‫اللّعب واللّعبة‬

‫عالم الستخبارات الميركيّة‬
‫في اعترافات احد رجالته‬
‫دار الحمراء‬
‫الطبعة الولى‬
‫‪1990‬‬
‫كلمة الناشر‬
‫من «لعبة المم» إلى «اللعب واللعبة»‬
‫ل بأس من تذكير القارئ في تقديمنا لهذه «العترافات» بالقواعد التي طٌلب إليه أن يعضها نصب عينيه فيما لو‬
‫أراد أن يف هم ما تعن يه «لع بة ال مم» وتر مز إل يه هذه العبارة ال تي دخلت القاموس ال سياسي المعا صر‪ .‬إن ها القوا عد‬
‫الست التالية‪:‬‬
‫كل أمة من المم تجعل في مقدمة أهدافها البقاء في اللعبة وممارستها وليس إلى الخروج منها‪.‬‬
‫تتصسرّف المسة فسي غالب الحيان على نحسو ل يهدف إلى احراز النجاح داخسل اللعبسة بقدر مسا تسسعى لضمان‬
‫استمرار التأييد الجماهيري لزعيمها أو لقيادتها ‪.‬‬
‫التصسريحات الرسسمية حول السسياسة الخارجيسة ل يمكسن قياسسها بصسفاء النيّة‪ ،‬بسل قوامهسا المناورة والمداورة‬
‫والكتمان والزدواجية‪ :‬اللعب الرئيس ل يكشف أوراقه‪ ،‬بل يظهر ما ل يبطّن ‪.‬‬
‫ل تهدف المسم المتخاصسمة مسن وراء إظهار حسسن النوايسا والقرار بوجود أهداف مشتركسة سسوى إلى تحسسين‬
‫أوضاعها الداخلية أو إلى ممارسة الضغط على فريق ثالث‪ ،‬وقلّما يحدوها المل المخلص في تحقيق ما تعلن عنه‬
‫حقيقة‪.‬‬
‫حين تعمد دولة عظمى إلى مغازلة أمة ضعيفة والتوّدد لها‪ ،‬فإن المة الضعي فة سوف تلت فت في غالب الحيان‬
‫صوب الخ صم الرئ يس للدولة العظ مى بغ ية إثارة التنا فس ب ين الخ صمين وحمله ما على خ طب ودّ ها ل كي تنت هز‬
‫الفرصة لتحقيق الرباح والمكاسب‪.‬‬
‫عند ما تحرز ال مة الضعي فة في اللع بة مركزا دبلوما سيا وقوة من خلل ا ستغلل مقولة التنا فس‪ ،‬فإن من شأن ها‬
‫تبوء مر كز ا ستراتيجي ي سهم في م ساعدتها على ن يل المز يد من القوة والنفوذ‪ ،‬وذلك من خلل لجوئ ها إلى التهد يد‬
‫بالقدام على مغامرات ل تحبذها الدول العظمى س لن فهمها للعبة يتطلّب ذلك !‬

‫‪1‬‬

‫هذه هي القواعد التي شرحها مايلز كوﭙلند عام ‪ 1969‬في كتا به عن «لعبة ال مم»‪ .‬ولتبسيط الشرح وتلخ يص‬
‫القواعد بعبارة موجزة‪ ،‬يمكن القول إن «لعبة المم» هي كناية عن النشاط الذي تمارسه نظارة الخارجية الميركية‬
‫في واشنطن من أجل رسم المخططات الملئمة لبسط النفوذ الميركي على بلدان العالم أجمع عن طريق استخدام‬
‫ل من اللجوء إلى أضرام نار الحرب الم سلّحة‪ .‬إن ها التخ طط ال سياسي لتوج يه ال صراع‬
‫ال سياسة والخداع والحيلة بد ً‬
‫على مناطق النفوذ في العالم من خلل استخدام أساليب الحرب الباردة س وما أكثرها تنوعا وأوسعها حيلة !‬
‫وفسي الكتاب الذي بيسن أيدينسا يبوح العميسل السسياسي واللعسب المتّمرس فسي قواعسد اللعبسة بالكثيسر مسن الخفايسا‬
‫وال سرار ال تي اكتن فت ممار سة اللع بة في بلدان الشرق الو سط وغير ها من بلدان العالم‪ .‬ويعترف المؤلف للقارئ‬
‫بوجود أكثر من لعبة يمارسها اللّعب على مختلف الصعدة وفي شتى المجالت‪ .‬مثلما يكشف المؤلف عن «العمل‬
‫السياسي في الخفاء» والعمليات السرية أو الخفيّة التي تمارسها أجهزة إدارة اللعبة في الوليات المتحدة وخارجها‪،‬‬
‫هذا بالضافة إلى الحيل القذرة التي تستخدمها وتلجأ إليها على سبيل التغطية والتمويه‪ ،‬متذّرعة ببلوغ الهدف ‪.‬‬
‫ل يس الغرض من هذه الكل مة إثقال كا هل القارئ بالشروحات والتعليقات والت نبيهات‪ .‬ول حا جة ب نا إلى التذك ير‬
‫بتلك الوفرة العار مة من الكث ير والترجمات والقتبا سات ال تي تقذف ب ها المطا بع وتمل رفوف المكتبات ‪ .‬بل نكت في‬
‫بالشارة إلى دللة هذه «العترافات» التي جرى تعريبها بتصرّف دون الساءة إلى فحواها وتشويه محتواها ‪.‬‬
‫ومن نافل القول إن ناشر الكتاب ل يعتبر ما جاء على صفحات «اللعب واللعبة» بمثابة «فصل الخطاب»‪،‬كما‬
‫أنه ل يتبنى الراء والمواقف الواردة في فصوله‪ .‬إنها وجهة نظر من داخل المؤسسة يبوح بها أحد اللعبين الكبار‬
‫والقدا مى على رق عة الع مل ال سياسي الخ في في الشرق الو سط‪ .‬ول غرو فإن القارئ الف طن لن يفو ته الك شف عن‬
‫الكثيسر مسن الراء المتحّيزة والمعلومات الخاضعسة للتلعسب علوة على «التنظيسر» المضلّل والمملّ فسي كثيسر مسن‬
‫الحيان‪ .‬فالطلع على هذه العترافات‪ ،‬بالر غم من اللم سات والشطحات الشخصسية ال تي تشوب مواقسف الل عب‬
‫وتكتنسف مغامراتسه التنظيريسة واسستغراقه فسي السسرد سس يغدو ضرورة ل بسد منهسا على سسبيل أخسذ العلم واللمام‬
‫بالمخططات التسي ترسسم للسسيطرة على مقدرات بلدنسا والتحكسم بمصسيرنا مسن خلل التذرّع بتأميسن مصسالح الدول‬
‫الكبرى‪.‬‬
‫إنها اعترافات لعب متقا عد‪،‬واكب أجهزة بلده منذ أنشائها بهدف جمع المعلومات في ظروف الحرب العالم ية‬
‫الثانية وحتى اتساع نطاقها وتشعّب اهتماماتها وانتفاخها البيروقراطي‪ ،‬وصولً إلى اعتماد الحيل القذرة والساليب‬
‫الل أخلق ية في ما يطلقون عل يه ت سمية «الع مل ال سياسي الخ في»‪ .‬ول ض ير في الطلع على تفا صيل ال سجالت‬
‫وكيفية وضع السيناريو المطلوب لبلوغ الهداف المنشودة من وراء ممارسة اللعبة ‪.‬‬
‫بيروت في ‪ 30‬أيار (ماريو) ‪ 1990‬الدار‬
‫‪2‬‬

‫الفصل الول‬
‫البداية في ولية الباما‬
‫ل من‪ :‬الدكتور أغرتن باللتشي‬
‫ضّم فريق العلماء النفسانيين الذين استجوبوني تمهيدا لتكليفي «بمهمة خاصة» ك ً‬
‫من جامعة ستانفورد الذي سبق له أن عمل مع فريق الدكتور هنري موراي من جامعة هارڤارد‪ ،‬والدكتور موراي‬
‫مؤلف كتاب «تقو يم الرجال» الذي صار في ما ب عد من المرا جع الكل سيكية في حقله أثناء الحرب العالم ية الثان ية ‪.‬‬
‫وضّم أيضا الرائد وليم مورغن‪ ،‬وهو عالم نفساني من جامعة ييل درس بإمعان قدرة العملء على «تحّمل الحباط»‬
‫في حالت «اليأس من تحقيق الغايات المنشودة»‪ .‬وكانت في الفريق أيضا الدكتور مابل تيرنر وهي سيدة لطيفة في‬
‫العقد السابع من عمرها هبطت في صباها ست مرات وراء خطوط العدو في الحرب العالمية الثانية وحازت على‬
‫عدد مما ثل من الو سمة تقديرا لشجاعت ها وإقدام ها و هي أي ضا مؤل فة كتاب ارشادي عنوا نه ‪« :‬العقل ية الجرام ية‬
‫وعمليات التجسسس»‪ .‬ذاع صسيتها فسي وكالة السستخبارات المركزيسة (سسي‪ .‬آي‪ .‬إي سس ‪ ) CIA‬على أنهسا امرأة‬
‫عطوفة متوّقدة الذكاء والتفهم بحيث يعلم كل صاحب خطيئة أن عليه مراجعة خطاياه معها قبل بلوغ مرحلة تحديد‬
‫اللياقة المنية‪.‬‬
‫عندما بدأت جلسة التقويم كنا قرابة الثمانية أو التسعة رجال نرتدي بدلت من محلت «بروكس اخوان» ومعنا‬
‫شابة واحدة تضع على عينيها نظارتين وتبدو عليها دلئل الجدية‪ ،‬وهي عائدة حديثا من حملة تنقيب عن الثار في‬
‫شرق افريق يا‪ .‬ول ما حان مو عد المتحان الخطّي‪ ،‬أطلت سكرتيرة برأ سها من خلف الباب ودعت ني دون غيري إلى‬
‫غر فة مجاورة ل يس في ها سوى طاولة واحدة وقلة من الكرا سي الخفي فة ح يث جل ست بمفردي للجا بة عن ا سئلة‬
‫بإحدى كلمتي‪«:‬نعم» أو«ل» وثم لختيار جواب صحيح من مجموعة أجوبة عن أسئلة أخرى‪،‬ثم لسرد ما توحيه إليّ‬
‫بعض الكلمات‪ ،‬وأخيرا مررت باختبار «رورشاخ» وهو عبارة عن سرد ما توحيه إليّ بعض بقع الحبر المتناسقة‬
‫الترتيسب على قطعسة مسن الورق‪ .‬وراحست أمرأتان شابتان وجذابتان‪ ،‬عليهمسا مسسحة تومسئ بانتمائهمسا إلى الوسسط‬
‫الكاديمي‪ ،‬تراقبانني عن كثب على امتداد المتحان الخّطي‪ .‬فتارة تقرأ الواحدة منهما ما أسطّره على الورق وطورا‬
‫تحدّقان بوجهسي بإمعان لمراقبسة تغيرات قسسماته كلمسا واجهست اسسئلة وهمسا على علم مسسبق بمسا تنطوي عليسه مسن‬
‫خدعات ‪.‬‬
‫انتهيت من المتحان الخّطي خلل فترة أقصر بكثير من الوقت المحدد له وعدت إلى الغرفة التي كنت فيها مع‬
‫المرشحين الخرين فإذا بهم قد ذهبوا كلهم وإذا بي أقف أمام العلماء النفسانيين الثلثة‪.‬بادرتني الدكتورة تيرنر بطلب‬

‫‪3‬‬

‫أن اذكر لها ودون التوقف للتفكير اسماء أشخاص ثلثة أك نّ لهم البغضاء‪ .‬لم يخطر ببالي أي اسم وبعد أن حككت‬
‫ن أخبرتها بذلك ‪.‬‬
‫رأسي لبضع ثوا ٍ‬
‫قالت ‪«:‬اسمع الن‪ ،‬ل بد ان ثمة شخصا ل تحبه»‪ .‬ومرة ثانية لم أتمكن من تلبية طلبها رغم محاولتي الصادقة‪،‬‬
‫ل روجرز تقول‪ :‬لم أل تق قط شخ صا وبغض ته»‪ .‬لم أ ستطع‬
‫وكان قد شاع ب ين الناس آنذاك ترد يد عبارة اطلق ها و ْ‬
‫بالطبع الذهاب إلى ذلك الحدّ في جوابي‪ ،‬ولكن كان باستطاعتي وبكل صدق القول بأنني لم أقابل قط أي رجل س أو‬
‫أمرأة س أمق ته‪ .‬غ ير أن حد سي فرض عليّ عدم البوح بذلك‪ .‬ف قد ك نت ق يد الختبار ل كي ُي سدى إليّ القيام «بمه مة‬
‫خاصة» لمؤسسة ل تعتبر فيها المحبة المطلقة للنسانية من الصفات اُلمرجًَحة ‪.‬‬
‫قلت‪« :‬ل ست من المع جبين جدا بادولف هتلر»‪ .‬لم تحدث ملحظ تي تلك مجرد ابت سامة بل كا نت كقول مر يض‬
‫بداء اليدز(أو السيدا)‪« :‬إنني على القل أحافظ على انخفاض وزني»‪ .‬وهنا توجه إليّ أحد الثلثة ببضعة أسئلة عن‬
‫معتقداتي الدينية‪ .‬فقلت في نفسي لقد أدركت الن ما يرمي إليه بذلك السؤال‪ ،‬وأوضحت له بأن محبتي للنسانية س‬
‫أو ان هذا العجز المؤسف عن مقت أي جزء منها س تعود إلى لشئ ل يتعدى في أهميته نقصا غدديا وبأن ليست‬
‫لديّ أي قاعدة اخلقيسة له على الطلق‪ .‬وأضفست‪« :‬فإن كنتسم تريدون منسي تصسفية شخسص مسا فسسأفعل ذلك بكسل‬
‫سرور»‪ .‬وأردفت بابتسامة بريئة «ولكن ل تطلبوا مني ان أكر هه»‪ .‬جاء الجواب محكما وحصلت على أول مه مة‬
‫لي عبر البحار‪ :‬في دمشق في سوريا حيث مثل ذلك الموقف جوهري‪.‬‬
‫وهكذا انتقلنسا إلى السسئلة التسي حملتنسي على ذكسر جلسسة المتحان هذه فسي هذا الفصسل بالذات‪ .‬سسألني الدكتور‬
‫باللت شي « هل تتذ كر المؤثرات المبكرة في حيا تك ال تي أ سهمت في صيرورتك إلى ما أ نت عل يه اليوم؟» أجب ته‬
‫‪«:‬بالط بع‪ ،‬هناك الن سة إدي والن سة آرشيبالد والن سة كالن وش خص أو اثنان غير هن ول كن ال سماء تفوت ني الن‪،‬‬
‫ول كن كان ل هن جميعا تأثيرات هن العمي قة»‪ .‬وأوض حت له بأن ني ذكرت ال سماء الولى ال تي تبادرت إلى ذه ني من‬
‫أسماء معلّماتي في المدرسة الثانوية‪.‬‬
‫قال‪« :‬لم يكن هناك رجال ؟ هل كان كل الذين علّموك في المدرسة نساء؟»‬
‫قلت‪ « :‬أظن كان هناك البعض منهم ولكنهم نكرات وما عدت أذكر أيا منهم»‪.‬‬
‫قال‪ « :‬من منهن كانت مثلك العلى؟»‬
‫قلت‪ « :‬أظن ينبغي أن أقول النسة ارشيبالد»‪ .‬فاليونغ ارشيبالد !هل ثمة اسم أفضل؟ كانت تقريبا‪ »...‬وتوقفت‬
‫عن الكلم لمشاهد تي دلئل اهتمام هم الشد يد‪ ،‬ولك نه كان في غ ير محله‪ .‬وأدر كت فجأة إل مَ كانوا يرمون‪،‬فقلت ‪:‬‬
‫«أع نى ان ها ان سانة لطي فة جدا وأُعج بت بروح النك تة لدي ها وبطريقت ها في التعا طي مع الناس وغ ير ذلك‪ .‬أ ما مثلي‬
‫العلى فهو دوغلس فيربانكس‪ .‬نعم‪ ،‬انه دوغلس فيربانكس»‪( .‬نجوت بأعجوبة)‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫تنفس الجميع الصعداء ذلك ان المه مة التي أعدّها لي رؤسائي تتطلب رجولة جدية ل مكان للهو في ها‪ .‬وعل مت‬
‫في ما ب عد أن العلماء النف سانيين الثل ثة دوّنوا في ملف تقويم هم لشخ صيتي ملحظات متعددة من ها‪«:‬علقات جن سية‬
‫سليمة جدا» تليها مباشرة عبارة «ل اخلقيا تماما»‪ .‬وتبين لي‪ ،‬عندما سرقت ملفي الشخصي من ديوان الوكالة أن‬
‫نتيجة امتحان «ايحاء الكلمات»‪ ،‬وبقع الحبر أظهرت للنساء تأثيرا بالغا في حياتي‪ ،‬وهو بالطبع أمر ل يزال صحيحا‬
‫فيس يصسحّ أيضا فسي جميسع الشباب الذي ربوا فسي البامسا خلل العشرينات‬
‫حتسى اليوم‪ .‬غيسر أن مسا يصسح قوله ّ‬
‫والثلثينات‪ .‬وكانت النساء اللواتي يتمتعن بالذكاء والتربية الرفيعة والجاذبية س وكنا آنذاك ندعوهن «السيدات» س‬
‫يقبلن بالرواتسب المتدنيسة فسي قطاع التربيسة والتعليسم التسي لم يكسن الشباب يقبلونهسا رغسم الحاجسة فسي تلك السسنوات‬
‫العجاف‪.‬‬
‫ت أعلم الن ماذا حدا بي آنذاك للخروج بذلك الجواب ال سخيف الذي اع تبرته في حي نه ي صوّر حقي قة أفكاري‪.‬‬
‫ب ّ‬
‫ل إلى مك تب الخدمات ال ستراتيجية وم نه فورا إلى وكالة ال ستخبارات المركز ية ترك في نف سي‬
‫فعند ما ذه بت أو ً‬
‫علم وثقافسة كسل الذيسن رأيتهسم فيهمسا انطباعا عميقا ليسس فقسط لكونهسم حملة شهادات الدكتوراه بسل لكونهسم يحملون‬
‫شهادات هم تلك من جامعات م ثل هارفارد وي يل وغيره ما من جامعات الدر جة الولى‪ .‬وأدر كت كذلك ان الن سات‪:‬‬
‫ن جميعا أشخاصا ممتازين يعل من علم اليق ين ان ما يجري‬
‫إدي وارشيبالد وكالن وداي قس وغايم وكروس وولوبي‪،‬ك ّ‬
‫داخل غرف صفوف المدرسة ليس تلقينا بل اكتسابا للمعرفة والعلم وان مهمتهن هي اثارة اهتمامنا بهما وتزويدنا‬
‫يرفس لي جفسن بأن «الثقافسة» سس حسسبما تعلمست‬
‫ّ‬
‫بأصسول تصسنيف المور وتقويمهسا‪ .‬اسستطيع القول الن دون أن‬
‫ا ستعمال هذه الكل مة س ال تي نلت ها ا نا وغيري في «مدر سة إر سكن رمزي الفن ية العال ية» في مدي نة بيرمنغهام في‬
‫ول ية البا ما تضا هي تلك ال تي ح صلها الكثيرون من حملة شهادات الدكتوراه سواء من جام عة هارڤارد أو ي يل أو‬
‫برنستون الذين عملت معهم لحقا في الوكالة أكانوا أرفع أو أدنى مني رتبة‪.‬‬
‫دعوني أسوق هنا مثلً بسيطا‪ .‬فقد طلب إلينا في المتحان استعمال البارومتر (جهاز قياس ضغط الهواء) لتحديد‬
‫ارتفاع ناط حة ال سحاب «امﭙا ير ستايت» في نيويورك‪.‬وفي ما راح المرشحون الخرون ي سترشدون ب ما تعلّموه من‬
‫أ صول الرياضيات في جامعات هم المختل فة خر جت بالجواب الذي ن تج ع نه ا ستدعائي إلى الغر فة المجاورة ح يث‬
‫خضعت للمتحان الفرادي كما سبق وأوضحت‪ ،‬فقلت‪« :‬أبحث اولً عن المهندس الذي صمّم البناية وأقدّم له هدية‬
‫هي عبارة عن بارومتر جديد وجذاب شرط أن يقول لي الرقم الصحيح لرتفاع البناية»‪ .‬وهذا بالفعل ما كنت لفعله‬
‫لو انني واجهت في الحياة الواقعية موقفا كهذا‪.‬‬
‫كانت دهشة الساتذة الثلثة س باللتشي ومورغن وتيرنر الذين صاروا فيما بعد من أقرب أصدقائي س كبيرة‬
‫من جوا بي بمقدار ما كا نت دهش تي من هم‪ .‬ل قد كان شعوري إذ يح يط بي رجال ون ساء من ذوي الكفاءات العلم ية‬
‫‪5‬‬

‫الرفيعة مزيجا من التواضع أمامهم والحترام البالغ لتفوقهم العلمي من جهة والدهشة المستمرة من إصرارهم على‬
‫تحو يل القضا يا الب سيطة إلى قضا يا معقّدة من ج هة أخرى‪ .‬ثم‪ ،‬وب عد عجز هم عن حلّ ها‪ ،‬ر غم معرفت هم لم سّبباتها‪،‬‬
‫تبقى لديهم غير قابلة للحل‪ .‬العقليات المماثلة تحيط بي منذ بداية معاطاتي مع وكالة الستخبارات المركزية‪ .‬ولدى‬
‫سؤالي عن المؤثرات الولى ال تي عملت في نف سي كان من ال طبيعي ان الجواب الول الذي سبق غيره إلى ذه ني‬
‫جاء متعلقا بمؤهلتسي الدراسسية رغسم ادراكسي للتفاوت الشاسسع بينهسا وبيسن تلك التسي يتمتسع بهسا أفراد الهيئة الذيسن‬
‫يستجوبونني‪.‬‬
‫لنرى إذا ممن جاءت تلك المؤثرات؟ أمن أبي؟ كل‪ ،‬فقد كان أكبر سنا من والدتي بثمانية عشر أو بعشرين عاما‬
‫أي من سن أجداد أترابي ل من سن آبائهم‪.‬إن كل ما أذكره عنه أنه كان يؤمن بالتلقين ل بالتعليم وانني كنت أقاوم‬
‫كل ش يء أراد ني أن ابتل عه ابتلعا‪ .‬فن تج عن ذلك وجود ثغرات في ادرا كي ح يث ينب غي أن أرى المور بجلء‪،‬‬
‫وتقزّز في نف سي ل كل ما هو مفروض عليّ فرضا‪ .‬ام أن ها من أ مي؟ ا جل‪ ،‬ف قد كا نت عطو فة وغفورة ومر حة‬
‫وقصاصة ممتازة‪ ،‬وقادرة على رؤية البقعة المنيرة في أي محنة كالحة‪ ،‬والناحية المضحكة في أي كارثة‪ ،‬وشفوقة‬
‫في الوقت نفسه على ضحية الكارثة‪.‬‬
‫أ صبت ق بل مو عد دخولي المدر سة بداء ال سبل ال صدري فقض يت سنتين في الفراش‪ .‬وعند ما دخلت المدر سة‬
‫وجدتني متقدما جدا عمن هم بعمري من أترابي ذلك لنني قضيت سنتين من الدراسة المكثفة‪ .‬فعلى َيدَي عمتي التي‬
‫اعتسبرت تعليمسي تحدّيا لهسا تعلمست القراءة والكتابسة والجمسع‪ .‬وكان هناك أيضا جارنسا المفكسر وايتسس تايلور الذي‬
‫أرشدني إلى ماذا أقرأ‪،‬كما علّمني شقيقي الصغر‪ ،‬هنتر‪ ،‬وهو الرياضي في حينا‪،‬كيف استغلّ الرياضة في حياتي‬
‫المتبرعمة‪ .‬وهكذا سرعان ما اكتشفت بعد دخولي المدرسة أن الذكاء ليس خطيئة‪ ،‬وان هزال البنية ليس خطيئة هو‬
‫ال خر‪ ،‬وان اجتماع الذكاء والهزال ه ما بالن سبة لبا قي الطلب بمثا بة العلم الحمراء لثور الم صارعة‪ .‬تكّي في مع‬
‫جعَل ني ما أ نا عل يه اليوم‪ .‬فل ما‬
‫وا قع ان با ستطاعة أ خي الذي ي صغرني ب سنتين أن ي صدني كل ما حاولت مهاجم ته َ‬
‫أدركت عدم قدرتي على انتزاع ما أُريده منه بالقوة لجأت إلى الحيلة ونجحت فيها‪ ،‬بل تفوقت‪.‬‬
‫قبسل بلوغسي العشريسن مسن العمسر صسار بإمكانسي ليسس فقسط التحايسل على شقيقسي بسل وكذلك على باقسي الرفاق‬
‫والح صول على ما ابتغ يه من هم‪ .‬ف قد جعلت هم مرة يقفون طابورا طويلً لشراء طوابع بريد ية تذكار ية مزوّرة‪ ،‬ومرة‬
‫أخرى لشراء تذا كر يان صيب «لرحلة ل غز»‪ ،‬وثال ثة لشراء مهيّجات تؤ ثر في الشابات «المهذبات»‪ ،‬وللشتراك في‬
‫«حدي قة حيوانات» تج مع في ها حيوانات ول ية آلبا ما بوا سطة الفخاخ في و قت غ ير محدد‪ ،‬على أن يقوم الكشاف‬
‫المحلي بذلك‪ .‬ولما انفضح أمري في نهاية المطاف قال المسترتي‪ .‬سي‪ .‬يونغ مدير المدرسة ان على ضحاياي ان‬
‫يشكرو ني لن ني لقّنت هم در سا سيكون بالغ الهم ية وجز يل الفائدة ل هم في الم ستقبل عند ما يدخلون العالم الحقي قي‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫وكان المسستر يونسغ نفسسه أول «مشترك» فسي «حديقسة الحيوان» تلك‪،‬وأحسد الذيسن تذوقوا قبسل غيره لذّة طعسم العالم‬
‫الحقيقي الذي تحدث عنه‪.‬‬
‫ال‪ ،‬ك يف تجر جر الذكريات بعض ها بعضا! جاك هولبندر‪،‬ن جم حفلة الرب يع في المدر سة سجل حدثا في التار يخ‬
‫المسرحي‪ .‬فقد أصابة انتصاب وشوهد بوضوح من آخر مقعد في القاعة‪ ،‬أثناء تأديته مع فتاة من عمرة تدعى مايبل‬
‫البرناثي أغنية «آه‪ ،‬أوعديني»‪ .‬لم يكن ذلك الفتى المسكين يدرك‪ ،‬لحداثة سنة‪ ،‬ما حدث له علما بأنه ل بد شعر بأن‬
‫ل م ساكه ب يد ماي بل شأنا ما بذلك‪ .‬ولم تف طن ماي بل بدور ها ل ما يجري حول ها ح تى أخذت هم سات الحضور تتحول‬
‫إلى ضحك ثم إلى قهقهة فانتبهت إلى انتفاخ سروال جاك وصاحت بأعلى صوتها هاربة عن الخشبة ل تلوي على‬
‫شيء‪.‬‬
‫أما الفتى المسكين الخر هركي مكدومك فقد اعترته البراغيث س نعم‪ ،‬براغيث! فلم يعد أحد يقترب منه‪ ،‬ناهيك‬
‫عن الجلوس بقربه في الصفّ‪ .‬ول بد انه كان في ذلك الوقت أتعس فتى في الوجود‪ ،‬لجأ إلى الستحمام مرتين في‬
‫اليوم فضلً عسن اسستعمال جميسع أنواع العقاقيسر المعروفسة فسي حينسه‪ ،‬ولكسن دون جدوى‪ .‬وأخيرا عندمسا علمنسا أن‬
‫البراغيث ل تحّب سواه ول تنتقل إلى غيره صرنا نقترب منه أثناء الفرصة نمازحة بشأنها‪ .‬ولكنها ل تكاد تودعه‬
‫حتى تعوده ثانية متجاهلة باقي الرفاق‪ .‬وهكذا وبفضل البراغيث صار هركي للمرة الولى في حياته محور اهتمام‬
‫أترابسه فأشرقست أسساريره بالرضسى والرتياح واكتسسب ثقسة المجتمسع‪ .‬وفسي اعتقادي ان عليسه العتراف بجميسل‬
‫البراغيث لصيرورته أشهر محام تجاري في الولية‪.‬‬
‫وكان بين نا أيضا ف تى هز يل البن ية ق صير القا مة يد عى بوريغارد روزبلوم ا سميناه « بو» ت صغيرا وتحّببا‪ ،‬صار‬
‫الن أحد كبار جراحي الدماغ في نيويورك‪ .‬و«بو» هذا يلثغ بحرفي السين والكاف‪ .‬وكمثل ديموستين الخطيب‪ ،‬قام‬
‫بتنمية قدرته الخطابية فبات يسحر المؤتمرات الطبية ببلغته وإلقائه وهو يحاضر عن التهابات أطراف العصاب‬
‫وأمراض الغّدة النخامّ ية والحركات الع صبية اللإراد ية‪ .‬وكان نط قه ميؤو سا م نه كليا و هو في الثاي نة عشرة من‬
‫عمره‪.‬في المناسبة التي أشير إليها هنا طلب من «بو» ان يلقي في الجتماع الدوري السبوعي في مدرج المدرسة‬
‫خطبة الرئيس لينكولن في ذكرى معركة غتيسبرغ‪.‬‬
‫بدأ اللقاء‪« :‬منذ ثمانين وثبع ثنوات‪ »...‬ثم استمر بجدية وبصوت آخذ في الرتفاع حتى كاد يصبح زعيقا فيما‬
‫كان المستمعون يضحكون لدى تلفظه بكل كلمة فيها حرف سين أو حرف كاف‪ .‬ولما ضاق ذرعا توقف عن اللقاء‬
‫ونظر إلى الحضور نظرة اشمئزاز وتحدّي ثم تفوّه بكلمات صارت فيما بعد كلمات خالدة في المدينة‪ ،‬اضافة إلى إن‬
‫سلح الشارة في الفرقة الحادية والثلثين من الحرس القومي قد تبّناها‪ .‬صاح قائلً‪« :‬بامتانتُم تُّلتُسم أن تلحثوا تفاي‬

‫‪7‬‬

‫!!!» ونزل عن المنبر بخطى ثابتة تنم عن شعوره‪ .‬فما كان من الحضور إلّ أن نهضوا من مقاعدهم يصفقون له‬
‫بحماس‪ .‬وصار «بو» الن أحد أبطال مدينتنا السطوريين ‪.‬‬
‫يبقى سرد بعض ذكرياتي هذه مبتورا إن أنا تغاضيت عن ذكر رجل طيب حقا هو الستاذ الوحيد الذي أتذكره‬
‫من بين الرجال الذين علموني في المدرسة‪ .‬وكان باستطاعتي الفصاح بسهولة بالغة عن أنه أدّى قسطا وفيرا في‬
‫تكوين شخصيتي لول ذلك البحر الواسع من العلم والمعرفة الذي أحاط بي أثناء تأدية كل تلك الفحوص والمتحانات‬
‫في وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ .‬إ نه المدرب كلّي‪ ،‬أو «فرد»‪ ،‬ك ما صار ي سمح ل نا بمنادا ته ب عد بلوغ نا مرحلة‬
‫الشباب‪.‬‬
‫الزمان‪ :‬أظنّه العام ‪ .1944‬والمكان جادة الشانزليزة في بار يس‪ .‬ك نت سائرا في ذلك الشارع الشه ير وإذا بي‬
‫أرى المدرّب كلّي مقبلً عليّ‪ .‬إنسه مثلي برتبسة نقيسب‪ ،‬علما بأن رجلً يتمتسع بذكاء وشخصسية كلي ينبغسي أن يكون‬
‫برتبة عقيد أو أرفع منها‪ .‬تبادلنا التحية بحرارة صادقة وسألته كيف يريدني أن أخاطبه‪ ،‬ذلك أن «مستر كلّي» تبدو‬
‫عبارة سسخيفة ومصسطنعة فسي تبادل النكات بيسن ضابطيسن مسن رتبسة واحدة‪ ،‬فقال‪ :‬أن «فرد» تفسي بالغرض‪ .‬ذهبنسا‬
‫لتناول الغداء وأخسبرني قصسة مدهشسة أعيدهسا الن لمصسلحة أصسدقائنا القدامسى فسي برمنغهام الذيسن قسد يقرأون هذا‬
‫الكتاب شرط أن يعدوني بألّ يفشوا سرّها‪ .‬ولكن ل بد لي من سرد خلفية تلك العلقة الخاصة التي نشأت بيني وبين‬
‫المستر كلّي‪.‬‬
‫خلل العام الدرا سي ‪ 1930‬س ‪ 31‬ح صل في مدر ستنا سلسلة من المزاح‪ ،‬بع ضه برئ والب عض ال خر أ قل‬
‫براءة‪ ،‬كتبديسل العلقات على مسسابقات المتحانات وتعليسق نشرات على لوحات العلن عسن علقات عاطفيسة بيسن‬
‫المعلمات والمعلمين الشباب ومذكّرات تنصح وترشد ضحايا الحب والغرام إلى أساليب اكتساب ود الفريق الخر أو‬
‫إلى وسيلة للتخلص منه‪ .‬كل ذلك من باب التسلية واللهو ولكنه ملفت للنظر‪ .‬استعار الشخص عن تلك التقليعات اسم‬
‫أرسين لوبن‪ ،‬اللص الباريسي المختص بسرقة التحف الفنية ودارت حول مغامراته قصة احد أول الفلم السينمائية‬
‫الناطقة‪ .‬ولما كنت أحد الطلب المعروفين بشعورهم بالمسؤولية المجتمعية تقدمت بعدة اقتراحات للقبض على ذلك‬
‫النذل وذهبت إلى حد أنشاء فريق حراسة لمراقبة الردهات حيث توجد لوحات للعلنات‪ .‬وفي النهاية قدمت للمستر‬
‫كلي قائمة بافخاخ‪ ،‬إذا نصبت وخضعت للمراقبة بدقة‪ ،‬أدت إلى كشف هويّة ذلك المحتال‪.‬‬
‫أما المستر كلّي الذي كان يعرف سرا تلك الهوية س أي أنا س فنصب الفخاخ في المكنة التي تضمن وقوعي‬
‫فيها وتمكن من ذلك قبل شروعي بحملة دعائية عن علقة عاطفية بينه وبين النسة مون‪ ،‬معلمة الجغرافيا اللطيفة‬
‫المعروف عنهسا أنهسا تكّن له موّدة خاصسة‪ .‬يسا له مسن ثعلب عتيسق! طلب رئيسس المدرسسة طردي منهسا عقابا على‬
‫أفعالي‪ ،‬ول كن الم ستر كلّي كان قد ا ستمتع بتلك اللع يب ا نه ا ستطاع انقاذي م ما هو أك ثر جد ية بكث ير من البقاء‬
‫‪8‬‬

‫بعض الوقت الضافي بعد النصراف ولبضعة أيام في صف معلمة اللغة اللتينية الن سة غايم الجميلة فلم اعتبر‬
‫ذلك قصاصا صارما‪.‬‬
‫هكذا التقينا المستر كلّي س فرد س وأنا في باريس وكان قد بلغني انه مرّ بفترات صعبة‪ .‬فعلى الرغم من كونه‬
‫رجلً شريفا وعلى الرغم من أن أحدا ليستطيع أن يتهمه بأي سوء ائتمان سواءً من حيث التلعب بأموال المدرسة‬
‫أو تضخيم فواتير نفقاته أو حتى خيانة زوجته مع أرملة ثرية‪ ،‬لم يفقه مجلس أمناء المدرسة كيف استطاع المستر‬
‫كلّي شراء منزل جميل في حي راق وسيارتي بيوك واحدة له والثانية لزوجته‪ .‬سأفضح الن سره‪.‬‬
‫أثنا تناولنا طعام الغداء قال فرد‪« :‬سأدلي باعتراف حبسته سرا طيلة هذه السنوات‪ .‬هل سبق لك أن قرأت مجلة‬
‫«الش بح ؟» طبعا‪ ،‬هل هناك من لم يقرأ ها ؟ ل قد كا نت أك ثر المجلت المخت صة بق صص الجرام والتحرّي شعب ية‪،‬‬
‫واقتُبس عنها برنامج اذاعي اسبوعي مدتّه ساعة كاملة اجتذب المستمعين من كل العمار مساء كل يوم أحد ‪.‬حسنا‪،‬‬
‫اين العتراف؟ المدرس فرد كلّي هو «الشبح» فقد كان يتقاضى ثلثة سنتات عن كل كلمة يكتبها للمجلة في قصة‬
‫مؤلفة من ‪ 15‬ألف كلمة‪ .‬ول شك في أن دَخلً متوسطه السبوعي ‪ 450‬دولر إضافية إلى راتبه في المدرسة وإلى‬
‫التاوة التي يتقاضاها من المحطة لقاء اذاعة رواياته شكل في تلك اليام مدخولً كبيرا‪ .‬لقد كنا هو وأنا شخصين‬
‫متشابهين في التفكير ومختلفين في بعض وسائل التعبير‪ .‬المدرب كلّي صاحب مخيلة غزيرة ومقدام ل يتورع عن‬
‫الخوض في أمور يعتبرها العاديون حوله بعيدة عن منالهم إلى حد وصف التفكير بها على انه مجرد أحلم ق صّية‪،‬‬
‫ولكنها كانت كافية لجعلهم في سنوات الكساد في الثلثينات ينعتونه بألطف القسوة الممكنة كقولهم‪« :‬إنه رجل طيّب‬
‫ولكن قدميه ليستا على الرض»‪ .‬وإذا حذفنا عبارة «إنه رجل طيب» تظل العبارة الثانية هي الصفة التي ألصقها به‬
‫اساتذتي ورفاقي في الصف والمدرسة‪.‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫المدرسة‪ ،‬فرق موسيقي الجاز‬
‫والجيش الميركي‬
‫لنرى بماذا خر جت من مدر سة رامزي العال ية اضا فة إلى امتل كي لنظريات بولن في ال جبر وهند سة اقليدس‬
‫ولنظر ية لع بة الرياضيات ولمجمو عة التعاب ير الفل سفية ولمن طق الخلقيات و ما شا به ذلك؟ صحيح بماذا؟ ول كن‬
‫شغفت بنشاطين غير مدرسيين‪ :‬الول هوس بمتابعة ما لدى رفاقي من دراهم الجيب‪ ،‬لنني كنت قد حفظت عن‬
‫ظهر قلب تراكيب لعبتي البوكر والبلك جاك‪ .‬أما الثاني فكان مبعث أمل لشاب حساس لم يبلغ العشرين من عمره‬
‫ب عد في أيام الك ساد ال كبير من أعوام الثلثينات‪ :‬ا نه ن فخ البوق‪ .‬لكن ني كدت أك فر بالبوق وبالن فخ ف يه لن والدي‬
‫‪9‬‬

‫جعلني أقضي ساعة من التدريب القسري عليه كل يوم‪ .‬غير أن ميلي الطبيعي للموسيقى وأذني الحساسة جدا بها‬
‫سسهّل عليّ اتقان العزف والحلول فسي مرتبسة عازف البوق الول فسي فرقسة المدرسسة‪ .‬ولكسن برز فسي تصسرفي‬
‫الموسيقي شواذ لم أدرك له سببا إلّ بعد ما صرت أبا لعبقري موسيقي‪ :‬قلت ان والدي أجبرني على قضاء ساعة‬
‫في التمرين على العزف صباح كل يوم‪ .‬فكنت أعزف خللها أحد اللحان المفضلة لديه‪ ،‬نشازا فقط نكاية به وثأرا‬
‫من إكراهي على التمرين‪ ،‬وفي الواقع كنت استرق ثلث أو أربع ساعات من التمرين بعد ظهر كل يوم قابعا في‬
‫فناء قاعة الموسيقي في المدرسة‪.‬‬
‫يعود الفضل في صيرورتي عازفا مرموقا ل إلى تلك الساعة الكئيبة التي فرضها أبي عليّ داخل البيت بل إلى‬
‫ساعات التمر ين ال سرّي في المدر سة‪ .‬و ما أن أ طل العام ‪1932‬ح تى أ صبحت أ حد عاز في فر قة الذا عة المحل ية‬
‫وتعاقدت مع نا احدى شركات العطورات لتقد يم اعلنات ها من الذا عة‪ .‬تحولت الفر قة المتواض عة إلى فر قة كبيرة‬
‫وحملنسي البوق إلى جامعسة البامسا التسي دخلتهسا وكُلّي تصسميم على متابعسة الدروس فيهسا إلى أن اغاظنسي عازف‬
‫السكسوفون الكبير‪ ،‬جيري جيروم‪ ،‬حتى الجنون‪ .‬ففي كل مرة زعق فيها بوقي بنوتة نشازا‪ ،‬نظر إليّ جيري نظرة‬
‫اشمئزاز وتو قف بر هة عن العزف لي هز رأ سه ثم عاود العزف وكأ نه يقول‪« :‬ل حول ول ‪ »...‬وأطلق عليّ ل قب‬
‫«بوّاق المدرسة»‪ .‬كنا آنذاك في فرقة عرفت باسم «كافاليرز» [الفرسان] ‪.‬‬
‫فعلت بي نقائصسي المو سيقية ما فعله اللثسغ بسس « بو»‪ .‬ف قد ك نت أيام المدر سة فسي بيرمنغهام ا سترق سساعات‬
‫التدريب استراقا أما الن فتخلّيت كليا عن التظاهر بمتابعة الدروس الجامعية وأخذت أقضي في التمرين من ستٍ‬
‫إلى ثماني ساعات يوميا‪ ،‬وكان تلك طريقتي بالقول لجيري وغيره في فرقة كافاليرز‪«:‬بامتانتم تلتّم أن تلحثوا تفاي»‪.‬‬
‫لم أق ضي ال ساعات الطويلة هذه بالتمرن على عزف ال سللم المو سيقية والدروس العاد ية بل على عزف و صلت‬
‫البوق المنفردة من ض من المعزو فة العا مة‪ .‬صحيح أن ني لم أتعلم قط عزف مقطو عة«طيران ذكور الن حل» مثل ما‬
‫يعزفها هاري جايمس‪ ،‬ول كن عندما التقى جيري بهاري في فرقة بني غودمن قال الول للثاني بأن عل يه التخفيف‬
‫من غلوّه ومتاب عة ما يقوم به صديقه القد يم في كل من بيرمنغهام ون يو أورلي نز‪ .‬و في الوا قع أ خبرني هاري بذلك‬
‫عندما زارتي خصيصا ليدعوني لللتحاق بفرقته في العام ‪.1937‬‬
‫كان انتزاع إعجاب جيري غا ية ب حد ذات ها عندي‪ ،‬وب عد بلو غه أعلى ق مم الفرق المو سيقية آنذاك لم يك فّ عن‬
‫اطرائي في أو ساط فرق الجاز بح يث ب تّ مدينا له بعضو ية كل واحدة من الفرق ال كبرى ال تي انضم مت إلي ها في ما‬
‫ب عد‪.‬ل أن سى ذلك ال سبوع الذي حاولت ف يه جهدي مكاف حة النعاس طيلة أيا مه ال تي أمضينا ها في فر قة غل ين ميللر‬
‫نعزف في مربع ليلّي على سطح فندق روزفلت في نيو أورلينز أواخر صيف ‪1940‬وفي اعتقادي ان ذلك السبوع‬
‫رغم ما عانينا فيه من إرهاق شكّل قفزة كمّية في اسلوب حياتي الخذ بالتسارع‪ .‬ففي آخر ليلة من ليالي تعاقدنا مع‬
‫‪10‬‬

‫الفندق جمع غلين أفراد الفرقة ليطلعنا على فكرة رائعة خطرت له‪ ،‬وقال ‪«:‬سيطالنا التجنيد الجباري جميعا فربما‬
‫استطعنا دخول الجيش معا»‪ .‬كان غلين نفسه قد تخطّى سن خدمة العلم‪ ،‬أما نحن فكنا كلنا شبابا أصحاء راقت لنا‬
‫جدا فكرة قضاء فترة الحرب نعزف الجاز ترفيها عن الجنود في مختلف الموا قع‪ .‬حملت الفكرة على مح مل الجدّ ية‬
‫خصوصا بعدما قال غلين أنه هو وأفراد الفرقة الدائمون سينضمون إلى الجيش بعد انقضاء أجل التعاقد مع مربع‬
‫ميدو بروك في ولية نيو جيرزي‪.‬‬
‫غاب عن ذه ني الن مع ظم تفا صيل دخولي الج يش‪ ،‬لكن ني ما زلت أذ كر أن ني ذه بت‪ ،‬ب عد عود تي إلى البا ما‬
‫بقرابة السبوعين‪ ،‬إلى مركز الحرس القومي والتحقت بفرقة فرسان «راينبو» المشهورة بأن البلهاء فيها أكثر عددا‬
‫من الجياد‪ .‬كنت آمال في النتهاء من فترة التدريب بحيث انضم إلى ميللر وفرقته لدى دخولهم الجيش‪ ،‬ولكن شاءت‬
‫الظروف أن يتأخروا سنتين قضيته ما في الخد مة الفعل ية في أورو با و في حياة مختل فة كليا عن سابق ا سلوبي فبتّ‬
‫كأنني في عالم آخر‪.‬‬
‫إنه لعالم جديد بالتأكيد‪ .‬فبصفتي عازف جاز كنت أتقاضى راتبا كبيرا (بالمقارنة مع رواتب تلك اليام) وأحظى‬
‫باحترام بل وباعجاب زملئي‪ ،‬كما كنت استمتع أيضا بعزف موسيقى الجاز أكثر من أي عمل آخر (أو بطالة عن‬
‫العمل) قمت به قبله أو بعده‪ .‬ولكن عالم المرابع الليلية والفلك التي تدور فيها فرق الجاز لم يكن عالمي المفضّل‪.‬‬
‫ل مرت ين أو ثلثا خلل وجودي بينهم طيلة سبع‬
‫ل قد أحببت زملئي كثيرا واظنهم أحبّو ني أيضا‪ .‬ول كن لم يحدث إ ّ‬
‫أو ثماني سنوات ان قال لي أحدهم مجرد «قم لنذهب إلى السينما بعد ظهر اليوم»‪ .‬وبالمقابل كانت الحياة في الجيش‬
‫مختلفة كليا‪ .‬لقد كنت أسوأ جندي في العالم ولكنني استطعت الختلط بسلسة مع كل الذين اشتغلت برفقتهم‪ .‬وخلت‬
‫انني عثرت على موقعي الطبيعي‪.‬‬
‫كان آمر الوحدة هناك المقدم كوغديل يعمل في أيام السلم بائع لبوليصات تأمين‪ .،‬ل يعرف في الشؤون العسكرية‬
‫بمقدار ما يعرفه من التزلّفات الرخيصة‪ .‬انضمّ إلى الحرس القومي لن في ذلك فائدة له في تزويج أعماله واستطاع‬
‫بلوغ رت بة «مقدّم» ل نه تفوّق من ح يث مواه به بقدرات فتيان فرق الكشاف في أيام ال سلم‪ .‬عيّن اب نه البالغ الثام نة‬
‫عشرة من العمر برتبة عريف أول‪ ،‬وعين نائبا للعريف قاضي الناحية لنه سيحتاج إلى خدماته‪ .‬أما معي أنا فقد‬
‫ارت كب احدى أفدح غلطا ته‪ ،‬على كثرت ها‪ .‬ذلك ا نه ل بد ان مظ هر ثرائي المتم ثل بأنا قة ملب سي وب سيارتي الفخ مة‬
‫ال تي و صلت في ها إلى المر كز قد أثرّ ف يه فعين ني الرق يب الثالث‪ .‬ثم ع ين مع نا بوب كرا يغ و هو عازف الط بل في‬
‫احدى الفرق المو سيقية المحل ية المرمو قة وأ حد أمرح الرجال في الدن يا‪ ،‬وجاء نا أيضا ب صديقي هيوياربر وبجورج‬
‫آلن سميث وهو ابن أحد القساوسة في المدينة الذي تجرأ أن ينافسني في مغازلة أجمل بنات المدينة‪ ،‬وببضعة شباب‬
‫آخرين ارتحت كثيرا لمخالطتهم‪ .‬لقد كان ذلك الجو جوّي المثل س لتلك الحقبة على القل‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫أ ما الوظي فة؟ كا نت ممتازة حقا‪ ،‬فل يحتاج المرء في ها ح تى لدما غه! فك نت أجلس طيلة النهار أرا جع ح سابات‬
‫الرواتسب بسسرعة ودون تفكيسر‪ ،‬فيمسا يبتعسد عقلي عسن عملي ذاك مسسافة ألف ميسل‪ .‬المقدم وابنسه أبلهان دون شسك‪،‬‬
‫ولكنني أحببتهما‪ .‬فقد كانا لطيفين معي دون أن يخلو ذلك من بعض التزلّف‪ ،‬وأضفيا الكثير من الهزلية على حياتنا‪.‬‬
‫فبحضورهما كان علينا بالطبع أن نحملهما على محمل الجدية‪ .‬أما في غيابهما فكنت أنا وهيو وبوب نتبادل الراء‬
‫الشفهية والنكات عنهما وعن تصرفاتهما التي لو كتبناها آنذاك لكانت تشكل الن‪ ،‬بعد أربعين سنة‪ ،‬حوارا لسيناريو‬
‫الفيلم الذي طلب منسي كسبير أبنائي كتابتسه‪ .‬الواقسع اننسي‪ ،‬مثسل اينشتايسن‪ ،‬بارع فسي الرياضيات وضعيسف جدا فسي‬
‫الح ساب‪ .‬فأخطائي في الج مع الب سيط عديدة إضا فة إلى صعوبة تحد يد موا قع في الفوا صل في الك سور العشر ية‪.‬‬
‫ومنها مثلً انني حسبت الراتب لشهرين لملزم ثا نٍ في المركز على أنه ‪ 130 ,000‬دولر‪ .‬ل ريب أنه قدّر لي‬
‫اريحي تي ولك نه كجندي نز يه ينت ظر ترقي ته إلى رت بة ملزم أعاد الش يك وعر ضه على المقدّم الذي أ مر فورا بد فع‬
‫راتبسه الصسحيح‪ ،‬فقسط ‪130‬دولر ل غيسر‪( .‬قال لي الملزم لحقا‪« :‬سستكون هذه الحرب طويلة»)‪ .‬المهسم ان المقدم‬
‫حدّد مهمتي فقط بتعداد أوامر صرف الرواتب ل بتعبئة خانات الرقام فيها‪.‬‬
‫وفي النهاية اسمعني المقدم كوغديل ما يشبه العبارة التقليدية التي يقولها كل مدير مدرسة للطلب الراسبين بأنه‬
‫«قد يكون من الفضل لهم اللتحاق بمدرسة أكبر» مقترحا بكل ما أوتي من كياسة بأنني قد أكون «أكثر سعادة» في‬
‫وحدة «أ قل تميزا» ليس في ها أي مجال للح ساب س أي وحدة مشاة عاد ية أو ما شابه ها‪ .‬وه نا أنقذي رن ين الجرس‪.‬‬
‫ل يكون مجيئي على ذكر اينشتاين مجرد هراء‪ .‬فقد تبين أنني رجل ذكي فكان ذلك الكتشاف‬
‫ولكن تشاء الصدف أ ّ‬
‫نق طة تحول أخرى في حيا تي‪ .‬فق بل أن ن ستقلّ القطار الع سكري باتجاه مخيّم بلندي نغ في ول ية فلوريدا‪ ،‬و هو أول‬
‫مكان تن قل إل يه فر قة الحرس القو مي الحاد ية والثلثون جُ مع ب ضع مئات م نا في مر كز الفر قة ح يث أخضع نا ل ما‬
‫عّرف آنذاك بالمتحان الت صنيفي العام للج يش‪ ،‬و هو امتحان يش به امتحان تحد يد ن سبة الذكاء أدخلت عل يه تعديلت‬
‫لقياس المهارات ولسستثناء السسئلة «ذات الصسلة الحضاريسة» التسي مسن شأنهسا عدم انصساف الفراد المنتميسن إلى‬
‫عرقيات «أ قل ثقا فة»‪ .‬ول ما كان مع ظم ال سئلة من النوع الذي يختار ف يه المر شح جوابا من ب ين عدة أجو بة‪،‬فأي‬
‫ان سان يتم تع بغريزة المقامرة يدرك بأن عل يه اهمال الجواب ين ال قل منط قة واختيار وا حد من الجواب ين الخر ين‪.‬‬
‫وهكذا فعندمسا أجهسل فعلً الجواب الصسحيح أُعمسل الحدس فسي الختيار‪ .‬جاءت نتائجسي فسي المتحان‪ ،‬كمسا عملت‬
‫لحقا‪ ،‬بتصنيفي بين العباقرة‪.‬‬
‫وفي ما كان المقدم يكت شف مدى بله تي انكبّت دائرة شؤون الملك في الج يش على درا سة مجالت الفادة من‬
‫قدر تي العقل ية المتفو قة‪ .‬و ما أن انتقلت فرقت نا إلى م ستنقعات لويزيا نا لجراء مناورات الرب يع ت حت الم طر س في‬
‫الراضي الموحلة‪ ،‬حتى دعيت إلى مكتب مساعد القائد العام ومنه إلى معسكر ليفينغستون في مونروفيا‪،‬في ولية‬
‫‪12‬‬

‫لويزيانسا‪ ،‬للخضوع لمتحانات اضافيسة‪ .‬لم يكسن فسي غرفسة المتحان سوى جندييسن غيري‪ .‬قدّمست المتحان فكا نت‬
‫النتي جة مشاب هة لنتائج المتحان ال سابق أي ‪ 160‬نق طة بين ما المعدل العام المقبول به للجنود محدد بمئة نق طة وذلك‬
‫المقبول به لتدريب الضباط هو ‪ 110‬نقاط‪ ،‬مقابل ‪ 85‬نقطة فقط للسود والهنود الحمر س الواقع انني سجّلت ‪145‬‬
‫نق طة في المتحان الول و ‪ 160‬في الثا ني‪ ،‬علما بان من يح صل على ‪ 140‬نق طة و ما فوق يع تبر في م صافّ‬
‫العباقرة‪.‬‬
‫بلغني فيما بعد أن علمتي الخيرة هي أعلى علمة سجّلت في القوات العسكرية الميركية‪ ،‬وأعلى من علمة‬
‫ابسن خالي‪ ،‬دون سسكوت (يبدو أن الذكاء مسن سسمات أسسرتنا) وتكاد تتماثسل مسع المسستوى المقدر للبرت اينشتايسن‪،‬‬
‫وليوهان فولفغانغ غوته‪ .‬وللسيد المسيح حسب ما أظهرته دراسة أجراها فريق من علماء النفس في جامعة ستانفورد‬
‫ضم البروف سور إغرتُن باللت شي الذي ذكر ته في مطلع الف صل ال سابق‪ .‬قلت لنف سي بأن ني ذو ع قل متفوّق‪ .‬فماذا‬
‫تراني أفعل تحت المطر وفي الوحل بين كل هؤلء الفلحين المساكين؟‬
‫لمسا رجعست إلى خيمسة الماليسة أخذت قلما وورقا وسسطرت رسسالة إلى أحسسن رجسل فسي العالم‪ ،‬النائب جون‬
‫سﭙاركمن‪ ،‬الش يخ سﭙاركمن في ما ب عد‪ ،‬وأقوى ر جل في لج نة مجلس الشيوخ للشؤون الخارج ية‪ ،‬و صاحب أفضال‬
‫ي في ال سنوات اللح قة‪ .‬ثم أدّع يت وفاة جد تي أو غير ها عذرا للح صول على اجازة لعشرة أيام‬
‫متعددة أ سبغها عل ّ‬
‫وتوجّهت بالقطار السريع إلى واشنطن العاصمة‪ .‬ولدى سماعه عن عبقريتي الفذّة أرسلني النائب سﭙاركمن فورا إلى‬
‫مكتب الجنرال «وايلد بِل» دونوفان الذي كان آنذاك يشكل شيئا سمي «مكتب تنسيق الستعلمات» الذي تحول إلى‬
‫«مك تب الخدمات ال ستراتيجية» الش هر] = ‪ OSS= Office of Strategic Services‬و هو مك تب ال ستعلمات‬
‫الميركسي ليام الحرب ثسم إلى وكالة السستعلمات المركزيسة فسي أيام السسلم ‪CIA =Central Intelligence‬‬
‫‪Agency‬‬
‫قامت بيني وبين الجنرال دونوفان علقة تفاهم ومودة منذ لقائنا الول‪ .‬وصلت مكتبه بعيد الظهر ولم يكد يمضي‬
‫بضع دقائق حتى بدأت أقصّ عليه حكايات المناورات في مستنقعات لويزيانا والفترة التي قضيتها مع المقدم كوغديل‬
‫وابنه‪.‬راح الجنرال يضحك ويضحك ثم سألني عما إذا كنت قد تناولت طعام الغداء‪ .‬فإذا بي بعد دقائق قليلة أتناول‬
‫السسندويشات وأشرب الجعسة فسي مكتسب وايلدبسل دونوفان الشهيسر علما بأن التصسال بسه متعذّر إلّ على الرئيسس‬
‫روزفلت‪ .‬خرجت من مكتبه بتأكيدات بأنه سيتصل بي قريبا‪.‬‬
‫وهكذا عدت إلى الو حل وإلى تعداد أوا مر ال صرف‪ .‬وأُ صبت بضر بة الش مس وت سممت ب سموم العشاب ونلت‬
‫حصتي من قرصات البعوض ونمت في فراش بلّلته المطار ونزلت بي جميع أشكال البؤس والشقاء التي يمكن أن‬
‫ل بانسان عليه العيش في مستنقع بارد وممطر ليلً وحار ورطب نهارا‪ .‬كنت أحلق ذقني صباح كل يوم حتى في‬
‫تح ّ‬
‫‪13‬‬

‫أيام المناورات‪ ،‬حسب الوامر‪ ،‬أنا كانت بزّتي مجعدة وملطّخة بالوحل اليابس‪ .‬باختصار كنت في حال تعيسة كحال‬
‫المقدم كوغد يل لدى معرف ته‪ ،‬عبر الوا مر ال سرية جدا‪ ،‬بأن ني مو ضع تحقيقات تمهيدا لتكلي في بمه مة في واشن طن‪.‬‬
‫ش عر المقّدم بارتياح كبير لفكرة التخّلص م ني لم يقابله شعور مما ثل ل ما تنّم ع نه تلك البشائر‪ .‬دعا ني في احدى‬
‫المسيات قبيل موعد العشاء ولما رآني قال ‪«:‬إنك تحقير لبزّتك!»‪.‬‬
‫تحقير لتلك البّزة؟ حاولت جهدي التمالك من الضحك فلم أتمكن من ذلك‪ .‬وعندما رأيت أن المقدم لم يقّدر الدعابة‬
‫في ذلك الموقف حاولت استعادة الجدية ثم انفجرت ضاحكا لعود وأتمالك نفسي ثم رحت أقهقه من جديد حتى أفلت‬
‫من يدي فأخذت أتدحرج على الرض والدموع تنه مر من عي ني من شدة الض حك‪ ،‬في ح ين جلس المقدم كوغد يل‬
‫يزداد حنقا واحمرارا‪.‬وكان المقدم قد استشاط غضبا قبل تلك المقابلة لن دماغه ذا المئة وعشر نقاط قد تمكن بشكل‬
‫ما من الدراك بأن جد تي لم ت كن على فراش الموت وبأن ني ا ستعملت اجازة العشرة أيام ل عداد صفقة ما وبأن ني‬
‫ا ستعملت النفوذ ال سياسي الذي يخ تص هو به لتأم ين نجاح تلك ال صفقة‪.‬وك نت آنذاك قد أخذت أض حك م نه وجها‬
‫لوجسه‪ .‬وهنسا قال لي‪« :‬مسن الفضسل لك أن تصسلّي ليليا مسن أجسل الحصسول على تلك المهمسة‪ ،‬أيا تكسن‪ ،‬ومسن الن‬
‫وصاعدا لن يكون هذا المكان مكانا فرحا لك»‪.‬‬
‫لم تقم وسيلته في جعل حياتي بؤسا على اعطائي المزيد من أوامر الصرف لعدها وهو أمر لم يكن ليهمنّي‪ ،‬بل‬
‫على أهمالي كليا‪ .‬فكان ذلك من ح سن حظّي ل نه سمح لي بأن أت سلّل إلى مو قع قيادة كتي بة لويزيا نا وزيارة فر قة‬
‫الجاز ال تي ت ضم مو سيقيين من ن يو اورلي نز وبعض هم من أ صدقائي والب عض ال خر انخرط في الج يش على أ مل‬
‫النضمام إلى فرقة غلين ميللر التي سيتم تأليفها بعد زهاء السنة‪ .‬ومن دون الخوض في التفاصيل أجريت الترتيبات‬
‫لنقلي إلى الكتيبة المذكورة ريثما تنتهي الستقصاءات والتحقيقات المنية بشأني‪.‬‬
‫وهكذا عدت إلى فرقة للجاز‪.‬ولما رأى المقدم كوغديل ان انتقالي إلى الفرقة يعني تخفيض رتبتي من رقيب إلى‬
‫مجرد جندي ارتاح بل فرح‪ ،‬وازداد فر حه عند ما سمع ان أفراد الفرق المو سيقية الع سكرية ل ينفخون في أبواق هم‬
‫في ساحات القتال الفعلي بل تسند إليهم مهمة اخلء جثث الجند القتلى‪ .‬وفيما كان يوقّع على الوراق المتعلقة بنقلي‬
‫قال ‪«:‬هذا العمل ينا سبك شرط ألّ يطلبوا منك ان تعّد الجثث»‪.‬‬
‫ل يس من الد قة في ش يء القول بأن ني بل غت أوج خدم تي الع سكرية في ال سابيع القليلة ال تي تلت انتقالي‪ .‬ف سحب‬
‫الدمي المخضبة بطلء أحمر من ساحة قتال وهمية لم يكن ذلك العمل المضني خصوصا وانه فرض علينا ساعة‬
‫من التمر ين على المو سيقى الع سكرية صباحا وثلث ساعات من التدر يب على مو سيقى الجاز ب عد الظ هر يوميا‪.‬‬
‫وبينما كنت أتأمل وضعي في ليلة ممطرة تحت خيمة شاطرني إياها هانك فرَيمن‪ ،‬سمعت صوتا في العتمة الدامسة‬
‫يناديني باسمي‪ .‬خامرني الشك في بادئ المر بحسن سمعي‪ ،‬ولكن الصوت ازداد ارتفاعا ووضوحا بحيث لم يعد‬
‫‪14‬‬

‫ثمسة مجال للتشكيسك بمسا سسمعت إذ قال عنسد باب خيمتسي تلك‪« :‬الجندي كوﭙلنسد‪ ،‬معسي أوامرسسرية جدا بحيسث ل‬
‫أستطيع قراءتها»‪.‬‬
‫كان الساعي عريفا يرتدي معطفا يقيه المطر وعليه اشارات مضيئة تنبئ بمهمته‪ .‬سلّمني الرسالة وأنار مصباح‬
‫يد كي ما أقرأ ها فقرأت ها وإذ ب ها تقول بوجوب توجّ هي فورا إلى مع سكر ليفينغ ستون و سحب مئ تي دولر ( ما يعادل‬
‫ألف دولر اليوم) وشراء تذكرة در جة أولى بالقطار‪ ،‬وال سفر إلى واشن طن العا صمة عن طر يق ب ير منغهام ح يث‬
‫يحق لي قضاء إجازة عشرة أيام وشراء ملبس مدنية‪.‬‬
‫في اليوم التالي‪ ،‬وب عد أن ا ستلمت أوراق ت سريحي من مع سكر ليفينغ ستون من الضا بط الم سؤول عن الملك‬
‫والذي أبدى اعجابا شديدا بالوامسر السسرية التسي أحملهسا‪،‬جلسست فسي مركبسة الطعام فسي القطار ارتشسف كأسسا مسن‬
‫المرطبات بانتظار تناول وج بة عشاء فا خر‪ .‬نظرت من نافذة المرك بة في ما كان القطار ي سير م سرعا عبر ساحة‬
‫المناورات وإذا بب حر من الجنود ي ستعدّون لل مبيت في خيم هم في ليلة غزيرة المطار‪ .‬وهكذا عدت إلى «الع صبة‬
‫الكبيرة» التي لم تكن هذه المرة سوى فرقة موسيقى الجاز‪.‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫واشنطن في الحرب‬

‫ها أنا أخيرا في واشنطن‪ .‬توجهت إلى مقر قيادة الجنرال دونوفان فوجّهوني إلى منزل خاص تحول إلى مك تب‬
‫أطلق عليه اسم «فرقة شرطة الستعلمات» التي ما لبث أن تحول اسمها لحقا إلى «مكتب مكافحة الجاسوسية»‪.‬‬
‫والظاهر ان مكتب تنسيق الستعلمات كان في طور التحول إلى مكتب الخدمات الستراتيجية الذي لم يكن قد بلغ‬
‫مرحلة استيعاب «عملء» كمثل ما هو مقرر لي‪ .‬غير ان جيم مورفي الم ساعد الرئيسي للجنرال دونوفان أكد لي‬
‫بأن المور تجري على ما يرام وبأن ني سأجد الع مل مع العق يد غوردن ش ين‪ ،‬رئ يس فر قة شر طة ال ستعلمات‪،‬‬
‫وبأنني سأنقل فيما بعد إلى مكتب الخدمات الستراتيجية هذا في حال لم أقرر البقاء مع فرقة الشرطة المذكورة ‪.‬‬
‫العق يد غوردن ش ين ش خص منف تح ونش يط و هو نموذج للرجولة و من أوائل الميركي ين الذ ين حازوا الحزام ين‬
‫السودين في فنيّ الجيدو والكاراتيه‪ .‬وتبين أيضا انه جعل من نفسه ما يشبه جايمس بوند في أيامنا س ان لم يكن في‬
‫الواقع ففي تخيلته والقصص التي يسردها عن نفسه‪ .‬المهم انه ممتاز وتجسيد لشخصية الرئيس الذي كنت بحاجة‬
‫للعمل تحت إشرافه في تلك الحقبة من حياتي‪ .‬إن إدراكه المحدود جدا لواقع المورس هذا اذا توافرس نابع كله من‬
‫أقلم وروايات المغامرات البوليسية والجاسيوسية‪ ،‬ولكن العقيد شين ليس بمهارة والترماتّي من حيث الخراج‪ .‬لقد‬
‫درّ بّ نف سه تدريبا شاقا ومتقنا ك ما ا نه يتم تع دون ر يب بقدرة التعا طي الفعال مع أي من الحالت الم ستحيلة ال تي‬
‫يتصورها‪ ،‬ويقضي ساعات يقظته كلها في اعداد الخطط الرامية إلى جعل تلك الحالت تحصل فعلً‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫بكلم آخر أفسح العمل مع غوردن شين مجالً واسعا لشخص مثلي‪ .‬ولحسن الحظ‪ ،‬ومن أجل التدريب س مع‬
‫عيّنت للعمل مع الشريك المثل للفادة من الفرص التي أتاحها غوردن‬
‫بعض التصرف في استعمال هذا التعبير س ُ‬
‫شين‪ .‬إنه فرانك كيرنز الذي صار أقرب صديق ورفيق لي طيلة السنوات العشرين التي تلت لقاءنا‪ ،‬وأضحى فيما‬
‫ب عد أ حد كبار المرا سلين الخارجي ين لوكالة سي‪ .‬بي‪ .‬أس للنباء‪ .‬إ نه يتم تع بموه بة جعل ته ل يُقّدر بث من‪ .‬ف ما أن‬
‫ين صب معدات الت صوير‪ ،‬سواء في شارع خل في في كارات شي أو في جادة مطلة على الب حر في بيروت ح تى تبدأ‬
‫الحوادث المثيرة الجديرة بالتصسوير‪ .‬طبعا كان ذلك بعسد لقائنسا الول بسسنوات عديدة‪ .‬عندمسا التقيتسه للمرة الولى‪،‬‬
‫وكان آنذاك في السابعة والعشرين أو في الثامنة والعشرين من عمره‪ ،‬بدا لي وكأنه توأم صديقي ورفيقي في احدى‬
‫فرق الجاز‪ ،‬ستان كن تن‪ ،‬إن ما أحا طت حلقتان بأ سفل عين يه من كثرة ال سهر والمغامرات المراف قة لل سهر‪ ،‬وتماثلت‬
‫رغباتنا في الكثير من الحالت تماثلً سيزداد وضوحا من خلل صفحات هذا الكتاب‪.‬‬
‫كان معظم تدريبي على يدي فرانك كيرنز عبارة عن تركيز على اتقان استعمال كل العبارات التقليدية التي ترد‬
‫في تحر ير المقابلت والتحقيقات‪ .‬وبم ساعدة فرا نك سرعان ما تعل مت فن تحرير ها دون القيام ب ها فعلً‪ ،‬و هو فن‬
‫استغليته أحسن استغلل بعد سنوات عديدة عندما أنيط بي تحرير مراجعات الكتب في صحيفة «واشنطن بوست»‪،‬‬
‫هذا علما بأن معظم تلك الكتب كان على كل حال من باب الكلم الفارغ‪ .‬وهكذا باستثناء فترات بعد الظهر التي لم‬
‫نكن نشاهد أنا وفرانك مباريات «البايس بول» أو فيلما في احدى دور السينما‪ ،‬رحت أحاول التوفيق بين تخيلتي‬
‫وتخيلت العقيد شين فكانت محاولتي تلك تشبه محاولة اعادة معجون تنظيف السنان إلى انبوبه‪ .‬وفي كل مرة ذهبنا‬
‫أنا وفرانك إلى مكتبه لبلغه عن نقص جديد ما اكتشفناه في نظام وقاية أمن بلد نا‪،‬كان يقول لنا شيئا شبيها بس‬
‫«يذكرني كلمكما بالمرة الولى التي زرت فيها طوكيو حيث أنيط بي أمر كشف وسيلة التخابر بين الستخبارات‬
‫غزَل خيوط ها من حقائق قليلة وم ما قرأه في الليلة‬
‫ل ين سج حكا ية َ‬
‫اليابان ية وب ين‪ »...‬ويم ضي في الكلم م سترس ً‬
‫ال سابقة في احدى مجلت المغامرات التاف هة‪ ،‬هذا إضا فة إلى أن الروا ية تتغير في كل مرة عن سابقتها‪ .‬ب عد احدى‬
‫تلك الزيارات قال لي فرانك‪« :‬إن العقيد المفضل عندنا رجل يصعب حمله على التقيد بشيء»‪.‬‬
‫استطعنا أخيرا المساك به من ضمن ما كان احدى أصعب وأبله وأتعب المهمات التي أوكلت إليّ خلل السابيع‬
‫القليلة الولى من خدمتي في جهاز شرطة التجسس‪ .‬ففي احدى الليالي القارصة في منتصف كانون الثاني (يناير)‬
‫أنيط بي وبفرانك القيام بالدورية من الساعة العاشرة ليلً حتى السابعة من صباح اليوم التالي حول المربع الذي يقوم‬
‫ل عن مب نى وزارة الخارج ية‪ .‬كا نت مهمت نا‬
‫ف يه الم قر الرئي سي لجمع ية ال صليب الح مر المير كي والذي يب عد قلي ً‬
‫مراق بة جوا سيس أو مخرب ين من المتو قع أن يهاجموا المب نى في أي و قت‪ .‬جوا سيس ومخربون يهاجمون جمع ية‬

‫‪16‬‬

‫الصليب الحمر؟ إنه حقا لخيال خصب! ما زلت أذكر انني لم أغضب من البارون مونشهاوزن *_ مثلما أخذ فرانك‬
‫يسسمّي العقيسد شيسن _ كمسا غضبست منسه فسي السساعات الولى مسن تلك المهمسة فسي صسقيع ووحدة ورياح تلك الليلة‬
‫الجليدية‪.‬‬
‫ل مجال للري بة في ان تلك المه مة س و هي الب ساطة بعين ها س أعدت أ صلً لبعاد نا أ نا وفرا نك عن مرا بع‬
‫جورجتاون الليل ية‪ ،‬ولكن ها في مضامين ها تحولت إلى ما يش به روا ية معقدة الح بك‪ .‬ل مجال ب ين دف تي هذا الكتاب‬
‫لذكر كل التفاصيل ولكن يكفي القول إن خبرة تلك الليلة باتت بمثابة القاعدة الساسية التي اعتمدتها في لعبة حياتي‪:‬‬
‫أي إذا كنت تبغي التيقن مما يرمي إليه عدوك عليك أولً أن تقدر مقدرته مثلما تقدر مهارة خصمك في لعبة البوكر‬
‫ثم ت ضع نف سك مكا نه وتفّ كر ب ما يف كر به هو لفترة وب عد ذاك ت ضع خط تك وتت صرف ك ما لو ك نت مكا نه في تلك‬
‫الظروف ‪.‬‬
‫بعد ليلة من الدوران حول مبنى الصليب الحمر والبنية المجاورة وفي جو بارد حرارتة تحت الصفر وتفتيش‬
‫خزنات مقر الصليب الحمر‪ ،‬وتصادم مع شرطة واشنطن‪ ،‬وبعد رشوة رقيب في الشرطة وتهديده بفضحه لعادة‬
‫الرشوة إلي نا‪ ،‬أمضي نا ساعتين في م قر إقامت نا أعدد نا خلله ما تقريرا بعنوان «المضام ين المن ية للف ساد في شر طة‬
‫واشنطن العاصمة»‪ .‬وعند وصول العقيد شين إلى مكتبة في الساعة الثامنة صباحا اعترفنا أمامه بأننا لم نقض طيلة‬
‫الليل في الدوران سيرا على القدام في ذلك الطقس البارد‪ ،‬بل استعملنا بعضا من تلك «المبادرة» التي طالما تغنى‬
‫بها أمامنا‪ ،‬لندخل بناء الصليب الحمر بالكسر والخلع وفحصنا ملفّاته سعيا لمعرفة ما الذي يحتمل أن يبحث عنه‬
‫الجواسيس اللمان‪.‬‬
‫لم تبدو على العقيد شين إمارات تنم عن أي امتعاض أو دهشة‪ ،‬بل تمتم قائلً‪ :‬انه كان ليعتبرنا أكثر جنونا مما‬
‫ظن لو اننا قضينا تلك الليلة الجليدية نرتجف بردا‪ .‬وأبدى اهتماما فوريا بالقتراح الذي عرضناه عليه‪ .‬قلت ‪«:‬أيها‬
‫العق يد‪ ،‬ل قد بذل نا و ما زل نا نبذل جهدا كبيرا في تكد يس المعلومات والحفاظ على سريتها دون أن يكون عند نا أد نى‬
‫فكرة عن أي من تلك المعلومات يبحث اللمان‪ .‬كما أننا ل نعرف كيف يحاولون الوصول إلى تلك المعلومات‪ .‬إننا‬
‫نأ تي بافتراضات قسد ل يكون ل ها أي م سوغ‪ ،‬وأ ظن بأن ثل ثة أرباع الجراءات الحتراز ية ال تي نتخذهسا لي ست‬
‫ضرورية وبأن الجواسيس اللمان الذين قد يكونون هنا يركزون على النقاط التي ل نوليها الحراسة الدائقة بها»‪.‬‬
‫واقترحت بأن ننتحل أنا وفرانك شخصية جاسوسين المانيين لفترة لنرى ما يمكن أن نعثر عليه‪ .‬ومن أجل ذلك‬
‫يمكن نا أن نف عل شيئ ين‪ :‬الول معر فة ماذا يم كن لهؤلء الجوا سيس فعله لتخطّي مختلف و سائل الوقا ية والمراق بة‬
‫البال غة التكال يف ال تي ن صبناها‪ .‬والثا ني ماذا يمكن هم معرف ته ب عد ذلك التخطّي‪ .‬أضاف العق يد على ذلك اقتراحا ا نه‬
‫*‬

‫ب ا رو ن ك ا ر ل مونشهاوزن ضابط في القرن الثامن عشر بات بتلفيقاته الخيالية موضوع قصص خرافية‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫بإمكاننا أيضا معرفة ما الذي يفعله الجواسيس بالمعلومات بعد حصولهم عليها نظرا لن نقل المعلومات أصعب من‬
‫الح صول علي ها‪ .‬ف هل ينقلون ها بوا سطة ر سائل بال حبر غ ير المرئي؟ أم هل لدي هم أجهزة ل سلكية يبثون ها وكأن ها‬
‫محاورة بريئة بيسن هواة التخابر بتلك الجهزة؟ واسسترسل فسي مثسل تلك الفتراضات‪ .‬ثسم قال لنسا‪« :‬إن فكرتكمسا‬
‫مدهشة»‪ ،‬وهنا تبادر إلى ذهني انه كان سيقول بأن الفكرة خطرت له نظرا لنه يعيش في عالم من نسج خياله‪.‬‬
‫ل و سيلة عندي لمعر فة ماذا حدث لفكرت نا بعد ما أر سلها غوردن ش ين إلى أعلى للمواف قة س وهذا يع ني بالط بع‬
‫موافقسة منظمسة الجنرال دونوفان التسي كانست منشغلة فسي صسراعاتها البيروقراطيسة لوضسع كسل هذه المشاريسع فسي‬
‫عهدت ها‪ .‬ولكن ني أعرف ان ها ب عد أن أعيدت إلي نا مخف ضة إلى در جة ح تى لتكاد تعادل مجرد حا جز لل من‪ .‬وب عد‬
‫النتظار جاءتنا التعليمات بأن نقوم بدور جاسوسين المانيين وزودنا بوثائق وأوراق الصليب الحمر المزورة تزويلً‬
‫واضحا‪ .‬كان الغرض من ذلك معرفة أي من تدابيرنا الحترازية المتعددة يمكن اختراقها ‪.‬‬
‫اسستعرضنا جميسع الحتمالت وأخيرا ركزّنسا على الوسسيلة التسي تؤدي إلى نتيجسة حقيقيسة هسي «تجنيسد العملء‬
‫وتفعيل هم» ال تي طلب إلّي ب عد ع شر سنوات أن أضع ها في كتاب اعتمد ته وكالة ال ستخبارات المركز ية في تعل يم‬
‫عملئها‪ .‬ما هي السئلة التي يسعى ضابط الستعلمات للحصول على أجوبة عنها بواسطة التجسس؟ انها التالية ‪:‬‬
‫س ما هي المعلومات التي يحتاج إليها رؤسائي لوضع خطتهم الدفاعية والهجومية وأي قسم من تلك المعلومات‬
‫يمكن الوصول إليه فقط بالتجسس عوضا عن استعمال الوسائل التقنية أو المراقبة المفضوحة ؟‬
‫س أين توجد تلك المعلومات ؟‬
‫س مَن هم الشخاص الذين لهم وصول إلى تلك الماكن ؟‬
‫س أي من هؤلء الشخاص بحاجة ماّسة إلى شيء ما بإمكاننا توفيره له‪ ،‬أو بإمكاننا حمله على الحاجة إلى شيء‬
‫نستطيع توفيره له؟‬
‫س ما هي أفضل طريقة لمقاربة هؤلء الشخاص‪ ،‬وحملهم على الحاجة لشيء والعرض عليهم بتوفيره لهم مع‬
‫تجنب خطر وشايتهم بنا إلى رؤسائهم أو غيرهم؟‬
‫على كل حال انت هت لعبت نا هذه ب عد أن رفع نا تقريرا أعرب نا ف يه عن الحتمال بأن ال ستخبارات اللمان ية رب ما‬
‫بنت هيكلية جاسوسيتها حول أشخاص أميركيين اجتازوا التحقيقات المتعلقة بلياقتهم المنية راجين لهم الوصول إلى‬
‫معلومات سرية جدا‪ ،‬ولكنهم معرّضون بطريقة ما للبتزاز أو ضعفاء أمام الغراءات المادية المشوقة‪.‬‬
‫لم يطل المرب نا‪ ،‬أنا وفرانك‪ ،‬حتى تقدم نا بطلب لنقلنا إلى خارج الوليات المتحدة ‪.‬وبعد ظهر أحد أيام خر يف‬
‫العام ‪ 1942‬ك نت عائدا برف قة فرا نك إلى م قر إقامت نا ب عد التحق يق في قض ية بال غة ال صعوبة (أي ك نا عائد ين من‬
‫مباراة في لعبة البايس بول) فعلمنا أن فريقا من جهاز شرطة التجسس جمع على عجل وغادر المقّر قبل ربع ساعة‬
‫‪18‬‬

‫ف قط من و صولنا ووجه ته ا ستراليا‪ .‬ولو أن نا عد نا إلى المّ قر ب سيارة تك سي لكان كل مجرى حيات نا قدتبدل‪ .‬ول كن‬
‫فرا نك أ صّر على العودة بالباص كي يقت صد ب عض القروش ليو مه ال سود‪ .‬صحيح أن ا ستراليا فاتت نا ولكن نا عينّ ا‬
‫لمه مة في لندن وأمر نا بالتو جه إلى مر كز طبي لتل قي التلق يح والتطع يم اللّزم ين للوقا ية من المراض ال تي قد‬
‫نتعرض لها في بريطانيا‪ .‬زودنا بما يلزم لرحلة عبر المحيط الطلسي‪ ،‬والتعليمات المنية المناسبة وبعد اسبوع كنا‬
‫على سفينة تقلّنا مع الجيش إلى أوروبا ‪.‬‬
‫كنا أثني عشر رجلً من المخابرات وكل منا باستثنائي أنا يحمل شهادتين جامعيتين أو أكثر ويحسن التكّلم بواحدة‬
‫أو أكثر من اللغات الوروبية‪ ،‬كما كنا أذكى رجال جهاز مكافحة التجسس قاطبة‪( .‬تجدر الشارة هنا إلى أن جهاز‬
‫شرطة التجسس كان قد أعيد تسميته فصار يعرف بجهاز مكافحة التجسس)‪ .‬قطعنا المحيط الطلسي الشمالي ببرده‬
‫وضبابسه واغسبراره على متسن سسفينة الكويسن اليزابيسث وكان معنسا ضباط وجنود فرقسة المشاة الولى فسي الجيسش‬
‫الميركسي المؤلفسة مسن مختلف أصسناف الجنود والضباط وزهاء الخمسسين ممرضسة وقسد أعطيسن المقصسورات‬
‫المخصصة لركاب الدرجة الولى إبّان رحلت السفينة الفخمة في أيام السلم ‪.‬‬
‫ضّ مت وحدة جهاز مكاف حة التج سس في تلك الرحلة الث ني ع شر «عميلً خا صا» الذ ين ذكرت وثل ثة ضباط‬
‫باللباس الع سكري هم الرائد كير بي جيل يت والنق يب موراي فوك نر (شق يق الد يبين ولي مَ وجون) والملزم ل نْ آلن‬
‫وكلهم موظفون سابقون في مكتب التحقيق التحادي أبدوا اهتماما واحتراما بالغين بمن عهد بهم إليهم من أهل العلم‬
‫والعالم‪.‬ف قد أمنّوا ل نا كل ما أم كن تأمي نه في سفينة مكت ظة بالجنود ر غم معار ضة بائع الحذ ية ال سابق في مدي نة‬
‫مهف يس من ول ية تن سي المايجور جنرال آرنولد جنين غز الم سؤول الول عن جم يع من هم على ظ هر ال سفينة‪.‬بلغ‬
‫جنينغز رتبته هذه من خلل الحرس القومي‪ .‬ولما كان غير واثق من نفسه وخائفا على مركزه صار يشك في كل‬
‫أ مر ل تنّص عل يه صراحة التعليمات الع سكرية ال تي ل تنط بق علي نا ب صفتنا مدني ين ‪.‬ف قد قال ل نا مرة «إذا خال فت‬
‫أنظ مة الج يش وقواني نه أن تم أول من ير فع تقريرا بذلك‪ ،‬وهذا ما أتو قع من كم فعله»‪.‬ل شك في أن الجنرال جنين غز‬
‫ضابسط ممتاز يراعسي ضميره ومتقيسد بمبادئه على اسستعداد لبذل أفضسل طاقاتسه فسي سسبيل وطنسه‪ .‬إنسه بكلم آخسر‬
‫شخصية تافهة تماما‪.‬‬
‫في أيام السلم كانت الناحية المخصصة لنا في السفينة تشكل الجسر وغرفة المرضى‪ ،‬وقد تأمنت لنا فيها أسباب‬
‫الراحة المقبولة قياسا إلى الظروف‪ .‬ولكن وقع حدثان كان من شأنهما تحسين أوضاعنا على ظهرها‪ .‬فقبل إبحارنا‬
‫با سبوع الت قى قبطان ال سفينة البريطا ني الكاب تن هاو يز بريلي في حفلة كوكت يل في نيويورك بالمقدم المح بب إلي نا‬
‫غوردن ش ين‪ .‬ول بد أن هذا الخ ير ه مس في اذن الضا بط البريطا ني ( مع غمزة ل ها مغزا ها من عي نه الي سرى)‬
‫وبصسوت ينّم عسن أنسه يطلعسه على معلومات سسرية وحيويسة بأننسا«عملء خاصسّون» وبأنسه‪ ،‬أي الكابتسن هاويسز‬
‫‪19‬‬

‫بريلي‪،‬يسدي خدمة ضرورية وفّعالة لتحسين العلقات البريطانية الميركية أن هو عاملنا المعاملة الحسنة والخاصة‬
‫واللئقة التي تستحقها مهمتنا الخطيرة‪ .‬راح الكابتن يبحث عنا فع َثرَ علينا بعد يومين وأمّن لنا المشرب (بار) المزود‬
‫أحسن تزويد وطاولة وكدسات الورق للعب إضافة إلى عدد من المجلت التي تكثر فيها صور النساء والمصادرة‬
‫من أفراد طاقم السفينة ‪.‬‬
‫أما الشيء الثاني الذي زاد من تحسين وضعنا فكان القضية التي صارت فيما بعد تُعرف بس «الحادث»‪ ،‬وقد تّم‬
‫وصفه في تقرير غطّى صفحة واحدة ل غير مكتوب باللة الكاتبة رفعت إلى الدوائر الرسمية المختصة‪ .‬أما بالنسبة‬
‫إلي نا فكان «الحادث» قفزة كم ية إلى المام ك ما و صفها ل حقا الرائد كيري جيل يت الم سؤول عن وحدت نا‪ .‬لم نشا هد‬
‫ف صول ذلك الحادث ان ما يبدو أن أفراد طا قم المط بخ في ال سفينة‪ ،‬المؤلف من مدني ين بريطاني ين منتم ين إلى اتحاد‬
‫البحارة‪ ،‬طلبوا من الجنود بقشيشا‪ .‬ولما رفض هؤلء أخذ عمال المطبخ يرمون بالقمامة‪ ،‬ومعظمها مواد سائلة‪،‬في‬
‫ل رماة الرشاشات التابعين لفرقة المشاة الولى ‪.‬في اليوم الثالث من هذه الممارسة طلب آمر‬
‫المكان الذي يفترشه لي ً‬
‫الرماة العر يف أول جاك كويغلي س ويز يد وز نه عن المئة كيلو غرام من الع ضل المفتول س من الم سؤول عن‬
‫العّمال وممثل اتحاد البحارة على السفينة إزالة تلك الوساخ فأجابه‪« :‬نظفّها بنفسك» ‪.‬‬
‫وهنا استدار كويغلي إلى رجال المشاة الواقفين يتفرجون وقال‪« :‬أنت‪ ،‬وأنت‪ ،‬وأنت وأنت‪ ،‬ارموا بهذا البن كذا‬
‫إلى البحر»‪ .‬ودون تردد ولو لبرهة قصيرة أمسك الرجال الربعة بالمسكين من يديه ورجليه وأرجحوه بضع مرات‬
‫ثم رموا به إلى مياه المحيط الطلسي الباردة ‪.‬‬
‫ذّهل رجال طاقم السفينة الذين كانوا هناك وقبل أن يتمكنوا من العودة إلى صوابهم صاح كويغلي بالباقين «من‬
‫هو المسؤول بينكم»؟ فساد صمت قصير قطعه كويغلي بأن اشار إلى أضخمهم جثة وقال‪« :‬إسمع أنت وخذ هؤلء‬
‫البلهاء إلى أعمالهسم»‪ .‬انتهسى المسر وأخسذ العمال المكانسس والمماسسح وشرعوا ينظفون المكان سسمع كويغلي أحسد‬
‫البريطانييسن يتمتسم عسن نوعيسة الخدمسة التسي سسيتلقاها الميركيون فأمسسك بسه وهدّد بأنسه إذا مسا شعسر أحسد الجنود‬
‫الميركي ين بمجرد ألم في المعدة أو في المعاء ف سينتهي ال مر بإلقاء جم يع الموظف ين البريطاني ين إلى الب حر‪ .‬لم‬
‫يترك هذا الكلم أي مجال للشك في أذهان الموظفين بجذّبه الرقيب‪ ،‬كما أن «الحادث» كله حصل خلل دقائق قليلة‪.‬‬
‫لم نشاهد «الحادث» بأنفسنا كما قلت بل سمعنا به في اليوم التالي من قبل الكابتن هاويز بريلي الذي لم يستدع‬
‫الرائد جيليت بل جاء بنفسه إلى مقرنا‪ .‬إنه رجل مرح يوحي بالثقة وبالطيبة المتوقعة من قبطان سفينة سياحية جعل‬
‫المتمر سّين منا بالسفار يتذكرون بعض السفن الكبيرة التي كانت في أيام السلم والبحبوحة توظف قبطانين (أثنين)‬
‫للسفر بين ميناء لوهافر الفرنسي وميناء نيويورك يقوم احدهما بالقيادة ذهابا بينما يقضي الثاني وقته بالسكر ويعود‬
‫بها الثاني فيما يقضي الول وقته مع الركاب يحتسون مختلف أنواع الخمور ‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫بدأ الكاب تن هاو يز بريلي حدي ثه بطري قة تو مئ إلى ا نه يقوم بزيارة ودّ ية متحدثا عن محبّ ته للميركي ين وتقديره‬
‫لمجيئهم للمساعدة في الحرب وعن أقرباء له في مدينة ميووكي ثم انتقل إلى صلب الموضوع فقال‪« :‬يبدو ان بعضا‬
‫من شبابكم ألقوا بأحد طهاة السفينة في البحر»‪ .‬وأخبرنا بما تناهي إليه عن الحادث مؤكدا انه سرد لنا كل ما يعرفه‬
‫عن الموضوع وانه يريد ان يعرف حقيقة ما جرى‪.‬‬
‫بدا من كل مه ا نه ح مل كل الكلم الفارغ الذي سمعه من العق يد ش ين على مح مل ال جد واع تبر ان با ستطاعتنا‬
‫اجراء تحقيق «بصفتنا اختصاصيين» ولنا من التصالت على المستويات الرفيعة في واشنطن ولندن ما ل يعرفه‬
‫ل ال واعتبر أيضا اننا قادرون على تمييع القضية كي ل تؤدي إلى اساءة في العلقات بين البلدين‪ .‬وسبق له ان‬
‫إّ‬
‫تحدث في الموضوع مع بائع الحذية واتفقنا على انه بإمكاننا القيام بما يلزم ‪.‬‬
‫بعد دقائق فقط من مغادرة القبطان هاويز بريلي مقرنا و صَل قائدنا بائع الحذية سابقا وعلى وجهه كل دللت‬
‫الحترام والوجوم الذي يقارب الوجوم الجنائزي وأيد طلب القبطان بأن نقوم بالتحقيقات اللزمة‪ ،‬وطلب إلينا إيداعه‬
‫تقريرا مفصلً وصادقا يكون في الوقت نفسه صالحا لرفعة إلى رؤسائه‪ .‬أجابه الرائد جيليت‪ :‬سيقوم بالمهمة بكل‬
‫سرور‪ ،‬ورأى في ذلك فر صة أخرى جديرة بالقتناص بغ ية الح صول بالمقا بل على تح سينات أضاف ية في رفاهيت نا‬
‫خلل السبوع المتبقي من رحلتنا عبر الطلسي ‪.‬‬
‫انتدب كيربي جيليت للمهمة رفيقنا هاري أمرمن الذي ل يرف له جفن وهو رجل يمكن التكال عليه لستقصاء‬
‫الوقائع «بطريقة ذكية وخالية من العواطف كما لو كان زائرا حلّ بنا من كوكب أخر»‪ ،‬حسب قول ل حق منسوب‬
‫إلى هنري كيسنجر‪ .‬أعلن هاري فورا بأنه ليس بحاجة إلى أي مساعدة في عملية التحقيق بحد ذاتها ولكنه أسرّ بأنه‬
‫سسيكون شاكرا لي ولفرانسك إذا مسا عاونّاه على «اسستغلل الفرص» التسي توقسع توافرهسا نتيجسة لمجهوداتسه‪ .‬جاءت‬
‫سبّاح» كما سّماه‬
‫تحقيقات هاري‪ ،‬مثلما توقعناها‪،‬أكثر مما كان رؤساؤنا ينتظرون ‪.‬فقد تبين منها أن الضحية (أو «ال َ‬
‫أحسد الكتبسة القليلي الذوق فسي قيادة الشرطسة العسسكرية) كان رجلً مهذبا وهادئا ومخلصسا لعمله قبسل بتمثيسل اتحاد‬
‫موظ في طا قم ال سفينة لعدم قبول أي ش خص آ خر به‪ .‬وم ما كاد يُدمِع عينيّ حزنا عل يه ا نه كان من أم هر ل عبي‬
‫الﭙو كر وان نقي صته الوحيدة في الل عب ميله اللارادي إلى توز يع أوراق الل عب من أ سفل الكد سة ع ند تخلي ال حظ‬
‫ع نه‪ .‬أ ما أفراد الطا قم المدنيون غيره والب عض من رجال الج يش المير كي‪ ،‬فوضع هم مختلف كليا‪ ،‬ذلك ا نه خلل‬
‫اسسبوعي الرحلة تمكنوا مسن اقامسة عمليات سسوق سسوداء فسي السسفينة مبنيسة على السسرقة مسن مسستودعاتها وتخبئة‬
‫ل م نا س أ نا وفرا نك الذي قال‪:‬‬
‫الم سروقات للت صرف ب ها ب عد بلوغ نا ميناء الو صول‪ ،‬م ما أثار دهش تي واعجاب ك ّ‬
‫«أن ني متأ كد م نذ الن بأن نا سنربح هذه الحرب !» ول كن «ال سوانح ال تي تنت ظر ال ستغلل» أ سالت لعاب نا ك ما ان ها‬
‫حولت أذهاننا عن التفكير بأن «أبن الكذا وكذا نال ما يستحق» إلى التفكير بالناحية الرياضية المسلية من القضية‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫بعسد يوم أو اثنيسن مسن اسستجواب «الشهود» فسي وضسع كان يسستوجب التسستر عوضا عسن البحسث عسن الدقسة‬
‫والصراحة‪ ،‬أعد هاري تقريرا بدأه بما يشبه الجملة التالية‪« :‬تقع البقعة التي لمست الضحية الماء فيها فوق منطقة‬
‫جرف فارادي ع ند طرف سلسلة جبال مغمورة تد عى جرف شمال الطل سي ح يث يبلغ ع مق المياه أك ثر من م يل‬
‫واحد بقليل » وأنهى تقريره بعبارة تصف مليين الليترات من المياة التي شكلت قبر البحار‪ .‬وتضمن متن التقرير‬
‫سردا واقعيا للحادث مع ملحظة من قبل الضابط الول في السفينة بأنه سينبئ جميع موظفي المطبخ في مختلف‬
‫القوافل البحرية المقبلة بتفاصيل الحادث الذي وصفه بأنه «درس جيد»‪.‬‬
‫أما نحن فتلقينا درسا من نوع أخر جاءنا عن اللجنة التي اعادت النظر في التقرير س وكانت نوعا من «لجنة‬
‫تحقيق» حسبما قيل لهاري‪ .‬جلس حول طاولة تعلوها أكداس من كراريس النظمة العسكرية المختلفة كل من قائد‬
‫الشرطة العسكرية في فرقة المشاة الولى ونائب قائد الفرقة المسؤول عن التفاصيل الدارية المتعلقة بالرحلة وأمين‬
‫صندوق الباخرة وهو أيضا الضابط الحقوقي فيها‪ ،‬إضافة إلى شخصين أو ثلثة أشخاص أخرين لم يعرف هويتهم ‪.‬‬
‫بالنسبة للمجتمعين كان عنوان اللعبة تفادي المسؤولية فلم يظهروا أي اهتمام على الطلق «بالضحية» باستثناء أحد‬
‫كبار الضباط الذي سأل‪« :‬هل أخطرتم عائل ته ؟» للمرة الثالثة بعد أن ق يل له إن الفقيد لم يترك خلفه أي عائلة ‪.‬ثم‬
‫قال أ حد أعضاء اللج نة‪« :‬آ مل بألّ نف سد ملف عر يف ممتاز ب سبب موت مد ني تا فه»‪ .‬وه نا توج هت الن صار إلى‬
‫هاري الذي قال‪« :‬سأروي الشياء كما رأيتها » ولكن لما نمت نظراتهم عن عدم موافقتهم أردف قائلً ‪«:‬إلى حد ما‬
‫بالطبع »‪.‬‬
‫بعد ان انتهى هاري من تقريره الشفهي أعرب كل من أعضاء اللجنة عن رأيه في طريقة التعاطي مع القضية‬
‫واختصر قائد الشرطة العسكرية النتيجة بقوله‪« :‬وقاة بسبب حادث مؤسف »‪ ،‬وأعقبه بعبارة أو أثنتين تترك انطباعا‬
‫بأن شجارا قام بيسن مجمو عة مسن المجنديسن وأخرى مسن طاقسم السسفينة سسقط «الضحيسة» أثناءه فسي البحسر‪ .‬وتحلّق‬
‫الضا بط حول هاري ينظرون إلى ما يكت به‪ ،‬فعدل تقريره على الفور و صار التقر ير متوافقا مع الحقائق ال تي ن طق‬
‫بها قائد الشرطة العسكرية وانتهى المر‪.‬‬
‫كان كل ما جاء نا به هاري إلى غر فة الت سلية ال تي أقمنا ها بالقرب من موقع نا صفحة واحدة باللة الكات بة هي‬
‫عبارة عن صفحة غلف تقريره ال صلي المؤلف من اثن تي عشرة صفحة‪ .‬أ ما الفرص القابلة لل ستغلل ف قد أن يط‬
‫أمرها بي وبفرانك واستلزم ذلك بعض التخطيط والتخيل ولكننا نفذنا المهمة التي برهنا على اننا بمستواها ففي بادئ‬
‫ال مر سجّلنا نق طة لصسالحنا مع العر يف كويغلي وشركائه الرب عة بالجري مة بأن أوهمناهسم بخطورة وضع هم ثم‬
‫طمأناهم بأننا سنصف الحادث بطريقة تقيهم شر العقاب‪ .‬ثم تحولنا بالطريقة عينها إلى الطاقم البريطاني مؤكدين لهم‬
‫بأن نا سنشيح الن ظر في تقرير نا ع ما تك شف ل نا عن سرقاتهم وتهريب هم وعلقات هم بالممرضات (ح صل على ال قل‬
‫‪22‬‬

‫اغت صاب وا حد) على ظ هر ال سفينة‪ ،‬وخوّف نا كبار ضباط ها أيضا بو سائل أخرى وبالمخالفات ال كبيرة ال تي كشفت ها‬
‫تحقيقات هاري‪.‬‬
‫انبرى فرانك فجأة ليقول لهؤلء‪« :‬لكم الحق في أن تتوقعوا تقديرا ماليا رمزيّا لما تقومون به حيالنا‪ .‬لقاء تنادي‬
‫الشباب الذ ين قاموا بذلك الع مل الره يب‪ ،‬تنادوا عن طي بة قلب ول يس عن شعور بأي الزام وقدموا مبلغا من المال‬
‫لنو صله إلي كم »‪ .‬ثم تو جه نحوي قائلً‪« :‬هيّا ب نا‪ ،‬أعط هم المبلغ»‪ .‬فألزم ني بأن أد فع كل المبلغ الذي ربح ته من‬
‫رفاقي في لعبة الﭙوكر الليلة السابقة‪ .‬لست أذكر قيمة المبلغ ولكنه بالطبع أكبر بكثير من كل البقشيش الذي حسب‬
‫عمال المطبخ انهم سيحصلون عليه من الجنود طيلة الرحلة‪ .‬ونجحت العملية نجاحا تاما‪ .‬أما الرجل الذي أُلقي به‬
‫إلى البحر فلم أعد أذكر إل مَ انت هت قضي ته أو أن الن سيان لفّها قبل نهاية رحلتنا‪ ،‬وتبلغ أقرب أقربائه وهو ابن عم‬
‫أحد أبناء عم عمومته القدمين نبأ وفاته في رسالة تعزية تقليدية حذفت منها أسباب الوفاة مراعاة ل عتبارات تتعلق‬
‫بالمن القومي‪.‬‬
‫كم قدّر عمال المطبخ بادرتنا! وفيما أبديت مهارة في الضغط أظهر فرانك مهارة مماثلة في تحديد ال َبدَل ‪.‬ولما‬
‫كان بنيتنسا الحصسول على خدمات أخرى جعلنسا البدل معقولً فقسد طلبنسا مسن زعماء عمال المطبسخ تحضيسر وجبات‬
‫طعام خا صة بأفراد فر يق جهاز مكاف حة التج سس وتقديم ها ل هم في مقر هم‪ .‬وهكذا وخلل اليام ال سعة الخيرة من‬
‫رحلتنسا تناولنسا أصسنافا لذيذة مسن الطعام لم نتناول مسا يشبههسا طيلة سسنوات الحرب‪ ،‬باسستثناء الشهسر القليلة التسي‬
‫قضيناها في باريس بعد إنزال الجيوش في أوروبا ‪.‬‬
‫ولكن بقي أمامنا سبعة أيام قبل الوصول إلى بريطانيا بيّنا خللها أن قيادة جهاز مكافحة التجسس في واشنطن‬
‫اتخذت قرارا حكيما جدا باختيارهسا أعضاء فريقنسا كأول فريسق ترسسله إلى بريطانيسا‪ .‬وعلى الرغسم من أن المنط قة‬
‫المخ صصة للمرضات في ال سفينة محظورة على الرجال ا ستطاع فرا نك تهر يب الب عض من هن لقا مة حفلة راق صة‬
‫في موقع نا ثم هرب واحدة إلى مق صورة على الشر فة ح يث قض يا معا سويعات ب عد الظ هر ولليالي ال تي تبقّت من‬
‫ل والمراهنة على لعبين من فرقة‬
‫الرحلة‪ .‬أما أنا فقضيت تلك اليام في الفراش نهارا وفي مراقبة لعبة الﭙوكر لي ً‬
‫المشاة الولى يعتمدون على الخرافات أك ثر من اعتماد هم على الرياضيات فكا نت النتي جة أن ني وطئت الياب سة في‬
‫بريطان يا و في ج يبي أك ثر من أل في دولر‪ .‬وب عد الحرب قط عت المح يط الطل سي أك ثر من ع شر مرات على م تن‬
‫السفينة كوين اليزاب يت س ‪ 2‬وعلى سفن فخمة أخرى وكانت رحلتي تلك كلها في الدرجة الولى وأكثر‪ ،‬ولكنني‬
‫أقول الن دون أي تردد أن رحلتسي فسي أيام الحرب وبرفقسة زملئي فسي مجموعسة جهاز مكافحسة التجسسس كانست‬
‫الفضل وأنني على استعداد للقيام بها ثانية لو أمكن ذلك‪ ،‬وبدفع كلفتها في الدرجة الولى‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫أما ماذا حدث لتقرير هاري؟ كانت تلك ضربة المعلم‪ .‬فبينما كانت حقيبة الوراق السرية جدا على وشك أن تُقفَل‬
‫وتُختَم ا ستطاع هاري سحب تلك الور قة الملّف قة وأن يد سّ محل ها تقريره ال صلي وقد ك تب ب خط يده على ال صفحة‬
‫الولى‪« :‬فلتسقط القطع أينما شاءت»‪ .‬أما إذا ما ُقيّض لها أن تسقط في أماكنها أو انها لم تسقط فيها‪ ،‬فأمر لم يدرك‬
‫مسامعنا قط‪.‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫لندن في الحرب‬
‫بعد شهر ممل في تشلثتم ملته المماحكة والمناقشات مع العقداء والمقدّمين في محاولتهم لمعرفة هويتنا وغايتنا‪،‬‬
‫أرتدي نا ألب سة مدن ية واستقلينا قطارا خاصا إلى لندن‪ .‬ليست مح طة بدينغُتن أجمل ما بطالعك ع ند وصولك إلى ما‬
‫صارت الن مدين تي المفضلة وال تي و صلناها في يوم بارد ومم طر من أيام أيلول ( سبتمبر)‪ .‬ول كن النطباع الول‬
‫ي من المدينة سرعان ما تعرفت‬
‫الذي تركته في نفسي رائع حقا! الروائح‪ ،‬الصوات‪ ،‬البنية القديمة‪،‬كل ذلك في ح ّ‬
‫إلى انه يضم الكثير من الفنادق الصغيرة يقيم فيها طلب فقراء وتنشقت فيه رائحة شحم الضان والسجّاد المتعفن‪.‬‬
‫خيّل إليّ انني لربما قد أقمت فيه خلل حياة سابقة‪.‬‬
‫عشقته واغرورقت عيناي بالدمع و ُ‬
‫وفيما كان الخرون ينتظرون بصبر من يستقبلهم امسكت بفرانك وبرفيق آخر وأوقفت سيارة تاكسي توجهت بنا‬
‫إلى مكتب إسكان كبار الضباط في شارع اودلي الجنوبي‪ .‬أبرزنا هوياتنا أمام ملزم ثان فكان لها عميق الثر في‬
‫نفسه وأخبرناه بأننا في «مهمة خاصة وطويلة المد« وقلنا له بأننا نفضل مسكنا فخما يكون قريبا من سفارات الدول‬
‫ال كبرى في آ سيا وافريق يا وغ ير بع يد عن ال سفارة الميرك ية في ساحة غرو سفنور‪ .‬حوّل نا فورا إلىم سكن كا مل‬
‫التأثيث في ساحة اوفنغتُن على بعد قرابة المئة متر من محلت هارودز الشهيرة‪ ،‬ول شك في ان البيت المذكور قد‬
‫أصبح الن منزل أحد شيوخ النفط العرب‪ ،‬وكان بدل اجاره الشهري في أيامنا ‪ 120‬جنيها نتقاسمها مثالثة‪ .‬لم يطل‬
‫المر حتى جاءنا طاقم من الموظفين المنزليين المشهورة بهم البيوت البريطانية الثرية يضم بستانيا وخادمة وطاهيا‬
‫قادرا على تأمين فطورنا كل صباح وعلى اعداد وتقديم وليمة عشاء فاخرة لنا ولضيوفنا عند الحاجة‪ ،‬نأتي بموادها‬
‫الول ية من الطا يب ال تي كا نت متوافرة في محلت هارودز و من أطا يب أخرى ن ستطيع تهريب ها من مط عم كبار‬
‫الضباط القائم في شارع أودلي الجنوبي‪.‬وقد استطعنا ذلك بمساعدة الضابط المسؤول عن مستودعات المطعم الذي‬
‫تصادق فرانك معه في اليوم الثاني من وصولنا إلى لندن ‪.‬‬
‫كنت بعد ظهر أحد أيام الحاد أتمشّى في شارع شافتسبوري فسمعت تدريبا على المقاطع الخيرة من كونشيرتو‬
‫للمؤلف راخمانينوف تُعزف على ﭙيانوي ين‪ .‬اقتر بت من مد خل م سرح كا مبريدج‪ ،‬م صدر المو سيقى و تبين لي أن‬
‫ماريا هِس تعزف على ﭙيانو وآرت تاتُم يعزف على الخر وجاء في العلنات عند باب المسرح أن العازفة الشابة‬
‫‪24‬‬

‫العجو بة مورا ليمﭙا ني تح يي الحفلة‪ .‬مورا ليمﭙا ني! اندف عت دون التو قف لح ظة واحدة ن حو باب الم سرح الخل في‬
‫وقلت للبواب بأنني مندوب اوركسترا فيلدلفيا السمفونية وأن عليّ مقابلة النسة ليمباني ومدير أعمالها في غرفتها‬
‫داخل المسرح لبحث جولتها المقبلة في الوليات المتحدة‪ .‬ولدى سماعه لهجتي الميركية سمح لي بالدخول دون أي‬
‫اسئلة ‪.‬‬
‫توج هت ن حو مورا مباشرة و هي خار جة من على الم سرح‪ ،‬و سط ت صيفق ي صّم الذان وعرفت ها بنف سي‪.‬وعلى‬
‫طريقتها الخاصة قالت لي‪ :‬س «نعم‪ ،‬نعم‪ ،‬تفضل مع الخرين إلى كنغزوود بعد أن أعزف مقطوعة أخرى إرضاء‬
‫لصرار الحضور»‪ .‬ليست أذكر بالتحديد كل «الخرين« إنما كان هناك عازفة بيانو ارجنتينية تحولت فيما بعد إلى‬
‫رجل وصديقها الشاب الغريب المظهر الذي تبيّن فيما بعد أنه عشيقها (مع بعض التصرف باستعمال هذه الكلمة)‬
‫و هو عازف ناي يع مل في مخزن لللت المو سيقية‪ ،‬وطالب أو اثن ين‪ ،‬ور جل بلجي كي وزوج ته وه ما من جيران‬
‫مورا في كينغزوود التي سنتوجه إليها جميعا بعد الحفلة‪.‬‬
‫وكان أيضا ب ين أفراد هذه المجمو عة ر جل نح يل طو يل القا مة أن يق اللباس في أو ا سط الربعينات من الع مر‬
‫يضع نظارتين كشفت الطار ويدخن من حامل سجائر طويل‪ .‬بدا لي هذا الرجل شريرا جدا‪ .‬أتذكرون انني قلت في‬
‫بدا ية هذا الكتاب بأن ني لم أكره أحدا في حيا تي؟ غ ير أن هذا الر جل‪ ،‬كولن ديفرا يز‪ ،‬و هو القيّم على مورا ورفيق ها‬
‫ومرافقها في العزف على البيانو الثاني وعشيقها كما تبين لي سريعا‪ ،‬هذا الرجل كاد أن يكون استثناء لما قلته في‬
‫بداية الكتاب‪ .‬باختصار‪ ،‬لم يستسغ واحدنا الخر منذ اللحظة الولى للقائنا‪.‬‬
‫كانت مورا مدهشة‪ .‬فقد بدات تعاملني كما لو كنا صديقين منذ طفولتنا‪ ،‬وانضم الخرون إلينا ودارت الحاديث‬
‫بيننا بالنكليزية وبالفرنسية في السيارة الفخمة التي نقلتنا إلى محطة واترلو التي انتقلنا منها بالقطار إلى كينغزوود‬
‫ثسم لتناول العشاء فسي منزل كولن النيسق حيسث كانست مورا تقيسم ومعهسا بيانواهسا‪ .‬أبدى الجميسع مودة جمسة تجاهسي‬
‫با ستثناء كولون تناول نا طعام العشاء وقضي نا ساعات طويلة نتبادل الحاد يث قبالة نار بهي جة غذت ها ق طع الح طب‬
‫الضخ مة وانت هى بي ال مر أن بت ليل تي هناك‪.‬أف قت صباح اليوم التالي لتناول وج بة الفطور النكليز ية الشه ية ثم‬
‫قضيت بعض الوقت مع مورا نتنزّه في الغابة وساعتين استمع إليها تتمرن على البيانو قبل أن نستقل القطار عائدين‬
‫إلى لندن‪ .‬وإذا ما تبين أن في تلك التجربة نقصا في اثارة غيرة كولن فل تجوز ملمتى للتقصير في المحاولة‪.‬‬
‫يوم الثلثاء التالي تناولت طعام الغداء مع مورا في فندق دورش ستر‪ ،‬ودعوت ها لتناول العشاء في مط عم ميرا بل‬
‫برفقة فرانك كيرنز ومعه ممثلة مختصة بتمثيليات شكسبير اسمها روزالند فوللر تعرف إليها بطريقة شبيهة بطريقة‬
‫تعر في إلى مورا‪ .‬ول كن مورا جاءت إلى المط عم برف قة كولن الذي كان بغيضا حقا في تلك المنا سبة‪ .‬ف قد أ ستأثر‬
‫بالحديسث منسذ بدايسة اللقاء وطيلة السسهرة وغايتسه اظهار براعتسه فسي صسياغة الذم بصسيغة المدح التسي وجههسا إلى‬
‫‪25‬‬

‫الميركيين عموما (أنه يراهم قوما يبعثون «النتعاش» في النفوس) وإلي بشكل خاص‪ .‬أما أنا فرأيت فيه «مشكلة‬
‫«حسب التعريف الوارد في التعليمات الموجهة إلى ضباط فريق جهاز مكافحة الجاسوسية‪ ،‬اي انه شيء يجب ازالته‬
‫من الطريق المؤدية إلى الهدف المقصود‪.‬‬
‫ول كن ك يف ال سبيل إلى ذلك؟ جل سنا قبالة المو قد المشت عل في منزل نا نب حث في ال صعوبات ال تي تعترض نا‪ .‬و كم‬
‫كانست دهشتسي لمعرفتسي أن فرانسك كيرنسز اسستلطف كولن‪ .‬على كسل حال‪ ،‬وبعسد اسستعراض عدة احتمالت تسساءل‬
‫فرا نك‪« :‬لماذا ل نقتله‪ ،‬هكذا بكل ب ساطة؟» لست أذكر تفاصيل بحثنا في الموضوع باستثناء ان فرانك كرر القول‬
‫بأننا في حال حرب وبأننا «سنقتل خللها الكثير من الناس» وأضاف متسائلً مرة ثانية «ماذا يهم نقصان أو زيادة‬
‫سفينغالي * واحد؟‬
‫شفينغالي! نعمرانه الجواب‪ .‬لقد كان كولن سفينغالي عن حق وحقيق غرر بفتاة صغيرة موسيقية وعبقرية مثلي‪،‬‬
‫وأطبق عليها على براءتها ببراثنه الشريرة‪ .‬أما قصتها‪،‬كما روتها لي خلل نزهتنا في الغابة فتتلخص بأنها كانت‬
‫فسي جولة موسسيقية فسي أوروبسا عنسد نشوب الحرب فاحتجزت هناك فترة ثسم عادت إلى بريطانيسا ومعهسا بيانواهسا‬
‫ووالدت ها وهرت ها ال صغيرة ول يس ل ها ب يت تأوي إل يه‪ .‬تد خل ال صناعي الثري كولن ديفرا يز‪ ،‬و هو أيضا من هواة‬
‫عزف البيانو الممتازين‪ ،‬وعرض عليها القامة في منزله الجميل في كينغزوود‪ ،‬إضافة إلى استعداده لمرافقتها على‬
‫البيانو الثاني في عزف المقاطع المخصّصة للوركسترا في الكونشيرتو فيما تعزف هي متن الكونشرتو‪ .‬رأت مورا‬
‫أن العرض أفضل بكثير من أن يرفض خصوصا وان كولن أكد لها بأنه «من عمر أبيها»‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬وخلل الش هر القليلة التال ية أخذنا أ نا وفرانك وجايمس نق ضي مع ظم أوقات نا في التخط يط جديا لغتيال‬
‫مواطن بريطاني معروف‪ .‬وأولينا الموضوع كل الهتمام والمهارة المهنية اللذين عالجت بهما فيما بعد وأثناء عملي‬
‫في وكالة الستخبارات المركزية كل القضايا التي تهمنا على الصعيد الوطني‪ .‬أخيرا قرّ رأينا على أن يضرب كولن‬
‫بالهراوات أثناء خلف محدود ومدبرّ سابقا س شرط أن يقوم بذلك شخص غيرنا حسب رأي قائدنا الرائد جيليت‪.‬‬
‫ح صل كل ذلك م نذ أك ثر من أربع ين عاما وبات ضباب الن سيان يلف التفا صيل‪ٍ ،‬ولكن ني ما زلت أذ كر جيدا أن‬
‫الخطة بدت لنا في حينه ممتازة‪ ،‬هذا فضلً عن اننا أعددنا خططا بديلة ومساندات‪ ،‬كأي تخطيط عسكري صحيح‪.‬‬
‫وعندما أصبحنا على استعداد للتنفيذ كنا قد استشرنا كل الذين يحتمل أن نستعين بمعرفتهم ومهارتهم في القضية‪.‬‬
‫توقعنا بأننا سنحتاج إلى بعض العون الخارجي فذهبت إلى الشرطة وبحثت الموضوع أولً مع العريف بلك ثم مع‬
‫لمفتش كوڤني‪ :‬المفوضين لوقاية وحدتنا من أي طيش‪ .‬دعوني هنا أسدي نصيحة لكل منكم يريد أن يغتال أمه أو‬
‫زوجته‪ :‬في أمر كهذا ل تعتمدوا على أية مساعدة تأتيكم من سكوتلنديارد أنهم جماعة ل يرجى منها خيرا !فهم ل‬
‫*‬

‫شخص يحاول عادة بالترغيب أو بالترهيب حمل شخص آخر على تنفيذ ما يطلبه منه‪Svingali.‬‬

‫‪26‬‬

‫يكتفون بمعار ضة الغتيالت بل يخلقون ل كم جم يع العراق يل البيروقراط ية ال تي يم كن اقامت ها بوجه كم‪ ،‬وهذا يع ني‬
‫الكثير في بريطانيا‪.‬‬
‫ح صلنا من زملئ نا الميركي ين على الكث ير من التأي يد والتشج يع وعلى القل يل جدا من الرشاد والم ساعدة ذات‬
‫القيمة الفعلية لمشروعنا‪ .‬وعندما انتهينا من وضع اللمسات النهائية كان في ساحة غورسفنور كلها أقل من عشرة‬
‫أشخاص يجهلون بأننا نخطط لغتيال مواطن بريطاني بارز‪ .‬على كل حال مازلت حتى اليوم أتلقى بطاقات بمناسبة‬
‫عيدي الميلد ورأس السنة من أصدقائي القدامى في ايتوزا (الحرف الولى من كلمات عبارة «المسرح الوروبي‬
‫لعليمات الجيش الميركي في أوروبا» تشكل كلمة «ايتوزا»)‪ .‬البعض منها في مظاريف معنونة على نحو‪« :‬السيد‬
‫والسيدة قاتل ك‪ .‬كوبلند» وفي البعض منها عبارة‪« :‬هل تخلصتم من بريطاني ما في الفترة الخيرة؟»‬
‫أما ماذا حدث في النهاية‪ ،‬ف قد سالت مياه كثيرة تحت الج سر منذ ولدة الفكرة والمو عد المحدّد لتنفيذها‪ ،‬إلى ان‬
‫انقضى عدة شهور ونسيت كل التفاصيل باستثناء مورا‪ ،‬ولعلّها تجد هي الى‪ ،‬صعوبة في التعرف إليّ‪ .‬هكذا انتهت‬
‫القضية‪ .‬إن استمراري في التخطيط لها ونسج المؤامرات لتنفيذ المخططات إلى ان تخليت عنها‪ ،‬عائد فقط إلى انني‬
‫انغمرت بالمخططات بحد ذاتها‪ .‬ولم اكن مستعدا بالطبع للمضي في تنفيذ عملية الغتيال‪ .‬فعلى الرغم من انني قتلت‬
‫زهاء ستة اشخاص منذ ذلك الوقت ولكن لم يكن بينهم اي شخص قامت بيني وبينه علقات اجتماعية ‪ .‬كل‪ ،‬فالفرق‬
‫كله يكمن هنا‪.‬‬
‫عند ما كتبت ها جاءت مؤامرات نا لغتيال كولن قط عة أدب ية رائ عة باعتراف الرائد كير بي جيل يت والضا بط الر فع‬
‫ل من أعمال الخيال‬
‫منه رتبة في هرمية القيادة رأى فيها جميع هؤلء السادة المثقفين‪ ،‬أو ادعوا بأنهم رأوا فيها «عم ً‬
‫مكتوبا ليكون مثلً يساق في صفوف الركان »‪ ،‬هذا على القل ما ورد في الكتاب المرفق بها الذي أرسله كيربي‬
‫إلى مكتب رئيس عمليات ايتوزا المعرّف عنه ب ج س ‪ . 3‬وتلقى كيربي ملحظة خطية من رئيسه العقيد كالفرت‬
‫جاء في ها‪« :‬آ مل بأن كم ت ستغلون هذه الموا هب في أمكنت ها المنا سبة»ف سّر كير بي الملح ظة هذه ان ها تع ني فرا نك‬
‫وتعني ني وان عل يه اختلق مهمات خال ية من المشا كل ينيط ها ب نا ن حن الثن ين ل بقائنا بعيد ين عن المتا عب‪.‬وهكذا‬
‫فبدلً من تكليف نا بتتبّع الجوا سيس والق بض علي هم جعل نا كير بي نتحرى خروقات سرّية أ من الدولة‪،‬الحقيق ية من ها‬
‫والخيالية‪.‬‬
‫انتاب نا الملك وب سببه حل ب نا التهورة * قبض نا مرة على «جا سوس» الما ني سمعت إشارا ته البرق ية احدى‬
‫صديقات فرانك (هكذا قالت) المقيمة في شقة محاذية لشقته‪.‬أخذناه إلىمقر جهاز مكافحة التجسس بسيارة تاكسي‬
‫وضعناه فيها بيننا وصوّب كل منا مسدسه المرعب من عيار ‪ 45‬إلى رأس المسكين الذي كان يرتعد فزعا‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫دفعنا للسائق اجرته فعادر المكان على عجل وفيها هممنا بإدخال أسيرنا إلى المبنى توقفت سيارة رسمية خلفنا‬
‫وخرج منه صديقانا كوفني وبلك من سكوتلنديارد يرافقهما رائد أميركي اسمه روجر سكسن المساعد الخاص‬
‫للعقيد كالفرت‪.‬بصوت مرتفع قال لنا المفتش كوف ني‪« :‬سنهتم نحن بأمر هذا الر جل»‪ ،‬فيما ارتسمت على وجه‬
‫الرائد سكسن امارات الشماته بنا وكأنه يقول‪«:‬هذه المرة ستنالن جزاء فعلتكما‪ ،‬أيها الغبيان»‪ .‬انقضى عدة أشهر‬
‫قبل أن أدرك ما عناه ولماذا لم تنل مبادرتنا الشجاعة الستحسان الذي حسبناها تستحقه‪ .‬أما سكسن الذي سنأتي‬
‫على ذكره في فصول لحقة‪ .‬فقد غمر قلبه القتناع بوقوعنا في ورطة صعبة أثلجت صدره‪.‬‬
‫قبل دخول قواتنا ساحات الحرب جديا مررنا بخبرة أخرى تعلمنا منها شيئا جديدا‪ .‬واستنادا إلى تشكيك أبداه‬
‫أ حد الم سؤولين بأن يكون البريطانيون إ ما مهمل ين جدا في تع قب الجوا سيس والق بض علي هم‪ ،‬أو ان هم يتعقبون هم‬
‫ويقبضون عليهسم دون اعلمنسا بذلك‪ ،‬قرر رؤسساؤنا وجوب قيامنسا بمجهود مسستقل فسي هذا المجال بغيسة معرفسة‬
‫حقيقة واقعنا فيه‪ .‬ولما كنا ضيوفا في بريطانيا لم نستطع متابعة ومعالجة القضايا المحددة كل بمفردها بل كان‬
‫بإمكاننسا على القسل تحديدهسا والتعرف إليهسا باعتبار انهسا قسد تشكسل خطرا على مجهودنسا الحربسي‪.‬ولدى تحديسد‬
‫المهمات قال العقيسد كالفرت بأن علينسا أنسا وكيربسي القيام ببعسض المهمات لميدانيسة ليسس مسن أجسل القبسض على‬
‫جاسوس أو اثنين بل من أجل التحسس بما تحتاجه طبيعة العمل ‪.‬‬
‫أضاف العقيد بأن السؤال الول المطروح هو‪ :‬ما هي المعلومات التي تحتاج إليها اللمان عنا في قيادة ايتوزا‬
‫ل بتجاوز هم ضوابط نا المن ية؟ وبو صفنا خبراء في مكاف حة الجا سوسية افترض نا بأن‬
‫ول ي ستطيعون بلوغ ها إ ّ‬
‫اللمان يبذلون ق صارى جهد هم لمعر فة م تى وأ ين سنوجه ضربت نا‪ ،‬وبأن أول ما علي نا فعله التعرف إلى نقاط‬
‫الضعف التي سيركز اللمان محاولتهم للنفاذ منها إلى جهاز مكافحة الجاسوسية عندنا‪.‬‬
‫استحوذت الفكرة على مشاعر فرانك فخرج على غير عادته برأي جيد‪ :‬ان نسرق الخزنة من مكتب ج س ‪3‬‬
‫‪.‬أ خذ رأ يه هذا يزداد جاذب ية كل ما ازداد تفكير نا به وتقليب نا له وم ساء الجم عة قرر نا سرقة الخز نة‪ .‬قضي نا طيلة‬
‫عطلة السبوع في التخطيط للعملية وصباح الثنين كنا أمام مدخل القيادة في شاحنة كبيرة ومقفلة سرقناها من‬
‫المرآب المشترك (ل يس من اللئق التقدم بطلب ر سمي للح صول على الشاح نة)‪ .‬خرج من الشاح نة رقيبان في‬
‫الشر طة الع سكرية(بدلتاه ما م سروقتان أيضا) وخلفه ما رجلن بح جم الغوريل يجرّان عر بة لن قل ق طع الثاث‬
‫الثقيلة الوزن‪.‬‬
‫لم نلق أي صعوبة على الطلق في اجتياز المد خل ال ساسي ون حن في بدلت ين مدينت ين ومزود ين ببطاقت ين‬
‫مزورت ين لدخول المب نى‪ .‬مرر نا بحراس المد خل الذي أدوا لنا التح ية وتوجه نا إلى المصعد فالطا بع الرابع‪ .‬في‬
‫الساعة الواحدة تماما اي في موعد وجبة الظهر دخلنا المكتب «الهدف» وحيينا السكرتيرة‪ ،‬وكانت بمفردها فيه‪،‬‬
‫‪28‬‬

‫وسألناها‪« :‬هل لك يا آنسة أن ترشدينا إلى الخزنة التي يريد العقيد آدامز نقلها إلى بناية نورفك؟»أشارت إليها‬
‫فوضعناها على العربة فيما عادت السكرتيرة إلى المجلة التي تقرأها‪( .‬أتذكرون كيف دخل مراسل صحيفة«دايلي‬
‫اكسبرس» إلى المنط قة المحرمة في مطار هيثرو ب عد تفجير طائرة ﭙان اميركان في كانون الثاني س يناير س‬
‫‪1989‬؟) وكذلك لم تعترضنا أي صعوبة إلّ عند بلوغنا الباب الرئيسي‪ .‬فتح الحراس لنا الباب وفيما كنا نحمل‬
‫الخزنة في الشاحنة هرول نحونا ملزم ثان في شرخ شبابه وعلى ذراعه شارة الشرطة العسكرية ‪.‬‬
‫قال‪«:‬عفوا سيدي انما هل معكما استمارة رقم ‪5200‬لعملية النقل هذه؟»‬
‫قلت له‪« :‬آ سف أي ها الملزم‪،‬فن قل هذه الخز نة ل يس عمل ية عاد ية‪.‬ذلك ان الجنرال آرنولد أ مر بأن تكون هذه‬
‫الخزنة في مكتبه في مبنى نورفك قبل الساعة الثانية وها قد تجاوزت الساعة الن الواحدة‪ »..‬ومضينا في مثل‬
‫هذا الكلم‪ .‬ثم تحول نا تارة إلى الل طف وطورا إلى التهد يد ولم نح صل من الملزم الم سكين الذي اعتراه الر عب‬
‫إلّ على‪«:‬ن عم سيدي‪ ،‬إن ني أف هم تماما ول كن الوا مر تق ضي بأل ن سمح بخروج أي ش يء من المب نى دون اذن‬
‫علىاستمارة ‪5200‬موقعة وممهورة بتوقيع وخاتم مكتب نائب القائد العام»‪.‬‬
‫أخرج فرانك دفترا صغيرا من جيبه ودون فيه اسم الملزم س وما زلت أذكره تماما‪ ،‬أنه ألبرت موللينز‪.‬ومع‬
‫اننا أرهبناه لم يتزحزح عن موقفه بعد اعطائنا اسمه‪ .‬وفي هذا الوقت كنا قد استقلينا الشاحنة ولذنا بالفرار‪.‬وبعد‬
‫الغذاء اتخذ نا الترتيبات اللز مة لعادة الخز نة إلى مك تب ج س ‪ 3‬ثم جل ست لو ضع تقر ير عن الحادث مل ته‬
‫اطراء على الملزم موللي نز الشاب‪ .‬ونظرا ل ما قد يتر تب على القض ية من ذيول فكر نا بأ نه من الف ضل ت سليم‬
‫التقرير باليد فتوجهنا إلى مكتب قائد الشرطة العسكرية‪ ،‬العقيد براند في الطابق الول من المبتى رقم ‪ 20‬في‬
‫ساحة غرو سفنور‪ .‬اكتشف نا ان العق يد برا ند‪ ،‬ر غم سمو مركزه في الشر طة الع سكرية‪،‬ر جل ودود تأ ثر إيجابا‬
‫بأوراقنا الثبوتية الصادرة عن جهاز مكافحة الجاسوسية‪.‬‬
‫أخبر نا العق يد ب ما حدث وأدخل نا في تقرير نا الشف هي ب عض المضحكات ابت سم لدى سماعه الق سم الول من‬
‫الحكاية ولماوصفنا له كيف أصرّ الملزم موللينز على موقفه ارتفعت قهقهته عالية وكان ل يزال يضحك عندما‬
‫رفع سماعة الهاتف ليقول للسكرتيرة‪«:‬دعي الملزم موللينز يدخل»‪.‬‬
‫كان الملزم جال سا في الرد هة بانتظار مقابلة العق يد ليروي له الحكا ية على طريق ته‪ ،‬ولم ي كن على علم بان نا‬
‫سبقناه إلى ذلك‪.‬فتح الباب ودخل ولما رآنا جالسين هناك شجب لونه حتى البياض ذلك انه لم يلحظ اننا جميعا‬
‫مبت سمين‪.‬قال له العق يد ‪:‬هدّئ من رو عك يا آل‪.‬ف قد عل مت بأ نه ل يزال أمام نا فر صة لك سب هذه الحرب طال ما‬
‫بقيت حراسة مقر قيادة ايتوزا بين يديك‪.‬إجلس»‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫بدا الرتياح على وجسه الشاب المسسكين وتحول إلى ابتهاج عندمسا أخسبره العقيسد بأننسي اقترحست التنويسه‪ ،‬بسه‬
‫وأعدنا سرد وقائع الحكاية ضاحكين وإنني على يقين من أن آل موللينز يقصها على أحفاده‪ .‬بالطبع كان الناتج‬
‫النهائي لحكايتنا وضع تقرير«يغطي غباوة جمع من البلهاء»‪.‬ولما كنت على دراية وأعرف من أين تؤكل الكتف‬
‫لم ينطسو تقريري إلّ على التقريسظ‪.‬وضسع آلن كالفرت على التقريسر كلمسة‪«:‬نهائي»‪ ،‬وأرسسله رأسسا إلى الجنرال‬
‫ايزنهاور قائل لي‪«:‬رفيقك لعب اللّعبة»‪.‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫الستعداد لعملية اوفرلورد»‬
‫في أوا خر العام ‪ 1942‬وفي ما كا نت مجمو عة الج يش الحادي والعشر ين ت ستعد للنزول عل شوا طئ شمال‬
‫افريقيسا‪،‬فصسلت إلى وحدة فسي قيادة المجموعسة وعيّنست نائبا لروجسر سسكسون‪،‬الرجسل الذي اغتبسط كثيرا عنسد‬
‫مشاهدتنا‪،‬أنا وفرانك كيرنز نسوق «الجاسوس» اللماني إلى مدخل المبنى رقم ‪ 20‬في ساحة غروسفنو‪ .‬وبسبب‬
‫ق صة غرام ية عار مة ك نت فس خضم ها مع احدى سكريتيرات ال سفارة‪ ،‬فضلت البقاء في لندن وأملت في ان‬
‫ي ساعدني رو جر في ذلك‪ .‬ولك نه خذل ني إذ وا فق دون نقاش على وظيف تي الجديدة ‪ .‬رأ يت أن علي حملة اتخاذ‬
‫اجراء ما فأخترت إثارته بالتحجج بأنني قادر على اقصائه عن مركزه والحلول محلّة خلل شهر‪.‬ومع انه على‬
‫يقين من انني لن أتمكن من ذلك أدى به قلقه على مركزه إلى التحرك‪ .‬فادعى القلق الشديد على صحتي وحالتي‬
‫العقلية وأخبر آلن كالفرت عن قصتي العاطفية مع موظفة السفارة وخفض سنها من أحدى وعشرين إلى ثماني‬
‫عشرة سنة ليظهر فارق السن بيني وبينها مما يدل على مدى التشويش العقلي الذي أعاني منه واقترح ان أعود‬
‫إلى الوليات المتحدة لقضاء شهسر مسن الراحسة كسي اسستعيد صسحتي العقليسة‪.‬أثارت تلفيقات روجسر سسكسون قلقا‬
‫ل فسي نفسس العقيسد آلن كالڤرت فوافسق على نقلي إلى الوليات المتحدة على أن أقضسي شهرا فسي مركسز‬
‫أصسي ً‬
‫التدريب على اعمال الستخبارات في معسكر ريتشي في ولية ماريلند حيث ألقى المحاضرات وأتلقى الدروس‬
‫الخاصسة بأعمال أركان السستخبارات المتعلقسة بغزونسا المنتظسر لشواطسئ أوروبسا عسبر بحسر المانسش‪(.‬عمليسة‬
‫أوفرلورد)‪OVERLORD.‬‬

‫لم يرق هذا الجراء لرو جر سكسون فراح يحاول ب كل ما أو تي من و سائل اقناع العق يد‬

‫كاڤرت بأن ني ل ست في الوا قع على شف ير النهيار وبأن انتشالي وإنقاذي من بؤر لندن العاطف ية ي ستدعيان قضاء‬
‫شهر ين من ال ستشفاء في جبال ا سكتلندا ح يث أعل نت مدر سة مغاو ير القوات الحلي فة عن استعدادها لقبول عدد‬
‫محدود مسن ضباط القيادة شرط اجتيازهسم بنجاح فحسص اللياقسة البدنيسة‪.‬تقبسل العقيسد كالڤرت حجسج سسكسون‬
‫المقنعة‪،‬وعلى الخص قوله بانني ل أصلح للخدمة العسكرية‪ ،‬فوافق دون نقاش‪ .‬أسدى لي روجر سكسون خدمة‬
‫جليلة لم أدرك قيمتها إل لحقا‪ .‬فالدروس التي تلقيتها في المدرسة المذكورة شكلت أحد أهم مراحل تعليمي‪ .‬ذلك‬
‫‪30‬‬

‫انها رفعت لياقتي البدنية إلى أعلى مستوياتها وحسنت من مهارتي بتدبير أموري كقدرتي مثلً على تفادي المواد‬
‫القاسية‪ ،‬والهم من ذلك أنها جعلتني أعمق استشفافا لعقلية مكافحة الشر مما كان له أثره العميق في عملي في‬
‫وكالة الستعلمات المركزية التي انضممت إليها بعد الحرب‪ ،‬وعلمتني أيضا مبادئ الستراتيجية الشخصية التي‬
‫صارت أساسية في حياتي‪.‬‬
‫و صلت إلى لندن شخ صا مختلفا وكان أول ما ق مت به التخلي عن القا مة في الب يت برف قة فرا نك كير نز‬
‫وجاي مس ايخلبر غر و حل مكا ني رائد ما ا ستقال من من صبه في مك تب ال ستقصاءات التحادي «لخلف في‬
‫الرأي» مع مد ير المك تب ج‪ .‬ادغار هو فر‪ ،‬يق ضي كل أوقات فرا عه بتنظ يف م سدساته وبالتدر يب على سحبها‬
‫بسرعة أمام المرآة‪ .‬ورأيت في فرانك رجل آخر أيضا فقد استقر في مهمته الجديدة كرئيس لفريق جهاز مكافحة‬
‫التجسس في لندن ويقضي عمله بمراقبة الوحدة المنية التي تعمل كشرطة سرية لدى القائد العسكري في لندن‬
‫أوائل العام ‪1944‬عاد إلى لندن الجنرال ايزنهاور بعد حملة موف قة في شمال افريق يا لي صبح القائد العلى للقوات‬
‫الهجومية الحليفة المسؤول عن «عملية اوفرلورد»‪ :‬وهي خطة غزو أوروبا التي يحتلها النازيون‪ .‬وأبدى فرانك‬
‫مقدرتة المميزة بأن استطاع اختراق سرية موعد وصول قطار الجنرال ايزنهاور إلى محطة بريمروز في لندن‪،‬‬
‫منت صف ل يل ‪ 15‬كانون الثا ني (ينا ير) ورا قب تقار ير الر صاد الجو ية ال تي انبأت بأن الضباب الكث يف سيلف‬
‫المنط قة في تلك الليلة فقام مع وحد ته با ستكشاف المح طة وجوار ها أثناء النهار للتأ كد من سلمتها المن ية ع ند‬
‫وصول الجنرال ايزنهاور وحاشيته ‪.‬‬
‫ثم تصادق فرانك مع كاي صمرسبي‪ ،‬سائقة سيارة ايزنهاور ومساعدته الشخصية‪ ،‬واستمرت علقته بها حتى‬
‫انتهست مسن وضسع كتاب بعنوان‪« :‬انزنهاور كان رئيسسي» ‪(.‬العنوان الصسلي «اربسع سسنوات تحست ايزنهاور»‬
‫ر فض من ق بل دار الن شر على ا نه عد يم الذوق»)‬

‫(*)‬

‫‪ .‬وتعرف فرا نك عبر كاي إلى فتاة بريطان ية جذا بة جدا‬

‫اسمها غوين صارت فيما بعد زوجته ‪.‬‬
‫لم يمض وقت طويل حتى تزوجت أنا بدوري‪ .‬أخذت بعد عودتي من مدرسة المغاوير ارتدي البزة العسكرية‬
‫ل جديدا‬
‫برتبة ملزم أول مما حرمني دخول نادي الضباط في شارع اودلي الجنوبي‪ .‬أدخل التفكير بالزواج تعدي ً‬
‫في حياتي فقد نفضت عني الشعور بالحاجة إلى ما اسماه فرانك «كل المزينات والزركشات» التي تشكل جزءا‬
‫من الُلغز ية المحي طة برجال جهاز مكاف حة الجا سوسية‪ .‬ك ما أدى الخلود إلى حياة أك ثر ا ستقرارا إلى ما أظ نه‬
‫حتم ية لقائي بالن سة لور ين ادي‪ ،‬اب نة طبيب شه ير بجرا حة الدماغ والع صاب في شارع هارلي‪ ،‬لقاء تبع ته‬

‫(*)‬

‫تجدر ال شارة هنسا إلى أن الظرف «تحست» فسي العنوان المرفوض يعنسي بال نكليزيسة أيضا «بأمسر» أو‬

‫بخدمة»‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫(بحتم ية ايضا) عل قة غرام ية أو صلتنا إلى مذ بح الكني سة ل إلى العد يد من حفلت الخطو بة الزائ فة‪ .‬وهكذا‬
‫تزوجنا س وأخذت لنا الصور لتنشر في المجلت الراقية س في كنيسة مريم في شارع غرايت ﭙورتلند وخلدنا‬
‫إلى حياة عائل ية هادئة في ضاح ية لندن‪« .‬كوبل ند الجد يد»! لم يح مل رؤ سائي هذا المفهوم على مح مل ال جد في‬
‫بادئ المسر ولكسن العقيسد كاڤرت قرر فسي النهايسة تكليفسي بعمسل تُسستغلّ فيسه مواهسبي العقليسة بدلً مسن ميلي إلى‬
‫المغامرة ‪.‬وكان القرار وضعي في غرفة اللعبة! وكان ذلك ما ابتغيته ‪.‬‬
‫انشئت «غر فة اللع بة» س«القيادة العل يا اللمان ية«‪ ،‬ح سب ت سمية المثرثر ين لها س المب نى ر قم ‪ 20‬في ساحة‬
‫غرو سفنور لتكون «ش به هد ية بع يد الميلد» للجنرال ايزنهاور لدى عود ته من الجزائر في أوئل كانون الثا ني‬
‫(يناير) عام ‪ ،1944‬ليبدأ منها أعداد عملية «أوڤرلورد»‪ .‬ولئن لم تلق الغرفة اهتماما يذكر من قبل الجنرال (وما‬
‫ك نت على علم آنذاك بأ نه يطلع في ها على الت صالت الدائرة ب ين القيادات اللمان ية ال تي ت صل ب عد فك رموز ها‬
‫المسماة «اشارت الحجية »)‪ ،‬فقد حصلت لي تنويها أو اثنين ووسام جوفة الستحقاق‪ .‬كان في الغرفة تقرير لم‬
‫يتمكن المخططون عند الجنرال ايزنهاور من تجاهله طويلً علما بأنه بقى منسيا مدة طويلة في الدراج في مبنى‬
‫نورفوك ‪.‬فقد أشار بشكل مقنع إلى الحتمال بأن يكون اللمان قد حولوا اهتمامهم عن استراتيجيتهم التي قد بدأنا‬
‫نفهم ها ن حو تطو ير ج يل جد يد كليا من ال سلحة تتر كز في معظم ها على ال صواريخ‪ .‬وعلى الر غم من ان‬
‫الم سؤولين دا خل «غر فة اللع بة» لم يكونوا على علم بالتقدم الذي أحرزناه في تطو ير القنبلة الذر ية س أو لعله‬
‫ب سبب جهل هم لذلك س جاء تقرير هم ب ما تقش عر له البدان‪ .‬ف قد أشاروا ببراءتهم إلى احتمال وجود سلح نووي‬
‫لدى القيادة العليا اللمانية وان هتلر لن يتوانى عن اصدار المر باستعماله إذا ما شعر بأن الحرب انقلبت عكس‬
‫مصلحته ‪.‬‬
‫و مع عل مي بوجود «مشروع منها تن » (ا سم برنا مج البحاث الخا صة بتطو ير و صنع القنبلة الذر ية) وبأ نه‬
‫يتعلق ب سلح عل مي متطور‪،‬لم أ كن حائزا على المرت بة المن ية اللز مة للو صول إلى تفا صيله‪ .‬وهكذا تجاوز ني‬
‫النقاش ب ين ‪ 20‬ساحة غرو سفنور وب ين مب نى نور فك ‪.‬ول كن العلماء في لوس الموس‪ ،‬في ول ية نيومك سيكو‪،‬‬
‫حيث قيادة مشروع منهاتن كانوا على بينة تامة بما يجري‪ .‬وقد وصل إلى لندن أحدهم المقدم بوريس باش إبان‬
‫بلوغ الزوبعة وسط الفنجان أوجها وذروتها بشأنه تقرير «غرفة اللعبة»‪.‬‬
‫هكذا تعرّفت ببوريس باش الذي فتّح لي عينّي على حقيقة الحرب س بشكل خاص على حقيقة انه على الرغم‬
‫من التفوق الظاهري في قوة المان يا الع سكرية تب قى المشكلة ال ساسية ل يس ك يف نر بح الحرب بل ماذا سنفعل‬
‫بالقنبلة الذرية بعد كسب الحرب‪ .‬فاحتمال أو أمكانية امتلك اللمان للقنبلة الذرية او اقترابهم من انجازها‪ ،‬أقلق‬

‫‪32‬‬

‫ا ستراتجيتنا ‪.‬ول كن بدأ يخ طر ببالي ب عد بض عة أ سابيع من الع مل مع العق يد باش ان قلق نا لم ي كن من احتمال‬
‫استعمال اللمان للقنبلة بقدر ما كان من احتمال بلوغ الروس قبلنا أسرار البحاث اللمانية بعد انتهاء الحرب ‪.‬‬
‫بدأ عملي مع العقيد باش في اجتماع لما يسمى لجنة افضليات الستعلمات المشتركة عقد بعد ظهر يوم شديد‬
‫الحر في غرفة واسعة جدا في وزارة الحرب البريطانية سقفها بالغ الرتفاع‪ ،‬وفيها طاولة كبيرة تتسع لعشرين‬
‫شخصا ‪ .‬جلس عند احد جانبي الطاولة أربعة أميركيين س ﭙاش وأنا وممثل عن سفارتنا في لندن وضابط في‬
‫ملحق ية البحر ية في ال سفارة ببز ته الع سكرية س واح تل المقا عد الخرى الباق ية مندوبون عن شركات بريطان ية‬
‫كبرى وموظفون رفي عو المرا كز في الحكو مة وممثلون عن وزارة البحر ية و عن وزارة الحرب ية و عن وزارة‬
‫التموين وعن وزارة الخارجية‪،‬وكان خلف المندوبين البريطانيين مجموعات من المساعدين والسكرتيرات الذين‬
‫ما انفكوا يتهامسون مع المندوبين الجالسين إلى الطاولة فكان الكثير من الرواح والمجيء ومن تقليب الوراق ‪.‬‬
‫لسست فسي معرض وضسع النقاط على الحروف‪ .‬ففيمسا كان البريطانيون يعرفون تماما سسبب وجودهسم فسي‬
‫ل عندما جئت لعداد التقرير الذي‬
‫الجتماع كنا نحن الميركيين سبب وجودنا فيه لم أدرك حقيقة ما كان يجري إ ّ‬
‫و جب رف عه إلى رئي سي آنذاك العق يد آلن كالفرت ‪:‬خلل ال سنتين الماضيت ين كان البريطانيون يفكرون بالهداف‬
‫التي سيتوجهون إليها يوم النصر في أوروبا‪ ،‬وراحوا يفترضون‪ ،‬حتى في أحلك ساعاتهم‪،‬بأن الحلفاء سيربحون‬
‫الحرب ‪.‬إضا فة إلى ذلك فإن الهداف ال تي حددت ها اللجان البريطان ية لم ت كن ف قط أهدافا ع سكرية‪ ،‬بل ع سكرية‬
‫وتجارية‪ ،‬أو حتى تجارية كليا‪ .‬فقد أدركوا منذ زمن بعيد ان البحاث التي يجريها اللمان تسبق بأشواط أبحاث‬
‫الميركييسن والبريطانييسن فسي مجالت الصسواريخ والمتفجرات والمحركات النفاثسة والكيمياء وصسناعة المعادن‬
‫والت صوير الفوتوغرا في ومختلف أو جه الهند سة‪ .‬ول كن يبدو ان هم لم يقيموا لذلك التفوق أي وزن على الطلق‬
‫نظرا لقتناعهم بأن الفوز في تلك الحرب مؤكد لجانب نا‪ ،‬وسيكون مايمكننا الح صول عليه من المكانات العلم ية‬
‫اللمانية «العنصر الثمن من عناصر تعويضات الحرب» التي قد يتسنى لنا الحصول عليها من العدو المهزوم ‪.‬‬
‫ب تّ أدرك الن أن مع ظم كبار ضباط نا كانوا على بيّ نة من المعلومات ال تي جمعت ها خلل أبحا ثي في ذلك‬
‫ال سبوع‪،‬علما بأن ها كا نت جديدة عليّ آنذاك‪ .‬ول عل التقر ير الذي رفع ته عن ها في حي نه هو الول الذي عرض‬
‫الموضوع في ال سياق التاري خي الذي كانوا بحا جة إل يه‪ .‬وعل مت أن الركان المبراطور ية العا مة (البريطان ية)‬
‫انشأت «لج نة أبحاث وتطو ير محدودة» لو ضع مخ طط بغ ية و ضع ال يد على منشأت اللمان ال صناعية ولعلم ية‬
‫وان اللجنة ن سّقت مخططها ليتماشى مع عملية «اوڤرلود» دون تحسيس مخططي «اوڤرلود» بذلك‪،‬حسب ما قاله‬
‫لي لحقا أعضاء فسي قيادتنسا‪ .‬واقام البريطانيون أيضا تسسهيلت التدريسب المحققيسن ورجال الكوماندوس الذيسن‬
‫أسندت إليهم مهمة تتبع كبار العلماء اللمان والقبض عليهم‪،‬بمعزل عن نشاط جهاز مكافحة التجسس (الميركي)‬
‫‪33‬‬

‫وشرطة أمن الميدان البريطانية‪ .‬وبعد أن أخذت أرافق بوريس باش في جولته الميدانية علمت من اصدقائي س‬
‫فسي مكتسب الخدمات السستراتيجية ومختلف دوائر السستخبارات البريطانيسة الذيسن كانوا يعملون معا طورا‬
‫ويتنافسسون تارة سس بأن البريطانييسن ينظمون فرقسة اغارة خاصسة ليسسبقوا نظرائهسم السسوفيات فسي بلوغ منشآت‬
‫البحاث اللمانية ووضع اليد على وثائقها التي نريدها إما لبعادها عن أيدي السوفيات أو لستعمالها من قبلنا ‪.‬‬
‫أعددت تقريري بم ساعدة ها مة جدا قّدم ها لي نات سامولز‪ ،‬و هو محام مخ تص بالقانون الدولي‪ ،‬أ سندت إل يه‬
‫مهمة تسجيل أرقام سيارات الجيب الخاصة بجهاز مكافحة التجسس تحت مراقبة النقيب دويل المتيقظة‪ .‬سبق لي‬
‫أن اعتدت الح صول على تقد ير لعمال لم أ قم ب ها أ نا‪ ،‬وعدم الح صول على التقد ير لعمال ق مت ب ها فعلً‪ .‬أ ما‬
‫التقر ير الذي مكنّ ني نات دو يل من كتاب ته فكان الع مل الول الذي لم أح صل ف يه على أي تقد ير على ش يء لم‬
‫أفعله‪ .‬و مع ان التقر ير ليح مل توقيعا لم ي بق ا حد من كبار ضباط ايتوزا الذ ين ي ستطيعون الرؤ ية إلى أب عد من‬
‫أنوفهم‪ .‬وغاب التقرير عن نظري ولم أشاهده بعد رفعه إلى مرجعه إلّ في ملفات أيزنهاور الشخصية عندما كان‬
‫البروفسور ولي َم بوينع يقوم بأبحاثه لوضع كتابه الممتاز بعنوان «ايزنهاور الرئيس»‪.‬‬
‫ع فا ال ع ما م ضى‪ .‬غ ير أن ذلك الختبار علّم ني الكث ير لم صلحتي الشخ صية وو فر لي أبعادا جديدة وثمي نة‬
‫‪.‬إنني أذكر بشكل خاص نقطة اعتلم برزت خلل حديث جرى بيني وبين نات صامويلز من جهة وبين موظف‬
‫بريطاني رفيع المستوى من جهة أخرى‪ .‬فبعد احتسائنا كمية من الكحول قال لنا الموظف ما مختصره ‪«:‬عندما‬
‫تفكران بهذه الخبي صة تدركان ان ل ها نوعا من المع نى الشر ير‪ .‬ها ن حن مشرفون على الدخول في معر كة مع‬
‫أفضسل مسا شهده العالم مسن الجيوش مسن حيسث التدريسب والنضباط والعتاد‪ ،‬يتقارع فيهسا ايزنهاور وموتتغومري‬
‫وباتن وغيرهم من كبار قوادنا مع قواد شرفاء ومخلصون‪ ،‬ومع ذلك نستطيع الفتراض باطمئنان إلى انه مقدر‬
‫لنا ان نربح الحرب‪ .‬أتعرفان ماذا ينتظرنا؟‬
‫هناك هتلر‪ ،‬بالطبع‪ .‬ولكن صديقنا البريطاني كان يفكر كيف أن شخصا مثل هتلر قد ارتقى إلى مركز يتمتع‬
‫بتلك القوة التي لتصدق في بلد متمدن مثل المانيا‪ .‬وتساءل ‪«:‬من سيستفيد في النهاية عندما تضع هذه الحرب‬
‫أوزارها‪ ،‬من سيكون فوق ؟س ليس فقط من جهتنا بل ومن الجهة الثانية كذلك‪ .‬ألقيا عليهم نظرية جيدة ثم اسأل‬
‫نفسيكما السؤال التالي‪ :‬هل سيكونون بحال أفضل مما كانوا عليها قبل الحرب أم بحال أسوأ ؟ هل كانت الحرب‬
‫بالنسسبة إليهسم ربحا واضحا أم خسسارة واضحسة ؟ لقسد كانست الحرب بالنسسبة لي شخصسيا ربحا واضحا‪ .‬وكانست‬
‫بالنسسبة لجميسع الخريسن تقريبا فسي مركسز قيادتنسا‪ ،‬ولكننسي أشكسك فيمسا إذا كان صساحبنا البريطانسي يفكسر بتلك‬
‫الصسغائر ‪ .‬وفيمسا كنست عائدا إلى البيست برفقسة نات مشيا على القدام قال لي ان ذلك الرجسل يحاول تصسوير‬
‫الحقائق بشكل دراماتيكي‪ .‬ثم أردف ‪«:‬سيكون هناك دائما لعبون ولكن لن يستطيع أي منهم التيان بأي حركة‬
‫‪34‬‬

‫على رقعة اللعب إل عندما يقدم لهم شخص ما نوتة الموسيقى ويجمع افراد الوركسترا ويستأجر القاعة‪ .‬إليك‬
‫النوعين من الناس الذين يجعلون الحداث تحصل في العالم »‪.‬‬
‫أما بالنسبة لي فكان السؤال الهام في ذلك الوقت كيف أتعاطى في المستقبل مع منظمي الوركسترا عوضا‬
‫عن التعاطي مع العازفين وكيف أستطيع التوفيق بين ما تعلمته من الجنرال لوتن‪ ،‬قائد مدرسة المغاوير وبين ما‬
‫تعلمته لتوي من نات‪ .‬لم تكن الحرب العالمية الثانية‪،‬في نهاية المطاف‪ ،‬حقبة تاريخية منفردة لها بدايتها ووسطها‬
‫ونهايتها‪ ،‬بل أنها جزء من عملية طويلة تنطوي على خبيصة هائلة من العقد القتصادية والسياسية والعسكرية‬
‫تجعل أبطالها النيين يبدون تافهين بالمقارنة معها‪ .‬فإذا وضعنا فارق السن جانبا‪ ،‬فإن إدراك ذلك هو الذي جعل‬
‫من أيزنهاور جنرالً ومني نقيبا‪.‬‬

‫الفصل السادس‬
‫جهاز مكافحة التجسس‬
‫ابت عد بور يس باش عن الم سرح ق بل عدة أش هر من مو عد انزال الجيوش الحلي فة إلى شوا طئ أورو با فذ هب‬
‫أولًَ إلى لوس الموس ثم عاد إلى لندن بمه مة سرية فوق العادة لم ي كن في ها بحا جة إلى م ساعدتي فعدت للع مل‬
‫مع رئيسي العاديين آلن كالفرت وهاورد ولسن اللذين اكتفيا بتكليفي بمهمات تتناسب ومواهبي ومزاجي الفني‪.‬‬
‫أنهما‪ ،‬كل على طريقته‪ ،‬رجلن خارقان وانني مدين لهما اكثر بكثير مما افدتهما س علما بأنني خدمتهما بكل ما‬
‫أوت يت من نشاط ‪ .‬ف قد كت بت أوراق التخط يط للعق يد كالفرت وق مت ب ين ح ين وآ خر «بتحقيقات خا صة» س أي‬
‫تحقيقات تخرج نوعا ما عن الساليب المألوفة س بتكليف من العقيد ولسن ‪.‬‬
‫كا نت الحرب بالن سبة للعق يد آلن كالفرت أك ثر بقل يل من ت سلية ‪.‬ف مع العلم بأ نه أخلص جدا لعمله وأتق نه تماما‬
‫فقد بقي في علقه وروحه ماكان عليه في الحياة المدنية أي احد أثرياء النفط من ولية اوكلهوما‪ .‬اعتبر الحرب‬
‫حق بة «انتقال ية » ن ظر إلي ها بجد ية طال ما هو في ها ول كن كان اهتما مه ال كبر النتهاء من ها والعودة إلى حيا ته‬
‫الطبيعية ‪ .‬وكغيره من كبار الضباط في الرقم ‪ 20‬ساحة غروسفنور أعتبر بأننا سنخرج منها منتصرين ‪.‬‬
‫أما هاورد ولسن فل يقل «انتقالية» في نظرته عن آلن كالفرت وهو محام من مدينة كينغزبورت في ولية‬
‫تنسي يتحلى بجميع الخصال التي نقدرها‪ ،‬نحن أهل الجنوب‪ :‬الكرامة المقرونة بالمرح وبروح النكتة على غرار‬
‫الديب مارك تواين‪ .‬ففي تصرفاته الشخصية يلتزم التزاما صارما بالنضباطية ولكنه يتساهل بالقدر المعقول مع‬
‫ذلك النوع من الناس الذين يبدون ميلً نحو النشاطات الفكرية كما انه من ذوي العقول التي تهتم بالرأي السديد‬
‫‪35‬‬

‫أكثر من اهتمامها بالفكار الرائعة‪ ،‬يترك هذه الخيرة لشخاص مثلي ومثل فرانك كيرنز وجايمس ايخلبر غر‪.‬‬
‫وفي ما أك تب كل هذا‪ ،‬ب عد ن يف واربع ين سنة من حدو ثه‪ ،‬ل شك في أن هاورد ول سن‪ ،‬المعروف تحببا با سم‬
‫القاضسي ولسسن الختيار‪ ،‬هسو الن فسي كينغزبورت بوليسة تنسسي منشغسل مسع السسيدات يحاولون جمسع الموال‬
‫للعمال الخيرية‪ .‬عمل هاورد في مراحل علقاتنا الولى مع كل من ثيودور روزفلت ومع الشيخ سباركمن ومع‬
‫الجنرال دونوفان والعضاء الخرين في «هيكلنا»‪ .‬وعندما أخذ فرانك كيرنز وزوجته يقضيان أكثر أوقاتهما مع‬
‫شلة تشلسي حل ولسن محل كيرنز كأفضل صديق لي س وهي علقة نمت أكثر فأكثر بعد استلمه رسالة من‬
‫زوجته بدأتها بعبارة ‪« :‬عزيزي جون » (طلب الطلق) انتقل على أثرها للقامة في بيتنا بضاحية لندن ‪.‬‬
‫عندما أفكر بالظاهرة الحكومية المعروفة بس«بناء المبراطورية» س الجديدة عندي آنذاك س يكون في ذهني‬
‫هاورد ولسن‪ .‬ذلك انه في أي هيئة حديثة وكبيرة‪ ،‬سواء كانت مصنعا أم جيشا‪ ،‬هناك فريق يقرر ما يجب عمله‬
‫وفر يق آ خر ين فذ س أو اولئك الذ ين يرشدون الرئ يس إلى الهداف وإلى و سائل بلوغ ها وأولئك الذ ين يقومون‬
‫بتنفيذ العمل المطلوب‪ .‬يعرف الفريق الول بأنه «الركان» ومهمته ما يسمى «وضع السياسة» أما الفريق الثاني‬
‫فيسسمى «الخسط» ويقوم أفراده مسا نسسميه نحسن الختصساصيين بمثسل هذه القضايسا‪« :‬العمليات» ‪.‬ضباط الركان‬
‫يخرجون بالحلول؛ أما ضباط الخط فيطبقونها س ول داعي للقول بأن على هؤلء تقع الملمة والعقاب في حال‬
‫الفشل ‪.‬من البديهي فيما بين مسؤولي مقر القيادة ان الفريق الول يتمتع بالسلطة الخالية من المسؤولية (ل أحد‬
‫يلقسي باللوم عليهسم إذا مسا قصسرت الحلول التسي خرجوا بهسا عسن حسل أي شيسء شرط أن تكون تلك الحلول قسد‬
‫« صيغت صياغة جيدة») والع كس بالع كس للفر يق ال خر‪ .‬كان هاورد ول سن من أفراد «ال خط» في ما كان آلن‬
‫كالفرت في «أركان» فريق ج س ‪ 2‬بقيادة العقيد برايان كونراد‪ .‬ولكن العلقات داخل جهاز مكافحة الجاسوسية‬
‫خلت من قضايا السلطة والمسؤولية إل عند مجيء ضباط ممتهنين مثل ابن الكذا وكذا روجر سكسن يبحثون عن‬
‫حالت يستغلونها فيثيرون تلك القضايا‪.‬‬
‫المشاكل والحلول ومن هو المسؤول عن هذه ومن المسؤول عن‪ :‬تلك‪ ،‬هذا هو جوهر القيادة العامة في أي‬
‫منظومة‪ ،‬وتصرف العضو الطموح في المنظومة سيتأثر بل سيسترشد بهذه الحقيقة‪ .‬فإن أنت أسندت م سؤولية‬
‫حل مشكل ما إلى فرد في المنظومة ل يثق باستقراره فيها س وهل ثمة عضو في منظومة كبيرة يشعر بتلك الثقة‬
‫؟س لن تكون أفكاره الولى موجهة نحو البحث عن كيفية حل المشكل‪ .‬أفكاره هذه تأتي في المرتبة الثانية بكل‬
‫تأك يد ‪ .‬فال سؤال الول الذي يخ طر بباله هو ‪«:‬ك يف أ ستطيع أن أج عل من هذا ال مر التا فه الذي اختر عه لي‬
‫ل ذا أهمية بالغة؟ س فمن البديهي أن المرء ينال تقديرا أكبر لحله مشكلً كبيرا مما‬
‫رئيسي ليشغل وقتي به‪ ،‬مشك ً‬
‫يحصل عليه لقاء حله مشكلً صغيرا ‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫وهكذا يمكنك ان تتصور ما كنا نمر به في جهاز مكافحة الجاسوسية س فليس بوسعك أن تتوقع من جواسيس‬
‫يعملون ضدك ان يفصسحوا عسن هوياتهسم‪ .‬فكسر إذا بامكانات تضخيسم المشاكسل التسي ل تسستطيع رؤيتهسا !الوقائع‬
‫والحقائق قابلة للقياس‪ ،‬أما التصور والخيال فل حدود لهما‪ .‬نحن نشاهد بالعين أي جواسيس (وكان فرانك يجمع‬
‫الملحظات لتأليف كتاب بعد الحرب سيكون عنوانه‪« :‬لم نقبض على أي جاسوس»)‪ ،‬ولكن ذلك ل يعني انه لم‬
‫يكسن هناك جواسسيس‪ .‬كسل مسا يعنيسه ان البريطانييسن المحتاليسن عرفوا كيسف يتحاشون يقظتنسا أو انهسم على علم‬
‫بالجواسيس ولم يخبرونا بذلك ‪.‬‬
‫بحثست فسي أحسد اليام مسع هاورد ولسسن فسي كسل ذلك مشددا على عدم اتصسال سسلطات المسن البريطانيسة‬
‫بنا‪،‬خصوصا من قبل الفرع الخاص في سكوتلنديارد (لم نكن نعلم آنذا ك بوجود جهاز المن العسكري س ‪ 5‬عند‬
‫البريطانيين) وأشرت إلى انهم لما تمنعوا عن مساعدتنا في أمر صغير كاغتيال رجل يقف بين ضابط أميركي‬
‫وبين صديقته فليس لنا بالتالي أن نتوقع منهم المساعدة في قضية كبيرة كالقبض على جواسيس ألمان‪.‬‬
‫ثم حزرت الجواب‪ .‬ترى لماذا انفعل الفرع الخاص في سكوتلند يارد س واغتبط روجر سكسن س عندما قمنا‬
‫أنا وفرانك بتمثيليتنا في ساحة غروسفنور مع«الجاسوس» اللماني الذي أرشدتنا إليه صديقة فرانك؟ إن الجواب‬
‫الوحيد المقنع‪ ،‬على ضوء امتناع أصدقائنا البريطانيين عن التعاون معنا‪ ،‬هو انهم قبضوا على جميع الجواسيس‬
‫اللما ني في بريطان يا وأن هم ل يريدون ان تتد خل جما عة من الهواة في طري قة ا ستعمالهم للجوا سيس و سيلة‬
‫لر سال معلومات مغلو طة إلى برل ين‪ .‬سألت هاورد ول سن ع ما إذا كان ي ظن بأن ال مر كذلك فأجاب باليجاب‬
‫وأضاف بأن علي نا أن نح صر عمل نا بالشؤون ال تي ت خص الميركي ين وأل يغ يب عن بال نا بان نا ضيوف في بلد‬
‫ش عب ف ضى ب ضع سنوات في الحرب ولد يه ح ساسية تجاه حف نة من رعاة الب قر القادم ين إلي هم دون التر يث‬
‫لستيعاب الحساسيات العديدة في البلد‪ .‬وأردف قائلً‪ :‬إن ما تعوديت عليه من النظر «واقعيا »إلى مشكلة كسب‬
‫الحرب هي ب حد ذات ها عادة غ ير واقع ية‪ .‬وأو ضح أن المشكلة الميرك ية الح قة لم ت كن كيف ية ك سب الحرب بل‬
‫كيف نحقق ذلك مع هذا النوع من «المبراطورية» بشكل يفيد منه الجميع‪ .‬كدت ألطم وجهي غضبا من نفسي‬
‫لعدم استطاعتي إدراك تلك النقطة من دون مساعدة أبي الروحي الني ‪.‬‬
‫إذا إ نه بناء المبراطور ية؛ و قد ساهم ف يه جهاز مكاف حة التج سس في م سرح العمليات الوروب ية م ساهمة‬
‫متواضعة انما فقط بمقدار الحصول على الموافقة لضابط ين واحد عشر عميلً من الجهاز لكل فرقة عسكرية‪.‬‬
‫ولكننا شرعنا مذاك بالعمل الجدي‪ .‬وبدأ هاورد ونائبه الذي تعين حديثا وهو رجل بشوش مرح اسمه كلود غوزا‪،‬‬
‫يبعثان بالر سائل يطلبان في ها تزويد نا بالمز يد و من المز يد الرجال من مع سكر ريت شي في ول ية مريل ند ح يث‬
‫يجري تدريسب الجنود والضباط على القيام بمختلف أعمال جمسع المعلومات والسستطلع فاسستوعبنا كسل الذيسن‬
‫‪37‬‬

‫ا ستطاعوا ار سالهم ل نا فا سترسلنا في ذلك‪ .‬ثم خ طر لهاورد أو لكلود‪ ،‬لم ا عد أذ كر ل من منه ما‪ ،‬با نه يو جد في‬
‫ايسلندا عدة مئات من رجال جهاز مكافحة الجاسوسية الذين يتمنون أن ينقلوا إلى بريطانيا الجميلة‪ .‬وهكذا طيرت‬
‫برقيات م ستعجلة أدت إلى ن قل عدد من رجال الجهاز من أي سلند إلى بريطان يا في ز مر تتألف الواحدة من ها من‬
‫ثمانية إلى عشرين رجلً وقد عجبنا لما كانوا يفعلون في ايسلندا ‪.‬‬
‫كنا نعلم ما العمل المتوقع من وحدات جهازنا القيام به عندما تصل إلى أوروبا فرق الجيش التي كانوا ملحقين‬
‫ب ها‪ .‬وتشرع بمقابلة اللمان‪ .‬حددت ل نا أوامر نا ان علي نا «تأم ين المناخات» المحي طة بقوات نا المقاتلة في تقدم ها‬
‫وتوغلها في أوروبا وبأن علينا عمل كل ما في وسعنا للتأكد من عدم وجود جواسيس المان بين السكان المدنيين‬
‫يستطيعون توجيه رسائل لسلكية إلى اللمان‪ .‬ولكن وعلى ضوء ما راقبناه من الحرب حتى ذلك التاريخ‪ ،‬فهل‬
‫كان لتلك من معنى ؟‬
‫لم يقسم المسستقبل الذي خططتسه لنفسسي ولزملئي فسي جهاز مكافحسة التجسسس على مفاهيسم القيادة لمسا ينبغسي‬
‫لوحدات المكاف حة ال سهام به في المجهود الحر بي بقدر ما قام على حقائق الو ضع ال تي اتض حت لي من سياق‬
‫عملي مع بوريس ﭙاش ‪.‬أما تلك الحقائق فهي‪:‬‬
‫أولً س إنه عندما تندفع القوات الحليفة داخل أوروبا لن يكون هناك أي استخبارات المانية لنجابهها‪ .‬فتسعون‬
‫بالمئة من الفرنسيين والهولنديين والبلجيكيين واللمان الذين جندتهم الستخبارات اللمانية للعمل وراء الخطوط‬
‫الحليفة بصفة جواسيس ومخبرين سيتسابقون على النضمام إلى الفئة الرابحة في الحرب‪ .‬أما العشرة بالمئة من‬
‫الذ ين تمنعوا عن ذلك ف سيكون الهتمام ب هم الغباء بعي نه‪ .‬فإذا ك نا لنأ خذ الوا مر ال سارية المفعول على حرفيت ها‬
‫سينتهي بنا المر إلى الصيرورة نوعا من مؤسسة لرعاية المهجرين‪ .‬وعليه‪ ،‬فما ان تنزل قواتنا على شواطئ‬
‫مقاط عة نورمندي الفرن سية ح تى نر مي على عا تق الشر طة الع سكرية م سؤولية مه مة اعتقال ل يس الجوا سيس‬
‫الحقيقييسن الذيسن سسيسلمون أنفسسهم بسل كذلك جماعات السسوق السسوداء والناس العادييسن الذيسن سسيدعون بأنهسم‬
‫جوا سيس لي ستفيدوا من القا مة في مرا كز التحق يق المري حة بدلً من مع سكرات ا سرى الحرب البائ سة‪ .‬وعلي نا‬
‫القيام بأعمال تتناسب مع المهارات التي حملتنا إلى جهاز مكافحة التجسس‪ .‬حقا أنها «تأمين المناخات» السليمة ‪.‬‬
‫ثانيا س علي نا الح صول على ح صة م ما سيصبح دون شك المه مة الرئي سية لمجهود ال ستخبارات الجمالي‪:‬‬
‫ملحقة اللمان والقبض عليهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين الذين (‪ )1‬قد يكونون مفيدين لنا بعد الحرب أي‬
‫العلماء الذ ين قدموا للمان يا تفوق ها التق ني ورجال ال ستخبارات الذ ين تج سسوا على ال سوفيات أو (‪ )2‬النازي ين‬
‫الصوليين الذين يحاولون الهرب إلى امكنة اخرى في العالم حيث يتمكنون من انعاش حركتهم من جديد‪ .‬لم يكن‬

‫‪38‬‬

‫أي من هذين التصنيفين واردا على قائمة «التوقيت اللي» انهما لم يكونا‪ ،‬حسب معلوماتي‪ ،‬موضوع اهتمام أي‬
‫هيئة استعلمات أخرى ‪.‬‬
‫ثالثا س وأخيرا هناك الوا قع البدي هي و هو أن رؤ ساءنا المباشر ين س كالفرت وول سن وغيره ما س كل هم تواقون‬
‫لنتهاء الحرب والعودة إلى الو طن‪ ،‬وعل يه سيوافقون مع أي تجديدات اجرائ ية تحول ع مل جهاز مكاف حة التج سس‬
‫إلى عمسل روتينسي يسسهم فسي تسسهيل حياتهسم فسي الفترة المتبقيسة مسن الحرب‪ .‬كان العقيسد كالفرت كله آذان عندمسا‬
‫عرضت عليه تلك «الحقائق» فأخذها فورا إلى العقيد برايان كونراد في قيادة ج س ‪ 2‬وبعد اسبوع من العمل من‬
‫هيئة التخطيط صدرت أوامر جديدة اسندت إلى وحدات جهاز مكافحة التجسس مهمات أمنية بسيطة وسمحت بانشاء‬
‫وحدات خاصسة تقوم بأعمال «انتقاليسة» أي تلك التسي تسساعد فسي تحويسل المانيسا الهتلريسة إلى دولة تكون «مأمونسة‬
‫للديمقراطية»‪( .‬استعملنا هذه العبارة فعلً)‪.‬‬
‫ه نا‪ ،‬أح يل القراء الذ ين يظنون بأن ني أحاول إعطاء نف سي تقديرا يفرق ما ا ستحق (خلفا ل ما تعلم ته في مدر سة‬
‫المغاوير) أحيلهم على البراءة المرفقة بوسام جوقة الشرف التي تنص صراحة على انني نلته تقديرا «لسهامي في‬
‫وضع خطط مكافحة التجسس قبل عملية اوفرلورد»‪ ،‬وعلى التاريخ الرسمي للحرب العاليمة الثانية الذي يفصل ذلك‬
‫التخط يط تف صيلً دقيقا‪ .‬أ ما ما لم أح صل على تقد ير من أجله ف هو إ سهامي في تأل يف فر يق »انتقالي» خاص ب نا‬
‫مؤلف من أ حد ع شر عن صرا تم اختيار هم خ صيصا من ب ين عملء مكاف حة التج سس للخد مة بقيادة هارولد ول سن‬
‫وبأوامر خاصة كانت مطاطة ومثقلة بالتعابير العسكرية الروتينية إلى درجة أنها اشتملت على كل شيء س إنما على‬
‫أساس مؤقت س أعتبرنا أنها يجب أن تشتمل عليه‪.‬‬
‫ذهبت إلى أكثر من ذلك إذ جندت‪ ،‬بموافقة هارولد ولسن بالطبع عددا من عملء جهاز مكافحة التجسس الوافدين‬
‫على بريطانيا من معسكر ريتشي للتدريب المخابراتي في ولية ماريلند‪ .‬فقد كان معي نات سامولز الذي ارشدني‬
‫إلى مواط نه من شيكا غو هنري را غو الشا عر المعروف وا ستاذ من ا ساتذة الفل سفة في جام عة نوتردام صار لحقا‬
‫رئيسس تحريسر مجلة «شعسر» الراقيسة‪ .‬وكان هناك أيضا بعسض الكاديمييسن الذيسن تعلموا وعلموا خارج الوليات‬
‫المتحدة‪ ،‬ومرا سل أج نبي أو أك ثر لم ت سعفهم م ستنداتهم في الفلت من التجن يد الجباري‪ ،‬ور جل الما ني المولد‬
‫وأميركي الجنسية يتقن اللغتين صار فيما بعد النجم الساطع عند الحاجة بين محققينا‪ .‬وضمت مجموعتنا أيضا أفرادا‬
‫«عرقييسن» مسن الغرب الوسسط (الميركسي) مثسل انطونسي فايفادا وهسو ليتوانسي الصسل وأميركسي الجنسسية ومحلل‬
‫سياسي يتقن الفرنسية واللمانية فضلً عن مختلف لغات دول أوروبا الشرقية‪ .‬أضفت على المجموعة كذلك رجلين‬
‫من تكساس هما تشارلي بوكر وجون باريش مساعد استاذ اللغة الفرنسية في جامعة تكساس‪ .‬وعلى الرغم من انهما‬
‫تعلما الفرنسية من الكتب المدرسية فقد كانت طلقتهما بنطقها تفى بحاجاتنا‪ ،‬هذا فضلً عن أنهما يكملن حكمتي‬
‫‪39‬‬

‫القروية التي جعلتنا نميز بين الصحيح والمزيف‪ .‬ثم جاءنا هاورد ولسن بجول نولين وهو كندي فرنسي صار حلل‬
‫المشاكل في وحدتنا وكذلك بالثقيب دويل الذين احتفظ لسبب اجهله بس ناب صمويلز يدهن سيارات الجيب في لندن‬
‫‪.‬وكان دويل الرجل المثالي عندنا‪ :‬فهو ل يدخن ول يشرب الكحول ول يطارد النساء‪.‬‬
‫ومنسذ ذلك الوقست وحتسى مرور شهسر على النزال فسي أوروبسا‪ ،‬أي موعسد نقلنسا إلى فرنسسا‪ ،‬قضينسا الوقست فسي‬
‫التعارف على بعض نا الب عض و في تبادل الفكار ع ما سنفعله عند ما ن صل القارة الوروب ية‪ .‬أ ما أ نا فملت أوقات‬
‫فراغي بتجديد تعارفي بأصدقائي القدامى في مكتب الخدمات الستراتيجية وهو المؤسسة التي كنت آمل اللتحاق بها‬
‫في نهاية المطاف‪.‬‬
‫و من خلل زيارا تي إلى قيادة المكتب بلغ ني أن منظ مة ال من البريطان ية المعرو فة بإشارة إم آي ‪( 5‬رب ما تع ني‬
‫«الستخبارات العسكرية س ‪ )5‬كانت قد أطبقت فعلً على كل الجواسيس اللمان ليس فقط في بريطانيا نفسها بل‬
‫وكذلك في أيسلندا وغرينلند وشبيتزبرغن وجزيرة جان مايان حيث كانت مهمتهم ارسال تقارير عن حلل الطقس‬
‫وهسي معلومات حيويسة جدا لسسلح الجسو اللمانسي فسي غاراتسه على الهداف البريطانيسة‪ .‬وقسد وقسد جعسل النجاز‬
‫البريطاني هذا وجود جهاز مكافحة التجسس الميركي في تلك المناطق غير ذي شأن فلم يعد ثمة مجال للعجب من‬
‫أن فرق مكافحسة التجسسس الميركيسة وقائدهسا شعروا ليسس فقسط بسبرودة الجواء هناك بسل وبجسو مسن عدم المحبسة‬
‫والتقديسر‪ .‬مسن هنسا إذا السسهولة التسي اسستطعنا بهسا سسحبهم إلى بريطانيسا‪ .‬وبعسد أن قبسض جهاز المسن العسسكري‬
‫البريطاني على الجواسيس حولهم إلى خدمته‪ ،‬وجعلهم يرسلون إلى الستخبارات اللماني معلومات خاطئة ترشدهم‬
‫إلى أماكن مغلوطة يغير عليها سلح الطيران اللمني في بريطانيا‪.‬‬
‫الهم من ذلك انني علمت بعد أن حصلت على التصريح السري فوق العادة الذي صار يحق لي بموجبه الطلع‬
‫على تفاصيل «عملية اوفرلورد» ان ثمة أربعين أو خمسين ضابطا من كبار الضباط انشغلوا بتخطيط جميع تفاصيل‬
‫الفترة المتبق ية من الحرب وأن هم يمار سون «لعبات الحرب» ال تي أخذت في الح سبان عنا صر لم تخ طر لي ببال ‪.‬‬
‫وباعتباري لعب بوكر اطلع على كل ما كتب حتى ذلك التاريخ عن نظرية اللعب والسجال أدركت أن وراء تلك‬
‫اللعاب خبرة واختصاصا رفيعي المستوى‪ .‬وتسنى لي الجتماع بما يكفي من الضباط المنخرطين في تلك اللعاب‬
‫لرى بنفسي انهم على بينه تامة مما يفعلون‪.‬‬
‫الفصل السابع‬
‫الطريق إلى باريس * الدخول إلى باريس‬
‫مسا هسو القاسسم المشترك بيسن هنري كيسسينجر وويلبور ايفلنسد وج‪ .‬د‪ .‬سسالينغر ووليسم سسارويان وجون غلينون‬
‫وجايمس ايخلبرغر ومايلز كوبلند؟ هل كونهم جميعا من أشد الرجال ذكاءً؟ أجل‪ ،‬هذا واحد من القواسم المشتركة‪.‬‬
‫‪40‬‬

‫ولكن القاسم الذي كان يجول بخاطري هو اننا جميعا ذهبنا إلى أوروبا بعد يوم انزال الجيوش فيها وبصفتنا عملء‬
‫في جهاز مكافحة التجسس على أن يكون لكل منا دوره في اسقاط هتلر‪،‬حسبما جاء في مذكرات سبايك ميليغن عن‬
‫الحرب‪ ،‬وقد نشرت بعدها بزهاء ثلثين سنة‪ .‬على كل حال أذكر انني وصلت أوروبا في المجموعة التي ضمت‬
‫غلينون وسالينغر وكان ذلك قرابة الول من شهر آب (أغسطس) ‪ ،1944‬ولست أدري متى وصلها الخرون الذين‬
‫ذكرت‬
‫ب عد ليلة لطي فة ومثيرة رقد نا في آخر ها في أكياس النوم الع سكرية على شا طئ نور ماندي الرملي يلفح نا ن سيم‬
‫عاطر وتطل علينا النجوم البرا قة من سماء نق ية‪ ،‬ويش نف أذان نا هدير الطائرات المستمر ودوي المدا فع التي من‬
‫بعيد‪،‬انطلقت بنا قافلة من ناقلت الجند وسيارات الجيب فحططنا رحالنا في مباني ثكنة فرنسية مهجورة في فالون‬
‫على ب عد كيلومترات قليلة من بلدة كا ين وأك ثر من مئة كيلوم تر من بار يس‪ .‬ه نا في الثك نة أخرج نا النرد وورق‬
‫الل عب من جعبات نا وخل صت ب عض البلهاء من قرا بة ‪ 500‬دولر خلل أيام قليلة وخ سرت في ب عض الحيان ف قط‬
‫لتفادي سأم استمرار اللعب حسب الصول ‪.‬‬
‫عندما عدنا إلى ثكنتنا أنا وهاورد ولسن وجون باريش عصر أحد قبيل موعد الكوكتيل رأينا عملئنا الثني عشر‬
‫في جهاز مكاف حة الجا سوسية و قد تحلقوا حول شاب يتكلم ب سرعة ولم يحلق ذق نه م ند بض عة أيام و في ا سمال بدلة‬
‫ضابط الماني‪ ،‬استحوذ على انتباههم بما افترضنا انه قصة يرويها عن أحدى مغامراته الشخصية الحديثة‪.‬‬
‫و ما أن رآ نا أ حد عملئ نا (رب ما كان جول نولن) ح تى ق فز وأقفا على قدم ية ليقول ل نا‪« :‬إن اض خم غني مة في‬
‫مكافحة الجاسوسية خلل هذه الحرب» قد سقطت في أحضاننا‪ .‬بدا الرجل أقرب إلى مهرج في أحد مرابع سوهر‬
‫الليل ية م نه إلى ضا بط الما ني‪ .‬ولك نه كان في الوا قع ملزما في ال ستخبارات اللمان ية‪ ،‬ضالعا في محاولة اغتيال‬
‫هتلر‪ ،‬ونجا من العتقال بأعجوبة استحوذ بسردها على اهتمام رجالنا‪.‬‬
‫هل قلت آنفا كوكت يل ؟ أ جل هكذا كا نت حيات نا في وحدتناالمراف قة للقيادة‪ .‬والحقي قة هي ان ام سياتنا في وحدات‬
‫جهاز مكافحة الجاسوسية في أوروبا تختلف إلى حد ما عن حياة باقي المجندين العاديين فقد استقدمنا الطهاة المهرة‬
‫الذين يعرفون كيف ومن أين يحصلون على اللحوم والخضار الطازجة‪.‬‬
‫في شخ صية هذا الضا بط اللما ني‪ ،‬وا سمه هير من رد كي نوع من ال سحر‪ .‬ف هو‪ ،‬وان كان يتكلم بث قة المهرج‬
‫الم سرحي‪ ،‬متوا ضع جدا يت قن النكليز ية اتقا نا ً تاما ذلك ا نه ن شأ في منها تن في نيويورك ح يث كان أبوه (ح سب‬
‫قوله) موظفا في شركة المانية اميركية للنقل البحري‪ .‬وهو بطبيعته قصاص من الدرجة الولى ينقل معلوماته إلى‬
‫المستمع بشكل حكايات تشبه تلك التي تحكى حول نار المخيم في المهرجانات الكشفية‪ .‬أما في سرد التفاصيل الدالة‬
‫‪41‬‬

‫على الذكاء فيتوقف عندها بما يكاد يشبه الهوس بها حتى اصغرها‪ .‬ففي منتصف حكاية او نكتة ما عن أحد كبار‬
‫الضباط اللمان مثلً س كخلف بينه وبين زملئه أو بعض صفاته الشخصية‪ ،‬او اسلوبه في لعب البوكر وغير ذلك‬
‫س تراه يتوقف ليسترسل في ذكر سن الضابط ووضعه العائلي وطول قامته ووزنه ولون شعره وعينيه‪.‬‬
‫لم نتم كن من سير غوره ولكن نا وجد نا ا نا وهاورد ول سن ان حكاي ته متما سكة جدا ومنطب قة تماما مع صورة‬
‫الو ضع العام في ذهن نا آنذاك لن تكون كل ها ملف قة‪ .‬وعل يه قضي نا اليوم بأكمله نحاول ا ستشفاف غا ية مكيافيل ية أو‬
‫عمالة مشتر كة دف عت به للمج يء إلي نا‪ .‬وعند ما طلب نا إل يه البوح بالحقي قة طلب م نا مواجه ته بضا بط جهاز مكاف حة‬
‫التجسس النقيب مارتن وس الذي علم عنه بطريقة ما انه موسوعة متحركة عن استخبارات القيادة العليا اللمانية ‪.‬‬
‫ول عل ذ كر الضا بط اللما ني ل سم النق يب المير كي وس كان سبب اهتمام البروف سور جون بار يش الذي قال‬
‫لهاورد في اليوم التالي‪« :‬ل كي ن صدق أن هذا الر جل يقول الحقي قة‪ ،‬علي نا أن ن صدق ان مار تي وس أ صاب الهدف‬
‫في وصفه تفاصيل لعبات الحرب التي يمارسها جميع ضباط القيادة العليا اللمانية‪ .‬فهل تقول بشكل فوري ان هذا‬
‫الصعلوك حصل على معلوماته من مشاهداته الشخصية أم من قراءته ملف مارتن وس؟‬
‫كان الجواب واضحا‪ ،‬أكده مارتن بنفسه عند وصوله إلى معسكرنا بعد ظهر اليوم نفسه‪ ،‬إذ بادر أسيرنا بالقول‪:‬‬
‫س «مرحبا يا هرم»‪،‬‬
‫س«مرحبا يا مارتي»‪ ،‬أجاب هرمن ببعض الكآبة وان كان قد بدأ يهدأ روعه قليلً‪.‬‬
‫قال مارتن‪« :‬لقد كنت فتى شقيا»‪.‬‬
‫أجاب هرمن ‪« :‬أعلم ذلك يا مارتن»‪.‬‬
‫انت هى ال مر‪ ،‬ولحظ نا ع ند ذاك ان الجندي ين الذ ين و صل في سيارة الج يب مع مار تي ينتميان إلى الشر طة‬
‫العسكرية‪ .‬توجه مارتي إليهما قائلً‪ :‬بأن القوة ليست ضرورية وبأن هرم سيأتي طوعا‪ .‬أما هرم ردمن وليس ردكي‬
‫س فكان ترجمانا باللغتين مع الجيش السابع‪ ،‬سبق له أن اشتغل بأمرة مارتي ‪.‬‬
‫الن ما هو الدرس ؟لقد كان الدرس الهم آنذاك كامنا في اجوبة هرم عن أسئلة وجهها سام إليه‪.‬فقد كانت فرق‬
‫جهاز مكاف حة التج سسس الميرك ية ح تى قدوم هرم إلى مع سكرنا تت صور بأن نا نحارب المان يا الناز ية‪.‬وكان الرجال‬
‫يؤمنون باستحالة محاولة العدو المهزوم النضمام إلينا في حرب ضد «عدو مشترك» هو روسيا السوفياتية‪.‬أما أنا‬
‫وبفضل عملي مع العقيد باش في لندن‪،‬فلم يستحوذ على مثل ذلك الوهم‪ ،‬وبت الن أدرك ان ما سمعه زملئي من‬
‫هرمن كان الشارة إلي التي تلقوها عن أن كبار قادتنا ينظرون إلى أبعد من المانيا النازية‪،‬إلى الروس الذين تعلمنا‬
‫‪42‬‬

‫أن نتكلم عنهم بعطف ونسميهم‪«:‬حلفاءنا الحمر البطال»‪ .‬فمن هرم العائد لتوه من مقر القيادة علمنا أن رؤساءنا في‬
‫ل حركة مناهضة للنازية وربما على نطاق واسع في الجيش اللماني‪،‬قد تكون‬
‫واشنطن ولندن يصدقون بأن هناك فع ً‬
‫ذات فائدة بعد انتهاء الحرب‪.‬‬
‫هارولد ولسن وغيره من الذين لم يهمهم سوى انتهاء الحرب والعودة إلى حياتهم الطبيعية فلم تثرهم تلك الحقائق‬
‫إل قليلً بل ربما أزعجتهم بعض الشيء‪ .‬أما بالنسبة إلينا نحن الذين نظروا إلى المستقبل من منظار الستخبارات‬
‫لفترة ما بعد الحرب‪ ،‬فقد فتحت أمامنا آفاقا جديدة‪.‬‬
‫اضطررت‪ ،‬بعد الكثير من التردد‪ ،‬إلى وضع حد لقصة اعتمدتها لسنوات عديدة هي خرافة كوني أول اميركي‬
‫دخل باريس فور تحريرها من اللمان صحيح انني ل ادعي فخر القيام بعمل لم أقم به فعلً إل عندما أتيقن من أن‬
‫أمري لن ينفضح‪ .‬أما في تلك الحال فقد كان هناك الكثير من ابواق الدعاية المناهضة لي‪ ،‬من الذي يعرفون الحكاية‬
‫على حقيقتها‪ ،‬ولعل واحدا منهم أو أكثر من بين قرابة المليون شخص الذين سيقع هذا الكتاب بين أيديهم يكن لي من‬
‫العداء ما يجعله يوجه رسالة إلى رئيس تحرير الصحيفة التي نشرت مراجعة لهذا الكتاب أثنت فيها عليه ‪.‬‬
‫أمسا بشأن التفاصسيل فلسست على درايسة بكامسل الحكايسة لننسي لم أكسن أعرف إل القليسل ممسا يجري حولي وآخسذ‬
‫المور كما تصادفني دون تدوين ملحظات وحفظنا‪ .‬كما أن ما اعرفه الن مستقى من مراجعتي للتقارير القديمة‬
‫ال تي وض عت عن الحداث ب عد وقوع ها بب عض الو قت‪ ،‬وإلى محادثا تي مع ا صدقائي القدا مي أمثال لري كولي نز‬
‫ودومنيك لبيار اللذين ألف ذلك الكتاب الرائع «هل باريس تحترق؟» أما من حيث التواريخ فكل ما استطعت التثبت‬
‫م نه هو ان ني و صلت بار يس ق بل يوم وا حد من دخول ارن ست (ﭙا ﭙا) همينغواي إلي ها‪ .‬ول بد أن قرائي القدماء ما‬
‫زالوا يذكرون انه ادعى لفترة من الزمن بانه أول أميركي وصل باريس في شهر آب (اغسطس) عام ‪ 1944‬س‬
‫وهو يعني بالطبع انه كان أول شخص من بين المشاهير أدى دورا بارزا في تحرير المدينة‪ .‬ول ريب في انه كان‬
‫على علم بأن مكتسب الخدمات السستراتيجية اسستطاع تسسريب قرابسة الثنسى عشسر عميلً مسن عملئه إليهسا قبسل أن‬
‫تغادرها الجيوش اللمانية‪.‬‬
‫لنبدأ من البداية‪ .‬ففي اليوم التالي من إرسالنا هرمن إلى لندن للتقاط أنفاسه واستعادة عافيته النفسية وصل إلى‬
‫مع سكرنا مقدم في الج يش ا سمه غرو فر آدا مز ينت مي إلى ال سرة الشهيرة في بو سطن‪ ،‬حاملً ظرفا مختوما كبيرا‬
‫ورسالة خاصة من رئيسه غوردن شين الذي رقي في حينه إلى رتبة عميد وكان آنذاك ل يزال في مقر قيادة جهاز‬
‫مكافحة التجسس في واشنطن‪ .‬لم يطل به الوقت حتى طلبني المقدم وقال لي‪« :‬إن الجنرال شين يقدرك تقديرا رفيعا‬

‫‪43‬‬

‫ويرى بأنك العم يل المناسب للقيام بخد مة صغيرة له نصفها رسمي ون صفها الخر شخ صي‪ .‬أ ما الن صف الرسمي‬
‫منها فقد يأتيك بوسام آخر»‪.‬‬
‫مسا هسي تلك «الخدمسة الصسغيرة ؟» انهسا حمسل الظرف إلى فندق «ماجيسستيك»الواقسع فسي جادة فيكتور هوغسو‬
‫المتفر عة عن جادة الشانزليز ية قرب ساحة النج مة في بار يس وت سليمه إلى المقدم كورت شاما خر م ساعد الجنرال‬
‫ديتريخ فون خولتتز قائد القوات اللمانية في باريس وضواحيها‪ .‬أما النصف الرسمي من المهمة فكان استعمال شتى‬
‫الو سائل لتأم ين مكان في فندق «جورج الخا مس» للجنرال غوردن ش ين وكبار ضباط ج س ‪ 2‬الذ ين سيأتون من‬
‫واشنطن عندما تسقط باريس في أيدي الحلفاء‪ .‬أضاف المقدم آدامز قائلً «انك تعرف هؤلء الدنيويين فإن لم نسبقهم‬
‫نحن إليه استقروا هم فيه‪ .‬أما نحن الشخاص المهمين حقا في هذه الحرب فسيرسلونا إلى نزل صغير »‪.‬‬
‫ولكن اللمان كانوا يملون باريس فكيف لي‪ ،‬بال عليك دخولها؟ أم هل أنكم تتوقعون مني وأنا في بزة ضابط‬
‫أميركي دخول فندق ماجستيك‪ ،‬مقر القيادة الدارية للجيش اللماني والتوجه إلى مسؤول الستعلمات المهذب طالبا‬
‫منسه إرشادي إلى مكتسب القائد العام؟ «آه» قال آدامسس ‪«:‬لقسد سسهلنا لك المور فل داع لن تطلع على محتويات‬
‫الظرف ول يس مطلوب م نك أن تعرف أن كورت شوما خر هو في الوا قع من كبار ضباط ال ستخبارات اللمان ية ‪.‬‬
‫ول كن ي جب أن تعرف بأن الضا بط الذي سيرافقك إلى بار يس هو نق يب في ال ستخبارات اللمان ية ولدي نا جم يع‬
‫المسوغات ولوضع ثقتنا به وهو يعرف كل المداخل والمخارج‪ .‬أنه النقيب فالتر غليم وستلتقي به في مدينة شارتر‬
‫حيث تم التصال بينه وبين وحدة مكتب الخدمات الستراتيجية‪ .‬ومن هناك وصاعدا ستكون المور سهلة ‪.‬‬
‫هكذا اذ كر الحد يث الذي جرى ق بل ن يف وأربع ين عاما‪ .‬وكأي ان سان صارت حيا ته في أفول ل ست أذ كر طعام‬
‫الفطور صسباح اليوم انمسا ل زلت أذكسر بوضوح حد يث ذلك اليوم خصسوصا وانسه يشكسل مح طة ها مة فسي حياتسي‬
‫العملية‪ .‬غير أنني عندما قصصت الحكاية ثانية على غروفر آدامز بعد عدة سنوات من حدوثها وكنا قد أصبحنا‬
‫صديقين وتشاركنا في بعض العمال‪،‬انكرها أولً ثم قال‪« :‬لعلي قلت شيئا من ذلك القبيل على سبيل المزاح‪ .‬فكل‬
‫مسا أراده منسك الجنرال غوردن آنذاك العثور على شوماخسر أينمسا كان «حتسى ولو اسستلزم ذلك ذهابسك إلى فندق‬
‫ماجستيك‪ ،‬للعثور عليه» قارنت ذكرياتي لذلك الحديث مع بعض الزملء القدامى فقالوا انهم يتذكرون ان المحادثة‬
‫جرت حسبما أوردتها‪.‬‬
‫المهم انني اعرف الن ما فهمته آنذاك‪ .‬وعليه وبعد أربع وعشرين ساعة وبعد تحاشي طرق القوافل العسكرية‪،‬‬
‫والشر طة الع سكرية ال تي ت سهل ال سير‪ ،‬والمرور بالمدني ين المرج ين بجنود نا ومختلف أ صناف الفو ضى في حرب‬

‫‪44‬‬

‫قار بت بلوغ نهايت ها‪ ،‬أوقف نا سيارة الج يب أمام فندق ري في ل فه الهمال ي قع في غا بة متاخ مة لمدي نة شار تر وف يه‬
‫شاهدت الملزم دان هنتر من مكتب الخدمات الستراتيجية ‪.‬‬
‫فرح دان كثيرا لرؤيتي وبادرني بالقول ‪«:‬كلما عجلتم في تخليصنا من هذا الرجل كلما كانت الغاية أقرب منالً‪.‬‬
‫إ نه يح مل أوراقا ثبوت ية ها مة مدعو مة من ق بل الجنرال سيبرت ولدي تعليمات من ق بل العق يد بروس تق ضي بعدم‬
‫التعرض الفضولي له» أمسا الجنرال ادويسن سسيبرت فهسو قائد ج سس ‪ 2‬فسي مجموعسة الجيسش الثانسي‪ ،‬أي رئيسسنا‬
‫جميعا‪،‬وأ ما العق يد داي فد بروس ف هو رئ يس مك تب الخدمات ال ستراتيجية في أورو با‪ ،‬و سبق لي أن تعر فت به في‬
‫لندن‪ .‬أردف قائلً ‪«:‬انه حسب ذوقي مفرط بالثقة بنفسه »‪.‬‬
‫في غرفة هي عبارة عن مشرب (بار) وصالة للتسلية كان الغناء قد توقت‪ ،‬وأصغى بعض صغار ضباط مكتب‬
‫الخدمات الستراتيجية ورجال المقاومة الفرنسية‪ ،‬بإعجاب إلى شاب الماني أشقر الشعر ووسيم الوجه يتحدث بمزيج‬
‫من الفرن سية الباري سية والنكليز ية النيويورك ية قائلً ‪«:‬ا سمعوا‪ ،‬يا جما عة‪،‬ما هو أث من حيوان في الدن يا (بالفرن سية)‬
‫أن كم تعلمون! (بالنكليز ية) احزوا! (بالفرن سية)»‪ .‬قلت في نف سي ل قد بل غت حكا ية التم ساح اللمان‪ .‬ف قد كا نت ق يد‬
‫التداول في مقر قيادة «ايتوزا» طيلة الشتاء المنصرم ‪.‬‬
‫قال اللماني‪«:‬أتستسلمون؟ إذا سأخبركم‪ .‬أنه ذكر التمساح ‪.‬إنه أثمن الكائنات الحية في العالم‪ .‬فالنثى تضع ألف‬
‫بي ضة في ال سنة ويأ تي الذ كر فيلتهم ها كل ها با ستثناء ع شر بيضات أو اثن تي عشرة من ها‪ .‬فلوله لك نا غارق ين ح تى‬
‫الحقوين في بحر من التماسيح »‪ .‬أخذ هذا اللماني الذي من المفروض أن أدخل باريس برفقته‪ ،‬يقهقه على الحكاية‬
‫بمفرده‪ .‬أمسا المسستمعون إليسه بكسل ذلك لهتمام المقرون بالنزعاج بدلً عسن السسرور فلم يفتسر ثغسر أي منهسم عسن‬
‫ابتسامة باهتة ‪.‬‬
‫لم أبتسم أنا أيضا‪ .‬لقد كان من السهل علي أن أتصور ذلك الشاب وعلى خديه ندبات من جراء المبارزة بالسيف‬
‫جالسا في مشرب للجعة في ميونيخ يصخب بصحبة فتيان نازيين‪ .‬ولكنه مثل هرمن وكأنهما نسختان عن نفسيهما‬
‫في هوليود يتكملن النكليزية باللهجة الميركية الدارجة التي لتشوبها أي لكنة ‪.‬‬
‫راقبت المشهد لبضع دقائق برفقة دان وكنا واقفين في الجهة المقابلة في الغرفة ‪.‬وهنا سألني دان ‪«:‬ما رأيك ؟»‪.‬‬
‫قلت ‪«:‬أود الذهاب إلى مكان أبكي فيه بمرارة‪ .‬ولكن دعنا ننتهي من هذه القضية »‪.‬‬
‫رافقني دان إلى الطاولة التي جلس إليها النقيب فالتر غليم متحدثا ‪.‬لم ينتظر غليم أن يعرف دان عنا بل نظر إلينا‬
‫نظرة يفترض فيها أن تكون نظرة صداقة وقال ‪«:‬آه‪ ،‬جاك ارمسترونغ‪ ،‬الشاب الميركي بكليته !»‬

‫‪45‬‬

‫س قلت ‪«:‬فرصة سعيدة»‪.‬‬
‫أجاب ني «ل سان حالي»‪ :‬هل سنحمل هذه المغامرة ال صغيرة على مح مل الجد ية ؟ أع ني هل تتو قع م ني جديا أن‬
‫ارافقك إلى باريس ‪.‬؟‬
‫كا نت فكرة دخول بار يس أثناء وجود اللمان في ها مجرد و هم خ طر بمخيل تي‪ ،‬ول كن رأ يت نف سي عند ها أح مل‬
‫الموضوع فجأة على محمل الجدية فأجبته ‪« :‬هذه هي الفكرة بشكل عام»‪.‬‬
‫قال ‪«:‬لبد أن هناك مجنونا»‪ .‬وتحول إذ ذاك النقيب غليم إلى كل جديته فقال ‪«:‬المكان يعج باللمان‪ :‬أعني أنني‬
‫الماني وأعلم ما أقول‪ .‬أفلم تدرك مغزى حكايتي عن التمساح ‪.‬؟‬
‫الحقيقة انني لم أدركه ولكن دان أدركه فأمسك بي من ذراعي وسرنا مبتعدين عنه ثم قال ‪«:‬أظن انه من الفضل‬
‫لنا أن نتحدث قليلً»‪.‬‬
‫أطلع ني دان أثناء تناول نا طعام العشاء على الو ضع العام في مك تب الخدمات ال ستراتيجية و في جهاز مكاف حة‬
‫التجسس وعلى الصورة العامة التي تكونت في ذهنه على أثر وصول النقيب اللماني‪ .‬فقال‪ :‬إن رؤساءنا اعتبروا‬
‫باريسس حينذاك عبئا علينسا ‪.‬فقسد سسبق للجنرال ايزنهاور أن سسأل مسستشارية اللوجسستيين‪« :‬ماذا سستفعل بهسا بعسد‬
‫الستيلء عليها ؟» فأجابوه بأنه إذا أراد عدم تحمل مسؤولية تجويع شعب أجمل مدينة وأكثرها قابلية للنفجار في‬
‫العالم‪ ،‬عليه أن يكون مستعدا لمدادهايوميا بأربعة آلف طن من الغذاء والدواء والوقود‪ ،‬أي ثلثة أضعاف ما يلزم‬
‫الجيش الميركي في زحفه نحو الحدود اللمانية‪ .‬إضافة إلى ذلك فإن القيام بهجوم مباشر على باريس سيجمد عدة‬
‫فرق من الجيش في حرب شوارع تدوم طويلً ين تج عنها خراب المدي نة وتحويلها إلى جبال من الركام على غرار‬
‫ماشاهدنا أثناء مرورنا بس «سان لو» وبس «كاين»‪.‬‬
‫وفضلً عسن ذلك اعتسبر كبار محللي السستخبارت الميركيسة ان احتلل باريسس قبسل أن يصسبح ذلك ضرورة‬
‫استراتيجية سيضع الجنرال شارل ديغول (احدى المزعجات البروتوكول ية‪ ،‬حسب قول دان) قبل الوان في موضع‬
‫الم سؤولية دا خل البلد‪ .‬عندئذ ي صبح ب ين أيدي نا حكو مة ديغول ية تش كل ازعاجا شديدا ل نا ب عد الحرب‪ .‬ولم ن كن قد‬
‫أدركنا آنذاك أن الحكومة التي يستطيع ديغول تأليفها هي بالضبط الحكومة التي كنا بحاجة لوجودها في فرنسا‪.‬‬
‫على كسل حال‪ ،‬هكذا كان التفكيسر السسائد قبسل وصسولي إلى شارتسر‪ ،‬ومسن مصسادر عليمسة عرف دان انسه مسن‬
‫المستحسن اتخاذ الترتيبات لقامة وحدته في شارتر اقامه مريحة ل حتمال بقائهافيها شهرا آخر على القل‪ .‬قبل دان‬
‫(وهو الذي يجب التنزه في الشوارع الواسعة الجميلة ويتطلع إلى بلوغ باريس بلهفة صبي ينتظر حلول عيد الميلد)‬

‫‪46‬‬

‫بهذا الوا قع صاغرا وأر سل فريقا من الم ستطلعين لشراء الخمور الفاخرة والمكونات اللز مة لط بخ أطباق الذوا قة‬
‫وغير ذلك من الطايب اللزمة لمجموعته لقضاء الصيف كله‪.‬‬
‫وفجأة تغ ير كل ش يء وراح دان يت ساءل ع ما إذا كان لمهم تي‪ ،‬أيا كا نت‪ ،‬أي عل قة بال سيناريو الجد يد‪ .‬غ ير أن‬
‫فالتر غليم ألقى بعض الضوء على الوضع‪ :‬بدا ان رأي اللمان قد تبدل‪ .‬أعتبرت القيادة العليا اللمانية أنها ستبقي‬
‫قواتها في باريس طالما أدى ذلك إلى تجميد قواتنا حول المدينة في محاولة لحتللها‪ ،‬وأفرحها التفكير بأننا سنتحمل‬
‫أمام التار يخ م سؤولية تهديم ها في حرب الشوارع في ها‪ .‬ولكن ها قررت لدى أدراك ها بان نا تخلي نا عن خ طة احتلل ها‬
‫وبأننا سنتجاوزها‪ ،‬قررت س بل قرر هتلر س تدميرها لنحتلها أطللً وركاما متفحّما ‪.‬‬
‫ولكن جاءت المفاجأة إذ علمنا أن الوغاد البريطانيين لم يكتفوا بالقبض على كل الجواسيس اللمان في بريطانيا‬
‫وتحويلهم إلى خدمتهم بل استوظفوا أيضا نسبة كبيرة من ضباط وعملء المخابرات اللمانية ليس فقط العاملين منهم‬
‫في فرنسا بل وكذلك في مركز قيادتهم العليا‪ .‬إضافة إلى ذلك قاموا بعملهم هذا مزدرين بنا ازدراء المهنيين بالهواة‪:‬‬
‫ذلك أنهم أدركوا بأن دوافع الجاسوس آنية واتجاهها يميل نحوالفريق الذي يبدو رابحا‪ .‬كما أنهم لم يثقوا ولم يقتنعوا‬
‫مطلقا بهذه «الجاسوسية المفاجئة» التي انشئت قبيل بدء تحول الحرب إلى مصلحتنا‪ .‬وكان قد بات واضحا إل للذين‬
‫أعماهم تعصبهم أن ميزان القوى يميل باتجاهنا‪.‬‬
‫وبدا ذلك واضحا بشكل خاص للقائد اللماني في باريس الجنرال فون خولتيتز الذي تسلم أوامر من هتلر مباشرة‬
‫بوجوب تدمير باريس في آتون من نار ومتفجرات‪ .‬ولكن فون خولتيتز الذي رأى ان اسمه سينزل في التاريخ على‬
‫أ نه أ شد جنونا من هتلر نف سه‪ ،‬اح جم عن تنف يذ الوا مر‪ .‬ول ما ظ هر تردده اند فع العملء البريطانيون ب ين ضبا طه‪،‬‬
‫ومعظمهم من أصحاب الرتب العالية في الستخبارات اللمانية‪ ،‬يؤيدون موقفه ويستخدمونه رأس حربة في حركة‬
‫مناهضة للقيادة العليا اللمانية‪.‬‬
‫عنسد بزوغ شمسس يوم الثنيسن فسي ‪21‬آب (اغسسطس) ‪1944‬جاءتنسا الوامسر مسن قيادة فريقنسا بوجوب التحرك‬
‫الفوري ن حو رامبو يي الواق عة على ب عد ‪ 55‬كيلومترا عن بار يس ح يث سنلتقي بالمقدم كن يث دوا نز (رئ يس مك تب‬
‫الخدمات اعتمد البرودة وحتى النكماش وان كان دون تخل عن مودة ‪.‬‬
‫سألته لماذا تقرف كال هبل في الليلة السابقة‪ ،‬الستراتيجية في مجموعة الجيش الثاني عشر) اضافة إلى تشكيلة‬
‫من وحدات المكتب ومعها مما معها من أمر مهمة «بإحكام القبضة على المدينة لجهة الستخبارات»‪ .‬وكان على‬
‫وحدة دان أن تتحرك قبل حلول الظهر ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫ولما كنا قد وصلنا أنا وفالتر ونحن على أتم الستعداد للمسير تيسر لنا بعض الوقت لتناول طعام الفطور ببعض‬
‫الراحة‪.‬‬
‫كان فال تر في ذلك ال صباح شخ صا مختلفا كليا‪ ،‬هادئ الط بع بل ح تى واجما متأنقا في بزة ع سكرية ل شارات‬
‫عليها قد تكون لضابط من أي رتبة في جيش أي دولة وعليه امارات جدية العمل س ولكنه خلفا لما كان عليه في‬
‫الليلة السابقة‪ ،‬فأجاب‪«:‬ما أرت حت ل صدقائك ول هم ارتاحوا لي وب كل تأك يد لم أ كن على ا ستعداد للجا بة على أي‬
‫من أسئلتهم‪.‬‬
‫لم يكن التحادث سهلً خلل رحلتنا إلى رامبويي بسبب ضجيج القافلة على طريق خربتها الدبابات والمجنزرات‬
‫وشاحنات المعدات الثقيلة‪ ،‬إل ان فال تر ا ستطاع أن ي سمعني بأ نه من الف ضل اغتنام أول فر صة للتحدث في ما بين نا‬
‫بعيدا عن الباقيسن‪ ،‬وأن يقول لي‪« :‬ل أظسن بأن الجنرال شيسن أراد منسك حقا الذهاب إلى باريسس‪ .‬تذكسر بأنسه ل بسد‬
‫اختارك لنه يعتبر انك تقدم على أخذ المبادرة‪ .‬أما الن فقد تغير الوضع كليا»‪.‬‬
‫سنحت لنا فرصة التحدث بعد ذلك بقرابة ساعة من الزمن عندما توقفت قافلتنا افساحا في المجال لمرور الفرقة‬
‫الفرنسية الثانية‪ .‬شرح لي قالتر ان ضابط الستخبارات اللماينة الذي على مقابلته في باريس كورت شوماخر هو‬
‫صديق قد يم للجنرال غوردن ش ين و قد سبق له ما قضاء عطلة ف صل ال صيف بكامل ها معا وه ما دون العشر ين من‬
‫العمر يعمل والدهما كملحقين عسكريين في احدى عواصم الشرق القصى‪.‬‬
‫ما أن مضى علينا في الحديث وقت قصير حتى انضم الينا دان فأوجزت له ما دار بيننا وأوضحت لفالتر انني‬
‫منذ الن فصاعدا سأبقي دان على اطلع تام بكل شيء‪ .‬كانت نتيجة الحديث تفاهما على انني لن انحرف كثيرا عن‬
‫الوامر مهما كانت الظروف إل إذا أردت اقتحام باريس بمفردي‪ ،‬وأنه من الفضل ان اترك لفالتر مهمة نقل رسالة‬
‫الجنرال شين إلى شوماخر‪ .‬وبطريقة لم نكن قد حددناها بعد‪ ،‬أذهب إلى باريس «بأسرع ما يمكن»‪ .‬وشمل تفاهمنا‬
‫أيضا أن يغادر قالتر بضجيجهم حسبنا هم من رجال المقاومة السرية‪ .‬ثم دخل رئيسنا جميعا العقيد دايقر بروس قائد‬
‫مكتب القافلة في سان كلود ويجد طريقه إلى بيت آمن يلتقي فيه بكورت شوماخر حسب خطة بديلة أعدت منذ مدة‪.‬‬
‫عندئذ وبحضور دان سلمت الظرف المختوم لفالتر‪.‬‬
‫في مكان ما ون حن في الطريق ب ين شار تر ورامبويي تهنا عن القافلة فاضطررنا للب حث قليلً ن فندق «غراند‬
‫فينور» حيث من المقرر أن تلتقي وحدات مكتب الخدمات الستراتيجية‪ .‬وعندما عثرنا على الفندق وجدنا أن حفلة‬
‫كوكت يل جار ية ف يه ح يث المقدم كن يث داو نز رئ يس وحدات مك تب الخدمات ال ستراتيجية التاب عة لمجمو عة الج يش‬
‫الثاني عشر يتبادل الحكايات مع جوني اوكس (من صحيفة نيويورك تايمز) وبن ولز (ابن مساعد وزير الخارجية‬
‫‪48‬‬

‫سمنر ولز) وفرانك هو كمب (رائد في المارينز ربي في باريس مثل دان هنز) وآخرين من نجوم مكتب الخدمات‬
‫الستراتيجية الذين أخذت انظر إليهم وقد استحوذت بي البهجة كطالب صغير محاط بشباب في حفلة تخرجهم من‬
‫الجام عة‪ .‬ارتع شت عظا مي فرحا‪ .‬وكان فال تر واقفا إلى جا نبي ولم ي سترع انتباه أ حد نظرا لوجود أشخاص كثير ين‬
‫يرتدون بزات عسكرية مختلفة ونظرا لنه يتكلم النكليزية كأي واحد منا‪.‬‬
‫عند الساعة التاسعة دعينا إلى عشاء فاخر يختلف كثيرا عما نتناوله عادة في نادي الضباط‪ .‬وأثناء تناولنا الطعام‬
‫ل م سرحيا يتب عه عدد من الفرن سيين والخدمات ال ستراتيجية ف يه‬
‫د خل علي نا الد يب ارن ست همينغواي (ﭙا ﭙا) دخو ً‬
‫أوروبا كلها‪.‬‬
‫بدا لي لبعض الوقت أنه ل يمكن الوصول إلى العقيد بروس‪ .‬وتوقفنا جميعا عن الطعام وانتصبنا واقفين وتوجهنا‬
‫للترحيب بضيوفنا المفاجئين‪ .‬لم تمض ثوان قليلة حتى شاهدني‪ .‬نظر إلي نظرة ود مقرونة بالدهشة ثم ناداني جانبا‬
‫و سألني‪« :‬ماذا تف عل ه نا ب حق الشياط ين؟» قد مت فال تر إل يه ثم ا خبرته عن الظرف المطلوب م ني أخذه إلى فندق‬
‫ماجستيك‪ .‬دهش للمر ووقف فاتحا فاه ينتظر تفسيرا‪.‬‬
‫أوض حت له أن التعليمات تق ضي بأل يرى الظرف ا حد ق بل أن ي صبح ب ين يدي الضا بط اللما ني الذي ي جب أن‬
‫يصل إليه‪ .‬العقيد بروس شهم واثق من مركزه رسميا واجتماعيا ولم ينخرط قط في المنافسات الداخلية في القيادة‬
‫العليا‪ .‬اكتفى بابتسامة وقال‪» :‬أيها النقيب‪ ،‬القرار عائد لك فافعل ما يمليه ضميرك‪ .‬أما أنا فلن أطلب إليك ان تعصا‬
‫الوامر»‪ .‬وهنا أخبرته بأن الوامر صادرة عن الجنرال شين فابتسم وقال‪» :‬امض في مهمتك‪ ،‬يا بني‪ ،‬سيكون كل‬
‫ش يء على ما يرام‪ .‬ول كن لعله من الف ضل أن تخرج من هذا المكان ق بل أن تتحرك قافلة الغ جر هذه ب عد غد»‪ .‬ثم‬
‫صافح فالتر وقال‪« :‬أتمنى لكما حظا سعيدا»‪ ،‬وابتعد عنا وهو يبتسم ويهز رأسه‪.‬‬
‫استمرت الحفلة الليل بطوله تقريبا ووددت لو استطعت البقاء لمشاهدة وصلة همينغواي س أو قل لمشاهدة نجوم‬
‫مكتب الخدمات الستراتيجية‪ ،‬بعضم يسر بها والبعض الخر يمل منها‪ .‬وكنت في ذلك الحين وما زلت من محبذي‬
‫بابا همينغواي‪ .‬وأكدت لي لقاءاتي معه بعد سنوات عديدة وحتى وفاته انطباعي الول عنه وهو «انه شخصية محببة‬
‫رغما عن نف سه»‪ .‬ول كن كان عندي في تلك الم سية وال تر غل يم ووجوب التخط يط للقائ نا ب عد ان نفترق‪.‬خ طر لي‬
‫فجأة اننا على الرغم من الفترة القصيرة التي قضيناها نتبادل الثقة واحدنا بالخر اثناء رحلتنا إلى هذا المكان‪،‬لم نعر‬
‫أي اهتمام لما يجب أن نقوم به بعد افتراقنا في سان كلود‪ .‬فغادرنا الغرفة وصخب الحفلة وجلسنا وحدنا على الشرفة‬
‫نعد خططنا ومعنا اقداح الكونياك وفناجين القهوة‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫لم يمض على خلوتنا هذه إل بضع دقائق حتى انضم إليناكن داونز منسق عمليات دخول عملء مكتب الخدمات‬
‫السستراتيجية إلى باريسس‪ .‬وحدث انسه اثناء الحفلة وصسل إلى فندق «غرانسد فينور» ضابسط فرنسسي مسن عملء‬
‫السستخبارات العسسكرية البريطانيسة «أم آي ‪ »6‬يحمسل أخبارا مفادهسا أن القائد اللمانسي لمنقسة باريسس الجنرا فون‬
‫خولتيتز قد قرر تنفيذ اوامر هتلر بنسف باريس برمتها‪ ،‬وان فون خولتيتز‪ ،‬خلفا لمعلوماتنا السابقة بات على وشك‬
‫التنف يذ‪ .‬وكان كن داو نز قد أ مر الضا بط الفرن سي بالعودة سريعا إلى بار يس لم ساندة تحرك أمير كي ن حو بار يس‬
‫تتقدمه مجموعة الجيش الثاني عشر بقيادة الجنرال برادلي وقال كن‪« :‬سنكون بحاجة إلى كل عناصر الستخبارات‬
‫التي يمكننا الحصول عليها»‪ ،‬وتوجه إلي بالكلم قائلً ‪«:‬ربما باستطاعتك مساعدتنا»‪.‬‬
‫دلنا ما قاله كن داونز على انه ليس على علم بمهمتنا‪ ،‬غير ان ذلك لم يكن ذا شان بالنسبة إلينا‪ .‬فقد عرض علينا‬
‫أن ينقلنا إلى باريس بحيث ندخلها قبل الوحدات الخرى من مكتب الخدمات الستراتيجية مع ضابط من المكتب هو‬
‫جاك موفينكسل وهسو مسن عمري تقريبا له ميول متقاربسة مسن ميولي وسسبق لي أن التقيتسه عدة مرات على طاولت‬
‫البو كر في لندن كما أ نه الرجل الذي أفضله على الخر ين من رجال المك تب لمرافق تي لدخول باريس أثناء وجود‬
‫اللمان فيها‪ .‬لم يوافق فالتر وقال‪« :‬هذا الرجل راعي بقر‪ .‬إذهب معه‪ .‬أما أنا فسأبقى على اتفاقنا السابق وسأنفصل‬
‫عنكم عن سان كلود»‪.‬‬
‫ل ست أذ كر بالض بط ماذا حدث ب ين ذلك الو قت ولح ظة ا ستفاقتي ل جد نف سي مع سائق سيارتي الهندي الح مر‬
‫تشارلي هاتشت ضمن قافلة جاك الهادرة في شارع ايطاليا المفضي إلى قلب باريس‪ .‬كل ما أعرفه انني لم أكن أول‬
‫أمير كي دخل باريس ح تى ولو ا ستثنيت زهاء المئة عميل من عنا صر مكتب الخدمات ال ستراتيجية الذ ين دخلو ها‬
‫ق بل قرا بة الش هر تمهيدا لحتفالت يوم التحر ير‪ .‬غ ير ا نه با ستطاعتي القول المؤ كد ان نا ا نا وجاك وتشارلي ك نا‬
‫ل في‬
‫الميركيين الوائل الذين دخلوها دون أن يكون لهم مهمة محددة فيها‪ .‬كانت نصيحة فالتر لنا هي النزواء قلي ً‬
‫بادئ المر إلى أن يكون الميركيون الخرون قد اخذوا يُشاهدون في المدينة بشكل مألوف لدى الناس‪ ،‬ثم الخروج‬
‫وكأنني كنت فيها طول الوقت‪ .‬وعليه انضم جاك وسيارات الجيب الثلث المرافقة إلى قافلة من الدبابات الفرنسية‬
‫المتج هه إلى شارع ريفولي‪ .‬انعطف نا أ نا وتشارلي إلى شارع جا نبي وم نه إلى فندق ري تز في ما كان القتال ل يزال‬
‫دائرا في ساحة الكونكورد‪ .‬وبينما كان جاك يقتحم فندق موريس حيث ينتظر الجنرال فون خولتيتز سنوح الفرصة‬
‫للستسلم كنت أنا وتشارلي نشرب الشمبانيا ونأكل الكافيار في مقصف فندق ريتز برفقة مديره الذي اخذته الدهشة‪.‬‬
‫وفيما كنت في قيلولتي بعد الغداء الكحولي الذي تناولته انضم كن دوانز إلى جاك وأخذا يقيمان مركز القيادة لرسال‬
‫ل الحسد الدنسى الممكسن مسن‬
‫البرقيات إلى الجنرال برادلي ترشده إلى أنسسب الطرق لدخول المدينسة بحيسث ل يثيسر إ ّ‬
‫حساسية الفرنسيين‪ .‬وكان الهم من ذلك انه استطاع اللتقاء بالقوات الفرنسية التي اقتحمت فندق موريس لعتقال‬
‫‪50‬‬

‫القائد اللماني الجنرال فون خولتيتز وتقّبل استسلمه أما باقي تلك اليام التاريخية الربع المثيرة ابتداء من صباح‬
‫الربعاء في ‪ 23‬آب (اغ سطس) ح تى ال سبت في ‪26‬م نه فتتم ثل في ذاكر تي عقدا حبيباته صور صغيرة كل من ها‬
‫واضح تمام الوضوح انما بغياب تتاليها زمنيا‪ .‬وفي سهرة طويلةن بعد قرابة الخمسة عشر علما من انتهاء الحرب‬
‫قضينا ها أ نا وبا با همنغواي ن ستعيد ذكريات نا‪ ،‬أ صر هو على رواي ته ا نه ورفا قه من المقاو مة الفرن سية سبقوني أ نا‬
‫وزملئي من مكتب الخدمات الستراتيجية بدخول باريس‪ .‬اما روايتي عن أحداث اليام الولى لتحريرها فمدعومة‬
‫بشهادات مسؤولي المكتب الذين راجعت معهم وقائعها وبشهادة أهم منها وهي شهادة فالتر غْليم وهو الن مصرفي‬
‫متقا عد يق يم في جبال اللب النم ساوية‪ .‬ول كن فال تر أيّ د با با في وا حد من التفا صيل و هو ق صة روا ها أمام لري‬
‫كولينز الذي ضمنها كتابه«هل باريس تحترق؟»‬
‫يبدو انه في العشرين أو الحادي والعشرين من آب (اغسطس) س أي قبل يوم واحد من وصولنا انا ودان وفالتر‬
‫إلى رامبويي س أمضى همينغوا يبعد ظهر يوم وليلته في فندق غراند فينور وبذلك يكون قد سبقنا ببضع ساعات‬
‫وفي تلك الثناء خرج من مخبأ في غابة السنديان الدهرية المجاورة عدد من الضباط والجنود اللمان واستسلموا ‪.‬‬
‫جردّهم بابا من سراويلهم وأرسلهم إلى المطبخ لتقشير البصل والبطاطا التي كانت من مكونات الطبق الرئيسي في‬
‫وليمة العشاء التي وصفتها آنفا‪.‬‬
‫لم يخبرني فالتر بذلك الحادث في حينه ولكنه اليوم وبعد أربعين سنة من وقوعه قال انه شعر بالرتباك آنذاك‬
‫ل وفرض عليهم القيام بأعمال يدوية من ذلك المستوى‬
‫من رؤية رفاق له وقد تعّروا من ملبسهم من الحقوين نزو ً‬
‫وارتداء ملبس سقاة الفندق المزينة‪ ،‬انما فقط من الحقوين وصاعدا‪ ،‬ليخدموا في غرفة الطعام‪ .‬وأضاف فالتر انه‬
‫كان يتوقسع مسن همينغواي عندمسا دخسل الغرفسة بضجتسه وضجيجسه ومعسه رفاقسه الفرنسسيون‪ ،‬أن يخلق ذلك الوضسع‬
‫مشهدا‪ ،‬ولكنه لم يفعل‪ .‬وباعتقادي ان بابا بنزعته إلى خلق المشاهد لم يكن يتوانى عن ذلك ‪.‬‬
‫وذكرني تشارلي هاتش بأن ممرضة برتبة نقيب اسمها غريتا بلومي تابعة لمكتب الخدمات الستراتيجية رافقتنا‬
‫في إلى رحلت نا بار يس وكا نت طيلة الرحلة مم سكة باعضائه التنا سلية ت شد علي ها كل ما سمعت طلقا ناريا‪ .‬أضاف‬
‫تشارلي بأنها تزوجت من طبيب نفساني يعمل في وكالة الستخبارات المركزية ثم وقعت بغرام احدى السكرتيرات‬
‫فطردت من عملها عندما تشددت سلطات المن بمطاردة أصحاب الشذوذ الشيوعيين وانتقلت إلى باريس للقامة مع‬
‫السكرتيرة في مكان ما من الضفة الشمالية على طريقة جرترود ستاين واليس توكلس‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫ولئن كانت حياتي في الفترة التي انتهت بانتهاء الحرب العالمية الثانية بعيدة كل البعد عن الهدوء والرتابة‪ ،‬فلعلها‬
‫لم ت كن مه مة بالن سبة لهذه ال سيرة الذات ية؟ يرتاب ني ال شك في ‪ 8‬ذلك ع ند ا ستعادة احداث ها في ذاكر تي‪ ،‬ول كن ها كم‬
‫خلصة لها مهما كانت قيمته‪.‬‬
‫أمنت للجنرال غوردن شين وحاشيته من ج س ‪ 2‬اقامة مريحة في فندق جورج الخامس‪ .‬وبعد أن تصادقت مع‬
‫مدير فندق ريتز جان‪ ،‬ﭙول واسونفيل فحملته على مطالبة صديقه وزميله مدير فندق جورج الخامس الحتفاظ بطابق‬
‫كامل من الفندق «للمبعوثين الخاصين من قبل البيت البيض» المتوقع وصولهم إلى باريس في ‪26‬آب (اغسطس)‬
‫لحضور احتفالت وصول الجنرال شارل ديغول‪.‬‬
‫في الثالث والعشرين من الشهر نفسه‪ ،‬وكان قد أمن لنفسه اقامة في فندق ريتز‪ ،‬دخل ﭙاﭙا همينغواي الفندق مع‬
‫زمرة من رفاقة الطيبين وطلب تماما كما سبق له ان قال لي‪« :‬آة كأسا مزدوجة من المارتيني»‪ .‬ثم دخلت باريس‬
‫قوات الجنرال لليكليرك وتلت ها فر قة المشارة الميرك ية الراب عة وأخيرا‪ ،‬في ‪27‬م نه أقي مت احتفالت دخول الجنيرال‬
‫ديغول المظفر عبر جادة الشانزليزيه على أصوات هتاف الجماهير المبتهجة وتصفيقها‪.‬‬
‫ول ما ك نت «أميرك يا صرفا» (ح سب ما رأى الفرن سيين بي) وأت قن التكلم بالفرن سية صرت أ حد أفراد المجت مع‬
‫الباريسي الراقي الذي كان يضم في ما ضم في تلك اليام‪ ،‬اشخاصا مثل دانيال داريو وفرنسوا روزاي وبيار فريتي‬
‫وساشا غيتري وموريس شوفاليه‪.‬‬
‫انت هى بي المطاف إلى جناح مر يح في الطا بق الثا ني من فندق صغير ي قع ع ند الم ستديرة القائ مة في منت صف‬
‫جادة شانزليز يه ب ين ساحة النج مة و ساحة الكونكورد‪ ،‬قبالة مكا تب صحيفة «لوفيغارو» وفوق الم حل الذي صار‬
‫يعرف باسم «لو دراغستور» حيث يهرول السياح الميركيون لشراء اقراص اللكاسالزر والسبيرين بعد تصريف‬
‫نقودهم في مكتب «اميركان اكسبريس» القريب منا‪.‬‬
‫وفيما كنت أنهي ما أسميته فترتي الباريسية» انسحبت من جهاز مكافحة التجسس للنضمام إلى مكتب الخدمات‬
‫الستراتيجية استعدادا إلى المهنة التي اعددتها لنفسي لعصر ما بعد الحرب‪ .‬وينبغي علي القول‪ ،‬خدمة للتاريخ‪ ،‬أن‬
‫اهتماماتي في تلك الفترة انحصرت بالعلماء وبرجال المخابرات اللمان الذين قد تكون لهم بعد الحرب من فائدة لنا‬
‫في مواجهة أي اعداء جدد قد يظهرون كنتيجة من نتائج الحرب‪.‬‬
‫وأما أصدقائي في فترة الحرب فقد أسعدهم أنتهاؤها ونسيانها باستثناء واحد أو اثنين من هم‪ .‬وأما بشأن فترة ما‬
‫بعد الحرب من حياتي فقد عاد إليها ثم خرج منها فرانك جايمس‪ ،‬وعاد إليها نات صمويلز بعد سنوات عديدة وقد‬
‫صار في منصب مساعد وزير الخارجية في ادارة الرئيس نيكسون‪ .‬أما الشخصان صاحبا الفضل علي ومعبودي‬
‫‪52‬‬

‫آلن كالفرت وهاورد ولسن «فقد عادا إلى جذورهما» حسبما كتب لي هاورد في أحدى رسائله بعد عدة سنوات من‬
‫آخر لقاء لنا‪.‬‬

‫الفصل الثامن‬
‫باريس واللمان‬
‫و «العثور» على راينارد غيهلن‬
‫انقضى قرابة السبوع على الستعراض المظفر الذي قاده الجنرال ديغول في جادة الشانزليزيه قبل بدء وصول‬
‫الضباط الميركييسن الكبار إلى باريسسء نزل العقيسد كالفرت هاينسز فسي فندق جورج الخامسس وتبعسه الرائد روجسر‬
‫سكسن‪ ،‬وأ صر العق يد هاورد ول سن على القا مة مع رجال جهاز مكاف حة الجا سوسية في فندق ي خص شر كة كوك‬
‫ال سياحية كنا قد أمناه ل هم في جادة فيكتور هو غو ح يث تركزت قيادة «ايتوزا» ب عد أن أخله اللمان‪ .‬وجاء برفق ته‬
‫مسؤول كبير وجديد في المجموعة العقيد أورفال راب مراقبا على النقيب دويل المشرف على دهان سيارات الجيب‬
‫ومجموعتسه‪ ،‬وكلود غوزا وفرانسك كيرنسز وكامسل فصسيل باريسس مسن جهاز مكافحسة الجاسسوسية المؤلف مسن زهاء‬
‫ثلث ين عميلً خا صا وعميلً عاديا إضا فة إلى قرا بة العشرة عملء من العابر ين إلى مرا كز أخرى‪ .‬لم ي كن الفندق‬
‫بفخامة الريتزبل كان نظيفا ومريحا وتأمن فيه للشباب قاعة طعام خاصة بهم مجهزة تجهيزا تاما ولهم أيضا طهاتهم‬
‫وسقاتهم‪ ،‬أي أن القامة ف يه أنيسة ومري حة‪ .‬درجت على تناول ب عض وجبات الطعام ف يه كلما ابتغ يت البتعاد عن‬
‫«ال جو اللط يف» الذي فر ضه علي وجود جاي مس ايخلبر غر وهنري را غو في جناحه ما القر يب من جنا حي في‬
‫ع للتأكيد هنا بأن أيا منهما لم تكن لديه الرغبة في أن يشاهده أحد في جادة فيكتور هوغو ‪.‬‬
‫الفندق‪ .‬ول دا ٍ‬

‫‪53‬‬

‫و ما أن و صل هاورد ول سن إلى بار يس ح تى شرع بتوز يع المهام على الم سؤولين م عه‪ ،‬دون أن ي سمح لنف سه‬
‫بدقيقسة واحدة للسستمتاع بالشعور بروح المرح السسائدة ول حتسى لتقبيسل ثغسر فتاة فرنسسية واحدة‪ .‬كان على فرانسك‬
‫كيرنز قيادة مجموعة للتحقيق في أي قضية تستوجب ذلك داخل مقر القيادة‪ ،‬وتألفت فرق ضم كل منها ثمانية إلى‬
‫عشرة عملء مهمتها اجراء مسح أمني لجميع الوحدات العاملة في باريس وجوارها‪ .‬وكان علي وعلى جون باريش‬
‫تمثيل جهاز مكافحة الجاسوسية ومكتب الخدمات الستراتيجية في «التعاونية» (التي صارت تعرف في النهاية باسم‬
‫«كوب») و هي عبارة عن مر كز يحال إل يه كل الذ ين يل قي الق بض علي هم عملء جهاز مكاف حة التج سس ومك تب‬
‫لخدمات السستراتيجية ورجال الحكومسة العسسكرية‪ ،‬والمطلوبون مسن قبسل واحدة أو أكثسر مسن تلك الهيئات‪.‬‬
‫و«التعاونية» هذه أقيمت في قصر خاص بآل روتشيلد‪ ،‬وقد نهبت جميع محتوياته‪ ،‬قائم في جادة فوش بالقرب من‬
‫ساحة النجمة (اتوال)‪ .‬وفيها تقرر توجيه الموقوفين كل إلى الجهة الصالحة للنظر في أمره‪.‬‬
‫عنسد وصسولنا إلى «التعاونيسة» وجدنسا الملزم ثانسي دان هنتسر برفقسة رائد فرنسسي اسسمه لوبوتيليسه يعملن فسي‬
‫مجموعة من السرى جاء بهم رجال المقاومة السرية الفرنسية او أنقذههم من بين براثن المقاومة رجال الشرطة‬
‫العسكرية في الجيش الميركي الخامس بقيادة الجنرال هودجس‪ .‬أوضح لنادان أن الشيوعيين في المقاومة يوجهون‬
‫اتهامات التعاون مسع اللمان إلى خصسومهم خصسوصا إذا كان هؤلء مسن الثرياء الذيسن يملكون منازل أنيقسة يحلو‬
‫نهبها‪.‬‬
‫قضت الوامر الصادرة إلى دان بالتحري عن الفرنسيين المؤيدين للنازية الذين قد يتعاونون مع مجموعات من‬
‫المت صلبين في المان يا‪ .‬وعلى الر غم من عدم وضوح ال مر في ذاكر تي أعت قد بأن دان ا ستطاع العثور على ب عض‬
‫منهم‪ .‬وكان قد دس بين السرى أربعة أو خمسة من العملء الخسيسين الذين ساعدوه في عمله الشاق هذا ‪.‬ولكنه‬
‫بذلك مجهودا أ كبر في تحري أوضاع ب عض الفرن سيين والفرن سيات الذ ين اع تبر بان هم قد يفيدو نه في عمله ب عد‬
‫الحرب‪ .‬ففي تلك الحقبة وقبل أن يخطر بباله أن وكالة الستخبارات المركزية ستبصر النور في يوم من اليام ‪،‬أخذ‬
‫يخطسط للقامسة فسي باريسس ليكون على رأس أي منظمسة للسستخبارات قسد تقوم ممسن بيسن رماد مكتسب الخدمات‬
‫الستراتيجية‪ .‬ومن أجل ذلك كان ل بد له من تنمية صداقات لها تأثيرها‪.‬‬
‫عثر نا ب ين سجنائنا الفرن سيين على شخ صيات مرمو قة تعاون بعض هم مع اللمان فعلً‪ ،‬على م ستوى علقات‬
‫اجتماعية أو حتى على مستوى صفقات تجارية مربحة وكان أكثرهم من اليمينيين الثرياء الذين أراد رجال المقاومة‬
‫الفرن سية إ ما إذلل هم أو ن هب بيوت هم‪ .‬ودأب دان على مراج عة سجلته يوميا بغ ية العثور على سجناء يفيدو نه ب عد‬
‫اطلق سراحهم‪ .‬وكل ما اشت به بأحد هم نزل إلى ساحة المعت قل وتقدم من الش خص المع ني و سأله أو سألها بله جة‬
‫‪54‬‬

‫المستهجن قائلً‪«:‬أرجو المعذرة‪ ،‬ولكن ألست البارونة فلنة؟» وعندما تجيبه باليجاب نقول‪«:‬يا للعار ! ساخرجك‬
‫من هذا المكان فورا!» ويخرجها فعلً‪ .‬وكان كل ما عليه فعله أن يذهب إلى الرائد لوبوتييه ويشهد بالموقوف شهادة‬
‫طيبة وينتهي المر‪.‬‬
‫على الر غم من أن «التعاون ية» في عهدة دان ي ساعده في ها رائد ونقيبان ب قي هو ملزما ثانيا‪ ،‬طبعا ب سبب هفوة‬
‫إدارية‪ .‬فقبضته على العمل وإدراكه العميق لسبب تعيينه فيه ولتطابقه مع المهمات التي تكلف بها الخرون عوامل‬
‫تستأهل رتبة عقيد‪ .‬ولجملة من السباب صارت «التعاونية» بالنسبة لشخاص مثلي ومثل دان نقطة مراقبة ممتازة‪.‬‬
‫أما السبب الهم فكان دان بنفسه‪.‬‬
‫في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) وقبل اسبوعين من الهجوم اللماني المعاكس في منطقة الردين أرسلني العقيد‬
‫كالفرت بمهمة خاصة في مركز التدريب للستخبارات في معسكر ريتشي‪ ،‬ولية ماريلند حيث بقيت حتى قبيل عيد‬
‫الميلد‪ .‬لما عدت إلى باريس كانت معسكرات اسرى الحرب التي أقيمت حول باريس مكتظة بالسرى‪ ،‬وكان عدد‬
‫من الضباط اللمان الذ ين يحاولون تحا شي احتجاز هم في لمع سكرات ويعرفون بوجود «التعاون ية» يتقدمون طوعا‬
‫من أبواب ها‪ .‬إل أن دان أ خذ يحول من من هم ل يتكلم إل اللمان ية إلى الشر طة الع سكرية ويحت فظ بالذ ين يتكلمون‬
‫النكليزية أو الفرنسية ويرغبون بالدلء بمعلومات‪ ،‬يحتفظ بهم «كمحتجزين من صنف خاص» ول يدون اسماءهم‬
‫في تقاريره اليوم ية‪ ،‬في ستبقيهم المدة الكاف ية ليح صل من هم على كا مل معلومات هم عن المحور (المان يا س ايطال يا س‬
‫اليابان )‪.‬‬
‫جاءنا كل الضباط اللمان باللباس المدني وهذا بذاته يدل على انهم أدرى من زملئهم الخرين بطريقة تحاشي‬
‫الوقوع في السر العادي أو ان لديهم أسبابا أخرى للتخفي‪ ،‬أو للسببين معا‪.‬‬
‫أخسذ دان على عاتقسه أمسر اسستجوابهم فيمسا أخذت أنسا دور المسستمع‪ .‬وكانست الفئة الولى مسن المعلومات التسي‬
‫استقيناها منهم انهم يعرفون أكثر منا على أي نحو ستنتهي الحرب‪ .‬لست متأكدا تماما من أن الرائد في الستخبارات‬
‫الكندية ملتون شولمان قد تحدث مع أي منهم ام ل‪ ،‬ولكن ما قالوه لنا ينطبق تماما مع ما أورده ذلك الناقد السينمائي‬
‫والمسرحي الحاذق البصر والبصيرة في كتابه «هزيمة في الغرب»‪ .‬لقد أجمع الضباط اللمان الذين راحوا يفرون‬
‫من ساحات الحرب بالعشرات س حتى بعد الهجوم على الردين ورغم ما بعثه من أمل في نفوس بعضهم في أحلك‬
‫أيام هم س على أن الج يش القوى والح سن عدة الذي عر فه العالم كان محكوما عل يه بالهزي مة م نذ البدا ية‪،‬وان ل‬
‫سبيل له للحاق الهزيمة بقوات عدتها وعديدها جيوش من المدنيين ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫هل يقصر جيش مثله عن الظفر رغم انضباطه وتدريبه المثاليين وقد قال عنهما مارتن وس وغيره من خبراء‬
‫غرفة اللعبة بأنهما سيجعلنه يتفوق على جيوشنا القليلة الخبرة ؟ أن تدريبهم وانضباطهم بالذات سبب تقصيرهم عن‬
‫احراز الظفسر‪ .‬فالضباط اللمان الذيسن جاءوا «التعاون ية» يمثلون أقليسة ضئيلة من ب ين الذ ين أدركوا حقي قة الوا قع‬
‫ادراكا صحيحا‪ .‬أما الخرون فأطاعوا الوامر طاعة عمياء دون طرح اي اسئلة «حتى ولو كان تجاهلها هو السبيل‬
‫الوح يد للخلص»‪ ،‬ح سب ماجاء في كتاب ملتون شولمان‪ .‬إن مجرد التفك ير بالمن جي الذي رب ما اتخذ ته الحرب لو‬
‫خاضوها من دون هتلر لمر مرعب بحد ذاته‪ ،‬وذلك ما كان مستحيلً حسب قول ضيوفنا في «التعاونية»‪.‬‬
‫إذا‪ .‬بماذا اختلف ضيوفنا عن غيرهم من الضباط اللمان؟ حسبنا في بداية المطاف بأنهم مناهضون للنازية وبأنه‬
‫ل يس بين هم من هم في فرق أس‪ .‬أس‪ .‬أو على ال قل أن من من هم في ها حاولوا اخفاء ذلك‪ .‬ف تبين ل نا سريعا خ طأ‬
‫حسسابنا ذلك أن زهاء ثلثهسم‪ ،‬حسسبما أذكسر‪ ،‬كانوا فعلً مسن أعضاء أس‪ .‬أس‪ .‬ولم يترددوا عسن العتراف بذلك بسل‬
‫تجاهلوا كليا احتمال اعتبار نا ل هم كمجر مي حرب ب سبب انتمائ هم إلى منظ مة ارتك بت بعضا من أش نع الجرائم في‬
‫التاريخ ولننا بالتالي قد نضعهم في فئة منفردة ‪.‬‬
‫من نواحي النضباط العسكري اللماني استرعى اهتمامنا بشكل خاص س نحن رجال المخابرات س جهل كل‬
‫ضابط تقريبا من الضباط اللمان الذين استجوبناهم لما يجري في قطاعات غيره من الضباط (وضعت باسم العقيد‬
‫كالفرت تقريرا خا صا بهذا ال صدد رف عه هو إلى المرا جع المخت صة )‪ .‬إن ما ا ستقيناه من معلومات من زميل نا في‬
‫جهاز مكافحة التجسس الملزم ثاني سامي وانتراوب الذي يتقن اللمانية (ألبسناه بدلة عريف وطلبنا إليه «التظاهر‬
‫بمظهر البلهة» س كمن يطلب إلى دانيال داريو «التظاهر بمظهر الدمامة») كاد ان يكون فير قابل للتصديق ‪ .‬فقد‬
‫اخبرنسا بأن ضيوفنسا سسهروا سساعات طويلة بغسد إطفاء أنوار » التعاونيسة « يتبادلون بذهول المعلومات عمسا كان‬
‫يجري في قطاعات بعضهم البعض ‪.‬‬
‫لم ي كن «موقوفو نا الخا صون» م صدر معلومات نا الوح يد‪ .‬فهناك أيضا ال سرى العاديون الذ ين ق بض علي هم على‬
‫ع جل رجال جهاز مكاف حة التج سس دون أن يت سنى ل هم الو قت لمعر فة ما إذا كان لمر هم أهم ية عند نا بل لن هم‬
‫شعروا بأن هم قد يكونون مفيد ين ل نا بش كل ما‪ .‬وكان هناك اي ضا أ سرى أدر كت وحدات المكاف حة أهميت هم ولكن ها‬
‫احتفظت بهم لبعادهم عن صائدي النازيين الذين باتوا يشكلون مشكلة حقيقية ‪.‬ولما بدا النصر قريب المنال أصدرت‬
‫القيادة العل يا للقوات الحلي فة في أورو با أمرا بانشاء وحدة خا صة في جهاز مكاف حة الجا سوسية مهمت ها التدق يق في‬
‫هويات جميع أسرى الحرب في سجلت القرى والمدن التي سقطت بأيدينا والبحث فيها عن أشخاص مشبته بأنهم‬
‫مجرمسو حرب‪ .‬فكان أن أخسذ العملء يجمعون «مجرمسي الحرب» كيفمسا اتفسق‪،‬ذلك أن رجال جهاز مكافحسة‬
‫‪56‬‬

‫الجا سوسية‪ ،‬با ستثناء القلة الضئيلة من هم مدنيون فسي قرارة نفو سهم هم هم ال كبر انهاء مهمت هم والعودة إلى الحياة‬
‫المدنيسة‪ .‬وهكذا كاد أن يكونوا بكليتهسم تقريبا غيسر متعاطفيسن مسع مخططات المسسؤولين بعيدي النظسر فسي قياداتنسا‬
‫المختلفة ومطالبة هؤلء لهم بتوجيه بعض الهتمام بالسرى الذين قد تكون لهم أهميتهم لدى منظمات المخابرات ‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أنه ترتب عليهم طاعة الوامر كغيرهم في القوات العسكرية‪ ،‬لم تكن عواطفهم منسجمة تماما مع‬
‫ما طلب إليهم القيام به ‪.‬‬
‫اعتمدنا على بعض وحدات جهاز مكافحة الجاسوسية التي كان الضباط المسؤولون عنها قد قرروا‪ ،‬مثلي ومثل‬
‫دان‪ ،‬احتراف العمل المخابراتي‪ .‬وما أن حل ربيع العام ‪ 1945‬حتى كنا قد نظمنا طريقتنا في استعمال تلك الوحدات‬
‫بطريقسة جعلتهسا جهازا لمكافحسة الجاسسوسية ضمسن جهاز المكافحسة السساسي‪ ،‬أي انهسا صسارت «الذنسب الذي يهسز‬
‫الكلب» باعتبار انها أخذت تقوم بالمهام المناطة به بينما تحول «الكلب » إلى مطاردة مجرمي الحرب‪ .‬وقد كان ثمة‬
‫مسا يسسوغ موقسف رجال الجهاز السساسي باعتبار أن جهاز مخابرات العدو قسد انفرط عقده ولم يبسق هناك‪ ،‬حسسب‬
‫التعريف الحرفي‪ ،‬جاسوسية يكافحونها ‪.‬‬
‫وأثناء انتزاعنا الكثير من المعلومات من مختلف أصناف وأنواع السرى والضباط الذين أتونا بهم كان دان على‬
‫صسلة مسستمرة‪ ،‬اجتماعيا ومهنيا‪،‬بكسل مسن جونسي اوكسس وبسن وللزوفران هوكومسب وغيرهسم فسي مكتسب الخدمات‬
‫ال ستراتيجية الذ ين جعلوا مكتب هم في جادة سوشيه مع ال ستخبارات الفرن سية‪ .‬و من هؤلء وكذلك من «الموال ين»‬
‫لجهاز مكافحة التجسس تبين لنا أن البحث الهم بالنسبة إلينا يتضمن اربع فئات ‪:‬‬
‫تضمنت الفئة الولى افراد «الوكسترا السوداء» وهم الضباط اللمان الضالعون بطريقة أو بأخرى مع الميرال‬
‫كاناريس في نشاطاته المناهضة لهتلر وخصوصا في محاولة اغتياله في ‪ 20‬تموز (يوليو) ‪ .1944‬وكان آلن دالس‬
‫المق يم في سويسرا آنذاك قد أقام ما أ سماه «عل قة مبدئ ية» مع بقا يا «منظ مة مقاو مة المان يا» انبث قت من جهاز‬
‫الستخبارات اللمانية‪ .‬ولكننا كنا على علم مثل دالس بوجود زهاء مئة ضابط أو أكثر إما مختبئون أو أن أمرهم لم‬
‫ينكشف بعد في معسكرات السرى ‪.‬‬
‫وضمست الفئة الثانيسة ضباط اسستخبارات‪ ،‬وأكثرهسم مسن النازييسن‪ ،‬المختصسين بالشؤون السسوفياتية‪ .‬وكانست‬
‫الستخبارات البريطانية قد علمت بوجود «مخطط» تعاون الماني أميركي ضد السوفيات وضعه الجنرال راينهارد‬
‫غيهلن‪ ،‬قائد «شع بة مخابرات شر قي أورو با» و هي وحدة تحل يل تقار ير ال ستخبارات التي تغ طي الجب هة الشرق ية‪.‬‬
‫وقد اشتدت رغبتنا في سبق الروس إلى القبض على الجنرال غيهلن وعلى الضباط المتصلين بالمخطط (هذا إذا كان‬
‫هناك مخطط)‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫ثالثا س كان هناك عدد من العلماء اللمان الذ ين كشفت هم اللجان ال تي حضر نا اجتماعات ها في لندن أ نا وبور يس‬
‫باش بصفتنا مسؤولين عن التفوقية العلمية والتقنية المفروض أن اللمان يتمتعون بها‪ .‬وكان همنا ان نقبض عليهم‬
‫قبل السوفيات وأظن بأن هؤلء هم الذين وضعهم الجنرال غوردن شين نصب عينيه‪.‬‬
‫رابعا س وأخيرا كان هناك النازيون الضالون الذين سعينا للقبض عليهم ليس لكونهم مجرمي حرب بقدر كونهم‬
‫يملكون القدرة على الهرب من الحرب والقامة في اسبانيا أو في جمهورية ارلندا أو في أميركا الجنوبية أو الشرق‬
‫الوسسط حيسث يخلقون خليسا فسي البنسى السسياسية المحليسة بغرض انشاء حركات نازيسة سسرية لتقوم يوما وتحاول‬
‫السيطرة على العالم‪( .‬حمل بعض زملئنا في دائرة ج س ‪ 2‬في القيادة العليا الحليفة على محمل الجد الشاعة التي‬
‫سرت بأن انتحار هتلر خبر كاذب وبأنه وسكرتير الحزب النازي مارتن بورمن قد فرا إلى الرجنتين )‪.‬‬
‫إذا ن حن نب حث عن راينهارد غيهلن‪ ،‬ذلك النازي النح يل القذر حائك المكائد والمؤامرات الذي قال ف يه آلن دالس‬
‫إ نه ل يس ذاك الر جل الذي أق بل به في ناد أنت مى إل يه» ‪.‬لم ي سبق ل نا أن سمعنا به إل عند ما جاء إلى «التعاون ية »‬
‫ضا بط برت بة نق يب ينت مي إلى مجمو عة الج يش المير كي الثا ني ع شر طالبا «نشره معلومات شاملة» قد تؤدي إلى‬
‫العثور على غيهلن‪ .‬ويبدو أن غيهلن قسد جمسع كسل المعلومات المخابراتيسة المتعلقسة بالسسوفيات‪ ،‬وأن رئيسس النقيسب‬
‫المذكور‪ ،‬أي الجنرال سيبرت جا هد في ال سعي للعثور عل يه‪ .‬وك نا ن حن على ا ستعداد لبذل أي مجهود لتأم ين ما‬
‫يرغب الجنرال سيبرت في الحصول عليه ‪.‬‬
‫كان الجنرال سيبرت تج سيدا للبطولة في أع ين جم يع الضباط الميركي ين للمكانات ال تي يتيج ها احتراف الع مل‬
‫في ح قل المخابرات‪ .‬اع تبر الجنرال على و جه العموم بأ نه الب عد نظرا ب ين رجال جم يع وحدات ج س ‪ ،2‬وح ظى‬
‫بعداء مرير من قبل اليساريين في واشنطن الذين استنكروا أي اشارة إلى اننا سنحول اهتمامنا إلى السوفيات فور‬
‫انتهائ نا من اللمان‪ .‬وعند ما و صلت إلى واشن طن تقار ير تقول بأن سوء ال ستخبارات سبب الخ سائر ال تي لح قت‬
‫بالميركيين في معركة الردين قام اليساريون في الكونغرس وفي الدارة يستحثون وزارة الحربية لجراء تحقيق‬
‫وإلقاء المسؤولية على سيبرت شخصيا‪ .‬فانضوينا فورا تحت لوائه وأمنا له تأييد مجموعات ج س ‪ 2‬في كل الفرق‬
‫والولويسة والجيسش التسي اسستطاعت أن تسبين أن السستخبارات أشارت بوضوح إلى الهجوم اللمانسي المتوقسع وان‬
‫تقاريرها بقيت دون قراءة في سلة البريد الوارد في مجموعة ج س ‪. 3‬‬
‫كمسا تسم تجاهسل نشرات المعلومات الشاملة عسن الجنرال غيهلن التسي بعسث بهسا الجنرال سسيبرت ‪.‬ولمسا اسستسلم‬
‫الجنرال غيهلن إلى وحدة مسن وحداتنسا التابعسة لجهاز مكافحسة الجاسسوسية فسي موقسع مينرباخ‪ ،‬اسستقبله آمسر الوحدة‬
‫ل باردا هذا علما بأن غيهلن كان على أ حر من الج مر للت صال ب سيبرت بقدر ما كان سيبرت مهتما بالعثور‬
‫ا ستقبا ً‬
‫‪58‬‬

‫عل يه‪ .‬أ ما آ مر الوحدة المذكورة النق يب ماريون بور تر ف هو ضا بط كفوء جدا ان ما متم هل بت صرفاته ينت ظر بفارغ‬
‫ال صبر انتهاء الحرب ول يولي بالتالي أي اهتمام «للق يم ال ستخباراتية»ال تي قد تكون مفيدة في حال قيام نزاع في‬
‫المسستقبل‪ .‬ويبدو ان منظسر غيهلن وتصسرفاته لم ترق له‪ .‬وعندمسا قدم غيهلن له نفسسه على انسه الضابسط اللمانسي‬
‫العلى الذي نسسق جميسع عمليات السستخبارات ضسد الروس أجابسه بورتسر بقوله‪« :‬تشرفنسا‪ .‬سسنرسلك إلى الروس‬
‫لتقول لهم ما تعرفه عنهم »‪.‬‬
‫ول كن خ طر ببال ماريون‪ ،‬و هو ل يس بال غبي‪ ،‬بأن لضرر من تغط ية نف سه فات صل بزم يل سابق له في وحدة‬
‫مكافحة الجاسوسية في باريس وسأله ‪«:‬من هو هذا الرجل المدعو غيهلن‪ ،‬وماذا يريد؟» نقل ضابط جهاز مكافحة‬
‫الجاسوسية في باريس فحوى المخابرة إلى العقيد ولسن الذي أرسل برقية مستعجلة بخصوصها إلى الجنرال سيبرت‬
‫في كرونبرغ‪ .‬وفي ساعة متأخرة من الليلة عينها وصل اثنان من جهاز مكافحة التجسس وأخرجا الجنرال غيهلن‬
‫من معسكر أسرى الحرب الذي احتجزه فيه النقيب ماريون بورتر حفاظا على سلمته‪ .‬وفي صباح اليوم لتالي كان‬
‫الجنرال غيهلن وأحسد مسساعديه‪ ،‬وقسد نسسيت اسسمه‪ ،‬يتناولن وجبسة فطور دافسئ ويحقسق معهمسا الخسبيران الوحيدان‬
‫بالشؤون السوفياتية في هيئة أركان الجنرال سيبرت‪ .‬ولما أضفنا أسماءنا إلى قائمة تزداد طولً باسماء الذين ادعوا‬
‫الفضل بالعثور على الجنرال غيهلن‪ ،‬كان في ذهننا ذلك التسلسل الخاطف للحداث التي أدت إليه‪ .‬وفيما بعد تحول‬
‫الجنرال النازي المراوغ إلى المحور الهم في نشاطات وكالة الستخبارات المركزية داخل التحاد السوفياتي ‪.‬‬
‫تتبعنا عن كثب‪ ،‬نحن الذين رأينا ان مستقبلنا هو في احتراف العمل المخابراتي بعد الحرب تلك التطورات‪ ،‬لن‬
‫ا ستراق سامي واينتراوب ال سمع والتن صت على مداولت ضيوف نا اللمان في الطا بق الثالث من ق صر آل روتشيلد‬
‫بعسد اطفاء النوار بيسن له أنهسم تكلموا عنسه كثيرا‪ ،‬فاقتنسع‪ ،‬وأقنعنسا‪ ،‬بأن الجنرال غيهلن هسو على الرجسح مصسدر‬
‫معلومات واسعة عن السوفيات‪ .‬والهم من ذلك ان أقوال ضيوفنا فيما بينهم دلت على ان الذين أدلوا بها رأوا في‬
‫الجنرال غيهلن الشخصية التي يلتف حولها المان غيرهم ومثلهم يتوقعون قيام تعاون الماني أميركي في المستقبل ‪.‬‬
‫لخص سامي واينتراوب كل ما استرق سمعه في تقرير ل يختلف عن كل تقاريره من حيث الوضوح والترتيب‬
‫البديعيسن‪ .‬طلب دان إلى النقيسب الذي جاء بنشرة المعلومات الشاملة عسن غيهلن أن يحمسل التقريسر ويوصسله إلى‬
‫الجنرال سيبرت‪ .‬وبعد أيام قليلة توجه سامي إلى كرونبرغ للشتراك في استجواب الجنرال غيهلن‪ ،‬ولم ألمحه البتة‬
‫إل بعد مضي عدة ِأشهر عندما التقينا في احد ممرات المبنى ل في وكالة الستخبارات المركزية في واشنطن وكان‬
‫آنذاك في جولة لتلقي الرشادات اساعدادا لمهمة جديدة في المانيا ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫كانت الفئة الثالثة من اللمان الذين طلب إلى «الموالين» من رجال جهاز مكافحة الجاسوسية إلقاء القبض عليهم‬
‫الفئة الك ثر ح ساسية‪ .‬إن ها فئة العلماء الذ ين اراد علماؤ نا الح صول من هم على المعلومات عن التطور التق ني في‬
‫المانيسا‪ ،‬وخصسوصا بشأن الصسواريخ‪ ،‬كمسا كان السسوفيات أيضسا جاديسن فسي البحسث عنهسم‪ .‬وفسي تلك الثناء أخسذ‬
‫المجهود ال ستخباراتي المير كي في أورو با يتعرض لنيران الن قد الحام ية للتهلم بأن م سؤوليه «يقدمون الو سيلة‬
‫المصلحية على المبادئ»‪ .‬وشعرنا بألسنة النيران تقترب عندما دعي صديقي القديم موسى دكتر س وهو من ولية‬
‫آلبامسا مثلي وأسسود يتكلم عدة لغات ويحمسل شهادة دكتوراه سس إلى مكتسب نائب قائد «ايتوزا» فسي فندق ماجسستيك‬
‫ليشرح السباب التي حملته على الستعانة بالنازيين الذين كانوا يعملون لدى الجنرال فون خولتيتز لمساعدة الفريق‬
‫الفرنسي الميركي على تعجيل اعادة المنافع والخدمات العامة في باريس إلى العمل المنتظم ‪.‬‬
‫وكان مو سى قد اجتذب للع مل م عه المد عو «بو بي» بندر (عم يل في ال ستخبارات اللمان ية ) وراوول نوردل نغ‬
‫(قنصل السويد العام في باريس‪ ،‬تاجر في السوق السوداء استطاع انقاذ الكثيرين من رجال المقاومة الفرنسية من‬
‫السسجون اللمانيسة وتخليصسهم مسن الموت على يسد رجال الغسستايو) وغيرهسم مسن ذوي الصسلة بالنازييسن والواردة‬
‫أسسماؤهم فسي «لوائح التوقيسف الفوري»‪ .‬وكلهسم اشتركوا بمسساعدة موسسى فسي العثور على العلماء اللمان الذيسن‬
‫تعاونوا مسع علماء فرنسسيين فسي مختلف المختسبرات والمصسانع الختباريسة فسي ضواحسي باريسس‪ .‬قضست الوامسر‬
‫الصادرة إليه بالتعاون مع الديغوليين وهم مقاتلون ل مهندسين‪ ،‬من اجل اعادة المرافق البلدية في باريس إلى العمل‬
‫بأ قل اعتماد مم كن على رجال الغ ستابو والمخابرات والشر طة اللمان المند سين بين هم‪ .‬أ ما ذن به فكان الت سامح الذي‬
‫أبداه مع الفرن سيين من ذوي الموا هب ال تي لم يتم كن من ال ستغناء عن ها كالكهربائي ين وال سباكين والنجار ين الذ ين‬
‫سبق ل هم الع مل مع اللمان‪ .‬ول شك في أ نه ن صح بعض هم بالفرار إلى سويسرا ومن هم بندر ونوردلي نغ وأخوه ‪.‬لم‬
‫يتمكن نائب القائد من اثبات ذلك على موسى (ذلك ان قلبه لم يكن إلى جانب التحقيق) ولكن موسى لم ينكر التهام‬
‫وال وهو أقر بصحته عندما وجهه إليه المحققون ‪.‬‬
‫إن المعلومات التي حصلنا عليها عن العملية التي شملت المسرح الوروبي بأكمله وعرفت باسم «عملية مشبك‬
‫الورق » أو باسسم «مؤامرة مشبسك الورق»سس والمسر هنسا يتوقسف على الجهسة التسي تنتمسي إليهسا سس جاءتنسا تلك‬
‫المعلومات من موسى وليس من زملئنا في جهاز مكافحة الجاسوسية‪ .‬تتلخص عملية «المشبك» هذه بأن كل قيادة‬
‫فيها مجموعة كبيرة من البطاقات الفهرسية سواء كانت قيادة جيش أو فرقة أو لواء‪ ،‬عين فيها رقيب أول أقسم يمين‬
‫المحاف ظة على ال سرية وأن يط به مراج هة البطاقات الفهر سية وو ضع مش بك للورق على كل واحدة تح مل ا سم ا حد‬
‫العلماء اللمان الذ ين قد يؤدي ا ستجوابهم إلى إلقاء الضوء على تلك التفوق ية التقن ية اللمان ية ال تي طال ما شغلت بال‬
‫قيادت نا في لندن‪ .‬وب عد يوم الن صر على الم سرح الحر بي في أورو با را حت فرق مكاف حة الجا سوسية تنزل على‬
‫‪60‬‬

‫مع سكرات ا سرى الحرب وت سحب من ها العلماء المختار ين بتلك الطري قة ر غم اعتراض الم سؤولين في ب عض تلك‬
‫المعسكرات الذين كانوا على بينة من أن معظم العلماء المطلوبين هم نازيون‪ .‬وتولت الفرق المذكورة نقل العلماء‬
‫إلى أمكنة إقامة مريحة حيث عوملوا معاملة خليقة بالشخصيات المرموقة‪.‬‬
‫أيدت العملية تأييدا تاما خصوصا عندما أعطيت الفضلية فيها «للموالين» من أفراد جهاز مكافحة الجاسوسية ‪.‬‬
‫وخامرني الشك في بادئ المر أن تكون العملية المهمة التي أعدها الجنرال شين لي عندما رتب لي التصال بفالتر‬
‫غليم الذي لم يكن قد اتصل بي كما توقعت منه أن يفعل‪ .‬ولكن ماذا كانت ردة الفعل على العملية؟ رفض جايمس‬
‫ايخلبرغسر وجسم غاردنسر وغيرهمسا فسي وحدتنسا فسي باريسس‪ ،‬وكلهسم متحلون بالعقليسة الجامعيسة الليبيراليسة‪ ،‬رفضوا‬
‫التعاطي معها‪ .‬أما اليهود بيننا فانهمرت دموعهم عندما سمعوا بها‪ .‬وبصفتي مسيحي مؤمن بالناجيل ومصاب بداء‬
‫«التشكيل المقلوب» س كما وصفني فرانك كيرنز في كل مرة غضب مني لحتفاظي بروح الدعابة إبان الزمات س‬
‫(دون ذكر تخلفي الفطري طبعا ) لم أتمكن من وضع أي هدف لنفسي غير كسب الحرب والعمل من اجل عدم قيام‬
‫حرب عالمية ثالثة‪ .‬ل أريد هنا الدعاء بالترفع ولكني لم أر أي سبب بل لم أشعر بأي سبب للثأر من اللمان مهما‬
‫كانت بشاعة الجرائم التي اقترفوها‪.‬‬
‫ولكن ونزولً عند إصرار صديقي الممثل المجنون ستيرلينغ هايدن ذهبت لتفرج على معتقل بوخنفالد النازي ‪.‬‬
‫ل من سامي واينتراوب وعم يل خاص من جهاز‬
‫تضم نت مجمو عة زوار المعت قل ال تي فرض ها علي نا ستيرلينغ ك ً‬
‫مكاف حة الجا سوسية ا سمه إرف نغ آرون سن‪ .‬لر يب في أن مشاهدة المعت قل هزت ني ب ما ف يه الكفا ية وكان تأثير ها في‬
‫نف سي أقوى بع شر مرات من تأثيرا تي من الفلم ال تي شاهدنا ها عن المحارق على شاشات التلفزيون‪ .‬ول كن تأث ير‬
‫مشاهدتها برفقة سامي وإرفنغ كان أقوى بمئة مرة‪ .‬وافقت مع نات صمويلز وهو يهودي بمقدار سامي وإرفنغ ان‬
‫اذللنا المبرمج لللمان في أعقاب الحرب العالمية الولى كان سبب قيام هتلر‪،‬ولكنني رفضت الشتراك في عملية‬
‫تثير نفور وغضب نسبة مئوية مرتفعة من اقرب اصدقائي ‪.‬‬
‫بعد مرور خمسة وأربعين عاما على العملية اعترف طوم بووار من هيئة الذاعة البريطانية في كتابه «مؤامرة‬
‫مشبسك الوراق» بأنسه لربمسا لم نتم كن من الصسعود إلى القمسر لو أن «المؤامرة»فشلت‪ ،‬وأضاف بأن ها كانست غيسر‬
‫اخلق ية وجاءت نتي جة «فرض سلطوي» من ق بل المؤ سستين الع سكريتين البريطان ية والميرك ية ‪.‬وإذا كان سخط‬
‫بووار عليها الن بهذا المقدار فهل نستطيع أن نتصور مدى السخط عليها لخمس وأربعين سنة خلت ليس فقط بين‬
‫اليهود من أفراد جهاز مكافحة التجسس ومكتب الخدمات الستراتيجية بل كذلك بين كل الليبراليين منا؟‬

‫‪61‬‬

‫من ال صعب جدا وصفي بان ني ليبيرالي‪ ،‬ل اليوم ول في أيام شبا بي ولك ني أكاد أعت نق الرأي الذي ابداه اي ‪.‬ام‬
‫‪.‬فو ستر عند ما فر صديقنا المشترك ك يم فيل بي إلى مو سكو‪ .‬قال‪« :‬إذا ما أجبرت يو ما على الخيار ب ين صديقي أو‬
‫بلدي أرجو أن تكون لي شجاعة اختيار صديقي»‪ .‬ول كن إبان عملية «مشبك الورق» لم يكن الخيار المطروح على‬
‫ذلك النحو‪ ،‬أو على القل لم أره على ذلك النحو‪ ،‬وعليه قلت لهاورد ولسن انه لو طلب مني الشتراك به على أي‬
‫حال لرفضت ‪.‬‬
‫ننتقل الن إلى الفئة الرابعة أي إلى النازيين الضالين الذين يملكون القدرة والوسائل التي تمكنهم من الفرار إلى‬
‫اسبانيا أو جمهورية ارلندا أو أميركا الجنوبية أو الشرق الوسط‪ .‬قلت في نفسي لعل هذه الفئة هي التي يفكر لي بها‬
‫الجنرال غوردن شين‪ ،‬ولكن لم أكن لتأكد من ذلك بغياب فالتر غليم‪ .‬وفي تلك الفترة بالذات ظهر فالتر من جديد!‬
‫ففي اليوم التالي لستسلم اليابان في ‪ 25‬آب (اغسطس) ‪ 1945‬سمعت طرقا خفيفا على باب جناحي في الفندق في‬
‫بار يس‪ .‬وفي الباب وقف فالتر ببدلة زرقاء مفصلة له خصيصا وقبعة هومبورغ وشمسية ملفو فة باتقان وكأنه من‬
‫طب قة كبار النكل يز متو جه إلى عمله في شارع هوايتهول‪ .‬ظن هنري ل ما ف تح الباب بأ نه ا حد ضباط المخابرات‬
‫لعسكرية البريطانيين المملين وكاد يقول له إنني خارج الجناح‪ .‬ولكن فالتر لم يعره أهمية وسار نحو كرسي جلس‬
‫فيه بانتظار أن أنتهي مما كنت أعمل في الحمام ‪.‬‬
‫ده شت لثق ته بنف سه‪ .‬ها كم ضا بط الما ني باللباس المد ني آت في و ضح النهار إلى ش قة ضا بط أمير كي دون أي‬
‫سرية أو تحفظ ظاهرين‪ ،‬فتلعثمت وخانتني الكلمات واختفت من ذهني كل السئلة التي اعددتها لطرحها عليه منذ‬
‫اليوم الول لفتراق نا في سان كلود ح تى الو قت الذي واج هت ف يه وحدت نا في بار يس قض ية «مش بك الورق» وأمام‬
‫ذهولي ات خذ هو المبادرة وب عد تبادل التح ية بحرارة وال سؤال عن سير أعمالي ومماز حة هنري بأن الوضاع في‬
‫باريس أيام اللمان لم تكن بالسوء الذي يصورها به الفرنسيون سلمني ظرفا وقال «أظن أنه يحتوي على مستقبلك‬
‫»وانصرف دون ان نكون قد تبادلنا عشر كلمات ‪.‬‬
‫أ ما هنري الذي أ طل من النافذة ليشا هد رحيله في ما ك نت أف تح الظرف فقال لي ا نه صعد في المق عد الخل في من‬
‫سيارة سيتروين فخ مة يقود ها سواق‪،‬و قد ان صرفت بهدوء ك ما لو كان راكب ها دبلوما سي ترك بطاقات في وزارة‬
‫الخارجية الفرنسية‪ .‬وأضاف‪« :‬أصدقاؤك ممتازون»‪.‬‬
‫ل بد لي من العتراف بأن محتويات الظرف و هي عبارة عن ا سماء دون اي ملحظات ل ست وعشر ين (‪)26‬‬
‫ضابطا الماينا من رتبة ملزم ثان إلى رتبة عقيد ليسوا من ضباط القوات العسكرية العادية بل من الس ‪ ss‬لم تعن‬
‫لي شيئا ح تى قابلت ها ب عد ظ هر ذلك ال سبت بالملفات المركز ية في فندق ماجي ستك‪ .‬ولم أدرك‪ ،‬ب عد مقابلة ال سماء‬
‫‪62‬‬

‫بمختلف القوائم بأسماء المطلوبين إلى أي فئة انتموا وتأكدي من أن ايا من السماء التي اعطيت لي موجود عليها‪،‬‬
‫لم أدرك فورا لماذا يأتي ضابط الماني قادر على التجول بحرية في باريس في سيارة يقودها سواق لزيارة ضابط‬
‫أميركي في وضح النهار ويسلمني مثل تلك القائمة‪ .‬أمضيت بعض الساعات من التفكير للحصول على دليل ‪.‬‬
‫أ ما أن تم الذ ين رأي تم نورا في ذلك في حق ل كم المفاخرى بذكائ كم الحاد‪ .‬وأ ما في ما يخ صني فعند ما أضاء النور‬
‫طريقي لم يسعني إل التلفظ بعبارة‪« :‬ياللبلهة»‪ .‬وكنت قد قررت العودة إلى التمرين على عزف البوق والنضمام‬
‫إلى فرق مو سيقى الجاز‪ .‬ول كن الفضول‪ ،‬إضا فة إلى مقدار من الشعور ب حب المغامرة الذي صار هو سا‪ ،‬جعل ني‬
‫أقرر الستمرار في مهنة المخابرات لسنة على القل‪.‬‬
‫الفصل التاسع‬
‫مجددا في واشنطن‬
‫مسرح اللعبة وصناعة القرار‬
‫عندما استعرض مجمل مرا حل حياتي يتبين لي انها بدأت تأخذ معناها الحقيقي في أيلول (سبتمبر) ‪ 1945‬يوم‬
‫التحقت بوحدة الخدمات الستراتيجية وهي من بقايا مكتب الخدمات الستراتيجية الذي أخذ آنذاك يتحول تدريجيا إلى‬
‫وكالة الستخبارات المركزية التي ذاع صيتها‪ .‬وبعد قضاء شهر في حر ورطوبة جو ولية آل باما‪ ،‬ونوم هادئ‬
‫وفطور د سم لذ يذ في القطار ال سريع الذي أقل ني إلى واشن طن‪ ،‬بل غت مح طة يونيون ح يث ا ستقبلني ن سيم الخر يف‬
‫العليل وسواق ببدلة رسمية قال لي إن الجنرال والسيدة لوتن‪،‬استاذي في مدرسة المغاوير في اسكتلندا يرغبان بأن‬
‫أقيم معهما في مبنى واردمن بارك حتى عثوري على منزل أقيم فيه ‪.‬فكانت رحلة بسيارة كاديلك حكومية أقلتني من‬
‫محطة يونيون عبر واشنطن عن طريق شارع كاي وعبر منتزه رول كريك حيث اوراق الشجر أخذت تتحول إلى‬
‫الحمر والصفر والبني ثم إلى جادة كونيتيكت ‪.‬‬
‫و صلنا مب نى وارد من بارك‪ .‬إ نه أعلى نق طة في واشن طن‪«،‬يج عل المدي نة بأكمل ها ت حت يد يك» ح سب الت عبير‬
‫المح بب ع ند ال سيدة لو تن‪ ،‬وف يه يقدم الشاي ب عد الظ هر‪ ،‬ك ما في كونوت لندن‪ ،‬في الب هو ال كبير على أنغام ربا عي‬
‫وتري يعزف مقتطفات خفيفسة مسن مختلف مقطوعات الوبرا‪ .‬فسي ذلك المبنسى أقامست السسيدة ايزنهاور أثناء وجود‬
‫الجنرال في ساحات القتال‪ .‬وأقام ف يه أيضا نائب الرئيس البن باركلي وكذلك رئيس المحكمة العليا إرل وارن (ول‬
‫تزال السسيدة وارن تقيسم فيسه حتسى اليوم) ثسم جاء جورج بوش وسسبيرواغنيو وبيرل ميسستا المضيفسة الممتازة التسي‬
‫(حسبما يقال) «تغري الضيوف بتعل يق قط عة لحم في الشباك»‪ .‬أما جناح آل لوتن في الطا بق السا دس ف قد أقامت‬
‫ل ثم زوجته باربرا وبعدها والدته) ثم نائب الرئيس اغنيو‪،‬وبعد‬
‫فيه السيدة أيزنهاور ثم آل لوتن فآل بوش (جورج أو ً‬
‫‪63‬‬

‫ذلك ب سنوات عديدة حللت في ها لثما ني سنوات بهي جة‪ .‬أ ما ال سيدة مي ستا فكا نت في جناح مزدوج فوق جنا حي تماما‬
‫حيث كانت تقيم حفلتها الشهيرة س إلى أن صرت أنا بعد سنوات عديدة أحيي أنا حفلتي الخاصة‪.‬‬
‫كان آل لوتن يعدون اليام التي تفصلهم عن العودة إلى ولية كارولينا الجنوبية و«إلى العقل السليم» حسب قول‬
‫ال سيد لو تن‪ .‬و مع ذلك توا فر ل هم مت سع من الو قت للحياة الجتماع ية فكان عند هم ضيوف على العشاء ليليا‪ ،‬طبعا‬
‫حين ما ل يكونون في ها مدعوي ين هم لتناول طعام العشاء ع ند ل صدقاء‪ .‬ا ما ضيوف هم فكل هم من أ صحاب المرا كز‬
‫المرمو قة ينتمون إلى الظاهرة الحدي ثة الع هد في واشن طن ظاهرة «المؤ سسة»‪ .‬والحفلت ال تي أقامو ها يعود جزء‬
‫منها إلى شعورهم بالرضى عن مساعدتهم لصديق شاب في وضع قدميه على السلم‪ ،‬فدعوا إليها شخصيات عسكرية‬
‫ودبلوماسسية لهسا صسلة بالتخطيسط لوضسع أسسرة المخابرات على سسكة العمسل فسي أيام السسلم‪ .‬شغسل الجنرال وظيفسة‬
‫مستشار لدى دائرة الملحقين العسكريين‪ .‬ومع انه لم يحمل عمله هذا على محمل الجد الصارم (ذلك انها اقتصرت‬
‫على اجراء المقابلت للضباط المرشحيسن مسن رتبسة جنرال الذيسن «يعرفون أي شوكسة يسستعملون فسي الولئم‬
‫الدبلوماسية»‪ ،‬حسب وصف السيدة لوتن فقد أتاحت له مجال التصال بأسرة المخابرات ومكنته بالتالي من معرفة‬
‫من بينهم له تأثير ومن منهم ل تأثير له ‪.‬‬
‫مضى على وجودي في ضيافة آل لوتن اسبوعان فقط أدركت خللهما أن عددا قليلً جدا من الشخاص العاملين‬
‫داخل أسرة المخابرات سيكون لهم أي تأثير يذكر في مستقبلها‪ .‬وخطر لي انه إذا كان الضيوف مؤشرا عمن سيكون‬
‫له ذلك التأثير ف سأواجه صعوبات كثيرة في عملي أول عمل معهم‪ .‬لم أكن في المناسبات الرسمية التي جرت في‬
‫واشنطن في تلك اليام أكثر من ذبابة على الجدار فل أفتح فمى إل لطرح سؤا خجول بين آن وآخر‪ .‬ولكنني كنت‬
‫كلي آذا نا صاغية‪ .‬و في الحفلت ال تي أقام ها آل لو تن وفي ما كان النقاش حادا حول توز يع الوظائف في مختلف‬
‫المنظمات الناشئة طرحت سؤالً‪ .‬قلت‪« :‬لنفرض بأننا سنتخلى كليا عن دوائر الستخبارات وأننا لن نتصارع مع أي‬
‫منهسا مطلقا‪ .‬فماذا تخسسر البلد؟» لم أكسن أنوي مسن وراء ذلك السسؤال إلقاء ظلل الشسك حول ضرورة وجود‬
‫الستخبارات بل قصدت فرض قيام تفكير جدي بأهداف المنظمة التي ستنظم دوائر الستخبارات‪ .‬هل نحن بحاجة‬
‫إليها‪ ،‬وإذا كنا نحتاجها فلماذا؟ وبمعرفة الجوبة الصحيحة فقط عن أسئلة كهذه يستطيع المنظمون التأكيد من أنهم‬
‫يوفقون التوفيق الصحيح بين الهداف وسبل التوصل إليها‪.‬‬
‫قوبل سؤالي هذا بأدب وتهذيب فقط من قبل معظم الضيوف‪ ،‬إل أن واحدا منهم فقط هو الجنرال جون مغرودر‬
‫حمله على مح مل ال جد فح كى ق صة اجتماع عقده الرئ يس ترو من مع رئ يس ال ستخبارات الجديدة آنذاك الميرال‬
‫سيدني سويرز‪ .‬فعندما قال سويزر بأن وحدة الستخبارات المركزية الجديدة التي كان ينشئها مهمتها الحيلولة دون‬
‫‪64‬‬

‫حصول «بيرل هاربر» جديدة اجابه ترومن‪« :‬لم تصلك بعد المعلومات السرية جدا‪ ،‬وإل لكنت علمت أن فك رموز‬
‫الشيفرة قد أنبأنا مسبقا بكل تفاصيل الهجوم على بيرل هاربور‪ .‬إن الستخبارات التي كان الرئيس روزفلت بحاجة‬
‫إلي ها هي تلك ال تي تنبئه ع ما ي جب ان يفعله بتلك المعلومات»‪ .‬الوا قع ان الرئ يس روزفلت كان على علم بمعلومات‬
‫الستخبارات وقرر السماح بحصول لهجوم على بيرل هاربور ليكون احدى وسائل اثارة الرأي العام الميركي الذي‬
‫كان لوله غيسر مبال بالحرب‪.‬ومضسى الجنرال مغرودر قائلً‪ :‬انسه أمضرى الشهسر السسابق بطوله يتحدث عسن‬
‫الستخبارات وتنظيمها في أعلى الدوائر وانه لم يسمع خلل محادثاته كل مة واحدة تشير إلى ان ما قاله ترومن قد‬
‫بلغ م سامع أي من المخطط ين‪ .‬و من ناح ية أخرى كان كبار الم سؤولين في وزارات الخارج ية والج يش والبحر ية‬
‫والطيران ناشطين في اختراع أخطار افتراضية تسوع لكل منهم المطالبة بزيادة مخصصات وزارته من الميزانية‬
‫العا مة‪ ،‬وانطوت اختراعات هم على مجمو عة كاملة من التعاب ير والكليشيهات يدعمون ب ها حجج هم‪ .‬وا ستدار نحوي‬
‫مجيبا عن سؤالي فقال‪« :‬ل أحد مطلقا يتساءل ما الذي يجب أن نخشاه‪ ،‬نحن الميركيين‪ ،‬في عالم ما بعد الحرب»‪.‬‬
‫ب عد مغادرة الضيوف منزل آل لو تن أو ضح لي الجنرال ان الجنرال مغرودر‪ ،‬و هو خر يج كل ية و ست بوي نت‬
‫العسكرية ومن أسرة قديمة محترمة من ولية فرجينيا كان نائب الجنرال دونوثان في مكتب الخدمات الستراتيجية‬
‫وانه على وشك الصيرورة رئيس الوحدة التي انضممت إليها حديثا‪ .‬وقال إن ذلك كان سبب دعوتهم له إلى العشاء‪.‬‬
‫وتن بأ الجنرال وقرين ته بأن مغرودر لن يب قى طويلً في من صبه وبأ نه من الف ضل أن أشا هد خرو جه من من صبه‬
‫لنني سأتعلم منه شيئا‪ ،‬وأضاف‪« :‬لن تتمكن من ادراك معنى الحداث في واشنطن من دون معرفة كيف ينظر إليها‬
‫أصحاب النفوذ من الرجال والنساء»‪ .‬ففي العاب واشنطن تأتي النتائج من تفسير الحداث‪ ،‬سواء كانت صحيحة أم‬
‫خاطئة‪ ،‬أكثسر ممسا تأتسي مسن الحداث نفسسها‪ .‬ومسا كان الذيسن يتخذون القرارات الكثسر تأثيرا فسي حياتنسا ليتبواوا‬
‫مراكز هم لو لم يتعودوا في مرا حل حيات هم الولى على رؤ ية الحداث إل من المنظار الك ثر ملء مة لم صالحهم‪.‬‬
‫وإ نه ل من المؤ سف جدا ان الجنرال جون مغرودر ر جل على م ستوى من الخلص لوط نه أر فع من أن ي سمح له‬
‫بممارسسة لعبسة واشنطسن‪ .‬على كسل حال قررت تلبيسة طلبسة وزيارتسه فسي مكتبسه قريبا وهسي دعوة وجههسا لي عنسد‬
‫مغادرته بيت لوتن‪.‬‬
‫وفيما كنت أقضي المسيات اتثقف على أيدي صانعي القرار في واشنطن ويتركون في نفسي أعمق الثر‪ ،‬جعلت‬
‫أقضى اليام في مختلف المباني المؤقته التي أقيمت بالقرب من نصب لينكولن التذكاري والبحرة المرآة أمامة أقدم‬
‫المتحانات النفسانية ألتي أشرت إليها سابقا وأخضع لفحوص طبية وأتلقى دروسا في أصول المن وأعالج قضايا‬
‫شخ صية م ثل العثور على ش قة وشراء سيارة وأ ستغل مهار تي على أن ني أح سن تدبيسر أموري وأعرف المدا خل‬
‫والمخارج لتفادي العراق يل ال تي يضع ها الج يش في طري قي ل ستعدم زوج تي لور ين واب ني مايلز الثالث وكان في‬
‫‪65‬‬

‫الشهر الثامن عشر من عمره‪ ،‬من بريطانيا‪ .‬وقد وصل في اليوم عينه الذي ودعت فيه آل لوتن وانتقلنا إلى شقة لها‬
‫حديقة في باركفيرفاكس في ولية فيرجينيا المتاخمة لواشنطن‪.‬‬
‫تضمنت مهمتي الولى العمل مع سيدة لطيفة في الثلثينات من عمرها تتقن النكليزية واللمانية مسؤولة عن‬
‫القسم المختص بالشؤون اللمانية في وحدة الخدمات الستراتيجية المناط بها قضايا مكافحة الجاسوسية‪ .‬سأوفر على‬
‫القراء تفاصسيل تلك الحقبسة القصسية واختصسر بالقول ان اختياري لتلك المهمسة يعود إلى أن احدا مسن ذوي المراكسز‬
‫العليا قد رأى وهو يقلب أوراق ملفي انني طاردت التقنيين اللمان بنا على أوامر الجنرال شين‪ ،‬وأن القائمة بأسماء‬
‫النازي ين ال ستة والعشر ين ال تي ح صلت علي ها من فال تر غل يم قد سمرتني إلى الدائرة اللمان ية إلى حد كاد ي ستلزم‬
‫ا صدار قانون من ق بل الكونغرس لنتقالي من ها‪ .‬و في الوا قع جاء ما يعادل القانون إذ نقلت من ع مل إلى آ خر في ما‬
‫كا نت وحدة الخدمات ال ستراتيجية وكالة ال ستخبارات المركز ية تحول اهتمام ها عن مطاردة النازي ين إلى مراق بة‬
‫الشيوعيين‪.‬‬
‫لم أتوقف طيلة تلك الفترة عن التفكير بان التعليمات الصاردة إلى الوحدات العاملة على الرض ل تحدد ما الذي‬
‫يجب فعله بالنازيين الفارين بعد إلقاء القبض عليهم‪ .‬فالذين استطاعوا الفلت منا منهمكون‪ ،‬ل ريب‪ ،‬بنشاطات ذات‬
‫تأثير مشؤوم على السياسات المحلية‪ ،‬وهذا بالطبع ما يفعله أيضا عملء الشيوعيين في الحزاب الشيوعية المحلية‪.‬‬
‫وعليه أل يجوز التفكير بان يكون اللمان مفيدين لنا؟ ل شك في ان الفكرة تبعث على الحيرة‪ ،‬ولكن عندما طرحتها‬
‫على الخريسن فسي القسسم المختسص بالشؤون اللمانيسة دب الرعسب فسي نفوسسهم وأصسروا على أن مطاردة أعدائنسا‬
‫السابقين هي غاية بحد ذاتها وعلى أن السوفيات لم يتحولوا إلى «أعداء» حتى الن‪.‬‬
‫على كل حال‪ ،‬ولسباب ل علقة لها باخلقية القضية قررت مبدئيا البتعاد عنها وطلبت نقلي من القسم اللماني‬
‫وفي السنة التي تلت ذلك تقلبت في عدة وظائف أولها العمل في مكتب اسمه «وحدة اعادة التأهيل والحالة» تديره‬
‫كا ثي ماركوفي تش و هي تشيك ية ح صلت على الجن سية الميرك ية «تع طف عطفا خا صا»‪ .‬ح سب قول ها‪ ،‬على اولئك‬
‫الذ ين اشتغلوا « في براري التج سس الدولي الوا سعة و هو أ سوأ المجالت»‪ .‬تضم نت أعمال نا في المك تب المذكور‬
‫باسستقبال عملئنسا الذيسن بعسث بهسم الجنرال دونوفان إلى أقاصسي المعمورة والترحيسب بهسم وتكريمهسم‪ .‬والواقسع ان‬
‫الب عض من هم ل فة الن سيان ولم نع ثر علي هم إل من مراج عة القيود وال سجلت وكانوا في اما كن نائ ية بعيدة عن كل‬
‫ضروب المدينة حتى أنهم لم يدروا بانتهاء الحرب إل بعد مرور عدة أشهر على استسلم المانيا ثم اليابان‪ .‬لم يكن‬
‫عملنسا هذا مثيرا بحسد ذاتسه ولكنسه فسي الوقست نفسسه شكسل معينا مسن الحكايات التسي اسستعملتها أثناء ولئم العشاء‬
‫والحفلت الخرى‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫انتقلت من مك تب كا ثي ماركوفي تش إلى دائرة تدر يب × ‪ 2‬ح يث أتي حت لي فر صة ممار سة المنهج ية بالمع نى‬
‫الحقيقي لتلك الكلمة ل البديل المتفلسف لكلمة «طري قة»‪ .‬وتر تب علينا استنباط الوسائل ال صحيحة للقيام بأعمال لم‬
‫ي سبق أن قام ب ها أ حد في ال سابق س م ثل تطو يع عملء للتج سس على ال سوفيات على افتراض ان التج سس هو‬
‫الو سيلة الن سب للح صول على المعلومات ال تي نحتاج إلي ها‪ .‬ا سترعى التقر ير الذي وضع ته بهذا الشان اهتمام جم‬
‫انغلتن الذي بات معروفا على انه أمهر الخبراء بالوسائل التي يتبعها السوفيات في التجسس علينا‪ .‬بعد ذلك عينت‬
‫لم ساعدة أ حد أ هم ضباط المخابرات و من أف ضل الرجال هو بيردي سيلفا الذي ا سندت إل يه مه مة و ضع الر سوم‬
‫البيان ية لتنظ يم الق سم المخ تص بالمخابرات في × ‪ 2‬وكان آنذاك ق يد التأ سيس و سيصبح فيماب عد وكالة ال ستخبارات‬
‫المركز ية‪ .‬لم ي كن عملي هذا بالغ الهم ية ولك نه د عم ادعائي بأن ني أ حد مؤ سسي وكالة ال ستخبارات المركز ية‪.‬‬
‫(صرت فيما بعد أحد المئتي موظف الذي أدرجت أسماؤهم على لئحة الموظفين المحترفين عندما تحولت الوكالة‬
‫إلى دائرة رسمية في تموز (يوليو) ‪.)1947‬‬
‫قض يت الش هر التالي ب ين يدي هاري روزت سكي الذي الذي ن ما وترعرع في بروكل ين ونال من جام عة هارفرد‬
‫دكتوراه في علم أ صول الل غة اللمان ية‪ .‬لم ي كن هاري محللً وكاتيا ممتازا ف قط بل وكذلك خطيبا ساحرا‪،‬جل بت له‬
‫موهبته هذه من السى بمقدار ما منحته من الشهرة‪ .‬ففي احدى محاضراته في صف من الصفوف التي كنت فيها‬
‫وكان الموضوع «المشكلة ال سوفياتية»‪ ،‬اد عى طيلة ساعتين مو قف المدا فع عن النظام ال سوفياتي مثيرا بذلك أ سئلة‬
‫متعددة وجهها إليه الحاضرون ومنها‪« :‬ما قولك بانعدام حرية الرأي والكلم في التحاد السوفياتي؟» ولكنه ببراعته‬
‫الفائقة بين لنا ان اسئلتنا لم تعد كونها كليشيهات حمقاء وان السوفيات أقل بلهة بكثيرمما نحسبهم‪ .‬لقد تعمد في تلك‬
‫المحاضرة أن يوضح لنا ما كان علينا ادراكه وهو انه ليس من الجائز اطلقا لي انسان الستهتار بخصمه‪.‬غير ان‬
‫واحدا على ال قل من الحضور تو جه فورا إلى العق يد غالواي‪،‬الذ ين ع ين حديثا لرئا سة وحد تي × ‪ 2‬وال ستخبارات‬
‫السرية لمندمجتين‪ ،‬متذمرا من أن دي سيلفا «يتكلم تماما مثلما يتلكم الروس»‪.‬‬
‫ولكسن دي سسيلفا بعمله هذا أيقظنسا جميعا‪ .‬فقبسل الخطاب الذي ألقاه الرئيسس ترومسن فسي ‪ 12‬آذار (مارس)‬
‫‪1947‬المعروف باسم «شرعة ترومن» واتخذ فيه علنا موقفا مناهضا للتوسع السوفياتي لم يرد في التعليمات ول في‬
‫الخطسط التسي ترشدنسا فسي مهماتنسا أي ذكسر للسسوفيات‪ .‬وبعسد اسسبوع واحسد فقسط على الخطاب أخست تنهال علينسا‬
‫التوجيهات المختل فة بالح صول على معلومات عن نوايا ال سوفيات ليس لجهة ما إذا كانوا سيتحركون بل وبماذا قد‬
‫يتحركون‪ .‬وفسي نيسسان (ابريسل) ‪ 1947‬قالت تقديرات البنتاغون ان باسستطاعة السسوفيات‪ ،‬مسن الناحيسة العسسكرية‬
‫الصرف‪ .‬بلوغ شواطئ بحر المانش (فرنسا) إذا أر ادوا ذلك‪ .‬وقال الجنرال كلي‪ ،‬كبير مندوبينا في برلين آنذاك‪،‬‬

‫‪67‬‬

‫بأن حدسه ينبئه بأنهم على وشك القيام بذلك‪ .‬كانت ردة فعل البنتاغون التنبؤ بغزو سوفياتي لوروبا الغربية كما أن‬
‫البيت البيض رأى الحرب مع التحاد السوفياتي وشيكة الوقوع‪.‬‬
‫ل قد أب قى الروس ب عد يوم الن صر في أورو با على كا مل جنود هم ت حت ال سلح في ما ك نا ن حن نع جل بت سريح‬
‫رجال نا‪ .‬ول كن تراءى ل نا‪ ،‬ن حن رجال المخابرات الحدي ثي الع هد بمهنت نا ان مو قف ستالين دفا عي كليا‪ .‬فالحتمال‬
‫المنطقي هو أن تهاجم الوليات المتحدة القوية التحاد السوفياتي المنهوك القوى‪ .‬وعلى الفتراض بأن السوفيات قد‬
‫يعتبرون أن الهجوم القوي هو ألفضل سبل الدفاع رددنا بالقول إن قوتهم السعكرية ل تعني شيئا طالما شعروا بأنهم‬
‫قضموا قضمة أكبر مما يقدرون على هضمه‪ .‬لم يكن بالنسبة إلينا سوى سيناريو مقبول واحد حتى لدى السوفيات‬
‫الذين يعتربهم مرض الخوف والتشكيك هو ان ستالين سيعزز قبضته عسكريا على الدول التي استولى عليها ويقف‬
‫على أه بة ال ستعداد‪ .‬وعوضا من النشغال باحتمال وقوع هجوم ع سكري‪ ،‬علي نا الهتمام بأن لدى القادة ال سوفيات‬
‫اقتناعا بقرب انهيار اقتصسادنا وبأن الشيوعيسة سستتمكن‪ ،‬ببعسض المسساعدة السسرية مسن الداخسل‪ ،‬مسن اجتياح الغرب‬
‫برمته‪.‬‬
‫سيناريو ‪« :‬الذئب!الذئب!»‬
‫على كل الحالت‪ ،‬ومهما كانت مسوغات التأييد أو المعارضة‪ ،‬فإذا كان محللونا العسكريون يرغبون في تعداد‬
‫الفرق العسكرية وفي تعليق الدبابيس على الخرائط فليكن لهم ما يريدون‪ ،‬لعل في ذلك ما يحول دون تسكعهم في‬
‫الطرقات‪ .‬خلل تلك الفترة بالذات كان قد صدر قول عن كبير محللينا شيرمان كنت أنسخ نصه هنا من الملحظات‬
‫التي دونتها آنذاك بخطي السيىء‪ .‬قال‪« :‬التحليل هو القدرة على استخلص الوقائع وما له صلة بالموضوع من كل‬
‫الفرضى والتشويش والكلم الرنان المثير للعواطف والباعث على التحيز»‪ .‬بالفعل ذلك ما كنا نحاول فعله فيما الذين‬
‫من حول نا يتخلون عن عقلنيت هم ب من في هم‪ ،‬ح سب رأي نا آنذاك‪ ،‬جورج ك نن‪ ،‬ال سكرتير الول في سفارتنا في‬
‫مو سكو‪ ،‬الذي خلت برقي ته الشهيرة المؤل فة من ‪ 6000‬كل مة عن النوا يا ال سوفياتية (مقال «الم ستر ×» في مجلة‬
‫فورين افيرز)‪ ،‬في ظاهرها من برودة التفكير التي حسبنا انفسنا نتمتع بها‪ .‬فخرجنا بتقديرات موجزها‪.‬‬
‫أولً‪:‬ل مجال للتوف يق بين نا وب ين القادة ال سوفيات على الو سائل الكفيلة بضمان ال من القو مي ل كل من الفريق ين‬
‫حسب تفسير كل منهما لذلك التعبير‪ .‬فعند نهاية الحرب كان الزعماء السوفيات قد التزموا إلى حد اللرجوع بسياسة‬
‫اعتمدت على تدمير تأثير الوليات المتحدة الرأسمالي في العالم اعتمادا لم يعد بمقدورهم التخلي معه عنها حتى ولو‬
‫رغبوا بذلك‪ .‬ونظرا للمناخ ال سياسي الذي مكن هم من بلوغ مو قع ال سلطة ونظرا لقدرت هم على البقاء ف يه فإن تخلي هم‬
‫عن تلك ال سياسة يعادل النتحار الشخ صي الفوري‪ .‬وبالتالي لم ت كن القض ية ان ال سوفيات هم الشرار وان نا ن حن‬
‫‪68‬‬

‫الخيار‪ ،‬بل القض ية تك من في المن حى الذي اتخذه الخلف‪ :‬التزامات ل رجوع عن ها لدى أ حد الفريق ين جعلت من‬
‫نفسها قوة ل تقاوم‪ ،‬تقابلها لدى الفريق الخر التزامات ل رجوع عنها تجعله ل يتزحزح من مكانه‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬لم يكن السوفيات يتخذون اجراءات جدية تمهيدا لشن حرب «ساخنة» علينا‪ ،‬تقليدية كانت أم ذرية س حتى‬
‫ولو افترضنا انه إذا لم يكن لديهم قنبلة ذرية بعد‪ ،‬فهم على وشك الحصول عليها وبما ان القادة السوفيات ليسوا فقط‬
‫واقعيين بل مصابون بداء التشكيك والرتياب‪ ،‬فهم يدركون بأنهم ل يمتلكون من القوة إل ما يكاد يسمح لهم بالحفاظ‬
‫على الدول التسي ضموهسا إلى فلكهسم‪ ،‬وكذلك بأنهسم‪ ،‬حتسى ولو صسار لديهسم قنبلة ذريسة‪ ،‬متخلفون عنسا جدا بمعرفسة‬
‫استخدامها بفعالية كبيرة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬فسي جميسع الحالت كان محللو السستخبارات الذيسن يدرسسون الشؤون السسوفياتية بهدوء وتعمسق («أن تفهسم‬
‫أوضاع ال سوفيات أجدى ل نا من أن نكره هم» ح سب قول هاري روزت سكي» كانوا وحد هم مقتنع ين بأن ال سوفيات‬
‫يرون أن ل وسيلة لتفادي نوع من الصراع معنا حتى النهاية واننا وإياهم في صراع متصاعد سواء أردنا ذلك أم‬
‫ل‪ .‬لقد أدرك الينين تماما وكذلك ستالين من بعده ومثلهما أي شخص سيحل محل ستالين ان ل النظام السوفياتي ول‬
‫التحاد السسوفياتي نفسسه ول الكتله الشيوعيسة برمتهسا قادرة على البقاء فسي العالم نفسسه الذي ينبسض فيسه النظام‬
‫الرأ سمالي‪ .‬فإذا كان الغرب واقفا على شف ير النهيار‪ ،‬ك ما ح سب ستالين و جب إذا الد فع به إلى الهاو ية‪ ،‬و في كل‬
‫الحالت ينبغي على السوفيات «الفوز» علينا بطريقة ما ‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬إذكان ال سوفيات غ ير قادر ين على الفوز في حرب « ساخنة» فبأي و سيلة ي ستطيعون الحاق الهزي مة ب نا؟‬
‫بالطري قة الوحيدة ال تي درج الدعائيون ال سوفيات ب عد الحرب مباشرة على الترو يج ل ها وكا نت ما ا سموه «المناف سة‬
‫اللعدائية» (وهي ما صفق لها من جانبنا اولئك الذي قال فيهم لينين‪« :‬البلهاء المفيدون»")‪ ..‬ولكن هنا تكمن النقطة‬
‫الهامة والخطر‪ ،‬حسبما رأيناهما‪ :‬ليس بمقدور النظام السوفياتي أن ينافس بنجاح نظامنا الرأسمالي ان هو لعب لعبة‬
‫المنافسة المنصفة حسب أصولهم كما نفهم تلك الصول‪ .‬لقد أدرك القادة ذلك أدراكا تاما‪ .‬ففي عهد لينين وكذلك في‬
‫عهد ستالين من بعده ورد العتراف ضمنا من خلل الفلسفات السوفياتية حول موضوع بقائهم في عالم«رأسمالي س‬
‫امبريالي»‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬استنادا إلى ماسبق يجب أن تكون نظرة السوفيات إلى المنافسة مغايرة تماما لنظرتنا‪ .‬فهي ل تعني انتاج‬
‫مصنوعات أفضل بأسعار أدنى في أسواق يسهل وصول المصنوعات إليها‪ .‬إنها تعني الحيلولة دون قدرتنا على‬
‫ف عل ذلك‪ .‬فالكتابات ال سوفياتية حول الخلف ب ين الشرق والغرب تن ضح كل ها بالفرض ية الضمن ية بأن ا ستراتيجيتهم‬
‫تقوم بكليتها تقريبا ليس على كسب الصدقاء أو الراضي أو المواد الولية لنفسهم بل على حرماننا منها‪.‬‬
‫‪69‬‬

‫سادسا‪ :‬إضافة إلى كل ذلك ففي أي صراع قد يدخله السوفيات ضدنا ستقوم استراتيجيتهم على مواطن الضعف‬
‫الميركية ل على مواطن القوة السوفياتية‪ ،‬وعلى وجه العموم استبعدت استراتيجيتهم عن رقعة اللعبة الدولية‪ ،‬كما‬
‫نفهم اللعبة نحن‪ ،‬النظر الجدي بحرب شاملة (علما بأنها اتكلت على التلويح بها تحقيقا لكسب نفساني) ثم تحولت إلى‬
‫التشد يد على إحا طة العالم بحزام مجنون من الحروب القليم ية مقرو نة بخلق مختلف انواع المشا كل في أي مكان‬
‫في العالم‪ ،‬ليس ذلك بغرض تحسين قدرة السوفيات التنافسية بل من أجل تخفيض قدراتنا المختلفة‪ .‬لقد كان الحرمان‬
‫بمثابسة قلب الجوهسر فسي أمميسة لينيسن‪ :‬حرماننسا‪ ،‬نحسن «الرأسسماليين السستغلليين»‪ ،‬مسن المواد الوليسة وأسسواق‬
‫الت صريف وإبعاد نا من ناح ية ثان ية عن القوا عد الع سكرية ال تي سنحتاج إلي ها إذا ما اضطرر نا «للجوء إلى الخيار‬
‫العسكري»‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬ل قد ظن ال سوفيات (وكانوا على حق في ظن هم) بأن انت صارنا أو هزيمت نا في الحروب تح صل دا خل‬
‫الوليات المتحدة نفسهاقبلها في ساحات القتال الفعلي‪ .‬واستنادا إلى ذلك استشفينا ان استراتيجيتهم على رقعة اللعب‬
‫الدولية ستكون متصلة صلة وثيقة ببرانامج لبث المعلومات المختلفة غايته «تخديرنا حيال أي تشكيك بنوايا هم قد‬
‫يخامر أذهاننا من جهة وتشويه سمعة أي منا ويجرؤ على التحذير من تلك النوايا من جهة أخرى‪.‬‬
‫ثامنا‪ :‬ل يسعني وأنا أدون هذه السطر إل استغلل ما في القاء نظرة على الماضي من أغراء بأن أعطي صفة‬
‫التحليل لما كان خلل فترة ‪ 1947‬س ‪،1950‬مجرد افتراض يفتقر إلى البرهان‪.‬من هنا اعتبرنا ان المهمة الرئيسية‬
‫لوكالة الستخبارات الجديدة‪ ،‬ان لم تكن مهمتها الوحيدة‪ ،‬هي اختبارها‪ .‬فعليه‪ ،‬وفيما كان رؤساؤنا والمدراء يعدون‬
‫الر سوم البيان ية ويحضرون النظ مة لمختلف مكونات الوكالة الجديدة اخذ نا ن حن‪ ،‬على الم ستوى التنفيذي ن ستشرف‬
‫بوضوح المفهوم الذي سنعمل بوحي منه‪ .‬ومن مراجعة الوثائق والتقارير التي أعدت في حينه يتبين ان العتراف‬
‫بذلك المفهوم قد حصل ضمنا دون اعطائه الصفة الرسمية ‪.‬‬
‫بأسف جديد‪ ،‬لم تتمكن وكالة الستخبارات المركزية من الستمرار في النهج الذي بدأت به‪ .‬وبنظرة أخرى على‬
‫الماضي رأينا ان بعض الشياء قد تشوشت واعتراها الخلل‪:‬‬
‫أولً‪ :‬إن أي وكالة حكومية‪ ،‬كما سبق وقلت‪ ،‬تنظر دائما دون استثناء إلى أي مشكلة من خلل الوسائل المتوافرة‬
‫لها لحل تلك المشكلة‪ .‬من هنا رأت الدوائر العسكرية في السوفيات مشكلة عسكرية‪ .‬ولما كانت الوزارات والدوائر‬
‫الحكوم ية ذات الموازنات الض خم هي ال تي تتم تع بالق سط ال كبر من النفوذ‪ ،‬ف ما كادت آلت نا المخابرات ية الشاملة‬
‫تنطلق ح تى تحول كل اهتمام الجهزة‪ ،‬ومن ها وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬إلى اح صاء الفرق الع سكرية وتعداد‬
‫الجنود وتعليق الدبابيس على الخرائط‪.‬‬
‫‪70‬‬

‫ثان يا‪ :‬لم ت كن وكالت نا أقوى ح صانة من أي دائرة حكوم ية أخرى في موج هة تلك النز عة‪ ،‬علما بأن العدة ال تي‬
‫تعتمد ها للقيام بعمل ها هي عدة وكالة لل ستخبارات ال سرية‪ .‬وعلى الر غم من ان للبنتاغون ميزان ية أض خم ونفوذا‬
‫أوسع مما لدى وكالة الستخبارات المركزية الحديثة العهد‪ ،‬فقد كان لمكتبنا الصغير نسبيا‪ ،‬مكتب العمليات الخاصة‬
‫(أي ×‪2‬والستخبارات السرية معا) ميزانية أكبر وتأثير اوسع داخل وكالة الستخبارات المركزية من كل فروعها‬
‫الخرى مجتمعة‪ .‬وانطلقا من ذلك الواقع أولينا اهتماما أكبر لستعمال الطرق السرية في الحصول على المعلومات‬
‫مما سوغته النتائج‪ .‬وخلل سنوات قليلة تعلمنا ان الزبائن المهتمين بالحصول على المعلومات لم يتمكنوا من التحقق‬
‫إل من صحة جزء ي سير من المعلومات ال تي وفرنا ها ل هم‪ ،‬وبلغ نا أيضا أن خم سة بالمئة او أ قل من ذلك الجزء‬
‫اليسير من معلوماتنا المستقاة من مصادرنا السرية تصل إلى البيت البيض‪.‬‬
‫وثالثا وال هم أدرك نا سريعا بان أف ضل معلومات نا س بل أن ها الف ضل من كل المعلومات ال تي تجمع ها ال سرة‬
‫المخابراتية بمجملها س لم تكن تحمل على محمل الجدية إل إذا كانت‪ ،‬حسب وصف شرين كنت‪« :‬من النوع المثير‬
‫للخوف والذعر»‪ ،‬وهذ يعني التقارير المنطوية على تحذيرات من اخطار صيغت صياغة مرعبة إلى درجة ل يجرؤ‬
‫الب يت الب يض على تجاهل ها‪ .‬فإذا كان لزبائن يريدون مرعبات فعلي ها سيحصلون‪ .‬غ ير أن نا سرعان ما أكثر نا من‬
‫اطلق صرخات «الذئب‪ ،‬الذئب» فتوقف البيت البيض عن الهتمام بأي معلومات نرفعها إليه س إل بالطبع إذا كان‬
‫هو أول منن دب فيه الرعب منها وفي تلك الحال يطلب إلينا تقديم كل ما يمكننا تقديمه تسويغا لذلك الرعب‪.‬‬
‫الفصل العاشر‬
‫وكالة الستخبارات المركزية الجديدة والعالم‬
‫تحبيذ التعاون مع الموساد‬
‫لم ت كن خط بة «شر عة ترو من» ال تي ألقا ها الرئ يس ترو من في ‪ 12‬آذار (مارس) ‪ ،1947‬قط عة أدب ية بالمع نى‬
‫ال صحيح بل عبارة عن مقتطفات من آراء أعضاء احدى اللجان‪ .‬غ ير ان ها تضم نت جملة واحدة دلت على ان في‬
‫البيت البيض شخصا ما‪،‬ربما كان ترومن بنفسه‪ ،‬ادرك وجهة نظرنا‪ .‬جاء في تلك الجملة قوله‪« :‬أعتقد بأن سياسة‬
‫الوليات المتحدة يجسب أن تكون تأييسد الشعوب الحرة التسي تقاوم محاولت اخضاعهسا مسن قيسل أقليات مسسلحة أو‬
‫صسغوط خارجيسة«‪ .‬إذا‪ ،‬أقليات مسسلحة وضغوط خارجيسة عوضا عسن تدخسل علنسي مسن قبسل القوات العسسكرية‬
‫ال سوفياتية؟ ذلك هو الض بط ما ك نا نخشاه إلى در جة ظن نا مع ها بأن رئي سنا آنذاك الجنرال فند نبرغ‪ ،‬ل بد قد دس‬
‫كل مة أو أثنت ين في تلك الخط بة‪ .‬من الثا بت إذا أن الجنرال فند نبرغ قد قرأ فعلً ما حرزناه من آراء سديدة وح كم‬
‫بليغسة ليسس فقسط تلك الواردة فسي مذكرات هاري روزتسسكي بسل وكذلك فسي مواد تدريبنسا وكراريسس التعليمات‬
‫‪71‬‬

‫والرشادات‪ .‬مر بذهننا خاطر مفرح‪ :‬لعل الشهر العديدة التي قضيناها في إعادة توجيه منظمتنا من العمليات ضد‬
‫الحركة النازية المتلشية إلى التركيز على الخطر السوفياتي‪ ،‬لم تذهب سدى ‪.‬‬
‫لم ينقض ذلك التحول دون معاناة وعلى الخص في قسم شؤون أوروبا الغربية حيث معظم أعضاء منظمتنا هم‬
‫من المهجرين اليهود اللمان أمثال هنري كيسنجر‪ .‬ففي واشنطن وعبر البحار كان هؤلء مدركين تماما معنى قسم‬
‫التجنس الذي أدوه (بالتخلي مطلقا وكليا عن أي ولء واخلص لي أمير أو متنفذ أو دولة أو سيادة غريبة ‪ »...‬كما‬
‫كانوا أيضا يستنكرون أي ايماء بأنهم «بصفتهم يهود» يحق لهم «بوطن قومي خاص بهم »‪ .‬فبالنسبة إليهم يعني هذا‬
‫الكلم ان كونهم يهودا اميركيين مرادف لعتبارهم ليسوا أميركيين حقيقيين‪ ،‬وأن اميركا ليست بلدهم الوحد مثلما‬
‫هي البلد الوحد للميركيين غير اليهود ‪ .‬لذلك الكلم رنة تشبه كثيرا تلك الرنة التي هربوا من سماعها قبل سنوات‬
‫قليلة‪ ،‬اي ان اليهود اللمان ليسوا المانا حقيقيين وانهم بالتالي محللين لوباش النازيين‪.‬‬
‫إن تقيدهم بذلك القسم لم يخفف من حساسيتهم حيال قضية إقامة دولة عبرية في فلسطين خصوصا كلما سمعوا‬
‫مناهضي السامية من الميركيين يؤيدون الصهيونيين بالمطالبة بإقامتها علها تحول اللجئين اليهود من أوروبا عن‬
‫الهجرة إلى الوليات المتحدة‪ .‬وكانوا أي ضا على إدراك حاد من النقاش حول الموضوع‪ ،‬خارج ال سرة المخابرات ية‪،‬‬
‫قد انحدر إلى أدنى المستويات ذلك ان السياسيين المناهضين للسامية في سرهم يتفوهون بما يظنونه يرضي الناخيين‬
‫اليهود ويتهمون الدبلوماسيين المحترفين في وزارة الخارجية بانهم مناهضون للسامية ومؤيدون للعرب ‪.‬‬
‫سسمعت هذه المناقشات طيلة السسنوات الربعيسن الماضيسة‪ .‬لم ترق لي فسي بدايتهسا ول تروق لي الن‪ .‬غيسر أن‬
‫باستطاعتي قول ما يلي‪ :‬خلل الربعين سنة هذه قابلت العديد من رجال الكونغرس المناهضين للسامية في سرهم‬
‫والمدعين بتأييدهم لسرائيل في العلن‪ ،‬غير اني ما زلت بانتظار ان أقابل دبلوماسيا أميركيا محترفا واحدا مناهضا‬
‫للسسامية مناهضسة مهمسا كانست طفيفسة أو مؤيدا للعرب‪ ،‬حتسى مسن بيسن اولئك الذيسن يسسمون «عروبيون»‪( ،‬خسبراء‬
‫بالشؤون العرب ية) من الذ ين قضوا في الشرق الو سط مع ظم سني حيات هم المهن ية‪ .‬في العام ‪ 1947‬كان المو قف‬
‫السائد بين الدبلوماسيين المحترفين الموجودين في مناصبهم لدراكهم المهني بالتزامات الوليات المتحدة الخلقية‬
‫وبحاجاتها النية‪ ،‬بأن علينا دعم قيام اسرائيل دون ان نخدع أنفسنا بالتفكير بأن في ذلك منافع لنا ‪.‬‬
‫أ ما فسي البنتاغون فالحكايسة تختلف‪ ،‬ذلك ا نه ل ما كان المخططون العسسكريون والمحلّلون المخابراتيون يرون أن‬
‫الخ طر ال سوفياتي ان ما هو في جوهره خ طر ع سكري‪ ،‬ول ما كانوا يتوقعون نشوب حرب عالم ية ثال ثة تتقا تل في ها‬
‫الجيوش والساطيل البحرية وأسلحة الطيران رأوا في قيام دولة عبرية انها قد تصبح «أعظم حليف متوقّع لنا في‬

‫‪72‬‬

‫الشرق الوسط » متنبئين س نبوءة جاءت صحيحة س بأن جيشها سيكون أفضل جيوش العالم‪ ،‬بل ربما أفضل من‬
‫جيشنا‪.‬‬
‫أ ما الدبلوما سيون والمحللون المخابراتيون الذ ين رأوا ان حرب الم ستقبل ستكون حربا غ ير مُعل نة ومزيجا غ ير‬
‫تقليدي من الحروب القليمية كحرب العصابات وغارات «المقاتلين من أجل الحرية» وألعمال الرهابية وما شابه‬
‫ذلك فرأوا أي ضا ان الدولة العبر ية ستشكل عبئا ثقيلً حمله‪ ،‬ول كن ذلك لم ي عن ان هم عارضوا قيام ها أو دعم نا ل ها‪.‬‬
‫وقد انصب اهتمامهم الوحد على اصرار ادارة ترومن على جهلها المستعصي للمشاكل وعلى نظرتها السطحية إلى‬
‫الفكرة وأسسفوا لرؤيسة مسسؤولينا المنتخسبين يصسوتون إلى جانسب سسياسات يعرفون تماما بأنهسا مضرة بالمصسالح‬
‫الميركية فقط لخوفهم من «اللوبي اليهودي القوي»‪.‬‬
‫وأما رأيي الشخصي ؟ أقول بكل صراحة انه لم يكن لي في الحقيقة أي رأي في الموضوع‪ .‬ولكني في السنوات‬
‫الخيرة حبذت قيام تعاون وثيق ومفيد للطرفين مع الموساد وهو ثاني أفضل جهاز للمخابرات في العالم بعد الجهاز‬
‫ال سوفياتي ك ج ب‪ ،‬ومتفوق جدا على ق سم العمليات الخا صة في وكالة ال ستخبارات المركز ية ‪.‬ولك ني تحاش يت‬
‫النخراط في تلك الورطة في العام ‪ 1947‬وكانت وكالة الستخبارات المركزية المريكية ضالعة فيها ‪.‬لقد تعاطفت‬
‫مع الفريقين طالما شعرت بأن حججهما أصيلة ومخلصة‪ .‬ولكنني كمعظم زملئي المحترفين رأيت ان واقع الخلف‬
‫كناية عن تسلية خطرة على رقعة اللعبة العالمية واستهجنت دخول السياسيين فيها منجذبين بالسوانح التي توفرها‬
‫لهم عوضا عن الهتمام بما تنطوي عليه من حق أو باطل ‪.‬‬
‫بكلم آ خر‪ ،‬لم أوا فق ولم أعارض موا قف أي من الجا نبين لن ها لم ترق لي‪ .‬برأ يي‪،‬ث مة مجال للكذب ولل سرقة‬
‫وللغتيالت ولكل أصناف المكر في الحروب غير المعلنة على رقعة اللعبة الدولية‪ ،‬تماما كما للقتل والتدمير مكان‬
‫فسي الحروب المعلنسة كتلك التسي مررنسا بهسا أخيرا (الحرب العالميسة الثانيسة) ولكسن عندمسا يتعلق المسر بالسسياسات‬
‫الداخلية في الوليات المتحدة أكاد أصبح اخلقيا بعاطفتي ‪.‬‬
‫أقول كل ذلك توضيحا للسعي الحثيث المفاجئ الذي شرعت به في العام ‪ 1947‬في محاولة لنقلي إلى الخارج ‪.‬‬
‫ففسي الدرجسة الولى أردت البتعاد عسن سسوء التفاهسم والخلفات التسي أخذت تطفسو على وجسه الماء بيسن أصسدقائي‬
‫المقربين‪ .‬ولكن وعلى الصعيد الستغللي الشخصي قصدت بأي ثمن الخروج من واشنطن حيث أخذت «السياسة‬
‫الخارجية في الداخل» تطغى فجأة على الدوائر الحكومية المعنية «بسياستنا الخارجية في الخارج»‪ .‬فلم يقم جدل حاد‬
‫وبعيد عن العقلنية حول موضوع فلسطين فقط‪ ،‬بل قام أيضا جدل مماثل ولو أقل علنية منه‪ ،‬بشأن العلماء ورجال‬
‫المخابرات اللمان‪ ،‬ومنهم نازيون كثر‪ ،‬الذين درجنا على تهريبهم إلى الوليات المتحدة وإنقاذهم من قضاة التحقيق‬
‫‪73‬‬

‫في محكمة نورنبرغ‪ .‬لقد كنت‪ ،‬كما أوضحت سابقا‪ ،‬مع تلك النشاطات قلبا وقالبا‪ ،‬ولكنني سئمت فيما بعد من سماع‬
‫المناقشات المستعرة التي أثارها ذلك الموضوع‪.‬‬
‫وث مة ش يء أ خر ‪:‬لم أحاول الهرب من الخلف العر بي اليهودي ك ما ت صور وقال ب عض زملئي من اليهود ‪.‬‬
‫فب صرف الن ظر عن الح ساسية ال تي يثير ها هذا الموضوع في نف سي‪ ،‬لم أع تبره اقرب نقاط اللتهاب لشعال نار‬
‫الحرب العالمية الثالثة‪ .‬لقد تبنى محللو المخابرات في البنتاغون نظرية مفادها انه عندما يبدأ العرب والدولة العبرية‬
‫الجديدة بالتقاتل سيهرع السوفيات لمساندة العرب‪ ،‬وستنبري الوليات المتحدة لمساعدة اليهود ول يلبث الخلف في‬
‫تصاعد حتى تشتعل نار حرب عالمية‪ .‬أما أنا فلم أنظر إلى القضية من تلك الزاوية ذلك ان تقديري لسياسة التحاد‬
‫السوفياتي الناتج عن قراءتي للمقاطع المترجمة إلى النكليزية أو الفرنسية من «مجموعة أعمال الينين» المؤلفة من‬
‫عشر ين مجلدا‪ ،‬دل ني على ان ستالين لن يحاول ال ستيلء على ماتب قى من أورو با الحرة بالو سائل الع سكرية بل‬
‫سسيسعى بمختلف الطرق لحرمانهسا مسن بلوغ المواد الوليسة الفريقيسة فتتحول بالتالي إلى العتماد على البدائل مسن‬
‫التحاد السوفياتي ‪.‬‬
‫أمسا مسساندة العرب إلى الحسد الذي يجعلهسم يخوضون حربا عالميسة ثالثسة فأمسر رأيتسه مسستبعدا كليا عسن نهسج‬
‫ال ستراتيجية ال سوفياتية الناشئة حديثا‪ .‬واع تبرت بأن ال سوفيات سيقدمون لب عض الدول العرب ية الم ساعدات اللز مة‬
‫ل كي يخوضوا حرب هم بأنف سهم س أو بالحرى ما يك في لخلق أق صى ما يم كن خل قه من المشا كل ل كل ذوي العل قة‬
‫بالموضوع بما فيهم العرب أنفسهم س ولكنهم لم ولن يذهبوا إلى أبعد من ذلك في خدمة أي مصلحة عربية‪ .‬والنهج‬
‫عينه ينطبق على أي مساعدة‪،‬مهما كان نوعها‪ ،‬يقدمونها إلى مختلف المجموعات الثورية في افريقيا التي يهتم بها‬
‫السوفيات أكثر بكثير من اهتمامهم بالعرب لن أنظارهم موجهة إلى دول أوروبا الغربية ‪.‬‬
‫لم يكن كل ذلك في حينه سوى مجرد نظريات هشة لم تجد من يعتمدها في مكتب العمليات الخاصة فاستحوذت‬
‫على حاسة لعب البوكر من تفكيري بحيث راهنت بمستقبلي المهني عليها‪.‬‬
‫وعليه شرعت أبحث عن منصب في الخارج بدءا من افريقيا‪ .‬ولما كنت أتكلم الفرنسية عرض علي الخيار بين‬
‫ليوبوالدفيل وكوناكري وأبيدجان وكلها «مراكز مشقة » لم يتقدم لها احد فرفضتها بسبب تفكيري بعائلتي‪ .‬ثم جاءني‬
‫عرضان استهوياتي‪ :‬ريو دي جنايرو وستوكهولم‪ ،‬ولكن زوجتي لورين رفضتها بسبب اهتمامها بي‪ ،‬واعتبرت أن‬
‫عملي في اي منهما هدر لمواهبي حسب فهمها لها ‪.‬‬
‫ثم جاء الفرج ‪:‬دع يت إلى مك تب ستيفن بنروز ( ستيف) ال خبير العت يق بشؤون الشرق الو سط الذي حل م حل‬
‫جي مي مور في في رئا سة مك تب الخدمات الخا صة قال ستيف ان خدما تي «الجليلة في معال جة موضوع النازي ين‬
‫‪74‬‬

‫الهاربين قد لقيت التقدير » (بعد طول انتظار)‪ .‬ولما كنت ضعيف الشخصية ويستهويني التقدير على أعمال لم أقم‬
‫بها احمر وجهي تواضعا س بدلً من الجابة بصدق س وقلت له‪«:‬طيب يا ريس» ووافقت على انني أتمتع بما يحتاج‬
‫إليه العمل المخابراتي الذي يخولني العمل في أوروبا وأضفت بأنني أشعر أن واجبي الوطني يدعوني إلى القبول‬
‫بالعمل فيها إذا ما دعيت إلى ذلك‪.‬‬
‫لم تكن أوروبا واردة‪ .‬وفيما كان دمي يتجمد في عروقي أخبرني ستيف بأن التقارير الواردة حديثا من صديقي‬
‫القد يم فال تر غل يم بي نت ان بقا يا «الحر كة الناز ية» يتجمعون في أمير كا الجنوب ية و في الشرق الو سط وان التحرك‬
‫النازي باتجاه الشرق الوسسط يثيسر جملة مشاكسل معقدة تسستلزم اهتمام ضابسط اسستخبارات قادر على العمسل بتجرد‬
‫كلي‪.‬‬
‫ك نت ح تى تلك الجل سة م صمما على أن الشرق الو سط هو آ خر مكان أ سعى للح صول على ع مل ف يه‪ .‬ول كن‬
‫ستيف أراني تقريرا أثار اهتمامي جدا‪ .‬أعد التقرير الرائد نيكولس اندونوفيتش مساعد الملحق العسكري المعين في‬
‫القدس وقوامه مقابلة مع ناصر الدين النشاشيبي وهو فلسطيني صار أحد أقرب أصدقائي‪ .‬وردت في التقرير النقطة‬
‫التال ية‪ :‬توا جه الحكومات من و قت إلى آ خر معضلت ل حلول ل ها تماما م ثل محاولة العثور على الجذر التربي عي‬
‫لنا قص وا حد (‪ .( v-1‬وعند ما تبين ان المعضلة هي من هذا النوع ي جب أن ي تبين كذلك بأن ها ت ستعصي على كل‬
‫الحلول وعلى المخططين عندئذٍ التخلي عن أي محاولة للعثور على حد لها وتحويل اهتمامهم إلى كيفية تقليل النتائج‬
‫الضارة التي تنجم عن استحالة الحلول‪.‬‬
‫والخلف حول فلسطين واحد من تلك المعضلت ‪:‬‬
‫(‪)1‬س الدولة العبرية ستقوم سواء قبل بذلك العرب أو البريطانيون أو أي كان ام لم يقبلوا به‪.‬‬
‫(‪ )2‬س الحكومة الميركية ستقدم لتلك الدولة أي مساعدة تحتاج إليها لجعلها قابلة للحياة اقتصاديا وقادرة‬
‫على الحفاظ على أمنها عسكريا‪.‬‬
‫(‪3‬‬

‫) س ل سبيل إلى و قف ت صعيد المعار ضة العرب ية لقيام الدولة العبر ية ولد عم الميركي ين ل ها‪ .‬لذلك‬
‫ينبغي على الدوائر الحكومية الميركية تأجيل أي محاولة لحلل السلم بين الفريقين والتركيز على‬
‫تطوير الحتياطات لمواجهة الخطار التي ستتعرض لها المصالح الميركية بكل تأكيد‪.‬‬

‫أ ما (ن صري) النشاش يبي فله رأي خاص و هو أن العرب الذ ين سيقاتلوننا‪ ،‬وعلى ال خص الفل سطينيون من هم‪،‬لن‬
‫يكونوا قوما أشرارا ل بمقاييسسهم الخلقيسة ول بمقاييسسنا نحسن‪ .‬وعليسه ل حسق لنسا نحسن الميركييسن بلومهسم على‬
‫مقاومتهم لنا بأكثر مما نلم نحن على مقاتلتنا أي فريق يسعى لطردنا من ديارنا‪ .‬وهكذا فإن مقاتلتنا لهم لن يكون‬
‫‪75‬‬

‫لها أرضية أخلقية تقف عليها‪ .‬وعلينا مواجهة الواقع بأن أكثر ما سنفعله للتعايش سيكون حكما «ل أخلقيا إن من‬
‫حيث جوهره أو من حيث تفسيره» ‪.‬‬
‫وأما ستيف بنروز وهو سليل أسرة تبشيرية تنتمي إلى الكنيسة المشيخية‪ ،‬فقد ترعرع في لبنان‪ ،‬فلم يفرح لهذه‬
‫النقطسة الخيرة‪ .‬وكسم كان بودي لو أسستطيع اتخاذ الموقسف عينسه‪ .‬ولكننسي اعتسبرت الموضوع تحديا خاصسا جدا‬
‫للمنظ مة ال تي انتم يت إلي ها حديثا‪ .‬ول ما ك نت من مؤيدي القول بأن «بلدي يأ تي أولً‪ ،‬سواء كان على حق أم على‬
‫ضلل»‪ ،‬لمعست فسي ذهنسي فكرة الشتراك فسي بعسض العمسل المسستتر الذي سسوغته لي خدمسة المصسلحة الوطنيسة‬
‫(الميركية)‪ .‬أما كون العمل سيجري في الخفاء فبدا لي واضحا تماما عندما رأيت البيت البيض ونظارة الخارجية‬
‫قسد باشرا بوضسع مختلف أنواع المخططات للسسلم التسي لم ي َر فيهسا الدبلوماسسيون المحترفون المعايشون للشكسل أي‬
‫منطق‪ .‬ولكن المحاولت الساذجة لحمل العرب على التوقف عن مقاومة انشاء دولة عبرية تشكل الغطاء المثل لي‬
‫من الو سائل الخف ية ال تي لم عت في مخيل تي‪ .‬وكا نت ح جج ستيف مقن عة فبدأت أقت نع‪ .‬و في تلك الثناء جاء حدثان‬
‫داخل مكتب الخدمات الستراتيجية نفسه فحددا القرار ‪.‬‬
‫الحدث الول ‪:‬إن الضابط الذي عين للعمل في دمشق وهو نقيب في المارينز عرف بشدة بأسه ونال الوسام تلو‬
‫الو سام لشجاع ته‪ ،‬قد سقط في امتحان (جهاز) ك شف الكذب لج هة اللواط ‪.‬وأ صر النق يب على ا نه جرب اللواط مرة‬
‫واحدة بالفتعال بطيار بريطانسي ولم تعجبسه التجربسة فكانست مرة وحيدة لم تتكرر ومسع ذلك حرم مسن العمسل فشغسر‬
‫مركز العمل المقرر في دمشق ‪.‬‬
‫أما الحدث الثاني‪ :‬فكان مقتل دان دنت رئيس مركز الخدمات الستراتيجية _ وحدة الخدمات الخاصة في بيروت‬
‫في حادث سقوط طائرة في جبال اثيوبيا ‪.‬ولما كانت الطائرة تحمل معدات اتصالت عسكرية حساسة تحتم إرسال‬
‫فريق من ضباط أقوياء البنية ويتمتعون بروح المغامرة لمواجهة أخطار القيام بحملة في أكثر مناطق العالم وعورة‬
‫وتعرضا لغارات العصابات‪ ،‬أو انهم أغبياء إلى حد ل يقدرون معه خطورة المهمة‪ .‬ولما كنت أتمتع بالصفتين معا‬
‫تشوقت إلى المشاركة في الحملة وتقدمت بطلب إلى نك مايكلسون‪ ،‬وهو أميركي من أصل لبناني في قسم الشرق‬
‫الد نى وافريق يا‪ .‬تأخرت يوما واحدا عن الو صول إل يه من أ جل الب حث في الطلب‪ ،‬فاغت نم منا سبة زيار تي ليقترح‬
‫علي العمل في دمشق‪ .‬أجبته بأنني سأفكر في المر ‪.‬‬
‫وهنسا دخسل المسسرح ارشيبالد روزفلت‪ ،‬حفيسد الرئيسس السسبق ثيودور روزفلت‪ ،‬احدى أكسبر الشخصسيات فسي‬
‫نظري‪ .‬كان آرتشي على وشك الدخول لجراء مقابلة لوظيفة في بيروت يكون فيها فعلً منسق كل أعمال وأنشطة‬
‫السستخبارات فسي البلدان العربيسة مسن المغرب إلى العراق‪ .‬وكان آرتشسي قسد خرج لتوه مسن امتحان فسي وزارة‬
‫‪76‬‬

‫الخارجيسة حيسث سسئل‪« :‬هسل تتكلم لغات أجنبيسة؟» فأجاب فورا العربيسة والفارسسية والكرديسة والروسسية والرمنيسة‬
‫والردويسة والتركيسة وبصسفة لهجات تركمانيسة‪ .‬وعندمسا سسأل أحسد أفراد اللجنسة الفاحصسة‪« :‬أل تتكلم الفرنسسية أو‬
‫السبانية أو اللمانية ؟» أجاب بجزع‪« :‬يا إلهي‪ ،‬هل تحسبون لها حسابا ؟»‬
‫إن السلك الخارجي الذي ل تعتبر فيه تلك اللغات أمرا مفروغا منه لم يكن خليقا بآرتشي‪ ،‬لذلك خرج من وزارة‬
‫الخارجية وتوجه فورا إلى مبنى مكتب الخدمات الستراتيجية حيث طلب عملً قائلً لهم‪ :‬إن أهم مؤهلته كونه عاد‬
‫لتوه من من صب م ساعد المل حق العسكري في العراق ثم في ايران حيث قضى قرا به الش هر في آذربيجان يرا قب‬
‫ال سوفيات في محاولت هم الرام ية لخضاع تلك المنط قة الم ستعصية‪ ،‬دون أن يذ كر ان من مؤهل ته معرف ته لغات‬
‫الشرق الوسط‪.‬‬
‫عينه نك على الفور ثم دعاني وجدد عرضه السابق‪ .‬لم أقبل به على الفور بل وافقت على دعوة آرتشي للعشاء‬
‫عندنا للبحث في الحتمالت ‪.‬كان العشاء ناجحا كليا وشعرنا خلله وأثناء السهرة وكأننا أنا وآرتشي نعرف بعضنا‬
‫م نذ سنوات عديدة ك ما أذ هل آرت شي لور ين بمعرف ته للغات وحضارات الشرق الو سط وأدهش ته لور ين بدور ها‬
‫بمعرفت ها بآثاره ومعال مه‪ .‬وال هم من ذلك ان آرت شي وا فق على آرائي بشأن ال ستراتيجية ال سوفياتية وذ هب إلى‬
‫القول بأ نه في ما يعت قد ال سوفيات بأن ساحة القتال الخ في الفضلي لخد مة أغراض هم ستكون افريق يا‪ ،‬ي جب أن ندرك‬
‫الساحة المثلى لخدمة أغراضنا هي آسيا الوسطى ‪.‬‬
‫صباح اليوم التالي تكلمت مع نك مايكلسون هاتفيا وقبلت عرضه‪ .‬وانتحيت زاوية هادئة في غرفة المطالعة في‬
‫القسسم أقضسي فيهسا نهاري فسي قراءة كسل المواد ذات الصسلة بمهمتسي المقبلة‪ ،‬فاكتشفست ان ثمسة مفاجآت مذهلة‬
‫بانتظاري‪ .‬ها أنا في غرفة المطالعة في قسم الشرق الدنى وافريقيا أجمع المعلومات اللزمة لمهمة سأقوم بها في‬
‫المنطقة التي قضيت سنوات عديدة أحاول تجنبها‪ ،‬وأعد نفسي للقيام بالعمل الذي كان آخر ما يساور رغباتي‪ ،‬وإذ‬
‫بي خلل الساعة الولى من القراءة اكتشف بأن دمشق مدينة جميلة مناخها معتدل وساحرة بكل معنى الكلمة‪ .‬إنها‬
‫وا حة كبيرة ت قع ب ين جبال لبنان وب ين حا فة ال صحراء ال سورية‪« .‬طق سها شبيه جدا بط قس مدي نة فين كس بول ية‬
‫أريزو نا» ومنط قة المجاري في ها مبن ية على مقر بة من مجرى ن هر بردي م ما يج عل النظا فة في ها «قري بة من ها في‬
‫مدي نة متو سطة من مدن كم بول ية كولورادو»‪ .‬و من خلل ال صور المقتط عة من مجلة «ناشنال جيوغرا فك» تظ هر‬
‫على انها شبيهة جدا بمدينة متوسطة في ولية كولورادو‪ .‬أما صور المنازل التي يقيم فيها الدبلوماسيون فتظهرها‬
‫شبيهة جدا بمنازل أثرياء جنوب كاليفورنيا ‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫وهكذا و في صبيحة يوم بد يع طق سه من أيام أيلوم ( سبتمبر) أخذت لور ين إلى آلبا ما ح يث يق يم قاض اتحادي‬
‫عتيق صديق أسرتنا منذ سنوات عديدة ليساعدها في الحصول على الجنسية الميركية في غضون أسابيع قليلة بدلً‬
‫من النتظار سنتين وركبت الطائرة برفقة أرتشي إلى بيروت مرورا بنيو فاوند لند وبريطانية ومالطا‪ .‬قضينا كل‬
‫وقت نا في الطائرة بالكلم وتجاذب الحاد يث وشعرت بأن ني بدأت أغوص في ك نه شخ صية آرت شي الذي بدا وكأ نه‬
‫سر غامض لدى اصدقائنا المشتركين في قسم الشرق الدنى وافريقيا‪ .‬انه مزيج عجيب من التناقضات‪ :‬ارستقراطي‬
‫خال من كل تكلف‪ ،‬ومثقف لمع ل يطيق المفكرين‪ ،‬وعملني بارع رأسه بين الغيوم وستاذ شارد الذهن ل يفوته‬
‫أي حيلة وطفل بريء يصفح عن كل الثمين‪ ،‬وشخص أحب جميع الناس وأحبه الجميع دون استثناء س وهذه صفة‬
‫لزالت ترافقه حتى اليوم‪ ،‬بعد أربعين عاما على تعارفنا‪ .‬وبدا لي انه قدر مواهبي إلى حد جعله يؤكد بأنني سأتعلم‬
‫العربيسة خلل بضعسة أشهسر فيمسا يقضسي الدبلوماسسيون العاديون سسنوات يتعلمونهسا فسي مدرسسة تشارلي فرغسسون‬
‫ال صغيرة في بيروت‪ ،‬هذا إن اتقنو ها‪ .‬تبين ا نه كان على حق في ظ نه ذلك أن ني ب عد قضاء سنة واحدة في دم شق‬
‫استطعت بمساعدة الرجل الثاني في وكالة الستخبارات المركزية هناك تأليف أول معجم بالعربية الدارجة ‪.‬‬
‫قضيت ليلة واحدة برفقة آرتشي في بيروت مع بعض موظفي المفوضية الميركية فيها (قبل رفع مستوى التمثيل‬
‫الدبلوماسي إلى مستوى سفارة ) ثم توجهت إلى دمشق في سيارة المفوضية‪ .‬استقبلني مسؤولو المفوضية الميركية‬
‫في دم شق ا ستقبالً حارا سبق ان ق يل لي بأل أتوق عه‪ ،‬وبمثله قابل ني طا قم المفوض ية البريطان ية‪ .‬وخلل أيام قليلة‬
‫تعل مت در سين عن ال سلكين الدبلوما سيين المير كي والبريطا ني‪ ،‬وه ما در سان أقدمه ما لم صلحة الشباب والشابات‬
‫الذين يفكرون باتخاذ السلك الدبلوماسي مهنة لهم ‪.‬‬
‫الدرس الول ‪:‬إن حياة الدبلوما سيين وعيال هم والموظف ين أك ثر هناء بكث ير في المنا طق الم سماة «مرا كز الخد مة‬
‫الصعبة» منها في مراكز مثل لندن أو واشنطن أو باريس حيث العمل الشاق ل ينقطع ‪.‬‬
‫ففي دمشق أقامت أسرتي المؤلفة من أربعة أشخاص في منزل فخم _ لول التمديدات المائية _ مؤلف من سبع‬
‫غرف يضاهي منازل الحياء الراقية في لندن أو في واشنطن‪ .‬وكان عندنا أربعة خدام _ الطاهي والسائق وخادمة‬
‫ومربية ترعى الطفال _ وخلل صبحيات تناول القهوة تتجاذب زوجتي أطراف الحديث مع الكثيرات من زوجات‬
‫الدبلوماسيين اللواتي لم يسبق لهن ان شاهدن في حياتهن خداما في البيوت واللواتي عندما يكن داخل بلدهن يقضين‬
‫وقتهن بغسل الطباق وتنظيف ارض المنزل وغسل حفاظات الطفال وغير ذلك‪ .‬فالخدمة في «المراكز الصعبة»‬
‫تسكر وتدير الرأس‪ .‬ينزع الدبلوماسي الشاب إلى نسيان ان المتيازات والحترام التي يتمتع بها تعود في معظمها‬
‫إلى كونه موظفا في السلك الدبلوماسي الميركي أو البريطاني أكثر مما تنبع من جاذبية شخصيتة‪ .‬وإن الكثيرين من‬
‫‪78‬‬

‫الثرياء والوجهاء المحليين وكذلك المراسلين والزوار القادمين من بلدة قد ل يمنحونه دقيقة واحدة من وقتهم لو انه‬
‫اتخذ لنفسه مهنة هو مؤهل لها ‪.‬‬
‫أما الدرس الثاني‪ :‬فهو أن نسبة عالية جدا من الذين ينضمون إلى السلك الدبلوماسي آملين بالحصول على وظيفة‬
‫فسي لندن أو باريسس أو رومسا أو اسستوكهولم أو ريودي جنايروهسم فسي غالب الحيان مسن الشخاص المتعجرفيسن‬
‫تنقصهم الثقة بالنفس يتمكسون بالشكليات البروتوكولية‪ ،‬قلما تراهم في خط المجابهة‪ .‬إن أكثر الدبلوماسيين الذ ين‬
‫يعملون في كوناكري أو عدن أو دبي أو دمشق مثلً هم غالبا من الشباب الذين يبشرون بالنجاح اختيارهم لمناصبهم‬
‫مخط طو التوظ يف اختيارا دقيقا أو أن هم هم الذ ين طلبوا تعيين هم في مرا كز كهذه لهتمام هم الشخ صي في قضا يا‬
‫وتحديات رقعة اللعبة الدولية‪ .‬على كل حال كان جميع زملئي في المفوضية ممتازين إن على الصيعد المهني أو‬
‫على الصعيد النساني‪ ،‬وعليه فقولي بأنني أحببتهم جميعا ل يفي حقهم‪ .‬لم أتمالك التخلي عما تدربت عليه في وكالة‬
‫الستخبارات المركزية فجعلت لكل منهم ملفا ولكن لست أخشى مغالطة أحد من رؤسائي في واشنطن إن قلت أنه لم‬
‫يكن في أي من الملفات ما يعرض أيا منهم للرباك إذا ما دعت الحاجة «لتأمين التعاون» حسب قول نك‪ .‬وهناك‬
‫أيضا قض ية ثانو ية كدت أن ساها ‪.‬ف قد ا ستطاع م خبر تعاملت م عه و هو مع الشع بة الثان ية في دم شق التقاط صورة‬
‫للمسؤول عن الشيفرة في مفوضيتنا يرقص والخد على الخد مع مسؤول الشيفرة في المفوضية البريطانية في أحد‬
‫مرابع الليل‪ .‬ولسباب تتجاوز مجال هذا الكتاب لم أجعل منها قضية ‪.‬‬
‫ينبغي ان أخبركم عن صديق خاص من بين موظ في المفوض ية المحلي ين‪ .‬إ نه يوسف دبوس أو «القذر الدوار»‬
‫ح سب ت سمية القائم بأعمال المفوض ية‪ .‬إ نه قذر كيف ما ن ظر المرء إل يه‪ .‬ول كن على الر غم من ادرا كه لنقائ صه‪ ،‬كان‬
‫ينهش صدره الطموح لتحصيل المال‪ .‬فأخذ يخطط لمستقبله مقارنا بين حسناته وسيئاته‪.‬‬
‫قامته اشبه بثمرة الجاص ووجهه يتلءم معها‪ .‬وسنه المامي الملبس ذهبا يطل عليك من ابتسامة فيقلب القصد‬
‫منها رأسا على عقب‪ .‬مكره شبيه بمكر البهائم الغريزي ل يقاس بالفطنة اللزمة للتعامل التجاري في سوريا‪ .‬انتهى‬
‫يو سف إلى ال ستنتاج بأ نه ل يتم تع ب ما في طو قة تقدي مه للمت ين‪ .‬ول ما أعياه الح ساب قرر اللجوء إلى الشرف!لم‬
‫يسبقه أحد إلى في مجال العمال حيث الغش والتلعب معيار النجاح‪ .‬وعليه اقترض مئة دولر من أحد المصارف‬
‫وسددها في الوقت المحدد ثم اقترض ‪ 500‬دولر وبعدها ‪ 1000‬دولر وسددها أيضا في موعد استحقاقها دون أن‬
‫يفو ته اعلم مد ير الم صرف ب ما تكبده من مش قة من أ جل التق يد بالمواع يد‪ .‬وراح ب عد ذلك يق طع وعودا م ستغربة‬
‫لصدقائه‪ ،‬والغرب منها وفاؤه بها!‬
‫ت صرفاته تلك با تت حد يث دم شق و صار أ صدقاؤه في ها ي سمونه «يو سف الم ين»‪ ،‬والميركيون والبريطانيون‬
‫يدعونه «يوسف الشريف»‪ .‬وسرعان ما أخذت الشركات الوروبية تتصل به في سعيها لتأمين مندوبين لمبيعاتها في‬
‫‪79‬‬

‫سوريا‪ ،‬وهي واثقة من ان ما ل يمكنه تحقيقه لها في مجال المبيعات يعوضه بتخفيض بدلت عمولة الوسطاء‪(.‬قال‬
‫أحد الساخرين بيننا‪«:‬يظنون كلهم أن باستطاعتهم خداعه!») وراح رجال العمال يطلبون إليه قبول عضوية مجالس‬
‫ادارة شركات جديدة يؤسسونها لعلمهم بأن ظهور اسمه على مطبوعاتها سيترك انطباعا طيبا في نفوس المساهمين‬
‫المرتقسبين‪.‬كمسا حاولت المصسارف اغراؤه بعرض القروض عليسه بفوائد مخفضسة‪ .‬ودعتسه ادارة مدرسسة الصسبيان‬
‫الميرك ية التاب عة للر سالية المشيخ ية للتحدث إلى طلب ها في مواض يع م ثل «النزا هة أف ضل ال سبل» و«ال يتو قع‬
‫منكم الحقيقة»‪.‬‬
‫هكذا ودون مجهود كسبير صسعد يوسسف دوسسات سسلم النجاح فسي علم العمال (قالي لي مرة‪«:‬لسست أبلها بسل‬
‫مجرد غبي») وانت هى به المقام في مكان ما في جنوب فرن سا ح يث يع يش في بحبو حة وا سعة من مدخول العملم‬
‫الوح يد غ ير النز يه الذي ارتك به في حيا ته‪ ،‬ح سبما روى لي مرة عند ما التقي نا على م تن ي خت عدنان الخاشق جي‬
‫نحتسي الشمبانيا‪ .‬فقد سحب كل رصيده من بنك انترا في بيروت واستدان ما أمكنه من المصرف المذكور ثم راح‬
‫يروج الشاعات التي أدت إلى افلس المصرف (علمت لحقا من بول باركر‪ ،‬نائب رئيس بنك أوف اميركا‪ ،‬الذي‬
‫دعاه انترا لمعالجة أوضاعه أن يوسف تقاضى مبلغا ضخما بدل اتعاب استشارية فقط للفصاح عن خفايا عملته)‪.‬‬
‫الخطوة الولى التسي خطاهسا يوسسف صسعودا كانست حصسوله على وظيفسة فسي المفوضيسة الميركيسة لدى مكتسب‬
‫الضابط الداري حيث راح يعرض نزاهته المعروفة نيابة عنا‪ .‬فهو الذي ساعدنا في العثور على الرض التي تقوم‬
‫عليها السفارة الميركية حاليا في دمشق وأمن شراءها كما ساعد المفوضية في جميع المعاملت التجارية والقانونية‬
‫مع التجار السوريين والحكومة السورية‪ .‬فكان وجوده فقط مبعثا للطمأنينة لى الفريقين ولم يخيب آمالنا مرة واحدة‪،‬‬
‫كما كان‪ ،‬حسبما يحلو له القول‪«:‬نافذة التفاهم» التي أمكن عبرها لموظفين اميركيين شباب تنقصهم خبرة التفاهم مع‬
‫أناس ينتمون إلى احدى أعرق حضارات العالم ‪.‬‬
‫و جد زملئي في مفوضيت نا في دم شق في العام ‪ 1947‬ان تلك النافذة مغشاة ب عض الش يء‪.‬فالحضارة ال سورية‬
‫العري قة موضوع ش يق في ك تب التار يخ في الجام عة‪ .‬ولكن هم جاءوا إلى الشرق الو سط مقتنع ين بأن جم يع الناس‬
‫هم‪ ،‬في أعماق نفو سهم‪ ،‬شبيهون بالميركي ين‪ ،‬يؤمنون في قرارة ضمائر هم بالخلق ية البروت ستنتية وان كانوا ل‬
‫يعرفون ماهي‪ .‬ولكن وكالة الستخبارات المركزية علمتي أشياء أخرى‪ ،‬وان كان ساداتنا القديسون في واشنطن قد‬
‫رأوا انه قبل ان تتمكن الحكومة الميركية من رسم سياسة بناءةتتعامل بها مع الحكومة السورية ينبغي تعليم الشعب‬
‫السوري أصول الديموقراطية حسب السلوب الميركي‪ .‬وهنا تبادرت إلى ذهني السوانح المتاحة في كوني المعلم‬
‫خ صوصا إذا كان يو سف بجا نبي يقدم لي الم ساعدة في المه مة‪ .‬ول كن رأ يت أن علي ان أتعرف إلى نوع ال صورة‬
‫التي رسمتها التخيلت والوهام في واشنطن عن المزاج السوري‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫تبين لي من مراجعتي ملفات المفوضية أن المراسلت الخاصة بالعلقة السورية الميركية تحصل مع وحدة في‬
‫وزارة الخارجية مهمتها التأكد من أن شعوب أقاصي الكرة تتفهم وتدرك ما للحريات الميركية من أفضليات على‬
‫«الستعباد الشيوعي»‪ .‬وبدا ان وزير الخارجية وكبار مساعديه اعتبروا ان الوليات المتحدة على خلف يكاد يكون‬
‫كليا مع الدول العرب ية وان الم سؤولية في ذلك ت قع كل ها تقريبا على القيادات المضللة في ها س ل يس عند نا بالط بع ‪.‬‬
‫وتمكنوا أيضا بنظريت هم القائلة بان العرب سيكونون حلفاء نا ال طبيعيين لو قي ضت ل هم قيادة أك ثر فعال ية وتنورا‪.‬ذلك‬
‫انه ليس ما يخشونه منا بل لهم كل ما يخشونه من السوفيات‪ ،‬وبالتالي فإنه لمن المغاير لطبيعة المور ال يرحبوا‬
‫بعروضنا لحمايتهم‪ .‬شركاتنا النفطية ستجعلهم أثرياء وسيكونون أكبر المستفيدين من «حل ودي للقضية الفلسطينية»‬
‫الذي ل يقوى عليه غيرنا أحد‪.‬وعليه اعتبر المخططون عندنا أن رفض القادة العرب لرؤية المور من خلل ذلك‬
‫المنظار سببا كافيا بحد ذاته يسوغ لنا الطاحة بهم س او بالحرى تمكين شعوبهم من الطاحة بهم‪.‬لقد تملكت منا‬
‫نظريسة بأنسه إذا وجدت فسي أي مكان من الدنيسا قيادات ت ستفيد من تدخلنسا فسي شؤونهسا الداخل ية فتلك القيادات هسي‬
‫القيادات العربية‪.‬‬
‫شرحت ذلك كله ليوسف الذي أبدى اعجابه‪ ،‬وذهب في حلم بهيج عندما اخبرته بأن وزارة الخارجية‪ ،‬عبر وكالة‬
‫المعلومات الميركية قد أمرتنا بوضع «مشروع استرشادي» نخلق عبره وضعا مناسبا في واحدة من الدول العربية‬
‫بح يث إذا ما ك تب له النجاح نحاول ت طبيقه في غير ها‪ .‬كان العراق أول الغراءات‪ ،‬ل نه من جم يع نواح يه دولة‬
‫بوليسسية ذا حكومسة مكروهسة‪.‬ولكنسه مسن ناحيسة أخرى احدى الدول التسي يسستحيل على جهاز جيسد التدريسب على‬
‫الحركات ال سياسية‪،‬ناه يك عن جهاز طري العود مثل نا‪ ،‬ان يتزحزح دون علم ومواف قة البريطاني ين ‪.‬أ ما ال سعودية‬
‫فليست مؤهلة للديمقراطية بعد وأما لبنان والردن ومصر فقد استبعدت لسباب أخرى‪.‬‬
‫بعد ذلك الشرح كله قلت له‪«:‬إذا ستكون سوريا مشروعنا»‪ .‬هز يوسف برأسه بوقار دون أن يتمكن من اخفاء‬
‫فرحه‪ .‬وأضفت قائلً‪« :‬إن سوريا في وضع اقتصادي جيد وشعبها لم تروضه سنوات الحتللين العثماني والفرنسي‬
‫وظروف إجراء انتخابات ديمقرطية ظروف مثالية‪.‬ومن المؤكد ان الزعماء الذكياء والتعاونيين سيفوزون فيها»‪.‬إذا‬
‫ستكون «انتخابات حرة» س يرافقها بالطبع ترتيبات من قبل المفوضية تضمن بأنها لن تكون حرة فقط بل تض من‬
‫بأن تا تي نتائج ها ك ما نريد ها أن تكون‪ .‬سأوفر على القراء عناء التفا صيل فأقول بأن النتخابات من ح يث كون ها‬
‫وسيلة لدخال وكالة الستخبارات المركزية إلى سوريا كانت ممتازة‪ .‬ولكن نتائجها لم تكن كما اشتهتها واشنطن‪.‬‬
‫ففسي حمسص كان القتراع مثالً للهدوء إنمسا فقسط لن كبار الملكيسن أو ضحوا للفلحيسن بان عليهسم عدم الكتراث‬
‫«بالكلم الفارغ عن الشيوع ية والمبريال ية» الوارد في المل صقات في ساحات المدي نة والقتراع ح سب ارشادات هم‪.‬‬
‫و في مختلف المنا طق الخرى كا نت النتخابات «الحرة» منا سبة لل سوريين الذ ين تربوا على اعتبار الحكو مة عق بة‬
‫‪81‬‬

‫فرضهسا الجانسب عليهسم للحيلولة دون ممارسستهم نزعتهسم للفوضسى والرشوة‪ .‬وشهدت النتخابات أيضا معارك‬
‫بالسلحة النارية وبقبضات اليدي قتل وجرح خللها العشرات‪ .‬ورأى المقترع البسيط العادي في النتخابات فرصة‬
‫للح صول على مقا بل نقدي مقا بل إدلئه ب صوته أو لد عم أ حد أقربائه للو صول إلى وظي فة تدر عل يه وعلى عائل ته‬
‫بعض المدخول‪.‬‬
‫على كل حال شهدت نشاطات المفوضية في سوريا في أواخر الخمسينات ولدة نوع التقارير الذي يرد من وكالة‬
‫الستخبارات المركزية ومهاراتها في «التدخل في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة»‪ .‬ولكن تلك النشاطات لم تصل‬
‫مطلقا إلى مهارة تلك الدول ذات السسيادة التسي تتدخسل بشؤوننسا نحسن الداخيسة‪ .‬غيسر ان تقاريسر وكالة السستخبارات‬
‫المركزية ما زالت متوافرة لي رئيس قادر على التجرد عن «السياسة الخارجية في الداخل» وإيجاد الوقت الكافي‬
‫له لفراءتها‪.‬‬
‫أما في يختص بمستقبل وكالة الستخبارات المركزية في الحرب الباردة وما يسمى «المجابهة من النوع الثالث»‬
‫فالرجاء متابعة القراءة‪.‬‬
‫الفصل الحادي عشر‬
‫تجربة في سوريا‬
‫‪1947‬س ‪1950‬‬
‫خلل اليام الثلثة ال تي استغرقتها رحلت نا بالطائرة من واشن طن إلى بيروت ر سم لي آرت شي صورة كاملة عن‬
‫ستيف ميد الذي كان له بين الفينة والفينة وعلى مدى أربعين عاما أثر هام في حياتنا‪.‬كان آرتشي قد التقى ستيف‬
‫عندمسا كان الول مسساعدا للملحسق العسسكري فسي طهران والثانسي يرتدي ملبسس قبلي كردي ويقوم بمهمسة فرار‬
‫ومراوغة لمكتب الخدمات الستراتيجية‪ .‬وبعد ذلك وجد آرتشي مع ستيف وبعض رجال قبيلة قشقاي يطاردون عبر‬
‫ل مسن مغامري فرقسة أس‪ .‬أس‪ .‬اللمان وبحوزتهسم رهائن مسن أفراد إرسسالية أميركيسة‬
‫صسحراء دشتسي لوت فصسي ً‬
‫يحاولون الهرب بهم إلى بوشيرا‪ .‬وكان ستيف قد عين مساعدا للملحق العسكرية في بيروت لن الملحق العسكري‬
‫فيها ضابط تقدمت به سنة وبات على عتبة الحالة على التقاعد‪ ،‬وهو بالتالي بحاجة إلى مساعد قدير يعاونه على‬
‫معال جة حالت صعبة يحت مل بروز ها من و قت إلى آ خر في مر كز كبيروت‪.‬و من مراج عة ملف ستيف ر قم ‪201‬‬
‫تبين انه المساعد القدير المثل للرجل المهدب والخرق من فرجينيا الذي اختاره الجنرال لوتن لذلك المنصب‪.‬قال‬
‫آرتشي ان نك قد زوده «بتعليمات صارمة» لبعادي عن ستيف استنادا إلى رأي يقول إننا باجتماعنا نشكل وضعا‬
‫حيث يؤلف واحد زائد واحد أكثر من اثنين‪.‬وأضاف آرتشي بأن «نك يحمل ذلك على مجمل الجد‪.‬فعندما قال بأنه‬

‫‪82‬‬

‫ير يد م نك التم هل والتروي خلل الش هر ال ستة الولى كان يع ني ذلك‪ .‬إ نك تعلم‪ ،‬دون ر يب‪ ،‬ا نه ل يس هناك ما‬
‫يدعوك لقامة الدنيا وإقعادها فورا»‪.‬‬
‫كانت لرتشي دواعيه الخاصة للستئثار بستيف لنه ينوي فتح أقنية على التحاد السوفياتي‪ .‬من هنا اعتبر بأن‬
‫ستيف له قيمته في العمل مع المهاجرين لنه هو الخر يتكلم معظم لغات هم‪ .‬أما أنا فاع تبرت‪ ،‬دون الفصاح عن‬
‫رأ يي آنذاك‪ ،‬بأن اتجا هل نك وآرت شي معا‪ .‬فإذا كان ستيف حقا ك ما و صفه لي آرت شي‪ ،‬ف قد احتاج إل يه في ب عض‬
‫العمال التي قررت القيام بها بنفسي غير اني وجدت عند وصولي دمشق بأن فيها الكثير من الشخاص الجديرين‬
‫باهتما مي‪ .‬فهناك عم يل ال ستخبارات الع سكرية البريطا ني و هو محترف ذو خبرة وا سعة ا ستقبلني بمختلف انواع‬
‫المشار يع (من ها زرع أجهزة تن صت دا خل مب نى ال سفارة ال سوفياتية الجد يد) الجام عة ب ين المال المير كي والدهاء‬
‫البريطانسي‪ .‬وهناك أيضا السسفير السسوفياتي دانيال سسولود وله ماض فسي السستخبارات السسوفياتية (ك ‪ .‬ج ‪ .‬ب)‬
‫ودبلوما سي من الطراز الول يكاد يضا هي مهارة سفيرنا في بغداد جورج رادزورث وسفيرنا في القاهرة جفر سن‬
‫كافري‪ .‬ج عل سولود اقام ته في بيروت وكان يتردد على دم شق بانتظام ‪.‬ا ما ضا بط أل « ك ‪ .‬ج ‪ .‬ب» النظا مي‬
‫فكان رجلً من جمهورية جورجيا وسيم الطلعة اسمه ايغور فيدورنكو‪،‬تفضل بزيارتي بعد يوم او اثنين من صولي‬
‫لي خبرني‪ ،‬بابت سامة سلفية عري ضة بأن نا سنتسلى كثي ًر شرط أل أبالغ في جد ية عملي ول أهدر وق تي وت عبي في‬
‫محاولت سخيفة كزرع أجهزة تن صت دا خل سفارته‪ ( .‬سبق ل نك أن نبه ني إلى ذلك قائلً« سيدرك ق بل موظ في‬
‫مفوضيتك انك واحد من جماعتنا)‪.‬‬
‫وفيما أخذت اختلط علنا بالدبلوماسيين النظاميين وبمجتمع دم شق الراقي من جهة‪،‬ر حت من جهة ثانية أخالط‬
‫الجوا سيس والمحار يك ال سياسيين في محاولة لنجاز ما من أجله جئت إلى دم شق‪.‬حاولت جهدي في بادئ ال مر‬
‫تج نب ستيف م يد كل ما جاء لزيارة أ صدقائه في الج يش ال سوري‪ .‬إل أ نه في مجت مع دبلوما سي ومخابرا تي ض يق‬
‫كمجتمع بيروت س دمشق ل بد لفراده أن يلتقوا من حين إلى آخر فصرت أشاهد ستيف في مناسبات مختلفة تثير‬
‫فيها أي محاولة مقصودة من قبل أي منا لتجنب الخر فضول المراقبين المحترفين‪.‬وبعد شهر أو اثنين من لعبة القط‬
‫والفأر هذه قال لي ستيف في احدى حفلت المفوضية في بيروت‪«:‬دعنا نوقف هذه التمثيلية‪ ،‬فلدينا مواضيع عديدة‬
‫نتحدث فيها‪ .‬وما همنا مما يفكر به البيروقراطيون؟»‬
‫أخذ مناخ اللعبة يتغير بسرعة في الوقت نفسه‪.‬فالستقلل المفاجئ الذي أحرزته دول رزحت تحت نير الستعمار‬
‫قرونا طويلة أخذ يخلق مصاعب لم يسبق ان شملتها خبرة جهازنا الدبلوماسي‪ .‬وتعقدت المشاكل التي واجهتنا في‬
‫سوريا ولبنان ب سبب اعتقاد حكوماته ما ال صادق س أكان له ما ي سوغه أم ل س بأن حكومت نا تد عم ال صهيونيين ثم‬
‫اسرائيل بعد قيامها‪ .‬وفيما كان موظفونا الدبلوماسيون الممتازون يتعرضون يوميا للحجج والمواقف العاطفية العربية‬
‫‪83‬‬

‫كذلك كان زملؤ هم في واشن طن يتعرضون لضغوط ال سياسات الميرك ية الداخل ية إلى در جة لم ي كن ليت سنى ل هم‬
‫الو قت الكا في ل ستيعاب ما نوا جه من صعوبات في مرا كز عمل نا‪ .‬فتوالت اعتراضات نا ف قط ليقول ل نا أ صدقاؤنا‬
‫العاملون في واشن طن في الدوائر المخت صة بشؤون المنا طق ال تي نع مل في ها‪« :‬ان تم تعملون هناك ح سب مقتضيات‬
‫مواقعكم‪ .‬أما نحن هنا فعلينا ان نعمل حسب تعليمات واشنطن‪ .‬وفي النهاية لواشنطن الشأن الخير»‪ .‬بالطبع لم يأتنا‬
‫هذا الرد عبر المراسلت الرسمية بل بواسطة الرسائل الشخصية بالبريد العادي‪.‬‬
‫كان زملؤ نا على حق في قول هم‪ ،‬و في النها ية أ صبحت الدبلوما سية المحل ية عبارة عن ت سليم ر سائل خط ية أو‬
‫شفهية ل يتجاوز محتواها اكثر بكثير من عبارات مثل‪« :‬حكومتنا مهتمة بالمر» أو «يقلقها ذلك»‪ ،‬كتأكيدات نسبت‬
‫إلى سفيرنا في القاهرة‪،‬جيفر سن كافري‪«:‬لست ه نا لناقش ح سنات وسيئات السياسة الميرك ية بل للتأ كد من أن كم‬
‫تدركون ما هي تلك ال سياسة»‪ .‬أ ما من ح يث اللع بة الدبلوما سية ك ما أفهم ها أ نا فكا نت أشغال نا كثيرة‪ .‬عاد المل حق‬
‫الثقا في لممار سة ادار ته لمكت بة مك تب المعلومات المير كي‪ ،‬وتو قف الب حث في انتخابات «حرة ونزي هة» ال تي‪ ،‬لو‬
‫اجريت لدت إلى إقفال المفوضية الميركية وإلى اعتبارنا بمثابة أشخاص غير مرغوب فيهم في دمشق‪.‬‬
‫وصف القائم بأعمل المفوضية طريقتي الشخصية بالعمل بعبارة «الدبلوماسية الخفية» التي مارستها على نطاق‬
‫عملي وانحصسرت بتقديسم مسساعدات فسي الحملت النتخابيسة للمرشحيسن الخليقيسن بمسساعدتنا وتشبسه إلى حسد مسا‬
‫المساعدات التي درج على تقديمها الفرنسيون والبريطانيون والسوفيات في سوريا ولبنان والعراق ومصر‪.‬والتزمنا‬
‫موقف النتظار والترقب لمعرفة ما الذي نفعله بالضبط‪ .‬فكانت ممارستنا شبيهة بموقف لعب البوكر الماهر الذي‬
‫يدعى للعب مع لعبين ل يعرفهم‪ ،‬فيشارك في فتة أو اثنتين بمراهنات صغيرة‪ .‬ولكن ينتهي المر بأن ينفذ صبر‬
‫أكثرنا خبرة فيندفع مسترسلً في اللعبة‪ .‬وهكذا انطلقنا في تنفيد عملية في سوريا وصفتها ل حقا في كتابي لعبة‬
‫المسم» على انهسا «المثسل الكلسسيكي عسن كيسف يجسب التمسسك بمبدأ عدم التدخسل فسي الشؤون الداخليسة لدولة ذات‬
‫سيادة» علما بأنني اعترفت بأنها «وفرت لنا استعراضا لخطاء بديهية يجب تلفي الوقوع فيها خلل علميات مماثلة‬
‫نقوم بها في المستقبل»‪.‬‬
‫ل بد لي هنا أن أضيف في دفاعي عن «دبلوماسيتي الخفية» ان كبار المسؤولين في وزارة خارجيتنا اعتقدوا‬
‫في حي نه بأن الفراغ الذي خل فه البريطانيون‪ ،‬اضا فة إلى موقف نا المؤ يد لل صهيونية الذي لم ي كن م نه مهرب‪،‬جعل‬
‫نجاح مهمت نا م ستحيلً‪ ،‬وبالتالي فإن كل ما ن ستطيع أن نأ مل به «تخف يض وطأة الف شل»‪ .‬لذلك صارت التعليمات‬
‫الصسادرة مسن واشنطسن إلى مختلف البعثات الدبلوماسسية واضحسة وضوح نبؤات دلفسي‪ ،‬وراح رؤسساء تلك البعثات‬
‫يفسرونها حسب اختيارهم فيتحملون المسؤولية في حال الخطأ ويقطف المحاسيب السياسيون المعنيون في الوزارة‬

‫‪84‬‬

‫فسي واشنطسن ثمار أي نجاح جاء صسدقة‪ .‬فسي مثسل تلك الحال كان لسستقامة ولسسعة حيلة المسسؤولين فسي البعثات‬
‫ولشجاعتهم أهمية قصوى‪.‬‬
‫تم تع بوب ممين غر‪ ،‬القائم بالعمال في مفوضيت نا في دم شق بق سط وا فر من ال ستقامة و سعة الحيلة والشجا عة‬
‫اللزمة لمهمة عادية‪ .‬ولكن عندما صارت دولة اسرائيل الجديدة حقيقة واقعة اعتبرت وزارة الخارجية في واشنطن‬
‫اننسا بحاجسة إلى شخسص يتمتسع بمقدار أكسبر مسن تلك المزايسا‪ ،‬وسسرعان مسا بعثوا بسه إلينسا‪.‬إنسه جايمسس هيسو‬
‫كيلي‪،‬دبلوما سي محترف ن قل من أثي نا ح يث ش غل من صب نائب رئ يس البع ثة‪ ،‬هادئ الع صاب في الزمات‪ ،‬قادر‬
‫على تحمل المسؤوليات وتوزيعها وعلى اتخاذ القرارات دون العودة إلى واشنطن بشأن أصغر التفاصيل‪.‬‬
‫فسي اليوم الول لجلوسسه وراء مكتبسه برهسن أن الوزارة اختارت الشخسص المناسسب‪.‬ذلك ان مظاهرات معاديسة‬
‫لميركا عمت دمشق باكملها ومشى فيها ألوف الطلب نحو المفوضية مسلحين بما يشبه المعاول‪ .‬وقبل أن يتبين‬
‫لكيلي ان ها ن سخ كرتون ية عن أ سلحة قدي مة خرج إلى ق مة ال سلم المؤدي إلى مد خل المفوض ية وأعلن ا نه إذا كانوا‬
‫يبغون شيئا منا فعليهم ان يأتوا في مجموعات ل يزيد عدد أفراد الوةاحدة منها عن ثلثة أشخاص في أوقات الدوام‬
‫الر سمي‪ ،‬أي ب ين ال ساعة الثام نة والن صف صباحا والواحدة والن صف ظهرا وب ين ال ساعة الثال ثة ع صرا وال ساعة‬
‫السادسة مساء أيام السبوع العادية‪ .‬وقبل الظهر في أيام السبت‪ .‬قال ذلك بحزم أرفقه بابتسامة‪ .‬وبدا ان شيئا ما في‬
‫اسلوبه ومظهره أقنعهم بأن من النسب أن يعملوا باقتراحه‪.‬‬
‫أدرك وزير نا المفوض الجد يد ب سرعة ان الو ضع في سوريا يحتاج إلى ما هو أك ثر من الدبلوما سية التقليد ية‪،‬‬
‫وساهمت وكالة الستخبارات المركزية المؤلفة حديثا باقناعه‪ ،‬عبر وزارة الخارجية‪ ،‬بأنني الشخص المناسب للعمل‬
‫المطلوب سس أو بالحرى بأننسي الشخسص الذي سسيساعده هسو على القيام بسه‪ .‬ومسن خلل مقابلتنسا الولى أقنعسه‪.‬‬
‫تواضعي الطبيعي واستحيائي من الطراء الذي شقعه فوق رأسي رؤسائي في وكالة الستخبارات المركزية‪،‬بأنني‬
‫صاحب الدبلوماسية الخفية الذي يحتاج إليه‪ .‬واقتنع أيضا باقتراحي عن ضرورة نقل ستيف ميد من بيروت ليكون‬
‫عنصرا في «فريق عملنا»‪.‬واكتشف‪،‬دون معاونة أحد‪ ،‬إنه في حال اجتمعنا أنا وستيف ميد سيلزمنا أحد من أجل‬
‫التوازن فاختار الضابط السياسي في المفوضية دين هينتون الذي برهن رغم مظهره الفتي وتصرفاته المتناغمة مع‬
‫مظهره على انه من المحافظين الناضجين ‪.‬‬
‫تجدر الشارة هنا إلى أنني كنت قد جمعت حولي بعض العلماء المحليين مستعملً لذلك الساليب التي استنبطتها‬
‫أثناء تدربي في وحدة الخدمات الخاصة‪.‬فقد تمكنت من الحصول على قائمة باسماء موظفي وزارة الدفاع بأن جعلت‬
‫سائق سيارتي ي سرق دل يل الها تف في الوزارة وت صادقت مع أ حد المراب ين ليزود ني بأ سماء موظف ين في وزارة‬
‫الدفاع يحتاجون إلى شيء مما استطيع توفيره لهم س كالدراهم عادة وكذلك في بعض الحالت سمة لزيارة الوليات‬
‫‪85‬‬

‫المتحدة أو منحة دراسية لشاب من القرباء في الجامات الميركية أو وكالة لسلعة أميركية ما‪ .‬وخلل فترة وجيزة‬
‫تمكن المرابي من التعرف إلى سكرتيرين يعمل كل منهما في مكتب مسؤول كبير في الوزارة فاستخدمهما لسرقة‬
‫الوثائق الهامسة كسل مسن خزنسة رئيسسه‪ .‬وخلل فترة وجيزة أخرى تمكنست مسن جمسع مسا يكفسي مسن المعلومات مسن‬
‫ال سكرتيرين لتجن يد الم سؤولين ال كبيرين بنف سيهما‪ ،‬ولكن نا اضطرر نا للتخلي عن احده ما ل نه ر فع أ سعاره إلى حد‬
‫فاحش‪.‬‬
‫وقد استطعت ذلك بأن رتبت أموره بحيث جعلته يبدو عميلً عند صديقي إيغور في الس ك ‪ .‬ج ‪ .‬ب ‪ .‬أما الخر‬
‫ف قد ا ستمر با سداء خدمات ها مة ل نا و ما زال ح تى الن من أقرب أ صدقائي‪ .‬ب عد مرور سنوات عديدة على لقائ نا‬
‫الول في دم شق سألته لماذا وا فق ش خص نز يه مثله على تقد يم معلومات سرية إلى حكو مة معرو فة بان ها ت ساعد‬
‫عدوه السرائيلي اللدود‪ ،‬فأجابني‪ :‬أولً‪ :‬بأن المعلومات لم تكن بتلك السرية‪ ،‬وثانيا‪«:‬إننا نحن السوريين تعلمنا من‬
‫خبرة طويلة مع التراك والفرنسيين والبريطانيين فصل القضايا العملية وابعادها عن القضايا السياسية»‪.‬‬
‫رأى كيلي الذي تأ ثر ل يس ف قط بتقر ير كتب ته بل وكذلك بتقر ير مما ثل وض عه د ين هينتون‪ ،‬ان ث مة سيناريون‬
‫لسوريا وكلهما غير مستحب‪ .‬أما الول فقيام السياسيين الستغلليين بمساعدة سوفياتية بثورة دموية ضد الرئيس‬
‫شكري القوتلي‪ .‬وأ ما الثا ني فإمكان ية ا ستيلء الج يش ال سوري على الح كم بد عم من «قبل نا (بش كل خ في بالط بع)‬
‫والحفاظ على المن والنظام ريثما يمكن تحقيق ثورة سلمية‪ .‬استكره كيلي السياريو الثاني بمقدار ما استكره الول‬
‫تقريبا‪ ،‬ولك نه رأى ف يه ا نه يخ فف من احتمالت سفك الدماء ويف سح المجال أمام عنا صر جديدة من المجت مع تش عر‬
‫بالمسؤولية وتقف بوجه العناصر التي ل مصدر للقوة لديها إل طاقتها على استعمال العنف‪.‬‬
‫وهكذا تمخ ضت دراسسات كيلي المتأنيسة علن انقلب حسسني الزع يم فسي ‪30‬آذار (مارس) ‪ .1949‬سمح بموجسب‬
‫تعليمات جديدة لرؤ ساء دوائر وكالة ال ستخبارات المركز ية في الخارج بحر ية الع مل ت حت رقا بة بعيدة من ق بل‬
‫القيادة وشرط ان يبقوا مختلف رؤسسائهم الدبلوماسسيين بمعزل عمسا يفعلون بحيسث يسستطيع هؤلء اللجوء إلى حيلة‬
‫«النكران القابل للتصديق»‪ .‬أعطيت الضوء الخضر ولكن كيلي لم يقبل بفكرة النكران تلك‪ .‬إنه يؤمن بمبدأ تفويض‬
‫ال صلحية س بالحرى بمبدأ ان الم سؤول ي ستطيع تفو يض ال سلطة إلى غيره دون تحميله الم سؤولية أي ا نه وان‬
‫فوضني بالسلطة اللزمة ل يتهرب من المسؤولية التي قد تترتب على ممارستي لها‪ .‬وفي الحالت التي تصرفت‬
‫فيها دون علمه وقف بيني وبين القيادة متحملً مسؤولية فشلي ومشيدا بي عند نجاحي‪.‬هذا هو جيم كيلي‪ .‬مررت‪،‬‬
‫ق بل ولو جي الع مل ال حر‪ ،‬بأك ثر من عشرة رؤ ساء وبا ستطاعتي القول دون أي اعتراض من ق بل أي من زملئي‬
‫السابقين أن كيلي أوحى لدى مرؤوسية ولء اكثر من أي رئيس آخر اشتغلت معه أو عرفته أو سمعت به‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫اعتمدت كثيرا على معاونة ستيف ميد الذي انتقل إلى دمشق بعد يوم أو اثنين من طلب كيلي بنقله إليها‪.‬بدأ ستيف‬
‫بالعمسل فور وصسوله مدركا أن طريقتسي تختلف كليا عسن طريقسة كيلي وهسي كمسا قلت انسه يتحمسل مسسؤولية فشلي‬
‫ويعطيني حقي عند نجاحي‪.‬‬
‫قلت لستيف ‪«:‬عليك ان تنظر إلى الوضع من منظار انه يمكن الستغناء عنك ول يمكن الستغناء عني‪.‬كما اننا‬
‫كلنا نعمل في ظل نظامين مختلفين من حيث الثواب والعقاب»‪.‬‬
‫أجابني بنبرة من أدرك المغزى وبنظرة فيها اعجاب ‪«:‬إنك على القل صادق وانا اقدر الصدق في الرجال»‪.‬‬
‫كانت مهمة ستيف بسيطة فكل ما عليه فعله استعمال سحر شخصيته ل ستمالة قائد اللواء الثالث العقيد حسني‬
‫الزعيم وهو كردي ضخم البنية عرف بإرادته الحديدة وبذهن ل يقل عنها صلبة‪ .‬وكان على ستيف أيضا ان يتلمس‬
‫طري قه بحذر لوجود احتمال انقلب عمله عل يه فيطرد من البلد لعتباره عن صرا مثيرا للش غب‪.‬إضا فة إلى ذلك لم‬
‫تكن مهمته اليحاء لحسني الزعيم بالقيام بنشاطاته بل معرفة نواياه وطموحاته‪.‬‬
‫في تلك الثناء و عبر العميل ين الرفي عي الم ستوى في وزارة الدفاع جعلت جم يع الوا مر والمرا سلت وتقار ير‬
‫المخابرات ت صور حسني الزعيم على انه عسكري موال مئة بالمئة لمؤيد يه السياسيين من جهة وتنق صه من ج هة‬
‫اخرى سعة المخيلة اللزمة للكينونة خلفا‪ .‬أما المعلومات المستعملة في تلك العملية فتركت أمر اختيارها للعميلين‬
‫المذكورين لن ذلك يحتاج إلى تفهم وشفاقية ل يدركهما من نما وترعرع في حضارة أجنبية‪.‬جاء عملهما ممتازا س‬
‫على كل حال وفي بالغرض المطلوب‪ .‬فقد عين حسني الزعيم مديرا عاما للشرطة في دمشق ثم أسند إليه منصب‬
‫الفائد العلى للجيش‪.‬‬
‫ل بأول طيلة فترة‬
‫وهكذا‪ ،‬فإلى انقلب ح سني الزع يم‪.‬ول ما ك نا نزود قيادت نا بالمعلومات عن تطور الوضاع أو ً‬
‫التخطيط تصور المسؤولون فيها بأن ستيف وأنا نضع جميع الخطط المتعلقة بالعملية س وهو تصور لم توجد أي‬
‫ضرورة لتصحيحه طالما انه يب عث البه جة في قلوب المع جبين بنا في واشنطن وطالما ل اعتراض لنا على زيادة‬
‫بعض النقاط الحسنة في ملف كل منا‪.‬أما الن وبعد مرور أربعين سنة أستطيع العتراف بأن السهام المهم الوحيد‬
‫الذي قدمناه في العملية كلها تأكيدنا لحسني [ الزعيم] وكان قد أصبح القائد العلى بان حكومتنا ستعترف به عمليات‬
‫فور ثبات ال سلطة له على أن يأ تي العتراف الر سمي ب عد أيام قليلة‪.‬ل قد قام ستيف بمراف قة ح سني في عدة جولت‬
‫حول المدينة بسيارة حسني الفخمة ودله على المباني والمؤسسات الواجب السيطرة عليها (محطة الذاعة ومولدات‬
‫الطاقة الكهربائية الرئيسية ومركز الهاتف الرئيسي ومختلف السياسيين الذين قد يشكلون مقاومة ما) وتظاهر حسني‬
‫بأدب بأن تلك الراء لم تخطسر بباله‪.‬أمسا أنسا فزودتسه بلئحسة بمسا يجسب فعله ومسا يجسب تحاشيسه مسن باب‬
‫الحتراز‪.‬وبفضسل عميلنسا «أ» داخسل وزارة الدفاع‪ ،‬اسستطعت تأميسن بعسض المعلومات التسي لم يكسن باسستطاعته‬
‫‪87‬‬

‫الح صول علي ها من الوزارة دون إثارة الشكوك‪.‬غير أن كل ذلك لم يكن بالغ الضرورة لنجاح مخط طه‪ .‬وباستثناء‬
‫عنصر واحد هو أديب الشيشكلي (سنعود إليه لحقا) كان حسني الزعيم بطل التمثيلية الوحد‪.‬‬
‫قدم ح سني الزع يم ا سهامين له ما نك هة أميرك ية في التمه يد للعمل ية‪ :‬الول‪ ،‬حملة تضل يل إعل مي بدائ ية غايت ها‬
‫ابراز سوء حالة المحاف ظة على أ من و سلمة الدبلوما سيين الجا نب في البلد؛ والثا ني‪ ،‬الو سائل ال تي ا ستعملها‬
‫للحيلولة دون تسرب أي معلومات عن مخططه قبل بلوغه مرحلة من التقدم يعجز أي كان عن احباطه‪.‬‬
‫هل قلت إن «للمخطط نكهة اميركية؟» أجل كانت له تلك النكهة بكل تأكيد لنه حيك حول مهاجمتي شخصيا‪.‬ذلك‬
‫انه سبق وتنا هى إلي نا عن طر يق مو ظف محلي في المفوض ية أن يط به ا ستراق المعلومات لح ساب جهاز للتجسس‬
‫خاص بالرئيس شكري القوتلي‪ ،‬ألرئ يس الجهاز هذا وهو ر جل عذب الكلم ورق يق الشعور معروف بشذوذه ا سمه‬
‫فخري البارودي‪ ،‬يظن بأنني أقود عمليات وكالة الستخبارات المركزية في المنطقة ويحاول الحصول على البراهين‬
‫كي يرفعها للرئيس القوتلي‪ .‬ول عتقادنا بأن فضوله قد يدفع به للقيام بعمل تجاهي أو تجاه المفوضية من شأنه أن‬
‫يكون مربكا أو ممي تا ً قرر نا أ نا وكيلي و سستيف ان نف ضح أمره‪ .‬تو جه ستيف إلى ح سني وأ خبره بقرار نا فكان‬
‫سروره به عظيما وقال‪«:‬على العميل داخل المفوضية أن ينبئ فخري البارودي بأن من عادة كوبلند الحتفاظ في‬
‫منزله ل في مكتبه في المفوضية بكل الوثائق التي قد تثبت عليه أي اتهام‪ ،‬لعل في ذلك ما يشوق فخري للغارة‬
‫على المنزل‪ .‬وسسنضع بالقرب مسن المنزل بعسض رجال الشرطسة العسسكرية لتوقيسف المهاجميسن‪ .‬وبذلك نسستعمل‬
‫الحادث دليلً إضافيا على ان الحال المنية ل تضمن سلمة الدبلوماسيين الجانب‪ .‬وأما الباقي فاتركوا أمره لي»‪.‬‬
‫أخذت برفقة ستيف أخطط لمعركة بالسلح الناري الحي‪ ،‬تماما كما في الفلم السينمائية! وهنا جاءنا كيلي بدعم‬
‫جديد إذ تمكن من نقل الملحق الجوي القليمي من بيروت إلى دمشق‪ .‬وبذلك توفر لنا ليس فقط طائرة النقل سي س‬
‫‪ 47‬المعدلة لتكون من الفخامة بما يليق بالملحق القليمي‪ ،‬بل أيضا المقدم في سلح الجو جيم جيانتي لقيادتها ونقيب‬
‫شاب ا سمه دك رول م ساعدا له‪ .‬وقضي نا ال سبوعين التالي ين ب ما يش به المرح الدائم إذا خ صصنا الدوام ال صباحي‬
‫لرسم خططنا المفصلة‪،‬ودوام بعد الظهر في التمارين على استعمال السلحة النارية في البادية القريبة من دمشق‪.‬‬
‫ل بد لي من العتراف هنا بأننا شعرنا بغبطة صبيانية من إثارتنا للفضول داخل المفوضية‪.‬فلسباب خارجة عن‬
‫نطاق خبرتي كان جيم جيانتي يحتفظ بشبه جبخانة في مكتبه‪.‬وكنا أنا وستيڤ وجيم ودك نركب على مرأى موظفي‬
‫المفوض ية وبألنب ستنا الع سكرية سيارات ال ستايشن المحملة بالم سدسات والبنادق الحرب ية وبنادق ال صيد والرشيشات‬
‫وبمدفع هاون أو اثنين ونتوجه إلى ما هو بداهة أكثر من رحلة صيد عادية ‪.‬‬
‫ا ستمر أح مد‪،‬عم يل المخابرات ال سورية في المفوض ية ني مد فخري البارودي بالمعلومات المضللة لجتذا به إلى‬
‫فخ نا من ناح ية‪ ،‬ويمد نا أ نا و ستيڤ بالمعلومات عن مدى قبول فخري ب صحة ما يزوده به من أخبار‪ .‬وأخيرا جاء‬
‫‪88‬‬

‫اليوم العظيم‪ :‬فقط طلب فخري من أحمد أن ينبئه عن المرة التالية التي سأكون فيها خارج البيت فأجابه أحمد بانه‬
‫على علم بذلك لنه سمع سكرتيرتي تعد الترتيبات لي ولزوجتي ولولدينا لقضاء عطلة لسبوع الطويلة في بيروت‪.‬‬
‫أجاب فخري بأنه سيرسل فريقه إلى منزلي يوم السبت وأردف قائلً ‪«:‬يا احمد ستكون أنت في عداد الفريق»‪.‬‬
‫انقب ضت ن فس أح مد فراح يف كر بو سائل التهرب من المه مة فأ سمعه ستيڤ كلما مشجعا تض من وعدا بالمكافأة‬
‫السخية إذا ما تابع في المخطط حسب التعليمات وبعقاب شديد ان هو تمنع‪ .‬ومساء الخميس انتقلنا نحن الربعة إلى‬
‫منزلي‪.‬وصباح الجمعة وعلى مرأى من جميع جيراننا ركبت لورين وولداي السيارة المملوءة بحاجيات توحي بغياب‬
‫أكثر من ليلة وانطلقوا فيها (نسيت كيف أوحينا للناس بأنني سبقت أسرتي إلى بيروت)‪.‬‬
‫مرب نا يوم الجم عة ونهار ال سبت ون حن ندور في أرجاء الب يت دون اشعال النوار ليلً و مع البتعاد عن النوا فذ‬
‫ل ونهارا‪ .‬وامتنعنا عن إجابة الهاتف الذي كان يرن بين الحين والخر‪ .‬وقرابة ظهر يوم الجمعة شاهدت شخصا‬
‫لي ً‬
‫يرا قب الب يت من أرض خال ية مقابلة وشخ صا آ خر في فناء الحدي قة الخلف ية‪ .‬وم ساء ال سبت تقدم ش خص من باب‬
‫المد خل ودق الجرس ثم أضاء بم صباح كهربائي من النافذة زول ما لم يشا هد أحدا ق فل راجعا‪ .‬وم ساء ال سبت و في‬
‫وقت كان ل يزال المارة في الشوارع بحيث يستطيع المهاجمون الفرار والختلط بهم‪ ،‬حانت لحظة الحسم ‪.‬‬
‫فاتتنسي الشارة إلى اننسا أعددنسا المنزل اعدادا ملئما إذ وضعنسا مصسابيح خاصسة بالمصسورين تضيسء القاعسة‬
‫الرئي سية في الو قت المنا سب وأفخاخا من الغاز الم سيل للدموع تنف جر في و جه من يحاول ف تح الدرج العلى من‬
‫مك تبي‪.‬ك نا منبطح ين أرضا وم سلحين بمختلف أنواع ال سلحة علما بأن ح سني الزع يم قد أ كد ل نا بان المهاجم ين‬
‫سيكونون ثل ثة رجل عزل من أي سلح‪ .‬وهكذا وحوالي ال ساعة التا سعة م ساء رن جرس الباب‪ ،‬وللمرة الثاي نة‬
‫شاهدنا شعاع مصباح كهربائي ينبعث من أحدى نوافذ واجهة المدخل‪ ،‬وظننا بأن أمامنا مهمة سهلة‪.‬‬
‫و في الوا قع لم ت كن مهمت نا بتلك ال سهولة‪ .‬وفي ما ك نا منبطح ين على الرض الباردة في ذلك المنزل الغارق في‬
‫الظلم و سلحنا في متناول اليدي سمعنا تح طم باب المد خل وشاهد نا أطياف أرب عة رجال‪ ،‬ل ثل ثة‪ ،‬يزحفون إلى‬
‫الداخل ينيرون طريقهم بالمصابيح الكهربائية‪ .‬تجاوزوا خط بصرنا دون أي ضجة ودودن مشاهدتنا او سماع صوت‬
‫تنف سنا ثم دخلوا مك تبي المنزلي‪.‬و ما أن بدأوا يتيقنون من مواقع هم ح تى قرر ستيف الق بض علي هم ق بل انفجار قنبلة‬
‫الغاز المسيل للدموع‪ .‬فصرخ‪«:‬اشعلوا النوار!» ثم صاح بالعربية «اخرجوا بهدوء وأيديكم فوق رؤوسكم» ‪.‬عندئذ‬
‫ظهرت يد مم سكة بم سدس لتعلو أك ثر من ‪ 15‬سنتيمترا عن الرض وبدأت باطلق النار فرد علي ها ستيف بالنار‬
‫فثقب ها (ك ما علم نا لحقا) ثم أخذت تظ هر أ يد أخرى وكل ها تطلق نيران م سدساتها بعض ها على الم صابيح وأكثر ها‬
‫علينا‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫باخت صار بدا ل نا أن أبواب الجح يم انفت حت على م صاريعها‪ .‬كم من كم سمع صوت م سدس عيار ‪ 45‬في ح قل‬
‫رماية عادي؟ إنه يصم الى الذان‪ ،‬أليس كذلك ؟ إذا تصوروا أصوات ثمانية مسدسات من هذا العيار تطلق نيرانها‬
‫معا داخسل منزل أرضسه رخاميسة وسسقفه مرتفسع يقسع فسي شارع قليسل الضجيسج‪ .‬وممسا راد فسي الطيسن بلة ارتطام‬
‫الرصساص بالجدران وارتداده بمختلف التجاهات يشهسد على ذلك سسجادة بخارى عندنسا ل يزال فيهسا عشرون أو‬
‫ثلثون ثقبا أحدث ها الر صاص المر تد‪ .‬وازداد الط ين بلة على بلة بوجود أرب عة شرطي ين على ال قل خارج المنزل‬
‫يطلقون الرصاص على البابين الخلفيين ليمنعونا من الخروج‪.‬‬
‫وهنا أود أن أسجل جبن النقيب في سلح الطيران الميركي رتشرد أي رول‪ .‬فقد أعطيته أمرا مباشرا بالخروج‬
‫من الباب الخل في والتعا مل بالنار مع الشرطي ين‪ .‬ف هل تعلمون ما قاله لي؟ «إخرس واذ هب إلي هم أ نت يا را عي‬
‫البقر‪،‬فلست على استعداد لن يثقب الرصاص قفاي لساعد رجال وكالتك المخنثين»‪ .‬هكذا قال لي بالحرف‪.‬‬
‫وشعرنا بنوع من الراحة المضحكة عندما رن جرس الهاتف وكان المتكلم ارك درايك من شركة النفط اليرانية‬
‫البريطانية (لحقا السيرارك درايك رئيس شركة «بريتش بتروليوم»)‪ .‬رد جيم جيانتي على المخابرة وسمعته يقول‪:‬‬
‫«إن نا منشغلون قليلً الن»‪ .‬ثم شرح باقتضاب ما يجري وقال‪« :‬إن هم يطلقون النار علي نا الن والر صاص يتطا ير‬
‫في كل التجاهات‪ .‬أشكر لك مخبابرتك ولكن من الفضل ان اقفل الخط لنهم يطلقون النار علي مباشرة»‪.‬‬
‫وهكذا في الواقع أزت رصاصة فوق رأس جيم وحطمت قنديلً سقط حطامه أرضا‪ .‬وتوقف اطلق النار داخل‬
‫المنزل بينمسا اسستمر بغزارة خارجسه حيسث كان دك رول (ذلك الجبان الذي عصسا أوامري المباشرة) يتعامسل مسع‬
‫المتسللين اما الصوت في الداخل فكان من يراننا نحن ومن متسلل واحد يغطي فرار رفاقه من نافذة مكتبي ليساعده‬
‫في ذلك الشرطيون في الخارج!‬
‫ا ستمر اطلق النار اثنت ين وعشر ين دقي قة ح سب توق يف ستيف ول كن تلك الفترة من اطلق الر صاص ال حي‬
‫واجدي بدت بطول اثنتين وعشرين ساعة‪.‬‬
‫انتهت المعر كة وفر المهاجمون (بسيارة الشرطة دون ريب) فيما سجل حسني ما أراده ‪.‬تركني ستيف استقبل‬
‫أ صدقاءنا في المفوض ية وتو جه بال سيارة لمقابلة ح سني الذي وجده يف يض فرحاص وحبورا‪.‬كان يقه قه جذلً ول كن‬
‫عند ما بادره ستيف بالقول‪« :‬أ نا على يق ين من ا نك دهش بت لرؤي تي» أدرك مغزى الكلم فورا وبدت عل يه إمارات‬
‫الندم‪.‬‬
‫أجاب حسني‪« :‬كل يا ستيف‪،‬فما زلت بحاجة لك‪،‬العالم كله بحاجة لك ! فها قد بدأ عملنا الن»‪ .‬وتمتم بشيء عن‬
‫كيسف ان حادثا صسغيرا قسد تكون له نتائج مقبولة وان حادثا أكسبر تكون له نتائج أفضسل‪ .‬وعليسه خرج سستيف دون‬
‫التلفظ بكلمة واحدة‪.‬‬
‫‪90‬‬

‫مرت ال سابيع ب عد ذلك ب سرعة وتر تب علي بالط بع تف سير أشياء عديدة ول كن متا عبي جاءت ن سبية نظرا ل‬
‫بقائي رؤ سائي على بي نة يوميا تقريبا من نشاطات نا‪.‬ولم يتوان ستيف كيلي عن تح مل اللوم ف قد بلغ وزارة الخارج ية‬
‫بأنه كان على علم بكامل العملية منذ بدايتها وبأنه ما زال موافقا عليها وبأنه إذا كان لوزارة الخارجية رأي مغاير‬
‫لتناقشه فيه‪ ،‬وليس لي فرد من أفراد طاقمي‪.‬‬
‫لحسن الحظ جاءت تقارير الصحف في طول البلد وعرضها متضاربة ومشوشة إلى حد أن وكالة الستخبارات‬
‫المركزية ووزارة الخارجية صارتا على استعداد للقبول بأي رواية من قبلنا‪ .‬تضمنت برقية نك الولى فقط‪«:‬نرجو‬
‫أن يكون كل منكم انت ومعاونوك بخير»‪ .‬وبعد اسبوع اتبعت ببرقية أخرى أكثر جدية ورد فيها‪«:‬اننا نتوقع ان تعد‬
‫تقريرا مفصلً عن تأثير الهجوم على منزلك وما سيتبع ذلك في مواقف كل من حكومتي الوليات المتحدة والتحاد‬
‫السوفياتي في سوريا وباقي بلدان الشرق الوسط»‪.‬‬
‫في تلك الثناء كان حسني يستغل الوضع إلى أقصى الحدود‪ .‬فقد صور الهجوم على منزلي في وسائل العلم‬
‫على أنه اشارة واضحة إلى ما يمكن أن يحدث لجميع الدبلوماسيين الجانب إذا لم يحصل تشدد في ضبط المن في‬
‫دمشق‪ .‬ودعم تحذيره هذا «بتقرير سري» استقاه من «مصدر موثوق بصحة معلوماته» (ليس من ستيف ول مني)‬
‫أدرجت فيه أسماء اثنتي عشرة شخصية مدعيا تارة بانها «مستهدفة» من قبل الشيوعيين وطورا من قبل الخوان‬
‫المسلمين‪ .‬ثم استدعى قادة اللوية للبحث في الوضع المني العام وفي شتى وسائل دعم حكومة الرئيس القوتلي؟‬
‫وبالتالي تفادي الحاجسة إلى التخلص منهسا كليا»‪ .‬وأخيرا «كشسف النقاب» عسن عدة فضائح داخسل الحكومسة علم بهسا‬
‫أثناء تول يه من صب قيادة لشر طة وأ صر على و صول تفا صيلها إلى مختلف أفراد الج يش ال سوري من أ جل زيادة‬
‫التذمر منها في صفوفه‪ .‬أما المعلومات الوحيدة التي حصل عليها مني أو من ستيف لم ساعدته في هذا الشق من‬
‫استعداداته فكانت تقريرا صحيحا من مركز وكالة الستخبارات المركزية في سويسرا جاء فيه أن وزير الدفاع أحمد‬
‫الشراباتي يكدس المليين من صفقات أسلحة مضخمة السعار‪.‬‬
‫ك نا على اقتناع مقبول بأن ح سني لم يف صح عن أي ن ية انقلب ية أمام أ حد من قادة اللو ية مع العلم بأن خط ته‬
‫شملت هم دون علم هم‪ .‬ول كن أ سر لي مرة صديقي أد يب الشيشكلي بأن ح سني أل مح من بع يد إلى احتمال كهذا‪.‬و من‬
‫أ جل م صلحة ومعلومات المؤرخ ين في الم ستقبل أرى من وا جبي القول بأن القادة الرب عة كانوا أد يب الشيشكلي‬
‫(جركس) ومحمد ناصر (علوي) وبهيج كلس (مسيحي أزرق العينين وأشقر الشعر) وشوكت شقير (لبناني درزي‬
‫وأ حد اقرباء زو جة آرت شي ال سفيرة سلوى شق ير روزفلت) ولم ي كن أي من هم عربيا تماما‪ ،‬ح سب ت عبير آرت شي ‪،‬‬
‫والهم من ذلك ان احدا منهم لم يكن منحمسا لقتال الجيش السرائيلي المرعب رغم حداثة تكوينه‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫ل بد هنا من كلمة عن أديب الشيشكلي‪ .‬كان حسني الزعيم صديق ستيف‪ .‬أما صديقي أنا فكان أديب الشيشكلي‬
‫وهسو محتال محبوب فسي سسجله نقطسة واحدة لصسالحه‪ :‬حسسب علمسي اليقيسن انسه لم يطأطسأ الرأس مرة أمام صسنم‬
‫منحوت‪ .‬أ ما من الموبقات ف قد أرت كب التجد يف والك فر والغتيال والز نا وال سرقة ولم يتوان عن توج يه التهامات‬
‫الكاذ بة (دائ ما في خد مة قض ية ان سانية)‪ .‬أ ما القول بأ نه لم «يش ته» مقتنيات جيرا نه المختل فة «ف شح في ا ستعمال‬
‫الحقيقة» حسب قول شاهد في احدى محاكم استراليا‪ .‬وإضافة إلى خطاباه العادية هذه تعاطى الحشيشة بين آن وآخر‬
‫وتناول من الم سكرات مقاد ير فا قت ما يتنا سب مع و صفات الطباء‪ .‬وخلل زيارا ته المتقار بة لل سجون «ا ستطاع‬
‫مراودة بعض رفاقه عن انفسهم» كما جاء في احد تقاريري إلى القيادة العامة‪ .‬ولما كان نك ما يكلسون هناك يتتبع‬
‫باهتمام كبير صداقتي مع تلك الشخصية الفذة في «الثورة السورية المقبلة‪ ،‬شدد على تلك النقطة في التقرير وأشار‬
‫في برق ية لي بأ نه «إذا ما كان عندي البرهان الك يد عن ها» ل بد من ت سجيلها من أ جل احتمال ا ستعمالها للبتزاز‬
‫عندما تدعو الحاجة‪.‬‬
‫وأ ما من ح يث ايجابيا تة فيتحّ تم عل يّ القول بأن ني عر فت به رجلً كريما ح تى الجنون ووفيّا في صداقتة (م عي‬
‫ومع ستيف مثلما مع الخرين) كما أنه لم يكن دنيئا أمام مغريات المال‪ .‬في الساعات الولى من صباح يوم الحد‬
‫في ‪ 27‬شباط ‪ ،1949‬وقبيل ان يبصر ابني الثاني نور ذلك النهار سقطت زوجتي عن فراشها‪ .‬ولما تأخر وصول‬
‫سيارة السعاف لنقلها إلى المستشفى اتصلت بأديب هاتفيا وما هي اإلى دقائق حتى رأيته أمامي وقدتعتعه السكر في‬
‫ليلة ش به بيضاء‪ .‬فنقلنار زوج تي إلى المق عد الخل في في سيارته ال كبيرة وتوجه نا إلى الم ستشفى‪ .‬جلس م عي أد يب‬
‫وأخذت ال صحوة تدب ف يه م حل ال سكر ح تى جاء إب ني إلى هذا العالم وزال الخ طر عن زوج تي‪ .‬وجاء في سجل‬
‫الولدات في دمشق اسم أديب أسما ثانيا ل بني ايان كوبلند المدير المسرحي الشهير في نيويورك حاليا والوحد‬
‫بين أولدي الذي ل يزال يتكلم العربية والمعروف باسم أديب بين أصدقائه الكثر في بيروت‪.‬‬
‫دأب أديب‪ ،‬قبل بضعة أشهر من مولد أيان وحتى قيام انقلب الزعيم‪ ،‬ينبئني بشكوكه من ان لذى حسني الزعيم‬
‫«صديق ستيف» شيء أكبر من مجرد عصيان في الجيش‪ .‬أما ستيڤ الذي سبق له أن اجرى عدة مقابلت مع اديب‬
‫حثا فيها الوضاع في العمق (أحاديثي مع أديب كانت في معظمها استرخائية واجتماعية الطابع) فسرعان ما أدرك‬
‫أن اديبا‪ ،‬وان كان ينقصه حضور واطللة حسني وعلى الرغم من انه ليس الرجل الذي سيقبل به الشعب بديلً عن‬
‫شكري القوتلي‪ ،‬فهو أذكى من حسني بعشر مرات وسيتحكم بكل حركاته وسكناته فور اعلن الحكومة الجديدة‪ .‬كان‬
‫ستيف على حق ف ما ان ا ستلم ح سني الزع يم زمام الح كم ح تى تحولت مقاليده تدريجا لم صلحة أد يب إلى ان ترأس‬
‫هسسو‪ ،‬وان ببعسسض التردد (كمسسا سسساوضح لحقا) انقلبا قام بسسه فسسي تشريسسن الثايسسن (نوفمسسبر) عام‬
‫‪. 1951‬‬
‫‪92‬‬

‫ا ستمر اد يب الشيشكلي في الح كم ثلث سنوات وعند ما انهار حك مه فر إلى بيروت ومن ها إلى الممل كة العرب ية‬
‫السعودية ثم إلى باريس في طريقه إعلى البرازيل‪ .‬يعود إصراري على انه لم يكن «دنيئا أمام مغريات المال» إلى‬
‫ما بات ثابتا الن انه لم يحصل من السعودية على أك ثر من بض عة الوف من الدولرات بعد لجوئه إلي ها‪.‬وإلى انه‬
‫حين زرته في باريس كان يقيم في غرفة في فندق يقع على الضفة اليسرى يقدم لنزلئه وجبة الفطور فقط‪،‬ورفض‬
‫قبول أي مسساعدة ماليسة منسي ولكننسي دون علمسه حاسسبت الفندق لمدة شهسر فجاءت الفاتورة أكثسر مسن ‪ 500‬دولر‬
‫بقليل‪.‬‬
‫جاء في احدى الفقرات ال سابقة‪ ،‬ق بل أن ي سبح ي الخيال في ب حر ذكريا تي الحلوة عن أد يب الشيشكلي‪ ،‬قلت إن‬
‫حسني الزعيم قدم اسهامين بالغي الهمية في استعداداته للنقلب‪ :‬الول حملة اعلمية تشهيرية برربها النقلب‪،‬‬
‫والثا ني الطري قة التي حال بها دون ت سرب أي معلومات عن مخططه ق بل بلو غه مرحلة من التقدم يع جز معها أي‬
‫كان عن احباطه‪.‬‬
‫وإلي كم الطري قة ال تي اتبع ها‪ .‬في ساعة متأخرة من ليلة النقلب أ خذ اثن ين من ال سكرتارية الذكور في وزارة‬
‫الدفاع (أحدهما عميلي فيها!) وصعد بهما إلى الطابق الخير وجعلهما يكتبان على اللة الكاتبة أوامر تنص على ما‬
‫معناه‪:‬‬
‫ايها الجنود والمواطنون‪ ،‬لقد دقت الساعة العظيمة في تاريخ أمتنا البية! ها قد بدأ عهد جديد الن! انتهينا من‬
‫الف ساد‪ .‬سقطت د مى ال ستعمار والشيوع ية (عبارة الشيوع ية أضي فت إرضاء ل ستيف بدون معرف ته)‪ .‬وللمرة الولى‬
‫منذ قرون طويلة صرنا نحن السوريين شعبا حرا!‬
‫‪...‬ومضى البيان ينسج على ذلك المنوال‪ .‬لم يكن قطعة ادبية رائعة ولكنه وفى بالغرض المنشود‪ ،‬خصوصا وان‬
‫اذاعة دمشق أضافت عليه التعابير البليغة التي أعلن بها حسني انقلبه مضيقا بأن الحكومة لعسكرية انما هي مؤقتة‬
‫وستزول لدى امكان اجراء «انتخابات حرة حقا»‪ .‬واستطرد البيان باصدار الوامر المحددة‪ :‬على الوحدة الفلنية أن‬
‫تفعل كذا وعلى الوحدة الخرى ان تنفذ كذا‪ ،‬الخ‪ .‬وضعت الوامر في مظاريف لتسلم إلى قادة اللوية الربعة على‬
‫أن تفض بحلول منتصف الليل وليس قبلة على الطلق‪ .‬طبع السكرتيران الرسائل حسب أوامر حسني الذي استلمها‬
‫وخ تم المظار يف بنفسه ثم قاد الرقيبين إلى خزا نة أعدت م سبقا في الطابق نف سه وزج به ما في ها لما تب قى من تلك‬
‫الليلة وبر حا ف ها من سيين ح تى تم كن عميلي من تحط يم باب ها ب عد ظ هر اليوم التالي والخروج من ها ليرى الوزارة‬
‫مهجورة ويسسمع الهازيسج فسي الشارع ويتصسل بسي هاتفيا ليعرف مسا فاتسه مسن أحداث ويعتذر عسن عدم موافاتسي‬
‫بالتطورات في حينها‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫قبيل منتصف الليل استلم قادة اللوية الوامر في المظاريف المختومة ولما لم يكن لديهم أي فكرة عن محتواها‪،‬‬
‫وكان الو قت قد تأ خر ليقدروا ان يفعلوا أي ش يء إذا كان المحتوى ل يروق ل هم‪ ،‬أخذوا ينتظرون بدرجات متفاو تة‬
‫حلول الوقت المحدد لفتحها‪ .‬ولما فتحوها رأوا ما تضمنته من تعليمات واضحة وملحة بحيث تعذر عليهم التصال‬
‫ببعض هم الب عض للتشاور في ها فهرع كل وا حد من هم لتنف يذ ما أ مر به‪ .‬كان على الب عض إلقاء الق بض على رئ يس‬
‫الجمهورية وعلى غيرهم القاء القبض على رئيس مجلس الوزراء وعلى فريق آخر احتلل محطة الذاعة ومحطات‬
‫توليد الكهرباء وغير ذلك من الهداف المقررة ‪.‬‬
‫* * *‬
‫على مدى عقد ين من الز من اعتمدت وكالة ال ستخبارات المركز ية تدر يس خ طة ح سني ال تي نفذت بد قة كد قة‬
‫ال ساعة‪ .‬وهكذا أفا قت دم شق صباح اليوم التالي على انغام الني شد الوط ني ال سوري المنبع ثة من دار الذا عة تله‬
‫ت سجيل ب صوت ح سني الزع يم أعلن ف يه ا نه تولى ال سلطة و سيستمر في الح كم ح تى إمكان اجراء «انتخابات حرة‬
‫ونزيهة»‪ ،‬الخ‪ ...‬وهكذا انتهى الموضوع من حيث برقياتنا إلى واشنطن‪.‬‬
‫قضيت الشهر القليلة المتبقية لي من مهمتي في سوريا منكبا على دراسة العبر البدائية إلى حد ما التي توصلت‬
‫إليهامن عملية حسني الزعيم ومن مجمل موضوع «التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة»‪ .‬وخلل فترة‬
‫انتظاري للمهمة اليت سسأتولها في واشنطن كتبت عددا من التقارير عن الموضوع وجهت منها واحدا إلى وزارة‬
‫الخارجية دون توجيه نسخة منه إلى وكالة الستخبارات المركزية‪ ،‬عالجت فيه نقطتين‪ .‬الولى انه ليس في طوقنا‪،‬‬
‫بصفتنا أجانب‪ ،‬فعل شيء لمساعدة دولة مثل سوريا للصيرورة والديمومة عضوا صالحا في ما درجنا على تسميته‬
‫العالم الغربي إل إذا كان ما نفعله قائما على تفهم عميق لعدم الستقرار السياسي المزمن الذي يترتب مواجهته على‬
‫حسسني الزعيسم أوة على أي زعيسم آخسر فسي البلد‪ ،‬عسسكريا كان أم رئيسسا منتخبا‪ .‬ووضعست فسي تقريري تاريسخ‬
‫اللمبالة الشعبية الطويل في سوريا وبروز التحالف بين ضباط الجيش الشباب وبين أفراد المجموعة المثقفة الناشئة‬
‫بيسن صسفوف الطبقسة الوسسطى مسن الشعسب» التسي دأب الضباط السسياسيون فسي مفوضيتنسا على تنميتهسا وتشجيعهسا‬
‫وأوض حت أن الحباطات الشخ صية والحقاد القدي مة والتباينات الجتماع ية الخرى ستؤدي بالتأك يد إلى ن سف أي‬
‫محاولة باتجاه قيام حكسم مسستقر بغيات بدائل قابلة للحياة‪.‬إن أي حكسم يواجسه مثسل تلك الضغوطات سسيرى ان عليسه‬
‫ا سداء وعود يعلم تماما با نه غ ير قادر على الوفاء ب ها وعندئذ ت كر ال سبحة على غرار انقلب ح سني الزع يم فيأ تي‬
‫قائد تلو قائد حتى يجيء واحد بارع في الكلم والديماغوجية فيعلق الشعب آمالة عليه‪،‬ولكن ينتهي به المر إلى إلقاء‬
‫تبعة فشله في عدم تحقيق الوعود على عاتق فريق آخر مؤهل لتحميله تلك التهامات مثل «الرأسمالية والستعمار»‬
‫والوليات المتحدة المؤيدة لسرائيل‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫أ ما النق طة الثان ية وال تي برزت على ان ها ال هم في التقر ير المذكور فكا نت ان نا بحا جة إلى تق هم أف ضل س بل‬
‫بالحرى إلى مجردتف هم س لم يحت مل أن يفعله الش عب ال سوري أو شعوب مج مل «العالم غ ير الغر بي» باحباطات هم‬
‫وبأ سباب تواترات هم‪.‬وإذا كا نت تلك الشعوب بخلفيات ها الحضار ية وأنماط دوافع ها الناب عة من تلك الخلفيات ستلومنا‬
‫يوما على ما هي ف يه من اشكالت و صعوبات ف سيتخذ موقف ها المعادي للميرك ية شكلً مختل فا من ش كل العداء‬
‫الورو بي للميرك ية‪ ،‬إذا جازت المقار نة‪ .‬ولو كا نت ت صرفات تلك الشعوب على غرار ت صرفات الوروبي ين لهان‬
‫نسسبيا التكهسن بهسا سس بسل وحتسى التأثيسر فيهسا» ( ابقسى كيلي على هذه العبارة فسي التقريسر رغسم اعتراض ضابسط‬
‫المفوضيسة السسياسي عليهسا)‪ .‬وقلت فسي التقريسر أيضا لو «اسستطعنا نقسل كسل السسويسريين إلى سسوريا وحمسل كسل‬
‫السوريين إلى سويسرا لكان بين ايدينا مجموعة مختلفة تمام الختلف من مشاكل العلقات الدولية»‪ .‬بالطبع سيبقى‬
‫الخلف بشان ا سرائيل قائما ول كن سيكون بمقدور نا حلة بطري قة عقلن ية ما‪ ،‬عوضا عن الع مل المض ني في جو‬
‫مشحون بالعاطفية الذاتية التدمير‪.‬‬

‫التقرير السبوعي («ويكا= ‪* * * )Weeka‬‬
‫تبين لنا في أكثر من نادرة حصلت داخل مفوضيتنا ان تقاليد وطقوس وسلم القيم والربط بين الفعال والنوايا لدى‬
‫السسوريين تختلف اختلفا جذريا عنهسا عندنسا‪ .‬وجاء البرهان الحسسي على ذلك أثسر فكرة بسسيطة طلع بهسا المحلق‬
‫الثقافي بوب اوغدن اذ اقترح تبادل الصور الموقعة بين الرئي سين ترومن وحسني الزعيم‪.‬إنها لفكرة عظيمة قابلها‬
‫ح سني بحماس عند ما طرح ها ستيڤ عل يه فتناول فورا صورته باللباس الع سكري تز ين صدره خم سة ع شر أو‬
‫عشرون وساما وسلمها لستيڤ بعدأن وقعها بالعربية إلى جانب آية قرآنية كريمة كتبت بخط بديع‪.‬بالمقابل رحبت‬
‫واشنطن بالقتراح وأرسل ضابط العلقات العامة في البيت البيض لبوب اوغدن صورة للرئيس ترومن مشمرا عن‬
‫ذراعيسه يعاون زوجتسه‪،‬بسس‪،‬بتنشيسف الطباق فسي مطبسخ منزلهمسا العائلي فسي مسسقط رأسسه انديبندنسس فسي وليسة‬
‫ميزوري‪.‬‬
‫تعذر عينا العثور على سبب مقبول نتذرع به لعدم إرسال صورة حسني تلك إلى واشنطن (لم يكن لدى ستيڤ ما‬
‫يك في من الشجا عة ليشرح لح سني ال سباب ال تي حملت نا علىالتقد ير بان ها لي ست من النوع المنا سب إر ساله إلى‬
‫واشنطسن) فتسبرع سستيف بتقديسم صسورة تروم مسن المعلقسة على الجدار خلف مكتبسه‪.‬نزعناهسا عسن الجدار وبمعاونسة‬
‫سكرتيرتي روز وال سكرتيرة الم سؤولة عن الختام والتواق يع في وكالة ال ستخبارات المركز ية في دم شق محو نا‬
‫تحيات ترومسن الشخصسية لسستيف واسستعضنابآية مناسسبة مسن الكتاب المقدس ترجمهسا يوسسف دبوس إلى العربيسة‬
‫باسسلوب أنيسق‪.‬سسرور حسسني بالصسورة وامتنانسه لهسا لم يقابل بالمثسل لدى زعمائننسا المنتخسبين فسي واشنطسن‪.‬ألقوا‬
‫‪95‬‬

‫عليهانظرة واحدة واستنتجوا بأن أسوأ تقديراتهم قد تحققت ‪:‬لقد جئنا إلى سدة الحكم فس سوريا بعسكري فاشي‪.‬من‬
‫ناي حة أخرى لم نرد بالقول بان نا لو قدم نا لح سني صورة رئي سنا المر سلة إلي نا من ق بل الب يت الب يض لقال ح سني‬
‫وضباطه إن فلحا أبله يحكم الوليات المتحدة‪.‬‬
‫وكان هناك أيضا الستاذ داوود‪،‬استاذ اللغة العربية في المفوضية‪ ،‬وأجوبته عن أسئلة فضولية طرحتها عليه في‬
‫أحد دروسنا‪.‬ينتمي الستاذ داوود إلى طبقة ذوي الياقات البيضاء (عمل عير يدوي) القليلي العدد في سورية الذ ين‬
‫يجرأون على التحدث بالمواضيع السياسية‪.‬أخبرنا الستاذ داوود مرة بأنه ينتمي إلى حرب البعث الذي أسسه ميشال‬
‫عفلق‪.‬والستاذ داوود أكثر إلماما بما يجري في العام من خريج حامعة أميركية عادي‪.‬سألتة عن رأيه بالمصاعب‬
‫التي تواجه حكم حسني الزعيم وعن رأيه في معالجة الحكم لها‪ .‬جاءت أجوبته تنم عن حسن الطلع وعن سلمة‬
‫في التفكير وعن نقد ذكي‪.‬وعندما سألته عما كان ليفعله هو حيال تلك المشاكل لو انه في موقع مستشار عند حسني‬
‫الزعيم‪ ،‬أغرقني في فيض من الجوابة الخياية والسيناريوهات المستوحاة مباشرة من حكايات السندباد‪.‬‬
‫منذ مجيء حسني الزعيم إلى الحكم وحتى انتهاء فترة خدمتي في دمشق في أواسط العام ‪1950‬كنا عاطلين عن‬
‫الع مل كليا لول ما أ سماه شر من ك نت «ال ستخباراتية الخل قة»‪ .‬يقال ان رأس البطال مع مل الشيطان‪ .‬صحيح‪،‬ل قد‬
‫فكر نا أن قليلً من «ال ستراتيجية الخل قة»المفيدة قد تتم خض عن ها عقول نا العاطلة عن الع مل ن سبيا شرط أل ين تج‬
‫عن ها أي ضرر جا نبي‪ .‬في الوا قع عند ما أخذت أل فق التعار ير نيا بة عن مختلف الملحق ين بالمفوض ية لم أ كن أق صد‬
‫سوى التسلية البسيطة وإشباع رغبتي بالكتابة الدبية بسخرية لذعة‪.‬وبمرور الوقت تحول هذا النشاط البريء إلى‬
‫وسيلة مثالية أسمع بها حكومتناما يجب ان تسمعه ل بعادها عن ارتكاب بلهة ما فيما اضمن تقاريري الموجهة إلى‬
‫وكالة الستخبارات المركزية ما يقارب حقيقة الواقع‪.‬‬
‫توفرت لي فرص القيام بذلك إثر فرض البنتاغون علينا إرسال تقرير اسبوعين صار يعرف باسم «ويكا» وهو‬
‫عبارة عن مخت صر للحداث تعده لج نة تلتئم صباح كل يوم جم عة وتتألف ( في مفوضيت نا) من المل حق الع سكري‬
‫وملحق السلح الجوي وضباط الشؤون السياسية في المفوضية ورئيس الفرع المحلي لوكالة الستخبارات المركزية‬
‫والوزيسر المفوض جيسم كيلي‪.‬بالطبسع احتفظست بمعلوماتسي الهامسة حقا للقنوات التسي أرسسل بهسا وإليهسا تقاريري‬
‫الجدية‪.‬ولكنني استعملت ظويكاز وسيلة للتعبير عن العرفان بجميل صديقنا ملحق سلح الجو جيم جيناتي لسماحه لنا‬
‫باستعمال طائرته الفخمة‪.‬يحمل جيم شهادة دكتوراه بالفيزياء النووية وله عقل معقد يتناسب معها كما أن اتقانه الرائع‬
‫للغسة النكليزيسة يأتسي فسي المرتبسة الولى اكاديميا ولكنسه ل يتناسسب مسع ضوابسط اللغسة المسستعملة فسي البرقيات‬
‫الحكوم ية‪.‬لذلك كا نت تقاريره بأ مس الحا جة إلى م ساعدة لج هة التحر ير فك نت بمنت هى ال سعادة أبادر للقيام بمه مة‬

‫‪96‬‬

‫تدبيجها عنه نظرا لنني رأيت ان تحرير التقارير التي ترسل إلى قيادته وليس إلى قيادتي يتيح لي فرصة فريدة ل‬
‫طلق العنان لمخيلتي في السعي ليجاد وسيلة لردم تلك الهوة الحضارية‪.‬‬
‫الفت بعض التقارير الباهرة فنالت حقها من تقدير جيم وكانت النتيجة انني حصلت على رحلت بطائرته أكثر‬
‫مما حصل عليه كيلي بنفسه‪،‬وصار موظفو المفوضية المؤيدون لي ولجيم يشاركوننا في رحلت آخر السبوع إلى‬
‫طهران أو كين يا أو فيي نا أو أي مكان نقرر زيار ته فجاة دون سابق تخط يط له‪.‬ولهذه الرحلت تف سير‪:‬فل كي يح صل‬
‫جيسم على دراهسم«بدل طيران» كان عليسه ان يطيسر عددا معينامسن السساعات فسي الشهسر فرأى ان مسن الفضسل له‬
‫ول سلح الطيران الذي يم ثل اكت ساب مودة أفراد المفوض ية عوضا عن الدوران ساعات طويلة فوق دم شق‪.‬و صار‬
‫يأتي كل يوم خميس تقريبا يقف بباب مكتبي مبتسما كطالب ينتظر عطلة نهاية السبوع ويسألني‪«:‬هل من اقتراحات‬
‫جديدة؟»‬
‫لم يخل المر بين آن وآخر ان استعملنا الطائرة صبيانيا إلى حد ما ومنها مرة انزلنا فيها الستاذ داوود بالمظلة‬
‫في منت صف الليل وفي قلب ال صحراء ح يث سيعثر على معلومات هامة يعود بها إلى المل حق العسكري الذي أ خذ‬
‫ي ستخدمه «عميلً» له‪(.‬عند ما جاءنسا مف تش من سسلح الطيران مسن واشنطسن واعترض على العمليسة لنهسا «غيسر‬
‫مجازة« اضافة إلى ان جيم قاد الطائرة وهو تحت تأثير المسكرات‪ ،‬أجابه جيم‪«:‬اسمع يا بني‪،‬لقد قضيت من ساعات‬
‫الطيران وأنا سكران أكثر مما قضيته أنت وأنت صاح»)‪ .‬وفي مجمل الحالت اثبت التعاون بني مكتب ملحق سلح‬
‫ال جو ومك تب وكالة ال ستخبارات المركز ية ا نه أفاد الفريق ين‪ .‬فع ند عود تي إلى واشن طن عل مت بان التقار ير ال تي‬
‫أعددتها نيابة عن جيم وباسمه اعتبرت أفضل بكثير من تلك التي أعدها بكل صدق واخلص أفراد لجنة «ويكا»‬
‫الخرون كما حصلت على تنويه من رؤسائه‪.‬‬
‫ف تح ا ستخدام المل حق الع سكري لداوود «عميلً» له مجالت جديدة متعددة‪.‬فب عد ان انزلناه بالمظلة في ال صحراء‬
‫ق ضى الم سكين ا سبوعا كاملً ح تى اهتدى إلى طر يق العودة إلىدم شق واكت شف خلله ان خد مة سيدين معا‪ ،‬وأ نا‬
‫أحدهما‪ ،‬هفوة فادحة‪ .‬صباح يوم الثنين‪ ،‬وبعد عودته من نزهته الصحراوية‪ ،‬دخل الستاذ داوود مكتبي باكيا ليقص‬
‫علي الحكاية كاملة كيف ان «العقيد ماثيسون» ( حتلى ل أذكر اسمه الحقيقي) هدده بأنه سيفقد وظيفته التعليمية إن‬
‫هو لم يقدم الخدمات الضاف ية المطلوبة دون زيادة في الرا تب‪.‬وقال وهو يجهش بالبكاء‪«:‬يريد ني أن اتجسس له»‪،‬‬
‫وأضاف بأ نه ل يتم تع بالهل ية اللز مة للع بة لتج سس فضلً عن ا نه يفت قر إلى الم صار اللز مة ال ستقاء ما يطل به‬
‫العق يد ماثي سون من معلومات‪.‬وال سوأ من هذا ا نه خ شي من ا نه إذا ازداد فضوله ب ين معار فه من ضباط الج يش‬
‫ستنقض عليه المخابرات المعروف ان أفرادها يتعاطون بقسوة مع أمثال داوود ويخاطبونهم على النحو التالي‪«:‬انت‬
‫تجمع معلومات عسكرية لذلك العقيد البله في مفوضيتكم؟» هكذا ي صرخون بوجهه ثم يقولون‪«:‬كلم فارغ‪.‬ل شك‬
‫‪97‬‬

‫في انك تتجسس لذلك الخواجا في وكالة الستخبارات المركزية وتزوده بالمعلومات ليرسلها بدوره إلى أصدقائه في‬
‫اسرائيل»‪.‬‬
‫كان قبول داوود بمسا عرضنسا ه عليسه مسن معلومات مزعومسة سسيحصل عليهسا فسي الصسحراء عائدا إلى شعوره‬
‫بالبأس ‪.‬أما الن وقد اكتوى بما حصل له في السبوع السبق صار يحسب أنني بما لي نفوذ خفي استطيع انقاذه‬
‫من ورطته وكذلك ابقاءه في وظيفته‪.‬‬
‫ولكن خطرت لي فكرة أفضل‪.‬قلت للستاذ داوود‪«:‬إذهب إلى العقيد ماثيسون وقل له بأنك ل تستطيع القيام بعمل‬
‫جا سوسي احترا في لح سابه إلا إذا كان لذ يك م خبرون دالخ الحكو مة نف سها‪ ،‬وا م ثل هؤلء الم خبرين يكلفون مبالغ‬
‫طائلة‪ .‬لذلك ل بد لك من ح ساب للنفاق»‪ .‬ع ند ذ كر ح ساب النفاق هذا لم عت عي نا داوود‪ .‬ول ما أف صحت له عن‬
‫افكاره س بانه ليس بحا جة إلى مخبرين وان بامكانه الحتفاظ لنفسه بأموال حساب النفاق تحول بريق عينيه إلى‬
‫نشوة‪.‬وقلت له ان باستطاعتي تزويده بكفايته من «الجواسيس» لتسريب معلومات أفضل لذلك التيس العجوز وأكثر‬
‫مما توقعه منها‪ .‬ابتسم داوود جذلً وخرج متمتما يندب افتقاره إلى التعمق الكافي في اللغة لتمكينه من انجاز تأليف‬
‫الكتاب الدراسي المطلوب منه لتعليم الدبلوماسيين الميركيين اللغة العربية ‪.‬‬
‫اكتشفت ان سعة المعلومات قد تحمل صابحها عيئا ثقيلً‪ .‬وسرعان ما أبلغت المفوضية كلها بالمشروع فصارت‬
‫«ويكا» أشبه بالمزحة‪ .‬وعندما حاصرني ايغور فيدرنكو في احدى الحفلت الدبلوماسية ليسألني‪«:‬ما هي تلك الويكا‬
‫عندك ؟» كدت وبكل جدية أن اقايضه بها مقابل التقرير السبوعي المشابه الذي بلغني أن السفارة السوفياتية ترسله‬
‫إلى المعنيين في موسكو‪.‬على كل حال وطيلة الفترة التي بقيت لي لمغادرة دمشق كانت «ويكا» التسلية الوحيدة لنا‬
‫جميعا‪،‬بما فينا جيم كيلي‪ ،‬نحول بها أفكارنا عن القضايا الجدية التي ترسل عنها مختلف فروع المفوضية‪ ،‬باستثناء‬
‫الملحق العسكري‪ ،‬تقاريرها كل عبر قنواته الصحيحة‪.‬‬
‫أما سكرتيرتي روز فهي على مهارة فائقة في استنباط حالت تجسسية خيالية حتى انني ارتبت في انها تكتب‬
‫روايات جا سوسية وبولي سية‪ ،‬مهمت ها تلف يق اجراءات بتعي ين أو طرد أو «تحي يد» م صادر للمعلومات بغ ية تبرير‬
‫رصد المال لحساب داوود وجعله يبدو على انه يقدم الخدمات التجسسية الجليلة‪ .‬وكانت التقارير تكتب بلغة انكليزية‬
‫بليغسة ثسم تترجسم إلى انكليزيسة داوود الركيكسة ونشارك جميعا بوضعهسا باسستثناء ديسن هينتون الذي كانست له أسسبابه‬
‫الغري بة لعدم مشاطرت نا الت سلية‪.‬ف هو الوح يد بين نا الذي لم يف تر ثغره عن ابت سامة في كل مرة قا طع العق يد ماثي سون‬
‫النقاش الدائر في جل سة لج نة «وي كا» ليقول‪« :‬إن لدى مصسادري (لحظوا ا ستعمال صيغة الج مع) قراءة مختل فة‬
‫للموضوع»‪ .‬ل داع للقول بأن التناقضات بين التقارير النظامية الصادرة عن المفوضية وبين «مصادر» العقيد كلها‬

‫‪98‬‬

‫ملفقةً‪ .‬فقد اعتبر كيلي ان بعض التناقضات في النص تضفي على « ويكا» مسحة من الوجودية الفكرية يستسيغها‬
‫انصاف الميين من القراء في البنتاغون‪.‬‬
‫كان كيلي على حق وكذلك با قي أفراد المفوض ية ب ما في هم العق يد ماثي سون‪ ،‬إن ما رغما ع نه ‪ .‬وعلى الر غم من‬
‫الوم قف المت كبر الذي يتخذه رؤ ساء المكا تب في وزارة الخارج ية تجاه أي ش يء ي صدر عن الع سكريين ف قد لق يت‬
‫تقارير«ويكا» ترحيبا حارا في الخارجية شأنها في البنتاغون كما ان وكالة الستخبارات المركزية نفسها استخرجت‬
‫منها من المقتطفات التي ضمنتها تقاريرها إلى البيت البيض أكثر مما استخرجت من تقاريري الكثر جدية ‪.‬كانت‬
‫«ويكسا» مختصسرة وتعالج الموضوع مباشرة وهسي مسع ذلك مشبعسة بتعابيسر يتعشقهسا أنصساف المييسن فسي مختلف‬
‫الفروع ‪«:‬الوسسائلية» عوضا عسن «الوسسيلة» و«المجتمعسي» بدلً عسن «اجتماعسي» و«اسستنظار» محسل «توفسع»‬
‫و«الطسر» عوضا عسن «الحدود» هذا إضافسة إلى فيسض مسن العبارات المركبسة مثسل «عكسسية النتاج» و«الطسر‬
‫المرجع ية»و«القفزات الكم ية»و«إضا فة ب عد جد يد» و ما يك في من التركيبات الكلم ية لرضاء أك ثر البيروقراطي ين‬
‫تزمتا ‪.‬وإذا ما كان أحدكم أيها القراء يعد رسالة للدكتوراه عن سوريا ما بعد الحرب فعليكم استعمال حقكم في حرية‬
‫المعلومات من أ جل مراج عة تقار ير «وي كا» ال تي وردت من دم شق ب ين عا مي ‪ 1947‬و ‪ . 1950‬ففي ها تجدون‬
‫تأريخا تفيدون منه‪ .‬انه متناسق مع الحكمة التقليدية في هذه اليام ومع ما أسماه لينين «اسطورة الشعب»كما يحتاج‬
‫إلى انتروبولوجي حضاري لتفسير الرسائل والبرقيات التي تعبر عن تقويمنا كاختصاصيين للمناطق التي نعمل فيها‪.‬‬
‫لم ير ستيف ميد ما يضحك في تنكيتنا على العقيد ماثيسون وعندما ارتفع الضحك في المفوضية إلى أعلى ما‬
‫ي ستسيغه ذو قه طلب اعاد ته إلى بيروت ح يث ف ضل الع مل م ساعدا لمل حق ع سكري غبي وجنتل من على الع مل مع‬
‫غبي ل صفة أخرى له‪ .‬وأوضح قائلً‪ :‬الذوق هو قضية ذوق فقط»‪ .‬غير أن السبب الحقيقي لقراره هذا هو احتمال‬
‫عود ته إلى الع مل مع آرت شي روزفلت الذي كان في أوا خر العام ‪ 1949‬قد ق طع شوطا ل بأس به في ا ستقطاب‬
‫أشخاص من الر من والكراد والجراك سة وغير هم من أفراد القليات وتهريب هم إلى دا خل التحاد ال سوفياتي عن‬
‫طريق غرب تركيا‪ .‬وثمة نبذة أخرى ل بد من ذكرها وهي قبول ستيف بتأدية دور «الرائد لينكولن» بطريقة أنقذت‬
‫للحكومة الميركية أحد أهم عناصرها الستخباراتية‪ ،‬أي شخصي الكريم ‪.‬‬
‫وفي ما أخذا ال صحيح والمل فق من الحكايات يتكا ثر في مختلف أنحاء الشرق الو سط عن صعود وهبوط ح سني‬
‫الزعيم وكان وليم دوغلس‪ ،‬القا ضي الظر يف في المحكمة العليا الميرك ية يقوم باحدى جولته المعتادة على نقاط‬
‫المغامرات في الشرق الو سط وأوا سط آ سيا‪ .‬ب عد ولي مة عشاء أقي مت في ال سفارة الميرك ية في طهران ل حظ‬
‫القا ضي ان ث مة من ي سترق ال سمع للحد يث ال سري بي نه وب ين ال سفير‪ .‬كان المتن صت هو ال صحفي الشه ير درو‬
‫بيرسون صاحب عمود «أرجوحة واشنطن الدوارة» المتعاقد لنشره مع صحف عديدة في ظاهر المر بدا بيرسون‬
‫‪99‬‬

‫في نقاش حاد مع الضابط السياسي في السفارة‪ ،‬ولكن القاضي والسفير يعلمان تماما بقدرته على الشتراك في نقاش‬
‫في احدى زوايا الغرفة واستراق سمع كل كلمة يهمس بها في الزاوية الخرى ‪.‬‬
‫هنا حبك القاضي أحد مقالبه وراح يهمس في أذن السفير قصة مفادها انه في رحلته الخيرة إلى المنطقة الكردية‬
‫فسي شمال ايران كان يشوي اللحسم فوق نار المخيسم فطلع عليسه مسن بطسن الليسل الدامسس رجسل يرتدي ألبسسة محليسة‬
‫وعرف عن نف سه با سم «الرائد لينكولن» وأعطاه ر سالة شفو ية لينقل ها إلى ال سفير ثم عاد واخت فى في عت مة الل يل‬
‫‪.‬وتظا هر القا ضي بأ نه يه مس الر سالة في أذن ال سفير وراح هذا الخ ير ي هز رأ سه ا ستيعابا ‪ .‬في ال سبوع التالي‬
‫ظهرت حكا ية «الرائد لينكولن» على صفحات ب ضع مئات من الصسحف الميرك ية وب ضع عشرات ال صحف في‬
‫الشرق الوسط ململمة حول نفسها تفاصيل جديدة كلما انتقلت من بلد إلى أخر ‪.‬‬
‫ول ما كا نت ال سفارة الفرن سية في الشرق الو سط على علم من سجلت دوائر ا ستخباراتها بأن ني ا ستعملت ا سم‬
‫«الرائد لينكولن» المسستعار فسي الحرب العالميسة الثانيسة‪ ،‬تبادر لهسا فورا بأننسي ذلك الرجسل الذي شاهده القاضسي‬
‫دوغلس فسي ثياب مسستغربة الشكسل واللوان فسي شمال ايران‪ .‬وعليسه راحست تلك السسفارات تسستعلم عنسي لدى‬
‫ال ستخبارات اليران ية والعراق ية وغير ها مثيرة اهتمام مختلف دوائر ال ستخبارات والتج سس في الشرق الو سط‬
‫ل وعرضا ‪.‬و سخر صديقي‪ .‬النشاش يبي من وق ته و هو يحاور جللة الملك ع بد ال عا هل الردن لكتا به مقال‬
‫طو ً‬
‫طويل في امتداحي على انني أفضل هدية قدمتها أميركا للدبلوماسية في الشرق الوسط‪ ،‬نشرها في الصحيفة التي‬
‫عمل فيها سابقا‪ .‬وقال لي في اليوم عينه‪« :‬عندما تصل أنباء المقال إلى واشنطن عليهم أن يعينوك سفيرا ‪.‬‬
‫من ناحية أخرى اعتمدت اربع أو خمس هيئات أمنية أخرى في الشرق الوسط مواقف مختلفة حيال الموضوع ‪.‬‬
‫فأظهر أديب الشيشكلي اهتماما واضحا وأرسل ستة من الرجال الشداء باللباس المدني لحمايتي على مدار الساعة ‪.‬‬
‫وحذر الم ير فر يد شهاب‪ ،‬مد ير عام ال من العام اللبنا ني‪ ،‬آرت شي من أن ب عض ال سفاحين العرقي ين مروا لتو هم‬
‫ببيروت في طريق هم إلى دم شق لغتيالي‪ .‬غ ير أ ني بم ساعدة ن صري الذي ش عر بالندم شي عت معلومات تف يد بأن‬
‫«الرائد لينكولن» المشبوه انما هو في الحقيقة الرائد ستيف ميد وليس أنا‪ ،‬وألمحت إلى انه إذا كان القتلة يريدون حقا‬
‫أن تحفر اسماؤهم في التاريخ عليهم اغتياله هو ل انا‪ .‬واعتبرونا أنا وجيم كيلي ان من الفضل عدم ابلغ ستيف‬
‫بالتضح ية الجليلة ال تي قد يقدم ها خد مة لبلده‪ .‬وك نا على ا تم اليق ين ان با ستطاعتنا العتماد إلى آ خر المطاف على‬
‫اخلصه للوطن وعلى شجاعته‪ .‬على كل الحوال كان ستيف على وشك ان ينقل إلى مركز أخر‪ ،‬كما كان كيلي قد‬
‫اتخسذ كسل الجراءات مسع نظيره فسي بيروت لوضسع سستيف وعائلتسه على أول سسفينة مسن سسفن شركسة «اميركان‬
‫اكسبورت لينز» تغادر بيروت علم ستيف بالسهام الذي قدمه لخدمة المصلحة القومية من ضابط في الستخبارات‬
‫الفرنسية متوجه على السفينة عينها لقضاء عطلته في فرنسا‪ .‬وأخذ الحكاية بروحه الرياضية كما كنا متأكدين ‪.‬وبعد‬
‫‪100‬‬

‫وصوله إلى الوليات المتحدة بعث برسالة عاطفية لي ولجيم كيلي يشكرنا فيها على توفيرنا له الفرصة تلو الفرصة‬
‫لخدمة بلده ‪.‬‬
‫(على فكرة‪ ،‬بعد بضعة شهور على الحكاية اخبرني القاضي دوغلس ان اسمي المستعار «الرائد لينكولن» قفز‬
‫فجأة من عقله البا طن‪ ،‬ول عل ذلك عائد إلى ان ني ا خبرته حكايات مثيرة متعددة عن «الرائد لينكولن» خلل لقاءات نا‬
‫على العشاء عند الجنرال لوتن وإلى ان السم قد اعجبه )‪.‬‬
‫بغياب ستيف وبا ستغناء أد يب الشيشكلي عن ن صائحنا في برمج ته للنقلبات المتعاق بة ال تي سترفعه إلى سدة‬
‫الحكم صارت حياتنا ن حن التنفيذي ين سواء في دم شق أو في بيروت شبي هة بحياة الطالب الداخلي في الجام عة إبان‬
‫عطلة ال صيف عند ما يكون الطلب الخرون قد ذهبوا إلى بيوت هم‪ .‬وانت هى بي ال مر إلى الملل من تلف يق تقار ير‬
‫«ويكا» صباح كل يوم جمعة‪ .‬ولما علمت باسم بديلي حولت مواهبي إلى نصب الفخاخ في طريقه‪ .‬لم تدرج وكالة‬
‫الستخبارات المركزية في بداية عهدها على جميع الخبرات السابقة والفادة منها بل كانت المحطة تبدأ من الصفر‬
‫كل ما ع ين ل ها مد ير جد يد‪ .‬ويرى المد ير هذا ان مهم ته جلء الفو ضى ال تي خلف ها سلفه واعداد م سرح جد يد لنف سه‬
‫يؤدي عليه دور البطل الرئيسي‪ .‬أما المدير المنقول من المحطة فيرى المور من زاوية مختلفة‪ .‬ففي سعيه لجعل‬
‫رؤسائه في واشنطن يتحسرون على «اليام الحلوة الماضية» يترك لخلفه ما يكفي من المشاكل والعقد ليشغل في‬
‫حلها كل دقيقة من وقته فل يبقى له هنيهة يعيد فيها كتابة التاريخ‪ .‬من هذا المنطلق حرصت على ان يجد بديلي‪،‬‬
‫واسمه المستعار والتر سندرسون‪ ،‬مايلزمه من القضايا الوهمية ليشغله عن محاولة التقليل من أهمية ما قمت به من‬
‫أعمال متواضعة‪.‬‬
‫ل طيبا جدا أمني ته الوحيدة «ال ستمرار في تاد ية الع مل الممتاز الذي ق مت به‬
‫وجدت في بديلي ب عد لقائ نا رج ً‬
‫وألهمنا‪ ،‬نحن المستجدين في خدمة وكالة الستخبارات المركزية لمتابعة مسيرتك»‪ ،‬كما جاء في عباراته المدروسة‬
‫بعناية فائقة لبدء تعارفنا‪ .‬ظننت لبعض اللحظات انه ربما يعني حرفية ما قاله ولكن سرعان ما أضاف بأن نك كان‬
‫قد حذره م ما يخ بئ الد هر له ان هو يظ هر ما يل يق بي من احترام و من ان ني سأكون الضا بط الم سؤول ع نه ع ند‬
‫عودتي إلى واشنطن ومن ان كل ما سيبعث به من رسائل إلى واشنطن سيمر بي قبل بلوغه أي شخص آخر في‬
‫الوكالة‪ .‬قلت له‪«:‬إن بقاءك إلى جانبي لن يحسرك شيئا»‪ .‬وأدركت بأنه استوعب كل معاني ما قلت له عندما رأيته‬
‫خلل ال سبوع الول من ا ستلمه عمله ي عد م سرورا بل جذلً المواد اللز مة لداوود لتحويل ها إلى العق يد ماثي سون‬
‫استعدادا لتقرير «ويكا» التالي‪ .‬فتنفست الصعداء‪.‬‬
‫الفصـل الثاني عشر‬

‫‪101‬‬

‫واشنطن والحيل القذرة‬
‫استلمنا وانا وآرشتي روزفلت مراكزنا في دمشق وبيروت في التاريخ ذاته وكذلك حان نقلنا إلى مراكز أخرى‬
‫في مو عد وا حد‪ .‬ول كن وق بل ش هر تماما من اليوم المحدد ل سفرنا إلى الوليات المتحدة انحر فت صحتنا فأ صيب‬
‫آرتشسي باضطرابات فسي القلب يبدو انهسا وراثيسة فسي اسسرته ونزل بسي داء اليرقان المعدي الذي ينتاب كسل الذيسن‬
‫يقضون فترة خدمة طويلة في الشرق الوسط‪ .‬وحلت بنا طائفة من التوعكات اللطف وقعا كاللتهابات المعوية أثر‬
‫نزهات متعددة قادتنسا إلى قلب الصسحراء فسي سسورياوالردن والعراق‪ ،‬ل يتسسع مجال هذا الكتاب لذكرهسا‪.‬فدخلنسا‬
‫مستشفى الجامعة الميركية في بيروت في الوقت نفسه وكذلك غادرناه معا‪.‬‬
‫ولما ودعنا المستشفى واجه آرتشي المسكين أوضاعا صعبة في آخر أيام خدمته في بيروت‪ .‬فقد هربت زوجته‬
‫مع طبيبها النفساني‪ ،‬وبعث السفير بنكرتون بتقرير من بيروت إلى واشنطن مفاده أن تصرفات آرتشي «مغمغرتية»‬
‫وهي كلمة وافق عليها نك مايكلسون في واشنطن بعد أن أعياه التفتيش في معجمه عن معناها ودون موافقته في‬
‫هامش تقرير السفير وضمه إلى ملف آرتشي الشخصي في الوكالة‪.‬‬
‫وهكذا تواجدنا في العام ‪ 1950‬انا وآرتشي في الوليات المتحدة‪ ،‬أنا في واشنطن أعاون نك مايكلسون في فصل‬
‫الخيال عن الواقع في التقارير التي بعثنا بها خلل ثلث سنوات‪ ،‬وآرتشي في نيويورك يراقب برامج صوت أميركا‬
‫الموجهة إلى الشرق الوسط وافريقيا‪ .‬أحببت نك ولكن آرتشي مقته‪ .‬وكان قريبه كرمت (أو كيم) روزفلت قد تبوأ‬
‫مركزاهاما في وكالة الستخبارات المركزية خلق لنا توترات أثرت فينا جميعا وفي آرتشي أكثر منا‪ .‬إضافة إلى كل‬
‫ذلك استاء جدا من الملمات ال تي وج هت إل يه وكا نت آخر كلما ته لي أثناء صعوده سلم الباخرة «اك سكاليبر» التي‬
‫أقلته إلى نيويورك انه لن يقو على مقابلة محامي زوجته يطالبه بالطلق في السبوع الول لو صوله ثم قابلة نك‬
‫مايكلسون في السبوع التالي‪ .‬لذلك قبل بالوظيفة التي عرضت عليه في اذاعة صوت اميركا‪.‬‬
‫وهكذا افترقنا وراح كل منا في طريقه ولكن بقي فكري معه‪ .‬وبعد أن تركزت في واشنطن حددت لنفسي مهمة‬
‫في المم المتحدة تدوم اسبوعين لكي اتمكن خللها من الطمئنان إليه في عمله الجديد‪ .‬وفي أحد اليام طلبني على‬
‫الهاتف وأنا أحاول التخلص من سكرة الليلة السابقة وقال‪« :‬لن نصدق ذلك‪ ،‬ولكني التقيت بفتاة‪ ،‬صبية‪ ،‬جمالها يسيل‬
‫دمع عينك»‪.‬‬
‫قلت‪«:‬أنت وفتاة‪ ،‬هل حان ذلك لك والحبر لم يجف بعد عن أوراق طلقك؟»‬
‫قال‪«:‬ل‪ ،‬أنا جاد في كلمي‪ .‬هذه المرة انتهى لمر واود أن تتعرف إليها هذا المساء»‪.‬‬
‫سألته‪ :‬ظكيف شكلها وكيف هي؟ هل تنتمي إلى مجتمع بوسطن؟ أم انها من طبقة المفكرين في نيويورك ؟ أو‬
‫لعلها نجيمة صاعدة في أفلك هوليوود؟»‬
‫‪102‬‬

‫قال‪« :‬كفاك تذاكيا يا حمار‪ .‬كم من سامي حقيقي قابلت في حياتك؟ اليهود؟ كلهم صقالبة‪ .‬السوريون واللبنانيون؟‬
‫كلهم حثيون‪ .‬ولكن هذه الفتان صافية‪ ،‬أعني سامية قح‪ .‬إنها درزية‪ .‬حتى أن رأسها قصير!»‬
‫صحت في نفسي‪« :‬أخذته موجة الغرام!» ثم قلت له‪« :‬حسنا سنتناول العشاء معا هذا المساء»‪.‬‬
‫وهكذا تعرفت بسلوى شقير‪ .‬هل قال آرتشي انها جميلة؟ ما زالت سلوى قرة عين آرتشي وصارت أيضا السفيرة‬
‫روزفلت رئي سة دائرة المرا سم في ادارة ري غن‪ ،‬و هي وان ناهزت الخم سين من الع مر ما زالت ت ستلفت النظار‪.‬‬
‫فكيف إذا بآنسة تخرجت لتوها من كلية فاسار للبنات وهي في العشرين؟‬
‫بعد فترة قصيرة من الزمن عاد آرتشي والتحق بوكالة الستعلمات المركزية وسلوى إلى جانبه على انها أمينة‬
‫سره الخا صة وغ ير الر سمية‪ .‬كان قري بة ك يم في تلك الثناء قد أحدث انقلبا دا خل الوكالة فأطاح ب نك مايكل سون‬
‫ورك نه في وظي فة وضي عة في دائرة الت سجيل‪ ،‬وج عل نف سه المشرف ل يس ف قط على عمليات ج مع المعلومات في‬
‫الشرق الو سط وجنوب شر قي آ سيا وافريق يا بل وعلى عمل نا الجد يد في تلك المنا طق المتض من الع مل ال سياسي‬
‫والحرب النفسية والحرب القتصادية وكذلك العمال شبه العسكرية‪ .‬عينت نائبا لكيم لشؤون الستعلمات واعطيت‬
‫مجالً وا سعا للطلع على نشاط نائ به ال خر ند لوكارد الم سؤول عن عمليات الق سم ال سرية غ ير المت صلة بج مع‬
‫المعلومات‪ .‬وعمل نا جميعا بقيادة فرا نك واي سنر رئ يس المنظ مة الجديدة ال يت انشئت أثناء غياب نا‪ ،‬و سميت ‪«:‬مك تب‬
‫تنسسيق السسياسات»‪ ،‬أي انهسا تحولت إلى الذنسب الذي يحرك الكلب كله‪ .‬ولمسا كان آل روزفلت وآل دالس أصسدقاء‬
‫قدماء ولما كنت على علقة حميمة بالسرتين صارت الزمرة المؤلفة منا نحن الثلثة تشكل فريقا مستقلً‪ .‬من ناحية‬
‫اخرى درج فرانك وايسنر على دعوة كيم إلى مكتبه (مظهرا له الكثير من الهتمام به) للوقوف منه على معلومات‬
‫ليس هو في الواقع بحاجة إليها‪ ،‬أو على دعوتي ودعوة آرتشي للغرض نفسه (متخذا معنا موقف القائد الصارم) فقط‬
‫لتذكيرنا بأنه رئيسنا‪.‬‬
‫تعر فت إلى ك يم في أوا خر العام ‪1947‬عند ما قم نا أ نا وآرت شي برفق ته بجولة على القلع ال صليبية وأمك نة غ ير‬
‫مطرو قة كثيرا في سوريا ولبنان‪ .‬مر على صداقتنا أربعون سنة كان ك يم في ع شر من ها رئي سي والمدا فع ع ني‬
‫(يحميني من مختلف الذين عملت بأمرت هم‪ ،‬وخصوصا من دك هلمز‪ ،‬الذني لم ينفكوا عن محاولة سلخ جلد رأسي‬
‫لسسباب مسا زلت أجهلهسا)‪ .‬كمسا كان خلل خمسس عشرة سسنة أخرى زميلً فسي العمسل ثسم فسي الخمسس عشرة سسنة‬
‫الخيرة صسديقا للعائلة تتقلب صسداقته صسعودا وهبوطا بشكسل متعاكسس مسع أوضاعسي الخاصسة‪( .‬كيسم صسديق عنسد‬
‫الضيق‪ .‬عندما أربح مليون دولر تسمعه يقول ل صدقائنا المشتركين‪« :‬انني قلق على مايلز»‪.‬عندما أخسرها يقف‬
‫بجا نبي و هو على أ تم ا ستعداد لعطائي كل ما يملك ب ما في ذلك القم يص الذي على ظهره‪ .‬و قد أشار علي اب نه‬

‫‪103‬‬

‫جونا ثن ممرة بأن أذ هب إلى أب يه ببدلة ر ثة وأد عي الفلس وا ستدين م نه عشرة آلف دولر فتعود عندئذ علقت نا‬
‫إلى سابق عهدها ويرجع كيم فيدخل حياتي من جديد صديقا ومحسنا)‪.‬‬
‫إبان غيابنا عن واشنطن‪ ،‬أنا في دمشق وآرتشي في بيروت‪ ،‬حدثت أشياء كثيرة كان البعض منها على مستويات‬
‫رفيعة داخل الحكومة حيث اشتد التنافس على السلطة والنفوذ في أعقاب إصدار مجلس المن القومي القرار رقم م‪.‬‬
‫أ ‪ .‬ق ‪ 4‬الذي حدد لوكالة الستخبارات المركزية صفتها الرمية‪ ،‬وقرارات أخرى لحقة مبنية على ادراك الحكومة‬
‫المفا جئ بأ نه وإذا كان علي نا أن نجا به «النشاطات ال سرية الشريرة ال تي يقوم ب ها التحاد ال سوفياتي لتشو يه غايات‬
‫ونشاطات الوليات المتحدة» فمسن الخرى بنسا القيام ينشاطات شريرة غايتهسا مصسلحتنا‪.‬ولكسن لمسا كان هذا الكتاب‬
‫سيرة ذات ية ل كتابا عن وكالة ال ستخبارات المركز ية (يو جد ما يك في من ها في ال سواق) فلن أر هق القراء ب سرد‬
‫التجاذبات الدار ية ال تي ح صلت نتي جة تلك القرارات‪ ،‬بل سأركز على التطورات ال تي طاولت ني شخ صيا وأع طت‬
‫العمليات السرية منحاها وصرت فيها من الختصاصيين مع بعض التسامح‪.‬‬
‫لدى عودتي من سوريا عام ‪ 1950‬استرعى انتباهي بشكل خاص ذلك التباين الواضح بين نوعية موظفي مكتب‬
‫تن سيق ال سياسات ونوع ية أولئك العامل ين في مك تب العمليات الخا صة‪.‬فمع ظم موظ في مك تب العمليات الخا صة هم‬
‫مثلي من موظفي الستخبارات المحرتفين القدامى في مكتب العمليات الخاصة انضم إليهم بعض الموظفين السابقين‬
‫فسي مكتسب التحقيسق التحادي الذيسن التحقوا بنسا بعدالحرب اثسر اسستلم وكالة السستخبارات المركزيسة أعمال القسسم‬
‫المختص بشؤون أميركا الوسطى والجنوبية في مكتب التحقيق التحادي‪ ،‬كان معظم أفراد مكتب تنسيق السياسات‬
‫من أ صدقاء فرا نك واي سنر أو آلن دالس الذ ين عادوا ب عد الحرب إلى ممار سة المحاماة أو إلى جامعات هم‪ ،‬علما بأن‬
‫بعضا من الختصاصيين بشؤون مناطق معينة هم أصلً من أساتذة الجامعات‪ .‬كان معظم موظفي مكتب العمليات‬
‫الخا صة يعتاشون من رواتب هم ويقيمون في منازل متواض عة في فرجين يا القري بة‪ .‬وبالمقا بل بدا لي ان أك ثر أفراد‬
‫مك تب تن سيق ال سياسات هم من الثرياء أ صلً وأعضاء في النوادي الفخ مة يقيمون في منازل أني قة في ضاح ية‬
‫جورجتاون أو في مرتفعات وسلي ‪.‬‬
‫أ سوق على ذلك مثلً فأقول بأن منزل نك مايكل سون ومنزلي يقعان في مشروع سكني وكل نا يذ هب إلى عمله‬
‫يوميا بالباص‪ .‬أما فرانك وايسنر ودس فيتزجرالد وجوني بروس وغيرهم من كبار مكتب تنسيق السياسات فيقيمون‬
‫ل فخما وواسعا في مرتفعات وسلي قريب من منزل المحسن الخر‬
‫في ضاحية جورجتاون ويملك كيم روزفلت منز ً‬
‫إلي ال سناتور جون سباركمن وقبالة منزل الجنرال وال تر ب سميث ‪.‬على ال صعيد الجتما عي يتخالط أفراد مك تب‬
‫تنسيق السياسات فيما بينهم وكذلك مع شخصيات مجتمع واشنطن وتظهر أسماؤهم في أعمدة النشاط الجتماعي في‬
‫ال صحف الها مة كالواشن طن بو ست واليفني نغ ستار‪ .‬أ ما موظ فو مك تب العمليات الخا صة فعلى علقات ود ية ب ين‬
‫‪104‬‬

‫بعضهم البعض وخلل وجبات غداء العمل‪ ،‬كما قامت علقات صداقة حميمة بين البعض منهم أثناء فترات تزاملهم‬
‫خارج الواليات المتحدة‪.‬‬
‫تنافس العملء داخل الوكالة‬
‫جئت على أذكسر ذلك لصسلته المباشرة بوضعسي الخاص باعتبار اننسي اخذت ابتعسد عسن مجال جمسع المعلومات‬
‫التجسسية واتوجه نحو العمل الخفي نظرا لمواهبي التي شرعت بتنميتها في دمشق وكذلك بفضل كيم روزفلت الذي‬
‫قدرها حق قدرها‪.‬صباح أحد ايام العلم دخل مكتبي مليونير شاب يشغل وظيفة متواضعة في قسمنا المتصل بمكتب‬
‫تنسيق السياسات وقال لي‪«:‬إن فرانك ليس مغتبطا للطريقة اليت عالجت بها قصة الباكستان»‪.‬‬
‫سألته‪«:‬فرانك؟ أي فرانك؟»‬
‫أجاب‪«:‬فرانك وايسنر»‪.‬تساءلت في نفسي عما كان ذلك الفتي يفعله من وراء ظهري بالتحدث إلى رئيسي؟ولما‬
‫ألى رأى دهشتي قال‪« :‬تحدثنا قليلً في الموضوع أثناء العشاء مساء أمس في بيت آلن»‪.‬‬
‫لم ي سبق لي أن دع يت لتناول العشاء سواء في ب يت فرا نك أو في ب يت آلن‪ ،‬الذي كان في ذلك الو قت «الم ستر‬
‫دالس» بالنسبة لي‪ ،‬إل كمدعو ثانوي عند أحدهما في حفل استقبال مسؤول مخابراتي كبير في دولة اجنبية‪ .‬وعليه‬
‫فإذا كان مو ظف صغير في مك تب تن سيق ال سياسات متمرن عندي ي ستطيع الثرثرة مع هم أثناء العشاء بشأن أمور‬
‫عظمى تهم الدولة بينما أقف أنا في الصف بانتظار مقابلة أحدهما في ساعات الدوام فذلك يعني بأنني أقف في الجهة‬
‫المغلوطة من الدار مزودا بالدعم المغلوط كذلك‪.‬‬
‫بعد ذلك بيومين قامت بيني وبين فرانك وايسنر مشادة كلمية حادة نسيت تفاصيلها ولكني ما زلت أذكر اني قلت‬
‫له‪«:‬ا سمع يا فرا نك ان نا نتنا قش في موضوع أفه مه تماما بين ما أ نت ل تعرف عنه شيئا على الطلق ‪.‬فلماذا إذا ل‬
‫تكت في ب ما أقوله لك ع نه؟» أح مر وج هه ثم أنف جر في وج هي فانفجرت بدوري وأخبرته صراحة برٍأيي في أفكاره‬
‫وخرجت فمن مكتبه غاضبا‪.‬‬
‫وب عد ثوان قليلة وف ما ك نت أتع ثر بطري قي إلى مك تبي ويداي على صدغي ت ساءلت‪ :‬ماذا فعلت ؟» أن ني أ حب‬
‫فرانك واعلم انه يحبني‪ ،‬ولكن ل أحد يكلمه بمثل ما قلته له ‪.‬لم يكن ثمة عذر لي‪ .‬ثم قلت لنفسي بأنه سيطردني!‬
‫وإذا لم يكن فعلً قد طردني فيجب أن يفعل‪ .‬فلو حدث معي شيء كهذا لطردت من كلمني على ذكل النحو‪ .‬وفكرت‬
‫بأنني لن أتمكن في الشهر المقبل من دفع بدر اجار البيت ول شراء المواد الغذائية ول تسديد أقساط ثمن سيارتي‪.‬‬
‫ولن أتمكسن مسن الحصسول على وظيفسة أخرى إل بعسد أن أغرق فسي الديون وتصسبح شيكاتسي مرفوضسة لنهسا دون‬
‫مؤونة‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫ا ستدرت على ع قبي وعدت إلى مك تب فرانكواعتذرت‪ .‬أعتذرت؟ قلت‪«:‬ل ست أدري ماذا دها ني يا فرا نك ول يس‬
‫بمقدوري التعسبير عسن مدى أسسفي‪ ،‬انسك تعرف الموضوع أكثسر منسي بكثيسر‪ .‬وأعدك بأننسي لم ولن أكلمسك هكذا‬
‫ثانية‪...‬و» ل أذكر تماما ماذا حدث بعد ذلك ولكن يخيل إلي أنني أرتميت أرضا ورحت أقضم زاوية السجادة ندما‬
‫وأصيح باكيا‪ :‬ل تضربيني أرجوك ل تضربيني‪.‬‬
‫«ل عليك ل تفكر في الموضوع وانني آسف أيضا لني صرخت بوجهك»‪ .‬أجاب فرانك ‪.‬‬
‫قضي المر‪ ،‬ولكن أمضيت ما تبقى من بعد الظهر وكذلك المساء والليل بطوله أندب حالي‪ .‬تصور أنك تتكل‬
‫على وظي فة‪ ،‬أي وظي فة إلى حد ل يمك نك م عه البوح ب ما تعت قد ا نه صحيح أو التم سك بمو قف تعرف با نه الف ضل‬
‫ليس فقط لبلدك بل وكذلك لمنظمتك ولرئيسك الذي يعارضك دون أن يقلقه احتمال نزول كارثة به‪ .‬أدركت أنني في‬
‫ذلك الوضع تماما‪ .‬وصباح اليوم التالي دخلت مكتب فرانك وذكرته بالعتذار الذي قدمته بالمس ثم قلت له بأنني ل‬
‫أعني أي كلمة منه!‬
‫قلت له‪« :‬اعتقد بأنني أتكل ماليا على وظيفتي إلى درجة ل استطيع معها القيام بأعبائها على الوجه الفضل إن‬
‫تجاه نفسي أو تجاهك وعليه ل بد لي من الستقالة قبل ان اطرد‪ ،‬لم أقرر بعدما الذي سأفعله‪ .‬لكنني أعتقد انه من‬
‫السهل علي العثور على شيء ما عندما ل أكون تحت ضغط الحاجة من العثور عليه أنا واقع تحت ضغطها»‪.‬‬
‫د هش فرا نك لذلك الكلم‪ ،‬ول بد ا نه ا ستغرب ك يف يكون المرء بحا جة إلى وظي فة‪ .‬ف في العالم الذي ينت مي إل يه‬
‫عندما يحصل «خلف في الرأي» بينه وبين رئيسه يستقيل فورا لن ذلك هو المسلك المشرف الوحيد‪.‬ثم يعود إلى‬
‫ممارسة الحقوق أو إلى التدريس في الجامعة أو إلى مزرعته في ماريلند ويبقى فيها حتى يستدعيه رئيس الجمهورية‬
‫الجد يد أو وز ير الخارج ية الجد يد فيعود إلى الخد مة‪.‬أ ما الفكرة بأن أي ان سان في مر كز م ثل مركزي عل يه اتخاذ‬
‫قراراته وفي رأس أفكاره انعكاسات تلك القرارات على استمرار بقائه في وظيفته أو عدمه‪ ،‬فإنها فكرة يصعب على‬
‫العقل القبول بها‪.‬‬
‫استفسر عن أوضاعي المالية ليس من باب التطفل على شؤوني الخاصة بل للوقوف على معلومات اضافية عن‬
‫دوافع أحد مرؤوسيه لم يكن قد وقف عليها بعد‪ ،‬ثم قال‪« :‬اسمع إذا كنت تواجه صعوبات في تسديد فواتيرك فسأدع‬
‫كيم يحصل لك ترقية جديدة‪ ،‬وإذا ما شعرت ثانية بأنك ما زلت بحاجة سنجد لك شيئا ما‪ .‬ل تقلق‪ .‬لم يسبق لي حتى‬
‫ذلك اليوم أن رأيت فرانك مبتسما‪،‬ولما خرجت من باب مكتبه استدرت فرأيته يهز راسه ويضحك‪.‬‬
‫ول ما لم ي كن ث مة ما يغري ني آنذاك لترك وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬قدرت تطمينات فرا نك خ صوصا وان ها‬
‫مقرونة بايماء إلى انني إذا ما بقيت فيها سانتدت للقيام بالعمل الذي طالما حلمت به‪.‬اخبرت كيم بما جرى بيني وبين‬
‫فرا نك ف قط ل جد ا نه م ثل فرا نك لم ي كن يخ طر بباله ان بعضا من مرؤو سيه بحا جة إلى وظائف هم‪ .‬ولك نه‪ ،‬خلفا‬
‫‪106‬‬

‫لفرانك ض من تطمينا ته أشياء م سة إذ قال بي‪« :‬ا بق مع نا و سأسهر على ان تسند إل يك مه مة تو صلك إلى مكان ما‬
‫خارج الوكالة أو داخلها‪.‬ولكن عليك البدء بالتفكير للمد البعيد وليس بكل قضية على حدة كما هي عادتك»‪ .‬كرر‬
‫إشار ته هذه أك ثر من مرة م نذ أن اجتمع نا للمرة الولى‪ :‬أي أن «التفك ير لل مد البع يد» ي جب أن يكون بمعظ مه في‬
‫مجال العمال الخفية ل بمجرد مراقبة عمليات جمع المعلومات السرية التي يقوم بها فرعنا‪.‬‬
‫انشب هت إلى تلك الشارة م نذ المرة الولى‪ .‬وبذاك أخذت أق ضي أوقات فرا غي كل ها في مطال عة جم يع التقار ير‬
‫والمحاضسر والوثائق التسي ترشدنسي إلى أسسباب انشاء مكتسب تنسسيق السسياسات ودمجسه ل حقا بمكتسب العمليات‬
‫السترتيجية ثم استحداث المنصب المسمى نائب المدير لشؤون التخط يط‪ ،‬وتحولت بعد ذلك إلى دراسة التوجيهات‬
‫والوا مر ال تي قادت نا إلى بدا ية المشا كل مع الجناح الي ساري في البلد‪ .‬وب عد عدة سنوات برزت حر كة تنادي بأن‬
‫الع مل الخ في ب حد ذا ته من كر ل يحت مل في مجت مع ديمقرا طي قوي كمجتمع نا ي ستطيع تح مل أي خ سارة قد ي سببها‬
‫المتناع عن اللجوةء إل يه‪ .‬وهكذا در جت عادة إلقاء اللوم علي نا وتحميل نا م سؤولية كل مشا كل العالم‪ ،‬والدعاء أن‬
‫بمقدور نا عدم الهتمام بالعالم كله‪ ،‬بل وعلى الع كس أن على العالم أج مع أن يتأ ثر بمواقف نا ويقلق من ها‪ .‬وه نا تجدر‬
‫الشارة إلى ان تفكيرنا لم يأخذ ذلك المنحى في أواخر الربعينات وأوائل الخمسينات ‪ .‬فقد منعنا هتلر من السيطرة‬
‫على أورو با وأطلق نا خ طة مارشال بق صد ر فع م ستوى معي شة الوروبي ين‪ ،‬ب من في هم أ صدقاؤنا وأعداؤ نا ال سابقون‬
‫على ال سواء‪ ،‬فارت فع إلى ما لم يبل غه من ق بل‪،‬وتحول نا إلى الوقوف بو جه عدو جد يد‪،‬عدو للوروبي ين ول نا‪ ،‬ل ت قل‬
‫مطام حه سوءا عن مطا مح العدو الذي قضي نا عل يه ‪.‬إن نا ل نش عر بحا جة إلى العتذار من أ حد وبأن ل أ حد سوى‬
‫الهبل يستطيع منازعتنا في حاجتنا إلى العمال السرية حسب تفسيرنا لها خصوصا وان الهداف التي ترمي إليها‬
‫يقرها الشعب الميركي بغالبيته الواسعة ‪.‬‬
‫لحظت أيضا مفارقة ثانية‪ .‬فقد كان من الواضح تماما أن التوجيهات والتعليمات ومثلها السباب الموجبة انطوت‬
‫ضمنا على ان من مهام وكالة الستخبارات المركزية «ممارسة الحيل القذرة»‪ .‬ولكن بدا لي ان أفراد الوكالة الذين‬
‫أنيطت بهم مهمة البحث عن وسائل التطبيق أغفلوا التوجيهات وما أنطوت عليه ضمنا‪ .‬وكان من الواضح اننا فيما‬
‫أخذنا نطلق العنان لمخيلتنا في تصور الحيل القذرة لم نعر الغرض منها والغاية التي ستستعمل من أجلها اهتماما‬
‫يذكر‪ .‬فقانون المن القومي الصادر عام ‪ 1947‬نص فقط على ان وكالة الستخبارات المركزية التي خلقت بموجبه‬
‫مهمت ها ‪«:‬القيام بأعمال وواجبات أخرى مت صلة بال ستخبارات وذات عل قة بال من القو مي ح سبما ي صدره مجلس‬
‫المن القومي من توجيهات بين آن وآخر» ‪.‬كما أن التعليمات اليضاحية اللحقة والمتعلقة صراحة بمكتب تنسيق‬
‫السياسات حددت مهمتها على انها مجابهة محاولت التحاد السوفياتي والدول الدائرة في فلكة «الرامية إلى تشوية‬
‫غايات ونشاطات الوليات المتحدة والدول الغربيسة الخرى»‪ .‬صسحيح أن كلمتسي «سسري» و«خفسي»لم تردا فسي‬
‫‪107‬‬

‫النصسوص‪،‬ولكسن مطالبتنسا بالشتراك فسي أعمال تكتنفهسا السسرية والغموض تضمنتهسا بوضوح الشروط الواردة فسي‬
‫القانون المذكور لجهة وجوب تخطيطها وتنفيذها بشكل ل يتضح منه لي شخص غير مأذون له بذلك ان الحكومة‬
‫الميركيسة على علم بتلك العمليات أو مسسؤولة عنهسا‪ ،‬وأيضا بشكسل يسسمح للحكومسة التنصسل منهسا ومسن أى نتيجسة‬
‫تترتب عنها تنصلً مقبولً قابلً للتصديق»‪.‬‬
‫في حينه تبين لي من موقفي بأن ما كان يطبخ ويمر تحت أنف فرانك وايسنر وكيم روزفلت ليس مسيئا بل يبعد‬
‫كل البعد عما حاول خصوم الوكالة الصاقه بها من اتهامات‪ .‬فلم نكن مطلقا مجموعة من عباقرة السوء نتآمر السوء‬
‫على غسل ادمغة العالم والسيطرة عليه بحيل الخرافات العلمية التي تعرض على االشاشات الصغيرة‪ .‬بل كنا على‬
‫العكس من ذلك تماما‪ ،‬مجموعة أطفال يلهون بألعاب جديدة رخص لهم بالسرقة‪.‬‬
‫ل قد تمك نت تارة بأوا مر مباشرة من ك يم أو من فرا نك وطورا بفضولي الشخ صي ورغب تي ال سليقية بالتل صص‬
‫(«إذا كان المرء ل يسستطيع التجسسس على قيادتسه فكيسف سسيتمكن مسن التجسسس على قيادة أعدائه؟» هذه احدى‬
‫فل سفاتي)‪ ،‬تمك نت من رؤ ية كل المقترحات ال تي مرت بمكتبيه ما‪ ،‬با ستثناء القل يل القل يل من ها‪.‬لذلك ا ستطيع التأك يد‬
‫الموثوق إلى حسد مسا انسه لم يمسر مسن تحست أنفيهمسا أي اقتراح تشتسم منسه رائحسة أسساليب الغسستابو أو «ينطوي‬
‫على«انتهاك للحريات المدنية» أو يعتبر انحرافا عن مبادئ الديمقراطية‪ .‬ل شك ان بعض الخطط الخيالية عرضت‬
‫ولكننسي اسستطيع التأكيسد بأن أسسوأ مسا يسستطيع أي كان قوله فيهسا‪،‬رغسم الجواء السسائدة حاليا مسن حيسث التمسسك‬
‫بالخلقيات‪ ،‬هو كونها بعيدة عن مجابهة «النشاطات السرية الشريرة التي يقوم بها التحاد السوفياتي»‪.‬‬
‫روح الستنباط الشيطانية‬
‫دعو ني ه نا أ سوق مثلً س ل يس هو بالم ثل ول هو بال سوأ أو بالنموذ جي‪ ،‬بل الف ضل من ح يث تناغ مه مع‬
‫سطحية هذه ال سيرة الذات ية‪ .‬و هو م ثل ل يحتاج إل للقل يل من التجم يل والضافات لي صبح حل قة تلفزيون ية ناج حة‬
‫وحديسث الناس‪.‬إ نه المخطسط الذي تذر عت بسه لقضاء ا سبوع او اثن ين في نيويورك كي أطمئن عن حال صسديقي‬
‫آرتشي روزفلت بين زواجيه‪.‬‬
‫تد ير ال سيدة مكمور تي «مدر سة ال سيدة مكمور تي للفت نة والنا قة» والمدر سة هذه من بنات أفكار ضا بط من‬
‫جورجيا اسمه المستعار «ادريان لوندكو يست«‪ .‬والسيدة مكمورتي من سيدات مجتمع واشنطن الراقي عينها كيم‬
‫للشراف على وحدة صغيرة ا سمها وحدة المل بس وم ستحضرات التجم يل غايت ها د عم عمليات الهرب والمراو غة‬
‫التي كان يقوم بها ستيف ميد في آسيا الوسطى‪.‬في اجتماع أول السبوع الذي يعقد صباح كل يوم اثنين‪ ،‬وكان ذلك‬
‫صسبيحة يوم ممطسر فسي شهسر تشريسن الول (اكتوبر) ‪ 1950‬قال لنسا لوندكويسست انسه أمضسى عطلة السسبوع فسي‬
‫نيويورك منشغلً بنشاطات اجتماعيسة أقنعتسه بأن السسرار الهامسة المتصسلة بالزمات الدوليسة إنمسا هسي فسي أذهان‬
‫‪108‬‬

‫الدبلوماسيين الفريقيين والسيويين والجنوب اميركيين وبأن استخلصها منهم ممكن بواسطة نساء جميلت مدربات‬
‫تدريبا خاصا بذلك‪.‬‬
‫و جه لوندكوي ست نظرة نحوي ل ها مغزا ها وقال ‪ «:‬كم نعلم جميعا ن حن أ هل الجنوب ان الرجال سواء من اللون‬
‫ال سود أو السسمر أو ال صفر يفقدون كل شعور بوا جب كتمان ال سرار لدى احتكاك هم بن ساء ب يض البشرة ل هن‬
‫صدور وأقف ية عار مة»‪ .‬وم ضى قائلً‪ :‬بأن وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬و قد جم عت مع ظم موظفات ها من كليات‬
‫شهيرة للبنات م ثل سميث ورادكل يف وفا سار وبرا ين مورنلدي ها إذا مع ين من الن ساء اللوا تي يمتل كن تلك المؤهلت‬
‫ويستطعن بالتالي خدمة بل دهن بالعمل في نيويورك يستخلصن ال سرار من موظ في المم المتحدة‪ ،‬خد مة أفضل‬
‫من جمع نتف من المعلومات من الصحف والذاعات في واشنطن‪.‬‬
‫في يوم الثن ين هذا تأ خر فرا نك وك يم بالعودة إلى مكتبيه ما من عطلة نها ية ال سبوع‪ ،‬فترأس الجتماع ضا بط‬
‫اخرق‪ ،‬كانت آخر مهامه الميدانية «ترتيب» النتخابات اللبنانية عام ‪ ،1947‬اسمه المستعار «ورثنغتن آلسبوري»‬
‫يشغسل حاليا منصسبا اسسمه الرنان «مديسر الدارة الحتياطيسة» مهمتسه تنظيسم جردة متقنسة بمواد وأدوات التخريسب‬
‫اللمان ية ال تي جم عت ب عد نها ية الحرب العالم ية الثان ية وال تي لم ي كن قد تم ح تى ذلك التار يخ العثور على و سيلة‬
‫مقبولة إداريا للتصرف بها‪.‬‬
‫في الجو الذي ساد الجتماع وبغيات اليدي الرادعة تحول اقتراح ادريان لوندكويست من مذكرة ادارية بسيطة‬
‫لى عرض ر سمي لمشروع‪ ،‬إلى أ مر يج يز للوندكوي ست بالشروع «بالعمليات ال ستقصائية»‪ .‬وعل يه وز عت مذكرة‬
‫خدمه على جميع النساء العاملت من رتبة سكرتيرة عامة درجة تاسعة وما فوق ورد فيها احتمال انفتاح مجالت‬
‫للعمل في مجالت تتميز بالتحدي والسوانح» للنساء العاملت في الوكالة اللواتي يتمتعن «بالذكاء والتربية والرغبة»‬
‫وي ستطعن اغراء الرجال المنتم ين «إلى خلفيات حضار ية بعيدة جدا عن خلفيت نا» اغراء صاعقا‪ .‬ولم تغ فل المذكرة‬
‫التلميح إلى ان مكان العمل يقع في نيويورك‪.‬‬
‫وعلى الرغم من عدم تحديد المهمات فل يخفى على أي فتى نبيه في العاشرة من العمر انها تتضمن مناسبات‬
‫اجتماعية براقة في النوادي والمطاعم الفخمة ومجالت للتحدث قليلً بالفرنسية أو السبانية وبعض النشاط الجنسي‬
‫والغراميات التي تتهم سيدات الوكالة انهن مقبلت عليها فور تقديم طلباتهن‪ .‬ورأى لوندكويست أن الغراء الخير‬
‫مسن شأنسه اسستقطاب فتيات كليات سسميث ورادكليسف وفاسسار وبرايسن مور لنهسن مثسل نظرائهسن خريجسي جامعات‬
‫هارفرد وييسل وبرنسستون الذي انسسجموا فسي الحرب العالميسة الثانيسة مسع الكذب والغتيال وتدميسر الخزنات خدمسة‬
‫للغراض الوطنية سيكن سعيدات للمبيت مع أي كان كل ليلة إذاما استطعن اقناع أنفسهن بان في ذلك خدمة للعم‬
‫سام‪.‬‬
‫‪109‬‬

‫تبين من اقبال المرشحات على تلبية العدعوة بالحضور إلى قاعة التمارين الرياضية في مبنى الوكالة ان تقديرات‬
‫لوندكويست لم تخطئ كثيرا كما جاء الستعراض‪ ،‬وهو أنسب كلمة لوصف ما جرى‪ ،‬أكبر مهزلة في تاريخ وكالة‬
‫الستخبارات المركزية‪ .‬فقد لبى الدعوة أربع وثلثون شابة راوحت ملبسهن بين أروع ابتكارات كريستيان ديور‬
‫وب ين ت صاميم ان سيترال ثورغود‪ ،‬رئي سة فرع اللب سة في الكلة‪.‬دخلت المرشحات واحدة تلو الخرى إلى« سيناريو‬
‫كوكت يل» من اعداد ق سم التدر يب وق من بأدوار مدعوات ي سعين للختلط بجمهور المدعوي ين بهدوء و مع مراعات‬
‫كامسل اللياقات الدبلوماسسية‪ .‬وكان على كسل مرشحسة التوصسل إلى التعرف على الشخسص «الهدف» المحدد لهسا بأي‬
‫وسيلة تبتكرها (قام بدور الشخص س الهدف احد أفراد المدربين الذي تدرب بدوره على التصرف كأحد دبلوماسيي‬
‫العالم الثالث) وتدخسل معسه فسي حوار وتجعله بتصسرفاتها يشعسر ملزما بتدبيسر لقاء آخسر فسي ظروف تسسمح ببعسض‬
‫التصرفات الطائشة‪.‬‬
‫أ ما الحضور‪ ،‬و قد جل سوا في شر فة معت مة‪ ،‬فترأ سهم ك يم روزفلت الذي سمع بالمشروع ب عد أن بلغ من التقدم‬
‫نقطة اللرجوع وأصر على الحضور لنه اعتبر نفسه المرجع الوحيد في الوكالة وصاحب الخبرة العملية بالساليب‬
‫التي ستعرض‪ .‬فخلل الحرب العاليمة الثانية قبض عليه اللمان فيما كان في احدى مهامه وراء خطوطهم وتحمل‬
‫ببطولة العذاب الليم الذي أنزله به عملء الغستابو دون أن يحصلوا منه على أكثر بكثير من أسمه ورتبته ورقمه‬
‫الت سلسي أدلى ب ها إلى عميله في الغ ستابو أشف قت عل يه و هي ت ستمع بانتباه إلى شر حه أن عزرا باو ند هو المؤلف‬
‫الحقيقي لكتاب «الرض الخراب» رسخت ذكرى ذلك الختبار في ذهنه فأصر‪ ،‬وهو مدير جميع العمليات السرية‬
‫في الشرق الوسط وافريقيا على الشراف شخصيا على كل الموظفات التي تتضمن مهامهن مجرد التعرف البسيط‬
‫على أي شخص من المناطق الواقعة ضمن نطاق مسؤوليته‪.‬‬
‫أ ما با قي أفراد الحضور فكانوا روج ين أتك نز (ا سم م ستعار) و هو أغ نى مو ظف في الوكالة (تقدر ثرو ته بمئة‬
‫مليون دولر) وان سيسترال ثورغود مد ير دائرة الملبو سات والليدي وندر م ير (ا سم م ستعار) اخت صاصية التجم يل‬
‫و ستيف م يد و هو بطري قة إلى آ سيا الو سطى بمه مة الهرب والمراو غة‪ ،‬هذا طبعا بالضا فة لي‪ .‬يعود ادعاء اتك نز‬
‫بمعرفة إغراء النساء إلى تاريخ زيجاته (له أربع زوجات سابقات يتقاضين منه نفقة تفوق المليون دولر سنويا) ‪.‬‬
‫ول عل سبب وجود ثورغود وويندرم ير ب ين حضور ال ستعراض كونه ما اللواطي ين الوحيد ين الذ ين منحته ما الوكالة‬
‫براءة أمنية بكامل معرفتهما لواقعهما‪ .‬أما وجود ستيف بين الحضور فبسبب بعض أعماله الخارقة التي حملت إيان‬
‫فليم نغ على تأل يف حل قة في أفلم جاي مس بو ند على أ ساسها‪ .‬ول سباب لن أب عث الض جر في نفوس القراء ب سردها‬
‫كنت أنا الخبير الوحيد في ذلك الموضوع‪.‬على كل حال وبصرف النظر عن مهارتنا أو عدمها كلجنة محكمين كان‬

‫‪110‬‬

‫علينا اختيار المرشحات العشر أو الثنتي عشرة اللواتي رأينا فيهن أفضل صفات الغراء ونرسل بهن إلى السيدة‬
‫مكمورتي ليتدربن تدريبا خاصا مركزا ‪.‬‬
‫جرى العرض شبيهاُ بتمثيل ية سخيفة قام بأدوار ها فر يق من الهواة القروي ين ‪ .‬كا نت المرشحات كل هن مقبولت‬
‫من حيث الغراء في ظروف العمل العادية في مكاتب الوكالة‪ .‬ولكنهن بألبستهن المبهرجة وحركاتهن المدروسة كن‬
‫حتما ليقززن نفس أكثر الرجال حرمانا ‪.‬إل ان العرض تضمن درسا كان علينا نحن الرجال الذين نعرف العالم ان‬
‫ندركه قبلً‪ :‬أي ان المغريات التي ستعرضها النساء في مطاردتهن الرجال هي تماما السباب عينها التي تحمل أي‬
‫ر جل على التهرب من هن س هذا إذا كان رجلً محترما وعلى أد نى در جة من درجات الحضارة‪،‬ل مجرد قرد ه مه‬
‫الوحيد الفوز بأنثى سهلة المنال‪ .‬أن القردة الذين يبحثون عن انثى سهلة المنال (كما يحدث لنا جميعا بين آن وآخر)‬
‫ل يتناسون السرية بالسهولة التي أشار إليها أدريان لوندكويست‪ .‬ولو أن اي امرأة من الوكالة تصرفت على الطبيعة‬
‫كتصرفها في مهرجان لوندكويست لما استطاعت الحصول على أكثر من دليل للهاتف ‪..‬إنما مقابل التضحية بالكثير‬
‫من الشيم ‪.‬‬
‫ل بأس فقسد تعلمنسا درسسا أو اثنيسن عمسا يجسب أل نفعله فسي اسستخدام الجاسسوسات المسستقبليات‪،‬علما بأن مكتسب‬
‫العمليات الخاصة وفق ببعضهن وبأنه من الواجب سرد القصة التالية لنها تصور العفوية البريئة التي اتصفت بها‬
‫اليام الولى مسن أعمال مكتسب تنسسيق السسياسات‪،‬عفويسة بريئة حاول خصسوم الوكالة اسستغللها على انهسا روح‬
‫ال ستنباط الشيطان ية ال سائدة في الوكالة ‪.‬بالط بع لم يتم تع جم يع الم سؤولين في ها بذلك الم ستوى الرف يع من روح‬
‫البتكار‪ ،‬ولكن كان على زملئنا في مكتب تنسيق السياسات لو انهم حملوا البحث عن وسائل الغراء الفعالة على‬
‫محمل الجدية‪ ،‬كان عليهم استشارة الخبراء في الموضوع اطلق العنان للحرية المفاجئة التي هبطت عليهم فراحوا‬
‫يقومون بتجارب عشوائية‪ .‬كان عليهم استشارة الخبراء وهل أفضل من ستيف ومني خبرة ؟‬
‫وخد مة للمؤرخ ين من الجيال القاد مة ل بد لي من اختتام هذه الو صلة بالقولة ان ال سيدة مكمور تي و هي من‬
‫سيدات مجتمع واشنطن الراقي (احدى زوجات روبين اتكنز السابقات‪ ،‬وذات ماض حافل س تزوجت ثلث أو أربع‬
‫مرات «وكل ها زيجات ناج حة و سعيدة» ح سب ا صرارها ومفاخرت ها) وان ها ا ستلمت ادراة «مدر سة المفا تن» عند ما‬
‫كان الغرض منها اعطاء دروس في البروتوكول لزوجات مندوبي الوكالة الذين يعينون في مناصب دبلوماسية في‬
‫الخارج‪ .‬ولكن السيدة مكمورتي جعلت من نفسها اسطورة في الوكالة بأن دفعت بمدرستها خطوة كبيرة إلى المام ‪.‬‬
‫إذا را حت تو صي ب عض المتدربات المختارات بعنا ية فائ قة بعدم اطلع أ حد على الطلق ب ما في ذلك أزواج هن‬
‫على الدروس المتقد مة في فن التج سس ثم تحول هن إلى رئ يس شع بة العمليات المخف ية ريتشارد هيل مز الذي ي سند‬
‫إليهن مهمات خاصة ل علم لزواجهن بها مطلقا‪ .‬في الكثير من الحالت لم يدر الزواج بمركز زوجاتهن المهني‬
‫‪111‬‬

‫(ول بح ساباتهن المتنام ية في الم صاريف ال سويسرية)‪ ،‬علما بأ نه حدث في احدى الحالت فضي حة ا سترعت انتباه‬
‫ور ضا آلن دالس‪ .‬ف قد زود مو ظف جد يد أر سل إلى بيروت بتعليمات تقول إن صلة الو صل بي نه وب ين فر يق اث ني‬
‫معيسن موظسف لم تحدد التعليمات مسا إذا كان ذكرا أم أنثسى‪ ،‬يعرف باسسم مسستعار«واندرلسست» ويعتسبر مسن أفضسل‬
‫العملء‪ .‬ولما وصل الموظف الجديد إلى بيروت اكتشف بأن «واندرلست» ليست سوى زوجته التي طالما حسبها‬
‫بلهاء‪ ،‬فهدد بالطلق منها وبالستقالة من وكالة الستخبارات المركزية ‪.‬ولكنه لم يستطع إلى أي من التهديدين سبيلً‬
‫ذلك لن المهمسة الموكلة إليسه ليسس فيهسا سسوى مخرج واحسد وان«واندرلسست»‪ ،‬حسسب تعليمات القيادة الصسارمة‬
‫والواضحة‪ ،‬حزء ل يتجزأ من مهمته ل من المخرج‪.‬‬
‫مسن حيسث حاجسة التاريسخ والمؤرخيسن يكفسي مسا أوردتسه مسن تلك الحكايسة وفيهسا أيضسا نقطتان هامتان جديرتان‬
‫بالنتباه‪ .‬أولً ‪ :‬إن ما أورد ته كان مجرد اختبار أي حما قة اخرى من تلك ال تي ارتك بت خلل المرحلة الولى من‬
‫قيام وكالة الستخبارات المركزية‪ .‬وهي تجربة لم تستمر فضلً عن انها لم تشغل من اهتمام فرانك وايسنر أو كيم‬
‫روزفلت سوى أعشار الثانية‪ ،‬ول حازت على اهتمام آلن دالس الذي لعله لم يسمع بها إل بعد أن صارت واحدة من‬
‫اساطير الوكالة‪ .‬هذا مع العلم بأن في الموضوع موادا وافرة تمكن اصحاب المقالب من نسج حكايات كثيرة تصلح‬
‫للتندر بها في لقاءات قدامى موظفي الوكالة جيلً بعد جيل‪ .‬وما من ريب انها من قبيل انطوائها على مواد للتنكيت‬
‫ستدوم أك ثر من أي اختبار آ خر حمل ته الوكالة على مح مل الجد ية‪ .‬أ ما النق طة الثان ية ف هي ان تلك الحما قة خار جة‬
‫تماماُ عن م سؤوليات ومهام مك تب تن سيق ال سياسات ول ما كان الغرض من ها ابتكار و سائل جديدة لج مع المعلومات‬
‫وجب حصر المسؤولية عنها بمكتب العمليات الخاصة الذي‪ ،‬كما سبقت‪ ،‬حدد الغاية ووسائل بلوغها ‪.‬‬
‫إن ما أورد ته أعله ينط بق على مختلف الختبارات الخرى ال تي أجرت ها الوكالة خلل إيام ها الولى ‪.‬ول ما بدأ‬
‫تفعيسل مكتسب تنسسيق السسياسات كان جميسع أركان الوكالة على ادراك تام بالحاجسة إلى مسا عليهسم انجازه وبالحدود‬
‫المر سومة له للع مل ضمن ها‪ .‬غ ير أن ب عض عنا صر دوائر الوكالة الذ ين ل عل قة ل هم مطلقا «بمكاف حة النشاطات‬
‫الشريرة الخفيسة التسي تقوم بهسا السسوفيات» اسستغلوا بعسض الغموض فسي تعليمات وتوجيهات مجلس المسن القومسي‬
‫فأخذوا يلجون مجالت ما كانوا ليحلموا بأكثر من التفكير بها‪ .‬فمشاريع هؤلء‪ ،‬ل مشاريع مكتب تنسيق السياسات‪،‬‬
‫هي التي تحولت إلى قرائن استغلها أعداء وكالة الستخبارات المركزية ‪.‬‬
‫صحيح أن أحد فتياننا دس في شاي الرئيس الندونيزي سوكارنو مادة مهلوسة قبيل القائه خطبة كانت عبارة عن‬
‫مطالعة عقلنية جدا مؤيدة «للحياد اليجابي» ولو ترك على سجيته وطبيعته لجاءت الخطبة حفنة من الكلم الفارغ‪.‬‬
‫وجرب نا الت صال ب ين شخ صين بوا سطة «الدراك الخارج عن ال حس» ب ين ال سيدة براون في رتشمو ند بول ية‬
‫فرجينيا وبين زوجها السيد براون في استنبول‪ ،‬فاستطاعت السيدة براون بالتخاطر (توارد الفكار) نقل رسائل إلى‬
‫‪112‬‬

‫زوجها وصلته بدقة ل بأس بها وقبل أن تصله الرسائل المثيلة التي نقلت إليه بواسطة قنوات التصال التي تستعملها‬
‫وكالة الستخبارات المركزية ‪.‬‬
‫أحد عملئنا‪ ،‬وقد تتلمذ على أيدي كاتب قصص الخرافات العلمية رون هوبارد نفسه أدخلناه جماعة من المؤمنين‬
‫بال سحر والتنج يم ثم أخذ نا نح صل على ما نطل به له من النفقات العملن ية (على غرار ما فعلناه من أ جل ال ستاذ‬
‫داوود الذي عمل بخدمة العقيد ماثيسون) فحولها في النهاية هي ومدخرات عمره لحساب تلك الجماعة وقضيتها ‪.‬‬
‫ولكن مشاريعنا «المشؤومة والبديعة» وان كانت كلها مسلية جدا لم تكلف أي مال أو ان كلفت فالقليل منه‪،‬كما لم‬
‫تخلف أي ضرر دائم هذا فضلً انها‪ ،‬تستأهل كل درهم انفق عليها لقاء ما اكسبتنا من وقاحة مهنية‪ .‬وعلى الرغم‬
‫من رهبت ها لم تتم كن لج نة مجلس الشيوخ المميزة المخت صة بشؤون ال ستخبارات من العثور على حالة واحدة و قع‬
‫في ها فرا نك واي سنر أو ك يم روزفلت على عمل ية لغ سل دماغ أو تحو ير تفك ير أو تبد يل شخ صية أو اغتيال أ حد‪،‬‬
‫أميركيا كان ام اجنبيا‪ .‬وقد حصل بعض اللغط عن خطط أعددناها لدس مادة في سيغار كاسترو يؤدي تدخينه له‬
‫لن ي سقط ش عر ذق نه‪ .‬وجاء ني أ حد المحقق ين من اللج نة المذكورة ال تي يرأ سها الش يخ فرا نك تشير تش لي ستجوبني‬
‫ويسجل إفادتي بشأن المادة التي دسها أحد فتياني في شراب سوكارنو‪ .‬هذا كل ما في المر‪ .‬فهل يستأهل كاسترو‬
‫وسوكار نو هذا الهتمام كله؟‬
‫لقد اجريت جميع المشاريع التي استرعت انتباه لجنة تشيرتش خارج وكالة الستخبارات لمركزية وقام بها علماء‬
‫أو علماء مزيفون ت ستخدمهم جامعات وشركات ل صنع الدو ية والعقاق ير بمو جب عقود مع الوكالة من أ جل غايات‬
‫اعتبرناها محض اختبارية كما اعتبرنا ان ليس ثمة أي ضرر من أن يعلم المرء بالشياء التي يمكن تحقيقها‪.‬واستنادا‬
‫إلى ذلك المفهوم قام اولئك«العلماء»‪ ،‬أو سمهم ما شئت‪ ،‬ب صنع مواد تج عل «الش خص الم ستهدف» يقول الحقي قة أو‬
‫يهلوس أو يتصرف بطريقة تؤدي إلى هلكه أو يسقط ميتا دون امكانية العثور على سبب الوفاة‪ .‬كان كل ذلك مسليا‬
‫للغاية مما جعلني أكتب مقالً فيه لمجلة ذي نيويوركر‪.‬وقد تضمن المقال اختبارا أجري في احدى الجامعات وشمل‬
‫رئيس فريق الباحثين الذي عاد إلى بيته تفوح منه رائحة كريهة إلى حد لم يطق معها أفراد عائلته البقاء معه تلك‬
‫الليلة‪ .‬وأوردت ف يه أيضا ك يف قام وا عظ معمدا ني بالقاء ع ظة ال حد حشا ها بماتي سر له من بذاءات عوضا عن‬
‫الوقار الذي اتسمت به كل عظاته السابقة ‪.‬‬
‫تملكتنا الدهشة كما تملكت الرأي العام عندما ذاعت قصة ذلك المسكين الذي تناول على يد أحد الباحثين حبة إل‪.‬‬
‫اس‪ .‬دي المهلوسسة فقفزة مسن الطابسق العاشسر صسائحا‪« :‬انطري يسا أماه اننسي اسستطيع الطيران»‪ .‬ولكسن السسناتور‬
‫تشير تش الذي أخذت الوكالة تقل قه لم يقدر الناح ية الفكاه ية من الحادث حق قدر ها‪ .‬ول ما أ خذ المحققون في لجن ته‬
‫يتوغلون أكثر فأكثر من زوايا وخبايا الوكالة عثروا على اختبارات تجرى في مجال الحرب الجرثومية وفي تحوير‬
‫‪113‬‬

‫الشخ صية و في م حو الذاكرة و في أ صول الغتيال وال أعلم ب ما اكتشفوه أيضا‪ .‬في أوا خر العام ‪ 1950‬كلف ني ك يم‬
‫بالبحث عن مشاريع أخرى من المشاريع «المشؤومة والبديعة» التي يمكن اكتشافها من قبل لجان تحقيق أخرى قد‬
‫تأتي نا متطفلة‪ ،‬فعثرت على ب عض من ها تنشرح ل ها ال صدور وتبت هج ب ها العقول‪ .‬ول كن وجود تلك المشار يع لم يدل‬
‫على الشسر بمقدار مسا دل مرة أخرى على مسا يمكسن أن يحصسل فسي أقبيسة ودهاليسز مصسنع للحلم مثسل وكالة‬
‫الستخبارات المركزية بمجرد غفله من عين كبار المسؤولين عنها‪.‬‬
‫إل انني استطيع الجزم والتأكيد‪ ،‬خدمة للحق والحقيقة‪ ،‬بأنني لم اعثر في تحرياتي في أواخر العام ‪1950‬ول في‬
‫تلك ال تي أجريت ها في أيار (ما يو) ‪1953‬على حالة واحدة ا ستعملت في ها منتجات عباقرة الباحث ين إل على اشخاص‬
‫تطوعوا للقيام بدور جرذان اختبارات آدمي ين‪.‬ك ما ا ستطيع القول ا ستنادا إلى سلطات موثو قة بأن المنا سبات الوحيدة‬
‫التي خطر في ها للوكالة خاطر استعمال عقاقير الفصاح بالحقيقة أو تحوير الراء أو ال سموم جاءت بمبادرات من‬
‫سلطات أعلى مقاما من وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬و من الب يت الب يض على و جه التخ صيص‪ .‬وتضم نت تلك‬
‫المبادرات مؤامرات لغتيال باتريس لومبومبا في الكونغو وفيدل كاسترو في كوبا س علما بأنها كانت مجرد خطط‬
‫وليس محاولت فعلية‪.‬‬
‫لنعد الن إلى قضايانا‪ .‬كيف قضينا أوقاتنا بني ‪1950‬و ‪ 1953‬في مكتب تنسيق السياسات ؟ فكما قلت سابقا‪،‬لم‬
‫أكن قد انضممت رسميا بعد إلى المكتب المذكور‪ ،‬بل كانت مهمتي في مكتب شؤون الشرق الدنى وافريقيا برئاسة‬
‫كيم روزفلت‪ .‬كما انني لم اجرؤ على غزو مكتب نائبه تد لوكارد إل بأمر صريح من كيم‪ .‬ومتى كان يأتيني المر‬
‫الصريح هذا؟ ما كان مثل ذاك المر يأتيني إل عندما يتهم محقق من الكونغرس أو صحافي فضولي مكتب التنسيق‬
‫بالقيام بأعمال امره بها مك تب العمليات الخا صة أو دوائر المن أو مكتب الستعلمات السرية أو دوائر أخرى في‬
‫الوكالة ا ستجابة لتوج يه صادر عن مجلس ال من القو مي بر قم م‪ .‬ا ‪ .‬ق ‪ 2 /50‬يحدد ب صراحة وجوب قيام مك تب‬
‫التنسيق دون سواه بالتحقيق‪ .‬غير أن ذلك لم يشغل من وقتي إل عشره أو أقل ‪.‬‬
‫ول كن‪ ،‬إذا كان »فرع الح يل القذرة« في وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬ح سب ت سميته من ق بل الرئ يس ترو من‬
‫بالذات‪ ،‬ل يقوم بحيل قذرة فماذا عساه يعمل إذا؟ انني أصف هنا تلك الفترات التي كنت أقضيها في واشنطن بين‬
‫المه مة والخرى اللت ين أكلف به ما في الخارج‪ .‬وأعود لكرر‪ :‬مه ما بدت مرع بة لنقاد الوكالة اليوم نشاطات نا في‬
‫تلك الحقبة وما نسب الينا من نشاطات فيها فقد كانت جميعها متناغمة مع ما أراده الشعب الميركي آنذاك‪.‬ففي نظر‬
‫الرأي العام الذي ابت هج بمشاهدة فيلم «مك تب التحق يق التحادي في ال سلم والحرب« وبقراءة روايات جاي مس بو ند‬
‫وصفق لمحاولت السناتور جوزف رايموند مكارثي المسعورة لليقاع بالناس على أنهم شيوعيون‪ ،‬في نظر الرأي‬
‫العام هذا كا نت وكالة ال ستخبارات المركز ية ت جر أقدام ها جرا‪ ،‬أو تكاد‪ .‬و في أع ين مك تب التحق يق التحادي ذي‬
‫‪114‬‬

‫الشعبة المتصاعدة بدا حماس الوكالة «لمكافحة الشيوعية» أدنى بكثير مما توقعه المواطنون‪ .‬ول ريب في أن نقاد‬
‫الوكالة في أيامنا هذه سيصابون بالذهول لمعرفتهم بأن ظنون مك تب التحقيقات كانت في محلها‪ .‬فحقيقة الواقع اننا‬
‫في الوكالة فعل نا كل ما في و سعنا للبقاء بمعزل عن المكارث ية ولتن صل من ها‪ .‬من موقف نا هذا ا ستنتج أ هل مك تب‬
‫التحقيقات بأن الوكالة ليست‪ ،‬في أفضل حالتها‪« ،‬سوى ناد بضم مجموعة من المخنثين»‪.‬‬
‫بالطبع لم نكن كذلك‪ ،‬وكلننا كنا قد تحولنا إلى مجموعة من البيروقرا طيين‪ .‬فمنذ اليوم الول لقيام مكتب تنسيق‬
‫السياسات انهمك جميع كبار المسؤولين في الوكالة باعداد مشاريع الموازنات وهرمية التنظيم والمسؤوليات فلم يبق‬
‫لهسم الوقست للهتمام بمسا يقسع على عاتقنسا مسن واجبات‪ .‬وانخرطنسا نحسن على المسستوى التنفيذي فسي تلك النشاطات‬
‫فصارت تأخذ حيزا ل بأس به من وقتنا الثمين‪ .‬ولن أنسى ما اعترانا من قلق في محاولتنا تقرير ما ينبغي ان نطلبه‬
‫كمواز نة لق سمنا‪ ،‬ق سم الشرق الد نى وافريق يا‪ .‬ف هل ن حن بحا جة إلى مليون أو إلى خم سين مليون دولر نخ صصها‬
‫لم صر؟ وك يف ل نا أن نعلم ماذا يلزم نا؟ وجاء الفرج‪ .‬د خل مك تبي المو ظف الم سؤول عن مك تب سوريا وقال ان‬
‫حسساباته تشيسر إلى ان مكتبسه يحتاج إلى ‪ 1 ,2‬مليون دولر‪ .‬فإذا مكتسب سسوريا يحتاج هذا المبلغ ل بسد ان مكتسب‬
‫العراق يحتاج إلى ضعفه لن العراق أهم من سوريا بمرتين وسنحتاج إلى ‪ 4 ,8‬مليون لمصر لنها أربع مرات أهم‬
‫من سوريا‪ ،‬وهكذا دواليك‪ .‬وبلغ المجموع مبلغا ضئيلً‪ ،‬زهاء ‪ 20‬مليون دولر (بل ربما ‪ 21 , 467 , 233‬دولر‬
‫و ‪ 56‬سنتا على وجه التحديد ) هذا علما بأن أحدا منا لم يكن يعلم كيف وعلى ماذا ستنفق تلك المبالغ ‪.‬‬
‫ثم أخذنا الرقام ورحنا بها إلى مكتب كيم فذعر! وقال ‪«:‬إن قسمنا أهم قسم في الوكالة‪ .‬فإذا طلبنا مبلغا زهيدا‬
‫كعشريسن مليون دولر سسنصبح مضحكسة الجميسع » وعليسه طلبنسا مئة مليون أي خمسسة أضعاف عدنسا وعدلناهسا‬
‫فصارت ‪ 112 ,568 ,339‬دولرا و ‪ 20‬سنتا وحصلنا عليها ! وبنفس الطريقة كافحنا للحصول على عدد أكبر من‬
‫الموظفيسن‪ .‬بدأ مكتسب تنسسيق السسياسات بقرابسة ‪ 300‬أو ‪ 400‬موظسف يشكلون قوة طوارئ صسغيرة تسستخدم للقيام‬
‫بعمليات في منا طق ح ساسة فشلت في ها الدبلوما سية والتهديدات با ستعمال القوة الع سكرية‪ .‬و في العام ‪،1953‬عند ما‬
‫رجعت إلى الوليات المتحدة لدى انتهاء مهمة لي في الخارج كان عددهم قد فاق الخمسة آلف ‪.‬‬
‫هسا هسي البيروقراطيسة حلت‪ .‬فالبيروقراطيات‪ ،‬مهمسا كانست مهمتهسا‪ ،‬تكسبر وتنمسو أمسا بتوسسيعها نطاق المهمات‬
‫الم سندة إلي ها أو بتعظ يم اهم ية تلك المهمات‪ .‬و «قوة الطوارئ ال صغيرة » ال تي بدأ نا ب ها كا نت ستنمو إلى منظ مة‬
‫عالميسة ولو فسي ايام السسلم والهدوء ولكسن جاءت حرب كوريسا تغذيهسا مثلمسا تغذى المخصسبات الكيميائيسة النباتات‬
‫ال ستوائية‪ .‬وعند ما ظهرت «القوة ال صغيرة» على رق عة اللع بة الدول ية في أوا سط العام ‪ 1950‬أخذت لنف سها قوة‬
‫اندفاع خاصة بها كأي وكالة حكومية مستقلة وادعت بأكثر من نصف ميزانية وكالة الستخبارات المركزية ‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫اندلعت حرب كوريا فيما كنت استعد للعودة من المهمة التي انتدبت لها في دمشق‪ .‬وعندما دخلت مقر الوكالة في‬
‫واشن طن في ايلول ( سبتمبر) ‪ 1950‬كان سبب الن قد الول الذي واجه ني تق صير الوكالة عن التن بؤ بح جم وبمو عد‬
‫هجوم الكوريين الشماليين على كوريا الجنوبية‪ ،‬وعن امتلك الوكالة ما يلزم لتقدير وتصور الوضع على حقيقته ‪.‬‬
‫ضاع توازن مدير الستخبارات المركزية آنذاك الميرال هلنكوتر في محاولته إرضاء رغبات وزير الخارجية من‬
‫ج هة ووز ير الدفاع من ج هة أخرى وكا نا على خلف مز من في ما بينه ما فأم ضى الش هر الخ ير من خدم ته في‬
‫مضي عة للو قت‪ .‬وعند ما جاء مد ير جد يد مقدام هو الجنرال «بي تل» سميث وا ستلم زمام المور في تشر ين الول‬
‫(اكتوبر) وجسد الفراغ الذي يتناسسب مسع رغبتسه‪ .‬فأظهسر ميلً نحسو ملئه بأكثسر مسن مجرد نشاطات السستخبارات‬
‫التقليدية‪.‬‬
‫جعسل الجنرال سسميث وزارتسي الخارجيسة والدفاع تطلبان منسه قيام وكالة السستخبارات المركزيسة بعمليات شبسه‬
‫ع سكرية في كور يا الشمال ية وكذلك في ال صين إضا فة إلى عمليات أخرى ع سكرية في جوهر ها‪ .‬وهكذا ب ين ليلة‬
‫وضحا ها صار لمك تب تن سيق ال سياسات منظ مة أ كبر من مك تب العمليات الخا صة بمجل مه بأك ثر من مرت ين‪ ،‬ك ما‬
‫كا نت ر تب موظف يه المدني ين ار فع من ر تب موظ في مك تب العمليات الخا صة بدر جة أو بأثنت ين‪ .‬في بادئ ال مر‬
‫ل عن عدد من الع سكريين‪ ،‬إلى ق سم الشرق الق صى بح يث‬
‫تحول أك ثر من ن صف الموظف ين المدني ين الجدد‪ ،‬فض ً‬
‫صار ذلك القسم أكبر من باقي القسام مجتمعة‪ .‬ولما كان هؤلء جميعا مرتبطين بمكتب كوريا التابع لقسم الشرق‬
‫الق صى ارت فع عدد افراد مك تب كور يا لي صبح أك ثر بعدة أضعاف من عدد الموظف ين الم سؤولين عن مج مل بلدان‬
‫الشرق القصى الخرى مجتمعة ‪.‬‬
‫ل يجوز حدوث أ مر كهذا في أي بيروقراط ية‪ ،‬ف قد كان بالمكان ضم جم يع العمليات المت صلة بالحرب الكور ية‬
‫في فر يق وا حد م ستقل كليا عن الفرق القليم ية الخرى‪ .‬ول كن أي رئ يس فر يق يتم تع بالذكاء وبمعر فة ال صول‬
‫البيروقراط ية ي ستطيع الحيلولة دون ت طبيق ذلك‪ .‬وعل يه وب عد الكث ير من ال خذ والرد ح صلت زيادة عا مة في عدد‬
‫موظفي قسم الشرق القصى‪ ،‬وعين في المكاتب الخرى من الموظفين ما يفوق جاجتها بثلثة أو أربعة أضعاف‪،‬‬
‫ورافسق ذلك طبسخ «عمليات تعزيزيسة» لتسسويغ تلك الزيادات فسي اعداد الموظفيسن‪ .‬وغنسي عسن القول بأن القسسام‬
‫الخرى‪ ،‬ومنها قسم الشرق الدنى وافريقيا الذي أترأسه‪ ،‬وجدت أو اخترعت ما يكفي من الزمات كل في منطقة‬
‫عمله تسبريرا لزيادة عدد موظفيهسا للبقاء على قدم المسساواة مسع فريسق الشرق القصسى‪ .‬إن هذا التصسرف كثيرا مسا‬
‫يكون له مفعول كرة الثلج ‪.‬‬
‫يقول بعض أصدقائي القدامى ممن خدموا في قسم الشرق القصى آنذاك بأنني أبالغ‪ .‬ولكن مراجعة نمو مكتب‬
‫تن سيق السياسات ب ين عا مي ‪ 1949‬و ‪ 1953‬تظ هر بوضوح ان لسبيل لتف سيره باي طري قة أخرى ح تى ولو أخذ نا‬
‫‪116‬‬

‫بالعتبار ان المك تب سينمو ويتو سع‪ ،‬ح سب سنة البيروقراط ية ‪.‬ل قد مر على ذلك كله ثلثون عاما ون يف‪ ،‬وارا ني‬
‫كلمسا اسستعدته فسي مخيلتسي عاجزا عسن ادراك مسا كان يجول فسي اذهان سساداتنا آنذاك يوم فكروا بأن قوة ضاربسة‬
‫صغيرة قابعة على اهبة الستعداد في واشنطن بمقدورها فور صدور المر إليها القفز إلى الورغواي أو إلى مصر‬
‫او لوس أو البانيسا لمعاجسة مشكسل تعذر حله بالوسسائل الدبلوماسسية أو العسسكرية العاديسة ‪.‬هسل تصسوروا بأننسا مثسل‬
‫الطفائي ين نل عب البو كر في المر كز مشمر ين عن سواعدنا وجاهز ين للنطلق لح ظة سماعنا جرس النذار ؟ ألم‬
‫يفطنوا ولو لبرهة قصيرة إلى حتمية سعينا للبحث عن حرائق نطفئها حتى ولو اضطررنا لشعالها بأنفسنا؟‬
‫فسي الواقسع لم نشعسر بالفتقار إلى الحرائق ‪.‬ففور عودتسي مسن دمشسق كلفنسي نسك بمهمتسي الولى وكان منهمكا‬
‫بشؤون الشرق الدنى وافريقيا داخل مكتب العمليات الخاصة (بكلم آخر تقصي المعلومات عن التطورات الجارية‬
‫في الشرق الوسط ف قط ) إلى درجة فا ته معها إدراك التطورات التنظيمية الجار ية حوله‪ .‬أما المهمة فكا نت انشاء‬
‫«شب كة داخل ية» في الشرق الو سط ا ستعدادا للحرب العالم ية الثال ثة ال تي اخذت ب عض ال صوات دا خل الحكو مة‬
‫وخارجها تنادي بها وتتنبأ بقرب وقوعها‪ .‬فلم يمض شهر واحد على وجودي في واشنطن حتى كنت في طريقي إلى‬
‫قسبرص فالقاهرة ثسم بيروت وبعدهسا عمان ومنهسا إلى بغداد فالبصسرة وبعدهسا الرياض فالظهران ومنهسا إلى طهران‬
‫اجت مع في ها برؤ ساء فرق نا هناك شارحا ل هم برنا مج «الشب كة الداخل ية» وأ عد العدة ل هم ل ستلم الجهزة الل سلكية‬
‫ومعدات «الصمود والبقاء» التي ستصلهم على متن طائرات النقل التابعة لوكالة الستخبارات المركزية ‪.‬‬
‫كانت مهمتي هذه عبارة عن مهزلة‪ .‬ذلك ان كل ما ترتب علي هو ارشاد رئيس كل فريق إلى كيفية ذهابه إلى‬
‫صحراء قريبة وحفر عدد من الثقوب يدفن فيها كميات من المعدات المتقادم عهدها (كانت تعتبر قديمة عام ‪،1950‬‬
‫إذ بامكان هم الت صور ما ستكون عل يه ع ند اشتعال نار حرب عالم ية ثال ثة) ثم العثور على صخور كبيرة أو أج سام‬
‫أخرى تتناسب مع طبيعة المكان لتكون معالم يستدل بها على مواقع الثقوب‪ .‬ولكن‪ ،‬بناء على تعليمات سرية زودني‬
‫بها كيم روزفلت طرحت على رئيس كل فرقة قابلته‪ ،‬بحضور السفير في البلد المعني ومرات بغيابه‪ ،‬أسئلة مثل ‪:‬‬
‫هل يجري في البلد الذي تعمل فيه ما يشكل حاليا أو ما قد يشكل في المستقبل خطرا على المصالح الميركية ؟ وإذا‬
‫كان جوابك ايجابا فهل من سبب يحول دون التعاطي مع ذلك المر بالسبل الدبلوماسية؟ وما رأيك بمساعدات مالية‬
‫أو تقنية س بكلم آخر‪ ،‬هل نستطيع شراء تلك الدولة إما عبر حكومتها القائمة أو بواسطة حكومة نستطيع تنصيبها‬
‫بتقديم بعض العون الخفي؟ بمختصر الكلم كان علي التعرف إلى ما في منطقة الشرق الدنى وافريقيا من مشاكل‬
‫ل يمكن حلها إل بذلك النوع من العمليات التي أجيز استعمالها شرعا لمكتب تنسيق السياسات الحديث العهد‪.‬‬
‫عدت إلى واشن طن و في جعب تي جواب أ ساسي وا حد («لن نوا جه أي مشا كل إذا امتنع نا عن تأي يد ا سرائيل»)‬
‫إضافة إلى عشرات المشاكل الخرى المتوسطة والصغيرة التي يستطيع رجالنا التنفيذيون حلها بالوسائل السياسية‪،‬‬
‫‪117‬‬

‫حسب فهمنا لتلك الوسائل آنذاك‪ .‬باختصار‪ ،‬عدت ومعي حجة أخرى تسوغ زيادة تضخم مكتب تنسيق السياسات‪.‬‬
‫فخلفا للمرسسل الصسحفي الذي يؤدي مهمتسه بنجاح فسي الرجنتيسن هذا السسبوع ثسم ينجسح فسي برليسن الشرقيسة فسي‬
‫ال سبوع التالي ل يم كن للمو ظف التنفيذي ان يكون فعالً إل في منط قة واحدة ذلك أن ل يس بامكا نه ادراك طبي عة‬
‫المشاكل في تلك المنطقة ناهيك عن ايجاد الحلول لها إل إذا كان متعمقا في فهم أهلها ودوافعهم وسلم القيم لديهم‪.‬‬
‫وهذا يعنسي انسه بدلً مسن ان يكون لمكتسب تنسسيق السسياسات زمرة صسغيرة مسن رجال الطفاء متأهسبين للقفسز مسن‬
‫مركز هم في واشن طن إلى حيث ما تتفا قم أز مة ما ينب غي تجه يز المك تب بأعداد كبيرة من الموظف ين الدائم ين وبين هم‬
‫أختصاصيون بعلم الحضارات النسانية وتوزيعهم في مختلف أنحاء العالم حيث يمكن ان تدعو الحاجة إليهم‪.‬‬
‫حاز التقريسر الذي وضعتسه على اعجاب كيسم فحمله وأخذنسي معسه إلى مكتسب آلن دالس الذي كان على اعتاب‬
‫الصسيرورة نائبا للمديسر لشؤون التخطيسط ورئيسسا لمنظمتسي مكتسب العمليات الخاصسة ومكتسب تنسسيق السسياسات‬
‫المندمجتين‪.‬‬
‫كيم عرف بي على أنني عضو وكالة الستخبارات المركزية الوحيد الذي نفذ‪ ،‬حتى ذلك التاريخ عملية سياسية‬
‫م ستترة س ح سب تعريف نا آنذاك للعمل ية ال سرية‪ ،‬دون ذ كر العمليات الفعل ية أو ن صف العلن ية ال تي حظ يت بتغط ية‬
‫اعلمية واسعة‪ .‬أجاب دالس بأنه سمع بي من خلل ما قمت به من أعمال في جهاز مكافحة الجاسوسية وفي مكتب‬
‫الخدمات الستراتيجية إبان الحرب‪ .‬وكان ما تبقى مما قاله بمثابة اعتراف صريح بأنه اعتبرني الول حقا في مجال‬
‫اختصاصي ‪.‬‬
‫على الر غم من ذلك أ خذ دالس وق ته ليشرح لي ان الحكو مة الميرك ية نج حت بالقيام بعمليات سياسية صريحة‬
‫وعلنيسة‪ ،‬منهسا مثلً انهسا رأت ان الشيوعييسن كانوا على قاب قوسسين مسن الفوز بالنتخابات فسي ايطاليسا عام ‪1948‬‬
‫‪.‬فاستدعت وزارة الخارجية رئيس وزراء ايطاليا ألسيدي دي غاسبيري لزيارة واشنطن وبلغته بأن مبالغ المساعدات‬
‫الضخ مة ال تي تحتاج ها ايطال يا لعادة العمار لن تأ تي إل اذا تخلص من الشيوعي ين في حكوم ته ‪ .‬ثم أ خذ مك تب‬
‫المعلومات الميركي يشجع الميركيين من أصل ايطالي على كتابة الرسائل والبرقيات إلى اللوف من أقربائهم في‬
‫ايطاليسا ينبئونهسم فيهسا بأن شيكات المسساعدات التسي يتلقونهسا منهسم سستتوقف إذا لم ينضموا إلى الحركسة المناوئة‬
‫للشيوعية‪ .‬وراحت الشخصيات الميركية المرموقة التي تتكلم اليطالية بطلقة تتحدث إلى اليطاليين عبر الذاعات‬
‫على المو جة الق صيرة عن البؤس الذي سيحل ببلد هم إذا ما سيطر علي ها الشيوعيون ‪.‬و من ج هة أخرى أقي مت‬
‫المعارض الفوتوغرافية وبعثات النوايا الحسنة وزيارات الفرق الموسيقية واستعملت جميع الوسائل لظهار أفضلية‬
‫حسن العلقات اليطالية الميركية بالمقارنة مع نوع العلقات الخطرة التي كان اليطاليون على وشك الوقوع فيها‬
‫مع التحاد ال سوفياتي ‪.‬أ ما إ سهام وكالة ال ستخبارات المركز ية في العمل ية كل ها فكان تقد يم مليون دولر‪ ،‬أو أك ثر‬
‫‪118‬‬

‫بقليل‪ ،‬لحزب واحد مناهض للشيوعية إضافة إلى بعض النصائح عرضتها على حكومة دي غاسبيري عما يستطيع‬
‫اليطاليون أنفسهم فعله لبعاد ذلك الخطر عنهم ‪.‬‬
‫قال دالس ان على الوكالة ان تشجع إلى اقصى حد ممكن النشاطات العلنية وال تدعمها بالنشاطات المستترة إل‬
‫عند الحاجة‪ .‬وأعرب عن أمله ان نعثر في الشرق الوسط على أشخاص ومجموعات محلية تقوم بعمل ما يلزم من‬
‫تلقاء نف سها مع ب عض الم ساعدة المال ية والرشاد من قبل نا ‪.‬وأضاف بأن وزارة الخارج ية لن تكون بحا جة لخدمات نا‬
‫في معظم الحالت ولكنها قد تضطر للستعانة بنا عندما يصر متلقو مساعداتنا وإرشاداتها على بقائها سرية‪ ،‬وبأن‬
‫تلك السرية هي لصالحهم وليست لمصلحتنا ‪.‬‬
‫وفي طريق عودتنا إلى مقر الوكالة قال لي كيم بأل أحمل ما سمعته على محمل الجدية لن آلن دالس يتصور‬
‫نفسه شخصية من شخصيات روايات جون بيوكان ول يستطيع ضبط نفسه ول ضبطنا إذا ما لحت لنا في الفق‬
‫فر صة القيام بالدور الم عد ل نا‪ .‬وأضاف ك يم قائلً ‪«:‬أن آلن على ا ستعداد للتضح ية ب س‪ ...‬لن قل ب سبابة يده الي سرى‬
‫مقابل الذهاب إلى مسرح العمليات والقيام بنفسه بهندسة انقلب »‪.‬‬
‫الفصل الثالث عشر‬
‫وكالة الستخبارات المركزية ‪:‬‬
‫منظمة أم بيروقراطية ؟‬
‫حدد لمك تب تن سيق ال سياسات خم سة أنواع من العمليات هي ‪:‬الدعا ية والتحادات العمال ية واللجئون والعمال‬
‫ش به الع سكرية والنشاطات ال سياسية‪ .‬وكان علي نا أن نو جه اهتمام نا ن حو أورو با الغرب ية أولً ثم الشرق الو سط‬
‫وتليه ما افريق يا‪ .‬أمر أوروبا ل يهمني لنني أش عر وأنا برف قة الموظف ين الذين يتقنون لغتين أو ثلثا كأن ني أحد‬
‫القرباء القروي ين‪ ،‬حسبما تبين لي خلل خدم تي القصيرة في مكتب المان يا‪ ،‬فضلً عن أن ق سم أوروبا الغرب ية‬
‫تعزز كثيرا أثناء غيابي في سوريا ‪.‬‬
‫من ناحية أخرى لم يكن ثمة مجال يذكر للنشاط في حقل التحادات العمالية لعدم وجود اتحادات تستحق اسمها‬
‫في الشرق الوسط‪ .‬أما العمليات شبه العسكرية فهي ذلك النوع من الشاط الذي كنا نحتاج فيه إلى شهادة بالعجز‬
‫حتى مجيء «واحد من أصحاب الفكار الخلبة » واستنبط لنا دورا في الصراع العربي السرائيلي فاق كثيرا‬
‫ما كنا نفكر به‪ .‬العمل السياسي ؟ انه دون ريب طفلي المدلل‪ ،‬خصوصا وان المجهود الذي بذلناه للدفع بحسني‬
‫الزعيم إلى سدة الحكم في سوريا صار درسا يعطي في صفوف التدريب إل أن كيم روزفلت رأى من الفضل‬
‫التريث فترة نراقب فيها زملءنا في وزارة الخارجية ونستمع إليهم يبشرون بأن «حكومات منتخبة ديمقراطيا»‬
‫في الدول العربية سينتج عنها مواقف أكثر اعتدالً تجاه دولة اسرائيل التي قامت حديثا‪.‬‬
‫‪119‬‬

‫وفيما كنت أصفي أعمالي مع كيم رحت أستعد لستلم مركز خلق حديثا‪ ،‬أي رئيس اركان التخطيط والمعلومات‬
‫للشرق الدنى وافريقيا‪ ،‬ورافقه ترقية في الرتبة وعدني بها فرانك وايسنر‪ .‬وكالة الستخبارات المركزية تعرف‬
‫كلمة «استخبارات» على انها المعلومات التي نستقيها عن الخرين‪ ،‬وكلمة «معلومات» بالمعلومات التي ننشرها‬
‫عن أنفسنا بكلم آخر‪ ،‬ما نريد الغير ان يظن بأنه يعرفه عنا ‪.‬أشار كيم إلى أن التقارير التي كنت أبعث بها من‬
‫دمشق فيها من المعلومات أكثر مما فيها من الستخبارات وبالتالي يجب ان أرتاح كثيرا لعملي الجديد ‪.‬‬
‫وافقت على ذلك‪ ،‬وكانت مهمتي الجديدة عبارة عن توضيب المعلومات بشكل ملفت يضمن لها حظا كبيرا في أن‬
‫تتلقف ها ال صحف وتنطوي ضمنا على ما يد عم الم صالح الميرك ية ويل حق الضرر بالم صالح ال سوفياتية‪ ،‬و هو‬
‫العمل الذي يروق لي تماما ‪.‬‬
‫وهنا خطر ببالي جيم آيخلبرغر وقد انقطع التصال بيننا منذ افتراقنا عند نهاية الحرب‪ .‬فقد بقي في باريس وأقام‬
‫فسي منزل على الضفسة اليسسرى وراح يكتسب مقالت غريبسة لمجلة «نيويوركسر»‪ .‬وعلمست لحقا بأنسه انتقسل إلى‬
‫شيكا غو وتو ظف في أ كبر شر كة للعلقات العا مة في العالم ح يث يك تب المقالت با سم ال سياسيين ويح ضر ل هم‬
‫نصوص خطبهم‪ .‬وما ان كلمته بالهاتف حتى كان بطريقة إلى واشنطن ‪.‬‬
‫ليس هذا بآيخلبرغر الذي عرفته ‪.‬ها هو ببدلة أنيقة وقميص ثمين وياقة عنق مناسبة يخبرني برصانة انه مرتاح‬
‫جدا لعمله في حقل العلقات العامة وعلى الخص من حيث الراتب وحساب النفقات‪ .‬وأضاف انه استطاع بعد‬
‫بضعة أشهر من التمرين ان يتدنى بمستوى كتابته إلى مستوى أفضل موظفي الشركة‪ .‬وانسجم جيم وكيم انسجام‬
‫أدبيين‪ ،‬وبعد اجراء تحريات سريعة عنه ارضاءً لمتطلبات أنظمة المن والسلمة‪ ،‬أقسم اليمين القانونية كموظف‬
‫في الوكالة بمرتبة ومرتب سمح له باستئجار منزل في ضاحية جورجتاون‪ .‬وفي شقتين محاذيتين لشقة كتب كيم‬
‫أقمنا أنا وجيم مكتبينا ومعنا سكريتيرتان‪ ،‬وبدأنا العمل بعد اسبوع من التحضيرات الدارية‪ .‬قضينا زهاء شهرين‬
‫في وقت ممتع نتحدث مساء بالمواضيع الدبية والفكرية بعد نهار من العمل في اعداد مواضيع الدعاية‪ .‬وهكذا‬
‫بدأت مرحلة جديدة من مراحل حياتي العملية ‪.‬‬
‫ما زلت أذكر حصول جيم على موافقة كيم بعد تردد على مخطط يرمي إلى اثارة حفيظة زعماء متهورين وغير‬
‫محبوبيسن فسي الشرق الوسسط بارسسال رسسائل إليهسم تحملهسم على الرد ردا عقلنيا نسستطيع إبرازه بشكسل يثيسر‬
‫التساؤل حول سلمة عقولهم‪ .‬وكانت التجربة الوحيدة التي أجريناها سلسلة من الرسائل وجهناها إلى البارودي‬
‫المندوب ال سعودي لدى ال مم المتحدة‪ .‬كا نت له جة الر سائل مزيجا من التقوى والها نة ك ما لو ان ها كت بت ب يد‬
‫م سلمين اتقياء وعرب متعصبين لقضيت هم القومية‪ ،‬تتهمه بالتقا عس عن الدفاع عن الموقف العربي في الخلف‬

‫‪120‬‬

‫مع اسرائيل ربما لنه متأثر بوجهة النظر الغربية‪ .‬وقع البارودي في الفخ وألقى عدة خطب طغى عليها هذيان‬
‫يفوق ما اعتاد عليه ‪.‬‬
‫سر جيم آيخلبرغر بتلك المحاولة فوصفها على انها «أفضل نتيجة من حبوب ألس ‪.‬إس ‪.‬دي المهلوسة» ‪.‬أما كيم‬
‫فلم يعجب بها ذلك انه أولً‪ :‬على علقة طيبة بالسيد البارودي ويتفق بالرأي معه في الكثير مما يقوله هذيانا أو‬
‫غير هذيان‪ .‬وثانيا‪ :‬لنه ليرى أي خطأ في موقف السعوديين من الصراع العربي السرائيلي كما يعتبر أن من‬
‫الف ضل لم صلحة الوليات المتحدة أن يتمكنوا من ابداء موقف هم بوضوح وبش كل مق نع ‪.‬وكان أك ثر ما أزع جه‬
‫رؤ ية ثل ثة من كبار « خبراء» مك تب تن سيق ال سياسات ب ما لدي هم من إمكانات الحكو مة الميرك ية يكر سون‬
‫مواهبهم لظهار صديق حسن النوايا بمظهر رجل مخبول سجل كيم ما أراد تسجيله وغرقنا نحن في الخجل ‪.‬‬
‫ول كن كان لدى ك يم نقاط أخرى ‪.‬ف قد كان علي نا‪،‬ن حن ق بل كل الخر ين ادراك مع نى المعر فة وادراك الفرق ب ين‬
‫المعر فة والعقيدة‪ .‬ك ما كان علي نا ب صفتنا رجال دعا ية أن نف هم ان «المعلومات» ي جب تف صيلها لتلئم العقيدة ل‬
‫المعرفة‪ .‬هذا الفرق ادر كه موسوليني (قال ‪«:‬ل ار يد ش عبي أن يعرف بل أريده أن يؤ من بعقيدة») وعلينا أيضا‬
‫إدراك ذلك الفرق‪ .‬ولكن المهم هنا هو معتقدات من نستهدفهم ل معتقداتنا نحن ‪.‬‬
‫في تلك الحق بة بالذات لم ي كن ث مة مجال يذ كر للع مل الدعائي في الشرق الد نى وافريق يا ‪.‬وكا نت عمل ية انقلب‬
‫حسني الزعيم التحرك السياسي الوحيد الذي قامت به وكالة الستخبارات المركزية دون مساعدة أي وكالة أخرى‬
‫من وكالت الحكومة الميركية ‪.‬أخذت في دفء ذلك النجاز اعتبر نفسي أثمن الموجودات في مبنى القيادة للقيام‬
‫بعمليات فعل ية‪ .‬أ ما من ح يث التخط يط فشعرت بأن ني انت مي إلى المرت بة الثان ية خ صوصا بعد ما شاهدت من آن‬
‫إلى آخسر عمليات التخطيسط فسي قسسم أوروبسا الغربيسة‪ .‬فقسد كان لدى قسسم أوروبسا الغربيسة داخسل مكتسب تنسسيق‬
‫ال سياسات أك ثر من مئة مشروع ق يد التخط يط في آن معا ‪:‬من ها التأث ير في النتخابات والت سلل إلى التحادات‬
‫العمالية والسيطرة عليها وانشاء اتحادات جديدة وتمويل الصحف واعداد كوادر سياسية داخل معسكرات اللجئين‬
‫كما كان ثلثون أو أربعون من تلك المشاريع قد بدأ العمل بها فعلً‪ .‬أما الوضوح في تقديم المشاريع وعرضها‬
‫فج عل موظ في مك تب الخدمات ال ستراتيجية بكليشيهات هم التقليد ية يبدون أمي ين بالمقار نة‪ .‬وعلى الر غم من أن‬
‫الشطر الكبر من عملي قد تحول في أواسط العام ‪ 1952‬إلى قسم التخطيط في مكتب تنسيق السياسات‪ ،‬كنت ل‬
‫أزال مدرجا على أنني ضابط في مكتب الخدمات الستراتيجية‪ .‬من هنا إيلم المقارنة ‪.‬‬
‫وه نا جاء حدثان يعجلن من اقتراب المرحلة الجديدة من مهن تي المخابرات ية‪ .‬أو له ما‪ :‬جولة كبرى في افريق يا‬
‫‪.‬فعند ما تو حد مك تب تن سيق ال سياسات ومك تب العمليات الخا صة وع ين آلن دالس نائبا لمد ير التخط يط ورئي سا‬
‫للمكتسبين المندمجيسن صسار كيسم روزفلت رسسميا رئيسس قسسم الشرق الدنسى وافريقيسا الذي توسسع ليشمسل أيضا‬
‫‪121‬‬

‫افغانستان وباكستان والهند وسيلن‪ .‬وبذلك أصبحت المنطقة المخصصة لنا تفوق من حيث المساحة كل المناطق‬
‫الخرى مجتمعة وعليه رأينا من واجبنا زيارتها والتعرف إليها عن كثب‪.‬‬
‫ل ر يب في ان منط قة بهذا الت ساع ع بء ثق يل يفوق طا قة ر جل وا حد‪ .‬لذلك قرر ك يم القيام بجولة في الشرق‬
‫الو سط وش به القارة ال سيوية تاركا لي ب صفتي الم سؤول تالثا ين القيام بزيارة افريق يا‪ ،‬فات خذ المبادرة وعاد ب عد‬
‫قرابة الشهر إلى واشنطن‪ .‬عقد خلل رحلته هذه محادثات طويلة ليس فقط مع كل شخصية ذات شأن في غرب‬
‫ل تماما‬
‫آسيا بل ومع الزعماء المحليين الذي جند البعض منهم عملء لوكالة الستخبارات المركزية س ليس عم ً‬
‫إن ما «زبائن» على ا ستعداد «للتعاون» مع الحكو مة الميرك ية في كل الشؤون الدول ية ذات الم صلحة المشتر كة‬
‫للفريقين س لقاء القليل من المساعدات المالية وبعض الدعم التقني‪.‬‬
‫عاد ك يم إلى واشن طن في يوم خم يس وقضي نا م مع زوجتي نا عطلة نها ية ال سبوع ن ستمع إلى حكايات رحل ته‬
‫ونتفرج على ما التقطه من صور خللها‪ .‬ويوم الثنين ركبت الطائرة متوجها إلى القارة السوداء‪.‬لم يقدم لي أحد‬
‫فيها امارته ولكنني قمت ببعض التصالت المفيدة في السودان وأثيوبيا وكينيا وجنوب افريقيا ونيجيريا وتوغو‬
‫وليبيريا‪ .‬أما في غانا وشاطئ العاج والسنيغال فكان لي أكثر من مجرد اتصالت‪ .‬فقد كان في غانا مثلً رجل‬
‫أميركي من أكثر الرجال حكمة اسمه بوب فليمنغ يزن قرابة ‪ 150‬كيلوغراما وهو بمثابة لورنس افريقيا يؤدي‬
‫دور الم ستشار لقوا مي نكرو ما‪ .‬وبالط بع كان هناك نكرو ما نف سه الذي تناولت م عه‪ ،‬بف ضل فليم نغ‪ ،‬طعام الغداء‬
‫وقضي نا ثلث ساعات من الحد يث وجد ته خلل ها من اك ثر الشخ صيات سحرا‪ ،‬ذلك أ نه لم ي كن قد م ضى على‬
‫توليسه الزعامسة الوقست الكافسي لظهور اعراض داء العظمسة فيسه*كان نكرومسا ودودا يتمتسع بروح النكتسة ويتكلم‬
‫النكليزية بلهجة أفراد الفرق الموسيقية في نيو اورلينز‪ .‬وكان هناك أيضا رئيس جمهورية شاطئ العاج فيليكس‬
‫هوفويسه بنغسي الذي يتكلم الفرنسسية بلهجسة وطلقسة الباريسسيين وقسد ترك فسي نفسسي انطباعا بأنسه رجسل مثقسف‬
‫و سياستي مح نك‪.‬وكان هناك بالط بع رئ يس ال سنيغال ليوبولد سنغور الد يب والشا عر ال كبير‪ .‬والوا قع ان هذا‬
‫الثلثي وحده كان كافيا لعتبار رحلتي ناجحة جدا لجهتي مركزي في الوكالة ومستقبلي بعد الوكالة‪.‬‬
‫جاءت أهم نتائج رحلتي الفريقية من خلل احاديثي ومشاور اتي مع بوب فليمينغ‪ .‬انه يشاطرني عطفي الطبيعي‬
‫على الفارقة ال سود ولكن إسرافه في الكلم عن نكروما أدى إلى طرده من البلد‪ .‬وعلى الر غم من ابعاده إلى‬
‫نيجير يا ا ستمر بتقد يم المعلومات لتنو ير الحكو مة الميرك ية وزيادة تفهم ها لوضاع الفار قة ال سود بح يث ا خد‬
‫الموظفون فسي وكالة المسساعدة الدوليسة المحليسة يدركون ضرورة تلطيسف عطفهسم هذا بإضافسة بعسض «الحقائق‬
‫الحضارية» عليه ( حسب تسميته لها) رغم معارضة رؤسائهم في واشنطن‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫من محادثا تي مع بوب ات ضح لي نقطتان على صلة وثي قة بأفكار كا نت قد بدأت تجول في خاطري‪.‬الولى ان‬
‫النوع الوحيد من المجتمعات الذي يرتاح إليه الفارقة السود هو المجتمع القبلي وجوهره «السلطة القبلية (حسب‬
‫تفسسيره لهسا)‪ .‬والثانيسة انسه ل يمكسن قيام زعامسة افريقيسة شاملة بقيادة شخسص واحسد أو مجموعسة صسغيرة مسن‬
‫الشخاص‪ ،‬ل يس ف قط لتعارض ذلك مع «ال سلطة القبل ية»(ح سب تف سيره ل ها) بل لعدم وجود ل غة مشتر كة في‬
‫افريقيسا‪ .‬فنصسف الفارقسة يسستعملون الفرنسسية لسسانا مشتركا للتخاطسب فيمسا بينهسم والنصسف الخسر يلجسا إلى‬
‫النكليزية‪ .‬ولهم جميعا أكثر من مئتي لغة في كل منها عشرات اللهجات المحلية‪.‬‬
‫من عوامل التفرقة الخرى بين الفارقة السود تخوفهم من بعضهم البعض وتحاسدهم‪ ،‬فضلً عن ان المتنورين‬
‫منهم بما فيه الكفاية لرسم تطلعات مستقبلية مختلفون فيما بينهم حول ما يجب ان تصبو إليه تلك التطلعات وحول‬
‫سبل بلوغها‪ .‬عاشر بوب مختلف أصناف الفارقة وتحدث إليهم ورأى ان ما يعتبرونه «تطلعات» ل يعدو كونه‬
‫شعوذات بالنسبة إلينا نحن الغربيين‪ ،‬ولكنها بالنسبة إليهم حقائق واقعة تستحق قيام حرب قبلية من أجلها‪.‬ولم تكن‬
‫الجتماعات للبحث في داء ال فم والحا فر الذي فتك بالماش ية في طول افريقيا وعرضها أكثر من مناقشات حول‬
‫العلجات بالسحر والشعوذة والتعاويذ‪ ،‬علما بان أطباء تخرجوا من جامعة اكسفورد اشتركوا فيها بالحماس عينه‬
‫الذي أبداه أبناء عمومتهم الميون‪.‬‬
‫و عبر مارك سية بدائ ية منا سبة ا خذ ال سوفيات ب عض التقدم على مج مل الم سرح الفري قي لعتماد ا سلوب معاداة‬
‫شيء ما جزء منه حقيقي والجزء الخر وهمي‪ .‬إن أقل شخص يعمل في حقل الدعاية يدرك ان الوسيلة الفضلي‬
‫لتوح يد مجتمعات متباي نة هي إرشاد ها إلى ش يء تلت قي على كر هه ومعادا ته بين ما تؤدي محاولة اعطائ هم ما‬
‫يريدونه إلى تبيان انهم يريدون اشياء متعددة وانهم ل يستطيعون التفاق على الولويات‪ .‬ولكنهم في الوقع ذاته‬
‫قادرون على التفاق ف قط على من أو ما ي قف بين هم وب ين تعدد رغبات هم وبالتالي النحاء باللوم عل يه على ا نه‬
‫سبب حرمانهم‪.‬‬
‫قبل بحث الموضوع مع بوب فليمينغ راودتني أفكار عن ابراز نكروما كنوع من المخلص الفريقي وتراءى لي‬
‫انه إذا كان قد استطاع بلوغ مرتبة الزعامة في نيجيريا رغم ضعة أصله القبلي فقد بتمكن من بلوغها على نطاق‬
‫افريقيا السوداء الشامل‪ .‬والواقع انه استغل صفة أصله القبلي ذلك انه باعلنه الحياد في الصراعات القبلية ارتفع‬
‫فوقهم مناديا بشعارات مستحبة لديهم جميعا‪ .‬هكذا بدا الوضع لي ولكن بوب رأى بأنني على خطأ فادح ومخطر‪،‬‬
‫فالشياء لي ست على مظاهر ها‪ .‬ف قد بدأ نكرو ما بد عي بأ نه «أع ظم من مو سى» وعلى ا ستعداد »لقيادة جم يع‬
‫شعوب افريق يا عبر ذلك الب حر الحمسر من البؤس ال ستعماري»‪ .‬ولك ني رأ يت بأل أؤ خذ بأولى أعراض داء‬
‫العظمة هذا‪ ،‬فيما كان بوب يتمنى أل تكون خبرتي الجديدة هذه انعكاسا لما يفكر به رؤساؤنا في واشنطن‪.‬ومما‬
‫‪123‬‬

‫قاله لي ان مجرد التلم يح إلى نكرو ما ع ند أي زع يم افري قي آ خر سيجعل م ني شخ صا غ ير مرغوب ف يه لدي هم‬
‫ويؤدي إلى ال ستهزاء بي وال سخر م ني واخرا جي من افريق يا‪.‬ولك نه وا فق على أن « سياسيا ساحر الشخ صية»‬
‫حتى ولو كان أبيض قد يتمكن من بلوغ زعامة عامة في افريقيا س « إذا ما كان ذلك شيئا مستحبا»‪ ،‬حسب قول‬
‫بوب‪.‬‬
‫وعلى الر غم من عدم ظهور زعماء يذكرون‪ ،‬كان في افريق يا فراغ قيادي وا ضح يأ مل ال سوفيات بملئه وبج مع‬
‫بعض التباع حول زعيم ينادي بشعارات مناهضة للستعمار لم يبرز بعد‪ .‬لقد كانت افريقيا محفوفة بما أسماه‬
‫مخططونا في واشنطن «ظروف ما قبل الثورة» وفي الوقت نفسه كان رؤساؤنا في واشنطن على خطأ في ظنهم‬
‫ان البريطانيين والفرنسيين يسيطرون على الوضاع هناك‪ .‬ولعل باستطاعة أي مراقب محايد أن يشاهد بوضوح‬
‫وضع الفارقة السود من مرض وسوء تغذية لول وجود الستعمار الفرنسي والبريطاني في افريقيا وان يدرك‬
‫في الوقت نفسه ان اميركا هي المصدر الوحيد القادر على توفير العون القتصادي والتقني اللزمين لنقاذهم من‬
‫المرض و سوء التغذ ية‪ .‬و مع ذلك كان خبراء الدعا ية ال سوفيات واتباع هم المحليون الم ستجدون يحاولون اقناع‬
‫اصسحاب النشاط السسياسي الفارقسة بأن عليهسم التخلي عسن خصسوماتهم القبليسة مسن أجسل طرد «السستعمار‬
‫والرأسمالية»‪.‬‬
‫إذا يمكن توحيد الفارقة‪ ،‬وأخذ السوفيات يحاولون أن يبرهنوا ذلك‪ .‬ولكن ل أستطيع القبول بتأكيد قدرتهم على‬
‫التحاد فقط بوجه عدو مقيت‪ .‬كان اليوم الذي قضيته في ادغال شاطئ العاج مع عالم النسان اللماني الدكتور‬
‫هانسس غروبر كافيا ل قناعسي بأن الفارقسة ضعفاء أمام القيادة «السساحرة» مسن صسنف الدعاة الصسوليين الذيسن‬
‫يشدهون مسستمعيهم في قلب الجنوب عندنسا‪ .‬فقسد قضسى البروفسسور غروبر قرا بة العشريسن سسنة يرا قب بهدوء‬
‫تصرفات أهل قرى آكان مثلما جاءت جاين غودال بعده بثلثين سنة تراقب تصرفات قردة الشمبنزي ‪.‬فقد لحظ‬
‫بتدق يق ك يف يبرز زع يم في أوقات الشدة وي سير رجال ال قبيلة خل فه بهدوء دون أن يكون قد أل قى خطبا ور فع‬
‫شعارات نارية‪ ،‬وهذا أمر شاهدته بنفسي‪ .‬ففيما كنا أنا والبروفسور نقترب من احدى القرى سائرين وراء رئيس‬
‫ال قبيلة بب ضع خطوات رأي نا القروي ين يتبادلون ال صياح بشأن قض ية قبل ية‪ .‬و ما أن شاهدوا رئي سهم ح تى تو قف‬
‫صراخهم وانصتوا بهدوء إلى ما أمرهم به‪.‬‬
‫سألت البروفسور غروبر عما يتمتع به رئيس القبيلة دون أفراد قبيلته فأجاب بأنه يتمتع بسحر الشخصية ‪.‬وما‬
‫هو ذلك السحر؟ وهل يستطيع احد افراد القبيلة العاديين تنميته وانتزاع القيادة ؟ أجاب بالنفي لن القائد يأتي أولً‬
‫ثم يأت يه ال سحر‪ .‬أي ان القائد ل يس قائدا لن شخ صيته ساحرة بل أن شخ صيته ساحرة ل نه القائد‪ ،‬هكذا ب كل‬
‫بساطة‪ .‬أضاف ان المر في واقعة ليس بتلك البساطة ذلك انه يشبه حال من جاء أولً البيضة أم الدجاجة ‪.‬فمن‬
‫‪124‬‬

‫المعقول إذا ان يتمكن المرء من تنمية السحر في شخصيته أو ان يُنمّى السحر فيها عن طريق العلقات العامة‬
‫بابرازه للرأي العام‪ .‬ول كن ل يم كن ح صول ذلك ت حت أنوف التباع وعل يه ي جب أن يؤ تى من الخارج بالزع يم‬
‫ذي الشخصية الساحرة المطور تطويرا مصطنعا ‪.‬‬
‫غادرت افريقيا وجعبتي مليئة بمواد وأفكار جديدة بعضها غير كامل النضوج محورها اعتقاد راسخ اننا بحاجة‬
‫إلى زع يم وا حد في افريق يا‪ ،‬أ سود كان أم ا سمر أم أب يض‪،‬قادر على توح يد جم يع الفار قة ال سود حول قض ية‬
‫ايجابية وبناءة‪ ،‬وان علينا أن نؤمن لهم ذلك القائد ‪.‬نظمت توصياتي في برقية أرسلتها إلى واشنطن يفوق طولها‬
‫طول البرقية التي بعث بها جورج كنان من موسكو قبل بضع سنوات ‪.‬‬
‫لم يعسد بوسسعي ان أتذكسر الن بعسد مرور خمسس وثلثيسن سسنة مسن الخسبرة والنضوج على الراء الباهرة التسي‬
‫خرجت بها عامي ‪ 1951‬و ‪،1952‬لحل ما كان يجول في ذهني آنذاك ‪.‬هل ما زلت أذكره ان مجموعة الفكار‬
‫التي عدت بها إلى واشنطن شغلت ثمانية أو عشرة موظفين شهرا ونيفا لتنظيمها في الطر المعينة‪،‬وانها‪،‬قبل ان‬
‫ينسفها كيم روزفلت تضخمت مثل كرة الثلج فصارت مشروعا اندرج في السجلت السرية لوكالة الستخبارات‬
‫المركز ية بعنوان «الب حث عن بيلي غراهام م سلم» ‪.‬ويف عل مذكرة صدرت إلى جم يع الفروع في الخارج ج ند‬
‫رئيس مركز بغداد «داعية تقيا» من العراق وأرسله في جولة تبشيرية أدت إلى اعتقاله ومحاكمته فإعدامه على‬
‫يد حكومة نوري باشا السعيد الذي اعترض «من حيث المبدأ» على القضية برمتها ‪.‬جاء اعتراضه هذا في كتاب‬
‫اعتذار وجهه إلى كيم روزفلت لدى معرفته بأن «الداعية»المسكين كان فعلً عميلً لوكالة الستخبارات المركزية‬
‫ولم تكن اعترافاته بذلك عبارة عن تبجح أمام مستجوبيه ‪.‬‬
‫كانت رسالة نوري باشا أول ما سمعه كيم عن المشروع فثارت ثائرته واعتبرني جننت ‪.‬وعلى الرغم من علمه‬
‫بأن موظ في مك تب تن سيق ال سياسات مجان ين ف قد كان يتو قع م ني ما هو أف ضل م ما صدر ع ني ‪.‬وم ما قاله لي‬
‫‪«:‬ا نك تع جب بأفكارك من أ جل ذات ها وهذه هي مشكل تك ‪ .‬ول كن عل يك ان تكت سب عادة التم عن جيدا بأفكارك‬
‫النيرة وبمسا سستنتهي إليسه» ‪.‬ولمسا كان كيسم مسن آل روزفلت‪ ،‬السسرة ذات التقيلد القديسم فسي نوع خاص مسن‬
‫الزعامة‪،‬فقد فكر بالموضوع الذي لم أكن على دراية به حتى ذاك ‪.‬وألقى علي محاضرة عن ان الزعماء‪،‬رغم ما‬
‫قد يتمتعون به من سحر‪،‬يم كن أن يكونوا عملء لدى اتباع هم وك يف يم كن ان ين تج عن مز يج اعتبا طي ب ين‬
‫الزعماء والتباع انفجار مغاير لما كان منشودا ‪.‬‬
‫على كسل حال رأي كيسم ان فسي الفكرة بعسض الحسسنات وأدرك أيضا انهسا اكتسسبت قوة اندفاع خاصسة بهسا وقال‬
‫‪«:‬سسنضعها الن على نار خفي فة لبعسض الوقست‪ ،‬ولكسن لدي فسي الوقست نفسسه رحلة أخرى لك ‪ .‬فعليسك مراف قة‬
‫كيركباترك وجونسستن فسي جولة على مراكزنسا فسي الخارج‪ .‬وسستكون يداك مليئتيسن بالعمسل بلملمسة الركام الذي‬
‫‪125‬‬

‫سيخلفانه ‪.‬وعل يك أيضا ال ستمرار بالب حث بجم يع الو سائل عن ذلك «ال ساحر» العظ يم مع ال خذ في العتبار‬
‫ملءمتهم للظروف المحلية في الماكن التي ستزورونها‪ .‬على كل حال سنبحث في الموضوع بعد عودتك»‪.‬‬
‫كان لي من كيركباترك رئ يس مك تب العمليات الخا صة‪،‬والعق يد كيلبورن جون ستن رئ يس مك تب تن سيق ال سياسات‬
‫خلفا لفرا نك واي سنر الذي حل م حل آلن دالس نائبا لمد ير التخط يط ‪.‬إذا أ صبح كله ما من «الركان» ولم يعودا‬
‫من «الخط» (يعني ذلك بلغة الهندسة الدارية انه لم تعد لي منهما سلطة المر والنهي بل أصبح عملهما اعداد‬
‫الوراق السياسية ليسترشد بها رئيسهما آلن دالس )‪ .‬ومع العلم بأن انتقالهما إلى «الركان» اتخذ الصفة الرسمية‬
‫فلم يكونا قد اعتادا عليها فكانا ضابطي أركان صلفين ‪.‬‬
‫عجزت أنذاك ومسا زالت عاجزا عسن تحليسل شخصسية كيركباترك‪ .‬فمنسذ انضمامسي إلى وكالة السستخبارات‬
‫المركزية أخذت أبذل جهدا خاصا في انشاء ملفات عن أي شخص فيها قد يكون له أي تاثير في وضعي الحالي‬
‫أو الم ستقبلي‪ ،‬و هو شعور اندفا عي ن ما عندي أيام شغ في بل عب البو كر فاح فظ بد قة ت صرفات الل عبين الخر ين‬
‫وتحركات أيديهسم وقسسمات وجوههسم التسي تدلنسي عمسا إذا كانست أوراقهسم رابحسة أم انهسم يخدعون ‪.‬ولكسن جمسع‬
‫المعلومات هذه عن كيرك أعياني ول أقو على تركيبها بما يسمح باستطلع طبيعته واستباق تصرفاته ‪.‬ففي أيام‬
‫الفتوة عندما كان الفتيان والفتيات يسرقون سيارات ذويهم ويغازلون الفتيات (أو الفتيان ) ويجربون التدخين كان‬
‫كيرك يجمسع مسا تيسسر له مسن شارات السستحقاق بغيسة الصسيرورة أصسغر شاب تولى قيادة فريسق الكشاف فسي‬
‫روتش ستر بول ية نيويورك‪ .‬وب عد بلو غه مرحلة الرجولة ا ستمر على ما كان عل يه من أهل ية بالث قة و من ولء‬
‫ورغبة بتقديم العون‪ ،‬والود والتهذيب والقتصاد والشجاعة والنظافة والتقوى وإلى حد ما اللطف والطاعة‪ .‬فأي‬
‫موظف يقع في ورطة مع قيادته يستطيع العتماد على تأييد كيرك في السراء والضراء‪ ،‬ورغم ذلك تراه يطرد‬
‫موظفا تعي سا لمجرد ال ظن بأ نه ابدى ما قد يدل على عدم الن صياع للوا مر او ال تبرم ب ها ‪.‬ث مة مدر سة فكر ية‬
‫تقول بأن كيرك تحول إلى العلج الذي هو عليه بعد جولتنا فصار «طموحاًَ دون شفقة» (حسب قول أحد الثقات )‬
‫بعد إصابته بداء شلل الطفال أثناء وجودنا في بانكوك‪ ،‬كي يعوض عن العجز الذي حل به ويبرهن بأنه مازال‬
‫ندا لمنافسة ريتشارد هلمز‪ .‬والحق يقال إنه كان في طريقه إلى ذلك قبل رحلتنا المشؤومة ‪.‬‬
‫اعت مد كيرك م عي ا سلوب التع سف المتشدد متعمدا إربا كي أمام موظ في مك تب لخدمات الخا صة في كل مر كز‬
‫زرناه فقط ليظهر لهم مدى بأسه وسلطانه ‪.‬ولكنه في الواقع كان غافلً عما يفعله بي حتى أبديت له اعتراضي‬
‫فانقلب صلفه إلى اعتذارات صادقة ‪.‬أما العقيد جونستن وقد احتفظت بملحظات عنه تكفي لملء كتاب فلم يكن‬
‫أقل قسوة ولكن ق سوته لم تتخذ صفة التعمد الشخصي‪ .‬إنه مدمن سابق على الكحول أصيب بنوبة قلبية واحدة‬

‫‪126‬‬

‫على ال قل واعت مد مظ هر المشا كس المت سلط الذي ساعده كثيرا في مركزه كرئ يس لمنظ مة مليئة (ح سب رأ يه)‬
‫بالمخنثين ‪.‬وكان‪،‬رغم محاولته اخفاء ذلك‪،‬حاد الذكاء يعود صلفة وقسوته إلى تفوقه العقلي ‪.‬‬
‫«بات» جونستن هو ابن هيو جونسن المجدد والمنظم الهام جدا في إدارة الرئيس فرانك روزفلت (أضاف حرف‬
‫على جونسون لخفاء القربى)‪ .‬تعلم البيروقراطية وهو بعد في حضن ابيه ثم التحق بكلية وست يوينت الحربية‬
‫ح يث أت قن أ صول التنظ يم الع سكري‪ ،‬فأض حى خلل الحرب العالم ية الثان ية أ حد أ هم شخ صيات برا مج التنظ يم‬
‫والدارة في الج يش المير كي وألف عدة كتيبات إرشاد ية بل غة نثر ية واض حة خال ية من الكليشيهات الع سكرية‬
‫‪.‬وكان قبل قيامنا برحلتنا قد قرأ كل الكتب الهامة عن التنظيم والدارة وحفظها فصار قادرا على تقيوء محتواها‬
‫بشكل مفيد ومثير ‪.‬‬
‫هل قلت «بش كل مث ير؟» ف قد كا نت محاضرا ته الطويلة حول الموضوع ال تي ألقا ها امام جمهوره المؤلف م ني‬
‫بمفردي سساحرة حتسى لجعلت كتاب برنارد «مهمات المديسر التنفيذي» الممسل والقديسم المحتوى مقبولً ومشوقا‬
‫‪.‬وتقديرا لهتما مي بمحاضرا ته تلك أ سبغ علي قائ مة بأ سماء مجمو عة من الك تب ا ستنير ب ها ب عد عودت نا إلى‬
‫واشنطن وقال لي بالمناسبة ‪«:‬أنت متهور مهووس‪،‬ولكنك ذكي» ‪.‬‬
‫علي أن ال فت انتباه القراء إلى أ نه ل ح كم بات جون ستن ول قائ مة الك تب ال تي ن صحني بقرائت ها كا نت أول ما‬
‫سمعت به عن موضوع الدارة‪.‬ف قد سبق لي ان ساعدت ب ير دي سيلفا في و ضع الر سوم البيان ية أثناء د مج‬
‫م صلحة مكاف حة الجا سوسية بم صلحة ل ستخبارات ال سرية وق بل ظهور كيرك وبات على ال ساحة‪.‬ول كن تب قى‬
‫البيروقراط ية طب قي المف ضل على كل ما عدا ها من تنظ يم وادارة و«التنظ يم والدارة» بالمع نى الخاص الذي‬
‫أ سبغه عل يه في تلك اليام مؤل هو مفهوم الكفا ية‪ .‬ف قد سبق لي أن قرأت أعمال مار كس ولين ين وما كس ف يبر‬
‫ولودفسك فون ميزه وفريدريسك فون هايسك إضافسة إلى فرانتسز نويمسن وروبرت مايكلز بشكسل خاص‪.‬ففسي كتابسه‬
‫«بهيموث»(كيان ضخسم قوي) ب ين نويمسن كيسف أفسسحت البيروقراط ية «كدولة ضمسن الدولة» المجال أمام هتلر‬
‫لبلوغ السلطة‪ .‬وكذلك أظهرت نظية مايكلز القائلة «بحديدية سنة حكم القلة» أفكارا متعددة لم أدرك معناها ساعة‬
‫قرأتها‪ ،‬وها ان معناها ينجلي في ذهني بعد مقابلتي لزعماء أفارقة بدأوا يرون البيروقراطية دونم تنمو وتخرج‬
‫من قبضتهم‪.‬‬
‫من مطالعاتي فهمت البيروقراطية على انها أكثر من نعت استهزائي يصف الدارة بأنها أنشئت من أجل الدارة‬
‫ومن أجل المعاملت الورقية ومن أجل موظفين يبتزون أموال الملكلفين‪.‬إنها‪،‬حسب تعبيري الخاص‪،‬عبارة عن‬
‫منظ مة (لي ست كل منظ مة بيروقراط ية) ل ها صفاتها الخا صة‪ )1( :‬توز يع المهمات ح سب مهارات محددة‪)2(،‬‬
‫وهيكليسة لهسا الصسفة الرسسمية‪ )3( ،‬و «تحديسد ووصسف طبيعسة العمسل» لكسل مسن أفرادهسا‪ )4( ،‬وأنظمسة محددة‬
‫‪127‬‬

‫بوضوح تن ظم العلقات ب ين أفراد ها وض من فرق الع مل ودا خل الق سام‪.‬فإنشاء بيروقراط ية‪ ،‬ح سب تعري في ل ها‬
‫(استنادا إلى ماكس فيبر وغيره) ل تزيد كثيرا عن وضع قائمة بكل شيء يجب عمله من أجل تمكين المنظمة‬
‫من بلوغ غاياتها ثم ادخال تلك العناصر الربعة بأقل تعقيد ممكن‪.‬يبقى ان أهم مميزاتها ان السلطة تترافق مع‬
‫اللقب ومع وصف الوظيفة‪ ،‬ل مع الشخص‪ ،‬بحيث ان ولء المرؤوس لرئيسه ليس مرتبطا باحترامه له كشخص‬
‫بل بانه يشغل منصبا معينا‪.‬‬
‫ما أ سهل التغلب على هذا النظام! ف في أي مجمو عة كبيرة من الناس يعملون معا تن شأ حكما شب كة من العلقات‬
‫الشخ صية المتداخلة الخيوط سواء رح بت الدارة بذلك أم لم تر حب‪ .‬و قد ت ستطيع المنظ مة البيروقراط ية القيام‬
‫باعمالها بانتظام عندما ل تتعدى تلك العمال الرتابة الروتينية‪ .‬أما في الزمات فتحل العلقات الشخصية محل‬
‫رتابسة النظام المعمول بسه‪ .‬وعليسه وتحست اشراف بات اخترعست عبارة »خلق الزمات« ادراكا منسي بأن التفهسم‬
‫العميق لحركية المنظمات أمر أساسي في تخطيط عمل سياسي احتراقي طالما حلمت بإتقانه‪.‬فسعيت للتوصل إلى‬
‫طريقة أرقى من مجرد العثور على عقيد مغفل أرشده خطوة بعد خطوة لتنفيذ انقلب على الدولة‪.‬وخطر لي وانا‬
‫أطبق تعليمات بات على مشاهداتي في افريقيا ان البيروقراطية المتصلبة ل بد أن تكون في احد مستوياتها من‬
‫رأسها حتى أسفلها عرضة لنطباق مخططي عليها شرط توفر مجال يسمح بالتحرك من أجل «خلق الزمات»‬
‫أو «المساك بزمام الزمات»‪.‬‬
‫باستطاعة الشخص الجالس على قمة منظمته والواقف على قنوات حركة المعلومات فيها ان يفعل شبكة العلقات‬
‫الشخ صية غ ير الر سمية ساعة يرى في ذلك تلؤما مع غايا ته س أو بت عبير أو ضح وأدق عند ما تتوا فر ف يه‬
‫مهارات اللعب بالمنظ مة حسب رغبا ته يستطيع استخدام تشا بك ما هو ر سمي مع ما هو غير رسمي في بن ية‬
‫المنظمسة لتحقيسق تلك الغايات مهمسا كان نوع ها ‪ .‬ول ريسب فسي ا نه سيعتمد على العلقات الشخ صية إذا كا نت‬
‫الزمسة المفتعلة مدروسسة باتقان واحكام‪ .‬كمسا يسستطيع الفادة مسن الولء على صسعيد شخصسي ل على صسعيد‬
‫وظيفي تس شرط أن يكون قد مل المراكز في المنظمة بحيث يشغل مؤيدوه الشخصيون المراكز الحساسة‪.‬وإذا ما‬
‫قمت أنا بتدريب الموظفين في المراكز الدنى رتبة ونفوذا فسيتمددون إلى أدنى لخلق المشاكل وإلى أعلى ليبدأ‬
‫الشعور بوجودهم فتكون العلقة بينهم كعلقة الجذور بالنبتة وهي علقة معرضة جدا «للتأثيرات الخارجية» س‬
‫أي اختلق أزمات خفية ل تطلها المراقبة‪.‬‬
‫سبق لبات أن لفت انتباهي إلى ن بعضا مما أوردته أعله قد حدث فعلً لنسل جديد من المهنيين يطلق عليهم اسم‬
‫مهندسين اداريين‪ .‬ففي كل بلد زرته في افريقيا كان الزعيم قد استلم السلطة إثر قطعه وعودا لم يستطع اليفاء‬
‫بها واستمر في مركزه بإلقائه اللوم على قوى الخارجية حالت دون تحقييقه تلك الوعود‪ ،‬وبزج المشككين به في‬
‫‪128‬‬

‫السسجون‪.‬إن لسسلوب «اللوم والرهاب» جدواه‪ ،‬ل ينجسح إل بتطسبيق مسا أسسماه مايكلز وغيره «السسيطرة‬
‫البيروقراطية»‪ .‬وقد حاولت في بعض الصفحات السابقة اليضاح بأن انعدام تلك السيطرة أدى إلى سقوط حسني‬
‫الزعيم‪.‬‬
‫خلفا لمديسر السستخبارات المركزيسة الجنرال بيدل سسميث‪،‬لم يكسن كيسر كباتريسك (حسسب اصسرار بات) «رجسل‬
‫التنظيم المثل» بل كان «رجل البيروقراطية المثل»‪ .‬أشرق علي هذا الدراك بكامل قوته بعد ان عكرنا المياه‬
‫على رؤساء فرقنا العاملة في نيودلهي وكلكوتا وكاراتشي وبغدا وبيروت ووصلنا إلى استنبول حيث كان فريقنا‬
‫بعهدة آرتشي‪.‬‬
‫خلل الجتماع الول افرغ كيرك وبات جعبتيه ما عن اندماج مك تب العمليات الخا صة بمك تب تن سيق ال سياسات‬
‫في منظمة واحدة بإدارة نائب مدير التخطيط وانهما انتقل إلى «الركان» من «الصف»‪ .‬ثم اخرجا مخططاتهما‬
‫التنظيم ية وف سرا له ك يف ي جب عل يه ادارة شؤون فري قه‪ .‬وه نا ل مع في ذه ني انه ما لم يظهرا أي فضول أ صيل‬
‫عن سبب وجود فرق في تلك المك نة بالذات أو بشأن الوضاع المحل ية ومدى تأثير ها في عمليات ت كد الفرق‪،‬‬
‫هذا إذا كان ثمة عمليات وامكانات اجرائها‪ .‬ويبدو انهما لم يعتبرا ان لمثل تلك الشياء علقة بمهمتهما‪.‬‬
‫والدهى من ذكل انهما افتتحا عرضهما لرتشي بمفرده‪،‬ولكنهما قبل البحث فيه مسبقا معه على انفراد دعيا كل‬
‫الموظفين باستثناء السكرتيرات وعرضا التنظيمات التي قرراها أمام الجميع‪ .‬وتضمنت تنظيماتهما وجود رئيس‬
‫فر يق (آرت شي) ونائب عن مد ير مك تب العمليات الخا صة‪ ،‬ونائب عن مد ير مك تب تن سيق ال سياسات ورؤ ساء‬
‫لقسام الستخبارات ومكافحة الجاسوسية والعمل السياسي والشؤون العمالية والعمليات شبه العسكرية‪،‬هذا علما‬
‫بأن لدى آرتشي سلطة دمج أو رفع أو تخفيض أو حتى الغاء تلك الختصاصات كلها حسبما تقتضيه الوضاع‬
‫المحلية‪.‬أما آرتشي وهو ذلك الرجل الذي يفترض دوما وجود حسن الينة حتى يثبت العكس فسمح بالتمادي في‬
‫ذلك السراف إلى نقطة اللرجوع‪ .‬وقبل أن يدرك آرتشي بأن بيانهما قد انتهى لتتبعه بضع أسئلة مهذبة‪ ،‬كان‬
‫كيرك قد استدار نحوي وسأل‪« :‬هل ذلك واضح بالنسبة إليك يا مستر كويلند؟»‬
‫إجب ته‪«:‬أ جل‪ ،‬ا نه وا ضح ب ما ف يه الكفا ية بالن سبة لي‪ ،‬هذا علما بأن ما ساكبته عنك ما إي ها ال سيد ان ي صلح مقالً‬
‫لمجلة نيويوركر أكثر منه تقريرا سأبعث به إلى كم‪ ،‬ثم اسأل آرتشي عما إذا كان واضحا بالنسبة إليه»‪.‬‬
‫جلس آرتشي وقد اعتراه الذهول‪.‬ثم فعل شيئا لم يسبق لي أن شاهدته يصدر عنه‪.‬وانفجر غضبا! تاه عن بالي ما‬
‫قاله لهم وكل ما أذكره انه خاطبهما بكلمات وعبارات امتازت بحسن الختبار‪ ،‬عندها نهض ضابط برتبة عقيد‬
‫المفروض فيه الشراف على العمليات شبه العسكرية وقذف نحو الحائط بالكرسي الذي كان يجلس عليه‪ ،‬فتحطم‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫يسا له مسن مشهسد! همدت فورا لهجسة بات وتحولت إلى التماس المصسالحة‪ .‬فقسد أدرك انسه بإشارتسه للتمييسز بيسن‬
‫«الركان« و«ال خط» ارت كب هفوة كبيرة‪ .‬أ ما كيرك فش عر بأن سلطته تعر ضت للتحدي وا نه بات مجرد نا ظر‬
‫مهمته السهر على النضباط حسب أوامر تأتيه من فوق‪ .‬وحافظ على رباطة جأشه‪ ،‬وبدا عليه الغضب بوضوح‬
‫جعله إمسا يتجاهسل بات أو ل يسسمعه وهسو يبدي اعتذاره بعسض التراجسع فقال بأنهمسا لم تعسد لهمسا أيسة «سسلطة»‬
‫بالمعنى المتعارف عليه للكلمة وبأنه يأمل أن يدرك آرتشي ما تنطوي عليه «توصياتهما» من »وزن سلطوي»‬
‫عندما يقرر «ما إذا كان سيقبل بتلك التوصيات أو يرفضها»‪.‬‬
‫ظن نت بأن آرت شي الذي لم ي كن ل عى معر فة بله جة التقر ير الذي سأرفعه إلى ك يم‪ ،‬قد ش عر بأن ني تخل يت ع نه‬
‫بانزوائي صامتا فيما كان كيرك يدلي ببلهاته‪ .‬على كل حال كان من شأن تحطم الكرسي على الجدار ان خفف‬
‫التو تر قليلً وحول اهتمام كيرك ن حو محاولة تهدئة العق يد الذي ح طم الكر سي ليقول له بأ نه سينقله إلى مر كز‬
‫آخر حيث يقدرون مواهبة‪.‬ثم تناولنا طعام الغداء والصمت يخيم علينا نظرا لننا كلنا على درجات مختلفة من‬
‫الصسدمة‪،‬كمسا لم يعدو مسا تبادلناه مسن كلم على بعسض مسا تكلفناه مسن أدب مسع محاولة تطليعسه ببعسض النكات‬
‫والضحك المصطنع‪.‬‬
‫والغريب اننا بعد مغادرتنا استنبول جرت المور على خير بيننا فقد شعر من كل كيرك وبات بالراحة وبالسعادة‬
‫لنتهاء المه مة وكا نا يضحكان فعلً أثناء رحلت نا ب سيارة ال سفارة من مطار لندن إلى فندق كلردج ح يث جل سا‬
‫يعدان برقية لمدير الستخبارات السرية يتضمن اننا جميعا متعبون جدا من الرحلة وبحاجة إلى العودة بحرا‪.‬جاء‬
‫الجواب ايجابا فوفرت لنسا الباخرة الفخمسة «كويسن ماري» راحسة كنسا بأمسس الحاجسة إليهسا وكنست فسي أحسسن‬
‫استمتاعي بها عندما سمعت شابا من وكالة الستخبارات المركزية استقل الباخرة من مرفأ ساوث هامبتون‪،‬يسأل‬
‫بات صحة الشا عة عن حتم ية تعي ين كيرك مديرا لل ستخبارات المركز ية‪.‬أجاب بات بأن ل م فر من ذلك لن‬
‫كيرك مزيج مثالي من القدرة الدارية والعقلنية والصرامة وبأنه لدى بلوغه غايته هذه سيكون أقل «خرائية مما‬
‫هو عليها»‪.‬‬
‫تج مد الدم في عرو قي‪.‬فحتم ية ارتقاء كيرك إلى الترؤس عي نا جميعا كا نت صدمة قو ية لي‪ .‬ف هو سيصبح يوما‬
‫مديرنا وسيكون مديرا جيدا لن فهمه لجوهر المور محدود جدا‪ .‬من هنا سيتمكن من ادارة وكالة الستخبارات‬
‫المركزية على انها منظمة ل مجرد اسطبل يضم مجموعة من راقصات البالية س مثلما يتعامل رئيس مستشفى‬
‫والترر يد العسكري مع الطباء الم ستقلي الرأي ف يه‪ .‬أما مناف سة الرئي سي دك هلمز فلد يه ب عض المعلومات عن‬
‫ل مخطرا س ولكن كيم يعتبر «مستر نظيف» وهو وان كان يعلم ان الخط‬
‫الستخبارات س بما يكفي لجعله رج ً‬

‫‪130‬‬

‫المستقيم ليس بالضرورة أقصر مسافة بين نقطتين فهو اسلمها حتى يثبت العكس‪ .‬إذا انه «رجل البيروقراطية»‬
‫المثل!‬
‫غير انه يوجد في السطبل راقصة لن يتمكن من قيادتها وهي أنا‪.‬عندما اتضحت في ذهني سخافة عملي في‬
‫وكالة استخبارات مركزية يديرها ليمن كيركباتريك صرت أفكر بأن «المنظمات خلقت للحرتقة بها ل لن اكون‬
‫فردا فيها»‪ .‬وحسب ما أوحته لي محاضرات بات سأصبح‪،‬أنا‪،‬مهندس ادارة !ولما وصلنا واشنطن قضيت اسبوعا‬
‫في اعداد تقريري لك يم عن الرحلة (وجعلت ما حدث في ا ستنبول نموذجا عن ها)‪،‬وأمض يت جل سة أخرى قابعا‬
‫ب صمت في احدى الزوا يا ا ستمع إلى ك يم ي سرد على بات وكيرك رأ يه فيه ما‪ ،‬اعددت ور قة أخرى أوردت في ها‬
‫أفكاري عن كيف ية الب حث عن «أب أب يض كبير» هذا إذا كان ب حث كهذا سيجري على الطلق‪ ،‬والن ظر إل يه‬
‫كقضية تنظيمية (عنيت في الواقع «بيروقراطية» حسب تعريف ماركس وفيبر ومايكلز‪ ،‬لكنني قلت «تنظيمية»‬
‫مراعاة لبات وغيره من القراء المحتمل ين والملم ين‪ ،‬بأحدث ما ي صدر عن مك تب التنظ يم والدارة في الج يش‬
‫الميركي)‪.‬‬
‫قوبلت أفكاري التي ضمنتها تقريري الواقع في ثلثين صفحة بالستحسان وعلى الخص فكرة استقالتي ل ستلم‬
‫ع مل جد يد مع شر كة بوز س آلن ا ند هملتون و هي أ هم شر كة في العالم لل ستشارات الدار ية‪ .‬و قد تأ من لي‬
‫عملي هذا أثناء لقاء طويسل على الغداء بينسي وبيسن رئيسس الشركسة بواسسطة مكتسب رالف سسمايلي فسي واشنطسن‬
‫وكتاب توصية يشع اطراء بي وقعه فرانك وايسنر‪.‬أعجب رالف بأفكاري حول القيادة والبيروقراطية (مستقاة من‬
‫«القانون الحديدي» لمايكلز المعدل للتلؤم مع الظروف في افريق يا والشرق الو سط ح سب فه مي ل ها) وقال بأن‬
‫أفكاري تلك قد تساعده إذا ما نجحت مخططاته لقامة قسم دولي لشركة بوز س آلن اند هملتون ‪.‬‬
‫وهكذا وصلنا إلى مرحلة اخرى من مراحل عملي المتقاطعة‪ ،‬مرحلة تصور المقولة القديمة انه يامكانك إخراج‬
‫الشاب من وكالة الستخبارات المركزية ولكن ليس بإمكانك اخراج وكالة الستخبارات من الشاب ‪.‬‬
‫الفصـل الرابـع عشـر‬

‫‪131‬‬

‫مهمة استطلعية في مصر؟‬
‫رواية كوبلند من الزاوية الميركية‬

‫*‬

‫استقلت مرتين من عملي في وكالة الستخبارات المركزية بسبب حاجتي إلى المال ولم ألق ترحيبا لدى عودتي إل‬
‫مرة واحدة وك نت قد جم عت من المال ما سمح لي بالعودة إلى ترف الع مل في ذلك المكان المد هش‪ .‬اعتاد أ حد‬
‫زملئي س وكان يعتمد على أبيه الثري لتغطية الفرق بين راتبه ونفقاته س القول بانه يشعر وكأنه ل يزل طالبا في‬
‫الجامعة إذا يكتب لبيه قائلً‪ »:‬أبي الحبيب‪،‬أرجو أن ترسل لي المزيد من الدراهم كي أبقى في وكالة الستخبارات‬
‫المركز ية ستة أش هر اخرى»‪ .‬ول ما لم ين كن لي والد ثري‪،‬اضطررت في لعام ‪1953‬إلى مغادرة الوكالة ال سنتين‬
‫لجمع ما كفاني من المال لشراء منزل جميل في ولية فرجينيا وسيارة ثانية وسترات رياضية من المخازن النيقة‪.‬‬
‫بلغ راتبي في شركة بوز س آلن اند هملتن ضعفي ما كنت اتقاضاه في وكالة الستخبارات المركزية‪،‬ولم يحسدني‬
‫على ذلك زملئي الكثسر فقرا منسي فيهسا بسل حاولوا اقتفاء أثري‪ .‬وعندمسا أخذت عطلة مسن الشركسة فسي العام‬
‫‪1955‬للنضمام إلى الوكالة من جديد اغتبط الجميع لعودتي‪.‬‬
‫وعندمسا تركست الوكالة ثانيسة عام ‪ 1957‬ارتفسع دخلي بعسد فترة وجيزة ممسا حمسل مجلت العمال الكسبرى على‬
‫ادراج اسمي بين العشرة مستشارين العلى راتبا في العالم‪ .‬وبعدما أصبحت ثريا بحيث استطيع استئجار جناح‬
‫في برج واردمن وتوظيف بعض الخدم فيه لم يعد أحد من زملئي السابقين يتكلم معي ‪.‬ولما غرقت الوكالة في‬
‫المشاكل بعد عملية «خليج الخنازير» الفاشلة عرضت خدماتي على ريتشرد بيسل الذي حل محل فرانك وايسنر‬
‫في منصب نائب مدير التخطيط ليقال لي بأن نار الثورة ستشتعل فورا في مباتي القيادة بمجرد التفكير باعادتي‬
‫إلى الوكالة‪ .‬ثم تقدمت بعرض من نوع التعاقد للعمل مقابل دولرواحد في السنة‪ ،‬فرفض هو الخر ‪.‬ومنذ تلك‬
‫اليام وح تى الن وأ نا‪،‬ح سب ت سمية فرا نك واي سنر‪« ،‬الخر يج الم ين» أقوم بمهمات ي جب القيام ب ها ول تجرؤ‬
‫الوكالة على ذلك ( هل ل حظ تم الفرق)‪ ،‬تارة أح صل على بدل أتعاب ضئ يل‪،‬وأخرى على مجرد ما دفع ته من‬
‫ج يبي‪ ،‬وفسي أكثسر المرات اقدم اتعا بي دون مقابسل‪.‬والواقسع ان ولدي الثن ين أخذا فسي السسنوات الخيرة يمولن‬
‫نشاطاتي غير الرسمية (وغير الموافق عليها بشكل صريح) بواقع بضعة آلف من الدولرات في السنة وهي‬
‫مبالغ غير خاضعة للحسم من ضريبة الدخل‪ .‬وفي الوقت نفسه‪،‬وعلى الرغم من انني ما زلت أنعم بصداقة وثقة‬

‫*‬

‫مل ح ظة ‪:‬جرى ا ستبدال العنوان الصسلى من «بيلي غراهام الم سلم» إلى العبارة الواردة اعل ه‪،‬و من نا فل‬

‫القول ان مايلز كوبلنسد ينظسر إلى الموضوع مسن زاويسة المخابرات المركزيسة ال ميركيسة وخطتهسا الراميسة إلى‬
‫التدخل في شؤون مصر‪.‬فاقتضى تنبيه القارئ لئل يأخذ ال مور على عل تها‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫بعسض الصسدقاء الباقيسن فسي الوكالة‪ ،‬أبقسى مضطرا لسسماع ثرثرة الباقيسن الذيسن اسستساغوا أفكاري واسستنكروا‬
‫وسائلي‪.‬‬
‫سأطلع كل قارئ يتع هد بالكتمان على ال سر الكا من في سيرة حيا تي‪،‬أو لن قل وراء دوا فع ت صرفاتي الكيف ية‪.‬ل قد‬
‫قض يت ال سنوات الثلث ين الماض ية في تت بع وتح سين نظر ية نشأت في ذه ني من خلل جول تي الفريق ية و من‬
‫احاديثسي مسع بات جونسستن ومسن ومراقبتسي لذلك البيروقراطسي المثسل ليسس مسن كيركباترك‪.‬ادعسى الرياضسي‬
‫الغري قي ارخميدس بأ نه اذا ما تي سر له نق طة أو مكان لي قف ف يه والراف عة المرت بة ترتيبا منا سبا ل ستطاع ر فع‬
‫الكرة الرضية من مكان ها‪.‬أما نظيرتي فقامت في بدايتها على اختيار زعماء من «البيروقراطيات الرئيسية في‬
‫العالم الحسر» وتهيئة «سسحر الشخصسية» لهسم فيكونوا رافعات صسالحة تسستطيع السسياسية الخارجيسة الميركيسة‬
‫المتنورة الستعانة بها لرفع مستوى العالم‪.‬وقد قلت في مذكرتي الوداعية قبل جولتي على الزملء ان من شان‬
‫تطبيق نظريتي بحكمة تمكين وكالة الستخبارات المركزية‪ ،‬إذا ما أحسنب الستفادة منها‪ ،‬من تحقيق ما وعد به‬
‫الرئ يس وودرو ول سون «بج عل هذا العالم مكانا أ سلم للديمقراط ية» من ج هة‪ ،‬وبإزالة ما يجري ه نا وهناك من‬
‫مربكات ل سلوب الع يش المير كي‪ ،‬من ج هة أخرى‪ .‬وعلى الر غم من التح سينات ال تي أدخلت علي ها‪،‬لم تح قق‬
‫نظريتي على مر السنين تقدما يذكر ولكنها قادتني إلى بعض المآزق وكذلك إلى تحصيل بعض المال ‪.‬إنما الهم‬
‫من ذلك كله انها علمتني الكثير عما ل يمكن العتماد عليه من أجل رفع مستوى العالم أو من أجل تخفيف وطأة‬
‫مشاكله المتنوعة‪.‬‬
‫الديمقراط ية‪ ،‬مثلً‪ ،‬واحدة من تلك المشا كل‪.‬ف قد تأ تي الديمقراط ية ال صيلة س بالمقار نة مع الديمقراط ية الزائ فة‬
‫التي يدعيها الشتراكيون س نقمة ل نعمة إل إذا انبتت نوعا معينا من القيادة‪ ،‬عنيفة في نظريتي واستطاع هذا‬
‫النوع الثبات بو جه تقلبات الظروف والضغوط‪ .‬و ها قد صار من لمقولت الشائ عة ان بلوغ ال سلطة يحتاج إلى‬
‫مجمو عة من ال صفات‪ ،‬وان ا ستعمال تلك ال سلطة لخ ير الذ ين منحو ها ي ستلزم مجمو عة أخرى‪ .‬و قد ات ضح لي‬
‫ح تى في و قت مب كر كالعالم ‪1953‬ان الديمقراط ية كغا ية ب حد ذات ها أفادت الغوغائي ين الديماغوجي ين فا ستغلوها‬
‫لغراض تناقسض غاياتهسا‪ .‬يشهسد التاريسخ الحديسث على ان بعضا مسن أسسوأ طواغيست العالم شفوا طريقهسم إلى‬
‫السسلطة عسبر انتخابات ديمقراطيسة‪ .‬ففسي العام ‪1980‬مثلً تبجسح روبرت موغابسي رئيسس زيمبابوي المنتخسب‬
‫ديمقراط يا با نه يح بذ الديمقراط ية لن ها «نظام ي سهل اخترا قه والتغلب عل يه‪ .‬وتو صل أي ضا ً أشخا صا من أ قل‬
‫الناس أهل ية وكفاءة واكثر هم ثرثرة في التار يخ إلى مرا كز رفي عة بفوز هم من انتخابات ديمقرط ية لم ت كن في‬
‫واقع ها أك ثر من مباراة في الشعب ية‪ ،‬و ما لبثوا ان خربوا م صالح بلدان هم لن هم لم يتمكنوا غل من ال سير وراء‬

‫‪133‬‬

‫جمهورهم على غرار ما كتبه ادموند بورك عن احد قادة الثورة الفرنسية الذي نسب إليه قوله‪«:‬إن الرعاع يمل‬
‫ون الطرقات وعلي ان اعرف وجهتهم لنني قائدهم»‪.‬‬
‫والمهم ان الغاية من ملحظاتي هذه ليست إلقاء درس في أصول القيادة السياسية‪ .‬فهذا الكتاب سرد ذاتي لسيرة‬
‫حياتي أعبر فيه فيما أعبر عما كان يجول في خاطري عندما تخليت عن العمل في وكالة الستخبارات المركزية‬
‫عام ‪ ،1953‬ومن بينها الشارة إلى مواقع في بعض البيروقراطيات في العالم حيث تتخذ أكثر المقررات تأثيرا‬
‫في مصالح الوليات المتحدة‪ .‬فقد مل ضميري آنذاك المل بأن أتمكن من التخطيط لعمال سياسية تدفع ببعض‬
‫من اختار من الطامح ين إلى الشتراك في ها وال ستمرار علي ها ثم ال سير في طرق تؤدي ب هم وب نا إلى الزدهار‬
‫والستقرار‪ .‬والواقع انه بصرف النظر عن بعض التسليات العبثية تركزت كل نشاطاتي خلل الخمس والثلثين‬
‫سنة الماضية بشكل ما على المل في التعرف إلى أشخاص يبشرون بطاقة قيادية من اجل توجيههم نحو بلوغ‬
‫مستقبلهم المثل بالوسائل الديمقراطية‪ ،‬إذا ما توافرت‪ ،‬أو بأي وسيلة اخرى ودون تردد عند عدم توافرها‪.‬‬
‫و قع اختياري الول من الناح ية القليم ية على م صر‪ .‬ف قد أبدى رؤ سائي المقبلون شر كة بوز س آلن آ ند همل تن‬
‫ورئيسي آنذاك كيم روزفلت اهتماما واضحا ومكشوفا بها‪ ،‬وكل فريق لسباب ل صلة لها البتة بأسباب الفريق‬
‫ال خر ول كن ا سبابهم جاءت متضافرة تماما من وج هة نظري أ نا‪ .‬ف قد كا نت الشر كة تفاوض الم صرف الوط ني‬
‫المصري بشأن اجراء مسح اداري شامل لدارته ولمختلف ممتلكاته‪ ،‬فيما كان كيم‪ ،‬دون علمه بنشاط الشركة ‪،‬‬
‫منشغلً بالفوضى السياسية في ذلك البلد الذي أصبح مفضلً عنده من خلل خبراته إبان الحرب العالمية الثانية ‪.‬‬
‫ودون علمه باهتمام الشركة ورغم توسلي بأن يترك لي أمر الفكار الخارقة‪ ،‬دخل كيم مكتبه صبيحة أحد اليام‬
‫ود عا الم سؤولين لجتماع طارئ أعلن ف يه أ نه ق ضى ليل ته يتقلب في فرا شه ويقلب في عقله ب عض الفكار ال تي‬
‫راودته بشأن انقاذ الملك فاروق الذي ليزال يحظى بعطف الغرب ‪.‬فكان علينا اقناع «الزير السمين« حسبما لقبه‬
‫ب عض موظ في دائرة التخط يط في ق سم الشرق الد نى وافريق يا‪ ،‬اثناء غياب ك يم طبعا‪،‬بأ نه إذا امت نع عن اجراء‬
‫تطهيرات بين موظفيه الفاسدين وفي نظام حكمه البالي وعن جعله أقرب إلى مجتمع المساواة‪ ،‬فإن شخصا آخر‬
‫سيقوم بذلك ‪.‬‬
‫دو نت أفكار كيسم هذه بشكسل مشورع (أطلقنسا عل يه رمسز ز ‪.‬س ‪.‬أي «الزيسر السسمين ») أخسذ طري قه الروتين ية‬
‫لموافقة السلطات المنية عليه‪ .‬وسرعان ما سبقنا أحداث القاهرة في يوم بات يعرف باسم «سبت مصر السود»‪.‬‬
‫ففي أواخر العام ‪ 1951‬قررت حكومة ونستون تشرتشل التي عادت إلى الحكم بعد أن أضعفت الحكومة العمالية‬
‫بريطانيا دوليا وداخليا‪ ،‬قررت معاقبة مصر على نقضها المعاهدتين اللتين سوغتا الوجود البريطاني في منطقة‬
‫قناة السسويس وعلى دعسم نقضهسا هذا بمحاصسرة المنطقسة بحرب العصسابات‪ .‬ففسي كانون الول (ديسسمبر) دمسر‬
‫‪134‬‬

‫الجيش البريطاني قرية كان ينطلق منها المقاومون المصريون ‪.‬وفي أوائل كانون الثاني (يناير) هاجموا مركزين‬
‫م صريين بالقرب من ال سماعيلية وقتلوا أو أ صابوا مع ظم الذ ين كانوا فيه ما توترت الجواء وأحر قت ودمرت‬
‫الجماهير الهائجة المؤلفة من مسلمين متطرفين كل مباني المدينة ذات الصلة «بالمبريالية البريطانية» س منها‬
‫فندق شبرد وتورف كلوب وكل مطعم أو بار أو دار للسينما عرفت بملزمة الجاليات الجنبية لها ‪.‬‬
‫كل هذا في مصر الصبورة فبات صبرها هذا موضوع انتقادات في معظم العالم العربي ‪.‬أما الحكومة البريطانية‬
‫التي استشاط غضبها وقلت حيلتها فأقسمت على اتخاذ اجراءات اضافية بحق المصريين ‪.‬وأما وزارة الخارجية‬
‫الميركيسة وقسد كدرهسا تقصسير البريطانييسن عسن الدراك بأن «عهسد السستعمار قسد ولى»‪ ،‬فأرسسلت احتجاجات‬
‫موزونة للحكومتين البريطانية والمصرية ‪.‬ورأت وكالة الستخبارات المركزية فرصتها فقطعنا صلتنا الرسمية‬
‫مع الستخبارات السرية البريطانية‪ ،‬وأخذ مشورع كيم (روزفلت) لنقاذ الملك فاروق «بالثورة السلمية» طريقة‬
‫إلى التنفيذ فنال موافقة آلن دالس أثناء تناوله الشاي في بيته في ضاحية جورجتاون بعد ظهر يوم الحد الذي تل‬
‫السبت السود وأعلن كيم ذلك في اجتماع المسؤولين في قسمه صباح اليوم التالي ‪.‬‬
‫هل كان متوقعا ان يرسلني كيم إلى القاهرة للقيام بتلك المهمة ؟ل ‪.‬لمجال مطلقا ؛ بل انه سيقوم بها بنفسه ‪.‬أما‬
‫أ نا فيؤ تى بي للبقاء على قوة اندفاع المشروع ب عد نجا حه س شرط ان أتخلى‪ ،‬ح سب قول ك يم عن «ا صراري‬
‫بعناد »على مغادرة وكالة الستخبارات المركزية سعيا وراء كسب أكبر ‪.‬أجبت بأنني سأفكر في المر‪،‬ولم يكن‬
‫كيم على علم بالطبع بأنني سأذهب إلى مصر سواء قبل بذلك أم لم يقبل س باعتباري الموظف الذي يتكلم العربية‬
‫في شركة بوز س آلن آند هملتن ‪.‬‬
‫أثبتت لي اعادة قراءة ملف كيم بأنه على كامل الحق في أصراره على انه وحدة القادر على تحقيق المشروع ‪.‬‬
‫ففي الحرب العالمية الثانية قامت علقة ودية بينه وبين الملك فاروق أثر فترة من التوتر بين الملك والبريطانيين‬
‫فرض عليه هؤلء فيها وتحت التهديد بالسلح ابعاد العناصر الموالية لللمان في حكومته واستبدالهم بعناصر من‬
‫اختيار هم‪ .‬وفي ما الملك ير غي ويز يد في ق صره كان ك يم يزوره يوميا تقريبا لتطي يب خاطره باليماء إل يه بقيام‬
‫حق بة جديدة ب عد الحرب تن عم م صر في ها ب سيادة حقيق ية ويكون هو في ها «أول حا كم لول م صر حرة م نذ أل في‬
‫سنة» ‪ .‬وك ما ذكر نا ك يم في اجتماع الموظف ين في مكت به صباح ذلك الثن ين‪ ،‬ف قد ارتاح الملك فاروق لحادي ثه‬
‫وبالتالي هناك مجال واسسع للعتقاد بأن زيارة له مسن قبسل كيسم لعادة الصسلة قسد تجعله يقبسل بتلك الفكار التسي‬
‫توصل إليها كيم في تلك الليلة البيضاء‪ .‬وهكذا وخلل أقل من اسبوع كان كيم في طريقه إلى القاهرة ‪.‬‬
‫صسحيح أن الملك اسستقبله بحرارة‪،‬وان بشكسل ملفست أكثسر ممسا هسو مطلوب ‪ .‬لزيارة «تكتسسي طابسع السسرية‬
‫القصوى» حسب ما ورد في برقية بعث بها كيم بالشيفرة عبر قنوات اتفق عليها مسبقا ‪.‬تقدم مو ظف مصري‬
‫‪135‬‬

‫مهذب إلى الطائرة ورا فق ك يم عبر دوائر ال من والجمارك ب سرعة ق بل ال سماح لبا قي ركاب الطائرة بمغادرت ها‬
‫‪.‬وراحت السيارة التي أقلتهما وعليها الشعارات الملكية الواضحة تخترق الشوارع بسرعة وعجلتها تزعق في‬
‫الطرقات فتتبعثر أمامها السيارات والعربات ويفر من أمامها المارة والولد الذين اتخذوا الطريق ملعب هم ‪.‬وقد‬
‫روع يت واحدة من تعليمات ال سرية ال تي طلب ها ك يم وكا نت تغط ية نوا فذ ال سيارة ب ستائر بح يث ا نه لم ي ستطع‬
‫معرفة وجهة رحلته إل عندما توقفت السيارة في حديقة استراحته الجيزة المطلة على الهرام ‪.‬‬
‫بوصوله إلى الستراحة استعاد كيم من خبايا ذاكرته انطباعا تكون في ذهنه في اليام التي قضاها في القاهرة‬
‫إبان الحرب‪ ،‬بأن الملك فاروق ليسس من ذوي الوزان العقليسة الثقيلة‪ .‬وجاءت لقاءا ته به على مدى ال سبوعين‬
‫التاليين تؤكد صحة انطباعه ‪.‬فقد كان الملك يبدي إدراكا جليا للحداث الجارية في البلد ولتأثيراتها المحتملة في‬
‫مستقبله ومستقبل عرشه فيوافق بحماس على اقتراحات كيم العلجية‪ ،‬ويختفي في اليوم التالي عن البصار وقد‬
‫أهمل اصدار أمر كان بالمس قد وافق على انه حيوي للخطة التي عرضها كيم‪ .‬ثم يعود بعد اسبوع‪ ،‬وفي نزوة‬
‫آنية من نزواته‪،‬فيصدر أمرا آخر يؤدي إلى انهيار الخطة من أساسها ‪.‬‬
‫ا ستغرقت زيارة ك يم للقاهرة قرا بة الش هر عاف على أثر ها «مشروع ز‪.‬س ‪ ».‬ح سبما كان عل يه في ال صل‪،‬‬
‫وعاد إلى واشنطن مقتنعا بأن ل مجال للعمل العقلني في مصر طالما بقي فاروق متربعا على العرش‪ ،‬ومصمما‬
‫أكثر من أي وقت مضى على «انقاذ مصر من نفسها»‪ ،‬حسب تعبيره ‪.‬وفي تعلقه بحبال الهواء نفض كيم أكداس‬
‫الغبار عن فكر تي بالب حث عن «بيلي غراهام الم سلم » وقرر ار سالي إلى م صر في مه مة ا ستكتشاف ‪.‬أمر ني‬
‫بزيارة القاهرة لجراء م سح شا مل للو ضع العام‪ ،‬وبا ستقصاء مدى أي اضرار تكون قد نج مت عن ت صرفات‬
‫الملك الصبيانية‪ ،‬وبالعودة بمخطط جديد‪ .‬كانت أوامره بمثابة القول «اسبح ما شئت دون أن تبتل» ‪.‬‬
‫ما ان و صلت القاهرة ح تى خال فت احدى و صايا الوكالة المقد سة آنذاك إذ قررت القيام بزيارة لل سفير المير كي‬
‫واطلعه على حرفية ما أنوي عمله والوقوف على رأيه‪ .‬أم ذريعتي‪ ،‬عندما بلغ واشنطن خبر تمردي هذا‪ ،‬فهي‬
‫ان السسفير جفرسسون كافيري أكسبر موظفسي الخارجيسة سسنا وأشدهسم حكمسة وأعلم مسن أي مسستشرق بالشؤون‬
‫المصرية‪ ،‬كما كان يعاونه في السفارة موظفان لهما اتصالت مع المصريين أوسع بكثير مما لمسؤولي الوكالة‬
‫كما في القاهرة‪ .‬فقد قام مساعد الملحق العسكري المقدم دايفيد إيفانز والضابط السياسي (ل ينتمي إلى الوكالة)‬
‫بيل ليكلند بأعمال تفخر بها الوكالة كما لو انها هي التي قامت بها‪ ،‬من حيث المراقبة الذكية للغليان المستتر‬
‫الذي اقلق كيم روزفلت والمحللين السياسيين في طاقمه في واشنطن ‪.‬هذا فضلً عن انهما قدما لي العون الذكي‬
‫علما بأن من حفهما المتعاض من فضولي وتدخلتي ‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫وعندمسا شرعست بالعمسل الجدي بحثا عسن زعيسم أو قائد‪ ،‬بدأت خارج السسفارة مسستعينا بصسديقي ناصسر الديسن‬
‫النشاش يبي (أو ن صري)‪ .‬تعود صداقتنا إلى أيام عملي في دم شق‪ ،‬و هو من الج يل الحادي والثلث ين من سللة‬
‫المير أحمد ناصر الدين النشاشيبي حارس مساجد القدس والخليل في عهد المماليك ‪.‬تعرفت إليه في الردن وهو‬
‫في العشرينات من العمر‪ ،‬ياور لدى الملك عبد ال واستمر في ذلك المنصب حتى اغتيال الملك في تموز (يوليو)‬
‫‪. 1951‬‬
‫أما الن وقد أصبح من شخصيات المجتمع السياسي الرفيع في القاهرة فرجوته ان يفسر لي كيف يمكن لي قائد‬
‫يبرز من «الثورة ال سلمية» ال تي يت صورها ك يم روزفلت تحو يل المال إلى توقعات‪ ،‬أو أي ش يء آ خر‪،‬ر غم ما‬
‫سيكون عليه من انشغال بكل المكائد التي حاكها كيم مع الملك فاروق ‪.‬‬
‫أوض حت لن صري‪ ،‬ون حن نتناول كأ سا من الشراب‪ ،‬رغب تي في ان يكون آ خر ع مل أقوم به ق يل التخلي عن‬
‫وظيف تي في الحكو مة‪ ،‬العثور على من قذ وتدري به لينطلق من م صر وين شر كلم ته ب ين الفار قة ورب ما في العالم‬
‫الثالث كله‪ .‬وقلت له‪ :‬إن المطلوب من الرجل الذي نختارة أل يكون فقط قادرا على اثارة المال بل على تحويلها‬
‫أيضا إلى توقعات سليمة وعلى قيادة شعوب العالم المحرومة نحو حياة أفضل ونحو المن ونحو «الحر ية»‪،‬هذا‬
‫إضافة إلى تحصينهم في وجه أي انبياء زائفين ‪.‬‬
‫في بداية الحديث أعرب نصري بالشكل المألوف عن امتعاضه عن تأييد أميركا لسرائيل ثم وافق على ان قائدا‬
‫ذا شخصية ساحرة ربما هو المطلوب لتحويل موجة الكراهية المتنامية لميركا ليس فقط في العالم العربي بل‬
‫و في مج مل غرب آ سيا وتوجيها ن حو م ستهدف آ خر‪ .‬من ه نا فإن شخ صا له صفة دين ية ما وقادرا على سحر‬
‫الجماهير سيكون ذلك الشخص المثالي‪ .‬ولكن يبقى السؤال هل من الضروري ان تكون حركة دينية موجهة منذ‬
‫بدايتها ضد شيء ما ؟ إذا‪ ،‬علينا ان نخلق «شيئا» أشد من هولً وتهديدا من دولة عبرية‪ ،‬علما بصعوبة التوصل‬
‫إلى ذلك في حقبة كانت خللها عبرية اسرائيل اهم مزاياها اطلقا ‪.‬‬
‫إذا قاد ني الب حث عن عدو مقبول بديلً عن الوليات المتحدة وا سرائيل للقيام بجولة بدأت ها بزيارة «ج حر ميلو»‬
‫مسجد في المدينة القديمة المشرف على مسجد السلطان حسن بكل جماله ورهبته ‪.‬وميلو هذا الواطي يوغسلفي‪،‬‬
‫تقي متعبد سلس الحديث‪ ،‬اشتغل مخبرا في الحرب العالمية الثانية لدى اجهزة تجسس متعددة‪ ،‬وضعته المخابرات‬
‫الم صرية في ق صر بناه أ حد أمناء ب يت المال أيام الممال يك في القرن الخا مس ع شر ‪.‬حولت المخابرات غرف‬
‫القصر السرية وممراته وأروقته المخفية إلى دار شرقية للتسلية تتلءم مع كامل نشاطاتها الخرى الكثر غرابة‬
‫ل إلى تخد ير وخ طف الدبلوما سيين الجا نب ‪.‬أ ما الغرف التقليد ية ف سمحت لميلو بتحويل ها‬
‫ابتداء بالتهر يب و صو ً‬

‫‪137‬‬

‫إلى ما أسماه «المربع الليلي لكافة المذاهب » حيث يمارس المشعوذون وأصحاب المذاهب العجيبة طقوسهم امام‬
‫السواح الجانب‪،‬هذا إلى جانب مذاهب أخرى «موقتة» يخترعها ميلو بنفسه لتنويع برامج تسلية زبائنه ‪.‬‬
‫وليلة اصطحبت نصري إلى «جحر ميلو» كانت فرقة من الدراويش تقدم الوصلة الرئيسية حول مصطبة اشبه‬
‫بحلبة المصارعة الواسعة ينيرها ضوء بدر يكتمل جلس حول طاولتها المرتبة على غرار المرابع الليلية سواح‬
‫يرشفون الشمبان يا الم صرية ‪.‬على ايقاع طبلة ينفر ها درو يش ضر ير راح افراد الفر قة يدورون في حل قة من‬
‫حلقات الذكر مرددين عبارة ‪«:‬اذكروا ال» بغية إثارة نوبة من الشعور الديني علق نصري على المشهد بالقول‬
‫‪:‬إذا قصرت تلك التصرفات عن تحويل الهتمام من «الظلم المتمثل باقامة اسرائيل» فلن يقدر شيء آخر عليه ‪.‬‬
‫أدركت من خلل شرح قصير همسه نصري في أذني بين وصلتين ان أفراد هذا المذهب يحاولون النتقال إلى‬
‫«عالم غيسر مرئي» بالرقصسات التسي نراهسا‪ ،‬ويحررون انفسسهم مسن الخلفات الدنيويسة المعششسة فسي مصسر‬
‫‪.‬أستفسرت من نصري عن آرائهم بالتأييد الميركي لسرائيل فقال ‪«:‬ل رأي لديهم‪ ،‬أنهم مجانين»‪.‬‬
‫لم يكن منطلق تفكيري «ظاهرة بيلي غراهام المسلم » نزوة للتسلية ‪.‬فقد خطر لي وأنا ابن الباما التي شاهدت‬
‫فيها وعرفت بعض المبشرين والدعاة المعمدانيين وحواة الثعابين‪،‬خطر لي أن ربما‪ ،‬وربما فقط‪ ،‬كان لدي هؤلء‬
‫الناس ما هو قابل لن يحمل على محمل الجدية ‪.‬فمن المسلم به انه يجب ان يكون للنسان عقل قبل ان يفقده‪،‬‬
‫وكذلك يجب ان يشعر المرء بانتمائه إلى العالم قبل الشعور بالرغبة في الهرب منه ‪.‬قد استطيع الموافقة على ان‬
‫هؤلء الراق صين مجان ين حقا أو لعل هم حم قى ‪.‬إن ما ل بد من وجود ف كر متقدم في ا صول تلك الحر كة جد ير‬
‫بالهتمام‪ .‬أ كد لي ن صري ذلك قائلً ‪:‬إن المذ هب من ال صوفية وكان لتبا عه مجتمع هم ومعابد هم وموقع هم في‬
‫أوا سط العالم ال سلمي‪ .‬أ ما الن فلم ي بق ل هم صلة بأ صولهم القدي مة إل بمقدار ما لحضارة ال س إن كا من صلة‬
‫بأهل البيرو المعاصرين ‪.‬‬
‫وهسل مسن ضيسر فسي ذلك؟ ولئن لفست نصسري انتباهسي إلى ان الصسراع العربسي السسرائيلي قسد حرك الطاقات‬
‫السياسية الواعية في مجتمع متفكك‪ ،‬كنت في الواقع على بينه‪ ،‬قياسا على مايجري في أميركا‪ ،‬من ان العقلنية‬
‫والمن طق لي سا من الضروريات لجتذاب التباع لدعوات دين ية هذا في ز من سبق ا ستعمال التلفزيون و سيلة له‬
‫‪.‬فكان لبيلي غرا هم أمثال وانداد ل يجتذبون البلهاء والمتخلف ين عقليا ف قط بل يعدون ب ين اتباع هم أي ضا محام ين‬
‫وأطباء وا ساتذة جامعات يرغبون بان «يولدوا من جد يد»‪ .‬قلت لن صري ‪«:‬ل بد ان يكون ب ين هؤلء الدراو يش‬
‫من يستعمل عقله»‪.‬‬
‫أجابني‪« :‬أجل‪ ،‬انهم موجودون وهم يستغلون الجهلة من الناس» ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫فعلً كان بينهم من يستعملون عقولهم ولم يطل بي المر حتى اجتمعت بأحدهم‪ .‬رفض نصري الذهاب إلى ما‬
‫وراء الكواليس حيث كان الممثلون يعودون إلى رشدهم‪ ،‬وتقدم مني أحدهم (الواقع انني لم أذكر انني شاهدته بين‬
‫الراقصين) وسألني بتهذيب وبانكليزية ركيكة إذا كنت أبحث عن المراحيض ‪ .‬كنت على وشك اجابته عندما تقدم‬
‫م ني شاب يرتدي م ثل ثياب هم‪ ،‬ولك نه أمير كي‪ ،‬وقال لي ان ني ش خص غ ير مرغوب بوجوده في ذلك المكان وان‬
‫علي‪ ،‬أن أبول في مكان آخر»وانصرف بسرعة ‪.‬‬
‫ولما عدت وانضممت إلى نصري ثانية أبدى استغرابه لما اخبرته عن الشاب الميركي وقال ‪«:‬ظننت انه ل بد‬
‫من وجود مد ير أعمال م سرحي من نيويورك في هذا المكان»‪ .‬ان ضم ميلو إلي نا وقضي نا ما تب قى من ال سهرة‬
‫ل وحم صا بطحي نة‪( .‬كا نت تلك ال سهرة بدا ية ل صداقة طويلة مع ميلو ا ستمرت‬
‫نشرب العرق ونأ كل كبابا مقبو ً‬
‫حتى وفاته في أوائل السبعينات وقد قضى السنوات الخيرة من حياته في السكندرية يتقاضى بدل تقاعد شهريا‬
‫من وكالة الستخبارات المركزية)‪.‬‬
‫ا صطحبني ن صري في الليلة التال ية إلى قا عة للمحاضرات بالقرب من جام عة الز هر ح يث ا ستمعنا إلى خط بة‬
‫نارية القاها رجل اسمه حسن الهضيبي سمى فيها الشياء بأسمائها ‪.‬وكان السيد حسن الهضيبي قد عين حديثا‬
‫لرئاسسة جمعيسة الخوان المسسلمين‪ ،‬فامتلت خطبتسه بالتهجسم على تأثيسر أميركسا المفسسد فسي العالم‪ .‬سسبق لي أن‬
‫ا ستقيت ب عض المعلومات عن الخوان الم سلمين أثناء ال سابيع القليلة ال تي قضيت ها في مك تب شؤون المان يا في‬
‫مقسر قيادة الوكالة فسي واشنطسن‪ .‬أسسس الجمعيسة الشيسخ حسسن البنسا فسي أواخسر العشرينات لتطهيسر السسلم مسن‬
‫«المؤثرات الجنبيسة»‪ .‬وتسسيست الجمعيسة السسرية هذه أثناء الحرب العالميسة الثانيسة بدافسع مسن بعسض المكانات‬
‫العمل ية ال تي قدم ها اللمان واليطاليون وعلى ال خص طرد البريطاني ين من م صر ‪ .‬حل الش يخ ح سن الهض يبي‬
‫م حل الش يخ ح سن الب نا‪ ،‬وكان خطيبا مفوها يتكلم بوتيرة واحدة سرعان ما ي سيطر ب ها على جمهور م ستمعيه‬
‫ليصبحوا آلة طيعة بين يديه‪ .‬همست في أذن نصري بأنني أود التعرف إليه فظنني أمازحه وقال‪«:‬أليس هو من‬
‫عملء وكالة السستخبارات المركزيسة؟» ومسا أن انتهسى الجتماع حتسى سسحبني نصسري مسن مقعدي فسي مؤخرة‬
‫القاعة قبل أن يرانا أحد وفي أقل من دقيقة كنا في سيارته المرسيدس في طريقنا إلى قلب القاهرة‪.‬‬
‫وفيمسا نحسن خارجان مسن القاعسة لمحست الميركسي الذي شاهدتسه الليلة السسابقة عنسد ميلو‪،‬مرتديا هذه المرة كنزة‬
‫وفوقها سترة من المخمل المضلع‪ .‬كان على مسافة العشرين قدما مني تقريبا‪ ،‬ينظر إلي بإمعان‪ .‬رفض نصري‬
‫ونحسن فسي السسيارة ايضاح مسا قاله لي عسن ان حسسن الهضيسبي عميسل للوكالة‪ .‬أوصسلني إلى فندق سسميراميس‬
‫ومضى في طريقه دون ان يتمنى لي أن أصبح على خير‪ .‬وعندما وصلت إلى جناحي في الطابق الخير وجدت‬

‫‪139‬‬

‫أن الشاب المير كي قد سبقني إل يه وجلس أرضا في و ضع يو غا بالقرب من كر سي‪.‬أدر كت هوي ته فورا ولم‬
‫يتأخر هو بتأكيدها‪.‬‬
‫بادر ني بال سؤال‪:‬ألم ي قل لك «فوكوا يز» ان تترك ني وشأ ني؟ فوكوا يز هو ال سم الم ستعار لك يم روزفلت دا خل‬
‫الوكالة‪.‬من البديهي ان هذا الشاب واحد من عملء كيم الخاصين وكنت قد علمت صدفة بوجوده من سكرتيرة‬
‫كيم‪.‬‬
‫سألته بح نق ظا هر‪ «:‬قل لي ب حق جه نم‪،‬ماذا تف عل ه نا؟» كان حن قي موجها بالط بع إلى ك يم ول يس إلى الشاب‬
‫الم سكين الذي أدر كت من حدا ثة سنة ا نه ل يش غل مركزا رفي عا في الوكالة وان ي كن قد تو صل بش كل ما إلى‬
‫مشارف هدف هام‪،‬حسبما تبين لي من حديثي معه‪.‬لقد عرف الشاب الذي سأسميه روبرت في هذا الكتاب‪،‬من أنا‬
‫لنه شاهدني أكثر من مرة في مبنى القيادة‪.‬ولكنه لم يكن على علم بمهمتي الحالية‪.‬كما أبدى تقيدا صارما بالسرية‬
‫منعه من الستفسار‪ ،‬ولكنني اخبرته بذلك‪.‬‬
‫أخذته الدهشة! ثم افرغ جعبته‪ .‬ففيما كنت في مهمة استطلعية كان كيم يعد العدة لنقلب ما على الملك فاروق‬
‫على أل يكون لي فيه دور‪ .‬واتضح لكل منا نحن الثنين‪ ،‬روبرت وأنا‪،‬ان امامنا وضعا من تلك الوضاع حيث‬
‫حصيلة واحد زائد واحد تأتي أكثر من اثنين‪ ،‬وبالتالي سيكون من المعيد لكل منا تبادل المعلومات سرا‪.‬غير ان‬
‫روبرت تحفظ في التعاون معي حتى سألته عن رتبته‪.‬‬
‫ل كعملء (خلفا للعتقاد السائد بأن‬
‫قال انه في الرت بة السابعة أي ا نه واحد من الميركي ين القلئل العاملين فع ً‬
‫أجهزة التجسس قلما تستخدم مواطنيها عملء لها) فهو بالتالي أدنى رتبة في هرمية وكالة الستخبارات المركزية‬
‫من عاملة على اللة الكاتبة‪ .‬فهو إذا يقوم بمهام من يجب أن يكون في الرتبة ‪13‬على القل‪ .‬ل بد ان كيم استغل‬
‫وضع هذا الشاب الجامعي الذي اعتاد على الراتب المنخفض واستخدمه في ادنى رتبة قبل بها‪ .‬وبالتالي ما كان‬
‫علي إل القول له بأنه مستغل لكتسابه إلى جانبي‪.‬‬
‫مرة أخرى اضطررت إلى رفسع قبعتسي تقديرا لمهارة كيسم وحنكتسه بعسد الذي اخسبرتي بسه روبرت‪ .‬ذلك ان كيسم‬
‫بمفرده وعلى الر غم من مراق بة فاروق الدائ مة له ا ستطاع س وت حت أ نف فاروق س ان يعلم بأ نه وان كان من‬
‫المفروض انه ما يتعاونان في و ضع مخططات »الثورة ال سلمية« ف قد راح الملك فاروق يع مل سرا مع زعماء‬
‫الخوان ل حداث انقلب تسيطر عليه حركة «العودة إلى ال» التي يقودها أصوليون مسلمون‪ ،‬ظن فاروق‪ ،‬وهو‬
‫على بعض الحق في ذلك‪ ،‬بأن التشكيك بكونه مسلما يتقي ال لن يخفف من استعداد الصوليين القبول بمساعدة‬
‫مال ية ملك ية‪ .‬و ظن ك يم بدوره‪ ،‬و هو أيضا على ب عض ال حق في ما ذ هب إل يه‪ ،‬ان ذلك التشك يك سيخفف من‬
‫استعدادهم هذا بما يكفي لنجاح ما أخذ يتبلور في ذهنه من مخطط لمناهضة فاروق بعد قضائه اسبوعا او اثنين‬
‫‪140‬‬

‫في محاولت ترمي إلى التعاون مع الز ير السمين‪ .‬اقنع كيم الملك فاروق «بشراء» الخوان بتقديم مبالغ كبيرة‬
‫مسن المال إلى حسسن الهضيسبي‪.‬ولم يكسن فاروق على علم بأن أموال الرشوة هذه تسستخدم لسسد نفقات جانبيسة‬
‫تسستلزمها محاولة اجتذاب الجيسش المصسري إلى مخطسط الخوان النقلبسي‪ ،‬وبأن تلك الموال بحسد ذاتهسا أدلة‬
‫اضاف ية على مدى ف ساده وإلحاده‪ .‬ذلك ا نه يحاول رشوة من اختاره ال ! ترى إلى أي مدى ي صل الف ساد ؟لذلك‬
‫لن يكون لفاروق مكان في النظام الجديد‪.‬‬
‫باكتمال جميع المعلومات المتوافرة عن الخوان بت علي يقين مما يجول في خاطري‪ :‬ان النقلب الوحيد الذي‬
‫يمكن ان يكون فعالً‪ ،‬سواء بالسيطرة على الحكومة او بتثبيت القبضة على الحكم بعد السيطرة عليه ل يتحقق إل‬
‫بتضا فر الجهود ب ين الج يش والخوان الم سلمين‪ .‬و مع العلم بأن ني لم أ عط روبرت أك ثر من فكرة سطحية ع ما‬
‫يجول في خاطري‪ ،‬ف قد كان ذلك كافيا للحصول على م ساعدته في معرفة الضباط من الرتب المتوسطة والعليا‬
‫المنخرط ين في حر كة الخوان أو المتعاطف ين مع ها‪ .‬و في لو قت نف سه طل بت من ن صري ان يدل ني على كبار‬
‫الضباط في الج يش الم صري الذي ل هم أف ضل الحظوظ في الح صول على التأي يد الش عبي إذا ما قرر الج يش‬
‫الستيلء على الحكم‪.‬‬
‫لم يبد نصري ارتياحه لطلبي إل انه اعترف بوجود تململ واستياء واسع النطاق في طول البلد وعرضها وان‬
‫في نادي الضباط في ضاحية هيليوﭙوليس القاهرة همسا عن أن رجلً طيبا وشعبيا على صورة «الب الصالح«‬
‫م ثل الجنرال مح مد نج يب سيلقى الترح يب إذا ما صار الر جل الول في البلد بوجود الملك أو بدو نه‪ .‬لم ي شأ‬
‫نصري الفصاح عن أكثر من ذكل وأجابني بأنه ل يعرف ضباطا كبارا ينتمون إلى حركة الخوان المسلمين‪،‬‬
‫موضحا عدم رغبته بالمزيد من الحديث في هذا الموضوع‪.‬‬
‫لم ي كن روﭙرت في تلك الثناء عاطلً عن الع مل‪ .‬فب عد يوم او اثن ين من حدي ثي مع ن صري رافق ني في ساعة‬
‫متأخرة من الل يل من إلى اجتماع سري جدا ع قد في ب يت بالقرب من الهرام و صلناه ب عد المرور بالزوار يب‬
‫والزقسة والطرق المتعرجسة بحيسث يسستحيل علي العودة إليسه بمفردي فسي وضسح النهار‪.‬كان هذا الجتماع الذي‬
‫انع قد في آذار (مارس) ‪ 1952‬هو عي نه الذي أورده مؤلفون م صريون وأوروبيون واميركيون بروايات مختل فة‬
‫تحدثست كلهسا عسن ان كيسم روزفلت أطلق خلله الشرارة التسي أدت بعده بأربعسة أشهسر إلى حصسول النقلب‬
‫العسكري‪ .‬وتصحيحا لمعلومات محمد حسنين هيكل الذي ينكر علي كل ما أقوله‪ ،‬اؤكد جازما ان كيم لم يحضر‬
‫ذلك الجتماع ولم يسمع به إلى ان رفعت له تقريرا عنه بعد عودتي إلى واشنطن واؤكد كذلك ان كلمة انقلب لم‬
‫ترد خلل ذلك الجتماع ‪.‬كل ما قلته للضباط الثلثة‪ ،‬ولم أكن اعرف أسماءهم‪ ،‬هو ان حكومتي قلقة من تزايد‬

‫‪141‬‬

‫النقمة في مصر البلد الصديق وانها ترغب بالوقوف على «آراء ضباط يمثلون الجيش المصري بأمانة» حول ما‬
‫يمكننا عمله‪ ،‬هذا إذا امكننا عمل أي شيء للمساعدة على الحيولة دون المزيد من تدهور الوضاع‪.‬‬
‫إن الملحظات الها مة الوحيدة ال تي أثار ها كل مي هي تلك المتعل قة بالبلد بمجمل ها س أكرر القول بأن ها لم ت كن‬
‫على صلة بالجيش وحده بل بالبلد كلها س انها الستياء الشامل حيال «استمرار الحتلل البريطاني» والطريقة‬
‫الصحيحة التي تعالج بها تلك القضية‪ .‬واؤكد بأنه لم يرد ذكر اسرائيل إل في سياق النقد العنيف والستياء العارم‬
‫اللذ ين عبر عنه ما أ حد الضباط حيال الف ساد الم ستشري في الحكو مة م ما أدى إلى تكب يل الج يش والحيلولة دون‬
‫ادائه اداء أف ضل في الحرب العرب ية ال سرائيلية عام ‪ .1948‬و صحيح أيضا ما جاء من اخبار ان التقر ير الذي‬
‫ورد إلى واشنطن عن ذلك الجتماع (تقريري انا ل تقرير كيم س وهو تقرير رفعته إلى كيم وليس صادرا عنه)‬
‫انطوى على اشارة إلى الضا بط ال صاغ عبدالمن عم رؤوف الذي لم ي كن ف قط عضوا في الخوان الم سلمين بل‬
‫أيضا عضوا في مجمو عة الضباط الحرار‪ ،‬أي حل قة ع بد النا صر الداخل ية‪ .‬هذا الكلم صحيح‪ ،‬ولكن ني لم أعلم‬
‫إل لحقا ان ال صاغ ع بد المن عم رؤوف قال لي بعبارات ل مجال ل سوء تف سيرها أو لعدم وضوح ها بأن ني أقدم‬
‫خد مة جليلة لبلدي نا ان أ نا أقن عت الحكو مة الميرك ية بالقلع عن التد خل بالشؤون الم صرية‪ .‬ولم أعلم إل في‬
‫اليوم التالي وبواسسطة ضابسط مصسري شاب جاءنسي إلى الفندق بأن«مندوبيسن» عسن مجموعسة الضباط الحرار‬
‫السرية يسرها الجتماع إلى السيد روزفلت (رئيسكم) شرط التفاق مسبقا على مكان اللقاء خارج مصر‪.‬‬
‫في أواخر آذار ‪ ،1952‬بعد اسبوع من عودتي إلى واشنطن وقبل أربعة أشهر من النقلب الذي أطاح بالملك‬
‫فاروق‪،‬بدأ كيم روزفلت وجمال عبد الناصر بعقد سلسلة من الجتماعات اعتبرت فيما بع نماذج لتلك التي تسبق‬
‫العمليات السياسيةمن صنف النقلبات ‪ 5‬عقد كيم الجتماع الول مع لجنة من الضباط البعيدين مبما فيه الكفاية‬
‫عن لولب حركة الضباط الحرار بحيث يمكن الستغناء عنهم إذا دعت الحاجة‪ ،‬علما انه بالمكان العتما عليهم‬
‫للدلء به دون الفصاح عن السرار الرئيسية‪.‬ثم حصل اجتماعان آخران حضر ثانيهما جمال عبدالناصر بنفسه‬
‫(يمكن لمحمد حسنين هيكل ان ينكرذلك ما شاء ‪.‬ولكن الجتماع مدعوم بالوثائق والصور)‪ .‬أما انا فلم أحضر أيا‬
‫منهسا وكنست مسع روبرت ننتظسر فسي الفندق فيمسا الجتماع الثالث منعقسد‪ .‬أوردت مجال التفاق الواسسع الذي تسم‬
‫التوصل إليه بين كيم وعبد الناصر في تقرير وضعته استنادا إلى ما قاله لي كيم منه شفاهة فصار نصا يدرس‬
‫عن التفاهم المتبادل الذي ينبغي ان تقوم عليه أي عملية سياسية تقرر الحكومة الميركية دعمها‪.‬‬
‫تو صل عبدالنا صر وك يم إلى التفاق سريعا حول ثل ثة مواض يع عا مة ‪.‬الول‪ ،‬هو عدم احتمال قيام الجماه ير‬
‫بثورة بسبب الظروف القتصادية المرعبة ‪.‬لقد أوضح كيم هذه النقطة مرات عديدة في وزارة الخارجية مكررا‬
‫انه لم تقم في التاريخ أي ثورة هامة لسباب اقتصادية وان حكومتنا ل تستطيع ارغام أي زعيم على التصرف‬
‫‪142‬‬

‫حسسب اهوائنسا بمجرد تهديده بقطسع المسساعدات القتصسادية ‪ .‬أدرك عبسد الناصسر ذلك خلل الجتماع المذكور‬
‫وجاءت خسبرته الشخصسية تؤكده لحقا‪ :‬فكلمسا سستحاول الحكومسة الميركيسة معاقبتسه بحبسس صسنف هام مسن‬
‫الم ساعدات ع نه (الق مح مثلً) سينتهي به ال مر إلى ازدياد مركزه قوة بح يث ين مو شعور الش عب بأن اللوم ي قع‬
‫على الميركيين وليس عليه لما يعانونه من بؤس ‪.‬‬
‫الموضوع الثاني الذي اتفقا عليه هو ان الحتمال ضئيل في ان تقوم الجماهير المصرية بأي ثورة وقد تصورت‬
‫حركتان ثوريتان آنذاك ه ما‪ :‬الخوان الم سلمون والشيوعيون‪،‬ان الش عب الم صري س ومن هم الفلحون والعمال‬
‫والموظفون العاملون في المدن اضافة إلى طبقة المهنيين س أخذ أخيرا يقترب من نقطة الغليان وان ايصاله إليها‬
‫مم كن با ستعمال النداءات المنا سبة‪ .‬لم ت نل تلك الفرض ية مواف قة ع بد النا صر الذي قال «تك من مشكلت نا في ان‬
‫الش عب ل ير يد ما يكف يه‪ ،‬وأضاف بأن مع ظم الم صريين عاشوا ألوف ال سنين على شف ير الجوع وبا ستطاعتهم‬
‫ال ستمرار على ذلك الن حو للف سنة أخرى وهكذا ل مجال لقيام ثورة «شعب ية» أو «ديمقراط ية» ‪.‬و تم التفا هم‬
‫م نذ البدا ية على ا ستلم الج يش الم صري لمقال يد الح كم في البلد على ان يترك له ا مر اختيار المو عد الظروف‬
‫المناسبة التي تضمن له التأييد الشعبي الواعي سياسيا في المدن‪،‬وان الريف سيقتفي الثر لحقا ‪.‬‬
‫ثالثا وأخيرا تم التفاق على ا نه في العلقات المقبلة ب ين حكوم تي البلد ين علي نا (الميركي ين) تج نب ا ستعمال‬
‫عبارات مثسل «اعادة تثسبيت الجراءات الديمقراطيسة» و «حكومسة تمثيليسة حقا»‪ .‬وفسي حال اسستعمال مثسل تلك‬
‫العبارات يجب ان يأتي ذلك في سياق مراسلت يمكن الفصاح عنها إلى الرأي العام‪ .‬وتم التفاهم بيننا سرا ان‬
‫الظروف التي تسبق قيام حكومة ديمقراطية ليست موجودة ولن تتوافر في سنين عديدة‪ .‬على ان مهمة الحكومة‬
‫الجديدة ستكون تأمين تلك الظروف ‪.‬‬
‫أدرك ع بد النا صر ب سرعة توض يح ك يم ك يف أن الرأي العام المير كي ورجال الكونغرس وب عض ال صحفيين‬
‫وحتسى بعسض المسسؤولين فسي وزارة الخارجيسة وفسي بعسض الحالت الوزيسر بنفسسه سسيبدأون بترديسد الشعارات‬
‫القدي مة‪ .‬و في الو قت نف سه ق بل ك يم برأي ع بد النا صر القائل بأن أي محاولة سابقة لوان ها باتجاه الديمقراط ية‬
‫ستعيد البلد إلى الفو ضى ال تي كا نت تتخ بط في ها‪ :‬أي الخيار ب ين مرشح ين من هم من تدعم هم الوليات المتحدة‬
‫ومن هم من يدعم هم البريطانيون يتناف سون مع مرشح ين يدعم هم ال سوفيات‪،‬وش عب ري في (يقترع إذا ما اقترع)‬
‫حسب الوامر التي يصدرها إليه كبار ملكي الراضي‪ .‬وأهل المدن الخائبة آمالهم الذين لم يبق لهم اي ملذ‬
‫سوى الشغب وسيلة للضغط فينضمون إما إلى الخوان أو إلى الحزب الشيوعي على ان أيا من الفريقين سيفيد‬
‫من نشاطهم ‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫بالمقا بل هناك ب عض المواض يع ال تي كان التفاق ال صريح علي ها أك ثر صعوبة ولكن ها في الو قت نف سه شكلت‬
‫تفاهما متبادلً حول الدوافسع الكامنسة وراء النقلب القادم‪ ،‬وقسد أدى البحسث فيهسا إلى مسا يمكسن اعتباره المبادئ‬
‫الساسية لي مساومة حول العمل السياسي ‪:‬‬
‫ان التفاق النهائي يتضمن حكما اتفاقا شاملً على بعض النقاط و«اتفاقا على الختلف» حول نقاط أخرى ويجب‬
‫أن يكون هناك تفاهم متبادل على تحديد المواضيع التي تقع في الخانة الولى وأيها يقع في الثانية بحيث يؤدي‬
‫أي خلف يتفسق الفريقان على انسه معسد للسستهلك الشعسبي إلى الحاق أدنسى نسسبة ممكنسة مسن الضرر بالتقاق‬
‫الساسي‪.‬‬
‫خلل محادثات كيسم مسع عبسد الناصسر قبسل النقلب كان هناك «اتفاق على الختلف» انطوى على اتفاق شامسل‬
‫أكثر منه على اي أثر للخلف ‪:‬اتفاق على موقف عبد الناصر من اسرائيل‪ .‬فالسياسيون والمؤلفون والمواطنون‬
‫العاديون في اي بلد عربي س إضافة إلى معظم الدبلوماسيين الجانب س يقولون لدبلوماسيينا ان «التصميم على‬
‫ا ستعادة فل سطين» يش كل الولو ية الولى لدى م صر‪ .‬ك ما ان أك ثر مرا سلينا ال صحفيين تدقيقا ا صروا طيلة تلك‬
‫ال سنوات على ان هزي مة م صر على أيدي ا سرائيل عام ‪ 1948‬كا نت «اختبارا قا سيا» وان «كراه ية ا سرائيل»‬
‫تحولت إلى عنصر هام في تفكير مخططي الثورة المصرية ‪.‬‬
‫كانت قضية الحتلل البريطاني لمنطقة قناة السويس قضية بالغة الدقة‪ .‬والواقع ان الشيء الحسي الرئيسي الذي‬
‫تمخضت عنه محادثات عبد الناصر وكيم روزفلت هو احالة الشعور في الجيش المصري بالشمئزاز من وضع‬
‫البريطانيين في مصر ومن جميع المصريين القابلين به ‪.‬أما بشأن البريطانيين كأفراد فكان لدى المصريين منهم‬
‫موقف مزدوج تغلب فيه العجاب ‪.‬فقد أحب المصريون الميركيين واستساغوا مزجنا بين الرفقة والرغبة في‬
‫المساعدة ولكنهم في الوقت نفسه قدروا البريطانيين واحترموهم ‪.‬لهذا السبب الحقت معاملة البريطانيين لهم على‬
‫انهم من طبقة أدنى ذلك الضرر الفادح في العلقات بين الفريقين ‪.‬‬
‫لدى عودته إلى واشنطن عشية النقلب رفع كيم تقريراُ إلى وزير الخارجية دين اتشيسون ضمنه النقاط التالية ‪:‬‬
‫ان «الثورة الشعبية» التي تنبأت بها الخارجية وتمناها الشيوعيون والخوان المسلمون ليست واردة ‪.‬‬
‫(‪1‬‬

‫)ان ل مجال مطلقا «لبقاء الجيسش بمعزل عنهسا» الذي توخاه المخططون فسي الخارجيسة الميركيسة‬
‫الذ ين انزعجوا من ت صرفات الع سكريين في سوريا‪ ،‬وان الج يش الم صري بات على عت بة القيام‬
‫بانقلب‪،‬شئنا أم ابينا ‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫ان للضباط الذ ين يحت مل قيام هم بالنقلب دوا فع «عاد ية» تختلف كليا عن تلك الدوا فع «المني عة على الت صور»‬
‫التي عزاها اليهم معظم المراقبين الدبلوماسيين‪ .‬وان من شأن دوافعهم هذه زيادة احتمالت نجاحهم أضافة إلى‬
‫انها ستجعل منهم مفاوضين أكثر مرونة وعقلنية بعد وصولهم إلى الحكم ‪.‬‬
‫(‪2‬‬

‫) ان على الحكو مة الميرك ية القبول بتنج ية الملك فاروق ورب ما القبول أي ضا بال ستغناء عن النظام‬
‫المل كي‪ ،‬علما بأ نه ل ما نع من ابداء اعتراض موزون ارضاء لب سطاء القلوب‪ ،‬اضا فة إلى ا نه من‬
‫المناسب ان يبدي السفير الميركي جفرسون كافيري بعض الهتمام بسلمة الملك فاروق الشخصية‬
‫‪.‬‬

‫ان على حكومتنسا‪،‬بعسد النقلب‪ ،‬المتناع عسن بذل أي محاولت إل المحاولت الكلميسة الرمزيسة لقناع زمرة‬
‫الضباط باجراء انتخابات وباقامة حكومة دستورية وكل مايتبع ذلك‪ .‬وان عليها التعاطي مع الحكومة الجديدة (في‬
‫مصر) من منطلق الدراك بأن المؤسسات الديمقراطية ستبنى من مداميكها الولى ‪.‬‬
‫(‪3‬‬

‫) ا نه على الر غم من كل تلك الجتماعات التآمر ية ال تي سبقت النقلب ل يجوز لي م سؤول في‬
‫حكومت نا التفك ير بأن النقلب هو لم صلحتنا أو من صنعنا‪ .‬بل ي جب اعتباره ب صرامة على ا نه‬
‫قض ية م حض داخل ية بعيدة عن أي تأث ير ل نا في ها وان الم ساعدة الوحيدة ال تي يم كن ان نقدم ها له‬
‫تكمن في عدم معارضته‪ .‬أما بشأن ضرورة وجود عدو يستهاب‪ ،‬فيجب أل يكون السرائيليون ذلك‬
‫العدو بل طبقات المجتمع المصري العليا س إضافة إلى البريطانيين‪ ،‬شئنا ذلك أم ابيناه ‪.‬‬

‫منذ أواسط أيار (مايو) وحتى ‪ 23‬تموز (يوليو) ت يوم النقلب س تحملت عبء العمال في واشنطن بمفردي‪.‬‬
‫ذلك ان كيم رئيس الفريق المناط به جميع الحداث ابتداء من كايب تاون (جنوب افريقيا) حتى نيودلهي‪ ،‬وبالتالي‬
‫فهو منهمك بمواضيع أخرى‪ .‬لذلك خصصت كل وقتي للحيلولة دون تأثر وكالة الستخبارات المركزية ووزارة‬
‫لخارجيسة تأثرا عميقا بالتقاريسر المتشائمسة الواردة تباعا مسن القاهرة‪.‬فقسد كان روبرت‪ ،‬بطلقسة لسسانه بالعربيسة‬
‫وبطريقته في البقاء بعيدا عن الضواء‪ ،‬على اتصال بالضباط الذين التقيناهم في المنزل القريب من الهرام وبدا‬
‫من تقاريره إلى مركز الوكالة في القاهرة ان كل شيء يسير حسب الخطة المر سومة‪ .‬أما رئيس المركز الذي‬
‫حصر علقاته بالشخصيات الكبيرة في الحكومة وبين السياسيين‪ ،‬فكان يبعث بتقارير روبرت إلى واشنطن مرفقة‬
‫بمذكرات ت نم عن انطباعا ته الشخ صية‪ .‬و في الوا قع ما ان فك يؤ من ح تى يوم النقلب بالذات بأن الملك فاروق‬
‫لديه اطلع دائم على نشاطات الضباط الحرار السرية وبأن الملك سيسلط عليهم سيف نقمته القاطع في اللحظة‬
‫المناسبة وبأن كل ما ورد في تقارير روبرت انما يؤيد وجهة نظره‪.‬‬
‫‪145‬‬

‫ورد نا في ‪16‬تموز (يول يو) تقر ير من القاهرة انطوي على انت صار تشاؤ مي با هر مؤداه ان الملك فاروق عزل‬
‫أفراد لج نة نادي الضباط الدار ية من وظيفت هم و هم في أك ثر يت هم أعضاء في هيئة الضباط الحرار‪.‬وجاء في‬
‫نها ية التقريسر عبارة «القاء الق بض يت بع قريبا»‪ .‬وب عد يوم أو اثن ين تل قى ك يم ر سالة «شخ صية» من روبرت‬
‫بواسطة احدى القنوات التي لم يفصح لي كيم عنها حتى يومنا هذا مآلها ان رئيس مركز الوكالة في القاهرة ليس‬
‫أذكى من حمار وان تصرفات فاروق إزاء البالونات التي يطلقها عبد الناصر تدل بوضوح على ان الملك لم يكن‬
‫على درايسة اطلقا بنوايسا الضباط الحرار‪ .‬غيسر ان الملك قام بعدة خطوات يسستدل منهسا انسه شعسر بأن الجنرال‬
‫محمد نجيب يبيت شيئاما‪ .‬هذا كل ما أدركه فاروق بشأن الجنرال محمد نجيب‪ ،‬الشخصية المحببة التي اختارها‬
‫عبد الناصر واجهة لرئاسة الدولة بعد النقلب‪.‬‬
‫وهكذا و في ‪ 23‬تموز (يول يو) ‪1952‬ح صل النقلب دون أي عراق يل على الطلق وكان الجنرال مح مد نج يب‬
‫على رأسه‪،‬اسميا بالطبع‪ .‬وخلل الشهر الستة الولى من النقلب انحصرت جميع العلقات بجمال عبد الناصر‬
‫وبمجلس قيادة الثورة وبكبار المسؤولين المدنيين في الحكومة الجديدة بالموظفين الرسميين في السفارة بمن فيهم‬
‫السفير كافيري بنفسه‪.‬‬
‫ب عد ع يد الميلد عام ‪ 1952‬سألت رالف سمايلي‪ ،‬الم سؤول في شر كة بوز آلن ا ند همل تن ع ما إذا كان عرض‬
‫الشر كة ما زال قائما‪ .‬و ما ان عل مت ا نه كذلك ح تى سطرت كتابا من نوع «هذه أ صعب ر سالة حك مت علي‬
‫الظروف ان أ سطرها«‪ ،‬وضعت ها على مك تب فرا نك واي سنر أثناء غيا به ع نه‪ .‬و ما أن و صلت إلى غر فة ك يم‬
‫لخبره بما فعلت حتى أخبرني بأنه تلقى مكالمة من فرانك طلب فيها منا الثنين موافاته فورا في مكتبه‪.‬وفي‬
‫الطريق (الممر طويل بين مكتب كيم وقاعة الجتماعات في مكتب فرانك) علمني كيم كيف اتعاطى مع فرانك‬
‫بقوله‪ »:‬قسل له بأن عقلك وقلبسك دائما مسع الوكالة وانسك وان اسستقلت لتحصسل المزيسد مسن المال سستبقى «ذلك‬
‫الخريج المخلص لها»‪.‬‬
‫أحرز الدرس النجاح ! إذ قال فرا نك‪» :‬ح سنا‪ ،‬يم كن ان تكون خريجا مخل صا‪ .‬ول كن ح سب معلوما تي الموثو قة‬
‫عن الشر كة ستحاول ان تح صل من عملك مع ها أك ثر م ما تدف عه لك‪ .‬وبالتالي لن ت سمح لك با ستعمال وظيف تك‬
‫ستارا‪.‬غير انك تستطيع اللقاء مع روبن (السم المستعار الذي اطلقته على رئيس مركز الوكالة في القاهرة) في‬
‫المناسبات الجتماعية وان تخبره بأي شيء هام أو مثير تصادفه في وظيفتك»‪.‬ضم كيم صوته إلى صوت فرانك‬
‫مقترحا بأن عملي أثناء الفترة المتبقية لي في الوكالة يمكن تحديده بشكل يتوافق مع مصلحة الحكومة الميركية‬
‫وم صلحة رؤ سائي الجدد‪.‬أ ظن بأن القراء سيغفرون لي أ صراري على التشد يد على هذه النق طة‪،‬ذلك ان ني اود‬
‫التأكيد على ان شركة بوز س آلن اند هملتن لم تكن على الطلق ستارا لنشاطي‪ ،‬وعلى انني كنت موظفا بعض‬
‫‪146‬‬

‫الحيان متطلبات وظيفتي فيعود سببها إلى حماسي للعمل ت وكذلك إلى حماس كيم‪ ،‬بالطبع‪ .‬إن هذا المر مهم‬
‫بالنسبة لي ذلك لن معظم ما كتب حديثا من دراسات وتقارير ومقالت عن عهد عبدالناصر أشار إلى على انني‬
‫«عم يل في وكالة ال ستخبارات المركز ية» م ما سبب حرجا شديدا للشر كة ال تي ا ستوظفتني عن ح سن و سلمة‬
‫نية‪.‬‬

‫الفصل الخامس عشر‬
‫شهر العسل الناصري‬
‫بعسد انقضاء قرابسة السسنة تماما على عودتسي مسن مهمتسي السستطلعية‪،‬رجعست إلى القاهرة فسي آذار (مارس)‬
‫‪ 1953‬في مهمة مشتركة بين وكالة الستخبارات المركزية وشركة بوز س آلن اند هملتن ليس فيها أي تضارب‬
‫ب ين م صالح الفريق ين‪ .‬فمهم تي من ح يث الوكالة كا نت متاب عة المحادثات ال تي اجرا ها المل حق الع سكري دا بف‬
‫إيفا نز مع زكر يا مح يى الد ين الرئ يس الجد يد للمخابرات الم صرية والم ين الخاص لجمال ع بد النا صر حول‬
‫امكان ية قيام وكالة ال ستخبارات المركز ية بتدر يب المخابرات الم صرية على أ ساليب ج مع المعلومات ومكاف حة‬
‫الجاسوسية‪.‬أما من حيث عملي مع الشركة فكان متابعة ما إذا كان بنك مصر‪ ،‬أي الهرف المركزي‪ ،‬ينوي جديا‬
‫تكليفها باجراء مسح عام لجميع نشاطاته ابتداء من مصنع النسيج الذي يملكه في المحلة الكبرى وانتهاء بنشاطه‬
‫الم صرفي‪ ،‬والوا قع ان ني نج حت في المهمت ين‪ .‬ف قد قال لي زكر يا مح يي الد ين بأ نه ير غب في الح صول على‬
‫م ساعدة مدرب ين من وكالة ال ستخبارات المركز ية لعادة تنظ يم المخابرات الم صرية‪ ،‬أ ما أح مد رشدي‪ ،‬رئ يس‬
‫ب نك م صر‪ ،‬فأ كد لي ا نه يود بالتأك يد ان تؤدي الشر كة المه مة ال تي بحث ها سفير م صر في واشن طن مع رالف‬
‫سمايلي بشأن البنك س أضاف وأنا على وشك الخروج من مكتبه ان على وكالة النماء الدولية تسديد الفواتير ‪.‬‬
‫إن أي د جل قد ح صل مرده إلى رغب تي ال سليقية في الد مج ب ين المهمت ين‪ .‬ح سبت ا نه لو ا ستطعت ح مل وكالة‬
‫السستخبارات المركزيسة على اقناع كبار مسسؤلي وكالة النماء الدوليسة (وكان ذلك أمرا غيسر مسستصعب بسسبب‬
‫وجود آلن دالس آنذاك على رأس وكالة السستخبارات المركزيسة وجون فوسستر دالس وزيرا للخارجيسة) تكون‬
‫مخططات مهمتي قد رسمت في فردوس ضابط الستخبارات‪.‬في ما يخصن شخصيا تؤلف وكالة الستخبارات‬
‫غطائي للمه مة المكلف ب ها من ق بل الشر كة‪ ،‬وتكون الشر كة غطائي للمه مة ال تي أقوم ب ها لوكالة ال ستخبارات‬
‫‪147‬‬

‫المركز ية كأ حد خريجي ها المناء ‪.‬ولن تكون أحداه ما م سؤولة عن الخرى طال ما ا ستطعت تأم ين ل كل منه ما‬
‫حاجت ها‪ .‬في بادئ ال مر لم ي كن أ حد على علم بمهم تي المزدو جه إل ذكر يا مح يي الد ين‪ .‬لم ي طل ال مر برالف‬
‫سمايلي رئيس مكتب الشركة في واشنطن حتى أدرك حقيقة واقعي ذلك انه لم ير أي سبب أخر لقدرة موظف‬
‫ثانوي في مكتبه في مصر على التصال سريعا بكبار المسؤولين في الحكومة المصرية‪ .‬لم ير سمايلي أي داع‬
‫للعتراض على ذلك باعتبار ا نه ل ما كان واضحا ان ني ش خص مر ضي ع نه جدا في الدوائر العل يا في الحكو مة‬
‫المصرية فقد كنت في وضع مناسب للحصول على عقود مشوقة للشركة ‪.‬‬
‫سرد لي سكرتير زكريا محيي الدين ونحن في المقعد الخلفي في السيارة الفخمة التي أقلتنا للجتماع به‪ ،‬كيف‬
‫مثل زكريا ما يتوقعه من تصرف الملك فاروق ان هو علم مسبقا بالنقلب وكيف تصرف فعلً تماما كما توقع‬
‫زكريا‪ .‬عندها أدركت ان زكريا محيي الدين سيكون‪ ،‬أيا كانت وظيفته الشخصية الهم في فريق عبد الناصر‬
‫والكثر فائدة للفريقين في اي مباحثات تجري بينهما ‪.‬‬
‫ت سنى لي خلل ال سبوعين اللذ ين قضيته ما في القاهرة في مهم تي هذه ع قد عدة اجتماعات طويلة مع زكر يا‬
‫محيي الدين تبين لي منها انه من حيث النزاهة والذكاء أرفع من كثيرين غيره ‪.‬وبنهاية اجتماعنا الخير أعددنا‬
‫برنامسج للقاءات تعارف غيسر رسسمية ولندوات تضسم مصسريين وأميركييسن مسن «كبار البيروقراطييسن‪ ،‬ودروس‬
‫تدريب لعضاء مجلس قيادة الثورة حول المتطلبات والمرفوضات الميركية التي ينبغي أخذها في العتبار لجهة‬
‫ما يمكنهم ان يتوقعوه منا ‪.‬‬
‫من المفروض طبعا ان يوا فق ك يم روزفلت وجمال عبدالنا صر على كل تلك المواض يع في اجتماعه ما المقرر‬
‫عقده فسي غضون شهسر تقريبا‪ .‬واثناء الفترة الفاصسلة بيسن اجتماعسي بزكريسا والجتماع المقرر بيسن كيسم وعبسد‬
‫الناصر طرأ عنصر جديد وهام على ترتيباتنا تمثل بشخص النقيب حسن التهامي ‪.‬ذلك ان زكريا كان قد وافق‬
‫على ارسال واحد من الضباط الحرار يتكلم النكليزية إلى واشنطن للقاء نظرة علينا في بلدنا‪.‬‬
‫وصل التهامي إلى واشنطن في ‪ 10‬نيسان (ابريل) ‪ 1953‬وتبين بعد وصوله انه أغرب ظاهرة بشرية صادفتها‬
‫في عملي الطويل من التعاطي مع الظاهرات البشرية الغريبة الطوار‪ .‬اتضح لي بعد قضاء يوم واحد معه لماذا‬
‫اختاره زكريا س أو عبد الناصر س لتلك المهمة‪ .‬فهو قبل كل شيء وطني متعصب‪ ،‬ومتدين ورع‪ ،‬ل شائبة على‬
‫نزاهته‪،‬إضافة إلى صفات أخرى اعطته المناعة في مواجهة كل المغريات التي كنا على استعداد لتقديمها له ‪.‬‬
‫المسكرات ؟ لم يسبق له ان مسها في حياته ‪.‬النساء ؟ في الليلة الثانية التي قضاها في واشنطن دعاه مرافقه إلى‬
‫مر بع ليلي ا سمه بلو اين جل (الملك الزرق) ف ما كان م نه إل ان صب كأس الكو كا كول فوق رأس «مضي فه»‬
‫جاءت تجلس في حض نه ‪.‬الدرا هم ؟ في احدى مرا حل اقام ته في واشن طن سأله الضا بط الم سؤول المناوب ليلً‬
‫‪148‬‬

‫‪«:‬هل باستطاعتنا إقراضك بضع مئات من الدولرات لتتمكن من التسلية على طريقتك الخاصة ؟» فما كان منه‬
‫إل ان سحب مسدسا من وسطه وصوبه نحو رأس الضابط قائلً ‪«:‬بما لي من حصانة دبلوماسية استطيع نشر‬
‫دماغك على ذلك الجدار البعيد دون ان اجازي بما يعادل ضبط مخالفة وقوف»‪ .‬وعلى الرغم من انه من النوع‬
‫الذي كنا نسميه آنذاك «نمرة» فإنني أقول بفخر اننا أصبحنا بسرعة صديقين حميمين وما زلنا كذلك حتى ومنا‬
‫هذا رغم الفروقات الحضارية الواسعة بيننا ورغم التباين في نظرتنا إلى المور ومع انه كثيرا ما باعدت بيننا‬
‫السبل ‪.‬‬
‫استغرقت زيارة التهامي لواشنطن اسبوعين قضاهما يتفرج على مختلف مجالت المساعدة الفنية والخدمات التي‬
‫يمكن ان تقدمها مختلف أجهزة الشرطة في المدن إلى الحكومة المصرية الجديدة‪ :‬وكالة الستخبارات المركزية‬
‫ومكتب التحقيقات التحادي ومختلف أجهزة الشرطة الخرى في المدن ‪.‬وخلل زيارته تلك قضيت معظم أوقاتي‬
‫برفقتسه ‪.‬وبعسد مغادرة الوليات المتحدة رفعست اسستقالتي رسسميا مسن الوكالة وقمست بجولة وداعيسة على الجميسع‬
‫اغرقت نا جميعا بالد مع‪ ،‬ك ما سافر ك يم إلى القاهرة لضفاء ال صفة الر سمية على الترتيبات مع ع بد النا صر الذي‬
‫كان آنذاك‪،‬على صعيد الرسميات نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للداخلية ‪.‬أما أن فقضيت ربيع العام ‪1953‬‬
‫في نيويورك أقوم بمهمات اختارتها لي شركة بوز س آلن هملتن لكي أتعرف بواسطتها على أساليبها في العمل ‪.‬‬
‫عدت بعد ذلك إلى واشنطن لبضعة أيام‪ ،‬بوصفي الخريج المين‪ ،‬لبداء تعليقاتي وملحظاتي على التقرير الذي‬
‫وضعه كيم عن اجتماعه بعبد الناصر وللتزود ببعض الرشادات والتعليمات‪ ،‬ولحزم امتعتي والسفر إلى القاهرة‬
‫برفقة زوجتي ولدينا ‪.‬‬
‫حاولت خلل السبوع الذي قضيته في واشنطن قبل سفري إلى القاهرة معرفة كيف يمكن توظيف «نجاحنا» في‬
‫مصسر‪ ،‬إذا كان ذلك هكذا‪ ،‬فسي خدمسة أهداف الوليات المتحدة ‪.‬فقمست بزيارة الصسدقاء فسي وزارة الخارجيسة ‪،‬‬
‫وتناولت طعام الغداء في غر فة الطعام في مجلس الشيوخ برف قة صديقي القد يم و صاحب الف ضل علي ال سناتور‬
‫جون سباركمن ال سناتور ول يم فولبرا يت وغيره ما‪ ،‬وقض يت عدة ساعات مع نائب الرئ يس ريتشرد نيك سون س‬
‫وجد ته أو سع تفهما لم صالح الوليات المتحدة في الشرق الو سط من جم يع كبار شخ صيات وكالة ال ستخبارات‬
‫المركزية ووزارة الخارجية‪ ،‬باستثناء كيم روزفلت‪ ،‬ولكن بمن فيهم الخوين دالس‪ .‬غير انني لم استطع العثور‬
‫على اي ش خص في اي مكان يقدر على اعطائي جوابا ب سيطا على ال سؤال التالي‪ :‬ماذا يتر تب علي نا فعله بهذا‬
‫التصال الذي تحقق لنا مع الحكومة المصرية الجديدة ؟ لنفرض ان بمقدورنا تنويم عبد الناصر مغنطيسيا‪ ،‬فماذا‬
‫نطلب منه فعله عندما ينام؟‬

‫‪149‬‬

‫بالط بع جاءت ني أجو بة ولكن ها لم تتجا نس مطلقا مع ما نعل مه عن تطورات دينام ية ال سياسة في الشرق الو سط‬
‫آنذاك ومع ما عندنا عنها في تقاريرنا إلى البيت البيض وغيره من دوائر الدولة ووكالتها ‪.‬بيل بوردت الضابط‬
‫الم سؤول عن مك تب م صر في وزارة الخارج ية قال ان هدف نا ي جب ان يكون إقناع الحكو مة الم صرية الجديدة‬
‫«بالتو صل إلى ترتيب تواف قي مع ا سرائيل» وباستعمال نفوذ ها لقناع حكومات عرب ية أخرى باقتفاء أثر ها ‪.‬أما‬
‫مسساعد وزيسر الخارجيسة لشؤون الشرق الدنسى بيسل راونتري فقال إن علي اقناع عبسد الناصسر «بالتناغسم» مسع‬
‫مخططات حلف شمال الطلسي الدفاعية س وعلى وجه التحديد الشتراك في مخطط إقليمي دفاعي كان يجري‬
‫إعداده آنذاك من ق بل ال ستراتيجيين في وزار تي الخارج ية والدفاع ‪.‬وعند ما سألت أعضاء مجلس الشيوخ ع ما‬
‫يمكن ان نطلبه منطقيا من حكومة مصرية مستعدة للتعاون أجابني السناتور وليم فولبرايت ان أي شيء قد يطلبه‬
‫السفير كافيري من عبدالناصر نيابة عن الحكومة الميركية سيكون في الواقع الطلب إليه أن يقدم على النتحار‪.‬‬
‫دعاني كيم لتناول طعام الغداء في آخر يوم في واشنطن وزودني بالمعلومات عن محصلة رحلة العشرة أيام التي‬
‫قام بها قبل شهر وزير الخارجية جون فوستر دالس في الشرق الوسط‪.‬ومما قاله لي ان ما سيخبرني به‪«:‬سري‬
‫جدا بالطبع ولكن إذا كان «ل بد لك ان تعرف» شيئا يا فتى فمن الضروي ان تعلم ما استقاه وزير خارجيتنا س‬
‫من معلومات»سباختصار‪:‬لشيء‪.‬فلما كان الوزيرعلى علم مسبق بكل شيء فمن الصعب جدا على أي انسان ان‬
‫يد خل في ذه نه ولو بالمطر قة والزم يل ان لع بد النا صر مشاكله أيضا‪.‬وهكذا أ صبح وزير نا‪،‬مثله م ثل البراك ين‬
‫وجبال الثلج‪ ،‬ما ن سميه ‪«:‬عا مل ل بد من الع يش م عه»‪.‬على كل لحوال بدا ان الجم يع يتوقعون م ني انجازات‬
‫عظيمة ليس فقط لكوني خريجا أمينا بل باعتباري أيضا أول من حرك مشروع وكالة الستخبارات المركزية في‬
‫مصر‪ .‬من دواعي السرور ان بعض التقدم كان قد تحقق في المجال الشخصي‪.‬فقد رتب كيم المور بحيث ينتقل‬
‫جيم ايخلبرغر إلى وزارة الخارجية ثم ينتقل إلى القهارة بصفة ملحق اقتصادي‪.‬كما حصل صديقنا القديم فرانك‬
‫كيرنز على عمل كمراسل متجول لشبكة سي ‪ .‬بي ‪ .‬أس وطلب الخر تعيينه في القهرة لكتمال حلقة التسلية‬
‫‪.‬ولك نه ر فض قبول اي مر كز ر سمي في وكالة ال ستخبارات المركز ية معربا عن ا ستعداده في الو قت نف سه‬
‫للتعاون معي ومع ايخلبرغر في تقديم بعض الرشادات المجانية لعبدالناصر في مجال العلقات العامة («حاولوا‬
‫حمله على البتسام أكثر بقليل‪«:‬هكذا نصحنا كيم) مقابل القليل من اليماء عن احداث ممكنة الحصول وقد تكون‬
‫صالحة للت صوير التلفزيو ني‪.‬و صلنا القاهرة ن حن الثل ثة مع عائلت نا في أوقات متقار بة وأخذ نا نقوم بات صالتنا‬
‫الجتماعية بشكل يومي إلى محمد حسنين هي كل وغيره بأننا جميعا «عملء في وكالة الستخبارات المركزية»‬
‫نستعمل شقة فرانك الفخمة في الزمالك (حساب نفقاته أكبر من حساباتنا) مقرا لعملنا‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫بدأ عملي بداية حسنة في القاهرة حيث دبر لي صديقي حسن التهامي دارة جميلة لقامتي تقع في حي المعادي‬
‫الفخم كانت سابقا دارة الجنرال ولسون قائد القوات البريطانية في مصر‪ ،‬يقوم خلفها بيت الضيوف أقام فيه هو‬
‫وي قع إلى جانب ها ب يت آ خر أعده لضا بط وكالة ال ستخبارات المركز ية الذي سيقوم بالرتباط الر سمي بي نه (أي‬
‫التهامي) وبين فريق الوكالة التي إلى مصر‪.‬لدارتي حديقة خلفية وحديقة أمامية فيها حوض واسع للسباحة على‬
‫أحد جنباته سقيفة للستظلل تصلح لتناول طعام الفطور صباحا والشاي بعد الظهر‪.‬أما فريق شركة بوز آلن اند‬
‫هملتن المؤلف من خمسة رجال فانتقلوا إلى مبنى جديد في غاردن سيتي حيث بدأوا العمل بجد ونشاط يحاولون‬
‫ما ا ستطاعوا تفهم تشابك شركات بنك مصر بعضها بب عض‪.‬وأما جيم ايخلبر غر فكان على أحسن ما يرام من‬
‫التفاهم مع السفير كافري والضابط السياسي في السفارة الميركية بيل ليكلند (دايف إيفانز نقل إلى البنتاغون)‬
‫هذا واسستطاع فرانسك كيرنسز إذاعسة بعسض اخباره على الهواء مباشرة فيمسا أصسبحت زوجتسه غون مسن أفضسل‬
‫المضيفات في مجتمع الزمالك ‪.‬‬
‫في أول اجتماع لي معه في القاهرة اخبرني ايخلبرغر ان السئلة التي طرقها قبل مغادرتي واشنطن باسبوع قد‬
‫أثارت اهتمام اشخاص متعدديسن وجعلتهسم يدركون لول مرة بأنسه مسن الصسعب عليهسم الحكسم حكما مقبولً على‬
‫عملية ما إل إذا كانوا هم والمسؤولون المشرفون عليها قد أدركوا ما هي الغاية المنشودة منها‪.‬وأثناء وجودي في‬
‫مكتبه عرض علي ايخلبرغر وثيقة تحمل عنوانا يشبه «رهان اميركا في الشرق الوسط» وطلب إلي ان اقراها‬
‫مثنى وثلثا حتى تترسخ في ذهني ثم مساعدته في اعادة صياغتها إذا ما تسنى لي الوقت في عملي في الشركة‪.‬‬
‫وقال إ نه سينقلها إلى العرب ية على يد أ حد الطلب الخت صاصيين في وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬ثم أقوم أ نا‬
‫بنقلها إلى زكريا محيى الديف واطلب إليه ابداء تعليقاته عليها‪ .‬بدت ل الوثيقة عادية إلى حد ما علما بأنها تحمل‬
‫خاتم «سري جدا»‪ .‬وقال ايخلبر غر بان انقلها إلى زكريا ليس بوصفي ممثلً لوكالة الستخبارات المركزية بل‬
‫كخدمة شخصية للسفير كافيري باعتبار انني اتصل بزكريا محيى الدين بحكم عملي في الشركة (كان من واجبي‬
‫الشارة قبل الن ان عبدالناصر عين زكريا ضابط ارتباط مع الشركة ليس لن له أي علقة رسمية ببنك مصر‬
‫بسل لنسه كمديسر المخابرات المسسؤول المثسل لمراقبسة فريسق مسن الجانسب سسيتعاطون بأحسد أهسم حقول الدولة‬
‫حساسية‪ ،‬أي ماليتها)‪ .‬على كل حال رفضت الطلب فقال ايخلبرغر‪« :‬ان كنت غير مستعد للقيام بخدمات بسيطة‬
‫كهذه من وقت إلى آخر سيترتب علينا ابقاؤك خارج لعبتنا كليا‪ .‬فعل ذلك الكلم فعله في نفسي وساندته رغبتي‬
‫في «ال سهام» ال تي تتغلب في النها ية‪ .‬ات صلت بح سن التها مي وتوجه نا ن حن الثن ين إلى هليوبول يس (م صر‬
‫الجديد) وكان زكريا محيى الدين على وشك مغادرة مكتبه بعد ظهر الخميس لقضاء عطلة السبوع‪.‬الفى محيى‬

‫‪151‬‬

‫الديسن نظرة على الورقسة‪ ،‬النسسخة النكليزيسة والنسسخة العربيسة وقال انسه سسيعرضها على الريسس‪ ،‬أي‬
‫عبدالناصر‪،‬أثناء السهرة‪ .‬وانتهى المر‪.‬‬
‫كانت تلك نهاية القضية بشقها المختص بي‪ .‬ولكن ايخلبرغر أخبرني صباح الثنين التالي ان السفير «كافري»‬
‫قد ا ستعرضها باخت صار مع وز ير الخارج ية محمود فوزي‪.‬ف قد و صلت الور قة إلى محمود فوزي عبر قنوات‬
‫»غير رسمية« وغير دبلوماسية بحيث ان كافري أعرب عن دهشته وعن عدم علمه بها وتنصل من أي علقة‬
‫له بها ومسؤولية عنها وقال للوزير محمود فوزي انه إذا كانت تلك هي السياسة التي تبنتها الحكومة الميركية‬
‫فقد حدث ذلك دون علمه بها وكذلك دون موافقته‪.‬‬
‫في السبوع التالي‪،‬وفيما كنت ألقي احدى محاضراتي أمام كبار مدراء شركات بنك مصر لحظت ان في فناء‬
‫القاعة رجلً بلباس ضابط مصري طويل القامة وقوي البنية ل تنم تقاسيم وجهه عن أي ابتسامة يتابع بنهم ما‬
‫أنثره من درروح كم في ال صول الدار ية‪.‬إ نه عبدالنا صر بنف سه !ول ما صار وحده يش كل جمهور الم ستمعين‬
‫اتخذت موقف الجدية المهنية وتغاضيت عن بعض النكات التي أعددتها ليقاظ النائمين من المستمعين وحصرت‬
‫كل مي بالمناشدة «للع مل كفر يق»‪.‬تض من كل مي أيضا نقدا لذعا لنظ مة الهرم ية في الشرق المبن ية لخد مة بل‬
‫ولتشجيع الخصومة بين أقسام المنظمة الواحدة تسهيلً لمهمة «الدارة بالتجسس»‪ .‬فكان لقوالي أثرها في نفس‬
‫نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية جمال عبد الناصر‪.‬‬
‫بعد انتهاء المحاضرة تقدمت منه وعرفته بنفسي فأعرب عن تقديره لما سمعه مني وسألني ما إذا كنت مرتبطا‬
‫بموعد لوجبة الغداء‪ .‬اجبته بالنفي فاصطحبني إلى سيارته البويك القديمة وقال للسائق ان يتوجه بنا إلى مكتبه في‬
‫وزارة الداخليسة حيسث تناولنسا غداء مؤلفا مسن الشورباء والسسندويشات على طاولة عمله‪ .‬ومنسذ ذلك اليوم وحتسى‬
‫تخلصسه من مح مد نجيسب ب عد عدة أشهرك نت أتناول طعام الغداء مسع عبسد الناصسر مرت ين أو ثلث مرات فسي‬
‫ال سبوع إ ما في وزارة الداخل ية أو في غر فة الطعام في م قر مجلس قيادة الثورة في الزمالك يرافق نا في مع ظم‬
‫الحيان حسن التهامي‪،‬وفي بعضها زكريا محيى الدين أو بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة‪ .‬وأشدد هنا على ان‬
‫محمد حسنين هيكل لم يكن معنا مرة واحدة‪.‬‬
‫قضت اسرة كوﭙلند في القاهرة سنتين سعيدتين هانئتين تخللتهما بين والحين فترات من النشاط التامري المحموم‬
‫والفوضىالدبلوماسية‪،‬كانت كلها مهنية في طابعها‪.‬وحتى اجتماعي الول بعبدالناصر كنت منهمكا بشهادة زملئي‬
‫في الشركة‪،‬بأعمال الدارة العامة الكثر تحديا وإثارة من أي أعمال في الهندسة الدارية سبق لي ان قمت بها‬
‫في أي وقت مضى‪.‬فقد كنا في الحقيقة كمن يعمل في أرض بكر نخترق ادغال الفوضى والتقاليد المتحجرة‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫أثناء درا ستنا اعادة تنظ يم دوائر الجمرك مثلً‪ ،‬والو سائل اليلة إلى ج عل خم سئمة مو ظف ينجزون الع مل الذي‬
‫كان يقوم بسه الفسا موظسف‪،‬قال لنسا زكريسا محيسى الديسن بأننسا تجاهلنسا «ضرورة أجتماعيسة» موضحا بأن مدراء‬
‫الجمارك البريطاني ين الذ ين نظموا دوائر الجمرك قد أبعدوا عن الشارع أل في مشا غب محت مل في ما ن حن نحاول‬
‫اعادة ألف وخم سمئة من هم إلى الطرقات‪.‬وأضاف أن الخبراء البريطاني ين استطاعوا تعق يد‪ ،‬بل في الوا قع تأخ ير‬
‫معاملت تخل يص البضائع الم ستوردة‪ ،‬طبعا ارضاء لجم يع من يهم هم ال مر با ستثناء الم ستوردين والمورد ين‬
‫الجانب وهما دون ريب أقل عناصر العملية أهمية‪.‬‬
‫ن صحنا زكر يا بأن «علي نا تنظ يم أولويات نا» وبأن الهيئت ين الك ثر جدارة بتح سين كفا ية الداء فيه ما من ب ين كل‬
‫الهيئات الحكوميسة همسا المخابرات ووزارة الداخليسة‪ ،‬وهمسا الهيئتان اللتان تشرفان على مسن ومسا يدخسل البلد‬
‫ويخرج منها وتضبطان ما يجري في داخلها‪ .‬لم يكن من مجال للتشكيك بأولوياته فعندما تشكلت لجنة من مجلس‬
‫قيادة الثورة لدراسة تحسين كفاية الدوائر الحكومية تبينت لها جدية البطالة الموروثة من العهد الملكي فأصرت‬
‫على عدم ت سريح مئات الموظف ين الفائض ين عن الحا جة في وزارة الداخل ية‪ .‬ف ما كان م نه إل أن ج مع هؤلء‬
‫لموظفين في مبنى مستقل وأمرهم بنسخ القرآن الكريم نسخة نسخة‪ .‬نعم‪ ،‬هكذا فعل عندما حل محل عبدالناصر‬
‫وزيرا للداخليسة فسي أعقاب اعتلءعبسد الناصسر إلى مرتبسة الرئاسسة‪ .‬فسي زيارتسي الولى لوزارة الداخليسة كان‬
‫عبدالناصر ممسكا بناصيتها يعتبرها الولوية الولى القادرة في حكومته الجديد على تأمين «قاعدة وقائية مستترة‬
‫نوعا ما غايتها وقاية عهد جديد من الضطرابات العامة التي تتصف بها فترات ما بعد الثورة في أي مكان‪.‬‬
‫أدى تكليفي بتقديم الستشارات لتنظيم وزارة الداخلية إلى ضم قوى شركة بوز س آلن اند هملتن إلى قوى وكالة‬
‫الستخبارات المركزية فكان عليهما القيام بمشروع ل يخص الوكالة بل حكومة الوليات المتحدة‪،‬باشراف وكالة‬
‫النماء الدولية‪.‬أما مشاركة الوكالة فيه فليس سببها رغبة الحكومة الميركية باسباغ صفة السرية عليه بل رغبة‬
‫الحكومة المصرية‪ .‬ولعل هذه المرحلة من الكتاب هي المناسبة الملئمة لبداء الملحظة التالية التي تنطبق على‬
‫معظم الحالت‪ :‬وهي أن الحكومة التي تتلقى مساعدة من الوليات المتحدة تتعرض للرباك السياسي التشديد ان‬
‫هي أفشت ان علقتها بالحكومة الميركية حميمة كعلقة المريض بطبيبه‪.‬‬
‫إذا‪،‬كا نت وزارة الداخل ية من ن صيبي في ما عالج خبيران القضا يا الثانو ية كبطاقات الهو ية وت سجيل ال سيارات‬
‫والليات وغيرهسا مسن الشؤون المشابهسة كتحسسين خدمات دائرة الهجرة والخدمات الجمركيسة دون تسسريح اي‬
‫مو ظف‪ .‬أما مجال اختصاصي فكان بالطبع دوائر الشرطة ‪.‬ونظرا لمحدودية خبرتي في هذا الحقل اضطررت‬
‫لل ستعانة برب عملي الول‪ ،‬أي وكالة ال ستخبارات المركز ية‪.‬خلل قرا بة الش هر ب عد اجتما عي بع بد النا صر‬
‫فصلت كلية الشرطة الخاصة التي أنشأتها قبل استقالتي من الوكالة الملزم بات كيلي وهو ضابط لطيف متقدم‬
‫‪153‬‬

‫في السن أحيل حديثا على التقاعد من كلية الشرطة التعابة لدائرة شرطة نيويورك حيث خدم عدة سنوات رئيسا‬
‫لقسم حماية الشخصيات الكبيرة أثناء زيارتها لمنهاتن‪.‬‬
‫انيطست بسي مهمتان‪:‬الولى وضسع لوحات بيانيسة تنظيميسة بهرميسة المسسؤوليات واعداد الدروس فسي المدرسسة‬
‫الجديدة‪.‬أما الثانية فينبغي تنفيذها بالتعاون مع فرانك ديوان وفرانك هوفر عميلي مكتب التحقيق التحادي اللذين‬
‫جاء بهما صديقي القديم أورفال يارغر لدارة مدرسة الشرطة التابعة لوكالة الستخبارات المركزية‪.‬‬
‫جاءت المهمة العملنية الوحيدة التي قمت بها للشرطة بمساعدة بات كيلي عندما صار السير انطوني ايدن بعد‬
‫بضع سنوات مهووسا بالرئيس المصري جمال عبد الناصر بحيث أصبح وزير خارجيتنا يتوقع ان يواجه في أي‬
‫يوم اصرارا بريطانيا على وضع مؤامرة اغتيال‪ .‬تلقى رئيس مركز القاهرة في تلك الفترة رسالة من آلن دالس‬
‫بالذات أرسسلها بناء على اصسرار شقيقسة طلب فيهسا منسا البحسث عسن وسسائل اغتيال عبسد الناصسر إذا مسا دعست‬
‫الحاجة‪.‬انطوت الرسالة على لهجة مبطنة تبنئ بأن الخوين دالس يرحبان بجوات عليها مفاده استحالة الوصول‬
‫إلى عبدالناصر مع عدم التوض يح بالطبع باننا ن حن و سيلة الحيلولة دون وصول أيدي الغتيال إليه باعتبار اننا‬
‫صممنا ترتيبات الحفاظ على سلمته‪.‬‬
‫لقسد حان الوقست أخيرا لعترافسي بصسحة نبذة واحدة مسن كسل الدعايسة المعاديسة لي التسي نشرهسا الشيوعيون فسي‬
‫السنوات القليلة الماضية وأخذها عنهم بعض السخفاء من الميركيين‪.‬نعم‪،‬لقد تناقشت في ذلك الموضوع بالذات‬
‫مع الرئ يس ع بد النا صر بنف سه‪،‬ك ما كان التقر ير الممتاز الذي حاز على مكافأة في واشن طن يتض من الكث ير من‬
‫اقتراحات عبد الناصر ‪.‬‬
‫سألته في سياق تلك المناقشة‪«:‬ما قولك بالسم؟ لنفرض انني غافلتك ودسست حبة سم في فنجان قهوتك»‪.‬‬
‫قال‪«:‬حسن واقف هناك‪ .‬فإذا غافلتني سيراك هو»‪.‬‬
‫قلت‪«:‬ربما استطعنا رشوة خادم ليدس لك السم في القهوة قبل الدخول بها عليك؟»‬
‫اجاب‪«:‬يبدو ان شرطيكسم النيويوركسي قسد فكسر بذلك ‪.‬القهوة ل تقتسل إل ذائقهسا ‪ .‬عندمسا يسسقط الذائق مينا‪.‬أفلن‬
‫برشدنا ذلك إلى موامراتكم»‪.‬‬
‫وهكذا كانت السئلة والجوبة‪ .‬تبين بالفعل ان بات قد فكر بكل الحتمالت‪.‬ولكن وضع عبد الناصر على محك‬
‫تمثيل عملية اغتياله جعتله (أي بات) يدرك أهمية القضية بمجملها‪.‬‬
‫وكما قلت سابقا كل ذلك جرى في وقت لحق‪ ،‬أما في العام ‪1953‬عندما كنا جاهد ين للحفاظ على حيا ته‪ ،‬كان‬
‫خوفنسا الكسبر عليسه مسن قيام ثورة معاكسسة على يسد الفريسق الذي أوصسلنا إلى الجيسش‪ :‬الخوان المسسلمون‪.‬عبسد‬
‫الناصسر يتمتسع بالقوة اللزمسة لخنقهسا‪ ،‬ولكسن ثمسة عائقيسن فسي الطريسق‪ .‬الول انسه حمسل على محمسل الصسدق‬
‫‪154‬‬

‫المعلومات المغلوطة التي أوصلناها له قبل النقلب ووصوله إلى السلطة عن ان الخوان المسلمين قد يكونوا‬
‫حلفاء ذوي شأن‪ .‬والثاني انه لم يستطع‪ ،‬بعد اكتشافه انهم ليسوا كذلك‪ ،‬الخروج بفكرة لتحييدهم دون اظهار عهده‬
‫على ان قمعسي أكثسر مسن اللزوم‪.‬لقسد بسسطت المور كثيرا لننسي أردت اظهار النقطسة التاليسة‪ :‬أن عبدالناصسر‬
‫الجد يد‪،‬كأي ع هد ثوري آ خر‪ ،‬مض طر للمرور بفترة من القمع ية الشاملة‪ .‬ذلك لن على الع هد ان ير سي لنف سه‬
‫«أساسا قمعيا»قبل مجرد التفكير بإرساء «أساس بناء»‪.‬‬
‫تضم نت البرق ية الولى ال تي ت سلمها رئ يس مر كز وكالة ال ستخبارات المركز ية في القاهرة جوابا على تقريره‬
‫الطويل عن تقدم أعمالنا في وزارة الداخلية الطلب إليه أن يبلغني تنويه الخوين دالس بنجاحي في مهمتي‪ ،‬ثم ان‬
‫يرفسع تقريرا عسن احتمالت اجراء «انتخابات حرة وشريفسة وديمقراطيسة فسي المسستقبل القريسب»‪.‬كانست كسل‬
‫المراسلت التي تلت البرقية تتمحور حول الفرضية بأن الحكومة المنتخبة انتخابا حرا ومنصفا في بقعة من بقاء‬
‫العالم ستكون حكما مناهضة للتحاد السوفياتي ومؤيدة للوليات المتحدة حتى ولو كان السوفيات يقدمون لها كل‬
‫ما تحتاج إليه ولو كنا نحن نقف إلى جانب ألد أعدائها‪.‬‬
‫بتزايد ضغوط واشنطن علينا طلب مني جيم ايخلبرغر ان اساعده في اتخاذ دور «محامي الشيطان» في دراسة‬
‫للوضع العام في مصر كان قد طلبها منه السفير كافري‪ .‬وبعد قبول السفير بتوقعاتنا نقاط انطلق تركت المور‬
‫الباقيسة لي‪ ،‬أو بالحرى لي ولحسسن التهامسي فقضينسا الشهريسن التالييسن أياما مسن العمسر‪ ،‬ذلك اننسا بموافقسة عبسد‬
‫النا صر وزكر يا مح يى الد ين‪،‬أقوى رجل ين في م صر من ح يث أ من الدولة‪،‬رح نا نت صور خ طط انقلب ضد‬
‫عبدالنا صر‪ .‬وضع نا أنف سنا في مكان مختلف الشخ صيات أو المجموعات المعرو فة إ ما بعدائ ها للنظام الجد يد أو‬
‫باحتمال صيرورتها مناف سة له‪ .‬ولم نر تق ف قط إلى م صاف كبار ال خبراء العالمي ين في طرق زعز عة ا ستقرار‬
‫الحكومات والطا حة ب ها بل ربما أ صبحنا أ كبر الختصاصيين بذلك‪ .‬علمتنا تلك الفترة العنا صر اللز مة لذلك‪،‬‬
‫فوضع نا قائ مة مف صلة بالضروريات ال ساسية اللز مة‪ ،‬أو سع بكث ير م ما كان في ذ هن ستيف م يد عند ما را فق‬
‫ح سني الزع يم في مشوار بال سيارة في شوارع دم شق يدله على الهداف الوا جب ال سيطرة علي ها في ليلة تنف يذ‬
‫النقلب‪ .‬وب عد ذلك بب ضع سنوات عند ما جل ست مع مجمو عة من خبراء المخابرات الميركي ين والبريطاني ين‬
‫نخطط للطاحة بعبدالناصر جديا‪ ،‬لم يبد من زملئنا البريطانيين ما دل على الدراك بأنهم في حضرة الشخص‬
‫الوحيد في العالم العليم بالخبرة بطرق تنفيذ ما يهدفون إليه ‪.‬‬
‫ل بسد لي الن مسن الدلء باعتراف أشسد خطورة مسن اعترافسي السسابق ‪:‬هسل تعلمون مسن كان يعسد الكثيسر مسن‬
‫تصريحات عبدالناصر وسيل الدعاية المعادية للوليات المتحدة المتدفق من إذاعة القاهرة س اقوى وسائل الدعاية‬
‫في الشرق الوسط س التي أزعجت الدبلوماسيين المحترفين في وزارة خارجيتنا ؟طبعا أنتم ل تعلمون اننا كنا‬
‫‪155‬‬

‫نحن نعدها ‪.‬ذلك لننا كنا ندرك مثلنا مثل عبد الناصر نفسه ان قبضة العهد الجديد على البلد تتوقف على قدرته‬
‫في ال ستمرار بالعداء لمير كا بش كل مق نع وان ل يس في مقدور ع بد النا صر المخاطرة بمجرد ابداء أي عقلن ية‬
‫في مواقفه حيال سياساتنا المختلفة في الشرق الوسط ‪.‬وحتى لو ستطعنا تنويم عبد الناصر مغنطيسيا بحيث يطيع‬
‫أوامر واشنطن دون تردد‪،‬لحجمنا عن حمله على التصرف تصرفا نعلم مسبقا بأنه انتحاري ‪.‬لذلك ساعدناه في‬
‫دعايته المعادية لميركا ومن ناحية أخرى بذلنا مجهودا كبيرا لجعل تلك الدعاية تأتي بنتائج عكسية إذ ضمناها‬
‫الكثير من السخافات الواضحة مع بقائنا بكامل السيطرة على انتاجها ‪.‬وذهبنا في اتقاننا لهذه العمليات إلى استقدام‬
‫بول لنيبارغسر‪ ،‬ولعله أقوى الدعائييسن «السسود» فسي التاريسخ‪،‬إلى مصسر لتدريسب الفريسق المصسري الميركسي‬
‫المسؤول عن انتاج الدعايات المذكورة ‪.‬‬
‫لقد كانت مهمتنا‪ ،‬كما ترون‪ ،‬خلق قناة اتصال سرية مصرية أميركية وبعيدا عن البيروقراطية ومنيعة بوجه أي‬
‫تأثيرات اف سادية‪ ،‬والبقاء علي ها مفتو حة دون أن يكون ل ها اي تأث ير في ما ي مر عبرها ‪ .‬أ ما هذا ال مر الخ ير‬
‫فهسو مسن اختصساص وزارة خارجيتنسا ‪.‬فإذا مسا أدت المراسسلت المارة عسبر تلك القناة إلى تلقسي الفكار تكون‬
‫النتي جة طي بة‪ .‬أ ما إذا أظهرت تباينا صادقا إن ما غ ير قا بل للتوف يق‪ ،‬عندئذ لن يكون بطوق نا ف عل أي ش يء ولن‬
‫ينبغي علينا فعل أي شيء ‪.‬‬
‫ويتر تب علي هنسا أن أشدد على ان ذلك هو كسل مسا يم كن للفعسل السسياسي ان يحق قه ‪.‬إذ ل يمك نه إل اسستغلل‬
‫الحرك ية ال سياسية الجار ية في حي نه الستغلل الم ثل‪،‬علما بأ نه ي ستطيع تعديل اتجاه ها أو خلق حركيات جديدة‬
‫في ب عض الحيان ‪.‬ولك نه ل يمك نه إل نادرا جدا احداث تغييرات داخل ية في اي بلد با ستخدام قوى خارج ية س‬
‫أكان ذلك في مصر أو في كوبا أو في نيكاراغوا كما هي الحال حديثا‪ .‬وعندما كنت ل أزال أعمل في الوكالة‬
‫جرى نقل كل الموظفين الذين خالفوا هذا الرأي إلى وظائف ادارية داخل الوكالة أو انهم طردوا منها ‪ .‬كان آلن‬
‫دالس منفتحا على المنطق‪ ،‬أما شقيقه جون فوستر (وزير الخارجية) فبالعكس‪ .‬ول شك في ان الوزير لم يكن من‬
‫ق مم الذكاء المتو قد ك ما كان يت صوره رئي سه‪،‬الرئ يس ايزنهاور‪،‬أو ك ما ت صور هو نف سه‪ .‬أ ما عناده فيضرب به‬
‫المثل وهو الذي أضفى على عبارة «عقل مثل الفخ الفولذي» معناها الجديد‪ .‬ولما لم يسبق له ان عايش وتعاطى‬
‫فعلً مع زبائنه من العالم الثالث اكتفى بالقتناع العمى بأنه يتمتع بتفهم ميكافيلي لكل المشاكل القليمية في العالم‬
‫بينما لم تكن آراؤه في نظرنا نحن الذين عملنا على الرض سواء كنا في وكالة الستخبارات المركزية أو في‬
‫وزارة الخارجية إل أقل بدائية من الترهات التي تلف افكار معظم سياسيي الشرق الوسط ‪.‬‬
‫قضيت معظم ما تبقى من سنتي خدمتي في القاهرة ومن سنتين أخريين‪،‬بعد استقالتي من الشركة وعودتي إلى‬
‫وكالة ال ستخبارات المركز ية ب صفة رئ يس لق سم الع مل ال سيا سي في م ساعدة ك يم روزفلت نلملم معا شظا يا‬
‫‪156‬‬

‫الركام‪ .‬ركام ماذا‪ .‬الركام المتناثسر مسن سسياسات الوزيسر دالس التصسادمية أكان فسي مصسر أو فسي بلدان الشرق‬
‫الوسط الخرى ‪.‬ذلك انه اصر على اتباع سياسات واتجاهات كان موظفو الخارجية والوكالة على يقين من انها‬
‫سستؤدي إلى كوارث ‪.‬هسل حصسل الخطسأ مسن قبلنسا‪.‬؟ هسل تأخرنسا فسي انذار الوزيسر دالس وكبار معاونيسة وكبار‬
‫المعجبين به ومؤيديه في البيت البيض بأنه يكدس الخطاء فوق الخطاء ؟ لقد اخبرناه بكل ذلك وبكل تأكيد ‪.‬‬
‫وما على من يشك بقولي هذا إل أن بتيقن من ذلك بمراجعة المراسلت حول الموضوع التي بات في متناول من‬
‫يشاء مطالعتها ‪.‬‬
‫أ ما ن حن العامل ين ميدانيا ف قد تقيد نا كليا بأرب عة مبادئ اع تبرناه على برائت نا من طرق وأ ساليب واشن طن بأن ها‬
‫تنطبق على مبادئ المنطق السليم لدى رؤسائنا‪ .‬لبد اننا أصبنا س من حيث المبادئ المذكورة وان لم يكن من‬
‫حيث الطاعة لرؤسائنا س باعتبار انه منذ ذلك الحين وحتى الن والكوارث تحل بأي عملية تنفذ دون التقيد بها ‪.‬‬
‫سبق أن ذكرت المبدأ الول ‪:‬و هو ا نه اذا اضطررت لتغي ير طبي عة او اتجاه حكو مة ما عل يك ان تف عل ذلك من‬
‫خلل القوى الموجودة داخل البلد ‪.‬بالطبع هناك لزمة لهذا المبدأ وهي انه في غياب تلك القوى س أو حيث ل‬
‫توجد قوى نائمة يمكن ايقاظها أو تحريكها بدافع من مصالحها وتوجيهها في أقنية تخدم مصالحنا س عليك التخلي‬
‫عن الع مل ال سياسي واللجوء إلى ا سلوب آ خر‪ ،‬أو محاولة التك يف مع و ضع تشو به ب عض النوا قص ‪.‬ل يس هذا‬
‫المبدأ اكتشافا جديدا فقد أفصح استراتيجي صيني عن اسمه منذ قرابة الثلثة آلف سنة بقوله‪ :‬إياك الدخول في‬
‫عراك ل ترى بوضوح طريقك نحو الفوز فيه؛ وإياك السير في عمل ما إل إذا كنت على بينة من احتمال مقبول‬
‫لنجاحه‪ .‬وعليه يأتي دائما ثمن الخفاق في حل اشكال في العمل السياسي أعلى من ثمن البقاء عليه دون حل‪.‬‬
‫أما كلفة التقصير المفضوح فكثيرا ما تكون انتحارية ‪.‬‬
‫المبدأ الثا ني‪ :‬ف هو الذي يل قي العاملون ميدانيا أ شد ال صعوبة في ادخاله عقول ا ستراتيجي المقا عد المري حة في‬
‫واشنطسن‪ ،‬وهسو أن الديمقراطيسة والنتخابات الحرة فسي معظسم دول العالم الثالث ل تشكسل الحسل لمشكلت تلك‬
‫البلدان أنفسها ول الحل لمشكلتنا فيها ‪.‬ففي أكثر الحالت يفوز في النتخابات الحرة في البلدان المسماة «نامية»‬
‫واحد من نوعين من المرشحين ‪:‬فإما أن يكون سياسيا أ فريقا سياسيا يضع في رأس اولوياته لدى بلوغه السلطة‬
‫التو قف عن اجراء اي انتخابات حرة أخرى؛ أو غوغائي ق طع على نف سه وعودا يعلم ا نه غ ير قادر على الوفاء‬
‫بها‪ ،‬يبدأ بعد فوزه بمطالبتنا بأشياء ل نستطيع القيام بها فينحى باللئمة علينا ويتهمنا بأننا وراء تقصيره ‪.‬‬
‫والمبدأ الثالث‪ :‬هو ان علينا العتراف بواقع ملخصه ان الحكومة التي ندفع بها إلى سدة السلطة تضع مصالحها‬
‫دوما قبسل مصسلحتنا‪ .‬إن أشسد الحكومات موالة لميركسا تمتنسع عسن السسير فسي خططنسا مسا لم تخدم تلك الخطسط‬
‫م صالحها ق بل م صالحنا وشرط أل يعرض ذلك قبضت ها على بلد ها لي خ طر‪ .‬هذه هي النظرة ال تي ا ستحال‬
‫‪157‬‬

‫علينسا نحسن العامليسن ميدانيا مسع حكومسة عبسد الناصسر اقناع واشنطسن بهسا ‪.‬فقسد كانست الولويسة‪ ،‬كمسا رأيناهسا‬
‫نحن‪،‬وجوب ابقاء عبد الناصر على رأس الحكم ؛ فهو ل يشكل اي قيمة لنا خارجة هذا إضافة إلى انه لم يكن له‬
‫أي بديل منظور ‪.‬ورغم ذلك وطلب إلينا المرة تلو المرة حمله على اتخاذ اجراءات يعلم هو مثلنا بأنها انتحارية‬
‫‪.‬ولدى رفضه طلباتنا جاءتنا التعليمات بالشروع بخطط التخلص منه ‪.‬‬
‫المبدأ الرابع ‪:‬هو أن علينا العتراف بأن القسم الكبر من عملنا الفضل مع حكومة نريد بقاءها في السلطة يجب‬
‫أن يبقى سريا ليس لننا بحاجة إلى سريته بل لن السرية هي رغبة تلك الحكومة ‪.‬يجب أن نعلم أن القادة في‬
‫البلدان التي تتلقى أريحيتنا ل يستفيدون كثيرا على الصعيد الشعبي من اعلنهم عن صداقتهم معنا س علما بأن‬
‫أكثرهسم يسسجلون بعسض النقاط لصسالحهم بتبجحهسم بقدرتهسم على اسستغللنا ‪.‬باسستثناء حالت قليلة جدا لم يجسن‬
‫الزعماء القليميون الذين عرف عنهم الولء لميركا إل فقدان نفوذهم أو حياتهم ‪.‬إل ان السرائيليين يشكلون إلى‬
‫حد ما شواذ القاعدة‪،‬هذا مع العلم بأن هؤلء ل يتأخرون‪ ،‬بين آن وآخر‪،‬عن التبجح بأن نفوذهم عندنا أقوى من‬
‫نفوذنا عندهم على الرغم من المساعدة الضخمة التي نقدمها لهم ‪.‬فحسب تعريفنا للعمل السياسي في اليام الطيبة‬
‫الغابرة كان تعاطينا به مع جميع الحكومات‪،‬باستثناء الحكومة السرائيلية‪ ،‬ناجحا بمقدار ما حافظنا على سريته‬
‫‪.‬أما العلن عنه فل يعني فقط تخريبه بحد ذاته بل جعل تأثيراته عكسية بحيث تصبح كلفتها أكثر من المنافع‬
‫التي كنا نتوقعها منه ‪.‬‬
‫ولكن المشكل الرئيسي يكمن خارج مثل هذه العتبارات ففي سنوات قادمة ل بد أن يكتشف شاب ما في جامعة‬
‫ما من أبحاثه لعداد رسالة الدكتوراه أن الصعوبات في العمليات السياسية الميركية إبان الخمسينات نجمت ليس‬
‫من عدم قراءة تقاريرنا في واشنطن بمقدار ما نجمت من اننا في الميدان لم نكن على علم بأن ل أحد يقرأها ‪.‬إن‬
‫المبادئ ال تي أشرت إلي ها موجودة في ال سجلت ‪.‬فل ما عدت إلى واشن طن وجدت خزا نة محفوظات كاملة مليئة‬
‫ليس فقط بأوراق أشبه بمقالت دراسية تعالج بتوسع تفاصيلها بل بتقارير مفصلة عما كنا نقوم به من أعمال‪،‬مما‬
‫يعني ضمنا اننا كنا نراعي تلك المبادئ بدقة ‪.‬ومع ذلك لم أعثر على وثيقة واحدة ل في ملفات وزارة الخارجية‬
‫ول في ملفات وكالة الستخبارات المركزية تقول لنا واشنطن فيها بأننا نعمل خارج نطاق التعليمات‪ .‬وفي الواقع‬
‫عثرت على تنويهيسن موجهيسن لي شخصسيا ممسا يعنسي بوضوح ان واشنطسن اعتبرتنسا نعمسل فعلً ضمسن نطاق‬
‫التعليمات وانها أثنت بذلك صراحة على «استراتيجيتي» في التعاطي مع حكومة عبد الناصر ‪.‬‬
‫وهكذا تابعنا العمل بثقة عمياء بأننا متقيدون بالحدود المرسومة مع واشنطن بينما كان واقع الحال اننا زججنا عبد‬
‫النا صر في المأزق تلو المأزق ثم ا ستحال علي نا الخروج من ها ‪.‬وم ما زاد في سوء الو ضع ان الزوار الوافد ين‬
‫علينا من واشنطن يغادروننا مقتنعين بما شرحناه لهم في القاهرة ويرجعون إلى واشنطن فقط للعودة إلى ما كانوا‬
‫‪158‬‬

‫عليسه مسن آراء انعزاليسة وثابرت وزارة الخارجيسة تطالب عبدالناصسر باتباع سسياسات تؤدي بسه إلى النتحار‬
‫السياسي‪،‬ورحنا نحن في القاهرة نتنبأ بدقة بما ستكون ردة فعله على طلباتنا‪،‬حتى اننا تنبأنا كيف أن تصرفات‬
‫عبدالناصر والستراتيجيات الخذة بالتكون حولها ستبقيه أمامنا بخطوة في اللعبة طالما بقي جون فوستر دالس‬
‫وزيرا للخارجية‪.‬‬
‫لم يتمكسن الوزيسر دالس مسن فهسم المبدأ الول القائل بأنسه‪«:‬مسن النادر ان تفوز بلعبسة دون معرفتسك باشتراكسك‬
‫في ها»‪.‬هذا فضلً عن ان ال ستراتيجية المضمو نة النجاح قد ت صل إلى نها ية مأ ساوية إن هي اغفلت التغيرات‬
‫الجذر ية الجار ية على رق عة اللع بة ذات ها‪.‬كان ع بد النا صر يقول‪«:‬إن ني ل أقوم بالع مل بل أرد عل يه»‪.‬دعو نا من‬
‫الكلم بالعموميات فواقع المر ان موقفه هذا سهل علي مهمتي‪.‬‬
‫نعم‪،‬نعم‪،‬ثمة أجراء واحد اتخذه عبدالناصر‪ ،‬وقصرنا أنا وكيم روزفلت عن التنبؤبه‪.‬فعندما أعلن وزير الخارجية‬
‫دالس ان نا لن ن ساعد عبدالنا صر في بناء ال سد العالي‪،‬دعي نا إلى اجتماع ع قد في وزارة الخارج ية للم ساعدة في‬
‫استقراء ما ستكون ردة فعله‪.‬طرحت آراء كثير ولكن رئيسنا المحبب فرانك وايسنر انفرد بذكر احتمال تأميم عبد‬
‫الناصر لشركة قناة السويس‪.‬دسنا انا وكيم على رجل فرانك تحت الطاولة (اننا نحبه ولم ترق لنا رؤيته يجعل‬
‫من نفسه موضوع سخرية أمام الحاضرين) ولكنه ثابر في اصراره على رايه فيما اخذ كبار مسؤولي الخارجية‬
‫يشرحون له بحنو أبوي أسباب استحالة أو قلة احتمال اقدام عبد الناصر على اتخاذ مثل ذلك الجراء‪.‬‬
‫ولكن الرئيس عبد الناصر أمم شركة قناة السويس كما يعلم الجميع (لم يؤمم القناة نفسها كما يظن خطأ بل أمم‬
‫الشركة) فدعانا فرانك إلى مكتبه ليشمت بنا وقال‪«:‬أرجو أن تجلبا معكما الملحظات التي دونتماها عن الجتماع‬
‫في وزارة الخارجية‪.‬‬
‫دخلنا عليه فإذا به في نشوة الظفر وكأنه يقول ‪«:‬ألم احذركم؟» ولكن مظهره تبدل عندما عجز عن العثور بين‬
‫أوراقه على ما يدعم نبوءته‪ .‬قال بصوت عال‪« :‬ال تذكران؟قلت مرتين أو ثلت مرات ان عبد الناصر قد يلجأ‬
‫إلى تأميم شركة القناة»‪.‬‬
‫ن ظر ك يم إلي ونظرت إل يه‪ ،‬ثم قال ‪«:‬ل ست أذ كر‪ ،‬يا فرا نك‪ ،‬ا نك تفو هت بش يء من هذا القب يل ‪.‬أتذ كر ا نت يا‬
‫مايلز؟»‬
‫قلت لكيم ‪«:‬لم اسمع ذلك منه»‪.‬ثم توجهت إلى فرانك بالسؤال‪« :‬هل انت متأكد من انك فكرت بذلك دون التفوه‬
‫به؟فلو نطقت بها لكانت نبوءة خارقة‪ ،‬ولكن ‪»...‬‬
‫ما انفك فرانك يصر على قوله‪«:‬انكما تعلمان بأنني قلتها» وما انفككنا أنا وكيم نردد وقد علت مظاهر الدهشة‬
‫وجهينا بأننا لم نسمعه‪ .‬كانت لعبة قذرة كثيرا ما رددناها بندم خصوصا وان فرانك انتحر بعد مرور أقل من سنة‬
‫‪159‬‬

‫على فشسل عمليتسه المفضلة‪ :‬ثورة هنغاريسا‪.‬وهنسا أود أن أسسجل للتاريسخ ان فرانسك وايسسنر الذي يجهسل معظسم‬
‫الميركيين من هو‪،‬رجل عظيم كبير القلب ومن افضل المدراء الذين اشتغلت معهم‪ .‬فيه قال ستيوارت آلسوب‬
‫انه‪«:‬مات ضحية الحرب كمثل ميتة أي جندي في ساحة القتال»‪،‬وهو لعمري‪،‬قول يشهد على صحته كل أصدقاء‬
‫فرانك ومن تعاون معه‪.‬‬
‫الفصل السادس عشر‬
‫العمل السياسي في الخفاء‬
‫هل هو شأن جدي؟‬
‫سبق لفرا نك واي سنر ان قال لي بأن ني سألقى الترح يب دوما في وكالة ال ستخبارات المركز ية وبأن في ها عملً‬
‫جاهزا بانتظاري متى شئت العودة إليها‪ .‬وعليه‪ ،‬عندما انقضت مدة تعاقدي مع شركة بوز س آلن اند هملتن في‬
‫مصر في تموز (يوليو) ‪1955‬راجعت حسابي في المصرف وتأكدت من أن فيه ما يكفي لشراء بيت جديد في‬
‫فرجينيا إضافة إلى سيارتين‪ ،‬فكتبت رسالة استقالتي ثم وجهتها إلى رئيسي جيم آلن رئيس الشركة الذي أجابني‬
‫برسالة جاء فيها تماما ما سبق لفرانك ان قاله لي عندما استقلت من الوكالة قبل سنتين (أي انه يرحب بعودتي‬
‫إلى الشركسة فسي أي وقست أشاء) مضيفا بأنسه سسيحيلني على السستيداع إذا مسا شئت ذلك بحيسث ل أعتسبر‬
‫م ستقبلً‪.‬وهذا يع ني أن ني ما زلت مع تبرا في عطلة بالن سبة إلى الشر كة‪،‬إل إذا كان أ حد الكت بة في مكاتب ها في‬
‫شيكاغو أو في واشنطن قد قرر شطب اسمي‪.‬‬
‫قضيت في القاهرة وقتا ممتعاجدا‪ ،‬وعندما استعيد ذكرياتي بين تموز ‪1953‬وتموز ‪ 1955‬أدرك انها كانت فترة‬
‫هامة جدا أفادت حكومتنا وأصدقائي المصريين والشركة‪ ،‬كما جنيت منه منفعة كبيرة‪ .‬وكم أتمنى لو استطعت‬
‫القول عينه في السنتين التاليتين‪.‬صحيح أنني أول منها سمي اختصاصيا بالعمل السياسي في الوكالة وأول رئيس‬
‫لوحدة مؤلفة من خمسة رجال اسمها أركان العمل السياسي‪.‬وصحيح أن للوظيفة وللقبها رنة مطربة على الغلف‬
‫الور قي لكتاب ح يث نبذة عن الكتاب و ‪ /‬أو المؤلف‪ .‬ول كن ما أعطي ته فعلً هو عبارة عن ك يس فارغ أم سك‬
‫به‪.‬وبعد أن بدا الفريق بالعمل المفيد اضطررت أن أقضي معظم أوقاتي وعلى مدى سنتين في محاولت دائمة‬
‫لتلفي عمليات العمل السياسي تقوم بها داخل القسام القليمية وحدات تتجاهل وجودي‪.‬‬
‫ل كن دعو نا نعالج ال هم أولً‪.‬لم ي مض يوم وا حد على ا ستقراري في عملي الجد يد ح تى أدر كت ان ل أ حد من‬
‫رؤسائي المباشرين س ل آلن دالس ول حتى كيم روزفلت س كانوا على علم دقيق بما هو عملي بالضبط‪.‬ولدى‬
‫استفساري طالعني كل منهم بجواب مبني على ما قاله الرئيس ترومن وهو يوقع قرار مجلس المن القومي رقم‬
‫‪160‬‬

‫‪10/2‬الذي اخسبر بسه لوكالة السستخبارات ان تتوسسع مهمتهسا مسن وكالة لجمسع المعلومات والسستخبارات لتشمسل‬
‫«مكاف حة العمال الشريرة ال يت يقوم ب ها ال سوفيات في الخفاء» بأي و سيلة ممك نة‪.‬فال سوفيات يحاربون نا بالح يل‬
‫القذرة إذا علي نا محاربت هم ب سلحهم‪ .‬ول كن أفل يع ني ذلك بأن نا قد انحدر نا إلى م ستواهم؟ واذا ا ستعملنا الح يل‬
‫القذرة لمجرد أنهم يستعملونها‪ ،‬أفل نكون قد ماثلناهم سوءا؟ أسئلة قد يطرحها اليوم المهتمون بالفضائل والخلق‬
‫ولكنها افتقرت إلى من يطرحها آنذاك‪.‬‬
‫ا سمحوا لي ان أطلب المعذرة من كم‪ ،‬يا مع شر الشباب الذ ين تعدون ر سائل لشهادات الدكتوراه‪ ،‬إذا بدا ما أقوله‬
‫مفاخرة‪ .‬فالمواد التي باتت في متناول أيديكم بفضل قانون حرية المعلومات تتيح لكم التيقن من انني كنت أول‬
‫مسن اقترح فسي رسسائل رسسمية انسه ل يجوز لي ذراع مسن أذرع الحكومسة الميركيسة‪ ،‬سسواء كانست وكالة‬
‫ال ستخبارات المركز ية أو غير ها‪ ،‬ل يجوز ل ها الخروج على العالم بالح يل القذرة لمجرد ان ال سوفيات يلجأون‬
‫إليها‪ .‬في ورقة مؤلفة من عشر صفحات حول طبيعة الصراع الميركي السوفياتي س حسبما رأيته س قلت بأن‬
‫ل ان نحدد بدقسة الضرر الذي ينوي السسوفيات إلحاقسه بنسا وليسة غايسة‪ ،‬وان نقوم بأي عمسل يحول دون‬
‫علينسا أو ً‬
‫تحقيقهم مآربهم‪ .‬أكان نظيفا أو قذرا‪ ،‬والمعنى في السعي لتحقيق غاياتنا‪.‬‬
‫وان ني وان ك نت أول من و ضع ذلك في ر سائل وأوراق ر سمية فآرائي هذه لم ت كن من بنات أفكاري‪ ،‬بل يعود‬
‫معظمها إلى هاري روزتسكي كما يعود الفضل بتوضيحها إلى ريتشرد بيسل وهو أستاذ في القتصاد بعث به‬
‫إلينا البيت البيض حيث كان يعمل مستشارا في تنفيذ مشروع مارشال‪.‬بعد اسبوع من انضمامه إلى الوكالة رأى‬
‫فيه كيم روزفلت حليفا محتملً‪.‬لم يكن ريتشرد يعرف الكثير عما اسميناه «العقلية المستهدفة» ولكنه وافق معنا‬
‫على ان تفهم ها ضروري ق بل و ضع الخ طط اللز مة لعمليات مخابرات ية ضد أ صحابها‪.‬ضم مت ما سمعته من‬
‫هاري روزتسكي إلى ما استقيته من ريتشرد بيسل أثناء تناولنا الغداء معا بضع مرات وتوجهت نحو البنتاغون‬
‫ووزارة الخارج ية وموا قع صنع القرار الخرى للتعرف إلى أفكار الخت صاصيين في ها بشأن ما سيواجهنا في‬
‫تصدينا للسوفيات‪.‬‬
‫و سرعان ما تعل مت من جول تي در سا بات مذاك يلزم ني كاحدى الحقائق البديه ية‪:‬ان البيروقرا طي‪ ،‬تعريفا‪،‬‬
‫ش خص يف صل المشا كل ح سب قياس ال حل ول يس الع كس‪ .‬ماذا يحاول ال سوفيات ان يفعلوه ب نا‪ ،‬وك يف ن ستطيع‬
‫إيقافهم؟ كل وحدة من وحدات الحكومة تجيب عن هذا السؤال بالطري قة التي تخدم غاياتها وهكذا تنبت «لعبة»‬
‫جديدة‪.‬انني اسمي ذلك »اللعبة البيروقراطية» واصنفها إلى جانب «اللعبة المحلية الداخلية» المتفرعة من «اللعبة‬
‫الدوليةز ‪ .‬اما مكوناتها الضرورية فهي‪:‬‬

‫‪161‬‬

‫ان غاية كل لعب (أي كل وحدة داخل البيروقراطية) تحقيق موقع مسيطر على رقعة اللعبة‪ ،‬موقع يمكنه من‬
‫تحديد المشكل بمجمله بطريقة تعطيه الدور الول في العثور على حل له‪.‬‬
‫ان الستراتيجية الرابحة تقوم بكليتها تقريبا على بناء امبراطورية أي جمع عدد أكبر من الموظفين برتب عالية‬
‫والقاب لئقة بها والتمركز في أبنية جديدة فخمة‪،‬والحصول على ميزانيات أكبر من ميزانيات اللعبين الخرين‪.‬‬
‫ان الحل المتفق عليه للمشكل بمجمله بين اللعبين المتنافسين ليس نتيجة التعاون لبلوغ غاية مشتركة بمقدار ما‬
‫هو عملية توافق بين ادوار مختلف اللعبين كل لمصلحته‪.‬‬
‫ان طبيعة «الحل» (إذا جاز حقا تسميته كذلك) وما يشدد عليه تحددهما الوحدة التي تمكنت من استخلص أضخم‬
‫ميزانية ممكنة من الكونغرس مع كل متممات تلك الميزانية ‪.‬‬
‫إن ني اتحدث ه نا عن اللع بة كمار رأيت ها في العام ‪.1953‬و مذ ذاك توالت أدم غة أك ثر معر فة من دما غي على‬
‫و صف ال صراعات والتناف سات البيروقراط ية دا خل الحكو مة‪،‬وكل ها في النها ية تتوا فق مع أكثر ية الراء ال تي‬
‫ابديتها منذ نيف وثلثين عاما‪« :‬إن ما يعتبر في حكومتنا على انه سياسة الدفاع القومية»ليست حلً مدروسا بدقة‬
‫وتجرد لمشاكل أمن بلدنا بقدر ما هي تسويات توافقية بين البنتاغون ووزارة الخارجية وغيرها وغيرها ومن‬
‫وزارات الدولة ووكالتهسا فيمسا يتخسذ الرجسل المقيسم فسي البيست البيسض دور الحكسم بنسي اللعسبين‪.‬فسي العام‬
‫‪1953‬كان المقيسم فسي البيست البيسض الجنرال لدوايست ايزنهاور‪،‬العسسكري الذي بلغ الشهرة كقائد للقوات التسي‬
‫هزمت المانيا النازية‪ .‬فبالنسبة إليه كانت الرئاسة آخر مرحلة في مهنته العسكرية‪.‬وبالتالي كان البنتاغون دوما‬
‫الفائز باللعبة‪.‬‬
‫ل حظست ان اللعبات الشخصسية تسسبب أعلى درجسة مسن الوهسن والرهاق فسي وزارة الخارجيسة‪ .‬فأفراد السسلك‬
‫الخارجسي المحترفون‪ ،‬وهسم العمود الفقري للوزارة‪ ،‬يعتسبرون أنفسسهم دبلوماسسيين مهنييسن فقسط‪ .‬ولمسا كنست قسد‬
‫قضيت الشطر العظم من السنوات الست الماضية في بلدان الشرق الوسط حيث العادات وطرق التفكير والقيم‬
‫الخلقية تختلف عنها عندنا‪،‬دابت على القول بأننا لن نستطيع تحقيق الحد الدنى من أهداف سياستنا الخارجية‬
‫في افريق يا وآ سيا وأمير كا الجنوب ية إل من خلل الدبلوما سيين وضباط المخابرات الذ ين‪ ،‬ح سب قول آرت شي‬
‫روزفلت لحقا‪ ،‬قد درسوا لغة وحضارة ومجتمع شعوب أخرى بحيث يتعلمون التفكير مثلهم ورؤية العالم مثلما‬
‫يرونه‪ .‬ولكن لم يكن عليهم ان يهتموا بتلك المور في ايام الوزير دالس‪ .‬لقد حاول اختصاصيو القاليم في وكالة‬
‫ال ستخبارات المركز ية الع مل مع الدبلوما سيين الميركي ين المحترف ين على ا ساس وحدة القض ية ول كن هؤلء‬
‫يعتبرون أن السلك الذي ينتمون إليه سلك متفوق عناصره مختارة من ذوي الختصاصات الشاملة الذين يعتبرون‬
‫أنف سهم في بيوت هم أكانوا في كابول أو في بار يس‪ ،‬لكن هم في كل المكان ين أش به بال سمكة خارج الماء ‪ .‬من ب ين‬
‫‪162‬‬

‫الل عبين الرب عة في اللع بة البيروقراط ية الذ ين زرت هم ا ستعدادا لعملي كرئ يس لركان الع مل ال سياسي وجدت‬
‫السلك الدبلوماسي أقل الربعة ادراكا للخطار المحيقة بسلمتنا القومية والتي علينا مواجهتها ‪.‬‬
‫لم يكن ثمة حا جة لخبير في تحليل المؤسسات من شر كة بوز س آلن اندهلم تن للتوقع بأننا سنكون في معر كة‬
‫دائ مة مع الدبلوما سيين المحترف ين ‪:‬ف هم ل يحبون نا ويغتاظون من تطفل نا على طبقت هم المختارة ‪.‬ول ما ك نا نخت بئ‬
‫وراء السفارات والمفوضيات والقنصليات في الخارج أصر الدبلوماسيون دائما على الشارة إلينا بطريقة خاصة‬
‫تدل على أي شخسص يعرف شيئا عسن أجهزة الموظفيسن إلى «أن هؤلء ليسسوا منسا»‪،‬وهسي عبارة درجوا على‬
‫اسستعمالها ليفسسروا للعراب سسبب وجودنسا معهسم ‪ .‬فإن كانوا يمقتوننسا فسي الحالت العاديسة فقسد كانوا بالتأكيسد‬
‫يكرهوننسا عندمسا كان جون فوسستر دالس وزيرا للخارجيسة وأخوه آلن رئيسسنا والمدافسع عنسا ‪ .‬وفسي ايام الوزيسر‬
‫دالس‪،‬وباسستثناء بعسض الحالت الفرديسة‪ ،‬تخلى موظفسو الخارجيسة الدبلوماسسيون عسن أي ادعاء بالختصساص‬
‫بالشؤون القليمية مكتفين بوضع مسودات التحالفات والمعاهدات ‪.‬‬
‫إن ما رآه هؤلء الخت صاصيون النعزاليون ون صف المنبوذ ين هو ا ستراتيجية سوفياتية غايت ها حرمان نا من‬
‫مقومات حياتنا‪ .‬كانت تلك الستراتيجية‪ ،‬من حيث مقومات اليديولوجية الماركسية‪ ،‬دفاعية في أسسها ‪.‬ولم تكن‬
‫غايتها السيطرة على العالم بل الحيلولة دون سيطرة «المبريالية والرأسمالية» عليه إذا تعذر ذلك على الشيوعية‬
‫السوفياتية‪ .‬لم يكن تفكير اللينينيين الجدد في موسكو من باب حسبان التمني حقيقة‪ ،‬بل آمنوا حقا بأن القتصاد‬
‫في الغرب يقوم على «ا ستغلل» العالم الثالث‪،‬فظنوا أن هم إذا ما ا ستطاعوا بش كل ما حرمان حلفائ نا الوروبي ين‬
‫من الو صول إلى المواد الول ية وم صادر الطا قة من افريق يا والشرق الو سط تنهار «امبرياليت نا القت صادية» ‪.‬‬
‫وأطلع ني رجال مخابرات سلح الطيران على ما اع تبرته براه ين قاط عة عن أن حرمان أورو با الغري بة من‬
‫بعض المواد الولية التي كانت تستوردها آنذاك من بلد واحد في جنوب افريقيا يؤدي إلى توقف صناعاتها خلل‬
‫أقل من شهر ‪.‬من السهل إذا تصور ما قد يحدث لتحالفات أميركا العسكرية مع دول أوروبا الغربية لو صارت‬
‫تعتمد على سخاء السوفيات‪ .‬واتفق ان التحاد السوفياتي كان قادرا على التقدم لمداد الوروبيين بأي مواد أولية‬
‫يحتاجونها‪ ،‬بما في ذلك النفط‪،‬بعد توقف ورودها من افريقيا والشرق الوسط ‪.‬‬
‫عدت مسن جولتسي على البيروقراطيات المعنيسة بسسياستنا الخارجيسة لجسد ان مهمتسي قدت لي ‪.‬فقسد حرك كيسم‬
‫روزفلت فريقي أثناء غيابي وطلب من مساعدي الول‪ ،‬وهو شاب ذكي وخلوق يحمل شهادة دكتوراه اسمه بوب‬
‫ماندلستام‪،‬القيام بأي عمل له صفة العمل السياسي كي ل يلحظ فرانك وايسنر ركودا في نشاط وحدتنا فيسرق‬
‫م نا غرف مكاتب نا ويجرد نا من الميزان ية المخ صصة ل نا ‪.‬و سرعان ما أطلق بوب لمخيل ته العنان وراح يع مل‬
‫لتطبيق بعض الفكار التي رعاها منذ ايام الجامعة ‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫بدأ الع مل بتفع يل ما أ سماه «ال سحر في الطبقات الراق ية» و هي نظر ية من النشاط ال سياسي تقوم على درا سة‬
‫مفصلة عن أن الزعماء العالميين يتخذون قراراتهم على انها موحى بها إلهيا بطريقة أو بأخرى ‪.‬فقد بعث إلينا‬
‫رئيسس وحدتنسا العاملة فسي كابول بتقريسر موثوق عسن ان السسياسيين الفغان بلجأون فسي حسل بعسض المعضلت‬
‫المسستعصية إلى صسراع الديوك داخسل مجلس النواب ‪ .‬بمعنسى ان كلً مسن فريقسي النزاع يلقسي بديسك فسي قاعسة‬
‫المجلس فيتقا تل الديكان ح تى ين فق أحده ما ‪.‬عندئذ ير فع الرئ يس ما تب قى من الد يك الفائز ويعلن نها ية النزاع‬
‫السياسي ‪.‬وبالفعل استشار بوب أحد مدربي مصارعة الديوك في المكسيك‪ ،‬ولكن كيم أوقف المشروع قبل توسعه‬
‫معتبرا‪،‬بكل أسف‪،‬انه يجب تعريف رؤسائنا تدريجيا بتلك الساليب المستوردة وبما ستتمخض عنه مخيلتنا في‬
‫الم ستقبل‪ .‬هذا إضا فة إلى ان ا ستغلل خرافات وتطيرات الشعوب ال سيوية والفريق ية من شأ نه اثارة مشا عر‬
‫الليبيراليين بيننا فيتهموننا «بالعنصرية»‪.‬‬
‫ولمسا طلع بوب بفكرة زرع المنجميسن لدى بعسض الزعماء فسي بلدان أخرى لم تلق فكرتسه معارضسة تذكسر ‪.‬بسل‬
‫ح صل فورا على تأ يد من ك يم وع مل الثنان على تذل يل مقاو مة فرا نك واي سنر مذكر ين إياه ب ما لب عض منج مي‬
‫جورجيان من نفوذ في الحياة الجتماع ية في واشن طن ‪.‬ف قد كان ب عض سيدات المجت مع الرا قي في العا صمة‬
‫يستشرن منجمهن بأسماء المدعويين إلى حفلتهن‪ ،‬كما أنه من المعلوم ان بعض رجال الكونغرس س لن أ ذكسسر‬
‫أ سماءهم س اعتمدوا على ن صائح ش خص ظر يف في جورجتاون مل قب ب س « ال جد مو سى» الذي يعت مد بدوره‬
‫على تعاويذ السحر والشعوذة التي لقنته اياها وكالة الستخبارات المركزية ‪.‬‬
‫ثم كان شيء اسمه حركة التسلح الخلقي وهي حركة سياسية دينية تضم أشخاصا من مختلف الديان أسسها‬
‫أحمق أبله اسمه فرانك بوخمان‪،‬وتزعم بأن غايتها تعميق روحانية حياة أعضائها وتحملهم بالتالي على التصرف‬
‫بمسؤولية وايثار وتسامح في المجتمع ‪.‬استرعى المستوى الجتماعي الذي انتشرت فيه تلك الحركة انتباه واهتمام‬
‫بوب‪ ،‬ذلك انهسا اسستهدفت بشكسل يكاد يكون حصسريا القادة والزعماء كمسا ان مطبوعاتهسا موجهسة إلى هؤلء ‪.‬‬
‫باختصار‪ ،‬انها لمر رهيب ‪.‬‬
‫تحرك برنا مج التدر يب على التنج يم بب طء في بادئ ال مر ولم تظ هر م نه أي نتائج تذ كر إلى ان زرع تا قارئا‬
‫للغيب إلى جانب نكروما رئيس جمهورية غانا فأقنعه بضرورة القيام بزيارة رسمية إلى الصين الشيوعية وهكذا‬
‫كان نكروما خارج البلد عندما قام صديقنا الجنرال آرثر انكراه بحركته النقلبية وأظهر البرنامج فائدته أيضا‬
‫ب عد بض عة أش هر على ذلك عند ما برمج نا جهاز ك مبيوتر أقن عت ا ستقراءاته لم ستقبل الرئ يس الندونيزي أح مد‬
‫سوركانو باتخاذ اجراءات مختلفة تلءمت مع أغراضنا ‪.‬وأمنت لنا ترتيباتنا مع حركة التسلح الخلقي قنوات‬
‫سرية مفيدة تن فذ عبر ها ليس ف قط إلى افكار زعماء في افريقيا وآسيا بل وإلى افكار زعماء في أوروبا أيضا ‪.‬‬
‫‪164‬‬

‫وفيما كان بوب يجري ترتيبات مماثلة مع حركة «الوجوديين الكونيين» التي أسسها الهبل الخر رون هوبارد‪،‬‬
‫كا تب ق صص الخرافات العلم ية‪ ،‬ك نا في طريق نا ن حو بلوغ قدرة في الع مل ال سياسي ي ستحيل مع ها إلى مهزلة‬
‫«العمل السري» المفضوح والبالغ النفقات والقليل المردود الذي أخذت تقوم به وكالة الستخبارات المركزية بعد‬
‫ان استلمها وليم كايسي ‪.‬‬
‫أ ما أن تم أي ها المشككون من القراء‪ ،‬و يا من تظنون أن كل مي هذا مزاح‪ ،‬فانبذوا تلك الفكار من عقول كم في‬
‫سنوات الخمسينات أدرك بعض منا على القل ان معظم التحركات الجارية على رقعة اللعبة الدولية‪ ،‬وان معظم‬
‫التحركات فسي اللعاب الداخليسة الدافعسة إليهسا تأثرت بالخرافات التقليديسة أكثسر منهسا بالمنطسق المكيافيللي ‪.‬وهسل‬
‫ي ستطيع أ حد المناق شة اليوم في ان تأث ير رئ يس اركان الب يت الب يض الف طس دونلد ري غن في أفكار الرئ يس‬
‫رونلد ريغن؟ يتساوى مع تاثير العرافة المكتومة السم التي تستشيرها زوجة الرئيس ريغن‪ .‬وكي أتقي الكلم‬
‫المبطسن بشأن هذه المهزلة الخيرة‪،‬أشعسر بوجوب القول هنسا بأن القدماء منسا الذيسن ل يزالون يتذكرون اليام‬
‫الطيبة‪،‬أيام فرانك وايسنر وكيم روزفلت ودس فيتزجرالد وفرانك لندساي وآرتشي روزفلت وايامي أنا‪ ،‬يعتقدون‬
‫بأن تقه قر فعال ية وكالة ال ستخبارات المركز ية بدأ يوم أ خذ مدراؤ ها يفكرون تفكيرا «عمليا» اي الع مل انطلقا‬
‫من الفرضية بأن شعوب العالم الخرى تفكر على طريقة رجال العمال الميركيين القائمة على الوقائع والرقام‬
‫فقسط‪ .‬تنفسسنا الصسعداء عندمسا شاع الخسبر بأن رئيسسنا يسستشير منجما عوضا عسن اسستشارة وزيسر الخارجيسة أو‬
‫مستشار المن القومي ‪.‬‬
‫قمنا أنا وبوب وبعض الباحثين بجولة فيما بعد على اقسام القاليم ورؤساء مكاتبها وطرحنا عليهم السئلة التالية‬
‫‪«:‬ماذا يمكسن أن يلحسق الضرر بالمصسالح الميركيسة ممسا يجري فسي منطقتكسم ؟ لماذا ؟ وكيسف يمكننسا تعديسل‬
‫الوضع ؟ غطينا الرض كلها من افغانستان إلى البانيا والجزائر واليمن ويوغسلفيا وزامبيا‪ .‬ولم نكن في الواقع‬
‫نب حث عن كل ما ن ستطيع العثور عل يه من المشا كل‪ ،‬بل من أخطار واض حة المعالم يم كن ا ستعمالها مشار يع‬
‫استرشادية نختبر بها أصول العمل السياسي المتواضعة التي تصورناها آنذاك ‪.‬‬
‫سئلنا مثلً ‪«:‬لماذا ل تجربون التحاد السوفياتي»؟‬
‫أجبنا ‪«:‬علينا أن نتعلم السير قبل الركض «‪.‬‬
‫أما الجواب الكثر تردادا على أسئلتنا فكان البلد الفلني ل يقدر السلوب الغربي للديمقراطية حتى قدره‪ ،‬فهو ل‬
‫يجري «انتخابات حرة»فسي مواعيسد منتظمسة‪ ،‬أو ان الفكار الغربيسة المتصسلة «بحقوق النسسان» لم تصسبح بعسد‬
‫جزءا من الحضارة المحل ية‪ .‬أ ما ردة فعل نا على تلك الجو بة فكا نت‪« ،‬ح سنا»‪ ،‬ول كن ك يف يل حق ذلك ال مر‬
‫الضرر بمصالحنا»؟ بالفعل وجدنا حالتين أو ثلثا حيث النتخابات الحرة إلى درجة معقولة تشكل مبدأ مقبولً في‬
‫‪165‬‬

‫المجت مع من ج هة وخطرا حقيقيا على م صالحنا‪،‬ذلك لن الشعوب لمقت ها أمير كا‪ ،‬تقترع با ستمرار إلى جا نب‬
‫المرشحين الذين يتعهدون بالحاق الضرر بمصالحنا أينما استطاعوا إلى ذلك سبيل ‪.‬ففي بلدان كهذه من الصعب‬
‫أن يكون من مصلحتنا الحماس لتشجيع «حرية التعبير» كما نفهمها ونتقبلها في بلدنا ‪.‬‬
‫وورد علينسا أيضا طراز آ خر من الجو بة ان دل على شيسء فعلى داء «الزبائن ية» الذي يصسيب الكثيريسن مسن‬
‫خبرائنا القليميين‪ .‬فمثلً يعود إلى واشنطن في اجازة سنوية مسؤول عن مكتب اقليمي أو رئيس فرع في بلد ما‬
‫ويخبرنسا بأن «الفلنييسن يقاتلون العلنييسن وان شرارة الحرب العالميسة الثالثسة سستنطلق مسن ذلك البلد بالذات!»‬
‫‪.‬وأمام مثل تلك القوال لم يكن بوسعنا سوى التثاؤب ثم القول‪ ،‬بأن علينا وضع تلك الشرارات جانبا نظرا لكثرة‬
‫ما بين ايدينا من قضايا‪،‬إلى ان تكون قد أصبحت تشكل خطر حريق داهم ‪.‬وكان الواقع البسيط‪،‬ول يزال‪ ،‬أن من‬
‫جم يع الحروب المحل ية ال تي اندل عت ب عد نها ية الحرب العالم ية الثان ية لم ي كن من ها واحدة ح سبنا ان ها قد ت سبب‬
‫حربا عالمية ثالثة استنادا إلى طبيعة خلفاتنا مع السوفيات ‪.‬وعندما رفعنا تقاريرنا س حسبما راينا س إلى وزارة‬
‫الخارجيسة ووزارة الدفاع والبيست البيسض‪ ،‬توجهست إلينسا التهامات بأننسا معتدون بأنفسسنا‪،‬وتنقصسنا سسعة‬
‫المخيلة‪،‬وق صيرو الن ظر أو مجرد جهلة ‪(.‬أثارت الوضاع على رق عة اللعاب الدول ية‪ ،‬و ما تزال‪ ،‬آراء مت صلبة‬
‫مبنية على معلومات ضئيلة‪ ،‬أكثر تصلبا مما يسمح به في أي مجال آخر من مجالت النشاط البشري )‪.‬‬
‫غير اننا نتمتع بتفوق على متهمينا ‪:‬فنحن نعلم ما نتحدث عنه فيما هم ليعلمون ‪.‬استخباراتنا الممتازة تنبئنا بأن‬
‫الستراتيجية السوفياتية موجهة إلى نقاط الضعف في الغرب ول تقوم على نقاط القوة السوفياتية معتبرة ان أكثر‬
‫نقاط الضعف قابلية للستغلل هي الدول التي يحكمها قوم فاسدون مستبدون يستمدون قوتهم من معرفتهم من‬
‫اين تؤكل الك تف‪ .‬إن الدول التي حددتها مجموعتي الصغيرة على انها خلي قة بأولوية الستهداف هي بلدان في‬
‫افريقسا وآسسيا وأميركسا الجنوبيسة يحكمهسا زعماء موالون لميركسا تجعلهسم تصسرفاتهم فريسسة سسهلة لعمليات‬
‫ال ستخبارات ال سوفياتية‪ .‬عجز نا عن اقناع اي ادارة جمهور ية بأن هؤلء الزعماء يشكلون ل نا ارباكا باهظا س‬
‫فضلً عن كونهم أهدافا سهلة المنال للعمل السياسي السوفياتي بحيث يصعب اعطاؤهم أي مناعة ضد النقلبات‬
‫س علما بأن الب عض من هم يصلحون أهدافا لتدريب نا باعتبار ان ب عض أعضاء الكونغرس لم ي سبق ل هم ان سمعوا‬
‫بهم قط‪.‬‬
‫منذ ذلك الوقت (‪ )1955‬وحتى اليوم صدر عشرات من الكتب عن «أخطاء» خفية ارتكبتها وكالة الستخبارات‬
‫المركزيسة‪ .‬كسل تلك العمليات كانست شبسه عسسكرية ومسن النوع الذي كرهناه نحسن قدماء الخسبراء فسي العمسل‬
‫ال سياسي‪،‬الخ في م نه والعل ني‪ .‬تعطسي تلك الك تب انطباعا بأن ها تش مل مج مل مجهودات الوكالة خلل ال سنوات‬
‫الربعين الماضية‪.‬أما الواقع فهو انها ل تشكل كلها سوى جزء يسير مما فعلته الوكالة لبقاء العالم مكانا آمنا‬
‫‪166‬‬

‫للمصسالح الميركيسة وللحيلولة دون اشتعال حرب عالميسة ثالثسة‪ .‬لم تلق أي عمليسة أرشدهسا فريقسي الصسغير او‬
‫لعمليات الخرى التسي أجريست على غرارهسا أي تغطيسة اعلميسة‪ .‬وعلى الرغسم مسن انهسا لم تكلف مبالغ كسبيرة‬
‫كغيرها (لسنا بحاجة إلى جنود وأسلحة ودعم لوجيستي) فقد جاءت نتائجها الصافية أعمق بكثير واستمرت مدة‬
‫أطول فضلً عن انها لم تحدث أي ارباك بسبب تسرب اخبارها في الصحف‪.‬‬
‫في هذه اليام‪،‬عندم أظهر في مقابلت تلفزيونية أو اشترك في ندوات يناقش فيها موضوع الوكالة أراني الوحيد‬
‫الذي ي صر على التأك يد بأن الترك يز هو على ما نقرأه في ال صحف عن عمليات الوكالة يتطرق بالتحد يد إلى‬
‫عمليات مكشوفة وليس إلى عمليات خفية وأضيف بان للوكالة من النجاح أضعاف ما عليها من تقصيرات ولكن‬
‫اخبار النجاح ل ترد مطلقا فسي الصسحف ‪.‬بالطبسع قوبلت‪ ،‬وتقابسل‪،‬أقوالي هذه دائما بالقهقهسة الصسابخة وبالتحدي‬
‫التالي ‪«:‬حسنا‪ ،‬هل تتفضل وتخبرنا عن نجاح واحد ل غير»؟فأجيب ‪«:‬هنا يكمن السر‪ .‬نجاحاتي الخفية ليست‬
‫معدة للعلن كتلك التي يكتب عنها المحررون ‪.‬إنها خف ية‪،‬خفية‪،‬وهذا ما يحول دون وفوفكم عليها وانني لست‬
‫على و شك اطلع كم علي ها»‪.‬ل دا عي للقول بأن هذا الجواب قل ما يق نع أحدا‪.‬إل ان الدلء به يب عث في نف سي‬
‫الكثير من الرضا والرتياح‪.‬‬
‫ق فز كتا بي حول أ صول الجا سوسية الحدي ثة (ن شر في بريطان يا ت حت عنوان‪« :‬عالم الجا سوسية الحقي قي» و في‬
‫الوليات المتحدة تحت عنوان ‪« :‬من دون عباءة أو خنجر» إلى لئحة الكتب الكثر مبيعا بسبب ما نشر عنه من‬
‫مراجعات وصفته على انه «خليط بارع من الخداع والتحريف» و «نتاج من التلفيق الهزالي الصاخب»‪.‬فصرت‬
‫ادعى للشتراك في مختلف أنواع الندوات اليسارية المعقودة بالوكالة وفي كل منها ترد اسماء ثلث عشرة دولة‬
‫اته مت الوكالة باجراء عمليات في ها تت صف بالخلق ية وبالخطاء الفاد حة وبإلحاق الذى بالم صالح «الحقيق ية»‬
‫للوليات المتحدة ‪ .‬أ ما البلدان الثل ثة ع شر الدائ مة الذ كر ف هي ‪«:‬بور ما وال صين والفيل يبين وكو با واندوني سيا‬
‫والتيبت وسنغفورة والبرازيل وتشيلي والكونغو واليونان وايران وغواتيمال‪ .‬لقد ارتكبت الوكالة بعض الهفوات‬
‫في تلك البلدان وغيرها ولكنها حازت في الوقت نفسه على تنويهات بأعمالها فيها جميعا باستثناء الصين وكوبا ‪.‬‬
‫ولما كانت التنويهات التي تشير إلى النجاحات لم تصل أخبارها إلى الصحف مطلقا ول هي بلغت مسامع لجان‬
‫المراقبة في الكونغرس‪.‬‬
‫غير ان ما لفت انتباهي هو ان السرية التي درجنا عليها كانت بعيدة عن الكمال ‪.‬ومع الوقت وتخف يض القيود‬
‫على موظفسي الوكالة الذيسن صساروا أدباء ومؤلفيسن حصسل تسسرب ل بأس بسه مسن المعلومات ‪.‬بعسد أن ألهبست‬
‫مجموعة أركان العمل السياسي جذوة النشاط فيها من جديد نجحت الوكالة في أكثر من مئة عملية سياسية خفية‬

‫‪167‬‬

‫داخل أكثر من ثلثين دولة‪ .‬وعلى الرغم من ذلك ثابر اعداء الوكالة على تجاهل كل النجادات تجاهلً تاما رغم‬
‫علمهم بها‪.‬‬
‫وكسي ل أكون مجحفا بحسق أولئك أبناء (كذا وكذا) اعترف بأن القضيسة قسد تكون قضيسة تعر يف ‪.‬فبالنسسبة اليهسم‬
‫تنطبسق عبارة «العمسل السسياسي الخفسي» فقسط على تلك العمليات التسي أربكست الوكالة خارج الوليات المتحدة‬
‫وداخلها وتلك العمليات هي ‪ )1(:‬إما شبه عسكرية أو متصلة بالعمال العسكرية كتلك التي في فيتنام وافغانستان‬
‫واميركا الوسطى‪ ،‬الخ (‪ )2‬أو ممولة من قبل الوكالة او عبر قنواتها وان تكن في معظم الحالت ليست بادارتها‬
‫‪ )3(.‬نفذت في معظمها على أيدي متعاقدين (أي غير محترفين) أو عسكريين بدعم من الجيش أو سلح البحرية‬
‫أو سلح الطيران ‪ )4(.‬انها ليست «خفية» مطلقا أي انها نالت تغطية صحفية واسعة ‪.‬‬
‫أما نحن في دائرة أركاننا الصغيرة فنعرف «العمل السياسي» على انه واحد أو أكثر من انواع العمليات التالية ‪:‬‬
‫«اللوبي»‪:‬‬
‫رتبنا في البلدان المستهدفة مصالح صناعية وتجارية اقنعناها بتنظيم وسائل غير علنية للضغط على حكوماتها‬
‫ووفرنا التدريب اللزم لموظفي فروع العلقات العامة فيها على غرار ما تفعله عندنا لجان التعديلت لتتلءم مع‬
‫الوضاع المحلية في تلك البلدان ‪.‬كان بعض ما دعونا إليه وعلمناه قانونيا كليا وفوق الطاولة‪،‬وبعضه مختلفا عن‬
‫ذلك ‪.‬أما نسبة ما هو قانوني منها إلى ما هو غير قانوني فتتقارب مع النسبة المقابلة عند اللجان الجنبية العاملة‬
‫عندنا ‪.‬‬
‫المستشارون الميركيون ‪:‬‬
‫لم أدرك ق بل انتهاء دورة ال سنتين ال تي قضيت ها في م صر ب ين عا مي ‪ 1953‬و ‪ 1955‬وانخرا طي في أ صول‬
‫الع مل ال سياسي خلله ما‪،‬مدى ما بلغ ته عمليات نا تلك من ال صيرورة نموذجا يحتذى في أ صول ذلك الع مل ‪.‬ف قد‬
‫تيسسر لي الوصسول الفوري إلى أهسم اعضاء مجلس قيادة الثورة ‪.‬وعندمسا غادرت مصسر كان لنسا فيهسا خسبراء‬
‫اميركيون دائمون يعملون في دوائر الشرطة والمن العام والمخابرات ‪ .‬وكان لنا ايضاَ على أساس تعاقد مؤقت‬
‫خبراء م ثل بول لينبار غر يعاونون وز ير العلم والرئ يس ع بد النا صر نف سه في أ صول ا صدار ال صحافة‬
‫والذا عة اخبار وتعليقات تبدو في ظاهر ها مؤيدة لل سوفيات ولكن ها تل حق بالحقي قة بال سوفيات وبالشيوع ية من‬
‫الضرر أكثر مما تسديه إليهم من خدمات‪،‬إضافة إلى اخبار وتعليقات تبدو في ظاهرها مناهضة للوليات المتحدة‬
‫وتسدي لنا في الواقع من المنافع أكثر مما تلحقه بنا من أذى ‪.‬أما الخبير شير من كنت‪ ،‬وكان آنذاك رئيس مكتب‬
‫الوكالة المخ تص بشؤون التقديرات القوم ية‪ ،‬ف قد أع طى المخابرات والباحث ين في مصر دروسا قي مة في أ صول‬
‫تحرير خلصات يومية بسيطة ومليئة بالوقائع التي يحتاجها الرئيس عبد الناصر فعلً‪،‬عوضا عن تلك الترهات‬
‫‪168‬‬

‫ال تي كا نت تمل بريده اليو مي ‪.‬و عبر و سائل الت صال هذه وغير ها أقم نا عل قة وثي قة مع نظام ع بد النا صر‬
‫الثوري مكنتنا من تفهم دوافعه العامة ونواياها المحددة بحيث نستطيع التنبؤ بتحركاته والتكلم معه مباشرة في أي‬
‫وقت تدعو الحاجة إلى قناعة بالعدول عن اجراءات اعتبرناها مضرة بمصالحنا المشتركة ‪.‬على كل حال لم يكن‬
‫لنا ان نقنع عبد الناصر بعدم القيام بأعمال تعود بوضوح بالنفع على بلده وحدها دون العودة بالنفع علينا ‪.‬‬
‫مستشارون آخرون غير مصريين ‪:‬‬
‫بدأنا نشكك في المراحل الولى من علقاتنا معه بأن عبد الناصر يستعين بخبراء غير الذين نوفرهم له‪ ،‬أي ان‬
‫ثقته بنا هي دون المئة بالمئة ‪(.‬لماذا شرع حسن التهامي إذا يأخذ دروسا لتحسين لغته اللمانية؟) تأكدت شكوكنا‬
‫عند ما أ خبر العق يد ال سابق في فر قة أس ‪.‬اس اللمان ية أو تو شكورز ني م سؤول الوكالة في مدر يد بأن المل حق‬
‫العسكري في ال سفارة الم صرية هناك اتصل به طالبا م نه الم ساعدة في تجنيد ضباط المان قد يرون في م صر‬
‫مخ بأ منا سبا ل هم يقي هم مطاردي النازي ين ال سابقين‪ .‬ف هل با ستطاعة الوكالة تقد يم العون ؟ ان نا بالط بع قادرون ‪.‬‬
‫وبمسساعدة أوتسو المذكور اختار ضابسط الوكالة الذي يتعاون مسع الجنرال راينهارد غيلن فسي بولخ [مركسز‬
‫المخابرات اللمان ية الغرب ية بالقرب من ميون يخ] ب عض الجنرالت والعقداء وغير هم من الضباط اللمان البلهاء‬
‫بح يث يم كن العتماد علي هم لتخر يب الج يش الم صري إلى در جة ل يعود يعرف مع ها طري قة من القاهرة إلى‬
‫السماعيلية ناهيك عن قتال البريطانيين هناك ‪.‬‬
‫لفكرة زرع المان متهم ين بجرائم الحرب لدى حكومات شرق أوسطية ح سنات عديدة ‪.‬ذلك انهم ضد الميركي ين‬
‫كما هم ضد ال سوفيات فضلً عن كونهم غالبا معاد ين لل سامية أي ضد ا سرائيل ‪.‬والواقع ان أكثر هم كانوا ضد‬
‫العرب أيضا ولكنهسم يتمتعون بمقدار مسن الذكاء لخفاء ذلك ‪.‬المهسم انهسم كلهسم انتهازيون نفعيون على اسستعداد‬
‫لخدمسة مسن يدفسع لهسم لذلك كانوا على اسستعداد كامسل لتقديسم اي معلومات أردنسا وصسولها إلى أربابهسم الشرق‬
‫أو سطيين‪ .‬كان من ال طبيعي ان نوا جه ب عض ال صعوبة في الح صول على مواف قة لمشار يع تتض من ا ستعمال‬
‫النازيين أو النازيين السابقين ولكن الصعوبات اضمحلت عندما اعترف اصدقاؤنا في الموساد في اسرائيل بأنهم‬
‫يستخدمون النازيين السابقين في بعض اغراضهم المشينة وللغايات عينها التي استسغنا نحن استعمالهم لجلها ‪.‬‬
‫مستشارون محليون ‪:‬‬
‫لعل افضل طريقة للتأثير في موقف رئيس الدولة في أي بلد‪ ،‬ومنها بلدنا‪ ،‬هي عبر اشخاص من مجتمعه ومن‬
‫جنسيته ودينه وأصوله الثنية له ثقة شخصية بهم ‪.‬ركز «بوب» في عملياته تلك على اشخاص من ضمن هذه‬
‫الت صنيفات في ا ستعانته بالمنجم ين وقارئي ال كف وم ستقرئي الرقام وال سحرة وم ستحضري الرواح والمؤول ين‬
‫وغيرهم من المشعوذين ‪.‬وجدنا اننا لم نحتج‪ ،‬إل في حالة واحدة أو أثنتين‪،‬إلى «زرع» مشعوذين أتينا بهم من‬
‫‪169‬‬

‫خارج بطانة الشخاص المستهدفين ودربناهم على طريقتنا ‪.‬لقد دلنا استعراض سريع للحكومات التي اخترناها‬
‫اهدافا ل نا أن الزعماء المحلي ين الذ ين يعتمدون إلى حد ما على المشعوذ ين هم أك ثر عددا من الذ ين ل يعتمدون‬
‫عليهم‪ .‬ولما كان المشعوذون في خوف دائم من التودية بزبائنهم في التجاه المغلوط (انهم مشعوذون لكنهم ليسوا‬
‫بلهاء) ف قد أ سعدهم الح صول على م ساعدتنا‪ .‬فب ها ي ستطيعون ا ستبدال ابهام هم بمادة صلبة‪،‬وب هم ن ستطيع تلق يم‬
‫اهدافنا معلومات تبدوا وكأنها نزلت عليهم من مصادر فوقية ‪.‬‬
‫ل عل الرئ يس عبدالنا صر هو وحده ب ين رؤ ساء الدول في افريق يا وآ سيا الذي لم ي عر المشعوذ ين اهتماما كبيرا ‪.‬‬
‫ولكنه كان يستمع باهتمام إلى مساعدية وأصدقائه المقربين الذين يرتاح إلى مجالستهم بعد يوم طويل من العمل‬
‫المضنسي‪ .‬وكان مسن بيسن هؤلء مثلً صسديقه القرب محمسد حسسنين هيكسل الذي باسستطاعته ايصسال «الكلمسة»‬
‫الميركيسة له بوضوح واقناع أقوى بكثيسر ممسا اسستطاعه أي مسن النكرات الذيسن شغلوا منصسب سسفير الوليات‬
‫المتحدة إبان السنوات الخيرة من حياته وكثيرا ما قلنا مازحين بأن الوليات المتحدة ليست بحاجة إلى سفير لها‬
‫في واشن طن طالما ب قي مح مد ح سنين هي كل إلى جا نب عبدالنا صر يجتمع به ساعة أو اثنت ين في ال سبوع يتلو‬
‫على م سامعه ما أر سلته واشن طن إلى رئ يس مجمو عة وكالة ال ستخبارات المركز ية في القاهرة ‪ .‬من ال صعب‬
‫تسمية محمد حسنين هيكل «عميل لوكالة الستخبارات»‪ .‬ولكن المعلومات التي كان يقدمها لعبد الناصر لخدمة‬
‫أغراضه خدمت في الوقت نفسه أغراضنا ‪.‬‬
‫عملء ذوو نفوذ ‪:‬‬
‫تشمل هذه العبارة في أي بلد مختلف أصناف ذوي الهداف والرغبات الشخصية التي تتلءم تلؤما مناسبا مع ما‬
‫نبتغ يه والذ ين يمكن هم‪ ،‬بقل يل من التشج يع والتأي يد‪،‬التحول إلى أشخاص أك ثر تأثيرا وفعال ية م ما كانوا عل يه أثناء‬
‫وق بل الم ساعدة والتشج يع‪ .‬ك ما يو جد في أي بلد م ستهدف أشخاص م ستقلون بعمل هم قادورن على نفع نا إذا ما‬
‫ل عن خدماتهم أو إذا ما لمحنا لهم‬
‫تركوا يتصرفون حسب معرفتهم ويشعرون بالهانة إذا ما عرضنا عليهم بد ً‬
‫بأن ما قالوه لنا أو فعلوه أفادنا بمقدار ما أفاد القضية المحلية التي يعتنقون‪ .‬هؤلء يجب أن ندعهم وشأنهم ‪.‬ولكن‬
‫يو جد في أي بلد أذهان متوقدة بحا جة إلى توج يه وتأي يد ول يهم ها من ا ين يأتيان ها ‪ .‬في أيا مي كان على رئ يس‬
‫الفريق في البلد المعني اكتشاف الفضل من بين هؤلء الناس أكانوا في الحكومة أو خارجها (في وسائل العلم‬
‫أو الجامعات أو المؤ سسات الدين ية أو في أي مكان قد يكون م نبرا ل هم ) وو ضع ترتيبات ر سمية مع هم لتبادل‬
‫الفكار وتقديم المساعدات المالية وغيرها‪ ،‬وفي حالت قليلة جدا تقديم مكافأة مقابل الخدمة المسداة ‪.‬‬
‫المساعدات المالية للصحف واتحادات العمال والحركات السياسية والمرشحين‪:‬‬

‫‪170‬‬

‫فخلفا للتهامات ال تي ت ساق ضد نا م نذ ب ضع سنوات‪،‬ان نا ل نملي على ال صحف ما نريد ها ان تن شر ول نو جه‬
‫اتحادات العمال في كيف ية ا ستعمال قوت ها ونفوذ ها ول ن صدر تعليمات صريحة للحركات ال سياسية وقادت ها ب ما‬
‫علي ها قوله أو فعله ‪ .‬عوضا عن ذلك اختر نا من ب ين هؤلء من ت صرفوا ويت صرفون بطرق تتلءم مع غايات نا‬
‫وقدمنا لهم الدعم اللزم كي يستمروا في سلوك نهجهم‪ .‬وفي سنوات لحقة صارت عمليات وكالة الستخبارات‬
‫المركزية ضد حكومة اليندي في تشيلي مثلً ممتازا يدرس في الصفوف ‪.‬فقد اتهمنا «بشراء» الصحف واتحادات‬
‫العمال ‪.‬ولكن نا لم نف عل ‪ .‬جل ما فعلناه ان نا قدم نا لل صحف الورق الذي حرمت هم الحكو مة م نه‪،‬وأم نا لتحادات‬
‫العمال طعاما مجانيا بعد ان أقفلت الحكومة مخازن تموينهم ‪.‬يخطئ خطأً فادحا كل من يظن بأن نا قدمنا لهم ما‬
‫حسن قدرتهم في ماكانوا يفعلون للطاحة بحكومة سلفاتور اليندي ‪.‬‬
‫القناع ‪:‬‬
‫في بداية عهد الوكالة استعملنا كلمة ارهاب دون ارباك ‪.‬فالرهاب عوضا عن الغتيال هو ما لجأنا إليه عندما‬
‫رغبنا في ثني أي مجموعة أو دولة عن التيان بأي عمل من شأنه تعريض مصالحنا المشروعة للخطر ‪.‬وجاء‬
‫ح صول أي ق تل أو تشو يه صدفة غ ير مق صودة‪ .‬ثم أخذ نا ن ستبدل كل مة الرهاب بكل مة «القناع» الك ثر لطفا‬
‫خصوصا بعد ان تفوق خصومنا علينا في استعمال الرهاب وسيلة للعمل السياسي‪،‬واكتشف اخت صاصيونا في‬
‫شؤون الدعايسة ان مسا تحمله كلمسة «ارهاب» مسن معان اضافيسة تصسلح فسي حربنسا ضسد الجاسسوسية‪.‬ومنسذ ذلك‬
‫الكتشاف صار فريق نا يق نع والفر يق ال خر ير هب‪.‬أ ما الت عبير اللط يف والرق يق «مقاتلو الحر ية» (المقاتلون في‬
‫سبيل الحرية) فلم يظهر إلى الوجود إل بعد مرور بضع سنوات على ذلك ‪.‬‬
‫تعني كلمة «الرهاب» لي اختصاصي بالدعاية أي عمل ينطوي على العنف وتنطبق عليه التحديدين التاليين‪(:‬‬
‫‪ )1‬انحراف عسن العراف المقبولة عموما فسي العمال الحربيسة و (‪ )2‬شرط ان يكون الفريسق الخسر هسو الذي‬
‫انحرف عن تلك العراف‪.‬أما بالنسبة لمخططي العمل السياسي أو لمحللي المخابرات فالرهاب عمل يقصد منه‬
‫تخو يف العدو ورد عه عن القيام بنشاط مع ين أو ا ستفزازه للقيام بع مل ل عقل ني يخدم اغراض نا ال ستراتيجية‪.‬‬
‫مثلً على ذلك مسا اتخذناه مسن اجراءات فسي أوروبسا المحتلة ابان الحرب العالميسة الثانيسة حيال المتعاونيسن مسع‬
‫اللمان مسن فرنسسيين وهولندييسن وبلجيكييسن‪.‬ف قد أثنست الناس عن مجرد التفكيسر بالتعاون معهسم‪ .‬وإبان النتداب‬
‫البريطانسي لفلسسطين اسستعمل الصسهاينة‪،‬أي عصسابات شتيرن والرغون الرهاب لتدميسر معنويات البريطانييسن‬
‫ولثارة المعارضة في بريطانيا مما أدى في النهاية إلى خروجهم من فلسطين‪ .‬لم تلجأ وكالة الستخبارات إلى‬
‫هذا السلوب إل نادرا منذ العام ‪ 1955‬وحتى مغادرتي الوكالة وشروعي بالعمل الفردي المستقل‪ .‬وقد استعملته‬

‫‪171‬‬

‫بفعال ية كل ما أرادت إثارة دولة بولي سية ما لضرب شعب ها بطري قة تبرز طبيعت ها المتع سفة فت سهل ل نا عمل نا في‬
‫انشاء حركات مقاومة‪.‬‬
‫قدرات الملذ الخيرة ‪:‬‬
‫ا ستعيد من و قت إلى آ خر ذكريات أعمالي الماض ية عل ني أج مع موادا أؤلف من ها حكايات أروي ها لحفادي ق بل‬
‫الرقاد فأجد نفسي بين انقلبات وتزوير انتخابات وأشكال أكثر عنفا من تبديل أنظمة الحكم وغير ذلك من نشاطات‬
‫لجأنا إليها من وقت إلى آخر‪ .‬إنها في الواقع مواد القصص البوليسية وحكايات الجاسوسية وروايات شد العصاب‬
‫التي نشاهدها على شاشة التلفزيون س ناهيك عما يرويه كتاب يساريون من دعاية مناهضة للوكالة وجدت طريقها‬
‫إلى الصسحفيين الفضولييسن‪،‬هذا فضلً عسن نتائج تحقيقات لجان الكونغرس‪ .‬أمسا المواد المسسلية والمثيرة مثسل خسبر‬
‫بعنوان ‪«:‬ر جل عض كلبا» تقرأه فسي الجريدة فتح ظى باهتمام أ كبر بكثيسر من الخبار العاد ية ال تي نطالعهسا كسل‬
‫يوم‪.‬وعلى الرغسم ممسا عندي مسن ذكريات محببسة عسن النقلبات والعمال الجريئة التسي كان لي ضلع فيهسا فإنسي‬
‫استعيدها في مخيلتي وكأنها حكايات من الطفولة‪ .‬على كل حال احتفظنا حتى آخر يوم لي في الوكالة بقدرات على‬
‫تنفيذ عمليات الملذ الخير فكنت ألقي بانتظام دروسا في قسم التدريب على كيفية تخطيط وتنفيذ تلك العمليات‪.‬‬
‫ماذا فعلنا إذا بكل ذلك التطوير للوسائل والساليب؟ أما الجواب فهو اننا سجلنا خلل السنوات العشر أو الخمس‬
‫عشرة الخيرة النجاح تلو النجاح‪ .‬وأعتقد بأنه من النصاف القول أن جميع العمليات التي نفذتها الوكالة بالساليب‬
‫والوسائل الواردة جاءت ناجحة برمتها‪.‬ولهذا السبب عينه لم تحصل على اعتراف بها داخل الوكالة وخارجها‪ ،‬في‬
‫ح ين ان كوارث نا العديدة ح صلت على الشهرة والتمج يد في الدا خل على النتشار العل مي الوا سع في الخارج ‪.‬‬
‫وباعتبارنا نعمل في الخفاء كنا نتمنى عدم الحصول على الشهرة والتمجيد‪،‬ونسعد بالحصول على الميزانية اللزمة‬
‫وعلى الترقيات المستحقة‪.‬‬
‫إن العمليات التي شرعنا بها بين عامي ‪1955‬و ‪1957‬تعامل حتى اليوم على انها سرية ولكنني استطيع ان أبوح‬
‫ب كل ما ي ستأهل البوح به في ب ضع ج مل ق صيرة ان ما لن أف عل ذلك ق بل ن ثر ب عض الح كم‪.‬إن الع مل ال سياسي الذي‬
‫يتم يز بالكمال هو تعريفا ع مل ل يتخلله الحدث‪ .‬ذلك لن ل ش يء يحدث خلله‪ .‬إ نه ترت يب م ستمر ول يس عمل ية‬
‫متسلسلة كما انه ليس سلسلة من العمال تبدأ من نقطة انطلق وتصل إلى نهاية‪ .‬إن العمليات التي وصفتها أعله‬
‫تحست عنوان‪« :‬قدرات الملذ الخيسر» قسد تكون شواذا عسن القاعسد ولكنهسا (تعريفا أيضا) لن تكون مطلقا كاملة‬
‫الصفات‪.‬‬
‫قلت سابقا ان العمل الول الذي قام به أركان العمل السياسي كان وضع قائمة بأسماء الدول حيث توجد مواد أو‬
‫مواقع ضرورية كليا لبقائنا ورفاهيتنا كالمواد الولية وأماكن تصلح لقامة مواقع عسكرية أو بحرية ملئمة في حال‬
‫‪172‬‬

‫قيام حرب أو مناطق يسهل اجتيازها لتقصير طرق تنقل الجيوش والمدادات‪ .‬أذكر ان القائمة شملت بعضا وثلثين‬
‫دولة ومنطقة (حسبنا ما يسمى العالم العربي منطقة جرافية واحدة) تتناسب مع حاجاتنا‪.‬‬
‫خلل السنتين اللتين قضيتهما بالعمل الجدي كاختصاصي بالعمل السياسي أرسلت الوكالة إلى الخارج أكثر من‬
‫فئة من مختلف الخت صاصات ودر بت عددا مماثلً‪ ،‬أو اك ثر‪ ،‬من المحلي ين الكفوئ ين في البلدان الم ستهدفة‪ .‬و قع‬
‫ل لنهم أظهروا مواهب واضحة في مجالت عملهم وثانيا‪ ،‬ثانيا فقط‪ ،‬باعتبار انهم قد يكونوا في‬
‫الختيار عليهم أو ً‬
‫المستقبل عملء يمكن التكال عليهم‪ .‬وفي الوقت نفسه اتخذ رؤساء مراكزنا في تلك البلدان اجراءات مفيدة للفريقين‬
‫مسع الشرطسة المحليسة ودوائر المسن وبعسض الصسحف والمجلت المختارة والتحادات العماليسة والمنظمات الدينيسة‬
‫وغيرها من المنظمات وأبقوا تلك الجراءات سرية ليس لوجود أي عنصر غير قانوني أول أخلقي في النشاطات‬
‫التي نؤيدها بل للتصاق وصمة بقبول المساعدات المالية من مصادر أجنبية‪.‬‬
‫كم أتمنى لو أستطعت القول بأن الوضاع لم تفلت من ايدينا قبل مغادرتي الوكالة‪ .‬فالواقع المؤسف هو أن زمام‬
‫المور أفلت في العالم كله وبات على الوكالة القيام بأعمال تفوق مجرد ض بط الوضاع في البلدان ال يت تو جد في ها‬
‫مواد حيو ية من أ جل سلمتنا ورفاهيت نا‪ .‬في الوكالة نف سها ظ هر الم يل البيروقرا طي ال طبيعي باتجاه التو سع‪.‬فراح‬
‫رؤ ساء الق سام يقيمون ل ها فروعا في بلدان لم ن كن بحا جة إلى تغطيت ها‪.‬ولدى و صول رؤ ساء الفروع إلى مرا كز‬
‫عملهم الجددة لم يكتفوا بفرك الكف والنتظار بل راحوا يعملون بجد واجتهاد لقناع أنفسهم ولقناعنا في واشنطن‬
‫بأن المنا طق ال يت عينوا في ها بؤرة للع مل ال سياسي الذي إذا لم يو ضع له حد سيتفشى إلى البلدان المجاورة الواردة‬
‫على قائمتنا‪.‬‬
‫ليس هذا جزءا من تفسير أسباب نمو وكالة الستخبارات المركزية من وحدة حكومية سهلة الدارة تقدم خدمات‬
‫لتقدر بثمن‪ ،‬إلى امبراطورية واسعة أصبحت بفعل ضخامتها وتعدد نشاطاتها هدفا للستخبارات السوفياتية أولً ثم‬
‫«لبلهائها النافعين» من الدباء والمفكرين الميركيين وأخيرا لعضاء الكونغرس وغيرهم ممن لهم الحق المشروع‬
‫بالهتمام ببعض نشاطاتها‪.‬وبصرف النظر عن‪:‬من هو المسؤول‪ ،‬الوكالة نفسها أم أعداؤها‪ ،‬فإنه لمن الواضح للفرد‬
‫وللجم يع ان الوكالة وماا ستحالت إل يه في أوا خر الثمانينات تختلف كليا عن ذلك الق سم من المؤ سسة المتق نة المرك بة‬
‫بحكمة وذكاء الذي كان لي فيه دور في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات‪.‬لقد استمر هذا القسم بالذات يعمل بنجاح‬
‫ح تى انت هى أمره في الهج مة والحملة على الوكالة في ال سبعينات‪ .‬إن جم يع الذ ين يشاطرون ني ذكريا تي عن وكالة‬
‫ال ستخبارات المركز ية ونشاطات ها الولى ح سب ارشادات مجلس ال من القو مي المختل فة سيوافقون على ان بذور‬
‫انهيارها لم يزرعها أركان العمل السياسي الصليون‪.‬‬
‫الفصل السابع عشر‬
‫‪173‬‬

‫ايران وغواتيمال‪1953 :‬‬
‫سيدة القطط وشركة الفاكهة المتحدة‬
‫في ما ك نت أ ستعد في اوائل ‪1953‬للشروع بعملي الجد يد م ستشارا اداريا في م صر ساد سكوت م ستغرب في‬
‫القسام التي تتعاطى مع الشؤون المصرية في وكالة الستخبارات المركزية‪ .‬وفجأة لم يعد بالمكان التصال بس‬
‫كيم روزفلت أو بفرانك وايسنر أو بآلن دالس للبحث بقضايا تلك المنطقة من العالم التي شغلت لعدة أشهر المرتبة‬
‫الولى من اهتمامهم‪ .‬وفي صبيحة أحد اليام دعاني كيم إلى مكتبه ليسر السبب في أذني‪.‬يبدو أنه خلل السابيع‬
‫القليلة السابقة قام نقاش حاد على مستوى سياسي مرتفع بين الحكومتين البريطانية والميركية حول ما يجب فعله‬
‫بشأن امكانية قيام ذلك المخادع العجوز محمد مصدق‪ ،‬رئيس وزراء ايران‪ ،‬بانقلب على الشاه وبتأميم شركة‬
‫الن فط البريطان ية اليران ية‪ ،‬والتحول بالتالي إلى عق بة في و جه مخططات الوز ير دالس بإقا مة«الحزام الشمالي»‬
‫لحباط مخططات السوفيات التوسعية‪.‬‬
‫بعسد تبادل التحيات قال كيسم ‪«:‬يؤسسفني ان أؤخسر سسفرك إلى مصسر‪ ،‬فالحاجسة تدعسو لن تقوم ببعسض‬
‫الستكشافات»‪.‬كان علي ان اذهب إلى ايران للحصول على اجوبة عن أربعة أو خمسة أسئلة يمكن اختصارها‬
‫بسؤال واحد‪ :‬هل نستطيع أو هل ينبغي لنا القيام بعمل سياسي لدعم الشاه ولتشويه سمعة مصدق ومنع مؤيديه‬
‫من القيام ب ما خش يت وزار تا الخارج ية البريطان ية والميرك ية من قيام هم به؟جاءت تحريا تي حول أ سئلة ك يم‬
‫باجو بة أعتبر ها موثو قة‪ .‬ن عم‪ ،‬ن حن بحا جة إلى ع مل سياسي غ ير عادي في ايران لحما ية الم صالح الميرك ية‬
‫والبريطان ية هناك‪.‬أما الغاية من العمل السياسي فيجب أن تكون ازاحة مصدق من الحكم وجعله أضحوكة ب ين‬
‫الناس‪،‬وزج كبار مؤيديه في السجون واعطاء افضل الشاه أي مساعدة قد يحتاج إليها للنطلق ببرنامج علقات‬
‫عامة يظهر للشعب اليراني دقة المأزق الذي مروا به وخطورته‪ ،‬وكم كان حظهم كبيرا لخروجهم منه‪.‬‬
‫ل بد لي من كلمة عن المصادر التي استندت إليها لتأمين الجوبة عن أسئلة كيم‪.‬‬
‫بدأت تحرياي في مك تب ايران في وكالة ال ستخبارات وردي فه في وزارة الخارج ية ح يث ح صلت على نتائج‬
‫ممتازة‪ ،‬ذلك أن أكثريسة الموظفيسن فسي كليهمسا سسبق لهسم ان خدموا فسي ايران ويعرفون جيدا‪.‬وفسي ايران نفسسها‬
‫وجدت أن كبار المسؤولين في السفارة وفي مركز الوكالة اختصاصيون ذو كفاءة بشؤون المنطقة وأوضاعها‪،‬ل‬
‫مجرد دبلوماسيين محترفين يعدون اليام التي تفصلهم عن النتقال إلى مركز أعلى في دولة ما من دول أوروبا‬
‫الغربية‪.‬فكان هناك السفير هندرسون وهو صديق شخصي للن دالس وكيم روزفلت والب الروحي لجميع قدماء‬
‫الموظفين الذين اشتغلوا في بلدان الشرق الوسط‪.‬وتعرفت على أربعة من كبار موظفي السفارة النظاميين يتقنون‬

‫‪174‬‬

‫الكلم بالفارسسية‪ ،‬يتحلون بالشجاعسة الكافيسة لينزلوا إلى الشوارع ويتحسسسوا بمشاعسر مختلف طبقات المجتمسع‬
‫حيال الوضاع‪.‬‬
‫رئ يس مك تب الوكالة في طهران ر جل ش غل جده لب يه من صب وز ير الدفاع في فرن سا مرة واحدة‪،‬وجده ل مه‬
‫من صب وز ير الدفاع في ايطال يا مرة واحدة أيضا ‪.‬أ ما هو فضا بط مخابرات ممتاز يت قن اللغات الثلث‪.‬ونائ به‬
‫(أستطيع الكشف عن هويته باعتبار انه أماط اللثام عنها منذ سنوات عديدة)‪ :‬جون واللر‪ ،‬الذي مضى يترقى حتى‬
‫بلغ من صب مف تش عام الوكالة قب يل تقاعدة و في الو قت الذي م ست حا جة الوكالة إلى مف تش عام اي عند ما كان‬
‫ال سناتو‪ /‬فرا نك تشير تش وغيره في أوج حملت هم الم سعورة على الوكالة س أ من لي هؤلء جميعا الزاد الكا في‬
‫للجا بة عن كل أ سئلة ك يم ومن ها آخر ها‪ :‬إذا ما أيد نا انقلبا شبيها بذاك الذي ساعدت في التحر يض عل يه في‬
‫دم شق‪،‬فإلى ا ين تراه يؤدي ب نا؟بكلم آ خر هل نتن جح العمل ية وماذا سيترتب علي ها؟ أج بت بن عم‪،‬ان ها ستنجح‬
‫و ستكون نتيجت ها ملئ مة ل نا عن الميركي ين وللبريطاني ين ولليراني ين كذلك‪ ،‬شرط ان يكون الشاه حكيما وحذرا‬
‫في تثبيت موقفه المستعاد وال تصعد خمرة التفاؤل إلى راسه‪.‬‬
‫وعند عودي إلى واشنطن أراد مني كيم اسداء أي نصيحة يمكنني أسداؤها عن كيفية اجراء النقلب س إن كان‬
‫سيحدث انقلب حقا للحصول على بعض المساعدة في الجابة عن هذا السؤال اتصلت بما يسميه موظفو قسم‬
‫ايران «وكالة ال ستخبارات المركز ية الحقيق ية» أو «وكالة ال ستخبارات دا خل وكالة ال ستخبارات» و هي وحدة‬
‫صغيرة ترأسها زوجة موظف التصالت اللسلكية الملقبة «سيدة القطط»‪ .‬أظن بأنني أول من كتب عنها وعن‬
‫وحدتها ليس فقط لقلة عدد الذين يعلمون بوجودها إن داخل أو خارج الوكالة‪،‬بل ربما لن لها وسائلها الخاصة‬
‫في التعاطي مع من يختلس النظر تحت خبائها ‪.‬‬
‫أطلعني كيم على وجود سيدة القطط فيما كنت على وشك السفر إلى طهران وحذرني من القتراب منها‪.‬ولكنه‬
‫بدل رأ يه عند ما تذ كر بأن ها هي وحد ها على ات صال م جد «بالخ طط‪ .‬و هم مجمو عة من المرتد ين الميركي ين‬
‫المتحدريسن مسن أصسل ايرانسي (فرس‪ ،‬بلوخيون‪ ،‬أكراد‪ ،‬تركمان‪ ،‬الخ)‪ .‬جاءوا بحثا عسن عمسل مسع المقاوليسن‬
‫الميركي ين‪ ،‬اضا فة إلى «عمال قة الزركا نة» و هم مجمو عة من الرباع ين الذ ين تد عو الحا جة إلي هم في قيادة‬
‫المظاهرات المأجورة وال سيطرة علي ها س ك ما حدث مرة عند ما كا نت الجماه ير تنادي «يع يش م صدق والموت‬
‫للشاه» فحولوا النداءات إلى «الموت لمصدق ‪.‬يعيش الشاه»‪ .‬وأخبرني كيم ان من مواهبها الشخصية القدرة على‬
‫التظا هر بأن ال سكر يتعتع ها في ح ين تكون صاحية و صافية الذ هن‪ ،‬أو ان ها تج هل الفار سية واللهجات اليران ية‬
‫الخرى علما بانها نشأت وترعرت في تبريز‪ /‬وتتقنها كلها مثل أهل البلد‪.‬‬

‫‪175‬‬

‫لح ظت عند ما رأيت ها للمرة الولى ان شكل ها يو حي ب ما لي ست عل يه‪،‬ذلك ان ها و قد جاوزت الربع ين تبدو في‬
‫العشرينات من عمرها وعلى نوع مستغرب من الجاذب‪ .‬ل بد انها أدركت أن اليرانيين يعتبرون النساء اللواتي‬
‫يتمت عن بجاذب جن سي خاليات من الع قل‪،‬فجعلت ت سريحة شعر ها ال سود الطو يل كع كة تلف ها في مؤخرة رأ سها‬
‫واختارت نظارة غليظة الطار واعتمدت الثياب السوداء‪ ،‬ولم تنس مطلقا ارتداء الشادور خارج البيت تستر به‬
‫وجه ها‪ .‬مظهر ها العام يو جي بأن ها من اليرانيات المطالبات بحقوق المراة سبق ل ها أن ق ضت سنة في كل ية‬
‫القتصاد في لندن ‪.‬‬
‫بيتها كوخ قريب من السفارة الميركية «يشكل جزءا من ملبسها» حسب وصف كيم وهو في الواقع كذلك ‪.‬انه‬
‫يعج بالقطط والطفال الصاخبين‪،‬منه تنبعث أقرف الروائح وفيه يعلو الصراخ حتى ليكاد يستحيل تبادل الحاديث‬
‫العادية‪«.‬الملئكة الصغار»‪ ،‬كما تسمهيم يلعبون في الغرفة المجاورة لعبة الطبيب‪ .‬وفجأة انبعث زعيق جمد الدم‬
‫في عرو قي عل قت عل يه سيدة الق طط قائلة ‪«:‬ل بد ان ضج يج الطفال يرت فع كثيرا في ب عض الحيان‪ ،‬فل تأ به‬
‫ب هم»‪.‬ول ما هدأ ال صراخ والزع يق و حل ال سكوت في الب يت‪ ،‬قالت‪ « :‬من الف ضل ان أرى ما هم عل يه»‪.‬أ ما ما‬
‫كانوا عليه فكان ان هم قطعوا هرة ح ية بالمنشار إلى قطعت ين‪.‬ذلك ما شاهد ته بام الع ين عندما خرج كبيرهم و هو‬
‫في قرا بة العاشرة من الع مر يح مل ب كل يد ن صف الهرة المنشورة‪ .‬اشعلت ال سيدة سيجارة وقالت له بهدوء ‪:‬‬
‫«أرمها خارجا‪ ،‬أفلست ترى اننا نحاول التحدث كأشخاص متمدنين؟»‬
‫حصل ذلك الجتماع صبيحة اليوم الثالث لو صولي طهران‪ ،‬أي ب عد عثورها علي ذلك انها لو لم تع ثر علي لما‬
‫اسستطعت العثور عليهسا لن احدا فسي السسفارة لم يجرؤ على العتراف بانسه يعرفهسا ناهيسك عسن ارشادي إلى‬
‫منزلها‪.‬عندما علمت هي بوجودي‪،‬ولعل ذلك صدفة بواسطة زوجها‪،‬أرسلت لي سيارة السرة‪ ،‬تلك الفولكسفاغن‬
‫المهلهلة التي أقلتني إلى بيتها حيث تناولنا قدحا من الشاي المنعنع وشاهدت ضحية لعبة «الجراح البيطري»‪.‬ثم‬
‫قمنا بجولة في المدينة‪،‬فإذا بها تعرف كل شارع وطريق وزاروب وزقاق وزاوية ومنعطف فيها‪.‬‬
‫قض يت صبيحة ذلك النهار اتعرف بم ساعدتها طبعا إلى الهداف الوا جب التح كم ب ها على كل من يقوم بانقلب‬
‫(كالذاعة والمحطات الكهربائية الرئيسية ونقاط التحكم الساسية في شبكة الهاتف‪،‬ومنزل رئيس الوزراء مصدق‬
‫ومنازل غيره من الشخصيات الواردة اسماؤهم في قائمة المطلوبين‪ ،‬الخ)‪ .‬ثم أخذت أرسم الطرق التي ستسلكها‬
‫قطعان المتظاهرين والتقاطعات حيث يحدث ازدحام السير والمخارج التي تلجأ إليها الشرطة عندما تدعو الحاجة‬
‫إلى السيطرة على جمهور الرعاع المتظاهرين‪.‬‬
‫استغرقت استطلعاتي هذه طيلة قبل الظهر وعند الساعة الواحدة قالت كأثي (كاثرين ل أعرف ماذا هو اسمها‬
‫الحقيقي)‪« :‬حان وقت الغداء» قادنا سائق سيارتها إلى نسخة فارسية عن المطاعم التي يرتادها سائقو الشاحنات‬
‫‪176‬‬

‫في أميركا‪ .‬كان المطعم مليئا «بالقطط البشرية» التي أشرت إليها في فقرة أعله ‪ .‬قالت كاثي ‪«:‬هؤلء محترفون‬
‫وليسوا مسيسين اطلقا وسيكون العم كيم بحاجة إليهم مهما كان نوع النقلب الذي يخامره»‪.‬تبين لي من حديثي‬
‫العابر مع البعض منهم أن جمع جمهور يكفي للقيام بانقلب مؤيد للشاه ليس قضية صعبة وان «القوى القومية»‬
‫ال تي يك ثر التخوف من ها لن تش كل عائقا في طر يق النقلب‪ .‬وا ستطعت كذلك تكو ين صورة ل بأس ب ها عن‬
‫«الشعسب» اليرانسي وعسن شعوره تجاه الشاه ومصسدق وشركات النفسط الجنبيسة ‪.‬ولمسا عدت إلى واشنطسن كان‬
‫التقرير الذي رفعته إلى كيم كل ما احتاج إليه لقناع الخوين دالس بوجوب القدام على «عملية اجاكس» اضافة‬
‫إلى الرشادات الولية لطرق تنفيذها ‪.‬‬
‫ل بد لي هنا من تصحيح بعض ما ورد في الكثير من الكتب والمقالت التي اعتبرتني «العبقرية الكامنة وراء‬
‫عملية اجاكس» أو «الدماغ الذي يحرك كيرمت (كيم) روزفلت أو ما قاله البعض بطرق مختلفة من أن العملية‬
‫ما كا نت لتن جح «لول التخط يط والعداد الممتاز ين» اللذ ين ق مت به ما‪ .‬ب عد نجاح العمل ية ببض عة أيام قال الشاه‬
‫وهو يتبادل النخاب مع كيم في القصر الشاهاني ‪«:‬انني مدين بعرشي إلى ال وإلى ش عبي وإلى جي شي وإليك‬
‫وبالط بع إلى م ساعدك الم ستتر الذي لن أذ كر ا سمه»‪ .‬وعند ما علق الرئ يس ايزنهاور و سام ال من القو مي على‬
‫صدر كيم‪،‬قال الخير بتواضعه المميز‪« :‬الحق انني ل استحق ذلك‪ .‬نحن مدينون إلى أحد مساعدي الذي يفضل‬
‫عدم ذكر اسمه»‪.‬‬
‫الواقع ان الفضل كله يعود الى كيم في صيروره عملية اجاكس نموذجا حيا لعملية العمل السياسي الكاملة ‪.‬ف قد‬
‫ا ستعملت عنا صر من دا خل البلد وفعلت مشا عر وقوى محل ية ل ستنهاضها ‪.‬تضم نت العمل ية ال سيطرة على‬
‫الج يش واعادة توج يه ا ستهدافاته يش كل اك ثر فعال ية من أي ع مل آ خر ق مت به‪ ،‬واقا مة توازن بالغ التفاق ب ين‬
‫القوة العسكرية وبين التأييد الشعبي‪ .‬والواقع ان جميع الجراءات الروتينية قد اتخذت حسب الخطط المرسومة‬
‫(ال ستيلء على الذا عة وق طع الت صالت الهاتف ية‪،‬ألخ ‪ ).‬ول كن العمل ية سارت ب سلسة لم ت كن لت ستدعي تلك‬
‫الجراءات و مع ذلك كله كل فت الشعب الميركي أ قل من مليون دولر علما بأ نه رصد ل ها ثل ثة ملي ين ‪.‬يب قى‬
‫ال هم من ذلك كله ان ها نج حت على المدى البع يد مثل ما نج حت على المدى القر يب‪ .‬ف قد ب قي الشاه على عر شه‬
‫عشرين سنة أخرى استمتع خللها شعبه ببحبوحة لم يشهدها من قبل س مع العتراف بالطبع بأن الشعب تحمل‬
‫الحباطات والتوترات مثله مثسل اي شعسب آخسر يسسير نحسو التعصسرن بسسرعة تفوق مسا تقوى التقاليسد اسستيعابه‬
‫‪.‬انت هى كل ذلك بعد ما تحولت الحكو مة الميرك ية إلى سياسات تش به جدا ما د عا إل يه المفكرون الي ساريون و ما‬
‫قاومناه في العام ‪. 1953‬‬

‫‪177‬‬

‫لماذا إذا وا ستيائي وا ستياء المهني ين الخر ين من وكالة ال ستخبارات المركز ية ر غم كل ما حقق ته من نجاح ؟‬
‫المؤ سف ان الموظف ين الجدد‪ ،‬والموظف ين القدا مى الذ ين أع يد تدريب هم ل بد تعلموا شيئا أو اثن ين م ما تعلموه في‬
‫غرف الدراسة عن وكالة الستخبارات‪ .‬ولكن السادة رؤساءنا لم يتعلموا شيئا بل فاتتهم كل مقاصدها ‪.‬لقد كانت‬
‫في الوا قع الف صل الخ ير في حكا ية المدن ية ك ما عرفنا ها‪ ،‬و في الو قت نف سه الف صل الول في حكا ية وكالة‬
‫استخبارات مركزية معسكرة التنظيم وبيروقراطية الغايات ل اشعر بأن لي فيها مكانا فقد راحت تنافس البنتاغون‬
‫من حيث ضخامة الحجم وعدد الموظفين وضحالة كفاءتهم المهنية أدى ذلك إلى استقالة كيم روزفلت واستقالتي‬
‫أ نا وإلى اتكال الحكو مة الميرك ية على قوى خارج الوكالة لتحق يق ما ظن نا ان ارشادات مجلس ال من القو مي‬
‫ترمي إليه‪.‬‬
‫من «اجاكس» إلى لعبة غواتيمال‬
‫الوا قع هو ان ما جاء في أعقاب عمل ية اجا كس‪،‬ول يس العمل ية ب حد ذات ها‪ ،‬هو الذي خ يب آمال نا ن حن الثن ين‬
‫‪.‬وبالتحد يد كا نت عمل ية غواتيمال هي ال سبب‪ ،‬وبتحد يد أك ثر هو ان كبار م سؤولي الدولة وكبار العامل ين في‬
‫الوكالة مسن ذوي التوجهات العسسكرية الطابسع اعتسبروا عمليسة اجاكسس على انهسا جاءت بالسسوابق لنجاح عمليسة‬
‫غواتيمال ‪.‬وإذا كا نت اجا كس قد تلء مت مع جم يع موا صفات عمل ية تحرك سياسي مثال ية‪،‬ف قد تلء مت عمل ية‬
‫غواتيمال مع جم يع موا صفات بنائي ال مبراطوريات دا خل وكالة ال ستخبارات المركز ية نف سها وفوق ها كذلك‬
‫‪.‬وليس في اذهان هؤلء البنائين سوى اعتبارات «لعبتهم» الداخلية والبيروقراطية ‪.‬‬
‫دعوني أوضح الموضوع على النحو التالي ‪:‬كا نت وكالة الستبخارات المركز ية يوم ولدت في مخيلة مؤسسيها‬
‫منظ مة تش به جدا الورك سترا ال سمفونية أو فر يق كرة القدم ح يث ل كل وا حد من أفراد ها الكفاءة الرفي عة في‬
‫اختصاصه كما انه يسعى باستمرار لبذل أفضل مجهوده لها وضمنها س تماما مثل المسؤولين عن مكتب ايران‬
‫في واشنطن والمسؤولين في سفارتنا في طهران وقد زرت الفريقين‪ ،‬كما مر معنا‪،‬قبل الشروع بعملية اجاكس ‪.‬‬
‫ولكن تحولنا سريعا إلى البيروقراطية (وقد أدركت الن ان هذا أمر محتوم) حيث اضحى موظفونا يتنافسون فيما‬
‫بين هم على المرا كز دا خل الوكالة‪ .‬أنع كس مختلف «اللعاب الشخ صية» دا خل اللع بة البيروقراط ية ال تي را حت‬
‫الوكالة تنا فس في ها سائر الوكالت الحكوم ية للح صول على ميزانيات أض خم وعدد أ كبر من الموظف ين والمز يد‬
‫من التقدير على الصعيد الوطني ‪.‬لقد حملتنا طموحاتنا البيروقراطية إلى تلك المجالت عينها التي ينبغي على أي‬
‫وكالة استخبارات تحاشيها إن هي أرادت الحفاظ على طبيعتها ‪.‬‬
‫لن أحمسل القراء وزر حكايسة أخرى مسن حكايات عمليسة غواتيمال التسي نشسر منهسا الكثيسر مسن عشرات الكتسب‬
‫والمقالت من ها ما ف يه ب عض ال صحة ومن ها ما يفت قر إلي ها ‪ .‬بل أكت في بالقول بأن ني وط ني الشعور والولء مئة‬
‫‪178‬‬

‫بالمئة وبأن ني رأ سمالي مئة بالمئة وبأن ني أؤ من بأ سلوب الحياة المير كي وبأ سلوب الديمقراط ية المير كي س‬
‫لنفسي وللميركيين وان كنت أشكك بملءمته للحضارات العديدة التي تعاملت معها ‪.‬ومع ذلك وبمثل هذا الموقف‬
‫اليديولوجي‪،‬وعلى الرغم من عدم علقتي بعملية غواتيمال فإنني اعتبرها اهانة وطنية كان من شأنها في نهاية‬
‫المطاف‪،‬وان لم يكسن بشكسل فوري آنذاك عام ‪ ،1955‬إنزال السسخط على وكالة السستخبارات المركزيسة وعلى‬
‫المسؤولين‪ .‬عن اتخاذ القرارات واصدار الوامر فيها ‪.‬‬
‫إل اننسي لم أر أي دليسل يشيسر إلى ان الذيسن شغلوا مناصسب القيادة فيهسا سسعوا للبروز أو كانوا غيسر شرفاء بأي‬
‫شكل من الشكال‪ .‬ولكن السوأ من ذلك انهم برهنوا عن بلهة س أو ان سذاجة تصرفهم في مناصب تستدعي‬
‫منتهى الميكاڤيللية والحذاقة كانت بمثابة البلهة ‪.‬‬
‫ولكن إليكم بعض ما عثرت عليه بشأن عملية غواتيمال ‪:‬‬
‫أولً س انها نتيجة تحريض الوكالة من قبل شركة يونايتد فروت وهي شركة رفضت شركة بوز آلن اندهملتن‬
‫المختصة بالستشارات الدارية التعامل معها ‪ .‬وقد دلت تحريات بوز آلن الولية ان كبار المدراء التنفيذيين في‬
‫شركة يونايتد فروت كانوا ليعتبروا من طراز قديم ل يصلح اشراكهم في روايات تشارلز ديكنز‪،‬وعلى انخفاض‬
‫في م ستوى الذكاء ل يقوون م عه على ف هم تو صيات بوز آلن لو ان ها قد مت ل هم‪ .‬في الوا قع ان قول مهاج مي‬
‫وكالة الستخبارات المركزية بأن مسؤولي شركة يونايتد فروت «تستغل السكان المحليين » قول ملطف جدا ذلك‬
‫أن الشركة خربت بيوت الهالي ودمرت اقتصاد غواتيمال‪ .‬وبالمقارنة معهم يبدوا مدراء شركة النفط البريطانية‬
‫اليرانية كأنهم خريجو كليات ادارة العمال في جامعة هارفرد أو ستانفورد ‪.‬‬
‫ثانيا س أعتمد مدراء الشركة في تعاطيهم مع حكومة غواتيمال ليس فقط على التعسف بل اعتمدوه مقرونا بانعدام‬
‫الشرف‪ .‬سبق ان صفحت عن ب عض التجاوزات الرأ سمالية ول كن مدراء شر كة يوناي تد فروت على در جة من‬
‫انعدام الشرف المفضوح الذي ل يطاق بح يث ان الكاذ يب ال تي اختلقو ها ونقلو ها للم سؤولين في غواتيمال (ولم‬
‫ي كن هؤلء من خل صة النزا هة) هي في الوا قع عبارة عن مجمو عة اهانات وشتائم ل يحتمل ها أ حد‪ .‬فعند ما‬
‫اسستملكت حكومسة غواتيمال‪،‬مثلً‪،‬مسساحات واسسعة مسن اراضسي الشركسة التسي لم تكسن (الشركسة) فسي وارد‬
‫استعمالها‪،‬عرضت الحكومة ثمنا لها المبلغ الذي أوردته الشركة رسميا في سجلتها ولكن الشركة طالبت بضعفيه‬
‫متذر عة ب كل صفاقة ان ها أوردت ذلك الث من ف قط «لغراض ضرائب ية» وا نه ا سلوب معترف به في كل مكان‬
‫لتفادي دفع الضرائب «حتى في البلدان المتمدنة »‪.‬‬
‫ثالثا س كا نت الشر كة أ حد زبائن مك تب محاماة سليفن ا ند كرومو يل الذي يمل كه الخوان دالس‪ ،‬ك ما كان ل كل‬
‫وا حد تقريبا من كبار موظ في الحكو مة الميرك ية الذ ين ل هم اي صلة بعمل ية غواتيمال عل قة مال ية بالشر كة س‬
‫‪179‬‬

‫ومنهم مساعد وزير الخارجية لشؤون الدول الميركية‪،‬ومدير شؤون المن في وزارة الخارجية‪،‬ووزير التجارة‬
‫وح تى نائب وز ير التجارة وح تى نائب وز ير الخارج ية الجنرال بيدل سميث الذي صار في ما ب عد أ حد أعضاء‬
‫مجلس ادارة الشركسة ممسا سساعد الذيسن يهاجمون الوكالة على القول بأن تعيينسه فسي المجلس كان مكافأة له على‬
‫الخدمات التي قدمها للشركة من أجل انجاح عملية غواتيمال‪ .‬ولكن الصدمة التي جاءتني من ذلك ان أحدا من‬
‫هؤلء السادة الكرام لم يفقه مدى تأثير علقاته تلك في جعل العملية هدفا لدعاية المخابرات السوفياتية‪،‬والحكومة‬
‫الميركية ووكالة الستخبارات هدفا لهجمات «الغبياء المفيدين» من بين المفكرين الميركيين‪ ،‬وفي إثارة عداوة‬
‫الذكياء والوطنيين من الميركيين الذين بدأ الشك يرقى إلى قلوبهم حول «المستوى الخلقي الرفيع» الذي ما‬
‫انفك وزير خارجيتنا الورع يدعي انه يمتلكه ‪.‬‬
‫رابعاس فيما نستعيد ذكريات تلك العملية بعد مرور أكثر من ثلثين سنة عليها نرى انها كانت شبه عسكرية من‬
‫الصسنف الذي لم يكسن لوكالة السستخبارات شأن فسي التدخسل بهسا‪،‬عمليسة كان ل بسد مسن ان تقودنسا إلى «عمليات‬
‫مكشوفة س مخفية» قادتنا بعد ثلثين سنة إلى نيكاراغوا وتضمنت خرقا لكل مبادئ العمل الخفي‪ ،‬حتى إلى وقت‬
‫عملية اجاكس‪ .‬ولكن عندما تورطت وكالة الستخبارات المركزية في حرب كوريا وبعدها في فيتنام جاء اجلها‬
‫‪.‬وراحت تعتمد على مهووسين من البنتاغون يتصرفون على هواهم‪ .‬ل شك انهم مقاتلون ممتازون في الحروب‬
‫ال سرية غ ير المعل نة‪ .‬ول كن تلك الحروب تخاض ضد حكو مة أو ضد قوات ها الع سكرية بقوى من خارج البلد‪،‬‬
‫وغرضها في الصل دحر العدو لزالة زبانيته أو تحويله إلى قيمة مفيدة‪.‬‬

‫*‬

‫الفصـل الثامـن عشـر‬
‫رقعة اللعبة على ضفاف النيل‬
‫مصر والوليات المتحدة‬
‫أوردت فسي صسفحات سسابقة كيسف يلعسب الزعماء والفاعلون فسي مجتمسع مسا ثلث لعبات فسي آن معا (اللعبسة‬
‫الشخصية‪،‬واللعبة المحلية واللعبة الدولية س ولعبة رابعة في بعض الحيان هي اللعبة البيروقراطية)‪،‬وكيف يمكن‬
‫لشخص ذكي أو لوكالة أو لحزب سياسي أو حتى دولة تتحلى بالذكاء أن ينغمس الواحد منهم في تداخلت اللعبة‬
‫ويلتصق بمصدر النشاط وينتهي إلى الكارثة المحتومة‪.‬‬
‫*‬

‫مل حظسة ‪:‬تجدر ال شارة إلى ان المقصسود بتسسمية «حزب ال»س فسي ايران آنذاك هسي منظمسة «فدائيان‬

‫إ سل م» بقيادة صفوي وزعامة آية ال سال سيد أبو القا سم الكاشاني‪،‬والتي وقفت إلى جانب حكومة الدكتور محمد‬
‫مصدق‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫لنأ خذ مثلً رئ يس أي شر كة كبرى يب شر باجراءات في الشر كة تترك انطباعا طيبا في نفوس الم ساهمين خلل‬
‫ال سنة الجار ية‪،‬علما بأ نه يعرف أن اجراءا ته تلك ستؤدي إلى مشا كل ها مة ب عد ع شر سنوات س وب عد ع شر‬
‫سنوات نراه يستمتع بدفء أشعة الشمس بالقرب من حوض السباحة في حديقة بيتة بينما يشقى شخص آخر وراء‬
‫مكتبه السابق في مواجهة المساهمين‪.‬ولننظر أيضا إلى هؤلء القادة ال سوفيات‪،‬هم ليسوا بأ غبياء‪،‬ف قد تأكدوا منذ‬
‫زمن بعيد من أن الشيوعية ل تؤدي إلى الغاية المنشودة‪،‬ومع ذلك فهم ل يستطيعون التخلص منها لنها هي التي‬
‫أو صلتهم إلى مراكز هم ومنا صبهم ولن هم سيسقطون ضحا يا اللع بة البيروقراط ية ان هم لم يتم سكوا وي ستمروا‬
‫ب ها‪.‬ولنن ظر كذلك إلى رئ يس الجمهور ية في الوليات المتحدة الذي أعطا نا الزدهار بإغراق نا في ديون تكاد ل‬
‫تحصيها الرقام ونال هو الشعبية العارمة‪،‬هذا مع علمه بأن رئيسا ما في السمتقبل‪،‬غيره هو‪،‬سيشقى سعيا لتسديد‬
‫تلك الديون‪.‬‬
‫دعو نا نل قي نظرة من ه نا على العوا مل ال تي سارت بوكالة ال ستخبارات المركز ية في انزلق ها ن حو الهاو ية‬
‫‪.‬بدأت الوكالة العمل في أيام رئاسة هاري تروبن ومهمتها انباؤه بما يجب ان يعرفة من اجل حل مشاكل البلد‬
‫على رق عة اللع بة الدول ية‪.‬ول كن الرئ يس ترو من‪،‬ذلك الر جل الب سيط و«انموذج المير كي العادي»‪،‬لم ي كن ضليعا‬
‫في الشؤون الدولية‪،‬فكان على وكالة الستخبارات ليس فقط إرشاده إلى وسائل حل مشاكله بل أيضا تعريفه بتلك‬
‫المشا كل‪،‬اع تبر الرئ يس ان ال سوفيات م صممون على غزو العالم وان هم ينوون تحق يق نوايا هم بأ ساليب تتعارض‬
‫مسع اتفاقيات جنيسف‪.‬لذلك أجاز سسلسلة مسن التوجيهات صسدرت عسن مجلس المسن القومسي وخولت وكالة‬
‫الستخبارات المركزية‪ ،‬وهي أصلً هيئة لجمع المعلومات‪،‬بالتمدد إلى مجال العمليات الخفية الشبيهة بما اعتبره‬
‫(عن حق) السلوب الذي يستعمله السوفيات ضدنا‪.‬‬
‫ثم جاءت ازمة كوريا وحربها التي أدخلت إلى الوكالة اشخاصا ذوي صفة شبه عسكرية‪ .‬وتلتها عملية اجاكس‬
‫وعمل ية غواتيمال فكا نت بدا ية النها ية‪.‬وال سوأ من ذلك ان نا بدأنانأ تي إلى سدة الح كم برؤ ساء اع تبروا بأن هم‬
‫يعرفون ما هي المشاكل اليت توجههم‪،‬أو ابتهجوا بالحصول على تفسيرات لها ليس من خلل اسرة الستخبارات‬
‫بسل على أيدي اختصساصيين فسي العثور على حلول‪ .‬إن الذيسن قرأوا بإمعان مسا كتبتسه حتسى الن يدركون ان‬
‫الشخاص والمنظمات المختصسسين بالعثور على الحلول ينزعون إلى العثور على مشاكسسل جديدة وإلى اعادة‬
‫تعريف المشاكل القائمة كي يطبقوا عليها ما لديهم من حلول ‪.‬‬
‫لم ي مض و قت طو يل ح تى صارت الوكالة ت مد الب يت الب يض بالمعلومات ال تي يطلب ها‪ ،‬ل بتلك ال تي يحتاج ها‬
‫‪.‬بكلم آخسر راحست الوكالة تتحرى عدد الفرق العسسكرية وتغرس الدبابيسس الملونسة فسي الخرائط وتجمسع مسن‬
‫المعلومات ما اع تبر الب يت الب يض ا نه بحا جة إلي ها ا ستعدادا لدرء حروب لم ي كن ال سوفيات بوارد خوض ها أو‬
‫‪181‬‬

‫شنها والسوأ من ذلك ان البيت البيض اندفع في اجراءاته هذه دون تفهم ولو بدئي للستراتيجية التي اختارها‬
‫ال سوفيات لنف سهم‪ .‬وقا مو بممار ستها‪ ،‬فا ستحال ع مل الوكالة في أوا خر الخم سينات جمعا لمعلومات تتلءم مع‬
‫استراتيجيا افترض مخططونا العسكريون مسبقا بأن السوفيات قد تبنوها‪.‬طبعا كان هؤلء المخططون أشد الناس‬
‫نفوذا في الحكومة الميركية لن ميزانية البنتاغون أضخم من ميزانية أي وزارة أو هيئة في الدولة فكان بالتالي‬
‫على أ هل البنتاغون تبرير ضخامت ها‪.‬لم يتو قف فرع وكالة ال ستخبارات المركز ية المخ تص برو سيا ال سوفياتية‬
‫عن التيان بمعلومات ممتازة تشيسر إلى ان السستراتيجيين السسوفيات حصسروا تفكيرهسم آنذاك بنوع مسن الحرب‬
‫الباردة ل صلة ل ها بحرب نووية ول بحرب تقليد ية‪ .‬ووجدت تلك المعلومات طريق ها من سلة البر يد الوارد إلى‬
‫المسؤولين المختصين إلى سلة البريد الخارج دون ان تثير ولو شرارة اهتمام واحدة‪.‬‬
‫تحولت وكالة السستخبارات المركزيسة إلى وكالة تنعسم بميزانيسة كسبيرة باتست الحلول فيهسا تأتسي فسي المرتبسة‬
‫الولى‪.‬فأخذت على عاتق ها عدة عمليات ش به ع سكرية و جب ان تكون من م سؤولية البنتاغون‪ .‬ثم را حت تقوم‬
‫بعمليات عسسكرية فسي جوهرهسا سس كغيرهسا مسن العمليات العسسكرية تتطلب اعدادا كسبيرة مسن الرجال وكميات‬
‫ضخمة من المعدات ومبالغ طائلة من الموال‪ .‬وأخيرا أخذت تبحث عن مشاكل ل تستدعي الكثير من الذكاء إنما‬
‫ل باه ظة التكال يف‪،‬أمل ها علي ها أ حد عباقرت ها دك بي سل‪.‬فرضي ته ال ساسية قا مت على ان ج مع‬
‫ت ستوجب حلو ً‬
‫المعلومات بالوسسائل التقنيسة اللبشريسة يأتسي بمعلومات واقعيسة دقيقسة‪،‬بينمسا تشوب بواطسن الضعسف البشري‬
‫المعلومات التي يجنيها الجواسيس العاديون‪ .‬قلنا له ‪:‬حسنا‪،‬اننا نعلم كل شيء عن الجواسيس ولسنا بحا جة لن‬
‫تخبر نا بنقاط ضعف هم‪ .‬ول كن معدا تك التقن ية ل ت ستطيع قراءة الفكار ول ت ستطيع ان تخبر نا بش يء عن الدوا فع‬
‫والنوا يا والشخ صية (ه نا تد خل اللع بة الشخ صية) والعوا مل الخرى ذات التأث ير في ر سم الخ طط وال سياسات‪.‬‬
‫وعند ما تحلل‪ ،‬ابتداء من الحا ضر ورجوعا إلى الما ضي‪ ،‬المعلومات الواقع ية الواردة من اجهز تك التقن ية فإ نك‬
‫ترتكب خطأ الفتراض بان العقليات التي رسمت تلك الخطط والسياسات إنما هي مثل عقلياتنا نحن الميركيين‪،‬‬
‫فل ي سعك إذا بالو سائل التقن ية اكت ساب تف هم للخ صائص الحضار ية ال تي تؤ ثر في القرار الذي يحاول الش خص‬
‫المستهدف اتخاذه‪.‬‬
‫ما زلت أذكر بوضوح إلم تحولت وكالة الستخبارات المركزية خلل الفترة الواقعية بني ‪1955‬و ‪،1957‬وكيف‬
‫أخسذ يدب فسي نفوس رؤسساء المكاتسب القليميسة والعامليسن فسي المواقسع والمحطات خارج البلد الشعور بأننسا‬
‫مواطنون من الدر جة الثان ية ‪.‬فات ني أن أذ كر ا نه حدث آنذاك فرار جا سوس إلى المع سكر ال خر ونج حت أحدى‬
‫عمليات الختراق فسي مجال السستخبارات‪.‬دعينسا إلى مكتسب المديسر لجتماعات دامست يوميسن‪ ،‬فكانست وكالة‬
‫الستخبارات التي شاهدناها قبيل عيد الميلد لعام ‪1956‬مختلفة كليا عن تلك التي أسسناها قبل عشر سنوات ‪.‬‬
‫‪182‬‬

‫وبالمقارنة مثلً‪ ،‬كان آلن دالس بالنسبة إلى دك بيسل مثل طبيب الضاحية بالنسبة إلى بحاثة في علوم الطب‪،‬علما‬
‫بان لكل منهما بالطبع سيئاته وحسناته‪ .‬ولكونهما مصدري اللهام الولين في الوكالة كان ينبغي أن يشكل فريقا‬
‫عظيما لو تعاونا سوية وكلهما عمل في اتجاهين مختلفين‪ .‬وفي أواخر الخمسينات اندفعت الوكالة تعمل في كل‬
‫التجاهات مسن طائرات التجسسس و «الرهاب الجراحسي» والعقاقيسر والجيوش الخاصسة و«البنسى الداعمسة»‬
‫وغيرها‪ ،‬فباتت بنظر ريتشارد هلمز‪،‬رئيس مكتب العمليات الخاصة‪،‬خارجة عن كل سيطرة واشراف‪.‬‬
‫قضيت أنا أيضا السنتين الخيرتين من خدمتي في الوكالة في ما يصعب وصفه بعمل الستخبارات التقليدي ‪.‬‬
‫ولنعدام توا فر ما هو أف ضل شرع نا أ نا وك يم روزفلت نع مل في ما أ سميناه الدبلوما سية الخف ية‪،‬أي مناورات‬
‫دبلوماسسية وراء الكواليسس لم نكسن لنقوى على القيام بهسا لول وجود جون فوسستر على رأس وزارة الخارجيسة‬
‫وأخيه آلن على رأس وكالة الستخبارات المركزية‪ .‬إسميا‪ ،‬كنت أنا رئيس وحدة أركان العمل السياسي وتحملت‬
‫مسؤوليات عملي بكامل جديتها‪.‬ودأبت لدى عودتي من مصر على قضاء معظم أوقاتي في نشاطات الركان التي‬
‫سبق أن وصفتها‪ )1( :‬تحديد أمكنه من العالم فيها أخطار تهدد سلمة الوليات المتحدة ول يمكن إبطال مفعولها‬
‫إل بالعمسل السسياسي حسسب تعريفسي له‪ )2(،‬ثسم اسستنباط أشسد الوسسائل فعاليسة وأرخصسها ثمنا للقيام بالعمليات‬
‫اللزمة‪.‬وعندما رقي فرانك ايسنر إلى رتبة نائب المدير لشؤون التخطيط‪ ،‬حل محله دزموند فيتزجرالد وهو من‬
‫بقايا مكتب الخدمات الستراتيجية قضى كل سني خدمته في الشرق القصى‪ .‬كان دزموند بهي الطلعة وجنتلمان‬
‫من الطب قة الرفي عة ل ي ثق «بالوسيلة» ويعرف محدوديا ته كما ا نه بحا جة إلى أ حد لمراق بة منط قة ل يعرف هو‬
‫عنها شيئا ويراقب كذلك مسؤول الوكالة في تلك المنطقة أي كيم روزفلت ‪.‬‬
‫هكذا صارت تحال علي أك ثر فأك ثر عمليات سياسية خا صة من الدبلوما سية الخف ية المتعل قة بالشرق الو سط‪،‬أو‬
‫هكذا ظن الخوان دالس‪ .‬عند ما ت طل مشكلة في المنط قة يف كر الثنان فورا بك يم روزفلت ونادرا ما فكرا بأي‬
‫دبلوماسي محترف علما بأن في وزارة الخارجية عدة لجان تتعاطى مع مختلف أزمات ومشاكل الشرق الوسط‪.‬‬
‫وكان كيم يحضر معظم الجتماعات وادعى أنا إلى بعضها‪ .‬أما إذا كان ل بد لحد ان يتوجه إلى ايران أو إلى‬
‫مصسر أو الردن أو المملكسة العربيسة السسعودية ليقابسل الشاه أو عبدالناصسر أو الملك حسسين أو الملك سسعود فل‬
‫يخ طر ببال الخو ين دالس إل ك يم أو أ نا و في ب عض الحالت كل نا معا و في حالت أخرى نذ هب برف قة ب عض‬
‫المحترفين المرموقين مثل أڤريك هاريمان أو روبرت اندرسون أو أرك جونستن ‪.‬‬
‫ن ما هذا التقل يد من ايام غر فة اللعاب ل تي ساعدت في انشائ ها وكا نت آنذاك فكرة طي بة‪ .‬ويبدو لي الن‪ ،‬ب عد‬
‫مرور وقت طويل على انشائها انها لم تحقق من أحلمنا بمقدار ما توقعناه‪ .‬ومع ذلك أبرزت على رقعة اللعاب‬
‫ب عض الحالت ال تي تحتاج إلى اعادة الن ظر في ها‪ .‬غ ير ان نا أخفق نا في المكان الذي كان ينب غي ل نا النجاح ف يه‬
‫‪183‬‬

‫‪:‬التشد يد على ما يت خذ على رق عة اللعاب الدول ية من قرارات تؤ ثر تأثيرا عميقا في الم صالح الميرك ية في‬
‫الخارج إن ما يتخذ ها لعبون يع تبرون ان الم صالح الميرك ية تأ تي في المرت بة الثان ية ب عد م صالحهم‪ ،‬والتشد يد‬
‫أيضا على انه عند تضارب مصالح اللعبين الجانب مع مصالحنا يجب أن تتحمل المصالح الميركية إلى حد‬
‫مسا تبعسة ذلك التضارب‪ .‬فاللعسب‪ ،‬أيا كان‪ ،‬يعطسي الولويسة لمصسلحة بلده أولً وبأقصسر قدر مسستطاع‬
‫‪.‬وعبارة«أقصسى القدر المسستطاع» هذه هسي مسا يضعسه نصسب عين يه أي خسبير فسي العمسل السسياسي يطلب إليسه‬
‫التعاطي مع قضية اللعبة الدولية‪ .‬إننا نحاول في تعاطينا مع اللعبين الخرين‪ ،‬الصدقاء منهم والخصام‪ ،‬ان‬
‫نخفض إلى الحد الدنى مقدار ما يمكن ان يولوه من أولوية لمصالحهم على حساب مصالحنا ‪.‬وعليه يجب ال‬
‫تصدمنا أو تدهشنا محاولتهم الحصول على أقصى ما يستطيعون من منافع على حساب مصالحنا عندما ل تكون‬
‫مصسالح الفريقيسن متطابقسة‪ .‬ففسي اللعبسة الدوليسة يكثسر الكلم عسن «تطابسق المصسالح» ولكسن دبلوماسسيينا‬
‫المحترف ين‪،‬العلني ين من هم والم ستترين‪،‬أعلم من أن يشاطروا جون فو ستر دالس تبرمه من ر فض الدول الخرى‬
‫القبول بمبدأ ان كل ما هو مفيد لميركا مفيد حكما للعالم كله ‪.‬‬
‫لم يخالفني أصدقائي البريطانيون الرأي حول هذا الموضوع ولكن معرفتهم بعلقتي بالرئيس المصري جمال عبد‬
‫الناصر عكرت الجواء بيننا لذلك أرى من المناسب في هذا المجال الخوض في احد أوجه «التجربة الناصرية»‬
‫التي لتزال مجهولة عندهم ‪:‬انه الدور الذي قامت به وكالة الستخبارات المركزية في قضية السويس والخلف‬
‫الذي نشأ بينها وب ين الحكومة البريطان ية‪،‬كما وبينها وب ين الحكومة الميرك ية‪ .‬لقد ناقشت هذا الموضوع مرارا‬
‫ح تى لتكاد تتقزز نف سي لذكره ‪.‬ول ما ك نت أك تب للتار يخ (فهذا نوع من ال سيرة الذات ية أدون ها) سأطرح مفهو مي‬
‫لدور وكالة الستخبارات المركزية في تلك القضية علما بأننا‪،‬نحن العاملين في المواقع ظننا أن عملنا يتطابق مع‬
‫مصالح السياسة الميركية‪،‬في حين كان يخالفها في بعض الوقات‪ .‬وأود هنا أن ألفت النتباه إلى انني لست في‬
‫معرض الدفاع عن ذلك المفهوم (علما بأن ني أ ظن ان التار يخ قد بر هن على صحته)‪ ،‬فأ نا ه نا أطلع القراء على‬
‫مضمونه ‪.‬‬
‫لنن ظر أولً إلى رق عة اللع بة‪ .‬في عدد من العتبارات الها مة اختل فت رق عة اللع بة الدول ية ال تي ح سبنا ان نا نل عب‬
‫عليها عن تلك التي حسب البريطانيون اننا كلنا نلعب عليها‪ .‬فمع التزامنا التزاما ل رجوع عنه بتأييد اسرائيل‪،‬كنا‬
‫على بينة تامة أيضا بما سيكلفنا ذلك من عداء عربي ومن خطرعلى مصدر هام للنفط ‪.‬ومع العلم بأننا نحاول احلل‬
‫السلم بين العرب واسرائيل‪،‬كانت الغاية الهم من ذلك إرضاء الرأي العام عندنا مع ما يتضمنه ذلك من ادراك تام‬
‫ان استمرار حال العداء أمر كتبت علينا معايشته‪ .‬وفيما كانت كلمات ونستون تشرشل عن المبراطورية لتزال في‬

‫‪184‬‬

‫آذان البريطاني ين كنا قد أصبحنا متعاطف ين علنا مع الحركات القومية‪ ،‬إذ اعترف وزير خارجيتنا علنا باعتقاده بأن‬
‫سياسات بريطانيا«الستعمارية» تحد من حرية التحرك الميركي وبأنه يحاول إبعاد حكومتنا عن تلك السياسات ‪.‬‬
‫لم نح مل على مح مل ال جد كلم تشر شل وايدن من ان ع بد النا صر قد«أط بق بكل تا يد يه» على شريان حياة‬
‫المبراطورية وان القضية باتت قضية موت أو حياة المبراطورية البريطانية‪ ،‬كلم راح الثنان يلقياته علينا‬
‫نحن الميركيين بروح أبوة متعالية وكأننا زمرة من الولد المعاقين‪ .‬فقد بدالنا ان حبل حياة المبراطورية‬
‫(تر عة ال سويس) ل يس ت حت رح مة ع بد النا صر‪ ،‬بل على الع كس فإن دواف عه لبقاء ح بل الحياة هذا مفتوحا‬
‫باتت أقوى من ذي قبل ‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬كان هناك عبدالناصر نفسه‪ .‬عندما فكرنا ببيلي غراهام مسلم‪ ،‬تصورناه لمثل رقعة اللعب هذه‪ ،‬فكان جمال‬
‫عبد الناصر أقرب شبيه معقول به‪ .‬ذلك اننا لم نلحظ في لعبتنا مكانا للدمى أمثال نوري باشا السعيد وغيره ممن‬
‫جعلهم البريطانيون على رقعة لعبتهم‪ .‬فقد ابتغينا زعيما في مصر‪،‬زعيما تتناسق آراؤه إلى حد ما مع آرائنا ومع‬
‫آراء شعبه أيضا ليتمكن من البقاء والستمرار زعيما محبوبا ‪.‬واعتبرنا انه إذا كان ل بد له من صب عدائه على‬
‫ش يء (وكان ل بد له من ذلك ح سب المبدأ القائل بأن تأل يب التباع ضد ش يء أ سهل من جمع هم لتأي يد ش يء)‬
‫وبالتالي فضل نا ان يو جه عداءه ن حو «ال ستعمار» على أن يوج هه ضد ا سرائيل‪ .‬ورأي نا ان لبأس ح تى في ان‬
‫يت خذ موقفا عدائيا من أميركا نف سها شرط أل ير تد موق فه هذا بالضرر علينا وان يكون له مئة منفعة صريحة ‪.‬‬
‫يبقسى ان أهسم مسا ابتغيناه منسه أن يكون زعيما شعسبيا قويا له مسن الجرأة مسا يمكنسه‪ ،‬عنسد توافسر الفرص النفسسية‬
‫المناسسبة مسن اتخاذ قرارات صسعبة‪ ،‬علما بأننسي أعود وأشدد هنسا على وجوب ان تكون قراراتسه تلك ملئمسة‬
‫لمصالح مصر والوليات المتحدة معا ‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬كان على الرق عة أيضا لع بة ا سرائيل‪ .‬ف في شباط ( فبراير) ‪ 1955‬شن ال سرائيليون غارة على غزة ذ هب‬
‫ضحيتها أكثر من ثلثين قتيلً ‪ .‬وقد وجدنا فيها رغم وحشيتها انها من وجهة نظر السرائيليين انطباقا تاما مع‬
‫أصول اللعب‪ .‬ذلك انهم لما فقدوا كل امل بقبول عبد الناصر بعقد صفقة سلم معهم حسب شروطهم رأوا من‬
‫الفضسل ان يكون «عبسد الناصسر» الذي يريدونسه معهسم على رقعسة اللعسب الدوليسة عدوا عنيدا عوضا عسن عدو‬
‫معتدل قد يتم كن يوما من اغراء الميركي ين باعتداله وعقلني ته‪ .‬والوا قع ان عداء ع بد النا صر ق بل الغارة على‬
‫غزة انصسب على السستعمار البريطانسي (لحظوا الفرق‪ :‬العدو هسو السستعمار‪ ،‬بريطانيسا) كمسا كان اهتمامسه‬
‫بالصراع العربي السرائيلي محدودا س حسب اعتقادنا‪ .‬ولكن الغارة سببت سلسلة من الحداث كان واحد منها‬
‫نقلةعلى رق عة الل عب صبت في م صلحة ا سرائيل وقر بت أز مة ال سويس‪ ،‬ان ال سرائيليين ماهرون في تخط يط‬
‫نقلتهم على رقعة اللعبة الدولية ‪.‬‬
‫‪185‬‬

‫رابعا ‪:‬كان هناك ب عد الغارة انقلب ومضادة ‪ .‬من الوا ضح ان الغارة ق ضت على أي م يل لدى عبدالنا صر ن حو‬
‫مسسايرة مخططات وزيسر الخارجيسة دالس لقامسة ترتيبات دفاعيسة اقليميسة (وحولت إلى مهزلة حججنسا امام عبسد‬
‫النا صر بأن عدوه الحقي قي هو رو سيا ال سوفياتية ولي ست ا سرائيل)‪ ،‬وأثارت عا صفة من المطالبات الم صرية‬
‫بالحصول على اسلحة أميركية ارفقت بتهديدات واضحة من قبله بأنه سيتحول إلى التحاد السوفياتي إذا ما تعذر‬
‫عليه الح صول علي ها‪ .‬وكا نت النقلة التي غيرت طبيعة اللع بة بأكملها ح صوله على السلحة السوفياتية وإعل نه‬
‫عسن ذلك فسي أيلول (سسبتمبر) ‪ 1955‬وفيمسا مضينسا فسي وكالة السستخبارات المركزيسة نصسر على زملئنسا فسي‬
‫الخارجية بأن عبد الناصر سيتخذ تلك الخطوة‪ ،‬فقط لننا كلعبين ينبغي علينا العتراف بأن أيا منا كان ليتخذها‬
‫لو وجد نفسه في موقف كموقفه‪ ،‬استمرت وزارة خارجيتنا هي الخرى في اصرارها على انه يخادع ‪.‬على كل‬
‫الحوال‪،‬وبنا ًء على أمر من الخوين دالس ذهبنا أنا وكيم روزفلت إلى مصر لقناع عبد الناصر بأن علينا نحن‬
‫الفريقيسن الفادة مسن شعسبيته الكسبيرة المفاجئة للمغامرة باتخاذ قرار بغيسض‪ :‬أي تحريسك مخطسط يؤدي إلى عقسد‬
‫اتفاقية سلم مع اسرائيل ‪.‬‬
‫خام سا‪ :‬الوز ير دالس ق صير الن ظر وقل يل الع قل‪ .‬ف قد غب نا عن ذاكر ته كليا! لم ي كن قد م ضى يوم كا مل على‬
‫وصولنا أنا وكيم إلى القاهرة‪ ،‬وفي أعقاب حصولنا على مواف قة عبد النا صر على «القرار البغ يض»‪ ،‬أصدرت‬
‫وزارة الخارجية بيانا صحفيا بأن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الوسط جورج آلن سيتوجه إلى القاهرة‬
‫ليبلغ عبد الناصر «انذار»‪ .‬لم يكن من الصعب على احد(وعلينا بشكل خاص) ادراك ما حمل عبد الناصر على‬
‫ان ير مي في سلة المهملت نص الخطاب الذي «أعدد ته» له لعلن خبر صفقة ال سلحة ال سوفياتية‪ ،‬وي ستبدله‬
‫بخطاب غيسر معتدل حسسب المقاييسس الغربيسة‪ .‬ومنسذ ذلك اليوم أخذت العلقات تنتقسل مسن سسيئ إلى أسسوأ فعبسد‬
‫النا صر يت خذ اجراءات نعتبرها ن حن منطب قة مع أ صول الل عب بين ما يت خذ الوز ير دالس‪ ،‬الذي أ صبح في موقع‬
‫المبادرة‪ ،‬اجراءات وخطوات ل تعطسي عبسد الناصسر أي مجال إل مجال التصسعيد باتخاذه الجراءات المعاكسسة‬
‫التي توقعنا منه اتخاذها ‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬جاء تراجعنا عن عرضنا السابق بتمويل مشروع سد أسوان‪ .‬أدركنا تماما‪،‬نحن رجال وكالة المخابرات‬
‫المركزية ضرورة سحب عرضنا بتمويل مشروع السد العالي‪ :‬فأعضاء مجلسي الكونغرس من الوليات الجنوبية‬
‫خافوا من ان يم كن المشروع الم صريين من زرع م ساحات اضاف ية قطنا؛ أ ما العضاء الذ ين يمثلون الوليات‬
‫الغربية فغاظهم ان ننظر بعين الرضا إلى بناء سد في مصر بينما ل يحصلون هم على الموال اللزمة لبناء‬
‫سدود في وليات هم‪ .‬ك ما كان هناك احتمال ان يؤدي ال صرار على م نح م صر قرضا إلى تعر يض كل مشروع‬
‫اقامسة وكالة النماء الدوليسة للخطسر‪ .‬وفسي احدى المسسيات‪ ،‬بعسد انصسراف الموظفيسن إلى بيوتهسم‪ ،‬جلس جون‬
‫‪186‬‬

‫فوسستر دالس وبيسل راونتري الذي حسل محسل جورج آلن فسي منصسب مسساعد وزيسر الخارجيسة لشؤون الشرق‬
‫الوسسط‪ ،‬جلسسنا حتسى سساعة متأخرة مسن الليسل يكتبان توضيحا لسسبب سسحب القرض غايتسه الهاب مشاعسر‬
‫عبدالناصر‪ ،‬وال أدرى ما السبب؟! أما نحن في الوكالة فلم تكن لنا أي علقة بالتوضيح المذكور‪ .‬وعندما سأل‬
‫آلن دالس كيم روزفلت عن رأيه به كان غضب كيم منه يعادل ثورة جمال عبد الناصر‪ ،‬علما بأن كيم مارس من‬
‫ضبط النفس مقدارا يفرق بقليل ما مارسه عبد الناصر‪ .‬أقلقت ردة فعل كيم آلن دالس فما كان منه إل ان اخذنا‬
‫أ نا وفرا نك واي سنر وك يم إلى وزارة الخارج ية ح يث جل سنا حول طاولة نحاول ان نتن بأ بردة ف عل ع بد النا صر‪.‬‬
‫كان را يي ورأي ك يم وكذلك رأي ب عض الزملء في الخارج ية ان ردة فعله مه ما ت كن لن تكون في صالح ما‬
‫أسميناه ب سخرية «قض ية ال سلم في الشرق الو سط»‪.‬ولكننا لم نتقدم بأي مقترحات محددة س باستثناء ما أورد ته‬
‫في ف صل سابق عن تطرق فرا نك واي سنر إلى احتمال قيام ع بد النا صر بتأم يم شر كة قناة ال سويس فأ سكتناه أ نا‬
‫وكيم‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬كان على الرقعة أيضا السخط البريطاني على تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس‪ .‬فعند العلن عن‬
‫التأميم أطبق البريطانيون فورا على المبادرات‪.‬جاريناهم في لعبتهم على الرغم من معرفتنا من ان الستخبارات‬
‫البريطانية على ما هي عليه من تفوق في مناطق الشرق الوسط الخرى لم تكن على علم بكل ما يجري داخل‬
‫حكومة عبد الناصر وبالوضع العام في مصر‪.‬في احد الجتماعات التي عقدتها برفقة بعض زملئي في وكالة‬
‫ال ستخبارات المركز ية مع ضباط من المخابرات البريطان ية ق بل قرا بة الش هر من الهجوم البريطا ني الفرن سي‬
‫السرائيلي على مصر (العدوان الثلثي عام ‪ )1956‬للبحث في ما يجب ان نفعله بشأ‪ ،‬عبدالناصر‪،‬عرض علي‬
‫احد الضباط البريطانيين وثيقة سرية جدا تبين تنظيم المخابرات المصرية‪.‬ظننت في بادئ المر انه يمازحني !‬
‫ذلك لنها الترجمة النكليزية للتنظيم الهرمي الذي أعددته بمساعدة زملئي في شركة بوز آلن آند هملتن ‪.‬ويبدو‬
‫ان نظائرنا البريطانيين كانوا في جهل تام حيال ما كان يفعله فريق وكالتنا في مصر طيلة السنتين المنصرمتين‪.‬‬
‫كان أكثر ما أزعجنا عدم تصرف البريطانيين تصرف اللعبين المتمرسين ذوي العصاب الهادئة‪ .‬فكل ما‬
‫قاله لنسا زملؤنسا فسي المخابرات البريطانيسة والخارجيسة البريطانيسة ل يمست بان صسلة إلى أي ضباط أو مدنييسن‬
‫م صريين يمكن هم تشك يل حكو مة إذا ما أز يل ع بد النا صر من الح كم‪،‬أو إلى الو ضع العام في م صر‪ .‬ولم ت كن‬
‫أقوالهم أكثر من افتراضات وتكهنات‪ ،‬كما بدا انهم لم يكترثوا س لكثر من الطاحة بعبد الناصر‪ ،‬بصرف النظر‬
‫عسن النتائج‪ ،‬بغيسة البرهان للعالم أن مغرورا برز حديثا مثله ل يسستطيع التباهسي بالدوس على ذنسب السسد‬
‫البريطاني دون عقاب‪ .‬إن موقفهم هذا أشبه بموقف بطل من أبطال الشطرنج العالميين حاول تحطيم الطاولة لن‬
‫مبتدئا في اللعبة استطاع زجة في موقف حرج‪.‬‬
‫‪187‬‬

‫إذا‪ ،‬ماذا كان يترتب علينا فعله؟ من المهم ادراك بأنه فيما كانت واشنطن تجاري لندن في الرغاء والزباد‪،‬‬
‫وفيما طرأت بين آن وآخر في ذهن الرئيس ايزنهاور نفسه فكرة «الطاحة بعبدالناصر» كنا نحن العاملين على‬
‫الرض على ات صال حميم برككار يا مح يى الد ين وغيره من كبار الم سؤولين المصريين بشأن ح سنات و سيئات‬
‫التأميم (كما لو كنا زوارا متجردين قادمين من كوكب آخر)‪ ،‬نصفق للحسنات وننبه بحزم من السيئات‪ .‬وكانت‬
‫حجتنا مع عبد الناصر بكل بساطة على النحو التالي‪« :‬حسنا‪ ،‬لقد كسبت هذه الجولة‪ ،‬ولكن وقبل ان تأتي جولة‬
‫أخرى ل تسستطيع كسسبها‪،‬لماذا ل تسستغل الفورة المؤيدة لك حاليا لتخاذ اجراء خليسق برجسل دولة باتجاه تحقيسق‬
‫السلم في المنطقة كلها؟» وافق! بدأ بالعلن (بمصداقية لم ترض وكالة الستخبارات المركزية وحدها‪،‬بل كذلك‬
‫وزارة الخارجية التي ما انفكت حتى اعلنه تهزا بالموضوع) عن انه سيبقى ترعة ال سويس مفتوحة للملحة‪،‬‬
‫وسيدفع التعويضات اللزمة لمالكي الشركة السابقين وسيراعي كل القضايا الخرى التي اعتبرها محامونا حدا‬
‫أدنى لتصفية النزاعات القانونية التي نجمت عن التأميم ‪.‬‬
‫د عا ع بد الناصر مندوبين عن الدول التي در جت سفنها على ا ستعمال قناة ال سويس للبحث في ظلمات هم ‪.‬‬
‫وتبين ان ليس لهم اي ظلمات مشروعة‪ .‬وعندما استقال المرشدون البحريون الوروبيون استقالة جماعية‪،‬حل‬
‫محلهم مرشدون مصريون وأمنوا الملحة عبر القنال (الممر البحري) وحازوا رضا الجميع ‪.‬والهم من ذلك كله‬
‫ان ع بد النا صر أبلغ الرئ يس ايزنهاور بأ نه على ا ستعداد‪،‬ب عد هدوء الض جة القائ مة حول قناة ال سويس‪،‬لل ستماع‬
‫باهتمام إلى أي اقتراح قد يتقدم به ايزنهاور لوضع برنامج عملي قابل للتطبيق من أجل تخفيض التوتر العربي‬
‫السرائيلي «على السكة المؤدية إلى سلم دائم»‪.‬‬
‫وجد نا في ذلك كله ما يرضي نا ‪.‬أ ما البريطانيون فلم يرضوا عن ش يء مع تبرين ان قناة ال سويس هي «قنات هم»‬
‫وانتهى المر ‪.‬‬
‫زود العاملون منا مع عبدالناصر بتعليمات واضحة جدا بأن مهمتنا الولى هي المحافظة على بقائه في السلطة ‪.‬‬
‫وعلى الرغم من كل سلبياته لم ير وزير الخارجية دالس أي سبب يحول دون ذلك‪ .‬فهو محام قضى كل حياته‬
‫المهنية في معالجة قضايا ذات صلة بالقانون الدولي‪ ،‬وعليه لم ير ان لبريطانيا أي قضية من الناحية القانونية ‪.‬‬
‫فالرئيس عبد الناصر ل يستطيع تأميم القناة ذلك انها دون أدنى مجال للشك جزء من أرض الدولة المصرية فل‬
‫مجال إذا لتأميمها‪ ،‬كما انه تصرف من ضمن حقوقه في تأميم شركة القناة وهي شركة مسجلة في مصر حسب‬
‫نصسوص القانون المصسري دون غيره‪ ،‬مهمسا أراد السسير انطونسي ايدن وصسف اجراء عبسد الناصسر بالخدعسة‬
‫القانونية‪ .‬فالقضية بالنسبة للمحامي دالس قضية قانون‪ ،‬والقانون هو القانون‪ .‬إضافة إلى ذلك فقد سبق ان تقبلنا‬
‫برضا عدة تاميمات أخرى‪ ،‬وان كانت أقل رهجة من الناحية السياسية‪ ،‬وكلها مشابهة لقضية تأميم شركة القناة‬
‫‪188‬‬

‫واقتصسر اصسرارنا على تأميسن التعويسض المناسسب أو الوعسد المقبول بسه سسواء كان موضوع التأميسم شركسة او‬
‫مؤسسة أو أي شيء آخر لم يستعمل ضدنا ‪.‬‬
‫وأخيرا‪ :‬كان هناك لعبتنا نحن‪ .‬فحسب أصول لعبة العمل السياسي الخ في التي أضحينا نؤمن بها ايمانا ثابتا لم‬
‫ي كن في الهجوم البريطا ني الفرن سي ال سرائيلي على م صر أي ب صيص من المن طق بل كان ا سوأ ع مل يم كن‬
‫القيام به خصوصا وان تنفيذه جاء ساذجا جاعلً من مساندة وكالة الستخبارات المركزية الحالية لثوار الكونترا‬
‫تبدو بالمقارنة ذكية جدا هل يصعب على أحد تصور نتائج التشارك مع اسرائيل العدو المقيت ليس عند العرب‬
‫وحد هم وكذلك في العالم ال سلمي كله؟ ت صوروا ان الفرن سيين والبريطانيون دخلوا ساحة القتال «للف صل ب ين‬
‫الفريق ين المتنازع ين» أي ب ين م صر وا سرائيل‪ ،‬ليقولوا له ما بالترا جع عشرة أميال عن قناة ال سويس بين ما كان‬
‫ل عنهسا ‪.‬أفل يسستطيع السسرائيليون تفسسير ذلك المسر على انسه يعنسي‬
‫السسرائيليون ل يزالون على أربعيسن مي ً‬
‫السماح لهم بالتقدم ثلثين ميلً باتجاهها ! القضية كلها غباء‪ ،‬بل غباء مطبق ‪.‬‬
‫ا ستمر كبار الم سؤولين في وزار تي الخارج ية والدفاع في بريطان يا بال صرار على ا نه لو قم نا بتأخ ير‬
‫فرض النسحاب على غزاة مصر أربعا وعشرين ساعة فقط لسقط حكم عبد الناصر ‪.‬في الواقع دهشنا لذلك‬
‫الكلم الفارغ الذي ل تؤيده أي معلومات ا ستخباراتية ‪.‬فلم ي كن لدي نا أي معلومات تش ير إلى امكان ية صحته‪،‬‬
‫وإذا كان لدى البريطانييسن مسن معلومات حوله فلم يطلعونسا عليهسا‪ ،‬إضافسة إلى ذلك لم يتمكسن أي منهسم مسن‬
‫افادتنا عما سنحصل عليه من المنافع لو انه سقط فعلً ‪.‬‬
‫ولننظر الن إلى ما حدث فعلً ‪.‬فبدلً من ابقاء قناة السويس مفتوحة أمام الملحة البحرية أدت العملية إلى‬
‫إقفال ها و هو أ مر ي ستطيع التن بؤ به أ سخف محلل ا ستخباراتي سواء كان أميركيا أو بريطانيا ‪.‬قط عت م صر‬
‫وسسوريا والمملكسة العربيسة السسعودية علقاتهسا الدبلوماسسية ببريطانيسا وفرنسسا والردن والعراق علقاتهمسا‬
‫الدبلوماسية بفرنسا وحدها‪ ،‬ولكن علقاتهما ببريطانيا تعرضت لتوتر شديد مهد الطريق لنقلب عسكري في‬
‫العراق بعد قرابة السنتين‪ ،‬مما أدى إلى سقوط حلف بغداد‪ .‬أما على الصعيد الدولي فقد انصب على بريطانيا‬
‫وفرنسا ليس فقط لوم روسيا السوفياتية والصين الشيوعية بل وكذلك لوم بعض دول (الكومنولث) س رابطة‬
‫الشعوب البريطانية مثل كندا وباكستان والهند وسيلن‪ .‬وظننا بأن أصدقاءنا البريطانيين قد تعلموا الدرس ‪.‬‬
‫أكثر هم لم ي ستفد من الدرس شيئا وعزوا فشل هم إلى الضغوط الميرك ية ول يزالون ي صرون ح تى اليوم‬
‫بأننا تخلينا عنهم في وقت حاجتهم إلينا‪ ،‬رافضين التصديق بأننا كأميركيين‪ ،‬على الرغم من اننا عملنا بصلة‬
‫وثيقة مع جمال عبد الناصر منذ أن بدأ يفكر بالقيام بثورته وحتى وفاته المبكرة‪ ،‬تفهمنا خلفية أزمة السويس‬
‫تفهما فاق ادراكهم لها‪.‬لم يبالوا مطلقا بأن التاريخ أظهر خطأهم‪ .‬لعلنا كنا آنذاك أمام «حماقة تاريخية» قامت‬
‫‪189‬‬

‫على افكار تثبست مسسبقا مسع تجاهسل تام لكسل الشارات المعاكسسة‪ .‬ولكننسي فكرت آنذاك‪ ،‬ومسا زلت‪ ،‬بأن‬
‫البريطانيين يزدهرون في الحماقة ويؤمنون أوضاعهم بطريقة ما ‪.‬‬
‫ن عم‪ .‬هكذا سنفعل‪ ،‬ذلك أن خبرة البشر ية الطويلة تش ير إلى ان الن سان ي سيء الع مل في مه نة الح كم‬
‫والحكومة أكثر منه في أي مجال أخر تقريبا من مجالت النشاط البشري‪ .‬إن في هذه الحكمة ما ينطبق على‬
‫الحكومة في أميركا أكثر منه في بريطانيا‪ ،‬ل سيما في مايختص باللعبة الدولية ‪ .‬ولكننا نحن أيضا نؤمن‬
‫أوضاعنا في النهاية بشكل ما‪ ،‬لنعود ونخربط المور من جديد‪ .‬اتضح بعد انقشاع غبار قضية السويس اننا‬
‫سجلنا ب عض التقدم ال ني على رق عة اللع بة الدول ية‪ .‬ولم ي خف على أ حد أن ع بد النا صر خرج من أز مة‬
‫السويس أقوى مما كان عليه وأكثر شعبية في مصر وفي الشرق الوسط كله‪ .‬ومع ذلك تعمد‪ ،‬عبر سفيرنا‬
‫في القاهرة ريموند ه ير‪ ،‬تقديم الشكر لما ا سدته له الوليات المتحدة من م ساعدة إبان الغزو الثلثي‪ ،‬وذكر‬
‫السسفير فسي الوقست نفسسه بالوعسد الذي قطعسه له سسابقا «بعمسل شيسء مسا» مسن اجسل تخفيسض التوترات مسع‬
‫ا سرائيل»‪ .‬وأعرب زعماء العالم العر بي الخرون عن تقدير هم «لوقوف نا بو جه ا سرائيل وحلفائ ها» ومن هم‬
‫نوري باشا السعيد الذي ل يزال الكثيرون من البريطانيين يصرون حتى اليوم بأنه أيد الهجوم الثلثي وهو‬
‫الذي قال ل سفيرنا في بغداد‪«:‬إن الهجوم الثل ثي عبارة عن مغامرة جنون ية» كا نت لتش كل له ارباكا جديا لو‬
‫انها نجحت‪ .‬وقد أخبرني موظفون في المم المتحدة أثق بكلمهم ان وفودا من العالم الثالث صارت تلقي‬
‫مندوبينا في الهيئة الدولية بابتسامة‪ ،‬وهو أمر استصعب تصديقه في بادئ المر ‪.‬ومع السف لم يدم المر‬
‫ل ذلك لن اقتراح سفيرنا في القاهرة» بوجوب ا ستغلل الفر صة المؤات ية لتث بت مو قع قوى ل نا«‪ ،‬ذلك‬
‫طوي ً‬
‫القتراح ترجم في واشنطن بشيء سمي «مبدأ أيزنهاور»‪.‬‬
‫صحيح‪،‬مبدأ ايزنهاور! هذا الذي اعلن عنه بالدراك الدقيق للتوقيت الذي اشتهر به وزير خارجيتنا جون‬
‫فوستر دالس وكان تعهدا بان تقدم الوليات المتحدة قواتها المسلحة من أجل الدفاع عن أي حكومة في الشرق‬
‫الوسط «تتعرض لخطر العدوان المسلح المكشوف من قبل أي دولة واقعة تحت سيطرة الشيوعية الدولية»‪.‬‬
‫ف في ذلك الو قت لم ي كن في الشرق الو سط كله دولة واحدة واق عة ت حت سيطرة الشيوع ية الدول ية‪ ،‬ول اي‬
‫دولة مهددة بعدوان شيوعسي‪ .‬بسل على العكسس مسن ذلك كان السسوفيات يعرضون السسلح والمسساعدات‬
‫القتصسادية والدعسم السسياسي لي دولة فسي الشرق الوسسط تقبسل بذلك‪ .‬فكان مسن شأن مبدأ ايزنهاور اثارة‬
‫غضب تلك الدول العربية عينها التي كنا نحاول استمالتها بواسطة حملت عملنا السياسي‪ ،‬ومن جهة أخرى‬
‫تنشيط ميول الفساد الخلقي لدى المرتزقة السياسيين العاملين لحسابنا ‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫وه نا ينب غي ان أكرر ما سبق ان كتب ته مرات عديدة مثلً ع ما قاله لي مرة ع بد النا صر ‪«:‬ان عبقريت كم‬
‫أن تم الميركي ين تك من في ان كم ل تاتون مطلقا بأعمال غب ية واض حة‪ ،‬بل ف قط بأعمال غب ية تجعل نا نف كر‬
‫باحتمال وجود أشياء فاتنا النتباه إليها »‪ .‬وأضاف بانه يعتبر مبدأ ايزنهاور «احد أكثر الخطاء حنكة يمكن‬
‫لدبلوما سي من دولة عظ مى ارتكاب ها»‪ .‬ك نت شابا آنذاك وأعرف البلدان الخرى معر فة أو ثق من معرف تي‬
‫لبلدي‪ .‬وقد احتجت لعدد أكبر من سنوات الخبرة في واشنطن لدرك ان الكثير من «تحركاتنا الغبية»‪ ،‬إذا‬
‫كانت كذلك‪ ،‬اتخذت لسباب وجيهة جدا وليس من قبل اناس أغبياء ‪.‬‬
‫كان ذلك الدرس نقطة تحول في حياتي وأحد حقائق الحياة التي عدلت بموجبها لعبتي الشخصية ‪.‬‬
‫الفصل التاسع عشر‬
‫مايلز كوبلند وشركاه‬
‫هل يبجثون عن الحقيقة‬
‫جاءت نق طة التحول في حيا تي وأ نا في أوا سط الثلثينات من الع مر يوم أدر كت أل أح مل على مح مل الحقي قة‬
‫والواقع كل ما يتل فظ به الناطقون باسم حكومت نا بغ ية إرضاء الرأي العام‪ ،‬وان ما يقولونه ل يعكس بالضرورة‬
‫جو هر ما يفكرون به في أعماق نفو سهم‪ ،‬وان ذلك ل يس نفاقا بل انعكا سا لحا جة ال سلطة لتنفيذ ية‪ .‬إلى تعد يل‬
‫اجراءاتها من أجل مجاراة ما يفرضه الكونغرس عليها ولكن دون كشف أوراقها أمام اللعبين الجانب ‪.‬‬
‫احتجت إلى سنة أو اثنتين في العمل في واشنطن لتعلم ان أي حكومة ديمقراطية‪ ،‬عندنا أو في الخارج‪،‬تضطر‬
‫فسي ب عض الحيان إلى الخلط ب ين «الملح» و«المهسم»(تعل مت خلل الحرب العالم ية الثان ية ان الثن ين قليلً مسا‬
‫يتطابقان) وان الضغوط الداخليسة قسد تحملهسا على التصسرف بشكسل يبدو متهورا للمراقسب العادي‪ .‬وسسرعان مسا‬
‫خرجت بالنظرية التالية‪ :‬يوجد في عقل المة الباطن شيء من البراغماتية الباردة التي تتحكم بها «المؤسسة» ‪.‬‬
‫والمؤ سسة هذه‪ ،‬أو سمها ما شئت ت ستغل الخطاء والنتكا سات الق صيرة ال جل وتحو ها على المدى البع يد إلى‬
‫انتصارات‪.‬‬
‫فسي بحثسي عسن الحقيقسة وراء تصسرفات حكومتنسا حتسى العام ‪1957‬خطسر لي ان انقسب حول موضوع التعثسر‬
‫الظاهري بطرح السؤالين‪« :‬إلى اين نحن متوجهون حقا؟» و«هل ثمة كسب لنا هناك ؟» كنت في وضع سمح‬
‫لي أن أعلم بعدم وجود مخ طط شا مل أو عبقري ا ستراتيجي يعمل وراء ال ستار في توجيه تصرفاتنا اضا فة إلى‬
‫عدم وجود أي استراتيجية مرسومة بوضوح س باستثناء مهازل مثل مبدأ ايزنهاور ومعميات مشابهة طبخت تلبية‬
‫لغراض الحرب النفسية‪ .‬إنما كان في أعماق ذلك كله مهارة خارقة في تخفيض الخسائر وزيادة المكاسب إلى‬
‫‪191‬‬

‫أقصى الحدود الممكنة بحيث نخرج في النهاية رابحين‪ .‬لقد نجحت ديمقراطيتنا في تأدية اغراضها لنها أوصلت‬
‫إلى مواقع القيادة أشخاصا يحسنون التكلم بلسانين‪.‬‬
‫رأى جيم ايخلبرغر (ايخ) كل ذلك بوضوح أكثر مني وكان قد سبق له ان عمل في فريقي للعمل السياسي في‬
‫م صر عام ‪ ،1955‬ح يث كتب نا م عا تقريرا عنوا نه‪« :‬مشا كل القوى ال تي تواج هه حكو مة ثور ية»‪ .‬وب عد ترجم ته‬
‫إلى العرب ية واطلع زكر يا مح يى الد ين عل يه و فر ل نا ب عض الرشادات لت ثبيت ثورة عبدالنا صر‪ .‬ووضع نا في‬
‫اعقاب قضية السويس تقريرا مشابها اقترحنا فيه على الحكومة الميركية خطوات واجراءات وتوصيات تستطيع‬
‫ال ستعانة ب ها لت ثبيت ما أ صابنا من مغا نم من جراء وقوف نا بو جه الغزو البريطا ني الفرن سي ال سرائيلي‪.‬ل ست‬
‫أدرى مطلقا إذا كان أ حد قط اطلع عل يه با ستثناء أفراد فريق نا‪ ،‬ولك نه ف تح أما مي آفاقا وا سعة‪ .‬ورح نا أ نا وآ يخ‬
‫نبحث جديا عما إذا كان ثمة اسلوب ما في العمال الجنونية التي ترتكبها حكومتنا وكلها بالطبع تسير في اتجاه‬
‫معاكس لما ورد في تقريرنا من توصيات‪ ،‬فعثرنا على القليل من الجنون وعلى الكثير من الساليب‪.‬‬
‫ركز نا على ما اع تبرناه أك ثر الفكار جنون ية‪ ،‬أي انشاء ما سمي «لج نة م ستعملي قناة ال سويس»‪ ،‬وجو هر هذه‬
‫الفكرة ان يقوم جمهور من الوجهاء بزيارة القاهرة ليوضحوا لعبدالناصر ان تأميم القناة مرفوض عند دول العالم‬
‫الخرى‪ ،‬وان عل يه ب عد انتهاء ت سليته بالموضوع اعادة القناة إلى رجال راشد ين يعرفون ادارة أمور كهذه‪.‬رأي نا‬
‫ا نا وآ يخ في تلك الفكرة مجالت وا سعة لم سرحيات هزل ية ساخرة (وك نا ومع نا ك يم روزڤلت قد عف نا محاولة‬
‫العثور على ش يء منط قي واحد في تلك الفو ضى) فاندفعنا بكل حماس ل ستغللها في ما انهمك كيم بأعمال خف ية‬
‫حقسا‪ .‬وتمكسن فعل مسن اقناع آلن دالس ثسم أخيسه جون فوسستر بإيفاد روبرت اندرسسون (الملقسب بوب الشريسف)‬
‫المقرب من الرئيس ايزنهاور للتهويل على العاهل السعودي بقطع عائدات النفط عنه ان هو توانى عن النضمام‬
‫إلى جبهة مناوئة لعبد الناصر تشمل المنطقة كلها‪ .‬كما أرسل كيم صديقنا القديم ويلبور «بيل» ايفلند للتأكيد من‬
‫تفاهم بوب الشريف مع الملك سعود‪.‬‬
‫ل ريب في ان اختيار هذين الرجلين كان بحد ذاته ضربا من العبقرية النادرة‪ .‬ذلك ان بوب الشريف لم يكن من‬
‫أحذق محرت في الدبلوما سية المرموق ين‪ ،‬ف هو وان كان مترفعا عن ال صغائر‪ ،‬على ا ستعداد لن يقول لجلي سة أن‬
‫يرمي نفسه في البحر إذا كان في ذلك ارضاء لمرشده الرئيس ايزنهاور‪ .‬وسبق لس كيم روزفلت ان عرف بيل‬
‫ايفلند على انه محترف ينزع إلى مخالطة الشخصيات المرموقة الخرى القل منه ذكاء ول يتواني من جهة‬
‫أخرى عسن خربطسة مجهودات تلك الشخصسيات اذا كان فسي ذلك مسا تنشرح له صسدور المسسؤولين عسن ملفسه‬
‫الشخ صي في واشن طن‪ .‬أ ما اندر سون (بوب الشر يف) فيح سن الكلم كأي مؤ من مفوه بقض ية فضلً عن ان ل‬
‫مجال مطلقا للتشكيك في انه ل يستطيع التفاهم أبدا ً مع أشخاص ينتمون إلى حضارات أخرى‪ .‬وهكذا‪ ،‬وبتضافر‬
‫‪192‬‬

‫مجهودات ذينك الشخصين لن يحصل أي سوء تفاهم أو أي غموض‪ .‬وعليه عندما قال اندرسون للملك سعود ما‬
‫معناه ان الوليات المتحدة سستتوقف عسن شراء النفسط السسعودي إذا توانست السسعودية عسن الشتراك فسي حملة‬
‫مناهضسة لعبدالناصسر ظسن الملك ان أذنيسة تخدعانسه وسسأل اندرسسون بماذا سسيستعيض الميركيون عسن النفسط‬
‫السعودي؟ فأجابه اندرسون‪« :‬بالطاقة النووية» وزكى ايفلند قول اندرسون‪.‬‬
‫لم أ قف مطلقا على نوا يا ك يم آنذاك‪ ،‬إن ما على ما علم ته ا نه تل قى برق ية ب عد عودة الشخ صيتين المذكورت ين إلى‬
‫واشن طن تف يد بأن الزيارة كا نت ناج حة‪ .‬ب عد ذلك شبك نا ك يم‪ ،‬آ يخ وا نا‪ ،‬في سلسلة الجتماعات ال تي أت يت على‬
‫ذكرها في الفصل السابق‪ ،‬وفي محاولت متقطعة للتعاطف مع الحركة المناهضة لعبدالناصر التي درجت في‬
‫تلك الحقبة‪ .‬وتضمنت حملتها فيها تضمنت مساعدات مالية للردن‪ ،‬وتعاونا مع البريطانيين للطاحة بالحكومة‬
‫السسورية‪ ،‬وتقويسة سسبل التصسال بعبدالناصسر حتسى يكون هناك حركسة انقاذ مؤيدة له فسي حال فشسل محاولت‬
‫حكومتنا الرامية إلى الطاحة به‪ .‬غير ان جمعية مستخدمي قناة السويس ظلت ما ظنناه أنا وآيخ (ثم انضم كيم‬
‫إلينا) أملنا الكبر‪.‬‬
‫المفروض باخت صار ان تكون تلك الجمع ية منظ مة مؤل فة من الدول الغرب ية ال تي ت ستخدم القناة‪ ،‬مهمت ها ادارة‬
‫الم مر البحري وتأم ين المرشد ين والخدمات وتح صل التاوات واعطاء م صر «ح صتها العادلة» من ها‪ .‬ار سلت‬
‫الدعوات إلى من يلزم للحضور إلى لندن يوم ‪19‬أيلول ( سبتمبر) ومن ها كتاب إلى عبدالنا صر ي عبر عن ال مل‬
‫بتعاونه‪ .‬وفي خطاب ألقاه في حفل تخريج ضباط في سلح الطيران المصري أعلن عبدالناصر عن نيته تشكيل‬
‫«جمعيسة لمسستخدمي» ميناء لندن مسن مختلف الجنسسيات مهمتهسا السسيطرة والشراف على الميناء وأضاف بانسه‬
‫ينوي أيضا ارسال كتاب إلى وزير الخارجية الميركي جون فوستر دالس يطلب فيه تعاونه معه‪ .‬أما ما حصل‬
‫في اعقاب ذلك فالكل يعرفه‪.‬‬
‫قيل لي عن وجود «محضر مباحثات» في الملفات السرية التي اف صح عنها الن‪ .‬كتب ته فور عودتي من رحلة‬
‫سريعة لزيارة زكر يا مح يى الد ين في القاهرة بع يد عودة آ يخ إلى واشن طن‪.‬وح سبما أذ كر قد مت لمح يى الد ين‬
‫آنذاك روا ية معدلة ع ما قاله آ يخ لي ولك يم روزڤلت‪ .‬ثم سألته رأ يه من فكرة برا قة خطرت ببال آ يخ و هو في‬
‫طريق عودته من لندن إلى واشنطن‪ ،‬وهي انشاء منظومة نقل مشتركة تسهم بملكيتها شركات النفط ودول الشرق‬
‫الوسط العالمة في انتاج أو نقل النفط ؟ أي كونسورتيوم يتألف من الحكومات وصناعة النفط يملك ويدير خطوط‬
‫أنابيت النفط وقناة السويس على غرار طريقه ادارة خطوط السكك الحديدية في الوليات المتحدة‪.‬‬
‫كان ذلك ق بل بض عة أش هر من العدوان الثل ثي على ال سويس‪ ،‬لذلك ل يس من ال صعب ادراك بأن محضري هذا‬
‫وجميع الوراق الخرى المتصلة بالموضوع قبع في درج مكتب آلن دالس ولم يقرأه أحد‪ .‬وبعد أقل من اسبوع‬
‫‪193‬‬

‫على تراجع قوات الغزو الثلثي عن منطقة السويس عاد آلن إلى المحضر واستمسك به خشبة خلص وحيدة في‬
‫متناوله‪ .‬أعدت كتاب ته مرارا بالتعاون مع آ يخ لتن سيقه مع ملحظات كان فرا نك واي سنر وغيره قد دونو ها في‬
‫الهوا مش ثم أخذ نا ال نص النهائي إلى م ساعد وز ير الخارج ية آنذاك هربرت هو فر ال بن الذي قال‪«:‬ا نه حري‬
‫بالتفكيربه»‪ .‬وعليه أجيز لكل منا‪ ،‬آيخ وأنا القيام بزيارة نيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو لمناقشة الفكرة مع‬
‫المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط الذين تعرفنا إليهم خلل اجتماعات ما سمي لجنة الطوارئ لقضايا الشرق‬
‫الوسط»التي حضرناها في الشهر السابقة‪.‬‬
‫لم يعر أي من هؤلء اهتماما يذكر بفكرة منظومة النقل المشتركة‪ ،‬ولكنهم اهتموا بالدرسة المضنية التي انطوت‬
‫الفكرة عليها‪ ،‬فعرضت ثلث من الشركات الخمس التي زرناها (ستاندرد أويل س في نيو جرزي س وسوكوني‬
‫موبيل‪ ،‬وغولف‪ ،‬وتكساس وستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) عرضت علينا وظائف فيها وقالت الشركتان الباقيتان‬
‫بأنهما على استعداد للتعاقد معنا بصفة خبراء شرط ان نؤمن زبائن آخرين‪ .‬وبعد اسبوعين من تلك المحادثات‬
‫اضا فة إلى درا سات قم نا ب ها‪ ،‬على ح ساب عمل نا في الوكالة بالط بع‪ ،‬صعدت خمرة الث قة بالن فس إلى رأس كل‬
‫م نا‪.‬و في أعقاب حد يث أجريناه مع ك يم الذي تل قت ث قة بالوكالة لط مة قو ية أثناء جل سة بي نه وب ين آلن وفرا نك‬
‫ورئيس قسم الشرق القصى حول عملية اقترح القيام بها في اندونيسيا‪ ،‬قررنا اعتماد مخطط للجل الطويل نقبل‬
‫أنا وآيخ بموجبه عرضا تقدمت به شركة غولف اويل لنعمل معها بصفة مستشارين على ان ينضم كيم إلينا بعد‬
‫ا ستقراره‪ .‬و في غضون ا سبوع ك نا قد تعاقد نا ل يس ف قط مع شر كة غولف بل وكذلك مع أ حد أ كبر الم صارف‬
‫العمل ية واحدى اض خم شركات الطيران‪ ،‬شرط ابقاء تعاقد نا معه ما سرا لن مرا سلينا فيه ما ل يرتاحون لعلقت نا‬
‫بوكالة الستخبارات المركزية‪ .‬وكان دخلنا من عقودنا تلك يربو على ثلثة أضعاف راتبنا من الحكومة‪.‬‬
‫أسباب متعددة حملتنا على القبول بصفة الستشارية في شر كة غولف‪ ،‬منها ان مقرها يقع في مدينة بيتسبورغ‬
‫في ولية بنسيلفانيا حيث ولد آيخ وترعرع‪ ،‬وانه ل يوجد في الشركة خبرة مثل خبرتي‪ ،‬وهي الوحيدة التي ليس‬
‫فيها خبراء في الشؤون القليمية‪ .‬فهي تحصل على معلوماتها القليمية من شركة بريتش بتروليوم‪ ،‬شريكتها في‬
‫شركسة نفسط الكويست ال تي تمدهسا بنصسائح أبويسة ل قي مة واقع ية ل ها‪ .‬ول بد ان المدراء التنفيذييسن فسي الشركسة‬
‫البريطانية اعتبروا شركاءهم الميركيين ابناء عم ريفيين يجب ال يتعدى دورهم تكديس الرباح على ان يتركوا‬
‫شؤون الشرق الوسط لخبرة البريطانيين‪.‬‬
‫قسد يكون التنفيذيون فسي غولف أبناء عسم ريفييسن ولكنهسم زبائن ممتازون عنسد عميليسن عتيقيسن مسن عملء وكالة‬
‫ال ستخبارات المركز ية ل ما يمكنه ما تقدي مه ل هم من معلومات‪ .‬ف هم يجهلون شؤون الشرق الو سط وحضارا ته‬
‫الغرب ية ع نا ويدركون جهل هم هذا فضلً عن كون هم اذكياء‪ .‬رالف رودز‪،‬نائب الرئ يس التنفيذي هو الذي اكت شف‬
‫‪194‬‬

‫الن فط في الكو يت ولم ي سبق ان اكت شف من الن فط في العالم أ حد أك ثر م نه‪ .‬إ نه ل يعرف الكو يت ول الشرق‬
‫الوسط ولكنه على درجة من الذكاء تكفي لتقدير الخبرة لدى مشاهدتها‪.‬أما رئيس الشركة بيل وايتفورد فمعروف‬
‫بأنه أقسى وأنشط وأكثر التنفيذيين أهلية وعدوانية في صناعة النفط ان لم يكن في الصناعة الميركية اطلقا‪.‬‬
‫وهناك أيضا دايفيد بروكتر‪ ،‬رئيس مجلس ادارة غولد وهو أشبه برئيس قبيلة هادئ الطبع يتمتع بحك مة وطول‬
‫اناة وكان قد تجاوز سن الشباب راي نا ف يه امكان التقد ير بان شخ صين نشيط ين مثل نا يحتاجان إلى عطلة ق صيرة‬
‫بين الحين والخر‪.‬‬
‫وثمة الشركة عينها التي كانت قيمة موجوداتها عام ‪1946‬تقدر بسبعمئة واثنين وعشرين مليون دولر وارتفعت‬
‫إلى أك ثر من ثل ثة مليارات ون صف المليار دولر خلل احدى عشرة سنة‪ ،‬في ما بلغ دخل ها خلل الفترة نف سها‬
‫ستة أضعاف ما كان عليه‪ .‬وأ هم ما عرفناه عن ها ان ثلثي دخل ها يأ تي من عمليات ها خارج الوليات المتحدة‪ :‬من‬
‫الكو يت مو قع أ هم مخزونات ها النفط ية‪ ،‬وان كل فة انتاج البرم يل الوا حد أ قل من ‪ 10‬سنتات في ما تبيع البرم يل‬
‫بدولر و ‪ 85‬سنتا‪ .‬أبناء عم ريفيون حقا ! على الر غم من ب عد تفكيري عن التجارة أدر كت ان هؤلء الرجال‬
‫الثل ثة هم أك ثر من مجرد مدراء في حانوت قروي‪ .‬وخ طر لي‪ ،‬ل ما كانوا رجال أعمال من أعلى الم ستويات‪،‬‬
‫بأن هم ل شك يقدرون أهم ية المعلومات ال تي تنق صهم ويم كن لشر كة م ثل «شر كة كوبل ند آ ند آيخلبر غر»‪ .‬ك ما‬
‫سمينا شركتنا‪ ،‬ان توفرها لهم‪.‬‬
‫وأخيرا أحببنسا مهمتنسا‪ .‬فبدلًمسن العمسل لدى شركسة أخرى مسن شركات النفسط العالميسة ذات المصسالح فسي دول‬
‫متعددة‪،‬انحصسرت مهام نا في دولة واحدة في الشرق الو سط هي الكو يت‪ .‬في الوا قع لم ت كن مهمت نا مراق بة‬
‫الكويت بمقدار ما كانت مراقبة جميع تطورات الشرق الوسط التي قد تؤثر في مصالح شركة نفط الكويت التي‬
‫تملك غولف نصفها س ومن تلك التطورات تقلبات قلق السرة الحاكمة في الكويت من التطورات السياسية في‬
‫العراق ومصر اللتين ما انفك قادتهما عن التفكير بخطط يقدمون هم فيها ذكاءهم بينما تقدم الكويت الموال‪.‬‬
‫ل ست أ ظن‪ ،‬ر غم الفا صل الزم ني ب ين يوم نا هذا والعوام من ‪ 1957‬ح تى ‪ 1960‬أن أحدا ا ستطاع القيام بع مل‬
‫دقيسق ومجدي كالذي قم نا به أ نا وآيسخ‪ .‬لقسد اشتغلت بعسد تلك الفترة مع شركات النفسط ال سبع الكسبرى باسستثناء‬
‫شركتي تكساس وبريتش بتروليوم‪ ،‬وثلث من كبريات شركات النفط المستقلة واستحقيت كل فلس جنيته منها‪.‬‬
‫وللقراء الذ ين يطمحون ان ي صبحوا م ستشارين كبارا أقول‪ :‬إن أ قل الشركات حا جة إلي كم هي الشركات القرب‬
‫إلى التعا قد مع كم‪ .‬وهذا القول قا بل للنطباق على الزبائن الذ ين تعاملوا مع نا آنذاك س م صرف ض خم‪،‬وشر كة‬
‫طيران عالمية ثم شركة من كبريات شركات البناء‪ ،‬وقد قمنا لصالحها ببعض التجسس الصناعي س وكانت كلها‬
‫بمنتهى الرضا من خدماتنا طيلة فترة شراكتنا أنا وآيخ ‪.‬‬
‫‪195‬‬

‫بيروت في صيف ‪1957‬‬

‫وفي أواسط تموز (يوليو) ‪1957‬وصلنا بيروت واستقرينا في منازل مريحة وفتحنا مكاتبنا بلصق مكاتب شركة‬
‫التابل ين المشر فة على ادارة خط اناب يب النفط المم تد من الظهران في الممل كة العرب ية ال سعودية إلى صيدا في‬
‫لبنان‪ ،‬لحساب شركة النفط العربية الميركية (آرامكو) التي تملكها أربع من شركات النفط الكبرى السبع‪ ،‬أي‬
‫موبيسل وسستاندرد نيوجيرزي وتكسساكو وسستاندرد كاليفورنيسا‪ .‬وبفضسل زميلنسا القديسم فسي وكالة السستخبارات‬
‫المركزية جيم انغلتن‪ ،‬اخذنا نقيم الحفلت وصرنا خلل ستة أشهر نعرف باننا نقيم أسخى الحفلت في بيروت‪.‬‬
‫ل بد لي هنا من بعض التوضيح للحفلت التي أقمناها بتمويل من قبل انغلتن‪ .‬فهذا الرجل هو الشخص الوحيد‬
‫في اسرة المخابرات في كل من واشنطن ولندن الذي كان متيقنا من ان هس ‪ .‬آ ‪ .‬ر ‪( .‬كيم) فيلبي هو عميل لدى‬
‫الستخبارات السوفياتية وسبق له ان قال ذلك لفيلبي نفسه في احد مطاعم جورجتاون فأجابه فيلبي ضاحكا‪«:‬لن‬
‫يصدقك أحد» غير ان جيم انغلتن قال لي‪،‬دون أن يضحك‪ ،‬أن علي‪ ،‬ولو لمرة واحدة التخلي عن شعوري بالثقة‬
‫بالناس وان ضم إلى عدد صغير من الم سؤولين في وكالة ال ستخبارات المركز ية الذ ين يؤمنون بامكان ية انتماء‬
‫فيلبسي إلى السستخبارات السسوفياتية‪ .‬وأضاف مقترحا أن أراقسب فيلبسي (الذي سسبق ان اسستقر فسي بيروت قبلنسا‬
‫ببضعة أشهر) وانه سيتكفل بدفع كل النفقات س نفقات الحفلت نظرا لن عملي في مكافة الجاسوسية هذا سيكون‬
‫تحت غطاء التصالت والعلقات الجتماعية‪.‬‬
‫ما كاد يمر اسبوع أو اثنان على وجودنا في بيروت‪ ،‬ولم يكن قد تسنى لنا بعد مجرد التفكير بس كيم فيلبي حتى‬
‫جاء هولمقابلتي‪ .‬كنا قد دعونا بعض الصدقاء القدامى من أيام دمشق‪ ،‬ومنهم سام ﭙوپ بروار مراسل صحيفة‬
‫نيويورك تايمز وزوجته اليانور عندما دخل فيلبي علينا برفقتهما‪ .‬تعرفت إليه وأحببته عندما التقينا عام ‪1942‬‬
‫وكان يدرس فسي فرع السستخبارات العسسكرية البريطانيسة آنذاك وجاء فسي زيارة للوليات المتحدة ليسساعد فسي‬
‫تدريب الموظفين الجدد في مكتب الخدمات الستراتيجية‪ .‬وتكررت لقاءاتنا في واشنطن في مناسبات اجتماعية‬
‫ومهن ية ‪.‬عندما دخل علينا في بيروت برف قة سام وزوجته قابلناه بالترحاب خصوصا وان زوجتي لور ين وهي‬
‫اخت صاصية بالتنق يب عن الثار انذهلت لرؤي ته لن أباه ساينت جون فيل بي كان يع يش مع زوج ته البدو ية في‬
‫الممل كة العرب ية ال سعودية‪ .‬و مذ ذاك أخذ نا ندعوه با ستمرار طال ما وكالة ال ستخبارات المركز ية ت سدد فوات ير‬
‫الحفلت‪.‬‬
‫لقسد اسستحقيت كسل فلس دفعسه لي جيسم انغلتسن‪ .‬فقسد رتبست مثلً تعاونا مسع احسد كبار ضباط المسن العام اللبنانسي‬
‫لمساعدتي في بعض أعمال التجسس كوضع فيلبي قيد المراقبة ورصد تحركاته‪ .‬ودلتني المعلومات التي زودني‬
‫بها ان فيلبي ل يزال على عادته القديمة في التخلص من المراقبة‪ .‬وجاءني من صديقي في المن العام ان فيلبي‬
‫‪196‬‬

‫شوهد في بعض أغرب أحياء بيروت‪ ،‬الحي الرم ني القريب من طريق الشام حيث تبين فيما بعد ان له هناك‬
‫شقة في أعلى طبقة من احدى البنايات يرسل منها اشارات بالضوء السود إلى موظف إشارة في الستخبارات‬
‫السوفياتية يطل عليه من آللف النوافذ الواقعة على خط بصره ‪.‬‬
‫وأخيرا عرفت بعلقاته الغرامية بايليانور زوجة سام بروار واستنتجت بأن تحركاته الخفية كانت في خدمة تلك‬
‫العلقات‪ .‬بعسد زواج فيلبسي وايليانور بلغست انغلتسن جزيسل شكري لتكاليسف الحفلت (إذ لم أعسد بحاجسة إلى مسن‬
‫ي سددها ع ني) وقلت له بأن فيل بي وزوج ته من الزوار الجدير ين بالدعوة وبأن مراقب تي له لي ست سوى إضا عة‬
‫للوقت‪ .‬ومع ذلك أصر انغلتن على متابعتها‪ ،‬كما استمر آل فيلبي يترددون على آل كويلند ان في المنزل او في‬
‫القارب حتى فر كيم فيلبي إلى التحاد السوفياتي في كانون الثاني (يناير) ‪ ،1963‬وأرسل في طلب زوجته ‪.‬‬
‫أما أحداث الشرق الو سط التي اعتبرنا أ نا وآيخ قد تؤثر في أوضاع الكو يت وفي قلق ال سرة الحاكمة فكا نت‬
‫لحسن الحظ الكثر تطابقا مع كفاءاتنا‪ :‬انها التأثيرات الجانبية للعبة هذا القرن المشارفة على بدايتها حيث جلس‬
‫كيم روزفلت في جهة يقابله جمال عبد الناصر في الجهة الثانية‪ .‬ل بد لي هنا من التشديد على انني رغم بقائي‬
‫في وكالة الستخبارات المركزية على علم تام باستمرار علقاتي الطيبة مع عبد الناصر وبعض أفراد حكومته‪،‬لم‬
‫ي كن لي و صول إلى معلومات ع ما تفعله حكومت نا في مكافح ته با ستثناء ما ا ستقيه من ملحظا تي و من زملء‬
‫سابقين في الوكالة اختاروا إئتماني على بعض المعلومات رغم معرفتهم بأنني اعتبر العمليات المناهضة له خطأ‬
‫ما بعده خ طأ‪ .‬وطيلة أيام أز مة لبنان في العام ‪ 1958‬تاب عت تزو يد رئ يس مجمو عة الوكالة في بيروت بكا مل‬
‫المعلومات عن ات صالتي بالم صريين ولم اش عر من الناح ية الثان ية باي مو جب لتبلي غه أي معلومات عن هم أعلم‬
‫بأن ها قد تكون مفيدة للوكالة في عمليات ها المناه ضة لع بد النا صر‪،‬ح تى ان ب عض أ صدقائي الم صريين اتهمو ني‬
‫بالل عب على الحبل ين‪ ،‬لكن ني لم اف عل‪ .‬وتأكيدا لذلك أقول بأن ك يم روزفلت هوالش خص الوح يد الذي تل قى تقار ير‬
‫شركتنا‪،‬وانني في موقع استطيع التأكيد منه بأن كيم تعاطى مع تلك التقارير بأقصى الحرص على سريتها ‪.‬وبعد‬
‫قرابة السنة استقال كيم من الوكالة‪ ،‬ل لينضم إلى شركتنا‪ ،‬بل ليتبوأ منصب نائب رئيس شركة غولف اويل (أي‬
‫انه عاد وأصبح «رئيسنا» ثانية) واستأنف علقاته الودية مع جمال عبد الناصر‪.‬لم ينتح كيم جانب عبد الناصر‬
‫في خلفه المستمر مع حكومة الوليات المتحدة بل تعامل معه كصديق حول الحيلولة دون استمرار انزلقه نحو‬
‫الهاوية‪.‬‬
‫أظن انه كان باستطاعتي البقاء بعيدا عن اصدقائي في الوكالة لول شيء واحد هو شعوري بالحنين إليها! فقد كنا‬
‫نسبح في الموال ونعيش كالميركيين الثرياء خارج بلدهم (بيوت فخمة والكثير من الخدم‪ ،‬الخ‪ ).‬نعاشر طبقة‬
‫رجال العمال الثرياء في بيروت‪ ،‬ومع ذلك افتقدت اصدقائي واجتذبني مركز الوكالة كما يجتذب الفراشة نور‬
‫‪197‬‬

‫السراج‪ .‬إضافة إلى ذلك كانت المباراة القائمة مع عبد الناصر قد قاربت درجة الغليان عندما فصلت الوكالة إلى‬
‫فريق ها في بيروت عددا من ال صدقاء القدماء من مختلف مرا كز الشرق الو سط الخرى وكذلك من واشن طن‬
‫وبين هم ب عض «الشباب اللمع ين» المنتم ين إلى اركان الع مل ال سياسي الذي لم ي كن قد م ضى و قت طو يل على‬
‫استقالتي منه‪.‬‬
‫ومما زاد في حنيني بروز الخلفات بين الوحدات ذات الختصاص بحيث وجدت نفسي أقوم بدور الب الروحي‬
‫فأسستمع إلى تذمسر مختلف الفرقاء وأقسف بالطبسع على معلومات عمسا يجري فسي عالم التآمسر والخداع والعمليات‬
‫المخفية ‪ .‬أما رئيس فرع بيروت وهو عادة صديق مقرب فقد اعتبرني خصما له‪ .‬ورغبة مني في اظهار حسن‬
‫النية تجاهه درجت على زيارته أكثر من مرة في السبوع لشير عليه كيف يدير وحدته‪ .‬قد يظن المرء بأنه قدر‬
‫حسن نيتي ومساعدتي حق قدرها‪ ،‬ل‪ ،‬بل قال لي‪ :‬بأل أتدخل بشؤون ل تعنيني‪ .‬وما أن أخرج من مكتبه حتى‬
‫راح يرسل البرقيات راجيا ومستعطفا ريتشارد هيلمز إبعادي عنه‪ .‬ولكن ل يمر وقت طويل حتى ترده برقية من‬
‫الخوين دالس يطلبان إليه فيها «الوقوف على رأي كوبلند وآيخلبرغر حول الوضع» فيقفز عن مقعده ليرتطم‬
‫رأسه بالسقف‪ .‬لم يفهم المسكين أبدا انني ما كنت أقصد إل مساعدته ‪.‬‬
‫أحجمست حتسى الن عسن ذكسر بعسض السسماء ولكسن لمسا كان رئيسس الفرع هذا قسد انتقسل إلى العالم الخسر بات‬
‫با ستطاعتي المخاطرة بإغضاب جما عة ال من في الوكالة ‪.‬إ نه غ صن ز غبي المير كي اللبنا ني ال صل‪،‬ر جل‬
‫ممتاز بكل معنى الكلمة إضافة إلى تفوقه المهني‪ .‬لم تكن عداوته الحقيقية موجهة لي بقدر ما كانت موجهة لحد‬
‫ال صدقاء القدا مى في الوكالة‪ .‬ا نه ويلبور ايفل ند‪ .‬م سكين ويلبور ف قد ا ستهلكت الم سكرات طاقا ته وت صح ف يه‬
‫مقولة «أنه عدو نفسه اللدود» كان لقاؤنا الول به انا وايخ في العام ‪ 1954‬في القاهرة حيث جاء برفقة العقيد آل‬
‫غيرهارت لقناع الرئيس جمال عبد الناصر بأن عدوه الحقي قي هو التحاد السوفياتي وليس إسرائيل‪ ،‬رغم كل‬
‫الشواهد المناقضة لذلك‪.‬ما ان شاهدته آنذاك حتى احببته‪ ،‬على العكس من آيخ‪ ،‬لنه أخبرني في الدقائق الولى‬
‫للقائنا بعدم اقتناعه بالمهمة وبأن «جون فوستر» ألحقه بالعقيد للتأكد من تبليغ الرسالة لعبد الناصر «بشكل له رنة‬
‫الواقعية» وكانت آنذاك كلمة«واقعية» ل تعني شيئا لمن يتلفظ بها بل يترك تفسيرها لمن يسمعها‪.‬كما ان ذكره‬
‫ا سم «جون فو ستر» هكذا جعل ني اع تبره من الشلة لن ك يم روزفلت هو الوح يد في الوكالة الذي ي سمح لنف سه‬
‫بالشارة إلى وزير الخارجية باسمه الول‪.‬‬
‫تطاب قت آراء باقسي أفراد فر يق الوكالة في القاهرة مع رأي آ يخ‪ ،‬وب عد اجتماع سريع مع هم (ك نت آنذاك ك ما‬
‫تذكرون «خريجا وفيا» أما آيخ فمن اهل البيت) وأجمع الرأي على اللجوء إلى خطة قديمة متبعة في الوكالة في‬
‫معاملة الزوار الذين نريدهم أن يشعروا انهم منا دون أن نعتبرهم منا حقيقة‪ .‬أما الخطة فهي أل نخبرهم بشيء‬
‫‪198‬‬

‫ذي قي مة إن ما بشرح م ستفيض اي ما ك ثر دون أن يدل وبتك تم شد يد م صطنع‪ .‬ول ما كان ويلبور من شله الذ ين‬
‫تعرفون ماذا‪ ،‬اكل الطعم ‪..‬؟‬
‫اكتسسب ويلبور تقديسر كيسم خلل الفترة الفاصسلة بيسن زيارتسه الولى للقاهرة وانتقاله إلى بيروت ليسساعد غصسن‬
‫ز غبي‪ ،‬أو ليعر قل له عمله‪ ،‬ح سب الظروف يوما بيوم‪ .‬ف قد صار صلة الو صل ب ين ك يم ونظرائ نا البريطاني ين‬
‫حول قضية السويس‪،‬ينقل إليهم ما كثر دون أن يدل ويأتينا بمثيله من عندهم وما كنت لتي على ذكر خلفه مع‬
‫غصن لو لم يكن من النوع الذي يكثر حصوله في عالم الدبلوماسيين والجواسيس وأصحاب المقامات الرفيعة من‬
‫تهريج ل يحصل فعلً في الوكالة وان مل أفلم التلفزيون عنها ‪.‬‬
‫انتخابات عام ‪ 1957‬في لبنان‬
‫كان التد خل في النتخابات اللبنان ية عام ‪ 1957‬احدى العمليات ال تي شر عت ب ها الوكالة من ض من محاولت ها‬
‫لمكافحسة نفوذ عبسد الناصسر ال خذ بالتوسسع نتيجسة لمبدأ ايزنهاور‪ .‬بسل يجوز القول الوقوف بو جه تدخسل سوريا‬
‫ومصر فيها‪ ،‬حفاظا على مصالحنا ومصالح لبنان ومصلحة «العالم الحر» بكامله ولسباب فاتتني آنذا‪ ،‬وأنا على‬
‫يقين من انها ستفوتني الني لو حاولت البحث عنها والتدقيق في موجباتها كان للوزير «جون فوستر» ولسفيرنا‬
‫في بيروت دونالد هيث ولغصن زغبي مرشح كل واحد منهم من المرشحين الطيبين أنما لكل منهم نقطة ضعفه ‪.‬‬
‫أبدى ويلبور مهارة فائقة ليس فقط في افساد محاولت السفير هيث الرامية إلى اللتفاف على أوامر الوزير دالس‬
‫التي تقفز فوق السفير والسفارة بل كذلك في تضليل الشخصيات القادمة من واشنطن بين الحين والحين للتيقن من‬
‫حسن تنفيذ الوكالة والمسؤولين في السفارة والشخاص «غير الرسميين» للتعليمات المتصلة بالترويج لمبدأ ايزنهاور‬
‫‪.‬وعلى الر غم من كفا حه الم ستمر ضد م سؤولي الوكالة في بيروت والداري ين في واشن طن بشأن ال سراف في‬
‫النفقات حافسظ على علقات طيبسة مسع الخويسن «آلن» و«جون فوسستر» مسستمرا فسي دوره داخسل اوركسسترا كيسم‬
‫روزفلت الموجهة ضد عبد الناصر‪ .‬من هنا ما زلت اعتبر الفترة بين عامي ‪ 1957‬و ‪ 1960‬على انها حقبة ويلبور‬
‫ايڤلند في السياسة العربية الميركية ‪.‬‬
‫ما انفك الرئيس جمال عبد الناصر طيلة السنوات التي تلت تأليف «شركة كوبلند آند آيخلبرغر» مباشرة‪،‬يسجل‬
‫النتصار تلو النتصار فيما كانت الوكالة ووزارة الخارجية تنهزم أمامه مع الصرار على احراز النصر النهائي س‬
‫نصر على عبد الناصر وليس على القوى الوطنية المناهضة لسرائيل ولكل ما هو أميركي والتي استساغ الوزير‬
‫دالس ت سميتها «الشيوع ية الدول ية»‪ .‬إن متاب عة اللع بة عن ك ثب أش به بمحاولة ح سم النقاش ب ين ولد ين حول من بدأ‬
‫الشجار بينه ما‪ ،‬ف كل منه ما يقول‪« :‬بدأ الشجار عند ما رد لي لكم تي»‪ .‬فالرئ يس ع بد النا صر قال ان ح صوله على‬
‫السسلحة السسوفياتية عام ‪ 1955‬مجرد جواب على رفضنسا امداده بهسا يوم كانست طائرات اسسرائيل تئز على علو‬
‫‪199‬‬

‫منخ فض فوق القاهرة خار قة جدار ال صوت فتح طم زجاج نوا فذ الفنادق‪ .‬أ ما ن حن فادعي نا بأن الحر كة الولى في‬
‫اللع بة كا نت صفقة ال سحلة ال سوفياتية وان سحبنا عرض الم ساعدة في بناء ال سد العالي (الذي اع تبر ع بد النا صر‬
‫العلن عنه في الصحف إهانة) كان «ردة فعلنا» عليها‪ .‬وكرت السبحة‪ :‬تأميم ترعه السويس‪ ،‬فالعدوان البريطاني‬
‫الفرنسي السرائيلي على مصر ثم مبدا أيزنهاور ‪.‬‬
‫على الر غم من انعدام ال خبرة الخت صاصية في اعلن المبدأ المذكور‪ ،‬ظن الب عض م نا أن بالمكان ا ستعماله‬
‫غطاء لب عض التحركات الرام ية إلى متاب عة النقاط ال تي ك سبناها لدى ع بد النا صر ع ند معارضت نا للعدوان الثل ثي‬
‫على مصر‪ .‬لكن للوزير دالس رأيا آخر ‪.‬فقد سارع إلى العتراف بأنه تعاطف سريا مع البريطانيين ولم يسكته عن‬
‫المجاهرة بذلك إل معارضسة الرئيسس ايزنهاور للهجوم فسي خطاب القاه‪ .‬ثسم جاء حبسس شحنات القمسح عسن مصسر‬
‫وكذلك المسساعدات المال ية في ما كانست ت صارع لجلء غبار حرب ال سويس‪،‬فا ستغل عبسد الناصسر كل ذلك أحسسن‬
‫استغلل في حملته الدعائية وفي عملياته الخفية في مختلف الدول العربية ‪.‬لقد حاول مرتين الطاحة بالحكم في‬
‫الردن وفشل‪ ،‬وفشلت الوكالة في محاولتين لقلب النظام في سوريا ‪.‬أما الفرق فكان ان عبد الناصر سوى أموره مع‬
‫الملك حسين‪ ،‬بينما استمرينا نضغط على سوريا حتى فقدنا آخر أمل لنا فيها‪ .‬في ذلك الوقت دأبت الوليات المتحدة‬
‫على تقديم المساعدات للدول العربية الصديقة فيما راح السوفيات يقدمون المساعدات العسكرية لدول غير صديقة لنا‬
‫وان لم ت كن بالضرورة صديقة ل هم‪ .‬أدرك اخت صاصيو الوكالة بالشؤون ال سوفياتية ذلك الوا قع في ما أح جم الخوان‬
‫دالس عن ادراكه‪ .‬فبالنسبة إليهما كل دولة مناهضة لميركا هي حكما دولة شيوعية ‪.‬‬
‫يؤسفني ان ليس في حوزتي نسخ عن جميع التقارير التي بعثنا بها إلى شركة غولف اويل في بيتسبورغ خلل‬
‫تلك الفترة و ما زلت أذ كر ان رؤ ساءنا هناك سروا للطري قة ال تي ابقي نا في ها على ح صة غولف من الرباح على‬
‫م ستواها‪ .‬ف قد كا نت نظرت نا إلى مهمت نا ان ها لم ت كن ف قط ارشاد الشر كة ول الكويتي ين إلى ما ي جب ان يخشوه بل‬
‫وكذلك ما يجب أل يخشوه‪ .‬ومن خلل عملنا هذا تعلمنا درسا جديدا بشأن العمل الستشاري‪.‬‬
‫طلب منا رئيس شركة غولف بيل وايتفورد أل نحاول تسويغ المبالغ التي نتقاضاها بالكثار من التقارير عن كل‬
‫ما نشاهده‪ .‬وقال‪« :‬ليس لدينا الوقت الكافي هنا للقراءة»‪ .‬وصدف ان سكرتيرته سربت لنا انه بعد اجتماع لمجلس‬
‫الدارة سأل رالف رودز‪ ،‬وهو أهم صلة لنا بالشركة‪«،‬لماذا ندفع الرواتب لهذين الرجلين؟» جاء استفهامه هذا بعد‬
‫مرور ش هر على بدئ نا بار سال ر سائل إلى الشر كة نقول في ها ان ل تطورات جديدة‪.‬ع ند تبليغ نا ر سالة ال سكرتيرة‬
‫عمدنا إلى استعمال طريقة الوكالة القديمة‪« :‬قل لهم ما كثر وقل دللة‪،‬واحطه بهالة من السرية والتكتم»‪ .‬رأينا في‬
‫غمرة تسطير التقارير للشركة ان ل بأس من ادخال بعض الظرف فيها إضافة إلى بلغتنا وسعة اطلعنا فاعتمدنا‬
‫اسلوبا في التقارير جعلهم «يشعرون» حقا باجواء الشرق الوسط حيث مصدر معظم مداخيلهم‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫اتبع نا الطري قة عين ها مع شر كة الطيران والم صرف المتعامل ين مع نا و في غضون سنة ارت فع عدد زبائن نا إلى‬
‫سبعة‪ .‬ثم استقال كيم روزفلت من وكالة الستخبارت المركزية وانضم إلى شركة غولف اويل برتبة نائب الرئيس‬
‫المختص بالعلقات مع الحكومات الجنبية مستقرا في مكتب فخم في واشنطن‪ .‬لم يطل المر كثيرا حتى بعث إلينا‬
‫بكتاب مطل عه‪« :‬هذه أ صعب ر سالة أكتب ها على الطلق» وانت قل من تلك العبارة إلى العتذار عن الجراء الذي‬
‫اتخذ مصرا على ان وجوده دا خل شر كة غولف اويل فيه فائدة لنا جميعا‪ .‬وبله جة أكثر جدية بلغنا انه ذلك الح ين‬
‫فصساعدا علينسا رسسال جميسع التقاريسر إليسه ل إلى رالف رودز‪ .‬ففعلنسا وإذا بسه بعسد فترة وجيزة يجنسي الدولرات‬
‫السمينة‪،‬حسب علم رودز‪ .‬أما نحن فكنا نستلم حصتنا دون تحصيلها بعرق الجبين فيها الشركة تجهل ما نرسله إليها‬
‫عبر مكتب كيم في واشنطن‪.‬‬
‫أحدث انتقال ك يم من الوكالة إلى الشر كة تغيرات في حياة كل م نا (ا نا وآ يخ)‪ .‬فبانتقاله إلى مك تب في واشن طن‬
‫يل يق بشخ صية نفط ية رفي عة المقام ا ستطاع ب سهولة الحفاظ على علقات اجتماع ية ود ية مع كبار الم سؤولين في‬
‫وكالة الستخبارات المركزية لقرب المسافة بينه وبينهم‪ .‬قبلنا بحماس ان يحل كيم محلنا في عقدنا مع الشركة من‬
‫ج هة و مع الوكالة من جهة أخرى حسب ترت يب اع تبرته ملئما ولم يع تبر آيخ إل مجرد نا فع‪ .‬وأ خذ آيخ يتل كأ في‬
‫الع مل ويش كك في هوي ته الضارة ويش كو من أزمات منت صف الحياة وي عبر عن حاج ته إلى ال سراف في المجون‪.‬‬
‫فأدر كت ان نها ية شركت نا قد د نت‪ .‬و في نها ية العام ‪ 1959‬ف سخت شر كة غولف عقد ها مع «شر كة كوبل ند آ ند‬
‫آيخلبر غر» بين ما ا ستمريت ا نا أع مل لدى زبائن نا الخر ين وطلق آ يخ زوج ته وا ستقر في بار يس‪.‬و مع ان شر كة‬
‫غولف وكيسم اسستغنت عسن خدمات آيسخ اسستمريت أبعسث بالتقاريسر إلى غولف عسبر مكتسب كيسم فسي واشنطسن مسع‬
‫الحتفاظ بعلقا تي بالزبائن الخم سة أو سة أو ال ستة الخر ين‪ .‬تمك نت بذلك التدب ير من تفادي مشا كل التمو يل و من‬
‫الحفاظ على مظا هر العلقات الطي بة مع أ صدقائي القدا مى في الوكالة علما بأ نه عند ما يب عث ك يم بتقاريري إلي هم‬
‫يشير إلى انها تأتيه «من مصارد عليمة جدا وموثوقة جدا»‪.‬‬
‫م نذ العام ‪1960‬وح تى وفاة عبدالنا صر في العام ‪ 1970‬كا نت أهمي تي ال ساسية لشر كة غولف وزبائ ني الباق ين‬
‫وللوكالة ولكيم وحتى لنفسي‪ ،‬استمرار علقتي بأصدقائي في مصر‪ .‬وقرابة منتصف احداث العام ‪ 1958‬في لبنان‬
‫بعث زكريا محيى الدين باحد كبار ضباطه إلى بيروت للتصال بي وبسفير مصر فيها عبدالحميد غالب‪ ،‬فيما راح‬
‫غ صن ز غبي و«قياد ته القليم ية» يجيشون طابورا من منت جي الفلم والدعائي ين ومهند سي ال صوت وال صيدليين‬
‫المختصين بعقاقير التأثيرات النفسية وتشكيلة من الختصاصيين المختلفين الذين يحسنون العربية والكردية والرمنية‬
‫وغير ها من اللغات المحك ية في المنط قة‪ .‬وهكذا‪ ،‬وفي ما كان سادتنا الحكام في واشن طن يتشدقون بالموا قف ويلقون‬
‫باللئمة على «الشيوعية الدولية» بوصفها سبب كل علل العالم‪ ،‬دأب الختصاصيون بالعمل السياسي بلملمة ما امكن‬
‫‪201‬‬

‫مسن الحطام للحفاظ على التوازن بيسن فريقسي الحرب المصسطنعة فسي حقيقتهسا‪ .‬ول وجوب للقول بأن التقاريسر عسن‬
‫اجتماعات متعددة ضمن زغبي وكبار أعضاء فريقه والسفير المصري ومبعوث زكريا محيى الدين وحضرتها انا‬
‫أيضا في منزل أ حد وجهاء بيروت إبان احتدام أحداث لبنان عام ‪ 1958‬س ل وجوب للقول بأن ها أر سلت بالطري قة‬
‫الروتين ية إلى م قر الوكالة في واشن طن بح يث ل يطلع علي ها من هم أرقسى رت بة من الضا بط المخ تص بشؤون‬
‫المنطقة‪.‬‬
‫من هنا يجوز تشبيه ما تسميه الحكومة الميركية فرق عملها الفعلي بالسمك السابح بهدوء في العماق غير آبه‬
‫بالنواء المزمجرة فوق سطح الماء‪ ،‬إذ ما انف كت تلك الفرق تخرج من هزي مة لتعوض في اوحال معر كة خا سرة‬
‫آملة في نها ية المطاف بتحق يق الظ فر الخيرة‪ .‬أ ما «فري قي الم صري»‪ ،‬ك ما كان ي سمي الز غبي جهدي المتوا ضع‬
‫فش هد قيام الوحدة ال تي هند سها عبدالنا صر ب ين م صر و سوريا‪ ،‬وتعا يش مع تفكك ها وا ستمر حيا إبان ضلوع ع بد‬
‫الناصر في قضية اليمن وفشلة في محاولتي انقلب في الردن‪ ،‬تماما كما بقي «فريق دالس» على قيد الحياة رغم‬
‫عدد من النكسات ابتداء بقلب نظام الحكم الموالي للغرب في العراق وانتهاء بفرض عبد الناصر الحصار على ميناء‬
‫العقبسة واجبار قوات المسم المتحدة على الخروج مسن سسيناء ‪.‬لقسد كان لعبسد الناصسر صسراعه مسع موقسف الحكومسة‬
‫الميركية المؤيد لسرائيل ومع اصرار دالس على البحث عن وجود «الشيوعية الدولية» وراء كل شيء‪،‬بينما كان‬
‫ينبغي عليه الدراك أن ما يحصل انما هو بدافع القومية الوطنية لبفعل الشيوعية الدولية‪ .‬أما نحن الميركيين فقد‬
‫انشغلنا بتزايد قوة اندفاع عبد الناصر واصراره على قضم أكثر مما يتسع له فوه»‪.‬‬
‫الفصل العشرون‬
‫عبد الناصر ونقطة اللرجوع‬
‫عدت إلى القاهرة لجد ان سياسات «مصر أولً» التي اتبعها زكريا محيى الدين تحتضر وعلى وشك ان تنبثق‬
‫عن ها حق بة من الل عب ال سياسي أك ثر إثارة من أي حق بة آخرى عايشت ها في حيا تي‪ .‬ف في آ خر محاولة لقناع ع بد‬
‫النا صر باتباع سياسة «م صر أولً» طلب زكر يا مح يى الد ين من ر جل الدولة والممول المير كي الشه ير روبرت‬
‫أندرسون (بوب الشريف) اختيار فريق من اصحاب المليين الميركيين من اصدقاء الرئيس جونسون واصطحابهم‬
‫إلى مصر ليشاهدوا بأنفسهم ما يقوم به من أعمال‪ ،‬بغية إثارة اهتمام الرئيس الميركي وأدارته «بالعجلة التي تحاول‬
‫التوقف عن الصرير»‪ .‬وفي أوائل العام ‪ 1967‬رافق سفير مصر في واشنطن محمد حبيب عددا من اثرياء ولية‬
‫تك ساس في زيارة لم صر للتعرف إلى الرئ يس ع بد النا صر وللح صول على انطباع مقبول عن القت صاد الم صري‬
‫والعودة به إلى الرئيس جونسون ‪.‬نجحت الزيارة ولكن ومن أجل تدعيم حسن النطباع كان على زكريا محيى الدين‬
‫‪202‬‬

‫تقل يص الج يش وت سريح موظ في الحكو مة الفائض ين عن الحا جة واعادة ال صناعات المؤم مة إلى القطاع الخاص‪.‬‬
‫رضى الشعب المصري بالتقشف المفروض‪ ،‬ولكن المساعدات الميركية الضافية ل توازي ما طلبه زكريا محيى‬
‫الدين من تضحيات تقشفية جديدة ‪.‬‬
‫أخيرا تسنى للمسؤولين في سفارتنا في القاهرة ما يغرزون فيه اسنانهم‪ :‬تزايد التململ في صفوف الشعب! ونتج‬
‫عن ذلك تزايد الرضا في واشنطن عن سياسات زكريا محيى الدين «المؤيدة لميركا»‪ .‬في الوقت نفسه أخذنا ندرك‬
‫ان ال سرائيليين لم ي كن ف قط بمقدور هم التعا طي مع اعدائ هم‪ ،‬بل ان هم يكرهون قيام مناف سين ل هم ‪.‬ف ما أن شعروا‬
‫بوجود بوادر تعاطف في واشنطن مع سياسات زكريا محيى الدين حتى كتب الفشل لحكومة عبد الناصر ‪.‬‬
‫أخذت الحداث تتوالى وراح ال سرائيليون ي سجلون النق طة ب عد النق طة على ا ستاذ اللع بة‪،‬الرئ يس ع بد النا صر‪،‬‬
‫يستدرجونه من فخ إلى آخر مسددين له الضربة تلو الضربة بين الفخ والفخ‪ ،‬فيما هو يزداد شعبية ويحول الهزيمة‬
‫إلى فوز مهيب‪ ،‬وهو فوز يخدم مصالحهم أكثر من خدمته مصالحه ‪.‬‬
‫باختصسار مبسسط جدا‪ ،‬بدأت الحكايسة بخطوات مسن جانسب زكريسا محيسى الديسن‪ .‬ويبدو ان الخطوة الولى كانست‬
‫تقريرا سربه السرائيليون إلى السفير المصري في بروكسل لخصوا فيه تصريحا لمندوب أميركي أدلى به في أحد‬
‫اجتماعات حلف شمال الطل سي وجاء ف يه ان محاولت الحكو مة الميرك ية «الع مل مع العرب» لو ضع خ طط من‬
‫أجل الدفاع عن الشرق الوسط‪ ،‬أخفقت بسبب «تقاعسهم عن التعاون» معها ضد الدعاية المعادية لميركا الصادرة‬
‫عن اذاعات القاهرة من جهة‪ ،‬وتعاظم الصداقة المصرية السوفياتية من جهة أخرى‪ .‬وانتهى التقرير إلى التأكيد بأن‬
‫ل بوضع خطط للدفاع عن مصالحها في الشرق الوسط قوامها تركيا واسرائيل‪.‬‬
‫الوليات المتحدة شرعت فع ً‬
‫أعقسب ذلك سسلسلة مسن الغارات السسرائيلية الخاطفسة على سسوريا والردن ادعسى السسرائيليون بأن غايتهسا‬
‫«القتصاص» من الهجمات الفلسطينية على اسرائيل‪ .‬ولما عجز عبدالناصر عن الحصول على أي معلومات ثابتة‬
‫عن النشاط الفل سطيني في تلك الحق بة‪ ،‬رأى ان ت صرف ا سرائيل جزء من ال ستعدادات لقا مة «محور ا سرائيلي‬
‫تر كي»‪( .‬ل ا ستطيع توض يح العل قة‪ .‬كل ما أعل مه‪،‬ح سبما قاله ح سن التها مي آنذاك ا نه يرى العل قة وأقنع ني بأن‬
‫عبدالنا صر يرا ها أيضا)‪ .‬وعند ما دمرت غارة ا سرائيلية قر ية ال سموع ال سورية* أعلن ال سرائيليون بأن الغارة لم‬
‫تكن لمجرد العقاب بل لتدمير قاعدة شرع السوريون ببنائها لتقوم منها قوات نظامية سورية بهجمات تخريبية على‬
‫*‬

‫إذا كان المقصسود بلفظسة ‪ Samu‬قريسة السسموع فسي منطفسة الخليسل الجنوبيسة‪،‬فإن اسسرائيل شنست‬
‫هجومهسا على القريسة المذكورة بتاريسخ ‪ 13‬تشريسن الثانسي (نوفمسبر) ‪. 1966‬ول توجسد قريسة سسورية‬
‫بهذا ال سم ‪.‬هناك خطأ او التباس‪.‬‬
‫• ربما كانت سمخ هي المقصودة‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫ا سرائيل‪ .‬وب عد غارة مشاب هة على قر ية سورية أخرى ال مح رئ يس وزارة ا سرائيل لي في اشكول إلى ان ال سطول‬
‫الميركي السادس يرسو على مقربة من الشواطئ لدعم اسرائيل في حال قرر السوريون ان الوقت حان لقيام حرب‬
‫فاصلة ضد اسرائيل‪ ،‬وانطلت الخدعة‪ ،‬واعتبر السوريون ان الوقت قد حان فعلً‪.‬‬
‫أخد السرائيليون يتتعبون الستفزاز بالستفزاز في حملة مقرونة ببرنامج حاذق من المعلومات التضليلية اتخذ‬
‫منحيين‪ :‬حمل الول عبدالناصر على العتقاد بأن اسرائيل على وشك شن هجوم واسع على سوريا هدفه الظهار‬
‫ان م صر ل تقوى على م ساعدتها؛ وح مل العالم على ت صور الع كس أي ان عبدالنا صر ي عد لمهاج مة ا سرائيل‪ .‬ثم‬
‫جاءت أك ثر الحركات دهاء‪ .‬ف في ر سائل عسكرية سرية مكتو بة بالشفيرة تبادل ها السرائيليون في ما بين هم و هم على‬
‫ثقسة تامسة بأن السسوفيات سسيلتقطونها ويحلون رموزهسا‪ ،‬أوهموا العالم بأنهسم يخادعون‪ .‬وعليسه انبسأ السسوفيات‬
‫عبدالنا صر‪ ،‬تماما ك ما خ طط ال سرائيليون‪ ،‬ان با ستطاعته الت صرف باطمئنان بالظهور بمظ هر القوة في ع مل ما‬
‫يظهر للمعجبين به من مؤيديه العرب بأنه «بطل وحامي الحمى»‪.‬‬
‫كان عبدالناصر في تلك الثناء ل يزال في وضع من الرتباك الشديد (وأظن بأنه أدرك ان السرائيليين قد فاقوه‬
‫حنكسة) حمله على العتقاد بأن أقسل وسسائل «عرض العضلت والقوة» كلفسة وأسسهلها المطالبسة باجلء قوات المسم‬
‫المتحدة عن الحدود الم صرية ال سرائيلية في منط قة الب حر الح مر وإحلل قوات م صرية محل ها‪ .‬ل ر يب في ان‬
‫طلبا كهذا في م ثل تلك الظروف مدعاة ل ستهجان شد يد‪ .‬ول كن الم ين العام لل مم المتحدة يو ثا نت فا جأ الجم يع‪،‬‬
‫ومنهم عبدالناصر بالستجابة للطلب‪ .‬وهكذا تحول عبدالناصر إلى أسير طلبه‪ ،‬ولم يعد في وسعه التراجع عنه دون‬
‫تحمسل خسسارة معنويسة فأدحسة‪ ،‬كمسا لم يبسق امامسه سسوى حركسة واحدة يقوى علهسا‪ :‬فحاصسر مضائق تيران وحرم‬
‫ال سرائيليين من الو صول إلى ايلت مينائهم الوحيد على البحر الح مر‪ .‬ومما زاد الو ضع سوءا ان ت صرفاته تلك‬
‫قوبلت بالترح يب العارم في الدول العرب ية وعلى رأ سها سوريا‪ .‬فأل قى خطابا ل بد لي زع يم عر بي أن يل قي مثله‬
‫في ظروف مماثلة‪ ،‬تضمن عبارات مثل «نحن على استعداد لمجابهة اسرائيل»‪...‬و «نحن نقرر الزمان والمكان‪،‬ل‬
‫ا سرائيل»‪ .‬كلم حما سي ينطوي على التهور‪ ،‬إن ما ا ستساغه م ستمعوه العرب واغت بط له زعماء ا سرائيل إذ كانوا‬
‫بانتظار مثل تلك الفرصة‪.‬‬
‫أمسا بخصسوص مسا حدث فسي أعقاب ذلك فإننسي أتكلم مسن خلل خسبرتي الشخصسية‪ .‬فقبسل يوميسن مسن اسستغلل‬
‫السرائيليين للفرصة التي قدمت لهم على طبق من فضة قال وزير خارجية مصر للموظف في السفارة الميركية‬
‫ريتشارد باركر ان عبدالناصر عنى كل كلمة تفوه بها وانه من الفضل ان تحاول حكومتنا البحث عن وسيلة «لنزع‬
‫فتيل الوضع المتفجر»‪.‬بطريقي إلى بيروت صباح اليوم التالي مررت بزكريا محيى الدين وسمعت منه قولً مماثلً‪.‬‬
‫‪204‬‬

‫وفوق ذلك قال لي ان الثير ازدحم بالبرقيات المتبادلة أثناء الليل بين القاهرة وواشنطن وان الوليات لمحدة ستقوم‬
‫بكل ما في وسعها من أجل السلم‪ .‬وأضاف زكريا‪ ،‬وهو نائب رئيس الجمهورية والشخصية الثانية في مصر بأنه‬
‫سسيجتمع إلى نائب الرئيسس الميركسي هيموبرت همفري على متسن طراد أميركسي فسي البحسر البيسض المتوسسط‪،‬‬
‫وسيتوصلون إلى اتفاق ما‪ ،‬أي اتفاق‪ ،‬يمكن مصر من الستجابة إلى رغبة الرأي العام العالمي وسحب قواتها من‬
‫المنط قة العازلة ثم يد عو عبدالنا صر قوات ال مم المتحدة للعودة إلى مواقع ها‪ .‬وأن هى زكر يا كل مه بالقول‪« :‬وهكذا‬
‫ينتهي كل شيء أجبته قائلً‪« :‬زكريا‪ ،‬من المفروض ان استقل الطائرة ظهرا إلى بيروت‪ ،‬كما أن الطائرة المتوجهة‬
‫إلى لندن تقلع في نفس الوقت تقريبا‪ .‬وبعد سماعي ما قلته لي سأركب الطائرة الثانية لبتعد إلى أقصى ما يمكن عن‬
‫الشرق الوسسط‪ .‬فالسسرائيليون ليسسوا مجانيسن ليفوتوا على أنفسسهم الفرصسة التسي منحسم إياهسا جمال (الرئيسس‬
‫عبدالناصر)‪ .‬لقد قضوا سنوات في انتظارها مع علمهم التام بأنها قد ل تتاح لهم ثانية»‪ .‬وبالفعل توجهت إلى لندن‪.‬‬
‫وفيما كان زكريا يحزم حقائبه راجيا الجتماع بنائب الرئيس همفري‪ ،‬ضرب السرائيليون ضربتهم ودمروا اسلحة‬
‫طيران م صر و سوريا والردن وقتلوا ألو فا من جنود الدول الثلث (ولم يفقدوا إل أ قل من سبعمئة قت يل) واحتلوا‬
‫بعضا من أراضي ها ول يزالون (با ستثناء سيناء ال تي أعادو ها لم صر في أعقاب اتفاق عقدوه مع ال سادات خلي فة‬
‫عبدالناصر)‪.‬‬
‫هل انتهى جمال عبدالناصر؟ كل! مساء ‪ 9‬حزيران (يونيو)‪ ،‬أي بعد يوم واحد من قبوله وقف اطلق النار ألقى‬
‫عبدالناصر خطبة فعل الندامة فأبكت المة بأسرها معلنا استقالته‪ ،‬دون سابق بحث في المر مع أي من وزرائه‪،‬‬
‫وتعيين زكريا محيى الدين رئيسا للبلد‪ .‬وصلت القاهرة في اليوم التالي وقبل لي ان الصمت والجمود سادا مصر‬
‫كل ها في ما كا نت م كبرات ال صوت تن قل خطب ته والجماه ير م سمرة على الر صفة ت ستمع بوجوم‪ ،‬ولول صوته لكان‬
‫يسمع رنين سقوط دبوس على الرض‪ .‬وما ان انتهى من إلقاء خطبته حتى انفتحت أبواب الجحيم فراحت زمامير‬
‫السيارات تزعق والجماهير تجهش بالبكاء وانضم المشاة في الشوارع بعضهم إلى بعض كأنهم في مظاهرة نظمت‬
‫مسبقا يهتفون‪« :‬جمال‪ ،‬جمال»‪ ،‬بصوت واحد شق عنان السماء‪.‬‬
‫أخسبرني حسسن التهامسي الذي أقلنسي بالسسيارة مسن المطار ان عبدالناصسر لم يخسبر أحدا ممسن كانوا فسي منزله‬
‫بمضمون الخطاب ولم يسستثن أحدا حتسى أقرب الناس إليسه مثسل عبدالحكيسم عامسر ومحمسد حسسنين هيكسل‪،‬علما بأن‬
‫ترتيبات كثيرة قد اتخذت م ثل ترك يب م كبرات ال صوت واحتياطات أمن ية أشارت كل ها إلى تر قب ش يء هام‪.‬أخذت‬
‫البرقيات تنهال على القاهرة من جميع أنحاء العالم العربي تناشد عبدالناصر البقاء في منصبه و «الثأر لذلك اليوم!»‬
‫فقبل الرئيس جمال عبدالناصر المناشدات» «ونزل عند إرادة الشعب» فارتاح العرب وكذلك اسرائيل (وهي بحاجة‬
‫إلى عبدالناصر العدو ل إلى زكريا محيى الدين المعتدل)‪.‬‬
‫‪205‬‬

‫كان ذلك درسا لن أنساه تكونت خطوطه الكبرى في ذهني من الذاعات والصحف التي اطلعت عليها في لندن‪.‬‬
‫و صلت القاهرة في ‪ 10‬حزيران (يون يو) وعل مت من ح سن التها مي ان امتع تي قد نقلت من شق تي إلى جناح في‬
‫الطابسق العاشسر مسن فندق هيلتون حيسث أقمست لسسنتين متتاليتيسن‪ .‬أمضيست اليوميسن التالييسن لوصسولي بأصسدقائي‬
‫الم صريين القدا مى الذ ين ا ستطعت العثور علي هم (لم أتم كن من الجتماع إلى زكر يا) وبأ صدقائي في ما تب قى من‬
‫سسفارتنا وبمختلف المراسسلين البريطانييسن والميركييسن الذيسن تجمعوا فسي الفندق‪ .‬قضيست يوميسن فسي اعداد تقريسر‬
‫لزبائ ني ثم سافرت إلى بار يس ومن ها إلى واشن طن ح يث اطلع ني ا صدقائي في وكالة ال ستخبارات المركز ية ان‬
‫الوكالة تتبعت تطور الحداث منذ البداية وأنهم رأوا بوضوح أكثر مني أن «تصرفات زكريا محيى الدين الموالية‬
‫لميركا» لم تحمل على محمل الجدية في وزارة الخارجية وفي البيت البيض‪.‬‬
‫عدت ب عد ا سبوعين إلى القاهرة ل جد ان ا صدقائي الم صريين تعلموا الدرس جيدا‪ .‬فب عد الحك يم عا مر‪ ،‬رئ يس‬
‫أركان الجيش المصري وصديق عبدالناصر الحميم‪ ،‬قابع في بيته يلعق جراحه ويستعين بتدخين الحشيش‪ .‬وزكريا‬
‫محيى الدين استقال من رئاسة الوزارة للمرة الثانية وراح يولي اهتمامه لمزرعته في المحلة الكبرى‪ .‬وحل محمد‬
‫حسنين هيكل محل عبدالحكيم عامر في صداقة عبدالناصر وصار صلة الوصل بين عبدالناصر وبقايا سفارتنا التي‬
‫تحولت بعد قطع العلقات الدبلوماسية إلى فرع المصالح الميركية في السفارة السويسرية‪ ،‬وكذلك رفيقي الدائم في‬
‫كل زياراتي لعبدالناصر‪ .‬في اجتماعي الول به بعد الحرب استقبلني عبدالناصر بحرارة‪ ،‬خصوصا بعد أن أعربت‬
‫له عن اعتقادي ان بإمكان م صر ال ستمرار في علقات مع الغرب مفيدة للفريق ين عبر الم ضي في ح سن علقات‬
‫عملية بحتة ل سياسية‪ ،‬مع المؤسسات التجارية الميركية‪ ،‬ومن ضمن ما يراه ضروريا لما يعتبره«مصالح أميركا‬
‫السياسية» ‪.‬‬
‫من دون أي تف سير لك يف وا ين وم تى ح صل ذلك‪ ،‬قال لي ا نه سمع لتوه كلما مشابها من فم صديقنا المشترك‬
‫روبرت اندرسون (بوب الشريف)‪ .‬حملني ذلك الجتماع على اعادة النظر كليا في عملي الستشاري‪ .‬فاجتمعت في‬
‫اليوم التالي بمم ثل شر كة ستاندرد أو يل اوف انديا نا في م صر‪ ،‬وبمم ثل شر كة طيران بان اميركان الذي عين ني‬
‫مسستشارا لقاء دفسع فواتيري فسي فندق هيلتون‪ .‬ثسم ذهبست إلى بيروت حيسث انتدبست مسستشارا لشركتيسن للكمسبيوتر‬
‫والليكترونيات ولشركة بناء كبرى وعدتها جميعا بحسن المعاملة في مصر والمملكة العربية السعودية‪.‬‬
‫وكان با ستطاعتي تقد يم المز يد من الوعود ذلك ان تقاريري لزبائ ني الوائل وتوقعا تي الدقي قة عن حرب اليام‬
‫ال ستة وتأثيرات ها المتوق عة في سير اعمال هم ساهمت كثيرا في زيادة الطلب على خدما تي‪ .‬أ ما الخطوط العري ضة‬
‫التي اعتمدتها في خدماتي فكانت محصورة في النقاط الخمس التالية ‪.‬‬
‫‪206‬‬

‫• س إن الغا ية‪ ،‬من ح يث م صلحة زبون بمفرده‪ ،‬تقد يم ادار ته المركز ية المعلومات اللز مة لتت خذ‬
‫الدارة القرارات الصحيحة بشأن امكانية استمرارها في العمل المربح من جهة والضامن لسلمة‬
‫موظفيها من جهة أخرى في البلدان التي لها فيها توظيفات مالية‪.‬‬
‫• س اننا في جميع الحالت نجمع المعلومات في البلد المعنى نفسه وليس عنه وبوسائل مشرو عة‬
‫وعلينة‪.‬‬
‫•س إننا نستقي معلوماتنا الساسية (بالمقارنة مع «معلومات عامة»س شائعات وثرثرة صالونات‪،‬‬
‫الخ‪).‬من الراء العلمية والتقديرات العقلنية لدى المسؤولين في الشركة ليت تتعاطى معنا‪ .‬ذلك‬
‫اننا نجري بانتظام دق يق مقابلت مع جميع موظفيها الذ ين سبق ان تأكد نا من سلمة معلومات هم‬
‫وصدقها‪ ،‬والقادرين على تفسير الحداث المحلية في ضوء الحضارة المحلية‪.‬‬
‫• س ا ستطعت في نها ية ال مر اقناع زبائ ني الكبار (أهم هم شركات الن فط) بان موظ في مكاتب هم‬
‫المختصسة بالعلقسة مسع الحكومات يجسب أن يكونوا ممسن يحسسنون اللغتيسن ويشعرون بدقائق‬
‫الحضارة المحليسة وقادريسن أيضا على إقامسة علقات طيبسة مسع الشرطسة ودوائر المسن بغيسة‬
‫الحصول على معلومات ذات طبيعة عامة‪ .‬إن أهميتي كمستشار نابعة من انني أجمع المعلومات‬
‫من جم يع المكا تب المخت صة بالعلقات بالحكومات وأصسهرها معا ثم أ عد التقاريسر ل كل زبون‬
‫حسب حاجته‪.‬‬
‫•سس عندمسا أصسبحت جهودي القليميسة معروفسة (لسست اعتمسد السسرية بنشاطهسا) تحولت مكاتسب‬
‫العلقات الحكوميسة هذه ومكاتسبي فسي بيروت والقاهرة إلى ملتقسى لجميسع اصسناف مروجسي‬
‫الشاعات‪،‬ومخططسي المؤامرات‪ ،‬وبائعسي المعلومات‪ ،‬ودعاة القضايسا المختلفسة سس اضافسة إلى‬
‫عملء السسفارات (ومنهسا سسفارتنا) وعملء الحكومسة المحلييسن‪ .‬واتبعنسا فسي مكاتسبي الطريقسة‬
‫الكلسيكية لتحليل المعلومات ‪:‬ل تسل عن «ماذا» انما سل عن «لماذا»‪ .‬قد تأتيك المعلومات من‬
‫نوع رديسء ولكسن مجموع الحقائق‪ ،‬وأنصساف الحقائق‪ ،‬والكاذيسب المقصسودة لخدمسة أغراض‬
‫شخصية‪ ،‬يكمل الحجية التي تشكل التفهم‪.‬‬
‫إن النجاح الذي لقي ته عائد إلى القدرة على تق بل المتناقضات وإلى نوع من المهارة في م ساعدة زبائ ني على‬
‫التكيف معها بإبعاد مصالحهم عن سياسات حكومتنا دون التنكر لها‪ .‬على المستشار السياسي ان يكون حاذقا في‬
‫تف هم وتقد ير ماه ية ومدى أ صالة المشا عر المعاد ية لمير كا وقادرا على مقاو مة اغراء التعا طف مع ها‪ .‬قد يكون‬
‫الشعور بالكراهية الذي يكنه الكثيرون من الجانب لنا صادقا‪ .‬ولكن ل بد من دوام التذكير بأن هؤلء الجانب‬
‫‪207‬‬

‫أنفسهم ينقلون عنا أزياءنا ويشاهدون أفلمنا ويستمعون إلى أغانينا‪ ،‬ويعجبون سرا بفوزنا في مختلف المجلت‪.‬‬
‫فالمير كي الذي يك ثر من التم ثل بأ هل البلد الذي يق يم ف يه يج عل من نف سه اضحو كة ب ين أ هل البلد‪.‬والشعوب‬
‫المنتم ية إلى حضارات أخرى ت حب الميركي ين الذ ين يحبون ها ولكن ها تش كك بالميركي ين الذ ين يحاولون الهبوط‬
‫إلى مستواها (أو الرتقاء إليه)‪ .‬إن آرتشي روزفلت‪ ،‬وهو من أرباب الذين يحسنون التفاهم مع شعوب تنتمي إلى‬
‫حضارات أخرى يتعمد الكلم بأقصى لكنة اميركية في نطقه بالعربية حفاظا على التقيد بهذه القاعدة‪.‬‬
‫عودة إلى القواعد ‪ ...‬لمراقبة أوضاع بلدي‬
‫بدأت أدرك خلل فترة ما ب عد حرب اليام ال ستة ان ال خبرة والمعر فة المكت سبين من الع مل ال سياسي الخ في‬
‫النا جح لزمتان في مجالت وا سعة من النشاطات ب ين حكو مة وحكو مة خارج نطاق الدبلوما سية التقليد ية و فن‬
‫سياسة الدولة‪ .‬فم نذ أوا خر ال ستينات وح تى تقاعدي «الخ ير» اشتر كت في قرا بة العشرة أو أك ثر من العمال‬
‫ال سياسية الخف ية وا ستطعت ح مل حكومات متنو عة على احترام اتفاقات عقدت ها مع زبائ ني وكان بإمكان ها لولي‬
‫نقضها‪ ،‬وحلحلت عدة عقد مستعصية في مفاوضات هامة‪ ،‬عقد عائدة إلى سوء تفاهم سياسي (أو عائدة في بعض‬
‫الحالت إلى ادرك سياسي وا ضح وصحيح)‪ .‬وتابعت كذلك اخطاء الحكومة الميرك ية على رقعة اللع بة الدولية‬
‫(و في حالت عديدة بمواف قة ضمن ية وم ساعدة خف ية من ق بل وكالة ال ستخبارات) من أ جل بلوغ معادلت تم كن‬
‫زبائني من الحصول على عقود مربحة أو من الستمرار في أعمالهم بموجب العقود المبرمة معهم‪.‬‬
‫ب عد القيام بتلك المهمات وغير ها عرض علي م صرف تجاري بريطا ني الع مل م عه في العام ‪1974‬لخطاره‬
‫بتوقعاتي عن موعد استقالة الرئيس نيكسون في أعقاب فضيحة واترغايت‪،‬وكان غرض المصرف معرفة متى‬
‫يشتري أو يبيع الذهب في أسواق المال العالية‪ .‬فانتقلت إلى شقة في برج واردمن في واشنطن واستمر أبنائي‪،‬بعد‬
‫انتهاء والع قد مع الم صرف‪ ،‬بت سديد بدل إقام تي في ها ح يث ر حت أرا قب ال سياسة دا خل الوليات المتحدة‪.‬وهكذا‬
‫صار لي‪،‬إذا جاز الت عبير‪ ،‬مق عد داخلي في ما ا ستفاق ضم ير ال مة ب عد حرب فيتنام‪ .‬كان من شأن تدم ير ادارة‬
‫نيكسسون إسسالة لعاب «الصسحفيين المنقسبين» الذيسن أخذوا يعدون العدة للتحقيسق فسي اوضاع وكالة السستخبارات‬
‫المركزيسة والشركات الكسبرى متعددة الجنسسيات ومختلف المجموعات والفراد المؤيديسن للشعور الوطنسي القديسم‬
‫الطراز‪ .‬وكان ثمسة مسا يحمسل على العتقاد بأن السستخبارات السسوفياتية اخذت تعتمسد على «مناهضسة مناهضسة‬
‫الشيوع ية» كما در جت في الوليات المتحدة في الثلثينات أقل من اعتمادها على الشيوعية التقليد ية‪.‬فمناه ضو‬
‫مناهضة الشيوعية معرفون باليمينيين السذج‪ ،‬أو «البلهاء النافعين»‪ .‬ولكنهم يبغضون ويخافون القلة المدركة التي‬
‫قد يحملها الرأي العام على محمل الجدية‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫قبل طرده من وظيفته زارني جيم آنغلتون ليريني رزمة من وثائق الكرملين المترجمة التي اعطاها له عملء‬
‫من الموساد‪ .‬ومع الخذ في العتبار ان السرائيليين ادخلوا عليها بعض التعديلت وهي في طريقها بين موسكو‬
‫وواشنطن فقد تبين من الوثائق ان ما يعده السوفيات من حملت ل علقة له مطلقا بوسائل الدفاع التي يخطط لها‬
‫استراتيجيونا العسكريون‪ .‬أخبرني جيم انه ناقش محتويات تلك الوثائق مع مرتد سوفياتي انتقل حديثا إلى الغرب‬
‫اخسبره بأن المخابرات السسوفياتية اكتشفست فسي أعقاب تردي الوضسع فسي فيتنام شعور الميركييسن بعقدة الذنسب‬
‫فقررت اللقاء بكامل ثقل حربها النفسية وراء تزكية ذلك الشعور ليس بواسطة قنوات دعايتها العادية بل بتدبير‬
‫احداث في مختلف انحاء العالم يتها فت علي ها الي ساريون في و سائل اعلم نا وي سيئون تف سيرها‪ .‬وأشار المر تد‬
‫السوفياتي إلى أن المخابرات السوفياتية اختارت تشيلي والفيليبين وكوريا الجنوبية وزائير أهدافا مفضلة ليس لن‬
‫الوضاع فيها سيئة في اعين السوفيات أو في اعيننا‪،‬بل لن احداثا تثار فيها ستكون مشاهد تلفزيونية أشد اثارة‬
‫لمخيلة الرأي العام الميركي وأكثر إسالة للعاب العلميين‪.‬‬
‫ولكسن السسوفيات وجدوا داخسل الوليات المتحدة اكثسر المواضيسع قابليسة للسستقلل‪ .‬ففسي السسبعينات كانست‬
‫الخلفات حول مواضيسع داخليسة محددة مثسل الخلف بيسن مؤيدي الجهاض ومعارضيسه موضوعا هاما بالنسسبة‬
‫للسستراتيجية السسوفياتية باعتبار انسه يحول طاقات الميركييسن فسي خلفاتهسم الداخليسة عسن الهتمام بالمصسلحة‬
‫الوطنيسة العامسة‪ .‬ورأى السسوفيات فسي القليات الثنيسة عنصسرا هاما يخدم اسستراتيجيتهم ‪:‬اليونانيون الميركيون‬
‫للوقوف فسي وجسه أي خطسة دفاعيسة يتصسورها البنتاغون تنطوي على التعاون مسع تركيسا‪ ،‬واليهود الميركيون‬
‫لزعزعة العلقات الميركية العربية‪ ،‬والعرب الميركيون للوقوف في وجه أي مخطط يرمي للحفاظ على سلمة‬
‫مصادر امدادنا بنفط الشرق الوسط وقد يشتمل على تعاون مع اسرائيل‪ .‬إن مجموع الضغوط التي تسببها تلك‬
‫القضايا إضافة إلى ضغوط أخرى ناجمة عن مواضيع تخريبية الطابع‪ ،‬تشكل عبئا على امننا القومي أشد تأثيرا‬
‫من أي ش يء ا ستطاع ال سوفيات تحقي قه بو سائلهم الذات ية‪ .‬ل قد سعى ال سوفيات لج عل أمير كا بلدا يض طر ف يه‬
‫الزعماء ال سياسيون إلى اكت ساب تأي يد ل يس ‪ 51‬بالمئة من المقترع ين بل خم سا وعشر ين مرة اثن ين بالمئة زائد‬
‫وا حد بالمئة‪ ،‬ويكون هذا الوا حد بالمئة من المقترع ين بانتظار الفر صة ال تي ت سمح له بترج يح ك فة الفر يق الذي‬
‫يقدم له السسعر العلى‪ .‬فمسن مصسلحة السسوفيات ان ننهمسك «باللعبسة المحليسة» حيسث «يتنافسس افرقاء متعددون‬
‫ويسعى كل لتأمين مصلحته الخاصة‪ ،‬بشكل ينعكس على تحركاتنا على رقعة اللعبة الدولية‪ .‬كانت تلك الحقبة في‬
‫برج وارد من المنا سبة الولى خلل خم سة وعشر ين عاما ال تي أت يح لي في ها مراق بة بلدي من المنظار المه ني‬
‫فصرت أرى زعماءها منشغلين بالقضايا المحلية والداخلية بحيث لم يكن بمقدورهم النضواء تحت لواء سياسة‬

‫‪209‬‬

‫يدعم ها الحزبان لر سم وتنف يذ « سياسة خارج ية خارج ية» [ عن حق وحق يق وب كل مع نى الكل مة] تخدم م صالح‬
‫البلد بأجملها‪.‬‬
‫ربما كان كبير أبنائي‪ ،‬مايلز الثالث‪،‬يفكر بالتخلي يوما عن هوليود ليصبح وبدعم منها وزيرا للخارجية ‪.‬‬
‫ولعله من أ جل ذلك جاء ني باقتراح ير مي من ورائة إلى تو سيع آفا قة في الم ستقبل‪ .‬والقتراح ب سيط خل صته‬
‫تكر يس موا هبي الفذة لمراق بة أوضاع بلدي وت صور ما ت ستطيع المخابرات ال سوفياتية انجازه دا خل الوليات‬
‫المتحدة بلجوئ ها إلى ال ساليب ال تي ت ستخدمها وكالة ال ستخبارات المركز ية على م سرح سياستنا الداخل ية‪ .‬وقال‬
‫ا نه ل ير يد الح صول على آراء رجال ال ستخبارات المهني ين بل يود الح صول على فكرة ن الخطار المحد قة‬
‫بأميركا كما يتصورها هو والميركيون القحاح مثله‪ .‬وعليه‪ ،‬وبالتعاون مع فيرونيك رود من السكرتيرة الخاصة‬
‫سابقا للوزير السابق هنري كيسنجر‪ ،‬وضعنا ورقة عمل بعنوان‪ :‬اثنتا عشرة طريقة لتدمير أميركا»‪.‬ولما كانت‬
‫فيرونيك قد انض مت إلى مكتبي بعد استقالتها من خد مة كسينجرنكلفتها باجراء مقابلت مع عدد من المواطن ين‬
‫الرا سخين في يمينت هم والوقوف على آرائ هم واقتراحات هم‪ .‬جاء ما كتب ته خل صة لجماع آرائ هم مثيرا للهتمام‬
‫لسببين‪ :‬الول‪ ،‬تبيان أن ما نفعله ببلدنا يكاد يتطابق مع ما كان السوفيات يودون فعله لو لم نسبقهم إليه‪ .‬والثاني‬
‫انه أظهر بشكل مذهل المواقف الفكرية التي كان من شأنها تكريس رونالد ريغن أكثر رؤساء هذه البلد شعبية‬
‫في القرن العشرين‪.‬‬
‫أ ما بالن سبة لي شخ صا ف قد ف عل الدرس في نف سي ما ف تح عي ني إلى ان اليميني ين الميركي ين المتطرف ين‪ ،‬شأن هم‬
‫شأن أمثالهسم البريطانييسن‪ ،‬يبنون آراء بالغسة التشدد اسستنادا إلى معلومات بالغسة الضحالة‪ .‬اعتقدت قبسل ذينسك‬
‫الكتشافيسن ان الذيسن يرسسمون لنسا مثالياتنسا ليسسوا منقسسمين بيسن اليسسار واليميسن أو او بينهسم «الحمائم» مسن جهسة‬
‫و«ال صقور» من ج هة‪ ،‬بقدر ما هم إ ما براغماتيون (ذرائعيون) عمليون ي صرون على وجوب وجود فكرة واض حة‬
‫عسن نتائج أي عمسل قبسل القدام عليسه‪ .‬أو مثاليون يؤمنون بوجوب القيام «بالعمسل الصسحيح» مهمسا كانست نتائجسه‪.‬‬
‫وظننست أيضا اننسا نحسن اليمينييسن دائما براغماتيون وان المثالييسن حكما يسساريون‪ .‬إل انسه تسبين لي كذلك ان نسسبة‬
‫القتناع إلى المعر فة لدى المفكر ين اليميني ين متقار بة جدا مع مثيلت ها لدى نظرائ هم الي ساريين وان اليميني ين أك ثر‬
‫مثالية من اليساريين وانهم يعدلون المعلومات لتتناسب مع آرائهم بدلً من اعتماد العكس‪.‬‬
‫تبادر لي فجأة ان موافق تي على الفكار الواردة في ور قة «الثن تي عشرة طري قة لتدم ير أمير كا» ان ما هي‬
‫منبثقة من آراء ل تستند إلى معلومات‪ .‬فأقربائي في السياسة على حق انما لعدة اسباب مغلوطة كما انهم اتخذوا‬
‫لنفسهم ادوارا لم أقو على القبول بها‪ ،‬فقد اعتبروا أنفسهم «قلقة» في حين كلمة «دفاع» تفي بالعرض‪،‬وصرت‬
‫كلما أصغيت إلى تكرار آرائهم أخال نفسي أسمع صوت البعض والكراهبة الوارد في العهد القديم المناقض للقيم‬
‫‪210‬‬

‫الواردة في الناج يل ال تي جعلت ها جزءا من طريق تي في الحياة‪ .‬وشعرت بان أي تحرك قد نقوم به على رق عة‬
‫اللعبة الدولية وفي ذهننا كلمات سقر تثنية الشتراع الوارد في الصحاحين السادس والسابع [الشهادات الفرائض‬
‫والحكام والو صايا ال تي أو صى ب ها الرب] سيؤدي ب نا إلى صعوبات لن تقوي دولة بقوة دولت نا على معالجت ها‬
‫وتخطيها‪.‬‬
‫وفيما كنت انهي سنواتي الثماني من مراقبة ادارتي كارتر وريغن ضم أبنائي وغيرهم من كبار العاملين في‬
‫صناعة السينما والتسجيل الموسيقى جهدهم وقدموا تبرعات لعدد من المؤسسات الخيرية تتكلم باسم «الميركيين‬
‫الميركي ين» أي تلك القل ية ال تي تد ين بالولء لبلد وا حد هو الوليات المتحدة ول توزع ولء ها ب ين الوليات‬
‫المتحدة وايرلندا أو بينهسا وبيسن اليونان أو بينهسا وبيسن اسسرائيل‪ .‬جاء آخسر تسبرعاتهم حمولة طائرة مسن المواد‬
‫الغذائية والطبية لبلد في شرق افريقيا حيث يموت آلف الناس حوعا‪ .‬رافقت الطائرة بطلب من مرسليها وزرت‬
‫مخيما رأ يت ف يه اللوف ممدد ين على الرض ل يقوون على الوقوف من هزال هم‪ .‬ب عد جول تي تلك تحد ثت إلى‬
‫أحدكبار موظفي حكومة ذلك البلد واستخلصت من كلمه ما يلي ‪:‬‬
‫(‪1‬‬

‫) س ا نه يع تبر اللوف المرتم ين أرضا «أفقي ين» والذ ين ي ستطيعون الوقوف على اقدام هم وا ستعمال‬
‫البنادق «عموديين» ‪.‬‬
‫(‪ )2‬س إذا انخ فض عدد سكان افريق يا بقرا بة ال ستة ملي ين ش خص لن يكون ذلك بمثا بة كار ثة عال ية أو‬
‫فكرة سيئة ؛‬

‫(‪3‬‬

‫) س ال مح من خلل ملحظات أخرى إلى ان حكوم ته مدي نة بعرفان الجم يل إلى ال سوفيات أك ثر من ها‬
‫إلى الميركيين والوروبيين الغربيين‪ ،‬لن السوفيات يقدمون السلح «للعموديين» القادرين على تأييد‬
‫حكومة تعمل «من اجل مصلحة الشعب كله»‪،‬بينما ل نقدم نحن الغربيين سوى الطعمة التي ل تشفي‬
‫بل تطيل أمد البؤس والشقاء الذي يعيشه «الفقيون» الذين ل خير يرجى منهم‪ .‬من هنا رأيت ان ل‬
‫بد لي من التفك ير ثان ية بمضام ين مفهوم «ن حن س هم» الوارد تكرارا في الع هد القد يم من الكتاب‬
‫المقدس (التوراة) ‪.‬‬
‫الفصسل الواحسد والعشسرون‬
‫نظرية مكافحة الكارثة‬
‫و«بيست النمسل»‬
‫بعسد انقضاء قرابسة السسبوع على اتخاذي قرارا بتأليسف هذا الكتاب رن جرس الهاتسف فسي منزلي فسي لندن‬

‫ووجدت على الطرف الخر من الخط صديقا حميما هو نائب الرئيس المختص بالعمليات في أوروبا في احدى‬
‫‪211‬‬

‫شركات النفط التي تعاملت معي سابقا‪ .‬طلب مني بصوت ل يخلو من التوتر موافاته إلى بيته القريب من بيتي‬
‫وقال ا نه بحا جة الى خد مة شخ صية ها مة‪ .‬طالع ني في غر فة المكت بة عنده رئ يس دائرة أ من الشر كة القادم من‬
‫نيويورك ومحامي الشركة في لندن ورجل متوسط في السن يرتدي بدلة رمادية لم يعرفني به أحد ‪.‬أما موضوع‬
‫الخد مة المطلوبة فهو اختفاء كليمنت ين‪ ،‬ابنة صديقي «بوب» (اسم مستعار) وعمرها خم سة وعشرون عاما وقد‬
‫مضى على اختفائها ليلتان‪.‬‬
‫الوقائع المتوافرة بسسيطة‪ .‬غادرت الفتاة منزل أبيهسا عنسد السساعة التاسسعة مسساء يوم الحسد فيمسا كان أبوهسا‬
‫يستضيف زهاء عشرين مدعوا لوليمة عشاء درج على اقامتها كل شهر تقريبا ‪.‬لم تخبر أحدا بسبب خروجها في‬
‫برد تلك الليلة الممطرة ‪.‬انقضى منتصف الليل ولم تعد فقلق أبواها‪ .‬وخلل مكالمة هاتفية دورية درج أبوها على‬
‫اجرائ ها في منت صف ل يل كل يوم أ حد مع رئ يس الشر كة «جون» (ا سم م ستعار) في نيويورك‪ ،‬جاء على ذ كر‬
‫اختفائ ها فأبدى جون اهتماما غ ير عادي بالموضوع وو جه إلى بوب أ سئلة ل ها مغازي ها عن عادات ها الشخ صية‪،‬‬
‫مصرا عليه التصال بمسؤول أمن الشركة في نيويورك اذا تخلفت عن العودة عند الساعة التاسعة من صباح‬
‫الثنين‪ .‬وهكذا فعل بوب فاستقل مسؤول المن طائرة الشركة وتوجه إلى لندن ‪.‬‬
‫سألت‪ :‬ما المطلوب م ني‪ ،‬فأجاب ني الم سؤول‪« :‬العثور على الفتاة دون ال ستعانة بشر طة لندن»‪ .‬ول ما نظرت‬
‫إلى بوب مومئا بالر فض قال‪« :‬ل ست أدري م نك ب سبب عدم معال جة هذه القض ية على ان ها عائل ية بل على ان ها‬
‫تخص الشركة‪ .‬ومن ضمن الخدمة الشخصية التي أرجوها منك ضم جهلك بالموضوع إلى جهلي به وساعدني‬
‫للعثور على ابن تي علما بأن الشر كة ستدفع بدل أتعا بك مه ما بلغ» ‪.‬وه نا انحلت عقدة ل سان الم سؤول عن أ من‬
‫الشركة فقال انه استقال من مكتب التحقيقات التحادي وانضم فورا إلى ملك أمن الشركة ليجد أن رؤساءه الجدد‬
‫يتابعون عن كثب قضايا الرهاب الدولي عموما واحتمال خطف مدراء الشركات خصوصا‪ .‬أضاف ‪«:‬ليس من‬
‫المفروض ان اطل عك على ان في مك تب التحقيقات ملفا خا صا بكليمنت ين وف يه ان ها شوهدت أخيرا برف قة ب عض‬
‫الشخاص المشبوه ين جدا‪ .‬ا ستنتجت فورا بأن هؤلء ينتمون إلى هيئة ت سمى «اللج نة البريطان ية العرب ية لتفا هم‬
‫أفضل» كنت على علم بأن كليمنتين تحضر اجتماعاتها ‪.‬‬
‫قبلت المهمة وقمت برفقة مسؤول المن في الشركة واسمه الحقيقي جيري كوالسكي ومعنا بوب وصديقي قائد‬
‫شر طة المنط قة نب حث عن ها في المحلة فلم نع ثر علي ها ‪.‬عد نا إلى ب يت بوب ل ستجماع أفكار نا وخلل الحد يث‬
‫أ خبرني بوب ان ابن ته تلت قي فعلً ب من قد يبدون للنيويوركي ين «أشخا صا مشبوه ين جدا»‪ .‬أ صر بوب على ان‬
‫كليمنتين «فتاة أميركية عادية» ل علقة لها بالسياسة وان كانت لها آراؤها بشأن الصراع العربي السرائيلي ‪.‬‬
‫ف قد تعل مت في مدر سة في بيروت و ما يزال رفاق ها ال سابقون في المدر سة يت صلون ب ها من و قت إلى آ خر‪،‬‬
‫‪212‬‬

‫وبعضهم فلسطينيون‪ .‬التفت بوب إلي قائلً‪ :‬إننا إذا لم نعثر على أي دليل في لندن ينبغي أن أذهب إلى نيويورك‬
‫للوقوف مسن جون على سسبب الهتمام الذي أبداه مسساء الحسد السسبق أثناء مكالمتهمسا الهاتفيسة‪ .‬هنسا فقسط تكلم‬
‫صاحب البدلة الرماد ية‪ .‬أ نه المشرف على «المشار يع الخا صة» في الشر كة و هو مخول بتغط ية كا فة نفقا تي‬
‫إضافة إلى بدل اتعاب يكفي للتعويض عن تنازلي للقبول بمهمة ليست لمن هم في سني وفي مركزي الجتماعي‪.‬‬
‫ولمسا كنست قسد باشرت بوضسع هذا الكتاب وانهمكست فسي الطلع على مشاكسل الرهاب الدولي ومتابعتهسا‬
‫ب صفتي خريجا وفيا من وكالة ال ستخبارات المركز ية‪ ،‬وجدت في الخد مة الشخ صية المطلو بة م ني فر صة ل‬
‫يجوز تفويت ها مطلقا ‪.‬قض يت ا سبوعا في لندن أتن قل ب ين أ صدقائي في مختلف دوائر التحري وال من ومكاف حة‬
‫الجا سوسية أج مع المعلومات حول نشاطات الفل سطينيين في لندن من خ طف وا ستقطاب مؤيد ين وتحو يل أموال‬
‫وتعاون مسع الجيسش الجمهوري اليرلندي وغيرهسا‪ .‬ثسم توجهست إلى نيويورك وواشنطسن فوجدت فسي الولى ان‬
‫السسلطات تنظسر إلى النشاطات التسي قسد تشيسر إلى اسسباب اختفاء كليمنتيسن على انهسا مواضيسع تسستدعي اتخاذ‬
‫اجراءات وقائ ية دون أي اشارة إلى الفلسطينيين أو أي مجموعات أخرى قد تحظى بعطف ما داخل دول نفط ية‬
‫‪.‬أما في واشنطن فوجدت ان مكافحة الرهاب باتت صناعة نامية ومتوسعة يحدد فيها السياسيون الهداف ويقوم‬
‫مدعو الختصاص بها بلملمة الحطام‪ .‬لم ترشدني مقابلتي في المدينتين إلى أي دليل يقودني إلى كليمنتين وإلى‬
‫سبب اختفائ ها‪ ،‬ولكن ها انارت ب صيرتي حيال ملب سات اختفائ ها وال جو المب ني على الفتراضات والتكهنات الذي‬
‫تحاول فيه الحكومة الميركية التعاطي مع موضوع الرهاب الدولي ‪.‬‬
‫لن أحاول و صف متاهات التعا طي هذا بل سأعلق ف قط على ك يف قاد ني الب حث عن كليمنت ين للو صول إلى‬
‫نظرية «مكافحة الكارثة» كما يفهمها اي مقامر يعرف كيف يتجنب الدخول في طريق مسدود‪ .‬فالطريق الذي بدأ‬
‫صباح يوم مم طر في منزل بوب في لندن لم يل بث ان تش عب م نه طريقان ثم أرب عة ثم ستة ع شر وهكذا ح تى‬
‫صار ككرة الثلج ممتدا إلى ب عض أقطار أورو با وافريق يا والشرق الو سط فعرج على اك ثر من مئة دبلوما سي‬
‫ووكالة ا ستخبارات ودائرة شر طة‪ ،‬وأدى إلى اكتشاف عشرات الرهابي ين غ ير المعروف ين سابقا والمجموعات‬
‫السسياسية السسرية مسن جنسسيات مختلفسة‪ ،‬دون اكتراث يذكسر باختفاء كليمنتيسن‪ ،‬علما بأن صسدفة غريبسة أدت إلى‬
‫العثور عليها‪.‬‬
‫أم سك كاوال سكي بطرف الخ يط الذي أدى إلى العثور على كليمنت ين بأن ر كب رقما هاتفيا مغلوطا‪ .‬ول ما كان‬
‫ذلك الرقسم سسريا غيسر مدرج فسي الدليسل اعتسبر المتكلم على الطرف الخسر م نه ان باسستطاعته الحديسث ببعسض‬
‫الحرية باعتبار ان الرقم ليس معروفا إل لدى شلة معينة وذكر شيئا عن «فتاة اميركية مفقودة» تلك هي الصدفة‬

‫‪213‬‬

‫التي أدت إلى التحركات التي أوردت ذكرها أعله وإلى العثور على كليمنتين‪ .‬ومن خلل تأملي في كل ما جرى‬
‫قلبت نظرية الكارثة رأسا على عقب وأسميتها «مكافحة الكارثة»‪.‬‬
‫اتبعت طريقة بسيطة أدت بي إلى تطوير نظرية «مكافحة الكارثة» رسمت على ورقة ما بذل من جهد في‬
‫ل الغاية الساسية محل الجذع ونتائجها محل الفروع التي يشكل‬
‫البحث عن كليمنتين على شكل شجرة عائلة جاع ً‬
‫كل من ها غا ية جديدة ت سبب نتائج جديدة فانته يت إلى فروع وأغ صان متشاب كة ل تع ني شيئا سوى الدللة على‬
‫اندفاع من أ جل غا ية واحدة‪ ،‬وعلى وجود الكث ير من الطرق الم سدودة والمتطلبات المغلو طة‪ .‬و تبين من خلل‬
‫ذلك كله ان مع ظم المشترك ين في هذا الج هد شاح نظر هم عن غا ية بحث هم ال ساسية أو ان هم اثناء بحث هم ألهت هم‬
‫قضايا ل علقة لها بموضوع نشاطهم فغاصوا فيها لبلوغ نهاياتها وكشف غموضها‪ .‬ورسمت على ورقة شفافة‬
‫كسل مسا اسستطعت اعتباره ذا صسلة واضحسة بموضوع البحسث وطبقست الورقسة الثانيسة على الولى فتعرفست إلى‬
‫موا طن الن قص وبذا اكتش فت ما اسميته «النمط» أي الطري قة التي يتب عا فر يق من الناس يعملون معا في مه مة‬
‫رسمية أو ينتمون إلى حضارات مشتركة ولهم حوافز مشتركة‪ ،‬في مواجهة تحد واضح المعالم ‪.‬ففريق كهذا يبدأ‬
‫بالبحث عن قضية واحدة أو بالعمل على مسألة محددة ثم يوسع بحثه محددا تصنيف القضية ويتوسع بتفسيرها ثم‬
‫تندفع وحداته المختلفة في اتجاهات متعددة وتبقى الغاية المشتركة سليمة ‪.‬‬
‫اللعب الهم على رقعة اللعبة الدولية‬
‫كان من دواعي اعتزازي بالطبع ان يضعني زملئي في مصاف ألبرت اينشتاين وغيره من العباقرة ‪.‬ولكنني‬
‫اعترف بتواضسع كلي ان نظريسة مكافحسة الكارثسة ليسست سسوى اظهار صسلة العلوم النظريسة الصسرفة بالعلوم‬
‫التطبيقية في مجال التحقيقات والتحريات‪ .‬ولكن فلننظر فيها‪ ،‬إلى جانب ما قلته في فصول سابقة عن مستويات‬
‫اللعبة وعن تفاعل الدوافع الشخصية في نفس أي لعب بمفرده‪ ،‬وننظر عبر ذلك إلى تصرفات اللعب الهم‬
‫على رقعة اللعبة الدولية‪ ،‬اي الحكومة الميركية ‪.‬‬
‫لنأخذ مثلً مجلس المن القومي‪ .‬فهو يتألف من رئيس الجمهورية ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس‬
‫أركان القوات العسكرية ومدير الستخبارات ‪.‬من المفروض ان يلتئم المجلس اسبوعيا لدراسة «تنسيق السياسات‬
‫الداخل ية والخارج ية والع سكرية المت صلة بال من القو مي»‪ .‬و من المفروض ان يكون موضوع الب حث ما يقد مه‬
‫ش خص لق به الر سمي «م ساعد الرئ يس» ولك نه يعرف عموما على ا نه م ستشار الرئ يس لشؤون ال من القو مي‪.‬‬
‫والمفروض في هذا الخ ير ودائر ته المؤل فة من أك ثر من اربع ين موظفا ج مع كل المعلومات الواردة إلى الب يت‬
‫البيض عبر وكالة الستخبارات المركزية وغيره