‫الطليعة‬

‫فصلية تعالج قضايا الفكر والثقافة واألدب في ضوء االشتراكية العلمية‬

‫السلسلة اجلديدة ـ العدد ( ‪ ) 87‬األول ‪2013 /‬‬

‫الطليعة‬

‫املحتويات‬
‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬
‫‰تطور حركة التحرر الوطني املعا�صرة ودور الطبقة العاملة ومهمة ال�شيوعيني‬
‫‰‬
‫‪ÓÓ‬بقلم‪ :‬خالد بكدا�ش (‪7....................................................................)1964‬‬
‫‰خطاب خالد بكدا�ش‪ :‬ال�شيوعيون وتاريخ العرب‬
‫‰‬
‫‪ÓÓ‬بقلم‪ :‬خالد بكدا�ش (‪33..................................................................)1938‬‬
‫‰العرب والثورة الفرن�سية‬
‫‰‬
‫‪ÓÓ‬بقلم‪ :‬خالد بكدا�ش (‪35..................................................................)1942‬‬
‫‰يف �سبيل اال�ستقالل واجلمهورية يف �سبيل الإ�صالح والدميقراطية وحتقيق مطالب ال�شعب‬
‫‰‬
‫‪ÓÓ‬بقلم‪ :‬خالد بكدا�ش (‪57..................................................................)1947‬‬

‫‪2‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ايوتحملا‬

‫‰ن�ضال ال�شعوب العربية يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل واحلرية ‪ ..‬جزء من ق�ضية ال�سالم‬
‫‰‬
‫والدميوقراطية يف العامل‬
‫‪ÓÓ‬بقلم‪ :‬خالد بكدا�ش (‪73..................................................................)1947‬‬

‫من الرتاث الثوري‬
‫‰يف معرتك الن�ضال‪� ..‬صفحات من مذكرات �أوهاني�س �أغبا�شيان (احللقة الثالثة )‬
‫‰‬
‫‪97............................................................................................... ÓÓ‬‬

‫وثائق حزبية‬
‫‰بالغ عن اجتماع اللجنة املركزية للحزب ال�شيوعي ال�سوري‬
‫‰‬
‫‪121.............................................................................................. ÓÓ‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪3‬‬

‫الطليعة‬

‫‪4‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫الذكرى املئوية‬
‫مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬
‫تطور حركة التحرر الوطني املعا�صرة‬
‫ودور الطبقة العاملة ومهمة ال�شيوعيني‬
‫(‪)1964‬‬
‫خطاب خالد بكدا�ش‪ :‬ال�شيوعيون وتاريخ‬
‫العرب (‪)1938‬‬
‫العرب والثورة الفرن�سية (‪)1942‬‬
‫يف �سبيل اال�ستقالل واجلمهورية يف �سبيل‬
‫الإ���ص�لاح والدميقراطية وحتقيق مطالب‬
‫ال�شعب (‪)1947‬‬
‫ن�ضال ال�شعوب العربية يف �سبيل اجلالء‬
‫واال�ستقالل واحل��ري��ة ‪ ..‬ج��زء م��ن ق�ضية‬
‫ال�سالم والدميوقراطية يف العامل (‪)1947‬‬

‫الطليعة‬

‫‪6‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬

‫تطور حركة التحرر الوطني املعا�صرة‬
‫ودور الطبقة العاملة ومهمة ال�شيوعيني‬
‫خالد بكدا�ش‬

‫كلمة خالد بكدا�ش يف الندوة العلمية العاملية التي ح�ضرها ممثلو‬
‫�أربعني بلد ًا يف العامل‪ ،‬والتي انعقدت يف برلني يف �أواخ��ر �أيلول عام‬
‫‪ /1964/‬مبنا�سبة الذكرى املئوية للأممية الأوىل بدعوة من جملة‬
‫«ق�ضايا ال�سلم واال�شرتاكية» ومن «احلزب اال�شرتاكي الأملاين املوحد»‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪7‬‬

‫الطليعة‬

‫‪8‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫�أيها الرفاق!‬
‫�إن تطور حركة التحرر الوطني ي�ضع با�ستمرار‪ ،‬على ب�ساط البحث ق�ضايا جديدة حول‬
‫تالحق مراحل احلركة وحول املحتوى االقت�صادي واالجتماعي للحركة يف خمتلف مراحلها‬
‫وحول دور خمتلف القوى االجتماعية يف كل مرحلة‪ ،‬وحول مكان هذه احلركة يف العملية‬
‫الثورية العاملية �أي حول ال�صلة بني هذه احلركة وبني املنظومة اال�شرتاكية العاملية وبينها‬
‫وبني حركة الطبقة العاملة يف البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة وغري ذلك من الق�ضايا الهامة‪.‬‬
‫�إن احلياة نف�سها ت�ضع هذه الق�ضايا ب�شكل جديد غري م�ألوف �سابق ًا فالبد للفكر‬
‫اال�شرتاكي العلمي‪ ،‬املارك�سي ـ اللينيني‪� ،‬أن يجابه هذا اجلديد بجر�أة و�شجاعة و�أن يجد له‬
‫احللول على نحو جديد �أي انطالق ًا من حتليل الواقع نف�سه حتلي ًال مو�ضوعياً‪ ،‬ال انطالق ًا من‬
‫العواطف والرغبات‪ ،‬وال انطالق ًا من ترديد �أفكار جتاوزها التطور نف�سه‪.‬‬
‫يقول مارك�س بو�ضوح كامل �إن اختبار �صحة فكرة ما ال يتحقق مبقارنتها بفكرة �أخرى‪،‬‬
‫بل مبقارنتها بالواقع‪ .‬ومعنى ذلك �أنه لأجل اختبار �صحة احللول التي ت�ستخل�صها اليوم‬
‫املارك�سية ـ اللينينية ملختلف ق�ضايا التطور الوطني ينبغي مقارنة هذه احللول بواقع‬
‫ع�صرنا‪ ،‬ال بحلول �أخرى كانت م�ألوفة قبل ثالثني �أو �أربعني عام ًا مثالً‪.‬‬
‫ومن �أهم الق�ضايا التي هي اليوم مو�ضع نقا�ش‪ ،‬ق�ضية دور الطبقة العاملة يف احلركة‬
‫الوطنية التحررية ويف تطورها احلا�ضر وامل�ستقبل‪ .‬قدمياً‪� ،‬أو بعبارة �أ�صح‪ ،‬قبل احلرب‬
‫العاملية الثانية‪ ،‬كان من امل�سلم به لدى املارك�سيني ـ اللينينيني �أن الثورة الوطنية التحررية‬
‫�ضد اال�ستعمار ال ميكن �أن تنت�صر‪ ،‬اي ال ميكن �أن تنتزع اال�ستقالل ال�سيا�سي لبلد ما �إال‬
‫بقيادة الطبقة العاملة يف هذا البلد لأن الربجوازية الوطنية قد �أفل�ست بوجه عام وبحكم‬
‫طبيعتها الإ�صالحية ال ميكنها �أن تذهب �إىل النهاية يف الن�ضال لأجل انتزاع اال�ستقالل‬
‫الوطني والتحرر من �سيطرة اال�ستعمار‪� ،‬أما الفئات املتو�سطة‪� ،‬أي خمتلف فئات الربجوازية‬
‫ال�صغرية يف املدينة والريف ومن جملتهم املثقفون فال ي�ستطيعون القيام ب�أي دور قيادي‬
‫يف حركة التحرر الوطني نظر ًا لطبيعتهم املرتجرجة املتقلبة ونظر ًا لفقدان املقومات التي‬
‫ت�سمح باعتبارهم طبقة لها م�صالح طبقية حمددة جتعلها �أه ًال لت�سلم مركز القيادة يف‬
‫حركة التحرر الوطني‪ .‬كانت الربجوازية الوطنية‪ ،‬قبل احل��رب العاملية الثانية تخ�شى‬
‫اال�ستعمار خ�شية �شديدة‪ ،‬وتقر ب�ضعفها ال�شديد �أمامه فكانت بوجه عام تبحث عن ت�سويات‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪9‬‬

‫الطليعة‬

‫معه ت�ؤدي �إىل م�ساهمتها يف احلكم وا�شرتاكها يف ا�ستثمار ال�سوق الداخلية‪� .‬أما بعد انت�صار‬
‫االحتاد ال�سوفييتي يف احلرب العاملية الثانية‪ ،‬وبروز املنظومة اال�شرتاكية العاملية وهبوط‬
‫هيبة اال�ستعمار هبوط ًا عاماً‪ ،‬فقد ازدادت الربجوازية الوطنية جر�أة‪ ،‬و�أخذت تطمح �إىل‬
‫اال�ستيالء على احلكم كام ًال يف بالدها‪ ،‬وبالتايل لعبت يف العديد من البلدان امل�ستعمرة‬
‫و�شبه امل�ستعمرة دور ًا قيادي ًا يف انت�صار الثورة الوطنية التحررية وانتزاع اال�ستقالل‬
‫الوطني‪ .‬ويف عدد من هذه البلدان لعبت الفئات املتو�سطة �أي�ض ًا من �ضباط ومثقفني‪� ،‬إما‬
‫دور ًا قيادي ًا يف احلركة التحررية منذ البداية (اجلزائر مثالً) و�إما يف �إجناز احلركة �ضد‬
‫اال�ستعمار التي كانت بد�أت بقيادة الربجوازية الوطنية (مث ًال م�صر)‪.‬‬
‫ويف كل الأحوال ف�إن الطبقة العاملة رغم م�ساهمتها البا�سلة يف حركة التحرر الوطني‬
‫يف معظم البلدان مل ت�ستطع �أن تلعب دور ًا قيادي ًا فيها‪.‬‬
‫وجتاه هذا الواقع ن�ش�أت �أفكار خاطئة من نوعني‪ :‬النوع الأول يتمثل يف �إغما�ض العني‬
‫عن الواقع و�إنكار كل انت�صار حلركة التحرر الوطني بقيادة الربجوازية الوطنية �أو الفئات‬
‫املتو�سطة‪ ،‬واعتبار اال�ستقالل ال�سيا�سي الذي حتقق �شيئ ًا �صوري ًا �شكلي ًا ال قيمة له ما دامت‬
‫الطبقة العاملة لي�ست هي التي ت�سلمت قيادة الن�ضال‪ ،‬والدعوة �إىل ثورة وطنية حتررية‬
‫«حقيقية» بقيادة الطبقة العاملة‪ ،‬و�أرباب التحجر العقائدي هم �أ�صحاب هذا النوع من‬
‫التفكري‪.‬‬
‫والنوع الثاين من الأفكار اخلاطئة يتمثل يف �إنكار �أي دور للطبقة العاملة يف تطور حركة‬
‫التحرر الوطني ويف ال�سري بها �إىل �أمام يف احلا�ضر وامل�ستقبل ما دامت الطبقة العاملة‬
‫مل ت�ستطع حتى الآن �أن تلعب دور ًا قيادي ًا يف معركة انتزاع اال�ستقالل ال�سيا�سي يف هذه‬
‫الأقطار‪ ،‬ومل ت�ستطع كذلك بعد انتزاع اال�ستقالل ال�سيا�سي �أن تلعب دور ًا قيادي ًا �أو حتى‬
‫دور ًا ملحوظ ًا يف تطور حركة التحرر الوطني �إىل �أمام‪� ،‬أي يف عملية حتول الثورة الوطنية‬
‫التحررية �إىل ثورة اجتماعية‪.‬‬
‫�إن �إنكار دور الطبقة العاملة يف تطور حركة التحرر الوطني ويف انتقالها من مرحلة‬
‫�إىل مرحلة �أعلى بلغ حد ًا غريب ًا يف بع�ض الأو�ساط‪ .‬فبما �أن الطبقة العاملة مل تلعب دور ًا‬
‫قيادي ًا يف حركة التحرر الوطني ومبا �أنه حدث فيما بعد �أن بع�ض التحوالت االجتماعية‬
‫واالقت�صادية التقدمية التي ميكن �أن تكون مرحلة انتقالية نحو بناء اال�شرتاكية والتي كان‬
‫‪10‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫من املفرو�ض ح�سب املفاهيم ال�سابقة �أن تقوم بها ديكتاتورية الربوليتاريا‪� ،‬أخذت تتحقق‬
‫عن طريق حكم وطني �شعبي لي�س قوامه ديكتاتورية الربوليتاريا �أي لي�س قوامه �سلطة‬
‫الطبقة العاملة املتحالفة مع جماهري الفالحني و�سائر ال�شغيلة‪ ،‬فقد �أخذ البع�ض مييلون‬
‫�إىل اال�ستنتاج ب�أن الطبقة العاملة يف البلدان املتحررة حديث ًا قد فقدت دورها نهائي ًا و�أن‬
‫االنتقال التام �إىل اال�شرتاكية ثم بناء اال�شرتاكية �سوف يتحقق متام ًا بهذه الأقطار لي�س ‬
‫بدون قيادة الطبقة العاملة فقط بل حتى بدون �أن يكون لها �أي دور هام �أو �أ�سا�سي يف هذه‬
‫العملية كلها‪.‬‬
‫يقول لينني يكفي للحط من قيمة فكرة ما‪ ،‬املغاالة فيها ودفعها �إىل درجة املحال وهذا‬
‫ما يجري �أحيان ًا خالل املحاوالت املبذولة لدر�س الطرق اجلديدة لل�سري نحو اال�شرتاكية يف‬
‫بع�ض البلدان املتحررة‪ .‬فيما �أن بع�ض التدابري التقدمية االقت�صادية واالجتماعية حدثت‬
‫ب�شكل جديد بقيادة فئات لي�ست بروليتارية‪ ،‬ي�سرع البع�ض �إىل مثل تلك اال�ستنتاجات حول‬
‫دور الطبقة العاملة وم�ستقبلها ويف ذلك خدمة كربى حلمالت �أتباع التحجر العقائدي‬
‫ورمبا كانت هذه الآراء اخلاطئة عن دور الطبقة العاملة‪ ،‬نا�شئة عن بع�ض البلبلة يف مفهوم‬
‫اال�شرتاكية نف�سه‪ .‬فهل �أن بع�ض التدابري التقدمية مثل الإ�صالح الزراعي (ولو كان غري‬
‫ج��ذري)‪ ،‬مع ت�أميم بع�ض البنوك وبع�ض ال�شركات الكربى وحتى ت�أميم جميع البنوك‬
‫وجميع ال�شركات الكربى‪ ،‬هل هذه التدابري تعني قيام النظام اال�شرتاكي‪ ،‬هل تعني قيام‬
‫اال�شرتاكية كما يدعي �أ�صحاب هذه التدابري �أنف�سهم؟ �أم �أنها لي�ست �سوى تدابري تقدمية‬
‫هامة ميكن ـ �أقول ـ ميكن ـ �أن تكون بداية املرحلة االنتقالية �إىل اال�شرتاكية �إذا توفرت‬
‫الظروف والعوامل الأخرى الالزمة لذلك؟‬
‫وهنا يربز �س�ؤال هام وهو‪ :‬هل �أن اال�شرتاكية كنظام اجتماعي‪ ،‬لها حمتوى معروف‬
‫وا�ضح بخطوطه العامة‪ ،‬ولكن الطريق �إليها يختلف يف كل بلد ح�سب خ�صائ�صه القومية؟‬
‫�أم �أن اال�شرتاكية نف�سها‪ ،‬كنظام اجتماعي‪� ،‬أ�صبح لها حمتوى خا�ص ح�سب كل بلد ويختلف‬
‫من بلد �إىل بلد؟ ‪ ..‬هذه ق�ضية هامة حتتاج فيما نعتقد‪� ،‬إىل بحث و�إي�ضاح بجهود م�شرتكة‬
‫وبو�ضوح و�صراحة‪.‬‬
‫ي�صف بالطوباوية كل ر�أي يقول ب�إمكان جتنب مرحلة‬
‫ُ‬
‫كان لينني قبل ث��ورة �أكتوبر‬
‫الر�أ�سمالية يف ال�سري نحو اال�شرتاكية‪ .‬ولكن بعد ثورة �أكتوبر‪ ،‬نّبي لينني �أن ب�إمكان الأقطار‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪11‬‬

‫الطليعة‬

‫املتخلفة‪ ،‬التي مل ت�صل بعد �إىل الر�أ�سمالية ولي�س فيها ال طبقة العاملة وال برجوازية �أن‬
‫تتجنب املرحلة الر�أ�سمالية و�أن تقفز من فوقها مبعونة البلد الذي انت�صرت فيه الربوليتاريا‬
‫وظفرت باحلكم‪ .‬وقد حتققت نبوءة لينني كما هو معروف بالن�سبة لعدد من �أقطار �آ�سيا‬
‫الداخلة �ضمن االحت��اد ال�سوفييتي �أو املتاخمة له‪ .‬وهذا ميكن �أن ي�صح اليوم بعد بروز‬
‫املنظومة اال�شرتاكية العاملية ومع تعاظم قوتها با�ستمرار بالن�سبة حتى لأقطار غري متاخمة‬
‫لالحتاد ال�سوفييتي‪.‬‬
‫ولكن ثمة �أقطار لي�ست الق�ضية فيها ق�ضية اجتناب مرحلة الر�أ�سمالية لأن الر�أ�سمالية‬
‫موجودة فيها‪ ،‬وفيها طبقة عاملة و�إن كانت على درج��ات متفاوتة من التطور العددي‬
‫وال�سيا�سي (مثالً‪ :‬م�صر‪ ،‬اجلزائر‪ ،‬الهند‪� ،‬سوريا‪ ،‬الخ)‪.‬‬
‫ويف ه��ذه الأق��ط��ار �أخ��ذت حركة التحرر الوطني تتخذ حمتوىً ج��دي��د ًا يندمج فيه‬
‫العداء لال�ستعمار بالعداء للر�أ�سمالية‪ ،‬وبعبارة �أخرى‪� ،‬أخذ التطور نف�سه يجعل الن�ضال‬
‫�ضد اال�ستعمار يولد الن�ضال �ضد الر�أ�سمالية �أو ي�صبح ن�ضا ًال �ضد الر�أ�سمالية‪ ،‬وهكذا‬
‫حتققت نبوءة لينني عندما قال ب�أن هذه ال�شعوب خالل ن�ضالها �ضد اال�ستعمار �ستندار �ضد‬
‫الر�أ�سمالية �أي�ضاً‪ .‬لقد �أخذ النزاع بني الطريق الر�أ�سمايل للتطور والطريق غري الر�أ�سمايل‬
‫للتطور ي�صبح املحتوى الرئي�سي الأ�سا�سي للن�ضال ال�سيا�سي القائم يف هذه البلدان‪.‬‬
‫ولكن بقي الن�ضال يف الأ�سا�س ن�ضا ًال �ضد اال�ستعمار مبعنى �أن الن�ضال �ضد الر�أ�سمالية‪،‬‬
‫عند الكثري من العنا�صر والفئات‪ ،‬مل يربز كعداء للر�أ�سمالية على �أ�سا�س طبقي كما هي‬
‫احلال مث ًال بالن�سبة للعمال بوجه عام‪ ،‬وخ�صو�ص ًا يف البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة‪ ،‬بل‬
‫برز العداء للر�أ�سمالية عند هذه العنا�صر كنتيجة ب�أن ترك احلبل على الغارب للتطور‬
‫الر�أ�سمايل والربجوازية الكربى لن ي�ؤدي �إىل تقدم البالد االقت�صادي كما �أنه �سي�ؤدي �إىل‬
‫عودة اال�ستعمار ب�أ�شكال جديدة وبالتايل يهدد اال�ستقالل ال�سيا�سي �أي�ضاً‪ .‬وهكذا برزت‬
‫لدى الكثري من الفئات والعنا�صر االجتاهات نحو اال�شرتاكية ال على �أ�سا�س طبقي بل على‬
‫�أ�سا�س وطني‪ ،‬على �أ�سا�س قومي �إذا �صح التعبري‪� ،‬أو بعبارة �أخرى‪ :‬نظر ًا ل�ضعف الربجوازية‬
‫الوطنية يف العديد من الأقطار‪ ،‬وعدم ا�ستطاعتها‪ ،‬بعد حتقيق اال�ستقالل ال�سيا�سي فر�ض ‬
‫هيمنتها الكاملة على جهاز الدولة وعجزها عن قمع احلركة ال�شعبية �أو حجزها يف نطاق‬
‫م�صاحلها الطبقية ونظر ًا لعدم بلوغ الطبقة العاملة امل�ستوى الالزم لت�سلم القيادة يف حركة‬
‫‪12‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫التحرر الوطني‪� ،‬أخذت العنا�صر والفئات املتو�سطة (ال�ضباط‪ ،‬املثقفون‪� ... ،‬إلخ) تربز‬
‫وتلعب دور ًا �أكرب ف�أكرب‪ ،‬و�أخذت يف الوقت نف�سه حتت دافع العداء لال�ستعمار واخل�شية من‬
‫عودته ب�شكل جديد وحتت دافع الرغبة يف التقدم االقت�صادي للبالد‪ ،‬تتجه نحو اال�شرتاكية‪.‬‬
‫وهذا الو�ضع مبجموعه هو الذي و�ضع ق�ضية دور الطبقة العاملة مو�ضع البحث‪ .‬اي �أن‬
‫ال�س�ؤال هو‪ :‬هل �سيبقى الدور القيادي يف مرحلة االنتقال �إىل اال�شرتاكية يف �أيدي الفئات‬
‫والعنا�صر املتو�سطة من ع�سكريني ومثقفني؟ وهل لن يكون للطبقة العاملة‪� ،‬إىل النهاية‪� ،‬أي‬
‫دور قيادي �أو حتى �أي دور هام؟ �أم �أن الطبقة العاملة‪ ،‬مع تطور البالد ومع تطور الو�ضع‬
‫الدويل‪� ،‬ستتطور حتم ًا عددي ًا و�سيا�سي ًا وتقرتب �أكرث ف�أكرث من الدور القيادي يف املجتمع؟‬
‫ال ريب �أن دور الطبقة العاملة العاملية‪ ،‬املتمثلة بوجه خا�ص يف املع�سكر اال�شرتاكي ويف‬
‫طليعته االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬هو دور كبري وي�صبح �أكرب ف�أكرب يف تطور الو�ضع الدويل كله ويف‬
‫تطور الو�ضع يف كل بلد‪ .‬وخط�أ القادة ال�صينيني هو �أن حتجرهم العقائدي يحجب عنهم‬
‫هذه احلقيقة‪.‬‬
‫ولكن الدور املتعاظم الذي ي�صبح حا�سماً‪ ،‬للمع�سكر اال�شرتاكي العاملي‪ ،‬ال ي�ؤدي كما‬
‫يعتقد البع�ض �إىل نفي دور الطبقة العاملة يف كل بلد �أو �إنقا�صه‪ ،‬بل �سي�ؤدي على العك�س‪ ،‬مع‬
‫التطور‪� ،‬إىل زيادة وتعاظم دور الطبقة العاملة يف كل بلد �أي�ضاً‪.‬‬
‫�إن ت�أثري العامل باال�شرتاكية ال يق�ضي على القوى التقدمية الداخلية ومن جملتها الطبقة‬
‫العاملة يف كل بلد بل يقويها �أكرث ف�أكرث خالل تقدم العملية الثورية العاملية مبجموعها‪.‬‬
‫وكل جناح للمقاومة النا�شئة يف الداخل (من قبل العنا�صر الرجعية) ويف اخلارج‬
‫(من جانب اال�ستعمار) �ضد تعاظم ال��دور ال�سيا�سي للطبقة العاملة و�سائر اجلماهري‬
‫الكادحة يف هذا البلد �أو ذاك يهدد طريق التطور غري الر�أ�سمايل يهدد اخلطوات الأولية‬
‫نحو اال�شرتاكية باالنتكا�س‪� ،‬أي يهدد بالعودة �إىل الطريق الر�أ�سمايل وبالتايل �إىل عودة‬
‫اال�ستعمار ب�أ�شكال جديدة‪.‬‬
‫�إن اللينينية ت�ؤكد واحلياة نف�سها تربهن �أن من ال�صعب بناء اال�شرتاكية باالعتماد على‬
‫جهاز الدولة البريوقراطي‪ ،‬و�إن من ال�صعب‪ ،‬دون �إطالق احلريات الدميقراطية لل�شعب‬
‫ودون االعتماد على املبادرة اخلالقة للجماهري‪ ،‬ال ال�سري فقط �إىل �أمام بل كذلك حماية‬
‫املنجزات التي حتققت و�صونها من م�ؤامرات الرجعية املدعومة من اال�ستعمار‪ .‬وينبغي‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪13‬‬

‫الطليعة‬

‫القول �إن ثمة �أقطار ًا تعلن عن طموحها �إىل اال�شرتاكية‪ ،‬ولكن ال يزال االعتماد فيها هو على‬
‫�أ�ساليب احلكم الفردي وعلى جهاز الدولة البريوقراطي‪ ،‬ويجري فيها كبت م�صطنع لقدرة‬
‫الطبقة العاملة ومباردتها اخلالقة‪ .‬ويكفي �أن تطلق احلريات الدميقراطية للعمال و�سائر‬
‫ال�شغيلة يف هذه الأقطار لكي يتبني مقدار الطاقة الهائلة التي ميكن �أن ت�ضعها الطبقة‬
‫العاملة يف خدمة ق�ضية والدة املجتمع اجلديد وبنائه‪ ،‬وبعبارة �أخرى‪ ،‬من اخلط�أ احلكم‬
‫على دور الطبقة العاملة و�إمكانياتها بوجه عام من خالل الو�ضع يف هذه الأقطار‪ .‬لأنه و�ضع‬
‫غري طبيعي وال ي�صلح متام ًا للتعميم‪ .‬وهو و�ضع ال ميكن �أن يدوم وم�صلحة الن�ضال �ضد‬
‫اال�ستعمار ويف �سبيل اال�شرتاكية تق�ضي على جميع القوى التقدمية املخل�صة يف هذه الأقطار‬
‫�أن تعجل باخلال�ص من هذه ال�سدود امل�صطنعة التي ال ميكن‪� ،‬إذا ا�ستمرت‪� ،‬إال �أن تنفجر‬
‫عاج ًال �أم �آج ًال بفعل قوانني التطور املو�ضوعي نف�سها‪.‬‬
‫ال ريب �أن من �أهم الظواهر يف ع�صرنا احلديث‪ ،‬انت�شار الأفكار اال�شرتاكية بني �أو�سع‬
‫اجلماهري ال�شعبية وكذلك بني فئات وعنا�صر تلعب دور ًا قيادي ًا يف حركة التحرر الوطني‪.‬‬
‫لقد �أخذت التحوالت االقت�صادية واالجتماعية ت�ؤلف املحتوى الرئي�سي حلركة التحرر‬
‫الوطني يف مرحلتها املعا�صرة‪ .‬وهذا الواقع جعل الكثري من القوميني املخل�صني يرون‬
‫بالتجربة �أن الطريق الوحيد لتحقيق هذه التحوالت هو طريق اال�شرتاكية‪ .‬وهكذا مل يعد‬
‫ال�شيوعيون هم وحدهم الذين يريدون اال�شرتاكية وينا�ضلون ب�إخال�ص يف �سبيلها‪.‬‬
‫ومن الوا�ضح �أن االجتاهات اال�شرتاكية لدى غري ال�شيوعيني بد�أت كاجتاهات غام�ضة‬
‫ج��داً‪ .‬ومبا �أنها برزت لدى حامليها يف البداية على �أ�سا�س قومي‪ ،‬ف�إنها بطبيعة احلال‬
‫كانت خالية تقريب ًا من اي حمتوى طبقي وا�ضح‪ ،‬وكان �أ�صحابها يف البداية ينكرون ن�ضال‬
‫الطبقات بل حتى وجود الطبقات‪ .‬ويف �أح�سن احلاالت كانوا يقولون �أن غايتهم �إذابة الفروق‬
‫بني الطبقات‪ .‬ورغم التقدم الذي وقع خالل الفرتة الوجيزة يف تفكريهم فال تزال لديهم‬
‫مفاهيم غام�ضة فمنهم مث ًال من يحاولون حتى الآن تق�سيم الر�أ�سمال �إىل نوعني‪ :‬ر�أ�سمال‬
‫م�ستغل ور�أ�سمال غري م�ستغل‪� ،‬أي �أنهم ال يدركون املفهوم العلمي للر�أ�سمال من حيث �أنه ال‬
‫ميكن �أن يكون �إال نتيجة اال�ستغالل وال ميكن �أن يوجد �إال على �أ�سا�س اال�ستغالل‪ .‬و�آخرون‬
‫ينكرون دور الطبقة العاملة اخلا�ص والرئي�سي يف بناء اال�شرتاكية‪ .‬وفريق ثالث ال يفرقون‬
‫بني التدابري امل�ؤدية �إىل بناء اال�شرتاكية والنظام اال�شرتاكي نف�سه فينعتون الو�ضع يف‬
‫‪14‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫بالدهم‪ ،‬وهو و�ضع ال يزال يتميز بغلبة عالقات الإنتاج الر�أ�سمالية يف احلياة االقت�صادية‬
‫وبانت�شار البطالة والفقر والأمية‪ ،‬ب�أنه و�ضع ا�شرتاكي �أو نظام ا�شرتاكي‪.‬‬
‫غري �أن وج��ود املع�سكر اال�شرتاكي و�إ�شعاع منجزاته االقت�صادية والعلمية والتطور‬
‫الداخلي نف�سه يف كل قطر‪ ،‬والن�شاط الكبري الذي بذله ويبذله ال�شيوعيون يف معظم البلدان‬
‫املتحررة لن�شر الأفكار املارك�سية ـ اللينينية‪ ،‬كل ذلك يدفع هذه االجتاهات اال�شرتاكية‬
‫املختلفة الغام�ضة نحو االقرتاب تدريجي ًا من مفاهيم اال�شرتاكية العلمية و�أخذت تكت�سب‬
‫حمتوىً طبقياً‪ .‬وهذه العملية ال تزال م�ستمرة ب�أ�شكال خمتلفة يف �شتى �أقطار �آ�سيا و�أفريقيا‪.‬‬
‫وق�ضية تطور هذه البلدان يف الطريق اال�شرتاكي وال�سري فيه �إىل النهاية مرتبط‬
‫ارتباط ًا ال ينف�صم بتقدم الأفكار اال�شرتاكية العلمية‪� ،‬أي املارك�سية ـ اللينينية يف هذه‬
‫الأقطار وحتولها �إىل الإيديولوجية ال�سائدة يف املجتمع‪.‬‬
‫هكذا �إذن �أكرث ف�أكرث تربز عنا�صر وفئات وتيارات �أخرى من غري ال�شيوعيني ال تطمح‬
‫فقط �إىل اال�شرتاكية ب�شكل غام�ض �أو عاطفي‪ ،‬بل تعتنق كذلك تدريجي ًا �إيديولوجية‬
‫اال�شرتاكية العلمية‪.‬‬
‫وهنا �أخذت تربز يف بع�ض �أو�ساط حركة التحرر الوطني وحتى التقدمية منها بل حتى‬
‫يف بع�ض الأو�ساط املارك�سية ـ اللينينية ت�سا�ؤالت حول دور ال�شيوعيني يف تطور حركة التحرر‬
‫الوطني بوجه عام ويف عملية تطور البلدان املتحررة يف الطريق غري الر�أ�سمايل بوجه‬
‫خا�ص‪ .‬وبلغ الأمر بالبع�ض حد امليل �إىل �إنكار �أي دور لل�شيوعيني وللأحزاب ال�شيوعية من‬
‫الأ�سا�س‪� .‬إن �أتباع التحجر العقائدي ينكرون يف الواقع �أي دور �إال لل�شيوعيني يف عملية ال�سري‬
‫نحو اال�شرتاكية‪ ،‬وهي وجهة نظر انعزالية خطرة‪ ،‬منف�صلة عن الواقع احلي وتهدد بعزل‬
‫ال�شيوعيني كما تهدد بعزل املع�سكر اال�شرتاكي عن حركة التحرر الوطني وبالتايل �إ�ضعاف‬
‫هذه احلركة‪ .‬غري �أن �إنكار دور ال�شيوعيني بتات ًا واملغاالة يف دور العنا�صر والتيارات الأخرى‬
‫اجلديدة الداعية �إىل اال�شرتاكية معناه الوقوع يف اجلانب الآخ��ر وهو كذلك ي���ؤدي �إىل‬
‫�إ�ضعاف حركة التحرر الوطني و�إىل ا�ستمرار الغمو�ض يف االجتاهات اال�شرتاكية الأخرى‪.‬‬
‫والواقع �أن و�ضع ال�س�ؤال على هذا ال�شكل �أي هل بقي لل�شيوعيني يف كل قطر دورهم �أم‬
‫ال مع ظهور االجتاهات اجلديدة نحو اال�شرتاكية؟ هو حتريف �ساطع للم�س�ألة‪.‬‬
‫فالق�ضية لي�ست ق�ضية نفي دور ال�شيوعيني �أو تثبيته بل هي ق�ضية كيفية توحيد جميع‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪15‬‬

‫الطليعة‬

‫التيارات واالجتاهات الطاحمة �إىل اال�شرتاكية واملنا�ضلة يف �سبيلها‪ ،‬مبن فيها بل ويف ر�أ�سها‬
‫ال�شيوعيون‪� .‬إن ال�شيوعيني هم احلاملون احلقيقيون احلازمون لإيديولوجية اال�شرتاكية‬
‫العلمية‪ .‬وقد قاموا على درجات خمتلفة بدور ال ينكر يف تطور حركة التحرر الوطني نف�سها‬
‫ويف ن�شر �أفكار اال�شرتاكية العلمية ويف و�ضع احللول احلقيقية املعقولة للمهمات االقت�صادية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬ويف الن�ضال من �أجل مطالب العمال والفالحني و�سائر جماهري الكادحني‪.‬‬
‫ووجود ال�شيوعيني �ضمن تيار التحرر التقدمي �ضمن التيار اال�شرتاكي يف كل بلد‪ ،‬تقت�ضيه‬
‫م�صلحة ال�شعب يف هذا البلد‪ ،‬تقت�ضيه م�صلحة االجتاهات اال�شرتاكية الأخرى‪ ،‬تقت�ضيه‬
‫م�صلحة عملية تطور هذا البلد يف طريق التحرر الوطني الكامل وطريق التقدم االقت�صادي‬
‫واالجتماعي‪� .‬أما ال�سعي لإخراجهم من ال�ساحة فهو مو�ضوعياً‪ ،‬يخدم م�صالح اال�ستعمار‬
‫اجلديد والرجعية وهو على ال�ضبط ما يريده ويعمل له اال�ستعمار اجلديد والرجعية‪.‬‬
‫�إن وجود ال�شيوعيني ون�شاطهم يف قلب العملية الثورية يف كل بلد‪ ،‬هو عامل من العوامل‬
‫الأ�سا�سية‪ ،‬و�شرط من ال�شروط الرئي�سية‪ ،‬القرتاب االجتاهات التقدمية الأخرى �أكرث ف�أكرث‬
‫من مفاهيم اال�شرتاكية العلمية و�سريها يف الطريق ال�صحيح‪.‬‬
‫الق�ضية �إذن هي ق�ضية جمع التيارات واالجتاهات التقدمية واال�شرتاكية وتوحيدها يف‬
‫كل بلد‪.‬‬
‫فكيف ميكن ذلك؟‬
‫هنا ال ميكن التعميم‪ .‬فالظروف يف كل بلد خمتلفة جداً‪ .‬و�سري التطور يدل على �أنها‬
‫تزداد اختالفاً‪� .‬إن اجلبهة الوطنية التقدمية يف �سبيل ال�سري بالثورة الوطنية الدميقراطية‬
‫�ضد اال�ستعمار والإقطاعية �إىل نهايتها‪ ،‬ويف �سبيل ال�سري نحو اال�شرتاكية‪ ،‬قد يتخذ يف‬
‫بلد من البلدان املتحررة حديث ًا �شكل حزب واحد يت�ألف من ممثلي جميع الفئات التي‬
‫تعتنق اال�شرتاكية وتعمل يف �سبيلها‪ .‬ولكن جتمع القوى املنا�ضلة �ضد اال�ستعمار والإقطاعية‬
‫ويف �سبيل التقدم االجتماعي‪ ،‬قد يتخذ‪ ،‬يف بلد �آخر �شكل جبهة وطنية تت�ألف من ممثلي‬
‫جميع الأحزاب والفئات والعنا�صر الوطنية التقدمية دون ا�ستثناء‪� :‬أي من ال�شيوعيني ومن‬
‫اال�شرتاكيني على اختالف ت�سمياتهم وكذلك من ممثلي الفئات التقدمية للربجوازية‬
‫الوطنية الذين ال يعادون اال�شرتاكية‪.‬‬
‫على �أنه يف قطر معني م�أخوذ لوحده‪ ،‬ال ميكن �أن يكون هناك‪ ،‬فيما نعتقد‪� ،‬شكل واحد‬
‫‪16‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫مقرر �سلف ًا وال رجوع عنه لتوحيد القوى واالجتاهات الداعية لال�شرتاكية‪ .‬ف�إن الو�ضع العام‬
‫خالل تطوره‪ ،‬ميكن �أن يتجاوز هذا ال�شكل �أو ذاك وي�ضع على ب�ساط البحث �شك ًال �آخر‬
‫جديد ًا كان يبدو قب ًال غري ممكن �أو غري مالئم‪.‬‬
‫فال ميكن �أن يقال �سلف ًا �أن هذا ال�شكل املحدد بذاته‪� ،‬سواء كان احلزب الواحد �أو‬
‫احلركة الواحدة �أو اجلبهة املوحدة هو ال�شكل املالئم لهذا البلد �أو ذاك وال �شكل غريه‪.‬‬
‫فالأو�ضاع تتطور ب�سرعة واملهم �أن يكون �شكل توحيد القوى التقدمية واال�شرتاكية مطابق ًا‬
‫للمعطيات احلقيقية الواقعية للو�ضع يف هذا البلد �أو ذاك خالل مرحلة معينة‪ ،‬فعلى هذا‬
‫الأ�سا�س فقط يكون توحيد القوى قاب ًال للحياة وحائز ًا على مقومات اال�ستمرار والتطور‪.‬‬
‫�إن �أي �شكل لتوحيد القوى التقدمية والداعية لال�شرتاكية لن يكتب له احلياة �إذا �سار‬
‫يف اجتاه ي�ؤدي �إىل طم�س الإيديولوجية اال�شرتاكية العلمية واالبتعاد عنها‪� ،‬إذا �سار يف اجتاه‬
‫يعوق �أو يعرقل الدور املوجه والقيادي للطبقة العاملة يف املجتمع‪.‬‬
‫�إن ب��روز الإيديولوجية اال�شرتاكية العلمية يف ك��ل بلد‪ ،‬وانت�شارها وتطورها �إىل‬
‫�إيديولوجية �سائدة يف املجتمع‪ ،‬هو �ضرورة تاريخية وما من قوة ميكن �أن حتول دون ذلك‪.‬‬
‫وقد خرجت هذه ال�ضرورة من نطاق البحث النظري وبرهنتها احلياة نف�سها خالل املائة‬
‫عام التي انق�ضت منذ ت�أ�سي�س الأممية الأوىل وحتى ثورة �أكتوبر اال�شرتاكية العظمى بقيت‬
‫هذه الإيديولوجية حم�صورة يف البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة‪ .‬وبعد ذلك جت��اوزت هذا‬
‫النطاق وانت�شرت تقريب ًا يف جميع البلدان امل�ستعمرة و�شبه امل�ستعمرة التي برزت فيها طبقة‬
‫عاملة‪� .‬أما بعد احلرب العاملية الثانية وبروز مع�سكر البلدان اال�شرتاكية‪ ،‬وتعاظم قوته‬
‫وخا�صة قوة طليعته االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬فقد انت�شرت اال�شرتاكية انت�شار ًا عظيم ًا و�شملت‬
‫جماهري جديدة غري بروليتارية ودخلت حتى البلدان التي مل تتكون فيها بعد طبقة عاملة‪.‬‬
‫قب ًال ‪ ..‬كانت الإيديولوجية القومية الربجوازية هي الإيديولوجية ال�سائدة‪� ،‬أو على الأقل‬
‫الغالبة‪ ،‬يف حركة التحرر الوطني‪� .‬أما اليوم ف�إن الإيديولوجية اال�شرتاكية هي التي ت�صبح‬
‫�أكرث ف�أكرث الإيديولوجية الغالبة يف حركة التحرر الوطني‪.‬‬
‫ورغم �أن االجتاهات اال�شرتاكية اجلديدة التي تنت�شر يف حركة التحرر الوطني ال تزال‬
‫حتمل �إىل جانب مفاهيم م�ستمدة من اال�شرتاكية العلمية‪ ،‬مفاهيم �أخرى طوباوية ودينية‬
‫قومية ف�إن هذا احلادث بذاته هو انت�صار كبري للمارك�سية ـ اللينينية البد من التنويه به يف‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪17‬‬

‫الطليعة‬

‫الذكرى املئوية للأممية الأوىل‪.‬‬
‫وكما �أن من �أكرب مهمات ال�شيوعيني يف البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة العمل يف �سبيل‬
‫وحدة جميع التيارات اال�شرتاكية يف قلب احلركة العمالية‪� ،‬إما ب�شكل جبهة موحدة ت�ضم‬
‫ال�شيوعيني واال�شرتاكيني‪� ،‬أو ب�شكل حزب واحد للطبقة العاملة‪ ،‬فكذلك �أ�صبح اليوم من‬
‫�أكرب مهمات ال�شيوعيني يف البلدان املتحررة حديث ًا العمل يف �سبيل وحدة جميع التيارات‬
‫واالجتاهات اال�شرتاكية يف قلب حركة التحرر الوطني‪.‬‬
‫وال حاجة �إىل التكلم هنا عن الفروق الكربى بني �أو�ضاع البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة‪،‬‬
‫و�أو�ضاع البلدان املتحررة حديث ًا بني حركة العمال يف الأوىل وحركة التحرر الوطني يف‬
‫الثانية‪ ،‬بني اال�شرتاكيني اليمينيني يف الأوىل و�أع��داء اال�شرتاكية من قوميني متطرفني‬
‫وغريهم يف الثانية ‪ ...‬ف�إن املقارنة بني مهمة ال�شيوعيني هنا وهناك فيما يت�صل يف العمل‬
‫من �أجل توحيد القوى الداعية �إىل اال�شرتاكية‪ ،‬هي مقارنة ال تتناول املحتوى حتى رمبا وال‬
‫ال�شكل (فهي هنا مث ًال مهمة توحيد قوى بروليتارية من حيث الأ�سا�س‪ ،‬بينما هي هناك‬
‫مهمة توحيد قوى غري بروليتارية من حيث الأ�سا�س ‪� ...‬إلخ)‪ .‬بل الغاية منها التنويه مبهمة‬
‫التوحيد بحد ذاتها من حيث �أنها مل تعد مو�ضوعة فقط �أمام كل ال�شيوعيني يف البلدان‬
‫الر�أ�سمالية املتقدمة‪ ،‬بل �صارت �أي�ض ًا مهمة ملحة �أمام ال�شيوعيني يف البلدان املتحررة‬
‫حديث ًا �أي�ضاً‪.‬‬
‫�إن �أو�ساط اال�ستعمار احلديث والرجعية الداخلية تبذل جهدها بوا�سطة �أ�ساليب‬
‫ال�ضغط والتهويل وال�شانتاج من �أجل �إبقاء ال�شيوعيني يف البلدان املتحررة خارج ال�ساحة‪،‬‬
‫من �أجل �إبعادهم عن كل �شكل من �أ�شكال اجلبهة املوحدة للقوى الوطنية والتقدمية‪ ،‬ذلك‬
‫لأن الإمربيالية بوجه عام‪ ،‬والإمربيالية الأمريكية بوجه خا�ص‪ ،‬حتى ولو مل ت�ستطع يف و�ضع‬
‫معني �أن حتول دون اجتاه بلد ما نحو طريق التطور اال�شرتاكي‪ ،‬فهي ال تتخلى عن الأمل يف‬
‫الو�صول �إىل م�آربها يف امل�ستقبل‪ ،‬فهي من جهة تبقي على عالقاتها االقت�صادية وال�سيا�سية‬
‫مع هذا البلد‪ ،‬ومن جهة �أخرى ت�ضغط بجميع الو�سائل لعزل ال�شيوعيني‪� ،‬أي �أنها ال تقطع‬
‫�أملها ب�أن تنجح يوم ًا يف �إعادة هذا البلد �إىل طريق التطور الر�أ�سمايل‪ ،‬وبالتايل �إىل حظرية‬
‫اال�ستعمار‪ ،‬ولكن ب�أ�شكال جديدة‪.‬‬
‫ويف اعتقادنا �أن املهمة على كل الأح��وال‪ ،‬بالن�سبة �إلينا‪ ،‬نحن ال�شيوعيني يف البلدان‬
‫‪18‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫املتحررة حديثاً‪ ،‬انتهاج �سيا�سة مرنة وبعيدة النظر ال ت�سمح لأو�ساط اال�ستعمار اجلديد‬
‫والرجعية الداخلية بتنفيذ خمططهم الرامي �إىل احل�ؤول دون قيام جبهة وطنية �شاملة‬
‫وا�سعة و�إىل �إخ��راج ال�شيوعيني من ال�ساحة ومنعهم من القيام بدورهم يف وحدة القوى‬
‫العاملة من �أجل اال�شرتاكية‪ ،‬هذه الوحدة التي البد منها لأجل االنتقال بالبالد �إىل طريق‬
‫التطور اال�شرتاكي‪.‬‬
‫وهنا يف هذا امليدان خطر جدي ينبغي االنتباه له‪ ،‬وم�صدره ن�شاط �أرب��اب التجمد‬
‫العقائدي‪ ،‬ذلك لأنهم ينكرون االجتاهات اال�شرتاكية الأخرى‪ ،‬غري ال�شيوعية‪ ،‬يف حركة‬
‫التحرر الوطني وي�سمونها كلها دون ا�ستثناء‪ ،‬ب�أنها دمياغوجية ال �أكرث‪ .‬وهكذا يدغدغون‬
‫م�شاعر الزهو واالعتداد بالنف�س لدى ال�شيوعيني ويقولون لهم‪« :‬مهما كان و�ضعكم ومهما‬
‫كانت قوتكم‪ ،‬كبرية �أو �صغرية‪ ،‬ف�إن امل�ستقبل لكم على كل الأحوال‪� ،‬أما الآخرون فلي�سوا‬
‫�سوى �أدعياء اال�شرتاكية ‪� ...‬إلخ) ‪ ..‬وهكذا يدفعون ال�شيوعيني �إىل االنطواء على النف�س ‬
‫و�إىل العزلة عن االجتاهات اال�شرتاكية الأخرى‪ .‬وهذا االجتاه ينطبق مو�ضوعي ًا مع االجتاه‬
‫الذي �أ�شرنا �إلية �آنف ًا والذي تعمل يف �سبيله �أو�ساط اال�ستعمار احلديث والرجعية الداخلية‪.‬‬
‫غري �أن �أرباب التجمد العقائدي يتبعون يف هذا امليدان �أي�ض ًا �سيا�سة ال مبدئية فهم �إذا‬
‫كانوا هنا يدعون ال�شيوعيني �إىل االنطواء على النف�س و�إىل حماربة االجتاهات اال�شرتاكية‬
‫الأخرى‪ ،‬ف�إن ذلك ال مينعهم �أن ي�سعوا يف الوقت نف�سه �إىل التقرب من �أ�صحاب االجتاهات‬
‫اال�شرتاكية الأخ��رى �أو حتى من القوميني املتطرفني الذين يدعون اال�شرتاكية مع �أنهم‬
‫�أعدا�ؤها ويحاولون دفعهم �إىل �إبعاد ال�شيوعيني �أو حتى �إىل حماربتهم �إذا كان ه�ؤالء‬
‫ال�شيوعيني ال يعرتفون بزعامة املتحجرين �أو �إذا كانوا يتخذون الت�ضامن وال�صداقة مع‬
‫احلزب ال�شيوعي ال�سوفييتي والأحزاب املارك�سية ـ اللينينية ال�شقيقة الأخرى‪.‬‬
‫�إن ق�ضية توحيد التيارات واالجتاهات اال�شرتاكية والتقدمية هي مهمة كربى �أمامنا‬
‫جميع ًا نحن ال�شيوعيني يف البلدان املتحررة حديث ًا ومن �أجل الو�صول �إىل حل �صحيح لهذه‬
‫الق�ضية ينبغي من جهة عدم اعتبار �صفة ال�شيوعية �أي حمل ا�سم ال�شيوعي مهما كان ذلك‬
‫�شرف ًا عظيماً‪ ،‬لقب ًا كافي ًا لوحده من �أجل القيام بدور قيادي �أو هام يف العملية الثورية التي‬
‫ت�سري �سري ًا عا�صف ًا والتي مل تعد تنتظر‪ ،‬بل النظر �إىل املعطيات الواقعية للو�ضع واتخاذ‬
‫القرارات املالئمة على �أ�سا�سها‪ ،‬وينبغي من جهة �أخ��رى عدم الوقوع يف الطرف الآخر‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪19‬‬

‫الطليعة‬

‫�أي طم�س دور ال�شيوعيني ب�إغما�ض العني عن مواقعهم احلا�ضرة و�إمكانياتهم وما�ضيهم‬
‫وحا�ضرهم‪ ،‬وبالتايل اتخاذ القرارات و�إيجاد احللول ال انطالق ًا من املعطيات الواقعية يف‬
‫كل بلد‪ ،‬بل فقط من اعتبارات تكتيكية تتعلق بالو�ضع الداخلي �أو بالو�ضع الدويل‪ .‬فكما �أن‬
‫االجتاه الأول يعرب عن الغرور واالعتداد بالنف�س ف�إن هذا االجتاه الثاين يعرب عن فقدان‬
‫الثقة بالنف�س ويدفع �إىل تثبيط الهمم وزرع الي�أ�س وخيبة الأمل يف نفو�س ال�شيوعيني‪ .‬ويف‬
‫احلالني ال ي�ستفيد من الو�ضع �إال �أرباب التجمد العقائدي‪.‬‬
‫*****‬

‫ثمة ق�ضية هامة �أ�صبحت مو�ضع جدل وا�سع هي ق�ضية العالقات بني تطور حركة‬
‫التحرر الوطني وبني تطور املباراة االقت�صادية ال�سلمية بني النظامني العامليني اال�شرتاكي‬
‫والر�أ�سمايل‪� ،‬أو بعبارة �أخرى ق�ضية العالقة بني التطور الالحق للبلدان املتحررة حديث ًا وبني‬
‫�سعي بلدان املع�سكر اال�شرتاكي �إىل التفوق اقت�صادي ًا على البلدان الر�أ�سمالية املتقدمة‪.‬‬
‫�إن �أتباع التجمد العقائدي يحاولون‪ ،‬كما هو معروف تق�سيم العامل لي�س على �أ�سا�س ‬
‫طبقي‪� ،‬أي لي�س على �أ�سا�س النظام االجتماعي ال�سائد يف هذا القطر �أو ذاك‪ ،‬بل على‬
‫�أ�سا�س م�ستوى الإنتاج يف كل قطر‪ ،‬فيقولون �أن ثمة بلدان ًا فقرية وبلدان ًا غنية‪ .‬ويح�شرون يف‬
‫ال�صنف الأول جميع بلدان �آ�سيا و�أفريقيا و�أمريكا الالتينية ب�صرف النظر عن نظام احلكم‬
‫فيها‪� ،‬أي ي�ضعون ال�صني وكوريا ال�شمالية وفيتنام التي تقوم فيها ديكتاتورية الربوليتاريا‪،‬‬
‫وم�صر واجلزائر وغانا وبورما التي تقوم فيها �أنظمة حكم جديدة لي�ست ال ديكتاتورية‬
‫الربوليتاريا وال ديكتاتورية الربجوازية‪ ،‬وبلدان ًا �أخرى كالهند التي فيها حكم الربجوازية‬
‫الوطنية الكربى‪ ،‬والباك�ستان التي فيها حكم موال لال�ستعمار‪ ،‬وغريها‪ ،‬جميع هذه البلدان‬
‫ي�ضعونها يف كي�س واحد وي�سمونها البلدان الفقرية �أما يف ال�صنف الثاين فيح�شرون جميع‬
‫البلدان املتطورة كذلك ب�صرف النظر عن نظامها االجتماعي‪� ،‬أي يح�شرون يف ال�صنف‬
‫الثاين �أمريكا و�إنكلرتا وفرن�سا واالحتاد ال�سوفييتي وت�شيكو�سلوفاكيا وغريها‪� ،‬أي جميع‬
‫البلدان املتقدمة �سواء كانت ر�أ�سمالية ا�ستعمارية �أو ا�شرتاكية وي�سمونها جميعها البلدان‬
‫الغنية‪.‬‬
‫ويكفي هنا �أن نالحظ �أن هذا الت�صنيف ينطبق تقريب ًا متام ًا على الت�صنيف الذي‬
‫ي�ضعه لأقطار العامل مفكرو اال�ستعمار احلديث �أمثال (رو�ستوف) م�ست�شار البيت البي�ض ‬
‫‪20‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫ييعويشلا ةمهمو ةلماعلا ةقبطلا رودو ةرصاعملا ينطولا ررحتلا ةكرح روطت‬

‫الذي يعمد يف كتابه «مراحل النمو االقت�صادي» �إىل ت�صنيف �أقطار العامل فقط من ناحية‬
‫امل�ستوى الذي بلغته يف الإنتاج واال�ستهالك‪ .‬ولي�س من الغريب �أن نرى االجتاهني يلتقيان‬
‫يف التحليل الأخري‪ ،‬ف�إن رو�ستوف يخل�ص من درا�سته �إىل اال�ستنتاج ب�أن �أخطر �شيء على‬
‫ما ي�سميه بـ «العامل احلر» هو ات�ساع ال�صالت بني البلدان الطاحمة �إىل النمو (�أي البلدان‬
‫املتحررة حديثاً) وبني املع�سكر اال�شرتاكي‪� ،‬أي �أنه يدعو �إىل ال�سعي للف�صل وتعميق ال�شقة‬
‫بني البلدان املتحررة وبني املع�سكر اال�شرتاكي وكذلك �أرباب التجمد العقائدي يخل�صون من‬
‫ت�صنيفهم املذكور �إىل اال�ستنتاج ب�أن م�صالح البلدان الفقرية متعار�ضة مع م�صالح جميع‬
‫البلدان الغنية مبا فيها البلدان اال�شرتاكية‪ ،‬ويف ذلك دعوة �صريحة �إىل الف�صل وتعميق‬
‫ال�شقة بني بلدان �آ�سيا و�أفريقيا و�أمريكا الالتينية وبني البلدان اال�شرتاكية وخ�صو�ص ًا‬
‫االحتاد ال�سوفييتي‪.‬‬
‫وهذا الت�صنيف الال مارك�سي لبلدان العامل تتبعه‪ ،‬لدى �أرب��اب التجمد العقائدي‪،‬‬
‫دعوة البلدان املتحررة حديث ًا �إىل التنكر للبلدان اال�شرتاكية املتقدمة وخ�صو�ص ًا لالحتاد‬
‫ال�سوفييتي بحجة �أن هذه البلدان من�صرفة فقط �إىل رفع م�ستوى الإنتاج لديها و�إىل زيادة‬
‫رفاهها فهي ال تعنى �إال مب�صاحلها الأنانية‪ ،‬وبالتايل ال تتفهم حاجات و�أم��اين ال�شعوب‬
‫الفقرية املتخلفة وال تهتم بها‪.‬‬
‫�إن وقائع كثرية و�إح�صاءات كثرية دقيقة تدح�ض طبع ًا هذا االدع��اء‪ .‬ف�إن امل�شاريع‬
‫العظيمة كال�سد العايل يف م�صر ومعامل بهيالي يف الهند وم�شروع ال�سكك احلديدية يف‬
‫�سورية ومئات امل�شاريع التي بنيت وتبنى مبعونة االحتاد ال�سوفييتي يف البلدان اال�شرتاكية‬
‫الآ�سيوية ويف العديد من البلدان املتحررة حديث ًا يف �آ�سيا و�أفريقيا‪ ،‬جميعها دالئل مفحمة‬
‫على املعونة العظيمة التي يبذلها االحتاد ال�سوفييتي وغريه من البلدان اال�شرتاكية لل�شعوب‬
‫الطاحمة �إىل بناء اقت�صادها الوطني امل�ستقل‪ .‬فما هو املعنى احلقيقي لهذه املحاوالت‬
‫الرامية �إىل حتوير الوقائع وطم�س احلقيقة على هذا ال�شكل؟‬
‫�إن النتيجة احلتمية ملثل هذا املحاوالت‪ ،‬مهما كانت نية القائمني بها‪ ،‬هي ما يلي‪:‬‬
‫يجب على االحتاد ال�سوفييتي وغريه من البلدان اال�شرتاكية املتقدمة �أن توقف تطورها‬
‫االقت�صادي و�سريها �إىل �أمام و�أن متركز جهودها وو�سائلها على تطور البلدان املتخلفة‬
‫الأخرى‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪21‬‬

‫الطليعة‬

‫�إن هذا الكالم من �ش�أنه طبع ًا �أن يدغدغ امل�شاعر القومية يف البلدان املتخلفة وظاهره‬
‫ينم عن العطف على هذه البلدان‪ .‬ولكنه يف الواقع موقف غري �صحيح وهو ي���ؤدي �إىل‬
‫�أفدح الأخطار ال على البلدان اال�شرتاكية وحدها بل على جميع البلدان املتحررة حديث ًا‬
‫نف�سها‪ .‬ف�إن م�صلحة التطور االقت�صادي للبلدان املتحررة هي �أن يزداد املع�سكر اال�شرتاكي‬
‫وخ�صو�ص ًا طليعته وقوته الرئي�سية االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬قوة يف جميع امليادين وخ�صو�ص ًا يف‬
‫ميدان الإنتاج االقت�صادي‪.‬‬
‫�إن املنظومة اال�شرتاكية تنتج اليوم حوايل الأربعني باملئة من الإنتاج العاملي مبجموعه‬
‫ومع ذلك تقدم هذه امل�ساعدات الكربى للبلدان املتحررة حديثاً‪ ،‬فكيف تكون احلال �إذا بلغ‬
‫�إنتاج املنظومة اال�شرتاكية �سبعني باملئة �أو �أكرث مثالً؟ �أية معونة �ضخمة ت�ستطيع �أن تقدمها‬
‫عندئذ للبلدان املتحررة العاملة يف �سبيل بناء اقت�صادها الوطني امل�ستقل‪.‬‬
‫�إن م�صري البلدان املتحررة حديث ًا مرتبط ب�شكل ال ينف�صم مب�صري املباراة االقت�صادية‬
‫ال�سلمية القائمة بني النظامني اال�شرتاكي والر�أ�سمايل‪� .‬إن العديد من البلدان املتحررة‬
‫بد�أت الن�ضال عملي ًا يف �سبيل ال�سري يف طريق التطور غري الر�أ�سمايل الذي يجب �أن ي�ؤدي‬
‫�إىل الطريق اال�شرتاكي للتطور‪ .‬ال�س�ؤال املو�ضوع الآن يف هذه البلدان هو‪ :‬ملن �ستكون الغلبة؟‬
‫للطريق الر�أ�سمايل الذي تدعمه قوى الت�أخر والذي �سي�ؤدي �إىل عودة اال�ستعمار ب�أ�شكال‬
‫جديدة‪� ،‬أم للطريق غري الر�أ�سمايل الذي تدعمه اجلماهري ال�شعبية والذي �سي�ؤدي �إىل‬
‫اال�شرتاكية‪� ،‬أي �إىل �صون اال�ستقالل وتوطيده نهائي ًا وي�سد الطريق �إىل الأبد �أمام عودة‬
‫اال�ستعمار ب�أي �شكل كان‪.‬‬
‫واجلواب على هذا ال�س�ؤال يتوقف لي�س فقط على وحدة القوى التقدمية يف الداخل‬
‫وعلى مبادرة اجلماهري ال�شعبية املتمتعة بحرياتها الدميقراطية‪ ،‬وعلى مقدار م�ساهمتها‬
‫يف حتقيق التدابري االقت�صادية واالجتماعية اجلارية‪ ،‬بل يتوقف كذلك على اجلواب على‬
‫�س�ؤال‪ :‬ملن �ستكون الغلبة يف امليدان العاملي؟ هل �ستكون الغلبة للنظام اال�شرتاكي �أم للنظام‬
‫الر�أ�سمايل يف املباراة االقت�صادية القائمة بينهما يف ظروف ال�سلم والتعاي�ش ال�سلمي؟‬
‫�إن الوطنية ال�صحيحة‪ ،‬الوطنية الواعية‪ ،‬والأممية ال�صحيحة‪ ،‬الأممية الربوليتارية‪،‬‬
‫متتزجان امتزاج ًا ع�ضوي ًا يف دعم امل�ساعي التي يبذلها النظام اال�شرتاكي العاملي وطليعته‬
‫االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬لإحراز الن�صر والغلبة يف املباراة االقت�صادية ال�سلمية بينه وبني النظام‬
‫الر�أ�سمايل العاملي‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬

‫خطاب خالد بكدا�ش‪ :‬ال�شيوعيون وتاريخ‬
‫العرب‬
‫خالد بكدا�ش‬

‫ن�ص اخلطاب ال��ذي �ألقاه خالد بكدا�ش‪ ،‬ال�سكرتري العام للحزب‬
‫ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬يف االجتماع ال��ذي عقد مبكتب احل��زب ال�شيوعي‬
‫بدم�شق يف م�ساء ‪ /23/‬متوز �سنة ‪ /1938/‬لالحتفال بذكرى مي�سلون‪.‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪23‬‬

‫الطليعة‬

‫‪24‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫يف مثل هذا اليوم منذ ثمانية ع�شر عاماً‪ ،‬اكت�سحت بالدنا جيو�ش اال�ستعمار الفرن�سي‬
‫غازية فاحتة‪ ،‬فقام ال�شعب العربي يف �سورية وزحف �إىل مي�سلون مدافع ًا بال�سالح عن وطنه‬
‫و�أر�ض �آبائه و�أجداده‪.‬‬
‫وكان للم�ستعمرين �إذ ذاك الن�صر على �شعبنا الذي اندحر بالرغم من ا�ستب�ساله‬
‫وا�ستماتته �أمام تفوق العدو بالعَدد والعُدد والو�سائل احلربية‪.‬‬
‫ولكن العرب يف كل �سورية‪ ،‬من �أق�صاها �إىل �أق�صاها‪ ،‬مل يحنوا رقابهم بل وقفوا‬
‫�صائحني‪:‬‬
‫«�إن اندحار �شعبنا يف مي�سلون هو اندحار م�ؤقت‪ ،‬وانت�صار امل�ستعمرين انت�صار م�ؤقت‬
‫�أي�ضاً‪ ،‬والبد �أن ي�أتي يوم نربهن فيه للعامل �أن الدماء التي �صبغت هذه الروابي واله�ضاب‬
‫مل تذهب هدر ًا بل تركت وراءها �شعب ًا يزداد كل يوم وعي ًا وت�ضامن ًا ومت�سك ًا بقوميته العربية‬
‫وحريته وا�ستقالله»‪.‬‬
‫هذا ما قاله �شعبنا العربي يف �سورية بعد مي�سلون!‬

‫من يو�سف العظمة �إىل �أحمد مريود �إىل هنانو ‪...‬‬

‫وم�ضت ثمانية ع�شر عام ًا ‪ ..‬فربهنت على �أن �شعبنا الأبيّ كان جاد ًا فيما يقول‪ .‬فقد‬
‫تابع ن�ضاله العنيد‪ ،‬و�سجل تاريخه عام ًا خالد ًا هو عام ‪ ،/1925/‬و�أيام ًا �أخرى جميدة‬
‫�أ�ضيفت �إىل يوم مي�سلون‪ ،‬و�أ�سماء جديدة مثل �أحمد مريود وح�سن اخلراط و�إبراهيم هنانو‬
‫وغريها من الأ�سماء التي �أ�ضيفت مبداد الفخر يف تاريخ العرب �إىل جانب ا�سم يو�سف‬
‫العظمة بطل مي�سلون اخلالد‪.‬‬
‫و�إذا كنا نحن ال�شيوعيني اجتمعنا اليوم لنحتفل بذكرى مي�سلون فلم جنتمع لن�أ�سف‪،‬‬
‫وال لنبكي‪ ،‬بل لنجدد العهد على �أنف�سنا ب�أننا لن تفرت لنا همة ولن يهد�أ لنا بال‪ ،‬حتى نرى‬
‫�سورية العربية‪ ،‬ولبنان العربي‪ ،‬وفل�سطني العربية‪ ،‬والعراق العربي‪ ،‬وكل بالد العرب حرة‬
‫مت�ضامنة مت�آخية‪ ،‬يرفرف عليها علم احلرية واال�ستقالل‪.‬‬
‫ويف هذا اليوم العظيم يرفع حزبنا ال�شيوعي جبهته �أمام طغاة املال واال�ستعمار‪ ،‬من‬
‫فرن�سيني و�إنكليز‪ ،‬وي�صيح بهم‪:‬‬
‫«�إن بالدنا التي �أخذت تتن�سم بع�ض ن�سمات احلرية بعد �أن انتزعت املعاهدة بن�ضالها‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪25‬‬

‫الطليعة‬

‫اجلبار‪ ،‬وبت�أييد اجلماهري العاملة الفرن�سية‪ ،‬وعلى ر�أ�سها احلزب ال�شيوعي الفرن�سي‪� ،‬أقول‬
‫�إن بالدنا التي �أخذت تتن�سم بع�ض ن�سمات احلرية‪ ،‬لن تتخلى عنها بال�سهولة التي يعتقدها‬
‫طغاة اال�ستعمار بل �ستعمل للمحافظة عليها وتو�سيعها وو�ضعها على �أ�س�س ثابتة‪ ،‬بل هي‬
‫م�ستعدة �أن ت�سجل يف �سبيل هذه احلرية �أيام ًا جديدة ال تقل عن يوم مي�سلون‪ ،‬و�أ�سماء‬
‫جديدة ت�أخذ مكانها يف التاريخ �إىل جانب �أ�سماء يو�سف العظمة و�أحمد مريود‪ ،‬وح�سن‬
‫اخلراط و�إبراهيم هنانو»‪.‬‬
‫ـ �إمياننا را�سخ بقوة �شعبنا العربي ‪...‬‬
‫�أجل! نحن ال�شيوعيني الذين ن�ش�أنا من �صميم ن�ضال ال�شعب العربي البا�سل يف �سبيل‬
‫ا�ستقالله وحرياته‪ ،‬نح�س يف قلوبنا �إميان ًا را�سخ ًا بقوة �شعبنا وكفاءته على بلوغ �أمانيه‬
‫القومية والدميقراطية! نح�س يف قلوبنا ثقة مطلقة ب�أن بالدنا البد �أن يرفرف فوقها علم‬
‫اال�ستقالل‪ ،‬والب��د �أن تبلغ �أمنيتها يف الو�صول �إىل نظام وطني �صحيح ي�ضمن احلرية‬
‫والثقافة واخلبز جلميع �أبنائها!‬
‫هذا كالم ن�سوّقه لأولئك الذين فقدوا ثقتهم ب�شعبهم وبقوميتهم وبحيوية �أمتهم فيقبعون‬
‫حاملني وينتظرون �أن ي�أتيهم الفرج من حرب ا�ستعمارية جديدة يظنونها ال�سبيل الوحيد‬
‫للخال�ص وهم لو نظروا �إىل تاريخ �أمتنا العربية نف�سها‪ ،‬لر�أوا ب�أن الآمال التي يعقدونها على‬
‫بع�ض امل�ستعمرين �آمال خائبة ‪ ..‬فلو كان يف ا�ستطاعة �إحدى الأمم �أن تعتمد يف الن�ضال‬
‫لأجل ا�ستقاللها على ح�سن نية طغاة اال�ستعمار �إذ ًا ملا وقع يو�سف العظمة يف الن�ضال �ضد‬
‫نف�س �أولئك امل�ستعمرين الذين وعدوا العرب يف احلرب العامة با�ستقاللهم‪ ،‬ومل يحملوا‬
‫�إليهم بعد هذه احلرب �إال التجزئة واال�ستعباد على ر�ؤو�س احلراب و�أفواه املدافع!‬
‫�أما نحن ال�شيوعيني فنحذر �أمتنا من الوقوع بني براثن طغاة اال�ستعمار فرن�سيني كانوا‬
‫�أو �أتراك ًا �أو �إنكليز �أو طليان �أو �أملان! ونحذر العرب جميع ًا من �أن تنطلي عليهم �أالعيب الدول‬
‫اال�ستعمارية ووعودها ونقول بكل �صراحة دون �أن نخ�شى �إغ�ضاب �أحد �أو نرمي �إىل �إر�ضاء‬
‫�أحد‪� ،‬إننا ال يجب �أن نعتمد �إال على قوة �شعبنا‪ ،‬قوة عمالنا وفالحينا و�صناعنا ومثقفينا‬
‫وجتارنا‪� .‬أما الت�أييد لن�ضالنا القومي اال�ستقاليل فال ننتظره من امل�ستعمرين الأجانب‪،‬‬
‫كيفما كانوا‪ ،‬بل من ال�شعوب املنا�ضلة مثلنا يف �سبيل حريتها و�سعادة وطنها وخبزها‪.‬‬
‫ال ننتظر الت�أييد من طغاة املال الإفرن�سيني �أو غريهم‪ ،‬بل من ال�شعب الفرن�سي وغريه‬
‫‪26‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫من ال�شعوب بعمالها وفالحيها ومثقفيها و�أحرارها!‬
‫�أجل! يجب �أن نعتمد قبل كل �شيء على قوة �شعبنا العربي‪ ،‬ولكن حتى تكون هذه القوة‬
‫فعالة‪ ،‬وحتى ترتاجع �أمامها موجات اال�ستعمار‪ ،‬يجب �أن تكون مرتا�صة مت�ضامنة موحدة‪،‬‬
‫كما كانت يف مي�سلون‪ ،‬ويف عام ‪ ،/1925/‬ويف الإ�ضراب اخلم�سيني العظيم! يجب �أن تكون‬
‫�صفوفنا الوطنية موحدة‪ ،‬وقد دعا حزبنا ال�شيوعي �إىل ذلك ونا�ضل يف �سبيله دون كلل يف‬
‫�شتى الظروف والأحوال‪ ،‬و�سيدعو �إىل ذلك وينا�ضل يف �سبيله بدون كلل‪ ،‬ونحن واثقون من‬
‫بلوغ االنت�صار يف بلوغ هذه الأمنية الوطنية الكربى‪.‬‬

‫ن�ستمد قوتنا و�سيا�ستنا من تاريخنا العربي ‪...‬‬

‫ومن �أين يجب �أن ي�ستمد �شعبنا قوته وحما�سه �أي�ضاً؟!‪.‬‬
‫نحن ال�شيوعيني الذين يتهمنا البع�ض ب�إنكار املا�ضي‪ ،‬بل ب�إنكار كل �شيء‪ ،‬وال ي�ستحون‬
‫من القول ب�أننا «عمالء مو�سكو!» وغايتهم �أن يبعدونا عن احلركة الوطنية العربية لأننا‬
‫�سنقف مانع ًا دون ا�ستغاللهم هذه احلركة الكربى يف �سبيل منافعهم وغاياتهم‪� ،‬أقول نحن‬
‫ال�شيوعيني بالرغم من التهم املختلفة نقول كما قلنا دائماً‪ ،‬ب�أننا ال نكتفي باالفتخار والتغني‬
‫مبا يف تاريخ العرب من �إرث �شريف خالد‪ ،‬وتقاليد �إن�سانية ثائرة على الظلم‪ ،‬ومعارف‬
‫وعلوم و�أدب‪ ،‬بل �إننا ن�ستمد من هذا الإرث ومن هذه التقاليد وهذه املعارف قوة ودرو�س ًا لنا‬
‫ال يف ن�ضالنا لأجل مطالب �شعبنا االقت�صادية و�أماين بالدنا الوطنية احلالية فقط‪ ،‬بل حتى‬
‫يف ن�ضالنا لأجل مثلنا الإن�ساين الأعلى الذي كنا و�سنبقى �أمناء له �أوفياء!‬
‫ونحن �إذ ن�سعى لهذا املثل الأعلى‪� ،‬إمنا نريد �أن ي�سود بني العرب العدل والإخاء الذي‬
‫ينطبق على جوهر كل الأديان‪ ،‬فيعي�ش النا�س جميع ًا بعدل وتعاون و «لي�س للإن�سان �إال ما‬
‫�سعى» ونحن �إذا كنا نريد حتقيق احلرية التامة ف�إمنا نتمثل بقول اخلليفة الكبري عمر بن‬
‫اخلطاب عند ما قال‪ :‬متى ا�ستعبدمت النا�س وقد ولدتهم �أمهاتهم �أحراراً؟! (ت�صفيق)‪..‬‬
‫وهذا املجتمع الذي نرمي �إليه حلمت به �أي�ض ًا �أدمغة �أح�سن فال�سفة العرب و�شعرائهم‪،‬‬
‫فنحن ن�سعى على ا�صول علمية �صحيحة �إىل حتقيق ما حلم به الفارابي يف مدينته الفا�ضلة‪،‬‬
‫كما نرمي �إىل حمو هذا الظلم الذي كر�س �أبو العالء املعري كل حياته لإظهار مفا�سده‬
‫واحلملة عليه!‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪27‬‬

‫الطليعة‬

‫بل نحن يف �سيا�ستنا املحلية ن�ستوحي كل املطاليب الوطنية والإ�صالحات ال�شعبية التي‬
‫ندعو �إىل حتقيقها من تقاليد العرب التي حتاول الرجعية طم�سها و�إخفاءها!‬
‫�إننا نطالب ت�أمني اخلبز للجميع وحماربة البطالة‪ ،‬وتوزيع ال�ضرائب بعدل وو�ضعها‬
‫على �أ�سا�س الدخل!‬
‫�أو مل يقل علي ابن �أبي طالب‪�« :‬إن للفقري حق ًا يف مال الغني فما اغتنى غني �إال بفقر‬
‫فقري»‪( ،‬ت�صفيق طويل وهتاف) ‪ ..‬فهل من العدل �إذ ًا �أن يدفع الفالح العربي الفقري �أ�ضعاف‬
‫ما يدفع ال�صرييف �أو املرابي �أو الإقطاعي الكبري الذي يربح الألوف وع�شرات الألوف؟‪..‬‬
‫ونحن يثرينا �أن نرى الإقطاعيني واجلباة ينهبون الفالح نهب ًا حتى يغدو ي�أكل ال�شعري‬
‫وهو ال��ذي ي��زرع القمح‪ ،‬فنطلب و�ضع حد لهذه احلالة غري الإن�سانية! فيحملون علينا‬
‫ويتهموننا بال�شغب ومبحاربة عقائد النا�س ودعوتهم �إىل اخلروج عن �أديانهم‪ ،‬وين�سون ما‬
‫قاله عمر بن عبد العزيز من «�إن اهلل بعث حممد ًا هادي ًا ومل يبعثه جابياً»! (ت�صفيق)‪.‬‬
‫ونحن عندما نرى الغطر�سة الإقطاعية والعقلية الرجعية متنعان حتقيق االحتاد‬
‫الوطني‪ ،‬نطلب تطهري احلركة الوطنية من هذه الت�أثريات الإقطاعية والرجعية‪ ،‬ونذكر‬
‫�أبيات �شاعر العرب الكبري‪� ،‬أبي الطيب املتنبي‪ ،‬عندما كان يتهكم على ر�ؤ�ساء الدويالت‬
‫يف �أيامه وعلى تناحر الإقطاعيني امللوك فيما بينهم حتى ر�أى الفخر والرجولة يف «ت�ضريب‬
‫�أعناق امللوك» الذين ق�سموا الأمة يف �سبيل منافعهم و�سيطرتهم وم�صاحلهم‪.‬‬
‫�أجل! �أيها الرفاق؟‬
‫نحن ال�شيوعيني نريد �إحياء كل هذا املا�ضي املجيد ون�ستمد قوتنا من قوة �أجدادنا‬
‫العرب‪ ،‬ه���ؤالء الذين وج��دوا يف �أ�صعب الظروف هذه اجل��ر�أة الكربى يف حماربة الظلم‬
‫والطموح �إىل العدل والإخاء بالرغم من اال�ضطهاد الذي كانوا يلقونه من القوى الرجعية‬
‫يف عهدهم!‬
‫هذه هي مبادئنا نحن ال�شيوعيني ن�ستمدها من خرية تقاليد العرب عرب الأجيال‬
‫املتتابعة ونعمل لتحقيقها على �أ�س�س علمية �صحيحة مبنية على الظروف احلالية التي يعي�ش‬
‫فيها �شعبنا العربي ويجتازها العامل‪.‬‬

‫نحن والعهد الوطني ‪...‬‬
‫‪28‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫وقد قلنا ونقول �إن ال�سعي لتحقيق هذه الأهداف امل�ستمدة من �صلب تاريخنا العربي‪،‬‬
‫معناه العملي يف هذا الدور‪ :‬ال�سعي للت�صديق على املعاهدة‪ ،‬واملحافظة على العهد الوطني‪،‬‬
‫وحتقيق املطالب ال�شعبية والإ�صالحات الوطنية التي ت�ضمن التفاف الأمة ب�أ�سرها حول هذا‬
‫العهد الوطني‪.‬‬
‫وقد �أر�سلنا �إىل جمل�س الكتلة الوطنية املنعقد يف قد�سيا‪ ،‬كتاب ًا بهذا املعنى طالبني‬
‫فيه توحيد جهودنا الوطنية لأجل حتقيق هذه الأهداف التي ال يجادل �أي خمل�ص لقوميته‬
‫وعروبته ووطنه يف �ضرورة الن�ضال لأجلها‪.‬‬
‫وقد �أتت ت�صريحات قادة الكتلة بعد م�ؤمتر قد�سيا مب�شرة ب�أن الكتلة الوطنية �ستتخذ‬
‫موقف ًا حازم ًا جتاه ال�سيا�سة اخلارجية الفرن�سية‪ ،‬و�ستعمل لت�صديق املعاهدة‪ ،‬كما �أن رئي�س ‬
‫الوزراء قال �صراحة ب�أن هنالك ثلم ًا ونقاط �ضعف يجب �إ�صالحها‪ .‬و�أملنا �أن يتبع القول‬
‫بالعمل!‬
‫ولكن هل يكفي لكل ذلك تو�سيع الوزارة مثالً‪ ،‬وتن�شيط منظمات الكتلة الوطنية؟‬
‫قد يعود تو�سيع ال��وزارة وتقويتها بالنفع‪ ،‬كما �أن تن�شيط منظمات الكتلة الوطنية‬
‫وت�ضامن �صفوفها �أمران ن�ستقبلهما ب�سرور‪� ،‬إذ �أننا ل�سنا من �أولئك الذين يبنون �آمالهم‬
‫على ن�شوب اخلالفات يف قلب الكتلة وغريها من الهيئات الوطنية‪.‬‬
‫ولكننا مع ذلك نعتقد �أن هنالك �أ�شياء �أخرى يجب حتقيقها‪ ،‬خ�صو�ص ًا فيما يتعلق‬
‫بتنفيذ الوعود التي حواها �أول بيان وزاري تقدمت به احلكومة للربملان ال�سوري يف ‪/22/‬‬
‫كانون �أول ‪ ./1936/‬و�أه��م هذه الوعود التي حواها البيان ال��وزاري الأول هي‪� :‬إذاع��ة‬
‫الدميقراطية ال�صحيحة‪ ،‬والإ�سراع بتوزيع ال�ضرائب توزيع ًا عاد ًال على �أ�سا�س الدخل‪،‬‬
‫وو�ضع ت�شريع للعمل‪ ،‬و�إنعا�ش الزراعة وحت�سني حالة الفالح‪ ،‬وفتح م�شاريع و�أعمال وطنية‬
‫تنه�ض بالبالد وت�ؤمن العمل للعاطلني عن العمل ون�شر الثقافة والعلم بني �أبناء ال�شعب يف‬
‫القرية واملدينة‪.‬‬
‫هذه �أ�شياء ندعو لتحقيقها ال لأننا ن�شعر فقط ب�آالم �شعبنا ونريد تخفيفها بل لأننا‬
‫نعتقد كما قلنا �أن حتقيق بع�ضها والبدء بتحقيق البع�ض الآخر‪� ،‬أمر يقوي موقف العهد‬
‫الوطني جتاه احلكومة الفرن�سية‪� ،‬إذ �أنه يقوي التفاف الأمة حول هذا العهد الوطني‪.‬‬
‫ونحن ن�س�أل �إخواننا القوميني العرب الذين يريدون مثلنا بناء كيان قومي �صحيح متني‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪29‬‬

‫الطليعة‬

‫للعرب‪:‬‬
‫كيف يكون بنيان �أمتنا القومي قوي ًا وطيد الأرك��ان‪� ،‬إذا كان ‪ /90/‬باملئة من �أبنائها‬
‫غارقني يف الب�ؤ�س واجلهل والأمية؟‬
‫ف�إذا ا�ستفدنا من ال�صالحيات الإدارية والت�شريعية التي تتمتع بها احلكومة والربملان‪،‬‬
‫هذه ال�صالحيات التي ذكرها الأ�ستاذ فار�س اخلوري وقال �صراحة �أن احلكومة تتمتع بها‪،‬‬
‫�إذا ا�ستفدنا منها لأجل رفع م�ستوى �شعبنا املادي والثقايف‪� ،‬أفال نكون عندئذ �أقوى و�أ�شد‬
‫مرا�س ًا يف دفاعنا عن العهد الوطني �إذ جنابه امل�ستعمر ب�شعب مثقف‪ ،‬ذاق حالوة احلرية‪،‬‬
‫وخف عن عاتقه �شيء من الب�ؤ�س بف�ضل هذا العهد الوطني؟‬
‫هذه �أمور ال جدال فيها! بل �إن القيام بذلك ينطبق على خري ما حواه تاريخنا العربي‬
‫من مبادئ العدل والإن�سانية والإخاء والطموح �إىل العزة واملجد والكرامة‪.‬‬

‫كلمتنا �إىل احلكومة الفرن�سية ‪...‬‬

‫�أما احلكومة الفرن�سية‪ ،‬فنقول لها مبنا�سبة ذكرى مي�سلون العظيمة‪:‬‬
‫يجب �أن ال تخيبي الآمال التي علقها العرب على الدميقراطية الفرن�سية‪ .‬فال ت�ستوحي‬
‫�إذ ًا �سيا�ستك من تقاليد �أولئك الذين حملوا �إلينا يف مي�سلون مدنيتهم املزعومة على �أ�سنة‬
‫احلراب و�أفواه املدافع والدبابات! بل عليك �أن ت�ستمدي �سيا�ستك من مبادئ عام ‪/1789/‬‬
‫من مبادئ الثورة الفرن�سية الكربى التي حملت م�شعل احلرية �إىل �أنحاء العامل‪ ،‬عليك‬
‫�أن ت�ستمدي �سيا�ستك نحو العرب ال من �إرادة �أ�صحاب البنوك وطغاة البرتول الفرن�سيني‬
‫والإنكليز‪ ،‬ه�ؤالء الذين حاربوا معاهدتنا منذ البداية كما حاربوا ويحاربون الدميقراطية‬
‫الفرن�سية‪ ،‬بل من �إرادة ماليني العمال والفالحني واملثقفني الفرن�سيني الذين �أي��دوا‬
‫معاهدتنا منذ البداية وما يزالون ي�ؤيدونها!‬
‫ون�ضيف �صوتنا �إىل �أ�صوات �أحرار فرن�سا‪� ،‬أبناء فرن�سا احلقيقيني الذين يطلبون من‬
‫�أركان حكومة داالديه وخ�صو�ص ًا من وزير خارجيتها جورج بونه‪� ،‬أن يرجعوا �إىل برنامج‬
‫اجلبهة ال�شعبية ال��ذي يحتم على فرن�سا م�ساعدة ال�شعوب املظلومة على ال�سري نحو‬
‫ا�ستقاللها وحريتها‪.‬‬
‫‪30‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫ق�ضية ا�سكندرونة ‪...‬‬

‫�أيها الرفاق‪:‬‬
‫يف هذا اليوم حيث نحتفل بيوم عظيم من �أيام تاريخنا العربي املجيد‪ ،‬تطري عواطفنا‬
‫وقلوبنا نحو �إخواننا يف لواء ا�سكندرونة‪ ،‬هذه القطعة الغالية من وطننا‪ ،‬التي ذهبت �ضحية‬
‫تراجع �سا�سة فرن�سا �أمام مطامع احلكومة الرتكية!‬
‫و�إذا كنا نغتبط عندما ن�سمع من فم الرئي�س الأ�ستاذ اخلوري �أن احلكومة مل تفقد‬
‫�أملها يف ا�سرتداد حقها يف اللواء عندما ت�صدق املعاهدة وت�صبح بالدنا ع�ضو ًا يف ع�صبة‬
‫الأمم‪� ،‬إذا كنا نغتبط لهذا الأمر فالبد لنا كذلك من دعوة كل �إخواننا امل�شرتكني يف جلنة‬
‫الدفاع عن ا�سكندرونة وغري امل�شرتكني فيها‪ ،‬وندعو كذلك احلكومة ال�سورية‪� ،‬إىل العمل‬
‫بجد وحزم لأجل تخفيف البلوى عن �إخواننا يف اللواء‪ ،‬وذلك بالن�ضال لأجل �إقامة نظام‬
‫دميقراطي ي�ؤمن احلقوق القومية للعرب والأرمن والأتراك على قدم العدل وامل�ساواة يف‬
‫اللواء العزيز‪:‬‬
‫�أما �أن نرتك ق�ضية اللواء الآن �إىل �أن ت�سنح لبالدنا فر�صة ال�سرتدادها فذلك �شيء ال‬
‫نقر القائلني به عليه‪:‬‬
‫�إن لنا يف اللواء �أخوان ًا يقا�سون الويالت من ا�ستبداد الطاغية اجلرنال كوله‪ ،‬وزمالئه‬
‫الزعماء الكماليني! وها هي الأنباء ال��واردة من اللواء ت�ؤيد خماوفنا‪ ،‬وتنذر ب�أن متابعة‬
‫عمليات الت�سجيل �ستجري يف جو فظيع من الإره��اب والتزييف‪ ،‬ي�شبه جو االنتخابات‬
‫اللبنانية ال�سابقة!‬
‫فيجب �أن نتكاتف جميع ًا لأجل �أن جنرب وزارة اخلارجية الفرن�سية على القيام بالواجب‬
‫الذي يفر�ضه على فرن�سا ال�شعبية تاريخها الثوري عندما حملت م�شعل احلرية �إىل العامل!‬
‫بل يجب �أن نطلب من �سا�سة فرن�سا �أن يتقيدوا ب�إرادة ال�شعب الفرن�سي وبربنامج اجلبهة‬
‫ال�شعبية الفرن�سية‪ ،‬فيدافعوا عن الدميقراطية احلقة يف ال�سنجق ويطردوا من هذه البقعة‬
‫الطاغية اال�ستعماري كوله الذي يرب�أ منه ال�شعب الإفرن�سي وكل دميقراطي �صحيح يف‬
‫فرن�سا ب�أ�سرها‪.‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪31‬‬

‫الطليعة‬

‫�إىل �أبطال احلرية يف العامل ‪...‬‬

‫�أيها الرفاق‪:‬‬
‫يف هذا اليوم العظيم الذي نحتفل به بذكرى مي�سلون ونقلب �صفحات تاريخنا العربي‬
‫املجيد ‪ ...‬البد لنا من �إر�سال حتية �أخوية كربى �إىل �أولئك الذين ي�ساعدوننا على �إحياء‬
‫تاريخنا وا�ستعادة ا�ستقالنا‪ ،‬وت�أمني حرياتنا بالرغم من حكومتهم نف�سها‪� ،‬إىل الذين‬
‫برهنوا يف كل الظروف وبالرغم من �أكاذيب �ألف باء وكل وريقات فرنكو وهتلر ومو�سوليني‪،‬‬
‫انهم خري ا�صدقاء العرب‪ ،‬و�أعني بهم �أع�ضاء احلزب ال�شيوعي الفرن�سي ونوابه‪ ،‬وعلى‬
‫ر�أ�سهم �صديقنا ورفيقنا املحبوب‪ ،‬موري�س توريز (ت�صفيق)‪.‬‬
‫ويف هذا اليوم العظيم‪ ،‬الذي كان وما يزال رمز الن�ضال لأجل احلرية‪ ،‬نر�سل حتياتنا‬
‫�إىل القطر الوحيد ال��ذي �أ�صبح فيه الإن�سان �أخ��ا الإن�سان حق ًا و�صدقاً‪ ،‬وحت��ررت فيه‬
‫القوميات ليع�ش ب�إخاء وتعاون وت�ضامن‪� ،‬إىل االحتاد ال�سوفييتي ح�صن ال�سالم الذي �أ�صبح‬
‫�أمل الإن�سانية ب�أ�سرها‪ ،‬والذي يعطي العامل كل يوم مثا ًال جديد ًا يف احلزم �أمام طغيان‬
‫الدول الفا�ش�ستية‪ ،‬ويبني اال�شرتاكية بظفر وجناح على �سد�س الكرة الأر�ضية‪ ،‬حتت قيادة‬
‫رفيقنا الكبري يو�سف �ستالني (ت�صفيق �شديد وهتاف)‪.‬‬
‫ونر�سل حتياتنا اململوءة �إعجاب ًا وحما�ساً‪� ،‬إىل ال�شعب الإ�سباين البا�سل الذي يدافع �أبرع‬
‫دفاع عن ا�ستقالل �أر�ضه و�سالمة وطنه �ضد هجمات جحافل امل�ستعمرين الغزاة الطليان‬
‫والأمل��ان‪ ،‬و�إىل ال�شعب ال�صيني الكبري الذي وقف وقفة جبارة يف وجه الطغاة اليابانيني‬
‫بعد �أن مت االحتاد بني الوطنيني وال�شيوعيني ال�صينيني‪ ،‬هذا االحتاد القوي الذي يجب �أن‬
‫يكون مثا ًال حي ًا لكل ال�شعوب املظلومة امل�ستعمرة الطاحمة �إىل حريتها وا�ستقاللها (ت�صفيق‬
‫وهتاف)‪.‬‬

‫�إىل العرب يف كل �أقطارهم ‪...‬‬

‫ويف يوم مي�سلون العظيم‪ ،‬اليوم اخلالد يف �أيام العرب‪ ،‬نر�سل نحن ال�شيوعيني‪� ،‬أبناء‬
‫العروبة الأبرار‪ ،‬حتياتنا اخلال�صة �إىل كل املنا�ضلني الوطنيني يف �سبيل عروبتهم وا�ستقالل‬
‫ديارهم‪ ،‬يف �أية جبهة كانوا‪ ،‬يف �سوريا ولبنان وا�سكندرونة وفل�سطني والعراق ويف املهجر‬
‫البعيد!‬
‫‪32‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������������������������‬

‫فليحي ت�ضامن ال��ع��رب يف جميع �أق��ط��اره��م لأج��ل ا�ستقاللهم وحقوقهم الوطنية‬
‫وحرياتهم ال�شعبية!‬
‫فلتحي �سورية العربية حرة م�ستقلة موحدة!‬
‫فليحي احلزب ال�شيوعي ال�سوري!‬
‫(ت�صفيق وهتاف‪ ،‬فليحي احت��اد ال�شعب ال�سوري‪ ،‬فليحي احل��زب ال�شيوعي‪ ،‬تعي�ش‬
‫اللجنة املركزية)‪.‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪33‬‬

‫الطليعة‬

‫‪34‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬

‫العرب والثورة الفرن�سية‬
‫خالد بكدا�ش‬

‫املحا�ضرة التي �ألقاها خالد بكدا�ش مبنا�سبة الذكرى ال�سنوية للثورة‬
‫الفرن�سية متوز ‪./1942/‬‬
‫ونعيد ن�شرها مبنا�سبة حلول الذكرى املائتني للثورة الفرن�سية هذا ‬
‫العام‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪35‬‬

‫الطليعة‬

‫‪36‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫�أيها ال�سادة وال�سيدات!‬
‫�أيها الرفاق والرفيقات!‬
‫نحتفل بذكرى الثورة الفرن�سية‪ ،‬قبل كل �شيء‪ ،‬كعرب مظلومني‪ ،‬لأنها كانت ثورة �شعب‬
‫مظلوم على ظامليه‪ ،‬كانت ثورة فقراء املدن والفالحني و�أح��رار الفكر على طـُغيان امللك‬
‫والنبالء والإقطاعيني‪.‬‬
‫ونحتفل بها ثاني ًا كعرب دميقراطيني لأنها كانت ثورة �شعبية دميقراطية‪� ،‬أعلنت حقوق‬
‫الإن�سان واملواطن‪ ،‬و�أقامت على �أنقا�ض احلكم املطلق‪ ،‬حكم ًا دميقراطي ًا د�ستوري ًا �شورياً‪،‬‬
‫و�أقرت مبد�أ االنتخاب العام املبا�شر‪ ،‬وفتحت الطريق ال�شرتاك ال�شعب ب�أ�سره يف احلكم‬
‫الإداري وال�سيا�سي‪.‬‬
‫ونحتفل بها ثالث ًا كعرب يطمحون �إىل التقدم والرقي‪ ،‬لأنها كانت ثورة بناء وعُ مران‪،‬‬
‫فلم تقت�صر على التهدمي‪ ،‬تهدمي الظلم والطغيان‪ ،‬بل هي �أن�ش�أت وبنت �أي�ضاً‪ :‬فحققت‬
‫تقدم ًا �صناعي ًا عظيماً‪ ،‬وقامت ب�إ�صالحات زراعية كربى‪ ،‬وعززت الثقافة والعلم‪ ،‬ون�شرت‬
‫التعليم بني جماهري ال�شعب‪ ،‬وكافحت الفقر والب�ؤ�س‪ ،‬و�أعطت الفالح �أر�ضاً‪ ،‬وحاربت‬
‫االحتكار‪ ،‬ونا�ضلت لأجل فر�ض �ضريبة على دخل كبار الأغنياء‪ ،‬ودافعت عن خبز ال�شعب‪.‬‬
‫ونحتفل بها رابع ًا كعرب وطنيني لأن الثورة الفرن�سية طلعت على العامل مبفهوم جديد‬
‫للقومية والوطنية‪ .‬فقبلها كانت الوطنية تعني اخل�ضوع للملك والنبالء‪ ،‬وقبول ا�ستبدادهم‬
‫بذلٍ وم�سكنةٍ‪ .‬وبعدها �أ�صبحت الوطنية وطنية هادمي البا�ستيل‪ ،‬وطنية الثائرين ال على‬
‫الظلم اخلارجي فقط بل على الظلم الداخلي �أي�ضاً‪ .‬فقد قام �شعب باري�س امل�سلح وهدم‬
‫البا�ستيل ثم �أعدم النبالء‪ ،‬وقتل امللك‪ ،‬وكان �شعاره الوحيد يف كفاحه ون�ضاله‪« :‬فلتحي‬
‫الأمة! فليحي الوطن!»‪ ،‬كان �شعاره كلمة رو�سو اخلالدة‪« :‬ال وطن حيث ال حرية»! (ت�صفيق)‪.‬‬
‫ونحتفل بها خام�س ًا كعرب يطمحون �إىل ا�ستقالل بالدهم وحريتها‪ ،‬لأن الثوار �إذ ذاك‬
‫كافحوا اال�ستعمار‪ ،‬و�ألغوا الرق‪ ،‬وحرروا امل�ستعمرات الفرن�سية‪ ،‬ومنحوا زجني الغوايلوب‬
‫احلقوق نف�سها التي يتمتع بها املواطن الفرن�سي‪.‬‬
‫هذه هي الثورة الفرن�سية كما نعرفها نحن �أيها الرفاق‪ ،‬هذه هي الثورة الفرن�سية التي‬
‫ي�سميها الكثريون حكم الرعاع‪ ،‬لأنها كانت ثورة احلفاة العراة اجلائعني‪ ،‬ون�سميها نحن‬
‫حكم ال�شعب لأنها كانت ثورة احلفاة العراة اجلائعني (ت�صفيق)‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪37‬‬

‫الطليعة‬

‫هذه هي الثورة الفرن�سية التي قتلت الرجعية فيما بعد كثري ًا من مبادئها ال�سامية‪،‬‬
‫مبادئها الإن�سانية اخلالدة‪ ،‬ولكن �إذا كان ثوار ‪ /1789/‬وقفوا يف ن�صف الطريق‪ ،‬ومل‬
‫ي�ستطيعوا حتقيق كل مطاحمهم ومبادئهم النبيلة‪ ،‬ف�إن هذه املبادئ واملطامح مل متت بل‬
‫بقيت حية يف ال�ضمري الإن�ساين‪ ،‬وحتققت بعد �أكرث من مئة �سنة‪ ،‬حققتها و�أمتتها ثورة‬
‫�أكتوبر اال�شرتاكية‪ ،‬ثورة العمال والفالحني الرو�س حتت قيادة حزب لينني‪( .‬ت�صفيق)‪.‬‬

‫تاريخ الثورة الفرن�سية و�أنوار احلرية يف تاريخ العرب ‪...‬‬

‫ولكننا باحتفالنا بالثورة الفرن�سية نقوم �أي�ض ًا بواجب قومي كبري‪� .‬إن تاريخنا العربي‬
‫يزخر مبثل املبادئ النبيلة التي �أعلنتها الثورة الفرن�سية‪ ،‬بل ك�أين بالثوار الفرن�سيني قد‬
‫حققوا يف فرن�سا كثري ًا من املبادئ التي طمح �أعالم احلرية والفكر العربي �إىل حتقيقها‬
‫يف ديار العرب‪:‬‬
‫عندما نقر�أ يف املادة الأوىل من �إعالن حقوق الإن�سان «يولد النا�س ويعي�شون �أحرار ًا‬
‫مت�ساويني يف احلقوق»‪� ،‬أال نذكر قول عمر بن اخلطاب «متى ا�ستعبدمت النا�س وقد ولدتهم‬
‫�أمهاتهم �أحراراً»‪.‬‬
‫وعندما نقر�أ �أي�ض ًا يف �إعالن حقوق الإن�سان‪« :‬ال ميكن �أن تبنى الفوارق االجتماعية �إال‬
‫على �أ�سا�س املنفعة امل�شرتكة» �أال نذكر ما جاء يف احلديث ال�شريف‪« :‬ال ف�ضل لعربي على‬
‫�أعجمي �إال بالتقوى؟» و�أن «اخللق عيالُ اهلل و�أحبهم �إليه �أبرهم بعياله؟»‪ .‬وعندما نقر�أ يف‬
‫�إعالن حقوق الإن�سان �أن «الأمة هي م�صدر كل �سلطة‪ ،‬و�أن القانون هو الإعراب عن �إرادة‬
‫املجتمع‪ ،‬ولكل املواطنني احلق ب�أن ي�شرتكوا ب�أنف�سهم �أو بوا�سطة نوابهم يف و�ضع القوانني»‪،‬‬
‫�أال نذكر الآية الكرمية «و�أمرهم �شورى بينهم»‪ ،‬واحلديث ال�شريف «ما ت�شاور قوم �إال هُ دُوا»‪.‬‬
‫وعندما نقر�أ عن «بابوف» هذا احلكيم الفرن�سي الثائر‪ ،‬الذي �أراد �أن ي�سري بالثورة �إىل‬
‫�أمام‪ ،‬فت�صور جمتمع ًا خيالي ًا �إن�سانياً‪ ،‬متنا�سق ًا تعم فيه ال�سعادة‪� .‬أال نذكر فيل�سوفنا العربي‬
‫الكبري‪� ،‬أبا الن�صر الفارابي‪ ،‬الذي ت�صور كذلك يف «مدينته الفا�ضلة» جمتمع ًا خيالي ًا ي�سوده‬
‫اخلري والوئام والهناء؟ وعندما ن�سمع بفولتري وتهكـُمه الالذع على امللوك والأمراء والنبالء‪،‬‬
‫�أال نذكر �سخرية �أبي العالء من الأمراء وامللوك يف عهده؟‬
‫وعندما نقر�أ عن مونت�سكيو ودي��درو وغ�يره من علماء «االن�سيكلوبيديا(‪ »)1‬الذين‬
‫‪38‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫حاربوا التع�صب الكن�سي الأعمى‪ ،‬ونا�ضلوا يف �سبيل حقوق العقل والفكر الإن�ساين‪� ،‬أال نذكر‬
‫فيل�سوفنا الكبري ابن ر�شد الذي حارب كذلك يف كتابه «تهافت التهافت» وغريه‪ ،‬تع�صب‬
‫�أولئك الذين حاولوا حتطيم الفل�سفة العربية و�إنكار حق العقل العربي يف املحاكمة احلرة‬
‫والتفكري احلر؟‬
‫وعندما ن�سمع �أن �أبطال الثورة �أمثال مارا وروب�سبيري و�سان جو�ست قد نا�ضلوا يف �سبيل‬
‫خبز الفقراء و�أرادوا �إعفاء ال�شعب من ال�ضرائب الفادحة‪� ،‬أال نذكر قول اخلليفة عمر بن‬
‫عبد العزيز «�إن اهلل بعث حممد ًا هادي ًا ومل يبعثه جابياً؟» (ن�صفيق)‪.‬‬
‫�إن هذه الأنوار التي �شعت يف التاريخ العربي خالل فرتات خمتلفة‪ ،‬برزت دفعة واحدة‬
‫يف الثورة الفرن�سية‪ ،‬برزت ال ك�أفكار ومطامح فقط‪ ،‬بل برزت ك�شعارات يهتف بها وينا�ضل‬
‫لأجلها ويحققها �شعب م�سلح‪ ... ،‬و�إذ ًا فنحن �إذ نحتفل بالثورة الفرن�سية‪ ،‬ف�إمنا نحتفل‬
‫بحادث عظيم تبلور فيه ما يزخر به تاريخنا العربي من وثبات نحو االنعتاق واحلرية‪ ،‬ونحن‬
‫�إذ ندر�س هذه الثورة‪ ،‬ف�إمنا نتلم�س الطريق نحو حتقيق هذه الوثبات العربية يف ديار العرب‬
‫نف�سها‪ ،‬فت�صبح العروبة �أي�ض ًا عروبة دميقراطية �شورية راقية‪ ،‬جديرة بتاريخها العظيم‬
‫املجيد! (ت�صفيق)‪.‬‬

‫موقف النازيني الفا�شي�ست من مبادئ الثورة الفرن�سية ‪...‬‬

‫�أجل! �إن مبادئ الثورة الفرن�سية تتفق يف نقاط جمة واملبادئ التي نا�ضل لأجلها العرب‬
‫منذ قرون و�أجيال‪ ،‬قبل احلركة الإ�سالمية وخاللها وبعدها‪ .‬و�إذاً‪ :‬كل هجوم على مبادئ‬
‫الثورة الفرن�سية هو هجوم على تاريخ العرب‪ ،‬وكل احتقار للثورة الفرن�سية هو احتقار خلري‬
‫ما يف تراثنا العربي القومي‪ ،‬والثقايف‪ .‬فالذين ميقتون مبادئ الثورة الفرن�سية ف�إمنا ميقتون‬
‫�أ�شرف تقاليد العرب‪ ،‬والذين يريدون قتل مبادئ الثورة الفرن�سية‪ ،‬ف�إمنا يريدون قتل ثقافة‬
‫العرب وكيانهم القومي وخري ما يف ما�ضيهم‪.‬‬
‫فمن هم الذين يهاجمون الثورة الفرن�سية وميقتونها ويريدون قتل مبادئها؟‬
‫�أرجوكم �أن تعذروين �إذا كنت م�ضطر ًا �إىل ذكر خملوق م�سيخ كاد العامل ين�سى وجوده‪،‬‬
‫وهو بنيتو مو�سوليني‪ .‬يقول هذا املخلوق‪�« :‬إن التعاليم الفا�ش�ستية هي التعاليم املعاك�سة لكل‬
‫نظريات ‪ »/1789/‬ويقول �أي�ضاً‪�« :‬إن الفا�ش�ستية هي رد فعل حلركة جمانني القرن الثامن‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪39‬‬

‫الطليعة‬

‫ع�شر ومعتوهي الأن�سيكلوبيديا»‪.‬‬
‫ويقول غوبلز‪ ،‬بوق النازية‪�« ،‬إن عام ‪� /1789/‬سَ يُمحى من التاريخ»‪.‬‬
‫ويقول �ألفرد روزنربغ‪ ،‬فيل�سوف النازية‪ ،‬يف كتابه «‪»Le mythe du 20 em niecle‬‬
‫(�أ�سطورة القرن الع�شرين)‪�« ،‬إن �سائر املفكرين الفرن�سيني و�سائر فال�سفة القرنني ال�سابع‬
‫ع�شر والثامن ع�شر حمرومون من كل �سمو حقيقي يف ال�شعور‪ ،‬ويقول �أي�ضاً‪�« :‬أ�صبح يوم‬
‫�ضعف يف الأخالق»‪.‬‬
‫‪ /14/‬متوز رمز ٍ‬
‫�أما الكاتب النازي «جريهارد �أوتيتكال» في�سمي الثورة الفرن�سية «جرمية يهودية»!‬
‫ومعنى هذه الأقوال جميعها‪� ،‬أن الفا�ش�ستية والنازية هما �أي�ض ًا رد فعل لكل نتاج الفكر‬
‫العربي احلر طول �ألف �سنة! معنى ذلك �أن ن�صف تاريخ الفكر العربي هو «جرمية يهودية»‬
‫يف نظر الفا�ش�ستية والنازيةّ! معنى ذلك �أن كلمة عمر بن اخلطاب «متى ا�ستعبدمت النا�س ‬
‫وقد ولدتهم �أمهاتهم �أحراراً» يجب �أن متحى من التاريخ يف نظر الفا�ش�ستية والنازية! بل‬
‫معنى ذلك �إن كثري ًا من الآيات الكرمية والأحاديث ال�شريفة التي ذكرناها قبل قليل يجب‬
‫�إعدامها وحموها من التاريخ يف نظر الفا�ش�ستية والنازية!‬
‫معنى ذلك‪ ،‬بكلمة‪� ،‬إن النازية والفا�ش�ستية ب�إعالنهما العداء على الثورة الفرن�سية‪،‬‬
‫�إمنا يعلنان العداء �أي�ض ًا على خري ما يف تاريخ العرب من فكر طليق ون�ضال يف �سبيل العلم‬
‫واحلرية واخلبز‪ .‬و�إذاً‪ :‬فنحن باحتفالنا بالثورة الفرن�سية �إمنا نُف�صح عن �إرادتنا الرا�سخة‬
‫يف حماية كل تراثنا القومي العربي املجيد من �آفة النازية الفاتكة املبيدة! ونحن �إذ نكافح‬
‫النازية ف�إمنا ن�ستهدف من وراء كفاحنا �إحياء مبادئ الثورة الفرن�سية‪� ،‬إحياء مبادئ‬
‫مارا ودانتون وروب�سبيري و�أبي العالء والفارابي وعمر بن اخلطاب‪ ،‬مبادئ احلرية والعدل‬
‫والإخاء وتطبيقها يف وطننا العربي العزيز الغايل (ت�صفيق)‪.‬‬

‫مكان الثورة الفرن�سية يف التاريخ ‪...‬‬

‫�أيها الرفاق!‬
‫يقول البع�ض �إن الثورة الفرن�سية قد �سوّت م�شاكل املجتمع ت�سوية نهائية‪ ،‬و�أجنبت‬
‫نظام ًا اجتماعي ًا هو كل ما ميكن �أن تطمح الب�شرية �إليه‪ ،‬ويقول �آخرون‪� :‬إن الثورة الفرن�سية‬
‫مل ت�صنع �شيئ ًا ما دام العامل يقا�سي ويالت اال�ستثمار والب�ؤ�س واحلروب‪ .‬ونحن نقول‪ :‬ال‬
‫‪40‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫هذا وال هذا‪ .‬فالثورة الفرن�سية حققت ال�شيء الكثري‪ ،‬وكانت خطوة كربى �إىل �أمام‪ ،‬يف‬
‫تطور الب�شرية‪ ،‬ولكنها لي�ست �آخر املطاف‪ ،‬ومل تحَ ُل جميع م�شاكل املجتمع‪.‬‬
‫ولأجل فهم ذلك‪ ،‬يجب �أن نعلم قبل كل �شيء �أن الثورة الفرن�سية مل تكن وليدة الظلم‬
‫فقط‪ .‬فقد كان الظلم موجود ًا طول قرون قبلها‪ .‬ومل تكن وليدة �أفكار الفال�سفة والعلماء‬
‫املتحررين فقط‪ ،‬فقد ر�أى العامل كثري ًا من الفال�سفة والعلماء انتقدوا النظام االجتماعي‬
‫هنا وهنا وحملوا عليه‪ ،‬ولكن �أفكارهم مل ت�ؤ ِد مع ذلك �إىل حدوث الثورات واالنقالبات‪ .‬فال‬
‫ميكن فهم الثورات واالنقالبات يف التاريخ‪� ،‬إال بفهم �أ�سا�سها االقت�صادي‪.‬‬
‫ففي القرنني ال��راب��ع ع�شر واخلام�س ع�شر‪ ،‬ب��د�أت التجارة تنمو يف �أوروب���ا‪ .‬و�أدى‬
‫اكت�شاف �أمريكا �إىل ن�شاط هذه التجارة‪ .‬وتدفق الذهب والف�ضة �إىل القارة الأوروبية‪.‬‬
‫فنما الر�أ�سمال التجاري‪ .‬وبد�أ ا�ستعمال هذا الر�أ�سمال يف الإنتاج ال�صناعي‪ .‬وتكونت طبقة‬
‫الر�أ�سماليني وكبار التجار يف املدن وامتدت �سيطرتهم على احلياة االقت�صادية كلها‪ .‬ولكن‬
‫ال�سلطة ال�سيا�سية بقيت مع ذلك يف �أيدي امللك والإقطاعيني ورجال الأكلريو�س وكان وجود‬
‫�سلطة امللك وطبقة الأ�شراف ورجال الدين‪ ،‬وانعدام الوحدة القومية بني خمتلف �أجزاء‬
‫فرن�سا‪ ،‬وبقايا الإقطاعية القوية يف الريف‪ ،‬ووجود خمتلف احلواجز بني الأقاليم الفرن�سية‬
‫املتعددة‪ ،‬كل ذلك كان مينع تطور ال�صناعة والآل��ة وازده��ار التجارة‪� ،‬أي كان مينع رقي‬
‫املجتمع‪ .‬فكان من الواجب �إزالة جميع هذه العوائق حتى ي�سري املجتمع �إىل �أمام‪ .‬ولكن‬
‫�أ�صحاب االمتيازات كانوا يعار�ضون يف ذلك لأجل املحافظة على امتيازاتهم‪.‬‬
‫وهكذا انق�سم املجتمع الفرن�سي �إىل مع�سكرين‪ :‬مع�سكر الأقلية الرجعية املمثلة يف امللك‬
‫والإقطاعيني ورجال االكلريو�س‪ ،‬الذين كانوا يريدون بقاء نظام الإقطاع وال يريدون التخلي‬
‫عن امتيازاتهم‪ ،‬ثم مع�سكر الأكرثية التقدمية التي كانت تريد تطور ال�صناعة والإنتاج‪،‬‬
‫وكانت هذه الأكرثية ممثلة يف طبقات عديدة هي‪� :‬أوالً‪ :‬طبقة املاليني وال�صناعيني وكبار‬
‫التجار‪� ،‬أي طبقة الربجوازية الكبرية‪ .‬ثانياً‪ :‬طبقة �أ�صحاب احلرف واملهن احلرة و�صغار‬
‫التجار و�أ�صحاب احلوانيت‪� ،‬أي طبقة الربجوازية ال�صغرية يف املدن‪ .‬ثالثاً‪ :‬طبقة الفالحني‬
‫مبا فيها �صغار املزارعني والفالحني العاملني يف �أرا�ضي الإقطاعيني‪ ،‬رابعاً‪ :‬طبقة العمال‬
‫وكانوا بعد قليل العدد مت�أخرين ال ي�شعرون ب�أنهم ي�ؤلفون طبقة م�ستقلة‪.‬‬
‫�أما املثقفون فكان معظمهم من طبقتي الربجوازية الكبرية والربجوازية ال�صغرية‪،‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪41‬‬

‫الطليعة‬

‫وكانوا ميثلون مطامح الأكرثية‪ ،‬وقد ت�أثروا مبا ت�سرب �إليهم من �أحوال �إنكلرتا‪ ،‬ومن �أنباء‬
‫احلركة اال�ستقاللية يف �أمريكا‪ .‬فراحوا ينبهون ال�شعب �إىل ب�ؤ�سه ويطالبون بحقوقه‪.‬‬
‫كانت الثورة الفرن�سية ثورة الطبقات التقدمية على الطبقات الرجعية‪ ،‬كانت ثورة‬
‫ممثلي ال�صناعة احلديثة‪ ،‬على ممثلي الإقطاعية القدمية‪ .‬ولكن الطبقات القدمية مل تكن‬
‫كلها متفقة على الغاية من الثورة‪ .‬فالربجوازية الكبرية‪� ،‬أي املاليون وال�صناعيون وكبار‬
‫التجار‪ ،‬كانوا يريدون تقييد �سلطة امللك املطلقة‪ ،‬و�إلغاء القيود الإقطاعية‪ ،‬وت�أ�سي�س نظام‬
‫متثيلي �سيا�سي ي�ؤمن لهم ال�سيطرة على الت�شريع‪� .‬أما الطبقات الأخرى‪� ،‬أي �أكرثية ال�شعب‪،‬‬
‫من �صغار التجار وال�صناع و�أ�صحاب احلوانيت والفالحني ومعهم العمال‪ ،‬فكانوا يريدون‬
‫هدم �سلطة امللك هدم ًا تاماً‪ ،‬و�إلغاء النظام الإقطاعي من �أ�سا�سه‪ ،‬وتوزيع الأرا�ضي على‬
‫الفالحني‪.‬‬
‫وهكذا ميكننا تق�سيم الثورة �إىل مرحلتني‪ :‬املرحلة الأوىل متتد من �سنة ‪� /1789/‬إىل‬
‫�سنة ‪ ،/1792/‬وهي املرحلة التي �سيطرت فيها الربجوازية الكبرية‪ ،‬ثم املرحلة املمتدة‬
‫من �سنة ‪� /1792/‬إىل �سنة ‪ /1794/‬وهي املرحلة التي �سيطر فيها ال�شعب حتت قيادة‬
‫روب�سبيري وزمالئه‪ .‬وهذه املرحلة الثانية هي املرحلة الزاخرة الكربى يف الثورة‪ :‬ففيها‬
‫�سارت الثورة غلى نهايتها‪ .‬فيها قـُتل امللك‪ ،‬و�صودرت �أمالك الإقطاعيني والنبالء‪ ،‬و�أعطيت‬
‫الأر�ض للفالحني‪ ،‬و�أعدم كبار املحتكرين‪.‬‬
‫و�أراد روب�سبيري وزم�لا�ؤه �أن ي�سريوا �إىل �أم��ام‪ ،‬و�أن يبنوا جمتمع ًا كامالً‪ ،‬ال �أثر فيه‬
‫لال�ستثمار‪ ،‬ولكن الظروف التاريخية ودرجة التطور االقت�صادي مل تكن موافقة بعد لتحقيق‬
‫مطاحمهم ‪ ..‬فف�شلوا‪ ،‬و�أعدم روب�سبيري‪ ،‬ورجعت الربجوازية الكبرية �إىل احلكم‪ ،‬ووطدت‬
‫�سلطتها بوا�سطة ديكتاتورية نابليون الع�سكرية‪ .‬وكان عهد نابليون عهد ًا حمافظ ًا يف فرن�سا‬
‫بالن�سبة للثورة نف�سها‪ ،‬ولكن عهد نابليون كان عهد ًا ثوري ًا تقدمي ًا بالن�سبة لأوروب��ا‪ :‬فقد‬
‫حارب �إقطاعية �أوروبا كلها‪ ،‬وزعزع �أركانها‪ ،‬ون�شر كثري ًا من مبادئ الثورة الفرن�سية يف‬
‫الأقطار الأوروبية التي فتحها‪.‬‬
‫هذه هي الثورة الفرن�سية وهذه مراحلها باخت�صار كلي‪ .‬ومن هنا يت�ضح مكانها يف‬
‫التاريخ‪ :‬فقد كانت مرحلة ك�برى يف تاريخ الإن�سانية‪ .‬لقد هدمت النظام الإقطاعي‬
‫و�أقامت مكانه النظام الر�أ�سمايل‪ .‬هدمت احلكم املطلق و�أقامت مكانه نوع ًا من احلكم‬
‫‪42‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫الدميقراطي‪ .‬كان الإن�سان حمروم ًا كل حق‪ ،‬ف�أ�صبحت له بع�ض حقوق‪.‬‬
‫ولكن النظام الر�أ�سمايل بدوره �أبرز م�شاكل جديدة يف املجتمع حتتاج �إىل حل‪ .‬وكما �أن‬
‫النظام الإقطاعي كان يف عام ‪ /1789/‬عائق ًا يف وجه تطور الب�شرية �إىل �أمام‪ ،‬فقد �أ�صبح‬
‫النظام الر�أ�سمايل الآن عائق ًا يف وجه تطور الب�شرية �إىل �أمام‪ ،‬و�أ�صبح من ال�ضروري تغيريه‬
‫بالنظام اال�شرتاكي‪.‬‬
‫وقدمي ًا قامت الطبقة الر�أ�سمالية النا�شئة فقادت جماهري ال�شعب وق�ضت على النظام‬
‫الإقطاعي‪ .‬والآن ظهرت طبقة العمال وهي التي �ستقود ال�شعب‪ ،‬مبعونة املثقفني املتحررين‪،‬‬
‫وباالحتاد مع الفالحني‪ ،‬لأجل تغيري النظام الر�أ�سمايل بالنظام اال�شرتاكي‪ .‬وقد تبني عملي ًا‬
‫�أن ذلك ممكن‪ .‬فالعمال الرو�س قد حققوا ذلك فع ًال على �سد�س الكرة الأر�ضية‪ :‬فبنوا‬
‫نظام ًا ا�شرتاكي ًا لي�س فيه ر�أ�سماليون وال حمتكرون‪ ،‬وبينوا �أنهم قادرون على الإدارة والبناء‬
‫بدون الر�أ�سماليني‪ ،‬بل هم قد �أتوا باملعجزات وا�ستطاعوا ما مل ت�ستطعه كل الر�أ�سمالية‬
‫الأوروبية‪ ،‬فقد �صمدوا �أمام الوح�ش الهتلري‪ ،‬وبرهنوا للعامل �أن العمال ي�ستطيعون بناء‬
‫نظام ق��وي جبار‪ ،‬وي�ستطيعون �أن ينجبوا ق��ادة وبنائني ماهرين‪ ،‬نالوا �إعجاب العامل‬
‫واحرتامه‪.‬‬
‫�إننا نريد حتقيق مبادئ الثورة الفرن�سية يف بالدنا العربية �أي�ض ًا ‪...‬‬
‫هذا هو مكان الثورة الفرن�سية يف التاريخ‪ :‬هي ث��ورة الر�أ�سمالية على الإقطاعية‪.‬‬
‫و�صحيح �إننا نحن ال�شيوعيني قد جعلنا مَ ثـَلـَنا الأعلى‪ ،‬النظام اال�شرتاكي‪� ،‬أي بناء جمتمع‬
‫عربي لي�س فيه ا�ستثمار وال ا�ضطهاد وال ب�ؤ�س وال حرمان ‪ ...‬ولكننا نريد قبل ذلك �أن‬
‫تتحقق يف بالدنا مبادئ الثورة الفرن�سية‪ :‬نريد لبالدنا الإ�صالحات التي حققتها الثورة‬
‫الفرن�سية‪ ،‬نريد لبالدنا الدميقراطية ال�صحيحة‪ ،‬نريد لبالدنا اخلال�ص من الإقطاعية‪،‬‬
‫ومن ويالت اجلهل والأمية والب�ؤ�س والت�أخر الزراعي وال�صناعي‪.‬‬
‫�أجل! �إن مَ ثـَلـَنا الأعلى هو اال�شرتاكية‪ ،‬ولكن هناك مرحلة كاملة اجتازتها الأقطار‬
‫الدميقراطية املتقدمة‪ ،‬وال ن��زال نحن يف �أولها‪ :‬وهي مرحلة مبادئ الثورة الفرن�سية‪.‬‬
‫وبديهي �أن تطبيق هذه املبادئ يف بالدنا ي�سهل لنا الن�ضال يف �سبيل ُمثـُلـُنا العليا اال�شرتاكية‬
‫ال�سامية‪.‬‬
‫ونحن نقول دون جمجم ٍة وال جللجة‪� :‬إذا كنا نريد انك�سار الهتلرية‪ ،‬ونكرهها من �أعماق‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪43‬‬

‫الطليعة‬

‫�أعماقنا‪ ،‬بل نحن كنا م�ستعدين ل�سفك دمائنا يف حماربتها‪ ،‬فلأنها تريد قتل �أملنا يف‬
‫ن�شر هذه املبادئ يف بالدنا‪ .‬و�إذا كنا نريد انت�صار اجلبهة الدميقراطية فلأننا نعرف �أن‬
‫انت�صارها �سي�ؤدي‪ ،‬على الأقل‪� ،‬إىل انت�شار كثري من مبادئ الثورة الفرن�سية‪ ،‬مبادئ احلرية‬
‫والدميقراطية‪ ،‬يف بالدنا العربية العزيزة‪.‬‬

‫احلزم والعنف نحو اخلونة يف الثورة الفرن�سية ‪...‬‬

‫�أيها الرفاق!‬
‫ما دمنا يف موقف االحتفال بالثورة الفرن�سية‪ ،‬فالبد لنا من الدفاع عن �سُ معتها التي‬
‫يحاول الكثريون ت�شويهها‪.‬‬
‫يحمل البع�ض على الثورة الفرن�سية لأنها ا�ستعملت العنف ال�شديد ولأنها‪ ،‬كما يزعمون‬
‫�سفكت كثري ًا من الدماء‪� .‬أما نحن فن�سمي هذا العنف حزم ًا ثوري ًا م�شروع ًا �ضد �أ�صحاب‬
‫االمتيازات‪ ،‬الذين �أبوا �أن يتخلوا عن امتيازاتهم‪ ،‬و�ضد اخلونة الذين ت�آمروا مع الأجنبي‬
‫على وطنهم نف�سه‪ ،‬خلنق ال�شعب الثائر‪.‬‬
‫ولو �أن ال�شعب الفرن�سي ا�ستعمل مع اخلونة و�أفراد الطابور اخلام�س يف عام ‪/1937/‬‬
‫نف�س احلزم الثوري الذي ا�ستعمله اليعقوبيون يف عام ‪� ،/1792/‬إذن ملا و�صلت فرن�سا �إىل‬
‫هذا امل�صري‪.‬‬
‫ويف بالدنا نف�سها لو ا�ستعمل جزء من احلزم الثوري الذي ا�ستعملته الثورة الفرن�سية‬
‫جت��اه املحتكرين‪� ،‬إذن لكانت بالدنا يف �أل��ف خ�ير‪ ،‬ومل��ا ك��ان خبز ال�شعب عر�ضة لنهب‬
‫امل�ستثمرين‪.‬‬
‫�أما العمال يف االحتاد ال�سوفييتي فلم يحجموا عن ا�ستعمال احلزم الثوري اليعقوبي نحو‬
‫اخلونة‪ .‬ف�أعدموا الرتوت�سكيني والقادة اخلائنني‪ ،‬وطهروا منهم �أر�ض الوطن اال�شرتاكي‪،‬‬
‫ولذلك �سي�سجل تاريخ هذه احلرب �أن البالد الوحيدة التي مل يظهر فيها طابور خام�س‪،‬‬
‫البالد الوحيدة التي مل يجد هتلر فيها خائنني مباعني‪ ،‬هي بالد الثورة اال�شرتاكية‪ ،‬هي‬
‫البالد التي ميلكها العمال والفالحون (ت�صفيق)‪.‬‬
‫ويقول البع�ض‪�« :‬إن الثورة الفرن�سية كانت جمزرة خمجلة معيبة‪ ،‬ولكنها على كل حال‬
‫�أدت �إىل نظام دميقراطي جيد ويف ذلك بع�ض التعزية»‪ .‬ونحن نقول له�ؤالء‪� :‬إن عظمة‬
‫‪44‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫الثورة الفرن�سية هي يف الثورة نف�سها‪� .‬إن عظمتها هي فيما جرى خاللها‪ .‬يف هذه املطامح‬
‫ال�سامية التي كانت تقود الثائرين يف كل خطوة من خطواتهم‪ ،‬وكل عمل من �أعمالهم‪.‬‬
‫و�إذا ك��ان الكتاب الرجعيون ميدحون الآن دانتون ومريابو وزمالءهما وي�سمونهم‬
‫معتدلني‪ ،‬ويحملون على م��ارا وبابوف وروب�سبيري و�سان جو�ست وي�سمونهم �إرهابيني‬
‫متطرفني‪ ،‬فنحن نرى لكل من ه�ؤالء دوره التاريخي‪ ،‬فكل واحد منهم كان رجل املرحلة‬
‫التي �سار فيها‪.‬‬
‫يقول فيكتور هيغو‪« :‬لقد كان مريابو يتمخ�ض بروب�سبيري‪ ،‬وكان روب�سبيري يتمخ�ض ‬
‫مبارا‪ ،‬ومارا ب�إيربت‪ ،‬و�إيربت ببانوف»‪.‬‬
‫فنحن ننحني �أمام ذكرى ه�ؤالء الأبطال جميعاً‪ .‬ننحني �أمام ذكرى مارا �صديق ال�شعب‪،‬‬
‫و�أمام ذكرى بابوف الذي كان �أول من �أعطى جواب ًا �شيوعي ًا خيالي ًا ل�س�ؤال امل�ستثمرين‪،‬‬
‫و�أم��ام ذكرى روب�سبيري املنا�ضل الأكرب يف �سبيل خبز ال�شعب وثقافته‪ ،‬كما ننحني �أمام‬
‫ذكرى النبيل مريابو الذي تخلى عن طبقته الإقطاعية وان�ضم �إىل الثورة و�ألقى يف وجه‬
‫ر�سول امللك جوابه اخلالد‪« :‬اذهب وقل ل�سيدك �إننا هنا ب�إرادة ال�شعب ولن نخرج �إال بقوة‬
‫احلراب» (ت�صفيق)‪.‬‬

‫الوطنية ال�صحيحة والأممية ال�صحيحة عند ثوار‬
‫‪.../1789/‬‬

‫كال! �إن الثورة الفرن�سية مل تكن جمزرة‪ ،‬لقد �صنعت خالل الثورة نف�سها �أ�شياء عظيمة‬
‫خالدة يف تاريخ الإن�سانية‪.‬‬
‫�إننا ك�شعب يطمح �إىل حريته وا�ستقالليته بهمنا �أن نعرف م��اذا عملت الثورة مع‬
‫�ألأقطار التي كانت تابعة �إذ ذاك لفرن�سا‪ .‬لقد �ضرب الثوار مث ًال �أعلى يف الوطنية ويف‬
‫حبهم لبالدهم‪.‬لقد دافع جنودهم حفاة عراة عن وطنهم الثائر �ضد كل �أوروبا الرجعية‬
‫التي ت�ألبت عليهم‪ ،‬حتى لقد انده�ش غوته ال�شاعر الأملاين الأكرب من تفانيهم وعنادهم‬
‫فقال كلمته امل�شهورة يف معركة فاملي‪« :‬من هنا ويف هذه ال�ساعة يبتدئ عهد جديد يف تاريخ‬
‫الب�شرية»‪� .‬أما النبالء والأ�سياد الفرن�سيون فقد هاجروا �إىل مدينة كوبالنتز وان�ضموا �إىل‬
‫اجليو�ش الأملانية �ضد وطنتهم ل�سحق الثورة‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪45‬‬

‫الطليعة‬

‫لقد برهن الثوار الفرن�سيون منذ ‪� /150/‬سنة �أن القومية ال�صحيحة ال تتنافى مع‬
‫الأممية ال�صحيحة‪ .‬فقد دافعوا عن وطنهم حفاة عراة �ضد كل الرجعية الأوروبية‪ ،‬ولكنهم‬
‫�ألغوا الرق‪ ،‬ومنعوا التجارة بالعبيد‪ ،‬وحرروا امل�ستعمرات الفرن�سية‪.‬‬
‫وكان القائد «بارناف» ممثل الربجوازية الكربى‪ ،‬يطلب تثبيت الرق‪ ،‬فقال له روب�سبيري‬
‫نائب ال�شعب‪« :‬مبجرد لفظكم كلمة الرق يف �أحد مرا�سيمكم تكونون قد لفظتم احلكم على‬
‫�أنف�سكم بالعار وعلى د�ستوركم بالف�شل ‪� ..‬أال لتهلك امل�ستعمرات �إذا كنتم تريدون االحتفاظ‬
‫بها بهذا الثمن ‪ ..‬ف�أنا �أ�صرح ب�أننا ن�ضحي من �أجل اجلاليات اال�ستعمارية‪ ،‬ال بالأمة وال‬
‫بامل�ستعمرات‪ ،‬وال بالإن�سانية جمعاء»‪.‬‬
‫وقال روب�سبيري �أي�ض ًا هذه الكلمة اخلالدة‪�« :‬إن البالد التي تردد كلمات احلرية ولكن‬
‫ترف�ض تطبيقها على �شعب �آخ��ر‪ ،‬ت��زرع اخليبة بعد احلما�سة‪ ،‬وتكون معر�ضة لتحطيم‬
‫العالقات التي تربطها بالأقطار التابعة لها»‪.‬‬
‫وحتت ت�أثري روب�سبيري‪ ،‬قرر جمل�س الكونفان�سيون‪ ،‬يف �شهر �شباط من عام ‪/1794/‬‬
‫املر�سوم التايل‪�« :‬إن جمل�س الكونفان�سيون(‪ »)2‬يقرر �إلغاء ا�ستعباد الزنوج يف جميع‬
‫امل�ستعمرات‪ ،‬وبناء على ذلك ف�إن جميع الأ�شخا�ص القاطنني يف امل�ستعمرات بدون تفريق‬
‫يف اللون‪ ،‬ي�صبحون كاملواطنني الفرن�سيني‪ ،‬ويتمتعون بجميع احلقوق املن�صو�ص عنها يف‬
‫الد�ستور»‪.‬‬

‫الثورة اال�شرتاكية ال�سوفييتية وحقوق القوميات ‪...‬‬

‫لقد برهنت الثورة �أن يف الإمكان االحتفاظ بالروابط الأدبية والثقافية بني البالد‬
‫املتقدمة وال�شعوب املرتبطة بها على �أ�سا�س اال�ستقالل واحلرية التامة والتعاون الأخوي‪.‬‬
‫ولكن ه��ذه ال��درو���س ال��رائ��ع��ة تنو�سيت و�أه��م��ل��ت فيما بعد يف عهد تطور الر�أ�سمالية‬
‫اال�ستعمارية‪� .‬إال �أنها مل تلبث �أن �أعيدت �إىل الوجود بف�ضل الثورة ال�سوفييتية‪ .‬فعلى �أر�ض ‬
‫االحتاد ال�سوفييتي تعي�ش ع�شرات القوميات‪ ،‬متحدة مت�ضامنة وحرة م�ستقلة‪.‬‬
‫تقول املادة ‪ /17/‬من الد�ستور ال�سوفييتي‪�« :‬إن كل جمهورية احتادية حتتفظ بحق‬
‫اخلروج بحرية من احتاد اجلمهوريات ال�سوفييتية اال�شرتاكية»‪.‬‬
‫وتقول املادة ‪�« :/19/‬إن قوانني االحتاد ال�سوفييتي ت�سري بنف�س املفعول على �أر�ض ‬
‫‪46‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫جميع اجلمهوريات االحتادية»‪.‬‬
‫وتقول املادة ‪ /33/‬ب�أن جمل�س ال�سوفييت الأعلى م�ؤلف من جمل�سني‪ :‬جمل�س االحتاد‬
‫وجمل�س القوميات‪ .‬وب���أن كل جمهورية احتادية يجب �أن تر�سل ‪ /25/‬نائب ًا �إىل جمل�س ‬
‫القوميات �سواء كانت كبرية �أو �صغرية‪ .‬وهكذا فاجلمهورية الرو�سية التي يتجاوز عدد‬
‫�سكانها ‪ /60/‬مليون ًا تر�سل ‪ /25/‬نائباً‪ ،‬وجمهورية �أزربيجان التي ال يتجاوز عدد �سكانها‬
‫ثالثة ماليني تر�سل �إىل جمل�س القوميات ‪ /25/‬نائب ًا �أي�ضاً‪.‬‬
‫وتقول املادة ‪� :/37/‬إن املجل�سني اللذين ي�ؤلفان ال�سوفييت الأعلى‪� ،‬أي جمل�س االحتاد‬
‫وجمل�س القوميات‪ ،‬هما مت�ساويان يف جميع احلقوق‪.‬‬
‫وتقول املادة ‪� :/38/‬إن جمل�س القوميات وجمل�س االحتاد يتمتعان بحق الت�شريع على‬
‫قدم امل�ساواة التامة‪.‬‬
‫وتقول املادة ‪� :/123/‬إن امل�ساواة يف احلقوق بني جميع مواطني االحتاد ال�سوفييتي‪،‬‬
‫دون تفريق بالقومية والعرق‪ ،‬يف جميع ميادين احلياة االقت�صادية والثقافية واالجتماعية‬
‫وال�سيا�سية‪ ،‬هو قانون ال يتبدل‪.‬‬
‫وتقول امل��ادة ‪� :/128/‬إن االحت��اد ال�سوفييتي مينح حق االلتجاء �إليه للمواطنني‬
‫امل�ضطَ هَدين ب�سبب الدفاع عن م�صالح ال�شغيلة �أو ب�سبب ن�شاطهم العلمي �أو ب�سبب ن�ضالهم‬
‫لأجل التحرر الوطني‪.‬‬
‫هذه هي الثورة اال�شرتاكية التي �أعادت �إىل الوجود ما حققته الثورة الفرن�سية بفرتة‬
‫�صغرية من الزمن‪ ،‬وما طمح �إليه كبار قادتها ومفكريها من حيث امل�ساواة والإخاء التام‬
‫بني الأمم والقوميات‪.‬‬

‫عمال فرن�سا و�أحرارها ‪ ..‬وكيف يفهمون الوطنية ال�صحيحة‬
‫والأممية ال�صحيحة ‪...‬‬

‫ولكن هذه املبادئ ال�سامية مل متت يف فرن�سا نف�سها‪� .‬صحيح �إن الفال ودوريو وجميع‬
‫الفي�شيني قد خانوا وطنهم وباعوه للنازية‪ ،‬وحاربوا حريتنا نحن العرب وحرية جميع‬
‫ال�شعوب املرتبطة بفرن�سا‪ ،‬كما فعل �أجدادهم النبالء يف الثورة الفرن�سية‪ .‬ولكن �صحيح‬
‫�أي�ض ًا �أن عمال باري�س و�أحرارها الذين ي�ضربون الآن مث ًال �أعلى يف الوطنية �ضد اال�ستعمار‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪47‬‬

‫الطليعة‬

‫النازي‪ ،‬كانوا دائم ًا �أ�صدقاءنا يف ن�ضالنا الوطني و�أ�صدقاء جميع ال�شعوب املرتبطة‬
‫بفرن�سا‪� .‬إن عمال باري�س وعلماءها ومفكريها الأحرار‪ ،‬من هرني باربو�س �إىل رومان روالن‬
‫�إىل بول الجنفان‪ ،‬جمعوا بني الوطنية ال�صحيحة والأممية ال�صحيحة بني حبهم لوطنهم‬
‫وت�أييدهم حلرية الأوطان الأخرى‪ ،‬وظلوا �أمناء لتقاليد �أجدادهم روب�سبيري و�سان جو�ست‬
‫وبقية �أبطال الثورة الفرن�سية الذي حرروا زنوج املارتينيك‪ ،‬ومنحوا كل �إن�سان حارب الظلم‬
‫وخدم العلم‪ ،‬يف �أي قطر كان‪ ،‬لقب مواطن �شرف جلمهورية الثورة!‬
‫تعود بيّ الذاكرة �أيها الرفاق �إىل �سنوات م�ضت‪ .‬وهي ذكرى عزيزة عليّ �أرددها دائماً‪.‬‬
‫لقد �شهدت بنف�سي كيف يفهم عمال باري�س الوطنية ال�صحيحة والأممية ال�صحيحة‪ .‬كان‬
‫ذلك يف عام ‪ ./1936/‬وكنت يف باري�س حيث �أر�سلني حزبنا للتعاون مع رفاقنا الفرن�سيني‬
‫للدفاع عن الق�ضية ال�سورية‪ .‬واتفق �أن �أقبل يوم ‪ /14/‬متوز‪ ،‬يوم ذكرى الثورة الفرن�سية‪،‬‬
‫فخرجت �أ�شهد املظاهرات ال�شعبية الرائعة‪ :‬مئات الأل��وف من العمال يحملون الأعالم‬
‫وال�شعارات وميرون يف �ساحة «النا�سيون» هاتفني مبوت الفا�ش�ستية وحياة احلرية ‪ ...‬وفج�أة‬
‫ر�أيت العلم ال�سوري يخفق من بعيد و�إذا بيّ �أمام مظاهرة كربى يف مقدمتها رفيقنا املرحوم‬
‫املحامي �أنطوان احلاج الذي قتله النازيون بني الرهائن يف باري�س‪ .‬وكان العمال وال�شباب‬
‫الفرن�سيون يحملون فيما يحملون علم ًا �سوري ًا كبرياً‪ ،‬ولوحات كتب عليها بالفرن�سية‪« :‬حرّروا‬
‫�سورية» و�أخذت اجلماهري املحت�شدة �إىل جانبي ت�صيح‪« :‬مرحى لل�سوريني» ‪« ...‬احلرية‬
‫ل�سورية» ‪ ....‬ومل تكن هذه اجلماهري تدري �أن بينها رج ًال �أغرورقت عيناه بالدموع و�سوف‬
‫ميوت وهو يذكر �أنه ر�أى علم بالده‪ ،‬يف قلب باري�س‪ ،‬مرفوع ًا على �أكتاف عمال فرن�سيني!‬
‫(ت�صفيق طويل)‪.‬‬

‫الثورة الفرن�سية والعلم ‪...‬‬

‫كال! �إن الثورة الفرن�سية مل تكن جمزرة مرعبة‪ .‬لقد كانت وثبة �شعبية‪ ،‬قومية و�أممية‬
‫‪ ..‬وكانت �أي�ض ًا وثبة يف �سبيل العلم والثقافة‪ .‬لقد فعلت الثورة كثري ًا لأجل العلم‪ .‬فقد �صار‬
‫للعلوم الريا�ضية والفيزيائية والكيماوية من املكانة واالعتبار بف�ضل الثورة ما مل يكن لها‬
‫من قبل‪.‬‬
‫و�أ�س�س املونفان�سيون معهد البوليتكنيك امل�شهور لإخراج املهند�سني احلاذقني‪ ،‬و�أ�س�س ‬
‫‪48‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫�أي�ض ًا دار املعلمني العليا‪ .‬ويف �أثناء الثورة و�ضعت القاعدة املرتية‪ .‬وت�ألفت جلنة خا�صة من‬
‫العلماء‪« :‬البال�س وموجن وكوندور�سيه وبوردا‪ ،‬وقرروا جعل املرت وحدة قيا�سية للأطوال‪ ،‬ومل‬
‫يلبث �أن �أ�صبح املرت واحدة قيا�سية عاملية‪.‬‬
‫لقد �أمنت الثورة الفرن�سية ا�ستمرار حلقة العلم خالل التاريخ‪ :‬من اليونان �إىل علماء‬
‫العرب �إىل الع�صر احلديث ‪ ...‬ومن واجبنا جتاه التاريخ �أن نذكر �أن النبالء الذين هاجروا‬
‫�إىل «كوبالنز» وان�ضموا �إىل الأجنبي مل يكن بينهم عامل واحد‪� .‬إن جميع العلماء مهما كان‬
‫من�ش�ؤهم‪ ،‬ان�ضموا �إىل ال�شعب‪ ،‬وو�ضعوا مواهبهم يف خدمة الثورة‪ .‬كال! �إن العلم مل يكن‬
‫ولن يكون رجعياً‪ ،‬لقد كان العلم والعلماء و�سيبقون دائم ًا يف جانب الثورة‪ ،‬يف جانب ال�شعب‬
‫(ت�صفيق)‪.‬‬

‫الثورة الفرن�سية وتعليم ال�شعب ‪...‬‬

‫واعتنت الثورة بتعليم ال�شعب‪ .‬و�أق��رت مبد�أ لتعليم املجاين الإجباري‪ .‬وكان دانتون‬
‫يقول‪�« :‬إن التعليم هو‪ ،‬بعد اخلبز‪� ،‬أول حاجات ال�شعب ال�ضرورية»‪.‬‬
‫وكتب مارا يف جريدة «�صديق ال�شعب» ما يلي‪:‬‬
‫«لكي يتمتع ال�شعب بحقوقه يجب عليه �أن يعرفها‪ ،‬ومن هنا ن�ش�أت �ضرورة تثقيفه‪ .‬ولكي‬
‫ال يقع يف ال�شراك التي تن�صب له‪ ،‬يجب عليه �أن يراها‪ ،‬ومن هنا ن�ش�أت �ضرورة تنويره»‪.‬‬
‫ونحن نطلب تنفيذ هذه املبادئ‪ ،‬التي �أقرتها الثورة الفرن�سية يف بالدنا‪� .‬إن يف بالدنا‬
‫ما يقرب من �أربعة �آالف قرية‪ .‬ولكن عدد القرى التي فيها مدار�س ال يتجاوز مئتي قرية‪.‬‬
‫ويقول البع�ض �إن �أوالد الفالحني ال يقبلون على العلم‪ ،‬وال يحبون املدر�سة‪ .‬وقد �سمعت‬
‫ذلك بنف�سي‪ .‬وقد قيل مثل ذلك خالل الثورة الفرن�سية نف�سها‪ .‬ف�أجاب «لوبليتيه» �إذ ذاك‬
‫على هذا القول بكلمته الرائعة التالية‪�« :‬إن كل من ي�ستطيع اال�ستغناء عن عمل ابنه لتغذيته‬
‫ي�سهل عليه �إبقا�ؤه يف املدار�س كل الأيام وطول �ساعات عديدة‪ .‬ولكن ماذا ت�صنع الطبقة‬
‫املعوزة؟ �إنكم تقدمون التعليم للطفل ال�صغري‪ ،‬ولكنه يحتاج للخبز قبل التعليم‪� .‬إن كل قانون‬
‫ترغمون به الأب على �إر�سال ابنه �إىل املدر�سة فا�شل ال حمالة‪ ،‬لأن هذا الأب ال ي�ستغني عن‬
‫�شغل ابنه الذي قد يك�سب يف �سن الثامنة �أو التا�سعة �أو العا�شرة �شيئ ًا ال ب�أ�س به‪� .‬إنني �أطلب‬
‫منكم ت�شريع ًا يجعل تربية جميع الأوالد دون ا�ستثناء وال متييز على نفقة اجلمهورية‪ .‬و�أطلب‬
‫�أي�ض ًا �أن يتلقوا جميعهم �ألب�سة وغذاء وتعليم ًا واعتناء»‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪49‬‬

‫الطليعة‬

‫هذا هو م�شروع «لوبليتيه»‪ ،‬وقد طلب النائب «روم» �أن يكون التعليم بجميع درجاته‪ ،‬ال‬
‫التعليم االبتدائي فقط على نفقة اجلمهورية‪.‬‬
‫ولكن كل هذه الدرو�س تنو�سيت و�أهملت فيما بعد‪� ،‬إىل �أن �أعادتها �إىل الوجود وحققتها‬
‫بعد ‪� /150/‬سنة‪ ،‬الثورة ال�سوفييتية‪ .‬ففي بالد ال�سوفييت كل التعليم بجميع درجاته ونفقاته‬
‫متي�سر للجميع‪ ،‬لأن��ه جماين وعلى نفقة الدولة‪ ،‬وجميع م�صاريف الطالب م�ؤمنة على‬
‫ح�ساب الأمة‪ ،‬تقول املادة ‪ /121/‬من الد�ستور ال�سوفييتي‪« :‬ملواطني االحتاد ال�سوفييتي حق‬
‫التعليم‪ .‬وهذا احلق م�ضمون بالتعليم االبتدائي العام الإجباري‪ ،‬ومبجانية التعليم مبا فيه‬
‫التعليم العايل‪ ،‬وبت�أ�سي�س نظام للكرا�سي املجانية على ح�ساب الدولة ت�ستفيد منه الأكرثية‬
‫العظمى لطالب املعاهد العلياـ وبالتعليم باللغة القومية‪ ،‬وبتنظيم التعليم ال�صناعي والفني‬
‫والزراعي جمان ًا لأجل العمال يف املعامل وامل��زارع احلكومية وامل��زارع التعاونية ومراكز‬
‫الآالت والرتاكتورات»‪.‬‬
‫هذا هو نظام التعليم الذي طمح �إليه �أبطال الثورة الفرن�سية‪ ،‬وحققه فيما بعد االحتاد‬
‫ال�سوفييتي‪.‬‬

‫نظرة النازية والفا�ش�ستية �إىل العلم والثقافة ‪...‬‬

‫ا�سمعوا �إىل جانب ذلك‪ ،‬كيف ينظر الفا�ش�ست �إىل الثقافة والتعليم‪ .‬يقول غوبلز‪:‬‬
‫«الثقافة خطر كبري‪ ،‬والذكاء بلية حتول دون تكوين الأخالق»‪.‬‬
‫و�أرادت الثورة الفرن�سية �أن جتعل التعليم عاماً‪� ،‬شعبياً‪ ،‬دميقراطياً‪ .‬وقال �إذ ذاك‬
‫روب�سبيري‪ ،‬يف هذا املعنى ما يلي‪« :‬لي�ست الغاية من الرتبية خلق �أ�سياد‪� ،‬إمنا الغاية خلق‬
‫مواطنني»‪.‬‬
‫�أما املدر�سة النازية فهي ترمي �إىل �إيجاد طبقة �ضئيلة من الأ�سياد وكمية عظيمة من‬
‫العبيد‪.‬‬
‫ولذلك نرى النازيني يقيمون �شتى ال�صعوبات يف وجه ال�شعب لأجل قبول �أبنائه يف‬
‫املدار�س الو�سطى والعالية‪ ،‬وقد خلقوا يف الوقت نف�سه نظام ًا مدر�سي ًا خارج ًا عن النظام‬
‫املدار�سي العام‪ ،‬وخا�ص ًا ب�أبناء الأ�شراف والبارونات‪.‬‬
‫واهتمت الثورة الفرن�سية مبعلمي املدار�س االبتدائية‪ ،‬ورفعتهم �إىل �أعلى درجة يف‬
‫‪50‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫الهيئة االجتماعية‪� ،‬أما النازية فقد حرمت املعلمني كل �سلطة وكل حرية‪ ،‬يف التنظيم ويف‬
‫التعبري عن الآراء �أي�ضاً‪.‬‬

‫الثورة الفرن�سية وخبز ال�شعب!‬
‫ال�ضريبة على الدخل الكبري ‪...‬‬

‫�إن من امل�سائل املالية امللحة يف بالدنا الآن‪ ،‬م�س�ألة ال�ضريبة على الدخل‪.‬‬
‫ونحن نطلب �أن يعفى �صغار التجار من هذه ال�ضريبة‪ ،‬و�أن ال ت�شمل �إال من يتجاوز دخله‬
‫خم�سة �آالف لرية �سورية يف ال�سنة‪ ،‬و�أن تكون ال�ضريبة باهظة على دخل الطبقة الغنية‪� ،‬أي‬
‫طبقة كبار التجار واملحتكرين وكبار الإقطاعيني‪ .‬وعندئذ تكون ال�ضريبة عادلة وعندئذ‬
‫ي�ؤيدها ال�شعب ب�أ�سره‪ ،‬وعندئذ ميكن للحكومة �أن ت�ستعمل واردات هذه ال�ضريبة لأجل زيادة‬
‫الأجور‪ ،‬و�إيجاد عمل للعاطلني‪ ،‬و�إعطاء خبز رخي�ص جلماهري ال�شعب‪ .‬وفتح مدار�س يف‬
‫القرى‪.‬‬
‫هذا ما نطلبه نحن الآن كما تعملون‪ ،‬فماذا كان موقف الثورة الفرن�سية من هذه‬
‫الق�ضايا؟‬
‫كان رجال الثورة وعلى ر�أ�سهم روب�سبيري و�سان جو�ست يرون �أنهم لن ي�ستطيعوا ت�أ�سي�س ‬
‫جمهورية �شعبية قوية �إذا مل ي�ؤمنوا لل�شعب حياته االقت�صادية‪.‬‬
‫وقد طلب �سان جو�ست تطبيق �سيا�سة القر�ض الإجباري على الطبقة الغنية‪ ،‬كما نطلب‬
‫نحن الآن �ضريبة �أرباح احلرب‪ ،‬وقال بهذه املنا�سبة‪:‬‬
‫«عندئذ ال يكون ال�شعب الفقري املعدم يف هذه احلالة التي يعانيها الآن من ارتباط‬
‫م�صريه بالغني‪� .‬إن اخلبز الذي يعطيه الغني من املذاق‪� .‬إنه يعر�ض احلرية للخطر‪ .‬اخلبز‬
‫هو ملك ال�شعب يف دولة منظمة تنظيم ًا حكيماً»‪.‬‬
‫وكان �أع��داء الثورة يتذرعون دائم ًا بعدم وجود امل��وارد ويتخذون ذلك حجة ملحاربة‬
‫امل�شاريع الإ�صالحية‪.‬‬
‫وم�س�ألة امل��وارد م�شكلة مو�ضوعة دائم ًا على ب�ساط البحث يف جميع الأجيال وجميع‬
‫الأقطار‪ ،‬وكل حكومة حتلها ح�سب «عبقريتها» وحقيقة جوهرها‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪51‬‬

‫الطليعة‬

‫فامللك لوي�س احلادي ع�شر مثالً‪� ،‬أراد تاليف بع�ض العجز يف امليزانية‪ ،‬ف�أمر رئي�س ‬
‫ق�صره ب�أن ي�صرف عدد ًا من اخليل من ا�صطبالته‪ ،‬لتوفري بع�ض النفقات‪.‬‬
‫فقال �إذ ذاك فولتري ال�ساخر متهكماً‪« :‬كم كان �أقرب �إىل املعقول لو �صرف ن�صف‬
‫احلمري الذين يعج بهم البالط امللكي»! (�ضحك ومرح)‪.‬‬
‫�أما ابطال الثورة فقد كانت عبقريتهم‪ ،‬عبقرية ثورية‪ .‬ولذلك اقرتحوا دائم ًا فر�ض ‬
‫�ضريبة على دخل كبار الأغنياء لإيجاد النفقات الالزمة للإ�صالحات الثورية‪.‬‬
‫قال لوبليتيه �أمام الكونفان�سيون‪:‬‬
‫«يجب �أن يكون هدف جميع م�ؤ�س�ساتنا تخفيف �آالم املعوز و�إنقا�ص في�ض الغني ونحن‬
‫نطلب حتميل الغني عبء تخفيف �آالم من قـَلـ ّت �سبل معي�شته‪ .‬و�إن يف حتميل الغني م�صاريف‬
‫باهظة فائدة مزدوجة‪ ،‬الأوىل‪� :‬صرف جزء من في�ض الرثوة الوفري‪ ،‬والثانية حتويل هذا‬
‫الفي�ض لتخفيف �آالم املواطنني الفقراء»‪.‬‬
‫وقدم «الكانال» �إىل الكونفان�سيون تقريره عن �ضرورة زيادة رواتب املعلمني واملعلمات‬
‫وتعميم التعليم‪ ،‬وت�أ�سي�س دار املعلمني‪ ،‬فعلق روب�سبيري على هذا التقرير وقال‪:‬‬
‫«�إين �أرى من جهة طبقة الأغنياء التي ترف�ض هذا القانون‪ ،‬ومن جهة �أخرى طبقة‬
‫ال�شعب التي تطالب به‪ ،‬ولذلك �أقول دون �أدنى تردد‪ :‬يجب �أن ي�صادق عليه» (ت�صفيق)‪.‬‬
‫�إن كثريين عندنا يتخذون الآن حالة احلرب حجة لرف�ض الإ�صالحات وت�أجيلها‪ ،‬ولكن‬
‫الثورة الفرن�سية قررت هذه الإ�صالحات يف وقت احلرب مع الرجعية الأجنبية‪ ،‬يف وقت‬
‫كانت املخاطر ال�شديدة حميقة باجلمهورية ‪ ...‬ومل ت�ؤد هذه الإ�صالحات �إىل �إ�ضعاف‬
‫الدفاع الوطني‪ ،‬بل على العك�س‪� ،‬أثارت حما�سة ال�شعب‪ ،‬فتفانى يف الدفاع عن وطنه‪ ،‬وهزم‬
‫الرجعية الأوروبية‪ ،‬و�أنقذ الثورة الكربى‪ ،‬لأنه ر�أى �أن هذه الثورة �أعطته وطنه‪ ،‬و�أعادت �إليه‬
‫كرامته‪ ،‬ودافعت عن حريته وخبزه‪.‬‬

‫الثورة الفرن�سية والفالحون ‪...‬‬

‫واهتمت الثورة بالفالحني‪ ،‬و�صدر يف ‪� /26/‬شباط عام ‪ /1791/‬مر�سوم مب�صادرة‬
‫�أم�لاك جميع الأ�شخا�ص املعروفني بعدائهم للثورة ‪ ...‬فطلب �أبطال الثورة توزيع هذه‬
‫الأرا�ضي على الفالحني جماناً‪ ،‬عو�ض ًا عن بيعها باملزاد العلني لأن الفالحني الفقراء ال‬
‫‪52‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫قدرة لهم على مزاحمة الأغنياء يف املزايدة‪ .‬وقال �سان جو�ست يف هذا الباب‪:‬‬
‫«�إن �أمالك الوطنيني مقد�سة‪� ،‬أما �أمالك املت�آمرين فهي جلميع الب�ؤ�ساء‪� .‬إن الب�ؤ�ساء‬
‫هم قوة الأر�ض‪ ،‬فلهم احلق يف خماطبة احلكومات التي تهملهم بلهجة الآمر ال�سيد»‪..‬‬
‫وقال �أي�ضاً‪:‬‬
‫«�إنني �أعتقد �أنه لن تثبت دعائم احلرية ما دام بالإمكان �إثارة الب�ؤ�ساء على النظام‬
‫اجلديد‪ .‬و�أعتقد �أنه �سيبقى هناك ب�ؤ�ساء ما دامت الأرا�ضي مل توزع على اجلميع ‪ ..‬يجب‬
‫الق�ضاء على الت�سول بتوزيع �أمالك الأمة على الفقراء»‪.‬‬
‫هذا ما فعلته الثورة لأجل الأر�ض واخلبز‪� .‬أفما �آن لبالدنا �أن ت�ستوحي �شيئ ًا �ضئي ًال من‬
‫هذه الأعمال؟ �إننا نطلب �أخذ القمح من الإقطاعيني وبيعه لل�شعب ب�أ�سعار رخي�صة‪ .‬نطلب‬
‫الكف عن الت�ساهل مع الإقطاعيني وو�ضع حد لهذه الف�ضائح التي تقع يف بع�ض القرى حيث‬
‫تعمد جلان التخمني مل�سايرة املتنفذين والإجحاف بالفالحني الفقراء واملتو�سطني‪.‬‬
‫�إننا با�سم مبادئ الثورة الفرن�سية‪ ،‬نطلب حماية ال�شعب من م�ؤامرات الإقطاعيني‬
‫واملحتكرين ‪ ...‬نطلب ت�أمني اخلبز جلماهري ال�شعب‪ ،‬نطلب من امل�س�ؤولني �أن يفهموا �أن‬
‫هذا الوطن العربي ال�صغري لي�س ملك ًا للإقطاعيني والبكوات‪ ،‬بل هو ملك �أكرثية الأمة‪،‬‬
‫ملك ال�شعب‪ ،‬ملك العمال والفالحني و�صغار التجار وجميع الكادحني الذين ينتجون خريات‬
‫الوطن بقوة �سواعدهم وجهد �أدمغتهم‪ ،‬وعرق جباههم (ت�صفيق)‪.‬‬

‫العرب هم يف جانب املدافعني عن مبادئ الثورة الفرن�سية‬

‫�أيها الرفاق!‬
‫هذه هي الثورة الكربى‪ .‬ف�أخربوين بربكم �أل�سنا باحتفالنا بها نقوم بواجب قومي كبري؟‬
‫�أل�سنا باحتفالنا بها ندافع عن كرامة وطننا وخبز �شعبنا؟ ‪� ..‬أل�سنا باحتفالنا بها ندافع عن‬
‫�أ�سمى مثل اخلري والكمال‪ ،‬وعن الثقافة وحرمة الفرد وقدا�سة الفكر الإن�ساين؟ �ألي�س من‬
‫واجبنا �أن مند يد الإخاء �إىل جميع الذين يقاتلون لإنقاذ هذه املبادئ من الآفة الهتلرية‬
‫التي تريد خنقها؟ �ألي�س من واجبنا كعرب �أن نكون يف جانب ه�ؤالء الأبطال الذين يحاربون‬
‫يف حو�ض الدون ملنع الهتلرية من التغلغل �إىل القفقا�س ثم الو�صول �إىل بالدنا‪ ،‬ويف جانب‬
‫�أولئك الذين يدافعون عن م�صر ال�شقيقة وينا�ضلون ملنع و�صول ويالت احلرب والتدمري‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪53‬‬

‫الطليعة‬

‫واخلراب النازي �إىل وطننا ال�سوري واللبناين؟‬
‫بل �أننا يف جبهة احلرية‪� .‬إننا ننحني لذكرى �أبطال �سيبا�ستوبول الذين كان ثلثاهم‬
‫من امل�سلمني‪ ،‬وننحني لذكرى �أبطال بري احلكيم الذين كان ق�سم كبري منهم من ال�سوريني‬
‫واللبنانيني‪ ،‬وننحني �أمام ذكرى �أنطوان احلاج وغابريل بريي وجميع �أحفاد مارا وروب�سبيري‬
‫و�سان جو�ست‪ ،‬ه�ؤالء الذين ي�ستقبلون ر�صا�ص الهتلرية با�سمني مرفوعي الر�أ�س هاتفني‬
‫حلرية وطنهم وحرية جميع ال�شعوب مبا فيها �شعوبنا العربية! (ت�صفيق)‪.‬‬

‫�إن مبادئ احلرية هي التي �ستنت�صر يف هذه احلرب ‪...‬‬

‫�إن هتلر لن يتمكن من حتقيق حمله مبحو مبادئ الثورة الفرن�سية من هذه الدنيا ‪...‬‬
‫ولي�س يف املوقف احلربي ما يربر تفا�ؤل النازيني و�أفراد الطابور اخلام�س املباعني اخلونة!‬
‫فقد قلنا عندما احتلت جيو�ش املحور مر�سى مطروح �إن حملة م�صر لن تكون نزهة‬
‫ق�صرية �سريعة �أمام روميل‪ .‬وها هي احلوادث قد حققت ما ذهبنا �إليه‪.‬‬
‫�أما يف اجلبهة الرئي�سية‪ ،‬اجلبهة ال�سوفييتية‪ ،‬التي �سيتقرر فيها م�صري احلرب‪ .‬فهتلر‬
‫ي�ستفيد من تفوقه بعدد الدبابات وي�ضرب �ضربة امل�ستميت اليائ�س‪ .‬ولكن من ينظر �إىل‬
‫احلالة نظرة فاح�صة دقيقة يرى �أن هجوم هتلر منح�صر يف اجلنوب ويقت�صر على جبهة‬
‫طولها ثالثمائة كيلو مرت ًا ال �أكرث‪ .‬ومعنى هذا �أن هتلر قد اقتنع ب�سخف م�شروعه القدمي‬
‫الذي كان يرمي يف ال�سنة املا�ضية �إىل �سحق بالد ال�سوفييت كقوة ع�سكرية‪ .‬فكل ما يريده‬
‫الآن هو الو�صول �إىل مراكز حيوية هامة كالقفقا�س ‪ ..‬ولكن القفقا�س لي�س باللقمة ال�سهلة‪.‬‬
‫ويرى املدققون �أي�ض ًا �أن هتلر مهما ح�شد من قوى فهو لن ي�صل كما ي�أمل �إىل نتائج حا�سمة‬
‫يف هذا ال�صيف‪ .‬فهو مهما تغلغل واندفع اندفاعات جنونية‪ ،‬ف�أرا�ضي ال�سوفييت �شا�سعة‬
‫وا�سعة‪ ،‬واجلي�ش الأحمر �سليم‪ ،‬فهو �إذ ًا ينهك نف�سه ولن يطول الوقت حتى يح�صد نتائج‬
‫اندفاعاته اليائ�سة اجلنونية‪ ،‬وتتحق عندئذ نبوءة لوزوفكي يف حديثه الأخري حيث �شبه‬
‫احلرب بحفلة مالكمة فقال‪ :‬يف الدورة الأوىل تقدم الأملان‪ ،‬ويف الدورة الثانية تقدمنا نحن‪،‬‬
‫والآن يف ال��دورة الثالثة يتقدم الأمل��ان‪� ،‬أما يف ال��دورة الرابعة في�سقط الأمل��ان «نوك �آوت»‬
‫�أي كما ي�سقط املالكم منهوك ًا فيعد له احلكم حتى الع�شرة وال ي�ستطيع النهو�ض لإعيائه‬
‫فيخ�سر املعركة‪ ،‬ويكون الرابح هو املالكم الآخر‪ ،‬ولي�س هذا املالكم الآخر �سوى اجلي�ش‬
‫‪54‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫����������������������‬

‫الأحمر (ت�صفيق)‪.‬‬
‫�أجل! �إن عند االحتاد ال�سوفييتي قوة هائلة ي�ستطيع �أن يواجه بها طول �سنوات عديدة‬
‫كل ما يف الدنيا من قوى‪ ،‬ال قوى هتلر وحدها‪ .‬ولكن جميع �أحرار العامل ال يريدون ذلك‪،‬‬
‫جميعهم يريدون تق�صري �أمد احلرب‪ ،‬ولذلك يريدون التعجيل بفتح اجلبهة الثانية‪ .‬لقد‬
‫متكن احللفاء بف�ضل االحتاد ال�سوفييتي من جتنيد قوى هائلة خالل ال�سنة املا�ضية‪ ،‬ولقد‬
‫�آن لهذه القوى �أن تنزل �إىل املعركة‪ .‬وها هم ع�شرات الألوف من العمال الإنكليز الواعني‬
‫الثوريني‪ ،‬يتطوعون للنزول يف الطليعة �إىل �أر�ض القارة الأوروبية‪ .‬وها هم �أبناء فرن�سا‬
‫املنا�ضلة‪� ،‬إخوان �أيطال بري احلكيم‪ ،‬وعلى ر�أ�سهم اجلرنال ديغول‪ ،‬يعلنون ا�ستعدادهم‬
‫مهما كان الثمن للنزول �إىل الياب�سة ‪ ...‬و�إذا فـُتِحت اجلبهة الثانية حتولت �أوروبا من بركان‬
‫كامن �إىل بركان متفجر هائل حتت �أقدام هتلر‪ ،‬بف�ضل ب�سالة ال�شعوب الأوروبية التي تنتظر‬
‫نزول �أول جندي �إىل الرب للنهو�ض �إىل الإ�ضرابات والثورات امل�سلحة على الوح�ش النازي‪.‬‬
‫لأجل هذا تطلب ال�شعوب فتح اجلبهة الثانية ‪ ...‬والبد �أن تنجح ال�شعوب يف حتقيق هذا‬
‫املطلب‪.‬‬
‫ونحن على كل حال‪ ،‬مطمئنون �إىل م�صري االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬ح�صن احلرية الأكرب!‬
‫فلي�س يف الدنيا قوة قادرة على �سحق وطن لينني‪.‬‬
‫كال! �إن �أملانيا الهتلرية لن تنت�صر! ولن تتحول الدنيا �إىل مقربة معتمة �أو �سجن مظلم‬
‫�أو قفر جمدب يرتفع فوقه ال�صليب املعقوف وال ت�ستحق احلياة �أن ت�سمى فيه حياة! كال‪� .‬إن‬
‫الإن�سانية �أعظم و�أ�شرف و�أنبل من �أن تلقى هذا امل�صري (ت�صفيق)‪.‬‬
‫�ستنك�سر النازية‪ ،‬و�ستنت�صر احلرية‪ ،‬و�سرتفرف على الدنيا �أعالم احلرية والهناء‬
‫والثقافة‪ ،‬و�ست�سودها مبادئ اخلري والكرامة‪ ،‬و�سوف حتتل العروبة مكانها الالئق بها يف‬
‫هذا العامل اجلديد‪ ،‬وت�ساهم يف بناء املدنية اجلديدة‪ ،‬مدنية احلرية والنور‪ ،‬مدنية العمل‬
‫الفكري والإخ��اء‪ ،‬ونقف عندئذ نحن العرب �أم��ام الدنيا مرفوعي الر�أ�س‪ ،‬ونقول للعامل‬
‫�أجمع‪ :‬هذه املدنية‪ ،‬مدنية احلرية‪ ،‬هي من تراثنا ومن �صنعنا �أي�ضاً‪ ،‬نحن العرب‪ ،‬فقد‬
‫كان �أجدادنا �أول من قالوا‪« :‬متى ا�ستعبدمت النا�س وقد ولدتهم �أمهاتهم �أحراراً؟» (ت�صفيق‬
‫طويل وهتاف)‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪55‬‬

‫الطليعة‬
‫هام�ش‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ �إن�سيكلوبيديا‪ :‬دائرة معارف‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ كونفان�سيون‪ :‬جمل�س وطني‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ الأكلريو�س‪ :‬رجال الذين‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬

‫يف �سبيل اال�ستقالل واجلمهورية يف �سبيل‬
‫الإ�صالح والدميقراطية وحتقيق مطالب‬
‫ال�شعب‬
‫خالد بكدا�ش‬
‫اخلطاب ال��ذي �شرح فيه مر�شح ال�شعب خالد بكدا�ش برناجمه‬
‫االنتخابي �أمام ع�شرة �آالف مواطن يف املهرجان االنتخابي العظيم الذي‬
‫عقد يف دم�شق يف قاعة الر�شيد «لونابارك» ــ حزيران ‪./1947/‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪57‬‬

‫الطليعة‬

‫‪58‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫�أيها الأخوان ‪..‬‬
‫�أول انتخاب بعد اجل�لاء‪ ،‬و�أول انتخاب على درجة واح��دة! �أي �أول مرة يدعى فيها‬
‫ال�شعب ال�سوري �إىل �إثبات مت�سكه باال�ستقالل �أوالً‪ ،‬وفهمه للدميقراطية ثانياً!‬
‫�إنه المتحان عظيم!! ونحن واثقون ب�أن يف ا�ستطاعة �شعبنا �أن يجتاز االمتحان ب�شرف‪،‬‬
‫مرفوع الر�أ�س نا�صع اجلبني!‬

‫حتية ال�شهداء ‪...‬‬

‫غري �أن من واجبنا �أن نذكر �أولئك الذين مهدوا لنا ال�سبيل �إىل هذا االمتحان‪� :‬أولئك‬
‫الذين لوالهم ملا كان اجلالء‪ ،‬وملا كان هذا االنتخاب اجلديد من نوعه!‪..‬‬
‫�أج��ل �إن من واجبنا االنحناء لذكرى ال�شهداء امليامني الذين �صبغوا �أر���ض دم�شق‬
‫والغوطة بدمائهم الزكية يف معارك احلرية والكرامة الوطنية‪ ،‬من واجبنا �إر�سال حتيات‬
‫االحرتام والإخاء �إىل العمال‪� ،‬إىل التجار الذين �أ�ضربوا و�ضحوا طول �سنوات و�سنوات‪،‬‬
‫ولبوا نداء الوطن دون ح�ساب بتوا�ضع فيه كل معنى الكربياء وب�شعور القيام بالواجب دون‬
‫غطر�سة وال منة‪� .. ،‬إىل الفالحني‪� ،‬إىل الطالب‪� ،‬إىل املثقفني‪� ،‬إىل جميع الذين �ساهموا‬
‫خالل ثالثني عام ًا يف الن�ضال الطويل ال�شاق لأجل اجلالء واال�ستقالل‪� ،‬إليهم جميعاً‪ ،‬مهما‬
‫كان حزبهم‪ ،‬ومهما كان ر�أيهم‪ ،‬ومهما كان مذهبهم‪ ،‬ومهما كانت طبقتهم‪ ،‬ومهما كانت‬
‫قريتهم‪ ،‬ومهما كان حيهم ‪� ...‬إليهم جميعاً‪ ،‬حتية وطنية عربية �شعبية‪ ،‬حتية فيها كل معاين‬
‫الإخاء والوفاء واالحرتام والإجالل والإكبار‪.‬‬

‫الوطنية قبل كل �شيء ‪...‬‬

‫�أيها الأخوان ‪..‬‬
‫�إن هذه املعركة االنتخابية‪ ،‬هي معركة وطنية كربى! تلك حقيقة تدركها جيد ًا دم�شق‬
‫العربية املجاهدة الواعية! ولذلك نراها ت�سمع اجلميع‪ ،‬ولكنها تفح�ص القيم التي تعر�ض ‬
‫عليها‪ ،‬مبقيا�س الوطنية قبل كل مقيا�س!‬
‫هذا يباهي بعلمه‪ ،‬وهذا بجاهه‪ ،‬وهذا يعتمد على ماله‪ ،‬وهذا ي�ستند �إىل عائلته‪ ،‬وهذا‬
‫يعتز بالنزاهة‪ ،‬وهذا بالف�ضيلة‪ ،‬وهذا بقلمه ال�سيال‪ ،‬وهذا بف�صاحته‪ ،‬وهذا ببالغته ‪...‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪59‬‬

‫الطليعة‬

‫وهي جميع ًا قيم لها وزنها! ولكن كل ذلك ال يكفي يف نظر ال�شعب ال�سوري‪ .‬فهنالك قيمة هي‬
‫لدى ال�شعب فوق كل القيم‪ ،‬قيمة يطلبها �شعبنا قبل غريها‪ ،‬ثم يف �ضوئها يفح�ص كل القيم‬
‫الأخرى ‪ ...‬وهذه القيمة املثلى الكربى هي الوطنية‪ ،‬الوطنية احلقة ال�صادقة القائمة على‬
‫كره اال�ستعمار الأجنبي‪ ،‬الوطنية التي متثلت فيما م�ضى بجهاد القلم والل�سان واحلجارة‬
‫والر�صا�ص �ضد �سيطرة الأجنبي‪ ،‬والتي تتمثل اليوم بجهاد القلم والل�سان والر�صا�ص �أي�ض ًا‬
‫�إذا اقت�ضى الأمر‪ ،‬يف �سبيل �صون هذا اال�ستقالل وهذه اجلمهورية اللذين تركهما �شهدا�ؤنا‬
‫وديعة غالية يف �أعناقنا‪.‬‬

‫�أ�صبحت الوطنية �أو�سع معنى ‪...‬‬

‫غري �أن الوطنية ات�سع معناها يف �سوريا امل�ستقلة‪ .‬فهي اليوم تعني �أكرث و�أو�سع من كره‬
‫اال�ستعمار‪� .‬إنها تعني �أي�ض ًا حب احلرية‪ ،‬وحب الإ�صالح وحب ال�شعب‪ .‬و�إذا كان �شعبنا‬
‫يقابل عمالء اال�ستعمار بالنبذ واالحتقار مهما �أغدقوا على �أنف�سهم من �صفات النزاهة‬
‫والف�ضيلة وحب الإ�صالح‪ ،‬فهو ال يكفيه كذلك من رجاله الوطنيني �أن يعتزوا مبا�ضيهم‬
‫فح�سب‪� ،‬أو �أن يباهوا بكرههم لال�ستعمار الأجنبي فقط‪ ،‬ذلك لأن الوطنية ال�صادقة ينبغي‬
‫�أن تكون اليوم �شعبية‪ ،‬ينبغي �أن تفهم �أن اال�ستقالل ال يعزز كيانه‪ ،‬وال توطد دعائمه‪� ،‬إال يف‬
‫احلرية‪ ،‬ويف الإ�صالح و�إال بااللتفات �إىل ال�شعب‪ ،‬وال�شعور ب�آالمه‪ ،‬و�إدراك �آماله يف التحرر‬
‫من �أ�ساليب اال�ستعمار ومن العقليات احلميدية الإقطاعية! �إن ال�شعب ال�سوري يطمح �إىل‬
‫ال�سري �إىل �أمام يف طريق الرقي والدميقراطية‪ ،‬وهو طموح وطني م�شروع‪ ،‬لأن الوقوف‬
‫معناه املوت والرجوع �إىل وراء و�ضياع اال�ستقالل!‬

‫االحتاد يف الدفاع عن اال�ستقالل واجلمهورية ‪...‬‬

‫�أيها الأخوان ‪...‬‬
‫من هذه احلقيقة امل�ضاعفة التي متيز الو�ضع العام يف �سوريا‪� :‬أي وفاء ال�شعب لذكرى‬
‫�شهدائه الأبرار ومت�سكه بتقاليده الوطنية املجيدة �أوالً‪ ،‬ومن طموح ال�شعب �إىل التقدم يف‬
‫�سبيل الرقي والإ�صالح ثانياً‪ ،‬ن�ستلهم �شعاراتنا‪ ،‬ون�ستوحي برنامج ن�ضالنا يف كل امليادين‪،‬‬
‫مبا يف ذلك ميدان العراك االنتخابي اليوم‪ ،‬وميدان الن�ضال الربملاين غداً!‬
‫‪60‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫�إننا يف ال�سيا�سة الوطنية ندعو �إىل االحتاد الوطني يف �سبيل الدفاع عن اال�ستقالل‬
‫واجلمهورية وتوطيدهما! ذلك واجب وطني‪ ،‬وواجب عربي‪ ،‬وواجب �شعبي! ف�إذا فقدت‬
‫�سوريا ا�ستقاللها‪ ،‬ت�أخرت الق�ضية العربية يف جميع �أقطارها �أعوام ًا و�أعوام ًا �إىل وراء!‬
‫و�إذا حافظت �سوريا على ا�ستقاللها‪� ،‬سارت الق�ضية العربية �إىل �أمام وظل جمال التحرر‬
‫واالنعتاق ف�سيح ًا رحيب ًا �أمام جميع ال�شعوب العربية ال�شقيقة!‬
‫و�إذا فقدت �سوريا ا�ستقاللها �أ�صبح كل كالم عن الإ�صالح ومطالب ال�شعب هراء وعبثاً!‬
‫ف�إذا كان �شرط املحافظة على اال�ستقالل هو الإ�صالح وحتقيق مطالب ال�شعب‪ ،‬فباملقابل ال‬
‫ميكن الإ�صالح وحتقيق �أي مطلب من مطالب ال�شعب �إذا عاد االحتالل الع�سكري واحلكم‬
‫اال�ستعماري الأجنبي! والدليل الأول على ذلك ما قا�ساه �شعبنا طول ربع قرن من حكم‬
‫اال�ستعمار‪ ،‬والدليل الثاين على ذلك ما يلقاه �إخواننا العرب اليوم من عذاب و�آالم يف جميع‬
‫�أقطارهم املنكوبة باالحتالل واال�ستعمار حيث ال حقوق ال للعمال وال للفالحني وال للتجار‬
‫وال للطالب وال للمثقفني! وال حرية ال للنقابات وال للأحزاب وال لل�صحافة وال لالجتماعات‪.‬‬

‫�سوريا ت�ستطيع �صون ا�ستقاللها ‪...‬‬

‫وهل يف ا�ستطاعة �سوريا ال�صغرية‪� ،‬أن ت�صون ا�ستقاللها؟‬
‫�أجل! يف ا�ستطاعتها ذلك‪ ،‬باحتادها وت�ضامنها‪ ،‬ومبا عرف عنها من ب�سالة وجهاد‬
‫وثبات!‬
‫�إن امل�ستعمرين و�أبواقهم وعمالءهم يحاولون تثبيط عزائمنا مبختلف الدعايات‪� .‬إنهم‬
‫يهولون بخطر احلرب تارة وبقوة اال�ستعمار تارة �أخرى‪ ،‬وغايتهم �إيهامنا ب�أن لي�س �أمامنا‬
‫�سوى اال�ست�سالم مل�شيئتهم!‬
‫لقد كنت يف الغرب �أيها الأخوان‪ ،‬ور�أيت بعيني وهن هذه الدعايات وبطالنها!‬
‫فال خطر حرب جديدة يف العامل‪ .‬وال�سالم �سيدوم رغم جميع امل�ؤامرات واملحاوالت‪،‬‬
‫ذلك لأن �شعوب الدنيا ب�أ�سرها تكره احلرب وتريد ال�سالم!‬
‫�أما قوى اال�ستعمار فهي اليوم �أ�ضعف بكثري مما كانت قبل احلرب الأخرية‪ .‬ويف جميع‬
‫الأقطار وعي �شعبي متعاظم! فلي�س من ال�سهل اليوم الهجوم مبا�شرة وعلن ًا على �سيادة‬
‫ال�شعوب امل�ستقلة!‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪61‬‬

‫الطليعة‬

‫ولهذا نرى امل�ستعمرين الذين تغ�ص حلوقهم با�ستقالل �سوريا‪ ،‬ويريدون ن�سفه‪ ،‬ال‬
‫يجر�ؤون على مهاجمة هذا اال�ستقالل وجه ًا لوجه‪� ،‬إمنا يلج�أون �إىل اللف والدوران ويحاولون‬
‫تنفيذ م�آربهم ب�أ�شكال «م�شروعة» حتى يرموا امل�س�ؤولية على ال�شعب ال�سوري نف�سه!‬
‫امل�شاريع اال�ستعمارية ال ميكن فر�ضها على �سوريا بالقوة! ‪...‬‬
‫�إنهم يذهبون �إىل غايتهم تارة مبحاولة ربطنا بقيود ومعاهدات تنتق�ص من �سيادتنا‬
‫وا�ستقاللنا‪ ،‬وتارة عن طريق م�شاريع ا�ستعمارية مف�ضوحة يريدون فر�ضها علينا كم�شروع‬
‫�سوريا الكربى اال�ستعماري ال�صهيوين‪ ،‬وم�شروع الكتلة ال�شرقية‪� ،‬أو الكتلة الرتكية العربية‪،‬‬
‫التي ترمي �إىل �إجبارنا على التنازل عن حقنا يف لواء ا�سكندرونة �أوالً‪ ،‬والتمهيد لأحالم‬
‫الرجعية الرتكية ببعث �إمرباطورية ال�سالطني العثمانيني ثانياً!‬
‫وهي كما ترون م�شاريع ال ميكن فر�ضها علينا بالقوة‪� ،‬إمنا يلج�أ �أ�صحابها �إليها ب�أ�ساليب‬
‫ملتوية وذلك بالعمل لتفريق �صفوفنا الوطنية‪ ،‬لإ�ضعافنا داخلي ًا من جهة ثم بتطويقنا‬
‫خارجي ًا من جهة �أخرى!‬
‫وما هذه املعاهدات الأردنية الرتكية‪ ،‬والعراقية الأردنية‪ ،‬والرتكية العراقية الأخرية‪،‬‬
‫�إال حماوالت لتطويق �سوريا و�إ�ضعافها و�إجبارها على الر�ضاء بالنري اال�ستعماري من جديد!‬
‫غري �أن ال�شعب ال�سوري يفهم جيد ًا كل هذه املناورات اال�ستعمارية ويرف�ضها! �إنه‬
‫يرف�ض م�شروع �سوريا الكربى اال�ستعماري ال�صهيوين الذي ي�ستهدف احتالل �سوريا من‬
‫جديد‪ ،‬والتمهيد لتق�سيم فل�سطني!‬

‫يف ال�سيا�سة العربية‬
‫ال�شعب ال�سوري لن يتخلى عن حقه يف لواء ا�سكندرونة ‪...‬‬

‫�إن ال�شعب ال�سوري يرف�ض م�شروع الكتلة ال�شرقية وال ين�سى ما قا�ساه يف ظل اال�ستعمار‬
‫الرتكي طول قرون من �سيا�سة الترتيك والإرهاب وامل�شانق‪� ،‬إنه يرى بعينيه اليوم ما تلقاه‬
‫القوميات املختلفة من عرب و�أك��راد و�أرم��ن يف ظل الرجعية الرتكية من ا�ضطهاد وظلم‬
‫وع�سف‪ ،‬وهو يعلن �أمام امللأ �أجمع‪� ،‬إن ت�شمربلن الربيطاين وبونه الفرن�سي اللذين تربعا‬
‫با�سكندرونة لرتكيا ما كانا ليملكان �أي حق يف ذلك‪ ،‬لأن هذا اللواء لي�س �أر�ض ًا بريطانية �أو‬
‫‪62‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫�أر�ض ًا فرن�سية‪� ،‬إمنا هو �أر�ض �سورية عربية ل�شعبنا وحده حق الت�صرف بها‪ ،‬ونحن لن نتخلى‬
‫عن حقنا يف هذه الأر�ض بل �سننا�ضل دون هوادة حتى يرجع اللواء �سليم ًا تام ًا كام ًال �إىل‬
‫�أمه اجلمهورية ال�سورية العربية امل�ستقلة‪.‬‬
‫�أجل‪� ،‬إننا نرف�ض م�شاريع اال�ستعمار‪� :‬إن �شعب ًا كال�شعب ال�سوري العربي لي�س من ال�سهل‬
‫�إخ�ضاعه وا�ستعباده! وهذا هو التاريخ �أكرب دليل!‬
‫�إننا ال ن�ؤخذ بالتهويل والطغيان والتجرب! �إن كل تراثنا القومي العربي يعلمنا �أن‬
‫امل�ستقبل للحرية‪ ،‬لل�شعب‪ ،‬و�أن العاقبة للم�ست�ضعفني! ومهما طغى فراعنة اال�ستعمار يف‬
‫لندن ووا�شنطن‪ ،‬ومهما تثعلب تالميذ هامان يف عمان و�أنقرة وبغداد وتالميذ تالميذهم يف‬
‫دم�شق‪ ،‬ف�إننا نقف �أمامهم �أقوياء العزمية‪ ،‬ونهتف يف وجوههم بالآية الكرمية‪:‬‬
‫«�إن فرعون عال يف الأر�ض وجعل �أهلها �شيع ًا ي�ست�ضعف طائفة منهم يذبح �أبناءهم‬
‫وي�ستحيي ن�ساءهم �إنه كان من املف�سدين‪ ،‬نريد �أن منن على الذين ا�ست�ضعفوا يف الأر�ض ‬
‫وجنعلهم �أئمة وجنعلهم الوارثني‪ ،‬ومنكن لهم يف الأر�ض ونري فرعون وهامان وجنودهما‬
‫منهم ما كانوا يحذرون»‪.‬‬
‫�صدق احلق! ‪� ..‬إن الذين ا�ست�ضعفوا يف الأر�ض‪� ،‬سواء كانوا �شعوب ًا �أو �أفراد ًا فالعاقبة‬
‫لهم وهم الوارثون؟‬

‫اجلالء عن ال�شرق العربي ــ والت�ضامن مع فل�سطني! ‪...‬‬

‫�أما يف ال�سيا�سة العربية والدولية‪ ،‬ف�إن واجب الإخاء العربي �أوالً‪ ،‬وم�صلحة اال�ستقالل‬
‫واجلمهورية يف �سوريا ثانياً‪ ،‬يوجبان علينا الت�ضامن مع جميع ال�شعوب العربية ال�شقيقة‬
‫يف ن�ضالها ال�شاق �ضد اال�ستعمار واحلكم الرجعي والإرهاب‪ ،‬يف �سبيل ا�ستقاللها وجالء‬
‫اجليو�ش الأجنبية عن ديارها!‬
‫ويف ر�أ�س الق�ضايا العربية‪ ،‬ق�ضية فل�سطني ال�شقيقة الذبيحة املنكوبة ب�آفة مزدوجة هي‬
‫اال�ستعمار وال�صهيونية! ونحن‪� ،‬ش�أننا يف كل اجتماع �أو مظاهرة �أو بيان‪ ،‬نعلن اليوم من هذا‬
‫احلفل االنتخابي الذي ميثل فيه �شعب دم�شق والغوطتني �أح�سن متثيل‪ ،‬اي يتمثل فيه قلب‬
‫�سوريا الناب�ض‪ ،‬نعلن مرة �أخرى‪ ،‬مهما كانت نتائج هذه التحقيقات التي ال تنتهي‪ ،‬ومهما‬
‫كانت قرارات الهيئات الدولية‪� ،‬إن ال�شعب ال�سوري مت�ضامن مع جميع ال�شعوب العربية يف‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪63‬‬

‫الطليعة‬

‫الن�ضال لأجل احلل الوحيد الذي ميكن �أن ي�ؤدي �إىل اال�ستقرار وال�سالم يف فل�سطني وكل‬
‫ال�شرق الأو�سط‪ ،‬وهو‪� :‬إلغاء االنتداب واال�ستقالل واجلالء و�إقامة حكم دميقراطي ووقف‬
‫الهجرة ال�صهيونية ورف�ض كل م�شروع يرمي �إىل التق�سيم �أو �إقامة دولة يهودية يف فل�سطني!‬
‫عا�ش ت�ضامن ال�شعوب العربية يف �سبيل فل�سطني ال�شقيقة العزيزة ال�شهيدة‪.‬‬

‫يف ال�سيا�سة الدولية‬
‫�أما يف ال�سيا�سة الدولية‪ ،‬ف�إن مقت�ضيات الدفاع عن ا�ستقاللنا وجمهوريتنا‪ ،‬وكذلك‬
‫مقت�ضيات امل�ساعدة الأخوية التي ينبغي �أن نبذلها لل�شعوب العربية ال�شقيقة‪ ،‬ثم م�صلحة‬
‫حا�ضرنا وم�ستقبلنا كلها تق�ضي علينا بال�سري يف امليدان الدويل على �سيا�سة م�ستقلة‪ ،‬ال‬
‫ت�سري يف ركاب �أية دولة وال �أية كتلة من الدول‪ ،‬بل تعمل مع جميع �شعوب العامل لتوطيد‬
‫ال�سالم تبع ًا ملبادئ التعاون الدويل وميثاق الأمم املتحدة‪ ،‬مع الدفاع عن حق جميع الأمم‬
‫يف اال�ستقالل وال�سيادة وامل�ساواة!‬
‫هذه هي ال�سيا�سة الوطنية‪ ،‬والعربية‪ ،‬والدولية‪ ،‬التي نعاهدكم‪ ،‬نعاهد الوطن وال�شعب‪،‬‬
‫�أن نتابع الن�ضال يف �سبيلها حتت قبة الربملان‪ ،‬ب�صالبة وجر�أة وعناد دون �أن يثنينا عن ذلك‬
‫وعد وال وعيد وال ترغيب وال ترهيب‪.‬‬

‫يف ال�سيا�سة الداخلية‬
‫التدرج يف طريق الدميقراطية والإ�صالح ال�شامل! ‪...‬‬

‫�أم��ا من الناحية املتعلقة بال�ش�ؤون الداخلية‪ ،‬فنحن نعتقد �أن م�صلحة اال�ستقالل‬
‫واجلمهورية تق�ضي بالتدرج يف طريق الإ�صالح والرقي والدميقراطية!‬
‫وال�شرط الأول لذلك هو �إطالق احلريات العامة التي ين�ص عليها الد�ستور ال�سوري لكي‬
‫يت�سع املجال �أمام ال�شعب لإطالق حيويته املبدعة اخلالقة!‬
‫�إن احلكم الأجنبي قد خلف يف بالدنا �آث��ار ًا و�أ�ساليب ا�ستعمارية �إقطاعية رجعية‬
‫يف احلكم والإدارة ال تليق باال�ستقالل وينبغي �أن تزول! ‪ ...‬ينبغي �إطالق حرية الكالم‬
‫‪64‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫واالجتماع وت�أليف الأح��زاب الوطنية والنقابات! ينبغي �إط�لاق حرية ال�صحافة وكذلك‬
‫حرية �إ�صدار ال�صحف التي ال يجوز �أن تبقى معلقة ب�إرادة حاكم �أو تقدير وزير! يجب �إلغاء‬
‫التعطيل الإداري لل�صحف‪ ،‬فمن العار �أن يبقى هذا الإرث اال�ستعماري يف ظل اال�ستقالل‬
‫واجلمهورية!‬
‫�إن ال�شعب ال�سوري يفهم احلرية وال ي�سيء ا�ستعمالها كما زعم امل�ستعمرون �سابقاً‪ ،‬وكما‬
‫يزعم بع�ض الإقطاعيني الرجعيني اليوم! ‪ ...‬انظروا هذه احلرية التي جتري فيها اليوم‬
‫الدعاية االنتخابية‪ ،‬والتي ن�أمل �أن ت�ستمر �إىل النهاية‪� ،‬ألي�ست دلي ًال على �أن ال�شعب ال�سوري‬
‫يعرف كيف ميار�س حرية الن�شر واالجتماع والدعاية؟ ‪� ...‬أما �إذا كان ثمة نفر �ضئيل من‬
‫عمالء الأجنبي يحاولون ا�ستغالل هذه احلرية لتفرقة ال�صفوف والطعن يف مقد�سات‬
‫النا�س و�أعرا�ضهم‪ ،‬ف�إن ه�ؤالء ال ميثلون ال�شعب ال�سوري‪ ،‬بل كانوا دائم ًا غرباء عنه وحرب ًا‬
‫على ن�ضاله الوطني وال�شعب ينبذهم‪ ،‬بل يطلب وقفهم عند حدهم �صون ًا للم�صلحة الوطنية‬
‫العليا‪ ،‬و�صون ًا ب�سمعة ال�شعب ال�سوري‪ ،‬وحر�ص ًا على مكانة اجلمهورية ال�سورية العربية‬
‫امل�ستقلة �أمام الر�أي العام العاملي‪.‬‬

‫انبذوا مثريي النعرات الدينية مفرقي ال�صفوف ‪...‬‬

‫�أيها الأخوان ‪..‬‬
‫�إن الد�ستور ال�سوري ين�ص على ت�أمني امل�ساواة بني جميع ال�سوريني على اختالف‬
‫عنا�صرهم و�أديانهم‪ ،‬كما ي�ضمن للجميع حرية العبادة‪ ،‬وذلك من التقاليد العربية القدمية‬
‫التي �ضرب فيها اخللفاء يف �صدر الإ�سالم وبعده �أمثلة رائعة‪ ،‬وال�شعب ال�سوري امل�ستقل‬
‫يريد اليوم متابعة هذه التقاليد احلرة ال�سمحاء!‬
‫�إن العقيدة الدينية مل تكن يوم ًا من الأيام مو�ضع خالف �أو �شقاق بني ال�سوريني! وقد‬
‫�سارت احلركة الوطنية يف �سوريا طول ربع قرن جتمع يف �صفوفها‪ ،‬ويف قيادتها‪ ،‬جميع‬
‫املواطنني ال�سوريني على اختالف �أديانهم‪ ،‬ويف املعارك امل�سلحة �أو معارك ال�شوارع �ضد‬
‫اال�ستعمار‪ ،‬مل يكن املواطن ي�س�أل �أخاه ما دينك وما مذهبك‪� ،‬إمنا كانوا جميع ًا �صف ًا واحد ًا‬
‫جتمعهم �أخوة ال�سالح يف خدمة الوطن! وقد ف�شل اال�ستعمار دائم ًا ف�ش ًال ذريع ًا يف حماوالته‬
‫الرامية �إىل �إثارة التع�صب الديني والتفرقة املذهبية بني �أبناء �سوريا! وكان ذلك من �أهم‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪65‬‬

‫الطليعة‬

‫�أ�سباب جناح وطننا يف االنت�صار على اال�ستعمار ويف حتقيق اجلالء واال�ستقالل!‬
‫فالوفاء لهذا املا�ضي الوطني املجيد يق�ضي علينا مبتابعة ال�سري يف هذه الطريق‪ ،‬و�إن‬
‫جميع الوطنيني الدميقراطيني يف �سوريا‪ ،‬ونحن منهم‪ ،‬يفهمون هذه ال�ضرورة الوطنية‬
‫الكربى! ف�إننا حزب �سيا�سي وطني �شعبي‪ ،‬يجمع يف �صفوفه جميع املواطنني ال�سوريني من‬
‫عمال وفالحني ومثقفني ومنتجني كادحني‪ ،‬دون تفريق يف مذاهبهم و�أديانهم وعنا�صرهم‪.‬‬
‫ونحن نفهم جيد ًا �أن م�صلحة الوطن وال�شعب توجب احرتام العقائد الدينية لدى اجلميع‪،‬‬
‫بل نقول كما قلنا دائماً‪� ،‬إن مَ نْ يتهجم على عقائد املواطنني الدينية‪� ،‬إمنا يفرق ال�صفوف‬
‫ويخدم م���آرب اال�ستعمار‪ ،‬فلنتابع �إذن يا �أخ��واين تقاليد �سوريا الوطنية‪ ،‬تقاليد الإخاء‬
‫والتحابب حتت راية الوطن‪ ،‬ولننبذ دعاة التفرقة وال�شَ قاق‪ ،‬ولن�سر �إىل �أمام حتت ال�شعار‬
‫الكبري‪« :‬الدين هلل والوطن للجميع»‪.‬‬

‫�صون الرثوة الوطنية ــ من تغلغل الر�أ�سمال الأجنبي ‪...‬‬

‫وثمة �شرط رئي�سي لل�سري �إىل �أمام ولتوطيد ا�ستقالل �سوريا‪ ،‬هو �صون ثروتنا الوطنية‬
‫من تغلغل الر�أ�سمال الأجنبي و�سيطرته‪� ،‬سواء عن طريق القرو�ض اال�ستعمارية �أو عن‬
‫طريق ال�شركات االحتكارية! يجب �أن ت�ستثمر بالدنا خرياتها ومرافقها بنف�سها ولنف�سها!‬
‫�إننا نبتهج لهذه النه�ضة ال�صناعية الوطنية التي بد�أت بعد اجلالء! وخري لنا �أن ن�سري‬
‫فيها رويد ًا رويداً‪ ،‬على �أن تكون لنا‪ ،‬من �أن ن�سمع �إىل دعاة القرو�ض واالحتكارات الذين‬
‫يحاولون �إغراءنا بالنه�ضة ال�سريعة! ‪ ..‬كما لو كنا �أطفا ًال يف �سن الر�ضاع ال نفهم �أن هذه‬
‫النه�ضة ال�سريعة املزعومة �ستكون نه�ضة الر�أ�سمال الأجنبي ال الر�أ�سمال الوطني و�ستعود‬
‫�آخر الأمر ب�أفظع الويالت على �صناعتنا وزراعتنا بل وعلى ا�ستقاللنا ال�سيا�سي و�سيادتنا‬
‫الوطنية �أي�ضاً!‬
‫�إننا نقول للر�أ�سماليني الوطنيني ال�سوريني‪� :‬سريوا يف طريق الإنتاج الوطني‪ ،‬ونحن‬
‫معكم‪ ،‬وعمال �سوريا معكم‪ ،‬يف ال�سعي لتقدمه وازده��اره‪ ،‬وهم ال يطلبون �إال �شيئ ًا واحد ًا‬
‫هو �أن تذكروا �أنهم مواطنون لهم �أمهات و�أخوات و�أطفال‪ ،‬ولهم حق الثقافة وال�صحة‪... ،‬‬
‫وهم م�ستعدون جتاه ذلك �أن يت�ضامنوا معكم كل الت�ضامن يف حماربة اخلطر الأكرب الذي‬
‫يهدد ال�صناعة الوطنية‪ ،‬وهذا اخلطر الأكرب لي�س العمال وال النقابات وال خالد بكدا�ش �إمنا‬
‫‪66‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫هو املزاحمة الأجنبية‪ ،‬هو الر�أ�سمال الأجنبي اال�ستعماري‪ ،‬الذي يريد �أن يتغلغل يف بالدنا‬
‫لهدم ال�صناعة الوطنية‪ ،‬وال�سيطرة على حياة �سوريا االقت�صادية!‬
‫�أج��ل‪ ،‬يجب �إنعا�ش ال�صناعة الوطنية‪ ،‬وت�شجيع الر�أ�سمال الوطني املنتج‪ ،‬بجميع‬
‫الو�سائل‪ ،‬بت�سهيل ا�سترياد الآالت واملواد الأولية‪ ،‬وبتخفي�ض ال�ضرائب‪ ،‬وخ�صو�ص ًا ب�إنعا�ش‬
‫ال�سوق الداخلية‪� ،‬أي بتح�سني حالة اجلماهري ورفع قدرة امل�ستهلكني على ال�شراء‪.‬‬

‫العمال و�أ�صحاب العمل الوطنيون! ‪...‬‬

‫�إن العمال ال يغالون وال يتطرفون‪� ،‬إمنا يطلبون احرتام حقوقهم الواردة يف قانون العمل‬
‫وتطبيقها خ�صو�ص ًا يف ال�شركات الأجنبية وامل�شاريع الكربى‪ ،‬وهم �إذا كانوا يطلبون تعديل‬
‫هذا القانون بحذف املواد الرجعية منه و�إلغاء القيود املو�ضوعة على حرية النقابات‪ ،‬ف�إنهم‬
‫جميع ًا يفهمون حالة �صغار �أ�صحاب الأعمال و�أ�صحاب احلرف الوطنيني‪ ،‬وال يريدون‬
‫�إرهاقهم مبطالب هي فوق طاقتهم بل �إن العمال الواعني جميع ًا يريدون التوفيق بني م�صلحة‬
‫الطبقة العاملة وم�صلحة �صغار �أ�صحاب العمل الوطنيني‪ ،‬على قاعدة الت�ضامن الوطني يف‬
‫خدمة �سوريا العزيزة‪ ،‬ويف تعزيز نه�ضتها االقت�صادية يف ظل اال�ستقالل واجلمهورية!‬
‫الفالح ال�سوي ـ يجب �أن ي�صبح مواطن ًا ممتازاً!! ‪...‬‬
‫ولكن �ألي�س من الوا�ضح امللمو�س �أيها الأخوان �أن تقدم ال�صناعة الوطنية مرتبط برتقية‬
‫الزراعة وبتح�سني حالة الفالح؟ ‪� ...‬إن الإنتاج ال�صناعي الوطني عندنا البد له من االعتماد‬
‫يف الدرجة الأوىل على ال�سوق الداخلية‪ ،‬فكيف ي�ستطيع �أن يتطور و�أن يجد م�ستهلكني �إذا‬
‫كانت الزراعة رازحة حتت نري الأ�ساليب الإقطاعية‪ ،‬و�إذا كان الفالح فقري ًا مت�أخر ًا ذا دخل‬
‫قليل‪ ،‬ال ي�ستطيع �شراء ثوب واحد كل ثالث �سنوات بل �أكرث؟‪...‬‬
‫ولذلك فنحن �إذا كنا نطلب رفع م�ستوى الإنتاج الزراعي با�ستعمال الو�سائل الفنية‬
‫احلديثة‪ ،‬ف�إننا نطلب قبل كل �شيء حت�سني حالة الفالح و�إنقاذه من بقايا الإقطاعية‪،‬‬
‫وتخفي�ض ال�ضرائب والر�سوم على حم�صوالته‪ ،‬وحماية منتجاته من احل�شرات والأمرا�ض‪،‬‬
‫وت�سهيل املوا�صالت بني القرية واملدينة‪ ،‬وفتح املدار�س يف القرى وت�أمني مياه ال�شرب‬
‫النظيفة للفالحني‪ ،‬والعناية ب�ش�ؤون ال�صحة يف الأرياف‪ ،‬ويجب �أن يكون لفالحي الغوطة‬
‫الن�صيب الأوفر من العناية‪ ،‬ف�إذا كانت كل �سوريا قد نا�ضلت اال�ستعمار و�ضحّ ت‪ ،‬فمن ينكر‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪67‬‬

‫الطليعة‬

‫�أن الغوطة قد ا�صطبغت بالدماء‪� ،‬أكرث من غريها‪ ،‬و�أ�صابها من الظلم اال�ستعماري ما مل‬
‫تذقه �أية منطقة يف وطننا؟ ‪ ..‬فهل كثري �أن يطلب اليوم فالحو الغوطة الأ�شاو�س مكافحة‬
‫املالريا‪ ،‬وجتفيف امل�ستنقعات‪ ،‬وتوفري املياه النظيفة‪ ،‬وفتح الطرقات وتعبيدها‪ ،‬و�إي�صال‬
‫الكهرباء �إىل القرى‪ ،‬و�إيجاد الت�سهيالت الكافية �أمامهم لبيع حم�صوالتهم ومنتجات‬
‫موا�شيهم يف دم�شق؟‪..‬‬
‫لقد �أراد اال�ستعمار جعل الفالح مواطن ًا مهم ًال ال حق له‪ ،‬وكان من عوائد امل�ست�شارين‬
‫�ضرب الفالحني بال�سياط دون ح�ساب‪� ،‬أما اليوم فيجب �أن تزول هذه التقاليد املخجلة!‬
‫يجب الكف عن اعتبار الفالح ال�سوري مواطن ًا من الدرجة الثانية �أو الثالثة‪� ،‬إن الفالح‬
‫ال�سوري لي�س مواطن ًا من الدرجة الأوىل فقط‪ ،‬بل يجب �أن ي�صبح مواطن ًا ممتاز ًا لأن من‬
‫عرق جبينه ودمائه تنتج معظم خريات هذا الوطن‪.‬‬

‫الطبقات املتو�سطة!‬

‫�أيها الأخوان ‪..‬‬
‫�إن الطبقات املتو�سطة ت�ؤلف ق�سم ًا كبري ًا هام ًا من ال�شعب يف بالدنا‪ ،‬فال ميكن �أن تقوم‬
‫نه�ضة عامة �شاملة �إذا مل يكن من �أ�س�سها رعاية م�صالح �صغار التجار و�أ�صحاب احلرف‬
‫واملنتجني الكادحني عموم ًا وحمايتهم من �أخطار الإفال�س والك�ساد‪ ،‬مبختلف الو�سائل‪.‬‬
‫وبني �أبناء هذه الطبقة �أولئك الكادحون ب�أدمغتهم‪ ،‬من املعلمني والأ�ساتذة والق�ضاة و�صغار‬
‫املوظفني بوجه عام‪ ،‬ولهم جميع ًا دور هام كبري يف ال�سري ب�سوريا العزيزة �إىل �أمام!‪..‬‬
‫�إن ال�شعب ال�سوري يجل املعلمني والأ�ساتذة ويحرتمهم ويدرك وط�أة عملهم املرهق‪،‬‬
‫وي�ؤيدهم كل الت�أييد عندما ينا�ضلون يف �سبيل مطالبهم امل�شروعة‪.‬‬
‫�إن ال�شعب يطلب حت�سني جهاز الدولة بروح الدميقراطية ويطلب حماربة املح�سوبية‬
‫والر�شوة‪ ،‬ويطلب ت�سهيل معامالت النا�س بروح امل�ساواة‪ ،‬كما يطلب العناية ب�صغار املوظفني‬
‫ورفع م�ستواهم‪ ،‬املادي والثقايف‪ ،‬حتى ي�ستطيعوا القيام بواجبهم على �أح�سن وجه يف رعاية‬
‫م�صالح املواطنني!‬

‫‪68‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫توزيع ال�ضرائب بعدل ــ ومكافحة الغالء والبطالة ‪...‬‬

‫و�إذا كان بناء الدولة يقت�ضي نفقات كثرية‪ ،‬فواجب العدل‪ ،‬بل واجب الت�ضامن القومي‪،‬‬
‫يق�ضي ب�أن يدفع كل مواطن ح�سب مقدرته‪ ،‬وذلك ب�أن توزع ال�ضرائب توزيع ًا عادالً‪ ،‬فتكون‬
‫مت�صاعدة تدريجي ًا على الأرباح الكبرية‪ ،‬مع تخفي�ضها بوجه عام على الأرباح ال�صغرية‬
‫وخ�صو�ص ًا على دخل العمال واحلرفيني و�صغار املنتجني يف املدينة والقرية!‬
‫ومهما تنوعت الدعايات‪ ،‬فلي�س من ال�سهل �إقناع جماهري ال�شعب ال�سوري ب�أن هذا‬
‫الغالء احلايل هو �شيء طبيعي! ‪� ...‬إنه غالء م�صطنع‪ ،‬وهو وليد االحتكار �أحياناً‪ ،‬ووليد‬
‫التالعب بالأ�سعار �أحيان ًا �أخرى‪ ،‬وال ي�ستفيد منه على كل حال �سوى نفر من كبار املحتكرين!‬
‫فمن املمكن ومن الواجب مكافحة هذا الغالء‪ ،‬وذلك مبحاربة االحتكار‪ ،‬ومنع التالعب‬
‫بالأ�سعار واتخاذ جميع الو�سائل املجدية يف هذا ال�سبيل!‬
‫ومما يزيد يف وط�أة ذلك كله‪� ،‬أن البطالة �آخذة باالنت�شار بني العمال والكادحني جميع ًا‬
‫يف املدينة والقرية! ‪� ...‬صحيح �أن معاجلة البطالة لي�ست بالأمر ال�سهل‪ ،‬ولكنها ممكنة‬
‫متاماً! ‪ ..‬ففي ا�ستطاعة �سوريا امل�ستقلة �إيجاد م�شاريع لت�شغيل العمال واملثقفني العاطلني‬
‫عن العمل!‬

‫ن�شر العلم وحماية العائلة ال�سورية وت�شجيع الريا�ضة! ‪...‬‬

‫وم��ن مقومات النه�ضة الوطنية‪ ،‬تعزيز �ش�أن املهن احل��رة‪ ،‬من �أطباء ومهند�سني‬
‫وحمامني وكتاب ومفكرين‪ ،‬ورفع مكانة رجال العلم والفن و�إحياء الرتاث الفكري العربي‪،‬‬
‫ون�شر الثقافة يف املدن والقرى‪ ،‬وجعل التعليم االبتدائي املجاين �إجباري ًا للجميع‪ ،‬كما ين�ص ‬
‫الد�ستور ال�سوري!‬
‫وعلينا �أن ن�سمع �صوت الأم ال�سورية‪ ،‬التي تريد لوطنها ن�شئ ًا �صحيح ًا �سليم ًا مثقفاً‪،‬‬
‫وذلك بحماية العائلة ال�سورية من �أخطار الب�ؤ�س واجلهل ورفع م�ستوى امل��ر�أة‪ ،‬والعناية‬
‫ب�صحة الطفل‪ ،‬ون�شر الريا�ضة وت�شجيعها‪ ،‬والعناية بالنا�شئة وال�شباب فهم دائم ًا عن�صر‬
‫الأمة احليوي الوثاب‪ ،‬هم اجليل ال�صاعد الذي يحمل يف قلبه م�ستقبل هذا الوطن العزيز‬
‫الغايل!!‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪69‬‬

‫الطليعة‬

‫يجب �أن تتابع �سوريا �سريهايف طريق الإ�صالح والدميقراطية‬
‫‪...‬‬

‫�أيها الأخوان‪..‬‬
‫لقد �سارت �سوريا العربية خطوات �إىل �أمام بعد اجلالء ويف ظل اال�ستقالل! ويجب �أن‬
‫تتابع هذا ال�سري دون وقوف‪ ،‬يف طريق الإ�صالح والدميقراطية! �إن الب�ؤ�س واجلهل‪ ،‬والغالء‬
‫والبطالة‪ ،‬هي الثغرات الرئي�سية التي ميكن �أن يت�سرب منها �أعداء اال�ستقالل واجلمهورية‪،‬‬
‫فلنتكاتف جميع ًا ل�سد هذه الثغرات حتى نقطع الطريق على الرجعيني‪ ،‬مفرقي ال�صفوف‪،‬‬
‫وعمالء اال�ستعمار الأجنبي!‬

‫�إننا ن�ستمد برناجمنا من واقع بالدنا ومن حاجات �شعبنا‬

‫هذا برناجمنا‪ ،‬وهذه �سيا�ستنا العامة‪ :‬ن�ستمدها من واقع بالدنا‪ ،‬من خ�صائ�صنا‬
‫القومية‪ ،‬من م�صلحة وطننا‪ ،‬من حاجات �شعبنا!‬
‫�إن لكل �شعب طريقه نحو احلرية ال�شاملة! ونحن لنا طريقنا اخلا�ص �إليها‪� ،‬إنه طريق‬
‫ب�سيط وا�ضح‪ :‬هو �صون اال�ستقالل واجلمهورية وتوطيدهما‪ ،‬مع التدرج‪� ،‬أو على الأ�صح‬
‫بالتدرج‪ ،‬يف طريق الرقي والدميقراطية والإ�صالح ال�شامل!‬
‫�إننا نريد دولة قوية‪ ،‬ولكننا ال نريدها قوية على ال�شعب بل قوية بال�شعب‪ ،‬قوية بت�أييد‬
‫جماهري �شعبنا الكادحة الأبيّة‪.‬‬

‫يوم االنتخاب ــ ليكن يوم مناف�سة �أخوية! ‪..‬‬

‫�إننا ال نحكم على النا�س ح�سب ميولهم‪ ،‬ومراكزهم االجتماعية‪� ،‬إمنا نحكم عليهم‬
‫ح�سب وطنيتهم‪ ،‬وح�سب حبهم لل�شعب‪ ،‬ونحن مند لهم جميع ًا يد الإخاء‪ ،‬يد االحتاد‪ ،‬يف‬
‫�سبيل توطيد اال�ستقالل واجلمهورية‪ ،‬وال�سري �إىل �أمام يف طريق احلرية والدميقراطية!‬
‫�أجل‪ ،‬ليكن يوم االنتخاب يوم مناف�سة �أخوية يف الن�ضال لأجل اال�ستقالل واجلمهورية‪،‬‬
‫يوم مناف�سة �أخوية يف خدمة الوطن وال�شعب!‬
‫لنربهن للعامل �أجمع مت�سكنا باال�ستقالل‪ ،‬وفهمنا للدميقراطية!‬
‫‪70‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا بلاطم قيقحتو ةيطارقميدلاو حالصإلا ليبس يف ةيروهمجلاو لالقتسالا ليبس يف‬

‫�إن ما يجري يف عمان �أو بغداد �أو بريوت ـ ال ميكن �أن يجري يف دم�شق ‪...‬‬
‫و�إن هناك من يريدون بلبلة الأفكار وتفرقة ال�صفوف‪ ،‬فيهولون علينا قائلني‪� :‬إن‬
‫االنتخابات �ستكون مهزلة‪ ،‬و�سيجري هنا ما يجري يف بريوت من تزوير و�ضغط و�إرهاب!‬
‫�أما نحن فال نريد �أن نعتقد �أن حتت �سماء �سوريا من حتدثه نف�سه مبثل ذلك! �إننا‬
‫ن�أمل ونطلب من جميع امل�س�ؤولني العمل بروح ت�صريحات الرئي�س �شكري القوتلي عن حرية‬
‫االنتخابات واحلياد فيها!‬
‫وبعد‪ ،‬فهل من املمكن غري ذلك يف �سوريا ويف دم�شق العربية بوجه خا�ص؟ ‪ ...‬كال! ثم‬
‫كال! ‪ ...‬لقد كنا نقول دائم ًا �إن ما يجري يف عمان �أو بغداد‪ ،‬ال ميكن �أن يجري يف دم�شق‪،‬‬
‫واليوم نقول �إن ما جرى يف بريوت �أي�ض ًا ال ميكن �أن يجري يف دم�شق!‬
‫وبربكم قولوا‪� :‬أال يدل التاريخ على �أن برملان ًا مزور ًا ال ي�ستطيع �أن يجتمع يف دم�شق �إال‬
‫بحرا�سة الدبابات‪ ،‬وبحماية الر�شا�شات؟ ‪ ...‬هذا �إذا ا�ستطاع االجتماع! ‪ ...‬ف�أي وطني‬
‫يجهل ذلك؟‪..‬‬
‫كال! ثم كال! �ستربهن �سوريا العربية �إنها �أ�صبحت بعد اجلالء‪ ،‬زهرة تفوح منها عطور‬
‫الدميقراطية واحلرية‪� ،‬ضمن عامل غارق يف ظالم االحتالل الأجنبي والإرهاب والرجعية‪،‬‬
‫فتظل بذلك‪ ،‬كما كانت دائماً‪ ،‬نربا�س ًا وطني ًا م�شع ًا يجذب �أنظار ماليني العرب يف جميع‬
‫�أقطارهم وديارهم!‬

‫�إىل الأمام!‬

‫ف�إىل الأمام يا �إخواين ولتكن هذه املعركة االنتخابية معركة احلرية والدميقراطية! �إىل‬
‫الأمام‪ ،‬يف �سبيل اال�ستقالل واجلمهورية! يف �سبيل الإ�صالح والتقدم والرقي!‬
‫عا�شت �سوريا جمهورية حرة م�ستقلة دميقراطية!‬
‫عا�ش ت�ضامن ال�شعوب العربية يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل واحلرية!‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪71‬‬

‫الطليعة‬

‫‪72‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫الذكرى املئوية مليالد الرفيق خالد بكدا�ش‬

‫ن�ضال ال�شعوب العربية يف �سبيل اجلالء‬
‫واال�ستقالل واحلرية ‪ ..‬جزء من ق�ضية‬
‫ال�سالم والدميوقراطية يف العامل‬
‫خالد بكدا�ش‬
‫خطاب خالد بكدا�ش يف م�ؤمتر الأحزاب ال�شيوعية بلندن ‪1947‬‬

‫يف ‪� /22/‬شباط املا�ضي (ع��ام ‪ /1947/‬ـ امل��ح��رر) عقد يف لندن م�ؤمتر احلزب‬
‫ال�شيوعي الربيطاين‪ ،‬ثم انعقد على �أثره يف ‪� /26/‬شباط م�ؤمتر ممثلي الأحزاب ال�شيوعية‬
‫يف الإمرباطورية الربيطانية‪ .‬وقد دعي احلزبان ال�شيوعيان ال�سوري واللبناين �إىل هذين‬
‫امل�ؤمترين‪ ،‬ف�أوفد الأول رئي�سه الأ�ستاذ خالد بكدا�ش و�أوفد الثاين الأ�ستاذ فرج اهلل احللو‪.‬‬
‫وقد حاولت بع�ض الأو�ساط اال�ستعمارية و�ضع عراقيل يف طريق و�صول القائدين الوطنيني‬
‫والعربيني �إىل لندن‪ ،‬ولكن م�ساعي احلزب ال�شيوعي الإنكليزي ذللتها‪.‬‬
‫وقد ا�شرتك الأ�ستاذان بكدا�ش واحللو يف امل�ؤمترين ب�صفة ممثلني حلزبني �شقيقني‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪73‬‬

‫الطليعة‬

‫وكان معهما بهذه ال�صفة وفود من الأحزاب ال�شيوعية يف �أمريكا وفرن�سا وت�شيكو�سلوفاكيا‬
‫والبالد ال�سكاندينافية و�أوروبا ال�شرقية‪ ،‬هذا عدا وفود فل�سطني والهند وبورما و�سيالن‬
‫واملاليو وغريها من البلدان التابعة لربيطانيا‪.‬‬
‫وقد ا�ستقبل امل�ؤمتر مندوبي �سوريا ولبنان ا�ستقبا ًال حار ًا و�صفق امل�ؤمترون طوي ًال لهما‬
‫�ساعة و�صولهما وهتفوا بحياة �سوريا ولبنان امل�ستقلني‪ .‬وقد �ألقى الأ�ستاذ خالد بكدا�ش كلمة‬
‫يف امل�ؤمتر الأول با�سم احلزبني قوبلت باهتمام كبري‪ .‬ثم �ألقى يف امل�ؤمتر الثاين اخلطاب‬
‫ال�سيا�سي الكبري الذي يراه القارئ من�شور ًا فيما يلي‪ .‬وقد تلقيناه من لندن و «الطريق» على‬
‫�أهبة ال�صدور‪ ،‬فلم ن�ش�أ ت�أخريه �إىل العدد املقبل لو�ضعه يف �صدر املجلة‪ ،‬بل ف�ضلنا �إثباته يف‬
‫ال�صفحات الأخرية لكي ال يت�أخر على القراء‪.‬‬
‫وقد كان ا�شرتاك الأ�ستاذين بكدا�ش واحللو يف املناق�شات التي جرت يف امل�ؤمترين‪،‬‬
‫�سواء يف اثناء اجلل�سات‪� ،‬أو بني الوفود‪ ،‬يف غاية الأهمية لق�ضية العرب القومية ون�ضالهم‬
‫من �أجل حل م�شاكلهم احلا�ضرة‪ .‬فقد �أو�ضحا حقيقة امل�س�ألة الوطنية العربية كما هي‬
‫مو�ضوعة يف الوقت الراهن وف�ضح ًا للم�ؤامرات املحاكة �ضد العرب لعرقلة ن�ضالهم البا�سل‬
‫ال�شامل من �أجل اجلالء واال�ستقالل والدميوقراطية يف �أوطانهم كلها‪ .‬و�شرحا‪ ،‬مع الأ�ستاذ‬
‫�إميل توما‪ ،‬مندوب ع�صبة التحرر الوطني‪ ،‬الق�ضية الفل�سطينية لعدد كبري من ال�شخ�صيات‬
‫وال�صحافيني‪ .‬فكان قرار امل�ؤمتر ب�ش�أنها �صفعة لال�ستعمار وال�صهيونية‪.‬‬
‫وقد ات�صل الأ�ستاذ بكدا�ش واحللو �أي�ض ًا بعدد من النواب الربيطانيني الي�ساريني‪ ،‬وعدد‬
‫من رجال ال�سيا�سة وال�صحافيني‪ .‬و�أعطى رئي�س احلزب ال�شيوعي ال�سوري عدة �أحاديث‬
‫لل�صحف ومنها ت�صريح هام جلريدة «الديلي وركر» ن�شرته يف �صفحتها الدولية مع �صورته‪.‬‬
‫وال�شك �أن رحلة الأ�ستاذين بكدا�ش واحللو �إىل لندن قد �أدت خدمة جلى �إىل الق�ضية‬
‫الوطنية العربية‪ ،‬ف�أتاحت لكثري من ممثلي احلركة الدميوقراطية لي�س فقط يف �إنكلرتا بل‬
‫يف �أوروبا والعامل‪� ،‬أن يتفهما حقيقة الأو�ضاع يف ال�شرق العربي‪.‬‬
‫�إن «الطريق» حتي جهود الأ�ستاذين بكدا�ش واحللو‪ ،‬وتتمنى لهما التوفيق التام يف‬
‫رحلتهما ب�أوروبا‪ ،‬وترجو لهما عود ًا حميداً‪.‬‬
‫وفيما يلي ن�ص اخلطاب الذي �ألقاه الأ�ستاذ خالد بكدا�ش با�سم احلزبني ال�شيوعيني‬
‫ال�سوري واللبناين يف م�ؤمتر ممثلي الأح��زاب ال�شيوعية يف الأقطار التابعة لربيطانيا �أو‬
‫‪74‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫املت�صلة بها يف جل�سة ‪� /3/‬آذار ‪ /1947/‬املنعقدة يف قاعة «بيفر هول» بلندن‪ .‬وقد قدمه‬
‫بامل دات‪ ،‬نائب رئي�س احلزب ال�شيوعي الربيطاين بقوله‪�« :‬إن جدول الأعمال ين�ص اليوم‬
‫على بحث ق�ضايا ال�شرق الأو�سط‪ ،‬الذي حتتل اجليو�ش الربيطانية معظم �أرا�ضيه‪ ،‬و�أول‬
‫خطيب يف املو�ضوع هو خالد بكدا�ش‪ ،‬رئي�س احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬وهو لي�س مندوب ًا‬
‫ر�سمي ًا يف امل�ؤمتر‪ ،‬بل هو من املندوبني ال�ضيوف‪ ،‬لأنه مع �صديقه فرج اهلل احللو‪ ،‬ميثالن‬
‫جمهوريتني م�ستقلتني غري تابعتني لأية دولة‪ .‬وقد رجونا خالد بكدا�ش �أن يتكلم يف هذا‬
‫املو�ضوع اخلطري لأن احلزبني ال�شيوعيني ال�سوري واللبناين برهنا بن�ضالهما �أنهما خري‬
‫من يفهم ق�ضايا ال�شرق الأو�سط وي�ستطيع �شرحها على حقيقتها �أمام الر�أي العام العاملي»‪.‬‬
‫وقد ا�ستقبل خالد بكدا�ش بعا�صفة من الت�صفيق من جميع املندوبني واملدعوين‪،‬‬
‫و�ألقى خطابه التايل باللغة العربية ثم ترجمه �إىل الإنكليزية الرفيق «كريغان» ع�ضو املكتب‬
‫ال�سيا�سي للحزب ال�شيوعي الربيطاين‪ .‬وفيما يلي ن�ص اخلطاب الكبري‪:‬‬
‫==========‬
‫�أيها الرفاق‪:‬‬
‫�إن ال�سيا�سة التي اتبعتها بريطانيا يف ال�شرق الأو�سط عقيب انتهاء احلرب‪ ،‬خيبت الآمال‬
‫التي عقدها كثريون على جناح حزب العمال يف االنتخابات‪ .‬فلم تتغري هذه ال�سيا�سة‪ ،‬وما‬
‫تزال هي هي‪� ،‬سيا�سة املحافظني‪� ،‬سيا�سة اال�ستعمار والرجعية واحل�سابات ال�سرتاتيجية‪،‬‬
‫ال�سيا�سة القائمة على �إنكار مبادئ ميثاق الأمم املتحدة وميثاق الأطل�سي‪ ،‬وجتاهل �أب�سط‬
‫مبادئ الدميوقراطية القائلة باحرتام حق الأمم ال�صغرية يف ال�سيادة واال�ستقالل واحلرية‪.‬‬
‫ومل ت�أخذ هذه ال�سيا�سة بعني االعتبار تلك التغريات العظيمة التي طر�أت على العامل وعلى‬
‫عقليات ال�شعوب خالل احلرب وب�سببها‪ ،‬ولذلك �أخفقت هذه ال�سيا�سة يف جميع م�شاريعها‪،‬‬
‫لأنها م�شاريع ا�ستعمارية رجعية‪ ،‬غايتها وقف دوالب التاريخ بل �إرجاعه �إىل وراء!‬
‫�أج��ل‪� ،‬إن ال�سيا�سة الربيطانية الر�سمية مل تنجح يف م�شاريعها الرامية �إىل تثبيت‬
‫ال�سيطرة اال�ستعمارية يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬ت�أمين ًا مل�صالح قب�ضة من طغاة املال و�أرباب‬
‫«ال�سيتي»‪ ،‬ومل تنجح يف قمع نه�ضة ال�شعوب العربية يف �سبيل اجل�لاء واال�ستقالل‬
‫والدميوقراطية‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪75‬‬

‫الطليعة‬

‫الثغرة ال�سورية اللبنانية يف اجلهاز اال�ستعماري!‬

‫�إن اجليو�ش الربيطانية حتتل معظم بلدان ال�شرق العربي‪ :‬العراق و�شرق الأردن‬
‫وفل�سطني وم�صر‪ .‬فهذه البلدان املنكوبة يف حريتها هي اليوم �أ�شبه بجهاز ع�سكري‬
‫ا�ستعماري �ضخم‪ ،‬يهدد ال�سالم من جهة‪ ،‬ويعوق تقدم �شعوب هذه الأقطار يف طريق‬
‫الرقي والدميوقراطية من جهة �أخرى‪ .‬ولكن ثمة ثغرة �صغرية فتحت يف هذا اجلهاز‪ ،‬هي‬
‫�أرا�ضي بلدينا �سوريا ولبنان‪ .‬ونحن هنا اليوم منثل هذه الثغرة‪ .‬فنحن‪ ،‬فرج اهلل احللو‬
‫و�أنا‪ ،‬من بالد مل يبقَ فيها �أي احتالل ع�سكري و�أي حكم ا�ستعماري‪ .‬وال ت�ؤلف جزء ًا من‬
‫�أية �إمرباطورية‪ ،‬نحن جمهوريتان عربيتان م�ستقلتان‪ .‬وا�سمحوا لنا �أن نعلن يف وجه العامل‬
‫�أجمع �إننا عازمون عزم ًا �أكيد ًا على املحافظة على هذه الثغرة‪� ،‬إننا ما�ضون قدم ًا دون كلل‬
‫وال فتور يف الدفاع عن اال�ستقالل واجلمهورية‪ ،‬نقول هذا وقلوبنا مفعمة �أم ًال وثقة ب�أن‬
‫تتحقق جلميع �إخواننا يف الأقطار املحتلة وامل�ستعمرة نعمة اجلالء واال�ستقالل‪ :‬فت�صبح‬
‫�شعوب ًا حرة م�ستقلة ت�ساهم مع غريها من ال�شعوب احلرة‪ ،‬يف احلياة الدولية ويف بناء ال�سلم‬
‫العاملي وتقرر مبلء حريتها واختيارها طبيعة عالقاتها الأخوية مع �سائر الأمم الكبرية‬
‫وال�صغرية!‬

‫ال�شعوب العربية عريقة يف املدنية ويف الن�ضال لأجل احلرية!‬

‫قلت ب�أن ال�سيا�سة اال�ستعمارية الرامية �إىل تثبيت نري العبودية يف �أعناق ال�شعوب‬
‫العربية‪ ،‬وقمع ن�ضالها لأجل احلرية والدميوقراطية‪ ،‬قد �أخفقت يف حتقيق م�شاريعها‬
‫املختلفة‪ .‬و�أقول �أي�ض ًا �أن لي�س ثمة �أي دليل على �أن هذه ال�سيا�سة �ستنجح يف امل�ستقبل‪.‬‬
‫فلي�س من ال�سهل �إخ�ضاع ال�شعوب العربية‪ .‬فهي �شعوب عريقة يف الن�ضال لأجل احلرية‪.‬‬
‫وقد متر�ست يف الن�ضال‪ .‬و�أكاد �أقول �إن هذا الن�ضال وما يقت�ضيه من الإقدام وال�سخاء يف‬
‫بذل ال�ضحايا وال�شهداء على مذبح احلرية‪ ،‬قد �أ�صبحا من طبيعتها وعادتها‪ .‬وهي تتابع‬
‫اليوم هذا الطريق ولن تنثني عنه‪ .‬ولي�س يف ذلك �أي معنى من معاين التعنت �أو العداء لأي‬
‫�أمة ولأي �شعب‪ .‬بل هو دليل التم�سك بحق احلياة و�إرادة ال�سري يف طريق التقدم والرقي‪.‬‬
‫�إن �شعوبنا تذكر �أنها مثلت دور ًا كبري ًا يف تطور املدنية الإن�سانية يف ت�أمني ا�ستمرارها‪.‬‬
‫فقد كان الفكر العربي حلقة االت�صال بني املدنية اليونانية القدمية واملدنية الأوروبية‬
‫‪76‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫احلديثة‪ .‬لقد حفظ الأوىل و�أغناها بعبقريته املبدعة وعنه �أخذتها �أوروبا احلديثة‪ .‬ويف‬
‫�سفر املعرفة الب�شرية �أ�سماء عربية ال متحى من ابن �سينا‪ ،‬وابن ر�شد‪ ،‬والفارابي‪ ،‬وابن‬
‫خلدون وغريهم‪� ،‬إىل بنائي الأهرامات العظيمة‪� ،‬إىل مبدعي الآثار اخلالدة التي ما تزال‬
‫تظهر يوم ًا بعد يوم يف كل بقعة من بقاع ال�شرق الأدن��ى‪ ،‬فتنم عن مدنية عظيمة وجهد‬
‫�إن�ساين جبار‪ ،‬فلي�س من الغريب �إذ ًا �أن تريد هذه ال�شعوب اليوم �أن ت�ضع يف كفة الإن�سانية‬
‫من جديد عبقريتها وحيويتها و�أن تقوم بق�سطها يف �سري الب�شرية نحو احلرية والنور!‬

‫العرب لن ين�سوا الذين �أيدوهم يف ن�ضالهم التحرري!‬

‫�أجل �أن ن�ضال ال�شعوب العربية لأجل اجلالء واال�ستقالل والدميوقراطية‪ ،‬ما هو �إال‬
‫حلقة من جمهود الإن�سانية العام يف املرحلة ال�شاقة الع�سرية نحو امل�ستقبل‪ ،‬نحو دنيا‬
‫احلرية والنور ‪ ...‬وقد فهم ذلك �أح�سن فهم �أولئك الذين ميثلون هذا امل�ستقبل‪ :‬عمال‬
‫الغرب ومثقفوهم الأحرار‪ ،‬وطليعتهم ال�شيوعيون‪ :‬ف�أيدوا ن�ضال العرب يف جميع الأدوار‬
‫و�أ�شق الظروف‪ ،‬ولهذا فنحن يف هذا امل�ؤمتر الذي ميثل نخبة من �أبناء �شعوب م�ستعبدة‬
‫طاحمة �إىل اال�ستقالل وال�سيادة‪ ،‬وجمهور ًا من ال�ضيوف امل�ستمعني من �أبناء الأمم احلرة‪،‬‬
‫ال�صغرية والكبرية‪ ،‬نريد �أن نهتف بعواطف ال�شكر وعرفان اجلميل التي تعمر قلوب‬
‫اجلماهري العربية جتاه جميع الذين �أيدوا ن�ضالنا طول �سنوات و�سنوات‪ ،‬ومدوا لنا يد العون‬
‫والإخاء يف ف�ضح الدعايات اال�ستعمارية التي حاولت دائم ًا ت�شويه ن�ضالنا وطم�س حقيقته‪،‬‬
‫فبينوا للر�أي العام العاملي عدالة مطالبنا‪ ،‬ومثلوا دور ًا هام ًا يف خلق جو من العطف والت�أييد‬
‫نحو ق�ضيتنا‪...‬‬
‫�إننا نتقدم بعواطف ال�شكر وعرفان اجلميل للحزب ال�شيوعي الربيطاين الذي فكر‬
‫يف عقد هذا امل�ؤمتر التاريخي حتت �شعار اال�ستقالل وحق ال�شعوب يف تقرير م�صريها‬
‫والت�صرف بنف�سها‪ ،‬والذي ا�ستخدم دائم ًا كل ما يف و�سعه وما لديه من و�سائل‪ ،‬حتى يف‬
‫�أحرج الظروف‪ ،‬لت�أييد ن�ضال ال�شعوب العربية‪ ،‬وتنوير العمال وال��ر�أي العام عن حقيقة‬
‫الق�ضايا العربية‪� :‬إن جريدة «الدايلي وركر» وهاري بوليت وغال�شري �أ�سماء حمبوبة معروفة‬
‫بني جميع الوطنيني العرب من القاهرة �إىل القد�س �إىل بريوت �إىل دم�شق �إىل بغداد!‬
‫ونتقدم بعواطف ال�شكر وعرفان اجلميل للحزب ال�شيوعي الفرن�سي الكبري‪ ،‬حزب‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪77‬‬

‫الطليعة‬

‫موري�س توريز ومار�سيل كا�شان‪ ،‬ال��ذي �ضرب للمالء مث ًال ال ين�سى يف الأمانة للمبادئ‬
‫ال�شيوعية‪ ،‬وك��ان دائم ًا يف ن�شاطه منوذج ًا للوطنية احلقة‪ ... ،‬ال «وطنية» امل�ستعمرين‬
‫وم�ستعبدي ال�شعوب‪ ،‬الذين ي�ضعون م�صاحلهم الطبقية الأنانية فوق م�صلحة �أمتهم وفوق‬
‫م�صلحة ال�سالم العاملي‪ ،‬بل وطنية ال�شعب‪ ،‬وطنية املحررين الذين يعرفون كيف يوفقون بني‬
‫ن�ضالهم لأجل وطنهم‪ ،‬وبني ت�أييدهم حلقوق الأوطان الأخرى! �إننا ال نن�سى موقف احلزب‬
‫ال�شيوعي الفرن�سي طول ‪� /25/‬سنة‪ ،‬منذ حرب الريف حيث �أ�ضرب عمال باري�س ت�ضامن ًا‬
‫مع املراك�شيني وزعيمهم الأمري عبد الكرمي الذي يحتج فرنكو اليوم على احلكومة الفرن�سية‬
‫لإطالقها �سراحه من منفاه‪� ،‬إىل موقفه من اجلالء عن �سوريا ولبنان‪� ،‬إىل موقفه النبيل‬
‫من احلرب الوطنية التحررية يف الهند ال�صينية‪� ،‬إىل ن�ضاله‪ ،‬الذي ينفرد به اليوم من بني‬
‫جميع الأحزاب الفرن�سية‪ ،‬يف �سبيل �ضمان ق�سط كبري من احلقوق الوطنية والدميوقراطية‬
‫ل�شعوب �شمايل �إفريقيا! وقد يختلف الوطنيون العرب يف تقدير املبادئ ال�شيوعية‪ ،‬ويف‬
‫املوقف منها‪ ،‬ولكنني ال �أغايل �إذا قلت �إن ال خالف يف احرتام احلزب ال�شيوعي الفرن�سي‬
‫وزعيمه موري�س توريز الذي يتمتع ب�شعبية ال مثيل لها‪ ،‬ال يف �سوريا ولبنان فح�سب‪ ،‬بل يف‬
‫كل العامل العربي!‬
‫يقول �ستالني �إن طريق احلرية وال�سالم يف العامل هو اجلبهة املوحدة بني احلركة‬
‫ال�شعبية التقدمية يف الغرب واحلركة الوطنية والتحررية يف الأقطار امل�ستعبدة وامل�ست�ضعفة‪.‬‬
‫ف�إذ ًا ال جمال للت�سا�ؤل فيما يت�صل بعالقاتنا نحن ال�شيوعيني يف البلدان املظلومة �أو‬
‫ال�صغرية املهددة‪ ،‬مع رفاقنا ال�شيوعيني يف الغرب‪ :‬فكل جناح يحققونه يف الن�ضال �ضد‬
‫قوى الرجعية وطغاة الر�أ�سمال يف بالدهم‪ ،‬هو يف م�صلحة حركتنا الوطنية التحررية‪ ،‬وكل‬
‫جناح �أو تقدم يف حركتنا الوطنية التحررية هو يف م�صلحة ن�ضالهم من �أجل اال�شرتاكية‪.. ،‬‬
‫وقد ال تبدو ال�صلة بني الأمرين وا�ضحة دائماً‪ ،‬وقد ال تظهر جلية يف بع�ض الأحوال‪ ،‬ولكنها‬
‫موجودة وثيقة والبد �أن يظهر �أثرها عاج ًال �أو �آجالً! ولذا‪ ،‬فنحن كوطنيني نعمل لتحرير‬
‫�أوطاننا‪ ،‬نهتف دائماً‪ :‬عا�شت الأحزاب ال�شيوعية يف الغرب‪ ،‬وعا�ش ن�ضالها ال�شاق العظيم‬
‫يف �سبيل ال�سالم واحلرية والدميوقراطية ال�صحيحة!‬

‫‪78‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫مميزات تطور الأو�ضاع ال�سيا�سية يف ال�شرق العربي ــ �سعى‬
‫اال�ستعمار الربيطاين لتثبيت �سيطرته و�إعطائها �شك ًال‬
‫م�شروع ًا!‬

‫�أيها الرفاق‪:‬‬
‫�إن العوامل التي حتدد تطور الأو�ضاع يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬هي‪:‬‬
‫�أوالً‪� ،‬سعي اال�ستعمار الربيطاين لتثبيت �سيطرته على بلدان ال�شرق العربي وكل ال�شرق‬
‫الأو�سط‪ ،‬ت�أمين ًا مل�صالح الدوائر اال�ستعمارية الرجعية الربيطانية‪� ،‬صاحبة االحتكارات‬
‫وال�شركات الر�أ�سمالية املختلفة‪ ،‬وحتويل ال�شرق الأو�سط �إىل مركز حربي �سرتاتيجي �ضد‬
‫ال�شعوب امل�ساملة جميع ًا و�ضد االحتاد ال�سوفياتي‪.‬‬
‫لقد نّبي الرفيق «بامل دت» من على هذا املنرب �أن الأو�ضاع الدولية بعد احلرب‪ ،‬مبا‬
‫فيها نه�ضة احلركات الوطنية التحررية‪ ،‬جتعل من ال�صعب بل من امل�ستحيل على اال�ستعمار‬
‫�إخ�ضاع ال�شعوب حلكمه بالأ�ساليب القدمية‪ ،‬فهو يبحث على ا�ساليب جديدة‪ .‬وي�صح ذلك‬
‫متام ًا على ال�سيا�سة املتبعة يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬ف�إن اال�ستعمار الربيطاين ي�سعى �إىل �إعطاء‬
‫�سيطرته �شك ًال م�شروع ًا �إما بوا�سطة عقد املعاهدات و�إما ب�إقامة حكومات �إقطاعية رجعية‪،‬‬
‫�شكلها وطني ولكنها ت�أمتر ب�أمره!‬

‫العراق !‬

‫�إن املعاهدة العراقية الربيطانية املعقودة عام ‪ ،/1930/‬ت�سمح لربيطانيا با�ستمالك‬
‫مطارين‪ ،‬مطار ال�شعيبة قرب الب�صرة‪ ،‬ومطار احلبانية قرب بغداد‪ ،‬مع قوة حمدودة‪.‬‬
‫غري �أن القوات الع�سكرية الربيطانية حتتل الآن العراق ب�أ�سره‪ ،‬ولي�ست حمدودة �إال مب�شيئة‬
‫اال�ستعمار الربيطاين‪ ،‬خالف ًا لن�صو�ص املعاهدة نف�سها‪ .‬وامل�ست�شارون الربيطانيون‬
‫منت�شرون يف جميع دوائر الدولة‪ ،‬كما �أن �أهم مرافق احلياة االقت�صادية‪ ،‬ك�سكك احلديد‬
‫وغريها‪ ،‬هي حتت �إدارة الربيطانيني‪ .‬وقد اتبع امل�سرت �سميث املعروف‪ ،‬مدير م�صلحة‬
‫ال�سكك احلديدية العراقية‪� ،‬سيا�سة رجعية �ضد العمال‪ ،‬فمنعهم من ت�أليف النقابات احلرة‪،‬‬
‫وكان ن�صيب من قاوم من العمال‪ ،‬الطرد واالعتقال وال�سجن‪ .‬هذا عدا النفط الذي ي�سيطر‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪79‬‬

‫الطليعة‬

‫عليه الر�أ�سمال الربيطاين الأمريكي‪ .‬وكذلك ي�ستخدم امل�ستعمرون الربيطانيون احتاللهم‬
‫الع�سكري و�سيطرتهم على الإدارة واحلياة االقت�صادية‪ ،‬لت�شجيع العنا�صر الرجعية‪ ،‬وفر�ض ‬
‫حكومات من �صنائعهم املكروهني على ال�شعب العراقي‪� ،‬أمثال نوري ال�سعيد الذي منحته‬
‫حكومة املحافظني لقب «�سر»‪ ،‬و�أمثال �أر�شد العمري وغريه‪ .‬فتعمل هذه احلكومات على‬
‫ا�ضطهاد احلريات‪ ،‬وحل النقابات‪ ،‬وتعطيل ال�صحف‪ ،‬ومالحقة الوطنيني الدميوقراطيني‬
‫ومن جملتهم ال�شيوعيون‪ ،‬ويف ال�سجون الآن ع�شرات منهم جميعاً‪ .‬والقوانني العراقية التي‬
‫و�ضعها عمالء اال�ستعمار الربيطاين حترّم احلركة ال�شيوعية‪ ،‬وتن�ص على حكم من ثبت‬
‫عليه العمل للمبادئ ال�شيوعية ب�أحكام ت�صل �إىل حد ال�سجن والأ�شغال ال�شاقة مدة خم�سة‬
‫ع�شر عاماً‪.‬‬
‫ويحاول اال�ستعمار الربيطاين اليوم تثبيت �سيطرته على العراق بتعديل املعاهدة ب�شكل‬
‫ي�سمح له باحل�صول على مراكز �سرتاتيجية يف �أمكنة �أخ��رى من العراق وخ�صو�ص ًا يف‬
‫ال�شمال‪ ،‬غري �أن هذه املحاوالت باءت بالف�شل حتى الآن‪ .‬ومل يجر�ؤ حتى الآن �أي طرف من‬
‫الطرفني ال الطرف اال�ستعماري الإنكليزي وال الطرف الرجعي العراقي‪ ،‬على و�ضع تعديل‬
‫املعاهدة كم�س�ألة معرو�ضة للبحث‪ ،‬لأنهما كليهما يخ�شيان املوجة ال�شعبية ال�صاعدة‪ ،‬التي‬
‫تطالب باجلالء و�إلغاء االمتيازات التي متنحها املعاهدة القدمية البالية لال�ستعمار كحق‬
‫و�ضع امل�ست�شارين يف دوائر الدولة‪ ،‬و�إر�سال بعثات لتدريب اجلي�ش العراقي‪ .‬وقد �أخفقت‬
‫حتى اليوم جميع م�ساعي نوري ال�سعيد الرامية �إىل �إيجاد حكومة تقدم على تنفيذ مثل هذه‬
‫ال�سيا�سة اخلائنة‪.‬‬
‫�إن ن�ضال ال�شعب العراقي يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل الدميوقراطي يتقدم وينمو‬
‫و�سيكون له �أثره الكبري يف تطور الو�ضع ال�سيا�سي يف كل ال�شرق الأو�سط!‬

‫�شرق الأردن !‬

‫وقد �سمعتم و�صف ًا لأحوال �شرق الأردن يف ر�سالة ال�شباب الوطني الدميقراطي الأردين‬
‫�إىل م�ؤمتركم‪ ،‬ففي هدا القطر العربي ال�صغري ثمانون �ألف ًا من اجليو�ش الربيطانية على‬
‫الأقل مقابل ثالثمائة �ألف ن�سمة من ال�سكان‪ ،‬وهناك �أي�ض ًا جي�ش عدده ‪� /15/‬ألف جندي ‬
‫وهو �أردين ا�سم ًا وقائده �إنكليزي ا�سمه كلوب با�شا املعروف ب�أبي حنيك وتن�ص املعاهدة‬
‫‪80‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫الربيطانية الأردنية الأخرية التي عقدت عام ‪ /1946/‬على منح بريطانيا حق الت�صرف‬
‫بكل �أرا�ضي (اململكة) الأردنية كمركز حربي‪ ،‬فت�ضع ما ت�شاء من القوى الع�سكرية حيث‬
‫ت�شاء‪ ،‬و تن�ص املعاهدة �أي�ض ًا على �أن اخلزينة الربيطانية ت�ساهم يف عجز موازنة �صاحب‬
‫اجلاللة الها�شمية امللك عبد اهلل‪ .‬وقد �أراودا ت�سمية هذه املعاهدة ا�ستقال ًال ونهاية لعهد‬
‫االنتداب‪ ،‬غري �أن ذلك مل يخدع �أحداً‪ .‬وقد رف�ضت الأمم املتحدة االعرتاف بهذا اال�ستقالل‬
‫ورف�ضت قبول اململكة الأردنية يف عداد �أع�ضائها‪.‬‬
‫وحق ًا �إنها ملن غرائب الع�صر هذه املعاهدة التي وقعها بيفن‪ ،‬وهو ي�سمي نف�سه ممث ًال‬
‫للعمال ولال�شرتاكية‪ ،‬مع ملك �إقطاعي رجعي ال ميثل من �أرادة �شعبه �شيئاً‪.‬‬
‫وال ميلك �إال �أم��ر نف�سه‪ ،‬بل ال ميلك حتى �أم��ر نف�سه‪ ،‬ويحكم البالد مع ذلك حكم ًا‬
‫مطلق ًا ال حد له وال رادع بقوة احلراب الربيطانية‪ .‬وهو قد وقع املعاهدة با�سمه �شخ�صياً‪،‬‬
‫�إذ لي�س يف �شرق الأردن �أثر للتمثيل الدميقراطي‪� .‬أما الد�ستور الأردين اجلديد فيمركز‬
‫كل ال�سلطات يف يد جاللته‪ ،‬والوزارة م�س�ؤولة �أمامه وحده‪ ،‬وله وحده حق عقد املعاهدات‬
‫و�إ�صدار القوانني‪ .‬ولي�س من عربي واحد يجهل �أن هذه امللكية الها�شمية الرجعية الإقطاعية ‬
‫ما كانت لتعي�ش يوم ًا واحد ًا لوال اجليو�ش الربيطانية ولوال ت�أييد ال�سيد بيفن الذي يزعم مع‬
‫ذلك �أنه ميثل حكومة ا�شرتاكية دميقراطية!‬
‫�إن الوطنيني الدميوقراطيني الأردنيني م�ضطهدون‪ ،‬وزعما�ؤهم و�شبابهم املنا�ضلون‬
‫م�شردون وكثريون منهم الجئون اليوم �إىل �سوريا حيث يتابعون الن�ضال يف �سبيل اجلالء‬
‫عن بلدهم‪ ،‬وا�ستقالله‪ ،‬ويف �سبيل �إلغاء املعاهدة اجلائرة‪ ،‬ولأجل �إقامة حكم دميوقراطي‬
‫يف وطنهم ال�صغري!‬
‫لقد حاول اال�ستعمار الربيطاين توطيد �سيطرته على �شرق الأردن ب�إعطائها ا�ستقال ًال‬
‫مزيف ًا هو �أ�سو�أ من االحتالل واالنتداب‪ ،‬بل يجعلها �أغرب مملكة �إقطاعية رجعية‪ ،‬ومن‬
‫�أ�شد �أقطار الدنيا ت�أخر ًا و�إغراقا يف اال�ستبداد والطغيان ‪ ..‬غري �أن اال�ستعمار الربيطاين‬
‫مل ينجح يف حماولته‪ ،‬بل ظهرت �أي�ض ًا �إىل امليدان العربي الوا�سع و�إىل امل�سرح الدويل‪،‬‬
‫لأول مرة‪ ،‬حركة وطنية �أردنية دميوقراطية تتمتع بعطف عام يف ن�ضالها �ضد اال�ستعمار‬
‫واالحتالل واحلكم امللكي الإقطاعي الرجعي!‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪81‬‬

‫الطليعة‬

‫فل�سطني !‬

‫�أما فل�سطني‪ ،‬التي �سيحدثكم مندوب ع�صبة التحرر الوطني عن �أحوالها بالتف�صيل‪،‬‬
‫فعدد اجلنود الربيطانيني فيها يتجاوز مئة وخم�سني �أل��ف جندي‪ .‬وللمندوب ال�سامي‬
‫الربيطاين فيها احلكم املطلق‪ .‬وهي تعاين اليوم فوق ذلك حكم ًا ا�ستبدادي ًا �إرهابي ًا ع�سكري ًا‬
‫فظيعاً‪ .‬وال�صهيونية تقوم فيها بدورها كعميلة لال�ستعمار �أمينة ن�شيطة‪.‬‬
‫فهي تدافع عن االنتداب واالحتالل حتت �ستار ال�شفقة على اليهود الذين ا�ضطهدتهم‬
‫الهتلرية و�شردتهم‪ ،‬كما �أنها ت�ساهم يف العمل للم�شاريع اال�ستعمارية االعتدائية �ضد االحتاد‬
‫ال�سوفياتي يف ال�شرق الأو�سط‪.‬‬
‫وتتقا�سم جماعات ال�صهيونية املختلفة العمل فيما بينها‪ ،‬فبع�ضها يخدم اال�ستعمار‬
‫الربيطاين وبع�ضها ي�ساعد التغلغل اال�ستعماري الأمريكي‪ .‬وهي تغطي حماوالتها املجرمة‬
‫ه��ذه بخدع ال���ر�أي العام العاملي وت�ضليله بالتظاهر �أم��ام��ه بالدميقراطية بل بادعاء‬
‫اال�شرتاكية �أي�ض ًا دون حياء �أو خجل‪ ،‬مع �أنها حركة رجعية ر�أ�سمالية ا�ستعمارية تناق�ض ‬
‫م�صالح اجلماهري ال�شعبية اليهودية نف�سها يف خمتلف �أنحاء العامل‪ ،‬وحتاول �صرفها عن‬
‫الن�ضال لأجل الدميقراطية مع �سائر العمال والكادحني يف �أقطار �أوروبا‪ ،‬ب�إيهامها �أن طريق‬
‫اخلال�ص هو يف الهجرة �إىل فل�سطني‪� .‬أما يف فل�سطني نف�سها فهي تعمل لتوجيه اجلماهري‬
‫ال�شعبية اليهودية �ضد احلركة الوطنية التحررية العربية زاعمة �أنها حركة �إقطاعية رجعية‬
‫تهدد اليهود‪ ،‬و�أن اال�ستعمار الإنكليزي الأمريكي هو حامي هذه اجلماهري اليهودية‪.‬‬
‫ �إن ال�سيا�سة اال�ستعمارية الربيطانية الأمريكية‪ ،‬التي ت�ؤيدها ال�صهيونية‪ ،‬هذه‬
‫ال�سيا�سة القائمة على تق�سيم فل�سطني و�إقامة دولة يهودية فيها‪ ،‬و�إبقاء نري االحتالل عليها‪،‬‬
‫هي �سيا�سة فا�شلة حتم ًا كما دلت احلوادث‪ .‬وهي تهدد ال�سالم يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬كما �أنها‬
‫ترمي لإيجاد جو دائم من العداء بني العرب واليهود‪ .‬فهي �إذ ًا ال حتل م�شكلة فل�سطني‪ .‬فال‬
‫ميكن حل هذه امل�شكلة �إال باجلالء واال�ستقالل و�إقامة دولة م�ستقلة دميوقراطية يف فل�سطني‬
‫ت�ؤمن حقوق املواطنني جميع ًا وتخلق الظروف امل�ؤاتية ل�سيادة ال�سالم والتفاهم بني جميع‬
‫�سكان البالد‪.‬‬
‫�إن ال�سيد بيفن قد قرر و�ضع م�س�ألة فل�سطني �أمام الأمم املتحدة كق�ضية خالف بني‬
‫العرب واليهود‪ .‬و�أعلن �أنه حاول تذليل هذا اخلالف فلم ينجح! ‪ ..‬غري �أن ال�شعوب العربية‬
‫‪82‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫تعلم‪ ،‬والر�أي العام العاملي يعلم‪� ،‬أن ال�شكل الوحيد الذي ميكن �أن تو�ضع فيه ق�ضية فل�سطني‬
‫يف امليدان الدويل و�ضع ًا �صحيح ًا هو �أنها ق�ضية جالء وا�ستقالل ودميوقراطية‪ .‬فما مل‬
‫يحقق ذلك‪ ،‬ال ميكن بوجه من الوجوه �أن تتوفر ال�شروط الالزمة لال�ستقرار وال�سالم‬
‫والأمن يف فل�سطني ويف ال�شرق الأو�سط ب�أ�سره‪.‬‬

‫م�صر !‬

‫ويف م�صر يتجاوز عدد اجليو�ش الربيطانية الآن‪ ،‬املقدار املحدد حتى يف املعاهدة‬
‫الربيطانية امل�صرية املعقودة عام ‪ ./1936/‬وقد ا�ستعمل ه�ؤالء اجلنود‪ ،‬كما هو معروف‪،‬‬
‫لإطالق الر�صا�ص على امل�صريني يف العام املا�ضي‪ .‬و�سحقت «اللوريات» الع�سكرية جموع‬
‫املتظاهرين يف ال�شوارع‪ .‬وت�سعى ال�سيا�سة الربيطانية الآن �إىل تثبيت �سيطرتها على م�صر‬
‫بربطها بقيود هي �أفظع من قيود معاهدة عام ‪ /1936/‬وذلك بعقد معاهدة جديدة للدفاع‬
‫امل�شرتك‪ ،‬جتعل لربيطانيا حق التدخل الدائم يف �ش�ؤون م�صر‪ ،‬بل حق ح�شد اجليو�ش فيها‬
‫يف كل حلظة‪ ،‬بحجة وجود «خطر حرب» يف العامل مثالً‪ .‬وجترب املعاهدة امل�صريني على‬
‫�إر�سال �أبنائهم �إىل خارج �أرا�ضيهم للمحاربة مع اجليو�ش الربيطانية عند اللزوم‪ ،‬بينما‬
‫�أن معاهدة ‪ /1936/‬تن�ص فقط على �أن من واجب م�صر �أن ت�ضع مرافقها حتت ت�صرف‬
‫بريطانيا يف حالة ن�شوب احلرب فح�سب‪ ،‬ال يف حالة خطر احلرب‪.‬‬
‫وحتاول ال�سيا�سة الربيطانية ف�صل م�صر عن ال�سودان‪ ،‬و�إبقاء جيو�شها يف ال�سودان‪،‬‬
‫ومن جملة �أهدافها من وراء ذلك تنفيذ ال�سيا�سة اال�ستعمارية الع�سكرية اجلديدة الرامية‬
‫�إىل جعل �إفريقيا املركز الع�سكري الرئي�سي للإمرباطورية الربيطانية‪.‬‬
‫ولكن لي�س ثمة من ي�ؤيد هذه ال�سيا�سة يف م�صر �إال نفر من اخلونة‪ ،‬غالة الرجعيني‬
‫وكبار امل�ساهمني يف ال�شركات الر�أ�سمالية الأجنبية‪� .‬أما ال�شعب امل�صري الذي يبلغ عدده‬
‫‪ /18/‬مليون ن�سمة‪ ،‬ولديه طبقة عاملة تتجاوز املليون‪ ،‬والذي يحتل مكان الطليعة يف العامل‬
‫العربي من حيث التطور الثقايف‪ ،‬وال�صناعي والأدب��ي‪ ،‬هذا ال�شعب الكبري ب�أكرث �أحزابه‬
‫الوطنية وهيئاته‪ ،‬من الوفد �إىل نقابات العمال �إىل الطالب‪ ،‬يرف�ض ال�سيا�سة اال�ستعمارية ‬
‫رف�ض ًا بات ًا ويريد اجلالء واال�ستقالل ووحدة وادي النيل‪ ،‬لأنه يرى من حقه �أي�ض ًا ال�سري يف‬
‫طريق الرقي الوطني والدميقراطي‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪83‬‬

‫الطليعة‬

‫ويريد ال�شعب امل�صري رفع ق�ضيته �إىل الأمم املتحدة‪ ،‬فقد �سئم الوعود اال�ستعمارية‪.‬‬
‫فخالل �سبعة و�ستني عام ًا وعدته بريطانية باجلالء ‪ /44/‬مرة‪ ،‬وال تزال م�صر‪ ،‬مع ذلك‪،‬‬
‫حمتلة‪� .‬أما نتائج هذا االحتالل فمعروفة‪ ،‬فلي�س يف كل ال�شرق العربي بالد يظهر فيها‬
‫التفريق الطبقي كما يف م�صر‪ .‬فهناك فئة قليلة جد ًا �أثرت �إىل حد ال يعقل بالتعاون مع‬
‫اال�ستعمار والر�أ�سمال الأجنبي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا خالل احلرب الأخ�يرة‪ .‬هذا بينما �إن عدد‬
‫احلفاة يف م�صر ال يقل عن ‪ /12/‬مليوناً ال يجدون ما ينتعلون‪ .‬و�أجرة العامل الزراعي‬
‫امل�صري زهيدة ال تتجاوز ما يعادل �شلن ًا �إنكليزي ًا �أو ن�صف ال�شلن يف اليوم‪.‬‬
‫�إن حرية م�صر هي �شرط رئي�سي من �شروط ال�سالم والتطور الدميوقراطي يف ال�شرق‬
‫الأو�سط كله‪.‬‬
‫هذه هي حالة الأقطار العربية التي ي�سيطر عليها اال�ستعمار الربيطاين وحتتلها القوات‬
‫الع�سكرية الربيطانية‪.‬‬

‫التغلغل الأمريكي يف ال�شرق العربي والتكتل اال�ستعمار‬
‫الربيطاين الأمريكي �ضد ال�شعوب العربية و�ضد ق�ضية‬
‫ال�سالم يف ال�شرق الأو�سط‬

‫غري �أن هنالك عن�صر ًا جديد ًا يف حالة ال�شرق الأو�سط منذ نهاية احلرب‪ .‬ف�إن التكتل‬
‫اال�ستعماري الأمريكي الربيطاين الذي نرى مظاهره يف �شتى �أج��زاء العامل‪ ،‬هو حقيقة‬
‫واقعة يف ال�شرق الأو�سط �أي�ضاً‪.‬‬
‫من الظلم �أن يُقال �إن حكومة اتلي وبيفن ت�سري على �سيا�سة �ضيقة �أنانية يف‬
‫ ‬
‫جميع امليادين‪ ،‬وجتاه جميع النا�س‪ .‬فهي تظهر يف الواقع كثري ًا من الت�سامح والت�ساهل‬
‫و�سعة ال�صدر وروح «احل��ري��ة» (ال��ل��ي�برال��ي��زم)‪ ،‬ول��ك��ن لي�س جت��اه ال�شعوب الطاحمة‬
‫حلريتها وا�ستقاللها‪ ،‬بل جتاه الر�أ�سمال اال�ستعماري الأمريكي‪ .‬ف�إن اخلطة اال�ستعمارية‬
‫«الت�شر�شيلية» التي تنتهجها حكومة حزب العمال يف �سيا�ستها اخلارجية‪ ،‬قائمة على التخلي‬
‫عن بع�ض مواقع اال�ستعمار الربيطاين‪ ،‬ولكنها ال تتخلى عنها لل�شعوب �صاحبة احلق‪ ،‬بل‬
‫لال�ستعمار الأمريكي‪.‬‬
‫لقد �أعيد توزيع احل�ص�ص يف �شركات النفط يف ال�شرق الأو�سط‪ .‬وتنازلت بريطانيا عن‬
‫‪84‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫ق�سم من ن�صيبها يف هذا امليدان‪ .‬فهي قد ا�ضطرت �إىل التخلي لأمريكا عن مواقع يف نفط‬
‫�إيران‪ ،‬كما ا�ضطرت �إىل ال�سكوت عن تفاقم التغلغل الأمريكي يف �أرا�ضي اململكة ال�سعودية‬
‫وات�ساع ال�سيطرة الأمريكية على منابع النفط فيها‪ .‬وانحنت ال�سيا�سة الربيطانية �أي�ض ًا‬
‫�أمام امل�شاريع الأمريكية الرامية �إىل مد �أنابيب النفط من اخلليج الفار�سي �إىل �شواطئ‬
‫البحر الأبي�ض املتو�سط‪ .‬وي�سيطر الر�أ�سمال الأمريكي اليوم على �أكرث من ‪ /46/‬باملئة على‬
‫الأقل من جمموع النفط يف ال�شرق الأو�سط!‬
‫وثمة توزيع لأ�سواق الت�صدير‪ .‬فقد ن�شرت ال�صحافة ال�سورية واللبنانية خالل ال�شهر‬
‫املا�ضي بالغ ًا ر�سمي ًا يقول ب�أن احلكومة الربيطانية �أبلغت حكومتي دم�شق وب�يروت �أن‬
‫بريطانيا ال ت�ستطيع بعد اليوم ت�صدير الفحم احلجري �إىل �سوريا ولبنان لأن ت�صدير هذه‬
‫املادة �إىل جميع بلدان ال�شرق الأو�سط �أ�صبح من حق الواليات املتحدة الأمريكية وحدها‪.‬‬
‫وتغلغل الر�أ�سمال الأمريكي يف كل ميادين احلياة االقت�صادية يف جميع الأقطار العربية‬
‫يحتل �شيئ ًا ف�شيئ ًا املكان الأول يف حركة الت�صدير واال�سترياد ويف العالقات التجارية عموماً‪.‬‬
‫وهنالك باملقابل‪ ،‬تبادل يف املعونة ال�سيا�سية وا�ضح ال�شك فيه‪ ،‬فكلنا نذكر كيف �أن‬
‫املندوب الأمريكي يف جمل�س الأم��ن‪ ،‬عند بحث ق�ضية �سوريا ولبنان‪� ،‬أيد عملي ًا اقرتاح‬
‫بيفن ـ بيدو القائل بتعليق اجلالء على مفاو�ضات �سابقة حول خمتلف ال�ش�ؤون والعالقات‬
‫ال�سيا�سية‪ ،‬وكيف �أن املندوب ال�سوفياتي‪ ،‬في�شن�سكي‪� ،‬أحبط هذه املناورة با�ستعماله حق‬
‫«الفيتو» �ضد االقرتاح الأمريكي‪ ،‬مما �ساعد �سوريا ولبنان على حتقيق اجلالء دون قيد وال‬
‫�شرط‪ ،‬ودون اال�ضطرار �إىل االرتباط ب�أية اتفاقية من �أي نوع!‬
‫وثمة �شبه تعاون �أمريكي بريطاين من حيث الأ�سا�س‪ ،‬حول الق�ضية الفل�سطينية كما‬
‫هو معلوم‪ ،‬ولكن بني الطرفني يف الوقت نف�سه م�ساومة تظهر �أحيان ًا ب�شكل م�شادة ومناف�سة‬
‫كالمية ولكن ال تلبث �أن ت��زول‪ ،‬حني يتفق الطرفان على توزيع االمتيازات و «الغنائم»‬
‫ومناطق النفوذ!‬
‫وقد ف�ضح مكرم عبيد با�شا‪ ،‬الذي كان ع�ضو ًا يف هي�أة املفاو�ضات امل�صرية‪� ،‬أمر ًا هام ًا‬
‫كان له �صدى كبري هو �أن احلكومة امل�صرية تلقت �إ�شعار ًا من احلكومة الأمريكية يف�صح عن‬
‫�أملها ب�أن حتل الق�ضية امل�صرية ب�سرعة‪� ،‬أي �أن ال تت�شدد م�صر يف مطالبها‪ ،‬و�أن ال تت�صلب‬
‫يف موقفها من ق�ضية اجلالء ووحدة وادي النيل‪ ،‬و�أن تربهن عن ح�سن ا�ستعدادها باتخاذ‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪85‬‬

‫الطليعة‬

‫موقف لني من م�شروع املعاهدة الربيطاين املعرو�ض عليها!‬
‫نرى من كل هذا �أن �سيا�سة حكومة العمال اخلارجية‪ ،‬امل�شبعة بروح املحافظني‪ ،‬والتي‬
‫ال همّ لها الآن �إال الدفاع عن م�صالح الأو�ساط املالية االحتكارية العليا يف بريطانيا‪ ،‬تربط‬
‫نف�سها بعجلة اال�ستعمار الأمريكي‪ ،‬وتتفق معه على تنفيذ �سيا�سة ا�ستعمارية رجعية يف‬
‫ال�شرق الأو�سط‪ ،‬موجهة �ضد ال�شعوب العربية‪ ،‬و�ضد االحتاد ال�سوفياتي‪ ،‬و�ضد م�صلحة‬
‫ال�سلم يف العامل‪� ،‬أي �ضد م�صالح اجلماهري ال�شعبية الربيطانية نف�سها!‬

‫م�شاريع التكتالت اال�ستعمارية يف ال�شرق الأو�سط‪ :‬م�شروع‬
‫�سوريا الكربى‬

‫ولكن �أمام منو روح الت�ضامن بني جماهري ال�شعوب العربية يف �شتى �أقطارها‪ ،‬و�أمام‬
‫املقاومة ال�شعبية التي ت�صطدم بهـا ال�سيا�سة اال�ستعمارية يف م�صر وفل�سطني والعراق‪،‬‬
‫و�أمام مت�سك ال�شعبني ال�سوري واللبناين باال�ستقالل واجلمهورية‪ ،‬ورف�ضهما كل احتالل‬
‫جديد وكل اتفاق �أو معاهدة تخ�ضعهما ل�سيطرة ا�ستعمارية �أو ع�سكرية جديدة‪� ،‬أمام‬
‫كل ذلك يحاول اال�ستعمار الربيطاين‪ ،‬باالعتماد على معونة اال�ستعمار الأمريكي �أو على‬
‫�سكوته‪ ،‬خلق تكتالت خمتلفة يف ال�شرق الأو���س��ط‪ ،‬غايتها تق�سيم الأقطار العربية �إىل‬
‫جمموعات متطاحنة‪ ،‬وهدم التعاون العربي بني اجلماهري ال�شعبية العربية‪ ،‬وت�أمني �سيطرة‬
‫اال�ستعمار الربيطاين التامة على كتلة م�ؤلفة من الأقطار ال�شمالية لل�شرق الأو�سط (مبا‬
‫فيها تركيا)‪ ،‬مع بقاء الأقطار اجلنوبية‪ ،‬وخ�صو�ص ًا اململكة العربية ال�سعودية‪ ،‬منطقة‬
‫مفتوحة للتغلغل اال�ستعماري الأمريكي! و�أهم هذه امل�شاريع م�شروع �سوريا الكربى‪ ،‬وم�شروع‬
‫الكتلة ال�شرقية �أو الكتلة الرتكية العربية على الأ�صح‪ ،‬وم�شروع احتاد العراق و�شرق الأردن ‬
‫الذي يرف�ضه ال�شعب العراقي والوطنيون الأردنيون رف�ض ًا باتاً! وجميع هذه امل�شاريع مرتبط‬
‫�أحدها بالآخر وال ت�ؤلف �سوى و�سائل متنوعة لتحقيق هدف واحد!‬
‫�إن م�شروع �سوريا الكربى‪ ،‬الذي يحمل لواءه ويعمل له امللك عبد اهلل‪ ،‬عاهل اململكة‬
‫الأردنية الها�شمية‪ ،‬هو م�شروع قدمي و�ضعه يف املا�ضي نوري با�شا ال�سعيد‪ ،‬باالتفاق مع‬
‫الزعيم ال�صهيوين الدكتور ماغني�س‪ ،‬و�أب��دت الدوائر اال�ستعمارية الربيطانية �إذ ذاك‬
‫موافقتها عليه‪ .‬وين�ص هذا امل�شروع على �ضم �سوريا‪ ،‬والق�سم العربي من فل�سطني (�إذا مت‬
‫‪86‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫التق�سيم) ولبنان (�أو بع�ض �أجزائه على الأقل)‪ ،‬ودجمها كلها مع �شرق الأردن يف مملكة‬
‫واحدة حتت عر�ش امللك عبد اهلل‪ ،‬ويكون ا�سم هذه الدولة اجلديدة «�سوريا الكربى» �أو‬
‫اململكة الأردنية الها�شمية الكربى‪ ،‬وغاية هذا امل�شروع الرئي�سية هي‪� :‬سد الثغرة ال�سورية‬
‫اللبنانية يف اجلهاز الع�سكري واال�ستعماري الربيطاين يف ال�شرق الأو���س��ط‪� ،‬أي ن�سف‬
‫اال�ستقالل واجلمهورية يف �سوريا ولبنان و�إعادتهما �إىل حتت نري االحتالل الع�سكري‪ ،‬يف‬
‫ظل نظام ملكي �إقطاعي رجعي خا�ضع خ�ضوع ًا مطلق ًا لال�ستعمار الربيطاين! ويرمي هذا‬
‫امل�شروع من وراء ذلك �إىل حتقيق الربنامج الذي و�ضعه اجلرنال الفرن�سي «فيغان» يف �أوائل‬
‫احلرب الأخرية‪� ،‬أي حتويل �سوريا ولبنان �إىل مركز �سرتاتيجي موجه �ضد القوقاز‪ ،‬وي�سمح‬
‫ذلك لال�ستعمار يف الوقت نف�سه بتغطية احلدود الرتكية ال�سورية التي متتد على �أكرث من‬
‫�ألف كيلو مرت من البحر املتو�سط �إىل العراق!‬
‫وقد لقي هذا امل�شروع مقاومة �شديدة من جميع الأو�ساط العربية‪ ،‬وخ�صو�ص ًا من‬
‫ال�شعبني ال�سوري واللبناين‪ ،‬حتى ا�ضطرت املفو�ضية الربيطانية يف دم�شق �إىل �إ�صدار بالغ‬
‫ر�سمي تعلن فيه �أنها ال تتدخل يف هذا امل�شروع‪ ،‬و�أنها تعتربه م�شروع ًا عربي ًا ويخ�ص العرب‬
‫وحدهم! وقد �أكد ذلك �أي�ض ًا اجلرنال �سبري�س‪� ،‬صديق النفط العربي‪ ،‬الذي �أراد �أن يكون‬
‫«لورن�س» العرب يف هذه احلرب فباء بف�شل ذريع �أمام يقظة اجلماهري ال�شعبية العربية!‬
‫‪ ..‬غري �أن كل هذه البالغات والت�صريحات ال تنفي �أب��د ًا �أن ممثلي بريطانيا يف ال�شرق‬
‫الأو�سط‪ ،‬وكذلك عمالءها ويف ر�أ�سهم عبد اهلل‪ ،‬يتابعون العمل بجد يف �سبيل هذا امل�شروع‬
‫امل�ش�ؤوم‪.‬‬
‫وملا كان من ال�صعب يف الو�ضع الدويل احلا�ضر‪ ،‬فر�ض هذا امل�شروع على �سوريا بالقوة‬
‫ومن اخل��ارج‪ ،‬ف���إن عمالء الأجنبي يعملون له من داخ��ل �سوريا‪ ،‬وذل��ك ببذل املحاوالت‬
‫املتنوعة لإ�ضعاف اجلمهورية ال�سورية‪ ،‬وخلق القالقل واال�ضطرابات‪ ،‬و�إث��ارة احلركات‬
‫االنف�صالية‪ ،‬و�إلقاء التفرقة والبلبلة يف �صفوف ال�شعب‪ .‬غري �أن ال�شعب ال�سوري الواعي‬
‫�أحبط كل ذلك بيقظته وقوة روحه الوطنية‪ ،‬وهو لن ي�سمح لهذه املناورات بالنجاح‪ ،‬فهو‬
‫متم�سك باال�ستقالل وبالنظام اجلمهوري‪ ،‬وال يرغب يف الرجوع �إىل االحتالل والوقوع حتت‬
‫نري نظام ملكي �إقطاعي رجعي فظيع‪ ،‬وال�شعب اللبناين مت�ضامن يف ذلك مع �شقيقه ال�شعب‬
‫ال�سوري كل الت�ضامن‪ ،‬ويجد ال�شعبان كل الت�أييد من جميع اجلماهري العربية‪ ،‬ومن قوى‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪87‬‬

‫الطليعة‬

‫احلرية والدميوقراطية يف العامل ب�أ�سره!‬

‫م�شروع الكتلة ال�شرقية �أو الكتلة «الرتكية العربية»‬

‫�أما م�شروع الكتلة ال�شرقية‪� ،‬أو الكتلة «الرتكية العربية» فهو يرمي �إىل �إيجاد حلقة‬
‫ات�صال بني ميثاق �سعد �آباد املعقود بني تركيا والعراق و�إيران والأفغان‪ ،‬وبني ميثاق جديد‬
‫يعقد بني تركيا والبلدان العربية‪ .‬وقد �أ�صبح هذا امل�شروع �ضرورة كربى لال�ستعمار بعد �أن‬
‫ت�ضع�ضع ميثاق �سعد �آباد الذي ولد �شبه ميت ومل تنجح كل امل�ساعي التي بذلت لرتميمه �أو‬
‫بعث احلياة فيه‪.‬‬
‫لقد بد�أ العمل اجلدي الر�سمي للكتلة ال�شرقية بعقد املعاهدة الأردنية الرتكية خالل‬
‫زيارة امللك عبد اهلل �إىل �أنقرة‪ .‬غري �أن العامل الأول لهذا امل�شروع هو «ال�سر» نوري ال�سعيد‪،‬‬
‫رئي�س ال��وزارة العراقية احلايل‪ ،‬وقد مهد له بزيارته لأنقرة يف العام املا�ضي حيث وقع‬
‫على م�شروع معاهدة تركية عراقية ما تزال �سرية‪ ،‬لأن نوري ال�سعيد مل يجر�ؤ حتى اليوم‬
‫على عر�ضها على جمل�س الوزراء العراقي‪ ،‬وذلك لأ�سباب عديدة �أهمها �أن ال�شعب العراقي‬
‫ال يريد الدخول يف مثل هذه التكتالت‪ ،‬كما �أن يف املعاهدة اعرتاف ًا خمج ًال بف�صل لواء‬
‫ا�سكندرونة عن �سوريا وب�ضمها �إىل تركيا‪ ،‬ف�إن �أحد بنودها يقول ب�أن العراق يقدم ت�سهيالت‬
‫لرتكيا يف ميناء الب�صرة‪ ،‬وتقدم تركيا باملقابل ت�سهيالت للعراق يف ميناء ا�سكندرونة!‬
‫ويرمي م�شروع الكتلة الرتكية العربية �إىل ت�أليف كتلة ع�سكرية ا�ستعمارية خا�ضعة‬
‫لربيطانيا �أوالً‪ ،‬وتتزعمها الرجعية الرتكية ثانياً‪ ،‬وترت�أ�سها من الناحية العربية الأ�سرة‬
‫الها�شمية احلاكمة يف العراق و�شرق الأردن ثالثاً‪ ،‬وتكون هذه الكتلة موجهة �ضد االحتاد‬
‫ال�سوفياتي و�ضد �شعوب �أوروبا ال�شرقية وجميع ال�شعوب امل�ساملة بطبيعة احلال‪.‬‬

‫ال�شعب ال�سوري يرف�ض التنازل عن حقه يف لواء ا�سكندرونة‬
‫وي�ستنكر كل تكتل ا�ستعماري!‬

‫ �أما الذي يدفع ثمن هذه الكتلة من �سيادته ومن �أر�ضه فهو �سوريا‪� :‬إذ يطلب‬
‫منها عقد ميثاق مع تركيا‪ ،‬ال ين�ص على التحالف الع�سكري وال�سيا�سي فح�سب‪ ،‬بل ين�ص ‬
‫�أي�ض ًا على التنازل ر�سمي ًا عن حقها يف لواء ا�سكندرونة ال�سليب الذي �أعطاه ت�شمربلن وبونه‬
‫‪88‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫وداالديه لرتكيا عام ‪ /1938/‬مقابل تعهد تركيا مبقاومة االحتاد ال�سوفياتي �أو بعدم تقدمي‬
‫�أية معونة له على الأقل يف حالة ن�شوب حرب مع �أملانيا الهتلرية‪ .‬وقد تبني ذلك بو�ضوح‬
‫يف املوقف امل�ؤيد للهتلرية الذي وقفته احلكومة الرتكية بعد اعتداء �أملانيا على االحتاد‬
‫ال�سوفياتي‪.‬‬
‫ولكن ال�شعب ال�سوري يرف�ض التنازل عن حقه يف لواء ا�سكندرونة‪ ،‬كما يرف�ض يف جميع‬
‫الأحوال‪ ،‬وب�صورة م�ستقلة عن ق�ضية ا�سكندرونة‪ ،‬كل م�شروع حتالف ع�سكري ا�ستعماري‪،‬‬
‫تركي عربي‪� ،‬أو �إنكليزي عربي تركي على الأ�صح‪ ،‬يحرمه �سيادته وا�ستقالله‪ ،‬ويوجهه �ضد‬
‫االحتاد ال�سوفياتي العظيم‪� ،‬صديق �سوريا وال�شعوب العربية جميعاً‪ ،‬وم�ؤيدها الأكرب يف‬
‫ن�ضالها لأجل اجلالء واال�ستقالل وال�سيادة!‬

‫مناورات الرجعية الرتكية يف ال�شرق الأو�سط!‬

‫�إن الرجعية الرتكية التي تخون م�صالح �شعبها‪ ،‬وتقدم �أرا���ض��ي بالدها كمراكز‬
‫�سرتاتيجية لال�ستعمار الإنكليزي والأمريكي‪ ،‬وت�ضع مرافقها حتت ت�صرف طغاة املال يف‬
‫لندن ووا�شنطن‪ ،‬وتفقر ال�شعب بال�ضرائب الباهظة لالحتفاظ مبليون جندي حتت ال�سالح‪،‬‬
‫وترهق اجلماهري بنظام ديكتاتوري فا�ش�ستي يحرمها �أب�سط مبادئ احلرية‪ ،‬وتالحق‬
‫وت�سجن الدميوقراطيني واال�شرتاكيني وال�شيوعيني والنقابيني من عمال و�شباب و�أدباء‪ ،‬مبا‬
‫فيهم ال�شاعر ال�شعبي العاملي الكبري ناظم حكمت الذي م�ضى عليه يف ال�سجن �أكرث من‬
‫ثمانية �أعوام‪ ،‬وت�ضطهد القوميات غري الرتكية كالعرب والأرمن‪ ،‬وتتبع �سيا�سة الترتيك‬
‫والإفناء نحو ماليني الأكراد يف الأنا�ضول ‪ ،..‬هذه الرجعية الرتكية ذات العقلية الإقطاعية‬
‫احلميدية‪ ،‬حتاول �أن تقوي مواقفها املتزعزعة بجر الأقطار العربية يف عجلتها‪ ،‬وبالتطوع‬
‫لتنفيذ م�شاريع اال�ستعمار يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬فهي تقاوم علن ًا وبكل وقاحة ن�ضال العرب‬
‫لأج��ل اجل�لاء عن م�صر وفل�سطني والعراق‪ ،‬كما ت�ؤيد االحتالل والنظام الفا�ش�ستي يف‬
‫اليونان‪ ،‬وهي التي ا�ضطهدت عقائد النا�س الدينية‪ ،‬واعتربت الإ�سالم دين ت�أخر وهمجية‪،‬‬
‫تتظاهر اليوم ب�أنها «دولة �إ�سالمية» وحتاول تغطية م�آربها التو�سعية الرجعية ب�ستار ال�سعي‬
‫لت�أليف «كتلة �إ�سالمية» تتوىل �أنقرة زعامتها! وهي يف كل ذلك تداعب حلم ًا قدمي ًا هو‬
‫ا�ستعادة �سيطرتها على الأرا�ضي العربية التي كانت تابعة للإمرباطورية العثمانية!‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪89‬‬

‫الطليعة‬

‫غري �أن ال�شعوب العربية ترف�ض رف�ض ًا بات ًا جميع هذه املناورات وامل�ؤامرات وهي �إذ‬
‫تتابع اليوم ن�ضالها لأجل ا�ستقاللها وحريتها‪ ،‬ال تزال تذكر �سيا�سة امل�شانق والإفناء التي‬
‫لقيتها يف ظل اال�ستعمار الرتكي‪ ،‬كما �أنها ترى اليوم ر�أي العني تلك ال�سيا�سة الفا�ش�ستية‬
‫املتبعة يف لواء ا�سكندرونة حيث يحرم العرب حتى حق الكالم بلغتهم الأ�صلية!‬
‫�إن ال�شعب ال�سوري وال�شعوب العربية جميع ًا ترف�ض الدخول يف �أي تكتل ا�ستعماري‬
‫دويل‪ ،‬فهي تريد ممار�سة ا�ستقاللها �ضمن نطاق الأمم املتحدة على �أ�سا�س مبادئ التعاون‬
‫الدويل‪ ،‬دون ال�سري يف عجلة �أية دولة �أو كتلة من الدول �ضد دولة �أخرى �أو كتلة من الدول‬
‫الأخرى!‬

‫�س�ؤالنا �إىل العمال الربيطانيني‪ :‬م َْن الذي ي�ستفيد من كل‬
‫هذه ال�سيا�سة؟‬

‫هذه �أيها الرفاق لوحة جمملة عن ال�سيا�سة املتبعة يف �أقطار ال�شرق الأو�سط‪ ،‬وعن‬
‫امل�شاريع التي تعمل لتحقيقها الدوائر اال�ستعمارية الربيطانية‪ ،‬بالتعاون مع اال�ستعمار‬
‫الأمريكي‪ ،‬دون �أن ت�صيب فيها �أي جناح حتى الآن!‬
‫ونحن‪ ،‬من على هذا املنرب‪ ،‬يف قلب العا�صمة الربيطانية‪ ،‬وبا�سم جميع الوطنيني‬
‫الدميقراطيني العرب‪ ،‬ن�س�أل عمال بريطانيا وجميع �أحرارها‪ :‬قولوا‪ ،‬مل هذه ال�سيا�سة‬
‫وهذه امل�شاريع؟ ما معنى ح�شد مئات الألوف من اجلنود يف العراق و�شرق الأردن وفل�سطني‬
‫وم�صر‪ ،‬بينما يقا�سي ال�شعب الربيطاين‪ ،‬كما قال هاري بوليت‪� ،‬أزم��ة حادة يف الإنتاج‬
‫ب�سبب نق�ص اليد العاملة؟ مل هذه املراكز ال�سرتاتيجية والتكتالت اال�ستعمارية؟ �أي‬
‫فائدة منها جلماهري ال�شعب الربيطاين؟ وهل ي�ستفيد منها �سوى جماعة �ضئيلة من كبار‬
‫املحتكرين والرجعيني الربيطانيني طغاة املال واال�ستعمار الذين يربطون م�صريهم مب�صري‬
‫الر�أ�سمالية الأمريكية‪ ،‬ويريدون �أن تقوم بريطانيا بدور �شريكة من الدرجة الثانية‪ ،‬بل �أقل‬
‫من ذلك يف الكتلة االنكلو�سك�سونية؟‬
‫يزعمون �أن كل ذلك �ضروري حلماية موا�صالت الإمرباطورية! ‪ ..‬فليقولوا مَ نْ الذي‬
‫يهدد هذه املوا�صالت؟‬
‫ويلوح �آخرون بخطر احلرب‪ .‬وهذا �أي�ض ًا ال يخدع �أحداً‪ .‬فالر�أي العام العاملي يعلم �أن‬
‫‪90‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫لي�س ثمة خطر حرب جديدة‪ .‬وقد �ألقت ت�صريحات �ستالني العديدة الأخرية نور ًا �ساطع ًا‬
‫على الو�ضع الدويل‪ ،‬وبينت حقيقة الدعايات القائمة على التهوي�ش والتهويل بخطر احلرب‪،‬‬
‫تلك الدعايات الكاذبة الرامية �إىل تربير �إبقاء اجليو�ش حتت ال�سالح‪ ،‬و�إجبار ال�شعوب على‬
‫قبول ما ت�ستهدفه بع�ض الدول من مدّ �سيطرتها اال�ستعمارية على الدنيا ب�أ�سرها!‬
‫ولكن مهما كان من �أمر هذه امل�شاريع‪ ،‬فهي فا�شلة‪ .‬فلي�س من ي�ؤيدها يف ال�شرق الأو�سط‬
‫�إال الدوائر الرجعية الرتكية‪ ،‬وعمالء الأجنبي من كبار الرجعيني العرب �أمثال امللك عبد‬
‫اهلل ذي العر�ش الكرتوين‪« ،‬وال�سر» ن��وري ال�سعيد و�إ�ضرابه‪ ،‬و�صدقي با�شا‪ ،‬والزعماء‬
‫ال�صهيونيون الذين ي�أملون �أن ت�ؤدي هذه امل�شاريع �إىل حتقيق حلمهم بتق�سيم فل�سطني‬
‫و�إقامة دولة يهودية فيها‪.‬‬
‫�أما كل ما يف ال�شرق العربي من قوى اخلري والوطنية‪ ،‬فتحارب هذه امل�شاريع‪ ،‬وهي‬
‫واجدة طبع ًا كل الت�أييد منكم ومن جميع �أحرار بريطانيا والغرب ب�أ�سره‪.‬‬

‫منو احلركات الوطنية الدميوقراطية يف الأقطار العربية‬

‫وتنمو يف الأقطار العربية حركة وطنية �شعبية �صاعدة كال�سيل‪ ،‬ت�شمل املاليني من‬
‫العمال والفالحني و�صغار التجار‪ ،‬وجتر يف تيارها جماعات وا�سعة من الطبقات احلاكمة‬
‫العربية نف�سها‪.‬‬
‫لقد خطت اجلماهري ال�شعبية العربية بعد احلرب خطوة جديدة يف طريق اليقظة‬
‫والوعي الوطني الدميوقراطي‪ .‬ومل تبقَ احلركات الوطنية العربية وقف ًا على �أو�ساط �ضيقة‬
‫من �شخ�صيات معينة‪ .‬لقد خرجت قوى �شعبية جديدة �إىل ميدان الن�ضال الوطني‪ ،‬ولي�س ‬
‫من املمكن �إخراجها منه‪ .‬وهي حتمل �إىل احلركة الوطنية العامة حيويتها ومطالبها‬
‫ال�شعبية الدميوقراطية‪ ،‬االقت�صادية وال�سيا�سية‪.‬‬
‫ففي م�صر‪ ،‬تربز �إىل جانب الأح��زاب الوطنية القدمية هيئات �شعبية جديدة مثل‬
‫جلان العمال والطالب القومية امل�شرتكة التي قامت بدور كبري يف املعارك الوطنية‪ ،‬وكذلك‬
‫نقابات العمال‪ ،‬وحلقات املثقفني التقدميني‪ .‬ويف فل�سطني نرى ع�صبة التحرر الوطني‬
‫التي حتمل �إىل احلركة الوطنية العربية روح ًا جديدة وحيوية جديدة ونرى حركة نقابية‬
‫نا�شطة بني العمال‪ .‬ويف العراق برزت عدة �أح��زاب وطنية جماهريية كاحلزب الوطني‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪91‬‬

‫الطليعة‬

‫الدميوقراطي‪ ،‬وحزب ال�شعب‪ ،‬وحزب اال�ستقالل‪ ،‬وحزب الأحرار‪ ،‬وحزب االحتاد الوطني‪،‬‬
‫وح��زب التحرر الوطني‪ .‬وتت�سع احلركة النقابية بني العمال‪ .‬وي�برز كذلك ال�شيوعيون‬
‫العراقيون �إىل احلياة ال�سيا�سية دون �أن يلني من قناتهم �أو يرجعهم على �أعقابهم ما يلقون‬
‫من �إرهاب فظيع‪ .‬ويف �سوريا ولبنان انطلقت بعد اجلالء كثري من القوى الدميوقراطية‬
‫ال�شعبية وخرجت �إىل امليدان‪ ،‬وات�سعت احلركة النقابية بني العمال‪ ،‬وتفتحت عيون جماهري‬
‫�أو�سع ف�أو�سع من الفالحني على احلياة العامة‪ ،‬وتطور �شعورهم ب�أنف�سهم كمواطنني مثل‬
‫غريهم‪ ،‬و�أخذوا يرف�ضون �أن ينظر �إليهم كمواطنني من الدرجة الثانية �أو الثالثة‪ ،‬ومنا نفوذ‬
‫احلزبني ال�شيوعيني ال�سوري واللبناين لثباتهما يف املعمعان خالل جميع املعارك الوطنية‬
‫لأجل اجلالء واال�ستقالل‪ ،‬و�أخذ جميع الدميوقراطيني العرب يعتربونهما طليعة القوى‬
‫الدميوقراطية ال�شعبية املنظمة يف كل ال�شرق العربي!‬
‫�إن جلميع ه��ذه احل��رك��ات الوطنية ���ش��ع��ارات م�شرتكة ه��ي اجل�ل�اء واال�ستقالل‬
‫والدميقراطية‪ ،‬وهي جميعها تبني ب�أ�شكال �شتى‪ ،‬وعلى درجات خمتلفة‪ ،‬تعلقها بال�سالم‬
‫ومت�سكها مببادئ التعاون الدويل‪ .‬وتنعك�س مطالب اجلماهري ال�شعبية الوا�سعة من العمال‬
‫والفالحني واملثقفني املتحررين يف هذه احلركات‪ ،‬التي ت�ضع يف براجمها مطلب العدالة‬
‫االجتماعية ورف��ع م�ستوى جماهري العرب‪ ،‬وحماربة املر�ض واجلهل‪ ،‬وحت�سني ظروف‬
‫املعي�شة‪ ،‬وفتح املدار�س يف املدن والقرى‪ ،‬والتقدم يف مدارج الرقي الزراعي وال�صناعي!‬
‫وتتخذ حركات التحرر يف الأقطار العربية �أكرث ف�أكرث �شك ًال وطني ًا بحتاً‪� .‬أما املحاوالت‬
‫اال�ستعمارية والرجعية الرامية �إىل �إلقاء التفرقة بني ال�شعب وتوجيه احلركات الوطنية يف‬
‫غري وجهتها ال�صحيحة‪ ،‬حتت �ستار الدين‪ ،‬فلم تلقَ جناح ًا بني اجلماهري‪ ،‬ويحاربها جميع‬
‫الوطنيني الدميوقراطيني العرب وكبار الكتاب والأدباء على اختالف نزعاتهم‪ ،‬دون هوادة‬
‫ودون كلل‪ .‬وقد تبني ذلك بو�ضوح حني مرور «جناح» رئي�س الرابطة الإ�سالمية الهندية‬
‫من القاهرة‪ .‬فلم ترحب به �سوى اجلماعات الرجعية الإقطاعية‪ ،‬وكذلك بع�ض الوريقات‬
‫التي ت�صدرها جماعات رجعية معروفة ب�صلتها بالأجنبي‪ ،‬ك�صحافة «الإخوان امل�سلمني» يف‬
‫م�صر ويف �سوريا‪.‬‬

‫احلركات الوطنية العربية واالحتاد ال�سوفياتي!‬
‫‪92‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫ومن �أه��م مميزات احلركات الوطنية العربية يف املرحلة احلا�ضرة �شعور العطف‬
‫واالحرتام نحو االحتاد ال�سوفياتي العظيم!‬
‫�إننا نريد لأوطاننا �سيا�سة م�ستقلة يف نطاق الأمم املتحدة‪ ،‬وال نود ال�سري يف عجلة‬
‫�أية دولة‪ .‬هذا �شيء وا�ضح وال ريب فيه‪ .‬غري �أن التجارب تدل على �أن هذه ال�سيا�سة التي‬
‫نريدها لبالدنا هي كذلك �سيا�سة االحتاد ال�سوفياتي الذي يرف�ض التكتالت الدولية ويعمل‬
‫لنجاح مبادئ التعاون الدويل يف �سبيل ال�سالم وامل�ساواة والإخاء بني ال�شعوب! فم�صلحتنا‬
‫الوطنية العامة �إذاً‪ ،‬وجميع م�صاحلنا املبا�شرة‪ ،‬مهما تنوعت‪ ،‬تفر�ض علينا‪ ،‬على ال�شعوب‬
‫العربية‪� ،‬إقامة �أح�سن عالقات ال�صداقة مع جارنا الكبري‪ ،‬االحتاد ال�سوفياتي‪ ،‬ومع جميع‬
‫الدول الدميوقراطية اجلديدة يف البلقان و�شرقي �أوروبا‪ ،‬خ�صو�ص ًا ونحن جند منها يف كل‬
‫الظروف والأحوال ت�أييد تام ًا لن�ضالنا يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل‪ .‬ولي�س من عربي يجهل‬
‫اليوم �أن االحتاد ال�سوفياتي هو الذي طلب �سحب اجليو�ش من الأقطار غري العدوة �سابق ًا‬
‫مبا فيها �أقطار ال�شرق الأو�سط كاليونان وم�صر وفل�سطني و�شرق الأردن والعراق‪.‬‬
‫وقد �أخفقت حتى الآن املحاوالت التي بذلتها الأو�ساط الرجعية من �صدقي با�شا يف‬
‫م�صر �إىل نوري ال�سعيد يف العراق‪ ،‬مبعونة الوكاالت الربقية اال�ستعمارية كرويرت وما �إليها‬
‫لإلهاء ال�شعوب العربية عن �أهدافها الوطنية ب�شن حمالت �صليبية �ضد ال�شيوعية و�ضد‬
‫االحتاد ال�سوفياتي‪ ،‬وبالتلويح بخرافة اخلطر الأحمر‪.‬‬
‫�إن ال�شعوب العربية ال ترى يف االحتاد ال�سوفياتي �سوى �صديق حميم‪ ،‬خمل�ص مل�صلحة‬
‫ال�سالم وحلق ال�شعوب يف اجلالء واال�ستقالل‪ .‬وتربهن التجارب للر�أي العام العربي‪ ،‬يوم ًا‬
‫بعد يوم‪� ،‬أن احلركات ال�شيوعية العربية لي�ست �سوى حركات وطنية �شعبية دميقراطية‬
‫ت�ساهم ب�إقدام و�إخال�ص يف الن�ضال العام لأجل اجلالء واال�ستقالل‪ ،‬وتريد ال�سري بهذا‬
‫الن�ضال �إىل الظفر الكامل‪ ،‬وحتمل كذلك �إىل احلركة الوطنية طموح اجلماهري ال�شعبية‬
‫�إىل حياة �أح�سن و�أقرب �إىل العدل والإن�سانية‪.‬‬

‫اجلامعة العربية‬

‫وينمو بني ال�شعوب العربية ال�شعور ب�ضرورة الت�ضامن فيما بينها من �أجل مطالبها‬
‫امل�شرتكة املتماثلة‪ ،‬ففي دم�شق وب�يروت تقوم مظاهرات و�إ�ضرابات لت�أييد م�صر‪ ،‬ويف‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪93‬‬

‫الطليعة‬

‫القاهرة ترتفع الأ�صوات لت�أييد �سوريا ولبنان‪ ،‬ويف جميع الأقطار العربية تقوم حركات‬
‫�شعبية وا�سعة للت�ضامن مع فل�سطني �ضد اال�ستعمار وال�صهيونية‪� .‬إن �شعور الت�ضامن العربي‬
‫هذا هو �شعور �شعبي �سليم له جذوره يف �أو�ضاع البالد العربية نف�سها وله امتداداته يف‬
‫التاريخ العربي احلديث‪ .‬غري �أن جامعة الدول العربية ال متثل هذا ال�شعور ال�شعبي العربي‬
‫متثي ًال �صادق ًا �صحيحاً‪.‬‬
‫لقد �أعلن امل�سرت �إيدن عام ‪� /1943/‬أن بريطانيا حتبذ ت�أليف اجلامعة العربية‪ ،‬وكان‬
‫هدف حزب املحافظني من ذلك �إر�ضاء ال�شعور العربي يف وقت حرج ت�ألبت فيه قوى روميل‬
‫على م�صر‪� .‬أما بعد احلرب فقد حاولت ال�سيا�سة الربيطانية ا�ستخدام اجلامعة العربية يف‬
‫�سبيل �أهدافها اال�ستعمارية‪ .‬وهنا �أي�ض ًا مل ت�صب ما كانت ت�أمله من جناح‪.‬‬
‫فاجلامعة امل�ؤلفة من ممثلي حكومات عربية خمتلفة �أك�ثره��ا رجعية خا�ضعة يف‬
‫�سيا�ستها �إما لال�ستعمار الربيطاين �أو الأمريكي‪ ،‬مل ت�ستطع �أن حتقق �آمال ال�شعوب العربية‬
‫يف الت�ضامن لأجل اجلالء واال�ستقالل‪ ،‬ولكنها مل ت�ستطع �أي�ض ًا �أن متثل دور �أداة ناجعة يف‬
‫يد اال�ستعمار لتنفيذ �سيا�سته وم�شاريعه‪.‬‬
‫ف�إن التناق�ض العميق بني م�صالح ال�شعوب العربية وبني �أهداف ال�سيا�سة اال�ستعمارية‬
‫الربيطانية الأمريكية‪ ،‬ثم التناق�ضات بني امل�صالح الربيطانية والأمريكية نف�سها‪ ،‬ثم‬
‫التناحر بني خمتلف البيوتات املالكة العربية‪ ،‬وخ�صو�ص ًا بني الأ�سرة ال�سعودية والها�شمية‪،‬‬
‫و�أخري ًا �ضغط ال�شعوب العربية على حكوماتها يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل‪ ،‬كل هذه العوامل‬
‫املتناق�ضة تنعك�س يف قلب اجلامعة العربية وجتعلها عاجزة عن القيام ب�أي دور فعال‪.‬‬
‫غري �أن اجلامعة العربية من حيث هي فكرة متثل �أمنية عزيزة لدى اجلماهري ال�شعبية‬
‫العربية‪ ،‬وتدرك هذه اجلماهري �أن م�شاريع اال�ستعمار املختلفة كم�شروع �سوريا الكربى‬
‫وم�شروع الكتلة ال�شرقية �إمنا ت�ؤدي �إىل �إ�ضعاف اجلامعة العربية بل �إىل ن�سفها يف النهاية‪.‬‬
‫�إن اال�ستعمار يريد الق�ضاء على الت�ضامن بني ال�شعوب العربية وعدم التعاون العربي يف‬
‫�سبيل اجلالء واال�ستقالل‪ .‬ونحن ال�شيوعيني العرب‪ ،‬ومعنا جميع الوطنيني الدميوقراطيني‪،‬‬
‫نعتقد اعتقاد ًا را�سخ ًا �أن اجلامعة العربية ال ت�ستطيع �أن تعي�ش وتزدهر �إال �إذا انعك�ست فيها‬
‫ويف �أعمالها �آمال ال�شعوب العربية يف اجلالء واال�ستقالل وال�سيادة‪ .‬ويفهم هذه احلقيقة‬
‫�أحرار العرب يف كل قطر عربي‪ .‬ولذلك نراهم جميع ًا يدركون �أن م�ستقبل جامعة الدول‬
‫‪94‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫لا يف ةيطارقوميدلاو مالسلا ةيضق نم ءزج ‪ ..‬ةيرحلاو لالقتسالاو ءالجلا ليبس يف ةيبرعلا بوعشلا لاضن‬

‫العربية مرتبط �أوثق ارتباط مبقدار منو احلركات الوطنية التحررية العربية‪ ،‬ومبقدار‬
‫جناح ال�شعب يف �إبعاد عمالء اال�ستعمار والعنا�صر الرجعية عن احلكم يف كل قطر عربي‪.‬‬
‫ولكنهم يف الوقت نف�سه يفهمون �أح�سن فهم �أن الت�ضامن العربي الدائم الناجع �إمنا هو‬
‫الت�ضامن ال�شعبي والت�آزر الأخوي بني اجلماهري ال�شعبية الوا�سعة يف �شتى الأقطار العربية‬
‫املنا�ضلة لأجل اجلالء واال�ستقالل والدميوقراطية‪.‬‬
‫�إننا مع�شر ال�شيوعيني العرب الذين جتمعنا بجميع الوطنيني الدميوقراطيني العرب‪،‬‬
‫وكذلك بجماعات وا�سعة من الوطنيني على اختالف اجتاهاتهم ومراكزهم‪� ،‬أوا�صر‬
‫ال�صداقة والن�ضال امل�شرتك طوال �سنوات يف �سبيل احلرية واال�ستقالل‪ ،‬نعلن اليوم �أمام‬
‫العامل �إننا نعتز ب�شعوبنا العربية وباحلركات الوطنية التحررية يف �أوطاننا‪ ،‬ونعلن عزمنا‬
‫الأكيد على العمل جنب ًا �إىل جنب مع جميع الوطنيني املخل�صني يف �سبيل االحتاد الوطني‬
‫لأجل اجلالء واال�ستقالل وال�سيادة‪.‬‬
‫�إننا ال نحكم على النا�س يف بالدنا ح�سب مراكزهم االجتماعية �أو ح�سب �آرائهم يف‬
‫ال�شيوعية �أو ح�سب ميولهم وعقائدهم‪ ،‬بل ح�سب مواقفهم من اال�ستعمار الأجنبي‪ ،‬وتبع ًا‬
‫ملقدار �صدقهم و�إقدامهم يف الن�ضال لأجل اجلالء واال�ستقالل‪.‬‬
‫�إننا ن�سري جنب ًا �إىل جنب مع جميع الوطنيني اجلمهوريني يف �سوريا ولبنان للدفاع عن‬
‫اال�ستقالل واجلمهورية وال�سري ببالدنا يف طريق الرقي والدميوقراطية‪ ،‬ومقاومة كل تغلغل‬
‫ا�ستعماري �سيا�سي �أو اقت�صادي بريطاين �أو �أمريكي‪ ،‬و�صون بلدينا من م�شاريع اال�ستعمار‬
‫وتكتالته وم�ؤامرات عمالئه الإقطاعيني الرجعيني‪.‬‬
‫�إننا ن�ؤيد �شعارات الوطنيني امل�صريني‪ :‬اجل�لاء واال�ستقالل ووح��دة وادي النيل‪،‬‬
‫ونعتربها �شعاراتنا‪ ،‬ومند يد الإخ��اء �إىل جميع املخل�صني يف الوفد امل�صري ويف جميع‬
‫الهيئات والأح��زاب الوطنية امل�صرية‪� .‬إننا مند يد الإخ��اء �إىل الوطنيني الدميقراطيني‬
‫العراقيني بدون متييز‪ ،‬ون�ؤيد بكل قوانا ن�ضال الوطنيني العرب الأردنيني‪.‬‬
‫�إننا مع�شر ال�شيوعيني العرب نعتقد ب�أن واجباتنا الأوىل امل�ساهمة يف العمل لتوحيد‬
‫القوى الوطنية يف كل قطر عربي وتقوية �أوا�صر الت�ضامن بني خمتلف ال�شعوب العربية‪،‬‬
‫وتوطيد �أوا�صر الإخاء وال�صداقة بني احلركات الوطنية يف البالد العربية وبني احلركات‬
‫ال�شعبية املنا�ضلة يف �سبيل ال�سلم والدميوقراطية يف �ألقطار الغربية ويف طليعتها الأحزاب‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪95‬‬

‫الطليعة‬

‫ال�شيوعية‪.‬‬
‫�إننا نعلم جيد ًا �أن الو�ضع الدويل الذي ا�سفرت عنه احلرب �سجل حقوق ًا هامة لل�شعوب‪،‬‬
‫ولكننا نعلم �أي�ض ًا �أن اال�ستفادة من هذه احلقوق متوقفة على ن�ضال ال�شعوب نف�سها‪.‬‬
‫�أيها الرفاق‪� ،‬إن الدوائر اال�ستعمارية الرجعية الربيطانية والأمريكية تريد حتويل‬
‫ال�شرق العربي �إىل ثكنة ع�سكرية وقاعدة ا�ستعمار ورجعية �ضد م�صلحة ال�سالم و�ضد جميع‬
‫ال�شعوب امل�ساملة‪� .‬أما احلركات التحررية العربية‪ ،‬مبا فيها احلركة ال�شيوعية العربية‪،‬‬
‫فرتيد حتويل ال�شرق العربي �إىل �أوطان حرة ل�شعوب حرة ت�ساهم يف ن�ضال الإن�سانية العام‬
‫لأجل ال�سلم والدميقراطية وال�سري يف طريق احلرية والنور‪.‬‬
‫�إن احلركة الوطنية التحررية العربية هي قافلة من قوافل ال�سالم والدميقراطية يف‬
‫العامل‪ ،‬ونحن ال�شيوعيني العرب عازمون على �إمتام واجبنا‪ ،‬وت�أدية ق�سطنا يف �سري القافلة‬
‫�إىل �أمام‪.‬‬
‫عا�ش ت�ضامن ال�شعوب العربية يف �سبيل اجلالء واال�ستقالل والدميقراطية!‬
‫عا�ش الت�ضامن بني جميع الأمم امل�ساملة احلرة يف العامل لأجل ال�سلم والدميقراطية‬
‫وامل�ساواة والإخاء بني ال�شعوب!‬
‫لندن يف ‪� /3/‬آذار ‪/1947/‬‬

‫‪96‬‬

‫خالد بكدا�ش‬
‫عن جملة «الطريق» العدد الثالث �آذار ‪/1947/‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫من الرتاث الثوري‬

‫يف معرتك الن�ضال ــ �صفحات من مذكرات‬
‫�أوهاني�س �أغبا�شيان (احللقة الثالثة )‬
‫ــ الأزمة االقت�صادية ونهو�ض حركة الإ�ضرابات ‪...‬‬

‫مل تكن البالد‪ ،‬يف �أوا�سط الن�صف الأول من الثالثينات‪ ،‬يف معزل عن �أزمة الر�أ�سمالية‬
‫العاملية اخلانقة‪ ،‬كانت البطالة منت�شرة ب�شكل خميف يف �صفوف العمال‪ ،‬الذين كانوا‬
‫يعانون من ويالتها‪ ،‬لعدم وجود �أي قانون يحميهم‪ ،‬وحريات نقابية تدافع عنهم‪ .‬كان‬
‫ن�صيبهم الوحيد من ال�سلطات‪ ،‬اال�ضطهاد والقمع وال�سجون‪ .‬وقد متيّز هذا الو�ضع يف‬
‫�سوريا ولبنان‪ ،‬بنهو�ض احلركات الإ�ضرابية العمالية يف خمتلف املهن‪ ،‬وقد �شملت على‬
‫وجه التقريب خم�سني �ألف عامل‪ ،‬قاد �إ�ضرابات ق�سم هام منهم احلزب ال�شيوعي‪ ،‬الذي‪،‬‬
‫نظر ًا لهذا ال�صعود‪ ،‬طرح وقتذاك �أهمية �إعطاء دور �أ�شد بروز ًا للطبقة العاملة‪ ،‬يف حركة‬
‫التحرر الوطني املعادية لال�ستعمار‪.‬‬
‫كنا يف تلك الفرتة‪ ،‬كثري ًا ما نهتم ب�أحوال العمال العاطلني عن العمل‪ ،‬فننظم اجتماعات‬
‫لهم يف خمتلف املناطق‪� .‬أما فيما يخت�ص بالعمال العاطلني عن العمل الأرمن‪ ،‬فكنا جنمعهم‬
‫يف �أحرا�ش برج حمود يف حلقات كبرية‪� ،‬شارحني لهم‪ ،‬وهم جال�سني القرف�صاء‪� ،‬أ�سباب‬
‫البطالة و�ضرورة الن�ضال املنظم �ضدها‪ ،‬بالت�ضامن مع �إخوانهم العمال العرب‪.‬‬
‫وكنت �أنا �أي�ض ًا يف عداد العاطلني عن العمل‪ ،‬لأنني �أينما ا�شتغلت‪ ،‬كانت ال�شرطة‬
‫تالحقني‪ ،‬وتنذر �صاحب العمل بطردي‪ ،‬العتبارهم �إياي «عن�صر ًا خطراً» يحر�ض العمال‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪97‬‬

‫الطليعة‬

‫على التمرد والإ�ضراب‪ .‬وقد ن�صحني الرفاق ب�أن �أذهب �إىل حلب‪ ،‬لعلني �أجد هناك عمالً‪،‬‬
‫بالإ�ضافة �إىل القيام بن�شاط حزبي‪ .‬فذهبت ووجدت عمالً‪ ،‬غري �أنه ما م�ضت علي ب�ضعة‬
‫�أيام‪ ،‬حتى ح�ضر �إىل مكان عملي موظف من الأمن العام‪ ،‬وذلك بناء على و�شاية من عميل‬
‫�أرمني‪ ،‬ف�ساقني �إىل الدائرة‪ ،‬حيث حجزت يومني‪� ،‬أع��ادوين بعدها �إىل بريوت‪ ،‬بو�صفي‬
‫«عن�صر ًا غري مرغوب فيه» يف حلب‪.‬‬
‫يف تلك �ألأيام‪ ،‬كان لإدخال رفاق يف جتمعات عمالية‪� ،‬أهمية بالغة بالن�سبة �إىل احلزب‪،‬‬
‫لذلك ن�صحني الرفيق خالد �شخ�صي ًا مبحاولة �إيجاد عمل يل يف طرابل�س‪ ،‬يف م�صفاة‬
‫البرتول (�آي ـ بي ـ �سي) التي كان بنا�ؤها حينذاك على و�شك الإجناز‪ .‬فذهبت وقدمت‬
‫طلب عمل خطي ًا للإدارة‪ ،‬وانتظرت اجلواب مدة ثالثة �أيام‪ ،‬ق�ضيتها يف العراء يف منطقة‬
‫البدّاوي‪ ،‬وذلك لعدم كفاية ما بحوزتي من املال حتى �أ�صرفه بدل منامة يف طرابل�س‪.‬‬
‫وملا جاء اجلواب بالرف�ض‪ ،‬توجهت �إىل معمل الرتابة يف �شكا‪ ،‬لأجرب حظي هناك فلم‬
‫�أفلح �أي�ضاً‪ ،‬فقد حدث يل هنا ما �سبق وحدث يل يف طرابل�س‪� ،‬أي بعد يومني من االنتظار‬
‫ق�ضيتهما على رمال ال�شاطئ رف�ض طلبي‪ ،‬فعدت �أدراج��ي �إىل بريوت بخفّي حنني‪ ،‬ويف‬
‫جيبي ‪ /15/‬قر�ش ًا ال غري‪.‬‬
‫ويف بريوت‪ ،‬ا�شتغلت‪ ،‬على فرتات متقطعة‪ ،‬يف خمتلف املهن‪ ،‬منها‪ :‬يف ور�ش البناء‪،‬‬
‫يف معمل دباغة‪ ،‬يف دكان حداد‪ ،‬يف �شركة «�سلوك» للكاز‪ ،‬و�أخري ًا اخرتت يل «مهنة حُ رّة»‪،‬‬
‫م�ستقلة عن مداخالت رجال ال�شرطة‪ ،‬وهي‪ :‬م�صلـ ّح بابور كاز متجوّل‪ ،‬وهذا كله بدون‬
‫�أن �أنقطع عن عملي احلزبي‪ ،‬مثل ح�ضور االجتماعات‪ ،‬وتوزيع البيانات‪ ،‬واال�شرتاك يف‬
‫املظاهرات والإ�ضرابات‪ ،‬مع ن�صيبي‪ ،‬بالطبع‪ ،‬من االعتقاالت‪ ،‬كتوقيفي �أثناء �إ�ضراب‬
‫�سائقي ال�سيارات �أمام �سراي الربج‪ ،‬ثم اعتقايل �أثناء توزيع كرا�س �أ�صدره عمال املطابع‪،‬‬
‫وفيه حملة �ضد تع�سّ ف �سلطات االنتداب �ضد العمال‪ ،‬وقد حكمت عليّ املحكمة املختلطة‬
‫بثالثة �أ�شهر �سجن‪ ،‬عقاب ًا لقويل يف وجه رئي�س املحكمة‪� :‬أنه «ال خري من وجود فرن�سا هنا‬
‫لل�شعب والبالد»‪ ،‬وكان ذلك جواب ًا على �س�ؤاله �إياي‪« :‬ما ال�ضرر من وجود فرن�سا هنا»‪.‬‬

‫ــ احلزب يف غمار مكافحة اخلطر الفا�شي ‪...‬‬

‫برز خطر الفا�شية املتفاقم‪ ،‬بعد جميء هتلر على ر�أ�س احلكم يف �أملانيا �سنة ‪1933/‬‬
‫‪98‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫ـ ‪ ./1934‬وتال ذلك‪ ،‬يف �سنة ‪ ،/1935/‬غزو مو�سوليني للحب�شة‪ ،‬ومن ثم جاء تدّخل هتلر‬
‫ومو�سوليني معاً‪� ،‬سنة ‪ ،/1936/‬يف حرب �إ�سبانيا ‪ ..‬مل يقف حزبنا موقف املتفرج من هذه‬
‫الأحداث‪ .‬لقد واجهنا �صعود هتلر بتعليق الأعالم احلمراء على �أعمدة و�أ�شرطة الكهرباء‪،‬‬
‫ويتحطيم �شعار �أملانيا من على باب ال�سفارة الأملانية يف بريوت‪ .‬ويف اليوم التايل من هذه‬
‫العملية‪ ،‬كنت من بني املعتقلني‪ ،‬العتباري يف نظر ال�شرطة‪ ،‬من له «يف كل عر�س قر�ص»‪.‬‬
‫غري �أنهم ما لبثوا �أن �أطلقوا �سراحي‪ ،‬لعدم وجود �أية �أدلة تدينني‪ .‬ثم نظـ ّم احلزب يف‬
‫ب�يروت‪� ،‬سنة ‪ ،/1935/‬مظاهرة �ضخمة �ضد احتالل مو�سوليني للحب�شة‪ ،‬وقد ارتفعت‬
‫الهتافات منها‪« :‬ت�سقط الفا�شية» و «مو�سوليني حرامي» ‪� ....‬إلخ‪.‬‬
‫�أما بالن�سبة �إىل حرب �إ�سبانيا‪ ،‬فمن �أجل جندة ال�شعب الإ�سباين‪ ،‬ورغبة منّا بالتطوع‬
‫يف �صفوف الفيلق الأممي‪ ،‬فقد ذهبت وجمع من الرفاق �إىل ال�سفارة الإ�سبانية يف بريوت‬
‫للتطوع‪� ،‬إال �أن ال�سفري‪ ،‬لكونه ممث ًال للملكية‪ ،‬رف�ض ا�ستقبالنا‪.‬‬
‫كانت �سنة ‪ ،/1936/‬بالن�سبة ل�سوريا ولبنان‪ ،‬مرحلة نهو�ض جديد للحركة الوطنية �ضد‬
‫اال�ستعمار الفرن�سي‪ ،‬بد�أت انطالقتها من �سوريا‪ ،‬ب�إ�ضراب عام دام خم�سني يوماً‪ ،‬و�أجرب‬
‫فرن�سا على �إعادة احلياة الد�ستورية‪ ،‬والدخول يف املفاو�ضات مع حزب الكتلة الوطنية‪ ،‬من‬
‫�أجل االعرتاف با�ستقالل �سوريا‪ .‬فعقدت معاهدة «�صداقة وعون» تعرتف با�ستقالل �سوريا‪.‬‬
‫لقد لعب الرفيق خالد بكدا�ش عهد ذاك يف باري�س‪ ،‬دور ًا قيّم ًا يف ت�سهيل عمل الوفد‬
‫ال�سوري املفاو�ض‪ ،‬بعون من احلزب ال�شيوعي الفرن�سي‪ ،‬الذي �ساعد‪ ،‬يف ن�شر مقاالته يف‬
‫ال�صحف الفرن�سية‪ ،‬ت�أييد ًا حلق �سوريا يف اال�ستقالل‪ .‬ويف ال�سنة نف�سها‪ ،‬ا�ضطرت فرن�سا‬
‫لعقد معاهدة مع لبنان �أي�ضاً‪ ،‬تعهدت مبوجبها ب�إلغاء االنتداب عن لبنان بعد ثالث �سنوات‪،‬‬
‫مع �إلزام لبنان بالت�شاور مع فرن�سا يف �ش�ؤون ال�سيا�سة اخلارجية‪.‬‬
‫ح�صل هذا الرتاجع من قبل اال�ستعمار الفرن�سي‪ ،‬يف �أج��واء تعاظم خطر الفا�شية‪،‬‬
‫و�صعود ًا لن�ضاالت �ضدها يف كل مكان‪ ،‬وانت�صار اجلبهة ال�شعبية يف فرن�سا‪ ،‬مما �أجرب‬
‫�سلطات االنتداب على معاملة احلركات العمالية والوطنية بتعقـ ّل‪ ،‬تاركة �أمر الت�صدي لها‬
‫تبي‪ ،‬عندما منعت ال�شرطة االحتفال بانت�صار اجلبهة ال�شعبية‬
‫لل�سلطات املحلية‪ ،‬وهذا ما نّ‬
‫يف فرن�سا‪ ،‬ب�إقفالها �أبواب �سينما «كري�ستال» يف بريوت‪ ،‬حيث كان �سيقام االحتفال‪ .‬وجواب ًا‬
‫على ذلك املنع‪ ،‬قرر احلزب‪ ،‬القيام بتظاهرة‪ .‬وقبل يوم من قيامها‪� ،‬ساقني اثنان من رجال‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪99‬‬

‫الطليعة‬

‫التحري �إىل مديرية ال�شرطة يف �ساحة الربج‪ ،‬حيث قال يل املدير منذراً‪ :‬ب�أن التظاهرة‬
‫ممنوعة‪ ،‬و�إال تكون عاقبتها غري حميدة‪ .‬فقلت له‪ :‬ل�ست �أنا منظم التظاهرة وال قائدها‪،‬‬
‫�إمنا هي عبارة �إرادة �شعبية‪ ،‬و�أنا بو�صفي �أحد �أفراد ال�شعب فمن حقي الت�أييد لتلك الإرادة‬
‫‪ ..‬فك�شّ ر عن �أنيابه قائالً‪ :‬نراكم غداً!‬
‫وقبل ظهر ال��غ��د‪ ،‬قامت التظاهرة متجهة م��ن �ساحة الدبا�س �إىل �ساحة ال�برج‪،‬‬
‫ب�صفوف مرتا�صة‪ ،‬رافعة اليافطات عالياً‪ ،‬وملا و�صلت مقدمتها �أم��ام ن�صب ال�شهداء‪،‬‬
‫قابلت ال�شرطة املتظاهرين بالر�صا�ص‪ ،‬فح�صل ا�شتباك �إثر ذلك ووقع خالله عدد من‬
‫اجلرحى من الطرفني‪ ،‬واعتقل ‪� /25/‬شخ�ص ًا من املتظاهرين‪ .‬ويف اليوم التايل‪� ،‬شجبت‬
‫ال�صحف الت�صدي البولي�سي لهذه التظاهرة ال�سلمية‪ ،‬وقد خ�ص�صت جريدة «الرابطة»‬
‫‪�Ó‬صفحتها الأوىل بكاملها لو�صف التظاهرة‪ ،‬وقد �أ�شرف على ذلك الرفيق نقوال ال�شاوي‪.‬‬
‫ويف �سنة ‪ ،/1937/‬عاد الرفيق خالد بكدا�ش من فرن�سا �إىل الوطن‪ ،‬و�أعطى احلزب‬
‫دفعة جديدة يف االنطالق نحو الن�شاط العلني‪ .‬فت�ألفت يف ال�سنة نف�سها «ع�صبة مكافحة‬
‫الفا�شية»‪ ،‬برئا�سة �أنطوان ثابت‪ ،‬وحوله لفيف من املثقفني ال�سوريني واللبنانيني البارزين‪.‬‬
‫ثم �صدرت بعد ذلك‪ ،‬جريدة «�صوت ال�شعب» ل�سان حال احلزب العلني‪ ،‬تالها «جوغوفورتي‬
‫ت�ساين» كملحق لها باللغة الأرمنية‪ ،‬ي�صدر مرة يف الأ�سبوع‪ ،‬وكنت �أ�ساهم يف حتريره �إىل‬
‫جانب الرفيق مادويان‪.‬‬

‫ــ يف ظل ديكتاتورية اال�ستعمار الفرن�سي ‪...‬‬

‫كانت احلرب على الأب��واب‪ ،‬وكان هتلر يعلن �أمام عرا�ضات جي�شه‪ ،‬يف ظل غابة من‬
‫ال�صلبان املعكوفة‪ ،‬عزمه على التو�سّ ع باجتياح �أوروبا‪ .‬ومن �أجل توجيه مطامعه هذه �شطر‬
‫االحت��اد ال�سوفييتي‪� ،‬سلكت �إنكلرتا وفرن�سا اال�ستعماريتان طريق مغازلة هتلر‪ ،‬وطريق‬
‫التنازالت له على ح�ساب دول �أوروبا الو�سطى وال�شرقية‪.‬‬
‫وقد نظـ ّم لهذه الغاية‪ ،‬يف مدينة مونيخ �سنة ‪ ،/1938/‬لقاء ما بني هتلر وداالدي��ه‬
‫ومو�سوليني‪ ،‬تقرر فيه التخلي عن ت�شيكو�سلوفاكيا بالدرجة الأوىل‪ .‬وقد �سمّى �شامربلني‬
‫العجوز هذا الرتاجع اخلياين �أمام مطامع هتلر بـ «وثيقة �سلم»‪.‬‬
‫بد�أت فرن�سا‪� ،‬شريكة �إنكلرتا يف لعبة ت�شجيع ودفع نزعة �أملانيا الهتلرية العدوانية نحو‬
‫‪100‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫االحتاد ال�سوفييتي وبد ًال من �أن ت�أخذ احتياطاتها لأمن فرن�سا بالذات‪ ،‬بد�أت‪ ،‬هي الأخرى‪،‬‬
‫ت�ستعد لغزو االحتاد ال�سوفييتي من ناحية مدينة باكو النفطية يف القوقاز‪ ،‬وذلك بح�شدها‬
‫قوات ع�سكرية �ضخمة يف �سوريا ولبنان‪ ،‬بقيادة اجلرنال ويغان‪ .‬ومتهيد ًا للحملة املرتقبة‪،‬‬
‫و�ضعت فرن�سا يدها على مرافق البالد االقت�صادية كافة‪ ،‬وعلى و�سائل النقل‪ ،‬العامة منها‬
‫واخلا�صة‪ ،‬كما �أنها حلت املجل�س ال�سوري واملجل�س اللبناين لرف�ضهما امل�صادقة على‬
‫معاهدتي �سنة ‪ ،/1936/‬وبتمديدها ملفعول نظام االنتداب‪ .‬وقد رافق هذه التدابري قمع‬
‫كل ن�شاط �سيا�سي وحزبي ونقابي يف البالد‪ ،‬ويف مقدمة ذلك ن�شاط احلزب ال�شيوعي الذي‬
‫�أقفلت جريدته «�صوت ال�شعب»‪ .‬و�أ�صابت تدابري املنع �أي�ض ًا ع�صبة مكافحة الفا�شية‪.‬‬
‫بالإ�ضافة �إىل كل هذه التدابري‪ ،‬ومن �أجل ت�شجيع تركيا يف معاداتها لل�سوفييت‪ ،‬وجرّها‬
‫للم�شاركة‪ ،‬عملي ًا يف حملة العدوان املنوي القيام به �ضد االحتاد ال�سوفييتي‪� ،‬سلمت فرن�سا‬
‫�سنة ‪ ،/1939/‬لواء اال�سكندرون �إىل تركيا‪ ،‬مع ف�صلها الالذقية وجبل الدروز عن �سوريا‪.‬‬
‫هكذا و�ضعت البالد كلي ًا حتت نظام ديكتاتورية ع�سكرية مك�شوفة‪ ،‬خدمة مل�آرب احلرب �ضد‬
‫االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬بد ًال من اال�ستعداد ملواجهة اخلطر الهتلري احلقيقي املهدد باجتياح‬
‫�أوروبا كلها‪ ،‬مبا فيها فرن�سا بالذات‪ ،‬وهذا ما ح�صل فيما بعد‪.‬‬
‫يف هذه الأجواء‪ ،‬كلفني احلزب بالذهاب �إىل حلب‪ ،‬لأنبه الرفاق من خطر االعتقاالت‪.‬‬
‫ذهبت ومكثت يف حلب زهاء �شهر‪ ،‬وبعد �إمتام تدابري االحرتاز عدت �إىل بريوت‪ ،‬فوجدت �أن‬
‫الرفيقني فرج اهلل احللو ونقوال ال�شاوي قد اعتقال مع �سواهما من الرفاق‪ .‬فحاولت مرات‬
‫ومرات لإيجاد طريقة لالت�صال بقيادة احلزب دون جدوى‪� ،‬إىل �أن �أتيحت يلّ الفر�صة بلقاء‬
‫الرفيق خالد بكدا�ش‪ ،‬الذي بعد ا�ستماعه �إىل تقريري عن الو�ضع يف حلب‪ ،‬كلفني بت�أمني‬
‫ال�صلة املفقودة مع منظمات احلزب القاعدية يف بريوت‪ ،‬بعد اعتقال الرفاق امل�س�ؤولني‪.‬‬
‫ف�أمنت ذلك قدر الإمكان‪ ،‬مع تو�صيل ن�شرات احلزب الداخلية لهم‪ ،‬والتي كان الرفيق‬
‫خالد يكتبها هو بالذات على ورق الكاربون‪� .‬أما مبا يتعلق مبكان وم�صري الرفيقني فرج‬
‫اهلل ومقوال‪ ،‬فقد ظل ذلك جمهوالً‪ ،‬الأمر الذي �أقلق الرفيق خالد‪ ،‬فراح يحرر ن�شرتني‪،‬‬
‫�إحداهما باللغة العربية والثانية باللغة الفرن�سية‪ ،‬واللتني كلفت �أنا بطبعهما على اجلالتني‪،‬‬
‫بعد ن�سخهما بخط يدي‪.‬‬
‫مل تدم تنقالتي الليلية من عند رفيق �إىل �آخر‪� ،‬إذ جاء «رفيق» ا�سمه وفيق جلـ ّول‪ ،‬ذات‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪101‬‬

‫الطليعة‬

‫ليلة برفقة رجال الأمن �إىل مكان موعدنا و�إياه‪ ،‬وكان ذلك يف �شارع احلمراء‪.‬‬

‫ــ �أمام املحكمة الع�سكرية ‪...‬‬

‫احتجزت يف �أقبية الأم��ن العام �أ�سبوع ًا كام ًال حتت تعذيب �شر�س‪ ،‬ب�إ�شراف خبري‬
‫فرن�سي بالتعذيب‪ ،‬فمن ال�صلب على حديد ال�شباك‪� ،‬إىل التعليق برجل واحدة والر�أ�س �إىل‬
‫�أ�سفل‪� ،‬إىل �شد الأع�ضاء التنا�سلية‪� ،‬إىل ا�ستعمال اخلازوق‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل الفلق اليومي‬
‫�صبح ًا وم�ساءً‪ .‬كل ذلك العتبارهم �إياي «�أحد مفاتيح احلزب‪ ،‬و�أعرف مكان وجود خالد‬
‫بكدا�ش»‪ ،‬وذلك ح�سب ما ن�سبه �إيلّ الذي و�شى بي‪.‬‬
‫وملا عجزوا عن انتزاع ما يريدونه مني‪� ،‬أر�سلوين م�شوها �إىل ال�سجن الع�سكري‪ ،‬حيث‬
‫كان قد �سبقني زهاء ثالثني رفيقاً‪ ،‬وهم مو�ضوعون يف غرفة خا�صة‪ ،‬ومعهم الرفيقان‬
‫فرج اهلل احللو ونقوال ال�شاوي‪ .‬وبعد �شهر من و�صويل �إىل ال�سجن‪ ،‬دعيت لال�ستنطاق‬
‫عند املحقق الع�سكري‪ ،‬الذي‪ ،‬بعد �أن ابرز يلّ ن�سخة من جريدة «ن�ضال ال�شعب» ال�سرية‪،‬‬
‫التي يرد فيها خرب اعتقايل‪� ،‬س�ألني عن م�صدرها وم�س�ؤولها‪ ،‬وملا �أظهرت جهلي بذلك‪،‬‬
‫�سارع املرتجم «الأرمني» يقول للمحقق‪ :‬الكرباج الرتكي با�ستطاعته فقط �إجبار مثل ه�ؤالء‬
‫ال�صعاليك على االع�تراف»‪ .‬فا�ستفزين هذا القول‪ ،‬فرديت عليه ف��ور ًا باللغة الفرن�سية‬
‫قائالً‪�« :‬إن الكرباج الرتكي ر�أيناه يف املا�ضي‪� ،‬أما الكرباج الفرن�سي فرناه الآن ‪� ...‬إنني‬
‫�أرف�ض الإفادة بح�ضور هذا الرتجمان املعجب بالكرابيج»‪ .‬وتردد املحقق يف تلبية طلبي‪� ،‬أول‬
‫الأمر‪ ،‬ب�إخراج املرتجم‪ ،‬ولكنه ملا ر�أى ا�ستعدادي بالتكلم باللغة الفرن�سية تراجع‪.‬‬
‫لقد �صادف مثولنا �أمام املحكمة الع�سكرية‪ ،‬اجتياح �أملانيا الهتلرية لفرن�سا يف �شهر‬
‫�أيار �سنة ‪ ./1940/‬وكانت جل�سات املحاكم مقفلة يف وجه �أي حمام مدين‪ .‬وقد كان معي‬
‫يف قف�ص االتهام �أربعة وهم الرفاق‪� :‬أبو جرجي (عامل معماري) ـ �شكري (عامل بناء) ـ‬
‫برجي�س �أبو �صالح (عامل جنار) ـ والوا�شي بنا وفيق جلول‪.‬‬
‫كانت التهمة املوجهة �إلينا هي الإخالل بالأمن‪ ،‬والت�آمر على �سالمة فرن�سا‪ .‬قلت يف‬
‫املرافعة‪« :‬نحن ل�سنا مت�آمرين وال �ضد فرن�سا‪� ،‬إمنا �ضد الفا�شية‪ .‬لي�س ال�شيوعيون هم‬
‫الذين فتحوا �أبواب باري�س �أمام اجلحافل الهتلرية‪ ،‬بل هم حكام فرن�سا ‪ .»....‬ف�أنذرين‬
‫الرئي�س بال�سكوت‪ ،‬وملا �أ�صريت على حقنا بالدفاع عن �أنف�سنا‪ ،‬نه�ض الرئي�س غا�ضباً‪،‬‬
‫‪102‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫ف�أعلن رفع اجلل�سة ال�صورية‪ ،‬فاقتادونا خارج القاعة النتظار احلكم‪ .‬وفيما نحن خارجون‬
‫هم�س �أحد اجلنود الفرن�سيني من حر�س املحكمة يف �أذين قائالً‪�« :‬أح�سنت القول يا هذا»!‬
‫وبعد قليل تلي علينا قرار احلكم‪:‬‬
‫«خم�س �سنوات حب�س وخم�سة �آالف فرنك غرامة يل‪� ،‬أما الباقون فثالث �سنوات لكل‬
‫واحد منهم‪ ،‬مبن فيهم الوا�شي بنا ‪ ...‬الذي كان مطلق ال�سراح �إىل حني �إ�صدار احلكم‬
‫‪!!!»....‬‬

‫ــ من �سجن �إىل �سجن ‪...‬‬

‫�أثناء نقلنا من ال�سجن الع�سكري �إىل �سجن الرمل املدين‪ ،‬قال لنا مدير ال�سجن مودع ًا‬
‫�إيانا بتهكم‪« :‬اذهبوا الآن �إىل �سجن الرمل وارعوا القمل هناك»‪ .‬وك�أننا كنا يف �أف�ضل حال‬
‫عنده‪.‬‬
‫كانت غرف �سجن الرمل مزدحمة‪ ،‬وت�ضم كل غرفة زهاء ‪� /70/‬سجيناً‪ ،‬معرّ�ضني‬
‫لكافة الأمرا�ض‪ ،‬لفقدان الأ�سباب ال�صحية الب�سيطة‪ .‬وبعد مدة نقلنا �إىل �سجن بعبدا‪ ،‬ثم‬
‫�إىل �سجن قلعة بيت الدين‪ ،‬حيث ان�ضم �إلينا ما تبقى من الرفاق يف ال�سجن الع�سكري‪ ،‬بعد‬
‫�صدور احلكم عليهم كما يلي‪ :‬فرج اهلل ونقوال خم�س �سنوات �سجن لكل واحد منهما‪� ،‬أما‬
‫الباقون فرتاوحت الأحكام عليهم من �سنتني �إىل ثالث �سنوات‪ .‬وقد كان عددنا الإجمايل‬
‫‪ /15/‬رفيقاً‪� ،‬أذك��ر منهم‪� ،‬إ�ضافة �إىل الرفيقني فرج اهلل ونقوال‪ ،‬حنا الزرقاء ـ رامز‬
‫دميانو�س ـ حبيب �أ�سمر ـ عارف غريّب (وهم عمال مطابع)‪� ،‬أبو جرجي ـ �شكري ‪ ....‬ـ‬
‫كيفورك حم�سرجيان (عمال بناء)‪� ،‬إليا�س بيطار ـ نعيم احللو (عمال كاوت�شوك)‪ ،‬مو�سي�س ‬
‫غازريان ـ �سريوب �سوبكيكيان (عمال)‪ ،‬وبرجي�س �أبو �صالح (ع�ضو م�ؤ�س�س يف نقابة عمال‬
‫النجارين)‪.‬‬
‫كانت ظروفنا املعي�شية يف ال�سجن رديئة‪ .‬ومن �أجل حت�سني نوع اخلبز‪ ،‬قام ال�سجناء‪،‬‬
‫بقيادتنا‪ ،‬ب�إ�ضراب عن الطعام‪ ،‬مما دفع �إدارة ال�سجن �إىل عزل واحتجاز الرفيق �شاوي‪،‬‬
‫غري �أنها ا�ضطرت‪ ،‬حتت �ضغط ال�سجناء‪� ،‬إىل �إعادته �إلينا يف امل�ساء‪ ،‬مع وعد بتح�سني نوع‬
‫اخلبز‪.‬‬
‫كنا ن�ستهلك بتقتري ما كان الرفاق ميدوننا به من اخل��ارج‪ ،‬مرة كل �شهر‪ ،‬من قبل‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪103‬‬

‫الطليعة‬

‫امل�ساعدة احلمراء‪ ،‬وكان يحمله �إلينا الرفيق ال�شهيد بوغو�ص نطريان �أو غريه‪ ،‬م�شي ًا على‬
‫الأق��دام من بريوت �إىل بيت الدين توفري ًا لأجور النقل‪ .‬وكان الرفيقان فرج اهلل ونقوال‬
‫يهتمان ب�إلقاء الدرو�س على الرفاق باللغة العربية والريا�ضيات ومعارف �أخرى‪.‬‬
‫لقد علمنا‪ ،‬ونحن يف ال�سجن‪ ،‬بخرب الهجوم الأمل��اين على االحت��اد ال�سوفييتي‪ ،‬وب�أن‬
‫معارك �ضارية جترى على احلدود‪ .‬ويبدو �أن هتلر �صدّق ما قاله له حمرّ�ضوه يف الغرب‪،‬‬
‫ب�أن جولة �أ�سبوعني‪ ،‬تكفيه لرتكيع «العمالق الرو�سي ذي الأرجل اخلزفية»‪ .‬وبالرغم من‬
‫غدره‪ ،‬وكون هتلر جمهز ًا بكل ما لدى �أوروبا املحتلة من الأ�سلحة‪ ،‬كنا مع�شر ال�شيوعيني‪،‬‬
‫واثقني كل الثقة بعدم �إمكانية جحافل هتلر من قهر جي�ش دولة العمال والفالحني‪ ،‬مهما‬
‫دار دوران العمليات احلربية على جبهات القتال‪.‬‬
‫بالإ�ضافة �إىل ذلك‪ ،‬كان من دواعي قلقنا‪ ،‬وقوع �سوريا ولبنان حتت رقابة جلنة الهدنة‬
‫الأملانية الإيطالية‪ ،‬بعد ا�ست�سالم فرن�سا يف ‪ /22/‬حزيران ‪ ،/1940/‬وعند و�صول هذه‬
‫اللجنة �إىل ب�يروت‪� ،‬أطلق �سراح ال�سجناء القوميني ال�سوريني فقط‪� ،‬شرط �أن يحاربوا‬
‫«اخلطر ال�شيوعي» �إىل جانب «النظام اجلديد»‪ ،‬الذي فر�ضته ال�سلطات الرجعية الفرن�سية‬
‫على البالد‪ ،‬والذي �أخذ ي�شتد الن�ضال �ضده مببادرة من احلزب ال�شيوعي‪.‬‬
‫و�أثناء ال�صدام بني القوات الربيطانية وقوات «فرن�سا احلرّة» من جهة‪ ،‬وبني قوات‬
‫«فرن�سا في�شي» من جهة �أخرى‪� ،‬ضرب الطريان الإنكليزي �أوكار قوات في�شي املتمركزة‬
‫حتت �أ�سوار قلعة بيت الدين ويف جوارها‪ ،‬وقد �سقطت �إحدى القنابل على �سور ال�سجن‪،‬‬
‫فدب الذعر بني ال�سجناء‪ ،‬الذين حاولوا حتطيم �أبواب ال�سجن‪ ،‬الأمر الذي �أجرب الإدارة‬
‫على نقل ال�سجناء وتوزيعهم على �سجون بريوت وبعبدا‪ .‬وكان ن�صيبنا �سجن الرمل‪ ،‬وبعد‬
‫مدة نقلنا �إىل �سجن بعبدا‪.‬‬
‫وبعد �أن �أخ��ذت قوات فرن�سا احل��رّة حمل قوات في�شي‪ ،‬قام احل��زب‪ ،‬بقيادة الرفيق‬
‫خالد‪ ،‬بحملة �شعبية لإط�لاق �سراحنا‪ ،‬فتكللت هذه احلملة بالنجاح‪ ،‬ووقع �آمر وحدات‬
‫فرن�سا احلرّة‪ ،‬اجلرنال كاترو �أمر العفو عنا‪.‬‬
‫==========‬

‫‪104‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫عودة �صدور « �صوت ال�شعب »‬
‫وملحقها الأرمني « جوغوفورتي ت�ساين »‬
‫حتت �ضغط الأو�ساط الوطنية اللبنانية‪ ،‬ا�ضطرت جلنة «فرن�سا احلرّة»‪� ،‬إىل �إ�صدار‬
‫بيان‪ ،‬يف ‪ /29/‬ت�شرين الثاين ‪ ،/1941/‬يلغي مبوجبه االنتداب‪ ،‬ومينح لبنان اال�ستقالل‪.‬‬
‫ولكي ت�سهّل وقوف لبنان �إىل جانبها يف مقاومة ن�شاط عمالء النازيني‪ ،‬واملنظمات املوالية‬
‫للفا�شية‪� ،‬سمحت احلكومة الفرن�سية ببع�ض احلريات الدميقراطية مثل �إلغاء حظر �إ�صدار‬
‫ال�صحف واملجالت التقدمية‪ ،‬وال�سماح للمنظمات املعادية للفا�شية مبمار�سة ن�شاطها‬
‫العلني‪.‬‬
‫وعليه عادت جريدة «�صوت ال�شعب» �إىل ال�صدور يف �سنة ‪ ،/942‬ومعها ملحقها الأرمني‬
‫«جوغوفورتي ت�ساين»‪ ،‬ك�صحيفة �سيا�سية يومية‪ ،‬ب�إ�شراف الرفيقني مادويان و�أغبا�شيان‬
‫(�أنا)‪ ،‬وذلك حتى نهاية �سنة ‪ ،/1943/‬ومن بعدها بقيت م�س�ؤولية التحرير على عاتقي �أنا‬
‫وحدي بقرار من قيادة احلزب حتى �إقفال ال�صحيفة �سنة ‪./1948/‬‬
‫وطيلة مدة �صدورها‪ ،‬ظلت اجلريدة الأرمنية‪� ،‬إىل جانب «�صوت ال�شعب»‪ ،‬تدافع بد�أب‬
‫عن الت�ضامن والت�آخي بني اجلماهري العربية ـ الأرمنية‪ ،‬على �أ�سا�س امل�صالح الوطنية‬
‫واالجتماعية امل�شرتكة لل�شعبني يف الن�ضال �ضد الفا�شية‪ ،‬ويف �سبيل ا�ستقالل �سوريا ولبنان‪.‬‬
‫هذا ما يف�سر مدى اال�شرتاك الفعال للقوى التقدمية الأرمنية يف معارك جماهري البالد‬
‫ال�سيا�سية والوطنية واالجتماعية والعمالية‪.‬‬
‫لعبت اجلريدة الأرمنية‪� ،‬ش�أنها �ش�أن «�صوت ال�شعب» دور ًا كفاحي ًا هام ًا على ال�صعيد‬
‫الأرمني‪ ،‬حملياً‪ ،‬ويف نطاق اجلاليات الأرمنية يف اخلارج‪ ،‬يف وقوفها‪ ،‬بحزم‪ ،‬موقف معاداة‬
‫الفا�شية‪ ،‬والت�أييد الال متناهي لالحتاد ال�سوفييتي يف حربه الوطنية والأممية �ضد الغزاة‬
‫الهتلريني‪ ،‬مع ف�ضحها‪ ،‬دون هوادة‪ ،‬عمالء الفا�شية ودعاتها بني الأرمن‪ ،‬ويف مقدمتهم‬
‫حزب الطا�شناق الأرمني الرجعي‪ ،‬الذي كان ي�صفق‪ ،‬قيام ًا وقعوداً‪ ،‬لتوغل اجليو�ش النازية‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪105‬‬

‫الطليعة‬

‫يف �أرا�ضي االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬مرجتي ًا من هتلر حترير ارمينيا من النظام ال�سوفييتي‪،‬‬
‫والعودة �إليها بحكمه الغابر‪ .‬غري �أن احلرب الوطنية الكربى املظفرة لل�شعوب ال�سوفييتية‪،‬‬
‫مل تكتب النجاح للمغامرة الهتلرية‪ ،‬كما �أنها بالتايل‪ ،‬دفنت‪ ،‬مع الغزاة الأملان يف �سهوب‬
‫رو�سيا الوا�سعة‪� ،‬آمال «املجل�س القومي الأرمني الطا�شناقي»‪ ،‬القابع يف برلني‪ ،‬بتن�صيبه‬
‫حاكم ًا على �أرمينيا بقوة حراب هتلر‪.‬‬
‫مل تكن الرجعية تنظر نظرة ارتياح �إىل مواقف جريدتنا اجلريئة من الق�ضايا ال�سيا�سية‬
‫والوطنية واالجتماعية فراحت تدفع عميلها املطيع الن�شيط‪ ،‬حزب الطا�شناق‪� ،‬إىل �إرهاب‬
‫اجلماهري الأرمنية‪ ،‬بالقتل ومداهمات البيوت واالعتداءات على موزعي جريدتنا‪ .‬وهكذا‬
‫قتل وجرح الع�شرات من رفاقنا‪....‬‬
‫كانت �صحيفة «�صوت ال�شعب» الأرمنية «جوغورتي ت�ساين» �أكرث ال�صحف الأرمنية‬
‫انت�شار ًا يف �سوريا ولبنان‪ ،‬وكان ي�صدر منها يومي ًا �أربعة �آالف ن�سخة‪ ،‬وثمانية �آالف ن�سخة‬
‫�أيام الأحاد‪ .‬وكان ي�ساهم يف حتريرها لفيف من رفاقنا املثقفني‪� ،‬أمثال املرحوم �سرتاك‬
‫�أباجيان‪ ،‬وهرات�ش بوجيكانيان وغريهما‪ .‬وبالإ�ضافة �إىل عملي يف حترير ال�صحيفة‬
‫الأرمنية‪ ،‬كنت �أ�ساهم‪ ،‬من حني �إىل �آخر‪ ،‬يف الكتابة يف �صحيفة «�صوت ال�شعب» العربية‪،‬‬
‫ف�أن�شر مقاالت عن احلياة وامل�شاكل يف امليدان الأرمني‪ ،‬كما كنت �أنقل �إىل الأرمنية بع�ض ‬
‫افتتاحيات «�صوت ال�شعب»‪.‬‬
‫ويف �أواخر �سنة ‪ ،/1947/‬ا�ستغلت الأو�ساط الرجعية ت�أزم الق�ضية الفل�سطينية‪ ،‬ف�شنت‬
‫حملة جديدة على احلزب ال�شيوعي والقوى التقدمية‪ ،‬ومنعت يف كانون الثاين ‪/1948/‬‬
‫ن�شاط احلزب ال�شيوعي‪ ،‬وجمعية ال�صداقة مع االحت��اد ال�سوفييتي‪ ،‬و�أقفلت من جديد‬
‫�صحيفتي «�صوت ال�شعب» و «جوغوفورتي ت�ساين»‪ .‬وقد رافقت ذلك االعتداءات على مراكز‬
‫احلزب وتك�سري مكاتبه ‪ ....‬فدخل احلزب من جديد عهد الن�شاط ال�سري‪.‬‬

‫ــ معركة اال�ســــــــــتقالل ‪...‬‬

‫يف �إطار التناف�س ال�شديد بني ممثلي فرن�سا و�إنكلرتا‪ ،‬جرت االنتخابات النيابية اللبنانية‬
‫يف �آب ‪ ،/1943/‬ففاز فيها ممثلو الربجوازية التجارية والإقطاعية‪ ،‬ويف مقدمتهم اجلناح‬
‫النافذ من الربجوازية الوطنية‪� ،‬أي الكتلة الد�ستورية‪ ،‬برئا�سة ال�شيخ ب�شارة اخلوري‪ ،‬الذي‬
‫‪106‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫�سانده ممثل �إنكلرتا اجلرنال �أدوار �سبري�س‪� ،‬ضد ممثل الكتلة الوطنية �إميل �أده‪ ،‬امل�ؤيد‬
‫من قبل «فرن�سا احلرّة»‪� .‬إن التناق�ض الإنكليزي ـ الفرن�سي هذا‪ ،‬لعب دور ًا يف تزوير نتائج‬
‫االنتخابات‪ ،‬وخا�صة يف امليدان الأرمني‪ ،‬حيث �أ�سقطوا مر�شح حزب الرامغافار الليربايل‬
‫مكردي�ش م�صرليان‪ ،‬الناجح يف الدورة الأوىل‪ ،‬وجنّ حوا مر�شح حزب الطا�شناق الرجعي‬
‫ال�ساقط مو�سي�س ديركالو�ستيان يف الدورة نف�سها‪ .‬فكانت نتيجة الدورة الثانية (البالوتاج)‬
‫كما يلي‪:‬‬
‫مكردي�ش م�صرليان ‪� /2221/‬صوت ًا مقابل ‪� /5692/‬صوت ًا يف الدورة الأوىل‪.‬‬
‫مو�سي�س ديركالو�ستيان ‪� /6557/‬صوت ًا مقابل ‪� /5540/‬صوت ًا يف الدورة �ألأوىل‪.‬‬
‫كما زوّرت �أ�صوات مر�شح الأو�ساط الدميقراطية‪ ،‬الأديب الكبري عمر فاخوري‪ ،‬الذي‬
‫نال ح�سب النتيجة «الر�سمية» ‪� /2046/‬صوتاً‪.‬‬
‫�إثر انتخاب ال�شيخ ب�شارة اخل��وري رئي�س ًا للجمهورية‪ ،‬وتعيني ريا�ض ال�صلح رئي�س ًا‬
‫للوزارة‪� ،‬صدّق املجل�س النيابي‪ ،‬يف ت�شرين الثاين ‪ ،/1943/‬القرار احلكومي القا�ضي‬
‫ب�إلغاء امتيازات فرن�سا املنتدبة‪ ،‬وذل��ك توطيد ًا لال�ستقالل وال�سيادة الوطنية‪ .‬فتمرّد‬
‫املندوب ال�سامي الفرن�سي جان هيللو على هذا الإجراء‪ ،‬واعتقل رئي�س اجلمهورية ورئي�س ‬
‫الوزراء وبع�ض الوزراء والنواب‪ ،‬وحل املجل�س النيابي وعطل الد�ستور‪.‬‬
‫حينها انتف�ض ال�شعب احتجاج ًا على هذا التدبري التع�سفي‪ ،‬و�أ�ضربت املدن �إ�ضراب ًا‬
‫تام ًا �شامالً‪ ،‬تلتها تظاهرات �شعبية‪ ،‬ا�شرتك فيها احلزب ال�شيوعي ا�شرتاك ًا فعّاالً‪ ،‬وت�ألفت‬
‫جبهة وطنية با�سم «امل�ؤمتر الوطني» �ضمت خمتلف الأحزاب واملنظمات‪ ،‬وقد مثـ ّل احلزب‬
‫ال�شيوعي فيها ال�شهيد فرج اهلل احللو‪ ،‬الذي قدّم �آنذاك مذكرة احتجاج على اعتقال �أركان‬
‫احلكومة ورئي�س اجلمهورية‪� ،‬إىل اجلرنال كاترو‪ ،‬با�سم احلزب ال�شيوعي اللبناين‪� ،‬أر�سلت‬
‫منها ن�سخ �إىل ممثلي بع�ض الدول الغربية والآ�سيوية‪.‬‬
‫مل يكن ال�شعب الأرمني خ��ارج هذا املعمعان الوطني‪� ،‬إذ كان الرفيق مادويان من‬
‫ممثليه يف امل�ؤمتر الوطني‪ ،‬الذي كنت �أنا �أي�ض ًا �أح�ضر جل�ساته �أحيان ًا ب�صفتي �صحفياً‪.‬‬
‫ويف ‪ /25/‬ت�شرين الثاين ح�ضر وفد من ال�شخ�صيات الأرمنية �إىل بيت عمر الداعوق لإبداء‬
‫ت�ضامن الأرمن مع ن�ضال ال�شعب اللبناين الوطني من �أجل اال�ستقالل‪ ،‬فرحب احل�ضور من‬
‫ال�شخ�صيات الوطنية بتلك الكلمة‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪107‬‬

‫الطليعة‬

‫و�أخري ًا انت�صرت احلركة الوطنية‪� ،‬إذ ا�ضطرت فرن�سا للرتاجع‪ ،‬ف�أطلقت �سراح �أركان‬
‫احلكم املعتقلني‪ ،‬ويف ‪ /22/‬ت�شرين الثاين ‪ ،/1943/‬رفع العلم اللبناين على مبنى املجل�س ‬
‫النيابي اللبناين‪ ،‬بح�ضور ح�شد جماهريي �ضخم‪ ،‬خطب فيه الرفيق ف��رج اهلل احللو‬
‫با�سم امل�ؤمتر الوطني‪ ،‬مرحب ًا بانت�صار ال�شعب وهاتفاً‪« :‬عا�ش االحتاد الوطني بني جميع‬
‫اللبنانيني‪ ،‬وعا�ش لبنان حر ًا م�ستق ًال عزيزاً»‪.‬‬

‫ــ امل�ؤمتر الوطني للحزب ‪...‬‬

‫يف �أواخر عام ‪ /1943/‬و�أوائل عام ‪ ،/1944/‬عقد احلزب ال�شيوعي يف لبنان و�سوريا‪،‬‬
‫م�ؤمتره الثاين يف بريوت‪ ،‬يف قاعة مدر�سة امل�صيطبة‪ ،‬بح�ضور �أكرث من ‪ /190/‬مندوباً‪،‬‬
‫ميثلون �أك�ثر من خم�سني منظمة من لبنان و�سوريا‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل ح�ضور جمهور من‬
‫ال�شخ�صيات ال�سيا�سية والفكرية وبع�ض النواب‪ .‬وقد �أر�سل عمر فاخوري ورئيف خوري‬
‫ويو�سف �إبراهيم يزبك كلمة حتية �إىل امل�ؤمتر با�سم لفيف من رجال الأدب والفكر‪.‬‬
‫افتتح �أعمال امل�ؤمتر الرفيق نقوال ال�شاوي‪ ،‬ثم قدّم الرفيق خالد بكدا�ش �إىل امل�ؤمتر‬
‫تقرير اللجنة املركزية ال�سيا�سي وم�شروع امليثاق الوطني للحزب‪ .‬ثم �ألقى الرفيق فرج اهلل‬
‫احللو تقرير ًا عن �ش�ؤون احلزب التنظيمية وتعديل نظام احلزب الداخلي‪.‬‬
‫كنت من بني مندوبي امل�ؤمتر مع زهاء ع�شرة من الرفاق الأرمن‪ ،‬والذين �ألقيتُ با�سمهم‬
‫كلمة هي التالية باخت�صار‪:‬‬
‫«لقد زعم امل�ستعمرون و�أعوانهم و�أذبانهم‪ ،‬منذ مدة طويلة‪ ،‬وما زالوا يزعمون‪� ،‬أنهم‬
‫حماة الأقليات‪ ،‬ولكن التجارب برهنت �أنهم لي�سوا �إال حماة التفرقة واحلقد بني املواطنني‬
‫اللبنانيني وال�سوريني‪ ،‬وال يعملون �إال لإثارة ال�ضغائن بني الطوائف واجلن�سيات‪ .‬لقد قالوا‬
‫للأرمن مرار ًا وال يزالون‪� :‬أنتم �ضيوف‪� ،‬أنتم غرباء يف هذه الديار‪ ،‬ولي�س من م�صلحتكم‪،‬‬
‫وال من حقكم‪� ،‬أن تتعاونوا مع العرب يف ن�ضالهم لأجل حريتهم وا�ستقاللهم ‪� ...‬إنهم ال‬
‫يعرتفون لنا �إال بحق واحد‪ ،‬وهو البغ�ض واحلقد جتاه ال�شعب العربي‪ ،‬ومقاومة ن�ضاله‪،‬‬
‫متجاهلني �أنه ن�ضالنا‪ ،‬و�أن ا�ستقالل لبنان و�سوريا وتقرير م�صريهما‪ ،‬هما ا�ستقاللنا‬
‫وتقرير ن�صرينا‪.‬‬
‫لقد برهن ال�شيوعيون الأرمن الذين ا�ضطهدوا و�سجنوا مع �إخوانهم ال�شيوعيني العرب‪،‬‬
‫‪108‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫�أن الأرمن لي�سوا غرباء عن هذه البالد‪ ،‬وال يعتربونها وطن ًا ثانوي ًا لهم‪ ،‬بل �إن امل�ستعمرين‬
‫هم وحدهم الغرباء عن البالد وعن �شعوبها و�أهدافها الوطنية‪ .‬لقد ح�سب امل�ستعمرون �أن‬
‫الأرمن قوة احتياطية لهم ي�ستعملونها خلنق احلركة الوطنية التحررية‪ ،‬لكن حوادث لبنان‬
‫الأخرية‪ ،‬برهنت �أن ال�شعب الأرمني لي�س قوة احتياطية تخدم اال�ستعمار‪ ،‬بل �إنه قوة �إىل‬
‫جانب ال�شعب العربي‪ ،‬نت�أمل معه وننا�ضل معه ‪ ...‬وقد كان للحزب ال�شيوعي وخ�صو�ص ًا‬
‫لقائديه خالد بكدا�ش وفرج اهلل احللو الف�ضل الأكرب يف جعله عن�صر ًا فعّا ًال �إىل جانب‬
‫احلركة الوطنية يف �سوريا ولبنان ‪ ....‬الخ»‪.‬‬
‫وقد ن�شرت هذه الكلمة بن�صها الكامل على �صفحات جريدة «�صوت ال�شعب» يف عددها‬
‫ال�صادر يف ال�سابع من كانون الثاين �سنة ‪./1944/‬‬
‫ويف اخلتام‪ ،‬وافق املندوبون‪ ،‬بالإجماع‪ ،‬على تقريري الرفيقني خالد بكدا�ش وفرج‬
‫اهلل احللو‪ ،‬كما �أنهم‪ ،‬بالنظر �إىل ا�ستقالل لبنان‪� ،‬أقروا تق�سيم احلزب ال�شيوعي املوحد‪،‬‬
‫�إىل حزبني �شيوعيني‪ ،‬هما احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬واحلزب ال�شيوعي اللبناين‪ ،‬برئا�سة‬
‫الرفيق ال�شهيد فرج اهلل احللو‪ .‬وعلى �أ�سا�س هذا التق�سيم �صدر من امل�ؤمتر ميثاقان وطنيان‪،‬‬
‫�أحدهما خا�ص باحلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬والثاين خا�ص باحلزب ال�شيوعي اللبناين‪ ،‬وهما‬
‫مبثابة برناجمني مرحليني‪ .‬ثم انتخبت جلنة مركزية جديدة‪� ،‬ضمت من الرفاق الأرمن‬
‫�أرتني مادويان‪ ،‬و�أوهاني�س �أغبا�شيان و�أرتني ماخيان‪ .‬فاجتمعت اللجنة املركزية اجلديدة‬
‫فوراً‪ ،‬و�أعادت انتخاب الرفيق خالد بكدا�ش �أمين ًا عام ًا للحزب‪ .‬وقد �صدر با�سم امل�ؤمتر‬
‫نداء‪ ،‬حيّا فيه احلزب ال�شيوعي اللبناين �شعب لبنان بانتزاعه ا�ستقالله‪ ،‬بعد ن�ضال خا�ضته‬
‫جميع القوى الوطنية يف لبنان‪.‬‬
‫لقد �ساهم امل�ؤمتر م�ساهمة كربى يف ن�شاط احل��زب الالحق‪ ،‬على امتداد �سنوات‬
‫الأربعينات‪ ،‬يف ميادين الن�ضاالت الوطنية والعمالية واالجتماعية‪ ،‬ويف منوّه التنظيمي‬
‫بالذات‪ ،‬من حيث عدد �أع�ضائه وم�ستواه الفكري‪ ،‬وقد ارتفع عدد املنت�سبني �إىل احلزب‬
‫من الأرمن فقط يف لبنان �إىل ‪ /2000/‬ع�ضواً‪ ،‬وهذا ح�سب البطاقات احلزبية املوزعة‪.‬‬
‫وكانت هذه احلقبة‪ ،‬من �أوائ��ل الأربعينات‪ ،‬حافلة بتظاهرات احل��زب ومهرجاناته‬
‫ال�شعبية‪ ،‬تعميم ًا ل�سيا�سته املبنية على �أ�سا�س ميثاقه الوطني ال�صادر عن امل�ؤمتر‪ .‬لقد كنت‬
‫من امل�ساهمني يف هذا الن�شاط العلني برتجمة خطابات قادة احلزب‪ ،‬وبظهوري �أحيان ًا‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪109‬‬

‫الطليعة‬

‫خطيب ًا باللغة العربية �أو الأرمنية ح�سب املقت�ضيات‪ .‬وقد �ألـ ّفت‪ ،‬خالل هذه ال�سنوات‪ ،‬عدة‬
‫كتيبات باللغة الأرمنية‪ ،‬منها «جبهتان عندنا ويف كل مكان» و «حرب ال�سوفييت الوطنية �ضد‬
‫النازية» و «وحدة ال�شعب الأرمني �ضد املت�آمرين عليه» و «من �أجل حت�سني �أو�ضاع ال�شعب‬
‫الأرمني يف الداخل» ‪ ....‬الخ‪ .‬وبالإ�ضافة �إىل هذا كله‪ ،‬نقلت �إىل الأرمنية كتاب ًا �أ�صدره‬
‫احلزب عن «االحتاد ال�سوفييتي يف ال�سلم واحلرب»‪.‬‬
‫قدّر احلزب �أعمايل هذه‪ ،‬ومببادرة من الرفيق خالد بكدا�ش‪� ،‬أقام يل حفلة تكرمي‪،‬‬
‫وكان من جملة احل�ضور الأديب الكبري عمر فاخوري‪ ،‬الذي كنت قد نقلت �إىل اللغة الأرمنية‬
‫بع�ض ًا من خطاباته وحتفه الأدبية‪ ،‬وقد ا�ستفدت من فر�صة ح�ضوره‪ ،‬فقر�أت له ق�صيدة‬
‫نظمتها مبنا�سبة ظهور بوادر اندحار النازية يف معركة �ستالينغراد‪ ،‬وهي حتت عنوان‪:‬‬
‫«مائتي مليون �سوفييتي يدحرجون ال�شم�س نحو الغرب»‪ .‬وبعد �أن انتهيت من تالوتها قال‬
‫يل‪« :‬رائع يا �أغبا�ش‪ ،‬علي نقلها �إىل اللغة العربية لأويف بذلك لك ديناً‪ ،‬مقابل ما ترجمته يلّ ‬
‫�إىل الأرمنية»‪� .‬إال �أن مر�ضه املفاجئ القا�ضي حال دون ذلك‪.‬‬
‫ومن نتائج املعارك العمالية والوطنية خالل هذه ال�سنوات‪ ،‬كان انتزاع الطبقة العاملة‬
‫اللبنانية وال�سورية قانون العمل‪ ،‬وحتقيق ا�ستقالل لبنان و�سوريا معاً‪ ،‬بجالء اجليو�ش‬
‫الفرن�سية والإنكليزية عنهما‪ ،‬وذلك مبعونة وت�أييد االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬الذي ا�ستعمل‪ ،‬لأول‬
‫مرة يف تاريخ جمل�س الأمن الدويل‪ ،‬حق الفيتو �ضد حماوالت فرن�سا و�إنكلرتا امل�ستميتة‪،‬‬
‫لإبقاء انتدابهما على لبنان و�سوريا‪ ،‬وكان ذلك يف �سنة ‪./1946/‬‬
‫وقع يف ال�سنة نف�سها حدث هام يف حياة ال�شعب الأرمني‪� ،‬أال وهو عودة ع�شرات الألوف‬
‫من الأرمن �إىل �أرمينيا ال�سوفييتية من لبنان و�سوريا والعراق‪ ،‬بعد خروج االحتاد ال�سوفييتي‬
‫منت�صر ًا من احلرب ال�ضارية �ضد �أملانيا الهتلرية‪ ،‬التي �سجل �أبناء ال�شعب الأرمني فيها‪،‬‬
‫�صفحات جميدة من البطوالت‪ ،‬يف �صفوف اجلي�ش الأحمر‪ ،‬هذا اجلي�ش الذي �أنقذ �شعبنا‬
‫مرتني من الإبادة‪ ،‬املرة الأوىل بف�ضل ثورة �أكتوبر اال�شرتاكية الكربى التي �أمنت له وطناً‪،‬‬
‫وامل��رة الثانية حني منع اجلحافل الهتلرية من الو�صول �إىل هذا الوطن‪ .‬هذه احلقيقة‬
‫التاريخية‪� ،‬أ�شرت �إليها يف امل�ؤمتر الثاين لكتاب �أرمينيا‪ ،‬الذي دعيت �إليه �سنة ‪،/1946/‬‬
‫مع بع�ض الأدباء الأرمن من اخلارج‪.‬‬
‫مل يكن حزب الطا�شناق‪ ،‬وقتذاك‪ ،‬ينظر نظرة ارتياح �إىل حما�س الأرمن لهزمية �أملانيا‬
‫‪110‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫النازية‪ ،‬وال �إىل �سفرهم �إىل �أرمينيا‪ ،‬نتيجة النت�صار اجلي�ش الأحمر‪ .‬فحاول عن طريق‬
‫القتل وقطع الطرق‪ ،‬منعهم من ال�سفر‪ ،‬مما �أدى �إىل مقتل وجرح الع�شرات من ال�شيوعيني‬
‫وغري ال�شيوعيني‪� ،‬أبرزهم الرفيقان بوغو�ص نطريان و�أتام يغيايان‪ ،‬كما �أن الأ�ستاذ هرانت‬
‫ديفجيان‪ ،‬رئي�س جلنة ت�سفري الأرمن وال�صحايف املعروف طعن طعنة مميتة يف مكتبه‪.‬‬

‫ــ يف وجه الردّة الرجعية ‪...‬‬

‫�أ�شاع ا�ستقالل لبنان و�سوريا‪ ،‬وهما �أول بلدين عربيني ناال ا�ستقاللهما بعد احلرب‬
‫العاملية الثانية‪ ،‬بن�ضال �شاق وت�أييد مبا�شر من االحت��اد ال�سوفييتي‪ ،‬جو ًا من االنتعا�ش‬
‫الوطني واحلريات الدميقراطية‪ ،‬و�أث��ار ذلك حفيظة الأو�ساط اال�ستعمارية والرجعية‬
‫املتواطئة معهما يف كلي البلدين‪ ،‬فذرت بوادر القمع قرونها‪ ،‬كقمع الإ�ضرابات العمالية‪،‬‬
‫كما ح�صل يف بريوت �سنة ‪� ،/1947/‬أثناء �إ�ضراب عمال الريجي‪ ،‬الذي جوبه بر�صا�ص ‬
‫ال��درك‪ ،‬فقتلت العاملة «وردة بطر�س»‪ .‬و�شجعت الرجعية �أي�ض ًا ان�شقاق االحت��اد العام‬
‫للنقابات العمالية‪ ،‬وزورت االنتخابات النيابية‪ ،‬التي كان م�صطفى العري�س‪ ،‬رئي�س االحتاد‬
‫العام للعمال‪ ،‬مر�شح ًا فيها على قائمة الرئي�س �ألفرد نقا�ش و�أمني بيهم‪ ،‬تلك القائمة التي‬
‫ان�سحبت من االنتخابات‪ ،‬معلنة احتجاجها على التزوير الفا�ضح‪.‬‬
‫�إن و�صول ممثلي الربجوازية التجارية واملالية الكبرية‪ ،‬وكبار املالكني �إىل احلكم‪،‬‬
‫وميلهم للتعامل االقت�صادي وال�سيا�سي مع الأو�ساط اال�ستعمارية‪� ،‬أوجد ظروف ًا لإحياء‬
‫امل�شاريع اال�ستعمارية‪ ،‬كم�شاريع �سوريا الكربى‪ ،‬والهالل اخل�صيب‪ ،‬و�أف�سح يف املجال‬
‫لن�شاط ما �سمّي بـ «النقطة الرابعة» الأمريكية‪ ،‬التي كان من �أهدافها ا�ستعادة ما فقده‬
‫اال�ستعمار من مراكز نفوذ يف البالد‪ .‬ومن �أجل جمابهة هذه الأخطار ركـ ّز احلزب �سيا�سته‬
‫على تعبئة اجلماهري‪ ،‬على �أ�سا�س حتالف وطني جلميع القوى املعار�ضة مل�شاريع اال�ستعمار‪.‬‬
‫لقد ا�شار الرفيق خالد بكدا�ش �إىل هذه املرامي‪ ،‬يف م�ؤمتر احلزب ال�شيوعي الربيطاين‪،‬‬
‫الذي ح�ضره والرفيق فرج اهلل احللو �سنة ‪ ،/1947/‬و�ألقى خطاب ًا يف امل�ؤمتر‪ ،‬ف�ضح فيه‬
‫حماوالت امل�ستعمرين الفرن�سيني والإنكليز‪ ،‬املتواطئني مع اال�ستعمار الأمريكي‪ ،‬لإعادة‬
‫ال�سيطرة اال�ستعمارية على لبنان و�سوريا‪ ،‬وكان لذلك اخلطاب �صدىً وا�سع يف الأو�ساط‬
‫الدولية‪.‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪111‬‬

‫الطليعة‬

‫وخا�ض الرفيق بكدا�ش‪ ،‬يف ال�سنة نف�سها‪ ،‬املعركة االنتخابية يف دم�شق‪ ،‬و�أحرز �أكرث‬
‫من ‪� /11/‬ألف �صوت‪ .‬وكان ناجحاً‪� ،‬إال �أن الأو�ساط احلاكمة زورت النتائج وحالت دون‬
‫و�صوله �إىل املجل�س النيابي‪ .‬وقد �ساهم الرفاق اللبنانيون يف معركته هذه بالتربعات املالية‪،‬‬
‫والإ�سهام يف جلانه االنتخابية‪.‬‬
‫ويف �أواخر ال�سنة نف�سها‪ ،‬وبتاريخ ‪ ،1947/11/29‬وبحجة �صدور قرار تق�سيم فل�سطني‬
‫�إىل دولتني عربية ويهودية‪ ،‬ب��د�أت الرجعية العربية‪ ،‬املتواطئة مع ال�صهيونية‪ ،‬ت�ستغل‬
‫املالب�سات الدولية والعربية التي �أحيطت بها الق�ضية الفل�سطينية‪ ،‬من قبل �صدور القرار‪،‬‬
‫ل�ضرب ما تبقى من احلريات الدميقراطية‪ ،‬وذلك بدء ًا بتوجيه �ضربتها الأوىل �إىل احلزب‬
‫ال�شيوعي‪ ،‬مبنع ن�شاطه العلني‪ ،‬و�إغالق جريدته «�صوت ال�شعب»‪ ،‬ثم ب�شنها هجمات على‬
‫مكاتب احلزب يف لبنان و�سوريا‪ .‬ويف دم�شق ا�ست�شهد �أثناء هذه احلملة الرفيق ح�سني عاقو‬
‫وجُ رح �آخرون داخل املكتب‪� .‬أما يف بريوت ف�إثر مداهمة مكتب احلزب واعتقال من فيه‪،‬‬
‫�ألفنا وفد ًا من بع�ض الرفاق‪ ،‬ومعنا ال�سيدة �أميلي فار�س �إبراهيم‪ ،‬فرحنا �إىل منزل ريا�ض ‬
‫ال�صلح‪ ،‬ورئي�س الوزراء �آنذاك‪ ،‬نحتج على ما يجري‪ ،‬فا�ستقبلنا بب�شا�شته وجماملته املعتادة‬
‫‪ ....‬اخلالية بالطبع من اال�ستجابة الحتجاجنا‪.‬‬
‫انتقل احلزب من جديد �إىل احلياة ال�سرية‪ ،‬وعاد ي�صدر جريدته ال�سرية «ن�ضال‬
‫ال�شعب»‪ ،‬ويوا�صل الن�ضال بجر�أة �ضد مواقف الرجعية امل�سيئة لال�ستقالل الوطني‪ ،‬واملا�سة‬
‫مب�صالح العمال والفالحني‪ .‬وقد كلفت هذه اجل��ر�أة احلزب �إدخ��ال ع�شرات ال�شيوعيني‬
‫يف معتقل بعلبك‪ ،‬وع�شرات وع�شرات الآخرين يف �سجن املزة يف دم�شق‪� ،‬أيام الديكتاتور‬
‫الطاغي ح�سني الزعيم‪.‬‬
‫�ساهم الن�شاط ال�سري‪ ،‬خالل هذه ال�سنوات‪ ،‬يف مترّ�س احلزب الكفاحي‪ ،‬ويف ن�ضوجه‬
‫الفكري وال�سيا�سي والتنظيمي‪ .‬ويعود الف�ضل الكبري يف هذا امل�ضمار‪� ،‬إىل الأمني العام‬
‫الفعلي للحزب‪ ،‬الرفيق خالد بكدا�ش الذي �أغنى احلزب تنظيمياً‪ ،‬بتو�ضيحه وتعميقه‬
‫خطط احلزب الإ�سرتاتيجية والتكتيكية‪ ،‬وبتطويره مبد�أ النقد والنقد الذاتي يف �صفوف‬
‫احل��زب‪ ،‬وتطهري احلزب من امليول االنعزالية واالنتهازية‪ .‬فتقريره التوجيهي ال�شهري‪،‬‬
‫الذي قدمه لالجتماع املو�سع للجنة املركزية يف �أوائل �سنة ‪ ،/1951/‬حتت عنوان «لأجل‬
‫الن�ضال بنجاح يف �سبيل ال�سلم واال�ستقالل والدميقراطية‪ ،‬يجب االجتاه بحزم نحو العمال‬
‫‪112‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫والفالحني»‪ ،‬وثيقة هامة يف هذا االجتاه‪ .‬وقد نقلت �أنا هذا التقرير �إىل اللغة الأرمنية ب�شكل‬
‫كتيب‪� ،‬صدر بطبعتني‪ ،‬الأوىل يف حينه‪ ،‬والثانية يف �أوا�سط ال�ستينات‪.‬‬

‫ــ عملي احلزبي يف �سوريا ‪...‬‬

‫بعد جالء اجليو�ش الأجنبية عن �سوريا ولبنان‪ ،‬ح��اول امل�ستعمرون املحافظة على‬
‫م�صاحلهم بالإطاللة بوجه جديد (اال�ستعمار اجلديد)‪ ،‬وذلك عن طريق �سيا�سة الأحالف‬
‫الع�سكرية العدوانية‪ ،‬بدء ًا مب�شروع «الدفاع امل�شرتك»‪ ،‬فغريه من امل�شاريع امل�شبوهة‪ .‬لقد‬
‫كان القطران ال�سوري واللبناين‪ ،‬مبثابة قدوة لغريهما من بلدان املنطقة يف التحرر من‬
‫االحتالل‪ ،‬وقد قام احلزب ال�شيوعي مبعارك �ضد هذه امل�شاريع املنوي متريرها حتت �أ�سماء‬
‫وطرق خمتلفة‪ .‬فعمّت التظاهرات ال�شعبية مدن �سوريا بالدرجة الأوىل‪ ،‬وتبعتها بريوت‪،‬‬
‫حيث اعتقل زهاء ‪ /15/‬رفيق ًا وكنت من جملتهم‪ ،‬وقد حكم عليّ مدة ثالثة �أ�شهر �سجن‪،‬‬
‫بتهمة تنظيم التظاهرة‪ ،‬ح�سب ما جاء يف تقرير ال�شرطة‪ .‬وبعد خروجي من ال�سجن‪،‬‬
‫�أر�سلت �إىل حلب للعمل احلزبي هناك‪.‬‬
‫نظر ًا لكون �سوريا املحرك وامللهم الوطني الرئي�سي يف معاداة اال�ستعمار يف ال�شرق‬
‫العربي‪ ،‬فقد ا�ستهدفتها امل�ؤامرات اخلارجية والداخلية بالدرجة الأوىل‪ .‬وخالل �سنوات‬
‫‪ 1949/‬ـ ‪ ،/1951‬وقعت �أربعة انقالبات ع�سكرية‪ ،‬نتيجة لل�صراع القائم بني خمتلف كتل‬
‫الربجوازية والإقطاعية املعتمدة على �أو�ساط معينة يف اجلي�ش‪ ،‬والتي ت�ؤيدها االحتكارات‬
‫الأمريكية والإنكليزية‪ .‬وقد قاوم احلزب ال�شيوعي ب�ضراوة هذه الديكتاتوريات وطغيانها‬
‫الإرهابي‪ ،‬فقدم ت�ضحيات غالية من �أجل عدم متكني امل�ستعمرين من العودة �إىل �سوريا‪،‬‬
‫وهذا خالف ًا لغريه من الأحزاب التي حاول بع�ضها التعاون‪� ،‬أو اال�شرتاك مع الديكتاتوريات‬
‫يف احلكم‪.‬‬
‫طيلة وجودي يف حلب‪ ،‬عملت كم�س�ؤول يف اللجنة املنطقية‪ ،‬مكر�س ًا وقتي لالجتماعات‬
‫واالت�صاالت مع منظمات احل��زب يف �أق�ضية حلب‪ ،‬مع االهتمام ب�شكل خا�ص‪ ،‬بعمال‬
‫الن�سيج‪ ،‬الذين كنت �أحا�ضر فيهم عن اال�ستعمار الر�أ�سمايل‪ ،‬ومفهوم القيمة الزائدة‪،‬‬
‫و�أهمية تنظيم العمال يف النقابات من �أجل الدفاع الناجح عن حقوقهم‪ .‬وكان للحزب‬
‫�أي�ضاً‪ ،‬حلقة خا�صة‪ ،‬ت�ضم �أكرث من ع�شرة رفاق من املثقفني واملدر�سني‪ ،‬ب�إ�شراف مبا�شر‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪113‬‬

‫الطليعة‬

‫مني ومن الرفيق «عمر �سباعي»‪.‬‬
‫وبالإ�ضافة �إىل االجتماعات مواد الأبحاث‪ ،‬كنت �أ�ساهم‪ ،‬من حني �إىل �آخر‪ ،‬حتت ا�سم‬
‫�سليم‪ ،‬ببع�ض املقاالت‪ ،‬عن �أمور تنظيمية داخلية‪ ،‬يف الن�شرة الدورية ال�سرية‪ ،‬التي كانت‬
‫ت�صدر حتت عنوان «حياة احلزب»‪.‬‬
‫ويف �أوائل �سنة ‪ ،/1954/‬بد�أ الغليان ال�شعبي �ضد ديكتاتورية ال�شي�شكلي‪ .‬وكان للبيان‬
‫الذي �سبق و�أذاع��ه خالد بكدا�ش‪ ،‬دور ًا هام ًا يف تهيئة جو االنتفا�ضة‪ ،‬التي كانت �إحدى‬
‫مراكزها الرئي�سية مدينة حلب‪ ،‬حيث انطلقت �أول تظاهرة مببادرة من حزبنا‪ .‬وما كاد‬
‫مي�ضي وقت عليها حتى قام اجلي�ش بحركته االنقالبية‪ ،‬وت�ضامنت معه كافة �أو�ساط‬
‫الربجوازية الوطنية‪ ،‬وفئات من الربجوازية ال�صغرية‪ ،‬وجماهري وا�سعة من العمال‬
‫والفالحني والطالب‪ ،‬التي �أطاحت بديكتاتورية ال�شي�شكلي‪ ،‬وحلت مكانها حكومة ائتالفية‪،‬‬
‫برئا�سة �صربي الع�سلي‪ ،‬م�ؤلفة من ممثلي الأحزاب ال�سيا�سية الكبرية (احلزب الوطني ـ‬
‫حزب ال�شعب ـ حزب البعث ـ وكتلة امل�ستقلني)‪.‬‬
‫وبعد ب�ضعة �أ�شهر‪ ،‬وعلى هذا االنت�صار‪ ،‬جرت االنتخابات النيابية يف �سوريا‪ ،‬خا�ضها‬
‫احلزب برت�شيحه خالد بكدا�ش ون�صوح الغفري وجورج عوي�شق عن دم�شق‪, ،‬احمد حمفـ ّل‬
‫عن حلب‪ .‬فنال �أحمد حمفـ ّل �أكرث من ع�شرة �آالف �صوت‪ ،‬ومل يكن الفارق كبري ًا بينه وبني‬
‫مر�شحي حزب ال�شعب واحلزب الوطني الفائزين‪� .‬أما الرفيق خالد بكدا�ش‪ ،‬الأمني العام‬
‫حلزبنا‪ ،‬فقد نال �أكرث من ‪� /17/‬ألف �صوت ففاز‪ ،‬كما نال كل من ن�صوح الغفري وجورج‬
‫عوي�شق �أكرث من ت�سعة �آالف �صوت‪.‬‬
‫وكان لفوز الرفيق خالد‪ ،‬وملواقفه فيما بعد‪ ،‬يف املجل�س النيابي ال�سوري‪� ،‬صدى وا�سع‪،‬‬
‫على ال�صعيدين الداخلي والعربي‪ ،‬من حيث دفاعه اجلريء‪ ،‬طوال �أربعة �أعوام‪ ،‬عن حقوق‬
‫العمال والفالحني‪ ،‬وعن اال�ستقالل وعن �ضرورة جمابهة م�شاريع وم�ؤامرات اال�ستعمار‬
‫وال�صهيونية بجبهة وطنية‪ ،‬وعن التعاون االقت�صادي مع االحت��اد ال�سوفييتي واملنظومة‬
‫اال�شرتاكية‪.‬‬
‫ويف نهاية ال�سنة الأوىل من ن�شاطه النيابي‪ ،‬قدم خالد بكدا�ش ح�ساب ًا �إىل ناخبيه‪،‬‬
‫�أمام ح�شد جماهريي �ضخم‪� ،‬ضم ع�شرات الألوف من مواطنيه الوافدين بعرا�ضات �إىل‬
‫�ساحة التجمع‪ ،‬من �أحياء دم�شق ومدن �سوريا ومناطقها‪ .‬وقد جئنا من حلب للم�شاركة بهذا‬
‫‪114‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫املهرجان‪ ،‬بقافلة �ضمت ثالثني بو�سطة‪ ،‬يف كل منها زهاء �أربعني �شخ�صاً‪ ،‬وكنت على ر�أ�س ‬
‫هذه القافلة‪ .‬هذا وقد �شاركت يف هذا احلفل وفود من لبنان‪ ،‬وقد القى كلمة لبنان الرفيق‬
‫نخلة مطران‪.‬‬
‫وبعد ت�أميم قناة ال�سوي�س‪ ،‬ا�شتدت �ضغوط اال�ستعمار حدة على م�صر‪ ،‬وتهديد ًا ل�سوريا‪.‬‬
‫وقد جتلى كل ذلك بالعدوان الثالثي �سنة ‪ ،/1956/‬ومن ثم احل�شود الرتكية ـ الإ�سرائيلية‬
‫على حدود �سوريا �سنة ‪ ،/1957/‬وقد وقف احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬منذ اللحظة الأوىل‪،‬‬
‫يف طليعة الت�أييد حلرب م�صر التحررية‪� .‬أما بالن�سبة �إىل خطر العدوان الرتكي ـ الإ�سرائيلي‬
‫�ضد �سوريا‪ ،‬فقد عبّ�أ احلزب كل قواه يف �صفوف املقاومة ال�شعبية‪.‬‬
‫واجلدير بالذكر‪ ،‬يف هذا ال�صدد‪� ،‬أن االحتاد ال�سوفييتي كان دائم ًا �إىل جانب م�صر‬
‫و�سوريا‪ ،‬حمذر ًا امل�ستعمرين بحزم من الإخالل بالأمن يف املنطقة مب�شاريعهم العدوانية‪.‬‬
‫وما �أن ف�شل العدوان الثالثي على م�صر‪ ،‬وامتنعت �سوريا وبلدان عربية �أخرى من‬
‫االن�ضمام �إىل حلف بغداد‪ ،‬وكذلك رف�ضت القبول مببد�أ �إيزنهاور‪ ،‬حتى ا�شتدت م�ؤامرات‬
‫ا�ستفزازات اال�ستعمار الأمريكي �ضد �سوريا والعرب جلرهم �إىل حظريته‪ .‬وقد �أثارت هذه‬
‫املحاوالت موجة عارمة من ال�شعور الوطني العربي املعادي لال�ستعمار ومل�شاريعه الهادفة‬
‫للعودة �إىل املنطقة من جديد‪ ،‬برزت على �أ�سا�سها فكرة الوحدة ما بني م�صر و�سوريا‪ .‬ويف‬
‫متوز ‪ ،/1956/‬اتخذت حكومتا م�صر و�سوريا قرار ًا باالحتاد‪.‬‬
‫مع ترحيبه بهذا االحت���اد‪ ،‬كخطوة �أوىل يف طريق ال��وح��دة العربية‪� ،‬أ�صر احلزب‬
‫ال�شيوعي على �أن يتحقق ذلك على �أ�س�س دميقراطية‪ ،‬مع الأخ��ذ باحل�سبان خ�صائ�ص ‬
‫كال البلدين‪ ،‬و�صيانة مكا�سب �سوريا االجتماعية‪ ،‬وتوطيد عالقات ال�صداقة والتعاون مع‬
‫االحتاد ال�سوفييتي‪ ،‬وبلدان املنظومة اال�شرتاكية‪.‬‬
‫واجلدير بالذكر �أن دورة اللجنة املركزية املنعقدة يف ني�سان ـ �آب ‪ /1956/‬يف دم�شق‪،‬‬
‫والتي كنت من بني حا�ضريها‪ ،‬قد حددت ب�شكل علمي‪ ،‬وبو�ضوح تام مفهوم الوحدة‪ ،‬كما‬
‫حددت �سبل الن�ضال من �أجل حتقيقها يف ظروف منت�صف القرن الع�شرين‪ ،‬املختلفة عن‬
‫ظروف حتقيق الوحدات القومية يف �أوروبا‪ ،‬يف منت�صف القرن التا�سع ع�شر‪ .‬وقد جاء يف‬
‫قرار هذه الدورة التاريخية ما حرفيته‪:‬‬
‫«�إن طموح البلدان العربية �إىل وحدتها‪ ،‬لي�س وليد ظروف طارئة �أو رغبة عاطفية‪،‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪115‬‬

‫الطليعة‬

‫وال نتيجة لدعاية فكرية قام بها حزب �أو فريق من النا�س‪ ،‬بل هو مظهر حلاجة واقعية‪،‬‬
‫نتيجة تطور تاريخي م�ستقل عن الرغبات والإرادات‪ ،‬ف�إن الأر�ض امل�شرتكة‪ ،‬ووحدة اللغة‪،‬‬
‫والتاريخ امل�شرتك‪ ،‬والتكوين النف�سي امل�شرتك الذي ينعك�س يف الثقافة امل�شرتكة‪ ،‬والأو�ضاع‬
‫االقت�صادية التي يتمم بع�ضها بع�ضاً‪ ،‬كل هذه العوامل الدائمة التي تكونت تاريخي ًا والتي‬
‫تتطور ‪ ..‬يف اجتاه موحد ‪ ...‬هي الأ�س�س الواقعية املو�ضوعية التي تنبثق منها ق�ضية الوحدة‬
‫العربية ‪.»....‬‬
‫«�إن احلجر الأ�سا�سي يف االنطالق نحو الوحدة العربية‪ ،‬هو التعاون املتني بني البلدان‬
‫العربية املتحررة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا بني �سوريا وم�صر‪ ،‬وتوثيق الروابط بينهما يف خمتلف امليادين‬
‫ال�سيا�سية واالقت�صادية والع�سكرية‪� ،‬إىل جانب تقوية الت�ضامن مع ال�شعوب العربية التي ما‬
‫تزال رازحة حتت نري العبودية اال�ستعمارية‪ ،‬يف ن�ضالها البا�سل من �أجل حريتها وا�ستقاللها‬
‫الوطني ‪.»....‬‬
‫هذا‪ ،‬وبعد �أن متت الوحدة بني م�صر و�سوريا عام ‪ ،/1958/‬حتت ا�سم «اجلمهورية‬
‫العربية املتحدة»‪� ،‬أعلن احلزب ال�شيوعي ال�سوري موافقته على قيامها‪ ،‬رغم حتفظه على‬
‫�أ�س�سها التي مل تراع ظروف كل قطر‪ ،‬وخ�صائ�صه ومكت�سباته‪ .‬وبعد م�ضي �أكرث من ن�صف‬
‫�سنة على قيامها‪� ،‬أ�صدر احلزب وثيقة تاريخية عرفت با�سم «البنود الثالثة ع�شر»‪ ،‬وذلك‬
‫حر�ص ًا منه على �سالمة وتوطيد �أ�س�س الدولة اجلديدة يف مواجهة امل�ؤامرات اال�ستعمارية‪.‬‬
‫وقد �أظهرت التجربة احلية �صحة ما ت�ضمنته هذه الوثيقة‪ ،‬ومدى حر�ص احلزب على‬
‫الوحدة العربية وبُعد نظره يف ر�ؤية عملية التطور االجتماعي وال�سيا�سي والوطني‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬لقد بقيت يف حلب قرابة خم�س �سنوات‪ ،‬تعر�ضت يف نهايتها ملطاردة رجال الأمن‪،‬‬
‫الذين ما لبثوا �أن متكنوا من اعتقايل‪ ،‬بالتعاون مع عنا�صر من حزب الطا�شناق‪ ،‬فانهالوا‬
‫عليّ �ضرب ًا ولكم ًا يف عر�ض ال�شارع‪ ،‬وكانت بحوزتي ر�سالة �إىل جريدة «النور» حول مقابلتنا‬
‫للقائد الوطني الدكتور عبد الرحمن الكيايل‪ .‬فطردت من حلب‪� ،‬إال �أنني عدت �إليها �إثر‬
‫تدخل من الرفاق يف دم�شق‪ .‬وبعد وقت وجيز من ذلك‪ ،‬تركت حلب �سنة ‪ /1957/‬بقرار‬
‫من احلزب‪ ،‬فعدت �إىل بريوت مل�شاركة الرفاق اللبنانيني يف حملتهم لدعم تر�شيح الرفيق‬
‫�أنطون ثابت يف االنتخابات النيابية‪.‬‬
‫وختام ًا ملرحلة عملي احلزبي هذه يف �سوريا‪ ،‬التي كانت بالن�سبة �إيلّ‪ ،‬و�إىل غريي �أي�ضاً‪،‬‬
‫‪116‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫بالطبع‪ ،‬من الرفاق امل�س�ؤولني اللبنانيني‪ ،‬الذين عملوا يف �سوريا يف تلك الفرتة‪ ،‬مبثابة‬
‫مدر�سة �سيا�سية غنية بالتجارب‪ ،‬لذلك �أرى من واجبي ك�شيوعي قدمي‪� ،‬أن ا�سجل هنا كلمة‬
‫تقدير لقيادة احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬لأمينها العام الرفيق خالد بكدا�ش خا�صة‪ ،‬الذي‬
‫عرفته منذ �أمد بعيد‪ ،‬موجه ًا كفوء ًا جلود ًا لتنمية وتطوير احلزبني ال�شيوعيني ال�سوري‬
‫واللبناين على ال�سواء‪ ،‬ل�سنوات طويلة‪ ،‬بتوجيهاته ال�سيا�سية والنظرية والتنظيمية‪ ،‬وكل‬
‫ذلك ب�إ�شرافه العملي املبا�شر‪ ،‬ومن خالل م�ؤلفاته ومقاالته وخطبه العديدة‪ ،‬و�أذكر من‬
‫م�ؤلفاته‪:‬‬
‫«احلرب الأهلية يف �إ�سبانيا» ـ «حركة التحرر الوطني والن�ضال يف �سبيل اال�شرتاكية»‬
‫ـ «الأممية والقومية» وجمموعة من الأبحاث الفل�سفية‪� .‬أما املئات واملئات من مقاالته‬
‫حول خمتلف الق�ضايا الوطنية والعربية والدولية‪ ،‬فهي منت�شرة يف �صحافة احلزب‪ ،‬ويف‬
‫غريها من املجالت التقدمية على امتداد �سنوات‪� .‬أما خطبه يف م�ؤمترات احلزب ال�شيوعي‬
‫ال�سوفييتي‪ ،‬ويف م�ؤمترات الأحزاب ال�شيوعية الأخرى‪ ،‬فقد �ساهمت يف �إبرازه �شخ�صية‬
‫مرموقة لي�س فقط يف احلركة ال�شيوعية العربية‪ ،‬بل ويف احلركة ال�شيوعية العاملية �أي�ضاً‪.‬‬

‫ــ يف ظل عهد �شمعون وما بعد ‪...‬‬

‫كان لبنان‪ ،‬يف عهد احلكم ال�شمعوين‪ ،‬فاحت ًا �أبوابه على م�صراعيها‪� ،‬أمام التغلغل‬
‫ال�سيا�سي واالقت�صادي للإمربيالية الأمريكية‪ ،‬و�شريكها الإنكليزي‪ ،‬بحيث كان املئات‬
‫واملئات من املوظفني العاملني يف ال�شركات الأمريكية‪ ،‬ويف «النقطة الرابعة» يتدخلون يف‬
‫�ش�ؤون لبنان الداخلية‪ .‬كذلك كان الأمر بالن�سبة �إىل املوظفني الإنكليز‪ .‬مما �أدى بلبنان‪،‬‬
‫ك�أول بلد عربي‪� ،‬إىل االن�ضمام �إىل م�شروع �إيزنهاور امل�ش�ؤوم‪ .‬الذي طلعت به الإمربيالية‬
‫الأمريكية‪� ،‬إثر ف�شل العدوان الثالثي على م�صر‪ ،‬بحجة ملء الفراغ الذي تركته هزمية‬
‫امل�ستعمرين الإنكليز والفرن�سيني‪ ،‬وحماربة احلركة ال�شيوعية العربية والعاملية (مبفهوم‬
‫�شارل مالك و�أ�سياده «ال�شيوعية الدولية»)‪ .‬وكان يرمي �أي�ضاً‪ ،‬بالطبع‪ ،‬من وراء وعده‬
‫بتقدمي امل�ساعدات االقت�صادية والع�سكرية للبلدان العربية‪� ،‬إىل ب�سط نفوذ اال�ستعمار‬
‫الأمريكي عليها‪ ،‬بحجة حمايتها من «اخلطر ال�سوفييتي» املزعوم‪.‬‬
‫ويف �إطار هذا الو�ضع ا�شتد الن�شاط الت�آمري لعمالء اال�ستخبارات الإمربيالية من جهة‪،‬‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪117‬‬

‫الطليعة‬

‫وعمالء حلف بغداد من جهة �أخرى‪� ،‬ضد �سوريا للإطاحة بنظامها املعادي لال�ستعمار‪ ،‬وتبع‬
‫ذلك عزل لبنان عن الدول العربية‪ ،‬وتردي عالقاته باالحتاد ال�سوفييتي والدول اال�شرتاكية‬
‫الأخرى‪ ،‬وبالتايل كبت احلريات يف الداخل‪ .‬ويف ظل هذا اجلو اخلانق‪ ،‬جرت االنتخابات‬
‫النيابية عام ‪ ،/1957/‬ففر�ض حكم �شمعون ـ �سامي ال�صلح‪« ،‬فوز» معظم لوائحه بالتزوير‬
‫ال�صارخ‪ ،‬وبح�ضور الأ�سطول الأمريكي يف مرف�أ ب�يروت‪ .‬ونتيجة لهذا التزوير حيل بني‬
‫وجهاء وطنيني بارزين �أمثال كمال جنبالط و�أنطون تابت (نال ‪� /11/‬ألف �صوت ر�سمياً)‬
‫وغريهم‪ ،‬وبني مقاعد النيابة‪ ،‬التي فازوا بها عملياً‪ ،‬ال ر�سمياً‪.‬‬
‫وكان رجال الأمن قد اعتقلوا‪ ،‬ع�شية االنتخابات‪ ،‬زهاء ‪ /25/‬من �أع�ضاء جلنة دعم‬
‫تر�شيح �أنطون تابت‪ ،‬وكنت يف عداد املوقوفني‪ ،‬ويف عدادهم �أي�ضاً‪� ،‬أذك��ر الرفاق نخلة‬
‫مطران و�أدمون عون‪ ،‬ويو�سف خطار احللو وغريهم من املنا�ضلني واملثقفني‪ .‬وقد احتجرنا‬
‫جميع ًا يف نظارة بعبدا‪ ،‬طوال نهار االنتخابات‪ ،‬ومل يفرج عنا �إال يف امل�ساء‪ ،‬بعد انتهاء‬
‫العمليات االنتخابية‪ .‬وقد قتل اثنان من رفاقنا الأرم��ن هما الأخ��وان «كوجويان»‪ ،‬وجرح‬
‫�آخرون على يد ع�صابة الطا�شناق‪ ،‬يف دائرة «املدّور» االنتخابية‪.‬‬
‫�إن متادي احلكم يف الطغيان‪ ،‬وتبعيته للنهج اال�ستعماري‪� ،‬أدى �إىل ظهور معار�ضة‬
‫وطنية‪� ،‬ضمّت احلزب التقدمي اال�شرتاكي‪ ،‬واحلزب ال�شيوعي‪ ،‬و�شخ�صيات وطنية بارزة‪.‬‬
‫ومن �أجل �إره��اب ف�إ�سكات هذه املعار�ضة‪ ،‬اغتيل ال�صحفي التقدمي‪ ،‬و�صاحب جريدة‬
‫«التلغراف» ن�سيب املتني‪ .‬وقد �أثارت هذه اجلرمية حملة �شعبية‪ ،‬ما لبثت �أن حتولت �إىل‬
‫انتفا�ضة وطنية �شملت كل لبنان‪ ،‬ومل يقف خاللها‪� ،‬إىل جانب حكم �شمعون‪� ،‬سوى التحالف‬
‫الكتائبي ـ الطا�شناقي ـ القومي ال�سوري الرجعي‪.‬‬
‫وملا اندلعت الثورة العراقية يف ‪ /14/‬متوز ‪� ،/1958/‬سارع اال�ستعماران الأمريكي‬
‫والإنكليزي �إىل �إنقاذ ما ميكن �إنقاذه من نفوذهما املنهار يف املنطقة‪ ،‬فتدخل الأ�سطول‬
‫ال�ساد�س الأمريكي يف لبنان‪ ،‬ب�إنزال قواته وكذلك فعلت �إنكلرتا ب�إدخال قواتها �إىل الأردن‪.‬‬
‫فقاومت القوى الوطنية اللبنانية التدخل الأمريكي بقوة ال�سالح وكان للحزب ال�شيوعي‬
‫اللبناين‪ ،‬يف �صفوف هذه املقاومة‪ ،‬دور ن�شيط‪.‬‬
‫ومل تخرج القوات الأمريكية من لبنان‪� ،‬إال بعد التدخل ال�سيا�سي احل��ازم من قبل‬
‫االحتاد ال�سوفييتي يف جمل�س الأمن الدويل‪ .‬وبعد جالء جنود الأ�سطول ال�ساد�س‪ ،‬وزوال‬
‫‪118‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫�����������������������������������������������������������������������‬

‫حكم �شمعون وكتلته عن احلكم‪ ،‬ا�ستلم اللواء ف�ؤاد �شهاب دفة احلكم‪ .‬والبد لنا من الإ�شارة‬
‫تدقيقاً‪ ،‬غلى �أن انتخاب قائد اجلي�ش اللبناين‪ ،‬اللواء �شهاب رئي�س ًا للجمهورية‪ ،‬جاء نتيجة‬
‫الت�صاالت قام بها املبعوث الأمريكي «روب��رت م��وريف»‪ ،‬مبختلف الأط��راف يف الداخل‪،‬‬
‫ومب�س�ؤويل اجلمهورية العربية املتحدة‪ ،‬على �أ�سا�س �أن ال يبقى لبنان �ساحة ت�آمر على هذه‬
‫اجلمهورية‪ ،‬ومبقابل �أن يتكفل امل�س�ؤولون فيها بكبح جماح احلركة ال�شيوعية‪ .‬وهكذا كان!!!‬
‫مي�ض �شهران ون�صف ال�شهر على �إقدام الرئي�س �شهاب على ت�أليف حكومة ر�شيد‬
‫ومل ِ‬
‫كرامي الرباعية‪ ،‬حتى بد�أت احلملة على احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬وعلى حكم عبد الكرمي‬
‫قا�سم يف العراق‪ ،‬بحجة معار�ضة احلزب للوحدة‪ ،‬ومعار�ضة بغداد �أن ي�صبح العراق الإقليم‬
‫الثالث يف اجلمهورية العربية املتحدة‪ .‬وقد ذهب الرفيق فرج اهلل احللو ورفاق �سوريون‬
‫�ضحية هذا االتفاق‪ ،‬و�شهداء الدفاع عن ا�ستقاللية احلزب‪.‬‬
‫يف عهد �شهاب وال�شهابية‪ ،‬مل تطر�أ تغيريات جذرية قي بنية البالد ال�سيا�سية‪ ،‬لأن‬
‫الأو�ساط الربجوازية الكبرية‪ ،‬والإقطاعية‪ ،‬بقيت نافذة الكلمة‪ ،‬بعد حكم �شمعون‪ ،‬وتبنّت‬
‫مبد�أ «ال غالب وال مغلوب»‪.‬‬
‫�أم��ا على ال�صعيد االقت�صادي واالجتماعي‪ ،‬فقد تبنّى احلكم ال�شهابي املفهومني‬
‫الدارجني يف �أوروب��ا الغربية وقتئذ‪ ،‬مفهومي العدالة االجتماعية والإمن���اء‪ ،‬وعلى هذا‬
‫الأ�سا�س جيء ببعثة «�أرفد» برئا�سة الأب «لوبريه» فو�ضعت درا�سة مف�صلة عن �أو�ضاع لبنان‬
‫االقت�صادية واالجتماعية �صدرت يف ثالثة جملدات‪� .‬إال �أن تطبيق ما ورد فيها اقت�صر على‬
‫حماولة تعميم �شبكات الكهرباء واملياه والطرقات‪ ،‬على خمتلف املناطق‪ ،‬بهدف تو�سيع �سوق‬
‫اال�ستهالك املحلي‪ .‬ويف حني ا�ستفادت الربجوازية التجارية من تو�سيع هذه ال�سوق‪ ،‬ومن‬
‫بع�ض منجزات البنية االقت�صادية التحتية (‪� ،)Infrastrueture Eco.‬إال �أنها حالت دون‬
‫�إجناز عملية الإمناء الفعلي‪ ،‬وحتقيق �أ�س�س العدالة االجتماعية‪.‬‬
‫لقد جابه احلكم ال�شهابي حدثني‪ ،‬يف اخلارج ويف الداخل‪ .‬يف اخلارج‪ ،‬مل تدم طوي ًال‬
‫الوحدة امل�صرية ـ ال�سورية‪� ،‬إذ ما لبثت �أن تفككت يف ‪� /28/‬أيلول �سنة ‪ ،/1961/‬وذلك‪،‬‬
‫لي�س لعدم �صحة فكرة الوحدة‪ ،‬بل ب�سبب تطبيقها تطبيق ًا غري دميقراطي‪ ،‬وب�سبب جتاهل‬
‫خ�صائ�ص كل قطر‪ ،‬الأم��ر الذي �سبق ونبّه �إليه احلزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬ع�شية قيام‬
‫الوحدة‪ ،‬يف وثيقة البنود الثالثة ع�شر الالحقة‪ ،‬والتي من �أجلها‪� ،‬أي�ضاً‪� ،‬سُ جن وعُ ذب وقـُتل‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪119‬‬

‫الطليعة‬

‫و�شُ رد خرية منا�ضلي احلزب‪ ،‬ويف ر�أ�سهم قائد احلزب ال�شيوعي البارز فرج اهلل احللو الذي‬
‫ا�ست�شهد يف دم�شق �أثناء قيامه بواجبه الأممي جتاه احلزب ال�شيوعي ال�سوري ال�شقيق‪.‬‬
‫مت�ض ثالثة �أ�شهر على االنف�صال‪ ،‬حتى قام احلزب ال�سوري القومي‬
‫�أما يف الداخل‪ ،‬ومل ِ‬
‫االجتماعي‪ ،‬يف ‪ 1961/12/31‬مبحاولته االنقالبية الفا�شلة على احلكم ال�شهابي‪ ،‬بالتعاون‬
‫مع �أو�ساط عربية ودولية‪.‬‬
‫وعليه‪ ،‬يتوجب عليّ �أن �أ�شري �إىل �أن قيام الوحدة امل�صرية ـ ال�سورية‪� ،‬أوجد ظروف ًا‬
‫جديدة يف العالقات بني القطرين ال�سوري واللبناين‪ ،‬مما �أدى �إىل ا�ستقالل احلزبني‬
‫ال�شيوعيني ال�سوري واللبناين يف امليدان التنظيمي‪ ،‬بعدما كانت قيادتهما تعمالن بتعاون‬
‫وثيق‪� ،‬شبه موحّ د‪ ،‬يف معاجلة الأمور الرئي�سية املتعلقة بحياة احلزبني‪ ،‬وذلك حتت قيادة‬
‫الرفيق خالد بكدا�ش‪.‬‬
‫�إن اللجنة املركزية للحزب ال�شيوعي اللبناين‪ ،‬التي كنت ع�ضو ًا فيها‪ ،‬ويف مكتبها‬
‫ال�سيا�سي‪ ،‬ظلت على امتداد �سنوات ما بعد تفكك الوحدة‪ ،‬من�صرفة �إىل �ش�ؤونها اللبنانية‬
‫البحتة‪ .‬ويف هذه الفرتة من ن�شاط احلزب‪ ،‬كان عملي احلزبي ي�شمل عدة ميادين يف وقت‬
‫معاً‪ ،‬منها‪ :‬م�س�ؤول اللجنة املنطقية ملدينة بريوت‪ ،‬مع الإ�شراف الفعلي املبا�شر على اللجنة‬
‫الفرعية الأرمنية‪ ،‬واللجنة الفرعية الن�سائية‪ ،‬واللجنة الفرعية النقابية‪.،‬‬
‫وبالإ�ضافة �إىل ذلك‪ ،‬كنت �أ�ساهم يف حترير جريدة «�إىل الأمام ـ (هارات�ش)» التي‬
‫كانت ت�صدر باللغة الأرمنية مبقاالت �سيا�سية وهجائية الذعة‪ ،‬وكانت املراقبة يف عهد‬
‫حكم �شمعون حتذفها كلياً‪ .‬كذلك �ساهمت‪ ،‬مدة من الزمن‪ ،‬بكتابة زاوية الذعة عن �أمور‬
‫اجتماعية و�سيا�سية حتت عنوان‪« :‬لكل يوم» يف جريدة «النداء»‪.‬‬
‫كما �أين �ألـ ّفت للقرّاء الأرمن كتاب ًا عن «نه�ضة العرب التحررية الوطنية»‪ ،‬الذي ت�ضمن‬
‫ملحات عن احلركات التحررية يف �سورية ولبنان والعراق واليمن وم�صر واجلزائر ‪ ...‬الخ‪.‬‬
‫وقد �صادرت مراقبة الأمن العام ق�سم ًا منه‪ ،‬وحكمت عليّ بغرامة قدرها خم�سون لرية‪.‬‬
‫وقد بقيت �أحتمّل خمتلف املهمات احلزبية هذه لغاية تاريخ ف�صلي من احلزب يف �سنة‬
‫‪./1964/‬‬

‫‪120‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫يروسلا يعويشلا بزحلل ةيزكرملا ةنجللا عامتجا نع غالب‬

‫وثائق حزبية‬

‫بالغ عن اجتماع اللجنة املركزية للحزب‬
‫ال�شيوعي ال�سوري‬
‫عقدت اللجنة املركزية للحزب ال�شيوعي ال�سوري‪ ،‬اجتماع ًا مو�سعاً‪ ،‬برئا�سة �أمينها‬
‫العام الرفيق عمار بكدا�ش وذلك يوم ‪ /2/‬حزيران ‪ ./2013/‬وح�ضر االجتماع �إىل جانب‬
‫�أع�ضاء اللجنة املركزية �أع�ضاء جلنة الرقابة و�أمناء اللجان املنطقية‪.‬‬
‫ولدى بحثها الو�ضع ال�سيا�سي ر�أت اللجنة املركزية �أن جمريات الأمور �أكدت وت�ؤكد‬
‫ما �أعلنه احلزب ال�شيوعي ال�سوري ومنذ بداية الأحداث ب�أن ال�صمود لي�س فقط واجباً‪،‬‬
‫بل وممكناً‪ .‬والعامل الأ�سا�سي يف هذا ال�صمود هو جماهري ال�شعب ال�سوري العريقة يف‬
‫وطنيتها‪ ،‬وامل�ستعدة للت�ضحية ب�أغلى ما لديها من �أجل الذود عن اال�ستقالل الوطني‪ ،‬وهذا‬
‫ما �أثبتته وقائع تاريخ �سوريا املعا�صر‪ ،‬ويجري �إثباته اليوم بدماء ال�شهداء من �أبناء العمال‬
‫والفالحني و�صغار الك�سبة يف املدينة والريف‪ ،‬التي روت بغزارة مذبح ال�سيادة والكرامة‬
‫الوطنيتني‪.‬‬
‫�إىل جانب ذلك هناك عوامل ومتغريات دولية �أ�سهمت يف تعزيز ال�صمود الوطني‬
‫ال�سوري امل�شرّف‪ ،‬وي�أتي يف مقدمتها ت�ضامن كل �أحرار دنيا العرب والعامل مع ق�ضية ال�شعب‬
‫ال�سوري العادلة يف مواجهته لعدوان قوى الظالم الإمربيالية وال�صهيونية والرجعية‪.‬‬
‫كما �أن املواقف الداعمة على ال�ساحة الدولية والإقليمية واملعرب عنها ب�شكل قوي من‬
‫قبل جمهورية رو�سيا االحتادية وجمهورية ال�صني ال�شعبية واجلمهورية الإ�سالمية الإيرانية‬
‫تلعب دور ًا مهم ًا يف تعزيز ال�صمود الوطني ال�سوري‪.‬‬
‫وي�ستمر الت�صعيد العدواين �ضد �سوريا والذي جتلى يف االعتداءات الع�سكرية لإ�سرائيل‬
‫ال�صهيونية والقرارات التي اتخذها االحتاد الأوروبي بالإمداد ال�سافر للع�صابات امل�سلحة‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪121‬‬

‫الطليعة‬

‫داخل البالد‪ ،‬مع ا�ستمرار بل تو�سيع العقوبات ال�سيا�سية واالقت�صادية اجلائرة املتخذة من‬
‫قبل هذا االحتاد الإمربيايل �ضد �سوريا ومبباركة بل و�إيعاز من الإمربيالية الأمريكية‪ ،‬هذا‬
‫العدو الأ�سا�سي حلرية ال�شعوب‪ .‬كما وتتخذ الأنظمة التابعة للإمربيالية‪ ،‬من الدوحة �إىل‬
‫�أنقرة تدابري ال ميكن و�صفها‪ ،‬ح�سب معايري القانون الدويل‪� ،‬إال ا�شرتاك ًا يف العدوان‪ ،‬من‬
‫متويل و�إمداد واحتواء ودعم متعدد اجلوانب للحركات امل�سلحة ذات الطابع الإرهابي على‬
‫خمتلف م�شاربها‪.‬‬
‫و�أكدت اللجنة املركزية على �أن التطورات الإيجابية التي جرت على �ساحة القتال‪ ،‬من‬
‫الت�صدي للهجمات املتكررة التي قامت بها قوى التمرد امل�سلح‪ ،‬و�إحراز القوات امل�سلحة‬
‫العربية ال�سورية لإجنازات مهمة يف كبح الع�صابات امل�سلحة وتقلي�ص مواقع نفوذها‪ ،‬لعبت‬
‫وتلعب دور ًا �أ�سا�سي ًا يف فتح �آفاق حل الأزمة‪ ،‬على �أ�سا�س وطني‪� ،‬أي من خالل احلفاظ على‬
‫�سوريا بلد ًا �سيد ًا منيعاً‪ ،‬راف�ض ًا للإمالءات الإمربيالية وال�صهيونية‪ ،‬مت�صدي ًا بب�سالة لكل‬
‫حماوالت �إركاعه‪.‬‬
‫وعربت اللجنة املركزية عن ت�أييد احلزب ال�شيوعي ال�سوري اخلطوط العامة لربنامج‬
‫حل الأزمة ال�سورية‪ ،‬والتي وردت يف كلمة الرئي�س ب�شار الأ�سد التي �ألقاها يف ‪ /6/‬كانون‬
‫الثاين عام ‪ ،/2013/‬م�ؤيدة متام ًا التزامن املنطقي الوارد يف هذا الربنامج‪ .‬فال�شرط‬
‫الالزم وال�ضروري لبدء حل الأزمة ال�سورية يكمن يف وقف قوى التمرد جلميع العمليات‬
‫الع�سكرية والإرهابية املقرون بوقف الإم��داد واملعونة املقدمة من اخل��ارج للمجموعات‬
‫امل�سلحة والإرهابية‪ .‬وبدون حتقيق هذا ال�شرط‪ ،‬ي�ستحيل االنتقال �إىل املراحل ال�سيا�سية‬
‫حلل الأزمة‪ ،‬مبا يتوافق مع امل�صلحة الوطنية وطموح ال�شعب يف العي�ش بكرامة يف وطن حر‪.‬‬
‫كما ر�أت اللجنة املركزية �أن جميع اخلطوات الإ�صالحية املف�صلية التي ت�ضمنها برنامج‬
‫حل الأزمة ال�سورية من �إقرار امليثاق الوطني وتعديل �أو تغيري الد�ستور‪ ،‬و�إقرار القوانني‬
‫ال�سيا�سية الأ�سا�سية يجب �أن متر عرب هيئات متثيلية منتخبة ب�أ�سلوب دميوقراطي‪.‬‬
‫كما الحظت اللجنة املركزية �أن التقدم الذي �أحرز يف تعزيز ال�صمود الوطني ال�سوري‪،‬‬
‫�أج�بر القوى املعادية على تغيري تكتيكها‪ .‬وت�أتي يف هذا املجال املوافقة الأمريكية على‬
‫ا�ستئناف العملية التي بد�أت يف م�ؤمتر جنيف‪ .‬ومع ت�أييد احلزب ال�شيوعي ال�سوري للموافقة‬
‫التي �أبدتها احلكومة ال�سورية على امل�شاركة يف هذا امل�ؤمتر‪� ،‬إال �أنه يدعو يف الوقت نف�سه �إىل‬
‫اتخاذ موقف اليقظة من املناورات الإمربيالية و�ضرورة اليقني كون الإمربيالية الأمريكية‬
‫و�إ�سرائيل ال�صهيونية هما العدوان الأ�سا�سيان لل�شعوب العربية عموم ًا ولل�شعب ال�سوري‬
‫ولال�ستقالل الوطني ال�سوري ب�شكل خا�ص‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫يروسلا يعويشلا بزحلل ةيزكرملا ةنجللا عامتجا نع غالب‬

‫وترى اللجنة املركزية �أنه بعدما يئ�ست القوى املعادية من جناح م�ؤامرتها يف �إ�سقاط‬
‫النظام القائم يف البالد‪ ،‬بد�أت توجه هذه القوى الباغية جلّ جهدها نحو مدّ �أمد الأزمة‬
‫وا�ستنزاف �سوريا‪ ،‬كونها العقبة الك�أداء يف وجه خمططها اال�ستعبادي امل�سمى «بال�شرق‬
‫الأو�سط الكبري اجلديد» والذي هو لي�س �إال حماولة قيام «�صهيون الكربى» يجري يف �إطارها‬
‫ا�ستعباد وا�ستغالل جميع �شعوب املنطقة من قبل الإمربيالية الأمريكية وال�صهيونية العاملية‬
‫وباال�ستعانة بقوى العمالة العربية والإقليمية واملحلية‪.‬‬
‫�إن تطور الأمور يقت�ضي تقوية جميع عوامل ال�صمود الوطني ال�سيا�سية واالقت�صادية‬
‫واالجتماعية‪ .‬والحظت اللجنة املركزية �أن التطورات االقت�صادية االجتماعية يف البالد ال‬
‫تخدم ق�ضية ال�صمود الوطني‪ ،‬بل هي تقوم بفعل معاك�س‪ .‬وي�أتي يف مقدمة الظواهر بالغة‬
‫ال�سلبية التدين املريع يف امل�ستوى املعي�شي جلماهري ال�شعب‪ ،‬هذه اجلماهري التي ت�شكل‬
‫القاعدة الأ�سا�سية لل�صمود الوطني ال�سوري امل�شرّف‪.‬‬
‫لقد مُنيَ االقت�صاد الوطني بخ�سائر ج�سيمة نتيجة الأعمال التخريبية التي قامت‬
‫بها قوى الع�صيان امل�سلح‪� .‬إذ نـُهبت و ُدم��رت املن�ش�آت الإنتاجية‪ ،‬التي وقعت م�ؤقت ًا حتت‬
‫�سيطرة هذه القوى‪ ،‬وجرى العبث ب�أ�صولها وبيع ما ميكن بيعه من املنهوبات �إىل خارج‬
‫البالد وخا�صة �إىل تركيا‪ ،‬وامل�صري نف�سه حلق بجزء مهم من خمزونات احلبوب واملحا�صيل‬
‫الزراعية الأخرى‪.‬‬
‫وجرى تخريب العديد من املن�ش�آت النفطية‪ ،‬وقطع �أنابيب نقل النفط والغاز‪ .‬وهذا كله‬
‫�أدى �إىل م�صاعب جمة يف ت�أمني امل�ستلزمات احلياتية الأ�سا�سية لل�سكان‪ ،‬والذي ترك عدد‬
‫مهم منهم �أماكن �إقامته‪ ،‬منتقلني �إىل �أماكن �آمنة �أو غادروا �إىل خارج الوطن‪ .‬وتو�سع نطاق‬
‫البطالة خا�صة بني العاملني يف القطاع اخلا�ص‪ .‬وما زاد من تو�سع نطاق هذه الظاهرة هو‬
‫�أن عدد ًا ال ي�ستهان به من رجال الأعمال �أغلقوا من�ش�آتهم ونقلوا ن�شاطهم �إىل اخلارج‪.‬‬
‫كما �أن العقوبات اجلائرة املتخذة من قبل املراكز الإمربيالية العاملية والأنظمة التابعة لها‬
‫�أثرت بالغ الت�أثري على و�ضع االقت�صاد الوطني وعلى الو�ضع املعي�شي للغالبية العظمى من‬
‫املواطنني‪.‬‬
‫وكان من املمكن �أن تكون الأو�ضاع االقت�صادية االجتماعية �أقل �إيالماً‪ ،‬لوال ال�سيا�سة‬
‫االقت�صادية الليربالية التي اتبعت يف البالد منذ عدة �سنوات‪ .‬فالتوجه الليربايل االقت�صادي‬
‫الذي لعب دور ًا �أ�سا�سي ًا لتهيئة الأزم��ة التي تعي�شها البالد من خالل زيادة اال�ستقطاب‬
‫الطبقي يف املجتمع‪ ،‬وتهمي�ش لعدد كبري من املنتجني و�إفقار جماهري ال�شعب‪ ،‬هذا التوجه‬
‫الليربايل االقت�صادي والظروف التي خلقها‪ ،‬خا�صة من تقوي�ض دور الدولة‪ ،‬يعيق حالي ًا‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪123‬‬

‫الطليعة‬

‫�إيجاد حلول ناجعة باجتاه حماية الإنتاج الوطني وحماية معي�شة املواطنني‪ ،‬و�صون الرثوة‬
‫الوطنية‪.‬‬
‫وتتدنى يوم ًا بعد يوم القدرة ال�شرائية لل�سواد الأعظم من املواطنني‪ ،‬ب�سبب تدين قيمة‬
‫العملة الوطنية وما يرتافق معه من االرتفاع الكبري للأ�سعار‪ .‬وكان �أحد الأ�سباب الأ�سا�سية‬
‫لهذه العملية امل�ؤملة جد ًا بالن�سبة جلماهري ال�شعب‪� ،‬سحب كبار البورجوازيني لودائعهم يف‬
‫امل�صارف الوطنية وحتويلها �إىل اخلارج‪ .‬مما �أثر ت�أثري ًا �سلبي ًا كبري ًا على ا�ستقرار وقيمة‬
‫اللرية ال�سورية‪ .‬هذه العملية التي جرت حتت نظر الأجهزة احلكومية الو�صائية دون �أن‬
‫حترك هذه الأخرية �أي �ساكن ملنعها �أو احلد منها‪ ،‬حتت حجة عدم وجود ت�شريعات منا�سبة‪.‬‬
‫ومل يلعب �إتباع �أ�سلوب �إنزال القطع الأجنبي من احتياطات الدولة �إىل �سوق ال�صرافة �أي‬
‫دور يف تقوية مواقع العملة املحلية‪ ،‬بل على العك�س‪� ،‬إن هذا الأ�سلوب له تبعات خطرة‪،‬‬
‫والناجتة عن ا�ستنزاف االحتياطي العام من النقد الأجنبي‪.‬‬
‫ومل ي�شهد �أي �إج��راء جدي ب�إعادة النظر جذري ًا بالتوجهات الليربالية االقت�صادية‬
‫باجتاه التخلي الكامل عنها واتباع �سيا�سة ر�أ�سمالية الدولة ذات الطابع االجتماعي‪ .‬بل على‬
‫عك�س ذلك اتخذت قرارات برفع �أ�سعار بع�ض حوامل الطاقة‪ .‬ويجري الرتويج �إىل ا�ستمرار‬
‫هذا التوجه ال�ضار بالإنتاج الوطني وبحياة املواطنني عموم ًا لكي ي�شمل رفع �أ�سعار الكهرباء‬
‫واملازوت‪ .‬مما �سي�ؤدي �إىل زيادة جديدة يف الأ�سعار ب�شكل عام وبالتايل �إىل زيادة �إمالق‬
‫وب�ؤ�س الكادحني‪ ،‬والذي �أ�صبح جزء منهم على حافة اجلوع باملعنى احلريف للكلمة‪.‬‬
‫�إن رفع �أ�سعار الطاقة وحوامل الطاقة‪� ،‬إىل جانب �آثاره ال�سلبية الكبرية على الأحوال‬
‫املعي�شية‪ ،‬البائ�سة �أ�صالً‪ ،‬للجماهري ال�شعبية‪ ،‬يحمل يف طياته خطر ًا على الإنتاج الوطني‬
‫ككل‪ .‬فهذا الإجراء يعني زيادة تكلفة الإنتاج ال�صناعي و�سيدفع ما تبقى من ال�صناعيني‬
‫�إىل الهروب �إىل اخل��ارج وتوظيف �أموالهم يف جم��االت م�شابهة يف دول اجل��وار القريب‬
‫والبعيد‪ .‬كما �سي�ؤدي هذا الإجراء (رفع �سعر الكهرباء واملازوت) �إىل زيادة تكلفة الإنتاج‬
‫الزراعي وعزوف جزء مهم من املنتجني عن العمل به‪ ،‬وبالتايل توجيه �ضربة جديدة �إىل‬
‫ما تبقى من عوامل الأمن الزراعي والأمن الغذائي الذي كان حمقق ًا يف الأم�س القريب‪� .‬أي‬
‫�إن هذا الإجراء �سيوجه �ضربة م�ؤملة �إىل ال�صناعة التحويلية و�إىل الزراعة‪ ،‬وبدون م�ساهمة‬
‫هذين الفرعني الأ�سا�سيني من الإنتاج املادي‪� ،‬سيكون من ال�صعب جد ًا جتاوز �آثار الدمار‬
‫والتقهقر االقت�صادي االجتماعي الناجتني عن الأزمة‪ ،‬واالنطالق بنجاح يف عملية �إعادة‬
‫‪124‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫يروسلا يعويشلا بزحلل ةيزكرملا ةنجللا عامتجا نع غالب‬

‫�إعمار الوطن‪.‬‬
‫ومن الوا�ضح �أن هذا التوجه يعني زي��ادة ال�ضغط على ال�شعب‪ ،‬وحتميل اجلماهري‬
‫ال�شعبية تبعات الأفعال والتوجهات الآثمة لأع��داء الوطن وقوتهم االجتماعية الداخلية‬
‫الرئي�سية البورجوازية الكومربادورية‪ .‬فالليربالية االقت�صادية هي تعبري عن م�صالح‬
‫البورجوازية الكومربادورية‪ ،‬هذه البورجوازية التي ترتبط م�صاحلها ب�شكل وثيق مع‬
‫م�صالح االحتكارات العاملية وبالتايل تتنافى ب�شكل جذري مع م�صالح الوطن‪.‬‬
‫وتنبه اللجنة املركزية من امل�شاريع امل�شبوهة التي بُدئ برتويج لها من جديد ولكن‬
‫حالي ًا حتت يافطة «�إعادة �إعمار �سورية» بد ًال من اليافطات املهرتئة واملف�ضوحة ال�سابقة‪،‬‬
‫والتي تروّج لها الرموز نف�سها التي طبقت التوجهات الليربالية االقت�صادية الكارثية يف‬
‫الأم�س القريب‪.‬والتي تروج لنف�س التوجهات بذريعة «خطة مار�شال» بالن�سبة ل�سورية‪ ،‬والتي‬
‫يكمن م�ضمونها يف‪ :‬تكري�س النهج الليربايل االقت�صادي وبو�ضع البالد حتت ال�سيطرة‬
‫الكاملة لالحتكارات الأجنبية وممثليها املحليني من البورجوازية الكومربادورية‪� .‬أي هذه‬
‫الأو�ساط ت�سعى �إىل حتقيق ب�أ�ساليب اقت�صادية‪ ،‬ما عجزت �أن حتققه بالأ�ساليب ال�سيا�سية‬
‫والع�سكرية وهو حتويل �سوريا �إىل بلد تابع ال حول له وال قوة‪.‬‬
‫�إن مواجهة هذا التوجه بالغ اخلطورة على ال�سيادة واال�ستقالل الوطنيني يتطلب تكاتف‬
‫كل القوى الوطنية والتقدمية من �أجل القطيعة الكاملة مع الليربالية االقت�صادية وا�ستعادة‬
‫دور الدولة املركزي يف حماية الإنتاج الوطني وتلبية م�صالح املنتجني وتلبية املتطلبات‬
‫واحلاجات الأ�سا�سية جلماهري ال�شعب‪.‬‬
‫وهذا التوجه يف حماية ال�صمود الوطني ال�سوري وتقوية القاعدة اجلماهريية لهذا‬
‫ال�صمود وتو�سيعها يقت�ضي اتخاذ �إجراءات عديدة نذكر منها‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ الدفاع عن الإنتاج الوطني يف كافة املجاالت وبغ�ض النظر عن �شكل امللكية مع �إيالء‬
‫االهتمام اخلا�ص لقطاع الدولة‪ .‬ودعم الفروع الإنتاجية الأ�سا�سية‪ :‬ال�صناعة والزراعة‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ زي��ادة دور م�ؤ�س�سات الدولة يف التجارة الداخلية و�إع���ادة �إحيائها يف التجارة‬
‫اخلارجية‪ .‬ف�أ�ساليب قمع امل�ضاربني‪ ،‬على �أهميتها‪ ،‬ال تكفي‪ ،‬بل يجب �أن تقرن ب�إيجاد‬
‫مناف�س جدي له�ؤالء من خالل م�ؤ�س�سات الدولة التجارية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ ربط الأجور بالأ�سعار وتغطية تلك الزيادة من م�صادر فعلية ولي�س من م�صادر‬
‫ت�ضخمية‪ .‬وهذا يتطلب بالدرجة الأوىل الق�ضاء على التهرب ال�ضريبي وت�شميل ما ي�سمى‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪125‬‬

‫الطليعة‬

‫باقت�صاد الظل بالنظام ال�ضريبي الفعال‪ .‬وحتميل ذوي الأرباح الكربى العبء ال�ضريبي‬
‫الأكرب‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ �سد منافذ الربح الطفيلي ب�أ�شكاله كافة‪ .‬مع الرتكيز‪ ،‬يف املرحلة احلالية‪ ،‬على‬
‫املكافحة ال�صارمة والفعالة للم�ضاربني بقوت ال�شعب والذين يبنون ث��روات هائلة على‬
‫ح�ساب م�آ�سي اجلماهري ال�شعبية‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ يجب �أن تكون مكافحة الف�ساد �شاملة لكي تكون ناجعة‪ .‬واخلال�ص النهائي من كافة‬
‫�أ�شكال اخلوة‪ .‬وجوهر الف�ساد يكمن بنهب الدولة وال�شعب مع ًا الذي تقوم به البورجوازية‬
‫الطفيلية بالت�شارك الوثيق مع البورجوازية البريوقراطية‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ تغيري ال�سيا�سة النقدية ب�شكل جذري‪ ،‬كما يتطلب الو�ضع احلايل للبالد‪ ،‬ووقف كل‬
‫الأ�ساليب والأدوات التي ت�ؤدي �إىل ا�ستنزاف احتياط البالد من القطع الأجنبي‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ دعم الزراعة من حيث م�ستلزمات الإنتاج و�إمكانيات الت�سويق‪ ،‬مع زي��ادة دور‬
‫امل�ؤ�س�سات احلكومية يف جمال الت�سويق ويف جمال �إم��داد املزارعني‪ .‬العمل على �إحياء‬
‫الت�سويق التعاوين الفعال‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ تعديل قانون العمل ل�صالح العمال‪ ،‬وب�شكل خا�ص منع الت�سريح التع�سفي‪.‬‬
‫‪ 9‬ـ ا�ستثمار النفط والغاز وطني ًا مما �سي�ؤمن �إمكانات كبرية لإعادة �إعمار البالد على‬
‫ا�سا�س وطني‪.‬‬
‫‪ 10‬ـ��ـ ال�سيطرة الكاملة للدولة على قطاعي الكهرباء واالت�����ص��االت وتعديل كافة‬
‫الت�شريعات ذات ال�صلة بهذا االجتاه‪.‬‬
‫‪ 11‬ـ زيادة دور الدولة يف الدعم االجتماعي و�إحيا�ؤه يف بع�ض املجاالت التي مت دثره‬
‫فيها‪ ،‬والعودة عن التدابري التي �أ�ضرت بدميوقراطية التعليم ومبجانية ال�شبكة ال�صحية‬
‫احلكومية‪� .‬إن املفهوم الذي يروّج له حالي ًا بـ «�إي�صال الدعم مل�ستحقيه» يعني حتويل الدعم‬
‫من وظيفة اجتماعية �إىل �صدقة والتخلي عن الدعم االجتماعي يف نهاية املطاف‪.‬‬
‫‪ 12‬ـ �إن القطيعة الكاملة مع ال�سيا�سة الليربالية االقت�صادية تتطلب �إيجاد القاعدة‬
‫الت�شريعية لهذه القطيعة‪ .‬وهذا ي�ستوجب �إلغاء كافة الت�شريعات والقرارات ذات الطابع‬
‫«االنفتاحي» والتي �أ�ضرت بالفروع الإنتاجية و�أفادت الر�أ�سمال الطفيلي وزادت من الت�شوه‬
‫الهيكلي لالقت�صاد الوطني‪.‬‬
‫كل التدابري املذكورة �أعاله من �ش�أنها �أن ت�ؤمن العودة �إىل الطبيعة العريقة لالقت�صاد‬
‫ال�سوري والذي هو اقت�صاد �إنتاجي‪ .‬وكذلك فهذه التدابري �ستلبي حاجات وم�صالح املنتجني‬
‫الذين ي�شكلون الركيزة الأ�سا�سية لل�صمود الوطني ال�سوري والقاعدة ال�صلبة لإمكانية‬
‫‪126‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫يروسلا يعويشلا بزحلل ةيزكرملا ةنجللا عامتجا نع غالب‬

‫انطالق البالد يف طريق التقدم االجتماعي‪ .‬وتعيد اللجنة املركزية ت�أكيدها الثابت ب�أن‬
‫الدفاع عن لقمة ال�شعب �سيقوي عوامل ال�صمود الوطني‪.‬‬
‫وركزت اللجنة املركزية اهتمامها على �سبل ت�أمني املو�سم الزراعي الواعد‪ .‬ور�أت �أنه‬
‫يجب بذل املزيد من اجلهود من �أجل ت�سويق هذا املو�سم مبا يفيد زي��ادة منعة الوطن‪،‬‬
‫وت�أمني م�صالح املزارعني العادلة‪ ،‬الذين بذلوا جهد ًا كبري ًا من �أجل حتقيق هذا املو�سم‪.‬‬
‫فالت�سويق الكامل للمو�سم الزراعي وتخزينه ال�صحيح له دور كبري خا�صة يف هذه الظروف‪.‬‬
‫ومن الهام جد ًا �إيالء اهتمام �أكرب يف هذا املجال خا�صة يف املناطق ال�شرقية وال�شمالية‬
‫ال�شرقية‪.‬‬
‫ولدى تطرقها �إىل الو�ضع الدويل ر�أت اللجنة املركزية‪� ،‬أن ا�ستمرار الأزمة الر�أ�سمالية‬
‫الهيكلية يطبع بطابعه التطورات الأ�سا�سية على ال�ساحة العاملية‪� .‬إذ تت�صاعد املواجهات بني‬
‫العمل والر�أ�سمال يف العديد من بقاع العامل مبا فيها يف املراكز الإمربيالية‪ .‬وما يزيد من‬
‫حدة املواجهات هذه بروز م�ؤ�شرات جدية على قدوم �أزمة ر�أ�سمالية دورية جديدة‪ ،‬دون �أن‬
‫متر الدورة الر�أ�سمالية يف العديد من الدول مبرحلة النهو�ض‪� ،‬إذ �أ�صيبت هذه الدول بعد‬
‫مرورها مبرحلة الركود �أو انتعا�ش ن�سبي ب�أزمة جديدة‪ ،‬مما ينذر مبوجة من املواجهات‬
‫اجلديدة‪.‬‬
‫وتزداد النزعة العدوانية للإمربيالية بالرغم من تقل�ص الأر�ضية املادية لهذه النزعة‬
‫ب�سبب ا�ستمرار وتعمق الأزمة‪ .‬ومن �أبرز جتليات ازدياد هذه النزعة العدوانية ما يجري‬
‫يف منطقتنا ويف بقاع عديدة من �أفريقيا ‪ ،‬حيث قامت الإمربيالية الأوروبية وب�شكل خا�ص ‬
‫الإمربيالية الفرن�سية بعمل عدواين مف�ضوح �ضد مايل‪ .‬كما تتفاقم املواجهات بني املراكز‬
‫العاملية خا�صة بني املراكز الإمربيالية «التقليدية» وما �سمّي بالدول ال�صاعدة‪� ،‬آخذة �أ�شكا ًال‬
‫متنوعة ويف العديد من مناطق العامل‪.‬‬
‫ويف تركيا هناك حركة جماهريية وا�سعة �ضد احلكم الرجعي التابع‪ .‬هذه احلركة التي‬
‫�أتت نتيجة عوامل مرتاكمة والناجتة عن زيادة اال�ستياء ال�شعبي من التدابري الرجعية يف‬
‫املجاالت ال�سيا�سية واالجتماعية التي قامت بها احلكومة الرتكية‪ .‬كما �أن معظم ال�شعب‬
‫الرتكي يرف�ض ال�سيا�سة العدوانية التي تتبعها الأو�ساط احلاكمة يف تركيا �ضد �سوريا‪� .‬إن‬
‫الأحداث يف تركيا هي بداية انهيار ذلك النموذج الرجعي التابع امل�صبوغ بال�صبغة الدينية‬
‫املنافقة املعادية للدميوقراطية‪ ،‬التي حاولت الإمربيالية الأمريكية �أن تفر�ضه على دول‬
‫املنطقة من �أجل ال�سيطرة عليها‪ .‬ويوجه احلزب ال�شيوعي ال�سوري حتيات الت�ضامن للقوى‬
‫الوطنية والدميوقراطية يف تركيا و�إىل اجلماهري املنتف�ضة دفاع ًا عن كرامتها وعن قيم‬
‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫‪127‬‬

‫الطليعة‬

‫احل�ضارة الإن�سانية احلقيقية‪.‬‬
‫كما �أن الأحداث التي ت�شهدها م�صر وتون�س تدل بدورها على بداية الإفال�س الكامل‬
‫للنموذج الرجعي والظالمي وملنفذيه من حركات رجعية مت�سرتة بالدين‪.‬‬
‫فهناك حركات جماهريية مت�سعة ومت�صاعدة با�ستمرار ترفع �شعارات احلرية‬
‫والدميوقراطية والعلمانية والعدالة االجتماعية‪� .‬إن ال�شيوعيني يف �سوريا ميدون �أيديهم‬
‫�إىل الأحرار يف دنيا العرب م�ؤكدين �أن ال كرامة وال تقدم وال ازدهار وال دميوقراطية بدون‬
‫احلفاظ على اال�ستقالل الوطني‪ .‬والعامل الأ�سا�سي يف ذلك هو مواجهة �أعوان اال�ستعمار‬
‫وقهرهم‪.‬‬
‫وا�ستمعت اللجنة املركزية �إىل تقرير حول الن�شاط الأمم��ي للحزب وال��ذي ي�أتي يف‬
‫مقدمته تغطية �أو�ضاع ال�صمود الوطني ال�سوري يف و�سائل الإعالم ال�شيوعية والتقدمية‬
‫والإ�سهام يف الأن�شطة الت�ضامنية مع هذا ال�صمود امل�شرّف‪ .‬ويف هذا املجال جرى و�ضع‬
‫اللجنة املركزية ب�شكل مف�صل ب�صورة م�شاركة ممثلي احلزب يف عدد من الفعاليات على‬
‫ال�ساحة الدولية مثل امل�ؤمتر اخلام�س ع�شر للحزب ال�شيوعي يف رو�سيا االحتادية‪ ،‬الذي‬
‫�صدر عنه بيان ت�ضامني خا�ص مع �سوريا وكذلك يف الأن�شطة الت�ضامنية التي �أقامها جمل�س ‬
‫ال�سلم العاملي بالتعاون مع جمل�س ال�سلم يف تركيا واحلزب ال�شيوعي الرتكي‪ ،‬ا�ستنكار ًا‬
‫للهجمة الإمربيالية الرجعية على املنطقة وت�ضامن ًا مع ال�صمود ال�سوري‪ .‬و�أثنت اللجنة‬
‫املركزية على دور ممثلي احلزب يف هذه الفعاليات الأممية املهمة‪.‬‬
‫كما ا�ستمعت اللجنة املركزية �إىل تقارير عن ن�شاط املنظمات احلزبية يف الظروف‬
‫ال�صعبة التي متر بها البالد‪ .‬ور�أت �أنه بالرغم من امل�صاعب �إال �أن منظمات احلزب تقوم‬
‫عموم ًا بواجبها التعبوي اجلماهريي‪ ،‬ووجهت تقدير ًا خا�ص ًا للمنظمات احلزبية املقدامة‬
‫وللرفاق الذين �أظ��ه��روا التزام ًا ون�شاط ًا متميزاً‪ .‬وق��د بينت الأح���داث االل��ت��زام العايل‬
‫لل�شيوعيني ال�سوريني بالق�ضايا الوطنية ومتيزهم باملوقف الطبقي الوا�ضح‪ .‬ووجهت اللجنة‬
‫املركزية املنظمات احلزبية على املثابرة بالقيام بالن�ضال املطلبي‪ ،‬ح�سب الظروف امللمو�سة‬
‫لكل منطقة‪ ،‬من �أجل تلبية مطالب جماهري ال�شعب ودفاع ًا عن حقوقها‪.‬‬
‫كما بحثت اللجنة املركزية واقع الن�شر احلزبي ووجهت املنظمات بزيادة االهتمام بهذا‬
‫املجال‪ ،‬الذي له �أهمية تعبوية خا�صة يف هذه الظروف‪.‬‬
‫وبذلك �أنهت اللجنة املركزية �أعمال اجتماعها املو�سع‪.‬‬
‫دم�شق ‪2013/6/2‬‬
‫اللجنة املركزية للحزب ال�شيوعي ال�سوري‬

‫‪128‬‬

‫( ددعلالالاالادعلا‬

‫«الطليعة» ‪ ........‬العدد ‪ ........ 2013/1‬ال�سل�سلة اجلديدة ‪ ........‬العدد ‪)87‬‬

‫احلزب ال�شيوعي ال�سوري ـ هاتف (‪� )4455048‬ص‪ .‬ب (‪ )7837‬الثمن (‪ )150‬ل‪�.‬س‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful