم سنة نبيه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ف زمن قل فيه من يعرف بعض أحكام الكتاب والسنة من الدول والشعوب والمم ‪،‬‬
‫فبلدنا مهبط الوحي ‪ ،‬ومنبع الرسالة ‪ ،‬فيها عرفات ومن ومزدلفة ‪ ،‬وفيها بيت ال الرام ‪،‬‬
‫ومسجد رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وفيها مسجد قباء ‪ ،‬وفيها زمزم والطيم ‪ ،‬وفيها آثار‬
‫ومشاعر مقدسة ‪ ،‬فهي بلد المن والمان ‪ ،‬ول يوز لحد أن يرعب الساكني فيها ‪ ،‬أو ييف‬
‫المني با ‪.‬‬
‫السادس ‪ :‬أن نذر من تلك القلم السمومة ف الصحف والجلت ‪ ،‬والت ل تريد‬
‫تطبيق شريعة ال تعال ف أرضه ‪ ،‬فتراهم يكيدون للعلماء والدعاة والخلصي من أبناء هذا‬
‫‪28‬‬

‫الوطن الغال ‪ ،‬يريدون الوقيعة بي أهل العلم النبلء ‪ ،‬والكام الفضلء ‪ ،‬فتارة ينعقون ‪،‬‬
‫وأخرى ينهقون ‪ ،‬وثالثة يكتبون ‪ ،‬ورابعة يلوحون ‪ ،‬فأخرس ال ألسنتهم ‪ ،‬وكسر أقلمهم ‪،‬‬
‫وأفسد عقولم ‪ ،‬وأيبس أركانم ‪ ،‬فل خي يريدون ‪ ،‬ول لصلح يسعون ‪ ،‬بل الفساد يبغون ‪،‬‬
‫والرية يدعون ‪ ،‬والضارة يزعمون ‪ ،‬والقيقة يفون ‪ ،‬وأنم يقولون ما ل يفعلون ‪ ،‬فأولئك‬
‫هم الغاوون ‪ ،‬فعليهم من ربم ما يستحقون ‪ ،‬ولربا اندع بم من ل حظ له بالعلم وكشف‬
‫القائق ‪ ،‬ومعرفة دوافع القوم ‪ ،‬فانغر بدعوى ترير الرأة ‪ ،‬وتغريب الدين ‪ ،‬وما إل ذلك من‬
‫دعواهم الباطلة ‪ ،‬فأظهر حبه وولءه لم ‪ ،‬وهم أعداء ال واللة والدين ‪ ،‬والنبياء والصالي ‪،‬‬
‫فل نامت أعي البناء ‪ { :‬هَاأَنُتمْ ُأوْلء تُحِبّوَن ُهمْ َو َل يُحِبّونَ ُكمْ َوُتؤْمِنُو َن بِاْلكِتَابِ كُ ّلهِ وَِإذَا‬
‫ظ ُقلْ مُوتُواْ بِغَيْ ِظ ُكمْ إِ ّن ال ّلهَ عَلِيمٌ‬
‫َلقُوكُ ْم قَالُواْ آمَنّا َوِإذَا خَ َلوْاْ عَضّواْ عَلَ ْي ُكمُ ا َلنَا ِملَ مِ َن اْلغَيْ ِ‬
‫ت الصّدُورِ } [ آل عمران ‪ ، ] 119‬فعلينا أن نذر من النافقي العلمانيي ‪ ،‬وأهل البدع‬
‫ِبذَا ِ‬
‫والهواء ‪ ،‬النتسبي للسلم وهو منهم براء ‪ ،‬الذين ل هم لم إل الصول على مآربم‬
‫الدنيئة ‪ ،‬وأغراضهم الدامة ‪ ،‬من بث للفرقة بي الؤمني ‪ ،‬واليقاع بم ‪ ،‬والتربص بم‬
‫الدوائر ‪ ،‬والدخول من الثغرات لثارة النعرات ‪ ،‬فلهم رب البيات ‪ ،‬وعال الفيات ‪ ،‬قال‬
‫خ ِرجُوكَ َويَ ْم ُكرُو َن َويَ ْمكُ ُر ال ّلهُ‬
‫ك الّذِينَ َك َفرُواْ لِيُثْبِتُو َك َأوْ َيقْتُلُو َك َأوْ يُ ْ‬
‫سبحانه ‪َ { :‬وِإذْ يَ ْم ُكرُ بِ َ‬
‫وَاللّ ُه خَ ْيرُ الْمَا ِكرِينَ } [ النفال ‪. ] 30‬‬
‫‪ -4‬موقعة صفين ‪ :‬كان معاوية بن أب سفيان واليا على الشام ‪ ،‬ول يبايع لعلي‬
‫باللفة ‪ ،‬فأرسل إليه علي للبيعة فتأخر ول يقدم على ذلك ‪ ،‬فلما رأى علي ذلك عبأ اليش‬
‫وتقدم نو الشام لخذ البيعة ‪ ،‬وقبل ذلك قام بعزل معاوية ‪ ،‬واستبدله بسهل بن حنيف ‪،‬‬
‫ولكنه ل يستطع دخول الشام ‪ ،‬فتقدم جيش علي رضي ال عنه ‪ ،‬وجهز معاوية جيش الشام ‪،‬‬
‫والتقى الفريقان ف موقع يسمى ( صفي ) وهو موضع قريب من شاطئ الفرات آخر أرض‬
‫العراق وأول أرض الشام ‪ ،‬ول يكن يدر بلد علي ول معاوية قتال البتة ‪ ،‬لن المر ل يستدعي‬
‫ذلك ‪ ،‬فالطلوب الذعان للخليفة فقط ‪ ،‬وقد كانت هناك دسائس بي الفريقي ‪ ،‬فمعاوية تأخر‬
‫بالبيعة لنه ظن أن المر ل يستقر لعلي بعد ‪ ،‬خصوصا بعد موقعة المل ‪ ،‬ما أغضب الليفة ‪،‬‬
‫فلما التقى المعان كانت هناك مناوشات بسيطة ‪ ،‬حت بدأت العركة بسبب الوارج والنافقي‬
‫الذين ل يريدون عليا ول معاوية ‪ ،‬بل يريدون إثارة الفت ‪ ،‬وقتل ف تلك العركة نوا من‬
‫‪29‬‬

‫سبعي ألفا من الفريقي ‪ ،‬واستمر القتال ثلثة أيام ‪ ،‬فظهرت بوادر النصر لعلي ومن معه ‪،‬‬
‫فرفع أهل الشام الصاحف ‪ ،‬فتوقف القتال ‪ ،‬لعله يكون هناك صلح بي الفئتي التقاتلتي ‪ ،‬ول‬
‫يتفق الميع على شيء وافترقوا بدون قتال ‪.‬‬
‫‪ -5‬ظهور الخوارج ‪ :‬وهذه من الفت الت ظهرت ف عهد علي رضي ال عنه ‪،‬‬
‫حيث كان الوارج ضمن جيش علي رضي ال عنه ‪ ،‬وبعد انتهاء معركة صفي ‪ ،‬ونزول‬
‫الفريقي على التحاكم إل كتاب ال ‪ ،‬وأثناء رجوع علي رضي ال عنه إل الكوفة فارقه‬
‫الوارج ونزلوا مكانا يسمى ( حروراء ) وكان عددهم ستة عشر ألفا ‪ ،‬فأرسل علي إليهم عبد‬
‫ال بن عباس رضي ال عنهم أجعي ليناظرهم ‪ ،‬فناظرهم مناظرة قوية حكيمة عقلية ‪ ،‬فرجع معه‬
‫بعضهم ‪.‬‬
‫وخروجهم على علي لنه حكم كتاب ال تعال فأبرد نار الفتنة وأخد جذوتا ‪ ،‬وهم يريدون‬
‫القتال ‪ ،‬فلما رأوا ذلك اتموا عليا رضي ال عنه بأنه أشرك لنه حكّم الرجال بدل القرآن ‪،‬‬
‫وكذبوا ف ذلك ‪ ،‬بل لم مآرب أخرى ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل حكم إل ل ‪ ،‬فقال علي ‪ :‬كلمة حق أريد‬
‫با باطل ‪ ،‬ث خطبهم ف مسجد الكوفة وقال لم ‪ :‬لكم علينا ثلث ‪ :‬أن ل ننعكم من‬
‫الساجد ‪ ،‬ول من رزقكم من الفيء ‪ ،‬ول نبدؤكم بقتال ما ل تُحدثوا فسادا ‪ .‬ولم أفكار‬
‫كفرية ضالة ‪ ،‬فمن أبرز أفكارهم ‪:‬‬
‫قولم بانراف عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬ووجوب قتله ‪ ،‬وتكفي مرتكب الكبية ما ل يتب منها ‪،‬‬
‫واستباحوا دماء السلمي وأعراضهم وأموالم ‪ ،‬وتركوا أهل الذمة وأموالم ول يتعرضوا لم‬
‫مطلقا ‪ ،‬ولووا أعناق النصوص ورموا با السلمي بدل الكافرين ‪ ،‬فكل آية يُراد با الكفار‬
‫قالوا هذه ف الؤمني ‪ ،‬وأبطلوا رجم الحصن ‪ ،‬وقطعوا يد السارق من البط ‪ ،‬وأوجبوا الصلة‬
‫على الائض ‪ ،‬فأحدثوا دمارا ف السلم وبلءً عظيما ‪ ،‬ومع ذلك فهم يدعون العلم ‪،‬‬
‫ويتهدون ف العبادة ‪ ،‬ولذا جاء الديث بالتحذير من خطرهم على المة والفراد ‪ ،‬حيث قَالَ‬
‫عَ ِليّ َرضِي اللّه عَنْه سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم َيقُولُ ‪َ " :‬ي ْأتِي فِي آ ِخ ِر الزّمَا ِن قَوْمٌ‬
‫ُح َدثَا ُء اْلأَسْنَا ِن ‪ ،‬سُ َفهَا ُء الَْأحْلَامِ ‪ ،‬يَقُولُو َن ِمنْ خَ ْي ِر َقوْ ِل الْبَ ِرّيةِ ‪ ،‬يَ ْم ُرقُو َن ِمنَ اْلإِسْلَامِ كَمَا يَ ْمرُقُ‬
‫سهْ ُم ِمنَ ال ّرمِيّ ِة ‪ ،‬لَا يُجَاوِ ُز إِيَانُ ُه ْم حَنَا ِجرَ ُهمْ ‪َ ،‬فَأيْنَمَا َلقِيتُمُو ُهمْ فَاقْتُلُو ُه ْم ‪َ ،‬فإِنّ قَتْ َل ُه ْم أَ ْج ٌر لِ َمنْ‬
‫ال ّ‬
‫خوَارِجِ‬
‫قَتَ َل ُه ْم يَوْ َم اْلقِيَا َمةِ " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬قال البخاري رحه ال ‪ :‬بَاب قَ ْت ِل الْ َ‬
‫‪30‬‬

‫ضلّ َق ْومًا َب ْعدَ ِإذْ‬
‫جةِ عَلَ ْي ِه ْم وَ َق ْولِ ال ّلهِ َتعَالَى ‪َ { :‬ومَا كَانَ ال ّل ُه لِيُ ِ‬
‫حدِينَ َب ْعدَ ِإقَا َم ِة الْحُ ّ‬
‫وَالْمُلْ ِ‬
‫َهدَا ُهمْ حَتّى يُبَّينَ َل ُهمْ مَا يَّتقُو َن } ‪ ،‬وَكَانَ اْبنُ عُ َم َر َيرَا ُه ْم شِرَا َر خَ ْلقِ ال ّلهِ ‪َ ،‬وقَا َل ‪ِ " :‬إّنهُمُ‬
‫جعَلُوهَا عَلَى الْ ُمؤْمِِنيَ " ‪.‬‬
‫ت َن َزلَتْ فِي الْ ُكفّا ِر فَ َ‬
‫انْطَ َلقُوا ِإلَى آيَا ٍ‬
‫ومن ضلل الوارج أنم كانوا يقتلون من مر بم من السلمي ‪ ،‬بينما يتركون الكفرة‬
‫والشركي ‪ ،‬فمر بم الصحاب الليل عبد ال بن خباب بن الرت رضي ال عنه وزوجته ‪،‬‬
‫فقتلوه وبقروا بطن زوجته عن ولدها ‪ ،‬ولا علم أمي الؤمني علي بذلك سألم عمن قتله ‪،‬‬
‫فقالوا ‪ :‬كلنا قتله ‪ ،‬فتجهز لقتالم ‪ ،‬والتقى بم ف موقعة النهروان ‪ ،‬فهزمهم شر هزية ول ينج‬
‫منهم إل القليل ‪.‬‬
‫ول يزال الوارج يظهرون حت يدرك آخرهم الدجال ‪َ ،‬ع ِن اْبنِ عُ َمرَ رضي ال عنهما ‪ ،‬أَنّ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬يَ ْنشَُأ نَشْ ٌء َي ْقرَءُونَ اْل ُقرْآ َن ‪ ،‬لَا يُجَاوِ ُز َترَاقَِي ُهمْ ‪ ،‬كُلّمَا‬
‫ج َقرْنٌ قُ ِط َع " ‪ ،‬قَا َل ابْنُ ُع َمرَ سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم َيقُولُ ‪ " :‬كُلّمَا‬
‫َخرَ َ‬
‫ض ِهمُ الدّجّالُ " [ أخرجه ابن‬
‫خرُجَ فِي ِعرَا ِ‬
‫شرِي َن َم ّرةً ـ حَتّى َي ْ‬
‫ج َقرْنٌ قُ ِطعَ ـ أَكَْث َر ِمنْ ِع ْ‬
‫َخرَ َ‬
‫ماجة وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪. ] 8027‬‬
‫وإنه لن الؤسف أن ند اليوم من جاء ليجدد أفكار تلك الفئة الضالة الندثرة ‪ ،‬ويعيد مأساة‬
‫التكفي ‪ ،‬ويقوم بأعمال التخريب والتفجي ف بلد السلمي ‪ ،‬ول شك أن ذلك العمل مرمٌ‬
‫ل ‪ ،‬لن السلم معصوم الدم والال والعرض ‪ ،‬ويرم التعرض‬
‫ع عرفا ‪ ،‬مقوتٌ عق ً‬
‫شرعا ‪ ،‬منو ٌ‬
‫للمسلم بأي نوع من أنواع الذى ‪ ،‬ما ل يكن مستحقا لذلك ‪ ،‬وإن كان مستحقا للعقوبة‬
‫جراء ظلم أو تعد وقع منه ‪ ،‬فول أمر السلمي هو من يقوم بإقامة الد عليه ‪ ،‬وليس عامة‬
‫الناس ‪ ،‬حت ل تصبح الياة ‪ ،‬حياة غابة وبراري ‪َ ،‬عنْ عَ ْبدِال ّلهِ بن مسعود رضي ال عنه قَالَ ‪:‬‬
‫ح ّل دَ ُم ا ْمرِئٍ ُمسْ ِلمٍ َيشْ َهدُ أَنْ لَا ِإلَ َه ِإلّا ال ّلهُ َوَأنّي‬
‫قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا يَ ِ‬
‫ق ِمنَ الدّينِ التّارِكُ‬
‫س ‪ ،‬وَالثّيّبُ الزّانِي ‪ ،‬وَالْمَارِ ُ‬
‫س بِالنّفْ ِ‬
‫ث ‪ :‬النّفْ ُ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ ِإلّا ِبِإحْدَى ثَلَا ٍ‬
‫جمَا َعةِ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] ‪ ،‬و َع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ‬
‫لِلْ َ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬لَا تَحَا َسدُوا ‪َ ،‬ولَا تَنَا َجشُوا ‪َ ،‬ولَا تَبَاغَضُوا ‪ ،‬وَلَا تَدَاَبرُوا ‪َ ،‬ولَا يَِبعْ‬
‫ض ‪ ،‬وَكُونُوا عِبَا َد اللّ ِه ِإخْوَانًا ‪ ،‬الْ ُمسْ ِلمُ َأخُو الْ ُمسْ ِلمِ ‪ ،‬لَا يَظْلِ ُم ُه ‪َ ،‬ولَا‬
‫ضكُمْ عَلَى بَيْ ِع َبعْ ٍ‬
‫َبعْ ُ‬
‫ئ ِمنَ‬
‫ب ا ْمرِ ٍ‬
‫حسْ ِ‬
‫ث َمرّاتٍ ـ بِ َ‬
‫صدْ ِر ِه ثَلَا َ‬
‫ي ِإلَى َ‬
‫ح ِق ُر ُه ‪ ،‬التّ ْقوَى هَاهُنَا ـ َوُيشِ ُ‬
‫خ ُذُلهُ ‪َ ،‬ولَا يَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫‪31‬‬

‫ضهُ "‬
‫ح ِق َر أَخَاهُ الْ ُمسْ ِلمَ ‪ُ ،‬ك ّل الْ ُمسْ ِلمِ عَلَى الْ ُمسْ ِلمِ حَرَا ٌم ‪َ ،‬د ُمهُ ‪َ ،‬ومَاُلهُ ‪ ،‬وَ ِعرْ ُ‬
‫شرّ أَ ْن يَ ْ‬
‫ال ّ‬
‫[ أخرجه مسلم وغيه ] ‪ ،‬فكل السلم على السلم حرام ‪ ،‬حرام قتل مسلم بل ذنب اقترفه ‪،‬‬
‫حرام أكل ماله بغي رضاه ‪ ،‬حرام انتهاك عرضه ‪ ،‬حرام إخافته ‪َ ،‬ع ْن أَبِي بَ ْك َرةَ قَالَ خَطَبَ‬
‫ج َع َل يََتكَلّ ُم هَاهُنَا َمرّ ًة َوهَاهُنَا‬
‫حرِ عَلَى نَاقَ ٍة َلهُ قَالَ ‪ " :‬فَ َ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ يَوْ َم النّ ْ‬
‫سكَتْنَا حَتّى ظَنَنّا َأنّ ُه سَُيسَمّيهِ غَ ْي َر اسْ ِمهِ قَالَ‬
‫ي يَوْ ٍم َهذَا قَالَ َف َ‬
‫َم ّرةً عِ ْندَ ُك ّل َقوْ ٍم ثُ ّم قَا َل ‪ " :‬أَ ّ‬
‫سكَتْنَا حَتّى ظَنَنّا َأنّ ُه سَُيسَمّيهِ‬
‫ي َشهْ ٍر َهذَا ؟ قَالَ َف َ‬
‫حرِ ؟ قَا َل قُلْنَا ‪ :‬بَلَى ُثمّ قَالَ ‪ :‬أَ ّ‬
‫س َيوْمَ النّ ْ‬
‫َألَيْ َ‬
‫سكَتْنَا‬
‫جةِ ؟ قَالَ قُلْنَا ‪ :‬بَلَى ‪ُ ،‬ث ّم قَا َل ‪ " :‬أَيّ بَ َل ٍد َهذَا ؟ قَالَ َف َ‬
‫غَ ْيرَ اسْ ِم ِه ‪ ،‬قَا َل ‪َ :‬ألَيْسَ ذَا الْحِ ّ‬
‫حرَا َم " قَالَ قُلْنَا ‪ :‬بَلَى ‪ ،‬قَالَ ‪َ " :‬فإِنّ‬
‫حَتّى ظَنَنّا َأنّ ُه سَُيسَمّيهِ غَ ْيرَ اسْ ِم ِه ‪ ،‬قَا َل ‪َ " :‬ألَيْسَ الْبَ ْل َد َة الْ َ‬
‫ح ْر َمةِ َي ْومِ ُكمْ َهذَا ‪،‬‬
‫ض ُكمْ َحرَامٌ عَلَ ْي ُكمْ ِإلَى أَ ْن تَ ْل َقوْا َرّب ُكمْ َتعَالَى ‪ ،‬كَ ُ‬
‫ِدمَاءَ ُك ْم وََأ ْموَالَ ُك ْم وَأَ ْعرَا َ‬
‫ب أَنْ‬
‫ب ‪ ،‬فَ َل َعلّ اْلغَائِ َ‬
‫فِي شَ ْهرِ ُكمْ َهذَا ‪ ،‬فِي بَ َلدِ ُكمْ َهذَا " ُث ّم قَالَ ‪ " :‬لِيُبَلّ ِغ الشّا ِهدُ مِ ْن ُكمُ اْلغَائِ َ‬
‫َيكُو َن َأوْعَى َل ُه ِمنَ الشّا ِهدِ " [ أخرجه مسلم واحد واللفظ له ‪ ،‬ورواه غيها ] ‪ ،‬وكذلك‬
‫حرام رفع السلح على السلم ‪ ،‬فكيف بن يقتله بريئا ‪ ،‬ف َعنْ عَ ْبدِاللّ ِه ْبنِ عُ َمرَ َرضِي اللّه‬
‫س مِنّا " [ متفق‬
‫ح فَلَيْ َ‬
‫عَنْهمَا ‪َ ،‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَا َل ‪َ " :‬منْ حَ َملَ عَلَيْنَا السّلَا َ‬
‫عليه ] ‪ ،‬وَ َعنِ أَب ُهرَْي َرةَ رضي ال عنه قال ‪ :‬قَالَ َأبُو اْلقَاسِمِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬م ْن َأشَارَ‬
‫حدِي َدةٍ َفإِ ّن الْمَلَاِئ َكةَ تَ ْلعَُنهُ حَتّى يَدَ َعهَا ‪َ ،‬وإِنْ كَا َن َأخَاهُ ِلَأبِي ِه َوأُ ّمهِ " [ أخرجه مسلم‬
‫ِإلَى َأخِيهِ بِ َ‬
‫وغيه ] ‪ ،‬وهذا ِلعِظَم حرمة السلم عند ال تعال وخطورة سفك دمه ‪ ،‬وكذلك يرم التحريض‬
‫ي وََأبَا ُه َرْيرَ َة َيذْ ُكرَانِ‬
‫خدْرِ ّ‬
‫ت َأبَا َسعِي ٍد الْ ُ‬
‫ج ِليّ قَال سَ ِمعْ ُ‬
‫ح َكمِ الْبَ َ‬
‫على السلم ليقتل ‪ ،‬قال أَبُو الْ َ‬
‫ض اشْتَرَكُوا فِي دَمِ‬
‫َعنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬لَ ْو أَ ّن َأهْ َل السّمَا ِء وََأ ْهلَ اْلأَرْ ِ‬
‫ُم ْؤمِ ٍن َلأَكَّبهُ ُم ال ّلهُ فِي النّا ِر " [ أخرجه أحد والترمذي ] ‪ ،‬و َعنِ الَْبرَا ِء ْبنِ عَا ِزبٍ أَنّ َرسُو َل ال ّلهِ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَ َزوَا ُل ال ّدنْيَا َأ ْهوَنُ عند ال ّل ِه ِمنْ قَ ْت ِل رجل مسلم " [ أخرجه‬
‫الترمذي وابن ماجة والنسائي واللفظ له ‪ ،‬وصححه اللبان رحه ال ] ‪ ،‬وقال تعال ‪ { :‬وَمَن‬
‫ب ال ّلهُ عَلَ ْي ِه وََلعََنهُ َوأَ َع ّد َلهُ َعذَابًا عَظِيمًا } [‬
‫جزَآ ُؤهُ َجهَّنمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِ َ‬
‫َيقُْتلْ ُم ْؤمِنًا مَّتعَ ّمدًا َف َ‬
‫ل بنِ عمرو رضيَ الُ عنهما عنِ النبّ صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬‬
‫النساء ‪ ، ] 93‬وعن عبدِ ا ِ‬
‫مَن قَتلَ مُعاهِدا ل يرحْ رائحةَ النة ‪ ،‬وإِنّ ريَها تو َجدُ من مَسيةِ أربعي عاما " [ أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ ،‬فهذه الدلة القاطعة الامعة الانعة تدل على تري إخافة المني والستأمني ف بلد‬
‫‪32‬‬

‫السلمي ‪ ،‬ومن أراد شق عصا الطاعة ‪ ،‬وزعزعة المن ف ربوع البلد ‪ ،‬ونشر الذعر بي الناس‬
‫‪ ،‬فيجب الخذ على يده لنه سفيه طائش ‪ ،‬ضل عن ركب العلماء والصالي ‪ ،‬وغوى عن‬
‫طريق الق ‪ ،‬ونأى بنفسه بعيدا عن سلوك درب الذين انعم ال عليهم من النبيي والصديقي‬
‫والشهداء والصالي ‪ ،‬فوجب تأديبه وزجره حت يكون عبة للمعتبين ‪ ،‬ونكاية للمتآمرين ‪،‬‬
‫وال ل يب الظالي ‪.‬‬
‫قال الشيخ ‪ /‬صال الفوزان وفقه ال ‪ " :‬فلشك أن توفي المن مطلب ضروري ‪ ،‬والنسانية‬
‫أحوج إليه من حاجتها إل الطعام والشراب ‪ ،‬ولذا قدمه إبراهيم عليه الصلة والسلم ف دعائه‬
‫على الرزق فقال{رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات لعلهم يشكرون}‬
‫لن الناس ل يهناون بالطعام والشراب مع وجود الوف‪ ،‬ولن الوف تنقطع معه السبل ؛ الت‬
‫بواسطتها تنقل الرزاق من بلد لخر‪ ،‬ولذلك رتب ال على قطاع الطرق اشد العقوبات فقال‬
‫{ إنا جزاء الذين ياربون ال ورسوله ويسعون ف الرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع‬
‫أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الرض ذلك لم خزي ف الدنيا ولم ف الخرة عذاب‬
‫عظيم}‬
‫وجاء السلم بفظ الضروريات المس ‪ ،‬وهي الدين‪,‬والنفس ‪ ،‬والعقل ‪ ،‬والعرض ‪ ،‬والال ‪،‬‬
‫ورتب حدودا صارمة ف حق من يعتدي على هذه الضرورات ‪ ،‬سواء كانت هذه الضرورات‬
‫لسلمي أو معاهدين ‪ ،‬فالكافر العاهد له ما للمسلم ‪ ،‬وعليه ما على السلم؛قال النب صلى ال‬
‫عليه وسلم (( من قتل معاهدا ل يرح رائحة النة)) وقال تعال{ وان احد من الشركي‬
‫استجارك فأجره حت يسمع كلم ال ث ابلغه مأمنه }‬
‫وإذا خاف السلمون من العاهدين خيانة للعهد ‪ ،‬ل يز لم أن يقاتلوهم حت يعلموهم بإناء‬
‫العهد الذي بينهم ‪ ،‬ول يفاجئوهم بالقتال بدون إعلم ‪ ،‬قال تعال {وإما تافن من قوم خيانة‬
‫فانبذ إليهم على سواء إن ال ل يب الائني}‬
‫والذين يدخلون تت عهد السلمي من الكفار ثلثة أنواع‪:‬‬
‫الستأمن‪ :‬وهو الذي يدخل بلد السلمي بأمن منهم؛لداء مهمة ث يرجع إل بلدة بعد إنائها‪.‬‬
‫والعاهد‪ :‬الذي يدخل تت صلح بي السلمي والكفار‪,‬وهذا يؤمن حت ينتهي العهد الذي بي‬
‫الفئتي‪,‬ول يوز ل حد أن يعتدي عليه‪,‬كما ل يوز له أن يعتدي على احد من السلمي‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫والذمي‪ :‬الذي يدفع الزية للمسلمي ويدخل تت حكمهم‪.‬‬
‫والسلم يكفل لؤلء النواع من الكفار المن على دمائهم وأموالم وأعراضهم ‪ ،‬ومن اعتدى‬
‫عليهم فقد خان السلم ‪ ،‬واستحق العقوبة الرادعة‪.‬‬
‫والعدل واجب مع السلمي ومع الكفار‪ ،‬حت لو ل يكونوا معاهدين أو مستأمني أو أهل ذمة ‪،‬‬
‫قال تعال { ول يرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن السجد الرام أن تعتدوا}‬
‫وقال تعال {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامي ل شهداء بالقسط ول يرمنكم شنان قوم على‬
‫إل تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}‬
‫والذين يعتدون على المن ‪ :‬إما أن يكونوا خوارج ‪ ،‬أو قطاع طرق ‪ ،‬أو بغاة ‪ ،‬وكل من هذه‬
‫الصناف الثلثة يتخذ معه الجراء الصارم ‪ ،‬الذي يوقفه عند حده ‪ ،‬ويكف شره عن السلمي‬
‫والستأمني والعاهدين وأهل الذمة ‪ ،‬فهؤلء الذين يقومون بالتفجي ف أي مكان ‪ ،‬ويتلفون‬
‫النفس العصومة ‪ ،‬والموال الحترمة – لسلمي أو معاهدين ‪ ، -‬ويرملون النساء ‪ ،‬وييتمون‬
‫الطفال ؛ هم من الذين قال ال فيهم { ومن الناس من يعجبك قوله ف الياة الدنيا ويشهد ال‬
‫على ما ف قلبه وهو ألد الصام *وإذا تول سعى ف الرض ليفسد فيها ويهلك الرث والنسل‬
‫وال ل يب الفساد *وإذا قيل له اتق ال أخذته العزة بالث فحسبه جهنم ولبئس الهاد}‬
‫ومن العجيب أن هؤلء العتدين الارجي على حكم السلم يسمون عملهم هذا جهادا ف‬
‫سبيل ال ‪ ،‬وهذا من أعظم الكذب على ال ؛ فان ال جعل هذا فسادا ول يعله جهادا ‪ ،‬ولكن‬
‫ل نعجب حينما نعلم أن سلف هؤلء من الوارج كفروا الصحابة ‪ ،‬وقتلوا عثمان وعليا –‬
‫رضي ال عنهما‪ -‬وها من اللفاء الراشدين ومن العشرة البشرين بالنة‪ ،‬قتلوها؛ وسم وا هذا‬
‫جهادا ف سبيل ال ‪ ،‬وإنا هو جهاد ف سبيل الشيطان ‪ ،‬قال تعال{ الذين آمنوا يقاتلون ف‬
‫سبيل ال والذين كفروا يقاتلون ف سبيل الطاغوت}‬
‫ول يمل السلم فعلهم هذا كما يقول أعداء السلم –من الكفار والنافقي ‪:-‬إن دين‬
‫السلم دين إرهاب‪,‬ويتجون بفعل هؤلء الجرمي ‪ ،‬فان فعلهم هذا ليس من السلم ‪ ،‬ول‬
‫يقره إسلم ول دين ‪ ،‬إنا هو فكر خارجي قد حث النب صلى ال عليه وسلم على قتل أصحابه‬
‫‪ ،‬وقال (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم))‬

‫‪34‬‬

‫ووعد بالجر الزيل لن قتلهم ‪ ،‬وإنا يقاتلهم ول أمر السلمي؛ كما قاتلهم الصحابة بقيادة‬
‫أمي الؤمني علي بن أب طالب‪-‬رضي ال عنه‪.-‬وبعض النافقي أو الهال يزعم أن مدارس‬
‫السلمي هي الت علمتهم هذا الفكر‪ ،‬وان مناهج التدريس تتضمن هذا الفكر النحرف ‪،‬‬
‫ويطالبون بتغيي مناهج التعليم‪.‬‬
‫ونقول ‪ :‬إن أصحاب هذا الفكر ل يتخرجوا من مدارس السلمي ‪ ،‬ول يأخذوا العلم عن علماء‬
‫السلمي ؛ لنم يرمون الدراسة ف الدارس والعاهد والكليات ‪ ،‬ويتقرون علماء السلمي ‪،‬‬
‫ويهلونم ‪ ،‬ويصفونم بالعمالة للسلطي ‪ ،‬ويتعلمون عند أصحاب الفكر النحرف ‪ ،‬وعند‬
‫حدثاء السنان سفهاء الحلم من أمثالم ‪ ،‬كما جهل أسلفهم علماء الصحابة وكفروهم‪.‬‬
‫والذي نرجوه بعد اليوم أن يلتفت الباء لبنائهم ‪ ،‬فل يتركوهم لصحاب الفكار الدامة‬
‫يوجهونم إل الفكار الضالة ‪ ،‬والناهج النحرفة‪,‬ول يتركوهم للتجمعات الشبوهة ‪،‬‬
‫والرحلت الجهولة‪,‬والستراحات الت هي مراتع لصحاب التضليل ‪ ،‬ومصائد للذئاب‬
‫الفترسة ‪ ،‬ول يتركوهم يسافرون إل خارج الملكة وهم صغار السن ‪ ،‬وعلى العلماء أن‬
‫يقوموا بالتوجيه السليم ‪ ،‬وتعليم العقائد الصحيحة ف الدارس والساجد ووسائل العلم؛حت‬
‫ل يدعوا فرصة لصحاب الضلل الذين يرجون ف الظلم وعند غفلة الصلحي " ‪.‬‬
‫‪ -6‬موقعة الحرة ‪ :‬وقعت ف زمن يزيد بن معاوية ‪ ،‬واستبيحت فيها مدينة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقُتل فيها كثي من الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬وسببها ‪ :‬أن أهل‬
‫الدينة خلعوا يزيد من البيعة ‪ ،‬فأرسل إليهم جيشا بقيادة مسلم بن عقبة الري ‪ ،‬فاستباح‬
‫الدينة ‪ ،‬وقتل نو سبعمائة من الصحابة ‪ ،‬وقتل عشرة آلف من غيهم ‪ ،‬وقد أخذه ال وهو ف‬
‫طريقه من مكة إل الدينة ‪.‬‬
‫وهكذا تتابعت الفت ف بلد السلمي حت تفرقوا وأصبحوا أحزابا وشيعا ‪ ،‬كل فرقة تدّعي أنا‬
‫على الق ‪ ،‬وأن غيها على الباطل ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُه َريْ َر َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ‬
‫ت النّصَارَى عَلَى ِإ ْحدَى َأوْ‬
‫ي ِف ْر َقةً ‪َ ،‬وَت َفرّقَ ِ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪ " :‬افَْت َرقَتِ الَْيهُودُ عَلَى ِإحْدَى َأوْ ثِنْتَ ْي ِن َوسَبْعِ َ‬
‫ي ِف ْرقَ ًة " [ أخرجه أهل السنن إل النسائي ‪،‬‬
‫ث وَسَ ْبعِ َ‬
‫ق أُمّتِي عَلَى ثَلَا ٍ‬
‫ي ِف ْر َقةً ‪َ ،‬وَتفَْترِ ُ‬
‫ثِنْتَ ْي ِن َوسَبْعِ َ‬
‫وصححه اللبان رحه ال ف صحيح الامع برقم ‪ ، 1094‬والصحيحة برقم ‪ ، ] 203‬ول‬
‫ينجو من هذه الفرق الثلث والسبعون إل من كان على ما كان عليه النب صلى ال عليه وسلم‬
‫‪35‬‬

‫س ْبنِ مَالِكٍ رضي ال عنه‬
‫وأصحابه ‪ ،‬وهذا ما جاء ف سنن ابن ماجة رحه ال من حديث َأنَ ِ‬
‫قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬إِنّ بَنِي إِ ْسرَائِي َل افَْترَقَتْ عَلَى ِإ ْحدَى َوسَبْعِيَ‬
‫ي ِف ْر َقةً كُ ّلهَا فِي النّا ِر ِإلّا وَا ِح َدةً َو ِهيَ الْجَمَا َعةُ "‬
‫ِف ْر َقةً ‪َ ،‬وإِ ّن ُأمّتِي سَتَفَْترِقُ عَلَى ثِنْتَ ْي ِن َوسَبْعِ َ‬
‫[ أخرجه ابن ماجة وغيه ] ‪ ،‬وهانن نرى الفت تتلطم بالسلمي كأمواج البحار ‪ ،‬وسيل‬
‫النار ‪ ،‬ول سلمة منها إل بالتمسك بالكتاب العزيز ‪ ،‬وسنة النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫ولزوم جاعة السلمي ‪.‬‬
‫المساك عما شجر بي الصحابة رضوان ال عليهم أجعي ‪:‬‬
‫واجبنا حول ما حدث بي الصحابة من قتال ‪ ،‬أن ل نبحث فيما شجر بينهم ‪ ،‬لن ذلك ل‬
‫يقرب العبد إل ال زلفى ‪ ،‬فهم قد لقوا ربم و هو أعلم با شجر بينهم ‪ ،‬فإن كان المر ل‬
‫يقربك إل ال زلفى ‪ ،‬وإنا قد يقودك إل النار وأنت ل تعلم ‪ ،‬فتجنبه أول ؛ إل ف حالة واحدة‬
‫وسيأت بيان هذه الالة ‪.‬‬
‫و معن المساك عما شجر بي الصحابة ‪ ،‬هو عدم الوض فيما وقع بينهم من الروب‬
‫واللفات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلت ‪ ،‬ونشر ذلك بي العامة ‪ ،‬أو التعرض لم ‪،‬‬
‫بالتنقص لفئة والنتصار لخرى ‪.‬‬
‫قال شيخ السلم ف مموع الفتاوى ( ‪ : )3/406‬وكذلك نؤمن بالمساك عما شجر بينهم ‪،‬‬
‫ونعلم أن بعض النقول ف ذلك كذب ‪ ،‬وهم كانوا متهدين ‪ ،‬إما مصيبي لم أجران ‪ ،‬أو مثابي‬
‫على عملهم الصال مغفور لم خطؤهم ‪ ،‬وما كان لم من السيئات ‪ ،‬وقد سبق لم من ال‬
‫السن ‪ ،‬فإن ال يغفر لم إما بتوبة أو بسنات ماحية أو مصائب مكفرة ‪.‬‬
‫وما شجر بينهم من خلف فقد كانوا رضي ال عنهم يطلبون فيه الق ويدافعون فيه عن الق ‪،‬‬
‫فاختلفت فيه اجتهاداتم ‪ ،‬ولكنهم عند ال عز وجل من العدول الرضي عنهم ‪ ،‬ومن هنا كان‬
‫منهج أهل السنة والماعة هو حفظ اللسان عما شجر بينهم ‪ ،‬فل نقول عنهم إل خيا ‪،‬‬
‫ونتأول وناول أن ند العذار للمخطئ منهم ‪ ،‬ول نطعن ف نيّاتم فهي عند ال ‪ ،‬وقد أفضوا‬
‫إل ما قدموا ‪ ،‬فنترضى عنهم جيعا ‪ ،‬ونترحم عليهم ونرص على أن تكون القلوب سليمة‬
‫تاههم ‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫وقال ابن قدامة القدسي ف اللمعة (ص ‪ : )175‬و من السنة تول أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬ومبتهم وذكر ماسنهم والترحم عليهم والستغفار لم ‪ ،‬والكف عن ذكر‬
‫مساوئهم وما شجر بينهم ‪ ،‬واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم ‪ ،‬قال ال تعال ‪ { :‬وَاّلذِينَ جَاؤُوا‬
‫ج َعلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّا لّ ّلذِينَ‬
‫مِن َبعْ ِدهِ ْم َيقُولُونَ َربّنَا ا ْغ ِف ْر لَنَا َوِلإِ ْخوَانِنَا اّلذِي َن سََبقُونَا بِالْإِيَا ِن َولَا تَ ْ‬
‫ح ّمدٌ ّرسُولُ ال ّلهِ وَالّذِينَ َم َعهُ‬
‫آمَنُوا َربّنَا ِإّنكَ َرؤُوفٌ ّرحِيمٌ } [ الشر ‪ ، ]10‬وقال تعال ‪ { :‬مّ َ‬
‫َأ ِشدّاء عَلَى اْلكُفّارِ ُرحَمَاء بَيَْن ُهمْ } [الفتح ‪َ ، ]29‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه قَا َل ‪ :‬قَالَ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬لَ َتسُبّوا أَصْحَابِي ‪َ ،‬ل َتسُبّوا أَصْحَابِي ‪َ ،‬فوَاّلذِي نَ ْفسِي‬
‫بَِي ِد ِه ‪ ،‬لَ ْو أَ ّن َأحَدَ ُك ْم أَْن َفقَ مِ ْث َل ُأحُ ٍد َذهَبا ‪ ،‬مَا أَدْرَ َك ُم ّد َأحَ ِدهِ ْم ‪َ ،‬ولَ نَصِي َفهُ " [ أخرجه‬
‫البخاري من حديث عن أب سعيد الُدريّ رضيَ ال ّلهُ عنه ‪ ،‬وأخرجه مسلم واللفظ له ] ‪.‬‬
‫والذي يظهر من كلم هؤلء الئمة التأكيد على هذا الضابط الهم و هو ‪ :‬عدم الوض فيما‬
‫شجر بي الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬على سبيل التسلية و تأليف الشرطة والحاضرات‬
‫وعرضها بي الناس بختلف مستوياتم ‪ ،‬وهو خطأ وقع فيه بعض الدعاة والكتاب غفر ال لنا‬
‫ولم ‪.‬‬
‫غي أن بعضهم أجاز الوض ف ذلك ف حالة واحدة فقط ؛ وهي إن ظهر مبتدع مبطل يقدح‬
‫فيهم بالباطل ‪ ،‬فيجب الدفاع عنهم بق وعدل مع التنبيه إل أنه ل يدافع عن بعضهم فيقع ف‬
‫سب آخرين منهم ‪ ،‬إنا يكون الدفاع عنهم رضي ال عنهم جيعا ‪ ،‬وإل فيجب الصمت وترك‬
‫الوض فيما شجر بينهم ‪.‬‬
‫ول يسعنا ف هذا القام إل أن نتمسك بقوله تعال ‪ { :‬والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا‬
‫ل للذين آمنوا ربنا إنك رؤف‬
‫اغفر لنا ولخواننا الذين سبقونا باليان ول تعل ف قلوبنا غ ً‬
‫رحيم }[ الشر ‪. ] 10‬‬
‫الشرط السابع ‪:‬‬
‫ظهور مدعي النبوة ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رضيَ ال ّلهُ عنهُ ‪َ ،‬ع ِن النّبِيّ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ " :‬لَ‬
‫لثِيَ ‪ ،‬كُّل ُه ْم َيزْ ُعمُ َأّنهُ َرسُولُ ال ّلهِ " [‬
‫َتقُومُ السّا َعةُ ‪ ،‬حَتّ ٰى يُ ْبعَثَ َدجّالُونَ َكذّابُو َن ‪َ ،‬قرِيبٌ ِم ْن ثَ َ‬
‫أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له ] ‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫ح ّدثُ َعنِ‬
‫ي ‪َ ،‬فسَ ِمعُْت ُه يُ َ‬
‫س سِنِ َ‬
‫ت َأبَا ُهرَْي َرةَ _ رضي ال عنه _ خَمْ َ‬
‫و َع ْن َأبِي حَازِ ٍم قَا َل ‪ :‬قَا َعدْ ُ‬
‫ك نَِبيّ خَ َل َفهُ‬
‫النِّبيّ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ " :‬كَانَتْ بَنُو إسْرَائِي َل َتسُو ُس ُهمُ الَنْبِيَاءُ ‪ُ ،‬كلّمَا هَلَ َ‬
‫نَِبيّ ‪ ،‬وَإّنهُ َل نَِبيّ َب ْعدِي ‪َ ،‬وسَتَكُو ُن خُلَفَا ُء فََتكُْثرُ " ‪ ،‬قَالُوا ‪ :‬فَمَا تَ ْأ ُمرُنَا ؟ قَالَ ‪ " :‬فُوا بِبَ ْي َعةِ‬
‫الَ ّولِ فَا َلوّ ِل ‪ ،‬وَأَعْطُو ُهمْ َح ّقهُ ْم ‪ ،‬فَإنّ ال ّل َه سَائِ ُل ُهمْ عَمّا اسَْترْعَاهُمْ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫ومن ظهر من هؤلء الدجالي الثلثون ‪:‬‬
‫‪ -1‬مسيلمة الكذاب ‪ :‬الذي ادعى النبوة ف آخر زمن النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقد كثر‬
‫أتباعه ‪ ،‬وعظم شره على السلمي ‪ ،‬حت قضى عليه الصحابة ف عهد أب بكر الصديق رضي‬
‫ال عنه ف معركة اليمامة ‪.‬‬
‫‪ -2‬ث ظهر السود العنسي ف اليمن ‪ :‬وادعى النبوة ‪ ،‬فقتله الصحابة قبل موت النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪.‬‬
‫‪ -3‬ث ظهرت سجاح ‪ :‬فادعت النبوة ‪ ،‬وتزوجها مسيلمة الكذاب ‪ ،‬وبعد موته رجعت إل‬
‫السلم ‪.‬‬
‫‪ -4‬ث ظهر طليحة بن خويلد السدي ‪ :‬ث رجع إل السلم وحسن إسلمه ‪.‬‬
‫‪ -5‬ث ظهر الختار بن أب عبيد الثقفي ‪ :‬وأظهر مبة أهل البيت ‪ ،‬وطالب بدم السي ‪ ،‬وكثر‬
‫أتباعه ‪ ،‬فتغلب على الكوفة ف أول خلفة ابن الزبي ‪ ،‬ث أغواه الشيطان فادعى النبوة ‪ ،‬وأن‬
‫جبيل نزل عليه بالوحي ‪.‬‬
‫‪ -6‬ومنهم الارث الكذاب ‪ :‬ظهر ف خلفة عبد اللك بن مروان فقتل ‪.‬‬
‫‪ -7‬وخرج ف خلفة بن العباس جاعة من الدجالي ‪.‬‬
‫‪ -8‬وظهر ف العصر الديث ‪ ،‬ميزا أحد القاديان بالند ‪.‬‬
‫‪ -9‬وظهر ف عام ‪1233‬هـ اليزا عباس ف إيران ‪ :‬وادعى النبوة ‪ ،‬ومات بفلسطي عام‬
‫‪1309‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -10‬ث ظهر ممود ممد طه ف السودان ‪ :‬وقد أضل كثيا من اللق ‪ ،‬وأعدم عام ‪1985‬م ‪.‬‬
‫‪ -11‬وظهر رشاد عبد الليم خليفة ‪ :‬بائي ‪ ،‬ادعى النبوة ‪ ،‬ولد بكفر الزيات بصر سنة‬
‫‪1354‬هـ ‪ ،‬والده شيخ الطريقة الشاذلية الصوفية بدينة طنطا ‪ ،‬كان معروفا بسوء اللق‬
‫والعناد منذ صغره ‪ ،‬وييل إل الكذب والراوغة ‪ ،‬ترج بتقدير مقبول من كلية الزراعة ‪ ،‬فلم‬
‫‪38‬‬

‫يستطع إكمال دراسته ‪ ،‬أكمل دراسته ف أمريكا ‪ ،‬عن طريق الكنيسة والؤسسات التنصيية ‪،‬‬
‫فنال خلل أربعة أعوام درجة الدكتوراه ف الكيمياء اليوية ‪ ،‬ث عاد لصر ‪ ،‬أنكر السنة ‪،‬‬
‫وافترى على النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أصدر الجمع الفقهي سنة ‪1409‬هـ فتوى‬
‫بتكفيه ‪ ،‬ادعى النبوة ف شهر رمضان ‪1409‬هـ ‪ ،‬إل أن دخل عليه ماهد مسلم ‪ ،‬فطعنه‬
‫عدة طعنات ف بيته ‪ ،‬ف ‪/31‬يناير‪1990 /‬م ‪ ،‬فقتله ف مدينة توسان بأمريكا ‪.‬‬
‫ومن هؤلء الكذابون أربع نسوة ‪ ،‬عن حذيفة رضي ال عنه ‪ :‬أن النب ال صلى ال عليه وسلّم‬
‫س َوةٍ ‪َ ،‬وِإنّي خَاِتمُ النّبِيّ ْي َن ‪ ،‬لَ‬
‫شرُو َن ‪ ،‬مِ ْن ُهمْ أَ ْربَ ُع ِن ْ‬
‫قال ‪ " :‬ف ُأمّتِي َكذّابُو َن َودَجّالُو َن سَبْ َع ٌة وَ ِع ْ‬
‫نَِب ّي بَ ْعدِي " [ أخرجه أحد وصححه اللبان ف الصحيحة برقم ‪. ] 1999‬‬
‫ول يزال يظهر هؤلء الكذابون حت يظهر آخرهم العور الدجال ‪ ،‬كما قال صلى ال عليه‬
‫ج ثلثونَ كذابا آ ِخ ُر ُهمُ العورُ ال ّدجّالُ‬
‫خرُ َ‬
‫وسلم ‪ " :‬وإنّ ُه وال ل تقومُ الساعةُ حتّـى يَ ْ‬
‫" [ أخرجه أحد وابن خزية ] ‪.‬‬
‫فكل من ادعى النبوة ‪ ،‬وقويت شوكته ‪ ،‬وأصبح له متبعي ‪ ،‬فهو من الدجالي الكذابي ‪،‬‬
‫الذين ورد ذكرهم ف الحاديث ‪ ،‬أما من ل يكن كذلك ‪ ،‬فليس بداخل ف الحاديث ‪ ،‬فليس‬
‫ل ‪ ،‬أو من‬
‫كل من ادعى النبوة أصبح من وردوا ف الحاديث ‪ ،‬فربا كان هناك من به جنون مث ً‬
‫استمع لحاضرة مثلً فتقمص شخصية أحد البارزين با ‪ ،‬أو ما شابه ذلك ‪ ،‬ث ادعى ما ادعى‬
‫من الرافات ‪.‬‬
‫الشرط الثامن ‪:‬‬
‫ظهور القحطان ‪ :‬واختلف العلماء ف هذا الرجل هل هو رجل صال ‪ ،‬أم أنه رجل شرير ؟‬
‫فقيل ‪ :‬إنه رجل شرير ‪ ،‬يكم الناس بالقوة ‪ ،‬بدليل أنه ذكر ف الديث أنه يشر الناس‬
‫بعصاة ‪ ،‬وهذا دليل على القوة والعنف الت يستخدمها مع الناس ‪ ،‬حت يدين له القاصي‬
‫والدان خوفا وهلعا ‪ ،‬وقد ذكره ابن كثي رحه ال ف النهاية ف الفت واللحم فقال ‪ " :‬ظهور‬
‫ظال من قحطان قبل قيام الساعة " [ ‪. ] 159‬‬

‫‪39‬‬

‫والصحيح أن القحطان يرج من قحطان ‪ ،‬ويكم الناس بالعدل ‪ ،‬وهو رجل صال ‪ ،‬تدين له‬
‫الناس بالطاعة ‪ ،‬وتتمع عليه ‪ ،‬ويكون ذلك عند تغيّر الزمان‪ ،‬ولذا ذكر البخاري رحه ال‬
‫حديث القحطان ف باب تغي الزمان‪.‬‬
‫والقحطان ليس هو الهدي الذي سيخرج أيضا لكن ف آخر الزمان ‪ ،‬وخروجه من علمات‬
‫الساعة الكبى ‪ ،‬فإن خروج الهدي يكون من علمات الساعة الكبى ‪ ،‬وسيكون خروجه بعد‬
‫القحطان بزمن ‪ ،‬وليس القحطان هو الهجاه الذي ذكره النب صلى ال عليه وسلم وأنه‬
‫سيحكم أيضا ‪ ،‬ويكون له اللك ف آخر الزمان ‪ ،‬لن الهجاه رجل من الوال ‪ ،‬أما القحطان‬
‫فهو من الحرار نسبة إل قحطان ‪ ،‬الذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حي وهدان وغيهم إليه‬
‫‪.‬‬
‫وليس القحطان هو السفيان ‪ ،‬فإن أحاديث خروج السفيان أحاديث ل تصح ول تثبت البتة ‪.‬‬
‫ومن قال أن صدام حسي هو السفيان ‪ ،‬فقد افترى كذبا عظيما ‪ ،‬وقال على ال ما ل علم له‬
‫به ‪.‬‬
‫أما أحاديث خروج القحطان فكثية ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صلى ال‬
‫ق النّاسَ ِبعَصَاهُ‬
‫خرُجَ َرجُ ٌل ِمنْ قَحْطَا َن ‪َ ،‬يسُو ُ‬
‫عليه وسلم قَالَ ‪َ " :‬ل َتقُو ُم السّا َعةُ حَّتىٰ َي ْ‬
‫" [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ ،‬ومعن يسوق الناس بعصاه ‪ :‬كناية عن استقامة الناس ‪،‬‬
‫وانقيادهم له ‪ ،‬واتفاقهم عليه ‪ ،‬وفيه إشارة أيضا إل القسوة على أهل العصية ‪ ،‬لنه رجل صال‬
‫‪ ،‬يكم بالعدل ‪ ،‬ول يرضى بانتشار العاصي والنكرات تت وليته [ التذكرة للقرطب ‪] 348‬‬
‫‪ ،‬ويدل لذلك ما أخرجه نعيم بن حاد بسند جيد عن ابن عباس رضي ال عنهما قال فيه ‪" :‬‬
‫ورجل من قحطان ‪ ،‬كلهم صال " ‪.‬‬
‫أما الهجاه فقد ورد ذكره ف كتب السنة وهو من علمات الساعة وأشراطها ‪َ ،‬عنْ ُع َم َر ْبنِ‬
‫ت َأبَا ُه َريْ َرةَ رضي ال عنه َيقُو ُل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا‬
‫ح َكمِ قَال سَ ِمعْ ُ‬
‫الْ َ‬
‫َي ْذهَبُ اللّ ْي ُل وَالّنهَارُ حَتّى يَمْ ِلكَ َر ُج ٌل ِمنَ الْ َموَالِي ُيقَا ُل َلهُ َجهْجَا ُه " [ أخرجه الترمذي وأحد ‪،‬‬
‫وصحح إسناده أحد شاكر برقم ‪. ] 8346‬‬
‫ولّا حدّث عبدال بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما بذا الديث ‪ ،‬غضب معاوية رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬فقام وتكلم وقال ‪ :‬فإن سعتُ رسولَ ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬إنّ هذا المرَ ف‬
‫‪40‬‬

‫ش _ الكم _ ل يُعاديهم أحدٌ ‪ ،‬إل كّبهُ ال على وجهِه ‪ ،‬ما أقاموا الدّين " [ أخرجه‬
‫قري ٍ‬
‫البخاري ] ‪.‬‬
‫ومعاوية رضي ال عنه ل ينكر حديث خروج القحطان ‪ ،‬ولكنه كان يريد رضي ال عنه ‪،‬‬
‫التأكيد على أن اللفة ل توز ف غي قريش ‪ ،‬لكن بشرط ‪ ،‬كما ف حديث معاوية _ ما أقاموا‬
‫الدين _ فإذا ل يقيموا الدين ‪ ،‬خرج المر من أيديهم ‪ ،‬وقد حصل هذا ‪ ،‬فإن الناس ل يزالوا‬
‫ف طاعة قريش إل أن ضعف تسكهم بالدين ‪ ،‬فضعف أمرهم ‪ ،‬وتلشى ملكهم ‪ ،‬وانتقل‬
‫الكم إل غيهم ‪.‬‬
‫وهذه سنة ربانية ماضية إل يوم القيامة ‪ ،‬فكلما بدّل الناس ‪ ،‬بُدّل عليهم ‪ ،‬مصداقا لقول الق‬
‫س ِهمْ َوِإذَا أَرَادَ ال ّلهُ ِب َقوْ ٍم سُوءا فَلَ‬
‫تبارك وتعال ‪ { :‬إِ ّن ال ّلهَ َل ُيغَّيرُ مَا بِ َقوْ ٍم حَتّى ُيغَّيرُوْا مَا ِبَأنْ ُف ِ‬
‫َم َردّ َل ُه َومَا َلهُم مّن دُوِنهِ مِن وَالٍ } [ الرعد ‪. ] 11‬‬
‫وواقع هذه الية نشاهده اليوم بكل وضوح ‪ ،‬فكم كانت المة تعيش حياة هادئة هانئة ‪ ،‬ل‬
‫منغص لا ‪ ،‬وذلك بتمسك أفرادها بدينها الذي ل يقبل أية مساومة أو تبديل أو تغيي ‪ ،‬حت‬
‫وصل الال اليوم إل ابتعدا الناس عن دينهم شيئا فشيئا ‪ ،‬فنشأت أجيال تنكرت لدينها ‪،‬‬
‫وتلت عن وطنيتها ‪ ،‬بل زاد الطي بلة ‪ ،‬عندما حاربنا أبناؤنا ف ديننا وف معتقدنا الصحيح ‪،‬‬
‫فأصبحوا يدعون إل تغريب الدين ‪ ،‬وأنه لبد من فصله عن جيع مناحي الياة ‪ ،‬ويدّعون زورا‬
‫وبتانا ‪ ،‬دعاوىً ربا أخرجت الرء عن دينه _ والعياذ بال _ كتحرير الرأة من قيود الشريعة ‪،‬‬
‫واختلط الرجال بالنساء ف العمال ‪ ،‬وقيادة الرأة للسيارة ‪ ،‬وفشو كثي من الكبائر‬
‫والنكرات ‪ ،‬وهجران بيوت ال تعال ‪ ،‬وترك الصلوات إما جزئيا أو كليا ‪ ،‬فالمة اليوم تعيش‬
‫حالة من الفوضى وعدم الستقرار ‪ ،‬بسبب البعد عن الدين ‪ ،‬بل يُحارب الدين من كل حدب‬
‫وصوب ‪ ،‬والمة عمياء صماء بكماء إل ما رحم رب وعصم ‪ ،‬قرآننا يُدنس ‪ ،‬ونبينا _ صلى‬
‫ال عليه وسلم _ يُسب ‪ ،‬ليس من قبل العداء فقط ‪ ،‬بل حت من بعض السلمي ‪ ،‬فنجد من‬
‫يسب الدين ‪ ،‬ويتعرض ل تبارك وتعال بأنواع من العتاب أو اللعن _ والعياذ بال _ فكان‬
‫حتما أن يصل لنا ما نن فيه من ضيق ونكد ‪ ،‬وتعب ونصب ‪ ،‬وتكالب العداء علينا ‪،‬‬
‫ل َقرَْيةً كَانَتْ آ ِمَنةً مّطْ َمئِّنةً‬
‫ض َربَ ال ّلهُ مََث ً‬
‫لنتهاب الثروات ‪ ،‬وتطيم القدرات ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬وَ َ‬
‫خوْفِ بِمَا كَانُواْ‬
‫ع وَالْ َ‬
‫َي ْأتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُك ّل مَكَا ٍن َفكَ َف َرتْ ِبَأنْ ُعمِ ال ّل ِه َفأَذَا َقهَا اللّ ُه لِبَاسَ الْجُو ِ‬
‫‪41‬‬

‫شأْنَا َبعْ َدهَا‬
‫يَصَْنعُونَ } [ النحل ‪ ، ] 112‬وقال تعال ‪ { :‬وَ َك ْم قَصَمْنَا مِن َق ْرَيةٍ كَانَتْ ظَالِ َم ًة َوأَن َ‬
‫َقوْما آ َخرِينَ } [ النبياء ‪. ] 11‬‬
‫ففي ضل هذه الظروف القاسية ‪ ،‬والتكدسات اللأخلقية ‪ ،‬والتدفقات اللدينية ‪ ،‬كان لبد من‬
‫انتشار الظلم ‪ ،‬وسيطرة القهر والرية ‪ ،‬بشكل مريع فظيع ‪ ،‬حت بات السلم ل يأمن على‬
‫نفسه وأهله ‪ ،‬جراء فقدان زمام المن ‪ ،‬وضياع الابل بالنابل ‪ ،‬والتنصل من السؤولية على‬
‫مستوى أفراد الجتمع الواحد ‪ ،‬بدءا بالنل ‪ ،‬ث الدرسة ‪ ،‬والسجد ‪ ،‬إل أكب من ذلك ‪.‬‬
‫فكان لبد مع تفشي هذه النكرات ‪ ،‬وخوفا من وقوع العقوبات من ال عز وجل ‪ ،‬كان لبد‬
‫من وجود رجل يدد للناس إيانم ويذكرهم بال تعال ‪ ،‬ليعودوا إل دينهم ‪ ،‬ويكموا عقولم ‪،‬‬
‫فكان خروج القحطان لجل ذلك ‪ ،‬فهو رجل صال ‪ ،‬يدين له الناس ‪ ،‬ويتبعونه ويطيعونه ‪.‬‬
‫الشرط التاسع ‪:‬‬
‫ظهور نار الجاز ‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ الِ صلى ال عليه وسلم قَالَ ‪ " :‬لَ‬
‫صرَى " [ أخرجه‬
‫ق الِْب ِل بِبُ ْ‬
‫ض الْحِجَا ِز ‪ ،‬تُضِي ُء أَعْنَا َ‬
‫ج نَارٌ ِم ْن أَرْ ِ‬
‫خرُ َ‬
‫َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى تَ ْ‬
‫البخاري ] ‪ ،‬وبُصرى ‪ :‬أرض بالشام ويقال لا حوران ‪ ،‬وقد ظهرت هذه النار ف منتصف‬
‫القرن السابع الجري ف عام ‪ 654‬هـ ‪ ،‬وكانت نارا عظيمة أفاض العلماء من عاصر‬
‫ظهورها ومن بعدهم بوصفها ‪ ،‬قال النووي ‪ " :‬خرجت ف زماننا نار ف الدينة سنة أربع‬
‫وخسي وست مائة وكانت نارا عظيمة جدا من جنب الدينة الشرقي وراء الرة ‪ ،‬وتواتر العلم‬
‫با عند جيع أهل الشام وسائر البلدان وأخبن من حضرها من أهل الدينة " ‪.‬‬
‫ونقل ابن كثي أن غي واحد من العراب من كان باضرة بصرى شاهدوا أعناق البل ف ضوء‬
‫هذه النار الت ظهرت من أرض الجاز ‪ ،‬وذكر القرطب ف التذكرة أن هذه النار رئيت من‬
‫مكة ومن جبال بصرى ‪ ،‬وهذه النار ليست بالنار الت ترج ف آخر الزمان وتشر الناس إل‬
‫الحشر ‪ ،‬بل هي نار قبلها ووقعت وانتهت ‪ ،‬وكانت آية من آيات ال تعال ‪ ،‬وحكمة بالغة منه‬
‫سبحانه ‪ ،‬وتصديقا لا أخب به نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وكان من عجيب أمرها أنه ل يكن لا‬
‫حر ول لفح على عظمها ‪ ،‬فسبحان ال القادر على كل شيء ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫ويصف أبو شامة القدسي هذه النار فيقول ‪ " :‬لا كانت ليلة الربعاء ثالث جادى الخرة سنة‬
‫أربع وخسي وستمائة ‪ ،‬ظهر بالدينة النبوية دوي عظيم ‪ ،‬ث زلزلة عظيمة ‪ ،‬رجت منها الرض‬
‫واليطان والسقوف والخشاب والبواب ‪ ،‬ساعة بعد ساعة ‪ ،‬إل يوم المعة الامس من‬
‫الشهر الذكور ‪ ،‬ث ظهرت نار عظيمة ف الرة قريبة من بن قريظة ‪ ،‬نبصرها من دورنا من‬
‫داخل الدينة كأنا عندنا ‪ ،‬وهي نار عظيمة إشعالا أكثر من ثلث منارات ‪ ،‬وقد سالت أودية‬
‫بالنار إل وادي شظا مسيل الاء ‪ ،‬فلم يسيل ‪ ،‬وال لقد طلعنا جاعةً نبصرها فإذا البال تسي‬
‫نيانا ‪ ،‬وقد سدت الرة طريق الاج العراقي ‪ ،‬فسارت إل أن وصلت إل الرة ‪ ،‬فوقفت‬
‫بعدما أشفقنا أن تئ إلينا ‪ ،‬ورجعت تسيل ف الشرق ‪ ،‬فخرج من وسطها سهود وجبال نيان‬
‫تأكل الجارة ‪ [ " . .‬البداية والنهاية ] ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬فانتهت النار إل قرب الدينة ‪ ،‬ومع ذلك فكان يأت الدينة نسيم‬
‫بارد ‪ ،‬وشوهد لذه النار غليان كغليان البحر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أنا رئيت من مكة ومن جبال بصرى‬
‫" [ الفتح ] ‪.‬‬
‫وقال النووي رحه ال وهو من عاصر خروجها ‪ " :‬تواتر العلم بروج هذه النار عند جيع أهل‬
‫الشام " [ شرح النووي على مسلم ] ‪.‬‬
‫قال أبو شامة ‪ " :‬وقد تاب جيع أهل الدينة ‪ ،‬ول بقي يُسمع فيها رباب ‪ ،‬ول دف ‪ ،‬ول شرب‬
‫‪ ،‬وبات الناس تلك الليلة بي مصل وتال للقرآن ‪ ،‬وراكع وساجد ‪ ،‬وداع إل ال عز وجل ‪،‬‬
‫ومتنصل من ذنوبه ‪ ،‬ومستغفر وتائب ‪ [ " . . .‬البداية والنهاية ] ‪ ،‬فكان لتلك النار العظيمة‬
‫أثر ف النفوس ف ذلك الوقت فرجعوا إل ال تعال ‪ ،‬وأنابوا إليه ‪ ،‬وأقبلوا على طاعته سبحانه ‪،‬‬
‫وتركوا معصيته ‪ ،‬وانزجروا عنها ‪ ،‬فهل لنا ف تلك اليات العظام ‪ ،‬والفت السام عب نعتب‬
‫با ‪ ،‬وقلوبا نعي با ‪ ،‬فكم نشاهد اليوم من آيات ال تعال ف خلقه من معجزات بينات‬
‫ظاهرات واضحات ‪ ،‬وتويف من ال تعال لعباده ليعودوا إليه ويصححوا السار ‪ ،‬ويقلعوا عن‬
‫الذنوب والعاصي ‪ ،‬ومن تلك اليات الت يرسلها ال لعباده ليخوفهم با ‪ ،‬ما نراه من كسوف‬
‫وخسوف للشمس والقمر ‪ ،‬وما نراه من قحط للمطر ‪ ،‬وحدوث الزلزل الدمرة ‪ ،‬والباكي‬
‫الحرقة ‪ ،‬والفيضانات الغرقة ‪ ،‬والعواصف الهلكة ‪ ،‬وما نشاهده من فت وحروب وقتل‬
‫واستيلء وهدم وانتهاك وغي ذلك كثي ‪ ،‬فهذه فت وآيات ليقلع العاصي ‪ ،‬ويتوب الذنب ‪،‬‬
‫‪43‬‬

‫فهل ينتظر الناس إل الدجال فهو شر غائب ينتظر ‪ ،‬نعوذ بال منه ومن فتنته ‪ ،‬فهي أعظم فتنة‬
‫تر بالبشرية ‪ ،‬فلبد من إعلن التوبة الصادقة ‪ ،‬والذر من الخادعة ل ‪ ،‬فال أعظم وأجل أن‬
‫خدَعُو َن ِإلّ أَن ُفسَهُم‬
‫يادعه بشر ضعيف فقي ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬يُخَادِعُونَ ال ّلهَ وَاّلذِينَ آمَنُوا َومَا يَ ْ‬
‫ي يُخَادِعُو َن اللّ َه َوهُ َو خَادِ ُع ُهمْ وَِإذَا‬
‫ش ُعرُو َن } [ البقرة ‪ ، ] 9‬وقال تعال ‪ { :‬إِ ّن الْمُنَا ِفقِ َ‬
‫َومَا َي ْ‬
‫س َولَ َيذْ ُكرُونَ ال ّلهَ ِإ ّل قَلِيلً } [ النساء ‪] 142‬‬
‫ل ِة قَامُواْ ُكسَالَى ُيرَآؤُو َن النّا َ‬
‫قَامُوْا إِلَى الصّ َ‬
‫‪.‬‬
‫الشرط العاشر ‪:‬‬
‫قتال الترك ‪ ،‬فعن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل‬
‫تقوم الساعة حت يقاتل السلمون الترك ‪ ،‬قوما وجوههم كالَجانّ الطرقة ‪ ،‬يلبسون الشعر ‪،‬‬
‫ويشون ف الشعر " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫واختلف العلماء ف الترك إل عدة أقوال ‪:‬‬
‫‪ -1‬أنم من نسل يافث بن نوح ‪ ،‬الذي من نسله يأجوج ومأجوج ‪ ،‬فهم أبناء عمهم ‪ ،‬لن ذو‬
‫القرني لا بن السد على يأجوج ومأجوج كان بعضهم غائبا فلم يدخلوا مع قومهم فسموا‬
‫الترك ‪.‬‬
‫‪ -2‬أنم من بن قنطوراء ‪ ،‬وهي جارية لبراهيم عليه السلم ‪ ،‬ولدت له أولدا ‪ ،‬جاء من‬
‫نسلهم الترك والصي ‪.‬‬
‫‪ -3‬أنم من نسل تُبّع ‪.‬‬
‫‪ -4‬أنم من نسل أفريدون بن سام بن نوح عليه السلم ‪.‬‬
‫وبلدهم يقال لا تركستان ‪ ،‬وهي ما بي مشارق خراسان إل مغارب الصي وشال الند إل‬
‫أقصى العمورة ‪.‬‬
‫وشبه النب صلى ال عليه وسلم وجوههم بالجان الطرقة ‪ :‬وهي التروس الت ركب بعضها‬
‫فوق بعض ‪ ،‬فأصبحت طاقا واحدا ‪ ،‬ومعن يلبسون الشعر ويشون ف الشعر ‪ :‬أنم يصنعون‬
‫من الشعر ثيابا ونعالً وحبا ًل ‪ ،‬لن أرضهم باردة جدا وكثية الثلج ‪ ،‬فهم يصنعون ذلك من‬

‫‪44‬‬

‫جلود الذئاب ‪ ،‬وكلب الاء ‪ ،‬وهي ذات شعر كما هو معروف ‪ [ .‬التذكرة للقرطب‬
‫‪. ] 306‬‬
‫وقد قاتل السلمون الترك من عصر الصحابة رضي ال عنهم وذلك ف أول خلفة بن أميه ف‬
‫عهد معاوية رضي ال عنه ‪ ،‬وكذلك بعد السنة الستمائة لا أسعرت الدنيا نارا خصوصا الشرق‬
‫بأسره ‪ ،‬حت ل يبق بلد منه إل دخله شرهم ‪ ،‬ث كان خراب بغداد وقتل الليفة العتصم ‪،‬‬
‫يقول النووي رحه ال ‪ " :‬قد وجد قتال هؤلء الترك بميع صفاتم الت ذكرها النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬صغار العي ‪ ،‬حر الوجوه ‪ ،‬ذلف النوف ‪ ،‬عراض الوجوه ‪ ،‬كأن وجوههم‬
‫الجان الطرقة ‪ ،‬ينتعلون الشعر ‪ ،‬فوجدوا بذه الصفات كلها ف زماننا ‪ ،‬وقاتلهم السلمون‬
‫مرات " ‪.‬‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪ " :‬إِ ّن ُأمّتِي َيسُوقُهَا َقوْمٌ‬
‫وقد حدثت تلك العارك حت قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫ث ِمرَارٍ ـ‬
‫صغَا ُر اْلأَعُْينِ ‪َ ،‬كأَ ّن وُجُو َه ُهمُ الْحَجَفُ ( يعن ‪ :‬الترس ) ـ ثَلَا َ‬
‫ض اَلوْجُوهِ ‪ِ ،‬‬
‫ِعرَا ُ‬
‫ب مِ ْن ُهمْ ‪َ ،‬وَأمّا الثّانَِيةُ فََيهْ ِلكُ‬
‫ب ‪َ ،‬أمّا السّابِ َق ُة الْأُولَى فَيَنْجُو مَ ْن َهرَ َ‬
‫جزِي َرةِ اْل َعرَ ِ‬
‫حقُو ُهمْ بِ َ‬
‫حَتّى يُ ْل ِ‬
‫ض ‪ ،‬وََأمّا الثّالِثَ ُة فَيُصْطَلمُونَ كُ ّل ُه ْم َمنْ َب ِقيَ مِ ْن ُه ْم " قَالُوا يَا نَِب ّي اللّ ِه َمنْ ُهمْ ؟‬
‫ض وَيَنْجُو َبعْ ٌ‬
‫َبعْ ٌ‬
‫قَالَ ‪ُ " :‬همُ الّترْ ُك " قَا َل ‪َ " :‬أمَا وَالّذِي َنفْسِي بَِي ِد ِه لََي ْربِطُ ّن خُيُوَل ُهمْ ِإلَى َسوَارِي َمسَا ِجدِ‬
‫ك ‪ ،‬لِ ْلهَ َربِ مِمّا‬
‫سفَ ِر وَاْلَأسْقَِي ُة بَ ْع َد َذلِ َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ي " وَكَانَ ُب َرْي َدةُ لَا يُفَا ِر ُقهُ َبعِيَا ِن أَ ْو ثَلَاثَ ٌة َومَتَا ُ‬
‫الْ ُمسْلِ ِم َ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪ِ ،‬م َن الْبَلَا ِء ِمنْ ُأ َمرَا ِء الّترْ ِك " [ أخرجه أحد بإسناد‬
‫سَمِعَ مِ َن النِّبيّ َ‬
‫صحيح ] ‪ ،‬ومعن يصطلمون ‪ :‬يعن الستئصال ‪ ،‬أي يصدون السلمي ‪.‬‬
‫وكان مشهورا ف زمن الصحابة رضي ال عنهم حديث ‪ " :‬اتركوا الترك ما تركوكم "‬
‫[ أخرجه أبو داود واختلف العلماء ف صحته من عدمها ‪ ،‬ولكن أقل ما يقال فيه إنه حسن‬
‫وال أعلم كما قاله بعض الحدثي ] ‪.‬‬
‫فاشتد بأس الترك على السلمي ‪ ،‬فوقع قتالم ف أول خلفة بن أمية ‪ ،‬ووقع قتالم ف عصر ابن‬
‫تيمية رحه ال تعال ‪ ،‬ففي سنة خسمائة خرج الغزّ من التتار ‪ ،‬فخربوا البلد ‪ ،‬وفتكوا بالعباد ‪،‬‬
‫ث كان خروج جنكز خان بعد الائة السادسة ‪ ،‬فكانت فتنته عظيمة ‪ ،‬خصوصا بالشرق ‪ ،‬حت‬
‫ل يبق بلد إل دخله ‪ ،‬وخربت بغداد وقُتل الستعصم وكان ذلك ف سنة ستمائة وست وخسي‬
‫للهجرة ‪ ،‬وظهر هولكو ‪ ،‬فعاث ف الرض الفساد ‪ ،‬وقتل السلمي والعلماء والفضلء ف‬
‫‪45‬‬

‫بغداد حت سالت ميازيب النازل بدماء الشهداء ‪ ،‬وظهر اللنك ومعناه العرج وسامه تَمّر ‪،‬‬
‫وعاث ف بلد الشام الفساد حت حرق دمشق وصارت على عروشها ‪ ،‬ودخل الروم والند‬
‫وما بي ذلك ‪ ،‬وطالت مدته حت أخذه ال تعال ‪.‬‬
‫إل أن خرج إليهم القائد البطل اللك الظفر اللقب بقطز ‪ ،‬فخرج بميع عساكره ‪ ،‬حت التقى‬
‫بالترك ف عي جالوت ‪ ،‬فهزمهم شر هزية ‪.‬‬
‫ث دخل كثي من الترك ف السلم ‪ ،‬نتيجة احتكاكهم بالسلمي ‪ ،‬وتأثرهم بسلوكهم وأخلقهم‬
‫النبيلة ‪ ،‬فحسن إسلمهم ‪ ،‬وقد ظهر على أيديهم خي كثي للسلم والسلمي ‪ ،‬وحصل ف‬
‫عهدهم كثي من الفتوحات العظيمة ‪ ،‬ومنها ‪ :‬فتح القسطنطينية عاصمة الروم ‪ ،‬وذاك الفتح‬
‫تهيدا للفتح العظيم الذي سيكون آخر الزمان قبل ظهور الدجال ‪.‬‬
‫لكن تركيا اليوم تتلف كثيا عنها قديا ‪ ،‬فاليوم هي بلد الباحية الطلقة ‪ ،‬والكفر البواح ‪ ،‬بل‬
‫هي الدولة العلمانية الول على مستوى الكرة الرضية ‪ ،‬فعاقبهم ال عقابا أليما ‪ ،‬فهذه‬
‫الصورة تثل جزءا من عدل ال وسطوته بعباده إذا طغوا وبغوا ‪ ،‬وعاثوا ف الرض الفساد ‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫زلزال رهيب يضرب منطقة من الناطق التركية الت تقام فيها الباحية ‪ ،‬وياربون ال فيها عيانا‬
‫بيانا ‪ ،‬كيف دك ال القصور العالية الشامة ‪ ،‬فأصبحت مساوية للرض ف مستواها وانفاضها‬
‫‪.‬‬
‫إنا آية من آيات ال ف هذا العصر ‪ ،‬ولو تدبرناها لرعنا إل ال خاشعي متضرعي تائبي ‪،‬‬
‫انظروا كيف تدك القرية بأسرها فيسوي ال العمائر بالرض ‪ ،‬وخاصة حول السجد ‪ ،‬فل مبن‬
‫يستقر إل السجد ‪ ،‬وعمارة بانب السجد مقابلة له ل يسها سوء ‪ ،‬ومؤخرة العمارة وجانبيها‬
‫تساقطت ‪ ،‬لن العمارة هذه لو وقعت لدكت التوسعة خلف السجد ‪ ،‬ولو تأمل التبصر ‪،‬‬
‫وأمعن النظر ‪ ،‬لرأى النارة الت هي انل وانف وأقل أساسا من أي مبن آخر ‪ ،‬وهي ثابتة‬
‫شامة ‪ ،‬فلو توقع التوقعون وخن الخمنون لتوقعوا وظنوا إن حل زلزال أن تكون مأذنة السجد‬
‫أول شيء يسقط ‪ ،‬ولكن ل ف تدمي قرية وإبقاء شعار القرية الدين السلمي حكمة بالغة ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫قال تعال ‪َ { :‬ولَ ْو أَ ّن أَ ْه َل الْ ُقرَى آمَنُوْا وَاّتقَوْا َلفَتَحْنَا عَلَ ْيهِم بَرَكَاتٍ ّم َن السّمَاءِ وَالَرْضِ‬
‫َولَـكِن َك ّذبُوْا َفأَ َخذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَ ْكسِبُونَ * َأفََأ ِمنَ َأ ْهلُ اْل ُقرَى أَن َي ْأتِيَ ُه ْم بَ ْأسُنَا بَيَاتا َوهُمْ‬
‫ضحًى َو ُهمْ يَ ْلعَبُونَ * َأ َفأَمِنُواْ َم ْكرَ ال ّلهِ فَلَ يَ ْأ َمنُ‬
‫نَآئِمُونَ * أَ َو َأ ِمنَ َأ ْهلُ اْلقُرَى أَن َيأْتَِي ُهمْ َب ْأسُنَا ُ‬
‫َم ْكرَ ال ّلهِ ِإلّ اْل َقوْ ُم الْخَا ِسرُونَ } [ العراف ‪. ] 99-97‬‬
‫فهذه الصورة والت قبلها ‪ ،‬تبي مدى الدمار الذي خلفه الزلزال الذي ضرب تركيا عندما ترد‬
‫أحفاد من حفظوا دولة السلم قرونا من الزمن ‪ ،‬فأعلنوا الرب على ال ‪ ،‬أعلنوها صرية‬
‫مدوية ‪ ،‬وتباهوا بوالة أعداء ال من اليهود والنصارى ‪ ،‬متهكمي بذلك ‪ ،‬فرحي به‬
‫مستبشرين ‪ ،‬بل ومستسخرين بدين ال ‪ ،‬وله ماربي ‪ ،‬مارقي من الدين خارجي عن حوزته ‪.‬‬
‫عن أب موسى رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن ال ليملي للظال‬
‫حت إذا أخذه ل يفلته " قال ‪ :‬ث قرأ ‪ " :‬وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالة إن أخذه‬
‫أليم شديد ( هود ‪ [ " ) 102‬متفق عليه ] ‪.‬‬
‫لقد أعلن التراك الرب على ال يوم ظهرت امرأة جلسة البلان الت فازت با بجابا وبل‬
‫نقاب فمنعت ‪ ،‬وفصلت ‪ ،‬وأوذيت ‪ ،‬ث أبعدت إل تكساس بأمريكا حيث والدها إمام لسجد‬
‫فيها ‪.‬‬
‫لقد أعلن التراك الرب على ال ‪ ،‬يوم أن أيدوا حكومتهم الكافرة ف إبادة وتصفية ومنع‬
‫الزب السلمي من العمل على ما فيه من التساهل واللي لتعاليم الدين النيفة ‪ ،‬لقد أعلنوا‬
‫الرب على ال يوم أن أيدوا حكومتهم ف سلسلة من القواني الائرة والت منها ‪ :‬فصل أي‬

‫‪48‬‬

‫موظف حكومي أو جندي يؤدي الصلة علنا وتعريضه للسجن حسب وظيفته أو رتبته ‪ ،‬فأداء‬
‫الصلة عندهم جرية ‪ ،‬ولربا صح الب ‪ ،‬فالعهدة على الراوي وال أعلم ‪.‬‬
‫ولقد أعلنوا الرب على ال يوم أن منعوا الجاب ‪ ،‬فأي موظف حكومي تتحجب زوجته فإنه‬
‫يفصل ويسجن ‪ ،‬نعم هذه هي الكومة الت ابتعدت عن ال تعال ‪ ،‬وأصبحت ف غابة يأكل‬
‫فيها القوي الضعيف ‪ ،‬أصبحت تلك الدولة العلمانية الحاربة ل ولرسوله وللمؤمني بوقا‬
‫للدولة الصهيونية الغتصبة ‪ ،‬ومكبا للفعال الوجاء ‪ ،‬والراء الرقاء الت تنتهجها الدولة‬
‫الصليبية العتدية ‪ ،‬فل غرابة أن يكون النتقام من البار سبحانه بذه الثابة ‪ ،‬وما ربك بظلم‬
‫للعبيد ‪ ،‬يقول ال تعال ‪ " :‬إن ال ل يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون " [ يونس‬
‫‪. ] 44‬‬
‫ث أصدرت الكومة التركية قرارا بنع تدريس الادة الدينية ف الدارس والعاهد تلبية لرغبة‬
‫أسيادها الدولة اليهودية الدللة ‪ ،‬ومدمرة البشرية أمريكا ‪.‬‬
‫ولقد صدرت القرارات بنع حلقات تفيظ القرآن من مساجد تركيا بأسرها ‪.‬‬
‫فكيف تريد دولة تارب ال ورسوله العز والرفعة ف الدنيا والخرة ‪ ،‬بل هو الذل والوان ‪،‬‬
‫وتغي الوضاع ‪ ،‬وانتكاس الطباع ‪ ،‬فكم تعرضت هذه الدولة للزلزل والحن ‪ ،‬قال تعال ‪:‬‬
‫ك ِإذَا َأ َخذَ اْلقُرَى َوهِيَ ظَالِ َمةٌ إِ ّن َأ ْخ َذهُ َألِيمٌ َشدِي ٌد } [ هود ‪، ] 102‬‬
‫ك أَ ْخذُ َربّ َ‬
‫{ وَ َك َذلِ َ‬
‫ي بَِبعِيدٍ } [ هود ‪. ] 83‬‬
‫ك وَمَا هِ َي ِمنَ الظّالِمِ َ‬
‫ويقول سبحانه وتعال ‪ّ { :‬مسَ ّومَةً عِندَ َرّب َ‬
‫واليوم نرى الدول السلمية تسقط الدولة تلو الخرى ‪ ،‬ف خضم البعد عن دين ال تعال ‪،‬‬
‫والتنصل منه ‪ ،‬والتبء من بعض أحكامه ‪ ،‬وتكيم القواني الوضعية ‪ ،‬والدساتي الكفرية ‪ ،‬ف‬
‫مقابل إزاحة ما يكن إزاحته من أحكام الكتاب العزيز ‪ ،‬والسنة النبوية الطهرة ‪ ،‬نسأل ال‬
‫السلمة والعافية ‪ ،‬المة اليوم تعان ويلت وتبعات البعد عن ال تعال ‪ ،‬وعن تعاليم دينه ‪ ،‬ونبذ‬
‫سنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬الت علليها العول ف استنباط الحكام الشرعية ‪ ،‬بعد كتاب‬
‫جدُواْ‬
‫جرَ بَيَْنهُ ْم ُثمّ َل يَ ِ‬
‫حكّمُو َك فِيمَا شَ َ‬
‫ل وَ َرّبكَ َل ُيؤْمِنُو َن حَتّ َى يُ َ‬
‫ال العزيز ‪ ،‬قال تعال ‪ { :‬فَ َ‬
‫ت َوُيسَلّمُواْ َتسْلِيما } [ النساء ‪. ] 65‬‬
‫سهِ ْم َحرَجا مّمّا قَضَيْ َ‬
‫فِي أَن ُف ِ‬
‫الشرط الادي عشر ‪:‬‬
‫‪49‬‬

‫قتال العجم ‪ ،‬والعجم غي الترك الذين ذكرناهم قبل قليل ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ رَضِي اللّه عَنْه ‪ :‬أَنّ‬
‫النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَ َكرْمَا َن ِمنَ اْلأَعَا ِجمِ ‪،‬‬
‫صغَارَ اْلأَعُْينِ ‪ ،‬كأن وُجُوهَ َهمُ الْ َمجَانّ الْمُ ْط َر َق ُة ‪ِ ،‬نعَاُلهُ ُم الشّ َعرُ "‬
‫س اْلأُنُوفِ ‪ِ ،‬‬
‫حُ ْم َر الْ ُوجُو ِه ‪ ،‬فُطْ َ‬
‫[ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬خُوز ‪ :‬بلد خوزستان ‪ ،‬وكَرمان ‪ :‬وهي بلد واسعة ‪ ،‬ذات قرى ومدن‬
‫‪ ،‬يدها من الغرب بلد فارس ‪ ،‬ومن الشمال خراسان ‪ ،‬وجنوبا بر فارس ‪ ،‬وأهلها أهل سنة‬
‫وجاعة ‪ ،‬وخي وصلح ‪ ،‬وذلك بعد فتح السلمي لا ‪.‬‬
‫وورد قتالم ف قول النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬يوشك أن يكثر فيكم من العجم أسدا ل‬
‫يفرون ‪ ،‬فيقتلون مقاتلتكم ‪ ،‬ويأكلون فيئكم " [ أخرجه الطبان ورجاله رجال الصحيح ] ‪.‬‬
‫فقتالم من أشراط الساعة ‪.‬‬
‫الشرط الثان عشر ‪:‬‬
‫ث الْ َقوْمَ‬
‫حدّ ُ‬
‫س يُ َ‬
‫ضياع المانة ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ قَالَ ‪ :‬بَيْنَمَا النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم فِي مَجْ ِل ٍ‬
‫ح ّدثُ ‪َ ،‬فقَالَ‬
‫جَا َء ُه أَ ْعرَاِبيّ َفقَالَ ‪ :‬مَتَى السّا َعةُ ؟ فَمَضَى َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم يُ َ‬
‫ض ُهمْ ‪َ :‬ب ْل َلمْ َيسْ َم ْع ‪ ،‬حَتّى ِإذَا قَضَى َحدِيَثهُ‬
‫ض الْ َقوْ ِم ‪ :‬سَمِ َع مَا قَالَ ‪ ،‬فَ َك ِرهَ مَا قَا َل ‪َ ،‬وقَالَ بَعْ ُ‬
‫َبعْ ُ‬
‫ت اْلَأمَاَنةُ‬
‫قَالَ ‪َ " :‬أْينَ أُرَا ُه السّاِئلُ َعنِ السّا َعةِ " قَالَ ‪ :‬هَا أَنَا يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪ ،‬قَالَ ‪َ " :‬فِإذَا ضُّيعَ ِ‬
‫ف إِضَاعَُتهَا ؟ قَا َل ‪ِ " :‬إذَا وُ ّس َد الَْأ ْمرُ ِإلَى َغ ْيرِ َأهْ ِلهِ فَانْتَ ِظرِ السّا َعةَ " [‬
‫فَانْتَ ِظرِ السّا َعةَ " قَالَ ‪َ :‬كيْ َ‬
‫أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫ث بي النب صلى ال عليه وسلم كيف ترفع المانة ‪ ،‬عن ُحذَْي َفةُ قَالَ ‪َ :‬ح ّدثَنَا َرسُو ُل اللّهِ صَلّى‬
‫ت فِي َجذْرِ‬
‫ت َأ َحدَهُمَا وََأنَا َأنْتَ ِظ ُر الْآ َخرَ ‪َ ،‬حدّثَنَا ‪ " :‬أَ ّن الَْأمَاَنةَ َن َزلَ ْ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ حَدِيثَ ْينِ َرأَيْ ُ‬
‫قُلُوبِ الرّجَا ِل ‪ُ ،‬ثمّ عَلِمُوا مِ َن اْلقُرْآ ِن ‪ُ ،‬ثمّ عَ ِلمُوا ِمنَ السّّنةِ ‪َ ،‬و َحدّثَنَا َعنْ َر ْف ِعهَا قَا َل ‪ " :‬يَنَامُ‬
‫ت ـ النقطة ـ ُث ّم يَنَا ُم النّ ْو َمةَ‬
‫ض الَْأمَاَنةُ مِ ْن قَلِْب ِه ‪ ،‬فَيَ َظ ّل أََث ُرهَا مِ ْثلَ أََث ِر الْوَكْ ِ‬
‫الرّ ُجلُ الّن ْومَ َة فَُتقْبَ ُ‬
‫ط فََترَاهُ مُنْتَِبرًا‬
‫ك فََنفِ َ‬
‫ج ْمرٍ َد ْحرَجَْتهُ عَلَى ِرجْلِ َ‬
‫ج ِل ـ البثرة ـ كَ َ‬
‫ض فَيَ ْبقَى َأَثرُهَا مِ ْثلَ الْمَ ْ‬
‫فَُتقْبَ ُ‬
‫ح النّاسُ يَتَبَاَيعُو َن ‪ ،‬فَلَا يَكَادُ َأ َحدٌ ُي َؤدّي اْلأَمَانَ َة ‪ ،‬فَُيقَا ُل ‪ :‬إِ ّن فِي بَنِي فُلَانٍ‬
‫س فِيهِ َشيْ ٌء ‪ ،‬فَيُصْبِ ُ‬
‫َولَيْ َ‬
‫َرجُلًا َأمِينًا ‪َ ،‬ويُقَالُ لِل ّرجُ ِل مَا أَ ْعقَ َل ُه َومَا أَ ْظ َر َفهُ َومَا َأجْ َل َدهُ َومَا فِي قَلِْب ِه مِ ْثقَا ُل حَّبةِ َخ ْردَ ٍل ِمنْ‬
‫ت لَِئنْ كَا َن ُمسْلِمًا َر ّدهُ عَ َليّ اْلإِسْلَا ُم ‪َ ،‬وإِنْ كَانَ‬
‫إِيَا ٍن ‪َ ،‬ولَ َق ْد أَتَى عَ َليّ َزمَانٌ َومَا ُأبَالِي أَّي ُكمْ بَايَعْ ُ‬
‫‪50‬‬

‫ت ُأبَايِ ُع ِإلّا فُلَانًا َوفُلَانًا " [ أخرجه البخاري ومسلم‬
‫صرَانِيّا َر ّدهُ عَ َل ّي سَاعِي ِه ‪َ ،‬فَأمّا الْيَوْ َم َفمَا ُكنْ ُ‬
‫نَ ْ‬
‫]‪.‬‬
‫الديث يدل على أن المانة سترفع من القلوب ‪ ،‬حت يصي الرجل خائنا بعد أن كان أمينا ‪،‬‬
‫وهذا إنا يقع ‪ ،‬إذا ذهبت خشية ال من القلوب ‪ ،‬وضعف اليان ف النفوس ‪ ،‬وخالطة اليانة‬
‫شغاف الفئدة ‪ ،‬إرضا ًء للهوى والشيطان ‪ ،‬وتذللً للسلطان ‪.‬‬
‫فبذلك تضيع حقوق الناس ‪ ،‬وتصل العداوة والبغضاء ‪ ،‬وتقع الكراهية والشحناء ‪ ،‬وتل‬
‫القلوب حقدا وحسدا ‪ ،‬وتثار الفت ‪ ،‬وتصل الحن ‪ ،‬وتتغي الحوال ‪ ،‬وتضيع الموال ‪،‬‬
‫وتنتكس الطباع ‪ ،‬وتتبدل الوضاع ‪.‬‬
‫أل وإن إسناد المر لغي أهله لو دليل على عدم اكتراث الناس بدينهم ‪ ،‬وعدم طاعتهم لربم ‪،‬‬
‫ومعصيتهم لنبيهم ‪ ،‬وخروجهم على علمائهم ‪ ،‬وكل ذلك يصب ف قالب وقوع أشراط الساعة‬
‫واقترابا ‪.‬‬
‫فالمانة فضيلة عظيمة ‪ ،‬وخلق كري ‪ ،‬وسجية طيبة ‪ ،‬ل يعرفها إل الرجال الكفاء ‪ ،‬والنخبة‬
‫الصفياء ‪ ،‬فهي عملة نادرة ‪ ،‬ل سيما ف عصر طغت عليه الشكليات والظاهر الباقة ‪،‬‬
‫والشكال الباقة ‪ ،‬ولقد أمر ال بأداء المانة وحذر من التفريط فيها ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا ل تونوا ال والرسول وتونوا أماناتكم وانتم تعلمون " ‪ ،‬وقال تعال ‪ " :‬إنا عرضنا‬
‫المانة على السموات والرض والبال فأبي أن يملنها وأشفقن منها وحلها النسان إنه كان‬
‫ظلوما جهولً " ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ‪[ " . .‬‬
‫متفق عليه ] ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل إيان لن ل أمانة له ‪ ،‬ول دين لن ل عهد له‬
‫" [ أخرجه أحد بإسناد جيد ‪ ،‬وهو حديث صحيح برقم ‪. ] 135‬‬
‫ل عن بعض الفسرين أن المانة ف القرآن الكري على ثلثة أوجه ‪ :‬أحدها‬
‫ذكر أبن الوزي نق ً‬
‫‪ :‬الفرائض ‪ ،‬ومنه قوله تعال ‪ " :‬يا أيها الذين أمنوا ل تونوا ال والرسول وتونوا أماناتكم " ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬الوديعة ‪ ،‬ومنه قوله تعال ‪ " :‬إن ال يأمركم أن تؤدوا المانات إل أهلها " ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬العفة والصيانة ومنه قوله تعال ‪ " :‬إن خي من استأجرت القوي المي " ‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬السلم من سلم السلمون من لسانه ويده ‪ ،‬والؤمن من أمنه الناس‬
‫على دمائهم وأموالم " ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من استعملناه منكم على عمل ‪،‬‬
‫‪51‬‬

‫فكتمنا ميطا من فوقة ‪ ،‬كان غلولً يأت به يوم القيامة " [ رواه مسلم ] وهذا حديث عظيم‬
‫يدل على عظم المانة وتري التفريط فيها ‪.‬‬
‫إذا من معان المانة أن يرص النسان على أداء واجبه كاملً ف العمل الذي يوجه له وأن‬
‫يستنفد جهده ف تكميله وتسينة وأن يفي بميع ما أسند إليه من عمل ‪.‬‬
‫ومن المانة أن ل يستغل النسان منصبه الذي عي فيه لر منفعة له أو إل قريبه أو تناول‬
‫رشوة باسم الدية أو الجاملة فكل ذلك حرام ‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من ول من أمر السلمي شيئا فأمّر عليه أحدا ماباة فعلية لعنة ال‬
‫ل يقبل ال منه صرفا ول عدلً حت يدخله جهنم " [ رواه الاكم ] ‪ ،‬وقال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬أيا رجل استعمل رجلً على عشرة أنفس علم أن ف العشرة أفضل من استعمل فقد‬
‫غش ال ورسوله وغش جاعة السلمي " ‪ ،‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ما من إمام يغلق بابه‬
‫دون ذوي الاجة والَلّة والسكنة إل أغلق ال أبواب السماء دونه خلته وحاجته ومسكنته " ‪،‬‬
‫ويشهد له قوله صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من وله ال عز وجل شيئا من أمر السلمي ‪،‬‬
‫فاحتجب دونه حاجتهم وخلتهم وفقرهم ‪ ،‬احتجب ال عنه دون حاجته وخلته وفقره "‬
‫[ السلسة الصحيحة ‪]629‬‬
‫ومن مظاهر تضييع المانة ‪:‬‬
‫التفريط ف تربية البناء ‪ ،‬حت يرج منهم السارق ‪ ،‬وقاطع الطريق ‪ ،‬وشارب الدخان ‪ ،‬ومتعاط‬
‫الخدرات ‪ ،‬والمثل ‪ ،‬والطرب ‪ ،‬ومرتكب الكبية ‪ ،‬وفاعل الريرة ‪ ،‬وتارك الصلة ‪ ،‬والفرط‬
‫ف حق ربه وحق نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬والعاق لوالديه ‪ ،‬كل ذلك بسبب التفريط ف أمانة‬
‫الرعاية الصحيحة السليمة ف التربية السلمية ‪ ،‬والتنشئة الدينية ‪.‬‬
‫الهال ف القوامة على النساء ‪ ،‬فمن الرجال من يترك نساءه ومارمه على أي حال كنّ ‪ ،‬بل‬
‫تأديب ول زجر ‪ ،‬ول تعنيف إذا احتاج المر لذلك ‪ ،‬فكم من النساء اللت يرجن من بيوتن‬
‫متبجات متزينات متعطرات ‪ ،‬يفت السلمي ‪ ،‬ويسئن للدين ‪ ،‬والزوج والول كالشاة الت‬
‫تنقاد مع الراعي ‪.‬‬
‫والعلم ف مدرسته ‪ ،‬ل يؤدي عمله كما يب ‪ ،‬بل هناك من العلمي من ل يدخل الصة إل‬
‫بعد خس دقائق أو أكثر من بدايتها ‪ ،‬وهناك من يرج قبل ناية الوقت بثل ذلك أيضا ‪ ،‬وهناك‬
‫‪52‬‬

‫من ل يؤدي حصته كما ينبغي ‪ ،‬فتراه مشغو ًل باتفه الوال تارة ‪ ،‬وبمازحة زميله تارة ‪،‬‬
‫وبالروج من الصة دون سبب تارة أخرى ‪ ،‬وهناك من ل يشرح الدرس بأمانة وخوف من ال‬
‫‪ ،‬ولكن إذا جاءه زائر من مشرف أو مدير رأيته يستنفد جيع الطاقات والمم ‪ ،‬ويستخدم‬
‫الوسائل ‪ ،‬والطباشي اللونة ‪ ،‬وتنتهي الصة وقد ينقل إل الوحدة الصحية ‪ ،‬وهناك من ييز بي‬
‫طالب وآخر ‪ ،‬إما لقرابة ‪ ،‬أو ماباة من أجل مصلحة يرجوها عند ول أمر الطالب ‪ ،‬وإما للق‬
‫الطالب وشكله ومظهره ‪ ،‬فيقم هذا ويؤخر ذاك ‪ ،‬ويتغاضى عن أخطاء طالب ‪ ،‬ويشدد على‬
‫آخر ‪ ،‬فينجح من ل يستحق النجاح ‪ ،‬ويرسب من هو أهل له ‪ ،‬أليس ذلك تفريط ف المانة ‪،‬‬
‫ويكون الال من حرام ‪.‬‬
‫والعامل ف عمله تراه يسرق وينهب ويغش السلمي ‪ ،‬ويتآمر مع آخرين للغدر بصاحب العمل‬
‫‪.‬‬
‫والوظف ف وظيفته تراه يؤخر معاملت السلمي من أجل أن يشرب كأسا من الشاي ‪ ،‬أو‬
‫يتحدث مع زميل ف هاتف أو جوال أو عب شباك ‪ ،‬ومنهم من ل يؤدي وظيفته على الوجه‬
‫الطلوب ‪ ،‬فيتأخر ويغيب بدون عذر ول سبب ‪.‬‬
‫وهكذا فمظاهر التفريط ف المانة ل يكن حصره ‪ ،‬وفيما ذكرت ذكرى للذاكرين ‪ ،‬وعبة‬
‫للمعتبين ‪.‬‬
‫وهنا ثة أمر مهم جدا أل وهو إسناد المور لهلها ‪ ،‬فل يوز إسناد عمل إل لن هو أهل‬
‫لمل أمانة عمله ‪ ،‬ول يُعطى منصب إل لن هو جدير به ‪ ،‬فل بد من وضع المور ف نصابا ‪،‬‬
‫فل يوضع إنسان ف مكان هناك من هو أحق به منه ‪ ،‬إما ماباة لقريب ‪ ،‬أو من أجل تصيل‬
‫مصلحة دنيوية دنيئة ‪ ،‬أو من أجل ماملت كاذبة ‪ ،‬فكل ذلك حرام ل يوز ‪ ،‬وهذا من صميم‬
‫التفريط ف المانة ‪.‬‬
‫الشرط الثالث عشر ‪:‬‬
‫قبض العلم وظهور الهل ‪َ ،‬ع ْن َأنَسِ ْب ِن مَاِلكٍ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪" :‬‬
‫ب الْخَ ْم ُر َويَ ْظهَ َر الزّنَا " [ رواه‬
‫شرَ َ‬
‫ج ْه ُل وَُي ْ‬
‫ت الْ َ‬
‫إِ ّن ِم ْن أَ ْشرَاطِ السّا َعةِ أَ ْن ُي ْرفَ َع الْعِ ْلمُ وَيَثْبُ َ‬
‫ت مَعَ َع ْبدِال ّلهِ َوَأبِي مُوسَى َفقَالَا ‪ :‬قَا َل ‪ :‬النّبِيّ صَلّى‬
‫البخاري ومسلم ] ‪َ ،‬ع ْن َشقِيقٍ قَالَ ‪ :‬كُنْ ُ‬
‫‪53‬‬

‫ج ْهلُ َوُيرْفَ ُع فِيهَا الْعِ ْلمُ وََيكُْثرُ فِيهَا‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬إِنّ بَ ْي َن َيدَيِ السّا َعةِ َلَأيّامًا يَ ْن ِزلُ فِيهَا الْ َ‬
‫ج الْقَ ْت ُل " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ ،‬وقبض العلم بقبض العلماء ‪ ،‬قال الذهب‬
‫اْل َهرْجُ وَالْ َهرْ ُ‬
‫ل ‪ ،‬وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إل القليل ‪ ،‬ف‬
‫رحه ال ‪" :‬وما أوتوا من العلم إل قلي ً‬
‫أناس قليل ‪ ،‬ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا ال ونعم الوكيل" ‪.‬‬
‫وهذا ف زمان الذهب رحه ال فما بالك بزماننا هذا ؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد النبوة قل‬
‫العلم وكثر الهل ول يزال يقبض العلم حت ل يعرف من السلم إل اسه ‪ .‬وكما قال‬
‫العلماء ‪ ،‬فإن قبض العلم ل يكون بقبضه من صدور العلماء ‪ ،‬وإنا بقبض العلماء ‪َ ،‬عنْ عَ ْبدِال ّلهِ‬
‫ص قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َيقُولُ ‪ " :‬إِ ّن ال ّلهَ لَا َيقْبِضُ‬
‫ْبنِ عَ ْمرِو ْبنِ اْلعَا ِ‬
‫خذَ‬
‫ض الْعِ ْل َم ِبقَبْضِ اْلعُلَمَا ِء حَتّى ِإذَا َل ْم يُ ْبقِ عَالِمًا اتّ َ‬
‫اْلعِلْ َم انِْتزَاعًا يَنَْتزِ ُع ُه ِمنَ اْلعِبَا ِد وََل ِكنْ َيقْبِ ُ‬
‫النّاسُ ُرءُوسًا جُهّالًا َفسُئِلُوا َفَأفْتَوْا ِبغَيْرِ عِ ْل ٍم فَضَلّوا َوأَضَلّوا " [ متفق عليه اللفظ للبخاري ] ‪.‬‬
‫قال النووي رحه ال ‪" :‬هذا الديث يبي أن الراد بقبض العلم ف الحاديث السابقة الطلقة‬
‫ليس هو موه من صدور حفاظه ولكن معناه أن يوت حلته ويتخذ الناس جها ًل يكمون‬
‫بهالتهم فيضلون ويضلون" ‪ ،‬والراد بالعلم ف هذه الحاديث هو علم الكتاب والسنة ‪ ،‬العلم‬
‫الشرعي الوروث عن النبياء عليهم الصلة والسلم ‪ ،‬لن العلماء ورثة النبياء ‪ ،‬فبذهاب‬
‫العلماء يذهب العلم ‪ ،‬وتوت السنن ‪ ،‬وتندرس أهم شعائر الدين ‪ ،‬وتنتشر البدعة ‪ ،‬وتقوى‬
‫شوكة الهل ‪ ،‬أما علوم الدنيا فإنا من فروض الكفاية ‪ ،‬وليست مقصودة من الحاديث وال‬
‫أعلم ‪.‬‬
‫فعلى السلم أن يسعى جاهدا من أجل تصيل العلم الشرعي الذي يرفعه ال به يوم القيام‬
‫درجات ‪ ،‬بل حت ف الدنيا ‪ ،‬فصاحب العلم يتسنم مكانة رفيعة بي الناس ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬يرفع‬
‫ال الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وال با تعملون خبي " ‪ ،‬فعلينا معاشر‬
‫السلمي أن نتسابق ف هذا اليدان الكبي ‪ ،‬ميدان طلب العلم على أيدي العلماء قبل أن يقبض‬
‫العلم بقبضهم ‪ ،‬وإننا ف هذا الزمان ند تقيق الحاديث قد وقع ‪ ،‬فهاهم العلماء ف كل سنة‬
‫يتناقصون ويُقبضون ‪ ،‬فكم شيع العال السلمي من علماء فضلء دأبوا على تعليم الناس العلم‬
‫الشرعي ‪ ،‬وأقاموا الجة على أهل الضللة ‪ ،‬ودمغوا أهل الكفر بالج والباهي ‪ ،‬وأبانوا الق‬
‫بألسنتهم وأقلمهم ‪ ،‬فرحهم ال تعال رحة واسعة ‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫ووجب علينا أن ننهل من علمهم الذي خلفوه ‪ ،‬ونستقي من معينه الذي تركوه ‪ ،‬وعلينا أن‬
‫ند بطلب العلم على أيدي الباقي منهم ‪ ،‬حت نعبد ال على بصية ‪ ،‬دون إفراط ول تفريط ‪.‬‬
‫يقول عبد ال بن مسعود ‪ " :‬عليكم بالعلم قبل أن يقبض ‪ ،‬وقبضه ‪ :‬ذهاب أهله ‪ ،‬وعليكم‬
‫بالعمل ‪ ،‬فإن أحدكم ل يدري مت يفتقر إليه ‪ ،‬وعليكم بالعلم وإياكم والتنطع والتعمق ‪،‬‬
‫وعليكم بالعتيق " ‪.‬‬
‫ول يزال العلم ينقص ‪ ،‬والهل يكثر ‪ ،‬حت ل يعرف الناس فرائض السلم ‪ ،‬فيصبح العلم‬
‫شيئا نادرا ‪َ ،‬ع ْن ُحذَْي َفةَ ْبنِ الْيَمَا ِن قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬يَدْرُسُ‬
‫صدَ َقةٌ ‪،‬‬
‫سكٌ ‪َ ،‬ولَا َ‬
‫ب ‪ ،‬حَتّى لَا يُدْرَى مَا صِيَا ٌم ‪َ ،‬ولَا صَلَا ٌة ‪َ ،‬ولَا ُن ُ‬
‫س وَ ْشيُ الّثوْ ِ‬
‫اْلإِسْلَامُ كَمَا َيدْرُ ُ‬
‫ض مِ ْنهُ آَيةٌ ‪ ،‬وَتَ ْبقَى َطوَائِفُ مِنَ‬
‫سرَى َعلَى كِتَابِ ال ّلهِ َع ّز َوجَ ّل فِي لَيْ َل ٍة فَلَا يَ ْبقَى فِي الْأَرْ ِ‬
‫َولَُي ْ‬
‫حنُ‬
‫ي وَالْعَجُو ُز َيقُولُونَ ‪ :‬أَدْرَكْنَا آبَا َءنَا عَلَى هَ ِذ ِه الْكَلِ َم ِة ( لَا ِإَلهَ ِإلّا ال ّل ُه ) فَنَ ْ‬
‫خ الْكَبِ ُ‬
‫النّاسِ الشّيْ ُ‬
‫َنقُوُلهَا " ‪َ ،‬فقَا َل َلهُ صِ َلةُ ـ صلة بن زفر العبسي الكوف تابعي كبي ثقة ـ مَا ُتغْنِي عَ ْن ُه ْم لَا ِإَلهَ‬
‫ص َدقَةٌ ؟ َفأَ ْعرَضَ َع ْنهُ ُح َذيْ َفةُ ‪ ،‬ثُمّ َر ّدهَا‬
‫سكٌ َولَا َ‬
‫ِإلّا ال ّلهُ َو ُهمْ لَا َيدْرُو َن مَا صَلَا ٌة وَلَا صِيَا ٌم َولَا ُن ُ‬
‫ص َلةُ تُنْجِيهِ ْم ِمنَ النّارِ‬
‫عَلَ ْيهِ ثَلَاثًا ُك ّل َذِلكَ ُي ْعرِضُ عَ ْن ُه ُحذَْي َفةُ ُث ّم أَقَْبلَ عَلَ ْي ِه فِي الثّالِثَ ِة َفقَا َل يَا ِ‬
‫ثَلَاثًا " [ أخرجه ابن ماجة وصححه اللبان رحه ال ف صحيح الامع برقم ‪. ] 7933‬‬
‫قال ابن تيمية رحه ال ‪ " :‬يُسرى به ـ القرآن ـ ف آخر الزمان من الصاحف والصدور ‪ ،‬فل‬
‫يبقى ف الصدور منه كلمة ‪ ،‬ول ف الصاحف منه حرف " [ مموع الفتاوى ‪. ] 198 / 3‬‬
‫والدهى من ذلك ‪ ،‬والعظم مصيبة ‪ ،‬والنكى خطورة أن ل يقال ف الرض ال ‪ ،‬وهي أرضه‬
‫سبحانه ‪ ،‬ولكن لذهاب العلم ل يعد أحد يعرف شيئا عن الدين ‪ ،‬ول عن الرب سبحانه‬
‫وتعال ‪ ،‬ويشهد لذلك قول النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت ل يقال ف‬
‫الرض ال ال " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وهذا الديث يدل على هلك الناس آخر الزمان ‪ ،‬لنم‬
‫ل يعلمون من العلم شيئا ‪ ،‬فإذا ساد الهل غلب حب الدنيا ‪ ،‬ومن غلب عليه حبها فقد هلك‬
‫وأهلك ‪ ،‬قال ابن مسعود رضي ال عنه ‪ " :‬ل يزال الناس صالي متماسكي ‪ ،‬ما آتاهم العلم‬
‫من أصحاب ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومن أكابرهم ‪ ،‬فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا " ‪،‬‬
‫وقيل لسعيد بن جبي رحه ال ‪ :‬ما علمة هلك الناس ؟ قال ‪ " :‬إذا هلك علماؤهم " ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫فالهل أشد عدو للنسان ‪ ،‬بل الاهل عدو نفسه ‪ ،‬لنه قد يوقعها ف الهالك بسبب جهله‬
‫وضلله ‪ ،‬وكم فتك الهل بالمم ‪ ،‬وكم دمر من شعوب ‪ ،‬وخرب من بلد ‪ ،‬يقول سفيان بن‬
‫عيينه رحه ال ‪ " :‬تعوذوا بال من فتنة العابد الاهل ‪ ،‬والعال الفاجر ‪ ،‬فإن فتنتهما فتنة لكل‬
‫مفتون " ‪.‬‬
‫فوجب على كل مسلم ومسلمة تعلم العلم الشرعي الذي به قوام الياة ‪ ،‬العلم البن على‬
‫الكتاب والسنة الصحيحة ‪ ،‬لن العلم سبب لرقي المم ‪ ،‬وبه معرفة اللل والرام ‪ ،‬وبه‬
‫يطاع ال تعال ‪ ،‬وبه يتبع النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وبه يكون دخول النة والبعد عن النار ‪،‬‬
‫وبه ترتفع الدرجات ‪ ،‬ويترقى فيها العلماء ‪ ،‬فالعلم نور كله ‪ ،‬وقد أثن ال على العلماء وأنم‬
‫أخشى الناس ل لعرفتهم به سبحانه ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬إنا يشى ال من عباده العلماء إن ال عزيز‬
‫غفور " ‪.‬‬
‫وكم من الناس من هجر العلم الشرعي الوروث عن الكتاب والسنة واتهوا إل الجلت‬
‫والصحف يقرؤونا ويعكفون عليها ‪ ،‬وما شاكلها من الكتب الغثة الت ل تسمن ول تغن من‬
‫جوع ‪ ،‬بل الكثي منها يمل بي طياته سا زعافا ‪ ،‬وغالب تلك الصحف والجلت مشتمل‬
‫على جهل صرف ‪ ،‬لن تغذيته ل تأت إل عن رويبضة هذا العصر ‪ ،‬أو علمانيته ‪ ،‬أو تأت من‬
‫الغرب والشرق الكافر الذي ل يدين بدين ‪ ،‬فأن ل لسلم أن يتعلم منها علما شرعيا ‪ ،‬بل‬
‫يسمون ذلك العلم الناجم عنها ثقافة وتقدم ‪ ،‬ومن يقدم عليه هو الثقف والهذب ‪ ،‬وقد بلغ‬
‫المق ذروته ‪ ،‬والغباء أوجه عند بعض السفهاء والغرورين عندما أطلقوا على العتني بالعلم‬
‫الشرعي وكتبه اسم رجعيي ‪ ،‬وسوا كتب العلم الشرعي بالكتب الصفراء ‪ ،‬تقيا لا ‪ ،‬وتنفيا‬
‫منها ‪ ،‬وهذا مصداق ما قاله الشعب رحه ال ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت يصي العلم جهلً ‪،‬‬
‫والهل علما " [ أخرجه ابن أب شيبة ] ‪.‬‬
‫القصود من ذلك كله أن فقد العلماء ف هذه الزمنة ‪ ،‬وانفراط عقدهم دليل على قرب وقوع‬
‫الساعة ‪ ،‬فعلينا أن نعد العدة لذلك ‪ ،‬بأن نعود إل ال تعال ونتوب إليه ‪ ،‬ونطلب العلم‬
‫الشرعي حت نواكب العلماء ف سيهم الثيث نو ذلك ‪ ،‬وأن نذر غارات العداء ‪،‬‬
‫وجولت الكذابي النافقي ‪ ،‬وأن نلص أعمالنا ل تعال ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫الشرط الرابع عشر ‪:‬‬
‫كثرة الشرط وأعوان الظلمة ‪ ،‬وجاء ف حديث أب أمَا َم َة ‪ :‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫خرُجُ ِرجَالٌ ِم ْن هَ ِذ ِه الُْأ ّمةِ فِي آ ِخرِ‬
‫قَالَ ‪َ " :‬يكُو ُن فِي هَ ِذ ِه الُْأ ّمةِ فِي آ ِخرِ ال ّزمَانِ ِرجَا ٌل َأوْ قَالَ يَ ْ‬
‫ب الَْبقَ ِر َيغْدُو َن فِي سَخَطِ ال ّل ِه وََيرُوحُو َن فِي غَضَِبهِ " [ أخرجه‬
‫الزّمَا ِن َمعَ ُه ْم أَسْيَاطٌ َكَأنّهَا َأذْنَا ُ‬
‫أحد وهو حديث صحيح ] ‪ ،‬وعند الطبان ‪ " :‬سيكون ف آخر الزمان شرطة ‪ ،‬يغدون ف‬
‫غضب ال ‪ ،‬ويروحون ف سخط ال ‪ ،‬فإياك أن تكون من بطانتهم " [ وصححه اللبان ف‬
‫صحيح الامع برقم ‪ ، ] 3560‬ول يشك إنسان حصيف بوجود تلك الفئة الذكورة اليوم‬
‫ف كثي من بلد السلمي ‪ ،‬فتراهم يأخذون الرجل بل جرم ول ذنب ‪ ،‬وهو مدان حت تثبت‬
‫براءته ‪ ،‬مع أن الصحيح أن كل متهم بريء حت تثبت إدانته ‪ ،‬ولكن لا حصل الظلم من تلك‬
‫الفئة من الناس ‪ ،‬وقع العباد ف ظلمهم وجورهم ‪ ،‬ل سيما وأناس منهم ل يدينون بدين السلم‬
‫‪ ،‬ول يكمون أحكامه ‪ ،‬ويرعون لسلم حق ول صيانة ‪ ،‬ول للعقول حصانة ‪ ،‬فتراهم يتخبطون‬
‫ف أعراض السلمي ‪ ،‬وف أجسادهم ‪ ،‬يسجنون ويضربون ويعذبون ويضطهدون بل مبر ول‬
‫سبب ‪ ،‬فأولئك هم الذين يصبحون ف سخط ال ‪ ،‬ويسون ف عذابه ‪ .‬قال تعال ‪ " :‬والذين‬
‫يؤذون الؤمني والؤمنات بغي ما اكتسبوا فقد احتملوا بتانا وإثا مبينا " [ الحزاب ‪، ] 58‬‬
‫وقال تعال ‪ " :‬إن الذين فتنوا الؤمني والؤمنات ث ل يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولم عذاب‬
‫الريق " [ البوج ‪ ، ] 10‬فكم سفكوا من دماء للبرياء الذين يأمرون بالعروف ويدعون إل‬
‫ال تعال ‪ ،‬ويذرون من معصيته ‪ ،‬وينهون عن النكر ‪ ،‬حت أذاقوهم سوء العذاب ‪ ،‬ونكلوا بم‬
‫‪ ،‬وقتلوهم ظلما وعدوانا وال شهيد على ما يفعلون ‪ ،‬كل ذلك حصل من أعوان الظلمة ‪ ،‬من‬
‫انتسبوا لعمالم الغاشة ‪ ،‬وأفعالم الشينة ‪ ،‬فحورب أهل الدين ف دينهم ‪ ،‬وأبعدوا من ديارهم‬
‫‪ ،‬ومزقت أسرهم ‪ ،‬وانتهكت أعراضهم ‪ ،‬ومن يلحقون الجاهدين ف سبيل ال ‪ ،‬للنكاية بم‬
‫وإرضاء العدو فيهم ‪ ،‬وتعذيبهم وسجنهم عند كل حادث أو حديث ‪ ،‬وما حصل للصالي من‬
‫أمة السلم اليوم إل بسبب اعتداءات الظلمة من أهل الشرط وأعوانم وال يقت على ذلك ‪،‬‬
‫ويعذب عليه أشد العذاب ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬إن الذين يكفرون بآيات ال ويقتلون النبيي بغي حق‬
‫ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * أولئك الذين حبطت أعمالم‬
‫ف الدنيا والخرة وما لم من ناصرين " [ آل عمران ‪َ ، ] 22-21‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ قَالَ ‪:‬‬
‫‪57‬‬

‫قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬صِ ْنفَانِ مِ ْن َأ ْهلِ النّارِ َل ْم أَ َرهُمَا َقوْ ٌم َم َعهُ ْم سِيَاطٌ‬
‫ت مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ ‪ ،‬رُءُو ُسهُنّ‬
‫س ‪َ ،‬ونِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَا ِريَا ٌ‬
‫ضرِبُو َن ِبهَا النّا َ‬
‫ب الْبَ َق ِر يَ ْ‬
‫َكَأ ْذنَا ِ‬
‫يةِ َكذَا‬
‫جدْنَ رِ َيهَا ‪َ ،‬وإِنّ رِ َيهَا لَيُو َجدُ ِم ْن َمسِ َ‬
‫ت الْمَائِ َل ِة ‪ ،‬لَا َيدْخُ ْل َن الْجَّنةَ ‪َ ،‬ولَا َي ِ‬
‫َكَأسْنِ َم ِة الْبُخْ ِ‬
‫وَ َكذَا " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وهذا الديث يدل على أن ال تعال قد توعد أهل الشرط وأعوان‬
‫الظلمة الذين يضربون الناس بسياطهم وعصيهم ورصاصهم وشت أسلحتهم وعدهم ال النار‬
‫وبئس الصي ‪ ،‬لنم حاربوا ال تعال ‪ ،‬لربم أهل ال وخاصته ‪ ،‬الذين يعدون الناس إل العدل‬
‫والقسط ‪ ،‬الذين يدعون إل الي ويرهبون من الشر ‪ ،‬يدعون إل التوبة والتمسك ببل ال‬
‫التي الذي ل يزيغ عنه إل هالك ‪ ،‬فمن حاربم ف دعوتم ‪ ،‬فقد ضاد ال ف حكمه ‪،‬ومن نازع‬
‫ال ف أحكامه أدخله النار ول يبال به سبحانه وتعال ‪ ،‬لنه سبحانه جل شأنه قال ف كتابه ‪" :‬‬
‫إن ال يدافع عن الذين آمنوا إن ال ل يب كل خوان كفور " [ الج ‪ . ] 38‬قال ابن‬
‫عباس رضي ال عنهما ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬يكون عليكم أمراء هم شر‬
‫من الجوس " [ أخرجه الطبان ف الوسط ‪ ،‬وقال اليثمي ف الجمع رجاله رجال الصحيح‬
‫خل مؤمل بن إهاب وهو ثقة ] ‪.‬‬
‫فكم نرى اليوم من فرقة بي رجال الدين وأهل الي والصلح ‪ ،‬والتمسكي بدينهم ‪ ،‬وطلب‬
‫العلماء والعلماء ‪ ،‬وبي رجال المن والشرطة ‪ ،‬وأحدثت هذه الفجوة بسبب دخول طبقة‬
‫فاسدة ‪ ،‬وشرية سيئة من شرائح الجتمع بي الفئتي ‪ ،‬فئة العلماء ‪ ،‬وفئة الكام ‪ ،‬وأخص منهم‬
‫الظلمة ‪ ،‬أو الذين ل يتبينون حقائق المور ‪ ،‬بل يصدقون كل ما يقال لم ‪ ،‬وكل ما يذاع‬
‫لديهم ‪ ،‬وتلك الفئة الباغية الت تريد الصطياد ف الياه العكرة ‪ ،‬قد ألقمت حجارة خصوصا ف‬
‫أيام ظهر فيها الق ‪ ،‬وزهق الباطل ‪ ،‬يريدون القضاء على أهل السبة من رجال اليئة الخلصي‬
‫‪ ،‬يريدون القضاء على الؤسسات اليية الت تدعم مشاريع الي ف كل بقاع السلمي ‪ ،‬كل‬
‫ذلك خوفا منهم وذعرا من أن تنتشر الفضيلة بي الناس ‪ ،‬فهم يريدونا فسادا وحرية‬
‫زعموها ‪ ،‬فأولئك الذين ارتضعوا عادات الغرب الزائفة ‪ ،‬وتقاليده الفاضحة سببوا هوة كبية‬
‫بي العلماء وأهل الي وبي الكام ‪ ،‬فحصل أن وجد أعوان الظلمة ‪ ،‬وأصحاب السياط‬
‫وأذناب البقر ‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫الشرط الامس عشر‪:‬‬
‫انتشار الزنا ‪ :‬فقد أخب النب صلى ال عليه وسلم بأن فشو الزنا وكثرته بي الناس أن ذلك من‬
‫أشراط الساعة‪ ،‬ثبت ف الصحيحي عن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬إن من أشراط الساعة ‪ . .‬فذكر منها‪ :‬ويظهر الزنا " ‪.‬‬
‫وعند الاكم ف مستدركه بسند صحيح عن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬سيأت على الناس سنوات خدّاعات " ‪ .‬فذكر الديث وفيه ‪ " :‬وتشيع‬
‫فيها الفاحشة " ‪.‬‬
‫الزنا من أفحش الفواحش‪ ،‬وأحط القاذورات‪ ،‬وقد قرنه ال بالشرك فقال‪ :‬الزان ل ينكح إل‬
‫زانية أو مشركة والزانية ل ينكحها إل زا ٍن أو مشرك وحرم ذلك على الؤمني ومع ما‬
‫سينتشر بل انتشر تقيقا لا أخب النب صلى ال عليه وسلم أن فعل جرية الزنا يبدد الموال‪،‬‬
‫وينتهك العراض‪ ،‬ويقتل الذرية ويهلك الرث والنسل‪ ،‬عاره يهدم البيوت‪ ،‬ويطأطئ‬
‫الرؤوس‪ ،‬يسوّد الوجوه‪ ،‬ويرس اللسنة‪ ،‬ويهبط بالرجل العزيز إل هاوية من الذل والقارة‬
‫والزدراء‪ ،‬هاوية ما لا من قرار‪ ،‬ينع ثوب الاه مهما اتسع‪ ،‬ويفض عال الذكر مهما ارتفع‪،‬‬
‫إن الزنا يمع خصال الشر كلها‪ ،‬من الغدر والكذب واليانة‪ ،‬إنه ينع الياء ويذهب الورع‬
‫ويزيل الروءة‪ ،‬ويطمس نور القلب‪ ،‬ويلب غضب الرب‪ ،‬إنه إذا انتشر أفسد نظام العال ف‬
‫حفظ النساب‪ ،‬وحاية البضاع‪ ،‬وصيانة الرمات‪ ،‬والفاظ على روابط السر‪ ،‬وتاسك‬
‫الجتمعات‪ ،‬لقد أخب النب صلى ال عليه وسلم بأن الجتمع كله يصيبه المراض والوجاع‬
‫بسبب انتشار الزنا‪ ،‬يقول ابن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬أقبل علينا رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال ‪ " :‬يا معشر الهاجرين خس إذا ابتليتم بن‪ ،‬أعوذ بال أن تدركوهن‪ ،‬وذكر منها ‪ -‬ول‬
‫تظهر الفاحشة ف قوم قط حت يعلنوا با إل فشا فيهم الطاعون والوجاع الت ل تكن مضت ف‬
‫أسلفهم " ‪.‬‬
‫سؤال يرد؟! ما ذنب الجتمع ف أن ينتشر فيه المراض؟‬
‫ذنبه‪ :‬أنه ل يقاوم تيار الفساد‪ ،‬ول يقاوم السباب الت تؤدي إل انشار الزنا ف البلد‪.‬‬
‫ذنبه‪ :‬أنه ل يأمر بالعروف ول ينهى عن النكر‪.‬‬
‫ذنبه‪ :‬أنه يساعد تيار الفساد ف التمدد‪ ،‬ويقاوم تيار الي من أن ينتشر‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫فكان ذنب هذا الجتمع‪ ،‬أن يذوق مرارة الوجع مع الزناة والزوان الذين أصابم الزهري‬
‫والسيلن واليدز‪.‬‬
‫إذا أردنا حاية أنفسنا من أوجاع الزنا‪ ،‬وأردنا حاية أولدنا وبناتنا من الوقوع ف هذه الرذيلة‪،‬‬
‫فعلينا بذل كل سبب ف الوقوع أمام هذا التيار من خلل‪:‬‬
‫أولً‪ :‬ما يصل ف السواق وبالخص ف الجمعات التجارية من التبج والسفور واليوعة سواءً‬
‫من الجنبيات أو من بنات البلد فإن هذا يزيد ارتفاع نسبة الزنا‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬ما يعرض ف وسائل العلم‪ ،‬من أغا ٍن ماجنة‪ ،‬وصور فاضحة‪ ،‬وقصص ساقطة‪ ،‬وأفلم‬
‫هابطة‪ ،‬ما يرك ويثي شهوة الكبي التزوج فكيف بالشاب الراهق‪ ،‬والبنت الراهقة‪ ،‬فكل من‬
‫يتساهل ف أن يعرض أو يسمع شيء من هذا ف بيته‪ ،‬ث يقع أحد أولده ف النراف‪ ،‬فإنه‬
‫يتحمل وزره يوم القيامة أمام ال عز وجل‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬إسكات هذه البواق العلمانية الضللة الت تسعى ف نشر هذا السقوط الجتماعي إما‬
‫بكتابة مقالت ف جرائد وملت‪ ،‬أو نظم قصائد غرامية‪ ،‬وكلمات عشق وغرام ونشرها هنا‬
‫وهناك‪ ،‬أو بأية طريقة أخرى ياولون من خلله نشر سومهم وأفكارهم‪ ،‬هذا التيار يسعى‬
‫جاهدا بكل ما أُت من حيلة ووسيلة إل تغريب حياة الناس‪ ،‬وجعل الواقع يشابه الواقع الغرب‬
‫النحل ف كل شيء‪ ،‬إنه ل بد علينا جيعا من فضح هؤلء ومقاومة شرهم‪ ،‬بنشر الي‪ ،‬ورد‬
‫أفكارهم بالجة والبهان والحاضرات‪ ،‬وإل لو ترك لم الجال ونشروا نتنهم‪ ،‬أصابنا جيعا‬
‫ذلك الوجع‪(( ،‬أنلك وفينا الصالون‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬إذا كثر البث))‪.‬‬
‫والبث وال قد كثر‪ ،‬وبوادر النلل قد لح‪ ،‬ول داعي أن نشابه النعام ونضع رؤوسنا ف‬
‫التراب‪ ،‬فلنكن صرحاء‪ ،‬هذه الشاكل‪ ،‬وهذه القضايا الت نسمعها كلنا‪ ،‬كل يوم عشرات‬
‫القضايا‪ ،‬وعشرات الرائم‪ ،‬ف السواق‪ ،‬وحول الدارس‪ ،‬والعاهد والكليات‪ ،‬والشقق‬
‫الفروشة‪ ،‬وشواطئ البحر‪ ،‬بكل صراحة‪ ،‬هؤلء أولد من؟ هل هم أولد الن‪ .‬أم أنم أولدنا‬
‫وبناتنا‪ ،‬هذه القصص الت تصل لراكز اليئات يوميا بالرطال من الجمعات التجارية من الذي‬
‫يارسها‪ ،‬أولد كوكب آخر‪ ،‬فلماذا التغافل‪ ،‬ولاذا دس الرؤوس‪ ،‬ولاذا الثقة الفرطة‬
‫والطمئنان الزائد‪ ،‬وكأن أولدنا أولد الصحابة‪ .‬كلنا يعرف بأن الشهوة لو تركت فإنا ل‬
‫تعرف التوسط والعتدال‪ ،‬حت ترج ف سبيلها‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫فاتقوا ال يا أولياء المور ف الولد والبنات‪ ،‬فإن عذاب الدنيا ل يقارن بعذاب الخرة قال ال‬
‫تعال‪ :‬ول تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلً ‪.‬‬
‫ولقد أخب النب صلى ال عليه وسلم عن أمور ستقع بانتشار الزنا‪ ،‬فوال إن ل ننتبه سيدركنا‬
‫قوله عليه الصلة والسلم كما ف حديث أب هريرة عند أب يعلى قال ‪ " :‬والذي نفسي بيده ل‬
‫تفن هذه المة‪ ،‬حت يقوم الرجل إل الرأة‪ ،‬فيفترشها ف الطريق‪ ،‬فيكون خيارهم يومئذٍ من‬
‫يقول‪ :‬لو واريتها وراء هذا الائط " ‪.‬‬
‫قال القرطب رحه ال ‪ " :‬ف هذا الديث علم من أعلم النبوة‪ ،‬إذ أخب عن أمور ستقع فوقعت‬
‫خصوصا ف هذه الزمان " ‪.‬‬
‫وقد ظهرت بوادر هذا الديث ومصداقيته ‪ ،‬فوجد اليوم ف بعض الدول الغربية رجال ونساء‬
‫يفعلون الفاحشة تت ظل الشجر ‪ ،‬أو ظل السيارات ‪ ،‬أو ف الماكن العامة ‪ ،‬برضا من‬
‫الطرفي ‪ ،‬والعجيب أن من ينكر عليهم يعاقب ‪ ،‬فقد أوجدوا قانونا يعاقب النكر ‪ ،‬من سجن‬
‫وغرامة مالية ‪ ،‬وكثي من اليوانات ل ينو الذكر على النثى وحوله أناس يشاهدون ‪ ،‬فحياة‬
‫أولئك الناس أشد قذارة من حياة البهائم ‪ ،‬فهم كما قال ال تعال ‪ " :‬أم تسب أن أكثرهم‬
‫ل " [ الفرقان ‪. ] 44‬‬
‫يسمعون أو يعقلون إن هم إل كالنعام بل هم أضل سبي ً‬
‫فرحم ال القرطب وأسكنه فسيح جناته‪ ،‬إذا كان هذا وقع ف زمنه‪ ،‬وقد توف ف القرن السابع ‪،‬‬
‫فكيف لو رأى زماننا هذا‪ ،‬الذي قد اختلط فيه الابل بالنابل‪ ،‬وأصبحت قلة الياء شعار أسر‬
‫كاملة‪ ،‬وعوائل معروفة‪ ،‬كانت معروفة إل سنوات قريبة بالستر والعفاف ‪.‬‬
‫فإن واقعنا ينذر بشر عظيم‪ ،‬وباب سينكسر‪ ،‬نسأله العفو والعافية‪ ،‬إنه سيع الدعاء ‪.‬‬
‫السادس عشر ‪:‬‬
‫انتشار الربا ‪ :‬عن ابن مسعود رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬بي يدي‬
‫الساعة يظهر الربا " [ أخرجه الطبان ] ‪ ،‬وف الصحيح عن أب هريرة رضي ال عنه أن رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ليأتي على الناس زمان ل يبال الرء با أخذ الال‪ ،‬أمن حلل‬
‫أم من حرام " ‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫إن الربا ومع كل أسف قد ضرب بأطنابه وغرس قوائمه ف ديار السلمي‪ ،‬الذي دينهم يرم‬
‫عليهم الربا أشد تري‪ ،‬يكفيك ف ذلك قول ال تعال‪ :‬فأذنوا برب من ال ورسوله ‪ .‬عن‬
‫أب هريرة رضي ال عنه‪ ،‬عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬اجتنبوا السبع الوبقات قالوا‪:‬‬
‫يا رسول ال وما هن؟ قال‪ :‬الشرك بال‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس الت حرم ال إل بالق‪ ،‬وأكل‬
‫الربا‪ ،‬وأكل مال اليتيم‪ ،‬والتول يوم الزحف‪ ،‬وقذف الحصنات الؤمنات الغافلت " [ متفق‬
‫عليه ] ‪.‬‬
‫إن الربا الذي قد انتشر ف متمعات السلمي اليوم لو أحد السباب الذي أدى إل فساد‬
‫الصلت‪ ،‬وإفساد الكاسب والطاعم والشارب‪ ،‬وكل هذا سيؤدي إل عدم نفع العمال‬
‫وقبول الدعاء‪ ،‬والتأييد بالنصر على العداء‪ ،‬وبذا عُلل وجود آية الربا يا أيها الذين آمنوا ل‬
‫تأكلوا الربا أضعاف مضاعفة بي عدد كثي من آيات الهاد الت نزلت ف غزوة أحد ف‬
‫سورة آل عمران‪ ،‬إيا ًء إل أن من أسباب قبول العمال وحصول النصر‪ ،‬تطهي الموال الت‬
‫تنفق ف العبادات الت من أفضلها الهاد ف سبيل ال‪.‬‬
‫فإذا أرادت المة قبول أعمالا‪ ،‬وحصول النصر على أعدائها‪ ،‬فعليها تطهي أموالا‪ ،‬وماربة‬
‫الربا ف بلدها‪ ،‬ل أن تكون هي جالب ًة للذل والزي بنفسها بسبب تعاملتا الربوية خصوصا‬
‫عن طريق ما يسمى بالديون الارجية‪.‬‬
‫لقد عصم السلمون زمانا طويلً ف الاضي من وباء الربا‪ ،‬وحفظت أموال المة الت جعلها ال‬
‫قياما للمسلمي من أن يسيطر عليها الرابون الذين يأكلون ثروات الشعوب‪ ،‬ويدمرون‬
‫اقتصادها‪ ،‬ووجد أولئك أن اعتصام السلمي بدينهم وابتعادهم عن التعامل بالربا جدار صلب‬
‫يقف ف وجه مطامعهم البيثة إل أن وجّه عباد الصليب تلك الجمة الفكرية الشرسة على ديار‬
‫السلمي‪ ،‬وزرعوا ألغام بشرية ف أرضها من جلدتا ويتكلمون بلغتها إل أنم ياربون دينها‪،‬‬
‫فكان من جلة ما فعلوا إقصاء الشريعة عن الكم‪ ،‬وإبعاد الدين عن اليمنة على حياة الناس‪،‬‬
‫وإفساد مناهج التعليم‪ ،‬وتربية رجال من هذه المة وفق مناهج الكفر‪ ،‬فقام أولئك الذين‬
‫رضعوا فكر الغرب‪ ،‬وتغذوا بُسمّه الزعاف‪ ،‬ينادون بأخذ كل ما عند الغرب‪ ،‬ول شك بأنا‬
‫دعوة صرية للضلل والنسلخ من القيم‪ ،‬فعمل الذين أضلهم ال على علم والذين اتبعوهم‬
‫على إقرار النظمة الربوية وإقامة الؤسسات والبنوك الربوية ف ديار السلمي وظن بعض هؤلء‬
‫‪62‬‬

‫أنم هدوا للطريق الت ترقى با أمتهم‪ ،‬وها نن اليوم نشاهد بأعيننا انتشار الربا ف ديار‬
‫السلمي انتشار السرطان ف السد‪ ،‬ول زلنا نعان من التخلف والقهر والستبعاد‪ ،‬ول يزال‬
‫أباطرة الربا يربضون على قلب المة السلمية ف كل شب من أراضيها‪ ،‬وكل هذا تقيق لا‬
‫أخب به النب صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫السابع عشر ‪:‬‬
‫ظهور العازف واستحللا ‪ :‬فذكر النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أنا ستكثر وتنتشر‪ ،‬بل‬
‫ويستحلّها الناس ‪ ،‬عن سهل بن سعد‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬سيكون ف‬
‫آخر الزمان خسف‪ ،‬وقذف ومسخ‪ ،‬قيل ومت ذلك يا رسول ال؟ قال‪ :‬إذا ظهرت العازف‬
‫والقينات " [ رواه ابن ماجة وسنده صحيح ‪ .‬انظر صحيح الامع رقم ‪ ، ] 3559‬وهذه‬
‫العلمة قد وقع شيء كبي منها ف العصور السابقة‪ ،‬وهي الن وف هذا الوقت أكثر ظهورا‪،‬‬
‫وأعظم انتشارا‪ ،‬فقد كثر الغنون والغنيات ‪ ،‬وهم الشار إليهم ف الديث بـ ( القينات ) ‪،‬‬
‫ولقد ابتلي كثي من السلمي بالعازف‪ ،‬وأشربت قلوبم حب الغناء‪ ،‬وساع الوسيقى‪ ،‬وارتفعت‬
‫أصوات الغني والغنيات‪ ،‬الحياء منهم والموات‪ ،‬ف كل مكان‪ ،‬وتساهل الناس ف هذا المر‪،‬‬
‫وصار ساع الغناء جزء من حياتم‪ ،‬ول ينكر ارتفاعه ف السواق والماكن العامة‪ ،‬وامتلت‬
‫البيوت به‪ ،‬وكل هذا مؤذن بشرّ وال الستعان‪ .‬فقد جاء الوعيد لن فعل ذلك بالسخ والقذف‬
‫والسف‪ ،‬كما ف الديث السابق‪ ،‬بل والعظم من هذا‪ ،‬إذا استحلّ الناس الغناء والعازف‪،‬‬
‫ل قد استحلها كثي من الناس‪ ،‬ويستغرب إذا قلت له بأن ساع الوسيقى والغناء حرام‪،‬‬
‫وفع ً‬
‫فهؤلء عقوبتهم كما ثبت ف البخاري أنم يسخون قردة وخنازير إل يوم القيامة‪ ،‬فعن أب‬
‫مالك الشعري رضي ال عنه‪ ،‬أنه سع النب صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬ليكونن من أمت‬
‫لرّ والرير والمر والعازف‪ ،‬ولينلن أقوام إل جنب علم‪ ،‬يروح عليهم‬
‫أقوام يستحلون ا ِ‬
‫بسارحة لم تأتيهم – يعن الفقي لاجة – فيقولوا ارجع إلينا غدا‪ ،‬فيبيتهم ال ويضع العلم‬
‫ويسخ آخرين قردة وخنازير إل يوم القيامة " ‪.‬‬
‫إن التأمل لواقع الناس اليوم‪ ،‬يرى أن هذه المة إن ل يتداركها ال برحته‪ ،‬فإنا مقبلة على فت‬
‫عظيمة‪ ،‬لقد أحب الناس اللهو والعبث والرح‪ ،‬نزعت الدية من حياتم‪ ،‬نسوا أننا أمة ماهدة‪،‬‬
‫‪63‬‬

‫أمة صاحبة رسالة‪ ،‬تكالب علينا العداء من كل جانب‪ ،‬نبت أموالنا‪ ،‬اغتصبت أراضينا‪،‬‬
‫سرقت خيات المة‪ ،‬ومازلنا نرقص ونغن‪ ،‬تعجب أحيانا من رجل كبي ف السن يتمايل مع‬
‫أصوات العازف‪ ،‬فكيف بالشاب الراهق‪.‬‬
‫إن ما عوّد الناس على ساع الغناء‪ ،‬وجعلها عادية ف حياتم وسائل العلم السموعة والرئية‪،‬‬
‫وزاد الطي بِلةً‪ ،‬دخول الدشوش ف البيوت‪ ،‬وهذا شر عظيم‪ ،‬وجرم كبي‪ ،‬يرتكبه رب السرة‬
‫ف حق أولده لنا دعوة صرية إل الفواحش‪ ،‬مطات كاملة‪ ،‬تبث وعلى مدى ‪ 24‬ساعة‪،‬‬
‫برامج فقط رقص وغناء‪ ،‬بشكل فاضح ساقط‪ ،‬والبنت تنظر وتسمع‪ ،‬والولد‪ ،‬والزوجة‪،‬‬
‫والبيت كله يترب على هذا‪ ،‬أل تظنون أننا ل ناسب حسابا عسيا على هذا‪ ،‬وال سنحاسب ‪.‬‬
‫وانظر إل السلمي بالبطاقة اليوم ف النتزهات ‪ ،‬وحول الشواطئ ‪ ،‬وحت ف الباري ‪ ،‬وف‬
‫النازل ‪ ،‬يؤذون جيانم من أهل الي والصلح من ل يرضون بذا العمل الحرم شرعا ‪ ،‬وهذه‬
‫علمة من علمات الساعة الت ظهرت منذ زمن قدي ول زال ظهورها يتواصل ول حول ول‬
‫قوة إل بال ‪ ،‬فهل يعقل السلمون ف بقاع الرض حرمة الغان والوسيقى ؟‬
‫الثامن عشر ‪:‬‬
‫انتشار المر وكثرة شاربيه ف هذه المة ‪ ،‬والدهى من ذلك استحلل بعض الناس لا‪ ،‬نعم‬
‫ول غرابة أن يستحل بعض هذه المة ما حرم ال‪ ،‬روى مسلم ف صحيحه عن أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬من أشراط الساعة))‪ .‬وذكر‬
‫منها‪(( :‬ويشرب المر))‪ .‬وعند المام أحد وابن ماجة عن عبادة بن الصامت رضي ال عنه‬
‫قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬لتستحلن طائفة من أمت المر باسم يسمونا إياه‬
‫" [ وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪. ] 4945‬‬
‫ولقد أطلقوا اليوم على المر أسا ًء متعددة من باب التغطية ‪ ،‬فم كما جاء ف الديث يسمونا‬
‫بغي اسها ‪ ،‬فسموها الشروبات الروحية ‪ ،‬والوسكي ‪ ،‬وغي ذلك من الساء ‪ ،‬وقد فسر ابن‬
‫العرب استحلل المر بتفسيين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬اعتقاد حلها ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن يكون الراد بذلك السترسال ف شربا ‪ ،‬كالسترسال ف اللل ‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫ولقد ابتلي عدد غي قليل من السلمي بشرب المر والعياذ بال‪ ،‬وابتلي به أكثر أصحاب‬
‫الموال والترف‪ ،‬وأصحاب الوجهات‪ ،‬لسباب ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أن الصول عليه يتاج إل ميزانية‪ ،‬لرتفاع سعره‪ ،‬وهذا ما ل يتمكن منه الفقي الفاسق‬
‫‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن هذه الطبقة من الجتمع‪ ،‬تقليدا لشباههم الكفار الغربيي‪ ،‬يعتبونه من مكملت‬
‫الوجاهة ومن تتمات البوتوكولت – زعموا – لكن مع ذلك الفرق كبي بي الُق ِل ّد وا ُلقَلّد‪،‬‬
‫فالكفار مع كفرهم‪ ،‬لكنهم أعقل من قلدوهم من السلمي ف تناول المر‪ ،‬يذهبون عقولم‬
‫لكن بعقل‪ ،‬وف أوقات مددة‪ ،‬وبعضهم تت إشراف طبيب‪ ،‬أما أصحاب الترف‪ ،‬وأصحاب‬
‫اللذات واللعب من هذه المة‪ ،‬مع كونم مسلمي‪ ،‬ومع أنم يعلمون حرمته‪ ،‬لكنهم يذهبون‬
‫عقولم بغي عقل‪ ،‬نسمع عن بعضهم أنم ل يشربون المر بالكأس بل بالسطل‪ ،‬حيوانية‬
‫وبيمية متناهية‪ ،‬وبعضهم يبقى بالربع والمس أيام فاقدا للوعي‪ ،‬ل يترك لنفسه فرصة ول‬
‫دقيقة واحدة ليعود إليه عقله ‪ ،‬فتفوته الصلة تلو الخرى ‪ ،‬وهو متعمد ف ذلك ‪ ،‬فقد أذهب‬
‫عقله بيده ‪ ،‬ومن ترك صلة فرض واحدة متعمدا فهو كافر مرتد ‪ ،‬كما ذكر ذلك ابن حزم‬
‫رحه ال عن عدد من الصحابة ‪ ،‬وكما نقل شقيق بن عبد ال البجلي رحه ال أنه قال ‪ :‬ل يكن‬
‫أصاب ممد صلى ال عليه وسلم يرون شيئا من العمال تركه كفر إل الصلة ‪ ،‬وجاءت‬
‫الدلة من الكتاب والسنة متضافرة ف كفر تارك الصلة ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من‬
‫ترك الصلة سُكرا مرة واحدة ‪ ،‬فكأنا كانت له الدنيا وما عليها فسُلبها " [ أخرجه أحد‬
‫والاكم وهو حسن لغيه ‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب ‪َ ، ] 608 / 2‬ع ْن َأبِي الدّ ْردَا ِء قَالَ ‪:‬‬
‫ت ‪َ ،‬ولَا تَ ْترُكْ‬
‫ت َوحُ ّرقْ َ‬
‫َأوْصَانِي خَلِيلِي صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬أَ ْن لَا ُتشْرِ ْك بِال ّلهِ شَيْئًا وَإِ ْن قُ ّطعْ َ‬
‫ش َربِ الْخَ ْم َر َفِإنّهَا ِمفْتَاحُ‬
‫صَلَاةً َمكْتُوَبةً مُتَعَ ّمدًا فَ َم ْن َترَكَهَا مَُتعَ ّمدًا َفقَ ْد َب ِرئَتْ مِ ْن ُه ال ّذ ّمةُ ‪َ ،‬ولَا َت ْ‬
‫ُك ّل َشرّ " [ أخرجه ابن ماجة والبيهقي وهو حسن لغيه ‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب ‪/ 2‬‬
‫‪. ] 601‬‬
‫ولقد كثر المارين ف أوساط الناس‪ ،‬وكثرت أيضا المارات‪ ،‬وكل هذا تقيقا لا أخب به النب‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أما كثرة المارين‪ ،‬فإن الواقع يشهد لذلك‪ ،‬قبيل سنوات‪ ،‬كان البتلى‬
‫بالمر‪ ،‬ل أحد يعرف عنه‪ ،‬يتستر حت من أهل بيته‪ ،‬أما الن‪ ،‬فلكثرة البلوى به‪ ،‬أصبح عند‬
‫‪65‬‬

‫الناس تبلد إحساس وعدم اكتراث بذا المر‪ ،‬فل يبال إذا عرف الناس عنه أنه يتعاطى‬
‫السكرات ذهب الياء حت من الناس‪ ،‬أصبحنا نسمع ف واقعنا وكأن المر عادي جدا فلن‬
‫أتانا وهو سكران‪ ،‬فلن يشرب ف بيته‪ ،‬فلن ‪ ..‬وهكذا وكأن المر ل شيء‪ ،‬أما كثرة‬
‫المارات‪ ،‬فلو اتيحت لك فرصة أن تلس لبضع دقائق مع أحد أعضاء اليئات‪ ،‬ليعطيك بعض‬
‫أخبار المارات‪ ،‬فأظنك ل تصدق العدد ف البلد الواحد‪ ،‬ليست بالحاد‪ ،‬بل بالعشرات وربا‬
‫أكثر‪ ،‬مصانع داخلية ف الشقق والبيوت‪ ،‬وأكثر البلوى والصائب كما بلغنا من العمالة‬
‫الجنبية‪ ،‬فهم سبب لكثي من الفاسد ف البلد‪ ،‬يتمع العشرة وربا أكثر ف الشقة الواحدة‪،‬‬
‫وليس بينهم متزوج‪ ،‬ومع غياب متابعة الكفيل‪ ،‬يفعلون كل شيء‪ ،‬فيفتحون لم مصنعا‪،‬‬
‫وأحيانا يكون السبب هو الكفيل نفسه إذا أخرّ رواتبهم‪ ،‬وهم باجة إل الال‪ ،‬ماذا يفعلون؟‬
‫فيغريهم الشيطان إل مثل هذه الطرق‪ ،‬لكن الصيبة على من يبيعون؟ تتم البيعة على أولد‬
‫البلد‪ ،‬من يتوفر ف أيديهم الال‪ ،‬فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬الب يتابع ولده‪ ،‬والكفيل يتابع مكفوله‬
‫وكلنا نكون رجال هيئة‪ ،‬نتعاون مع العضاء الرسيي‪ ،‬لنخفف الشر النتشر ف كل مكان‪.‬‬
‫ولقد تققت نبوءة النب صلى ال عليه وسلم ف انتشار المر‪ ،‬وليس أعظم انتشارا من أن تباع‬
‫جهارا ونارا‪ ،‬وتشرب علنية ف بعض البلدان السلمية‪ ،‬وتت غطاء رسي يمي ذلك كله‪،‬‬
‫فل حول ول قوة إل بال‪.‬‬
‫من كان يتصور أن يصل الال بالسلمي‪ ،‬أن يرضوا ببيع المر ف بلدهم‪ ،‬الكفار حكوماتم‬
‫كافرة‪ ،‬وليس بعد الكفر ذنب‪ ،‬ولكن العجب فيمن يدعي السلم‪ ،‬ث يرضى ببيع المر بي‬
‫السلمي‪ ،‬إن كان استحللً‪ ،‬فإن من استحل المر كافر‪ ،‬يستتاب‪ ،‬فإن تاب وإل قُتل كافرا‬
‫مرتدا‪ ،‬تضرب عنقه‪ ،‬ث ل يغسل ول يكفن ول يصلى عليه‪ ،‬ول يدفن ف مقابر السلمي‪ ،‬وإنا‬
‫يرمس بثيابه ف حفرة بعيدة‪ ،‬لئل يتأذى السلمون برائحته‪ ،‬وأقاربه بشاهدته‪ ،‬ول يرث أقاربه‬
‫من ماله‪ ،‬وإنا يصرف ماله ف مصال السلمي‪ ،‬ول يدعى له بالرحة‪ ،‬ول النجاة من النار‪ ،‬لنه‬
‫كافر ملد ف نار جهنم إن ال لعن الكافرين وأعد لم سعيا خالدين فيها أبدا ل يدون‬
‫وليا ول نصيا يوم تقلب وجوههم ف النار يقولون يا ليتنا أطعنا ال وأطعنا الرسول ‪ .‬هذا‬
‫الستحل‪ ،‬أما غي الستحل فهو عاصي ل فاسق خارج عن طاعته‪ ،‬مستحق للعقوبة‪ ،‬وعقوبته ف‬
‫الدنيا اللد‪ ،‬وقد كان يفت شيخ السلم ابن تيمية رحه ال أن من تكرر منه شرب المر فإنه‬
‫‪66‬‬

‫يقتل ف الرابعة‪ ،‬عند الاجة إليه‪ ،‬إذا ل ينته الناس بدون القتل‪ .‬وهذا وال عي الفقه‪ ،‬فإن‬
‫الصائل على الموال إذا ل يندفع إل بالقتل قتل‪ ،‬فما بالكم بالصائل على أخلق الجتمع‪،‬‬
‫وصلحه وفلحه‪ ،‬لن ضرر المر ل يقتصر على صاحبه‪ ،‬بل يتعداه إل نسله ومتمعه‪ ،‬ولعل‬
‫هذه الفتوى أنسب فيمن يسمحون ببيع المور ف ديار السلمي‪.‬‬
‫وزاد الطي بلة ظهور الخدرات بأنواعها الختلفة ‪ ،‬فهي باكورة لنتشار المور والسكرات ‪،‬‬
‫حت ظهرت الخدرات وأودت بياة الكثي من شباب السلمي ورجاله ‪ ،‬وضيعت جا غفيا من‬
‫السر ‪ ،‬وفتكت بالعراض بسبب الصول عليها ‪ ،‬فكم من السلمي من باع عرض زوجته‬
‫وبناته وأخواته ف سبيل الصول على قيمة تلك الخدرات والعياذ بال ‪ ،‬فهذا هو الآل الذي‬
‫آلت إليه المة اليوم ‪ ،‬ووال لول نشاط رجال اليئة لدمرت المة تاما ‪ ،‬ث ند هناك من ينادي‬
‫بل هذا الهاز الذي أمر ال به من فوق سبع ساوات ‪ ،‬ث تأت أفواه تتشدق مدعومة بأبواق‬
‫غربية وشرقية بل ومن أبناء جلدتنا يريدون ماربة ال تعال ف أرضه ‪ ،‬فسبحان ال العظيم‬
‫كيف تفلح المة إذا فقد المن فيها وتزعزع ‪ ،‬ول يفقده ويزعزعه إل ترك المر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر ‪ ،‬ويكرون ويكر ال وال خي الاكرين ‪.‬‬
‫ومعلوم بالضرورة تري المر شربا وبيعها والتجارة فيها ‪ ،‬بل لعن ال ف المر عشرة ‪ ،‬عن‬
‫خ ْمرَ َوشَا ِربَهَا وَسَاقِيَهَا‬
‫اْبنَ عُ َم َر قال ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬ل َعنَ ال ّلهُ الْ َ‬
‫ص َرهَا َوحَامِ َلهَا وَالْ َمحْمُولَ َة ِإلَ ْيهِ وآكل ثنها " [ أخرجه أبو داود‬
‫ص َرهَا َومُعْتَ ِ‬
‫َوبَاِئ َعهَا َومُبْتَا َعهَا وَعَا ِ‬
‫والترمذي وأحد وابن ماجة ‪ ،‬وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪ . ] 5091‬ولقد نفى‬
‫النب صلى ال عليه وسلم كمال اليان عمن يتعاطى المر والسكرات والخدرات ‪َ ،‬ع ْن أَبِي‬
‫ي َي ْزنِي َوهُ َو ُمؤْ ِم ٌن ‪ ،‬وَلَا َيسْرِقُ‬
‫ُه َريْ َر َة أَ ّن النّبِيّ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَا َيزْنِي الزّانِي حِ َ‬
‫ضةٌ َب ْعدُ‬
‫ش َرُبهَا َوهُ َو مُ ْؤ ِمنٌ ‪ ،‬وَالّتوَْبةُ َم ْعرُو َ‬
‫ي َي ْ‬
‫خ ْمرَ حِ َ‬
‫ق َوهُ َو ُمؤْ ِم ٌن ‪ ،‬وَلَا َيشْ َربُ الْ َ‬
‫سرِ ُ‬
‫ي َي ْ‬
‫حِ َ‬
‫" [ أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له ] ‪.‬‬
‫وقد حذر النب صلى ال عليه وسلم من المر وشربا أو التار فيها أو كل ما من شأنه أن‬
‫يكون سببا ف انتشارها ‪ ،‬وحذر تذيرا بليغا لتعاطيها حت عده كمن يعبد صنما ‪ ،‬ومعلوم أن‬
‫س قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى‬
‫من عبد صنما من دون ال فقد كفر والعياذ بال ‪َ ،‬عنِ اْبنِ عَبّا ٍ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬مُ ْد ِمنُ الْخَ ْم ِر إِ ْن مَاتَ َلقِ َي ال ّلهَ َكعَاِبدِ َوَثنٍ " [ أخرجه أحد واللفظ له ‪،‬‬
‫‪67‬‬

‫وابن ماجة وابن حبان ‪ ،‬وقال اللبان رحه ال ‪ :‬صحيح لغيه ‪ .‬صحيح الترغيب والترهيب ‪2‬‬
‫‪ ، ] 600 /‬فشارب المر الصر على سربا كمن أشرك بال ‪ ،‬حت عده الصحابة من ذلك ‪،‬‬
‫فعن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬لا حُرمت المر مشى أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بعضهم إل بعض ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬حُرمت المر ‪ ،‬وجُعلت ِع ْدلً للشرك " [ أخرجه الطبان‬
‫وصححه اللبان ‪ .‬صحيح الترغيب والترهيب ‪. ] 602 / 2‬‬
‫وشدد النب صلى ال عليه وسلم ف تري شرب المر حرم على شاربا دخول النة ‪ ،‬فشارب‬
‫المر ل يكن أن يعلم حرمتها ف الكتاب والسنة واتفاق جيع أئمة السلمي ‪ ،‬ث يقوم بشربا ‪،‬‬
‫إل طاعة للشيطان ومعصية للرحن ‪ ،‬فإن كان مقرا بلها فقد حرم ال عليه دخول النة والعياذ‬
‫بال ‪ ،‬عن عَ ْبدُ ال ّلهِ بْنُ ُع َمرَ ‪ :‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬ثَلَاَث ٌة َقدْ َحرّ َم اللّهُ‬
‫ث الّذِي ُيقِ ّر فِي َأهْ ِلهِ الْخَبَثَ " [ أخرجه أحد‬
‫ق ‪ ،‬وَال ّديّو ُ‬
‫خ ْمرِ ‪ ،‬وَاْلعَا ّ‬
‫عَلَ ْي ِهمُ الْجَّن َة ‪ُ :‬مدْ ِمنُ الْ َ‬
‫وغيه واللفظ له وهو حديث حسن لغيه ‪ .‬صحيح الترغيب والترهيب ‪ ، ] 600 / 2‬فل‬
‫يكن لعاقل أبدا أن يتعدى حدود ال ‪ ،‬ويدعي اليان ‪ ،‬بل اليان منه براء ‪ ،‬لن العصية تر‬
‫العصية حت تطبق على النسان فل يعود يعرف معروفا أو ينكر منكرا ‪ ،‬ث يوت على خاتة‬
‫سيئة عياذا بال من ذلك ‪ ،‬ومنهم من يوت وهو يقول كلمة الكفر ‪ ،‬لنه ل يتب من ذنوبه‬
‫وآثامه فترب عليه وعاش عليه وأدمنها وألفها ث مات عليها ‪ ،‬فمثل أولئك الذين يشربون‬
‫المور والسكرات ‪ ،‬ويتعاطون الخدرات الهلكات قد ثبت لدينا با ل يدع ما ًل للشك أن‬
‫أكثرهم مات وهو يشربا ‪ ،‬أو مات وهو يطلبها ‪ ،‬بل أن يوت على شهادة التوحيد ( ل إله إل‬
‫ال ممد رسول ال ) ‪ ،‬فأي ناية مؤلة لولئك الناس ‪ ،‬فالمر أم البائث وتر معها الكثي من‬
‫الكبائر ‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬اجتنبوا‬
‫المر ‪ ،‬فإنا مفتاح كل شر " [ أخرجه الاكم وهو حديث حسن لغيه ‪ ،‬صحيح الترغيب‬
‫والترهيب ‪ ، ] 601 / 2‬وقد ثبت لدى الناس اليوم مصداقية هذا الديث ‪ ،‬فكم هم الذين‬
‫يشربون المور أو يتعاطون الخدرات ‪ ،‬ث يصبحوا ف مصاف البهائم ‪ ،‬فل يعرفون الرام ‪،‬‬
‫ول ييزون اللل ‪ ،‬فمن شرب المر ‪ ،‬وغاب عقله ‪ ،‬وفقد أهليته البشرية ‪ ،‬ل يتوان عن‬
‫ارتكاب أي منكر أو فاحشة دون شعور ‪ ،‬لنه أذهب عقله بنفسه ‪ ،‬وأي عاقل يفعل بنفسه مثل‬
‫هذه الفاعيل والباطيل ‪ ،‬فسبحان ال الذي وهب العقول وميز با أناسا عن آخرين ‪ ،‬قال‬
‫‪68‬‬

‫تعال ‪ " :‬إنا هديناه النجدين " والنجدان ‪ :‬الطريقان ‪ ،‬أي طريق الي وطريق الشر ‪ ،‬فكيف‬
‫يُقبل من عاقل أن يتار طريق الشر الذي يؤدي إل النار دون طريق الي الذي يوصل إل‬
‫ل أبدا ‪ ،‬وهذه قصة تؤيد مصداقية حديث النب‬
‫النة ‪ ،‬ل يكن أن يصدُق عليه أن يكون عاق ً‬
‫صلى ال عليه وسلم ف أن المر سبب لكل شر ‪ ،‬ومفتاح لكل سوء ‪ ،‬فهذا رجل صال أرادت‬
‫أحد النساء أن تفتنه وتراوده عن نفسه ‪ ،‬فعملت له حيلة ‪ ،‬فأرسلت جارية لا إليه وهو يشي‬
‫فدعته وقالت ‪ :‬سيدي يريدك ‪ ،‬فلما دخل البيت ‪ ،‬أغلقت الباب ‪ ،‬فلما دخل إذا هو بامرأة‬
‫وليس برجل ‪ ،‬فأراد أن يرج ‪ ،‬فقالت ‪ :‬إن خرجت صحت وقلت أراد أن يفعل ب ‪ ،‬فخاف‬
‫الرجل من الناس ‪ ،‬فقال ‪ :‬وما تريدين ؟ قالت ‪ :‬إما أن تزن ‪ ،‬وإما أن تقتل هذا الطفل ‪ ،‬وإما‬
‫أن تشرب المر ‪ ،‬فنظر ‪ ،‬فإذا كل واحدة أدهى من أختها ‪ ،‬وأحلها مر ‪ ،‬فقال ‪ :‬أشرب‬
‫المر ‪ ،‬فشرب المر ‪ ،‬فسكر ‪ ،‬وغاب عقله ‪ ،‬فوقع على الرأة ‪ ،‬وقتل الطفل ‪ ،‬فانظروا عاقبة‬
‫شرب المر ‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن ملكا من ملوك بن إسرائيل أخذ‬
‫رجلً فخيه بي أن يشرب المر ‪ ،‬أو يقتل نفسا ‪ ،‬أو يزن ‪ ،‬أو يأكل لم خنير ‪ ،‬أو يقتلوه إن‬
‫أب ‪ ،‬فاختار المر ‪ ،‬وإنه لا شرب المر ‪ ،‬ل يتنع من شيء أرادوه منه " [ أخرجه الطبان‬
‫بإسناد صحيح ‪ ،‬وصححه اللبان ف الصحيحة برقم ‪. ] 2695‬‬
‫وقد جاء ف التحذير من شرب المر قوله صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ما من أحد يشربا فتقبل له‬
‫صلة أربعي ليلة ‪ ،‬ول يوت وف مثانيه منه شيء إل حُرمت عليه النة ‪ ،‬فإن مات ف أربعي‬
‫ليلة ‪ ،‬مات ميتة جاهلية " [أخرجه الطبان بإسناد صحيح وصححه اللبان ف الصحيحة برقم‬
‫‪. ] 2695‬‬
‫َعنْ عَ ْبدُ ال ّل ِه ْبنُ عُ َم َر قال ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪َ " :‬منْ شَ ِربَ الْخَ ْم َر َل ْم َيقْبَلِ‬
‫ال ّلهُ َلهُ صَلَا ًة أَ ْرَبعِيَ صَبَاحًا ‪َ ،‬فإِ ْن تَابَ تَابَ ال ّلهُ عَلَ ْي ِه ‪َ ،‬فإِنْ عَادَ َل ْم َيقْبَ ِل ال ّلهُ َلهُ صَلَا ًة أَ ْربَعِيَ‬
‫ب تَابَ‬
‫ب ال ّلهُ عَلَ ْيهِ ‪َ ،‬فإِنْ عَا َد َلمْ َيقَْبلِ ال ّل ُه َلهُ صَلَاةً أَ ْرَبعِيَ صَبَاحًا ‪َ ،‬فإِ ْن تَا َ‬
‫صَبَاحًا ‪ ،‬فَإِ ْن تَابَ تَا َ‬
‫ب ال ّلهُ عَلَ ْيهِ ‪،‬‬
‫ب َلمْ يَتُ ِ‬
‫ال ّلهُ عَلَ ْي ِه ‪َ ،‬فإِنْ عَادَ الرّاِبعَ َة َلمْ َيقَْبلِ ال ّل ُه َلهُ صَلَاةً أَ ْرَبعِيَ صَبَاحًا ‪َ ،‬فإِ ْن تَا َ‬
‫صدِي ِد َأ ْهلِ النّارِ‬
‫َوسَقَا ُه ِمنْ َن ْهرِ الْخَبَالِ قِي َل يَا أَبَا عَ ْب ِد ال ّرحْ َمنِ وَمَا نَ ْه ُر الْخَبَا ِل قَا َل َن ْهرٌ ِمنْ َ‬
‫سنٌ ‪ ،‬وقال اللبان ‪ :‬صحيح لغيه ‪ ،‬صحيح الترغيب‬
‫ث َح َ‬
‫" [ أخرجه الترمذي ‪ ،‬وقَا َل ‪ :‬حَدِي ٌ‬
‫والترهيب ‪ ، ] 606 / 2‬لن توبته ليست صادقة بدليل نقضه لا كل تلك الرات ‪ ،‬ونظي‬
‫‪69‬‬

‫ذلك قوله تعال ‪ " :‬إن الذين كفروا بعد إيانم ث ازدادوا كفروا لن تقبل توبتهم " ‪ ،‬وقد جاء‬
‫إقامة الد على شارب المر ومتعاط الخدرات ‪ ،‬ف حديث جَاِبرِ ْبنِ عَ ْب ِد اللّهِ َع ِن النِّبيّ صَلّى‬
‫ب الْخَ ْم َر فَاجْ ِلدُو ُه ‪َ ،‬فإِنْ عَادَ فِي الرّابِ َع ِة فَاقْتُلُوهُ " قَالَ ‪ :‬ثُمّ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬إِنّ َم ْن َشرِ َ‬
‫ض َربَ ُه َولَ ْم َيقْتُلْهُ ‪،‬‬
‫ب الْخَ ْم َر فِي الرّاِبعَ ِة فَ َ‬
‫ك ِبرَ ُجلٍ َق ْد َشرِ َ‬
‫ُأِتيَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ بَ ْع َد َذلِ َ‬
‫ح َو َهذَا قَالَ‬
‫ص َة ْبنِ ُذ َؤيْبٍ َع ِن النّبِيّ صَلّى اللّهم عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ نَ ْ‬
‫وَ َك َذلِكَ َروَى ال ّز ْهرِيّ َع ْن قَبِي َ‬
‫حدِيثِ عِ ْندَ عَا ّمةِ أَ ْهلِ اْلعِ ْلمِ لَا َنعْلَ ُم بَيَْن ُهمُ اخْتِلَافًا‬
‫ص ًة وَاْلعَ َملُ عَلَى هَذَا الْ َ‬
‫َف ُرفِ َع الْقَ ْت ُل وَكَانَتْ ُرخْ َ‬
‫ث َومِمّا ُي َقوّي َهذَا مَا ُروِيَ َعنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ِمنْ َأ ْوجُهٍ‬
‫حدِي ِ‬
‫فِي ذَِلكَ فِي الْ َقدِ ِي وَالْ َ‬
‫شهَ ُد أَ ْن لَا ِإَلهَ ِإلّا ال ّلهُ َوَأنّي َرسُو ُل اللّ ِه ِإلّا ِبإِ ْحدَى ثَلَاثٍ‬
‫ح ّل دَ ُم ا ْمرِئٍ ُمسْ ِل ٍم َي ْ‬
‫ي ٍة َأنّ ُه قَا َل لَا يَ ِ‬
‫كَِث َ‬
‫ب الزّانِي وَالتّارِ ُك ِلدِينِهِ " [ صحيح الترمذي ] ‪.‬‬
‫الّنفْسُ بِالّنفْسِ وَالثّيّ ُ‬
‫وقد فسر بعض أهل العلم القتل ف الديث ‪ :‬بشديد العقاب ‪ ،‬وقوة اللد ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬أن القتل‬
‫منسوخ بفعل النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما ف الديث هذا ‪ ،‬فعندما أت بالرجل ف الرابعة ل‬
‫يقتله وإنا اكتفى بلده [ مرقاة الفاتيح ‪. ] 190 / 7‬‬
‫لكن قد يرى المام مصلحة ف قتل شار بالمر ‪ ،‬حت يكون عبة لغيه ‪ ،‬أو لكف أذاه عن‬
‫السلمي إذا ثبت أذاه ‪ ،‬أو لي مصلحة يراها ول المر ‪ ،‬وإن كان قتل الشارب منسوخا كما‬
‫ذكره جع غفي من أهل العلم ‪ ،‬لكن يوز قتله إذا خضعت الصلحة لذلك ‪ ،‬قال شيخ السلم‬
‫ابن تيمية رحه ال ‪ " :‬نسخ الوجوب ل ينع الواز ‪ ،‬فيجوز أن يقال ‪ :‬يوز قتله إذا رأى المام‬
‫الصلحة ف ذلك ‪ ،‬فإن ما بي الربعي إل الثماني ليس حدا مقدرا ف أصح قول العلماء ‪ ،‬كما‬
‫هو مذهب الشافعي وأحد ف إحدى الروايتي ‪ ،‬بل الزيادة على الربعي ترجع إل اجتهاد‬
‫المام فيفعلها عند الصلحة ‪ ،‬كغيها من أنواع التعزير ‪ ،‬وكذلك صفة الضرب فإنه يوز جلد‬
‫الشارب بالريد والنعال وأطراف الثياب بلف الزان والقاذف ‪ .‬فيجوز أن يقال ‪ :‬قتله ف‬
‫الرابعة من هذا الباب " [ مموع الفتاوى ‪. ] 483 / 7‬‬
‫وقال اللبان رحه ال ‪ " :‬ل دليل ينهض على النسخ ‪ ،‬وكل ما استدلوا به إنا هي روايات من‬
‫فعله صلى ال عليه وسلم أنه ل يقتل ‪ ،‬ومع أنه ليس فيه ما يصح ‪ ،‬ولو كان فيه شيء يصح معه‬
‫النسخ ‪ ،‬فهي ل تنسخ أصل مشروعية القتل ‪ ،‬وإنا تنسخ الوجوب " [ الروضة الندية ‪/ 3‬‬
‫‪. ] 315‬‬
‫‪70‬‬

‫وقال القاضي عياض رحه ال ‪ " :‬أجع السلمون على وجوب الد ف المر ‪ ،‬وأجعوا أن ل‬
‫يُقتل إذا تكرر منه ذلك ‪ ،‬إل طائفة شاذة قالوا ‪ :‬يقتل بعد حده أربع مرات ‪ ،‬والديث الوارد‬
‫ف ذلك وهو عند الكافة منسوخ بقوله عليه الصلة والسلم ‪ " :‬ل يل دم امرئ مسلم إل‬
‫بثلث ‪ :‬النفس بالنفس ‪ ،‬والثيب الزان ‪ ،‬والتارك لدينه الفارق " ‪ ،‬وحديث النعمان أن النب‬
‫صلى ال عليه وسلم حده ثلث مرات ول يقتله ‪ ،‬ونى عن لعنه ‪ ،‬ودل على نسخه إجاع‬
‫الصحابة على ترك العمل به " [ إكمال الُعلم ‪. ] 540 / 5‬‬
‫فالمر أم البائث وسبب لكل شر ‪ ،‬وقد كان شربا معروفا قبل السلم وبعده ‪ ،‬ولكن لا‬
‫حرمت المر ونزلت اليات بتحريها كف الصحابة رضوان ال عليهم عن شربا فورا ‪ ،‬وقالوا‬
‫‪ :‬انتهينا انتهينا ‪ ،‬فشرب المر أمارة من أمارات الساعة ‪ ،‬وإذن بقرب وقوعها ‪ ،‬وقد انتشرت‬
‫اليوم بشكل ملفت للنظر ‪ ،‬ما يدل على اقتراب شر مستطي قد يقع بذه المة ‪ ،‬أجارنا ال من‬
‫عذابه وعقابه ‪.‬‬
‫التاسع عشر ‪:‬‬
‫زخرفة الساجد والتباهي با ‪ :‬فقد روى المام أحد عن أنس رضي ال عنه أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت يتباهى الناس ف الساجد " ‪ ،‬وعن أنس رضي ال‬
‫عنه‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬من أشراط الساعة أن يتباهى الناس بالساجد "‬
‫[ أخرجه النسائي وابن خزية بسند صحيح ] ‪ .‬وزخرفة الساجد‪ ،‬هو نقشها‪ ،‬وعلة النهي وال‬
‫أعلم أن ذلك علمة الترف والتبذير والسراف‪ ،‬إضافة إل أنه يشغل الناس عن صلتم‪ ،‬أضف‬
‫إل ذلك قول ابن عباس كما ف صحيح البخاري أنه من عمل اليهود والنصارى ‪ " :‬لتُزخرفُنّها‬
‫كما زخرفت اليهود والنصارى " ‪ .‬لذا ولغيه ورد النهي ‪ ،‬ولّا أمر عمر بن الطاب بتجديد‬
‫السجد النبوي على عهده‪ ،‬نى عن الزخرفة وأكد على ذلك فقال ‪ " :‬أك ّن الناس من الطر‪،‬‬
‫وإياك أن تمرّ أو تصفرّ‪ ،‬فتفت الناس "‪.‬‬
‫فانظر كيف فهم فاروق المة رضي ال عنه أحاديث النهي ‪ ،‬لن الزخرفة تفت الناس وتشغلهم‬
‫عن صلتم ‪ ،‬وتلهيهم عنها ‪ ،‬وتُذهب الشوع ‪ ،‬وتنع الطمأنينة من القلوب ‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫ولقد كان مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم مبنيا من اللب ‪ ،‬وأعمدته من خشب النخل ‪،‬‬
‫وسقفه مظلل بالريد ‪ ،‬ولا نُخرت ف خلفة أب بكر رضي ال عنه ‪ ،‬جدده بثل ما كان ف عهد‬
‫النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ث نُخرت ف خلفة عمر رضي ال عنه ‪ ،‬فوسع السجد ول يغي ما‬
‫بُن سابقا ‪ ،‬بل بناه باللب والريد وخشب النخل ‪ ،‬ول يزخرفه ول بنقشه ‪ ،‬مع كثرة الفتوحات‬
‫السلمية ف عهده رضي ال عنه ‪ ،‬واتساع رقعة الديار السلمية ‪ ،‬وكثرة الموال بسبب‬
‫الفتوحات ‪ ،‬ومع ذلك أبقاه كما كان عليه صاحبيه ‪ ،‬ولكن ليس معن هذا أن يبقى السجد من‬
‫اللب والريد فقط ‪ ،‬وكلما نرته السوس أُعيد بناؤه ‪ ،‬بل يب العناية بالساجد فهي بيوت ال‬
‫تعال ‪ ،‬يب على السلمي العناية با أكثر ما يعتنون ببيوتم ‪ ،‬وليس معن ذلك أن نقوم‬
‫بزخرفتها والتكلف ف بنائها وصرف الموال العظيمة الطائلة ف ذلك ‪ ،‬ونترك الفقراء‬
‫والساكي والحتاجي ‪ ،‬بل هذا الفعل هو النهي عنه ف الديث ‪ ،‬فالنهي عنه أن النقوش‬
‫والتصاوير والزخارف وخصوصا إذا كانت بالذهب ‪ [ .‬أحكام الساجد ف السلم ‪. ] 51‬‬
‫فرحم ال الفاروق عمر‪ ،‬فإن من أتوا بعده‪ ،‬ل يأخذوا بوصيته‪ ،‬ول يقتصروا على التحمي‬
‫والتصفي‪ ،‬بل وتعدوا ذلك إل النقش كما ينقش الثوب ‪.‬‬
‫والتباهي ف بناء الساجد‪ ،‬صار أمرا ظاهرا لكل أحد‪ ،‬ومنذ القدي‪ ،‬والسلطي واللوك‬
‫واللفاء‪ ،‬يتباهون ف بناء الساجد وتزويقها وزخرفتها‪ ،‬حت أتوا وعلى مر التاريخ بالعجب‪ ،‬ول‬
‫زالت بعض هذه الساجد قائمة حت الن ف الشام ومصر وتركيا‪ ،‬وبلد الغرب والندلس‬
‫والند‪ ،‬وغيها‪ .‬ول تزال هذه العادة مستمرة إل يومنا هذا‪ ،‬التباهي‪ ،‬والزخرفة‪ ،‬الول يبن‬
‫مسجدا يتباهى بأنه صاحب أطول مئذنة ف العال‪ ،‬والثان أكب قبة‪ ،‬والثالث أوسع‪ ،‬والرابع‬
‫أجل‪ ،‬والامس أحسن‪ ،‬الهم أنه على وزن أفعل – ما ف العال‪ ،‬ويكن أن يلحق ما هو على‬
‫وزن أفعل‪ :‬أسوء‪ ،‬وأقبح‪ ،‬إذا كان مالفا لدي النب صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫إن عمارة بيوت ال جل وتعال إنا تكون‪ ،‬بالطاعة والذكر والصلة‪ ،‬وتقيق ما وجدت الساجد‬
‫ف هذا الدين من أجله‪ ،‬يكفي ف السجد أن يقي الناس الر والبد والطر‪.‬‬
‫إن مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم كان ف وقته من جريد النخل لكنه كان مكانا‬
‫للصلة والذكر‪ ،‬وكان مقرا لجتماع ملس الشورى‪ ،‬وكانت قاعدة عسكرية‪ ،‬ينطلق منها‬

‫‪72‬‬

‫جحافل اليان إل أصقاع العمورة‪ ،‬يفتحون البلد وينشرون دين ال‪ ،‬وكانت جامعة ترج‬
‫منها الفقهاء والحدثي والفسرين‪ ،‬وكانت مأوى للفقراء والساكي‪ ،‬كأهل الصفة وغيهم‪.‬‬
‫إل غي ذلك ما وجد السجد ف السلم لجله‪ ،‬أما اليوم فصحيح أن مساجدنا‪ ،‬أطول‪ ،‬وأكب‪،‬‬
‫وأوسع‪ ،‬و ‪ ..‬و ‪ ..‬لكن القاصد الشرعية الخرى للمساجد عطلت‪ ،‬فأصبح أسوأ‪ ،‬وأبشع‪،‬‬
‫وأبعد من السنة‪.‬‬
‫لقد جاء الوعيد من نبيكم بالب الصحيح بالدمار إذا زخرفت الساجد وحليت الصاحف‪ ،‬عن‬
‫أب الدرداء رضي ال عنه قال ‪ " :‬إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم‬
‫" [ أخرجه الترمذي وحسنه اللبان ف الصحيحة برقم ‪ ، ] 1351‬والديث وإن كان موقوفا‬
‫على أب الدرداء ‪ ،‬فإنه ف حكم الرفوع لن مثل هذا المر ل يُقال بالرأي ‪.‬‬
‫والذي عليه الشافعية كما نقله الناوي رحه ال ‪ " :‬أن تزويق الساجد ولو الكعبة بذهب أو‬
‫فضة حرام مطلقا‪ ،‬وبغيها مكروه " [ فيض القدير ‪. ] 714 / 2‬‬
‫فكم من الساجد اليوم يتباهى با أهلها ‪ ،‬من زخرفة وكتابات بطوط متلفة ‪ ،‬وأشكال‬
‫ورسوم ‪ ،‬ورخام وأشياء عجيبة ل تُرى قبل ذلك ‪ ،‬يأتون با من أقصى الدنيا وأدناها ‪ ،‬حت‬
‫يدخل الصلي إل السجد ويرج وهو منذهل متعجب من تلك المور ‪ ،‬بل إن البعض يدخل‬
‫الصلة ويرج منها ول يذكر إل تلك الزخرفة ‪ ،‬ولو سئل عما قرأ المام لا عرف ‪ ،‬والكثي‬
‫من الناس إذا أتوا من الج أو زيارة السجد النبوي ‪ ،‬ل يدثونك عن حلقات تفيظ القرآن ‪،‬‬
‫ول يدثونك عن الحاضرات والدروس العلمية القامة هناك ‪ ،‬بل يتحدثون عما رأوا من‬
‫زخارف ومصاعد كهربائية ومياه باردة ‪ ،‬وسلل متلفة ‪ ،‬فأصبحت الساجد أماكن للفرجة‬
‫والنهة ‪ ،‬ول أقول ذلك من باب العتراض على ما هو حاصل اليوم من توسعة للمساجد ف‬
‫بلد السلمي ‪ ،‬ل بل القصود أن ل تصل المور بالسلمي حت يتباهوا بالساجد وزخرفتها‬
‫وترك الوهر والصل وهو عمارتا بذكر ال ‪ ،‬وأن تكون مكانا للتعليم ‪ ،‬ومنطلقا للفتوحات‬
‫السلمية ‪ ،‬كما كانت ف الصدر الول للسلم ‪.‬‬
‫واليوم أصبحت الساجد تئن من فقد الصلي ‪ ،‬وتشتكي من كثرة التسولي ‪ ،‬ول يرك أكثر‬
‫السلمي ساكنا تاه هذه الحداث الؤلة الؤثرة على العقيدة ‪ ،‬والقادحة ف الدين ‪ ،‬فهناك من‬
‫الناس من يؤيد التسول ف بيوت ال ‪ ،‬وهي ل تب لذلك ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ف بيوت أذن ال أن‬
‫‪73‬‬

‫ترفع ويذكر فيها اسه يسبخ له فيها بالغدو والصال " ‪ ،‬فالواجب على الميع احترام بيوت‬
‫ال تعال من كل ما يدنسها ‪ ،‬أو يثي الدل والكلم الغي لئق با ‪ ،‬فليست بأماكن كسب‬
‫وسبل ارتزاق ‪ ،‬لمع حطام الدنيا ‪ ،‬لذلك فهي ل تصلح مكانا للتسول ‪ ،‬ورفع الصوت ولغط‬
‫الكلم ‪ ،‬كمن يتسول ويسأل الناس من أموالم ‪ .‬ويرم أن تكون بيوت ال تعال مكانا لكسب‬
‫حطام الدنيا ‪ ،‬والتمول من أموال الناس ‪ .‬وأقرب ما تقاس عليه مسألة التسول ‪ ،‬مسألة نشدان‬
‫الضالة ‪ ،‬والامع بينهما البحث والطالبة بأمر مادي دنيوي ‪ ،‬فناشد الضالة يبحث عن ماله دون‬
‫شبهة ‪ ،‬ومع ذلك أمر الشارع الكري كل من ف السجد بأن يدعو عليه بأن ل يد ضالته ‪ ،‬عن‬
‫ل ينشد‬
‫أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬أنه سع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬من سع رج ً‬
‫ضالة ف السجد ‪ ،‬فليقل ‪ :‬ل ردها ال عليك ‪ ،‬فإن الساجد ل تب لذا " [ أخرجه مسلم أبو‬
‫ل بل إنه يسأل‬
‫داود ] ‪ .‬أما التسول فهو يطلب مال غيه ‪ ،‬والشبهة قائمة أل يكون متاجا أص ً‬
‫الناس تكثرا والعياذ بال ‪ .‬فكان أجدر أل يُعطى نكا ًل له ‪ .‬فمسألة التسول مسألة أرقت المة‬
‫اليوم ‪ ،‬وأيقظت الغية عند الغيورين ‪ ،‬وكثر فيها الدل عند الكثيين ‪ ،‬فل تكاد تصلي ف‬
‫مسجد إل ويداهك متسول وشحاذ ‪ ،‬ويطاردك سائل ومتاج ‪ ،‬وليس العجب ف هذا ‪ ،‬ولكن‬
‫ل أو شابا يافعا وهو يردد كلمات لطالا سعناها ‪ ،‬ولطالا سئمناها ‪،‬‬
‫العجب عندما ترى رج ً‬
‫فيقف أحدهم ويردد كلمات عكف على حفظها أياما طوالً ‪ ،‬وساعات عديدة ‪ ،‬مدفوعا من‬
‫قبل فئة مبتزة ‪ ،‬أو جهة عاطلة ‪ ،‬تريد الساس بأمن هذا البلد واستقراره ‪ ،‬وتشويه صورته أما‬
‫الجتمعات ‪ ،‬إن تلك الناظر الخجلة الت نراها ف بيوت ال تعال ‪ ،‬لي دليل على عدم احترام‬
‫الساجد ‪ ،‬وعدم معرفة السبب الذي من أجله بنيت ‪ ،‬ودليل على نزع الياء ‪ ،‬وعدم توقي‬
‫لبيوت ال تعال ‪ ،‬ووضاعة ف أخلق أولئك التسولي والشحاذين والبتزين لموال الناس‬
‫والكلي لا بالباطل ‪ ،‬وكم تطالعنا الصحف اليومية بتحقيقات صحفية مع أولئك البتزين من‬
‫رجال ونساء ‪ ،‬ولسان حالم جيعا يقول ‪ :‬نريد مالً بل عمل ‪ ،‬لقد فسخوا الياء من وجوههم‬
‫‪ ،‬ولذا قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن ل تستح فاصنع ما شئت " ‪.‬‬
‫إننا ف هذا الوقت من الزمان ‪ ،‬الذي تفشى فيه الهل ‪ ،‬وانتشرت فيه البطالة ‪ ،‬اعتدنا كل يوم‬
‫وبعد كل صلة تقريبا على مناظر مؤذية ‪ ،‬ومشاهد مؤلة ‪ ،‬يقوم بتمثيلها فئة من الشباب‬
‫الدربي على إتقان صناعة النصب والحتيال بمارسة مهنة الشحاذة ‪ ،‬وأكل أموال الناس‬
‫‪74‬‬

‫بالباطل ‪ ،‬ولم ف ذلك أحوال وأشكال ‪ ،‬فمنهم من يقوم بتجبيس يده أو رجله أو أي جزء من‬
‫جسده ‪ ،‬ومنهم من يتصنع البلهة والنون ‪ ،‬ومنهم من يدعي الصابة بادث أو موت والد أو‬
‫أم ‪ ،‬أو حصول مرض ‪ ،‬أو ترك ديون ‪ ،‬وتُرك له أخوة وأخوات ‪ ،‬ويقوم برعايتهم ‪ ،‬والنفاق‬
‫عليهم ‪ ،‬والدين أثقل كاهله ول يستطيع السداد ‪ ،‬ومنهم من يفتعل البكاء وقد يلب معه ابن‬
‫اليان أو ابنتهم ليمارس الشحاذة با ‪ ،‬لستعطاف القلوب ‪ ،‬وقد يقسم بال كاذبا أنه لول‬
‫تلك الديون ‪ ،‬وعظم السؤولية لا وقف أمام الناس ‪ ،‬وغي ذلك من العذار والكاذيب الت ل‬
‫تعد تنطلي على أحد من العقلء ‪ .‬وكل يوم يقومون بتطوير أساليب الشحاذة ونب أموال‬
‫الناس ‪ ،‬بل لقد وصل المر إل بشاعة عظيمة ‪ ،‬وأمر ل يقره دين ول عقل ‪ ،‬وذلك بوجود فئة‬
‫من إماء ال من النساء اللت يأتي إل بيوت ال تعال لمارسة الشحاذة والتسول ‪ ،‬وهذا أمر‬
‫خطي ‪.‬‬
‫وهذه بعض الدلة الت ترم التسول ‪ ،‬وسؤال الناس من غي حاجة ‪:‬‬
‫فقد ثبت ف الصحيحي من حديث عبدال بن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ " :‬ما يزال الرجل يسأل الناس حت يأت يوم القيامة ليس ف وجهه مزعة لم "‬
‫‪ .‬وف صحيح مسلم عن أب هريرة رضى ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫" من سأل الناس أموالم تكثرا فإنا يسأل جرا فليستقل أو ليستكثر " ‪.‬‬
‫وف الصحيحي عن أب هريرة رضي ال عنه ‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪" :‬‬
‫والذي نفسي بيده لن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس ‪ :‬خي له‬
‫من أن يأت رجل فيسأله أعطاه أو منعه " ‪.‬‬
‫وف صحيح مسلم عنه أيضا قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬لن يغدو أحدكم‬
‫فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغن به عن الناس ‪ :‬خي له من أن يسأل رجل أعطاه أو‬
‫منعه ‪ ،‬ذلك بأن اليد العليا خي من اليد السفلى ‪ ،‬وابدأ بن تعول " ‪ ،‬زاد المام أحد ‪ " :‬ولن‬
‫يأخذ ترابا فيجعله ف فيه ‪ :‬خي له من أن يعل ف فيه ما حرم ال عليه " ‪ .‬وف صحيح البخاري‬
‫عن الزبي بن العوام رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬لن يأخذ أحدكم‬
‫حبله فيأت بزمة من الطب على ظهره فيبيعها فيكف ال با وجهه ‪ :‬خي له من أن يسأل‬
‫الناس أعطوه أو منعوه " ‪.‬‬
‫‪75‬‬

‫وعن سرة بن جندب رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن السألة‬
‫كد يكد با الرجل وجهه إل أن يسأل الرجل سلطانا أو ف أمر ل بد منه " [ رواه الترمذى‬
‫وقال ‪ :‬حديث حسن صحيح ] ‪.‬‬
‫قال ابن القيم رحه ال ‪ :‬السألة ف الصل حرام ‪ ،‬وإنا أبيحت للحاجة والضرورة لنا ظلم ف‬
‫حق الربوبية ‪ ،‬وظلم ف حق السئول ‪ ،‬وظلم ف حق السائل ‪:‬‬
‫أما الول ‪ :‬فلنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغي ال وذلك نوع عبودية فوضع السألة‬
‫ف غي موضعها ‪ ،‬وأنزلا بغي أهلها ‪ ،‬وظلم توحيده وإخلصه وفقره إل ال وتوكله عليه‬
‫ورضاه بقسمه ‪ ،‬واستغن بسؤال الناس عن مسألة رب الناس ‪ ،‬وذلك كله يهضم من حق‬
‫التوحيد ‪ ،‬ويطفئ نوره ويضعف قوته ‪.‬‬
‫وأما ظلمه للمسئول ‪ :‬فلنه سأله ما ليس عنده فأوجب له بسؤاله عليه حقا ل يكن له عليه ‪،‬‬
‫وعرضه لشقة البذل ‪ ،‬أو لوم النع ‪ ،‬فإن أعطاه ‪ ،‬أعطاه على كراهة ‪ ،‬وإن منعه ‪ ،‬منعه على‬
‫استحياء وإمضاض ‪ ،‬هذا إذا سأله ما ليس عليه وأما إذا سأله حقا هو له عنده ‪ :‬فلم يدخل ف‬
‫ذلك ول يظلمه بسؤاله ‪.‬‬
‫وأما ظلمه لنفسه ‪ :‬فإنه أراق ماء وجهه وذل لغي خالقه وأنزل نفسه أدن النلتي ‪ ،‬ورضي لا‬
‫بأبس الالتي ‪ ،‬ورضي بإسقاط شرف نفسه ‪ ،‬وعزة تعففه ‪ ،‬وراحة قناعته ‪ ،‬وباع صبه‬
‫ورضاه وتوكله وقناعته با قسم له ‪ ،‬واستغناءه عن الناس بسؤالم ‪ ،‬وهذا عي ظلمه لنفسه ‪ ،‬إذ‬
‫وضعها ف غي موضعها ‪ ،‬وأخل شرفها ‪ ،‬ووضع قدرها ‪ ،‬وأذهب عزها وصغرها وحقرها ‪،‬‬
‫ورضي أن تكون نفسه تت نفس السئول ويده تت يده ‪.‬‬
‫وقال البغوي رحه ال ‪ :‬وقد كره بعض السلف السألة ف السجد ‪ ،‬وكان بعضهم ل يرى أن‬
‫يتصدق على السائل التعرض ف السجد ‪ [ .‬شرح السنة ‪. ] 375 / 2‬‬
‫وقال أبو حامد الغزال ‪ :‬الصل ف السؤال التحري لثلثة أسباب ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬شكوى ال على اللق ‪ :‬إذ إن السؤال إظهار للفقر ‪ ،‬وإن نعمة ال قصرت عنه ‪،‬‬
‫وذلك عي الشكوى ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬أن السائل يذل نفسه لغي ال تعال ‪ ،‬وليس للمسلم أن يذل نفسه إل ل ‪ ،‬وف السؤال‬
‫ذل للسائل ‪ ،‬بالضافة إل إيذاء السؤول ‪.‬‬
‫‪76‬‬

‫الثالث ‪ :‬ف السؤال إحراج للمسؤول وإيذاء له ‪ ،‬فهو إما أن يعطيه حياءً أو ريا ًء ‪ ،‬وبذا يرم‬
‫على الخذ والعطي ‪ [ .‬إحياء علوم الدين ‪. ] 278 / 4‬‬
‫وقال النابلة رحهم ال ‪ :‬يكره سؤال الصدقة ف السجد ‪ ،‬ويكره إعطاء السائل فيه ‪.‬‬
‫وقال الشافعية رحهم ال ‪ :‬يكره السؤال ف السجد ‪ ،‬وإذا كان فيه تويش ورفع صوت فيحرم‬
‫‪.‬‬
‫وقال الالكية رحهم ال ‪ :‬ينهى عن السؤال ف السجد ‪ ،‬ويكره إعطاء السائل فيه ‪.‬‬
‫وقال الحناف رحهم ال ‪ :‬يرم السؤال ف السجد ‪ ،‬ويكره إعطاء السائل فيه ‪ [ .‬الفقه على‬
‫الذاهب الربعة ‪. ] 283 / 1‬‬
‫وقال الشيخ إبراهيم بن ممد الضبيعي ‪ :‬اتفق علماء السلم على أن التسول حرام لغي‬
‫ضرورة ‪ ،‬ول يوز إعطاء التسولي ف الساجد ‪ ،‬لن فيه تشجيع لستمرارهم ف هذا السلك‬
‫القبيح ‪ ،‬وفيه تعطيل للطاقات البشرية عن الكسب الشروع ‪ ،‬ويعتمد التحري على دللة‬
‫النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ‪[ .‬جريدة الزيرة – ‪14/6/1420‬هـ ] ‪.‬‬
‫ى للفاشلي ‪،‬‬
‫فانظروا أيها الخوة كيف أصبحت الساجد اليوم دورا للمتسولي ‪ ،‬ومأو ً‬
‫ومرتزقا للشحاذين ‪ ،‬لقد أخذت الساجد اليوم سة غريبة ‪ ،‬ابتعدت با عن مقصدها القيقي‬
‫وهو أنا مقر للطاعات وكسب السنات ‪ ،‬وأداء الصلوات ‪.‬‬
‫أضف إل ذلك هذه الزخرفة والنقوش الت أصبحت من الساسيات ف بناء الساجد اليوم ‪،‬‬
‫وهذه ظاهرة خطية تدل على قرب قيام الساعة ‪ ،‬فنسأل ال الثبات على الدين ‪ ،‬والعزية على‬
‫الرشد ‪.‬‬
‫العشرون ‪:‬‬
‫التطاول ف البنيان ‪ ،‬وهي من العلمات الت ظهرت قريبا من عصر النبوة ‪ ،‬وبدأت بالنتشار‬
‫بعد ذلك ‪ ،‬حت تباهى الناس ف العمران ‪ ،‬وزخرفة البيوت ‪ ،‬فكانت البيوت من جريد النخل‬
‫ومن الطي ‪ ،‬والن من السنت السلح ‪ ،‬واليوم نرى عجبا ‪ ،‬فقد كثر التباهي بالبيوت ‪ ،‬حت‬
‫أصبح المر ميا للعقول ‪ ،‬مدلما لبعض الناس ‪ ،‬وخطرا على آخرين ‪ ،‬فبسبب التقدم‬
‫الضاري والتكنولوجي والتقن ‪ ،‬وجدت أعمال عمرانية تكلف الليي من الريالت ‪ ،‬وهي‬
‫‪77‬‬

‫من الكماليات الت ل داعي لا ‪ ،‬فقد كان الفراش من الوكيت ‪ ،‬أما الن أصبح الفراش من‬
‫السياميك ‪ ،‬مكلفا مبالغ مالية طائلة ‪ ،‬وأصبحت الواجهات من الرخام ‪ ،‬أو الجر الذي‬
‫يُستقدم من بلد أخرى ‪ ،‬فتباهى الناس فيما بينهم ‪ ،‬حت أثقلت كواهل الكثي من الرجال‬
‫بسبب غية النساء بعضهن من بعض ف التقليد ‪ ،‬وهناك منازل زُخرفت من الداخل والارج ‪،‬‬
‫بل سبب مقنع لذلك ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة قَالَ ‪ :‬كَا َن النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ بَارِزًا يَ ْومًا لِلنّاسِ‬
‫َفَأتَا ُه جِ ْبرِي ُل َفقَالَ ‪ :‬مَا الْإِيَانُ ؟ قَالَ ‪ " :‬اْلإِيَانُ أَنْ ُت ْؤ ِمنَ بِاللّ ِه َومَلَاِئكَتِ ِه وَكُتُِب ِه وَبِ ِلقَائِ ِه وَ ُرسُلِهِ‬
‫شرِ َك ِبهِ شَيْئًا وَُتقِيمَ‬
‫ث " ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬مَا اْلإِسْلَامُ ؟ قَالَ ‪ " :‬اْلإِسْلَا ُم أَ ْن َتعُْبدَ ال ّلهَ َولَا ُت ْ‬
‫َوُتؤْ ِمنَ بِالَْبعْ ِ‬
‫ض َة وَتَصُومَ َرمَضَا َن " ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬مَا اْلإِ ْحسَانُ ؟ قَا َل ‪ " :‬أَ ْن َتعُْبدَ ال ّلهَ‬
‫ي الزّكَا َة الْ َمفْرُو َ‬
‫الصّلَاةَ َوُتؤَدّ َ‬
‫َكَأّنكَ َترَاهُ َفإِ ْن َلمْ َت ُكنْ َترَاهُ فَِإّنهُ َيرَا َك " ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬مَتَى السّا َعةُ ؟ قَالَ ‪ " :‬مَا الْ َمسْئُولُ عَ ْنهَا بِأَعْ َلمَ‬
‫ت الَْأ َمةُ َرّبهَا ‪ ،‬وَِإذَا تَطَاوَلَ رُعَا ُة اْلإِِبلِ الُْب ْهمُ‬
‫ِم َن السّائِ ِل ‪َ ،‬وسَُأخِْبرُكَ َع ْن أَ ْشرَا ِطهَا ‪ِ " :‬إذَا َوَلدَ ِ‬
‫س لَا َيعْلَ ُم ُهنّ ِإلّا ال ّلهُ ُث ّم تَلَا النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ( إِ ّن اللّهَ عِ ْن َدهُ عِ ْلمُ‬
‫فِي الْبُنْيَا ِن ‪ ،‬فِي خَمْ ٍ‬
‫السّا َعةِ ) الْآَيةَ ثُ ّم َأ ْدبَ َر َفقَالَ ُردّو ُه فَ َل ْم َيرَوْا شَيْئًا ‪َ ،‬فقَالَ ‪َ " :‬هذَا جِ ْبرِيلُ جَا َء ُيعَ ّلمُ النّاسَ دِيَن ُهمْ "‬
‫[ متفق عليه ] ‪ ،‬وقد ظهر هذا ف زماننا جليا فتطاول الناس ف البنيان وتفاخروا ف ذلك‬
‫تفاخرا عجيبا ‪ ،‬ولو أنفقت تلك الموال للفقراء والساكي لكان خيا لم ‪ ،‬وأنفع لغيهم ‪،‬‬
‫وأعظم ف درجاتم ‪.‬‬
‫فبعد أن كان أولئك البدو الرحل الذين ل يقر لم مستقر بثا عن الكل والعشب والاء لرعي‬
‫مواشيهم وبائمهم ‪ ،‬أصبحوا اليوم يتطاولون ف البنية ‪ ،‬وكثرة الدوار ‪ ،‬والفلل والعمارات‬
‫الشاهقة الرتفاع ‪.‬‬
‫قال ابن رجب النبلي رحه ال ‪ " :‬فإذا صار الفاة العراة رعاء الشاة وهم أهل الهل والفاء‬
‫رؤوس الناس وأصحاب الثروة والموال حت يتطاولوا ف البنيان ‪ ،‬فإنه يفسد بذلك نظام الدين‬
‫والدنيا " [ جامع العلوم والكم ] ‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت يبن الناس بيوتا يوشونا وشي الراحيل "‬
‫[ أخرجه البخاري ف الدب الفرد ورجاله كلهم ثقات ‪ ،‬ما عدا عبد ال بن ممد بن أب يي‬
‫وهو ثقة وثقه ابن حجر ف التقريب ] ‪ ،‬والراحيل ‪ :‬الثياب الخططة ‪ ،‬ومعن ذلك ‪ :‬أنه ف آخر‬
‫الزمان سيكون هناك أناس يبنون بيوتا يزخرفونا ويططونا مثل تطيط اللبس وزركشتها ‪.‬‬
‫‪78‬‬

‫وقال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬ومعن التطاول ف البنيان ‪ :‬أن كلً من كان يبن بيتا يريد أن يكون‬
‫ارتفاعه أعلى من ارتفاع الخر ‪ ،‬ويتمل أن يكون الراد الباهاة به ف الزينة والزخرفة ‪ ،‬أو أعم‬
‫من ذلك ‪ ،‬وقد وُجد الكثي من ذلك ‪ ،‬وهو ف ازدياد " [ الفتح ‪ /‬باب الفت ] ‪ ،‬وكما قال‬
‫رحه ال فقد ظهر ف عصرنا هذا ناطحات السحاب ‪ ،‬والعمارات الشاهقة الرتفاع ‪ ،‬وغي‬
‫ذلك من أمور التطاول ف البنيان ‪ ،‬وهذا دليل اقتراب الساعة ‪.‬‬
‫الادي والعشرون ‪:‬‬
‫ولدة المة لربتها ‪ :‬كما ف الصحيحي لا قال النب صلى ال عليه وسلم لبيل ‪ " :‬وسأخبك‬
‫عن أشراطها ‪ :‬إذا ولدت المة ربتها " ‪.‬‬
‫واختلف العلماء ف معن هذا الديث إل سبعة أقوال ‪ ،‬بعضها متداخلة ف بعض ‪ ،‬وإليك‬
‫تلخيصها ف خسة أقوال ‪:‬‬
‫القول الول ‪ :‬اتساع السلم واستيلء أهله على بلد الشرط ‪ ،‬فإذا ملك الرجل الارية‬
‫واستولدها كان الولد منها بنلة ربا ‪ ،‬وهذا القول قول أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬أن تبيع السادة أمهات أولدها ويكثر ذلك فيتداول اللك الستولدة حت يشتريها‬
‫أولدها ول يشعر بذلك [ معال السنن ‪. ] 67 / 7‬‬
‫لكن استبعد هذا القول كل من ابن حجر وابن كثي ‪.‬‬
‫حت قال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬استيلد الماء كان موجودا حي القالة ـ حي ورود الديث‬
‫ـ والستيلء على بلد الشرك وسب ذراريهم واتاذهم سراري وقع أكثره ف صدر السلم ‪،‬‬
‫وسياق الكلم يقتضي الشارة إل وقوع ما ل يقع ما سيقع قرب قيام الساعة " [ الفتح ] ‪.‬‬
‫القول الثان ‪ :‬أن تلد المة حرا من غي سيدها يوطئ شبهة أو رقيقا بنكاح أو زنا ‪ ،‬ث تباع‬
‫المة ف الصورتي بيعا صحيحا وتدور اليدي حت يشتريها ابنها أو بنتها ‪.‬‬
‫القول الثالث ‪ :‬أن يكثر العقوق ف الولد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الهانة‬
‫والسب ‪ ،‬قال ابن حجر ‪ :‬وهذا أوجه الوجه عندي ‪.‬‬
‫القول الرابع ‪ :‬أن الماء تكون ف آخر الزمان هنّ الشار إليهن بالشمة فتكون المة تت‬
‫الرجل الكبي دون غيها من الرائر ‪.‬‬
‫‪79‬‬

‫القول الامس ‪ :‬أن تبيع السادة أمهات الولد ويكثر ذلك فيتداول اللك الستولدة حت‬
‫يشتريها ولدها وهو ل يشعر بذلك ‪ ،‬وقد يكون ذلك ناشئا عن غلبة الهل بتحري بيع‬
‫المهات ‪ ،‬أو الستهانة بالحكام الشرعية ‪.‬‬
‫وهكذا نرى انعكاس المور ‪ ،‬بيث يصبح الُرب مُربيا ‪ ،‬والسافل عاليا ‪ ،‬فعند ذلك ينتظر‬
‫الناس وقوع العلمات الكبى ومن ث قيام الساعة ‪.‬‬
‫الثان والعشرون ‪:‬‬
‫كثرة القتل ‪ ،‬فقد روى المام البخاري ومسلم عن أب هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت يكثر الرج ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وما الرج يارسول ال قال‬
‫القتل القتل " ‪ ،‬وروى المام أحد بسند صحيح عن أب موسى رضي ال عنه عن النب صلى ال‬
‫عليه وسلم قال ‪ " :‬إن بي يدي الساعة الرج‪ ،‬قالوا وما الرج؟ قال القتل‪ ،‬قالوا‪ :‬أكثر ما‬
‫نقتل؟ إنا نقتل ف العام الواحد أكثر من سبعي ألفا‪ ،‬قال‪ :‬إنه ليس بقتلكم الشركي ولكن قتل‬
‫بعضكم بعضا‪ ،‬قالوا‪ :‬ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال‪ :‬إنه ليُنع عقول أكثر أهل ذلك الزمان‪ ،‬ويلف‬
‫له هباء من الناس‪ ،‬يسب أكثرهم أنه على شيء وليسوا على شيء " ‪ ،‬وعن أب هريرة رضي‬
‫ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬والذي نفسي بيده ل تذهب الدنيا حت‬
‫يأت على الناس يوم ل يدري القاتل فيم قَتلَ‪ ،‬ول القتول فيم قُتل‪ ،‬فقيل‪ :‬كيف يكون ذلك؟‬
‫قال‪ :‬الرج‪ ،‬القاتل والقتول ف النار " ‪.‬‬
‫وما أخب به النب صلى ال عليه وسلم ف هذه الحاديث قد وقع بعض منه‪ ،‬فحدث القتال بي‬
‫السلمي ف عهد الصحابة رضي ال عنهم بعد مقتل عثمان رضي ال عنه‪ ،‬ث فتح الباب بعد‬
‫ذلك ‪ ..‬لكن قتال الصحابة ليس كقتال من جاء بعدهم‪ ،‬فلم تكن لم أطماع دنيوية على مال‬
‫أو حكم أو رياسة كما يصور ذلك بعض النحرفي من الكُتاب‪ ،‬ويصدقه السذج وضعاف‬
‫اليان‪ .‬تلك أمة قد خلت لا ما كسبت ولكم ما كسبتم ول تسألون عما كانوا يعملون‬
‫ويكفي أنم قوم قد حطوا رحالم ف النة ‪ [ .‬وقد مر بنا مزيد بيان لذه النقطة فيما سبق ] ‪.‬‬
‫ث صارت الروب تكثر ف بعض الماكن دون بعض‪ ،‬وف بعض الزمان دون بعض‪ ،‬وغالبها ل‬
‫تلو من أطماع‪ ،‬إما على حكم وهذا الغالب‪ ،‬أو على مال أو حروب طائفية دينية‪ ،‬وأحيانا‬
‫‪80‬‬

‫تقوم حروب دون أن يعرف لا سبب‪ ،‬وإن ما حصل ف القرون الخية من الروب الدمرة بي‬
‫المم والت ذهب ضحيتها اللوف بل الليي‪ .‬وانتشرت الفت بي الناس بسبب ذلك‪ ،‬وكلما‬
‫تسلم زعيم حكم دولة فأول ما يبدأ به هو تصفية كل القربي من الوزراء والمراء والعوان‬
‫للذي قبله ‪.‬‬
‫وكذلك‪ ،‬فإن انتشار السلحة الفتاكة الت تدمر الشعوب والمم‪ ،‬لا دور كبي ف كثرة القتل‬
‫حت صار النسان ل قيمة له‪ ،‬يذبح كما تذبح الشاة‪ ،‬وذلك بسبب النلل‪ ،‬وطيش العقول‪،‬‬
‫وعدم احترام النسان ‪ ،‬فعند وقوع الفت‪ ،‬يُقتل القتول ول يدري لاذا قُتِل وفيم قُتل‪ ،‬بل أننا‬
‫نرى بعض الناس يقتل غيه لسباب تافهة‪ ،‬وذلك عند اضطراب الناس ويصدق على ذلك قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إنه ليُنع عقول أكثر أهل ذلك الزمان " نسأل ال العافية‪ ،‬ونعوذ به‬
‫من الفت ما ظهر منها وما بطن‪.‬‬
‫والتأمل بعي البصي ‪ ،‬والعاقل الصيف ‪ ،‬والناظر لواقع الياة اليوم ‪ ،‬وما يري على مسرح‬
‫الحداث يد أمرين ‪:‬‬
‫الول‪ :‬إن جيع الروب الت تقع ضد السلمي ف هذا الوقت‪ ،‬سوا ًء كانت موجهة مباشرةً‬
‫ضدهم أو كانت بالتحريش بينهم‪ ،‬فينبغي أن نعلم أن ورائها الغرب الاقد على السلم‪،‬‬
‫متمثلة ف دولة عاد الكبى – وهي حروب دينية صليبية بتة – يراد منها القضاء على أكب‬
‫عدد من السلمي بالقتل‪ ،‬وإن كانت ف الظاهر قد تأخذ أسبابا تروج ف العلم أنا غي دينية‪،‬‬
‫ل شك أنم يققون مكاسب مادية من وراء ذلك‪ ،‬لكن قضية الدين ف القدمة‪ ،‬ولقد كثر القتل‬
‫ف السلمي ف هذه الزمان‪ ،‬بسبب هذا الخطط الصليب الاقد‪.‬‬
‫فمرة ‪ :‬يعطون الضوء الخضر لدولة تغزو جارتا‪ ،‬ومرة يتسببون ف فت بي جارتي فيقع بينهم‬
‫حروب لسنوات‪ ،‬تستنف فيها أموال‪ ،‬وتزهق أنفس‪ ،‬ومرة يكونون وراء حرب طائفية داخل‬
‫الدولة الواحدة‪ ،‬ومرة يكون الطرف الخر هم أنفسهم مباشرة كما حصل ف البوسنة‪،‬‬
‫ويترعون لا أي سبب‪.‬‬
‫ما مصلة هذا كله‪ :‬الحصلة كثرة القتل ف السلمي‪.‬‬
‫المر الثان ‪ :‬إن هذا القتل الذريع ف السلمي‪ ،‬والغالب أنم أبرياء ل ذنب لم إل أنم شعوب‬
‫تلك الدولة أو رعايا الدولة الخرى‪ ،‬أنم والعلم عند ال تعال أن هذا القتل لم بدون سبب‬
‫‪81‬‬

‫يفف عنهم عذاب الخرة‪ ،‬فقد روى الاكم ف الستدرك بسند صحيح عن صدقة بن الثن‬
‫قال‪ :‬حدثنا رباح بن الارث عن أب بردة قال‪ :‬بينا أنا واقف ف السوق ف إمارة زياد إذا‬
‫ضربت بأحدى يدي على الخرى تعجبا‪ ،‬فقال رجل من النصار قد كانت لوالده صحبة مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ما تعجب يا أبا بردة؟ قلت أعجب من قوم دينهم واحد‪،‬‬
‫ونبيهم واحد‪ ،‬ودعوتم واحدة‪ ،‬وحجهم واحد‪ ،‬وغزوهم واحد‪ ،‬يستحل بعضهم قتل بعض‪،‬‬
‫قال فل تعجب فإن سعت والدي أخبن أنه سع رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬إن‬
‫أمت أمة مرحومة‪ ،‬ليس عليها ف الخرة حساب ول عذاب‪ ،‬إنا عذابا ف القتل والزلزل‬
‫والفت " [ السلسلة الصحيحة ‪ ، ] 686-684 / 2‬وف رواية أب موسى ف مسند المام أحد‬
‫بسند صحيح ‪ " :‬إن أمت أمة مرحومة‪ ،‬ليس عليها ف الخرة عذاب‪ ،‬إنا عذابا ف الدنيا‪ :‬القتل‬
‫والبلبل والزلزل " [ صحيح الامع برقم ‪ ، 1734‬والسلسلة الصحيحة برقم ‪. ] 959‬‬
‫فظهر ف هذه الونة صدق هذه الحاديث الت على كثرة القتل ‪ ،‬وخصوصا ف جانب السلمي‬
‫‪ ،‬لنه ليس لم من ينصر قضاياهم إل ال تعال ‪ ،‬أما هم فقد خذلوا أنفسهم بابتعاد قلوبم ‪،‬‬
‫وشتات رأيهم ‪ ،‬وتباعد أقطارهم ‪ ،‬حت أصبحوا فريسة سهلة ف أيدي العداء من المريكان‬
‫واليهود ‪ ،‬فما حصل ف فلسطي إل أكب دليل على خبث نوايا القوم ‪ ،‬ولو أعظم دليل على‬
‫شتات أمر المة ‪ ،‬وتفرق كلمتها ‪ ،‬وانطاط رأيها ‪ ،‬وذهاب هيبتها بي المم والشعوب ‪ ،‬وما‬
‫حصل ف العراق من قتل للبرياء وانتهاب للخيات ‪ ،‬وتطيم للمقدرات ‪ ،‬وذهاب النفس‬
‫ل تقق ما كانت تدعيه أمريكا وبريطانيا من انقاذ‬
‫البيئة ‪ ،‬ما الدافع لذه الرب ؟ وهل فع ً‬
‫شعب العراق من طاغيته ‪ ،‬وتغيي الكم ‪ ،‬والقضاء على أسلحة الدمار الشامل ؟‬
‫إن الواقع بعد أن انتهت الرب يدل على أن هناك أطماعا دولية كانت ترسم لا تلك الدول ‪،‬‬
‫وتطط لتحقيق مآربا ف ذلك ‪ ،‬وفعلً تت الطة وإن كانت مكشوفة واضحة للبيان والعيان ‪،‬‬
‫لكن تقق لم ما أرادوا من القضاء على دولة إسلمية عريقة ‪ ،‬لنا تثل عقبة ف وجه العدو‬
‫الصهيون ‪ ،‬وتعيق تركات الدول الكافرة إذا أرادت ان تتحرش بأي دولة عربية أو إسلمية‬
‫أخرى ‪ ،‬كذلك لن العراق تعتب ثان أكب دولة ف العال من إنتاج البترول ‪ ،‬فأرادت تلك‬
‫ل ‪ ،‬ول تقبض على صدام حسي طاغية‬
‫الدول تقيق مقاصدها ‪ ،‬لكن لك تد أسلحة دمار شام ً‬
‫العراق ‪ ،‬فماذا عساها كانت أسباب تلك الرب ؟ والواب القضاء على السلم ‪.‬‬
‫‪82‬‬

‫كذلك القتال الذي حصل ضد دولة مسلمة ل سلح لا ‪ ،‬ول قوة عندها ‪ ،‬لكن كان القتال‬
‫بجة القضاء على الرهاب ‪ ،‬وأي إرهاب أعظم من الذي تنتهجه أمريكا ضد دول العال أجع ‪،‬‬
‫فهي ل ترعى للنسانية حقا ‪ ،‬ول تترم قانونا ‪ ،‬بل اخترقت جيع القواني والنظمة الدولية ‪،‬‬
‫فكلما لحت لا براقة فائدة ف قتال دولة ما ‪ ،‬سارعت إل ذلك بتذرع أي حجة حت تدخل‬
‫معها ف قتال ‪ ،‬ويتدم القتال ف تلك الدولة ‪ ،‬حت تتحقق مآربا الدنيئة ‪ ،‬ومطامعها السيسة ‪.‬‬
‫ووال لو اجتمعت كلمة السلمي ف مشارق الرض ومغاربا لسُحقت الدولة الصليبية الت‬
‫أعلن رئيسها أنه سيشن حربا ضد السلم والسلمي ‪ ،‬والعجيب أننا ف غفلة وتباعد وخوف‬
‫شديد ‪ ،‬ول شك أن دولة واحدة من دول السلم قد ل تكون جديرة ومهيأة لوض حرب مع‬
‫دولة متقدمة تقنيا وعسكريا كأمريكا ‪ ،‬لكن أقول ‪ :‬لو اجتمعت دول السلم ‪ ،‬ووقف جيع‬
‫السلمي يدا واحدة ‪ ،‬بقدراتم الالية والعسكرية والتكنولوجية والسدية ‪ ،‬لرأت أمريكا شيئا‬
‫مذهلً ‪ ،‬فلقد حصلت النتصارات ف بدر وحطي ‪ ،‬وفتحت فلسطي ‪ ،‬ومُزق التاد السوفيت‬
‫‪ ،‬ودخل الوف واللع قلوب اليهود وغيهم اليوم ‪ ،‬بسبب تاسك بعض الهات السلمية ‪،‬‬
‫فبال قل ل ‪ :‬كيف لو اتدت أمة كاملة تربوا عن اللف وثلثائة مليون مسلم ‪ ،‬حتما‬
‫ستسحق العال بأسره ‪ ،‬وستستول عليه بأكمله ‪.‬‬
‫فنسأل ال أن يقق لسلمي نصرا عزيزا على أعدائهم ‪ ،‬وأن يرد كيد العداء ف نورهم ‪ ،‬إنه‬
‫سيع قريب ميب ‪.‬‬
‫الثالث والعشرون ‪:‬‬
‫كثرة التجارة وفشوها بي الناس‪ ،‬حت تشارك وتزاحم النساء فيها الرجال‪.‬‬
‫روى المام أحد ف مسنده والاكم ف مستدركه بسند صحيح عن عبدال بن مسعود رضي ال‬
‫عنه عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬بي يدي الساعة تسليم الاصة‪ ،‬وفشو التجارة‪،‬‬
‫حت تشارك الرأة زوجها ف التجارة))‪ .‬وروى النسائي عن عمرو بن تغلب قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إن من أشراط الساعة أن يفشو الال ويكثر‪ ،‬وتفشو التجارة)) وهذا‬
‫أمر حاصل وظاهر لكل أحد‪ ،‬إن كثرة التجارة وانتشارها أمر ل بأس به‪ ،‬بل قد يكون مطلوبا‪،‬‬
‫فهو يغن النسان عن سؤال الغي‪ ،‬لكن البأس‪ ،‬أن تؤدي التجارة ويؤدي هذا الال للفتتان‪ ،‬ث‬
‫‪83‬‬

‫الطغيان‪ ،‬كل إن النسان ليطغى أن رآه استغن وكذلك الرأة‪ ،‬الصل أنه ل بأس من‬
‫مشاركتها ف التجارة‪ ،‬والدخول فيها ‪ ،‬لكن البأس ما هو حاصل من واقعنا ف هذا الزمان‪،‬‬
‫التمرد‪ ،‬والستغناء عن الزوج‪ ،‬بل والتسلط عليه‪ ،‬وصار السكي موقفه ضعيفا‪ ،‬فالال بيدها‪،‬‬
‫أضف إل ذلك نقصان العقل والدين‪ ،‬فماذا تتوقع بعد ذلك‪ ،‬ل غرابة إذا سعنا‪ ،‬بل أصبح هذا‬
‫أمرا عاديا عند بعض السر‪ ،‬أن تسافر بعض النساء لوحدهن‪ ،‬ول أتكلم هنا عن بعض السفار‬
‫الداخلية‪ ،‬ول عن ما ذكره الفقهاء ف كتبهم من سفر الرأة مع مموعة إل الج‪ ،‬بل أعن سفر‬
‫عدد من النساء‪ ،‬وف الغالب أخوات للسياحة والتنه والصطياف ف الارج‪ ،‬وهذا حاصل‬
‫وواقع ‪ ..‬وصل قلة الياء والستهانة بأوامر ال وعدم الجل حت من الناس أن يقال ويعرف‬
‫أن بنات فلن قضي شهرا من عطلة الصيف ف أوربا‪ ،‬أو أمريكا‪ ،‬أو أحد بلدان الشام‪ ،‬بل‬
‫وصار الناس يستقبلون مثل هذه الخبار دون نكارة‪ ،‬ول حرج‪ ،‬لو سألت وبثت عن بعض‬
‫أسباب ذلك‪ ،‬لوجدت أن وفرة الال‪ ،‬وكثرته ف يد الرأة‪ ،‬قد يؤدي إل مثل ذلك‪ ،‬بل وأشد‬
‫من ذلك ‪ ..‬لقد أخب النب صلى ال عليه وسلم أنه ل يشى على هذه المة الفقر‪ ،‬إنا يشى‬
‫عليها أن تبسط عليها الدنيا‪ ،‬فيكثر الال‪ ،‬وتفشو التجارة‪ ،‬فيقع بي الناس التنافس‪ ،‬الذي يؤدي‬
‫إل اللك‪ ،‬ففي الديث أنه قال عليه الصلة والسلم‪(( :‬وال ما الفقر أخشى عليكم‪ ،‬ولكن‬
‫أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم‪ ،‬فتنافسوها كما‬
‫تنافسوها‪ ،‬وتلككم كما أهلكتهم)) رواه البخاري ومسلم ‪ ..‬وف صحيح مسلم قال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪(( :‬إذا فتحت عليكم فارس والروم‪ ،‬أي قوم أنتم؟ قال عبدالرحن بن عوف‪ :‬نقول‬
‫كما أمرنا ال‪ ،‬قال رسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬أو غي ذلك‪ :‬تتنافسون‪ ،‬ث تتحاسدون‪ ،‬ث‬
‫تتدابرون‪ ،‬ث تتباغضون))‪ .‬فالنافسة على الدنيا‪ ،‬تر إل ضعف الدين‪ ،‬وهلك المة‪ ،‬وتفريق‬
‫الكلمة‪ ،‬كما وقع ف الاضي‪ ،‬وكما هو واقع الن‪.‬‬
‫تد أخوين‪ ،‬خرجا من بطن واحد‪ ،‬ومن صلب رجل واحد‪ ،‬يصل بينهم مشاكل ومنازعات‬
‫وخصومات‪ ،‬بل ويصل المر إل الحاكم‪ ،‬من أجل خلف على مزرعة‪ ،‬أو أرض‪ ،‬أو كانا‬
‫شريكي ف تارة‪ ،‬وال الستعان‪.‬‬
‫وتصديق ما أخب به النب صلى ال عليه وسلم من فشو التجارة‪ ،‬أصبحت ترى مدينة صغية‪،‬‬
‫كالت نن فيها الن‪ ،‬كان سوقها قبيل سنوات مصور ف شارع واحد‪ ،‬والن أصبحت الدينة‬
‫‪84‬‬

‫كلها سوق‪ ،‬وتولت معظمها إل ممعات تارية‪ ،‬أضعاف أضعاف حاجة البلد‪ ،‬والعجيب أن‬
‫التجار يشتكون من كساد السوق‪ ،‬وف القابل هناك ازدياد متضاعف على فتح ملت أخرى‬
‫وجديدة‪ ،‬باذا نفسر هذا؟ إن تفسيه أنه أحد علمات الساعة‪.‬‬
‫الرابع والعشرون ‪:‬‬
‫كثرة الزلزل ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬لَا َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى‬
‫ج َوهُ َو اْلقَتْ ُل الْقَ ْتلُ‬
‫ب ال ّزمَانُ ‪ ،‬وَتَ ْظ َهرَ اْلفَِتنُ ‪َ ،‬وَيكُْثرَ اْلهَرْ ُ‬
‫ض الْعِ ْل ُم ‪ ،‬وََتكُْثرَ ال ّزلَا ِزلُ ‪َ ،‬ويََتقَارَ َ‬
‫ُيقْبَ َ‬
‫ض " [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫‪ ،‬وحَتّى َيكْثُ َر فِي ُكمُ الْمَا ُل فََيفِي َ‬
‫ولقد تزلزلت الرض بالدينة أيام عمر بن الطاب رضي ال عنه فقال لصحابه ‪ " :‬لئن عادت‬
‫وال ل أساكنكم فيها أبدا " ‪.‬‬
‫فإذا كان ذلك ف زمن عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ ،‬زمن المن واليان ‪ ،‬زمن التقوى‬
‫والوف من ال ‪ ،‬وهناك من يزجر الناس عن الرام ‪ ،‬وينعهم من ارتكاب الثام ‪ ،‬فكيف ف‬
‫زماننا هذا ‪ ،‬أل يستحق الناس أن تتزلزل بم الرض كل يوم وليلة ‪ ،‬لا اقترفوه ويقترفونه من‬
‫معاص وذنوب كبار ‪ ،‬وهذه سنة ال تعال ف خلقه ‪ ،‬فكلما عصى القوم ربم سلط عليهم أمورا‬
‫ينكرونا لتخوفهم حت يعودوا إل ربم ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وما نرسل باليات إل تويفا " ‪ ،‬فكم‬
‫هي الزلزل الت حصلت هنا ف مدينة تبوك وما جاورها من مافظات ‪ ،‬بل وحت ف العديد من‬
‫الدول السلمية ‪ ،‬حت حدثت انزلقات كبية ف القشرة الرضية ‪ ،‬وأُحدثت تشققات ف‬
‫الرض يراها كل إنسان ‪ ،‬كل ذلك تويف من ال تعال لعباده حت يراجعوا دينهم ‪ ،‬ويذروا‬
‫من عذابه وعقابه ‪.‬‬
‫قال ابن حجر رحه ال ‪ " :‬قد وقع ف كثي من البلد الشمالية والشرقية والغربية كثي من‬
‫الزلزل ‪ ،‬ولكن الذي يظهر أن الراد بكثرتا ‪ :‬شولا ودوامها ‪ ،‬وقد وقع ف حديث سلمة بن‬
‫نفيل عند أحد ‪ " :‬وبي يدي الساعة سنوات الزلزل " [ الفتح ‪. ] 109 / 17‬‬
‫فالقصود من كثرة الزلزل ‪ ،‬تواليها واستمرارها ف السنة الواحدة ‪ ،‬ونن الن على عتبة‬
‫البداية ‪ ،‬فكل سنة تصل زلزل منها الدمرة ‪ ،‬ومنها غي ذلك ‪ ،‬وآخر زلزال حصل الذي ف‬

‫‪85‬‬

‫الزائر ف شهر ربيع الول لعام ‪1424‬هـ ‪ ،‬والذي راح ضحيته آلف الموات ‪،‬‬
‫وعشرات اللف من الصابي ‪ ،‬وما هذا إل دليل على قرب وقوع الساعة ‪.‬‬
‫قَالَ عَ ْبدُ ال ّلهِ بْ ُن َحوَاَلةَ اْلأَ ْزدِيّ وَضَعَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َي َدهُ عَلَى َرْأسِي َأوْ قَالَ‬
‫ت الَرْضَ الْ ُم َق ّدسَ ِة َفقَ ْد َدنَتِ‬
‫ت الْخِلَافَ َة َقدْ َن َزلَ ْ‬
‫عَلَى هَامَتِي ُثمّ قَالَ ‪ " :‬يَا اْب َن حَوَالَ َة ِإذَا َرَأيْ َ‬
‫س ِمنْ َيدِي َه ِذ ِه ِمنْ َرْأ ِسكَ "‬
‫ب ِمنَ النّا ِ‬
‫الزّلَا ِزلُ وَالْبَلَاِب ُل وَاْلأُمُو ُر الْعِظَا ُم وَالسّا َعةُ يَ ْومَِئذٍ َأ ْقرَ ُ‬
‫[ أخرجه أبو داود واحد وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪. ] 7715‬‬
‫الامس والعشرون ‪:‬‬
‫ت ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪" :‬‬
‫ظهور السف والسخ والقذف ‪َ ،‬عنْ عَاِئشَ َة قَالَ ْ‬
‫ك َوفِينَا‬
‫ت ‪ :‬يَا َرسُو َل اللّ ِه َأَنهْلِ ُ‬
‫ف " ‪ ،‬قَالَتْ ‪ :‬قُ ْل ُ‬
‫خ َوقَذْ ٌ‬
‫َيكُو ُن فِي آ ِخرِ اْلأُ ّم ِة َخسْفٌ َو َمسْ ٌ‬
‫ث " [ أخرجه الترمذي وصححه اللبان ف صحيح‬
‫الصّالِحُونَ ؟ قَا َل ‪َ " :‬نعَ ْم ِإذَا َظ َه َر الْخُبْ ُ‬
‫الامع برقم ‪ ، ] 8012‬وقد جاءت عدة أحاديث تدل على وقوع السف والسخ والقذف‬
‫ف هذه المة ‪ ،‬لكن ل يكون ذلك إل إذا ارتكبت الذنوب ‪ ،‬وقل من يعظ الناس ‪ ،‬أو سكت‬
‫الميع على فاعل النكر ‪ ،‬ول يُنكر عليه أحد ‪ ،‬عند ذاك فعلى الناس أن ينتظروا حدوث ما‬
‫أخب عنه النب صلى ال عليه وسلم من وقوع تلك الفت العظيمة الت تشيب لا رؤوس‬
‫الواليد ‪ ،‬وتذهل منها الرضعات ‪ ،‬وتضع كل ذات حل حلها ‪ ،‬لن عذاب ال شديد ‪.‬‬
‫وقد وجد السف ف مواضع ف الشرق والغرب قبل عصرنا هذا ‪ ،‬ووقع ف هذا الزمان كثي‬
‫من السوفات ف أماكن متفرقة من الرض ‪ ،‬وهذا نذير بي يدي عذاب شديد ‪ ،‬وتويف من‬
‫ال لعباده ‪ ،‬وعقوبة لهل البدع والعاصي ‪ ،‬كي يعتبوا ويرجعوا إل ربم ‪ ،‬ويعلموا أن الساعة‬
‫أزفت واقتربت وحان أوان العودة إل ال تعال ‪ ،‬فعلى الناس أن يأخذوا أهبة الستعداد بالتوبة‬
‫النصوح والقبال إل ال تعال بالعمال الصالة ‪ ،‬وترك النكرات والذر من لقاء ال تعال‬
‫والنسان مثقل بالذنوب والثام ‪.‬‬
‫وقد تنوعت أسباب وقوع السف والسخ والقذف بتعدد أسباب العاصي والذنوب والثام ‪،‬‬
‫فمنها ‪:‬‬

‫‪86‬‬

‫أو ًل ‪ /‬شرب المور وساع الغان ‪ :‬فهي من أسباب وقوع تلك الفت بالمة ‪ ،‬فقد جاء الوعيد‬
‫بن شرب المر أو سع العازف والغان بالسف والقذف والسخ إل قردة وخنازير والعياذ‬
‫بال ‪َ ،‬عنْ عِ ْمرَانَ بْ ِن حُصَ ْينٍ أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬فِي َه ِذهِ اْلُأمّ ِة َخسْفٌ‬
‫ت اْلقَيْنَاتُ‬
‫ي يَا َرسُولَ ال ّل ِه وَمَتَى ذَاكَ قَالَ ِإذَا َظ َهرَ ِ‬
‫ف َفقَالَ َر ُجلٌ ِم َن الْ ُمسْلِمِ َ‬
‫خ َوقَذْ ٌ‬
‫َو َمسْ ٌ‬
‫ت الْخُمُو ُر " [ أخرجه الترمذي وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم‬
‫ف َو ُشرِبَ ِ‬
‫وَالْ َمعَازِ ُ‬
‫ي قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ ‪" :‬‬
‫ك الَْأ ْشعَرِ ّ‬
‫‪ ، ] 4119‬و َعنْ َأبِي مَالِ ٍ‬
‫ف وَالْ ُمغَنّيَاتِ‬
‫ش َربَ ّن نَاسٌ ِم ْن ُأمّتِي الْخَ ْم َر ُيسَمّوَنهَا ِبغَ ْيرِ اسْ ِمهَا يُ ْعزَفُ عَلَى ُرءُو ِس ِهمْ بِالْ َمعَازِ ِ‬
‫لََي ْ‬
‫ج َعلُ مِ ْن ُهمُ اْل ِقرَ َد َة وَالْخَنَازِيرَ " [ أخرجه ابن ماجة وصححه اللبان‬
‫ض َويَ ْ‬
‫ف ال ّلهُ ِب ِهمُ اْلأَرْ َ‬
‫خسِ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ف صحيح الامع برقم ‪. ] 5330‬‬
‫ثانيا ‪ /‬أهل القدر ‪ :‬وهم القدرية وهي فرقة ضلت عن سواء السبيل وظهرت ف أواخر عهد‬
‫الصحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬وأنكرها عبد ال بن عمر ‪ ،‬وعبد ال بن عباس رضي ال عنهما‬
‫وغيها من الصحابة والتابعي ‪ ،‬والئمة الهديي إل يومنا هذا ‪ ،‬لنا فرقة كفرت بال تعال‬
‫فطغت وغلت حت خرجت من اللة والعياذ بال ‪ ،‬قال الشافعي رحه ال ‪ " :‬القدري ‪ :‬الذي‬
‫يقول ‪ :‬إن ال ل يلق الشر حت عُمل به " ‪ ،‬وقال المام أحد رحه ال ‪ " :‬القدرية ‪ :‬هم الذين‬
‫يزعمون أن الستطاعة والشيئة والقدرة إليهم ‪ ،‬وأنم يلكون لنفسهم الي والشر ‪ ،‬والضر‬
‫والنفع ‪ ،‬والطاعة العصية ‪ ،‬والدى والضللة ‪ ،‬بدءا من أنفسهم من غي أن يكون سبق لم‬
‫ذلك من ال أو ف علم ال ‪ ،‬وقولم يضارع قول الجوسية والنصرانية " [ اتاف الماعة ‪/ 1‬‬
‫‪. ] 313‬‬
‫ك فِي َه ُؤلَاءِ‬
‫ي مَعَ عُ َم َر ْبنِ عَ ْبدِ اْل َعزِي ِز َفقَالَ مَا َرْأيُ َ‬
‫ت أَسِ ُ‬
‫و َع ْن َأبِي ُسهَيْ ِل ْبنِ مَاِلكٍ َأّنهُ قَالَ كُ ْن ُ‬
‫ف َفقَالَ عُ َم ُر ْبنُ عَ ْبدِ اْل َعزِيزِ‬
‫اْلقَدَ ِرّيةِ َفقُلْتُ َرْأيِي أَ ْن َتسْتَتِيَب ُه ْم َفإِنْ تَابُوا وَِإلّا َعرَضَْت ُهمْ عَلَى السّيْ ِ‬
‫َو َذلِكَ َرْأيِي قَا َل مَالِك َو َذلِكَ َرْأيِي " [ الوطأ ] ‪.‬‬
‫فهي فرقة مارقة من الدين ‪ ،‬ولذلك استحقوا العقوبة من ال تعال على أقوالم تلك قَالَ َرسُولَ‬
‫خ َأوْ‬
‫ف َأوْ َمسْ ٌ‬
‫شكّ مِ ْن ُه خَسْ ٌ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬يَكُو ُن فِي َه ِذهِ اْلأُ ّم ِة أَ ْو فِي ُأمّتِي ال ّ‬
‫ف فِي َأ ْهلِ اْل َقدَرِ " [ أخرجه الترمذي وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪] 4150‬‬
‫َقذْ ٌ‬

‫‪87‬‬

‫ف وَ ُه َو فِي‬
‫خ َو َقذْ ٌ‬
‫‪ ،‬وقَالَ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ ‪ِ " :‬إّنهُ سََيكُو ُن فِي ُأمّتِي َمسْ ٌ‬
‫الزّْندِيقِّي ِة وَاْل َقدَرِّيةِ " [ أخرجه أحد ‪ ،‬وصححه أحد شاكر ف تقيق السند برقم ‪. ] 6208‬‬
‫وقد اختلف العلماء ف السخ هل هو حقيقي أم معنوي ؟ على قولي ‪:‬‬
‫القول الول ‪ /‬أنه مسخ حقيقي ‪ :‬ورجح هذا القول ‪ ،‬ابن عباس ‪ ،‬وابن كثي ‪ ،‬وبن العرب ‪،‬‬
‫وغيهم من أئمة التفسي ‪.‬‬
‫القول الثان ‪ /‬أنه مسخ معنوي ‪ :‬وأن السخ كان لقلوبم ‪ ،‬ول يسخوا قردة ‪.‬‬
‫ولعل القول الراجح ف ذلك وال أعلم بالصواب ‪ :‬هو القول الول ‪ ،‬لن السخ وقع حقيقة ف‬
‫بن إسرائيل وتشهد بذلك الحاديث ‪ ،‬وأن السخ ل يستمر أكثر من ثلثة أيام ث يوت ‪ ،‬قال‬
‫ابن مسعود رضي ال عنه ‪ ،‬سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم عن القردة والنازير أهي ما‬
‫مسخ ؟ فقال ‪ " :‬إن ال عز وجل ل يهلك قوما ‪ ،‬أو يسخ قوما ‪ ،‬فيجعل لم نسلً ول عاقبة‬
‫" ‪ [ ،‬منة النعم ‪ ، ] 3/314‬وأصل حديث ابن مسعود ف مسلم ف باب القدر (‪. )16/431‬‬
‫السف بقبائل العرب ‪:‬‬
‫صحَارٍ اْلعَ ْبدِيّ َعنْ َأبِيهِ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ " :‬لَا‬
‫َعنْ عَ ْبدِ ال ّرحْ َمنِ ْبنِ ُ‬
‫ي قَالَ قَبَاِئلَ‬
‫ت حِ َ‬
‫ف ِبقَبَاِئلَ فَُيقَا ُل َمنْ بَ ِقيَ ِم ْن بَنِي فُلَا ٍن " ‪ ،‬قَا َل ‪َ :‬ف َعرَفْ ُ‬
‫خسَ َ‬
‫َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى يُ ْ‬
‫ب ِإلَى ُقرَاهَا " [ أخرجه أحد والطبان وأبو يعلى والبزار ‪ ،‬وضعفه‬
‫ج َم تُ ْنسَ ُ‬
‫َأّنهَا اْلعَ َربُ ِلأَ ّن الْعَ َ‬
‫شعيب الرنؤوط ف تقيق السند برقم ‪. ] 20340‬‬
‫وبا أن الديث ضعيف فل تقوم به حجة ‪ ،‬فليس ما ذُكر فيه صحيح ‪.‬‬
‫السف بالبصرة ‪:‬‬
‫صرُونَ‬
‫س يُمَ ّ‬
‫س إِنّ النّا َ‬
‫ك ‪ :‬أَنّ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ َل ُه ‪ " :‬يَا َأنَ ُ‬
‫س ْبنِ مَالِ ٍ‬
‫َعنْ َأنَ ِ‬
‫ت ِبهَا َأوْ َدخَلَْتهَا َفِإيّاكَ‬
‫ص َرةُ َأ ِو الْبُصَ ْي َرةُ َفإِ ْن َأنْتَ َمرَ ْر َ‬
‫صرًا مِ ْنهَا ُيقَا ُل َلهُ الْبَ ْ‬
‫َأمْصَارًا َوإِ ّن مِ ْ‬
‫ف َوقَذْفٌ‬
‫ضوَاحِيهَا َفِإّنهُ َيكُو ُن ِبهَا َخسْ ٌ‬
‫ب ُأمَرَائِهَا وَعَلَ ْيكَ بِ َ‬
‫َوسِبَا َخهَا وَكِلَا َءهَا َوسُو َقهَا َوبَا َ‬
‫وَ َرجْفٌ وَ َقوْ ٌم يَبِيتُو َن يُصْبِحُو َن ِق َردَ ًة َوخَنَازِيرَ " [ أخرجه أبو داود والطبان ف الوسط ] ‪.‬‬
‫السف باليش الذي يغزو الكعبة ‪:‬‬

‫‪88‬‬

‫ش الْ َكعَْبةَ‬
‫ت ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬يَ ْغزُو جَيْ ٌ‬
‫شةُ رَضِي اللّه عَ ْنهَا قَالَ ْ‬
‫َعنْ عَائِ َ‬
‫ت ‪ :‬يَا َرسُولَ ال ّلهِ ! َكيْفَ‬
‫ت قُلْ ُ‬
‫ف بَِأ ّولِ ِه ْم وَآخِ ِر ِهمْ " ‪ ،‬قَالَ ْ‬
‫خسَ ُ‬
‫ض يُ ْ‬
‫َفِإذَا كَانُوا بِبَ ْيدَا َء ِمنَ اْلأَرْ ِ‬
‫ف ِبَأوِّل ِهمْ‬
‫خسَ ُ‬
‫ف ِبَأوِّل ِهمْ وَآ ِخ ِرهِ ْم ‪َ ،‬وفِيهِ ْم أَ ْسوَا ُق ُهمْ ‪َ ،‬و َمنْ لَيْسَ مِ ْنهُمْ ؟ قَالَ ‪ " :‬يُ ْ‬
‫خسَ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫وَآ ِخ ِرهِ ْم ُثمّ يُ ْبعَثُونَ عَلَى نِيّاِت ِهمْ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] ‪ ،‬وسيحدث هذا السف‬
‫ليش ف آخر الزمان ف زمن الهدي ‪ ،‬وسيأت الديث عنه ف أشراط الساعة الكبى إن شاء‬
‫ال تعال ‪.‬‬
‫لكن السف الذي يصل لبعض البعوث جاء مصرحا به ف حديث َأبِي ُهرَْي َرةَ َع ِن النّبِيّ صَلّى‬
‫ش مِ ْنهُمْ‬
‫ف بِجَ ْي ٍ‬
‫خسَ َ‬
‫ت حَتّى يُ ْ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَا تَنَْتهِي الُْبعُوثُ َعنْ َغ ْزوِ َهذَا الْبَيْ ِ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ت ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫ي قَالَ ْ‬
‫صفِّي َة أُ ّم الْ ُم ْؤمِنِ َ‬
‫" [ أخرجه النسائي وغيه ] ‪ ،‬و َعنْ َ‬
‫ش حَتّى ِإذَا كَانُوا بِبَ ْيدَا َء ِمنَ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا يَنَْتهِي النّاسُ َعنْ َغ ْز ِو هَذَا الْبَيْتِ حَتّى َيغْ ُز َوهُ جَيْ ٌ‬
‫ت ‪ :‬يَا َرسُولَ ال ّلهِ ! أَ َرَأيْتَ‬
‫ت قُلْ ُ‬
‫ج َأوْسَ ُط ُهمْ " ‪ ،‬قَالَ ْ‬
‫ض ُخسِفَ ِبَأوِّل ِهمْ وَآ ِخ ِرهِ ْم َولَ ْم يَنْ ُ‬
‫اْلأَرْ ِ‬
‫س ِهمْ " [ أخرجه أحد وغيه ] ‪.‬‬
‫الْ ُم ْك َرهَ مِ ْن ُهمْ ؟ قَا َل ‪ " :‬يَ ْبعَُثهُ ُم اللّهُ عَلَى مَا فِي َأنْ ُف ِ‬
‫فالبعوث ستتواصل لدم البيت الرام ‪ ،‬ولكن ال يمي بيته ‪ ،‬ولقد تبجح أهل الكفر اليوم ‪،‬‬
‫بأنم سيقومون بدم الكعبة الشرفة إذا تواصلت حلت العنف ضد العداء من قبل السلمي ‪،‬‬
‫وأن لم ذلك ‪ ،‬وأمة الليار مسلم على أهبة الستعداد للدفاع عن بيت ال الرام قبلة السلمي‬
‫ومهوى أفئدتم ‪ ،‬ولم ف أبرهة مثالً وقدوة يقتدون با ‪ ،‬وعبة يعتبون با ‪.‬‬
‫ومن اليات العظام الت يكون ظهورها آخر الزمان ثلثة خسوفات ‪ ،‬وسيأت ذكرها مستوفً‬
‫بإذن ال تعال ف أشراط الساعة الكبى ‪.‬‬
‫السادس والعشرون ‪:‬‬
‫ذهاب الصالي‪ ،‬وقلة الخيار‪ ،‬وكثرة الشرار‪ ،‬حت ل يبقى إل شرار الناس‪ ،‬وهم الذين تقوم‬
‫عليهم الساعة ‪ ..‬روى المام أحد بسند صحيح عن عبدال بن عمرو رضي ال عنهما قال‪:‬‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬ل تقوم الساعة حت يأخذ ال شريطته من أهل الرض‬
‫– (شريطته أي أهل الي والدين) – فيبقى فيها عجاجة – (وهم الراذل الذين ل خي فيهم)‬
‫– ل يعرفون معروفا ول ينكرون منكرا))‪ .‬معن الديث أن ال يأخذ أهل الي والدين‪ ،‬ويبقى‬
‫‪89‬‬

‫غوغاء الناس وأراذلم ومن ل خي فيهم‪ ،‬وتأمل أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد ربط‬
‫القضية بالمر بالعروف والنهي عن النكر ‪ ..‬وروى المام أحد أيضا بسند صحيح عن عمرو‬
‫بن شعيب عن أبيه عن جده‪ ،‬عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‪(( :‬يأت على الناس زمان‪،‬‬
‫يُغربلون فيه غربلةً‪ ،‬يبقى منهم حثالة – (والثالة الردئ من كل شيء) – قد مرِجت – (أي‬
‫اختلطت) – عهودهم وأماناتم واختلفوا‪ ،‬فكانوا هكذا‪ ،‬وشبك بي أصابعه)) ‪.‬‬
‫مت يكون ذهاب الصالي؟ ومت يقل الخيار ويكثر الفجار؟ يكون ذهاب الصالي‪ ،‬عند‬
‫كثرة العاصي‪ ،‬وعند ترك المر بالعروف‪ ،‬والنهي عن النكر ((أنلك وفينا الصالون؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ .‬إذا كثر البث))‪.‬‬
‫والبث وال قد كثر‪ ،‬وطفح على السطح‪ ،‬ول يعد البث مستورا‪ ،‬بل أصبح ظاهرا ويعلن‬
‫عنه‪ ،‬دخل البث معظم البيوت‪ ،‬أصبحت ترى البث ف شوارع السلمي وأسواقهم‪ ،‬بل لقد‬
‫تلل البث إل سلوكيات المة وأخلقها‪ ،‬كان ف الاضي يستحي الناس من ظهور وبروز شيء‬
‫من خبثهم وفجورهم ومعاصيهم‪ ،‬أما اليوم وصل المر إل الجاهرة بالبث‪.‬‬
‫أصبح الرجل الصال الذي ل يريد أن يتلوث ببث الجتمع غريبا‪ ،‬بل حت عوام الناس صاروا‬
‫يطلقون عليه بقولم – فلن ملتزم – إذا كان هو ملتزما فأنت ماذا تكون؟ هذا اعتراف منك‬
‫بأنك غي ملتزم‪ ،‬أي غي ملتزم بأوامر ال‪ ،‬غي ملتزم بأحكام الشرع‪ ،‬وهذه هي النتكاسة أيها‬
‫الحبة‪.‬‬
‫أرجع إل البث‪(( ،‬أنلك وفينا الصالون؟ قال نعم إذا كثر البث))‪.‬‬
‫إن كثرة البث ف الجتمع‪ ،‬سبب لذهاب النعم‪ ،‬وحلول النقم‪ ،‬البث سلّب للنعم جلّب‬
‫للنقم‪ ،‬خبث الناس وفجورهم ومعاصيهم يسبب تسلط الصوم‪ ،‬وتسيطر الشرار والفجار‪،‬‬
‫ل أخذنا‬
‫وارتفاع السعار‪ ،‬وشح الوظائف‪ ،‬وكثرة الرائم وقلة المطار‪ ،‬وانتشار الوبئة فك ً‬
‫بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الرض‬
‫ومنهم من أغرقنا وما كان ال ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ‪.‬‬
‫ما نزل بالمة من ذل وهوان وآلم‪ ،‬وعقوبات ومن وفت إل بسبب كثرة البث وقلة‬
‫الصالي‪ ،‬فحرمت المة من خيهم وبركتهم ودعوتم‪ ،‬وما يصيب المة ف واقعها ما هي إل‬
‫نذر لكي يعودوا ويرجعوا ويكفوا من نشر البث وتقليص تدد الصالي‪ .‬وما كنا مهلكي‬
‫‪90‬‬

‫القرى إل وأهلها ظالون وقال جل شأنه‪ :‬فاعلم أنا يريد ال أن يصيبهم ببعض ذنوبم ‪.‬‬
‫ولعلك تسألن وتقول ما هو البث؟ وماذا تعن بالبث؟ فأقول لك إن البث صوره ل تعد ول‬
‫تصى لكن خذ بعض النماذج‪:‬‬
‫إن من البث‪ ،‬إقامة الربا‪ ،‬وانتشار الفواحش‪ ،‬وكثرة الزنا ومن البث‪ :‬إكرام الكفار والفجار‪،‬‬
‫وإهانة الصالي والخيار‪ ،‬ونبذ أحكام شريعة البار‪ ،‬ومن البث‪ :‬تضيع الصلوات ومنع‬
‫الزكوات‪ ،‬واتباع الشهوات‪ ،‬وارتكاب النكرات‪ ،‬ومعاداة أولياء من بيده الرض والسماوات‪.‬‬
‫من البث‪ :‬انتشار الغش والظلم‪ ،‬كثرة أكل الرام‪ ،‬ارتفاع أصوات العازف‪ ،‬تساهل الناس ف‬
‫ساع الغناء‪ ،‬عدم الكتراث بشاهدة التبج والسفور‪.‬‬
‫من البث‪ :‬فشو رذائل الخلق‪ ،‬ومستقبح العادات ف البني والبنات‪ ،‬وتسكع النساء ف‬
‫السواق‪ ،‬وكثرة مشاكل الغازلت والعاكسات‪ ،‬هذه ناذج وغيها أضعاف مضاعفة ‪ ..‬ولعله‬
‫ثار ف ذهنك‪ ،‬لاذا ل يذكر الطيب خبث العلم وما يبثه من سوم‪ ،‬والبث الوجود ف‬
‫التلفاز؟‬
‫الواب‪ :‬فإن هذا ل يكفيه إشارة عابرة‪ ،‬وإنا يتاج إل كلم مفصل‪ ،‬وسيكون بإذن ال تعال‪،‬‬
‫خصوصا البث الكب‪ ،‬وشيطان البائث‪ ،‬ما يسمونه‪ :‬الدش‪.‬‬
‫والشكلة أن الناس نيام‪ ،‬والجتمع غافلٌ له‪ ،‬ل يعلم بأن البث‪ ،‬يهدم الركان‪ ،‬ويقوض‬
‫الساس‪ ،‬ويزيل النعم‪ ،‬وينقص الال‪ ،‬وترتفع السعار‪ ،‬وتغلو العيشة‪ ،‬وتل الزائم الربية‬
‫والعنوية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تت أرجلكم أو‬
‫يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف اليات لعلهم يفقهون وكذب به‬
‫قومك وهو الق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ‪.‬‬
‫قال ال تعال‪ :‬أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن‬
‫يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر ال فل يأمن مكر ال إل القوم الاسرون أو ل‬
‫يهد للذين يرثون الرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبم ونطبع على قلوبم فهم ل‬
‫يسمعون‬
‫السابع والعشرون ‪:‬‬
‫‪91‬‬

‫ارتفاع السافل من الناس على خيارهم‪ ،‬واستئثارهم بالمور دونم‪ ،‬فيكون أمر الناس بيد‬
‫سفهالم وأراذلم ومن ل خي فيهم‪ ،‬وهذا أيها الحبة من انعكاس القائق وتغيّر الحوال‪،‬‬
‫وهذا أمر مشاهد جدا ف هذا الزمان‪ ،‬فترى أن كثيا من رؤوس الناس وأهل العقد والل هم‬
‫أقل الناس صلحا وعلما‪ ،‬إل من رحم ال مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم‬
‫القدمون على غيهم ف تول أمور الناس‪ ،‬لن أفضل الناس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى‪،‬‬
‫قال تعال‪ :‬إن أكرمكم عند ال أتقاكم ‪.‬‬
‫ولذلك ل يكن النب صلى ال عليه وسلم يول الوليات وأمر الناس إل من هم أصلح الناس‬
‫وأعلمهم‪ ،‬وكذلك خلفاؤه من بعده‪ ،‬والمثلة على ذلك كثية‪ ،‬ومنها ما رواه البخاري عن‬
‫ل أمينا‬
‫حذيفة رضي ال عنه‪ ،‬أن النب صلى ال عليه وسلم قال لهل نران‪(( :‬لبعثن إليكم رج ً‬
‫حَق أمي)) فاستشرف لا أصحاب النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فبعث أبا عبيدة‪.‬‬
‫اسع أخي السلم إل هذه الحاديث ف أن من أشراط الساعة إرتفاع أسافل الناس‪ ،‬روى المام‬
‫أحد عن أب هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إنا ستأت على‬
‫الناس سنون خدّاعة‪ ،‬يصدق فيها الكاذب‪ ،‬ويكذب فيها الصادق‪ ،‬ويؤتن فيها الائن‪ ،‬ويون‬
‫فيها المي‪ ،‬وينطق فيها الرويبضة‪ ،‬قيل وما الرويبضة؟ قال‪ :‬السفيه يتكلم ف أمر العامة)) وف‬
‫حديث جبيل الطويل قوله‪(( :‬ولكن سأحدثك عن أشراطها‪ ،‬إذا كانت العراة الفاة رؤوس‬
‫الناس‪ ،‬فذاك من أشراطها)) رواه مسلم‪.‬‬
‫وف الصحيح‪(( :‬إذا أسند المر إل غي أهله فانتظر الساعة))‪ .‬وعن أب هريرة رضي ال عنه‬
‫قال‪(( :‬من أشراط الساعة‪ ،‬أن يعلو التحوت الوعول‪ ،‬قال‪ :‬أكذلك يا عبدال بن مسعود سعته‬
‫من حِب؟ قال‪ :‬نعم ورب الكعبة‪ ،‬قلنا وما التحوت؟ قال‪ :‬سفول الرجال‪ ،‬وأهل البيوت‬
‫الغامضة يرفعون فوق صاليهم‪ ،‬والوعول‪ :‬أهل البيوت الصالة)) رواه الطبان ف الوسط‪.‬‬
‫وف الصحيحي‪ ،‬عن حذيفة رضي ال عنه‪ ،‬فيما رواه عن النب صلى ال عليه وسلم ف قبض‬
‫المانة‪ ،‬قال‪(( :‬حت يقال للرجل‪ :‬ما أجلده ما أظرفه ما أعقله‪ ،‬وما ف قلبه مثقال حبة من‬
‫خردل من إيان))‪.‬‬
‫وهذا هو الواقع بي السلمي ف هذا العصر‪ ،‬يقولون للرجل‪ :‬ما أعقله‪ ،‬ما أحسن خلقه‪،‬‬
‫ويصفونه بأبلغ الوصاف السنة‪ ،‬ربا ل يوصف با بعض الصحابة‪ ،‬وهو من أفسق الناس‪،‬‬
‫‪92‬‬

‫وأقلهم دينا وأمانة‪ ،‬بل قد يكون عدوا للسلم والسلمي‪ ،‬ويعمل على هدم الدين ليل نار‪،‬‬
‫ول حول ول قوة إل بال العلي العظيم‪.‬‬
‫ول داعي لكي تتيقن أن إرتفاع أسافل الناس على خيارهم‪ ،‬وتقلد المور دونم‪ ،‬أن تنظر إل‬
‫بعيد‪ ،‬لو نظرت إل أقرب الؤسسات حولك أو الشركات‪ ،‬أو الصال والكاتب‪ ،‬لرأيت أنه‬
‫يتول أمر هذه الصلحة‪ ،‬أو ذلك الكتب‪ ،‬أو ذلك القسم أو الدارة‪ ،‬أقلهم علما وخبة بل‬
‫وشهادة‪ ،‬وربا ل يمل شهادة‪ ،‬ول يفقه شيء ف العمل‪ ،‬وإذا نظرت إل خلقه وسلوكياته‪،‬‬
‫لرأيته أفسق من ف الدارة‪ ،‬أو الؤسسة‪ ،‬وأنزلم خلقا ومعاملة‪ ،‬بل ربا لو فتشت ف أوراقه‬
‫وملفاته‪ ،‬لوجدت عليه قضايا وطامات‪ ،‬سرقات‪ ،‬اختلسات‪ ،‬ناهيك عن القضايا الخلقية‪،‬‬
‫وربا ل يسلم من جره للهيئة عدة مرات‪ .‬فلو سألت‪ ،‬كيف تقلد هذا هذا النصب‪ ،‬وكيف‬
‫ارتفع هذا التحوت‪ ،‬لاءك الواب‪ ،‬بأنه هذا هو الذي أخب به النب صلى ال عليه وسلم أنه‬
‫سيكون من أشراط الساعة ‪.‬‬
‫الثامن والعشرون ‪:‬‬
‫سعُو ٍد قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ ‪" :‬‬
‫أن تكون التحية للمعرفة فقط ‪َ ،‬ع ِن اْبنِ َم ْ‬
‫إِ ّن ِم ْن أَ ْشرَاطِ السّا َعةِ أَ ْن ُيسَ ّلمَ الرّ ُجلُ عَلَى ال ّر ُجلِ لَا ُيسَلّمُ عَلَ ْي ِه ِإلّا لِلْ َم ْع ِر َفةِ " [ أخرجه أحد ‪،‬‬
‫وقال أحد شاكر ‪ :‬إسناده صحيح ] ‪َ ،‬عنْ عَ ْب ِد اللّ ِه بن مسعود قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه‬
‫ي الْ َم ْرَأةُ َزوْ َجهَا َعلَى‬
‫ص ِة َوَتفْشُو التّجَا َر ُة حَتّى ُتعِ َ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬بَ ْي َن َيدَيِ السّا َعةِ َتسْلِيمُ الْخَا ّ‬
‫التّجَا َر ِة َوتُقْطَ ُع اْلأَ ْرحَامُ " [ أخرجه أحد ‪ :‬وقال أحد شاكر ‪ :‬إسناده صحيح ‪ ،‬وقال اللبان ‪:‬‬
‫إسناده صحيح على شرط مسلم ‪ ،‬السلسلة الصحيحة رقم ‪. ] 647‬‬
‫وقد ظهرت هذه العلمة ف زماننا هذا ‪ ،‬فقليل من الناس من تر به ويسلم عليك ‪ ،‬أو تلتقي به‬
‫ف مقر العمل ‪ ،‬أو ف مل تاري ‪ ،‬أو تمع عام ويلقي عليك تية السلم ‪ ،‬ولو بادرته أنت‬
‫لرد من فوره ‪ :‬هل تعرفن ؟ سبحان ال ! السلم اسم من أساء ال تعال أمرنا بإفشائه بيننا ‪،‬‬
‫لن السلم يوحي بالمان والحبة والودة بي الناس ‪ ،‬فمن سلم عليك أمنته ‪ ،‬ومن ل يسلم‬
‫خونته ول تأمنه ‪ ،‬فالسلم من صفات أهل اليان وسبب لدخول النان ‪َ ،‬ع ْن أَبِي هُ َرْي َرةَ قَالَ ‪:‬‬
‫قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا َتدْخُلُو َن الْجَّنةَ حَتّى ُت ْؤمِنُوا ‪َ ،‬ولَا ُتؤْمِنُوا حَتّى‬
‫‪93‬‬

‫تَحَابّوا ‪َ ،‬أوَلَا َأدُّلكُمْ عَلَى شَيْ ٍء ِإذَا َفعَلْتُمُوهُ تَحَابَبُْتمْ ‪َ ،‬أ ْفشُوا السّلَا َم بَيَْن ُكمْ " [ أخرجه مسلم‬
‫وغيه ] ‪.‬‬
‫لقد أصبح الناس وكأنم غرباء ‪ ،‬ير هذا بانب هذا ول يُلقي له با ًل ‪ ،‬بل الار بانب جاره ‪،‬‬
‫وداره تلتصق بداره ‪ ،‬ومع ذلك لو مات أحدها لا عرف الخر با جرى له ‪ ،‬لن التحية‬
‫والودة ل تعد كما ينبغي ‪ ،‬بل أصبحت التحية وإلقاء السلم للمعرفة فقط ‪ ،‬فمن تعرفه تُلقي‬
‫عليه السلم ‪ ،‬ومن لك عنده مصلحة تربا ‪ ،‬أو حاجة تريدها تُلقي عليه السلم ف الطالعة‬
‫والنازلة ‪ ،‬وهذا ل يتوافق مع سنة النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بل هذا خلف السنة ‪ ،‬ومن شذ‬
‫عن السنة وقع ف الحذور ‪ ،‬والصيبة أنك ترى بعض التمسكي واللتزمي وقد اقتفوا أثر العامة‬
‫من جهلء القوم وهم ل يُسلمون ول يردون السلم ‪ ،‬فوقعوا ف أشد ما وقع فيه عامة الناس ‪،‬‬
‫لن إلقاء السلم سنة ‪ ،‬ورده واجب ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو‬
‫ردوها إن ال كان على كل شيء حسيبا " [ النساء ‪. ] 86‬‬
‫وما هو تابع لوضوع السلم ‪ ،‬استبدال اللعن أو السباب بدل السلم ‪َ ،‬عنْ أنس َعنْ َرسُولِ‬
‫ث ‪ :‬مَا َل ْم يُقْبَضِ‬
‫شرِي َعةِ مَا لَ ْم يَ ْظ َهرْ فِيهَا ثَلَا ٌ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬لَا َتزَا ُل الُْأ ّمةُ عَلَى ال ّ‬
‫اْلعِلْ ُم مِ ْن ُهمْ ‪َ ،‬وَيكْثُ ْر فِي ِهمْ َوَلدُ الْحِنْثِ ـ ولد العصية وهم أولد الزنا ـ ‪َ ،‬ويَظْ َه ْر فِي ِهمُ‬
‫صقْلَاوُو َن يَا َرسُو َل ال ّلهِ ؟ قَا َل ‪َ " :‬بشَ ٌر َيكُو ُن فِي آ ِخرِ‬
‫صقّارُو َن َأوِ ال ّ‬
‫صقّارُونَ ؟ " قَالَ ‪َ :‬ومَا ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫الزّمَا ِن تَحِيُّت ُه ْم بَيَْنهُ ُم التّلَا ُعنُ " [ أخرجه أحد وغيه ] ‪.‬‬
‫فمعن الديث قد ظهر ف هذه الزمنة ‪ ،‬فهناك البعض من الناس وخصوصا طبقة الشباب‬
‫هداهم ال ‪ ،‬إذا تقابلوا كانت تيتهم غي تية السلم ‪ ،‬بل استبدلوها بتحية أهل الكفر‬
‫والفساد ‪ ،‬فيتلعنون ‪ ،‬ويطلقون الكفر فيما بينهم ‪ ،‬ويتسابون عند اللقاء ‪ ،‬وقد يرمي بعضهم‬
‫بعضا باليهودية والنصرانية ‪ ،‬وغي ذلك من كلمات الفجور ‪ ،‬واللفاظ القبيحة ‪ ،‬وهذه العلمة‬
‫واقعة اليوم ل يكاد ينكرها أحد من العباد ‪ ،‬فل حول ول قوة إل بال ‪.‬‬
‫التاسع والعشرون ‪:‬‬
‫ظهور الكاسيات العاريات ‪ ،‬فعن عبد ال بن عمرو رضي ال عنهما قال ‪ :‬سعت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وآله وسلم يقول ‪( :‬سيكون ف آخر أمت رجال يركبون على سرج كأشباه‬
‫‪94‬‬

‫الرحال ينلون على أبواب الساجد ‪ ،‬نساؤهم كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت‬
‫العجاف ‪ ،‬العنوهن فإنن ملعونات) [رواه أحد ‪ ،‬وقال أحد شاكر ‪ :‬إسناده صحيح] ومعن‬
‫كاسيات عاريات أي ‪ :‬كاسية جسدها ولكنها تشد خارها وتضيق ثيابا حت تظهر تفاصيل‬
‫جسمها ‪ ،‬أو تكشف بعض جسدها ‪ ،‬وهذا حادث ‪.‬‬
‫والراد بذا خروج النساء عن الداب الشرعية‪ ،‬وذلك بلبس الثياب الت ل تستر عوراتن‪،‬‬
‫وإظهارهن للزينة وما يب عليهن ستره‪ ،‬من أبدانن‪ .‬روى المام أحد بسند صحيح عن عبدال‬
‫بن عمرو رضي ال عنهما قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪(( :‬سيكون ف آخر‬
‫أمت رجا ٌل يركبون سروج كأشباه الرجال ينلون على أبواب الساجد‪ ،‬نساؤهم كاسيات‬
‫عاريات‪ ،‬على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف‪ ،‬إلعنوهن فإنن ملعونات))‪ .‬وعن أب هريرة‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪(( :‬صنفان من أهل النار ل أرها‪ :‬قوم‬
‫معهم سياط كأذناب البقر‪ ،‬يضربون با الناس‪ ،‬ونسا ٌء كاسيات عاريات‪ ،‬ميلت مائلت‬
‫رؤوسهن كأسنمة البخت الائلة‪ ،‬ل يدخلن النة‪ ،‬ول يدن ريها‪ ،‬وإن ريها ليوجد من مسية‬
‫كذا وكذا)) رواه مسلم‪.‬‬
‫ب يلبسها نسا ٌء كاسيات‬
‫وعن أب هريرة رضي ال عنه قال‪( :‬من أشراط الساعة‪ ،‬أن تظهر ثيا ٌ‬
‫عاريات)‪.‬‬
‫إن هذه الحاديث وأمثالا يعد من معجزات النبوة‪ ،‬فإنه ل ير عليه الصلة والسلم ما أخب به‪،‬‬
‫ولكنه وقع كما أخب‪ ،‬وذكر بأن هذا من أشراط وعلمات الساعة‪ :‬من ذلك ظهور الكاسيات‬
‫العاريات‪.‬‬
‫ترج النساء كما نشاهد ف عصرنا هذا‪ ،‬يلبسن ثياب‪ ،‬لكنه ل يستر‪ ،‬الستر مطلوب شرعا‪،‬‬
‫فتكون الرأة كأنا عارية‪ ،‬إما لرِقة هذه الثياب وشفافيتها‪ ،‬وإما لقصره بيث أنا ل تؤدي وظيفة‬
‫الستر الطلوبة‪ ،‬وإما لنا ثياب ضيقة‪ ،‬تُظهر تفاصيل جسمها‪ ،‬فتبز صدرها‪ ،‬وعجيزتا‪ ،‬فتكون‬
‫كأنا عارية‪ ،‬وكل هذا واقع ومشاهد‪.‬‬
‫إن الجتمع قفز قفزات سريعة ف وقت قصي من الزمن‪ ،‬وصار هناك تول ملحوظ ف ملبس‬
‫النساء عندنا‪ ،‬وشياطي مصممي الزياء عرفوا من أين تؤكل الكتف‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫إن الديث عن اللحظات الشرعية على ما تلبسه نساءنا‪ ،‬حديث قد يطول‪ ،‬وليس هذا مال‬
‫تفصيله‪ ،‬ولكن سأنبه إل ظاهرتي‪ ،‬انتشرتا انتشارا سريعا وملحوظا ف الونة الخية‪ ،‬وكل‬
‫الظاهرتي‪ ،‬أفت عدد من علمائنا برمتها فعليك أيها الب أو الزوج‪ ،‬أو ول المر‪ ،‬بعد هذا أن‬
‫ل يكون النع والتنبيه لكي ل تقع أنت أيضا ف الث‪،‬‬
‫تتبع ما أقوله ف أهل بيتك‪ ،‬فإن كان حاص ً‬
‫وتشارك ف الحرم لرضاك بذا‪ ،‬بل ربا يكون الث العظم عليك لنك ول المر وبإمكانك‬
‫النع‪ ،‬أما الرأة‪ ،‬فهي ناقصة عقل ودين‪.‬‬
‫الظاهرة الول‪ :‬وضع العباءة على الكتف‪ .‬وتظن الرأة أنا قد سترت نفسها بذه الطريقة‪ ،‬وهي‬
‫قد سترت بعض الستر‪ ،‬لكن ليس هذا ما أمرها ال به‪ ،‬إن العباءة إذا وضعت على الكتف‪،‬‬
‫وقعت الرأة أولً ف مذور التشبه بالرجال‪ ،‬لن وضع العباءة على الكتف من خصائص‬
‫الرجال‪ ،‬وقد لعن النب صلى ال عليه وسلم التشبهات من النساء بالرجال‪ ،‬وتقع أيضا ف‬
‫الحذور الثان وهو إبراز السد وهيئته وحجمه‪ ،‬وهو حرام أيضا ول يوز‪ ،‬فعلى الرأة‪ ،‬أن‬
‫تضع عباءتا على رأسها‪ ،‬لينل إل قدميها وتكون بذلك قد سترت نفسها كما أمر ال‪.‬‬
‫الظاهرة الثانية‪ :‬لبس النساء للبنطال‪ .‬وهذه الظاهرة انتشرت ف متمعنا مؤخرا انتشار النار ف‬
‫الشيم‪ ،‬وهي ظاهرة غربية جاءتنا من ديار الكفر‪ ،‬ل تتناسب مع عاداتنا ول أعرافنا‪ ،‬ول‬
‫يناسب هذا متمعنا‪ ،‬كيف رضيت به الرأة؟ ل أدري‪ .‬بل كيف رضي الب أن ترج بناته وهن‬
‫لبسات للبنطال‪ ،‬وكيف رضي الزوج أن ترج زوجته؟ ل أدري؟ حجتهم أنا ساترة لنفسها‬
‫بالعباءة‪ ،‬وهذه حجة ضعيفة‪ ،‬فالعباءة قد يركها الواء‪ ،‬وكثرة الركة‪ ،‬وقد تقع الرأة‪ ،‬أقول‬
‫وإن ل يصل هذا فإن ظهورها أمام النساء بذا الشكل فيه مذور شرعي‪ ،‬وهي تسيد عورتا‬
‫وإبرازه‪ ،‬فتكون من النساء الكاسيات العاريات اللت ل يدخلن النة‪ ،‬ول يدن ريها‪ .‬فلبسه‬
‫حرام ول يوز‪ ،‬فتنبه أيها الب‪ ،‬وأنت أيها الزوج‪.‬‬
‫الثلثون ‪:‬‬
‫صدق رؤيا الؤمن‪ .‬فكلما اقترب الزمان‪ ،‬وكلما قربت الساعة كثرت هذه العلمة‪ ،‬وهي أن‬
‫الؤمن يرى الرؤية ف النام‪ ،‬فتقع الرؤيا ف الواقع كما رآها‪ ،‬وكلما كان الرء صادقا ف إيانه‪،‬‬
‫كانت رؤياه صادقة‪ ،‬روى البخاري ومسلم عن أب هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال‬
‫‪96‬‬

‫صلى ال عليه وسلم‪(( :‬إذا اقترب الزمان‪ ،‬ل تكد رؤيا السلم تكذب‪ ،‬وأصدقكم رؤيا‪،‬‬
‫أصدقكم حديثا‪ ،‬ورؤيا السلم جزء من خس وأربعي جزء من النبوة))‪.‬‬
‫لعلك تسأل‪ :‬ما الكمة أنه كلما اقترب الزمان صدقت رؤيا الؤمن؟ ولاذا كانت من علمات‬
‫الساعة صدق رؤيا الؤمن؟‬
‫الواب والعلم عند ال تعال‪ :‬أنه كلما اقترب الزمان‪ ،‬زادت غربة السلم كما ف حديث‬
‫مسلم – ((بدأ السلم غريبا وسيعود غريبا كما بدأ)) – إذا زادت غربة السلم‪ ،‬قبض أكثر‬
‫العلم‪ ،‬ودرست معال الشريعة‪ ،‬وازداد الفت‪ ،‬وأصبح الناس على مثل الفترة‪ ،‬ويقل عندها أنيس‬
‫الؤمن ومعينه‪ ،‬فالناس عندها يكونون متاجون إل مدد‪ ،‬ومذكر‪ ،‬لا دَرَس من الدين‪ ،‬كما‬
‫كانت المم تذكر بالنبياء‪ ،‬لكن لا كان نبينا آخر النبياء وتعذّرت النبوة ف هذه المة‪ ،‬فإنم‬
‫يعوضون بالرؤيا الصادقة‪ ،‬الت هي جزء من خس وأربعي جزء من النبوة‪.‬‬
‫وإذا ازدادت غربة السلم‪ ،‬وذلك بقلة عدد الخيار الصالي‪ ،‬وكثرة عدد الفسقة الوجودين‪،‬‬
‫وأصبح الغلبة للة الكفر‪ ،‬وأصبحت الترأس لهل الهل والفسق‪ ،‬وعندها يشعر الؤمن فعلً‬
‫بالغربة‪ ،‬فيقل العي‪ ،‬وينعدم النيس‪ ،‬ويزداد الوحشة‪ ،‬ويأخذ أمر الدين بالضمحلل‪ ،‬عندها‪،‬‬
‫تأت هذه العلمة رحة من ال تعال‪ ،‬وأنسا للمؤمن‪ ،‬وإكراما له‪ ،‬وتسلية لقلبه‪ ،‬فتكون رؤياه‬
‫صادقة‪ ،‬نسأل ال جل وتعال العانة‪.‬‬
‫الواحد والثلثون ‪:‬‬
‫ظهور القلم ‪ ،‬والراد بظهور القلم ‪ :‬انتشار الكتابة وفشوها ‪ ،‬ولقد تبنت وزارة التربية والتعليم‬
‫بالملكة برناما يدعو إل نشر التعليم ف أرجاء البلد ‪ ،‬وسته " أمة بل أمية " ‪ ،‬وفعلً ت القضاء‬
‫على كثي من الميي ‪ ،‬وتعلموا الكتابة والقراءة ‪ ،‬وقد جاوزوا المسي من أعمارهم ‪،‬‬
‫وكذلك دأبت قبلنا دول العال للقضاء على المية ‪ ،‬فهذه علمة من علمات الساعة تققت‬
‫ص ِة َو ُفشُوّ‬
‫ي السّا َع ِة َتسْلِيمَ الْخَا ّ‬
‫ول شك فيها ‪ ،‬قال النّبِيّ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬إ ّن بَ ْي َن َيدَ ِ‬
‫ي الْ َم ْرأَةُ َز ْو َجهَا عَلَى التّجَا َرةِ َوقَطْ َع اْلأَ ْرحَا ِم َو َشهَا َدةَ الزّورِ وَكِ ْتمَانَ شَهَا َدةِ‬
‫التّجَا َر ِة حَتّى ُتعِ َ‬
‫ح ّق ‪ ،‬وَ ُظهُورَ اْلقَ َلمِ " [ أخرجه أحد وصحح إسناده أحد شاكر برقم ‪ ، ] 3870‬وقال‬
‫الْ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن من أشراط الساعة ‪ :‬أن يكثر التجار ‪ ،‬ويظهر القلم " [ أخرجه أبو‬
‫‪97‬‬

‫داود الطيالسي والنسائي ‪ ،‬وصحح إسناده الشيخ ‪ /‬حود التويري ف اتاف الماعة ‪/ 2‬‬
‫‪ ، ] 109‬وقد ظهرت وسائل العلم ف هذا الزمان ظهورا باهرا ‪ ،‬فانتشرت دور الطباعة ‪،‬‬
‫وآلت التصوير والتجليد ‪ ،‬ووسائل الطباعة ‪ ،‬فانتشرت الكتب ‪ ،‬وزادت رقعة العلم ف كل‬
‫مكان ‪ ،‬وكل ذلك كما قلت بسبب وسائل انتشار العلم من مطابع وغيها ‪ ،‬وكثرة أهل الي‬
‫الذين يدون تلك الدور بالموال من أجل خدمة كتاب ال تعال ‪ ،‬وخدمة سنة نبيه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬حت أصبح الكُتاب ف كل مكان ‪ ،‬فكل يدلو بدلوه ‪ ،‬ويعرض بضاعته ‪ ،‬ما بي‬
‫مزجاة ‪ ،‬وجيدة ‪ ،‬ومقلدة وجديدة ‪ ،‬وركيكة وقوية ‪ ،‬وهكذا أصبح هناك كم هائل من الكتاب‬
‫‪ ،‬وأصبحت الكتب ف متناول أيدي الميع ‪.‬‬
‫ولكن ومع كثر تلك الكتب العلمية ‪ ،‬إل أن هناك كثرة كاثرة من الناس تركتها واتهت نو‬
‫الجلت والصحف ( الرائد ) ‪ ،‬والكتب القصصية الغي نافعة ‪ ،‬وكذلك الكتب التافهة ‪،‬‬
‫والت تتم بقضايا سخيفة بعيدة عن الدين ‪ ،‬أما العلم الشرعي الذي به قوام الياة ‪ ،‬فقلما تد‬
‫بيتا يهتم به مع كثر ظهور التعلمي ‪ ،‬وقد أشار إل ذلك الضحاك رحه ال بقوله ‪ " :‬يأت على‬
‫الناس زمان ‪ ،‬تكثر فيه الحاديث حت يبقى الصحف عليه الغبار ل يُنظر فيه " [ والثر فيه‬
‫ضعيف ‪ ،‬وقيل أن مثله ل يُقال بالرأي ‪ ،‬بل هو ف حكم الرفوع ] لكن عموما معناه حقيقي‬
‫حي يراه كل أحد ‪ ،‬فكم من الناس الذين ل يعرفون القرآن إل ف رمضان ‪ ،‬وكم من الناس‬
‫الذين ل يعرفون القرآن إل ف الناسبات كالتعازي والحزان ‪ ،‬ومن الناس والعياذ بال من ل‬
‫يعرف القرآن أبدا ‪ ،‬فقد هجروا كتاب ال تعال ‪ ،‬ومعلوم أنه ل يُنل القرآن إل ليُقرأ ‪،‬‬
‫ولتُستنبط منه الحكام ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وقال الرسول يارب إن قومي اتذوا هذا القرآن‬
‫مهجورا " [ الفرقان ‪ ، ] 30‬فقد كثرت الصحف والجلت ف زماننا هذا ‪ ،‬وكثرت وسائل‬
‫العلم الختلفة من إذاعات وتلفزيونات وقنوات فضائية وإنترنت وافتت با كثي من الناس ‪،‬‬
‫فأصبحوا يأخذون العلم عن طريقها وتركوا طريق الق الطريق الصحيح الذي يُخذ منه العلم‬
‫أل وهو العلماء وكتب أهل العلم قديا وحديثا ‪ ،‬فأعرض أغلب الناس اليوم عن كتاب ال ‪،‬‬
‫وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأدبروا عن مالسة العلماء وأئمة الدى ‪ ،‬فلم ينتفعوا بعلم‬
‫العلماء الجلء ‪ ،‬وظهر فيهم الهل ‪ ،‬وقل فيهم العلم النافع ‪ ،‬فلم تغن عنهم كثرة الكتب شيئا‬
‫‪ ،‬وكم أثرت وسائل العلم اليوم على السلمي سلبا ‪ ،‬فقد تقمصوا عادات الغرب والشرق ‪،‬‬
‫‪98‬‬

‫وارتضعوا تعاليمه ‪ ،‬واشرأبت نفوسهم ذلك ‪ ،‬حت خرج لدينا جيل ل يعرف صلة ول برا ول‬
‫زكاة ول طاعة ول معروفا ‪ ،‬ول ينكر منكرا ‪ ،‬بل إذا رأيتهم حسبتهم يهود أو نصارى ‪،‬‬
‫فكلمهم مثلهم ‪ ،‬وأشكالم تاكيهم ‪ ،‬ولبسهم كأنم هم ‪ ،‬فانرفوا عن الروءات ‪ ،‬وتركوا‬
‫الشيم العربية والخلق الفاضلة ‪ ،‬وتلقوا بأخلق العجم الفرنج أعداء ال تعال ‪ ،‬واتبعوا‬
‫سننهم حذو القذة بالقذة ‪ ،‬فتشبهوا بأعداء اللة والدين ‪ ،‬فل حول ول قوة إل بال ‪.‬‬
‫الثان والثلثون ‪:‬‬
‫انتفاخ الهلة ‪ ،‬وهو أن يرى اللل لليلة واحدة فيقال لليلتي ‪ ،‬فعن ابن مسعود رضي ال عنه‬
‫قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من اقتراب الساعة انتفاخ الهلة " [ أخرجه‬
‫الطبان وصححه اللبان ف صحيح الامع برقم ‪ ، ] 5774‬وهذا الديث واضح اليوم ‪،‬‬
‫فكم يتلف الناس ف دخول الشهر وخروجه ‪ ،‬وكم هو اليوم ؟ وذلك لنتفاخ اللل ‪ ،‬حت‬
‫يُرى وكأنه لليلتي ‪.‬‬
‫الثالث والثلثون ‪:‬‬
‫كثرة الكذب‪ ،‬وعدم التثبت ف نقل الخبار‪َ ،‬ع ْن أَبِي هُ َرْي َرةَ َعنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ح ّدثُوَن ُكمْ مَا لَ ْم َتسْ َمعُوا َأنْتُ ْم َولَا آبَاؤُ ُكمْ َفِإيّا ُكمْ‬
‫َوسَ ّلمَ َأّنهُ قَالَ ‪ " :‬سََيكُو ُن فِي آ ِخ ِر ُأمّتِي ُأنَاسٌ يُ َ‬
‫َوِإيّا ُهمْ " [ أخرجه مسلم ] ‪ .‬وف رواية ‪َ " :‬يكُو ُن فِي آ ِخرِ ال ّزمَا ِن َدجّالُونَ َكذّابُونَ َي ْأتُوَنكُ ْم ِمنَ‬
‫ث بِمَا َلمْ َتسْ َمعُوا َأنُْتمْ َولَا آبَاؤُ ُكمْ فَِإيّا ُكمْ َوِإيّا ُهمْ لَا يُضِلّوَنكُ ْم َولَا َيفْتِنُوَنكُمْ " ‪ ،‬ول‬
‫اْلأَحَادِي ِ‬
‫نكون مبالغي أيها الحبة‪ ،‬إذا قلنا بأن الكذب أصبح من سات هذا العصر‪ ،‬صار الكذب على‬
‫جيع الستويات‪ ،‬الاصة والعامة‪ ،‬الرسية وغي الرسية‪ ،‬الصغي والكبي‪ ،‬أصبح الناس ل يثقون‬
‫بشيء خذ بعض المثلة ف صحافتهم لعلمهم بأنه قد دخله عنصر الكذب‪ ،‬لصلحة فلن أو‬
‫فلن‪ ،‬ومع كل أسف إن شعوب العال السلمي صارت تثق وتأخذ أخبارها من الغرب الكافر‪،‬‬
‫ول تثق بإعلمها من أجل دقة الخبار والتثبت والصداقية عندهم‪ ،‬وأصبح الناس ل يثقون‬
‫بتصريات مدرائهم‪ ،‬حت على مستوى العمل والوظيفة‪ ،‬لدخول عنصر الكذب والنفاق فيه ‪،‬‬
‫فعلى الستوى العالي ند أن حرب الليج الثالثة أثبتت مصداقية الديث ‪ ،‬وأن الكذب قد‬
‫‪99‬‬

‫فشى ف هذه المة ‪ ،‬فكم هي التصريات الكاذبة الت صدرت من التحدثي الرسيي ‪ ،‬وكل‬
‫يُكذب الخر ‪ ،‬وكل يُنفي مقالة العدو وحت الصديق ‪ ،‬فأصبحت الرب ل مصادقية أبدا ‪،‬‬
‫وكذلك التصريات ف الصحف الحلية وغي الحلية ‪ ،‬وعب الشاشات فهي تكاد تلو تاما من‬
‫الصدق ‪ ،‬والكذب واضح يدركه ويعرفه كل أحد ‪ ،‬فأصبح الكذب فعلً سة يُعرف با هذا‬
‫العصر ‪.‬‬
‫والخطر من هذا كله إذا دخل عنصر الكذب ف البيت‪ ،‬كأن يصدر من أب ويعرف البن‪ ،‬أو‬
‫يدخل الدرسة‪ ،‬فيصدر من مدرس ويكتشف الطالب‪ ،‬عندها قل على التربية السلم‪.‬‬
‫وما يؤسف له‪ ،‬أنك أصبحت تشم رائحة الكذب على بعض الفئات العاملة للسلم‪ ،‬ويُدخل‬
‫تت باب التورية‪ ،‬من أجل مصلحة الدعوة‪ ،‬وهو ف القيقة كذب‪.‬‬
‫إنك تستطيع أن تتعامل ف دائرة السوق‪ ،‬أو ف دائرة العمل‪ ،‬أو غيها من قطاعات الياة‪،‬‬
‫تستطيع أن تتعامل مع فاسق‪ ،‬أو مع شارب خر‪ ،‬أو مع آكل ربا‪ ،‬لكنك ل تستطيع أن تتعامل‬
‫مع كذّاب ‪ ،‬لن الكذاب قد يوقعك ف اللك والدمار وأنت تُحسن الظن به ‪.‬‬
‫واسعوا لذا الديث ‪َ ،‬عنْ عَا ِم ِر ْبنِ عََب َدةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ عَ ْبدُ ال ّل ِه بن مسعود ‪ " :‬إِنّ الشّيْطَا َن لِيَتَمَّثلُ‬
‫ب فَيََتفَ ّرقُونَ فََيقُولُ الرّ ُج ُل مِ ْنهُمْ‬
‫ث ِمنَ اْل َكذِ ِ‬
‫حدِي ِ‬
‫ح ّدُثهُ ْم بِالْ َ‬
‫فِي صُو َرةِ ال ّرجُ ِل فََي ْأتِي الْ َقوْ َم فَيُ َ‬
‫ث " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬ولقد أصبح‬
‫حدّ ُ‬
‫ف وَ ْج َههُ َولَا َأدْرِي مَا اسْ ُمهُ ُي َ‬
‫سَ ِمعْتُ َرجُلًا أَ ْعرِ ُ‬
‫الكذب اليوم فاكهة الجالس ‪ ،‬فكل يأت بفكاهة ملفقة يكذب با على الناس من أجل أن‬
‫يضحكهم ‪ ،‬وهذا الفعل مرم شرعا ‪َ ،‬ع ْن َب ْهزِ ْب ِن حَكِيمٍ عن َأبِيه َع ْن جدهِ قَالَ ‪ :‬قال سَ ِمعْتُ‬
‫حكَ ِب ِه الْ َقوْ َم َويْ ٌل َلهُ‬
‫ضِ‬
‫ث فََيكْ ِذبُ لِيُ ْ‬
‫حدّ ُ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ يَقُو ُل ‪َ " :‬وْيلٌ لِ ّلذِي يُ َ‬
‫َوْيلٌ َلهُ " [ أخرجه الترمذي وأبو داود وغيهم وحسنه اللبان ف صحيح الامع برقم‬
‫‪ ، ] 7136‬فهذا تذير من النب صلى ال عليه وسلم لن يكذب ويتلق النوادر والفكاهات‬
‫من أجل أن يُضحك الناس با ‪ ،‬فالزاح ل يكون إل حقا كما ثبت ذلك عن النب صلى ال‬
‫ط فيه ‪ ،‬أما اليوم‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬أنه كان يزح لكن ل يقول إل حقا ‪ ،‬ول يؤذي قلبا ‪ ،‬ول ُي ْفرِ ُ‬
‫فالناس يزحون بالكذب ‪ ،‬وبا يؤذي قلوب الاضرين ‪ ،‬بيث يستلم اللوس أحدهم ويبدؤون‬
‫بالزاح عليه وتلفيق الفكاهات الكاذبة أو حت الصادقة ‪ ،‬فهذا ل يوز ‪ ،‬ل يوز أن تؤذي‬
‫أخوك السلم بثل تلك التفاهات ‪ ،‬فيمتل قلبه حقدا وغيظا عليك ‪ ،‬فالكذب من الصفات‬
‫‪100‬‬

‫الذميمة ‪ ،‬صفات أهل النفاق ‪ ،‬والت توعد ال عليها بالنار والويل يوم القيامة ‪ ،‬لن النسان‬
‫إذا اعتاد قول الكذب استمرأه فأصبح سة يُعرف با والعياذ بال ‪ ،‬وإنه لن الؤسف أن ترى‬
‫بعض الشباب التمسك بدينه وعقيدته ‪ ،‬وتراه يكذب ف الصغية والكبية ‪ ،‬يكذب ف الاجة‬
‫وغي الاجة ‪ ،‬بل أصبح بعضهم يكذب ف يومه وليلته ول تثق بكلمة واحدة يقولا ‪ ،‬فهو‬
‫يستخدم العاريض ف كل شؤون حياته ‪ ،‬وهذا ل شك انه على خطر عظيم ‪ ،‬فالعاريض أبيحت‬
‫للحاجة والضرورة الت ل بد منها ‪ ،‬أما أن تُتخذ دينا يُعَبدُ ال با ‪ ،‬فهذا ل يقله أحد من الناس‬
‫على الطلق ‪ ،‬واسعوا لذا الديث الصحيح الذي يذم الكذب وأهله ‪َ ،‬عنْ عَ ْبدِاللّ ِه بن‬
‫ق َي ْهدِي ِإلَى الِْب ّر وَإِنّ‬
‫مسعود رَضِي اللّه عَنْه ‪َ :‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬إِ ّن الصّدْ َ‬
‫ب َيهْدِي ِإلَى الْفُجُورِ‬
‫صدّيقًا ‪َ ،‬وإِ ّن الْ َكذِ َ‬
‫ق حَتّى َيكُونَ ِ‬
‫صدُ ُ‬
‫الِْبرّ َي ْهدِي إِلَى الْجَّن ِة َوإِنّ ال ّرجُ َل لَيَ ْ‬
‫ب حَتّى ُيكْتَبَ عِ ْندَ ال ّلهِ َكذّابًا " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫َوإِ ّن الْفُجُو َر َي ْهدِي ِإلَى النّارِ َوإِ ّن ال ّر ُجلَ لََي ْكذِ ُ‬
‫لكن من حدث بديث صدق ليضحك الناس فل بأس ‪ ،‬بشرط أن ل يتخذ ذلك حرفة يتكسب‬
‫من ورائها ‪ ،‬أو يكون هكذا حاله طول يومه وليلته ‪ ،‬فهذا خطأ فادح ‪ ،‬وف الدين قادح ‪ ،‬لن‬
‫الؤمن صادق دائما ‪ ،‬قوي أبدا ‪ ،‬نقي قلبا ‪ ،‬طاهر ظاهرا وباطنا ‪ ،‬يعل مافة ال بي عينيه ‪،‬‬
‫فل يعتمد على الكذب والزاح وإن كان حقا وصدقا ‪ ،‬الؤمن يترك الباح خوفا من الوقوع ف‬
‫الكروه والرام ‪ ،‬حياته جد ل هزل ‪.‬‬
‫فأصبح الكثي من الناس اليوم ل يتورع من قول الكذب ‪ ،‬أو نقل الخبار الكاذبة ‪ ،‬فكم نسمع‬
‫من الحاديث الغريبة ف هذا الزمان ‪ ،‬ونقل القوال بدون تثبت من صحتها ‪ ،‬وف هذا إضلل‬
‫للناس عن القيقة ‪ ،‬وفتنة لم ‪.‬‬
‫وأعظم الكذب الكذب على ال ورسوله ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ول تقولوا لا تصف ألسنتكم الكذب‬
‫هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الكذب إن الذين يفترون على ال الكذب ل يفلحون‬
‫" [ النحل ‪َ ، ] 116‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ ‪َ :‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَا َل ‪َ " :‬تسَ ّموْا بِاسْمِي ‪،‬‬
‫َولَا َتكْتَنُوا ِبكُنْيَتِي ‪َ ،‬ومَنْ رَآنِي فِي الْمَنَا ِم َف َقدْ رَآنِي َفإِ ّن الشّيْطَا َن لَا يََتمَّثلُ فِي صُو َرتِي ‪َ ،‬و َمنْ‬
‫َك َذبَ عَ َل ّي مَُتعَ ّمدًا فَلْيَتََب ّوأْ َم ْقعَ َد ُه ِمنَ النّارِ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] ‪ ،‬ولفظ مسلم ‪:‬‬
‫ي ِة ْبنِ ُشعَْبةَ قَالَ ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم يَقُولُ ‪ " :‬إِنّ َك ِذبًا عَ َليّ‬
‫َعنِ الْ ُمغِ َ‬
‫لَيْسَ َك َك ِذبٍ َعلَى َأحَ ٍد ‪ ،‬فَ َمنْ َك َذبَ عَ َليّ مَُتعَ ّمدًا فَلْيَتََبوّْأ َمقْ َع َد ُه ِمنَ النّارِ " ‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫القصود أن الكذب وانتشاره وشيوعه بي الناس من علمات الساعة ‪ ،‬وقد وجدت هذه‬
‫العلمة بكثرة اليوم ‪ ،‬فنسأل ال السلمة والعافية ‪ [.‬شرح الطيب ‪ ، 3122 / 10‬مرقاة‬
‫الفاتيح ‪. ] 71 / 9‬‬
‫الرابع والثلثون ‪:‬‬
‫كثرة شهادة الزور ‪ ،‬وكتمان شهادة الق ‪ ،‬قَا َل النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ ‪ " :‬أَ ّن بَ ْي َن يَدَيِ‬
‫ص ِة َو ُفشُ ّو التّجَا َرةِ حَتّى ُتعِيَ الْ َم ْرَأةُ َزوْ َجهَا عَلَى التّجَا َر ِة َوقَطْ َع اْلأَرْحَامِ‬
‫السّا َعةِ َتسْلِيمَ الْخَا ّ‬
‫ح ّق وَ ُظهُورَ اْلقَ َلمِ " [ أخرجه أحد ‪ ،‬وقال أحد شاكر ‪:‬‬
‫َو َشهَا َدةَ الزّورِ وَكِ ْتمَانَ َشهَا َدةِ الْ َ‬
‫صحيح ] ‪.‬‬
‫والزور ‪ :‬هو الكذب ‪ ،‬والباطل ‪ ،‬والتهمة ‪ .‬فشاهد الزور ‪ :‬هو الشاهد بالكذب ‪ [ .‬الطلع‬
‫على أبواب القنع ‪. ] 411‬‬
‫قال تعال ‪ " :‬فاجتنبوا الرجس من الوثان واجتنبوا قول الزور " [ الج ‪ ، ] 30‬ففي هذه‬
‫الية الكرية قرن ال تعال شهادة الزور بعبادة الوثان والشرك بال تعال ‪ ،‬وهذا دليل على‬
‫التحذير من شهادة الزور أو العمل با ‪ ،‬فهي من كبائر الذنوب والعاصي الت عُصي ال با ‪،‬‬
‫َعنْ َأنَسٍ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪ :‬سُِئ َل النّبِيّ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ َعنِ اْلكَبَاِئرِ ؟ قَا َل ‪ " :‬الِْإ ْشرَاكُ‬
‫س ‪ ،‬وَ َشهَا َد ُة الزّو ِر " [ أخرجه البخاري ومسلم واللفظ‬
‫ق الْوَاِل َدْينِ ‪َ ،‬وقَ ْتلُ الّنفْ ِ‬
‫بِاللّ ِه ‪ ،‬وَ ُعقُو ُ‬
‫للبخاري ] ‪.‬‬
‫ولقد امتدح ال عباده الذين هم عباد الرحن بأنم ل يشهدون الزور ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬والذين ل‬
‫يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما " [ الفرقان ‪ ، ] 72‬عباد الرحن ل يشهدون‬
‫الزور وهو الباطل والكذب ‪ ،‬ول يضرون مالسه ‪ ،‬ول يقولونه ‪ ،‬ول يشهدونه ‪ ،‬ول ينطقون‬
‫به ‪ ،‬وإذا مروا باللغو وهو كل قول وعمل ل خي فيه ‪ ،‬مروا مكرمي أنفسهم من التلوث به ‪،‬‬
‫بالوقوع فيه ‪ [ .‬أيسر التفاسي ‪. ] 633 / 3‬‬
‫فقول الزور وشهادته من أعظم الكبائر ‪ ،‬ومن أرجس النكرات ‪ ،‬فكم من حقوق ضاعت ‪،‬‬
‫وسُلب أهلها ‪ ،‬وكم من باطل تول إل طيب ‪ ،‬وكم من حرام تُبدل إل حلل بسبب شهادة‬
‫الزور ‪ ،‬والكذب ف اللف ‪ ،‬ولقد توعد ال أهل ذلك بعقوبة قاسية ‪ ،‬وعذاب أليم ‪ ،‬قال تعال‬
‫‪102‬‬

‫‪ " :‬ول تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آث قلبه وال با تعملون عليم " [ البقرة ‪، ] 283‬‬
‫َعنْ عَ ْبدِال ّلهِ رَضِي اللّه عَنْه قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬م ِن اقْتَطَ َع مَا َل ا ْمرِئٍ‬
‫ُمسْ ِلمٍ بِيَمِيٍ كَا ِذَبةٍ ‪َ ،‬ل ِقيَ ال ّلهَ َو ُهوَ َعلَ ْيهِ غَضْبَا ُن " ‪ ،‬قَالَ عَ ْبدُاللّ ِه ‪ُ :‬ثمّ َق َرأَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه‬
‫ب ال ّلهِ َجلّ ذِ ْك ُر ُه ‪ " :‬إِ ّن اّلذِينَ َيشْتَرُو َن ِبعَ ْهدِ ال ّل ِه وََأيْمَاِنهِ ْم ثَمَنًا‬
‫صدَاقَ ُه ِمنْ كِتَا ِ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ مِ ْ‬
‫ق َلهُ ْم فِي الْآ ِخ َرةِ َولَا ُيكَلّ ُم ُهمُ ال ّل ُه ‪ . . .‬الْآَيةَ " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬و َعنْ‬
‫قَلِيلًا أُولَِئكَ لَا خَلَا َ‬
‫ئ ُمسْ ِلمٍ بِيَمِيِنهِ ‪،‬‬
‫َأبِي ُأمَا َمةَ ‪ :‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪َ " :‬منِ اقْتَطَ َع َح ّق امْرِ ٍ‬
‫َف َقدْ َأ ْوجَبَ ال ّل ُه لَ ُه النّارَ ‪َ ،‬و َحرّمَ عَلَ ْي ِه الْجَّنةَ " ‪ ،‬فَقَالَ َلهُ َر ُجلٌ ‪َ :‬وإِنْ كَا َن شَيْئًا َيسِيًا يَا َرسُولَ‬
‫ال ّلهِ ؟ قَا َل ‪َ " :‬وإِنْ قَضِيبًا ِم ْن أَرَاكٍ " [ أخرجه مسلم ] ‪َ ،‬ع ْن سَعِي ِد ْبنِ َزْي ِد ْبنِ عَ ْمرِو ْب ِن ُنفَ ْيلٍ ‪:‬‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ قَالَ ‪َ " :‬م ِن اقْتَطَ َع شِ ْبرًا ِم َن الْأَرْضِ ظُلْمًا َط ّو َقهُ ال ّلهُ ِإيّاهُ َيوْمَ‬
‫أَنّ َرسُو َل ال ّلهِ َ‬
‫ضيَ " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬فشهادة الزور سبب للحرمان من دخول النان ‪،‬‬
‫اْلقِيَا َمةِ ِم ْن سَبْ ِع أَرَ ِ‬
‫وطريق لدخول النيان ‪ ،‬فمن شهد شهادة زور طوقه ال يوم القيامة با شهد به زورا وكذبا ‪،‬‬
‫وأن لبشر أن يمل ف عنقه دجاجة حت يمل بعيا أو بقرة أو سيارة أو أرضا أو بيتا يبقى‬
‫معلقا ف عنقه أمام اللئق حت يُعرف أنه شهد بذلك المر زورا وكذبا ‪ ،‬وع كل تلك‬
‫التحذيرات ف الكتاب والسنة ‪ ،‬إل أننا نلحظ وبشكل ملموس تفشي شهادة الزور ف‬
‫الجتمعات اليوم دون خوف من ال تعال ‪ ،‬وقد يكون لا دوافع ‪:‬‬
‫فقد يكون الدافع لشهادة الزور النتقام من الشهود عليه ‪.‬‬
‫وقد يكون الدافع نفع الشهود له ‪.‬‬
‫وقد يكون الدافع النفع الادي من وراء الشهادة زورا وكذبا ‪.‬‬
‫وكم من الناس من ل يتورع عن شهادة الزور ‪ ،‬فتراه سباقا إليها ‪ ،‬مقداما عليها ‪ ،‬ولقد‬
‫شاهدنا الكثي منهم على أبواب الحاكم كل يريد أن يتكسب بلسانه كذبا وزورا على عباد ال‬
‫تعال ‪ ،‬لغرض دنيوي دنء ‪ ،‬يأكل به حفنة من وسخ الدنيا الفانية ‪ ،‬ث ما يلبث أن يلقى ال‬
‫تعال برمه وكبيته والعياذ بال ‪ ،‬فكم جرت شهادة الزور من ضياع حق ‪ ،‬واغتصاب ملك ‪،‬‬
‫وإزهاق نفس ‪ ،‬فيجب على العبد السلم الؤمن بلقاء ربه ‪ ،‬الوقن بتحري الزور شهادة وقولً‬
‫وحضورا ‪ ،‬أن يذر من تلك الشهادة الثة ‪ ،‬وأن يقول الق ولو على نفسه أو قريبه ‪ ،‬ولو‬
‫كان أقرب قريب ‪ ،‬فال يب الق ويأمر به ول يستحيي من قوله ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وال ل‬
‫‪103‬‬

‫يستحيي من الق " [ الحزاب ‪ ، ] 53‬وأل تأخذه ف قول الق لومة لئم ‪ ،‬وعموما فشهادة‬
‫الزور دليل على ضعف اليان ‪ ،‬وقلة الروءة ‪ ،‬وسوء اللق ‪ ،‬ودليل على قرب وقوع الساعة ‪.‬‬
‫الامس والثلثون ‪:‬‬
‫كثرة النساء ‪ ،‬عن أنس رضي ال عنه قال لحدثنكم حديثا ل يدثكم أحدٌ بعدي‪ ،‬سعت‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬من أشراط الساعة أن يقل العلم‪ ،‬ويظهر الهل‪،‬‬
‫ويظهر الزنا‪ ،‬وتكثر النساء ويقل الرجال‪ ،‬حت يكون لمسي امرأة القيّم الواحدُ " ‪.‬‬
‫إن ال جل وعل يقدّر ف آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور‪ ،‬ويكثر من يولد من الناث‪،‬‬
‫ويقدر سبحانه وتعال أيضا حصول الفت‪ ،‬الت تكون سببا ف القتال‪ ،‬فيذهب بسببه كثي من‬
‫الرجال قتلى‪ ،‬وتبقى النساء‪ ،‬وهذا كما هو معروف شأن الروب والعارك ‪.‬‬
‫والعدد الذكور ف الديث وهو المسي ‪ ،‬قد يكون حقيقة ‪ ،‬وقد يكون مازا ‪ ،‬والذي يؤيد‬
‫كونه مازا ما جاء ف حديث أب موسى رضي ال عنه كما ف صحيح مسلم ‪ " :‬ويُرى الرجل‬
‫يتبعه أربعون امرأة يَ ُلذْن به " ‪.‬‬
‫متمعنا الذي نعيش فيه‪ ،‬مع أنه ول المد ل يُبت َل بالروب والعارك‪ ،‬ومع ذلك فإن ظاهرة‬
‫العنوسة ظاهرة واضحة ف كثي من البيوتات والسر‪ ،‬بنات جاوزن سن الزواج ول يد الول‬
‫لن زوجا يناسبها‪ ،‬وبذا تظهر حكمة التشريع السلمي الذي يث على التعدد‪ ،‬فالشريعة‬
‫السلمية أباحت للرجل أن يتزوج بأكثر من زوجة حفظا للمجتمع‪ ،‬وقضاءً على هذه الظاهرة‪،‬‬
‫وإل فمن لؤلء العوانس‪ ،‬غدا يوت أبوها وتوت أمها‪ ،‬وتبقى ذليلة عند أخ ل يترمها‪ ،‬أو ول‬
‫ل يقدّر قدرها‪ .‬فكونا تصل على نصف رجل‪ ،‬أو ثلث رجل‪ ،‬خيا لا أن تعيش طول عمرها‬
‫بل رجل‪ ،‬فربا رزقها ال أولدا تأنس بم‪ ،‬ويكون لا بيتا تستقر فيه ‪ ،‬ولو كان ذلك مع نصف‬
‫رجل‪ ،‬فهو خي لا أن تعيش طول حياتا لوحدها‪ ،‬وقبل هذا كله‪ ،‬وقبل ذكر هذه الحاسن ف‬
‫التعدد‪ ،‬يكفي أنه تشريع من ال‪ ،‬وال جل وعز هو الذي خلقنا‪ ،‬وهو سبحانه يعلم ما يُصلح‬
‫أحوالنا وما يفسدها‪ ،‬فل يرم ال شيئا إل وفيه مضرة‪ ،‬ول يبيح شيئا إل وفيه النفعة‪ ،‬لكن‬
‫الشكلة‪ ،‬هذه القناعات عند الناس اليوم‪ ،‬بأن الزواج الثان يلب الشاكل‪ ،‬وأن التعدد ظلم‬
‫للمرأة‪ ،‬ولو بثنا من أين جاءت هذه الراء‪ ،‬وكيف صار الناس يعتقدون ويظنون هذا الظن‪،‬‬
‫‪104‬‬

‫لوجدت أن الناس أقنعهم بذلك العلم‪ ،‬هذه الفلم الت تعرض على الناس‪ ،‬وهذه‬
‫السلسلت الت يشاهدها الناس‪ ،‬تعرض الزواج الثان بأنه يفرق الولد ويظلم الرأة ويلب‬
‫الشاكل‪ ،‬مسلسل بعد آخر‪ ،‬وفيلم بعد آخر‪ ،‬يتأثر الناس وتتغي قناعتهم‪ ،‬ولو بثت خلف‬
‫الستار‪ ،‬من هم القائمون على هذه الفلم ومن النتجون لذه السلسلت‪ ،‬هل هم أناس‬
‫ملصون‪ ،‬ههم حاية الشعوب السلمة‪ ،‬ونشر الفضيلة‪ ،‬أم أن القائمي عليها مرمون‪ ،‬بل ولم‬
‫علقات مشبوهة بنظمات سرية‪ ،‬ولقد كشف الزمان أوراق عدد من كبار المثلي – زعموا –‬
‫ومن أبطال الشاشة‪ ،‬ومن مثلت قديرات‪ ،‬كما يعبون‪ ،‬اتضح أنم أعضاء ف منظمات‬
‫ماسونية‪ ،‬يعملون ليل نار ويططون لدم الدين‪ ،‬فيصورون أحكام الشرع وأوامر ال أنا ظلم‬
‫ومشاكل‪ ،‬ومع السف‪ ،‬نن مغفلون نصدق ونتأثر بكل ما يبث وينشر‪.‬‬
‫ل ‪ ..‬وهل من تأمل وتبصر‪.‬‬
‫فهل نرتقي بعقولنا قلي ً‬
‫نغيّر قناعتنا حول أحكام شرعها ال جل جلله بسبب فيلم أو مسلسل‪ ،‬ونقتنع بأن التعدد‬
‫خطأ‪ ،‬ث بعدها لتنتشر الرذيلة والفاحشة ف البلد بسبب كثرة العوانس‪ ،‬والطلقات‪ ،‬ومن مات‬
‫أزواجهن‪.‬‬
‫ونن اليوم نشاهد كثرة النساء وقلة الرجال ‪ ،‬فأكثر الواليد بنات ‪ ،‬وأكثر الوادث يذهب‬
‫ضحيتها شباب ورجال ‪ ،‬فل بد أن نعلم أن شرع ال فوق كل شيء ‪ ،‬والعجيب أن الناس‬
‫ينظرون إل الزواج بالثانية من منظار الزوجة الول ‪ ،‬وأنا مظلومة ‪ ،‬وقد خانا الزوج وما إل‬
‫ذلك من الرافات والزعبلت ‪ ،‬ولاذا ل ينظرون من زاوية الزوجة الثانية ‪ ،‬وأن هذه فرصتها‬
‫فلو ضاعت فقد ل تتكرر ‪ ،‬ولا أيضا حق ف أن يكون لا زوج وأطفال ‪ ،‬ولنا ف رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أسوة حسنة ‪ ،‬فلقد تزوج بأحد عشرة امرأة من غي السراري ‪ ،‬فما دام‬
‫أن هناك عدل من الزوج فل مانع من الزواج بأربع أو أقل ‪ ،‬الهم أن يكون هناك عدل ‪ ،‬أما ما‬
‫يُعرض عب الشاشات وما تبثه بعض الصحف من إنكار لمر وأصل بينه ال ف كتابه ‪ ،‬فيجب‬
‫ل ‪ ،‬فهي أقلم مدسوسة ‪ ،‬تدس السم ف الدسم ‪،‬‬
‫أن ل يُرغى لا سعا ‪ ،‬ول يرضى با عاق ً‬
‫يريدون با الكيدة من السلم وأهله ‪ ،‬وأن يقل النسل فينقضوا على السلمي انقضاضة رجل‬
‫واحد ‪ ،‬فهم يافون الكثرة ‪ ،‬والتعدد ف الزواج ‪ ،‬فعلينا أن نرغم تلك النوف ‪ ،‬ونلصقها‬

‫‪105‬‬

‫بالتراب ‪ ،‬وأن نصم الذان ‪ ،‬عن تلك الترهات والحلم ‪ ،‬فكم أزكمت النوف تلك‬
‫الكتابات برائحتها اللوثة والوبوءة ‪.‬‬
‫وف الديث ‪ :‬يكون لمسي امرأة قيم واحد ‪ :‬يعن وال أعلم ‪ ،‬أن القائم على المسي امرأة‬
‫رجل واحد لقلة الرجال ‪ ،‬فهو الذي يرعاهن وينفق عليهن ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أن الراد بذلك ‪ ،‬أن ذلك‬
‫المر يكو ف آخر الزمان ‪ ،‬حيث ل يبقى أحد على الرض يقول ‪ :‬ال ال ‪ ،‬فعند ذلك يوت‬
‫العلم ‪ ،‬ويقتل الدين ف النفوس ‪ ،‬فل يعرف الناس معروفا ‪ ،‬ول ينكرون منكرا ‪ ،‬عند ذاك قد‬
‫يتزوج الواحد بغي عدد أي أكثر ما حدده الشرع ‪ ،‬فيتجاوز الربع ‪ ،‬جهلً بالكم الشرعي ‪،‬‬
‫وكما قال الافظ بن حجر رحه ال ‪ :‬وقد وجد من بعض أمراء التركمان وغيهم من فعل‬
‫ذلك مع دعواه السلم [ الفتح ‪. ] 236 / 1‬‬
‫السادس والثلثون ‪:‬‬
‫كثرة موت الفجأة ‪ ،‬فعن أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن‬
‫من أمارات الساعة ‪ . . .‬أن يظهر موت الفجأة " [ أخرجه الطبان ف الصغي والوسط‬
‫وحسنه اللبان ف صحيح الامع برقم ] ‪.‬‬
‫وقد كثر ف زماننا هذا موت الفجأة ‪ ،‬وهو ما يسمى بالسكتة القلبية ‪ ،‬فكم من رجل جالس مع‬
‫أهله يادثهم ويضحك معهم ‪ ،‬وفجأة وإذا به ييل فيفقد وعيه ث يفقد حياته ‪ ،‬فيموت ف‬
‫لظات ‪ ،‬وكذلك السيارات ‪ ،‬كثر بسبب التهور ف قيادتا موت الفجأة ‪ ،‬فيذهب أحدهم‬
‫لشراء أو نزهة أو سفر فل يعود إل أهله ‪ ،‬بل يعود خبه ‪ ،‬وأنه قد مات وأفضى لا قدّم ‪ ،‬فهذه‬
‫علمة من علمات الساعة قد تققت بل شك ول ريب ‪ ،‬فعلى الرء العاقل أن يستغل أوقاته ف‬
‫طاعة ال تعال ‪ ،‬ويذر من العصية ‪ ،‬فالياة أيام وشهور وسنوات ث يعود اللق للبارئ جل‬
‫وعل ‪ ،‬ولو أدرك العبد أن خُلق لعبادة ال ‪ ،‬لا غفل عن الوت لظة ‪ ،‬ولكان شغله الشاغل‬
‫طاعة ال تعال ف سره وعلنه ‪ ،‬لكن لا ل يدخل اليان قلوب الكثيين التهوا باللهيات ‪،‬‬
‫وانرفوا وراء تيار الغريات ‪ ،‬وال تعال يقول لم ‪ " :‬وما خلقت الن والنس إل ليعبدون‬
‫" [ الذاريات ‪ ، ] 56‬فعلى السلم أن يستغل أوقات حياته ف هذه الدنيا ف طاعة ربه‬

‫‪106‬‬

‫وموله ‪َ ،‬ع ِن ابْنِ عَبّاسٍ رَضِي اللّه عَنْهمَا قَالَ ‪ :‬قَالَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ِ " :‬نعْمَتَانِ‬
‫ح ُة وَاْل َفرَاغُ " [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫ي ِمنَ النّاسِ ‪ :‬الصّ ّ‬
‫َمغْبُونٌ فِيهِمَا كَِث ٌ‬
‫وكم هي أوقات الناس اليوم الت تذهب سدى ‪ ،‬وتضيع هبا ًء منثورا ‪ ،‬فيقضونا ف اللعب ‪،‬‬
‫ومشاهدة الباريات والصراخ والغضب على كومة من اللد ‪ ،‬وكم هي الوقات الت تُهدر ف‬
‫سبيل مشاهدة مسلسل أو حفلة غنائية تيت القلوب ‪ ،‬وتدفن السنات وتزيد السيئات ‪ ،‬ول‬
‫حول ول قوة إل بال ‪ ،‬فأوقات السلمي اليوم أصبحت فراغا تُمل بل شيء ‪ ،‬فل علما شرعيا‬
‫يتعلمونه ‪ ،‬ول درسا يضرونه ‪ ،‬ول قرآنا يفظونه ‪ ،‬ول سنة يتبعونا ‪ ،‬فما هذه الياة ؟‬
‫ل ‪ ،‬وأكثر خيا ‪ ،‬فمن كانت تلك حياته كثرت سيئاته ‪ ،‬ولقي ال‬
‫للموت أعظم منها فض ً‬
‫بطوفان من الذنوب تنوء بملها البال الراسيات ‪.‬‬
‫يقول البخاري رحه ال ‪:‬‬
‫اغتنم ف الفراغ فضل ركوع‬
‫فعسى أن يكون موتك بغته‬
‫كم من صحيح رأيت من غي سُقم‬
‫ذهبت نفسه الصحيحة فلته ‪.‬‬
‫السابع والثلثون ‪:‬‬
‫وقوع التناكر بي الناس ‪َ ،‬ع ْن ُح َذيْ َفةَ قَالَ ‪ :‬سُئِلَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َعنِ السّا َعةِ‬
‫َفقَالَ ‪ " :‬عِ ْل ُمهَا ِع ْندَ َربّي لَا يُجَلّيهَا ِلوَقِْتهَا ِإلّا هُ َو " ‪َ ،‬ولَ ِكنْ ُأخِْبرُ ُكمْ بِ َمشَارِي ِطهَا َومَا َيكُونُ بَ ْينَ‬
‫َي َديْهَا ‪ :‬إِ ّن بَ ْينَ َي َديْهَا فِتَْنةً َو َهرْجًا " قَالُوا يَا َرسُولَ ال ّلهِ ‪ :‬اْلفِتَْنةُ َقدْ َع َرفْنَاهَا ‪ ،‬فَاْل َهرْجُ مَا ُهوَ ؟‬
‫ف َأحَدًا‬
‫شةِ ‪ " :‬اْلقَتْ ُل ‪َ ،‬ويُ ْلقَى بَ ْينَ النّاسِ التّنَا ُكرُ ‪ ،‬فَلَا َيكَا ُد أَ َح ٌد أَنْ يَ ْعرِ َ‬
‫قَالَ بِ ِلسَا ِن الْحََب َ‬
‫" [ أخرجه أحد وقال اليثمي ‪ :‬رجاله رجال الصحيح ] ‪.‬‬
‫فالديث يصدق الواقع اليوم من التناكر بي الناس ‪ ،‬بي البيت الواحد ‪ ،‬وبي الار وجاره ‪،‬‬
‫فحصلت القطيعة والفرقة ‪ ،‬كل ذلك بسبب أطماع دنيوية ‪ ،‬ووقع التناكر يصل عند كثرة‬
‫الفت والحن ‪ ،‬وكثرة القتال بي الناس ‪ ،‬وحينما تستول الادة على الناس ‪ ،‬ويعمل كل منهم‬
‫لظوظ نفسه ‪ ،‬غي مكترث بصال الخرين ‪ ،‬ول بقوقهم ‪ ،‬فتنتشر النانية البغيضة ‪ ،‬ويعيش‬
‫‪107‬‬

‫النسان ف بوتقة الهواء والشهوات ‪ ،‬وتقيق الرغبات ‪ ،‬فل تكون هناك قيم أخلقية ‪ ،‬وليس‬
‫هناك أخوة إيانية ‪ ،‬فل حب ف ال ‪ ،‬ول تعاون على الب والتقوى ‪ ،‬بل يصبح الناس وكأنم ف‬
‫غاب يأكل فيها القوي الضعيف ‪ ،‬ويريد كل أن يستأثر بالي لنفسه ‪ ،‬دون أحد سواه ‪ ،‬وقد‬
‫جاء عن الصطفي صلى ال عليه وسلم أن ذلك ليس من اليان ف شيء ‪ ،‬فمن أحب نفسه ‪،‬‬
‫ورضي لا ما ل يرض لغيها فهو ناقص اليان ‪َ ،‬ع ْن َأنَسٍ رَضِي اللّه عَنْه ‪َ :‬ع ِن النّبِيّ صَلّى اللّه‬
‫سهِ " [ متفق عليه ] ‪ ،‬فأين‬
‫ب لَِن ْف ِ‬
‫ب ِلأَخِيهِ مَا يُحِ ّ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَا ُيؤْ ِمنُ أَ َحدُ ُكمْ حَتّى ُيحِ ّ‬
‫تقيق هذا الديث اليوم ‪ ،‬وعندما تشاهد أحوال الناس ف هذا الزمان لتجد عجبا وغرابة ف‬
‫تطبيق الكتاب والسنة ‪ ،‬فقد هجروا كتاب ال ‪ ،‬ورغبوا عن سنة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫فوقع التناكر والختلف بي القلوب ‪ ،‬وحصل الصراع واحتدم الناع بي الناس من أجل‬
‫الدنيا ودرجاتا ومناصبها ‪ ،‬وتركوا النعيم القيم الذي ل يول ول يزول ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬قل‬
‫متاع الدنيا قليل والخرة خي لن اتقى ول تظلمون فتيلً " [ النساء ‪. ] 77‬‬
‫ولو أدرك الناس معن تلك الية وآيات أخرى كثية لا رغب أحد ف دنيا زائلة ‪ ،‬واشترى با‬
‫حياة باقية ‪ ،‬ولكن لا ذُهلت النفوس ف خضم الاديات وحب الشكليات ‪ ،‬والتنازع من أجل‬
‫الراكز ‪ ،‬والتصارع بسبب الراتب ‪ ،‬ابتعد الناس عن دين ال أفواجا ‪ ،‬فكانت النتيجة التمية‬
‫الت تصب ف قالب التناكر والتنافر بي القلوب والجساد ‪.‬‬
‫وظهر ف هذا الزمان مصداقية الديث حيث حصل التناكر بي الناس ف البيت الواحد ‪ ،‬وف‬
‫الي الواحد ‪ ،‬وف العمل ‪ ،‬فكم هي الصومات بي الزملء ف مقر عملهم ‪ ،‬وكذلك‬
‫الصدقاء ف أماكن تواجدهم ‪ ،‬لقد تناكرت القلوب ‪ ،‬واختلفت الفئدة ‪ ،‬وحصلت الناعات‬
‫بي الناس لتفه السباب ‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬وهذا دليل على قرب وقوع الساعة ‪.‬‬
‫الثامن والثلثون ‪:‬‬
‫التماس العلم عند الصاغر ‪،‬‬
‫التاسع والثلثون ‪:‬‬

‫‪108‬‬

‫كثرة الطر وقلة النبات ‪ ،‬عن أنس رضي ال عنه قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ ‪:‬‬
‫ض شَيْئًا " [ أخرجه أحد ‪ ،‬وصحح‬
‫ت اْلأَرْ ُ‬
‫" لَا تَقُو ُم السّا َع ُة حَتّى يُمْ َط َر النّاسُ مَ َطرًا عَامّا َولَا تُنْبِ ُ‬
‫إسناده شعيب الرنؤوط ف تقيق السند ‪. ] 438 / 21‬‬
‫العروف أنه إذا كان هناك مطر ‪ ،‬فل شك أن الرض ستُنبت الزرع ‪ ،‬ولكن ف آخر الزمان ‪،‬‬
‫يكثر الطر ‪ ،‬ول تنبت الرض شيئا ‪ ،‬فال تعال يُوجد ما ينع خروج النبات من الرض ‪ ،‬فهو‬
‫سبحانه القادر على كل شيء ‪ ،‬الذي يقول للشيء كن فيكون ‪ ،‬ونن اليوم ف زمن توقف فيه‬
‫هطول الطر ‪ ،‬وأمسكت السماء نزول الغيث ‪ ،‬حت اجدبت الرض ‪ ،‬لكثرة العاصي وماهرة‬
‫الناس با عيانا بيانا جهارا نارا ‪ ،‬فعاقبهم ال بإمساك رحته ‪ ،‬ولكن نشاهد اليوم هطول زخات‬
‫بسيطة من الطر على الصحاري والتلل لتسقي الزرع والبهائم ‪ ،‬فل ذنب لا ف آثار ذنوب‬
‫بن آدم ‪ ،‬ولول البهائم ل يُمطر الناس ‪ ،‬وخصوصا ف هذا الزمان الذي ل يكترث فيه أغلب‬
‫الناس باقتراف الكبائر والثام العظام ‪ ،‬ث يريدون الطر والرحة من ال تعال ‪ ،‬إنه تناقض‬
‫عجيب ‪ ،‬فالعصية سبب لقلة الرزق ‪ ،‬وسبب لظهور العذاب وتفشي الفت ‪ ،‬ولن ترتفع إل‬
‫بالتوبة النصوح والقبال على ال عز وجل ‪ ،‬والتضرع إليه ‪ ،‬وترك النكرات ‪ ،‬والذر من‬
‫الذنوب فلها آثار سيئة بالشعوب ‪.‬‬
‫فال عز وجل ل يعجزه شيء ف الرض ول ف السماء ‪ ،‬فكما يُعصى ‪ ،‬فهو ينع ‪ ،‬وقد تظهر‬
‫المطار ولكن ل بركة فيها ‪ ،‬جزا ًء وفاقا ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة ‪ :‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ت السّنَ ُة ـ القحط والدب ـ بِأَ ْن لَا تُمْ َطرُوا َولَ ِكنِ السَّنةُ أَ ْن تُمْ َطرُوا‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَ ْيسَ ِ‬
‫ض شَيْئًا " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫ت اْلأَرْ ُ‬
‫َوتُمْ َطرُوا َولَا تُنْبِ ُ‬
‫الربعون ‪:‬‬
‫حسر الفرات عن جبل من ذهب ‪ ،‬روى البخاري ف صحيحه ف كتاب الفت ( ‪) 100 / 8‬‬
‫باب خروج النار ‪ ،‬و مسلم ف كتاب الفت ( برقم ‪ ) 2894‬باب ل تقوم الساعة حت يسر‬
‫الفرات عن جبل من ذهب ‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه‬
‫حسَر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه ‪ ،‬فيقتل من‬
‫وسلم ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت يُ ْ‬
‫كل مائة تسعة وتسعون ‪ ،‬فيقول كل رجل منهم ‪ :‬لعلي أكون أنا أنو " ‪ ،‬و ف رواية قال ‪ :‬قال‬
‫‪109‬‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬يوشك الفرات أن يسر عن كن من ذهب فمن حضره فل‬
‫يأخذ منه شيئا " ‪ ،‬ورواه أيضا أبو داود ‪ ،‬والترمذي و عن عبد ال بن الارث بن نوفل رضي‬
‫ال عنه قال ‪ :‬كنت واقفا مع أب بن كعب ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل يزال الناس متلفة أعناقهم ف طلب‬
‫الدنيا ؟ قلت ‪ :‬أجل ‪ ،‬قال ‪ :‬فإن سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬يوشك‬
‫الفرات أن ينحسر عن جبل من ذهب ‪ ،‬فإذا سع به الناس ساروا إليه ‪ ،‬فيقول من عنده ‪ :‬لئن‬
‫تركنا الناس يأخذون منه ليذهب به كله ‪ ،‬قال ‪ :‬فيقتتلون عليه ‪ ،‬فيقتل من كل مائة تسعة و‬
‫تسعون " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وعن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ " :‬ل تذهب الدنيا حت ينجلي فراتكم عن جزيرة من ذهب ‪ ،‬فيقتتلون عليه ‪،‬‬
‫فيقتل من كل مائة تسعة و تسعون " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ ،‬فالديث يدل على دللت‬
‫كثية منها ‪:‬‬
‫أو ًل ‪ :‬تعريف نر الفرات ‪ :‬هو بالضم ث التخفيف ‪ ،‬و آخره تاء مثناة من فوق ‪ ،‬والفرات ف‬
‫أصل كلم العرب أعذب الياه ‪ ،‬و مرج الفرات فيما زعموا من أرمينية ث من قاليقل قرب‬
‫خلط و يدور بتلك البال حت يدخل أرض الروم إل ملطية ‪ ،‬ويصب فيها أنارا صغار ‪ ،‬ث ير‬
‫بال ّرقّة ث يصي أنارا لتسقي زروع السواد بالعراق ‪ ،‬و يلتقي بدجلة قرب واسط ‪ ،‬فيصيان‬
‫نرا واحدا عظيما يصب ف بر الند ‪ [ .‬معجم البلدان ‪. ] 242 ، 241 / 4‬‬
‫ك قَا َل ‪ :‬قَالَ‬
‫س ْبنِ مَالِ ٍ‬
‫وقد ذُكر الفرات ف السنة ف أكثر من حديث لا له من فضائل ‪َ ،‬ع ْن َأنَ ِ‬
‫سدْ َرةِ ‪َ ،‬فِإذَا أَ ْرَب َعةُ َأْنهَا ٍر ‪َ :‬ن َهرَانِ ظَا ِهرَانِ ‪،‬‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ُ " :‬ر ِفعْتُ ِإلَى ال ّ‬
‫ت بِثَلَاَثةِ‬
‫ت ‪َ ،‬وأَمّا الْبَاطِنَا ِن فََن َهرَا ِن فِي الْجَّن ِة ‪َ ،‬فُأتِي ُ‬
‫َوَنهَرَا ِن بَاطِنَا ِن ‪َ ،‬فأَمّا الظّاهِرَا ِن ‪ :‬النّيلُ وَالْ ُفرَا ُ‬
‫ت ‪َ ،‬فقِيلَ لِي‬
‫ش ِربْ ُ‬
‫ح فِي ِه خَ ْمرٌ َفَأخَ ْذتُ اّلذِي فِيهِ اللَّبنُ َف َ‬
‫س ٌل َوقَدَ ٌ‬
‫ح فِيهِ لََب ٌن َو َقدَحٌ فِيهِ َع َ‬
‫ح َقدَ ٌ‬
‫َأ ْقدَا ٍ‬
‫ت َوُأمّتُكَ " [ متفق عليه ] ‪ ،‬و َع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى‬
‫‪ :‬أَصَ ْبتَ اْلفِ ْط َرةَ أَنْ َ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬سَيْحَانُ َوجَيْحَا ُن وَاْل ُفرَاتُ وَالنّيلُ ‪ُ ،‬كلّ ِم ْن َأْنهَا ِر الْجَّنةِ " [ أخرجه مسلم ]‬
‫‪.‬‬
‫وقال علي بن أب طالب رضي ال عنه ‪ " :‬يا أهل الكوفة إن نركم هذا يصب إليه ميزابان من‬
‫النة " ‪ ،‬وقال عبد اللك بن عمي ‪ " :‬إن الفرات من أنار النة ‪ ،‬ولول ما يالطه من الذى ما‬
‫تداوى به مريض إل أبرأه ال تعال ‪ ،‬وأن عليه ملكا يذود عنه الدواء " ‪ ،‬وقال جعفر بن ممد‬
‫‪110‬‬

‫الصادق ‪ " :‬نر ما أعظم بركته ‪ ،‬ولو علم الناس ما فيه من البكة لضربوا على حافتيه القباب ‪،‬‬
‫ولول ما يدخله من الطائي ‪ ،‬ما اغتمس فيه ذو عاهة إل برئ " [ معجم البلدان ‪/ 4‬‬
‫‪ ، ] 242‬كل تلك الحاديث الثار تدل على فضيلة نر الفرات ‪ ،‬وأنه من أنار النة ‪،‬‬
‫وسينحسر يوما من اليام عن جبل من ذهب ‪ ،‬وسيقتتل الناس عليه ‪ ،‬فمن حضره فيحرم عليه‬
‫أن يأخذ منه شيئا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الكلم على العن الجال للحديث ‪:‬‬
‫يقول المام النووي رحه ال ‪ -‬ف معن انسار الفرات ‪ :‬ومعن انساره ‪ ،‬انكشافه لذهاب مائه‬
‫‪ ،‬وقد يكون بسبب تول مراه ‪ ،‬فإن هذا الكن أو هذا البل مطمور بالتراب ‪ ،‬و هو غي‬
‫معروف ‪ ،‬فإذا ما تول مرى النهر لسبب من السباب ‪ ،‬و مر قريبا من هذا البل كشفه ‪ ،‬و‬
‫ال أعلم بالصواب ‪ .‬أهـ ‪ .‬شرح صحيح مسلم ( ‪. ) 98 / 18‬‬
‫يقول الافظ ابن حجر عن سبب تسميته بالكن ‪ :‬باعتبار حاله قبل أن ينكشف ‪ ،‬وعن سبب‬
‫تسميته ببل من ذهب للشارة إل كثرته ‪ [ .‬الفتح ‪. ] 101 / 13‬‬
‫أما معن أن يقتتل عليه الناس فيقتل من كل مائة تسعة و تسعون و ل ينجو إل واحد ‪ ،‬الظاهر‬
‫من معن هذا الديث أن القتال يقع بي السلمي أنفسهم ‪ ،‬لن قتال السلمي مع أعدائهم من‬
‫يهود ونصارى وغيهم يسمى ملحم ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬بيان زمن حدوث ذلك ‪:‬‬
‫وقد اختلف الئمة ف تديد زمن حدوث ذلك ‪ ،‬فذهب المام البخاري إل أنه يقع مع خروج‬
‫النار ‪ ،‬و يظهر ذلك من صنيعه أي من صنيع المام البخاري ‪ ، -‬إذ أدخل حديث حسر‬
‫الفرات تت باب خروج النار ‪ ،‬و أورد حديث أب هريرة و حارثة بن وهب و لفظ حديث‬
‫حارثة هو ‪ :‬تصدقوا ‪ ،‬فسيأت عليكم زمان يشي الرجل بصدقته ‪ ،‬فيقول الذي يأتيه با ‪ :‬لو‬
‫جئت با بالمس ؛ لقبلتها فأما الن فل حاجة ل با فل يد من يقبلها عقب الباب الذكور‬
‫مباشرة تت باب ل يترجم له بشيء ‪ ،‬ما يدل على أنه متعلق به ‪ ،‬فهو كالفصل منه ‪ ،‬و من ث‬
‫يؤخذ السبب ف عدم قبول الناس ما يعرض عليهم من الموال ‪ ،‬و كذلك سبب النهي عن أخذ‬
‫شيء ما يسر عنه الفرات ‪ ،‬و هو انشغالم بأمر الشر ‪ ،‬بيث ل يلتفت أحد منهم إل الال بل‬
‫يقصد أن يتخفف منه ما استطاع ‪ [ .‬الفتح ‪ 101 / 13‬وما بعدها ] ‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫وذهب الليمي ف النهاج ف شعب اليان إل أنه يقع ف زمن عيسى بن مري عليهما السلم ‪،‬‬
‫فإنه ذكر حديث حسر الفرات ث قال ‪ :‬فيشبه أن يكون هذا الزمان الذي أخب النب صلى ال‬
‫عليه وسلم أن الال يفيض فيه فل يقبله أحد ‪ ،‬و ذلك ف زمان عيسى عليه السلم ‪ ،‬و لعل‬
‫سبب هذا الفيض العظيم ذلك البل مع ما يغنمه السلمون من أموال الشركي ‪ ،‬وال أعلم ‪.‬‬
‫النهاج ( ‪. ) 430 / 1‬‬
‫وذكر القرطب نفس كلم الليمي و أقره على ذلك ‪ ،‬أنظر التذكرة ( ص ‪. ) 750‬‬
‫وهناك حديث يؤيد هذا القول ‪ ،‬روى البخاري ف صحيحه من حديث أب هريرة مرفوعا ‪ ،‬و‬
‫فيه ‪ " :‬والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينل فيكم ابن مري حكما عدلً ‪ .. ..‬إل أن قال ‪ :‬و‬
‫يفيض الال حت ل يقبله أحد " ‪.‬‬
‫أما ابن حجر فإنه ل يدد لديث حسر الفرات عن جبل من ذهب زمن معي ‪ ،‬لكنه ذكر ما‬
‫ذهب إليه البخاري من أنه يقع عند الشر ‪ ،‬و ذلك أثناء تعرضه لبيان الكمة الت لجلها نى‬
‫النب صلى ال عليه وسلم عن الخذ منه ‪ ،‬و قد عد ذلك أي حسر الفرات عن جبل من ذهب‬
‫صاحب الشاعة ‪ ،‬من المارات الت تدل على قرب خروج الهدي ‪ .‬الشاعة ( ص ‪ ، ) 91‬و‬
‫الذي دفعه إل القول بذلك ما رواه ابن ماجة من حديث ثوبان مرفوعا ‪ " :‬يقتتل عند كنكم‬
‫ثلثة ‪ ،‬كلهم ابن خليفة ‪ .‬ث ذكر الديث ف الهدي ‪ ،‬فإن كان الراد بالكن الذي ف حديث‬
‫أب هريرة ‪ ،‬دل على أنه إنا يقع عند ظهور الهدي قبل نزول عيسى و خروج النار ‪ ،‬و لكن‬
‫ليس هناك ما يعي ذلك ‪ [ .‬الفتح ‪. ] 101 / 13‬‬
‫و يبدو وال أعلم أن النسب حل هذه الحاديث على ممل واحد و هو أن ذلك يقع قبل‬
‫أشراط الساعة الكبى ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬سبب النهي عن أخذ شيء منه ‪:‬‬
‫أما الكمة الت لجلها ورد النهي عن الخذ من ذلك البل الذي يسر عنه الفرات ‪ ،‬فقد‬
‫ذكر العلماء ف بيان الكمة من ذلك عدة أسباب ‪-:‬‬
‫‪ -1‬أن النهي لتقارب المر و ظهور أشراطه ‪ ،‬فإن الركون إل الدنيا والستكثار منها مع ذلك‬
‫جهل واغترار ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن النهي عن أخذه لا ينشا عنه من الفتنة والقتتال عليه ‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫‪ -3‬لنه ل يري به مرى العدن ‪ ،‬فإذا أخذه أحدهم ث ل يد من يرج حق ال إليه ل يوفق‬
‫بالبكة من ال تعال فيه ‪ ،‬فكان النقباض عنه أول ‪ .‬ذكره الليمي احتمالً ف النهاج ( ‪/1‬‬
‫‪) 430‬‬
‫‪ -4‬إنا نى عن الخذ منه أنه للمسلمي فل يؤخذ إل بقه ‪ ،‬ذكره ابن التي ‪ ،‬وقال كما حكى‬
‫عنه الافظ ابن حجر ‪ :‬و من أخذه و كثر الال ندم لخذه ما ل ينفعه ‪ ،‬و إذا ظهر جبل من‬
‫سدَ الذهب ‪ ،‬و يبدو أن المام البخاري ذهب إل اختيار القول الول ‪ ،‬إذ أورد هذا‬
‫ذهب ‪َ ،‬ك َ‬
‫الديث تت باب خروج النار ما يوحي بأنه يرى أن النهي عن الخذ ورد لنه عند الشر و‬
‫مع خروج النار ‪ ،‬وهو وقت انشغال الناس بأمر الشر ‪ ،‬فإذا أخذ منه أحد ل يستفيد منه سوى‬
‫الندم ‪.‬‬
‫و ذهب القرطب إل اختيار القول الثان ‪ ،‬و قال ‪ :‬و هو الذي يدل عليه الديث ‪ .‬التذكرة‬
‫( ص ‪ . ) 750‬كذلك ذهب إل اختياره الافظ ابن حجر واستدل بديث أب بن كعب‬
‫مرفوعا ‪ :‬يوشك أن يسر الفرات عن جبل من ذهب ‪ ، ...‬و ذكر الديث ‪ .‬و بذا الديث‬
‫أبطل ما ذهب إليه ابن التي ‪ ،‬و قال ‪ :‬إنا يتم ما زعم من الكساد لو اقتسمه الناس بينهم‬
‫بالتسوية و وسعهم كلهم ‪ ،‬فاستغنوا أجعي ‪ ،‬فحينئذ تبطل الرغبة فيه ‪ ،‬و أما إذا حواه قوم‬
‫ب على القول بأن النهي ورد‬
‫دون قوم ‪ ،‬فحال من ل يصل له منه شيء باق على حاله ‪ ،‬و َعقّ َ‬
‫لكونه يقع مع خروج النار ‪ ،‬فقال ‪ :‬ول مانع أن يكون عند خروج النار للحشر ‪ ،‬لكن ليس‬
‫ذلك السبب ف النهي عن الخذ منه وال أعلم ‪ [ .‬الفتح ‪. ] 101 / 13‬‬
‫خامسا ‪ :‬شبهة والرد عليها ‪:‬‬
‫وذهب بعض التأخرين ‪ ،‬ف حسر الفرات عن جبل من ذهب ‪ ،‬إل أن معناه حسره عن الذهب‬
‫البترول السود ‪.‬‬
‫والواب ‪ :‬ليس القصود بذا البل من ذهب هو النفط أو البترول السود ‪ ،‬و ذلك من وجوه‬
‫‪-:‬‬
‫‪ -1‬أن النص جاء فيه جبل من ذهب نصا ل يتمل التأويل ‪ ،‬والبترول ليس بذهب على‬
‫القيقة فإن الذهب هو العدن العروف‬

‫‪113‬‬

‫‪ -2‬أن النب صلى ال عليه وسلم أخب أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب ‪ ،‬فياه الناس ‪،‬‬
‫والنفط أو البترول يستخرج من باطن الرض باللت من مسافات بعيدة ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن النب صلى ال عليه وسلم خص الفرات بذا دون غيه من البحار والنار ‪ ،‬والنفط‬
‫نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الرض ‪ ،‬و ف أماكن كثية متعددة من العال ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن النب صلى ال عليه وسلم أخب أن الناس سيقتتلون عند هذا الكن ‪ ،‬و ل يصل أنم‬
‫اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيه ‪ ،‬بل إن النب صلى ال عليه وسلم نى من حضر‬
‫هذا الكن أن يأخذ منه شيئا ؛ كما هي الرواية الخرى عن أب بن كعب رضي ال عنه ‪ ،‬ومن‬
‫حله على النفط ‪ ،‬فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الخذ من النفط ‪ ،‬ول يقل به أحد ‪.‬‬
‫[ أنظر ‪ :‬إتاف الماعة ‪ ، 186 ،185 / 2‬فقد ذكر الشيخ حود التويري وجوها كثية‬
‫للرد على هذه الشبهة ] ‪.‬‬
‫وسبب انسار نر الفرات عن الذهب ‪ ،‬أنه قد يتحول مراه ‪ ،‬ويكون جبل الذهب الذكور‬
‫مطمور بالتراب ‪ ،‬وغي معروف مكانه ‪ ،‬فإذا تول مرى الاء ظهر البل ‪ ،‬فيكشفه ال تعال ‪،‬‬
‫لكن على كل من حضره أن ل يأخذ منه شيئا تنفيذا لمر النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وذلك‬
‫خشية الفتنة وسفك الدماء ‪ ،‬وإن كانت هذه العلمة ل تظهر بعد [ شرح النووي على مسلم ]‬
‫‪.‬‬
‫لكن بوادرها تدل على ذلك فلقد كشفت صور القمار الصناعية عن وجود ذرات من الذهب‬
‫متلطة بتراب هذا البل ‪ ،‬وعموما صحت تلك الخبار أم ل فل نستبق الحداث ‪ ،‬فهي علمة‬
‫من علمات الساعة أخب با الصادق ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول ريب أنا كائنة وحادثة‬
‫وواقعة ول شك ‪.‬‬
‫الواحد والربعون ‪:‬‬
‫خدْرِيّ قَالَ ‪َ :‬عدَا الذّئْبُ َعلَى شَاةٍ َفَأخَ َذهَا ‪،‬‬
‫كلم السباع والمادات النس ‪َ ،‬ع ْن َأبِي سَعِي ٍد الْ ُ‬
‫ع مِنّي ِر ْزقًا سَا َقهُ‬
‫فَطَلََب ُه الرّاعِي فَانَْتزَ َعهَا مِ ْن ُه ‪َ ،‬فَأقْعَى ال ّذئْبُ عَلَى َذنَِب ِه قَا َل ‪ :‬أَلَا تَّتقِي اللّ َه ‪ ،‬تَ ْنزِ ُ‬
‫ال ّلهُ ِإَليّ ‪َ ،‬فقَا َل ‪ :‬يَا عَجَبِي ِذئْبٌ مُقْعٍ عَلَى َذنَِب ِه يُكَلّمُنِي كَلَا َم اْلإِنْسِ ؟ َفقَالَ ال ّذئْبُ ‪َ :‬ألَا ُأخِْبرُكَ‬
‫س ِبأَنْبَا ِء مَا قَ ْد سََبقَ ‪ .‬قَالَ ‪:‬‬
‫ب ‪ ،‬يُخِْب ُر النّا َ‬
‫ح ّمدٌ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم بِيَ ْثرِ َ‬
‫ب ِمنْ َذِلكَ ‪ ،‬مُ َ‬
‫ج َ‬
‫ِبأَعْ َ‬
‫‪114‬‬

‫َفَأقَْبلَ الرّاعِي َيسُوقُ غَنَ َم ُه ‪ ،‬حَتّى َد َخلَ الْ َمدِيَنةَ ‪َ ،‬ف َزوَاهَا ِإلَى زَا ِويَ ٍة ِمنْ َزوَايَاهَا ‪ ،‬ثُ ّم َأتَى َرسُولَ‬
‫ي الصّلَا ُة جَا ِم َعةٌ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم َفأَخَْب َرهُ ‪َ ،‬فَأ َمرَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم فَنُودِ َ‬
‫ج ‪َ ،‬فقَا َل لِلرّاعِي ‪َ " :‬أخْبِ ْر ُهمْ " ‪َ ،‬فَأخْبَ َر ُهمْ ‪َ ،‬فقَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪:‬‬
‫‪ُ ،‬ث ّم خَرَ َ‬
‫س ‪ ،‬وَُيكَ ّلمَ الرّ ُجلَ َع َذَبةُ‬
‫ع الِْإنْ َ‬
‫ق وَاّلذِي َن ْفسِي بَِي ِدهِ ‪ ،‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى ُيكَ ّلمَ السّبَا ُ‬
‫صدَ َ‬
‫" َ‬
‫ث َأهْلُ ُه َب ْعدَ ُه " [ أخرجه أحد بسند صحيح ‪،‬‬
‫خ ُذ ُه بِمَا أَ ْحدَ َ‬
‫َسوْ ِطهِ ‪َ ،‬و ِشرَا ُك َنعْ ِلهِ ‪َ ،‬ويُخِْب َر ُه فَ ِ‬
‫السلسلة الصحيحة حديث رقم ‪ ، ] 122‬و َعنْ َأبِي ُه َرْيرَةَ َرضِي اللّه عَنْه قَالَ صَلّى َرسُولُ‬
‫ق َب َقرَةً ‪،‬‬
‫س َفقَالَ ‪ " :‬بَيْنَا َر ُجلٌ َيسُو ُ‬
‫ح ُثمّ َأقَْبلَ عَلَى النّا ِ‬
‫ال ّلهِ ‪ ،‬صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ صَلَا َة الصّبْ ِ‬
‫س سُبْحَا َن ال ّلهِ ‪:‬‬
‫ح ْرثِ ؟ َفقَا َل النّا ُ‬
‫ضرََبهَا ‪َ ،‬فقَالَتْ ‪ِ :‬إنّا لَ ْم نُخْ َل ْق ِل َهذَا ‪ِ ،‬إنّمَا خُ ِلقْنَا لِلْ َ‬
‫ِإذْ رَكَِبهَا فَ َ‬
‫َب َق َرةٌ تَتكَ ّلمُ ؟ َفقَالَ ‪ :‬فَِإنّي أُومِ ُن ِب َهذَا َأنَا َوأَبُو َب ْكرٍ وَ ُع َمرُ وَمَا هُمَا َث ّم ‪ ،‬وَبَيْنَمَا َر ُج ٌل فِي غََن ِمهِ ِإذْ‬
‫ب يا َهذَا اسْتَ ْن َقذَْتهَا‬
‫ب حَتّى َكَأّنهُ اسْتَ ْن َقذَهَا مِ ْن ُه ‪َ ،‬فقَا َل لَ ُه الذّئْ ُ‬
‫ب مِ ْنهَا ِبشَا ٍة فَطَلَ َ‬
‫ب َفذَهَ َ‬
‫َعدَا ال ّذئْ ُ‬
‫ب يََتكَلّ ُم ‪ ،‬قَالَ ‪:‬‬
‫مِنّي فَ َمنْ َلهَا يَوْ َم السّبُ ِع َيوْ َم لَا رَا ِع َي َلهَا غَ ْيرِي ‪َ ،‬فقَا َل النّاسُ ‪ :‬سُبْحَا َن ال ّلهِ ِذئْ ٌ‬
‫َفِإنّي أُو ِم ُن ِبهَذَا َأنَا وََأبُو َب ْكرٍ وَعُ َم ُر َومَا هُمَا َثمّ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫ففي الديثي معجزة عظيمة ‪ ،‬وخب غيب يب به النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بأن اليوانات‬
‫وأجزاء السد ‪ ،‬والمادات ستكلم النسان ‪ ،‬وتبه با حدث ف غيابه ‪ ،‬وبا فعل أهله من‬
‫بعده ‪ ،‬فتكليم السباع حصل ف عهد النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬كما ف الديثي السابقي ‪،‬‬
‫وقد يتكرر ثانية ‪ ،‬أما باقي العلمات ‪ ،‬فإنا ل تظهر بعد ‪ ،‬ولكنها واقعة ول بد ‪ ،‬فسبحان ال‬
‫العظيم القادر على كل شيء ‪.‬‬
‫وقد ثبت ف كتاب ال تعال ‪ ،‬أن جيع أعضاء السم ستشهد على النسان يوم القيامة با‬
‫أحدث ‪ ،‬وبا فعل ف هذه الدنيا ‪ ،‬فهي شهادات من نفسه ‪ ،‬تشهد عليه يوم القيامة ‪ ،‬قال تعال‬
‫‪ " :‬ويوم يُحشر أعداء ال إل النار فهم يوزعون * حت إذا ما جاءوها شهد عليهم سعهم‬
‫وأبصارهم وجلودهم با كانوا يعملون * وقالوا للودهم ل شهدت علينا قالوا أنطقنا ال الذي‬
‫أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم‬
‫سعكم ول أبصاركم ول جلودكم ولكن ظننتم أن ال ل يعلم كثيا ما تعملون " [ فصلت‬
‫‪ ، ] 22-19‬وقال تعال ‪ " :‬يوم تشهد عليهم أسنتهم وأيديهم وأرجلهم با كانوا يعملون‬
‫حكَ‬
‫" [ النور ‪ ، ] 24‬و َع ْن َأنَسِ ْب ِن مَاِلكٍ قَالَ ‪ :‬كُنّا عِ ْندَ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم فَضَ ِ‬
‫‪115‬‬

‫حكُ ؟ قَالَ قُلْنَا ‪ :‬ال ّلهُ وَ َرسُوُل ُه أَعْ َلمُ ‪ ،‬قَالَ ‪ِ " :‬م ْن مُخَاطََب ِة الْعَ ْبدِ َرّبهُ‬
‫‪َ ،‬فقَا َل ‪َ :‬هلْ َتدْرُو َن مِ ّم أَضْ َ‬
‫ج ْرنِي ِمنَ الظّ ْلمِ ؟ قَالَ َيقُو ُل ‪ :‬بَلَى ‪ ،‬قَالَ فََيقُو ُل ‪َ :‬فإِنّي لَا ُأجِيزُ عَلَى‬
‫ب َألَ ْم تُ ِ‬
‫‪َ ،‬يقُو ُل ‪ :‬يَا َر ّ‬
‫ك َشهِيدًا ‪َ ،‬وبِالْ ِكرَا ِم الْكَاتِِبيَ‬
‫سكَ الَْيوْمَ عَلَ ْي َ‬
‫َن ْفسِي ِإلّا شَا ِهدًا مِنّي ‪ ،‬قَالَ فََيقُولُ ‪َ :‬كفَى بَِنفْ ِ‬
‫ُشهُودًا ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فَيُخَْتمُ عَلَى فِيهِ فَُيقَا ُل ِلأَرْكَاِن ِه انْطِقِي ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فَتَ ْن ِطقُ ِبأَعْمَاِلهِ ‪ ،‬قَالَ ‪ُ :‬ث ّم يُخَلّى‬
‫ض ُل " [ أخرجه مسلم ] ‪،‬‬
‫ت ُأنَا ِ‬
‫حقًا ‪َ ،‬فعَ ْن ُكنّ كُ ْن ُ‬
‫بَيَْن ُه َوبَيْ َن الْكَلَا ِم ‪ ،‬قَا َل فََيقُو ُل ‪ُ :‬بعْدًا َل ُكنّ َوسُ ْ‬
‫الاصل أن كلم العضاء والمادات واليوانات حاصل ‪ ،‬وهذه معجزة تدل على قدرة الالق‬
‫جل جلله الذي إذا أراد شيئا فإنا يقول له كن فيكون ‪ ،‬فسبحانه من خالق عظيم ‪.‬‬
‫الثان والربعون ‪:‬‬
‫تن الوت من شدة البلء ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ ‪َ ،‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَا َل لَا َتقُو ُم السّا َعةُ‬
‫حَتّى يَ ُم ّر الرّ ُج ُل بِقَ ْب ِر ال ّر ُجلِ فََيقُو ُل يَا لَيْتَنِي َمكَاَنهُ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪.‬‬
‫و َع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ رضي ال عنه أيضا قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬وَاّلذِي‬
‫ب الدّنْيَا حَتّى يَ ُمرّ ال ّرجُلُ عَلَى الْقَ ْب ِر ‪ ،‬فَيَتَ َمرّغُ عَلَ ْي ِه ‪ ،‬وََيقُو ُل ‪ :‬يَا لَيْتَنِي‬
‫َن ْفسِي بَِي ِدهِ ‪ ،‬لَا َتذْهَ ُ‬
‫س ِبهِ الدّينُ ِإلّا الْبَلَا ُء " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫ب هَذَا الْقَ ْب ِر ‪ ،‬وَلَيْ َ‬
‫ت مَكَانَ صَاحِ ِ‬
‫كُ ْن ُ‬
‫فالديث يدل على أن الرجل ليتمن الوت ‪ ،‬وأن يكون مكان صاحب القب لا يلقيه من شدة‬
‫العناء والبلء ‪ ،‬وليس من التدين والتقرب إل ال تعال ‪ ،‬أو حبا ف لقائه ‪ ،‬وإنا بسبب البلء‬
‫وكثرة الفت والصائب الت تصيبه ‪ ،‬وكما هو معلوم أنه ل يوز للمسلم أن يتمن الوت من‬
‫أجل مصيبة حطة به ‪ ،‬أو فتنة أصابته ‪ ،‬بل يكون تن الوت خوفا على دينه ‪ ،‬خصوصا ف زمان‬
‫يفسد فيه الناس ‪ ،‬ويقل وازعهم الدين ‪ ،‬فيبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا ‪ ،‬فعند ذاك يوز‬
‫للمسلم الفار بدينه أن يقول كما جاء ف حديث ‪َ ،‬أنَسِ ْب ِن مَاِلكٍ رَضِي اللّه عَنْه ‪ ،‬قَا َل النّبِيّ‬
‫ض ّر أَصَاَبهُ ‪َ ،‬فإِنْ كَا َن لَا بُ ّد فَاعِلًا ‪،‬‬
‫ت ِمنْ ُ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا يَتَمَنَّي ّن َأحَدُ ُك ُم الْ َموْ َ‬
‫ت الْ َوفَاةُ خَ ْيرًا لِي " [ متفق‬
‫ت الْحَيَاةُ خَ ْيرًا لِي ‪ ،‬وََت َوفّنِي ِإذَا كَانَ ِ‬
‫فَلَْي ُقلِ ‪ :‬ال ّل ُه ّم أَحْيِنِي مَا كَانَ ِ‬
‫عليه ] ‪ ،‬فتمن الوت من أجل حوادث الدهر ‪ ،‬ونوائب الزمان ل يوز ‪ ،‬لكن إذا كان خوفا‬
‫على الدين ‪ ،‬وان يضل صاحبه لكثرة النكرات ‪ ،‬وفساد القوام ‪ ،‬وضعف الدين ‪ ،‬فيجوز‬
‫حينئذٍ ‪ ،‬ويدل على ذلك حديث ‪ُ ،‬معَاذِ ْب ِن جََبلٍ َرضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪ :‬احْتُبِسَ َعنّا َرسُولُ ال ّلهِ‬
‫‪116‬‬

‫خرَجَ‬
‫س ‪َ ،‬ف َ‬
‫ح ‪ ،‬حَتّى ِك ْدنَا نََترَاءَى عَ ْي َن الشّمْ ِ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ذَاتَ َغدَاةٍ َعنْ صَلَاةِ الصّبْ ِ‬
‫جوّ َز فِي صَلَاِتهِ ‪ ،‬فَلَمّا‬
‫َسرِيعًا ‪ ،‬فَثُ ّوبَ بِالصّلَاةِ ‪ ،‬فَصَلّى َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ ،‬وتَ َ‬
‫ص ْوِتهِ َفقَا َل لَنَا ‪ " :‬عَلَى مَصَافّ ُكمْ كَمَا َأنُْتمْ " ‪ُ ،‬ثمّ اْنفََتلَ ِإلَيْنَا ُثمّ قَالَ ‪َ " :‬أمَا ِإنّي‬
‫سَ ّلمَ دَعَا بِ َ‬
‫ض ْأتُ وَصَلّيْتُ مَا ُقدّ َر لِي ‪ ،‬فََن َعسْتُ‬
‫ت ِم َن اللّ ْيلِ فََتوَ ّ‬
‫َسأُ َح ّدثُ ُكمْ مَا حََبسَنِي عَ ْن ُكمُ اْل َغدَا َة ‪َ ،‬أنّي قُمْ ُ‬
‫سنِ صُو َر ٍة ‪َ ،‬فقَالَ يَا مُحَ ّم ُد ‪ :‬قُلْتُ‬
‫ت ‪َ ،‬فِإذَا َأنَا ِب َربّي تَبَارَ َك وََتعَالَى فِي أَ ْح َ‬
‫فِي صَلَاتِي فَاسْتَ ْثقَلْ ُ‬
‫ضعَ َك ّفهُ‬
‫ت لَا َأدْرِي َربّ قَاَلهَا ثَلَاثًا قَا َل َفرََأيُْتهُ وَ َ‬
‫ص ُم الْمَ َلأُ اْلأَعْلَى قُ ْل ُ‬
‫لَبّ ْيكَ َربّ ‪ ،‬قَالَ ‪ :‬فِي َم يَخْتَ ِ‬
‫ح ّمدُ قُلْتُ‬
‫ت َفقَا َل يَا مُ َ‬
‫ت َبرْ َد َأنَامِ ِلهِ بَ ْينَ َث ْديَ ّي فَتَجَلّى لِي ُك ّل شَيْ ٍء وَ َع َرفْ ُ‬
‫بَ ْينَ كَِت َفيّ حَتّى َو َجدْ ُ‬
‫ت فِي الْ َكفّارَاتِ قَالَ مَا ُهنّ قُلْتُ َمشْيُ اْلَأ ْقدَا ِم ِإلَى‬
‫ص ُم الْمَ َلأُ اْلأَعْلَى قُ ْل ُ‬
‫لَبّ ْيكَ َربّ قَالَ فِي َم يَخْتَ ِ‬
‫ت قَا َل ُثمّ فِيمَ‬
‫غ الْوُضُو ِء فِي الْ َم ْكرُوهَا ِ‬
‫ت وَِإسْبَا ُ‬
‫الْجَمَاعَاتِ وَالْجُلُوسُ فِي الْ َمسَا ِجدِ َب ْعدَ الصّ َلوَا ِ‬
‫ك ِفعْلَ‬
‫س نِيَا ٌم قَا َل َسلْ ُق ِل اللّ ُه ّم ِإنّي أَ ْسَألُ َ‬
‫ي اْلكَلَامِ وَالصّلَاةُ بِاللّ ْيلِ وَالنّا ُ‬
‫ت إِ ْطعَا ُم ال ّطعَا ِم وَلِ ُ‬
‫قُلْ ُ‬
‫ي َوأَنْ َت ْغ ِفرَ لِي وََت ْرحَمَنِي َوِإذَا أَ َر ْدتَ فِتَْن َة َقوْ ٍم فََتوَفّنِي‬
‫ب الْ َمسَاكِ ِ‬
‫ت وَحُ ّ‬
‫ت َوَترْكَ الْمُ ْن َكرَا ِ‬
‫الْخَ ْيرَا ِ‬
‫ك وَحُبّ َع َم ٍل يُ َق ّربُ ِإلَى حُّبكَ قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى‬
‫ك َوحُبّ َم ْن يُحِّب َ‬
‫ك حُبّ َ‬
‫غَ ْيرَ َمفْتُونٍ أَ ْسَألُ َ‬
‫اللّهم َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ِإّنهَا َحقّ فَادْ ُرسُوهَا ُث ّم تَعَلّمُوهَا " [ أخرجه الترمذي وأحد ‪ ،‬وهو حديث‬
‫صحيح ] ‪ .‬فالشاهد من الديث قوله صلى ال عليه وسلم ‪َ " :‬وِإذَا أَ َر ْدتَ فِتَْن َة َقوْ ٍم فََتوَفّنِي غَ ْيرَ‬
‫َمفْتُونٍ " ‪.‬‬
‫قال ابن عبد الب رحه ال ‪ " :‬ظن بعضهم أن هذا الديث معارض للنهي عن تن الوت ‪،‬‬
‫وليس كذلك ‪ ،‬وإنا ف هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنل بالناس من فساد الال ف الدين‬
‫أو ضعفه أو خوف ذهابه ‪ ،‬ل لضرر ينل بالسم " [ ذكره عنه الافظ بن حجر ف الفتح ‪13‬‬
‫‪. ] 94 /‬‬
‫وقال النووي رحه ال ‪ " :‬ل كراهة ف ذلك بل فعله خلئق من السلف ‪ ،‬منهم ‪ :‬عمر بن‬
‫الطاب ‪ ،‬وعيسى الغفاري ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز وغيهم " [ الفتح ‪. ] 94 / 13‬‬
‫وتن الوت يكون عند كثرة الفت وتغيّر الحوال وتبديل أحكام الشريعة والت يف منها الرء‬
‫على دينه أن يذهب ‪ ،‬قال ابن مسعود رضي ال عنه‪ :‬سيأت عليكم زمان لو وَجَد أحدكم الوت‬
‫يُباع لشتراه‪ .‬وكما قيل‪:‬‬
‫أل موتٌ يباع فأشتريه‬

‫وهذا العيش مال خي فيه‬
‫‪117‬‬

‫والمر كما قال الافظ العراقي رحه ال‪ :‬إن هذه الالة‪ ،‬ل يلزم كونه ف كل بلد ول ف كل‬
‫زمن‪ ،‬ول ف جيع الناس‪ ،‬بل يصدق اتفاقه للبعض ف بعض القطار ف بعض الزمان‪.‬‬
‫فنحن ول المد نعيش ف عافية وأمن وارف ‪ ،‬وخي وسعة رزق ‪ ،‬أسأل ال جل وعز‪ ،‬أن نبقى‬
‫ف عافية‪ ،‬وأن ينبنا الفت‪ ،‬وإل فاليام حبلى‪ ،‬فإن هذا العصر الذي نن فيه الن‪ ،‬ف الوقت‬
‫ل يتمن‬
‫الذي نعيش فيه نن بأمان‪ ،‬فإن غينا من السلمي‪ ،‬وف بلد كثية‪ ،‬يرون بأحوال‪ ،‬فع ً‬
‫الواحد منهم الوت من شدة البلء‪.‬‬
‫لقد مرت أيام وما تزال تصلنا أخبار إخواننا السلمي ف فلسطي وأفغانستان ‪ ،‬ومسلمي العراق‬
‫من الكراد وغيهم ‪ ،‬وناهيك عن مسلمي البوسنة والرسك أو الشيشان أو غيها ‪ ،‬أو ما‬
‫يصل للمسلمي ف الفلبي ‪ ،‬وف أندونيسيا وف إفريقيا وغيها من بقاع الرض ‪ ،‬فلقد مرت‬
‫أحوال على ضعاف السلمي هناك يتمن الواحد أن يكون ف بطن الرض‪ ،‬ول يرى أو يعيش‬
‫ما يصل له على ظهرها ‪.‬‬
‫فتخيل أنم دخلوا عليك ف بيتك وأنت جالس أو نائم مع أهلك وأولدك ث أمسكوا بأبيك‬
‫الشيخ الكبي‪ ،‬وذبوه أمامك ذبح الشاة‪ ،‬وأمسكوا بأمك العجوز وبقروا بطنها وأنت تنظر‪ ،‬ث‬
‫انتزعوا منك زوجتك‪ ،‬وانتهكوا عرضها‪ ،‬أمام عينيك‪ ،‬أما أولدك الصغار‪ ،‬فيأخذ الواحد تلو‬
‫الخر‪ ،‬ويغمس ف بركة حت يوت غرقا وأنت تشاهد‪ ،‬أليس الوت خي لك من هذا‪ ،‬أل تتمن‬
‫الوت قبل أن تعيش هذه الالة‪ ،‬حت ل تفت ف دينك ‪ ،‬أسأل ال تعال أن ل نرى مثل هذه‬
‫الحوال‪.‬‬
‫إذن فاعلم يا أخي‪ ،‬بأن لك إخوانا مستضعفي ف بلدان كثية ف العال السلمي وغيه‪،‬‬
‫يعيشون ف مثل هذه الالت وأشد‪ ،‬وتر بم أحوال أصعب من هذا‪ ،‬مذابح وحشية ‪ ،‬ويارس‬
‫مع السلمي‪ ،‬القتل بأقسى صوره وأشكاله ‪ ..‬تأت أخبار من طاجاكستان وغيها أنه يؤتى‬
‫بأعداد من السلمي‪ ،‬ث يؤخذ الواحد تلو الخر‪ ،‬ويرر على منشار كهربائي‪ ،‬تيل ينتظر دوره‬
‫ف الطابور‪ ،‬وهو يرى أمام عينيه القتل بذه الصورة‪ ،‬يقطع بالنشار‪.‬‬
‫ويؤخذ الطفال والولد‪ ،‬ويوضعون ف أنابيب‪ ،‬ث يغلق طرف النبوب لساعات حت يوت‬
‫الطفل ‪ ..‬أل يكفي ف قتل هؤلء أن يقتلوا مباشرة بالرصاص‪ ،‬أو بالقنابل والرشاشات إبادة‬
‫جاعية ‪ .‬بلى وال يكفي ‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫لكن هؤلء النصارى يتلذذون ف قتل السلمي بأبشع الصور‪ .‬وما ذكرت فقط ناذج سريعة‪،‬‬
‫وإل ما يُرى ويُسمع أشد من هذا‪ .‬فإنا ل وإنا إليه راجعون‪ .‬ونن هنا منشغلون ف متابعة‬
‫الدوري‪ ،‬وجولت الصارعة الرة‪ ،‬ورجالنا ول أقول الشباب أو النساء‪ ،‬بل الرجال ما يزال‬
‫أحدهم يغن ويرقص وكأن المر ل يعنيه‪ .‬هل تظنون أن ال ل يسألنا‪ ،‬ول ياسبنا عن هذا‬
‫التقصي والهال تاه السلمي‪ ،‬أم أن ال ل ياسبنا عن حياة الغفلة واللهو والعبث الت‬
‫نعيشها‪ ،‬وال الذي ل إله إل هو سيسأل كل واحد منا‪ ،‬بنفسه عن واقعه‪ ،‬وعن أحوال أمته‪،‬‬
‫فماذا أنت ميب؟ وقد نعاقب نن عقوبة دنيوية عاجلة‪ ،‬ونبتلى بثل ما ابتُلي به غينا نتيجة‬
‫تقصينا وغفلتنا عنهم‪ ،‬والال كما تعرفون من أنفسكم‪ ،‬وال ل نسن حت الرب‪ ،‬ل نعرف‬
‫ل عن الواجهة والبذل والصب‪.‬‬
‫كيف نرب‪ ،‬كما حصل ف أزمة الليج قبل سنوات‪ ،‬فض ً‬
‫وال جل وتعال ل ياب أحدا‪ ،‬لنك من قبيلة كذا‪ ،‬أو لن نسبك إل فلن أو فلن‪ .‬الخالفة‬
‫الربانية‪ ،‬وعصيان أمر ال‪ ،‬يوجب العقوبة‪ ،‬إما ف الدنيا أو ف الخرة‪ ،‬أو ف الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فلنتقي ال أيها السلمون‪ ،‬ولننتبه‪ ،‬كفانا غفلة وكفانا عدم مبالة‪ ،‬فالمر جد خطي‪ ،‬ولنبدأ‬
‫ببعض الطوات العملية‪ ،‬وكل بإمكانه أن يقدم لمته ‪ ..‬خذ هذا الثال‪ ،‬لاذا ل تقتطع شيئا‬
‫يسيا من مرتبك ودخلك تعلها ل‪ ،‬لنكبات السلمي هنا أو هناك‪ ،‬وهكذا لو تركنا بثل هذه‬
‫الشاريع البسيطة السهلة‪ ،‬والت ل تكلفنا كثيا‪ ،‬لقدمنا كثيا لمتنا‪ ،‬وهذه فقط فكرة خطرت‬
‫بالبال‪ ،‬وأنا متأكد بأن العقلء والذكياء أمثالكم‪ ،‬لو فكروا‪ ،‬لرجوا بعشرات الفكار‬
‫الناسبة ‪ ،‬فل تبخلوا على أمتكم وإخوانكم بثل هذه الفكار الت تدعم السلمي ف كل‬
‫مكان ‪ ،‬فالسلم أخو السلم ‪.‬‬
‫الثالث والربعون ‪:‬‬
‫كثرة الروم وقتالم للمسلمي ‪ ،‬فعن عوف بن مالك رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ " :‬اعدد ستا بي يدي الساعة ‪ ،‬فذكر منها ‪ :‬ث هدنة تكون بينكم وبي بن‬
‫الصفر فيغدرون فيأتونكم تت ثاني غاية تت كل غاية اثنا عشر ألفا " [ أخرجه البخاري ]‬
‫‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫سعُو ٍد قَا َل ‪ :‬إِ ّن السّا َع َة لَا َتقُومُ‬
‫وجاء ف وصف هذا القتال أنه عظيم شديد َعنْ عَ ْبدَ ال ّل ِه ْبنَ َم ْ‬
‫شأْ ِم ‪َ ،‬فقَالَ ‪:‬‬
‫حوَ ال ّ‬
‫ح ِبغَنِي َم ٍة ‪ُ ،‬ثمّ قَالَ بَِي ِد ِه هَ َكذَا ‪َ :‬ونَحّاهَا نَ ْ‬
‫ث ‪َ ،‬ولَا ُيفْرَ َ‬
‫س َم مِيَا ٌ‬
‫حَتّى لَا ُيقْ َ‬
‫ت ‪ :‬الرّو َم َتعْنِي ؟ قَا َل ‪ :‬نَ َعمْ ‪،‬‬
‫َعدُ ّو يَجْ َمعُو َن ِلأَ ْهلِ اْلِإسْلَا ِم ‪َ ،‬ويَجْ َم ُع َلهُ ْم َأهْ ُل اْلإِسْلَا ِم ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ت لَا َت ْرجِ ُع ِإلّا غَالَِبةً ‪،‬‬
‫َوتَكُونُ عِ ْن َد ذَا ُكمُ اْلقِتَالِ ‪َ ،‬ر ّدةٌ شَدِيدَ ٌة ‪ ،‬فََيشَْترِطُ الْ ُمسْلِمُو َن ُشرْ َط ًة لِلْ َموْ ِ‬
‫ب ‪َ ،‬وَتفْنَى الشّرْ َط ُة ‪ُ ،‬ثمّ‬
‫ج َز بَيَْن ُهمُ اللّ ْي ُل ‪ ،‬فََيفِي ُء َه ُؤلَا ِء َو َهؤُلَاءِ ‪ُ ،‬كلّ غَ ْيرُ غَالِ ٍ‬
‫فََيقْتَتِلُو َن حَتّى يَحْ ُ‬
‫جزَ بَيَْن ُه ُم اللّ ْيلُ ‪ ،‬فََيفِيءُ‬
‫حُ‬
‫ت لَا َت ْرجِ ُع ِإلّا غَالَِبةً ‪ ،‬فََيقْتَتِلُو َن حَتّى يَ ْ‬
‫َيشَْترِطُ الْ ُمسْلِمُو َن ُشرْ َط ًة لِلْ َموْ ِ‬
‫ت لَا َت ْرجِعُ‬
‫شرْ َط ُة ‪ُ ،‬ثمّ َيشَْترِطُ الْ ُمسْلِمُو َن ُشرْ َط ًة لِلْ َموْ ِ‬
‫ب ‪َ ،‬وتَفْنَى ال ّ‬
‫َه ُؤلَا ِء َوهَ ُؤلَاءِ ‪ُ ،‬كلّ غَ ْيرُ غَالِ ٍ‬
‫شرْ َط ُة ‪َ ،‬فإِذَا‬
‫ب ‪َ ،‬وتَفْنَى ال ّ‬
‫ِإلّا غَالَِب ًة ‪ ،‬فََيقْتَتِلُونَ حَتّى يُ ْمسُوا ‪ ،‬فََيفِي ُء َه ُؤلَا ِء َوهَ ُؤلَاءِ ُكلّ غَ ْيرُ غَالِ ٍ‬
‫ج َع ُل اللّ ُه ال ّدْب َرةَ عَلَ ْي ِهمْ ‪ ،‬فََيقْتُلُو َن َمقْتَ َلةً ‪ِ ،‬إمّا‬
‫كَا َن َيوْ ُم الرّابِ ِع َن َهدَ ِإلَ ْيهِ ْم َبقِّيةُ َأ ْهلِ اْلإِسْلَا ِم ‪ ،‬فَيَ ْ‬
‫قَالَ ‪ :‬لَا ُيرَى مِثْ ُلهَا ‪َ ،‬وِإمّا قَا َل ‪َ :‬لمْ ُي َر مِثْ ُلهَا ‪ ،‬حَتّى إِ ّن الطّائِ َر لَيَ ُم ّر بِجَنَبَاِتهِ ْم فَمَا يُخَ ّل ُف ُهمْ حَتّى‬
‫جدُوَن ُه َبقِ َي مِ ْنهُ ْم ِإلّا الرّ ُجلُ اْلوَا ِحدُ ‪ ،‬فَِبأَيّ غَنِي َمةٍ‬
‫خ ّر مَيْتًا ‪ ،‬فَيََتعَا ّد بَنُو اْلأَبِ كَانُوا مِاَئةً ‪ ،‬فَلَا يَ ِ‬
‫يَ ِ‬
‫ك ‪ ،‬فَجَا َء ُهمُ‬
‫ث ُيقَاسَ ُم ‪ ،‬فَبَيْنَمَا ُهمْ َكذَِلكَ ِإ ْذ سَ ِمعُوا بَِبأْسٍ ُهوَ أَكَْب ُر ِم ْن َذلِ َ‬
‫ي مِيَا ٍ‬
‫ُي ْفرَحُ ‪ ،‬أَ ْو أَ ّ‬
‫صرِيخُ ‪ :‬إِنّ الدّجّالَ َق ْد خَلَ َف ُهمْ فِي ذَرَا ِريّ ِه ْم ‪ ،‬فََي ْرفُضُو َن مَا فِي َأيْدِيهِ ْم ‪َ ،‬ويُقْبِلُو َن فَيَ ْبعَثُونَ‬
‫ال ّ‬
‫ف َأسْمَا َء ُهمْ ‪َ ،‬وأَسْمَاءَ‬
‫ش َرةَ َفوَارِسَ طَلِي َعةً ‪ ،‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬إِنّي لَأَ ْعرِ ُ‬
‫َع َ‬
‫ض َي ْومَئِ ٍذ ‪َ ،‬أوْ ِم ْن خَ ْيرِ َفوَارِسَ عَلَى‬
‫آبَاِئ ِهمْ ‪َ ،‬وَألْوَانَ خُيُوِلهِ ْم ‪ُ ،‬همْ خَ ْي ُر فَوَارِسَ عَلَى َظ ْه ِر الْأَرْ ِ‬
‫ض يَ ْومَِئذٍ " [ أخرجه مسلم ] ‪ .‬وعن عوف بن مالك الشجعي رضي ال عنه قال‪:‬‬
‫َظ ْهرِ اْلأَرْ ِ‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬اعدد ستا بي يدي الساعة – فذكر منها – ث هدنة‬
‫تكون بينكم وبي بن الصفر – وبنو الصفر هم الروم النصارى – فيغدرون فيأتونكم تت‬
‫ثاني غاية – أي راية – تت كل غاية اثنا عشر ألفا " ‪.‬‬
‫وهذا يعن بأن عدد النصارى ف هذه العركة يقارب الليون لنم سيأتون تت ‪ 80‬راية وتت‬
‫كل راية اثنا عشر ألفا ‪ ،‬وبالساب ‪ 960000‬ألفا ‪ ،‬وهذا القتال يقع ف الشام ف آخر‬
‫الزمان‪ ،‬قبل ظهور الدجال‪ ،‬كما دلت على ذلك الحاديث ويكون انتصار السلمي على الروم‬
‫تيئة لفتح القسطنطينية‪ ،‬والت هي فتحها أيضا من أشراط الساعة ‪ ..‬فعن جابر بن سرة عن‬
‫نافع بن عتبة قال‪ :‬كنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فحفظت منه أربع كلمات أعدّهن‬
‫ف يدي‪ ،‬قال‪(( :‬تغزون جزيرة العرب فيفتحها ال‪ ،‬ث فارس فيفتحها ال‪ ،‬ث تغزون الروم‬
‫‪120‬‬

‫فيفتحها ال‪ ،‬ث تغزون الدجال فيفتحه ال‪ ،‬قال‪ :‬فقال نافع‪ :‬يا جابر ل نرى الدجال يرج حت‬
‫تفتح الروم)) [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫وجاء تديد أرض العركة مع النصارى أنا ف الشام ف حديث أب الدرداء ف سنن أب داود‪ ،‬أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬إن فسطاط السلمي يوم اللحمة ف أرض بالغوطة ف‬
‫مدينة يقال لا دمشق من خي مدائن الشام))‪.‬‬
‫قال ابن النيّر رحه ال – وهو الافظ زين الدين عبداللطيف من أعيان القرن التاسع الجري –‬
‫قال‪ :‬أما قصة الروم – يقصد العركة الكبى بي السلمي والنصارى – فلم تتمع إل الن‪،‬‬
‫ول بلغنا أنم غزوا ف الب ف هذا العدد‪ ،‬فهي من المور الت ل تقع بعد‪ ،‬وفيه بشارة ونذارة‪،‬‬
‫وذلك أنه دّل على أن العاقبة للمؤمني‪ ،‬مع كثرة ذلك اليش‪ ،‬وفيه بشارة إل أن عدد جيوش‬
‫السلمي سيكون أضعاف ما هو عليه‪.‬‬
‫إن صراع السلمي مع النصارى صراع قدي بدأ هذا الصراع مع غزوة مؤته‪ ،‬وكان هذا أول‬
‫التقاء للمسلمي مع النصرانية‪ ،‬ف جاد الول سنة ثان من الجرة‪ ،‬وانتهت العركة الذي كان‬
‫عدد السلمي فيه ثلثة آلف وعدد النصارى مائة ألف‪ ،‬انتهت بانسحاب اليش السلم بدون‬
‫هزية‪ ،‬لكن قذف ال الرعب ف قلوب النصارى‪ ،‬وبدأ الوف من هذه القوة الديدة الت‬
‫ظهرت ف جزيرة العرب وقبل هذه الغزوة بعث الرسول صلى ال عليه وسلم بالرسائل إل‬
‫ملوك عصره يدعوهم للسلم‪ ،‬فكان من جلة ما بعث رسالة إل قيصر ملك الروم – وهم‬
‫النصارى ف ذلك الوقت ((بسم ال الرحن الرحيم من ممد بن عبدال إل هرقل عظيم الروم‪،‬‬
‫سلم على من اتبع الدى أما بعد‪ :‬فإن أدعوك بدعاية السلم‪ ،‬أسلم تسلم‪ ،‬وأسلم يؤتك ال‬
‫أجرك مرتي‪ ،‬فإن توليت فإن عليك إث الريسيي))‪.‬‬
‫إن هذا الكتاب الذي بعثه الرسول صلى ال عليه وسلم للنصارى يثل العلن الدائم والستمر‬
‫على أن الصراع بي السلم والنصرانية سيبقى‪ ،‬لن الشرط الذي ف هذا الكتاب هو قبول‬
‫السلم‪ ،‬والروج من النصرانية‪ ،‬بل والتخلي عن الزعامة‪ ،‬ونن نشاهد أن زعامة العال اليوم‬
‫ف أيديهم‪ ،‬أما نن السلمون فواجب علينا تقيق هذا الكتاب‪ ،‬والسعي لتنفيذه وبذل كل غالٍ‬
‫ورخيص ف سبيل الوصول إليه‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫فينبغي أن نعلم بأن من سنن ال الثابتة ف هذا الكون هو ديومة الصراع مع النصارى‪ ،‬وإنه‬
‫سيستمر إل ناية العال‪ ،‬وقد ورد ما يشي إل بقاء هذا الصراع ف كتاب النب صلى ال عليه‬
‫وسلم بطريق غي مباشر حيث قال‪ :‬فإن توليت فإن عليك إث الريسيي‪ ،‬والصرح منه قول ال‬
‫تبارك وتعال‪ :‬ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا ما ذكروا به فأغرينا‬
‫بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة وسوف ينبئهم ال با كانوا يصنعون ‪.‬‬
‫إذن صراع السلم مع النصرانية‪ ،‬سيستمر إل قيام الساعة‪ ،‬وهو فتنة ابتلى ال با السلمون‪،‬‬
‫وهذا قدرهم وما عليهم إل الصب و حتمية الواجهة‪ ،‬وسيكون هذا الصراع بي مد وجزر‪،‬‬
‫تنتهي بالعركة الفاصلة‪ ،‬وباللحمة الكبى الت يشد لا النصارى قرابة مليون شخص تنتهي‬
‫بالزية النهائية حيث ل يقف اليش السلمي إل بعد أن يفتح روما ‪ ،‬العاصمة الروحية‬
‫للنصرانية‪ ،‬وعند هذا الفتح تنتهي معركة الروم‪ ،‬ويتحقق ما أخب به النب صلى ال عليه وسلم‬
‫بأنه يتم فتح الروم‪ ،‬ويتبع ذلك مباشرة العارك مع الدجال الذي ينتهي المر بقتله‪ ،‬وعندئذٍ‬
‫تضع الرب أوزارها ويقرب العال من نايته‪ ،‬ويتحقق وعد ال بتبديل الرض غي الرض‪،‬‬
‫ويعود اللق جيعهم إل موجدهم لنبدأ بعد ذلك الياة السرمدية الخروية‪.‬‬
‫َعنْ جُبَ ْي ِر ْبنِ ُنفَ ْيرٍ ‪َ ،‬ع ِن الْ ُه ْدنَ ِة قَا َل ‪ :‬قَا َل جُبَ ْيرٌ ‪ :‬انْطَ ِل ْق بِنَا ِإلَى ذِي مِخَْبرٍ َر ُجلٍ مِ ْن أَصْحَابِ‬
‫النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪َ ،‬فأَتَيْنَاهُ ‪َ ،‬فسََأَلهُ جُبَ ْيرٌ َع ِن الْ ُه ْدنَةِ ؟ فَقَالَ سَ ِمعْتُ َرسُو َل اللّهِ صَلّى‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ يَقُو ُل ‪ " :‬سَتُصَالِحُونَ الرّومَ صُلْحًا آمِنًا ‪ ،‬فََت ْغزُو َن َأنُْتمْ َو ُهمْ َع ُدوّا ِم ْن وَرَائِ ُكمْ ‪،‬‬
‫ج ذِي تُلُولٍ ‪ ،‬فََي ْرفَعُ َر ُج ٌل ِمنْ َأ ْهلِ‬
‫صرُو َن َوتَغْنَمُو َن َوَتسْلَمُونَ ‪ُ ،‬ث ّم َترْ ِجعُو َن حَتّى تَ ْن ِزلُوا بِ َمرْ ٍ‬
‫فَتُنْ َ‬
‫ي ‪ ،‬فََي ُدقّ ُه ‪َ ،‬فعِنْ َد َذلِكَ‬
‫ب الصّلِيبُ ؟ فََيغْضَبُ َر ُج ٌل ِمنَ الْ ُمسْلِ ِم َ‬
‫صرَانِّيةِ الصّلِيبَ ‪ ،‬فََيقُولُ ‪ :‬غَلَ َ‬
‫النّ ْ‬
‫جمَ ُع لِلْمَ ْلحَ َمةِ " ‪ ،‬وف لفظ وَزَا َد فِي ِه ‪ " :‬وَيَثُو ُر الْ ُمسْلِمُونَ إِلَى َأسْلِحَِت ِهمْ‬
‫َت ْغدِرُ الرّو ُم ‪ ،‬وَتَ ْ‬
‫شهَادَ ِة " [ أخرجه أبو داود ‪ ،‬وابن ماجة ] ‪.‬‬
‫ك الْعِصَابَ َة بِال ّ‬
‫فََيقْتَتِلُو َن فَُيكْرِ ُم ال ّلهُ تِلْ َ‬
‫ف هذا الديث العظيم يتضح بعض القائق‪ ،‬الت تبي مستقبل الصراع مع النصارى‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن هذه اليمنة من قبل النصارى اليوم على العال ستزول‪ ،‬وأن هذه القوة الادية وهذه‬
‫التقنية لن تستمر حت ناية العال‪ .‬قال ال تعال‪ :‬حت إذا أخذت الرض زخرفها وازينت‬
‫ل أو نارا فجعلناها حصيدا كأن ل تغن بالمس‬
‫وظن أهلها أنم قادرون عليها أتاها أمرنا لي ً‬
‫كذلك نفصل اليات لقوم يتفكرون ‪ .‬إذن فهذه العقلية الت يعيشها الغرب اليوم‪ ،‬ويرون‬
‫‪122‬‬

‫أنم قادرون على فعل كل شيء‪ ،‬وهذا التباهي بالقوة العقلية والادية والعسكرية والتقنية‪،‬‬
‫ستزول بقوة الواحد الحد‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬يشي الديث إل خفض اليمنة العالية العاصرة للنصارى‪ ،‬وفك ارتباط الكومات العربية‬
‫العاصرة مع العدو الصليب اليهودي‪ ،‬وابتعاد النفوذ الصليب عن النطقة ما يتيح للمسلمي‬
‫تسلم زمام المور وتكوين دولة إسلمية تثل قوة جديدة ف العال‪ ،‬يلتجئ إليها النصارى‪،‬‬
‫ويطلبون الصلح للحصول على مساعدة لحاربة عدوها الشيوعي الذي سينل با الدمار‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬إن هذا الصلح الذي سيتم مع النصارى ف آخر الزمان يتم بناءً على رغبة من النصارى‪،‬‬
‫فهم الذين يطلبون الصلح بقصد الستعانة بالسلمي‪ ،‬وهذا يؤكد أنه سيكون للمسلمي دولة‬
‫قوية‪ ،‬وهو مؤشر إل أنه قبل اللحمة ستقوم للمسلمي دولة قوية‪ ،‬يشاها النصارى‪ ،‬ولعرفتهم‬
‫بقوة السلمي يشدون لم ما يقارب من مليون شخص – ثاني غاية تت كل غاية اثنا عشر‬
‫ألف –‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬يفهم من هذا الديث أن الفكر العلمان العاصر الت تتبناه الدول النصرانية‪ ،‬سوف يل‬
‫مله الفكر الدين الصليب‪ ،‬وأن الدول النصرانية ستعود إل دينها‪ ،‬بعد أن قضت ردحا من‬
‫الزمن وهي غارقة ف شهواتا وعلمنتها‪ ،‬وأن الدين سيكون هو الحرك لذه الدول‪ ،‬وهذا يؤخذ‬
‫من الديث من قيام رجل منهم برفع الصليب بقصد إظهار القوة النصرانية‪ ،‬فيغضب السلمون‬
‫لذلك‪ ،‬فيعمدون إل الصليب فيكسرونه ما يثي غضب النصارى‪ ،‬فيقومون بقتل اليش الذي‬
‫كان معهم‪ ،‬وبذا ينقضون الصلح مع الدولة السلمية‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬إن هذا الديث وأمثاله من علم الغيب الذي أخب به الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫ونن أمة تؤمن بالغيب‬

‫أل‬

‫ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى للمتقي‬

‫الذين يؤمنون‬

‫بالغيب ويقيمون الصلة وما رزقناهم ينفقون ‪.‬‬
‫فانطلقا من إياننا بالغيب‪ ،‬وثقة با أخب به الرسول صلى ال عليه وسلم فنحن على موعد مع‬
‫الروم وسيتحقق كل ما أخب به الرسول صلى ال عليه وسلم وسترفرف رايات الجاهدين فوق‬
‫دول النصارى‪ ،‬وسيطأ السلمون بأقدامهم عاصمة الفاتيكان الالية – روما – وستلتحم هذه‬
‫المة مع أعدائها ويكون الغلبة لا‪ ،‬وستقع العركة الفاصلة مع الروم‪ ،‬وسيكسر الصليب فوق‬
‫رؤوس أصحابا‪ ،‬وستكون معركة شديدة قوية‪ ،‬وسيكون قتلها عدد كبي من الطرفي ‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫روى مسلم ف صحيحه حديث أب هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫قال‪(( :‬ل تقوم الساعة حت ينل الروم بالعماق أو بدابق – ودابق قرية قرب حلب – فيخرج‬
‫إليهم جيش من الدينة‪ ،‬من خيار أهل الرض يومئذٍ‪ ،‬فإذا تصافوا قالت الروم‪ :‬خلو بيننا وبي‬
‫الذين سبقوا منا نقاتلهم‪ ،‬فيقول السلمون‪ :‬ل وال ل نلي بينكم وبي إخواننا فيقاتلونم فينهزم‬
‫ثلث ل يتوب ال عليهم أبدا‪ ،‬ويقتل ثلث أفضل الشهداء عند ال‪ ،‬ويفتح الثلث ل يفتنون‬
‫أبدا‪ ،‬فيفتحون قسطنطينية فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم‬
‫الشيطان‪ :‬إن السيح قد خلفكم ف أهليكم فيخرجون وذلك باطل‪ ،‬فإذا جاءوا الشام خرج‪،‬‬
‫فينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلة‪ ،‬فيتنل عيسى بن مري صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فأمهم‪ ،‬فإذا رآه عدو ال ذاب كما يذوب اللح ف الاء‪ ،‬فلو تركه لذاب حت‬
‫يهلك‪ ،‬ولكنه يقتله ال بيده‪ ،‬فييهم دمه ف حربته))‪.‬‬
‫ولقد أخب الصطفى صلى ال عليه وسلم بأن الروم عند قيام الساعة يكونون من أكثر الناس ‪،‬‬
‫قَالَ الْ ُمسَْتوْ ِردُ اْل ُقرَ ِشيّ عِ ْندَ عَ ْمرِو ْب ِن الْعَاصِ رضي ال عنهما سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫َوسَ ّلمَ َيقُو ُل ‪ " :‬تَقُو ُم السّا َع ُة وَالرّو ُم أَكَْثرُ النّاسِ " ‪ ،‬فَقَالَ َلهُ عَ ْمرٌو ‪َ :‬أبْصِ ْر مَا َتقُولُ ؟ قَالَ ‪:‬‬
‫ك إِ ّن فِيهِ ْم لَخِصَالًا‬
‫ت َذلِ َ‬
‫ت ِمنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ ،‬قَا َل ‪ :‬لَِئنْ قُلْ َ‬
‫َأقُو ُل مَا سَ ِمعْ ُ‬
‫أَ ْرَبعًا ‪ِ :‬إّنهُ ْم َلأَحْ َلمُ النّاسِ عِ ْن َد فِتَْنةٍ ‪ ،‬وََأ ْسرَ ُعهُ ْم ِإفَا َقةً َب ْعدَ مُصِيَبةٍ ‪َ ،‬وَأوْ َشكُ ُهمْ َك ّرةً َب ْعدَ َفرّةٍ ‪،‬‬
‫سةٌ َحسََنةٌ جَمِي َل ٌة َوَأمْنَ ُع ُهمْ ِمنْ ظُ ْل ِم الْمُلُو ِك " [ أخرجه‬
‫ضعِيفٍ ‪َ ،‬وخَا ِم َ‬
‫ي َويَتِيمٍ وَ َ‬
‫سكِ ٍ‬
‫َوخَ ْيرُ ُهمْ لِ ِم ْ‬
‫مسلم ] ‪.‬‬
‫فالديث يدل على أن الروم ف آخر الزمان سيكونون أكثر الناس عددا ‪ ،‬كما أن ف الديث‬
‫إشارة مهمة ‪ ،‬وهي أن الروم لم فضيلة ‪ ،‬لا يتحلون به من صفات طيبة وحيدة ‪ ،‬ولا يتمتعون‬
‫به من خلق كري ‪ ،‬وسلوك قوي ‪ ،‬وتلك السباب الت ذُكرت عنهم ف الديث من السباب‬
‫الرئيسة الت ساهت ف بقائهم ‪ ،‬وحافظت على وجودهم ‪ ،‬وبالتال كثرتم عند قيام الساعة ‪.‬‬
‫ونأت لشرح الديث السابق ‪:‬‬
‫فمعن أحلم الناس عند فتنة ‪ :‬أي أعقلهم وأفطنهم بعالة الفتنة بروية للخروج منها ‪ ،‬فل‬
‫تطيش عقولم ‪ ،‬بل يعالون المور بروية ليخرجوا منها بسلم ‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫ومعن أسرعهم إفاقة بعد مصيبة ‪ :‬أي سرعتهم ف العودة إل حالتهم الطبيعية قبل وقوع الصيبة‬
‫بم ‪.‬‬
‫ومعن أوشكهم كرة بعد فرة ‪ :‬أي أنم أسرع الناس إقداما ف الرب وإكرارا على العدو إن‬
‫حصل لم ف بعض الواقع فرارا ‪.‬‬
‫ومعن خيهم لسكي ويتيم وضعيف ‪ :‬أي أنم خي الناس وأفضلهم ف معاملة الساكي واليتام‬
‫والضعفاء والقيام على مصالهم ورعاية شؤونم ‪.‬‬
‫القصود أن رجا ًل منهم سيسلمون ف آخر الزمان ‪ ،‬ويقاتلون مع السلمي حت يفتحوا‬
‫القسطنطينية بإذن ال تعال ‪.‬‬
‫الرابع والربعون ‪:‬‬
‫شرٍ الْخَ ْثعَ ِميّ عَ ْن َأبِي ِه َأنّهُ سَمِ َع النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَيْ ِه وَسَ ّلمَ‬
‫فتح القسطنطينية ‪ ،‬عن عَ ْب ُد اللّهِ بْ ُن ِب ْ‬
‫َيقُو ُل ‪ " :‬لَُتفْتَحَنّ الْقُس ْـطَنْطِينِّي ُة ‪ ،‬فَلَِنعْمَـ اْلَأمِيُ أَمِيُهَا ‪َ ،‬ولَنِعْمَـ الْجَيْشُـ َذلِكَـ الْجَيْشُـ " ‪ ،‬قَالَ‬
‫ح ّدثْتُ هُ َف َغزَا اْلقُ سْطَنْطِينِّيةَ " [ أخر جه أح د ‪ ،‬و صحح‬
‫َفدَعَانِي مَ سْلَ َمةُ بْ نُ عَ ْب ِد الْمَلِ كِ فَ سََألَنِي فَ َ‬
‫إسناده أحد شاكر ف تقيق السند برقم ‪ ، 18859‬وأخرج الاكم وقال ‪ :‬صحيح السناد‬
‫‪. ] 603 / 5‬‬
‫فتـح القسـطنطينية حلم كان يلم بـه السـلمون منـذ القدم ‪ ،‬فقـد تواصـلت البعوث والسـرايا‬
‫واليوش إليها ‪ ،‬ولكن باءت تلك الحاولت بالفشل ‪ ،‬وكان من تلك الحاولت ‪ ،‬سنة خسي‬
‫حيث سي معاوية جيشا كثيفا إل بلد الروم للغزاة ‪ ،‬وجعل عليهم سفيان بن عوف ‪ ،‬ث ألق‬
‫ب م أب نه يز يد وكان ف هذا ال يش ا بن عباس وا بن ع مر وا بن الزب ي وأ بو أيوب الن صاري‬
‫وغي هم وع بد العز يز بن زرارة الكل ب فأوغلوا ف بلد الروم ح ت بلغوا الق سطنطينية فاقت تل‬
‫السلمون والروم ف بعض اليام واشتدت الرب بينهم ‪ ،‬ث رجع يزيد واليش إل الشام وقد‬
‫توف أبو أيوب النصاري عند القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها وكان قد شهد بدرا وأحدا‬
‫والشاهد كلها مع رسول ال " [ الكامل ف التاريخ ‪. ] 315 / 3‬‬
‫وف سنة ثان وتسعي سار سليمان بن عبد اللك إل دابق وجهز جيشا مع أخيه مسلمة بن عبد‬
‫اللك ليسي إل القسطنطينية ومات ملك الروم فأتاه اليون من أذربيجان فأخبه فضمن له فتح‬
‫‪125‬‬

‫الروم فوجه مسلمة معه فسارا إل القسطنطينية فلما دنا منها أمر كل فارس أن يمل معه مدين‬
‫من طعام على ع جز فر سه إل الق سطنطينية ففعلوا فل ما أتا ها أ مر بالطعام فأل قي أمثال البال‬
‫وقال للم سلمي ل تأكلوا منه شيئا وأغيوا ف أرضهم وازرعوا وع مل بيوتا من خ شب فش ت‬
‫فيها وصاف وزرع الناس وبقي الطعام ف الصحراء والناس يأكلون ما أصابوا من الغارات ومن‬
‫الزرع وأقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس خالد بن معدان وماهد بن جب وعبد ال بن‬
‫أ ب زكر يا الزا عي وغي هم فأر سل الروم إل م سلمة يعطو نه عن كل رأس دينارا فلم يق بل‬
‫فقالت الروم لليون إن صرفت ع نا ال سلمي ملكناك فا ستوثق من هم فأ تى م سلمة فقال له أن‬
‫الروم قد علموا أ نك ل ت صدقهم القتال وأ نك تطاول م ما دام الطعام عندك فلو أحرق ته أعطوا‬
‫الطا عة بأيدي هم فأ مر به فأحرق فقوي الروم وأ صابوا ال سلمي ح ت كادوا يهلكون وبقوا على‬
‫ذلك حت مات سليمان ‪ ،‬وقيل إنا خدع اليون مسلمة بأن سأله أن يدخل من الطعام إل الروم‬
‫بقدار ما يعيشون به ليلة واحدة ليصدقوا أن أمره وأمر مسلمة واحد وأنم ف أمان من السب‬
‫والروج من بلدهم فأذن له وكان اليون قد أعد السفن والرجال فنقلوا تلك الليلة الطعام فلم‬
‫يتركوا ف تلك الظائر إل ما ل يذكر وأصبح أليون ماربا وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت‬
‫لمرأة لعي بت ب ا ول قي ال ند ما ل يل قه ج يش آ خر ح ت أن كان الر جل ليخاف أن يرج من‬
‫الع سكر وحده وأكلوا الدواب واللود وأ صول الش جر ‪ ،‬ث ل ي كن هناك ف تح ‪ [ .‬الكا مل ف‬
‫التأريخ ‪. ] / 4‬‬
‫وهكذا نرى أن الحاولت كانت جدية لفتح القسطنطينية للحديث الذي ذكره النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬فكل قائد يريد أن يظى بأفضلية ذلك الديث ‪.‬‬
‫ولقد فتحت القسطنطينية على عهد التراك ‪ ،‬وذلك عندما قامت الدولة العثمانية ‪ ،‬وكانوا أشد‬
‫الناس حاسا للسلم ‪ ،‬وهذا هو حال كل من أسلم ‪ ،‬فإنه يد ف نفسه راحة وطمأنينة‬
‫وسكينة ‪ ،‬وأمنا وأمانا ‪ ،‬ل يكن ليجدها وهو على غي السلم ‪ ،‬فلما أسلم التراك شعروا‬
‫بتلك الصفات الميدة ‪ ،‬والصال الطيبة ‪ ،‬فتجاوز نفوذهم أسيا الصغرى ‪ ،‬وعب بر مرمرة ‪،‬‬
‫وأرسوا حكمهم شرقي أوروبا ‪ ،‬فقد ألفوا الهاد ف سبيل ال تعال ‪ ،‬والوت ابتغاء النة ‪،‬‬
‫والرغبة ف الشهادة ‪ ،‬فتطلعوا آنذاك إل القسطنطينية ( وهي معقل النصرانية ) ‪ ،‬فقرروا فتح‬
‫تلك الدينة العظيمة ‪ ،‬إعزازا لدين ال عز وجل ‪ ،‬فمضوا قُدما لتحقيق هدفهم ‪ ،‬بقيادة البطل‬
‫‪126‬‬

‫السلم ( ممد الفاتح ) السلطان العثمان الذي نظم جيوشه ‪ ،‬وأحكم خطته وحاصر أسوار‬
‫القسطنطينية برا وبرا ‪ ،‬وهي ترمي بممها ومنجنيقها ليل نار ‪ ،‬واستمر الصار واحدا‬
‫وخسي يوما ‪ ،‬إل أن أعانم ال على فتحها ‪ ،‬ففتحوها وصدع فيها الذان بشهادة التوحيد ‪،‬‬
‫لول مرة ف الكنيسة العظيمة ذات التأريخ العريق ( سالت صوفيا ) ‪ ،‬وحولت الكنيسة إل‬
‫جامع للمسلمي يؤدون فيه شعائر دينهم ‪ ،‬وهذا الامع معروف اليوم باسم ( أيا صوفيا ) ‪،‬‬
‫وكان ذلك الفتح العظيم للقسطنطينية ف ‪857 / 5 / 20‬هـ ‪ ،‬وأصبحت القسطنطينية‬
‫عاصمة للدولة السلمية ‪ ،‬وأصبح اسها ( إسلم بول ) يعن ‪ :‬عاصمة السلم ‪ ،‬وتول هذا‬
‫السم ف اللغة التركية اليوم إل ‪ :‬استانبول ‪.‬‬
‫وبذلك كان الفتح الول للقسطنطينية على يد البطل الجاهد السلم ( ممد الفاتح ) ‪ ،‬ولقد‬
‫نال ذلك الفاتح السلم البشارة هو وجنوده البواسل ‪ ،‬حازوا البشارة من النب صلى ال عليه‬
‫وسلم بأنم أفضل أمي ‪ ،‬وأفضل جيش ‪ ،‬كما سبق ف الديث الذي مضى ‪.‬‬
‫ولا ضعف السلمون ‪ ،‬وابتعدوا عن مصدر عزهم وقوتم ‪ ،‬هانوا على ال تعال ‪ ،‬لن العاصي‬
‫سبب للفت والزية ‪ ،‬والطاعة سبب للطمأنينة والنصر ‪ ،‬فلما دب الضعف ف نفوس السلمي‬
‫آنذاك ‪ ،‬سيطر عليهم حب الدنيا ‪ ،‬فاشتروها وتركوا الخرة ‪ ،‬فهانوا على ربم تبارك وتعال ‪،‬‬
‫سقطت اللفة السلمية ‪ ،‬وبذلك أضاعت المة جهود البطل ممد الفاتح ‪ ،‬وألغت جهاده ‪،‬‬
‫ل يقودها لتستعيد أمادها وعزها وقوتا ورخاءها ‪،‬‬
‫فنسأل ال تعال أن يهيئ للمة رجلً بط ً‬
‫فليس ذلك على ال بعزيز ‪ ،‬ولكن ل يكون ذلك إل بشرط شرطه ال على المة فقال ‪ " :‬يا‬
‫أيها الذين آمنوا إن تنصروا ال ينصركم ويثبت أقدامكم " [ ممد ‪ ] 7‬فمت تسكنا بعقيدتنا‬
‫ومنهجنا وثوابتنا فحتما وبإذن ال سيكون النصر لنا ‪ ،‬لكن ما دمنا ف ضياع وتفكك ‪ ،‬كما هو‬
‫الال اليوم ‪ ،‬فل عز ول نصر ‪ ،‬بل ذل وهوان ‪ ،‬وضعف وهزية ‪ ،‬وهذا هو واقع السلمي‬
‫اليوم ول حول ول قوة إل بال ‪.‬‬
‫وستفتح القسطنطينية مرة أخرى كما جاء بذلك الديث الصحيح ‪ ،‬وسيكون فتحها ف آخر‬
‫الزمان على يد أبطال مسلمون بل قتال ول سلح ‪ ،‬بل سلحهم التكبي والتهليل ‪َ ،‬ع ْن َأبِي‬
‫ب مِ ْنهَا فِي الَْب ّر ‪ ،‬وَجَانِبٌ مِ ْنهَا‬
‫ُه َريْ َر َة أَ ّن النّبِيّ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬سَ ِمعُْت ْم بِ َمدِيَن ٍة جَانِ ٌ‬
‫ح ِر " ‪ ،‬قَالُوا ‪ :‬نَ َع ْم يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪ .‬قَالَ ‪ " :‬لَا تَقُو ُم السّا َع ُة حَتّى َي ْغزُ َوهَا سَ ْبعُو َن َأْلفًا ِمنْ‬
‫فِي الْبَ ْ‬
‫‪127‬‬

‫س ْهمٍ ‪ ،‬قَالُوا ‪ :‬لَا ِإَلهَ ِإلّا ال ّلهُ‬
‫ح ‪َ ،‬ولَ ْم َي ْرمُوا ِب َ‬
‫ح َق ‪َ ،‬فِإذَا جَاءُوهَا َن َزلُوا فَ َلمْ ُيقَاتِلُوا ِبسِلَا ٍ‬
‫بَنِي إِسْ َ‬
‫ح ِر ‪ُ ،‬ث ّم يَقُولُوا‬
‫ط أَ َحدُ جَانِبَ ْيهَا " ‪ ،‬قَا َل َثوْرٌ ‪ :‬لَا أَعْلَ ُم ُه ِإلّا قَالَ اّلذِي فِي الْبَ ْ‬
‫سقُ ُ‬
‫وَاللّ ُه أَكَْب ُر ‪ ،‬فََي ْ‬
‫ط جَانُِبهَا الْآ َخ ُر ‪ُ ،‬ثمّ َيقُولُوا الثّالَِث َة ‪ :‬لَا ِإَلهَ ِإلّا ال ّلهُ وَال ّلهُ‬
‫سقُ ُ‬
‫الثّانَِي َة ‪ :‬لَا ِإَلهَ ِإلّا ال ّلهُ وَال ّلهُ أَكَْب ُر ‪ ،‬فََي ْ‬
‫خ َفقَالَ ‪:‬‬
‫صرِي ُ‬
‫أَكَْب ُر فَُي َفرّجُ َل ُه ْم فََيدْخُلُوهَا ‪ ،‬فََيغْنَمُوا ‪ ،‬فَبَيْنَمَا ُهمْ َيقَْتسِمُو َن الْ َمغَاِنمَ ِإ ْذ جَا َء ُهمُ ال ّ‬
‫ج ‪ ،‬فَيَ ْترُكُونَ ُك ّل شَيْ ٍء ‪َ ،‬وَيرْ ِجعُو َن " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫إِ ّن الدّجّا َل َقدْ َخرَ َ‬
‫وقد أشكل قول النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬من بن إسحاق " ‪ ،‬ومعلوم أن بن إسحاق هم‬
‫الروم ‪ ،‬لنم من سللة العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه الصلة والسلم ‪ ،‬أما بن إساعيل‬
‫فهم من سللة إساعيل عليه السلم ‪ ،‬والذي من ذريته النب صلى ال عليه وسلم وأصحابه‬
‫ومن جاء من ذريتهم حت يومنا هذا ‪ ،‬فكيف سيفتح الروم مدينة القسطنطينية ف آخر الزمان‬
‫مع أنه ستكون هناك مقتلة عظيمة بي السلمي والروم وهي الت ذكرناها ف أشراط الساعة‬
‫الاضية ؟‬
‫والواب ‪:‬‬
‫قال القاضي عياض رحه ال ‪ " :‬هكذا هو ف جيع أصول مسلم ‪ :‬من بن إسحاق ‪ ،‬وقال‬
‫بعضهم ‪ :‬العروف الحفوظ ‪ :‬من بن إساعيل ‪ ،‬وهو الذي يدل عليه الديث وسياقه ‪ ،‬لنه إنا‬
‫أراد العرب " [ إكمال العلم ‪. ] 464 / 8‬‬
‫وقال ابن كثي رحه ال ‪ " :‬وهذا يدل على أن الروم يُسلمون ف آخر الزمان ‪ ،‬ولعل فتح‬
‫القسطنطينية على يد طائفة منهم ‪ ،‬كما نطق به الديث التقدم ‪ ،‬أنه يغزوها سبعون ألفا من بن‬
‫إسحاق ‪ . . .‬فالروم يكونون ف آخر الزمان خي من بن إسرائيل ‪ . . . .‬وهؤلء الروم قد‬
‫مُدحوا ف هذا الديث ‪ ،‬فلعلهم يُسلمون على يدي السيح بن مري وال أعلم " [ النهاية ف‬
‫الفت واللحم ‪. ] 74 / 1‬‬
‫قلت ‪ :‬لكن ل ينع أن يكون الفتح بأفراد من العرب ومن أسلم من النصارى يومذاك ‪ ،‬فليس‬
‫ذلك بستبعد أبدا ‪ ،‬فكم أسلم من النصارى ومن اليهود ومن غيهم ف عصر النبوة وما بعده‬
‫وقاتلوا مع السلمي فكانوا يدا واحدة ضد أعدائهم ‪ ،‬فل ينع أن يكون الفتح العظم‬
‫للقسطنطينية على أيدي بن إساعيل ‪ ،‬وبن إسحاق ‪ ،‬يعن العرب والعجم السلمي ‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫وقال الشيخ أحد شاكر رحه ال ‪ " :‬فتح القسطنطينية البشر به ف الديث سيكون ف مستقبل‬
‫قريب أو بعيد يعلمه ال عز وجل ‪ ،‬وهو الفتح الصحيح لا حي يعود السلمون إل دينهم الذي‬
‫أعرضوا عنه ‪ ،‬وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا ‪ ،‬فإنه كان تهيدا للفتح العظم ‪ ،‬ث‬
‫هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي السلمي ‪ ،‬منذ أعلنت حكومتهم هناك أنا حكومة غي‬
‫إسلمية وغي دينية ‪ ،‬وعاهدت الكفار أعداء السلم ‪ ،‬وحكمت أمتها وشعبها بأحكام القواني‬
‫الوثنية الكافرة ‪ ،‬وسيعود الفتح السلمي لا إن شاء ال كما بشر به رسول ال صلى ال وعليه‬
‫وسلم " [ عمدة التفسي ] ‪.‬‬
‫وقال اللبان رحه ال ‪ " :‬وقد تقق الفتح الول على يد ممد الفاتح العثمان ‪ ،‬كما هو‬
‫معروف ‪ ،‬وذلك بعد أكثر من ثانائة سنة من إخبار النب صلى ال عليه وسلم بالفتح ‪،‬‬
‫وسيتحقق الفتح الثان بإذن ال تعال ول بد ‪ ،‬ولتعلمن نبأه بعد حي " [ السلسلة الصحيحة ‪1‬‬
‫‪. ] 33 /‬‬
‫فإذا فتح القسطنطينية فتحان ‪ :‬الول حصل ف عام ‪857‬هـ ‪ ،‬والثان سيكون ف آخر‬
‫الزمان ‪ ،‬عند خروج الدجال ‪ ،‬ومن قال إنه فتح واحد فقد أخطأ وتكلف ما ل علم له به وال‬
‫أعلم [ إتاف الماعة ‪. ] 404 / 1‬‬
‫القصود أن الفتح الثان للقسطنطينية سيكون قبل خروج الدجال كما ف الديث ‪ ،‬وبعد قتال‬
‫الروم ف اللحمة الكبى‪ ،‬وانتصار السلمي عليهم‪ ،‬فعندئ ٍذ يتوجهون إل مدينة القسطنطينية‪،‬‬
‫فيفتحها ال للمسلمي بدون قتال‪ ،‬وسلحهم التكبي والتهليل ‪.‬‬
‫والقسطنطينية فتحت أيام الترك‪ ،‬ولكن بقتال ث رجعت ف أيدي الكفار العلمانيي‪ ،‬وستفتح‬
‫فتحا أخيا بب من الصادق الصدوق وبدون قتال ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َرةَ ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه‬
‫ق َأوْ ِبدَابِ ٍق ـ موضعان بالشام‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى يَ ْن ِزلَ الرّومُ بِاْلأَعْمَا ِ‬
‫ض َي ْومَئِ ٍذ َفِإذَا تَصَافّوا‬
‫ش ِم َن الْ َمدِيَنةِ مِ ْن خِيَارِ أَ ْهلِ اْلأَرْ ِ‬
‫ج ِإلَ ْي ِهمْ جَيْ ٌ‬
‫خرُ ُ‬
‫قرب مدينة حلب ـ فَيَ ْ‬
‫قَالَتِ الرّو ُم خَلّوا بَيْنَنَا َوبَ ْينَ اّلذِي َن سََبوْا مِنّا ُنقَاتِلْ ُه ْم فََيقُولُ الْ ُمسْلِمُو َن لَا وَال ّلهِ لَا نُخَلّي بَيَْن ُكمْ‬
‫ش َهدَاءِ عِ ْندَ‬
‫ض ُل ال ّ‬
‫ث لَا يَتُوبُ ال ّلهُ عَلَ ْي ِهمْ َأَبدًا ‪َ ،‬وُيقْتَ ُل ثُلُُث ُهمْ َأفْ َ‬
‫َوبَ ْينَ ِإ ْخوَانِنَا فَُيقَاتِلُوَنهُ ْم فَيَ ْن َهزِ ُم ثُلُ ٌ‬
‫ث ‪ ،‬لَا ُيفْتَنُونَ أََبدًا ‪ ،‬فََيفْتَتِحُو َن ُقسْطَنْطِينِّيةَ ‪ [ " . . . .‬أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫ح الثّلُ ُ‬
‫ال ّلهِ ‪َ ،‬وَيفْتَتِ ُ‬

‫‪129‬‬

‫وهانن ننتظر الفتح العظم لا‪ ،‬بإذن ال عز وجل‪ ،‬وسيسبق ذلك أمور وأحوال‪ ،‬منها عودة‬
‫ورجوع السلمي إل دينهم الذي أعرضوا عنه ‪.‬‬
‫وستفتح كذلك روما ‪ ،‬وهي معقل الصليبية والسيحية اليوم ‪ ،‬وفتحها يكون بعد القسطنطينية ‪،‬‬
‫ح َأوّلًا ‪،‬‬
‫ي الْ َمدِينَتَ ْي ِن ُتفْتَ ُ‬
‫فعن َأبُي قَبِي ٍل قَالَ ‪ :‬كُنّا ِع ْندَ عَ ْبدِ ال ّل ِه ْبنِ َع ْمرِو ْب ِن الْعَاصِ ‪َ ،‬وسُِئلَ ‪ :‬أَ ّ‬
‫ج مِ ْنهُ كِتَابًا ‪َ ،‬فقَالَ عَ ْبدُ‬
‫ق َل ُه حَ َلقٌ ‪ ،‬قَالَ َفَأخْرَ َ‬
‫اْل ُقسْطَنْطِينِّيةُ َأوْ رُومِيّ ُة ‪َ ،‬فدَعَا عَ ْب ُد اللّ ِه بِصُ ْندُو ٍ‬
‫ب ِإذْ سُِئلَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه‬
‫ح ُن َحوْلَ َرسُو ِل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ ،‬نكْتُ ُ‬
‫ال ّلهِ ‪ :‬بَيَْنمَا نَ ْ‬
‫ح َأوّلًا ُقسْطَنْطِينِّي ُة أَوْ رُومِّيةُ ؟ َفقَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ي الْ َمدِينَتَ ْينِ ُتفْتَ ُ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ :‬أَ ّ‬
‫ح َأوّلًا " َيعْنِي ُقسْطَنْطِينِّيةَ " [ أخرجه أحد والدارمي بإسناد صحيح ]‬
‫َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬مدِينَ ُة ِه َرقْ َل ُتفْتَ ُ‬
‫‪.‬‬
‫فمدينة روما اليطالية ستفتح بإذن ال أيضا وتبلغها دعوة التوحيد ‪ ،‬ويرتفع فيها صوت الق ‪،‬‬
‫ويصدع فيها الذان إن شاء ال تعال ‪.‬‬
‫الامس والربعون ‪:‬‬
‫أن تقلّد هذه المة أمم الكفر كاليهود والنصارى‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه‪ ،‬عن النب صلى‬
‫ال عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت تأخذ أمت بأخذ القرون قبلها شبا بشب‪،‬‬
‫وذراعا بذراع‪ .‬فقيل يا رسول ال كفارس والروم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ومن الناس إل أولئك " [ أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ ،‬وف رواية ‪ " :‬قلنا يا رسول ال‪ :‬اليهود والنصارى‪ ،‬قال‪ :‬فمن؟ " ‪.‬‬
‫إن ما أخب به النب صلى ال عليه وسلم واقِع و ُمشَاهد‪ ،‬فقد تشبه عدد غي قليل من السلمي‬
‫بالكفار‪ ،‬من شرقيي وغربيي‪ ،‬فتشبه رجالنا برجالم‪ ،‬ونساؤنا بنسائهم‪ ،‬والحزن الخجل ف‬
‫ذات الوقت أن بعض رجالنا تشبهوا بنسائهم‪ ،‬وافتتنوا بن ‪ ،‬حت أدى المر بالبعض بأن‬
‫خرجوا من الدين والعياذ بال‪.‬‬
‫إن من عرف السلم الصحيح‪ ،‬عرف ما وصل إليه حال السلمي‪ ،‬ف الفترة الراهنة‪ ،‬من‬
‫بعدهم عن تعاليم السلم‪ ،‬بسبب تقليدهم للغرب الكافر‪ ،‬انراف ف العقائد‪ ،‬تكيم لقواني‬
‫الكفار‪ ،‬ابتعاد عن شريعة ال‪ ،‬تقليد للغرب ف اللبس والأكل والشرب وليس هناك أبلغ من‬
‫وصف النب صلى ال عليه وسلم لذه الحاكاة من قوله‪(( :‬شبا بشب‪ ،‬وذراعا بذراع‪ ،‬حت لو‬
‫‪130‬‬

‫دخلوا جحر ضب لدخلتموه))‪ ،‬ماذا جنت المة‪ ،‬وماذا استفادت‪ ،‬عندما تركنت ( أصبحت‬
‫أمريكية ‪ ،‬وتفرسنت (أصبحت فرنسية) ‪ ،‬وتغرّبت ( أصبحت غربية ) ‪ ،‬ماذا جنينا سوى الذل‬
‫والوان‪ ،‬ونب للخيات‪ ،‬وضرب فوق الرؤوس‪ ،‬والعيش كالعبيد‪ ،‬وبعد هذا كله‪ ،‬خسران‬
‫الدين‪ ،‬وقبله كان خسران الدنيا‪ ،‬كم نتمن من أولئك الذين يستوردون للمة من الغرب‬
‫مساحيق التجميل‪ ،‬والخلق السيئة والعادات الرذيلة ‪ ،‬أن يستوردوا النظم الدارية اليدة ‪،‬‬
‫وتنظيم العمال التقنية الديثة ‪ ،‬ونظم العلومات ‪ ،‬واختراع الصواريخ والطائرات ‪ ،‬للدفاع‬
‫عن مقدسات السلمي ‪ ،‬والذود عن حوزتم ‪ ،‬وأن يرتقوا بشعوبم ف هذه النواحي ‪ ،‬تديث‬
‫ف نظم الستشفيات‪ ،‬الؤسسات‪ ،‬القاولت‪ ،‬التحديث ف رصف الشوارع ‪ ،‬ف بناء العاهد‪،‬‬
‫الامعات‪ ،‬الدارس‪.‬‬
‫وكم هو مزن‪ ،‬عندما تول العال من أقصاه إل أقصاه‪ ،‬فترى التخلف ف هذه النواحي‬
‫والقصور‪ ،‬ث ف القابل تشاهد أنصاف رجال يتسكعون كالنساء‪ ،‬مفتخرين أنم تفرنوا‪،‬‬
‫وأصبحت حياتم غربية‪ ،‬ويدعون للتغريب‪ ،‬إنا فت أيها الحبة‪ ،‬نسأل ال جل وعل أن يلص‬
‫منها هذه المة ‪.‬‬
‫لقد خذلنا كثي من أبناء جلدتنا ‪ ،‬عندما أنفقت عليهم دولتهم وأسرهم الموال الطائلة ‪،‬‬
‫ليعودوا بعلم وفي تستفيد منه المة جعاء ‪ ،‬وإذا بم يعودون بلباس الكفار ‪،‬ولجتهم ظاهرا‬
‫وباطنا ‪ ،‬وأصبحوا يتحرجون من والديهم ‪ ،‬وأهليهم ‪ ،‬وذويهم ‪ ،‬ول غرابة ‪ ،‬ل سيما وقد‬
‫رضعوا حضارة الغرب الزائفة ‪ ،‬واستقوا من معينها الكاذب ‪ ،‬فجاءوا إلينا بدين غي ديننا ‪،‬‬
‫وبوجه غي الذي ذهبوا به ‪ ،‬فأنكروا الدين ‪ ،‬وأبطلوا كثيا من تعاليمه ‪ ،‬وهربوا من أحكامه ‪،‬‬
‫وترءوا على مقام الالق جل وعل ‪ ،‬فحرموا اللل ‪ ،‬وأحلوا الرام ‪ ،‬وأصبحوا ينادون‬
‫بالتقدم والدنية والضارة ‪ ،‬ويعن ذلك عندهم ‪ :‬أن ترج الرأة بل مرم ‪ ،‬وأن تتلط‬
‫بالرجال ‪ ،‬وأن تتخذ صديقا لا غي زوجها ‪ ،‬وأن تنبذ الجاب الذي أمرها ال به ‪ ،‬وأن‬
‫تُشرب المور والسكرات والخدرات ‪ ،‬ومن أراد أن يصلي فليصل ‪ ،‬ومن ل يرد فل حرج‬
‫عليه ‪ ،‬ويريدون تعطيل جهاز المر بالعروف والنهي عن النكر ‪ ،‬ل سيما ف وقت حاربتنا فيه‬
‫كثي من الدول وحسدتنا عليه كثي من الشعوب ‪ ،‬وينادون بالختلط بي النسي ف الدارس‬
‫والعاهد والامعات والستشفيات ‪ ،‬وما هم إل كلب مسعورة ‪ ،‬وأذناب مقلوبة للغرب الكافر‬
‫‪131‬‬

‫‪ ،‬فمت يدرك السلمون أنم على خطر ‪ ،‬وأنم مقصودون لذاتم ‪ ،‬لتدمي قوتم ‪ ،‬ونزع فتيل‬
‫شبابم ‪ ،‬وال الستعان على ما يصفون ‪.‬‬
‫وكم نرى اليوم بل ف كل زمان ومكان ذلك العداء السافر من قبل أعداء الدين للسلم وأهله‬
‫‪ ،‬والستهزاء بم ‪ ،‬والعداون عليهم ‪ ،‬من قتل وتشريد وتدمي للمنشآت والبان السكنية‬
‫والبنية التحتية ‪ ،‬وتطيم مقدرات الدول السلمية ‪ ،‬والستيلء على ثرواتا ‪ ،‬وقتل أهلها ‪،‬‬
‫واستعباد أطفالم ‪ ،‬واستحياء نسائهم ‪ ،‬ث تأت ثلة من شباب السلم يقتفون أثر العداء‬
‫فيكونون معاول هدم للدين والعقيدة ‪ ،‬بل أن يكونوا دعاة إل نبذ عادات الكفار ‪ ،‬وسلحا‬
‫شهرا ف وجوههم ‪ ،‬يدافعون عن مقدساتم وحرماتم وأوطانم ‪ ،‬يروون أرضهم بدمائهم ‪،‬‬
‫يثبتون للعال أجع أنه ل دين إل السلم ‪ ،‬ول عز إل للسلم ‪ ،‬فكل منهم عزيز بدينه ‪ ،‬أب‬
‫بعقيدته ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ول العزة ولرسوله وللمؤمني ولكن النافقي ل يعلمون " [ النافقون ‪8‬‬
‫]‪.‬‬
‫السادس والربعون ‪:‬‬
‫قتال اليهود ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَا َل ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ‬
‫جرِ‬
‫ي ِمنْ وَرَا ِء الْحَ َ‬
‫حَتّى ُيقَاتِ َل الْ ُمسْلِمُونَ الَْيهُودَ ‪ ،‬فََيقْتُ ُل ُهمُ الْ ُمسْلِمُو َن ‪ ،‬حَتّى يَخَْتِبئَ الَْيهُودِ ّ‬
‫ي خَ ْلفِي فََتعَالَ فَاقْتُ ْلهُ ‪،‬‬
‫ج ُر ‪ :‬يَا ُمسْ ِلمُ يَا عَ ْب َد ال ّلهِ ! َهذَا َيهُودِ ّ‬
‫ج ُر َأوِ الشّ َ‬
‫ج ِر ‪ ،‬فََيقُو ُل الْحَ َ‬
‫وَالشّ َ‬
‫جرِ الَْيهُودِ " [متفق عليه] ‪.‬‬
‫ِإلّا اْل َغرْ َقدَ فَِإّنهُ ِم ْن شَ َ‬
‫وهم الن يزرعون شجر الغرقد بكثرة ‪ ،‬ويتثون ما سواه من الشجار ‪ ،‬ولكن لن يغن ذلك‬
‫عن قتلهم أبدا بإذن ال تعال ‪ ،‬لنه وعد ال ‪ ،‬وال ل يلف وعده ولكن أكثر الناس ل يعلمون‬
‫‪.‬‬
‫وقد وردت عدة أحاديث بقتال السلمي لليهود ‪ ،‬وهذا شيء منها ‪:‬‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ُ " :‬تقَاتِلُونَ‬
‫َعنْ عَ ْبدِ ال ّل ِه ْبنِ عُ َمرَ رَضِي اللّه عَنْهمَا ‪ ،‬أَنّ َرسُو َل ال ّلهِ َ‬
‫ي وَرَائِي فَاقْتُ ْلهُ "‬
‫ج ِر فََيقُولُ ‪ :‬يَا عَ ْب َد ال ّلهِ َهذَا َيهُودِ ّ‬
‫الَْيهُو َد حَتّى يَخْتَِب َي أَ َح ُدهُ ْم وَرَا َء الْحَ َ‬
‫[ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬وعنه رَضِي اللّه عَنْهمَا قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ‬
‫ج ُر يَا ُمسْ ِل ُم هَذَا َيهُودِيّ وَرَائِي فَاقْتُ ْلهُ‬
‫َيقُو ُل ‪ُ " :‬تقَاتِلُ ُك ُم الْيَهُودُ فَُتسَلّطُونَ عَ َل ْيهِ ْم ُثمّ َيقُو ُل الْحَ َ‬
‫‪132‬‬

‫" [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪ ،‬و َعنْ َأبِي ُه َرْيرَةَ َرضِي اللّه عَنْه ‪َ ،‬عنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه‬
‫ي يَا‬
‫ج ُر وَرَا َءهُ الَْيهُودِ ّ‬
‫حَ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى ُتقَاتِلُوا الَْيهُو َد حَتّى َيقُولَ الْ َ‬
‫ُمسْ ِلمُ هَذَا يَهُودِيّ وَرَائِي فَاقْتُلْ ُه " أخرجه البخاري ] ‪ ،‬و َع ِن اْبنِ ُع َمرَ ‪َ ،‬ع ِن النّبِيّ صَلّى اللّه‬
‫ج ُر يَا ُمسْ ِلمُ َهذَا َيهُودِيّ فََتعَالَ‬
‫حَ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬لَُتقَاتِلُ ّن الَْيهُو َد فَلََتقْتُلُّنهُ ْم حَتّى َيقُولَ الْ َ‬
‫فَاقْتُ ْلهُ " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫إن ما ينبغي علمه من كليات وأصول الدين أن اليهود من أعظم أعداء السلم وأهله‪ :‬قال ال‬
‫جدَ ّن َأ َشدّ النّاسِ َعدَا َو ًة لِ ّلذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالّذِينَ َأ ْشرَكُوا (‪[{ )82‬سورة‬
‫سبحانه عنهم‪ }:‬لَتَ ِ‬
‫الائدة] ‪.‬‬
‫وقد وصفهم ال سبحانه ف كتابه‪ :‬بأنم يقتلون النبياء‪ ،‬والذين يأمرون بالقسط من الناس‪،‬‬
‫وأنم سّاعون للكذب‪ ،‬أكالون للسحت‪ ،‬يأخذون الربا وقد نوا عنه‪ ،‬ينقضون الواثيق‪،‬‬
‫ويكمون بالطواغيت‪ ،‬ويصفون ال تعال بالنقائص‪ ،‬ويقولون على ال الكذب وهم يعلمون‪،‬‬
‫ي هذا ما هو مشهور عنهم ‪.‬‬
‫وغ ِ‬
‫وتاريخ اليهود مليء بالؤامرات والدسائس‪ :‬فقد أرادوا قتل السيح عيسى بن مري عليه السلم‬
‫فشُبه لم ورفعه ال إليه حت يرج ف آخر الزمان فيقتلهم ‪ ،‬ويقتل مسيحهم مسيح الضللة‬
‫آنذاك السيح الدجال أعاذنا ال من فتنته ‪ ،‬وأرادوا قتل النب صلى ال عليه وسلم مرارا؛ فأناه‬
‫ال منهم‪ ،‬وأرادوا أن يوقعوا الفتنة بي الصحابة فسلمهم ال‪ ،‬وأول فتنة فرّقت بي السلمي‬
‫كانت فتنة ابن سبأ اليهودي‪ ،‬واستمر كيدهم طوال التاريخ‪ ،‬فأثاروا فتنا‪ ،‬وأسقطوا دولً‪ ،‬حت‬
‫تكنوا أخيا من اغتصاب أراضي السلمي ‪.‬‬
‫وأرض إسرائيل الكبى‪ :‬الت يلمون با والت وضعوا رايتهم على أساسها من النيل غربا حت‬
‫الفرات شرقا‪ ،‬ومن شال الزيرة جنوبا حت جنوب تركيا شالً‪ ،‬وقد علموا جيدا أنه ل بقاء‬
‫لم ما دام للعقيدة السلمية القائمة على الولء والباء‪ ،‬والهاد ف سبيل ال وجود بي‬
‫الشعوب‪ ،‬حت لو طال مقامهم‪ ،‬فإن قاعدة الدين‪ ،‬وملة إبراهيم‪ ،‬وأصل دين السلم‪ ،‬ومقتضى‬
‫شهادة التوحيد؛ موالة السلم وأهله ومبتهم‪ ،‬والباءة من الكفر وأهله ومعاداتم‪ ،‬كما قال‬
‫ت َلكُ ْم ُأسْ َو ٌة َحسَنَ ٌة فِي ِإْبرَاهِيمَ وَاّلذِينَ مَ َع ُه ِإذْ قَالُوا لِ َق ْومِ ِه ْم إِنّا ُبرَآ ُء مِ ْنكُ ْم َومِمّا‬
‫تعال‪َ }:‬قدْ كَانَ ْ‬

‫‪133‬‬

‫َتعُْبدُو َن ِم ْن دُو ِن ال ّلهِ َكفَ ْرنَا ِب ُكمْ َوَبدَا بَيْنَنَا وَبَيَْن ُكمُ اْلعَدَا َوةُ وَالْبَغْضَا ُء َأَبدًا حَتّى ُتؤْمِنُوا بِال ّلهِ‬
‫َوحْ َدهُ (‪[ {)4‬سورة المتحنة]‪.‬‬
‫فإياك وساع الدعوات الت تقول‪ :‬إنه ل عداء بيننا وبي اليهود‪ ،‬أو غيهم من الكفار‪ ،‬أو أننا ل‬
‫نبغضهم من أجل دينهم؛ فإن أصل الصول الباءة من الكفر وأهله‪ ،‬ومعاداتُهم وبغضهم ‪ ..‬من‬
‫أجل هذا اخترع اليهود ما يسمى بشروع السلم‪ ،‬وأطلقوا عليه السلم الدائم والشامل‪،‬‬
‫والذي يريدون من خلله اختراق صفوف الشعوب السلمة‪ ،‬وماولة كسر الاجز النفسي بي‬
‫السلمي واليهود‪ ،‬وإذابة عقيدة الباء ومعاداة الكافرين من خلل الذوبان الثقاف‪ ،‬والتعليمي‪،‬‬
‫والعلمي‪ ،‬ونشر ما يسمى بوار الضارات‪ ،‬وحوار الديان ف سبيل السلم ونوها‪ ،‬بالضافة‬
‫إل إفساد أخلقيات السلمي ‪.‬‬
‫ويهدف اليهود من خلل هذه العملية بالضافة إل تغيي عقلية السلمي إل تأمي بلدهم من‬
‫ضربات الجاهدين‪ ،‬وتعزيز اقتصادهم النهار‪ ،‬وتجي بقية اليهود إل فلسطي‪ ،‬وإكمال بناء‬
‫الستوطنات تهيدا لكمال اليمنة على النطقة بأسرها ‪ .‬لذلك فالتصور الصحيح لذا السلم‬
‫ف ف معرفة حكمه الشرعي‪ ،‬إذ هو مشتمل على منكرات كثية مرمة بإجاع‬
‫الزعوم كا ٍ‬
‫السلمي منها‪:‬التحاكم إل الطواغيت‪ ،‬وهدم أصل الباء ف السلم‪ ،‬وإلغاء شريعة الهاد ف‬
‫سبيل ال‪ ،‬وتسليط اليهود على السلمي‪ ،‬وغيها من العظائم ‪.‬‬
‫لذا فإن ما يسمى بساعي السلم ومؤتراته؛ ستفشل‪ ،‬ولو نحت فنجاحها سيكون مؤقتا‪ ،‬وأن‬
‫السلمي سيقاتلون اليهود فيقتلونم حت يتبئ اليهودي خلف الشجر والجر‪ ،‬فيقول الشجر‬
‫والجر ‪ :‬يا مسلم يا عبد ال هذا يهودي خلفي تعال فاقتله‪ ،‬ويومئذٍ يفرح الؤمنون بنصر ال‬
‫ينصر من يشاء ‪.‬‬
‫إن مشروع السلم الذي أطلقوا عليه السلم الدائم له آثارٌ سيئة على السلمي وعلى بلدهم ‪:‬‬
‫ولو ت‪ -‬ونسأل ال أن ل يكون‪ -‬فسيقضي على عقيدة الولء والباء عند السلمي‪ ،‬أو على‬
‫القل يضعفها عن طريق شعار‪ :‬حوار الضارات والسلم دين السلم ونبذ التطرف‪ ،‬وكراهية‬
‫الخر‪ ،‬وسيقضي على روح الهاد بينهم‪ ،‬وسيُضرَب الجاهدون بسلح السلم كما سيحصل‬
‫تغيي وتشويه للتاريخ السلمي‪ ،‬وستستنـزف ثروات السلمي‪ ،‬وتبن عندهم أوكار‬
‫الاسوسية‪ ،‬وتصدر لم الفات والمراض‪ ،‬وغي ذلك ‪.‬‬
‫‪134‬‬

‫وللمسلمي عبة وعظة ف من خطى خطوات عملية ف عملية السلم مع اليهود‪ :‬ماذا حصل‬
‫لم ولبلدهم؟ فبعد سنوات عجاف من السلم بي مصر وإسرائيل ظهرت بعض الثار اليهودية‬
‫على أرض الكنانة‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫إفساد الدين‪ :‬فقد أنشئ الركز الكاديي اليهودي ف مصر‪ ،‬وهو يقوم بدور رائد ف مال‬
‫إفساد الدين‪ ،‬وقتل روح الولء والباء عند السلمي‪ ،‬ويقوم بالتعاون مع الكثي من الراكز‬
‫الميكية النتشرة ف مصر بأساء ووظائف متلفة‪ ،‬وقد ركّز الركز ف أباثه على‪ :‬ضرورة فتح‬
‫البواب أمام حركة الناس‪ ،‬وتبادل العلومات‪ ،‬والثقافة والعلوم‪ ،‬وضرورة مراجعة البامج‬
‫الدراسية من الانبي‪ ،‬وفحص ما يُدرَس وتديد ما يب حذفه‪ ،‬ودراسة البامج التبادلة ف‬
‫وسائل العلم‪ ،‬وأن يسمح كل طرف للخر بإذاعة برامج ثقافية عن وثائقه وتاريه‪ ،‬وضرورة‬
‫إزالة الفاهيم السلبية عند السلمي تاه اليهود ‪ .‬وقد تقق لم الكثي ما أرادوا فبامج التعليم‬
‫تّت مراجعتها‪ ،‬وحُذف منها كل ما يتعلق باليهود من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ووقائع‬
‫تاريية ‪.‬‬
‫وأيضا من الثار‪ :‬أنه ف أوائل أيلول ‪1985‬م كشفت الخابرات الصرية عن شبكة تسس‬
‫إسرائيلية ف القاهرة يقودها الستشار العسكري بالسفارة‪ ،‬واكتشفت السلطات الصرية أن‬
‫الركز الكاديي السرائيلي توّل منذ تأسيسه عام ‪1402‬هـ ف القاهرة إل واحد من أخطر‬
‫بؤر التجسس‪ ،‬وأبرز مظاهر الختراق الثقاف ف مصر‪ ،‬ث كشف بعد ذلك عن عصابات‬
‫التجسس السرائيلي الواحدة تلو الخرى ‪.‬‬
‫وما تبيّن أيضا‪ :‬أن هناك خطة لغراق السوق الصرية بليي الدولرات الزيفة وقد ضُبطت‬
‫على سبيل الثال فقط ‪ 80‬قضية لتهريب وترويج عملت مزيفة من فئة الائة دولر مهربة من‬
‫تل أبيب إل القاهرة‪ ،‬وف عام ‪1410‬هـ ضبطت شبكة مكونة من ‪ 11‬يهوديا كان بوزتم‬
‫مليون دولر مزيفة‪ ،‬وف التحقيقات اعترف الميع أنم يعملون ضمن شبكة دولية مركزها تل‬
‫أبيب ‪.‬‬
‫وأيضا‪ :‬ففي عام ‪1409‬هـ ت القبض على ‪ 5‬أشخاص من العاملي ف الركز الكاديي‬
‫السرائيلي بالقاهرة خلل تريب اليويي ف معجون أسنان‪ ،‬وقبلها بعامي ضُبط صهيون يقوم‬
‫بترويج اليويي ف مدينة العريش‪ ،‬وقبل ذلك بعام أي ف عام ‪1406‬هـ أكدت تقارير وزارة‬
‫‪135‬‬

‫الداخلية الصرية أن مموع القضايا الت ضُبط فيها الصهاينة بلغ ‪ 4457‬قضية‪ُ ،‬هرّب فيها ‪5‬‬
‫طن من الشيش‪ ،‬و ‪ 30‬كيلو أفيون ‪.‬‬
‫وأيضا من آثار السلم الت تضررت با مصر إفساد الزورعات‪ :‬فقد اتفقت مصر مع إسرائيل‬
‫التعاون ف الجال الزراعي‪ ،‬ولهية هذا الجال دخلت أميكا طرفا ثالثا لرعاية هذا التعاون‬
‫وكان ما يسمى‪" :‬الشروع الثلثي" يكون فيه التمويل أميكيا والباء صهاينة بالشتراك مع‬
‫بعض الصريي أحيانا‪ ،‬أما أرض البحث فهي مصرية‪ ،‬وبعد سنوات قليلة من بداية التوسع ف‬
‫الشروع بدأت نتائجه تظهر ف زراعات مصر الت أصابا اللك مثل‪ :‬الضروات‪ ،‬والقطن‪،‬‬
‫والقمح‪ ،‬والذّرة‪ ،‬بل إن الرض نطقت هي الخرى با أصابا من السلم‪ ،‬وذلك بعد إصابة‬
‫تربتها بالدب نتيجة البذور اللوّثة عمدا‪ ،‬وكذلك السدة والبيدات الفاسدة‪ ،‬والطي أن‬
‫البذور اللوّثة‪ ،‬والت تؤدي إل تدمي الزراعات هي مثل قنابل موقوتة تُحدث آثارها بعد‬
‫سنوات من استخدامها وهذا ما حصل عندما فوجئ الزارعون بتدهور النتاج عاما بعد عام إل‬
‫أن تأكد أن الميع جلبوا الدمار لنفسهم؛ لنه بتحليل البذور كانت الفاجأة أنا تمل نسبة‬
‫كبية من أمراض تصيب النسان بالفشل الكلوي‪ ،‬وأنا مصابة بفيوسات تصيب التربة‬
‫بأمراض تصيبها بالبوار لعدة سنوات ‪ .‬وعُرف فيما بعد وبعد فوات الوان أنا كانت عملية‬
‫مدبرة من اليهود لفساد الراضي الزراعية الصرية ‪.‬‬
‫وأما عن تلويث الشواطئ الصرية‪ :‬فقد تدثت الصحف وقتها عن القبض على قبطان صهيون‬
‫كان متهما بتسريب البترول من باخرته الت يقودها ف البحر الحر ما أدى إل تلويث مياه‬
‫النطقة‪ ،‬وتكررت حوادث تدمي الشعاب ا ِلرْجانية النادرة وتلويث الشواطئ الصرية بصورة‬
‫ملحوظة مّا أدى إل تلويث ‪ %40‬من الشاطئ ‪.‬‬
‫والخطر ما سبق‪ :‬أن اكتشفت السلطات الصرية شبكة يهودية تضم العشرات من بائعات‬
‫الوى السرائيليات الصابات برض اليدز يعملن بتوجيه من الخابرات السرائيلية الوساد‬
‫لنشر هذا الرض ف صفوف الشعب الصري عن طريق استدراج الشباب النحرف لمارسة‬
‫الرذيلة معهن ف أماكن اللهو‪ ،‬والشقق الفروشة‪ ،‬وذكرت الصحف الصرية‪ :‬أن رجال الوساد‬
‫أقنعوهن بأن ما يقمن به هو لصال إسرائيل الكبى‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫هذه بعض الثار الت ظهرت ونشرت من جراء التقارب مع إسرائيل‪ ،‬وما ل يظهر إل الن أو ل‬
‫ينشر إل الن فال أعلم به ‪.‬‬
‫فماذا نتوقع أن يصل من الضرر والفاسد والشرور لو أن معظم دول الوار لسرائيل دخلت‬
‫مع اليهود ف اتفاقات سلم دائم أو شامل‪ :‬ستدفع هذه الدول الثمن باهضا‪ ،‬واليهود تاريهم‬
‫أسود ومعروف‪ ،‬أفل نأخذ عبة من التاريخ الاضي‪ ،‬وعبة من التاريخ العاصر لا حصل لصر‪،‬‬
‫وقبل ذلك نأخذ العبة العظمى والكبى من كتاب ال ف آيات كثية فيها التحذير من يهود ‪.‬‬
‫إن اتفاقيات السلم مع اليهود‪ ،‬وإقامة للعلقات الدائمة معهم؛ يعد إقرارا لم ف ديار السلم‪،‬‬
‫وتكينهم من الدخول والعبث بعقول السلمي‪ ،‬وإمدادهم با يزيد من قوتم وجبوتم‪ ،‬وهذا‬
‫كله ف الشرع من باب الوالة لليهود‪ ،‬وإلقاء الودة لم‪ ،‬والركون إليهم وقد دلت نصوص‬
‫ل َو بِالَيوْ ِم ال ِخرِ ُيوَادّوْ َن َمنْ‬
‫كثية على النهي عن ذلك قال ال تعال‪}:‬ل َتِ ُد َقوْمَا ُي ْؤمِنُونَ بِا ِ‬
‫ل وَ َر ُسوْلَه وََلوْ كَانُوا آبَا َءهُ ْم َأوْ َأبْنَا َءهُ ْم َأوْ ِإ ْخوَاَنهُ ْم َأوْ َعشِ ْيرََتهُمْ(‪[ {)22‬سورة‬
‫حَادّ ا َ‬
‫ض ُهمْ َأ ْولِيَاءُ‬
‫خذُوا الْيَهُودَ وَالنّصَارَى َأ ْولِيَا َء َبعْ ُ‬
‫المتحنة]‪ .‬وقال تعال‪ }:‬يَا َأّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا ل تَتّ ِ‬
‫ض وَ َم ْن يََتوَّل ُهمْ مِ ْن ُكمْ َفِإّنهُ مِ ْن ُهمْ إِ ّن ال ّلهَ ل َي ْهدِي اْلقَوْ َم الظّالِمِيَ(‪[ {)51‬سورة الائدة]‪ .‬وقال‬
‫َبعْ ٍ‬
‫خذُونَ اْلكَا ِفرِي َن َأوْلِيَا َء ِمنْ دُونِ‬
‫ي ِبأَ ّن َل ُهمْ َعذَابا َألِيما(‪ )138‬اّلذِي َن يَتّ ِ‬
‫تعال‪َ}:‬بشّ ِر الْمُنَافِقِ َ‬
‫ي َأيَبْتَغُونَ عِ ْن َد ُهمُ اْلعِ ّز َة َفإِنّ اْل ِع ّزةَ لِ ّل ِه جَمِيعا(‪[ {)139‬سورة النساء]‪ .‬والنصوص ف‬
‫الْ ُم ْؤمِنِ َ‬
‫النهي عن موالة الكفار‪ ،‬والركون إليهم‪ ،‬ومودتم‪ ،‬ووجوب بغضهم ومعاداتم كثية جدا‪.‬‬
‫وفرق كبي بي ترك قتالم والدنة معهم لوجود الضعف للعداد لم‪ :‬وبي العتراف بم‪،‬‬
‫وإقرارهم على أراضي السلم‪ ،‬فالول‪ :‬جائز بالجاع‪ ،‬والثان‪ :‬مرم بالجاع‪ ،‬إضافة إل أن‬
‫السلم الدائم والشامل مع اليهود مضاد لشرع ال سبحانه ولقدره ‪.‬‬
‫أما مضاداته للشرع؛ فلنه يلغي شعية الهاد ف سبيل ال‪ ،‬وقد قال ال تعال‪َ } :‬وقَاتِلُوا‬
‫شرِكِيَ كَا ّفةً كَمَا ُيقَاتِلُوَنكُمْ كَا ّفةً(‪[ { )36‬سورة التوبة]‪ .‬وقال سبحانه‪َ }:‬فقَاتِلُوا َأئِ ّمةَ‬
‫الْ ُم ْ‬
‫اْلكُ ْفرِ إِّن ُهمْ ل َأيْمَانَ لَ ُه ْم َلعَلّ ُه ْم يَنَْتهُونَ (‪[ {)12‬سورة التوبة]‪ .‬وقال عز وجل‪َ }:‬وأَ ِعدّوا َلهُمْ‬
‫ط الْخَ ْي ِل ُترْهِبُونَ بِهِ َع ُدوّ ال ّل ِه وَ َعدُوّ ُك ْم وَءَاخَرِينَ ِم ْن دُوِن ِهمْ لَا‬
‫مَا اسْتَ َطعُْتمْ مِ ْن ُق ّوةٍ َو ِمنْ ِربَا ِ‬
‫ف ِإلَ ْيكُ ْم َوأَنُْتمْ لَا تُظْلَمُونَ(‪{)60‬‬
‫َتعْلَمُونَ ُه ُم اللّ ُه َيعْلَ ُم ُهمْ َومَا تُ ْن ِفقُوا مِ ْن َشيْءٍ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ يُوَ ّ‬
‫[سورة النفال]‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫ي ِبأَ ْموَاِلكُ ْم َوأَْن ُفسِ ُكمْ‬
‫وف السند وغيه‪ :‬أَ ّن النِّبيّ صَلّى ال ّلهُ عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَالَ‪ [:‬جَا ِهدُوا الْ ُمشْرِ ِك َ‬
‫َوَألْسِنَِت ُكمْ] ‪ .‬وف السند أيضا َع ِن اْبنِ عُ َم َر قَالَ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّهُ عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‪ُ [:‬بعِثْتُ‬
‫حتَ ِظلّ ُرمْحِي‪. ]...‬‬
‫ك لَ ُه َوجُ ِعلَ رِ ْزقِي تَ ْ‬
‫بِالسّيْفِ حَتّى ُيعَْبدَ ال ّل ُه لَا َشرِي َ‬
‫وأما مضاداة السلم للقدر‪ :‬فقد أخب الرسول صلى ال عليه وسلم وخبه حق أن الهاد ماضٍ‬
‫إل يوم القيامة‪ ،‬ومن ذلك ‪ :‬ما ف الصحيح عن النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬الْخَ ْي ُل َم ْعقُودٌ فِي‬
‫َنوَاصِيهَا الْخَ ْي ُر ِإلَى يَوْ ِم اْلقِيَا َمةِ اْلَأجْ ُر وَالْ َمغَْنمُ " [ رواه البخاري ومسلم ] ‪.‬‬
‫وقد تواتر عنه صلى ال عليه وسلم ف الصحاح وغيها أنه قال‪ [:‬لَا َتزَالُ طَائِ َفةٌ ِم ْن ُأمّتِي‬
‫ض ّرهُ ْم َمنْ خَالَ َف ُهمْ ِإلَى َيوْ ِم اْلقِيَا َمةِ]‪ .‬والقصود من هذا كله أن ما يسمى‬
‫ح ّق لَا يَ ُ‬
‫ظَا ِهرِينَ َعلَى الْ َ‬
‫بالسلم الدائم أو الشامل لن يتحقق وسيقاتل الجاهدون اليهود ويهزمونم بول ال وقوته‪،‬‬
‫وهذا وعد ال سبحانه لنا ولكن ال سبحانه أعلم بن يستحق أن يكون هذا الفتح على يديه ‪.‬‬
‫لقد فجر ال لم العيون ‪ ،‬وأنزل عليهم الطيبات ‪ ،‬وساق لم الغمام ليظلهم ف الصحراء ‪ ،‬فلم‬
‫يشكروا ال على تلك النعم ‪ ،‬بل جحدوا ربم ‪ ،‬وقالوا لوسى ‪ { :‬اجعل إلا كما لم آلة }‬
‫فأجابم موسى { إنكم قوم تهلون ‪ ،‬إن هؤلء متب ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } ولا‬
‫ل جسدا له خوار ‪ ،‬يعبدونه من دون ال ‪ ،‬ول‬
‫ذهب موسى ليقات ربه ‪ ،‬اتذوا من حليهم عج ً‬
‫يكتفوا بذلك ‪ ،‬بل طلبوا رؤية ال جهرة ‪ ،‬فأرسل ال عليهم صاعقة من السماء ؛ تأديبا لم ‪ ،‬ث‬
‫شاء ال أن تنتهي حياة موسى وهارون بعد تكذيب لم طويل من بن إسرائيل ‪ ،‬واستمر حال‬
‫اليهود وتكذيبهم بل وتريفهم لكتاب ال التوراة ‪ ،‬فأرسل ال عيسى على جيع رسل ال‬
‫الصلة والسلم ‪ ،‬فآمن بعضهم وهم الواريون ‪ ،‬وكذب بعضهم وهم بقية اليهود ‪.‬‬
‫ث حاولوا قتل عيسى فرفعه ال إليه ‪ ،‬واستمر عداء اليهود _ لعنهم ال _ للنبياء والرسالت ‪،‬‬
‫وكان عند بعضهم بقية من علم ‪ ،‬فعلموا بقدم رسول الدى عليه الصلة والسلم ‪ ،‬من خلل‬
‫وصفه ف النيل والتوراة ‪.‬‬
‫فلقد سافر أبو طالب _ عم النب صلى ال عليه وسلم _ إل الشام متاجرا ‪ ،‬ومعه رسول ال‬
‫وعمره اثنتا عشرة سنة ‪ ،‬وف الطريق قابل راهبا يقال له بيا ‪ ،‬فلما خرج الركب خرج إليهم‬
‫وأكرمهم ‪ ،‬وكان ل يرج لحد قبل ذلك ‪ ،‬وعرف رسول ال صلى ال عليه وسلم بصفته ‪،‬‬
‫فقال الراهب وهو يأخذ بيد رسول ال صلى اله عليه وسلم ‪ :‬هذا سيد العالي ‪ ،‬يبعثه ال رحة‬
‫‪138‬‬

‫للعالي ‪ ،‬فقال أبو طالب ‪ :‬ومن علمك هذا ؟ فقال ‪ :‬إنكم حي أشرفتم ‪ ،‬ل يبق حجر ول‬
‫شجر إلّ خر ساجدا ‪ ،‬ول تسجد إلّ لنب ‪ ،‬وإن أعرفه بات النبوة ف ظهره ‪ ،‬وإنا نده ف كتبنا‬
‫‪ ،‬ث سأل أباطالب أن يرده ول يدخله الشام خوفا عليه من اليهود ففعل ‪.‬‬
‫وعداء اليهود يكمن ف أنم كانوا يتوقعون أن يرج رسول ال منهم ‪ ،‬فلما خرج من العرب‬
‫كذبوه ‪ ،‬وشوهوا صورته ‪ ،‬وألبوا عليه الرجال ‪ ،‬وحاولوا قتله ‪ ،‬ومن ذلك أنه عليه الصلة‬
‫والسلم خرج ف نفر من أصحابه إل يهود بن النضي لمع بعض الديات ‪ ،‬فقال اليهود‬
‫لرسول ال ‪ :‬اجلس هاهنا حت نقضي حاجتك ‪ ،‬فجلس إل جنب جدار من بيوتم ‪ ،‬ينتظر‬
‫وفائهم با وعدوا ‪ ،‬ولكن اليهود أهل مكر وخبث حيثما حلوا وارتلوا ‪ ،‬فأعطوا أحدهم رحىً‬
‫ليميها على رسول ال صلى ال عليه وسلم فيقضي عليه ‪ ،‬وبينما هم يططون ‪ ،‬إذ نزل الوحي‬
‫يفضحهم ‪ ،‬فهب رسول ال وهب أصحابه معه ‪ ،‬وخرجوا وأخبهم با أراد اليهود ‪ ،‬فكانت‬
‫غزوة بن النضي الت أعلى ال فيها كلمته ‪.‬‬
‫ويواصل اليهود عداوتم للسلم وأهله ‪ ،‬بل عداوتم ل سبحانه وتعال ‪ ،‬حت وصل الال‬
‫والكب بم إل سب ال تبارك وتعال ‪ ،‬فلما أنزل ال قوله ‪ { :‬من ذا الذي يقرض ال قرضا‬
‫حسنا فيضاعفه أضعافا كثية ‪ } ..‬قالوا ‪ :‬يا ممد افتقر ربك ‪ ،‬فسأل عباده القرض !! فأنزل‬
‫ال { وقالت اليهود يد ال مغلولة غلت أيديهم ولعنوا با قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف‬
‫يشاء ‪ } ..‬هم أهل البخل والتقتي ‪ ...‬هم أهل الشح الكبي ‪ ...‬لعائن ال تترى عليهم إل يوم‬
‫القيامة ‪.‬‬
‫هل يليق بعاقل أن يقول أن يد ال مغلولة !!! وهو يتقلب بي أنعم ال صباح مساء بل من أكب‬
‫طيشهم ‪ ،‬أنم نسبوا البن إل ال ‪ ،‬ومن جعلوا البن ؟؟!! قالوا عزير ابن ال !! وقالوا أنم‬
‫أبناء ال وأحباؤه !! ‪ ،‬فعن ابن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬أتى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم نعمان ابن آصا ‪ ،‬وبري ابن عمرو ‪ ،‬وشاس ابن عدي ‪ ،‬فكلموه وكلمهم ‪ ،‬ودعاهم إل‬
‫ال ‪ ،‬وحذرهم نقمته ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يا ممد نن وال أبناء ال وأحباؤه ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وقال اليهود‬
‫والنصارى نن أبناء ال وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر من خلق يغفر لن يشاء‬
‫ويعذب من يشاء ول ملك السماوات والرض وما بينهما وإليه الصي " ‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫ول تزال سلسلة فضائحهم تتوال وستتوال إل يوم القيامة ‪ " :‬ل يرقبون ف مؤمن إلّ ول ذمة‬
‫وأولئك هم العتدون " ‪.‬‬
‫ولو استعرضنا كل فضائحهم لطال بنا القام ‪ ،‬ولكننا نقتصر على بعض الوقائع فقط ‪ ،‬لنعرف‬
‫أعدائنا ‪ ،‬كيف يكرهون السلم وأهله وشرائعه ‪.‬‬
‫حسد اليهود رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬حي سعوا الذان ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ابتدعت شيئا ل‬
‫يكن للنبياء ‪ ،‬فمن أين لك الصياح كصياح العي ؟؟ فما أقبحه من صوت !! فأنزل ال ‪" :‬‬
‫وإذا ناديتم إل الصلة اتذوها هزوا ولعبا ذلك بأنم قوم ل يعقلون " بل إنم سخروا من‬
‫القرآن وكذبوا به ‪ ،‬فقد جاءوا إل النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ألست تؤمن أن التوراة‬
‫حق من عند ال ؟! قال ‪ :‬بلى ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬فإنا نؤمن با ‪ ،‬ول نؤمن با عداها ‪ .‬فأنزل ال ‪ { :‬قل‬
‫يا أهل الكتاب لستم على شيء حت تقيموا التوراة والنيل وما أنزل إليكم من ربكم ‪، } ...‬‬
‫وما أرسل إليهم من نب مع كثرة أنبيائهم إ ّل سبوه أو شتموه ‪ ،‬فآذوا موسى ‪ ،‬واتموا سليمان‬
‫بالسحر وأنه ساحر ‪ ،‬واتموا إبراهيم بأنه يهودي ‪ ،‬وكذبوا بعيسى وحاولوا قتله ‪ ،‬وكذبوا‬
‫ممدا _ على أنبياء ال الصلة والسلم _ وحاولوا اغتياله ‪ ...‬فلعن ال اليهود ما أسخفهم ‪،‬‬
‫وأحقرهم ‪.‬‬
‫وكان من أعظم ما فرح به السلمون هو إنزال قوله تعال ‪ " :‬قل أؤنبؤكم بشر من ذلك مثوبة‬
‫عند ال من لعنه ال وغضب عليه وجعل منهم القردة والنازير وعبد الطاغوت " ‪ ،‬فكان‬
‫السلمون يعيون اليهود بأنم أبناء القردة والنازير وهم كذلك ‪.‬‬
‫إن اليهود أهل شر وخبث ‪ ،‬وإن تبسموا وصالوا وعاهدوا ‪ ،‬وقد روي ف بعض الحاديث‬
‫عند ابن مردويه ‪ " :‬ما خل يهودي بسلم إ ّل هم بقتله " ‪.‬‬
‫ومن قبائح اليهود ف زماننا هذا ما يفعلونه الن من كتابة لفظ الللة على الحذية ‪ ،‬وما‬
‫شابها ‪ ،‬وقيامهم بدهس الصاحف ‪ ،‬ونشر الصور الشوهة للسلم ولنب السلم عليه الصلة‬
‫والسلم ‪ ،‬ومع كل ذلك ‪ ،‬فالؤمنون غافلون أو متغافلون ‪ ،‬كأن ل ترك لديهم ساكنا _ وما‬
‫لرح بيت إيلم _ وتد الكثي من السلمي قد مسحوا اسم السجد القصى من ذاكرتم ‪،‬‬
‫وما فكر أحدهم يوما أن يرفع يديه إل العزيز القدير ‪ ،‬ويرسل على اليهود سهاما وصواريخ من‬
‫سهام " يا رب " تترق الدنيا لتمطر على اليهود النكبات والصائب ‪ ،‬ومع كل هذا ‪ ،‬فإن وعد‬
‫‪140‬‬

‫ال لنا بالنصر والتمكي لبد حاصل ‪ ،‬فقد وعدنا ال بالنصر على أبناء القردة والنازير ‪" ،‬‬
‫حت ل يبقى حجر ول شجر إ ّل ويقول للمسلم ‪ :‬يا مسلم يا عبد ال هذا يهودي ورائي فاقتله‬
‫"‪.‬‬
‫ولقد أخب ال تعال ف كتابه بأن يهود سيعلون ف الرض القدسة ‪ ،‬ويصبح لم فيها قوة‬
‫وسلطة ‪ ،‬فيفسدون فيها ‪ ،‬فيبعث ال عليهم عبادا أول بطش وقوة فيذيقونم ويلت القهر‬
‫والذل ‪ ،‬ث تعود الكرة ويعلو يهود من جديد ‪ ،‬ويتكرر الفساد منهم ‪ ،‬فتتكرر سنة ال الت ل‬
‫تتغي ‪ ،‬فيسلط عليهم من يشردهم ف الرض ثانية ويدمر متلكاتم ‪ ،‬وقد حدث هذا كما ذكر‬
‫ذلك ابن كثي وغيه من الفسرين ‪.‬‬
‫فكلما عاد اليهود للفساد والفساد بعث ال عليهم من يسومهم سوء العذاب ‪ ،‬لنم عرفوا‬
‫الق وتركوه ‪ ،‬علموا العلم فلم يعملوا به فغضب ال عليهم ‪ ،‬وما أكثر غدر يهود على مر‬
‫الدهور والعصور ‪ ،‬فعندما أفسدوا ف الزيرة العربية أخرجهم السلمون ‪ ،‬من الزيرة كلها ‪،‬‬
‫ولبثهم ومكرهم وإفسادهم أمر النب صلى ال عليه وسلم بإخراجهم من الزيرة وعدم‬
‫عودتم إليها إل أن يرث ال الرض ومن عليها ‪َ ،‬عنْ عُ َم َر ْبنَ الْخَطّابِ رضي ال عنه َأّنهُ سَمِعَ‬
‫ب حَتّى لَا َأذَرَ‬
‫النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم يَقُولُ ‪َ " :‬لأُ ْخ ِرجَ ّن الَْيهُو َد وَالنّصَارَى مِ ْن َجزِي َر ِة الْ َعرَ ِ‬
‫س ‪ ،‬اشَْتدّ‬
‫س ‪َ ،‬ومَا َيوْ ُم الْخَمِي ِ‬
‫س َيوْ ُم الْخَمِي ِ‬
‫فِيهَا إِلّا ُمسْلِمًا " [ أخرجه أحد ] ‪ ،‬وقَا َل ابْنُ عَبّا ٍ‬
‫ب َل ُكمْ كِتَابًا َلنْ تَضِلّوا َب ْع َدهُ َأَبدًا‬
‫ِب َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم وَ َج ُعهُ ‪َ ،‬فقَا َل ‪ " :‬ائْتُونِي أَكْتُ ْ‬
‫ج َر ؟ اسَْت ْفهِمُو ُه َفذَهَبُوا َي ُردّونَ‬
‫ع ‪َ ،‬فقَالُوا ‪ :‬مَا شَ ْأُنهُ َأهَ َ‬
‫" ‪ ،‬فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنَْبغِي عِ ْن َد نَِبيّ تَنَازُ ٌ‬
‫عَلَ ْيهِ ‪َ ،‬فقَالَ ‪ " :‬دَعُونِي فَالّذِي َأنَا فِيهِ خَ ْي ٌر مِمّا تَدْعُونِي ِإلَ ْيهِ " ‪َ ،‬وَأوْصَا ُهمْ بِثَلَاثٍ قَالَ ‪" :‬‬
‫ت أُجِي ُزهُ ْم ‪َ ،‬وسَكَتَ َعنِ‬
‫ح ِو مَا كُ ْن ُ‬
‫ي ِمنْ َجزِي َرةِ اْلعَ َربِ ‪َ ،‬وَأجِيزُوا اْل َوفْ َد بِنَ ْ‬
‫شرِكِ َ‬
‫َأ ْخرِجُوا الْ ُم ْ‬
‫الثّالَِث ِة َأوْ قَالَ فََنسِيُتهَا " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن من خسة يهود ودناءتم وغدرهم ومكرهم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫سهِم وخَبَِثهِم ‪.‬‬
‫أمر بإخراجهم من جزيرة العرب ‪ ،‬لئل يدنسوها ِب ِرجْ ِ‬
‫ث عاد اليهود للفساد ف الرض ف العال ‪ ،‬فسلط ال عليهم عبادا آخرين أنزلوا بم أنواعا من‬
‫الضطهادات والقتل الماعي ‪ ،‬وهكذا فكلما أفسد اليهود ف الرض سلط ال عليهم من‬
‫يردعهم ويذيقهم الوان ‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫وهاهم يعودون للفساد ف أرض العروبة ‪ ،‬مصلى النبياء ومسرى رسول الدى ‪ ،‬وأول القبلتي‬
‫وثالث الساجد الت تشد إليها الرحال ‪ ،‬فهاهم يهود إسرائيل يقتلون ويغتصبون ويهدمون‬
‫ويعيثون ف أرض فلسطي البيبة أنواع الظلم والعداء ‪ ،‬ف حق السلمي البرياء هناك ‪ ،‬وما‬
‫حصل لم ذلك التمكي إل بضعف السلمي ‪ ،‬وابتعادهم عن دينهم ‪ ،‬وتليهم عن نصرة سنة‬
‫نبيهم صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومت عدنا إل ديننا فسوف نرج اليهود من بلدنا العرب‬
‫والسلمي بإذن ال تعال ‪ ،‬فقتالنا معهم بدأ ول زال ‪ ،‬حت تأت اللحمة الكبى ‪ ،‬والعركة‬
‫العظمى بي السلمي واليهود ‪ ،‬فيقتلونم قتل عاد وثود ‪ ،‬أل نصر ال قريب ‪ ،‬ولتعلمن نبأه‬
‫بعد حي ‪ ،‬فنسأل ال أن نكون من يتشرف بالتقرب إل ال بقتل إخوان القردة والنازير ‪،‬‬
‫أحفاد بن قريظة والنضي وقينقاع ‪ ،‬ونسأله سبحانه أن يُقر أعيننا بعودة السجد القصى لوزة‬
‫السلمي ‪ ،‬وأن نرى أولئك الرتزقة يرجون من بلد السلم أذلة صاغرين ‪ ،‬بعز عزيز وذل‬
‫ذليل ‪ ،‬وليس ذلك على ال ببعيد ‪.‬‬
‫وهاك أخي الكري بعض فضائح القوم وفظائعهم ومططاتم وبروتوكولتم ‪:‬‬
‫ت َأْيدِي ِه ْم وَُلعِنُوا‬
‫ت الَْيهُو ُد َيدُ ال ّلهِ َمغْلُوَلةٌ غُلّ ْ‬
‫هم الذين أخبنا ال عنهم ف كتابه بقوله ‪َ " :‬وقَالَ ِ‬
‫ف َيشَاءُ ‪ ..‬الية " [ الائدة ‪ ، ] 64‬وهم الذين قالوا ‪" :‬‬
‫بِمَا قَالُوا َب ْل َيدَا ُه مَ ْبسُوطَتَانِ يُ ْن ِفقُ كَيْ َ‬
‫حرِيقِ‬
‫ب مَا قَالُوا َوقَتْ َل ُهمُ اْلأَنْبِيَا َء ِبغَ ْيرِ َح ّق َونَقُو ُل ذُوقُوا َعذَابَ الْ َ‬
‫حنُ أَغْنِيَا ُء سَنَكْتُ ُ‬
‫ي َونَ ْ‬
‫إِ ّن ال ّلهَ َفقِ ٌ‬
‫" [ آل عمران ‪. ] 181‬‬
‫وهم الذين ادّعوا الولد ل ‪ " :‬وَقَالَتِ الَْيهُودُ ُع َزْي ٌر ابْ ُن اللّ ِه " [ التوبة ‪ ، ] 30‬تعال ال عن‬
‫ك فِي الْمُ ْلكِ وَخَ َلقَ ُكلّ‬
‫خذْ َوَلدًا َولَ ْم َيكُ ْن َلهُ َشرِي ٌ‬
‫ض َوَلمْ يَتّ ِ‬
‫ك السّ َموَاتِ وَالَرْ ِ‬
‫قولم ‪َ " :‬لهُ مُ ْل ُ‬
‫َشيْ ٍء َفقَدّ َر ُه َتقْدِيرًا " [ الفرقان ‪. ] 2‬‬
‫هؤلء أنفسهم الذين قالوا ف تلمودهم الزعوم ‪ :‬ليس ال ‪ -‬نستغفره سبحانه ‪ -‬معصوما من‬
‫الطيش والغضب والكذب ‪.‬‬
‫وف تلمودهم أيضا ‪ :‬للحاخامات السيادة على ال ‪ ,‬وعليه أجْراء ما يرغبون فيه ‪.‬‬
‫ويقولون ‪ :‬يقضي ال ثلث ساعات من النهار يلعب مع ملك الساك ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫ض َومَا بَيَْنهُمَا لعِبِيَ * لَ ْو أَ َر ْدنَا أَنْ‬
‫تعال ال عن قولم علوا كبيا ‪َ " :‬ومَا خَ َلقْنَا السّمَا َء وَالَرْ َ‬
‫حقّ عَلَى الْبَا ِط ِل فََيدْ َم ُغهُ َفِإذَا ُهوَ‬
‫ف بِالْ َ‬
‫خذْنَاهُ ِم ْن َلدُنّا إِنْ كُنّا فَاعِلِي َ * َب ْل َنقْذِ ُ‬
‫خ َذ َل ْهوًا لتّ َ‬
‫نَتّ ِ‬
‫صفُونَ " [ النبياء ‪] 18-16‬‬
‫زَا ِهقٌ َوَلكُ ُم الْ َوْيلُ مِمّا تَ ِ‬
‫وف تلمودهم ‪ :‬اليهودي أحب إل ال من اللئكة ‪ ,‬فالذي يصفع اليهودي كمن يصفع العزة‬
‫اللية ‪.‬‬
‫حنُ َأبْنَا ُء ال ّلهِ َوأَحِبّا ُؤهُ ُق ْل فَ ِلمَ ُي َع ّذبُ ُكمْ‬
‫ت الَْيهُودُ وَالنّصَارَى َن ْ‬
‫وقد أكذبم ال فقال ‪َ " :‬وقَالَ ِ‬
‫ك السّ َموَاتِ وَالَرْضِ‬
‫ش ٌر مِ ّمنْ خَلَ َق َيغْ ِف ُر لِ َم ْن َيشَا ُء َوُيعَ ّذبُ َم ْن َيشَا ُء وَلِ ّل ِه مُلْ ُ‬
‫ِب ُذنُوبِ ُك ْم َبلْ َأنُْتمْ َب َ‬
‫صيُ " [ الائدة ‪. ] 18‬‬
‫َومَا بَيَْنهُمَا َوإِلَ ْيهِ الْمَ ِ‬
‫وما قالوه ف تلمودهم أيضا ‪ :‬إن ال يستشي الاخامات على الرض حي توجد معضلة ل‬
‫يستطيع حلها ف السماء ‪ .‬تعال ال عما يقولون علوا كبيا ‪.‬‬
‫وهل يوجد شيء ل يقدر عليه الربّ ؟ سبحانه وتعال وهو على كل شيء قدير ‪ِ " :‬إنّمَا أَ ْم ُرهُ‬
‫ِإذَا أَرَا َد شَيْئًا أَ ْن َيقُولَ لَهُ ُك ْن فََيكُونُ " [ يس ‪. ] 82‬‬
‫وقالوا ف التلمود بوقاحة فاجرة ‪ :‬أن تعاليم الاخامات ل يكن نقضها أو تغييها ولو بأمر ال ‪.‬‬
‫خذُوا أَحْبَا َر ُهمْ وَ ُرهْبَاَن ُهمْ أَ ْربَابًا ِمنْ دُو ِن ال ّلهِ " [ التوبة‬
‫سبحان ال وهو القائل عن اليهود ‪ " :‬اتّ َ‬
‫‪ ، ] 31‬وهؤلء الذين قال ال عنهم ‪ " :‬يَا َأّيهَا اّلذِينَ ءَامَنُوا إِنّ كَثِيًا ِمنَ ا َلحْبَا ِر وَال ّرهْبَانِ‬
‫س بِالْبَا ِط ِل َويَصُدّونَ َع ْن سَبِيلِ ال ّل ِه " [ التوبة ‪. ] 34‬‬
‫لََيأْكُلُو َن َأمْوَا َل النّا ِ‬
‫هؤلء اليهود الذين يرون أنفسهم كل شيئا ول يعدّون غيهم شيئا ‪ ،‬ومن أقوالم ف غي اليهود‬
‫كما جاء ف تلمودهم ‪:‬‬
‫‪ -1‬نطفة غي اليهودي كنطفة باقي اليوانات ‪.‬‬
‫‪ -2‬يب على كل يهودي أن يبذل جهده لنع استملك باقي المم ف الرض لتبقى السلطة‬
‫لليهود وحدهم ‪.‬‬
‫‪ -3‬لو ل يلق ال اليهود لنعدمت البكة ف الرض ‪.‬‬
‫‪ -4‬الارجون عن دين اليهود خنازير نسة ‪.‬‬
‫‪ -5‬أرواح اليهود عزيزة عند ال ‪ ,‬وبالنسبة لباقي الرواح فالرواح غي اليهودية أرواح‬
‫شيطانية تشبه أرواح اليوانات ‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫‪ -6‬اليهودي ل يطئ إذا اعتدى على عرض غي اليهودية ‪ ,‬لن كل عقد زواج عند غي‬
‫اليهود باطل ‪ ,‬فالرأة غي اليهودية تعتب بيمة ‪ ,‬والعقد ل يقوم بي البهائم ‪.‬‬
‫‪ -7‬لليهود الق ف اغتصاب النساء غي اليهوديات ‪.‬‬
‫‪ -8‬الزنا بغي اليهود ذكورا كانوا أو إناثا ل عقاب عليه لنم من نسل اليوانات ‪.‬‬
‫‪ -9‬ليس للمرأة اليهودية أن تشكوا إذا زن زوجها بأجنبية ف بيت الزوجية ‪.‬‬
‫ك ِبأَّن ُهمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا‬
‫وليس بستبعد أن يقولوا هذا الكلم وهم الذين قال ال فيهم ‪َ " :‬ذلِ َ‬
‫ب وَ ُه ْم َيعْلَمُونَ " [ آل عمران ‪. ] 75‬‬
‫ي سَبِيلٌ وََيقُولُونَ عَلَى ال ّل ِه الْ َكذِ َ‬
‫فِي ا ُلمّيّ َ‬
‫ومن اعتقادهم ف مصي غي اليهود ف الخرة ما نصّوا عليه ف تلمودهم ‪:‬‬
‫‪ -1‬النعيم مأوى أرواح اليهود ول يدخل النة إل اليهود ‪.‬‬
‫وهذا موافق لا ذكره ال عنهم بقوله ‪َ " :‬وقَالُوا َلنْ َي ْدخُ َل الْجَّن َة إِل َمنْ كَانَ هُودًا َأوْ نَصَارَى‬
‫تِ ْلكَ أَمَانِّيهُ ْم ُقلْ هَاتُوا ُبرْهَاَن ُكمْ إِنْ كُنُْتمْ صَا ِدقِيَ " [ البقرة ‪. ] 111‬‬
‫‪ -2‬هؤلء اليهود هم الذين قتلوا أنبياء ال وسبوهم وشتموهم وقالوا عن عيسى عليه السلم‬
‫ف تلمودهم ‪ :‬إنه ابن زنا وإن أمه حلت به خلل فترة اليض وأنه مشعوذ ومضلل وأحق‬
‫وغشاش بن إسرائيل وأنّه صلب ومات ودفن ف جهنم وأنه يعذّب فيها ف أتون ماء منت‬
‫ض ِهمْ مِيثَا َقهُمْ‬
‫يغلي ‪ ،‬وقد قال ال تعال ف فريتهم على السيح عليه السلم وأمه ‪ " :‬فَبِمَا َنقْ ِ‬
‫ف َبلْ طََب َع اللّهُ عَ َل ْيهَا ِبكُ ْف ِرهِمْ‬
‫ت ال ّلهِ َوقَتْ ِل ِهمُ الَنْبِيَا َء ِبغَ ْيرِ حَ ّق َوقَ ْوِلهِ ْم قُلُوبُنَا غُلْ ٌ‬
‫وَ ُك ْفرِ ِه ْم بِآيَا ِ‬
‫ل * َوبِ ُك ْفرِ ِه ْم َوقَ ْوِلهِمْ عَلَى َمرَْي َم ُبهْتَانًا عَظِيمًا * َو َقوِْل ِهمْ ِإنّا قَتَلْنَا الْ َمسِيحَ‬
‫فَل ُي ْؤمِنُونَ إِل قَلِي ً‬
‫عِيسَى اْبنَ َم ْريَمَ َرسُو َل اللّ ِه َومَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُو ُه وََل ِكنْ شُّبهَ لَ ُه ْم وَإِ ّن اّلذِينَ اخْتَ َلفُوا فِي ِه لَفِي‬
‫ع ال ّظ ّن وَمَا قَتَلُوهُ َيقِينًا " [ النساء ‪. ] 157 – 155‬‬
‫َشكّ مِ ْن ُه مَا َل ُهمْ ِب ِه ِمنْ عِ ْلمٍ إِل اتّبَا َ‬
‫‪ -3‬وهم الذين قالوا ف تلمودهم ف عداوة نبينا ممد صلى ال عليه وسلم ‪ :‬حيث أن السيح‬
‫كذاب وحيث أن ممدا اعترف به والعترف بالكذاب كذاب مثله ‪ ،‬يب أن نقاتل الكذاب‬
‫الثان كما قاتلنا الكذاب الول ‪.‬‬
‫( لبقية أقوالم ف التلمود ينظر ‪ :‬فضائح التلمود ‪ :‬آي براناتيس ص ‪ 57 :‬وما بعدها وكتاب‬
‫دفائن النفس اليهودية ‪ :‬ممد الزعب )‬

‫‪144‬‬

‫وهاهم اليوم يقولون إن ال ندم على خلق الفلسطينيي ‪ ،‬ويلفّون رأس خنير ف أوراق مصحف‬
‫مكتوب عليها " ممد " للقائها ف السجد القصى إغاظة للمسلمي ‪ ،‬ورسوا خنيرا على‬
‫جدار وكتبوا عليه اسم نبينا ووقّعوا تت ذلك بنجمة داود ‪.‬‬
‫فعداوتنا لم إذا عداوة عقدية وليست سياسية ‪ ،‬إننا ل نبغضهم فقط لنم متلي بل لمر قبل‬
‫ذلك هو أكب بكثي كما تقدّم ‪ ،‬ث نن نبغضهم أيضا لرائمهم ف حقّ بيت ال السجد القصى‬
‫وقيامهم بإحراقه وماولت هدمه وحفر النفاق الكثية تته ث قتلهم إخواننا واستعمال‬
‫السلحة الفتاكة الت تفر رصاصاتا ف رؤوس السلمي ث تنفجر داخلها ‪:‬‬
‫‪ 10‬شظايا وجدت ف دماغ طفل مسلم ‪ ،‬ورصاص يُطلق من أسلحة كاتة للصوت حت ل‬
‫ينتبه السلمون أ ّن أحدا من إخوانم سقط جريا فيسارعون إل إسعافه ‪ ،‬وصواريخ تنفجر ف‬
‫أجساد السلمي العزّل حت ل تعرف عائلة أحدهم ملمه ول يستطيعون التعرّف عليه ‪،‬‬
‫وغازات سامة يُزعم أنا لتفريق الظاهرات وهي ف القيقة تصيب بالختناق القاتل ‪ ،‬وإطلق‬
‫الرصاص على سيارات السعاف ‪ ،‬وقتلوا بعض رجال السعاف ‪ ،‬وجرحوا آخرين ‪ ،‬ومنعوا‬
‫سيارة تق ّل امرأة مسلمة على وشك الوضع من إكمال طريقها إل الستشفى حت وضعت‬
‫جنينها ف السيارة ‪ ،‬وأطلقوا رصاص ‪ 500‬و ‪ ، 800‬ورصاص الدمدم ففجّروا رؤوس الضحايا‬
‫السلمي ‪ :‬مائة وستون قتيل وخسة آلف جريح ومئات العوقي وأصحاب العاهات الذين‬
‫باتوا ل يستطيعون النفاق على أسرهم ‪ .‬ومواد كيماوية ف خزانات مياه الشرب ف فلسطي‬
‫لتعقيم النساء السلمات وإصابتهن بعدم القدرة على الناب وتغيي الناهج الدراسية للمسلمي‬
‫ف فلسطي حذفا وإضافة با يوافق أهواءهم ‪ [ .‬النجد ] ‪.‬‬
‫ث يأت بعد ذلك من يقول بالسلم مع ألد أعداء ال تعال ‪ ،‬وخنازير الناس وقردتم ‪ ،‬ودنسة‬
‫بيوت ال عز وجل ‪ ،‬وخُراب الرض ‪ ،‬وأصحاب الدمار الشامل على مستوى البشرية ‪،‬‬
‫وخونة العهود ‪ ،‬ونقضة الواثيق ‪ ،‬وسفكة الدماء ‪ ،‬وقتلة النبياء ‪ ،‬فأي سلم معهم ‪ ،‬وأي أمن‬
‫يرجى منهم ‪ ،‬إنم ل حل لم إل السيف والقتال ‪ ،‬فهم أجب من أن يوضوا حربا مع‬
‫السلمي ‪ ،‬أل يقل ال تعال ‪ " :‬لنتم أشد رهبة ف صدورهم من ال ذلك بأنم قوم ل يفقهون *‬
‫ل يقاتلونكم جيعا إل ف قرىً مصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تسبهم جيعا‬
‫وقلوبم شت ذلك بأنم قوم ل يعقلون " [ الشر ‪. ] 14 ، 13‬‬
‫‪145‬‬

‫السابع والربعون ‪:‬‬
‫نفي الدينة لشرارها وخرابا ‪َ ،‬ع ْن أَب هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه‬
‫ت ‪ ،‬لَا َي ْغشَاهَا ِإلّا اْل َعوَافِي ُيرِيدُ َعوَافِيَ‬
‫عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َيقُو ُل ‪ " :‬يَ ْترُكُونَ الْ َمدِيَنةَ عَلَى خَ ْي ِر مَا كَانَ ْ‬
‫خرُجُ رَاعِيَا ِن ِم ْن ُمزَيَْن َة ُيرِيدَانِ الْ َمدِيَنةَ ‪ ،‬يَ ْن ِعقَا ِن ِبغَنَ ِمهِمَا ـ يصيحان با ـ‬
‫ع وَالطّ ْي ِر ثُ ّم يَ ْ‬
‫السّبَا ِ‬
‫ع َخرّا عَلَى ُوجُو ِههِمَا " [ أخرجه‬
‫جدَاِنهَا َوحْشًا ـ ف أرض خالية ـ حَتّى ِإذَا بَ َلغَا ثَنِّيةَ اْل َودَا ِ‬
‫فَيَ ِ‬
‫البخاري ] ‪.‬‬
‫سيأت زمان تكثر فيه الفتوحات ويعم الرخاء معظم أرجاء العمورة ‪ ،‬ويقدر ال تعال أن يبقى ف‬
‫مدينة رسول ال صلى ال عليه وسلم شدة وقحط وخوف ‪ ،‬وذلك ابتل ًء وامتحانا ‪ ،‬فيتسابق‬
‫ضعاف اليان ‪ ،‬وأصحاب الشر والترف إل أماكن الرخاء حيث الفتوحات ‪ ،‬ول يبقى ف‬
‫الدينة إل التقياء والصالون الصابرون ‪ ،‬الوقنون بوعد ال عز وجل ‪ ،‬ويكون ذلك إيذانا‬
‫بقرب وقوع الساعة ‪.‬‬
‫وقد خرج عدد كبي من الصحابة من الرعيل الول من الدينة واستقر بعضهم ف الشام ‪،‬‬
‫وبعضهم ف العراق ‪ ،‬وبعضهم ف مصر ‪ ،‬وغيها من البلدان ‪ ،‬ول يكن خروجهم طلبا للدنيا ‪،‬‬
‫بل كان الي وفيا ف الدينة أيام عز السلم ورفعة ذروة سنامه ‪ ،‬ولكن دفعهم طلب العلم‬
‫تعلما وتعليما إل الترحال من مكان إل آخر حت استقر ببعضهم القام ف تلك البلدان ومنهم‬
‫من مات با كما هو الثابت ف السي عنهم رضي ال عنهم أجعي ‪.‬‬
‫أما ما يكون من خروج الناس من الدينة النبوية ف آخر الزمان ‪ ،‬فهو القصود من الحاديث‬
‫الدالة على قرب وقوع الساعة ‪ ،‬ول يرج منها آنذاك إل شرارها وحثالتها ‪ ،‬ومن ل دين لم‬
‫ول عقيدة ‪ ،‬ولقد حث النب صلى ال عليه وسلم على سكن الدينة ‪ ،‬ورغب ف ذلك ‪ ،‬وأخب‬
‫أنه ل يرج منها أحد رغبة عنها إل أخلف ال فيها من هو خي منه ‪ ،‬وأخب عليه الصلة‬
‫والسلم أن من علمات الساعة نفي الدينة لبثها ‪ ،‬وهم شرار الناس ‪َ ،‬ع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة ‪ ،‬أَنّ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬يَ ْأتِي َعلَى النّاسِ َزمَا ٌن ‪َ ،‬يدْعُو الرّ ُج ُل ابْنَ َع ّمهِ َو َقرِيبَهُ‬
‫هَ ُل ّم إِلَى ال ّرخَا ِء ‪ ،‬هَ ُل ّم ِإلَى ال ّرخَا ِء ‪ ،‬وَالْ َمدِيَن ُة خَ ْيرٌ َل ُهمْ َلوْ كَانُوا يَعْلَمُو َن ‪ ،‬وَالّذِي َنفْسِي بَِي ِد ِه لَا‬
‫خرِجُ‬
‫ف ال ّلهُ فِيهَا خَيْرًا مِ ْنهُ ‪َ ،‬ألَا إِ ّن الْ َمدِينَةَ كَاْلكِيِ ‪ ،‬تُ ْ‬
‫ج مِ ْن ُهمْ أَ َحدٌ رَغَْبةً عَ ْنهَا ‪ِ ،‬إلّا أَخْلَ َ‬
‫خرُ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫‪146‬‬

‫حدِيدِ "‬
‫ث الْ َ‬
‫ي خَبَ َ‬
‫ث ‪ ،‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى تَ ْن ِفيَ الْ َمدِيَنةُ ِشرَارَهَا ‪ ،‬كَمَا يَ ْنفِي الْكِ ُ‬
‫الْخَبِي َ‬
‫[ أخرجه مسلم وأحد ] ‪.‬‬
‫و َع ْن ُسفْيَا َن ْب ِن أَبِي ُزهَ ْيرٍ َرضِي اللّه عَنْه أَّن ُه قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫حمّلُونَ‬
‫َيقُو ُل ‪ُ " :‬تفْتَحُ الْيَ َم ُن فََي ْأتِي َقوْ ٌم يُِبسّو َن ـ يزينون للناس الروج من الدينة ـ فَيَتَ َ‬
‫شأْ ُم فََي ْأتِي َقوْمٌ يُِبسّونَ‬
‫ِبَأهْلِ ِه ْم وَ َم ْن أَطَا َع ُهمْ وَالْ َمدِيَن ُة خَ ْيرٌ َل ُهمْ َلوْ كَانُوا يَعْلَمُو َن ‪َ ،‬وُتفْتَحُ ال ّ‬
‫ق فََي ْأتِي َقوْمٌ‬
‫ح اْل ِعرَا ُ‬
‫فَيََتحَمّلُو َن ِبأَهْلِي ِهمْ َو َمنْ َأطَا َعهُ ْم وَالْ َمدِيَنةُ خَ ْي ٌر َلهُ ْم َلوْ كَانُوا َيعْلَمُو َن ‪َ ،‬وتُفْتَ ُ‬
‫يُِبسّو َن فَيَتَحَمّلُو َن ِبَأهْلِيهِ ْم َومَ ْن أَطَا َع ُهمْ وَالْ َمدِينَ ُة خَ ْيرٌ َل ُهمْ َلوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫وهناك خلف بي العلماء ف الزمن الذي تنفي فيه الدينة شرارها ‪:‬‬
‫فقال بعضهم ‪ :‬أنه ف زمن النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإنه كان ل يصب على الجرة والقام‬
‫معه ‪ ،‬إل من ثبت إيانه ‪ ،‬وأما النافقون وجهلة العراب ‪ ،‬ومن آمن بلسانه ول يؤمن بقلبه ‪،‬‬
‫فل يصبون على شدة الدينة ول يتسبون أجرهم ف ذلك ‪ ،‬أولئك شرار الناس وخبثاؤهم ‪،‬‬
‫كما جرى للعراب الذي بايع النب صلى ال عليه وسلم على السلم والجرة إل الدينة ‪ ،‬فلما‬
‫أصابته المى أراد أن يرج من السلم ويترك الدينة فأب عليه النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وهذا نص الديث ‪َ :‬ع ْن جَاِبرٍ رَضِي اللّه عَنْه ‪ :‬جَاءَ أَ ْعرَاِبيّ إل النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫حمُومًا ‪َ ،‬فقَالَ ‪َ :‬أقِلْنِي ‪َ ،‬فَأبَى ـ ثَلَاثَ ِمرَارٍ ـ َفقَالَ ‪" :‬‬
‫فَبَاَيعَهُ عَلَى الِْإسْلَامِ ‪ ،‬فَجَا َء ِمنَ اْل َغدِ مَ ْ‬
‫الْ َمدِينَةُ كَاْلكِيِ تَ ْنفِي خَبََثهَا وَيَنْصَعُ طَيُّبهَا " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬وف رواية لسلم َعنْ جَاِبرِ ْبنِ‬
‫ك بِالْ َمدِيَنةِ ‪،‬‬
‫عَ ْبدِ ال ّلهِ أَنّ أَ ْعرَابِيّا بَايَعَ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ ،‬فأَصَابَ اْلأَ ْعرَاِبيّ وَ ْع ٌ‬
‫ح ّمدُ أَقِلْنِي بَ ْيعَتِي ‪َ ،‬فأَبَى َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫َفَأتَى النّبِيّ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َفقَا َل ‪ :‬يَا مُ َ‬
‫خرَجَ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪ُ ،‬ث ّم جَا َء ُه َفقَا َل ‪َ :‬أقِلْنِي بَ ْيعَتِي ‪َ ،‬فَأبَى ‪ُ ،‬ثمّ جَا َء ُه ‪َ ،‬فقَالَ ‪َ :‬أقِلْنِي بَيْعَتِي ‪َ ،‬فأَبَى ‪ ،‬فَ َ‬
‫ي تَ ْنفِي خَبََثهَا َويَنْصَعُ‬
‫اْلأَ ْعرَاِبيّ ‪َ ،‬فقَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ِ " :‬إنّمَا الْ َمدِيَنةُ كَاْلكِ ِ‬
‫طَيُّبهَا " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫فأراد العراب أن يستقيل بيعته ‪ ،‬فأب النب صلى ال عليه وسلم أن يفعل ذلك ‪ ،‬ول زال يكرر‬
‫ذلك الطلب ويلح فيه على رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وف كل مرة يأب عليه النب صلى‬
‫ال عليه ‪ ،‬لن من دخل السلم ل يوز له أن يرج منه إل الكفر ‪ ،‬ومن فعل ذلك وجب قتله‬
‫مرتدا ‪ ،‬وكذلك ل يوز لن هاجر إل بلد السلم أن يرج منها إل بلد الكفر ‪ ،‬وهذا‬
‫‪147‬‬

‫العراب قد بايع النب صلى ال عليه وسلم على القام معه ف الدينة ‪ ،‬ول يوز للمهاجر أن‬
‫يترك هجرته ويرفض بيعته ‪ ،‬وقد ارتد أعراب بعد هجرته كما ف حديث مسلم حيث خرج‬
‫العراب من الدينة تاركا هجرته ‪ ،‬وخالعا بيعته ‪ ،‬وخارجا من دينه والعياذ بال ‪.‬‬
‫وقيل أن قصة العراب بعد الفتح وسقوط الجرة ‪ ،‬وإنا استقال ذلك العراب من السلم ‪،‬‬
‫ولذا ل يُقله النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وف قصة خروج العراب من الدينة بدون إذن من‬
‫النب صلى ال عليه وسلم دليل على ضعف الدين ‪ ،‬وقلة اليان ‪ ،‬وخبث طوية الرجل ‪.‬‬
‫إذن القول الول ‪ :‬أن زمن نفي الدينة لشرارها ف عهد النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقد‬
‫استبعد النووي هذا القول ‪ ،‬وهذا القول هو القول القاضي عياض رحه ال ‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء ‪ :‬أن زمن نفي الدينة لشرارها زمن الدجال ‪ ،‬وهو قول النووي رحه ال ‪،‬‬
‫س ْب ُن مَاِلكٍ قال‬
‫حيث قال ‪ " :‬يكون ذلك زمن الدجال كما جاء ف الديث الصحيح ‪َ ،‬عنْ أَنَ ُ‬
‫‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَيْسَ مِ ْن بَ َلدٍ إِلّا سَيَطَ ُؤ ُه ال ّدجّا ُل ‪ِ ،‬إلّا مَ ّكةَ‬
‫خةِ فََت ْرجُفُ‬
‫ح ُر ُسهَا ‪ ،‬فَيَ ْن ِزلُ بِالسّبْ َ‬
‫ي تَ ْ‬
‫ب ِمنْ َأْنقَاِبهَا ِإلّا عَلَ ْيهِ الْمَلَاِئكَةُ صَافّ َ‬
‫س َنقْ ٌ‬
‫وَالْ َمدِيَن َة ‪ ،‬وَلَيْ َ‬
‫ج ِإلَيْ ِه مِ ْنهَا ُكلّ كَا ِفرٍ وَمُنَا ِفقٍ " [ متفق عليه واللفظ لسلم ] ‪،‬‬
‫خرُ ُ‬
‫ت يَ ْ‬
‫الْ َمدِينَ ُة ثَلَاثَ َر َجفَا ٍ‬
‫فيحتمل أنه متص بزمن الدجال ‪ ،‬ويتمل أنه ف أزمان متفرقة وال أعلم " ‪.‬‬
‫وقد ذهب الافظ ابن حجر رحه ال إل احتمال القولي ‪.‬‬
‫أما بي ذلك من الزمان فل ‪ ،‬وكذلك من خرج لاجة أو تارة أو جهاد أو نو ذلك ‪ ،‬فليس‬
‫بداخل ف الديث السابق ‪.‬‬
‫[ إكمال العلم ‪ ، 500 / 4‬فتح الباري ‪ ، 125 ، 117 / 4‬شرح النووي ‪. ] 156 / 9‬‬
‫ويكون خروج الناس من الدينة بالكلية ف آخر الزمان ‪ ،‬قرب قيام الساعة ‪ ،‬ويشهد لذلك ما‬
‫جاء عن َأبَي ُهرَْي َرةَ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َيقُولُ ‪" :‬‬
‫ع وَالطّ ْي ِر وَآخِ ُر َمنْ‬
‫ت لَا يَ ْغشَاهَا ِإلّا الْ َعوَافِ ُيرِيدُ َعوَا ِفيَ السّبَا ِ‬
‫يَ ْترُكُو َن الْ َمدِيَنةَ عَلَى خَيْ ِر مَا كَانَ ْ‬
‫جدَاِنهَا َو ْحشًا حَتّى ِإذَا بَ َلغَا ثَنِّيةَ‬
‫شرُ رَاعِيَا ِن ِم ْن ُمزَيَْنةَ يُرِيدَا ِن الْ َمدِينَ َة يَ ْن ِعقَا ِن ِبغَنَ ِمهِمَا فَيَ ِ‬
‫حَ‬
‫يُ ْ‬
‫ع َخرّا عَلَى ُوجُو ِههِمَا " [ متفق عليه ] ‪ ،‬فالدينة ستخرب ول يبقى با إل عواف الطي‬
‫اْلوَدَا ِ‬
‫والسباع ‪ ،‬ول يكون ذلك إل ف آخر الزمان ‪ ،‬فستبقى الدينة عامرة بساكنيها أيام الدجال ‪،‬‬
‫وأيام عيسى بن مري عليه السلم حت يوت با ‪ ،‬ويدفن أيضا فيها ‪ ،‬ث بعد ذلك يرج منها‬
‫‪148‬‬

‫أهلها نائيا ‪ ،‬خروجا ل رجعة معه ‪ ،‬وذلك عند خروج النار الت تشر الناس على مشرهم ‪،‬‬
‫وأرض الحشر هي الشام ‪ ،‬وف ذاك الزمن تصبح الدينة غي ممية ول متنعة ‪ ،‬فتنتابا السباع‬
‫والوحوش والطي ‪ ،‬للوها من الساكني ‪ ،‬وسيأت مزيد بث عن النار الت تشر الناس إل‬
‫مشرهم ف أشراط الساعة الكبى بإذن ال تعال ‪.‬‬
‫وعموما فخروج الناس من الدينة بالكلية هو آخر علمات الساعة ‪ ،‬والت ل يبقى بعدها إل‬
‫قيام الساعة والشر إل أرض الحشر بالشام ‪.‬‬
‫الثامن والربعون ‪:‬‬
‫ض َرةَ قَالَ ‪ :‬كُنّا عِ ْندَ جَابِ ِر ْبنِ عَ ْب ِد اللّهِ‬
‫قطع الال والغذاء عن العراق وبلد الشام ‪َ :‬ع ْن َأبِي نَ ْ‬
‫ق أَ ْن لَا يُجْبَى ِإلَ ْي ِهمْ َقفِيزٌ ـ مكيال معروف ـ َولَا دِ ْر َه ٌم ‪ ،‬قُلْنَا ِم ْن َأيْنَ‬
‫َفقَا َل ‪ :‬يُو ِشكُ َأ ْهلُ اْل ِعرَا ِ‬
‫ك َأهْ ُل الشّأْ ِم أَ ْن لَا يُجْبَى ِإلَ ْي ِهمْ‬
‫ج ِم ‪ ،‬يَمَْنعُونَ ذَا َك ‪ُ ،‬ث ّم قَالَ ‪ :‬يُوشِ ُ‬
‫ذَاكَ ؟ قَالَ ‪ِ :‬م ْن قَِبلِ اْلعَ َ‬
‫ي ـ مكيال لهل الشام ـ قُلْنَا ِمنْ َأْينَ ذَاكَ ؟ قَا َل ‪ِ :‬منْ قَِب ِل الرّو ِم ‪ُ ،‬ثمّ َسكَتَ‬
‫دِينَا ٌر وَلَا مُدْ ٌ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪َ " :‬يكُونُ فِي آ ِخرِ أُمّتِي خَلِي َف ٌة يَحْثِي الْمَالَ‬
‫هُنَّي ًة ُثمّ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫حَثْيًا ‪ ،‬لَا َي ُعدّهُ َع َددًا " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وليس القصود ُع َمرُ ْبنُ عَ ْب ِد اْلعَزِيزِ ‪ ،‬وإنا قد يكون‬
‫القصود الهدي النتظر والعلم عند ال تعال ‪ ،‬كما جاء ف الديث نفسه ‪ ،‬فهذا الليفة الذكور‬
‫‪ ،‬يكثر الال ف عهده ‪ ،‬وتكثر الغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه ‪.‬‬
‫الديث يبي أن من علمات الساعة ف آخر الزمان ‪ ،‬استيلء العجم والروم على بلد السلمي‬
‫‪ ،‬والستمتاع بثرواتا ونفطها وينابيعها ‪ ،‬ومقدراتا ‪ ،‬ومعاصرة بعض البلدان السلمية سياسا‬
‫واقتصاديا ‪ ،‬فيمنعون عنها الال والغذاء ‪ ،‬ل لشيء ‪ ،‬إل لجبارها لن تضع لم ‪ ،‬وتذل‬
‫وتذعن لخططاتم وأوامرهم ‪ ،‬والتحكم ف شؤون البلد السلمية داخليا وخارجيا ‪ ،‬والتحكم‬
‫ف سياساتا وتعاملتا مع الدول الخرى ‪ ،‬وسلب ما أنعم ال به على تلك الدول من خيات‬
‫وأرزاق وبترول ومعادن وغيها ‪ ،‬ومن تأمل حال الواقع اليوم ‪ ،‬ونظر إل الحداث بعي ثاقبة‬
‫يد مصداقية هذا الديث ‪ ،‬وإن كان موقوفا فله حكم الرفع ‪ ،‬لن مثل هذا الخبار عن الغيب‬
‫ل يكون إل تلقيا من رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫وإن التأمل بعي الق والبصية ليى مصداقية هذا الديث ‪ ،‬فهو علم من أعلم النبوة الحمدية‬
‫‪ ،‬حيث تقق هذا الب ‪ ،‬وأصبح ف دنيا الواقع من المور الظاهرة ‪ ،‬وذلك أن رأس الكفر‬
‫العالي ‪ ،‬وحاملة لواء الرهاب والعنف ‪ ،‬أمريكا فرضت الصار على الشعب العراقي السلم‬
‫البيء ‪ ،‬ول غرابة ف ذلك فأمريكا تعشق الظلم والبغي والعدوان ‪ ،‬وقد شل ظلمها كل نوع‬
‫وجنس وهوية وملة ‪ ،‬فعلى أمريكا تدور رحى المجية والتطرف ‪ ،‬وهي حاملة كأس الوت ‪،‬‬
‫وهي السابقة ف كل اليادين الجرامية ‪ ،‬وهي رائدة الكب والطغيان والتمرد والجرام ‪،‬‬
‫فأمريكا ل ترعى لشيخ حرمة ‪ ،‬ول لطفل رحة ‪ ،‬ول لرآة عاطفة ‪.‬‬
‫كم قتلت أمريكا ف العراق ‪.‬‬
‫وكم قتلت ف فلسطي ‪.‬‬
‫وكم قتلت ف أفغانستان ‪.‬‬
‫وكم قتلت ف حرب فيتنام ‪.‬‬
‫وكم قتلت ف اليابان ‪.‬‬
‫وكم قتلت ‪ ....‬وكم دمرت ‪ ....‬وكم أجرمت ‪ ...‬؟ !!‬
‫تعجز القلم عن تسويدها‪ ،‬ول يسع الصحف عرضها ‪ ،‬ول تستطيع الذاكرة استيعابا ‪.‬‬
‫أمريكا عدوة النسانية ‪ ،‬ليس السلمي فحسب بل من كل ملة ‪ ،‬اسألوا أفريقيا السوداء‬
‫واليابان ‪ ،‬واسألوا أمريكا النوبية ‪ ،‬الذين يزرون بعشرات الليي ‪ ،‬أرقام خيالية‪ ،‬وأعداد‬
‫رنانة ‪ ،‬ووفيات فوق حسابات البشر ‪ " ،‬قَاتَ َلهُ ْم اللّ ُه َأنّى ُيؤْ َفكُونَ " [ التوبة ‪. ] 30‬‬
‫وطريقة القتل عندهم طريقة وحشية وليست إنسانية ‪ ،‬فهم يصبون وابلً من الطنان على‬
‫البرياء وكأنم يصبون على جبال صماء ‪ ،‬وصدق ال حيث يقول ‪ِ " :‬إّن ُهمْ إِ ْن يَ ْظ َهرُوا عَلَ ْي ُكمْ‬
‫َي ْرجُمُوكُ ْم " [ الكهف ‪. ] 20‬‬
‫ق دِ ْرهَ َمهَا‬
‫ت اْل ِعرَا ُ‬
‫َعنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬إذا مَنَعَ ِ‬
‫ص ُر إِ ْردَّبهَا َودِينَارَهَا ‪ ،‬وَ ُعدُْت ْم ِمنْ حَيْثُ‬
‫ت مِ ْ‬
‫شأْ ُم ُم ْديَهَا وَدِينَا َرهَا ‪َ ،‬ومَنَعَ ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫َو َقفِيزَهَا ‪َ ،‬ومََنعَ ِ‬
‫ح ُم َأبِي ُه َريْ َرةَ‬
‫ث َبدَْأُتمْ " ‪َ ،‬ش ِهدَ عَلَى َذِلكَ لَ ْ‬
‫ث َب َدأُْتمْ ‪ ،‬وَ ُع ْدُتمْ ِم ْن حَيْ ُ‬
‫َب َدأُْت ْم ‪ ،‬وَ ُعدُْت ْم ِمنْ حَيْ ُ‬
‫َو َدمُ ُه " [ أخرجه مسلم وغيه ] ‪.‬‬
‫فالديثي يدلن على معنيي ‪:‬‬
‫‪150‬‬

‫الول ‪ :‬إسلم تلد البلدان وبالتال تنع الزية الت كانت تؤديها ‪ ،‬وقد حصل ذلك فعلً ‪.‬‬
‫الثان ‪ :‬وقيل لن أهل تلك البلد يرتدون ف آخر الزمان ‪ ،‬فيمنعون ما لزمهم من الزكاة ‪،‬‬
‫ولكن ياب عن ذلك ‪ ،‬بان منع الزكاة واقع اليوم ف جيع دول السلم بل استثناء ‪ ،‬ول أقول‬
‫من كل الغنياء أو من وجبت عليهم الزكاة ‪ ،‬كل ‪ ،‬ولكن هناك فئة كثية من السلمي من‬
‫وجبت عليهم زكاة أموالم ‪ ،‬ومع ذلك ل يؤدوها ‪ ،‬فغضب ال عليهم ‪ ،‬فمنع البلد من القطر‬
‫والي والرحة ‪ ،‬وهذا أمر مشاهد وملموس اليوم ‪ ،‬فكم هي الراضي الدباء ‪ ،‬ولول البهائم‬
‫والزرع لا مُطرت الرض ‪ ،‬ولكنها رحة أرحم الراحي ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أن الكفار الذين عليهم الزية ‪ ،‬تقوى شوكتهم فل يؤدون الزكاة ‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬أن العجم والروم يستولون على بلد السلمي ‪ ،‬ويتمتعون بياتا ‪ ،‬وينعون ذلك عن‬
‫السلمي ‪ ،‬ويكون ذلك ف آخر الزمان ‪ ،‬والناظر اليوم ف مريات الحداث على الساحة‬
‫العالية والسلمية بشكل خاص يرى وقوع ما أخب به النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فأمريكا‬
‫وغيها من دول التحالف قد سيطرت تاما على بعض الدول السلمية ‪ ،‬وأحكمت عليها‬
‫قبضتها ‪ ،‬وتكنت من المساك بزمام أمورها ‪ ،‬وبالتال منعت السلمون من الستمتاع بيات‬
‫أراضيهم الت حباهم ال با ‪ ،‬ول أدل على ذلك من الواقع ف العراق اليوم ‪ ،‬ففي مرم من عام‬
‫‪1424‬هـ ‪ ،‬تكنت القوات المريكية بيانة من الشيعة وغيهم من الستيلء على العراق‬
‫شعبا وأرضا ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬وبالتال تكنت من الستيلء على بترولا ‪ ،‬وثرواتا‬
‫القتصادية والزراعية والتجارية ‪ ،‬وأسلحتها القتالية ‪ ،‬ومنعت ذلك عن السلمي ‪ .‬ولعل هذا‬
‫القول هو القول الصواب ف تفسي ما جاء ف الديثي السابقي ‪ .‬لن مريات الحداث تؤيده‬
‫وتدل عليه ‪ [ .‬شرح النووي على مسلم ‪. ] 229 / 18‬‬
‫وقد حدث هذا الصار القتصادي قديا على العراق والشام أيام السيطرة البيطانية على بلد‬
‫السلمي ‪ ،‬فحاصرت العراق والشام ومنعت عن هذين البلدين السلمي الال والغذاء إل أن‬
‫انلت تلك الحنة ول المد والنة ‪.‬‬
‫وهاهو التأريخ يعيد نفسه ‪ ،‬ونرى الحداث قد عادت لتجد ظلم الغرب الكافر ‪ ،‬وتدد أحزان‬
‫السلمي ‪ ،‬وجراحهم الت ل تلتئم بعد ‪ ،‬فهاهو الصار المريكي بتغطية من ملس المن الدول‬
‫للعراق السلمة وشعبها الب ‪ ،‬يتجدد بجة واهية أضعف من بيت العنكبوت ‪ ،‬فوقع ضحية‬
‫‪151‬‬

‫ذلك الصار الظال الذي ل يقره عاقل على مستوى العال بأسره ‪ ،‬بل إن هناك الكثي من‬
‫الضباط وكبار السؤولي من دول عظمى قدموا استقالتم لذلك العدوان الصارخ ضد البرياء‬
‫من السلمي ف العراق وخصوصا الطفال والرضع والشيوخ وكبار السن والنساء ‪ ،‬الذين‬
‫يوتون كل يوم بسبب الفقر والوع ونقص الغذاء والدواء ‪.‬‬
‫يقول هوج ستيفتر من معهد الدراسات الستقلة ‪ ،‬عن حصار العراق ‪ ،‬هو أكثر الرائم ‪،‬‬
‫وحشية ف القرن العشرين ‪ ،‬وتقول منظمة المم التحدة للغذاء والزراعة – برنامج الغذاء‬
‫العالي – ف التحذير الاص رقم ‪237‬ف يوليو ‪1993‬م ‪ ،‬إنه بلد اقتصاده مدمر ‪ ،‬بسبب‬
‫استمرار العقوبات الت شلت فعليا القتصاد كله ‪ ،‬وأدت إل عوز مستمر وجوع مزمن ‪،‬‬
‫ونقص ف التغذية ‪ ،‬وبطالة متفشية ‪ ،‬ومعاناة واسعة النتشار ‪ ....‬ويتناول عدد كبي من‬
‫العراقيي حاليا كمية من الغذاء تقل عما يتناوله السكان ف القطار الفريقية الت تل با‬
‫الكوارث) ‪.‬‬
‫وقد قتل أكثر من مليون طفل عراقي ‪ ،‬بسبب قصف الطائرات المريكية للعراق وحصارها‬
‫الظال له خلل أكثر من عشر سنوات ‪ ،‬وأصيب اللف من الطفال الرضع ف العراق بالعمى‬
‫لقلة النسولي ‪ ،‬وهبط عمر العراقيي ‪20‬سنة للرجال و ‪11‬سنة للنساء ‪ ،‬بسبب الصار‬
‫والقصف المريكي ‪ ،‬وأكثر من نصف مليون حالة وفاة بالقتل الشعاعي وأوضح بيان لوزارة‬
‫الصحة العراقية أن مموع الذين توفوا من الصغار والكبار بسبب الصار الفروض على العراق‬
‫منذ مرم – ‪1411‬هـ وحت صفر – ‪1422‬هـ بلغ مليونا و ‪ 489,959‬شخصا ‪ ،‬كما‬
‫أعلنت وزارت الصحة العراقية أن أكثر من ‪184‬ألف عراقي توفوا عام ‪1421‬هـ بسبب‬
‫انعكاسات الظر الفروض على العراق ‪ ،‬وأن من بينهم أكثر من ‪84‬ألف طفل دون سن‬
‫الامسة ‪ ،‬كما أشار البيان الذكور إل أن عدد العراقيي الذين توفوا منذ فرض الظر ف‬
‫أغسطس ‪1990‬م ‪ ،‬وحت ناية عام ‪2001‬م بلغ مليونا ‪639,629‬شخصا ‪ ،‬بينهم‬
‫ل دون سن الامسة ‪ ،‬وف نفس الوقت فأمريكا مستفيدة اقتصاديا من هذا‬
‫‪674,780‬طف ً‬
‫الصار ‪ ،‬فقد أكد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي أن الوليات التحدة ربت جراء‬
‫الصار على العراق واستمراره ‪ 300‬مليار دولر ‪ ،‬بينما خسرت روسيا حوال ‪ 70‬مليار‬
‫دولر ‪ ،‬وتركيا ‪ 35‬مليار‪.‬‬
‫‪152‬‬

‫وقد رفع أحد الحامي النصارى المريكيي دعوى على الرئيس المريكي جورج بوش – الب‬
‫– يطالب فيها بحاكمته على أنه مرم حرب ‪ ،‬بسبب ما أحدثه ف العراق من قتل وتدمي !!! ‪.‬‬
‫وقتل اللف من الشيوخ والنساء والطفال الفلسطينيي بالسلح المريكي ‪.‬‬
‫وأخيا ت النقضاض على الفريسة الرية الثخنة براحاتا جراء حصار دام أكثر من عشر‬
‫سنوات متواصلة ‪ ،‬فتمت السيطرة على العراق السلم ‪.‬‬
‫يقول أحد الباء حول حرب العراق الخية ‪:‬‬
‫إن السبب الذي تتستر وراءه أمريكا من زعمها إزالة صدام يتلط بالصال المريكية الحضة‬
‫الادفة إل فرض هيمنتها وسيطرتا العسكرية والمنية والسياسية والثقافية والقتصادية على‬
‫النطقة كلها تبعا لططها الستراتيجية الت حددت مفهومها للنظام العالي الديد والعولة ذات‬
‫القطب الواحد ومن التأمل البسيط للهداف المريكية يعل الدف القيقي من الرب‬
‫مفضوحا فإن إزالة الرئيس العراقي ل تستدعي حربا ول يبق عنده شيء من سلح دمار شامل‬
‫وإنا هو النفط الذي يغري فان دراسات الباء تشي أن الحتياطي النفطي العراقي هو اكب‬
‫احتياطي ف العال خلفا لا يعلن من أن احتياطي أرامكوا هو الكب وكادت فرنسا والانيا أن‬
‫تصل على امتياز حقل منون العملق ف أواخر الثمانينات ففوتت أمريكا الفرصة عند اقتحام‬
‫صدام للكويت ث النقضاض عليه وبدلت حرب الليج الثانية جيع الوارط والتراتيب القدية‬
‫وفرضت أمريكا نفسها عاليا كقطب أوحد ل معارض له وأرخصت أسعار النفط با يفظ‬
‫مصال ميزانيتها حت قال بعض خباء النفط العرب إن ما فقدته البلد العربية عب الثمن النازل‬
‫عن القدار الواجب اللئق يقدر بأكثر من ألف وخسمائة مليار دولر خلل هذه السنوات‬
‫الخية بعد ترير الكويت ‪ ،‬ث هاهي أمريكا تندفع اليوم لكمال سيطرتا على نفط العال بعامة‬
‫ونفط العراق والليج باصة وتعل ذلك ركنا ف خطتها الستراتيجية القدمة إل الرئيس بوش‬
‫البن قبل انتخابه بستة أشهر إذ إن العال بعد سبع سنوات من الن سيستورد من العراق فقط‬
‫ربع كمية الستهلك اليومي ومن الليج نصف الكمية فإذا أخذنا ف العتبار أن نفط إيران‬
‫معن من قبل أمريكا أيضا ونفط الزائر وليبيا والسودان فإن اعتماد العال ف الستقبل سيكون‬
‫بصورة تامة على النفط العرب إل قليل من السرار الت ل يعلمها إل قليل من الناس ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫إن أمريكا قد اكتشفت من قبل أن السودان كله يطفو فوق بية من النفط لكنها ل تستخرجه‬
‫وتركته ليكون الحتياطي الرئيسي إذا اضطربت أحوال الليج وأغلقت قناة السويس وف‬
‫خطتها أن تستخرجه وتبن أنبوبا يوصله إل سواحل غرب إفريقيا ليشحن إليها برية عب‬
‫الحيط بعيدا عن الضايق فجاءت حكومة النقاذ السلمي ف السودان وتدت الدارة‬
‫المريكية واستخرجته قبل أوانه الذي حددته الستراتيجية المريكية ومن ث كان الغضب‬
‫المريكي على السودان وبعد إناز حربا واحتلل العراق سيكون أول بلد تصب عليه غضبها‬
‫هو السودان لوقف عمليات الستخراج والحتفاظ بنفط السودان كاحتياطي مستقبلي فقط‬
‫يوفر لا الطاقة ‪.‬‬
‫كذلك تشي دراسات الباء إل أن أمريكا ل تريد احتكار نفط العراق فحسب بل واستخدامه‬
‫كسلح سياسي فاعل ليس تاه دول العال الثالث فقط بل وتاه دول أوروبا الكبى أيضا‬
‫برمانا من شرائه إذا كانت تشاكس أمريكا وتتمرد وهذا هو بعض سر الوقف الفرنسي اللان‬
‫الرافض للحرب ‪ ،‬ث تؤكد الخبار أن أقطاب الدارة المريكية ‪ :‬بوش ومن قبله أبيه وجده‬
‫وديك تشين ‪ ،‬ورامسفيلد ‪ ،‬وكونداليزا رايس ‪ ،‬كلهم لم شركات نفطية ستذهب لا بعض‬
‫حصص نفط العراق ‪ ،‬والليج ‪ ،‬وافصح سقوط الطائرة الغاثية ف باكستان قبل أيام عن عمل‬
‫خفي لوضع هندسة مرور أنابيب النفط والغاز من أسيا الوسطى عب أفغانستان وصو ًل إل‬
‫الليج ما يعتب الدف الرئيسي من غزو أمريكا لفغانستان واستترت من اجله بستار مكافحة‬
‫الرهاب ث عادت تولول وتطبق خططها الستعمارية تت غطاء مقاومة الرهاب وحري أن‬
‫ننظر إل ما ف ثنايا قصة الطائرة من امتلك جعية إغاثية غربية لا فقد اصبح جزءا من العمليات‬
‫الستخبارية التجسسية يطبق ف بلدنا تت مظلة الغاثة كالذي كان ويكون من إغاثة حركة‬
‫ترد جنوب السودان باسم الغاثة النسانية وتوزيع السلح هناك بطائرات الغاثة ‪.‬‬
‫وقد صرح بوش بأن آبار النفط العراقي ستكون وديعة عند أمريكا لساب الشعب العراقي‬
‫فأعاد إل ذاكرتنا مثل إيداع الشاة لدى الذئب ‪ ،‬والشحم لدى القط ‪.‬‬
‫وف القصص أن السد استعان بالذئب والثعلب ف يوم صيد فصادوا جلً وغزالً وأرنبا‬
‫فضحك الثعلب وقال بفضول ‪ :‬قد جاءت النسبة قدرية واضحة التناسب فالمل لولنا اللك ‪،‬‬
‫والغزال للذئب ‪ ،‬والرنب ل ‪ ،‬فلطمه السد وأسال دمه على وجهه والتفت إل الذئب‬
‫‪154‬‬

‫يستشيه ‪ ،‬فقال الذئب ‪ :‬بل المل تأكله الن أيها اللك وأحب لك أن تتلهى عصرا بي‬
‫الوقتي بالرنب ث يكون عشاؤك الغزال فإنه أخف على العدة عند النوم فابتسم السد وقال‬
‫هذه هي الكمة بعينها من أين تعلمتها ؟ قال ‪ :‬رأيتها ف الكتاب الذي كتب بالداد الحر يعن‬
‫وجه الثعلب الدامي ‪.‬‬
‫فوديعتنا لدى اللك لن تقسم إل كذلك ودروس أمريكا لشعوب الرض هي الكتاب البليغ‬
‫الفصيح الحر ‪ ،‬وستسيطر على العراقيي أحزان والم نتيجة سعة التدمي وكثرة القتلى‬
‫وجريان الدماء ‪ ،‬والمريكي النتصر سيتصرف بزهو وخيلء وتكب ‪ ،‬ويتبجح علنية وستدون‬
‫مكتبة واسعة من كتب سطرت بالداد الحر التهديدي لكل البشرية وليس كتابا واحدا ‪.‬‬
‫وهذه بريطانيا حاربت ف «فوكلند» قبل عشرين سنة تت شعار تصدير الديقراطية إل‬
‫الرجنتي ‪ ،‬وهي الن تستنبط النفط من تلك الزيرة النائية الت عجب السذج من اهتمام‬
‫بريطانيا با ذلك اليوم ‪ ،‬وصار الثل الفوكلندي واضحا ف قيادة حروب النفط بشعارات‬
‫التباكي على الديقراطية ‪.‬‬
‫لكن التأمل يدلنا على أن هذه الهداف النفطية والسياسية الت تريد أمريكا الوصول إليها عب‬
‫الرب تعتب ثانوية بالنسبة إل الدف الرئيس الهم التمثل ف ماولة تطيم العراق وجيشه‬
‫وتدمي البنية الصحية والنفسية العنوية للشعب العراقي بيث يعجز عن دخول حرب مع‬
‫إسرائيل فأمريكا تقوم بذه الهمة نيابة عن إسرائيل إذ اليهود يدون ف التلمود أن خراب‬
‫دولتهم الثانية هذه سيكون على أياد جند أول باس شديد يرجون من أرض بابل كما خرج‬
‫بتنصر الذي خرب دولتهم الول قبل آلف السني وساقهم أسرى وإنا صممت أمريكا‬
‫مواصلة حصار العراق وامتداد وقته بيث تصل سوء تغذية ف عموم الشعب طويلة المد‬
‫تؤدي إل وهن عام ‪ ،‬وإحداث طفرة وراثية تنتج الرض النغول وأنواع العاقة والتخلف إل‬
‫درجة يضمر معها الذكاء وعموم مستلزمات الداء الرب لشعب العراق وتصل حالة انكفاء‬
‫عام واهتمام باللم فينام اليهود عندئذ بأمان ولكن ال سلم وشاءت حكمته أن يكون التمر‬
‫الكثي ف العراق أفضل غذاء غن بأنواع العادن والفيتامينات فاند أهل العراق وأنقذهم رب‬
‫العزة واللل ‪ ،‬وفشل الصار ف تقيق هدفه وصار تطيم هذا الشعب السور من مهمات‬
‫الرب الستعمارية المريكية الديدة بيث صممت لنشر الوت الذريع ف هذا الشعب الب‬
‫‪155‬‬

‫أو العاقة الدائمة عب استعمال آلف الصواريخ والقنابل الذكية الليزرية وقنابل أخرى تسمى‬
‫قنابل الايكروويف تعطل جيع الجهزة اللكترونية وترق جلود الناس وربا استعملت أمريكا‬
‫السلحة النووية والقنابل النيوترونية كما صرح رامسفيلد وزير دفاعها لنشر العاقة فيمن تناله‬
‫إشعاعاتا ـ وقد ت استخدام جيع السلحة الحرمة الدولية بالفعل ف مطار بغداد وغيه ـ ما‬
‫أيد الشكوك ف أن الرب إنا تراد لتحطيم الشعب والبنية الصحية والطاقات الصناعية‬
‫والزراعية وحرق النخيل الذي يتحدى التجويع ث تتول خطة افتقار العراق على الدى‬
‫الطويل ‪ ،‬وإتام الهمة الشريرة وتول مياه أناره إل إسرائيل فتيبس القول وتول أثان نفطه‬
‫إل إطفاء الديون وسداد العقوبات وكلفة الرب فتكون الكارثة الصحية ويصل النيار‬
‫العنوي مع العلم أن مدير برنامج الغذاء العالي قد صرح بأن التوقع أن الرب ستصيب ما بي‬
‫خسة إل عشرة مليي عراقي بنقص الغذاء وان جعيته ل تستطيع إل مساعدة تسعمائة ألف‬
‫فقط ‪.‬‬
‫فأمريكا تسعى جاهدة مع الدول السلمية والعربية إل العتراف الرسي بإسرائيل وعقد‬
‫معاهدة على غرار معاهدات السلم الت وقعها السادات وغيه والقبول بالتطبيع السياسي‬
‫والقتصادي والجتماعي مع اليهود وبذلك تتوفر حاية دائمة لسرائيل وفق القانون الدول‬
‫وأنظمة المم التحدة وحلف الناتو تنع العراق من شن حرب ف الستقبل على إسرائيل أو‬
‫إلاق أي نوع من الذى با مهما صغر ‪ ،‬وذلك يعن تعطيل فريضة الهاد ويتضمن هذا الال‬
‫نزع الوية السلمية للشعب العراقي عب الناهج الدراسية والتلقي العلمي الكثيف وغرس‬
‫تربية غربية بديلة أمريكية الناط والذواق وفض هزية معنوية وفرض شعور يأس واستسلم‬
‫للعدو‪ ،‬والدير بالذكر أن رسائل كونداليزا رايس مستشارة المن القومي المريكي إل أقطاب‬
‫العارضة العراقية اشترطت عليهم صراحة وجوب العتراف بإسرائيل وقبلت العارضة ذلك ‪.‬‬
‫وهذا ما حصل فعلً ف اجتماع شرم الشيخ الذي عقد ف جهورية مصر العربية ‪ ،‬عندما كانت‬
‫طلبات الدولة المريكية العتراف بإسرائيل كدولة ‪ ،‬ومنحها المن التام والكامل ‪ ،‬وضمان‬
‫عدم إزعاجها من قبل جيانا العرب كما يزعمون ‪ ،‬وحقيقة ل يكن لسرائيل أن تنام قريرة‬
‫العي مادام القصى قابعا ف قبضتهم ‪ ،‬ولن تنعم دولة صهيون بالقرار حت تنسحب كليا من‬
‫دولة فلسطي السلمة الرة الغتصبة بالقوة ‪.‬‬
‫‪156‬‬

‫وبعد الحداث الثة الت حصلت ف الرياض من تفجيات غي شرعية ‪ ،‬بل مرمة شرعا ‪ ،‬نرى‬
‫أمريكا تسعى لتتدخل ف الوضوع والتحقيق فيما جرى ‪ ،‬ث تلقي باللئمة على مناهج التعليم ‪،‬‬
‫سبحان ال مليي الشباب والرجال قد ترجوا من تلك الدارس الت تدرس تلك الناهج فهل‬
‫فكر أحدهم يوما ما أن يقوم بعمل تريب ف بلده ‪ ،‬ل ولن يفكر عاقل حصيف ف مثل تلك‬
‫العمال الوجاء الت ل تت للدين بصلة ‪ ،‬بل سارع الميع علماء وطلب علم وعامة الناس‬
‫من السلمي إل إنكار ذلك الفعل القبيح ‪ ،‬والعمل الشائن ‪ ،‬ولكن لمريكا بعد سياسي ورؤية‬
‫اقتصادية تريد تقيقها من وراء تغيي الناهج التعليمية ف الدول السلمية ‪ ،‬حت تضمن منع‬
‫الهاد نائيا وتعطيله إل البد ‪ ،‬ومنح الماية الكاملة لدللتها الدولة العبية الصهيونية ‪ ،‬وبإذن‬
‫ال لن يتحقق لا مرادها مادام أبناء اللك الوحد والجاهد البطل عبد العزيز بن عبد الرحن‬
‫رحه ال يكمون هذه البلد ‪ ،‬بشريعة ال تعال ‪ ،‬ومكمي فيها سنة النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ول يأخذهم ف ذلك لومة لئم ‪ ،‬لعلمهم أن شعبهم ووطنهم معهم ف الشدة والرخاء ‪،‬‬
‫فالمد ل على قضائه والشكر له على نعمائه ‪.‬‬
‫فالحاديث تدل على أن الشام ومصر على نو العراق ‪ ،‬فما حصل للعراق ليس ببعيد عن‬
‫الشام ومصر ‪ ،‬واليوم نسمع هجمات كلمية شرسة ضد سوريا البلد السلم السال ‪ ،‬وال أعلم‬
‫با سيحصل للبلد السلمية ف الزمن القادم ‪.‬‬
‫التاسع والربعون ‪:‬‬
‫أن تعود أرض العرب مروجا وأنارا ‪ :‬روى مسلم ف صحيحه حديث أب هريرة رضي ال عنه‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت تعود أرض العرب مروجا‬
‫وأنارا " ‪.‬‬
‫إن أرض العرب أرض قاحلة كما هو معروف‪ ،‬شحيحة الياه‪ ،‬قليلة النبات‪ ،‬غالب مياهها من‬
‫البار والمطار‪ ،‬فمن علمات الساعة أن تنقلب هذه الرض ويكثر فيها الياه‪ ،‬حت تكون‬
‫أنارا‪ ،‬فتنبت با النباتات‪ ،‬فتكون مروجا وحدائق وغابات‪ ،‬ونن نشاهد ف وقتنا هذا أن عيونا‬
‫كثية تفجرت كالنار‪ ،‬وقامت عليها زراعات كثية‪ ،‬ولعل من أعجب ذلك هذا الديث‬

‫‪157‬‬

‫الصحيح ف صحيح مسلم عن منطقة تبوك‪ ،‬والت بدأنا نشاهد شيئا من خيات أرضها‪ ،‬ما ل‬
‫تكن من قبل ‪.‬‬
‫َعنْ ُمعَاذَ ْب َن جََبلٍ قَالَ ‪َ :‬خرَجْنَا مَعَ َرسُو ِل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ عَامَ َغ ْز َوةِ تَبُو َك َفكَانَ‬
‫ب وَاْل ِعشَاءَ جَمِيعًا ‪ ،‬حَتّى ِإذَا كَا َن َي ْومًا‬
‫صرَ جَمِيعًا ‪ ،‬وَالْ َم ْغرِ َ‬
‫جمَ ُع الصّلَاةَ ‪ ،‬فَصَلّى ال ّظهْ َر وَاْلعَ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ج َب ْعدَ َذِلكَ فَصَلّى‬
‫صرَ جَمِيعًا ‪ُ ،‬ثمّ َد َخلَ ُث ّم خَرَ َ‬
‫َأ ّخرَ الصّلَاةَ ‪ُ ،‬ث ّم َخرَجَ فَصَلّى ال ّظهْ َر وَاْلعَ ْ‬
‫ب وَاْل ِعشَا َء جَمِيعًا ‪ُ ،‬ثمّ قَالَ ‪ِ " :‬إّنكُ ْم سََتأْتُونَ َغدًا إِ ْن شَا َء اللّهُ عَ ْي َن تَبُو َك ‪َ ،‬وإِّن ُكمْ َلنْ‬
‫الْ َم ْغرِ َ‬
‫س ِمنْ مَاِئهَا شَيْئًا حَتّى آِت َي " ‪ ،‬فَجِئْنَاهَا‬
‫ح َي الّنهَا ُر ‪ ،‬فَ َم ْن جَا َءهَا مِ ْنكُ ْم ‪ ،‬فَلَا يَمَ ّ‬
‫َت ْأتُوهَا حَتّى يُضْ ِ‬
‫سأََلهُمَا‬
‫ض ِبشَيْ ٍء ِم ْن مَاءٍ ـ يعن ماؤها قليل ـ َف َ‬
‫َو َقدْ سََبقَنَا ِإلَ ْيهَا َرجُلَا ِن وَاْلعَ ْينُ مِ ْث ُل الشّرَا ِك تَبِ ّ‬
‫سسْتُمَا ِم ْن مَاِئهَا شَيْئًا ؟ " قَالَا ‪َ :‬ن َعمْ ‪َ ،‬فسَّبهُمَا النّبِيّ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬هَ ْل َم َ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ ،‬وَقَالَ َلهُمَا مَا شَا َء اللّ ُه أَ ْن َيقُولَ ‪ ،‬قَالَ ُثمّ َغ َرفُوا ِبأَْيدِي ِه ْم ِمنَ اْلعَ ْينِ قَلِيلًا‬
‫سلَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم فِيهِ يَ َدْيهِ َووَ ْج َههُ ‪ُ ،‬ثمّ‬
‫قَلِيلًا حَتّى اجْتَمَ َع فِي شَيْ ٍء ‪ ،‬قَا َل وَ َغ َ‬
‫ك يَا‬
‫س ُثمّ قَالَ ‪ " :‬يُوشِ ُ‬
‫ج َرتِ اْلعَ ْينُ بِمَاءٍ مُ ْنهَ ِمرٍ ‪َ ،‬أوْ قَالَ َغزِيرٍ حَتّى اسَْتقَى النّا ُ‬
‫أَعَا َد ُه فِيهَا فَ َ‬
‫ت ِبكَ حَيَاةٌ أَنْ َترَى مَا هَاهُنَا َقدْ مُ ِل َئ جِنَانًا " [ أخرجه مسلم وأحد ومالك‬
‫ُمعَا ُذ إِنْ طَالَ ْ‬
‫وغيهم ] ‪ ،‬وهانن نرى الن أرض تبوك قد ملئت جنانا ‪ ،‬فالزارع والبساتي والدائق ف كل‬
‫مكان ‪ ،‬بل أصبحت تبوك تصدر الكثي من الفواكه والضراوات والزهور والبوب ولوم‬
‫الطي واليوان إل بعض البلدان الجاورة ‪ ،‬بسبب الهتمام التزايد من أهال النطقة بالزراعة ‪،‬‬
‫وحفر البار الرتوازية الت ينبع منها الاء بكثرة ووفرة ‪ ،‬كما اتهت الكومة الرشيدة أيدها‬
‫ال بتأييده ‪ ،‬ووفقها بتوفيقه ‪ ،‬إل إنشاء السدود الت تبس الياه ‪ ،‬حت أصبحت وكأنا أنارا‬
‫تري لري الراضي الزراعية ف تلك النطقة ‪ ،‬حت أصبحت مروجا ومزارع وخضرة يانعة ‪،‬‬
‫وهاهي اليوم بعد أن كانت أرضا قاحلة ل حياة فيها ‪ ،‬إذ با خضراء يانعة تزخر بأنواع الزروع‬
‫والثمار ‪ ،‬والدواب والطيور ‪ ،‬وتري الياه فيها كأنا أنارا فسبحان ال العظيم القادر على‬
‫إحياء الوتى ‪ ،‬وإعمار الرض ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ومن آياته يريكم البق خوفا وطمعا وينل من‬
‫السماء ماءً فيحيي به الرض بعد موتا إن ف ذلك ليات لقوم يعقلون " [ الروم ‪ ، ] 24‬وقال‬
‫تعال ‪ " :‬وهو الذي أرسل الرياح بشرا بي يدي رحته وأنزلنا من السماء ماءً طهورا * لنحيي‬
‫به بلدة ميتا ونسقيه ما خلقنا أنعاما وأناسيا كثيا " [ الفرقان ‪. ] 49 ، 48‬‬
‫‪158‬‬

‫غزوة تبوك ‪:‬‬
‫ولنا وقفة مع غزوة تبوك الت كانت فيها معجزة من معجزات النبوة ‪ ،‬حيث أخب فيها النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بأن هذه الرض بعد أن كانت قاحلة ل سكن فيها ول مورد للحياة ‪،‬‬
‫أصبحت بعد ذلك مدينة عريقة تزدحم بالسكان ‪ ،‬وتكثر فيها موراد العيش ‪ ،‬وتزخر بأنواع‬
‫مقومات الياة البشرية واليوانية ‪ ،‬ولنا وقفة قصية مع تلك الغزوة الت كانت ف هذه‬
‫النطقة ‪ ،‬فغزوة تبوك كانت ف السنة التاسعة من الجرة النبوية ‪ ،‬وكانت آخر غزوات النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫فلما عاد رسول ال أقام بالدينة بعد عوده من الطائف ما بي ذي الجة إل رجب أم أمر الناس‬
‫بالتجهز لغزو الروم وأعلم الناس مقصدهم لبعد الطريق وشدة الر وقوة العدو ‪.‬‬
‫وكان سببها أن ال نب بل غه أن هر قل ملك الروم و من عنده من متن صرة العرب قد عزموا على‬
‫قصده وحربه فتجهز هو والسلمون وساروا إل الروم وكان الر شديدا والبلد مدبة والناس‬
‫ف عسرة وكانت الثمار قد طابت فأحب الناس القام ف ثارهم فتجهزوا على كره فكان ذلك‬
‫اليش يسمى جيش العسرة فقال رسول ال للجد بن قيس وكان من رؤساء النافقي هل لك يا‬
‫جد العام ف جلد بن الصفر فقال وال لقد عرف قومي حب للنساء وأخشى أن ل أصب على‬
‫نساء بن الصفر فإن رأيت أن تأذن ل ول تفتن فقال رسول ال قد أذنت لك فأنزل ال تعال‬
‫‪ " :‬ومنهم من يقول ائذن ل ول تفتن " الية وقال قائل من النافقي ل تنفروا ف الر زهادة ف‬
‫الهاد وش كا ف ال ق وإرجا فا بالر سول فنل قوله تعال ‪ " :‬وقالوا ل تنفروا ف ال ر قل نار‬
‫جهنم أشد حرا " الية ‪ ،‬ث إن النب تهز وأمر بالنفقة ف سبيل ال وأنفق أهل الغن وانفق أبو‬
‫بكر جيع ما بقي عنده من ماله وانفق عثمان نفقة عظيمة ل ينفق أحد أعظم منها قيل كانت‬
‫ثلثائة بعي وألف دينار ث إن رجال من السلمي أتوا النب وهم البكاؤون وكانوا سبعة نفر من‬
‫الن صار وغي هم وكانوا أ هل حا جة فا ستحملوه فقال ل أ جد ما أحل كم عل يه فتولوا يبكون‬
‫فلقي هم يام ي بن عم ي بن ك عب النضري ف سألم ع ما يبكي هم فأعلموه فأع طى أ با ليلى ع بد‬
‫الرحن بن كعب وعبد ال بن مغفل الزن بعيا فكانا يعتقبانه مع رسول ال وجاء العذرون من‬
‫العراب فاعتذروا إل رسول ال فلم يعذرهم ال وكان عدة من السلمي تلفوا من غي شك‬
‫منهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلل بن أمية وأبو خيثمة وكانوا نفر صدق ل يتهمون‬
‫‪159‬‬

‫فــــــــــــــــــ إســــــــــــــــــلمهم‬
‫فل ما سار ر سول ال تلف ع نه ع بد ال بن أ ب النا فق في من تب عه من أ هل النفاق وا ستخلف‬
‫ر سول ال على الدي نة سباع بن عرف طة وعلى أهله علي بن أ ب طالب فأر جف به النافقون‬
‫وقالوا ما استخلفه إل استثقال له فلما سع علي ذلك أخذ سلحه ولق برسول ال فأخبه ما‬
‫قال النافقون فقال كذبوا وإنا خلفتك لا ورائي فارجع فاخلفن ف أهلي واهلك أما ترضى يا‬
‫علي أن تكون م ن بنلة هارون من مو سى إل أ نه ل نب بعدي فر جع علي إل الدي نة ‪ ،‬ف سار‬
‫رسول ال ث إن أبا خيثمة أقام أياما فجاء يوما إل أهله وكانت له امرأتان وقد رشت كل امرأة‬
‫منه ما عريش ها وبردت له ماء و صنعت طعا ما فل ما رآه قال يكون ر سول ال ف ال ر والر يح‬
‫وأ بو خيث مة ف ال ظل البارد والاء البارد والطعام اله يء والرأة ال سناء ف ماله مق يم ما هذا‬
‫بالنصف وال ما أحل عريشا منهما حت ألق برسول ال فهيأ زاده وخرج إل ناضحه فركبه‬
‫وطلب رسول ال فأدركه بتبوك فقال الناس يا رسول ال هذا راكب مقبل فقال رسول ال كن‬
‫أبـا خيثمـة فقالوا هـو وال أبـو خيثمـة وأتـى رسـول ال فأخـبه ببـه فدعـا له‬
‫وكان رسول ال حي مر بالجر وهو بطريقه وهو منل ثود قال لصحابه ل تشربوا من هذا‬
‫الاء شيئا ول تتوضأوا منـه ومـا كان مـن عجيـ فألقوه واعلفوه البـل ول تأكلوا منـه شيئا ول‬
‫يرج الليلة أ حد إل مع صاحب له فف عل ذلك الناس ول يرج أ حد إل رجل ي من ب ن ساعدة‬
‫خرج أحدها لاجته فأصابه جنون وأما الذي طلب بعيه فاحتمله الريح إل جبلي طيء فأخب‬
‫بذلك ر سول ال فقال أل أن كم أن ل يرج أ حد إل مع صاحب له فأ ما الذي خ نق فد عا له‬
‫فش في وأ ما الذي حل ته الر يح فأهد ته طيء إل ر سول ال ب عد عوده إل الدي نة وأ صبح الناس‬
‫بالجر ول ماء معهم فشكوا ذلك إل النب فدعا ال فأرسل سحابة فأمطرت حت روي الناس‬
‫واحتملوا حاجتهم من الاء وكان بعض النافقي يسي مع رسول ال فلما جاء الطر قال له بعض‬
‫السلمي هل بعد هذا شيء قال سحابة مارة ‪ ،‬وضلت ناقة رسول ال ف الطريق فقال لصحابه‬
‫وفيهم عمارة بن حزم وهو عقب بدري إن رجل قال إن ممدا يبكم الب من السماء وهو ل‬
‫يدري أين ناقته وإن وال ل أعلم إل ما علمن ال عز وجل وقد دلن ال عليها وهي ف الوادي‬
‫ف شعب كذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فأتوه با فرجع عمارة إل أصحابه فخبهم با‬
‫قال ر سول ال عن النا قة تعج با م ا رأى وكان ز يد بن ل صيب القينقا عي مناف قا و هو ف ر حل‬
‫‪160‬‬

‫عمارة قد قال هذه القالة فأ خب عمارة بأن زيدا قد قال ا فقام عمارة ي طأ عن قه و هو يقول ف‬
‫رحلي داهية ول أدري اخرج عن يا عدو ال من رحلي ول تصحبن فزعم بعض الناس أن زيدا‬
‫تاب بعد ذلك وحسن إسلمه وقيل ل يزل متهما حت هلك ‪ ،‬ووقف بأب ذر جله فتخلف عليه‬
‫فقيل يا رسول ال تلف أبو ذر فقال ذروه فإن يك فيه خي فسيلحقه ال بكم فكان يقولا لكل‬
‫من تلف عنه فوقف أبو ذر على جله فلما أبطأ عليه أخذ رحله عنه وحله على ظهره وتبع النب‬
‫ماشيا فنظر الناس فقالوا يا رسول ال هذا رجل على الطريق وحده فقال رسول ال كن أبا ذر‬
‫فل ما تأمله الناس قالوا هو أ بو ذر فقال ر سول ال ير حم ال أ با ذر ي شي وحده ويوت وحده‬
‫ويبعث وحده ويشهده عصابة من الؤمني فلما نفى عثمان أبا ذر إل الربذة فأصابه با أجله ول‬
‫يكن معه إل امرأته وغلمه فأوصاها أن يغسله ويكفناه ث يضعاه على الطريق فأول ركب ير‬
‫بما يستعينان بم على دفنه ففعل ذلك فاجتاز بما عبد ال بن مسعود ف رهط من أهل العراق‬
‫فأعلمته امرأة أب ذر بوته فبكى ابن مسعود وقال صدق رسول ال تشي وحدك وتوت وحدك‬
‫وتبعث وحدك ث واروه ‪ ،‬وانتهى رسول ال إل تبوك فأتى يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة فصاله‬
‫على الزية وكتب له كتابا فبلغت جزيتهم ثلثائة دينار ث زاد فيها اللفاء من ب ن أمية فلما‬
‫كان ع مر بن ع بد العز يز ل يأ خذ من هم غ ي ثلثائة و صال أ هل أذرح على مائة دينار ف كل‬
‫ر جب و صال أ هل جرباء على الز ية و صال أ هل مق نا على ر بع ثار هم ‪ ،‬وأر سل ر سول ال‬
‫خالد بن الول يد إل أكيدر بن ع بد اللك صاحب دو مة الندل وكان ن صرانيا من كندة فقال‬
‫لالد إ نك تده ي صيد الب قر فخرج خالد بن الول يد ح ت إذا كان من ح صنه على من ظر الع ي‬
‫وأكيدر على سطح داره فبا تت البقرة ت ك بقرون ا باب ال صن فقالت امرأ ته هل رأ يت م ثل‬
‫هذا قط قال ل وال قالت فمن يترك هذا قال ل أحد ث نزل وركب فرسه ومعه نفر من أهل‬
‫بيته ث خرج يطلب البقر فتلقت هم خ يل رسول ال وأخذته وقتلوا أخاه ح سانا وأخذ خالد من‬
‫أكيدر قباء ديباج موص بالذ هب فأر سله إل ر سول ال ق بل قدو مه فج عل ال سلمون يلم سونه‬
‫ويتعجبون منه فقال رسول ال أتعجبون من هذا لناديل سعد بن معاذ ف النة أحسن من هذا‬
‫وقدم خالد بأكيدر على رسـول ال فحقـن دمـه وصـاله على الزيـة وخلى سـبيله فرجـع إل‬
‫قريتـه ‪ ،‬وأقام رسـول ال بتبوك بضـع عشرة ليلة ول ياوزهـا ول يقدم عليـه الروم والعرب‬
‫التن صرة فعاد إل الدي نة وكان ف الطر يق ماء يرج من و شل ل يروي إل الرا كب والرا كبي‬
‫‪161‬‬

‫بواد يقال له وادي الشقق فقال رسول ال من سبقنا فل يستقي منه شيئا حت نأتيه فسبقه نفر‬
‫من النافق ي فا ستقوا ما ف يه فل ما جاء ر سول ال أ خبوه بفعل هم فلعن هم ود عا علي هم ث نزل‬
‫رسول ال إليه فوضع يده تته وجعل يصب إليها يسيا من الاء فدعا فيه ونضحه ف الوشل‬
‫فانرق الاء جر يا شديدا فشرب الناس وا ستقوا و سار ر سول ال ح ت قارب الدي نة فاتاه خب‬
‫مسجد الضرار فأرسل مالك بن الدخشم فحرقه وهدمه وأنزل ال فيه والذين اتذوا مسجدا‬
‫ضرارا وكفرا وتفريقا بي الؤمني اليات وكان الذين بنوه اثن عشر رجل وكان قد أخرج‬
‫من دار خذام بن خالد من بن عمرو بن عوف ‪ ،‬وقدم رسول ال وكان قد تلف عنه رهط من‬
‫النافقيـ فأتوه يلفون له ويعتذرون فصـفح عنهـم رسـول ال ول يعذرهـم ال ورسـوله وتلف‬
‫أولئك النفر الثلثة وهم كعب بن مالك وهلل بن أمية ومرارة بن الربيع تلفوا من غي شك‬
‫ول نفاق فنهـى رسـول ال عـن كلمهـم فاعتزلمـ الناس فبقوا كذلك خسـي ليلة ثـ انزل ال‬
‫توبت هم وعلى الثل ثة الذ ين خلفوا ح ت إذا ضا قت علي هم الرض ب ا رح بت وضا قت علي هم‬
‫أنفسـهم اليات إل قولمـ صـادقي وكان قدوم رسـول ال الدينـة مـن تبوك فـ رمضان ‪.‬‬
‫[ الكامل ف التأريخ ‪. ] 251 / 2‬‬
‫ملحظة ‪ :‬قبل عرض الوضوع ينبغي مراجعته على الرحيق الختوم‬
‫فهانن نرى أرض تبوك وقد عادت مروجا وأنارا ول المد والنة ‪.‬‬
‫المسون ‪:‬‬
‫الواحد والمسون ‪:‬‬
‫انتشار المن ف بعض فترات المة ‪َ ،‬ع ْن أَبِي هُ َرْي َرةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ‬
‫ب بَ ْينَ اْل ِعرَاقِ‬
‫ض اْلعَ َربِ ُمرُوجًا وََأْنهَارًا ‪ ،‬وَحَتّى َيسِيَ الرّاكِ ُ‬
‫‪ " :‬لَا تَقُو ُم السّا َع ُة حَتّى َتعُو َد أَرْ ُ‬
‫ج يَا َرسُولَ ال ّلهِ ؟ قَالَ‬
‫ج " قَالُوا ‪َ :‬ومَا اْلهَرْ ُ‬
‫ف ِإلّا ضَلَا َل ال ّطرِي ِق ‪ ،‬وَحَتّى َيكُْثرَ اْل َهرْ ُ‬
‫َومَ ّك َة لَا يَخَا ُ‬
‫‪ " :‬اْلقَ ْتلُ " [ أخرجه أحد بإسناد صحيح على شرط مسلم ‪. ] 427 / 14‬‬
‫وهذا قد وقع ف زمن الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬وذلك حينما عمّ السلم والعدل البلد الت‬
‫فتحها السلمون‪ ،‬وأيضا ف زمن عمر بن عبدالعزيز ‪.‬‬
‫‪162‬‬

‫إذن لنعلم أن المن مرتبط بالسلم والعدل ‪ ،‬فإذا رأيت المن قد عمّ البلد فأعلم بأن راية‬
‫ي ْبنِ حَاِت ٍم قَا َل ‪ :‬بَيْنَا َأنَا عِ ْندَ النِّبيّ‬
‫السلم مرفوعة والعدل قائم ‪ ،‬وهذا يؤيده الديث َعنْ َعدِ ّ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ إِ ْذ َأتَاهُ َر ُجلٌ ‪َ ،‬فشَكَا ِإلَ ْيهِ اْلفَا َق َة ‪ُ ،‬ثمّ َأتَاهُ آ َخ ُر َفشَكَا ِإلَيْ ِه قَطْ َع السّبِيلِ ‪،‬‬
‫ت ‪َ :‬ل ْم أَ َرهَا ‪َ ،‬وقَ ْد ُأنْبِئْتُ عَ ْنهَا ‪ ،‬قَا َل ‪َ " :‬فإِنْ طَالَتْ ِبكَ‬
‫يةَ ؟ قُلْ ُ‬
‫حَ‬
‫َفقَا َل يَا َعدِيّ ‪َ :‬هلْ َرَأيْتَ الْ ِ‬
‫ف أَ َحدًا ِإلّا ال ّلهَ ـ قُلْتُ‬
‫ف بِالْ َكعَْبةِ ‪ ،‬لَا تَخَا ُ‬
‫ي ِة ‪ ،‬حَتّى تَطُو َ‬
‫ح ُل ِمنَ الْحِ َ‬
‫حَيَاةٌ ‪ ،‬لََت َرَينّ ال ّظعِيَنةَ تَ ْرتَ ِ‬
‫ت ِبكَ حَيَاةٌ‬
‫فِيمَا بَيْنِي وَبَ ْي َن َنفْسِي ‪َ :‬فَأْينَ دُعّارُ طَّيئٍ ‪ ،‬اّلذِي َن َقدْ َس ّعرُوا الْبِلَا َد ـ َولَئِنْ طَالَ ْ‬
‫سرَى ْبنِ ُه ْر ُمزَ ‪َ ،‬ولَِئنْ طَالَتْ بِكَ‬
‫سرَى ْبنِ ُه ْر ُمزَ ‪ ،‬قَالَ ‪ِ :‬ك ْ‬
‫سرَى ـ قُلْتُ ‪ِ :‬ك ْ‬
‫حنّ كُنُوزُ ِك ْ‬
‫لَُتفْتَ َ‬
‫جدُ َأ َحدًا َيقْبَ ُلهُ‬
‫ب َمنْ َيقْبَ ُلهُ مِنْ ُه فَلَا يَ ِ‬
‫ضةٍ يَطْلُ ُ‬
‫ب أَ ْو فِ ّ‬
‫ج ِملْءَ َك ّفهِ ِم ْن َذهَ ٍ‬
‫خرِ ُ‬
‫حَيَاةٌ لََت َرَينّ ال ّرجُ َل يُ ْ‬
‫س بَيَْن ُه وَبَيَْن ُه َترْجُمَا ٌن يَُترْ ِج ُم َلهُ ‪ ،‬فَلََيقُوَل ّن َلهُ ‪َ :‬أَلمْ َأْبعَثْ‬
‫مِ ْن ُه ‪ ،‬وَلَيَ ْلقََي ّن اللّ َه َأحَدُ ُك ْم يَوْ َم يَ ْلقَاهُ َولَيْ َ‬
‫ضلْ عَلَ ْيكَ ؟ فََيقُو ُل ‪ :‬بَلَى ‪،‬‬
‫ِإلَ ْيكَ َرسُولًا فَيُبَ ّل َغكَ ؟ فََيقُولُ ‪ :‬بَلَى ‪ ،‬فََيقُولُ ‪َ :‬أَلمْ أُ ْع ِطكَ مَالًا َوأُفْ ِ‬
‫فَيَنْ ُظرُ َع ْن يَمِيِن ِه فَلَا َيرَى ِإلّا َجهَّنمَ ‪َ ،‬ويَنْ ُظرُ َع ْن َيسَا ِرهِ فَلَا َيرَى ِإلّا َجهَّنمَ " قَالَ َعدِيّ ‪ :‬سَ ِمعْتُ‬
‫جدْ شِ ّقةَ تَ ْم َر ٍة فَِبكَلِ َمةٍ‬
‫النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم يَقُولُ ‪ " :‬اّتقُوا النّا َر َولَ ْو ِبشِ ّق ِة تَ ْم َرةٍ فَ َم ْن َل ْم يَ ِ‬
‫ف ِإلّا ال ّلهَ ‪،‬‬
‫ي ِة حَتّى تَطُوفَ بِاْلكَعَْبةِ ‪ ،‬لَا تَخَا ُ‬
‫حَ‬
‫ح ُل ِمنَ الْ ِ‬
‫ت الظّعِيَن َة َترْتَ ِ‬
‫طَيَّبةٍ " قَالَ َعدِيّ ‪َ :‬فرََأيْ ُ‬
‫ت ِبكُ ْم حَيَا ٌة لََت َروُنّ مَا قَا َل النّبِ ّي َأبُو‬
‫سرَى ْب ِن ُهرْ ُم َز ‪ ،‬وَلَِئنْ طَالَ ْ‬
‫ت فِي َمنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ ِك ْ‬
‫وَكُنْ ُ‬
‫خرِجُ مِلْءَ َكفّ ِه " [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪ُ ،‬ي ْ‬
‫اْلقَا ِسمِ َ‬
‫وسيتحقق هذا المن‪ ،‬وسينتشر ف زمن الهدي ف آخر الزمان ‪ ،‬وف زمن عيسى بن مري عليه‬
‫السلم بعدما ينل ‪ ،‬لن زمنهما سيعم العدل مكان الور والظلم‪ ،‬وسيملن الدنيا قسطا‬
‫وعدلً‪ ،‬كما ملئت ظلما وجورا‪.‬‬
‫وف زماننا هذا بل وف كل الزمنة الاضية ‪ ،‬تنقل لنا كتب التأريخ الظلم والعدوان الذي حصل‬
‫ف فترات هناك ‪ ،‬فتزعزع المن وأصبح الفرد ياف حت من جاره ‪ ،‬ول يأمن أحدا بوائقه ‪،‬‬
‫وف وقتنا الاضر ينقل لنا كل من عاش ف بلد الكفر وغيها من البلد الت ل تطبق الشريعة‬
‫السلمية ‪ ،‬نقلوا لنا انفراط عقد المن هناك ‪ ،‬فكثي من الناس ل يستطيعون الروج من‬
‫منازلم ليلً خوفا من اللصوص وقطاع الطرق ‪ ،‬بل إذا طُرق الباب أصاب أهل النل اللع ‪،‬‬
‫وتلكهم الوف الشديد خوفا من أن يكون الطارق لصا يريد السرقة أو الوقيعة بأهل البيت ‪،‬‬
‫وهذا تناسب طردي فكلما كان العدل موجودا كان المن سائدا ‪ ،‬وكلما فُقد العدل ‪ ،‬فقد‬
‫‪163‬‬

‫المن وسادت الفوضى والضطرابات أرجاء البلد ‪ ،‬وهذا هو الشاهد اليوم ف كثي من تلك‬
‫الدول الت ل تقيم شرع ال تعال ‪ ،‬ول تكم سنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫أما نن ف هذه البلد فننعم بأمن وراف ‪ ،‬وأمان جارف ‪ ،‬والفضل ف ذلك أو ًل وآخرا ل‬
‫سبحانه وتعال الذي أنعم على هذه البلد بشت النعم ‪ ،‬فل ياف الرجل على نفسه ول على‬
‫أهل بيته ‪ ،‬لن المن أساس العدل ‪ ،‬والعدل أساس الكم ‪ ،‬فمت طبقنا شريعة ربنا ‪ ،‬ومت‬
‫حكمنا سنة نبينا ‪ ،‬ظفرنا بطلوبنا من المن والمان ‪ ،‬والعدل والقسط ‪ ،‬فنسأل ال تعال أن‬
‫ين علينا بالعدل والمان ف الوطان ‪ ،‬والصحة ف البدان ‪ ،‬إنه ول ذلك والقادر عليه ‪.‬‬
‫صحيح أنه قد تدث فترات تعصف بالمة بعض الفت والحن ‪ ،‬وقد يعتريها بعض الشوائب ‪،‬‬
‫والنتكاسات ‪ ،‬وهذا أمر طبيعي ‪ ،‬وحدوثه شيء فطري ‪ ،‬فكلما ابتعد عن الناس عن دينهم‬
‫شيئا عوقبوا با يكون زاجرا لم ورادعا ليعودوا إل دينهم ‪ ،‬ويراجعوا أنفسهم ‪ ،‬فل شك أن‬
‫هناك خلل ما قد حصل ‪ ،‬فربا راجع كل إنسان نفسه ‪ ،‬وحاسبها وأنبها ‪ ،‬فتعود سفينة المان‬
‫كما كانت عليه ‪ ،‬وهكذا هي الياة تعب ونكد ‪ ،‬وراحة واطمئنان ‪ ،‬فل استقرار لال ‪،‬‬
‫فسبحان ال العظيم ‪ ،‬الكيم العليم ‪.‬‬
‫الثان والمسون ‪:‬‬
‫تقارب الزمان ‪ ،‬بيث تصبح السنة كالشهر ‪ ،‬والشهر كالسبوع ‪ ،‬والسبوع كاليوم ‪ ،‬واليوم‬
‫كاحتراق السعفة من ورق النخيل ‪ ،‬ويشهد لذلك ما جاء َع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ رضي ال عنه قَالَ ‪:‬‬
‫ض اْلعِلْ ُم ‪َ ،‬وتَكُْثرَ ال ّزلَازِلُ ‪،‬‬
‫قَالَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬لَا َتقُو ُم السّا َعةُ حَتّى يُقْبَ َ‬
‫ج َوهُ َو الْقَ ْت ُل الْقَ ْت ُل ‪ ،‬حَتّى يَكُْث َر فِيكُ ُم الْمَالُ‬
‫َويََتقَا َربَ ال ّزمَانُ ‪َ ،‬وتَ ْظ َهرَ اْلفَِتنُ ‪َ ،‬ويَكُْث َر الْ َهرْ ُ‬
‫فََيفِيضَ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] ‪.‬‬
‫وعَنْه رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬لَا َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى‬
‫ش ْهرُ كَالْجُ ُم َع ِة ‪َ ،‬وتَكُونَ الْجُ ُم َعةُ كَالَْيوْمِ ‪،‬‬
‫ب الزّمَا ُن ‪ ،‬فََتكُو َن السّنَةُ كَالشّ ْه ِر ‪َ ،‬ويَكُونَ ال ّ‬
‫يََتقَارَ َ‬
‫سعَ َفةِ " [ أخرجه الترمذي ‪ ،‬والمام أحد‬
‫ق ال ّ‬
‫َويَكُو َن الْيَوْمُ كَالسّا َعةِ ‪َ ،‬وَتكُو َن السّا َعةُ كَاحِْترَا ِ‬
‫بسند حسن ‪ ،‬واللفظ لحد ] ‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء ف معن تقارب الزمان إل عدة أقوال ‪:‬‬
‫‪164‬‬

‫القول الول ‪ /‬وهو قول ابن حجر والقاضي عياض ‪ ،‬أن الراد بذلك قلة البكة ف الزمان ‪:‬‬
‫قال ابن حجر رحه ال تعال ‪ " :‬قد وجد ف زماننا هذا ‪ ،‬فإنا ند من سرعة مر اليام ما ل نكن‬
‫نده ف العصر الذي قبل عصرنا هذا ‪ [ " . . .‬الفتح ‪ ، ] 22 / 13‬ومال إل ذلك الافظ ابن‬
‫كثي رحه ال ‪ ،‬حيث عقدا عنوانا أوسه بعنوان ‪ :‬إشارة نبوية إل نزع البكة من الوقت قبل‬
‫قيام الساعة ‪ ،‬وذكر الديث ‪ [ .‬النهاية ف الفت واللحم ‪. ] 182 / 1‬‬
‫القول الثان ‪ /‬وهو قول الطاب رحه ال ‪ ،‬أن الراد بذلك ما يكون ف زمن الهدي وعيسى‬
‫عليه السلم ‪:‬‬
‫لن الناس يستلذون بالعيش ‪ ،‬وتوفر المن ‪ ،‬وانتشار العدل ‪ ،‬فيستقصر الناس مدة أيام الرخاء‬
‫وإن طالت ‪ ،‬وتطول عليهم مدة الشدة والبؤس وإن قصرت " [ الفتح ‪ . ] 22 / 13‬وياب‬
‫عن ذلك ‪ :‬بأن الرخاء موجود على فترات من الزمن ‪ ،‬ولذة العيش موجودة أيضا ‪ ،‬فكم هم‬
‫الذين ينعمون اليوم برغد العيش ‪ ،‬ووفرة الال ‪ ،‬ولكن ل يدون للحياة طعما ول راحة ‪،‬‬
‫فاليوم مثل البارحة مثل الغد ‪ ،‬ل يقدرون الوقت ‪ ،‬فالوقت لديهم قاتل ‪ ،‬لكثرته ووفرته ‪ ،‬حت‬
‫أن أكثرهم يلجأ للسفر هنا وهناك ‪ ،‬أو إحضار من يضيع معه الوقت أو ما شابه ذلك ‪ ،‬فهذا‬
‫دليل على أن هذا القول مرجوح ‪.‬‬
‫القول الثالث ‪ /‬وهو قول الداودي ‪ :‬أن الراد بذلك تقارب ساعات الليل والنهار ‪:‬‬
‫فتقصر ساعات النهار ‪ ،‬قرب قيام الساعة ‪ ،‬ويقرب النهار من الليل ‪ [ .‬الفتح ‪. ] 22 / 13‬‬
‫وياب عن ذلك ‪ :‬بأننا ف هذا الزمان ند ضيق الوقت وقلة البكة فيه ‪ ،‬مهما كان طول الليل‬
‫أو النهار ‪ ،‬ول شك أن النهار والليل يأخذ أحدها من الخر على مدار العام حت يستويا ‪ ،‬ث‬
‫يبدأ النقص ف أحدها والزيادة ف الخر ‪ ،‬وهذا أمر معلوم مشهور ‪ ،‬فل مال للقول بأن‬
‫تقارب الزمان يُقصد به تقارب ساعات الليل والنهار ‪.‬‬
‫القول الرابع ‪ /‬وهو قول الشيخ حود التويري ‪ ،‬والشيخ عبد العزيز بن باز رحه ال وغيها ‪:‬‬
‫أن الراد بذلك تقارب أهل الزمان بسبب وفرة وسائل الواصلت والتصالت ‪:‬‬
‫فهذه الوسائل الديثة تقرب البعيد ‪ ،‬وهذا القول له وجهه من الصواب ‪ ،‬وله حظه من النظر ‪،‬‬
‫فنعم باستخدام التقنية الديثة من وسائل الواصلت ‪ ،‬أصبح النسان يقطع مسافة اليام‬
‫الطويلة ف السفر ف عدة ساعات ‪ ،‬بل ف أقل من ساعة ‪ ،‬كذلك تصل الرسالة مبة بالنباء ف‬
‫‪165‬‬

‫خلل ثوان من الزمن ‪ ،‬بعد أن كانت تُحمل بواسطة رجل البيد أو غيه من كان يوصل‬
‫الرسائل إل أهلها ‪ ،‬فيقطع أحدهم تلك السافات الشاسعة ‪ ،‬ويقطع الفياف والقفار ف أيام بل‬
‫أسابيع ‪ ،‬ويكن أن تكون أشهر ‪ ،‬لكن اليوم ومع التطور التقن الديث ‪ ،‬كالاتف والوال ‪،‬‬
‫والفاكس والتلكس والبقيات ‪ ،‬أصبح العال وكأنه مدينة واحدة ‪ ،‬فهذا القول قول قوي جدا ‪،‬‬
‫وقد يكون هو الراد بتقارب الزمان ‪ [ .‬إتاف الماعة ‪. ] 195 / 2‬‬
‫القول الامس ‪ /‬وهو قول أب جرة رحه ال ‪ :‬أن الراد بذلك إما حسيا وإما معنويا ‪:‬‬
‫يتمل أن يكون الراد بتقارب الزمان ‪ :‬قصره ‪ ،‬على ما وقع ف حديث ‪ " :‬ل تقوم الساعة حت‬
‫تكون السنة كالشهر " [ سبق تريه قبل قليل ] ‪ ،‬وعلى هذا فالقصر يتمل أن يكون حسيا‬
‫ويتمل أن يكون معنويا ‪:‬‬
‫أما السي ‪ :‬فلم يظهر بعد ‪ ،‬ولعله من المور الت تكون قرب قيام الساعة ‪.‬‬
‫وأما العنوي ‪ :‬فله مدة منذ ظهر ‪ ،‬يعرف ذلك أهل العلم الدين ومن له فطنة من أهل السبب‬
‫الدنيوي ‪ ،‬فإنم يدون أنفسهم ل يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل‬
‫ذلك ‪ ،‬ويشكون ذلك ‪ ،‬ول يدرون العلة فيه ‪ ،‬ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف اليان ‪،‬‬
‫لظهور المور الخالفة للشرع من عدة أوجه ‪ ،‬وأشد ذلك القوات ‪ ،‬ففيها من الرام الحض‬
‫ومن الشبه ما ل يفى ‪ ،‬حت إن كثيا من الناس ل يتوقف ف شيء ‪ ،‬ومهما قدر على تصيل‬
‫شيء ـ من الرام ـ هجم عليه ول يبال ‪ ،‬والواقع أن البكة ف الزمان وف الرزق وف النبت‬
‫إنا يكون من طريق قوة اليان ‪ ،‬واتباع المر ‪ ،‬واجتناب النهي ‪ ،‬والشاهد لذلك قوله تعال ‪:‬‬
‫" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والرض ولكن كذبوا‬
‫فأخذناهم بغتة وهم ل يشعرون " [ العراف ‪ [ ] 96‬الفتح ‪. ] 22 / 13‬‬
‫القول السادس ‪ /‬وهو قول الطحاوي رحه ال ‪ :‬أن الراد بذلك تساوي الناس ف الهل ‪:‬‬
‫قد يكون معناه ف ترك طلب العلم والرضا بالهل ‪ ،‬وذلك لن الناس ل يتساوون ‪ ،‬لن العلم‬
‫درجات ‪ ،‬وهي متفاوتة بقدر ما أوت النسان من علم ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وفوق كل ذي علم عليم‬
‫" [ يوسف ‪ ، ] 76‬وإنا يتساوى الناس ف الهل ‪ ،‬لنه درجة واحدة " [ الفتح ‪21 / 13‬‬
‫بتصرف ] ‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫القول السابع ‪ /‬وهو قول القرطب رحه ال ‪ :‬أن الراد بذلك تقارب أهل ذلك الزمان ف قلة‬
‫الدين ‪:‬‬
‫حت ل يكون فيهم من يأمر بالعروف وينهى عن النكر ‪ ،‬كما هو اليوم لغلبة الفسق ‪ ،‬وظهور‬
‫أهله ‪ [ .‬التذكرة ‪. ] 344 / 2‬‬
‫وأقرب القوال للصواب ‪ ،‬أن معن تقارب الزمان ؟ قلة بركة الزمان ‪ ،‬كما ف الديث تكون‬
‫السنة كالشهر ‪ ،‬تضي عليك السنة ول تفعل شيئا‪ ،‬ول تنجز عملً يذكر‪ ،‬كأنه شهر‪ ،‬والشهر‬
‫يقل بركته ‪ ،‬فيصي كالسبوع‪ ،‬والسبوع كاليوم‪ ،‬واليوم كالساعة‪ ،‬والساعة كاحتراق السعفة‪،‬‬
‫كم يستغرق وقت احتراق السعفة‪ ،‬بضع دقائق‪ ،‬الساعة بركتها كالدقائق وال الستعان ‪.‬‬
‫وهذا يشعر به العقلء من الناس‪ ،‬وأهل العلم‪ ،‬والفطنة‪ ،‬وأصحاب العقول الراجحة‪ ،‬والذهان‬
‫الصافية‪ ،‬أما فسقة الناس وجهالم‪ ،‬وأصحاب المم الدنيئة‪ ،‬وأصحاب الشهوات العاجلة‪،‬‬
‫فهؤلء ل يشعرون بشيء‪ ،‬إن هم إل كالنعام‪ ،‬همّ الواحد أن يل بطنه من الطعام والشراب‬
‫ويستمتع ويقف عند ذلك‪ .‬يتمتعون ويأكلون كما تأكل النعام والنار مثوى لم ‪.‬‬
‫ما السبب ف تقارب الزمان ؟ وما هو السبب ف قلة بركة الوقت ؟ وأظن أن الكثيين فعلً‬
‫يشتكي كل منهم من هذه القضية ‪ ،‬ير عليك اليوم ‪ ،‬واليومان والشهر والسنة ‪ ،‬والناز‬
‫قليل ‪ ،‬والعطاء ضعيف ‪ ،‬والسبب كما ذكره أهل العلم ‪ ،‬هو ظهور المور الخالفة للشرع ف‬
‫حياة الناس الاصة ‪ ،‬وف متمعاتم ‪ ،‬إنه من الغلط ربط قلة البكة ونزعها من حياة الناس بغي‬
‫القضايا الشرعية ‪ ،‬إن علقتها الباشرة بالمور الشرعية ول غي ‪ ،‬يشتكي الناس من قلة البكة‬
‫ف الوقات ‪ ،‬كما يشتكي الناس من قلة البكة ف الال ‪ ،‬يستلم الوظف عشرة آلف أو أكثر‬
‫أو أقل بقليل ‪ ،‬ول يدري أين ذهب الراتب ‪ ،‬ولو دققنا النظر لوجدنا أن التعاملت الحرمة‬
‫سبب رئيس من أسباب مق بركة الال ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬يحق ال الربا ويرب الصدقات "‬
‫[ البقرة ] ‪ ،‬وكذلك التعامل بالرشوة ‪ ،‬وأكل مال اليتيم ظلما ‪ ،‬وأكل أموال العمال والدم‬
‫ظلما وعدوانا ‪ ،‬القصود أنه لا كثر التعامل بالربا وغيه من التعاملت الحرمة قلت بركة‬
‫الال ‪ ،‬لنه ل يعد من حلل ‪ ،‬والشاهد اليوم أن الكثرة الكاثرة من السلمي إن ل نقل جيعهم‬
‫رواتبهم ناتة من تعاملت مرمة مع البنوك الربوية وصدق فيهم الديث الذي جاء َع ْن َأبِي‬
‫ُه َريْ َر َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬ي ْأتِي عَلَى النّاسِ َزمَا ٌن َيأْكُلُو َن الرّبَا ‪،‬‬
‫‪167‬‬

‫فَ َم ْن َلمْ يَأْكُ ْل ُه أَصَابَ ُه ِمنْ غُبَا ِرهِ " [ أخرجه النسائي ‪ ،‬وضعفه اللبان ص ‪ ، 147‬وأخرجه أبو‬
‫داود وابن ماجة ‪ ،‬وأحد بإسناد ضعيف ‪ ، 258 / 16‬والديث فيه عباد بن راشد وهو ضعيف‬
‫لكنه متابع ] ‪ ،‬والديث وإن كان فيه ضعفا إل أنه يصدقه ‪ ،‬فقلما تلو معاملة تارية من حرام‬
‫أو ربا ظاهرا بينا ‪ ،‬أو باطنا متخفيا ‪ ،‬وما أكثر التعاملت الربوية الحرمة ‪ ،‬وغي الربوية أيضا‬
‫من التبايع بالرام ‪ ،‬كبيع السيارة ف معرضها الذي اشتراها منه وهي ف مكانا بدون أن‬
‫يقبضها ويولا باسه وينقلها من مكانا ‪ ،‬وكذلك البيع بالجل النتهي بالتمليك ‪ ،‬وكذلك‬
‫الساهات الحرمة مع جيع البنوك ‪ ،‬أو بعض الؤسسات الت تستخدم ف تعاملتا أمورا مرمة ‪،‬‬
‫كل ذلك وغيه كان سببا ف مق الموال وضياع بركتها ‪ ،‬بينما كان ف الاضي يأخذ الوظف‬
‫نصف راتبه الن ‪ ،‬ويد ما يوفر بل ويتصدق ‪ ،‬ويشتكي الناس قلة البكة ف الولد ‪ ،‬نعم‬
‫لديك سبعة أو ثانية من الولد ‪ ،‬لكن أين هم ؟ ما وجودهم ‪ ،‬ما قيمتهم بي الناس ؟ السبب قد‬
‫يكون عائدا للعقوق من الب فعاقبه ال تعال بعقوق أبنائه له ‪ ،‬لن العقوق دين ‪ ،‬ولقد حذر‬
‫يةِ ْب ِن شُعَْب َة قَا َل ‪ :‬قَا َل النّبِيّ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ‬
‫ال تعال من العقوق وعده من الكبائر ‪َ ،‬ع ِن الْ ُمغِ َ‬
‫ت َومَنَ َع وَهَاتِ وَ َك ِر َه لَ ُكمْ قِيلَ َوقَالَ‬
‫ق الُْأ ّمهَاتِ َو َوْأدَ الْبَنَا ِ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪ " :‬إِ ّن ال ّلهَ َحرّمَ عَلَ ْي ُكمْ ُعقُو َ‬
‫سؤَا ِل َوإِضَا َعةَ الْمَالِ " [ متفق عليه ] ‪ ،‬و َع ْن َأنَسٍ رَضِي اللّه عَنْه قَا َل ‪ :‬سُِئلَ النِّبيّ‬
‫وَكَ ْث َر َة ال ّ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ َع ِن الْكَبَاِئ ِر قَا َل ‪ " :‬الِْإ ْشرَا ُك بِاللّ ِه وَ ُعقُوقُ اْلوَاِل َديْ ِن َوقَ ْتلُ الّنفْسِ وَ َشهَا َدةُ‬
‫الزّورِ " [ متفق عليه ] ‪ ،‬ومن أسباب ضياع بركة الولد تركهم ف الشوارع وحول‬
‫الفضائيات يسرحون ويرحون بل حسيب ول رقيب ‪ ،‬ومن أسباب قلة البكة ف الولد‬
‫الدعاء عليهم ‪ ،‬فدعاء الوالدين مستجاب ول شك ‪ ،‬ومادام أنه من الدعوات الستجابات‬
‫فيجب على الباء والمهات تسخي هذا الدعاء لصلحة البناء وليس ضدهم ‪ ،‬فيجب على‬
‫الب والم الدعاء للبناء بالصلح والتوفيق والداية لعل ال تعال أن يتقبل منهم دعاءهم ‪،‬‬
‫ت لَا‬
‫َعنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬ثَلَاثُ دَ َعوَاتٍ ُمسْتَجَابَا ٌ‬
‫َشكّ فِي ِه ّن ‪ :‬دَ ْع َوةُ الْمَظْلُو ِم ‪َ ،‬ودَ ْع َوةُ الْ ُمسَا ِفرِ ‪َ ،‬ودَ ْع َوةُ اْلوَاِلدِ عَلَى وََل ِدهِ " [ أخرجه الترمذي‬
‫وأبو داود وأحد ] ‪ ،‬وهكذا يشتكي الناس اليوم من نزع البكة من كثي من أمور حياتم ‪،‬‬
‫وإذا راجعنا أنفسنا وجدنا أن السبب نن ‪ ،‬ضعف إياننا ‪ ،‬وكثرة معاصينا ‪ ،‬وجرأتنا على‬
‫الرام ‪ ،‬وكثرة فشو النكرات ف متمعاتنا ‪ ،‬وقلة النكرين كل هذا وغيه ‪ ،‬عاقبنا ال جل‬
‫‪168‬‬

‫وعل ‪ ،‬وهذه تعد عقوبة يسية ‪ ،‬فنع البكة من حياتنا بسبب ذنوبنا وتقصينا وتفريطنا ف‬
‫جنب ال لي عقوبة سهلة ويسية ‪ ،‬أمام جبال الثام والعاصي الت ترتكب ليل نار ‪ ،‬وكلم‬
‫أب جرة الندلسي الذي سبق قبل قليل لو دليل على الال الذي آلت إليها كثي من متمعات‬
‫السلمي اليوم ‪.‬‬
‫الثالث والمسون ‪:‬‬
‫ظهور الشرك ف هذه المة ‪ ،‬هذه العلمة ظهرت بل هي ف ازدياد ‪ ،‬ولا صور وأشكال ل‬
‫تُحصى ‪ ،‬لقد وقع الشرك ف هذه المة ‪ ،‬مع أن الرسول صلى ال عليه وسلم بعث ليحارب‬
‫الشرك ‪ ،‬لقد دخل النب صلى ال عليه وسلم مكة يوم فتحها ‪ ،‬وحول الكعبة وفوقها ‪360‬‬
‫صنما ‪ ،‬تعبد من دون ال ‪ ،‬وكان بيده معول فصار يضربا ويكسرها وهو يتلو قول ال تعال ‪:‬‬
‫" وقل جاء الق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " [ السراء ] ‪ ،‬فأعلن عليه الصلة‬
‫والسلم التوحيد ‪ ،‬وأقامه بي الناس ‪ ،‬لكن بعد سنوات القرون الفضلة ‪ ،‬وقع الشرك ف هذه‬
‫المة مرة أخرى ‪ ،‬بل ولقت قبائل منها بالشركي ‪ ،‬وعبدوا الوثان ‪ ،‬وبنوا الشاهد على‬
‫القبور ‪ ،‬وعبدوها من دون ال ‪ ،‬وقصدوها للتبك والتعظيم ‪ ،‬وقدموا لا النذور ‪ ،‬وأقاموا لا‬
‫العياد ‪ ،‬وصور أخرى من الشرك ‪َ .‬ع ْن َثوْبَا َن قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ ‪" :‬‬
‫ت َمشَا ِرقَهَا وَ َمغَا ِربَهَا ‪ ،‬وَإِنّ‬
‫ض َف َرأَيْ ُ‬
‫ض ‪َ ،‬أوْ قَالَ ‪ " :‬إِنّ َربّي َزوَى ِليَ اْلأَرْ َ‬
‫إِ ّن ال ّلهَ َزوَى ِليَ اْلأَرْ َ‬
‫ض ‪َ ،‬وإِنّي َسَألْتُ َربّي ِلُأمّتِي‬
‫ي لِي مِ ْنهَا ‪َ ،‬وأُعْطِيتُ اْلكَ ْنزَْي ِن الَْأحْ َمرَ وَاْلأَبْيَ َ‬
‫مُ ْلكَ أُمّتِي سَيَبْلُ ُغ مَا ُزوِ َ‬
‫ح بَيْضََتهُ ْم ‪َ ،‬وإِنّ‬
‫س ِهمْ فََيسْتَبِي َ‬
‫أَ ْن لَا يُهْ ِل َكهَا ِبسََنةٍ ِبعَامّ ٍة ‪َ ،‬ولَا ُيسَلّطَ عَلَ ْي ِهمْ َع ُدوّا ِم ْن سِوَى َأنْ ُف ِ‬
‫ت قَضَا ًء َفإِّن ُه لَا ُي َردّ ‪َ ،‬ولَا ُأهْ ِلكُ ُه ْم ِبسَنَ ٍة ِبعَا ّمةٍ َولَا ُأسَلّطُ‬
‫ح ّمدُ ِإنّي ِإذَا قَضَيْ ُ‬
‫َربّي قَا َل لِي ‪ :‬يَا مُ َ‬
‫ح بَيْضََت ُهمْ ‪َ ،‬وَلوِ اجْتَمَعَ عَلَ ْي ِهمْ ِم ْن بَ ْينِ َأقْطَا ِرهَا َأوْ قَالَ‬
‫س ِهمْ فََيسْتَبِي َ‬
‫عَلَ ْي ِهمْ َعدُوّا مِ ْن ِسوَى َأْنفُ ِ‬
‫ك َبعْضًا َوحَتّى يَكُو َن َبعْضُ ُه ْم َيسْبِي َبعْضًا ‪َ ،‬وإِنّمَا َأخَافُ َعلَى‬
‫ِبَأقْطَارِهَا حَتّى يَكُو َن َبعْضُ ُه ْم ُيهْلِ ُ‬
‫ف فِي ُأمّتِي َل ْم ُيرْفَعْ عَ ْنهَا ِإلَى َيوْ ِم الْقِيَامَةِ ‪ ،‬وَلَا َتقُومُ‬
‫ي ‪َ ،‬وِإذَا وُضِعَ السّيْ ُ‬
‫ُأمّتِي اْلأَئِ ّم َة الْمُضِلّ َ‬
‫ي َوحَتّى َتعُْبدَ قَبَاِئلُ ِم ْن ُأمّتِي الَْأ ْوثَانَ ‪َ ،‬وِإنّ ُه سَيَكُونُ‬
‫شرِكِ َ‬
‫ح َق قَبَاِئلُ ِم ْن ُأمّتِي بِالْ ُم ْ‬
‫السّا َعةُ حَتّى تَلْ َ‬
‫فِي أُمّتِي َكذّابُونَ ثَلَاثُونَ كُ ّل ُهمْ َيزْ ُع ُم َأنّ ُه نَِبيّ َوَأنَا خَاَتمُ النّبِيّيَ لَا نَِبيّ َب ْعدِي ‪َ ،‬ولَا َتزَالُ طَاِئ َفةٌ ِمنْ‬
‫ض ّرهُ ْم َمنْ خَالَ َف ُهمْ حَتّى يَ ْأِتيَ َأ ْمرُ ال ّلهِ " [ أخرجه أبو داود ‪ ،‬وابن‬
‫حقّ ظَا ِهرِي َن لَا يَ ُ‬
‫ُأمّتِي عَلَى الْ َ‬
‫‪169‬‬

‫ماجة ‪ ،‬وصححه اللبان ف صحيح الامع حديث رقم ‪ ، 828‬إهداء الديباجة ‪. ] 295 / 5‬‬
‫ح َق قَبَاِئلُ ِم ْن ُأمّتِي‬
‫فالشاهد من الديث قوله صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬وَلَا َتقُو ُم السّا َع ُة حَتّى تَلْ َ‬
‫ي وَحَتّى تَعُْب َد قَبَاِئ ُل ِمنْ ُأمّتِي اْلأَ ْوثَانَ " ‪ ،‬هذه بعض صور الشرك ما كان ف الاضي ول‬
‫شرِكِ َ‬
‫بِالْ ُم ْ‬
‫يزال ‪ ،‬أما اليوم فقد ظهرت صور أخرى ‪ ،‬تتعدى عبادة الجر والشجر ‪ ،‬فصار ف متمعاتنا‬
‫الطواغيت أندادا من دون ال ‪ ،‬وصار الشرك ف تشريع الناس لنفسهم ما يالف شرع ال عز‬
‫وجل ‪ ،‬وصار الشرك بإلزام البشر بالتحاكم إل غي شريعة ال ‪ ،‬وصار الشرك بتنصيب‬
‫أشخاص ف جهة أو لنة أو ملس ‪ ،‬اتذوا أنفسهم آلة مع ال ف التحليل والتحري ‪ ،‬وصار‬
‫الشرك ف اعتناق البعض الذاهب العلمانية واللادية والشتراكية والقومية والوطنية وغيها ‪،‬‬
‫ث قبل ذلك كله وبعده ‪ ،‬يزعمون أنم مسلمون ‪.‬‬
‫ولا انبى لنكار تلك العمال الشركية ‪ ،‬والفعال الكفرية ‪ ،‬أهل العلم العاملي الذين علموا‬
‫الق من كتاب ال وسنة نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬لا قام أولئك العلماء بالنكار ‪ ،‬ورد الناس‬
‫إل الصواب ‪ ،‬وتذيرهم من الشر والكفر ‪ ،‬قابلتهم أيد خسيسة ودنيئة أحبت مناصبها‬
‫وكراسيها ‪ ،‬وأرغمت أنفها للشيطان ‪ ،‬واستسلمت للوهام ‪ ،‬ورضيت بالياة الدنيا مقرا لا‬
‫بدلً عن الخرة ‪ ،‬تلك الفئة الباغية الطاغية من الكام والرؤساء قابلوا أهل العلم بالذى‬
‫والسجن والتشريد والقتل ‪ ،‬سبحان ال العظيم أي إسلم يدعونه وهم ياربونه ‪ ،‬قال تعال ‪" :‬‬
‫ومن يبتغ غي السلم دينا فلن يقبل منه وهو ف الخرة من الاسرين " [ آل عمران ] ‪ ،‬الدين‬
‫هو السلم ‪ ،‬ولن يقبل ال من أحد دينا سواه ‪ ،‬السلم هو آخر الديان وهو الهيمن عليها‬
‫والناسخ لا ‪ ،‬فل دين إل السلم ‪ ،‬ول نب ف هذا الزمان إل ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومن‬
‫ل يكم شريعته فليس بؤمن ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬فل وربك ل يؤمنون حت يكموك فيما شجر بينهم‬
‫ث ل يدوا ف أنفسهم حرجا ما قضيت ويسلموا تسليما " [ النساء ] ‪ ،‬فكيف تقوم بعض‬
‫الدول الت تدعي أنا إسلمية ‪ ،‬وتلغي الكثي من أحكام القرآن والسنة بجة أنا ل تنفع ف‬
‫زمن التقدم التقن والصناعي والجتماعي وغي ذلك من الرافات وترهات الحلم ‪.‬‬
‫ولقد صدق ف هذه الزمنة حديث النب صلى ال عليه وسلم بعبادة الوثان والطواغيت من‬
‫دون ال عز وجل ‪ ،‬إما عبادة حقيقية كمن يدعو القبور وأهلها ‪ ،‬ومن يذبح لا وينذر لا ‪،‬‬
‫ويتبك بأهلها ‪ ،‬وال تعال يقول ‪ " :‬قل إن صلت ونسكي ومياي ومات ل رب العالي * ل‬
‫‪170‬‬

‫شرك له وبذلك أمرت وأنا أول السلمي " [ العراف ] ‪ ،‬وقال تعال ‪ " :‬إن الذين تدعون من‬
‫دون ال عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقي " [ العراف ] ‪ ،‬وقال تعال‬
‫‪ " :‬فصل لربك وانر " [ الكوثر ] ‪.‬‬
‫وهناك عبادة أخرى من غي ال ‪ ،‬كاتباع علماء الضللة من الصوفية والزنادقة وغيهم من‬
‫زاغوا عن الق ‪ ،‬واتبعوا الوى ‪ ،‬فضلوا وأضلوا كثيا وضلوا عن سواء السبيل ‪ ،‬طاعة‬
‫للحكام ‪ ،‬ورغبة ف زخرف الدنيا وبرجتها ‪ ،‬ورضا با يقدمه لم رؤساء الضللة من القذار‬
‫الوسخة من وسخ الدنيا ‪ ،‬فقادوا الناس للحكم بغي شريعة ال ‪ ،‬فحرموا اللل ‪ ،‬وأحلوا‬
‫الرام ‪.‬‬
‫وكم هي الدول الت تكم القواني الوضعية الت هي من وضع البشر ‪ ،‬وإن كانوا مسلمي‬
‫بالسم ‪ ،‬أو القواني الفرنسية واللانية أو البيطانية أو غيها الت وضعها كفار الناس اليوم‬
‫وعصاتم ‪ ،‬وتركوا كتاب ال التي الذي من تسك به عُصم ‪ ،‬ومن تركه قُصم ‪ ،‬ونبذوا سنة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ابتاعا لرأي أحق وأخرق ‪ ،‬فكيف لمة أن تتقدم وتنتصر وهي‬
‫متخلفة ف دينها ‪ ،‬ومتقوقعة حول شرذمتها ‪ ،‬أل فليعلم كل مسلم أنه ل فوز ول ناة من القوم‬
‫الظالي ‪ ،‬ول خروج من هذه الفت إل بالتمسك بالكتاب والسنة ‪ ،‬وتكيمهما ف جيع أمور‬
‫الياة ‪ ،‬ول يُفرق ف شيء أبدا ‪ ،‬فالدين تتد جذوره ‪ ،‬وتُعمق أساساته ف كل صغية وكبية‬
‫من مناحي الياة ‪ ،‬فل تفصل الياة عن الدين ‪ ،‬ول يفصل العمل عن الدين ‪ ،‬ول تفصل‬
‫السياسة عن الدين ‪ ،‬بل الدين متغلغل ف كل أمر من أمور السلم ف بيته وعمله وتارته‬
‫وتعاملته ‪ ،‬وذهابه وعودته ‪ ،‬فالدين حصن للمسلم من الزيغ والفساد ‪ ،‬ونن نرى اليوم أن‬
‫هناك الكثي من الرايات الت تدعو إل فصل الدين عن بعض مالت الياة لسبب أو لخر ‪،‬‬
‫وتلك الفئة الفاشية الت تظهر ليلً وتتبئ نارا قد نبأنا ال من أخبارها ‪ ،‬فعرفناها وعرفنا‬
‫مقاصدها ومراميها ‪ ،‬وما تدعو إليه ‪ ،‬ولكننا لم بالرصاد ما بقي ف عرق مسلمٍ دما ‪ ،‬وما بقي‬
‫قلبا متحركا ‪.‬‬
‫وقد جاء أن الساعة ل تقوم حت تعبد نساء من دوس صنم ذو اللصة ‪ ،‬وذو اللصة صنم كان‬
‫يعبده أهل دوس ف الاهلية ‪ ،‬ويوجد ببلد زهران ف جنوب الملكة العربية السعودية ‪ ،‬وقد‬
‫هدم واندرس أثره تاما ‪ ،‬ويشهد لذلك الديث الذي جاء َع ْن َجرِير قَا َل ‪ :‬قَا َل لِي َرسُو ُل اللّهِ‬
‫‪171‬‬

‫ص ِة ‪ ،‬وَ ُه َو نُصُبٌ كَانُوا يَعُْبدُوَن ُه ُيسَمّى الْ َكعَْبةَ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬أَلَا ُترِيُنِي ِمنْ ذِي الْخَلَ َ‬
‫صدْرِي َفقَالَ ‪" :‬‬
‫صكّ فِي َ‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّل ِه ‪ِ :‬إنّي َر ُجلٌ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَ ْي ِل ‪ ،‬فَ َ‬
‫الْيَمَانَِيةَ " قُلْ ُ‬
‫س ِم ْن َقوْمِي ‪،‬‬
‫ي فَا ِرسًا ِمنْ أَحْمَ َ‬
‫ت فِي خَ ْمسِ َ‬
‫خ َرجْ ُ‬
‫ال ّل ُهمّ ثَبّ ْت ُه وَا ْجعَلْ ُه هَا ِديًا َم ْه ِديّا " قَا َل ‪ :‬فَ َ‬
‫ت فِي عُصَْب ٍة ِمنْ َق ْومِي َفأَتَيُْتهَا َفَأ ْحرَقُْتهَا ُث ّم َأتَيْتُ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫وَ ُربّمَا قَا َل ‪ :‬فَانْطَ َلقْ ُ‬
‫س َوخَيْ ِلهَا‬
‫ج َملِ اْلَأجْ َربِ َفدَعَا ِلأَحْمَ َ‬
‫ك حَتّى َترَكُْتهَا مِ ْثلَ الْ َ‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّلهِ ‪ :‬وَال ّلهِ مَا أَتَيُْت َ‬
‫َفقُلْ ُ‬
‫" [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬وقد كان هذا التمثال موجود قديا ‪ ،‬وعبد من دون ال ‪.‬‬
‫وذو اللصة ‪ :‬اسم لصنمي كل منهما يُدعى ذا اللصة ‪ ،‬أحدها لدوس ‪ ،‬والثان لثعم‬
‫وغيهم من العرب ‪.‬‬
‫فأما صنم دوس فهو الراد من علمات الساعة ‪ ،‬ول يزال مكانه معروفا إل الن ف بلد زهران‬
‫‪ ،‬ف مكان يقال له ( ثروق ) قريبا من قرية تسمى ( رمس ) ‪ ،‬ويقع ذو اللصة فوق تل‬
‫صخري مرتفع ‪.‬‬
‫وأما صنم خثعم فهو بيت بنته قبيلتان من العرب ها ‪ :‬خثعم وبيلة ‪ ،‬يضاهئون به الكعبة وقد‬
‫هدمه جرير بن عبد ال البجلي رضي ال عنه ‪ ،‬وهذا الصنم أزيل وبن مكانه مسجد جامع ف‬
‫بلدة يقال لا ( العبلت ) من أرض خثعم ‪.‬‬
‫عن َأبِي ُه َرْيرَةَ َرضِي اللّه عَنْه ‪ :‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬لَا َتقُومُ السّا َعةُ‬
‫س الّتِي كَانُوا‬
‫صةِ طَاغَِي ُة دَوْ ٍ‬
‫ص ِة ‪َ ،‬وذُو الْخَلَ َ‬
‫ب أَلَيَاتُ ِنسَا ِء َدوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَ َ‬
‫حَتّى تَضْ َط ِر َ‬
‫َيعُْبدُو َن فِي الْجَاهِلِّيةِ " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ‪.‬‬
‫وقد حدث هذا الشرك كما أخب به النب صلى ال عليه وسلم ف قبيلة دوس وما حولا من‬
‫بلد العرب ‪ ،‬وذلك عندما عاد الهل إل تلك الناطق ‪ ،‬فافتتنوا بذي اللصة وعاد الهل ‪،‬‬
‫فعبدوا ذلك الصنم من دون ال عز وجل ‪ ،‬حت قام الشيخ ممد بن عبد الوهاب رحه ال‬
‫بالدعوة إل تديد التوحيد ‪ ،‬وتصحيح العقيدة ‪ ،‬فدعاء إل التوحيد الالص ل تعال ‪ ،‬وجدد ما‬
‫اندرس من معال الدين ‪ ،‬وسعى ف مو الشرك من جزيرة العرب ‪ ،‬فبعث إمام السلمي ف ذلك‬
‫الزمان وهو المام ‪ /‬عبد العزيز بن ممد بن سعود رحه ال ‪ ،‬حيث بعث جاعة من الدعاة إل‬
‫ذي اللصة ‪ ،‬فخربوها ‪ ،‬وهدموا بعض بنائها ‪ ،‬وكان بنا ًء قويا ومكما ‪ ،‬حت أن الجر الواحد‬

‫‪172‬‬

‫ل يستطيع زحزحته أقل من أربعي رجلً ‪ ،‬فهدموا جزءا من البناء ‪ ،‬وأقاموا الدين ف تلك‬
‫البقاع ‪ ،‬وأقاموا شرع ال تعال ‪.‬‬
‫ولا انتهى حكم آل سعود على الجاز ف تلك الفترة ‪ ،‬عاد الهال إل عبادة ذي اللصة مرة‬
‫أخرى ‪ ،‬حت استول اللك عبد العزيز بن عبد الرحن آل سعود رحه ال على الجاز ‪ ،‬أمر‬
‫عامله عليها بدم البناء بأكمله ‪ ،‬فأرسل جاعة من جيشه فهدموها ‪ ،‬وأزالوا أثرها ‪ ،‬ورموا‬
‫بأنقاضها ف الوادي ‪ ،‬فانقطع أثرها إل يومنا هذا ول المد والنة ‪ ،‬وكان ذلك ف عام ألف‬
‫وثلثائة وأربع وأربعي للهجرة ‪.‬‬
‫فهذا الديث قد وقع وانتهى ولن يعود بإذن ال تعال شرك إل تلك الناطق مادام السلم قائما‬
‫‪ ،‬وما كان هناك دعاة وعلماء وحكاما يتبعون كلم ال ‪ ،‬ويكمون شرعه وسنة نبيه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪.‬‬
‫ب َألَيَاتُ ِنسَا ِء َدوْسٍ‬
‫ونأت لبقية شرح الديث ‪ ،‬فقوله صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬حَتّى تَضْ َطرِ َ‬
‫صةِ " ‪ ،‬الليات ‪ :‬جع أليه ‪ ،‬وهي العجيزة ‪ ،‬ومعن ذلك ‪ :‬أن نسا ًء من دوس‬
‫عَلَى ذِي الْخَلَ َ‬
‫سيكب الدواب إل ذي اللصة فتتحرك أعجازهن من أثر ركوب الدواب لقطع السافة إل‬
‫ذلك الصنم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أن أعجازهن تتحرك عندما يطفن بذلك الصنم نتيجة لزدحامهن بيث‬
‫تضرب عجيزة أحدهن الخرى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أنن يضطربن من الكفر بال وعبادة ذلك الصنم ‪،‬‬
‫الاصل أن تلك العلمة من علمات الساعة قد وقعت كما سبق وقلت ‪ ،‬ول رجعة لا بإذن ال‬
‫تعال ‪ [ .‬عمدة القاري ‪ ، 374 / 16‬فتح الباري ‪ ، 96 / 13‬شرح النووي على مسلم‬
‫‪. ] 240 / 18‬‬
‫لكن مظاهر الشرك ف بلد السلم كثية اليوم ‪ ،‬وليست مصورة ف دولة واحدة فقط ‪ ،‬بل‬
‫الكثي منها ل تلو من مظهر من مظاهر الشرك بال تعال ‪ ،‬مصداقا لقول ال تبارك وتعال ‪" :‬‬
‫وما يؤمن أكثرهم بال إل وهم مشركون " [ يوسف ‪ ، ] 106‬قال ابن عباس رضي ال‬
‫عنهما ‪ :‬من إيانم ‪ :‬أنم إذا قيل لم ‪ :‬من خلق السموات ؟ ومن خلق الرض ؟ ومن خلق‬
‫البال ؟ قالوا ‪ :‬ال ‪ ،‬وهم مشركون به ‪ ،‬وكذا قال الجاهد والشعب وقتادة ‪ ،‬وجاء ف‬
‫الصحيحي َعنْ عَ ْبدِ ال ّل ِه بن مسعود رضي ال عنه قَالَ ‪َ :‬سأَلْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫جعَ َل لِ ّلهِ نِدّا وَ ُهوَ خَ َل َقكَ ‪ ، " . . .‬فهذا هو‬
‫ب أَعْ َظمُ عِ ْن َد اللّهِ ؟ قَالَ ‪ " :‬أَنْ َت ْ‬
‫ي ال ّذنْ ِ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪ :‬أَ ّ‬
‫‪173‬‬

‫الشرك العظيم الذي ل يغفره ال تعال ‪ ،‬أن تعبد مع ال غيه ‪ [.‬عمدة التفسي ‪] 309 / 2‬‬
‫‪.‬‬
‫ول تزال هناك صور للشرك ف بعض البلد السلمية ‪ ،‬مصداقا لديث عَاِئشَ َة قَالَتْ ‪ :‬سَ ِمعْتُ‬
‫ت وَاْل ُعزّى "‬
‫ب اللّيْ ُل وَالّنهَا ُر ‪ ،‬حَتّى ُتعْبَ َد اللّا ُ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ يَقُو ُل ‪ " :‬لَا َي ْذهَ ُ‬
‫ي أَْن َزلَ ال ّلهُ ‪ُ { :‬هوَ اّلذِي أَرْ َسلَ َرسُوَلهُ بِاْلهُدَى َودِينِ‬
‫ت َلأَ ُظ ّن حِ َ‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّلهِ ‪ :‬إِنْ كُنْ ُ‬
‫َفقُلْ ُ‬
‫شرِكُو َن } أَ ّن ذَِلكَ تَامّا ‪ ،‬قَالَ ‪ِ " :‬إّنهُ سََيكُونُ ِمنْ‬
‫ح ّق لِيُ ْظ ِه َرهُ عَلَى الدّينِ كُ ّل ِه وََلوْ َك ِرهَ الْ ُم ْ‬
‫الْ َ‬
‫َذِلكَ مَا شَا َء ال ّلهُ ‪ُ ،‬ث ّم يَ ْبعَثُ ال ّلهُ رِيًا طَيَّب ًة فََت َوفّى ُك ّل َمنْ فِي قَلِْبهِ مِ ْثقَالُ حَّبةِ َخ ْردَ ٍل ِمنْ إِيَانٍ ‪،‬‬
‫فَيَ ْبقَى َم ْن لَا خَ ْي َر فِيهِ ‪ ،‬فََي ْر ِجعُو َن ِإلَى دِينِ آبَاِئهِ ْم " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫وقد افتت الناس ف قرون مضت بقب ابن عباس رضي ال عنهما بالطائف ‪ ،‬فكانوا يدعونه من‬
‫دون ال ‪ ،‬ويطلبون منه قضاء حوائجهم ‪ ،‬وتفريج كرباتم ‪ ،‬ويستغيثون به ويستعينون به من‬
‫دون ال ‪ ،‬وقد أزيلت آثار الوثنية من قب ابن عباس رضي ال عنهما مرتي الول ف سنة ألف‬
‫ومائتي وعشرين تقريبا ‪ ،‬والثانية ف أواخر سنة ألف وثلثائة واثني وأربعي ‪.‬‬
‫هذا ف الزيرة ‪ ،‬وما حول الزيرة ل يزال باقيا إل يومنا هذا ‪ ،‬فالشرك قلما يلو منه بيت من‬
‫بيوت السلمي خصوصا ف بلد الغرب العرب وما جاورها ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬ولعل‬
‫ذلك الشرك قد تفشى ونشأ وظهر وبقي ‪ ،‬بسبب العلماء الضلل الذين أرضوا الكام بسخط‬
‫ال عز وجل ‪ ،‬وأطاعوهم ف معصية ال تعال ‪ ،‬فالناس تبع للعلماء وما دام أن العلماء قد ضلوا‬
‫‪ ،‬فل بد أن يضل القوم ‪ ،‬وقال سفيان بن عيينه ف مثل أولئك العلماء الضُلّل ‪ " :‬احذروا فتنة‬
‫العال الفاجر ‪ ،‬والعابد الاهل ‪ ،‬فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون " ‪ ،‬وقيل ف المثال ‪ " :‬إذا زل‬
‫العالِم زل بزلته عالَم " ‪ ،‬وهذا هو الشاهد اليوم من كثرة ظهور الشرك ف هذه المة ‪ ،‬وهو‬
‫أمر يتحسر عليه السلم ‪ ،‬ويبقي دما بدل الدمع ‪ ،‬فكم هي الشاهد والقبور والوثان ‪ ،‬وكم‬
‫هم الذين يلفون بغي ال وهو شرك ‪ ،‬قَا َل اْبنُ عُ َم َر ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫ف ِبغَ ْيرِ ال ّلهِ َف َقدْ َك َفرَ َأوْ َأ ْشرَكَ " [ أخرجه الترمذي وصححه اللبان ‪/ 2‬‬
‫َيقُو ُل ‪َ " :‬منْ حَلَ َ‬
‫حدِيثُ‬
‫سرَ َهذَا الْ َ‬
‫‪ ، 175‬وهو ف الصحيحة برقم ‪ ] 2042‬قَالَ أَبو عِيسَى رحه ال ‪ُ " :‬ف ّ‬
‫ث ابْنِ‬
‫ج ُة فِي ذَِلكَ حَدِي ُ‬
‫ظ وَالْحُ ّ‬
‫ض َأهْ ِل الْعِ ْل ِم أَ ّن َقوَْلهُ ‪َ :‬ف َقدْ َك َفرَ َأ ْو أَ ْشرَكَ ‪ ،‬عَلَى التّغْلِي ِ‬
‫عِ ْندَ َبعْ ِ‬
‫عُ َم َر أَنّ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم سَمِعَ عُ َم َر َيقُولُ ‪َ :‬وَأبِي َوأَبِي ‪َ ،‬فقَا َل ‪َ :‬ألَا إِ ّن ال ّلهَ يَ ْنهَا ُكمْ‬
‫‪174‬‬

‫ث أَبِي هُ َرْي َرةَ َعنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َأنّ ُه قَا َل ‪َ " :‬منْ قَالَ‬
‫أَ ْن تَحْ ِلفُوا بِآبَاِئكُ ْم " ‪ ،‬وَ َحدِي ُ‬
‫ت وَاْل ُعزّى ‪ ،‬فَلَْي ُقلْ ‪ :‬لَا ِإلَ َه ِإلّا ال ّلهُ " ‪ ،‬وسع ابن عمر رجلً يلف بالكعبة ‪ ،‬فقال‬
‫فِي حَلِ ِفهِ وَاللّا ِ‬
‫‪ " :‬ويك ل تفعل ‪ ،‬فإن سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬من حلف بغي ال‬
‫فقد أشرك " [ هو قطعة من الديث السابق ‪ ،‬وهو صحيح السناد على شرط مسلم ] ‪ ،‬قال‬
‫الطحاوي رحه ال ‪ " :‬ل يرد به الشرك الذي يرج من السلم حت يكون به صاحبه خراجا‬
‫من السلم ‪ ،‬ولكنه أراد أنه ل ينبغي أن يلف بغي ال تعال ‪ ،‬لن من حلف بغي ال تعال فقد‬
‫جعل ما حلف به ملوفا به ‪ ،‬كما جعل ال تعال ملوفا به ‪ ،‬وبذلك جعله شريكا ل تعال ‪،‬‬
‫وهذا من الشرك الصغر وهو خطر على دين السلم " [ السلسلة الصحيحة ‪70 / 5‬‬
‫بتصرف ] ‪.‬‬
‫ومن وسائل الشرك الوجودة اليوم ‪ ،‬الطواف حول القبور والضرحة ودعاء أهلها من دون ال‬
‫وهذا شرك أكب مرج من ملة السلم والعياذ بال ‪ ،‬ومن وسائل ومظاهره الحتفال بالولد‬
‫النبوي واعتقاد أن النب صلى ال عليه وسلم يضر هذه الوالد والحتفالت الرافية الكاذبة‬
‫الت ل دليل عليها ل من كتاب ال ول من سنة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وليس عليها أمر‬
‫السلمي ل قديا ول حديثا ‪ ،‬ول يدع إليها أي عال من العلماء من يُعتد بعلمه إل من زاغ منهم‬
‫ت ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ‬
‫شةَ رَضِي اللّه عَ ْنهَا قَالَ ْ‬
‫وضل عن سبيل الؤمني ‪َ ،‬عنْ عَاِئ َ‬
‫س فِي ِه ( مِ ْنهُ ) َف ُهوَ َردّ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري‬
‫ث فِي َأ ْم ِرنَا َهذَا مَا لَيْ َ‬
‫َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬م ْن أَ ْحدَ َ‬
‫ولفظ مسلم ما بي القوسي ] ‪ ،‬وهناك الكثي والكثي من مظاهر الشرك ف بلد السلم ‪.‬‬
‫وأحذر العلماء ف بلد السلم من اغتروا بالسلطان إما خوفا ‪ ،‬وإما ماملة ‪ ،‬وإما درا للمال‬
‫واستزادة ف حب الدنيا والبقاء فيها ‪ ،‬أحذرهم بأن ال قد أخذ عليهم اليثاق بأن يقولوا الق‬
‫ول يكتمونه ولو كان ف ذلك ذهاب أرواحهم وأجسادهم وأموالم وأولدهم فما عند ال خي‬
‫وأبقى ‪ ،‬وأعظم أجرا ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وإذ أخذ ال ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ول‬
‫تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثنا قليلً فبئس ما يشترون " [ آل عمران ‪] 187‬‬
‫‪ ،‬وقد حذر النب صلى ال عليه وسلم العلماء من اتباع المراء الضلي ف حديث عظيم ‪َ ،‬عنْ‬
‫سةٌ َوأَ ْرَبعَةٌ‬
‫سعَ ٌة ‪ ،‬خَ ْم َ‬
‫ح ُن ِت ْ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ َونَ ْ‬
‫ج ِإلَيْنَا َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫ج َرةَ قَالَ ‪َ :‬خرَ َ‬
‫ب ْبنِ ُع ْ‬
‫َكعْ ِ‬
‫جمِ َفقَالَ ‪ " :‬اسْ َمعُوا ! هَ ْل سَ ِمعُْتمْ َأّنهُ سََتكُونُ َب ْعدِي‬
‫ب وَالْآ َخ ُر ِمنَ اْلعَ َ‬
‫َأ َحدُ اْلعَ َد َديْ ِن ِمنَ اْل َعرَ ِ‬
‫‪175‬‬

‫س مِنّي َوَلسْتُ مِ ْن ُه َولَيْسَ‬
‫ص ّد َقهُ ْم بِ َك ِذِبهِ ْم َوأَعَاَن ُهمْ عَلَى ظُلْ ِم ِهمْ فَلَيْ َ‬
‫ُأ َمرَا ُء ‪َ ،‬م ْن َدخَلَ عَ َل ْيهِ ْم فَ َ‬
‫ص ّد ْقهُ ْم ِبكَ ِذِبهِ ْم َولَ ْم ُيعِ ْنهُمْ عَلَى ظُ ْل ِم ِهمْ َف ُهوَ‬
‫ض ‪َ ،‬و َمنْ َل ْم يَ ْد ُخلْ عَلَ ْي ِهمْ َوَلمْ يُ َ‬
‫حوْ َ‬
‫َي ِردُ عَ َليّ الْ َ‬
‫ض " [ أخرجه النسائي والترمذي وأحد ‪ ،‬وصححه اللبان ف‬
‫حوْ َ‬
‫مِنّي وََأنَا مِ ْن ُه وَسََي ِردُ عَ َليّ الْ َ‬
‫صحيح النسائي ‪ ، ] 135 / 3‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ليأتي عليكم أمراء ‪ ،‬يقربون‬
‫شرار الناس ‪ ،‬ويؤخرون الصلة عن وقتها ‪ ،‬فمن أدرك ذلك منهم ‪ ،‬فل يكونن عريفا ‪ ،‬ول‬
‫شرطيا ‪ ،‬ول جابيا ‪ ،‬ول خازنا " [ أخرجه ابن حبان وحسن إسناده اللبان ف الصحيحة ‪/ 1‬‬
‫‪ ، 701‬حديث رقم ‪ ، ] 360‬فهنا نرى ان النب صلى ال عليه وسلم يذر العلماء من‬
‫الوقوف على أبواب المراء والئتمار بأمرهم إذا فيه معصية ل تعال ‪ ،‬وإضللً لعباد ال ‪ ،‬وقد‬
‫توعد من فعل ذلك بأنه ل يرد على النب صلى ال عليه وسلم الوض يوم القيامة ‪ ،‬فهذا وعيد‬
‫شديد لن أعان أميا على الظلم ‪ ،‬وخصوصا إذا كان عالا من العلماء يريد بذلك الدنيا وزينتها‬
‫‪ ،‬وقد بوب النسائي رحه ال بابا وساه ( ذكر الوعيد لن أعان أميا على الظلم ) [ سنن‬
‫النسائي بشرح السيوطي ‪ ،‬وحاشية السندي ‪ ، ] 180 / 7‬فإذا كان من عمل معهم‬
‫كشرطي أو واليا لم ‪ ،‬أو جابيا للمال من الناس أو غي ذلك أمره النب صلى ال عليه وسلم‬
‫بأن ل يعمل معهم ف مثل تلك العمال الت يكون فيها ظلمٌ للمسلمي من أخذ أموال بغي حق‬
‫أو ما شابه ذلك من الظلم والعدوان ‪ ،‬فمن باب أول وأحرى أن يكون التشديد فيمن يأمر‬
‫بالنكر وينهى عن العروف طاعة للرؤساء والكام والمراء ‪ ،‬فيُضل الناس عن طاعة ربم إل‬
‫طاعة رؤسائهم ‪ ،‬وهذا من أكب العداون على الناس ‪ ،‬ومن أعظم الظلم للنفس البشرية ‪ ،‬إذ‬
‫كيف ين ال على أحدهم بالعلم النافع ث يستخدم علمه ف زيغ الناس وإفساد عقيدتم ‪،‬‬
‫وتدمي دينهم ‪ ،‬وأفت بفتاوى تيز عبادة القبور أو التبك بأهلها أو الجتماع للعياد غي أعياد‬
‫السلمي الثلثة العروفة منذ صدر السلم حت يومنا هذا وهي ‪ :‬عيدا الفطر والضحى ويوم‬
‫المعة ‪ ،‬فمن أحدث عيدا غي ذلك فقد ابتدع ف الدين ال ما ل يأذن به ال ‪ ،‬ومن أفت بطاعة‬
‫الكام ولو كانوا حكمهم مبنيا على معصية ل تعال ‪ ،‬ومالفة أمر نبيه صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫فل ريب أن ذلك العال الفاجر ل يرد على النب صلى ال عليه وسلم الوض يوم القيامة ‪،‬‬
‫وهذا كما قلت تشديد ووعيد وتديد وتويف للعلماء الضلل ‪ ،‬وما أكثرهم اليوم ‪ ،‬فل‬
‫كثرهم ال ‪.‬‬
‫‪176‬‬

‫نسأل ال تعال أن يقينا الشرور والفت والحن ما ظهر منها وما بطن ‪ ،‬وأن يعيد المة السلمية‬
‫إل عزها وشوخها ‪ ،‬وتسكها بعبادة ربا ‪ ،‬ونبذ عبادة الوثان والولياء والشاهد والقبور ‪،‬‬
‫ونسأله سبحانه أن يهيئ للمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ‪ ،‬ويذل فيه أهل العصية ‪ ،‬ويؤمر‬
‫فيه بالعروف ‪ ،‬وينهى فيه عن النكر ‪ ،‬ونسأله سبحانه أن يصلح العلماء والكام ف بلد‬
‫ل ويرزقنا اجتنابه ‪ ،‬إنه‬
‫السلم ‪ ،‬وأن يرينا جيعا الق حقا ويرزقنا اتباعه ‪ ،‬ويرينا الباطل باط ً‬
‫جواد كري ‪ ،‬وهو على كل شيء قدير ‪.‬‬
‫الرابع والمسون ‪:‬‬
‫ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الوار ‪ ،‬روى المام أحد عن عبدال بن عمرو رضي ال‬
‫عنهما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪(( :‬ل تقوم الساعة حت يظهر الفحش والتفاحش‪،‬‬
‫وقطيعة الرحم‪ ،‬وسوء الجاورة))‪ .‬فهذه ثلثة أمور ذكرها النب صلى ال عليه وسلم أنا من‬
‫علمات الساعة‪ ،‬وكلها وال منتشرة بيننا ‪ ،‬ولنأخذ كل واحدة على حدة ‪:‬‬
‫أولً ‪ /‬ظهور الفحش ‪:‬‬
‫لقد انتشر الفحش بي كثي من الناس ‪ ،‬وهذا نذير شر ول شك ‪ ،‬فالفحش دليل سقوط‬
‫الجتمع ف الرذيلة والفساد ‪ ،‬والبعد عن ال الواحد الديان ‪ ،‬ولقد حذر النب صلى ال عليه‬
‫وسلم من الفحش ‪َ ،‬عنْ عَ ْبدِال ّل ِه ْبنِ عَ ْمرٍو قَالَ ‪َ " :‬ل ْم يَ ُكنْ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫حشًا ‪َ ،‬وِإنّهُ كَا َن َيقُولُ ‪ " :‬إِ ّن خِيَارَ ُك ْم أَحَاسُِن ُكمْ َأخْلَاقًا " [ أخرجه البخاري‬
‫فَاحِشًا وَلَا مَُتفَ ّ‬
‫ت ‪ :‬اسْتَ ْأذَنَ َر ُجلٌ عَلَى َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫شةَ رَضِي اللّه عَ ْنهَا قَالَ ِ‬
‫ومسلم ] ‪ ،‬وعن عَاِئ َ‬
‫ت يَا‬
‫ي ِة ‪ ،‬فَلَمّا دَ َخ َل َألَا َن َلهُ اْلكَلَا َم ‪ ،‬قُ ْل ُ‬
‫ي ِة َأوِ اْبنُ اْل َعشِ َ‬
‫س َأخُو اْلعَشِ َ‬
‫َوسَ ّلمَ َفقَا َل ‪ " :‬ائْ َذنُوا َلهُ بِئْ َ‬
‫شةُ إِ ّن َشرّ النّاسِ َم ْن َترَ َكهُ‬
‫ت َلهُ الْكَلَا َم ‪ ،‬قَالَ ‪ " :‬أَيْ عَاِئ َ‬
‫ت اّلذِي قُلْتَ ‪ ،‬ثُ ّم َألَنْ َ‬
‫َرسُو َل ال ّلهِ ‪ :‬قُلْ َ‬
‫س ْبنِ مَالِكٍ رَضِي اللّه عَنْه‬
‫ش ِه " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬و َعنْ َأنَ ِ‬
‫حِ‬
‫النّاسُ َأ ْو وَدَ َع ُه النّاسُ اّتقَا َء فُ ْ‬
‫قَالَ ‪َ " :‬ل ْم يَ ُكنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم سَبّابًا وَلَا فَحّاشًا َولَا َلعّانًا ‪ ،‬كَا َن َيقُو ُل ِلأَ َحدِنَا عِ ْندَ‬
‫الْ َمعْتَِبةِ ‪ " :‬مَا َلهُ َت ِربَ جَبِيُن ُه " [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫إل أن هناك فئة من أهل العاصي والذنوب ربا يكونون غي مبالي بالتحدث با يرتكبون من‬
‫معاصي وآثام ‪ ،‬وهذا من الفحش والعياذ بال‪ ،‬ومن الهانة والذلة والسة وعدم الروءة أن يقع‬
‫‪177‬‬

‫الرء ف معصية أو خطأ أو جرية أو فاحشة‪ ،‬وقد بات يستره ال‪ ،‬ث يصبح ويكشف ستر ال‬
‫عنه بأن يتحدث بي زملئه وأقرانه با فعل ‪ ،‬بل البعض يفتخر بفعل الزنا واللواط مثلً ‪ ،‬أو‬
‫معاكسة النساء ‪ ،‬أو ما شابه ذلك ‪ ،‬فمن فعل ذلك فقد باء بالث والسران ‪ ،‬ول شك أنه‬
‫سفيه عدي الياء ‪ ،‬ميت الروءة ‪ ،‬ول شك أيضا أن ذلك من الدناءة بكان ‪ ،‬فكيف بعبد حقي‬
‫ذليل مثقل بالذنوب يعصي موله ‪ ،‬وهو مطلع عليه فيستره لعله يتوب ويرجع إل ربه ويكم‬
‫عقله ‪ ،‬وإذا به يزيد المر سوءا فيفضح ستر ال عليه ‪ ،‬وياهر بعصيته والعياذ بال أمام‬
‫الناس ‪ ،‬وقد حذر الشارع الكري من ذلك تذيرا بليغا ‪َ ،‬ف َعنْ َأبِي ُه َريْ َرةَ رضي ال عنه قَالَ ‪:‬‬
‫سَ ِمعْتُ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ َيقُولُ ‪ُ " :‬ك ّل ُأمّتِي ُمعَافًى ِإلّا الْمُجَا ِهرِي َن ‪َ ،‬وإِنّ ِمنَ‬
‫ح َوقَ ْد سََت َرهُ ال ّلهُ عَلَ ْيهِ ‪ ،‬فََيقُولَ يَا‬
‫الْمُجَا َه َرةِ ( الجهار ) أَنْ يَعْ َم َل الرّ ُجلُ بِاللّ ْيلِ عَمَلًا ُثمّ يُصِْب َ‬
‫ح َي ْكشِفُ سِ ْترَ ال ّلهِ عَ ْنهُ " [ متفق‬
‫ت الْبَارِ َحةَ َكذَا وَ َكذَا ‪َ ،‬و َقدْ بَاتَ َيسُْت ُرهُ َرّبهُ َويُصْبِ ُ‬
‫فُلَانُ َعمِلْ ُ‬
‫عليه واللفظ للبخاري ولفظ مسلم ما بي القوسي ] ‪.‬‬
‫وكم نرى اليوم ونسمع من الجاهرة بالعصية والعياذ بال ‪ ،‬ومن أعظم الجاهرة بالعاصي‬
‫والكبائر الهلكة ‪ ،‬الجاهرة بسماع الغان ورفع الصوت با ف الشوارع والطرقات ف‬
‫السيارات والحلت التجارية ‪ ،‬والبيوت وغي ذلك ‪ ،‬وكذل الجاهرة بإسبال الثياب وحلق‬
‫اللحى ‪ ،‬وتبج الناس بالزينة والروج متعطرات ف مامع الناس وأماكن طرقهم ‪ ،‬ومن‬
‫الجاهرة بالعصية والت ل يُعاف صاحبها بل قد يأخذه ال على عي غفلة منه ‪ ،‬الجاهرة‬
‫بارتكاب الربا وأكله سحتا حراما ‪ ،‬والتعامل بالرشوة ‪ ،‬وشرب الدخان والسكرات والمور‬
‫والخدرات ‪ ،‬وتقليد الكفار ‪ ،‬وهذا غيض من فيض ‪ ،‬وقليل من كثر من ظهور الفحش ف‬
‫الجتمعات بل والتباهي با وهتك سرها ‪ ،‬نسأل ال السلمة والعافية ‪ ،‬وأن نلقاه وهو راض عنا‬
‫غي غضبان ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ /‬قطيعة الرحم ‪:‬‬
‫وهذه هي الالقة الت تلق الدين والعياذ بال ‪ ،‬فال الستعان وإليه الشتكى ‪ ،‬وصلنا إل مرحلة‬
‫غريبة عجيبة ف قطيعة الرحم ‪ ،‬وصلنا إل أن القريب ل يصل قريبه ‪ ،‬بل يصل بينهم التقاطع‬
‫والتدابر إل درجة أن الشهور تر وهم ف بلد واحد ‪ ،‬وربا ف حارة واحدة ‪ ،‬فل يتزاورون ول‬
‫يتواصلون ‪ ،‬بل يتباغضون ويتلعنون ‪ ،‬هذا هو واقعنا اليوم ‪ ،‬إن رسول ال صلى ال عليه‬
‫‪178‬‬

‫وسلم حث على صلة الرحم وحذّر من قطيعتها ‪َ ،‬عنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى‬
‫ت ‪َ :‬هذَا َمقَامُ‬
‫ت ال ّرحِ ُم َفقَالَ ْ‬
‫غ مِ ْن ُهمْ ‪ ،‬قَامَ ِ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬إِنّ ال ّل َه خَلَ َق الْخَ ْل َق حَتّى ِإذَا َفرَ َ‬
‫ص َل َمنْ وَصَ َلكِ ‪َ ،‬وَأقْطَ َع َمنْ قَ َط َعكِ ؟ قَالَتْ ‪:‬‬
‫اْلعَاِئذِ ِم َن الْقَطِي َعةِ ‪ ،‬قَالَ ‪َ :‬ن َعمْ ‪ ،‬أَمَا َترْضَ ْينَ أَ ْن أَ ِ‬
‫بَلَى ‪ ،‬قَالَ ‪ " :‬فَذَا ِك َلكِ " ‪ُ ،‬ث ّم قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ " :‬ا ْقرَءُوا إِ ْن شِئُْتمْ‬
‫ك الّذِينَ َلعََن ُهمُ ال ّلهُ‬
‫ض َوُتقَ ّطعُوا أَ ْرحَامَ ُكمْ أُولَئِ َ‬
‫سدُوا فِي الْأَرْ ِ‬
‫( َف َهلْ َعسَيُْت ْم إِنْ تَ َولّيُْتمْ أَ ْن ُت ْف ِ‬
‫َفأَصَ ّم ُه ْم َوأَعْمَى َأبْصَا َرهُ ْم َأفَلَا يََت َدبّرُو َن الْ ُقرْآ َن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ َأ ْقفَاُلهَا ) [ أخرجه البخاري‬
‫ومسلم واللفظ له ] ‪.‬‬
‫صلة الرحم سبب لدخول النة ‪ ،‬قال رجل يا رسول ال أخبن بعمل يدخلن النة فقال النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬تـعُْب ِد ال ول تشرك به شيئا ‪ ،‬وتقيم الصلة ‪ ،‬وتؤت الزكاة ‪ ،‬وتصل‬
‫الرحم " [ متفق عليه ] ‪ .‬وطرق القيام بق القارب والرحام واسعة ‪ ،‬ووسائله عديدة ‪،‬‬
‫وسبله كثية ‪ ،‬فمنها فشّو الودة واتساع الصدور وسلمة القلوب ‪.‬‬
‫إن صلة الرحم بركة ف الرزاق وتوفيق ف الياة ‪ ،‬يكتب ال با العزة والنعة وتتلئ القلوب با‬
‫إجللً وهيبة ‪ .‬بصلة الرحام تقوى الودة ‪ ،‬وتزيد الحبة ‪ ،‬وتتوثق عُرى القرابة ‪ .‬إنا أقوال‬
‫وأفعال ل تكلف السلم شيئا ما إن يقوم با إل وتصافت القلوب ‪ ،‬وتسامى اللقاء بي الرحام‬
‫والقارب ‪ ،‬ما إن تفعل إل وزالت الشحناء وذهبت البغضاء ‪ ،‬واستبدلت القطيعة مبة وصلة ‪،‬‬
‫فبشاشة عند اللقاء ولي ف العاملة وطيب ف القول وطلقة ف الوجه ‪ ،‬وزيارات وصِلت ‪،‬‬
‫وتفقد واستفسارات ‪ ،‬مكالات ومراسلت ‪ ،‬إحسان إل الحتاج وبذل للمعروف وتبادل ف‬
‫الدايا ‪ ،‬وغضّ عن الفوات وعف ٌو عن الزلّت وإقالةٌ للعثرات ‪ ،‬عدلُ وإنصاف واجتهاد ف‬
‫الدعاء بالتوفيق والصلح ‪ ،‬تن الحبة ويصل الفلح ‪ ،‬وأصدق من ذلك وأعظم مداومة‬
‫الصلة ولو قطعوا والبادرة بالغفرة إذا أخطأوا والحسان إليهم ولو أساءوا ‪ .‬قال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬ليس الواصل بالكافء ‪ ،‬ولكن الواصل من إذا قطعت رحه وصلها " [ أخرجه‬
‫البخاري ] ‪ .‬وجاء رج ُل إل النب صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال عن ل قرابة أصلهم‬
‫ويقطعون ‪ ،‬وأُحسن إليهم ويسيئون إلّ وأحلم عليهم ويهلون عليّ فقال عليه الصلة والسلم‬
‫" لئن كان كما تقول فكأنا تُسفّهم اللّ ( أي تطعمهم الرماد الار ف أفواههم ) ول يزال معك‬
‫ي ما دمت على ذلك " ] أخرجه مسلم [ ‪.‬‬
‫من ال ظه ٌ‬
‫‪179‬‬

‫ب للعنة وعمى البصر والبصية ‪ ،‬إن تقطيع الرحام من‬
‫إن قطيعة الرحم شؤ ٌم وخراب ‪ ،‬وسب ٌ‬
‫أعظم كبائر الذنوب وعقوبتها معجلةٌ ف الدنيا قبل الخرة ‪ ،‬أخرج أبو داود والترمذي‬
‫وصححه الاكم عن أب بكرة رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬ما من ذنبٍ‬
‫أجدر أن يُعجل ال لصاحبه العقوبة ف الدنيا مع ما يدخره له ف الخرة من البغي وقطيعة الرحم‬
‫" ‪ ،‬وروى المام أحد والبخاري ف الدب الفرد _ ورواة أحد ثقات _ عن أب هريرة رضي‬
‫ال عنه قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إن أعمال بن آدم تُعرض كل عشية‬
‫خيس ليلة المعة فل يُقبل عمل قاطع رحم " ‪ ،‬ونقل عن ابن مسعود رضي ال عنه أنه كان‬
‫جالسا بعد الصبح ف حلقة فقال ‪ " :‬انشد ال قاطع الرحم لا قام عنّا ‪ ،‬فإنّا نريد أن ندعوا ربنا‬
‫وإن أبواب السماء مُرتّة _ أي مغلقة _ دون قاطع الرحم " ] رواه الطبان ورجاله رجال‬
‫الصحيح إلّ أن العمش ل يدرك ابن مسعود [ ‪ ،‬ويصدق ذلك قوله تعال ‪ " :‬والذين ينقضون‬
‫عهد ال من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ال به أن يوصل ويفسدون ف الرض أولئك لم اللعنة‬
‫ولم سوء الدار " ‪ ،‬ولقد أوصى عل ّي بن السي ابنه رضي ال عنهم أجعي فقال ‪ " :‬ل‬
‫تصاحب قاطع رحمٍ ‪ ،‬فإن وجدته ملعونا ف كتاب ال ف ثلثة مواضع " ‪ ،‬وإن أسرع الي‬
‫ثوابا الب وصلة الرحم ‪ ،‬وأسرع الشر عقوبةً البغي وقطيعة الرحم ‪ ،‬ومع هذا ترى ف بعض من‬
‫ق ّل نصيبهم من الي يُسارع ف قطع صلته بأقاربه لدن سب ‪ ،‬غمّا لكلمةٍ سعها ‪ ،‬أو شيئا‬
‫ج ّر إل نفسه وأهله العداوة والفاء ‪ ،‬فيستحقون اللعنة‬
‫صغيا رآه ‪ ،‬وما درى أنه بذا قد يُ َ‬
‫وزوال النعمة وسوء العاقبة " والذين ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ال به أن‬
‫يوصل ويفسدون ف الرض أولئك لم اللعنة ولم سوء الدار " [ الرعد ‪. ] 25‬‬
‫فعلينا أن نتق ال ف صلة الرحام فهي طريق مؤد إل النة ‪ ،‬وقطعها سبيل موصل للنار والعياذ‬
‫بال ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ /‬سوء الوار ‪:‬‬
‫وحدث عن ذلك ول حرج‪ ،‬فكم من جار ل يعرف جاره‪ ،‬ول يتفقد أحواله ليمد له يد العون‬
‫إن احتاج‪ ،‬بل ول يكف شره عنه‪ ،‬يقول بعض اليان‪ ،‬ل نريد من جياننا خيا‪ ،‬نريد أن‬
‫يكفوا شرهم عنا ‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫واسعوا هذه الحاديث الت أخب با النب صلى ال عليه وسلم وصحابته رضي ال عنهم عن‬
‫حق الار ‪ ،‬وعقوبة إيذائه ‪:‬‬
‫ب ِلأَخِيهِ‬
‫س ْبنِ مَالِكٍ ‪َ ،‬ع ِن النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ " :‬لَا ُيؤْ ِم ُن أَ َحدُ ُكمْ حَتّى يُحِ ّ‬
‫َعنْ َأنَ ِ‬
‫سهِ " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬و َع ْن َأبِي ُه َريْ َرةَ ‪َ ،‬عنْ َرسُو ِل اللّهِ صَلّى‬
‫ب لَِن ْف ِ‬
‫َأوْ قَالَ لِجَا ِرهِ مَا يُحِ ّ‬
‫ت ‪َ ،‬و َمنْ كَانَ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬مَنْ كَا َن ُي ْؤمِ ُن بِال ّل ِه وَالَْيوْ ِم الْآ ِخرِ فَلَْي ُقلْ خَيْرًا أَ ْو لِيَصْمُ ْ‬
‫ُي ْؤمِ ُن بِال ّل ِه وَالَْيوْ ِم الْآ ِخرِ فَلُْي ْكرِ ْم جَا َرهُ ‪َ ،‬و َمنْ كَا َن ُي ْؤ ِمنُ بِاللّ ِه وَالَْيوْ ِم الْآ ِخرِ فَلُْي ْكرِمْ ضَ ْي َفهُ " ‪،‬‬
‫وعَ ْنهُ رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪َ " :‬منْ كَا َن ُي ْؤمِ ُن بِاللّ ِه وَالَْيوْمِ‬
‫الْآ ِخرِ فَلَا ُي ْؤذِي جَا َرهُ ‪َ ،‬و َمنْ كَا َن يُ ْؤ ِمنُ بِال ّلهِ وَالْيَوْ ِم الْآ ِخ ِر فَلُْيكْرِمْ ضَ ْي َفهُ ‪َ ،‬و َمنْ كَا َن ُي ْؤمِ ُن بِاللّهِ‬
‫خزَاعِ ّي ـ وهو صحاب جليل ـ أَنّ‬
‫ح الْ ُ‬
‫سكُتْ " ‪ ،‬و َع ْن أَبِي شُ َريْ ٍ‬
‫وَالْيَوْ ِم الْآ ِخ ِر فَلَْيقُ ْل خَ ْيرًا َأوْ لَِي ْ‬
‫سنْ ِإلَى جَا ِرهِ ‪َ ،‬و َمنْ‬
‫حِ‬
‫النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪َ " :‬منْ كَا َن ُي ْؤمِ ُن بِال ّل ِه وَالَْيوْ ِم الْآ ِخرِ فَلُْي ْ‬
‫كَا َن ُي ْؤمِ ُن بِاللّ ِه وَالَْيوْ ِم الْآ ِخرِ فَلُْي ْكرِمْ ضَ ْي َف ُه ‪َ ،‬ومَنْ كَا َن ُيؤْ ِم ُن بِال ّلهِ وَالَْيوْمِ الْآخِ ِر فَلَْي ُقلْ خَ ْيرًا َأوْ‬
‫سكُتْ " [ أخرجها البخاري ومسلم ] ‪ ،‬و َعنْ أَبِي ُه َرْي َرةَ قَالَ ‪ :‬كَا َن النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫لَِي ْ‬
‫ح ِقرَ ّن جَا َرةٌ لِجَا َرِتهَا َوَلوْ ِف ْر ِسنَ شَاةٍ " [ متفق عليه ] ‪،‬‬
‫ت لَا تَ ْ‬
‫َوسَ ّلمَ َيقُو ُل ‪ " :‬يَا ِنسَا َء الْ ُمسْلِمَا ِ‬
‫و َع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَا َل ‪ " :‬لَا َي ْدخُ ُل الْجَّنةَ مَ ْن لَا َي ْأ َمنُ جَا ُرهُ‬
‫ح أَ ّن النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫َبوَاِئ َقهُ ـ شروره ومصائبه ـ " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬و َع ْن َأبِي ُشرَيْ ٍ‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬وَاللّ ِه لَا ُي ْؤمِ ُن ‪ ،‬وَال ّل ِه لَا ُي ْؤمِ ُن ‪ ،‬وَال ّل ِه لَا ُي ْؤمِ ُن " قِيلَ ‪ :‬وَ َم ْن يَا َرسُو َل اللّهِ ؟ قَالَ ‪:‬‬
‫" اّلذِي لَا يَ ْأ َمنُ جَا ُر ُه َبوَاِيقَهُ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] ‪ ،‬و َع ْن َأبِي ذَ ّر قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ‬
‫ت َمرَ َقةً فَأَكِْث ْر مَا َءهَا ‪َ ،‬وَتعَاهَ ْد جِيَانَكَ "‬
‫خ َ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ " :‬يَا َأبَا ذَ ّر ِإذَا طَبَ ْ‬
‫[ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬و َعنْ ُع َمرَ رَضِي اللّه عَنْه قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ‬
‫َيقُو ُل ‪ " :‬لَا َيشْبَ ُع الرّ ُج ُل دُو َن جَا ِرهِ " [ أخرجه أحد ورجاله ثقات ‪ ، ] 448 / 1‬وورد‬
‫الديث بألفاظ متعددة ‪ " :‬ليس الؤمن الذي يشبع وجاره جائع " [ أخرجه الطبان وأبو يعلى‬
‫وهو صحيح لغيه ] ‪ ،‬وعند الطبان والبزار بإسناد حسن ‪ " :‬ما آمن ب من بات شبعانا وجاره‬
‫جائع إل جنبه وهو يعلم " [ أنظرها جيعا ف صحيح الترغيب والترهيب ‪، ] 683 / 2‬‬
‫و َعنْ عَ ْب ِد ال ّلهِ ْبنِ عَ ْمرٍو قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬خَ ْيرُ اْلأَصْحَابِ عِ ْندَ‬
‫ال ّلهِ خَ ْي ُرهُ ْم لِصَاحِِب ِه وَخَ ْي ُر الْجِيَانِ عِ ْن َد اللّ ِه خَ ْيرُ ُه ْم لِجَا ِرهِ " [ أخرجه الترمذي وأحد والدارمي‬
‫‪181‬‬

‫شةَ ‪ :‬أَنّ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫‪ ،‬وابن حبان بإسناد صحيح ‪ ، ] 276 / 2‬و َعنْ عَاِئ َ‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬مَا زَا َل جِ ْبرِي ُل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتّى ظَنَنْتُ أَّن ُه سَيُوَ ّرُثهُ " [ متفق عليه ] ‪ ،‬و َعنْ‬
‫َأبِي ُه َريْ َر َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬يَا أَبَا ُهرَْي َرةَ ُكنْ وَ ِرعًا َت ُكنْ أَعَْبدَ‬
‫سنْ‬
‫ك َتكُ ْن ُمؤْمِنًا ‪ ،‬وََأ ْح ِ‬
‫ب لَِن ْفسِ َ‬
‫ب لِلنّاسِ مَا تُحِ ّ‬
‫س ‪ ،‬وََأحِ ّ‬
‫النّاسِ ‪ ،‬وَ ُك ْن قَِنعًا َت ُكنْ َأشْ َكرَ النّا ِ‬
‫ب " [ أخرجه ابن‬
‫ت اْلقَلْ َ‬
‫ك تُمِي ُ‬
‫ح ِ‬
‫ك َفإِنّ كَ ْث َرةَ الضّ ِ‬
‫ح َ‬
‫ِجوَا َر َم ْن جَاوَرَ َك َتكُ ْن ُمسْلِمًا ‪ ،‬وََأ ِقلّ الضّ ِ‬
‫ماجة وصححه اللبان ‪ ، ] 374 / 3‬و َعنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َر ُجلٌ يَا َرسُو َل اللّ ِه ‪ :‬إِنّ‬
‫ص َدقَِتهَا ‪ ،‬غَ ْي َر َأّنهَا ُت ْؤذِي جِيَانَهَا بِ ِلسَاِنهَا ؟ قَالَ ‪ " :‬هِيَ‬
‫فُلَاَنةَ ُيذْ َكرُ ِمنْ كَ ْث َرةِ صَلَاِتهَا وَصِيَا ِمهَا وَ َ‬
‫صدَقَِتهَا وَصَلَاِتهَا ‪َ ،‬وِإنّهَا‬
‫فِي النّا ِر " ‪ ،‬قَا َل يَا َرسُولَ ال ّلهِ ‪َ :‬فإِ ّن فُلَانَ َة ُيذْ َكرُ ِم ْن قِ ّلةِ صِيَامِهَا وَ َ‬
‫ط ‪َ ،‬ولَا ُتؤْذِي جِيَاَنهَا بِ ِلسَاِنهَا ؟ قَالَ ‪ِ " :‬هيَ فِي الْجَّنةِ " [ أخرجه أحد‬
‫ق بِالَْأْثوَا ِر ِمنَ اْلَأقِ ِ‬
‫صدّ ُ‬
‫تَ َ‬
‫والبزار وابن حبان بإسناد صحيح ‪ ،‬أنظر صحيح الترغيب والترهيب ‪ ، ] 682 / 2‬و َعنْ‬
‫ُعقْبَ َة ْبنِ عَامِ ٍر قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪َ " :‬أ ّولُ خَصْمَ ْي ِن َيوْ َم الْقِيَامَ ِة جَارَانِ‬
‫" [ أخرجه أحد ‪ ،‬وحسنه اللبان ف صحيح الترغيب والترهيب ‪ ، 681 / 2‬وحسنه‬
‫شعيب الرنؤوط ف تقيق السند ‪ ، 601 / 28‬وحسن إسناده حزة الزين ف تقيق السند‬
‫‪ ، ] 355 / 13‬وعن الْ ِمقْدَادَ ْب َن الَْأسْ َو ِد قال ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ‬
‫ِلأَصْحَاِبهِ ‪ " :‬مَا َتقُولُو َن فِي ال ّزنَا ؟ " قَالُوا ‪َ :‬حرّ َمهُ ال ّل ُه وَ َرسُولُ ُه َف ُهوَ َحرَا ٌم إِلَى يَوْ ِم اْلقِيَا َمةِ ‪َ ،‬فقَالَ‬
‫سرُ عَلَ ْي ِه ِمنْ أَنْ‬
‫س َوةٍ َأْي َ‬
‫ش َرةِ ِن ْ‬
‫صحَاِب ِه ‪َ " :‬لأَنْ َي ْزنِ َي الرّ ُجلُ ِب َع ْ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ لِأَ ْ‬
‫س ِرقَةِ ؟ " قَالُوا ‪َ :‬حرّ َمهَا ال ّلهُ وَ َرسُوُل ُه َفهِيَ‬
‫َي ْزنِ َي بِا ْم َرَأةِ جَا ِر ِه " ‪َ ،‬فقَالَ ‪ " :‬مَا َتقُولُو َن فِي ال ّ‬
‫ق ِمنْ جَا ِرهِ "‬
‫سرِ َ‬
‫سرُ عَلَ ْي ِه ِمنْ أَ ْن َي ْ‬
‫ش َر ِة َأبْيَاتٍ َأْي َ‬
‫ق الرّ ُجلُ ِمنْ َع ْ‬
‫سرِ َ‬
‫َحرَا ٌم ‪ ،‬قَا َل ‪ " :‬لَأَ ْن َي ْ‬
‫[ أخرجه أحد واللفظ له ‪ ،‬والطبان ف الكبي والوسط ‪ ،‬وصححه اللبان ف صحيح‬
‫الترغيب والترهيب ‪ ، 678 / 2‬وقال الرنؤوط ‪ :‬إسناده جيد ‪. ] 277 / 39‬‬
‫فهذه الحاديث الت مضت وغيها كثي تبي حق الار ‪ ،‬ومنلته عند ال تعال ‪ ،‬وعقوبة من‬
‫آذى جاره ‪ ،‬أو أساء إليه ‪ ،‬أو بات شبعانا وجاره جائع وهو يعلم ذلك ‪ ،‬ولو نظرنا اليوم إل‬
‫واقعنا لرأينا عجبا ‪ ،‬فقد تققت هذه العلمة من علمات الساعة ‪ ،‬وأصبحت واضحة جلية ل‬
‫ينكرها إل متخلف العقل ‪ ،‬فلقد رأينا جيانا يسيئون إل جيانم ‪ ،‬من سرقة أو مد يد بضاربة‬
‫أو قتل أو سطو ‪ ،‬أو انتهاك لرماتم ‪ ،‬ورأينا جيانا يبيتون شبعاني وجيانم يتضورون جوعا‬
‫‪182‬‬

‫وهم يعلمون ‪ ،‬وهناك فائض من أكلهم ولكنهم يفضلون رمي ما بقي من طعام ‪ ،‬ول يقدمون‬
‫ب أو لخر ‪ ،‬فل حول ول قوة إل بال ‪ ،‬من يفعل تلك الفاعيل‬
‫لارهم الفقي الائع ‪ ،‬لسب ٍ‬
‫المجية البعيدة عن دين السلم فليس بؤمن كامل اليان ‪ ،‬بل إيانه ف نقص وخلل ‪ ،‬يب‬
‫جبه والتنبه له ‪ ،‬ويا عجبا لحوال السلمي اليوم ‪ ،‬لقد رغب أكثرهم ف الياة الدنيا ‪ ،‬ورضوا‬
‫با وطنا وسكنا ‪ ،‬وزهدوا ف الخرة وما فيها من نعيم عظيم ‪ ،‬فمت يدرك السلم حق جاره‬
‫عليه ‪.‬‬
‫كم من اليان اليوم من يشكو جاره ‪ ،‬ول يأمن بوائقه ‪ ،‬ول يأمن غدره ‪ ،‬وكم من اليان من‬
‫يؤذي جاره ‪ ،‬إما برفع صوت الذياع ‪ ،‬أو صوت التلفاز ‪ ،‬أو يؤذيه بالسهر الطويل حت‬
‫الساعات الول من الفجر ‪ ،‬أو يترك أبناءه يطرقون بابه ‪ ،‬ويزعجونه ف وقت ظهيته ‪ ،‬أو‬
‫ل أو نارا ‪ ،‬ومن اليان من ل يدعو جاره لناسبة أو وليمة أو‬
‫وقت قيلولته ‪ ،‬أو وقت نومه لي ً‬
‫غي ذلك ‪ ،‬ومن اليان من ل يعرف جاره نائيا ‪ ،‬فكأن بينهما حجاب كثيف ‪ ،‬وهناك من‬
‫اليان من يسيء إل جاره بإطفاء الكهرباء ليلً حت ل يرى شيئا عند صعوده أو نزوله ‪،‬‬
‫وخصوصا إذا كان عداد كهرباء الدرج ف منله ‪ ،‬فتراه يغيظ جاره ‪ ،‬ويتربص به الدوائر ‪،‬‬
‫وهناك من اليان من يسيء إل جاره بكثرة الطلبات ‪ ،‬وخصوصا الطلبات النلية ‪ ،‬كأدوات‬
‫ل ‪ ،‬مع أن لديه القدرة على جلب ما يتاج إليه منله ‪ ،‬ولكن ل‬
‫الطبخ ووسائل الغسيل مث ً‬
‫أدري هل يُصنف ذلك تت الكسل أو تت العتماد على الخرين ؟ أم ماذا ؟ وعموما‬
‫فوسائل العتداء على الار والساءة إليه كثية جدا ‪ ،‬وما ذكرته غيض من فيض ‪ ،‬ما شاع‬
‫وذاع بي اليان من السلمي ‪َ ،‬عنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬جَاءَ َر ُجلٌ ِإلَى النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ‬
‫ح مَتَاعَكَ‬
‫ب فَا ْطرَ ْ‬
‫ب فَاصِْب ْر " ‪َ ،‬فأَتَا ُه َمرّتَ ْي ِن أَ ْو ثَلَاثًا َفقَالَ ‪ " :‬ا ْذهَ ْ‬
‫شكُو جَا َرهُ ‪َ ،‬فقَا َل ‪ " :‬اذْهَ ْ‬
‫َي ْ‬
‫ج َع َل النّاسُ‬
‫ج َعلَ النّاسُ َيسَْألُوَنهُ فَُيخِْب ُرهُ ْم خََب َرهُ فَ َ‬
‫ح مَتَا َع ُه فِي ال ّطرِي ِق ‪ ،‬فَ َ‬
‫فِي ال ّطرِيقِ " ‪ ،‬فَ َطرَ َ‬
‫يَ ْلعَنُوَن ُه ‪َ ،‬فعَ َل ال ّلهُ ِبهِ وَ َف َعلَ َو َف َعلَ ‪ ،‬فَجَاءَ إِلَ ْي ِه جَا ُر ُه َفقَا َل َلهُ ‪ :‬ا ْرجِ ْع لَا َترَى مِنّي شَيْئًا تَ ْك َرهُهُ " [‬
‫أخرجه أبو داود ] ‪.‬‬
‫وف صحيح ابن حبان ‪ ،‬عن أب هريرة قال ‪ " :‬جاء رجل إل النب صلى ال عليه وسلم فشكا‬
‫إليه جارا له ‪ ،‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ثلث مرات ‪ " :‬اصب " ‪ ،‬ث قال له ف الرابعة أو‬
‫الثالثة ‪ " :‬اطرح متاعك ف الطريق " ‪ ،‬ففعل ‪ ،‬فجعل الناس يرون به ويقولون ‪ :‬ما لك ؟‬
‫‪183‬‬

‫فيقول ‪ :‬آذاه جاره ‪ ،‬فجعلوا يقولون ‪ :‬لعنه ال ‪ ،‬فجاءه جاره فقال ‪ " :‬رد متاعك ل وال ل‬
‫أوذيك أبدا " [ قال اللبان حديث صحيح لغيه ‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب ‪] 681 / 2‬‬
‫‪ ،‬وعند الطبان والبزار والبخاري ف الدب الفرد بإسناد حسن من حديث أب جحيفة رضي‬
‫ال عنه قال ‪ :‬جاء رجل إل رسول ال صلى ال عليه وسلم يشكو جاره ‪ .‬قال ‪ " :‬اطرح‬
‫متاعك على الطريق " ‪ .‬فطرحه ‪ ،‬فجعل الناس يرون عليه ويلعنونه ـ يعن جاره الذي آذاه ـ‬
‫فجاء إل النب صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول ال ! لقيت من الناس ‪ .‬قال ‪ " :‬وما لقيت‬
‫منهم " قال ‪ :‬يلعنونن ‪ .‬قال ‪ " :‬قد لعنك ال قبل الناس " ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن ل أعود ‪ ،‬فجاء الذي‬
‫شكاه إل النب صلى ال عليه وسلم فقال ‪ " :‬ارفع متاعك فقد كُفيت " [ صحيح الترغيب‬
‫والترهيب ‪ ، 681 / 2‬وقال اللبان رحه ال ‪ :‬حديث صحيح لغيه ] ‪.‬‬
‫فجار السوء ملعون ‪ ،‬لعنه ال تعال من فوق سبع ساوات لذا الديث ‪ ،‬وملعون على ألسنة‬
‫السلمي ‪ ،‬لنه ل يؤمن اليان الكامل لا يسببه من إيذا ٍء للمسلمي ‪.‬‬
‫ولذا تعوذ النب صلى ال عليه وسلم من جار السوء ‪ ،‬لن جار السوء يسيء إل جاره ‪ ،‬ول‬
‫يأمنه على نفسه ول ماله ول ولده ‪ ،‬فأي حياة سعيدة مع جار السوء ‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬أن النب صلى ال عليه وسلم كان يقول ‪ " :‬اللهم إن أعوذ بك من جار السوء ف دار‬
‫القامة فإن جار البادية يتحول " [ أخرجه ابن حبان ف صحيحه والبخاري ف الدب الفرد‬
‫وحسنه اللبان ف السلسلة الصحيحة ‪ 428 / 3‬وما بعدها ] ‪ ،‬وهذا الديث له شاهد من‬
‫حديث عقبة بن عامر رضي ال عنه قال ‪ :‬كان النب صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬اللهم إن‬
‫أعوذ بك من يوم السوء ‪ ،‬ومن ليلة السوء ‪ ،‬ومن ساعة السوء ‪ ،‬ومن صاحب السوء ‪ ،‬ومن‬
‫جار السوء ف دار القام " [ أخرجه الطبان ورجاله رجال الصحيح ‪ ،‬غي بشر بن ثابت البزار‬
‫وهو ثقة ‪ ،‬الصدر السابق ] ‪ ،‬فنسأل ال أن يعيذنا من جار السوء ‪.‬‬
‫الشرط الامس والمسون ‪:‬‬
‫كثرة الشح ‪ ،‬والشح هو أشد البخل ‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ " :‬من أشراط الساعة‬
‫أن يظهر الشح " [ أخرجه الطبان ف الوسط ] ‪ ،‬وروى البخاري ومسلم عنه رضي ال عنه‬
‫عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬يتقارب الزمان‪ ،‬وينقص العمل‪ ،‬ويُلقى الشح " ‪ ،‬وعن‬
‫‪184‬‬

‫معاوية رضي ال عنه قال‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬ل يزداد المر إل‬
‫شدة ول يزداد الناس إل شحا " ‪ ،‬إن الشح خلق مذموم‪ ،‬نى عنه السلم‪ ،‬ويب أن من وُقي‬
‫شح نفسه فقد فاز وافلح‪ ،‬قال ال تعال‪ " :‬ومن يوق شح نفسه فأولئك هم الفلحون " ‪.‬‬
‫عُرف بعض الناس بالكرم‪ ،‬والود‪ ،‬والسخاء‪ ،‬وأنه رجل معطاء‪ ،‬ل يسمع بباب نفقة ف خي إل‬
‫وله فيها سهم‪ ،‬فمرة ينفق على مسكي‪ ،‬ومرة يتصدق على فقي‪ ،‬ومرات يرسل لرامل وأيتام ‪،‬‬
‫إذا سع بمعية خيية كان أول الساهي ‪ ،‬وإذا سع ببناء مسجد كان أول البادرين ‪ ،‬مثل هذا‬
‫النسان يبشر بي ‪ ،‬فإن ال جل وتعال يبارك له ف ماله فكلما زاد ف العطاء زاده ال ‪ " ،‬يا‬
‫ابن آدم انفق ينفق ال عليك‪ ،‬ما من يوم يصبح الناس فيه إل وملك ينل من السماء يقول ‪:‬‬
‫اللهم أعط منفقا خلفا ‪ ،‬وأعط مسكا تلفا " ‪ ،‬وهناك من أهل الي من كانت لم مشاركات‬
‫طيبة ‪ ،‬وبا عرفوا ‪ ،‬والن قلت مساهاتم ‪ ،‬وأمسكت أيديهم على جيوبم فإذا ما سُألوا أجابوا‬
‫‪ :‬الوضاع القتصادية الراهنة ‪ ،‬كساد السوق ‪ ،‬كثرة اللتزامات الرسية وغي الرسية ‪ ،‬نقول‬
‫لم ‪ ،‬هذا هو الختبار للمؤمن القيقي ‪ ،‬الذي ينفق وقت الشدة ‪ " ،‬أو إطعام ف يوم ذي‬
‫مسغبة " ‪ ،‬إن ال جل وتعال يغيّر من أحوال الزمان‪ ،‬من رخاء إل شدة ومن شدة إل رخاء‪،‬‬
‫والؤمن مبتلى‪ ،‬والصادق من ل ينقطع حت ف أوقات الشدة‪ ،‬ويعلم بأن هذا اختبار من ال له‪،‬‬
‫ليضاعف له الجر والثوبة ‪.‬‬
‫َعنْ جَابِ ِر ْبنِ عَ ْب ِد اللّ ِه ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬اّتقُوا الظّ ْل َم ‪َ ،‬فإِنّ الظّ ْلمَ‬
‫ك َمنْ كَا َن قَبْ َلكُ ْم ‪ ،‬حَمَ َل ُهمْ عَلَى أَ ْن َسفَكُوا‬
‫ح َأهْلَ َ‬
‫ح ‪َ ،‬فإِنّ الشّ ّ‬
‫ظُلُمَاتٌ َيوْ َم اْلقِيَا َمةِ ‪ ،‬وَاتّقُوا الشّ ّ‬
‫ِدمَا َءهُ ْم ‪ ،‬وَاسْتَحَلّوا مَحَا ِر َمهُ ْم " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫فالشح أهلك من كان قبلنا من المم ‪ ،‬لنه داع للفساد وقتل النفس ‪ ،‬وإرعاب المني ‪،‬‬
‫وإخافة الساكني ‪ ،‬وسبب لقطع الطريق ‪ ،‬والغدر بالصديق ‪ ،‬وربا باع عرضه ف مقابل حفنة‬
‫من مال ‪ ،‬وربا انتهك الرمات لجل الصول على بأيدي الخرين ‪ ،‬فوجب الذر منه ‪.‬‬
‫فالشح سبب لدواء كثية ‪ ،‬ومصائب عظيمة ‪ ،‬فالنب صلى ال عليه وسلم يبنا عن بن‬
‫إسرائيل وما أصابم من البخل والشح ‪ ،‬حت سفكوا دماءهم ‪ ،‬وقد خاطبهم ال تعال بقوله ‪" :‬‬
‫وإذ أخذنا ميثاقكم ل تسفكون دماءكم " [ البقرة ‪. ] 84‬‬

‫‪185‬‬

‫واستحلوا مارمهم ‪ ،‬أي ما حرم ال عليهم من الشحوم ‪ ،‬فباعوها بعدما جلوها أي أذابوها ‪،‬‬
‫وحرم ال عليهم الصيد يوم السبت فوضعوا الشباك يوم المعة وأخذوها يوم الحد ‪،‬‬
‫يتحايلون على ال تعال ‪ ،‬فاستحلوا ما حرم ال عليهم بأدن اليل ‪ ،‬ولذا قال تعال ‪ " :‬وسلهم‬
‫عن القرية الت كانت حاضرة البحر إذ يعدون ف السبت إذ تأتيهم حيتانم يوم سبتهم شُرعا‬
‫ويوم ل يسبتون ل تأتيهم كذلك نبلوهم با كانوا يفسقون " [ العراف ‪ ، ] 163‬وكل ذلك‬
‫بسبب الشح والبخل والرص الذي كان يتملك بن إسرائيل ‪ ،‬وحب الدنيا وحب الال ‪ ،‬قال‬
‫تعال ‪ " :‬ولتجدنم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة‬
‫وما هو بزحزحه من النار أن يعمر وال بصي با يعملون " [ البقرة ‪. ] 96‬‬
‫وهناك فرق بي البخل والشح ‪ ،‬فالبخل ‪ :‬هو منع ما يب وما ينبغي بذله ‪.‬‬
‫والشح ‪ :‬الطمع فيما ليس عنده ‪ ،‬وهو أشد من البخل ‪ ،‬لن الشحيح يطمع فيما عند الغي ‪،‬‬
‫وينع ما عنده ‪ ،‬والبخيل ينع ما عنده من حق ال تعال للفقراء والساكي وغيهم ‪،‬‬
‫كالزكوات والنفقات ما ينبغي بذله فيما تقتضيه الروءة ‪ ،‬ولذا قال تعال ‪ " :‬وأما من بل‬
‫واستغن * وكذب بالسن * فسنيسره للعسرى * وما يغن عنه ماله إذا تردى " [ الليل ‪-8‬‬
‫‪ ، ] 11‬قوله تعال ‪ " :‬من بل واستغن " ‪ :‬أي استغن بنفسه وزعم أنه مستغن عن رحة ال‬
‫والعياذ بال ‪ ،‬وبل بالنفقة ف سبيل ال ‪ ،‬ومنع ما وهب ال له من فضله ‪ ،‬وبل بالزكاة ‪،‬‬
‫وكذب باللف من ال ‪ ،‬الذي قال ‪ " :‬وما أنفقتم من شيء فهو يلفه " ‪ ،‬والقائل سبحانه ‪" :‬‬
‫من ذا الذي يقرض ال قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثية " ‪ ،‬وغي ذلك من اليات الدالة‬
‫على أن ال يزي بدل القليل بالكثي ‪ ،‬فمن كذب بذلك وبل باله ول ينفقه ف وجوه الب‬
‫وطرق الي ‪ ،‬فهذا قال ال فيه ‪ " :‬فسنيسره للعسرى " ‪ :‬أي طرق الشر الؤدية إل النار‬
‫والعياذ بال ‪ ،‬وتتعسر عليه أموره ف الدنيا قبل الخرة ‪ ،‬فل تسهل عليه الطاعات ‪ ،‬بل يراها‬
‫ثقيلة ‪ ،‬فالصلة ثقيلة ‪ ،‬والزكاة ثقيلة ‪ ،‬والصوم ثقيل ‪ ،‬والج ثقيل ‪ ،‬وكل شيء ثقيل ‪ ،‬لنه‬
‫بعيد عن ال ‪ ،‬ال ل يب البخل ول البخلء ‪َ ،‬ع ْن َأبِي هُ َرْي َرةَ ‪َ ،‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّمَ‬
‫ب ِمنَ النّاسِ ‪َ ،‬بعِيدٌ ِم َن النّا ِر ‪ ،‬وَالْبَخِيلُ‬
‫ب ِمنَ الْجَّن ِة ‪َ ،‬قرِي ٌ‬
‫ب ِمنَ ال ّلهِ ‪َ ،‬قرِي ٌ‬
‫خيّ َقرِي ٌ‬
‫قَالَ ‪ " :‬السّ ِ‬
‫ب ِإلَى‬
‫خ ّي أَحَ ّ‬
‫س ‪َ ،‬قرِيبٌ مِ َن النّارِ ‪َ ،‬ولَجَا ِهلٌ سَ ِ‬
‫َبعِيدٌ ِم َن اللّ ِه ‪َ ،‬بعِيدٌ ِم َن الْجَّنةِ ‪َ ،‬بعِيدٌ ِم َن النّا ِ‬
‫ال ّلهِ َع ّز وَ َجلّ ِمنْ عَاِلمٍ بَخِيلٍ " [ أخرجه الترمذي ‪ ،‬قال اللبان رحه ال ‪ :‬ضعيف جدا ص‬
‫‪186‬‬

‫‪ ، ] 186‬لكن معن الديث صحيح ‪ ،‬فاليات والحاديث تشهد لذلك ‪ ،‬بأن البخيل مذموم‬
‫عند ال تعال ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬ثبت بقوله تعال ‪ " :‬وما يغن عنه ماله إذا تردى " ‪ ،‬وقوله تعال ‪ " :‬وما رزقناهم‬
‫ينفقون " [ البقرة ‪ ، ] 3‬وقوله تعال ‪ " :‬الذين ينفقون أموالم بالليل والنهار سرا وعلنية "‬
‫[ البقرة ‪ ] 274‬وغي ذلك من اليات ‪ ،‬أن الود من مكارم الخلق ‪ ،‬والبخل من أرذلا ‪،‬‬
‫وليس الواد الذي يعطي ف غي موضع العطاء ‪ ،‬وليس البخيل الذي ينع ف موضع النع ‪ ،‬لكن‬
‫الواد الذي يعطي ف موضع العطاء ‪ ،‬والبخيل الذي ينع ف موضع العطاء ‪ ،‬فكل من استفاد‬
‫با يعطي أجرا وحدا فهو جواد ‪ ،‬وكل من استحق بالنع ذما وعقابا فهو بيل ‪.‬‬
‫فما بل به البخيل من مال فلن يغن عنه من ال شيئا ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وما يغن عنه ماله إذا‬
‫تردى " ‪ ،‬فإذا مات تردى ف النار بسبب بله وشحه ‪ ،‬ول يميه ماله من عذاب ال وعقابه ‪،‬‬
‫قال تعال ‪ " :‬يوم ل ينفع مال ول بنون * إل من أتى ال بقلب سليم " [ الشعراء ‪-88‬‬
‫‪ [ ، ] 89‬تفسي الطبي ‪ ، 614 / 12‬تفسي ابن كثي ‪ ، 474 / 6‬شرح رياض الصالي ‪/‬‬
‫لبن عثيمي ‪ ، 75 / 6‬نزهة التقي ‪. ] 108 / 2‬‬
‫الشح صفة ذميمة ‪ ،‬وخصلة دميمة ‪ ،‬يقتها ال عز وجل ول يرضاها لعباده الؤمني ‪ ،‬وقد نى‬
‫الشارع الكري عن الشح ‪ ،‬وأن الوقاية منه سبب للفوز والفلح ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ومن يوق شح‬
‫نفسه فأولئك هم الفلحون " [ الشر ‪ ، 9‬التغابن ‪ ، ] 16‬واسعوا إن شئتم هذا الديث الذي‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا‬
‫خرجه النسائي ف سننه من حديث َأبِي ُه َرْي َرةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫ح وَاْلإِيَانُ فِي‬
‫يَجَْتمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ ال ّلهِ وَ ُدخَانُ َجهَّنمَ فِي جَوْفِ َع ْبدٍ َأَبدًا ‪َ ،‬ولَا يَجَْتمِ ُع الشّ ّ‬
‫قَلْبِ عَ ْبدٍ أََبدًا " [ صححه اللبان ‪ ، ] 373 / 2‬وأخرج المام أحد بسند قوي من حديث‬
‫ح وَالْإِيَا ُن فِي َجوْفِ‬
‫َأبِي ُه َريْ َر َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا يَجْتَ ِمعُ الشّ ّ‬
‫َر ُج ٍل ُمسْلِ ٍم َولَا يَجَْتمِعُ غُبَا ٌر فِي سَبِيلِ ال ّلهِ َو ُدخَا ُن َجهَّنمَ فِي جَوْفِ َر ُجلٍ ُمسْ ِلمٍ " [ صحيح‬
‫بطرقه وشواهده ‪ ،‬مسند المام أحد ‪ . 433 / 15‬الرسالة ] ‪.‬‬
‫ومعن الديث ‪ :‬أنه ل ينبغي للمؤمن أن يمع بي الشح واليان ‪ ،‬إذ الشح أبعد شيء من‬
‫اليان ‪ ،‬أو الراد باليان كماله ‪ ،‬يعن ل يتمع كمال اليان مع البخل والشح ف قلب العبد‬
‫الؤمن ‪ ،‬لن البخل والشح من الصفات الذمومة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أن الراد أنه قلما يتمع اليان‬
‫‪187‬‬

‫والشح ف قلب الؤمن ‪ ،‬لن الؤمن أبعد ما يكون عن الصفات القبيحة ‪ ،‬الت تدش دينه‬
‫وتنقصه ‪ ،‬فيجب على العبد أن يشى على نفسه من صفة البخل والشح ‪ [ .‬حاشية السندي‬
‫على النسائي ‪. ] 5/20‬‬
‫البخل داء ومرض ‪ ،‬من أمراض القلوب ‪ ،‬فالشحيح والبخيل ل يكون أميا ول واليا ‪ ،‬ول‬
‫يكون رئيسا لقبيلة ول يلك زمام المور ‪ ،‬قال النب صلى ال عليه وسلم لبن سلمة ‪ " :‬من‬
‫سيدكم ؟ " قالوا ‪ :‬جد بن قيس على أننا نُبَخّلُه ‪ ،‬قال ‪ " :‬وأي داء أدوى من البخل ؟ بل‬
‫سيدكم عمرو بن الموح " [ أخرجه البخاري ف الدب الفرد ‪ ،‬وصححه اللبان ‪. ] 125‬‬
‫فيجب على السلم الصادق ‪ ،‬والؤمن الق الخلص ‪ ،‬أن يتق ال تعال ويذر من عاقبة البخل‬
‫والشح فعاقبتهما سيئة ‪ ،‬ونايتهما مؤلة ‪ ،‬لنما سبب لعدم الفلح ف الدنيا والخرة ‪ ،‬ومن ل‬
‫يفلح فمصيبة عظيمة ‪ ،‬وما أعظمها من فرحة ‪ ،‬وما أجله من فوز لن دخل النة ‪ ،‬ونا من النار‬
‫‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬فمن زحزح عن النار وأدخل النة فقد فاز وما الياة الدنيا إل متاع الغرور " [‬
‫آل عمران ‪. ] 185‬‬
‫فالشح من علمات الساعة الصغرى ‪ ،‬وهو موجود اليوم بي الناس ‪ ،‬بسبب بعدهم عن تعاليم‬
‫الشريعة الغراء ‪ ،‬ولذا وجدت فئة من السلمي من يبخلون بأموالم حت عن أقرب الناس إليهم‬
‫من آباء وأبناء وزوجات ‪ ،‬وهذه مصيبة عظيمة ‪ ،‬فلن يترك الرجل أهله بيته أغنياء ميسورين ‪،‬‬
‫أعظم من أن يتركهم فقراء يتكففون الناس ويسألونم أعطوهم أو منعوهم ‪.‬‬
‫وهذه العلمة كما قلت قد ظهرت جلية واضحة اليوم ‪ ،‬فنسأل ال السلمة والعفو والعافية ‪.‬‬
‫الشرط السادس والمسون ‪:‬‬
‫تشبّب الشيخة ‪ :‬أخرج أبو داود والنسائي وأحد من حديث ابْنِ عَبّاسٍ رضي ال عنهما قَالَ ‪:‬‬
‫خضِبُونَ فِي آ ِخرِ ال ّزمَا ِن بِالسّوَادِ ‪،‬‬
‫قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬يَكُونُ قَوْ ٌم يَ ْ‬
‫ح َة الْجَّنةِ " [ وهو حديث صحيح ] ‪.‬‬
‫صلِ الْحَمَا ِم لَا َيرِيُونَ رَائِ َ‬
‫حوَا ِ‬
‫َك َ‬
‫القصود بالضاب نوعه ل جنسه ( كما قاله الل علي القاري ) ‪ ،‬لن السواد الصرف مرم‬
‫منوع لا فيه من التمويه ‪ ،‬أو لي حكمة كانت ‪ ،‬فالاصل أنه مرم منهي عنه ‪ ،‬أما ما خالط‬
‫السواد من حرة أو صفرة أو غيها فليس برام ‪ ،‬لنه تويل للسود إل غيه ‪ ،‬كالكتم والناء‬
‫س فِي‬
‫[ مرقاة الفاتيح ‪َ ، ] 293 / 8‬ع ْن َأنَسٍ قَالَ ‪َ :‬قدِ َم النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم وَلَيْ َ‬
‫‪188‬‬

‫صحَاِب ِه أَشْ َمطُ ـ من خالط سواد شعره بياض ـ غَ ْيرَ أَبِي َب ْكرٍ َفغَ َل َفهَا بِالْحِنّا ِء وَاْلكَتَمِ ‪ ،‬وف‬
‫أَ ْ‬
‫س ْبنُ مَالِكٍ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪َ :‬قدِ َم النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم الْ َمدِيَنةَ ‪،‬‬
‫لفظ قال ‪ " :‬عن َأنَ ُ‬
‫صحَابِهِ ـ أكبهم سنا ـ َأبُو َبكْ ٍر ‪َ ،‬فغَ َلفَهَا بِالْحِنّا ِء وَالْكََتمِ حَتّى قََنأَ َل ْونُهَا ـ‬
‫َفكَانَ َأ َسنّ أَ ْ‬
‫صلّى‬
‫ك َهلْ خَضَبَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫س ْبنُ مَالِ ٍ‬
‫اشتدت حرتا ـ " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬وسُِئلَ َأنَ ُ‬
‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ؟ قَا َل ‪ِ :‬إّنهُ َلمْ يَ ُكنْ َرأَى ِم َن الشّيْبِ ‪ِ ،‬إلّا قَالَ اْب ُن ِإدْرِيسَ َكَأّنهُ ُيقَلّ ُلهُ ـ يعن‬
‫فيه شيب قليل جدا ـ وَ َق ْد خَضَبَ أَبُو بَ ْكرٍ وَعُ َم ُر بِالْحِنّا ِء وَالْكََتمِ " [ أخرجه مسلم ] ‪ ،‬وقد‬
‫ب قَالَ‬
‫خضب النب صلى ال عليه وسلم بالناء والكتم ‪ ،‬وجاء ذلك ف حديث عُ ْثمَانَ بْ ِن َموْهَ ٍ‬
‫ت ِإَليّ َش َعرًا ِمنْ َش ْعرِ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ‬
‫‪َ :‬دخَلْتُ عَلَى أُ ّم سَلَ َم َة قَا َل ‪َ :‬فأَ ْخرَجَ ْ‬
‫مَخْضُوبًا بِالْحِنّا ِء وَاْلكََتمِ " [ أخرجه ابن ماجة وهو حديث صحيح ‪ ،‬إهداء الديباجة ‪] 42 / 5‬‬
‫‪ ،‬والنب صلى ال عليه وسلم ل يبلغ الشيب ‪ ،‬وإنا كانوا يعدون الشعرات البيضاء ف ليته ‪،‬‬
‫ك سُِئلَ َعنْ خِضَابِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم َفقَالَ ‪َ " :‬ل ْو شِئْتُ‬
‫س ْبنَ مَالِ ٍ‬
‫ويشهد لذلك أن َأنَ َ‬
‫ب َأبُو بَ ْك ٍر بِالْحِنّاءِ‬
‫ب ‪َ ،‬وقَ ِد اخْتَضَ َ‬
‫ختَضِ ْ‬
‫ت ‪َ ،‬وقَا َل ‪َ :‬لمْ يَ ْ‬
‫أَ ْن أَ ُع ّد شَمَطَاتٍ ُك ّن فِي َرأْ ِسهِ فَعَلْ ُ‬
‫وَالْكََتمِ ‪ ،‬وَاخْتَضَبَ عُ َم ُر بِالْحِنّا ِء بَحْتًا ـ يعن صرفا أي فقط " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫قال أنس رضي ال عنه ل يكن ف ليته صلى ال عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء ‪ ،‬وقال حيد‬
‫الطويل لرجل عن يينه ‪ :‬كن ( ‪ ) 17‬سبع عشرة شعرة بيضاء ‪ ،‬كما أخب بذلك أنس بن مالك‬
‫رضي ال عنه [ التميهد ‪ ،‬إهداء الديباجة ‪ ، ] 44 / 5‬والضاب ‪ :‬كما سيأت بيانه بإذن ال‬
‫تعال ‪ ،‬يعن تغيي شعر الرأس واللحية ‪ ،‬والكتم ‪ :‬كما سيأت نبت فيه حرة ‪ ،‬وقد أرشد النب‬
‫صلى ال عليه وسلم إل من أراد أن يغي شعر رأسه وليته ‪ ،‬أن يكون ذلك بالناء والكتم ‪،‬‬
‫وينهى عن التغيي بالسواد ‪ ،‬ف َع ْن َأبِي ذَرّ رضي ال عنه ‪َ ،‬ع ِن النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَالَ ‪:‬‬
‫" إِ ّن َأ ْحسَ َن مَا غُّي َر بِ ِه الشّيْبُ الْحِنّا ُء وَاْلكَتَ ُم " [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة‬
‫ح ‪ ،‬وصححه اللبان رحه ال ] ‪،‬‬
‫صحِي ٌ‬
‫ث َحسَنٌ َ‬
‫والترمذي ‪ ،‬وقَا َل أَبو عِيسَى ‪ :‬هَذَا حَدِي ٌ‬
‫والكَتَم ‪ :‬نبات ينبت ف الناطق البلية بإفريقيا والناطق الارة العتدلة ‪ ،‬ثرتا تشبه الفلفل ‪،‬‬
‫وتسمى فلفل القرود ‪ ،‬وتستعمل ف الضاب ‪ ،‬وصنع الداد يعن الب ‪ [ .‬العجم الوسيط ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 776‬معجم مقاييس اللغة ‪. ] 157‬‬
‫أنواع الضاب ‪:‬‬
‫‪189‬‬

‫ينقسم الضاب إل نوعي ‪:‬‬
‫النوع الول ‪ /‬الضاب ف شعر الرأس واللحية ‪:‬‬
‫النوع الثان ‪ /‬الضاب ف اليدين والرجلي ‪:‬‬
‫وإليك بيان كل النوعي من حيث الكم وعرض أقوال أهل العلم ‪:‬‬
‫النوع الول ‪ /‬الضاب ف شعر الرأس واللحية ‪:‬‬
‫وقد اختلف العلماء ف حكم هذا الضاب ‪.‬‬
‫‪ - 1‬الختضاب لغةً ‪ :‬استعمال الضاب ‪ .‬والضاب هو ما يغيّر به لون الشّيء من حنّاء وكتم‬
‫ونوها ‪ .‬ول يرج العن الصطلح ّي عن العن اللّغويّ ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الصّبغ ما يصطبغ به من الدام ‪ ،‬ومنه قوله تعال ‪ { :‬وشجرةً ترج من طور سيناء تنبت‬
‫ب إذا‬
‫بالدّهن وصبغ للكلي } ‪ .‬قال الفسّرون ‪ :‬الراد بالصّبغ ف الية الزّيت ؛ لنّه يلوّن ال ّ‬
‫غمس فيه ‪ ،‬والراد أنّه إدام يصبغ به ‪.‬‬
‫‪ - 3‬التّطريف لغةً ‪ :‬خضب أطراف الصابع ‪ ،‬يقال ‪ :‬طرفت الارية بنانا إذا خضّبت أطراف‬
‫أصابعها بالنّاء ‪ ،‬وهي مطرّفة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬النّقش لغةً ‪ .‬النّمنمة ‪ ،‬يقال ‪ :‬نقشه ينقشه نقشا وانتقشه ‪ :‬ننمه فهو منقوش ‪ .‬صفته‬
‫( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يتلف حكم الضاب تبعا للونه ‪ ،‬وللمختضب ‪ ،‬رجلً كان أو امرأةً ‪ .‬وسيأت بيان ذلك‬
‫إن شاء ال تعال ‪ [ .‬الوسوعة الفقهية الكويتية ‪. ] 277 / 2‬‬
‫وينقسم الضاب إل قسمي ‪:‬‬
‫القسم الول ‪ /‬الضاب بغي السواد ‪:‬‬
‫وهذا قد اختلف فيه العلماء فمنهم من قال بوازه واستحبابه ‪ ،‬ودليلهم ف ذلك حديث َأبَي‬
‫ُه َريْ َرةَ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪ :‬إِنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّهم عَلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬إِ ّن الَْيهُو َد وَالنّصَارَى‬
‫لَا يَصُْبغُو َن فَخَاِلفُوهُ ْم " [ متفق عليه ] ‪ ،‬وهنا أمر من النب صلى ال عليه وسلم لمته بخالفة‬
‫اليهود والنصارى ‪ ،‬فهم قوم ل يصبغون شعر الرأس ول اللحية ‪ ،‬فأُمرنا بخالفتهم ‪ ،‬وأرى‬

‫‪190‬‬

‫والعلم عند ال تعال أن المر هنا ليس للوجوب ‪ ،‬لنه ل يترتب عليه عقوبة ول لعن ول شيء‬
‫من هذا القبيل ل ف الدنيا ول ف الخرة ‪ ،‬فدل على أن المر للستحباب وليس للوجوب ‪.‬‬
‫وقد وجدت كلما نفيسا موافقا لا قلته ‪ ،‬فاطمأنت نفسي ‪ ،‬حيث قال العلمة بدر الدين العين‬
‫رحه ال ‪ " :‬مع أن تغييه ندب ل فرض ‪ ،‬أو كان ني كراهة ل تري ‪ ،‬لجاع سلف المة‬
‫وخلفها على ذلك " [ عمدة القاري ‪. ] 97 / 15‬‬
‫وقال ابن القيم رحه ال تعال ‪ " :‬اختلف الصحابة ف خضابه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال أنس‬
‫رضي ال عنه ‪ :‬ل يضب ‪ ،‬وقال أبو هريرة رضي ال عنه ‪ :‬خضب ‪ ،‬وعن أنس رضي ال عنه‬
‫قولً آخر قال ‪ :‬رأيت شعر رسول ال صلى ال عليه وسلم مضوبا ‪ ،‬وقال عبد ال بن ممد بن‬
‫عقيل ‪ :‬رأيت شعر رسول ال صلى ال عليه وسلم عند أنس بن مالك مضوبا ‪ ،‬وقالت طائفة ‪:‬‬
‫كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يكثر من الطيب قد احر شعره ‪ ،‬فكان يُظن مضوبا ‪،‬‬
‫ول يضب ‪.‬‬
‫والفيصل ف الوضوع ـ هذا من قول وليس من كلم ابن القيم ـ ما قاله أبو ِرمْثَة‬
‫قال ‪ :‬أتيت رسول ال صلى ال عليه وسلم مع ابن ل ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أهذا ابنك " قلت ‪ :‬نعم‬
‫أشهد به ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ل تن عليه ‪ ،‬ول ين عليك " قال ‪ :‬ورأيت الشيب أحر " [ أخرجه أحد‬
‫وأبو داود والترمذي ‪ ،‬وصحح إسناده الرنؤوط ] ‪ ،‬وقيل لابر بن سرة ‪ :‬أكان ف رأس النب‬
‫صلى ال عليه وسلم شيب ؟ قال ‪ :‬ل يكن ف رأسه شيب إل شعرات ف مفرق رأسه إذا‬
‫ادّهن ‪ ،‬وأرا ُهنّ الدهن " [ زاد العاد ‪. ] 169 / 1‬‬
‫وقال النووي رحه ال ‪ " :‬اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد ث قال الغزال ف‬
‫الحياء والبغوي ف التهذيب وآخرون من الصحاب ‪ :‬هو مكروه ‪ ،‬وظاهر عباراتم أنه كراهة‬
‫تنيه ‪ ،‬والصحيح بل الصواب ‪ :‬أنه حرام ‪ ،‬ودليل تريه حديث جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬أت‬
‫بأب قحافة والد أب بكر الصديق رضي ال عنهما ‪ ،‬يوم فتح مكة ورأسه وليته كالثغامة‬
‫بياضا ‪ ،‬فقال رسول ال‬

‫‪ " :‬غيوا هذا واجتنبوا السواد " [ أخرجه مسلم ف صحيحه ]‬

‫والثغامة ‪ :‬بفتح الثاء الثلثة وتفيف الغي العجمة ‪ ،‬نبات له ثر أبيض ‪ ،‬وعن ابن عباس رضي‬
‫ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول ال‬

‫‪ " :‬يكون قوم يضبون ف آخر الزمان بالسواد كحواصل‬
‫‪191‬‬

‫المام ل يريون رائحة النة " [ وتقدم وهو حديث الباب ] ‪ ،‬ول فرق ف النع من الضاب‬
‫بالسواد بي الرجل والرأة هذا مذهبنا ‪ .‬وحكي عن إسحاق بن راهويه ‪ :‬أنه رخص فيه للمرأة‬
‫تتزين به لزوجها وال أعلم " [ الجموع ‪. ] 345 / 1‬‬
‫وقال ابن قدامة رحه ال ‪ " :‬ويستحب خضاب الشيب بغي السواد قال أحد إن لرى الشيخ‬
‫الخضوب فأفرح بـــه ‪ ،‬وذَا َكرَ رجلً فقال ‪ :‬ل ل تتضـــب ؟ فقال ‪ :‬أســـتحي ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬سبحان ال ! سنة رسول ال‬

‫‪.‬‬

‫ويستحب الضاب بالناء والكتم ‪ ،‬لا روى اللل وابن ماجة بإسنادها ‪ ،‬عن عثمان بن عبد‬
‫ال بـن موهـب قال ‪ :‬دخلت على أم سـلمة ‪ ،‬فأخرجـت لنـا شعرا مـن شعـر رسـول ال‬
‫مضوبا بالناء والكتم " [ وأخرجه البخاري دون الملة الت تتها خط ] ‪ ،‬وخضب أبو بكر‬
‫بالناء والكتم ‪ ،‬وعن الكم بن عمرو الغفاري قال ‪ :‬دخلت أنا وأخي رافع على أمي الؤمني‬
‫عمـر وأنـا مضوب بالناء ‪ ،‬وأخـي مضوب بالصـفرة ‪ ،‬فقال عمـر بـن الطاب ‪ :‬هذا خضاب‬
‫السلم ‪ ،‬وقال لخي رافع ‪ :‬هذا خضاب اليان " [ الغن ‪. ] 125 / 1‬‬
‫وقال الا فظ بن ح جر رح ه ال تعال ‪ " :‬من العلماء من ر خص ف يه ف الهاد ‪ ،‬ومن هم من‬
‫ر خص ف يه مطلقا وأن الول كراه ته ‪ ،‬وج نح النووي إل أ نه كرا هة تر ي ‪ ،‬و قد ر خص ف يه‬
‫طائفة من السلف منهم سعد بن أب وقاص وعقبة بن عامر والسن والسي وجرير وغي واحد‬
‫‪ ،‬ومنهم من فرق ف ذلك بي الرجل والرأة ‪ ،‬فأجازه لا دون الرجل واختاره الليمي ‪.‬‬
‫وقال رحه ال ‪ " :‬وقد اختلف ف الضب وتركه فخضب أبو بكر وعمر وغيها كما تقدم ‪،‬‬
‫وترك الضاب علي وأ ب بن ك عب و سلمة بن الكوع وأ نس وجا عة ‪ ،‬وج ع ال طبي بأن من‬
‫صبغ من هم كان اللئق به ك من ي ستشنع شي به ‪ ،‬و من ترك كان اللئق به ك من ل ي ستشنع‬
‫شي به ‪ ،‬ول كن الضاب مطل قا أول لن ف يه امتثال ال مر ف مال فة أ هل الكتاب ‪ ،‬وف يه صيانة‬
‫للش عر عن تعلق الغبار وغيه به ‪ ،‬إل إن كان من عادة أ هل البلد ترك ال صبغ وأن الذي ينفرد‬
‫بدونم بذلك يصي ف مقام الشهرة فالترك ف حقه أول ‪.‬‬
‫و قد ن قل عن أح د أ نه ي ب ـ الضاب ـ وع نه ي ب ولو مرة ‪ ،‬وع نه ل أ حب ل حد ترك‬
‫ال ضب ويتش به بأ هل الكتاب و ف ال سواد ع نه كالشافع ية روايتان الشهورة يكره وق يل يرم‬
‫‪192‬‬

‫ويتأ كد ال نع ل ن دلس به " [ ف تح الباري ‪ ، 435 / 10‬وان ظر أيضا عمدة القاري لبدر الد ين‬
‫العين ‪. ] 96 / 15‬‬
‫القسم الثان ‪ /‬الضاب بالسواد ‪:‬‬
‫فإن كان الضاب بال سواد ف هو مرم من هي ع نه ‪ ،‬قال النووي رح ه ال ‪ " :‬ومذهب نا ا ستحباب‬
‫خضاب الش يب للر جل والرأة ب صفرة أو حرة ‪ ،‬ويرم خضا به بال سواد على ال صح ‪ ،‬وق يل ‪:‬‬
‫يكره كراهـة تنيـه ‪ ،‬والختار التحريـ ‪ ،‬لقوله صـلى ال عليـه وسـلم ‪ " :‬واجتنبوا السـواد‬
‫" [ شرح النووي على مسلم ‪. ] 306 / 14‬‬
‫وقال رح ه ال ‪ " :‬ي سن خضاب الش يب ب صفرة أو حرة ات فق عل يه أ صحابنا ‪ ،‬وم ن صرح به‬
‫ال صيمري والبغوي وآخرون للحاد يث ال صحيحة الشهورة ف ذلك من ها حد يث أ ب هريرة‬
‫رضـي ال عنـه أن رسـول ال‬

‫قال ‪ " :‬إن اليهود والنصـارى ل يصـبغون فخالفوهـم "‬

‫[ أخرجه البخاري ومسلم ] [ الجموع ‪. ] 345 / 1‬‬
‫وقال القسطلن رحه ال ‪ " :‬وأما الصبغ بالسود البحت فممنوع لا ورد ف الديث من‬
‫الوعيد عليه " [ إرشاد الساري ‪. ] 594 / 12‬‬
‫وقال ابن قدامة رحه ال ‪ " :‬ويكره الضاب بالسواد ‪ ،‬قيل لب عبد ال ‪ :‬تكره الضاب‬
‫بالسواد ؟ قال ‪ :‬إي وال ‪ .‬قال ‪ :‬وجاء أبو بكر بأبيه إل رسول ال‬
‫كالَثغَامة بياضا ‪ ،‬قال رسول ال‬

‫ورأسه وليته‬

‫غيوها وجنبوه السواد " [ أخرجه مسلم وغيه ]‬

‫[ الغن ‪. ] 127 / 1‬‬
‫وقال ا بن ع بد الب رح ه ال ‪ " :‬ف ضل جا عة من العلماء الضاب بال صفرة والمرة على بياض‬
‫الشيـب وعلى الضاب بالسـواد ‪ ،‬واحتجوا بديـث أبـ هريرة ‪ ،‬أن النـب‬

‫قال ‪ " :‬إن‬

‫اليهود والن صارى ل ي صبغون فخالفو هم " ‪ ،‬و عن عائ شة أن أ با ب كر خ ضب بال نا والك تم‬
‫واحتجوا بذا أيضا ‪ ،‬وجاء عن جاعة من السلف من الصحابة والتابعي وعلماء السلمي أنم‬
‫خضبوا بالمرة ‪ ،‬وال صفرة ‪ ،‬وجاء عن جا عة كثية من هم أن م ل يضبوا ‪ ،‬و كل ذلك وا سع‬
‫كما قال مالك والمد ل ‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫وم ن كان ي ضب لي ته حراء قان ية ‪ :‬أ بو ب كر وع مر وم مد بن النف ية وع بد ال بن أ ب أو ف‬
‫والسن بن علي وأنس بن مالك وعبد الرحن بن السود ‪ ،‬وخضب علي مرة ث ل يعد ‪.‬‬
‫ومن كان يصفر ليته ‪ :‬عثمان بن عفان وأبو هريرة وزيد بن وهب وابن عباس وابن عمر وعبد‬
‫ال بن بسر وسلمة بن الكوع وقيس بن أب حازم وأبو العالية وأبو السواد وأبو وائل وعطاء‬
‫والقاسم والغية بن شعبة والسود وعبد الرحن بن يزيد ويزيد بن السود وجابر بن عبد ال‬
‫وجابر بن سرة وروي عن علي وأنس أنما كانا يصفران لاها والصحيح عن علي رضي ال‬
‫عنه أنه كانت ليته بيضاء ‪ ،‬وقد ملت ما بي منكبيه ‪ ،‬قال الشعب ‪ :‬رأيت علي بن أب طالب‬
‫أبيض الرأس واللحية ‪ ،‬قد ملت ما بي منكبيه ‪ ،‬وقال أبو عائشة التيمي ‪ :‬رأيت عليا أصلع‬
‫أبيض الرأس واللحية ‪.‬‬
‫وكان السائب بن يزيد وجابر بن زيد وماهد وسعيد بن جبي ل يضبون ‪ ،‬وذكر الربيع بن‬
‫سليمان قال ‪ :‬كان الشافعي يضب ليته حراء قانية ‪ ،‬ورأيت الليث بن سعد يضب بالناء ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬ورأ يت مالك بن أ نس ل يغ ي الش يب ‪ ،‬وكان ن قي البشرة نا صع بياض الش يب ح سن‬
‫اللحية ل يأخذ منها من غي أن يدعها تطول ‪ ،‬قال ‪ :‬ورأيت عثمان بن كنانة وممد بن إبراهيم‬
‫بن دينار وعبد ال بن نافع وعبد الرحن بن القاسم وعبد ال بن وهب وأشهب ابن عبد العزيز‬
‫ل يغيون الشيب ‪ ،‬ول يكن شيبهم بالكثي يعن ابن القاسم وابن وهب وأشهب ‪.‬‬
‫قال أ بو ع مر ‪ :‬قد روي عن ال سن وال سي وم مد بن النف ية أن م كانوا يضبون بالو سة ‪،‬‬
‫و عن مو سى بن طل حة وأ ب سلمة ونا فع بن ح ي أن م خضبوا بال سواد ‪ ،‬وم مد بن إبراه يم‬
‫والسـن وممـد بـن سـيين ل يرون بـه بأسـا ‪ ،‬ومنـ كره الضاب بالسـواد ‪ :‬عطاء وماهـد‬
‫ومكحول والشعب وسعيد بن جبي " [ التمهيد ] ‪.‬‬
‫وقال ابن القيم رحه ال ‪ " :‬والصواب أن الحاديث ف هذا الباب ل اختلف بينها بوجه ‪ ،‬فإن‬
‫الذي نى عنه النب‬

‫من تغيي الشيب أمران ‪:‬‬

‫أحدها ‪ :‬نتفه ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬خضابه بالسواد ‪.‬‬
‫والذي أذن فيه هو صبغه وتغييه بغي السواد كالناء والصفرة وهو الذي عمله الصحابة رضي‬
‫ال عنهم ‪ ،‬وأما الضاب بالسواد فكرهه جاعة من أهل العلم وهو الصواب بل ريب لا تقدم ‪،‬‬
‫‪194‬‬

‫وقيــــــل للمام أحدــــــ تكره الضاب بالســــــواد قال أي وال ‪،‬‬
‫وهذه السألة من السائل الت حلف عليها وقد جعها أبو السن ولنه يتضمن التلبيس بلف‬
‫الصفرة ‪ ،‬ورخص فيه آخرون منهم أصحاب أب حنيفة وروى ذلك عن السن والسي وسعد‬
‫بن أب وقاص وعبد ال بن جعفر وعقبة بن عامر وف ثبوته عنهم نظر ولو ثبت فل قول لحد‬
‫ــول ال‬
‫ــع رسـ‬
‫مـ‬

‫ــا‬
‫ــن خالفهـ‬
‫ــا مـ‬
‫ــق بالتباع ولو خالفهـ‬
‫ــنته أحـ‬
‫وسـ‬

‫" [ تذيب السنن ‪. ] 103 / 6‬‬
‫وقال البارك فوري رحه ال ‪ " :‬التعي عندي وحاصله أن أحاديث النهي عن الضب بالسواد‬
‫ممولة على التسويد البحت ‪ ،‬والحاديث الت تدل على إباحة الضب بالسواد ممولة على‬
‫التسويد الخلوط بالمرة " [ تفة الحوذي ] ‪.‬‬
‫وقد ذكر غي واحد من أهل العلم أن الضاب بالسواد جائز ف الرب ‪ ،‬ليغيظ الكفار ‪ ،‬فإنم‬
‫إذا رأوا أن أكثر السلمي شبابا ل شيبا فربا قذف ال ف قلوبم الرعب واللع ‪.‬‬
‫الـلصـة ‪:‬‬
‫أن الصبغ سنة ‪ ،‬ينبغي فعلها ‪ ،‬مالفة لهل الكتاب ‪ ،‬ويرم الصبغ بالسواد ف شعر الرأس‬
‫واللحية للرجل أو الرأة ‪ ،‬للدلة الواردة ف النهي عن ذلك ‪ ،‬ول قول لحد مع قول النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فكل الناس يطئ ويصيب ‪ ،‬وربا كان خطؤه أكثر من صوابه ‪ ،‬أما النب‬
‫صلى ال عليه وسلم فهو العصوم من الخطأ والزلل ‪ ،‬ل سيما فيما يبلغه عن ربه ‪ ،‬فهو ل ينطق‬
‫عن الوى ‪ ،‬بل هو وحي يوحى إليه من ربه ‪ ،‬فكل الناس يؤخذ منه ويُرد عليه إل النب صلى‬
‫ال عليه وسلم فيؤخذ منه ول يُرد عليه شيء ‪ ،‬فلذلك يرم الصبغة بالسواد للرجل والرأة على‬
‫حد سواء ‪ ،‬لن الدلة تشملهما جيعا ما ل يكن هناك دليل يصص الرجل دون الرأة ‪ ،‬ول‬
‫دليل ف ذلك ‪.‬‬
‫ب الختضاب بالنّاء والكتم ‪ ،‬لديث ‪ « :‬غيّروا الشّيب » ‪ ،‬فهو أمر ‪ ،‬وهو‬
‫ويستح ّ‬
‫للستحباب ‪ ،‬ولقول النّبّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ أحسن ما غيّرت به الشّيب النّاء‬
‫والكتم » ‪ ،‬فإنّه يدلّ على أ ّن النّاء والكتم من أحسن الصّباغات الّت يغيّر با الشّيب ‪ .‬وأنّ‬
‫الصّبغ غي مقصور عليهما ‪ ،‬بل يشاركهما غيها من الصّباغات ف أصل السن لا ورد من‬

‫‪195‬‬

‫حديث أنس رضي ال عنه قال ‪ :‬اختضب أبو بكر بالنّاء والكتم ‪ ،‬واختضب عمر بالنّاء بتا‬
‫‪ [ .‬الوسوعة الفقهية ‪. ] 279 / 2‬‬
‫النوع الثان ‪ /‬الضاب ف اليدين والرجلي ‪:‬‬
‫قال النووي رحه ال تعال ‪ " :‬أما خضاب اليدين والرجلي بالناء فمستحب للمتزوجة من‬
‫النساء للحاديث الشهورة فيه ‪ ،‬وهو حرام على الرجال إل لاجة التداوي ونوه ومن الدلئل‬
‫على تريه قوله‬

‫ف الديث الصحيح لعن ال التشبهي بالنساء من الرجال ‪ ،‬ويدل عليه‬

‫الديث الصحيح عن أنس أن النب‬

‫‪ " :‬نى أن يتزعفر الرجل " [ أخرجه البخاري‬

‫ومسلم ] ‪ ،‬وما ذاك إل للونه ل لريه ‪ ،‬فإن ريح الطيب للرجال مبوب ‪ ،‬والناء ف هذا‬
‫كالزعفران ‪ ،‬وف كتاب الدب من سنن أب داود عن أب هريرة رضي ال عنه أن النب‬

‫أُت‬

‫بخنث ‪ ،‬قد خضب يديه ورجليه بالناء ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ما بال هذا ؟ " فقيل يا رسول ال ‪ :‬يتشبه‬
‫بالنساء ‪ ،‬فأمر به فنفي إل النقيع ‪ ،‬فقالوا يا رسول ال ‪ :‬أل نقتله ‪ ،‬فقال ‪ " :‬إن نيت عن قتل‬
‫الصلي " [ لكن إسناده فيه مهول ] ‪ [ ،‬الجموع ‪ ، 347 1‬روضة الطالبي ‪/ 2‬‬
‫‪. ] 349‬‬
‫النقيع ‪ :‬موضع قرب الدينة ‪ ،‬كان لرسول ال صلى ال عليه وسلم حاه ليله ‪ ،‬وله هناك‬
‫مسجد يقال له ‪ُ :‬مقَمّل ‪ ،‬وبي النقيع والدينة عشرون فرسخا ‪ ،‬والنقيع غي البقيع ‪ ،‬فالنقيع‬
‫أقرب إل الدينة من البقيع [ معجم البلدان ‪. ] 301 / 5‬‬
‫وقال القاضي عياض رحه ال ‪ " :‬قوله ‪ " :‬نى رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يتزعفر‬
‫الرجل " ‪ ،‬ممله عندنا على تغيي يديه بالزعفران ‪ ،‬تشبها بالنسوان " [ إكمال العلم ‪/ 6‬‬
‫‪. ] 623‬‬
‫ومع كل تلك الحاديث الناهية عن تغيي الشيب بالسواد ‪ ،‬ومع ذكر أقوال العلماء ف هذه‬
‫السألة الهمة ‪ ،‬إل أنه انتشر بي الرجال ف هذا العصر‪ ،‬صبغُ لاهم ورؤوسهم بالسواد ‪،‬‬
‫يريدون أن يتشببوا ‪ ،‬ويتخذون سنا مزيفا ليس لم ‪ ،‬ففي هذا من التحايل ما ل يفى على أحد‬
‫‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫فالصبغ بالسواد حرامٌ حرام ‪ ،‬فل يوز أن يغي الرجل ول الرأة شعرها بالسواد ‪ ،‬لا يقتضيه‬
‫هذا التغيي من التدليس على الناس ‪ ،‬وبيان بظهر على غي حقيقته ‪ ،‬فتغيي الشيب بالسواد ل‬
‫يُظهر السن القيقي لصاحبه ‪ ،‬فربا أراد الرجل أن يطب فتاة يكبها بعشرات السني ‪ ،‬فإذا‬
‫رأوا رأسه أسودا ‪ ،‬وليته سوداء ربا قبلوا به ‪ ،‬وقبلت به الفتاة ‪ ،‬ليقينهم بأنه صغي السن ‪،‬‬
‫وعندما تذهب الصبغة تراه ف منظر غي الذي رأته فيه من قبل ‪ ،‬وكذلك الرأة ل يوز لا أن‬
‫تغي شعرها بالسواد حت تبدو أصغر من سنها القيقي ‪.‬‬
‫قال البارك فوري رحه ال فيما ذكره عن ابن القيم رحه ال ‪ " :‬الضاب بالسواد النهي عنه‬
‫خضاب التدليس كخضاب شعر الارية ‪ ،‬والرأة الكبية ‪ ،‬تغر الزوج ‪ ،‬والسيد بذلك ‪.‬‬
‫وخضاب الشيخ يغر الرأة بذلك ‪ ،‬فإنه من الغش والداع " [ تفة الحوذي ] ‪.‬‬
‫فعلى النسان أن يتوكل على ال ويرضى با قسم ال له ‪ ،‬والشيب نور للمسلم ‪ ،‬ومن لأ إل‬
‫التغيي بالسواد ‪ ،‬فقد ارتكب أمرا مرما ‪ ،‬وهذه خديعة وتدليس وكذب من أجل الصول على‬
‫حرام ‪ ،‬فل يل لحد أن يغي شعره بسواد أبدا ‪ ،‬نعم تغيي لون الشعر سنة ‪ ،‬والنب صلى ال‬
‫عليه وسلم أمر بالتغيي لكن بغي السواد ‪ ،‬ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبدال رضي ال‬
‫عنه قال‪ :‬أُت بأب قحافة يوم فتح مكة ورأسه وليته كالثغامة بياضا‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪(( :‬غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد))‪.‬‬
‫وبذا يعرف أن بعض الحلت الت تبيع صبغ الشعر السود‪ ،‬أنه حرام عليهم‪ ،‬ول يوز لم‬
‫بيعه‪ ،‬وهذه من البيوع الحرمة‪ ،‬ومن الكاسب الحرمة ‪ ،‬ول حجة بأن هذه طلبات الزبائن ‪،‬‬
‫والناس تريد هذا ‪ ،‬فالدين شرع ال ‪ ،‬وسنة رسوله ‪ ،‬ول قول لحد معهما ‪ ،‬فانتبه يا صاحب‬
‫الحل أن تلط حلل مالك برام ‪ ،‬لن ال إذا حرم شيئا حرم ثنه ‪ ،‬فالربح الذي يأتيك من‬
‫هذه السلعة سحت حرام ‪ ،‬فاتركه ل وسيعوضك ال خيا منه ‪.‬‬
‫فائدة ‪:‬‬
‫ل عن بدر الدين العين رحة ال عليهما ‪ " :‬وأول من صبغ بالسواد من‬
‫قال القسطلن نق ً‬
‫العرب عبد الطلب بن هاشم ‪ ،‬وأول من صبغ ليته بالسواد مطلقا ففرعون لعنه ال تعال‬
‫" [ عمدة القاري ‪ ، 97 / 15‬وإرشاد الساري ‪. ] 594 / 12‬‬
‫من أحكام الصبغ ( الضاب ) ‪:‬‬
‫‪197‬‬

‫ولزيد الفائدة فهذه جلة من أحكام الضاب أو الصبغ والت تم السلم والسلمة وهي جديرة‬
‫بالهتمام ‪ ،‬حفية بالعناية ‪ :‬فمن تلك الحكام ‪:‬‬
‫اختضاب النثى ‪:‬‬
‫ب للرّجل ‪،‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّ تغيي الشّيب بالنّاء أو نوه مستحبّ للمرأة كما هو مستح ّ‬
‫ص الرأة الزوّجة ‪ ،‬والملوكة باستحباب خضب كفّيها‬
‫للخبار الصّحيحة ف ذلك ‪ .‬وتت ّ‬
‫وقدميها بالنّاء أو نوه ف ك ّل وقت عدا وقت الحرام ؛ لنّ الختضاب زينة ‪ ،‬والزّينة مطلوبة‬
‫من الزّوجة لزوجها ومن الملوكة لسيّدها ‪ ،‬على أن يكون الختضاب تعميما ‪ ،‬ل تطريفا ول‬
‫ب ‪ .‬ويوز لا ‪ -‬بإذن زوجها أو سيّدها تمي الوجنة ‪ ،‬وتطريف‬
‫نقشا ؛ ل ّن ذلك غي مستح ّ‬
‫الصابع بالنّاء مع السّواد ‪ .‬وف استحباب خضب الرأة الزوّجة لكفّيها ما ورد عن « ابن‬
‫ضمرة بن سعيد عن جدّته عن امرأة من نسائه قال ‪ :‬وقد كانت صلّت القبلتي مع رسول اللّه‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قالت ‪ :‬دخل عليّ رسول اللّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فقال ل ‪:‬‬‫اختضب ‪ ،‬تترك إحداكنّ الضاب حتّى تكون يدها كيد الرّجل ؟ » قال ‪ :‬فما تركت الضاب‬
‫حتّى لقيت اللّه ع ّز وجلّ ‪ ،‬وإن كانت لتختضب وإنّها لبنة ثاني ‪.‬‬
‫أمّا الرأة غي الزوّجة وغي الملوكة فيى النفيّة والالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬كراهة اختضابا ف‬
‫كفّيها وقدميها لعدم الاجة مع خوف الفتنة ‪ ،‬وحرمة تمي وجنتيها وحرمة تطريف أصابعها‬
‫بالنّاء مع السّواد ‪.‬‬
‫ويرى النابلة جواز الختضاب لليّم ‪ ،‬لا ورد عن جابر مرفوعا ‪ « :‬يا معشر النّساء اختضب ‪،‬‬
‫فإ ّن الرأة تتضب لزوجها ‪ ،‬وإ ّن اليّم تتضب تعرّض للرّزق من اللّه عزّ وجلّ » أي لتخطب‬
‫وتتزوّج ‪.‬‬
‫وضوء الختضب وغسله ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّ وجود مادّة على أعضاء الوضوء أو الغسل تنع وصول الاء إل البشرة ‪-‬‬
‫حائل بي صحّة الوضوء وصحّة الغسل ‪ .‬والختضب وضوءه وغسله صحيحان ؛ ل ّن الضاب‬
‫بعد إزالة مادّته بالغسل يكون مرّد لون ‪ ،‬واللّون وحده ل يول بي البشرة ووصول الاء‬
‫إليها ‪ ،‬ومن ّث فهو ل يؤثّر ف صحّة الوضوء أو الغسل ‪.‬‬
‫الختضاب للتّداوي ‪:‬‬
‫‪198‬‬

‫اتّفق الفقهاء على جواز الختضاب للتّداوي ‪ ،‬لب سَلْمَى خَادِمِ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫ط َيشْكُو ِإلَى َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم وَ َجعًا فِي َرأْ ِسهِ‬
‫ت أَ َحدًا َق ّ‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَتْ ‪ :‬مَا سَ ِمعْ ُ‬
‫ج ْم " ‪ ،‬وَلَا وَ َجعًا فِي ِرجْلَ ْيهِ ِإلّا قَالَ ‪ " :‬اخْضِ ْبهُمَا بِالْحِنّا ِء " [ أخرجه أحد ] ‪،‬‬
‫ِإلّا قَالَ ‪ " :‬احْتَ ِ‬
‫ب‪-‬‬
‫وسلمى ‪ :‬مولة النّبّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وف لفظ لحد ‪ :‬قالت ‪ « :‬كنت أخدم النّ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فما كانت تصيبه قرحة ول نكتة إ ّل أمرن أن أضع عليها النّاء » ‪.‬‬
‫الختضاب بالتنجّس وبعي النّجاسة ‪:‬‬
‫يرى الحناف والالكيّة والشّافعيّة والنابلة أ ّن ما خضّب أو صبغ بتنجّس يطهر بغسله ثلثا فلو‬
‫اختضب الرّجل أو اختضبت الرأة بالنّاء التنجّس وغسل ك ّل ثلثا طهر ‪ .‬أمّا إذا كان‬
‫الختضاب بعي النّجاسة فل يطهر إ ّل بزوال عينه وطعمه وريه وخروج الاء صافيا ‪ ،‬ويعفى‬
‫عن بقاء اللّون ؛ ل ّن الثر الّذي يش ّق زواله ل يض ّر بقاؤه ‪ .‬ومن هذا القبيل الصبوغ بالدّم‬
‫( فهو نس ) ‪ ،‬والصبوغ بالدّودة غي الائيّة الّت لا دم سائل فإنّها ميتة يتجمّد الدّم فيها وهو‬
‫نس ‪.‬‬
‫الختضاب بالوشم ‪:‬‬
‫ق وهو‬
‫الوشم هو غرز اللد بالبرة حتّى يرج الدّم ّث يذرّ عليه كحل أو نيلة ليخضرّ أو يزر ّ‬
‫حرام مطلقا لب الصّحيحي ‪ « :‬لعن اللّه الواصلة والستوصلة والواشة والستوشة والنّامصة‬
‫والتنمّصة » ؛ ولنّه إذا غرز م ّل الوشم بإبرة ّث حشي بكحل أو نيلة ليخضرّ تنجّس الكحل‬
‫بالدّم فإذا جد الدّم والتأم الرح بقي ملّه أخضر ‪ ،‬فإذا غسل ثلثا طهر ‪ .‬ويرى الحناف‬
‫والالكيّة والشّافعيّة والنابلة أنّ الوشم كالختضاب أو الصّبغ بالتنجّس ‪ ،‬فإذا غسل ثلثا‬
‫طهر ؛ لنّه أثر يش ّق زواله إذ ل يزول إلّ بسلخ اللد أو جرحه ‪.‬‬
‫الختضاب بالبياض ‪:‬‬
‫يكره خضب اللّحية السّوداء بالبياض كالكبيت ونوه إظهارا لكب السّ ّن ترفّعا على الشّباب‬
‫صلً إل التّوقي والحترام من إخوانه ‪ ،‬وأمثال ذلك من الغراض الفاسدة ‪.‬‬
‫من أقرانه ‪ ،‬وتو ّ‬
‫ويفهم من هذا أنّه إذا كان لغرض صحيح فهو جائز ‪.‬‬
‫اختضاب الائض ‪:‬‬

‫‪199‬‬

‫جهور الفقهاء على جواز اختضاب الائض لا ورد « أ ّن امرأ ًة سألت عائشة ‪ -‬رضي ال عنها‬
‫ قالت ‪ :‬تتضب الائض ؟ فقالت ‪ :‬قد كنّا عند النّبّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ونن‬‫نتضب فلم يكن ينهانا عنه » ‪ ،‬ولا ورد أنّ نساء ابن عمر كنّ يتضب وه ّن حيّض ‪ .‬وقد قال‬
‫ابن رشد ‪ :‬ل إشكال ف جواز اختضاب الائض والنب لنّ صبغ الضاب الّذي يصل ف‬
‫يديها ل ينع من رفع حدث النابة واليض عنها بالغسل إذا اغتسلت ‪ .‬ول وجه للقول‬
‫بالكراهة ‪.‬‬
‫اختضاب الرأة الحدّة ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّ الرأة الحدّة على زوجها يرم عليها أن تتضب مدّة عدّتا ؛ لا ورد من‬
‫حديث ل ّم سلمة قالت ‪ « :‬دخل عليّ رسول اللّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬حي توفّي أبو‬
‫سلمة فقال ل ‪ :‬ل تتشطي بالطّيب ول بالنّاء فإنّه خضاب ‪ .‬قالت ‪ :‬قلت ‪ :‬بأيّ شيء‬
‫أمتشط ؟ قال ‪ :‬بالسّدر تغلّفي به رأسك » ‪.‬‬
‫خضاب رأس الولود ‪:‬‬
‫ي وابن النذر على كراهة تلطيخ رأس الصّبّ‬
‫اتّفق الفقهاء ‪ -‬مالك والشّافع ّي ‪ -‬وأحد والزّهر ّ‬
‫بدم العقيقة ؛ لقول النّبّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ « : -‬مع الغلم عقيقة فأهريقوا عنه دما ‪،‬‬
‫س بدم لنّه أذًى ‪ ،‬ولا روي عن يزيد بن عبد الزنّ‬
‫وأميطوا عنه الذى » ‪ ،‬فهذا يقتضي ألّ ي ّ‬
‫ب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال ‪ « :‬يعقّ عن الغلم ول يسّ رأسه بدم » ولنّ‬
‫عن أبيه أنّ النّ ّ‬
‫ب بالزّعفران وباللوق ( أي‬
‫هذا تنجيس له فل يشرع ‪ .‬واتّفقوا على جواز خضب رأس الصّ ّ‬
‫الطّيب ) ‪ ،‬لقول بريدة ‪ :‬كنّا ف الاهليّة إذا ولد لحدنا غلم ذبح شا ًة ولطّخ رأسه بدمها ‪،‬‬
‫فلمّا جاء اللّه بالسلم كنّا نذبح شاةً ونلق رأسه ونلطّخه بزعفران ‪ ،‬ولقول عائشة رضي ال‬
‫ب خضّبوا قطن ًة بدم العقيقة ‪ ،‬فإذا حلقوا رأس‬
‫عنها « ‪ :‬كانوا ف الاهليّة إذا عقّوا عن الصّ ّ‬
‫الولود وضعوها على رأسه ‪ ،‬فقال النّبّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ : -‬اجعلوا مكان الدّم خلوقا‬
‫س رأس الولود بدم » ‪ .‬أمّا النفيّة فإ ّن العقيقة عندهم غي‬
‫» زاد أبو الشّيخ « ‪ :‬ونى أن ي ّ‬
‫مطلوبة ‪.‬‬
‫اختضاب الرّجل والنثى ‪:‬‬

‫‪200‬‬

‫ب للرّجل أن يتضب ف رأسه وليته لتغيي الشّيب بالنّاء ونوه‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّه يستح ّ‬
‫للحاديث الواردة ف ذلك ‪ ،‬وجوّزوا له أن يتضب ف جيع أجزاء بدنه ما عدا الكفّي‬
‫والقدمي ‪ ،‬فل يوز له أن يتضب فيهما إ ّل لعذر ؛ ل ّن ف اختضابه فيهما تشبّها بالنّساء ‪،‬‬
‫والتّشبّه بالنّساء مظور شرعا ‪ .‬وقال أكثر الشّافعيّة وبعض النابلة برمته ‪ .‬وقال بعض النابلة‬
‫وصاحب الحيط من النفيّة بكراهته وقد قال رسول اللّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ « -‬لعن اللّه‬
‫التشبّهات من النّساء بالرّجال والتشبّهي من الرّجال بالنّساء » ‪ .‬وحكم النثى الشكل كحكم‬
‫الرّجل ف هذا ‪.‬‬
‫اختضاب الحرم ‪:‬‬
‫ذهب النابلة إل أنّه يوز للمحرم الختضاب بالنّاء ف أيّ جزء من البدن ما عدا الرّأس ؛ لنّ‬
‫ستر الرّأس ف الحرام بأيّ ساتر منوع ‪ .‬وقد ذكر القاضي أ ّن النّبّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫قال ‪ « :‬إحرام الرّجل ف رأسه ‪ ،‬وإحرام الرأة ف وجهها » ‪ .‬ول بأس باختضاب الرأة بالنّاء‬
‫ونوه ‪ ،‬لا روي عن عكرمة أنّه قال ‪ « :‬كانت عائشة وأزواج النّبّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يتضب بالنّاء وهنّ حرم » ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يوز للرّجل الختضاب بالنّاء ونوه حال‬
‫الحرام ف جيع أجزاء جسده ‪ ،‬ما عدا اليدين والرّجلي فيحرم خضبهما بغي حاجة ‪ .‬وكرهوا‬
‫للمرأة الختضاب بالنّاء ونوه حال الحرام ‪ ،‬إ ّل إذا كانت معتدّ ًة من وفاة فيحرم عليها ذلك‬
‫‪ ،‬كما يرم عليها الختضاب إذا كان نقشا ‪ ،‬ولو كانت غي معتدّة ‪ .‬وقال الحناف والالكيّة ‪:‬‬
‫ي جزء من البدن سواء أكان رجلً أم امرأةً ؛ لنّه‬
‫ل يوز للمحرم أن يتضب بالنّاء ونوه ف أ ّ‬
‫ب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال لمّ‬
‫طيب والحرم منوع من الطّيب ‪ ،‬وقد روي « أ ّن النّ ّ‬
‫سلمة ‪ :‬ل تطيّب وأنت مرمة ول تسّي النّاء فإنّه طيب » [ الوسوعة الفقهية ‪ 280 / 2‬وما‬
‫بعدها ] ‪.‬‬
‫وبعد أن ذكرنا جلة من أحكام الضاب والصبغ ‪ ،‬نعود للحديث عن الشرط السادس‬
‫والمسي من أشراط الساعة ‪.‬‬
‫فحواصل المام ‪ ،‬الراد به وال أعلم صنيع بعض الرجال ف هذا العصر ‪ ،‬من حلق العوارض ‪،‬‬
‫ويتركون جزءا من اللحية على الذقن فقط ‪ ،‬ث يصبغونه بالسواد ‪ ،‬فيغدو كحواصل المام‬
‫يعن كصدور كثي من المام ‪ ،‬وإل فليس كل المام حواصله سوداء ‪ ،‬لكنه ربا كان من باب‬
‫‪201‬‬

‫التغليب ‪ ،‬لن الغلب عليه أنه أسود ‪ [ .‬شرح الطيب ‪ ، 2933 / 9‬مرقاة الفاتيح ‪293 / 8‬‬
‫]‪.‬‬
‫أما قول النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬ل يريون رائحة النة " ‪ ،‬فهذا ل شك أنه وعيد شديد‬
‫لن هذا فعلهم ‪ ،‬وما أكثرهم ف هذا الزمان ‪ ،‬فمن الرجال اليوم من حلق اللحية بكاملها ‪،‬‬
‫وأصبح كالسناء ‪ ،‬ومنهم من تشبه باليهود النصارى والجوس وغيه من أهل الشرك والكفر‬
‫واللاد ‪ ،‬فحلق العوارض وترك ما حول العنفقة ‪ ،‬وهي ما يسمونه اليوم بالسكسوكة ‪ ،‬ث‬
‫يصبغونا بالسواد ‪ ،‬ول ريب أن ذلك مالف لمر النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬مالف لمره‬
‫وفعله وهديه وتقريره ‪ ،‬وبا أنه مالف للمر النبوي الكري ‪ ،‬فقد توعد ال عليه بذا الوعيد‬
‫الشديد ‪ ،‬أنم ل يريون رائحة النة ‪ ،‬قال الل على رحه ال ‪ " :‬الراد بالديث التهديد ‪ ،‬أو‬
‫ممول على الستحل ـ يعن من استحل هذا المر وصبغ بالسواد تعمدا ـ أو مقيد با قبل‬
‫دخول النة من القب ‪ ،‬أو الوقف أو النار " [ مرقاة الفاتيح ‪ ، 293 / 8‬عون العبود ‪/ 11‬‬
‫‪. ] 178‬‬
‫وقال ابن الوزي رحه ال ‪ ( :‬يتمل أن يكون العن ل يريون رائحة النة لفعل يصدر منهم ‪،‬‬
‫أو اعتقاد ‪ ،‬ل لعلة الضاب ‪ ،‬ويكون الضاب سيماهم ‪ ،‬كما قال ف الوارج سيماهم‬
‫التحليق ‪ ،‬وإن كان تليق الشعر ليس برام ) ‪.‬‬
‫ب بن سنان الرومي رضي ال عنه قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ‬
‫صهَيْ ِ‬
‫أما حديث ُ‬
‫صدُورِ‬
‫ب َلكُ ْم فِي ُ‬
‫ب لِِنسَاِئكُ ْم فِيكُ ْم ‪َ ،‬وأَهْيَ ُ‬
‫‪ " :‬إِ ّن َأ ْحسَ َن مَا اخْتَضَبُْت ْم بِ ِه ‪َ ،‬ل َهذَا السّوَادُ ‪ ،‬أَرْ َغ ُ‬
‫َعدُوّ ُكمْ " [ أخرجه ابن ماجة ‪ ،‬فهو حديث ضعيف فيه راويان ضعيفان ‪ .‬انظر تام النة ص ‪87‬‬
‫]‪.‬‬
‫الاصل ‪ :‬أن الضاب بالسواد حرام ‪ ،‬سواءً للرجال أو النساء ‪ ،‬ولو كانوا شبابا أو شيبا ‪،‬‬
‫وهو الذي يدل عليه حديث الباب ‪ ،‬وقد ورد ف ذلك حديث عن أب الدرداء مرفوعا ‪ " :‬من‬
‫خضب بالسواد سود ال وجهه يوم القيامة " [ أخرجه الطبان ‪ ،‬وقال اليثمي ‪ :‬فيه الوضي بن‬
‫عطاء ‪ ،‬وثقه أحد وابن معي ‪ ،‬وابن حبان ‪ ،‬وضعفه من هو دنم ف النلة ‪ ،‬وبقية رجاله‬
‫ثقات ‪ ،‬وقال ابن حجر ‪ :‬سنده لي ‪ ،‬تام النة ‪. ] 86‬‬

‫‪202‬‬

‫السابع والمسون ‪:‬‬
‫فتنة الحلس والدهيماء ‪َ :‬عنْ عَ ْب َد ال ّلهِ ْبنَ عُ َم َر قَالَ ‪ :‬كُنّا ُقعُودًا عِ ْندَ َرسُو ِل اللّ ِه َفذَ َكرَ اْلفَِتنَ ‪،‬‬
‫س ‪َ ،‬فقَالَ قَاِئلٌ يَا َرسُو َل اللّ ِه ‪َ :‬ومَا فِتَْنةُ اْلَأحْلَاسِ ؟ قَالَ‬
‫َفأَكَْث َر فِي ذِ ْك ِرهَا ‪ ،‬حَتّى ذَ َك َر فِتَْنةَ اْلَأحْلَا ِ‬
‫ت َقدَ َميْ َر ُج ٍل ِمنْ َأ ْهلِ بَيْتِي ‪َ ،‬يزْ ُعمُ َأّنهُ‬
‫ح ِ‬
‫سرّا ِء ‪َ ،‬دخَنُهَا ِمنْ تَ ْ‬
‫ب ‪ُ ،‬ثمّ فِتَْن ُة ال ّ‬
‫‪ِ " :‬هيَ َه َربٌ َو َحرْ ٌ‬
‫س مِنّي ‪َ ،‬وِإنّمَا َأ ْولِيَائِي الْمُّتقُو َن ‪ ،‬ثُ ّم يَصْطَلِحُ النّاسُ عَلَى َر ُجلٍ َكوَرِكٍ عَلَى ضِلَ ٍع ‪ُ ،‬ثمّ‬
‫مِنّي ‪ ،‬وَلَيْ َ‬
‫ت ‪ ،‬تَمَادَتْ ‪،‬‬
‫ع َأ َحدًا ِمنْ َه ِذهِ اْلُأمّ ِة ِإلّا لَطَمَ ْت ُه لَطْ َم ًة ‪َ ،‬فِإذَا قِيلَ ‪ :‬اْنقَضَ ْ‬
‫فِتَْن ُة ال ّدهَيْمَا ِء ‪ ،‬لَا َتدَ ُ‬
‫ي النّاسُ ِإلَى ُفسْطَاطَ ْي ِن ‪ُ ،‬فسْطَاطِ إِيَانٍ لَا‬
‫يُصْبِحُ ال ّرجُ ُل فِيهَا ُم ْؤمِنًا ‪َ ،‬ويُ ْمسِي كَا ِفرًا ‪ ،‬حَتّى يَصِ َ‬
‫ق لَا إِيَا َن فِيهِ ‪ ،‬فَِإذَا كَانَ ذَا ُك ْم فَانْتَ ِظرُوا الدّجّا َل ِمنْ يَ ْو ِمهِ َأوْ مِنْ َغ ِدهِ‬
‫ق فِيهِ ‪َ ،‬و ُفسْطَاطِ ِنفَا ٍ‬
‫ِنفَا َ‬
‫" [ أخرجه أبو داود وأحد والاكم وصححه ووافقه الذهب ‪ ،‬وقال اللبان صحيح السناد ‪.‬‬
‫الشكاة ‪ ، 1487 / 3‬وصحح إسناده شعيب الرنؤوط ف شرح السنة ‪، 20 / 15‬‬
‫وصحح إسناده أيضا مصطفى بن العدوي ف الصحيح السند من أحاديث الفت ‪. ] 341‬‬
‫ونأت لشرح الديث حت نقرب القصود منه بإذن ال تعال ‪:‬‬
‫الحلس ‪ :‬أضيفت إل الفتنة ‪ ،‬لدوامها وطول لبثها ‪ ،‬واللس ‪ :‬هو ما يوضع على ظهر البعي‬
‫أو الدابة ويكون ملزما له ‪.‬‬
‫والرب ‪ :‬ذهاب الال والهل ‪.‬‬
‫والسراء ‪ :‬الراد با النعمة الت تسر الناس من الصحة والرخاء ‪ ،‬والعافية من البلء والوباء ‪،‬‬
‫واضيفت الفتنة إل السراء ‪ ،‬لن سبب وقوعها ارتكاب العاصي بسبب كثرة النعم ‪ ،‬أو لنا‬
‫تسر العدو ‪.‬‬
‫والدخن ‪ :‬هو الدخان ‪ ،‬يريد أن الفتنة تثور من تت قدميه كالدخان ‪.‬‬
‫ويتزعم هذه الفتنة رجل من أهل بيت النبوة ‪ ،‬لكنه يزعم أنه بفعله هذا يتتبع سنة النب صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم ‪ " :‬يزعم أنه من " ‪ ،‬يعن بفعله ذلك يزعم أنه من‬
‫فعل أو أخلق الصطفى صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ث قال ‪ " :‬وليس من " يعن بفعله ذلك ليس‬
‫من ول أقره عليه ‪ ،‬لنه لو كان من أهلي لا هيج الفتنة ‪ ،‬وأجج نارها ‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫وقوله ‪ " :‬كورك على ضلع " ‪ :‬هذا مثل ضربه النب صلى ال عليه وسلم ف عدم استقامة المر‬
‫ف ذاك الزمن وف تلك الفتنة ‪ ،‬لن الضلع ل يقوم على الورك ‪ ،‬بعن أن ذلك الرجل ليس‬
‫بأهل للملك ‪.‬‬
‫والدهيماء ‪ :‬يعن السوداء ‪ ،‬وهي تغي للدهاء ‪ ،‬وصغرت للذم ‪ ،‬وهي الفتنة العظماء ‪ ،‬والطامة‬
‫العمياء ‪.‬‬
‫وقوله ‪ " :‬لطمته لطمة " ‪ :‬يعن أن هذه الفتنة ل تترك أحدا من الناس إل وأصابته بحنة ‪،‬‬
‫ومسته ببلية ‪ ،‬فهي تعم جيع الناس ول ينجو منها أحد ‪.‬‬
‫فإذا قالوا انقضت ‪ :‬يعن انتهت وتوارت وذهبت ‪ ،‬إذا با تزداد وتتمادى ‪ ،‬وتستمر ‪.‬‬
‫والفسطاط ‪ :‬الفرقة ‪ [ .‬النهاية ف الفت ‪ ، 60 / 1‬شرح السنة ‪. ] 20 / 15‬‬
‫ف الديث السابق يب النب صلى ال عليه وسلم عن فتنة عظيمة طويلة الدى ‪ ،‬تصيب هذه‬
‫المة ‪ ،‬فتنة مظلمة قاتة السواد ‪ ،‬يذهب فيها الهل والال ‪ ،‬فبعد أن كان الناس ف نعمة ورخاء‬
‫وسرور ‪ ،‬فيبتلي ال عباده بنعمة اليات وما يده لم من النعيم والي الوفي ‪ ،‬ليى سبحانه‬
‫وهو أعلم بعباده من الصابر الشاكر الامد الستغفر ‪ ،‬ومن هو الذنب الذي ل تزده نعم ال‬
‫عليه إل طغيانا وبعدا عم ربه سبحانه وتعال ‪ ،‬فإذا طغى الناس وبغوا وتبوا ‪ ،‬وظلموا ول‬
‫يمدوا ربم على نعمه ‪ ،‬ول يشكروه عليها ‪ ،‬هناك يبتليهم ببلء عظيم ‪ ،‬إنا فتنة سوداء يأكل‬
‫بعضها بعضها ‪ ،‬ل يبقى بيت من البيوت إل ودخلته ‪ ،‬فأصيب أهله با ‪ ،‬من فقد للمال ‪ ،‬أو‬
‫البناء ‪ ،‬أو حت صاحب الدار ‪ ،‬وربا نكون ف هذه اليام ف بداية الطريق لتلك الفتنة‬
‫العظيمة ‪ ،‬فال عز وجل قد أغدق علينا بنعم ل تعد ول تصى ‪ ،‬ومع ذلك فهاهي العاصي‬
‫والفواحش والكبائر تنتشر انتشار النار ف الشيم ‪ ،‬بسرعة فائقة ‪ ،‬والناس ف غفلة وإعراض‬
‫عن دين ربم ‪ ،‬فل حد ول شكر إل من رحم ربك من السلمي ‪ ،‬وأما الغالبية العظمى والكثرة‬
‫الكاثرة من السلمي فهم ف غفلة معرضون ‪ ،‬فل صلة ول صيام ول حج ‪ ،‬ول ذكر ل ‪ ،‬ول‬
‫أمر بعروف ‪ ،‬ول ني عن منكر ‪ ،‬ول بر بالوالدين ‪ ،‬ول فعل للخيات ‪ ،‬ول أداء للواجبات ‪،‬‬
‫ول ترك للمنهيات ‪ ،‬بل اقتراف لا ‪ ،‬وفعل لا والعياذ بال ‪ ،‬فالزنا على مصراعيه ‪ ،‬وقبله الربا ‪،‬‬
‫فل تلو دولة إسلمية من شره وفتنته ‪ ،‬واللواط يلحق بما ‪ ،‬والسحر قد مل الرض وأهلك‬
‫الرث والنسل ‪ ،‬ودمر النفس البيئة ‪ ،‬والطامة الكبى ‪ ،‬والصيبة العظمى ما يصل ف بلد‬
‫‪204‬‬

‫السلمي من شرك بال ‪ ،‬من تبك بالقبور ‪ ،‬ودعاء أهلها من دون ال ‪ ،‬والف بغي ال ‪،‬‬
‫والنذر لغي ال ‪ ،‬وهلم جرا ‪ ،‬فل غرابة أن تصل هذه الفت اليوم من تفجيات وقتل للنفس ‪،‬‬
‫وانتهاك للعراض من قبل السلمي أنفسهم وليس من أعدائهم ‪ ،‬فهاهي العتداءات تلو‬
‫العتداءات على النفس السلمة ‪ ،‬وعلى البيوت المنة ‪ ،‬وهاهي السرقات من سيارات‬
‫وعمارات ‪ ،‬يتركها أهلها آمنة ‪ ،‬ويعودون إليها وإذا با خالية أو خاوية على عروشها ‪ ،‬ولقد‬
‫حذرنا نب الرحة والدى صلى ال عليه وسلم من الفت ‪ ،‬الت تدخل كل بيت من بيوت‬
‫السلمي ‪ ،‬وذلك عندما يفسد أكثر الناس ‪ ،‬فل يعودون يعرفون الق ‪ ،‬ول ينكرون الباطل ‪،‬‬
‫ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬وهاك جلة من الحاديث الت تذر من وقوع الفت ف هذه المة ‪،‬‬
‫نسأل ال العفو والسلمة ‪:‬‬
‫سعُو ٍد قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َيقُولُ ‪َ " :‬تكُونُ فِتَْنةٌ ‪،‬‬
‫َعنْ عَ ْبدُ ال ّل ِه ْبنُ َم ْ‬
‫ج ِع ‪ ،‬وَالْمُضْ َطجِ ُع فِيهَا خَيْ ٌر ِمنَ اْلقَا ِعدِ ‪ ،‬وَالْقَا ِعدُ فِيهَا خَ ْيرٌ ِم َن الْقَائِمِ‬
‫النّاِئ ُم فِيهَا خَ ْيرٌ ِم َن الْمُضْطَ ِ‬
‫جرِي ‪،‬‬
‫ب ‪ ،‬وَالرّاكِبُ خَيْ ٌر ِمنَ الْ ُم ْ‬
‫‪ ،‬وَالْقَائِ ُم فِيهَا خَ ْي ٌر ِمنَ الْمَاشِي ‪ ،‬وَالْمَاشِي خَيْ ٌر ِمنَ الرّاكِ ِ‬
‫ج " ‪ ،‬قُلْتُ ‪:‬‬
‫ت يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪َ :‬ومَتَى َذلِكَ ؟ قَالَ ‪ " :‬ذَِلكَ أَيّا َم اْلهَرْ ِ‬
‫قَتْلَاهَا كُ ّلهَا فِي النّارِ " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ت ‪ :‬فَمَا َت ْأمُ ُرنِي إِ ْن َأدْرَكْتُ‬
‫سهُ " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫ي لَا َيأْ َمنُ ال ّرجُ ُل جَلِي َ‬
‫َومَتَى َأيّامُ اْل َهرْجِ ؟ قَالَ ‪ " :‬حِ َ‬
‫ت إِنْ دَ َخلَ‬
‫ت يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪ :‬أَ َرَأيْ َ‬
‫ك َويَدَ َك ‪ ،‬وَادْ ُخ ْل دَارَكَ " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫َذِلكَ ؟ قَالَ ‪ " :‬ا ْكفُفْ َن ْفسَ َ‬
‫ت إِ ْن دَ َخلَ عَ َل ّي بَيْتِي ؟ قَالَ ‪" :‬‬
‫ت ‪َ :‬أ َفرََأيْ َ‬
‫ك " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫َر ُجلٌ عَ َل ّي دَارِي ؟ قَا َل ‪ " :‬فَا ْد ُخلْ بَيَْت َ‬
‫ع ‪َ ،‬وقُلْ َرّبيَ ال ّلهُ حَتّى تَمُوتَ عَلَى‬
‫ض بِيَمِيِنهِ عَلَى الْكُو ِ‬
‫جدَ َك وَاصَْن ْع هَ َكذَا ‪َ ،‬وقَبَ َ‬
‫فَادْ ُخ ْل َمسْ ِ‬
‫َذِلكَ " [ أخرجه أحد ] ‪.‬‬
‫واليوم نن ف فت فالرجل يضيع حقه ‪ ،‬ول مطالب له ‪ ،‬وإن طالب به أصبح ظالا ومعتديا ‪،‬‬
‫والكثي من أصحاب القوق ‪ ،‬ل يأخذون حقوقهم إل بدفع الرشوة ‪ ،‬أو التنازل عن بعضها‬
‫مقابل الصول على بعضها ‪ ،‬فما ل يدرك كله ‪ ،‬ل يترك كله ‪ ،‬ولكننا وله المد ل نصل‬
‫لرحلة الفت الت يصبح الرجل حبيس بيته ‪ ،‬ويعتزل الناس نائيا ‪ ،‬وإن كنت ل أنفي وجود‬
‫الفت اليوم ‪ ،‬وهي موجودة لكننا نعتصم بال منها ومن ضررها وشررها ‪.‬‬
‫ومت حصلت الفت فعلى السلم أن يتمسك بذا الديث الذي رواه أَبَو بَ ْك َرةَ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُولُ‬
‫ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ِ " :‬إنّهَا سَتَكُونُ فَِت ٌن ‪َ ،‬ألَا ُث ّم تَكُو ُن فِتَْنةٌ ‪ ،‬اْلقَا ِع ُد فِيهَا خَ ْي ٌر ِمنَ‬
‫‪205‬‬

‫ت فَ َمنْ كَا َن َلهُ ِإِبلٌ‬
‫ت َأ ْو وَ َقعَ ْ‬
‫الْمَاشِي فِيهَا ‪ ،‬وَالْمَاشِي فِيهَا خَ ْي ٌر ِمنَ السّاعِي ِإلَ ْيهَا ‪َ ،‬ألَا َفِإذَا َنزَلَ ْ‬
‫ض ِه " ‪َ ،‬فقَالَ‬
‫ح ْق ِبأَرْ ِ‬
‫ض فَلْيَلْ َ‬
‫ح ْق ِبغَنَ ِمهِ ‪ ،‬وَ َمنْ كَانَتْ َل ُه أَرْ ٌ‬
‫ت َلهُ غََن ٌم فَلْيَلْ َ‬
‫حقْ ِبِإبِ ِلهِ ‪َ ،‬و َمنْ كَانَ ْ‬
‫فَلْيَ ْل َ‬
‫ت َمنْ َلمْ يَ ُكنْ لَ ُه ِإِبلٌ َولَا َغَنمٌ َولَا أَرْضٌ ؟ قَا َل ‪َ " :‬يعْ ِمدُ ِإلَى سَ ْي ِفهِ‬
‫َر ُج ٌل يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪ :‬أَ َرَأيْ َ‬
‫ت ‪ ،‬ال ّلهُ ّم َهلْ بَ ّلغْتُ ‪،‬‬
‫ع النّجَا َء ‪ ،‬ال ّلهُ ّم َهلْ بَ ّلغْ ُ‬
‫ج إِ ِن اسْتَطَا َ‬
‫ج ٍر ‪ُ ،‬ثمّ لِيَنْ ُ‬
‫حَ‬
‫فََيدُقّ عَلَى َح ّدهِ بِ َ‬
‫ت حَتّى يُنْطَ َل َق بِي ِإلَى َأحَدِ‬
‫ت " ‪َ ،‬فقَالَ َر ُجلٌ يَا َرسُو َل اللّ ِه ‪ :‬أَ َرَأيْتَ إِ ْن أُ ْك ِرهْ ُ‬
‫ال ّل ُهمّ َهلْ بَلّغْ ُ‬
‫ض َربَنِي َرجُ ٌل ِبسَ ْيفِ ِه َأوْ يَجِي ُء َس ْهمٌ فََيقْتُلُنِي ؟ قَالَ ‪ " :‬يَبُو ُء ِبإِثْ ِمهِ‬
‫صفّ ْينِ َأوْ إِ ْحدَى اْلفِئَتَ ْينِ ‪ ،‬فَ َ‬
‫ال ّ‬
‫ب النّا ِر " [ أخرجه مسلم ] ‪.‬‬
‫صحَا ِ‬
‫ك ‪َ ،‬ويَكُو ُن ِمنْ أَ ْ‬
‫َوِإثْمِ َ‬
‫قال القاضي عياض والنووي رحة ال عليهما ‪ " :‬الراد كسر السيف حقيقة على ظاهر‬
‫الديث ‪ ،‬والحاديث قبله وبعده ‪ ،‬ما يتج به من ل يرى القتال ف الفتنة بكل حال ‪ ،‬وقد‬
‫اختلف العلماء ف قتال الفتنة ‪:‬‬
‫فقالت طائفة ‪ :‬ل يقاتل ف فت السلمي ‪ ،‬وإن دخلوا عليه بيته ‪ ،‬وطلبوا قتله ‪ ،‬فل يوز له‬
‫الدافعة عن نفسه ‪ ،‬لن الطالب متأول ‪ ،‬وهذا مذهب أب بكرة الصحاب رضي ال عنه وغيه‬
‫ـ وأبو بكرة مول لرسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬واشتهر بأب بكرة ‪ ،‬لبكرة كان يدليها‬
‫للنب صلى ال عليه وسلم من حصن ف الطائف ‪ ،‬وقد ذكر رضي ال عنه أنه قال ‪ " :‬لو دخلوا‬
‫علي ما بشت إليهم بقصبة " [ أخرجه أحد ] ‪.‬‬
‫ص َد َدفَعَ‬
‫وقال ابن عمر وعمران بن حصي رضي ال عنهم وغيها ‪ :‬ل يدخل فيها لكن إن قُ ِ‬
‫عن نفسه ‪ ،‬فهذان الذهبان متفقان على ترك الدخول ف جيع فت السلم ‪.‬‬
‫وقال معظم الصحابة والتابعي وعامة علماء السلم ‪ ،‬يب نصر الحق ف الفت ‪ ،‬والقيام معه‬
‫بقاتلة الباغي ‪ ،‬كما قال تعال ‪ " :‬فقاتلوا الت تبغي " [ الجرات ‪ ، ] 9‬وهذا هو الصحيح ‪،‬‬
‫وتتأول الحاديث على من ل يظهر له الق ‪ ،‬أو على طائفتي ظالتي ‪ ،‬ل تأويل لواحدة منهما ‪،‬‬
‫ولو كان كما قال الولون لظهر الفساد ‪ ،‬واستطال أهل البغي والبطلون ‪ .‬وال أعلم "‬
‫[ إكمال العلم ‪ ، 418 / 8‬وشرح النووي على مسلم ‪. ] 218 / 18‬‬
‫أما حديث أب بكرة قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬إذا التقى السلمان بسيفيهما‬
‫فالقاتل والقتول ف النار " ‪ ،‬فقلت يا رسول ال ‪ :‬هذا القاتل فما بال القتول ؟ قال ‪ " :‬إنه كان‬
‫حريصا على قتل صاحبه " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫‪206‬‬

‫هذا الديث فيمن كان قتالما حية وعصبية ونوها ‪ ،‬ل عن تأويل واجتهاد ‪ ،‬ومعن أنما ف‬
‫النار ‪ :‬يعن قد استحقا دخولا ‪ ،‬فقد يعذبما ال بالنار جزاء فعلهما ‪ ،‬وقد يعفو عنهما بنه‬
‫وكرمه ‪.‬‬
‫أما ما حصل بي الصحابة رضوان ال عليهم فل يدخل ف هذا الديث ‪ ،‬لنم متهدون‬
‫مصيبون ومطئون ‪ ،‬فمن أصاب فله أجران ‪ ،‬ومن أخطأ فله أجر وال يعفو عن خطئه ‪،‬‬
‫ومذهب أهل السنة والماعة كما سبق بيانه فيما سبق المساك عما شجر بي الصحابة رضي‬
‫ال عنهم ‪ ،‬والترضي عنهم جيعا ‪ ،‬وتأويل قتالم ‪ ،‬وأنم ل يقصدوا مصيبة ول مض دنيا ‪ ،‬بل‬
‫اعتقد كل فريق أنه مق مصيب ‪ ،‬وأن الق معه ‪ ،‬على خلف الطرف الخر ‪ ،‬فقاتل بعضهم‬
‫بعضا من أجل الرجوع إل أمر ال ‪ [ .‬الرجعي السابقي ] ‪.‬‬
‫وعموما فالواجب على السلم حيال الفت ‪ ،‬أن يسك لسانه ‪ ،‬ويبعد نفسه عنها ‪ ،‬حت ل يزيد‬
‫ف إشعالا ‪ ،‬ويكون وقودا لضرامها ‪ ،‬ما ل يكن ذا رأي مسموع ‪ ،‬وأمر مَُنفّذ ‪ ،‬فهنا ينبغي أن‬
‫يتدخل ويطفئ الفتنة الواقعة بي السلمي ‪ ،‬وإل فعليه باصة نفسه ويتجنب أمر العامة ‪ ،‬ويشهد‬
‫لذلك حديث عبد ال بن عمرو قال ‪ :‬بينما نن حول رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬إذ‬
‫ذكروا الفتنة ‪ ،‬أو ذُكرت عنده ‪ ،‬قال ‪ " :‬إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ‪ ،‬وخفت‬
‫أماناتم ‪ ،‬وكانوا هكذا ـ وشبك بي أصابعه ـ قال ‪ :‬فقمت إليه فقلت له ‪ :‬كيف أفعل عند‬
‫ذلك جعلن ال فداك ؟ قال ‪ " :‬الزم بيتك ‪ ،‬وأملك عليك لسانك ‪ ،‬وخذ ما تعرف ‪ ،‬ودع ما‬
‫تنكر ‪ ،‬وعليك بأمر خاصة نفسك ‪ ،‬ودع عنك أمر العامة " [ أخرجه أحد ] ‪.‬‬
‫الديث يدل على‬
‫ما يُخرج من الفتنة ‪:‬‬
‫وأما ما يُخرج من الفتنة فكثي ‪ ،‬هناك أسباب يفعلها السلم ‪ ،‬ويسلم من الفتنة ويأمن منها بإذن‬
‫ال تعال ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫تقوى ال عز وجل ‪ :‬قال تعال ‪ " :‬ومن يتق ال يعل له مرجا " [ الطلق ‪. ] 3‬‬
‫الوف من ال عز وجل ‪ :‬قال تعال ‪ " :‬ومن يتق ال يعل له من أمره يسرا " [ الطلق ‪. ] 4‬‬
‫التوكل على ال تعال ‪ :‬قال تعال ‪ " :‬ومن يتوكل على ال فهو حسبه " [ الطلق ‪ ، ] 3‬وقال‬
‫تعال ‪ " :‬الذين قالوا لم الناس إن الناس قد جعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيانا وقالوا حسبنا‬
‫‪207‬‬

‫ال ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من ال وفضل ل يسسهم سوء واتبعوا رضوان ال وال ذو‬
‫فضل عظيم " [ آل عمران ‪. ] 174-173‬‬
‫الستغفار ‪ :‬عن عبد ال بن عباس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫" من لزم الستغفار ‪ ،‬جعل ال له من كل هم فرجا ‪ ،‬ومن كل ضيق مرجا ‪ ،‬ورزقه من حيث‬
‫ل يتسب " [ أخرجه أبو داود ‪ ،‬وابن ماجة ‪ ،‬وأحد ‪ ،‬والبيهقي ف الكبى ‪ ،‬والطبان ‪،‬‬
‫والاكم وقال ‪ :‬صحيح السناد ‪ ،‬وحسنه العلمة ابن باز رحه ال ] ‪.‬‬
‫وذكر الندي ف كن العمال بعض الثار الرفوعة ف الستغفار ‪:‬‬
‫أنزل ال علي أماني لمت‪ .‬فإذا مضيت تركت فيهم الستغفار إل يوم القيامة‪.‬‬
‫عن أب موسى [ أخرجه الترمذي ] ‪.‬‬
‫ف الرض أمانان أنا أمان والستغفار أمان أنا مذهوب ب ويبقى أمان الستغفار فعليكم‬
‫بالستغفار عند كل حدث وذنب " [ أخرجه الديلمي ‪ ،‬عن عثمان بن أب العاص ] ‪.‬‬
‫ولقد كان النب صلى ال عليه وسلم يستغفر ال ف اليوم والليلة أكثر من مائة مرة ‪ ،‬وهو الذي‬
‫غفر ال له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ‪ ،‬وهو الذي عصمه ال عز وجل من الذنوب والعاصي ‪،‬‬
‫بل أعانه ال تعال على شيطانه فأسلم ‪ ،‬أفل يكون لنا ف رسول ال صلى ال عليه وسلم أسوة‬
‫حسنة ‪ ،‬ل سيما ونن مثقلون بالذنوب ‪ ،‬غارقون ف العاصي ‪ ،‬نشي ف الثام ‪ ،‬فل أقل من أن‬
‫تلهج ألسنتنا بذكر ال عز وجل ‪ ،‬وتنطق بالستغفار ‪ ،‬فلستغفار سبب لحو الذنوب ‪ ،‬وإزالة‬
‫العاصي ‪ ،‬وذهاب حرها ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ث يستغفر ال يد ال‬
‫غفورا رحيما " [ النساء ] ‪.‬‬
‫ولك يكن استغفار النب صلى ال عليه وسلم من قبيل مو العاصي ‪ ،‬وغفران الذنوب ‪ ،‬فهو‬
‫معصوم من الطأ والزلل ‪ ،‬ولكن كان من باب جب ما يصل من نقص ف الطاعات ‪ ،‬ويبي‬
‫ذلك ويوضحه حديث أب هريرة رضي ال عنه قال ‪ " :‬ما رأيت أحدا أكثر أن يقول استغفر ال‬
‫وأتوب إليه من رسول ال صلى ال عليه وسلم " ‪.‬‬
‫قال أبو حات رحه ال ‪ " :‬كان الصطفى صلى ال عليه وسلم يستغفر ربه جل وعل ف الحوال‬
‫على حسب ما وصفناه وقد غفر ال له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ‪ ،‬ولستغفاره صلى ال عليه‬
‫وسلم معنيان ‪:‬‬
‫‪208‬‬

‫ل فكان يعلم أمته الستغفار والدوام‬
‫أحدها ‪ :‬أن ال جل وعل بعثه معلما للقه قو ًل وفع ً‬
‫عليه ‪ ،‬لا علم من مقارفتها الآث ف الحايي باستعمال الستغفار ‪.‬‬
‫والعن الثان ‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم كان يستغفر لنفسه عن تقصي الطاعات ل الذنوب ‪،‬‬
‫لن ال جل وعل عصمه من بي خلقه ‪ ،‬واستجاب له دعاءه على شيطانه حت أسلم ‪ ،‬وذاك أن‬
‫من خلق الصطفى صلى ال عليه وسلم كان إذا أتى بطاعة ل عز وجل داوم عليها ول يقطعها ‪،‬‬
‫فربا شغل بطاعة عن طاعة حت فاتته إحداها ‪ ،‬كما شغل صلى ال عليه وسلم عن الركعتي‬
‫اللتي بعد الظهر بوفد تيم ‪ ،‬حيث كان يقسم فيهم ويملهم حت فاتته الركعتان اللتان بعد‬
‫الظهر ‪ ،‬فصلها بعد العصر ‪ ،‬ث دوام عليهما ف ذلك الوقت فيما بعد ‪ ،‬فكان استغفاره صلى‬
‫ال عليه وسلم لتقصي طاعة أن أخرها عن وقتها من النوافل لشتغاله بثلها من الطاعات الت‬
‫كان ف ذلك الوقت أول من تلك الت كان يواظب عليها ‪ ،‬ل أنه صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يستغفر من ذنوب يرتكبها " [ أخرجه ابن حبان ] ‪.‬‬
‫فالستغفار من أعظم القربات إل ال تعال ‪ ،‬ومن أعظم الذكر ‪ ،‬ومن أعظم ما يلجأ به الؤمن‬
‫إل ربه ليخرجه من الفت والحصن الت ربا حلت به ‪.‬‬
‫الستعانة بالصب والصلة ‪ :‬ل شك أن النسان أيام الفت ‪ ،‬يتاج إل ما يسلي به نفسه ‪،‬‬
‫ويفرج عنه هومه ‪ ،‬ويزيل عنه كربه ‪ ،‬فأمر الفت عظيم ‪ ،‬وشرها كبي ‪ ،‬ولذا أرشدنا الشارع‬
‫الكري إل أمور مهمة ‪ ،‬نتجاوز با تلك العقبات لنواجه الفت ونذر منها ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا استعينوا بالصب والصلة إن ال مع الصابرين " [ البقرة ‪ ، ] 153‬وقال تعال ‪" :‬‬
‫ولقد نعلم أنك يضيق صدرك با يقولون * فسبح بمد ربك وكن من الساجدين " [ الجر‬
‫‪ ، ] 98‬وعن سال بن أب العد قال ‪ :‬قال رجل ‪ :‬ليتن صليت فاسترحت ‪ ،‬فكأنم عابوا عليه‬
‫ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬يا بلل ! أقم الصلة أرحنا با "‬
‫[ أخرجه أبو داود ] ‪ ،‬عن أم سلمة زوج النب صلى ال عليه وسلم قالت ‪ " :‬استيقظ رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ليلة فزعا يقول ‪ " :‬سبحان ال ماذا أنزل ال من الزائن ‪ ،‬وماذا أنزل‬
‫من الفت ‪ ،‬من يوقظ صواحب الجرات ـ يريد أزواجه ـ لكي يصلي ‪ ،‬رب كاسية ف الدنيا‬
‫عارية ف الخرة " [ أخرجه البخاري والترمذي وابن حبان ] ‪.‬‬

‫‪209‬‬

‫فعلى السلم أن يلجأ إل ال ف مواطن الفت ‪ ،‬وان يذر من الدخول فيها ‪ ،‬ولو بكلمة أو إشارة‬
‫‪ ،‬حت ل يشعل نارها ويكون رأسا فيها ‪ ،‬ويتسبب ف قتال السلمي فيما بينهم ‪ ،‬بل عليه أن‬
‫يعتزل تلك الفت جيعا ويبقى ف بيته ‪ ،‬ويغلق عليه داره ‪ ،‬حت تر غمامتها بسلم ‪ ،‬وتنقشع‬
‫غيايته بإذن ال تعال ‪ ،‬ونسأل ال تعال أن يقينا شر الفت ما ظهر منها وما بطن ‪ ،‬إنه جواد‬
‫كري ‪.‬‬
‫الثامن والمسون ‪:‬‬
‫تقارب السواق ‪َ :‬عنْ أَبِي ُه َرْي َرةَ رضي ال عنه ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَالَ ‪" :‬‬
‫ق ‪َ ،‬ويَتَقَا َربَ ال ّزمَا ُن ‪َ ،‬ويَكُْثرَ‬
‫لَا تَقُو ُم السّا َع ُة حَتّى تَ ْظ َهرَ اْلفَِتنُ َوَيكُْثرَ الْ َك ِذبُ َوتََتقَا َربَ اْلَأسْوَا ُ‬
‫اْل َهرْجُ " قِي َل ‪َ :‬ومَا اْلهَرْجُ ؟ قَالَ ‪ " :‬اْلقَ ْتلُ " [ أخرجه أحد بإسناد صحيح ‪ ،‬صحح إسناده‬
‫الرنؤوط ف تقيق السند ‪ ، 422 / 16‬وصحح إسناده حزه الزين ف تقيق السند ‪/ 9‬‬
‫‪ ، ] ، 548‬وعنه رضي ال عنه عن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال ‪ " :‬يوشك أن ل‬
‫تقوم الساعة حت يقبض العلم ‪ ،‬وتظهر الفت ‪ ،‬ويكثر الكذب ‪ ،‬ويتقارب الزمان ‪ ،‬وتتقارب‬
‫السواق ‪ ،‬ويكثر الرج " قيل ‪ :‬وما الرج ؟ قال ‪ " :‬القتل " [ أخرجه ابن حبان بإسناد‬
‫صحيح ‪ ،‬قاله الرنؤوط ‪. ] 114 / 15‬‬
‫يقول العلمة حود التويري ‪ :‬ورد ف حديث ضعيف تفسي تقارب السواق بأنه كسادها وقلة‬
‫أرباحها ‪ [ .‬اتاف الماعة ‪. ] 195 / 2‬‬
‫لكن اللحظ اليوم ف السواق التجارية أنا بفضل ال ومنه وكرمه ف تزايد وانتماء ‪ ،‬وأرباحها‬
‫ل تفى على أحد ‪ ،‬وخصوصا من يعملون ف السوق التجارية ‪ ،‬فهم يدركون مدى أهية‬
‫التجارة والرباح الكثية الت تدرها ‪.‬‬
‫والقيقة أن الناظر ف التقدم العلمي والتقن اليوم ‪ ،‬يرى أن الديث قد تقق ‪ ،‬فأصبحت‬
‫السواق العالية ف متناول اليد البشرية ‪ ،‬فيمكنك أن تتسوق من أي سوق عالي وأنت جالس‬
‫ف بيتك ‪ ،‬ومتكئ على أريكتك ‪ ،‬وذلك من خلل النترنت ‪ ،‬فقد قرب البعيد ‪ ،‬وقلص‬
‫السافات ‪ ،‬حت وكأن العال قرية واحدة ‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫وربا كان من دلئل مصداقية الديث كثرة السواق ف البلد الواحد ‪ ،‬فالسلعة الطلوبة تدها‬
‫ف كل السواق النتشرة ف الدينة الواحدة ‪ ،‬فل تتاج إل أن تتكبد الشاق ‪ ،‬وتركب الصعاب‬
‫‪ ،‬ول توب الشوارع بسيارتك من أجل الذهاب للمحل العي لشراء سلعة بأوصاف معينة ‪،‬‬
‫فما تده ف مكان ‪ ،‬تده ف معظم الحلت التجارية ‪ ،‬نظرا لكثرة السواق ‪ ،‬وكثرة الوزعي ‪،‬‬
‫الذين يوزعون السلع على جيع الحلت ‪ ،‬فالسلعة الواحدة تدها متوفرة ف كل مكان ‪ ،‬أو‬
‫على أقل تقدير ف معظم السواق ‪ ،‬ولعل ذلك تفسيا لذا الديث ‪.‬‬
‫وربا كان من تفسيات تقارب السواق ‪ ،‬توفر وسائل الواصلت الت تنقل النسان من دولة‬
‫إل أخرى ف ساعات معدودة ‪ ،‬بل وإذا كانت السلعة ف مدية داخل بلد واحد ‪ ،‬فالسافة الت‬
‫تكون بئات الكيلو مترات تقطع ف غضون ساعة أو أقل أو أكثر قليلً ‪.‬‬
‫وقد يكون من أسباب تقارب السواق ‪ ،‬توفر وسائل التصال الديثة كالفاكس والتلكس ‪،‬‬
‫والواتف الثابتة والحمولة ‪ ،‬الت قربت البعيد ‪ ،‬وسهلت الصعب بإذن ال تعال ‪ ،‬حت أصبح‬
‫الواحد يعقد صفقة تارية ف بلد يبعد عنه آلف الكيلو مترات خلل دقائق معدودة من‬
‫الزمن ‪ ،‬فيبيع ويشتري ‪ ،‬ويودع الموال ‪ ،‬كل ذلك خلل دقائق يسية ‪ ،‬وهذا مشاهد وواقع‬
‫ملموس ‪ ،‬يشاهده الميع عب وسائل العلم الختلفة ‪ ،‬عن طريق البورصات العالية ‪ ،‬فل يقع‬
‫رفع ف السعار أو خفض فيها إل ويعلم به التجار ف أصقاع العمورة ‪ ،‬فلله المد والنة على‬
‫نعمه الظاهرة والباطنة ‪.‬‬
‫التاسع والمسون ‪:‬‬
‫التهاون بالسنن ‪ :‬والقصود هنا سنة الصطفى صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فيما أمر با ‪ ،‬أو نى عنه‬
‫رحة بذه المة ‪ ،‬ولقد أمر الكتاب العزيز بوجوب اتباع سنن النبياء والرسلي ‪ ،‬لنم هم‬
‫الذين يبلغون عن ال رسالته ‪ ،‬لينذروا أقوامهم ‪ ،‬ويذروهم من سخط ال وعقابه ‪ ،‬ومن جلة‬
‫أولئك النبياء والرسل ‪ ،‬آخرهم وخاتهم نبينا ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقد جاء ف الكتاب‬
‫الكري آيات عديدة تأمر باتباع سنته والذر من مالفته ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬وما آتاكم الرسول‬
‫فخذوه وما ناكم عنه فانتهوا " [ الشر ‪ ، ] 7‬وقال تعال ‪ " :‬وما أرسلنا من رسول إل ليطاع‬
‫بإذن ال " [ النساء ‪ ، ] 64‬وقال تعال ‪ " :‬من يطع الرسول فقد أطاع ال ومن تول فما‬
‫‪211‬‬

‫أرسلناك عليهم حفيظا " [ النساء ‪ ، ] 80‬وبالقابل ند أن ال تعال ف كتابه العزيز قد حذر‬
‫من خطورة مالفة النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وتوعد فاعل ذلك بالنار تارة ‪ ،‬وبنفي اليان عنه‬
‫تارة أخرى ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ومن يعص ال ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله‬
‫عذاب مهي " [ النساء ‪ ، ] 14‬وقال تعال ‪ " :‬فل وربك ل يؤمنون حت يكموك فيما شجر‬
‫بينهم ث ل يدوا ف أنفسهم حرجا ما قضيت ويسلموا تسليما " [ النساء ‪ ، ] 65‬وقال تعال‬
‫‪ " :‬فليحذر الذين يالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " [ النور ‪. ] 63‬‬
‫وجاءت سنة النب صلى ال عليه وسلم ملئ بالحاديث الصحيحة الت تأمر باتباعه عليه الصلة‬
‫والسلم والذر من مالفته فمنها ‪:‬‬
‫ض اللّهُ‬
‫َعنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬خَطَبَنَا َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َفقَا َل ‪ " :‬أَّيهَا النّاسُ قَ ْد َفرَ َ‬
‫ت حَتّى قَالَهَا ثَلَاثًا ‪َ ،‬فقَالَ‬
‫سكَ َ‬
‫حجّوا " َفقَالَ َر ُجلٌ ‪ :‬أَ ُكلّ عَا ٍم يَا َرسُو َل اللّهِ ؟ َف َ‬
‫ج فَ ُ‬
‫عَلَ ْيكُ ُم الْحَ ّ‬
‫ت َولَمَا اسْتَ َطعُْتمْ ‪ ،‬ثُ ّم قَا َل ‪ " :‬ذَرُونِي مَا‬
‫ت َن َعمْ َلوَجَبَ ْ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَ ْو قُلْ ُ‬
‫شيْءٍ‬
‫َترَكُْت ُكمْ َفِإنّمَا هَ َلكَ مَنْ كَا َن قَبْ َل ُكمْ ِبكَ ْث َرةِ ُسؤَاِل ِهمْ وَاخْتِلَا ِفهِمْ عَلَى َأنْبِيَاِئ ِهمْ َفِإذَا َأ َم ْرتُ ُكمْ ِب َ‬
‫َف ْأتُوا مِ ْنهُ مَا اسْتَ َطعُْتمْ َوِإذَا َنهَيُْتكُمْ َع ْن َشيْ ٍء َفدَعُوهُ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫و َع ْن َأبِي مُوسَى ‪َ ،‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم قَا َل ‪ِ " :‬إنّمَا مَثَلِي وَمََث ُل مَا َبعَثَنِي ال ّلهُ ِبهِ ‪،‬‬
‫َكمََثلِ َر ُجلٍ َأتَى َق ْومًا ‪َ ،‬فقَالَ يَا َقوْ ِم ‪ِ :‬إنّي َرَأيْتُ الْجَيْشَ بِعَيَْن ّي ‪ ،‬وَِإنّي َأنَا الّنذِي ُر الْ ُع ْريَا ُن فَالنّجَاءَ‬
‫ـ يعن اطلبوا النجاة ـ فَأَطَا َعهُ طَاِئ َفةٌ ِم ْن َقوْ ِمهِ فََأ ْدلَجُوا ـ الدلة ‪ :‬أول الليل ـ فَانْطَ َلقُوا‬
‫ح ُهمُ‬
‫جوْا ـ وهم الذين أطاعوا ـ وَ َك ّذبَتْ طَائِ َفةٌ مِ ْنهُ ْم َفأَصْبَحُوا َمكَاَن ُهمْ فَصَبّ َ‬
‫عَلَى َمهَ ِل ِهمْ فَنَ َ‬
‫ت ِب ِه ‪َ ،‬ومَثَ ُل َمنْ عَصَانِي‬
‫ش َفَأهْلَ َك ُهمْ وَاجْتَا َحهُ ْم ‪َ ،‬فذَِلكَ مََثلُ َم ْن أَطَاعَنِي فَاتّبَ َع مَا جِئْ ُ‬
‫الْجَيْ ُ‬
‫حقّ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫ت ِبهِ ِم َن الْ َ‬
‫وَ َك ّذبَ بِمَا جِئْ ُ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬إِ ّن َأ ْهلَ الْجَّنةِ‬
‫خدْرِيّ رَضِي اللّه عَنْه ‪َ ،‬ع ِن النِّبيّ َ‬
‫و َع ْن َأبِي َسعِي ٍد الْ ُ‬
‫ق َأوِ‬
‫شرِ ِ‬
‫ب الدّرّيّ اْلغَاِب َر فِي اْلأُ ُف ِق ِمنَ الْ َم ْ‬
‫ف ِمنْ َف ْو ِقهِمْ كَمَا يََترَا َءوْنَ اْلكَوْكَ َ‬
‫يََترَا َءوْ َن أَ ْه َل الْ ُغرَ ِ‬
‫ك مَنَا ِزلُ اْلأَنْبِيَا ِء لَا يَبْ ُلغُهَا غَ ْي ُر ُهمْ ‪ ،‬قَالَ ‪:‬‬
‫ض ِل مَا بَيَْنهُ ْم " قَالُوا يَا َرسُولَ ال ّل ِه ‪ :‬تِلْ َ‬
‫ب ‪ ،‬لَِتفَا ُ‬
‫الْ َم ْغرِ ِ‬
‫صدّقُوا الْ ُم ْرسَلِيَ " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫" بَلَى وَاّلذِي َن ْفسِي بَِي ِدهِ ِرجَالٌ آمَنُوا بِال ّلهِ وَ َ‬
‫وعن َأبَي ُهرَْي َرةَ رَضِي اللّه عَنْه َأّنهُ سَمِعَ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم َيقُولُ ‪ِ " :‬إنّمَا مَثَلِي‬
‫ش َوهَ ِذ ِه ال ّدوَابّ الّتِي‬
‫َومََثلُ النّاسِ كَمََثلِ َر ُجلٍ اسَْتوْ َق َد نَارًا فَلَمّا أَضَا َءتْ مَا َحوَْلهُ َج َعلَ اْل َفرَا ُ‬
‫‪212‬‬

‫جزِ ُكمْ َع ِن النّارِ‬
‫ج َعلَ يَ ْنزِ ُعهُ ّن َويَغْلِبَْن ُه فََيقْتَحِ ْم َن فِيهَا ‪َ ،‬فَأنَا آ ُخ ُذ بِحُ َ‬
‫َتقَ ُع فِي النّا ِر َيقَ ْعنَ فِيهَا ‪ ،‬فَ َ‬
‫وَأنتم َتقْتَحِمُو َن فِيهَا " [ متفق عليه ] ‪.‬‬
‫و َع ْن َأبِي ُهرَْي َر َة ‪ ،‬أَنّ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم قَالَ ‪ُ " :‬ك ّل ُأمّتِي َيدْخُلُونَ الْجَّن َة ِإلّا َمنْ‬
‫َأبَى " قَالُوا يَا َرسُو َل اللّ ِه ‪َ :‬ومَ ْن َي ْأبَى ؟ قَالَ ‪َ " :‬م ْن أَطَاعَنِي َد َخلَ الْجَّن َة ‪َ ،‬و َمنْ َعصَانِي َف َق ْد أَبَى‬
‫" [ أخرجه البخاري ] ‪.‬‬
‫و َع ِن الْ ِع ْربَاضِ ْب ِن سَارَِي َة قَا َل ‪ :‬وَعَظَنَا َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َيوْمًا بَ ْعدَ صَلَا ِة الْ َغدَاةِ‬
‫ب ‪َ ،‬فقَالَ َرجُ ٌل ‪ :‬إِ ّن َهذِ ِه َموْعِ َظةُ مُ َودّعٍ ‪،‬‬
‫ت مِ ْنهَا اْلقُلُو ُ‬
‫ت مِ ْنهَا اْلعُيُو ُن ‪َ ،‬ووَجِلَ ْ‬
‫َموْعِ َظ ًة بَلِيغَ ًة ذَ َرفَ ْ‬
‫فَمَاذَا َت ْع َهدُ ِإلَيْنَا يَا َرسُو َل اللّهِ ؟ قَالَ ‪ " :‬أُوصِي ُكمْ بَِت ْقوَى ال ّلهِ وَالسّمْ ِع وَالطّا َع ِة َوإِنْ عَ ْب ٌد حََبشِيّ‬
‫ضلَاَل ٌة ‪ ،‬فَ َمنْ أَدْرَ َك َذِلكَ‬
‫ت اْلأُمُورِ فَِإّنهَا َ‬
‫حدَثَا ِ‬
‫ش مِ ْن ُكمْ َيرَى اخْتِلَافًا كَِثيًا َوِإيّا ُك ْم َومُ ْ‬
‫َفِإنّ ُه َمنْ يَعِ ْ‬
‫مِ ْن ُكمْ َفعَلَ ْيهِ ِبسُنّتِي وَسُّن ِة الْخُ َلفَا ِء الرّا ِشدِي َن الْ َمهْ ِديّيَ َعضّوا عَلَ ْيهَا بِالّنوَا ِجذِ " [ أخرجه أحد‬
‫ح ‪ ،‬وصحح شيخ‬
‫صحِي ٌ‬
‫ث َحسَنٌ َ‬
‫والترمذي وأبو داود والاكم ‪ ،‬وقَا َل أَبو عِيسَى ‪ :‬هَذَا حَدِي ٌ‬
‫السلم ابن تيمية ف القتضاء ‪ ،‬واللبان ف الرواء برقم ‪. ] 2455‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ " :‬ما تركت شيئا ما أمركم ال به إل وقد أمرتكم به ‪ ،‬ول تركت‬
‫شيئا ما ناكم ال عنه إل وقد نيتكم عنه " [ أخرجه الشافعي ف الرسالة ‪ ،‬وقال اللبان رحه‬
‫ال ‪ :‬هذا مرسل حسن ‪ ،‬الصحيحة ‪. ] 417 / 4‬‬
‫ومع كل تلك اليات البينات ‪ ،‬والحاديث الواضحات ‪ ،‬إل أننا نرى أن هناك ثلة ليست‬
‫بالقليلة من السلمي تلوا عن سنة نبيهم صلى ال عليه وسلم وزهدوا فيها ‪ ،‬واتبعوا سنن‬
‫اليهود والنصارى ‪ ،‬فكيف تفوز المة ‪ ،‬وتنجو من عذاب ال وأليم سخطه ‪ ،‬وكيف تريد‬
‫النصر والعزة والرفعة ‪ ،‬وهي متخلفة عن ركب الصالي ‪ ،‬بعيدة عن سنة سيد البطال‬
‫والشجعان ‪ ،‬سيد الجاهدين الفاتي ‪ ،‬فل بد من عودة صادقة لدين ال ‪ ،‬ومراجعة حقيقية‬
‫للنفس المارة بالسوء ‪ ،‬وأطرها على الق أطرا ‪ ،‬وجبها على اتباع سنة البيب صلى ال عليه‬
‫وسلم جبا ‪ ،‬حت تستقيم على الصراط الستقيم ‪ ،‬وتتمسك بالشرع القوي ‪ ،‬واتباع سنة‬
‫البيب صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫فالسنة لغة ‪ :‬هي الطريقة ‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫وشرعا ‪ :‬ما ثبت عن رسول ال صلى ال عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير ‪ [ .‬حاشية‬
‫الللكائي ‪. ] 55 / 1‬‬
‫فمن علمات الساعة الت أخب با النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬التهاون بالسنن ‪ ،‬وما أكثر‬
‫انتشار هذه العلمة من علمات الساعة اليوم ‪ ،‬وهي التهاون بالسنن ‪ ،‬والصيبة الت ل تنجب ‪،‬‬
‫والرح الذي ل يندمل ‪ ،‬أن هناك ثلة من السلمي تاونوا بالسنن الواجبة والت ترتب عليها‬
‫عقوبة إما ف الدنيا ‪ ،‬وإما ف الخرة ‪ ،‬غي مبالي ول مكترثي ‪ ،‬متبعي سنن النحلي من أهل‬
‫الكتاب ‪ ،‬ومن النافقي العلمانيي ‪ ،‬ومن غيهم من مرقوا من الدين ‪ ،‬ولو ذهبنا نعدد تلك‬
‫السنن التهاون با ‪ ،‬أو التروكة والهجورة لحتجنا إل صفحات عديدة ‪.‬‬
‫فمن تلك السنن الهجورة والتروكة والنسية اليوم ما يلي ‪:‬‬
‫السواك ‪ ،‬والصلة ف مسجد الي عند القدوم من السفر ‪ ،‬قبل أن يطرق بيته ‪ ،‬أداء السنن‬
‫الرواتب لصلة الفرائض ‪ ،‬وأداؤها ف البيت أفضل منه ف السجد ‪ ،‬الوتر ‪ ،‬صيام ثلثة أيام من‬
‫كل شهر ‪ ،‬الوصية بالنساء ‪ ،‬تقصي الثياب ‪ ،‬ترك صلة الستخارة ‪ ،‬ترك صلة تية السجد ‪،‬‬
‫ترك السلم وغي ذلك كثي ‪.‬‬
‫ومن أهم السنن الواجبة التروكة اليوم ‪ ،‬حلق اللحى والساءة إليها بقص أو تذيب كما يفعله‬
‫البعض من السلمي اليوم ‪ ،‬وهو ف القيقة تعذيب لا ‪ ،‬وتغيي للق ال تعال ‪ ،‬قال ال تعال ‪:‬‬
‫" وإن يدعون إل شيطانا مريدا * لعنه ال وقال لتذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولضلنهم‬
‫ولمنينهم ولمرنم فليبتكن آذان النعام ولمرنم فليغين خلق ال ومن يتخذ الشيطان وليا‬
‫من دون ال فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم وينيهم وما يعدهم الشيطان إل غرورا * أولئك‬
‫مأواهم جهنم ول يدون عنها ميصا " [ النساء ‪. ] 121-117‬‬
‫فاللحية من سنن النبياء وهدي الرسلي ‪ ،‬بل إن العرب إذا رأوا الرجل حلق ليته انتقصوه‬
‫وعابوه واعتبوا ذلك مثلة فيه وعيبا عظيما ‪.‬‬
‫ولهية اللحية ف السلم ‪ ،‬جُعل لا دية رجل كاملة ‪ ،‬فقد ذكر الفقهاء ف باب الديات ‪ ،‬أن‬
‫من اعتدى على لية رجل ‪ ،‬فتسبب ف إزالتها وعدم إنباتا مرة أخرى ‪ ،‬أن عليه دية كاملة ‪،‬‬
‫لنا من العضاء الواحدة ف الرجل والت تب با الدية كاملة ‪ ،‬وهذا مذهب الحناف‬

‫‪214‬‬

‫والنابلة ‪ ،‬أما الشافعية والالكية فقالوا ‪ :‬فيها حكومة عدل ‪ [ .‬الفقه السلمي وأدلته ‪/ 7‬‬
‫‪. ] 5751‬‬
‫والكومة ‪ :‬هي الدية الت ليس فيها قدر مدد ‪ ،‬وحكومة العدل ‪ :‬هي الدية الت يكم با رجل‬
‫ثقة عدل ‪ [ .‬الوسوعة الفقهية ‪. ] 45 / 21‬‬
‫ووجه حكم الشافعي ومالك رحهما ال بكومة عدل ‪ :‬أن نفع اللحية هو المال فقط ‪ ،‬ولذا‬
‫قالوا ‪ :‬ف ذهابا بالناية حكومة عدل ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬أن اللحية مثل اليد الشلء ‪ ،‬والعي العمياء‬
‫الباقية ‪ ،‬فهي كلها للزينة ‪ ،‬ول نفع منها ‪ ،‬فكذلك اللحية ل دية فيها ‪ ،‬وإنا فيها حكومة ‪.‬‬
‫والراجح وال أعلم ‪ :‬ما ذهب إليه النفية والنابلة من أن فيها دية كاملة ‪ ،‬وهو قول علي بن‬
‫أب طالب ‪ ،‬وزيد بن ثابت رضي ال عنهما ‪ ،‬وقول ‪ :‬سعيد بن السيب ‪ ،‬وشريح ‪ ،‬والسن ‪،‬‬
‫وقتادة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لن فيها إذهاب المال على الكمال ‪ [ .‬الوسوعة الفقهية ‪. ] 74 / 21‬‬
‫وقال الشيخ ‪ /‬منصور البهوت رحه ال ‪ " :‬وإن اعتدى على لية شخص ‪ ،‬فنبت بعضها ول‬
‫ينبت الخر ‪ ،‬بيث ل يكون فيها جالً فتجب الدية كاملة " [ الروض الربع باشية ابن عثيمي‬
‫رحه ال ‪. ] 975 / 2‬‬
‫وقال ساحة الشيخ ‪ /‬ممد بن إبراهيم مفت عام الملكة رحه ال ‪ " :‬وشعر اللحية فيه الدية‬
‫كاملة ‪ ،‬لنه عضو من أعضاء الرجل ‪ ،‬فإنا ميزة وخصيصة اختصت أشرف النوعي من‬
‫الدميي وهم الرجال ‪ ،‬مع المال لن يعرفون حقائق المال ‪ ،‬وفقدها نقص ‪ ،‬وهؤلء المقى‬
‫حُلق اللحى مالوا إل صفة النوثة واختاروها على صفة الرجال ‪ ،‬وربا لو يكن أن آلة الرجل‬
‫تُزال ويُحدث آلة امرأة ربا أن كثيا يب ذلك ‪ ،‬لفقد معنوية الرجولة ‪ ،‬فإنه إنا يتبم منها‬
‫وصار يلقها لن فيه مشابة النساء ‪ ،‬فكيف يرضى إنسان أن يزيل صفة الرجولة ‪ ،‬وكان بعض‬
‫الولة يعزر بلق اللحى " [ مموع الفتاوى ‪. ] 345 / 11‬‬
‫القصود أن حلق اللحية حرام ‪ ،‬لنه مالف للحاديث الصحيحة الصرية بالنع من ذلك ‪َ ،‬عنِ‬
‫ي ‪َ ،‬و ّفرُوا اللّحَى ‪َ ،‬وأَ ْحفُوا‬
‫شرِكِ َ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬خَالِفُوا الْ ُم ْ‬
‫اْبنِ عُ َمرَ ‪َ ،‬ع ِن النِّبيّ َ‬
‫الشّوَا ِربَ وعنه َرضِي اللّه عَنْهمَا قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم ‪ " :‬أْنهَكُوا‬
‫الشّوَا ِربَ َوأَ ْعفُوا اللّحَى " [ أخرجهما البخاري ] ‪ ،‬و َع ِن ابْنِ ُع َمرَ ‪َ ،‬عنِ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫شوَا ِربَ َوأَ ْعفُوا اللّحَى " ‪ ،‬وعنه َرضِي اللّه عَنْهمَا قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ‬
‫َوسَ ّلمَ قَالَ ‪َ " :‬أحْفُوا ال ّ‬
‫‪215‬‬

‫ب وََأ ْوفُوا اللّحَى " ‪ ،‬و َع ْن َأبِي‬
‫شوَا ِر َ‬
‫ي ‪َ ،‬أ ْحفُوا ال ّ‬
‫شرِكِ َ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬خَاِلفُوا الْ ُم ْ‬
‫ب َوأَرْخُوا اللّحَى خَاِلفُوا‬
‫ُه َريْ َر َة قَا َل ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل اللّهِ صَلّى اللّه َعلَ ْيهِ َوسَ ّلمَ ‪ُ " :‬جزّوا الشّوَارِ َ‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪َ " :‬أ َم َرنَا‬
‫س " [ أخرجها مسلم ] ‪ ،‬و َعنِ اْبنِ عُ َم َر ‪ ،‬أَنّ َرسُو َل ال ّلهِ َ‬
‫الْمَجُو َ‬
‫سنٌ‬
‫ب َوإِ ْعفَا ِء اللّحَى " [ أخرجه الترمذي ‪ ،‬وقَالَ أَبو عِيسَى ‪َ :‬هذَا َحدِيثٌ َح َ‬
‫ِبِإحْفَا ِء الشّوَارِ ِ‬
‫صَحِيحٌ ] ‪ ،‬و َع ْن أَبِي هُ َرْي َرةَ ‪ ،‬أَنّ َرسُو َل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ قَالَ ‪ " :‬أَ ْعفُوا اللّحَى ‪،‬‬
‫شوَا ِربَ ‪ ،‬وَغَّيرُوا شَيْبَ ُكمْ ‪َ ،‬ولَا َتشَّبهُوا بِالْيَهُودِ وَالنّصَارَى " [ أخرجه أحد ] ‪.‬‬
‫َوخُذُوا ال ّ‬
‫فدلت الدلة على تري حلق اللحية أو أخذ شيء منها ‪.‬‬
‫ومن تأمل واقع السلمي اليوم وجد أن أكثرهم مبتعدين عن سنة نبيهم صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫وتركوا أكثر السنن ‪ ،‬وقد جاء ذلك صريا ف الديث الذي رواه عبد ال بن مسعود رضي ال‬
‫عنه قال ‪ :‬سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول ‪ " :‬إن من أشراط الساعة أن ير الرجل‬
‫بالسجد ‪ ،‬ل يصلي فيه ركعتي " [ أخرجه ابن خزية ف صحيحه ‪ ،‬وقال اللبان ف حاشية ابن‬
‫خزية ‪ :‬إسناده ضعيف ‪ ،‬لكن أوله أو لغالبه طرق أخرى ‪ ، 284 / 2‬وقال اللبان رحه ال‬
‫ف الصحيحة ‪ :‬له طرق أخرى يتقوى با ‪. ] 253 / 2‬‬
‫فهناك اليوم من السلمي ف بعض الدول السلمية ‪ ،‬يدخلون السجد ‪ ،‬ول يصلون الركعتي‬
‫الاصة بدخول السجد ‪ ،‬وهي ما يسمى ( بتحية السجد ) مع أنه ورد ف الصحيح المر با من‬
‫قبل النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ففي حديث َأبَي قَتَا َدةَ بْنَ ِرْب ِعيّ الْأنْصَارِيّ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪:‬‬
‫س حَتّى يُصَ ّليَ رَ ْكعَتَ ْينِ "‬
‫جدَ فَلَا يَجْلِ ْ‬
‫سِ‬
‫قَالَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم ‪ِ " :‬إذَا َدخَ َل َأحَدُ ُكمُ الْ َم ْ‬
‫[ أخرجه البخاري ومسلم ‪ ،‬انظر الرواء ‪. ] 220 / 2‬‬
‫والعجيب والؤسف اليوم أن هناك من الدول السلمية من جعلت الساجد وهي بيوت ال ‪،‬‬
‫طرقا ومتاحف يدخلها الكفار والفساق والفجار ليصوروا ‪ ،‬ويتمتعوا بالنظر ‪ ،‬ويأخذوا الصور‬
‫التذكارية ‪ ،‬ونسوا أن ال تعال أمر ببناء الساجد لقامة ذكره جل وعل ‪ ،‬والتسبيح والتحميد‬
‫والتهليل والتكبي ‪ ،‬وأداء الصلوات ‪ ،‬وإقامة الحاضرات والدروس العلمية ‪ ،‬ل لتكون متاحف‬
‫يضرها الكفار والفجار ‪ ،‬قال تعال ‪ " :‬ف بيوت أذن ال أن ترفع ويذكر فيها اسه يسبح له‬
‫فيها بالغدو والصال رجال " [ النور ‪ ، ] 36‬وهذا المر ل يوز شرعا ‪ ،‬فنحن أمة السلم‬
‫ل نرضى بان تان الساجد ‪ ،‬وتصبح طرقا للمشاة ‪ ،‬وأماكن للفرجة والسياحة ‪ ،‬ومشاهدة‬
‫‪216‬‬

‫للمشركي واللحدين ‪ ،‬وال لقد عطلت أغلب أحكام الساجد ف كثي من دول السلم اليوم‬
‫ول حول ول قوة إل بال ‪ ،‬وهذه علمة خطية مؤذنة باقتراب الساعة ‪.‬‬
‫فعلينا معاشر السلمي أن ننكر مثل تلك المور الاصلة اليوم ف بعض البلدان السلمية ‪ ،‬لن‬
‫الساجد بيوت ال ‪ ،‬تؤدى فيها أعظم أركان السلم بعد الشهادتي أل وهي الصلة ‪ ،‬ومن‬
‫تعظيم هذه الشعية العظيمة ‪ ،‬تعظيم الماكن الت تقام فيها ‪ ،‬أل وإن من تعظيم شعائر ال ‪،‬‬
‫تعظيم الماكن الت تقام فيها ‪ ،‬فتعظيم الساجد والهتمام با وعدم اتاذها طرقا أو متنهات أو‬
‫متاحف أو أماكن للعب ذلك من تعظيم شعائر ال ‪ ،‬وعلمة من علمات التقوى وقوة اليان ‪،‬‬
‫قال تعال ‪ " :‬ومن يعظم شعائر ال فإنا من تقوى القلوب " [ الج ‪ ، ] 32‬وقد ورد ذكر‬
‫هذه العلمة من علمات الساعة ‪ ،‬فيما أخرجه الاكم ف مستدركه من حديث انس رضي ال‬
‫عنه مرفوعا ‪ " :‬إن من أمارات الساعة أن تُتخذ الساجد طرقا " [ وقال صحيح السناد ] ‪.‬‬
‫ومن مصائب المة اليوم ‪ ،‬أن هناك من انتسبوا للسلم وهو منهم براء ‪ ،‬من العلمانيي النافقي‬
‫الارقي من الدين ‪ ،‬من يدعون الصلح والستقامة وقد كذبم النب صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫يصلون معنا ‪ ،‬ويصومون معنا ‪ ،‬ول تبلغ صلتم تراقيهم وحناجرهم ‪ ،‬يرقون من الدين كما‬
‫يرق السهم من الرمية ‪ ،‬هم دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها والعياذ بال ‪ ،‬ومن‬
‫نبذهم وخالفهم فهو الق بإذن ال ‪ ،‬ولقد كشف ال سترهم ف هذه اليام العصيبة الدلمة ‪،‬‬
‫فعندما حصلت الحداث الؤلة الغاشة الظالة ف مدينة الرياض عام ‪1424‬هـ ‪ ،‬وما تبعها‬
‫من مسلسلت دموية راح ضحيتها البرياء من الواطني ورجال المن البواسل ‪ ،‬وراح‬
‫ضحيتها أيضا أهل الذمة والستأمني ‪ ،‬ث تل ذلك أحداث مؤلة عجيبة غريبة على أهل هذه‬
‫البلد الشرفة البيبة ‪ ،‬من وجود جاعات تريبية عابثة ف مدينت الرمي الشريفي مكة الكرمة‬
‫والدينة النبوية ‪ ،‬فما إن وقعت تلك الحداث حت ثارت زوبعة غبارية يتزعمها أهل العلمانية ‪،‬‬
‫ويتول كبها أهل النفاق ‪ ،‬وأشاروا فورا بأصابع التام إل أهل الي ‪ ،‬وأهل العلم من علماء‬
‫وطلب علم ‪ ،‬وأهل حسبة ‪ ،‬من رجال المر بالعروف والنهي عن النكر ‪ ،‬ليوقعوا الفوضى ف‬
‫البلد بي العلماء والكام ‪ ،‬ولكن لا كان أل سعود حفظهم ال ‪ ،‬ينتمون لبيت عز وشوخ‬
‫وبيت علم ورئاسة وسياسة حكيمة ‪ ،‬علموا تلك اللعيب والغايات السيسة الدسيسة ‪،‬‬
‫فانتبهوا لا يُحاك ضد دولتنا حرسها ال من أولئك الفجار ‪ ،‬فأخرسوا ألسنتهم عب وسائل‬
‫‪217‬‬

‫العلم الختلفة ‪ ،‬درءا للفتنة ‪ ،‬وسدا لبابا ‪ ،‬فألقموهم حجارة ‪ ،‬وأسأل ال تعال أن تكون ف‬
‫الدنيا قبل الخرة حجارة من سجيل منضود ‪.‬‬
‫لقد نالوا من الدعاة ورجال السبة أقسى منال ‪ ،‬عب الصحف الحلية ‪ ،‬يريدون تأجيج نار‬
‫الفتنة ‪ ،‬وإشعال فتيلها ‪ ،‬فاللهم شل أركانم ‪ ،‬وكسر أقلمهم ‪ ،‬وأخرس ألسنتهم ‪ ،‬وجد الدماء‬
‫ف عروقهم ‪ ،‬فهم دعاة السوء والفساد ‪ ،‬والرية والتحرر الزعومتي ‪ ،‬حرية من الدين ‪ ،‬وترر‬
‫من السلم ‪ ،‬فاللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك ‪ ،‬واجعلهم أذلة صاغرين ‪.‬‬
‫ولقد جاء التحذير من النافقي العلمانيي على لسان الصادق ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬يَقُولُ‬
‫سَألُونَ َرسُو َل اللّهِ صَلّى اللّه عَ َل ْيهِ َوسَ ّلمَ َعنِ‬
‫ُح َذيْ َفةَ ْب َن الْيَمَانِ رضي ال عنه ‪ :‬كَا َن النّاسُ َي ْ‬
‫ت يَا َرسُو َل ال ّلهِ ‪ِ :‬إنّا ُكنّا فِي جَاهِلِّيةٍ‬
‫شرّ َمخَا َف َة أَ ْن يُدْرِكَنِي ‪َ ،‬فقُلْ ُ‬
‫ت َأسَْأُلهُ َعنِ ال ّ‬
‫الْخَ ْي ِر ‪ ،‬وَكُنْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬ه ْل َبعْدَ‬
‫َو َشرّ ‪ ،‬فَجَا َءنَا اللّ ُه ِب َهذَا الْخَ ْيرِ ‪َ ،‬ف َه ْل َبعْ َد َهذَا الْخَ ْيرِ شَرّ ؟ قَالَ ‪َ " :‬ن َعمْ " ‪َ ،‬فقُلْ ُ‬
‫ت ‪َ :‬ومَا َدخَُنهُ ؟ قَا َل ‪َ " :‬قوْمٌ َيسْتَنّونَ‬
‫شرّ ِم ْن خَ ْيرٍ ؟ قَا َل ‪ " :‬نَ َع ْم ‪َ ،‬وفِي ِه َدخَ ٌن " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫َذِلكَ ال ّ‬
‫ت ‪َ :‬هلْ بَ ْع َد َذلِكَ الْخَ ْي ِر ِمنْ‬
‫ِبغَ ْيرِ سُنّتِي ‪ ،‬وََي ْهدُو َن ِبغَ ْيرِ َه ْديِي ‪َ ،‬ت ْعرِفُ مِ ْن ُه ْم وَتُ ْن ِكرُ " ‪َ ،‬فقُلْ ُ‬
‫ب َجهَّنمَ َم ْن أَجَابَ ُه ْم إِلَ ْيهَا قَ َذفُوهُ فِيهَا " ‪َ ،‬فقُلْتُ يَا َرسُو َل اللّهِ‬
‫َشرّ ؟ قَا َل ‪َ " :‬ن َعمْ دُعَاةٌ عَلَى َأبْوَا ِ‬
‫ت يَا َرسُولَ ال ّلهِ ‪ :‬فَمَا َترَى‬
‫صفْ ُه ْم لَنَا ؟ قَا َل ‪َ " :‬نعَ ْم َقوْ ٌم ِمنْ جِ ْل َدتِنَا َويَتَكَلّمُو َن ِبأَْلسِنَتِنَا " ‪ ،‬قُلْ ُ‬
‫‪ِ :‬‬
‫ت ‪َ :‬فإِنْ َل ْم تَ ُك ْن َلهُ ْم جَمَا َعةٌ‬
‫ي َوِإمَا َمهُ ْم " َفقُلْ ُ‬
‫إِ ْن َأدْرَكَنِي ذَِلكَ ؟ قَا َل ‪ " :‬تَ ْلزَ ُم جَمَا َعةَ الْ ُمسْ ِلمِ َ‬
‫ج َرةٍ حَتّى ُيدْرِكَكَ‬
‫ص ِل شَ َ‬
‫ك الْ ِفرَقَ كُ ّلهَا ‪ ،‬وََل ْو أَنْ تَعَضّ عَلَى أَ ْ‬
‫َولَا ِإمَامٌ ؟ قَالَ ‪ " :‬فَاعَْت ِزلْ تِ ْل َ‬
‫ت َوأَنْتَ عَلَى َذِلكَ " [ متفق عليه واللفظ لسلم ] ‪.‬‬
‫الْ َموْ ُ‬
‫وهناك اليوم من يرفضون السنة النبوية ‪ ،‬ويرفضون تطبيق كثي من أحكامها بجة أن الزمن قد‬
‫تغي ‪ ،‬ول تنفع بعض أحكام السنة فيها ‪ ،‬ويريدون تكيم القواني الوضعية من فرنسية وألانية‬
‫وغيها لتوافق هواهم ‪ ،‬وتشبع رغباتم النسية واليوانية البهيمية ‪ ،‬ومعلوم من الدين‬
‫بالضرورة أن رفض السنة ناقض من نواقض السلم الكثية ‪ ،‬وأنه مالف لقتضى شهادة أن‬
‫ممدا رسول ال ‪ ،‬فمن نواقض السلم ‪:‬‬
‫من اعتقد أن هدي غي النب صلى ال عليه وسلم أكمل من هديه ‪ ،‬فهذا كافر ‪.‬‬
‫من اعتقد أن أحدا من الناس يسعه الروج عن شريعة النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فهو كافر ‪.‬‬

‫‪218‬‬

‫ومن مقتضى شهادة أن ممدا رسول ال ‪ ،‬طاعته فيما أمر ‪ ،‬واجتناب ما نى عنه وزجر ‪ ،‬وأل‬
‫حكّم شريعة النب ممد صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ومال إل غيها‬
‫يُعبد ال إل با شرع ‪ ،‬فمن ل يُ َ‬
‫من القواني الوضعية فهو على خطر عظيم ‪ ،‬لنه ل يأت بشهادة التوحيد كاملة بل اخترمها ‪،‬‬
‫فأتى بشيء وترك آخر ‪.‬‬
‫وقد ورد ف الكتاب والسنة ما يؤيد وجوب اتباع الكتابي لنما وحيان ‪ ،‬فمن الكتاب سبقت‬
‫الشارة إل بعض اليات ‪ ،‬وهذه بعض الحاديث الصحيحة الت يؤيد ذلك ‪:‬‬
‫ت ِبهِ ‪،‬‬
‫َعنْ َأبِي رَافِ ٍع وَغَ ْي ِرهِ َر َف َعهُ ‪ " :‬قَالَ لَا ُألْفَِي ّن أَ َحدَ ُكمْ مُتّكِئًا عَلَى أَرِيكَِتهِ ‪َ ،‬ي ْأتِيهِ َأ ْمرٌ مِمّا َأ َمرْ ُ‬
‫َأوْ نَهَيْتُ عَ ْنهُ فََيقُولُ ‪ :‬لَا َأدْرِي مَا وَ َج ْدنَا فِي كِتَابِ ال ّل ِه اتّبَعْنَاهُ " [أخرجه الترمذي وأبو داود‬
‫سنٌ صَحِيحٌ ‪ ،‬وصحح إسناده ساحة العلمة ابن‬
‫وأحد وابن ماجة ‪ ،‬وقَا َل الترمذي ‪َ :‬حدِيثٌ َح َ‬
‫باز رحه ال ف مموع الفتاوى ‪. ] 215 / 1‬‬
‫صلّى اللّه عَلَ ْيهِ وَسَ ّلمَ ‪َ " :‬ألَا هَلْ َعسَى‬
‫و َع ِن الْ ِمقْدَا ِم ْب ِن مَ ْعدِي َك ِربَ قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ َ‬
‫حدِيثُ عَنّي َو ُهوَ مُّتكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِ ِه فََيقُولُ ‪ :‬بَيْنَنَا َوبَيَْنكُمْ كِتَابُ ال ّلهِ ‪ ،‬فَمَا َو َجدْنَا‬
‫َر ُج ٌل يَبْ ُلغُ ُه الْ َ‬
‫فِي ِه حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَا ُه ‪َ ،‬ومَا َوجَ ْدنَا فِي ِه َحرَامًا َح ّرمْنَا ُه ‪َ ،‬وإِنّ مَا حَرّمَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْيهِ‬
‫َوسَ ّلمَ َكمَا َحرّ َم ال ّلهُ " [ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح ‪ ،‬فتاوى ابن باز‬
‫‪. ] 215 / 1‬‬
‫و َع ِن الْ ِمقْدَا ِم ْب ِن مَ ْعدِي َك ِربَ ‪َ ،‬عنْ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم أَّن ُه قَا َل ‪َ " :‬ألَا ِإنّي أُوتِيتُ‬
‫اْلكِتَابَ َومِثْ َلهُ مَ َع ُه ‪ ،‬أَلَا يُوشِكُ َر ُجلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَِتهِ يَقُولُ ‪ :‬عَ َل ْيكُ ْم ِبهَذَا اْل ُقرْآ ِن فَمَا وَ َج ْدتُمْ‬
‫ح ُم الْحِمَا ِر الَْأهْلِيّ‬
‫ح ّل َلكُ ْم لَ ْ‬
‫حرّمُوهُ ‪ ،‬أَلَا لَا يَ ِ‬
‫فِي ِه ِمنْ حَلَالٍ َفَأحِلّو ُه ‪ ،‬وَمَا وَ َج ْدتُ ْم فِيهِ ِم ْن َحرَا ٍم َف َ‬
‫ب ِمنَ السّبُ ِع َولَا ُلقَ َطةُ ُمعَا ِه ٍد ِإلّا أَ ْن َيسْتَغِْنيَ عَ ْنهَا صَاحِبُهَا وَ َم ْن َنزَ َل ِبقَوْ ٍم َفعَلَ ْي ِهمْ‬
‫َولَا ُك ّل ذِي نَا ٍ‬
‫أَ ْن َي ْقرُو ُه َفإِنْ َل ْم َيقْرُوهُ فَ َلهُ أَ ْن ُي ْعقِبَ ُه ْم بِمِ ْثلِ ِقرَاهُ " [ أخرجه أبو داود وأحد والترمذي وابن‬
‫ماجة بإسناد صحيح ‪ ،‬الصدر السابق ] ‪.‬‬
‫فكم هم اليوم الذين شبعوا من مال ال ‪ ،‬واتكئوا على الرائك ‪ ،‬غطرسة ونبذا للسنة ‪ ،‬وقد‬
‫كشف ال عوارهم ومكائدهم ‪ ،‬أصحاب الترف والدعة ‪ ،‬من طلبوا الياة الدنيا واشتروها ‪،‬‬
‫وتركوا الخرة وباعوها ‪ ،‬فتجدهم يتشدقون يتركون أوامر السنة ونواهيها ‪ ،‬زاعمي أن القرآن‬
‫ل يرد فيه دليل يرم هذا ويلل ذاك ‪ ،‬وقد سبقت الشارة إل أن القرآن والسنة وحيان من ال‬
‫‪219‬‬

‫لنبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فما حكمه مملً ف القرآن الكري ‪ ،‬فحكمه مفصلً ف السنة‬
‫النبوية ‪ ،‬فالقرآن ل يأت بتحري كل شيء بعينه ‪ ،‬ولكنه قواعد وضوابط يسي عليها السلم ‪،‬‬
‫وإل لحتاج إل مئات الجلدات ‪ ،‬فظهرت تلك الفئة الترفة التشدقة الت تلمز سنة الصطفى‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وتتهمها بالتشدد والتعصب ‪ ،‬بل وأنا ل توافق التقدم الضاري والتقن‬
‫اليوم ‪ ،‬فأولئك علهم غضب من ال ولعنوا با قالوا ‪.‬‬
‫ولا علم علماء هذه المة حق النب صلى ال عليه وسلم على أمته ‪ ،‬ولا علموه من الدلة من‬
‫الكتاب والسنة الدالة على وجوب اتباع ما جاء به ‪ ،‬اتبعوه ول يزيغوا عنه قيد أنلة ‪ ،‬بل‬
‫وأوجبوا ذلك ف مؤلفاتم ورسائلهم ‪ ،‬وهذه بعض النماذج من ذلك ‪:‬‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية رحه ال ‪ " :‬السنة إذا ثبتت ‪ ،‬فإن السلمي كلهم متفقون على‬
‫وجوب اتباعها " [ مموع الفتاوى ‪. ] 85 / 19‬‬
‫وقال ابن القيم ف تفسي قوله تعال ‪ { :‬فإن تنازعتم ف شيء فردوه إل ال والرسول } قال‬
‫رحه ال ‪ " :‬أجع السلمون أن الرد إل الرسول هو الرجوع إليه ف حياته ‪ ،‬والرجوع إل سنته‬
‫بعد ماته ‪ ،‬واتفقوا على أن فرض هذا الرد ل يسقط بوته " [ متصر الصواعق الرسلة ] ‪.‬‬
‫فمن علمات الساعة الت أخب با النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ظهور أناس يدعون أنم قرآنيون‬
‫‪ ،‬يهتدون بدي القرآن فقط ‪ ،‬ويرفضون السنة النبوية ول يتجون با ‪ ،‬ول يعتبونا أصلً‬
‫يرجع إليه ‪ ،‬زاعمي أنم يتبعون القرآن الكري لنه متواتر الوصول إلينا ‪ ،‬وأما السنة فإنا‬
‫وصلت عن طريق الحاد وهو ل يفيد إل الظن ف الكم ـ زعموا وخالفوا أهل السنة‬
‫والماعة ‪ ،‬بل خالفوا القرآن الذي يتبعونه ـ وقالوا ‪ :‬أن السنة ف بعض النصوص تالف‬
‫العقل والعلم ‪ ،‬فأي اتباع للقرآن والقرآن يأمرهم باتباع النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقد سبق‬
‫ذكر اليات الكثي الدالة على وجوب اتباع النب صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بل وتذر من مالفته ‪.‬‬
‫ومن أضاعوا السنة وتركوها وأهلوها ‪ ،‬وضربوا با عرض الائط ‪ ،‬الشيعة الروافض ‪ ،‬ردهم‬
‫ل ‪ ،‬فقد أخطئوا وأضلوا كثيا ‪ ،‬وضلوا عن سبيل الق ‪ ،‬وأعرضوا عنه ‪،‬‬
‫ال إل الق ردا جي ً‬
‫واتبعوا ما يدعو إليه الشيطان من معصية ال تعال ‪ ،‬ومالفة أمر نبيه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فهم‬
‫ل يكمون السنة ‪ ،‬بل ول القرآن ‪ ،‬فضلوا عن جادة الصواب ‪ ،‬وللسف الشديد أن هناك فئة‬
‫من السلمي من أهل السنة والماعة ‪ ،‬قد أخذتم العاطفة ‪ ،‬وقد يكون لبعضهم مآرب أخرى‬
‫‪220‬‬

‫فدعوا إل تقريب الشيعة وأهل السنة ‪ ،‬ول قرابة بيننا وبينهم ‪ ،‬بل هم أنفسهم ل يرضون بذلك‬
‫‪ ،‬فل يريدون إل شيعة فقط ‪.‬‬
‫وهذه نبذة متصرة مقتبسه من بعض ما تعتقده الشيعة وما تدين به من دين‪ ،‬والقصد منها إظهار‬
‫ما تبطنه الشيعة وما يسمونه بالتقية عندما يناقشهم مناقش فيظهرون له غي ما يبطنون من شر‬
‫وانراف عن الصراط الستقيم‪ ،‬يقابل ذلك ما يعتقده أهل السنة والماعة وما يدينون ال به مع‬
‫استعدادهم لقبول الق والرجوع إليه‪ ،‬وبعد اطلعك أيها القاريء على اعتقاد كل من الطرفي‬
‫تستطيع با وهبك ال من عقل أن تعرف أيهما على الق وماذا بعد الق إل الضلل‪..‬وال‬
‫الستعان‪.‬‬
‫أو ًل ‪ /‬القران الكري ‪:‬‬
‫أهل السنة‪:‬‬
‫متفقون على صحة القرآن الكري وسلمته من الزيادة والنقصان ويفهم طبقا لصول اللغة‬
‫العربية وهم يؤمنون بكل حرف منه وأنه منل غي ملوق وهو الصدر الول لكل عقائد‬
‫وتشريعات السلمي وأنه مفوظ بفظ ال له‪.‬‬
‫الشيعة‪:‬‬
‫يطعنون بالقرآن الكري ويشككون ف صحته وذلك عند أكثرهم وإذا اصطدم بشيء من‬
‫معتقداتم يؤلونه تأويلت عجيبة‪ ،‬وكلم أئمتهم ف مصادر التشريع عندهم العتمدة لديهم أكثر‬
‫من القرآن الكري ومن أوامر الرسول الكري صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ثانيا ‪ /‬الديث الشريف‪:‬‬
‫أهل السنة‪:‬‬
‫عند أهل السنة الديث هو الصدر الثان للشريعة والفسر للقرآن الكري ول توز مالفة‬
‫حديث صحيح منسوب للنب صلى ال عليه وسلم‪ .‬وكل الصحابة الذين صحبوا الرسول عليه‬
‫الصلة والسلم سواء من الرجال أو النساء ووثقت أحاديثهم فهم كلهم سواء عدول ثقات‬
‫رضي ال عنهم أجعي‪.‬‬
‫الشيعة‪:‬‬

‫‪221‬‬

‫ل تعتمد إل على الحاديث النسوبة لل البيت (بيت الرسول صلى ال عليه وسلم)‪.‬‬
‫ويرفضون ما سوى ذلك ول يهتمون بصحة السند ويطعنون بأئمة الديث كالبخاري ومسلم‬
‫وغيها ولذلك أنكروا أغلب سنة النب صلى ال عليه وسلم والروية عن الصحابة من غي آل‬
‫البيت لبغضهم لم وقذفهم إياهم حت وصل بم المر إل تكفي كبار الصحابة رضي ال عنهم‬
‫أجعي‪.‬‬
‫ثالثا ‪ /‬الصحابة الكرام رضي ال عنهم أجعي ‪:‬‬
‫أهل السنة‪:‬‬
‫يب أهل السنة جيع أصحاب الرسول صلى ال عليه وسلم الذين صحبوه وهم مؤمنون به‬
‫ويترضون عنهم ويترمونم‪ .‬ويعتقدون أنم كلهم عدول فضلء كرام ويعتبون ما شجر بينهم‬
‫من خلف وغيه من قبيل الجتهاد ومعروف أن الجتهد إذا اجتهد وأخطأ فله أجر بل إنم‬
‫رضي ال عنهم هم الذين قال ال فيهم خي ما قال ف أمة فل يل لحد من الناس بعد ذلك أن‬
‫يتهمهم بشيء إذ قد مضوا ول مصلحة ف سبهم بل الطلوب هو الترحم عليهم والترضي عنهم‬
‫نسأل ال أن يرضى عنهم ويزيهم عن السلم خي الزاء‪ .‬أما عن علي بن أب طلب رضي ال‬
‫عنه فأهل السنة يعتقدون أنه أول من أسلم من الصبيان وأن ال قد أكرمه بالسلم مبكرا ث‬
‫بصاهرة النب صلى ال عليه وسلم وأنه رابع اللفاء ومشهود له بالنة ث أكرمه ال بالشهادة‪.‬‬
‫فرضي ال عن جيع أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم وأرضاهم‪.‬‬
‫الشيعة‪:‬‬
‫يرى الشيعة أن الصحابة قد كفروا بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم كلهم با ف ذلك أب‬
‫بكر وعمر وعثمان ومن بشره الرسول صلى ال عليه وسلم بالنة‪ .‬فالكل قد كفروا وارتدوا‬
‫عن السلم إل عدد قليل يعد على أصابع اليد الواحدة ويضعون على بن أب طالب رضي ال‬
‫عنه ف مكانة خاصة الاصة‪.‬‬
‫فبعضهم يراه وصيا وبعضهم يراه نبيا وبعضهم يراه إلا‪ .‬ث يكمون على السلمي بالنسبة‬
‫لوقفهم منه‪ .‬ويرون أن كل من انتخب للخلفة قبله فهو ظال أو كافر ويقصدون بذلك أبا بكر‬
‫وعمر وعثمان رضي ال عنهم‪ .‬ويعتقدون أن من خالف علي رضي ال عنه فهو كافر أو فاسق‬

‫‪222‬‬

‫وكذلك الال بالنسبة لن خالف ذريته‪ .‬ومن هنا أحدثوا ف التاريخ فجوة هائلة من العداء‬
‫والفتراء وصارت قضية التشيع مدرسة تاريية تضي بذه التعاليم الضارة عب الجيال‪.‬‬
‫عقيدة التوحيد ‪:‬‬
‫أهل السنة‪:‬‬
‫يؤمن أهل السنة بأن ال هو الواحد القهار ل شريك له ول ند ول نظي‪ .‬ول واسطة بينه وبي‬
‫عبادة‪ .‬ويؤمنون بآيات الصفات كما جاءت من غي تأويل ول تعطيل ول تشبيه (ليس كمثله‬
‫شيء) وأنه أرسل النبياء وكلفهم بتبليغ الرسالة فبلغوها ول يكتموا منها شيئا‪.‬‬
‫ويؤمنون بأن الغيب ل وحده‪ .‬وأن الشفاعة مشروطة (من ذا الذي يشفع عنده إل بإذنه)‪ .‬وأن‬
‫الدعاء والنذر والذبح والطلب ل يكون إل له سبحانه‪ .‬ول يوز لغيه‪ .‬وأنه وحده الذي يلك‬
‫الي والشر فليس لحد معه سلطة ول تصرف حيا كان أو ميتا والكل متاجون لفضله‬
‫ورحته‪ .‬ومعرفة ال تب عندهم بالشرع وبآيات ال قبل العقل‪ .‬الذي قد ل يهتدي ث يتفكر‬
‫النسان بعقله ليطمئن‪.‬‬
‫الشيعة‪:‬‬
‫يؤمن الشيعة بال تعال ووحدانيته ولكنهم يشوبون هذا العتقاد وينقضونه بتصرفاتم الشركية‬
‫الخرجة عن اللة أحيانا‪.‬‬
‫فهم يدعون عبادا غي ال ويشركونم معه فيقولون ف دعائهم‪ :‬يا علي ويا حسي ويا زينب‪.‬‬
‫وينذرون ويذبون لغي ال ويطلبون من الموات قضاء الوائج ولم أدعية وقصائد كثية تؤكد‬
‫هذا العن وهم يتعبدون با ويعتقدون أن أئمتهم معصومون وأنم يعلمون الغيب‪ .‬ولم ف‬
‫الكون تدبي مع ال‪ ،‬والشيعة هم الذين اخترعوا التصوف لتكريس هذه العان النحرفة‪.‬‬
‫ويزعمون أن هناك قدرة خاصة للولياء والقطاب وآل البيت‪.‬‬
‫الغيــــب ‪:‬‬
‫أهل السنة‪:‬‬
‫يعتقدون أن ال اختص بعلم الغيب دون أحد من خلقه وإنا أطلع أنبياءه ومن شاء من خلقه‬
‫ومنهم نبينا ممد صلى ال عليه وسلم على بعض أمور الغيب لضروريات معينة (ول ييطون‬
‫بشيء من علمه إل با شاء)‪.‬‬
‫‪223‬‬

‫الشيعة‪:‬‬
‫تزعم الشيعة أن معرفة الغيب من حق أئمتهم وحدهم وليس من حق النب أن يب عن الغيب‪.‬‬
‫ولذلك فإن بعضهم ينسب اللوهية لؤلء الئمة‪ .‬ويذهب بعض طوائف الشيعة إل أبعد من‬
‫هذا إذ يشركون أئمتهم مع ال ف اللق والتدبي‪ .‬إذ ورد ف كتابم الكاف ص ‪:126-125‬‬
‫(الئمة إذا شاءوا أن يعلموا شيئا أعلمهم ال إياه‪ .‬وهم يعلمون مت يوتون ول يوتون إل‬
‫باختيارهم وهم يعلمون علم ما كان وعلم ما يكون ول يفى عليهم شيء)‪.‬‬
‫وكذلك يقولون أن عند الئمة جيع الكتب الت نزلت من ال وهم يعرفونا على اختلف‬
‫ألسنتها ص ‪ 107‬وعند الئمة اسم ال العظم ص ‪.112-110‬‬
‫وعندهم (أي الئمة) الفر وهو وعاء من أدم فيه علم النبيي والوصيي وعلم الذين مضوا من‬
‫بن إسرائيل ص ‪ ،115‬وقال أبو جعفر‪ :‬أن ال علّم علمه ملئكته ورسله فما علمه ملئكته‬
‫ورسله فنحن نعلمه ص ‪.113‬‬
‫وقال ف كتاب الوشيعة‪ :‬كان الصادق يقول‪ :‬إن لعلم ما ف النة وما ف النار وأعلم كل ما‬
‫كان وكل ما يكون ولو كنت بي موسى والضر لخبتما إن أعلم منهما ولنبأتما با ليس‬
‫لماص ‪.193‬‬
‫كما أنم يعتقدون أن خلق أئمتهم خلقا آخر غي خلق البشر حت أنه يتاز عن خلق وإياد سيد‬
‫اللق نبينا ممد صلى ال عليه‪.‬‬
‫فهم يقولون عن أئمتهم إذا أراد ال أن يلق المام من المام بعث ملكا فأخذ شربة من تت‬
‫العرش ودفعها إل المام يشربا فيمكث ف الرحم أربعي يوما ل يسمع الكلم فإذا وضعته أمه‬
‫بعث ال إليه ذلك اللك فكتب على عضده الين (وتت كلمة ربك صدقا وعد ًل ل مبدل‬
‫لكلماته)‪.‬‬
‫فإذا قام بذا المر رفع ال له ف كل بلدة منارا ينظر به إل أعمال العباد ص ‪ 196‬واللئكة‬
‫تدخل بيوت الئمة وتطأ بسطهم وتأتيهم بالخبار ص ‪.199‬‬
‫والئمة هم أركان الرض أن تيد بأهلها وحجته على من فوق الرض ومن تت الثرى ص‬
‫‪-93‬ج ‪.1‬‬
‫ومنها ما ورد ف كتابم الكاف ص ‪-179‬ج ‪:1‬‬
‫‪224‬‬

‫أن المام مؤيد بروح القدس وبينه وبي ال عز وجل عمود من نور يرى فيه أعمال العباد‬
‫وكلما احتاج إليه لدللة اطلع عليه‪.‬‬
‫هذه ناذج من اعتقاداتم الباطلة ف أئمتهم با يتضح للمسلم الناشد للحق وهو ضالة كل‬
‫مؤمن أن القوم ف واد والسلم ف واد آخر وأنم ل يدينون دين الق وهم الذين يتهمون‬
‫القرآن بالنقص والزيادة ويكذبون ال إذ يقول (إنا نن نزلنا الذكر وإنا له لافظون)‪.‬‬
‫وهم الذين يكفّرون أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم الذين اختارهم ال لصحبة نبيه‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ .‬بل يطعنون ويلعنون أفضل هذه المة بعد نبيها أبابكر وعمر وعثمان‬
‫وغيهم من الصحابة الكرام رضي ال عنهم أجعي‪.‬‬
‫كما أنم مقابل ذلك يغلون ف علي بن أب طالب رضي ال عنه ويالفون آراءه ومعتقده رضي‬
‫ال عنه فهو من عقيدتم النحرفة الشركة الضالة براء‪.‬‬
‫وسوف تد ما ينقل إليك من كتبهم العتمدة ماذا يقولون ف علي رضي ال عنه وماذا يفترون‬
‫على ال وعلى رسوله صلى ال عليه وسلم وعلى علي نفسه رضي ال عنه‪.‬‬
‫فقد ورد ف كتابم تفسي البهان للبحران مقدمة ص ‪ 27‬أن سلمان رضي ال عنه دخل على‬
‫علي رضي ال عنه فسأله عن نفسه فقال‪ :‬يا سلمان‪ .‬أنا الذي دعيت المم كلها إل طاعت‬
‫فكفرت فعذبت ف النار وأنا خازنا عليهم حقا أقول يا سلمان‪ :‬أنه ل يعرفن أحد حق معرفت‬
‫إل كان معي أخذ ال اليثاق ل فصدق من صدق وكذب من كذب‪ .‬قال سلمان‪ :‬لقد وجدتك‬
‫يا أمي الؤمني ف التوراة كذلك وف النيل كذلك بأمي أنت وأمي يا قتيل الكوفة‪.‬‬
‫أنت حجة ال الذي تاب به على آدم (عليه السلم) وبك أنى يوسف من الب‪ .‬وأنت قصة‬
‫أيوب عليه السلم وسبب تغي نعمة ال عليه‪ .‬فقال أمي الؤمني عليه السلم أتدري ما قصة‬
‫أيوب؟ (عليه وعلى نبينا أفضل الصلة وأزكى التسليم)‪.‬‬
‫قال ال أعلم وأنت (يا أمي الؤمني) قال لا كان عند النبعاث للمنطلق شك أيوب ف ملكي‬
‫فقال‪ :‬هذا خطب جليل وأمر جسيم فقال ال يا أيوب أتشك ف صورة أقمته أنا إن ابتليت آدم‬
‫بالبلء فوهبته له وصفحت بالتسليم عليه بإمامة أمي الؤمني فأنت تقول خطب جليل وأمر‬
‫جسيم فوعزت لذيقنك عذاب أو تتوب إل بالطاعة لمي الؤمني ث أدركته السعادة ب (أي‬
‫بعلي بن أب طالب رضي ال عنه) يعن أنه تاب وأذعن بالطاعة لعلي عليه السلم‪.‬‬
‫‪225‬‬

‫ومن كذبم على ال وتريفهم للقرآن الكري قولم ف كتابم الصحيح لديهم كالبخاري عند‬
‫السلمي السمى (الكلين) فقد روى عن الصومال عن جعفر عليه السلم قال‪( :‬أوصى ال نبيه‬
‫صلى ال عليه وآله "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم" قال‪ :‬إنك على‬
‫ولية علي وعلي هو الصراط الستقيم‪،‬ج ‪.2‬‬
‫وذكر العياشي ف تفسيه عن أب عبدال جعفر أنه قال‪ :‬الؤمنون بعلي هم الالدون ف النة‬
‫وإن كانوا ف أعمالم مسيئة وحب لعلي عليه السلم ل تضر معه سيئة وبغضه معصية ل تنفع‬
‫معها حسنة‪.‬‬
‫وكذبوا أيضا على رسول ال صلى ال عليه وسلم حيث قالوا أنه قال‪ :‬سعت ال عز وجل‬
‫يقول‪ :‬علي بن أب طالب حجت على خلقي وثورى ف بلدي وأمي على علمي ل أدخل النار‬
‫من عرفه وإن عصان ول أدخل النة من أنكره وإن أطاعن‪.‬‬
‫وقد ذهب القوم إل أبعد من هذا فأنزلوا عليا رضي ال عنه منلة أعلى من منلة الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم الكري صلى ال عليه وسلم بل شبهوا عليا بال جل عما يقولون علوا كبيا‬
‫فقالوا ف تفسيهم السمى البهان ج ‪-2‬ص ‪ :404‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ :‬لا‬
‫عرج ب إل السماء دنوت من رب حت كان بين وبينه قاب قوسي أو أدن قال‪ :‬يا ممد من‬
‫تبه من اللق قلت يارب عليا قال‪ :‬التفت يا ممد فالتفت عن يساري فإذا علي بن أب طالب‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫بل وأكب من هذا الفتراء فقد قالوا لا سئل النب صلى ال عليه وسلم بأي لغة خاطبك ربك‬
‫ليلة العراج قال‪ :‬خاطبن بلغة علي بن أب طالب حت قلت أنت خاطبتن أم علي؟ من كتاب‬
‫كشف الغمة ج ‪-1‬ص ‪.106‬‬
‫فانظر أخي ف ال كيف ترأ أعداء ال وأعداء رسوله على الكذب على ال وعلى رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وشبهوا ال تعال عز وجل عما يقولون بعلي بن أب طالب رضي ال عنه حت‬
‫زعموا زورا وبتانا أنه اشتبه على الرسول صلى ال عليه وسلم أيكلمه ال أم علي؟ سبحانك‬
‫هذا بتان عظيم‪.‬‬
‫وقالوا أيضا عن النب صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ :‬لا عرج ب إل السماء رأيت عليا وأولده‬
‫قد وصلوا إليها من قبل فسلمت عليهم وقد فارقتهم ف الرض‪،‬ص ‪.6‬‬
‫‪226‬‬

‫وما تقدم يظهر أن السلم ف واد وأن هؤلء القوم واد آخر‪ .‬بل إن معتقداتم هذه أشد ما‬
‫اعتقده أبو لب وأبو جهل إذ ل يسبقهم إل هذه الفتريات أحد حت فرعون الذي ادعى‬
‫الربوبية ل يدع أنه صعد إل السماء بل حاول أن يبن صرحا‪.‬‬
‫أما موقفهم من أصحاب الرسول صلى ال عليه وسلم فمعروف تقدم نوذج منه وجلته أنم‬
‫يكفرون أصحاب النب صلى ال عليه وسلم بل يسبونم ويلعنونم با ف ذلك أبوبكر وعمر‬
‫وعثمان وغيهم من كبار الصحابة رضي ال عنهم‪.‬‬
‫وكذلك زوجات النب صلى ال عليه وسلم أمهات الؤمني ل يسلمن من أذاهم ومن اتامهم‬
‫لن بكل سوء‪.‬‬
‫حت اجتماع الصحابة رضي ال عنهم كلهم با ف ذلك علي رضي ال عنهم عندما بايعوا أبا‬
‫بكر باللفة ل يرق لم ذلك واعتبوا ذلك معصية وكفرا وضللً أن يبايع الصحابة أبابكر‬
‫رضي ال عنهم‪ .‬فقد قالوا ف كتابم لسليم بن قيس ص ‪80‬و ‪ :81‬أن عليا رضي ال عنه قال‬
‫لسلمان رضي ال عنه‪ :‬تدري أول من بايع أبابكر حي صعد النب؟ قلت ل ولكن رأيت شيخا‬
‫كبيا يتوكأ على عصاه بي عينيه سجادة شديدة التشمي صعد النب أول من صعد وهو يبكي‬
‫ويقول المد ل الذي ل يتِ حت رأيتك ف هذا الكان ابسط يدك فبسط يده فبايعه ث قال‪ :‬يوم‬
‫كيوم آدم ث نزل فخرج من السجد‪.‬‬
‫فقال علي عليه السلم يا سلمان أتدري من؟ قلت ل ولكن ساءتن مقالته كأنه شامت بوت‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قال علي عليه السلم فإن ذلك إبليس إل أن قال‪" :‬ولقد‬
‫صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إل فريقا من الؤمني"‪.‬‬
‫وما يعتقد القوم ف مهديهم النتظر أنه سوف يرج ف آخر الزمان ويسمونه القائم‪ .‬وأنه سوف‬
‫ييي الوتى ومن بينهم أب بكر وعمر رضي ال عنهما ويرجهما من جوار النب صلى ال عليه‬
‫وسلم صلى ال عليه وسلم ويعذبما عذابا شديدا ث يأمر بما فيقتلن ف كل يوم وليلة ألف‬
‫قتلة ويردان إل أشد العذاب‪ .‬من كتاب النوار العمانية للجزائري ج ‪ 2‬ص ‪.87-86‬‬
‫هذا ولو تتبع النسان جيع مفترياتم لوجد العجب العجاب ولكن هذه ناذج من العتقدات‬
‫لدى القوم ولو بثت ف منهجهم ف العبادة وفتاوى علمائهم لضحك منها الصبيان فضلً عن‬
‫العقلء‪.‬‬
‫‪227‬‬

‫فمما يفتون به ويعتقدون أن الشيعة مهما علموا من العاصي فهم للجنة وغيهم مهما عمل من‬
‫السنات فهم ف النار وأن ال أخرج جيع خيات الرض للشيعة وغيهم يأكلون حراما‬
‫وينكحون حراما حيث ذكر هذا ف الصراع بي السلم والوثنية( ص ز)‬
‫قال‪ :‬قال ف الكاف‪ :‬قال ال تبارك وتعال‪ :‬لعذبن كل رعية ف السلم دانت بولية كل إمام‬
‫جائر ليس من ال وإن كانت الرعية ف أعمالا بر تقية‪ .‬ولعفون عن كل رعية ف السلم‬
‫دانت بولية إمام عادل من ال وإن كانت الرعية ف أنفسها مسيئة‪ ،‬ص ‪.190‬‬
‫والنصوص ف كتب هؤلء ف تثبيت هذا البلء متواترة فأهل السنة الوالون لب بكر وعمر‬
‫رضي ال عنهما لن تقبل منهم حسنة‪ .‬والشيعة الجاؤن لب بكر وعمر الؤمني بالمام النتظر‬
‫لن يؤاخذوا بسيئة واحدة فأظلم الشيعة صائر إل النة ول بد‪.‬‬
‫وأتقى أهل السنة صائر إل النار ول بد فهؤلء لن تنفعهم السنات وهؤلء لن تضرهم‬
‫السيئات‪.‬‬
‫ولول خشية الطالة لذكرت كثيا من معتقدات القوم الباطلة الت تبي بوضوح وجلء ‪،‬‬
‫خروجهم من دائرة السلم بالكلية ‪ ،‬ولا قالوه ف ذات ال تعال ‪ ،‬ولا تنقصوا به النب صلى ال‬
‫عليه وسلم واتموه بالطأ والزلل ‪ ،‬وغي ذلك كثي ‪ ،‬ث يأت بعض السذاج من السلمي‬
‫ويترحون على الشيعة ‪ ،‬ويطلبون لم الغفرة والرحة ‪ ،‬ويطالبون بالتقريب بي أهل السنة‬
‫والماعة وبي الشيعة ‪ ،‬أين عقول أولئك الناس عن عقيدة القوم الضالة ‪ ،‬وتبطاتم الشينة ‪.‬‬
‫فمخالفة السنة الصحيحة علمة من علمات الساعة ‪ ،‬فنسأل ال أن يرد السلمي جيعا إل‬
‫جادة الصواب ‪.‬‬
‫الستون ‪:‬‬
‫سعادة لكع بن لكع ‪َ :‬ع ْن حُ َذْيفَ َة ْبنِ الْيَمَا ِن قَالَ ‪ :‬قَالَ َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا‬
‫َتقُومُ السّا َعةُ حَتّى يَكُو َن أَ ْس َعدَ النّاسِ بِالدّنْيَا لُكَ ُع اْبنُ ُلكَ ٍع " [ أخرجه الترمذي ‪ ،‬وقَالَ الترمذي‬
‫سنٌ ‪ ،‬وقال اللبان رحه ال ‪ :‬حديث صحيح ‪ ،‬انظر صحيح الترمذي ‪/ 2‬‬
‫‪َ :‬حدِيثٌ َح َ‬
‫‪ ، 478‬وصححه رحه ال ف صحيح الامع ‪ ، ] 1238 / 2‬و َعنْ َأبِي ُه َرْيرَ َة قَا َل ‪ :‬قَالَ‬
‫ي لِ ُلكَ ِع ابْ ِن ُلكَعٍ " [ أخرجه أحد‬
‫ب الدّنْيَا حَتّى تَصِ َ‬
‫َرسُو ُل ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ ‪ " :‬لَا َتذْهَ ُ‬
‫‪228‬‬

‫‪ ،‬حسن لغيه ‪ ،‬وإسناده ضعيف ‪ .‬تقيق السند ‪ . 68 / 14‬الرسالة ‪ ،‬وصححه اللبان ف‬
‫صحيح الامع ‪ ، 1217 / 2‬والشكاة ‪ ،‬انظر فيض القدير ‪ ، ] 6402 / 12‬و َعنِ ـ‬
‫ب الدّنْيَا‬
‫أب بردة ـ اْبنِ نِيَا ٍر قَا َل ‪ :‬سَ ِمعْتُ َرسُولَ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه َوسَلّ َم َيقُولُ ‪ " :‬لَا َتذْهَ ُ‬
‫حَتّى َتكُونَ لِ ُلكَ ِع اْبنِ ُلكَ ٍع " [ أخرجه أحد بإسناد حسن ‪ ،‬وهو حديث صحيح ‪ ،‬انظر السند‬
‫‪ . 152 / 25‬مؤسسة الرسالة ] ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬أسعد الناس " يعن ‪ :‬أكثرهم مالً ‪ ،‬وأطيبهم عيشا ‪ ،‬وأرفعهم‬
‫منصبا ‪ ،‬وأنفذهم حكما ‪.‬‬
‫وقوله ‪ " :‬بالدنيا " يعن ‪ :‬بأمورها وما فيها من خيات ونعم ‪ ،‬فيتنعمون بنعم ال تعال ‪،‬‬
‫ويصلون على أرفع الناصب فيها ‪ ،‬وهذا حاصل اليوم وواقع ل ينكره أحد ‪ ،‬فقد تسنم الهلة‬
‫وما ل علم لديهم أعلى الراكز ‪ ،‬والصيبة أنم تركزوا حت ف الناصب الدينية الت ل يفقهون‬
‫من أمورها إل القليل ‪.‬‬
‫وقوله ‪ " :‬لُكَع بن لكع " يعن ‪ :‬دنء النسب والسب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو اللئيم بن اللئيم ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫هو العبد ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الحق وهو ما يستعمل ف الذم ‪.‬‬
‫وقد يطلق هذا للفظ على الصغي ‪ ،‬ويظهر ذلك عندما جاء النب صلى ال عليه وسلم يطلب‬
‫ج النّبِيّ‬
‫السن بن علي ‪ ،‬كما ف الديث ‪َ ،‬ع ْن أَبِي هُ َرْي َرةَ الدّ ْوسِيّ رَضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪َ :‬خرَ َ‬
‫ق بَنِي قَيُْنقَاعَ ‪ ،‬فَجَلَسَ‬
‫صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ فِي طَاِئفَ ِة الّنهَا ِر لَا يُكَلّمُنِي َولَا أُكَلّ ُم ُه حَتّى َأتَى سُو َ‬
‫ت َأنّهَا تُلِْبسُ ُه سِخَابًا َأوْ‬
‫ت فَاطِ َم َة َفقَالَ ‪َ " :‬أَث ّم لُكَعُ ؟ َأثَ ّم لُكَعُ ؟ فَحََبسَ ْت ُه شَيْئًا ‪ ،‬فَظَنَ ْن ُ‬
‫ِبفِنَا ِء بَيْ ِ‬
‫ب َمنْ يُحِّبهُ " ‪ [ ،‬متفق‬
‫ُت َغسّ ُلهُ ‪ ،‬فَجَاءَ َيشْتَ ّد حَتّى عَاَن َقهُ َوقَبّ َلهُ ‪َ ،‬وقَا َل ‪ " :‬ال ّلهُ ّم َأحْبِبْ ُه َوأَحِ ّ‬
‫عليه ] ‪ ،‬ولبيان أن القصود بلكع ف الديث السابق هو السن بن علي ‪ ،‬أورد هذا الديث‬
‫ت مَعَ َرسُولِ ال ّلهِ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم فِي سُوقٍ‬
‫أيضا ‪َ ،‬عنْ أَبِي ُه َرْي َرةَ َرضِي اللّه عَنْه قَالَ ‪ :‬كُنْ ُ‬
‫س َن ْبنَ عَ ِليّ ‪،‬‬
‫حَ‬
‫ع الْ َ‬
‫ت ‪َ ،‬فقَالَ ‪َ " :‬أْينَ لُكَعُ ؟ ثَلَاثًا ‪ ،‬ادْ ُ‬
‫ص َرفْ ُ‬
‫ف فَانْ َ‬
‫صرَ َ‬
‫ِم ْن أَ ْسوَاقِ الْ َمدِيَنةِ فَانْ َ‬
‫ب ‪َ ،‬فقَالَ النِّبيّ صَلّى اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّل َم بَِي ِدهِ‬
‫سنُ ْبنُ عَ ِل ّي يَ ْمشِي َوفِي عُُن ِق ِه السّخَا ُ‬
‫حَ‬
‫َفقَا َم الْ َ‬
‫س ُن بَِي ِدهِ َهكَذَا ‪ ،‬فَالَْت َزمَ ُه ‪َ ،‬فقَا َل ‪ " :‬اللّ ُه ّم إِنّي أُحِّبهُ فََأحِّبهُ ‪َ ،‬وَأحِبّ َم ْن يُحِّبهُ‬
‫حَ‬
‫َهكَذَا ‪َ ،‬فقَالَ الْ َ‬
‫س ِن ْبنِ عَ ِليّ َب ْعدَ مَا قَالَ َرسُولُ ال ّلهِ صَلّى‬
‫حَ‬
‫ب ِإلَ ّي ِمنَ الْ َ‬
‫" َوقَا َل َأبُو ُهرَْي َرةَ ‪ :‬فَمَا كَانَ َأ َحدٌ َأحَ ّ‬

‫‪229‬‬

‫اللّه عَلَ ْي ِه وَسَ ّلمَ مَا قَا َل " [ أخرجه البخاري ] ‪ ،‬والسّخَاب ‪ :‬خيط من الرز يوضع ف العنق‬
‫كالقلدة ‪ [ .‬تفة الحوذي ‪. ] 453 / 6‬‬
‫وكم من لكع اليوم بي أبناء السلمي ‪ ،‬يتحكم ف مصالهم بتانا وكذبا ‪ ،‬ويرعى أمورهم زورا‬
‫وادعاءً ‪.‬‬
‫وكم من لكع اليوم نشاهده يتشدق ويرتقي مرتق ًى ليس له ول لمثاله ‪ ،‬ويلحق الزائم بأهل‬
‫العلم والدعاة الخلصي ‪ ،‬وهو ل أصل له ‪.‬‬
‫وكم من لكع رفع رأسه ‪ ،‬وهو حقي ذليل ‪ ،‬ل يعرف من الدين إل اسه ‪ ،‬أسلم ببطاقته‬
‫وهويته ‪ ،‬وف القيقة مرق من الدين برمته ‪ ،‬يرى السلمي من حوله يقتلون ويذبون‬
‫ويضطهدون ويسجنون وتنتهك أعراضهم ‪ ،‬وتدم منازلم ‪ ،‬وتغتصب أرضهم ‪ ،‬وهو فاغر فاه ‪،‬‬
‫مسطر قبلته على الباه ‪ ،‬أو متحيزا إل فئة من الكفار ‪ ،‬واقفا سدا منيعا ضد شعوب السلمي‬
‫‪ ،‬تارة يقولون بالتقريب مع اليهودية والنصرانية ‪ ،‬وأخرى يقولون بارطة الطريق ‪ ،‬وثالثة‬
‫يقولون بالسلم مع قتلة النبياء ‪ ،‬ورابعة يتنازلون عن بعض أراضي السلمي ف مقابل السلم‬
‫ل عن أن يقره الدين ‪.‬‬
‫الزعوم الذي ل يقره عرف فض ً‬
‫وف خضم هذه الفت الت ظهرت اليوم من تفجيات وقتل للبرياء ‪ ،‬واحتلل لبلد السلمي ‪،‬‬
‫رفعت فئام من اللكع رؤوسها ‪ ،‬وأرى أنه قد حان قطافها ‪ ،‬تتبجح بالوقوف ضد تقدم السلمي‬
‫‪ ،‬وتوقف تيارات الغضب العارمة إزاء ما يدث للمسلمي من مذابح جاعية ‪ ،‬ويقولون ‪ :‬أنه ل‬
‫ين الوقت للوقوف ضد العداء ‪ ،‬إذا ل ين الوقت الن ‪ ،‬فمت سيحي إذن ؟‬
‫إن الكفار قد كشروا عن أنيابم ‪ ،‬ول بد من إيقافهم والخذ على أيديهم ‪ ،‬بقينا مئات السني‬
‫ونن ننتظر مت تأت هذه الفرصة ‪ ،‬ومت سيحي الوقت للقضاء على شعارات الغرب وغاراته ‪،‬‬
‫فل أظنها ستأت تلك الفرص إل إذا ظهر الهدي وابن مري عليه السلم ‪.‬‬
‫فالاصل أن الال والاه والناصب ف آخر الزمان ـ وهو هذا الزمان والعلم عند ال ـ تكون‬
‫ف أيدي اللئام بن اللئام ‪ ،‬وأنم سيكونون أسعد الناس بنعيم الدنيا الزائل ‪ ،‬وملذاتا الفانية ‪،‬‬
‫والوجاهة الغي دينية ‪.‬‬
‫فنسأل ال أن يقيض للمسلمي من يقودهم إل عزهم ومدهم ‪ ،‬من ل يريدون الياة الدنيا‬
‫وزخرفها ‪ ،‬من باعوا الياة الفانية ‪ ،‬من يريدون وجه ال والدار الخرة ‪ ،‬من يسعون لتطهي‬
‫‪230‬‬

‫الرض من رجس الوثنية ‪ ،‬وبراثن الشركية والشتراكية ‪ ،‬وترير مقدسات السلمي ‪ ،‬وتطهي‬
‫أراضيهم ‪ ،‬وإعادة متلكاتم الغتصبة ‪ ،‬حت يعود المن والمان ‪ ،‬ولكن مت يكون ذلك ‪ ،‬أقول‬
‫كما قال ال تعال ‪ " :‬قل عسى أن يكون قريبا " [ السراء ‪ ، ] 51‬وكما قال تعال ‪ " :‬أل‬
‫إن نصر ال قريب " [ البقرة ‪. ] 214‬‬
‫الاتة ‪:‬‬
‫وبذا نكون قد انتهينا من أشراط الساعة الصغرى ‪ ،‬وبقي بعد ذلك ‪ ،‬أشراط الساعة الكبى ‪،‬‬
‫والت سيكون لا بث مستقل بإذن ال تعال ‪ ،‬ول شك أن الؤمن ل تر عليه هذه العلمات‬
‫هكذا دون أن يكون قد انتفع منها بشيء ‪ ،‬وأعظم ذلك زيادة اليان ‪ ،‬والوف من ال تعال ‪،‬‬
‫وأن يأخذ منها العب ‪ ،‬ويستقصي العظات ‪ ،‬فيكون مجاما عن الشر والسوء ‪ ،‬مقداما لفعل‬
‫الطاعات واليات ‪ ،‬ويرص كل الرص على التزود من هذه الدنيا بالعمل الصال الذي يقربه‬
‫من ربه زلفى ‪ ،‬والذي يرفع من درجاته ‪ ،‬ويكثر من حسناته ‪ ،‬ويط من سيئاته ‪.‬‬
‫وبعد فتلك جلة من أشراط الساعة جعتها وشرحت ما تيسر ل من شرح عليها ‪ ،‬واقتبست ما‬
‫وقع تت يدي من مؤلفات تص الوضوع ‪ ،‬وهاأنذا أقدمها حديقة يانعة ‪ ،‬ليقتطف من زهورها‬
‫المام والطيب والداعية والحاضر والواعظ والعلم والطالب ‪ ،‬ليقدمها ف الجتمع الذي يكون‬
‫متحدثا فيه ‪ ،‬ويصيغها ف قالب يفيد الستمع ‪ ،‬مع اعتبار الوقت والزمن ‪ ،‬فما كان من صواب‬
‫وإصابة ف الوضوع فهو من فضل ال علي وعلى الناس ولكن أكثرهم ل يعلمون ‪ ،‬وما كان‬
‫من خطأ وزلل فأستغفر ال منه ‪ ،‬وأعوذ بال أن أقول عليه أو على رسوله ما ل علم ل به ‪،‬‬
‫كما أسأله جل شأنه أن يعل هذا العمل خالصا لوجهه عز وجل ‪ ،‬وأن ينفع به جيع السلمي ‪،‬‬
‫وأن يعله ف موازين السنات ‪ ،‬وأن يرفع به الدرجات ‪ ،‬إنه سيع قريب ميب الدعوات ‪،‬‬
‫ونسأل ال العظيم رب العرش الكري ‪ ،‬أن ين علينا بالعلم النافع والعمل الصال ‪ ،‬اللهم علمنا‬
‫ما ينفعنا وزدنا علما ‪ ،‬اللهم أحسن عاقبتنا ف المور كلها ‪ ،‬وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب‬
‫الخرة ‪ ،‬اللهم اجعل آخر أعمالنا خواتها ‪ ،‬وآخر أيامنا أواخرها ‪ ،‬اللهم ل تعل الدنيا أكب‬
‫هنا ‪ ،‬ول مبلغ علمنا ‪ ،‬ول إل النار مصينا ‪ ،‬واجعل النة هي دارنا وقرارنا ‪ ،‬ونبنا برحتك‬
‫من النار يا عزيز ياغفار ‪ ،‬اللهم آمنا ف أوطاننا ‪ ،‬وأصلح أئمتنا وولة أمورنا ‪ ،‬واجعل وليتنا‬
‫فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك ‪ ،‬برحتك يا أرحم الراحي ‪ ،‬ربنا آتنا ف الدنيا حسنة ‪ ،‬وف‬
‫‪231‬‬

‫الخرة حسنة ‪ ،‬وقنا عذاب النار ‪ ،‬سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلم على الرسلي ‪،‬‬
‫والمد ل رب العالي ‪.‬‬
‫كتبه‬
‫يي بن موسى الزهران‬
‫إمام الامع الكبي بتبوك‬
‫غفر ال له ولوالديه ولميع السلمي بنه وكرمه‬

‫‪232‬‬