‫مقامـات القرني‬

‫مـقامـات‬
‫القرني‬
‫الهــداء‬
‫‪-9-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫إل رحابك دبّنا رسائلنا‬
‫تكاد تُحرق من أشواقنا لبا‬
‫يا قارئ الرف أهديناك‬
‫وقبلها قد بعثنا الدمع منسكبا‬
‫شوقا إليك فهل ترضى مبتنا‬
‫مهرا وإل بعثنا القلب والدَبا‬
‫فغينا بداد الب قد كتبوا‬
‫ومن دمانا كتبنا الشعر والطبا‬

‫‪-10-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫عنــوان الـمؤلـــف‬

‫أنا الجاز أنا ند أنا ين‬

‫أنا النوب با دمعي وأشجان‬
‫وف رب مكة تأريخ ملحمة‬
‫على ثراها بنينا العال الثان‬
‫ف طيبة الصطفى عهدي وموعظت‬
‫هناك ينسج تاريي وعرفان‬
‫بالشام أهلي وبغداد الوى وأنا‬
‫بالرقمتي وبالفسطاط جيان‬
‫النيل مائي ومن عمان تذكرت‬
‫وف الزائر إخوان وتطوان‬
‫والوحي مدرست الكبى وغار حرا‬
‫بدايت وبه قد شع قرآن‬

‫وثيقت كتبت ف اللوح‬

‫آياتاها فاقرؤوا يا قوم عنوان‬

‫فأينما ذكر اسم ال ف بل ٍد‬

‫عددت ذاك المى من صلب أوطان‬

‫العنــوان‬
‫حـي الرحانية – ص ‪ .‬ب ‪ – 379‬الرمز البيدي‬
‫‪11321‬‬

‫تليفـون ‪4195398 :‬‬
‫فاكس ‪4196663 :‬‬
‫جـوال ‪055222000 :‬‬

‫‪-11-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫مـقـدمـــة القـامَــات‬

‫‪ ‬بِاِْسم ِ اللَّهِ َمْجَراهَا وَُمْرَساهَا ‪‬‬
‫ال مد ل ولّ النع مة ‪ ،‬دا فع النق مة ‪ ،‬ما غرّد طائر بنغ مة ‪ ،‬وه بّ صبح بن سمة‪،‬‬
‫وتللت على ثغ ٍر بسمة ‪ ،‬والصلة والسلم على من زيّن ببيانه الكلم ‪ ،‬وأذهل بفصاحته‬
‫النام‪ ،‬وطرق بوعظه اليام ‪ ،‬سللة النجب ‪ ،‬وصفوة العرب‪ ،‬أجلّ من خطب ‪ ،‬صاحب‬
‫ال سب والن سب ‪ ،‬م طم ال صنام والن صب ‪ ،‬وعلى آله وال صحاب ‪ ،‬ما ل ع سراب ‪،‬‬
‫وهع سحاب ‪ ،‬وقرئ كتاب ‪ ،‬وبعد ‪:‬‬
‫فقد أشار عل يّ الشيخ الريب ‪ ،‬والشاعر الديب ‪ ،‬الدكتور ‪ /‬أحد بن علي القرن‬
‫الستاذ بالامعة السلمية بكتابة مقامات ‪ ،‬هي على الفضل علمات ‪ ،‬فقلت له صاحب‬
‫ذلك قدْ مات ‪ ،‬ول يبق إل حاسد وشّات ‪.‬‬
‫فذكر ن بشر يط م صارع العشّاق ‪ ،‬وقال ‪ :‬ك ّل لثله مشتاق ‪ ،‬فإ نه للقلوب ترياق ‪،‬‬
‫وليس لك عذر ولو التفت الساق بالساق ‪ ،‬وأحضر ل من حرصه الدفاتر ‪ ،‬والاطر قبل‬
‫ميئه فا تر ‪ ،‬فأجّلت تفكيي ‪ ،‬وقد اشت عل ف ل يل رأسي صبح نذيري ‪ ،‬و قد سبقن لذا‬
‫المدان والريري ‪ ،‬ولكن على ال العوّل ‪ ،‬وكما قال الول ‪:‬‬
‫التندمـ‬
‫ِ‬
‫لكنتـ شفيـت النفـس قبـل‬
‫ُ‬
‫بكاهــا مكان الفضــل للمتقدّمــِ‬

‫ولو قبـل مبكاهـا بكيـت صـبابة‬
‫ولكـن بكـت قبلي فهيـج ل البكـا‬

‫وقهد قلت ل صاحبنا ل جرم أنهك ا ستسمنت ذا ورم ‪ ،‬وهذه سنة أههل الكرم ‪،‬‬
‫والاطهر شذر مذر ‪ ،‬مهن شجون ل تبقهي ول تذر ‪ ،‬ول أقول بعدت علينها الشقهة ‪،‬‬
‫ول كن ك ما قال أ بو الط يب ‪ :‬لول الش قة ‪ ،‬واعرف أن من الب شر ‪ ،‬كشجرة الع شر ‪،‬‬
‫أعدى من السوس ‪ ،‬وأشأم من البسوس ‪ ،‬يأت على غرة ‪ ،‬ويبحث عن العثرة ‪ ،‬ويقص‬
‫لرّة ‪ ،‬ولو اعتذرت لنا عنده سبعي مرة ‪.‬‬
‫اُ‬

‫‪-12-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فأقول للمادحي ‪ ،‬كونوا ناصحي ‪ ،‬وكما قيل فعي الرضا ‪ ،‬والحب يشي على‬
‫جره الغضها ‪ ،‬وأقول للقادحيه ‪ ،‬كونوا مازحيه ‪ ،‬وتذكروا ‪ :‬وإذا أتتهك مذمته ‪،‬‬
‫واجعلوا ال طأ ف ذم ت ‪ ،‬ف قد شا بت ل ت ‪ ،‬فإن ع ثر جواد بيا ن ‪ ،‬وتلع ثم ل سان ‪،‬‬
‫فالع يب من زما ن ‪ ،‬ف ما أدر كت ح سّان ‪ ،‬و ما صاحبت سحبان ‪ ،‬و ما دخلت على‬
‫النعمان ‪ ،‬وما لقيت صُنّاع اللفاظ ‪ ،‬ف سوق عكاظ ‪ .‬ولكنن مع أقوام ‪ ،‬على الدب‬
‫أيتام ‪ ،‬كلما ل ع فيهم متكلم وظهر ‪ ،‬وقال إن ال مبتلي كم من البيان بن هر ‪ ،‬قالوا إن ا‬
‫يعلمه بشر ‪ ،‬ولول سواه ما اشتهر ‪ ،‬فيقول الال ‪ :‬لكل عي قذى ‪ ،‬ولن يضروكم إل‬
‫جدّوا ك ما جَدّوا ‪ ،‬أو سُدوا الكان الذي سَدوا ‪ .‬ف كم نال ال ساد صاحب‬
‫أذى ‪ ،‬ف ِ‬
‫الدب ‪ ،‬وأ نه ل يس له ف البل غة ن سب ‪ ،‬و ما له ف الف صاحة ح سب ‪ ،‬وجاءوا على‬
‫قميصه بدم كذب ‪.‬‬
‫وكم انبعث من أهل البلدة أشقاها ‪ ،‬فصاح بم رسول البيان ناقة ال وسقياها ‪.‬‬
‫وعسى عصا موسى البيان ‪ ،‬تكسر رأس فرعون الطغيان ‪.‬‬
‫وإذا ألقى قميص يوسف اللحة ‪ ،‬على بصر يعقوب الفصاحة ‪ ،‬نادى لسان حال‬
‫التكلمي ‪ :‬ادخلوا مصر البداع آمني ‪ .‬وقد طاولت بذه القامات قامات ‪ ،‬ولمست‬
‫با هامات ‪ ،‬وكلما قابلن هامّات وطامّات ‪ ،‬قلت ‪ :‬أعوذ بكلمات ال التامّات ‪.‬‬
‫و سوف يقرؤ ها صاحب ورع بارد ‪ ،‬وذ هن جا مد فيتأ فف ‪ ،‬ويتأ سف ‪ ،‬ويقول‬
‫الر جل تكلّف وتع سّف ‪ ،‬فأقول ‪ :‬ماذا بع شك يا حا مة فادر جي ‪ ،‬ف قد جعلت القلم‬
‫والل سان أو سي وخزر جي ‪ ،‬وعل مت أ نه مع كل با ٍن هادم ‪ ،‬و من را قب الناس ف هو‬
‫النادم ‪ ،‬وقد عاب الخلوق الالق فقال تعال ‪ ( :‬يسبن ابن آدم ) ‪.‬‬
‫وإذا أراد ال لعمل بشر أن ينتشر ‪ ،‬قيض ال له أهل خي وشر ‪ ،‬فصاحب الي‬
‫له نصي ‪ ،‬وظهي ‪ ،‬وخفي ‪ ،‬ووزير ‪.‬‬
‫وصاحب الشر سبّاب عيّاب ‪ ،‬له من السد ناب ‪ ،‬وله من العداوة ملب ‪.‬‬

‫‪-13-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وانظر إل العصوم ‪ ،‬كيف ابتلي بالصوم ‪ ،‬شق ال له القمر ‪ ،‬فقالوا هذا سحر‬
‫مستمر ‪ ،‬ولا جع قريشا وخطبها ‪ ،‬قالوا أساطي الولي اكتتبها ‪.‬‬
‫وأسهأل ال أن يعهل هذه القامات ‪ ،‬بكهل فضهل ملمّات ‪ ،‬وأن يعلهها بالسهن‬
‫رائ عة ‪ ،‬وبالف ضل ذائ عة ‪ ،‬وبالب شائ عة ‪ ،‬وبال نس مات عة ‪ ،‬وبالنور ساطعة ‪ ،‬وبالمال‬
‫لمعة ‪ ،‬ولكل خي جامعة ‪ ،‬وعن كل سوء مانعة ‪ ،‬وللجدل قاطعة ‪.‬‬
‫ملة بالفوائد ‪ ،‬مزينهة بالقلئد ‪ ،‬متوّجهة بالفرائد ‪ ،‬مزدانهة بالشوارد ‪ ،‬كالاء‬
‫الزلل ل كل صادر ووارد ‪ ،‬تضمر ها العقائد ‪ ،‬وتنشر ها الق صائد ‪ ،‬و صلى ال و سلم‬
‫على صهفوة الواضهر والبوادي ‪ ،‬الذي تشرفهت بذكره النوادي ‪ ،‬فههو الادي ‪ ،‬وإل‬
‫كل فضل منادي ‪ ،‬وعلى آله البرة ‪ ،‬والربعة الية ‪ ،‬وبقية العشرة ‪ ،‬وأهل الشجرة‬
‫‪.‬‬

‫‪-14-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــات‬
‫بين يــدي المقـا َ‬
‫‪ ‬قَا َ‬
‫با ْ‬
‫صدْرِي‬
‫شَر ْ‬
‫ل َر ِّ‬
‫ح لِي َ‬

‫(‪)25‬‬

‫وَيَِّسْر لِي أَْمرِي ‪‬‬

‫إلي ‪ :‬أسألك بالسم العظم ‪ ،‬والوصف الكرم ‪ ،‬أن تني ل الطريق الظلم ‪.‬‬
‫أسألك نعمة تدفع با نقمة ‪ ،‬وعلما تؤيده رحة ‪ ،‬وموهبة تقيدها حكمة ‪ ،‬وأملً يدفع‬
‫اليأس ‪ ،‬ورعاية ترد البأس ‪ ،‬اللهم ارحم العَبْرة ‪ ،‬وأق ِل العثرة ‪ ،‬وأزل السرة ‪ ،‬واكشف‬
‫عنا حجب الضللة ‪ ،‬وسحب الهالة ‪ ،‬حت نبصر آيات عظمتك بعيون اليقي ‪ ،‬ونقرأ‬
‫أسطر صنعك ببصائر الوحدين ‪ ،‬اللهم أيدنا بعز سلطانك ‪ ،‬وأكرمنا بفهم برهانك ‪ ،‬أعوذ‬
‫بك من زلّة ‪ ،‬توجب ذِلّة ‪ ،‬وعثرة قدم ‪ ،‬توجب الندم ‪ ،‬ونسألك إخلص النية ‪ ،‬وكرم‬
‫الطوية ‪ ،‬وندعوك بلسان الضطرار ‪ ،‬أن تفتح لكمتك منا الساع والبصار ‪ ،‬وأن تني‬
‫بوحيك مظلم الفكار ‪ ،‬وما اسود من السرار ‪.‬‬
‫وبعـد ‪ :‬فقد سبقن إل هذا الفن أعلم ‪ ،‬لم ف الكمة أقدام ‪ ،‬وف حومة البيان‬
‫أعلم ‪ ،‬وف طروس الفصاحة أقلم ‪ .‬فمنهم من خص بقاماته الدب ‪ ،‬وثانٍ ف ذكر من‬
‫ذهب ‪ ،‬وثالثٌ ف الب ‪ ،‬ورابعٌ ف الطب ‪.‬‬
‫أما أنا فأطلقت للقلم زمامه ‪ ،‬وسَرّحت خطامه ‪ ،‬وأزحت لثامه ‪ ،‬ليكتب ف فنون ‪،‬‬
‫ويسيل ف شجون ‪ ،‬ذاكرا من سلف ومن خلف ‪ ،‬آخذا من كل حكمة بطرف ‪ ،‬وربا‬
‫لحت ف القال ‪ ،‬بعض اليال ‪ ،‬فل تُبدِ لنا قسوة ‪ ،‬فلي ف ذلك أسوة ‪ ،‬فإن المم‬
‫استنطقت المادات ‪ ،‬واستفهمت العجماوات ‪ ،‬وقوّلت الكلمَ اليوانات ‪ ،‬وكلّمت‬
‫الطلل ‪ ،‬ونسبت الديث إل الشجر والتلل ‪ ،‬تعريضا وتلميحا‪ ،‬ونسبة وتصريا ‪.‬‬
‫وللعجم من ذلك ما يبهر ‪ ،‬ككتب بزجر جهر ‪ ،‬وللروم ف ذلك تآليف ‪ ،‬وللهنود‬
‫ف هذا الفن تصانيف ‪ ،‬ورأيت كتب اليونان ‪ ،‬وصاحب اليوان ‪ ،‬والانوية من أسلف‬
‫اليابان ‪ ،‬كلها تنسب القول للحيوان ‪ ،‬وتضيف وتنقل الطاب بغي النسان ‪ُ ،‬حبّا‬
‫للسلمة ‪ ،‬وخوفا من الندامة ‪.‬‬

‫‪-15-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ث جاء العرب ‪ ،‬روّاد الدب ‪ ،‬فأطربونا بكلم المام ‪ ،‬ف الب والغرام ‪ ،‬ونقلوا‬
‫ف المال ‪ ،‬عتاب الطلل البال ‪ ،‬وأتفونا بِوار الطيار ‪ ،‬وإظهار أسرار الديار ‪ ،‬حت‬
‫أسندوا الخبار للشجار ‪.‬‬
‫فيا صاحب الدراية ‪ ،‬إن رأيت ف هذه القامات رواية ‪ ،‬فقد قصدت النفع ‪ ،‬ومن‬
‫استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ‪ ،‬وقد أحلتك على ما سلف ‪ ،‬ومن أحيل على مليء‬
‫فليحتل‪.‬‬
‫وقد جانبت ف هذه القامات التجريح ‪ ،‬سواءً بالتلميح أو بالتصريح ‪ ،‬ودبتها‬
‫بالثناء والديح ‪ ،‬لن القول اللي ‪ ،‬واللق الي ‪ ،‬يلب الود ‪ ،‬ويزيل الصد ‪ ،‬وكسر‬
‫القلوب غلط ‪ ،‬وجرح الخاطَب شطط ‪ ،‬فهنا ملينة ل مداهنة ‪ ،‬وليس الب كالعاينة ‪،‬‬
‫ومداراة ل ماراة ‪ ،‬ول ف هذه القامات رسائل ‪ ،‬ومن العلم مسائل ‪.‬‬
‫وفيها عب وسي ‪ ،‬وأشعار وأخبار ‪ ،‬وشجون وفنون ‪ ،‬وفكاهات وملطفات ‪،‬‬
‫ومشجيات ومبكيات ‪ ،‬ومفوظات وعظات ‪ ،‬فل تكم بقامة على كل القامات ‪ ،‬بل‬
‫طالع الميع ليكون حكمك موات ‪ ،‬فإن الروض ألوان ‪ ،‬والشجر صنوان وغي صنوان ‪،‬‬
‫والتنويع مدعاة لثارة الذهن البارد ‪ ،‬ولن نصب على طعام واحد ‪.‬‬
‫و قد جان بت في ها ال مز ‪ ،‬والغ مز والل مز ‪ ،‬فل م صلحة ل نا ف التعرض للشخاص‬
‫والجناس ‪ ،‬أو تتبع عثرات الناس ‪ ،‬بل نن أحوج إل جب القلوب ‪ ،‬ودفن العيوب ‪ ،‬لن‬
‫مرد الكل إل علم الغيوب ‪ .‬ومن وجد نقصا فليعف عنا ‪ ،‬ومن غشنا فليس منا ‪.‬‬

‫خذها من القلب لو أن الدجى‬

‫ثيابــــه بســــناها الشرق الغال‬

‫لصــار نورا كأن الشمــس طلعتــه‬
‫والبدر َومْضتــه فــ حُســْن إجلل‬

‫‪-16-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وقد قرأت هذه القامات على علماء وأدباء ‪ ،‬وشعراء وفضلء ‪ ،‬طلبا للستفادة ‪،‬‬
‫وحرصا على الزيادة ‪ ،‬وقد استفدت من كل جع ضم ملسنا ‪ ،‬وشاورت كل صاحبٍ‬
‫كان يؤنسنا ‪ ،‬لن مشاورة الخيار ‪ ،‬تلقيح للفكار ‪ ،‬وف يوم الثلثاء ‪21/5/1420‬هـ‬

‫اجتمعنا بشيخنا العلمة الفطي ‪ ،‬صاحب الدر الثمي ‪ ،‬ممد الصال بن عثيمي ‪ ،‬وكان‬
‫اللقاء ف الرياض ‪ ،‬والنس قد فاض ‪ ،‬فقرأت عليه مقدمة القامات ‪ ،‬فاستحسن ما أوردته‬
‫من كلمات ‪ ،‬ث قرأت عليه القامة النحوية ‪ ،‬وبا لطائف نديّة ‪ ،‬فأضاف بعض‬
‫الضافات ‪ ،‬وأتفنا ببيت من الحفوظات ‪ .‬نقلته ف تلك القامة ‪ ،‬من ذلك العلمة ‪.‬‬
‫وعسى رب أن ينفعن با كتبت ‪ ،‬وأن يقق ل ما أمّلت ‪ ،‬من الفوز برضوانه ‪ ،‬وسكن‬
‫جنانه ‪ ،‬فقد اتصف بالعفو وكتبه ‪ ،‬ورحته سبقت غضبه ‪:‬‬
‫ولو سـُفكت منـا الدماء ببكـم‬

‫لطِرنـا مـع الشواق مـن لذة القتـل‬

‫أنـشـــأهــا ‪:‬‬
‫عـائـض بـن عبد اللـه القرنـــي‬
‫‪.‬‬
‫َ‬
‫ة الت ّوحيد‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬

‫‪-17-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة التــَوحيــد‬
‫مـــ ُ‬
‫مقـا َ‬
‫َ َ‬
‫‪ ‬فَاع ْل َ َ‬
‫ه‪‬‬
‫ْ‬
‫م أن َّ ُ‬
‫ه ل َ إِل َ َ‬
‫ه إِل ّ الل ّ ُ‬

‫فيها عجبا كيهف يعصهى الله‬

‫أم كيههف يحده الاحههد‬

‫هة‬
‫هء له آيه‬
‫هل شيه‬
‫وف ه كه‬

‫تدل على أنهههه واحهههد‬

‫التوحيد ‪ ،‬هو حق ال على العبيد ‪ ،‬وهو أول ما دعا إليه الرسل ‪ ،‬وبه كل كتاب‬

‫نزل ‪ ،‬وهـو أصـل الصـول ‪ ،‬والطريـق للوصـول ‪ ،‬وبـه عرف العبود ‪ ،‬وعمـر الوجود ‪،‬‬
‫ولجله أعدت ال نة والنار ‪ ،‬و سل ال سيف البتار ‪ ،‬وقو تل الكفار ‪ ،‬ولقام ته ف الرض‬
‫د عت ال نبياء ‪ ،‬وعل مت العلماء ‪ ،‬وق تل الشهداء ‪ ،‬و هو أول مطلوب ‪ ،‬وأع ظم مبوب ‪،‬‬
‫وهـو أشرف القاصـد ‪ ،‬وأعذب الوارد ‪ ،‬وأجـل العمال ‪ ،‬وأحسـن القوال ‪ ،‬وهـو أول‬
‫البواب ‪ ،‬وبدا ية الكتاب ‪ ،‬وأع ظم القضا يا ‪ ،‬وأ هم الو صايا ‪ ،‬وخ ي زاد ‪ ،‬يمله العباد ‪،‬‬
‫ليوم التناد ‪ ،‬وهـو قرة عيون الوحديـن ‪ ،‬وبجـة صـدور العابديـن ‪ ،‬وهـو غايـة المال ‪،‬‬
‫وأن بل ال صال ‪ ،‬بل هو أع ظم الكفارات ‪ ،‬وأر فع الدرجات ‪ ،‬وأ كب ال سنات ‪ ،‬و هو‬
‫منشور الوليـة ‪ ،‬وتاج الرعايـة ‪ ،‬والبدايـة والنهايـة ‪ ،‬وهـو الكسـي الذي إذا وضـع على‬
‫جبال الطايا أصبحت تذوب ‪ ،‬وصارت حسنات بعد أن كانت من الذنوب ‪.‬‬
‫وعلى هذا حديث (( يا ا بن آدم لو أتيت ن بقراب الرض خطايا ث جئت ن ل تشرك‬
‫ب شيئا لتيتك بقرابا مغفرة )) ‪.‬‬
‫و هو الذي هز ف طر فة ع ي قلوب ال سحرة ‪ .‬فقالوا بعزم ماض ‪ :‬ا قض ما أ نت‬
‫قاض ‪ ،‬والرأة ال ت سقت الكلب ‪ ،‬فغ فر ل ا الذ نب ‪ ،‬كان مع ها توح يد الرب ‪ ،‬والر جل‬
‫الذي قتل مائة رجل ‪ ،‬وذهب إل القرية على عجل ‪ ،‬فأدركه الجل ‪ ،‬غفر له بالتوحيد‬
‫الثق يل ‪،‬‬
‫عز و جل ‪ .‬والتوح يد كن ـز جل يل ‪ ،‬ف قلب الل يل ‪ ،‬فقال ل ا شا هد الكرب‬
‫ة التَّوحيد‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬
‫حسبنا ال ونعم الوكيل ‪.‬‬
‫ول ا قال ال صدّيق ف الغار ‪ ،‬ل سيد البرار ‪ ،‬لو ن ظر أحده ا لرآ نا ول سمعنا ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ح َزنْ ِإنّ اللّ َه َمعَنَا‬
‫َل تَ ْ‬

‫‪ ،‬إنا قال ذلك بلسان الوحد ‪ ،‬وقد سدد بتوفيق ال وأيد ‪.‬‬
‫‪-18-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫و ما فلق ال الب حر للكل يم ‪ ،‬إل ل نه صاحب توح يد عظ يم ‪ ،‬ون ج كر ي ‪ ،‬ولو‬
‫وض عت ال سموات والرض ف كفة اليزان ‪ ،‬ول إله إل ال ف كفة لكان ل ا الرجحان ‪،‬‬
‫ولو كانت ف حلقة حديد لفصمتها ‪ ،‬وف صخرة لفجّرتا ‪ ،‬ول إله إل ال مفتاح النان ‪،‬‬
‫وله أ سنان ‪ ،‬من الواجبات والركان ‪ ،‬و صاحبها ل يلد ف النار ‪ ،‬ول يل حق بالكفار ‪،‬‬
‫وقـد قالوا لحـد العلماء وقـد سـجن ‪ ،‬وفـ سـبيل هذه الكلمـة ذاق الحـن ‪ ،‬قـل كلمـة‬
‫التوح يد‪ ،‬قال من أجل ها وض عت ف الد يد ‪ ،‬وقالوا ل حد الولياء و قد ر فع على خش بة‬
‫الوت ‪ ،‬وقرب منه الفوت ‪ ،‬قل ل إله إل ال ول تغفل ‪ ،‬قال ‪ :‬من أجلها أقتل ‪.‬‬
‫ل يقول ل إله إل ال ومد با صوته فبكى وقال ‪:‬‬
‫وسع أحد الصالي رج ً‬
‫وإنهههه لتعرونهههه لذكرك هزة‬
‫كمهها انتفههض العصههور بلله القطرُ‬

‫وسع أحد العلماء رجلً يقول ‪ :‬ل إله إل ال ‪ ،‬قال ‪ :‬صدقت وبالق نطقت ‪.‬‬
‫فيـا أيهـا العباد خذوا مـن التوحيـد قطرة ‪ ،‬وضعوه على الفطرة ‪ ،‬وولّوا وجوهكـم‬
‫شطره ‪ .‬ويا من أثقله الم ‪ ،‬وأحاط به الغم ‪ ،‬وهزه الل الم ‪ ،‬قل ل إله إل ال ‪.‬‬
‫ويا من أثقلته الديون ‪ ،‬أو غيبته الشجون ‪ ،‬وبات وهو مزون ‪ ،‬قل ل إله إل ال ‪.‬‬
‫ويا من اشتد به الكرب ‪ ،‬وعله الطب ‪ ،‬اذكر الرب ‪ ،‬وقل ل إله إل ال ‪.‬‬
‫ههي أجله الكلمات قلهها كلمها‬

‫ضههج الفؤاد وضاقههت الزمان‬

‫اقرأها بع ي الروح ‪ ،‬ق بل أن تقرأها بعينك ف اللوح ‪ ،‬واكتبها ف سويداء قلبك ‪،‬‬
‫لتحملها إل ربك ‪ ،‬وتتخلص من ذنبك ‪.‬‬
‫ول ا ق يل لفرعون ‪ ،‬قل ل إله إل ال ‪ ،‬تلع ثم المار وتع ثر ‪ ،‬فدس أن فه ف الط ي‬
‫وتدثـر ‪ .‬وقيـل لبـ لبـ قـل ل إله إل ال ‪ ،‬قال السـيس ‪ ،‬أبـ علي الليـس ‪ ،‬والخ‬
‫الرئيس ‪ ،‬إبليس ‪ .‬تقيأ شاعر البعث الخذول ‪ ،‬ليقول ‪:‬‬
‫آمنهت بالبعهث ربا ل شريهك له‬

‫ها له ثان ه‬
‫هة دينا مه‬
‫وبالعروبه‬

‫قلنا يا شاعر البعث ‪ ،‬وعزة رب ليخزينك يوم البعث ‪ .‬يا شاعر المر والشيشة ‪،‬‬
‫قد أرغم أنفك أبو ريشة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫‪-19-‬‬

‫ة التَّوحيد‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫أمتهه كههم صههنم مدتههه‬

‫ل يكههن يمههل طهههر الصههنمِ‬

‫من يأخذ تعاليمه من باريس ‪ ،‬حشر مع شيخه إبليس ‪.‬‬
‫يا مسكي ‪ ،‬تتعلم حروف الجاء من بكي ‪ ،‬وتجر رسالة نزل با الروح المي ‪،‬‬
‫على سيد الرسلي ‪ ،‬من رب العالي ‪.‬‬
‫يرضع الوليد حليب التوحيد ‪ ،‬حت يأتيه الليب الصناعي من مدريد ‪ ،‬ليتد الريد ‪.‬‬
‫صوت التوحيد يرتفع على كل صوت ‪ ،‬وقوته خي من كل قوت ‪ ،‬لصه أبو بكر‬
‫فقال ‪ :‬من كان يعبد ممدا فإن ممدا قد مات ‪ ،‬ومن كان يعبد ال فإن ال حي ل يوت‬
‫لول أن كلمة أحد ‪ ،‬ف قلب بلل مثل جبل أحد ‪ ،‬ما صمد ‪.‬‬
‫التوحيد له كتاب ‪ ،‬وله قلم جذّاب ‪ ،‬ومداد جيل ‪ ،‬وكاتب جليل ‪ ،‬فكتابه الكون‬
‫وما فيه ‪ ،‬وقلمه قلبك النبيه ‪ ،‬ومداده دمعك الترقرق ‪ ،‬والكاتب إيانك التدفق ‪.‬‬
‫التوح يد له ر سالة أبد ية ‪ ،‬ودعوة سرمدية ‪ ،‬ول صحابه إل م ستقرهم م ر ‪ ،‬وب عد‬
‫مرورهم مستقر ‪ .‬فرسالة التوحيد إفراد الباري باللوهيه ‪ ،‬والربوبيه ‪ ،‬ودعوته اتباع سيد‬
‫البشريه ‪ ،‬ورسول النسانيه ‪ .‬ومر أصحابه الصراط الستقيم ‪ ،‬ومستقرهم جنات النعيم ‪.‬‬
‫للتوحيد منب ‪ ،‬ومب ومظهر ‪ ،‬ومسك وعنب ‪.‬‬
‫فمنهبه القلب ‪ ،‬إذا أخلص للرب ‪ ،‬ومبهه النيات الصـالات ‪ ،‬ومظهره عمـل‬
‫بالركان ‪ ،‬وخدمة للديان ‪ ،‬ومسكه الدعاء والذكار ‪ ،‬وعنبه التوبة والستغفار ‪.‬‬
‫للتوحيد عي وبستان ‪ ،‬وحرس وسلطان ‪ ،‬وسيف وميدان ‪.‬‬
‫فعي نه الن صوص الواض حه ‪ ،‬وب ستانه العمال ال صاله ‪ ،‬وحر سه الوف والرجاء ‪،‬‬
‫وسلطانه واعظ ال ف القلب صباح مساء ‪ ،‬وسيفه الهاد ‪ ،‬وميدانه حركات العباد ‪.‬‬
‫وللتوحيد قضاة وشهود ‪ ،‬وأعلم وجنود ‪ ،‬وحدود وقيود ‪.‬‬

‫ة التَّوحيد‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬

‫فقضاته الرسل الكرام ‪ ،‬وشهوده العلماء العلم ‪ ،‬وأعلمه شعائر الدين ‪ ،‬وجنوده‬
‫فيلق من الوحد ين ‪ ،‬وحدوده ما جاء به ال ب ‪ ،‬و صح به ال ثر ‪ ،‬وقيوده ما ورد من‬
‫شروط ‪ ،‬للتوحيد الضبوط ‪.‬‬

‫‪-20-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫من دعائم التوحيد ‪ ،‬عدم صرف شيء من العبادة لغي العبود ‪ ،‬وتري تقدي شيء‬
‫من لوازم اللوه ية لغ ي ال م ا ف الوجود ‪ ،‬وركيز ته إخلص ل يس ف يه رياء ‪ ،‬وعلم ته‬
‫إخبات ليس معه ادعاء ‪.‬‬
‫فل تُع بد النجوم ول كن يُع بد مُركب ها ‪ ،‬ول تع بد الكوا كب بل يع بد مكوكب ها ‪،‬‬
‫ول يُؤلّه ح جر ‪ ،‬ول ب شر ‪ ،‬ول ش جر ‪ ،‬ول مدر ‪ ،‬بل يؤلّه من ف جر من ال جر الاء ‪،‬‬
‫وأوجد الحياء ‪ ،‬وخلق الشجر كأنا أصابع الولياء ‪ ،‬فسبحان رب الرض والسماء ‪.‬‬
‫الوحي هز أبا جهل هزّا ‪ ،‬لنه يتهزّى ‪ ،‬وسجد للّت والعزّا ‪ .‬قاتل ال هبل ‪ ،‬ومن‬
‫ي ع مل ‪ ،‬يا من خاف على نف سه من الر يق ‪ ،‬والدمار‬
‫طاف حوله ور مل ‪ ،‬أو نذر له أ ّ‬
‫والتمزيق ‪ ،‬احذر من الشرك َومَ ْن يُشْرِ ْك بِاللّ هِ َفكََأنّمَا خَ ّر مِ ْن ال سّمَاءِ َفتَخْ َطفُ هُ ال ّطيْرُ َأوْ‬
‫َت ْهوِي بِ هِ الرّي حُ فِي َمكَا نٍ سَحِيقٍ إذا أخل صت التوح يد جاءك الن صر ‪ ،‬واد خر لك‬
‫الجر ‪ ،‬وما عنك الوزر ‪.‬‬
‫سع أحد العباد قارئا يتلوا فَاعَْلمْ َأنّهُ لَ إِلَهَ إِلّ اللّهُ ‪ ،‬فقال أواه ‪ ،‬وارتفع بكاه ‪،‬‬
‫وكان أحد اللوك الصالي ‪ ،‬يسمع أحد القراء يقرأ بتلحي َشهِدَ اللّ هُ َأنّ هُ ل إِلَ هَ إِل ُهوَ‬
‫حكِي مُ فجلس يبكي ويقول‬
‫وَالْمَلئِ َك ُة َوُأوْلُوا الْعِ ْل مِ قَائِمًا بِاْلقِ سْطِ ل إِلَ هَ إِل ُهوَ اْلعَزِي ُز الْ َ‬
‫وأنا أشهد مع الشاهدين ‪.‬‬
‫قال أبو معاذ الرازي ‪ ،‬لو تكلمت الحجار ‪ ،‬ونطقت الشجار ‪ ،‬وخطبت الطيار‪،‬‬
‫لقالت ل إله إل ال اللك القهار ‪ .‬ول ا قال فرعون اللع ي ‪َ :‬فمَ نْ َرّبكُمَا يَا مُو سَى‬
‫قال ‪َ :‬ربّنَا الّذِي َأعْطَى كُ ّل َشيْءٍ خَ ْلقَ هُ ثُمّ هَدَى ‪ ،‬فكأن ا لك مه بالواب ‪ ،‬ولط مه‬
‫بالطاب ‪ .‬ول ا قال إمام التوح يد للنمرود العن يد فَإِنّ اللّ َه َيأْتِي بِالشّمْ سِ مِ ْن الْمَشْرِ قِ‬
‫ت بِهَا مِ ْن الْ َمغْرِ بِ ‪ ،‬ب ت وكُذّب ‪ ،‬وخ سر وعُذّب ‪ ،‬وهذا لظهور آيات التوح يد‬
‫َفأْ ِ‬
‫وقوة سلطانه ‪ ،‬وعزة أهله وأعوانه ‪ ،‬وقد أمهر يي بن زكريا التوحيد رأسه ‪ ،‬وقدم حزة‬
‫ل ا غمره من نور التوح يد رأ سه ‪ ،‬ول ا ذا قه جع فر ‪ ،‬تق طع وبالر مل تع فر ‪ ،‬وذ بح اللفاء‬
‫على بسـاطه ‪ ،‬وضرب الئمـة على التوحيـد بأيدي الظلم وسـياطه ‪ ،‬ونرـ الشهداء على‬
‫فراش التوحيد وبلطه ‪ ،‬وكم من موحد وضع ف الزنزانة ‪ ،‬لا أعلن إيانه ‪.‬‬

‫‪-21-‬‬

‫ة التَّوحيد‬
‫م ُ‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ول ا ن طق حبيب بن ز يد ‪ ،‬بكل مة التوح يد ‪ ،‬ع ند م سيلمة الكذاب العن يد ‪ .‬قطّ عه‬
‫بال سيف ف ما أَ نْ ‪ ،‬ول قال له تأن ‪ ،‬بل اشتاق إل ال نة و حن ‪ ،‬ول ا ذهبوا بع بد ال بن‬
‫حذافة إل القدور ‪ ،‬والثث فيها تدور ‪ ،‬والتوحيد ف قلبه يور ‪ ،‬بكى وقال ‪ :‬يا ليت ل‬
‫بعدد شعر رأسي أرواح ‪ ،‬لتذوق القتل ف سبيل ال والراح ‪.‬‬
‫وضرب طلحة يوم أحد بالسيوف والرماح ‪ ،‬فما شكى ول صاح ‪ ،‬حت سال بالدم‬
‫جبينه ‪ ،‬وشُلت يي نه ‪ ،‬ويب قى دي نه ‪ ،‬لن التوح يد قري نه ‪ .‬وقا تل م صعب قتال ال سود ‪،‬‬
‫حت و سّد اللحود ‪ ،‬لنه وحّد العبود ‪ .‬ولا حضر عبد ال بن جحش معركة أحد ‪ ،‬دعا‬
‫واجتهـد ‪ ،‬بكلم يبقـى إل البـد ‪ ،‬فقال ‪ :‬الل هم هيـئ ل عدوا لك شديـد حرده ‪ ،‬قوي‬
‫بأسه ‪ ،‬فيقتلن فيك فيجدع أنفي ‪ ،‬ويبقر بطن ‪ ،‬ويفقأ عين ‪ ،‬ويقطع أذن ‪ ،‬فإذا لقيتك‬
‫يا رب فقلت ل ‪ :‬يا عبد ال ل فعل بك هذا ؟ قلت ‪ :‬فيك يا رب ‪ .‬فهل سعت نشيدا‬
‫كهذا النشيد ‪ ،‬وهل أطربك قصيدا كهذا القصيد ‪ ،‬لنه من ديوان التوحيد ‪.‬‬
‫و ضع أحدُ الظل مة أحدَ الولياء ‪ ،‬ب ي يدي ال سد ليتر كه أشلء ‪ ،‬شّه ال سد ث‬
‫تركه وذهب ‪ ،‬قيل للول ‪ :‬لاذا تركك ؟ قال ‪ :‬بسبب التوحيد وهو أعظم سبب ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫فماذا كنت تفكر ؟ قال ‪ :‬كنت أفكر ف سؤر السد هل هو طاهر أم نس يطهر ‪.‬‬
‫واعلم أن صدق التوح يد أقام ب عض الولياء ‪ ،‬ف الليلة الظلماء ‪ ،‬ف ذروة الشتاء ‪،‬‬
‫يتوضـأ بالاء ‪ ،‬ويقطـع الليـل بالصـلة والدعاء ‪ ،‬والناجاة والبكاء ‪ ،‬وحرارة التوحيـد‬
‫أيقظت ف الصالي ‪ ،‬ذكر ال كل حي ‪ ،‬فلهم بالتسبيح زجل وحني ‪ ،‬وعزية التوحيد‬
‫دفعت النفقي ‪ ،‬وجعلتهم بأموالم متصدقي ‪ ،‬على الفقراء والساكي ‪.‬‬
‫إذا ناداك نوح التوح يد ‪ ،‬وقال ار كب مع نا أي ها الع بد الرش يد ‪ ،‬فل تفو تك سفينة‬
‫الم يد الج يد ‪ ،‬وَجَ َد إبراه يم بن أد هم ور قة مكتوب في ها ال و قد سقطت ف الطر يق‬
‫فبكى وحلها ‪ ،‬وطهرها وطيبها ‪ ،‬فطهر ال نفسه ‪ ،‬وطيّب اسه ‪ ،‬وقد أوصى صلى ال‬
‫عليه وسلم معاذ بن جبل ‪ ،‬أن يكون أول ما يدعو إليه توحيد ال عز وجل ‪ .‬وكان يبدأ‬
‫بالتوحيد خطبه ‪ ،‬ويط به كتبه ‪ ،‬ويدعو إليه ليلً ونارا ‪ ،‬وسرا وجهارا ‪.‬‬

‫‪-22-‬‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــــة اللـهيـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬إِنَّنِي أَنَا اللَُّه ل إِلََه إِل أَنَا ‪‬‬
‫(( سـبحانك ما عبـدناك حـق عبـادتك ))‬
‫تأمههل فهه نبات الرض وانظههر‬

‫ههك‬
‫ههنع الليه‬
‫هها صه‬
‫إل آثار مه‬

‫على قضههب الزبرجههد شاهدات‬

‫هههك‬
‫هههس له شريه‬
‫بأن ال ليه‬

‫عيون مههن ليهه شاخصههات‬

‫بأحداق هههي الذهههب السههبيك‬

‫ال رحيم لطيف ‪ ،‬ال بيده المر والتصريف ‪ ،‬ال أعرف العارف ل يتاج إل‬
‫تعريف ‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬ول نعبد إل إياه ‪ ،‬ول نرجو سواه ‪ ،‬عظيم السلطان والاه ‪،‬‬
‫أفلح من دعاه ‪ ،‬وسعد من رجاه ‪ ،‬وفاز من توله ‪ ،‬سبحان من خلق وهدى ‪ ،‬ول يلق‬
‫اللق سدى ‪ ،‬عظم سلطانه ‪ ،‬ارتفع ميزانه ‪ ،‬وجل إحسانه ‪ ،‬كثر امتنانه ‪.‬‬
‫إليههك وإل ل تشههد الركائب‬

‫هع‬
‫وفيههك وإل فالغهههرام مضيّه‬

‫ومنههك وإل فالهههؤل خائبههُ‬

‫وعنههك وإل فالحدث كاذبههُ‬

‫علم الغيوب ‪ ،‬غفار الذنوب ‪ ،‬ستار العيوب ‪ ،‬كاشف الكروب ‪ ،‬ميسر الطوب ‪،‬‬
‫مقدر الكتوب ‪ ،‬عظمت بركاته ‪ ،‬حسنت صفاته ‪ ،‬برت آياته ‪ ،‬أعجزت بيناته ‪،‬‬
‫أفحمت معجزاته ‪ ،‬جلت أساؤه ‪ ،‬عمت آلؤه ‪ ،‬امتلت بمده أرضه وساؤه ‪ ،‬كثرت‬
‫نعماؤه ‪ ،‬حسن بلؤه ‪ .‬ما أحسن قيله ‪ ،‬ما أجل تفصيله ‪ ،‬ما أبى تنـزيله ‪ ،‬ما أسرع‬
‫تسهيله ‪ ،‬ليس إل الضوع له وسيلة ‪ ،‬وليس لا يقضيه حيلة ‪.‬‬
‫قد كنت أشفق من دمعي على بصري‬

‫فاليوم كهل عزيهز بعدكهم هانها‬

‫هم‬
‫هي معاهدكه‬
‫ها ذكرت نفسه‬
‫وال مه‬

‫إل رأيههت دموع العيهه هتانهها‬

‫يسقي ويطعم ‪ ،‬يقضي ويكم ‪ ،‬ينسخ ويبم ‪ ،‬يقصم ويفصم ‪ ،‬يهي ويكرم ‪،‬‬
‫يروي ويشبع ‪ ،‬يصل ويقطع ‪ ،‬يعطي وينع ‪ ،‬يفض ويرفع ‪ ،‬يرى ويسمع ‪ ،‬ينصر ويقمع‬
‫‪-23-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫وليّه مأجور ‪ ،‬والسعي إليه مبور ‪ ،‬والعمل له مشكور ‪ ،‬وحزبه منصور ‪ ،‬وعدوه مدحور‬
‫وخصمه مبتور ‪ ،‬يسحق الطغاة ‪ ،‬يحق العصاة ‪ ،‬يدمر العتاة ‪ ،‬يزق من آذاه ‪.‬‬
‫سبحان من لو سجدنا بالباه له‬

‫على لظى المر والحمى من البرِ‬

‫ل نبلغ العشر من مقدار نعمته‬

‫ول العشي ولو عشر من العشرِ‬

‫من انتصر به ما ذل ‪ ،‬ومن اهتدى بداه ما ضل ‪ ،‬ومن اتقاه ما ذل ‪ ،‬ومن طلب‬
‫غناه ما قل ‪ ،‬له الكبياء والبوت عز وجل ‪.‬ت كمالهُ ‪ ،‬حسن جاله ‪ ،‬تقدس جلله ‪،‬‬
‫كرمت أفعاله ‪ ،‬أصابت أقواله ‪ ،‬نصر أوليائَه ‪ ،‬خذل أعدائَه ‪ ،‬قرّب أحبائه ‪ .‬اطلع فستر ‪،‬‬
‫علم فغفر ‪ ،‬حلم بعد أن قدر ‪ ،‬زاد من شكر ‪ ،‬ذكر من ذكر ‪ ،‬قصم من كفر ‪.‬‬
‫يهها رب أول شيههء قاله خلدي‬

‫هد هدى قلبه لطاعتهه‬
‫فوالذي قه‬

‫أنه ذكرتهك فه سهري وإعلنه‬
‫هك أحزان ه‬
‫هي منه‬
‫لُذهب ه بوحه‬

‫لو أن القلم هي الشجر ‪ ،‬والداد هو الطر ‪ ،‬والكتبة هم البشر ‪ ،‬ث أثن عليه‬
‫بالدح من شكر ‪ ،‬لا بلغوا ذرة ما يستحقه جل ف عله وقهر ‪ .‬اعمر جنانك ببه ‪،‬‬
‫أصلح زمانك بقربه ‪ ،‬اشغل لسانك بديه ‪ ،‬احفظ وقتك بتسبيحه ‪ .‬العزيز من حاه ‪،‬‬
‫الحظوظ من اجتباه ‪ ،‬الغن من أغناه ‪ ،‬السعيد من توله ‪ ،‬الحفوظ من رعاه ‪ .‬أرسل‬
‫الرسل أفن الدول ‪ ،‬هدى السبيل ‪ ،‬أبرم اليل ‪ ،‬غفر الزلل ‪ ،‬شفى العلل ‪ ،‬ستر اللل ‪.‬‬
‫هائدا‬
‫ها فه علك قصه‬
‫ها كتبنه‬
‫مهمه‬

‫فلنهت أعظهم مهن مدييه كله‬

‫بالدمههع خطههت أو دم الجفان‬
‫وأجههل ماهه دار فهه السههبان‬

‫ف حبك عذب بلل بن رباح ‪ ،‬وف سبيلك هانت الراح ‪ ،‬لدى عبيدة بن الراح‪،‬‬
‫ومن أجلك عرض مصعب صدره للرماح ‪ .‬ولعلء كلمتك قطعت يدا جعفر ‪ ،‬وتندل‬
‫على التراب وتعفر ‪ ،‬ومزق عكرمة ف حرب بن الصفر ‪ .‬أحبك حنظلة فترك عرسه ‪،‬‬
‫وأهدى رأسه ‪ ،‬وقدّم نفسه ‪ ،‬وأحبك سعد بن معاذ فاستعذب فيك البلء ‪ ،‬وجرت منه‬
‫الدماء ‪ ،‬وشيعته اللئكة الكرماء ‪ ،‬واهتز له العرش من فوق السماء ‪.‬‬
‫وأحبك حزة سيد الشهداء ‪ ،‬فصال ف اليجاء ‪ ،‬ونازل العداء ‪ ،‬ث سلم روحه ثنا‬
‫للجنة هاء وهاء ‪ .‬من أجلك سهرت عيون التهجدين ‪ ،‬وتعبت أقدام العابدين ‪ ،‬واننت‬
‫‪-24-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫ظهور الساجدين ‪ ،‬وحلقت رؤوس الجاج والعتمرين ‪ ،‬وجاعت بطون الصائمي ‪،‬‬
‫وطارت نفوس الجاهدين ‪.‬‬
‫يها ربه حدا ليهس غيك يمهد‬

‫همدُ‬
‫هل اللئق تصه‬
‫هن له كه‬
‫ها مه‬
‫يه‬

‫هدت‬
‫هد أوصه‬
‫هل ملّك قه‬
‫أبواب كه‬

‫ورأيهت بابهك واسهعا ل يوصهدُ‬

‫أقلم العلماء ‪ ،‬تكتب فيه الثناء ‪ ،‬صباح مساء ‪ ،‬الرماح ف ساحة الهاد ‪،‬‬
‫والسيوف الداد ‪ ،‬ترفع اسه على رؤوس الشهاد ‪ ،‬جل عن النداد والضداد ‪.‬‬
‫للمساجد دوي بذكره ‪ ،‬للطيور تغريد بشكره ‪ ،‬وللملئكة نزول بأمره ‪ ،‬حارت‬
‫الفكار ف علو قدره ‪ ،‬وتام قهره ‪.‬‬
‫من أجلك هاجر أبو بكر الصديق وترك عياله ‪ ،‬ولرضاتك أنفق أمواله وأعماله ‪،‬‬
‫وف مبتك قتل الفاروق ومزق ‪ ،‬وف سبيلك دمه تدفق ‪ ،‬ومن خشيتك دمعه ترقرق ‪.‬‬
‫ودفع عثمان أمواله لترضى ‪ ،‬فما ترك مالً ول أرضا ‪ ،‬جعلها عندك قرضا ‪ .‬وقدّم عليّ‬
‫رأسه لرضاتك ف السجد وهو يتهجد ‪ ،‬وف بيتك يتعبد فما تردد ‪.‬‬
‫أرواحنهها يهها رب فوق أكفنهها‬

‫نرجههو ثوابههك مغنمهها وجوارا‬

‫ل نشههه طاغوتا ياربنههها ولو‬

‫نصههب النايهها حولنهها أسههوارا‬

‫كنها نرى الصهنام مهن ذههب‬

‫فنهدمههها وندم فوقههها الكفارا‬

‫تفردت بالبقاء ‪ ،‬وكتبت على غيك الفناء ‪ ،‬لك العزة والكبياء ‪ ،‬ولك أجل‬
‫الصفات وأحسن الساء ‪ .‬أنت عال الغيب ‪ ،‬البيء من كل عيب ‪ ،‬تكتب القدور ‪،‬‬
‫وتعلم ما ف الصدور ‪ ،‬وتبعثر ما ف القبور ‪ ،‬وأنت الاكم يوم النشور ‪ .‬ملكك عظيم ‪،‬‬
‫جنابك كري ‪ ،‬نجك قوي ‪ ،‬أخذك أليم ‪ ،‬وأنت الرحيم الليم الكري ‪.‬‬
‫من الذي سألك فما أعطيته ‪ ،‬والذي دعاك فما لبيته ‪ ،‬ومن الذي استنصرك فما‬
‫نصرته ‪ ،‬ومن الذي حاربك فما خذلته ‪ .‬ل عيب ف أسائك لنا حسن ‪ ،‬ل نقص ف‬
‫صفاتك لنا عليا ‪ .‬حي ل توت ‪ ،‬حاضر ل تفوت ‪ ،‬ل تتاج إل القوت ‪ ،‬لك الكبياء‬
‫والبوت ‪ ،‬والعزة واللكوت ‪.‬‬

‫‪-25-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫لو أن أنفاس العباد قصهههههائد‬

‫حفلت بدحهك فه جلل علكها‬

‫مها أدركهت مها تسهتحق وقصهّرت‬

‫عهن مدك السها وحسهن سهناكا‬

‫كسرت ظهور الكاسرة ‪ ،‬قصّرت آمال القياصرة ‪ ،‬هدمت معاقل البابرة ‪،‬‬
‫وأرديتهم ف الافرة ‪ .‬من أطاعك أكرمته ‪ ،‬من خالفك أدّبته ‪ ،‬من عاداك سحقته ‪ ،‬من‬
‫نادّك مقته ‪ ،‬من صادّك مزّقته ‪.‬‬
‫تصمد إليك الكائنات ‪ ،‬تعنو إليك الخلوقات ‪ ،‬تيب الدعوات ‪ ،‬بشت اللغات ‪،‬‬
‫وبختلف اللهجات ‪ ،‬على تعدد الاجات ‪ ،‬تفرج الكربات ‪ ،‬تظهر اليات ‪ ،‬تعلم النيات‬
‫وتظهر الفيات ‪ ،‬تيي الموات ‪ .‬دعاك الليل وقد وضع ف النجنيق ‪ ،‬وأوشك على‬
‫الريق ‪ ،‬ول يد لسواك طريق ‪ ،‬فلما قال ‪ :‬حسبنا ال ونعم الوكيل ‪ ،‬صارت النار عليه‬
‫بردا وسلما ف ظل ظليل ‪ ،‬بقدرتك يا جليل ‪ .‬وفلقت البحر للكليم ‪ ،‬وقد فر من فرعون‬
‫الثيم ‪ ،‬فمهدت له ف الاء الطريق الستقيم ‪ .‬ودعاك الختار ‪ ،‬ف الغار ‪ ،‬لا أحاط به‬
‫الكفار ‪ ،‬فحميته من الشرار ‪ ،‬وحفظته من الفجار ‪ .‬قريب تيب كل حبيب ‪.‬‬
‫مها أنهت بالسهبب الضعيهف وإناه‬
‫مها خاب مهن يرجوك عنهد مل ّمةٍ‬

‫أنهههت القوي الواحهههد القهار‬
‫صههمدت إليههك البدو والضار‬

‫لو أن الثناء ‪ ،‬لرب الرض والسماء ‪ ،‬كتب بدماء الولياء ‪ ،‬على خدود الحياء ‪،‬‬
‫لقرأت ف تلك الدود ‪ ،‬صحائف من مدح العبود ‪ ،‬صاحب الود ‪ ،‬بل حدود ‪.‬‬
‫ألسنة اللق أقلم الق ‪ ،‬فما لا ل تنطق بالصدق ‪ ،‬وتوحده بذاك النطق ‪ .‬ل تن‬
‫عليه دمعة ف مراب ‪ ،‬فقد مزق من أجله عمر بن الطاب ‪ ،‬ما لك إل عبادتك الزهيدة‬
‫تشي ‪ ،‬وقد نشر الولياء ف حبه بالناشي ‪.‬‬
‫فاز بلل لنه ردد أحد أحد ‪ ،‬ودخل رجل النة لنه أحب قل هو ال أحد ‪،‬‬
‫ومدح سبحانه نفسه فقال ‪ :‬ال الصمد ‪ ،‬ورد على الشركي فقال ‪ :‬ل يلد ول يولد ‪.‬‬
‫سبحان من تدى بالذباب الشركي ‪ ،‬وضرب العنكبوت مثلً للضالي ‪ ،‬وذكر‬
‫خلقه للبعوض إِزراءً بالكافرين ‪ ،‬وحل الدهد رسالة التوحيد فجاء بب يقي ‪ ،‬وأهلك‬
‫ناقه أعداءه العارضي ‪ .‬خلق البرار والفجار ‪ ،‬والسلمي والكفار ‪ ،‬والليل والنهار ‪،‬‬
‫‪-26-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫والنة والنار ‪ ،‬وأنزل كل شيء بقدار ‪ .‬ف القرآن برهانه ‪ ،‬ف الكائنات امتنانه ‪،‬‬
‫للمؤمني إحسانه ‪ ،‬ف النة رضوانه ‪ ،‬عم الكون سلطانه ‪ ،‬اللهم يا ذا العرش الجيد ‪،‬‬
‫أنت البدئ العيد ‪ ،‬أنت الفعال لا تريد ‪ ،‬أنت ذا البطش الشديد ‪ ،‬ل ضد لك ول نديد ‪،‬‬
‫كورت الليل والنهار ‪ ،‬وجعلت النور ف البصار ‪ ،‬وحببت العبادة إل البرار ‪ ،‬وأجريت‬
‫الاء ف الشجار ‪ ،‬أنت اللك البار ‪ ،‬والقوي القهار ‪ ،‬والعزيز الغفار ‪ ،‬أسألك بالساء‬
‫الت بالسمو معروفة ‪ ،‬وأسألك بالصفات الت هي بالجد موصوفة ‪.‬‬
‫عن كل عيب تنـزهت ‪ ،‬وعن كل نقص تقدست ‪ ،‬وعلى كل حال تباركت ‪،‬‬
‫وعن كل شي تعاليت ‪ ،‬منك المداد ‪ ،‬ومن لدنك الرشاد ‪ ،‬ومن عندك الستعداد ‪،‬‬
‫وعليك العتماد ‪ ،‬وإليك يلجأ العباد ‪ ،‬ف النوازل الشداد ‪ .‬حبوت الكائنات رحةً‬
‫وفضل‪ ،‬ووسعت الخلوقات حكم ًة وعدل ‪ ،‬ل يكون إل ما تريد ‪ ،‬تشكر فتزيد ‪ ،‬وتكفر‬
‫فتبيد ‪ ،‬تفردت باللك فقهرت ‪ ،‬وتوحدت بالربوبية فقدرت‪ ،‬تزيد من شكرك ‪ ،‬وتذكر‬
‫من ذكرك ‪ ،‬وتحق من كفرك ‪ ،‬حارت ف حكمتك العقول ‪ ،‬وصارت من بديع صنعك‬
‫ف ذهول ‪ ،‬أدهشت بعجائب خلقك اللباب ‪ ،‬وأذهلت اللئق بالكم والسباب ‪ ،‬باب‬
‫جود عطائك مفتوح ‪ ،‬ونوالك لن أطاعك وعصاك منوح ‪ ،‬وهباتك لكل كائن تغدو‬
‫وتروح ‪ .‬لك السؤدد ‪ ،‬فمن ساد فبمجدك يسود ‪ ،‬وعندك الزائن فمن جاد فمن جودك‬
‫يود ‪ ،‬صمد أنت فإليك اللئق تصمد ‪ ،‬مقصود أنت فإليك القلوب تقصد ‪ ،‬تغلق‬
‫البواب عن الطالبي إل بابك ‪ ،‬ويسدل كل حجاب عن الراغبي إل حجابك ‪،‬‬
‫خصصت نفسك بالبقاء فأهلكت من سواك ‪ ،‬وأفردت نفسك باللك فأهلكت من عداك‪،‬‬
‫ل نعبد إل إياك ‪ ،‬ول نتدي إل بداك ‪ ،‬أقمت الجة فليس لعترض كلم ‪ ،‬وأوضحت‬
‫الحجة فليس لضال إمام ‪ .‬شرعت الشرائع فكانت لك الجة البالغة على الضلل ‪،‬‬
‫وبينت السنن فما حاد عنها إل الهال ‪ ،‬نوعت العقوبة لن عصاك ‪ ،‬وغايرت بي النكال‬
‫لن عاداك ‪ ،‬جعلت أسباب حياته ماته ‪ ،‬علة إِنطاقه إِسكاته ‪ ،‬أحييت بالاء وبه قتلت ‪،‬‬
‫وأنعشت الرواح بالواء وبه أمت ‪ ،‬أشهد أنك متوحد بالربوبية ‪ ،‬متفرد باللوهية ‪ ،‬أنت‬
‫اللك الق البي ‪ ،‬وأنت إله العالي ‪ ،‬وكنف الستضعفي ‪ ،‬وأمل الساكي ‪ ،‬وقاصم‬
‫البارين ‪ ،‬وقامع الستكبين ‪.‬‬
‫‪-27-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫ولا جعلت التوحيد شعاري ‪ ،‬مدحت رب بأشعاري ‪ ،‬فقلت ف مدح الباري ‪:‬‬
‫هتانه‬
‫هن بسه‬
‫هر مه‬
‫هج الزهه‬
‫هذا أريه‬
‫السهحر مهن إخوانهه والبه مهن‬
‫أنها مها رويهت الشعهر مهن رومها‬
‫كل ومهها سههاجلت مههن عمران‬
‫هس الغوي هّ ضلله‬
‫دع لمرئ القيه‬
‫ضهل الدايهة شكسهبي فمها روى‬
‫لاهه دعوت الشعههر جاء ملبيهها‬
‫فعففههت عههن مدح النام ترفعا‬
‫ل سههيف ذي يزن يتوج مدحتهه‬
‫أو عاد أو شداد أو ذو منصهههب‬
‫ههه‬
‫ههدته ومدحته‬
‫ملك اللوك قصه‬
‫وال لو أن السهههماء صهههحيفة‬
‫والدوح أقلم وقههد كتههب الورى‬
‫ل يبلغوا مهها يسههتحق وقصههروا‬
‫لو ت ستجي الش مس ف يه من الد جى‬
‫أو شاء منههع البدر فهه أفلكههه‬
‫حته الجارة فجرت مهن خوفهه‬
‫وتصههدعت شههم البال لبأسههه‬
‫وتفتههح الزهههر الندي بصههنعه‬
‫والوت قدسههه بأجلهه نغمههة‬
‫حته الضفادع فه الغديهر ترنته‬
‫هذى النجوم عرائس فهه مفههل‬
‫يها مسهرح الحباب ضيعهت الوى‬
‫منون ليلى مهها اهتدى لرحابههه‬
‫أو مهها قرا عنههه وثيقههة عهده‬
‫الشمهس تسهجد تته عرش إلنها‬

‫هه‬
‫ه أجفانه‬
‫هر فه‬
‫هر كأن الفجه‬
‫شعه‬
‫هه‬
‫هن أعوانه‬
‫هن مه‬
‫هه والسه‬
‫أخدانه‬
‫ومها رتلت آي السهن مهن لبنانهه‬
‫ههه‬
‫أو حطان أو منونهههه أو قبانه‬
‫هه‬
‫هك على شيطانه‬
‫ها نبه‬
‫هي قفه‬
‫يلقه‬
‫هه‬
‫هن هذيانه‬
‫هم مه‬
‫هف الوهه‬
‫إل نزيه‬
‫يسهقى كؤوس الشعهر مهن حسهانه‬
‫ل تدحههن العبههد فهه طغيانههه‬
‫أو شكههر نابغههة على ذبيانههه‬
‫يُنمهههى إل عدنان أو قحطانهههه‬
‫فتراكههض البداع فهه ميدانههه‬
‫والزن يطرهههها على إبانهههه‬
‫مدح الهيمههن فهه جللة شأنههه‬
‫وزن الباءة ضاع فههه ميزانهههه‬
‫لغدا الدجهى والفجهر مهن أكفانهه‬
‫عهن سهيه ل يسهرِ فه حسهبانه‬
‫والصههخر خههر له على أذقانههه‬
‫والطلع خوفا شههق مههن عيدانههه‬
‫يزههو مهع التسهبيح فه بسهتانه‬
‫لغهة تبهز السهن مهن سهحبانه‬
‫هه‬
‫هس ف ه غدرانه‬
‫هائد التقديه‬
‫بقصه‬
‫تلي حديهث البه فه سهلطانه‬
‫وضللت يها ابهن الطيه عهن عنوانهه‬
‫متهتكا عبثا مههههع مّانههههه‬
‫فيهها حديهث الصهدق مهن قرآنهه‬
‫والبدر رمهز السهن فه أكوانهه‬
‫‪-28-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫والدههد احتمهل الرسهالة غاضبا‬
‫غضبا على بلقيهس تعبهد شسهها‬
‫هه يوم الردى‬
‫هها ناه‬
‫لوله نوح مه‬
‫لاههه دعاه يونهههس لباه فههه‬

‫ة‬
‫م ُ‬
‫المقا َ‬
‫اللهية‬

‫هه‬
‫هن إيانه‬
‫هد مه‬
‫هو إل التوحيه‬
‫يدعه‬
‫فسهعى لنسهف اللك مهن أركانهه‬
‫فه فلكهه الشحون مهن طوفانهه‬
‫قاع البحار يضههج فهه حيتانههه‬

‫الل هم صلى و سلم على نب يك خا ت الر سلي ‪ ،‬ور سول الناس أجع ي ‪ ،‬وعلى آله‬
‫وصحبه والتابعي ‪.‬‬

‫‪-29-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــة الـنـَبـويَّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬وَإِنََّك لَعَلى ُخلٍُق عَظِيم ٍ ‪‬‬
‫صهلى عليهك ال يها علم الدى‬

‫ه‬
‫واسهتبشرت بقدومهك اليام ُ‬

‫هت فت لك الرواح من أشواق ها‬

‫وازينههت بديثههك القلمههُ‬

‫ما أح سن ال سم وال سمّى ‪ ،‬و هو ال نب العظ يم ف سورة ع مّ ‪ ،‬إذا ذكر ته هلت‬
‫الدموع السواكب ‪ ،‬وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب ‪.‬‬
‫وكنت إذا ما اشتدّ ب الشوق والوى‬

‫وكادت عرى الصهب الميهل تفصهمُ‬

‫وأوههههها لكنّنهههها تتوههههم‬

‫أُعلّل نفسههي بالتلقههي وقربههه‬

‫التعبد ف غار حراء ‪ ،‬صاحب الشريعة الغراء ‪ ،‬واللة السمحاء ‪ ،‬والنيفية البيضاء ‪،‬‬
‫و صاحب الشفا عة وال سراء ‪ ،‬له القام الحمود ‪ ،‬واللواء العقود ‪ ،‬والوض الورود ‪ ،‬هو‬
‫الذكور ف التوراة والنيل ‪ ،‬وصاحب الغرة والتحجيل ‪ ،‬والؤيد ببيل ‪ ،‬خات النبياء ‪،‬‬
‫ْسـْلنَاكَ إِل رَحْ َمةً‬
‫وصـاحب صـفوة الولياء ‪ ،‬إمام الصـالي ‪ ،‬وقدوة الفلحيـ وَمَا أَر َ‬
‫ِل ْلعَالَمِيَ ‪.‬‬
‫السههماوات شيّقات ظِمههههاءُ‬

‫هه‬
‫ههة إل العلَم الاه‬
‫هها لفه‬
‫كلهه‬

‫والفضههههها والنجوم والضواءُ‬
‫دي وشهوق لذاتههه واحتفهاءُ‬

‫تنظم ف مدحه الشعار ‪ ،‬وتدبج فيه القامات الكبار ‪ ،‬وتنقل ف الثناء عليه السي‬
‫والخبار ‪ ،‬ث يب قى كنا مفوظا ل يوفّ يه ح قه الكلم ‪ ،‬وعلما شاما ل تن صفه القلم ‪،‬‬
‫إذا تدثنا عن غيه عصرنا الذكريات ‪ ،‬وبثنا عن الكلمات ‪ ،‬وإذا تدثنا عنه تدفق الاطر‬
‫‪ ،‬بكل حديث عاطر ‪ ،‬وجاش الفؤاد ‪ ،‬بالب والوداد ‪ ،‬ونسيت النفس هومها ‪ ،‬وأغفلت‬
‫الروح غمومها ‪ ،‬وسبح العقل ف ملكوت الب ‪ ،‬وطاف القلب بكعبة القرب ‪ ،‬هو الرمز‬
‫لكل فضيلة ‪ ،‬وهو قبة الفلك خصال جيلة ‪ ،‬وهو ذروة سنام الجد لكل خلل جليلة ‪.‬‬

‫‪-30-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫إ نْ كان أحب بت ب عد ال مث هلك ف‬

‫عجمه‬
‫ِ‬
‫بدو وحضهر وفه عرب وفه‬

‫فل اشتفهى ناظري مهن منظرٍ حسهنٍ‬

‫ول تفوه بالقهول السديهد فمهي‬

‫مرحبا بالبـيب والريـب والنجيـب الذي إذا تدثـت عنـه تزاحتـ الذكريات ‪،‬‬
‫وتسابقت الشاهد والقالت ‪.‬‬
‫صلى ال على ذاك القدوة ما أحله ‪ ،‬وسلم ال ذاك الوجه ما أباه ‪ ،‬وبارك ال على‬
‫ذاك ال سوة ما أكمله وأعله ‪ ،‬علم ال مة ال صدق وكا نت ف صحراء الكذب هائ مة ‪،‬‬
‫وأرشدها إل الق وكانت ف ظلمات الباطل عائمة ‪ ،‬وقادها إل النور وكانت ف دياجي‬
‫الزور قائمة ‪.‬‬
‫وشب طفل الدى الحبوب متشحا‬
‫باليههههههههه متزّرا بالنور والنار‬
‫فه كفهه شعلة تدي وفه دمهه‬
‫عقيدة تتحدى كهههههههههل جبارِ‬

‫كانت المة قبله ف سبات عميق ‪ ،‬وف حضيض من الهل سحيق ‪ ،‬فبعثه ال على‬
‫فترة من الرسلي ‪ ،‬وانقطاع من النبيي ‪ ،‬فأقام ال به اليزان ‪ ،‬وأنزل عليه القرآن ‪ ،‬وفرق‬
‫بـه الكفـر والبهتان ‪ ،‬وحطمـت بـه الوثان والصـلبان ‪ ،‬للمـم رموز يطئون ويصـيبون ‪،‬‬
‫وي سدّدون ويغلطون ‪ ،‬ل كن رسولنا صلى ال عليه و سلم معصوم من الزلل ‪ ،‬مفوظ من‬
‫اللل ‪ ،‬سليم من العلل ‪ ،‬عصم قلبه من الزيغ والوى ‪ ،‬فما ضل أبدا وما غوى ‪ ،‬إ نْ هو‬
‫إل وحي يوحى ‪.‬‬
‫للشعوب قادات لكنهـم ليسـوا بعصـومي ‪ ،‬ولمـ سـادات لكنهـم ليسـوا بالنبوة‬
‫موسومي ‪ ،‬أما قائدنا وسيدنا فمعصوم من النراف ‪ ،‬مفوف بالعناية واللطاف ‪.‬‬
‫أثن على مَنْ أتدري من أبله‬
‫هه كلمههي‬
‫أمهها علمههت بنهه أهديتُه‬
‫ه‬
‫فه أصهدق الناس لفظا غيه متّهم ٍ‬
‫وأثبهههت الناس قلبا غيههه منتقهههم‬
‫‪-31-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫قصارى ما يطلبه سادات الدنيا قصور مشيدة ‪ ،‬وعساكر ترفع الولء مؤيدة‪ ،‬وخيول‬
‫مسومة ف ملكهم مقيدة ‪ ،‬وقناطي مقنطرة ف خزائنهم ملدة ‪ ،‬وخدم ف راحتهم معبدة‪.‬‬
‫أ ما ممّد عل يه ال صلة وال سلم فغا ية مطلو به ‪ ،‬ونا ية مرغو به ‪ ،‬أن يع بد ال فل‬
‫يشرك به معه أحد ‪ ،‬لنه فرد صمد ‪،‬ل يلد ول يولد ‪ ،‬ول يكن له كفوا أحد ‪.‬‬
‫ي سكن بيتا من الط ي ‪ ،‬وأتبا عه يتاحون ق صور ك سرى وقي صر فات ي ‪ ،‬يل بس‬
‫القميـص الرقوع ‪ ،‬ويربـط على بطنـه حجريـن مـن الوع ‪ ،‬والدائن تفتـح بدعوتـه ‪،‬‬
‫والزائن تقسم لمته ‪.‬‬
‫إن البيههة يوم مبعههث أحدهه‬

‫نظههر الله لاهه فبدّل حالاهه‬

‫بهل كرم النسهان حيه اختار مهن‬

‫خيهه البيههة نمههها وهللاهه‬

‫لبههس الرقههع وهههو قائد أمههة‬

‫جبهت الكنوز فكسهّرت أعلمهها‬

‫ههي نوه‬
‫هها ال تشه‬
‫هه رآهه‬
‫لاه‬

‫ل تبتغههي إل رضاه سههعى لاهه‬

‫ماذا أقول فـ النـب الرسـول ؟ هـل أقول للبدر حييـت يـا قمـر السـماء ؟ أم أقول‬
‫ل يا كاشفة الظلماء ‪ ،‬أم أقول للسحاب سلمت يا حامل الاء ؟‬
‫للشمس أه ً‬
‫يها مهن تضوّع بالرضوان أعظمهه‬
‫فطاب مههن طيههب تلك القاع والكمههُ‬
‫نفسهي الفداء لقهب أنهت سهاكنه‬
‫فيههه العفاف وفيههه الود والكرمههُ‬

‫اسلك معه حيثما سلك ‪ ،‬فإن سنته سفينة نوح من ركب فيها نا ومن تلف عنها‬
‫هلك ‪ ،‬نزل بزّ رسالته ف غار حراء ‪ ،‬وبيع ف الدينة ‪ ،‬وفصل ف بدر ‪ ،‬فلبسه كل مؤمن‬
‫فيا سعادة من لبس ‪ ،‬ويا خسارة من خلعه فقد تعس وانتكس ‪ ،‬إذا ل يكن الاء من نر‬
‫رسالته فل تشرب ‪ ،‬وإذا ل يكن الفرس مسوّما على علمته فل تر كب ‪ ،‬بلل بن رباح‬
‫صار باتباعه سيدا بل نسب ‪ ،‬وماجدا بل حسب ‪ ،‬وغنيّا بل فضة ول ذهب ‪ ،‬أبو لب‬
‫بّ ‪ ،‬سيصلى نارا ذات لب ‪.‬‬
‫عمه لا عصاه خسر وت ْ‬

‫‪-32-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫الفرس والروم واليونان إن ذكروا‬

‫فعنهههد ذكرك أسهههال على قزم‬

‫ههم نقوا لوحهة بالههرق هائمههة‬

‫ه‬
‫وأنهت لوحهك مفوظ مهن التهم ِ‬

‫وإنك لتهدي إل صراط مستقيم ‪ ،‬وإنك لعلى خلق عظيم ‪ ،‬وإنك لعلى نج قوي ‪،‬‬
‫ما ضلّْ ‪ ،‬و ما زلّْ ‪ ،‬و ما ذلّْ ‪ ،‬و ما غلّْ ‪ ،‬و ما ملّْ ‪ ،‬و ما كلّْ ‪ ،‬ف ما ضلّ لن ال هاد يه‪،‬‬
‫وجبيـل يكلمـه ويناديـه ‪ ،‬ومـا ز ّل لن العصـمة ترعاه ‪ ،‬وال أيده وهداه ‪ ،‬ومـا ذلّ لن‬
‫النصر حليفه ‪ ،‬والفوز رديفه ‪ ،‬وما غلّ لنه صاحب أمانة ‪ ،‬وصيانة ‪ ،‬وديانة‪ ،‬وما ملّ لنه‬
‫أع طي ال صب ‪ ،‬وشرح له ال صدر ‪ ،‬و ما كلّ لن له عزي ة ‪ ،‬وه ة كري ة ‪ ،‬ون فس طاهرة‬
‫مستقيمة ‪.‬‬
‫كأنك ف الكتاب وجدت لءً‬
‫مرمهههههة عليهههههك فل تلّ‬
‫إذا حضههر الشتاء فأنههت شسهه‬
‫وإن حهههل الصهههيف فأنهههت ظلّ‬

‫صلى ال عليه وسلم ما كان أشرح صدره ‪ ،‬وأرفع ذكره ‪ ،‬وأعظم قدره ‪ ،‬وأنفذ‬
‫أمره ‪ ،‬وأعلى شرفه ‪ ،‬وأربح صفقه ‪ ،‬من آمن به وعرفه ‪ ،‬مع سعة الفناء ‪ ،‬وعظم الناء ‪،‬‬
‫وكرم الباء ‪ ،‬ف هو م مد الم جد ‪ ،‬كر ي الح تد ‪ ،‬سخي ال يد ‪ ،‬كأن الل سنة والقلوب‬
‫ري ضت على ح به ‪ ،‬وأن ست بقر به ‪ ،‬ف ما تنع قد إل على وده ‪ ،‬ول تن طق إل بمده ‪ ،‬ول‬
‫تسبح إل ف بر مده ‪.‬‬
‫نور العرارة نوره ونسههههههيمه‬

‫نشهر الزامهى فه اخضرار السهي‬

‫وعليههه تاج مبههة مههن ربههه‬

‫مها صهيغ مهن ذههب ول مهن ماسهي‬

‫إن للفطـر السـليمة ‪ ،‬والقلوب السـتقيمة ‪ ،‬حـب لنهاجـه ‪ ،‬ورغبـة عارمـة لسـلوك‬
‫فجاجه ‪ ،‬فهو القدوة المام ‪ ،‬الذي يهدى به من اتبع رضوانه سبل السلم ‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم علم اللسان الذكر ‪ ،‬والقلب الشكر ‪ ،‬والسد الصب ‪ ،‬والنفس‬
‫الط هر ‪ ،‬وعلم القادة الن صاف ‪ ،‬والرع ية العفاف ‪ ،‬وح بب للناس ع يش الكفاف ‪ ،‬صب‬
‫على الفقـر ‪ ،‬لنـه عاش فقيا ‪ ،‬وصـب على جوع الغنـ لنـه ملك ملكا كـبيا ‪ ،‬بعـث‬
‫‪-33-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫بالر سالة ‪ ،‬وح كم بالعدالة ‪ ،‬وعلم من الهالة ‪ ،‬وهدى من الضللة ‪ ،‬ارت قى ف درجات‬
‫الكمال حت بلغ الوسيلة ‪ ،‬وصعد ف سلّم الفضل حت حاز كل فضيلة ‪.‬‬
‫أتاك رسهول الكرمههات مسهلمها‬

‫يريههد رسههول ال أعظههم متقههي‬

‫فأقبهل يسهعى فه البسهاط فمها درى‬

‫إل البحر يسعى أم إل الشمس يرتقي‬

‫هذا هو النور البارك يا من أب صر ‪ ،‬هذا هو ال جة القائ مة يا من أدبر ‪ ،‬هذا الذي‬
‫أنذر وأعذر ‪ ،‬وب شر وحذر ‪ ،‬و سهل وي سر ‪ ،‬كا نت الشهادة صعبة ف سهّلها من أتبا عه‬
‫مصعب ‪ ،‬فصار كل بطل بعده إل حياضه يرغب ‪ ،‬ومن مورده يشرب ‪ ،‬وكان الكذب‬
‫قبله ف كل طريق ‪ ،‬فأباده بالصديق ‪ ،‬من طلبه أبو بكر الصديق ‪ ،‬وكان الظلم قبل أن‬
‫يب عث متراكما كال سحاب ‪ ،‬فزحز حه بالعدل من تلميذه ع مر بن الطاب ‪ ،‬و هو الذي‬
‫ر ب عثمان ذو النور ين ‪ ،‬و صاحب البيعت ي ‪ ،‬واليم ي والت صدق ب كل ماله مرت ي ‪ ،‬و هو‬
‫إمام علي حيدره ‪ ،‬ف كم من كا فر عفرّه ‪ ،‬و كم من مارب نره ‪ ،‬و كم من لواء للبا طل‬
‫كسره ‪ ،‬كأن الشركي أمامه حر مستنفرة ‪ ،‬فرت من قسوره ‪.‬‬
‫إذا كان هذا اليل أتباع نجه‬
‫وقهد حكموا السهادات فه البدو والَضَرْ‬
‫فقل كيف كان الصطفى وهو رمزهم‬
‫مههع نوره ل تذكههر الشمههس والقَمرْ‬

‫كا نت الدن يا ف بل بل الفت نة نائ مة ‪ ،‬ف خ سارة ل تعرف الر بح ‪ ،‬و ف الل هو‬
‫هائمة ‪ ،‬فأذّن بلل بن رباح ‪ ،‬بي على الفلح ‪ ،‬فاهتزت القلوب ‪ ،‬بتوحيد علّم الغيوب‬
‫‪ ،‬فطارت الهج تطلب الشهادة ‪ ،‬وسبحت الرواح ف مراب العبادة ‪ ،‬وشهدت العمورة‬
‫لم بالسيادة ‪.‬‬
‫كل الشارب غي النيل آسنة‬
‫وكهههل أرض سهههوى الزهراء قيعان‬
‫ل تنحهر النفهس إل عنهد خيمتهه‬
‫ههههه رضوان‬
‫فالوت فوق بلط البه‬

‫‪-34-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النّبويّة‬

‫أرسله ال على الظلماء كشمس النهار ‪ ،‬وعلى الظمأ كالغيث الدرار ‪ ،‬فهز بسيوفه‬
‫رؤوس الشرك ي هزّا ‪ ،‬لن ف الرؤوس م سامي اللت والعزى ‪ ،‬عظ مت بدعو ته ال نن ‪،‬‬
‫فإرسـاله إلينـا أعظـم منّة ‪ ،‬وأحيـا ال برسـالته السـنن ‪ ،‬فأعظـم طريـق للنجاة إتباع تلك‬
‫السنة ‪ .‬تعلم اليهود العلم فعطلوه عن الع مل ‪ ،‬ووقعوا ف الزيغ والزلل ‪ ،‬وعمل النصارى‬
‫بضلل ‪ ،‬فعملهم عليهم وبال ‪ ،‬وبعث عليه الصلة والسلم بالعلم الفيد ‪ ،‬والعلم الصال‬
‫الرشيد ‪.‬‬
‫أخوك عيسهى دعا ميْتها فقام له‬
‫وأنههت أحييههت أجيالً مههن الرممههِ‬
‫قحطان عدنان حازوا منهك عزّتمه‬
‫ههاريخ ل بم ههِ‬
‫ههك التشرف للتهه‬
‫به‬

‫‪-35-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫مــة الـكـونيــــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬هَذ َا َخلْقُ اللَّهِ فَأَُرونِي َماذ َا َخلَقَ الَّذِيَن ِمْن دُونِهِ ‪‬‬
‫وكتابههه الفضاء أقرؤ فيهههه‬

‫سههورا مهها قرأتاهه فهه كتابهه‬

‫هن‬
‫هش العقول وحسه‬
‫هورا تدهه‬
‫صه‬

‫يسكب السحر ف الصخور الصلبِ‬

‫سبحان من له ف كل شيء آية ‪ ،‬ليس للكه ناية ‪ ،‬وليس لعظمته غاية ‪ ،‬اقرأ آيات‬
‫القدرة فـ صـفحة الكون ‪ ،‬وطالع معجزة اللق فـ الركـة والسـكون ‪ ،‬فـ الليـل إذا‬
‫ع سعس ‪ ،‬وال صبح إذا تن فس ‪ ،‬ف ال سمك ال سارب ‪ ،‬ف الن مل الدائب ‪ ،‬ف هالة النور‬
‫تنشر رداء السناء ‪ ،‬ف الفضاء ‪ ،‬ف النهار يتماوج ‪ ،‬ف البحر هائج مائج ‪ ،‬ف النحل يلثم‬
‫الزهار ‪ ،‬ف الليل يعانق النهار ‪ ،‬ف الدمع يترقرق ‪ ،‬ف الدماء تتدفق ‪ ،‬ف الزهر يتشقق ‪،‬‬
‫ف الدواب ال سائمة ‪ ،‬ف الوحوش الائ مة ‪ ،‬ف الطيور الائ مة ‪ ،‬ف اليتان العائ مة ‪ ،‬ف‬
‫العود يشتـد ‪ ،‬فـ الظـل يتـد ‪ ،‬فـ البال ترتدي عمائم الثلوج ‪ ،‬فـ القمـر يهرول فـ‬
‫البوج ‪ ،‬ف الشمس تتبج سافرة على العال ‪ ،‬ف النبت ما بي نائم وقائم ‪.‬‬
‫ف السرار تكنها الضمائر ‪ ،‬ف الخبار تتزنا السرائر‪.‬‬
‫ف الصخور كأنا تنتظر خبًا من السماء فهي صامتة ‪ ،‬ف الجارة يكسرها النسان‬
‫بفأسه وهي ساكتة ‪ ،‬ف الفجر يطلق من عباءته النور ‪ ،‬ف الذهان بالفكار تور ‪ ،‬ف الاء‬
‫ينهمر من السماء ‪ ،‬ويغوص ف الرمضاء ‪ ،‬يُقبِل بالضرة والنماء ‪ ،‬ويدلف بالياة للحياء‪،‬‬
‫يهيـج أحيانـا ويهدر ‪ ،‬ويزحـف ويدمـر ‪ ،‬ل تدّه الدود ‪ ،‬ول تردّه السـدود ‪ ،‬وعظمتـه‬
‫سبحانه ف خلق النسان ‪ ،‬وتركيبه ف أحسن كيان ‪ ،‬حيث جعل ف العيني سراجًا من‬
‫النور‪ ،‬وأنشـأ فـ القلب بصـية تدرك المور ‪ ،‬وخلق العقـل يقود هذا الكائن ‪ ،‬ويوجهـه‬
‫وهو ساكن ‪ ،‬ف النبتة تشق طريقها إل الفضاء ‪ ،‬وترفع رأسها إل السماء ‪ ،‬ف العندليب‬
‫يرت ل على الغ صن كالط يب ‪ ،‬ف المام يشدو بأح سن النغام ‪ ،‬يش كو ال ب واليام ‪،‬‬
‫والعشق والغرام ‪ ،‬ف الغراب يبأ رزقه ف الراب ‪ ،‬ويدفن خصمه ف التراب ‪ ،‬ف السد‬
‫يطارد القنيصة ‪ ،‬ويزق الفريسة ‪ .‬ف النحل يئِنّ ‪ ،‬والذباب ي ِطنّ ‪ ،‬ف الزنبور ي ِرنّ ‪.‬‬

‫‪-36-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫ف عال النبات ‪ ،‬آلف الذاقات ‪ ،‬ومئات الطعومات ‪ ،‬أخضر يعانق أحر ‪ ،‬وأصفر‬
‫يضم أغب ‪ ،‬ف الوراق تيس ف الطل ‪ ،‬ف الشرات ترب إل الظّل ‪.‬‬
‫ف الناقة تِنّ إل وليدها ‪ ،‬وتشتاق إل وحيدها ‪ ،‬ف الليل يلع ثيابه على الفاق ‪،‬‬
‫ف الضباب ييّم على الرض كالطباق ‪ ،‬ف النار ترق ‪ ،‬ف الاء يغرق ‪.‬‬
‫ف الضياء يسطع ‪ ،‬ف الضوء يلمع ‪ ،‬ف العي تدمع ‪ ،‬ف البق يكاد يذهب سناؤه‬
‫بالبصـار ‪ ،‬فـ الصـواعق تقصـف الصـخور والشجار ‪ ،‬فـ الرعـد يدوّي فيمل العال‬
‫ضجيجا ‪ ،‬ف الروض يفوح فيعبق به الو أريا ‪.‬‬
‫ج ٍن وقَ صْر ‪،‬‬
‫ف أهل السلطان بي ولية وعزل ‪ ،‬وأسرٍ وَقتْل ‪ ،‬وهزي ٍة ونَ صْر ‪ ،‬و سِ ْ‬
‫ف الوت يترم النفوس ‪ ،‬ويسقط على الرؤوس ‪ ،‬ويأخذ الرئيس والرؤوس ‪ ،‬ويبزّ العريس‬
‫والعروس ‪ ،‬ويهدم العمار ‪ ،‬ويعطّل الفكار ‪ ،‬ويلي الديار ‪ ،‬ويدخل كل دار ‪.‬‬
‫ف صنف من البشر ‪ ،‬يعيشون البطر ‪ ،‬له أموال كالبال ‪ ،‬وآمال كأعمار الجيال ‪،‬‬
‫قصور تشاد ‪ ،‬كأنا لن تباد ‪ ،‬وحدائق غنّاء ‪ ،‬وبساتي فيحاء ‪.‬‬
‫و ف صنف آ خر فق ي ‪ ،‬ف دنياه حق ي ‪ ،‬ل يلك الفت يل ول القطم ي ‪ ،‬يب حث عن‬
‫الرغيف ‪ ،‬وينام على الرصيف ‪ ،‬ولقلبه من خوف الفقر رجيف ‪.‬‬
‫ف أ هل العاف ية يرحون ‪ ،‬و ف نعيم هم ي سرحون ‪ ،‬وب ا أوتوا يفرحون ‪ .‬و ف أ هل‬
‫البلء ‪ ،‬و ف أ صحاب الض نك والشقاء ‪ ،‬ف ظلمات الحيطات ‪ ،‬و ف متاهات الغابات ‪،‬‬
‫وف ماهل الفلوات ‪ .‬أرض تتد بل بشر ‪ ،‬صحارٍ قاحلة ليس فيها شجر ‪ ،‬وعوال موحشة‬
‫ما يسكنها بدو ول حضر ‪.‬‬
‫نوم تسقط ‪ ،‬وكواكب تبط ‪ ،‬ونيازك تلتهب ‪ ،‬ترمي بشرر ولب ‪ ،‬مرّات سيّة ‪،‬‬
‫ومنازل قمريّة ‪ ،‬حدائق بأثواب ال سن ت سر الناظر ين ‪ ،‬ومشا هد ف الكون جيلة تأ خذ‬
‫ألباب الب صرين ‪ ،‬رياض أني قة ت سرح في ها الغزلن ‪ ،‬باقات من الورود بي جة يل عب ب ا‬
‫الولدان ‪.‬‬
‫ك ي سبح ‪ ،‬وكلّ ف عال يرح ‪ ،‬ش س تري كأن ا تب حث عن مفقود ‪،‬‬
‫كل ف فل ٍ‬
‫ق بل أن تطلع تسـجد للمعبود ‪ ،‬آ ية باهرة ‪ ،‬وحك مة ظاهرة ‪ ،‬ف خلق النسـان ‪ ،‬ذلك‬
‫‪-37-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫الكيان ‪ ،‬الذي يمل جامعات من السكنات والركات ‪ ،‬فذهن متوقد ‪ ،‬وقلب متجدد ‪،‬‬
‫وخيال يطوي الزمان والكان ‪ ،‬ويناقـل النسـان ‪ ،‬بيـ خوف وأمان ‪ ،‬وذاكرة حافظـة ‪،‬‬
‫وألسنةٌ لفظة ‪ ،‬وشركات ف كل العضاء ‪ ،‬منها يذب الواء ‪ ،‬ويسحب الاء ‪ ،‬ويهضم‬
‫دفعـ وضغـط ‪ ،‬وإخراج وشفـط ‪،‬‬
‫الغذاء ‪ ،‬ويلب الدوا ْء ‪ ،‬ويُذهـب الداء ‪ ،‬مـا بيـ ٍ‬
‫ومؤ سّسات تشارك ف بناء ال سم ‪ ،‬و ف قيام الر سم ‪ ،‬ليكون ف أح سن تقوي ‪ ،‬وأك مل‬
‫تنظيم ‪ ،‬ف الطي وهو يبحث عن طعامه ‪ ،‬ويعود إل مستقرّه ومنامه ‪ ،‬ف الكائنات وهي‬
‫ف صراع مموم ‪ ،‬وف هوم وغموم ‪ ،‬لتحصل على رزقها القسوم ‪ ،‬وعيشها العلوم ‪ ،‬ف‬
‫النسان وهو يفكّر ويقدّر ‪ ،‬ويقدّم ويؤخّر ‪ ،‬ويطّط وينظر ‪ ،‬ف البال ‪ ،‬واقفة ف هيبة‬
‫وجلل ‪ ،‬ف الرواب الضراء آية ف المال ‪ ،‬ف العافية والسقام ‪ ،‬ف القيقة والحلم ‪،‬‬
‫ف اليقي والوهام ‪ ،‬ف القدام والحِجام ‪ ،‬ف السحاب والسراب ‪ ،‬والضباب والرضاب‪.‬‬
‫ف الحياء ‪ ،‬و ُحبّ ها للبقاء ‪ ،‬ومدافعت ها للعداء ‪ ،‬فهذا بخل به ي صول ‪ ،‬وهذا بنا به‬
‫بسـمّه يدفـع ‪ ،‬وغيه بناحـه‬
‫يول ‪ ،‬وهذا بنقره يناضـل ‪ ،‬وذاك بريشـه يقاتـل ‪ ،‬وآخـر ُ‬
‫يردع ‪ ،‬منهم من يطي ‪ ،‬ومنهم من يسي ‪ ،‬ومنهم من يسبح ‪ ،‬ومنهم من يرح ‪ ،‬ومنهم‬
‫على رجلي ‪ ،‬ومنهم على يدين ‪ ،‬ومنهم من يطي بناحي ‪ ،‬هذا يزحف ‪ ،‬وذاك يطف ‪،‬‬
‫وهذا فـ قيْدِه يرسـُف ‪ ،‬فـ التقاء الحباب والفراق ‪ ،‬فـ الضـم والعناق ‪ ،‬فـ الركود‬
‫والنطلق ‪.‬‬
‫ف النجمة هائ مة ف صفحة ال سماء تب سم ف حنادس الل يل ‪ ،‬ف البدر تفنيه الليال‬
‫ويدر كه الحاق كأ نه قت يل ‪ ،‬ف رو عة الشراق ‪ ،‬و قد نشرت الش مس ضفائر ها ونثرت‬
‫جدائلها على التلل ‪ ،‬وبثّت ِسحْرها على البال ‪.‬‬
‫ف الطبيب يشفي من الداء ‪ ،‬فإذا أدركه الفناء ‪ ،‬بار فيه الدواء ‪ ،‬وعجز ف علجه‬
‫الطبّاء ‪ ،‬ف الريض ييأس من العافية ‪ ،‬وتار فيه الدوية الظاهرة والافية ‪ ،‬ث تدركه من‬
‫ال عنا ية شاف ية ‪ ،‬ورح ة كاف ية ‪ ،‬ف الباك ي تثور بالدمار ‪ ،‬ف الزلزل ت ز الديار ‪ ،‬ف‬
‫ال سّم يُصنع منه الدواء ‪ ،‬ف الاء يكون سببا للفناء ‪ ،‬ف الواء يعصف فيدمر الشياء ‪ ،‬ف‬
‫الريح تكون رخاءً فتلقح الثمار ‪ ،‬وتسوق المطار ‪ ،‬وتزجي السفن ف البحار ‪ ،‬ث تكون‬
‫عا صفة هوجاء ‪ ،‬فتق تل الحياء ‪ ،‬وتن قل الوباء ‪ ،‬ف الن خل با سقات ل ا طلع نض يد ‪ ،‬ف‬
‫‪-38-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫البال تثبت الرض و قد كادت تيد ‪ ،‬ف الّلب يرج من بي فر ثٍ ودم‪ ،‬ف كل ملوق‬
‫كيف وُجِد من العدم ‪ ،‬ف البل كيف خُلقت ‪ ،‬ف السماء كيف رُفعت ‪ ،‬ف البال كيف‬
‫نصبت ‪ ،‬ف الرض كيف سُطِحت ‪ ،‬ف الضحى إذا ارتفع ‪ ،‬ف الغيث إذا هع ‪ ،‬ف خلق‬
‫الن سان ك يف ين كس ‪ ،‬و ف عمره ك يف يع كس ‪ ،‬يعمّر فيعود كالط فل ‪ ،‬فل يُفرّق ب ي‬
‫فرضٍ ونفل ‪ ،‬ف الطائر كيف يمع القَش ‪ ،‬ويبن العُش ‪ ،‬ويتار عيضه ‪ ،‬ث يضع بيضه ‪،‬‬
‫ف العجماوات ما بي جائع وبطي ‪ ،‬ف الدود تبحث عن طعامها ف الطي ‪ ،‬ف البلبل‬
‫يبس ف القفص فل يبيض ‪ ،‬ويعيش بناح مهيض ‪ ،‬ف اليّة وهي ف الصحراء ‪ ،‬تنصب‬
‫جسمها كأنه عود للغراء ‪ ،‬فيقع عليها الدهد ‪ ،‬يظنها عود مرّد ‪ ،‬فيكون طعامها ‪ ،‬بعد‬
‫أن رأى قيامهـا ‪ ،‬فـ الثمرة تمـى بأشواك ‪ ،‬كأناـ أسـلك ‪ ،‬فـ الطعمـة مـا بيـ حلو‬
‫وحامض ‪ ،‬وقلوي وقابض‪ ،‬ف الناس ألف كواحد ‪ ،‬واحد كجيش حاشد ‪ ،‬ف البشر ما‬
‫بي عاقل حصيف‪ ،‬وطائش خفيف ‪ ،‬وتقيّ متن سّك ‪ ،‬وفاجر متهتّك ‪ ،‬ف الرواح كيف‬
‫تتآلف وتتخالف ‪ ،‬فـ اختلف الصـوات ‪ ،‬وتعدد الّلهجات ‪ ،‬وتبايـن النغمات ‪ ،‬وكثرة‬
‫اللغات ‪ ،‬ف ال ر يكاد يذ يب الد يد ‪ ،‬ف البد يول الاء إل جل يد ‪ ،‬ف الرض يعلو ها‬
‫من الغيث بُرد أخضر ‪ ،‬ويكسوها من القحط رداء أغب ‪ ،‬ف العادن تذوب بالنار ‪ ،‬فتسيل‬
‫كأنا أنار ‪ ،‬ف السماء تتلبّد بالغيوم ‪ ،‬ولا وجوم ‪ ،‬كأن وجهها وجه مهموم ‪ ،‬أو طلعة‬
‫مغموم ‪ ،‬ف الشمس تكسف ‪ ،‬ف القمر يسف ‪ ،‬ف كل ما ننكر ونعرف ‪ ،‬ف كل مولود‬
‫ح ي يو ضع ‪ ،‬ك يف يهتدي إل الثدي في ضع ‪ ،‬إن عاش اليوان ف جو معتدل ك ساه‬
‫بالشعر ‪ ،‬وإن عاش ف برد قارص غطاه بالوبر ‪ ،‬وإن عاش ف الصحاري دثره بالصوف ‪،‬‬
‫ليقاوم التوف ‪ ،‬حيوان الغاب يزوده بناب ‪ ،‬وين حه ملب ‪ ،‬وط ي العريش يقو يه بريش‬
‫ليعيش ‪ ،‬ينبت ف الصحراء شجرة جرداء ‪ ،‬تصب لرارة الرمضاء ‪ ،‬ووهج البيداء ‪ ،‬ويزرع‬
‫فـ البسـتان شجرة ذات رواء وأغصـان ‪ ،‬نديـة الفنان ‪ ،‬متلفـة الطعوم واللوان ‪ ،‬جعـل‬
‫الصيد ف البيد ‪ ،‬ليحمي نفسه من التهديد ‪ ،‬علّم العنكبوت ‪ ،‬كيف تبن البيوت ‪ ،‬وهدى‬
‫النملة لدّخار القوت ‪ ،‬جعل فوق العيني حاجبي ‪ ،‬ليحميهما من ضرر العتدين ‪ ،‬وجعل‬
‫أمامها رمشي ‪ ،‬لتكون ف حرز أمي ‪ ،‬وجعل فيهما ماء تغتسلن به كل حي ‪ ،‬يسلط‬
‫الرياح على السحاب ‪ ،‬فيقع التلقح والناب ‪ ،‬إن شاء جعل الواء عليلً ‪ ،‬يمل نسيما‬

‫‪-39-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫جيلً ‪ ،‬وإن شاء جعله ريا عا صفة ً‪ ،‬مدمرة قا صفة ‪ ،‬سبحان من حكم الكون بالق هر ‪،‬‬
‫مع علو القدر ‪ ،‬ونفاذ ال مر ‪ ،‬له اللكوت وال بوت ‪ ،‬و هو حي ل يوت ‪ ،‬أح سن كل‬
‫شيء خلقه ‪ ،‬وتكفل بكل حي يوم رزقه ‪ ،‬أوجد الب وفلقه ‪ ،‬تسمى بأحسن الساء‪،‬‬
‫واتصف بأجل الصفات واللء ‪ ،‬عطاؤه أنفع عطاء ‪ ،‬جلّ عن الشركاء ‪ ،‬نصر الولياء ‪،‬‬
‫وك بت العداء ‪ ،‬عباد ته فرض ‪ ،‬وال صدقة عنده قرض ‪ ،‬و سلطانه ع ّم ال سماء والرض ‪،‬‬
‫يعلم الغيوب ‪ ،‬ويقدر الكتوب ‪ ،‬ويحـو الذنوب ‪ ،‬ويسـتر العيوب ‪ ،‬ويهدي القلوب ‪،‬‬
‫وين قذ الكروب ‪ ،‬نع مه ل ت عد ‪ ،‬ونق مه ل ت صد ‪ ،‬وعظم ته ل ت د ‪ ،‬وعطاياه ل ترد ‪،‬‬
‫من صورٌ من واله‪ ،‬سعيدٌ من دعاه ‪ ،‬موفّ ق من رجاه ‪ ،‬مذول من ع صاه ‪ ،‬مدحور من‬
‫عاداه ‪.‬‬
‫مههن الذي قههد اسههتوى‬
‫ومهههن ههههو العظيهههم‬
‫ههي‬
‫ههب الداعه‬
‫ههن ييه‬
‫ومه‬
‫ومههههن برى البيههههة‬
‫مههههن أنزل الكتابهههها‬
‫ههرة‬
‫ههر الكاسه‬
‫ههن كسه‬
‫مه‬
‫مههههن علم النسههههانا‬
‫مهههن أسهههدل الظلمههها‬
‫مهههن أطعهههم الليقهههة‬
‫اليههه قهههد أسهههداه‬
‫ههههد أباده‬
‫ههههر قه‬
‫والشه‬
‫وهههههو عظيههههم القدرة‬
‫يفعهههل مههها يريهههد‬
‫وهههو السههمى بالصههمد‬
‫يعرف باللء‬
‫ههفة‬
‫هه الصه‬
‫ههف فه‬
‫فل تكيه‬
‫ول تادل فيههههههههههِ‬
‫وقهههل نعهههم سهههلّمنا‬

‫للكههههه قههههد احتوى‬
‫هههه‬
‫ههههم الكريه‬
‫والنعه‬
‫لشرف السههههههههاعي‬
‫ووسهههههع البّيهههههة‬
‫وعلم الصهههههههههوابا‬
‫مهههن قصهههر القياصهههرة‬
‫علمهههههه البيانههههها‬
‫ونشهههههر الغمامههههها‬
‫وأوضههههح الطريقههههة‬
‫والعبههههد قههههد هداه‬
‫والقهههه قههههد أعاده‬
‫فقدرنّههههههههه قدره‬
‫وبطشهههههه شديهههههد‬
‫فقهههل ههههو ال أحهههد‬
‫هههاء‬
‫هههف والسه‬
‫والوصه‬
‫وغلّط الكيّفهههههههههة‬
‫كمذهههههب السههههفيهِ‬
‫يههها ربنههها علّمنههها‬
‫‪-40-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫واتبهههههع الرسهههههول‬
‫وكههن على نجهه السههلف‬
‫واحترم الصههههههههحابة‬
‫وكههههن تقيّا واتبههههع‬
‫وعظهههههم الديثههههها‬
‫واطلب هديهههت علمههها‬
‫أوله التوحيدُ‬
‫واجتنههههب الكلمهههها‬
‫ومنطقا وفلسههههههههفة‬
‫واتبهههههع الئمهههههة‬
‫كاللفاء الربعههههههههة‬
‫ههههة‬
‫ههههو حنيفه‬
‫كذا أبه‬
‫ومالك بههههن أنسههههِ‬
‫والشافعههههههههي م ّمدْ‬
‫وأحدههه بهههن حنبهههل‬
‫وشيخنهههها سههههفيان‬
‫والبارع الوزاعهههههههي‬
‫وأحدههههه الرّانههههه‬
‫وبعده ممّهههههههههد‬
‫وهذه وصهههههههههيّة‬
‫موجزة لطيفهههههههههة‬
‫هههل‬
‫نظمتههههها على عجه‬
‫فهههو أحههق مههن ذُكِههر‬
‫أسهههههأله التوفيقههههها‬
‫وأشرف الصههههههههلةِ‬
‫الصههههطفى وصههههحبهِ‬

‫ول تكههههههههن جهول‬
‫واحذر أخهههي مهههن اللف‬
‫والل والقرابههههههههة‬
‫ول تطهههع أههههل البدع‬
‫وسهههههر له حثيثًهههها‬
‫حباك ربهههه الفهمهههها‬
‫يعرفهههههه العهههههبيدُ‬
‫والزور والثامهههههههها‬
‫فكهههل هاتيهههك سهههفه‬
‫فهههههم نوم المههههة‬
‫أهههههل العل والنفعههههة‬
‫علومهههههه شريفهههههة‬
‫فهههه العلم كالؤسههههسِ‬
‫ههههه مودْ‬
‫فههههه علمه‬
‫إمامنههههها البجهههههل‬
‫بزهده مزدانهههههههههُ‬
‫ههاعيِ‬
‫هه السه‬
‫ههد جدّ فه‬
‫قه‬
‫العالِم الربانههههههههه‬
‫مهههن ندههه جههها يدد‬
‫أبياتاههههه مصهههههيّة‬
‫فههه لفظهههها خفيفهههة‬
‫فهه ربنهها عههز وجههل‬
‫هههن شُكِرْ‬
‫هههو أجلّ مه‬
‫وهه‬
‫والفهههههم والتحقيقهههها‬
‫لصههههاحب الياتههههِ‬
‫آنسهههههنا ببهههههه‬

‫‪-41-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الكونية‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الحديثيّة‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــــة الـحـديـثيـــة‬
‫المقـا َ‬
‫ن الْهَوَى‬
‫‪ ‬وَ َ‬
‫ما يَنْطِقُ ع َ ْ‬

‫(‪)3‬‬

‫إِْن هُوَ إِل َوْحٌي يُوَحى ‪‬‬

‫مهن زار بابهك ل تهبح جوارحهه‬

‫تروي أحاديهث مها أوليهت مهن منهن‬

‫فالع ي عن قرةٍ وال كف عن صلة‬

‫والقلب عن جابر وال سمع عن ح سن‬

‫جاءنـ عطاء ال السـمرقندي ‪ ،‬فبات عندي ‪ ،‬وكان أحـد الحدثيـ ‪ ،‬ويكره‬
‫الُمحْدِثي ف الدين ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬أيها المام ‪ ،‬عليك السلم ‪ :‬الوقت حثيث ‪ ،‬فحدثنا عن علم‬
‫الد يث ‪ ،‬فتأوّه ث قال ‪ :‬مات حفا ظه ‪ ،‬فكادت تن سى ألفاظ هُ ‪ ، ،‬وأ هل الد يث هم‬
‫الركـب الخيار ‪ ،‬أحباب الختار ‪ ،‬قوم تصـدقوا بالعمار على الثار ‪ ،‬وقضوا الياة فـ‬
‫السفار ‪ ،‬لمع كلم صفوة البرار ‪:‬‬
‫فه كهل يوم لنها فه الرض مرتله‬
‫نغدو بدار ونسههي بعههد فهه دار‬

‫شدّوا العمائم ‪ ،‬وجدّوا ف العزائم ‪ ،‬وتسلحوا بالصب الدائم ‪ ،‬فلو رأيتهم وقد فتحوا‬
‫الدفاتر ‪ ،‬وقربوا الحابر ‪ ،‬وكتبوا ‪ :‬حدثنا مسدّد بن مسرهد ‪ ،‬أو رواه أحد ف السند ‪،‬‬
‫أو أخر جه البخاري ‪ ،‬وشر حه ف ف تح الباري ‪ ،‬لا نت عندك الدن يا ب ا في ها ‪ ،‬ورك بت‬
‫سفينة الد يث وناد يت با سم ال مرا ها ‪ .‬ولقبلت على العلم والك تب ‪ ،‬وهجرت اللهو‬
‫واللعب ‪ ،‬واللغو والطرب ‪.‬‬
‫يفوح من فم الحدث ال سك التّب ت ‪ ،‬لن عل يه سيماء ( نضّ ر ال ‪ ،‬امرأً سع م ن‬
‫مقالت ) أنفاس الحدثي تنضح بالطيب ‪ ،‬لنا حلت اسم البيب ‪:‬‬
‫يكون أجاجا دونكههم فإذا انتهههى‬
‫إليكههم تلقههى طيبكههم فيطيههب‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الحديثيّة‬

‫بنفسـي ذاك الحدث إذا جلس على الكرسـي ‪ ،‬وقـد حـف بـه الطلب ‪ ،‬ونشـر‬
‫الكتاب ث قال ‪ :‬حدثنا ممد بن شهاب ‪ ،‬عندها يرتل قلبك ‪ ،‬ويكاد يطي لبك ‪ ،‬شوقا‬
‫‪-42-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫لصاحب التركة ‪ ،‬لا جعل ال ف كلمه من البكة ‪ .‬فتصبح الدنيا رخيصة مرفوضة ‪ ،‬ل‬
‫تساوي جناح بعوضة ‪ ،‬وتشتاق النفوس إل النة ‪ ،‬لا غشيتها أنوار السنة ‪.‬‬
‫إنه إذا احتوشتنه ألف مبهةٍ‬

‫هبن‬
‫يكتب ه حدثن ه طورا وأخه‬

‫نادت بضرتهه القلم معلنههة‬

‫تلك الكارم ل قعبان مههن لبِ ه‬

‫أمـا أخبار الحدثيـ فـ السـفار ‪ ،‬وقطـع القفار ‪ ،‬وامتطاء البحار ‪ ،‬وركوب‬
‫الخطار ‪ ،‬فقد حفلت به السفار ‪ .‬ولكنهم ف سفرهم يقرؤون كتاب الكون ‪ ،‬ف كل‬
‫حركة وسكون ‪ ،‬فإن الحدث يد التعة ف ارتاله ‪ ،‬والبهجة ف انتقاله ‪ ،‬من ناد إل ناد ‪،‬‬
‫ومن ج بل إل واد ‪ ،‬فهو يعب من الناهل ‪ ،‬وي سرح طر فه ف النازل ‪ ،‬ويطلق بصره إل‬
‫د ساكر القطار وغياض ها ‪ ،‬وحدائق الديار ورياض ها ‪ ،‬فيل مح عجائب البلدان ‪ ،‬ويت صفح‬
‫غرائب الوطان ‪ ،‬ويأنس بنغم الطيور ف كل بستان ‪ ،‬فهو ف تنقل بي حيطان وغيطان ‪،‬‬
‫ووديان وأفنان وألوان ‪ ،‬تر به الصور والشاهد ‪ ،‬ويبيت ف الساجد ‪ ،‬ويعب الاء النمي ‪،‬‬
‫من كل غدير ‪ ،‬له ف كل بلدة أصحاب ‪ ،‬وله ف كل قرية أحباب ‪.‬‬
‫يفترش الغـباء ‪ ،‬ويلتحـف السـماء ‪ ،‬سـلم فـ سـفره مـن أذى اليان ‪ ،‬وضوضاء‬
‫الصـبيان ‪ ،‬والثقيـل مـن الخوان ‪ ،‬ينام على الثرا ‪ ،‬فـ العرا ‪ ،‬خارج القرى ‪ ،‬مركوبـه‬
‫رجله ‪ ،‬وخادمه يداه ‪ ،‬البسمة ل تغادر مياه ‪:‬‬
‫ومشتهههت العزمات ل يأوي إل‬

‫سههكن ول أهههل ول جيانههِ‬

‫ألِفههَ النوى حتهه كأن رحيله‬

‫للبيهه رحلتههه إل الوطانههِ‬

‫ق يل للفل سفة ‪ :‬من سندكم ؟ قالوا ‪ :‬ا بن سينا عن سرجيس بن ماهان ‪ ،‬عن‬
‫أرسطاليس من اليونان ‪.‬‬
‫عنَمةالهم‬
‫وقيل لعلماء الكلم ‪ :‬من سندكم ؟ قالوا ‪ :‬ممد بن الهم من خراسان ‪،‬المقا‬
‫الحديثيّة‬
‫بن صفوان ‪.‬‬
‫وقيل للمحدثي ‪ :‬من سندكم ؟ قالوا ‪ :‬طاووس بن كيسان ‪ ،‬عن ابن عباس ترجان‬
‫القرآن ‪ ،‬عـن الرسـول سـيد ولد عدنان ‪ ،‬عـن الرحنـ ‪ ،‬كان الحدّث إذا ودّع أولده ‪،‬‬

‫‪-43-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وترك بلده ‪ ،‬وحل زاده ‪ ،‬يد من راحة البال ‪ ،‬وطيب الال ‪ ،‬ما يفوق فرحة أصحاب‬
‫الموال ‪ ،‬وما يربو على سرور من ملك الرجال ‪.‬‬
‫إذا جعـ بعضهـم كلم الفلسـفة ‪ ،‬أهـل الزيـغ والسـفه ‪ ،‬الذي يورث الدال‬
‫والعاسفه ‪ ،‬جع الحدثون كلم الذي ما ضل وما غوى ‪ ،‬وما ينطق عن الوى ‪ ،‬إن هو‬
‫إل وحي يوحى ‪.‬‬
‫وإذا تفاخـر أحدهـم بمـع كلم علماء الكلم ‪ ،‬أهـل الشقاق والصـام ‪ ،‬والفرقـة‬
‫والصام ‪ .‬تفاخر الحدثون بديث خي النام ‪ ،‬أزكى من صلى وصام ‪ ،‬وحج بالبيت‬
‫الرام ‪ .‬قال الشاف عي ‪ :‬إذا رأ يت مد ثا فكأ ن رأ يت أ حد أ صحاب م مد ‪ ،‬قلت ‪ :‬لن‬
‫نجهم مسدد ‪ ،‬وعلمهم من ال مؤيد ‪.‬‬
‫وقهههد أطال ثنائي طول لبسهههه‬
‫إن الثناء على التنبال تنبال‬

‫أنا ل أريد َسنَدي من إيوان كسرى أنو شروان ‪ ،‬ول من الرومان ‪ ،‬ول من اليونان‪،‬‬
‫أريد سندي عن سفيان ‪ ،‬أو سليمان بن مهران ‪ ،‬أو سلمان عن رسول النس والان ‪.‬‬
‫تعلمنـ كلم الناس بل دليـل ‪ ،‬ول تأصـيل ‪ ،‬وتقول هذا كلم جيـل ‪ ،‬وعندي‬
‫التنـزيل ؟‬
‫قيل للحمار ‪ ،‬لاذا ل تتر ؟ قال ‪ :‬أكره الكذب ‪.‬‬
‫وقيل للجمل لاذا ل ترقص ؟ قال ‪ :‬ل أعرف الطرب ‪.‬‬
‫وتعلمن الفلسفة والنطق ‪ ،‬وأنا ما عندي وقت للعب ‪.‬‬
‫أريد أن أسع ف الجلس ‪ ،‬حدثنا سبعي مرة ‪ ،‬لتكتمل السرّة ‪.‬‬
‫أههل الديهث هوا أههل النهب وإن‬
‫هحبوا‬
‫هه صه‬
‫هه أنفاسه‬
‫هحبوا نفسه‬
‫ل يصه‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الحديثيّة‬

‫الديث النبوي كلم ‪ ،‬ل يمر ف عقول فلسفة اليونان ‪ ،‬ول يتعفن ف أدمغة فلن‬
‫وفلن ‪ ،‬ول يأت من أهواء أهل الطغيان ‪ .‬وإنا قاله من أتى بالقرآن ‪ ،‬تقرأ استنباط أهل‬
‫‪-44-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫الفهوم ‪ ،‬وتطالع كتب أرباب العلوم ‪ ،‬ث تتلو حديث العصوم ‪ ،‬فإذا ماء الوحي يترقـرق‬
‫ف جنباته ‪ ،‬ورحيق العصمة يتدفق ف قسماته ‪ ،‬فكان كل علم قرأته قبله نسي وانتهى ‪،‬‬
‫لنه ل يقاوم كلما أتى من عند سدرة النتهى ‪.‬‬
‫السهههههموات شيقات ظماء‬

‫والفضهههها والنجوم والنواء‬

‫لكلم مههن الرسههول جيههل‬

‫تتلشههى مههن نوره الضواء‬

‫ما أح سن ال ضم والعناق ‪ ،‬لملة حدث نا ع بد الرزاق ‪ ،‬كل ما قلت أخب نا علي بن‬
‫الدين ‪ ،‬حفظت دين ‪ ،‬سهمي لكل مبتدع يسدد ‪ ،‬إذا قلت حدثنا مسدد بن مسرهد ‪.‬‬
‫أشرقت أمامي السالك ‪ ،‬كلما قرأت موطأ مالك ‪ ،‬سقيم الرادة العلمية له علج ‪،‬‬
‫عنـد مسـلم بـن الجاج ‪ ،‬أدْمغُـ كـل منحرف بذي ‪ ،‬بسـنن الترمذي ‪ ،‬أنـا فـ صـباحي‬
‫ومسائي ‪ ،‬أدعو للنسائي ‪.‬‬
‫ها جر الحدثون إل ال لطلب كلم ر سوله الم ي ‪ ،‬فوجدوا ف أول الطر يق ثواب‬
‫ن ية ال صادقي ‪ ،‬ووجدوا ف و سطه نضرة البهاء ال ت د عا ب ا سيد الر سلي ‪ ،‬ووجدوا ف‬
‫آخر الطريق جنة عرضها السموات والرض أعدت للمتقي ‪.‬‬
‫كل صاحب فن ‪ ،‬ينسب إل صاحب ذاك الفن ‪ ،‬إل الحدثون فإنم ينسبون ‪ ،‬إل‬
‫من أتى بالسنن ‪ ،‬وأهدى لنا الت ‪ ،‬وتنعمت بعلومه الفطن ‪.‬‬
‫مههها أروع المهههم الكبار لثلةٍ‬
‫معروفههههة بالب والحسههههانِ‬
‫يتصهههيدون كلم أكرم مرسهههلٍ‬
‫ينفون عنهههه سهههبيكة البهتانهههِ‬

‫سافر أح د بن حن بل من بغداد إل صنعاء ‪ ،‬يت طي الرمضاء ‪ ،‬وير كب الظلماء ‪،‬‬
‫يترك الهـل ‪ ،‬يدفعـه البـل إل السـهل ‪ ،‬تشيعـه الدموع ‪ ،‬يرافقـه الوع ‪ .‬لن الرجـل‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الحديثيّة‬
‫مشتاق‪ ،‬وأحد العشاق ‪ ،‬لذاك الترياق ‪ ،‬من قوارير عبد الرزاق ‪.‬‬
‫دخـل مكحول القرى والبوادي ‪ ،‬وطاف على النوادي ‪ ،‬وعـب كـل وادي ‪ ،‬يطلب‬
‫حديث النب الادي ‪ ،‬فصار ريانة الشام ‪ ،‬وشيخ السلم ‪.‬‬
‫‪-45-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ومشى أبو حات ‪ ،‬ألف فرسخ على القدام ‪ ،‬لطلب حديث سيد النـام ‪ ،‬فأصبح‬
‫بذلك أحد العلم ‪.‬‬
‫تون خطانهها للمحههب فلو مشههى‬
‫إليكهههم فؤادي كان أبرد للشوقهههِ‬

‫الحدثون هم عسكر الرسالة ‪ ،‬وجنود البسالة ‪ ،‬ظهروا على البدع بكتائب حدثنا ‪،‬‬
‫وسحقوا اللحدة بيوش أخبنا ‪.‬‬
‫لول كتابة الديث ف الدفاتر ‪ ،‬وحل الحدّثي للمحابر ‪ ،‬لطب الدجّال على النابر‬
‫ال كم من أ نف لبتدع أر غم ب صحيح البخاري ‪ ،‬و كم من صدر لخالف ضاق‬
‫بفتح الباري ‪.‬‬
‫الد يث ك سفينة نوح في ها من كل زوج ي اثن ي ‪ :‬روا ية ودرا ية ‪ ،‬بدا ية ونا ية ‪،‬‬
‫متون وأسانيد ‪ ،‬صحاح ومسانيد ‪ ،‬تراجم ومعاجم ‪.‬‬
‫من ر كب هذه ال سفينة ن ا من غرق الضللة ‪ ،‬و سلم من ب ر الهالة ‪ ،‬وو صل‬
‫شاطئ الرسالة ‪.‬‬
‫انطل قت هذه ال سفينة من الدي نة ‪ ،‬ربان ا ال صطفى ‪ ،‬والركاب ال صحابة الوفياء ‪،‬‬
‫ننـ على مائدة الحدثيـ أضياف ‪ ،‬فلعلنـا نعـد منهـم ‪ ،‬لن الضاف إليـه يأخـذ حكـم‬
‫الضاف ‪ ،‬ل كل طائ فة رئ يس ‪ ،‬والح ِدثّون م مد رئي سهم ‪ ،‬و هم القوم ل يش قى ب م‬
‫جليسهم ‪ ،‬ليتن خسرت ذهبا مثل ثهلن ‪ ،‬بجلس واحد مع سفيان ‪.‬‬
‫الحدثون بيوت م ال ساجد ‪ ،‬وع صى الت سيار التو كل ‪ ،‬وزاد هم التقوى ‪ ،‬وكلم هم‬
‫حدثنا وأخب نا ‪ ،‬ويريدون وجهه ‪ ،‬والطلب ال نة ‪ ،‬والق صد رضوان ال ‪ ،‬والع مل الذب‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الحديثيّة‬
‫عن اللة ‪ ،‬والنسبة ممديّون ‪.‬‬
‫هذه الطائفة ‪ (( :‬دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها ‪ ،‬ترد الاء وترعى الشجر حت‬
‫يلقاها ربا ‪ ،‬ف جنات ونر ‪ ،‬ف مقعد صدق عند مليك مقتدر )) ‪.‬‬

‫‪-46-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫سلم على الحدّث ي ‪ ،‬ورح ة رب العال ي ‪ ،‬ورضوان علي هم ف الالد ين ‪ ،‬وجع نا‬
‫بم ف الصالي ‪ ،‬وإل لقاء بعد حي ‪:‬‬
‫إن كان قهد عهز فه الدنيها اللقاء ففهي‬
‫مواقههف الشههر نلقاكههم ويكفينهها‬

‫‪-47-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫العلميّة‬

‫مــة الـعـلـميّـــة‬
‫المقـا َ‬
‫(( العلمـاء ورثـة النبيــاء ))‬

‫جعلت الال فوق العلم جهلً‬

‫لعمرك فه القضيهة مها عدلتها‬

‫وبينهمهها بنههص الوحههي بون‬

‫سههتعمله إذا طههه قرأتهها‬

‫العلم أشرف مطلوب ‪ ،‬وأ جل موهوب ‪ ،‬والعلماء ور ثة ال نبياء ‪ ،‬و سادة الولياء ‪،‬‬
‫والشهداء على اللوهية ‪ ،‬والدعاة إل الربوبية ‪ ،‬تستغفر لم حيتان الاء ‪ ،‬وطيور السماء ‪،‬‬
‫وتدعو لم النملة ‪ ،‬وتستغفر لم النحلة ‪ ،‬وَلَيتهم ل تقبل العزل ‪ ،‬وأحكامهم ليس فيها‬
‫هزل ‪ ،‬مالسـهم عبادة ‪ ،‬وكلمهـم إفادة ‪ ،‬يوقعون عـن رب العاليـ ‪ ،‬ويفضلون الناس‬
‫أجعي ‪ ،‬وكما يُهتدى بالنجوم ف ظلم الب والبحر ‪ ،‬فهم منائر الرض يهتدى بم ف كل‬
‫أ مر ‪ ،‬العلم ف صدورهم ‪ ،‬وال يهدي بنور هم ‪ ،‬وين ـزّل علي هم الرضوان ف قبور هم ‪،‬‬
‫ماضـ‬
‫ٍ‬
‫هـم حلة الوثيقـة ‪ ،‬والشهداء على الليقـة ‪ ،‬كلمهـم مفوظ منقول ‪ ،‬وحكمهـم‬
‫مقبول ‪ ،‬ب م تصلح الديار ‪ ،‬وتع مر المصار ‪ ،‬ويك بت الشرار ‪ ،‬و هم عز الد ين ‪ ،‬وتاج‬
‫الوحديـن ‪ ،‬وصـفوة العابديـن ‪ ،‬هـم أنصـار اللة ‪ ،‬وأطباء العلة ‪ ،‬يذودون عـن حياض‬
‫الشريعـة ‪ ،‬ويزجرون عـن المور الفظيعـة ‪ ،‬وينهون عـن العاصـي الشنيعـة ‪ ،‬هـم خلفاء‬
‫الر سول ‪ ،‬ثقات عدول ‪ ،‬ينفون عن الد ين تأو يل البطل ي ‪ ،‬وتر يف الاهل ي ‪ ،‬وأقوال‬
‫الكاذب ي ‪ ،‬مذاكرت م من أع ظم النوا فل ‪ ،‬ومرافقت هم من أح سن الفضائل ‪ ،‬و هم زي نة‬
‫الحافل ‪ ،‬بم تقام الماعات والمع ‪ ،‬وبم تقمع البدع ‪ ،‬هم الكواكب ف ليل الهل ‪،‬‬
‫و هم الغ يث ي عم ال بل وال سهل ‪ ،‬عالِ ٌم وا حد ‪ ،‬أ شد على الشيطان من ألف عا بد ‪ ،‬لن‬
‫العالِم يُدرِك اليل ‪ ،‬ول تتلط عليه السبل ‪ ،‬يكشف ال به تلبيس إبليس ‪ ،‬ويدفع ال بم‬
‫كل دجّال خسيس ‪ ،‬أحياء بعد موتم ‪ ،‬موجودون بعد فوتم ‪ ،‬علمهم معهم ف البيوت‬
‫وال سواق ‪ ،‬ويز يد بكثرة النفاق ‪ ،‬أقلم هم قاض ية ‪ ،‬على ال سيوف الاض ية ‪ ،‬ب صائرهم‬
‫تنقب ف مناجم النصوص ‪ ،‬وعقولم تركب الدر ف الفصوص ‪ ،‬الناس يتقاسون الدرهم‬

‫‪-48-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫العلميّة‬

‫والدينار ‪ ،‬وهم يتوزعون مياث النب الختار ‪ ،‬لو صلّى العا بد سبعي ركعة ‪ ،‬ما عادلت‬
‫من العال دمعة ‪ ،‬فهم أهل العقول الصحيحة ‪ ،‬وأرباب النصيحة ‪.‬‬
‫أما العلم شرف الدهر ‪ ،‬ومد العصر ‪ ،‬ذهب اللك براسه ‪ ،‬وبقيت بركة العال ف‬
‫أنفا سه ‪ ،‬فنِ َي ال سلطي ‪ ،‬ووُ سّدوا الط ي ‪ ،‬وخلد ذ كر أ هل العلم أبدا‪ ،‬وب قي ثناؤ هم‬
‫سرمدا ‪ ،‬العلم أعلى من الال ‪ ،‬وأه يب من الرجال ‪ ،‬به عُبِ َد الديّان ‪ ،‬وقام اليزان ‪ ،‬و به‬
‫نزل جبيل ‪ ،‬على صاحب الغرة والتحجيل‪،‬وبه عرفت شرائع السلم ‪ ،‬و ُميّز بي اللل‬
‫والرام ‪ ،‬وبـه وُصـلت الرحام ‪ ،‬وحُلّ كلّ نزاع وخصـام ‪ ،‬وبالعلم قام صـرح اليان ‪،‬‬
‫وارتفـع حصـن الحسـان ‪ ،‬وبيّنـت العبادات ‪ ،‬وشرحـت العاملت ‪ ،‬وهـو الذي جاء‬
‫بالزواجر ‪ ،‬عن الصغائر والكبائر ‪ ،‬وَفقِه الناس به الفرائض والنوافل ‪ ،‬والداب والفضائل ‪،‬‬
‫ون صبت به معال ال سّنن ‪ ،‬وكُ شف به و جه الف ت ‪ ،‬ودُلّ به على ال نة ‪ ،‬ود عي به إل‬
‫السـنة ‪ ،‬وهـو الذي سـحق الوثنيـة ‪ ،‬وهدم كيان الاهليـة ‪ ،‬ونىـ عـن سـبيل النار ‪،‬‬
‫وموجبات العار ‪ ،‬ووسائل الدمار ‪ ،‬وبه حورب الكفرة ‪ ،‬وطورد الفجرة ‪ ،‬وهو من العلل‬
‫دواء ‪ ،‬والشكوك شفاء ‪ ،‬ينسـف الشبهات ‪ ،‬ويجـب الشهوات ‪ ،‬ويصـلح القلوب ‪،‬‬
‫وير ضي علّم الغيوب ‪ ،‬و هو شرف الزمان ‪ ،‬وخ تم المان ‪ ،‬و هو حارس على الوارح ‪،‬‬
‫وبوّابـة إل الصـال ‪ ،‬وصـاحبه مهاب عنـد اللوك ‪ ،‬ولو كان صـعلوك ‪ ،‬وحامله مج ّد‬
‫مسوّد ‪ ،‬ولو كان عبدا أسود ‪ ،‬يلس به صاحبه على الكواكب‪ ،‬وتشي معه الواكب ‪،‬‬
‫وتدمـه السـادة ‪ ،‬وتابـه القادة ‪ ،‬وتكتـب أقواله ‪ ،‬وتقتفـى أعماله ‪ ،‬وتترمـه الاصـة‬
‫والعامة ‪ ،‬ويدعى للمور العامّة ‪ ،‬مرفوع الامة ‪ ،‬ظاهر الفخامة ‪ ،‬عظيم ف الصدور ‪ ،‬غن‬
‫بل دور ول ق صور ‪ ،‬ال بُغي ته ‪ ،‬والز هد حلي ته ‪ ،‬م سامرته للعلم قيام ‪ ،‬و صمته عن ال نا‬
‫صـيام ‪ ،‬رؤيتـه تُذكّرـ بال ‪ ،‬ل يعجبـه إل الذكـر ومـا واله ‪ ،‬عرف القيقـة ‪ ،‬وسـلك‬
‫الطري قة ‪ ،‬به تقام ال جة ‪ ،‬وتعرف الح جة‪ ،‬و هو ب طل النابر‪ ،‬وأ ستاذ الحابر‪ ،‬والحفوظ‬
‫اسه ف الدفاتر ‪.‬‬
‫والعلم و سام ل يلع ‪ ،‬و هو من اللك أر فع ‪ ،‬و هو إكل يل على الا مة ‪ ،‬وناة يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬ينقذ صاحبه من ظلمات الشك والريبة ‪ ،‬ويلصه من كل مصيبة‪ ،‬وهو علج من‬
‫الوسواس ‪ ،‬وف الغربة رضا وإيناس ‪ ،‬وهو نعم الليس والنيس ‪ ،‬وهو الطلب النفيس ‪.‬‬
‫‪-49-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫العلميّة‬

‫يغن يك عن ال سومة من ال يل ‪ ،‬والبا سقات من النخ يل ‪ ،‬ويكف يك عن القناط ي‬
‫القنطرة ‪ ،‬والدواوين العطّرة ‪.‬‬
‫وحسـبك كفايـة عـن كـل بناء ‪ ،‬وعـن الدائق الغناء ‪ ،‬والبسـاتي الفيحاء ‪ ،‬وهـو‬
‫الك مة ال ت من أوتي ها ف قد أو ت خيا كثيا ‪ ،‬والُلْك الذي من أعط يه ف قد أع طي ملكا‬
‫كبيا ‪ ،‬و صاحب العلم غنّ بل تارة ‪ ،‬أم ي بل إمارة ‪ ،‬قويّ بل جنود ‪ ،‬والناس بال ي‬
‫له شهود ‪.‬‬
‫مات القادات والسـادات ‪ ،‬وذكرهـم معهـم مات ‪ ،‬إل العلماء فذكرهـم دائم ‪،‬‬
‫ومدهم قائم ‪ ،‬فألسنة اللق ‪ ،‬أقلم الق ‪ ،‬تكتب وتط لم الثناء ‪ ،‬وأفئدة الناس صحف‬
‫ت فظ ل م ال ب والوفاء ‪ ،‬كان أ بو حني فة مولً يبيع بزّا ‪ ،‬ولك نه بعل مه هز الدن يا هزّا ‪،‬‬
‫وكان عطاء بن أب رباح ‪ ،‬خادم لمرأة ف البطاح‪ ،‬فنال بعلمه المامة ‪ ،‬وأصبح ف المة‬
‫علمة ‪ ،‬وابن البارك عبد ال‪ ،‬الول المام الوّاه ‪ ،‬والعمش ومكحول ‪ ،‬كانوا من الوال‬
‫ولكنهم أئمة فحول ‪ ،‬فالعلم يرفع صاحبه بل نسب ‪ ،‬ويشرفه بل حسب ‪.‬‬
‫وإن ا ي صل العلم بدم ته كلّ ح ي ‪ ،‬وطل به ليُع بد به رب العال ي ‪ ،‬وطيّ الل يل‬
‫والنهار ف تصيله ‪ ،‬والسهر على تفصيله ‪ ،‬ومذاكرته كل يوم ‪ ،‬والستغناء به عن حديث‬
‫القوم ‪ ،‬ومطالعة مصنفاته ‪ ،‬ومدارسة مؤلفاته ‪ ،‬وتقييد أوابده ‪ ،‬وحفظ شوارده ‪ ،‬وتكرار‬
‫متونه ‪ ،‬ومعرفة عيونه ‪.‬‬
‫ف من طل به ب صدق ‪ ،‬وحرص عل يه ب ق ‪ ،‬ف هو مها جر إل ال ور سوله ‪ ،‬تف تح له‬
‫أبواب النة عند وصوله ‪ ،‬وهو مرابط ف ثغور الرابطي ‪ ،‬وجواد ف صفوف العطي ‪،‬‬
‫ومداده ف الوراق ‪ ،‬كدماء الشهداء الهراق ‪ ،‬لنه مقاتل بسيف النصوص ‪ ،‬قطّاع طريق‬
‫اللة والل صوص ‪ ،‬و قد يق مع ال به الشرار‪ ،‬ما ل يقوم به ج يش جرار ‪ ،‬فإن ال يري‬
‫حجّ ته على ل سانه ‪ ،‬ويُ سيّر موعظ ته ف بيا نه ‪ ،‬فين ـزع ال بكل مه حظّ الشيطان من‬
‫النفوس ‪ ،‬ويتث به خطرات الزيغ من الرؤوس ‪ ،‬ويغسل ال بعي علمه أوساخ القلوب ‪.‬‬
‫وين فض بن صائحه أدران الذنوب ‪ ،‬فكل ما ب ن إبل يس ف الرواح ضللة جاء العال‬
‫فأزهقها ‪ ،‬وكلما نسج ف النفس خيمة للباطل قام العال فمزّقها ‪.‬‬
‫‪-50-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫العلميّة‬

‫صاحب الال مغموم مهموم ‪ ،‬خادم ول يس بخدوم ‪ ،‬حارس على ماله ‪ ،‬ب يل على‬
‫عياله ‪ ،‬وصـاحب العلم سـعيد مسـرور ‪ ،‬يعمره البور ‪ ،‬ويل فؤاده النور ‪ ،‬تعلم مـن‬
‫السؤدد غايته ‪ ،‬ومن الشرف نايته تب إليه ثرات كل شيء من لطائف العارف ‪ ،‬وتوي‬
‫إليه أفئدة الكمة وهو واقف ‪ ،‬يأتيه طلبة العلم من كل فج عميق ‪ ،‬كأنا يؤمون البيت‬
‫العت يق ‪ ،‬ف قل به ن صوص الشري عة ‪ ،‬ينل علي ها ماء الف قه فتهتزّ وتر بو ‪ ،‬وتن بت من كل‬
‫زوج ب يج ‪ ،‬فترى العال يول فكره ف الل العلى والناس ف أ مر مريج ‪ ،‬فقلب العال له‬
‫جولن ف فضاء التوح يد ‪ ،‬وقلب الا هل ف غابات الهل بل يد ‪ ،‬أشر قت ف قلب العال‬
‫مشكاة فيها مصباح ‪ ،‬وتنفس ف نفسه نور الصباح ‪ ،‬أنزل من السماء ماءً فسالت أودية‬
‫بقدرها ‪ ،‬فاخضرت روضة العال على أثرها‪.‬‬
‫صيد الكلب العلّم حلل ‪ ،‬وصيد الكلب الاهل حرام ووبال ‪ ،‬وما ذاك إل لشرف‬
‫العلم حت ف البهائم ‪ ،‬ومكانة العرفة حت ف السوائم ‪.‬‬
‫والدهـد حلـ علما إل سـليمان ‪ ،‬فسـطّر ال اسـه فـ القرآن ‪،‬فهـو بالجـة دمـغ‬
‫بلق يس‪ ،‬وأن كر علي هم عبادة إبل يس ‪ ،‬وح ل من سليمان ر سالة ‪ ،‬وأظ هر بالعلم شجا عة‬
‫وبسالة ‪ .‬فعليك بالعلم ‪ ،‬والفهم فيه الفهم ‪ ،‬وتصدّق عليه بنوم الفون ‪ ،‬وأنفِق عليه دمع‬
‫العيون ‪ ،‬واكت به ف ألواح قل بك ‪ ،‬وا ستعِن على طل به بتوف يق ر بك ‪ ،‬وأتعِب ف طل به‬
‫أقدامك ‪ ،‬وأش غل بتحصيله أيامك ‪ ،‬وإذا سهر الناس على الغان ‪ ،‬فاسهر على الثا ن ‪،‬‬
‫وإذا و قع القوم ف اللذات ‪ ،‬وأدمنوا الشهوات ‪ ،‬فاع كف على اليات البينات ‪ ،‬وال كم‬
‫البالغات ‪ ،‬وإذا احتسـى الع صاة الصـهباء فاكرع مـن مع ي الشريعـة الغراء ‪ ،‬وإذا سعت‬
‫الله ي ي سمرون ‪ ،‬وعلى غي هم ي سهرون ‪ ،‬ف صاحب الكتاب ‪ ،‬فإ نه أو ف ال صحاب ‪،‬‬
‫وأصـدق الحباب ‪ ،‬وإذا رأيـت الفلّح يغرس الشجار ‪ ،‬ويفجّر النار ‪ ،‬فاغرس شجـر‬
‫العلم ف النفوس ‪ ،‬وفجّر ينابيع الكمة ف الرؤوس ‪ ،‬وإذا أبصرت التجار يصرفون الفضة‬
‫والذهب ‪ ،‬فاصرف الجة كالشهب ‪ ،‬وأطلق الوعظة كاللهب ‪.‬‬
‫يكف يك أن العلم يَدّع يه غ ي أهله ‪ ،‬وأن ال هل ينت في م نه الا هل و هو ف جهله ‪،‬‬
‫يرفع العال الصادق بعلمه على الشهيد ‪ ،‬لنه يقتل به كل يوم شيطان مريد ‪ ،‬العال سيوفه‬
‫أقل مه ‪ ،‬و صحفه أعل مه ‪ ،‬وم نبه ظ هر ح صانِه ‪ ،‬وحلق ته حل بة ميدا نه ‪ ،‬العال يفرّ من‬
‫‪-51-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫العلميّة‬

‫الدنيا و هي تلحقه ‪ ،‬ويأب الناصب وهي ترمقه ‪ ،‬والعلم هو العضْب الهند ليس ينبو ‪،‬‬
‫وهو الواد الضمّر الذي ل يكبو ‪ ،‬ولكن القصود بذا العلم علم الكتاب والسنة ‪ ،‬الذي‬
‫يدلك على طريـق النـة ‪ ،‬وهـو مـا قادك إل التباع ‪ ،‬وناك عـن البتداع ‪ ،‬فإن كسـرك‬
‫وه صرك ون صرك ‪ ،‬ف هو علم نا فع فإن أعج بك وأطر بك وأغض بك ف هو علم ضار ‪ ،‬ما‬
‫كسرك عن الدنيا الدنية ‪ ،‬والراكب الوطيّة ‪ ،‬والشهوات الشهية ‪ ،‬وهصرك عن العلو ف‬
‫الرض ‪ ،‬ونسيان يوم العرض ‪ ،‬ونصرك على النفس المارة ‪ ،‬والمان الغدارة ‪ ،‬فهذا هو‬
‫العلم الفيد ‪ ،‬والعطاء الفريد ‪.‬‬
‫وإن أعجبك فتكبت ‪ ،‬وأطربك فتجبّرت ‪ ،‬وأغضبك فتهوّرت فاعلم أنه علم ضار‪،‬‬
‫وبناء منهار ‪ ،‬علم ل يلزمـك تكـبية الحرام مـع المام ‪ ،‬فهـو جهـل وأوهام ‪ ،‬وعلم‬
‫ل يدعوك إل ال صدق ف القوال ‪ ،‬وال صلح ف العمال ‪ ،‬وال ستقامة ف الحوال ‪،‬‬
‫فهو وبال ‪ ،‬العلم ليس مناصب ومواكب ومراكب ومراتب ومكاسب ‪.‬‬
‫بـل العلم إيان وإيقان وإحسـان وعرفان وإذعان وإتقان ‪ ،‬فهـو إيان باـ جاء بـه‬
‫الرسـول ‪ ،‬وإيقان بالنقول والعقول ‪ ،‬وإحسـان يوّد بـه العمـل ‪ ،‬ويذَر بـه مـن الزلل ‪،‬‬
‫وعرفان ي مل على الش كر ‪ ،‬ويد عو لدوام الذ كر ‪ ،‬وإذعان ي مل على الع مل بالأمور ‪،‬‬
‫واجتناب الحذور ‪ ،‬والرضا بالقدور ‪ ،‬وإتقان تصلح به العبادة ‪ ،‬وتطلب به الزيادة ‪.‬‬

‫‪-52-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السلفيّة‬

‫مــة السـلفـيّــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬أُوْلَئَِك الَّذِيَن هَدَى اللَُّه فَبِهُدَاهُْم اقْتَدِ ِه ‪‬‬
‫ههم القوم إن قالوا أصهابوا وإن دعوا‬
‫أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا‬
‫ول يسهههتطيع الفاعلون فعالمههه‬
‫ولو حاولوا فهههه النائبات وأجلوا‬
‫قال الراوي ‪ :‬نراك صاحب تف ‪ ،‬فحدثنا عن مذهب السلف ‪ ،‬ليقتدي به اللف‬
‫فمله السرور ‪ ،‬وحضره البور ‪ ،‬وغشيه النور ‪ ،‬ث أنشد ‪:‬‬
‫ودا عٍ د عا إذ ن ن بال يف من م ن‬
‫فهيّههج أشواق الفههؤاد ومها ندري‬
‫دع ها با سم لي هلى غي هرها فكأن ا‬
‫أطار بليلى طائرا كان فهه صههدري‬

‫ث قال ذكرتونا خي القرون ‪ ،‬ونون العيون ‪ ،‬فحديثهم ذو شجون ‪.‬‬
‫ف هم أ هل التّباع ل البتداع ‪ ،‬وأ هل الروا ية وال سماع ‪ ،‬والُل فة والجتماع ‪ ،‬نزل‬
‫الوحي بناديهم ‪ ،‬وسارت السنة من واديهم ‪ ،‬شهدوا التنـزيل ‪ ،‬وعرفوا التأويل ‪ ،‬قولم‬
‫سديد ‪ ،‬وفعلهم رشيد ‪ ،‬ومنهجهم حيد ‪ ،‬ومذهبهم فريد ‪ ،‬اعتصموا بالدليل ‪ ،‬وتركوا‬
‫القال والقيل ‪ ،‬فهم صفوة كل جيل ‪ ،‬وخلصة كل قبيل ‪:‬‬
‫ههم النجوم مسهائلها إذا التبسهت‬
‫عليهك عنهد السهرى يها صهاحب السهبلُ‬
‫هم‬
‫هم اعرف حقيقتهه‬
‫هع طريقتهه‬
‫اتبه‬
‫اقرأ وثيقتهههم بالههب يهها رجههلُ‬

‫السلف أهدى الناس سبيل ‪ ،‬وأصدقهم قيل ‪ ،‬وأرجحهم تعديل ‪.‬‬
‫‪-53-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السلفيّة‬

‫مقامـات القرني‬
‫هم أعلم يُهتدى بم ف بيداء الضللة ‪ ،‬وهم أقمار يستضاء با ف ليل الهالة ‪ ،‬هم‬
‫الوازين الصادقة للمذاهب ‪ ،‬وهم العي العذب لكل شارب ‪ ،‬وهم الرعيل الختار القتدي‬
‫به كل طالب ‪ .‬تركوا التشدّق ‪ ،‬والتفيهق ‪ ،‬والتشقق ‪ ،‬والتحذلق ‪ ،‬والتمزق ‪.‬‬
‫وهجروا التع سف والتكلف ‪ ،‬ل م م نا ال ب ال صادق ‪ ،‬والع هد الوا ثق ‪ ،‬والجلل‬
‫والتقدير ‪ ،‬والكرام والتوقي ‪ ،‬والنصرة والتعزير ‪ ،‬شرف ال تلك القدار ‪ ،‬وأنزلم منازل‬
‫البرار ‪ ،‬وأسكنهم أجل دار ‪ ،‬وأحسن قرار ‪ ،‬لو كتبت دموعنا على خدودنا لا كتبت إل‬
‫حبَهم ‪ ،‬لو تنت قلوبنا غاية المان ما تنّت إل قربَهم ‪.‬‬
‫أ ما والذي شق القل هوب وأوج هد‬
‫الحبهة الحبهة فيهها حيهث ل تتصهرمُ‬
‫وحلههها قلههب الحههب وإنههه‬
‫ليضعهف عهن حله القميهص ويألههمُ‬
‫لنتههم على قرب الديههار وبعدهها‬
‫ههوا‬
‫هها إن غبتموا أو حضرتهه‬
‫أحبتنه‬
‫سلوا ن سمات الر يح كم قد تمّلت‬
‫مبهة صهبّ شوقههه ليهس يكتههمُ‬

‫ال سلف خ ي م نا ‪ ،‬ارت فع قدر هم ع نا ‪ ،‬سبقوا باليان ‪ ،‬و حب الديان ‪ ،‬والع مل‬
‫بالقرآن ‪ ،‬ونيل درجة الحسان ‪ ،‬هم أهل الجرة والهاد ‪ ،‬والصب واللد ‪ ،‬عندهم خي‬
‫زاد ‪ ،‬ليوم العاد ‪ ،‬وهـم صـفوة العباد ‪ .‬السـلف ليسـوا معطلة ‪ ،‬ول معتزلة ‪ ،‬ول مؤوّلة ‪،‬‬
‫ول مهّلة ‪ ،‬ول ميّلة ‪.‬‬
‫لن العطلة عطلوا الباري ما دلت عليه الحاديث واليات ‪ ،‬والعتزلة نفوا الصفات‬
‫والؤولة أوّلوا ما أتت به النصوص الواضحات ‪ ،‬والجهلة قالوا إن الرسل ليس عندهم إل‬
‫تيلت ‪ ،‬فضلّ الم يع ف العقليات ‪ ،‬وجهلوا النقليّات ‪ ،‬فهدى ال أ هل ال سنة لح سن‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السلفيّة‬
‫القوال ف الظنيات واليقينيات ‪ ،‬والصفات ‪ ،‬والذات ‪.‬‬
‫والسلف ليسوا خوارج أقوالم كفرية ‪ ،‬وليسوا جبية ‪ ،‬ول قدرية ‪ ،‬ول أشعرية ‪.‬‬

‫‪-54-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫لن الوارج كفّروا بالكبية ‪ ،‬وأخرجوا السلم من الدين بالريرة ‪ ،‬وحلوا السيف‬
‫على أئمة اليف ‪ ،‬وخلدوا الفاسق ف النار ‪ ،‬مع الكفار ‪ ،‬والبية قالوا ‪ :‬إن العباد جبوا‬
‫على الذنوب ‪ ،‬وقهروا على معصية علم الغيوب ‪.‬‬
‫والقدرية قالوا ل يسبق القدر علم ول كتاب ‪ ،‬والمر مستأنف خطأه والصواب ‪.‬‬
‫والشعريهة أثبتوا السـاء وسـبعا مـن الصـفات ‪ ،‬وأوّلوا الباقيات ‪ ،‬ولمـ مقالت‬
‫زائفات ‪ ،‬والسلف قابلوا النصوص بالذعان والتسليم ‪ ،‬والتوقي والتكري ‪ ،‬فأمرّوها على‬
‫ظاهرها كما جاءت من غي تثيل ‪ ،‬وقبلوها من غي تعطيل ‪ ،‬وعرفوها من غي تكييف‬
‫وفهموها من غي تشبيه ول تزييف ‪.‬‬
‫وأ نا إل ال سلف انت سب ‪ ،‬لن ن رض عت منهج هم ويرم من الرضاع ما يرم من‬
‫النسب ‪ ،‬والبتدعة ليسوا منا ول إلينا ‪ ،‬لن البقر تشابه علينا ‪.‬‬
‫إذا أتا ن كتاب متوم ‪ ،‬عل يه توق يع الع صوم ‪ ،‬لثمتُه بدمو عي وأنفا سي ‪ ،‬ووضع ته‬
‫على راسي ‪ ،‬وقلت سعا وطاعة ‪ ،‬لصاحب الوض والشفاعة ‪.‬‬
‫وإذا جاءنـ كتاب بالباطـل منمرق ‪ ،‬وبالبدعـة مزمرق ‪ ،‬وبالبهتان مخرق ‪ ،‬مزقتـه‬
‫كل مزق ‪ .‬واعظ ال ف كل سريرة ‪ ،‬فإذا ألقيت قميص يوسف على يعقوب البصية ‪.‬‬
‫عاد القلب بنور الو حي ب صيا ‪ ،‬وار تد طرف البا طل ح سيا ‪ ،‬وان فل حد الزور ك سيا ‪.‬‬
‫سلم على السلف ‪ ،‬من اللف ‪ ،‬ما غرد حام وهتف ‪ ،‬وما حَنّ حبيب لبيب وعطف ‪،‬‬
‫وما رقص قلب صب ورجف ‪ ،‬وما هع دمع ونزف ‪.‬‬
‫جرك البضا عة ب تم م مد ‪ ،‬واك تب على البطا قة ل ي ستبدل ول يدد ‪ ،‬واقرأ على‬
‫الكيس خرج من مدينة الرسول ‪ ،‬وحامل الكيس هو السئول ‪ ،‬واحذر من التزوير ‪ ،‬فإن‬
‫موزع البيد بصي‪ ،‬وقارئ الرسائل خبي‪ ،‬إذا طلع فجر البشرى من الدينة أَ ّذنّا ‪ ،‬وإذا رأينا‬
‫الركب من طيبة أعلنّا ‪ ،‬وإذا سعنا التاف الحمدي أمنّا ‪ ،‬وكلنا حول رايته دندنّا ‪.‬‬
‫خ بز كانون الر سالة أب يض ‪ ،‬ل يأكله كل معرض ‪ ،‬الدق يق بال صدق مطحون ‪ ،‬فل‬
‫يأكله البطون ‪ ،‬مالك ؟ ل تتدي ف ال سالك ؟ وت قع ف الهالك ‪ ،‬نناد يك إل أح د بن‬
‫حن بل ‪ ،‬فتذ هب إل أح د بن أ ب دُؤاد الغ فل ‪ ،‬ونقول را فق إبراه يم بن أد هم ‪ ،‬فترا فق‬
‫‪-55-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السلفيّة‬

‫العـد بـن درهـم ‪ ،‬تجـر الصـادق السـلفي ييـ بـن معيـ ‪ ،‬وتصـاحب ابـن سـينا ‪،‬‬
‫وابـن سـبعي ‪ ،‬ويعجبـك كلم ابـن الراوندي اللعيـ ‪ ،‬عليـك بجلس مالك وسـفيان ‪،‬‬
‫واهرب من الهم بن صفوان ‪ ،‬عندنا حاد بن زيد ‪ ،‬وعندهم عمرو بن عبيد ‪ ،‬احذر من‬
‫الكشاف ‪ ،‬فإ نه ل يس بكاف شاف ‪ ،‬وأحذرك الف صوص ‪ ،‬فإن ب ي أ سطره الل صوص ‪،‬‬
‫السلف أبرياء من الختلف واللّجاج ‪ ،‬وظلم الجّاج ‪ ،‬وخرافات اللّج ‪.‬‬
‫ال سلف أط هر من ماء الغمام ‪ ،‬وأز كى من ال سك والزام ‪ ،‬ح سبهم تزك ية اللك‬
‫العلّم ‪ ،‬جعنـا ال بمـ فـ دار السـلم ‪ ،‬هجروا العلوم النطقيـة ‪ ،‬والقضايـا السـفسطية ‪،‬‬
‫والعقائد القرمطية ‪ ،‬ولزموا الطريقة الوسطيّة ‪.‬‬
‫السلف صادقون ل يكذبون ‪ ،‬عدول ل يظلمون ‪ ،‬وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب‬
‫ينقلبون ‪ ،‬ولذا أ مر أ بو ب كر ال صديق بق تل م سيلمة الكذاب ‪ ،‬فمُزق بالِ ـراب ‪ :‬عند نا‬
‫خالدان ‪ :‬سيف ال خالد بن الول يد ‪ ،‬وخالد الق سري ذو الب طش الشد يد ‪ ،‬فخالد ذ بح‬
‫مسيلمة ف اليمامة ‪ ،‬وخالد نر العد بن درهم وهو ف مراب المامة ‪.‬‬
‫لدينا أحدان ‪ ،‬ولديهم أحدان ‪ ،‬صادقان ‪ ،‬وكاذبان ‪ ،‬عندنا أحد بن حنبل ‪ ،‬إمام‬
‫السـنة البجـل ‪ ،‬وعلمـة الديـث الفضـل ‪ ،‬وأحدـبـن تيميّة ‪ ،‬مدد المـة السـلمية ‪،‬‬
‫صاحب التدمرية والمويّة ‪.‬‬
‫وعند هم أح د بن أ ب دُؤاد ‪ ،‬صاحب البد عة والعناد ‪ ،‬واللف والف ساد ‪ ،‬وأح د‬
‫غلم مرزا قاديان ‪ ،‬حامل الزور والبهتان ‪ ،‬والدجل والطغيان ‪.‬‬
‫عند نا حادان ‪ ،‬وعند هم حادان ‪ ،‬عند نا حاد بن ز يد ‪ ،‬الراو ية الف يد ‪ ،‬والحدث‬
‫الجيد ‪ ،‬وحاد بن سلمة ‪ ،‬نصب للصدق علمه ‪ ،‬وأجرى ف العلم قلمه ‪ ،‬وعندهم حاد‬
‫عجرد ‪ ،‬الشاعـر العربـد ‪ ،‬والضال اللحـد ‪ ،‬وحاد الراويـة ‪ ،‬صـاحب الفكار الاويـة ‪،‬‬
‫أمه هاوية ‪.‬‬
‫لشتان مها بيه اليزيديههن فه الندى‬
‫يزيهد بهن عمرو والغهر بهن حاتِه‬
‫فهمّه الفته الزدي إتلف مالههه‬

‫‪-56-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السلفيّة‬

‫مقامـات القرني‬
‫ه‬
‫وهمّه الفته القيسهيّ جعه الدراهم ِ‬

‫السهلف كالعيون ‪ ،‬علجهـا أن ل تسـ ‪ ،‬وكالدرر جاله أن ل يدس ‪ ،‬والسـلف‬
‫كالاء الزلل فل تشوّبه بالطي ‪ ،‬وكلمهم مبارك متي ‪ ،‬ل يفهمه إل فطي ‪.‬‬
‫السهلف أعلم ‪ ،‬وأحكـم ‪ ،‬وأسـلم ‪ ،‬وأحلم ‪ ،‬وأكرم ‪ ،‬والبتدعـة أظلم ‪ ،‬وأغشـم ‪،‬‬
‫وأشأم ‪ ،‬وأجرم ‪ ،‬قل ل يستوي البيث والطيب ‪ ،‬والقحط والصيّب ‪.‬‬
‫الذباب إذا و قع ف الناء ‪ ،‬فاغم سه فإن ف أ حد جناح يه داء ‪ ،‬و ف ال خر دواء ‪،‬‬
‫وإذا وقع البتدع ف إناء السنة النبوية ‪ ،‬فاهرقه بالكلية ‪ ،‬لن ف جناحيه كلها بلية ‪.‬‬
‫الكلب العلّم كُل ما صادَه ‪ ،‬لنه جعل العلم زاده ‪ ،‬وإذا جاءك البتدع بصيد ‪ ،‬فقل‬
‫حرام صيدك يا بليد ‪ ،‬لنك مفسد رعديد ‪.‬‬
‫ب ال سلف ‪ ،‬ب كل تلف ‪ ،‬مزّق ال قلبا ل ي ب ال سلف ‪ ،‬وأزهق ال‬
‫بشّر من س ّ‬
‫روحا توى البتد عة الجلف ‪ ،‬ن فس ل تترم ال سلف مري ضة ‪ ،‬وروح ل توقّر ال سلف‬
‫بغيضة ‪ .‬جزاء علماء الكلم الريد والنعال ‪ ،‬وال سياط الطوال ‪ ،‬والق يد والغلل ‪ ،‬لن م‬
‫اشتغلوا بالقشور وتركوا اللباب ‪ ،‬وفارقوا السنة والكتاب ‪ ،‬وخالفوا الصحاب ‪.‬‬
‫السهلف ‪ :‬موحدون مسـدّدون ‪ ،‬مقتصـدون ‪ ،‬عابدون ‪ ،‬ماهدون ‪ ،‬زاهدون ‪،‬‬
‫متحدون ‪ ،‬متوادون ‪ ،‬متهجدون ‪.‬‬
‫والبتدعهههههة ‪ :‬متفرقون ‪ ،‬متحذلقون ‪ ،‬متنطعون ‪ ،‬متفيهقون ‪ ،‬متشدقون ‪،‬‬
‫قلقون ‪ ،‬متمزقون‪.‬‬
‫نوح الدا ية ‪ ،‬ينادي ا بن الغوا ية ‪ :‬ار كب مع نا ‪ ،‬فإن القارب ي سعنا ‪ ،‬فقال ال بل ‪:‬‬
‫سآوي إل ج بل ‪ ،‬و ما علم أن أع ظم ج بل ‪ ،‬إتباع سيد الر سل ‪ ،‬وطا عة اللك ال جل ‪،‬‬
‫والعمل با نزل ‪.‬‬

‫‪-57-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫اليوسفيّة‬

‫مــــة الـيوســفـيّـــة‬
‫المقـا َ‬
‫‪‬‬

‫ت لِل َّ‬
‫سائِلِيَن ‪‬‬
‫ف َوإ ِ ْ‬
‫س َ‬
‫لََقد ْ كَا َ‬
‫ن فِي يُو ُ‬
‫خوَتِهِ آيَا ٌ‬

‫كأن الثريههها علقهههت ببهههينه‬
‫وفه جيده الشعرى وفه وجههه القمهر‬
‫ولو نظرت شسه الضحهى فه خدوده‬
‫لقالت معاذ ال مهها يوسههف بشههر‬
‫كنا نلس كل يوم ‪ ،‬مع قوم ‪ ،‬ينتقون من الديث درره ‪ ،‬ويذكرون لنا العال بره‬
‫وبرّه ‪ .‬فدَلِف علينا يوما من اليام ‪ ،‬شيخ مشوق القام ‪ ،‬كثي البتسام ‪ ،‬فصيح الكلم ‪،‬‬
‫فنظر ف وجوهنا وتوسّم ‪ ،‬ث تبسّم وسلّم ‪ ،‬ث جلس واتكى ‪ ،‬وتأوّه وشكى ‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬ما الب ‪ ،‬أيها الشيخ الغر ؟ قال ‪ :‬تذكرت من غب ‪ ،‬أهل الخبار والسي ‪،‬‬
‫فعلمت أننا بالثر ‪ ،‬قلنا ‪ :‬ما السم ‪ ،‬فقد أعجبنا الرسم ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أ نا عب يد ال بن ح سان ‪ ،‬من أ هل مي سان ‪ ،‬قل نا ‪ :‬كل مك مبوب ‪ ،‬ف قص‬
‫علينا قصة يوسف بن يعقوب ‪ ،‬فقال ‪ :‬مهما اهتم العال بالفظ وحرص ‪ ،‬لكن الذهن فتر‬
‫صصِ‬
‫والاطر نكص ‪ .‬وكفى بقصص ال وهو يقول ‪ :‬نَحْ ُن َنقُ صّ عََليْ كَ أَحْ سَنَ الْقَ َ‬
‫‪ ،‬لكن سوف أخبكم بوقفات ‪ ،‬والعفو عما نسيناه وفات ‪.‬‬
‫لا نصح يعقوب يوسف أن ل يقص ما رأى ‪ ،‬لنه يشى عليه ما جرى ‪ ،‬فإنه ما‬
‫خل ج سد من ح سد ‪ ،‬و كم من قلب بن عم الغ ي ف سد ‪ ،‬ف يا أيها الع بد ا ستر جال‬
‫يوسـف النعـم ‪ ،‬خوفا مـن أن تلقـى فـ غيابـة جـب النقـم ‪ ،‬فيسـلط عليـك ذئب‬
‫البغضاء ‪ ،‬ل ذئب الصحراء ‪:‬‬
‫هتأنست بالذئب إذ عوى‬
‫عوى الذئب فاسه‬
‫وصهههوّت إنسهههان فكدت أطيههه‬

‫‪-58-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫اليوسفيّة‬

‫ل تعتذر للمخالف ‪ ،‬فيأخـذ العذر منـك وأنـت واقـف ‪ ،‬أمـا ترى يعقوب ‪ ،‬يوم‬
‫خاف على ابنـه الطوب ‪ ،‬قال ‪ :‬أخاف أن يأكـل الذئب يوسـف ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أكله‬
‫الذئب فل تأسف ‪ ،‬فكأن ّه هيأ لم الجة ‪ ،‬حينما ضلوا ف الحجّة ‪.‬‬
‫وجاؤا على قمي صه بدم كذب ‪ ،‬لن الذئب ما خلع الثوب ‪ ،‬بل ش قه و سحب ‪،‬‬
‫والذئب ل يفتح الزرار ‪ ،‬بل يزقها بل وقار ‪:‬‬
‫يها معنها فه السهوء والعيهب‬

‫ل ينفهع التهذيهب فه الذيهب‬

‫لو علمـت القافلة بكانـة يوسـف ‪ :‬مـا قالوا ‪ :‬يـا بشرى هذا غلم ‪ ،‬بـل لقالوا ‪:‬‬
‫يا بشرى هذا إمام ‪ ،‬وول مقدام ‪ ،‬وسيد هام ‪ ،‬ولكن وما أدرى الليل ببدر التمام‬
‫يو سف لد يه جال وجلل ‪ ،‬فرد عه وازع اللل ‪ ،‬عن نوازع المال ‪ ،‬ل ا قال ‪:‬‬
‫معاذ ال ‪ ،‬حاه ربه وتوله ‪.‬‬
‫لو ترك يو سف كل مة اذكر ن ع ند ر بك وذ كر هو ربّ ه ‪ ،‬لك شف كر به ‪ ،‬وأزال‬
‫خطبه ‪ ،‬وأسعد قلبه ‪.‬‬
‫يوسف ما نسي إيانه ‪ ،‬سُئل عن الرؤى وهو ف الزنزانة ‪ ،‬فدعا إل التوحيد ‪ ،‬لن‬
‫التوحيد حياة العبيد ‪ ،‬ل يرده قيد ول ينعه حديد ‪.‬‬
‫قهد قلت للذئب الوفه لصهحبهِ‬

‫ه‬
‫يها صهاحب الظفار والنياب ِ‬

‫أأكلت يوسهف فه العراء بلسهة‬

‫ه‬
‫ودم النبوة سهال فه الثواب ِ‬

‫إنه أحهب النهبياء ومهجههت‬

‫ه‬
‫ه وإهابه‬
‫هب ومقلته‬
‫تفدي النه‬

‫فأجابنهه وال ل أهمهه بههه‬

‫هذا معاذ ال غيهه صههوابِ‬

‫الذئاب ما تأ كل ال نبياء ‪ ،‬ول تل طخ أفواه ها بدماء الولياء ‪ ،‬لن م أ صفياء أوفياء‬
‫وإناـ يقتـل النـبياء ذئاب الليقـة ‪ ،‬إذا عميـت عليهـم القيقـة ‪ ،‬وأظلمـت عليهـم‬
‫الطريقة‪:‬‬
‫الذئب أكرم عشرة مههههن ثلة‬

‫خانوا عهود مودة الخوان‬

‫ف سورة يو سف قم يص بريء من الذئب ‪ ،‬وقم يص بريء من العيب ‪ ،‬وقميص‬
‫مضمخ بالطيب ‪.‬‬
‫‪-59-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫اليوسفيّة‬

‫فالول ‪ :‬قم يص يو سف و قد مزّ قه الخوان ‪ ،‬والثا ن ‪ :‬قمي صه و قد مزّق ته امرأة‬
‫السلطان ‪ ،‬والثالث ‪ :‬قميصه وقد ألقي على يعقوب فأبصرت العينان ‪:‬‬
‫كأن كههل نداء فهه مسههامعه‬
‫قميههص يوسههف فهه أجفان يعقوب‬

‫لا قال إخوة يوسف له ‪َ :‬وَأبُونَا َشيْ خٌ َكبِيٌ ‪ ،‬نسوا أنم هم الذين أوقعوه ف‬
‫هم كثي ‪ ،‬فهو بسبب ما فعلوه ف حزنه أسي ‪ ،‬وف بيته كسي ‪ ،‬فهم يتجون به‬
‫وقت الاجة ‪ ،‬وينسونه وقت اللجاجة ‪.‬‬
‫ل ا قال يعقوب ‪ :‬ل تدخلوا من باب وا حد ‪ ،‬ل نه خاف الا سد ‪ ،‬ف هو ف مكان‬
‫النعيم قاعد ‪ ،‬فإذا أقبلوا ف حلة ‪ ،‬قتلهم جلة ‪ ،‬فَعمّ على السود المر ‪ ،‬لتضع ف‬
‫عينيه المر ‪.‬‬
‫الدنيا وجهها نس ‪ ،‬يباع يوسف بثمن بس ‪ ،‬وحزن يعقوب يكاد يذهب بالنفس‬
‫‪ ،‬والفراعنة بلكهم يفرحون ‪ ،‬وف دنياهم يرحون ‪ ،‬وف نعيمهم يسرحون لكن انظر‬
‫إل العوا قب ‪ ،‬عند ما تك شف عن الولياء النوائب ‪ ،‬وتزول عن هم ال صائب ‪ .‬فإذا‬
‫الفرحة الغامرة ‪ ،‬والياة العامرة ‪ ،‬و النعيم ف الخرة ‪.‬‬
‫أما الفجار ‪ ،‬فسحابة نار ‪ ،‬وراحة حار ‪ ،‬ث نكال ف أسوء دار ‪.‬‬
‫ف هَمّة ‪ ،‬فتذكر علو المة ‪ ،‬وإمامة المّة ‪ ،‬ففر إل الباب ‪ ،‬يطلب الطريق‬
‫هَمّ يوس ُ‬
‫إل الوهاب ‪ ،‬ب عد ما هيئت له ال سباب ‪ ،‬لن يو سف من سللة الطياب ‪ ،‬فتاب‬
‫وأناب ‪.‬‬
‫يوسـف شاب ‪ ،‬مـن العزاب ‪ ،‬تعرّضـت له امرأة ذات منصـب وجال ‪ ،‬وحسـن‬
‫ودلل ‪ ،‬فغلقـت البواب ‪ ،‬ورفلت فـ أبىـ الثياب ‪ ،‬فتذكـر يوم القيامـة ‪ ،‬وسـاعة‬
‫الندامـة ‪ ،‬فقال ‪ :‬أواه معاذ ال ‪ ،‬فمنعـه ال وكفاه ‪ ،‬وأنـت تتعرض للنسـاء صـباح‬
‫مساء ‪ ،‬غرك الوجه البقع ‪ ،‬والسن الرقع ‪ ،‬ول تذر وتتوقّع ‪.‬‬
‫ههب أن نظرتهك الته أرسهلتها‬

‫ن ظر الهي من ف يك أ سرع موقعا‬

‫عادت إليهك مهع الوى بغزال‬

‫فخهف العظيهم الواحهد التعال‬
‫‪-60-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫اليوسفيّة‬

‫ف قلب يوسف من الوحي نصوص ‪ ،‬وف قلبك من العصية لصوص ‪ ،‬ف شرايي‬
‫يوسف دماء المامة والدين ‪ ،‬وف شرايينك شهوة الاء والطي ‪.‬‬
‫ف َمقَا مَ َربّ هِ َوَنهَى الّنفْ سَ عَ ِن اْل َهوَى ‪،‬‬
‫يوسف ترج من جامعة َوَأمّا مَ نْ خَا َ‬
‫وأنت ترجت من جامعة ‪ :‬يشكو العيون السود قلب والوى ‪.‬‬
‫يز يد بن عمرو وال غر بن حاتِ‬

‫لشتان ما ب ي اليزيد ين ف الندى‬

‫يو سف تربي ته على شري عة ‪ ،‬وأخلق رفي عة ‪ ،‬وبعض هم ير ب على ملت خلي عة ‪،‬‬
‫وآداب شنيعة ‪.‬‬
‫وا أسـفي على من هج يو سف ‪ ،‬ف هذا الواقـع الؤ سف ‪ ،‬صـورة عاريـة ‪ ،‬وكأس‬
‫وجار ية ‪ ،‬وشهوات سارية ‪ ،‬كل ها تقول ‪ :‬ه يت لك ‪ ،‬ول يس ع ند ال يل صرخة‬
‫معاذ ال ‪.‬‬
‫الن ح صحص ال ق ‪ ،‬وبان الفرق ‪ ،‬ف يا شباب ال صدق ‪ ،‬قولوا ف أح سن ن طق ‪:‬‬
‫معاذ ال ‪ .‬مـن أراد السـناء ‪ ،‬والثناء ‪ ،‬والعلياء ‪ ،‬وأن يمـي نفسـه مـن الفحشاء ‪،‬‬
‫والفعلة الشنعاء ‪ ،‬فليحفظ مت الولياء ‪ :‬معاذ ال ‪.‬‬
‫من عاذ بال أعاذه ‪ ،‬وأكرم ملذه ‪.‬‬

‫‪-61-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السليمانية‬

‫المقـاَمــــة الـسـليمـانيـــة‬

‫ن بَعْدِي‬
‫حدٍ ِ‬
‫ملْكًا ل يَنْبَغِي ل َ َ‬
‫ب اغِْفْر لِي وَهَ ْ‬
‫‪َ ‬ر ِّ‬
‫ب لِي ُ‬
‫م ْ‬
‫إن َ َ َ‬
‫ب‪‬‬
‫ِّ‬
‫ت الْوَهَّا ُ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫حته سهليمان مها ته اللود له‬

‫والريهح تدمهه والبدو والضهر‬

‫دانهت له الرض والجناد ترسهه‬

‫فزاره الوت ل عيهه ول أثههر‬

‫ما مر من قدي الزمان ‪ ،‬ملك كملك سليمان ‪ ،‬فقد علم منطق الطي بل ترجان ‪،‬‬
‫وقد اجتمعت ف غيبته اليوانات والطيور ‪ ،‬ف يوم فرح وسرور ‪ ،‬وهناء وحبور ‪ ،‬فقالت‬
‫البهائم للسد ‪ :‬أيها المي ‪ ،‬اجلس على السرير ‪ ،‬فإنك أبونا الكبي ‪ ،‬فتربع جالسا ‪ ،‬ث‬
‫سكت عاب سا ‪ ،‬فخاف الميع ‪ ،‬وأصبحوا ف موقف فظيع ‪ ،‬فقام المار ‪ ،‬أبو الغوار ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬يـا حيدرة ‪ ،‬سـكوتك مـا أنكره ‪ ،‬فقال السـد ‪ :‬يـا حار البلد ‪ ،‬يـا رمـز اللد ‪،‬‬
‫سكتُ لن الثعلب غاب ‪ ،‬وقسما لو حضر لغرزن ف رأسه الناب ‪ ،‬فقام الذيب يتكلم‬
‫و هو خط يب م صيب ‪ ،‬فقال لل سد ‪ :‬يا أ با أ سامة ‪ ،‬إن الثعلب قل يل الكرا مة ‪ ،‬عد ي‬
‫الشهامـة ‪ ،‬فليتـك تورده الندامـة ‪ ،‬فهـو ل يسـتحق السـلمة ‪ ،‬وكان أحـد التيوس مـع‬
‫اللوس ‪ ،‬فانسل إل الثعلب فوجده يلعب فقال ‪ :‬انتبه أيها الصديق ‪ ،‬فالكمي ف الطريق‪،‬‬
‫إن ال سد يتوعدك بالذ بح ‪ ،‬فاجت هد م عه ف ال صلح ‪ ،‬فقال الثعلب ‪ :‬ف من الذي دها ن‬
‫عنده ‪ ،‬وغيـ علي وده ‪ ،‬قال التيـس ‪ :‬هـو عدوك وعدوي ‪ ،‬الذي فـ وادٍ يدوي ‪ ،‬هـو‬
‫الذيب الغادر ‪ ،‬صاحب اليانة الفاجر ‪ ،‬قال الثعلب ‪ :‬أنا الداهية الدهياء ‪ ،‬لنثرن لمه ف‬
‫العراء ‪ ،‬أما سعت الشاعر أحد ‪ ،‬إذ يقول ف شعر مسدد ‪:‬‬
‫الرأي قبههل شجاعههة الشجعان‬
‫هههو أول وهههي الحههل الثانهه‬

‫‪-62-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فل ما ح ضر الثعلب إل ال سد ‪ ،‬ود خل مل سه وق عد ‪ ،‬قال أ بو أ سامة ‪ ،‬والثعلب‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫أمامه ‪ :‬ما لكَ تأخرت يا بليد ‪ ،‬تال إن الوت أقرب إليك من حبل الوريد ‪ .‬السليمانية‬
‫قال الثعلب ‪ :‬مهل أبا أسامة ‪ ،‬أبقاك ال للزعامة ‪ ،‬سعت أنك مريض ‪ ،‬فذهبت إل‬
‫البلد العر يض ‪ ،‬ألت مس لك دواء ‪ ،‬جعله ال لك شفاء ‪ ،‬قال ‪ :‬أح سنت ‪ ،‬و سهلت عل يّ‬
‫المر وهونت ‪ ،‬فماذا وجدت ‪ ،‬قال ‪ :‬وجدت أن علجك ف كبد الذيب مع حفنة من‬
‫زبيب ‪ ،‬فقال السد للذيب ‪ ،‬أمرك عجيب ‪ ،‬وشأنك غريب ‪ ،‬علجي لديك ‪ ،‬وقد سبق‬
‫أن شكوت عل يك ‪ ،‬فل ما د نا الذ يب واقترب ‪ ،‬سحبه ال سد فان سحب ‪ ،‬فخلع رأ سه ‪،‬‬
‫وقطـع أنفاسـه ‪ ،‬ثـ سـلخ لبده ‪ ،‬وأخرج كبده ‪ ،‬فصـاح الغراب ‪ ،‬وهـو فوق بعـض‬
‫الخشاب ‪ ،‬يا أ با أ سامة ‪ ،‬ما تترك الظلم والغشا مة ‪ ،‬فرد عل يه ال سد ‪ ،‬ا سكت سَدّ ال‬
‫فاك ‪ ،‬أنسيت أنك قتلت أخاك ‪ ،‬ودفنته ف تراب ‪ ،‬ما أقبحك من غراب ‪.‬‬
‫قال الغراب ‪ :‬يا ظلوم يا غشوم يا مشؤوم ‪ .‬أنا الذي دل على بلقيس يا خسيس ‪،‬‬
‫وجيت سليمان ملك النس والان ‪ ،‬بنبأ من سبأ ‪ ،‬وحلت الرسالة ف بسالة ‪ ،‬ودعوت‬
‫للتوحيد ‪ ،‬وهو حق ال على العبيد ‪ ،‬فبلقيس أسلمت بسبب ‪ ،‬وحسب معروف ونسب ‪،‬‬
‫ث أنشد الغراب ‪:‬‬
‫ولقههد حلت رسههالة متومههة‬
‫يهدي سهههليمان باههه بلقيسههها‬
‫فوضعتههها فهه حجرههها متلطفهها‬
‫كانههت تقدس شسههها تقديسهها‬

‫فأعرض أ بو أ سامة ‪ ،‬وق طع كل مه ‪ ،‬وإذا ب ية ل ا فح يح ‪ ،‬أقبلت ت صيح ‪ ،‬قد ذ بل‬
‫شعر رأسها وشاب ‪ ،‬وما بقي لا إل ناب ‪ ،‬فقال السد ‪ :‬من بالباب ‪.‬‬
‫قالت ال ية ‪ :‬أ نا أم اللباب ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما ا سك يا ح ية ‪ ،‬و ما م عك من قض ية ‪،‬‬
‫قالت ‪ :‬ا سي لس ‪ ،‬و خبي على ظا هر ف قس ‪ ،‬أ نا ك نت ا سكن ‪ ،‬ف قر ية من قرى‬
‫فلسـطي ‪ ،‬رأسـي فـ الاء ‪ ،‬وذنـب فـ الطيـ ‪ ،‬فعصـى أهـل القريـة خالقهـم ‪ ،‬وكفروا‬
‫رازق هم ‪ ،‬ف ساقن إلي هم ‪ ،‬و سلطن علي هم ‪ ،‬فقذ فت ف بي هم من سي زعا فا ‪ ،‬فماتوا‬
‫آلفا ‪ ،‬وهلكوا أصنافا ‪ ،‬وردم ال عليهم القرية ‪ ،‬لنم أهل فرية ‪.‬‬
‫‪-63-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فل ما ملك سليمان ‪ ،‬اخت فت القر ية عن العيان ‪ ،‬فأراد أن يرى القر ية رأي الع ي ‪،‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السليمانيةالبئر‬
‫فاستدعى الرياح ف ذلك الي ‪ ،‬فقال للريح الشمالية ‪ ،‬هب قوية ‪ ،‬وأخرجي لنا تلك‬
‫الطوية ‪ ،‬والقرية النسية ‪ ،‬قالت ‪ :‬يا نب ال أنا أضعف من ذلك بكثي ‪ ،‬أنا خلقن رب‬
‫لتلق يح الثمار ‪ ،‬بقدرة القد ير ‪ ،‬فقال للغرب ية ‪ :‬أ نت لزلت فت ية ‪ ،‬ف هب على هذه الدار ‪،‬‬
‫لنرى ما تتها من الثار ‪ ،‬قالت ‪ :‬يا نب ال ‪ ،‬أنا خلقن رب لتلطيف الواء ‪ ،‬وتبيد الاء ‪،‬‬
‫ولكن عليك بالدبور ‪ ،‬فإنا الت أهلكت كل كفور ‪.‬‬
‫فقال سـليمان ‪ :‬أيهـا الدبور ‪ ،‬بأسـك مشهور ‪ ،‬وبطشـك مذكور ‪ ،‬فأخرجـي لنـا‬
‫القرية النكوبة ‪ ،‬لنرى كل أعجوبة ‪ ،‬فهبت ولا هرير ‪ ،‬وزلزلة وصرير ‪ ،‬فاقتلعت التراب‬
‫وال جر ‪ ،‬ون سفت الشجر ‪ ،‬حت خرجت القرية واضحة العال ‪ ،‬كل شيء فيها قائم ‪،‬‬
‫فو جد ال ية ف البئر ‪ ،‬بناب وا حد صغي ‪ ،‬ف سمى القر ية با سم البئر وناب ال ية ‪ ،‬ف صار‬
‫اسها نابلس كما ف السية الرويّة ‪.‬‬
‫فقال السد للحمامة ‪ ،‬يا أم يامة ‪ ،‬حدثينا عن ملك سليمان ‪ ،‬فلن يلك أحد مثله‬
‫خبْر ‪ ،‬اعلم أنه ما‬
‫لبَر كالـ ُ‬
‫إل يوم القيامة ‪ ،‬قالت ‪ :‬حبا وكرامة ‪ ،‬يا أيها الزبر ‪ ،‬ليس ا َ‬
‫أصبح يفرح باللك بعد سليمان ‪ ،‬لا أعطاه ال من اللك والسلطان ‪ ،‬ملك النس والان‬
‫والطي واليوان ‪ ،‬وكلم الوحوش بل ترجان ‪ ،‬بنيت له القصور من القوارير ‪ ،‬ونتت له‬
‫من البال القا صي ‪ ،‬وخز نت له ف الب حر القناط ي ‪ ،‬و سخر ال له الرياح ‪ ،‬تمله كل‬
‫صباح ‪ ،‬فملكه فوق ما يصفه الواصفون ‪ ،‬ول يعلم ذلك إل العارفون ‪:‬‬
‫ههة بعده‬
‫هها عاد يفرح بالوليه‬
‫مه‬
‫ههم‬
‫ههش ناعه‬
‫هه بعيه‬
‫أبدا ول يهنه‬
‫دنيها مته مها أضحكهت فه يومهها‬
‫أبكههت غدا مههن قاتههل أو هادم‬

‫ث مرت النملة تقفز قفزا ‪ ،‬وتمز هزا ‪ ،‬وهي تقول ‪ :‬أما علمتم ببي النقول ‪ ،‬أنا‬
‫ال ت كلم ها سليمان ‪ ،‬وأعطا ها المان ‪ ،‬و سجلت ق صت ف القرآن ‪ ،‬أ ما قلت للن مل ‪،‬‬
‫ادخلوا مساكنكم ‪ ،‬واحفظوا أماكنكم ‪ ،‬ث أنشدت ‪:‬‬

‫‪-64-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ل تقرنّه صهغي السهم تسهبه‬
‫هاحبها‬
‫همو بصه‬
‫ها هم ه تسه‬
‫لكنهه‬

‫هها وأمادا‬
‫ههم يبلغ آفاقه‬
‫بالسه‬
‫وهته ذكرت به الدههر‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫أحفادا‬
‫السليمانية‬

‫ث مر الكلب ‪ ،‬ر مز ال سلب والن هب ‪ ،‬قال ‪ :‬يا جا عة ‪ ،‬ا سعوا م ن ساعة ‪ ،‬فأ نا‬
‫مق صود بالدح والجاء ‪ ،‬و ما زالت الشراف ت جو وتدح ك ما ذ كر صاحب النشاء ‪،‬‬
‫فأنا أصيد الصيد ‪ ،‬وأقيده بقيد ‪ ،‬وحفظي للبيت سديد ‪ ،‬وبأسي لصاحب شديد ‪ ،‬لكنن‬
‫دائما بس مدث ‪ ،‬كما ورد إن تمل عليه يلهث ‪ ،‬فلي إصابات وغلطات ‪ ،‬والسنات‬
‫يذهب السيئات ‪ ،‬فل تظنوا أن آية ف الساسة ‪ ،‬ومضرب الثل ف النجاسة ‪ ،‬بل انس‬
‫منـ ‪ ،‬وهذه فائدة خذهـا عنـ ‪ ،‬مـن ترك العمـل ‪ ،‬بل علم ‪ ،‬وأعرض عـن التقوى بعـد‬
‫الفهم ‪ ،‬وأسرف ف الظلم ‪ .‬ث انفض الجلس وقد امتلت بالنس النفس ‪.‬‬
‫واعلم أي ها الل هم أن سليمان أع ظم من ملك من ب ن الن سان ‪ ،‬وأق صر ر سالة ف‬
‫الديث والقدي ‪ِ  :‬إنّ ُه مِ ْن سَُليْمَا َن َوإِنّ ُه بِِاسْمِ اللّهِ الرّ ْحمَنِ الرّحِيمِ ‪‬‬

‫‪-65-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫حسينية‬
‫ال ُ‬

‫ســينـيّـــة‬
‫مــــة الـ ُ‬
‫ح َ‬
‫المقـا َ‬

‫َ‬
‫م ُ‬
‫ة الل ّهِ‬
‫‪َ ‬ر ْ‬
‫ح َ‬

‫م أَهْ َ‬
‫د‬
‫ل الْبَي ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫مي ٌ‬
‫ه َ‬
‫وَبََركَات ُ ُ‬
‫ه ع َلَيْك ُ ْ‬
‫ت إِن َّ ُ‬

‫َمِجيد ٌ ‪‬‬

‫مرحبا يهها عراق جئت أغنيههه‬
‫فجراح السهي بعهض جراحهي‬

‫هن الغناء بكاء‬
‫هض مه‬
‫هك وبعه‬
‫هه‬

‫هى كربلء‬
‫هن السه‬
‫هدري مه‬
‫وبصه‬

‫أنا ُسنّ حسينّ ‪ ،‬جعلت ترحي عليه مكان أنين ‪ ،‬أنا أحب السبطي ‪ ،‬لكن أقدم‬
‫الشيخي ‪ ،‬ليس من لوازم حب الشمس أن تكره القمر ‪ ،‬وموالة السن والسي يقتضي‬
‫موالة أب بكر وعمر ‪ ،‬لنه يبهم ويبونه ‪ ،‬ويترمهم ويترمونه ‪.‬‬
‫قاتل ال عبيد ال ابن زياد ‪ ،‬يرّج على رؤوس العظماء ف سوق الزاد ‪.‬‬
‫ال سي ل ي جد بضر يح ‪ ،‬ول بال سراف ف الد يح ‪ .‬لكن نا ن صدق ف ح به ‪ ،‬إذا‬
‫اتبعنا جَدّه ‪ ،‬وحلنا وُدّه ‪ ،‬وليس بأن نعكف عنده ‪.‬‬
‫بعض الناس ذبابة ‪ ،‬يفو القرابة ‪ ،‬ويسب الصحابة ‪.‬‬
‫عظماؤنا ما بي مقتول ومذبوح ‪ ،‬ومسجون ومبطوح ‪ ،‬ومضروب ومروح ‪.‬‬
‫ومها مات منّها سهيّد حتهف أنفهه‬
‫ولكهن بده السهيف فه الروع نقتلُ‬

‫يا صاحب الفطن ‪ ،‬تريد أن تدخل النة بل ثن ‪ ،‬يا من يريدون الغروس والعروس‪،‬‬
‫ابذلوا النفوس ‪ ،‬وقدموا الرؤوس ‪.‬‬
‫تريد شراء النة بصاع من شعي ‪ ،‬وهو ل يكفي علوفا للعي ‪ ،‬ول فطورا للبعي ‪،‬‬
‫إذا ناداك ال سكي ‪ ،‬كأ نه طع نك ب سكي ‪ ،‬وأ نت تتم ن على ال الما ن ‪ ،‬وتشتاق ل ثل‬
‫تلك الغا ن ‪ .‬أ نت من سني ‪ ،‬تب كي على ال سي ‪ ،‬من ي ب ال سي بن علي ‪ ،‬فلي طع‬
‫الول ‪ ،‬هذا هو الب اللي ‪.‬‬

‫‪-66-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫حسينية‬
‫ال ُ‬

‫أ نت م ثل ش يخ فزاره ‪ ،‬حين ما ق طع أزراره ‪ ،‬قالوا مالك ‪ ،‬قال ‪ :‬أفدي ب ا أ خي‬
‫أبا عمارة ‪.‬‬
‫جاؤا برأسهك يها ابهن بنهت ممهد‬

‫ل بدمائه تزميل‬
‫متههههههزمه ً‬

‫ويكهههبون بأن قتلت وإناههه‬

‫قتلههوا بهك التكهبي والتهليل‬

‫تركوك فه الصهحراء ثه كأناه‬

‫قتلوا بقتلك عامديههن رسههول‬

‫أنا أعلن صرخة الحتجاج ‪ ،‬ضد ابن زياد والجاج ‪ ،‬يا أرض الظالي ابلعي ماءك‪،‬‬
‫ويا ميادين السفاحي اشرب دماءك ‪.‬‬
‫آه ما أطوله من يوم للقتله ‪ ،‬إذا جاء القتول ومن قتله ‪ ،‬ف يوم ل يكون الاكم فيه‬
‫إل الواحد ‪ ،‬ول الُلْك إل للماجد ‪ ،‬وقد خاب فيه الاحد العاند ‪.‬‬
‫السي شهيد ‪ ،‬على رغم أنف العنيد ‪ ،‬ما قتل وما نب ‪ ،‬وما ظلم وما سلب ‪.‬‬
‫وقد أخطأ ابن خلدون حينما نقل أن السي قتل بسيف الشريعة ‪ ،‬وهذا النقل من‬
‫المور الشنيعـة ‪ ،‬بـل قال شيـخ السـلم ‪ ،‬علم العلم ‪ :‬قتـل السـي بسـيف الظلم‬
‫والعدوان ‪ ،‬وقتله مصـيبة يؤجـر عليهـا مـن اسـترجع مـن أهـل اليان ‪ :‬إنـا ل وإنـا إليـه‬
‫راجعون ‪ ،‬وإنا لرسوله عند الصائب لتابعون ‪.‬‬
‫هط‬
‫ها ل تده يوم واسه‬
‫أل إن عينه‬

‫ههك بغال دمعهههها لمود‬
‫عليه‬

‫إن كان َقتْل السي من العدل ‪ ،‬فقد ألغى مدلول النقل والعقل ‪ ،‬وما عاد ف الدنيا‬
‫ظلم ‪ ،‬ومـا بقـي فـ الرض إثـ ‪ ،‬وإذا احتاج إثبات النهار إل كلم ‪ ،‬فقـل على‬
‫الدنيا السلم ‪.‬‬
‫وليهس يصهح فه الذهان شيهء‬

‫إذا احتاج النهار إل دليهههههل‬

‫ف كربلء ‪ ،‬كرب وبلء ‪ ،‬على ثراها قلب ذكي ‪ ،‬ودم زكي ‪.‬‬
‫كأن قتلك يها ابهن الطيهبي لنها‬

‫سيف من البغي ف العناق مشهورُ‬

‫كأناه دفنوا السهلم فه كفهن‬

‫هه القَاديرُ‬
‫هاحفِ حاكته‬
‫هن الصه‬
‫مه‬

‫السي ليس باجة إل مآت ‪ ،‬وولئم ‪ ،‬تزيد المة هزائم إل هزائم ‪.‬‬

‫‪-67-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫حسينية‬
‫ال ُ‬

‫السي على نج جده ممد ‪ ،‬وعلى مذهب أبيه السدد ‪ ،‬تقوى تنع من النراف ‪،‬‬
‫وعَدْل يمل على النصاف ‪ .‬ولو أن السي صاحب دنيا ‪ ،‬لا بكينا ‪ ،‬ولو أنه طالب جاه‬
‫مـا اشتكينـا ‪ ،‬لكنّه مـن البيـت الطاهـر ‪ ،‬صـاحب النسـب الباهـر ‪ ،‬أمانتـه رصـينة ‪،‬‬
‫وأخلقه حصينة ‪.‬‬
‫عفاء على دنيهها رحلت لغيههها‬

‫فليههس باهه للصههالي معرّج‬

‫كدأب عليّه فه الواطهن كلهها‬

‫أب حسنٍ والغصن من حيث يرج‬

‫صح الب ف السنة ‪ ،‬أن السن والسي سيّدا شباب أهل النة ‪ ،‬فإذا قتل السيد‬
‫كيف حال السود ‪ ،‬وضحية الاسد هو الحسود ‪ ،‬وقال جدها العصوم ‪ :‬ها ريانتاي‬
‫من الدن يا ‪ ،‬فهـم بذه التزكيـة ف الدر جة العل يا ‪ ،‬والريانـة تشـم ول تق طع ‪ ،‬وت سح‬
‫ول تقلع ‪ ،‬جاءوا بالرأس إل ابـن زياد فـ العراق ‪ ،‬والدم مهراق ‪ ،‬ثـ ل تبـك للظلمـة‬
‫عيون ‪ ،‬ول تتحرك شجون ‪ ،‬وهذا برهان على أن قلوب الظلمــــة كالجارة ‪ ،‬وأن‬
‫نفوسهم ملت بالرارة ‪.‬‬
‫إذا ل تبههك مههن هذي الرزايهها‬

‫فمهت كمدا فمها فه العيهش خيه‬

‫هك قاضيههة القضايهها‬
‫ول تفجَعْه‬

‫إذا جعهه البايهها كالطايهها‬

‫لاـ أغمـد سـيف الهاد ‪ ،‬سـله ابـن زياد ‪ ،‬على العلماء والعباد ‪ .‬لو كانـت المـة‬
‫شاركت ف قتل السي لكانت ظالة ‪ ،‬ولو رضيت بذلك لصبحت آثة ‪ ،‬وقعت المة‬
‫ب ي ف كي زياد ويز يد ‪ ،‬يدو سون الما جم ويقولون ‪ :‬هل من مز يد ‪ ،‬وت صفق له أراذل‬
‫العب يد ‪ .‬ل يل ال سي صلة وخشوع وبكاء ‪ ،‬وليل هم ر قص وطرب وغناء ‪ ،‬نار ال سي‬
‫تلوة وذكر وصيام ‪ ،‬ونارهم لو وعشق وغرام ‪ .‬ولذا وقع اللف وعدم النصاف ‪.‬‬
‫إذا عَيّر الطائ هيّ بالبخ هل ما درٌ‬

‫وعيّ ر ِق سّها بالفهاه ههة باق هلُ‬

‫فيهها موت ُزرْ إن الياة ذميمههة‬

‫ويها نفهس جدي إن دهرك هازلُ‬

‫وقال الدجى للشمس أنت كسيفة‬

‫وقال السههى للبدر وجههك حائلُ‬

‫يا أهل العقول ‪ ،‬إن قتل سبط الرسول ‪ ،‬وابن البتول ‪ ،‬أمر مهول ‪ ،‬فل تبوا أعداء‬
‫اللة ‪ ،‬بذه الزلة ‪ ،‬فإنا للمة ذلة ‪ .‬السي ليس باجة إل وضع أشعار ‪ ،‬ولكن إل رفع‬
‫‪-68-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫حسينية‬
‫ال ُ‬

‫شعار ‪ ،‬دعنـا مـن ترديـد القصـيد ‪ ،‬والتباكـي بالنشيـد ‪ ،‬ولكـن تابـع السـي فـ تريـد‬
‫التوحيد ‪ ،‬وتوقي الشيخي أهل الرأي الرشيد ‪.‬‬
‫ـم أذلء جبناء ‪،‬‬
‫ـة يوتون على فرشهـ‬
‫ـيف أعزاء ‪ ،‬والظلمـ‬
‫العظماء يقتلون بالسـ‬
‫فالعظيم قتل بتذكية شرعية ‪ ،‬والبان مات ميتة بدعية ‪.‬‬
‫تأخرته أسهتبقي الياة فلم أجهد‬
‫ُ‬
‫ول يس على العقاب تد مى كلوم نا‬

‫ت عََلْيكُ ْم الْ َميَْتةُ ‪.‬‬
‫ُح ّرمَ ْ‬

‫لنفسههي حياة مثههل أن أتقدمهها‬

‫ولكهن على أقدامنها تقطهر الدمها‬

‫فا تت ال سي الشهادة ف بدر ل نه صغي ‪ ،‬فعو ضه ال ب ا ف صحراء العراق وهو‬
‫كبي ‪ ،‬الرجل يريد أن يكتب اسه بدم ‪ ،‬وهو يب البيع ل ال سّلم ‪ ،‬ومن يشابه أبه فما‬
‫ظلم ‪ .‬الذين ينوحون على السي ويقولون قتل وهو مظلوم ‪ ،‬قلنا هذا أمر معلوم ‪ ،‬ولكن‬
‫كفاكم بالنياحة جهل ‪ .‬فهل كان قتل عمر وعثمان وعلي عدل ‪ ،‬النياحة ف الدين غي‬
‫مباحة ‪ ،‬لن ا مال فة للمأمور ‪ ،‬وفعل للمحظور ‪ ،‬وتسخط بالقدور ‪ ،‬لو ل يقتل السي‬
‫لات ‪ .‬أفتنوحون عليه وقد كسب عز الياة ‪ .‬وسعادة الوفاة ‪.‬‬
‫علوّ فههه الياة وفههه المات‬

‫بقههٍ أنههت إحدى العجزات‬

‫من أحب السي فليفعل فعله ف حفظ الدين ‪ ،‬وكراهية الظالي ‪ ،‬وحب الساكي‬
‫ق تل ال سي دل يل على عظ مة ال سلم ‪ ،‬لن مهره رؤوس تق طع ‪ ،‬وأرواح تد فع ‪،‬‬
‫وضريب ته دم ي سيل ‪ ،‬ورأس ف سبيل ال ي يل ‪ ،‬ال سلم كال سد ه ته لي ست سخيفة ‪،‬‬
‫ولذلك ل يأكـل اليفـة ‪ ،‬لعظمـة الشمـس أصـابا السـوف ‪ ،‬ولللة القمـر رمـي‬
‫بالكسوف ‪ ،‬والعظماء غرض للحتوف ‪:‬‬
‫قهل للذي بصهروف الدههر عيّرنها‬

‫ههل حارب الدهرُ إل مهن له خطرُ‬

‫أمها ترى البحهر تعلو فوقهه جيهف‬

‫ههى قعره دررُ‬
‫ههتقر بأقصه‬
‫وتسه‬

‫هماء نوم ل عداد لاه‬
‫وفه السه‬

‫وليس يكسف إل الشمس والقمر‬

‫رحم ال السبطي ‪ ،‬السن والسي ‪ ،‬وعليا وفاطمة أكرموا الدين ‪.‬‬
‫والصلة والسلم على خات الرسلي ‪ ،‬وآله وصحبه أجعي ‪.‬‬

‫‪-69-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة الـتيميّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫َ‬
‫مرِنَا ل َ َّ‬
‫م أَئ ِ َّ‬
‫صبَُروا وَكَانُوا‬
‫م ً‬
‫جعَلْنَا ِ‬
‫ة يَهْدُو َ‬
‫‪ ‬وَ َ‬
‫ن بِأ ْ‬
‫منْهُ ْ‬
‫ما َ‬

‫بِآيَاتِنَا يُوقِنُوَن ‪‬‬

‫علمههة العلماء والبحههر الذي‬

‫هاحلُ‬
‫ل ينتهههي ولكههل ل سه‬

‫افخهر فإن الناس فيهك ثلثهة‬

‫هد أو جاهلُ‬
‫هتعظم أو حاسه‬
‫مسه‬

‫قال الراوي نراك متيّم با بن تيميّة ‪ ،‬تذكره باليوميّة‪ ،‬ولك إل يه م يل وحيّة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ل يس عروس إل ب هر ‪ ،‬وحديث نا عن ا بن تيميّة غدوّه ش هر وروا حه ش هر ‪ ،‬وح سبك أ نه‬
‫عال الد هر ‪ ،‬ألّف الوا سطيّة فذ بت ف حب ها ‪ ،‬ودبّج المويّة فتذوّ قت من لبّ ها ‪ ،‬وج ع‬
‫التدمريّة تدمّر كل شيء بأمر ربا ‪ ،‬آه يا أحد ابن تيمية ‪ ،‬يا من اهتدى بسميّه ‪ ،‬فنصر‬
‫ال سنة وهزم الهميّة ‪ ،‬بذل للطالب ي بره ‪ ،‬وعرّض لل سيوف نره ‪ ،‬ا بن تيم يه ب طل ‪ ،‬هزّ‬
‫الدول ‪ ،‬وأتْبع القول العمل ‪.‬‬
‫رأيههته فرأيهت الناس فه رجههلٍ‬

‫كالف جر ف شر فٍ والدر ف صدفِ‬

‫حروفهه كشعاع الشمهس لو قطرت‬

‫ألفاظهه قلت هذا الزههر ف تر فِ‬

‫ابن تيمية للشريعة اب نٌ بارّ ‪ ،‬هجر الدرهم والدينار ‪ ،‬وهو لعداء اللة سيف بتّار ‪،‬‬
‫جنته ف صدره ‪ ،‬لنه وحيد عصره ‪ ،‬وفريد دهره ‪ ،‬وقتله شهادة ‪ ،‬لنه متهد ف العبادة ‪،‬‬
‫كثيـ الفادة ‪ ،‬أرهـب عبدة الصـنام ‪ ،‬وأذل خصـوم السـلم ‪ ،‬وسـلّ على كـل ملحـد‬
‫السام‪ ،‬كلمه شهب ‪ ،‬وردوده لب ‪ ،‬وألفاظه ذهب ‪.‬‬
‫له موقف يمي به الدين ذكره‬
‫تشيهد بهه الركبههان فه البههدوِ الههضرِ‬
‫أقام عمود الديهههههن بالنور والدى‬
‫ههع بالكفرِ‬
‫ههك الوقه‬
‫ههاما فاته‬
‫ههلّ حسه‬
‫وسه‬

‫تعطّل به سوق الباطل وكسد ‪ ،‬وخافه كل من عصى وفسد ‪ ،‬لن قلبه قلب أسد ‪.‬‬
‫‪-70-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫الرجل موحد متعبد متهجد متفرد مدد‪ ،‬زاهد عابد ساجد ماجد حامد رائد ماهد‪،‬‬
‫كم أزال من بدع ‪ ،‬وأظهر من ورع ‪ ،‬وكم من ملحد قمع ‪ ،‬سيفه على الضلل مسنون‪،‬‬
‫وقلبه عن حب الدنيا مسجون ‪ ،‬وهو صاحب فنون ومتون وشجون ‪.‬‬
‫سارت ف الفاق أخباره ‪ ،‬طارت ف البقاع أشعاره ‪ ،‬ك ثر ف ال ق أن صاره‪ ،‬هو‬
‫مدرسة العتدال ‪ ،‬وجامعة الستقلل‪ ،‬ورمز النضال ‪ ،‬ل يهاب ول يرتاب ول يغتاب ‪،‬‬
‫ل درك مهها تركههت رسههالهة‬

‫لبِ‬
‫يوم الوغهى ويداك فه الكُهه ّ‬

‫هها‬
‫ههت عمرك للمعال مثلمه‬
‫أنفقه‬

‫لبِ‬
‫أنفق هت ه هذا الع هلم للطُ ه ّ‬

‫ابن تيميه فريد ‪ ،‬ل يضع للتقليد ‪ ،‬وما هو ببليد ‪ ،‬ولكنه عبقري رشيد ‪.‬‬
‫لكلمه حلوة ‪ ،‬وعلى كتبه طلوة ‪ ،‬نصر العصوم ‪ ،‬وأفحم الصوم ‪ ،‬الرجل رجل‬
‫كفاح ‪ ،‬وإمام إ صلح ‪ ،‬منا ضل ي ب الناضل ي ‪ ،‬ويارب الغضوب علي هم والضال ي ‪،‬‬
‫هة وثّابة ‪ ،‬وذاكرة خلّبة ‪ ،‬ولسان جذّابة‪ ،‬هو إمام التحرير والتحبي والتنوير‪ ،‬ليس بامد‬
‫ول جا حد ‪ ،‬ولك نه عل مة صامد ‪ ،‬ما هد ‪ ،‬عا بد ‪ .‬أ خذ بالعزائم وتوّرع ف ال ّر خص ‪،‬‬
‫وترع من أجل السلم الغصص ‪:‬‬
‫ها‬
‫هك أن توي جاجنه‬
‫إن كان يرضيه‬

‫على التراب فهذا الفعههل يرضينهها‬

‫ما تجل الشمهس إل من مواقفهنا‬

‫ههاب العدى إل مواضينهها‬
‫ول تهه‬

‫هذا المام كأ نه ب كل ف ضل م صوص ‪ ،‬أعاد ال مة للن صوص ‪ ،‬وأراح نا من ضلل‬
‫صاحب الف صوص ‪ .‬مرة يه يل التراب على القدريّة ‪ ،‬وأخرى يل قي الوت على الن صيية‪،‬‬
‫سجن العتزال ‪ ،‬ف زنزانة الهال ‪ ،‬خرج على التتار بالنار ‪ ،‬وحضر ذاك العراك ‪ ،‬فأذاق‬
‫هولكو اللك ‪ ،‬الرجل منصور ‪ ،‬وخصمه مقهور ‪.‬‬
‫ترك الطاعم الشهيّة ‪ ،‬والراكب الوطيّة ‪ ،‬والناظر البهيّة ‪ ،‬له مع القرآن سر ‪ ،‬ومع‬
‫الذكر سهر ‪ ،‬وله جلسةٌ ف السحر ‪:‬‬
‫قلت يها ليهل ههل بوفهك سهرّ‬

‫هرارِ‬
‫هديث والسه‬
‫هر بالهه‬
‫عامهه‬

‫قال ل ألق فههه حياتههه حديثا‬

‫كحديهث الحباب فه السهحارِ‬

‫‪-71-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫صرامة ف الق ‪ ،‬وإصرار على الصدق ‪ ،‬وعلم ف رفق ‪.‬‬
‫زههد ‪ :‬فكأن الذهب تراب ‪ ،‬والواهر أخشاب ‪ ،‬والدنيا خراب ‪.‬‬
‫شجاعة ‪ :‬فكأن الوت عطية ‪ ،‬واللك مطيّة ‪ ،‬والنيّة هديّة‪.‬‬
‫علهم ‪ :‬فكأن البحر زخر ‪ ،‬والحيط انفجر ‪ ،‬والغيث انمر‪.‬‬
‫توا ضع ‪ :‬ف هو أرق من الن سيم ‪ ،‬رح يم بال سكي واليت يم ‪ ،‬هذا المام جاد ول يس‬
‫بازل ‪ ،‬وعن مبدئه ل يتنازل‪ ،‬ولذا سكن أعلى النازل ‪.‬‬
‫أخلق طاهرة ‪ ،‬وسنة عليه ظاهرة ‪ ،‬وهة بي جنبيه باهرة ‪:‬‬
‫ها‬
‫هس عشرهه‬
‫له هة ه لو أن للشمه‬

‫لاه غربهت حته ييهء لهها الغربُه‬

‫فيوما مهع الذكهر الكيهم بسهجد‬

‫ويوما ند ي للق هنا والوغ هى حر بُ‬

‫ما هذا العمق والتأصيل ‪ ،‬واتباع الدليل ‪ ،‬وغزارة التحصيل ‪ ،‬لو أن ابن تيمية مبتدع‬
‫ما فهمناه ‪ ،‬ولو ان صرف للدن يا لتمناه ‪ ،‬ل كن الر جل صاحب سنة ‪ ،‬ير يد ال نة ‪ ،‬له‬
‫عقل صحيح ‪ ،‬ولسان فصيح ‪ ،‬يفلج الصوم بالجة ‪ ،‬ويدل الناس على الحجة ‪ ،‬نعم ال‬
‫عليه تامّة ‪ ،‬وهو ف العلوم هامّة‪ ،‬ث هو رجل عامّة‪ ،‬علمة الصدق ف العالِم ‪ ،‬العزوف عن‬
‫الدنايا ‪ ،‬وعدم الوف من النايا ‪ ،‬وجع السجايا ‪ ،‬وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫ودليل فلح العالِم ‪ ،‬لزوم أحسن طريقة ‪ ،‬والغوص على القيقة ‪ ،‬وحب الليقة ‪،‬‬
‫وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫وبرهان رفعة العالِم ‪ ،‬خشية اللك العلّم ‪ ،‬وزُهد ف الطام ‪ ،‬ورِفق بالنام ‪ ،‬وتعليم‬
‫للعوام ‪ ،‬وكذلك كان ابن تيمية ‪.‬‬
‫فتههى قهد حباه ال بالسهن يافعا‬

‫كأن عليههه مهن نابتههه سههورْ‬

‫ولاه رأى الجهد اسهتعار ثيههابه‬

‫تردّى رداءً واسههع اليههب واتزرْ‬

‫ابن تيمية تفنن ف العلوم ‪ ،‬ودفع الصوم ‪ ،‬ول يتعلق بالرسوم ‪.‬‬
‫ل يس العلم ع ند ا بن تيم ية جبّة مدوّرة ‪ ،‬ول عما مة مكوّرة ‪ ،‬ول هيئة م صوّرة‪ ،‬بل‬
‫العلم ت قى عم يق ‪ ،‬ودل يل بتحق يق ‪ ،‬وف هم دق يق ‪ .‬ولي ست النلة ع ند ا بن تيم ية مرا تب‬
‫‪-72-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫ومنا صب وتكالب ‪ ،‬بل تضح ية وجهاد ‪ ،‬ون فع للعباد ‪ ،‬وإ صلح للبلد ‪ .‬سفينة عل مه‬
‫لعباب الهل ماخرة ‪ ،‬فآتاه ال ثواب الدنيا وحسن ثواب الخرة ‪.‬‬
‫معال علم الرجـل ‪ :‬فهـم للسـور ‪ ،‬واتباع للثـر ‪ ،‬وجعـ للدرر ‪ ،‬وإيان بالقدر ‪،‬‬
‫وجهاد لن كفر ‪ ،‬جعله ال ف مقعد صدق عند مليك مقتدر‪.‬‬
‫ليس بقليل علم فهو يغرف من معي ‪ ،‬ول يتزوج فهو خاطب الور العي ‪ ،‬بطح‬
‫البطائحية ‪ ،‬وجعل العطلة ضحية ‪ ،‬مزق الزنادقة ‪ ،‬وأغرق بالجج كل فرقة مارقة ‪ ،‬صار‬
‫كالا صب ‪ ،‬والعذاب الوا صب ‪ ،‬على النوا صب ‪ ،‬وأبرم الردود والنقائض ‪ ،‬للروا فض ‪،‬‬
‫كسر ظهور النصيية ف كسروان ‪ ،‬وأبطل خرافات الهل بالقرآن ‪ ،‬وحل ألغاز اللولية ‪،‬‬
‫ورد ك يد التاد ية ‪ ،‬ح فر لادا للملحدة ‪ ،‬وأ خذ كل وا حد من هم على حده ‪ ،‬ذاكر ته‬
‫أصابا وابل الرسالة ‪ ،‬وهته جعت الكمة والبسالة ‪ ،‬وذاكرته حلت الباعة والزالة ‪،‬‬
‫يشفي بعلمه الهل ‪ ،‬ويعم سيله البل والسهل ‪ ،‬ويروي بفتواه الموع الوافدة ‪ ،‬ويطب‬
‫ف الموع الاشدة ‪ ،‬يف سر ال ية ف أش هر ‪ ،‬فينف جر م نه أن ر ‪ ،‬له صولت وجولت ‪،‬‬
‫وعزمات ‪ ،‬وثبات وإخبات‪ .‬واجـه الغول فـ شقحـب ‪ ،‬فذكرنـا قصـة علي ومرحـب ‪،‬‬
‫عجب بعضهم من شجاعته ف تلك الشاهد ‪ ،‬وقال عنه ف الليل أحسن عابد ‪ ،‬وف النهار‬
‫أشجع ماهد ‪.‬‬
‫فه الليهل رهبان وعنهد لقائههم‬

‫لعدوههم مهن أشجهع الفرسهانِ‬

‫هه‬
‫هة الذي عزّت به‬
‫هن تيميه‬
‫هذا ابه‬

‫ه‬
‫هههذِ الشريعهة آخهر الزمان ِ‬

‫إذا تكلم قالوا القرآن بي عينيه ‪ ،‬والسنة كلها لديه ‪ ،‬والكمة تتنل عليه ‪ ،‬له كلم‬
‫خالد ‪ ،‬ولفظ شارد‪ ،‬يقول ‪ :‬كل أرض ل تشرق عليها شس الرسالة فهي أرض ملعونة ‪،‬‬
‫و كل ن فس ل تنت صر على الوى ف هي ن فس م سجونة ‪ ،‬و كل مه جة ل تب صر ال ق ف هي‬
‫مه جة مغبونـة ‪ ،‬ويقول ‪ :‬العاصـي ت نع القلب من الولن ف فضاء التوحيـد ‪ ،‬وت بس‬
‫النفس عن مبة الرحيم الودود ‪.‬‬
‫هذا المام بالقـ يقول ‪ ،‬وله قبول ‪ ،‬جعـ بيـ النقول والعقول ‪ ،‬له قريةـ حيّة ‪،‬‬
‫ل تقبل زيف القواني الرضيّة ‪ ،‬ونيّة صادقة‪ ،‬معه حجة ناطقة ‪ ،‬ونفس للحق عاشقة ‪،‬‬

‫‪-73-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫نفس تعاف الذل لغي ال حت كأنه الكفر ‪ ،‬ويد بيضاء بالعطاء ومن وسخ الدنيا صفر ‪،‬‬
‫رجل للملّة مديون ‪ ،‬وعمره للشرع مرهون ‪ ،‬وقلبه عن الدنيا مسجون ‪ ،‬وله عند ربه أجر‬
‫غي منون ‪ .‬هذا الشيخ ليس بالتكلف ‪ ،‬ول للنصوص متع سّف ‪ ،‬عنده صفاء ذهن يغوص‬
‫على القائق ‪ ،‬وقوة خاطر يدرك الدقائق‪.‬‬
‫رد على أهـل التصـوف ‪ ،‬وناهـم عـن النراف والتكلف ‪ ،‬وألزم النواصـب حـب‬
‫القرابـة ‪ ،‬واحترام الصـحابة ‪ ،‬وأنكـر على الرافضـة الغلو والشطـط ‪ ،‬وبي ّن لمـ الطـأ‬
‫والغلط ‪ ،‬وله الكلمة البديعة ‪ ،‬إذ يقول ‪ :‬ل يسع أحد مهما كان أن يرج عن الشريعة ‪،‬‬
‫ويقول ‪ :‬ليس أحد يدور معه الق حيثما دار ‪ ،‬غي النب الختار (صلى ال عليه وسلم) ‪،‬‬
‫وهو القائل ‪ :‬كل يوم وأنا أجدد إسلمي ‪ ،‬وأكثر لنفسي اتامي‪.‬‬
‫وهذه مقطوعة من الراس ل من القرطاس‪ ،‬وهي تية للشيخ أب العباس‪:‬‬
‫أبدا لسِهفْر الكرمات تُدبّهجُ‬
‫ههجُ‬
‫ههالات وتنسه‬
‫ههط برد الصه‬
‫وتيه‬
‫لهههك فهه العال دولة ووليههة‬
‫أنههت الذي بدى الرسههول متوّجههُ‬
‫هن ياعلم الدى‬
‫هرح الديه‬
‫شيّدت صه‬
‫بالعهههلم والخلص أنههت مدجّجههُ‬

‫وكان يرى أنـه ل يسـع أي أحـد الروج على الشريعـة ‪ ،‬وأن الحوال والقوال‬
‫والفعال الخال فة ل ا إن ا هي أمور شني عة ‪ ،‬ويقول ف الن طق ‪ ،‬و هو قول عارف م قق ‪:‬‬
‫ل ينتفع به البليد ‪ ،‬ول يتاج إليه الذكي الرشيد ‪.‬‬
‫وهو لم جل ‪ ،‬غث على رأس جبل ‪ ،‬ل سهل فيتقى ول سي فينتقل‪ ،‬والرجل له‬
‫حسّاد ‪ ،‬لنه تفرد وساد ‪ ،‬وجاهد لصلح كل فساد‪.‬‬
‫وهو صاحب أحوال عجيبة ‪ ،‬وآرا ٍء مصيبة ‪ ،‬وله مقامات جليلة ‪ ،‬ومذاهب جيلة‪،‬‬
‫حلم ع من ح سده ‪ ،‬وأكرم من ق صده ‪ ،‬خا طب ال سلطان بأث بت جنان‪ ،‬وأف صح ل سان ‪،‬‬
‫وطالبـه بمـل الناس على السـنة النبويّة‪ ،‬والخلق الحمديّة ‪ ،‬وشفـع لهـل الاجات ‪،‬‬
‫‪-74-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫وأرباب الضرورات‪ .‬ول يتخذ صاحبة ول ولدا ‪ ،‬ول ي عل له من دون ال ملتحدا ‪ ،‬بل‬
‫كان يكتفـي بالقليـل ‪ ،‬ويراه كافيا لنـ عزم على الرحيـل ‪ ،‬وكان يعيـش على شظـف ‪،‬‬
‫مقتديا بنـ سـلف ‪ ،‬ويرى أن الزائد على القوت إشغال ‪ ،‬وأن الدنيـا دار أهوال ‪ ،‬وكان‬
‫ينفق كلما يد ‪ ،‬ول يجب معروفه عن أحد ‪ ،‬وكان الغريب ‪ ،‬يد عنده من الترحيب‬
‫والتقريب ‪ ،‬والؤانسة وعدم التثريب‪.‬‬
‫وكان يعظّم السنة أجل تعظيم ‪ ،‬ويسعى ف صيانتها عن كل معتدٍ أثيم ‪ ،‬وقد رزق‬
‫السعادة ف التأليف ‪ ،‬وأعطاه ال الظ ف التصنيف ‪ ،‬وقد طرقت العال رسائله ‪ ،‬وأذنت‬
‫ف أذن الدنيا مسائله ‪ ،‬وشرّقت كتبه وغرّبت ‪ ،‬وسهّلت كل صعيب وقربت ‪ ،‬وفيها من‬
‫ح سن ال سبك ‪ ،‬ومتا نة ال بك ‪ ،‬ما يد هش العقول ‪ ،‬مع جع ها ب ي العقول والنقول ‪.‬‬
‫وكان يعتصـم بالبهان ‪ ،‬ويعود إل تقيـق وإتقان ‪ ،‬وأقـر بعبقريتـه الخالف والوافـق ‪،‬‬
‫وعجب من سرعة بديهته الؤمن والنافق ‪.‬‬
‫وقد نشر ال علومه ‪ ،‬وقهر خصومه ‪ ،‬وثبّت بالق جنانه ‪ ،‬وسدّد بالصدق لسانه ‪،‬‬
‫مع تام ديانة‪ ،‬وكمال أمانة ‪ ،‬وحسن صيانة ‪ ،‬وعظيم مكانة ‪.‬‬
‫والرجل كالقمر الوهّاج ‪ ،‬والبحر الثجّاج ‪ ،‬سديد النهاج ‪ ،‬قوي الحتجاج ‪ ،‬وهو‬
‫صاحب قيام وت جد ‪ ،‬وأذكار وتع بد ‪ ،‬يلزم ال سجد ‪ ،‬وي ب أحيانا العزلة والتوحّد ‪،‬‬
‫ل يفاخر ‪ ،‬ول تعجبه الظاهر ‪ ،‬ول يكابر ‪ ،‬ول يكاثر ‪.‬‬
‫وهو الذي صال وجال ‪ ،‬وغلب الرجال ‪ ،‬ف الحافل الشهودة ‪ ،‬والجامع الحمودة‬
‫‪ ،‬وكان يرهبه اللوك‪ ،‬مع أنه يتواضع لكل مسكي وصعلوك‪.‬‬
‫وقرع بوع ظه أ ساع الظل مة ‪ ،‬ح ت أهدروا د مه ‪ ،‬وعرّض نف سه للخطار ‪ ،‬وخاض‬
‫الهوال الكبار ‪ ،‬وحسْبه الواحد القهار ‪:‬‬
‫إذا اعتاد الفته خوض النايها‬

‫فأهون مها يره بهه الوحول‬

‫وكأن هذا المام للدنيـا عيـ إنسـانا ‪ ،‬وهديـة إحسـانا ‪ ،‬ضَنّت بثله العصـار‪،‬‬
‫وطنت بذكره المصار‪ ،‬نْو سيبويه من شفتيه ينساب ‪،‬‬

‫‪-75-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫ولغة الليل ف فمه تذاب ‪ ،‬كأن الُزَن قطرة من مزنه ‪ ،‬والكسائي درهم ف ردنه ‪،‬‬
‫طالب خصومه بقتله فصفح ‪ ،‬وظفر بم فعفا وسح ‪ ،‬لو رآه ابن معي‪ ،‬لقال هذا إنسان‬
‫الع ي ‪ ،‬ولو أب صره أح د ‪ ،‬لقال هذا الجت هد التفرد ‪ ،‬عرف من الد يث ال ت وال سند ‪،‬‬
‫وما وقف على الظاهر وجد ‪ ،‬بل غاص ف العان ‪ ،‬وقطف من أغصانا الدوان ‪ ،‬وكان‬
‫بورد الشري عة ب صيا ‪ ،‬و قد تضلع ب ا و عب من ها ماءا نيا ‪ ،‬عينا يشرب ب ا عباد ال‬
‫يفجرونا تفجيا ‪ ،‬ولو أدركه الثوري لكان عنده أثيا ‪ ،‬وقد مدحه ابن كثي كثيا ‪ ،‬وقد‬
‫ذهب الذهب يفضل مذاهبه ‪ ،‬ويعظّم مواهبه ‪ ،‬وكان يكتب العقود ‪ ،‬ويل القيود ‪ ،‬ويقيم‬
‫الدود ‪ ،‬وأقام السبة ف السواق ‪ ،‬ونشر معتقد السلف ف الفاق ‪ ،‬وقد انب به كسر‬
‫الدين ‪ ،‬ور فع به عَلَم الوحد ين ‪ ،‬وك سرت به قناة الكا سرة ‪ ،‬وأُرغ مت بدعوته أنوف‬
‫البابرة ‪ ،‬ورب ا خطـب عنـد الولة بصـوت مرتفـع ‪ ،‬تكاد القلوب منـه تنخلع ‪ ،‬سجن‬
‫الزّي فأطلقه ‪ ،‬وجادل البطائحي فأغرقه ‪ ،‬ورد على الخنائي فأشرقه ‪.‬‬
‫ألف الستقامة فأحيا با سوق التّباع وأقامه ‪ ،‬وألّف درء التعارض ‪ ،‬وردّ على ابن‬
‫الفارض ‪ ،‬و ما ن سينا‪ ،‬اعترا ضه على ا بن سينا ‪ ،‬ود حض بالرأي ال صيب ‪ ،‬أخطاء الرازي‬
‫ابن الطيب ‪ ،‬وحذر من كذب الشعراء ‪ ،‬وزجر عن الظلم المراء ‪ ،‬وأخب أن ف الصوفية‬
‫أخطارا خفيّة ‪ ،‬مال فة لل سنة ال صطفويّة ‪ ،‬ود فع بالدل يل أ هل التأو يل ‪ ،‬وبالتأ صيل أ هل‬
‫التعط يل ‪ ،‬وب سن التح صيل‪ ،‬أ هل التجه يل والتخي يل ‪ ،‬و هو متكلم بارع ‪ ،‬ل كل خ ي‬
‫مسارع ‪ ،‬متبع للشارع ‪ ،‬وله إشراق ف العبارة ‪ ،‬ولطف ف الشارة ‪ ،‬مع سلمة صدر ‪،‬‬
‫وارتفاع قدر ‪ ،‬وربا كتب ف اللسة عدة كراريس ‪ ،‬يأت فيها بكل مفيد نفيس ‪ ،‬وكان‬
‫يطالع ف ال ية أك ثر من مائة تف سي ‪ ،‬ث يقلب ب عد ذلك التفك ي ‪ ،‬فيأ ت ب عد ذلك بعلم‬
‫كث ي ‪ ،‬وكان يرغ جبه ته ساجدا‪ ،‬ويد عو ال جاهدا‪ ،‬فيف تح عل يه الفتاح العل يم ‪ ،‬ب كل‬
‫ي م ستقيم ‪ ،‬وكان يك ثر من البتهال وال سؤال ‪ ،‬ويل جأ إل ال ف كل‬
‫معنً كر ي ‪ ،‬ورأ ٍ‬
‫ت أوّاه ‪،‬‬
‫حال ‪ ،‬كثي التذلل لوله ‪ ،‬كثي الشوع له إذا دعاه ‪ ،‬وكان يطيل الصله ‪ ،‬مب ٌ‬
‫دائم اللاح والناجاه ‪ ،‬والرجل مفوظ بعي الرعاية ‪ ،‬غن عن العلن والدعاية ‪ ،‬ترجم‬
‫له حت الصوم ‪ ،‬والرجل ليس بالعصوم ‪ ،‬لكن ال فتح عليه فتوح العارفي ‪ ،‬فكان آية‬
‫السـائلي ‪ ،‬وقـد كشـف أخطاء صـاحب الكشّاف ‪ ،‬وبيّن مالفتـه للَسـلف ‪ ،‬وأظهـر‬
‫‪-76-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫للَحياء ‪ ،‬أغلط صـاحب الحياء ‪ ،‬وزيـف كتاب الفتوحات ‪ ،‬وأبرز مـا فيـه مـن أمور‬
‫قبيحات ‪ ،‬وأغار على أساس التقديس ‪ ،‬وأخرج منه نزغات إبليس ‪ ،‬وسقى كأس الندامة‪،‬‬
‫صاحب منهاج الكرامة ‪ ،‬وشرح مذهب الوسطية ‪ ،‬ف الرسالة الواسطية ‪ ،‬وأظ هر لدينه‬
‫حيّة‪ ،‬ف كتاب المويّة ‪ ،‬ودمّر صروح أ هل الن طق ف التدمريّة ‪ ،‬ور ّد على الفل سفة ‪،‬‬
‫وأ خب أن م أ هل سفه ‪ ،‬وأن م أخطأوا ف ال سم وال صفة ‪ ،‬وغلط التلم سان العف يف ‪،‬‬
‫وأثبت ضلل القونوي صاحب التصنيف ‪ ،‬وزندق اللّج ‪ ،‬وذم الجّاج ‪ ،‬وانتقد الغزال‬
‫‪ ،‬وذ كر أخطاء أ ب العال ‪ ،‬ولم علماء الكلم ‪ ،‬وأ هل الور من الكام ‪ ،‬وله ر سالة ف‬
‫السياسة الشرعية ‪ ،‬وسِفْر ف المور البدعيّة ‪ ،‬وله رسائل طويلة ‪ ،‬ف التوسل والوسيلة ‪.‬‬
‫وتكالب عليه أهل البدع ‪ ،‬و سُجن فما رجع ‪ ،‬وكان ال معه فما وقع ‪ ،‬وجعوا له‬
‫العلماء فبزّ هم ‪ ،‬وهدّدوه فهزّ هم ‪ ،‬و قد خوّفوه ال سلطان ‪ ،‬وأخرجوه من الوطان ‪ ،‬ف ما‬
‫لنت له عريكة ‪ ،‬وما ذابت له سبيكة ‪ ،‬وعرضوه للموت ‪ ،‬فرفع على الباطل الصوت ‪،‬‬
‫وحاولوا أن يُرْشوه ‪ ،‬وبالال ينعشوه ‪ ،‬فأبـ واسـتعصم ‪ ،‬وحلف وأقسـم ‪ ،‬ل يـبيع دينـه‬
‫بعَرَض ‪ ،‬ول يكون له دو نه غرض‪ ،‬وكان يطلب الشهادة ‪ ،‬ويّود للخرة زاده ‪ ،‬ويضمّ ر‬
‫للجنة جواده ‪ ،‬وامتُحن ف سبيل ال أكثر من مرّة ‪ ،‬وحصل له الاه فما غرّه ‪ ،‬والعُصاة‬
‫كانوا يتوبون على يد يه ‪ ،‬وتزد حم الوفود عل يه ‪ ،‬وكان يتكلم بكلم يد هش الاضر ين ‪،‬‬
‫ويذهب بلب الناظرين ‪ ،‬وكانت الطوائف تضر درسه ‪ ،‬فيذهلهم بكثرة علومه ف جلسه‬
‫وأقسم بعضهم ما رأي نا مثلك ‪ ،‬وما أب صرنا شكلك ‪ ،‬وكانت العامة تقف إجللً له ف‬
‫الطريق فيقابلهم بلق رقيق ‪ ،‬وقد آذى السّاد أحبابه ‪ ،‬ونالوا أصحابه ‪ ،‬فما زادهم به إل‬
‫تعلّقا ‪ ،‬وعليه إل ترّقا ‪ ،‬والكل عليه مشفق ‪ ،‬والعال على حبه مطبق ‪ ،‬وليس ف تركته‬
‫دينار ول درهم ‪ ،‬فأنسى الناس بزهده إبراهيم بن أدهم ‪ ،‬وكلما حصل له من مال ‪ ،‬أنفقه‬
‫ذات اليمي وذات الشمال ‪ ،‬وهو الذي أفحم القبورية ‪ ،‬ونشر معتقد السلف ف سوريّة ‪،‬‬
‫وألزم الكام بشري عة ال سلم ‪ ،‬ود فع من َقرْ مط ف النقليّات ‪ ،‬و سفسط ف العقليّات ‪،‬‬
‫و هو الذي قعّد للعقيدة القوا عد ‪ ،‬ودبّج تلك الفوائد الفرائد ‪ ،‬وكل مه يتم يز على كلم‬
‫سواه ‪ ،‬و قد ن صره ال على من عاداه ‪ ،‬وظهرت على يد يه كرامات ‪ ،‬وعل يه من ال سنة‬
‫علمات ‪ ،‬وذكر الِزي أنه ما سع بثله من خسمائة عام ‪.‬‬
‫‪-77-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التيميّة‬
‫المقا َ‬

‫وأقسم الذهب أنه ما رأى مثله من سائر القوام ‪ ،‬ولو طلب منه أن يلف بي الركن‬
‫والقام ‪ ،‬وترجم ابن كثي لب العباس ‪ ،‬فنسي الدولة والناس ‪ ،‬وكتب عنه الستشرقون ‪،‬‬
‫وعلى أخباره يتسـابقون ‪ ،‬وله سـية طويلة فـ دائرة العارف ‪ ،‬ومطوطات كثية فـ‬
‫التا حف ‪ ،‬وترج ت كت به إل اللغات الجنب ية ‪ ،‬وا ستفادت من أفكاره الضارة الغرب ية ‪،‬‬
‫والناس ف كتبه ما بي متصر ومعتصر‪ ،‬وناقد ومنتصر ‪ ،‬وقادح ومادح ‪ ،‬ومرّج وشارح‪،‬‬
‫وأثنـ عليـه السـتشرق جولدزهيـ ‪ ،‬وألفـت فيـه عشرات الدكتوراة والاجسـتي ‪ ،‬وهـو‬
‫صاحب أ ثر ‪ ،‬وكت به غرر ‪ ،‬ذب عن القرا بة ‪ ،‬وأث ن على ال صحابة ‪ ،‬له ذاكرة وقّادة ‪،‬‬
‫ل أزهقه ‪ ،‬وإذا اعترض على قولٍ‬
‫وطبيعة منقادة ‪ ،‬وذهن حاد ‪ ،‬وعزم جاد ‪ ،‬إذا قصد باط ً‬
‫مزّقـه ‪ ،‬وقـد طالعـت مـن بعـد القرن الثالث إل زمانـه ‪ ،‬فلم أجـد مثله فـ عمله وذكائه‬
‫وإتقانـه ‪ ،‬ول يغمـط فضله إل مكابر ‪ ،‬ول يعاديـه إل مبتدع ماكـر‪ ،‬وله نوافـل وأوراد ‪،‬‬
‫وأيامه بالطاعة أعياد ‪ ،‬فغفر ال ذنبه ‪ ،‬ولقي بالرضا ربّه ‪ ،‬وأنزله منازل الصادقي ‪ ،‬وجعنا‬
‫به مع النبيي والرسلي ‪ ،‬آمي ‪.‬‬
‫انظم الدمع أيها الوت شعرا‬
‫مثلمههههها تلؤ الحاجهههههر جرا‬
‫ففؤادي مضرّج بسههههههههام‬
‫ههههه اليام شفعا ووترا‬
‫ههههد رمته‬
‫قه‬
‫ليههت مليون مهجههة سههبقته‬
‫هههد تأخّهههر شهرا‬
‫ههها وقه‬
‫للمنايه‬
‫فبقاء العظيههم فهه الرض نفههع‬
‫وذهاب اللئيهههم يُذههههب عسهههرا‬

‫‪-78-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المام محمد بن‬
‫مقا َ‬
‫عبدالوهاب‬

‫مد بن عبد‬
‫مـــة المام مح ّ‬
‫مقـا َ‬
‫الوهّـاب‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫‪ ‬يَاقَوْم ِ اع ْبُدُوا الل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن إِلَهٍ غَيُْرهُ ‪‬‬
‫م‬
‫م‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬

‫أغهر تشرق مهن عينيهه ملحمهة‬
‫فه هةه عصهفت كالدههر واتقدت‬

‫مهههن الضياء لتجلو حندس الظلم‬

‫كأنهه الغيهث يسهقي الرض بالدّيه‬

‫المام الجدد ‪ ،‬شيـخ السـلم الوحـد ‪ ،‬الذي جدد ديـن النـب ممـد ‪ .‬أصـبح فـ‬
‫السلم علما معروفا ‪ ،‬وصار بالمامة موصوفا ‪ .‬دعا ف التوحيد أصل الصول ‪ ،‬وتابع‬
‫الرسول ‪ ،‬وجع بي النقول والعقول ‪.‬‬
‫خرج ف ز من أحوج ما يكون إل مثله ‪ ،‬ف عل مه وعقله ‪ ،‬فذكّر اللف ‪ ،‬عقيدة‬
‫ال سلف ‪ ،‬تدرع بالعلم ف فترة رك نت العقول إل ال هل ‪ ،‬وت سلح بال صب ف ز من قل‬
‫الناصر لهل الفضل ‪ ،‬وذكّر الناس بأعظم مسألة دعا إليها النبياء ‪ ،‬وهي أهم قضية عند‬
‫العلماء ‪ ،‬فصحح للناس أصل العتقد الق ف ربم تبارك ف عله ‪ ،‬ونفض عن عقول أهل‬
‫زمانـه مـا نال جناب التوحيـد وشوّه ميّاه ‪ .‬فحمـى جناب التوحيـد ‪ ،‬وسـدّ كـل ذريعةٍ‬
‫تفضي إل الشرك بالول الميد ‪ ،‬ل تكن دعوته صوفيه ‪ ،‬بنيت على شفا جرف هار من‬
‫الخالفات البدعيه ‪ ،‬الت تناف الصول الشرعية ‪ ،‬بل كان صاحب أثر ودليل ‪ ،‬وتصيل‬
‫شر عي وتأ صيل ‪ .‬ول ت كن دعو ته فكر ية تب ن على افتراضات العقول ‪ ،‬بل أثر ية سلفية‬
‫تقوم على ما صح من النقول ‪.‬‬
‫هذا المام ‪ ،‬ل يش غل ال مة بعلم الكلم ‪ ،‬بل أ سعد الناس بياث سيد النام ‪ .‬ول‬
‫يتشدق بعلم النطق ‪ ،‬بل سال بيانه بالعلم الوثق ‪ ،‬وجرى لسانه بالقول الحقق ‪ .‬وسلّمه‬
‫ال من ط يش الفل سفه ‪ ،‬أ هل الز يغ وال سفه ‪ ،‬فكان صاحب ح جة قاض يه ‪ ،‬على سنة‬
‫ماض يه ‪ ،‬على طري قة من سار ‪ ،‬من ال سلف البرار ‪ ،‬يعرض ال سألة ف سهولة وي سر ‪،‬‬
‫مانبا الشقة والعسر ‪ ،‬فدنا إليه قطاف اللة الحمديه ‪ ،‬وجب إليه ثار الشريعة الحمديّه ‪.‬‬

‫‪-79-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المام محمد بن‬
‫مقا َ‬
‫عبدالوهاب‬

‫عرف الادة فو صل ‪ ،‬ود عا إل ما د عا إل يه الر سل ‪ .‬كان ف زم نه علماء ‪ ،‬و ف‬
‫ع صره فقهاء ‪ ،‬ل كن من هم من ظن أن ال سلمة ف ال سكوت ‪ ،‬ولزوم البيوت ‪ ،‬وطلب‬
‫القوت ‪ ،‬ومن هم من كان ف عل مه لو ثة من البدع ‪ ،‬فك يف يد عو الناس إل ما أنزله ال‬
‫وشرع ‪ ،‬ومنهم من اشتغل بالناصب ‪ ،‬عن أداء الواجب ‪ ،‬فهمه ثن بس دراهم معدودة‬
‫من الطام ‪ ،‬يأخذها ثنا لفتاوى يتخذ با جاها عند الطغام ‪.‬‬
‫أمـا هذا المام الحفوظ بالعنايـة ‪ ،‬الحاط بالرعايـة ‪ ،‬فأشرقـت شسـه مـن مطالع‬
‫السنة ‪ ،‬وصارت قافلته اليمونة إل النة ‪.‬‬
‫هذا الجدد ل يأت بر سوم من ال ستانة ‪ ،‬ول ن يطلب النل لدى العا مة والكا نة ‪،‬‬
‫بل جاء مصلحا يعيد ال مة إل سيتا الول الربانية ‪ ،‬وإل ما كانت عليه من الحاسن‬
‫اليان ية‪ ،‬والتعال يم الربان ية ‪ .‬و جد ف ز من هذا المام ‪ ،‬ف بلد ال سلم ‪ ،‬مشائخ ل م‬
‫عمائم كالبراج ‪ ،‬وأكمام كالخراج ‪ .‬تُفعل أمام أعينهم كل طامة ‪ ،‬وههم تبجيل العامة‬
‫‪ ،‬يبون الموال بالحتيال ‪ ،‬فل يفت أحدهم إل بثمن معجل ‪ ،‬أو برهان مؤجل ‪ ،‬ليصبح‬
‫العلم لدي هم عما مة مكوّرة ‪ ،‬وج بة مدوّرة ‪ ،‬يعظّم ب ا لدى الرعاع ‪ ،‬وي سكت عن كل‬
‫شرك وابتداع ‪ .‬يرى أحدهـم الهال يطوفون بالقبور ‪ ،‬فل يغضـب ول يثور ‪ ،‬لن دماء‬
‫حب الدنيا ف عروقه تمد ‪ ،‬فهو تائه مقلد ‪ ،‬بارد متبلّد ‪.‬‬
‫فجاء هذا المام الذي ما تد نس بالدن يا جلبا به ‪ ،‬ول ات سخت بالبد عة ثيا به ‪ ،‬و قد‬
‫ع قد العزم ‪ ،‬وات صف بالزم ‪ ،‬تدوه ه ة عار مة ‪ ،‬وعزي ة صارمة ‪ ،‬فد عا إل تد يد ما‬
‫اندرس من الدين ‪ ،‬وإظهار ما خفي من دعوة سيد الرسلي ‪.‬‬
‫فكان الناس م عه أق سام ثل ثة ‪ ،‬فأ صحاب ح سد ‪ ،‬ضل رشد هم وف سد ‪ ،‬ل سان‬
‫حالم ‪ :‬لاذا اختي هذا من بيننا ‪ ،‬إنه يدعو إل غي ديننا ‪ ،‬فكبتهم ال بنصر هذا المام ‪،‬‬
‫وتآكل حسدهم ف صدورهم على مر اليام ‪.‬‬
‫وأصحاب بدعة وهوى ‪ ،‬سقط نمهم وهوى ‪ ،‬ذاق منهم المرّ ‪ ،‬فاحتسب الجر‬
‫و صب ‪ .‬وأ صحاب قلوب حيّة ‪ ،‬وف طر نقيّة ‪ ،‬عرفوا أن دعو ته دعوة مرضيّة ‪ ،‬سلفيّة‬
‫سنيّة ‪ ،‬فركبوا ف سفينة التجد يد ‪ ،‬مع هذا المام الرش يد ‪ ،‬ح ت و صلوا م عه إل شا طئ‬
‫‪-80-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المام محمد بن‬
‫مقا َ‬
‫عبدالوهاب‬

‫الصلح ‪ ،‬وساحل الفلح ‪ .‬فإذا رأيت من ينال هذا المام ‪ ،‬ويط من قدر هذا المام ‪،‬‬
‫فاعلم أنه مذول مغرور ‪ ،‬أو جاهل مغمور ‪.‬‬
‫واعلم أن ال صادق ي عل ال لدعو ته التأي يد والتمك ي ‪ ،‬والكاذب يظ هر ال عواره‬
‫ولو بعد حي ‪ .‬وهذا المام ل يكن مطلبه السلطان ‪ ،‬وجع النود والعوان ‪ ،‬والستيلء‬
‫على البلدان ‪ .‬بل كان ق صده ت صحيح معت قد الناس ‪ ،‬وتصـفية التوح يد ماـ أ صابه مـن‬
‫الدران والدناس ‪ ،‬وإزالة الطأ واللتباس ‪ ،‬فأصاب عي القيقة ‪ ،‬ولزم أحسن طريقة ‪،‬‬
‫ح ت شرّ قت بال ي ركائ به ‪ ،‬وغرّ بت بالف ضل نائ به ‪ ،‬فتقبل ها عباد ال بقبول ح سن ‪،‬‬
‫وعدوها عليهم من أعظم النن ‪ ،‬وشرق با من ضل رشده ‪ ،‬وخاب جهده ‪ ،‬فما ضر إل‬
‫نفسه ‪ ،‬وما اقتلع إل غرسه ‪ ،‬وهذه سنة ال ف البشرية ‪ ،‬وحكمته ف البيّة ‪.‬‬
‫ل تشرق ش س دعوة صادقة ‪ ،‬بالتوح يد ناط قة ‪ ،‬إل ق يض ال ل ا أن صارا وأعداء ‪،‬‬
‫لتتم سنته ف الدافعة بي الفجّار والولياء ‪ ،‬وليتخذ شهداء ‪.‬‬
‫بدأ المام بالتوحيـد لنـه السـألة الكـبى ‪ ،‬والعروة الوثقـى ‪ .‬لن مـن يعلّم الناس‬
‫الفروع و قد ذه بت ال صول ‪ ،‬كم ثل من يداوي الج سام و قد فقدت العقول ‪ ،‬وك يف‬
‫تفلح أمة يطوف على القبور رجالا ‪ ،‬وينشأ على الشرك أجيالا ‪.‬‬
‫قبل أن تدرّس الناس الفروع الفقهية ‪ ،‬صحح لم مسألة اللوهية ‪ ،‬وقضية العبوديّة ‪،‬‬
‫لتأت البيوت من أبوابا ‪ ،‬وترد السببات إل أسبابا ‪.‬‬
‫وق بل أن يعلم الناس أبواب ال سياسة ‪ ،‬وطرق الو صول إل الرئا سة ‪ ،‬ي ب تعليم هم‬
‫الدين الالص الذي دعت إليه النبياء ‪ ،‬والتوحيد الق الذي جاءت به اللّة الغرّاء ‪.‬‬
‫هل يقر للعبد قرار وهو يسمع َومَ ْن يُشْرِ كْ بِاللّ هِ َف َكَأنّمَا َخ ّر مِ نْ ال سّمَاءِ َفتَخْ َطفُ ُه‬
‫ال ّطيْرُ َأ ْو َت ْهوِي بِ هِ الرّي حُ فِي َمكَا نٍ َسحِيقٍ ‪ .‬هل بعد هذا النذار من إنذار ‪ ،‬وهل فوق‬
‫ك وََلَتكُونَنّ مِ نْ‬
‫حبَطَنّ عَمَلُ َ‬
‫الطر من أخطار ‪ ،‬وال يقول لنبيه وصفيه َلئِ نْ َأشْرَكْ تَ َليَ ْ‬
‫َاسـرِينَ ‪ .‬إن الحزاب الفلسـة ‪ ،‬والطوائف البلسـة ‪ ،‬أهلت مسـألة التوحيـد مـن‬
‫الْخ ِ‬
‫حسابا ‪ ،‬وحجبت حقيقته عن أحزابا ‪ .‬فكان جزاؤها الزي والوان ‪ ،‬والذلة والذلن‪،‬‬
‫لن أعظم الطالب العلمية ‪ ،‬وأكب القاصد العملية ‪ ،‬هي قضية اللوهية ‪ ،‬ولذا تد أنّ أي‬
‫‪-81-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المام محمد بن‬
‫مقا َ‬
‫عبدالوهاب‬

‫دعوة قا مت على غ ي التوح يد قد انارت ‪ ،‬وأعل نت هزيت ها وبارت‬
‫سقْفُ مِنْ َفوِْقهِمْ ‪.‬‬
‫خ ّر عََلْيهِمْ ال ّ‬
‫مِ َن اْل َقوَاعِدِ فَ َ‬

‫َفأَتَى اللّ ُه ُبنْيَاَنهُ مْ‬

‫مـا خُلق الكون ؟ وأوجدت فيـه حركـة وسـكون ‪ ،‬إل لسـألة عظيمـة ذكرت فـ‬
‫الكتاب الكنون ‪:‬‬

‫َومَا َخَل ْقتُ الْجِنّ وَالِنسَ إِل ِلَي ْعبُدُونِ ‪.‬‬

‫كانـت دعوة المام الجدّد ‪ ،‬ت نص على أن يع بد ال وحده ويوحّد ‪ ،‬ق بل أن يعلم‬
‫الناس الحكام ‪ ،‬لبـد أن تطهـر قلوبمـ مـن التعلق بالوثان والصـنام ‪ ،‬وأن تزكـى‬
‫ضمائرهم من التعلق بالنصاب والزلم ‪.‬‬
‫قد يدرك اللول والتادي م سائل الف قه و هو ضال ف باب التوح يد ‪ ،‬و قد يلم‬
‫الصوف والقبوري بالحكام وهو جاهل بق ال على العبيد ‪ .‬ولذا تد من نصب نفسه‬
‫للفت يا ف ب عض البلد ‪ ،‬يشا هد مظا هر الشرك تع صف بالعباد ‪ ،‬ث ل ين كر ولو بإشارة ‪،‬‬
‫ول ينهى ولو بعبارة ‪ ،‬فأي صلح لن هذه حاله ‪ ،‬وأي علم ينتظر لن هذه أعماله ‪.‬‬
‫ل قد ا ستقبلت ال مة دعوة هذا المام ‪ ،‬بالقبول والهتمام ‪ ،‬ف صار للم ساجد دوي‬
‫كدوي النحل بالعلم الأثور ‪ ،‬وصارت كتائب التوحيد تزيل القباب عن القبور ‪ ،‬وانتشر‬
‫دعاة القـ ينفضون آثار الشرك والبدعـة مـن الصـدور ‪ ،‬فصـار العامـي بنور هذه الدعوة‬
‫أصفى توحيدا ‪ ،‬وأخلص دينا ‪ ،‬من أئمة الطوائف النحرفة ‪ ،‬لا جعل ال ف قلبه من نور‬
‫العرفة ‪ .‬بعد أن عمّت الشرور ‪ ،‬وانطفأ النور ‪ ،‬وحار الناس ف ظلمات الشرك بي نذور‬
‫وقبور ‪ ،‬وسـحر وكهانـة وفجور ‪ ،‬فجدد ال بذا المام معال الديـن ‪ ،‬وأيده بكتائب‬
‫الوحدين ‪ ،‬فالمد ل رب العالي ‪.‬‬
‫حدا على جلل النعمة ‪ ،‬وانكشاف الغمة ‪ ،‬وصلح المة ‪.‬‬

‫‪-82-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مــــة الـبـازيَّــــة‬
‫المقـا َ‬
‫ل هَ ْ‬
‫‪ ‬قُ ْ‬
‫ستَوِي الَّذِيَن يَعْلَُموَن وَالَّذِيَن ل يَعْلَُموَن ‪‬‬
‫ل يَ ْ‬
‫إن قام سههوق العلم فهههو كمالك‬

‫أو مههد باع الزهههد فالشيبانهه‬

‫أو غاص فه التفسهي قلت ماههد‬

‫والفقهههه والتعليهههم كالنعمان‬

‫وإذا تزاحتههه الوفود فحاتههه‬

‫وكأحنفههٍ فهه اللم والغفران‬

‫للقلب مـن ذكره اهتزاز ‪ ،‬وللقصـيد فـ مدحـه ارتاز ‪ ،‬تفرد بالكرمات وامتاز ‪،‬‬
‫وحظي بسن الثناء وفاز ‪ ،‬إنه عبد العزيز بن باز ‪ .‬أوصلته المة ‪ ،‬إل إمامة المة ‪ ،‬وبلغته‬
‫العزية النـزلة الكرية ‪ ،‬ودلته السنة ‪ ،‬طريق النة ‪ .‬خلق أرق من النسيم ‪ ،‬وعلم أعذب‬
‫من التسنيم ‪ ،‬كلمه يوشى بالثر ‪ ،‬كأنه در انتـثر ‪.‬‬
‫ا بن باز ‪ :‬اتباع ل ابتداع ‪ ،‬وقبولٌ عم البقاع ‪ ،‬وفضله كل مة إجاع ‪ ،‬مع اعت صام‬
‫بالدل يل ‪ ،‬واهتمام بالتأ صيل ‪ ،‬وبرا عة ف التح صيل ‪ ،‬يشر فه تق يق ف النقل ‪ ،‬و سداد ف‬
‫العقل ‪ ،‬جع مع كرم الطبيعة ‪ ،‬رسوخ ف الشريعة ‪ ،‬هجر ف طلب العلم الرقاد ‪ ،‬فحصل‬
‫واستفاد ‪ ،‬وأخذ الرواية بالسناد ‪ ،‬حت ترأس وساد ‪ ،‬وعم علمه البلد والعباد ‪.‬‬
‫ا بن باز ‪ :‬على ن ج ال سلف ‪ ،‬بل تن طع ول صلف ‪ ،‬روح بالتقوى طاهرة ‪ ،‬ون فس‬
‫بالعلوم باهرة ‪ ،‬أعذب من ماء السحاب ‪ ،‬وأرق من دمع الحباب ‪.‬‬
‫ابن باز ف هذا العصر ‪ :‬إمام الغرباء ‪ ،‬وعال الولياء ‪ ،‬وزاهد العلماء ‪.‬‬
‫تقلد ابهن باز أرفـع الناصـب ‪ ،‬فكان آيـة فـ أداء الواجـب ‪ .‬حضرت له مالس‬
‫وموائد ‪ ،‬وحلت عنه فوائد ‪ ،‬وألقيت عليه قصائد ‪ ،‬ورويت عنه فرائد ‪.‬‬
‫كانههت مادثههة الركبان تبنهها‬

‫عهن شيخنها الباز تروي أروع البه‬

‫حته التقينها فل وال مها سهعت‬

‫أذنه بأحسهن ماه قهد رأى بصهري‬

‫‪-83-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ل ا جاء خب وفاة هذا المام تعثرت به الفواه ‪ ،‬وتلعث مت به الشفاه ‪ ،‬وقال القلب‬
‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬
‫هذا خب ل أقواه ‪ ،‬وقالت النفس ما أشد هذا الصاب على القلب وما أقساه ‪.‬‬
‫أصهيب بهه السهلم وارتهج أهله‬

‫على فقده حته أصهيب بهه الصهب‬

‫كأن بنهه السههلم يوم وفاتههه‬

‫نوم سههماءٍ خهر مهن بينهها البدر‬

‫ابهن باز بـز بعلمـه العلم ‪ ،‬وأتعـب بسـيته القلم ‪ ،‬وأهدى عمره للسـلم ‪،‬‬
‫وكفل بكرمه اليتام ‪.‬‬
‫لو رآه ي ي بن مع ي لقال ‪ :‬مرحبا بعلم ال سناد ‪ ،‬ولو أب صره حا ت الطائي لقال ‪:‬‬
‫أهلً يا سيد الجواد ‪ ،‬ولو لقيه الحنف بن قيس لقال ‪ :‬منكم اللم يستفاد ‪.‬‬
‫ابهن باز بَزّ القران ‪ ،‬بطاعـة الرحنـ ‪ ،‬وعلم السـنة والقرآن ‪ ،‬وإكرام الضيفان ‪،‬‬
‫واحترام الخوان ‪ ،‬وبر القارب واليان ‪.‬‬
‫سهعى سهعيهم قوم فلم يدركوهوه‬

‫ومها قصهرّوا عنهد اللحاق ول يألوا‬

‫هبق الللة والعل‬
‫ه سه‬
‫هن لمه‬
‫ولكه‬

‫فجاء لمه مهن كهل ناحيهة فضهل‬

‫إن زرته غمرك بالكرام ‪ ،‬وأتفك بالحترام ‪ ،‬وآنسك بطيب الكلم ‪ ،‬وضيفك ألذ‬
‫الطعام ‪ ،‬وعلمك الداب والحكام ‪ ،‬فهو يمع الودين ‪ ،‬وبا تقوم الدنيا والدين ‪.‬‬
‫ابن باز أبو الدعاة ‪ ،‬وشيخ القضاة ‪ ،‬وناصح الولة ‪ ،‬تبه لتقواه ‪ ،‬وتترمه لفتواه ‪.‬‬
‫حاضـر فـ الامعات ‪ ،‬وتشرفـت بـه الحاضرات ‪ ،‬وتعطرت بعلمـه الندوات ‪،‬‬
‫وطا بت بلقائه الم سيات ‪ ،‬و سعدت بوجوده الل سات ‪ ،‬غ ن ف زي فق ي ‪ ،‬وزا هد ف‬
‫موكب أمي ومفت ف منصب وزير ‪ ،‬حل كل أمر خطي ‪ ،‬فكان نعم الشي ‪ ،‬وصاحب‬
‫الرأي الفطي والمي ‪ ،‬عليه بسمة ف وقار ‪ ،‬ولي ف إصرار ‪ ،‬ودأب ف استمرار ‪ ،‬السنة‬
‫له شعار ‪ ،‬والصـلح له دثار ‪ ،‬وعليـه مـن السـكينة أنوار ‪ ،‬ل يكـن لسـانه كالقــراض‬
‫للعراض ‪ ،‬ول يكن له ارتياض ف جلب الال والغراض ‪:‬‬
‫عفيهف مهن الدنيها خفيهف مهن النها‬

‫هة وقرُ‬
‫هل فاحشه‬
‫هن كه‬
‫هه عه‬
‫كأَن به‬

‫هبيلة‬
‫هه ف ه قه‬
‫همت أخلقه‬
‫فلو قسه‬

‫لصهار لكهل منههم الجهد والفخرُ‬
‫‪-84-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ابهن باز ‪ :‬نفـع للخليقـة ‪ ،‬وإدراك للحقيقـة ‪ ،‬ولزوم الطريقـة ‪ ،‬عدل فـ الحكام‬
‫وإنصاف ‪ ،‬وتواضع تعنو له الشراف ‪ ،‬وكرم تشهد به الضياف ‪.‬‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫أثبت ابن باز أن العلم يشرف من حله ‪ ،‬وأن الال يسوّد من بذله ‪ .‬ليس ف قاموس‬
‫ابن باز أن الود يفقر ‪ ،‬بل صاحبه يشكر وبالي يذكر ‪ ،‬لو ترجم كرم ابن باز ف أبيات‬
‫هن ذي العرش إقلل‬
‫هق ول تش ه مه‬
‫لقيل ‪ :‬أنفه‬
‫ول تطههع فهه سههبيل الود عذال‬
‫مههن جاد جاد عليههه ال واسههتترت‬
‫ههربال‬
‫ههى بالود سه‬
‫ههه وكفه‬
‫عيوبه‬
‫تيـز ابهن باز بالتعمـق فـ الثـر ‪ ،‬والغوص على الدرر ‪ ،‬مـع تصـحيح البـ ‪،‬‬
‫وصحة النظر ‪.‬‬
‫ابت عد ا بن باز عن شقش قة علماء الكلم ‪ ،‬وعقع قة الفل سفة الطغام ‪ ،‬وتشدق أ هل‬
‫النطـق اللئام ‪ .‬ول يكـن يسـقط على السـقطات ‪ ،‬ول يلقـط الغلطات ‪ ،‬بـل كان يدفـن‬
‫العائب ‪ ،‬ويذكر الناقب ‪ ،‬فمل ال بحبته القلوب ‪ ،‬وطار ذكره ف الشعوب ‪.‬‬
‫فالعلم عنده حديث وآية ‪ ،‬ونور وهداية ‪ ،‬وعمل لغاية ‪ ،‬واستعداد لنهاية ‪ ،‬أعرض‬
‫عـن مذاهـب البتدعـة الضلل ‪ ،‬وأهـل الدنيـا الهال ‪ ،‬وأسـاطي القيـل والقال ‪ ،‬وهجـر‬
‫الدال ‪ ،‬فسلم من هز الرجال ‪.‬‬
‫خلق كأن الشمههس تسههده على‬

‫كرم الطباع وزينههة الوصههاف‬

‫ها‬
‫ها الثناء فكلمه‬
‫ضمنههت له الدنيه‬

‫ذكروه جاد الناس بالتاف‬

‫ـعار ‪ ،‬ول فضول الخبار ‪ ،‬ول غرائب القطار ‪،‬‬
‫ـه أرقام السـ‬
‫ـس ف ـ ملسـ‬
‫ليـ‬
‫ول عجائب الم صار ‪ ،‬وإن ا كلم العز يز الغفار ‪ ،‬وحد يث ال نب الختار ‪ ،‬و ما صح من‬
‫آثار ‪ ( .‬كمثل حامل السك إما أن تبتاع منه وإما أن يتحفك بطيبه ) ‪.‬‬
‫زهد ابن باز زهد متواضع ‪ ،‬ل يشر إليه بالصابع ‪ ،‬ويعلن على الل ف الجامع ‪،‬‬
‫لن الدنيا عنده أهون من أن يع ظم الزهد فيها ‪ ،‬وأحقر من أن يدح النظر إليها ‪ ،‬فكان‬

‫‪-85-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫زهده صامت ‪ ،‬وتواض عه ساكت ‪ .‬خدم ته أل سنة اللق بإعلن الفضائل ‪ ،‬وأحب ته قلوب‬
‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬
‫الناس فوعت تلك الرسائل ‪.‬‬
‫أف ضل ش يء ف العال ‪ :‬مراق بة الل يل ‪ ،‬والع مل بالتن ـزيل ‪ ،‬وال ستعداد للرح يل ‪،‬‬
‫والرضا بالقليل ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬فَآتَاهُمُ اللّ ُه َثوَابَ ال ّدْنيَا َوحُسْ َن َثوَابِ الخِ َرةِ‪‬‬
‫وأحب شيء ف الول ‪ :‬الحافظة على تكبية الحرام ‪ ،‬والكف عن الرام ‪ ،‬والرحة‬
‫بالنام ‪ ،‬وسـلمة الصـدر مـن حـب النتقام ‪ ،‬وطهارة الثوب مـن الثام ‪ ،‬وكذلك كان‬
‫ابن باز ‪ .‬كانت دعوته حسبة ‪ ،‬وعمله قربة ‪ ،‬فصار إماما ف زمن الغربة ‪.‬‬
‫وأكرم شيء ف الرجل ‪ ،‬بسمة على مياه ‪ ،‬وصدقه ف مسعاه ‪ ،‬وثباته ف خطاه ‪،‬‬
‫وإخلصه ف إعلنه ونواه ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫وأحسن شيء ف النسان ‪ ،‬طهارة الضمي ‪ ،‬والستعلء على كل حقي ‪ ،‬واحترام‬
‫الكبي ‪ ،‬ورحة بالصغي ‪ ،‬وعطف على الفقي ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫العلم ليـس متونا تفـظ ‪ ،‬ول خطبا تلفـظ ‪ ،‬ولكنـه خشيـة وخشوع ‪ ،‬وتواضـع‬
‫ُمـ َأئِ ّمةً‬
‫وخضوع ‪ ،‬واتباع فـ الصـول والفروع ‪ ،‬وكذلك كان ابـن باز ‪  .‬وَ َجعَلْنَا ِمْنه ْ‬
‫صبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاِتنَا يُوقِنُونَ ‪‬‬
‫َيهْدُونَ ِبَأمْ ِرنَا لَمّا َ‬
‫والعلم ل يس شهادات تعلق ‪ ،‬ول منا صب تت سلق ‪ ،‬ول دن يا تع شق ‪ ،‬ولك نه تقوى‬
‫ومراقبة ‪ ،‬وورع وماسبة ‪ ،‬وتنبيه للغافل ‪ ،‬وتعليم للجاهل ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫عرفنا من العلماء من اشتهر بالطابة ‪ ،‬والذكاء والنجابة ‪ ،‬وسرعة البديهة والصابة‬
‫وهذا أعظم ما يذكر به وعرفنا من العلماء من عندهم فهم ثاقب ‪ ،‬ونظر صائب ‪ ،‬وذهن‬
‫يغوص على العجائب ‪ ،‬ث ليس يذكر إل بذا ‪.‬‬
‫وعرفنا من عنده حافظة قوية ‪ ،‬وف صدره متون مروية ‪ ،‬وف ذاكرته علوم مكية ‪،‬‬
‫ث هذا غا ية ما عنده ‪ .‬ول كن ا بن باز حاف ظة بف هم ‪ ،‬وذاكرة بعلم ‪ ،‬و سداد ف رو ية ‪،‬‬
‫وثبات مع حسن طوية ‪ ،‬معه حجة ناطقة ‪ ،‬ونية صادقة ‪.‬‬

‫‪-86-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫كالسهيف إن تغمده أو تسهلله مها‬

‫فهه حده عيههب ول تقصههي‬

‫ههفاته‬
‫ههه وصه‬
‫ههٌ وثباته‬
‫معروفهه‬

‫فهه صههوته يوم القتال صههرير‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫بلغ ابهن باز منــزلة ل يرفعـه الدح ‪ ،‬ول يضعـه القدح ‪ ،‬فاسـتوى عنده الثناء‬
‫ـل رب‬
‫ـه يعامـ‬
‫ـا ضره ذم العداء ‪ ،‬لنـ‬
‫ـدقاء ‪ ،‬ومـ‬
‫ـه مدح الصـ‬
‫والجاء ‪ ،‬ول ينفعـ‬
‫الرض والسماء ‪.‬‬
‫من كان فوق م ل الش مس موض عه‬

‫هع‬
‫هء ول يضه‬
‫هه شيه‬
‫هس يرفعه‬
‫فليه‬

‫ليس ف قاموس ابن باز تفصّح ول تبجّح ول تدّح ‪.‬‬
‫ل ي ب الطراء والراء والغراء ‪ ،‬ل يتزلف عنده برن ي الدعا ية ‪ ،‬ول يتقرب لد يه‬
‫برخيص السعاية ‪ ،‬لنه قد حقق الولية ‪.‬‬
‫ليـس العلم عنـد ابهن باز بالتفاصـح ‪ ،‬والتمادح ‪ ،‬والزهـو بالشال ‪ ،‬والرص على‬
‫الصـال ‪ ،‬بـل العلم لديـه حلـ الشريعـة فـ إخبات ‪ ،‬وطلب الفائدة بإنصـات ‪ ،‬والعمـل‬
‫بال جة ف ثبات ‪ .‬العال من ع ند الرام كف ‪ ،‬و عن الشهوات عف ‪ ،‬وقال على غرور‬
‫الدنيا تف ‪ ،‬وكذلك كان ابن باز ‪.‬‬
‫ا بن باز من مدر سة التجد يد ‪ ،‬ول يس من أ هل التقل يد ‪ ،‬بل هو صاحب ح جة ‪،‬‬
‫سالك الحجة ‪ ،‬معتصم بالبهان ‪ ،‬عال برضى الرحن ‪ .‬ليس بتعصب للمذهب ‪ ،‬بل يتبع‬
‫الق أينما وجد ‪ ،‬ول يتجاوز الدليل إذا صح السند ‪.‬‬
‫صـحبت هذا الشيـخ فلم أر فيـه عجرفـة التطاوليـ ‪ ،‬ول ترص التقوّليـ ‪،‬‬
‫ول تر خص التأول ي ‪ ،‬ول غرور الاهل ي ‪ ،‬بل دأب ف ت صيل الفضيلة ‪ ،‬وحرص على‬
‫الصفات الليلة ‪ ،‬واتصف بالخلق الميلة ‪.‬‬
‫كان الش يخ يترم الئ مة ال سالفي ‪ ،‬ول ي كن يرّح الخالف ي ‪ ،‬بل كان رفيقا م ا‬
‫جعل الناس له مؤالفي ‪.‬‬
‫إذا صهاحبت قوما أههل فضهل‬
‫ول تأخهههذ بزلة كهههل قوم‬

‫فكهن لموا كذي الرحهم الشفيهق‬

‫فتبقههى فهه الزمان بل رفيههق‬
‫‪-87-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫إن التقوى إخلص فـ العمال ‪ ،‬وصـدق فـ القوال ‪ ،‬ومراقبـة ل فـ الحوال ‪،‬‬
‫وكذلك كان هو ‪ .‬أدرك الش يخ شرف الزمان ‪ ،‬فوزع وق ته ف وجوه الب والح سان ‪،‬‬
‫وهذه أعظم علمة ‪ ،‬على بلوغه درجة المامة ‪.‬‬
‫فهو رجل خاصة ينصح ويعظ ويتلطّف ‪ ،‬ول يغلظ ويشنع ويعنف ‪.‬‬
‫وهو رجل عامّة فكان بالناس رفيقا ‪ ،‬وبالستضعفي رقيقا ‪.‬‬
‫وهـو رجـل شفاعات تُلبّىـ لديـه الطلبات ‪ ،‬وتلـ عنده الشكلت ‪ ،‬وييـب على‬
‫التساؤلت ‪ ،‬وتعرض عليه العضلت ‪.‬‬
‫المامـة عنـد هذا المام ‪ :‬يقيـ عنـد الشبهات ‪ ،‬وصـب عنـد الشهوات ‪ ،‬وتمـل‬
‫للمسئوليات ‪.‬ل يكن هذا المام ف فتواه يفرع السائل حت يي السائل ‪ ،‬بل وضوح ف‬
‫العبارة ‪ ،‬ول طف ف الشارة ‪ ،‬فل إ سهاب يش تت الذهان ‪ ،‬ول اقتضاب ير بك اليان ‪،‬‬
‫سرَى ‪. ‬‬
‫بل إصابة للقصد ‪ ،‬مع اختصار للجهد ‪ .‬فهو أدرى بقوله تعال ‪َ  :‬ونُيَسّ ُركَ لِ ْليُ ْ‬
‫وقالوا ‪ :‬مـن تابـع الرسـول ‪ ،‬ووقـف مـع النقول ‪ ،‬وترك الفضول ‪ ،‬نال القبول‬
‫وكذلك كان رحه ال ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬من تق يد بالأثور ‪ ،‬وآ من بالقدور ‪ ،‬وع مل بالأمور ‪ ،‬واجت نب الحذور ‪،‬‬
‫فعمله مبور ‪ ،‬وسعيه مشكور ‪ ،‬وهو مأجور وكذلك كان رحه ال ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬من أر ضى ال ق ‪ ،‬ول طف باللق ‪ ،‬و صدق ف الن طق ‪ ،‬وع مل ف ر فق ‪،‬‬
‫حصل من الرب على القرب ‪ ،‬ومن الناس على الب ‪ ،‬وكذلك كان رحه ال ‪.‬‬
‫ولول أن عرفته ما وصفته ‪ ،‬والسبب ف أنن أحببته ‪ ،‬لنن صاحبته ‪.‬‬
‫ول تقـل إننـ بالغـت فـ الدح بـل قصـرت ‪ ،‬ول تزعـم أننـ طولت فـ الثناء بـل‬
‫اختصرت ‪ .‬وقد عرفت ف حيات مئات العلماء ‪ ،‬والدباء ‪ ،‬والشعراء ‪ ،‬والنبلء ‪ ،‬والكل‬
‫فيـه فضـل ‪ ،‬والميـع فيـه نبـل ‪ .‬ولكـن الذي تفرد بالفضائل واصـطفاها ‪ ،‬وجعـ حسـن‬
‫الشمائل وحواها ‪ ،‬وعرف دروس الجد ووعاها ‪ ،‬هو هذا المام المام ‪.‬‬

‫‪-88-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫و قد طال عت ِسفْر صفات ال صالي ‪ ،‬وقرأت ديوان الفلح ي ‪ ،‬وراج عت علمات‬
‫الناجحي ‪ ،‬فوجدتا فيه منطبقة ‪ ،‬وعليه متّسقة ‪.‬‬
‫ولو حرص الكثيه لاه اسهتطاعوا‬

‫إل مها فيهك مهن كرم الصهال‬

‫وابن باز جع بي ثلث ميمات ‪ ،‬لا قيمات ‪ ،‬ولا عليه سات وعلمات ‪.‬‬
‫فميم العلم ‪ ،‬والرسوخ ف الفهم ‪ ،‬وهي إمامة مقدسة ‪ ،‬على الوحي مؤسسة ‪.‬‬
‫وميم الكرم والسخاء ‪ ،‬والت حرم منها البخلء ‪ ،‬فصار هذا الشيخ بالكرم رئيسا ‪،‬‬
‫وعند الناس نفيسا ‪ .‬وميم اللم فل يغضب ول يعتب ول يصخب ول يضرب ‪.‬‬
‫وقد قرأت عليه قطعة من مسند أحد ف السجد ‪ ،‬فكان يتكلم بقول مسدد ‪ ،‬ورأي‬
‫بال صواب مؤيّد ‪ ،‬ول يتردد ‪ .‬وألق يت عل يه ق صيدت البازيّة ‪ ،‬و هي ف صيحة ل رمزيّة ‪،‬‬
‫فقابلها بالقبول ‪ ،‬واللطف ف القول ‪ ،‬ودعا ل بالتوفيق ‪ ،‬كأنه والد شفيق ‪.‬‬
‫وألق يت عل يه ق صيدت ف أ ب ذر ‪ ،‬فا ستأنس و سر ‪ ،‬وق صائد كثيات ‪ ،‬ف لقاءات‬
‫وميمات ‪ ،‬وندوات وأمسيات ‪.‬‬
‫يها ليهت أيامهي تعود فذكرهها‬

‫فه عههد هذا الفهذ قهد أشجانه‬

‫و هو أول ض يف افت تح بي ت ف الرياض ‪ ،‬و قد أفاض عل يّ من بره ما أفاض ‪ ،‬و ما‬
‫رأيت منه ف حيات الفاء والعراض ‪:‬‬
‫أنهها منهه سههاحته أنالت‬
‫عليههه تيههة الرحنهه تغدو‬

‫ومنهه دربههت تلك اليادي‬

‫هع العبادِ‬
‫هن نفه‬
‫هداه مه‬
‫لا ه أسه‬

‫بـل كان دائما كثيـ الترحاب ‪ ،‬لــيّن الناب ‪ ،‬قريبا مـن الحباب ‪ ،‬مكرما‬
‫للصحاب ‪.‬‬
‫و قد شجع ن على الدعوة بطاب م نه متوم ‪ ،‬وبا سه مو سوم ‪ ،‬وبأنفا سه مر سوم ‪،‬‬
‫وهو عندي إل اليوم ‪ .‬و قد و صلت دولً أعجمية وعربية ‪ ،‬وشرقية وغربية ‪ ،‬ف ما رأيت‬
‫مثل هذا المام ‪ ،‬على كثرة من عرفنا من النام ‪ .‬وأظن عي الجد قد بكت عليه ‪ ،‬وروح‬
‫التاريخ حنت إليه ‪ ،‬ولو فاح طيب ثناءه ف الوجود لكان مسكا ‪ ،‬ولو نظمت مكارمه ف‬
‫‪-89-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البازيَّة‬
‫المقا َ‬

‫عقد لنفصم من طوله سلكا سلكا ‪ .‬وقد رثاه العامة والكام ‪ ،‬ورجال العلم ‪ ،‬وحلة‬
‫القلم ‪ ،‬وبكاه رجال الصـحافة ‪ ،‬وأهـل الدب والثقافـة ‪ ،‬ونوه بفضله العلماء ‪ ،‬وبكاه‬
‫الشعراء ‪ ،‬وأثن عليه الدباء ‪ ،‬وحزن عليه الزعماء ‪ .‬وما سعنا بثل جنازته ف السلم ‪،‬‬
‫ول نعلم أنه مر مثلها مع اليام ‪ ،‬من كثرة الزحام ‪ ،‬وما حل بالسلمي من اللم ‪.‬‬
‫ف قد اختلط التر حم عل يه بالدموع ‪ ،‬وما جت كالب حر الموع ‪ ،‬وأعلن خب مو ته‬
‫العلم الرئي والسـموع ‪ .‬ووددت أن النصـارى شاهدوا جنازتـه واليهود ‪ ،‬ورأوا ذلك‬
‫الوقـف الشهود ‪ ،‬وأبصـروا تلك الشود والبنود ‪ ،‬والوفود والنود ‪ ،‬ليعلموا منــزلة‬
‫علمائ نا ‪ ،‬وقَدْر حكمائ نا ‪ ،‬وأن نا أ مة تقدس الديا نة ‪ ،‬وتو قر حلة الما نة ‪ ،‬وأ هل الرزا نة‬
‫والصيانة ‪.‬‬
‫ثوى طاههر الردان ل تبهق بقعهة‬

‫هب‬
‫هت أنا ه قه‬
‫غداة ثوى إل اشتهه‬

‫هى‬
‫ها أته‬
‫تردى ثياب الوت حرا فمه‬

‫لا الل يل إل وهي من سندس خضر‬

‫وقد رثيته بقصيدة بازيّة ‪ ،‬أصف فيها عظم الرزيّة ‪ ،‬أنزله ال رضوانه ‪ ،‬وأسبغ عليه‬
‫غفرانـه ‪ ،‬وبوّأه أكرم نزل ‪ ،‬وألبسـه أجلـ اللل ‪ ،‬جزاء مـا قدّم ‪ ،‬وأفاد وعلّم ‪ ،‬وأتفـ‬
‫وأكرم ‪ ،‬فله علي نا حق الدعاء ‪ ،‬وح سن الثناء ‪ ،‬وهذه سنة الوفاء ‪ ،‬ومذ هب ال صفياء ‪،‬‬
‫وعسى اللك العلم ‪ ،‬ذو اليادي العظام ‪ ،‬والنن السام ‪ ،‬أن يمعنا به ف دار السلم ‪،‬‬
‫مع السلف الكرام ‪.‬‬
‫قاسهتك البه مهن ينبوعهه الصهاف‬

‫فقمهت أنشهد أشواقهي وألطافه‬

‫عفوا لك ال قهد أحببهت طلعتكهم‬

‫لناهه ذكرتنهه سههي أسههلف‬

‫ل أبتغهي الجهر إل مهن كريه عطها‬
‫يفديهك مهن جعهل الدنيها رسهالته‬

‫فهههو الغفور لزلّتهه وإسههراف‬

‫مههن كههل أمثاله تفدى بآلفههِ‬

‫‪-90-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدّعويّة‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــة الـدّعـويّــــة‬
‫المقـا َ‬
‫ما‬
‫ن الْكِتَا َ‬
‫مو َ‬
‫ب َوب ِ َ‬
‫م تُعَل ِّ ُ‬
‫ما كُنْت ُ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن كُونُوا َربَّانِيِّي َ‬
‫‪ ‬وَلَك ِ ْ‬
‫ن‬
‫سو َ‬
‫م تَدُْر ُ‬
‫كُنت ُ ْ‬

‫‪‬‬

‫أنهت كنههز الدر والياقوت فه‬

‫لةهه الدنيهها وإن ل يعرفوك‬

‫هه شوق إل‬
‫ههل اليام فه‬
‫مفه‬

‫صوتك العال وعساهم يسمعوك‬

‫ترى الناس بل دعوة أيتاما ‪ ،‬ل يعرفون حللً ول حرا ما ‪ ،‬ول صلة ول صياما ‪،‬‬
‫ول سننا ول أحكاما ‪ ،‬فالدعوة لرئة الحياء هواء ‪ ،‬ولكبد الدنيا ماء ‪ ،‬ولذلك أرسل ال‬
‫النبياء ‪ ،‬وخط ف اللوح ما شاء ‪.‬‬
‫ها فقام له‬
‫ها ميتهه‬
‫هى دعه‬
‫أخوك عيسه‬
‫وأنهت أحييهت أجيههالً مهن الرمههمِ‬
‫هت‬
‫هة غرقه‬
‫هن ننه قبلك إلا نقطه‬
‫مه‬
‫القدمه‬
‫ِ‬
‫فه اليهم أو دمعهة خرسهاء فه‬

‫وقـد حلت القلم والدواة ‪ ،‬ورافقـت الدعاة ‪ ،‬ولقيـت العلماء والقضاة ‪ ،‬وعرفـت‬
‫البسطاء والدهاة ‪ ،‬وجبت مع إخوان البلد ‪ ،‬وخالطت العباد ‪ ،‬فكم عرفنا من ناد وواد ‪،‬‬
‫و سرنا ف حا ضر وباد ‪ ،‬فأخذت من الناس الوا هب ‪ ،‬وا ستفدت من الزمان التجارب ‪،‬‬
‫وميّزت الشارب ‪ ،‬ونزلت تلك اليام ‪ ،‬والضارب ‪.‬‬
‫فالداعية الناجح ‪ ،‬والواعظ الصال ‪ ،‬من جعل ممّدا إمامه ‪ ،‬فعرف هديه وكلمه ‪،‬‬
‫فراش بداه سهامه ‪ ،‬وج ل بسنته مقا مه ‪ .‬والداعية من كان بالناس رفيقا ‪ ،‬وعاش معهم‬
‫رقيقا ‪ ،‬وصار بم شفيقا ‪ ،‬فاجتنب العنف والتجريح ‪ ،‬والسراف ف الديح ‪ ،‬فلزِم القول‬
‫الليّن ‪ ،‬والُلق اليّن ‪ ،‬فصار لقلوب الناس طبيبا ‪ ،‬ولرواحهم حبيبا ‪.‬‬
‫غلم إذا مها شرّف المهع صهفقت‬

‫له أنف هس ال ضر واكتم هل البشرُ‬

‫له منطهق لو أن للسهحهر بعضهه‬

‫م شى بين نا من ح سن طلع ته ال سحرُ‬

‫‪-91-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدّعويّة‬

‫ول ف الدعوة انتقال وارتال ‪ ،‬والف ضل لذي اللل ‪ ،‬ول يس ل ف الف ضل فِلْس‬
‫ول مثقال ‪ .‬وكانت البداية ف أبا ‪ ،‬وهي من الشمس أبى ‪ ،‬ومن الزلل أشهى ‪ ،‬وأهلها‬
‫من أرق الناس قلوبا ‪ ،‬وأقلهم عيوبا ‪ ،‬تغلب عليهم الستجابة ‪ ،‬والذكاء والنجابة ‪.‬‬
‫هيّنون ليّنون أيسههار بنههو يسههر‬
‫صهيهد باه ليههل حفـهاظون للجههار‬
‫مهن تلق منههم تقهل لقيهت سهيّدهم‬
‫مثهل النجوم الته يسهري باه السهاري‬

‫ث زرت مكّة ‪ ،‬فعر فت من ال ب يقي نه وشكّه ‪ ،‬ف صرت لهل ها بالودة ضامنا ‪،‬‬
‫و صار ال نس ف قل ب كامنا ‪ ،‬وآ من فؤادي و من دخله كان آم نا ‪ .‬فلو أن الثرى ُي َقبّ ل‬
‫لقبّلت ‪ ،‬لكنن لا رأيتها كبّرت وهلّلت ‪ ،‬وحول البيت هرولت ‪.‬‬
‫كبّرت عنههد ديارهههم لاهه بدت‬
‫ها الشرق‬
‫هس منهه‬
‫ها الشموس وليه‬
‫منهه‬
‫وعجبههت مههن بلد مكارم أهلههها‬
‫هخورها ل تورق‬
‫هحاب صه‬
‫فيههها السه‬

‫ث سرت إل الرياض ‪ ،‬وأنا من الم خال الوفاض ‪ ،‬فلحت لنا العلم النجدية ‪،‬‬
‫والمان الوردية ‪ ،‬ووصلنا أرض التوحيد ‪ ،‬وبلد التجديد ‪ ،‬فوجدنا العلماء ‪ ،‬والكرماء ‪،‬‬
‫واللماء ‪.‬‬
‫لو كان يقعهد فوق الشمهس مهن كرم‬
‫قوم بآبائههههم أو مدههههم قعدوا‬
‫مسههدون على مها كان مهن نعهم‬
‫ل ينهههزع ال منهههم ماله حسههدوا‬

‫ث حل نا الشوق إل طي بة ‪ ،‬و هي أمنيت نا ف الضور والغي بة ‪ ،‬و هي أرض اللل‬
‫واليبـة ‪ ،‬فيـا قلب وال ل ألومـك فـ هواك ‪ ،‬ول أردك عـن مناك ‪ ،‬لن أحـب‬
‫الناس يرقد هناك ‪ .‬أليس ف هذه الرواب مشى ممّد ‪ ،‬وصلى وتعبد ‪ ،‬وقام وتجد ‪.‬‬

‫‪-92-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدّعويّة‬

‫بنفسهي تلك الرض مها أحسهن الربها‬
‫ومها أحسهن الصهطاف والتربعههها‬
‫كتب نا علي هها بالدم ههوع صحائفا‬
‫ههي الدار صهارت للمحهبي مضجعها‬

‫ث رحل نا إل جدة ‪ ،‬ول نا عن ها مدة ‪ ،‬فل ما و صلناها ذ هب كل عناء وشدة ‪ ،‬و قد‬
‫أخذنا من الب عدة ‪ ،‬وحلنا ف القلوب مودة ‪ .‬فلقينا با شبابا كالسحاب ‪ ،‬برؤيتهم ت‬
‫النس وطاب ‪ ،‬وذهب الم والوصاب ‪ ،‬أخلقهم أرق من النسيم ‪ ،‬وعشرتم أجل من‬
‫الدر النظيم ‪.‬‬
‫هههم القوم إن قالوا أصههابوا وإن دعوا‬
‫أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا‬
‫باليهل فه السهلم سهادوا ول يكهن‬
‫لولمهه فهه الاهليههة أولُ‬

‫ث جاءتنا برقية ‪ ،‬فسافرنا إل الشرقية ‪ ،‬وما أبقى لنا الشوق بقية ‪،‬فقابلونا بالفاوة‬
‫والكرام ‪ ،‬والب والحترام ‪ ،‬ووجدنا رقة الضارة ‪ ،‬والبشاشة والنضارة ‪ ،‬فعجزنا عن‬
‫الشكر ‪ ،‬وهام بنا إليهم الذكر ‪ ،‬وما نسيهم الفكر ‪:‬‬
‫ل تلك الههههدار أي مههههلة‬
‫للجود والفضال والتكريِهههههه‬
‫ههههم كالشموس مهابهههة وجللة‬
‫أخلقهههم فهه السههن كالتسههنيمِ‬

‫ث قلت ل صاحب مالك ف الدال خ صيم ‪ ،‬تقول القي صومة ‪ ،‬وأ نا أقول الق صيم ‪،‬‬
‫فل ما و صلنا تلك الديار‪ ،‬وعانق نا الخيار ‪ ،‬وجد نا أ هل الديا نة ‪ ،‬والما نة ‪ ،‬وال صيانة ‪.‬‬
‫عفاف ف طهر ‪ ،‬كأنم نوم زهر ‪ ،‬أشاد بكارمهم الدهر ‪.‬‬
‫قل للريهاح إذا هبت غهواديهها‬

‫واكتب على أرضهم بالب ملحمة‬

‫حي الق صيم وعا نق كل من في ها‬

‫أرض الديانهة قاصهيهها ودانيهها‬

‫‪-93-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدّعويّة‬

‫ث دخل نا حائل ‪ ،‬والقلب إلي ها مائل ‪ ،‬فلقي نا أبناء الكارم ‪ ،‬وعانق نا أحفاد حا ت ‪،‬‬
‫فر جح حب هم ف اليزان ‪ ،‬وحدثنا هم ف جا مع برزان ‪ ،‬واعتذرت من إبطائي ‪ ،‬ث ألق يت‬
‫قصيدة نادي الطائي ‪:‬‬
‫ل عيهب فيههم سهوى أن القيهم بمه‬
‫يسهلو عهن الههل بهل كهل الحباءِ‬
‫فه حائل قهد بنه الكرام منههزله‬
‫أبوهوا فههه العال حاتههه الطائي‬

‫ول ا هبط نا البا حة ‪ ،‬وجد نا ال نس والرا حة ‪ ،‬و قد عا نق القلب أفرا حه ‪ ،‬ون سي‬
‫أتراحه ‪ ،‬فغمد حسام السلم غامد ‪ ،‬كم با من عابد ‪ ،‬وزاهد ‪ ،‬وساجد ‪.‬‬
‫وزهرة الكارم زهران ‪ ،‬صرت ف ليلي عند هم من الفرح سهران ‪ ،‬سيتم أط يب‬
‫سية ‪ ،‬وسريرتم أحسن سريرة ‪ ،‬لنم أبناء أب هريرة ‪:‬‬
‫فه الباحهة الغههراء كان لقاؤنهها‬
‫مهها أحسههن اللقيههها بل ميعادِ‬
‫شيدت باهه الخلق فهه أوطاناهه‬
‫تلقهههاك بالجهههواد والعبهههادِ‬

‫وقد هبطنا تامة ‪ ،‬فل ملل ول سآمة ‪ ،‬وأقمنا أحسن إقامة ‪ ،‬فوجدت الود خلفي‬
‫وأمامي ‪ ،‬ولست الكرام ورائي وقدامي ‪ ،‬وكفاهم أن الرسول تامي ‪ ،‬تفيض وجوههم‬
‫ما عرفوا من الق ‪ ،‬وتشرق وجوههم ما حلوا من الصدق ‪:‬‬
‫أتمههت فهه طلب الحبههة والوى‬
‫يهها ابههن الحبههة والوداد تيامههي‬
‫لاه أتيههتهموا نسهيت سهواههوا‬
‫ضيعههت قبههل وصههولم أيامهههي‬

‫ول ا أتي نا جيزان ‪ ،‬وال و قد زان ‪ ،‬ن سينا من ال سرور ال هل واليان ‪ ،‬ووجد نا‬
‫اللقات الشرع ية ‪ ،‬والثار القرعاو ية ‪ ،‬والهود الدعو ية ‪ ،‬وال كل منّا يل حظ ‪ ،‬تلم يذ‬
‫‪-94-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدّعويّة‬

‫الكمـي حافـظ ‪ ،‬حيـث ولدت العبقريـة ‪ ،‬ولزالت القرائح غضـة طريّة ‪ ،‬ولسـنا العزم‬
‫والمم ‪ ،‬ووجدنا الود والكرم ‪:‬‬
‫جازان إنهه مههن ههههواك لشاك‬
‫ههها الذي أشجاك‬
‫ههه وأنه‬
‫أشجيتنه‬
‫هت وعادن ه‬
‫هة النّادي طربه‬
‫ها فتنه‬
‫يه‬
‫مهها يشبههه الحلم مههن ذكراك‬

‫وأهم ما يُدعى إليه التوحيد ‪ ،‬فإنه حق ال على العبيد ‪ ،‬ومن أجله بعث الرسل ‪،‬‬
‫وكل كتاب به نزل ‪ ،‬وهو رأس العمل ‪ .‬وعلى الداعية أن يعمل با يقول ‪ ،‬ليضع ال له‬
‫القبول ‪ ،‬فكل من ترك الدى فهو مذول ‪ ،‬كلمه ساقط مرذول ‪.‬‬
‫ولت كن للداع ية نوا فل وأوراد ‪ ،‬وح سن خُلق مع العباد ‪ ،‬وإ صلح لنف سه وجهاد ‪،‬‬
‫وماسبة لا قبل يوم التناد ‪.‬‬
‫وليك ثر من الذكار ‪ ،‬بالع شي والبكار ‪ ،‬وليا قب الوا حد القهار ‪ ،‬مع قراءة سية‬
‫الخيار‪ ،‬ومصاحبة البرار ‪ ،‬والزهد ف هذه الدار ‪ ،‬وليعتقد ف نفسه التقصي ويعترف ‪،‬‬
‫ويشى ما اقترف ‪ ،‬ويبكي على ما سلف ‪ ،‬وعلى ما كان عليه السلف يقف ‪ ،‬وليسلم‬
‫مـن اللك والتلف ‪ ،‬وليتقي ّد باـ شرع ‪ ،‬وليحذر البدع ‪ ،‬فإن النفـس أمّارة ‪ ،‬والنفـس‬
‫غرّارة ‪ ،‬وليجوّد العبارة ‪ ،‬ويسـن الشارة ‪ ،‬وليوقـر الكـبي ‪ ،‬وير حم الصـغي ‪ ،‬ويعطـف‬
‫على الفقيـ ‪ .‬وليأت النابر بعزم وثاب ‪ ،‬وقلب غيـ هيّاب ‪ ،‬وأسـلوب جذّاب ‪ ،‬وليعـد‬
‫العدة ق بل أن يلقي الطاب ‪ ،‬وليتذ كر حد يث ‪ (( :‬لئن يهدي ال بك رجلً واحدا خ ي‬
‫لك من حر النعم )) ‪ ،‬فإن هذا من أجل النعم ‪ ،‬وليحمد ربه وليشكر ‪ ،‬حيث جعله يأمر‬
‫بالعروف وين هى عن الن كر ‪ ،‬وليعلم أن معلم ال ي ‪ ،‬ونا صح الغ ي ‪ ،‬ي ستغفر له الط ي ‪،‬‬
‫والوت ف الغد ير ‪ .‬فطو ب ل ن كان للر سول خلي فة ‪ ،‬و ما أجل ها من وظي فة ‪ ،‬ف هي‬
‫النـزلة الشريفة ‪ ،‬والدرجة النيفة ‪ ،‬فهذا عمل النبياء ‪ ،‬وشغل العلماء ‪ ،‬وقربة الولياء ‪،‬‬
‫فهنيئا له الجر ‪ ،‬ورفعة الذكر ‪ ،‬وجلل القدر ‪ ،‬وصلح المر ‪.‬‬
‫فسـبحان مـن اصـطفى مـن عباده دعاة إل النـة ‪ ،‬أعلما للسـنة ‪ ،‬له عليهـم أجـل‬
‫نعمة ‪ ،‬وأعظم منّة ‪.‬‬
‫‪-95-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬

‫مــات الـوعظـيــة‬
‫المقـا َ‬

‫َ‬
‫ن‬
‫حدِي ِ‬
‫‪ ‬أفَ ِ‬
‫جبُو َ‬
‫ث تَعْ َ‬
‫ن هَذ َا ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫سا ِ‬
‫مدُو َ‬
‫م َ‬
‫) وَأنْت ُ ْ‬
‫(‪)59‬‬

‫‪60‬‬

‫ن‬
‫ن وَل تَبْكُو َ‬
‫حكُو َ‬
‫ض َ‬
‫وَت َ ْ‬

‫(‬

‫‪‬‬

‫ههههها وال لو علم النام‬
‫أمه‬

‫لاهه خلقوا لاهه غفلوا وناموا‬

‫حياة ثهه موت ثهه نشههر‬

‫وحشههر ثهه أهوال عظامههُ‬

‫قل نا ل حد العلماء ‪ ،‬النبلء ‪ ،‬الولياء ‪ :‬عظ نا موع ظة ‪ ،‬للقلوب موق ظة ‪ ،‬فإن قلوب نا‬
‫بالذنوب مري ضة ‪ ،‬وأجنحت نا بالطا يا مهي ضة ‪ ،‬فن حن قد أدمنّا الذنوب ‪ ،‬وع صينا علّم‬
‫الغيوب ‪ ،‬ح ت ق ست م نا القلوب ‪ ،‬فقال ‪ :‬واحرّ قلباه ‪ ،‬واكرباه ‪ ،‬يا ربّاه ‪ ،‬يا ا بن آدم‬
‫تذنب ولست بنادم ‪ ،‬النبياء يبكون ‪ ،‬والصالون يشكون ‪ ،‬تتابع العاصي ‪ ،‬وتستهي بن‬
‫أخـذ بالنواصـي ‪ ،‬ويكـ كيـف تلعـب بالنار ‪ ،‬وتسـتهي بالبار ‪ ،‬يغذيـك ويعشّيـك ‪،‬‬
‫ويقعدك ويش يك ‪ ،‬ث تن هض على ع صيان أمره ‪ ،‬مع علوّ قدره ‪ ،‬وعظ يم قهره ‪ ،‬ويلك‬
‫هذا اللك كسر ظهور الكاسرة ‪ ،‬وقصّر بالوت آمال القياصرة ‪ ،‬وأرغم بالبوت أنوف‬
‫ي التي ‪ ،‬وممد يتهجد ويتعبد‪،‬‬
‫البابرة ‪ ،‬الروح المي ‪ ،‬وَجِل مسكي ‪ ،‬من خوف القو ّ‬
‫وهو الذي دعا كل موحّد ‪ ،‬ومع هذا يتوعد ويهدد ‪ ،‬من ركن لكل كافر وملحد ‪.‬‬
‫أين عقلك يا مغرور ‪ ،‬هل نسيت يوم العبور ‪ ،‬وساعة الرور ‪ ،‬كل طائر من خوفه‬
‫يرّ صريعًا ‪ ،‬وكل كاسر يئن من خشيته وجيعًا ‪ ،‬أبو بكر انتفض من خوفه كالعصفور ‪،‬‬
‫و صار صدره بالنش يج يفور ‪ ،‬و سقط الفاروق من الش ية على الرمال ‪ ،‬ح ت حُمِل على‬
‫أكتاف الرجال ‪ ،‬وب قي ذو النور ين ‪ ،‬من من ظر ال قب يب كي يوم ي ‪ ،‬وهذا علي بن أ ب‬
‫طالب دموعه من التذكر سواكب ‪ ،‬كان ع مر بن ع بد العزيز ‪ ،‬يرت عد ولصدره أزيز ‪،‬‬
‫ويقول ‪ :‬يا قوم ‪ ،‬اذكروا صباح ذلك اليوم ‪ ،‬ويلك وال لو أن القرآن نزل على صخر‬
‫لتفجر ‪ ،‬ولوهبط على حجر لتكسر ‪ ،‬وتقرؤه وأنت لهٍ ساه ‪ ،‬تتفكر ف النصب والاه ‪،‬‬
‫كأن الليال ل تطويـك ‪ ،‬والكلم ل يعْنيـك ‪ ،‬تدفـن الباء والجداد ‪ ،‬وتفقـد الخوة‬

‫‪-96-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫والولد ‪ ،‬وأ نت لزلت ف إ صرار وعناد ‪ ،‬سبحان ال تغترّ بالشباب ‪ ،‬وتزيّن الثياب ‪،‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬
‫وتنسى يوم يُهال عليك التراب ‪:‬‬
‫أبدا تصهرّ على الذنوب ول تعههي‬
‫وتكثههر العصههيان منههك وتدّعههي‬
‫أب هدا ول ت هبكي كأن هك خال هد‬
‫وأراك بيهه مهههو ّدعٍ ومشهههّيعِ‬

‫ل تغ فل ذكره ‪ ،‬ول ت نس شكره ‪ ،‬ول تأ من مكره ‪ ،‬هو الذي ع فر بالط ي ‪ ،‬أ نف‬
‫فرعون اللعي ‪ ،‬وفرّق جنوده أجعي ‪ ،‬مساكن من عصاه قاع قرقر ‪ ،‬بعد ما أرسل عليهم‬
‫الر يح ال صرصر ‪ ،‬إذا غضـب د مر النازل على أهل ها ‪ ،‬وسـوّى جبالاـ بسـهلها ‪ ،‬شا بَ‬
‫خفـ بأسـك ‪ ،‬ومازال فـ العاصـي فأسـك ‪ ،‬مـا لك مـا تردّك اليات ‪،‬‬
‫ّ‬
‫رأسـُك‪ ،‬ومـا‬
‫ول تزجرك العظات ‪ ،‬ول تتذكر الموات ‪ ،‬مصرّ مستكب ‪ ،‬تركب كل أمر منكر ‪.‬‬
‫سع ابن وهب آية ‪َ ‬وإِ ْذ َيتَحَاجّونَ فِي النّارِ ‪ ، ‬فسقط مغشيا عليه ف الدار ‪ ،‬ث مات‬
‫ف آ خر النهار ‪ ،‬سع ع مر ‪ ،‬ب عض ال سور ‪ ،‬فطرح ُدرّ ته وانق عر ‪ ،‬فب قي مريضا ش هر ‪،‬‬
‫وصارت دموعه نر ‪ ،‬قرأ سفيان سورة الزلزلة ‪ ،‬ف سُمع له ولولة ‪ ،‬كأنا أصابت مقتلة ‪،‬‬
‫بعض الصقور تسقط من السماء ‪ ،‬وإن من الجارة لا يشقق فيخرج منه الاء ‪ ،‬وأغم يَ‬
‫من الشية على كثي من العلماء ‪.‬‬
‫هينا‬
‫هعت بطورسه‬
‫ها سه‬
‫هك مه‬
‫كأنه‬

‫ويوم صهار م هن ط هولٍ سنهينا‬

‫تههرّ له البابههر وههي تههبكي‬

‫ويههصي فههيه ربه مها نسهينا‬

‫ع هراة ن هن في هه في ها ل هولٍ‬

‫كأنها مهها طههعمهنا أو كههسينا‬

‫وي ك خَف ربك ‪ ،‬ورا جع قل بك ‪ ،‬واذ كر ذنبك ‪ ،‬موسى خرّ من الوف مغشيا‬
‫عليه مصعوقا ‪ ،‬ويوشع صار قلبه من الوجل مشقوقا ‪ ،‬وبعضهم أصبح وجهه من الدموع‬
‫مروقا ‪ ،‬كيـف تصـبح وتسـي ‪ ،‬والرسـل كـل يقول نفسـي نفسـي ‪ ،‬أعجبتـك الدور‬
‫والقصور يا مغرور ‪ ،‬ونسيت القبور ‪ ،‬ويوم النشور ‪ ،‬يوم يصل ما ف الصدور ‪.‬‬

‫‪-97-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫والذي نف سي بيده ما ت ساوي الدن يا فتيلة ‪ ،‬ول تعادل ف ال قب فزع أول ليلة ‪ ،‬يوم‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫تطرح فيه وليس لك حيلة ‪ ،‬استنفق مالَك ‪ ،‬وراجع أعمالك ‪ ،‬وزن أقوالك ‪ .‬الوعظية‬
‫وخطك الشيب ‪ ،‬وما تركت العيب ‪ ،‬تشاهد الصارع ‪ ،‬وتسمع القوارع ‪ ،‬وتنهال‬
‫عل يك الفوا جع ‪ ،‬تن سى الرب ‪ ،‬يا ميّت القلب ‪ ،‬ال صحابة من الوف مر ضى ‪ ،‬وطل حة‬
‫ينادي ‪ :‬اللهم خذ من دمي حت ترضى ‪ ،‬ما شاء ال ما تضر صلة الفجر ‪ ،‬ول تطمع ف‬
‫الجر ‪ ،‬وجعفر تقطعت بالسيوف أوصاله ‪ ،‬وارتفع بالفرح تليله وابتهاله ‪.‬‬
‫على شفرات السهيف مزقهت مهجته‬
‫ه‬
‫هّ كفانه‬
‫هى عليه‬
‫هى وإن ترضه‬
‫لترضه‬
‫فلو كتب هتْ منّا الدم هاء ر سهالهةً‬
‫لطّته بههب ال كههل جههنان‬

‫ويلك أنت مهموم بالقرش ‪ ،‬والفرش ‪ ،‬والكرش ‪ ،‬وسعد يهتز لوته العرش ‪.‬‬
‫تاب الوضوء إذا برد الاء ‪ ،‬وحنظلة غُسـل قتيلً فـ السـماء ‪ ،‬تعصـي حـي على‬
‫الفلح ومصعب بن عمي قدم صدره للرماح ‪ ،‬ما تتز فيك ذرة ‪ ،‬والوت يناديك ف‬
‫كـل يوم مائة مرة ‪ ،‬وال لو أن فـ الشـب قلوب لصـاحت ‪ ،‬ولو أن للحجارة أرواح‬
‫لناحت ‪ ،‬ين النب للرسول الزهر ‪ ،‬والنب الطهر ‪ ،‬وأنت ما تن ول تئن ‪ ،‬ول يضج‬
‫بكاؤك ول يرن‪.‬‬
‫لو مُتّ لعذرناك ‪ ،‬وف قبك زرناك ‪ ،‬ولكنك حيّ تأكل وتشرب ‪ ،‬وتلهو وتلعب ‪،‬‬
‫وتغن وتطرب ‪.‬‬
‫بعـض الصـالي أتـى لينام ‪ ،‬فترك الفراش وقام ‪ ،‬وأخـذ ينوح كمـا تنوح المام ‪،‬‬
‫خفَى ِمْنكُمْ خَاِفَيةٌ‪ ‬وهذه الية كافية ‪.‬‬
‫قالوا مالك ؟ قال ‪ :‬تذكرت ‪َ‬ي ْو َمئِذٍ تُعْ َرضُو َن ل تَ ْ‬
‫تواصههل الذنههب ل تدري بعاقبةٍ‬
‫همد‬
‫هد الصه‬
‫هر الواحه‬
‫ههتهي بأمه‬
‫وتسه‬
‫كأن قلبهك مطبههوع عليهه فههل‬
‫تشههى عقابا ول تبكههي على أحههد‬
‫‪-98-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫سـعيد بـن السـيّب ‪ ،‬المام الحبـب ‪ ،‬والزاهـد القرب ‪ ،‬ذهبـت عينـه مـن كثرة‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬
‫هارون ‪،‬‬
‫الدموع ‪ ،‬واصفر وجهه من الشوع ‪ ،‬وهو ما بي سجود وركوع ‪ ،‬يزيد بن‬
‫َنـ ول اشتكـى ‪ ،‬فقالوا له ‪ :‬مـا فعلت عيناك‬
‫المام الأمون ‪ ،‬عمـي مـن البكاء ‪ ،‬فمـا أ ّ‬
‫الميلتان ‪ ،‬فقال ‪ :‬أحتسـبهما عنـد الواحـد الديّان ‪ ،‬أذهبهمـا بكاء السـحار ‪ ،‬وخوف‬
‫الواحد القهار‪ .‬وال إن فينا علّة ‪ ،‬ننام الليل كلّه ‪ ،‬كأنا لسنا من أهل اللّة ‪.‬‬
‫شغلنهها بالهههبني وبالهههطام‬

‫ول نسهههرع إل دار السهههلم‬

‫كأنها قههد خلقههنا للههنوادي‬

‫وإكثههار الشههراب مهع الطعام‬

‫اللَك حل الصور لينفخ ‪ ،‬واللئكة تكتب عليك وتنسخ ‪ ،‬وأنت بالذنوب ملطّخ‪،‬‬
‫ما تب كي لك مقلة ‪ ،‬كأ نك أبله ‪ ،‬كان ا بن البارك من البكاء يور ‪ ،‬كأ نه ثور منحور ‪،‬‬
‫وابن الفضيل يوت ف الصلة ‪ ،‬لنه سع من المام قرآنا تله ‪ ،‬ترك ابن أب ذئب القيام‬
‫لمي الؤمني ‪ ،‬وقال ذكرت يوم يقوم الناس لرب العالي ‪ ،‬كان ميمون بن مهران ‪ ،‬كأن‬
‫عينيه نران ‪ ،‬حفر له ف البيت قب ‪ ،‬إذا رآه فكأنه يُنقر ف قلبه نقر ‪ ،‬يا ويله القب القب ‪.‬‬
‫يقول أ حد ال سلف ‪ :‬يا مغرور إن ك نت ت ظن أن ال ل يراك ‪ ،‬وتف عل هذه الفعال‬
‫فأ نت شا كّ ‪ ،‬ف ما غرّك وألاك ‪ ،‬وإن ك نت تعلم أ نه يب صر أفعالك ‪ ،‬وي صي أعمالك ‪،‬‬
‫ويراقب أقوالك ‪ ،‬ث تتجرّأ على مارمه ‪ ،‬وتستهي بعاله ‪ ،‬فقد سُلب قلبُك ‪ ،‬وأُخذ ُلبّك‪.‬‬
‫ولو أن قلبا يعرف ال لسههههتوى‬
‫لديههه نعيههم العيههش والدثانههِ‬
‫هة طاف حولا ه‬
‫هي إل جيفه‬
‫ها هه‬
‫فمه‬
‫ههك باللمعانههِ‬
‫كلبههٌ فل تدعه‬

‫ابن تيمية يرغ وجهه ف التراب ‪ ،‬وينادي يا وهّاب ‪ ،‬يا فاتح البواب ‪ ،‬الطف بنا‬
‫ساعة الساب ‪ ،‬وأنت ميّت الرادة ‪ ،‬ظاهر البلدة ‪ ،‬عريض الوسادة ‪ .‬اللئكة يسبّحون‬
‫الليـل والنهار ل يسـأمون ‪ ،‬ويذكرون ربمـ ول يفترون ‪ ،‬ول يعصـون ال مـا أمرهـم‬
‫ويفعلون مـا يؤمرون‪ ،‬ول يعملوا سـيئات ‪ ،‬ول يقترفوا خطيئات ‪ ،‬ول يرتكبوا موبقات ‪،‬‬
‫ونن أهل العصيان ‪ ،‬والتمرد والنكران ‪ ،‬ومع هذا ترانا لعبي ‪ ،‬وف طرق اللهو ساربي‪،‬‬

‫‪-99-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬
‫ستطي‬
‫شرّه م‬

‫‪،‬‬
‫ولِكأس الغفلة شارب ي ‪ ،‬ال مر ف صل‪ ،‬وجدّ ل يس بالزل ‪ ،‬يوم قمطر ير ‪،‬‬
‫تكاد القلوب منه تطي ‪ ،‬تذهل الرضعة عما أرضعت ‪ ،‬وتُسقط الامل ما حلت ‪،‬وترى‬
‫كل نفس ما عملت ‪ ،‬اللئِق تضيق نفوسهم ‪ ،‬الولدان تشيب رؤوسهم ‪.‬‬
‫ههدّ‬
‫ههن لوك شيئا هدّ هَهه‬
‫هدّ مه‬

‫إنههّ أمهههر ال فينهها ِجدّ جدّ‬

‫أرغِهم النفهس على فعهل التقهى‬

‫فاز مهههن فههه عمره َكدّ كَدّ‬

‫أراد علي بن ال سي أن يل ب على الراحلة ‪ ،‬ف سقط من الوف ب ي القافلة ‪ ،‬فل ما‬
‫أفاق ‪ ،‬قال للرفاق ‪ :‬أخشى أن أقول لبيك ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ل لبيك ول سعديك ‪ ،‬مع أنه زين‬
‫العابد ين ‪ ،‬وريا نة التهجد ين ‪ ،‬ل كن القوم عرفوا رب م ‪ ،‬فبكوا ذنب هم ‪ ،‬وجعوا خوف هم‬
‫وحبهم ‪ ،‬فيا صاحب العي الت ل تدمع ‪ ،‬والنفس الت ل تشبع ‪ ،‬والقلب الذي ل يشع ‪،‬‬
‫إل مت تؤجّل التوبة ‪ ،‬أما لك أوبة ‪:‬‬
‫فيهها دمههع هذي ليلة البيهه أقبلت‬
‫فهات غروبا تهههههههبد الزفرات‬
‫ويها قلب قهد عاهدتنه فكذبتنه‬
‫كأنههك ل تزعههْ مههن الغدرات‬

‫الع مر ق صي ‪ ،‬والش يب نذ ير ‪ ،‬والدار ج نة أو سعي ‪ ،‬نراك تض حك كأ نك أتاك‬
‫أمان‪ ،‬من اللك الديان ‪ ،‬ما لك ل تزن‪ ،‬هل عبت ال صراط ح ت تأ من‪ ،‬الندم على ما‬
‫فرطت أحسن ‪ ،‬يا مسكي ‪ :‬إبراهيم الليل ‪ ،‬وهو النب الليل‪ ،‬بكى ذنبه ‪ ،‬ودعا ربه‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬وَالّذِي أَطْ َم عُ أَ ْن َي ْغفِرَ لِي خَطِيئَتِي َيوْ مَ الدّي نِ ‪ ،‬فك يف ب نا ن ن الذ نبي ‪،‬‬
‫خل قك ف سوّاك ‪ ،‬وأطع مك و سقاك‪ ،‬وآواك وك ساك ‪ ،‬و من كل بلء ح س ٍن أبلك‪ ،‬ث‬
‫تعصيه وهو يراك ‪:‬‬
‫نُسهِجت لنها الكفان مهن أعمارنها‬
‫هها تفكيُ‬
‫هها لنه‬
‫ههك مه‬
‫ونظلّ نضحه‬
‫أوَ مهها ذكرت القههب أول ليلهههةٍ‬
‫ههكر ونكيُ‬
‫ههه منهه‬
‫ههلقاك فيه‬
‫يهه‬

‫‪-100-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬

‫أحسن ماء دموع التائبي ‪ ،‬أعظم حزن حزن النيبي ‪ ،‬وأهنأ نعاس نعاس التهجدين‪،‬‬
‫أج ل لباس لباس الحرم ي ‪ ،‬ما ألذ جوع ال صائمي ‪ ،‬ما أ سعد ت عب القائم ي ‪ ،‬ما أكرم‬
‫بذل التصدقي ‪ ،‬أين البان والغان ‪ ،‬أين الغوان والغان ‪ ،‬أين الفراح والتهان ‪ ،‬أين من‬
‫شاد و ساد ‪ ،‬أ ين ثود وعاد ‪ ،‬أ ين ساسان ‪ ،‬وقحطان ‪ ،‬وعدنان ‪ ،‬وفرعون وهامان ‪ ،‬أ ين‬
‫مُلْك سليمان ‪ ،‬أين أصحاب الكاليل والتيجان ‪  ،‬كُ ّل مَ ْن عََلْيهَا فَانٍ ( ) َوَيْبقَى وَجْهُ َربّكَ‬
‫‪26‬‬

‫ذُو الْجَل ِل وَالِكْرَا ِم‪ ، ‬والطّول والنعام ‪.‬‬
‫أ ما زرت القابر ‪ ،‬أ ما هال تك تلك النا ظر ‪ ،‬أ ما رأ يت القوم صرعى‪ ،‬والدود ف‬
‫عيونمـ يرعـى ‪ ،‬عـن الديـث سـكتوا ‪ ،‬وعـن السـلم صـمتوا ‪ ،‬الظال بانـب الظلوم ‪،‬‬
‫والنت صر با نب الهزوم ‪ ،‬والضع يف مع الم ي ‪ ،‬والغ ن مع الفق ي ‪ ،‬وان ظر إل الغمور‬
‫والشهور‪ ،‬والغالب والقهور ‪ ،‬ذهـب الُسـْن والمال ‪ ،‬والاه والال ‪،‬وبقيـت العمال ‪،‬‬
‫أموات يتجاورون ‪ ،‬ول يتزاورون ‪.‬‬
‫سهكهتوا وفه أعماقهههم أخبارُ‬

‫وتغيت تلك الوجوه وأصهههبحت‬

‫وجههافاهمُ الصهحهاب والزوّارُ‬

‫بعههههد المال على الفون غبارُ‬

‫ماذا أعددت عندما توقَف ‪ ،‬يا من هجر الصحف ‪.‬‬
‫الزبي بن العوام ‪ ،‬بطل السلم ‪ ،‬جسمه كله جراح ‪ ،‬من آثار السيوف والرماح ‪.‬‬
‫وخالد بن الول يد ‪ ،‬الشجاع الفر يد ‪ ،‬يُمزق ج سمه بال سهام ‪ ،‬وي طط بد نه بالُ سام ‪،‬‬
‫لينت صر ال سلم ‪ ،‬بلل بن رباح ‪ ،‬ي سمع حي على الفلح ‪ ،‬فيج يب ل سان حاله لب يك‬
‫منادي الصـلح ‪ ،‬يُصـهر جسـمه على الجارة ‪ ،‬ليصـبح مؤذن السـلم على النارة ‪،‬‬
‫يعذّبونـه ‪ ،‬وفـ الرمضاء يذيبونـه ‪ ،‬فيدد أحـد أحـد ‪ ،‬لنـه ذاق قـل هـو ال أحـد ‪ ،‬ال‬
‫الصـمد‪ ،‬يُضرب رأسـه ‪ ،‬ويُكتـم َنفَسـه ‪ ،‬فمـا يزيده ذلك إل إصـرارا ‪ ،‬وفـ طريـق‬
‫الق استمرارا ‪:‬‬
‫سهيّدي عههلّل الفههؤاد العلههيل‬

‫إن تكهن عازما على قتهل روحهي‬

‫وأحينهه قبههل أن ترانهه قتيل‬
‫هيل‬
‫هيل قلهه‬
‫هق با ه قلهه‬
‫فترفهه‬

‫‪-101-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫انظـر لسـلمان ‪ ،‬أقبـل مـن خراسـان ‪ ،‬يبحـث عـن اليان ‪ ،‬هجـر ماله وأوطانـه ‪،‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظية‬
‫سلم ‪،‬‬
‫وإخوا نه وخل نه ‪ ،‬وأعوا نه وجيا نه ‪ ،‬ي سأل عن المام ‪ ،‬بدر التمام ‪ ،‬ر سول ال‬
‫فينطرح بي يديه ‪ ،‬ويلقي نفسه عليه ‪ ،‬ويبث شجونه إليه‪ ،‬فمرحبا يا سلمان يوم أتيت ‪،‬‬
‫وهنيئا لك يوم اهتديت ‪ ،‬واقبل هدية ‪ :‬سلمان منّا آل البيت ‪:‬‬
‫فل تسب النساب تنجيك من لظى‬

‫ولهو كهنت من قي سٍ وعبد مدا نِ‬

‫أ بو ل ههب ف النار و هو ا بن ها شم‬

‫وسهلمان فه الفردوس مهن خُرَسهانِ‬

‫لا حضر الصحابة مدينة تستر ‪ ،‬وسل كل منهم سيفا أبتر ‪ ،‬فنادوا بطل العارك ‪،‬‬
‫الذي يلقي نفسه ف الهالك ‪ ،‬أعن الباء بن مالك ‪.‬‬
‫والذي قال فيه العصوم ‪ ،‬يوم رآه عن الدنيا يصوم ‪ :‬رب أشعث أغب ذي طمرين‬
‫لو أق سم على ال لبره ‪ ،‬فكان الباء لع ي ال سلم قُره ‪ ،‬وباع نف سه من ال كل مرة ‪،‬‬
‫قال الصـحابة يـا براء ‪ ،‬أقسـم على رب السـماء والغـباء ‪ ،‬على أن ينصـرنا على هؤلء‬
‫القراء ‪ ،‬فأق سم على ال بالن صر ‪ ،‬وأن يكون أول قت يل ب عد الع صر ‪ ،‬ث ل بس أكفا نه ‪،‬‬
‫وودّع إخوانه ‪ ،‬فسل السام ‪ ،‬وفلق الام ‪ ،‬وانتصر جند السلم ‪.‬‬
‫لك ال ما هذي الشجا عة ف الو غى‬

‫أأ نت زحوف ال سيل أم أ نت حيدره‬

‫تقدمهت حت هابت البيض والهقنا‬

‫وصهارت رماح القوم فيهك مكسهره‬

‫الذي ل يضر صلة الصبح ‪ ،‬ل يطمع ف الربح ‪ ،‬وليس بيننا وبينه صلح ‪.‬‬
‫تريد نصر السلم ‪ ،‬وأنت ل تافظ على تكبية الحرام ‪ ،‬مع المام ‪ ،‬هذه أوهام ‪،‬‬
‫السلف الصال ‪ ،‬واليل الناصح ‪ ،‬أعطوا السلم الموال والدماء ‪ ،‬فأصبحت هاماتم ف‬
‫ال سماء ‪ ،‬وأ نت ماذا أعط يت‪ ،‬وماذا لدِي نك أهد يت ‪ ،‬ولمتّ ك أ سديت ‪ ،‬حي كَمَيْت ‪،‬‬
‫عشت بي لعلّ وليت‪ ،‬وما دريت‪ ،‬بأنك ف السار هويت ‪.‬‬
‫مته يسهتفق مهن عقله فه غشاوة‬

‫ومطهههلبه فهه هذه الرض دينارُ‬

‫لقهد خلف البازي فههينا حههمامةً‬

‫وأصهبح بعهد الليهث فه دارنها فارُ‬

‫قل بك من الذنوب مروح ‪ ،‬ول تب كي ول تنوح ‪ ،‬كأ نك ج سد بل روح ‪ ،‬ما أثّر‬
‫ف يك الو عظ ‪ ،‬و ما فه مت اللّ حظ ‪ ،‬و ما ميّزت ب ي الع ن والل فظ ‪ ،‬المام يب كي على‬
‫‪-102-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫الغ صان ‪ ،‬من ف قد اللّن ‪ ،‬والغراب على البان ين حب ‪ ،‬وعلى الش جر يش غب ‪ ،‬ل سفر‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظيةي ‪،‬‬
‫أ صحابه ‪ ،‬وب عد أحبا به ‪ ،‬وقل بك قا سي ‪ ،‬ك ما ال صخر الرا سي ‪ ،‬ل تد مع لك ع‬
‫ول يؤ ثر فيـك الفراق والبَيْن ‪ ،‬ول يرد عك حياء ول دِيـن ‪ ،‬الغراب قتـل أخاه ‪ ،‬ث ندم‬
‫فواراه ‪ ،‬ودف نه وبكاه ‪ ،‬وأ نت قتلت نف سك بال كب والرياء ‪ ،‬و ما من عك الياء ‪ ،‬كأ نك‬
‫لست من الحياء ‪ ،‬النملة أنذرت بنات جنسها ‪ ،‬فعادت إل رَمسها ‪ ،‬تبقي لقوت يومها‬
‫من أمسها ‪ ،‬وأنت تاهر الواحد القاهر ‪ ،‬الباطن الظاهر ‪ ،‬بالكبائر ‪.‬‬
‫أم ها أت هاك من الرحان موعظ هةٌ‬

‫مها قال فه سهأل منهها وفه عبسها‬

‫مركوبك النعش ينسيك الراكب ف‬

‫دنياك لاه ركبهت الدههم الفرسها‬

‫مالك ف دنياك تتبلد ‪ ،‬و ف غ يك تتردد ‪ ،‬و ما فعلت ك ما ف عل الد هد ‪ ،‬سافر إل‬
‫الي من و هو وح يد ‪ ،‬يد عو إل التوح يد ‪ ،‬فعاد إل سليمان ‪ ،‬ب عد ما أعطاه المان ‪ ،‬فجاء‬
‫من سبأ بن بأ ‪ ،‬وأن كر على بلق يس ‪ ،‬إذ ز ين ل ا إبل يس ‪ ،‬ت سجد للش مس ول ت سجد ل ن‬
‫أجراها ‪ ،‬وما أدرى الشمس عن الليقة ما أدراها ‪.‬‬
‫فأ صبح الد هد داع ية ‪ ،‬أذ نه لل حق واع ية ‪ ،‬وقد مه ف التوح يد ساعية ‪ ،‬وأ نت هل‬
‫دعوت أحدًا ‪ ،‬أو مددت للخي يدًا ‪ ،‬أو أسعت الدى بلدًا ‪.‬‬
‫الفيـل وجّهوه لدم البيـت ‪ ،‬فنادى لسـان حاله يـا أبرهـة ضللت ومـا اهتديـت ‪،‬‬
‫وظلمت واعتديت ‪ ،‬وال ل أنقل إل البيت القدم ‪ ،‬وأموت هنا وكعبة ال ل تنهدم‪.‬‬
‫وقفت حيهاء عند بابهك مطهرقا‬

‫ول أنقهل القدام مهن روعهة الجهل‬

‫فلو قطعوا رأسهي لاه سهرت خطوةً‬

‫أهذا جزاء الفضهل مهن ربنها الجلّ‬

‫الف يل يلوي عن الع صية رأ سه ‪ ،‬و يبد عن الخال فة حا سه ‪ ،‬وأ نت ل يردك عن‬
‫الطيئة باب ‪ ،‬ول يجزك عن السيئة حجاب ‪.‬‬
‫ل تستهِن به فإنه قوي ‪ ،‬ول تُنّ عليه فإنه غن ‪ ،‬أهلك ثود ف ناقة ‪ ،‬وألْق عادا‬
‫س مِ ْنهُ مْ مِ ْن أَ َح ٍد أَ ْو تَ سْمَعُ‬
‫بالساقة ‪ ،‬عصته أمم فهز بم الرض هزّا ‪ ،‬ث قال ‪َ  :‬ه ْل تُحِ ّ‬
‫َلهُمْ رِ ْكزًا ‪ ، ‬حطّم سد سبأ بفارة ‪ ،‬وأحرق إرم ذات العماد بشرارة ‪ ،‬ومزق أعداءه بغارة‬
‫‪ ،‬أعتق رقبتك من النار ‪ ،‬وأنقذ نفسك من البوار‪.‬‬
‫‪-103-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫هذا عثمان بن عفان ‪ ،‬سي القرآن ‪ ،‬جهز جيش العسرة ‪ ،‬وأفطر على كسرة ‪ ،‬قرأ‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الوعظيةالسنة‬
‫القرآن يومه ‪ ،‬وشرى بئر رومة ‪ ،‬وأنت تريد النة ‪ ،‬وصدقتك بالَمنّة ‪ ،‬وقد هجرت‬
‫علي بن أب طالب قدم رأسه للشبا ‪ ،‬وصار جسمه بالدماء مضبا ‪ ،‬وذبح عدو ال‬
‫مرحبا ‪ ،‬وأنت ما حضرت قتالً ‪ ،‬ول أنفقت مالً ‪ ،‬وما ذقت ف سبيله نكالً ‪ ،‬نطالبك‬
‫فحسب بالصف الول ‪ ،‬ول تلعب بالدين وتتأول ‪ ،‬ول تأكل الرام ومنه تتمول ‪.‬‬
‫هذا سهكار النفهس ليهس يردهها‬

‫عههن غيههها إل فتهه مغهههوارُ‬

‫هههل عندكههم يهها قوم ميثاق فل‬

‫هههههم جبارُ‬
‫تشون أن يتاحكه‬

‫ألّف البخاري لك ال صحيح ‪ ،‬وج ع لك كل حد يث مل يح ‪ ،‬كان ي صلي عن كل‬
‫حديث ركعتي ‪ ،‬وعرض عليه كتابه مرتي ‪ ،‬ث هجرت صحيحه ‪ ،‬ول تقبل النصيحة ‪،‬‬
‫أعرضت عن أصح الؤلفات ‪ ،‬وأقبلت على الصحف والجلّت ‪.‬‬
‫جع أحد السند ‪ ،‬بالرأي السدد ‪ ،‬والصدق الجرد ‪ ،‬والورع الجود ‪ ،‬طاف الدنيا‬
‫على القدام ‪ ،‬مـن صـنعاء إل دار السـلم ‪ ،‬فلمـا أصـبح السـند لديـك مطبوعا ‪ ،‬مقروأً‬
‫ومسموعا ‪ ،‬جعلته ف بيتك وسادة‪،‬وما فتحت جلّدة ‪ ،‬ول ذقت زاده ‪.‬‬
‫جزاهمه ال عهن ديهن الرسهول فمها‬
‫ُ‬

‫أحههلى مآثرههم فه سهالف القهب‬

‫لول لطائف صهنهع ال مها نبتهت‬

‫تلك الكارم فه لمه ول عصهب‬

‫ألّف جرير ‪ ،‬كتاب التفسي ‪ ،‬وحرّره أيا ترير ‪ ،‬فهو لكل مؤمن سي ‪ ،‬وبكل نفع‬
‫فأغلقتـ عليـه فـ زنزانـة ‪ ،‬كأنـك مـا عرفـت شانـه ‪ ،‬ول شكرت إحسـانه ‪،‬‬
‫َ‬
‫جديـر ‪،‬‬
‫واستبدلته بكتاب ألف ليلة وليلة ‪ ،‬وجعلته إل اللهو وسيلة ‪ ،‬وللعب خيلة ‪ ،‬ولطلب الدنيا‬
‫حيلة ‪ ،‬تغفل اليات البينات ‪ ،‬والكم البالغات ‪ ،‬والنصائح والعظات ‪ ،‬وتقبل على كتاب‬
‫الغان ‪ ،‬للصفهان ‪ ،‬وهو فيما قال جان ‪.‬‬
‫خهف ال واحفهظ ذا الزمان فإنهه‬

‫سهريع التههقضي ملف السهراتِ‬

‫ههو وغفلة‬
‫هرور سه‬
‫ها مغهه‬
‫نارك يه‬

‫وليلههك يضهي فه رؤى وسهباتِ‬

‫أسـأل ال بالسـم العظـم ‪ ،‬والوصـف الكرم ‪ ،‬فإ نه العلم الحلم الحكـم ‪ ،‬أن‬
‫يهدي قلب وقلبك ‪ ،‬وأن يغفر ذنب وذنبك ‪ ،‬وأن يني بالوحي درب ودربك‪.‬‬
‫‪-104-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫‪-105-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجهادية‬

‫المقـاَمــــة الـجـهـاديــــة‬

‫َ‬
‫جا ٌ‬
‫ه‬
‫‪ِ ‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ِر َ‬
‫صدَقُوا َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ما عَاهَدُوا الل ّ َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫منِي َ‬
‫ه‬
‫فَ ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫ن قَ َ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫منْهُ ْ‬
‫م ْ‬

‫عَلَيْهِ‬

‫ن يَنْتَظُِر وََما بَدَّلُوا تَبْدِيل ً ‪‬‬
‫وَ ِ‬
‫م َ‬
‫منْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫أيها رب ل تعهل وفاته إن دنهت‬

‫هابة‬
‫هن شهيدا ثاويا ف ه عصه‬
‫ولكه‬

‫الطارفه‬
‫ِ‬
‫على مضجهع تعلوه حسهن‬

‫ي صابون ف فج من الرض خائ فِ‬

‫قال أبو شجاع ‪ ،‬ممد بن القعقاع ‪ :‬ما رأيت مثل الهاد ‪ ،‬ف سبيل رب العباد ‪،‬‬
‫فيه تصان اللة ‪ ،‬ويدخل على الكفار الذلة ‪.‬‬
‫قل نا يا أ با شجاع ‪ :‬حدث نا عن ب عض الت حف ‪ ،‬من موا قف ال سلف ‪ ،‬ف ساح‬
‫الوغى ‪ ،‬يوم قاتلوا من بغى وطغى ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كان السلمون مع قتيبة بن مسلم ف حصار كابل ‪ ،‬وكل ذاهل ‪ ،‬فأرسل إل‬
‫م مد بن وا سع ‪ ،‬المام الا شع ‪ ،‬فلق يه ب فن دا مع ‪ ،‬و كف ضارع ‪ ،‬يش ي ب سبابته إل‬
‫السماء ‪ ،‬ويقول ‪ :‬يا سيع الدعاء ‪ ،‬عظم فيك الرجاء ‪ ،‬اللهم ثبت أقدامنا ‪ ،‬وسدد سهامنا‬
‫وارفع أعلمنا ‪ ،‬فلما أخبوا قتيبة با شاهدوا ‪ ،‬وأطلعوه على ما وجدوا ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬وال لصبع ممد بن واسع خي عندي من مائة ألف شاب طرير ‪ ،‬ومن مائة‬
‫ألف سيف شهي ‪ .‬ث بدأ القتال ‪ ،‬فنصرهم ذو اللل ‪ ،‬وانزم الكفار ‪ ،‬وولوّا الدبار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ول ا ح ضر خالد لقتال الروم ‪ ،‬قدموا له قارورة ملوءة بال سموم ‪ ،‬وقالوا له ‪:‬‬
‫إن كنت متوكلً على ال ول تاف ‪ ،‬فاشرب من هذا السم الزعاف ‪ .‬فقال ‪ :‬بسم ال ‪،‬‬
‫توكلت على ال ‪ ،‬ثقة بال ‪ ،‬ث شرب القارورة ‪ ،‬فما مسه ضرورة ‪.‬‬
‫ول ا رأى ال سلمون ج يش الروم ‪ ،‬وكثرة القوم ‪ ،‬قال أ حد الناس ‪ ،‬ل ا رأى البأس ‪:‬‬
‫اليوم نلتجئ إل جبل سلمى وأجّا ‪ ،‬قال خالد ‪ :‬بل إل ال اللتجى ‪.‬‬

‫‪-106-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجهادية‬

‫قال ‪ :‬ولا حضر السلمون ف تستر ‪ ،‬ما بي مهلل ومكب ‪ ،‬قال السلمون‪ :‬يا براء‬
‫بن مالك ‪ ،‬أقسم على إلك ‪ ،‬عله أن يرزقنا النصر ‪ ،‬وعظيم الجر ‪ .‬فأقسم على الديان ‪،‬‬
‫فهزم ال أهل الطغيان ‪ ،‬وذهب الباء إل النان ‪.‬‬
‫والباء هو صاحب حديث " رُبّ رجل أشعث أغب ذي طمرين لو أقسم على ال‬
‫لبره " فأبرّ ال قسمه وبلغه كل مسرّة ‪.‬‬
‫ث قال أبو شجاع ‪ :‬اعلموا أن صرخات التفجع ثلث ‪ ،‬سجلت أهم الحداث ‪.‬‬
‫وهي ‪ :‬وا معتصماه ‪ ،‬وا إسلماه ‪ ،‬وا أماه ‪.‬‬
‫فوا معتصهماه ‪ :‬أطلقتهـا امرأة فـ عموريـة ‪ ،‬بعـد أن أهينـت فـ البلد الروميّة ‪،‬‬
‫فسمعها العتصم السد الصور ‪ ،‬فترك القصور ‪ ،‬وخرج بيش يور ‪ ،‬فأذل أتباع نقفور ‪،‬‬
‫وأخذ الكفور ‪ ،‬وجعله عبد للمسلمة الت صرخت باسه من وراء البحور ‪.‬‬
‫وأمها وا إسهلماه ‪ :‬فأطلقهـا قطـز وبيده البتار ‪ ،‬يوم نازل التتار ‪ ،‬فهزم مـن كفـر‬
‫وولّوا الدبار ‪.‬‬
‫وأما وا أماه ‪ :‬فهي صرخة مفجوعة ‪ ،‬وصيحة مقطوعة ‪ ،‬قالا طفل من الندلس ‪،‬‬
‫لا رأى أمه وهو ف حضنها تتلس ‪.‬‬
‫فقال أبو البقاء يصف هذا الشقاء ‪:‬‬
‫يها رب أم وطفهل حيهل بينهمها‬
‫كمهههههههها تفرق أرواح وأبدان‬

‫أحب عبد ال بن عمرو النصاري " قل هو ال أحد " ‪ ،‬فهب إل أُحد ‪ ،‬فقيل له ‪:‬‬
‫البينة ‪ ،‬على الدعي للمحبة ‪ ،‬فضرب ف سبيل ال ثاني ضربة ‪.‬‬
‫بعضهم هوايتهم منصب شريف ‪ ،‬أو قصر منيف ‪ .‬أما ابن رواحة ‪ ،‬فهوايته طعنة‬
‫بسيف ‪ ،‬حت قال ‪:‬‬
‫ه مغفرةً‬
‫لكننهه أسههأل الرحنه‬

‫وطعنههة ذات قرع تقذف الزبدا‬

‫‪-107-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجهادية‬

‫يأت الشهيد يوم القيامة وعليه علمات ‪ ،‬وآيات بينات ‪ ،‬والباهي على عبد ال بن‬
‫جحـش واضحات ‪ ،‬ذهاب العينيـ ‪ ،‬وقطـع الذنيـ ‪ ،‬وبتـر اليديـن ‪ ،‬لن لكـل قضيـة‬
‫شاهدين ‪.‬‬
‫كتبههت بالدم آياتههٍ مبيّنههة‬

‫يوم الوغهى ودفعهت الروح والبدنها‬

‫شريههت جنههة فردوس منعمههة‬

‫أحضرت للسهيف يوم النحنه ثنها‬

‫أتى إل مؤتة جعفر ‪ ،‬فتقدم وما تأخر ‪ ،‬وكان يوم الماجم يتعثر ‪ ،‬ودمه يتقطر ‪،‬‬
‫فضرب ب سيفه ف الكفار ح ت تك سر ‪ ،‬فل ما قط عت يداه ‪ ،‬وأ سلم الروح إل ال ‪ ،‬طاب‬
‫وطاب م سعاه ‪ ،‬أبدله ال بناح ي ‪ ،‬يط ي ب ا على الرياح ي ‪ ،‬ويتن عم ف الفردوس كل‬
‫حي ‪ .‬كل يكتب اسه بداد ‪ ،‬إل الشهيد فإنه يكتبه بدم ف سفر الماد ‪ .‬كأن الشهيد‬
‫يوت متارا ‪ ،‬وغيه يوت مضطرا ‪.‬كل ميت يوضع السك معه ف الكفان ‪ ،‬إل الشهيد‬
‫فإن دمه كله مسك يل الكان ‪.‬‬
‫تفوح أطياب ندهه مههن ثيابموا‬
‫عنههد القدوم لقرب العهههد بالدار‬

‫آل سعد ثلثة ف العد ‪ ،‬أهل وعد وعهد ‪.‬‬
‫اهتز عرش ال لسعد ‪ ،‬ووجد ريح النة من دون أحد سعد ‪ ،‬وقال‬
‫فداك أب وأمي يا سعد " ‪.‬‬

‫ف أحد " ارم‬

‫فالول ‪ :‬سعد بن معاذ سيد النصار ‪ ،‬وقدوة البرار ‪ ،‬الذي ألق باليهود البوار ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬سعد بن الربيع ‪ ،‬القدام الشجيع ‪ ،‬صاحب الوقف البديع ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬سهعد بهن أبه وقاص ‪ ،‬كان مـع النـب مـن الواص ‪ ،‬أخـذ مـن الفُرس‬
‫القصاص ‪.‬‬
‫قتل عمر ف السجد بعد الفجر عندما غدت الطيور من وكورها ‪ ،‬لن معلمه يقول‬
‫" بارك ال لمت ف بكورها "‬
‫ها‬
‫هل شيخنه‬
‫هن كان مبتهجا لقته‬
‫مه‬
‫فليأت نسههههوتنا بوجههههه نارِ‬
‫‪-108-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجهادية‬

‫يدهه القلوب مفجعات كلههها‬
‫بالمهههه عنههههد تبلج النوارِ‬

‫وق تل علي ف ال سجد ق بل الف جر ‪ ،‬ل نه و قت ا ستغفار ‪ ،‬ونزول للغفار ‪ ،‬وجل سة‬
‫للبرار ‪ ،‬والرجل يب السحار ‪.‬‬
‫يهها ليتههها إذ فدت عمرا بارجةٍ‬
‫فدت عليا بنهه شاءت مههن البشرِ‬

‫استحت خزاعة ‪ ،‬أن ترد الوض يوم الشفاعة ‪ ،‬مزجيّة البضاعة ‪ ،‬فقدمت أحد بن‬
‫نصر ‪ ،‬الذي قتله الواثق ف القصر ‪ ،‬فدخل النة بعد العصر ‪.‬‬
‫قال له الواثق ‪ :‬وافق ‪ .‬قال ‪ :‬ل يا منافق ‪ .‬حاول الواثق أن ييبه ولو بإدغام فيه غنة‬
‫فقال لسان الال ‪ :‬الداع ليس من السنة ‪ ،‬فذبه بعد أن اشتاق إل النة ‪.‬‬
‫اثنان تاجان عظيمان ‪ ،‬من قبيلة بن شيبان ‪ ،‬جاهدوا ف سبيل الرحن ‪.‬‬
‫ابن حنبل والثن ‪ ،‬وكل منهما لدينه تعنّى ‪ ،‬وللقاء ربه تنّى ‪.‬‬
‫قدم الهاجرون أرب عة خلفاء ‪ ،‬فقدم الن صار أرب عة قراء ‪ ،‬أهدت قر يش م صعب بن‬
‫عمي ‪ ،‬فأهدى النصار ابن المام عمي ‪.‬‬
‫تأخر أنس بن النضر عن بدر ‪ ،‬فجمع بي الغزوتي ف جع وقصر ‪ ،‬فقتل ف أحد‬
‫بعد الظهر ‪.‬‬
‫لاـ عذر ال عثمان ‪ ،‬يوم بيعـة الرضوان ‪ ،‬علم ال صـدقه فسـعت إليـه الشهادة إل‬
‫الديوان ‪.‬‬
‫أ بو ب كر صدّيق ‪ ،‬والخطوطة ل تتاج إل تقيق ‪ ،‬والر جل غنٍ عن التوث يق ‪ ،‬فلم‬
‫يقتل لنه أخذ حكم الرفيق ‪.‬‬
‫السلم على الشهداء ‪ ،‬فهم عند ربم سعداء ‪.‬‬

‫‪-109-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الزهديَّة‬

‫مــــة الـزهـديَّـــــة‬
‫المقـا َ‬
‫(( كـن في الدنيـا كأنك غريب أو عابـر سـبيل ))‬
‫أرى أشقياء الناس ل يسههأمونا‬

‫على أنمهه فيههها عراة وجوّع‬

‫أراهها وإن كانهت تسهر فإناه‬

‫سهحابة صهيف عهن قليهل تقشّع‬

‫قال سعيد بن أدهم ‪ ،‬ركبت الدهم ‪ ،‬وذهبت إل السلطان أطلبه ف درهم ‪ ،‬فوضع‬
‫ف رجلي الد هم ‪ ،‬ف مر ب الزا هد علي بن دينار ‪ ،‬و هو أ حد البرار ‪ ،‬فقال ل مالك يا‬
‫سعيد ‪ ،‬أراك ف الديد ‪ ،‬فقلت ‪ :‬وال الول ‪ ،‬ما سرقت يا علي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فما الشأن ؟‬
‫قلت ‪ :‬أتيت السلطان ‪ ،‬أطلب الود والحسان ‪ ،‬فوضعن ف هذا الوان ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أف عليك وتف ‪ ،‬ومن التراب استف ‪ .‬تطلب السلطان ‪ ،‬وتنسى الرحن ‪،‬‬
‫ت سأل البخ يل ‪ ،‬وتترك الل يل ‪ ،‬تبا لك ‪ ،‬أ ف قل بك شك ‪ ،‬تأ ت من أغلق با به ‪ ،‬وأ سدل‬
‫حجابـه ‪ ،‬وحرم أصـحابه ‪ .‬وتترك العبود ‪ ،‬الذي مل العال بالود ‪ ،‬وأغدق على اللق‬
‫العطاء المدود ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يا علي غلطت غلطة ‪ ،‬وسقطت سقطة ‪ ،‬وتورطت ورطة ‪ ،‬ووال لئن فرّج‬
‫ال عنـ ‪ ،‬وفـك هذا القيـد منـ ‪ ،‬ل آتـ بشرا ‪ ،‬ولو طلب ميئي بشراء ‪ ،‬ول أقصـد‬
‫الصعلوك ‪ ،‬بل أقصد ملك اللوك ‪ ،‬فلما أطلقن من البس ‪ ،‬وعادت إلّ النفس ‪ ،‬تركت‬
‫باب المي ولزمت بيت على خبز الشعي ‪ .‬فعاد ل لب ‪ ،‬وجعل ال غناي ف قلب ‪ ،‬فوال‬
‫إن أرى الترفي ف حسرة ‪ ،‬وإن ملك كسرى عندي ما يساوي كسرة ‪ .‬فأنا بي السجد‬
‫ـس عندي بنـــز ‪،‬‬
‫ـى بالقوت ‪ ،‬ل مال يفوت ‪ ،‬ول ولد يوت ‪ ،‬ليـ‬
‫ـت أرضـ‬
‫والبيـ‬
‫ول كنـز ‪ ،‬ول أرز ‪ ،‬ولكن عندي دين وعلم وعز ‪ ،‬فأنا أسعد من كسرى أنو شروان ‪،‬‬
‫إذا حف به الدم ف اليوان ‪ ،‬وأن عم عيشا من النعمان ‪ ،‬فأ نا أ سكن الكوخ ‪ ،‬وآ كل‬
‫العدس الطبوخ ‪ ،‬ل أل بس الوخ ول آ كل ال بز النفوخ ‪ .‬ل يس عندي دار ‪ ،‬ول عقار ‪،‬‬
‫ول حار ‪ ،‬ول دينار ‪.‬‬
‫‪-110-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الزهدي ّةَ‬

‫مقامـات القرني‬
‫أنام بل هوم ‪ ،‬وأبيت بل غموم ‪ ،‬ل أعرف عَدّ الال ‪ ،‬ول شد المال ‪ ،‬ول مبايعة‬
‫الرجال ‪ ،‬ل أعرف الريال مـن القرش ‪ ،‬ول أميّز بيـ الكنـب والفرش ‪ ،‬معـي قميـص ‪،‬‬
‫وبطن خيص ‪ ،‬ل أعرف الكبسة ول البيص ‪ ،‬ما يأتين ف النوم كوابيس ‪ ،‬ول أشعر ف‬
‫النهار بالواجيس ‪.‬‬
‫فأ نا أ سعد من رأ يت ‪ ،‬وأن عم من لق يت ‪.‬م عي كتاب ‪ ،‬أغنا ن عن ال صحاب ‪،‬‬
‫و سلن عن الحباب ‪ .‬م عي ملح فة للمنام ‪ ،‬وجف نة للطعام ‪ ،‬وع صا للقيام ‪ .‬ل أخاف‬
‫على نفسي العي ‪ ،‬ول يطلبن أحد بدين ‪ ،‬ول أسأل مال هذا من أين ؟‬
‫فأنا خفيف الظهر ‪ ،‬دائم البشر ‪ ،‬قليل الوزر ‪ ،‬ما بعت ول شريت ‪ ،‬ول اكتـريت‬
‫ول اقتنيت ‪ ،‬ل أخشى سقوط بيت ‪ ،‬ول ذهاب َميْت‪ .‬نوت من الضغط والسكر ‪ ،‬لنن‬
‫ف غ ي الخرة ل أتف كر ‪ ،‬ف قل ب عيادة ال سعادة و ف صدري ب نك ال سرور ‪ ،‬وم صرف‬
‫البور ‪ ،‬وعندي علم وإيان ونور على نور ‪ ،‬أع جب من الفجار والتجار ‪ ،‬وأقول ما هذا‬
‫الشجار ‪ .‬أتقتتلون على جيفه ؟ ما تساوي قطيفة ‪ ،‬سحقا لعقولكم السخيفة ‪.‬‬
‫أ ين كنوز قارون ؟ أ ين ما م ضى من القرون ؟ أ ين ما جعوا ‪ ،‬وأودعوا ‪ ،‬وشيدوا‬
‫وأبدعوا ؟ ل قصـور ‪ ،‬ل دور ‪ ،‬ل أنار ‪ ،‬ل أشجار ‪ .‬ذهبـت البدان والرواح ‪ .‬وبلي‬
‫الق فل والفتاح ‪ .‬ف صدقن ما عاش عيش ت هارون الرش يد ‪ ،‬ول الكا تب ع بد الم يد ‪،‬‬
‫ول الرئ يس ا بن العم يد ‪ ،‬نف سي وال مد ل رض ية ‪ ،‬وعيش ت هن ية ‪ ،‬و قد نوت من كل‬
‫بليـة ‪ ،‬فأنـا ل طالب ‪ ،‬ول مطلوب ‪ ،‬ول أخشـى مـن كنــز منهوب ‪ ،‬ول مـن مال‬
‫مسلوب ‪ .‬ول أقف على البواب ‪ ،‬ول أترغ على العتاب ‪ ،‬وما قبلت يد كذاب ‪ ،‬طمعا‬
‫ف طعام وشراب ‪ ،‬وما قلت للكلب يا سيدي ‪ ،‬ويا عضدي ‪ ،‬ويا مؤيّدي ‪:‬‬
‫واعلم بأن عليههك العار تلبسههه‬

‫من عضة الكلب ل من عضة السد‬

‫وأحيانا أجلس أمام كوخي وسقفي السحاب ‪ ،‬ومدت صبة من التراب ‪ ،‬وجليسي‬
‫الكتاب ‪ .‬فوال إننـ أطيـب عيشا مـن الناصـر فـ الزهراء ‪ ،‬وسـيف الدولة فـ حلب‬
‫الشهباء ‪ ،‬ما استذلن متكب ‪ ،‬ول مَنّ علي متجب ‪ ،‬ول نرن متهوّر ‪:‬‬

‫‪-111-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الزهديَّة‬

‫أنهها ل أرغههب تقبيههل يههد‬

‫قطعهها أحسهن مهن تلك القبهل‬

‫إن جزتنه عهن صهنيعي كنهت فه‬

‫رقههها أو ل فيكفينهه الجههل‬

‫ث إن هناك مصلحة ل ف هذا الزهد ‪ ،‬وهو السلمة من الهد ‪ ،‬يوم تنصب الوازين‬
‫وتك شف الباه ي ‪ ،‬فلن أ قف طويلً للقضاء ‪ ،‬ك ما ي قف الغنياء ‪ ،‬وكفاك بذا ح سنة ‪،‬‬
‫لد يث (( يد خل فقراء أم ت ال نة ‪ ،‬ق بل الغنياء بم سمائة سنة )) ‪ ،‬فياله من مك سب‬
‫را بح ‪ ،‬و من ميزان را جح ‪ ،‬و ما عندي مال ف البنوك الربويّة ‪ ،‬ول م ساهات عقار ية ‪،‬‬
‫ول شركات ا ستثمارية ‪ ،‬بل عندي أغلى ‪ ،‬وأعلى ‪ ،‬لن الب ل يبلى ‪ .‬فإذا كن ـز الناس‬
‫الدر هم والدينار ‪ ،‬كن ـزت الذكار ‪ ،‬وع مل البرار ‪ ،‬وأ نا أخذت بُغْض الدر هم ‪ ،‬من‬
‫إبراهيم بن أدهم ‪ ،‬والزهد ف الدينار ‪ ،‬من مالك بن دينار ‪ ،‬والورع عن العطاء ‪ ،‬من ابن‬
‫أ ب رباح بن عطاء ‪ ،‬وأخذت قلة الرغ بة من الدن يا ‪ ،‬من ا بن أ ب الدن يا ‪ ،‬و قد رأ يت‬
‫القبور ‪ ،‬فإذا الع ظم با نب الحت قر ‪ ،‬قد اجت مع ب ا ال خب ‪ ،‬وال ب ‪ ،‬وتغيت ب ا تلك‬
‫الصور ‪ ،‬فالـمَلِك ف جوار الملوك ‪ ،‬والغَِنيّ ف حفرة الصعلوك ‪ ،‬وال َقوِيّ مع الضعيف ‪،‬‬
‫والوضيع مع الشريف فبعد هذا الشهد ‪ ،‬أقسمت أن أزهد ‪ ،‬فلزمت الصحف والسجد ‪،‬‬
‫أتعبد وأتجد ‪ ،‬وعلى القابر أتردد ‪ ،‬فعوضن رب بالم سرورا ‪ ،‬وبالزن حبورا ‪ ،‬وبظلمة‬
‫الدنيا نورا ‪ ،‬وقد هيأت حنوطي وأكفان ‪ ،‬وكفان القليل كفان ‪.‬‬
‫وهذا وال عي العقل ‪ ،‬وموافقة النقل ‪ ،‬ون ج الصالي من بعد ومن قبل ‪ ،‬فمال‬
‫للقوم كأنم ف نوم ‪ ،‬صرعتهم الشهوات ‪ ،‬وزلزلتهم الشبهات ‪ ،‬أحبوا التراب والراب ‪،‬‬
‫والثياب والشراب ‪ ،‬وزهدوا فـ الكتاب والثواب ‪ ،‬ونسـوا السـاب والعقاب ‪ ،‬أنسـاهم‬
‫القرش النعش ‪ ،‬ف التهام وهرش ‪ ،‬ما تز هم الرقائق ‪ ،‬ول تردع هم القائق ‪ ،‬كلم هم ف‬
‫السعار والعمار والعقار ‪ ،‬وحديثهم عن الدرهم والدينار ‪ ،‬ما يذكرون النة ول النار ‪.‬‬
‫اللوس مع هم ي يت القلب ‪ ،‬ويضا عف الذ نب ‪ ،‬ل كن الع مى ل يرى ال صباح ‪،‬‬
‫واليت ل يس بالراح ‪ .‬ولكن الصخر ل يسمع الكلم ‪ ،‬وما لرح بيت إيلم ‪.‬‬

‫‪-112-‬‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫المقـامَــة الدبـيّــة‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش‬
‫ك‬
‫ة‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ط‬
‫ة‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫مث‬
‫ه‬
‫م تََرى كَي ْ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫جَرةٍ‬
‫ضَر َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ِّ َ‬
‫‪ ‬أل َ ْ‬
‫َ‬
‫ب الل ُ َ‬
‫طَي ِّبَةٍ‬
‫َ‬
‫ت َوفَْرعُهَا فِي ال َّ‬
‫سَما ِء ‪‬‬
‫صلُهَا ثَاب ِ ٌ‬
‫أ ْ‬
‫هب‬
‫هر ولزم مذهه‬
‫هم الشعه‬
‫أنظه‬

‫فه اطراح الرفهد فالدنيها أقهل‬

‫فههو عنوان على الفضهل ومها‬

‫أحسههن الشعههر إذا ل يبتذل‬

‫قال الراوي ‪ :‬سرنا ليلة مع جا عة أب ية ‪ ،‬ل م شوق إل القامات الدب ية ‪ ،‬والشعار‬

‫العربيّة ‪ ،‬فقالوا حدثنا عن الدب ‪ ،‬فإنه ديوان العرب ‪ ،‬ومنتهى الرب ‪ ،‬وناية الطلب ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬حبا وكرا مة ‪ ،‬وت ية و سلمة ‪ ،‬ف قد رض عت الداب ‪ ،‬وجال ست العراب ‪،‬‬
‫وحفظت الشعر من عصر الشباب ‪ ،‬فالشعر عندي سي ‪ ،‬وهو لنفسي روضة وغدير ‪.‬‬
‫هه‬
‫هحر اللل لو أنه‬
‫هه السه‬
‫وحديثه‬
‫ل ينهه قتههل السههلم التحههه ّرزِ‬
‫إن طال ل يلّ وإن أوجزتهههههه‬
‫هم يوجه هزِ‬
‫هه لهه‬
‫هدث أنه‬
‫ودّ الحهه‬

‫فقال أ حد ال سّمار ‪ ،‬من م ب الشعار ‪ ،‬أ فض علي نا من الق صائد الغراء ‪ ،‬ال ت قال ا‬
‫على البديهة الشعراء ‪ ،‬قلت ‪ :‬هذا فن طويل الذيل ‪ ،‬يأخذ ف كل سبيل ‪ ،‬ولكن سوف‬
‫أورد بعض الشواهد ‪ ،‬والشوارد ‪ ،‬والوابد ‪.‬‬
‫فهذا أبو جعفر النصور تدى الشعراء بقافية ‪ ،‬قال ‪ :‬من أجازها فله الائزة وافية ‪،‬‬
‫إذ يقول ‪ ،‬وفكره يول ‪:‬‬
‫وهاجرة وقفههت باهه قلوصههي‬
‫يقطههع حرههها ظهههر الغطايَههه‬

‫‪-113-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫فقام الشعراء على ركبهـم جاثيـ ‪ ،‬كلهـم يريـد الائزة مـن أميـ الؤمنيـ ‪ ،‬فقال‬
‫بشار بن برد ‪ ،‬وكان سريع الردّ ‪:‬‬
‫وقفهت باه القلوص فسهال دمعهي‬
‫هههر واعظايَهههه‬
‫على خدي واقصه‬

‫فأخذ بردة أب جعفر ‪ ،‬وكانت من خز أصفر ‪.‬‬
‫وهذا أبو تام ‪ ،‬وهو شاعر مقدام ‪ ،‬مدح العتصم ‪ ،‬فما تعثر وما وهم ‪ ،‬يقول ‪:‬‬
‫إقدام عمرو فهه سههاحة حاتٍهه‬
‫هاسِ‬
‫هف ف ه ذكاء إيهه‬
‫ف ه حلم أحنه‬

‫فقال الارث الكندي ‪ ،‬مـا لك قدر عندي ‪ ،‬أمـا تاف ‪ ،‬تصـف أميـ الؤمنيـ‬
‫بالجلف ‪ ،‬فاند أبو تام كالسيل معتذرا عما قيل ‪:‬‬
‫ل تنكروا ضربهه له مههن دونههه‬
‫مثلً شرودا فههه الندى والباسهههِ‬
‫فال قههد ضرب القههل لنهههوره‬
‫مثلً مههن الشكهههاة والنباسههِ‬

‫ح كم النعمان ‪ ،‬على ناب غة ذبيان ‪ ،‬بالعدام ‪ ،‬ب عد ما ات مه بب عض التام ‪ ،‬فأنشده‬
‫البائيّة الرائعة الذائعة ‪:‬‬
‫هب‬
‫هك شس ه واللوك كواكه‬
‫فإنه‬

‫ه‬
‫ه ل ي ْبدُ منههن كوكب ُ‬
‫إذا طلعت ْ‬

‫فعفا عنه وحباه ‪ ،‬وقربه واجتباه ‪.‬‬
‫وأهدر البشي النذير ‪،‬دم كعب بن زهي‪ ،‬فعاد إليه ‪ ،‬ووضع يده بي يديه ‪،‬وأنشده ‪:‬‬
‫بانهت سهعاد فقلبه اليوم متبول‬

‫متيههم إثرههها ل يُفههد مقبولُ‬

‫فحلم عليه وصفح ‪ ،‬وعفا عنه وسح ‪ ،‬واستقام حاله وصلح ‪.‬‬
‫وأصدر حاكم اليمن ‪ ،‬قرارا بإعدام سبعي من أهل العلم والسنن ‪ ،‬والفقه والفطن ‪،‬‬
‫فأنشده البيحان ‪ ،‬قصيدة بديعة العان ‪ ،‬هزّ با أعطافه ‪ ،‬واستدر با ألطافه ‪ ،‬أولا ‪:‬‬
‫يها أبها الجهد يها ابهن ماء السهماء‬

‫يهها سههليل النجوم فهه الظلماء‬
‫‪-114-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫فأكرم مثواه ‪ ،‬وعفا عن السبعي من العلماء والقضاة ‪.‬‬
‫وكاد معاوية أن يفر من صفي ‪ ،‬يوم وقف بي الصفي ‪ ،‬فذكر قول ابن الطنابة‪،‬‬
‫فأوقف ركابَه ‪:‬‬
‫هت‬
‫هد جشأت وجاشه‬
‫أقول لا ه وقه‬
‫هههتريي‬
‫هههك تمدي أو تسه‬
‫مكانه‬

‫وأوشـك التنـب الشاعـر الدّار ‪ ،‬أن يول الدبار ‪ ،‬ويدـ فـ الفرار ‪ ،‬فكرر عليـه‬
‫غلمه ‪ ،‬أبياتا ثبتت أقدامه ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫اليهل والليهل والبيداء تعرفنههي‬
‫ه‬
‫والسهيف والرمهح والقرطاس والقلم ُ‬

‫فرجع مقبل ‪ ،‬فقتل مندل ‪ .‬وقتل عضد الدولة الوزير ابن بقية ‪ ،‬ول تردعه تقيّة ‪،‬‬
‫فأنشد ابن النباري قصيدة كأنا برقية ‪ ،‬أو رواية شرقية ‪ ،‬اسع مطلعها ‪ ،‬وما أبدعها ‪:‬‬
‫علو فههه الياة وفههه المات‬

‫ههت إحدى العجزات‬
‫هه أنه‬
‫بقه‬

‫فسمعها عضد الدولة فتأسف ‪ ،‬وقال حبذا ذاك الوقف ‪ .‬ولا قتل ممّد بن حيد ‪،‬‬
‫بكاه أبو تام بذاك القصيد ‪ ،‬ورثاه بذاك النشيد ‪:‬‬
‫كذا فلي جل ال طب وليف هدح المرُ‬
‫فليههس لعيهه ل يفههض ماؤههها عذرُ‬

‫و سب أ حد المراء ‪ ،‬العري أ با العلء ‪ ،‬وهجاه أ شد هجاء ‪ ،‬و سب أ ستاذه سيد‬
‫الشعراء ‪ ،‬فقال أبو العلء ‪ :‬ل تسبه أيها المي ‪ ،‬فإنه شاعر قدير ‪ ،‬ول يكن له إل قصيدة‪،‬‬
‫ه القلوب منازل‬
‫ها منازل فه‬
‫لك يه‬

‫أقفرت أنهت و ههن منهك أواههل‬

‫ففهم المي ماذا يريد ‪ ،‬لنه قصد آخر القصيد ‪ ،‬وهي قوله ‪:‬‬
‫ه‬
‫وإذا أتتههك مذمته مهن ناقص ٍ‬
‫هادة ل بأن ه كامه هلُ‬
‫هي الشههه‬
‫فهه‬

‫‪-115-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫ول ا زار أ بو جع فر الن صور الدي نة طلب شيخا كبيا ‪ ،‬وجعله عنده أجيا ‪ ،‬ي به‬
‫ببيوت الهاجر ين والن صار ‪ ،‬فدار به إل آ خر النهار ‪ ،‬ول يع طه مال ‪ ،‬ون سيه إهال ‪،‬‬
‫فقال الشيخ يا أمي الؤمني ‪ :‬هذا بيت الحوص الشاعر البي القائل ‪:‬‬
‫حذر العدا وبههك الفؤاد موكّهل‬

‫يهها بيههت عاتكههة الذي اتعزل‬

‫فتذكر أبو جعفر القصيدة ‪ ،‬وهي فريدة ميدة ‪ ،‬يقول ف آخرها ‪:‬‬
‫هم‬
‫ها تقول وبعضهه‬
‫هل مه‬
‫وأراك تفعه‬
‫مذق الكلم يقول مهههههها ل يفعلُ‬

‫ففهم الراد ‪ ،‬وأعطى الشيخ الزاد ‪.‬‬
‫أق بل عال كبي القدر ‪ ،‬ظا هر ال مر ‪ ،‬على شا عر قا عد ‪ ،‬فقام لذا العالِم الوا فد ‪،‬‬
‫وكان العال يرى أن القيام للقادم باطـل ‪ ،‬ولو أن القادم رجـل كامـل ‪ ،‬فقال للشاعـر دع‬
‫القيام ‪ ،‬فأنت ل تلم ‪ ،‬فقال الشاعر ‪:‬‬
‫قيامهي والله إليههك حهق‬

‫وترك القهه مهها ل يسههتقيمُ‬

‫وههل رجهل له لب وعقهل‬

‫يراك تسههي إليههه ول يقومههُ‬

‫وفد شاعر على وزير خطي ‪ ،‬بالكرمات شهي ‪ ،‬فلما أبصر جلبابه ‪ ،‬وشاهد حُجّابه‬
‫ورأى أصحابه هابه ‪ ،‬فأراد أن يقول مساك ال بالي ‪ ،‬قال من شدة الجل ‪ ،‬ومن دهشة‬
‫الو جل ‪ :‬صبحك ال بال ي ‪ ،‬فقال الم ي ‪ :‬أ صباح هذا أم م ساء ‪ ،‬أم تر يد ال ستهزاء ‪،‬‬
‫فقال الشاعر بل إبطاء ‪:‬‬
‫صههبحته عنههد السههاء فقال ل‬
‫ماذا الصههباح وظنّهه ذاك مزاحهها‬
‫هه إشراق وجهههك غرنهه‬
‫فأجبتُه‬
‫حتهه تههبينت السهههاء صههبهاحا‬

‫وأ نا مُحدّث ل حدا ثي ‪ ،‬من م كة مر كب وأثا ثي ‪ ،‬و من الدي نة ميا ثي ‪ ،‬أ صل‬
‫الداثيي من البلشفة المر الكفرة ‪ ،‬كأنم حر مستنفرة ‪ ،‬فرت من قسورة ‪.‬‬
‫‪-116-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫ل تتبلد ‪ ،‬أرسلناك إل الربد ‪ ،‬بالق تنشد ‪ ،‬وبالسلم تغرد ‪ ،‬فذهبت تعربد ‪.‬‬
‫اسك ممد فل تزد ف الروف ‪ ،‬لتصبح ممدوف ‪ ،‬لن ممد شرعي ‪ ،‬وممدوف‬
‫شيو عي ‪ ،‬ديوان الت نب ملد لط يف خف يف ‪ ،‬ف يه ل فظ من يف ‪ ،‬ومع ن شر يف ‪ ،‬أن صت‬
‫لشعره الدهـر ‪ ،‬وعـب الب والبحـر ‪ ،‬وسـار غدوه شهـر ورواحـه شهـر ‪ .‬وبعـض الشعراء‬
‫الولّدين ‪ ،‬لكل منهم عشرة دواوين ‪ ،‬كل ديوان ككيس السنت ‪ ،‬إذا قرأت منها قصيدة‬
‫ت ‪ ،‬وبُه تّ وخُف تَ ث مُ تّ ‪ ،‬تعبنا من ركاكة الكلم ‪ ،‬ومن هذا الركام ‪،‬‬
‫ت وصم ّ‬
‫سك ّ‬
‫إذا سألناهم عن العن أكثروا من المز والغمز ‪ ،‬وقال هذا شعر الرمز ‪ ،‬فيه إياز ‪ ،‬وألغاز‬
‫وإعجاز ‪ ،‬والصحيح أنه هراء وطلسمة ‪ ،‬وشعاب مظلمة ‪ ،‬وتتمة ‪ ،‬وههمة ‪ ،‬وغمغمة ‪.‬‬
‫وقد حكم رسولنا ف الشعر وقد رضينا حكمه فقال ‪( :‬إن من الشعر لكمة)‬
‫و هو الش عر الحمود ‪ ،‬الذي يوا فق الق صود ‪ ،‬ول يس ف يه بذاء ‪ ،‬ول هجاء ‪ ،‬ول ازدراء ‪،‬‬
‫وكان فيـه لطـف بل سـخف ‪ ،‬مـع صـدق فـ الوصـف ‪ ،‬وليـس فيـه تبذل ول إغراب ‪،‬‬
‫ول كذب ول إعجاب ‪ ،‬مع إشراق ف العبارة ‪ ،‬ولطف ف الشارة ومتانة ف السبك ‪،‬‬
‫وجال ف البك ‪ ،‬فإذا كان كما وصفنا ‪ ،‬وصار كما عرّفنا ‪ ،‬فهو السحر اللل ‪ ،‬وهو‬
‫فيض من المال ‪ ،‬وهالة من اللل ‪ ،‬يبهج العاقل ‪ ،‬وينبّه الغافل‬
‫واعلم أن ف الش عر متارات ‪ ،‬و ف الق صائد أمهات ‪ ،‬م ثل العلقات ‪ ،‬و ما اختاره‬
‫أصحاب الماسات ‪ ،‬ول تنس الفريدة السناء ‪،‬‬
‫هذا الذي تعرف البطحاء‬

‫وإن تعجب فيحق لك العجب ‪ ،‬من قصيدة ‪:‬‬
‫السهيف أصهدق إنباء مهن الكتهب‬

‫وأجل الراثي الرائعات ‪:‬‬
‫علو فهه الياة وفهه الماتههْ‬

‫أو ابن زيدون وهو يشجينا ‪:‬‬
‫أضحهى التنائي بديلً عهن تدانينها‬

‫‪-117-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫أو الشريف الرضي ف روعة البيان ‪ ،‬يوم أنشد ‪:‬‬
‫يهههههها ظبيههههههة البان‬

‫وواعجباه ‪،‬‬
‫من‬

‫واحههههههههههههههر قلباه‬

‫وما أبى تاج الكلم ‪،‬‬
‫تفهههههههههت فؤادك اليام‬

‫وأبو البقاء الراوندي يوم اهتم ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫لكههل شيههء إذا مهها تهه‬

‫واعلم رحك ال أن ف الشعر ِتبْر وتراب ‪ ،‬وذهب وأخشاب ‪ ،‬ول يدعنك قولم‬
‫فل نٌ شاعر موّار ‪ ،‬فقد ل يساوي شعره ربع دينار ‪ ،‬فإن من الشعر مسك وعنب ‪ ،‬ولؤلؤ‬
‫وجوهر ‪ ،‬يسافر إل سويداء قلبك ويبحر ‪ ،‬وينادي إنا نن فتنة فل تكفر ‪.‬‬
‫وف الشعر شعي ‪ ،‬وروث بعي ‪ ،‬فيه نذالة وجهالة ورذاله ‪ ،‬فويل لن أشغل الناس‪،‬‬
‫و سوّد القرطاس ‪ ،‬وجلب الو سواس ‪ ،‬وحاس وداس ‪ ،‬و ف ديار القلوب جاس ‪ ،‬ي صيبك‬
‫من شعره تثاؤب وعطاس ‪ ،‬ونوم ونعاس ‪ ،‬فإذا رأيته فقل له ‪ :‬ل مساس ‪ ،‬ول باس عليك‬
‫م نه ل باس ‪ .‬وهذا ال صنف ل يردّه ع قل ‪ ،‬ول يرد عه ن قل ‪ ،‬جائز ته ب صل وف جل ‪ ،‬ل نه‬
‫أُشرب ف قلبه الع جل ‪ .‬إذا قام أحدهم ف النوادي ‪ ،‬صاح النادي ‪ :‬هذا شاعر الواضر‬
‫والبوادي ‪ ،‬وبل بل النادي ‪ ،‬في صدق ال سكي ‪ ،‬ق طع بلعو مه بال سكي ‪ ،‬فيتما يل طر با ‪،‬‬
‫ويت يه عج با ‪ ،‬ويقول للحضور ‪ :‬ل قد لقي نا من سفرنا هذا ن صبا ‪ ،‬فإذا أل قى الق صيدة ‪،‬‬
‫فكأنه يأكل عصيدة ‪ ،‬يلوّي راسه ‪ ،‬ويكظم أنفاسه ‪ ،‬كأنا يتخبطه الشيطان من الس ‪،‬‬
‫ح ت ينادي المهور ‪ :‬بس بس ‪ ،‬فليت قارئا يبك على صدره ‪ ،‬ويضع يده على نره ‪،‬‬
‫ويرش وجهـه باء مـن تبسـي ‪ ،‬ويقرأ عليـه آيـة الكرسـي ‪ .‬فإذا خرج شيطان الشعـر‬
‫الرخيص ‪ ،‬وعلم أنه ليس له ميص ‪ ،‬قام هذا الغب ‪ ،‬كأنه صب ‪ ،‬ليترك الشعار ‪ ،‬لهل‬
‫القتدار ‪ ،‬ويقصد البيع واليارة ‪ ،‬أو البناء والنجارة ‪ ،‬أو يصلح عقاره ‪ ،‬ويهجر القواف ‪،‬‬
‫لكل فصيح واف ‪.‬‬
‫‪-118-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الدبيّة‬
‫المقا َ‬

‫وليـت الناس سـلكوا مذهبَهـم ‪ ،‬فقـد علم كـل أناس مشربمـ ‪ ،‬ويـا مـن اشتغـل‬
‫بالشعار‪ ،‬عليك بالذكار ‪ ،‬وإدمان الستغفار ‪ ،‬والوف من القهار ‪ ،‬فإن اللسان ثعبان ‪،‬‬
‫وأمامك قب وميزان ‪ ،‬وناة وخسران ‪ ،‬ول يكن لسانك كالقراض للعراض ‪ ،‬ول يكن‬
‫كالقباض للغراض ‪ ،‬فإن النفاس تكتب عليك ‪ ،‬وعملك منك وإليك ‪.‬‬
‫وويل لن أطلق لسانه ‪ ،‬وأرضى شيطانه ‪ ،‬وأجرى ف اللهو حصانه ‪ ،‬من يوم تشيب‬
‫فيه النواصي ‪ ،‬ويندم فيه كل عاصي ‪ ،‬ويهابه كل دانٍ وقاصي ‪.‬‬
‫و يا شعراء الجون ‪ ،‬مال كم ف ال غي تلجون ‪ ،‬و ف النوادي ت صجّون ‪ ،‬ول كل رأس‬
‫تشجّون ‪ .‬أل عقـل يردع ‪ ،‬أل أذن تسـمع ‪ ،‬أل قلب يشـع ‪ ،‬أل عيـ تدمـع ‪ ،‬أشغلتـم‬
‫القلوب ‪ ،‬وأنسـيتم الناس علم الغيوب ‪ ،‬ودللتـم المـة على العاصـي والذنوب ‪ ،‬أشعلتـم‬
‫النفوس الائجة ‪ ،‬أحرقتم القلوب الائجة ‪ ،‬لن بضاعتكم على الراذل رائجة ‪ ،‬أتظنون أنه‬
‫ل حساب ول عقاب ‪ ،‬ول عذاب ول ثواب ‪ ،‬الوقف أصعب ما تظنون ‪ ،‬والشهد أعظم‬
‫م ا تت صوّرون ‪ ،‬إذا بع ثر ما ف القبور ‪ ،‬وح صّل ما ف ال صدور ‪ ،‬وفار التنور ‪ ،‬وق صمت‬
‫الظهور ‪ ،‬وطار الكب والغرور ‪.‬‬
‫إذا ج هار الوزي هر وكاتب هاه‬
‫وقاضي الرض أجحف ف القضاءِ‬
‫فويهل ث ويهل ثهم ويهل‬
‫لقا ضي الرض من قا ضي ال سماءِ‬

‫يا شعراء الجون ‪ ،‬و يا أتباع كل غاو مفتون ‪ ،‬وهائم منون ‪ ،‬و يل ل كم م ا كت بت‬
‫أيديكم ‪ ،‬وويل لكم ما تكسبون ‪.‬‬

‫‪-119-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخطابيّة‬

‫مــة الخطابـيّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪‬وَعِ ْظ ُهمْ وَقُلْ َل ُهمْ فِي أَن ُفسِ ِه ْم َقوْلً بَلِيغًا ‪‬‬

‫ولسههان صههيف صههارم‬

‫كذباب السهيف مها مهس قطهع‬

‫سههحر هاروت وماروت ولو‬

‫كلم الصهخر بقه لنصهدع‬

‫نن ف زمن عجيب ‪ ،‬وف عصر غريب ‪ ،‬كم بلينا بطيب غي أديب ‪ ،‬ول مصيب‪،‬‬
‫إذا تكلم تلعثم ‪ ،‬وههم ‪ ،‬وغمغم ‪ ،‬وتتم ‪.‬‬
‫إذا بدأ ف الكلم اعتذر ‪ ،‬ل يدري ما يأت وما يذر ‪ ،‬لن كلمه هذر مذر ‪ ،‬ابتلي‬
‫الرجل بالسعال ‪ ،‬وكثرة النفعال ‪ ،‬وسوء التعبي ف القال ‪.‬‬
‫ل يزوّر الكلم ف صدره تزويرا ‪ ،‬ول يبّر ال طب ت بيا ‪ ،‬فل ي ساوي كل مه ف‬
‫ميزان الشعـر نقيا ‪ ،‬يـا ليـت بعـض الطباء اشتغـل بالتجارة ‪ ،‬أو مارس البناء والنجارة ‪،‬‬
‫وترك النب لهل البداع والدارة ‪.‬‬
‫الط يب القد ير ‪ ،‬والتكلم النحر ير ‪ ،‬له صولة وزئ ي ‪ ،‬ومن طق كالر ير ‪ ،‬ول سان‬
‫كالسيف الطرير ‪ ،‬إذا وثب على النب ‪ ،‬فاح منه السك والعنب ‪ ،‬فكأن منطقه الاء الزلل‪،‬‬
‫والنبع السلسال ‪ ،‬يأت بالكمة ف ارتال ‪ ،‬ويغلب بجته الرجال ‪ ،‬فإنه السد إذا صال‬
‫وجال ‪ ،‬إياّك والكلم الساقط الرذول ‪ ،‬والعامي البذول ‪ ،‬وعليك بفصيح النقول ‪ ،‬الذي‬
‫يبّذه أ صحاب العقول ‪ ،‬ما أحوج نا إل خط يب قوّال ‪ ،‬وب ا يقول فعّال ‪ ،‬ل يس صاحب‬
‫إملل ‪ ،‬ول إخلل ‪ ،‬ول إقلل ‪ ،‬وإنا يدبج السحر اللل ‪.‬‬
‫وكلمهه السهحر اللل لو أنهه‬

‫إن طال ل يلل وإن أوجزتههههه‬

‫ل ينهه قتههل السههلم التحرز‬

‫ود الحههدث أنههه ل يههوجهزِ‬

‫ل يشرح الصدر مثل الكلم الصادق ‪ ،‬والبيان الناطق ‪ ،‬واللفظ الدافق ‪ ،‬والسلوب‬
‫ال سامق ‪ ،‬أ ما كلم الا كة ‪ ،‬وألفاظ أ هل الركا كة ‪ ،‬ف هو حُمّى الرواح ‪ ،‬ف ال صدور‬
‫رماح ‪ ،‬وف القلوب جراح ‪.‬‬
‫‪-120-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخطابيّة‬

‫ترى بعضهم إذا تكلم ل يكاد يبي ‪ ،‬كأنه من العجميي ‪ ،‬ينطق بالرف مقلوبا ‪،‬‬
‫ويعل الرفوع منصوبا ‪ ،‬مل خطبته عيوبا ‪ ،‬وندوبا ‪ ،‬وثقوبا ‪.‬‬
‫غ ضب م نه ف الن حو سيبويه ‪ ،‬و ف الل غة نفطو يه ‪ ،‬و ف الد يث راهو يه ‪ ،‬و ف‬
‫الشعر متنبيويه ‪.‬‬
‫الطيـب البارع يأسـر القلوب أسـرا ‪ ،‬ويسـري بالرواح فسـبحان مـن أسـرى ‪،‬‬
‫ويسترق الضمائر فإما منّا بعد وإما فداء ‪ ،‬وله على مستعمرات النفوس احتلل واستيلء ‪.‬‬
‫الطيب اللهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثي ‪ ،‬ويرسم ف العقول‬
‫صورا من براعة التعبي ‪ ،‬ويبن ف الفئدة خياما من جلل التصوير ‪.‬‬
‫هل تل من الروضة الغنّاء إذا غن فيها العندليب ‪ ،‬وحل با البيب ‪ ،‬وأطفأ نسيمها‬
‫اللهيـب ‪ ،‬وكذلك الطيـب النجيـب ‪ ،‬فـ خطبـه روضات مـن المال ‪ ،‬وبسـاتي مـن‬
‫اللل ‪ ،‬ودواوين من الكمال ‪.‬‬
‫تقرأ الق صة ل ت ساوي بعرة ‪ ،‬ول ت ز شعرة ‪ ،‬فيلقي ها الط يب الشدق ‪ ،‬والف صيح‬
‫التدفق ‪ ،‬فكأنا السحر دب ف كيانك ‪ ،‬وكأنا المر هزت أركانك ‪ ،‬تسمع بيت الشعر‬
‫ل يسـاوي ريال ‪ ،‬ول ترى فيـه روعـة ول جال ‪ ،‬فيلقيـه الطيـب الصـقع ‪ ،‬والتكلم‬
‫البدع ‪ ،‬فتبقى من حسنه مبهوتا ‪ ،‬كأنك لقطت ياقوتا ‪.‬‬
‫الطيـب الدّار ‪ ،‬كالسـيل الوّار ‪ ،‬يقتلع الشجار ‪ ،‬ويمـل الحجار ‪ ،‬ويقتحـم‬
‫السوار ‪ ،‬ل يرده جدار ‪ ،‬ول تقف ف طريقه دار ‪ ،‬لن الطيب يقبل ومعه الية المرة ‪،‬‬
‫والوعظة الزاجرة ‪ ،‬والقصة النادرة ‪ ،‬والجة الباهرة ‪ ،‬والقافية الساخرة ‪.‬‬
‫تعيش معه ف دنيا من الصور واللوان ‪ ،‬وف عال من الشاهد واللان ‪ ،‬كأنك ف‬
‫إيوان ‪ ،‬أو بستان ‪ ،‬أو ديوان ‪.‬‬
‫دع ن من الطباء الثقلء ‪ ،‬كأن كلم هم ل يب الرمضاء ‪ ،‬أو و هج ال صحراء ‪ ،‬أو‬
‫ـــه الشتاء ‪ ،‬ل طلوة ‪ ،‬ول حلوة ‪ ،‬ل إبداع ‪ ،‬ول إمتاع ‪ ،‬ول إشباع ‪ .‬قوم ل‬
‫وجـ‬
‫تركـض ألسـنتهم فـ ميدان البيان ‪ ،‬ول تذق قلوبمـ حلوة القرآن ‪ ،‬ول تتعوا بسـحر‬
‫الكلمات ‪ ،‬ول رشاقة المل البالغات ‪ ،‬ول عرفوا حسن السبك ‪ ،‬ول براعة البك ‪ ،‬هَمّ‬
‫‪-121-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخطابيّة‬

‫أحدهم صحف يتلوها على الناس بكرة وأصيل ‪ ،‬ل تترك ف الناس من التأثي فتيل ‪ ،‬يلوك‬
‫أحدهم الكلم لوكا ‪ ،‬كأنه يغرز ف الجسام شوكا ‪.‬‬
‫أفصح الناس رسول الدى ‪ ،‬وإمام الندى ‪ ،‬أبلغ من حضر وبدا ‪ ،‬وأوعظ من راح وغدا ‪.‬‬
‫مهها بنهه جلة مههن اللفههظ إل‬
‫وابتنهه اللفههظ أمههة مههن عفاءِ‬
‫منطهههههههق يل القلوب جللً‬
‫ههفهاءِ‬
‫ههة وصه‬
‫هه حبور وبجهه‬
‫فه‬

‫إن من أع ظم ال تع ال ت عاش ها ال صحابة ‪ ،‬تلك الف صاحة ‪ ،‬والبا عة ‪ ،‬والنجا بة ‪،‬‬
‫ال ت كانوا ي سمعونا من سيد الف صحاء ‪ ،‬وإمام البعاء ‪ ،‬وأب ي العرب العرباء ‪ ،‬كان إذا‬
‫تكلم ملك الشا عر ‪ ،‬وا ستول على الضمائر ‪ ،‬وا ستمال ال سرائر ‪ ،‬فل يريدون بعده كلم‬
‫خطيب ول شاعر ‪ ،‬إذا نطق عليه الصلة والسلم وتدفق ‪ ،‬فكأنه الفجر أشرق ‪ ،‬والاء‬
‫ترقرق ‪ ،‬والنور ف الرواح تر فق ‪ .‬إن من النع يم ‪ ،‬ع ند ذاك ال يل العظ يم ‪ ،‬ساع ذلك‬
‫ال نب الكر ي‪ ،‬ف من طق سليم ‪ ،‬و صوت رخ يم ‪ ،‬وقول قو ي ‪ ،‬ون ج م ستقيم ‪ .‬ث درج‬
‫خطباء المـة على منواله ‪ ،‬وسـبكوا أقوالمـ على أقواله ‪ ،‬فمـن مق ّل ومكثـر ‪ ،‬ومـن مُؤثّرٍ‬
‫ومتأثر ‪ .‬فأحسن الطباء من جعل القرآن معينه ‪ ،‬ومل بنور الديث عينه ‪ ،‬وجعل البيان‬
‫خدينه ‪ ،‬ث أكثر من التدريب ‪ ،‬وأدمن التجريب ‪ ،‬وأخذ من كل فن بنصيب ‪ ،‬فترى له‬
‫من الباعة ‪ ،‬ومن الرأة والشجاعة ‪ ،‬ما يلب ألباب الماعة ‪ ،‬جالً ف بيان ‪ ،‬وحسنا ف‬
‫إتقان ‪ ،‬مع عذوبة لسان ‪ ،‬وثبات جنان ‪ .‬غي أن البلء ‪ ،‬يأت من الغبياء ‪ ،‬العدودين ف‬
‫الطباء ‪ ،‬فهـم كالغيـم فـ الصـحو ‪ ،‬وكاللحـن فـ النحـو ‪ ،‬عبارات مـن حجاب البيان‬
‫سافرة ‪ ،‬وج ل متنافرة ‪ .‬وترك يب غر يب ‪ ،‬ل يس عل يه من سلطان البداع رق يب ‪ ،‬هَمّ‬
‫أحد هم أن يقول ‪ ،‬ولو أخ طأ ف النقول ‪ ،‬وعاث ف العقول ‪َ ،‬فمَنْع هؤلء من الطا بة‬
‫إصابه ‪ ،‬حت يراجع كل منهم حسابه ‪ .‬فليست النابر أسواق باعة ‪ ،‬ول أحواش زراعة ‪،‬‬
‫ول ورش صناعة ‪ ،‬إنا النابر مواضع طاعة ‪ ،‬تذب با الجيال ‪،‬وتصقل با عقول الرجال‬
‫وماروته‬
‫ِ‬
‫ومنطهق كضيههاء الشمههس تسهبهه مهن حسهنه سهحر هاروت‬
‫يدب فه السهم مثهل البء لو نظمهت ألفاظ هه قلت ه هذا ع قد ياق هوتِ‬
‫‪-122-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخطابيّة‬

‫فهذ بْ ل سانك ‪ ،‬وجوّد بيا نك ‪ ،‬ودرب جنا نك ‪ ،‬وأطلق ف الف صاحة عنا نك ‪ ،‬لتكون‬
‫الطيـب السـدّد ‪ ،‬والتكلم الؤيـد ‪ .‬وحذار مـن ترداد الكلم ‪ ،‬فإنـه يتحول إل ركام ‪،‬‬
‫وي صبح الط يب أق بح ف الع ي من الظلم ‪ ،‬وإيّاك والتق عر والغرا بة ‪ ،‬فإن ا من عيوب‬
‫الطابـة ‪ ،‬ول تكرر العبارة ‪ ،‬ول تكثـر الشارة ‪ ،‬ول تقحـم نفسـك فـ فنون أهـل‬
‫الختصـاص ‪ ،‬ول ترح الشخاص ‪ .‬واخلط الترغيـب بالترهيـب ‪ ،‬والوعـظ بالتأديـب ‪،‬‬
‫وت بب إل ال سامعي بال ّطيّ ب من الكلم ‪ ،‬ول تتعرض للش تم واللم ‪ ،‬وتألف القلوب ‪،‬‬
‫وذكرهم برحة علّم الغيوب ‪.‬‬
‫وتولم بالوعظة ‪ ،‬لتكون لقلوبم موقظة ‪ ،‬وتدث فيما يتاجون إليه من مسائل‪،‬‬
‫وما يهمهم من فضائل ‪ ،‬وكن لطيفا مع الناس ‪ ،‬كالطبيب الس ‪.‬‬
‫واجعل إمامك ف الطابة رسول البيان ‪ ،‬صاحب القرآن ‪ ،‬سيد ولد عدنان ‪.‬‬
‫فقد كان الذع ي ّن لكلمه ‪ ،‬ويئن من كثرة شوقه وهيامه ‪ ،‬وكانت الدموع من‬
‫وعظه تتحدر ‪ ،‬والقلوب تتفطّر ‪ ،‬والنفوس تتحسر ‪ ،‬هذا إذا أنذر وحذر ‪ ،‬أما إذا ذكرهم‬
‫بغفرة الغفور ‪ ،‬فهناك تسبح النفوس ف صرح مرّد من السرور ‪ ،‬وف جدول من البور‪،‬‬
‫فيمد كلمه نور الفطرة فالكل نور على نور ‪.‬‬
‫ه هذا الك هلم م ها قال هه أح ههد‬
‫ول تل مثله فهه المههع سههحبان‬
‫عليههه مهن حلل النههوار أرديههة‬
‫فكههل قلب مههن الشواق نشهههوان‬
‫يصهدع الصهخر فه زجهر وموعظهة‬
‫وفههه البشارة روض فيهههه ريان‬

‫أيهـا الطباء كونوا أبطال ‪ ،‬ورصـّعوا مـن الكمـة أقوال ‪ ،‬ودبّجوا مـن الفصـاحة‬
‫أمثال ‪ ،‬وانفروا خفافا وثقال ‪ ،‬وفقكم ال تعال ‪.‬‬

‫‪-123-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التوبة‬
‫مقا َ‬

‫مقـامَــــة الـتـوبـــــة‬

‫‪َ ‬وَرْحَمتِي وَِسعَْت كَُّل َشْي ٍء ‪‬‬
‫ول ا قسا قل ب وضا قت مذا هب‬

‫جعلت الر جا ر ب لعفوك سلما‬

‫تعاظمنه ذنهب فلمها قرنتهه‬

‫بعفوك ر ب صار عفوك أعظ ما‬

‫يا باغي الي أقبل ‪ ،‬فالباب غي مقفل ‪ ،‬يا من أذنب وعصى ‪ ،‬وأخطأ وعت ‪ ،‬تعال‬
‫فلعـل وعسـى ‪ ،‬يـا مـن بقلبـه مـن الذنوب جروح ‪ ،‬تعال فالباب مفتوح ‪ ،‬والكرم يغدو‬
‫ويروح ‪ ،‬يا من ركب مطايا الطايا ‪ ،‬تعال إل ميدان العطايا ‪ ،‬يا من اقترفوا فاعترفوا ‪،‬‬
‫لن تنسوا ُق ْل يَا ِعبَادِي الّذِي نَ أَ سْرَفُوا ‪ ،‬يا من بذنب باء ‪ ،‬وقد أساء ‪ ،‬تذكر ‪ (( :‬يا‬
‫ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء )) ‪.‬‬
‫أسقت بغي كلبا ‪ ،‬فأرضت ربّا ‪ ،‬ومت ذنبا ‪ ،‬قتل رجل مائة رجل ‪ ،‬ث تاب إل‬
‫ال عز وجلّ ‪ ،‬فدخل النة على عجل ‪.‬‬
‫لو ل ترد نيهل مها أرجهو وأطلبهه‬

‫مهن جود فضلك مها علمتنه الطلبها‬

‫من الذي ما أساء قط ‪ ،‬ومن له السن فقط ‪ ،‬ومن هو الذي ما سقط ‪ ،‬وأين هو‬
‫الذي ما غلط ‪ ،‬يا كث ي الخطاء ‪ :‬أن سيت ‪ :‬كل كم خطّاء ‪ ،‬كم يقتلك القنوط كم ‪،‬‬
‫وأنت تسمع ‪ (( :‬والذي نفسي بيده لو ل تذنبوا لذهب ال بكم )) ‪.‬‬
‫هههها عنده‬
‫اطرق الباب تدنه‬

‫ل تقههل قههد أغلق الباب فل‬

‫بسههههههخاء وببذل وكرم‬

‫تمهل اليأس فتلقهى فه الندم‬

‫إذا أذنبت فتب وتندّم ‪ ،‬فقد سبقك بالذنب أبوك آدم ‪ ،‬ومن يشابه أباه فما ظلم ‪،‬‬
‫وتلك شنشنـة نعرفهـا مـن أخزم ‪ ،‬فل تقلد أباك فـ الذنـب وتترك التاب ‪ ،‬فإن أباك لاـ‬
‫أذنب أناب ‪ ،‬بنص الكتاب ‪.‬‬
‫أ صبحت وجوه التائب ي م سفره ‪ ،‬ل ا سعوا نداء ‪ :‬لو أتيت ن بقراب الرض خطا يا‬
‫لتيتك بقرابا مغفره ‪ ،‬اطرح نفسك على عتبة الباب ‪ ،‬ومد يدك وقل ‪ :‬يا وهّاب ‪ .‬أرغم‬
‫أنفك بالطي وناد ‪ :‬رحتك أرجو يا رب العالي ‪.‬‬
‫‪-124-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التوبة‬
‫مقا َ‬

‫إن جرى بيننها وبينهك عتهب‬

‫وبعدنهها وشههط عنهها الزار‬

‫فالقلوب الته عرفهت تلظّهى‬

‫والدموع التههه عهدت غزار‬

‫يا من أساء وظلم ‪ ،‬اعلم أن دمعة ندم ‪ ،‬تزيل أثر زلة القدم ‪ .‬أنت تتعامل مع من‬
‫عرض التوبـة على الكفار ‪ ،‬وفتـح طريـق الرجعـة أمام الفجّار ‪ ،‬وأمهـل بكرمـه الشرار ‪.‬‬
‫أنزل بالعفو كتبه ‪ ،‬وسبقت رحته غضبه ‪.‬‬
‫وال مها لحهت عينه منازلكهم‬

‫إل توقهد جره الشوق فه خلدي‬

‫ول تذكرت مغناكهم وأرضكموا‬

‫إل كأن فؤادي طار مهن جسهدي‬

‫اسه التوّاب ‪ ،‬ولو ل تذنب لا عرف هذا الوصف ف الكتاب ‪ ،‬لن الوصف لبد له‬
‫من فعل حت يوصف بالصواب ‪ .‬ما تدري بالذنب ‪ ،‬مى العجب ‪ ،‬وبالستغفار حصل‬
‫النكسار ‪ ،‬لكأس الستكبار ‪ ،‬وصار الندار ‪ ،‬لدار الصرار ‪.‬‬
‫ل تصر ‪ ،‬بل اعترف وقر ‪ ،‬فإن طعم الدواء مُر ‪ ،‬وسوف تد ما يسر ول يضر ‪،‬‬
‫واحذر الشيطان فإنه يغر ‪.‬‬
‫هههها فاتون‬
‫اطرق الباب فإنه‬

‫هحب الظنون‬
‫ل تغيك على الصه‬

‫العتراف بالقتراف ‪ ،‬طبي عة الشراف ‪ ،‬قف بالباب ‪ ،‬و قل ‪ :‬أذنب نا ‪ ،‬و طف بتلك‬
‫ستَ ْغفِرُونَ ُه وَاللّ هُ‬
‫الديار و قل ‪ :‬تبنا ‪ ،‬وار فع يديك وقل ‪ :‬أنب نا ‪ ،‬أَفَل َيتُوبُو نَ إِلَى اللّ ِه َويَ ْ‬
‫َغفُورٌ رَحِيمٌ ‪ ،‬سبحان من يغفر الذنب لن أخطأ ‪ ،‬ويقبل التوبة من أبطأ ‪.‬‬
‫جبّ ما قبلها ‪ ،‬وتعم بركتها أهلها ‪ .‬يقول عليه الصلة والسلم (( التائب‬
‫التوبة َت ُ‬
‫من الذنب كمن ل ذنب له )) ‪ ،‬وهذا قول يب أن نقبله ‪ ،‬فهنيئا لن تاب وأناب ‪ ،‬قبل‬
‫أن يغلق الباب ‪ .‬التائب سريع الرجعة ‪ ،‬غزير الدمعة ‪ ،‬منكسر الفؤاد ‪ ،‬لرب العباد ‪ ،‬دائم‬
‫النصات ‪ ،‬كثي الخبات ‪.‬‬
‫للتائب فرحتان ودمعتان وبسمتان ‪.‬‬
‫فرحهة يوم ترك الذنـب ‪ ،‬والخرى إذا لقـي الرب ‪ ،‬ودمعهة إذا ذكـر مـا مضـى ‪،‬‬
‫والثانية إذا تأمل كيف ذهب عمره وانقضى ‪ ،‬وبسمة يوم ذكر فضل ال عليه بالتوبة ‪،‬‬
‫وهي أجلّ نعمة ‪ ،‬والخرى يوم صرف عنه الذنب وهو أفظع نقمة ‪.‬‬
‫‪-125-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التوبة‬
‫مقا َ‬

‫بشرى لن عفّر جبينه ‪ ،‬وأشعل ف قلبه أنينه ‪ ،‬وأضرم بالشوق حنينه ‪،‬التائب تبدل‬
‫سيئاته حسنات ‪ ،‬لن ما فات مات ‪ ،‬والصالات تحو الطيئات ‪.‬‬
‫للتوبـة أسـرار ‪ ،‬ولصـحابا أخبار ‪ ،‬فالتائب يزول عنـه تصـيد العائب ‪ ،‬وطلب‬
‫الثالب ‪ ،‬لنه ذاق مرارة ما تقدّم ‪ ،‬فهو دائما يتندّم ‪ ،‬وهو يفتح باب العاذير ‪ ،‬لن وقع ف‬
‫الحاذير ‪ ،‬ول يفعل فعل العجب النّان ‪ ،‬الذي قال ‪ :‬وال ل يغفر ال لفلن ‪ ،‬بل يستغفر‬
‫ل ن أ ساء من العباد ‪ ،‬ويطلب الدا ية ل هل الف ساد ‪ ،‬والتائب يطالع حك مة الرب ‪ ،‬ف‬
‫تقدير الذنب ‪ ،‬وأنه ل حول للعبد ول قوّة ‪ ،‬ف منع نفسه من الوقوع ف تلك الوّة ‪ ،‬فال‬
‫غالب على أمره ‪ ،‬بعز ته وقهره ‪ ،‬والتائب ذه بت عن نف سه صولة الطاعات ‪ ،‬والدعاوى‬
‫ل ل ن أ خذ بالنوا صي ‪ ،‬فإن ب عض‬
‫الطويلت ‪ ،‬والتب جح على أ هل العا صي ‪ ،‬وأ صبح ذلي ً‬
‫الناس إذا ل ي قع ف زلّة ‪ ،‬ول يذق ط عم الذلة ‪ ،‬ج حت به نف سه المّارة ‪ ،‬ح ت جاوز‬
‫أطواره ‪ ،‬فكلما ذكر له عاص تأفّف ‪ ،‬وكلما سع بذنب تأ سّف ‪ ،‬وكأنه عبد معصوم ‪،‬‬
‫ف حياته غي ملوم ‪ ،‬ياسب الناس على زلتم ‪ ،‬ويأخذ بعثراتم ‪ ،‬فإذا أراد ال تقويه ‪،‬‬
‫ليسلك الطريق الستقيمة ‪ ،‬ابتله بذنب لينكسر لربه ‪ ،‬وأراه ضعف قوته فيعترف بذنبه‪،‬‬
‫فيصبح يدعو للمذنبي ‪ ،‬ويب التائبي ‪ ،‬ويبغض التكبين ‪.‬‬
‫ومنها أن كأس الندم يتجرعه جرعة جرعه ‪ ،‬مع اندار دموع السف دمعة دمعه‪،‬‬
‫حينهـا ينال الوليـة ‪ ،‬ويدرك الرعايـة ‪ ،‬لنـه عرف سـر العبوديـة ‪ ،‬ودخـل باب الشريعـة‬
‫الحمديّة ‪ ،‬فإن ذل العبد مقصود ‪ ،‬وتواضعه ممود ‪ ،‬لصاحب الكبياء العبود ‪.‬‬
‫ومنها أنه يشتغل بالستغفار ‪ ،‬عن الستكبار ‪ ،‬فهو دائم الفكر ف تقصيه ‪ ،‬مشتغ ً‬
‫ل‬
‫به عن غروره ‪ ،‬لن ب عض الناس ل يرى إل إح سانه ‪ ،‬ول يشا هد إل صلحه وإيا نه ‪،‬‬
‫ح ت كأ نه يَم نّ على موله ‪ ،‬بطاع ته وتقواه ‪ ،‬بلف من طار من خوف العاق بة ل به ‪،‬‬
‫وتش عب بالندم قل به ‪ ،‬ف هو كث ي ال سرات ‪ ،‬على ما م ضى وفات ‪ ،‬وهذا هو حال من‬
‫عرف العبادة ‪ ،‬وسلك طريق السعادة ‪.‬‬
‫واعلم أن لوم النفس على التقصي ‪ ،‬والنظر إليها بع ي التحق ي ‪ ،‬والزراء علي ها ف‬
‫جانب مولها ‪ ،‬وعدم الرضا عنها لا فعله هواها ‪ ،‬يقطع من مسافات السي ‪ ،‬إل اللطيف‬

‫‪-126-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة التوبة‬
‫مقا َ‬

‫البي ‪ ،‬ما ل يقطعه الصيام ول القيام ‪ ،‬ول الطواف بالبيت الرام ‪ ،‬فهنيئا لن على ذنبه‬
‫يتحرق ‪ ،‬وقلبه يكاد من السف يتمزّق ‪ ،‬ودمعه على ما فرّط يترقرق ‪.‬‬
‫وقف نا على البواب نز جي دموع نا‬

‫ونبعهث شوقا طالاه ضهج صهاحبه‬

‫أج ل الكلمات ‪ ،‬وأح سن العبارات ‪ ،‬لدى رب الرض وال سموات ‪ ،‬قول الع بد ‪:‬‬
‫ت ‪ ،‬فيكون الواب م نه سبحانه ‪ :‬عبدي‬
‫يا رب أذنب تُ ‪ ،‬يا رب أ سأتُ ‪ ،‬يا رب أخطأ ُ‬
‫قد غفرت وسامت ‪ ،‬وسترت وصفحت ‪.‬‬
‫إن اللوك إذا شابههت عههبيدهو‬

‫فه رقههم عتقوههم عتهق أبرار‬

‫وأنهت يها خالقهي أول بذا كرما‬

‫قد شبت ف الرق فاعتقن من النار‬

‫عفّر البي بالطي ‪ ،‬وناد ‪ :‬يا رب العالي ‪ ،‬تبنا مع التائبي ‪ ،‬اغسل الكبائر بسبع‬
‫غرفات من ماء الدموع وعفر ها الثام نة بتراب التاب ‪ ،‬فهذا ف عل من أناب ‪ ،‬ح ت يف تح‬
‫لك الباب ‪ .‬تأوّه الذنبي التائبي ‪ ،‬أحب من تسبيح العجبي ‪ ،‬من قضى ليله وهو نائم ‪،‬‬
‫وأصبح وهو نادم ‪ ،‬أحب من قضاه وهو مسبّح مكبّر ‪ ،‬وأصبح وهو معجب متكبّر ‪.‬‬
‫إذا أردت القدوم عليه ‪ ،‬توسل برحته وفضله إليه ‪ ،‬ول تنن بطاعتك لديه‪ ،‬ل تيأس‬
‫من فتح الباب ‪ ،‬ورفع الجاب ‪ ،‬فأدم الوقوف عنده ‪ ،‬واخطب وده ‪ ،‬فإن من قصده لن‬
‫يرده ‪ ،‬مـا أحوج اليـل ‪ ،‬إل آخـر سـاعة مـن الليـل ‪ ،‬لناـ سـاعة البات ‪ ،‬والعطيات‬
‫والنفحات ‪ ،‬إمام الوحدين ‪ ،‬يقول ‪ :‬وَالّذِي َأطْمَعُ أَنْ َي ْغفِرَ لِي خَطِيَئتِي َيوْمَ الدّي نِ ‪،‬‬
‫فج عل غا ية مناه ‪ ،‬أن تغ فر خطاياه ‪ ،‬وأ نت تُ صِ ّر ‪ ،‬ول ُتقِرّ ‪ ،‬وت سو كأس الذ نب و هو‬
‫سنَا َوإِنْ لَمْ‬
‫مُرّ ‪ ،‬فأفق من سبات اللهو ول تكن من الغافلي ‪ ،‬وأكثر من َرّبنَا ظَلَ ْمنَا أَنفُ َ‬
‫َت ْغفِرْ َلنَا َوتَرْحَ ْمنَا َلَنكُونَ ّن مِ ْن الْخَا ِسرِينَ ‪.‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التاريخية‬

‫‪-127-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــــة التاريـخـيــــة‬
‫المقـا َ‬
‫ص ع َلَي ْ َ‬
‫‪ ‬تِل ْ َ‬
‫ك الُْقَرى نَُق ُّ‬
‫ن أَنْبَائِهَا ‪‬‬
‫ك ِ‬
‫م ْ‬

‫اقرأ التأريههخ إذ فيههه العههب‬

‫ضهل قوم ليهس يدرون البه‬

‫وتأمهل كيهف أفنه ملكههم‬

‫مههن على اللك تولّى وقهههر‬

‫قال أبو كثي ‪ ،‬جرير بن الثي ‪ ،‬سلون عن التاريخ ‪ ،‬فإن ف علمه شيخ ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬يا أ با كث ي ‪ ،‬فضلك كبي ‪ ،‬ف ما هو التعل يق ‪ ،‬على أحداث نذكر ها لك‬
‫بالتحقيق ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬تقدموا وتكلموا ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬مولد النب ممد ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬مولد النور ‪ ،‬وإشراق السـرور ‪ ،‬وهـو فتـح مـن ال على هذا الكون ‪ ،‬ونبـأ‬
‫عظيم ما سع بثله ف حركة ول سكون ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فهجرته إل الدينة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬بدا ية النطلق ‪ ،‬وف جر الشراق ‪ ،‬ب ا قا مت الدولة ‪ ،‬و صار لل سلم جولة‪،‬‬
‫وللحق صولة ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فغزوة بدر ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إثبات صدق ال صحابة ‪ ،‬واجتثاث تلك الع صابة ‪ ،‬وق طع الرؤوس الكذا بة ‪،‬‬
‫وجلل للدين ومهابة ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فوفاة الرسول ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬نز فت من ها القلوب د ما ‪ ،‬وامتلت النفوس أل ا ‪ ،‬و هي دل يل على أن ل بقاء‬
‫إل للواحد ‪ ،‬وما ملوق بذه الدنيا خالد ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فمعركة القادسية ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬مشهد من مشاهد الق إذا هجم ‪ ،‬وناية ماحقة ساحقة لدولة العجم ‪ ،‬وأن‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التاريخية‬
‫من عادى الرحن فليس له سلطان ‪ ،‬ول أمان ول صولان ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فمعركة اليموك ‪.‬‬
‫‪-128-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪ :‬فرار الروم كالبوم ‪ ،‬ولكـل طاغيـة يوم معلوم ‪ ،‬وإن الديـن أمضـى سـيف‬
‫للمجاهدين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فعي جالوت ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬نايـة الغول ‪ ،‬ومأسـاة حظهـم الغلول ‪ ،‬وجندهـم الخذول ‪ ،‬على أيدي‬
‫أتباع الرسول ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ف حطي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حطي ‪ ،‬تريغ الباطل ف الطي ‪ ،‬وهي يوم جلء الصليب من فلسطي ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فموت خالد بن الوليد على الفراش ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬دليل على أن الرجل درع حصي ‪ ،‬وموته مصيبة للموحدين ‪ ،‬وفرحة عابرة‬
‫للكافريـن ‪ ،‬وعيـد للجبناء الفاشليـ ‪ .‬وكأن القتـل هاب مـن خالد ‪ ،‬فأتاه على غرة‬
‫وهو قاعد ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ففتنة القول بلق القرآن ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬هي نتاج الفلسفة الشنعاء ‪ ،‬الت زاحم با الأمون الشريعة الغراء ‪ ،‬ولكن ال‬
‫نصر الق وأتباعه ‪ ،‬وهزم الباطل وأشياعه ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬أحسنت ف هذا الوار ‪ ،‬فحدثنا عن بعض ما ورد ف التاريخ من الخبار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬لا ابتلى الأمون الناس بالحنة ‪ ،‬قيض ال له بطل السنة ‪ ،‬فكان الأمون رأسا‬
‫ف علوم اليونان ‪ ،‬وأحد رأسا ف علوم السنة والقرآن ‪.‬‬
‫أما رأيت الجاج قتل ابن الزبي ‪ ،‬وذبح سعيد بن جبي ‪ ،‬ووضع إبراهيم التيمي‬
‫ف بي ‪ ،‬ثلث عورات لكم ‪.‬‬
‫قال فرعون ثلث كلمات مهلكات ‪ ،‬يقول ‪ :‬مَا عَِلمْ تُ َلكُ ْم مِ نْ إِلَ ٍه َغيْرِي‬
‫ك مِ صْرَ فأخرج منها وهو لعي ‪ ،‬و مَا‬
‫فدس أنفه ف الطي ‪ ،‬و أََليْ سَ لِي مُلْ ُ‬
‫أُرِيكُمْ إِ ّل مَا أَرَى فأراهم سبيل الالكي ‪.‬‬
‫علي بـن أبـ طالب ‪ ،‬مرفوع بيـ الرافضـة والنواصـب ‪ ،‬لناـ ل تدخـل على‬
‫الرفوع النواصب ‪.‬‬

‫‪-129-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التاريخية‬

‫يا ل الع جب ‪ ،‬جولدا مائ ي امرأة ‪ ،‬هز مت رجال العرب ‪ ،‬ك يف لو كا نت رجلً‬
‫ذا شنب ‪.‬‬
‫قال جيّل ‪ :‬سوف أبيد إسرائيل ‪ ،‬فألقى على اليمن الباميل ‪ ،‬قلنا ‪ :‬ضللت السبيل‬
‫‪.‬‬
‫وقال صدام ‪ :‬سوف أحرق اليهود ‪ ،‬فأرسل إل الكويت النود ‪ .‬قلنا ‪ :‬أسد عل يّ‬
‫وف الروب نعامة شرود ‪.‬‬
‫يوم كانـت تركيـا تكـم بالشريعـة السـمحاء ‪ ،‬أرسـلت للعال الزعماء والعلماء‬
‫والدباء ‪ .‬فلمـا حكمـت بنهـج الكافريـن ‪ ،‬أرسـلت للعاليـ اللقيـ والراقصـي‬
‫والغنيي‪.‬‬
‫أخذ العرب ف فجر السلم قياد العال ‪ ،‬فلما خفيت عليهم العال ‪ ،‬منوا بالزائم ‪.‬‬
‫فنقل ال السلطان للكراد ‪ ،‬لنم نصروا رب العباد ‪ ،‬فملّكهم البلد ‪.‬‬
‫ث أخذ الريادة السلجقة ‪ ،‬وأمم لحقة ‪ ،‬ث انتقل مفتاح الملك ‪ ،‬إل التراك ‪ ،‬فلما‬
‫صاروا ف ترف وانماك ‪ ،‬سلب من هم الفتاح ‪ ،‬ل نه ل يمله إل من صدق ف حي‬
‫على الفلح ‪ ،‬واعلم أن ف هذا برهان ‪ ،‬على أن ال سلم ل يعترف باللوان ‪ ،‬ول يس‬
‫لبلد خاص من البلدان ‪ .‬لكنه لكل من نصر الق ‪ ،‬وأتى بالصدق ‪.‬‬
‫أهدت لنـا خراسـان سـلمان ‪ ،‬وأهدت صـهيبا لنـا الرومان ‪ ،‬فأهدى لمـ رسـولنا‬
‫القرآن واليان ‪.‬‬
‫ال يش إذا ل ي صم رمضان ‪ ،‬يهزم ف حزيران ‪ ،‬وج يش ل يؤ من بتعال يم جب يل ‪،‬‬
‫ل ينتصر على إسرائيل ‪.‬‬
‫التأر يخ إن شئت جعل ته شريفا أو سخيفا ‪ ،‬فالتار يخ الشر يف ‪ :‬تار يخ الفتوحات‬
‫والنتصارات ‪ ،‬والنكبات والدروس الستفادات ‪ .‬والتاريخ السخيف ‪ :‬تاريخ القيان‪،‬‬
‫وكيف كانت تضرب العيدان ‪ ،‬وخب الواري ف قصر السلطان ‪.‬‬
‫اشغلونا ف التاريخ بأخبار سخيفة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الارية غضبت على الليفة ‪ ،‬فأهداها‬
‫قطيفة ‪ ،‬فعادت للوظيفة ‪.‬‬
‫لبد أن يقرن التأريخ بالثر ‪ ،‬ويُ َرصّع بالسي ‪ ،‬وتستفاد منه العب ‪.‬‬

‫‪-130-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫تار يخ ا بن خلدون مقد مة بل كتاب ‪ ،‬لكن ها ع جب من العجاب ‪ .‬وتار يخ ا بن‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التاريخية‬
‫طبي‬
‫الوزي غرائب وعجائب ‪ ،‬كأ نه ل بد ف كل ق صة من م صائب ‪ .‬وتار يخ ال‬
‫دقائق ‪ ،‬أشغلت نا عن القائق ‪ ،‬وتار يخ ا بن كث ي ‪ ،‬أح سن الم يع بل نك ي ‪ ،‬لكنّه‬
‫طول ف تراجم الشعراء ‪ ،‬وقصر ف تراجم العلماء ‪.‬‬
‫الذهـب يكتـب بقلم السـلف ‪ ،‬فتجده كثيـ النقـد للخلف ‪ ،‬ترج مـن مدرسـة‬
‫الحدّثي‪ ،‬فتراه يشن الغارة على الـمُح َدثِي ‪.‬‬
‫العظ مة ف اتباع الع صوم ‪ ،‬ل ف النا صب والر سوم ‪ ،‬والدل يل على ما أقول ‪ ،‬أن‬
‫دائرة العارف البيطان ية ‪ ،‬ترج ت بعشر ين صفحة للدولة العبا سية ‪ ،‬وترج ت ل بن‬
‫تيمية بأربعي صفحة ‪ ،‬لهوده السلميّة ‪.‬‬
‫أل سنة الب شر ‪ ،‬أقلم تك تب ب ا ال سي ‪ ،‬إذا ذ كر ع مر بن ع بد العز يز قال الناس ‪:‬‬
‫رحه ال ‪ ،‬وإذا ذكر الاكم الفاطمي قال الناس ‪ :‬قاتله ال ‪.‬‬
‫ل ا تول ب نو أمية الل فة قالوا ‪ :‬سوف تب قى ل نا دوا ما ‪ ،‬ف ما أكملوا ثان ي عا ما ‪.‬‬
‫فلما تول بنو العباس قالوا ‪ :‬سوف نكم الرض بالثر والنظر ‪ ،‬حت خروج الهدي‬
‫النتظر‪ ،‬فلم يبق ال لم ف الرض مكانا ‪ ،‬كأنم خب كان ‪.‬‬
‫مـن قرأ التاريـخ هيجـه على البكاء ‪ ،‬والتسـاء ‪ ،‬والقتداء ‪ .‬كـم فـ التاريـخ مـن‬
‫زفرة ؟ وحسرة وعثرة ؟ لقد كان ف قصصهم عبة ‪.‬‬

‫‪-131-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال ُّ‬
‫سلطانيَّة‬

‫مــــة ال ُّ‬
‫سـلطانيَّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫َّ‬
‫َ‬
‫ن مكَّنَّاهُم فِي ال َ‬
‫موا ال َّ‬
‫‪ ‬ال‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫صلةَ َوآتَوْا‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ض أقَا ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الَّزكَاةَ ‪‬‬
‫جانهب السهلطان واحذر بطشهه‬
‫ههة‬
‫هه غابه‬
‫ههدا فه‬
‫ل تازح أسه‬

‫ل تعانههد مههن إذا قال فعههل‬

‫وترفهههق عنهههد أرباب الدول‬

‫قال عليّ بن عمران ‪ :‬اعلموا أن السلطان ‪ ،‬ظل ال ف الوطان ‪،‬بيبته تفظ البلد‬
‫وتسعد العباد ‪ ،‬وبعدله تأمن الفاق ‪ ،‬وتقام السواق ‪ ،‬وبسيفه تنصر اللّة ‪ ،‬وترفع الذلّة ‪.‬‬
‫أمـا الظلوم الغشوم ‪ ،‬فمجده مهدوم ‪ ،‬وسـيفه مثلوم ‪ ،‬وجنده مهزوم ‪ .‬اسـعوا ابـن‬
‫خلدون ‪ ،‬لعلكـم تعتـبون ‪ .‬إن السـلطان إذا عدل ‪ ،‬شفيـت بعدله العلل ‪ ،‬وزال اللل ‪،‬‬
‫وذ هب الزلل ‪ ،‬ون صر ال دول ته ب ي الدول ‪ .‬أ ما إذا ال سلطان جار ‪ ،‬ألز مه ال ال صغار ‪،‬‬
‫وألبسه العار ‪ ،‬وسلط عليه الدمار ‪ ،‬وجعل مصيه النار ‪.‬‬
‫قلنا يا ابن عمران ‪ :‬وكيف يكون العلماء مع السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬ل تقابل السلطان بالقوة ‪ ،‬فيلقيك ف هوّة ‪ ،‬وكما قالت العرب ف الكتب ‪:‬‬
‫ل تازح السد ‪ ،‬فإنه أبو لبد ‪ .‬فالعال ل يالط السلطان حت كأنه حاجب ‪ ،‬أو كاتب ‪،‬‬
‫أو حاسب ‪ ،‬لن الصاحب ساحب ‪ ،‬بل ينصحه من بعيد ‪ ،‬ويزوره كل عيد ‪،‬ويدعو له‬
‫بالتسديد ‪ .‬ول ينصحه أمام العوام ‪ ،‬لنم هوام ‪ ،‬أصحاب طوام ‪ ،‬بل يداريه ول ياريه‪،‬‬
‫وينكر عليه ول ياريه ‪ .‬ويكلمه كلما بيّنا ‪ ،‬ويقول له ‪ :‬قول ليّنا ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فإن أعطاه السلطان مال ‪ ،‬وقال يأخذه حلل ‪ ،‬ويصلح به حال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إن كان هذا الال ليشتري بـه دينـه ‪ ،‬مـن أجـل أن يذله ويهينـه ‪ ،‬فالنيّـة‬
‫ول الدن ية ‪ ،‬وركوب النائز ‪ ،‬ول قبول الوائز ‪ .‬وإن كان هذا العطاء من ب يت الال بل‬
‫سؤال ‪ ،‬ول م كر واحتيال ‪ ،‬فرزق ساقه ال إل يك ‪ ،‬سواء كان بن قد أو بش يك ‪ ،‬ف هو‬
‫لك ل عليك ‪.‬‬

‫‪-132-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال ُّ‬
‫سلطاني َّة‬

‫قلت ‪ :‬فما رأيك ف الروج على السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬ل تفعل إل إذا رأيت كفرا عندك فيه من ال برهان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن حرمن وشتمن وظلمن ؟‬
‫قال ‪ :‬حسيبك اللك الديان ‪ ،‬يوم يوضع اليزان ‪ ،‬ويظهر البهتان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يعل السلطان من الصلحاء ويمله على نج اللفاء الوفياء ؟‬
‫قال ‪ :‬إذا شاور العلماء ‪ ،‬وخالف السفهاء ‪ ،‬وجالس الكماء ‪ ،‬وصاحب اللماء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يا ابن عمران فماذا يفسد السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬الشتغال عن الرعية ‪ ،‬والور ف القضية ‪ ،‬وعدم الكم بالسويّة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يلزم السلطان حت يعان ؟‬
‫قال ‪ :‬تنفيــذ الدود ‪ ،‬وتقويــة النود ‪ ،‬والوفاء بالوعود ‪ ،‬واللتزام بالعهود ‪،‬‬
‫وإكرام الوفود ‪.‬‬
‫هة ‪،‬‬
‫هن الواجبات الشرعيه‬
‫هة ‪ ،‬مه‬
‫هلطان على الرعيه‬
‫ه للسه‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يبه‬
‫والقوق الرعية ؟‬
‫قال ‪ :‬الدعاء له بظهر الغيب ‪ ،‬ول ينشر ما فيه من عيب ‪ ،‬وطاعته إل ف الرام ‪،‬‬
‫والنصح له ف توقي واحترام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخب نا ب ا ف سية الكام من ال عب ‪ ،‬و ما ورد في ها من أ ثر ‪ ،‬فإن ال‬
‫ينفع بالسي ؟‬
‫قال ‪ :‬انظروا ما ذكره ال ف القرآن ‪ ،‬وما سطره ف التأريخ والعيان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لاذا فسد الجّهاج ‪ ،‬ووثب على المة وهاج ؟‬
‫قال ‪ :‬الرجل بال مغرور ‪ ،‬غره الدح والظهور ‪ ،‬فأخذ يظلم ويور ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن جُلسهه ؟‬
‫قال ‪ :‬هم ما ب ي عامّي عري عن العلم ‪ ،‬مروم من الف هم ‪ ،‬أو فا جر مات قل به ‪،‬‬
‫وتبلد لبه ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولاذا فسد الليفة المي ؟‬
‫قال ‪ :‬أقبل على اللعب ‪ ،‬واشتغل بالطرب ‪ ،‬وأهان أهل السب ‪ ،‬وقرب الوشب ‪.‬‬
‫‪-133-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال ُّ‬
‫سلطاني َّة‬

‫قلت ‪ :‬فلماذا أيد ال عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وجعله ف حرز حريز ؟‬
‫قال ‪ :‬الر جل اتقى ربه ‪ ،‬وخاف ذنبه ‪ ،‬وأ صلح ما بينه وب ي الديان ‪ ،‬فعمّر ال به‬
‫البلدان ‪ .‬ركب سفينة السنة ‪ ،‬فأوصلته النة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأخبنا بصفات تصلح السلطان ‪ ،‬وتوصله الرضوان ؟‬
‫قال ‪ :‬عليه بصدق الصدّيق ‪ ،‬وعدل الفاروق ‪ ،‬وسخاء عثمان ‪ ،‬وشجاعة عل يّ إذا‬
‫التقى المعان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحق الناس بإكرام السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬عال عامل ‪ ،‬وعابد فاضل ‪ ،‬وشيخ كبي ذابل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحق الناس بعقوبة السلطان ؟‬
‫قال ‪ :‬السفهاء ‪ ،‬الذين يتقرون العلماء ‪ ،‬والجاهرون بالعاصي صباحا مساء ‪ .‬ومن‬
‫يأخذ حقوق العباد بالعتداء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا أحب الناس اللفاء الراشدين ؟‬
‫قال ‪ :‬لنم كانوا صادقي ‪ ،‬وبربم واثقي ‪ ،‬وبرعيتهم رفيقي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقطت الدولة الموية ‪ ،‬وقد كانت قوية ؟‬
‫قال ‪ :‬أخّـر القوم الصـلة ‪ ،‬وأكرموا العصـاة ‪ ،‬وجاروا فـ الحكام ‪ ،‬فانقلبـت‬
‫بم اليام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقط بنو العباس ‪ ،‬وقد كانوا أهل ندة وبأس ؟‬
‫ـور بالغوانـ ‪،‬‬
‫ـر القوم الثانـ ‪ ،‬واشتغلوا بالغانـ ‪ ،‬وملوا القصـ‬
‫قال ‪ :‬هجـ‬
‫وغرتم المان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فلماذا سقطت الدولة العثمانية ؟‬
‫قال ‪ :‬قربوا الصوفية ‪ ،‬وحاربوا الدعوة السلفية ‪ ،‬وأهانوا الرعية ‪ ،‬واشتغلوا باللذات‬
‫الدنيوية ‪ ،‬وأهلوا الشعائر الدينية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما معن كلم ابن تيمية ‪ :‬إن ال ينصر الدولة الكافرة ‪ ،‬إذا كانت عادلة‬
‫ويحق الدولة السلمة ‪ ،‬إذا كانت ظالة ؟‬

‫‪-134-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال ُّ‬
‫سلطاني َّة‬

‫قال ‪ :‬هذا كلم صـحيح ‪ ،‬وفهـم مليـح ‪ .‬فالدول إذا عدلت قرّت ‪ ،‬واسـتقرت ‪،‬‬
‫وأعطا ها ال المان ‪ ،‬من روعات الزمان ‪ ،‬و من م صائب الدثان ‪ .‬وإذا ظل مت م قت‬
‫وسحقت ‪ ،‬وتزّقت وتفرّقت ‪ .‬وهذه سنة ماضية ‪ ،‬وحكمة قاضية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ولاذا قال ع مر على ال نب يوم صاح بط نه من الوع وقر قر ‪ :‬قر قر أو‬
‫ل تقرقر وال ل تشبع حت يشبع الفقي القتر ‪ ،‬والشيخ العسر ؟‬
‫ـلح أحواله ‪،‬‬
‫ـدق ال فأصـ‬
‫ـر إمام العدالة ‪ ،‬شرح ال بالعدل باله ‪ ،‬صـ‬
‫قال ‪ :‬عمـ‬
‫وجعل التقوى سرباله ‪ .‬فسية عمر توف الظالي ‪ ،‬وترهب الثي ‪ ،‬وهي قصة بديعة‬
‫ف العالي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما رأيت الظال طال عمره ‪ ،‬ول حاه قصره ‪ ،‬ول ارتفع قدره ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أ ما تدري أن ال أخرج كل ظال من ق صره وجره ‪ ،‬وق طع دابره بال ـرة ‪،‬‬
‫واستنـزله من برجه العاجي كأنه هرة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬مثل ماذا يا هذا ؟‬
‫قال ‪ :‬عجبا لك أ ما ت عي ‪ ،‬وأ نت بالعلم تد عي ‪ .‬أ ما أهلك فرعون وخرب داره ‪،‬‬
‫وترك قصوره منهارة ‪ ،‬ودس أنفه ف الطي كأنه فارة ‪.‬‬
‫أما رأيت شاوشيسكوا رئيس رومانيا الهي ‪ ،‬مزقه شعبه وهو لعي ‪ ،‬سحبوه ف‬
‫الشارع كأنه تني ‪ ،‬فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من النتصرين ‪.‬‬
‫أما رأيت شاه إيران ‪ ،‬السفيه الغلطان ‪ ،‬الذي كان بكأس الظلم سكران ‪،‬أك ثر من‬
‫السـلب والنهـب ‪ ،‬والضرب والصـلب ‪ ،‬فطرده شعبـه كالكلب ‪ .‬فمات فـ مصـر مـع‬
‫فرعون ‪ ،‬وكتب ف التاريخ الشاه اللعون ‪.‬‬
‫أ ما رأ يت ماركوس رئ يس الفلب ي ‪ ،‬أ حد الظل مة الكاذب ي ‪ ،‬أذاق قو مه الويلت ‪،‬‬
‫وأسقاهم كأس النكبات ‪ ،‬فمال عليه قومه ميلة واحده ‪ ،‬فإذا دولته بائدة ‪ ،‬فصار ف العال‬
‫طريدا ‪ ،‬وأصبح ف الرض شريدا ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أرشدتن أنار ال فكرك ‪ ،‬وأعل ذكرك ‪ ،‬وقد حلت شكرك ‪.‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعي ّةَ‬

‫‪-135-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــــة الجـامعـيَّـــة‬
‫المقـا َ‬
‫‪ ‬وَقُ ْ‬
‫ب زِدْنِي ِعلًْما ‪‬‬
‫ل َر ِّ‬

‫اطلب العلم وحصههّله فمههن‬

‫يعرف القصهود يقهر مها بذل‬

‫هه‬
‫هت أربابه‬
‫هد ذهبه‬
‫هل قه‬
‫ل تقه‬

‫كل من سار على الدرب و صل‬

‫بكى زميلي ف الامعة عمرو بن كُلثوم ‪ ،‬كأنه أكل الثوم ‪ ،‬فلما رأيت الدمع مل‬
‫عيونه ‪ ،‬تذكرت قول الشاعر ‪ :‬بكى صاحب لا رأى الدرب دونه ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬ما لعينك دامعة ‪ .‬قال ‪ :‬من كثرة العناء ف الامعة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬من صب ظفر ‪ ،‬ومن ثبت نبت ‪ .‬فقال زميلي عمرو ‪ ،‬وكأن ف قلبه جر ‪:‬‬
‫حدثنا عن دراستك ف كلية أصول الدين ‪ ،‬فإن لك بالنصح مدين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬كنت أدرس ف أبا ‪ ،‬والعلم عندي من الشهد أشهى ‪،‬ل أخرج من الارة‪،‬‬
‫من البيت إل النارة ‪ ،‬وقليلً ما أركب السيارة ‪ .‬كانت الكتب أغلى عندي من الذهب‪،‬‬
‫فإذا تفردت بكتاب ‪ ،‬نسيت الصحاب والحباب ‪.‬‬
‫ك نت أ صلي الف جر ‪ ،‬ث أجلس ف م صلي لطلب ال جر ‪ ،‬فإذا داعب ن النعاس ‪،‬‬
‫قلت ‪ :‬ل مساس ‪ ،‬فإذا غدا الطي من وكره وطار ‪ ،‬وقضيت وجبة الفطار ‪ ،‬ذهبت إل‬
‫الكلية ‪ ،‬ونسيت الدنيا بالكلية ‪.‬‬
‫وكأن زملئي أهـل جـد وجلد ‪ ،‬والكـل منهـم مثابر متهـد ‪ .‬ذكرونـا بالصـحب‬
‫الول ‪ ،‬وكانوا من سبع دول ‪ ،‬اثنان من السعودية ‪ ،‬أخلقهم ندية ‪ ،‬وصداقتهم ودية ‪،‬‬
‫وآمالم وردية ‪ .‬وأربعة من اليمن ‪ ،‬تشتري صحبتهم بأغلى ثن ‪ ،‬وأعدّها عليّ من أحسن‬
‫النن ‪ ،‬وواحد من أوغندا ‪ ،‬يهد الدروس هدا ‪ ،‬كأنه ليث إذا تبدا ‪ ،‬وطالبان من السودان‬
‫أعذب من الاء ع ند الظمآن ‪ ،‬وطالب من دولة بن ي ‪ ،‬قوي أم ي ‪ ،‬و من نيجي يا أرب عة‬
‫طلب ‪ ،‬يكرمون الصـحاب ‪ ،‬ويتحفون الحباب ‪ ،‬وواحـد مـن الصهومال ‪ ،‬مـن خيـ‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعي ّةَ‬
‫الختار ‪.‬‬

‫الرجال ‪ ،‬مع صب واحتمال ‪ .‬فإن اختلفنا ف الديار ‪ ،‬فنحن إخوة ف شريعة‬
‫فاجت مع ف الف صل الل سان ‪ ،‬واللوان ‪ ،‬واللّغات ‪ ،‬واللهجات ‪ ،‬من كل الهات ‪.‬‬
‫ف صرت أ نا بين هم ك سحبان وائل ‪ ،‬ولو أن ن أع يا من با قل ‪ .‬فك نا ف أح سن زمالة ‪،‬‬
‫‪-136-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ل سآمة ول مللة ‪ ،‬ودرّسنا أساتذة ‪ ،‬بعضهم جهابذة ‪ ،‬فكان منهم من يضر وينظرّ ‪،‬‬
‫ويأت الفصل وهو مبكر ‪.‬‬
‫تاله مهههههن ذكاء القلب متقدا‬
‫ومههن تلهبههه فهه العلم نشوانهها‬

‫ومن هم من كان يقرأ علي نا من صحف اكتتب ها ‪ ،‬ف هي تُملى عل يه بكرة وأ صيل ‪،‬‬
‫فكان ير تل علي نا القرر ترتيل ‪ .‬ورب ا ت عب فقال ل نا ‪ :‬ضعوا ت ت هذه الكل مة خط ‪،‬‬
‫ول يزيد على ذلك قط ‪.‬‬
‫ومن هم من كان يأ خذ ثلث الحاضرة ف تض ي الطلب ‪ ،‬من ح ضر و من غاب ‪،‬‬
‫وربا دلسنا عليه الغياب ‪ ،‬وهو ل يدري بدهاة الفارقة والعراب ‪ .‬ويأخذ ثلثها الثان ف‬
‫تعريفنا بشخصه العظيم ‪ ،‬وما حصل له من تكري ‪ ،‬فهو يردد علينا هذا الديث السقيم ‪.‬‬
‫وأما ثلثها الخي فيشرح لنا القرّر ‪ ،‬وقد تبلد ذهن كل منا وتجّر ‪،‬ما سعناه من‬
‫الديث العطر ‪.‬‬
‫ومن هم من شكا نا وشاكيناه ‪ ،‬وأبكا نا وأبكيناه ‪ ،‬فمرة يشكو نا للعم يد ‪ ،‬فن سمع‬
‫الوعيـد والتهديـد ‪ ،‬فنسـخر ونقول ‪ :‬المـد ل على السـلمة ‪ ،‬أسـد عليّـ وفـ الروب‬
‫نعامة ‪ ،‬وربا كتبنا فيه خطابا ‪ ،‬فيملؤنا سبابا ‪ ،‬ويقول ‪ :‬لن أخاف من كيدكم ول أقلق ‪،‬‬
‫كما قال الول ‪ :‬زعم الفرزدق ‪.‬‬
‫ومنهـم مـن عجـب مـن إجابتـ ‪ ،‬وكثرة إصـابت ‪ ،‬وأقسـم لو جاز أن يعطـى فوق‬
‫الدرجـة لعطاهـا ‪ ،‬ول ياف عقباهـا ‪ ،‬فأجـد المتعاض مـن الزملء ‪ ،‬ثـ نعود إل جـو‬
‫الخاء ‪ .‬و قد نظ مت ف ال ساتذة ب عض البيات ‪ ،‬فيقول الزملء ‪ :‬بذه الطري قة نلت‬
‫الدرجات ‪ ،‬فيهمزون ويلمزون ‪ ،‬وإذا مرّوا بنـا يتغامزون ‪ .‬ورباـ أطلقـت فـ الفصـل‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعيَّة‬
‫النكات ‪ ،‬فيهتز الفصل من الضحكات ‪.‬‬
‫أذ كر مرّة ‪ ،‬كا نت ل ظة م سرة ‪ ،‬أن أ حد الدكاترة ‪ ،‬وكا نت أذهان نا م عه فاترة ‪،‬‬
‫قال لنا ‪ :‬إن الغزال صاحب الحياء مات والبخاري على صدره ‪ ،‬يقصد كتاب الصحيح‪،‬‬

‫‪-137-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فقلت بل اسـتحياء ‪ :‬هذا أمـر عجيـب ‪ ،‬وخـب غريـب ‪ ،‬لن البخاري مات فـ القرن‬
‫الثالث ‪ ،‬والغزال ف القرن السادس ‪ ،‬فكيف يكون البخاري على صدر الغزال ‪.‬‬
‫فقال الستاذ ‪ :‬أنت قد بلبلت بال ‪ ،‬قلت ‪ :‬قصيدة البلبلة لصفي الدين اللي وهي‬
‫مهلهلة ‪ .‬ث أنشدتا بدون استئذان ‪ ،‬حت أدخلتها الذان ‪ ،‬ومطلعها ‪:‬‬
‫بلبلته بالبلبال بال‬
‫ُ‬
‫يها بلي البال قهد‬
‫بالنوى زلزلتيههه والقلب بالزلزال زال‬

‫فقال الستاذ وقد تيز من الغيظ ‪ :‬زدنا يا عائض من هذا الفيض ‪.‬‬
‫فأنشدت ‪:‬‬
‫فقلقلت بالمه الذي قلقهل الشهى‬
‫قلقههل عيههس كلهههن قلقههل‬

‫والطلب ف ضحك هم هائمون ‪ .‬ث قلت لل ستاذ ‪ :‬سامن يا علم الفذاذ ‪ ،‬ف قد‬
‫تذكرت بيت العشى ‪:‬‬
‫وقههد غدوت إل الانوت يتبعنهه‬
‫شاوٍ مِشلّ شلولٌ شلشلٌ َشوِل‬

‫وشجع ن أن بضاع ته من العلم مزجاة ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أز جي الو قت ك ما أزجاه ‪ ،‬وإذا‬
‫ذهب العلم فليذهب الاه ‪.‬‬
‫وكنـت أسـتأذن بعضهـم فـ أول كـل ماضرة ‪ ،‬ووجوه الطلب يومئذٍ ناظرة ‪،‬‬
‫فأنظم أرجوزة ‪ ،‬أبياتا مهزوزة ‪ ،‬فيتركن الستاذ ولسان حاله يقول ‪ :‬دعوه على حاله ‪،‬‬
‫فال هو الذي ي هب العقول ‪ .‬ول أف عل هذا إل مع أ ستاذ هو ك ّل على موله ‪ ،‬فأر يد أن‬
‫أجازيه على ما أوله ‪.‬‬
‫ومرة ذهبنا ف رحلة برية ‪ ،‬فجعلون رائد السريّة ‪ ،‬فانذهل من الدرب وتعجب ‪،‬‬
‫واستغرب وتعذب ‪ ،‬فلم أظهر له أنن عنيد ‪ ،‬بل جعلت نفسي كأنن أبله بليد ‪ ،‬فإن صاح‬
‫فينـا ‪ :‬اسـتعد اسـترحت ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬اسـترح اسـتعديت ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬إل المام سـر ‪،‬‬
‫رجعـت إل الورى ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬إل اللف در مشيـت إل المام ‪ ،‬وإذا طلب منـا العـد‬
‫‪-138-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعي ّةَ‬

‫مقامـات القرني‬
‫بالرقام ‪ ،‬قفزت عشريـن رقما للمام ‪ ،‬فإن كان رقمـي عشرة قلت ‪ :‬ثلثون ‪ ،‬والناس‬
‫يضحكون ‪ ،‬والكل مرتاحون ‪ ،‬إل الدرب فقد جف ريقه ‪ ،‬وظهر حريقه ‪.‬‬
‫ورباـ تسـاجلنا فـ بعـض المسـيات ‪ ،‬فأنظـم فـ الال البيات ‪ ،‬وليـس هذا وال‬
‫من البالغات ‪.‬‬
‫وربا أنشد بعضهم نصف بيت سابق ‪ ،‬فأكمله من عندي ‪:‬‬
‫هباحا‬
‫هبحوا الصه‬
‫هن صه‬
‫نن ه الذيه‬

‫فقلت ‪:‬‬
‫وقههد أكلنهها الوز والتفاحهها‬

‫وقال آخر ‪:‬‬
‫حتهه إذا جههن الظلم واختلط‬

‫فقلت ‪:‬‬
‫سعت صوت ال قط من ب ي الق طط‬

‫وكان أستاذٌ يلحن ف العربية ‪ ،‬فكنت أقول ‪:‬‬
‫واللحههن عنههد شيخنهها يوز‬
‫كقولمهههههههه مررت بالعجوزُ‬

‫وأنشدنا أستاذ الدب بيت صفي الدين اللّي‬
‫ها‬
‫هن معالينه‬
‫هل الرماح العوال عه‬
‫سه‬
‫واسهتشهد البِيهض ههل خاب الرجها فينها‬

‫فذكرت حالنا العاصر ‪ ،‬فقلت ‪:‬‬
‫سهل الصهحون التباسهي عهن معالينها‬
‫واسهتشهد الرّزّ ههل خاب الرجها فينها‬

‫وأرادوا ف الكل ية التشج يع ‪ ،‬فجعلو ن الطالب الثال ف ال فل التا مي الو سيع ‪،‬‬
‫فجئت لخـذ الائزة ‪ ،‬والنفـس بالفرح فائزة ‪ ،‬فكان العميـد يناول الائزة السـئول ‪،‬‬
‫والسـئول بدوره يناولاـ الطالب القبول ‪ ،‬فأخذت الائزة مـن العميـد فـ اسـتعجال ‪،‬‬
‫وسلمتها السئول ف ارتال ‪ ،‬فضجت بالضحك القاعة ‪ ،‬لنا حركة ملفتة خَدّاعة ‪.‬‬
‫‪-139-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعي ّةَ‬

‫مقامـات القرني‬
‫و ف الرحلة الامع ية ‪ ،‬كا نت ز من ال مة اللع ية ‪ ،‬والعزي ة اللوذع ية ‪ ،‬ف قد أعان ن‬
‫الرحن ‪ ،‬على حفظ القرآن ‪ ،‬وجودته على الشيخ الربان ‪ ،‬عبيد ال الفغان ‪ ،‬وحفظت‬
‫بعض التون ‪ ،‬ف بعض الفنون ‪ ،‬أما القراءة والطالعة ‪ ،‬فكانت شسها ساطعة ‪ ،‬فلم يكن‬
‫ل غ ي الطال عة ع مل ‪ ،‬و هي أح سن قوة لدي وأق صى أ مل ‪ ،‬فإذا خلوت بالكتاب ‪ ،‬ف قد‬
‫اجتمع عندي أفضل الصحاب ‪ ،‬وأحب الحباب ‪ ،‬حينها ل يعادله عندي روضة خضراء‬
‫ول حديقـة فيحاء ‪ ،‬فالكتاب أشرف صـاحب على الدوام ‪ ،‬وخيـ جليـس فـ النام ‪،‬‬
‫وكنت أتعجب من ل يطالع ‪ ،‬أو يقضي وقته ف الشارع ‪ .‬وقد أقبلت على علم الديث‬
‫بانكباب ‪ ،‬وقبل ذلك كنت منهمكا ف الداب ‪.‬‬
‫أمـا القرر فلم أذاكره إل وقـت المتحان ‪ ،‬لننـ أراه أقـل مـن أن يصـرف له كـل‬
‫الزمان ‪ .‬وفترة الامعـة ‪ ،‬كانـت أخصـب فترة عندي لضور الخيّمات ‪ ،‬والرحلت‬
‫ـ تأثرت فـ تلك اليام ‪ ،‬بأسـتاذ ول‬
‫والمسـيات ‪ ،‬ونظـم القطوعات والرجوزات ‪ ،‬وم ا‬
‫شيخ ول إمام ‪ ،‬كتأثري بزميلي ‪ ،‬ماجدين ‪ ،‬عابدين ‪ ،‬صادقي ‪.‬‬
‫أحدهاـ ‪ :‬النيجيي عبـد الرشيـد ‪ ،‬وكان عندي مـن أصـدق مـن رأيـت فـ عبادة‬
‫الميد الجيد ‪ ،‬كثي قيام الليل ‪ ،‬بعيد عن القال والقيل ‪ ،‬ل تراه إل ذاكرا ‪ ،‬أو مذاكرا ‪،‬‬
‫أو شاكرا ‪ ،‬له أذكار وأوراد ‪ ،‬وهو عليها معتاد ‪ ،‬وقد رزقه ال بسطة ف السم ‪ ،‬وحبا‬
‫للعلم ‪ .‬وأخبن بأن جدته دعته إل العبادة ‪ ،‬حت صار قيام الليل له عادة ‪.‬‬
‫والثا ن ‪ :‬سراج الرح ن ‪ ،‬من باك ستان ‪ ،‬و قد مل ال قل به باليان ‪ ،‬أك ثر ناره‬
‫صامت ‪ ،‬وبالليل قانت ‪ ،‬متواضع ‪ ،‬خاشع ‪ ،‬طائع ‪ ،‬مضرب الثل ف النبل والفضل ‪.‬‬
‫وكان ل زم يل إفري قي درس ف بار يس ‪ ،‬فكان يل قي الش به على هيئة التدر يس ‪،‬‬
‫وكان مبغضا للعرب ‪ ،‬فلقينا منه العجب ‪ ،‬فكان إذا أورد شبهة انتفض ‪ ،‬وأقوم وأعترض‪،‬‬
‫فربا غضب وأزبد ‪ ،‬وأرعد وتدد ‪ ،‬فيغضب ل كل الفصل لنه متطاول متوعد ‪ ،‬وهو‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجامعيَّةعليه‬
‫مفتون بب فرنسا ‪ ،‬حب ل ينسى ‪ ،‬وقد أغضبنا بالسفه والطيش ‪ ،‬ولكننا نغصنا‬
‫ت على الولية ‪ ،‬ومع المتياز هدية‪،‬‬
‫العيش ‪ .‬ولا ترجنا من الكلية ‪ ،‬كانت النتيجة حصل ُ‬
‫وألقيت قصيدة عربية منها ‪:‬‬

‫‪-140-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫أيههها الريههج يهها نمهه العل‬
‫يههها شعاع المهههل الرتقهههب‬
‫قههل هههو الرحنهه آمنهها بههه‬
‫ههههن يثرب‬
‫هههها هاديا مه‬
‫واتبعنه‬
‫مههههن بلدي يطلب العلم ول‬
‫يطلب العلم مهههن الغرب الغهههب‬
‫وباهه مهبههط وحههي ال بههل‬
‫أرسهههل ال باههه خيههه نهههب‬

‫فلما انتهيت من القصة ‪ ،‬قلت لزميلي عمرو ‪ ،‬هذا كل ما ف المر ‪.‬‬
‫ولك من الدعاء والشكر ‪.‬‬

‫‪-141-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشيطانية‬

‫مــــة الـشيطـانيـــة‬
‫المقـا َ‬

‫حزبه لِيكُونوا م َ‬
‫ب ال َّ‬
‫سعِيرِ ‪‬‬
‫ما يَدْع ُو ِ ْ َ ُ َ ُ‬
‫ص َ‬
‫‪ ‬إِن َّ َ‬
‫حا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫مها بال أشيهب يسهتهويه شيطان‬

‫هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها‬

‫قال عبد ال بن آدم ‪ :‬حاورت الشيطان الرجيم ‪ ،‬ف الليل البهيم ‪ ،‬فلما سعت أذان‬
‫الفجر أردت الذهاب إل السجد ‪ ،‬فقال ل ‪ :‬عليك ليل طويل فارقد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخاف أن تفوتن الفريضة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬الوقات طويلة عريضة ‪.‬‬
‫قلت أخشى ذهاب صلة الماعة ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل تشدد على نفسَك ف الطاعة ‪.‬‬
‫فما قمت حت طلعت الشمس ‪ .‬فقال ل ف هس ‪ :‬ل تأسف على ما فات ‪ ،‬فاليوم‬
‫كله أوقات ‪ .‬وجلست لت بالذكار ‪ ،‬ففتح ل دفتر الفكار ‪.‬‬
‫فقلت ‪ :‬أشغلتن عن الدعاء ‪ .‬قال ‪ :‬دعه إل الساء ‪.‬‬
‫وعزمت على التاب ‪ .‬فقال ‪ :‬تتع بالشباب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أخشى الوت ‪ .‬قال ‪ :‬عمرك ل يفوت ‪.‬‬
‫وجئت لحفظ الثان ‪ ،‬قال ‪َ :‬روّح نفسك بالغان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هي حرام ‪ .‬قال ‪ :‬لبعض العلماء كلم ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أحاديث التحري عندي ف صحيفة ‪ .‬قال ‪ :‬كلها ضعيفة ‪.‬‬
‫ومرت حسناء فغضضت البصر ‪ ،‬قال ‪ :‬ماذا ف النظر ؟‬
‫قلت ‪ :‬فيه خطر ‪ .‬قال ‪ :‬تفكر ف المال ‪ ،‬فالتفكر حلل ‪.‬‬
‫وذهبت إل البيت العتيق ‪ ،‬فوقف ل ف الطريق ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما سبب هذه السفرة ؟‬
‫قلت ‪ :‬لخذ عمرة ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ركبــت الخطار ‪ ،‬بســبب هذا العتمار ‪ ،‬وأبواب اليــ كثية ‪،‬‬
‫والسنات غزيرة ‪.‬‬

‫‪-142-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشيطانية‬

‫قلت ‪ :‬لبد من إصلح الحوال ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬النـة ل تدخـل بالعمال ‪ .‬فلمـا ذهبـت للقـي نصـيحة ‪ ،‬قال ‪ :‬ل ترـ إل‬
‫نفسك فضيحة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هذا نفع للعباد ‪ .‬فقال ‪ :‬أخشى عليك من الشهرة وهي رأس الفساد ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك ف بعض الشخاص ؟ قال ‪ :‬أجيبك عن العام والاص ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أحد بن حنبل ؟ قال ‪ :‬قتلن بقوله ‪ :‬عليكم بالسنة ‪ ،‬والقرآن النـزل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فابن تيميهة ؟ قال ‪ :‬ضرباته على رأسي باليومية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالبخهاري ؟ قال ‪ :‬أحرَق بكتابه داري ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالجهاج ؟‬
‫قال ‪ :‬ليت ف الناس ألف حجاج ‪ ،‬فلنا بسيته ابتهاج ‪ ،‬ونجه لنا علج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ففرعهون ؟ قال ‪ :‬له منا كل نصر وعون ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فصلح الدين ‪ ،‬بطل حطي ؟ قال ‪ :‬دعه فقد مرّغنا بالطي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ممد بن عبد الوهاب ؟‬
‫قال ‪ :‬أشعل ف صدري بدعوته اللتهاب ‪ ،‬وأحرقن بكل شهاب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو جههل ؟ قال ‪ :‬نن له إخوة وأهل ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو لهب ؟ قال ‪ :‬نن معه أينما ذهب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فليني ؟ قال ‪ :‬ربطناه ف النار مع استالي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالجلت الليعهة ؟ قال ‪ :‬هي لنا شريعة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالهدشهوش ؟ قال ‪ :‬نعل الناس با كالوحوش ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالقاهههي ؟ قال ‪ :‬نرحب فيها بكل لهي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما هو ذكركم ؟ قال ‪ :‬الغانـي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وعملكهم ؟ قال ‪ :‬المانـي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وما رأيكم ف السهواق ؟ قال ‪ :‬علمنا با خفّاق ‪ ،‬وفيها يتمع الرفاق ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فحزب البعث الشتراكي ؟‬
‫قال ‪ :‬قاسته أملكي ‪ ،‬وعلمته أورادي وأنساكي ‪.‬‬
‫‪-143-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشيطانية‬

‫قلت ‪ :‬كيف تضل الناس ؟‬
‫قال ‪ :‬بالشهوات والشبهات واللهيات والمنيات والغنيات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وكيف تضل الكام ؟‬
‫قال ‪ :‬بالتعطش للدماء ‪ ،‬وإهانة العلماء ‪ ،‬ورد نصح الكماء ‪ ،‬وتصديق السفهاء ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل النساء ؟‬
‫قال ‪ :‬بالتبج والسفور ‪ ،‬وترك الأمور ‪ ،‬وارتكاب الحظور ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل العلماء ؟‬
‫قال ‪ :‬بب الظهور ‪ ،‬والعجب والغرور ‪ ،‬وحسد يل الصدور ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فيكف تضل العامّهة ؟‬
‫قال ‪ :‬بالغيبة والنميمة ‪ ،‬والحاديث السقيمة ‪ ،‬وما ليس له قيمة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فكيف تضل التجّهار ؟‬
‫قال ‪ :‬بالربا ف العاملت ‪ ،‬ومنع الصدقات ‪ ،‬والسراف ف النفقات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فيكف تضل الشباب ؟‬
‫قال ‪ :‬بالغزل واليام ‪ ،‬والعشق والغرام ‪ ،‬والستخفاف بالحكام ‪ ،‬وفعل الرام ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما رأيك ف إسرائيل ؟‬
‫قال ‪ :‬إياك والغيبة ‪ ،‬فإنا مصيبة ‪ ،‬وإسرائيل دولة حبيبة ‪ ،‬ومن القلب قريبة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالاحظ ؟ قال ‪ :‬الرجل بي بي ‪ ،‬أمره ل يستبي ‪ ،‬كما ف البيان والتبيي‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأبو نواس ؟ قال ‪ :‬على العي وعلى الرأس ‪ ،‬لنا من شعره اقتباس ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأهل الداثهة ؟ قال ‪ :‬أخذوا علمهم منا بالوراثة ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فالعلمانيههة ؟‬
‫قال ‪ :‬إياننا علمان ‪ ،‬وهم أهل الدجل والمان ‪ ،‬ومن سّاهم فقد سان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول ف واشنطن ؟‬
‫قال ‪ :‬خطيـب فيها يرطن ‪ ،‬وجيشي با يقطن ‪ ،‬وهي ل موطن ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول ف صَهدّام ؟‬
‫فهتف يقول ‪ :‬بالروح والدم نفديك يا صدام ‪ ،‬يسلم أبو عدي على الدوام ‪.‬‬
‫‪-144-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشيطانية‬

‫قلت ‪ :‬فما رأيك ف الدعاة ؟‬
‫قال ‪ :‬عذبون وأتعبون وبدلون وشيبون يهدمون ما بني تُ ‪ ،‬ويقرؤون إذا غني تُ ‪،‬‬
‫ويستعيذون إذا أتيتُ ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما تقول ف الصحف ؟‬
‫قال ‪ :‬نضيع با أوقات اللف ‪ ،‬ونذهب با أعمار أهل الترف ‪ ،‬ونأخذ با الموال‬
‫مع السف ‪.‬‬
‫قلت فما تقول ف هيئهة الذاعهة البيطانيهة ؟‬
‫قال ‪ :‬ند خل با ال سم ف الدسم ‪ ،‬ونقاتل با ب ي العرب والعجم ‪ ،‬ونث ن ب ا على‬
‫الظلوم ومن ظلم ‪.‬‬
‫ت بالغهراب ؟‬
‫قلت ‪ :‬فماذا فعل َ‬
‫قال ‪ :‬سلطته على أخيه فقتله ودفنه ف التراب ‪ ،‬حت غاب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فما فعلتَ بقهارون ؟‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬احفظ الكنوز ‪ ،‬يا ابن العجوز ‪ ،‬لتفوز ‪ ،‬فأنت أحد الرموز ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا قلتَ لفرعهون ؟‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬يا عظيم القصر ‪ ،‬قل ‪ :‬أليس ل ملك مصر ‪ ،‬فسوف يأتيك النصر‪.‬‬
‫ت لشارب المر ؟‬
‫قلت ‪ :‬فماذا قل َ‬
‫قال ‪ :‬قلت له ‪ :‬اشرب ب نت الكروم ‪ ،‬فإن ا تذ هب الموم ‪ ،‬وتز يل الغموم ‪ ،‬وباب‬
‫التوبة معلوم ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فماذا يقتلك ؟‬
‫قال ‪ :‬آية الكرسي ‪ ،‬منها تضيق نفسي ‪ ،‬ويطول حبسي ‪ ،‬وف كل بلء أمسي ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أحب الناس إليك ؟‬
‫قال ‪ :‬الغنّون ‪ ،‬والشعراء الغاوون ‪ ،‬وأهل العاصي والجون ‪ ،‬وكل خبيث مفتون ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فمن أبغض الناس إليك ؟‬
‫قال ‪ :‬أهل الساجد ‪ ،‬وكل راكع وساجد ‪ ،‬وزاهد عابد ‪ ،‬وكل ماهد ‪.‬‬

‫‪-145-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ـى وغاب ‪ ،‬كأناـ سـاخ فـ التراب ‪ ،‬وهذا‬
‫قلت ‪ :‬أعوذ بال منـك ‪ ،‬فاختفـ‬
‫جزاء الكذاب ‪.‬‬

‫‪-146-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البويَّة‬
‫المقا َ‬

‫مــــة البــويَّـــــة‬
‫المقـا َ‬

‫ْ‬
‫‪ ‬يابن َ َ‬
‫م ال َّ‬
‫معُْرو ِ‬
‫صلة َ َوأ ُ‬
‫ي أق ِ ْ‬
‫ف وَان ْ َ‬
‫مْر بِال ْ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫َ َُ ّ‬
‫ه عَ ْ‬
‫منكَرِ‬
‫صبِْر ع َلَى‬
‫وَا ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ك إ ِ َّ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫صاب َ َ‬
‫ك ِ‬
‫ن عَْزم ِ ال ُ‬
‫َ‬
‫ما أ َ‬
‫م ْ‬
‫مورِ‬

‫‪‬‬

‫يها كوكبا مها كان أقصهر عمره‬

‫وكذا تكون كواكهب السهحار‬

‫جاورت أعدائي وجاور ربهههه‬

‫شتان بيهههه جواره وجوار‬

‫هذه القامة ‪ ،‬لبنائي وصية ‪ ،‬وهي أعظم هديّة ‪ ،‬وإنا العمل بالنية ‪.‬‬
‫اعبدوا ال ما لكم من إله غيه ‪ ،‬فمن فعل ذلك فإن ال ظهيه ونصيه ‪ .‬وكل ما‬
‫سعتم حديثا لصاحب الشفاعة ‪ ،‬فقولوا ‪ :‬سعا وطاعة ‪.‬‬
‫وأو صيكم بب الباء والمهات ‪ ،‬وأنا كم عن من عٍ وهات ‪ ،‬وتضي يع ال صلوات ‪،‬‬
‫واتباع الشهوات ‪ .‬وال ال ف تدبر الثان ‪ ،‬وهجر الغان ‪ ،‬وترك المان ‪.‬‬
‫واعلموا أنا قامت عليكم الجة ‪ ،‬وبانت الحجة ‪ .‬وأوصيكم بتوقي شعائر الدين ‪،‬‬
‫فإن ا تقوى رب العال ي ‪ .‬واستعدوا للرحيل ‪ ،‬إل اللك الل يل ‪ ،‬فإنكم قادمون إليه عما‬
‫قل يل ‪ .‬وإذا سعتم الذان ‪ ،‬فأجيبوا دا عي الرح ن ‪ ،‬فل يس ب عد الذان أعمال ول أشغال ‪،‬‬
‫بل ذهاب إل بيت ذي اللل ‪.‬‬
‫و قد دعي تم فأجيبوا الدا عي ‪ ،‬بقلب وا عي ‪ ،‬فإ ن أخ شى على من تاون بت كبية‬
‫الحرام ‪ ،‬مع المام ‪ ،‬أن يرم التوفيق على الدوام ‪ ،‬وأن ل يبلغه ال الرام ‪.‬‬
‫هحت ول تارب جة ه‬
‫هد نصه‬
‫ولقه‬
‫ولقِيهههت كهههل معلم مأمههههون‬
‫فإذا النعيههم وكههل ماجههد زائل‬
‫يفنهه ويبقههى سههعيكم للديههن‬

‫‪-147-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البويَّة‬
‫المقا َ‬

‫واعلم أن من صحب الف سّاق ‪ ،‬ون قض اليثاق ‪ ،‬ابتله ال بالنفاق ‪.‬ول تقولوا ن ن‬
‫ف عصر الصبا ‪ ،‬وكم من سيف نبا ‪ ،‬وجَواد كبا ‪ ،‬فهذا كلم من غره بال الغرور ‪ ،‬حت‬
‫فاجأته قاصمة الظهور ‪ ،‬وطرح ف القبور ‪ ،‬وتذكروا ليلة صبحها يوم القيامة ‪ ،‬فما أكثر‬
‫السف فيها والندامة ‪ .‬وتذكروا أول ليلة ف القب ‪ ،‬فل إله إل ال ما أعظمه من أمر ‪ ،‬ليلة‬
‫ليس فيها جليس ول أن يس ‪ ،‬يرت ف ل ا القلب ‪ ،‬ويذهب من هول ا اللب ‪ ،‬ليس مع كم‬
‫فيهـا صـديق ول رفيـق ‪ .‬تلى عنكـم الحباب وترككـم الصـحاب ‪ ،‬وجردوكـم مـن‬
‫الثياب ‪ ،‬ووسـدوكم التراب ‪ .‬الموال بعدكـم قسـمت ‪ ،‬والبيوت سـكنت ‪ ،‬والزوجات‬
‫نكحت ‪ ،‬فأين قلوبكم والعقول ‪ ،‬ما لكم ف ذهول ‪ ،‬وأنتم ف نقول ‪.‬‬
‫فارقعوا بالسـتغفار مـا مزقتـه أيادي الذنوب الكبار ‪ .‬واغسـلوا بدمـع العيون غبار‬
‫ـا‬
‫ـكوت ‪ ،‬ولزوم البيوت ‪ ،‬والرضـ‬
‫ـم بالسـ‬
‫الذنوب ‪ ،‬وتولوا إل علم القلوب ‪ ،‬وعليكـ‬
‫بالقوت ‪ ،‬فإنه كاف لن سيموت ‪ .‬والرص على تكبية الحرام ‪ ،‬وسلمة الصدور من‬
‫الثام ‪ ،‬وإطا بة الطعام ‪ ،‬وح سن اللق مع النام ‪ ،‬عربون صادق لدار ال سلم ‪ .‬وطهروا‬
‫القلوب من ال حن ‪ ،‬وألزموا ال سنن ‪ ،‬وفروا من الف ت ‪ ،‬تدون عو نه عز و جل و قت‬
‫الحن‪ ،‬مع إسباله عليكم ثوب النن ‪.‬‬
‫وأشرف تاج تاج الديا نة ‪ ،‬وثوب ال صيانة ‪ ،‬وال صدق والما نة ‪ ،‬والوقار والرزا نة ‪.‬‬
‫وثوب الرياء ثوب مرق ‪ ،‬ورداء الكـب رداء مزق ‪ .‬والعمـل بالسـّـنّة ‪ ،‬أقرب طرق إل‬
‫ال نة ‪ ،‬ومراف قة الشرار وم صاحبة الفجار ‪ ،‬هي ال سار والبوار ‪ ،‬و هم الدعاة إل النار ‪،‬‬
‫و من ألن كل مه ‪ ،‬وو صل أرحا مه ‪ ،‬وبذل طعا مه ‪ ،‬ون شر سلمه ‪ ،‬أكرم ال ف ال نة‬
‫مقا مه ‪ .‬وو يل ل ن كان خ صمه ل سانه ‪ ،‬وأش هد على نف سه إخوا نه ‪ ،‬وا ستشار ف أمره‬
‫شيطانـه وأرخـص للشهوات إيانـه ‪ .‬وخلوة بكتاب ‪ ،‬ودمعـة فـ مراب ‪ ،‬وتواضـع‬
‫للصـحاب ‪ ،‬خيـ مـن القصـور والقباب ‪ .‬ومـا أقبـح منـ ناداه ربـه إل السـجد ‪ ،‬فتبلد‬
‫وتردد ‪ ،‬ومن عود لسانه الذكر ‪ ،‬وقلبه الشكر ‪ ،‬وعقله الفكر ‪ ،‬وبدنه الصب ‪ ،‬نال أعظم‬
‫الجر ‪ ،‬وحط عنه الوزر ‪.‬‬
‫وكل لباس يبلى إل لباس التقوى ‪ ،‬ومن كان ف دنياه شقيا ‪ ،‬بخالفة موله فهو ف‬
‫الخرة أشقى ‪ ،‬والأسور من أسره هواه ‪ ،‬والخذول من عصى موله ‪ ،‬والفلس من خاب‬
‫‪-148-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البويَّة‬
‫المقا َ‬

‫م سعاه ‪ .‬وعلي كم يا أبنائي بال صب على ال صائب ‪ ،‬والتجلد للنوائب ‪ ،‬ومان بة الغ ضب ‪،‬‬
‫والجال ف الطلب ‪ ،‬والخلص ف الطاعة ‪ ،‬والزهد والقناعة ‪.‬‬
‫واعلموا أنه ليس معكم ف شدائد الزمان ‪ ،‬غي الوا حد الديّان ‪ ،‬فل يغرر كم كلم‬
‫الخوان ‪ ،‬فإن الناس ف وقت العافية أعوان ‪ ،‬واستنطقوا الذكر الكيم ‪ ،‬واتبعوا الرسول‬
‫الكري ‪ ،‬وألزموا الصراط الستقيم ‪.‬‬
‫واعلموا أن للذنوب َكفّارات ‪ ،‬وإن ال سنات يذه ب ال سيئات ‪ ،‬وأ نه ل أن فع من‬
‫ال صالات ‪ ،‬ول أ ضر من الوبقات ‪ .‬وللذ نب من ال طالب ‪ ،‬وعلى الضمائر مرا قب ‪،‬‬
‫وللعمال ماسب ‪ .‬واعلموا أن شرفكم صدق اللسان ‪ ،‬ونسبكم الحسان ‪ ،‬وكنـزكم‬
‫اليان ‪ .‬ولن ينقذكـم مـن النار ‪ ،‬إل طاعـة العزيـز الغفار ‪ ،‬واتباع الختار ‪ .‬واطلبوا‬
‫الكفاف‪ ،‬واستتروا بالعفاف ‪ ،‬وخذوا وأعطوا النصاف ‪ ،‬فإن الق كاف واف ‪.‬‬
‫واسلكوا من الطرق الوسط ‪ ،‬ودعوا الغلو والشطط ‪ ،‬والتهور والغلط ‪ .‬واسعوا من‬
‫ن صيحة ‪ .‬اعلموا أن الدن يا ل ت ساوي ت سبيحة ‪ ،‬ولو كا نت ملي حة ‪ ،‬لعل ها ال لوليائه‬
‫مري ة ‪ .‬و صونوا أنف سكم من سؤال الناس ‪ ،‬وا ستغنوا ع ما ف أيدي هم باليأس ‪ .‬واطلبوا‬
‫العلم فإ نه أ جل الطالب ‪ ،‬وأع ظم الوا هب ‪ ،‬و هو أر فع من النا صب ‪ ،‬وأكرم من كل‬
‫الراتـب ‪ .‬وزينتـه العمـل ‪ ،‬وخوف الجـل ‪ ،‬والعتصـام باـ نزل ‪ .‬والداء العضال معاداة‬
‫الرجال ‪ ،‬و من سال الناس سلم ‪ ،‬و من صمت غ نم ‪ .‬والناس ل يطلبون من كم الرزاق ‪،‬‬
‫وإنا يطلبون جيل الخلق ‪ .‬وأو صيكم بالذكار ‪ ،‬ف طرف النهار ‪ ،‬فإنا عبادة البرار‪.‬‬
‫ول تجروا تلوة القرآن كل يوم ‪ .‬فإ نه دواء الموم والغموم ‪ .‬وركعتان ف ال سحر خ ي‬
‫ما طلعت عليه الشمس والقمر ‪ ،‬ووقروا الكبي ‪ ،‬وارحوا الصغي ‪.‬‬
‫واحذروا أن يكون لسـان أحدكـم كالقراض فـ العراض ‪ ،‬فإن هذا مـن ضعـف‬
‫البصية ‪ ،‬وخبث السية ‪ ،‬ورافقوا أهل الصلح‪ ،‬وأحبوا أصحاب الفلح‪ ،‬ول تستصغروا‬
‫شيئا من العا صي ‪ ،‬وراقبوا من يأ خذ بالنوا صي ‪ .‬وق سوة القلب يذيب ها الندم ‪ ،‬والد مع‬
‫النسجم ‪ ،‬والسف من الذنب النصرم ‪ .‬ول تتنعموا تنعم الترفي ‪ ،‬ول تزروا بأنفسكم‬
‫فعـل الشحّاذيـن ‪ ،‬فإن البالغـة فـ الزينـة للنسـاء ‪ ،‬والوقاحـة للماء ‪ ،‬والشره للسـفهاء ‪،‬‬
‫فكونوا أنتـم العلماء الكماء ‪ .‬وأدمنوا السـتغفار كـل حيـ ‪ ،‬فإنـه مفتاح رضـى رب‬
‫‪-149-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البويَّة‬
‫المقا َ‬

‫العال ي ‪ ،‬وهو قوة وتك ي ‪ ،‬وعلى كل كربة مع ي ‪ .‬و من ل يرا قب السيب ‪ ،‬ويردعه‬
‫الش يب ‪ ،‬وياف الع يب ‪ ،‬فل يس له ف الفضيلة ن صيب ‪ .‬وو يل ل ن غر ته دنياه ‪ ،‬وخد عه‬
‫مناه ‪ ،‬و صرعه هواه ‪ .‬وطو ب لع بد إذا أن عم عل يه ش كر ‪ ،‬وإذا ابتلي صب ‪ ،‬وإذا أذ نب‬
‫استغفر ‪ .‬وعليكم بتوقي الصحابة ‪ ،‬وحب القرابة ‪ ،‬مع لزوم مذهب السلف ‪ ،‬فهم أعلم‬
‫وأحكم من اللف ‪ .‬حفظكم ال بالدين ‪ ،‬وعصمكم من نزغات الشياطي ‪.‬‬

‫‪-150-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال َّ‬
‫صحفية‬

‫مــــة الـ َّ‬
‫صحفـيـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آَمنُوا اتَُّقوا اللََّه َوقُولُوا قَوْل ً َسدِيدًا ‪‬‬
‫طوى الزيرة حته جائنه خهب‬

‫فزعههت فيههه بآمال إل الكذب‬

‫هدقه أملً‬
‫حت ه إذا ل يدع ل صه‬

‫شرقت بالدمع حت كاد يشرق ب‬

‫قال سـعيد بـن شهاب ‪ ،‬كنـت فـ الشباب ‪ ،‬أسـكن فـ حارة العزاب ‪ ،‬فتعلمـت‬
‫الثقا فة ‪ ،‬ودرست اللقافة ‪ ،‬وقلت ‪ :‬أعمل ف ال صحافة ‪ .‬فذهبت إل ال سكرتي ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫عل يك بالد ير ‪ ،‬فذه بت إل الد ير ‪ ،‬قال ‪ :‬عل يك بالوز ير ‪ ،‬فذه بت إل الوز ير ‪ ،‬فقالوا ‪:‬‬
‫عفوا هو ف اجتماع مع السفي ‪ ،‬فكاد قلب أن يطي ‪ .‬فقالوا ‪ :‬ما عنك يا شاب ‪ ،‬وفقت‬
‫للصواب ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬أريد أن أعمل لديكم مراسلً للخبار ‪ ،‬ف بعض الديار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل بد أن تن قل ل نا ال صائب ‪ ،‬والعجائب والغرائب ‪ .‬فل نر يد م نك أن تقول‪:‬‬
‫فلن ح فظ القرآن ‪ ،‬وانت صر الفغان ‪ ،‬وأعلن فوز هم الشيشان ‪،‬فهذا كلم م ستهلك من‬
‫زمان ‪ .‬نريدك تقول مثلً ‪ :‬تطمت طائرة اليابان ‪ ،‬وسقطت عمارة ف لبنان ‪ ،‬وانفجرت‬
‫قنبلة ف اليونان ‪ ،‬وماتت نعجة ف السودان ‪ ،‬وانكسرت رِجْل قطة ف باكستان ‪.‬‬
‫وعل يك بتهو يل ال ب ‪ ،‬ح ت يذاع وين شر ‪ ،‬فمثلً إذا سقطت طائرة ف قل ‪ :‬تنا ثر‬
‫حطام الطائرة تناثرا عجيبا ‪ ،‬وخلف وراءه ليبا ‪ ،‬وارتطمت بإحدى العمارات ‪ ،‬ما سبب‬
‫كثيا من النفجارات ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإذا ل ند الخبار ‪ ،‬ماذا نكتب للقراء الخيار ؟‬
‫قال ‪ :‬من جد وجد ‪ ،‬وعليك بأخبار البلد ‪ ،‬فقل مثلً ‪ :‬طلّق اليوم أبو سرور زوجته‬
‫أم مستور ‪ ،‬للف نشب بينهم قبل شهور ‪ ،‬بسبب غلء الهور ‪.‬‬
‫وترقى أبو شريف ‪ ،‬إل رتبة عريف ‪ ،‬بعد جهد عنيف ‪ ،‬وصب منيف ‪ .‬وافتتحت‬
‫اليوم بقالة ‪ ،‬فـ بلدة أبـو عقالة ‪ ،‬صـاحبها مـبوك بـن مرزوق ‪ ،‬خلف ظهرك إذا دخـل‬
‫‪-151-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال َّ‬
‫صحفية‬

‫السوق ‪ .‬وشاهد الناس اليوم شيئا ف ال سماء ‪ ،‬كأنه زخات ماء ‪ ،‬فشعروا بال طر ‪ ،‬وإذا‬
‫هـو زخات مطـر ‪ .‬وطارد أحـد الواطنيـ فارة ‪ ،‬حتـ أخرجهـا مـن الارة ‪ ،‬فماتـت‬
‫عند الشارة ‪.‬‬
‫وترج الطالب سليم بن هذلول ‪ ،‬من أول ابتدائي بتقدير مقبول ‪.‬‬
‫ورسب الطالب خلف بن عسعوس ‪ ،‬ف سبعة دروس ‪ ،‬وخيها ف غيها ‪.‬وانتطح‬
‫ثوران ‪ ،‬ف بيت اليان ‪ ،‬ومر على هذا الادث شهران ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن ل ند أخبارا ‪ ،‬فهل تد لنا أفكارا ؟‬
‫قال ‪ :‬عل يك بأخبار الط قس ‪ ،‬فإن ا خفي فة على الن فس ‪ ،‬ف قل مثلً ‪ :‬ه بت رياح‬
‫شرق ية غرب ية ‪ ،‬متج هة إل النط قة النوب ية ‪ ،‬أحيانا تث ي غبارا ‪ ،‬وأحيا نا ل تث ي غبارا ‪.‬‬
‫ترتفـع فـ الرتفعات ‪ ،‬وتنخفـض فـ النخفضات ‪ .‬والبحـر ييـل إل المرة ‪ ،‬تعلوه عنـد‬
‫الغروب صفرة ‪ .‬إذا هبت عليه الرياح هاج ‪ ،‬وإذا سكنت ماج ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن ل أجد عن الطقس ما أقوله ‪ ،‬ول أجد أخبارا منقولة ؟‬
‫قال ‪ :‬عليك بالتاريخ ‪ ،‬ولو عن البطيخ ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬مثل ماذا ؟ قال ‪ :‬انقل لنا الخبار الفيفة ‪ ،‬الطريفة ‪ ،‬مثل ‪ :‬دخلت رمانة‬
‫جارية هارون الرشيد ‪ ،‬وف يدها عقد فريد ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا يا رمّانة ؟ قالت‪ :‬هذا عقد‬
‫أخذته من قهرمانه ‪ .‬قال ‪ :‬ومن قهرمانه ؟‬
‫قالت ‪ :‬جار ية مول ت عبدا نه ‪ .‬قال ‪ :‬و من عبدا نه ؟ قالت ‪ :‬هي ال ت ت سكن ف‬
‫الزوراء ‪ ،‬ويعرفها الفقراء ‪ ،‬فتعجب الليفة ‪ ،‬من ذكاء رمانة ‪ ،‬وخاطب إخوانه‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫يا غلم أعط رمانة ألف دينار ‪ ،‬واجعلها من أهل الدار ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن ل أجد عن التأريخ ؟‬
‫قال ‪ :‬عليك بعلم الثار ‪ ،‬فإنه قرة البصار ‪ ،‬وفيه العظة والعتبار ‪.‬‬

‫‪-152-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال َّ‬
‫صحفية‬

‫فحدثنا عن لام بغلة ابن مقبول ‪ ،‬الذي وجد ف استنبول ‪ ،‬أو الذاء الرقع الدفون‪،‬‬
‫ف عهد الأمون ‪ ،‬أو عمامة أب دلمة ‪ ،‬الدفونة ف كنيسة القيامة ‪ ،‬أو عصا حاد الراوية ‪،‬‬
‫الت كسرت ف قرية الزاوية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن ل أجد ؟ قال ‪ :‬فحدثنا با هبّ ودبّْ عن الطبّْ ‪ .‬مثل أن تبنا بفوائد‬
‫شحم الثعالب ‪ ،‬إذا أذيب ف قوالب ‪ ،‬ث مزجت به طحال أرنب ‪ ،‬مع مرقة فأر مركب ‪،‬‬
‫ث طليت با الذاء ‪ ،‬فإنا تشاف من داء العياء ‪ .‬أو خب اكتشاف دواء ضد الوت ‪ ،‬ف‬
‫بئر هوت ‪ ،‬الذي اكتشفـه دكتور برازيلي فـ الرجنتيـ ‪ ،‬عثـر عليـه فـ بريطانيـا بعدمـا‬
‫وجده ف إيطاليا ‪ ،‬وبث عنه ف ألبانيا ‪ ،‬وأجرى عليه تارب ف بلغاريا ‪ ،‬وهو الن جاهز‬
‫للستعمال ف هنقاريا ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فإن ل أجد ؟ قال ‪ :‬عليكم بالسياسة ‪ ،‬فإنا الطريق إل الرياسة ‪ ،‬فحدثنا عن‬
‫غزو أوغندا لبولندا ‪ ،‬وهجوم هولندا على راوندا ‪ ،‬وحاول أن تأتـ بأسـاء مهولة ‪ ،‬لن‬
‫عقول الناس معقولة ‪ ،‬وإذا ل تد أخبارا عربيّـة ‪ ،‬فاسرد علينا أخبارا غربيّـة ‪.‬‬
‫فقـل مثلً ‪ :‬ماتـت اليوم النسـة سـوزا ‪ ،‬مـع كلبهـا كوزا ‪ ،‬فـ قريـة شال غرب‬
‫نوقو سا‪ ،‬و سقط مد ير شر كة هوندا ‪ ،‬ال ستر برندا ‪ ،‬فمات ق بل أن يتغدا ‪ .‬والظا هر أن‬
‫الشيشان ‪ ،‬لم نية ف غزو داغستان ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬الن عرفت سر الهنة الشريفة ‪ ،‬فأنا من اليوم مراسل الصحيفة ‪ .‬ولكن‬
‫لاذا ترّون الرفوع ‪ ،‬وتزمون النصوب والنحو أمامكم موضوع ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬نن ف زمن كم من مرفوع َجرّه ‪ ،‬وكم من مفوض رفعه بالرة ‪ ،‬وكم من‬
‫مزوم نصبه لكل مسرّة ‪ ،‬فنحن نعرب الكلم ‪ ،‬على حسب حركات اليام ‪.‬‬
‫والسلم ختام ‪.‬‬

‫‪-153-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة القلم‬
‫مقا َ‬

‫مــــة الـقلــــم‬
‫مقـا َ‬
‫‪ ‬ن َوال ْ َ‬
‫سطُُروَن ‪‬‬
‫ما ي َ ْ‬
‫قلَم ِ وَ َ‬

‫أممه‬
‫أنصهت ليميهة جاءتهك مهن ِ‬

‫والقلمه‬
‫ِ‬
‫مدادهها مهن معانه نون‬

‫واكتهب بهه أحرف العلياء إن له‬

‫نورا من ال ق ي حو حالك الظل مِ‬

‫يا أي ها الذي ج ع ال كم ‪ ،‬أ ما سعت نون والقلم ‪ ،‬إن القلم شأ نه عج يب ‪ ،‬ونبؤه‬
‫غريب ‪ ،‬نيف السم ‪ ،‬عظيم السم ‪ ،‬جيل الرسم ‪ ،‬إن خط ف القرطاس ‪ ،‬أنصت له‬
‫الناس ‪ ،‬بالقلم تهّز النود ‪ ،‬وتر فع البنود ‪ ،‬وتو ثق العقود ‪ ،‬وت ل العهود‪ ،‬برو فه تق ضي‬
‫الحاكم ‪ ،‬وترد الظال ‪ ،‬وتقطع الماجم ‪ ،‬وتعقد الواسم ‪ ،‬إن غضب فجر الدماء‪ ،‬وأباد‬
‫الحياء ‪ ،‬وأشعـل حربا شعواء ‪ ،‬وإن رضـي منـح الواهـب ‪ ،‬وأعطـى الرغائب ‪ ،‬وأهدى‬
‫النا صب ‪ ،‬من حرو فه ي ن الع سل ‪ ،‬وت سل ال سل ‪ ،‬إن شاء فمداده سم اليات ‪ ،‬وأم‬
‫النكبات ‪ ،‬وسـبب البليـا الوجعات ‪ ،‬وإن أراد جعـل سـطوره نورا ‪ ،‬وصـيها سـرورا ‪،‬‬
‫وملهـا حبورا ‪ ،‬ونقهـا حسـنا منشورا ‪ ،‬هـو رسـول القرون الول ‪ ،‬وخادم الدول ‪،‬‬
‫وحا فظ اللل والن حل ‪ ،‬إذا سال لعا به ‪ ،‬ك ثر صوابه ‪ ،‬وح ضر جوا به ‪ ،‬وتزا حم عبابُه ‪،‬‬
‫ل تسمع له كلما ‪ ،‬ولكنه صار للحكمة إماما ‪ ،‬وللمعارف قائدا هاما ‪ ،‬لفظه أغلى من‬
‫الياقوت ‪ ،‬به خط الوحي ف اللكوت ‪ ،‬وهو الذي أخبنا بطالوت وجالوت ‪ ،‬وهو أسحر‬
‫من هاروت وماروت ‪ ،‬م صيبة القلم أ نه يذ يع ال سرار ‪ ،‬ول يك تم الخبار ‪ ،‬ول ي قر له‬
‫قرار ‪ ،‬إذا تشجع مل الصفحات ‪ ،‬وعبأ الجلدات ‪ ،‬وبسط الختصرات ‪ ،‬وإذا جب ألغز‬
‫وأو جز ‪ ،‬وطل سم وأع جز ‪ ،‬وإن تا مل ه ز ‪ ،‬وغ مز ون بز ‪ ،‬ك تب به اللوح الحفوظ ‪،‬‬
‫وسطر به العلم الحفوظ ‪ ،‬وقسم به رزق النحوس والحظوظ ‪ ،‬تاطب به اللوك ‪ ،‬أهل‬
‫الفاق ‪ ،‬وتقطع به البابرة العناق ‪ ،‬ويوف به الفسّاق ‪ ،‬ويذر به أهل النفاق والشقاق‪،‬‬
‫وسوء الخلق ‪ ،‬بالقلم يقضى المر ‪ ،‬ويقع القتل والسر ‪ ،‬وينصت له الدهر ‪ ،‬وتسطر‬
‫وقائع العصر ‪.‬‬

‫‪-154-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة القلم‬
‫مقا َ‬

‫أمضى من اللسنة ‪ ،‬لفظ هُ ما أحسنه ‪ ،‬يب عن من مات من ألف سنة ‪ ،‬به تسطرّ‬
‫كل سيئة وحسنة ‪.‬‬
‫تصبح الوراق به ف حسن الرياض ‪ ،‬وي سّود به البياض ‪ ،‬ويذب به عن العراض‪،‬‬
‫وبه تشفى الصدور ‪ ،‬من العلل والمراض ‪.‬‬
‫فتاك سفاك بتاك هتاك ‪ .‬كتوم غشوم ظلوم عزوم‬
‫هو الذي كتب رسائل الصفاء ‪ ،‬وهو دبّج أسطر الوفاء ‪ ،‬وهو سجل أخبار اللفاء‪،‬‬
‫دون السؤال والواب ‪ ،‬والشكوى والعتاب ‪ ،‬والطأ والصواب‪ ،‬وما كنت تتلو من قبله‬
‫مـن كتاب ‪ ،‬بريشتـه تلـ العضلت ‪ ،‬وتشرح الشكلت ‪ ،‬وتصـان الأثورات ‪ ،‬وتبقـى‬
‫الحفوظات ‪ .‬يطب بل صوت ‪ ،‬ويأكل بل قوت ‪ ،‬ويمع بي الياة والوت ‪ ،‬به يرسم‬
‫الجر والوصل ‪ ،‬والولية والعزل ‪ ،‬والد والزل ‪.‬‬
‫به ي قع العدل وال يف ‪ ،‬وال ق والز يف ‪ ،‬و هو القا ضي على ال سيف ‪ ،‬به تن سخ‬
‫العر فة ‪ ،‬وتن قل الفل سفة ‪ ،‬وت ط الزخر فة ‪ .‬ي سفسط ويقر مط ‪ ،‬وين سج ويدبّج ‪ ،‬يهدم‬
‫بكلمة بناء عام ‪ ،‬ويلغي بملة كيد أقوام ‪ ،‬له غمغمة ‪ ،‬وههمة ‪ ،‬وتتمة ‪.‬‬
‫كم من عقل قلقله ‪ ،‬ومن قصر زلزله ‪ ،‬ومن بال بلبله ‪ ،‬ومن كيد أبطله ‪ .‬برسائله‬
‫عر فت الرض وال سماء ‪ ،‬وعلى ر سه خلدت آثار الكماء ‪ ،‬وِبتَ صرفه سفكت الدماء ‪،‬‬
‫وعلى حركته نسجت مآثر العلماء ‪.‬‬
‫أف صح من الل سان ‪ ،‬وأح فظ من الن سان ‪ .‬إذا حل ته ال صابع ‪ ،‬فانت ظر القوارع ‪،‬‬
‫وارتقب الفواجع ‪ .‬له أزيز كأزيز الرجل ‪ ،‬ودبيب كدبيب الرجل ‪ ،‬وحصاد كحصاد‬
‫النجل ‪ .‬عار من اللباس ‪ ،‬دقيق الرأس ‪ ،‬قوي البأس ‪ ،‬عظيم الثر ف الناس ‪.‬‬
‫يشرب ول يأكل ‪ ،‬وييب ول يسأل ‪ .‬إن عبأته مدادا ‪ ،‬أحال بياضك سوادا ‪ .‬إذا‬
‫غلط غطش ‪ ،‬وإذا احتد بطش ‪ .‬عقله مرهون ‪ ،‬وخصمه مغبون ‪ ،‬وعذابه غي مأمون ‪.‬‬
‫إن خط بالح ر قلت ‪ :‬هذا ش فق ‪ ،‬أو دم على ورق ‪ ،‬وإن ن سخ بال سواد ‪ ،‬صار‬
‫الداد كنون عيون العباد ‪ .‬وإن كتب بالخضر قلت ‪ :‬هذه طلعة بستان ‪ ،‬أو بجة أفنان ‪.‬‬

‫‪-155-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة القلم‬
‫مقا َ‬

‫إذا سها ر جع القهقرى ‪ ،‬وإذا شك م شى إل الورى ‪ ،‬له رأس بل عين ي ‪ ،‬ول سان‬
‫بل شفتي ‪ ،‬وصدر بل يدين ‪ ،‬ل يتكلم حت يشبع ‪ ،‬ول يطب حت يرضع‪ ،‬ول يسكت‬
‫حت يوضع ‪ ،‬ول يكتب حت يقرع ‪.‬‬
‫إن سلطته على مت صر شر حه ‪ ،‬أو على غا مض أوض حه ‪ ،‬أو على سر فض حه ‪ ،‬أو‬
‫على عاص نصحه ‪.‬‬
‫إن كنت عربيا فهو أفصح من سحبان ‪ ،‬وإن كنت أعجميا صار أنطق من الرمزان‪،‬‬
‫يسمعك وليس له أذنان ‪ .‬إن نت نام ‪ ،‬وإن قمت قام ‪ ،‬وإن جوّعته صام ‪،‬وإن أهلته هام‬
‫متحذلق يقهههظ فإن أرسهههلته‬

‫هدره‬
‫هن صه‬
‫هه مه‬
‫أجرى لعاب رحيقه‬

‫ههههههه‬
‫بتار أعناق النام بلفظه‬

‫سهههلب أفئدة اللوك بسهههحره‬

‫والقلم بيا نك ‪ ،‬و هو طوع بنا نك ‪ ،‬و هو حا ضر الف كر ‪ ،‬كث ي الش كر ‪ ،‬صاحب‬
‫ذكر ‪ ،‬إن حله اللوذعي ‪ ،‬وكتب به العبقري ‪ ،‬سالت أودية بقدرها ‪ ،‬وانبجست عي من‬
‫حجر ها ‪ ،‬وإن صحبه البل يد ‪ ،‬و خط به الرعد يد ‪ ،‬ك ثر عثاره ‪ ،‬وتبلد حاره ‪ ،‬وح جب‬
‫عيو نه غباره ‪ ،‬يوا فق الزاج ‪ ،‬ف ال ستقامة والعوجاج ‪ ،‬والثبات والرتاج ‪ ،‬م سدد إل‬
‫إذا غضب ‪ ،‬ومليح إل إذا عتب ‪ ،‬وفصيح إل إذا حجب ‪ ،‬إذا انتهى زاده ‪ ،‬ونفذ مداده ‪،‬‬
‫وقف جواده ‪ ،‬هوّنوا عليه اللوم وأقلوا ‪ ،‬فانه ل يل حت تلوا ‪ ،‬إن لقنته حكمة وعاها ‪،‬‬
‫وإن أرسلته إل ذاكرةٍ أخرج منها ماءها ومرعاها ‪ ،‬وهو الذي سطر الكمة تسطيا ‪ ،‬فلم‬
‫يغادر من ها قليلً ول كثيا ‪ ،‬ول صغيا ول كبيا ‪ ،‬وإن ق صد أحدا بالذى فلن ت د له‬
‫مـن دون ال وليا ول نصـيا ‪ ،‬يرقـص على نبضات قلبـك ‪ ،‬فإن أوقفـت الملء نادى‬
‫اذكر ن ع ند ر بك ‪ ،‬فذكرك غذاؤه ‪ ،‬وك فك حذاؤه ‪ ،‬ومدادك ماؤه ‪ ،‬وجي بك وعاؤه ‪،‬‬
‫يعرف طريـق النجاة ‪ ،‬وهـو عظيـم الاه ‪ ،‬يعذر ولو جئنـا ببضاعـة مزجاة ‪ ،‬إن غلطـت‬
‫غلط ‪ ،‬وإن جهلت ركب الشطط ‪ ،‬ل يغفل الشكل والنقط ‪.‬‬
‫صمت الطباء وما صمت ‪ ،‬وسكت الشعراء وما سكت ‪ ،‬ومات اللوك ول يت ‪،‬‬
‫حذر به ال صطفى الكا سرة ‪ ،‬وأنذر به القيا صرة ‪ ،‬وخوّف به البابرة ‪ ،‬صدر به ق تل‬
‫ال سي ‪ ،‬و خط به خلع الم ي ‪ .‬و سطر به الو حي ف طور سيني ‪ ،‬وروى ل نا ال مل‬
‫و صفي ‪ ،‬يش عل الرب ول يضر ها ‪ ،‬وي ستودع ال سرار فينشر ها ‪ ،‬يتمل مل ف ك فك‬
‫‪-156-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة القلم‬
‫مقا َ‬

‫تلمـل السـليم ‪ ،‬ويتقلب تقلب السـقيم ‪ ،‬ويبكـي بكاء اليتيـم ‪ ،‬خـط بـه أفلطون كتاب‬
‫المهور ية ‪ ،‬وأقام به العت صم وق عة عموريّ ة ‪ ،‬ونّق به ا بن تيم ية الوا سطيّة ‪ ،‬والمويّ ة ‪،‬‬
‫والتدمريّة ‪ ،‬نقل لنا سية ابن إسحاق ‪ ،‬وحديث عبد الرزاق ‪ ،‬وعجائب الفاق ‪ ،‬وأخبار‬
‫العشاق ‪ ،‬نقـض الصـعلوك ‪ ،‬ودفـع الشكوك ‪ ،‬ونادم الملوك ‪ ،‬يفهـم بالشارة ‪ ،‬ويرسـم‬
‫العبارة ‪ ،‬إن ك تب به الح ق تد فق ول يتر فق ‪ ،‬و ضل ول يو فق ‪ ،‬وإن ك تب به الر جل‬
‫الرشيد جاءك بالقول السديد ‪ ،‬والعلم الجيد ‪ ،‬والنقل الميد ‪.‬‬
‫يطي العلم من الرأس ‪ ،‬فيقيده القلم ف القرطاس ‪ ،‬وإذا حله المي قال ل مساس ‪،‬‬
‫مَؤدّب ل ينتقـد ‪ ،‬و مقلّد ل يتهـد ‪ ،‬يسـهر بل قيام ‪ ،‬ويوع بل صـيام ‪ ،‬له كـل يوم‬
‫شجون ‪ ،‬وعنده من الكمة فنون ‪ ،‬يون الفظ وهو ل يون ‪ ،‬صغي الرِم ‪ ،‬كبي الرُم‬
‫واسع أبا تام يصف القلم ف أبدع كلم ‪:‬‬
‫لك القلمههُ العلى الذي بشباتههه‬

‫تُصهابُ مهن المهر الكُلى والفاصهلُ‬

‫لعابههُ الفاعههي القاتلت لعابُهههُ‬

‫ه النها اشتارتهه أيدٍ عواسهلُ‬
‫وأَرْي ُ‬

‫ه‬
‫فصهيحٌ إذا اسهتنطقَتهُ وههو راكب ٌ‬

‫وأعجمههُ إن خاطبتهههُ وهههو راجلُ‬

‫ه القنها وتقوّضهت‬
‫ه أطراف ُ‬
‫أطاعته ُ‬

‫ه اليام الحافلُ‬
‫لنجواهههُ تقويضه َ‬

‫ه النصهرانِ وسهدّدت‬
‫وقهد رفدته َ‬

‫ه الثلثههُ الناملُ‬
‫ثلثههَ نواحيهه ِ‬

‫هها‬
‫له ههُ ريقةٌ طلّ ولكنّهه وقعَهه‬
‫إذا ما امتطى المسَ اللطافَ وأُفرغت‬
‫ه الذكيّه وأقبلت‬
‫إذا اسهتغزر الذهن َ‬
‫ه‬
‫ه وههو مرهف ٌ‬
‫ه جليلً شأنُه ُ‬
‫رأَيت َ‬

‫ه وابلُ‬
‫ه والغرب ِ‬
‫ه فه الشرق ِ‬
‫بآثاره ِ‬

‫هي حوافلُ‬
‫عليههِ شعابهُ الفكرِ وهه‬
‫ه وههي أسهافلُ‬
‫أعاليهه فه القرطاس ِ‬

‫ضنً وسههينا خطُبهههُ وهههو ناحلُ‬

‫‪-157-‬‬

‫مة الكتاب‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــــة الكتــاب‬
‫مقـا َ‬

‫‪ ‬ذَلَِك الْكِتَاُب ل َريَْب فِيهِ هُدًى لِلُْمتَِّقيَن ‪‬‬
‫أعز مكان ف الدن سرج سابح‬

‫وخيه جليهس فه الزمان كتابُه‬

‫هته طاب قوله‬
‫هس إذا جالسه‬
‫أنيه‬

‫ه‬
‫وليهس له عنهد الفراق عتاب ُ‬

‫عل يك بالكتاب ‪ ،‬فإ نه خ ي ال صحاب ‪ ،‬و هو روح الؤان سة ‪ ،‬وقوت الجال سة ‪،‬‬
‫أقسـم ال بالكتاب السـطور ‪ ،‬فـ رق منشور ‪ ،‬لن الكتاب كنــز الفادة ‪ ،‬وعنوان‬
‫السعادة ‪ ،‬وهو أمي ل يون ‪ ،‬وعزيز ل يهون ‪ ،‬إن حلته ف النادي شرفك ‪ ،‬وإن جهلت‬
‫أحدا عرفك ‪ ،‬يقوي جنانك ‪ ،‬ويبسط لسانك ‪ ،‬بالكتاب يلس الصعلوك ‪ ،‬على كراسي‬
‫اللوك‪ ،‬يقوم الزلل ‪ ،‬وي سد اللل ‪ ،‬ويطرد اللل ‪ ،‬ويشا ف العلل ‪ ،‬ي فظ الخبار‪ ،‬ويروي‬
‫الشعار ‪ ،‬ويك تم ال سرار ‪ ،‬ويب هج البرار ‪ ،‬و هو أشرف لك من الال ‪ ،‬وأطوع لك من‬
‫الرجال ‪ ،‬وأنسى عندك من العيال ‪ ،‬وبه تبلغ الكمال ‪.‬‬
‫مللت كهل جليهس كنهت آلفهه‬
‫ههههههانُ‬
‫إل الكتاب فل يعدله إنسه‬
‫عاشرتههه فأَرانهه كههل مكرمههة‬
‫له عليّهههه رعاه ال إحسههههانُ‬

‫والكتاب إذا خان الصديق وف ‪ ،‬وإذا تكدر الزمان صفا ‪ ،‬ينسيك جحود الاحد ‪،‬‬
‫وحسد الاسد ‪ ،‬وضغينة الاقد ‪ ،‬خليل ما أملحه ‪ ،‬وصاحب ما أصلحه ‪ ،‬وصامت ما‬
‫أف صحه ‪ ،‬يقرؤ ف كل زمان ‪ ،‬ويطالع ف كل مكان ‪ ،‬على اختلف الع صار ‪ ،‬وتبا عد‬
‫المصار ‪ ،‬بش ي ونذ ير ‪ ،‬وندي و سي ‪ ،‬إذا وعظ أبكاك ‪ ،‬وإن حدث أشجاك‪ ،‬وإذا فرح‬
‫أضحكـك ‪ ،‬وإذا بشـر أفرحـك ‪ ،‬سـليم مـن العيـب ‪ ،‬يمـل فـ اليـب ‪ ،‬ل يشرب‬
‫ول يأكل ‪ ،‬ول يغضب ول يهل ‪ ،‬إن هجرته حفظ ودك ‪ ،‬وإن طلبته صار عندك ‪.‬‬
‫يغنيك عن الرحام ‪ ،‬والحباب والصحاب ‪ ،‬فخي جليس ف النام كتاب ‪.‬‬

‫‪-158-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الكتاب‬
‫مقا َ‬

‫يقودك إل الكرامـة ‪ ،‬ويبعدك مـن الندامـة ‪ ،‬ويطرد عنـك السـآمة ‪ ،‬هـو نسـب م ا‬
‫ـ‬
‫أشرفه ‪ ،‬وهو بوابة العرفة ‪ ،‬وخلصة الفلسفة ‪ ،‬يصلك بأساطي التفسي ‪ ،‬من كل عال‬
‫نر ير ‪ ،‬وإمام شه ي ‪ ،‬وم قق ب صي ‪ ،‬وي ضر لك الحدث ي ‪ ،‬أ هل الروا ية ال صادقي ‪،‬‬
‫والدراية العارفي ‪ ،‬وجهابذة النقل الواعي ‪.‬‬
‫ويمـع لك الفقهاء ‪ ،‬رواد الشريعـة الغراء ‪ ،‬وأرباب الفهـم الذكياء ‪ ،‬ويتحفـك‬
‫بقصيد الشعراء ‪ ،‬ونتاج الدباء ‪ ،‬وبيان البلغاء ‪ ،‬وإنشاء الفصحاء ‪.‬‬
‫يها حروفا قهد أضاءت فه الصهحفْ‬

‫أخههبتن بأحاديههث السههلفْ‬

‫ههه‬
‫هها عندي ههَ لو تعلمه‬
‫قدرهه‬

‫كهههل فضهههل وجلل وشرف‬

‫ـن البخلء ‪ ،‬وكفاك الثقلء ‪،‬‬
‫ـد أغناك عـ‬
‫ـل ثواب ‪ ،‬فقـ‬
‫جزى ال الكتاب ‪ ،‬أفضـ‬
‫وأجل سك مع النبلء ‪ ،‬وعرّ فك بالفضلء ‪ ،‬يو ف لك الك يل ‪ ،‬ويق صّر عل يك الل يل ‪ ،‬هو‬
‫تا جك ف كل ناد ‪ ،‬وأني سك ف كل واد ‪ ،‬و هو سلوة الا ضر والباد ‪ ،‬وخ ي ما أنت جه‬
‫العباد ‪.‬‬
‫أمها تراه خفيهف السهم موضعهه‬

‫على الصهدور وبيه النهف والقلِ‬

‫ههو الذي فّخهم السهادات واحتفلت‬

‫بههه اللوك وأهههل الشأن والدولِ‬

‫اصرف له أثن الوقات ‪ ،‬وأنفق عليه أعظم البات ‪ ،‬ول تطع فيه أهل الشهوات ‪.‬‬
‫هو الذي حبّب إليك الزمان ‪ ،‬وأجلسك ف صدر الكان ‪ ،‬قال القط ‪ :‬يا أيها البط‪،‬‬
‫أخرج من الشط ‪ ،‬فالتفت إليه ورد عليه وقال ‪ :‬يا سيد الهاد ‪ ،‬لو كنت من القراء‪ ،‬لا‬
‫أعظمت الفتراء ‪ ،‬أما طالعت ف كتاب الجرتي ‪ ،‬ل يلدغ الؤمن من جحر مرتي ‪.‬‬
‫ليس الجد حلي وآنية ‪ ،‬ول دف وغانية ‪ ،‬ول قطوف جانية‪.‬‬
‫وليست السعادة كنـز ‪ ،‬وبنـز ‪ ،‬وبز ‪ ،‬وجنـز ‪ ،‬ورز ‪ ،‬وقز ‪ ،‬فهذا ليس بعز ‪.‬‬
‫وليس السؤدد ‪ ،‬بنود ‪ ،‬وجنود ‪ ،‬وحشود ‪ ،‬ووفود ‪.‬‬
‫ل كن ال جد وال سعادة ‪ ،‬والشرف وال سيادة ‪ ،‬علم أ صيل ‪ ،‬وبرهان ودل يل ‪ ،‬وكتاب‬
‫جليل ‪ ،‬يغنيك عن كل خليل ‪.‬‬

‫‪-159-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الطبيّة‬
‫المقا َ‬

‫مــــة الـطبـيّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫َ‬
‫َ‬
‫‪ ‬إذ ْ نادى رب َ َ‬
‫ي ال ُّ‬
‫م َّ‬
‫ن‪‬‬
‫م الَّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ت أْر َ‬
‫ح ُ‬
‫ضُّر وَأن ْ َ‬
‫ه أنِّي َ‬
‫ِ َ َ َ ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫سن ِ َ‬
‫كيهف أشكهو إل طبيهب مها به‬

‫والذي قهد أصهابن مهن طبيهب‬

‫زاد فه جرعهة العلج فصهارت‬

‫مهجته فه منازل التعذيبهِ‬

‫وجدنا كتابا لبن سينا ‪ ،‬بعدما أغفلنا ذكره ونسينا ‪ ،‬فإذا هو يقول ‪ ،‬ورأيه مقبول‪:‬‬
‫ما أهلك البَ ِريّة ‪ ،‬وقتل البهائم ف البَ ّريّة ‪ ،‬إل إدخال الطعام على الطعام ‪ ،‬وترك الشي على‬
‫القدام ‪ .‬ث قال ‪ :‬عليكم بالنوم بعد الغداء ‪ ،‬والشي بعد العشاء ‪ ،‬وترك المتلء ‪ ،‬والغذاء‬
‫خي من الدواء ‪.‬‬
‫وكنـا جلوسـا ‪ ،‬فجاءنـا أحدهـم برسـالة مـن جالينوس ‪ ،‬فإذا هـو يقول ‪ :‬يـا أهـل‬
‫العقول ‪ ،‬ل يغتسل أحدكم وهو شبعان ‪ ،‬ول يأكل إل وهو جوعان ‪ ،‬ول ينم وهو من‬
‫الطعام ملن ‪ ،‬ول يقطع الليل وهو سهران ‪.‬‬
‫وقال من اقتصد ف الطعام ‪ ،‬وقلل من الكلم ‪ ،‬وهجر الهتمام والغتمام ‪ ،‬عاش ف‬
‫صحة وسلم ‪ ،‬أما سعتم شاعركم ابن الرومي ‪ ،‬ليت عندنا شاعرا مثله من قومي ‪:‬‬
‫فإن الداء أكثههههر مهههها تراه‬
‫يركههب مههن طعامههك والشراب‬

‫قلنا ‪ :‬يق للمتنبئ الجيد ‪ ،‬أن يقول عنك لا مدح ابن العميد ‪:‬‬
‫هم‬
‫ه بعدهه‬
‫هن مب ه العراب أنه‬
‫مه‬
‫جالسهههت جالينوس والسهههكندرا‬

‫قال ‪ :‬بلغوا كلمي لبن السي ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬شكرا مرتي ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬وقد ذكرك فقال ف بعض المثال ‪:‬‬
‫يوت راعههي الضأن فهه سههربه‬
‫ميتههة جالينهههوس فهه طبهههِ‬

‫فهمهم وتتم وما تكلم ‪.‬‬
‫‪-160-‬‬

‫مة الطبيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ث جاء صديقنا أبو عثمان الغازي ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬حدثنا عن أب بكر الرازي ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حسبتكم تتحدثون عن الب ‪ ،‬وإذا بكم تتكلمون عن الطب ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬دع نا من الشجون والعيون ‪ ،‬وحدث نا عن ال صحون والبطون ‪ ،‬فض حك ح ت‬
‫بدت نواجذه ‪ ،‬وقال ‪ :‬مات الطب وجهابذه ‪ .‬ولكن أبا بكر ‪ ،‬طيب الذكر ‪ ،‬كان يدنينا‬
‫ول يقصينا ‪ ،‬وينصحنا ويوصينا ‪ .‬فيقول ‪ :‬السد يذيب الجسام ‪ ،‬والقد ل ينفع معه‬
‫طعام ‪ ،‬والبغضاء ل يهنأ معها منام ‪ ،‬والذ كر يشرح ال صدور ‪ ،‬ويلب السرور ‪ ،‬وي سهل‬
‫المور ‪ ،‬ويدخل على النفس النور ‪ ،‬وإياكم والسكر ‪ ،‬فإنه داء أكب ‪ ،‬وحرام منكر ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬أ نت حدثت نا عن طب البدان ‪ ،‬ونعرف أ نك ف يه من العيان ‪ ،‬فحدث نا عن‬
‫طب القلوب ‪ ،‬فقد نسيناه من كثرة الذنوب ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أما سعتم ابن البارك ‪ ،‬وهو ف الدب شارك ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫رأيهههت الذنوب تيهههت القلوب‬
‫وقههههد يورث الذل إدماناهههه‬
‫وترك الذنوب حياة القلوب‬
‫وخيههه لنفسهههك عصهههيانا‬

‫قلنا فماذا قال طبيب العيون ‪ ،‬فإنه ثقة مأمون ‪ ،‬قال سعته ينشد ‪:‬‬
‫وأنت مهت أرسهلت طرفك رائدا‬
‫لقلبههك يوما أتعبتههك الناظهههرُ‬
‫رأيههت الذي ل كله أنههت قادر‬
‫عليهه ول عهن بعضهه أنهت صهابرُ‬

‫قلنا فماذا قال طبيب الذن ‪ ،‬قال دخلت عليه بل إِذن ‪ ،‬فسمعته ينشد ‪:‬‬
‫ل تسهمعنّ النها إن كنهت ذا رشهد‬
‫فالذْن نقالة والقلب َحفّاظهههههههُ‬
‫وصهن سهعاك عهن لغهو وعهن رفهث‬

‫‪-161-‬‬

‫مة الطبيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫هل الناس فه النيان ألفاظهُ‬
‫هد تدخه‬
‫قه‬

‫قلنا فماذا قال طبيب الولدة ‪ ،‬فإنه ظاهر الجادة ؟ قال ‪:‬‬
‫ولدتهك أمهك باكيا مسهتصرخها‬

‫والناس حولك يضحكون سهرورا‬

‫فاع مل لنف سك أن تكون إذا بكَوا‬

‫فه يوم موتهك ضاحكا مسهرورا‬

‫قلنا ‪ :‬فماذا قال طبيب الباطنيّة ‪ ،‬فإنه طيّب النيّة ‪ ،‬قال سعته ينشد ‪:‬‬
‫أكههل الرام يثيهه داءً دائما‬

‫فكهل اللل فرزق ربهك واسهع‬

‫الراحه‬
‫ُ‬
‫فه البطهن ل يدري بهه‬

‫إن الذي ترك الربهها مرتاحههُ‬

‫قلنا ‪ :‬فماذا قال طبيب العظام ‪ ،‬فإنه من الرجال العظام ‪ ،‬قال سعته ينشد ‪:‬‬
‫عظا مك أنقذ ها ول مك من ل ظى‬

‫وترقه‬
‫ُ‬
‫جهنهم فالجسهام تُشوى‬

‫وإياك إياك الرام فإنّهههههه‬

‫تقطههع أوصههال بههه وتزّق‬

‫قلنا ‪ :‬فماذا قال الطبيب النفسي ‪ ،‬قال سعته ينشد ‪ ،‬حي يصبح وحي يسي ‪:‬‬
‫يا نف هس هل من توب هة مقبولة‬

‫أو مها تريهن الوت أشههر سهيفه‬

‫ضاع الزمان وأنهت فه العصهيان‬

‫كهم راع يوم الروع مهن إنسهان‬

‫قلنا ‪ :‬فمن أعظم طبيب ؟ قال ‪ :‬ممد البيب ‪ ،‬صاحب النهج العجيب ‪ ،‬والرأي‬
‫الصيب ‪ ،‬قلنا ‪ :‬أوصنا بوصية ‪ ،‬لينة غي عصية ‪ ،‬فأنشد ‪:‬‬
‫خهذ مها أردت مهن العلج فإنهه‬

‫مات الداوِي والداوَى والذي‬

‫لبهد مهن موت يقطهع ذا العرى‬
‫صهنع الدواء وباعهه ومهن اشترى‬

‫‪-162-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التجاريّة‬

‫مــــة الـتجـاريّــــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬وَأََحَّل اللَُّه الْبَيْعَ وََحَّرَم الّرِبَا ‪‬‬

‫فصهاحة سهحبانٍ وخهط ابهن مقلة‬

‫أدهمه‬
‫ِ‬
‫لقمانه وزههد ابهن‬
‫ٍ‬
‫وحكمهة‬

‫إذا اجتم عت ف الرء والرء مفلس‬

‫هه ل يباع بدرهم هِ‬
‫ونودي هْ عليه‬

‫قال أبـو ريال ‪ ،‬دينار بـن مثقال ‪ :‬ل تصـدق مـن قال ‪ :‬أكثـر التجار فجار ‪ ،‬فقـد‬
‫رأيت منهم قوما يتصدقون ‪ ،‬وف سبيل ال ينفقون ‪ ،‬وعلى الفقراء يغدقون ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬يا أبا ريال ‪ ،‬يا خي الرجال ‪ ،‬فما للتجار يبنون ما ل يسكنون ‪ ،‬ويدخرون ما‬
‫ل يأكلون ‪ ،‬ما لم على ربم ل يتوكلون ؟ قال ‪ :‬هذا من البطر ‪ ،‬والترف والشر ‪ ،‬ومن‬
‫فعل ذلك فهو على خطر ‪:‬‬
‫ومهن ينفهق السهاعات فه جعه ماله‬
‫مافههة فقههر فالذي فعههل الفقههر‬

‫قل نا ‪ :‬حدث نا عن التجار ال صالي ‪ ،‬والغنياء الفلح ي ‪ ،‬قال ‪ :‬يكف يك عثمان بن‬
‫عفان ‪ ،‬أر ضى باله الرح ن ‪ ،‬وأر غم به الشيطان ‪ ،‬واشترى به النان ‪ ،‬ج هز ف غزوة‬
‫تبوك النود ‪ ،‬وشرى بئر رومة من اليهود ‪ ،‬وله ف سبيل ال مواقف وجهود ‪.‬‬
‫ول تنسوا عبد الرحن بن عوف ‪ ،‬الذي جع بي الرجاء والوف ‪ ،‬جاءته قافلة من‬
‫الشام ‪ ،‬تمل الطعام ‪ ،‬فقسمها على اليتام ‪ ،‬واشترى بذلك دار السلم ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬فقص علينا قصة التاجر الفاجر ‪ ،‬أميّة بن خلف ‪ ،‬الذي جعل ال ماله للتلف ‪.‬‬
‫قال يكفيكم ‪ :‬ويل لكل هزة لزة ‪ ،‬الذي جع مالً وعدده ‪ ،‬يسب أن ماله أخلده‬
‫قلنا ‪ :‬فهل للتاجر الاسر علمات ‪ ،‬وهل له سات ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إذا رأيته يأكل وحده ‪ ،‬وينع رفده ‪ ،‬ويسك نقده ‪ ،‬ويغضب من يلس عنده‬

‫‪-163-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التجاريّة‬

‫قل نا ‪ :‬فلماذا ب عض التجار ‪ ،‬ي صاب بالض غط وال سكر ‪ ،‬قال ‪ :‬ل نه ف كل ل ظة‬
‫يفكر ‪ ،‬ول يشكر ‪ ،‬ول يذكر ‪ ،‬ومزاجه معكّر ‪ ،‬وخاطره مكدّر ‪.‬‬
‫ذكهر الفته عمْره الثانه وحاجتهه‬
‫مهها قاتههه وفضول العيههش أشغال‬

‫أمراض التجار ‪ :‬فقر الدم ‪ ،‬وكثرة الم ‪ ،‬ودوام الغم ‪.‬‬
‫فأمها فقهر الدم ‪ :‬فمـن قلة الغذاء ‪ ،‬لنـه مشغول عـن الفطور والغداء ‪ ،‬غائب عـن‬
‫العشاء ‪.‬‬
‫وأمها كثرة المه ‪ :‬فلنشغال باله بالسـندات ‪ ،‬وتعلقـه بالشيكات ‪ ،‬وانصـرافه إل‬
‫العقارات ‪ ،‬وتفكره ف الواردات والصادرات ‪.‬‬
‫وأمها دوام الغهم ‪ :‬فلحرصـه على الزيادة ‪ ،‬وتذكره أولده وأحفاده ‪ ،‬فتذهـب عنـه‬
‫ال سعادة ‪ ،‬ويشغل عن العبادة ‪ .‬وأحب أبواب العلم إل التا جر البخيل ‪ ،‬باب الث على‬
‫القتصاد ‪ .‬وأثقل باب عليه باب الود والجواد ‪.‬‬
‫ثـ قال ‪ :‬ول تنـس حديـث ‪" :‬ذهـب أهـل الدثور بالجور" ‪ ،‬فهؤلء أهـل العمـل‬
‫البـور ‪ ،‬والسـعي الشكور ‪ ،‬والتجارة التـ ل تبور ‪ ،‬وهـم الذيـن بنوا السـاجد ‪ ،‬لكـل‬
‫راكع وساجد ‪ ،‬وأطعموا الفقراء والساكي ‪ ،‬وأسعفوا البؤساء والحتاجي ‪ ،‬وبذلوا الال‬
‫والطعام ‪ ،‬وكفلوا اليتام ‪ ،‬فهـم يمعون السـنات كـل حيـ ‪ ،‬وتذكـر حديـث ‪ (( :‬ل‬
‫حسد إل ف اثنتي )) ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬ف ما أح سن الكا سب ل ن أراد التجارة ‪ ،‬أ هو الب يع أم الجارة ؟ أم الن صب‬
‫والوزارة ؟ أم الزراعة والعمارة ؟‬
‫قال ‪ :‬أما البيع فإذا سلم من الغش والكذب ‪ ،‬والداع واللعب ‪ ،‬فهو أعظم سبب ‪،‬‬
‫لنيل الفضة والذهب ‪:‬‬
‫ل تبههع فهه السههوق دينا غاليا‬
‫هْ‬
‫هك مههن نار الكذبه‬
‫واحفظَنههْ دينه‬

‫‪-164-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التجاريّة‬

‫وأما النصب ‪ :‬فنصب ‪ ،‬ووصب ‪ ،‬وتعب‬
‫نصههب النصههب أوهههى جلدي‬
‫يههها عنائي مهههن مداراة السهههفل‬

‫وأما المارة فنعمت الرضعة ‪ ،‬وبئست الفاطمة ‪ ،‬ويعترضها أمور قاصمة ‪:‬‬
‫يسهرك أنه نلت مها نال جعفهر‬

‫من اللك أو ما نال ي ي بن خالد‬

‫وأن أميهه الؤمنيهه أغصههّن‬

‫مغصههههّهما بالرهفات البوارد‬

‫وأ ما الزرا عة ‪ ،‬ف هي ل هل ال سكنة والضرا عة ‪ ،‬ويتنب ها أ هل البا عة ‪ ،‬لن ا ت عب‬
‫وإجهاد ‪ ،‬وصدود عن الهاد ‪:‬‬
‫إذا زرع القههوم النخيهل بأرضهم‬
‫فزرعههك أغلى مههن نيههل الفضائل‬

‫وأما العمارة ‪ ،‬فتارة وتارة ‪ ،‬بي الربح والسارة ‪ ،‬صادقة غدارة ‪.‬‬
‫يهها عامهههرا لراب الدار متهدا‬
‫بال هههههههل لراب الدار عمران‬

‫ولكن أحسن الكاسب ‪ ،‬معاملة الفتّاح الواهب ‪ ،‬فهو الرزاق ذو القوة التي ‪ ،‬الذي‬
‫ل يضيع عمل العاملي ‪ ،‬وإحسان الحسني ‪.‬‬
‫فإذا رأيـت الناس كنــزوا أموالمـ فـ البنوك ‪ ،‬وأحرزوا عقارهـم بالصـكوك ‪،‬‬
‫وأحاطوا حدائقهـم بالشبوك ‪ .‬فاكنــز حسـناتك فـ بنـك الرحنـ ‪ ،‬وأحرز عملك مـن‬
‫الشيطان ‪ ،‬وأحـط نيتـك مـن البغـي والعدوان ‪ .‬فمـن صـفّى مـن الرام ديناره ‪ ،‬وعمـر‬
‫بالتقـوى داره ‪ ،‬وأكرم جاره ‪ .‬فقد أحسن معاملة موله ‪ ،‬وشكر ربه على ما أوله ‪.‬‬
‫واعلم أن للتجارة آدابا ‪ ،‬وقد ذكر لا العلماء أسبابا ‪ ،‬وسوف أذكرها بابا بابا ‪.‬‬
‫فمنها الصدق ف النطق ‪ ،‬واللطف بالناس والرفق ‪.‬‬
‫ومنهها البكور ‪ ،‬والطيور فـ الوكور ‪ ،‬فـ سـعي مشكور ‪ ،‬لطلب مـا قسـمه‬
‫الغفور الشكور ‪.‬‬
‫‪-165-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫التجاريّة‬

‫ومنها السلمة من الربا ‪ ،‬فإنه وبا ‪ ،‬ومصاحبة المانة ‪ ،‬ومانبة اليانة ‪ ،‬وملزمة‬
‫الصـيانة ‪ ،‬وأداء زكاة العرض ‪ ،‬ومسـاعدة الحتاج بالصـدقة والقرض ‪ ،‬يدـ ثوابـه يوم‬
‫العرض‬
‫وتبــيس الوقاف ‪ ،‬على الفقراء الضعاف ‪ ،‬وإكرام الضياف ‪ ،‬والحافظــة على‬
‫أوقات ال صلوات ‪ ،‬وإخلص الن ية ف ال صدقات ‪ ،‬ف من ف عل ذلك ف هو مأجور مشكور ‪،‬‬
‫وهو من أهل الدثور ‪ ،‬الذين ذهبوا بالجور ‪.‬‬
‫واعلم أن الشح يح ‪ ،‬عمله قب يح ‪ ،‬والكر ي له أ جر عظ يم ‪ ،‬ول ساد إل من جاد ‪،‬‬
‫وبذل معروفه للعباد ‪.‬‬
‫واعلم أن من جعل ماله ف صُرّة ‪ ،‬ومنع بِرّه ‪ ،‬أخذه الوت على غِرّة ‪.‬‬
‫وقد عاصرنا تاجرا كريا ‪ ،‬كان فضله ف الناس عميما ‪ ،‬كان ف كل باب خيٍ من‬
‫التـبّعي ‪ ،‬وعـن الرام مـن التورّعيـ ‪ .‬فلمـا مات كان موتـه على الناس مـن أعظـم‬
‫الطوب ‪ ،‬ترك جرحا ف القلوب ‪.‬‬
‫وعرف نا تاجرا بيل ‪ ،‬عاش طويل ‪ ،‬كان من ماله ف حيا ته مرو ما ‪ ،‬وذ هب وترك‬
‫ماله مذموما ‪ ،‬فل انتفع باله ف دنياه ‪ ،‬ول قدم منه لخراه ‪ ،‬وقد مات غريبا ‪ ،‬ومن ماله‬
‫سليبا ‪ ،‬حت تصدق عليه بعض الناس بكفن ‪ ،‬وصارت هذه آية لهل الفطن ‪.‬‬
‫و قد قال الختار ‪ (( :‬ت عس ع بد الدينار )) ‪ ،‬ل نه يهدي صاحبه إل النار ‪.‬ك ما أن‬
‫الدرهم قد يدور بالم ‪ ،‬والذهب قد يوصل إل لب ‪ ،‬والفلوس قد تذهب بالنفوس ‪.‬‬
‫وختم أبو ريال القال ‪ ،‬بعد أن تدث عن الال ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ال أعطاك فابذل مهههن عطيتهههه‬
‫هههة والعمْههههر رحالُ‬
‫فالال عاريّه‬
‫الال كالاء إِنههْ تبههس سههواقِيَه‬
‫يأ سهن وإن ي ه ِر يع هذب م نه سلسالُ‬

‫‪-166-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫مــــة الـمتنـبي‬
‫مقـا َ‬

‫(( شـاعـر الدنيــا وشـاغـل الناس ))‬
‫لقيت أبا الطيب أحد بن السي ‪ ،‬بعد بضع سني ‪ ،‬وهو من الشعراء الحسني ‪.‬‬
‫فكلما سألنا عن الخبار ‪ ،‬أجاب بالشعار ‪:‬‬
‫قلنا ‪ :‬من أنت ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫هي‬
‫هى إل أدبهه‬
‫ها الذي نظههر العمه‬
‫أنه‬
‫هممُ‬
‫هه صه‬
‫هن به‬
‫ههمعت كلمات ه مه‬
‫وأسه‬
‫اليههل والليههل والبيهههداء تعرفنهه‬
‫والسههيف والرمههح والقرطاس والقلمههُ‬

‫قلنا ‪ :‬أما ترى السفهاء ‪ ،‬ينالون العظماء ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإذا أتتههك مذمتهه مههن ناقههص‬
‫فهههي الشهادة ل بأنهه كامههل‬

‫قلنا ‪ :‬نراك تعبت ف طلبك للمجد ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫جزى ال السهههي إليهههك خيا‬
‫وإن ترك الطايهههها كالهههههزاد‬

‫قلنا ‪ :‬أما ترى أن الجد يتعب ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫لول الشقههة سههادَ الناس كلهمههو‬
‫الود يفقهههههههر والقدام قتال‬

‫قلنا ‪ :‬نرى السلف يتأثرون عند ساع القرآن ونن ل نتأثر ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ل تعذل الشتاق فههه أشواقهههه‬
‫حتههه يكون حشاك فههه أحشائه‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫قلنا ‪ :‬نرى النافق أحيانا يبكي ؟‬
‫‪-167-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫هه خدود‬
‫ههت دموع فه‬
‫إذا اشتبكه‬
‫تههبي مههن بكههى منهه تباكههى‬

‫قلنا ‪ :‬نرى واحدا من الناس يعادل أمة ف الفضل ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإن تَفُقههِ النام وأنههت منهههم‬
‫فإن السهههك بعهههض دم الغزال‬

‫قلنا ‪ :‬نرى لك حسّادا كثيين ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫أبدو فيسهجد مهن بالسهوء يذكرنه‬
‫فل أعاتبهههه صهههفحا وإهوانههها‬

‫قلنا ‪ :‬بعض الناس غلب عليه سوء الظن ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫إذا سهاء فعهل الرء سهاءت ظنونهه‬
‫وصههدق مهها يعتاده مههن توهههم‬

‫قلنا ‪ :‬القوميّون العرب يهددون إسرائيل من خسي سنة ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإذا م ها خ هل ال هبههان بأرض‬
‫طلههب الطعههن وحههده والنههزال‬

‫قلنا ‪ :‬نعرف أغنياء ألسنتهم سخيّة وأيديهم بيلة ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫جود الرجال مهن اليدي وجودهوه‬
‫مهن اللسههان فل كانههوا ول الودُ‬

‫قلنا ‪ :‬من يتأمل الشريعة يلكه حبها ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ومها كنهت منه يلك البّه قلبَهه‬
‫ه‬
‫ولكهن مهن ينظهر عيونهك يعشق ِ‬

‫‪-168-‬‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫قلنا ‪ :‬نسمع لعداء السلم شبهات يثيونا عنه ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ول سهههِرّ فههه علك وإناههه‬
‫ههههن الذيان‬
‫كلم الورى ضرب مه‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيكم ف الدنيا ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫لا ال ذي الدنيا مناخا لراكب‬

‫فكهل بعيهد المه فيهها معذب‬

‫قلنا ‪ :‬والال ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫إذا الال ل يرزق خلصها مهن الذى‬
‫ها‬
‫هوبا ول الال باقيه‬
‫هد مكسه‬
‫فل المه‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم يستطيع أن يكون أفضل فل يفعل ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ههههه عيوب الناس عيبا‬
‫ول أر فه‬
‫كنقههص القادريههن على التمامههِ‬

‫قلنا ‪ :‬عرفنا من تن الوت لسوء حاله ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫كفها بهك داءً أن ترى الوت شافيها‬
‫وحسههب النايهها أن يكههن أمانيهها‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم ل يتأثر بالنقد ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫مههن يهههن يسهههل الوان عليههه‬
‫ههههت إيلم‬
‫مههههها لرح بيّه‬

‫قلنا ‪ :‬نن نردد اسم الرسول ولو قصرنا ف العمل بسنته ‪.‬‬
‫فقال ‪:‬‬

‫ننهه أدرى وقههد سههألنا بنجههد‬
‫أطويهههههل طريقنههههها أم يطولُ‬
‫وكثيههه مهههن السهههؤال اشتياق‬
‫هههههن ردّه تعليلُ‬
‫ههههه مه‬
‫وكثيه‬
‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫قلنا ‪ :‬بُلينا بثقفي عندهم ألقاب بل حقيقة ‪.‬‬
‫‪-169-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫هادقةً‬
‫هٍ منههك صه‬
‫ها نظراته‬
‫أُعيذهه‬
‫أن تسهب الشحهم فيمهن شحمهه ورم‬

‫قلنا ‪ :‬أظنه لبد من ماملة بعض الناس ف هذه الياة ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ومن نكد الدنيا على الر أن يرى‬

‫عهدوّا له ما من صهداقتهه بُدّ‬

‫قلنا ‪ :‬كان للعلماء قدر عند الناس واليوم ُجهِل قدرهم ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫أتههى الزمانههَ بنوه فهه شههبيبته‬
‫فسههههره وأتيناهههههُ على هرم‬

‫قلنا ‪ :‬نرى العظماء ل يبالون بالصاعب ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫إذا اعتاد الفتههه خوض النايههها‬
‫فأههههون مهها يرهه بههه الوحولُ‬

‫قلنا ‪ :‬بعض الناس يستفيد من نكبات الخرين ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫كذا قضهت اليههام مها بيه أهلههها‬
‫مصهههائب قوم عنهههد قوم فوائد‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف الزمان ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫رباهه تسههن الصههنيع لياليههه‬
‫ههانا‬
‫ههن تكدر الحسه‬
‫ههه ولكه‬
‫هه‬

‫قلنا ‪ :‬والـوت ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ه والنفوس نفائس‬
‫الوت آتهههه ٍ‬
‫والسههتغر باهه لديههه الحقهه‬

‫قلنا ‪ :‬الذين ينكرون القائق ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وكيهف يصهح فه الذهان شيهء‬
‫إذا احتاج النهار إل‬

‫قلنا ‪ :‬ومن خي جليس ؟‬
‫‪-170-‬‬

‫دليه‬
‫مة المتنبي‬
‫مقا‬
‫ههههههل َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫أعهز مكان فه الدنها سهرج سهابح‬
‫وخيهه جليههس فهه النام كتابههُ‬

‫قلنا ‪ :‬هل الرأي أفضل أو الشجاعة ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫الرأي قبهل شجاعهة الشجعان‬

‫ههو أولٌ وههي الحهل الثانه‬

‫قلنا ‪ :‬ما أحسن وسيلة لقضاء الاجات ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫مهن اقتضهى بسهوى الندي حاجتَهه‬
‫هِ‬
‫هن هلٍ بلمه‬
‫هؤالٍ عه‬
‫هل سه‬
‫أجاب كه‬

‫قلنا ‪ :‬أراك تامل الناس‬
‫قال ‪:‬‬

‫ولاههه صهههار ود الناس خبههها‬
‫جزيههت على ابتسههام بابتسههامِ‬

‫قلنا ‪ :‬وكيف حالك الن ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫هل بلدة‬
‫هن اللن فه كه‬
‫هد مه‬
‫وحيه‬
‫إذا عظهم الطلوب قهل السههاعهد‬

‫قلنا ‪ :‬نراك تسرف ف الديح أحيانا ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وقهههد أطال ثنائي طول لبسهههه‬
‫إن الثناء على التّنبال تنبالُ‬

‫قلنا ‪ :‬نراك أحيانا ل تصل لقصودك ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫مها كهل مها يتمنه الرء يدركهه‬
‫هفنُ‬
‫هي السه‬
‫تري الرياح باه ل تشتهه‬

‫قلنا ‪ :‬مت تزور أحبابك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫أزورهههم وظلم الليههل يشفههع ل‬
‫‪-171-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وأنثنهه وبياض الصههبح يغري‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا‬
‫بهه َ‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف شعرك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫و ما الده هر إل من رواةِ ق صائهدي‬
‫إذا قلت شعرا أصههبح الدهههر منشدا‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف اللئام ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإن أنهت أكرمهت اللئيهم تردا‬

‫إذا أ نت أكر مت الكر ي ملك ته‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف الناس ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫هه‬
‫هح به‬
‫هن ترك القبيه‬
‫هي زمه‬
‫ها لفه‬
‫إنه‬
‫مههن أكثههر الناس إحسههانٌ وإجالُ‬

‫قلنا ‪ :‬نراك تسن القول ول تعطي شيئا ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫هها ول مال‬
‫ههل عندك تديهه‬
‫ل خيه‬
‫فليسههعد النطههق إن ل تسههعد الالُ‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم يسهر على اللهو وبعضهم على العبادة ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ههها‬
‫ههها الذي عنده تدار النايه‬
‫مه‬
‫كالههههههذي عنده تدار الشمولُ‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف أهل العشق ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫تفنهه نفوسهههمو شوقا وأدمعهههم‬
‫فه إِثهر كهل قبيهح وجههه حسهنُ‬

‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول ف مقام الرسول‬
‫قال ‪:‬‬

‫؟‬

‫إذا تغلغههل فكههر الرء فهه طرف‬
‫مههن مده غرقههت فيههه خواطره‬
‫‪-172-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قلنا ‪ :‬لاذا عاداك حسادك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫أعادى على مها يوجهب البه للفته‬
‫وأهدأ والفكار فّههههههه‬

‫تو‬
‫مة المتنبي‬
‫مقالُ َ‬

‫قلنا ‪ :‬يسيء لنا بعض الناس فنستفيد من إساءتم ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫رب أمههر أتاك ل تمههد الفُعّاهه‬
‫ههههد الفعال‬
‫ههههه وتمه‬
‫ل فيه‬

‫قلنا ‪ :‬بعض العداوة نافعة ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ومهن العداوة مها ينالك نفعهه‬

‫ومهن الصهداقة مها يضهر ويؤلُ‬

‫قلنا ‪ :‬باذا عاقبت حسادك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫إنه وإن لُمهت حسهّادي فمها‬

‫أنكههر أنهه عقوبههة لمههُ‬

‫قلنا ‪ :‬ما أحسن اللل اللبوسة ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ورفلت فه حلل الثناء وإناه‬

‫عدم الثناء نايههة العدامههِ‬

‫قلنا ‪ :‬ما أحسن ما خلّف النسان بعد موته ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫كفههل الثناء له برد حياتههه‬

‫لاهه انطوى فكأنههه منشورُ‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم يكثر من اللف ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وف اليمي على ما أنت واعده‬

‫متهمه‬
‫ُ‬
‫مها دل أنهك فه اليعاد‬

‫قلنا ‪ :‬من أحق الناس بالجد ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫أحقهمهو بالجهد مهن ضرب الطلى‬
‫وبالمههر مهن هانهت عليهه الشدائد‬

‫قلنا ‪ :‬ما المن والوف ؟‬

‫‪-173-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫هه الفته‬
‫ها توفه‬
‫ها الوف إل مه‬
‫ومه‬
‫ومها المهن إل مها رآه الفته أمنها‬

‫قلنا ‪ :‬نن بي خوف ورجاء ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وأحلى الوى ما شك ف الو صل ر به‬
‫و ف ال جر ف هو الده هر ير جو ويت قي‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫قلنا ‪ :‬بلينا والدهر ما بَلي ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫إذا ما لب ست الده هر م سهتمتعا به‬
‫هههِ‬
‫هههت واللبوس ل يتخرقه‬
‫ترقه‬

‫قلنا ‪ :‬نن ناول كتم مشاعرنا فما نستطيع ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ههبا‬
‫ههبت أم ل تصه‬
‫بادٍ هواك صه‬
‫وبكاك إذ ل يرهه دمعههك أو جرى‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم يضع من علماء السلم ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫مهن كان فوق مله الشمهس موضعهه‬
‫فليههس يرفعههه شيههء ول يضعههُ‬

‫قلنا ‪ :‬ما وصف من أراد العلياء ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫كثيه سههاد العيه مهن غيه علة‬
‫يؤرقههه فيمهها يشرفههه الفكههر‬

‫قلنا ‪ :‬تزداد هتنا عند قراءة سي السلف ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫فل تسههمعاه ذا الديههح فإنههه‬
‫ه‬
‫شجاع مته يذكهر له الطعهن يشتق ِ‬

‫قلنا ‪ :‬أظنه ل يُهرب من الـوت ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫نعههههد الشرفيههههة والعوال‬
‫‪-174-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وتقتلنهههههههها النون بل قتالِ‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم ل يرضى إل بالحل العال ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫على قدر أهههل العزم تأتهه العزائم‬
‫وتأتههههه على قدر الكرام الكارم‬

‫قلنا ‪ :‬ما رأيك ف المّى ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وزائرتهههه كأن باهههه حياءً‬
‫فليههههس تزور إل فهههه‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا‬
‫الظلم َ‬

‫قلنا ‪ :‬والفراق ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫لول مفارقههة الحباب مهها وجدت‬
‫لاهه النايهها إل أرواحنهها سههبل‬

‫قلنا ‪ :‬صف لنا نفسك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫خل قت ألوفا لو رج عت إل ال صبا‬

‫لفار قت ش يب مُوجَع القلب باك يا‬

‫قلنا ‪ :‬أما ترى فصاحة بعض الناس ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫إذا سههههع الناس ألفاظههههه‬
‫خلقههن له فهه القلوب السههد‬

‫قلنا ‪ :‬ما أحسن صفات التقي لربه ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ه‬
‫ه مرتقب ٌ‬
‫عليهك منهك إذا أُخليت َ‬
‫ل تأت فه السهر مها ل تأت إعلنها‬

‫قلنا ‪ :‬بعضهم يشع ظاهره فحسب ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإطراق طرف العيه ليهس بنافههع‬
‫إذا كان طرف القلب ليههس بطرقههِ‬

‫‪-175-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قلنا ‪ :‬ما أجل كلم ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫هى‬
‫هامع إن مضه‬
‫هو الُشيّعه بالسه‬
‫فهه‬
‫وهههو الضاعههف حسههنه إن كُرّرا‬

‫قلنا ‪ :‬هل للموت من طبيب ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وقههد فارق الناس الحبههة قبلنهها‬
‫وأعيهها دواء الوت كههل طههبيب‬

‫قلنا ‪ :‬الناس اختلفوا ف معان أبياتك ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫أنام ملء جفونهه عههن شواردههها‬
‫ويسهههر الناس جرّاههها‬

‫ويتصهه‬
‫مة المتنبي‬
‫مقامُ َ‬

‫قلنا ‪ :‬أُدميت قدما رسول ال لا عاد من الطائف فما تعليقكم ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫هدنا‬
‫ها قال حاسه‬
‫هركمو مه‬
‫إن كان سه‬
‫فمههها لرح إذا أرضاكمهههو أل‬

‫قلنا ‪ :‬أما ترى سب النافقي لهل الدين ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫مها أبعهد الع يب والنق صان من شرفه‬
‫أنهها الثريهها وذان الشيههب والرمههُ‬

‫قلنا ‪ :‬نن نطمع ف لقاء رسولنا ف الخرة ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ومهها صههبابة مشتاق على أمههل‬
‫مهههن اللقاء كمشتاق بل أمهههل‬

‫قلنا ‪ :‬عندنا شريعة فهل نضيف إليها تارب الخرين ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫خهذ مها رأيهت ودع شيئا سهعت بهه‬
‫فه طلعهة البدر مها يغنيهك عهن زحلِ‬

‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول لو طلب منك وصف الرسول ؟‬
‫‪-176-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫الشمس من حساده والنصر من‬

‫هائه‬
‫هن أسه‬
‫هيف مه‬
‫قرنائه والسه‬

‫أيهن الثلثهة مهن ثلث خلله‬

‫مههن حسههنه وإبائه ومضائه‬

‫ولقهد أتهى وعجزن عهن نظرائه‬

‫مضهت الدهور ومها أتيه بثله‬

‫قلنا ‪ :‬هل لسد الاسد من دواء ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫سهوى وجهع السهاد داو فإنهه‬

‫إذا حهل فه قلب فليهس يول‬

‫ول تطمعَ نْ من حا سد ف مودة‬

‫وإن كنهت تبديهها له وتنيهل‬

‫قلنا ‪ :‬لن يكتب النصر ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وللبيض ف ههام الكماة صليل‬

‫لن هوّن الدنيا على النفس ساعة‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫قلنا ‪ :‬لو عدت شيخ السلم وهو مريض فماذا تقول ؟ قال ‪ :‬كنت قلت ‪:‬‬
‫الجهد عوفه إذ عوفيهت والكرم‬

‫وزال عنههههك إل أعدائك الل‬

‫وراجهع الشمهس نور كان فارقهها‬

‫كأناه فقده فه جسهمها سهقم‬

‫باهه الكارم وانلت باهه الديهه‬

‫صحّت ب صحتك الغارات وابته جت‬
‫َ‬

‫إذا سلمت ف كل الناس قد سلموا‬

‫ومهها أخصههك فهه برء بتهنئة‬

‫قلنا ‪ :‬بعض الناس يتقدم إل العال بشجاعة ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وحته يكون اليوم لليوم سهيّدا‬

‫هو الد حت تفضل العي أختها‬

‫قلنا ‪ :‬كيف نعاقب الحرار إذا أخطؤوا ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫و من لك بال ر الذي ي فظ اليدا‬

‫و ما ق تل الحرار كالع فو عنه مو‬

‫قلنا ‪ :‬هل تصلح الشدة مكان اللي والعكس ؟ قال ‪:‬‬
‫م ضر كو ضع ال سيف ف مو ضع الندى‬

‫ووضع الندى ف موضع السيف بالعلى‬

‫قلنا ‪ :‬ماذا تقول لبيبك لو مرض ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وإذا صههح فالزمان صههحيح‬

‫وإذا اعتههل فالزمان عليههل‬

‫قلنا ‪ :‬أما تشى أن يشوه السلم من قبل بنيه ‪.‬‬
‫‪-177-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫وكيهف تعلّك الدنيها بشيهء‬

‫وأنههت بعلّة الدنيهها طههبيب‬

‫قلنا ‪ :‬أل ترى كيف تقلب بنا الزمان ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وصهرنا نرى أن التارك مسهن‬

‫ه خليلً ل يضهر وصهولُ‬
‫وأن ّ‬

‫قلنا ‪ :‬نشكو قلة النصاف من أهل زماننا ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ول تزل قلة النصهههاف قاطعهههة‬
‫بيهه الرجال وإن كانوا ذوي رحههم‬

‫قلنا ‪ :‬أحيانا نشكو ما بنا إل الصحاب ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫ول تَشَكّهه إل خلقههٍ فتشمتههه‬

‫مة المتنبي‬
‫مقا َ‬

‫هح إل الغربان والرخههم‬
‫شكوى الريه‬

‫قلنا ‪ :‬كيف نعامل الناس ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وكهن على حذر للناس تسهتره‬

‫هر مبتس همِ‬
‫هم ثغه‬
‫ول يغرك منهه‬

‫غاض الوفاء فمها تلقاه فه عدة‬

‫وأعوز الصدق ف الخبار والقسمِ‬

‫قلنا ‪ :‬هل يشعر الناقصون بنقصهم ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫كدعواك ك ّل يدّعهي صهحة العقهل‬
‫ومهن ذا الذي يدري باه فيهه مهن جهلِ‬

‫قلنا ‪ :‬معنا علماء بي أظهرنا ونرى الناس ل يستفيدون منهم ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫وليهس الذي يتب ّع الوبهل رائدا‬

‫كمهن جاءه فه داره رائد الوبهل‬

‫قلنا ‪ :‬خلصة تربتك مع الناس ما هي ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫ومهن عرف اليام معرفته باه‬

‫وبالناس روى رمههه غيهه ظال‬

‫فليههس برحوم إذا ظفروا بههه‬

‫ول ف الردى الاري علي هم بآ ث‬

‫قلنا ‪ :‬هل تب الدية من تب ؟‬
‫قال ‪:‬‬

‫وما أنا بالباغي على الب رشوة‬

‫قلنا ‪ :‬هل من رسالة ؟‬

‫‪-178-‬‬

‫ضعيهف هوىً يبغهي عليهه ثوابها‬

‫مقامـات القرني‬
‫قال ‪:‬‬

‫هم‬
‫ها أن نفارقهه‬
‫هز علينه‬
‫هن يعه‬
‫ها مه‬
‫يه‬
‫ه‬
‫وجداننها كهل شيهء بعدكهم عدم ُ‬

‫قلنا ‪ :‬وداعا ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫رحلت فكههم باك بأجفان شادنههٍ‬
‫عليههّ وكههم باك بأجفان ضيغههم‬

‫قلنا ‪ :‬ل تبك على فراقنا ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫قد كنت أشفق من دمعي على بصري‬
‫فاليههوم كهل عزيهز بعدكهم هانها‬

‫‪-179-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫شفائية‬
‫ال ّ ِ‬

‫مــــة الـشـِفـائـيـــة‬
‫المقـا َ‬

‫ضُت فَهُوَ يَْشِفيِن ‪‬‬
‫مرِ ْ‬
‫‪ ‬وَإِذ َا َ‬

‫(( طهــور إن شــاء الله ))‬

‫مرض البهههيب فزرتهههه‬

‫فمرضهت مهن خوفه عليهه‬

‫وأتههى البههيب يزورنهه‬

‫فشفيههت مههن نظري إليههه‬

‫أيها الريض ‪ ،‬على السرير العريض ‪ ،‬طهور ما أصابك ‪ ،‬وكفارة ما نابك ‪ ،‬وال قد‬
‫أجابك ‪ .‬مع كل ونّة ‪ ،‬نسيم من النة ‪ ،‬ومع كل رنة ‪ ،‬بشرى من السنة ‪.‬‬
‫بشر الريض بعافية ‪ ،‬أو رحة وافية ‪ ،‬أو كفّارة كافية ‪ ،‬أو نفحة من ال شافية ‪:‬‬
‫توت النفوس بأوصهههههههابا‬
‫ول يدر عوادهههها مههها باههه‬
‫ومهها أنصههفت مهجههة تشتكههي‬
‫ههه‬
‫ههه أحباباه‬
‫ههها إل غيه‬
‫أذاهه‬

‫يِ‪.‬‬
‫ضتُ َف ُه َو يَ ْشفِ ‪‬‬
‫أيها الرضى ل تكونوا يائسي ‪ ،‬أو َأسِفي ‪ ،‬وردّدوا ‪َ  :‬وإِذَا َمرِ ْ‬
‫ب قي أيوب ‪ ،‬ف البليا والطوب ‪ ،‬ماله م سلوب ‪ ،‬وج سمه منكوب ‪ ،‬فنادى علم‬
‫سنِي الضّ ّر َوَأْنتَ أَرْ َحمُ الرّاحِ ِميَ ‪ ، ‬فعاد من السالي الغاني ‪.‬‬
‫الغيوب ‪َ ،‬أنّي مَ ّ‬
‫بشر من أصابه الوصب والنصب ‪ ،‬بقصور ف النة من قصب ‪ ،‬إذا صب واحتسب‪.‬‬
‫ل تقل ‪ :‬آه ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬يا ال ‪.‬‬
‫كيهف أشكهو إل طبيهب مها به‬
‫والذي قههد أصههابن مههن طبيههب‬

‫إذا أ صابك جرح ‪ ،‬فل تقل أح ‪ ،‬لن ال صب يقول هذا ما ي صح ‪ ،‬ول ي ستحق من‬
‫ش كا الدح ‪ .‬سبحان من أح بك فابتلك ‪ ،‬لي سمع نواك ‪ ،‬ولي صعد إل يه بكاك ‪ ،‬وترت فع‬
‫إليه شكواك ‪.‬‬
‫‪-180-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫شفائية‬
‫ال ّ ِ‬

‫هد ولو‬
‫ها على العهه‬
‫ها زلنه‬
‫نن ه مه‬

‫قطعهت منها على العههد رؤوس‬

‫كلمهها ذقنهها مههن الجههر لظىً‬

‫أشر قت ف حب مولن ها النفوس‬

‫هنيئا لك أنـت على سـرير التطهيـ ‪ ،‬وعلى كرسـي التكفيـ ‪ ،‬ترعاك عنايـة‬
‫اللطيف البي ‪.‬‬
‫الرحة عليك تبط ‪ ،‬والطايا تسقط ‪ ،‬أدخلك الكي ‪ ،‬لتخرج ذهبا ‪ ،‬إذا سلب ما‬
‫أعطى فطالا وهبا ‪ ،‬واعلم أنه يدخر لك أجرا عجيبا ‪ ،‬وثوابا طيبا ‪.‬‬
‫ما دام أنك منكسر القلب ‪ ،‬ملقىً على جنب ‪ ،‬فأنت قريب من الرب ‪ ،‬ل يغرنك‬
‫النافق فهو عي على شعي ‪ ،‬وبعي على شفا بي ‪ ،‬تأت ضربته قاصدة ‪ ،‬ونفسه جامدة ‪،‬‬
‫وروحه جاحدة ‪ ،‬فهو كشجرة الَرْزة ‪ ،‬منتصبة ‪ ،‬متصلبة ‪ ،‬وف لظة وإذا هي متقلبة ‪.‬‬
‫أما أنت يا مؤمن فأنت كالامة مع ريح الشمال ‪ ،‬مرة من يي ومرة من شال ‪،‬‬
‫لنك شجرة جال وجلل ‪.‬‬
‫وال لو أحرقونه فه الوى حمها‬

‫من كم دوائي ودائي صرت عبدك مو‬

‫ما اخترت غيكمو ف الكون إنسانا‬

‫أرى بلءكمهو فه السهم إحسهانا‬

‫يا أيها السلم البتلى ‪ ،‬حظك اعتلى ‪ ،‬وثنك غل ‪ ،‬وغبار العصية عنك انلى ‪.‬‬
‫وال إنك أحب إل ربك من النافق السمي ‪ ،‬والفاجر البطي ‪ ،‬والعاصي الثخي ‪،‬‬
‫كما أخب الصادق المي ‪.‬‬
‫النافق كالروف ‪ ،‬يسمن للضيوف ‪ ،‬ث يذبح بسكي التوف ‪.‬‬
‫والؤمن جواد يضمّر ‪ ،‬ليقطع السي القدّر ‪ ،‬ويصل إل الحل الوقّـر ‪.‬‬
‫ههن يريده‬
‫ههى مه‬
‫أل بلغ ال المه‬

‫وجازاك ربهه أيههها الداء نعمههة‬

‫وبلّغ أطراف المهى مهن يريدهها‬

‫فقهد حرّك الشواق منهك بريدهها‬

‫دع الشحم يذوب ‪ ،‬وتذهب الذنوب ‪ ،‬وتشع النفس وتتوب ‪ ،‬ويعود القلب عودة‬
‫حيدة ‪ ،‬وترجع الروح رجعة ميدة ‪.‬‬
‫يا أهل ال سِرّة البيضاء ‪ ،‬هنيئا لكم هذا البلء ‪ ،‬وأبشروا بالشفاء ‪ .‬أو بغفرة تغسل‬
‫الخطاء ‪ ،‬ورحة أعظم من الدواء ‪.‬‬
‫‪-181-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫شفائية‬
‫ال ّ ِ‬

‫الرض يذهـب الكـب والبطـر ‪ ،‬والعجـب والشـر ‪ ،‬لن الرزايـا إل النـة مطايـا ‪،‬‬
‫والبليا من الرحن عطايا ‪ ،‬وإل رضوانه مطايا ‪ ،‬ابتلك بالسقام ‪ ،‬ليغسل عنك الثام ‪.‬‬
‫فافرح لنـه رشحـك للعبودي ّة ‪ ،‬لن البلء طريقـة ممدي ّة ‪ ،‬يبتلى الناس المثـل‬
‫فالمثل ‪ ،‬والفضل فالفضل ‪ ،‬والكمل فالكمل ‪.‬‬
‫إذا أحب ال قوما ابتلهم ‪ ،‬وطهّرهم وجلّهم‬
‫ه كان سهركمو مها قال حاسهدنا‬
‫إن ْ‬
‫فمهها لرح إذا أرضاكمهههو ألهههمُ‬

‫كان رسولنا يوعك كما يوعك رجلن ‪ ،‬لنه حبيب للرح ن ‪ ،‬كا مل اليان ‪،‬‬
‫تام الحسان ‪.‬‬
‫مرض عمران بن ال صي ‪ ،‬ال صحاب الم ي ‪ ،‬ثلث ي عا ما ‪ ،‬ح ل في ها أ سقاما ‪،‬‬
‫وذاق آلما ‪ ،‬فقال له أصحابه ‪ ،‬وطلب منه أحبابه ‪ ،‬أن يدعو ربّه ليكشف كربه ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫كل أحبه إلّ أحبه إل رب ‪ ،‬ولعله يغفر ذنب ‪.‬‬
‫وكانوا يفرحون بالبلية ‪ ،‬ويعدونا عطية ‪ ،‬ونفوسهم بواقع القدر رضيـة ‪ ،‬ويرون‬
‫الحنة منحة ‪ ،‬والترحة فرحة ‪ ،‬لنم تعرفوا على الالق ‪ ،‬فعرفهم القائق ‪.‬‬
‫هههه‬
‫هههك ممود عواقبه‬
‫لعلّ عتبه‬
‫فرب هها صحهت الج سهام بالع هلل‬

‫ا صب على مرارة دواء ال صيبة ‪ ،‬لترى أحوا ًل عجي بة ‪ ،‬فعافي تك قري بة ‪ ،‬والرّ ضا بُرّ‬
‫القضا ‪ ،‬ولو على جر الغضى ‪ ،‬وحرّ اللّظى ‪.‬‬
‫ا سجد على ال مر ف مرضاة مول كا‬
‫إياك أن تشتكههي فهه البّه إيّاكهها‬

‫بوّابةُ البلء ‪ ،‬ل يدخل ها إلّ الولياء ‪ ،‬ويرد عن ها الدعياء ‪ ،‬وا سأل عن ذلك تار يخ‬
‫ال نبياء ‪ .‬البلء أع ظم لجرك ‪ ،‬إذا قوي أيوب صبك ‪ ،‬تر يد ال نة بل ث ن ‪ ،‬وأ نت ما‬
‫مرضت من زمن ‪ ،‬وف غفلة العافية مرتن ‪.‬‬
‫الرض صيحة تفتح الساع والبصار ‪ ،‬وتذكر البرار ‪ ،‬وتنفض عن الصالي الغبار‬
‫ليكونوا من الطهار الخيار ‪.‬‬
‫‪-182-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫شفائية‬
‫ال ّ ِ‬

‫إذا ابتلى ال العبد بالسقم ‪ ،‬وسلّط عليه الل ‪ ،‬ث شافاه مَنّ عليه بلحم ودم ‪ ،‬وما‬
‫شاء من نعم ‪ ،‬وإن توفاه غفر له ما تأخر وما تقدم ‪ ،‬من الذنب واللمم ‪.‬‬
‫إذا مر ضت ذ هب الظ مأ بالغفران ‪ ،‬وابتلت العروق بالرضوان ‪ ،‬وث بت ال جر ع ند‬
‫الديّان ‪ ،‬وهذّب القلب من الكب والطغيان ‪.‬‬
‫كل إن النسـان ليطغـى ‪ ،‬أن رآه اسـتغن ‪ ،‬وإل زينـة الدنيـا يصـغى ‪ ،‬فعلم ال أن‬
‫تذيبه ف تعذيبه ‪ ،‬وتقريبه ف تأديبه ‪ .‬كلما ضرب العبد سوطا ‪ ،‬عاد إل ال شوطا ‪:‬‬
‫يهها نائما فوق السهههريهر مرضا‬
‫ههههُ‬
‫ههههه أعوامه‬
‫مرت على آلمه‬
‫أبشههههر فإن ال زادك رفعهههة‬
‫فهه كههل مكروه أتههى إكرامههُ‬

‫هذا الرض حاك مـن فعلة شنعاء ‪ ،‬ووقاك مـن داهيـة دهياء ‪ ،‬وكَف ّر عنـك آثار‬
‫الفحشاء ‪ ،‬ورفرفت به روحك من الرض إل السماء ‪.‬‬
‫بالرض يول القلب ف ساء التوح يد ‪ ،‬وتط ي الروح ف فضاء التجر يد ‪ ،‬ويغ سل‬
‫البدن باء النابة ‪ ،‬ويفتح ال للمريض بابه ‪ ،‬ويسارع إليه بالجابة ‪.‬‬
‫عند الريض رسالة من ربه ‪ ،‬كتبت حروفها ف قلبه ‪ ،‬فحواها ‪ :‬أحببناك فأدبناك ‪،‬‬
‫وبالرض قربناك ‪ ،‬وبالبلء هذبناك ‪.‬‬
‫ويقبهح مهن سهواك الفعهل عندي‬
‫وتفعله فيحسهههن منهههك ذاكههها‬

‫إبل الدي تتقدم شوقا للرسول‬

‫وبيده الربة ‪ ،‬تنتظر منه الضربة ‪ ،‬لتذوق حلوة‬

‫الل ‪ ،‬من كف سيد المم ‪ ،‬وأنت تتبم بالبلء ‪ ،‬وهو عتاب من رب الرض والسماء ‪:‬‬
‫وقلتههم معاذ ال أن يصههرف الوى‬
‫ها‬
‫ها عتبه‬
‫هم لنه‬
‫ها حلته‬
‫هو مهمه‬
‫لغيكمه‬
‫فههها ننهه عاتبناكمههو فإذا الوى‬
‫هب‬
‫هد هذا الوى غضه‬
‫هرت بعه‬
‫يون وصه‬

‫أيها الريض ‪ :‬أسأل ال العظيم ‪ ،‬رب العرش العظيم ‪ ،‬أن يشفيك ‪.‬‬

‫‪-183-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الرمضانيّة‬

‫مــــة الـرمـضـانـيّـــة‬
‫المقـا َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ضاَن الَّذِي أُنزَِل فِيهِ الُْقْرآُن ‪‬‬
‫م َ‬
‫شهُْر َر َ‬

‫(( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الجـر إن شاء‬
‫اللـه ))‬
‫مرحبا برمضان ‪ ،‬شهـر التوبـة والرضوان ‪ ،‬شهـر الصـلح واليان ‪ ،‬شهـر الصـدقة‬
‫والحسان ‪ ،‬ومغفرة الرحن ‪ ،‬وتزين النان ‪ ،‬وتصفيد الشيطان ‪.‬‬
‫مرحبا أهلً وسهههلً بالصههيام‬
‫فاغفههر اللهههم ربهه ذنبنهها‬

‫يها حهبيبا زارنها فه كهل عام‬
‫ثه زدنها مهن عطاياك السهام‬

‫هذا شهر العتق والصدق والرفق ‪ ،‬رقاب تعتق ‪ ،‬ونفوس ترفق ‪ ،‬وأياد تتصدق ‪،‬‬
‫باب الود ف رمضان مفتوح ‪ ،‬والرحة تغدو وتروح ‪ ،‬والفوز منوح ‪ ،‬فيه ترتاح الروح ‪،‬‬
‫لنه شهر الفتوح ‪ ،‬هنيئا لن صامه ‪ ،‬وترك فيه شرابه وطعامَه ‪ ،‬وبشرى لن قامَه ‪ ،‬واتبع‬
‫إمامَه ‪ .‬القلب يصوم ف رمضان ‪ ،‬عن اعتقاد العصيان ‪ ،‬وإضمار العدوان ‪ ،‬وإسرار‬
‫الطغيان ‪.‬‬
‫والعي تصوم عن النظر الرام ‪ ،‬فتغض خوفا من اللك العلم ‪ ،‬فل يقع بصرها على‬
‫الثام ‪ .‬والذن تصوم عن النا ‪ ،‬واستماع الغنا ‪ ،‬فتنصت للذكر الكيم ‪ ،‬والكلم‬
‫الكري ‪ .‬واللسان يصوم عن الفحشاء ‪ ،‬والكلمة الشنعاء ‪ ،‬والمل الفظيعة ‪ ،‬والفردات‬
‫الليعة ‪ ،‬امتثالً للشريعة ‪ .‬واليد تصوم عن أذية العباد ‪ ،‬ومزاولة الفساد ‪ ،‬والظلم والعناد ‪،‬‬
‫والفساد ف البلد‪ .‬والرِجل تصوم عن الشي إل الحرّم ‪ ،‬فل تسي إل إث ول تتقدّم ‪.‬‬
‫وال مههها جئتكمهههو زائرا‬

‫هم‬
‫هن بابكه‬
‫هت رجلي عه‬
‫ول انثنه‬

‫إل وجدت الَرض تُطوى ل‬
‫إل تعثرت بأذيال‬

‫أ ما آن للع صاة أن ينغم سوا ف ن ر ال صيام ‪ ،‬ليطهروا تلك الج سام ‪ ،‬من الثام ‪.‬‬
‫ويغسلوا ما علق بالقلوب من الرام ‪.‬‬

‫‪-184-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫أمـا آن للمعرضيـ أن يدخلوا مـن باب الصـائمي ‪ ،‬على رب العاليـ ‪ ،‬ليجدوا‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الرمضانيّة‬
‫الرضوان ف مقام أمي ‪.‬‬
‫إن رمضان فرصة العمر السانة ‪ ،‬وموسم البضاعة الرابة ‪ ،‬والكفة الراجحة ‪ ،‬يوم‬
‫تعظم السنات ‪ ،‬وتكفّر السيئات ‪ ،‬وتُمحى الطيئات ‪.‬‬
‫إن ثياب العصـيان آن لاـ أن تلع فـ رمضان ‪ ،‬ليلبـس ال العبـد ثياب الرضوان ‪.‬‬
‫وليجود عليه بتوبة تحو ما كان من الذنب والبهتان ‪.‬‬
‫إن مضهى بيننها وبينهك عتهب‬

‫حيه شطهت عنها وعنهك الديارُ‬

‫فالقلوب الته تركهت كمها ههي‬

‫والدموع التهههه عهدت غزارُ‬

‫ف رمضان كانت فتوحاتنا ‪ ،‬وإشراقاتنا ‪ ،‬وغزواتنا ‪ ،‬وانتصاراتنا ‪.‬‬
‫ف رمضان نزل ذكرنا الكيم ‪ ،‬على رسولنا الكري ‪ ،‬وهو سر مدنا العظيم ‪.‬‬
‫ف رمضان التقى المعان ‪ ،‬جع الرحن وجع الشيطان ‪ ،‬ف بدر الكبى يوم رجح‬
‫ميزان اليان ‪ ،‬ون سف الطغيان ‪ ،‬وانزم ال سران ‪ .‬ف رمضان فت حت م كة بال سلم ‪،‬‬
‫وتاوت الصنام ‪ ،‬وارتفعت العلم ‪ ،‬وعلم اللل والرام ‪.‬‬
‫ف رمضان كا نت حط ي العظي مة ‪ ،‬يوم انت صرت رايات صلح الد ين الكري ة ‪،‬‬
‫وارتفعت اللة القوية ‪ ،‬وصارت راية الصليب يتيمة ‪.‬‬
‫صيام النفس ف رمضان عزوف عن النراف ‪ ،‬والنصراف والسراف والقتراف ‪،‬‬
‫فالنفـس تعلن الرجوع ‪ ،‬والقلب يمـل الشوع ‪ ،‬والبدن يعلوه الضوع ‪ ،‬والعيـ تود‬
‫بالدموع ‪.‬‬
‫لش هر رمضان وقار فل سباب ‪ ،‬ول اغتياب ‪ ،‬ول ني مة ‪ ،‬ول شتي مة ‪ ،‬ول بذاء ‪،‬‬
‫ول فحشاء ‪ ،‬وإنا أذكار واستغفار ‪ ،‬واستسلم للقهار ‪ ،‬فالسلمون ف رمضان كما قيل ‪:‬‬
‫هرٍ‬
‫هينون لينون أيسههار بنهو يُس ْ‬

‫أهههههل العبادة حفاظون للجارِ‬

‫ل ينطقون عهن الفحشاء إن نطقوا‬

‫ول يارون إن ماروا بإكثارِ‬

‫‪-185-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫مردة الشياط ي ف رمضان ت صفد بالقيود ‪ ،‬فل تقت حم الدود ‪ ،‬ول تالط النفوس‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الرمضانيّة‬
‫ف ذلك الزمن العدود ‪.‬‬
‫إذا سابّك أحد ف رمضان فقل إن صائم ‪ ،‬فليس عندي وقت للخصام ‪ ،‬وما عندي‬
‫زمن لسيء الكلم ‪ ،‬لن النفس خطمت عن الطيئة بطام ‪ ،‬وزمّت عن العصية بزمام ‪.‬‬
‫إذا قاتلك أ حد ف رمضان ف قل إ ن صائم فلن أح ل ال سلح ‪ ،‬لن ن ف مو سم‬
‫الصلح ‪ ،‬وف ميدان الفلح ‪ ،‬وف مراب حي على الفلح ‪.‬‬
‫اغسهل بنههر الدمهع آثار الوى‬

‫أحزانه‬
‫ِ‬
‫تنسهى الذي قهد مهر مهن‬

‫كان السـلف إذا دخـل رمضان ‪ ،‬أكثروا قراءة القرآن ‪ ،‬ولزموا الذكـر كـل آن ‪،‬‬
‫ورقعوا ثوب التوبة بالغفران ‪ ،‬لنه طالا تزق بيد العصيان ‪.‬‬
‫هذا الشهـر هـو غيـث القلوب ‪ ،‬بعـد جدب الذنوب ‪ ،‬وسـلوة الرواح بعـد فزع‬
‫الطوب ‪.‬‬
‫رمضان يذكرك بالائع ي ‪ ،‬وي بك بأن هناك بائ سي ‪ ،‬وأن ف العال ي م ساكي ‪،‬‬
‫لتكون عونا لخوانك السلمي ‪.‬‬
‫فرحة لك عند الفطار ‪ ،‬لن الم ذهب وطار ‪ ،‬وأصبحت على مائدة الغفار ‪ ،‬بعد‬
‫أن أحسنت ف النهار ‪.‬‬
‫وفرحة لك عند لقاء ربك ‪ ،‬إذا غفر ذنبك ‪ ،‬وأرضى قلبك ‪.‬‬
‫بعض السلف ف رمضان لزم السجد ‪ ،‬يتلو ويتعبد ‪ ،‬ويسبح ويتهجد ‪.‬‬
‫وبعضهم تصدق ف رمضان بثل ديته ثلث مرات ‪ ،‬لنه يعلم أن السنات ‪ ،‬يذهب‬
‫السيئات ‪ .‬وبعضهم حبس لسانه عن كل منكر ‪ ،‬وأعملها ف الذكر ‪ ،‬وأشغلها بالشكر ‪.‬‬
‫هذا شهـر اليات البينات ‪ ،‬وزمـن العظات ‪ ،‬ووقـت الصـدقات ‪ ،‬وليـس لقراءة‬
‫الجلت ‪ ،‬والساجلت ‪ ،‬وقتل الوقات ‪ ،‬والتعرض للحرمات ‪.‬‬

‫‪-186-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫سلم على الصائمي إذا جلسوا ف السحار ‪ ،‬يرددون الستغفار ‪ ،‬ويزجون الدمع‬
‫الدرار ‪ .‬وسلم عليهم إذا طلع الفجر ‪ ،‬وطمعوا ف الجر ‪ ،‬تراهم ف صلتم خاشعي ‪،‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الرمضانيّة‬
‫ولولهم خاضعي ‪.‬‬
‫و سلم علي هم ساعة الفطار ‪ ،‬ب عد ذلك الت سيار ‪ ،‬و قد جل سوا على مائدة اللك‬
‫الغفار ‪ ،‬يطلبون الجر على عمل النهار ‪.‬‬
‫سبحان من جاعت ف طاعته البطون ‪ ،‬وبكت من خشيته العيون ‪ ،‬وسهرت لرضاته‬
‫الفون ‪ ،‬وشفيت بقربه الظنون ‪.‬‬
‫ما أحسن الوع ف سبيله ‪ ،‬ما أجل السهر مع قيلة ‪ ،‬ما أبرك العمل بتنـزيله ‪ ،‬ما‬
‫أروع حفظ جيلة ‪.‬‬
‫لاه أحاديهث مهن ذكراك تشغلهها‬

‫عهن الطعام وتلهيهها عهن الزاد‬

‫لاه بوجههك نور تسهتضيء بهه‬

‫ومهن حديثهك فه أعقاباه حادي‬

‫إذا تشكهت كلل السهي أسهعفها‬

‫هد ميعاد‬
‫ها عنه‬
‫شوق القدوم فتحيه‬

‫ش هر رمضان الذي أنزل ف يه القرآن ‪ ،‬هدا ية للبشر ية ‪ ،‬و صلحا للن سانية ‪ ،‬ونا ية‬
‫للوثنية ‪ .‬القرآن حيث أصلح ال به القلوب ‪ ،‬وهدى به الشعوب ‪ ،‬فعمت بركته القطار‬
‫ودخل نوره كل دار ‪.‬‬
‫سهعتك يها قرآن قهد جئت بالبشرى‬
‫سهريت تزه الكون سهبحان الذي أسهرى‬

‫‪-187-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخباريّة‬

‫مــــة الَخباريّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ِ ‬تْلكَ مِنْ َأ ْنبَاءِ اْل َغ ْيبِ نُوحِيهَا ِإَل ْيكَ ‪‬‬
‫بينها ترى النسهان فيهها مبها‬

‫ألفيتههه خههبا مههن الخبارِ‬

‫طب عت على كدر وأ نت تريد ها‬

‫هن القذار والكدارِ‬
‫هفوا مه‬
‫صه‬

‫هذه أخبار الوحد ين ‪ ،‬من أنباء النبياء والر سلي ‪ ،‬وعباد ال ال صالي‪ ،‬من إذاعة‬
‫إياك نعبد وإياك نستعي ‪.‬‬
‫إليكم موجهز النبهاء ‪:‬‬
‫إبراهيم الليل ينجو من النار ‪ ،‬بقدرة العزيز البار ‪.‬‬
‫يوسف يلتقي بأبيه يعقوب بعد غياب طويل ‪ ،‬وصب جيل ‪.‬‬
‫موسى الكليم يضرب البحر بالعصى فينفلق ‪ ،‬وينجو من الغرق ‪.‬‬
‫ممد يعلن التوحيد ‪ ،‬الذي هو حق ال على العبيد ‪.‬‬
‫ف بدر ‪ :‬هزية ساحقة ماحقة للكفار ‪ ،‬وانتصار الهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫انتصار السلمي ف القادسيّة ‪ ،‬على اليوش الفارسيّة ‪.‬‬
‫عمر بن الطاب ‪ ،‬يقع شهيدا ف الحراب ‪.‬‬
‫عثمان بن عفان ‪ ،‬يقتل وهو يقرأ القرآن ‪.‬‬
‫علي بن أب طالب يستشهد ف السجد ‪ ،‬وهو يتعبد ‪.‬‬
‫خالد بن الوليد ‪ ،‬وكتائب التوحيد ‪ ،‬تزم جيش الروم العنيد ‪.‬‬
‫كان هذا هو الوجهز وإليكم تفصيل النبهاء ‪:‬‬
‫وضع إبراهيم الليل ف النجنيق ‪ ،‬ورمي به إل الريق ‪ ،‬فنادى الليل ‪ ،‬حسبنا ال‬‫ونعم الوكيل ‪ ،‬فقال للنار كون بردا وسلما ‪ ،‬فنجا إبراهيم وصار للناس إماما ‪،‬لن‬
‫ماء اليان ‪ ،‬يط فئ ل يب النيان ‪ ،‬ول ا رأى إبراه يم النار الحماة ‪ ،‬نادى ل سان الال‬
‫يا ال ‪ ،‬فتوله موله ‪ ،‬وكفاه وحاه ‪ ،‬وأنقذه وناه ‪ ،‬وهذا يدلك على أن ح سبنا ال‬
‫ونعم الوكيل ‪ ،‬أقوى من كل خطب جليل ‪ ،‬وكرب ثقيل ‪ ،‬وخطر وبيل ‪ ،‬لن من‬
‫‪-188-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخباريّة‬

‫معه ال فمعه القوة الت ل ترام ‪ ،‬والعزة الت ل تضام ‪ ،‬والعروة الت ليس لا انفصام ‪،‬‬
‫فأخلص له الطلب ‪ ،‬وقم با يب ‪ ،‬ترى العجب ‪.‬‬
‫يوسف يلقى أباه يعقوب ‪ ،‬بصر بعد أن كاده إخوانه وألقوه ف غيابة الب ‪ ،‬وبيع ف‬‫مصر وحبس بضع سني فشرد عن الهل وأبعد عن الوالد ‪ ،‬وأصبح ف حكم الفقود‬
‫الفاقـد ‪ ،‬والشرد الشارد ‪ ،‬فـ بلد غربـة ‪ ،‬وحالة كربـة ‪ ،‬وتعرضـت له امرأة ذات‬
‫منصب وجال ‪ ،‬فقال إن أخاف ال ذا اللل ‪ ،‬فنصره ال النصر العزيز ‪ ،‬وسخر له‬
‫العزيز ‪ ،‬وأصبح على خزائن مصر ‪ ،‬إمام العصر ‪ ،‬وسلطان القصر ‪ ،‬وجع ال له أبويه‬
‫لديـه ‪ ،‬وسـلموا عليـه ‪ ،‬وجعـ الشمـل ‪ ،‬وظهـر الفضـل ‪ ،‬وتتـ الفراح ‪ ،‬وزالت‬
‫التراح ‪ ،‬جزاء ال صب ‪ ،‬وطا عة ال مر ‪ ،‬وكا نت العاق بة للتقوى ‪ ،‬لن حزب ال هو‬
‫القوى ‪ ،‬فعفـا يوسـف عمـا بدر مـن إخوانـه ‪ ،‬فكان مضرب الثـل فـ اللم لهـل‬
‫زما نه ‪ ،‬ون سي ما م ضى ‪ ،‬ل نه ذ هب وانق ضى ‪ ،‬فطاب الجتماع ب عد النقطاع ‪،‬‬
‫وحصل الوئام بعد النفصام ‪ ،‬وتت النعمة وزالت النقمة ‪.‬‬
‫ خرج مو سى و ف قل به إياك نع بد وإياك ن ستعي ‪ ،‬فل ما صار وراءه فرعون اللع ي ‪،‬‬‫نادى موسى ‪ :‬كل إن معي رب سيهدين ‪ ،‬فأنى ال موسى ومن معه من الؤمني ‪،‬‬
‫وعفّر أ نف فرعون ف الط ي ‪ ،‬لن فرعون قال ‪ :‬ما عل مت ل كم من إله غيي و هو‬
‫كذاب ‪ ،‬فأراه ال أن أنـف الدعـي يرغ فـ التراب ‪ ،‬وكان الخذول يقول‪ :‬أليـس ل‬
‫ملك مصر وهذه النار تري من تت وما أجراه ‪ ،‬يفتخر بنهر ما أجراه ‪ ،‬فأجرى ال‬
‫الاء من على رأسه وأخزاه ‪.‬‬
‫بعث ف مكة رسول الداية ‪ ،‬ومبعوث العناية ‪ ،‬فكان التوحيد عنده البداية ‪ ،‬هتف به‬‫ف النائم ي ‪ ،‬وأعل نه ف العال ي ‪ ،‬فل إله إل ال أي نبأٍ عب القطار ‪ ،‬وأي خب شق‬
‫المصار ‪ ،‬سابقت الفجر كتائبه ‪ ،‬وأخجلت الغيث سحائبة ‪ ،‬أعاد الفطرة إل سيتا‬
‫على التوحيد ‪ ،‬وأحيا النفوس من رقدتا الكبى إل نار الدين الديد ‪ ،‬ففتح ال به‬
‫الساع والبصار ‪ ،‬وبشر بالنة وحذر من النار ‪.‬‬

‫‪-189-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخباريّة‬

‫وقعت غزوة بدر ‪ ،‬الفاصلة بي السلم والكفر ‪ ،‬حيث الباطل سُحق ‪ ،‬والزور مُحق‬‫ف بدر نزل جب يل ‪ ،‬على الر سول الل يل ‪ ،‬فانار ج يش الك فر الذل يل ‪ .‬اللئ كة مع‬
‫ال صحابة تقا تل ‪ ،‬و ف صف الؤمن ي تنازل ‪ ،‬ل قد اشتر كت ال سماء مع الرض ف‬
‫القتال ‪ ،‬فكان النصـر مـن نصـيب القـ ول يزال ‪ ،‬فـ بدر صـنعت ملحـم الفداء ‪،‬‬
‫ك ِبأَنّ اللّ َه َموْلَى الّذِي نَ آمَنُوا َوَأنّ اْلكَافِرِي نَ ل َموْلَى َلهُ مْ‬
‫ونسجت بردة الوفاء ‪ ،‬ذَلِ َ‬
‫قتل عمر بن الطاب ‪ ،‬ف الحراب ‪ ،‬طعنه أبو لؤلؤة النجس الجوسي فكان قتل عمر‬‫من أعظم الصائب ‪ ،‬ومن أفظع النوائب ‪ ،‬لنه كان حصنا للسنة ‪ ،‬وبابا دون الفتنة ‪،‬‬
‫ن شر العدل ‪ ،‬وم ا ال هل ‪ .‬و بث العلم ‪ ،‬ودوّن الدواو ين ‪ ،‬وك فل ال ساكي ‪ ،‬وجنّد‬
‫الجناد ‪ ،‬وحى به ال البلد ‪ ،‬وأسعد به العباد ‪ ،‬وبعدما قتل ‪ ،‬وقع ف المة خلل ‪،‬‬
‫وماجـت الفتـ ‪ ،‬وهاجـت الحـن ‪ .‬فإنـا ل وإنـا إليـه راجعون ‪ ،‬ولكمـه سـامعون‬
‫مطيعون‬
‫قتل عثمان ‪ ،‬وهو يتلو القرآن ‪ ،‬فوقع دمه على الصحف الكري ‪ ،‬وذهب هذا المام‬‫إل جوار ر بٍ رحيم ‪ ،‬بعدما جع القرآن من الصدور إل السطور ‪ ،‬وسابق إل كل‬
‫عمـل مـبور ‪ .‬وكان أحـد السـخياء العدوديـن ‪ ،‬والجواد الحموديـن ‪ ،‬قانتا آناء‬
‫الليـل ‪ ،‬بدموع كالسـيل ‪ ،‬مسـنا إل اليتام ‪ ،‬فهـو حسـنة اليام ‪ ،‬ل يلـ مـن تلوة‬
‫الكتاب ‪ ،‬ول يفتر من ذكر العذاب ‪.‬‬
‫و قع علي بن أ ب طالب شهيدا ‪ ،‬و سار إل ال شهيدا ‪ ،‬بعد ما ن صر اللة ‪ ،‬وأد خل‬‫على الكفر الذلة ‪ ،‬وقمع الوارج الارقي ‪ ،‬والبتدعة الفارقي ‪ ،‬وكان بطل الشاهد ‪،‬‬
‫و صاحب ال ساجد ‪ ،‬مع ز هد معروف ‪ ،‬وعلم مو صوف ‪ ،‬وف صاحة بار عة ‪ ،‬وع ي‬
‫دامعـة ‪ ،‬وهةـ عاليـة ‪ ،‬وأخلق غاليـة ‪ ،‬وهـو صـاحب الواقـف الحمودة ‪ ،‬والآثـر‬
‫الشهودة‬
‫هزم سيف ال السلول ‪ ،‬جيش الروم الخذول ‪ ،‬ورده على عقبيه مكسورا ‪ ،‬وطرده‬‫عن بلد ال سلم م سورا ‪ ،‬ب عد معر كة دام ية ‪ ،‬ووق عة حام ية ‪ ،‬ق تل في ها شهداء ‪،‬‬

‫‪-190-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وحضرها علماء ‪ ،‬ث أنزل ال نصره على أب سليمان ‪ ،‬وجند الرحن ‪ ،‬بعد مصاولة‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخباريّةو قع‬
‫وماولة فال سيوف تت صبب د ما ‪ ،‬والرض تثور ح ما ‪ ،‬والما جم تت ساقط على‬
‫الرماح ‪ ،‬والبطال ت صرع مع خروج الرواح ‪ ،‬فالمد ل على ن صره ‪ ،‬ونفاذ أمره ‪،‬‬
‫وعلو قدره ‪.‬‬
‫استمعتم إل نشرة الخبار ‪ ،‬أيها الخيار ‪ ،‬وإليكم حالة الطقس اليوم وغدا وأمس ‪.‬‬‫القلب مل بد بالغيوم ‪ ،‬من كثرة الموم ‪ ،‬وترا كم سحب الغموم ‪ ،‬رياح الذنوب تث ي‬
‫التربة ‪ ،‬على من له ف الطايا تربة ‪ ،‬موعد شروق شس التوحيد ‪ ،‬عند عودة العبيد‬
‫‪ ،‬إل الول الميـد ‪ ،‬يتوقـع نزول المطار ‪ ،‬وذهاب الخطار ‪ ،‬عنـد الكثار مـن‬
‫الستغفار ‪ ،‬يشى من نزول صواعق ‪ ،‬على كل كافر وخائن ومارق ‪.‬‬
‫نستودعكم ال ولنا لقاء ‪ ،‬مع تيات وكالة النباء ‪.‬‬

‫‪-191-‬‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مــــة الــحــ ّ‬
‫مقـا َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫منُوا أ َ َ‬
‫‪ ‬وَال‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫حبًّا لِل ّهِ‬
‫ِ‬
‫شد ُّ ُ‬
‫َ َ‬

‫ومهن عجهب أنه أحهن إليهمهو‬
‫وتطلبههم عينه وههم فه سهوادها‬

‫‪‬‬

‫فأ سأل عن هم من لق يت و هم م عي‬

‫ويشتاقههم قلبه وههم بيه أضلعهي‬

‫البـ على الحـبي فرض ‪ ،‬وبـه قامـت السـموات والرض ‪ ،‬مـن ل يدخـل جنـة‬
‫البـ ‪ ،‬لن ينال القرب ‪ ،‬بالبـ عُ بد الرب ‪ ،‬وتُرك الذنـب ‪ ،‬وهان ال طب ‪ ،‬واحت مل‬
‫الكرب ‪.‬‬
‫عقـل بل حـب ل يفكـر ‪ ،‬وعيـ بل حـب ل تبصـر ‪ ،‬وسـاء بل حـب ل تطـر ‪،‬‬
‫وروض بل حب ل يزهر ‪ ،‬وسفينة بل حب ل تبحر ‪.‬‬
‫بال ب تتآلف الجرة ‪ ،‬وبال ب تدوم ال سرة ‪ ،‬بال ب ترت سم على الث غر الب سمة ‪،‬‬
‫وتنطلق من الفجر النسمة ‪ ،‬وتشدو الطيور بالنغمة ‪ ،‬أرض بل حب صحراء ‪ ،‬وحديقة بل‬
‫حب جرداء ‪ ،‬ومقلة بل حب عمياء ‪ ،‬وأذن بل حب صماء ‪.‬‬
‫شكهها أل الفراق الناسههُ قبلي‬

‫وأم ّا مثهل مها ضمهت ضلوعهي‬

‫ههي وميْت ههُ‬
‫وروع بالوى حه‬

‫ه‬
‫فإنه مها سههمعت ول رأيت ُ‬

‫بالبّ تُرض عُ الم وليدَ ها ‪ ،‬وتروم النا قة وحيدَ ها ‪ .‬بال ب ي قع الوفاق ‪ ،‬وال ضم‬
‫والعناق ‪ ،‬وبالب يعم السلم ‪ ،‬والودّة والوئام ‪.‬‬
‫ال ب هو ب سِاط القرب ب ي الحباب ‪ ،‬وهو سياج الودة ب ي الصحاب ‪ .‬بالب‬
‫يفهـم الطلب كلم العلم ‪ ،‬وبالبـ يسـي اليـش وراء القائد ويتقدم ‪ ،‬وبالبـ تذعـن‬
‫الرعيّة ‪ ،‬ويعمل بالحكام الشرعية ‪ ،‬تصان الرمات ‪ ،‬وتقدس القربات ‪.‬‬
‫بيت ل يقوم على الب مهدوم ‪ ،‬جيش ل يمل الب مهزوم ‪ .‬لكن أعظم الب‬
‫َهـ ‪. ‬‬
‫حبّون ُ‬
‫ُمـ َويُ ِ‬
‫حّبه ْ‬
‫وأجلّه ‪ ،‬مـا جاءت بـه اللّة ‪ ،‬أجلـ كلمـة فـ البـ قول الرب ‪  :‬يُ ِ‬
‫فل تطلب حبا دونه ‪.‬‬

‫‪-192-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫ليههس حبا قطعههة معزوفههة‬

‫مههن يراع الشاعههر النتحههب‬

‫ليهههس حبا غزلٌ يطرنههها‬

‫فه سهطور الكاتهب الره البه‬

‫مها قفها نبكهي ههو البه ول‬

‫ههب‬
‫ههة البان وذكرى زينه‬
‫ظبيه‬

‫ههه‬
‫أو خطاب ههٌ بارع ههٌ نقه‬

‫والهههٌ يروي صههنوف العتههب‬

‫ههره‬
‫مههها درى منون ليلى سه‬

‫ههٌ ذاك هيام الصهههخب‬
‫عبثه‬

‫إناهه البهه دم تنهههزفهه‬

‫فهه سههبيل ال خيهه القرب‬

‫أو سههجودٌ خاشههع ترسههه‬

‫فوق خهد الطيه فاسهجد واقرب‬

‫أو دموع ثرة تبعثهههههههها‬

‫سهَحرا أصهدق مهن قلب الصهب‬

‫أ حب امرؤ الق يس فتاة ‪ ،‬وأ حب أ بو ج هل العزى ومناة ‪ ،‬وأ حب قارون الذ هب ‪،‬‬
‫وأحب الرئاسة أبو لب ‪ ،‬فأفلسوا جيعا ‪ ،‬لنم أخطؤوا خطأً شنيعا ‪.‬‬
‫أ ما حب بلل بن رباح ‪ ،‬ف هو الب وال صلح ‪ .‬سحب على الرمضاء ‪ ،‬فنادى رب‬
‫الرض والسماء ‪ ،‬انبعث من قلب الحب أَحدٌ أَحد ‪ ،‬لن ف القلب إيانا كجبل أُحد ‪.‬‬
‫إذا كان حهب الائميه مهن الورى‬

‫فماذا عسهى أن يصهنع الائم الذي‬

‫بليلى وسهلمى يسهلب اللب والعقل‬

‫سهرى قلبُهه شوقا إل العال العلى‬

‫مهـر النـة عنـد بلل السـنة ‪ ،‬ركعتان ودمعتان ‪ .‬البـ ل يعترف باللوان‬
‫ول بالوطان ‪ ،‬والدل يل بلل و سلمان ‪ ،‬بلل أب يض القلب أ سود البشرة ‪ ،‬ف صار بال ب‬
‫مع البرة ‪ ،‬وأبو لب بالبغض ليس من أهل البيت ‪ ،‬وسلمان نال بالب جائزة سلمان منا‬
‫أهل البيت ‪.‬‬
‫دعنـ مـن حـب منون ليلى ‪ ،‬ومبوب سـلمى ‪ ،‬ومعشوق عفرا ‪ ،‬فلطالاـ لطخـت‬
‫بأشعارهم الطروس ‪ ،‬وضاقت بأخبارهم النفوس ‪ ،‬وخدعت بقصائدهم الجيال ‪ ،‬واتبعهم‬
‫الضلل ‪.‬‬
‫حدثن عن أنباء النبياء ‪ ،‬وهم من أجل حب الرب يهجرون الباء والبناء ‪.‬‬
‫فإبراهيم يتبأ من أبيه ‪ ،‬ونوح من بنيه ‪ ،‬وامرأة فرعون تلغي بنفسها عقد النكاح ‪،‬‬
‫لن البقاء مع الكافر سفاح ‪.‬‬

‫‪-193-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫هذا هو عال ال ب بتضحياته ‪ ،‬بأفرا حه وأترا حه ‪ ،‬و هو حب ي صلك برضوان مَ نْ‬
‫رضاه مطلب ‪ ،‬وعفوه مكسب ‪.‬‬
‫وال مها نظرت عينه لغيكمهو‬

‫يا وا هب ال ب والشواق وال هج‬

‫كل الذ ين رووا ف ال ب ملح مة‬

‫ف آخر الصف أو ف أسفل الدرج‬

‫امرؤ القيس يصيح ف ند ‪ ،‬وقد غلبه الوجد ‪ ،‬قفا نب كِ فإذا بكاؤه على الطلل ‪،‬‬
‫وإذا دموعه تسفح على الرمال ‪ ،‬إنه هيام العقل بل وازع ‪ ،‬وحية النسان بل رادع ‪.‬‬
‫ورسولنا يذوق الويلت ‪ ،‬ويعيش النكبات ‪ ،‬ث ينادي موله ف ومناجاة إخبات‪،‬‬
‫ويقول ‪ :‬لك العتب حت ترضى ‪.‬‬
‫ل تضع عمري بشعر طرفة بن العبد ‪ ،‬وهو يشكو الب والصد ‪ ،‬حب ماذا ‪ ،‬يا‬
‫ّهـأَ َحدٌ ‪ ‬بتكرار ‪ ،‬فسـئل عـن‬
‫هذا ‪ ،‬أمـا علمـت أن أحـد النصـار ‪ ،‬كان يقرأ ‪ ‬قُ ْل ُهوَ الل ُ‬
‫الق صود ‪ ،‬قال ‪ :‬لن في ها مدح العبود ‪ ،‬وأ نا أ حب تلك البنود ‪ ،‬فد خل ال نة بالح بة ‪،‬‬
‫لن ال أحبه ‪.‬‬
‫دعنه أمسهح فوق الروض أجفانه‬

‫نسهيت فه حبكهم أهلي ومنتجعهي‬

‫فالنور موقده مهن بعهض أشجانه‬

‫فحبكهم عهن جيهع الناس ألانه‬

‫شغلو نا بالروايات الشرقيّة ‪ ،‬وال سرحيّة الغربيّة ‪ ،‬و يل هذا ال يل ويله ‪ ،‬سهر مع‬
‫غراميات ألف ليلة وليله ‪ ،‬وفـ الذكـر النــزل ‪ ،‬والديـث البجـل ‪ ،‬قصـص البـ‬
‫الصادقة ‪ ،‬والعان الناطقة ‪ ،‬ما يلب اللب ‪ ،‬ويستميل القلب ‪.‬‬
‫البهه ليههس روايههة شرقيههة‬

‫بأريههههههها يتزوّج البطالُ‬

‫البههه مبدأ دعوة قدسهههية‬

‫هم جللُ‬
‫هن النور العظيه‬
‫ها مه‬
‫فيهه‬

‫أخرجو نا يا قوم من ظلمات ع شق العراب ‪ ،‬واليام ف الهداب ‪ ،‬ف كل ما فوق‬
‫التراب تراب ‪ ،‬وأدخلونا ف عال الب الراقي ‪ ،‬والدواء الواقي ‪ ،‬الذي تطي له الرواح‪،‬‬
‫وتتز له الشباح ‪ ،‬ف ملكوت اللود ‪ ،‬وعلى بساط رب الوجود ‪.‬‬

‫‪-194-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫دع حب هؤلء فإن م مر ضى ‪ ،‬وتعال إل الوا حد وناد ‪َ :‬وعَجِلْ تُ إَِليْ كَ رَبّ‬
‫حقّ مِنْ َرّبهِ ْم َوَأمّا الّذِينَ َكفَرُوا َفَيقُولُونَ مَاذَا‬
‫َفَأمّا الّذِينَ آمَنُوا َفَيعَْلمُونَ َأنّهُ الْ َ‬
‫ِلتَرْضَى‬
‫أَرَادَ اللّ ُه ِبهَذَا َمَثلً ‪.‬‬
‫ف حالة البعد نف سي كنت أر سلها‬

‫وهذه دولة الشباح قههد حضرت‬

‫تقبهل الرض عنكهم وههي رائدته‬

‫فامدد يي نك كي ت ظى ب ا شف ت‬

‫حزة سيد الشهداء يزق الب تزيقا ‪ ،‬وأنتم تيمون بروايات غراميّة لفقت تلفيقا ‪،‬‬
‫نقول حدثونا عن الب عند ابن عباس ‪ ،‬فتذكرون لنا عشق أب نواس ‪ ،‬كفى جفاء ‪ ،‬فأمّا‬
‫الزبد فيذهب جُفاء ‪.‬‬
‫حب طل حة والزب ي ‪ ،‬أع ظم من حب شك سبي ‪ ،‬لن حب هم سطر ف بدر لرضاة‬
‫القوي العزيز ‪ ،‬وحب شكسبي كتب ف شوارع لندن لراهقي النليز ‪.‬‬
‫إن ك نت يا شا عر الغرب كت بت روا ية ال ب بال ب ‪ ،‬فال صحابة سجلوا ق صص‬
‫الحبة بدم الصب ‪.‬‬
‫ل تدري ربا عذبت ببك ‪ ،‬وكتب عنك عند ربك ‪ ،‬هذا فراق ما بين وبينك ‪،‬‬
‫ونن نسمع من أجل امرأة بكاءك وأنينك ‪.‬‬
‫جعلته البّ خدنا وصهاحبا‬
‫ُ‬
‫ولاه‬

‫ه‬
‫تركهت الوى والعشهق ينتحبان ِ‬

‫فل تسههمعن شكسههبي ولوه‬

‫ورنهههة عود أو غناء غوانههه‬

‫فلي فههه رحاب ال ملك ودولة‬

‫أ ظن ال سما والرض قد ح سدان‬

‫كلما خرج علينا شاعر ممور ‪ ،‬فاقد الشعور ‪ ،‬حفظنا شعره ف الصدور ‪ ،‬وكتبناه‬
‫ف السطور ‪ ،‬وقلنا ‪ :‬يا عال هذه قصصنا الغرامية ‪ ،‬ونسينا رسائلنا السلمية ‪ ،‬وفتوحاتنا‬
‫السماوية ‪ ،‬الت ذهلت النسانية ‪.‬‬
‫علمن الب من سورة الرحن ‪ ،‬ول تكدر خاطري بيام يا ظبية البان ‪ .‬أنا ما أحب‬
‫لغة العيون ‪ ،‬ولكن أحب لغة القلوب ‪ ،‬ول اتباع فلتات أب نواس والجنون ‪ .‬ولكن أرتع‬
‫ف رياض الكتاب الكنون َوِإنْ َل ْم ُت ْؤمِنُوا لِي فَا ْعتَزِلُونِ ‪.‬‬
‫ومعنفهي فه البه قلت له ‪ :‬اتئد‬

‫هي والعيون عيونه‬
‫هع دمعه‬
‫فالدمه‬

‫‪-195-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫ي وَالْمُ سْلِمَاتِ ‪ ،‬والغرام الرخ يص ف‬
‫ال ب ال صادق ف جام عة إِنّ الْمُ سِْلمِ َ‬
‫مسرح الفناني والفنّانات ‪ .‬استعرض نصوص الب ف وثيقة الوحي القدس ‪ ،‬لترى فيها‬
‫حياة النفس ‪ ،‬الب الرضي يقتل النسان بل قيمة ‪ ،‬والب السماوي يدعو العبد إل‬
‫حياة مستقيمة ‪ ،‬ليجد فضل ال ونعيمه ‪.‬‬
‫أرقههٌ على أرقههٍ ومثلي يأرق‬

‫ى يزيهد وعهبة تترقههرق‬
‫وجو ً‬

‫جههد الصهبابة أن تكون كمها أرى‬

‫عينا مسههههّدة وقلبا يفهههق‬

‫حب العز عند فرعون ‪ ،‬وحب الكنـز عند قارون ‪ ،‬وحب البنـز عند شارون ‪،‬‬
‫سنّة ‪ ،‬الذين حصلوا على أعظم مِنّه ‪.‬‬
‫أما حب النة ‪ ،‬فعند أبطال ال ُ‬
‫العد بن درهم ذُبح على البتداع ‪ ،‬وأنت تبخل بدمعة ف مراب التباع ‪.‬‬
‫سهقيناهو كأسها سهقونا بثلهها‬

‫بلغ نا ال سما جودا وفضلً و سؤددا‬

‫ولكننها كنها على الوت أصهبا‬

‫وإنهها لنرجههو فوق ذلك مظهرا‬

‫أتر يد من ال يل أن يب اللك العلم ‪ ،‬وي صلي خلف المام ‪ ،‬ويا فظ على تكبية‬
‫الحرام ‪ ،‬وأنت تُحفّظه رباعيات اليام ‪ ،‬ليبلّغهم رسالة ل بعث ول نشور ‪ ،‬أعـوذ بال‬
‫من تلك القشور ‪.‬‬
‫يا حاج ‪ ،‬أين حلة النهاج ‪ ،‬ما ترى كيف عشق المارة الجاج ‪ ،‬وقتل ف البدعة‬
‫اللج ‪ ،‬وأنت من أحرص الناس على حياة ‪ ،‬فبماذا تدخل النة يا أخاه ‪.‬‬
‫من تدا جي يا إبراه يم نا جي ‪ ،‬و من تكلم و من تنا جي ‪ :‬تقول يا فؤادي ر حم ال‬
‫الوى ‪ ،‬بل قتل ال الوى ‪.‬‬
‫من يشارك ف ثورة البز ‪ ،‬ل يضر معركة العز ‪ ،‬لا نسيت المة حب القلوب ‪،‬‬
‫وَل َت ِهنُوا وَل َتحْ َزنُوا‬

‫واشتغلت ببـ البطون ‪ ،‬رضيـت بالدون ‪ ،‬وعاشـت فـ هون ‪.‬‬
‫َوَأْنتُمْ ا َلعَْل ْونَ ِإنْ ُكنْتُ ْم ُم ْؤ ِمنِيَ ‪.‬‬
‫هل عند المة فراغ ف الزمان ‪ ،‬تسمع صوت الرمان ‪ ،‬وهو ينادي ‪:‬‬
‫إن العيون الته فه طرفهها حور‬
‫ي صرعن ذا اللب ح ت ل حراك به‬

‫قتلننهها ثهه ل يييهه قتلنهها‬

‫هانا‬
‫هف خلق ال إنسه‬
‫هن أضعه‬
‫وهه‬

‫‪-196-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫ب‬
‫مة الح ّ‬
‫مقا َ‬

‫نن باجة إل صوت خبيب بن عدي وهو يلقي قصيدة الفداء‪ ،‬على خشبة الفناء‪،‬‬
‫ف إصرار وإباء ‪ ،‬وصب ومضاء ‪:‬‬
‫ولسهت أبال حيه أُقتهل مسهلما‬

‫على أ يّ جن بٍ كان ف ال م صرعي‬

‫وذلك فهه ذات الله وإن يشههأ‬

‫يبارك على أشلء شلوٍ مزّعههههِ‬

‫بارك ال ف يك و ف أشلئك يا خبيب ‪ ،‬فأ نت إل قلوب نا حبيب ‪ .‬وَالّذِي نَ آ َمنُوا‬
‫َأشَدّ ُحبّا لِلّ هِ ‪ ،‬اللهم اجعلنا من يبك ويب من يبك ‪ ،‬ليؤنسنا قربك ‪ ،‬اللهم ازرع‬
‫شجرة حبك ف قلوبنا ‪ ،‬لنرى النور ف دروبنا ‪ ،‬وننجو من ذنوبنا ‪ ،‬ونطهر من عيوبنا ‪.‬‬
‫إليكههَ وإل ل تشههد الركائب‬
‫ههع‬
‫ههك وإل فالغرام مضيه‬
‫وفيه‬

‫ومنههك وإل فالؤمههل خائبههُ‬

‫وعنههك وإل فالحدث كاذبههُ‬

‫وإن تعجب فعجب أن ترى شاعرا بائسا ‪ ،‬يشكو طللً دارسا ‪ ،‬فهو يبكي من نار‬
‫الغرام ‪ ،‬ويشكـو أل اليام ‪ ،‬ولو سـافرت روحـه فـ عال اللكوت ‪ ،‬لصـار وحبـه عنده‬
‫كالقوت ‪ .‬لو أدرك عنترة السلم ما كبا ‪ ،‬وما قال ‪ :‬اذكري يا عبل أيام الصبا ‪.‬‬
‫جرير يشكو العيون السود ‪ ،‬وبشار يشكو الصدود ‪ ،‬والشريف الرضي يشكو فتنة‬
‫الدود ‪ ،‬وكأن الياة لدي هم اخت صرت ف امرأة ح سناء ‪ ،‬وكأن الع مر يت سع لذا الراء ‪،‬‬
‫ويسبون أن الناس من أجلهم تركوا النام ‪ ،‬وهجروا الطعام ‪ ،‬إذا افتخرنا على الغرب بأن‬
‫لدينا نساء حسناوات ‪ ،‬وفتيات فاتنات ‪ ،‬قالوا لنا ‪ :‬عندنا ف ذلك مسارح ومسرحيات ‪،‬‬
‫ومغامرات وغراميّات ‪ .‬لكن فخرنا على الناس أن لدينا رسالة ملت الكون نورا ‪ ،‬والعال‬
‫حبورا ‪ ،‬والدنيا طهورا ‪.‬‬
‫ننه الذيهن ملنها جونها كرما‬

‫والعال الخهر الشبوه فه ظلمهٍ‬

‫وقههد بعثنهها على قرآننهها أماهه‬
‫من يعبد النس أو من يعبد الصنما‬

‫‪-197-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النحويّة‬

‫مـــة الـنحــويّــــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬فََماِل هَؤُلءِ الَْقوْم ِ ل يَكَادُوَن يَْفَقهُوَن َحدِيثًا ‪‬‬

‫جَمّله النطهق بالنحهو فمهن‬

‫يرم العراب ف الن طق اخت بل‬

‫فاللسان العضب سيف مصلت‬

‫كم بسحر من حديث قد قتل‬

‫الل حن ف القوال ‪ ،‬أهون من الل حن ف الفعال ‪ ،‬لن الل حن ف الف عل يدل على‬
‫الهل وقلة العقل ‪ ،‬واللحن ف الكلم يدل على أن صاحبه ليس له بالعربيّة إلام ‪.‬‬
‫ونن ف زمن خفض الرفوع ‪ ،‬ورفع الوضوع ‪ ،‬وأصبح الجرور منصوبا ‪ ،‬والعلم‬
‫بالرـ مسـحوبا ‪ ،‬وأصـبحت النكرة معرفـة ‪ ،‬والوصـوف بل صـفة ‪ ،‬والبتدأ بل خـب ‪،‬‬
‫والفعال تر ‪ ،‬فانظر لال أهل التمييز ‪ ،‬كيف تركوا كل وصف عزيز ‪.‬‬
‫واعلم أن بعض اللحن ل يصلحه سيبويه ‪ ،‬ول يقيمه نفطويه ‪ ،‬ومن لن عند أول‬
‫الشان ‪ ،‬ذهب رأسه ف خب كانْ ‪ ،‬وكان جعفر البمكي عند الرشيد كالأمور ‪ ،‬فلما رفع‬
‫الجرور ‪ ،‬ترك رأسه ف البلط يدور ‪ ،‬وهذا أبو جعفر النصور ‪ ،‬لا رأى أبا مسلم يضم‬
‫الكسور ‪ ،‬جعل سيفه ف صدره كالضمي الستور ‪.‬‬
‫والعرب ل تبدأ بساكن ‪ ،‬لنا تب التنقل ف الساكن ‪ ،‬أما تراها فتحت بالسيوف‬
‫الوازم القطار ‪ ،‬وحررت من سوء الال المصار ‪ ،‬ول تقف على متحرك ‪ ،‬لنا تب‬
‫الساكن التنسك ‪ ،‬وتبغض التغي التهتك ‪.‬‬
‫الن حو ل يعترف بالن ساب ‪ ،‬ول يق يم وز نا للح ساب ‪ ،‬لن الول يد بن ع بد اللك‬
‫كان يلحن وهو من بن أمية ‪ ،‬وسيبويه عال ف النحو وهو من الديار العجمية ‪ ،‬والبخاري‬
‫كان ف صحة الكلم ل يارى ‪ ،‬وهو من بارى ‪.‬‬
‫هنا لن ف الذات ‪ ،‬ولن ف الصفات ‪ ،‬ولن ف الكلمات ‪ ،‬فلحن الذات التنكر‬
‫للمعبود ‪ ،‬وغبـش الرؤيـة للوجود ‪ ،‬ولنه الصهفات هجـر الداب ‪ ،‬والتنابـز باللقاب ‪،‬‬
‫ولن الكلمات ‪ ،‬الهل بالركات والسكنات ‪ ،‬والفتحات والضمّات ‪.‬‬
‫‪-198-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النحويّة‬

‫يقول النحاة ‪ :‬ضرب عمروٌ زيدا ‪ ،‬ومـا ذكروا لمـا وصـفا ول قيدا ‪ ،‬فإن كان‬
‫القصود عمرو بن العاص ‪ ،‬فهو من الواص ‪ ،‬وإن كان القصود عمرو بن معدي كرب ‪،‬‬
‫فهو القدام ساعة الغضب ‪ ،‬وإن كان القصود عمرو بن كلثوم ‪ ،‬فسيفه ف العداء مثلوم‪،‬‬
‫أما زيد فإن كان ابن ثابت ‪ ،‬ففي النصار نابت ‪ ،‬وإن كان ابن الطاب ‪ ،‬فقد قتل‬
‫ف سبيل الوهاب ‪ ،‬وإن كان ابن حارثة ‪ ،‬فهو أسد كل حادثة ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬كان معروف الكرخي العابد يلحن إذا نطق ‪ ،‬ولكنه يعرب ف الفعال فكلما‬
‫تكلم قالوا ‪ :‬صدق ‪.‬‬
‫بلل يتكلم البشيّـة ‪ ،‬وأبـو لبـ يتكلم القرشيّـة ‪ ،‬ففهـم بلل كلم ذي العزة‬
‫واللل ‪ ،‬ول يفهم أبو لب ‪ ،‬ما جاءت به الكتب ‪ ،‬لن قلب بلل أحب العرب المي‬
‫وقلب أب لب ف الكفر مهي ‪ .‬دخل جوهر الصقلي بان القاهرة ‪ ،‬بيوش باهرة ‪ ،‬فتكلم‬
‫بلغـة مغلوطـة ‪ ،‬كأن لسـانه مربوطـة ‪ ،‬قال له العرب ‪ :‬أنـت رجـل لّان ‪ ،‬ل تيـب فـ‬
‫المتحان ‪ ،‬أنت مول بل نسب ‪ ،‬ودخيل بل حسب ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬كيف ؟ وسل السيف ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا نسب ‪ ،‬ونثر الذهب ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا عرب‪،‬‬
‫هذا حسب ‪ ،‬فصار أفصح من سحبان ‪ ،‬فالسيف والذهب خطيبان ‪.‬‬
‫النتماء ليس للسان ول البلدان ‪ ،‬وإنا لليان والقرآن ‪ ،‬والدليل ‪،‬البخاري ممد بن‬
‫إ ساعيل ‪ ،‬والرد على مذ هب القوم ية الكر يه ‪ ،‬بكتاب سيبويه ‪ .‬أعجميان ل م كتابان ‪،‬‬
‫عظيمان عربيان ‪ ،‬البخاري أجـل كتاب فـ الصـحيح ‪ ،‬والكتاب لسـيبويه الذي بـز كـل‬
‫ف صيح ‪ .‬سيبويه ع صرنا ‪ ،‬وك سائي م صرنا ‪ ،‬من ير فع الفا عل ‪ ،‬وين صب الفعول ‪ ،‬فهذا‬
‫نوي مقبول ‪ ،‬يكفى الناس اليوم الجروميّة ‪ ،‬وإل تولت المة إل فارسية ورومية ‪.‬‬
‫يقول ابن مالك ‪:‬‬
‫اسهم وفعهل ثه حرف الكلم‬

‫كلمنها لفهظ مفيهد كاسهتقم‬

‫وهذا يقصد به القوال ‪ ،‬وأنا أقول ف الفعال ‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬

‫أفعالنها على الكتاب فاسهتقم‬

‫ك ما أمرت وابتعهد عن الت هم‬

‫ترفهع كان البتدا اسها والبه‬

‫هر‬
‫هيدا عمه‬
‫هبه ككان سه‬
‫تنصه‬

‫‪-199-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫أقول ‪:‬‬

‫يرفهع ربه مهن يصهدق البه‬

‫‪-200-‬‬

‫مثهل أبه بكهر الليهل وعمهر‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النحويّة‬

‫يقول هو والصهل فه الخبار أن تؤخرا‬

‫وجوّزوا التقديهه إذ ل ضررا‬

‫‪:‬‬
‫وأقول ‪:‬‬

‫وقدم الخيار مهن بيه الورى‬

‫وال صل ف الشرار أن تؤخرا‬

‫القرآن كاف شاف ‪ ،‬بل كشاف ‪ ،‬لن الزمشري ‪ ،‬ف سوق البدعة مشتري ‪ ،‬لن‬
‫ف العقيدة ‪ ،‬وأعرب ف الق صيدة ‪ ،‬لو شرب من مع ي ال سلف الاء الزلل ‪ ،‬ل ا ورد ن ر‬
‫العتزال ‪ .‬ب عض الظل مة من الرؤ ساء كان ف صيحا ‪ ،‬وظلم ظلما قبي حا ‪ ،‬قال ‪ :‬أ نا إمام‬
‫عادل ‪ ،‬وورع فاضل ‪ ،‬فقال شعبه ‪ :‬أنت عادل إمام ‪ ،‬ولكنك قدمت وأخّرت ف الكلم‬
‫لا لن اليل ف المع والثن ‪ ،‬ونسي سية الثن ‪ ،‬تعنّى وما بلغ ما تن ‪.‬‬
‫ضرب العتصـم أحدـ ‪ ،‬وتوعّد وهدّد ‪ ،‬فمـا أجاب برف ‪ ،‬لن أحدـ منوع مـن‬
‫الصرف ‪ ،‬أما أحد بن أب دُؤاد فصرف ف سوق الذهب ‪ ،‬لن الورع من قلبه ذهب ‪.‬‬
‫يا أيها السلمون ‪ :‬اصرفوا إسرائيل ولو كانت منوعة من الصرف ‪ ،‬لن للضرورة‬
‫أحكا ما ف الل غة والعرف ‪ .‬ل تد عك ال ساء وتن سى الفعال ‪ ،‬فن صي الد ين الطو سي ‪،‬‬
‫صار عدو الدين الجوسي ‪ ،‬لنه كسر رؤوس السلمي بالسيوف الازمة ‪ ،‬وأفت هولكو‬
‫تلك الفتاوى الثة ‪.‬‬
‫اشتغلنا بالفعل الاضي عن الفعل الضارع والمر ‪ ،‬فكلمنا ‪:‬‬
‫انتصرنا فيما مضى ‪ ،‬وهذا ذهب وانقضى ‪ ،‬وفتح أجدادنا البلد ‪ ،‬وأين فتحنا اليوم‬
‫يا أحفاد ‪ ،‬أسلفنا مبتدأ لكن أين الب ‪ ،‬ليتم الكلم العتب ‪:‬‬
‫والبهه الزء التههم الفائدة‬

‫كههه ال بر واليادي شاهدة‬

‫يقول النحاة ‪ :‬ال صغّر ‪ ،‬ل ي صغر ‪ .‬قلت ‪ :‬بل ي صغره ال يا أعراب ‪ ،‬أ ما رأي تم ما‬
‫فعل بسيلمة الكذاب ‪ ،‬كيف صغّره وحقّره ‪ ،‬وبالتراب عفّره ‪ .‬أما مسلمة بن عبد اللك‬
‫فلم يكن مصغّرا ‪ ،‬فعاش ماهدا مظفّرا ‪.‬‬
‫إذا رأيـت الصـفات تتقدم السـاء ‪ ،‬فاعلم أن العانـ هباء ‪ ،‬فالتأخرون يصـفون‬
‫البعـض ‪ ،‬عنـد العرض ‪ ،‬فيقولون ‪ :‬علمـة عصـره ‪ ،‬وفريدة دهرة ‪ ،‬وقدوة النام ‪ ،‬وعلم‬

‫‪-201-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النحويّة‬

‫العلم ‪ .‬بينما كان السلف يقولون ‪ :‬أبو بكر وعمر ‪ ،‬ول يذكرون النعوت والسي ‪ ،‬لن‬
‫العارف ل تعرّف ‪ ،‬وكامل الوصاف ل يوصف ‪.‬‬
‫احذر ثلث كلمات ‪ ،‬إذا وقعت بل إضافات صحيحات ‪.‬‬
‫كلمة أنا فهي مدح الشياطي ‪ ،‬لا قال كبيهم ‪ :‬أنا خي منه خلقتن من نار وخلقته‬
‫من طي ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬أنا العبد الضعيف ‪ ،‬أطلب عفو اللطيف ‪.‬‬
‫وكلمة ل قال فرعون ف القصر ‪ :‬أليس ل ملك مصر ‪ ،‬فصار ف اللك آية لكل‬
‫عصر ‪ ،‬ولكن قل ‪ :‬ل ذنوب ‪ ،‬أرجو رحة علم الغيوب ‪.‬‬
‫ـ بالسـف عـبة لكـل القرون ‪ ،‬ولكـن قـل ‪:‬‬
‫وكلمهة عندي قالاـ قارون ‪ ،‬فجعله ا‬
‫عندي تقصي ‪ ،‬يصلحه اللطيف البي ‪.‬‬
‫علي بن أب طالب مرفوع عندنا بي الفتح والفض ‪ ،‬فقد أخطأ فيه أهل النصب‬
‫والر فض ‪ ،‬فالنوا صب هضموا ح قه ‪ ،‬ون سوا صدقة ‪ ،‬والروا فض أنزلوه فوق الن ـزلة ‪،‬‬
‫فصار وصفهم مهزلة ‪.‬‬
‫فيا أيها الناصب ‪ :‬عليّ مرفوع وعلمة رفعه ‪ ،‬علو المة ‪ ،‬وتزكية رسول المة ‪.‬‬
‫ويا أيها الرافضي ‪ :‬ل تغالِ ‪ ،‬فعليّ بغي هذا الغلو عالِ ‪.‬‬
‫ذكر عن سيبويه ‪ ،‬ذلك العال الوجيه ‪ ،‬أنه أتى ليُعرّف اسم الللة ‪ ،‬فلما وقف أمام‬
‫كلمة ال وتذكر كماله ‪ ،‬وتأمل جاله ‪ .‬قال‪ :‬ال أعرف العارف ‪ ،‬ل يتاج إل تعريف ‪،‬‬
‫ومن جع الصفات ل ينقصه التوصيف ‪.‬‬
‫يا أنت يا أحسن الساء ف خلدي‬

‫شرفه‬
‫ِ‬
‫ماذا أعرف مهن عهز ومهن‬

‫تقاصهرت كلهها العلم إن ذكرت‬

‫أو صافكم قد روا ها ع نك كل وف‬

‫فارفهع شعائره وانصهب لدمتهه‬

‫وجهر رجلك فه ذل وفه أسهفِ‬

‫واجزم بكمتهه فه نصهر شرعتهه‬

‫و قف على ساكن التنيل كال سلفِ‬

‫خذ ها من الو حي نعتا للجل يل ول‬

‫وكهن مضافا إل أصهحاب طاعتهه‬

‫تأخذ من الهم والكشاف والنسفي‬
‫ول تعرف شقيا بات فهه ترفههِ‬

‫‪-202-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫النحويّة‬

‫قال شاب لحد الولياء ‪ :‬يا ليتن أدركت الرسول وكنت خادما بي يديه ؟‬
‫قال ‪ :‬لعلك ترحم بذا لن الضاف يأخذ حكم الضاف إليه ‪.‬‬
‫زاد اليهود نقطه ‪ ،‬فوقعوا ف ورطه ‪ ،‬وسقطوا سقطة ‪ ،‬قيل لم قولوا ‪ :‬حطه‬‫‪ ،‬فقالوا ‪ :‬حنطه ‪.‬‬
‫وزاد البتد عة حر فا ‪ ،‬ف صرفوا عن ال صواب صرفا ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ا ستول مكان‬‫استوى ‪ ،‬وهذا من الزيغ والوى ‪.‬‬
‫للوصف صلة بالسم ‪ ،‬فأبو بكر الصديق ‪ ،‬لا صدق ف القول والعتقاد ‪،‬‬‫عرف بذا الو صف ب ي العباد ‪ ،‬وع مر ع مر الدولة بالعدل ‪ ،‬وطرد ال هل ‪،‬‬
‫وعثمان بـن عفان ‪ ،‬عـف عـن كـل فان ‪ ،‬وعلي بـن أبـ طالب ‪ ،‬عل فـ‬
‫الناقب ‪ ،‬فسلم من الثالب ‪.‬‬
‫كن بالتوحيد مرفوع الامة ‪ ،‬وبالخلق منصوب القامة ‪ ،‬وليكن عليك من‬‫الصلح علمة ‪ ،‬لتنجو يوم القيامة ‪.‬‬
‫واعلم أن الزاح الباح مـا عارض بـه بعضهـم اللفيـة النحويـة ‪ ،‬وجعلهـا‬‫للمطاعم الشهية ‪.‬‬
‫قال ابن مالك ‪:‬‬

‫هل ف ه الخبار أن تؤخرا‬
‫والصه‬
‫هههه إذ ل ضررا‬
‫وجوّزوا التقديه‬

‫قال أحدهم ‪:‬‬

‫والصههل فهه الخباز أن تمّرا‬
‫وجوّزوا الفطيههههه إذ ل ضررا‬

‫وقال الشيخ ابن عثيمي كان له شيخ يقول على سبيل الزاح‬
‫ه الخباز أن تقمّرا‬
‫هل فه‬
‫والصه‬
‫وجوّزوا الترقيههههق إذ ل ضررا‬

‫‪-203-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬

‫مـــة الجـمـــال‬
‫مقـا َ‬

‫‪ ‬الَّذي أ َ‬
‫سن ك ُ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫ه‪‬‬
‫ق‬
‫َ‬
‫خل‬
‫ء‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬

‫ليههههههههس المال بئزرٍ‬

‫فاعلم وإن ُردّيههههههت بُرْدا‬

‫إن المال مآثرٌ‬

‫ومناقبههههٌ أورثههههن حدا‬

‫ال ج يل ي ب المال ‪ ،‬مو صوف باللل ‪ ،‬ان ظر ن جه ‪ ،‬و قد أن بت حدائق ذات‬
‫ب جة ‪ ،‬خلق الن سان ف أح سن تقو ي ‪ ،‬وأبدع الكائنات ف ت صوير م ستقيم ‪ ،‬جال ف‬
‫كواكـب السـماء ‪ ،‬وحسـن يكسـو الشياء ‪ ،‬نوم زاهرة ‪ ،‬وبار زاخرة ‪ ،‬كأن الرض‬
‫مكسوة بأحسن نسيج ‪ ،‬والدائق فيها من كل زوج بيج ‪ ،‬رسم المال ف الكائنات ‪،‬‬
‫وخط السن ف الخلوقات ‪.‬‬
‫المال ف العي بلونا السود ‪ ،‬وبفنها القعد ‪ ،‬بسحر نظرتا ‪ ،‬وروعة خطرتا ‪،‬‬
‫مدورة ف باء ‪ ،‬متحركة ف سناء ‪ ،‬لا ف الظلم بريق ‪ ،‬ولا ف الركة تلفت رشيق ‪،‬‬
‫عليها ر مش يميها ‪ ،‬ويغ سلها ول يدمي ها ‪ ،‬و هي ف ن ر من الاء ت سبح ‪ ،‬و ف هالة من‬
‫النور ترح ‪ ،‬ف نظر ها أ سرار ‪ ،‬و ف تلفت ها أخبار ‪ ،‬ل ا ل غة تفهم ها القلوب ‪ ،‬ول ا سحر‬
‫تكاد منه النفس تذوب ‪ .‬ف طرفها حور ‪ ،‬يقتل من نظر ‪ ،‬لا ف النفوس إياءات ‪ ،‬وف‬
‫الرواح إضاءات ‪ ،‬يعرف با الرضا والغضب ‪ ،‬والد واللّعب ‪:‬‬
‫فهه عيون الحههب أحرف وُدّ‬

‫هد الفراقهِ‬
‫سهطرت بالدموع عنه‬

‫قُتلت أنفسهههٌ بنظرة عيههه‬

‫وقلوب مشتاقهههة للتلقهههي‬

‫المال ف الفم وهو بالسن مبوك ‪ ،‬وبالسنان مسبوك ‪ ،‬يرسل الكلمات ‪ ،‬ويبعث‬
‫النغمات ‪ ،‬بلسان فصيح ‪ ،‬وصوت مليح ‪ ،‬ل ينطق حت يؤمر ‪ ،‬ول يسكت حت يزجر ‪،‬‬
‫جعَلْ لَ ُه عَْيَنيْ نِ * وَلِسَانًا َوشَ َفَتيْ نِ *‬
‫فيا له من خلق ما أبدعه ‪ ،‬ومن صنع ما أروعه أَلَ ْم َن ْ‬
‫ج َديْ نِ المال ف الو جه ‪ ،‬بطلع ته البه ية ‪ ،‬وإشراقا ته الرض ية ‪ ،‬ق سمات‬
‫َوهَ َدْينَا هُ النّ ْ‬
‫تر سم ‪ ،‬وقبلت عل يه من البهاء تب سم ‪ ،‬خد باء البشا شة ي سيل ‪ ،‬وطرف بإياء ال سن‬
‫كحيل ‪ ،‬دمع كالسيل ‪ ،‬وشعر كالليل ‪ .‬وجبي كالهنّد ‪ ،‬وفم منضّد ‪.‬‬

‫‪-204-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬

‫المال ف قامة النسان ‪ ،‬وروعة هذا البنيان ‪ ،‬أذنان وصِماخان ‪ ،‬وعينان نضاختان‪،‬‬
‫ويدان منافحتان ‪ ،‬ورجلن كادحتان ‪.‬‬
‫المال ف الروض الذاب ‪ ،‬بماله اللب ‪ ،‬طيور تلقي قصائد النان ‪ ،‬على منابر‬
‫الغصـان ‪ ،‬وحام ينشـد إلياذة الفراق ‪ ،‬على أطراف الوراق ‪ ،‬وماء يسـكب ‪ ،‬ونسـيم‬
‫يك تب ‪ ،‬أنار ودوح ‪ ،‬وم سك من الروض يفوح ‪ ،‬ح سن با هي ‪ ،‬وإبداع إل ي َسبّحْ‬
‫سوّى ‪.‬‬
‫ك العْلَى* الّذِي خَلَقَ فَ َ‬
‫اسْمَ َربّ َ‬
‫انظهر إل الروض واشههد أن مبدعهه‬

‫رب الوجود عظيههم القدر والشان‬

‫وسرح الطرف فيما شئت من حسن‬

‫مها بيه زههر وأطيار وأغصهان‬

‫المال ف الصبح إذا تنفس ‪ ،‬فسبحان من صوره وتقدس ‪ ،‬الصبح بطلعته السرة‪،‬‬
‫وإطلل ته الباهرة ‪ ،‬ال صبح و هو يغ شى العال ‪ ،‬وي ر على كل قا عد وقائم ‪ ،‬ال صبح و هو‬
‫ينشر عباءته الذهبية على الوجود ‪ ،‬فيكاد يكلمه من ح سنه اللمود ‪ ،‬الصبح يوم يتوضأ‬
‫الفكر ف عباب نوره ‪ ،‬ويغتسل القلب ف بر سروره ‪ ،‬وتسرح النفس ف مهرجان عرسه‪،‬‬
‫وتنصت الروح لمسه وجرسه ‪.‬‬
‫المال ف الليل إذا عسعس ‪ ،‬وأقبل ف هدوء يتوجس ‪ ،‬يقبل الليل بردائه السود ‪،‬‬
‫وشعره الجعـد ‪ ،‬فيسـتر الحياء بثيابـه ‪ ،‬ويضـع الشياء تتـ جلبابـه ‪ ،‬فيمل بيشـه‬
‫الساكن ‪ ،‬فكل متحرك ساكن ‪ ،‬والليل له هيبة ف العيون ‪ ،‬كأنه كتيبه تمل النون ‪.‬‬
‫مههن ل يرى هذا الوجود بقلبههه‬

‫خسههههر المال ول ترى عيناه‬

‫فافتههح كتاب الكون تقرأ قصههة‬

‫ههل فه الوجود حقيقهة إل ههو‬

‫المال ف الشمس وهي على الكون تتبج ‪ ،‬ليتمتع ف السن كل حيّ ويتفرج ‪،‬‬
‫أش عة تعا نق الع ي ف صفاء ‪ ،‬وتدا عب الروح ف وفاء ‪ ،‬نور يطارد الظلم ‪ ،‬ويب عث ف‬
‫الكون الشراق والوئام ‪ ،‬الشمـس جرم هائل مـن النور ‪ ،‬فيهـا معانـ الفرح والسـرور ‪،‬‬
‫تري لستقر لا ‪ ،‬فويل لن غفل عن آياته ولا ‪.‬‬
‫تقول الشمهس يها بلقيهس إنه‬

‫كمثلك أعبههد الحههد الجيدا‬

‫حرام تسههجدين لنهها فهيهها‬

‫نري رب الورى منهها سههجودا‬
‫‪-205-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬

‫المال ف القمر يوم يبدأ علينا بذا الوجه الصبيح ‪ ،‬والنظر الليح ‪ ،‬هالة من الصفاء‪،‬‬
‫وفيض من السناء ‪ ،‬ينل أبراجه ف وقار ‪ ،‬ويطارد الظلم بالنوار ‪ ،‬كثيُ إحسان ‪ ،‬حبيبٌ‬
‫إل كل إن سان ‪ ،‬إذا خ سف ب كى الناس ‪ ،‬كأن حل ب م الباس ‪ ،‬يتدرج ف الن مو ح ت‬
‫يكتمل ‪ ،‬ويهرم شيئا فشيئا حت يضمحل ‪ ،‬فسبحان من صوّر ودبّر ‪ ،‬وزين القمر وكوّر‪.‬‬
‫يههها بدر كهههم لك منهههة‬

‫يهها أيههها الشيههخ الليههل‬

‫ل تبتعهههد عهههن دارنههها‬

‫يهها صههاحب الوجههه الميههل‬

‫عرفوا الياة بكهههل جيهههل‬

‫رافقههت مههن غههبوا ومههن‬

‫والمال ف النجوم اللّمعة ‪ ،‬والكواكب الساطعة ‪ ،‬انظر إل السماء ‪ ،‬ف الظلماء ‪،‬‬
‫وقد رصع تاجها بالنجوم ‪ ،‬الت تذهب رؤيتها الموم والغموم ‪ ،‬مهرجان حي من السن‬
‫البا هر ‪ ،‬ح فل ب يج من اللل الظا هر ‪ ،‬الوزاء تض حك ف الظلماء ‪ ،‬كأن ا ح سناء ف‬
‫قصر أحد العظماء ‪ ،‬الثريا ف صويباتا ‪ ،‬ومع رفيقاتا ‪ ،‬ف مشهد عجيب ‪ ،‬وف صمت‬
‫رهيب ‪ ،‬سُهيل وقد هجر الميع واعتزل ‪ ،‬وهو واقف ما مشى وما نزل ‪ ،‬آلف النجوم‬
‫تمل هذا الفضاء الكبي ‪ ،‬بتقدير اللطيف البي ‪ ،‬نم تراه عن الميع شاردا ‪ ،‬ونم يرق‬
‫ماردا ‪ ،‬ون م يُعرف به ال سفر ‪ ،‬وي ستدل به البدو وال ضر ‪ ،‬ون م إن ا هو زي نه ‪ ،‬لذه‬
‫السماء السينة ‪.‬‬
‫أل تههر هذا الكون فهه صههنعه عههب‬
‫هب‬
‫هه خه‬
‫هء ف ه طليعته‬
‫هل شيه‬
‫وف ه كه‬
‫كأن الثريههها علقهههت ببهههينه‬
‫وفه جيده الشعرى وفه وجههه القمهر‬

‫المال ف البال ‪ ،‬بالوقار قائمه ‪ ،‬وف جلل القدر هائمة ‪ ،‬ثابتة على مر الزمان ‪،‬‬
‫باقية ما تعاقب الدثان ‪ ،‬تر با الرياح الوجاء ‪ ،‬وهي صامدة صمّاء ‪.‬‬
‫عاش مع ها ثود وعاد ‪ ،‬و ساسان وشداد ‪ ،‬و هي باق ية وال مع قد باد ‪ ،‬صاحبت‬
‫القرون ‪ ،‬وشاهدت فرعون وقارون ‪ ،‬فبقيــت وهــم ماتوا ‪ ،‬وحضرت وهــم فاتوا‬
‫صفًا * ل تَرَى فِيهَا‬
‫ص ْف َ‬
‫جبَالِ َفقُ ْل يَن سِ ُفهَا َربّي نَ سْفًا * َفيَ َذ ُرهَا قَاعًا َ‬
‫ك عَ ْن الْ ِ‬
‫سأَلُونَ َ‬
‫َويَ ْ‬
‫ِعوَجًا وَل َأ ْمتًا ‪ .‬وكل ما مر يدخل ف جال الذات ‪ ،‬وحسن الصفات ‪.‬‬
‫‪-206-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬

‫أما جال العن ‪ ،‬فكن معنا ‪ ،‬ول تذهب وتدعنا ‪.‬‬
‫فمـن ذلك جال البيان ‪ ،‬مثلمـا أشرقـت بـه شسـ القرآن ‪ ،‬أمـا رأيـت حسـن هذا‬
‫الكتاب القدس ‪ ،‬الذي على الصدق تأسس ‪.‬‬
‫تأثي يسافر إل أعماق الرواح ‪ ،‬وأسر يشد ما اهتز من الصور والشباح ‪ ،‬نبأ يقف‬
‫العاقل متفكرا ‪ ،‬وخب يعل النسان متذكرا ‪ ،‬حقيقة تغوص ف الضمائر ‪ ،‬وطهر يرسخ‬
‫ف السرائر ‪ ،‬موكب من النور يتث أكوام الرذيلة ‪ ،‬فيض من الق يمل معان الفضيلة ‪،‬‬
‫قافلة من ال صلح تطوي صحراء النفوس طيا ‪ ،‬نر من الب يروي القلوب العطشى رِيّا ‪،‬‬
‫ـالة ‪،‬‬
‫ـلسة وطلوة ‪ ،‬قوة وأصـ‬
‫ـة وحلوة ‪ ،‬وسـ‬
‫إياء وإياز ‪ ،‬وإفحام وإعجاز ‪ ،‬عذوبـ‬
‫فصاحة وجزالة ‪ ،‬لغة جيلة ‪ ،‬مقاصد جليلة ‪ ،‬براعة استهلل ‪ ،‬وحسن تفصيل وإجال ‪،‬‬
‫يسافر بقلبك إل عال اللود ‪ ،‬ويرتل بروحك إل حقيقة الوجود ‪ ،‬ويغسل ضميك من‬
‫لوثـة اليانـة ‪ ،‬ويطهـر كيانـك باء المانـة ‪ ،‬مشاهـد وصـور ‪ ،‬وأحداث وعـب ‪ ،‬وأخبار‬
‫وسـي ‪ ،‬وقصـص وأمثال ‪ ،‬وأفعال وأقوال ‪ ،‬عال الياة بأريهـ وضجيجـه ‪ ،‬وعال الوت‬
‫بأناتـه ونشيجـه ‪ ،‬دول ترـ مـر السـحاب ‪ ،‬وملوك تدس فـ التراب ‪ ،‬تقرأ هذه العجزة‬
‫الالدة ‪ ،‬فإذا المـم البائدة ‪ ،‬حضارات تسـقط كأوراق التوت ‪ ،‬ومالك تتهاوى كـبيت‬
‫العنكبوت ‪ ،‬والقرآن يناديك من أطراف لبك ‪ ،‬ومن سويداء قلبك ‪ ،‬تدبر يا عبد ‪ ،‬جد‬
‫فإن المر جد ‪ ،‬ودع الرد والصد ‪ ،‬استفق يا إنسان ‪ ،‬اهجر عال الغفلة والنسيان ‪.‬‬
‫انب عث من قبور الشقياء ‪ ،‬وتعال إل جنات التقياء ‪ ،‬ان فض غبار الوثن ية ‪ ،‬ار فض‬
‫وساوس الاهلية ‪ ،‬أعتق رقبتك من النار ‪ ،‬حصن نفسك من البوار‪ ،‬ارفع رأسك ف ساء‬
‫الكرامة ‪ ،‬أنت من أمة اللفة والمامة ‪ ،‬تقدم لصلح العال ‪ ،‬فالكل سواك هائم عائم ‪.‬‬
‫سهعتك يها قرآن والليهل واجهم‬

‫سريت تز الكون سبحان الذي أسرى‬

‫فتحنها بهك الدنيها فأشرق نورهها‬

‫فسهههل دولة الخبار يرموك أو بدرا‬

‫أيها النسان ‪ ،‬شاهد الكون ‪ ،‬بعي اليان ‪ ،‬تنظر للشوك ول ترى الزهور ‪ ،‬تشاهد‬
‫ال سن ول تب صر الطهور ‪ ،‬يهولك الل يل بالظلم ‪ ،‬ول ت ستمتع ببدر التمام ‪ ،‬تش كو من‬
‫حرارة الشمس اللذعة ‪ ،‬ول تتلذذ بتلك الشعة الساطعة ‪.‬‬
‫‪-207-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الجمال‬
‫مقا َ‬

‫ت ستوحش من وحدة ال صحراء ‪ ،‬ول يؤن سك في ها رو عة الياء ‪ ،‬ما لك تزع جك‬
‫الرياح الوجاء ‪ ،‬فأ ين ح سنها إذا زار تك و هي رخاء ‪ ،‬تن ظر إل ال صخر ك يف تجّر ‪،‬‬
‫ول تنظـر إل الاء منـه كيـف تفجـر ‪ ،‬تبصـر رداءة التراب ‪ ،‬ول تدرك أنـه مادة الناب‬
‫والخصـاب ‪ ،‬ل ترى مـن السـيل إل الدمار ‪ ،‬وهـو مصـدر النماء والعمار ‪ ،‬تأخـذ مـن‬
‫الصيبة العويل ‪ ،‬وتنسى الجر الزيل ‪.‬‬
‫ت ضع على عين يك نظراة سوداء ‪ ،‬لترى الياة جرداء مرداء ‪ ،‬فأ ين الندى وال طل ‪،‬‬
‫وأين الضرة والظل ‪ ،‬تسمع نعيق الغراب ‪ ،‬ول تنصت لديل المام الذاب ‪ ،‬ان ظر إل‬
‫الياة فـ ثياب جالاـ ‪ ،‬وفـ رداء جللاـ ‪ ،‬شاهـد الكون وهـو فـ عباءة البهاء ‪ ،‬وحلة‬
‫ال سناء ‪ ،‬طالع العال بع ي ال ب ‪ ،‬لتشا هد بد يع صنع الرب ‪ ،‬واعلم أن الحود إلاد ‪،‬‬
‫والتنكـر فسـاد ‪ ،‬ومـن ل يشاهـد إل القبيـح ‪ ،‬فرأيـه غيـ صـحيح قُ ْل انْظُرُوا مَاذَا فِي‬
‫هَذَا خَلْقُ اللّهِ َفأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الّذِينَ مِنْ دُونِهِ ‪.‬‬
‫ت وَالَ ْرضِ‬
‫السّمَاوَا ِ‬

‫‪-208-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفقهي ّةَ‬

‫مـــة الـفقـهـيَّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬فََفهَّْمنَاهَا ُسلَيَْماَن ‪‬‬

‫يأبه السهؤال فل يراجهع هيبهة‬

‫ه‬
‫والسهائلون نواكهس الذقان ِ‬

‫أدب الوقار وعهز سهلطان التقهى‬

‫فههو الطاع وليهس ذا سهلطانِ‬

‫من يرد ال به خيا يفقهه ف الدين ‪ ،‬والفقهاء أفضل من العابدين ‪ .‬بل فقيه واحد ‪،‬‬
‫أ شد على الشيطان من ألف عا بد ‪ ،‬والتفا ضل ل يس بشجا عة الشجعان ‪ ،‬فل يس ال سد‬
‫أف ضل من الن سان ‪ ،‬والن سان ل يراد م نه ال صارعة ‪ ،‬بل الحاجّة بالدل يل والقار عة ‪،‬‬
‫وليـس الدح بقوة البنيان ‪ ،‬وهـل عظمـت بقوة أجسـامها الثيان ‪ ،‬ولكـن العبـد يراد منـه‬
‫الفهـم ‪ ،‬ويفضـل بالعلم ‪ ،‬فإذا فقـه الجـة ‪ ،‬وعرف الحجـة ‪ ،‬نال السـعادة البديـة ‪،‬‬
‫والفضيلة ال سرمدية ‪ ،‬و قد عيّر ال أعداءه بعدم الف قه ف آيا ته ‪ ،‬وو صفهم ب سوء الف هم‬
‫لبيّناتـه ‪ .‬وقـد وصـف النافقون بضخامـة الجسـام ‪ ،‬والتشدق فـ الكلم ‪ ،‬لكنهـم ذموا‬
‫بالفهم السقيم ‪ ،‬ووصموا بالرأي العقيم ‪ ،‬فقد حرمهم ال نور البصية ‪ ،‬لبث السريرة ‪،‬‬
‫ول سوء ال سية ‪ ،‬فل يس التما يز بكثرة الال ‪ ،‬ول بصـفة المال ‪ ،‬ول بكمال القوه ‪ ،‬ول‬
‫بتمام القوه ‪ ،‬إنا التمايز بتفاضل العقول ‪ ،‬ف سوق الرد والقبول ‪ .‬فهنيئا لن ترك العنق ف‬
‫سيه ون صّ ‪ ،‬وا ستنبط من ال نص ‪ ،‬فإن تقل يب الب صية ف صفحات الدلة ‪ ،‬من أع ظم‬
‫حسنات خدّام اللة ‪ ،‬وإن تديق القلب ف مناجم الثار ‪ ،‬من أفضل أعمال البرار ‪ ،‬وهل‬
‫فاق وبز ‪ ،‬إل من بالوحي اعتز ‪ ،‬فليس العلم بكثرة الرواية ‪ ،‬ولكنه بالفقه والدراية‪ ،‬وليس‬
‫الفقـه كلما يفـظ ‪ ،‬ول جلً تلفـظ ‪ ،‬بـل فهـم عـن ال وعـن رسـوله ‪ ،‬ومعرفـة القول‬
‫بدليله ‪ ،‬ول يس الف قه حكا ية آراء الرجال ‪ ،‬وج ع الق يل والقال ‪ ،‬بل الف قه معر فة مقا صد‬
‫الشريعة ‪ ،‬واستنباط العان البديعة ‪ .‬وانظر لبن عباس ‪ ،‬كيف بز الناس ‪ ،‬لا دعا له بالفقه‬
‫ف الد ين ‪ ،‬سيد الرسلي ‪ ،‬ول ا تكلم الزناد قة ‪ ،‬والفر قة الار قة ‪ ،‬ف أ صحاب الديث ‪،‬‬
‫واستهزؤوا بسعيهم الثيث ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنم ينقلون أحاديث ليس لا معان ‪ ،‬ول تقوم على‬
‫مبان ‪ ،‬مثل يا أبا عمي ‪ ،‬ما فعل النغي ‪ ،‬تصدى لم ممد بن إدريس ‪ ،‬فاستنبط كل معن‬

‫‪-209-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفقهيَّة‬

‫نف يس ‪ ،‬فأفحم هم ‪ ،‬و ف كل بلء أقحم هم ‪ ،‬وق يل ل بن عباس ‪ ،‬ف ملس إيناس ‪ ،‬ب‬
‫حصلت على هذا العلم ‪ ،‬ووصلت إل هذا الفهم ؟ قال ‪ :‬بلسان سؤول ‪ ،‬وقلب عقول ‪،‬‬
‫وام ت ال على سليمان ‪ ،‬وفضله على أب يه ف معر فة البهان ‪ ،‬ل ا ح ضر لد يه ال صمان ‪،‬‬
‫قال بعض العلماء ‪ :‬الفقه ما دلك على الرشاد ‪ ،‬وأبعدك عن الفساد ‪ ،‬ومن سجايا الفقيه ‪،‬‬
‫صبه على السفيه ‪ ،‬ومانبته كل أمر كريه ‪ ،‬فمن عقل عن ال أمره ‪ ،‬وعرف قدره ‪ ،‬فهو‬
‫العال العارف ‪ ،‬والتقي الائف ‪.‬‬
‫كان أبو حنيفة يبيع البز ‪ ،‬ث نال بالفقه العز ‪ ،‬كلما أعضلت الشكلت ‪ ،‬أخرج من‬
‫دماغه القبسات النيّرات ‪ ،‬فحلها برأي جزيل ‪ ،‬وفهم جليل ‪.‬‬
‫الفقه أغلى بضاعة ف سوق العلوم ‪ ،‬وأشرف مواهب القوم ‪ ،‬فإنك تد الفقيه مل‬
‫العتبار ‪ ،‬ترم قه الب صار ‪ ،‬ويعظ مه ذوو الخطار ‪ ،‬لن حا جة الناس إل الف قه شديدة ‪،‬‬
‫ومالس الفقهاء ل كل الطبقات مفيدة ‪ ،‬و قد ت د الر جل ف الل غة من العيان ‪ ،‬يشار إل يه‬
‫بالبنان ‪ ،‬وترى النحوي أصبح مرجعا ف علمه ‪ ،‬جهبذا ف فهمه ‪ ،‬وتبصر الشاعر بشعره‬
‫لبـ السـامع ‪ ،‬وتشاهـد الطيـب ‪ ،‬يسـتول على القلوب ‪ ،‬ويأتـ بالقول‬
‫الرائع يلب ّ‬
‫الحبوب ‪ ،‬غ ي أن الفق يه الربّا ن ‪ ،‬ي مع ما سن العا ن ‪ ،‬ويبلغ بم ته الما ن ‪ ،‬و قد بز‬
‫ال كل ‪ ،‬وارت قى ال حل ال جل ‪ ،‬لعظ يم حا جة الناس إل يه ‪ ،‬وتزاح هم عل يه ‪ ،‬و قد عر فت‬
‫بالتجربة ‪ ،‬أن الفقه أج ّل موهبة ‪ ،‬إذا قرن بالدليل ‪ ،‬وبن على التأصيل ‪ ،‬فإن رأيت الفقيه‬
‫إماما ‪ ،‬وف كل جع مقداما ‪ ،‬وحضرت اجتماعات ‪ ،‬وندوات ‪ ،‬وماضرات وأمسيات ‪،‬‬
‫فإذا الف قه أع ظم مطلوب ‪ ،‬وأ جل موهوب ‪ ،‬فالفقهاء يُ سألون ف أع ضل ال سائل ‪ ،‬وت فد‬
‫ل م من القطار الر سائل ‪ ،‬وال كل ين صت للفق يه ب ا يقرره ويل يه ‪ ،‬فالم يع ي صحح على‬
‫الفقيـه عبادتـه ‪ ،‬والسـلطان يقوي بالفقهاء سـيادته ‪ ،‬ولو لنـ فـ الطاب ‪ ،‬وأبطـأ فـ‬
‫الواب ‪ ،‬ولو ق صر ف التأر يخ ل ا قابلوه بالتوب يخ ‪ ،‬ل كن من ق صر ف الحكام ‪ ،‬قو بل‬
‫باللم من كافّة النام ‪ ،‬فالعلم ما دل على الرب ‪ ،‬وصلح به القلب ‪ ،‬وهجر به الذنب ‪،‬‬
‫وما سواه فليس بذي بال ‪ ،‬ولو تشدق به الرجال ‪ ،‬وقد عرفنا من دَرَس الفقه سنوات ‪،‬‬
‫فصار به من ال سادات ‪ ،‬وعرفنا من أفن عمره ف بعض الفنون ‪ ،‬وهو ف خانة النسيان‬
‫مدفون ‪ ،‬ل ي ستفد م نه أ حد ‪ ،‬ول يعر فه أ هل البلد ‪ ،‬وال سبب ف اهتمام الب شر ‪ ،‬بف قه‬
‫‪-210-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفقهيَّة‬

‫الثر ‪ ،‬لن علم الكتاب والسنّة ‪ ،‬أقرب طريق إل النّة ‪ ،‬فبهذا عظم قدر فقهاء السلم ‪،‬‬
‫على م ّر اليام ‪ ،‬فهـم طائفـة الوقعيـ ‪ ،‬عـن رب العاليـ ‪ ،‬وهـم سـرج الظلماء ‪،‬‬
‫وغيث السماء ‪.‬‬
‫ز ين ال ب م ال مة ب ي ال مم ‪ ،‬ك ما ز ين ال سماء بالنجوم ف الظلم ‪ ،‬ف هم كتي بة‬
‫الديانـة‪ ،‬وحلة المانـة ‪ ،‬وحراس النهاج ‪ ،‬وفرسـان الجاج ‪ ،‬وهـم حفاظ النصـوص‬
‫الشرعية ‪ ،‬وماربو الطرق البدعية ‪ ،‬كلما تسلق إل ساء الشرع كاذب ‪ ،‬أحرقوه بشهاب‬
‫ثا قب ‪ ،‬و صبوا عل يه العذاب الوا صب ‪ ،‬فتوى ف صحيفة ‪ ،‬أقوى من قذي فة ‪ ،‬وم سألة‬
‫بدليـل ‪ ،‬أفضـل مـن مال جزيـل ‪ ،‬بفتوى الفقهاء تقـن الدماء ‪ ،‬ويفصـل بيـ الناس فـ‬
‫ـم المراء ‪ ،‬ويترم‬
‫ـذ أحكامهـ‬
‫ـذ الشروط والقيود ‪ ،‬ينفـ‬
‫القضاء ‪ ،‬وتقام الدود ‪ ،‬وتنفـ‬
‫كلمهم الوزراء ‪ ،‬ويقوم بفتواهم البيع والشراء ‪ ،‬وتلّهم الحاكم ‪ ،‬وتتزين بم الواسم ‪،‬‬
‫يوقر الناس ما سطروه ‪ ،‬ويتبعون ما حرّروه ‪ ،‬ويتناقل حديثهم الركبان ‪ ،‬وتطي مسائلهم‬
‫فـ البلدان ‪ ،‬يتشوق العال لخبارهـم ‪ ،‬ويفـد الطلب إل ديارهـم ‪ ،‬وليتهـم ل تقبـل‬
‫العزل ‪ ،‬وقولم فصل ليس بالزل ‪ ،‬والناس ينتظرون أقوالم ‪ ،‬ويقلدون أفعالم ‪ ،‬تشيعهم‬
‫البصار ‪ ،‬ويدعو لم الخيار ‪ ،‬يتباشر الناس بقدومهم ‪ ،‬وينهلون من علومهم ‪ ،‬فهم ف‬
‫الوجود كالتيجان ‪ ،‬وكلمهم كالرجان ‪ ،‬وهم أئمة النس والان ‪.‬‬

‫‪-211-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجغرافية‬

‫مقامـات القرني‬

‫مـــة الـجغـرافـيــة‬
‫المقـا َ‬

‫ت‬
‫ل كَي ْ َ‬
‫ف نُ ِ‬
‫صب َ ْ‬
‫‪ ‬وَإِلَى ال ْ ِ‬
‫جبَا ِ‬

‫(‪)19‬‬

‫ُسطَِحْت ‪‬‬

‫كفهى بهك داء أن ترى الوت شافيها‬

‫وإلَى ال َ‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ض كَي ْ َ‬
‫ْ‬
‫َِ‬
‫ِ‬

‫إذا ل تفقههه أسههرار الغرافيهها‬

‫واعلم أن الشياخ ‪ ،‬أخبو نا أن الن سان يتأ ثر بالتضار يس والناخ ‪ .‬فأ هل البال ‪،‬‬
‫أهل صفاء وجال ‪ ،‬وأهل عاطفة واستعجال ‪ ،‬وأهل الصحراء ‪ ،‬أهل مكر ودهاء ‪ ،‬وصب‬
‫وجفاء ‪ ،‬وكلما قرب النسان من خط الستواء ‪ ،‬كثرت ِحدّته والبغضاء ‪ ،‬ومن يسكن‬
‫القطب البارد ‪ ،‬فإنه ثقيل جامد ‪ ،‬ومن يعيش ف أرض خضراء ‪ ،‬تد له رقة ورواء‪ ،‬ولطفا‬
‫ووفاء ‪ ،‬ومن كانت داره ف أرض مقفرة ‪ ،‬رأيت منه طبائع منكره ‪ ،‬من الغلظة والشدة ‪،‬‬
‫والضيق والدة ‪.‬‬
‫فأهـل جزيرة العرب ‪ ،‬يغلب عليهـم الذكاء والدب ‪ ،‬لصـفاء سـائهم ‪ ،‬وطيـب‬
‫هوائهم ‪ ،‬وعذوبة مائهم ‪ ،‬ولذلك اختار ال منهم النبياء ‪ ،‬لن طبيعة بلدهم ف استواء ‪،‬‬
‫واعتدال ونقاء ‪ ،‬فل يس ل م خ فة البلد الارّة ‪ ،‬لن أمزجت هم غ ي قارة ‪ ،‬فتجد هم أ هل‬
‫عجلة وطيـش ‪ ،‬والطرب عندهـم ألذ مـن العيـش ‪ .‬وليـس لهـل الزيرة كثافـة طبـع‬
‫الوربييـ‪ ،‬لنـك تراهـم على الادة مربيـ ‪ ،‬فتعلقهـم بالعال الشهود ‪ ،‬مـع إنكار العال‬
‫الفقود ‪ ،‬وشكهم ف غي الوجود ‪.‬‬
‫وللصـفات اليوانيـة ‪ ،‬أثـر على الفصـيلة النسـانية ‪ ،‬فتجـد أهـل البـل أهـل كـب‬
‫وخيلء‪ ،‬وأهل الغنم أهل سكينة ووقار وحياء ‪ ،‬كما أخب بذلك خات النبياء ‪ ،‬ومعاشرة‬
‫السباع ‪ ،‬تؤثر ف الطباع ‪ ،‬ومن خالط الوحوش توحش ‪ ،‬فتجده إذا أكل يهرش وينهش ‪،‬‬
‫لن ال صاحب ساحب ‪ ،‬والط بع جاذب ‪ .‬يقول ال صطفى ‪ :‬من بدا ج فا ‪ ،‬وأ هل الدن‬
‫والواضر أهل رقه ‪ ،‬وف النظر أهل دقه ‪ ،‬وال أرسل من القرى الاضرة ‪ ،‬رسله بالشرائع‬
‫الطاهرة ‪ ،‬لن أهل القرى الهلة بالسكن أصحاب تربه ‪ ،‬وأذهان مدربه ‪ ،‬وآداب قوية‪،‬‬
‫وفطر ف الغالب مستقيمة ‪.‬‬
‫‪-212-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الجغرافية‬

‫وان ظر إل أ هل فارس العا جم ‪ ،‬ل ا سكنوا الر يف واشتغلوا بالزرا عة ف كل علي ها‬
‫قائم ‪ ،‬صـرفت أذهانمـ عـن التفكيـ ‪ ،‬وضعفـت فـ جانـب التدبيـ ‪ ،‬فلم يكـن عندهـم‬
‫استعداد لفهم النقول ‪ ،‬لعدم خصوبة العقول ‪.‬‬
‫ولا جح الروم إل اليال ‪ ،‬وأوغلوا ف التصور حت غابوا به عن الال ‪ ،‬كثر فيهم‬
‫الز يغ الفكري ‪ ،‬والضلل النظري ‪ ،‬ل سابق ما عند هم من د ين مرّف ‪ ،‬وأثاره من علم‬
‫متلقف ‪ .‬فاختي العرب للرسالة الحمديّة ‪ ،‬لتمام الفطرة النقية ‪ ،‬ووفرة الذهان الذكية ‪.‬‬
‫واعلم أن من البلدان من تنتج الكاكاو والناناس‪ ،‬وبعضها تصدر الذهب واللاس‪،‬‬
‫والخرى تصـدر الرجال مـن أهـل الكرم والباس ‪ ،‬وبعـض الدول تنتـج للعال الديـد ‪،‬‬
‫وبعض ها تعلم العال التوح يد ‪ ،‬ولن العال با جة إل صلح وبِر ‪ ،‬أ شد من حاج ته إل‬
‫شع ي وبُر ‪ .‬والغرا ف الؤ من ين ظر إل البال كأن ا منائر تعلن الذان ‪ ،‬أو أ صابع مؤ من‬
‫توحّد الرحن ‪ ،‬ويذكّره النسيم ‪ ،‬بنفحة النعيم القيم ‪ ،‬وقيظ الصيف الار ‪ ،‬برارة النار ‪،‬‬
‫ويذكّره برد الشتاء وله هر ير ‪ ،‬ببد النار والزمهر ير ‪ ،‬وتذكّره الغابات ‪ ،‬حدائق النات ‪،‬‬
‫ويتذكّر كم مرّ على البال من أجيال ‪ ،‬ث دفنوا تت الرمال ‪ .‬ويعجب من قدرة القدير ‪،‬‬
‫وحكمة اللطيف البي ‪ ،‬حيث جعل كل شيء بكمه ‪ ،‬وكل فعل برحه ‪ ،‬فلما كانت‬
‫الصحراء ‪ ،‬قليلة الاء ‪ ،‬معروضة للشمس ف العراء ‪ ،‬أنبت فيها شجرا يناسبها ‪ ،‬وطبيعته‬
‫تقارباـ ‪ ،‬وانظـر إل الشجار ‪ ،‬على ضفاف النار ‪ ،‬دائمـة الرواء ‪ ،‬كـل فصـل هـي‬
‫خضراء‪ ،‬تقاوم كثرة الاء ‪ ،‬وجعـل حيوان الب بل وبر ‪ ،‬قليـل الشعـر ‪ ،‬فهـو على حـر‬
‫الرمضاء مصـطب ‪ ،‬وحيوان القطـب عليـه مـن الشعـر غطاء ‪ ،‬ومـن الوبر رداء ‪ ،‬ليعتـب‬
‫بالكمة من شاء ‪.‬‬
‫يهها ماسههح الرض بالميال تذرعههها‬
‫يوما بعرضههٍ ويوما تسههح الطول‬
‫انظههر لملكههة البداع ضاحكههة‬
‫فهه عال صههار بالحياء مأههههول‬

‫‪-213-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البوليسية‬

‫مـــة الـبوليسـيـــة‬
‫المقـا َ‬

‫ضْربًا بِالْيَِميِن ‪‬‬
‫م َ‬
‫‪ ‬فََراغ َ ع َلَيْهِ ْ‬

‫ومهن عرف اليام معرفته باه‬

‫وبالناس روى رمههه غيهه ظال‬

‫فليههس برحوم إذا ظفروا بههه‬

‫ول ف الق ضا الاري علي هم بآثِ‬

‫الفكار البليسيه ‪ ،‬ما تردها عن العبد الراوى البوليسيه ‪ ،‬بل تردها الذكار‪ ،‬كما‬
‫وردت عن الختار ‪ ،‬ول كن البول يس ‪ ،‬عمله نف يس ‪ ،‬إذا قام بالوا جب ‪ ،‬وح ى الناس من‬
‫كل سالب وناهب ‪ .‬وف الثار ‪ :‬عينان ل تسهما النار ‪ ،‬عي بكت من خشية البار ‪،‬‬
‫وعي باتت ترس الديار ‪ ،‬ولو ل يكن ف البلد بوليس وشرطه ‪ ،‬لوقع الناس ف ورطه ‪،‬‬
‫وسـوف يأكـل القوي الضعيـف ‪ ،‬ويعتدي السـخيف على الشريـف ‪ ،‬وتوزع الناس إل‬
‫أحزاب ‪ ،‬وكسر كل باب ‪ ،‬ولقفز اللص من الدريشة ‪ ،‬ول ّل الناس العيشة ‪ ،‬وسعت دوي‬
‫الرصـاص ‪ ،‬وصـاح الناس هـل مـن مناص ‪ ،‬وصـار أمـن الناس أضحوكـة ‪ ،‬لنـه مهدد‬
‫بعصابات مبوكة ‪ ،‬وأصبح الليل ‪ ،‬يزحف كالسيل ‪ ،‬بكل ويل ‪ ،‬وتولت السواق ‪ ،‬إل‬
‫عذاب ل يطاق ‪ ،‬فيسـلط ال البوليـس ‪ ،‬على جنود إبليـس ‪ ،‬لن مـن ل يردعـه القرآن ‪،‬‬
‫أدبه أعوان السلطان ‪.‬‬
‫أرههب بسهيف ال كهل مكذب‬

‫متهتههك فهه الزور والبهتان‬

‫فالسهيف داء للخلي مهن التقهى‬

‫ومكذب الثار والقرآن‬

‫فالذي هجر السجد ‪ ،‬وذهب يعربد ‪ ،‬وهدّد أمن الناس وتوعد ‪ ،‬ليس له إل سوط‬
‫حار ‪ ،‬أو سيف بتّار ‪ ،‬ليكون عبة لغيه من الشرار ‪ ،‬ول كن على من حك الع ي أن ل‬
‫يدميها ‪ ،‬لئلّ يكون حاميها حراميها ‪ ،‬بل يتقي ال البوليس ف العباد ‪ ،‬ويكون هه إصلح‬
‫البلد ‪ ،‬ليعم المن والمانة ‪ ،‬والدوء والصيانة ‪.‬‬
‫ورضي ال عن عمر ول دَرّه ‪ ،‬لنه كان ف يينه دِرّة ‪ ،‬أغلى من الدّرة ‪ ،‬يؤدب با‬
‫من عصاه ‪ ،‬ويضرب با من رفض الق وأباه ‪ .‬وعمر أول من أنشأ العسة ف البلد ‪ ،‬لردع‬
‫من فسد ‪ ،‬وقد أحضروا له رجلً فاسد الفكر ‪ ،‬ظاهر النكر ‪ ،‬لبّس على الناس ف الدّين ‪،‬‬
‫‪-214-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البوليسية‬

‫ليكونوا مرتدين ‪ ،‬فزجره عمر وفضحه ‪ ،‬وضربه بالدرة وبطحه ‪ ،‬وأذهب من رأسه براوة‬
‫السلطان ‪ ،‬وساوس الشيطان ‪ ،‬فلما أفاق الرجل من الغيبوبة ‪ ،‬ودماؤه مسكوبة ‪ ،‬صاح ف‬
‫رأ سه مؤذن التوح يد ‪ ،‬أ صبحنا وأ صبح اللك ل الم يد ‪ ،‬فهذا العلج الذّاب ‪ ،‬والدواء‬
‫الذاب ‪ ،‬يصرف من صيدلية عمر بن الطاب ‪:‬‬
‫فظائع أيهن منهها زندك الواري‬

‫يا ناسف الظلم ثارت هاهنا وهنا‬

‫واعلم أن من الناس طائفه ‪ ،‬ليست من ربا خائفه ‪ ،‬ل تدي فيهم النصائح ‪ ،‬ول‬
‫يافون الفضائح ‪ ،‬وإناـ ينفـع فيهـم عصـا خيزران ‪ ،‬كأناـ ثعبان ‪ ،‬تلف على الكتاف‬
‫والمتان ‪ ،‬حت تدمع من حرها العينان ‪ ،‬ويصيح الضروب ‪ :‬الن حصحص الق وبان ‪.‬‬
‫السههوط فيههه مواعههظ ونصههائح‬
‫هها لوح ول ديوان ههُ‬
‫هها ضمهه‬
‫مه‬
‫لغهههة سهههيفهمها غهههب مارد‬
‫مهها فهه حشايهها قلبههه إيانههُ‬

‫فإن ل يردع ال سوط من سلبْ ‪ ،‬ول ترد الع صا من ن بْ ‪ ،‬فال سيف أ صدق أنباءً‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫من الكتبْ ‪.‬‬

‫مــــة‬
‫مــــة الـهـ ّ‬
‫مقـا َ‬
‫ن ال َّ‬
‫‪َ ‬وال َّ‬
‫سابُِقوَن ‪‬‬
‫ساب ِ ُ‬
‫قو َ‬

‫أمطري لؤلؤا سههاء سههرنديب‬

‫ههي آبار تكرور تِههبا‬
‫وفيضه‬

‫هتهه هةهه اللوك ونفسههي‬

‫نفههههس حرٍ ترى الذلة كفرا‬

‫أنها إن عشهت لسهت أعدم خبزا‬

‫هبا‬
‫هت أعدم قه‬
‫هت لسه‬
‫وإذا مه‬

‫ال سلم على أ هل ال مم ‪ ،‬ف هم صفوة ال مم ‪ ،‬وأ هل ال جد والكرم ‪ ،‬طارت ب م‬
‫أرواح هم إل مرا قي ال صعود ‪ ،‬ومطالع ال سعود ‪ ،‬ومرا تب اللود ‪ ،‬و من أراد العال هان‬
‫عليه كل ه مّ ‪ ،‬لنه لول الشقة ساد الناس كلهم ‪ ،‬ونصوص الوحي تناديك ‪ ،‬سارع ول‬

‫‪-215-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫تلبث بناديك ‪ ،‬وسابق ول تكث بواديك ‪ ،‬أُمية بن خلف ‪ ،‬لا جلس مع اللف ‪ ،‬أدركه‬

‫التلف ‪ ،‬ولا سع بلل بن رباح ‪ ،‬حي على الفلح ‪ ،‬أصبح من أهل الصلح ‪.‬‬
‫اطلب العلى دائما وما عليك ‪ ،‬فإن موسى لا اختصه ال بالكلم ‪ ،‬قال ‪ :‬رَبّ‬
‫أَرِنِي أَن ُظرْ إَِليْكَـ ‪ ،‬الجـد مـا يأتـ هبـة ‪ ،‬لكنـه يصـل بالناهبـة ‪ ،‬لّاـ تعلمـت الصـيد‬
‫الكلب ‪ ،‬أب يح صيدها بنص الكتاب ‪ ،‬ول ا ح ل الد هد الرسالة ‪ ،‬ذ كر ف سورة الن مل‬
‫بالبسالة ‪ ،‬نحت النملة بالثابرة ‪ ،‬وطول الصابرة ‪ ،‬تريد الجد ول َتجِدّ ؟ تطب العال ‪،‬‬
‫وتنام الليال ‪ ،‬ترجو النة ‪ ،‬وتفرط ف السنّة ‪.‬‬
‫قام ر سولنا ح ت تفطّرت قدماه ‪ ،‬ور بط ال جر على بط نه من الوع و هو الع بد‬
‫الوّاه ‪ ،‬وأدميت عقباه بالجارة ‪ ،‬وخاض بنفسه كل غارة ‪.‬‬
‫يُدعى أبو بكر من البواب الثمانية ‪ ،‬لن قلبه معلق بربه كل ثانية ‪ ،‬صرف للدين‬
‫أقواله ‪ ،‬وأ صلح بالدى أفعاله ‪ ،‬وأقام بال ق أحواله ‪ ،‬وأن فق ف سبيل ال أمواله ‪ ،‬وها جر‬
‫وترك عياله ‪.‬‬
‫لبس عمر الرقّع ‪ ،‬وتأوّه من ذكر الوت وتوجّع ‪ ،‬وأخذ اليطة لدينه وتوقّع ‪ ،‬عدل‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫وصدق وتجد ‪ ،‬وسأل ال أن يستشهد ‪ ،‬فرزقه ال الشهادة ف السجد ‪.‬‬
‫عليهك الِهد إن المهر جَهد‬

‫ههههرعات‬
‫وبادر فالليال مسه‬

‫وليسهت كمها ظننهت ول وهتها‬

‫وأنهههت بقلة الدثان نتههها‬

‫اخرج من سرداب الما ن ‪ ،‬يا أ سي الغا ن ‪ ،‬ان فض غبار الك سل ‪ ،‬واه جر من‬
‫عذل ‪ ،‬فكل من سار على الدرب وصل ‪ ،‬نسيت اليات ‪ ،‬وأخّرت الصلوات ‪ ،‬وأذهبت‬
‫عمرك السهرات ‪ ،‬وتريد النات ؟!‬
‫ويلك وال ما شبع النمل حت جدّ ف الطلب ‪ ،‬وما ساد السد حت افترس ووثب ‪،‬‬
‫وما أصاب السهم حت خرج من القوس ‪ ،‬وما قطع السيف حت صار أح ّد من الوس ‪.‬‬
‫المامة تبن عشها ‪ ،‬والمّرة تنقل قشها ‪ ،‬والعنكبوت ‪ ،‬يهندس البيوت ‪ ،‬والضب‬
‫يفر مغاره ‪ ،‬والرادة تبن عمارة ‪ ،‬وأنت لك مدة ‪ ،‬ورأسك على الخدة ‪ ،‬ف الديث ‪:‬‬

‫‪-216-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫(( احرص على ما ينفعك )) ‪ ،‬لن ما ينفعك يرفعك ‪ (( ،‬الؤمن القوي خي وأحب إل‬
‫ال من الؤمن الضعيف )) ‪ ،‬بالقوة يبن القصر النيف ‪ ،‬وينادل الجد الشريف ‪.‬‬
‫هةهه تنطههح الثريهها وعزم‬

‫نبوي يزعزع الجبال‬

‫صاحب ال مة ما يه مه ال ّر ‪ ،‬ول يي فه القرّ ‪ ،‬ول يزع جه الضرّ ‪ ،‬ول يقل قه الرّ ‪،‬‬
‫لنه تدرع بالصب ‪.‬‬
‫ِكـ‬
‫صـاحب المـة ‪ ،‬يسـبق المـة ‪ ،‬إل القمـة ‪ ،‬وَالسـّاِبقُونَ السـّاِبقُونَ * ُأوَْلئ َ‬
‫الْ ُمقَ ّربُونَ ‪ ،‬لنم على الصالات مدربون ‪ ،‬وللب مربون ‪.‬‬
‫الثعلب يرضى باليفة ‪ ،‬فكتب ف آخر الصحيفة ‪ ،‬لو أسرع المار مثل الصان ‪،‬‬
‫لكان من الوان يُ صان ‪ ،‬الش مس تري ‪ ،‬والق مر ي سري ‪ ،‬وأ نت نائم ل تدري ‪ ،‬أ نت‬
‫أكول شروب ‪ ،‬لعوب طروب ‪ ،‬صاحب ذنوب ‪.‬‬
‫ل يدرك الجهد إل سهيد فطهن‬
‫لول الشقهة سهاد الناس كلههم‬

‫لاه يشهق على السهادات فعّال‬
‫الود يفقههههر والقدام قتال‬

‫ل ا ترع الح نف غ صص الغ ضب ‪ ،‬صار حل يم العرب ‪ ،‬ول ا بذل رو حه للموت‬
‫عنترة ‪ ،‬شبهوه بق سورة ‪ ،‬ولّا بذل حا ت ‪ ،‬طعا مه ل كل قادم ‪ ،‬وأن فق أمواله ف الوا سم ‪،‬‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫صار مضرب الثل ف الود ‪ ،‬وقصة الكرم ف السهول والنجود ‪.‬‬
‫ل ا طار القمري ق عد فوق الغ صان ‪ ،‬ول ا م شى العلن ب قي مع الديدان ‪ ،‬سافر‬
‫العود من الند ‪ ،‬فسُمي بالند ‪ ،‬وأقام بأرضه الشب ‪ ،‬فسماه الناس الطب ‪.‬‬
‫ادي سون مكت شف الكهرباء ‪ ،‬ق ضى عمره ف اخترا عه ح ت أذ هل به الكماء ‪ ،‬فل‬
‫نامت أعي الغبياء ‪.‬‬
‫مكتشف الذرة ‪ ،‬أجرى عليها التجربة عشرة آلف مره ‪.‬‬
‫ع مي ب عض الحدّث ي من كثرة الروا ية ‪ ،‬ف ما كلّ ول ملّ ح ت بلغ النها ية ‪ ،‬م شى‬
‫أح د ا بن حن بل من بغداد إل صنعاء ‪ ،‬وأ نت تف تر ف ح فظ دعاء ‪ ،‬سافر أحد هم إل‬
‫م صر ‪ ،‬غدوّه ش هر ‪ ،‬وروا حه ش هر ‪ ،‬ف طلب حديث وا حد ‪ ،‬ليدرك به ال جد الالد ‪،‬‬
‫لول الح نة ‪ ،‬ما د عي أح د إمام ال سنة ‪ ،‬و صل بالَلْد إل ال جد ‪ ،‬وو ضع ا بن تيم يه ف‬
‫‪-217-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫الزنزانة ‪ ،‬ف بز بالعلم زمانه ‪ .‬واعلم أن الاء الراكد ‪ ،‬فاسد ‪ ،‬لنه ل يسافر وياهد ‪ ،‬ول ا‬
‫جرى الاء ‪ ،‬صار مطلب الحياء ‪ ،‬بقيت على سطح البحر اليفة ‪ ،‬لنا خفيفة ‪ ،‬وسافر‬
‫الدر إل قاع البحر‪ ،‬فوضع من التكري على النحر ‪.‬‬
‫فكههن رجلً رجله فهه الثرى‬

‫وهامههة هتههه فهه الثريهها‬

‫يا كثي الرقاد ‪ ،‬أما لنومك نفاد ‪ ،‬سوف تدفع الث من ‪ ،‬يا من غلبه الوسن ‪ ،‬تظن‬
‫الياة جلسة وكبسة ‪ ،‬ولبسةٌ وخلسة ‪ ،‬بل الياة شرعة ودمعة ‪ ،‬وركعة وماربة بدعة ‪.‬‬
‫ال أمرنا بالعمل لينظر عملنا ‪ ،‬وقال ‪ :‬وَالّذِي نَ جَاهَدُوا فِينَا َلَنهْ ِديَّنهُ مْ ُسبَُلنَا ‪،‬‬
‫فالياة عقيدة وجهاد ‪ ،‬وصـب وجلد ‪ ،‬ونضال وكفاح ‪ ،‬وبر وفلح‪ ،‬ل مكان فـ الياة‬
‫للكول الكسول ‪ ،‬ول مقعد ف حافلة الدنيا للمخذول ‪.‬‬
‫علو فهه الياة وفهه المات‬

‫بقهه أنههت إحدى العجزات‬

‫ابدأ ف طلب الجر من الفجر ‪ ،‬قراءة وذكر ‪ ،‬أو دعاء وشكر‪ ،‬لنا لظة انطلق‬
‫الطي من وكورها ‪ ،‬ول تنس ‪ (( :‬بارك ال لمت ف بكورها )) ‪.‬‬
‫العال فـ حركـة ‪ ،‬كأنـه شركـة ‪ ،‬وقلبـك خربـة ‪ ،‬كأنـك خشبـة ‪ ،‬الطيـ يغرّد ‪،‬‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫والقمري ين شد ‪ ،‬والاء يتمتم ‪ ،‬والواء يهمهم ‪،‬وال سود تصول ‪ ،‬والبهائم تول ‪ ،‬وأ نت‬
‫جثـة على الفراش ‪ ،‬ل فـ أمـر عبادة ول معاش ‪ ،‬نائم هائم ‪ ،‬طروب لعوب ‪ ،‬كسـول‬
‫أكول ‪.‬‬
‫ا ستيقظ على نبات الطاب الشر عي ‪ ،‬ودع نا من و ساوس الا جس البد عي ‪ ،‬لن‬
‫ـ وهنوا لاـ أصـابم ‪ ،‬لنمـ حلوا‬
‫الشريعـة ‪ ،‬تدعـو للهمـة البديعـة ‪ ،‬تقول لتباعهـا ‪ :‬فم ا‬
‫كتابم‪ ،‬وألقوا للعال خطابم ‪ ،‬فهداهم ربم صوابم ‪.‬‬
‫وأهل السوالف ‪ ،‬رضوا بأن يكونوا مع الوالف ‪ ،‬لن لم ف الضللة سوابق ‪ ،‬فهم‬
‫يت صيدون كل مارق ‪ ،‬عن ال ق آ بق ‪ ،‬ولو علم ال في هم خيا ل سعهم ‪ ،‬فهبوا وتركوا‬
‫مضجعهم ‪ ،‬ولو أراد ال بم خيا لغاثهم ‪ ،‬ولكن كره ال انبعاثهم ‪.‬‬
‫الفرس بمتـه يعـض لامـه ويلوك ‪ ،‬فركبـه اللوك ‪ ،‬والمار آثـر القام فـ الرباط ‪،‬‬
‫فضرب بالسياط ‪:‬‬
‫‪-218-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫سهههوف ترى إذا انلى الغبار‬

‫أفرس تتههههههك أو حار‬

‫يقدم لك ابـن جريـر ‪ ،‬كتاب التفسـي ‪ ،‬مققا منقحـا ‪ ،‬مدبّجـا مصـحّحا ‪ ،‬ثـ‬
‫ل تصطفيه ‪ ،‬ول تقرأ فيه ‪.‬‬
‫ألّف ا بن ح جر فتح الباري ف ثلث ي سنة ‪ ،‬فلله دره ما أجل كتابه وأح سنه ‪ ،‬ث‬
‫تمله ف الرف ‪ ،‬كأنه دف ‪ ،‬مع السف ‪.‬‬
‫َو ِمنْهُمْ ُأ ّميّو َن ل َيعْلَمُونَ اْل ِكتَابَ إِل َأمَانِ ّي َوإِ ْن هُمْ إِل يَ ُظنّونَ ‪.‬‬
‫ولو كان فه قلب الحهب صهبابة‬

‫لسار على القدام ف الشوك والفى‬

‫هذا الكا فر مثابر ‪ ،‬كل يوم مغا مر ‪ ،‬سيّر ف الرض ال سيارة ‪ ،‬وأطار ف ال سماء‬
‫الطيارة ‪ ،‬جعـل لغذاءك ثلجـة ‪ ،‬ولاءك زجاجـة ‪ ،‬ومالك عمـل إل أن تأكـل وتشرب ‪،‬‬
‫وتلهو وتلعب ‪.‬‬
‫ول تقههل الصههبا فيههه مال‬

‫تفههر مههن الجيهه وتتقيههه‬

‫ها‬
‫هد دفنته‬
‫هب قه‬
‫هم صه‬
‫وفكركه‬

‫ها‬
‫هد فررته‬
‫هم قه‬
‫هن جهنه‬
‫فهلّ مه‬

‫أ نت تف تر واللئ كة ل يفترون ‪ ،‬وت سأم الع مل والقربون ل ي سأمون ‪ ،‬ب تد خل‬
‫مة‬
‫مة اله ّ‬
‫مقا َ‬
‫ال نة‪ ،‬هل طع نت ف ذات ال بال سنة ‪ ،‬هل أوذ يت ف ن صر ال سنة ‪ ،‬ان فض ع نك غبار‬
‫المول ‪ ،‬يا كسول ‪ ،‬فبلل العزية أذّن ف أذنك فهل تسمع ‪ ،‬وداعي الي دعاك فلماذا‬
‫ل تسرع ‪.‬‬

‫حيِيكُمْ‬
‫يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا ا ْستَجِيبُوا لِلّ ِه وَلِل ّرسُولِ إِذَا َدعَاكُمْ لِمَا يُ ْ‬

‫ولبد للهمم اللتهبة أن تنال مطلوبا ‪ ،‬ولبد للعزائم التوثبة أن تدرك مرغوبا ‪ ،‬سنة‬
‫ل تتبدّل ‪ ،‬وقضية ل تتحوّل ‪.‬‬
‫جزى ال السههي إليههك خيا‬

‫وإن ترك الطايهها كالهههزادِ‬

‫واعلم أن المـة توقـد القلب ‪ ،‬واسـتسهال الصـعب ‪ ،‬وركوب الطـب ‪ ،‬فالعذاب‬
‫بالمة عذب ‪ .‬ومن عنده هة عارمة ‪ ،‬وعزية صارمة ‪ ،‬اقتحم با أسوار العال ‪ ،‬وصار‬
‫تاريه قصة الليال ‪.‬‬
‫فقل للمتخلفي اقعدوا مع الالفي ‪ ،‬لن النازل العالية ‪ ،‬والمان الغالية ‪ ،‬تتاج إل‬
‫هم موّاره ‪ ،‬وفتكات جبارة ‪ ،‬لينال الجد بدارة ‪.‬‬
‫‪-219-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫و قل للك سول النائم ‪ ،‬والثق يل الائم ‪ ،‬ام سح النوم من عين يك ‪ ،‬واطرد الكرى من‬
‫جفنيك ‪ ،‬فلن تنال من ماء العزة قطرة ‪ ،‬ولن ترى من نور العل خطرة ‪ ،‬حت تثب مع من‬
‫وثب ‪ ،‬وتفعل ما يب ‪ ،‬وتأت بالسبب ‪.‬‬
‫أقسههمت أن أوردههها حرة‬

‫وقاحههة تتهه غلم وقاحههْ‬

‫هى‬
‫ها فته نال النه فاشتفه‬
‫إمه‬

‫أو فارس زار الردى فاسههتراحْ‬

‫بمهههة ترج ماء الصهههفا‬

‫وعزمةٍ مهها شاباهه قول آحههْ‬

‫ها‬
‫هل مه‬
‫هألت ال ف ه كه‬
‫إذا سه‬

‫أملتههه نلت النهه والنجاحههْ‬

‫أل فليهنـأ أرباب المـم ‪ ،‬بوصـول القمـم ‪ ،‬وليخسـأ العاكفون على غفلتمـ فـ‬
‫الض يض ‪ ،‬فلن يش فع ل م ع ند ملكوت الف ضل نوم هم العر يض ‪ ،‬و قل لؤلء الراقد ين‬
‫إّنكُ مْ رَضِيتُ ْم بِاْلقُعُودِ َأوّ َل مَ ّرةٍ فَا ْقعُدُوا مَ َع الْخَاِلفِيَ فهُ ـبّـوا إل درجات الكمال‬
‫نساءً ورجال ‪ ،‬ودربوا على الفضيلة أطفال ‪ ،‬وانفروا خفافا وثقال ‪.‬‬

‫‪-220-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البخلء‬
‫مقا َ‬

‫مــــة الـبخــلء‬
‫مقـا َ‬

‫خ ْ‬
‫خ ُ‬
‫سهِ ‪‬‬
‫ن يَب ْ َ‬
‫ما يَب ْ َ‬
‫ن نَْف ِ‬
‫‪ ‬وَ َ‬
‫ل فَإِن َّ َ‬
‫م ْ‬
‫ل عَ ْ‬
‫إنهه نزلت بكذابيهه ضيفهههم‬

‫عهن القرى وعهن الترحال مردود‬

‫جود الرجال مهن اليدي وجودهوا‬

‫مهن اللسهان فل كانوا ول الود‬

‫البخ يل نذل ‪ ،‬والب خل خلق رذل ‪ ،‬وح سبك أن الر سول ا ستعاذ من الب خل ‪،‬‬
‫وليـت البخيـل إذا عل مات ‪ ،‬لن له على بله علمات ‪ ،‬فمنهـا أن يفقـد الصـواب ‪ ،‬إذا‬
‫طُرق الباب ‪ ،‬ويُك ثر السـباب ‪ ،‬ع ند رؤ ية الجناب ‪ ،‬وإذا رأى الض يف ضاق صدره ‪،‬‬
‫والت بس عل يه أمره ‪ ،‬فتعلوه قشعريرة ‪ ،‬وي قع ف حية ‪ ،‬ومن ها أن يك ثر العذار ‪ ،‬ليخرج‬
‫نفسه من هذه الخطار ‪ ،‬وإذا قام بضيافة ‪ ،‬نوّه با وه ّو لا كأنه تول اللفة ‪.‬‬
‫يذم الجواد ‪ ،‬ويدح القت صاد ‪ ،‬يتف جع إذا رأى طعا مه يغرف من القدر ‪ ،‬تف جع‬
‫النساء على أخيها صخر ‪ ،‬أوصى بيل ولده ‪ ،‬وقد قطع بالنفاق كبده ‪ ،‬فقال يا بن ما‬
‫هذا السراف ‪ ،‬يا أيها التلف ‪ ،‬أما تشى أما تاف ‪ ،‬ما تؤثر فيك النصائح ‪ ،‬ول تاف‬
‫الفضائح ‪ ،‬أين من كان يقتصد ‪ ،‬ويفظ ماله ويتهد ‪ ،‬كان أحدهم رحه ال يضع ماله‬
‫فـ صـُره ‪ ،‬لِئل يؤخـذ على غِرّة ‪ ،‬ثـ يُخرج الصـرّة ‪ ،‬فـ كـل سـنة مرّة ‪ ،‬فيق َرأُ عليهـا‬
‫العوذات ‪ ،‬وأعوذ بكلمات ال التامات ‪ ،‬كان الرغيف يسد رمقه من الصباح إل الليل ‪،‬‬
‫ل نه يعلم أن الد هر أ بو الو يل ‪ ،‬فخلف من بعد هم خلف ‪ ،‬في هم كل م سرف جلف ‪،‬‬
‫يأكل ف اليوم ثلث وجبات ‪ ،‬ول يتفكر ف مصارع الموات ‪ ،‬ليتدع من هذه الزلت‪.‬‬
‫أما أخبار البخلء ‪ ،‬فقد جعها بعض الدباء ‪.‬‬
‫فمنها أن بيلً دخل بيته ونسي أن يغلق الباب ‪ ،‬فدخل على إثره فقي مزق الثياب‪،‬‬
‫فناوله البخيـل قطعـة خبزة ‪ ،‬ثـ أخـذ حبلً وربطـه وحزّة ‪ ،‬وقال وال ل أتركـك تيـف‬
‫مسلما هذه الليلة ‪ ،‬أو تروع مؤمنا بكل حيلة ‪.‬‬
‫وقدّم بيل الطعام لضيوفه ‪ ،‬ث جلس مهموما مسورا ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنا نطعمكم لوجه‬
‫ال ل نريد منكم جزا ًء ول شكورا ‪ ،‬وطرق فقي باب بيل ‪ ،‬وقد أظلم الليل ‪ ،‬فلم يفتح‬
‫‪-221-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البخلء‬
‫مقا َ‬

‫البخيل بابه ‪ ،‬ول يرفع حجابه ‪ ،‬فصاح الفقي بصوت كسي ‪ :‬أين من كانوا يفرحون إذا‬
‫رأوا أضيافا ‪ ،‬فرد البخيل بقوله ‪ :‬ماتوا مع الذين ل يسألون الناس إلافا ‪.‬‬
‫وأعطـى أحـد الوزراء بيلً مائة ألف دينار ‪ ،‬حتـ أصـبح باـ مـن الغنياء الكبار ‪،‬‬
‫فقال له جيانه ‪ ،‬هنيئا لك البلغ الكبي ‪ ،‬فقال ‪ :‬وال ما هو بكثي ‪ ،‬وعندي زوجة وطفل‬
‫صغي ‪ ،‬فإذا أراد أن يرج من ها دينارا ‪ ،‬قبّله مرارا ‪ ،‬وقال ‪ :‬بأ ب أ نت وأمّ ي ‪ ،‬ما أطي بك‬
‫حيّا ‪ ،‬وما أطيبك ميتا ‪.‬‬
‫وقال فقي لبخيل أعطن درها فقط ‪ ،‬فقال هذا غلط ‪ ،‬وجور وشطط ‪ ،‬لن الدرهم‬
‫مـع الدرهـم ‪ ،‬مائة درهـم ‪ ،‬ثـ يزيـد إل ألف ‪ ،‬ثـ إل مائة ألف ‪ ،‬فتريـد أن تدم مال ‪،‬‬
‫وتوع عيال بسؤال ‪ ،‬وافرض أنن أعطيت درها ‪ ،‬فلن ألبث حت أصي مثلك معدما ‪،‬‬
‫فأنت تريد أن تغشنا فارحل عنا ‪ ،‬ومن غشّنا فليس ِمنّا ‪.‬‬
‫ودخـل رجـل أكول على بيـل فقدم له غداءه ‪ ،‬وجلس حذاءه ‪ ،‬وقال له يوصـيه ‪،‬‬
‫اجعل ثلث بطنك للغذاء ‪ ،‬وثلثا للماء ‪ ،‬وثلثا للهواء ‪ ،‬قال الكول ‪ :‬بل كلها للطعام ‪ ،‬يا‬
‫سيد الكرام ‪ ،‬لن الاء سوف ينش ‪ ،‬والواء سوف يفش ‪ ،‬فقال البخيل ‪ :‬أنا منذر مذر ‪،‬‬
‫ومن أنذر فقد أعذر ‪.‬‬
‫ـه مبكرا قال ‪ :‬مالك‬
‫ـل كثي ـ العذار ‪ ،‬دائم النذار ‪ ،‬فإن جئتـ‬
‫واعلم أن البخيـ‬
‫تقد مت‪ ،‬وإن أبطأت قليلً قال ‪ :‬هداك ال تأخرت ‪ ،‬إذا حل به ض يف ن سي الترح يب ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬هذا يوم عصـيب ‪ ،‬وإن طرق بيتـه طارق ‪ ،‬رآه كأنـه سـارق ‪ ،‬وإذا دخـل عليـه‬
‫الضيف قلل الكلم ‪ ،‬وأكثر على أهله السب والصام ‪ ،‬ول يسأل الضيف عن أخباره ‪،‬‬
‫بل تراه كثي القيام والقعود بداره ‪ ،‬وتراه ل يترك ف البيت صغية ول كبية إل أحصاها‪،‬‬
‫ف هو يعرف ما له عل قة بالنف قة قد ضبط ها ووعا ها ‪ ،‬إذا ن قص دي نه ذ كر العاذ ير ‪ ،‬وأن‬
‫الن سان ل ي سلم من التق صي ‪ ،‬فإذا أراد أ حد التعرض لش يء من ماله ‪ ،‬أن كر بقلبه ويده‬
‫ولسانِه ‪ ،‬وأظهر المية والخذ بالثأر ولو من إخوانه ‪ ،‬قد هيأ العذر لكل حاجه ‪ ،‬وإلّ‬
‫لَ مْ يَجِ ْد ا ستعمل الغ ضب واللجا جة ‪ ،‬فإن أتاه طالب ‪ ،‬وو فد إل يه را غب ‪ ،‬قال القوق‬
‫كثيه ‪ ،‬والاجات كـبية ‪ ،‬ويعيـد عليـك متـ خيـ الناس ‪ ،‬مـن ل يتاج إل الناس ‪،‬‬
‫وأفضلهم من كف عنه الباس ‪.‬‬
‫‪-222-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البخلء‬
‫مقا َ‬

‫ومن وصايا البخيل ‪ :‬عليكم يا إخوان بفظ الال ‪ ،‬فإنه ل يعلم أحد بتغي الحوال‪،‬‬
‫والدنيا من حال إل حال ‪ ،‬ولن ينفعك إل مالك ‪ ،‬ولن يقف معك أعمامك وأخوالك ‪،‬‬
‫واذكروا يـا إخوان تقلب الزمان ‪ ،‬وقلة العوان ‪ ،‬فرحـم ال مـن أمسـك ديناره‪ ،‬وأغلق‬
‫داره‪ ،‬ول تد عه الدن يا الغراره ‪ ،‬فعلي كم بالقت صاد ‪ ،‬فإ نه مذ هب الجواد ‪ ،‬ف قد أدرك نا‬
‫أقواما من الصالي ‪ ،‬كانوا يكيلون الطحي ‪ ،‬ويقتصدون حت ف شرب الاء‪ ،‬لِئل تذهب‬
‫أقوالمـ هباء ‪ ،‬ومنهـم مـن كان يفترش التراب ‪ ،‬وينام على الخشاب ‪ ،‬ومنهـم مـن كان‬
‫يكتفي بوجبة ‪ ،‬ف اليوم واحدة ‪ ،‬ليغيظ بمع الال حاسده ‪ ،‬ث يقول ‪ :‬وقد أدركت قوما‬
‫من الولياء ‪ ،‬ينامون بل عشاء ‪ ،‬ويكتفون بالفطور عن الغداء ‪،‬وكان أحد هم إذا حدث ته‬
‫نفسـُه المارة بالسـّوء بشراء طعام ‪ ،‬لمهـا أشـد اللم ‪ ،‬وخطمهـا عـن شهواتاـ بطام ‪،‬‬
‫وزمّ ها عن رغبات ا بزمام ‪ ،‬ول قد أدر كت عبدا من البرار ‪ ،‬ووليا من الخيار ‪ ،‬حدث ته‬
‫نف سه المارة ‪ ،‬بشراء خيارة ‪ ،‬فر جع على نف سه بالتوب يخ ‪ ،‬وأق سم ل ا لن يعطي ها هوا ها‬
‫ولو أرادت قطعـة مـن البطيـخ ‪ ،‬لن القوم لاـ صـحت منهـم العقول ‪ ،‬تركوا الفضول ‪،‬‬
‫وحفظوا أموالم من كل مسرف جهول ‪ ،‬ولقد أدركنا مري العابدة ‪ ،‬القتصدة الزاهدة ‪،‬‬
‫وكانت تبيع الفصفص ‪ ،‬ولا ف ذلك علم وتصص ‪ ،‬فإذا اجتمع لا ريال ‪ ،‬وضعتها وراء‬
‫القفال ‪ ،‬وأقسمت بال ل يزال حت تزول البال ‪ ،‬وكانت رحها ال ‪ ،‬إذا ظمأ المار ‪،‬‬
‫ابطأت عليـه بالاء ولو كان الاء فـ الدار ‪ ،‬لتعوّده التحمـل والصـطبار ‪ ،‬وكانـت تأخـذ‬
‫النخالة من الشع ي ‪ ،‬فتجعل ها كال بز الفط ي ‪ ،‬وكا نت ت شي ب ي القرى ‪ ،‬ت مع ق طع‬
‫الفرى‪ ،‬وكل ما وجدت عودا أخذ ته ‪ ،‬وإذا مرت ب ب جع ته ‪ ،‬فل يأ ت ال ساء ‪ ،‬إل و قد‬
‫أدركهـا العياء ‪ ،‬لكـن يهون التعـب ‪ ،‬ويذهـب النصـب ‪ ،‬إذا تذكرت صـروف اليام ‪،‬‬
‫وطول العوام ‪ ،‬قال ‪ :‬و قد أدر كت شيخا كبيا ‪ ،‬كان باليام ب صيا ‪ ،‬ب قي عل يه ثو به‬
‫عشرين عاما ‪ ،‬حت أصبح الثوب ألوانا وأقساما ‪ ،‬فكلما انرق الثوب خاطه برقعة‪ ،‬حت‬
‫صار مائة بق عة ‪ ،‬ث جاء قوم من البذر ين ‪ ،‬ل يبّون النذر ين ‪ ،‬يف ن أحد هم ثوبا كل‬
‫عام ‪ ،‬ول ياف العذاب واللم ‪ ،‬قال ‪ :‬ول قد أدر كت حا مد القت صد ‪ ،‬وكان ف ح فظ‬
‫الال يتهد ‪ ،‬بقيت معه حذاؤه عشر سنوات ‪ ،‬وكان يشي حافيا ف الفلوات ‪ ،‬وربا حل‬
‫حذاءه بيده الكري ة ‪ ،‬خوفا من العوا قب الوخي مة ‪ ،‬فإذا نام جعل ها ت ت رأ سه ‪ ،‬حر صا‬

‫‪-223-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة البخلء‬
‫مقا َ‬

‫عليهـا مـن غدر السـارق وبأسـه ‪ ،‬فانظـر حرصـهم رحهـم ال على حفـظ الال ‪ ،‬وعدم‬
‫اغترار هم بلوم الرجال ‪ ،‬فأ ين حال نا من حال م ‪ ،‬ولذلك ل يقارن مال نا بال م ‪ ،‬ث ب كى‬
‫حت كادت أضلعه تتلف ‪ ،‬وأخذ يقول ما أحسن أخبار من سلف‪ ،‬وما أكثر إسراف‬
‫هؤلء اللف ‪.‬‬

‫‪-224-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة السعادة‬
‫مقا َ‬

‫مــــة الـسـعـادة‬
‫مقـا َ‬

‫ل صال ِحا من ذ َكَر أَو أ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ى‬
‫نث‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫َ َ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ٌ‬
‫ٍ ْ‬
‫م َ َ ً ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫حيَاة ً طَيِّب َ ً‬
‫فَلَن ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫حيِيَن َّ ُ‬
‫ولَنجزينَهم أ َجرهم بأ َ‬
‫ن‪‬‬
‫س‬
‫ح‬
‫ملُو َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما كَانُوا يَعْ َ‬
‫ن َ‬
‫َ َ ْ َُِّ ْ ْ َ ُ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫دع اليام تفعههل مهها تشاء‬

‫وطهب نفسها إذا حكهم القضاء‬

‫ول تزع لادثههههة الليال‬

‫فمهها لوادث الدنيهها بقاء‬

‫قال الراوي ‪ :‬جاء نا ر جل مهموم ‪ ،‬قد أنك ته الغموم ‪ ،‬ف هو من الزن مكظوم ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬أيها الناس ‪ ،‬حل بنا البأس ‪ ،‬وذ هب منا ال سرور واليناس ‪ ،‬وتفرد بنا الشيطان ‪،‬‬
‫فأسقانا حيم الحزان ‪ ،‬فهل منكم رجل رشيد ‪ ،‬رأيه سديد ‪ ،‬يصرف عنا هذا العذاب‬
‫الشد يد ‪ ،‬فقام ش يخ م نا ‪ ،‬ينوب ع نا ‪ ،‬و هو أكب نا سنا ‪ ،‬فقال ‪ :‬أي ها الر جل الغر يب ‪،‬‬
‫شأنك عجيب ‪ ،‬تشكوا الم والوصب ‪ ،‬والغم والنصب ‪ ،‬وأراك ل يبق منك إل العصب‪،‬‬
‫أما تدعوا الرحن ‪ ،‬أما تقرأ القرآن ‪ ،‬فإنه يذهب الحزان ‪ ،‬ويطرد الوحشة عن النسان ‪،‬‬
‫ثـ اعلم وافهـم ‪ ،‬لتسـعد وتسـلم ‪ ،‬إن مـن أعظـم المور ‪ ،‬فـ جلب السـرور ‪ ،‬الرضـا‬
‫بالقدور ‪ ،‬واجتناب الحذور ‪ ،‬فل تأ سف على ما فات ‪ ،‬ف قد مات ‪ ،‬ولو أ نه كنوز من‬
‫الذ هب والنيهات ‪ ،‬واترك ال ستقبل ح ت يق بل ‪ ،‬ول ت مل ه ه وتن قل ‪ ،‬ول ت تم بكلم‬
‫السـاد ‪ ،‬فل يسـد إل مـن سـاد ‪ ،‬وحظـي بالسـعاد ‪ ،‬وعليـك بالذكار ‪ ،‬فيهـا تفـظ‬
‫العمار ‪ ،‬وتد فع الشرار ‪ ،‬و هي أُ نس البرار ‪ ،‬وب جة الخيار ‪ ،‬وعل يك بالقنا عة ‪ ،‬فإن ا‬
‫أر بح بضا عة ‪ ،‬وامل قل بك بال صدق ‪ ،‬واش غل نف سك بال ق ‪ ،‬وإل شغل تك بالبا طل ‪،‬‬
‫وأصبحت كالعاطل ‪ ،‬وفكر ف نعم ال عليك ‪ ،‬وكيف ساقها إليك ‪ ،‬من صحة ف بدن ‪،‬‬
‫وأمن ف وطن ‪ ،‬وراحة ف سكن ‪ ،‬ومواهب وفطن ‪ ،‬مع ما صرف من الحن ‪ ،‬وسلم من‬
‫الف ت ‪ ،‬وا سأل نف سك ف الن عم ال ت ب ي يد يك ‪ ،‬هل تر يد كنوز الدن يا ف عين يك ؟ أو‬
‫أموال قارون ف يد يك ؟ أو ق صور الزهراء ف رجل يك ؟ أو حدائق دم شق ف أذن يك ؟‬
‫وهل تشتري ملك كسرى بأنفك ولسانك وفيك ‪ ،‬مع نعمة السلم‪،‬ومعرفتك للحلل‬
‫والرام ‪ ،‬وطاعتـك للملك العلم ‪ ،‬ثـ أعطاك مالً مدودا ‪ ،‬وبنيـ شهودا ‪ ،‬ومه ّد لك‬
‫‪-225-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة السعادة‬
‫مقا َ‬

‫تهيدا ‪ ،‬و قد ك نت وحيدا فريدا ‪ .‬واذ كر نع مة الغذاء والاء والواء ‪ ،‬والدواء والك ساء ‪،‬‬
‫والضياء والناء مع صرف البلء ‪ ،‬ودفع الشقاء ‪.‬‬
‫ث افرح ب ا جرى عل يك من أقدار ‪ ،‬فأ نت ل تعرف ما في ها من ال سرار ‪ ،‬فقا بل‬
‫النع مة بالش كر ‪ ،‬وقا بل البل ية بال صب ‪ ،‬وإذا أ صبحت فل تنت ظر ال ساء ‪ ،‬واغ فر ل كل من‬
‫قصـّر فـ حقـك وأسـاء ‪ ،‬واغسـل قلبـك سـبعا مـن الضغان ‪ ،‬وعفّره الثامنـة بالغفران ‪،‬‬
‫وانمك ف العمل ‪ ،‬فإنه يطرد اللل ‪ ،‬واحد ربك على العافية ‪ ،‬والعيشة الكافية ‪ ،‬والساعة‬
‫الصافية ‪ ،‬فكم ف الرض من وحيد وشريد ‪ ،‬وطريد وفقيد ‪ ،‬وكم ف الرض من رجل‬
‫غلب ‪ ،‬ومال سـلب ‪ ،‬وملكـه نبـ ‪ ،‬وكـم مـن مسـجون ‪ ،‬ومغبون ومديون ‪ ،‬ومفتون‬
‫ومنون ‪ ،‬وكم من سقيم ‪ ،‬وعقيم ويتيم ‪ ،‬ومن يلزمه الغري ‪ ،‬والرض الليم‬
‫واعلم أن الياة غر فة بفتاح ‪ ،‬ت صفقها الرياح ‪ ،‬ل صخب في ها ول صياح ‪ ،‬و هي‬
‫كما قال ابن فارس ‪:‬‬
‫ماء وخبههههز وظههههل‬

‫ذاك النعيهههم الجهههل‬

‫ههه‬
‫هههة ربه‬
‫كفرت نعمه‬

‫هههل‬
‫ههه مقه‬
‫إن قلت إنه‬

‫واعلم أن لكـل باب مـن المـ مفتاح مـن السـرور ‪ ،‬للذنـب رب غفور ‪ ،‬والفلك‬
‫يدور ‪ ،‬وأ نت ل تدري بعوا قب المور ‪ ،‬وملك ك سرى تغ ن ع نه ك سرة ‪ ،‬ويك في من‬
‫البحـر قطرة ‪ ،‬فل تذهـب نفسـك على الدنيـا حسـرة ‪ ،‬ول تتوقـع الوادث ‪ ،‬ول تنتظـر‬
‫الكوارث ‪ ،‬ول ترم نفسك لتجمع للوارث ‪ ،‬ويغنيك عن الدنيا مصحف شريف ‪ ،‬وبيت‬
‫لطيف ‪ ،‬ومتاع خفيف ‪ ،‬وكوز ماء ورغيف ‪ ،‬وثوب نظيف ‪.‬‬
‫والعزلة ملكـة الفكار ‪ ،‬والدواء كـل الدواء فـ صـيدلية الذكار ‪ ،‬وإذا أصـبحت‬
‫طائعا لربك ‪ ،‬وغناك ف قلبك ‪ ،‬وأنت آ من ف سربك ‪ ،‬را ضٍ بكسبك ‪ ،‬ف قد حصلت‬
‫على السعادة ‪ ،‬ونلت الزيادة ‪ ،‬وبلغت السيادة ‪.‬‬
‫واعلم أن الدنيا خداعة ‪ ،‬ل تساوي ه ّم ساعة ‪ ،‬فاجعلها طاعة ‪.‬‬
‫فل ما انت هى من وع ظه ‪ ،‬أع جب بلف ظه ‪ ،‬وح سن ل ظه ‪ ،‬وقال له ‪ :‬جزاك ال ع ن‬
‫أفضل الزاء ‪ ،‬فقد صار كلمك عندي أشرف العزاء ‪.‬‬

‫‪-226-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفرج بعد‬
‫مقا َ‬
‫الشدة‬

‫مــة الفــرج بعـد الشــدة‬
‫مقـا َ‬
‫ُ َّ‬
‫سًرا ‪‬‬
‫سي َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫سرٍ ي ُ ْ‬
‫ه بَعْد َ ع ُ ْ‬
‫جعَل الل ُ‬

‫عسهههههى فرج يكون عسهههههى‬
‫نعلل أنفسههههههنا بعسههههههى‬
‫هها‬
‫ههع النفسه‬
‫فل تزع إذا حلت ها يقطه‬
‫فأقرب مها يكون الرء مهن فرج إذا يئسها‬

‫إذا ضاق المـر اتسـع ‪ ،‬وإذا اشتـد البـل انقطـع ‪ ،‬وإذا اشتـد الظلم بدا الفجـر‬
‫و سطع ‪ ،‬سنة ماض ية ‪ ،‬وحك مة قاض ية ‪ ،‬فلت كن نف سك راض ية ‪ ،‬ب عد الظ مأ ماء و ظل ‪،‬‬
‫وبعد القحط غيث وطل ‪ ،‬يا من بكى من أله ‪ ،‬ومرضه وكدّه ‪،‬يا من بالغت الشدائد ف‬
‫رده وصده ‪ ،‬عسى ال أن يأت بالفتح أو أمـر من عنده ‪:‬‬
‫دع القاديههر تري فهه أعنتههها‬

‫ول تهبيت إل خالههي البالههي‬

‫مها بيه غمضهة عيه وانتباهتهها‬

‫ههن حال إل حال‬
‫يغيّههر ال مه‬

‫ما عرف نا لكثرة حز نك عذرك ‪ ،‬سهّل أمرك ‪ ،‬وأرح فكرك ‪ ،‬أ ما قرأت أل نشرح‬
‫لك صدرك ‪ ،‬أل تفرح ‪ ،‬وف عال المل تسرح ‪ ،‬وف دنيا اليسر ترح ‪ ،‬وأنت تسمع أل‬
‫نشرح ‪ ،‬يا من ش كا الطوب ‪ ،‬وعاش و هو منكوب ‪ ،‬ودم عه من الزن م سكوب ‪ ،‬ف‬
‫قميص يوسف دواء عين يعقوب ‪ ،‬وف الغتسل البارد شفاء لرض أيوب ‪.‬‬
‫الغمرات ثههه ينجلينههها‬

‫ثتهه يذهبنهها ول يينهها‬

‫للمرض شفاء ‪ ،‬وللعلة دواء ‪ ،‬وللظمـأ ماء ‪ ،‬وللشدة رخاء ‪ ،‬وبعـد الضراء سـراء ‪،‬‬
‫وب عد الظلم ضياء ‪ ،‬نار الل يل ت صبح بالي سر كال ظل الظل يل ‪ ،‬والب حر أمام مو سى يف تح‬
‫السبيل ‪ ،‬ويونس بن مت يرج من الظلمات الثلث بلطف الليل ‪.‬‬
‫الختار ف الغار ‪ ،‬أحاط به الكفار ‪ ،‬فقال ال صِدّيق هم على مسافة أشبار ‪ ،‬ونشى‬
‫من الدمار ‪ ،‬فقال الواثق بالقهار ‪ ،‬إن ال معنا ‪ ،‬وهو يسمعنا ‪ ،‬ويمينا كما جعنا ‪.‬‬

‫‪-227-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفرج بعد‬
‫مقا َ‬
‫الشدة‬

‫ههر‬
‫هام والغيهه‬
‫هي اليهه‬
‫هه‬

‫وأمهههر ال ينتظهههههر‬

‫أتيهههههأس أن ترى فرجا‬

‫فأيههههن ال والقههههدر‬

‫قل ل ن ف حض يض اليأس سقطوا ‪ ،‬وعلى الشؤم هبطوا‪،‬و ف م سألة القدر غلطوا ‪،‬‬
‫اعلموا أ نه ين ـزل الغ يث من ب عد ما قنطوا ‪ ،‬كان بلل ي سحب على الرمضاء ‪ ،‬ث ر فع‬
‫على الكعبـة لرفـع النداء ‪ ،‬وإسـاع الرض صـوت السـماء ‪.‬كان يوسـف مسـجونا فـ‬
‫الدهليز‪ ،‬ث ملك مصر بعد العزيز ‪ ،‬كان عمر يرعى الغنم ف مكة ‪ ،‬ث نشر بالعدل مُلكه ‪،‬‬
‫وطبعت باسه السّكة ‪ ،‬وهو الذي قطع حبل الور وفكّه ‪ ،‬وسحق صرح الطغيان ودكّه ‪.‬‬
‫يا من داهته الحزان ‪ ،‬وأصبح وهو حيان ‪ ،‬وبات وهو سهران ‪ ،‬أل تعلم أنه ف‬
‫كـل يوم له شأن ‪ ،‬يـا مـن هده المـ وأضناه ‪ ،‬وأقلقـه الكرب وأشقاه ‪ ،‬وزلزله الطـب‬
‫وأبكاه ‪ ،‬أنسيت من ييب الضطر إذا دعاه ‪.‬‬
‫إذا اشتملت على اليأس القلوب‬

‫وضاق باه بهه الصهدر الرحيهب‬

‫وأوطنهت الكههاره واطمههأنت‬

‫وأرسهت فه أماكنهها الطههوب‬

‫ول تهر لنكشههاف الضهر نفعا‬

‫ومها أجههدى بيههلتهه الريهب‬

‫أتههاك على قنههوط منهك غوث‬

‫ينه بههه اللطيههف السهتجيهب‬

‫وكهل الههادثات وإن تناهههت‬

‫فموصهههول باه فرج قريههب‬

‫سيجعل ال بعد عسر يسرا ‪ ،‬ول تدري لعلّ ال يدث بعد ذلك أمرا ‪.‬‬
‫سينكسر قيد الحبوسي ‪ ،‬ف زنزانات التجبين ‪ ،‬وسيسقط سوق اللدين ‪ ،‬الذي‬
‫قطعوا به جلود العذبي ‪ ،‬وسيمسح دمع اليتامى ‪ ،‬وتدأ أنات اليامى ‪ ،‬وتسكن صرخات‬
‫الثكال ‪ .‬هل رأيت فقيا ف الفقر أبدا ‪ ،‬هل أبصرت مبوسا ف القيد سرمدا ‪ ،‬لن يدوم‬
‫الضر لن هناك أحدا فردا صمدا ‪.‬‬
‫من أكثر من الستغفار جعل ال له من كل ضيق مرجا ‪ ،‬ومن كل همّ فرجا‪،‬بل‬
‫حول ول قوة إل بال تمل الثقال ‪ ،‬وتسهل الهوال ‪ ،‬وتصلح الحوال ‪ ،‬ويشرح البال‬
‫ويرضى ذو اللل ‪ .‬بشر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس البال ‪ ،‬وبشر القحط‬
‫باء زلل ‪ ،‬يلحقه ف أعماق الرمال ‪ ،‬وبشر الفقي بال ‪ ،‬يزيل عنه الملق والمال ‪:‬‬

‫‪-228-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفرج بعد‬
‫مقا َ‬
‫الشدة‬

‫ل تيأس عنهههد النهههههوب‬

‫مهههن فرجهههة تلو الكرب‬

‫واصههب إذا مهها ناب خطههب‬

‫هههب‬
‫هههو العجهه‬
‫فالزمان أبه‬

‫وترج مهههههههن روح الله‬

‫لطههههائفها ل تتههههسب‬

‫واعلم أن لكـل شدة ‪ ،‬مدة ‪ ،‬وإن على قدر الؤونـة ‪ ،‬تنــزّل العونـة ‪ ،‬وإن ال‬
‫يستخرج البلء ‪ ،‬بصادق الدعاء ‪ ،‬وخالص الرجاء ‪.‬‬
‫واعلم أن ف الشدائد إذابة الكب ‪ ،‬واستدرار الذكر ‪ ،‬وجلب الشكر ‪ ،‬وتنبيه الفكر‪.‬‬
‫فارحل بقلبك إذا الم برك ‪ ،‬واشرح صدرك عند ضيق العترك ‪ ،‬ول تأسف على ما‬
‫مضى ومن هلك ‪ ،‬فليس بالموم عليما درك ‪ ،‬واعلم أنه ل يدوم شيء مع دوران الفلك ‪،‬‬
‫وعسـى أن تكون الشدة أرفـق بـك ‪ ،‬والصـيبة خيـ لك ‪ .‬فإذا ضاقـت بـك السـبل ‪،‬‬
‫وانقطعت بك اليل ‪ ،‬فالأ إل ال عز وجل ‪.‬‬
‫واعلم أن الشدائد ليست مستدية ‪ ،‬ول تبقى برحابك مقيمة‪ ،‬ولعل ال ينظر إليك‬
‫نظرة رحيمـة ‪ ،‬والدنيـا أحوال ‪ ،‬وألوان وأشكال ‪ ،‬ولن تدوم عليـك الهوال ‪ ،‬فسـوف‬
‫تفتح القفال ‪ ،‬وتوضع عنك الغلل ‪ ،‬واصب وانتظر من ال الفرج ‪ ،‬فكأنك بليل الشدة‬
‫قد انبلج ‪:‬‬
‫ل تعجهههههلن فربههههها‬

‫عجههل الفتهه فيمهها يضره‬

‫فالعيههههش أحله يعهههههو‬

‫د على حههههههههلوته بره‬

‫ولرباهههه كره الفتهههههى‬

‫أمهههرا عهههواقبه تسههره‬

‫واعلم أن الشدائد تفتـح السـاع والبصـار ‪ ،‬وتشحـذ الفكار ‪ ،‬وتلب العتبار ‪،‬‬
‫وتعلم التحمل والصطبار ‪ ،‬وهي تذيب الطايا ‪ ،‬وتعظم با العطايا ‪ ،‬وهي للجر مطايا ‪.‬‬
‫فاطلب من ال الرعاية ‪ ،‬واسأله العناية ‪ ،‬فلكل مصيبة غاية ‪ ،‬ولكل بلية ناية ‪.‬كم‬
‫من مرة خف نا ‪ ،‬فدعونا ربنا وهتف نا ‪ ،‬فأنقذنا وأسعفنا ‪ ،‬كم مرة جع نا ‪ ،‬ث أطعمنا رب نا‬
‫وأشبعنا ‪ ،‬كم مرة زارنا ال م ‪ ،‬وبرح بنا ال غم ‪ ،‬ث عاد سرورنا و ت ‪ ،‬كم مرة وقعنا ف‬
‫الشباك ‪ ،‬وأوشك نا على اللك ‪ ،‬ث كان من ال النطلق والنفكاك ‪ ،‬أ نت تعا مل مع‬
‫لطيف بعباده‪ ،‬معروف بإمداده ‪ ،‬جواد ف إسعاده ‪ ،‬غالب على مراده ‪ ،‬فلُذ به وناده ‪ ،‬إذا‬

‫‪-229-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفرج بعد‬
‫مقا َ‬
‫الشدة‬

‫داهتك الشدائد السود ‪ ،‬وحلت بك القيود ‪ ،‬وأظلم أمامك الوجود ‪ ،‬فعليك بالسجود ‪،‬‬
‫وناد يا معبود ‪ ،‬يا ذا الود ‪ ،‬أنت الرحيم الودود ‪ ،‬لترى الفرج والنصر والسعود ‪:‬‬
‫لطائف ال وإن طال الدى‬
‫كلمحههة الطرف إذا الطرف سههجى‬
‫كهم فرج بعهد إيههاس قهد أتهى‬
‫وكهم سهرور قههد أتهى بعهد السهى‬

‫أي ها الن سان ف آ خر الن فق م صباح ‪ ،‬ولِباب الموم مفتاح ‪ ،‬وب عد الل يل صباح ‪،‬‬
‫وكم هبت للقانط من الفرج رياح ‪.‬‬
‫أيهـا الظمآن وراء هذا البـل ماء ‪ ،‬أيهـا الريـض فـ هذه القارورة دواء ‪ ،‬أيهـا‬
‫السجون انظر إل السماء ‪ ،‬أيها التشائم امسك حبل الرجاء ‪.‬‬
‫كـن كالنملة فـ صـعود وهبوط ‪ ،‬وعلو وسـقوط ‪ ،‬ول تعرف اليأس ول القنوط ‪،‬‬
‫ول تعترف بالحباط ف كل شوط ‪.‬‬
‫كن كالنحلة ف طلب رزقها قائمة ‪ ،‬وف حسن ظنها دائمة ‪ ،‬وعلى الزهور حائمة ‪،‬‬
‫وفوق الروض عائمة وليست مع اليأس نائمة ‪.‬‬
‫كن كالد هد ‪ ،‬مع كل صباح ين شد ‪ ،‬و مع الرب يع يتجدد ‪ ،‬وعلى بلق يس تردد ‪،‬‬
‫وسليمان له تفقد ‪ ،‬فأسلم لربه ووحد ‪ ،‬وأنكر على من كفر وألد ‪ ،‬فنال الجد الخلد ‪،‬‬
‫والذكر الؤبد ‪.‬‬
‫أيههها الشتههكي ومهها بهك داء‬
‫كيهههف تغهههدو إذا غدوت عليل‬
‫أترى الشوك فهه الورود وتعمههى‬
‫هل‬
‫هه الندى إكليهه‬
‫هرى فوقهه‬
‫أن تهه‬
‫والههذي نفسههه بغيههر جههالٍ‬
‫ههههه الوجود شيئا جيل‬
‫ل يرى فه‬

‫على رؤوس البال ش س من الفرج شار قة ‪ ،‬وعلى مشارف التلل هالة من النور‬
‫بارقة ‪ ،‬وعلى كل باب للحزن من السرور طارقة ‪.‬‬
‫‪-230-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفرج بعد‬
‫مقا َ‬
‫الشدة‬

‫افتح عينيك ‪ ،‬ارفع يديك ‪ ،‬ل تساعد الم عليك ‪ ،‬ول تدعو اليأس إليك ‪.‬‬
‫ال سمك والقرش ‪ ،‬والطيور والطرش ‪ ،‬كل ها تر جو رب العرش ‪ ،‬فات ه أ نت إل يه ‪،‬‬
‫واشك الال عليه ‪ ،‬فإن فرجه أسرع من البق الاطف ‪ ،‬وله ف كل لظة لطائف ‪.‬‬
‫اللهم اصرف عنا الصائب ‪ ،‬ورد عنا النوائب ‪ ،‬وكُف عنا كَفّ العائب ‪.‬‬
‫اللهـم سـهّل الزون ‪ ،‬وهوّن النون ‪ ،‬وأشبـع البطون ‪ ،‬وافتـح للمضطهديـن أبواب‬
‫ال سجون ‪ ،‬واج عل الائف ي من أم نك ف ح صون ‪ ،‬الل هم احلل البال العقدة ‪ ،‬و سهل‬
‫المور الشددة ‪ ،‬واكشف السحب اللبّدة ‪ ،‬وأجب سهام الليل السددة ‪.‬‬
‫الل هم اج عل لل يل هوم نا صباح من الفرج يشرق ‪ ،‬ولظ مأ أكباد نا ن ر من ال مل‬
‫يتدفق ‪ ،‬ولراح مآسينا يد بالشفاء تترفق ‪.‬‬
‫الل هم أغن نا عن الناس ‪ ،‬وارزق نا م ا ف أيدي هم اليأس ‪ ،‬ورد ع نا البأس ‪ ،‬واج عل‬
‫التقوى لنا أجل لباس ‪ ،‬وأقوى أساس ‪.‬‬
‫لك المـد حتـ يل طباق الغـباء ‪ ،‬وأجواء السـماء ‪ ،‬ولك الثناء حتـ تشدو بـه‬
‫الطيار ‪ ،‬وتيل به الزهار ‪ ،‬ويمله الليل والنهار ‪.‬‬
‫ولك الجـد يـا ذا الود ‪ ،‬مـا قام الوجود ‪ ،‬وسـال الاء فـ العود ‪ ،‬ونصـب للحياة‬
‫عمود‬
‫هل يرجى سواك ‪ ،‬هل يعبد إل إيّاك ‪ ،‬هنيئا لن دعاك ‪ ،‬وطوب لن ناجاك ‪.‬‬
‫والصلة والسلم على عبدك ومصطفاك ‪ ،‬وحامل هداك ‪.‬‬
‫وختامها ‪:‬‬
‫اشتدي أزمهههة تنفرجهههي‬

‫قهههههد آذن ليلك بالبلج‬

‫‪-231-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشبابيّة‬

‫مــة الشبـابيّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬إِنَّهُْم فِتْيٌَة آَمنُوا بَِربِّهِْم وَزِدْنَاهُْم هُدًى ‪‬‬
‫ه على الشباب بدمهع عينه‬
‫بكيت ُ‬

‫فمهها نفههع البكاءُ ول النّحيبههُ‬

‫ه‬
‫فيها أسهفا أسهفتُ على شباب ٍ‬

‫نعاه الشيبههُ والرأس الضيبههُ‬

‫أل ليههت الشبابههَ يعود يومهها‬

‫فأخههبه باهه فعههل الشيبههُ‬

‫ه مهن الشباب وكان غضها‬
‫عَريت ُ‬

‫ه‬
‫كمها يَعْرَى مهن الورق القضيب ُ‬

‫قال الراوي ‪ :‬دخل نا على جا عة من الشباب ‪ ،‬قد أ سدلوا الش عر وأ سبلوا الثياب ‪،‬‬
‫ووقعوا فـ جدال وسـباب ‪ ،‬فقام خطيبنـا فقال وأصـاب ‪ ،‬وأقسـم بنـ أنزل الكتاب ‪،‬‬
‫وأجرى السـحاب ‪ ،‬وهزم الحزاب ‪ ،‬أن الشباب أمـل المـة النشود ‪ ،‬وعلمهـا العقود ‪،‬‬
‫وسجلها الحمود ‪ ،‬ث التفت إل الشباب فقال ‪ ،‬وقد فاض دمعه وسال ‪ :‬ما لكم خالفتم‬
‫ال سنة ‪ ،‬وهجر ت طر يق ال نة ‪ ،‬ترك تم هدي ال نب ‪ ،‬وتشبه تم بالج نب ‪ ،‬قال أو سطهم‬
‫طريقة ‪ ،‬وأعرفهم حقيقة ‪ :‬لاذا وجهت الكلم إلينا ‪ ،‬وماذا تنقم علينا ؟‬
‫قال الط يب ‪ :‬سبحان اللك القدوس ‪ ،‬ما أ غب هذه النفوس!‪،‬ألي ست أوقات كم ف‬
‫الق يل والقال ‪ ،‬وإضا عة الال ‪ ،‬وهدر ال ساعات الطوال ‪ ،‬ق صّرت ف الطا عة ‪ ،‬وبالغ تم ف‬
‫الضاعـة ‪ ،‬وفرطتـم فـ صـلة الماعـة ‪ ،‬هجرتـ القرآن ‪ ،‬وأطعتـم الشيطان ‪ ،‬وغرّكـم‬
‫الشباب الفتّان ‪ ،‬أل ستم أحفاد الهاجر ين والن صار ‪ ،‬وأبناء البرار ‪ ،‬وعلي كم تعلق المال‬
‫الكبار ‪ .‬فقام أصـغرهم ‪ ،‬وهـو فـ العيـ أحقرهـم ‪ ،‬فقال ‪ :‬أيهـا الطيـب ‪ ،‬يكفـي هذا‬
‫التأن يب ‪ ،‬فإن م قالوا ‪ :‬ل ين فع التهذ يب ف الذ يب ‪ ،‬واعلم أ نا ف ع صر ال صبا ‪ ،‬كن بت‬
‫الرب ‪ ،‬وكم من سيف نبا ‪ ،‬وضوء خبا ‪ ،‬وجواد كبا ‪ ،‬فل تشمت بنا العِدا ‪ ،‬ول تكثر‬
‫الرا ‪ ،‬قال الطيب ‪ :‬عجب ‪ ،‬أيها الب ابن الب ‪ ،‬أتيت بعذر أقبح من ذنب ‪ ،‬أتعتذر‬
‫بالشبي بة ‪ ،‬لع مل كل خي بة ‪ ،‬فهذه م صيبة ‪ ،‬هؤلء ال صحابة ‪ ،‬كلّ ح فظ شبا به ‪ ،‬وح ل‬
‫كتا به ‪ ،‬وخاف ح سابه ‪ ،‬و هل عند كم ع هد وأمان ‪ ،‬من طروق الدثان ‪ ،‬أم أن كم ف‬
‫لوكم تلعبون ‪ ،‬ولواكم تركبون ؟‬
‫‪-232-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشبابيّة‬

‫قال قائل منهم ‪ ،‬وقد ناب عنهم ‪ ،‬يا عم ‪ :‬ما كان الرفق ف شيء إل زانه ‪ ،‬وما‬
‫نزع الرفق من شيء إل شانه ‪ .‬ونن ف مقتبل العمر ‪ ،‬وف غفلة من الدهر ‪ ،‬فدعنا نبهج‬
‫ابتهاج الزهر ‪ ،‬ونقبل على الدنيا إقبال القطر ‪ ،‬كما قال الشاعر ‪:‬‬
‫أقبههل على اللذات ويكهه إنههه‬
‫تطوى بهههك اليام والسهههاعاتُ‬
‫هن يُخوّف بالردى‬
‫هظ مه‬
‫واترك مواعه‬
‫قبههل الردى يهها صههاحب أوقاتههُ‬

‫قال الطيـب والذي قرّت ببـه العيون ‪ ،‬وأزال بالعلم الظنون ‪ ،‬إنكـم فـ غيّكـم‬
‫تلعبون ‪ ،‬و من حتف كم تطربون ‪ ،‬أ ين العقول هل ذه بت ‪ ،‬أ ين الب صائر هل سُلبت ‪ ،‬أ ما‬
‫ترون أنـه يُسـاق بكـم إل القبور ‪ ،‬وكـل واحـد منكـم مغرور ‪ ،‬تغترون بالُهلة ‪ ،‬وتظنون‬
‫أن المور سهلة ‪:‬‬
‫فل تقههل الصههبا فيههه امتهال‬

‫وفكهر كههم صهبّ قهد دفنتهها‬

‫هه‬
‫هر وتتقيه‬
‫هن الجيهه‬
‫هر مه‬
‫تفهه‬

‫فهلّ مهن جهنهم قهد فررتهها‬

‫يا قوم ‪ :‬النفاس تك تب علي كم ‪ ،‬والنا يا تزف إلي كم ‪ ،‬فقال أحد هم ‪ :‬فماذا نف عل‬
‫أيها الواعظ ؟ فإن أراك تنت قد وتلوم وتلحظ ‪ ،‬هل ترانا ف حياتنا أخطأنا ‪ ،‬و عن مناد‬
‫ال صلح أبطأ نا ؟ قال الط يب ‪ :‬أ ين نور الدا ية ‪ ،‬وح سن البدا ية ‪ ،‬وال ستعداد للنها ية ‪،‬‬
‫ال ساجد من كم مهجورة ‪ ،‬والقا هي ب كم معمورة ‪ ،‬كل من كم ر كب لوه وطي شه‪،‬وأق بل‬
‫على الدخان والشيشـة ‪ ،‬تسـبلون الزار ‪ ،‬وتطيلون الظفار ‪ ،‬وتقلّدون الكفار ‪ ،‬تضيّعون‬
‫ال صلوات ‪ ،‬وتقعون ف الشهوات ‪ ،‬وت سهرون ال ساعات ‪ ،‬وتزجون الوقات ‪ ،‬ل تفلحوا‬
‫ف دن يا ول د ين ‪ ،‬وأرا كم ف غيّ كم قاعد ين ‪ ،‬ل ستم ف صلح ول طا عة ‪ ،‬ول سنة‬
‫ول جاعة ‪ ،‬ول صناعة ‪ ،‬ول زراعة ‪ ،‬ول جلب بضاعة ‪.‬‬
‫شباب الغرب ف الصانع عاكفون ‪ ،‬وإل العمل منصرفون ‪ ،‬وف التجارة مترفون ‪،‬‬
‫وبالد والثابرة متصفون ‪ ،‬الهندس منهم ف صناعته ‪ ،‬والفلح ف زراعته ‪ ،‬والتاجـر ف‬
‫متابعة بضاعته ‪ ،‬والطبيب ف عيادته ‪.‬‬
‫وأنتم ماذا فعلتم ‪ ،‬وأرون ماذا عملتم ؟‬
‫‪-233-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشبابيّة‬

‫أحدكم ف الليل جيفة ‪ ،‬وف النهار ريشة خفيفة ‪ ،‬فَ صَلْتم من الامعة ‪ ،‬وهجرت‬
‫القراءة والطالعة ‪ ،‬وجلستم على القارعة ‪ ،‬كل منكم قد أزعج شارعه‪ ،‬شغلتكم الغان‬
‫والما ن عن الثا ن ‪ ،‬للريا ضة تشجعون ‪ ،‬وللمنت خب تتابعون ‪ ،‬وللمل عب ت سارعون ‪،‬‬
‫وف اللهو واللغو بارعون ‪ ،‬حياتكم فوضة ‪ ،‬تتابعون آخر موضة ‪ ،‬كأنكم أطفال الروضة‪.‬‬
‫م ت عهد كم بالقرآن ‪ ،‬هل حفظ تم شيئا من سنة ولد عدنان ‪ ،‬ل تعرفون الؤلف ي‬
‫والكتشفي ‪ ،‬والخترعي والبارعي ‪ ،‬ول تذكرون أحدا من العلماء والكماء ‪ ،‬والدباء‪،‬‬
‫والولياء ‪ ،‬حفظ تم عن ظ هر قلب أ ساء الغنيّ ي ‪ ،‬والل عبي ‪ ،‬واللّه ي‪ ،‬وال سرحيّي ‪،‬‬
‫والمثلي ‪ ،‬عققتم الوطان ‪ ،‬وأطعتم الشيطان ‪.‬‬
‫هَمّ أحدكم حذاء وساعة ‪ ،‬وميدالية لّاعة ‪ ،‬كأنه شّاعة ‪.‬‬
‫ما ل كم أهداف سامية ‪ ،‬ول ه م عال ية ‪ ،‬ول أخلق غال ية ‪ ،‬ما عند كم عزائم ‪،‬‬
‫أصبتم بإحباطاتٍ وهزائم ‪ ،‬مقصد أحدكم الفراح والولئم ‪.‬‬
‫ألستم أحفاد الراشدين ‪ ،‬وأبناء الجاهدين ‪ ،‬وسللة العابدين ‪.‬‬
‫همـ أحدكـم ثياب فاخرة ‪ ،‬وجلسـات سـاخرة ‪ ،‬أرضيتـم بالياة الدنيـا مـن‬
‫صـار ّ‬
‫الخرة ‪ .‬كأنكـم أطفال يفرح أحدكـم بركوب السـيارة ‪ ،‬ومشاهدة الطيارة ‪ ،‬ومعايشـة‬
‫السـيجارة ‪ ،‬تفظون أسـاء اللعـبي ‪ ،‬وتغفلون عـن أسـاء العلماء العامليـ ‪ ،‬اتركوا‬
‫الشوارع‪ ،‬واخرجوا إل الوا مع ‪ ،‬اذهبوا إل ال صانع ‪ ،‬هبوا إل الزارع ‪ ،‬هيّا إل الدادة‬
‫والنجارة ‪ ،‬هيّا إل الصناعة والعمارة ‪ ،‬هيّا إل البيع والتجارة ‪ ،‬هيّا إل الورشة والنشارة ‪.‬‬
‫نريد منكم علماء وحكماء وأطباء وأدباء ‪.‬‬
‫شباب القهه للسههلم عودوا‬

‫فأنتههم مده وبكههم يسههههود‬

‫وأنتهم سهرّ نضتههه قديههما‬

‫وأنتههم فجره الباهههي الديههد‬

‫فقال أحد هم و قد ت سربل بال جل ‪ ،‬وتكن فه الو جل ‪ ،‬فتكلم على ع جل ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫لسنا سبب الضياع ‪ ،‬وإنا آباؤنا الرعاع ‪ ،‬أهلونا من زمن الرضاع ‪ ،‬ما أعطونا من ماء‬
‫التربة ولو قطرة ‪ ،‬وف الديث كل مولود يولد على الفطرة ‪.‬‬

‫‪-234-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشبابيّة‬

‫ما كانوا يسألون عنّا ‪ ،‬كأنا لسنا منهم وليسوا منّا ‪ ،‬ربّونا تربية الدواب‪ ،‬وعلمونا‬
‫تعليم العراب ‪ ،‬فنفوسنا من الداب خراب ‪.‬‬
‫أشغلونـا بالتلفزيون ‪ ،‬والتلفون ‪ ،‬وسـيّـبونا فـ السـكك مـع شباب يهمزون‬
‫ويغمزون ‪ ،‬ما أخذو نا إل ال ساجد ‪ ،‬ما عرّفو نا على عال وا حد ‪ ،‬ما حفّظو نا اليات‬
‫البيّنات ‪ ،‬ما علّمونا الحاديث النبويّات ‪ ،‬أهلونا للمجلّت الليعات ‪ ،‬والفلم الائعات‪،‬‬
‫والسـهرات الضائعات ‪ .‬غرسـوا فينـا حـب الرذيلة ‪ ،‬وكراهيـة الفضيلة ‪ ،‬علّمونـا سـوء‬
‫الدب ‪ ،‬وكثرة الضحك من غي سبب ‪ ،‬وسرعة الغضب ‪ ،‬وإضاعة الطلب ‪.‬‬
‫فقال الطيـب ‪ :‬قـد سـعت مـا قلت ‪ ،‬وأنـت بالقـ نطقـت ‪ ،‬وبررت فيمـا قلت‬
‫وصدقت ‪ ،‬ولكن ما عذركم الن ‪ ،‬وقد وضح لكم الربح من السران ‪ ،‬والتوفيق من‬
‫الذلن ‪ ،‬وقد قال شاعر أصفهان ‪:‬‬
‫هاحبها‬
‫هة تبدي عذر صه‬
‫هب الشبيبه‬
‫هه‬
‫مهها بال أشيههب يسههتهويه شيطان‬

‫فليس لكم عذر ف الباء ‪ ،‬ول تزر وازرة وزر أخرى ‪ ،‬أيها البناء ‪،‬جددوا التوبة‪،‬‬
‫وأصلحوا الوبة ‪ ،‬وارقعوا بيد الصلح ما تزق من ثوب العمار‪،‬واغسلوا بدمع الندم ما‬
‫تركتـه الذنوب مـن غبار ‪ ،‬واتركوا مصـاحبة الفجّار ‪ ،‬ومصـادقة الشرار ‪ ،‬ومرافقـة‬
‫الشطار ‪ ،‬والتشبـه بالكفار ‪ ،‬أقبلوا على الياة السـعيدة ‪ ،‬واعكفوا على الكتـب الفيدة ‪،‬‬
‫وتلّقوا بالخلق الميدة ‪ ،‬واحلوا الداب الرشيدة ‪ ،‬حافظوا على تكـــبية الحرام ‪،‬‬
‫واجتنبوا الرام ‪ ،‬وتوبوا مـن العشـق والغرام ‪ ،‬وارتفعوا إل منازل الكرام ‪ ،‬تذكّروا الوت‬
‫وسـكرته ‪ ،‬والقـب وظلمتـه ‪ ،‬والسـاب ودقتـه ‪ ،‬والصـراط ومزلتـه ‪ ،‬تفكروا فـ البعـث‬
‫والنشور ‪ ،‬يوم يبعثر ما ف القبور ‪ ،‬وي صّل ما ف الصدور ‪ ،‬وين فخ ف الصور ‪ ،‬ويعضّ‬
‫على كفه الثبور ‪ ،‬وتقصم الظهور ‪.‬‬
‫وال لو عاش الفتههه فههه عمره‬
‫ألفا مهههن العههههوام مالك أمره‬
‫مهها كان ذلك كله فهه أن يفههي‬
‫فيههها بأول ليهههلة فهههي قبهههره‬
‫‪-235-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الشبابيّة‬

‫فلما سعوا كلمه ‪ ،‬وشاهدوا مقامه ‪ ،‬غلبتهم السرة والندامة ‪ ،‬ووضع كل منهم‬
‫على وجهه أكمامه ‪ ،‬وبكوا بكاء من عاين القيامة ‪ ،‬وتذكر لياليه وأيامه ‪.‬‬
‫ي السباب ‪،‬‬
‫فرفع الطيب يديه ‪ ،‬واجتمعوا عليه ‪ ،‬ودنوا إليه ‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم يا قو ّ‬
‫يا كر ي الناب ‪ ،‬اف تح لعبادك البواب ‪ ،‬و تب على من تاب ‪ ،‬وار حم هؤلء الشباب ‪،‬‬
‫فإ نك تق يل العثرات ‪ ،‬وتغ فر الزلت ‪ ،‬وتع فو عن ال سيئات ‪ ،‬وتتجاوز عن الطيئات ‪،‬‬
‫اللهم أصلح قلوبم ‪ ،‬واستر عيوبم ‪ ،‬واحفظ غيوبم ‪ ،‬واغفر ذنوبم ‪.‬‬
‫ث قال الطيب ‪ :‬هيّا بنا إل السجد ‪ ،‬لنركع ونسجد ‪ ،‬ونصلي ونتعبد ‪ ،‬ونعود إل‬
‫ال فالعود أحد ‪ ،‬ونقتدي بالرسول ممّد ‪.‬‬
‫فسـمعوا نداءه ‪ ،‬وأجابوا دعاءه ‪ ،‬وذهبوا وراءه ‪ ،‬فأصـلح ال لمـ البال ‪ ،‬ووفقهـم‬
‫لحسـن العمال ‪ ،‬وأزكـى القوال ‪ ،‬وأشرف الحوال ‪ ،‬فصـاروا كالنجوم الزاهرة ‪،‬‬
‫والبدور الباهرة ‪ ،‬بقلوب طاهرة ‪ ،‬وأعمال بالي ظاهرة ‪.‬‬

‫‪-236-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السياسيّة‬

‫مــة السيـاســيّــة‬
‫المقـا َ‬

‫(( كل بطـاّح من الناس له يــوم بطـوح ))‬

‫من م ب القوم ش طت دار هم ونأت‬

‫أنه رجعهت إل كتهب وأوراقهي‬

‫عفهت السهياسة حته مها أل باه‬

‫ه‬
‫وقهد رددت إليهها كهل ميثاق ِ‬

‫لنّهههها َجشّمِتنههه كلّ نائبةٍ‬

‫وأنّههها كلفتنهه غيهه أخلقههي‬

‫مالك ف ديار ال سياسة توس ‪ ،‬اهرب من ساس ي سوس ‪ ،‬أ ما عل مت أن وجه ها‬
‫منحوس ‪ ،‬ورأ سها منكوس ‪ ،‬و هي ال ت قط عت الرؤوس ‪ ،‬وأزه قت النفوس ‪ ،‬وضيّ عت‬
‫الفلوس ‪ ،‬وحلت الناس على اليم ي الغموس ‪ ،‬طريق ها معكوس ‪ ،‬وعلى جبين ها عبوس ‪،‬‬
‫سودت الطروس ‪ ،‬وك سرت التروس ‪ ،‬وخل عت الضروس ‪ ،‬ك سفت من أجل ها شوس ‪،‬‬
‫وفتحت بظلمها حبوس ‪ ،‬وقطعت بورها غروس ‪ ،‬كانت الدنيا قبلها عروس ‪ ،‬وهي الت‬
‫عطلت الناموس ‪ ،‬وأباحت الحرمات للمجوس ‪.‬‬
‫ل تهههههل الحكام وإن هوا سهههههألوا‬
‫إن نصهف الناس أعداء لنه ول الحكام وهذا إن عدل‬

‫عقرت هارون الرشيد ف طرطوس ‪ ،‬وقتلت ممد بن حيد ف طوس ‪ ،‬واجتاح ب ا‬
‫ديار السـلم أهـل البوق والناقوس ‪ ،‬إذا أقبلت تدوس ‪ ،‬وإذا أدبرت توس ‪ ،‬بذريعتهـا‬
‫تدبـ فـ القلوب كالسـوس ‪ ،‬وتتفـي فـ العقول‬
‫ّ‬
‫لعـب المريكان فـ العال والرّوس ‪،‬‬
‫كالاسوس ‪ ،‬عاشقها يتخبطه الشيطان كأنه مسوس ‪ ،‬أشار إليها السي فخطفت رأسه‪،‬‬
‫ومازحها الجاج فخلعت أضراسه ‪ ،‬وداعبها أبو مسلم فأحرقت لبا سَه‪،‬وزارها مصعب‬
‫فقتل ته وحرا سه ‪ ،‬وأحب ها يز يد فقط عت أنفا سه ‪ ،‬و صافحها الختار فمز قت أحل سه ‪،‬‬
‫وأحبها الهلب فاقتلعت أساسه ‪ ،‬وعشقها التوكل فسلطت عليه ُجلّسه ‪،‬وشربا القاهر‬
‫فك سرت عل يه كأ سه ‪ ،‬وعانق ها ا بن الزيات فأحر قت قرطا سه ‪ ،‬وجال سها ا بن الق فع‬
‫فأبطلت قياسه ‪ ،‬كم من ذكي ضيعت مراسه ‪ ،‬وكم من غب أخرجت وسواسه ‪ ،‬السياسة‬
‫بالنفاق نا سة ‪ ،‬وبالغباء تيا سة ‪ ،‬وبالغدر تعا سة ‪ ،‬وبالور خ ساسة ‪ ،‬وبالظلم شرا سة ‪،‬‬
‫‪-237-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السياسيّة‬

‫اجتنب ها أهل الكيا سة ‪ ،‬ومات ف حب ها أهل الرياسة ‪ ،‬بذلوا ف حبها الد ين والما سة ‪،‬‬
‫وما حصلوا إل على التعاسة ‪ ،‬تقاتلوا عليها حسدا ونفاسة ‪ ،‬قُتل البامكة لجلها بجة‬
‫عباس وعبا سة ‪ ،‬فأ صبحوا ب عد اللك خبا ف كرا سة ‪ ،‬وب عد الوزارة دفترا على ما صة ‪،‬‬
‫هي الو سواسة ‪ ،‬النا سة ‪ ،‬تذ هب بالنجا بة والكيا سة ‪ ،‬و كم من شجاع أذه بت با سه ‪،‬‬
‫وعقرت أفراسه ‪ ،‬أهلها يُسمّون ساسة ‪ ،‬كل منهم قد حل على أخيه فاسه ‪.‬‬
‫سعيد النورسي ‪ ،‬بالسياسة نسي ‪ ،‬ليني واستالي ‪ ،‬قتلوا بالسياسة الليي‪ ،‬فكتبوا‬
‫فـ تاريـخ اللعيـ ‪ ،‬هولكـو الغازي ‪ ،‬وهتلر النازي ‪ ،‬قتلوا باسـم السـياسة النسـانية‬
‫فأصبحوا ف الانة النسية ‪.‬‬
‫الكلب أكرم عشرة‬

‫هاسه‬
‫هة ف ه السه‬
‫هو النهايه‬
‫وهه‬

‫مههن معشههر طلبوا الرئاسههة‬

‫قبهههل تقيهههق الرئاسهههه‬

‫ك سر ك سرى بال سياسة ظهور أ هل فارس ‪ ،‬فق يل له ‪:‬ل فعلت ذلك ؟ فقال‪ :‬ساس‬
‫يسـوس فهـو سـائس ‪ ،‬وقصـّر قيصـر بالسـياسة أعناق الروم ‪ ،‬فقيـل له ل هذا الصـنيع يـا‬
‫مروم ؟ فقال ‪ :‬أردت إصلح البلد ‪ ،‬ورحة العباد ‪.‬‬
‫كدعواك كل يد عي صحة الع قل‬

‫ومن الذي يدري با فيه من جهل‬

‫بقنابـل سـياسة العميان ‪ ،‬دمرت اليابان ‪ ،‬وقتـل الصـرب اللبان ‪ ،‬واحتـل الروس‬
‫الفغان ‪ ،‬وجلد السـتضعفي شاه إيران ‪ ،‬واعتدى اللان على اليان ‪ .‬لكـن ذكـر كـل‬
‫كافر بربه ‪ ،‬آية ‪َ  :‬ف ُكلّ أَخَ ْذنَا بِ َذْنبِهِ ‪. ‬‬
‫وكل ما سبق حديثٌ عن السياسة الفاجرة الكافرة ‪ ،‬الساحرة الساخرة ‪.‬‬
‫وهـي السـياسة البدعيّة ‪ ،‬القائمـة على ظلم الرعيّة ‪ ،‬وإهدار القوق الرعيّة ‪ ،‬مـن‬
‫رأسـالية ‪ ،‬وبعثيـة ‪ ،‬ونازيـة ‪ ،‬وشيوعيـة ‪ ،‬وصـان ال مـن ذلك السـياسة الشرعيـة‪ ،‬لن‬
‫السياسة الشرعية رحة بالبشر ‪ ،‬واتباع للثر ‪ ،‬وماربة من كفر ‪ ،‬وردع من فجر‪ ،‬وهي‬
‫الت على دستور ع مر ‪ ،‬إمام السياسة الشرع ية الر سول ‪ ،‬أعدل العدول ‪ ،‬وأفقه الناس ف‬
‫النقول والعقول ‪ ،‬وصاحبه الصديق ‪ ،‬بالمة رفيق ‪ ،‬له عهد مع العدل وثيق ‪ ،‬وقلب من‬

‫‪-238-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السياسيّة‬

‫التقـى رقيـق ‪ ،‬وتلميذه عمـر الذي كان وهـو خليفـة يئن مـن الوع ‪ ،‬ويلبـس الرقوع ‪،‬‬
‫وتغلبه الدموع ‪ ،‬أولئك هم الناس ‪ ،‬وبم يضرب القياس ‪ ،‬ويل المن ويدفع الباس ‪.‬‬
‫وليـس لنـ خالفهـم إل الفلس ‪ ،‬والبتئاس ‪ ،‬والتعاس ‪ ،‬ليـت السـيوف الداد ‪،‬‬
‫ل تعاون أهل الف ساد ‪ ،‬ف ظلم العباد ‪ ،‬فبسياسة الور والعناد ‪ ،‬قتل ال سي بسيف ابن‬
‫زياد ‪ .‬بأ يّ سياسة يُكرم جهلة النباط ‪ ،‬وتد فع الوائز ل هل النطاط‪ ،‬ويُجلد أح د بن‬
‫حنبل بالسياط ‪ ،‬على البلط ‪:‬‬
‫هة‬
‫ها موت زر إن الياة ذميمه‬
‫فيه‬

‫ويها نفهس جدّي إن دهرك هازل‬

‫بأْ يّ سياسة يتول الوليد بن يزيد ‪ ،‬وهو الرعديد ‪ ،‬البليد ‪ ،‬الريد ‪ ،‬وهو الذي فتح‬
‫الصحف فوجد فيه ‪ :‬واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ‪ ،‬غنته الارية وهو ف السكر ‪،‬‬
‫والنكر ‪ ،‬شارد الفكر ‪ ،‬ذاهب الذكر ‪ ،‬تارك الشكر ‪ ،‬فقال من الطرب ‪ :‬إل أين أطي ‪،‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬طر إل السعي يا عي ‪  .‬فَمَا كَانَ لَ ُه مِ نْ ِفَئةٍ يَنصُرُونَ ُه مِ نْ دُونِ اللّ ِه َومَا كَانَ‬

‫مِ ْن ا ُلنَْتصِرِينَ ‪‬‬
‫بأي سياسة ي صبح الجاج الوز ير ‪ ،‬صاحب الدف والز ير ‪ ،‬ليق تل ا بن الزب ي ‪ ،‬بل‬
‫قصاص ول تعزير ‪.‬‬
‫بأي سياسة يُذ بح سعيد بن جبي ‪ ،‬العال النحر ير ‪ ،‬والحدث الشه ي ‪ ،‬وتع طى‬
‫الوائز لزرياب ‪ ،‬وتلع عل يه الثياب ‪ ،‬والعلماء يُدفعون ع ند البواب ‪ .‬لو أن الأمون ف قه‬
‫سنة الرسول المي ‪ ،‬ولو أن العتصم درس سنة العصوم ‪ ،‬لا عذبوا أحد بن حنبل ‪ ،‬سّي‬
‫أحد النب البجل ‪ ،‬لن أحد بن أب دؤاد ‪ ،‬أشغلهم عن السناد ‪ ،‬بأقوال أهل الفساد ‪،‬‬
‫وبنقولت فلسفة بغداد ‪ ،‬وجهلة السواد ‪.‬‬
‫يا ل ا من سياسة خربا نة ‪ ،‬تكرم الزند يق وأعوا نه ‪ ،‬وت ضع ا بن تيم ية ف زنزا نة ‪،‬‬
‫وت جب ع نه إخوا نه ‪ ،‬بال سياسة تغزو العال الزدك ية ‪ ،‬وت كم بغداد ال سرة البمك ية ‪،‬‬
‫ويقتـل ذو النفـس الزكيّة ‪ ،‬بأي سياسة خرج التتار ‪ ،‬بكـل بتار ‪ ،‬فخربوا الديار ‪ ،‬وقتلوا‬
‫ال صالي البرار ‪ ،‬وهدموا كل م سجد ودار‪ ،‬براءة من ال ور سوله إل سياد بري‪ ،‬ل نه‬
‫على الدماء جري ‪ ،‬شنق علماء الالكية ‪ ،‬والشنق عند مالك حرام بالكليّة ‪.‬‬
‫‪-239-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السياسيّة‬

‫د ستم من ر ستم ‪ ،‬مع هل يا مريام منج ستم ‪ ،‬يا كم تنج ستم ‪ ،‬وغرت كم الما ن‬
‫وتربصتم ‪ .‬بأي سياسة سى الشيوعيون أنفسهم بالرفاق ‪ ،‬وهم أهل النفاق ‪ ،‬والشقاق ‪،‬‬
‫وسوء الخلق ‪ .‬كنّ أبو جعفر الراسان أبا مسلم ‪ ،‬فلما ذبه قال ‪ :‬مت يا أبا مرم ‪.‬‬
‫أبو مسلم تبختر ‪ ،‬وتكب ‪ ،‬وتب ‪ ،‬فبقر بطنه أبو جعفر ‪ ،‬بالنجر ‪ ،‬فسحب بعد‬
‫اللك ف ال سلك وجر جر ‪ ،‬ما شاء ال يلس اللي فة ف بغداد ‪ ،‬على الو ساد‪،‬وي صفق له‬
‫العباد ‪ ،‬ويرسه الجناد ‪ ،‬فتغنيه الارية بصوت جيل ‪ ،‬و َشعْرها ييل ‪:‬‬
‫ق فا نب كي من ذك هرى حبيب ومن هزلِ‬

‫فيقع الليفة ف الطرب ‪ ،‬فيصب على الارية الذهب ‪ ،‬وأحد بن حنبل مسجون ف‬
‫الق بل سبب ‪ .‬يلس الليفة العباسي ‪ ،‬على الكرسي ‪ ،‬ويقول ‪ :‬يا ناس قبّلوا رأسي ‪،‬‬
‫وامسحوا مداسي ‪ ،‬وقربوا قرطاسي ‪.‬‬
‫فيقوم شاعـر طرطور ‪ ،‬منافـق مدحور ‪ ،‬فيقول ‪ :‬مـا خلق ال مثلك أيهـا الليفـة ‪،‬‬
‫فأ نت صاحب الخلق الشري فة ‪ ،‬والعا ن اللطي فة ‪ ،‬والماد الني فة ‪ ،‬فيقول اللي فة ‪ :‬يا‬
‫شعْره تاج الشعار ‪ ،‬هذا وسـفيان‬
‫غلم ‪ :‬أعطـه ألف دينار ‪ ،‬واكتبوه مـن خدم الدار ‪ ،‬ف ِ‬
‫الثوري عال الديار ‪ ،‬وزاهد المصار ‪ ،‬ل يد كسرة خبز طيلة النهار ‪.‬‬
‫بأي سياسة يشرد الش عب ال سلم من فل سطي على الفور ‪ ،‬بو عد بلفور ‪ ،‬وقلو به‬
‫على الظلم تفور ‪ ،‬والعال السلمي بارد جامد هامد ‪ ،‬جاحد شارد خامد ‪ ،‬ل يثور كأنه‬
‫مغمور أو مغرور ‪ ،‬أو مسـحور ‪ ،‬ويتـل فلسـطي اليهود ‪ ،‬إخوان القرود ‪ ،‬بل حدود ‪،‬‬
‫ول قيود ‪ ،‬ول شهود ‪:‬‬
‫لو كنهت مهن مازن ل تسهتبح إبلي‬

‫بنوا اللقيطهة مهن ذههل ابهن شيبانها‬

‫قوم إذا الشهر أبدى ناجذيهه لمه‬

‫طاروا إليههه زرافات ووحدانهها‬

‫ل يسهألون أخاههم حيه يندبمه‬

‫فه النائبات على مها قال برهانها‬

‫‪-240-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المكيّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة المكـيّــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬ل أُ‬
‫ْ‬
‫س‬
‫ق‬
‫م بِهَذ َا الْبَلَد ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬

‫(‪)1‬‬

‫وَأَنَْت ِحٌّل بِهَذ َا الْبَلَدِ ‪‬‬

‫أل ليهت شعري ههل أبيته ليلة‬

‫بوا ٍد وحول إذخههر وجليههل‬

‫وهههل أردن يوما مياه منههة‬

‫وههل تبدون ل شامهة وطفيهل‬

‫قال الراوي ‪ :‬قد أظهرت لنا يقي الديث وشكّ هْ ‪ ،‬فحدثنا عن مكّة ‪ ،‬قلنا ‪ :‬مكة‬
‫هي اله بط وال سقط والر بط والو سط ‪ ،‬ف هي مه بط القرآن ‪ ،‬وم سقط ميلد سيد ولد‬
‫عدنان ‪ ،‬ومربط خيول أهل اليان ‪ ،‬وأوسط البلدان‪.‬‬
‫م كة قلب العمورة ‪ ،‬على ال سن مق صورة ‪ ،‬و ف حجال ال جد م ستورة ‪ ،‬أذن ب ا‬
‫الليل ‪ ،‬وسُحق با أصحاب الفيل ‪ ،‬بالطي البابيل ‪ ،‬اختارها علم الغيوب ‪ ،‬فهي مهوى‬
‫القلوب ‪ ،‬وملتقـى الدروب ‪ ،‬وقبلة الشعوب ‪ ،‬هـي أرض ميلد الرسـالة والرسـول ‪ ،‬كان‬
‫لبيل با صعود ونزول ‪ ،‬منها ارتفع العلن والذان والقرآن والبيان ‪ ،‬أذّن منها بلل بن‬
‫رباح‪ ،‬و سُلت في ها ال سيوف ‪ ،‬وامتش قت الرماح ‪ ،‬وأُعلن في ها التوح يد ‪ ،‬و هو حق ال‬
‫على العبيد ‪ ،‬وهي أول أرض استقبلت السلم ‪ ،‬وحطمت الصنام ‪.‬‬
‫ب ا ب يت اللك ال جل ‪ ،‬والكع بة ال ت طاف ب ا الر سل ‪ ،‬سوادها من سواد ال قل ‪،‬‬
‫وهي أرض السلم ‪ ،‬وقبلة النام ‪ ،‬يفد إليها الحبون ‪ ،‬على رواحلهم يبون ‪ .‬ويتجه إليها‬
‫الصـلون ‪ ،‬ويقصـدها الهلّون ‪ ،‬فهـي قبلة القلوب ‪ ،‬وأمنيـة الشعوب ‪ ،‬وراحـة الرواح‬
‫ومنطلق ال صلح ‪ ،‬على ثرا ها نزلت الدا ية ‪ ،‬و من ربا ها كا نت البدايـة ‪ ،‬على رمال ا‬
‫مزقت الطغاة ‪ ،‬وعلى ترابا سحقت البغاة ‪ ،‬ومن جبالا هبت نسائم الريّة ‪ ،‬ومن وهادها‬
‫كان فجر النسانية ‪.‬‬
‫تنيههت الجاز أعيههش فيههها‬

‫ها تن ه‬
‫هى ال قلب ه مه‬
‫فأعطه‬

‫سههقى ال الجاز وسههاكنيها‬

‫هة ومغن ه‬
‫هل رابيه‬
‫هر كه‬
‫وأمطه‬

‫على بساط مكة ولد العرفان ‪ ،‬وأكرم الضيفان ‪ ،‬ومن مغانيها رضع الشجعان ‪ ،‬وف‬
‫بطحائها هاشم وابن جدعان …‬
‫‪-241-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المكيّة‬
‫المقا َ‬

‫ل ينكتون الرض عنهد سهؤالم‬
‫لتطلب العذار بالعيدانهههههههِ‬
‫بهل يشرقون وجوهههم فترى لاه‬
‫هن اللوان هِ‬
‫هؤال كأحسه‬
‫هد السه‬
‫عنه‬
‫وإذا الغريهب أقام وسهط رحالمه‬
‫هههِ‬
‫هههواهل وقيانه‬
‫ردّوه رب صه‬
‫وإذا دعها الداعهي ليوم كريههة‬
‫هان‬
‫هس بالفرسه‬
‫هدوا شعاع الشمه‬
‫سه‬
‫ف م كة تثور شجون ال ب ‪ ،‬وت ضج بل بل القلب ‪ ،‬في ها التأر يخ يتكلم ‪ ،‬والد هر‬
‫يتب سم ‪ ،‬والذكريات تتدا عى ‪ ،‬والمنيات تق بل تباعا ‪ ،‬ه نا غمغمات ال سيول ‪ ،‬و صهيل‬
‫اليول ‪ ،‬وتنح نح ال سادات ‪ ،‬وتزا حم القادات ‪ ،‬إقبال وفود ‪ ،‬وانطلق جنود ‪ ،‬وتزا حم‬
‫ـي‬
‫ـالة ‪ ،‬وحـ‬
‫ـا كرم وبسـ‬
‫حشود ‪ ،‬وارتفاع بنود ‪ ،‬هدى وضللة ‪ ،‬علم وجهالة ‪ ،‬وهنـ‬
‫ورسالة ‪ ،‬عال يور بالعب ‪ ،‬ديوان يزخر بالسي ‪ ،‬دفتر للعظماء ‪ ،‬سجل للشرفاء ‪:‬‬
‫كأن ل ي كن ب ي الجون إل ال صفا‬
‫أنيههس ولههم يسهمر بكهة سههامرُ‬
‫بلى نهههن كنههها أهلهههها‬
‫صههههروف الليال والدود العواثرُ‬
‫ف مكة رؤوس بالنفة متزاحة ‪ ،‬وجيوش للثأر متلطمة ‪ ،‬أفكار وحضارات ‪ ،‬ونواد‬
‫وماضرات ‪ ،‬سي وسر ‪ ،‬ف ضوء القمر ‪ ،‬أنباء وأخبار ‪ ،‬قصص وأشعار‪ ،‬حت كان النبأ‬
‫العظيم ‪ ،‬وهو الرسول الكري ‪ ،‬فيصغر بعده كل خب ‪ ،‬وينسى من جاء ومن غب ‪ ،‬فهو‬
‫أعظم أثر ‪ ،‬جاءت به السي ‪.‬‬
‫ن سخت كل دواوي هن الك هارم‬
‫خههط النام برسههم اللوح والقلمههِ‬
‫فالشمهس والقمهر النشهق قهد‬
‫لنور وجهك من حسهن ومن كهرمِ‬
‫‪-242-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المكيّة‬
‫المقا َ‬

‫يوم ب عث ا ستدار له الزمان ‪ ،‬وأن صَت له الثقلن ‪ ،‬وتشاغلت به القلم ‪ ،‬ورح بت‬
‫به اليام ‪ ،‬وأنصت له النام ‪ ،‬فهو ابن مكة البار ‪ ،‬وبطلها الغوار ‪ ،‬ورسولا الختار ‪.‬‬
‫إذا أقبلت على البلد الرام ‪ ،‬فتذكر ذاك المام ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫مكة تذكرك البأساء والنعماء ‪ ،‬والنور والظلماء ‪ ،‬والسعادة والشقاء ‪.‬‬
‫مكة كتاب مفتوح ‪ ،‬و ِسفْر مشروح ‪ ،‬يمع بي أحاديث النجاة والسران ‪ ،‬والكفر‬
‫واليان ‪ ،‬والعدل والطغيان ‪ ،‬تذكرك مكـة الشرك الكال ‪ ،‬والهـل الفاضـح ‪ ،‬والوهـج‬
‫اللفـح ‪ ،‬يوم كانـت الوثان تُقدّس ‪ ،‬والصـنام تأسـس ‪ ،‬تسـجد لاـ النفوس الاويـة ‪،‬‬
‫والعقول الافيـة ‪ ،‬يوم غاب الرشـد ‪ ،‬وأفـل السـعد ‪ ،‬وغرب اليثاق والعهـد ‪ ،‬يوم كان‬
‫النسان كالبهيمة ‪ ،‬بل قيمة ‪ ،‬والقلب ف شباك الرية ‪ ،‬وف ظلمات وخيمة ‪:‬‬
‫فقهل للعيههون الرمههد للشمههس‬
‫ه‬
‫تراهها بقه فه مغيههب ومطلع ِ‬
‫وسههامح ال عيونا أطفههأ ال نورههها‬
‫بأهوائههها ل تسههتفيهق ول تعههي‬
‫وتذكرك مكة يوم انفجر الفجر ‪ ،‬وارتفع الذكر ‪ ،‬ومق الكفر‪ ،‬يوم أنصتت الدنيا‬
‫بأُذن سيعة ‪ ،‬وأق بل الد هر بطا سريعة ‪ ،‬وانت فض الكون للكل مة الالدة ‪ ،‬واه تز العال‬
‫بالدعوة الراشدة ‪ ،‬ل إله إل ال ‪ ،‬ل معبود بق سوى ال ‪ ،‬ل بقاء إل ل ‪ ،‬وتذكرك مكة‬
‫بالوحـي وهـو يتنــزّل ‪ ،‬والقرآن وهـو يرتّل ‪ ،‬وجبيـل الروح ‪ ،‬يغدو ويروح ‪ ،‬وباب‬
‫الرح ة الفتوح ‪ ،‬والعطاء الربا ن المنوح ‪ ،‬فيال ا من ذكريات يه تز ل ا ال سم ذرة ذرة ‪،‬‬
‫ويقوم لا الرأس شعرة شعرة ‪ ،‬ويا ل ا من صيحة دوّت ف العال فاستيقظ ب ا كل نائم ‪،‬‬
‫واهتدى با كل هائم ‪ ،‬ويا له من خب طرق الكون فصحا ‪ ،‬ومق الشرك وما ‪.‬‬
‫توقف الزمان منصتا ‪ ،‬وسُ ّل سيف الهاد مصلتا ‪.‬‬
‫ه نا الما ن ه نا الماد قد رف عت‬
‫ه‬
‫هنها العال هنها القربه هنها الرحم ُ‬
‫هنها القلههوب اسهتفاقت مهن‬
‫‪-243-‬‬

‫مة المكيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫هنها النفههوس أتهت للحهق تزدحههمُ‬
‫ه نا رواء هن ها فج هر هن ها أ مل‬
‫هنها كتههاب هنها لههوح هنها قلههمُ‬
‫الت عبي يون ‪ ،‬والن فس في ها شجون ‪ ،‬والذاكرة بال صور موّارة ‪ ،‬ونور الد يث قد‬
‫نصـب فـ القلب منارة ‪ ،‬إذا ذكرت مكـة ذكـر غار حراء ‪ ،‬والشريعـة الغراء ‪ ،‬والوحـي‬
‫والسـراء ‪ ،‬فكأن التأريـخ حضـر ‪ ،‬وكأن الزمان اختصـر ‪ ،‬وكأن الدنيـا كلهـا فـ مكـة‬
‫مصورة ‪ ،‬وكأن اليام ف أجفان مكة مقصورة ‪.‬‬
‫مكـة ملعـب ال صبا والشباب ‪ ،‬لصـاحب السـنة والكتاب ‪ ،‬في ها م سقط رأسـه ‪،‬‬
‫وفضاء أنفاسه ‪ ،‬فيها مراتعه ‪ ،‬ومرابعه ‪ ،‬ومهاجعة ‪.‬‬
‫هى أملي‬
‫هذي بلدي وهذي منتهه‬
‫هه زجلي‬
‫هراب الذي أهديته‬
‫هذا التهه‬
‫هذا الكان بههه ميههلد قدوتنها‬
‫هذا رياض الدى والسهههادة ا ُلوَلِ‬
‫كيف نعب عن أشواقنا ‪ ،‬وقد سافر حبه ف أعماقنا ‪ ،‬لنه صلى ال عليه وسلم أملنا‬
‫النشود ‪ ،‬ومدنا الحمود ‪:‬‬
‫ف ك فك الش هم من ح بل الدى طرف‬
‫ه‬
‫على الصهراط وفه أرواحنها طرف ُ‬
‫هيههات رحهلة مسهرانا جحافلنها‬
‫أنفه‬
‫كمها عهدت وعزمههات الورى ُ‬
‫وعلى رمضاء مكة ثأر وجراح ‪ ،‬وعويل وصياح ‪ ،‬حيث عُذب بلل بن رباح ‪ ،‬أما‬
‫تقرأ على الرمضاء ‪ ،‬ما كتبته الدموع والدماء ‪ ،‬يقرؤها كل عال وجاهل ‪ ،‬وقل جاء الق‬
‫ت ثائرة ت شق الظلماء ‪ ،‬أحدْ‬
‫ج عٌ صارخ ي صعد إل ال سماء ‪ ،‬و صيحا ٌ‬
‫وز هق البا طل ‪ .‬تف ّ‬
‫أحدْ ‪ ،‬فرد صمدْ ‪ ،‬على رغم من كفر وجحد ‪ ،‬تطلق هذه القذائف حنجرة بلل ‪ ،‬فتهتز‬
‫با البال ‪ ،‬وتنتفض منها التلل ‪.‬‬
‫‪-244-‬‬

‫مة المكيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫هتفته باه لكههلّ معطـهِل‬
‫َ‬
‫أحدٌ‬
‫أنههت الهههؤذن للرسهههول فرّتلِ‬
‫غ فاج هر‬
‫واهزم ب صوتك كل طا ٍ‬
‫واسهحق بقولك كهل زحهف باطلِ‬
‫وعلى جبي م كة قبلت ال حبي ‪ ،‬و ف جوف ها ز جل ال سبحي ‪ ،‬و ف عيني ها آ ية‬
‫لل سائلي ‪ ،‬م كة أم اللفاء الراشد ين ‪ ،‬م كة بلد العابد ين ‪ ،‬وميدان الجاهد ين ‪ ،‬وعر ين‬
‫الفاتي ‪ ،‬وجامع الوحدين ‪ ،‬ومدرسة الكام العادلي ‪:‬‬
‫و ف رُ ب م كة تأري هخ ملحم هة‬
‫هي‬
‫هنا العال الفانهه‬
‫ها بنيهه‬
‫على ثراهه‬
‫إذا قربت من مكة فتهيّأ للدخول ‪ ،‬واستعد للنـزول ‪ ،‬والبس الحرام‪ ،‬عند عناق‬
‫البيـت الرام ‪ ،‬لنـك سـوف تلج بيـت الديّان ‪ ،‬ومطـ العرفان ‪ ،‬ودار الرضوان ‪ ،‬هنـا‬
‫السلك الرشد ‪ ،‬والحل السعد ‪ ،‬والجر السود ‪ ،‬هنا القام الكري ‪ ،‬والطاف العظيم ‪،‬‬
‫وزمزم والط يم ‪ ،‬ه نا العابدون وال ساجدون ‪ ،‬والعاكفون ‪ ،‬والقائمون ‪ ،‬وال ستغفرون ‪.‬‬
‫هنا تسكب العبات ‪ ،‬وتمل الدمعات ‪ ،‬وتنبعث الهات ‪ ،‬وتصعد الزفرات ‪ .‬هنا تغسل‬
‫النفـس مـن الدران ‪ ،‬ويتخلّص القلب مـن الحزان ‪ ،‬وتنطلق الروح مـن العصـيان ‪ ،‬هنـا‬
‫تر مى المرات ‪ ،‬وت ط الغدرات ‪ ،‬وتلع الفجرات ‪ ،‬وتغ سل ال سيئات ‪ ،‬ه نا يتجرد من‬
‫الثياب ‪ ،‬ويتهيـأ للحسـاب ‪ ،‬فحبذا هذه الرحاب ‪ ،‬وطوبـ لذه الشعاب ‪ ،‬هنـا تناخ‬
‫الطايا ‪ ،‬وتط الطايا ‪ ،‬وتكثر العطايا ‪ ،‬هنا السرور قد ت ‪ ،‬والشمل قد التم ‪ ،‬وذهب‬
‫الم والغم ‪.‬‬

‫‪-245-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة المدنيّة‬
‫المقا َ‬

‫مــــة الـمـدنـيّــــة‬
‫المقـا َ‬
‫خ َ‬
‫‪ ‬وَقُ ْ‬
‫ق‪‬‬
‫مد ْ َ‬
‫ب أَد ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ل َر ِّ‬
‫خلْنِي ُ‬
‫صد ْ ٍ‬

‫أمهههههر على الديار ديار ليلى‬

‫ومها حهب الديار شغفهن قلبه‬

‫ههههل ذا الدار وذا الدارا‬
‫أقبه‬

‫ولكهن حهب مهن سهكن الديارا‬

‫لا وصلنا الدينة ‪ ،‬والنفس لن ف الروضة مدينة ‪ ،‬قلت ‪ :‬سلم يا طيبة ‪ ،‬لا رأيناك‬
‫ذه بت الي بة ‪ .‬ل بك أيت ها الدار ‪ ،‬سال الد مع الدرار ‪ ،‬ل ن ند خر الشجون ‪ ،‬ل ن ن بئ‬
‫الدمع التون ‪ ،‬هذا وقت البكاء يا مب ‪ ،‬هذه لظة الشوق يا قلب ‪.‬‬
‫الدينة تنفي خبثها ‪ ،‬وينصع طيبها ‪ ،‬ويطمئن ساكنها ‪ ،‬ويرتاح حبيبها ‪.‬‬
‫لاه رأينها الربهع سهال دموعنها‬

‫أ نا ل ست أذ كر ربع من ق تل الوى‬

‫شوقا لسههاكنه ومههن يهواهههُ‬

‫ه‬
‫لكهن أرتهل ذكهر مهن أحياه ُ‬

‫إذا أتيت طيبة ‪ ،‬فأعط قلبك من التذكر نصيبه ‪ ،‬هنا الحراب ‪ ،‬حيث كان يصلي‬
‫ف يه من أُنزل عل يه الكتاب ‪ ،‬ه نا ال نب ‪ ،‬فتذكّر يوم كان يرقاه صاحب ال بي الز هر ‪،‬‬
‫هنا السجد ‪ ،‬فالشوق يتجدد ‪ ،‬إذا علم أنه مصلى ممد ‪ ،‬هنا الروضة الضراء ‪ ،‬يرقد با‬
‫من جاء بالشريعة الغراء ‪ ،‬هنا أُحُد جبل يبنا ونبه ‪ ،‬وهنا قباء يؤنسنا قربه ‪ ،‬الدينة هي‬
‫مط موكب النبوة ‪ ،‬وبا كان للسلم قوة ‪ ،‬منها سطعت شس السُنّة ‪ ،‬وفيها تت النة ‪،‬‬
‫وهي الدينة الت نصرت الختار ‪ ،‬بسيوف النصار ‪ ،‬با حكم الشيخان ‪ ،‬وولد السبطان ‪،‬‬
‫وعاش السعدان ‪ ،‬وترعرع الزيدان ‪ ،‬وأنشد الشاعران ‪ ،‬كعب وحسّان ‪.‬‬
‫إذا دخلت الدي نة فتذ كر صاحب اللّة ال سمحاء ‪ ،‬والطري قة البيضاء ‪ ،‬ه نا م سكنه‬
‫ومنامه ‪ ،‬ومشاه وقيامه ‪ ،‬ورمه وحسامه ‪ ،‬وشرابه وطعامه ‪.‬‬
‫من الدي نة خرج لبدر بنوده ‪ ،‬وز حف إل أ حد ف حشوده ‪ ،‬و من الدي نة ب عث‬
‫للملوك ر سائله ‪ ،‬وعلم الناس فضائله ‪ .‬هي ب يت ضياف ته ‪ ،‬ودار خلف ته ‪ ،‬ف كل مكان‬
‫مة المدنيّة‬
‫المقا َ‬
‫منها له ذكريات ‪ ،‬وف كل موضع له علمات ‪.‬‬
‫قبههل القلب على سههفح اللوى‬

‫واقفات راجفات ماثلت‬

‫تنشههد الربههع وهههل يبههها‬

‫دارس فيههههه جلل الذكريات‬
‫‪-246-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫الدي نة تذكرك ببكاء أ ب ب كر ف ال صلة ‪ ،‬وور عه وتقواه ‪ ،‬لو و ضع ال صخر على‬
‫بسـاطه لكاد أن يذوب ‪ ،‬ولو زجـر الشيطان بنصـحه لوشـك أن يتوب ‪ .‬جعـ الفضائل‬
‫كأنه يسوقها بعصاه ‪ ،‬وحبّ له ف القلوب فلو أشار للجيش هيا إل الوت ما عصاه ‪.‬‬
‫والدينة تذكرك بالدولة العمرية ‪ ،‬وتلك الناقب الثرية ‪ ،‬عدل صار ف العال قصة ‪،‬‬
‫وترك ف حلق كل جبار غ صة ‪ ،‬وز هد يقول الز هد ‪ :‬ل ن ستطيع م عك صبا ‪ ،‬وورع‬
‫يقول له القلب ‪ :‬ل نع صي لك أمرا ‪ ،‬ع مر بن الطاب ‪ ،‬سل ع نه الحراب ‪ ،‬بكاء ف يه‬
‫وتفجّع ‪ ،‬ونيـب وتوجّع ‪ .‬وإذا بصـاحب هذه الدموع السـرة ‪ ،‬يهـز بيبتـه القياصـرة‬
‫والكا سرة ‪ ،‬م عه بردة مرق عة ‪ ،‬وحذاء مقطّ عة ‪ ،‬ث ت فق قلوب اللوك على و قع حذائه ‪،‬‬
‫وينام العدل على طرف ردائه ‪.‬‬
‫والدي نة تذكرك بالوقفات اليانية ‪ ،‬ف الشا يا العثمانية ‪ ،‬والعاهد العفان ية ‪ ،‬ط هر‬
‫يغتسـل فـ نره ماء الغمام ‪ ،‬وحياء يصـيد بوداعتـه ورق المام ‪ ،‬وسـخاء تضرب بـه‬
‫المثال ‪ ،‬وتعجز عن ماراته الرجال ‪.‬‬
‫والدينـة تذكرك بسـيف ال النتضـى ‪ ،‬وعبده الرتضـي ‪ ،‬علي بـن أبـ طالب‬
‫أب السن ‪ ،‬الطيب اللسن ‪ ،‬ناصر الدين والسنن ‪ ،‬بطل البطال حيدره ‪ ،‬هازم الكفره ‪،‬‬
‫وصاحب السية العطرة ‪.‬‬
‫مها هزنه ذكهر أشجان وأطلل‬

‫أو خيمهة عرضهت أو معههد بال‬

‫ل كن ه نا ال جد والتأر يخ قد ج عا‬

‫فاكتهب بدمعهي آهاته وتسهآل‬

‫إذا قالت روما ‪ :‬عندنا من اللحم فصول ‪ ،‬وقالت باريس ‪ :‬عندنا ديقول‪ ،‬وقالت‬
‫لندن ‪ :‬عندنا العال الأهول ‪ ،‬فإن الدينة تقول ‪ :‬عندنا الرسول ‪.‬‬
‫حـي دار الجرة ‪ ،‬وميدان النصـرة ‪ ،‬وأرض الشهداء ‪ ،‬وجامعـة العلماء ‪ .‬فـ ثرى‬
‫الدينـة سـيد الشهداء ‪ ،‬حزة القدام ‪ ،‬وغسـيل اللئكـة الكرام ‪ ،‬ومـن كلّمـه الرحنـ ‪،‬‬
‫وحفظـة القرآن ‪ ،‬وزيـد بـن ثابـت إمام الفرائض ‪ ،‬وحسـّان بـن ثابـت شاعـر الردود‬
‫والنقائض‪ ،‬وأُب بن كعب صاحب الذكر الكيم ‪ ،‬وفيها من اهتز له العرش العظيم ‪.‬‬

‫‪-247-‬‬

‫مة المدنيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ف الدي نة ذكرى أ ب ذر ‪ ،‬و هو يقول ال ق الُر ‪ ،‬يد فع البا طل بزنده ‪ ،‬ويرد الدن يا‬
‫بزهده ‪ ،‬وفيها ذكرى بلل وهو يرسل صوته ف ساء الوحدانية ‪ ،‬وفضاء العبودية ‪ ،‬ومعناه‬
‫تعالوا إل ربكم أيها العباد ‪ ،‬وذروا الاه والموال والولد ‪.‬‬
‫وذكرى أ نس بن مالك خادم ر سولنا ‪ ،‬كل ما ق يل ‪ :‬من لذا الع مل ؟ قال ‪ :‬أ نا ‪،‬‬
‫فينال بشرف خدمـة العصـوم ‪ ،‬مـا ل يناله أشراف أهـل الدنيـا لللة الخدوم ‪ ،‬وذكرى‬
‫سعيد بن ال سيّب ‪ ،‬الول القرّب ‪ ،‬ين هل الناس من مورد عل مه ‪ ،‬وي عب العباد من ن ر‬
‫فهمه ‪ .‬وذكرى مالك بن أنس ‪ ،‬إذا تربع على كرسي العلم وجلس ‪ ،‬فكأن مد الدنيا‬
‫اختصر ف تلك الساعة ‪ ،‬يوم تتمع عظمة العلم وعظمة الطاعة ‪.‬‬
‫وأعظم منقبة للمدينة أن رسول ال يسكن ف سويداء قلبها ‪ ،‬ويستول على حبّها‬
‫‪ ،‬وهذا سر مكانتها وقربا ‪ .‬يكفي الدينة فخرا ‪ ،‬أن أج ّل البشر ‪ ،‬وسيد البدو والضر ‪،‬‬
‫شرب ماءها ‪ ،‬واستنشق هواءها ‪ ،‬وارتدى ساءها ‪ ،‬وصافح ضياءها ‪.‬‬
‫يكفـى الدينـة جللة على مدن العمورة ‪ ،‬تلك الناقـب الأثورة ‪ ،‬وأجلّهـا مشـي‬
‫البيب على ثراها ‪ ،‬وتنقله بي قراها ‪ ،‬كلما طافت عينك على رباعها ‪ ،‬وهام قلبك ف‬
‫بقاعها ‪ ،‬ناداك منادي الذكريات ‪ ،‬يقول للحياء والموات ‪ :‬هنا ممد سجد‪ ،‬هنا ممد‬
‫ق عد ‪ ،‬ه نا م مد ر قد ‪ ،‬جلس ف هذا الكان ‪ ،‬عب هذه الوديان ‪ ،‬هرول ف هذا اليدان ‪،‬‬
‫ن ظر إل هذه البال ‪ ،‬ر قى هذه التلل ‪ ،‬شرب من هذا الاء الزلل ‪ ،‬زار هذه الدار ‪ ،‬نام‬
‫تت هذه الشجار ‪ ،‬مضى من فوق هذه الحجار ‪.‬‬
‫فهه الدار أخبار يكاد حديثههها‬

‫يدع الفؤاد ومههها له سهههلوان‬

‫شوق فلو أن الجارة حلت‬

‫مها فه الشها لتصهدع الصهوان‬

‫يا أيتها النخيل الباسقات ‪ ،‬ربا مر بكن صاحب العجزات‪ ،‬والصفات الباهرات ‪،‬‬
‫فهل من حديث يستفاد ‪ ،‬وهل من ذكريات تعاد ‪ .‬إن كنت تدح الدينة بسمو قصورها‪،‬‬
‫وارتفاع دور ها ‪ ،‬وعظ مة جبال ا ‪ ،‬وكثرة تلل ا ‪ ،‬ف قد غل طت ف الثناء ‪ ،‬وق صّرت ف‬
‫واجب الوفاء ‪ ،‬إن للمدينة أسرارا ‪ ،‬وإن لا أخبارا ‪ .‬الدينة تاطب القلوب قبل العيون ‪،‬‬
‫وتستشي الدفي من الشجون ‪ ،‬لن ترابا يتفظ ف ذاكرته بشاهد تذوب لا الرواح ‪،‬‬
‫ول يحوها مرور الرياح ‪.‬‬
‫‪-248-‬‬

‫مة المدنيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ابهههك الديار وإل فاندب الدارا‬

‫فإن فهه القلب أخبارا وأسههرارا‬

‫ل تبخلن بدمههع سههوف تنفقههه‬

‫إن شئت غصههبا وإل شئت متارا‬

‫على تراب ا آثار أقدام الختار ‪ ،‬وب صمات تنقله ف تلك الديار ‪ ،‬وعلى ثرا ها دموع‬
‫البرار ‪ ،‬ودماء الخيار ‪ ،‬وف ساءها تسبيحات الهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫للمدينة صفحتان ‪ :‬صفحة الفرح ‪ ،‬وصفحة الحزان ‪.‬‬
‫فصـفحة الفرح باـ معال النبوة الطاهرة ‪ ،‬وتلك النتصـارات الباهرة ‪ ،‬نفرح إذا‬
‫ذكرنا بركات الرسالة ‪ ،‬ومواقف التضحيات والبسالة ‪ ،‬ونفرح إذا عشنا العان اليانية ‪،‬‬
‫والنفحات الروحان ية ‪ ،‬والشا هد القرآن ية ‪ ،‬ونفرح إذا تذكر نا ك يف انت صر ال ق ال بي ‪،‬‬
‫ودفع الباطل الهي ‪ ،‬وكيف استقبلت تلك القلوب أنوار الداية ‪ ،‬وكيف انتهى الكفر إل‬
‫غي رجعة هذه النهاية ‪.‬‬
‫ولكننا نزن يوم فارق الياة أكرم الحياء ‪ ،‬ويوم انتقل إل دار البقاء أج ّل التقياء ‪،‬‬
‫ونزن لوت الصـدّيق ‪ ،‬صـاحب العهـد الوثيـق ‪ ،‬ونزن إذا ذكرنـا عمـر الفاروق وهـو‬
‫بالن جر يزّق ‪ ،‬ودمه على ثيابه يتد فق ‪ ،‬ونزن يوم ذُبح عثمان ‪ ،‬ب سكي العدوان‪ ،‬نزن‬
‫إذا ذكر نا ذهاب ذاك ال يل القرآ ن الفر يد ‪ ،‬وذاك القرن البارك الج يد ‪ ،‬وتلك الطائ فة‬
‫الزاكية الراشدة ‪ ،‬وتلك الماعة اليّرة القائدة ‪.‬‬
‫فصـلى ال وسـلم على مـن تشرّفـت بـه تلك الرض ‪ ،‬صـاحب القام الحمود يوم‬
‫العرض ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما هب نسيم السحار ‪ ،‬وسرى حديث السمار ‪ ،‬عليه‬
‫ب هواء ‪ ،‬وش عّ ضياء ‪ ،‬وارت فع سناء ‪ ،‬عل يه ال صلة‬
‫ال صلة وال سلم ‪ ،‬ما ت تم ماء ‪ ،‬وه ّ‬
‫وال سلم ‪ ،‬ما ح نّ إلف ‪ ،‬وأو مأ طرف ‪ ،‬و ما ذرّ شارق ‪ ،‬و ما ل ع بارق ‪ ،‬ومادام سعد ‪،‬‬
‫ودوى رعد ‪ ،‬وحل وعد ‪ ،‬وحفظ عهد ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪ ،‬ما خط قلم ‪ ،‬وزال أل‪،‬‬
‫ودامـت نعـم ‪ ،‬وزالت نقـم ‪ ،‬وعلى آله وصـحبه الكرام ‪ ،‬مادام فـ الرض إسـلم ‪،‬‬
‫والسلم‪.‬‬

‫‪-249-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النجديّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة النجـديّــــة‬
‫المقـا َ‬
‫‪ ‬بَلْدَةٌ طَيِّبٌَة وََرٌّب غَُفوٌر ‪‬‬
‫(( واحـّر قلبـاه يا نجـــد ))‬
‫ننه أدرى وقهد سهألنا بنجهد‬

‫وكثيه مهن السهؤال اشتياق‬

‫أطويهههل طريقنههها أم يطول‬
‫وكثيهه مههن ردّه تعليههل‬

‫ت مهبط وحي العربيّة ‪،‬‬
‫إذا ذكرنا ند ‪ ،‬ثار الوجد ‪ ،‬واستجاب الجد ‪ ،‬يا ند أن ِ‬
‫ومسقط رأس الشاعرية ‪ ،‬على رحاب كِ سفكت دماء الحبي ‪ ،‬وسالت دموع العجبي ‪،‬‬
‫وعلى بساطك وقعت جواهر البيان ‪ ،‬وبسقت لل العرفان ‪.‬‬
‫يا ن د أن تِ أرض ال ب والغرام ‪ ،‬والع شق واليام ‪ ،‬ف رأ سكِ ذاكرة اليام ‪ ،‬و ف‬
‫صدركِ مفكرة الحلم ‪ ،‬ه نا مل عب ط سم وجد يس ‪ ،‬ومفا تن امرؤ الق يس ‪ ،‬ومعا طن‬
‫العيس ‪ ،‬هنا سحر القافية يلعب بالذهان ‪ ،‬هنا للشعر سوق ومهرجان ‪ ،‬وللحب روض‬
‫وبستان ‪ ،‬جدد التوحيد ف ند فصار غضّا طريّا ‪ ،‬وولد الب نديّا ‪ ،‬وعاش الدين با‬
‫أبديّا ‪ ،‬وصار الوفاء با سرمديّا ‪ ،‬لنجد ف قلب منازل وخيام ‪ ،‬وبيوت وأعلم ‪ ،‬ولا ف‬
‫ذاكرت صور وأفلم ‪ ،‬ومشاهد وأحلم ‪.‬‬
‫يقول الشاعر الدكتور العشماوي وقد أشجان ‪ ،‬وشعره أبكان ‪.‬‬
‫يها عائههض القرنههي مازال الوى‬

‫هههههمها‬
‫ندا وإن زار الجاز وأتهه‬

‫قالوا قدمهههت إل الرياض فمرحباً‬

‫ألفههها وحيّهها ال ذاك القدمههها‬

‫يا صاحب على ند قفا نبكي ‪ ،‬ومن هواها تعا َل نشتكي ‪ ،‬ف ند أم البني الربعة ‪،‬‬
‫وعا مر بن صعصعة ‪ ،‬الطعمون الفِ نة الدعد عة ‪ ،‬والضاربون الام يوم العم عة ‪ .‬من ن د‬
‫انطلق الوحّدون ‪ ،‬وأنشد منها قيس بن ميمون ‪ ،‬وفيها عشق عروة بن حزام والجنون ‪.‬‬

‫‪-250-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النجديّة‬
‫المقا َ‬

‫يـا صـاحبي‬

‫وحدثانهه عههن نهههد بأخبهههارِ‬

‫هل أمطرت روضة الوعساء أو صدحت‬

‫ههت بأشعارِ‬
‫هه أو غنه‬
‫ههة البيه‬
‫حامه‬

‫ف ند الزامى والشيح ‪ ،‬والروض الفسيح ‪ ،‬والشعر الفصيح ‪ ،‬وشذا السك تذروه‬
‫الريح ‪ ،‬ند ثلثة أحرف نون ‪ ،‬وجيم ‪ ،‬ودال ‪.‬‬
‫فالنون فنون ‪ ،‬وشجون ‪ ،‬وعيون ‪ ،‬وفتون ‪.‬‬
‫واليم جلل ‪ ،‬وجال ‪ ،‬وجهاد ‪ ،‬وجلد ‪.‬‬
‫والدال فـ ندـ سـنة وكتاب ‪ ،‬وعلوم ‪ ،‬وآداب ‪ ،‬وأحسـاب ‪ ،‬وأنسـاب ‪ ،‬ومدد‬
‫الدعوة ممد بن عبد الوهاب ‪.‬‬
‫جاءت نا حا مة ‪ ،‬من اليما مة ‪ ،‬فأخبت نا أن م سيلمة ترك إ سلمه ‪ ،‬وع صى إما مه ‪،‬‬
‫فخلع خالد العمامة ‪ ،‬ور بط حزامه ‪ ،‬و سل ح سامه ‪ ،‬فف صل من م سيلمة الا مة ‪ ،‬و قص‬
‫عظامه ‪ .‬فأهدت ند الجدد ‪ ،‬والوحد ‪ ،‬والسدد‪.‬‬
‫فالجدد ابن عبد الوهاب ‪ ،‬جدد للتوحيد الشباب ‪ ،‬وألبسه أحسن الثياب ‪ ،‬فجزاه‬
‫ال أو فر الثواب ‪ ،‬والوحهد ح صن المـة الريـز ‪ ،‬وشارح كتاب ال جد الوج يز ‪ ،‬اللك‬
‫عبد العزيز ‪ ،‬والسدد الرجل المتاز ‪ ،‬الذي حوى كل فضل وحاز ‪ ،‬عبد العزيز بن باز‪.‬‬
‫من حنجرة ن د انطل قت ف الظهية ‪ ،‬صرخة ودّع هريرة ‪ ،‬و من ن د أق بل الر جل‬
‫الفضال ‪ ،‬والداعية الرحّال ‪ ،‬ثامة بن أثال ‪ .‬وند ل تقبل الرذيل ‪ ،‬ول تعشق الدخيل ‪،‬‬
‫ولذلك قتلت العميل ‪ ،‬عامر بن الطفيل‪ ،‬لنه كذب بالتنـزيل ‪.‬‬
‫أقول لصههاحب واليههل تري‬

‫بِنها بَيْهن الجههرةِ والضمههار‬

‫تزود مهن شيههم عههرار نده‬

‫فمها بعهد العشيههة مهن عههرار‬

‫حيّت دمشقُ ندا فقال شاعرها ابن الياط ‪:‬‬
‫خذا مهن صهبا نده أمانا لقلبهه‬

‫فقد ك هاد ريّاه ها يطي هر بلب ههِ‬

‫وإيّاكمهها ذاك النسهيهم فإنهه‬

‫م ت ي سر كان الو جد أي سر خطب هِ‬

‫وحيّت بغدادُ ندا فقال شاعرها الشريف الرضي ‪:‬‬
‫‪-251-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫يها صهاحب قفها ل واقضيها وطرا‬

‫مة النجديّة‬
‫المقا َ‬

‫وحدثانهه عههن ندهه بأخبار‬

‫وحيّت القاهرة ندا فقال أمي الشعراء أحد شوقي ‪:‬‬
‫جبهههل التوباد حياك اليههها‬

‫وسهههقى ال زمانا ورعهههى‬

‫وحي ّت صـنعاء ندا فقـد قال الميـ الصـنعان ‪ ،‬والعال الربانـ ‪ ،‬يرحـب بإمام‬
‫التجديد ‪ ،‬للتوحيد ‪:‬‬
‫سهلم على ندٍ ومهن حلّ فه نده‬
‫وإن كان تسهليمي على البعهد ل يدي‬

‫وحيّت جبال السروات ندا فقال الشاعر الثعمي ‪:‬‬
‫أل يا صبا ن د م ت ه جت من ن د‬
‫لقهد زادنه مسهراك وجدا على وجهد‬

‫من ن د هب ج يش ب كر بن وائل الشجعان ‪ ،‬فهزموا صاحب اليوان ‪ ،‬ك سرى‬
‫أنو شروان ‪ .‬وسوف يهب من ند بنو تيم ‪ ،‬ف جيش عظيم ‪ ،‬لرب الدجال الثيم ‪،‬‬
‫كما قال الرسول الكري‬

‫‪ (( :‬أشد أمت على الدجال بنو تيم )) ‪.‬‬

‫من ند هب عمرو بن كلثوم ‪ ،‬بسيفه الثلوم ‪ ،‬على اللك الغشوم ‪ ،‬عمرو بن هند‬
‫الظلوم ‪ ،‬ث أرسل إل الشعوب ‪ ،‬قصيدته الت تعصف بالقلوب ‪:‬‬
‫أل هُبّهي بصههحنك فاصههبحينا‬

‫ول تبقهههى خور الندرينههها‬

‫فسارت ف الناس مغربة مشرقة ‪ ،‬وجعلتها العرب معلقة ‪.‬‬
‫ومن ند الحدث الكبي ‪ ،‬والعال الثي ‪ ،‬صاحب الدر النثي ‪ ،‬يي بن أب كثي ‪.‬‬
‫نده الوى والسهحر يها أرض المهى‬
‫الجههد فوق تراب صهههوتك ارتىهه‬
‫قيهس وليهلى والكميهت وجرول‬
‫ودموع عشههاق العقيههدة قهد هىه‬

‫وإليك هذا التفجع والتوجّع ‪ ،‬يشيّعه قلب يتقطع ‪ ،‬وعي تدمع ‪ ،‬وعقل من الب‬
‫يُصرع ‪ ،‬يقول عروة ف عفراء ‪ ،‬وهو ف ند ذات مساء ‪:‬‬
‫‪-252-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النجديّة‬
‫المقا َ‬

‫جعلت لعراف اليمامههة حكمههه‬

‫وعراف نده إن هاه شفيهههان‬

‫فهو ال مها مهن رقيهة يعلماناه‬

‫ول شربههة إل بههها سهقيهان‬

‫فقال شفاك ال وال مهها لنههها‬

‫يدانه‬
‫ِ‬
‫بكنون مها تههوي الضلوع‬

‫ك يف تث بت أمام هذا الش عر هذه القلوب ال سكينة ‪ ،‬ال ت كأن ا ذب ت من الوى‬
‫بسكينة ‪ .‬وضع يدك الن على قلبك وناد ‪ :‬السكينة السكينة ‪.‬‬
‫من ند خرج العشى يتمشى ‪ ،‬بعد أن تعشى ‪ ،‬فتوجه إل الدينة ليعلن إسلمه ‪،‬‬
‫فلق يه أ بو سفيان فخاف مقا مه ‪ ،‬وأعطاه خطا مه ‪ ،‬ليعود لليما مة ‪ ،‬فعاد بمله ‪ ،‬وأر خى‬
‫زما مه ‪ ،‬وأطلق خطا مه ‪ ،‬فأ سقطه فك سّر عظا مه ‪ ،‬فباء بال سران والندا مة ‪ ،‬وله ق صيدة‬
‫فريدة ‪ ،‬يصف ويبعث فيها هومه الريدة ‪ ،‬مطلعها ‪:‬‬
‫أل تغتمههض عيناك ليلة ثرمدا‬

‫وعادك مها عاد السهليم السههدا‬

‫ف ن د ش عر ع جب ‪ ،‬خذ ش عر امرؤ الق يس إذا شرب ‪ ،‬والع شى إذا ر كب ‪،‬‬
‫والنابغة إذا رهب ‪ ،‬وزهي إذا رغب ‪ ،‬وابن كلثوم إذا غضب ‪ .‬شعر امرؤ القيس كالمر‬
‫العتّق ‪ ،‬تكاد القلوب منه تتشقق ‪ ،‬والعروق تتفتق ‪ ،‬والدموع تتدفق ‪ ،‬فإذا س ْعتَه فترفق ‪.‬‬
‫وشعر العشى ‪ ،‬كالمّى ‪ ،‬يتركك كالغْمَى ‪ ،‬أو كأنك أعمى ‪ ،‬وهو من الغيث‬
‫أهى ‪ ،‬ومن النجم أسى ‪ .‬وشعر النابغة سحر حلل ‪ ،‬لكنه يذهب عقول الرجال ‪ ،‬وله‬
‫رو عة وجال ‪ ،‬وأب ة وكمال ‪ .‬وش عر زه ي كالاء الزلل ‪ ،‬ف يه صدق واعتدال ‪ ،‬و حق‬
‫وجلل ‪ ،‬بع يد عن ال سخف والملل ‪ .‬وش عر ا بن كلثوم ي سابق ح سامه ‪ ،‬كأ نه بروق‬
‫تامة ‪ ،‬لن صاحبه طالب زعامة ‪ ،‬يريد العزة والكرامة ‪.‬‬
‫ل ا كان الش عر ف روا ب ن د الضراء ‪ ،‬و ف فيافي ها الفيحاء ‪ ،‬كان آ ية ف ال سن‬
‫والن بل والبهاء ‪ .‬فل ما د خل الش عر إل الق صور ‪ ،‬و سكن الدور‪ ،‬خرج كأ نه جلد ثور‪ ،‬ل‬
‫يطبخ ف القدور ‪ ،‬ول يهبط من النحور ‪ ،‬يتاج البيان إل خيمة مضروبة ‪ ،‬ورابية منصوبة‬
‫وخضرة وخ صوبة ‪ ،‬لترى المثال الضرو بة ‪ ،‬والعا ن الرغو بة ‪ ،‬ول ا صار القلم با نب‬
‫التلفاز ‪ ،‬والعقل بوار الهاز ‪ ،‬ذهب البيان والعجاز ‪ ،‬وغرُب البداع والناز ‪.‬‬
‫والسلم على ند التوحيد ‪ ،‬ما تردد تغريد ‪ ،‬وعذب نشيد ‪ ،‬وطاب قصيد ‪ ،‬وعاد‬
‫عيد ‪ ،‬ورحة ال عليكم أهل ند إنه حيد ميد ‪.‬‬

‫‪-253-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ال ُّ‬
‫سعوديَّة‬

‫مــــة الـ ُّ‬
‫سـعوديَّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬وَالْبَلَد ُ الطَّيُِّب يَْخُرُج نَبَاتُُه بِإِذِْن َرب ِّ ِه ‪‬‬

‫ترههه له البابر سهههاجدينا‬

‫إذا بلغ الرضيههع لنهها فطامهها‬

‫هها‬
‫هها كدرا وطينه‬
‫ويشرب غينه‬

‫ونشرب إن وردنهها الاء صههفوا‬

‫ال سعودية أرض التوح يد ‪ ،‬وال جد التل يد ‪ ،‬والن هج الرش يد ‪ .‬و هي أرض الن سان ‪،‬‬
‫والبيان ‪ ،‬واليان ‪ ،‬والقرآن ‪ .‬لنا دار النسان السوي ‪ ،‬والؤمن الرضي ‪ ،‬التابع للمنهج‬
‫الحمدي ‪ .‬ولن ا أرض البيان اللب ‪ ،‬والدب الذّاب ‪ ،‬واللغة الية ‪ ،‬والوهبة الدبية‬
‫‪ .‬ولن ا بلد اليان فمن ها أر سل اليان إل العال أنواره ‪ ،‬وب عث إل الدن يا ق صصه‬
‫وأخباره ولنا مهبط القرآن با نزل جبيل ‪ ،‬على العلم الليل ‪ ،‬بآيات التنـزيل ‪.‬‬
‫ف هذه البلد ‪ ،‬أعظم ناد للجواد ‪ ،‬وأكب واد للجواد ‪.‬‬
‫قال الوفق بن هادي ‪ :‬ل تلمن ف حب بلدي ‪ ،‬فإنا سر أنسي وإسعادي ‪ ،‬فقد‬
‫بعـث منهـا ممـد الحمود ‪ ،‬رسـول الود ‪ ،‬صـاحب الوض الورود ‪ ،‬والقام الحمود ‪،‬‬
‫واللواء العقود ‪ .‬وفيها ولد أبو بكر ‪ ،‬طيب الذكر ‪ ،‬صاحب الشكر ‪ ،‬ني الفكر ‪.‬‬
‫ومنها عمر ‪ ،‬جيل الب ‪ ،‬وناشر العدل ف البشر ‪ ،‬وصاحب أحسن السي ‪.‬‬
‫ومنها عثمان ‪ ،‬جامع القرآن ‪ ،‬ومكرم الضيفان ‪ ،‬وله من الرسول نوران ‪.‬‬
‫ومنها علي ‪ ،‬البطل الول ‪ ،‬والسيف اللي ‪ ،‬خائض الول حت ينجلي ‪.‬‬
‫ومنها السياد ‪ ،‬والجواد ‪ ،‬والساد ‪.‬‬
‫فل ما سعنا كلم الو فق ‪ ،‬وإذا هو بالدل يل م قق ‪ ،‬قل نا ‪ :‬ون سيت البترول ‪ ،‬فإ نه‬
‫السيف السلول ‪ ،‬والشافع القبول ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬كلّ ‪ ،‬لن أعرض وتولّى ‪ ،‬فخرنا بالرسول ‪ ،‬ل بالبترول ‪ ،‬وسعادتنا بالذكـر‬
‫الن ـزل ‪ ،‬ل بالديزل ‪ ،‬وفرحت نا بال سراء والعراج ‪ ،‬ل بالد يد والزجاج‪ ،‬وبجت نا بالقام‬
‫والبيت ‪ ،‬ل بالزيت ‪ ،‬وتارينا بالعجاز ‪ ،‬والناز ‪ ،‬والمتياز ‪ ،‬ل بالبنـزين والغاز ‪.‬‬
‫‪-254-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫سعودي َّة‬
‫ال ُّ‬

‫فقلنا له ‪ :‬اترك من هلكوا وبادوا ‪ ،‬وحدثنا عن وصول الرادوا ‪ ،‬ودعنا من يهمزون‬
‫ويلمزون ‪ ،‬وكلمنا عن بث التلفزيون ‪ ،‬ومت وصلكم التليفون ‪ ،‬وما كنتم قبله تعرفون ‪،‬‬
‫بل بالهل توصفون ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أخطأ ت التقد ير ‪ ،‬وخ طأ العا قل كبي ‪ ،‬اعلموا أن نا ق بل ال صناعة ‪ ،‬ك نا أ هل‬
‫الباعة ‪ ،‬والشجاعة ‪ ،‬والذاكرة اللماعة ‪ ،‬وأهل الصالة ‪ ،‬والرسالة ‪ ،‬والبسالة ‪.‬‬
‫ننه الذيهن روى التأريهخ قصهتهم‬

‫وننه أعظهم مهن فه أرضنها ظهرا‬

‫أ ما ترى الش مس غارت من مكارم نا‬

‫والبدر فه نورنها العلوي قهد سههرا‬

‫كان العال ق بل و صولنا غا بة ‪ ،‬كأن عل يه جنا بة ‪ ،‬وكا نت الدن يا ق بل ميلد نا ف‬
‫مأ ت ‪ ،‬تش كو وتتأل ‪ ،‬فل ما بزغ ف جر ر سولنا من البطحاء ‪ ،‬أشر قت على نوره الرض‬
‫وال سماء ‪ ،‬خيام العدل ف بلد نا وولد الشرف مع ميلد نا ‪ ،‬مضرب ال ثل ف الكرم من‬
‫أوطاننـا ‪ ،‬وأشجـع الناس مـن ودياننـا ‪ .‬ننـ بعثنـا إل الدنيـا النور ‪ ،‬وأزلنـا منهـا الظلم‬
‫والور ‪ ،‬أذنّا ف أذن الدن يا فآم نت ‪ ،‬ومشي نا على جبال ا فتطام نت ‪ ،‬ك نا ف الاهل ية‬
‫الهلء ‪ ،‬أهل العزة الشماء ‪ ،‬فلما جاء السلم كنا العلم ‪ ،‬والصفوة الكرام ‪ ،‬شجاعة‬
‫لو قابلت نا ال سود لا بت ‪ ،‬وعزي ة لو طر حت على ال صخور لذا بت ‪ ،‬ه نا دار الفضائل ‪،‬‬
‫ومنازل القبائل ‪ ،‬عندنا قبلة الصلي ‪ ،‬وكعبة الطائفي ‪ ،‬وملذ الائفي ‪ ،‬اختارنا ال لدينه‬
‫ـّت كتائب الفتوحات ‪ ،‬وسـارت قوافـل‬
‫أمناء ‪ ،‬وعلى المانـة أوصـياء ‪ ،‬مـن دارنـا هـ ب‬
‫التضحيات ‪ ،‬عند نا م بة وم قبة ‪ ،‬م بة لتقي يد العلوم ‪ ،‬وت سجيل نتاج الفهوم ‪ ،‬وم قبة‬
‫للغزاه ‪ ،‬والحاربي الطغاه ‪ ،‬نن أول من حل السيف ‪ ،‬وأكرم الضيف ‪ ،‬وأب اليف ‪.‬‬
‫أرضنا بدماء الشهداء تفوح ‪ ،‬وقلوبنا بأسرار التوحيد تبوح ‪ ،‬عندنا الذهب البيض‬
‫والحر والسود ‪ ،‬فالبيض عِلْم ينعش الحياء ‪ ،‬من الشريعة السمحاء ‪ ،‬والحر دماء ف‬
‫عروق الحرار ‪ ،‬وف شرايي البرار ‪ ،‬والسود بترول مدفون ف الثرى ‪ ،‬يدلف بالضارة‬
‫للمدن والقرى ‪.‬‬

‫‪-255-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫سعودي َّة‬
‫ال ُّ‬

‫اندهـش الدهـر يوم طالع صـفحة جللنـا ‪ ،‬وهام الزمان يوم أبصـر لوحـة جالنـا ‪،‬‬
‫وتعجب كل جيل يوم قرأ مكارم أجيالنا ‪ ،‬وتطمت جاجم الغزاة على جبالنا ‪.‬‬
‫دا فع ال ع نا يوم ق صدنا صاحب الف يل ‪ ،‬فعاد ف ثوب ذل يل ‪ ،‬ورد ال ع نا غارة‬
‫الفرس الكفار ‪ ،‬ومزّقهـم فـ يوم ذي قار ‪ .‬وأنزل ال نصـره علينـا فـ بدر ‪ ،‬يوم صـعب‬
‫ال مر ‪ ،‬وضاق ال صدر ‪ ،‬فأ يد ر سولنا بلئ كة م سوّمي ‪ ،‬وكرام معلم ي ‪ ،‬ن ن خرج نا‬
‫للعال وف قلوبنا قرآن نسكبه ف قلب من وَحّد وتشهد ‪ ،‬وف أياننا سيوف نقطع با رأس‬
‫من ترد وألد ‪ ،‬عندنا قداسة النسان ‪ ،‬وقداسة البيان ‪ ،‬وقداسة الزمان ‪ ،‬وقداسة الكان‪.‬‬
‫فقدا سة الن سان ماثلة ف الر سول العظ يم وال نب الكر ي ‪ ،‬وقدا سة البيان قائ مة ف‬
‫القرآن ‪ ،‬الذي أذهـل النـس والان ‪ ،‬وقداسـة الزمان ‪ ،‬كامنـة فـ عشـر ذي الجـة‬
‫ورمضان ‪ ،‬وقداسة الكان ف الرم الطاهر ‪ ،‬والشعر الزاهر ‪ .‬ليس للزمان بدوننا طعم ‪،‬‬
‫وليس للتأريخ سوانا رسم ‪ ،‬وليس للناس إذا أُغفلنا اسم ‪ ،‬نن شهداء على الناس ‪ ،‬ونن‬
‫مضرب ال ثل ف الود والبأس ‪ .‬كأن النور ولد مع نا ‪ ،‬وكأ نّ الب شر ل فظ ون ن مع ن ‪،‬‬
‫جاجنـا بالعزة مدججـة ‪ ،‬وخيولنـا بالعزائم مسـرجة ‪ ،‬ننـ المـة الوسـط ‪ ،‬ل غلط فـ‬
‫منهجنـا ول شطـط ‪ ،‬وسـط فـ الكان فنحـن قلب الكرة الرضيـة ‪ ،‬وزعماء الخلق‬
‫الرضيّة ‪ ،‬ووسط ف الزمان فلم نأت ف طفولة النسانية ول نتأخر إل شيخوخة البشريّة ‪،‬‬
‫ووسط ف العقيدة فنحن أهل التوحيد والذاهب السديدة ‪ ،‬فلم نعتنق رهبانية النصارى ‪،‬‬
‫ول ننهج نج اليهود اليارى ‪ ،‬بل أمتنا معصومة من الضللة ‪ ،‬مصونة من الهالة ‪.‬‬
‫ننهه الذيههن إذا دعوا لصههلتم‬

‫والرب تسههههقي الرض جاما أحرا‬

‫جعلوا الوجوه إل الجاز وكههبوا‬

‫فهه مسههمع الكون العظيههم وكههبا‬

‫أليس ف بلدنا الركن والقام ‪ ،‬والبلد الرام ‪ ،‬وعندنا عرفات ‪ ،‬ومن حيث المرات‬
‫وزمزم والط يم ‪ ،‬والش عر العظ يم ‪ ،‬و ف أرض نا غار حراء ‪ ،‬مشرق الشري عة الغراء‪ ،‬ونزل‬
‫ف أرضنا جبيل ‪ ،‬على العلم الليل ‪ ،‬وحى بيتنا من الفيل ‪ ،‬بطي أبابيل ‪.‬‬
‫ومنّا خالد بن الوليد ‪ ،‬وأسامة بن زيد ‪ ،‬وطلحة بن عبيد ‪.‬‬
‫‪-256-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫سعودي َّة‬
‫ال ُّ‬

‫وف دارنا عائشة أم الكرُمات ‪ ،‬البّأة من فوق سبع سوات ‪ ،‬وفاطمة البتول ‪ ،‬بنت‬
‫الرسـول ‪ ،‬طيبـة الصـول ‪ .‬وفـ أرضنـا الرمان ‪ ،‬والبيتان ‪ ،‬والعُمَران ‪ ،‬والجرتان ‪،‬‬
‫والبيعتان ‪ ،‬والسبطان ‪ ،‬والقرآن ‪ ،‬واليان ‪ ،‬والبيان ‪.‬‬
‫نن أهل عذوبة اللفاظ ‪ ،‬والهابذة الفّاظ ‪ ،‬وف بلدنا سوق عكاظ ‪.‬‬
‫ننه الذيهن على خطهى أمادههم‬
‫وقههههف الزمان مدلاهههه مبهورا‬
‫تيجان عزتنهههها النجوم فل ترى‬
‫ههههههارما مشهورا‬
‫غيَ الوفاء وصه‬

‫ف بلد نا البطحاء ‪ ،‬ح يث انطل قت الشري عة ال سمحاء ‪ .‬وعند نا ن د البيّة ‪ ،‬مطلع‬
‫شس العربية ‪ ،‬ومنبع الواهب الشاعرية ‪ ،‬والطابية ‪.‬‬
‫ولدينا عسي ‪ ،‬حيث السك والعبي ‪ ،‬والمال منقطع النظي ‪ ،‬والذكاء الشهي ‪.‬‬
‫ولدينا حائل ‪ ،‬أهل الفضائل ‪ ،‬أحفاد حات الطائي شرف القبائل ‪.‬‬
‫ولدينا الجاز ‪ ،‬أهل الفضل والمتياز ‪ ،‬والكرم والعتزاز ‪.‬‬
‫ولدينا الحساء ‪ ،‬دار الشرفاء ‪ ،‬وبيت الوفياء ‪.‬‬
‫فغربنا أرض النبوة الحمديّة ‪ ،‬والسنة الحديّة ‪ ،‬أرض قدمت للعال أشرف هديّة ‪.‬‬
‫وشرق نا أرض اليات ‪ ،‬وبلد ال سرّات ‪ ،‬ودار البات ‪ ،‬والعطيات ‪ .‬وو سطنا دار الل كُ‬
‫والمارة ‪ ،‬وبيـت الدارة ‪ ،‬وملـ الوزارة ‪ ،‬والسـفارة ‪ .‬وشالنـا أرض الود ‪ ،‬والنـد‬
‫والعود ‪ ،‬والسـود ‪ ،‬وحفـظ العهود ‪ ،‬وإكرام الوفود ‪ .‬وجنوبنـا أرض المـم الوثابـة ‪،‬‬
‫والطبيعة اللبة ‪ ،‬والخلق الذّابة ‪ ،‬والفهم والنجابة ‪ ،‬والشعر والطابة ‪.‬‬
‫ننـ كتبنـا التأريـخ بالدماء ‪ ،‬ووصـلنا الرض بالسـماء ‪ ،‬أنبنـا العلماء ‪ ،‬وأنتجنـا‬
‫الكماء ‪ ،‬وأرسلنا للعال الزعماء ‪ ،‬وأهدينا الدنيا اللماء ‪.‬‬
‫إذا ل يبدأ التأر يخ ب نا فاعلم أ نه منكوس ‪ ،‬وإذا ل يثُ ِن علي نا سِفر الكارم فاعلم أ نه‬
‫منحوس ‪ .‬ك سرنا سيوفنا ف بدر ‪ ،‬على رؤوس أ هل الك فر ‪ ،‬ث أر سلنا شظاياه ل صلح‬
‫الدين ‪ ،‬ف حطي ‪ ،‬فقهر با اللحدين ‪ .‬رددنا ف أحد " قل هو ال أحد " فسحقنا من‬
‫جحد وقطعنا دابر من فسد ‪.‬‬
‫‪-257-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫سعودي َّة‬
‫ال ُّ‬

‫منا قائد القادسية ‪ ،‬الذي أسقط العجم ف الانة النسية ‪ .‬ومنا قائد اليموك ‪ ،‬الذي‬
‫أذهب من رؤوس الروم الشكوك ‪ ،‬وصبغ وجوههم بالدم السفوك ‪.‬‬
‫ابدأ بنها فه رأس كهل صهحيفة‬
‫أسهههاؤنا فههه أصهههلها عنوان‬
‫وإذا كتبههت روايههة شرقيههة‬
‫فحديثنههها مهههن ضمنهههها تيجان‬

‫نن أرسلنا بن أمية ‪ ،‬ملوكا للديار الشامية ‪ .‬وبعثنا لبغداد بن العباس ‪ ،‬أهل الود‬
‫والبأس ‪ .‬وجيش العجم ما أسلم ‪ ،‬حت بعثنا له قتيبة بن مسلم ‪.‬‬
‫ومددنا للهند السيف الاسم ‪ ،‬ممد بن القاسم ‪.‬‬
‫من كتب التأريخ وأهل الزيرة ‪ ،‬فقد ارتكب كبية ‪ ،‬وأتى بريرة ‪ ،‬كيف يهمل‬
‫الرسول والصول ‪ ،‬وأهل النقول والعقول ‪ .‬كيف يأخذ البدن بل روح ‪ ،‬ويرد البستان‬
‫من الدوح ‪ .‬كيف يبن القصر على غي أساس ؟ ويقيم السم بل رأس ‪.‬‬
‫تريـد السـجد بل مراب ‪ ،‬والدرسـة بل كتاب ‪ ،‬ننـ الفصـول والبواب ‪ ،‬وننـ‬
‫السيف والنصاب ‪ ،‬لسجل الكرمات ُكتّاب ‪ ،‬ولرقام الجد حساب ‪ ،‬وعلى قصر الرسالة‬
‫حجاب ‪.‬‬
‫نن قلب العمورة ‪ ،‬وأصحاب الناقب الأثورة ‪ ،‬العال يتجه إل قبلتنا كل يوم خس‬
‫مرات ‪ ،‬والدنيا تنصت لندائنا بالصلوات ‪ ،‬والكون يستمع لتلوتنا باليات ‪ ،‬زارنا بلل‬
‫بن رباح ‪ ،‬فصار مؤذن دولة الفلح ‪ ،‬وجاءنا سلمان من أرض فارس ‪ ،‬فلما أسلم صار‬
‫كأنه على قرن الشمس جالس ‪ ،‬ووفد إلينا صهيب من أرض الروم ‪ ،‬فأصبح من سادات‬
‫القوم ‪ ،‬من بلدنا تشرق شس العارف ‪ ،‬ويقام للعلم متاحف ‪ ،‬وتنشر للهدى مصاحف ‪،‬‬
‫ح ت ماؤ نا يفوق كل ماء ‪ ،‬فماء زمزم شفاء ‪ ،‬و من كل داء دواء ‪ ،‬ون ن بيـت العرب‬
‫العرباء ‪ ،‬وعندنا سادات الكرماء ‪ ،‬ولدينا أساطي النجباء ‪ ،‬وأساتذة الكماء ‪ ،‬إن ذكرت‬
‫الرب فنحـن وقودهـا ‪ ،‬وإن ذكرت اللة فنحـن أسـودها ‪ ،‬وإذا سـعت بالرسـالة فنحـن‬
‫جنودها ‪.‬‬

‫‪-258-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السراتيّة‬

‫مـــة الـســراتيّــــة‬
‫المقـا َ‬
‫‪ ‬فَأ َ‬
‫ج ٍة ‪‬‬
‫َا‬
‫ذ‬
‫ق‬
‫ائ‬
‫د‬
‫ح‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ت بَهْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬

‫كنها جبالً فه البال ورباه‬

‫سههرنا على موج البحار بارا‬

‫بعابهد الفرنهج كان أذاننها‬

‫قبهل الكتائب يفتهح المصهارا‬

‫سَلّمْ على السراة ‪ ،‬وعلى النوب مدنه وقراه ‪ ،‬لتكون مع التأريخ صادقا ‪ ،‬وبالق‬
‫ناطقـا ‪ .‬فـ السـراة رجال تكاد السـود أن تقول مـن شجاعتهـم رفقا يـا ناس ‪ ،‬ويكاد‬
‫السحاب ينادي جبالا ل مساس ‪.‬‬
‫ب ا ولد أ بو هريرة سيد الُحدّث ي ‪ ،‬و هي ديار الل يل بن أح د إمام النحوي ي ‪ ،‬من‬
‫ال سراة سارت قوا فل الوفود ‪ ،‬إل ر سول الوجود ‪ ،‬تعا هد على ن صرة ال سلم ‪ ،‬ومتاب عة‬
‫المام ‪ .‬من ها و فد جر ير سيد بيله ‪ ،‬صاحب الوا قف الليله ‪ ،‬ومن ها أ طل الطف يل سيد‬
‫دوس ‪ ،‬موقد الرب الضروس ‪.‬‬
‫فـ جبال السـروات نظـم الشنفرى الزدي لميتـه العصـماء ‪ .‬وفـ روابيهـا سـجل‬
‫الثعمي داليته الغراء ‪ .‬أما علمت أنا أرض القرن أويس ‪ ،‬وبلد أساء بنت عميس ‪.‬‬
‫السراة حيث خصوبة التراب ‪ ،‬ونداوة الضباب ‪ ،‬وهع السحاب ‪.‬‬
‫ف السراة كل خطيب وشاعر ‪ ،‬لن الشعر من الشاعر ‪.‬‬
‫كأن الطل بديارهم دموع حبيب ‪ ،‬وكأن الظل بأرضهم برد قشيب ‪.‬‬
‫أرض إذا طاولت هام جبالاهههه‬

‫وإذا دخلت غياضههها ورياضههها‬

‫قالت تواضههع أيههها النسههانُ‬

‫غنّىهه المام وصههفق الريانههُ‬

‫فيها مدرسة الفظ لن الفظ هريري دوسي ‪ ،‬وهي إيوان الزهد لن الزهد أويسي‬
‫هنا الشعر الفصيح ‪ ،‬والنسب الصريح ‪ ،‬والوجه الليح ‪ ،‬خطباء حفّاظ ‪ ،‬يغار منهم‬
‫سـوق عكاظ ‪ ،‬لروعـة تلك اللفاظ ‪ ،‬مـع القمـم همـ ‪ ،‬ومـع الشجاعـة كرم ‪ ،‬ل تنكـر‬

‫‪-259-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السراتيّة‬

‫أخلق هم البدي عة ‪ ،‬فك ما قال ا بن خلدون ‪ :‬الخلق تت بع الطبي عة ‪ .‬ذكر هم المدا ن ف‬
‫الكليل ‪ ،‬فكان قلمه بالثناء يسيل ‪.‬‬
‫بلدهـم ديار الود ‪ ،‬وعريـن السـود ‪ ،‬البخـل عندهـم ذنـب ل يغفـر ‪ ،‬وعدوهـم‬
‫بالثرى يُعفّ ر ‪ ،‬أرييّة يه تز من ها الن سيم ‪ ،‬وحات ية ين شأ علي ها الفط يم ‪ ،‬مشا عر جيّا شة ‪،‬‬
‫وأرواح هشّاشـة ‪ ،‬ووجوه بشّاشـة ‪ ،‬ماء البِشـر فـ صـفحات الوجوه يترقرق ‪ ،‬ودم‬
‫البطولت ف شرايي البوة يتدفق ‪ ،‬إصرار على القيم ‪ ،‬وحفاظ على الشيم ‪.‬‬
‫قلوب حُشيت باليان إل العماق ‪ ،‬فليس با مكان للكفر والنفاق ‪.‬‬
‫ما دخلها فيلسوف ‪ ،‬لن صوت القرآن با يطوف ‪ ،‬وما حلها زنديق ‪ ،‬لن أسد‬
‫الرسالة ف الطريق ‪.‬‬
‫إذا كهب الزدي فه حومهة الوغهى‬

‫رأيهت شجاعا سهيدا وابهن سهيدِ‬

‫ويطربمه وقهع الرماح فمها لمه‬

‫هههههاع لعود أو غناء لعبدِ‬
‫سه‬

‫أويسههية دوسههية عزماتمهه‬

‫كتائبهههم تسههعى لنصههرة أحدِ‬

‫عروبة صرية صراحة اللب الذاب ‪ ،‬والسنة فصيحة فصاحة الفجر الذّاب ‪.‬‬
‫هم أعمام حسّان ‪ ،‬وأخوال سحبان ‪ ،‬وأجداد غسّان ‪.‬‬
‫بديهتهم أسرع من الضوء إذا سرى ‪ ،‬وذاكرتم أغزر من السيل إذا جرى‪ ،‬ما قطر‬
‫لللاد ف ديارهم قطرة ‪ ،‬لنم على الفطرة ‪.‬‬
‫لو رأى جال أرض هم كنفشيوس ال سكي ‪ ،‬ل ا ن ظم ق صيدة مرحبا يا بكّ ي ‪ ،‬ولو‬
‫أبصرها جوته شاعر اللان ‪ ،‬لا أنشد إلياذة الرمان ‪:‬‬
‫فالطيهه يرسههل للعشاق أغنيههة‬

‫والغ صن يعزف والرواح ف طرب‬

‫ه‬
‫فه كهل يوم لمه عيهد بأرضهم ُ‬

‫فال سحر والش عر ب ي ال د والل عب‬

‫أرض إذا جئتهها أهدتهك زينتهها‬

‫حالة الورد ل حالة الطههههب‬

‫‪-260-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السراتيّة‬

‫طاب الوى ورقّ الواء ‪ ،‬وزان ال ظل وعذب الاء ‪ ،‬أرض ت صنع ب ا القوا ف ‪ ،‬مع‬
‫الود ال صاف ‪ ،‬والمال الضا ف ‪.‬كأن و حي البيان ‪ ،‬أر سل لط ي الب ستان ‪ ،‬فالت قى سحر‬
‫الكلم ‪ ،‬مع نشيد المام ‪ ،‬ودمع الغمام ‪:‬‬
‫ها جنوب فإنن ه‬
‫ها بقلب ه يه‬
‫رفقه‬

‫بشهر وهذا السهحر يلب عينه‬

‫قتهل الحهب يوز فه شرع الوى‬

‫لو كان دينهك فه الصهبابة دينه‬

‫ولو عدل صاحب البوصلة لوجهها للجنوب النفيس ‪ ،‬وذاك الروض النيس ‪ ،‬وترك‬
‫هضبة مغناطيس ‪.‬‬
‫ولو رأى نابليون جبال النوب ووديانه ‪ ،‬لراحنا من هيامه بزيرة هيليانه ‪.‬‬
‫والنوب ل تدخله الباطن ية ‪ ،‬ول مذ هب الظاهر ية ‪ ،‬بل تلك الديار سنيّة سلفيّة ‪،‬‬
‫وقد رحبوا بدعوة التوحيد ‪ ،‬الت أطلقها الجدد الفريد ‪ ،‬صاحب النهج السديد ‪ ،‬وتقبلوا‬
‫لذه الدعوة بقبول حسن ‪ ،‬وصاروا على أحسن سنن ‪.‬‬
‫وقد ردوا كل نلة ل تصح ‪ ،‬لنه ني أن يورد المرض على الصح ‪ ،‬وعاش أجيالا‬
‫اليوم على كتب ابن تيمية ‪ ،‬وابن القيم الوزية ‪ ،‬وكتب مدد الدعوة السلفية ‪.‬‬
‫وقـد آتاهـم ال أذهانا بالبديهـة سـائلة ‪ ،‬وألسـنة بالفصـحى قائلة ‪ ،‬ينظـم أحدهـم‬
‫الرجوزة ‪ ،‬ف جلسة وجيزة ‪ ،‬وينشأ أحدهم القصيدة ‪ ،‬بوهبة فريدة ‪.‬‬
‫شاركوا ف القاد سية وقاد هم جر ير ‪ ،‬وأنزلوا ر ستم من على ال سرير ‪ ،‬ما عرض‬
‫السلم على أحدهم إل أسلم ‪ ،‬وما نودي يوم الروع إل تقدم ‪ ،‬دعا الرسول الزدي‬
‫أبا ضماد ‪ ،‬فأجابه إل السلم والهاد ‪ .‬وذكر ابن القيم وفد الزد فأطنب ف ذكرهم ‪،‬‬
‫وأحسن ف شكرهم ‪ .‬وذكر حديثا يروى عنه عليه الصلة والسلم أنه قال ف وفدهم ‪:‬‬
‫علماء ‪ ،‬حلماء ‪ ،‬كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ‪.‬‬
‫ومنهم ممد بن واسع الزاهد العابد ‪ ،‬العال الجاهد ‪ ،‬صاحب الكلمات الفاصله ‪،‬‬
‫الت هي إل القلوب واصلة ‪ .‬ومنهم الناذرة اللوك ‪ ،‬ومدهم بالود مبوك ‪.‬‬
‫وعلى بساطهم وقعت الساجلت ‪ ،‬وف ديوانم حصلت الناظرات والحاورات ‪.‬‬
‫‪-261-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السراتيّة‬

‫ومنهم الغساسنة ملوك الشام ‪ ،‬أهل القلم والسام ‪ ،‬حت قال حسان ‪:‬‬
‫هر نب ه‬
‫هألينا فإنّها معشه‬
‫إن تسه‬

‫الزد نسهههبتنا والاء غسهههان‬

‫ومنهم آل الهلب أسرة الشرف والريادة ‪ ،‬والكرم والسيادة ‪.‬‬
‫واعلم أن أ صول كث ي من العلماء ال سراة ‪ ،‬من جبال ال سراة ‪ .‬فع بد الغ ن الزدي‬
‫الا فظ الشه ي ‪ ،‬آباؤه من ال سروات بل نك ي ‪ ،‬والطحاوي صاحب العقيدة ‪ ،‬من تلك‬
‫البلد الجيدة ‪ ،‬بل ذكر الشيخ النسي ف كتابه ف تاريخ الرجال ‪ ،‬أن مئات الحدثي من‬
‫تلك البال ‪ ،‬واحت فل الن سّابة الا سر ‪ ،‬بذ كر موا طن القوم والآ ثر ‪ ،‬وطالع ما كت به عن‬
‫رجالم الذهب ف السي ‪ ،‬وما سطره أهل التاريخ والب ‪.‬‬
‫وفيهم ثلث فضائل ‪ ،‬ل تتمع ف غيهم من القبائل ‪:‬‬
‫سلمة ال صدور ‪ ،‬كماء الطهور ‪ ،‬فل يس عند هم ضغائن ‪ ،‬ول دفائن ‪ ،‬بل غ ضب‬
‫الواحد ف لسانه ‪ ،‬ث يعود إل إحسانه ‪.‬‬
‫ومنها ذكاء وقّاد ‪ ،‬وطبع ف الفهم منقاد ‪ ،‬مع غزارة ف القرية ‪ ،‬وأخلق مليحة ‪.‬‬
‫ومنها فصاحة وبيان ‪ ،‬كأن على طرف كل لسان سحبان ‪ ،‬وعلى شفت كل شفة‬
‫حسـان ‪ .‬والمـد ل الذي سـلمهم مـن برص السـاعيلية ‪ ،‬وسـرطان النصـيية ‪ ،‬وداء‬
‫البطائحية ‪ ،‬وحق الصوفية ‪ ،‬وتهم الهمية ‪ ،‬فطريقتهم ممديّة أحديّة ‪.‬‬
‫وليس عندهم صلف الوارج الارقي ‪ ،‬ول عتو الروافض التحرقي ‪ ،‬وليس للزندقة‬
‫عندهم قرار ‪ ،‬وما للبدعة ببلدهم دار ‪ ،‬بل هم أهل سكينة ووقار ‪ ،‬كما وصفهم بذلك‬
‫الختار ‪ .‬ول تدخلهم العجم الفاة ‪ ،‬ول طيش العراب الفاة ‪ ،‬فهم أهل جنات وعيون‪،‬‬
‫وأهل أدب وشجون ‪.‬‬
‫وقد مدحهم الداعية الشهي القرعاوي ‪ ،‬وذكرهم بسن الساعي ‪ ،‬وإجابة الداعي ‪،‬‬
‫وسطر فيهم الشعراء أحسن قصائدهم ‪ ،‬ودبّج فيهم الطباء أجود قلئدهم ‪.‬‬
‫وسل أهل العلم من زارهم ‪ ،‬وحل دارهم ‪ ،‬فإنه ينقلب إل أهله مسرورا ‪ ،‬بعد أن‬
‫ملئوه حبورا ‪ .‬و ما دفع ن ل ا قل ته ع صبية ‪ ،‬أو ح ية مذهب ية ‪ ،‬بل كل مة حق ‪ ،‬وشهادة‬
‫‪-262-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫السراتيّة‬

‫صدق ‪ ،‬و قد ذكرت فضائل غي هم من أ هل البلدان ‪ ،‬و ما تنق صت ب سببهم غي هم من‬
‫سـكان الوطان ‪ ،‬وانظـر النصـاف والتاف فـ القامـة الكيـة ‪ ،‬والقامـة النجديـة ‪،‬‬
‫واليمنيّة ‪ ،‬وغيها من القامات ‪ ،‬وهذا من العتراف بالسنات ‪.‬‬
‫واعلم أن مئات الؤرّخيـ والدباء ‪ ،‬سـبقون إل ذكـر مناقـب جبال السـروات‬
‫الشمّاء ‪ ،‬وأهلها الكرماء ‪ ،‬وقد نظم لبيد قصيده ف تباله ‪ ،‬وحط ابن بطوطة ف السراة‬
‫رحاله ‪ ،‬ول ا زار ها تأ بط شرا ‪ ،‬مدح ها و قد تأ بط خيا ‪ ،‬و قد قال أ حد شعرائ ها ‪ ،‬ينوّه‬
‫بجد فضائلها ‪.‬‬
‫ننه وجهه الشمهس إسهلم وقوة‬

‫هه وفتوة‬
‫ههر ومده‬
‫ههب حه‬
‫نسه‬

‫هه أزد ال فههه يوم الردى‬
‫ننه‬

‫قهد وضعنها الكفهر فه سهبعي هوة‬

‫ها‬
‫هض ف ه أياننه‬
‫هيوف البيه‬
‫والسه‬

‫ههن دون النبوة‬
‫يوم ضرب الام مه‬

‫ههن قرن‬
‫هها مه‬
‫ههس جدّنه‬
‫وأويه‬

‫أو مهها تلمههح مدا فهه البنوة‬

‫‪-263-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخليجيّة‬

‫مــــة الـخليجيّـــة‬
‫المقـا َ‬
‫َ‬
‫خوانًا ‪‬‬
‫صب َ ْ‬
‫م بِنِعْ َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫‪ ‬فَأ ْ‬
‫متِهِ إ ِ ْ َ‬

‫إن كيههد مطّرف الخاء فإننهها‬

‫نغدو ونسههري فهه إخاء تالد‬

‫أو يتلف ماء الغمام فماؤنهههها‬

‫عذب تدر مههن غمام واحههد‬

‫أو يفترق نسههب يؤلف بيننهها‬

‫ديههههههن أقمناه مقام الوالد‬

‫ك نت ف أ مر مر يج ‪ ،‬ح ت دخلت الل يج ‪ ،‬فقلت أ ين الجالس النديّة ‪ ،‬والخلق‬
‫الودية ‪ ،‬والمان الوردية ‪ ،‬قالوا ف السعودية ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬جاش حب وفاض ‪ ،‬ول يس ل على ر سول ال ب اعتراض ‪ ،‬فاق ضِ ما أ نت‬
‫قاض ‪ ،‬إذا هبطت الرياض ‪.‬‬
‫ول تلم من حن قلبُه إل ق طر ‪ ،‬و صار دم عه م ثل ال طر ‪ ،‬ف كم للم حبي من غدوة‬
‫وروحة ‪ ،‬إل رواب الدوحة ‪.‬‬
‫وسلم على عمان ‪ ،‬أهل الشعر والبيان ‪ ،‬وإكرام الضيفان ‪ ،‬وهم يوم الروع شجعان‬
‫وسبحان من مرج البحرين يلتقيان ‪ ،‬يرج منهما اللؤلؤ والرجان ‪.‬‬
‫أحرزوا ذروة الجد وسنامه ‪ ،‬ونصبوا خيام الود ف النامة ‪.‬‬
‫ودخلنا أبا ظب فوجدنا أسودها تمي ظباءها ‪ ،‬والسن قد مل ساءها ‪.‬‬
‫فح مى ال المارات ‪ ،‬من الغارات ‪ ،‬ف قد حق قت ف العلياء انت صارات ‪ ،‬وشيدت‬
‫للعلم منارات ‪.‬‬
‫كم من مب يقول من الب انكويت ‪ ،‬فاسألوا الكويت ‪ ،‬حاها ال من العدوان ‪،‬‬
‫وصانا من حسد اليان ‪ ،‬ومن غية الخوان ‪.‬‬

‫‪-264-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخليجيّة‬

‫ل فههه الزيرة آمال منّحهههة‬

‫ف ندنا حيث يسموا الشعر والط بُ‬

‫حهي الكويهت فلن ننسهى مودتاه‬

‫ه‬
‫مفوظهة مها دهاهها الول والعطب ُ‬

‫بلغ عمان تيات مباركههههههة‬

‫ها نس هبُ‬
‫هة ولا ه ف ه أرضنه‬
‫أزديه‬

‫أمهها المارات فالشواق تملنهها‬

‫ه‬
‫لرضهها وعليهها تشههد الكتب ُ‬

‫هفر البه نقرؤه‬
‫هة سه‬
‫وفه النامه‬

‫و طف على دو حة الحباب م ستلما‬
‫خليهج مها عرف الحباب غربتنها‬

‫ه‬
‫على خدود الوى مهن حبنها عتب ُ‬

‫ملتهبه‬
‫ُ‬
‫تلك الربه إن قلب الصهب‬
‫وقهد أسهاء لنها السهاد إذ كذبوا‬

‫ف الليج دمع يترقرق ‪ ،‬وماء يتدفق فيها ‪ ،‬ذكاء وامتياز ‪ ،‬وزيت وغاز ‪ ،‬وبنـزين‬
‫وقاز ‪.‬‬
‫و ف الل يج ضيا فة حات ية ‪ ،‬ودعوة إ سلمية ‪ ،‬و صحوة عال ية ‪ ،‬تغذي ها ك تب ا بن‬
‫تيم ية ‪ .‬ف الل يج م كة الر سالة ‪ ،‬ون د الب سالة ‪ ،‬ومنا مة الشها مة ‪ ،‬ودو حة الكرا مة ‪،‬‬
‫ومسقط الزعامة ‪ ،‬وف الكويت سل الجد حسامه ‪ ،‬وبلغ العز ف أبو ظب تامه ‪.‬‬
‫الليـج أرض النـبياء ‪ ،‬ودار الولياء ‪ ،‬وروضـة العلماء ‪ ،‬وسـرادق الكرماء ‪،‬‬
‫وديوان الشعراء ‪.‬‬
‫مـن الليـج ممـد الرسـول الاتـ ‪ ،‬مصـلح العال ‪ ،‬ومنهـا حاتـ الكارم ‪ .‬وخالد‬
‫صاحب العزائم ‪ ،‬اللحق بالعداء الزائم ‪.‬‬
‫مـن الليـج شعراء العلقات ‪ ،‬واللحـم الشرقيات ‪ ،‬وتلك الثـل الراقيات ‪ .‬وفيهـا‬
‫الرجال ‪ ،‬والمال ‪ ،‬والال ‪ ،‬والسحر اللل ‪.‬‬
‫ـحراء ‪ ،‬والفاف والاء ‪ ،‬والرض‬
‫ـج الشدة والرخاء ‪ ،‬والدائق والصـ‬
‫ف ـ الليـ‬
‫وال سماء ‪ ،‬والدهاء والعلماء ‪ .‬ه نا طائرة وباخرة ‪ ،‬وحضارة فاخرة ‪ ،‬و صحراء ساخرة ‪،‬‬
‫ودنيـا وآخرة ‪ .‬بيـع وشراء وقرض ‪ ،‬إيراد وتصـدير وعرض ‪ ،‬عمار وبناء فوق الرض ‪،‬‬
‫وثروات وخيات تتـ الرض ‪ .‬لركـة التعميـ ضجيـج ‪ ،‬وللبترول رغاء ونشيـج ‪،‬‬
‫وللبساتي عطاء من كل زوج بيج ‪.‬‬
‫ف الليج يلتقي التاريخ والغرافيا ‪ ،‬لترى الب ف ماء الليج صافيا ‪ ،‬وتقرأ الود ف‬
‫عيون الليجيي وافيا ‪ .‬ل يكره الليج إل حاسدا ‪ ،‬وجاحدا ‪ ،‬أو جامدا ‪.‬‬
‫‪-265-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخليجيّة‬

‫فالاسد غلبه هواه ‪ ،‬وحسده أغواه ‪ ،‬وقد خاب مسعاه ‪.‬‬
‫والاحد أنكر الميل ‪ ،‬وأكثر من القال والقيل ‪ ،‬والكثي من الحسان عنده قليل ‪.‬‬
‫والامد ‪ ،‬بارد الحساس ‪ ،‬واهم القياس ‪ ،‬اختلط عليه أمر الناس ‪.‬‬
‫ف الل يج ف صاحة وقاف ية ‪ ،‬وع ي صافية ‪ ،‬وق يم واف ية ‪ ،‬و صيدلية شاف ية ‪ ،‬وكنوز‬
‫كاف ية ‪ .‬ها جر العال إل الل يج باللي ي ‪ ،‬فال سلم جاء يب حث عن الد ين ‪ ،‬واليولو جي‬
‫أقبل من أجل التعدين ‪ ،‬والواجة أتى ينقب عن البنـزين ‪ .‬جاء الندي إل الليج بالرز ‪،‬‬
‫وجاء اللان بالبنـز ‪ ،‬وجاء اليطال بالبز ‪ .‬والكل يطلب العز والكنـز ‪.‬‬
‫فـ الليـج بئر وبعيـ ‪ ،‬وأعاصـي ومواصـي ‪ .‬وشبكات ‪ ،‬وشيكات ‪ ،‬وشركات ‪.‬‬
‫وريال ‪ ،‬ورجال ‪ ،‬ودينار ‪ ،‬ودولر ‪.‬‬
‫انبعث البعثي من بغداد ‪ ،‬وقد لبس السواد ‪ ،‬وحل السكاكي الداد ‪ ،‬فبقر بطون‬
‫اليان ‪ ،‬وحطم بفأسه الدران ‪ ،‬وأذاق الوت الخوان ‪ ،‬قيل له ل فعلت هذا يا خّوان ‪.‬‬
‫فقال ‪:‬‬
‫وأحيانههها على بكهههر أخينههها‬
‫إذا مههها ل ندههه إلّ أخانههها‬

‫ق يل له ‪ :‬بال مس ك نت تدد إ سرائيل ‪ ،‬وأق سمت أن ترمي ها بط ي أباب يل ‪ ،‬ت مل‬
‫الزدوج والكيماوي ف براميل ‪ ،‬فمالك ضللت السبيل ‪ ،‬يا عميل ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬أما سعت الشاعر الصيل ‪:‬‬
‫أســد علي وفــ الروب نعامــة‬
‫فتخاء تنفــر مــن صــفي الصــافر‬

‫ليتنا عن البعثي ما مدحنا ول حكينا ‪ .‬فكم من ظلمه اشتكينا ‪ .‬ومن قهره بكينا ‪.‬‬
‫و ف ال ثل ‪ :‬ل ت عط الجنون سكّينا ‪.‬ك يف تأ من من يقول ‪ :‬آم نت بالب عث ربا ل‬
‫شريـك له ‪ ،‬ويسـتعرض على جيانـه هيكله ‪ .‬الذي يصـلي والزدوج فـ جيبِه ‪ ،‬وينوي‬
‫الوت لبيبِه ‪ ،‬ويوجه الصاروخ لقريبه ‪ .‬فل تثق به ولو صلى ‪ ،‬فقد أعرض وتولّ‪ ،‬وعن‬
‫دينه تلى ‪ ،‬وإل النار تدلّ ‪ .‬لو كنت أيها البعثي نسيب حسيب ‪ ،‬عريب لبيب ‪ ،‬كنت‬
‫أحر قت تل أب يب ‪ .‬لك نك لولك ع صيت ‪ ،‬و من ال ق أب يت ‪ ،‬و عن هد يه تول يت ‪ ،‬ث‬
‫‪-266-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الخليجيّة‬

‫غزوت الكويت ‪ .‬لو زحفت إل اليهود ‪ ،‬إخوان القرود ‪ ،‬كانت صفّقت لك كل الوفود‪،‬‬
‫وأعانتك النود ‪ ،‬وخفقت على رأسك البنود ‪ ،‬وأتاك الدعم بل حدود ‪.‬‬
‫لكـن كتـب عليـك الشقاء ‪ ،‬فقاتلت الشقّاء ‪ ،‬وحاربـت الصـدقاء ‪ ،‬ليكونوا لك‬
‫أرقاء ‪ ،‬وتركت العداء ‪ ،‬البعداء ‪ ،‬اللداء ‪ ،‬فأنت كمن ترك الدواء ‪ ،‬وتناول الداء ‪.‬‬
‫حزب البعث العرب الشتراكي ‪ .‬أربع كلمات ‪ ،‬ظالات ‪ ،‬كاذبات ‪ ،‬خاطئات ‪.‬‬
‫فحزب معناه ‪ :‬تزيـب المـة إل دويلت ‪ ،‬وتشتيتهـا إل مقاطعات ‪ ،‬وتزيقهـا إل‬
‫جاعات ‪.‬‬
‫البعـث معناه ‪ :‬بعـث الحـن والحقاد ‪ ،‬وتريـب البلد ‪ ،‬وتعذيـب العباد ‪ ،‬باسـم‬
‫صوت الماهي من بغداد ‪.‬‬
‫والعربـ معناه ‪ :‬بل عرب ‪ ،‬وزرع الغضـب ‪ ،‬والقتال بل سـبب ‪ ،‬فعلى القريـب‬
‫لب ‪ ،‬ومن العدو هرب ‪.‬‬
‫والشتراكي ‪ :‬تويل السلمي ‪ ،‬إل عقيدة ليني ‪ ،‬واستالي ‪ ،‬وتوزيع الليي على‬
‫البعثيي اللعي ‪ .‬قاتلهم ال آمي ‪.‬‬
‫نر يد من بغداد ‪ ،‬أن تكون بغداد الأمون والعت صم والرش يد‪ ،‬ل بغداد ميش يل عفلق‬
‫الريد الرعديد ‪.‬‬
‫ل ا كا نت بغداد ف الع صر العبا سي كا نت قبلة الوفود ‪ ،‬وعر ين ال سود ‪ ،‬ومشرق‬
‫الب وال سعود ‪ ،‬فل ما أصبحت بغداد ف يد البعث القود السود ‪ ،‬صارت تطلق على‬
‫اليان السكود ‪ ،‬وغاز العصاب حارق اللود ‪.‬‬
‫أي ها الليجيّون ‪ :‬ل يس فخر كم أن كم بلد البترول ‪ ،‬إن ا الف خر أن كم بلد الر سول ‪،‬‬
‫فل تفرحوا لن الزيت ف أرضكم سقط ‪ ،‬لكن افرحوا لن الوحي ف أرضكم هبط ‪.‬‬
‫أي ها الليجيّون ‪ :‬ل يس شرف كم ز يت د فق ‪ ،‬ل كن الف خر أن ف ديار كم ر سول‬
‫صدق ‪ ،‬وبالق نطق ‪.‬‬
‫العال يت جه إلي كم خ س مرات ‪ ،‬لي صلي إل كع بة ال سرات ‪ ،‬ل قد صرت بذا الرم‬
‫سادة العال ي ‪ ،‬و ف دن يا الماد مبدع ي ‪ ،‬ول جل ع ي تكرم ألف ع ي ‪ ،‬فكونوا إخوة‬
‫أجعي ‪ ،‬ول تطيعوا الشيطان اللعي ‪.‬‬
‫‪-267-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة الـيمـانيـَــة‬
‫المقـا َ‬
‫(( اليمـان والحكمـة يمـانيـة ))‬

‫(( قبـلت على جـبين صنعـاء ))‬

‫دخلنا صنعاء ‪ ،‬بعد ما قرأنا الدعاء ‪ ،‬فوجدنا صال بن مقبول ‪ ،‬ينشد ويقول ‪:‬‬
‫نزلنهها على قيسهيّههة ينيههـة‬

‫ه‬
‫لاه نسهب فه الصهالي هِجان ِ‬

‫فقلت ل ا ‪ :‬أم ها رفي هقي فقوم هه‬

‫تيههم وأمها أسهرت فيمانهههي‬

‫فقالت وأرخهت جانهب السهتر بيننها‬

‫رفيقانه شتّههى ألّف الدههر بيههننا‬
‫ِ‬

‫ليههة أرض أمههْ مههن الرجلنههِ‬

‫وقهد يلتقهي الشتـهى فيههأتلِفانِ‬

‫فقال أ هل الي من ‪ :‬أ نت من ؟ قلت الن سبة أزدية ‪ ،‬واللّة ممّدية ‪ ،‬قالوا ‪ :‬انزل غ ي‬
‫بئيس ‪ ،‬ول تعيس ‪ ،‬فإن منكم القرن أويس ‪ ،‬قلنا كفاكم قول من جاء بالشرائع اليانية‪،‬‬
‫حيث يقول ‪ :‬اليان يان ‪ ،‬والكمة يانية ‪ ،‬قالوا ‪ :‬صلى ال عليه وسلم كلما فاح ورد ‪،‬‬
‫وثار و جد ‪ ،‬وتلي ح د ‪ ،‬وحلّ سعد ‪ ،‬قل نا ك يف الال ؟ يا معا شر القيال ‪ ،‬يا أ هل‬
‫الطب الطوال ‪ ،‬ويا أصحاب البديهة والرتال ‪ ،‬ويا رواد الشعار والزجال ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫أل أيها الركب اليمانون عرّجوا‬
‫علينهها فقههد أضحههى هوانهها يانياّ‬
‫نُسهائلكم ههل سهال نعمان بعدنها‬
‫وحههب إلينهها بطههن نعمان واديهها‬
‫وقد قيلت فيكم الدائح ‪ ،‬الت سالت با القرائح ‪ ،‬وحفظها عنكم التأريخ ‪ ،‬فوصل‬
‫با مدكم الريخ ‪ ،‬أنسيتم ما ذكره ف مدحكم المدان ‪ ،‬وما سجله ف مدكم صاحب‬
‫الديباج ال سروان ‪ ،‬أل يس ين سب إلي كم ال سيف الندوا ن ‪ ،‬و سي با سكم ر كن الب يت‬
‫اليمان ‪ ،‬وسهيل أحد النجوم الدوا ن ‪ ،‬ومن كم مدث العصر المي الصنعان ‪ ،‬والعلمة‬
‫الربان المام الشوكان ‪ ،‬وتاج العلماء الكوكبان ‪ ،‬وسيد الولياء أبو إدريس الولن ‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬القيال ‪ :‬اسم للوك اليمن ‪.‬‬

‫‪-268-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ومفت الديار العلمة العمران ‪ ،‬وابن الديبع الشيبان ‪ ،‬وشيخ الشيوخ الريان ‪ ،‬والقاضي‬
‫أحد الضران ‪ ،‬وخطيب الطباء البيحان ‪ ،‬وأستاذ العجاز الزندان ‪ ،‬وقد أثن عليكم‬
‫شيخ السلم ابن تيمية الرّان ‪ ،‬لا شرح حديث اليان يان ‪ ،‬ومّدكم ابن رجب بالفقه‬
‫ف العا ن ‪ ،‬وح سبكم مدح الر سول العدنا ن ‪ ،‬فإ نه خ صّكم بعلم الك مة ف الثا ن ‪،‬‬
‫ومن كم شا عر الر سول صلى ال عل يه و سلم ح سّان ‪ ،‬وملك العرب النعمان ‪ ،‬وخط يب‬
‫الدنيا سحبان ‪ ،‬ومنكم سيف ذي يزن ف غمدان ‪ ،‬أما سعت الشاعر حيث يقول ‪:‬‬
‫ول البق إل أن يكون يانيهههها‬

‫أل ل أحهب السهي إل مصهاعدا‬

‫فميّز برق كم عن كل برق ل نه صدق ‪ ،‬يأ ت بالغ يث والودق ‪ ،‬وذ كر امرؤ الق يس‬
‫التاجر اليمن ف لميته فقال ‪:‬‬
‫كفعهل اليمانه ذي العياب الحمّلِ‬

‫فألقهى بصهحراء العهبيط بعاعهه‬

‫من كم الوس والزرج ‪ ،‬واللكان الارث والعرج ‪ ،‬وع مر بن م عد يكرب القدام‬
‫الد جج ‪ ،‬ومن كم الل كة بلق يس ‪ ،‬وأ ساء ب نت عم يس ‪ ،‬وأ بو مو سى ع بد ال بن ق يس ‪،‬‬
‫وعلى ألسنتكم تسيل القواف ‪ ،‬وف ضيافتكم تشبع العواف ‪ ،‬بديهتكم سريعة ‪ ،‬وذاكرتكم‬
‫بدي عة ‪ ،‬وفي كم الف صاحة وال صباحة ‪ ،‬وال سماحة والل حة ‪ ،‬ود عا ل كم الع صوم فقال ‪:‬‬
‫اللهم بارك لنا ف يننا ‪ ،‬وأقول ‪ :‬ووفق أهل صنعانا وعدننا ‪.‬‬
‫قال الزبيي ف قصيدة الوطن ‪ ،‬ياطب اليمن ‪:‬‬
‫مزقينهه يهها ريههح ثهه انثري‬
‫وزعينههه على البال والغدران‬
‫وصههلي جيتهه وأحبابهه‬
‫ههل بكانه هزارهها ههل رثانه‬
‫ليهت للروض مقلة فلعهل الدههر‬

‫أشلء ج سمي ف جو تلك العا ن‬
‫بيههه القول والغصهههان‬
‫وقصههّي عليهموا مهها دهانهه‬
‫طيهها ههل شجاه مها قهد شجانه‬
‫يبكيهههه مثلمههها أبكانههه‬

‫و قد ذ كر الذ هب ف النبلء ‪ ،‬ف سية هام بن من به أ حد العلماء ‪ ،‬أن رجلً من‬
‫قر يش ‪ ،‬صاحب سفاهة وط يش ‪ ،‬قال ل حد أ هل الي من ‪ ،‬وكان اليم ن ث قة مؤت ن ‪ :‬ما‬
‫فعلت عجوزكم قال ‪ :‬عجوزنا بلقيس أسلمت مع سليمان ل رب العالي ‪ ،‬وعجوزكم‬

‫‪-269-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫يا قر شي حّالة ال طب دخلت النار مع الداخل ي ‪ ،‬فغلب القر شي وأفح مه ‪ ،‬و ف كل‬
‫كرب أقح مه ‪ .‬والت نب شا عر العا ن ‪ ،‬أث ن على ال سيف اليما ن ‪ ،‬فقال ف نون ية رائ عة ‪،‬‬
‫وف قصيدة ذائعة ‪:‬‬
‫برغم شبيبٍ فارق السيف كفّه‬
‫هههطحبانِ‬
‫ههها على العلت يصه‬
‫وكانه‬
‫كأن رقاب الناس قالت لكفههههه‬
‫هه‬
‫ههت يانه‬
‫ههيّ وأنه‬
‫ههك قيسه‬
‫رفيقه‬

‫وذكرون بشاعر معاصر وإليه ردون ‪ ،‬أعن به شاعركم عبد ال البدون ‪ ،‬حيث‬
‫يقول ماطبا الرسول‬

‫‪:‬‬

‫نن اليماني يا طه تطي بنا‬
‫إل رواب العل أرواح أنصارِ‬
‫إذا تذكرت عمارا وسيته‬
‫فافخر بنا أننا أحفاد عمارِ‬

‫وقد رفعتم رؤوس العرب ‪ ،‬لا انتصر سيف بن ذي يزن وغلب ‪ ،‬على أبرهة حامل‬
‫الكذب ‪ ،‬فزارتكم الوفود با فيهم عبد الطلب ‪ ،‬فأشاد بكم أمية بن أب الصلت ف لمية‬
‫عصماء ‪ ،‬أبى من نوم السماء يقول ‪:‬‬
‫اجلس برفهق عليهك التاج مرتفعا‬

‫تلك الكارم ل قبعان مههن لبهه‬

‫بقصههر غمدان دار منههك ملل‬
‫ههو ال‬
‫هها باء فعادا َب ْعدُ أبه‬
‫شيبه‬

‫وأطعتم معاذ بن جبل ‪ ،‬ورفعتموه ف الحل الجل ‪ ،‬ونصرت علي بن أب طالب ‪،‬‬
‫صاحب الناقب والواهب ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫ولو كنههت بوابًها على باب جنةٍ‬

‫لقلت لمدان ادخلوا بسههههلمٍ‬

‫وقتلتـم الكذاب السـود العنسـي ‪ ،‬فصـار ف التأر يخ النسـي ‪ ،‬ومن كم القدام يوم‬
‫القادسـية ‪ ،‬الذي سـحق الموع الفارسـية ‪ ،‬ومنكـم الشاعـر وضّاح ‪ ،‬الذي هزّ بشعره‬
‫الرواح ‪ ،‬وأنتـم أرق المـة قلوبا ‪ ،‬وأقلهـا عيوبا ‪ ،‬وأطهرهـا جنوبا ‪ ،‬وفيكـم سـكينة‬
‫‪-270-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ووقار ‪ ،‬وف قه واعتبار ‪ ،‬ومن كم أولياء وأبرار ‪ ،‬وكفا كم أن من كم الن صار ‪ ،‬مع توا ضع‬
‫فيكم وانكسار ‪ ،‬ومنكم مؤلف الزهار ‪ ،‬وصاحب السيل الرّار ‪ ،‬ومدبج الغطمطم التيّار‬
‫‪ ،‬ومنكم الحقق الشهي ‪ ،‬والجتهد الكبي ‪ ،‬أعن ابن الوزير ‪ ،‬صاحب العواصم والقواصم‬
‫والروض البا سم ‪ ،‬خطيب كم إذا تكلم بز الطباء ‪ ،‬وأ سرها و سحرها فإ ما منّا ب عد وإ ما‬
‫فداء ‪ ،‬وشاعر كم إذا ح ضر غلب الشعراء ‪ ،‬و صارت أفئدت م من الذهول هواء ‪ ،‬الضاد‬
‫بأرضكم ميلدها ‪ ،‬والعروبة عندكم أولدها ‪ ،‬والمييّة أنتم أحفادها ‪ ،‬أما قال الشاعر ‪:‬‬
‫ينيههـون غيههر أنّها حفههاة‬

‫قهد وطئنها تيجان كسهرى وقيصهرْ‬

‫قههد روينهها الماد جيلً فجيلً‬

‫جدنها صههاحب الضارات حيْ‬

‫عندكـم البال ‪ ،‬والمال ‪ ،‬والسـحر اللل ‪ ،‬والبلغـة فـ القوال ‪ ،‬مـع سـلمة‬
‫صدور ‪ ،‬وبعد عن الكب والغرور ‪ ،‬وخفة أرواح ‪ ،‬ودعابة ومزاح ‪ ،‬وقدرة على الفظ ‪،‬‬
‫وسبك اللفظ ‪ ،‬وجودة خاطر ‪ ،‬بكل لذيذ عاطر ‪ ،‬مع ب سمة وبشاشة ‪ ،‬ونفوس بالب‬
‫جيّاشة ‪ ،‬عانقت جبالكم السحاب ‪ ،‬واحتضن شجركم الضباب ‪ ،‬وقبل ريانكم التراب‬
‫ونادت غدرانكـم ‪ :‬اركـض برجلك هذا مغتسـل بارد وشراب ‪ ،‬كأن ُبنّكـم إذا مزج‬
‫باليل ‪ ،‬وخلط بالزنبيل ‪ ،‬فيض من السلسبيل ‪ ،‬كأنه يقول للشاربي ‪ ،‬جئتكم من سبإٍ‬
‫بنبإٍ يقي ‪ ،‬وبأرضكم القحوان ‪ ،‬يضاحك الريان ‪ ،‬وبلبل البستان ‪ ،‬كأنه يتكلم بلسان ‪،‬‬
‫ف كل صباح يصيح ‪ ،‬كأنه خطيب فصيح ‪ ،‬من دخل روضكم ظن أنه ف إيوان كسرى‪،‬‬
‫يسري به النسيم فسبحان من أسرى ‪:‬‬
‫هها‬
‫هها لؤلؤ وترابهه‬
‫أرض ثراهه‬

‫يتلو باهههه القمري آيات الوى‬

‫مسهك وطينهة أرضهها مهن عنهبِ‬

‫والطيههر بيه مسهبهح ومكبههرِ‬

‫طَلْع الز هر ب ا كأ نه جُمان ‪ ،‬ولو سار بأرض ها سليمان ‪ ،‬ل سار بترجان ‪ ،‬تباكر ها‬
‫الصبا الشمالية ‪ ،‬ل شرقية ول غربية ‪ ،‬فيا أنصار الرسالة ف قدي الزمان ‪ ،‬أنتم أنصارها‬
‫الن ‪ ،‬فعضوا على التوحيد بالنواجذ ‪ ،‬فأنتم البطال الهابذ ‪ ،‬وانصروا سنة الختار ‪ ،‬ف‬
‫تلك الديار‪ ،‬وانجوا ن ج ال سلف ‪ ،‬فإن كم ن عم اللف ‪ ،‬وارفعوا للملة العلم‪ ،‬ف من يشا به‬
‫َأبَ هُ ف ما ظلم ‪ ،‬ففي كم علماء وعباد ‪ ،‬ول كم نوا فل وأوراد ‪ ،‬وتديّنكُم سريع ‪ ،‬وفهم كم‬
‫بديع ‪ ،‬وقد قلتُ ف صنعاء ‪ ،‬من قصيدة ل تمل الب والوفاء ‪.‬‬
‫‪-271-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫لكه الشعار والكتبها‬
‫صهنعاءَ صهغنا ِ‬
‫والكتبهها‬

‫ه الوفاء فل تبدي لنها العتبههههها‬
‫لك ِ‬

‫على جفون كِ قتلى ال ب قد صرعوا‬
‫حته الذيهن بقوا قتلى ومهن ذهبهههها‬
‫روا ية ال سحر ف عيني كِ أغني ههة‬
‫وجهكه الوضّاح قهد سهكبا‬
‫ِ‬
‫والسهن فه‬
‫هالهة‬
‫هت الوى ترك الرواح سه‬
‫ليه‬
‫ههها‬
‫ها وهبهه‬
‫هو الذي رد باللاظ مه‬
‫فهه‬
‫إن كن تِ تبك ي يا صنعاء من ول هٍ‬
‫عليكه الغيهث والسهّحبههها‬
‫ِ‬
‫فقهد سهكبنا‬
‫ا ستغفري أن تِ م ا تفعلي هن بن هها‬
‫هذا المال اليمانه يقتهل العربهههها‬

‫ولا تقدم اليش البيطان ‪ ،‬يريد احتلل أوطان ‪ ،‬ف بلد جيان وإخوان ‪ ،‬صاح‬
‫الشاعر الريان ‪ ،‬ف الشعب اليمان ‪ ،‬ماطبا جيش الغزاة الذي خدعته المان ‪:‬‬
‫يهها بريطانيهها رويدا رويهههدا‬

‫إن بطههش الله كان شديهههدا‬

‫إن بطههش الله أهلك فرعههو‬

‫ن وعادا مهن قبلكهم وثههودا‬

‫إن تههبيدوا مههن البيوت بطيارا‬

‫تكهم مها غدا لدنيها مشيهههدا‬

‫فالن هزال الن هزال إن كنتموا م ن‬

‫لدى الرب ل ياف البنودا‬

‫عزمنها أو يليه بأسها صهليهدا‬

‫ل تظنوا هدم الدائن يودي‬

‫هدا‬
‫ها لن تبيهه‬
‫ها أجدادنه‬
‫نتتههه‬

‫هه البال تلك بيوت‬
‫هها فه‬
‫فلنه‬

‫لتروا مهن يهبيت منّها ومنكهم‬

‫هفودا‬
‫همه مصه‬
‫هد خصه‬
‫موثقا عنه‬

‫أفترجوا انكلترا فهههه بلد ال‬

‫أرضههها وموطنا وخلهههودا‬

‫‪-272-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫كذبههت والله مهها كان حتهه‬

‫نل الرض والسههههماء جنودا‬

‫بعهد أن تسهفك الدماء على الرض‬

‫وتروي سهههههولها والنجودا‬

‫مها خضعنها للترك مهع قربمه فه‬

‫الديهن منها فكيهف نرضهى البعيدا‬

‫ه‬
‫وههم فه النام أشجهع جيش ٍ‬

‫فاسهألوهم قهد صهادفونا أسهودا‬

‫والبسهوا حلة مهن الكفهن الغال‬

‫وبيعوا اليههههههاة بيعا ميدا‬

‫يها بنه قومنها سهراعا إل الوت‬

‫سهارعوا سهارعوا إل جنهة قهد‬

‫فقههد فاز مههن يهههوت شهيدا‬
‫هعيدا شهيدا‬
‫ها سه‬
‫هن جاءهه‬
‫فاز مه‬

‫سلم على شوكان ‪ ،‬ورح ة ال على إريان ‪ ،‬وبركا ته على كوكبان ‪ ،‬ومغفرة على‬
‫عمران وتياته على خولن وفضله على هدان ‪ .‬لن التفسي الصحيح شوكان ‪ ،‬والشعر‬
‫الل يح إريا ن ‪ ،‬والطاب الف صيح كوكبا ن ‪ .‬والع قل الرج يح عمرا ن ‪ ،‬والو جه ال صبيح‬
‫خولن ‪ ،‬والكف السميح هدان ‪.‬‬
‫وصـرف ال النقـم ‪ ،‬عـن جبـل نُقـم ‪ ،‬لنـه أنتـج لنـا ابـن الوزيـر ‪ ،‬صـاحب‬
‫التحبي والتحرير ‪.‬‬
‫شكرا لتلك الرض لو أن الدمههها‬
‫تسهههقى باههه الوطان أسهههقيناها‬

‫اليمن مشتق من اليان لنم صدّقوا بالرسالة ‪ ،‬وأظهروا البسالة ‪ ،‬وأكرموا رسول‬
‫الرسول ‪ ،‬وقابلوه بالقبول ‪ ،‬وجعوا بي العقول والنقول ‪.‬‬
‫واليمن مشتق من اليُمْن لنه كان ميمونا بنوده ‪ ،‬معينا بشوده ‪.‬‬
‫واليمـن مشتـق مـن المانـة لن أهلهـا رجاله فدوا اللة بالنفوس ‪ ،‬وقدموا للشريعـة‬
‫الرؤوس ‪:‬‬
‫أمههة أمهرت الجههد النفوسهها‬
‫بذلت للدعوة الكهههبى الرؤوسههها‬

‫‪-273-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬

‫واليمـن مشتـق مـن اليميـ ‪ ،‬فهـم ميمنـة كتائب الهاد ‪ ،‬سـاعة اللد ‪،‬‬
‫بالسيوف الداد ‪:‬‬
‫هها جحاجحةً‬
‫ههن تلقانه‬
‫على اليامه‬
‫بعنههها مهههن ال أروحا وأبدانههها‬

‫إذا رأيت من ينتقص اليمن فاعلم أنه يستحق التوبيخ ‪ ،‬لنه يهل أبديّات التأريخ ‪.‬‬
‫روى الطبان ‪ ،‬عن الرسول العدنان ‪ ،‬ف مدح الدد اليمان ‪ :‬إن نفس ربكم من‬
‫‪2‬‬

‫اليمن ‪ ،‬لنم أهل ندة وفطن ‪ .‬اليمن بلد القيال ‪ ،‬والبال ‪ ،‬والمال ‪ ،‬واللل ‪.‬‬
‫فالقيال ‪ :‬طردوا الحابيـش ‪ ،‬وهزموا كـل جيـش ‪ .‬والبال ‪ :‬صـدّت الغزاة‬
‫الحاربي ‪ ،‬ودمّرت النليز الكاذبي ‪ .‬والمال ‪ :‬رسائل سحر من الطبيعة ‪ ،‬ف حجاب‬
‫الشريعة ‪ .‬واللل ‪ :‬إيان ف قوة ‪ ،‬وعلم مع فتوّة ‪ .‬تعانَق ف اليمن التأريخ والغرافيا ‪،‬‬
‫عناقا كافيا شافيا ‪ ،‬وتصافح با الفقه والديث ‪ ،‬والقدي والديث ‪.‬‬
‫إذا سال على حدائق الزهار ‪ ،‬ال سيل الرار ‪ ،‬ظ هر لك أهل التقل يد وحلة الثار ‪،‬‬
‫وإذا أردت الدليل ‪ ،‬على فضل هذا البلد الليل ‪ ،‬فعليك بالكليل ‪.‬‬
‫واعلم أنن ما أسرفت ف الديح بل قصرت ‪ ،‬وما طولت ف الثناء بل اختصرت ‪،‬‬
‫وك فى ل هل الي من مدح ال صطفى ‪ ،‬وإن ا أرد نا أن نك تب ف ديوان الوفاء ‪ ،‬و ف سجل‬
‫الصفاء ‪ ،،‬وقد قال الشاعر يفتخر بكم ‪:‬‬
‫ننه وجهه الشمهس إيان وقوة‬
‫كَربههُ عمههي وقحطان أبهه‬
‫والسيوف البيض ف وجه الدجى‬

‫نسههب حههر ومدهه وفتوة‬
‫وهبوا ل الجهد مهن تلك البوّة‬
‫هن دون النبوّة‬
‫يوم ضرب الام مه‬

‫ل ربانيا ‪ ،‬وشبابا ممديّا ‪ ،‬وعزما يانيا ‪ ،‬وشكرا يا عدن ‪،‬‬
‫يا صنعاء نريد منك جي ً‬
‫على ترحا بك بأتباع ال نب الم ي ‪ ،‬وطردك لعب يد لين ي ‪ ،‬واذناب ا ستالي ‪ ،‬لن العزة ل‬
‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬
‫ولرسوله وللمؤمني ‪.‬‬
‫سلّم على الدار من شجو ومن شجن‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬معناه الفَرَج من ال بعد الشدّة ‪.‬‬

‫‪-274-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وانظهر إل الروض مهن سهحر ومهن حسهنِ‬
‫يها لوحهة نسهخت فيهها مدامعنها‬
‫هد ف ه اليمن هِ‬
‫هة هذا الوجه‬
‫قلب ه بروعه‬

‫وما كتبت هذه القامة ‪ ،‬حت طالعت كتب القوم ف البال وتامة ‪ ،‬فقرأت كتب‬
‫ا بن الوز ير ‪ ،‬وكتاب رياح التغي ي ‪ ،‬و سامرت كل مر جع ‪ ،‬وراج عت تأر يخ الكوع ‪،‬‬
‫ورافقت كتاب البدر الطالع ‪ ،‬فإذا هو جامع مانع ‪ ،‬وألّف أحد الستشرقي كتاب اليمن‬
‫من الباب اللفي ‪ ،‬وفيه ما يكفي ويشفي ‪ ،‬وقد نظم الشعراء ف اليمن إلياذات ‪ ،‬وكتبت‬
‫على القلوب من حبها أبيات ‪ ،‬ولم ف هذا القطر مؤلفات ومصنفات ‪ ،‬ومن لطف أهل‬
‫اليمن تسميتهم لشجرة الب لن فيها بناء مودات ‪.‬‬
‫وتسميتهم القات ‪ ،‬لنا تذهب الوقات ‪ ،‬وتأكل القوات ‪.‬‬
‫واليمن مورد عذب ‪ ،‬وميدان رحب ‪ ،‬فالقومي باليمن يفخر ‪ ،‬لنا بلد الد حي ‪،‬‬
‫والؤرخ يتش جع ‪ ،‬ل نه ع ثر على مو طن ت بع ‪ ،‬و صاحب الثار له من الي من أمداد ‪ ،‬لن‬
‫فيهـا إرم ذات العماد ‪ ،‬التـ ل يلق مثلهـا فـ البلد ‪ ،‬وحلة القرآن ‪ ،‬لمـ ميـل إل تلك‬
‫يانـ ‪ ،‬فاحفـظ أخبارهـم ‪ ،‬وردد أشعارهـم ‪ ،‬واكتـب إنشاءهـم ‪،‬‬
‫الوطان ‪ ،‬لن اليان ِ‬
‫ول تبخس الناس أشياءهم ‪.‬‬
‫واعلم أن اليمـن أهدت لسـليمان بلقيـس بالكرسـي ‪ ،‬وقتلت السـود العنسـي ‪،‬‬
‫وألب ست العرو بة ال نن ‪ ،‬ب سيف ذي يزن ‪ ،‬ح ت زاره ع بد الطلب ‪ ،‬نيا بة عن العرب ‪،‬‬
‫فبشره بالنب الرتقب ‪ ،‬وأعلى منـزله كما يب ‪.‬‬
‫وألفت اليمن ف الصول ‪ ،‬إرشاد الفحول ‪ ،‬وف التفسي ‪ ،‬فتح القدير ‪ ،‬وف سنة‬
‫أب القاسم ‪ ،‬الروض الباسم ‪ ،‬وف فن الطلب ‪ ،‬نيل الرب ‪ ،‬وف الحكام ‪ ،‬سبل السلم‪،‬‬
‫وف فقه الثار ‪ ،‬نيل الوطار ‪ ،‬وتاج العروس أصله من زبيد ‪ ،‬وعندهم كل عال مفيد ‪،‬‬
‫وشا عر م يد ‪ .‬و قد أغنا هم ال بالد يث عن فل سفة اليونان ‪ ،‬وبالف قه عن كلم مبتد عة‬
‫خراسان ‪ ،‬وبالتفسي عن خيالت فارس وملكهم ساسان ‪ ،‬وهم من أكثر العباد خشوعا ‪،‬‬
‫و من أغزر هم دموعا ‪ ،‬ولي سوا بعباد در هم ‪ ،‬ول يس من أرض هم ال عد بن در هم ‪ ،‬ول‬
‫‪-275-‬‬

‫مة اليمانيَّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫يد خل ديار هم ال هم بن صفوان ‪ ،‬بل أهدوا لل سنة طاووس بن كي سان ‪ ،‬وكان العلم‬
‫يطلب من أوطانم سنينا ‪ ،‬وقد سلموا من غلطات الفاراب وابن سينا ‪.‬‬
‫ول تاريهم ما أحسنه ‪ ،‬لن هناك لي القلوب وصدق اللسنة ‪ ،‬وشجرة مدهم ل‬
‫تنبـت إل على النار الشرعيـة ‪ ،‬ولذلك اجتثوا مـن بلدهـم جرثومـة الشيوعيـة ‪ ،‬لنمـ‬
‫موحدون ل ملحدون ‪ ،‬فهــم بلد اليان والنفاق ‪ ،‬ل بلد الرفاق والنفاق ‪ ،‬فيــا حام‬
‫بلغهـم منـا السـلم ‪ ،‬وقـل إل المام ‪ ،‬والصـلة والسـلم على صـفوة النام ‪ ،‬وآله‬
‫وصحبه الكرام ‪.‬‬
‫وق بل الوداع ‪ ،‬أطرق ال ساع بقطوعة فاتنة وأبيات ساخنة لشاعركم م مد ممود‬
‫الزبيي ياطب فيها اليمن يقول ‪:‬‬
‫أنهت الذي سهويتها وصهنعتها‬
‫ونشرتاه بيه الورى وأذعتهها‬
‫وكتبتهها فه مهجته واشعتهها‬
‫ها‬
‫العال فلو ضيعتن ه ضيعتهه‬
‫وصهرت أحشائي با ولسعتها‬
‫الناس هذى آيههة أبدعتههها‬

‫الشاعريهة فه روائع سهحرها‬
‫مال باه جههد فأنهت نسهجتها‬
‫أ نت الذي ب سناك قد عطرت ا‬
‫ابعدتنه عهن امهة أنها صهوتا‬
‫مها قال قومهي آه إل جئتنه‬
‫عذبت ن و صهرتن ليقول ع نك‬

‫والسلم عليكم ورحة ال وبركاتُه‬

‫‪-276-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المصريّة‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــة المصريّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫ن (‪ )25‬وَُزُروٍع‬
‫جنَّا ٍ‬
‫م تََركُوا ِ‬
‫ن َ‬
‫‪ ‬كَ ْ‬
‫ت وَعُيُو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن‪‬‬
‫وَنَعْ َ‬
‫مةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِي َ‬

‫قام ٍ كَرِيم ٍ (‪)26‬‬
‫م َ‬
‫وَ َ‬

‫يا م صر كل حد يث ك نت أحف ظه‬

‫نسهيته عنهد أههل التهل والدارِ‬

‫جرت دمو عي على أعتاب دارك مو‬

‫ه مصهر كهل الوى ف نيلك الارِ‬
‫يا‬

‫يا مصر ‪ ،‬أن تِ كوكبة العصر ‪ ،‬وكتيبة النصر ‪ ،‬وإيوان القصر ‪ ،‬أن تِ أم الضارة ‪،‬‬
‫ورائدة الهارة ‪ ،‬ومنطلق الدارة ‪ ،‬وبيت المارة ‪ ،‬ومقر السفارة ‪ ،‬ومهبط الوزارة ‪.‬‬
‫من أين نبدأ يا مصر الكلم ‪ ،‬وكيف نلقي عليكِ السلم ‪ ،‬قبل وقفة الحترام ‪ ،‬لن‬
‫ف عينيكِ اليام ‪ ،‬والعلم ‪ ،‬والقلم ‪ ،‬والعوام ‪.‬‬
‫يا م صر أن تِ صاحبة القبول والاه ‪ ،‬كم من قلب في كِ شجاه ما شجاه ‪ ،‬ون ن‬
‫جئنا ببضاعة مزجاة ‪.‬‬
‫سارت إل م صر أحل مي وأشوا قي‬
‫وهلّ دمعهي فصهرت الشارب السهاقي‬
‫و ف ضلوع هي أح هاديهث مرتلة‬
‫هي‬
‫هة آمال وترياقهه‬
‫ههر غايهه‬
‫ومصه‬
‫يا ركب الحبي أينما حللتم وارتلتم ‪ ،‬وذهبتم وأقبلتم ‪ ،‬اهبطوا مصر فإن لكم ما‬
‫سألتم ‪ .‬يا أرض العز ‪ ،‬يا قاهرة العز ‪ ،‬يا بلد العِلم والقطن والبز ‪.‬‬
‫ـ أرض الن يل ‪ ،‬ويـا أم اليـل ‪ ،‬البـ لكِـ أرض والمال سقف ‪،‬‬
‫سـلم عليكِـ ي ا‬
‫ك وقف ‪ ،‬ويا داخل مصر منك ألف ‪ ،‬ما أحسن الفن واليد والكف ‪ ،‬التقى‬
‫والجد ل ِ‬
‫الطيب والكافور ف مصر ‪ ،‬لا التقى أبو الطيب وكافور ف القصر ‪ ،‬قبل أن يدخل جوهر‬
‫الصقلي مصر كان عبدا ملوكا ‪ ،‬فلما دخلها صار يكم ملوكا ‪.‬‬
‫ها‬
‫ها متقلبهه‬
‫ها جئتهه‬
‫أرض إذا مه‬
‫‪-277-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فه منهة ردتهك شهمهها سهيّهدا‬
‫ه‬
‫هل دخولاه‬
‫ه قبه‬
‫وإذا دهاك المه‬
‫فدخلتهها صهافحت سهعدا سهرمدا‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المصريّة‬

‫قل للخيار الكرمي ‪ ،‬الوافدين إليها مغرمي ‪ ،‬والقادمي عليها مسلمي ‪ ،‬ادخلوا‬
‫مصر إن شاء ال آمني ‪.‬‬
‫ف مصر تعانقت القلوب ‪ ،‬وتصافح الحب والحبوب ‪ ،‬والتقى يوسف بيعقوب ‪،‬‬
‫فصفق الدهر ليوسف منشدا ‪ ،‬وغن الزمان له مغرّدا ‪ ،‬وخروا له سجدا ‪.‬‬
‫ف م صر ترعرع الش عر ‪ ،‬و سال القلم البل يغ بال سحر ‪ ،‬فكان الفضاء لكتاب م صر‬
‫صـفحة بيضاء ‪ ،‬يكتـب كـل مـا يشاء ‪ ،‬فصـارت العقول فـ ذهول ‪ ،‬مـن روعـة النقول‬
‫والعقول ‪ ،‬وأذع نت القلوب ف قبول ‪ ،‬تر حب بالشا عر ال صقع ‪ ،‬والقلم البدع ‪ ،‬والرأي‬
‫القنع ‪.‬‬
‫دخلنها مصهر والشواق تتلى‬

‫وكههل الرض أنسههام وطلُ‬

‫جال يسهلب اللباب حتههى‬

‫كأن القتهل فيهها يسهتحهلّ‬

‫ف مصر القافية السائرة ‪ ،‬والملة الساحرة ‪ ،‬والقالة السرة ‪ ،‬والفكرة العاطرة ‪،‬‬
‫عال من النود ‪ ،‬والبنود ‪ ،‬والوفود ‪.‬‬
‫دنيــا للقادة ‪ ،‬والســادة أهــل الفادة ‪ ،‬والجادة ‪ ،‬والرفادة ‪ ،‬ديوان للكتاب ‪،‬‬
‫والساب ‪ ،‬والصحاب ‪ ،‬والحباب ‪.‬‬
‫مراب للعباد ‪ ،‬والزهاد ‪ ،‬والماد ‪ ،‬والرواد ‪ ،‬علماء ‪،‬وحكماء ‪ ،‬وكرماء ‪ ،‬وحلماء‬
‫وشعراء ‪ ،‬وأدباء ‪ ،‬وأطباء ‪ ،‬وخطباء ‪ ،‬ونباء ‪ ،‬وأذكياء ‪ ،‬وأولياء ‪ ،‬وأصفياء ‪ ،‬وأوفياء ‪.‬‬
‫ه نا الد هر يك تب من ذكريا ته فنونا ‪ ،‬ه نا التأر يخ ي بث من صدره شجونا ‪ ،‬ه نا‬
‫المال يسـكب مـن إنائه فنونا ‪ ،‬هنـا خطـا الزمان تتسـارع ‪ ،‬والضارات تتصـارع ‪،‬‬
‫والهرام تقص علينا خب اليام ‪ ،‬وأحاديث القوام ‪ ،‬وما فعلته العوام ‪:‬‬
‫هه‬
‫هن بنيانه‬
‫هن الذي ا َلرَمان مه‬
‫أيه‬

‫مها يومهه مها ذِكْره مها الصهرعُ‬

‫تتخلف الثار عههن أصههحابا‬

‫يوما ويدركهها الفنههاء فتتبههعُ‬
‫‪-278-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المصريّة‬

‫هنا سحق الطغيان ‪ ،‬ومزق جنود الشيطان ‪ ،‬ودمر فرعون وهامان ‪ ،‬وأحرقت وثيقة‬
‫الزور والبهتان ‪ ،‬وارتفعت ملة الرحان ‪.‬‬
‫ه نا عمرو بن العاص ‪ ،‬ر حب به العوام والواص ‪ ،‬و فر الظلم ف قدو مه وغاص ‪،‬‬
‫هنا تكتب الدموع على الدود رسائل الموات إل الحياء ‪ ،‬وخطاب الرض الفتوح إل‬
‫السـماء ‪ ،‬وهنـا تلتقـي الظلماء والضياء ‪ ،‬والظمـأ والاء ‪ ،‬والصـفاء والوفاء ‪ ،‬ويتعانـق‬
‫الضحـك والبكاء ‪ ،‬والفراق واللقاء ‪ ،‬لتصـبح الياة فـ مصـر مهرجانا للف الصـور‬
‫والشاهــد ‪ ،‬والذكريات مســاجد ‪ ،‬ومعابــد ‪ ،‬ومعاهــد ‪ ،‬وجامعات ‪ ،‬وكليات ‪،‬‬
‫وشركات ‪ ،‬وأمسيات ‪ ،‬وماضرات ‪ ،‬وندوات ‪ ،‬ولقاءات ‪ ،‬وماورات ‪ ،‬ومعاهدات ‪.‬‬
‫دار هههي الرض إل أنههها بلد‬
‫فيهها الزمان وفيهها الشمهس والقمرُ‬
‫تمّهع الدههر فه أرجائهها جذلً‬
‫هر والشجرُ‬
‫ها والنهه‬
‫هث داعبهه‬
‫والغيه‬
‫صباح ال ي يا أرض الكنا نة ‪ ،‬ونا صرة الديا نة ‪ ،‬وحاملة التأر يخ بأما نة ‪ ،‬وحاف ظة‬
‫عهد السلم ف صيانة ‪ ،‬وراعية المال ف رزانة ‪ .‬أدب خلّب ‪ ،‬وجال سلّب ‪ ،‬وسحر‬
‫جذّاب ‪ ،‬وذكاء وثّاب ‪ ،‬وظل مستطاب ‪ ،‬وأما ٍن عذاب ‪ ،‬نر يتدفّق ‪ ،‬وحسن يترفّـق ‪،‬‬
‫ودموع تترقرق ‪ ،‬وزهور تتفتق ‪ ،‬وأكمام تتشقق ‪ ،‬ومقاصد تتحقق ‪ ،‬وجد السلم فيكم‬
‫يـا أهـل مصـر أعيادَه ‪ ،‬كنتـم يوم الفتوح أجناده ‪ ،‬وكنتـم مدده عام الرمادة ‪ ،‬وأحرقتـم‬
‫العدوان الثلثـي وأسـياده ‪ ،‬وحطمتـم خـط بارليـف وعتاده ‪ ،‬وكنتـم يوم العبور آسـاده‬
‫وقواده ‪ .‬فتفضلوا الشكر والشادة ‪ ،‬وخذوا من القلب حبه ووداده ‪:‬‬
‫هه‬
‫ها به‬
‫هد دم ُجدْنه‬
‫ثن ه الجه‬

‫فاسهألوا كيهف دفعنها الثمنها‬

‫منكـم أميـ الشعراء ‪ ،‬وكـبي البلغاء ‪ ،‬وشيـخ الفصـحاء ‪ ،‬وسـيد الطباء ‪ ،‬وأسـتاذ‬
‫النجباء ‪ ،‬وأ كب الطباء ‪ .‬ي سلك الع قل ف م صر سبيله ‪ ،‬وي فظ الفؤاد من م صر نيله ‪،‬‬
‫وتعيد الذاكرة ف مصر قصة ألف ليلة وليلة ‪.‬‬
‫ف مصر لطف الواء ‪ ،‬وطيب الغذاء ‪ ،‬ونفع الدواء ‪ ،‬وصفاء الاء ‪.‬‬
‫‪-279-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المصريّة‬

‫النيهل مائي وفه أرض الكنانهة مها‬

‫يشجي من الب والشواق تزدا نُ‬

‫فيههها الضههارة والماد ماثلة‬

‫علم وفهههم وإسههلم وإيانههُ‬

‫سلم على م صر ف الخر ين ‪ ،‬لن ا كا نت خزا نة ال سلمي ‪ ،‬ومدد الجاهد ين ‪،‬‬
‫و سلة ال بز للجائع ي ‪ ،‬وم قبة ال ستعمرين ‪ ،‬أهلك ال أعداء ها ث قال ‪ :‬فَمَا َبكَ تْ‬
‫عََلْيهِمْ السّمَا ُء وَالَ ْرضُ َومَا كَانُوا مُنظَرِينَ ‪.‬‬
‫بورك تِ يا أرض ال سنابل ‪ ،‬ويا روض الداول ‪ ،‬ويا بلد المائل ‪ ،‬ل كِ ف قلوب نا‬
‫من الب رسائل ‪ ،‬ومن الود مسائل ‪:‬‬
‫مههن لقلب حههل جرعاء المههى‬
‫ضاع منههه ههههل له ردّ عليهههّ‬
‫فاسهألهوا سهكان مصهر إنههه‬
‫حههل فيهههم فليعههد طوعا إلّهه‬

‫ل أنت يا مصر ‪َ ،‬بنُوك أهل سعة ف ال فظ ‪ ،‬وف صاحة ف اللفظ ‪ ،‬منهم سادات‬
‫القرّاء ‪ ،‬وأئمة الفقهاء ‪.‬‬
‫إذا قرأ منهم القاريء كلم الباري ‪ ،‬تكاد تيد السواري ‪ ،‬وينسكب مع ندى صوته‬
‫الدمع الاري ‪.‬‬
‫وإذا خطب فيهم الطيب ‪ ،‬بذاك الكلم العجيب ‪ ،‬سعت البكاء والنحيب ‪.‬‬
‫مصر بلد الديث الحبّر ‪ ،‬والرف السطر ‪ ،‬والروض العطر ‪.‬‬
‫سقاها ال الغيث الدرار ‪ ،‬وحاها من الخطار ‪ ،‬وصانا من لوثة الشرار ‪.‬‬

‫‪-280-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدمشقيّة‬

‫مــــة الـدمشـقيـــة‬
‫المقـا َ‬
‫(( ودمــع ل يكفكـف يـا دمـشـق ))‬

‫قمهر دمشقهي يسهافر فه دمهي‬

‫ههههههنابل وخائل وقباب‬
‫وسه‬

‫البهه يبدؤ مههن دمشههق فأهله‬

‫عشقوا المال وذوبوه وذابوا‬

‫والاء يبدؤ مههن دمشههق فأينمهها‬

‫هنَدتَ رأسهك جدول ينسهاب‬
‫أس ْ‬

‫ودمشههق تدي للعروبههة لوناهه‬

‫وبباباهههههه تتشكلّ الحزاب‬

‫ال سلمُ عليك يا أرض ش يخ ال سلم ‪ ،‬ورح ة اللك العلّم ‪ ،‬أي ها الضور الكرام ‪،‬‬
‫ف دمشق الشام ‪.‬‬
‫يا دمشق ماذا تكتب القلم ‪ ،‬وكيف يرتب الكلم ‪ ،‬وماذا نقول ف البداية والتام‪.‬‬
‫ف دم شق الذكريات العلم ية ‪ ،‬والوقفات ال سلمية ‪ ،‬والآ ثر المويّة ‪ .‬وفي ها ير قد‬
‫ابن تيمية ‪ ،‬وابن قيم الوزية ‪ .‬وف دمشق حلقات النفية والالكية والشافعية والنبلية ‪.‬‬
‫يق لسان أن ينوح على تلك الوطان ‪ ،‬ويسكب عليها الشجان ‪.‬‬
‫ل در عصههههابة نادمتهههههم‬

‫أبناء جفنههة حول قههب أبيهههم‬

‫يوما يلق فههههه الزمان الول‬
‫قهب ابهن ماريهة الكريه الفضهل‬

‫تذكرك دمشـق بعاويـة بـن أبـ سـفيان ‪ ،‬وعبـد اللك بـن مروان ‪ ،‬وبنـ غسـان ‪،‬‬
‫والشعـر والبيان ‪ ،‬والجالس السـان ‪ .‬دمشـق سـاء زرقاء ‪ ،‬وروضـة خضراء ‪ ،‬وقصـيدة‬
‫عصماء ‪ ،‬وظل وماء ‪ ،‬وعلو وسناء ‪ ،‬وهة شاء ‪ .‬ما أبقى لنا الشوق بقية ‪ ،‬لا سعنا تلك‬
‫القصيدة الشوقية ‪ ،‬ف الرواب الدمشقية ‪.‬‬
‫سههلم مههن صههبا بردى أرق‬

‫هق‬
‫ها دمشه‬
‫هف يه‬
‫هع ل يكفكه‬
‫ودمه‬

‫ومعذرة الياعهههة والقوافههه‬

‫جلل الرزء عههن وصههف يدق‬

‫ههيل له ائتلق‬
‫ههك والصه‬
‫دخلته‬

‫ومل رباك أوراق و ُورْق‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدمشقيّة‬

‫ف دمشق أكباد تفق ‪ ،‬وأوراق تصفق ‪ ،‬ونر يتدفق ‪ ،‬ودمع يترقرق ‪ ،‬وزهر يتشقق‬
‫‪-281-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫دخل نا دم شق فاتي ‪ ،‬و صعدنا رباها مسبحي ‪ .‬فدم شق ف ضمائرنا كل ح ي ‪.‬‬
‫وهي غنية عن مدح الادحي ‪ .‬ول يضرها قدح القادحي ‪.‬‬
‫آه يا دمشق كم ف ثراك من عابد ‪ ،‬كم ف جوفك من زاهد ‪ ،‬كم ف بطنك من‬
‫ماهد ‪ ،‬كم ف حشاك من ساجد ‪ .‬أنت يا دمشق سفر خلود ‪ ،‬وبيت جود ‪ ،‬منك تب‬
‫النود ‪ ،‬وتمـل البنود ‪ .‬يصـنع على ثراك الحرار ‪ ،‬ويسـحق على ترابـك السـتعمار ‪،‬‬
‫ويبك يا دمشق الخيار ‪ .‬فأنت نعم الدار ‪ .‬تقطع إليك من القلوب التذاكر ‪ ،‬من زارك‬
‫عاد وهو شاكر ‪ ،‬وليامك ذاكر ‪ ،‬يكفيك تاريخ ابن عساكر ‪ ،‬صانك ال من كل كافر‬
‫ألقيهت فوق ثراك الطاههر الدبها‬

‫ها‬
‫هر العتبه‬
‫هق لاذا نكثه‬
‫ها دمشه‬
‫فيه‬

‫دم شق يا كن هز أحل مي ومروح ت‬

‫أش كو العرو بة أم أش كو لك العر با‬

‫ف دمشق روضة العلماء ‪ ،‬وزهد الولياء ‪ ،‬وسحر الشعراء ‪ ،‬وحكمة أب الدرداء ‪،‬‬
‫وجفان الكرماء ‪.‬‬
‫ف دم شق ع مر بن ع بد العز يز اللي فة الرا شد ‪ ،‬واللك الزا هد ‪ ،‬والول العا بد ‪،‬‬
‫يطارد الظلم والظال ي ‪ ،‬ويارب ال ث والث ي ‪ ،‬فيذ كر الناس باللفاء الراشد ين ‪ ،‬ويع يد‬
‫للسلم جاله ف عيون الناظرين ‪ .‬ف دمشق براعة ابن كثي ‪ ،‬وعبقرية ابن الثي ‪ ،‬وتقيق‬
‫النووي ‪ ،‬وفطنة ابن عبد القوي ‪.‬‬
‫لول دمشهق لاه كانهت بلنسهية‬

‫ول زهههت ببنهه العباس بغدان‬

‫ه بردى‬
‫ها باه‬
‫هفق يلقانه‬
‫هى يصه‬
‫أته‬

‫كمههها تلقاك دون اللد رضوان‬

‫يكف يك أي ها الشام ال سعيد ‪ ،‬أن ف يك القائد الفر يد ‪ ،‬والب طل ال سديد ‪ ،‬خالد بن‬
‫الول يد ‪ .‬سيف ال المام ‪ ،‬كا سر كل ح سام ‪ ،‬أغ مد ف الشام ‪ ،‬ال سلم عل يك يا أ با‬
‫سليمان ‪ ،‬يا قائد كتيبة اليان ‪ ،‬ويا رمز كتيبة الرحن ‪.‬‬
‫يها ابهن الوليهد السهيف تناولنها‬

‫فإن أسهيافنا قهد أصهبحت خشبها‬

‫ل تبههوه رجاءً عههن هزائمنهها‬

‫هه‬
‫هن قومه‬
‫فيمتلئ قهبُه مه‬

‫صحح اللبان ‪ ،‬الحدث الربان ‪ ،‬أحاديث ف فضل تلك الغان ‪.‬‬
‫‪-282-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫ها‬
‫غضبه‬
‫الدمشقيّة‬

‫مقامـات القرني‬
‫وأول أبيات ف الغان ‪ ،‬لب الفرج الصبهان ‪ .‬ف وصف دمشق وتلك البان ‪.‬‬
‫حيث يقول الشاعر ‪:‬‬
‫القصههر والبئر والماء بينهمهها‬

‫أش هى إل الن فس من أبواب جيون‬

‫وقد نسى ابن كثي نفسه ‪ ،‬ومل بالدح طرسه ‪ ،‬لا تدث عن دمشق ‪ ،‬فقلمه بالثناء‬
‫سبق ‪ ،‬وبالطراء دفق ‪ ،‬وحار الكماء ف وصف دمشق وطيب هوائها ‪ ،‬وعذوبة مائها ‪،‬‬
‫واعتدال أجوائها ‪ ،‬وذكاء علمائها ‪ ،‬وبلغة خطبائها ‪ ،‬وتقدم شعرائها ‪ ،‬وعدل أمرائها ‪،‬‬
‫وجال ن سائها ‪ ،‬ح ت إن ب عض العلماء ذ كر أن دم شق أم البلدان ‪ ،‬وأن ا ف الدن يا ج نة‬
‫النان ‪.‬‬
‫دمشهق الشام كهل حديهث ركهب‬

‫ها نون العيون هِ‬
‫هك يه‬
‫هر عنه‬
‫يقصه‬

‫كأنههك جنههة عرضههت بدنيهها‬

‫أثرت على هوى قلبهه شجونهه‬

‫د خل دم شق ال صحابة ‪ ،‬كأن م و بل سحابة ‪ ،‬أو أ سد غا بة ‪ ،‬فلقيت هم بالحضان ‪،‬‬
‫وفرشت لم الجفان ‪ ،‬فعاشوا على روابيها كالتيجان ‪ .‬ف دمشق فنون وشجون ‪ ،‬وعيون‬
‫ومتون ‪ ،‬و سهول وحزون ‪ ،‬وت ي وزيتون ‪ .‬دم شق جديدة كل يوم ‪ ،‬و هي ح سناء ف‬
‫أعي القوم ‪ ،‬وقد بكى من فراقها ملك الروم ‪ .‬إذا دخلت دمشق تتمايل أمامك السنابل ‪،‬‬
‫وتترا قص ف ناظر يك المائل ‪ .‬وت صفق لقدو مك الداول ‪ ،‬وتر حب بطلع تك القبائل ‪.‬‬
‫دمشق أعيادها يوميّه ‪ ،‬وأعلمها أمويّة ‪ ،‬وأطيافها ساوية ‪ ،‬وبسيوف أهلها مميّة‬
‫دمشق ف السن مفرطة ‪ ،‬وبواهر المال مقرطة ‪ ،‬وف الطقس متوسطة ‪.‬‬
‫هه‬
‫هها وطيور القاع تتبعنه‬
‫فارقتهه‬

‫بكهل لنه مهن الفصهحا تغنينه‬

‫كأناه الطيه يهوى حسهن طلعتهه‬

‫بانهت دمشهق فيها أيامنها بينه‬

‫المال دمش قي ‪ :‬ل نه ل بد له من رو ضة فيحاء ‪ ،‬وخيلة غناء ‪ ،‬وح بة خضراء ‪،‬‬
‫و ظل وماء ‪ .‬وال ب دمش قي ‪ :‬ل نه ل بد له من أشواق م سعفة ‪ ،‬وأحا سيس مره فة ‪،‬‬
‫وألعية ومعرفة ‪.‬‬

‫‪-283-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الدمشقيّة‬

‫كتب ابن عساكر ف دمشق تاريخ الرجال ‪ ،‬وسطر الزي ف دمشق تذيب الكمال‪،‬‬
‫وألف الذ هب ف دم شق ميزان العتدال ‪ ،‬واحت سب ا بن تيم يه ف دم شق الرد على أ هل‬
‫الضلل ‪ ،‬وأرسل لنا التنبئ من الشام تلك القصائد الطوال ‪ ،‬وذاك السحر اللل ‪.‬‬
‫قالوا تريههد الشام قلت الشام فهه‬

‫ها‬
‫هت ف ه داخلي أعلمه‬
‫قلب ه بنه‬

‫ها‬
‫ها فإن أحببتهه‬
‫هة الدنيه‬
‫هي جنه‬
‫هه‬

‫فالسههن مبوب وقلبهه هامهها‬

‫ف دمشق رسائل الياسي ‪ ،‬ودفاتر اليقطي ‪ ،‬ومؤلفات النسرين ‪ ،‬للحمام با رني ‪،‬‬
‫وللعندليب با حني ‪ ،‬كأنا تقول ‪ :‬ادخلوها بسلم آمني ‪.‬‬
‫ليس لدمشق الشام ‪ ،‬دين غي السلم ‪ .‬فطرت دمشق على اليان ‪ ،‬ولذلك طردت‬
‫الرومان ‪ ،‬ورحبت بملة القرآن ‪ .‬ليس بقيصر الروم ف دمشق قرار ‪ ،‬ولذلك ول الدبار‪،‬‬
‫ولذ بالفرار ‪ ،‬لن الدار دار الختار ‪ ،‬والهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫أنهه رجعههت إل أهلي وأوطانهه‬

‫من م ب القوم ش طت دار هم ونأت‬

‫بالرقمتيهه وبالفسههطاط جيانهه‬

‫بالشام أهلي وبغداد الوى وأنههها‬

‫ف الشام يرقد سيف الدولة اللك المام ‪ ،‬وابن نباته خطيب النام ‪ ،‬وابن قدامة تاج‬
‫العلم ‪ ،‬وأبـو فراس المدانـ الشاعـر القدام ‪ .‬وفـ دمشـق سـكن الزهري الحدث‬
‫الشهي ‪ ،‬والوزاعي العال النحرير ‪ ،‬والبزان الؤرخ الكبي ‪ ،‬والسبكي القاضي الطي ‪.‬‬
‫أتانا من دمشق كتاب رياض الصالي ‪ ،‬وكتاب روضة الحبي ‪ ،‬ونزهة الشتاقي ‪،‬‬
‫وكتاب عمدة الطالبي ‪ ،‬وكتاب مدارج السالكي ‪ ،‬وكتاب أعلم الوقعي ‪.‬‬
‫فسلم على دمشهق ف الخهرين ‪.‬‬

‫‪-284-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البغداديَّة‬

‫مــــة الـبغـداديَّــــة‬
‫المقـا َ‬

‫(( من لم يدخل بغــداد لم يدخل الدنيــا ))‬
‫على عرصههاتا ذبنهها غرامهها‬

‫لبغداد العراق دموع صههههب‬

‫هوا كانوا لدنيانههها قوامههها‬

‫تذكّرك الربوع حياة قوم‬

‫اجتمــع أربعــة أدباء ‪ ،‬نباء خطباء ‪ ،‬فتعاهدوا ‪ ،‬وتعاقدوا ‪ ،‬وتواعدوا ‪ ،‬على أن‬
‫يصفوا بغداد ‪ ،‬دار الماد ‪ ،‬وبيت الجواد ‪ ،‬وكوكبة البلد ‪.‬‬
‫فالول ‪ :‬عليه وصف علمائها ‪ ،‬وفقهائها ‪.‬‬
‫والثان ‪ :‬يصف خلفاءها وأمراءها ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬يصف شعراءها وأدباءها ‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬يصف أرضها ‪ ،‬وساءها ‪ ،‬وماءها ‪ ،‬وهواءها ‪ ،‬وباءها ‪.‬‬
‫فبدأ الول ويُدعى أبا قتادة ‪ ،‬وهو صاحب ذكاء وإجادة ‪ ،‬وعلم وإفادة ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬وال لو كتبت بدمع العيون ‪ ،‬على صفحات الفون ‪ ،‬ما أنصفت بغداد على‬
‫مداد القرون ‪ ،‬لكن سوف أصف ما كان فيها من علم وعلماء ‪،‬بلغ مدهم الوزاء ‪:‬‬
‫مهها الدار بعدَك يهها بغداد بالدار‬
‫تفنهه عليههك صههبابات وأشعاري‬
‫أنهت النه وحديهث الشوق يقتلنه‬
‫مههن أيههن ابدأ يهها بغداد أخباري‬

‫ولكن أقول ‪ ،‬بعد الصلة والسلم على الرسول ‪ :‬اعلم أن من بغداد أشرقت شس‬
‫الروا ية ‪ ،‬وبزغ ف جر الدرا ية ‪ ،‬كا نت ف العلوم آ ية ‪ ،‬و ف الفنون غا ية ‪ .‬فكان ب ا أ هل‬
‫الديث ‪ ،‬ول يكن با بعثيّ خبيث ‪.‬‬

‫‪-285-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البغدادي َّة‬

‫ولك أن تتخيـل ملس أحدـ بـن حنبـل ‪ ،‬عمائم بيضاء ‪ ،‬وهةـ قعسـاء ‪ ،‬وسـكينة‬
‫وحياء ‪ .‬إذا قال أح د ‪ :‬حدث نا أو أخب نا ‪ ،‬أطر قت الرؤوس ‪ ،‬وخش عت النفوس ‪،‬‬
‫وتفتحت أبواب السموات ‪ ،‬وتنـزلت الرحات ‪:‬‬
‫سهقون وقالوا ل تغنّه ولو سهقوا‬
‫هقِيتُ لَغنّتههِ‬
‫جبال سههلمى مهها سه ُ‬

‫ث تذهب إل ملس فيه طائفة من الاشعي ‪ ،‬فتجد وسطهم يي بن معي ‪ ،‬يدث‬
‫عن رسول رب العالي ‪ ،‬يرّح ويُعدّل ‪ ،‬ويُجْمِل ويُفصّل ‪ ،‬كأنه ميزان منـزل ‪.‬‬
‫لو حهل خاطره فه مقعهد لشهى‬
‫أو ميههت لصههحا أو أخرس خطبهها‬

‫ول كـم مـن ذكريات تشجينـ ‪ ،‬إذا ذكرت علي بـن الدينـ ‪ ،‬ذاك البطـل ‪ ،‬إمام‬
‫العلل ‪ ،‬ال سليم من الزلل ‪ ،‬فتراه يف تش ال سانيد ‪ ،‬وين خل ال سانيد ‪ ،‬بف هم دق يق ‪ ،‬وعلم‬
‫وتقيق ‪ ،‬يعرف العلة ف السند الستقيم ‪ ،‬كما يعرف الطبيبُ السقيم ‪.‬‬
‫ه‬
‫ه مثهل ضوء الفجهر ضاف ٍ‬
‫برأي ٍ‬
‫كأن بريقهههه حهههد السهههامِ‬

‫ول تنس البخاري ‪ ،‬الضياء الساري ‪ ،‬والنهر الاري ‪ ،‬قيد اللفاظ ‪ ،‬وأفحم الفاظ‬
‫إن شك ف حديث علقه ‪ ،‬وإن طال متنه َفرّقه ‪ ،‬وإن لقي كاذبا مزّقه ‪ ،‬هو السيف الاسم‬
‫لسنة أب القاسم ‪ ،‬اقرأ تبويبه ‪ ،‬افهم ترتيبه ‪ ،‬لترى كل عجيبة ‪.‬‬
‫مهن كالبخاري إذا مها قال حدثنها‬
‫أو بوّب الباب أو شدّ السهههههانيدا‬
‫كأناههه ههههو إلام يعلمهههه‬
‫أو أنّههههه قبههههس يعطاه تأييدا‬

‫بغداد تشر فت بال سفياني الثوري وا بن عيي نة ‪ ،‬وأ صبحت بالعلماء أج ل مدي نة ‪،‬‬
‫وهي مدينة الكرخي معروف ‪ ،‬والمام الشافعي العروف ‪.‬‬

‫‪-286-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البغدادي َّة‬

‫من بغداد أصحاب ال صحاح وال سنن ‪ ،‬وأ هل الذكاء والف طن ‪ .‬و هي للحد يث دار‬
‫الضرب والصلب با تضرب الوضوعات للوضاعي ‪ ،‬ولكن تصلب الكذّابي على خشب‬
‫السلطان التي ‪ .‬قال بعضهم ‪ :‬من ل يدخل بغداد ل يدخل الياة الدنيا‪ ،‬ومن ل يشاهد‬
‫حسنها ما شاهد النجوم العليا ‪.‬‬
‫فقام الثان يصف اللفاء والمراء ‪ ،‬الذين ملؤوا الدنيا بالعطاء والسخاء ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬هذه مدينـة السـفاح ‪ ،‬الذي خضـب السـيوف والرماح ‪ ،‬وكان لكـل مرم‬
‫بطاح ‪ ،‬ولكل عدو نطاح ‪.‬‬
‫هذه مدينة النصور ‪ ،‬صاحب الدور والقصور ‪ ،‬الداهية السور ‪ ،‬والسد الصور ‪.‬‬
‫هذه مدينة الرشيد ‪ ،‬صاحب القصر الشيد ‪ ،‬والجد الفريد ‪ ،‬والصيت البعيد ‪.‬‬
‫هذه مدينة الأمون ‪ ،‬صاحب الفنون ‪ ،‬وجامع التون ‪ ،‬ولكنه بالفلسفة مفتون ‪.‬‬
‫هذه مدينة العتصم الغوار ‪ ،‬الذي أوطأ اليل الكفار ‪ ،‬وأورد نورهم كل بتار ‪.‬‬
‫والممه‬
‫ِ‬
‫بغداد أنهت حديهث الدههر‬
‫إذا مدحتهك سهال السهحر مهن قلمهي‬
‫أنهت النه أنهت للتأريهخ ملحمهة‬
‫همِ‬
‫هد ومأمون ومعتصه‬
‫هن رشيه‬
‫هم مه‬
‫كه‬

‫ث قام الثالث يصف الدباء ‪ ،‬ويثن على الطباء ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ف بغداد أ كب ناد ‪ ،‬للشعراء الجواد ‪ ،‬إذا شرب الشا عر من ماء الفرات ‪،‬‬
‫أتى بالعجزات ‪ ،‬وخلب اللباب بالبيات ‪ ،‬سَمّ ل شاعرا ما دخل بغداد‪ ،‬اذكر ل أديبا‬
‫ما تشرف بتلك البلد ‪:‬‬
‫بغداد يها فتنهة الشرق الته خلبهت‬
‫بسههحرها العقههل والقلم والدبهها‬
‫ماذا أردد يهها بغداد مههن حزنهه‬
‫إذا ذكرتههك بعههت المهه والنصههبا‬
‫‪-287-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البغدادي َّة‬

‫من بغداد أبو تام ‪ ،‬والبحتري المام ‪ ،‬وترنح با التنبئ بعض عام ‪.‬‬
‫سجل با ابن الرومي رواياته ‪ ،‬وأبدع إلياذاته ‪ ،‬وأروع أبياته ‪.‬‬
‫وف بغداد أبو العتاهية ‪ ،‬الشاعر الداهية ‪ ،‬منذر القلوب اللهية‪ ،‬وصاحب الرسائل‬
‫الباهية ‪ ،‬المرة الناهية ‪ .‬وهي أرض بشار ‪ ،‬ناسج أجل الشعار ‪.‬‬
‫من بغداد انطلقـت ف البحار والباري ‪ ،‬رائ عة ا بن النباري ‪ :‬علو ف الياة و ف‬
‫المات ‪ .‬من بغداد استمع الدهر ف عجبْ ‪ ،‬لدويّ ‪ :‬السيف أصدق أنباء من الكتبْ ‪.‬‬
‫بغداد مهرجان أد ب كبي ‪ ،‬ل كل أد يب نر ير ‪ ،‬في ها ش عر ون ثر ‪ ،‬وح صباء ودر ‪،‬‬
‫و صديق وزند يق ‪ ،‬و حر ورق يق ‪ ،‬ومو حد ومل حد ‪ ،‬وحانوت وم سجد ‪ ،‬وبارة ومع بد ‪،‬‬
‫ومقبة ومشهد ‪ ،‬جد وهزل ‪ ،‬وحب وغزل ‪ ،‬كأن التاريخ كله ف بغداد اجتمع‪ ،‬وكأن‬
‫الدهر لصوتا يستمع ‪ .‬وكأن ضوء الشمس من بغداد يرتفع ‪.‬‬
‫مصيبة بغداد الكام القزام ‪ ،‬من عينة صدام ‪ ،‬أبطال الشنق والعدام ‪.‬‬
‫فقام الرابهع فقال ‪ :‬كأن الرض أخذت مـن بغداد جالاـ ‪ ،‬أفدي بنفسـي سـهلها‬
‫وجبالا ‪ ،‬دجلة له خرير ‪ ،‬والفرات له هدير ‪ ،‬والنسيم به له زئي ‪ ،‬كأن الواء سرق من‬
‫السك أريه ‪ ،‬وكأن الاء أخذ من العاشق نشيجه ‪ .‬تغار من زهر بغداد الزهراء ‪ ،‬وتمر‬
‫خجلً من حسن بغداد وجنت المراء ‪.‬‬
‫كأن ال سحاب ف ساء بغداد مع الش فق خضاب ‪ ،‬وكأن بر يق الف جر ف مشارف‬
‫بغداد ذ هب مذاب ‪ .‬كأن و جه بغداد مشرق ‪ ،‬ق بل ميش يل عفلق ‪ .‬فل ما دخل ها الرفاق ‪،‬‬
‫وحزب النفاق ‪ ،‬كتب على بغداد الشقاء والخفاق ‪.‬‬
‫هههت نشيدة‬
‫ههها بغداد أنه‬
‫ل يه‬
‫غنههت بههك العصههار والمصههار‬
‫مههن ل يههر ذاك المال فإنههه‬
‫ضاعههت عليههه مههع الدى الشعار‬

‫أظن بغداد أصابا عي ‪ ،‬أو دخلها لعي ‪ ،‬ما لا قتلت البدعي ‪ ،‬وطردت اللمعي‪.‬‬

‫‪-288-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫البغدادي َّة‬

‫هي‬
‫ها بغداد بالعهه‬
‫هابك يه‬
‫ماذا أصه‬
‫أليههس كنههت يقينهها قرة العيهه‬

‫وأ نا عا تب على بغداد ‪ ،‬والعتاب ل يغ ي الوداد ‪ ،‬ل نه جُلد ب ا أح د ‪ ،‬وقُ تل ب ا‬
‫أحد‪ ،‬وأُكرم با أحد ‪ .‬فجُلد با أحد بن حنبل ‪ ،‬المام البجل‪ ،‬وقُتل با أحد بن نصر‬
‫الزاعي ‪ ،‬المام الواعي ‪ ،‬وهو إل الق داعي ‪ ،‬وإل الب ساعي‪ ،‬وأُكرم با أحد بن أب‬
‫دؤاد ‪ ،‬داعية البدعة والعناد ‪ ،‬والفتنة والفساد ‪.‬‬
‫لكن بغداد لا حسنات يذهب السيئات ‪ .‬ونر الفرات ودجلة يطهران من الدث ‪،‬‬
‫وإذا بلغ الاء قلتي ل يمل البث ‪.‬‬

‫‪-289-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفلسطينيّة‬

‫مــــة الـفـلسطـينيّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬سبحان الَّذي أ َ‬
‫ن ال ْ‬
‫ه لَ‬
‫جدِ ال ْ‬
‫ً‬
‫م‬
‫ل‬
‫ي‬
‫د‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ب‬
‫رى‬
‫س‬
‫رام‬
‫ح‬
‫س‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫صى ‪‬‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫إِلَى ال ْ َ‬
‫جد ِ القْ َ‬
‫أطفال يافهها يصهرخون ومها لمه‬

‫عمرو ول سههعد ول خطابههُ‬

‫يا رب يها رح هن فان صهر أ مة‬

‫أبوابه‬
‫ُ‬
‫قهد أُغلقهت مهن دوناه‬

‫زارنا رجل من فلسطي ‪ ،‬فجلس على الطي ‪ ،‬قلنا اجلس على السرير ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬كيف أجلس على السرير ‪ ،‬والقدس أسي ‪ ،‬بأيدي إخوان القردة والنازير ؟‬
‫قلنا ‪ :‬فهل عندك من القدس خطاب ؟‬
‫قال ‪ :‬معي من القدس سؤال يريد الواب ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ما هو السؤال ؟‬
‫قال ‪ :‬ينادي أين الرجال ‪ ،‬أين أحفاد خالد وسعد وبلل ؟ يا حفاظ سورة النفال‪،‬‬
‫أين أبطال القتال ؟ أين أسود النـزال ؟‬
‫قلنا ‪ :‬هؤلء ماتوا من زمان ‪ ،‬وخلت منهم الوطان ‪ ،‬وخلف من بعدهم خلف لم‬
‫هم ضعيفة ‪ ،‬واهتمامات سخيفة ‪ ،‬وأحلم خفيفة ‪.‬‬
‫ث سألنا حامل الرسالة ‪ ،‬أين أهل البسالة ؟ أين الباء ؟ لاذا تغي البناء عن الباء ؟‬
‫قل نا ‪ :‬الباء كا نت بيوت م ال ساجد ‪ ،‬ما ب ي را كع و ساجد ‪ ،‬وخا شع وعا بد ‪،‬‬
‫وصائم وماهد ‪.‬‬
‫والبناء بيوت م القا هي ‪ ،‬ما ب ي م غن ول هي ‪ ،‬و من باله يبا هي ‪ ،‬و من و قع ف‬
‫الدواهي ‪ ،‬إل من رحه إلي ‪.‬‬
‫ها‬
‫هودا ملوك الرض ترهبنه‬
‫ها أسه‬
‫كنه‬
‫والن أصههههههبح فأر الدار نشاه‬

‫‪-290-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ث قلنا للرجل ف عجل ‪ :‬سلم على القدس ‪ ،‬وقل ‪ :‬نفديك بالنفس ‪ ،‬مت العودة‬
‫إلينا ‪ ،‬والسلم علينا ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬إذا عدت إل ال عدنا ‪ ،‬وإن بعدت عنه بعدنا ‪.‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفلسطينيّة‬

‫نسهاء فلسهطي تكحّلن بالسهى‬

‫ُصهرُ‬
‫وفه بيهت لمه قاصهرات وق ّ‬

‫وليمون يافها يابهس فه حقوله‬

‫و هل ش جر ف قب ضة الظلم يثمرُ‬

‫قلنا ‪ :‬لاذا عدت لعمر ؟ قال ‪ :‬لنه صاحب أثر ‪ ،‬صادق ف الب ‪،‬عادل ف السي‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬ولاذا جئت مع صلح الدين ؟ قال ‪ :‬لنه بطل حطي ‪ ،‬وول لرب العالي‪،‬‬
‫وأحد العابدين الجاهدين ‪.‬‬
‫قلنا ‪ :‬يا قدس هل من لقاء ؟ قال ‪ :‬إذا أطعتم رب الرض والسماء ‪ ،‬وأخلصتم ف‬
‫الدعاء ‪ ،‬وتدربتم على الهاد صباح مساء ‪ ،‬وتبتم من كل معصية وفحشاء ‪.‬‬
‫قل نا ‪ :‬ك يف حالك الن ؟ قال ‪ :‬ف هوم وأحزان ‪ ،‬وغموم وأشجان ‪ ،‬سجي ف‬
‫زنزانة الطغيان ‪ ،‬بعد ما فارقت أهل اليان ‪ ،‬وحلة القرآن ‪.‬‬
‫ه‬
‫مهن حاله وههي فه حبهس تزلزله ُ‬
‫مصههائب البيهه ل يرثههي له أحدُ‬

‫ثـ قال ‪ :‬أمـا ترون خدي ُشوّه بالنجمـة السـداسيّة ‪ ،‬وداسـت على جـبين الدولة‬
‫البليسـية ‪ ،‬أيـن أحفاد مصـعب بـن عميـ ‪ ،‬ينقذونـا مـن أبناء جولدا مائيـ ‪ ،‬أيـن أمثال‬
‫عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬يطلقونا من قبضة بييز ‪ ،‬أين عُبّاد الديّان ‪ ،‬يسحون عن جبين وشم‬
‫ديّان ‪ ،‬أيـن طلب عبـد ال بـن مسـعود ‪ ،‬يطردون إخوان القرود ‪ ،‬ويفكون عـن قدمـي‬
‫القيود ‪.‬‬
‫ها‬
‫ها عتبه‬
‫هد أهديتنه‬
‫هطي قه‬
‫ها فلسه‬
‫أيه‬
‫متهه اللقاء عسههى ميعادنهها اقتربهها‬
‫هب‬
‫ها قضه‬
‫ها وف ه إياننه‬
‫هم أتينه‬
‫نعه‬
‫مسههلولة تطههر الهوال والغضبهها‬

‫‪-291-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ث قالت ‪ :‬أ نا القدس ال سليبة ‪ ،‬ك نت إل الر سول حبي بة ‪ ،‬و من قلب كل مؤ من‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفلسطينيّة‬
‫قريبة ‪ ،‬وأنا الن ف بلء ومصيبة ‪ ،‬وأحوال عجيبة ‪.‬‬
‫مررت بالسهجد الحزون أسهأله‬

‫هل ف الصلى أو الحراب مروان‬

‫تغيه السهجد الحزون واختلفهت‬

‫على النابر أحرار وعبدان‬

‫مهن حيهث يتلى ول الذان آذان‬

‫فل الذان أذان فهههه منائره‬

‫فلسطي ف قلوب السلمي ‪ ،‬تناديهم من سني ‪ ،‬وليس فيهم من قال ‪ :‬لبيك جئنا‬
‫فاتي ‪ ،‬لكنا تعبنا من مبة أهل الرجاء ‪ ،‬تدح وادعاء ‪ ،‬وفلسطي تصرخ صباح مساء‪.‬‬
‫إذا ل تكن هنا حية إسلميّة ‪ ،‬فأين النخوة العربية ‪.‬‬
‫رب وامعتصههمهاه انطلقههت‬

‫مِلء أفواه الصهههبايا اليتهههم‬

‫لمسههت أسههاعهم لكنههها‬

‫ل تلمهههس نوة العتصهههم‬

‫أو مها كنهت إذا البغهي اعتدى‬

‫موجهة مهن لبه أو مهن دمهِ؟‬

‫فه حىه الههد وظهل الرم؟‬

‫ألسهههرائيل تعلو رايهههة‬

‫لو سع ع مر صرخة ط فل مهود ‪ ،‬أبوه مفقود ‪ ،‬وأخوه ف القيود ‪ ،‬لنّ د النود ‪،‬‬
‫ولداس اليهود ‪ .‬لو طر قت سع العت صم وا أماه ‪ ،‬لضا قت أر ضه و ساه ‪ ،‬ولقاد الكماة ‪،‬‬
‫ولخرج فلسطي من زنزانة الطغاة البغاة ‪.‬‬
‫فل سطي تنادي حط ي ‪ :‬هل عندك من صلح الد ين ؟ فإ نا يا أختاه ف ال بس‬
‫مرتني ‪ ،‬ولنا أني ‪.‬‬
‫وليمون يافهها يابههس فهه حقوله‬
‫وهههل شجههر فهه قبضههة الظلم يثمرُ‬
‫رفيهق صهلح الديههن ههل لك عودة‬
‫فإن جيوش البغههي تنههههى وتأمهههرُ‬
‫رفاقهك فه الغوار شدوا سهروجهم‬
‫هك ف ه حطي ه ص هلّوا وكبّروا‬
‫وجيشه‬

‫‪-292-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫خ سون عا ما ‪ ،‬ون ن نرى أيتا ما ‪ ،‬ونشا هد أيا مى ‪ ،‬ونب صر آل ما ‪ ،‬ث نتعا مى ‪،‬‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفلسطينيّة‬
‫ول يرك فينا هذا كله إباما ‪.‬‬
‫من أراد أن يطلق القدس من السر وأن يفكّه ‪ ،‬فليأخذ دستوره من مكّة ‪ ،‬القدس‬
‫إ سلمية ما تر طن ‪ ،‬ول تنت ظر الن صر من واشن طن ‪ ،‬القدس تقلق ‪ ،‬إذا جئن ـا ب يش ف يه‬
‫ميشيل عفلق ‪ .‬يرر الرض ‪ ،‬ويمي العرض ‪ ،‬من أدى الفرض ‪ ،‬وخاف يوم العرض ‪.‬‬
‫دونك مليار مسلم آيسي بائسي ‪ ،‬أمام من قيل فيهم ‪ :‬كونوا قردة خاسئي ‪.‬‬
‫مهلً فديههت أبهها تام تسههألن‬
‫النقبه‬
‫ُ‬
‫كيهف احتفهت بالعدا حيفها أو‬
‫اليوم تسههعون مليونا ومهها بلغوا‬
‫هر الزيتون والعنب هُ‬
‫هد عصه‬
‫نضجا وقه‬
‫هها‬
‫ههب الياج أنمنه‬
‫وأطفأت شهه‬
‫وشسههنا وتدت نارههها الطبههُ‬
‫تنسههى الرؤوس العوال نار نوتاهه‬
‫إذا امتطاههها إل أسههيادها العربههُ‬

‫ما يرر فلسطي إل طلب العز بن عبد السلم ‪ ،‬وتلميذ عز الدين القسام ‪.‬‬
‫افهم ها بالكشوف ‪ ،‬ما يرر فل سطي طلب سخاروف ‪ ،‬ول يرد ها لهل ها أ هل‬
‫الدفوف‪ ،‬إنا تعود على أيدي من يصلي ويطوف ‪ ،‬وياهد ف الصفوف ‪.‬‬
‫يا ش جر الغر قد ‪ ،‬جاء الو عد ‪ ،‬ليعود ال سجد ‪ ،‬ت مي القرود ‪ ،‬وتبّئ اليهود من‬
‫السود ‪ ،‬كل الشجر ِبوَادينا ‪ ،‬ينادينا ‪ ،‬إل أنت تعادينا ‪.‬‬
‫ـا مؤترات أو مؤامرات ‪ ،‬ومشاورات أو مشاجرات ‪ ،‬ومناورات أو‬
‫ـون عامـ‬
‫خسـ‬
‫مهاترات ‪.‬‬
‫شجبا ونكرا وتنديدا بغارتاههههه‬
‫ل كههم نددوا يوما وكههم شجبوا‬
‫ماذا فعلنهها غضبنهها كالرجال ول‬
‫والطبه‬
‫ُ‬
‫تصهدق وقهد صهدق التنجيهم‬
‫‪-293-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ال كل يطوف ‪ ،‬بجلس الوف ‪ ،‬ون ن وقوف ف صفوف ‪ ،‬ننت ظر ماذا يقول بوش‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الفلسطينيّة‬
‫وغورباتشوف ‪.‬‬
‫خسون عاما ما أخبتنا هيئة المم ‪ ،‬بن ظلم ‪ ،‬وهدم الرم ‪ ،‬وخان ف القسم ‪.‬‬
‫يا معشر العرب ‪ :‬من أصابته مصيبة ‪ ،‬فلم يأخذ الل من طيبة ‪ ،‬عاد باليبة ‪ ،‬وكان‬
‫الف شل ن صيبه ‪ .‬فل سطي ل تعود بالكلم ‪ ،‬ول بفلت ال سلم ‪ ،‬ولكن ها تعود بال سام ‪،‬‬
‫وبضرب الام ‪ ،‬وتريغ الباطل بالرغام ‪.‬‬
‫سيصغي ل ا من عال الغ يب نا صر‬

‫ول أوس آخرون وخزرجههههُ‬

‫فلسطي إسلمية النسب ‪ ،‬وليست عربيّة فحسب ‪ ،‬ولذلك كان صلح الدين فاتح‬
‫القدس من الكراد ‪ ،‬والسلطان عبد الميد نا صر فلسطي من التراك الجواد ‪ ،‬وبعض‬
‫العرب أيام الصليبيي باعوها ف سوق الزاد ‪:‬‬
‫بعهها فأنهت لاه سهواها أبيهع‬

‫هع‬
‫ها ولاه الكان الرفه‬
‫لك إِثهه‬

‫ل تعود فلسطي عن طريق اللحدين ‪ ،‬ول عن طريق الوحدويي ‪ ،‬وإنا تعود تت‬
‫رايات الوحدين ‪.‬‬
‫هل تظن أن اليهودي العنيد ‪ ،‬والسرائيلي الريد ‪ ،‬سوف يطرد بؤتر مدريد‪ ،‬كل‬
‫وعز ِة الميد الجيد ‪ ،‬ل يزول إل بكتائب التوحيد ‪ ،‬وأحفاد خالد بن الوليد ‪.‬‬
‫يا فل سطي انتظري كتائب نا مع ال صباح ‪ ،‬تنادي حي على الفلح ‪ ،‬ليعود ال ق إل‬
‫أصحابه ‪ ،‬والسيف إل نصابه ‪ ،‬ولتعود الوديعة إل واليها ‪ ،‬والطفلة إل أبيها ‪ ،‬والدار إل‬
‫راعيها ‪ ،‬ويومئذ يفرح الؤمنون بنصر ال القريب ‪ ،‬إنه سيع ميب ‪.‬‬
‫فل سطي غاب سلطينها ‪ ،‬فأفلس طين ها ‪ ،‬ل يطرد الغزاة من غزة إل أ هل العزة ‪،‬‬
‫أطفال حيفا حفاة ‪ ،‬واليهود جفاة ‪ ،‬فهل من يلب النداء ‪ ،‬ويقدم روحه فداء‪ ،‬يا من أراد‬
‫النة ‪ ،‬ل تتبع ما أنفقت بالذى والنّة ‪ ،‬وماذا عليك لو قتلتك اليهود فأنت شهيد ‪ ،‬البيع‬
‫قد جرى ‪ ،‬وال اشترى ‪ ،‬ما هبط سوق القتال ‪ ،‬و قل هيا إل الن ـزال ‪ ‬إِنّ اللّ َه ا ْشتَرَى‬
‫جّن َة ُيقَاتِلُونَ فِي َسبِيلِ اللّهِ َفَي ْقتُلُونَ َوُي ْقتَلُو َن َوعْدًا‬
‫سهُ ْم َوَأمْوَاَلهُ ْم ِبأَنّ َلهُ ُم الْ َ‬
‫مِ ْن الْ ُم ْؤمِنِيَ أَنفُ َ‬
‫عََليْ هِ َحقّا فِي التّوْرَاةِ وَالِنِيلِ وَاْلقُرْآ نِ َومَ نْ َأوْفَى ِبعَهْدِ ِه مِ نْ اللّ هِ فَا ْسَتبْشِرُوا ِبَبيْ ِعكُ ْم الّذِي‬
‫بَاَي ْعتُمْ بِ ِه َوذَلِكَ هُ َو اْل َفوْزُ اْلعَظِيمُ ‪. ‬‬
‫‪-294-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫ل تيهئ كفنه مها مهت بعهد‬

‫ل يزل فه أضلعهي برق ورعهد‬

‫أنههها تارييههه أل تعرفهههه‬

‫خالد ينبهض فه قلبه‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الندلسيّة‬
‫وسهعد‬

‫مــــة النـدلـسـيّـــة‬
‫المقـا َ‬

‫جنَّا ٍ‬
‫م تََركُوا ِ‬
‫ن َ‬
‫‪ ‬كَ ْ‬
‫ن (‪ )25‬وَُزُروٍع وَ َ‬
‫ت وَع ُيُو ٍ‬
‫م ْ‬
‫مَقام ٍ كَرِيمٍ‬
‫ن‪‬‬
‫(‪ )26‬وَنَعْ َ‬
‫مةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِي َ‬
‫ه هَمَهى‬
‫ه إذا الغيث ُ‬
‫جَادَك الغيث ُ‬

‫ها زمان هَ الوص هلِ بالندلس هِ‬
‫يه‬

‫ل يكههن وصههلك إل حُلمهها‬

‫فه ال َكرَى أو ِخلْسهةَ الختلسهِ‬

‫حدثنا ممود بن أنس ‪ ،‬قال ‪ :‬لا دخلنا الندلس ‪ ،‬وهي ف ثياب المال تتبهرج ‪،‬‬
‫ولسانا من الجل يتلجلج ‪ ،‬قلنا ‪ :‬كيف الال ‪ ،‬يا موطن الرجال ‪ ،‬أن تِ بلسم الفؤاد ‪،‬‬
‫وأرض الباء والجداد ‪ ،‬ومهبَـط جيـش طارق بـن زياد ‪ ،‬فقالت ‪ :‬أهلً بالخوة مـن‬
‫الن سب ‪ ،‬أ هل الكرم وال سب ‪ ،‬وبين نا سبب ال سلم أع ظم سبب ‪ ،‬ث التفت نا إل ثل ثة‬
‫شباب ‪ ،‬وقـد ارتدوا أجلـ الثياب ‪ ،‬فقام أحدنـا معرفا بأسـائهم ‪ ،‬ونسـبهم إل آبائهـم ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬أما الول ‪ :‬فاسه عبد الرحن بن طارق بن زياد ‪.‬‬
‫والثانهي ‪ :‬عبد ال بن موسى بن نصي ‪.‬‬
‫والثالهث ‪ :‬عبد السلم بن عبد الرحن الداخل ‪.‬‬
‫فقلنا يا أبناء الجواد ‪ ،‬وأحفاد السياد‪ ،‬حدثونا عن هذه البلد ‪.‬‬
‫فقال ع بد الرح ن ‪ :‬أ ما قرأ ت التأر يخ ‪ ،‬و ما ف يه من مدح وتوب يخ ‪ ،‬أ ما علم تم أن‬
‫أجدادنـا دخلوا الندلس فاتيـ ‪ ،‬مكـبين مسـبحي ‪ ،‬عظموا ال فـ القلوب ‪ ،‬فملّكهـم‬
‫الشعوب ‪ ،‬نشروا رضاه بالدماء ‪ ،‬فرفع رايتهم ف ال سماء ‪ ،‬صدقوا ف الديانة ‪ ،‬فشرفهم‬
‫ب مل الما نة ‪ ،‬نشروا العدل ‪ ،‬وطردوا ال هل ‪ ،‬ف هم كالغ يث على ال حل ‪ ،‬فل ما تلف‬
‫بعدهم جيل ‪ ،‬وضلوا السبيل ‪ ،‬أصبحوا ف الذيل ‪ ،‬ث بكى وأنشد ‪:‬‬
‫ههل سهألت الدههر عنها يوم كنها‬

‫كنجوم الليههل للجوزا وصههلنا‬

‫ونشرنههها فههه بلد ال نورا‬

‫ها‬
‫هل عنه‬
‫هل الفضه‬
‫نقلت أخبار أهه‬
‫‪-295-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فقام ع بد ال ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا ال ‪ ،‬ك يف ك نا ‪ ،‬وك يف أ صبحنا ‪ ،‬بعد ما ق صرنا ف‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الندلسيّة‬
‫سادة ‪،‬‬
‫ديننا ما أفلحنا ‪ ،‬كانت النائر تؤذن بدعوتنا ‪ ،‬والنابر تضج بطبتنا ‪ ،‬كنا باليان‬
‫وللشعوب قادة ‪ ،‬لن نا أطع نا الرح ن ‪ ،‬وحكّم نا القرآن ‪ ،‬وحارب نا الشيطان ‪ ،‬فل ما قعد نا‬
‫عن الهاد ‪ ،‬وعصينا رب العباد ‪ ،‬ووقعنا ف الفساد ‪ ،‬صرنا ما بي طريد وشريد‪ ،‬وقتيل‬
‫وفقيد ‪ ،‬ث بكى وأنشد ‪:‬‬
‫هذا جزاء أناس بالوى غلبوا‬
‫هتلبوا‬
‫هن فاسه‬
‫هروا ف ه أمور الديه‬
‫وقصه‬
‫كانوا شوسهها عيون الناس ترمقهههم‬
‫لكنههم بعهد طول الدههر قهد غربوا‬

‫ث قام عبد السلم ‪ ،‬فاندفع ف الكلم ‪ ،‬وقال ‪ :‬لا اتبعنا الثر ‪ ،‬حكمنا البشر ‪ ،‬وبلغ‬
‫مد نا الق مر ‪ ،‬وفرح ب نا البدو وال ضر ‪ ،‬فل ما وقع نا ف الترف ‪ ،‬وأدم نا ال سرف ‪ ،‬ودع نا‬
‫الشرف‪ ،‬وصرنا كالصّدف ‪ ،‬ث أنشد ‪:‬‬
‫يها رب ههل مهن عودة للديهن فه‬
‫أرض فتحناهههها برسهههم الديهههن‬
‫ِشدْنها باه صهرح العلوم فأصهبحت‬
‫تاجا لكهههل موحهههد مأمههههون‬

‫قال الراوي ممود ‪ :‬ث دخلنا غرناطة ‪ ،‬والقلب قد هد نياطه ‪ ،‬فوجدناها قد كتب‬
‫على بابا ‪ :‬السلم على من اتبع الدى ‪ ،‬وأجاب الندا ‪ ،‬أنا غرناطة فاعرفون ‪ ،‬سلبت من‬
‫أيدي أهلي فارحو ن ‪ ،‬ك نت مدي نة ال ُعبّاد والزهاد والجواد‪ ،‬فأ صبحت مل عب الشرار ‪،‬‬
‫ومرتع الكفار ‪ ،‬ومسرح الفجار ‪ ،‬فرحم ال عبدا ترحم عليّ ‪ ،‬وأهدى ثواب حجه إلّ ‪،‬‬
‫فبكينا ما رأينا ‪ ،‬وكأنا تشكو إلينا ‪.‬‬
‫ث أتي نا قرط بة ‪ ،‬و هي معب سة مقط بة ‪ ،‬فوجد نا على بابا ها كتا بة ‪ ،‬كأن ا كت بت‬
‫بالسبّابة ‪ ،‬فقرأنا فإذا هي تقول ‪ ،‬يا أهل العقول ‪ ،‬أنا قرطبة دار العلوم ‪ ،‬سلبن الظلوم ‪،‬‬

‫‪-296-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الندلسيّة‬
‫ومنــز ًل‬
‫للكرماء ‪،‬‬

‫ونبنـ الغشوم ‪ ،‬كنـت دارا للعلماء ‪ ،‬وكعبـة للحكماء ‪ ،‬ومزارا‬
‫للعلماء ‪ ،‬واليوم أ صبحت بارة للخَمّار ‪ ،‬وحانو تا للشّطار ‪ ،‬ب عد أن ك نت ب يت البرار ‪،‬‬
‫وكهف الخيار ‪ ،‬فوقفنا نبكي ‪ ،‬وإل ال نشكي ‪.‬‬
‫ونادى منادي نا ‪ ،‬و صاح حادي نا ‪ ،‬فقال أ ين القوم الفاتون ‪ ،‬أ ين الل النا صحون ‪،‬‬
‫أ ين صقر قر يش ‪ ،‬أ ين قادة ال يش ‪ ،‬أ ين النا صر والزهراء ‪ ،‬أ ين الا كم والمراء ‪ ،‬أ ين‬
‫النذر بن سعيد ‪ ،‬صاحب الرأي السديد ‪ ،‬والنهج الرشيد ‪.‬‬
‫أيـن ابـن عبـد الب ‪ ،‬الذي نشـر العلم فـ البحـر والب ‪ ،‬ونثـر الوهـر والدر ‪ ،‬أيـن‬
‫الستذكار ‪ ،‬من أنفع الكتب ف الثار ‪ ،‬أين التمهيد الذي ما حل مثله البيد ‪.‬‬
‫أيـن ابـن حزم ‪ ،‬صـاحب العزم ‪ ،‬إمام الظاهـر ‪ ،‬صـاحب العلم الباهـر ‪ ،‬والقلب‬
‫الطاهـر ‪ ،‬صـاحب القدح العلّى ‪ ،‬ومؤلف الجلّى ‪ ،‬والحلّى ‪ ،‬الذي بلغ المامـة ‪ ،‬وألف‬
‫طوق المامة ‪.‬‬
‫أين القرطب صاحب التفسي ‪ ،‬أين الشاطب المام الشهي ‪ ،‬حامل الفكر الستني ‪،‬‬
‫أين ابن زيدون ‪ ،‬وابن خلدون ‪ ،‬وابن عيذون ‪ ،‬وأهل الفنون ‪ ،‬ما لم ل ينطقون ‪.‬‬
‫أين رائعة ‪:‬‬
‫أضحهى التنائههي بديلً مهن تدانينها‬
‫وناب عههن طيههب لقيانهها تافينهها‬

‫أين السحر اللل ‪ ،‬والروعة والمال ف ‪:‬‬
‫جادك الغيههث إذا الغيههث هىهه‬
‫يهها زمان الوصههل فهه الندلسههِ‬

‫أين العويل والبكاء ف أم الرثاء والقصيدة الغراء ‪:‬‬

‫لكهل شيهء إذا مها ته نقصهان‬
‫فل يغههر بطيههب العيههش إنسههان‬

‫أ ين ل سان الد ين الط يب ‪ ،‬ومؤلف ن فح الط يب ‪ ،‬وا بن ر شد الف يد ‪ ،‬الذ كي‬
‫الفر يد ‪ ،‬صاحب بدا ية الجه تد ‪ ،‬ونا ية القت صد ‪ .‬أ ين الن صور بن أ ب عا مر ‪ ،‬الب طل‬
‫‪-297-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫الندلسيّة‬

‫الغا مر ‪ ،‬صاحب العزم القا هر ‪ .‬ل كم من علم جل يل ‪ ،‬ورأي أ صيل ‪ ،‬ون سب نب يل ‪،‬‬
‫ووجه جيل ‪ ،‬دفناه ف هذا الثرى ‪ ،‬وتركناه آية للورى ‪.‬‬
‫ه نا ترك نا أكباد نا ‪ ،‬ه نا دف نا أولد نا ‪ ،‬ه نا قب نا أجداد نا ‪ ،‬ه نا دموع نا سفحت ‪،‬‬
‫ه نا دماؤ نا سفكت ‪ ،‬ه نا مرا بع سرنا ‪ ،‬وه نا ديار ش سنا وقمر نا ‪ .‬ه نا طرح نا نفوس‬
‫البطال الشداء ‪ ،‬ف بلط الشهداء ‪ ،‬هنا أرواحنا خفاقة ‪ ،‬على قتلى معركة الزلّقة ‪.‬‬
‫ما ك نا ن ظن أنّ ا إل هذا الال ن صي ‪ ،‬ب عد أماد مو سى بن ن صي ‪ .‬ا سألوا البال‬
‫والوهاد ‪ ،‬اسألوا كل ناد ‪ ،‬واستنطقوا كل واد ‪ ،‬عن كتائب طارق بن زياد ‪.‬‬
‫أعندكهم خهب عهن أههل أندلس‬
‫فقههد سههرى بديههث القوم ركبان‬
‫تلك الفجيعهة أنسهت مها تقدمهها‬
‫ومها لاه فه قديه الدههر صهنوان‬
‫لثهل هذا يذوب القلب مهن كمهد‬
‫إن كان فههه القلب إسهههلم وإيان‬

‫السلم على كل أندلس ف الخرين ‪ ،‬وجعنا بأهلها من السلمي ‪ ،‬ف جوار رب‬
‫العالي ‪ .‬هذه أخبار الندلس ‪ :‬وسلمتكم ‪.‬‬

‫‪-298-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫َ َّ‬
‫ه‬
‫‪ ‬إِ ّ‬
‫ن الل َ‬

‫مة الفغانيّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة الفغانـيّــــة‬
‫المقـا َ‬

‫ب الَّذين يَقاتلُون في سبيله صًّفا كَأ َ‬
‫َ‬
‫ح ُّ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫يُ ِ‬
‫ّ‬
‫ِ َ ُ ِ َ ِ‬
‫ُ ْ‬
‫َ ِ ِ ِ َ‬

‫ص‪‬‬
‫بُنيَا ٌ‬
‫ن َ‬
‫صو ٌ‬
‫مْر ُ‬

‫تأخرت اسهتبقي الياة فلم أجهد‬

‫لنفسههي حياة مثههل أن أتقدمهها‬

‫ول يس على العتاب تد مى كلوم نا‬

‫ولكهن على أقدامنها تقطهر الدمها‬

‫لا دخلنا أفغانستان ‪ ،‬سألنا عن حدودها ‪ ،‬فقيل يدها باكستان ‪ ،‬وطاجكستان ‪،‬‬
‫وحولاـ بلوشسـتان ‪ ،‬وهـي قريبـة مـن كردسـتان ‪ ،‬وأسـفل منهـا عربسـتان ‪ ،‬ووراءهـا‬
‫تركمانسـتان ‪ ،‬ووجدنـا شبابا مـن قحطانسـتان ‪ ،‬وزهرانسـتان ‪ ،‬وشهرانسـتان ‪،‬‬
‫وشرانستان ‪ ،‬ولا وصلتها وحدت جند الرمن ‪ ،‬وكتيبة اليان ‪.‬‬
‫ووجد نا الوت ي صنع ه نا التوف ‪ ،‬تعل نه كل و قت الكلشنكوف ‪ ،‬من شر كة‬
‫إسـلم أوف ‪ ،‬ليقتـل باـ كـل ملحـد أوف ‪ ،‬وملعون أوف ‪ ،‬مـن قائمـة خرتشوف ‪،‬‬
‫وغرباتشوف ‪ .‬فحيينا الفغان بقصيدة شعبية ‪ ،‬نيابة عن المة العربية ‪ ،‬فقلت ‪:‬‬
‫هو وخان‬
‫هة هه‬
‫هلم ال لكمه‬
‫ها سه‬
‫يه‬
‫هياف حضرة جنبخان‬
‫ها سه‬
‫هم يه‬
‫وانعه‬
‫قايههد القوات فيهههم جنخانهه‬
‫ههل جنخوه‬
‫ههم عدو بأرض كابه‬
‫كه‬

‫فرد أحد العربان ‪ ،‬وليس أحد الفغان ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫هة سهوّى دخان‬
‫هب فه العركه‬
‫اللهه‬
‫والعسههاكر كههل واحههد جنخان‬
‫كهل جندي جاب مركهب جنخانه‬
‫يوم كههل يتقههي فهه جنههب خوه‬

‫‪-299-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الفغانيّة‬
‫المقا َ‬

‫و يل ل ن قا تل الفغان ‪ ،‬أ ين عقله ك يف يازح ال سد و هو غضبان ‪ ،‬الفغا ن يأ ت‬
‫العركة كأنه يأت العرس ‪ ،‬ويصب دمه كأنه يسكب حبا على طرس ‪ ،‬عنق الباكستان‬
‫أربع أصابع ‪ ،‬لن آخر من قتل من أجداده الد السابع ‪.‬‬
‫وعنق الفغان سبع أصابع ‪ ،‬لنه ل يوت إل ف العركة بسيف قاطع ‪.‬‬
‫الفغا ن ف الغالب ل ي سمع الغا ن ‪ ،‬ول تل هه الغوا ن ‪ ،‬ل نه مشغول بالثا ن ‪،‬‬
‫واستنباط العان ‪.‬‬
‫وجدنـا فـ أفغانسـتان رجالً كالسـود ‪ ،‬وكتائب كالسـدود ‪ ،‬أرضهـم للملحدة‬
‫لود ‪ ،‬ورصاصهم لبلدهم حدود ‪ .‬الفغان قليل الدعابة ‪ ،‬ظاهر الهابة ‪ ،‬غزير النجابة ‪،‬‬
‫كأنه ليث غابة ‪.‬‬
‫الفغان إذا غضب أحرق مزاجه ‪ ،‬ورمى علجه ‪ ،‬وذبح الرجال كذبح الدجاجة ‪.‬‬
‫أخرجت لنا شوارع سيا ميس ‪ ،‬فاتنات ف الرير تيس ‪ ،‬وشبابا من أتباع انطون‬
‫ـلي وذاك‬
‫ـا جبال الكندوش ‪ ،‬تلك اليوش ‪ ،‬فهذا الصـ‬
‫ـت لنـ‬
‫ـس ‪ ،‬وأخرجـ‬
‫وجرجيـ‬
‫الغشوش ‪.‬كبّلت كابـل أعداء الديـن ‪ ،‬وقهرت قندهار اللحديـن ‪ ،‬وأخرجـت جلل أباد‬
‫الجاهدين ‪ .‬دخل شعب الفغان الدين وأسلم ‪ ،‬على يد قتيبة بن مسلم ‪ ،‬وصاح شاعر‬
‫الفغان ‪ ،‬متجا على الطغيان ‪ ،‬إذ يقول وهو يقاتل ف اليدان ‪:‬‬
‫نامنههه نزام شرقيههها‬

‫ههها‬
‫ههه نزام غربيه‬
‫نامنه‬

‫مصهههطفى متبههههي‬

‫حبيبيهههها ممّهههههدا‬

‫ومع ن أبيا ته أي أر فض النظام الشر قي ‪ ،‬والنظام الغر ب ‪ ،‬وأر يد نظام حب يب م مد‬
‫صلى ال عليه وسلم الصطفى الجتب ‪.‬‬
‫العجم أهل مبالغة ف الحكام ‪ ،‬إذا قالوا لك عن أحد هذا مولنا شيخ السلم ‪،‬‬
‫وعال النام ‪ ،‬فاعلم أ نه ي فظ ثل ثة أحاد يث من بلوغ الرام ‪ ،‬وإذا قالوا عن عا بد‪ :‬هذا‬
‫مة الفغانيّة‬
‫المقا َ‬
‫بركة الزمان ‪ ،‬ونور الكوان ‪ ،‬وول الرحن ‪ ،‬فاعلم أنه ل يزيد على صيام رمضان ‪.‬‬
‫أبو إساعيل الروى النصاري أفغان ‪ ،‬وهو العال الربان ‪ ،‬وقد أحيا الشاعر ممد‬
‫إقبال الفغانِ ‪ ،‬ف ديوانه الثان ‪ .‬الفغان شجعان ‪ ،‬ف الليل رهبان‪ ،‬وف النهار فرسان ‪،‬‬
‫‪-300-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫لو أن ف أفغان ستان ‪ ،‬طالب وا حد ل سلم من اللف الخوان ‪ ،‬ول كن ف أفغان ستان ‪،‬‬
‫طالبان اثنان ‪.‬‬
‫ق بل القتال كان ف أفغان ستان ‪ ،‬عابدان ‪ ،‬أي عابدون ‪ ،‬و ف الرب جاء ماهدان ‪،‬‬
‫أي ماهدون ‪ ،‬وبعد الرب ظهر طالبان ‪ ،‬أي طلبة متعلمون ‪ ،‬فهم ف السلم عباد أولياء‪،‬‬
‫وف الرب ماهدون أشداء ‪ ،‬وبعد النصر علماء حكماء ‪.‬‬
‫الثن عند الفغان ‪ ،‬جع مذكر سال عند العرب أهل اللسان ‪ ،‬لن واحدهم بعشرة‬
‫ف اليزان ‪ ،‬ت ستورد ال ند وباك ستان ‪ ،‬من أفغان ستان ‪ ،‬القادة والزعماء ‪ ،‬وت صدران ل ا‬
‫الرسّامي والشعراء ‪ ،‬الفغان يفهم إشارة العيني ‪ ،‬وبعض الناس لبد ف إفهامه من حركة‬
‫اليدين ‪ ،‬والبعض ل يفهم إل باليدين والرجلي ‪.‬‬
‫احتل أفغانستان الروس ‪ ،‬فرجعوا جثثا بل رؤوس ‪ ،‬لن عند الفغان مثل ‪ ( :‬اقطع‬
‫من الوردة رأسها ‪ ،‬واترك أساسها ) ‪.‬‬
‫الفغان تريد التام به وهو يريد القصر ‪ ،‬قل له أجل الدنيا الشام‪ ،‬يقول لك أجل‬
‫منها مصر ‪ ،‬إذا وقفت جلس ‪ ،‬وإذا قمت نعس ‪ ،‬وإذا تثاءبت عطس ‪ ،‬وافق الفغان إل‬
‫ف الرام ‪ ،‬وأظهر له الب والحترام ‪ ،‬يكن ف يدك كالسام ‪ ،‬وف نصرتك كالغلم ‪.‬‬
‫ب بعضهم ف بطنه ‪ ،‬إذا غضب أكل أكْل الدواب ‪ ،‬وغَض بُ البعض الخر ف‬
‫غض ُ‬
‫لسانه إذا غضب مل الدنيا بالسباب‪ ،‬وغضب الفغان ف يده إذا غضب حوّل كل شيء‬
‫إل خراب ‪ ،‬ل تكلم الفغا ن و هو غضبان ‪ ،‬ول تاز حه و هو تعبان ‪ ،‬ول ت صافحه و هو‬
‫جوعان ‪.‬‬
‫يا أيها الفغان ‪ ،‬أطيعوا الرحان ‪ ،‬سوّوا صفوفكم ‪ ،‬واغمدوا فيما بينكم سيوفكم ‪،‬‬
‫ج ‪ ،‬وانتظروا من ال الفَرَج ‪ ،‬ول كم م نا ت ية إجلل ‪ ،‬على ح سن الفعال ‪،‬‬
‫و سدّوا الفُ َر ْ‬
‫ولن ننسى لكم تلك البطولت ‪ ،‬وهذه التضحيات ‪ ،‬والسنات يذهب السيئات ‪.‬‬
‫واعلموا أنّ الوفاق والتفاق ‪ ،‬هو الطريق لمل اليثاق ‪.‬‬
‫وأن الفتراق ‪ ،‬هو باب الخفاق ‪.‬‬

‫‪-301-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫مــة المـريـكانيــة‬
‫المقـا َ‬

‫‪ ‬لَكُْم دِينُكُْم وَلَِي دِيِن ‪‬‬

‫مهههن بلدي يطلب العلم ول‬

‫يطلب العلم مهن الغرب الغهب‬

‫هل‬
‫هي ال به‬
‫هط وحه‬
‫وبا ه مهبه‬

‫أرسههل ال باهه خيهه نههب‬

‫قال الراوي ‪ :‬يـا عائض ‪ ،‬دعنـا مـن الردود والنقائض ‪ ،‬فإنـا نرى الفجـر وشيكـا‪،‬‬
‫فحدثنا عن أمريكا قلت‪ :‬ال الستعان ‪ ،‬وهو عظيم الحسان ‪ ،‬مدوح بكل لسان ‪.‬‬
‫ل قد سافرنا ق بل مدّة ‪ ،‬من أب ا إل جدة ‪ ،‬ف صحبةٍ بال صدق معروفون ‪ ،‬وبال ي‬
‫موصوفون ‪ ،‬فكنا قرا بة العشرة ‪ ،‬قا صدين بلد الكفرة ‪ ،‬فل ما ودّع نا البلد ‪ ،‬وحلنا الزاد‬
‫والزاد ‪ ،‬أنشد شاعرنا بصوت جيل ‪ ،‬ودموعه تسيل ‪:‬‬
‫سهقى ال أرضا لمهس الوحهي أرضهها‬
‫وجيهههلها بالشهههيح والنفهههلنِ‬
‫فأنته الته أسهكنهتِ حههبكِ مهجته‬
‫ِ‬
‫مههجت‬

‫هحهرك ف ه عين ه وملءُ جنان ه‬
‫وسه‬

‫ث مشينا مع الموع السائرة ‪ ،‬حت ركبنا الطائرة ‪ ،‬فرأينا الكبت‪ ،‬كأن خده لبت‪،‬‬
‫أحر الوجنتي‪ ،‬أزرق العيني ‪ ،‬فلما طرنا مقلعي ‪ ،‬وسافرنا مسرعي ‪ ،‬قاربنا السحاب ‪،‬‬
‫وللطائرة أز يز وانتحاب ‪ ،‬فنظر نا إل الق مر الضاء ‪ ،‬وطالع نا كتاب الفضاء ‪ ،‬فبهر نا ذاك‬
‫الصنيع ‪ ،‬واللق البديع‪ ،‬من شس تسطع ‪ ،‬وقمر يلمع ‪ ،‬ونوم زواهر ‪ ،‬وبار زواخر ‪،‬‬
‫الرض مكوّرة ‪ ،‬والسماء مدوّرة ‪ ،‬والكون ليس عاطل ‪ ،‬فسبحانك ما خلقت هذا باطل‬
‫وسعت للركاب تصدية ومكاء ‪ ،‬قلت أين أنت يا بكاء ‪:‬‬
‫اقرأ القدرة فهه الكون البهيههج‬

‫ل تكهن يها صهاحِ فه أمهر مريهج‬

‫قههل ههو الههرحن آمنها بهه‬

‫هج‬
‫ه نشيه‬
‫هل فه‬
‫قدس الباري ورته‬

‫‪-302-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫فل ما اقترب نا من تلك الوليات ‪ ،‬قرأ نا ب عض اليات ‪ ،‬وأنشد نا شيئا من البيات ‪،‬‬
‫وهبط نا ف مطار جون كندي ‪ ،‬ودثّرت من شدة البد ج سدي ‪ ،‬وأ صبحنا من البد ف‬
‫ثلجة ‪ ،‬حي وصلنا ديار الواجة ‪ ،‬وانتظرنا ف صف عريض ‪ ،‬بي سود وبيض ‪ ،‬والوّ‬
‫من أفعال أولئك مريض ‪ ،‬ث سعنا أمريكيا يرطن ‪ ،‬يقول هيّا إل واشنطن ‪ ،‬فغادرنا الحل‬
‫وال سكن‪ ،‬وركبنا مع شركة بان أمركن ‪ ،‬فحزز نا أجسامنا بالرباط حزّا‪ ،‬وهزت نا الطائرة‬
‫هزّا ‪ ،‬لن قائدها أهوج ‪ ،‬قلبه مثلّج ‪ ،‬فكل راكب بالوف مدجّج ‪ ،‬فكأنا من الركاب‬
‫فاضية ‪ ،‬ونادى بعضنا يا ليتها كانت القاضية ‪ ،‬أما المريكان ‪ ،‬فما كأنّ شيئا كان ‪ ،‬فهم‬
‫ف لو هم يضحكون ‪ ،‬وإذا مروا ب نا يتغامزون ‪ ،‬ف ما أدري ‪ ،‬والطائرة تري‪ ،‬هل تعجبوا‬
‫من جزعنا ‪ ،‬وسخروا من فزعنا ‪ ،‬وأنكروا هلعنا ‪ ،‬فليتهم يعلمون ‪ ،‬وعن غيّهم يرجعون ‪،‬‬
‫أن أجداد نا ن ن أ هل الوجوه ال صفراء ‪ ،‬والغ تر المراء ‪ ،‬كانوا بالتوح يد فات ي ‪ ،‬وعلى‬
‫أمواج البحار سابي ‪ ،‬قلوب م م صاحف ‪ ،‬وبيوت م للفضائل متا حف ‪ ،‬يملون الرواح‬
‫على السراح ‪ ،‬إذا نادى النادي ‪ :‬السلح السلح ‪ ،‬أما علمتم أنا أتباع ممد‪ ،‬خي من‬
‫تعبّد ‪ ،‬وصـام وتجّد ‪ ،‬ومنّا اللفاء الصـفياء ‪ ،‬الوفياء الشرفاء ‪ ،‬ومنّا العلماء الكرماء‬
‫اللماء ‪ ،‬والسادة أهل الفادة ‪ ،‬والرفادة والوفادة ‪.‬‬
‫نن حلة الحابر ‪ ،‬وأصحاب الدفاتر ‪ ،‬وروّاد النابر ‪ ،‬فضحكوا ساخرين ‪ ،‬والتفتوا‬
‫لقوم آخر ين ‪ ،‬وقالوا قطعت كم الما ن ‪ ،‬وأشغلت كم الغا ن ‪ ،‬يا ضرّا بة العود ‪ ،‬و يا رعاة‬
‫القعود ‪ ،‬ليلكم طرب ‪ ،‬وناركم لعب ‪ ،‬يا بلد الفناني والفنانات ‪ ،‬والغني والغنيات ‪،‬‬
‫الحياء منهـم والموات ‪ ..،‬قلنـا كذبتـم ورب الشارق والغارب ‪ ،‬و ل يكتـم القـ إل‬
‫كاذب ‪ ،‬أ ين أن تم يوم فت حت ل نا ال سماء ‪ ،‬وك تب تاريَ نا الكماء ‪ ،‬يوم عش نا ف العال‬
‫رحاء ‪ ،‬وحكمنا الدنيا حلماء ‪ ،‬وملنا العمورة علماء ‪.‬‬
‫ههل أشرق الفههجر إل مهن مآذننها‬
‫وههل هىه الغيهث إل مهن مآقيههنا‬
‫حته النجوم على هاماتنها سهجدت‬
‫والشمهس فه حسهنها قامهت تيينها‬

‫‪-303-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫فقالوا تلك أمة قد خلت ‪ ،‬وحقبة سلفت ‪ ،‬وقد نامت النعجة ف مربض السد ‪ ،‬لا‬
‫نسيتم قل هو ال أحد ‪ ،‬أخذت من الغرب قشوره ‪ ،‬وما صنعتم للعال طبشورة ‪ ،‬وأخبار‬
‫لعبكم ولوكم منشورة ‪ ..،‬قلنا فاتكم الصواب ‪ ،‬وأخطأت ف الواب ‪ ،‬فأنتم الذين تركوا‬
‫العال هشيما ‪ ،‬أما دمرت نزاكي وهيوشيما ‪ ،‬أهلكتم النسل والذرية ‪ ،‬بالقنابل الذرية ‪،‬‬
‫حكم تم بل شري عة ‪ ،‬وأحلل تم الخالفات الفظي عة ‪ ،‬ونشر ت كل عادة خلي عة ‪ ،‬هجر ت‬
‫الذ كر ‪ ،‬ون سيتم الش كر ‪ ،‬وأب تم ال سكر ‪ ..،‬فقال قائل من هم ‪ ،‬وتدث كا تب عن هم ‪،‬‬
‫فذكر لنا صناعتهم ‪ ،‬وشرح لنا بضاعتهم ‪ ،‬وقال ‪ :‬أما ملنا الب حت ضاق عنّا ‪ ،‬وحكمنا‬
‫الب حر بقوة منّا ‪ ،‬أ ما صنعنا الطيارة ‪ ،‬أ ما هند سنا ال سيارة ‪ ،‬أ ما سهلنا التلفون ‪ ،‬وي سرنا‬
‫التلفزيون ‪ ،‬واستفدنا من ذبذبات المزون ‪ ،‬أما صنعنا للع ي زجا جة ‪ ،‬وللطعام ثل جة ‪،‬‬
‫وللط فل درّا جة ‪ ،‬ضخّم نا باليكرو سكوب الباء ‪ ،‬وأضأ نا الل يل بالكهرباء‪ ،‬أجد نا الدفاع‬
‫والجوم وبلغنا بالختراع النجوم ‪ ،‬هبطنا على القمر‪ ،‬واكتشفنا الاس من الجر ‪..،‬‬
‫قلنا رفضتم اليان ‪ ،‬وهجرت القرآن ‪ ،‬وأطعتم الشيطان ‪ ،‬هدمتم الساجد ‪ ،‬وشيدت‬
‫للفجور العابد ‪ ،‬أنفقتم الليارات على البارات ‪ ،‬وعرضتم للناس الغانيات‪ ،‬وملت الراقص‬
‫بالغنيات ‪ ،‬الخمور ف شوارعكم يور ‪ ،‬والكأس على رؤوسكم تدور ‪ ،‬البيض عندكم‬
‫مقدس والسود مقهور ‪ ،‬البنوك لديكم مرابية ‪ ،‬والسواق ف بلدكم لهية ‪ ،‬ومالسكم‬
‫لغية ‪ ،‬ملحدون ل موحدون ‪ ،‬متفرقون ل متحدون ‪ ،‬ليس لديكم إسلم ول صلة ول‬
‫صيام ‪ ،‬ول حلل ول حرام ‪ ،‬شهوات كم وثّا بة ‪ ،‬وأل سنتكم كذا بة ‪ ،‬كأن كم ف غا بة ‪،‬‬
‫قتلت عندكـم البادئ فـ النوادي ‪ ،‬فـ كـل يوم وللرذيلة لديكـم ألف منادي ‪ ،‬أيـن‬
‫العتراف بالقتراف ‪ ،‬أيـن الكفاف والعفاف ‪ ،‬غارقون فـ الادة ومـن الفضيلة أجلف ‪،‬‬
‫ل وضوء ول طهارة ‪ ،‬ول م سجد ول منارة‪ ،‬بل أن تم أ صحاب حانوت وخّارة ‪ .‬للدماء‬
‫سفكتم ‪ ،‬وللعراض هتكتم ‪.‬‬
‫تكاد تسهقط مهن أفعالكهم غضبا‬
‫هذي السهماء وتبهو منكهم الشههب‬
‫ها‬
‫هنعون فيه‬
‫والو ه يظلم ما ه تصه‬
‫ويههح الضارة إذ مهها صههانا الدب‬
‫‪-304-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫‪ ..‬فقال دعنا من الشعار ‪ ،‬ول تلصق بنا العار ‪ ،‬فما يرتفع الدخان إل من النار ‪،‬‬
‫أ ما تشاهدون تقدم نا أ ما ترون ‪ ،‬ما ل كم ل تنظرون ‪ ،‬غزو نا الر يخ ‪ ،‬وأن تم تعيدون نا إل‬
‫التأريخ ‪ ،‬فماذا فعلتم ف قدي الزمان ‪ ،‬تكلموا ولكم المان ‪..،‬‬
‫فقل نا ‪ :‬سبحان اللك القدوس ‪ ،‬ما أظلم هذه النفوس ‪ .‬أل يس على أرض نا الو حي‬
‫هبط ‪ ،‬وف ديارنا غيث الرسالة سقط ‪ ،‬ومنا عرفت الداية فقط ‪.‬‬
‫أليس منّا الصدّيق وعثمان ‪ ،‬وعمر وثوبان ‪ ،‬وعل يّ وسلمان‪ ،‬وبلل وح سّان ‪ ،‬منّا‬
‫خالد القدام ‪ ،‬والقعقاع ال صمصام ‪ ،‬ومنّا هّام ‪ ،‬وأ بو تام ‪ ،‬ومنّا أو يس ‪ ،‬والح نف بن‬
‫قيس ‪ ،‬وأساء بنت عميس ‪.‬‬
‫أ ما صفق لقدوم نا الفرات والن يل ‪ ،‬وهلل لطلعت نا مض يق الدردن يل ‪ ،‬ن ن أ ساتذة‬
‫الكراد والتركمان ‪ ،‬ومعلموا النليـز واللان ‪ ،‬أمـا اندهـش مـن عبقريتنـا شارلان ‪،‬‬
‫وبسماحة الصّدّيق فتحنا الطريق ‪ ،‬بدرة الفاروق ‪ ،‬أدبنا أهل العقوق ‪ ،‬بصدق أب ذر‪ ،‬قلنا‬
‫الق وهو مرّ ‪ ،‬منّا الرشيد الذي تدّى السحاب ‪ ،‬وملك من طنجة إل البنجاب ‪ ،‬ومنّا‬
‫العتصـم الذي فتـح عموريـة ‪ ،‬ونسـخ الدولة الشوريـة ‪ ،‬من ّا السـعدان والسـعيدان ‪،‬‬
‫والسـفيانان ‪ ،‬والمادان ‪ ،‬ومنّـا البخاري ‪ ،‬وصـاحب فتـح الباري ‪ ،‬ومؤلف لمـع‬
‫الدراري ‪ ،‬وشارح هدي الساري ‪ ،‬بعثنا للعال مبشرين ‪ ،‬وخرجنا للناس ميسرين ‪ ،‬أذقنا‬
‫العباد ط عم الر ية ‪ ،‬وأعتق نا العال من النظمات ال سرية ‪ ،‬أذنّا ف المراء ‪ ،‬و صلينا ف‬
‫الزهراء ‪ ،‬ربطنـا خيولنـا على ضفاف اللوار ( ) ‪ ،‬وسـجدنا على صـحراء سـنجار‪ ،‬وتلونـا‬
‫القرآن على جبال قندهار ‪ ،‬رفعنـا اليان فـ النـد ‪ ،‬ونشرنـا العرفـة فـ السـند ‪ ،‬أسـرنا‬
‫البابرة ث أعتقناهم ‪ ،‬وملكنا الكاسرة ث أطلقناهم ‪ ،‬نكبّر فتسقط القلع ‪ ،‬نؤذّن فتهتز‬
‫التلع ‪ ،‬نقرأ فتطرق الساع ‪ .‬لبسنا الثياب الرقعة ‪ ،‬والحذية القطعة ‪ ،‬ففتحت لنا البلد‬
‫‪ ،‬ورحب بنا العباد ليلنا قيام‪ ،‬ونارنا صيام ‪ ،‬ف الدجى رهبان‪ ،‬وف اليدان فرسان ‪ ،‬على‬
‫النابر سادة ‪ ،‬و ف العارك قادة‪ ،‬ساوينا ب ي المراء والفقراء ‪ ،‬والقراء وال كباء ‪ ،‬أن صفنا‬
‫الشاة من الذيب ‪ ،‬وعلّمنا الوحوش التهذيب ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪3‬‬

‫() نر ف جنوب فرنسا ‪.‬‬

‫‪-305-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫ن ن شوس العلوم ‪ ،‬ونوم الفهوم ‪ ،‬ربط نا على بطون نا الجارة من الوع‪ ،‬وبلل نا‬
‫مواطن السجود بالدموع ‪ ،‬وكنّا ف صلتنا كالسواري من الشوع ‪.‬‬
‫نتوضأ فتتناثر منّا الطايا ‪ ،‬نغنم فتسيل من أيادينا العطايا ‪ ،‬نرتل القرآن فتقف على‬
‫أ صواتنا الطا يا ‪ .‬نادى منادي نا ‪ ،‬على سنة هادي نا ‪ ،‬يا أيت ها النفوس من الوت اشر ب ‪،‬‬
‫ويا خيل ال اركب ‪ ،‬فجمّد ال لنا الاء ‪ ،‬وظلّل علينا الغمام ف السماء ‪.‬‬
‫منّا من اهتز لوته عرش الرحن ‪ ،‬ومنّا من كلّمه ال بل ترجان ‪ ،‬ومنّا من غ سّلته‬
‫اللئكة يوم التقى المعان ‪ ،‬ل نكذب ولو أنّ السيوف على الرؤوس ‪ ،‬ول نسرق ولو أنّ‬
‫الوع يزق النفوس ‪ ،‬اسعوا ماذا قال كاتبكم وله منكم معجبون ‪ ،‬أعن جوستاف لوبون‬
‫ما عرف العال فاتا أعدل من العرب ‪ ،‬ف هم أ هل الرح ة واللم والدب ‪ ،‬وا ستشهِدوا‬
‫الكتب ‪:‬‬
‫ها للناس فجرُ‬
‫هل تدري بنه‬
‫نن ه هه‬
‫قصههدنا جهههنّة مهههولنا وأجرُ‬
‫هها الرض عدلً وارفا‬
‫ههد ملنه‬
‫قه‬
‫وسهههِوانا فههه الورى ُعجْرٌ وبرُ‬

‫أمّا ما ذكرت من تلفنا هذه اليام ‪ ،‬فهو لضعف تسكنا بالسلم‪ ،‬ملنا الكروش‬
‫وشاهدنا الدشوش ‪ ،‬وزينا الرموش ‪ ،‬وجعنا القروش ‪ ،‬اشتغلنا بالراسلت ‪ ،‬وسهرنا مع‬
‫ال سلسلت ‪ ،‬فأ صبحنا ف ال سلّت الهملت ‪ ،‬والانات الفارغات ‪ ،‬أحبب نا الكر سي ‪،‬‬
‫وعشق نا التب سي ‪ ،‬وأدم نا البب سي ‪ ،‬وتعلق نا بالتك سي ‪ ،‬ن ن ف ال سواق أمواج ‪ ،‬و ف‬
‫الشوارع أفواج ‪ ،‬أموالنا ف شراء الدجاج ‪ ،‬وأوقاتنا ذهبت ف الراج ‪ ،‬لا اتمنا بالعصيدة‬
‫ما أصبحنا ننظم القصيدة ‪ ،‬أصبح طالبنا أبله ‪ ،‬لنه عاش مع طه والطبلة ‪ ،‬حفظنا‬
‫متـ التيـس والتميـس ‪ ،‬والكيـس والكـبيس ‪ ،‬أصـبح نشاطنـا بزفيـ وشهيـق ‪ ،‬وتشجيـع‬
‫للفريق ‪ ،‬وللبواري هدير ونيق ‪ .‬ل يصلي الفجر منّا إل قلة ‪ ،‬ول يفظ القرآن إل ثلة ‪،‬‬
‫ونقول نن أنصار اللة ‪ .‬مع العلم أن الهتمامات دلّة ‪ ،‬وفلّة ‪ ،‬وسلّة ‪ ،‬وشلّة ‪.‬‬

‫‪-306-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫كبارنا منهمكون ف القيل والقال ‪ ،‬وحب الال ‪ ،‬إل من رحم ذو اللل ‪ ،‬وشبابنا‬
‫كالطفال ف الروضة ‪ ،‬مشغولون بآخر موضة ‪ ،‬ولم ف اللعب ضجيج وفوضة ‪ ،‬عقل‬
‫أحدهم كأنه ريشة ‪ ،‬وسلوته السيجارة والشيشة ‪:‬‬
‫رحاك فههل ننه أحفاد الُل ركبوا‬
‫موج البحار بديههن الواحههد الصههمد‬
‫فههما دهههانا رجعنها القهههقرى‬
‫أسفا‬

‫أشهك يها دههر فه قومهي وفه بلدي‬

‫فوالذي زيـن الشمـس فـ ضحاهـا ‪ ،‬وجّل القمـر إذا تلهـا ‪ ،‬وحسـن النهار إذا‬
‫جلّها‪ ،‬ما أصابنا التخلف‪ ،‬وما دهانا التوقف‪ ،‬إل يوم عصينا رب العباد ‪ ،‬وتركنا الهاد‪،‬‬
‫وك ثر في نا الف ساد ‪ ،‬كان مؤذن نا بلل ‪ ،‬وملعب نا ميدان القتال ‪ ،‬وق صدنا ذو اللل ‪ ،‬ف ما‬
‫أصبح لنا طول ولحول ‪ ،‬لن هنا كمْ سجلنا من قول ‪ ،‬فيا للهول ‪ ،‬بالمس كان شبابنا‬
‫بالقرآن يفرح ‪ ،‬وللسـنة يفـظ ويشرح ‪ ،‬واليوم أصـبح يسـرح ويرح ‪ ،‬مـع نوم الفـن‬
‫والسرح ‪ ،‬أما تنظر إل شعره إذا رصّه‪ ،‬وجعل له قَصّة ‪ ،‬ث مسح شفتيه بالكياج ‪ ،‬ومشى‬
‫وله ارتاج ‪ ،‬فكيف لو رآه الجّاج ‪ ،‬وما ترى لو ُدبِغ بكرباج ‪.‬‬
‫هت‬
‫هر عينا منهموا دمعه‬
‫لو أن للدهه‬
‫أو أن للصهههخر قلبا نابضا لبكهههى‬
‫أزروا بأمتههم مهن سهوء سهيتم‬
‫ها‬
‫هألنا الوت لو فتكه‬
‫هم سه‬
‫هم كه‬
‫لجلهه‬

‫‪ ..‬فقالوا لنا ‪ :‬الن حصحص الق ‪ ،‬وبان الفرق ‪ ،‬وظهر الصدق ‪ .‬فودّعناهم وكل‬
‫واحد منهم كأنه فارة ‪ ،‬وذهبنا للسفارة ‪ ،‬ث زرنا مكتبة الكونرس ‪ ،‬وطرقنا الرس ‪ ،‬فما‬
‫هو إ ّل وقت يسي ‪ ،‬حت خرج لنا خواج ٌة يسي ‪ ،‬قلنا له ‪ :‬جدمورنج سي ‪ ،‬فدخلنا مكتبةً‬
‫هائلة ‪ ،‬أدراجها مائلة ‪ ،‬فيها كل الفنون ‪ ،‬ومليي التون‪ ،‬ما تبصرون وما ل تبصرون ‪،‬‬
‫فناولونا هديةً ف وعاءْ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل تنسونا من الدعاء ‪.‬‬

‫‪-307-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫قلنا ‪ :‬اللهم أحصهم عددا ‪ ،‬واقتلهم بددا ‪ ،‬ول تغادر منهم أحدا ‪ ،‬لنك لو علمت‬
‫ما صنع المريكان ‪ ،‬لهتزت م نك الركان ‪ ،‬ف هي أم إ سرائيل ‪ ،‬وب يت كل داء وب يل ‪،‬‬
‫ي ستعيذ من ها أبر هة صاحب الف يل ‪ ،‬نا صرت اليهود ‪ ،‬ول تعترف بالدود ‪ ،‬و ما ردعت ها‬
‫القيود ‪ ،‬أمريكا أفتك من هتلر وتيتو ‪ ،‬خدعت العال بالفيتو ‪ ،‬من أطاعها فهو خادم مهي‬
‫و من ع صاها ف هو شيطان لع ي ‪ ،‬تن ظر إل اليتام و هم يُنقلون ‪ ،‬وتشا هد اللجئ ي و هم‬
‫يُقتلون ‪ ،‬ول تُسأل عما تفعل وهم يسألون ‪ ،‬غيها من خيها مروم ‪ ،‬وهي ظال ف ثوب‬
‫مظلوم ‪ ،‬تريد أن تكون النتصرة والعال مهزوم ‪ ،‬ولكن لا يوم ‪.‬‬
‫ليهت الباكيه فه أرجائهها رقصهت‬
‫وليهت أن صهدى الزلزال زعزعهها‬

‫والرعد يا ليته ف أرضها خطبا‬
‫حت تصي على أطللا لبـا‬

‫ال يزق سداها ‪ ،‬وينصر عليها عداها ‪ ،‬ويقصر مداها ‪ ،‬ويظهر رداها ‪ ،‬ال يُخليها‬
‫من سكانا ‪ ،‬ويقتلعها من مكانا ‪ ،‬ويزلزلا من أركانا ‪ ،‬فهي أم الكبائر ‪ ،‬وجالبة السائر‬
‫ادعوا عليها ف السجود ‪ ،‬عسى ال أن يلحقها بعادٍ وثود ‪.‬‬
‫ث قلنا من بر الرجز ‪ ،‬بعد أن َكلّ الفؤاد وعجز ‪:‬‬
‫يقول عائض ههههو القرنهههههيّ‬

‫أحدهه ربهه وهههو ل ولهههيّ‬

‫هههه‬
‫هول اللهه‬
‫هلّيا على رسه‬
‫مصه‬

‫ههههي‬
‫هههل لههه‬
‫مذكرا بال كه‬

‫قهد جئت مهن أباه صهباحا باكههرا‬

‫مشاركا لفلكهههم وشاكههههرا‬

‫وحلتنها فه السهماء طيهههههارة‬

‫تطفههههح تارةً وتوي تهههههارة‬

‫هكههي‬
‫هه أمريهه‬
‫ها أظنهه‬
‫قائدههه‬

‫تراه فهههي هيئتهههه كالديهههك‬

‫ي ها سائل الخب هار ع هن أمري هكا‬

‫اسههع رعاك ال مههن يفتيهههكا‬
‫‪-308-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫وه هذه أخب هار ه هذي النش ههرة‬

‫مسههافة السههي ثهههلث عشرة‬

‫مهن الرياض عفشههنا ربطنههههها‬

‫هها‬
‫ههى هبطنه‬
‫هه نيويورك ضحه‬
‫وفه‬

‫أنزلن هها ف سههرعة وحطن هها‬

‫ثهه قصههدنها بعدهههها واشنطنهها‬

‫ثه ركبنههها بعدهههها سهههيارة‬

‫مسهههتقبلي جهههة السههههفارة‬
‫منلنهها فه القصهر أعنههي ردسهن‬
‫يها كهم لقينها مهن قبيهح وحسههن‬
‫فههي بلد أفكههاره منكوسههههة‬
‫ههههة‬
‫ههههائر مطموسه‬
‫تثقله بصه‬
‫يقدسههون الكلههب والنيهههرا‬
‫ويبصهههرون غيهههم حقههههيا‬
‫مها عرفهههوا ال بطههرف سهاعهة‬
‫هههاعة‬
‫ههدوا لقيام السه‬
‫ها أعهه‬
‫ومه‬
‫فههم قطيهع كشههويهات الغنهم‬
‫جهههد وهههزل وضيههاع ونغهم‬
‫منههم أخذنها العهود والسيجهارة‬
‫ومها عرفنهها نصهنهع السهيههارة‬
‫اسهتيهقظهوا بالههد يههوم نههنا‬
‫وبلغههوا الفضههاء يههوم قمنهها‬
‫وبعهد ذا زرنهها مبههان الكونرس‬
‫فلم نههههد مسهههتقبلً إل الرس‬

‫‪-309-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫مقامـات القرني‬
‫فيه ها ملي ي ح هوت من الكت هب‬
‫فه كههل فههن إنهه مهن العجههب‬
‫ومعنهها فه صهحبنها العجههلن‬
‫أكرم بههه مههع العههل جههذلن‬
‫وقهد صهحبت شيخنها السهدحهانها‬
‫قههد صهرت فه صهحبته فرحههانا‬
‫وصههال النصههور مهن بريههدة‬
‫يشبههه سهعهدا وأبهها عبههيههدة‬
‫وافقهت فيهههم فالههح الصهُغيّهرا‬
‫آنسههنا جههدا وكههان خيههـِهرا‬
‫ومعنهها عبهد العههزيهز الغامدي‬
‫ابهن عزيههز صههاحب الحههامهد‬
‫والشهههم عههبد القادر بهن طههاش‬
‫ذو القههلم السهيهال فه انتعههاش‬
‫فهههو أبونها فههي مقههام الترجةه‬
‫لننها صههرنا صهخورا معجمههة‬
‫ثههم هبطههنا فههي مطههار دنفرا‬
‫هارت كالفِرا‬
‫هودنا ف ه البد صه‬
‫جلهه‬
‫أيض ًا وزرنها أههل تكسهس فه دلس‬
‫عنهد شبههاب كالنجههوم فه الغلس‬
‫بالنقته أخههت ثراهههوت التههي‬
‫كأنهها بههاقههة زهههر جنهههةِ‬
‫َمه حفظنههاها بعنههى ويلكهم‬
‫وِلْ ك ْ‬
‫بليههز أي إبليههس قههد جاء لكههم‬

‫‪-310-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫مقامـات القرني‬
‫والمههد ل عههلى السههلمهة‬
‫حههدا يوافههي دائمهها إنعههامهه‬
‫ثه صههلة ال مهها ههب الصههبا‬
‫على الرسههههول الاشيه الجتهب‬
‫ههحابههة‬
‫هتهه والل والصه‬
‫وبيهه‬
‫والعههذر إن ل أحسههن الصههابهة‬

‫‪-311-‬‬

‫مة‬
‫المقا َ‬
‫المريكانية‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫مــة الـنسـائيــــة‬
‫المقـا َ‬
‫(( النسـاء شـقائق الرجـال ))‬

‫ل أسههأل ال تغييا لاهه فعلت‬

‫نا مت و قد ا سهرت عي ن عينا ها‬

‫فالل يل أطول ش يء ح ي أفقد ها‬

‫والل يل أق صر ش يء ح ي ألقا ها‬

‫رفقًا بالقواريـر ‪ ،‬فإن ن مثـل الع صافي ‪ ،‬لكـل روض ريان ‪ ،‬وريان روض الدني ا‬
‫ـ‬
‫النسوان ‪ ،‬هن شقائق الرجال ‪ ،‬وأمهات الجيال ‪ ،‬هن النس اللطيف‪ ،‬والنوع الظريف ‪،‬‬
‫يلدن العظماء ‪ ،‬وينجبـ العلماء ‪ ،‬ويربيـ اللماء ‪ ،‬وينتجـن الكماء ‪ ،‬الرأة عطـف ‪،‬‬
‫ولطف وظرف ‪ ،‬سبابا سراب ‪ ،‬وغضبها عتاب ‪ ،‬من وخطه الشيب‪ ،‬فليس له من ودهنّ‬
‫نصيب ‪ ،‬لو جعلت لا الكنوز مهرا‪ ،‬وقمت على رأسها بالدمة شهرا ‪ ،‬ث رأت منك ذنبا‬
‫قليل ‪ ،‬قالت ما رأيت منك جيل ‪ ،‬القنطار من غيها دينار ‪ ،‬والدينار منها قنطار ‪ ،‬هي‬
‫ف الدنيا التاع ‪ ،‬والسن والبداع ‪ ،‬وهي للرجل لباس ‪ ،‬وف الياة إيناس ‪.‬‬
‫وهـي الم النون ‪ ،‬صـاحبة الشجون ‪ ،‬خيـ مـن رثـى وبكـى ‪ ،‬وأفجـع مـن تأل‬
‫وشكى‪ ،‬لبنها أصدق طعام ‪ ،‬وحصنها أكرم مقام ‪ ،‬ثديها مورد النان ‪ ،‬وحشاها مهبط‬
‫النسان ‪ ،‬ف عينها أسرار ‪ ،‬وف جفنها أخبار ‪ ،‬ف رضاعها معان الود ‪ ،‬وف ضمها الود‬
‫الحمود ‪ُ ،‬قبَلتاـ لطفلهـا صـلوات القلب ‪ ،‬وبرّ طفلهـا لاـ مرضاة الرب ‪ ،‬شبعهـا أن ل‬
‫يوع وليدهـا ‪ ،‬وجوعهـا أن ل يشبـع وحيدهـا ‪ ،‬غياب الرأة مـن الياة وأْد للسـرور‪،‬‬
‫واختفاؤها ف مهرجان الدنيا قتل للحبور‪.‬‬
‫ب بل امرأة لب ‪ ،‬وجوهر‬
‫هي بيت السب والنسب ‪ ،‬وجامعة الثل والدب ‪ ،‬ذه ٌ‬
‫بل امرأة خشـب ‪ ،‬تقرأ فـ نظراتاـ لغـة القلوب ‪ ،‬وتعلم البـ مـن هجرهـا الحبوب ‪،‬‬
‫وبالرأة عرف الجر والوصال ‪ ،‬والتصال والنفصال ‪ ،‬والغرام واليام ‪ ،‬والباءة والتام ‪،‬‬
‫تق تل بالنظرات ‪ ،‬وت طب بال عبات ‪ ،‬كلم ها ال سحر اللل ‪ ،‬ولفظ ها الع سل ال سيّال ‪،‬‬
‫بسمتها ألذ من العنب والتوت ‪ ،‬وهي أسحر من هاروت وماروت ‪ ،‬وقال نسوة ف الدينة‬
‫‪ ،‬كل مهجة فهي لنا مَدينة ‪ ،‬وأفضل النسوان ‪ ،‬الصان الرزان ‪ ،‬ألفاظها أوزان ‪ ،‬وعقلها‬
‫ميزان ‪ ،‬إذا تجّبت فشمس ف غمام ‪ ،‬وظب ف خزام ‪ ،‬هي رواية تترجها الرواح ‪ ،‬وهي‬
‫‪-312-‬‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫مِ سْك تذروه الرياح ‪ ،‬ف شفتي ها ألف قِ صّة ‪ ،‬و ف أعماق ها سبعون غ صّة ‪ ،‬ليلى جعلت‬
‫نار الجنون ليلً ‪ ،‬وصيت عَ ّز ُة دموع كثيّ ٍر سيلً ‪.‬‬
‫ليلي وليل هى ن فى نو مي اختلف ههما‬
‫فهه الطّول والطّول طوبهه ل لو اعتدل‬
‫يود بالطّول ليل هي كل هما ب هلت‬
‫بالطـهول ليههلى وإن جادت بهه بههل‬

‫على شفتيها الطبقات سؤال ‪ ،‬وف جفنيها مقال ‪ ،‬أحرف الب صامتة على ميّاها‪،‬‬
‫وقصائد الغرام حائرة على ريّا ها ‪ ،‬ح سن الش مس من حسنها ينهار ‪ ،‬والل يل من شعر ها‬
‫يغار ‪ .‬من الن ساء خدي ة ر مز الدب ‪ ،‬ل ا ق صر ف ال نة من ق صب ‪ ،‬ل صخب ف يه‬
‫ول نصب ‪ ،‬ومن النساء عائشة بنت الصديق ‪ ،‬صاحبة العلم والتقان والتحقيق ‪ ،‬الطهرة‬
‫الطاهرة ‪ ،‬صاحبة السجايا الباهرة ‪ ،‬والحامد الظاهرة ‪ ،‬ومن النساء فاطمة البتول ‪ ،‬بنت‬
‫الرسول ‪ ،‬أم السِبْطي ‪ ،‬السن والسي ‪ ،‬سيدة نساء العالي ‪ ،‬القبولة عند رب العالي ‪.‬‬
‫ولههو أن النسههاء كمههن عرفنهها‬
‫هههاء على الرجالِ‬
‫هههلت النسه‬
‫لفضّهه‬
‫ف ما التأني هث ل سم الش مس ع هيبٌ‬
‫ول التهههذكي فخههههرٌ للههههللِ‬

‫الرأة صحيفة بيضاء ‪ ،‬يك تب في ها الر جل ما يشاء ‪ ،‬من حب وعتاب ‪ ،‬وغ ضب‬
‫و سباب ‪ ،‬و هي رو ضة خضراء ‪ ،‬وحدي قة فيحاء ‪ ،‬في ها من كل زوج ب يج ‪ ،‬و من كل‬
‫شكـل فريـج ‪ ،‬أمضـى سـيوفهن البـ ‪ ،‬يصـرعن بـه ذا اللّب ‪ ،‬الازم معهـن ضعيـف ‪،‬‬
‫والعاقل عندهن سخيف ‪ ،‬ترى الرجل يصارع السود ‪ ،‬ويقارع النود ‪ ،‬ث تغلبه امرأة‪!..‬‬
‫وترى الر جل يز هد ف الطام ‪ ،‬وي صوم عن الشراب والطعام ‪ ،‬ث ت صرعه امرأة ‪،‬‬
‫وترى الشجاع يطرح الكماة ‪ ،‬ويهزم الرماة ‪ ،‬وإذا َقصْدُه امرأة ‪.‬‬

‫‪-313-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫عنترة ُفتِن بعبلة ‪ ،‬فرأى بريق السيوف كثغرها فقاتَل ‪ ،‬ورأى سواد الول كشعرها‬
‫فنازَل ‪ ،‬ح ضر ج يش ف شم ط يب العطارة منشم‍ ‪ ،‬ف يا خ سارة من شم ‪ ،‬ف صار ال يش‬
‫بطيبها ف هزية ‪ ،‬ولعدائه غنيمة ‪.‬‬
‫الرأة ولو أنا ف الصام غي مبي ‪ ،‬فدمعها أفصح شيء عند الحبي‪ ،‬سِ ّر قوّتا أنا‬
‫ضعيفة ‪ ،‬ولغز بأسها أنا لطيفة ‪.‬‬
‫يريـد الغرب مـن الرأة أن تتـبج ‪ ،‬وبالفتنـة تتبهرج ‪ ،‬وعلى الثلج تتزل ‪ ،‬ويريـد‬
‫السلم منها العفاف والستر ‪ ،‬والتقوى والطهر‪ ،‬لتكون آية ف السن والقبول والسر ‪،‬‬
‫يريد أهل الكفر منها أن تكون عالة فيزياء ‪ ،‬وعارضة أزياء ‪ ،‬ولو فتنت رجالا ‪ ،‬وعقّت‬
‫أطفالا ‪ ،‬وضيّعت أجيالا ‪ ،‬ويريد السلم أن تكون أمينة حصينة ثينة ‪ ،‬المل من عينيها‬
‫يشرق ‪ ،‬والظمأ ف دمعها يغرق ‪ ،‬وال سّحر من بائها يُسرق ‪ ،‬بكاؤها صرخة احتجاج ‪،‬‬
‫وصمتها علمة الرضا بالزواج ‪ ،‬كان آدم ف النة بل أنيس ول جليس ‪ ،‬فطالت وحشته‪،‬‬
‫و صعبت عل يه غرب ته ‪ ،‬فخلق ال له حواء ‪ ،‬ف تم بينه ما ال صفاء والوفاء‪ ،‬وح سن اللقاء ‪،‬‬
‫وجيل العِشْرة والحتفاء ‪ ،‬فرجل بل امرأة كتاب بل عنوان ‪ ،‬ومُلْك بل سلطان ‪ ،‬وامرأة‬
‫بل رجل صحراء ل نبت فيها ول شجر ‪ ،‬وروضة ل طلع با ول ثر ‪.‬‬
‫شكرًا يا آمنة بنت وهب لقد أهديت للنسانية ‪ ،‬وقدمت للبشرية ‪ ،‬ابنا تضاءلت ف‬
‫عظمتـه الشمـس فـ ضحاهـا ‪ ،‬والقمـر إذا تلهـا ‪ ،‬ابنـا قال للوثنيـة وهـي تعرض تلك‬
‫العروض‪ ،‬وتفرض تلك الفروض ‪ ،‬والذي نفسي بيده لو وضعتم الشمس ف يين ‪ ،‬والقمر‬
‫ف ي ساري لن أترك دي ن ‪ ،‬ح ت ي عم القرى والباري ‪ ،‬ويك في الن ساء ‪ ،‬ما أ طل صباح‬
‫وكرّ مساء ‪ ،‬أن ممدًا صلى ال عليه وسلم من امرأة وُلِد ‪ ،‬ومن أنثى وُجِد ‪:‬‬
‫بشرى من الغ يب أل قت ف فم الغار‬
‫وحيا وأفضههت إل الدنيهها بأسههرارِ‬
‫بشرى النبوة طافهت كالشذى سهحرًا‬
‫وأعلهههنت فهه الدنههها ميلد أنوارِ‬
‫وشق ّت الصمت والنسهام تمهلها‬
‫تتهه السهههكينة مههن دارٍ إل دارِ‬
‫‪-314-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫قدّمت الرأة للعال اللفاء الراشدين ‪ ،‬والبطال الجاهدين‪ ،‬وعباقرة الدنيا والدين ‪،‬‬
‫الرأة إذا حسّنت آدابا ‪ ،‬وطهّرت جلبابا ‪ ،‬ملت القلب حنانا ‪ ،‬والبيت رضوانا ‪ ،‬والدنيا‬
‫سكنًا وعرفانا ‪.‬‬
‫والب يت بل امرأة مراب بل إمام ‪ ،‬وطر يق بل أعلم‪ ،‬إذا اخت فت الرأة من الياة ‪،‬‬
‫اختفت منها القبلت والبسمات ‪ ،‬والنظرات والعبات ‪.‬‬
‫وإذا غا بت الرأة من الوجود غاب م نه الخ صاب والناب ‪ ،‬والكلمات العذاب ‪،‬‬
‫والعيش الستطاب ‪.‬‬
‫ف الديث ‪ (( :‬تزوجوا الودود الولود )) ‪ ،‬والسر ف ذلك لتكثر الشود ‪ ،‬وتزداد‬
‫النود ‪ ،‬وليكاثِر بنا رسولنا صلى ال عليه وسلم يوم الوفود ‪.‬‬
‫يوم تلع الرأة الجاب ‪ ،‬وت ضع اللباب ‪ ،‬ف قد ع صت ح كم ال سلم ‪ ،‬وخر جت‬
‫على الحتشام ‪ ،‬وقُل على العفاف السلم ‪.‬‬
‫ك يف يُ سكن ب يت بل أبواب ‪ ،‬ويُ حل ق صر بل حجاب ‪ ،‬ويُشرب ماء ول غت ف يه‬
‫الكلب‪ ،‬من حق الدرة أن ت صان ‪ ،‬و من وا جب الثمرة أن ت فظ ف الكنان ‪ ،‬وكذلك‬
‫الرأة بيت ها أح سن مكان ‪ ،‬ول كن الرأة إذا قل بت ظ هر ال جن ‪ ،‬وعرّ ضت نف سها للف ت ‪،‬‬
‫فهي ظالة ف ثوب مظلوم ‪ ،‬عندهن من أصناف الكر علوم ‪.‬‬
‫كيد الشيطان ضعيف وكيدهن عظيم ‪ ،‬وقوتن واهية لكن خطرهن جسيم ‪ ،‬هن‬
‫صويبات يو سف ذوات ال سكاكي ‪ ،‬وقاهرات الرجال ال ساكي ‪ ،‬ح ت قال الرش يد ف‬
‫بعض النشيد ‪:‬‬
‫مالههي تطاوعنه البههريهة كلههها‬
‫وأطيعهههن وهُهههنّ فهه عصههيهان‬

‫فاجعل بينهن وبي الشر لبا ‪ ،‬وامل عليهن منافذ الفتنة حر سًا شديدا وشهبا ‪ ،‬فل‬
‫تَعرِض اللحـم على الباز ‪ ،‬ول تنشـر القماش على البزّاز ‪ ،‬فأنعـم برز السـتر والصـيانة ‪،‬‬
‫وأكرم بجاب العفاف والصانة ‪.‬‬

‫‪-315-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫وإذا رز قت بنات ‪ ،‬فإن هن من أع ظم ال سنات ‪ ،‬حجاب من النار ‪ ،‬وحرز من‬
‫غضب البار ‪ ،‬فاحتسب النفقة ‪ ،‬فإنا صدقة ‪ ،‬ولو أنه غرفة من مرقة ‪ ،‬وتعاهدهن بالب‬
‫والصلة ‪ ،‬فإن رحتهن للجنة موصلة ‪ ،‬وكفاك أن الرسول الشرّع ‪ ،‬رزق ببنات أربع ‪.‬‬
‫والرأة هي بطلة المو مة ‪ ،‬ومنجبة المة الرحو مة ‪ ،‬فضائل ها معلومة ‪ ،‬وهي معدن‬
‫السب والكرم والرومة‪.‬‬
‫وتعليمها الدين من أشرف خصال الوحدين ‪ ،‬لنا تصبح لكتاب ال تالية ‪ ،‬ذات‬
‫أخلق عالية ‪ ،‬تتفقه ف الكتاب والسنة ‪ ،‬لنما أقرب طريق للجنة ‪.‬‬
‫وأما علّم الكفر ‪ ،‬الذي أعان الرأة على الكر ‪ ،‬وصرفها عن الذكر والشكر ‪ ،‬فهو‬
‫السؤول عن عقوقها وتضييعها لقوقها ‪ ،‬وإصرارها على معصيتها وفسوقها ‪.‬‬
‫جعلوا الرأة سـلعة للدعايـة والعلن ‪ ،‬وخطيبـة فـ البلان ‪ ،‬تشارك فـ التجارة ‪،‬‬
‫وتقا تل النود الرارة ‪ ،‬جعلو ها جندي شر طة ‪ ،‬فوق عت من الحراج ف ور طة ‪ ،‬تت طي‬
‫ـدَر بنّـ عطـف البابرة ‪ ،‬وتـبم بنّـ الطـط‬
‫الدبابـة ‪ ،‬وتطارد الكتائب فـ الغابـة ‪ ،‬يُس ت‬
‫الاكرة ‪ ،‬ويكفيك ف ضللم ‪ ،‬وسوء أعمالم ‪ ،‬أن الدهد وهو طائر متهن ‪ ،‬أنكر على‬
‫بلقيس حكم اليمن ‪ ،‬وامرأة خلقها ال لهمة ‪ ،‬كيف يزج با ف أمور مدلمّة ‪.‬‬
‫ونن الرجال أسندت إدارة الياة إلينا ‪ ،‬وكتب القتل والقتال علينا ‪ ،‬وأما النساء ف‬
‫السلم فمقصورات ف اليام ‪ ،‬مفوظات من اللئام ‪ ،‬مصونات عن الثام ‪.‬‬
‫وماذا فعـل بالرأة سـقراط وبقراط وديقراط ‪ ،‬أهـل الوهام والغلط ‪ ،‬جعلوهـا‬
‫شيطانة ‪ ،‬وسوها الفتانة ‪ ،‬وإنا هي ف بعض الوقات قهرمانه ‪ ،‬وريانة ‪.‬‬
‫أ ما الفُرْس ‪ ،‬الب كم الُرْس ‪ ،‬فجعلو ها خاد مة للمال والن فس ‪ ،‬بل قال بزر جهور‪:‬‬
‫الرأة ليست بإنسانة فل تول ول تهر ‪ ،‬وهذا غاية التهور ‪.‬‬
‫أما أهل الوثنية ‪ ،‬ودعاة الاهلية ‪ ،‬فحرموها من الياث‪ ،‬حت جعلوها أرخص من‬
‫الثاث ‪ ،‬ووأدوا البنات ‪ ،‬وقتلوا الخوات ‪ ،‬وعقّوا المهات ‪ ،‬وليـس لاـ عندهـم قيمـة ‪،‬‬
‫فهي ف منلة البهيمة ‪ ،‬فهي عندهم حق مشاع ‪ ،‬للخدمة والتاع ‪.‬‬

‫‪-316-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫أمـا الغرب فهـي عندهـم للمغريات ورقـة رابةـ ‪ ،‬أبرزوهـا فـ صـور فاضحـة ‪،‬‬
‫أخرجوها بل أدب ول دين ‪ ،‬وعرضوا صورتا ف اليادين ‪ ،‬باعوها ف سوق النخاسة ‪،‬‬
‫ووظفوها للرجس والساسة ‪ ،‬وأقحموها مغارات السياسة ‪.‬‬
‫وما كَرّم النساء ‪ ،‬مثل صاحب الشريعة السمحاء ‪ ،‬واللة الغراء ‪ ،‬فقد بيّن بقوله ‪،‬‬
‫(( خيكم خيكم لهله )) ‪ ،‬ويا معاشر المم هل عندكم ‪ ،‬حديث (( ال ال ف النساء‬
‫فإنن عوان عندكم )) ‪.‬‬
‫وكان ف بي ته صلى ال عل يه و سلم أف ضل الزواج ‪ ،‬دائم ال سرور والبتهاج ‪ ،‬يل‬
‫الب يت أن سًا ومزا حا ‪ ،‬وبشرا وأفرا حا ‪ ،‬طيّب الشذى ‪ ،‬عد ي الذى ‪ ،‬لط يف الح شر ‪،‬‬
‫ج يل الظ هر ‪ ،‬ط يب ال خب ‪ ،‬ل يعا تب ول يغا ضب ‪ ،‬ول يطالب ول يضارب ‪ ،‬يؤ ثر‬
‫الصفح على العتاب ‪ ،‬واللم على السباب ‪ .‬ومن حبه للبنات ‪ ،‬وع ْطفِه على الضعيفات ‪،‬‬
‫يمل أُمامة ‪ ،‬وهو ف المامة ‪ ،‬فإذا سجد وضعها ‪ ،‬وإذا قام رفعها ‪ ،‬وكان يقوم لفاطمة‬
‫الزهراء ‪ ،‬والدرة الغراء ‪ ،‬ويل سها مكا نه ‪ ،‬وي طأ ل ا أركا نه ‪ ،‬فكأن سرور الياة صب‬
‫عليها ‪ ،‬وكأن الدنيا وضعت بي يديها ‪.‬‬
‫ههي بنههت مَههنْ هههي أم مَههنْ‬
‫مههن ذا يسههاوي فهه النام علهههها‬
‫أمهها أبوههها فههو أشرف مرسهلٍ‬
‫جبيههل بالتوحيهههد قههد ربـههاهها‬
‫زوجه ل تسهلْ عنهه سههوى‬
‫وعليّه ٌ‬
‫سههيهفٌ غدا بيهههمينهه تيّهههاها‬

‫وكان يلس صلى ال عليه وسلم للنساء من أيامه ‪ ،‬فيفيض عليهن من بره وإكرامه‪،‬‬
‫وجوده وإنعامه ‪ ،‬فكأنه الغيث أصاب أرضًا قاحلة ‪ ،‬والاء غمر تربة ماحلة‪ ،‬فإذا هو يل‬
‫القلوب حبّا ‪ ،‬والنفوس أن سا وقُر با ‪ ،‬يب شر من مات ل ا ولد بالنع يم الق يم ‪ ،‬فتتم ن كل‬
‫امرأة أنا ذهب لا فطيم ‪ ،‬لِما سعت من الجر العظيم ‪.‬‬

‫‪-317-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة النسائيّة‬
‫المقا َ‬

‫ويُ خب من تط يع بعل ها ‪ ،‬وتُح سِن ِفعْل ها ‪ ،‬بأن ال نة مأوا ها ‪ ،‬والفردوس مثوا ها ‪،‬‬
‫يقف مع الرأة الشاكية ‪ ،‬ويتفجع للنثى الباكية ‪ ،‬فلو كانت الرحة ف هيكل لكانت ف‬
‫مثاله ‪ ،‬ولو الر فق ف صورة لكان ف سرباله ‪ ،‬تأت يه الرأة الصابة ف خوف وهول ‪ ،‬و ف‬
‫دهش وذهول ‪ ،‬فما هو إل أن ترى إشراق جبينه ‪ ،‬ويُ سْر دينه ‪ ،‬ولطفه التناهي ‪ ،‬وخلقه‬
‫الباهي‪ ،‬حت تعود عامرة الفؤاد ‪ ،‬حسنة الفأل والعتقاد ‪.‬‬

‫‪-318-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الحيّل‬
‫مقا َ‬

‫ة الـحـيّــل‬
‫مــ ُ‬
‫مقـا َ‬

‫(( ولتعرفنـهم في لحـن القـول ))‬

‫دهاء يريهك الغيهب فه ثوب حاضرٍ‬

‫وف هم ك حد ال سيف أم ضى وأ صوبا‬

‫هة‬
‫ها حقيقه‬
‫هار فينه‬
‫هن ظنّا صه‬
‫إذا ظه‬

‫وإن قال قولً صهار للناس مذهبها‬

‫إذا رأيت الر جل يعتاد القاهي ‪ ،‬لشرب الشيشة والشاهي ‪ ،‬ومال سة كل لهي ‪،‬‬
‫فاعلم أن الرجل فاسد الرادة ‪ ،‬ظاهر البلدة ‪ ،‬ل يساوي جرادة ‪ ،‬ولن ينفع بلده ‪.‬‬
‫وإذا رأيـت الرجـل ليلة الزواج ‪ ،‬وهـو فاسـد الزاج ‪ ،‬يبحـث عـن علج ‪ ،‬ويقول‬
‫فاظفر بذات الدين ‪ ،‬فاعلم أنه ظفر بعابسة الوجنتي ‪ ،‬خشنة اليدين‪ ،‬كل ما فيها شي ‪،‬‬
‫وإذا رأ يت الر جل خرج من ع ند القا ضي و هو يتلو ‪ :‬و ما شهد نا إل ب ا علم نا و ما ك نا‬
‫للغيب حافظي ‪ ،‬فاعلم أن القاضي ردّ شهادته ‪ ،‬وهو له من الغائظي ‪ ،‬وإذا رأيت الرجل‬
‫يلس فـ اللهـى يقرأ جريدة ‪ ،‬أو ينظـم قصـيدة ‪ ،‬فاعلم أن حياتـه غيـ سـعيدة ‪ ،‬أو أنـه‬
‫يبحث عن وظيفة ‪ ،‬ولو سخيفة ‪ ،‬وقد تقطعت به البال ‪ ،‬وخابت منه المال ‪.‬‬
‫وإذا سعت الرجل ينشد كثيًا قول الشاعر ‪:‬‬
‫ومهن ل يذدعهن حوضهه بسهلحه‬
‫يهدم ومهههن ل يظلم الناس يُظلمهههِ‬
‫فاعلم أنه جحد لخيه فلوسا ‪ ،‬وحلف عليها يينا غموسا ‪ ،‬وإذا سعت الرجل يردد‬
‫كثيا قوله تعال ِإنّ أَكْ َر َمكُمْ ِعنْدَ اللّهِ َأتْقَاكُمْ فاعلم أنه خطب عند بعض الوجهاء ‪،‬‬
‫فردّ عليه بفاء ‪.‬‬
‫وإذا رأيت الرجل خرج من بيته غاضبا وهو ينشد ‪:‬‬
‫ل وطلّع الثنايهها‬
‫أنهها ابههن ج ّ‬
‫متهه أضههع العمامههة تعرفونهه‬
‫فاعلم أنه زوجته ضربته ضربا مبحا ‪ ،‬وهو يُعرّض لئل يكون مصرّحا ‪.‬‬
‫‪-319-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الحيّل‬
‫مقا َ‬

‫وإذا سعت الرجل يقول كثيا الدنيا ملعونة ‪ ،‬فاعلم أنه ذكر ديونه ‪ ،‬وما وجد من‬
‫أحد معو نة ‪ ،‬وإذا سعت الر جل يكرر الية وقليل من عبادي الشكور ‪ ،‬فاعلم أ نه طلب‬
‫قرضا مـن رجـل فاعتذر منـه فأخـذ يعرّض بالذكور‪ ،‬وإذا سـعت الرجـل يردد الدنيـا‬
‫ل ت ساوي جناح بعو ضة‪ ،‬فاعلم أ نه طلب من التجار قرضا فرفضوا إل بِرِها ٍن مقبو ضه ‪،‬‬
‫وإذا سعت الحاضر يردد ف ماضرته ‪ :‬الديث شيّق ‪ ،‬ولكن الوقت ضيق ‪ ،‬فاعلم أنه ما‬
‫حضّر للمحاضرة ‪ ،‬وقد كَدّ ذهنه وخاطره ‪.‬‬
‫وإذا سعت الفت يكرر كثيًا ‪ :‬ل تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ‪ .‬فاعلم أنه‬
‫قد احتار ف الواب ‪ ،‬وخفي عليه الصواب ‪.‬‬
‫وإذا سعت الوظف يستشهد بقول الشاعر ‪ :‬لكل شيء إذا ما ت نقصان ‪ ،‬فاعلم أنه‬
‫قد فصل من عمله وهو حاقد غضبان ‪.‬‬
‫وإذا رأيـت الرجـل يكثـر مـن قول فسـد الشباب ‪ ،‬وأصـبحت أخلقهـم كأخلق‬
‫الكلب ‪ ،‬فاعلم أنه ما عنده إل بنات ‪ ،‬وهو يتمن الولد من سنوات ‪.‬‬
‫ل وقد ذكر عنده أحد الدعاة ‪ ،‬الذي نح ف دعوته ومسعاه‪ ،‬فقال‬
‫وإذا رأيت رج ً‬
‫هذا الرجل ‪ .‬أهم شيء الخلص ل ف القول والعمل ‪ ،‬ومراقبة ال عز وجل‪ ،‬فاعلم أن‬
‫السد قد أكل قلبه ‪ ،‬وضيّع لبّه ‪.‬‬
‫وإذا سعت الر جل ي مد ال على أ نه ل يش عر بوع وظ مأ وت عب ‪ ،‬وأن ال صائم‬
‫ل يشعر بنصب ‪ ،‬فاعلم أنه صائم‪ ،‬فهو يُلمّح لك لتكون بصيامه عالِم‪ ،‬وإذا سعته يبك‬
‫بأن الل يل طو يل أو ق صي ‪ ،‬وي بك أن الناس وقعوا ف التق صي ‪ ،‬وتركوا القيام و هو سنة‬
‫البش ي النذ ير ‪ ،‬فاعلم أن الر جل ف الليلة الاض ية قام ي صلّي ‪ ،‬ولك نه ير يد أن يوضّح لك‬
‫المر ويلّي ‪ .‬وإذا رأيت الشاعر كل سنة له ديوان ‪ ،‬ويهدي شعره على الخوان ‪ ،‬ويلقي‬
‫قصـائده على اليان ‪ ،‬فاعلم أن شعره ل يَه ّز َشعْرَة ‪ ،‬ول يسـاوي َبعْرة ‪ ،‬وإذا سـعت‬
‫التحدث يقول ما كنت أرغب الديث إليكم ‪ ،‬ول أريد أن أطيل عليكم ‪ ،‬فاعلم أنه ما‬
‫عنده كلم ‪ ،‬ويريد أن يتخلص من القام ‪.‬‬

‫‪-320-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الحيّل‬
‫مقا َ‬

‫وإذا رأ يت الر جل يك ثر من قوله ‪ :‬ن ن ف ن عم وخيات ‪ ،‬و ف ر غد وم سرات ‪،‬‬
‫فاعلم أنه قريب عهد بال ‪ ،‬أتاه هديةً أو بسؤال ‪ ،‬أو ُمنِح أرضا ف الشمال ‪.‬‬
‫و من يك ثر كل يوم من العناق ‪ ،‬وذ كر الشتياق ‪ ،‬وال سؤال عن ال هل والرفاق‪،‬‬
‫فاعلم أنه ثقيل ‪ ،‬وعذاب وبيل ‪ ،‬فما لك إل البعد عنه والرحيل‪ ،‬وإذا سلّمت على رجل‬
‫فقال ‪ :‬من أن تم ‪ ،‬وأ ين كن تم ‪ ،‬فاعلم أن الر جل ف يه إعجاب ‪ ،‬و كب على ال صحاب ‪،‬‬
‫وإذا رأيـت الرجـل يكثـر على طعامـه مـن الترحيـب والتبجيـل ‪ ،‬ويعتذر بأنـه قليـل ‪،‬‬
‫فاعلم أنه بيل ‪.‬‬
‫وإذا سعت التكلم يتفصح ‪ ،‬ويتبجّح ‪ ،‬ويقول ‪ :‬إن القيقة تنطلق من أطر‪ ،‬وتنبثق‬
‫من بوتقة ‪ ،‬وتنصهر ف قوالب ‪ ،‬وتلعب دورا ‪ ،‬فاعلم أنه قليل بضاعة ‪ ،‬ما مَدّ إل العلم‬
‫با عه ‪ ،‬وإذا سعت الر جل يك ثر من قوله ‪ :‬الناس معادن وأ صول ‪ ،‬و ف الن ساب فا ضل‬
‫ومفضول ‪ ،‬فاعلم أن الرجل أباه شيخ قبيلة ‪ ،‬وهو ل يساوي فتيلة ‪ ،‬وإذا سعت من يُسأل‬
‫مسائل ف الشريعة ‪ ،‬فيجعل الحتياط له ذريعة ‪ ،‬فاعلم أنه قل علمه ‪ ،‬وبرد فهمه ‪.‬‬
‫من جاور السجد فهجره ‪ ،‬واستفاد من العال وما شكره ‪ ،‬وأخذ العروف وكفره‬
‫فهذا رجل مذول ‪ ،‬عقله مدخول ‪ ،‬وقلبه مبول ‪.‬‬
‫إذا رأيـت الرجـل يكثـر مـن تاء التكلم فيقول ‪ :‬دخلت ‪ ،‬وخرجـت ‪ ،‬وقرأت ‪،‬‬
‫وكتبت ‪ ،‬ولقيت ‪ ،‬وقابلت ‪ ،‬ودعيت ‪ ،‬وزرت ‪ ،‬وقلت ‪ ،‬وألفت فاعلم أنه أحق ‪،‬‬
‫وكلمه غي مقق ‪ ،‬لكنه متفيهق ‪ ،‬متشدّق ‪ ،‬متمنطق ‪.‬‬
‫إذا رأيـت الطالب يقول ‪ :‬ليـس العلم بفـظ التون ‪ ،‬ول بمـع الفنون ‪ ،‬فاعلم أن‬
‫ذاكرته ف الفظ تون ‪.‬‬

‫‪-321-‬‬

‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬

‫مــة الحـيــوان‬
‫مقـا َ‬

‫‪ ‬وما من دابَة في ال َرض ول ْ طَائِر يطير بجناحيه إلَّ‬
‫َ َ ِ ْ َ ّ ٍ ِ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ٍ َ ِ ُ ِ َ َ َ ْ ِ ِ‬
‫أ ُم َ‬
‫م‬
‫مأ ْ‬
‫َ ٌ‬
‫مثَالُك ُ ْ‬

‫‪‬‬

‫قال الراوي ‪ :‬فحدثنـا عـن عال اليوان ‪ ،‬فلعلك قرأت للجاحـظ صـاحب البيان ‪،‬‬
‫قلت ‪ :‬سعًا وطا عة ‪ ،‬والا حظ صاحب ف صاحة وبراعـة ‪ ،‬فا سعوا وعوا ‪ ،‬و ف رياض‬
‫الذكـر فارتعوا ‪ .‬اجتمعـت اليوانات ‪ ،‬فـ بعـض الوقات ‪ ،‬فقالوا للحمار ‪ ،‬يـا الغوار ‪،‬‬
‫أ نت ب طل الدار ‪ ،‬وحّال الثقال الكبار ‪ ،‬فحدث نا عن الدن يا الدنيّة ‪ ،‬ق بل حلول النيّة ‪،‬‬
‫فانت حب المار وب كى ‪ ،‬وإل إخوانه شكى ‪ ،‬وقال ‪ :‬من عنده ستون صاعًا من شع ي ‪،‬‬
‫وت ب كث ي ‪ ،‬فل يأ سف من الدن يا على صغي ول كبي ‪ ،‬فأطرقوا خاشع ي ‪ ،‬وأن صتوا‬
‫سامعي ‪ ،‬وشكروه أجعي ‪ ،‬ث قالوا ‪ :‬من علمك الكمة يا أبا الغوار ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬أن تم ل تعرفون ال سبب ولذلك طال من كم الع جب ‪ ،‬أ نا سافرت ف طلب‬
‫الك مة إل ال ند ‪ ،‬فأخطأت الطر يق إل ال سند ‪ ،‬فل ما ق صدت ال سند مع أ صدق رف يق ‪،‬‬
‫ضللت الطريق ‪ ،‬فوقعنا ف غابة ‪ ،‬فأكلت نبات الروض وأعشابه ‪ ،‬فلما شبعت رجعت ‪،‬‬
‫ونسـيت لاذا سـافرت ‪ ،‬ولي سـبب غادرت ‪ ،‬فلهذا صـرت مـن الكماء ‪ ،‬لكثرة مـن‬
‫لقيت من العلماء ‪ ،‬فقيل له يا أبا الغوار ‪ ،‬ومن لقيت من العلماء الكبار ‪.‬‬
‫قال لقيت عالًا نسيت اسه ‪ ،‬وضيّعت رسه ‪ ،‬هذا العالِم يسكن ف صنعاء عاصمة‬
‫باكسـتان ‪ ،‬وله ابـن فـ الرطوم إحدى مدن أفغانسـتان ‪ ،‬وهذا العال تزوج مـن عمان ‪،‬‬
‫و هي قر ية من قرى إيران ‪ .‬فقالوا له ‪ :‬يا أ با الغوار عافاك ال من الع ي‪ ،‬و سلّمك من‬
‫الدّين ما ندري هل نعجب من حسن نطقك ‪ ،‬أو من سعة حفظك ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬من سهر الليال ‪ ،‬نال العال ‪ ،‬قالوا ‪ :‬زادك ال علما ‪ ،‬ورز قك فهما ‪ ،‬ف ما‬
‫هي أمنيّتك ف هذه الدنيا القصية ‪ ،‬فإنك صاحب بصية ‪.‬‬

‫‪-322-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فقال ‪ :‬يـا ليـت ل حقـل مـن برسـيم ‪ ،‬فأقـع فيـه وقعـة وال مال اليتيـم ‪ ،‬فأجعله‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫كالرميم‪ ،‬ث بكى حت دمعت عيناه ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا سعادة من نال مناه ‪.‬‬
‫ث أنشد ‪:‬‬
‫من يذم الشعي هر عن هدي حقي هر‬
‫فههههههو بالذم واللم جديهههههرُ‬
‫هو عن هدي أل هذّ من كلّ ش هيء‬
‫هههرُ‬
‫هههت أن البال تلك شعيهه‬
‫ليهه‬

‫فبكى الماعة ‪ ،‬وراموا وداعه ‪ ،‬فانصرف المع ‪ ،‬وبُل الد بالدمع ‪.‬‬
‫ث قال الراوي ‪ :‬حدثونا يا أهل التهذيب‪ ،‬عن التيس والذيب ‪ ،‬لنأخذ من الكمة‬
‫بنصـيب ‪ ،‬فقلنـا ‪ :‬مـر الذئب والتيـس على منل ‪ ،‬فقال ‪ :‬يـا جبان انزل ‪ ،‬فقال التيـس ‪:‬‬
‫ـ إبليـس ‪ ،‬يا ا بن الذي بة ‪ ،‬و سللة الي بة ‪ ،‬يا قليـل اليبـة ‪ ،‬فقال الذيـب ‪:‬‬
‫قاتلك ال ي ا‬
‫عجيب ‪ ،‬مت جاءتك الشجاعة ‪ ،‬يا رمز اللؤم واللكاعة ‪ ،‬أنسيت يوم أكلت عمك قبل‬
‫عامي ‪ ،‬وقتلت لك ولدين ‪ ،‬ما غرك إل ملك ‪ ،‬وإل فإنه معروف ذلك ‪.‬‬
‫فإن كنت صادقًا ‪ ،‬وبالق ناطقًا ‪ ،‬فاهبط إل اليدان‪ ،‬لجعلك طعامًا للديدان ‪ ،‬فر ّد‬
‫عل يه و هو يقول ‪ ،‬وي صول ‪ ،‬وفوق ال سقف يول ‪ :‬اخرس يا خ سيس ‪ ،‬فأ نا الت يس ا بن‬
‫التيس ‪ ،‬فلو قاتلت بالقرون ‪ ،‬لطرحتك والناس ينظرون ‪ ،‬ث أنشد ‪:‬‬
‫قرونهه كالرمهههاح إذ انتضاههها‬
‫ههونا‬
‫ههروب مدرّبهه‬
‫هه الهه‬
‫كماة فه‬
‫أنها ابهن الكرميههن أباً وجههدّا‬
‫فقههل للقهههوم هيّههها جرّبهههونها‬

‫فقال الذئب ‪ :‬خبك لد يّ ‪ ،‬ول كن من صبك شج عك عل يّ ‪ ،‬فل يت اليام تدور ‪،‬‬
‫فإن الدهر غَرور ‪ ،‬والزمان عَثور ‪ ،‬لترى يا جبان ‪ ،‬قيمة الشجعان ‪.‬‬
‫ث أنشد الذيب ‪ ،‬وف صدره ليب‪:‬‬

‫‪-323-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫يا تي هس لي هت لن ها مكا نٌ نلت قي‬
‫فيهههه ليعرف هزلنههها مههن ِجدّنهها‬

‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬

‫فههإذا لعههرّفنهاك أنـها سههادةٌ‬
‫نلنههها الكهههارم كابرا مههن َجدّنهها‬

‫فقالوا ‪ :‬حدثنا عن الصيّاد والمامة ‪ ،‬يا أبا أمامة‪ ،‬فأنت ف أخبار اليوان علّمة ‪،‬‬
‫ـّاد ‪ ،‬وقـد وضـع يده على الزّناد ‪ ،‬يريـد أن يصـطاد ‪ ،‬ففارق أصـحابه ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬خرج الص ي‬
‫ودخل الغابة ‪ ،‬وخلع جلبابه ‪ ،‬وم ّد النظر ‪ ،‬بي الشجر ‪ ،‬وقال اللهم اتفنا بصيد ‪ ،‬إنك‬
‫تعلم ما نريد ‪ ،‬فكان كلّما مرّ به سرب من الطيور ‪ ،‬يأب أن يقع لنه يرى الرجل يدور ‪،‬‬
‫والط ي صاحب حذر ‪ ،‬ود قة ن ظر ‪ ،‬ل يغ تر بكلم ‪ ،‬ول يد عه سلم ‪ ،‬ول ير كن إل‬
‫عهد‪ ،‬ول يثق بوعد ‪ ،‬وهذه صفة الذكي الريب ‪ ،‬والداهية الديب ‪ ،‬أما الحق ‪ ،‬فإنه‬
‫على كل صخر يسحق ‪ ،‬وبالسرار يتدفق ‪ ،‬وف مذهبه ل يترفق‪.‬‬
‫فلما أيس الصياد ‪ ،‬صاح ‪ :‬يا حسرة على العباد ‪ ،‬حت الطي ‪ ،‬أصبح يشك ف الغي‬
‫ويظن ظن السوء ف أهل الي ‪ ،‬ث أنشد ‪:‬‬
‫وهههل مثههلي يون بعهههد خلّ‬
‫إذا أعطههى وينههث فهه اليميهههن‬
‫فلههو أن المامههة صههدقتنهي‬
‫وَفيهههت ولو أقامههت فهه يينهههي‬

‫ث نادى الصياد ‪ :‬يا أيتها الطي ‪ ،‬أنا رجل من أهل الي ‪ ،‬اهبطي يا جند سليمان ‪،‬‬
‫ولك المان ‪ ،‬فأنا مشتاق لكِ من زمان ‪ ،‬فردّت عليه ‪ ،‬ونظرت إليه ‪ ،‬مت كان لك عهد‬
‫وميثاق ‪ ،‬يـا كثيـ النفاق ‪ ،‬كيـف نصـدقك ‪ ،‬وقـد قتلت أمهاتنـا بالرصـاص ‪ ،‬بل قود‬
‫ول قصاص ‪ ،‬ومت تركت العادة ‪ ،‬يا من أمسك زناده ‪.‬‬
‫فقال الصـياد ‪ :‬تبنـا إل رب العباد ‪ ،‬وتركنـا عادة أهـل الفسـاد ‪ ،‬وندمنـا على مـا‬
‫سلف‪ ،‬وسوف نغرم ما تلف ‪ ،‬فانزلن مأجورات مشكورات ‪ ،‬وبالي مذكورات ‪.‬‬

‫‪-324-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فقالت الط ي ‪ :‬كل يا عن يد ‪ ،‬يا ذا البأس الشد يد ‪ ،‬فأ نت عندي كذّاب مر يد ‪ ،‬ث‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫ذهب الطي ول يهبط ‪ ،‬وأسرع ول يسقط ‪ ،‬فأيس الصيّاد وم ّل ‪ ،‬وه مّ أن يرتل ‪ ،‬وأن‬
‫يترك ال حل ‪ ،‬ف صاحت الما مة المقاء ‪ ،‬تردد قاء قاء ‪ ،‬وتقول يا صياد ل ست أ نا ه نا ‪،‬‬
‫فل تشغلك الن ‪ ،‬ول تكثر من العنا ‪ ،‬وأنشدت تقول ‪:‬‬
‫يهها أيههها الصهياد لسهت هنها أنهها‬
‫فارحههل ودع عنههك الشقههة والعنهها‬
‫لو كنههت عندك يهها أخههي أبصههرتن‬
‫وكههذاك أنههت فلسهت أيضًها عندنها‬

‫فالتفت فرآها ‪ ،‬فسدد رميته ورماها ‪ ،‬فقتلها وأدماها ‪ ،‬وهذا جزاء من نشر السرار‬
‫وأفشاها ‪ ،‬ول يعل صدره منتهاها ‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فحدثنا عن الدجاج والثعلبي ‪ ،‬فقد صرنا بديثك معجبي ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ق صص النبلء ‪ ،‬ت فف كل بلء ‪ ،‬و سي ال صالي ‪ ،‬سلوة ف كل ح ي ‪،‬‬
‫وقد م ّر ثعلبان ‪ ،‬وها يلعبان ‪ ،‬بماعة من الدجاج ‪ ،‬داخل شبك من ساج‪ ،‬قال أحدها‬
‫لصاحبه ‪ ،‬وهو ياوره ‪ ،‬والتفت إليه وهو يسايره ‪ ،‬ما رأيك ف حيلة ‪ ،‬تكون لكل هذا‬
‫الدجاج وسيلة ‪ ،‬فإن الديعة ‪ ،‬لجدادنا شريعة ‪ ،‬وهذا زمان الاكرين ‪ ،‬وقلة الشاكرين ‪،‬‬
‫وكما هو مكتوب ف لوحة من إبريز ‪ ،‬لشكسبي شاعر النليز ‪ ،‬حيث يقول ‪:‬‬
‫احتههل لنفسهك فه زمههان اليلة‬
‫أظهههههر لنهههه تنوي الردى تليلة‬
‫واخدع فأنهت بأمهة مههدوعهة‬
‫ههاء بيلة‬
‫ههد العطهه‬
‫هههم عنهه‬
‫فنفوسه‬
‫هة‬
‫هنة معروفهه‬
‫هم سه‬
‫هر فيهه‬
‫فالكه‬
‫يسههعهون للدنيههها بكههل وسههيهلة‬

‫‪-325-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فقال الثعلب ال صغي لل كبي ‪ :‬يا أ با من ي ‪ ،‬يا مرشد نا ف كل أ مر خط ي ‪ ،‬تقدم‬
‫وتكلم فمنكم نتعلم ‪ ،‬فأنت ف الي إمام ملهم ‪ ،‬فتقدم الكبي وقال ‪ :‬السلم عليكم أيتها‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫الدجاج ‪ ،‬أنا أبو مني وهذا أبو الجاج ‪ ،‬وكل منا للخر متاج ‪.‬‬
‫فقالت الدجاج ‪ :‬ل سـلمك ال يـا متال ‪ ،‬يـا كاذب فـ القوال ‪ ،‬يـا سـيئا فـ‬
‫العمال ‪ ،‬فرد علي ها وقال ‪ :‬ا ستغفر ال ل ول كم من الذنوب‪ ،‬وأعوذ بال من العيوب ‪،‬‬
‫فإنه مقلب القلوب ‪ ،‬ماذا سعتم عن ‪ ،‬وماذا دهاكم من ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬أليس أبوك قتل أبانا ‪ ،‬وأخوك قبل عا ٍم سبانا ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬ومـا شأنـ بأبـ إذا ضـل ‪ ،‬وبأخـي إذا زل ‪ ،‬فالولد ل يمـل وزر الوالد ‪،‬‬
‫واللئيم ل يعدي الاجد ‪.‬‬
‫فقالوا ‪ :‬الغدر فيكم طبيعة ‪ ،‬والكر لكم شريعة ‪ ،‬وتاريكم مليء بالخبار الفظيعة‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬لست براض عما صار ‪ ،‬وأعوذ بال من عمل أهل البوار ‪ ،‬جعلهم ال وقود النار‪.‬‬
‫ث أنشد ‪:‬‬
‫لزمهت الصهلّى وانقطعهت إل الذكرِ‬
‫وتبههت إل الرحان مههن عهههادة الكرِ‬
‫وألزمت نفسي الصدق ف كل حالة‬
‫وأشغلت بالخلص يهها صههاحب فكري‬

‫فل ما سعت الدجاج قول الثعلب ‪ ،‬قل نا ‪ :‬أظ نه جاد ل يل عب ‪ ،‬صادق ل يكذب ‪،‬‬
‫فاسألوه ماذا يريد ‪ ،‬بذا النشيد والقصيد ‪.‬‬
‫قال أريد أيها الدجاج ‪ ،‬أن تفتحوا ل وأخي باب الساج ‪ ،‬لنطيل معكم السمر ‪ ،‬ف‬
‫ضوء القمر ‪.‬‬
‫فقالوا أعطنا اليمي ‪ ،‬أن ل تروغ علينا ضربا باليمي ‪.‬‬
‫فقال ‪ :‬والذي نصرنا عليكم باليلة ‪ ،‬وفتح علينا بكل وسيلة ‪ ،‬ل نترك عادتنا ولو‬
‫حال بيننـا وبينكـم قـبيلة ‪ ،‬فمـا فهموا يينـه ‪ ،‬ومـا عرفوا دينـه ‪ ،‬ففتحوا الباب ‪ ،‬وقالوا ‪:‬‬
‫‪-326-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫مرحبا بالحباب ‪ ،‬وخية الصـحاب ‪ ،‬فلمـا دخـل هـو وأخوه ‪ ،‬ردّوا الباب وأغلقوه ‪،‬‬
‫فلما سكنّا ‪ ،‬جلسنا وتكّنا ‪ ،‬فلما أظلم الليل ‪ ،‬وحضرت ساعة الويل ‪ ،‬وبان الفجر وحان‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫‪ ،‬وق عا ف الدجاج يذبان ‪ ،‬ف صاح الدجاج ‪ :‬ق يط ق يط ‪ ،‬ما هذا يا عبيط ‪ ،‬ال من‬
‫وراءكم ميط ‪ ،‬فقال الثعلب‪ :‬لو ملت الدنيا قرقرة ‪ ،‬حت سعكم أهل أنقرة ‪ ،‬ما كففنا‬
‫عنكم حت نرى مهجكم معقّرة ‪ ،‬فأنشدت دجاجة تقطر دمًا ‪ ،‬إذ أصبح جسمها مهدمًا ‪.‬‬
‫واح سرتاه كي هف صدقنا الش هر‬
‫هر‬
‫ها منتشهه‬
‫هن البايهه‬
‫هره بيهه‬
‫ومكهه‬
‫ه هذا ج هزا من صدق الكذّاب ها‬
‫هههحابا‬
‫هههة والصه‬
‫وأمِهههن الرفقه‬
‫وصههاحب العقهل ياف العاقبههة‬
‫مُههههيّئـا لصهههمه مهههالبههه‬

‫فضحك الثعلب وقال ‪:‬‬
‫م هوت بغي ظك يا دجاج هة إنن هي‬
‫كيهههد السهههود وناصههر الخوانههِ‬
‫رأيي تقدم ف الي ههاة شجاعتهي‬
‫والرأي قبههل شجاعهههة الشجعهههانِ‬

‫فل ما ش بع الثعلبان ‪ ،‬وقا ما يذهبان ‪ ،‬فإذا الباب مغلق ‪ ،‬والش بك مط بق ‪ ،‬فإذا كل‬
‫منه ما مطرق ‪ ،‬فقال كبيه ا ‪ :‬وقع نا ف بليّة ‪ ،‬وأظن ها د نت م نا النيّة ‪ ،‬فك يف لو أن‬
‫صاحب الدجاج أب صرنا ‪ ،‬لق صدنا بالر صاص وأمطر نا ‪ ،‬فقال ال صغر لل كب ‪ ،‬أ نت أ بو‬
‫الدواهي ‪ ،‬مرتكب الناهي ‪ ،‬طويل الباع ‪ ،‬ف اليل والداع ‪ ،‬فأخرجنا منها سالي ‪ ،‬فإن‬
‫عدنا فإنا ظالي ‪ .‬فصمت الكب ‪ ،‬وتأمل وتفكر ‪ ،‬ث هلّل وكب ‪ ،‬وقال لصاحبه‪ :‬علينا‬
‫أن نغمـض العيون ‪ ،‬وننفـخ البطون ‪ ،‬وننام فمـن رآنـا قال ميّتون ‪ ،‬فإن الناس أكثرهـم‬
‫ل يعقلون‪ ،‬ول تغرك الصـور ‪ ،‬فإن أكثـر مـن ترى بقـر ‪ ،‬فقال الصـغر ‪ :‬ل فـض فوك ‪،‬‬
‫وفداك شانئوك ‪ .‬ث نا ما كأن م أموات ‪ ،‬وهج عا ف سبات ‪ ،‬فجاء صاحب الدجاج ف ما‬
‫وجد من دجاجة إل الريش فصاح ‪ :‬إيش هذا إيش ‪ ،‬وال ل طاب بعدها العيش ‪ ،‬ث نظر‬
‫‪-327-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫إل الثعلبي ‪ ،‬وقال ‪ :‬شاهت الوجوه الكاذبة ‪ ،‬العاملة الناصبة ‪ ،‬الناهبة السالبة ‪ ،‬فلو كنتما‬
‫أحياء ‪ ،‬ل سلت منك ما الدماء ‪ ،‬جزاءً على فعلت كم النكراء ‪ ،‬ل كن سبقن الوت علي كم ‪،‬‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫وأسرع الفناء إليكم ‪ ،‬فسبحان ال الوت أعجل ‪ ،‬ث سحبهما بالرجل ‪ ،‬فلما رآها ف‬
‫الوادي ‪ ،‬وا ستشهد على موت ما أ هل النادي ‪ ،‬قا ما مُ سرعَي ‪ ،‬وهر با ضاحكَ ي ‪ ،‬والتف تا‬
‫منشدَين ‪ .‬فقال الكب ‪:‬‬
‫أغهب مهن النههاس عينه ل تهر أحدًا‬
‫هدا‬
‫هل بم ه أبهه‬
‫هل فل تفهه‬
‫إل القليهه‬
‫هم كذبوا رسهل ال الكهرام فهل‬
‫هندا‬
‫هول الدى سه‬
‫هم على طهه‬
‫هد منهه‬
‫تريه‬
‫أ ما ترا هم وهذا ال هوت يطلبه هم‬
‫هس لم ه رشدا‬
‫لهي ه ف ه الرض ل تأنه‬

‫وأنشد الصغر فقال ‪:‬‬
‫ل ت ثق يا صهاح ف ه هذا الب شر‬
‫فالغبهها والهههل فيهههم منتشهههرْ‬
‫هم ع صهوا خ هالقهم سبحانههه‬
‫وهههو النعهم والكههافهي الضههررْ‬

‫فقال صاحب الدجاج ‪ :‬أظن أنّا تورطنا ‪ ،‬فيا حسرتنا على ما فرطنا ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فخبنا عن قصة الثيان والسد ‪ ،‬فما سعناها من أحد ‪.‬‬
‫فقال حبا وكرامة ‪ ،‬وحق الصاحب كالغرامة ‪ ،‬ونعود للحديث عن اليوان والعود‬
‫أح د ‪ ،‬و ما يطلب العلم إل كل أم د ‪ ،‬فكان هناك ثل ثة ثيان أب يض وأح ر وأ سود ‪،‬‬
‫يرعون بانب الغدير ‪ ،‬وكل واحد منهم كأنه وزير ‪ ،‬ف منصب خطي ‪ ،‬فمر بم السد‬
‫أبو أسامة ‪ ،‬فعرفهم بالعلمة ‪ ،‬ودعا لم بالسلمة ‪ ،‬وقال كيف الال يا إخوان ؟‬

‫‪-328-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫قالوا ‪ :‬بي يا خوّان ‪ ،‬فقال ‪ :‬علم هذا السب علما ‪ ،‬وإذا خاطبهم الاهلون قالوا‬
‫سلما ‪ ،‬فقالوا يا أ با حيْدرة ‪ :‬كل يعرف بيدره ‪ ،‬أن سيت كم أكلت م نا من ثور ‪ ،‬يوم‬
‫ساعدك الظ العَثور ‪ ،‬ث أنشد الثور البيض فقال ‪:‬‬
‫ل تهأمن الليهث أبها أسهامهة‬

‫فإنههه سههلّ لنهها حسههامـه‬

‫وفِ هرّ من هه فه هو ل ي هابهي‬

‫هبِ‬
‫وذكره قهد جههاء فه الكته ا‬

‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬

‫ث ارتل الثور الحر منشدًا فقال ‪:‬‬
‫أش جع ك هل الكائن هات حي هدره‬
‫سهههمّاه ربهه فهه الكتاب قسهههورة‬
‫فقلب هه ف الروع أق سى من ح جر‬
‫لطههالهما أقسههم عمههدًا وفجههر‬

‫فقام الثور السود وأنشد ‪:‬‬
‫هههذا الزبههر ملك فه الغههابة‬
‫كشّهر للمهههوت مصههرّا نهههابَههه‬
‫تبّته يههدا مههن أَمّهه ونههازلَهه‬
‫ويهههل لهههن عانهههده وقاتلَههههه‬

‫وكل ما أق بل علي هم ال سد ‪ ،‬ولِقتْل هم ر صد ‪ ،‬أقبلوا كل هم إل يه ‪ ،‬وتمعوا عل يه ‪،‬‬
‫والوحدة قوة ‪ ،‬و هو ر مز الخوة ‪ ،‬والكثرة تغلب الشجا عة ‪ ،‬والتاد دل يل البا عة‪ ،‬فل ما‬
‫أيس من الثيان ‪ ،‬لأ لبعض الغيان ‪ ،‬ووضع رأسه على عود ‪ ،‬وزئيه كالرعود ‪.‬‬
‫وأنشد يقول ‪:‬‬
‫أنها الذي أرههب الدنيهها بصهولته‬
‫بصهولتهه‬

‫ولههم أخههف عندمها آتهى الردى بشرا‬

‫والي هوم تغلب ن الثي هران عن سفه‬
‫كثهرت‬

‫يها جاهلً عهن ثبات الليهث سهوف ترى‬

‫‪-329-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فل يس ل حيلة ف هذه الطائ فة ‪ ،‬ال ت صارت بالل فة غ ي خائ فة ‪ ،‬إل أن أش تت‬
‫قلوبم ‪ ،‬وأظهر لبعضهم عيوبم ‪ ،‬وآخذ كل واحد على حدة ‪ ،‬وأعده عدة ‪ ،‬لترب يده‪،‬‬
‫فجاء إل الثور ال سود والح ر ‪ ،‬ف ل يل مق مر ‪ ،‬وقال يا قوم ‪ ،‬رأيت كم اليوم ‪ ،‬وأن تم ف‬
‫الروض ترعون ‪ ،‬وإل الغديـر تسـعون ‪ ،‬فرأيـت الثور البيـض يسـبقكم ‪ ،‬وبعيـ السـد‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫يرمقكـم ‪ ،‬يسـتأثر عليكـم بنبـت السـماء ‪ ،‬ويزاحكـم على الاء ‪ ،‬فماذا ترون ؟ أفل‬
‫تب صرون‪ ،‬قالوا ‪ :‬جزاك ال خيا على الن صيحة ‪ ،‬يا صاحب الل غة الف صيحة ‪ ،‬والكلمات‬
‫اللي حة ‪ ،‬فأمر نا ب ا ترى ‪ ،‬و قد خاب من افترى ‪ ،‬فقال ف نف سه ‪ :‬و قع القوم ف بليّة ‪،‬‬
‫وحانت منهم النيّة ‪ ،‬ث طلب منهم الوثوب إل الثور البيض جيعًا ‪ ،‬حت يرى صريعًا ‪،‬‬
‫فقاموا على حرْدٍ قادر ين ‪ ،‬وللموت مبادر ين ‪ ،‬فناطحوا الب يض وحا صروه‪ ،‬و صارعوه‬
‫وحاجروه ‪ ،‬وبالعداوة كاشروه ‪ ،‬ث طرحوه أرضا ‪ ،‬ورضّوه رضّا‪.‬‬
‫فلما أحسّ بالوت ‪ ،‬وأيقن بالفوت ‪ ،‬وفاته القوت ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ههذه اليلة من ن سْههج السهد‬
‫يهههوم يلقهههانا ببغهههي وحسهههد‬
‫مصهرعهي مصهرعكم لههو تعلموا‬
‫غيهههر أن الرأي منكههم قهههد فسههد‬

‫فلما مات البيض سر السد وفرح ‪ ،‬وسعد وانشرح ‪ ،‬ث تركهم لزمن يسي ‪ ،‬وهو‬
‫يقودهم لسوء الصي ‪ ،‬ث أتى إل الثور السود ‪ ،‬وقال يا أبا أسعد ‪ :‬هذا الثور الحر ‪،‬‬
‫أظنه مغتر ‪ ،‬يفي لك الشر ‪ ،‬أراه بقرونه يناطحك ‪ ،‬وبالعداوة يصارحك ‪ ،‬فماذا ترى لو‬
‫عاونّاك ‪ ،‬ومن ظهره مكنّاك ‪ ،‬لنشق نره ‪ ،‬ونفري ظهره ‪ ،‬فسحباه إل الغدير ‪ ،‬وليس له‬
‫ل ول نصي ‪ ،‬فلما أصبح ف آخر رمق ‪ ،‬وفؤاده يترق ‪ ،‬أنشد ‪:‬‬
‫من و ّ‬
‫يا عثهرة الرأي هذي عثهرة القهدم‬
‫ويها حيههات هههذي سههاعهة النههدمِ‬
‫يا فرق هة مزقتن ها ح هاكهها لب هقٌ‬
‫ه‬
‫صهرنا باه ضحههكة للعههرب والعجم ِ‬

‫‪-330-‬‬

‫مقامـات القرني‬
‫فبقي السود والسد ‪ ،‬فقام السد وقعد ‪ ،‬وقال ‪ :‬كيف حالكم ‪ ،‬يا رفيق السعَد ‪،‬‬
‫ويا زينة البلد ‪ ،‬فقال بي يا أبا أسامة ‪ ،‬أدركنا من السرور تامه ‪.‬‬
‫فقال السد ‪ :‬يا غاية الن ‪ ،‬بقي أنت وأنا ‪ ،‬ونريد اليوم غدًا هنا ‪ ،‬قال الرأي لك يا‬
‫مة الحيوان‬
‫مقا َ‬
‫ملك اليوان ‪ ،‬ويا ثابت النان‪.‬‬
‫فقال له ال سد ‪ :‬اقترب م ن لناج يك ‪ ،‬وادن م ن لشاج يك ‪ ،‬فأد ن من ال سد‬
‫الراس ‪ ،‬وك تم على النفاس ‪ ،‬فأن شب ال سد ف يه أنيا به ‪ ،‬ومزق جلبا به ‪ ،‬وخلع ثيا به ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬ذق يا ا بن البقرة ‪ ،‬يا سللة الفجرة ‪ ،‬عل يك غبة ‪ ،‬وانفرد ال سد ‪ ،‬ف البلد ‪،‬‬
‫وعلى كرسي اللك قعد ‪ .‬وأنشد‪:‬‬
‫ِبه إذا حاربهت بالرأي والقنها‬
‫وحار ْ‬
‫وكهههن واحدًا لدنيههها وعبدًا لواحدِ‬
‫ول تههش ملوقًا فربهك حههافظ‬
‫فمهههههههها انقادت الماد إل لاجدِ‬

‫وإن شئت الزيادة ‪ ،‬وكثرة الفادة ‪ ،‬فعليك بالاحظ ‪ ،‬فإنه لخبار اليوان حافظ ‪،‬‬
‫أو اسأل غيه وغيي ‪ ،‬كاليوان للدّميي ‪.‬‬
‫و صل و سلم على الع صوم ‪ ،‬الذي علم نا ك يف ن صلي ون صوم ‪ ،‬ما مال الش يح‬
‫والقيصوم ‪ ،‬واختلف الصوم ‪.‬‬

‫‪-331-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الموت‬
‫مقا َ‬

‫مــــة الـمــــوت‬
‫مقـا َ‬

‫َ‬
‫ل إ ِ َّ‬
‫ملقِيك ُْ‬
‫(( قُ ْ‬
‫م ))‬
‫ن ِ‬
‫ت ال ّذِي تَِفُّرو َ‬
‫موْ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه فَإِن َّ ُ‬
‫لقهد لمنه عنهد القبور على البكها‬

‫لتذرافه الدموع السهوافكِ‬
‫ِ‬
‫رفيقهي‬

‫هت نائح‬
‫َأمِن هْ أجلِ ق هبٍ بالل أنه‬

‫هالكه‬
‫ِ‬
‫على كهل قهبٍ أو على كهل‬

‫ه‬
‫فقال ‪ :‬أتبكهي كهل قهبٍ رأيته ُ‬

‫ه‬
‫لِقهبٍ ثوى بيه اللّوى فالدّكادِك ِ‬

‫فقل تُ له ‪ :‬إن الشّ جا يب عث الشّ جا‬

‫هبُ مالكههِ‬
‫دعونهه ‪ ،‬فهذا كله قه‬

‫الوت هاذم اللذات ‪ ،‬ومفرق الماعات ‪ ،‬ميتــم البنيــ والبنات ‪ ،‬مرب الديار‬
‫العامرات ‪ ،‬أ سقى النفوس ‪ ،‬مرارة الكؤوس ‪ ،‬وأنزل التيجان من على الرؤوس‪ ،‬ن قل أ هل‬
‫الق صور إل القبور ‪ ،‬و سلّ على الحياء سيفه النشور ‪ ،‬أل صق الدود باللحود ‪ ،‬و ساوى‬
‫بي السيد والسود ‪ ،‬زار الرسل والنبياء ‪ ،‬وأخذ الذكياء والغبياء ‪ ،‬فاجأ أهل الفراح‬
‫بالتراح ‪ ،‬ونادى فيهم الرواح الرواح ‪ ،‬كم من وجه بكفه لطمه‪ ،‬وكم من رأس بفأسه‬
‫حطّمه ‪ ،‬يأخذ الطفل وفمه ف ثدي أمّه ‪ ،‬وينق النائم ورأسه على كمّه ‪ ،‬ينـزل الفارس‬
‫ط المي‬
‫من على ظهر الفرس ‪ ،‬ويقتلع الغارس وما غرس ‪ ،‬يلع الوزير من الوزارة ‪ ،‬وي ّ‬
‫من المارة ‪ ،‬إذا اكتمل الشاب ‪ ،‬وماس ف الثياب ‪ ،‬وصار قوي الناب ‪ ،‬يُرجى ويُهاب‪،‬‬
‫عفّر أنفـه فـ التراب ‪ ،‬يدوس ذا البأس الشديـد ‪ ،‬والرأي السـديد ‪ ،‬ويبطـح كـل بطـل‬
‫صنديد ‪ ،‬ولو كان خالد بن الول يد ‪ ،‬أو هارون الرش يد ‪ ،‬ي سحب اللوك من العروش ‪،‬‬
‫ويركب اليوش على النعوش ‪ ،‬أسكت خطباء النابر ‪ ،‬وأذهل حلة الحابر ‪ ،‬وشتت أهل‬
‫الدفا تر ‪ ،‬وطرح الحياء ف القابر ‪ ،‬ك سر ظهور الكا سره ‪ ،‬ق صّر آمال القيا صره‪ ،‬زلزل‬
‫أساس ساسان ‪ ،‬وما سلم منه سليمان ‪ ،‬وما نا منه قحطان وعدنان‪ ،‬صبّح ثود وعاد ‪،‬‬
‫وخرّب دار شداد وما شاد ‪ ،‬وهدم إرم ذات العماد ‪ ،‬الت ل يلق مثلها ف البلد‪ ،‬ل يترك‬
‫السلطي ‪ ،‬حت يوسدهم الطي ‪ ،‬ل تظن أنك منه ناج ‪ ،‬ولو سكنت البراج ‪.‬‬
‫الوت ينادي كـل صـباح ‪ :‬الرواح الرواح ‪ ،‬ويصـيح كـل مسـاء ‪ :‬يـا حسـرة على‬
‫الحياء ‪ ،‬ويقول للناس ‪ :‬لِدوا للموت وابنوا للخراب ‪ ،‬فكل كم ي صي إل ذهاب ‪ ،‬يا من‬
‫أعج به شبا به ‪ ،‬وأل ته ثيا به ‪ ،‬وأحاط به حر سُه وحجابُه ‪ ،‬أن سيت الوت و قد و صلك‬
‫‪-332-‬‬

‫مة الموت‬
‫مقا َ‬

‫مقامـات القرني‬
‫ركابُه ‪ ،‬يا من أشغله ال سكن ‪ ،‬و حب الو طن ‪ ،‬وأ من ال حن ‪ ،‬كأ نك بالوت زارك ‪،‬‬
‫وهدم دارك ‪.‬‬
‫سههتنقلك النايهها عههن ديارك‬

‫ويبدلك البِل دارا بدارك‬

‫فدود القهب فه عينيهك يرعهى‬

‫وترعهى عيه غيك فه ديارك‬

‫الوت كأس يدور على الحياء ‪ ،‬ل بد أن يشر به أبناء حواء ‪ ،‬الوت ل يس له مو عد‬
‫منا سب ‪ ،‬ف هو يأ ت القا عد والا شي والرا كب ‪ ،‬ف ليلة الزفاف ‪ ،‬إذا اجت مع الضياف ‪،‬‬
‫يقدم الوت بشوده ‪ ،‬ويهجـم بنوده ‪ ،‬يأخـذ العريـس أو العروس ‪ ،‬لن مهمتـه قطـف‬
‫النفوس ‪ ،‬يهنّأ النسان بالمارة ‪ ،‬ويبارك له بالوزارة ‪ ،‬ث يش ّن عليه الوت الغارة ‪.‬‬
‫يولد الولود ‪ ،‬ويعود الفقود ‪ ،‬ث يفجؤ الوت الميع بروعته‪ ،‬فتمتزج بسمة الحب‬
‫بدمعته ‪ ،‬يكتمل الجتماع ‪ ،‬ويلتقي الحباب من كل البقاع ‪ ،‬فإذا تت السعاده‪ ،‬وكل‬
‫قلب بلغ ما أراده ‪ ،‬وصل الوت ففرق المع ‪ ،‬وأسبل الدمع ‪.‬‬
‫ههو الوت مها منهه ملذ ومهرب‬

‫مت حُطّ ذا عن نعشه ذاك يركب‬

‫نؤمههل آمالً ونرجههو نتاجههها‬

‫وعلّ الههردى ماه نرجيهه أقرب‬

‫وقـف أحـد الصـالي على القابر ‪ ،‬ودمعـه يتناثـر ‪ ،‬فقال ‪ :‬يـا موت ماذا فعلت‬
‫بالحباب ؟ وماذا صنعت بال صحاب ؟ ث أجاب نف سه بنف سه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يقول الوت ‪:‬‬
‫أكلت الدقتي ‪ ،‬وأفنيت العيني ‪ ،‬ونشت الشفتي ‪ ،‬وقطعت الذني‪ ،‬وفصلت الكفي‬
‫من الر سغي ‪ ،‬والر سغي من ال ساعدين ‪ ،‬وال ساعدين من العضد ين ‪ ،‬والعضد ين من‬
‫الكتفي ‪ ،‬وفصلت القدمي من الكعبي ‪ ،‬والكعبي من الساقي ‪ ،‬والساقي من الفخذين ‪،‬‬
‫والفخذين من الوركي ‪.‬‬
‫أتيهههت القبور فناديتهههها‬

‫ههر‬
‫ههن العظّههم والحتقه‬
‫أيه‬

‫تفانوا جيعا فمههها مبههه‬

‫وماتوا جيعا ومات البهههه‬

‫تروح وتغدو بنات الثرى‬

‫فتمحهو ماسههن تلك الصهور‬

‫هن أناس مضوا‬
‫هائلي عه‬
‫ها سه‬
‫فيه‬

‫هب‬
‫هى معته‬
‫ها مضه‬
‫ها لك فيمه‬
‫أمه‬

‫‪-333-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الموت‬
‫مقا َ‬

‫إذا رأ يت ق صرا مشيدا ‪ ،‬وملكا عتيدا ‪ ،‬وبأ سا شديدا ‪ ،‬فتذ كر الوت فإذا الق صر‬
‫تراب ‪ ،‬واللك خراب ‪ ،‬والبأس سراب ‪.‬‬
‫إذا رأيـت امرأة حسـناء ‪ ،‬أو حديقـة غنّاء ‪ ،‬أو روضـة فيحاء ‪ ،‬فتذكـر الوت فإذا‬
‫السن مسلوب ‪ ،‬والمال منهوب ‪.‬‬
‫فضـح الوت الدنيـا ‪ ،‬فلم يدع لذي لب فرحـا ‪ ،‬ولكـن أيـن مـن صـحا ‪ ،‬وأصـلح‬
‫فصار مفلحا ‪.‬‬
‫بينها ترى النسهان فيهها مبها‬

‫ألفيتههه خههبا مههن الخبارِ‬

‫طبعهت على كدر وأنهت تريدهها‬

‫صههفوا مههن القذار والكدارِ‬

‫و يل ل ن أشغله ماله ‪ ،‬وألاه جاله ‪ ،‬و صده عياله ‪ .‬م ت الفا قة يا من ب ب الدنيا‬
‫ممور ‪ ،‬وببهرجها مغرور ‪ ،‬أما تذكر إذا بعثر ما ف القبور و ُحصّل ما ف الصدور ‪.‬‬
‫أ ين من رفر فت علي هم الرايات ‪ ،‬ورف عت ل م العلمات ‪ ،‬وأقي مت ل م الفلت ‪،‬‬
‫وانعقدت لم الهرجانات ‪.‬‬
‫صهاحِ! هذي قبورنها تلُ الرّحهه‬

‫ههبَ فأيهن القبورُ مهن عهدِ عادِ ؟‬

‫ّفه الوطهء مها أظن ّ أدِي َ ال‬
‫خف ِ‬

‫رضههِ إل مههن هذه الجسههادِ‬

‫هار لدا مرارا‬
‫هد صه‬
‫رُبّه لدٍ قه‬

‫ضاحكههٍ مههن تزاحههم الضدادِ‬

‫ها أعه ه‬
‫ها الياةُ فمه‬
‫تعب هٌ كلهه‬

‫راغبه فه ازديادِ‬
‫ٍ‬
‫ههجبُ إل مهن‬

‫هرْ إن اسهطعتَ فه الواء رويدا‬
‫سِ‬
‫هها دفيٍهه‬
‫ودفيٍهه على بقايه‬

‫إنّه حزنا فه سهاعة الوت أضعها‬

‫ل اختيالً على رُفاتههههِ العبادِ‬
‫فههه طويهههل الزمان والبادِ‬
‫فههُ سههرورٍ فهه سههاعة اليلدِ‬

‫أين من ولّى وعزل ‪ ،‬وأين من ظلم وأين من عدل ‪ ،‬وأين من سجن وجلد وقتل ‪،‬‬
‫أين من حفت به النود ‪ ،‬واجتمعت عليه الشود ‪ ،‬وخفقت على رأسه البنود ‪ ،‬أين من‬
‫دارت عل يه الكؤوس ‪ ،‬وانل عت من هيب ته النفوس ‪ ،‬وطارت بأوامره الرؤوس ‪ ،‬أ ين من‬
‫جع ومنع ‪ ،‬ووصل وقطع ‪ ،‬واغتن وافتقر ‪ ،‬وهزم وانتصر ‪.‬‬

‫‪-334-‬‬

‫مقامـات القرني‬

‫مة الموت‬
‫مقا َ‬

‫هههم‬
‫باتوا على قللِ الجبالِ ترسه‬

‫غلب الرجال فمهها أغنتهههم القلل‬

‫وا ستنهزلوا ب عد عز من معاقل هم‬

‫إل مقابرهههم يهها بئس مهها نزلوا‬

‫لطالاهه أكلوا يوما وكههم شربوا‬

‫فأ صبحوا ف لود الرض قد أكلوا‬

‫تلك الوجوه الته كانهت مجبهة‬

‫مهن دوناه تضرب السهتار واللل‬

‫بعض السلف ذكر الوت فخارت قواه ‪ ،‬وصاح أوّاه‪ ،‬وبعضهم كاد أن يطي لبه ‪،‬‬
‫وأن يتفطر قلبه ‪.‬‬
‫إذا رأيت الخوان واليان واللن ‪ ،‬فتذكر كل من عليها فان ‪.‬‬
‫إذا أبصرت البستان والفنان والغصان ‪ ،‬فتذكر كل من عليها فان ‪.‬‬
‫إذا شاهدت القصـور والدور والبور والسـرور فتذكـر يوم يبعثـر مـا فـ القبور ‪،‬‬
‫ويصل ما ف الصدور ‪.‬‬
‫ال سّى الوت م صيبه ‪ ،‬وأ نت ع نه ف غي به ‪ ،‬أ خذ القوي والضع يف ‪ ،‬والوض يع‬
‫والشر يف ‪ ،‬والغالب والغلوب ‪ ،‬وال سالب وال سلوب ‪ ،‬قب الغ ن جوار قب الفق ي ‪ ،‬و قب‬
‫الأمور بانب قب المي ‪.‬‬
‫الوت مباغـت ل يسـتأذن ‪ ،‬ومهاجـم ل يُؤم َن ‪ ،‬ل يترك شابا ليكتمـل شبابـه ‪،‬‬
‫ول صاحبا ليتم تع به أ صحابه ‪ ،‬ول حبيبا ي ستأنس به أحبا به ‪ ،‬يف صّل الثوب فيأ خذ‬
‫صـاحبه قبـل أن يلبـس ‪ ،‬ويبنـ الجلس فيخترم الوت البانـ قبـل أن يلس ‪ ،‬تزف الرأة‬
‫لزوج ها فيهاج ه الوت ليلة الزواج ‪ ،‬يزرع الزارع فيختل سه الوت ق بل النتاج ‪ ،‬الوت له‬
‫صـور وأشكال ‪ ،‬ومشاهـد وأحوال ‪ ،‬مرة يقتـل بسـيف أو برمـح ‪ ،‬أو داء أو جرح ‪ ،‬أو‬
‫بعرق ين بض ‪ ،‬أو بع ضو يرض ‪ ،‬أو برب هائله ‪ ،‬أو ما عة قاتله ‪ ،‬ال هم أ نه ل بد م نه ‪،‬‬
‫ت الّذِي َتفِرّو َن ِمنْ هُ فَِإنّ هُ مُلقِيكُ مْ يصبّحكم أو ي سّيكم ‪،‬‬
‫ول ميص عنه قُلْ ِإنّ الْ َموْ َ‬
‫شيّ َدةٍ ‪ ،‬أو دونكم جنود مؤيّده ‪،‬‬
‫ج مُ َ‬
‫َأْينَمَا َتكُونُوا يُدْرِكّ مْ الْ َموْ تُ وََلوْ كُنتُ مْ