-2

-

-3-

-4-

-5-

‫‪-6-‬‬

‫العلم والعولمة‬
‫( دراسة فى أثر العولمة على القدرات المعرفية والتكنولجية للنظم العلمية )‬
‫( دراسة مقارنة للنظم العلمية الحرة والموجهة )‬

‫‪-7-‬‬

‫«‪ ..‬وما كان عطاءُ ربك محظورا‪»..‬‬
‫(سورة السراء ‪ -‬الية ‪)20‬‬

‫« لن الحقيقة نسبية‪ ..‬فإن حرية التعبير ينبغى أن تكون مطلقة‪ .‬فل أحد يمتلك الحقيقة‪..‬‬
‫حتى يصادر حق الخرين فى محاولة القتراب من حدودها»‪.‬‬

‫(دكتور‪ /‬محمد‬
‫محفوظ )‬

‫« تمهيـد »‬
‫الطار النظرى والمنهجى للدراسـة‬
‫أولً‪ :‬اعتبارات نظرية موجّهة للدراسة‬
‫‪ -1‬مشكلة الدراسة‬
‫‪ -2‬أبعاد الدراسة‬
‫‪ -3‬أسباب اختيار الدراسة‬
‫‪ -4‬المفاهيم المستخدمة فى الدراسة‬
‫ثانياً‪ :‬الجراءات المنهجية‬
‫‪ -1‬هدف الدراسة‬
‫‪ -2‬مجتمع الدراسة‬
‫‪ -3‬فروض وتساؤلت الدراسة‬
‫‪ -4‬نموذج الدراسة‬
‫‪ -5‬منهج الدراسة‬
‫‪ -6‬أدوات الدراسة‬

‫‪-8-‬‬

‫البـاب الول‬
‫ظاهـرة العولمـة‬
‫(البعاد الفكرية والمادية والمجتمعية والنسانية)‬
‫الفصـل الول‬
‫البعاد الفكرية لظاهرة العولمة‬
‫المبحث الول‪ :‬مدخل تاريخى‬
‫المبحث الثانى‪ :‬مدخل معرفى‬
‫المبحث الثالث‪ :‬مدخل فلسفى‬
‫الفصـل الثانى‬
‫البعاد المادية لظاهرة العولمة‬
‫المبحث الول‪ :‬مظاهر العولمـة ‪.‬‬
‫أولً‪ :‬إستراتيجية التوحد والتكتل والندماج‬
‫ثانياً‪ :‬تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام‬
‫المبحث الثانى‪ :‬مؤسسات العولمـة ‪.‬‬
‫أولً‪ :‬مؤسسات البنية التحتية للعولمة ‪.‬‬
‫‪ -1‬خطوط المواصلت البحرية والجوية (السياحية والتجارية)‬
‫‪ -2‬شبكات التصالت والعلم (الكابلية واللسلكية) والبث الفضائى المباشر‬
‫‪ -3‬شبكة المعلومات الدولية (النترنت)‬
‫ثانياً‪ :‬مؤسسات البنية الفوقية للعولمة‬
‫‪ -1‬المنظمات والتفاقيات والمواثيق الدولية‬
‫‪ -2‬الشركات متعددة الجنسيات وأسواق المال العالمية ‪.‬‬
‫‪ -3‬المنظمات الدولية غير الحكومية (منظمات المجتمع المدنى)‬
‫الفصـل الثالث‬
‫البعاد المجتمعية والنسانية لظاهرة العولمـة‬
‫القسـم الول‬
‫البعاد المجتمعية لظاهرة العولمـة‬
‫المبحث الول‪ :‬البعاد السياسية لظاهرة العولمة (العولمة السياسية)‬
‫أولً‪ :‬العولمة وسيادة الدولة‬
‫ثانياً‪ :‬العولمة والديمقراطية‬
‫ثالثاً‪ :‬العولمة والمجتمع المدنى‬
‫المبحث الثانى‪ :‬البعاد القتصادية لظاهرة العولمة (العولمة القتصادية)‬
‫أولً‪ :‬العولمة ودور السوق وآلياته‬

‫‪-9‬‬‫ثانياً‪ :‬العولمة والشركات متعددة الجنسيات‬
‫ثالثاً‪ :‬العولمة والقوى الضابطة‬
‫المبحث الثالث‪ :‬البعاد الثقافية لظاهرة العولمة (العولمة الثقافية)‬
‫أولً‪ :‬العولمة والثقافة‬
‫ثانياً‪ :‬العولمة والحضارة‬
‫ثالثاً‪ :‬العولمة والهوية‬
‫المبحث الرابع‪ :‬البعاد العلمية لظاهرة العولمة (عولمة التصال)‬
‫أولً‪ :‬العولمة والنظم العلمية‬
‫ثانياً‪ :‬العولمة والمؤسسات العلمية‬
‫ثالثاً‪ :‬العولمة ووسائل العلم‬
‫رابعاً‪ :‬العولمة وجماهير المتلقين‬
‫القسـم الثانى‬
‫البعاد النسانية لظاهرة العولمة‬
‫المبحث الخامس‪ :‬ظاهرة العولمة والمشتركات النسانية (قراءة أخرى)‬
‫أولً‪ :‬المشترك النسانى المادى‬
‫‪ -1‬التفكيك‬
‫‪ -2‬التركيب‬
‫‪ -3‬المشتركات المادية‬
‫ثانياً‪ :‬المشترك النسانى المعنوى‬

‫البـاب الثانى‬
‫القدرات المعرفية والتكنولوجية للنظم العلمية الراهنة فى ظل البعاد العلمية للعولمـة‬
‫الفصـل الرابع‬
‫القدرات المعرفية والتكنولوجية للنظم العلمية الراهنة‬
‫المبحث الول‪ :‬المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية‬
‫المبحث الثانى‪ :‬القدرات التكنولوجية للنظم العلمية الراهنة فى ظل البعاد العلمية للعولمة‬
‫( من التصال المحدود إلى التصال شبه الكامل )‬
‫المبحث الثالث‪ :‬درجة شفافية النظم العلمية الراهنة فى ظل البعاد العلمية للعولمة‬
‫( القيود المعرفية فى النظم العلمية )‬
‫أولً‪ :‬القيود المجتمعية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‬
‫‪ -1‬القيود التشريعية‬
‫أ ‪ -‬التشريعات المقيـّدة لحق الجماهير فى المعرفة‬

‫‪-‬‬

‫‪10‬‬

‫‪-‬‬

‫ب ‪ -‬التشريعات المقيــّدة لحق المؤسسات العلمية فى العلم‬
‫جـ ‪ -‬التشريعات المقيــّدة لحق المجتمع فى التصال‬
‫‪ -2‬القيود العملية‬
‫ثانياً‪ :‬القيود الذاتية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‬
‫‪ -1‬تصنيف القيود الذاتية‬
‫أ ‪ -‬قيود السيطرة الحكومية أو الحزبية أو المؤسسية‬
‫ب ‪ -‬قيود الملكية الحتكارية‬
‫جـ ‪ -‬قيود الجمهور الموجه‬
‫د ‪ -‬القيود الفلسفية‬
‫‪ -2‬النظريات الموضّحة للساليب العملية لممارسة القيود الذاتية‬
‫أ ‪ -‬نظرية تحليل الطار العلمى‬
‫ب ‪ -‬نظرية حارس البوابة العلمية‬
‫جـ ‪ -‬نظرية ترتيب الولويات‬
‫د ‪ -‬التحليل الوظيفى لوسائل العلم خاتمـة الفصـل الرابع‬
‫الفصـل الخامس‬
‫المرجعيات الفلسفية للنظم العلمية الراهنـة‬
‫المبحث الول‪ :‬نظريات النظم العلمية‬
‫أولً‪ :‬تصنيفات نظريات النظم العلمية‬
‫‪ -1‬تصنيف سيبرت وبيترسون وشرام‬
‫‪ -2‬تصنيف لوينشتاين‬
‫‪ -3‬تصنيف ألتشول‬
‫‪ -4‬تصنيف ماكويل‬
‫‪ -5‬تصنيف هاشتين‬
‫‪ -6‬تصنيف جاى بلك وجينيج بريانت‬
‫ثانياً‪ :‬نقد تصنيفات نظريات النظم العلمية‬
‫المبحث الثانى‪ :‬نظرية المسئولية الجتماعية (رؤية نقدية)‬
‫أولً‪ :‬السس الفكرية لنظرية المسئولية الجتماعية‬
‫ثانياً‪ :‬نقد نظرية المسئولية الجتماعية‬
‫‪ -1‬المستوى التاريخى‬
‫‪ -2‬المستوى التنظيمى‬
‫‪ -3‬المستوى التطبيقى‬
‫‪ -4‬المستوى المعرفى‬
‫‪ -5‬المستوى التكنولوجى‬
‫الفصـل السـادس‬
‫الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية الحرة والموجهة‬
‫المبحث الول‪ :‬الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية الحرة‬
‫المبحث الثانى‪ :‬الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية الموجهة‬

‫‪-‬‬

‫‪11‬‬

‫‪-‬‬

‫البـاب الثـالث‬
‫نحو مسئولية إعلمية مناسـبة للنظم العلمية (الوظيفة المعرفية للنظم العلمية)‬
‫الفصـل السابع‬
‫الحرية المطلقة للتعبير وسلطة النظم العلمية ومسئوليتها‬
‫المبحث الول‪ :‬الطار الفكرى لمبدأ الحرية المطلقة للتعبير‬
‫أولً‪ :‬نوع الطار اللزم لحرية التعبير‬
‫ثانياً‪ :‬مدى الطار اللزم لحرية التعبير‬
‫ثالثاً‪ :‬محتوى الطار اللزم لحرية التعبير‬
‫رابعاً‪ :‬التأثير الناتج عن حرية التعبير‬
‫المبحث الثانى‪ :‬البعاد الفكرية لسلطة النظم العلمية ومسئوليتها‬
‫أولً‪ :‬توصيف سلطة النظم العلمية‬
‫‪ -1‬الحقوق العلمية العامة‬
‫‪ -2‬الحقوق العلمية الخاصة‬
‫‪ -3‬الحقوق العلمية المساعدة‬
‫ثانياً‪ :‬توصيف مسئولية النظم العلمية‬
‫‪ -1‬وظائف وسائل العلم للمجتمع‬
‫‪ -2‬وظائف وسائل العلم للفرد‬
‫المبحث الثالث‪ :‬خصائص مفهوم المسئولية المعرفية للنظم العلمية‬
‫أولً‪ :‬مسئولية (مطلقة)‬
‫ثانياً‪ :‬مسئولية (ديمقراطية)‬
‫ثالثاً‪ :‬مسئولية (شعبية)‬
‫رابعاً‪ :‬مسئولية (عالمية)‬
‫خامساً‪ :‬مسئولية (شاملة ‪ -‬عملية ‪ -‬قياسية)‬
‫الفصـل الثامـن‬
‫البعاد العملية للمسئولية المعرفية للنظم العلمية‬
‫المبحث الول‪ :‬بُعـد الطـراف المعـرفيـة (المسئولية المعرفية والرسائل العلمية)‬
‫أولً‪ :‬المسئولية المعرفية والثار الضارة المحتملة للرسائل العلمية‬
‫ثانياً‪ :‬المسئولية المعرفية والمعرفة الكامنة بالرسائل العلمية‬
‫‪ -1‬المسئولية المعرفية والرسائل العلمية الخبارية‬
‫‪ -2‬المسئولية المعرفية والرسائل العلمية الدرامية‬
‫‪ -3‬المسئولية المعرفية والرسائل العلنية‬
‫المبحث الثانى‪ :‬بُعـد الطـراف التكنولوجيــة ( المسئولية المعرفية ووسائل العلم )‬
‫المبحث الثالث‪ :‬بُعـد الطـراف العتباريـة ( المسئولية المعرفية والمؤسسات العلمية )‬

‫‪-‬‬

‫‪12‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحث الرابع‪ :‬بُعـد الطـراف الفاعلـة ( المسئولية المعرفية والقائمين بالتصال وجماهير‬
‫المتلقين )‬
‫أولً‪ :‬القائمون بالتصال ( العلميون )‬
‫ثانياً‪ :‬جماهير المتلقين‬
‫الفصـل التاسـع‬
‫الدوات القياسية لمفهوم المسئولية المعرفية للنظم العلمية (أسـاليب القياس العـلمى)‬
‫المبحث الول‪ :‬أساليب قياس المتغيرات الوظيفية الحاكمة المؤثرة على القدرات المعرفية للنظم‬
‫العلمية‬
‫أولً‪ :‬الحساب التقديرى لدرجة شفافية المجتمع‬
‫‪ -1‬الحساب التقديرى لنسبة القيود التشريعية غير الفاعلة‬
‫‪ -2‬الحساب التقديرى لنسبة القيود العملية غير الفاعلة‬
‫ثانياً‪ :‬الحساب التقديرى لدرجة شفافية المؤسسات العلمية‬
‫ثالثاً‪ :‬الحساب التقديرى للقدرات التكنولوجية للنظم العلمية‬
‫المبحث الثانى‪ :‬مقياس القيمة المادية النسبية للمعلومات العلمية المحظورة بالمؤسسات‬
‫العلمية‬
‫المبحث الثالث‪ :‬مقياس حرية النظم العلمية‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الساليب الحتمالية لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة الثار الضارة‬
‫المحتملة للرسائل العلمية‬
‫أولً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية المن القومى‬
‫والسرار العامة»‬
‫ثانياً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية أخلقيات وقيم‬
‫المجتمع»‬
‫ثالثاً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية طوائف المجتمع»‬
‫رابعاً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية تشريعات‬
‫المجتمع»‬
‫خامساً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية السمعة‬
‫والعتبار»‬
‫سادساً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق حماية الخصوصية‬
‫والسرار الخاصة»‬
‫سابعاً‪ :‬النموذج الحتمالى لتوصيف التدخل العلمى فى مواجهة «حق المحاكمة العادلة»‬
‫الفصـل العاشـر‬
‫نحـو نظـام إعـلمى مسئول معرفيـاً‬
‫المبحث الول‪ :‬المعلومات العلمية والقيود فى النظم العلمية الراهنة (نموذج تخطيطى)‬

‫‪-‬‬

‫‪13‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحث الثانى‪ :‬المعلومات العلميـــة والقيود فى النظم العلميــة المســئولة معرفيــاً‬
‫(نموذج تخطيطى)‬
‫أولً‪ :‬مواصفات النظام العلمى المسئول معرفياً‬
‫ثانياً‪ :‬النشطة العملية للنظام العلمى المسئول معرفياً‬
‫ثالثاً‪ :‬تقييم وتقويم الداء بالنظام العلمى المسئول معرفياً‬
‫الفصـل الحادى عشر‬
‫المسئولية المعرفية وتشكيل الوعى الجتماعى فى النظم العلميـة الراهنـة‬
‫المبحث الول‪ :‬البعاد الفكرية لنظريات تشكيل الوعى الجتماعى‬
‫أولً‪ :‬نظريات التأثير العلمى وتشكيل الوعى الجتماعى‬
‫ثانياً‪ :‬تشكيل الوعى الجتماعى فى ظل أطروحات النظريات النقدية ومدرسة التبعية (تزييف‬
‫الوعى والختراق الثقافى)‬
‫المبحث الثانى‪ :‬المسئولية المعرفية وتشكيل الوعى الجتماعى فى ظل البعاد العلمية للعولمة‬
‫أولً‪ :‬نظريات تشكيل الوعى الجتماعى والنظم العلمية الراهنة (رؤية نقدية)‬
‫ثانياً‪ :‬تشكيل الوعى الجتماعى فى النظم العلمية المسئولة معرفياً‬

‫خاتمــة الدراســـة‬
‫أولً‪ :‬النتائج العامة للدراسة ثانياً‪ :‬النتائج التفصيلية للدراسة‬
‫ثالثاً‪ :‬اختبار الفرض المطروح بالدراسة رابعاً‪ :‬الجابة على تساؤلت الدراسة‬
‫سادساً‪ :‬تعقيب ختامى‬
‫خامساً‪ :‬المصطلحات التى استحدثتها الدراسة‬
‫*******‬

‫‪-‬‬

‫‪14‬‬

‫‪-‬‬

‫مقدمـة‪:‬‬
‫تمثل ظاهرة العولمة القضية المركزية التى تدور حولها فاعليات العصر الراهن‪ ،‬فى‬
‫كا فة المجالت والبعاد وال صعدة‪ ،‬والعا مل المضاف الذى يطرح تأثيرا ته الحال ية والم ستقبلية‬
‫على جميع النشطة النسانية‪.‬‬
‫ولذلك‪ ..‬ف قد احتدم الجدل حول تلك القض ية المركز ية‪ ،‬وذلك العا مل المضاف‪ ،‬انطلقا‬
‫من شمول ية الظاهرة وتطورات ها المباغ تة‪ .‬وين بع الو جه المبا غت للعول مة من خلف ية الت سارع‬
‫التاري خى ب ين التطور المادى والتطور الفكرى للبشر ية‪ .‬ف فى ح ين كان ال سبق للتطور الفكرى‬
‫على التطور المادى فى عصور البشرية الولى‪ ،‬ثم بات الفارق بينهما يقل تدريجيا كلما ارتقت‬
‫النسانية‪ ،‬إل أنه يبدو أن التاريخ يتأهب الن لدورة عكسية‪ ،‬تمنح السبق للتطور المادى على‬
‫التطور الفكرى‪ .‬ولعله سبق غ ير م سبوق لت سارعه المتزا يد والمتعا ظم‪ ،‬إلى ال حد الذى يع طل‬
‫الكثيهر مهن المنظومات الفكريهة الحاليهة‪ ،‬وذلك لعدم قدرتهها على اللحاق بذلك التطور المادى‬
‫الهائل‪.‬‬
‫فالتطور الباهر فى مجالت العلوم الطبيعية التى تتعلق بالجوانب المادية من الوجود‬
‫( الفيزياء ‪ -‬الكيمياء ‪ -‬الجيولوج يا ‪ -‬البيولوج يا )‪ ،‬و ما أ سفر ع نه من تبلور التكنولوج يا‬
‫باعتبار ها الو جه الت طبيقى لتلك العلوم فى ال صناعة والزرا عة لنتاج كا فة احتياجات الن سان‪،‬‬
‫ذلك التطور لم يقابله تطور مماثهل فهى العلوم النسهانية التهى تتعلق بالنسهان ككائن اجتماعهى‬
‫وبكافة أنشطته المجتمعية‪.‬‬
‫لقد طرحت التكنولوجيا على النسان واقعا مجتمعيا ذا بنية تكنولوجية فائقة يتعامل معها‬
‫النسان ببنية فكرية تنتمى إلى الماضى‪ .‬حيث أصبح النسان يعيش فى الحاضر المتقدم بعقل‬
‫ينتمهى إلى الماضهى القهل تقدما‪ .‬المهر الذى أدى إلى قصهور المفاهيهم الفكريهة والفلسهفية عهن‬
‫ملحقة المنجزات المادية والتكنولوجيه‪ ،‬وأسفر عن التباس المفاهيم وغموضها‪ ،‬كأحد أعراض‬
‫تقدم الواقهع بخطوة أو عدة خطوات على الفكهر‪ ،‬وانفصهال تلك المفاهيهم عهن الواقهع‪ ،‬وسهيادة‬
‫تصوراتها وتفسيراتها غير الملئمة لتنفرد بتوجيه وإدارة الحاضر الوليد الجديد‪.‬‬
‫إن الوجهه المباغهت للعولمهة المُلخّصه لحصهيلة التقدم المادى للبشريهة هو الذى جعهل‬
‫الناس يدركون أنههم باتوا يعيشون فهى عالم متغيهر‪ ،‬وسهيتغير عمها كانوا يألفون بخطوات‬
‫متسارعة لم تكن معهودة من قبل‪ ،‬ول تفسرها الطر الفكرية السائدة‪ .‬ومن ثم فقد احتدم الجدل‬
‫حول هذه القض ية المركز ية التى تتعا مل مع ها ب عض الجماعات البشر ية باعتبار ها نات جة عن‬
‫تطور موجهه تقهف وراءه بعهض القوى السهاعية خلف مصهالحها؛ وبالتالى تنظهر لهها هذه‬

‫‪-‬‬

‫‪15‬‬

‫‪-‬‬

‫الجماعات بالكثير من الشك والريبة‪ ،‬وتتمسك بالطر الفكرية السائدة باعتبارها الدرع الواقى‬
‫من تغيرات غير منزهة عن الغرض‪ .‬بينما تتعامل معها جماعات أخرى باعتبارها ناتجة عن‬
‫تطور طبيعى للنسانية؛ وبالتالى تنظر لها بالكثير من التفاؤل‪ ،‬وتبحث عن أطر فكرية جديدة‬
‫تتيح لها التواصل مع الحاضر المفعم بالتغير‪.‬‬
‫وينعكهس هذا التفاوت بيهن التطور المادى والتطور الفكرى للبشريهة على واقهع النظهم‬
‫العلم ية المعا صرة ال تى بلغ تطور ها المادى التكنولو جى م ستويات فائ قة اخت صرت الزمان‬
‫والمكان معا‪ ،‬وبات معهها التصهال بديلً عهن النتقال‪ ،‬بينمها مازال تطورهها الفكرى يخضهع‬
‫لقيود المكان ( سياسيا واقتصاديا وثقافيا )‪ ،‬وارتباطات الزمان ( فلسفيا وأخلقيا )‪.‬‬
‫لقهد أصهبح التطور المادى التكنولوجهى فهى النظهم العلميهة يطرح مفاهيهم الشفافيهة‬
‫والعلنية والنشر‪ ،‬تلك المفاهيم التى تتيح الستثمار المثل لتلك المستحدثات التكنولوجية‪ ،‬بينما‬
‫مازال التطور الفكرى بالنظم العلمية يتمسك بمفاهيم السرية والتعتيم والحظر‪.‬‬
‫ويطرح هذا التصهور‪ ..‬أهميهة المراجعهة التحليليهة لمدى كفاءة النظهم العلميهة فهى‬
‫ممار سة وظيفت ها فى المجت مع فى ظل التأثيرات ال تى تعك سها علي ها ظاهرة العول مة‪ ،‬وذلك‬
‫للتعرف على در جة استجابة النظم العلمية ماديا وفكريا لهذه التأثيرات‪ ،‬ومدى حاجتها لبن ية‬
‫فكرية تتلءم مع التطورات العولمية الراهنة‪.‬‬
‫ولهذا‪ ..‬تتناول الدراسهة الماثلة مشكلة بحثيهة تدور حول تحديهد المتغيرات الوظيفيهة‬
‫الحاكمهة فهى بنيهة النظهم العلميهة‪ ،‬ورصهد الثار التهى تمارسهها عولمهة التصهال على هذه‬
‫المتغيرات‪ ،‬بمها يؤدى إلى توازنهها أو التفاوت فيمها بينهها‪ ،‬وبمها يؤدى إلى التأثيهر بالسهلب‬
‫أو اليجاب على كفاءة النظهم العلميهة فهى ممارسهتها لوظيفتهها فهى المجتمهع ( نوعيا وكيفيا‬
‫وكميا )؛ ومن ثم إبراز أو تقليص الوظيفة المعرفية لتلك النظم فى ظل التأثيرات التى تمارسها‬
‫عولمة التصال‪.‬‬
‫وتحاول الدراسهة القتراب مهن الحهل العلمهى لتلك المشكلة البحثيهة مهن خلل ثلثهة‬
‫خطوات متتابعهة‪ .‬حيهث تقوم الدراسهة أولً‪ ،‬بالتعرض للبعاد الفكريهة والماديهة والمجتمعيهة‬
‫والنسهانية لظاهرة العولمهة‪ ،‬وذلك مهن أجهل تكويهن فههم علمهى واضهح حول جذور وملمهح‬
‫ومنطلقات تلك الظاهرة‪ .‬ثم تقوم الدرا سة ثانيا‪ ،‬بتحد يد المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية‬
‫الن ظم العلم ية من أ جل ر صد الثار ال سلبية أو اليجاب ية؛ المتواز نة أو غ ير المتواز نة ال تى‬
‫تمار سها علي ها عول مة الت صال‪ ،‬ومدى م ساهمة ذلك فى إبراز أو تقل يص الوظي فة المعرف ية‬

‫‪-‬‬

‫‪16‬‬

‫‪-‬‬

‫لتلك النظهم‪ .‬ثهم تقوم الدراسهة ثالثا‪ ،‬بعرض الطار الفكرى والعملى والقياسهى والتخطيطهى‬
‫للوظي فة المعرف ية للن ظم العلم ية فى ظل البعاد العلم ية للعول مة‪ ،‬من خلل تقد يم الخلف ية‬
‫الفكر ية الفل سفية وال ساليب العمل ية والدوات القيا سية والبن ية التخطيط ية ال تى تض من كفاءة‬
‫الن ظم العلم ية فى ممار ستها لوظيفت ها فى المجت مع ( نوعيا وكيفيا وكميا )؛ و من ثم توف ير‬
‫القدرة لتلك النظم على الستثمار المثل للقدرات المتاحة لها فى ظل البعاد العلمية للعولمة‬
‫بدلً من تورطها فى الممارسات السلبية لتشكيل وعى جماهير المتلقين المتمثلة فى ممارسات‬
‫تزييف الوعى والختراق الثقافى‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا المخطط العلمى فى التعامل مع مشكلة الدراسة‪ ،‬فقد تم تقسيم الدراسة‬
‫إلى ثلثة أبواب تضم أحد عشر فصلً تحتوى على اثنين وثلثين مبحثا‪.‬‬
‫الباب الول بعنوان‪ :‬ظاهرة العولمة ( البعاد الفكرية والمادية والمجتمعية والنسانية )‪.‬‬
‫ويسعى هذا الباب من خلل فصوله الثلثة‪ ،‬إلى اختبار مدى صحة الفرض المطروح بالدراسة‬
‫وينص على التى‪:‬‬
‫« تم ثل العول مة المشروع الفكرى والعملى للرأ سمالية العالم ية فى سعيها ن حو ال سيطرة على‬
‫العالم‪ ،‬ح يث تد فع العول مة ن حو تكو ين الكيانات ال كبرى و سحق الكيانات ال صغيرة على كا فة‬
‫المستويات السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية »‪.‬‬
‫ويعرض الفصصل الول مهن هذا الباب للبعاد الفكريهة لظاهرة العولمهة‪ ،‬مهن خلل‬
‫عرض مداخلها التاريخية والمعرفية والفلسفية‪ .‬ويعرض الفصل الثانى للبعاد المادية لظاهرة‬
‫العولمهة من خلل ر صد المظاههر الدالة عليهها والمؤ سسات التهى تعتمهد عليهها فى ممارسهة‬
‫فاعليات ها‪ .‬ويعرض الف صل الثالث للبعاد المجتمع ية لظاهرة العول مة ( ال سياسية والقت صادية‬
‫والثقافية والعلمية)‪ ،‬بالضافة إلى أبعادها النسانية‪.‬‬
‫الباب الثانصى للدراسهة بعنوان‪ :‬القدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة الراهنهة فهى ظهل‬
‫البعاد العلميهة للعولمهة‪ .‬ويسهعى هذا الباب مهن خلل فصهوله الثلثهه إلى الجابهة على‬
‫التساؤلين الول والثانى من تساؤلت الدراسة واللذان ينصان على التى‪:‬‬
‫التساؤل الول‪ :‬ما هو الثر الذى تمارسه عولمة التصال على المتغيرات الكائنة ببنية‬
‫النظم العلمية الراهنة‪ ،‬ومن ثم على وظيفتها بالمجتمع؟‬
‫التساؤل الثانى‪ :‬ما هو الثر الذى تمارسه المرجعيات الفلسفية العلمية التى تتبناها‬
‫النظم العلمية الراهنة‪ ،‬على القدرات المعرفية لتلك النظم؟‬

‫‪-‬‬

‫‪17‬‬

‫‪-‬‬

‫حيهث يعرض الفصصل الرابصع للقدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة الراهنهة‪ ،‬مهن خلل‬
‫تحد يد المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية تلك الن ظم‪ ،‬وال تى تتم ثل فى قدرات ها التكنولوج يا‬
‫ودرجهة شفافيتهها‪ .‬ويضهم الفصصل الخامصس تحليلً نقديا للمرجعيات الفلسهفية للنظهم العلميهة‬
‫الراهنهة‪ .‬ويرصهد الفصصل السصادس الممارسهات العمليهة لتقييهد القدرات المعرفيهة فهى النظهم‬
‫العلمية الحرة والموجهة‪.‬‬
‫الباب الثالث للدراسهة بعنوان‪ :‬نحهو مسهئولية إعلميهة مناسهبة للنظهم العلميهة‬
‫( الوظيفة المعرفية للنظم العلمية )‪ .‬ويسعى هذا الباب من خلل فصوله الخمسة إلى الجابة‬
‫على التساؤلين الثالث والرابع من تساؤلت الدراسة واللذان ينصان على‪:‬‬
‫الت ساؤل الثالث‪ :‬ما هو الطا بع الملئم لتو صيف ثنائ ية ال سلطة والم سئولية فى بن ية‬
‫النظم العلمية‪ ،‬بما يضمن الرتفاع بقدراتها المعرفية؟‬
‫الت ساؤل الرا بع‪ :‬ما هو الدور الذى تمار سه عول مة الت صال‪ ،‬فى مجال قيام الن ظم‬
‫العلمية بتشكيل الوعى الجتماعى لجماهير المتلقين؟‬
‫حيث يعرض الفصل ال سابع للطار الفكرى للحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬والبعاد الفكرية‬
‫لسلطة النظم العلمية ومسئوليتها‪ ،‬وخصائص المسئولية المعرفية ( الوظيفة المعرفية ) للنظم‬
‫العلميهة‪ ،‬بمها يضمهن كفاءة النظهم العلميهة فهى ممارسهتها لوظيفتهها ( نوعيا )‪ .‬ويعرض‬
‫الفصصل الثامصن للبعاد العمليهة للمسهئولية المعرفيهة للنظهم العلميهة‪ ،‬مهن خلل تقديهم نماذج‬
‫مرشدة تتيهح النقهل الوافهى للمعرفهة الكامنهة بالمعلومات العلميهة‪ ،‬بمها يضمهن كفاءة النظهم‬
‫العلم ية فى ممار ستها لوظيفت ها ( كيفيا )‪ .‬ويعرض الف صل التا سع للدوات القيا سية لمفهوم‬
‫الم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية ( أ ساليب القياس العل مى )‪ ،‬تلك ال ساليب الكم ية ال تى‬
‫تساعد على مراقبة درجة التزام النظم العلمية بوظيفتها فى المجتمع‪ ،‬بما يضمن كفاءة تلك‬
‫النظم فى ممارستها لوظيفتها ( كميا )‪ .‬ويضم الفصل العاشر عرضا للنموذج التخطيطى للنظم‬
‫العلمية الراهنة مقارنا بالنموذج التخطيطى المأمول للنظام العلمى المسئول معرفيا‪ ،‬وذلك‬
‫باسهتخدام أسهلوب تحليهل النظهم‪ .‬ويعرض الفصصل الحادى عشصر لممارسهات تشكيهل الوعهى‬
‫الجتما عى فى النظهم العلم ية الراه نة‪ ،‬من خلل عرض البعاد الفكر ية لنظريات تشك يل‬
‫الوعى الجتماعى‪ ،‬وتأثير البعاد العلمية للعولمة على ممارسات النظم العلمية فى مجال‬
‫تشكيل وعى جماهير المتلقين‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪18‬‬

‫‪-‬‬

‫واتساقا مع توجهات الدراسة‪ ،‬فإن الدراسة الماثلة تنتمى فى جانب منها إلى الدراسات‬
‫الو صفية‪ ،‬و فى جا نب آ خر إلى الدرا سات ال ستطلعية‪ .‬ح يث ت سعى الدرا سة الو صفية من‬
‫خلل المعارف التى قدمتها الدراسات السابقة حول ظاهرة العولمة ( فكريا وماديا ومجتمعيا )‬
‫إلى اختبار صهحة الفرض الذى تهم اسهتنباطه مهن تلك الدراسهات حول العولمهة‪ .‬بينمها تسهعى‬
‫الدراسهة السهتطلعية إلى الجابهة على التسهاؤلت المطروحهة بالدراسهة‪ ،‬مهن خلل تصهديها‬
‫لمشكلة بحثية لم تتعرض لها الدراسات السابقة‪ ،‬تتمثل فى التأثير الذى تمارسه عولمة التصال‬
‫على المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية‪ ،‬ودور هذا التأثير فى إبراز الوظيفة‬
‫المعرفية لتلك النظم‪ .‬وانطلقا من توجهات الدراسة فإن المنهج المقارن يصبح هو المنهج الذى‬
‫يت سق مع طبي عة تلك الدرا سة ال تى تقت ضى المقار نة ب ين الن ظم العلم ية الحرة والموج هة‪،‬‬
‫للمقار نة ب ين التأثيرات ال تى أحدثت ها العول مة فى المتغيرات الوظيف ية الحاك مة ببن ية تلك الن ظم‬
‫حرة كانت أم موجهة‪ ،‬والمقارنة بين الممارسات العملية لتلك النظم فى أرض الواقع العلمى‬
‫الراهن‪ .‬ولقد تمثلت الدوات التى تساعد فى التصدى لجوانب هذه الدراسة فى كل من المدخل‬
‫الوظيفى ‪ Functional‬ومدخل النظم ‪ Systems‬باعتبارهما الداة والمرجعية التى ستمثل أساس‬
‫التعامل مع مشكلة الدراسة‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإن ما تطمح إليه الدراسة الراهنة يتمثل فى محاولة تطوير فاعليات النظم‬
‫العلم ية؛ ح تى تتوا كب مع الع صر الرا هن ول تتخلف ع نه‪ ،‬وح تى ت ساهم فى الن قل الوا فى‬
‫للمعرفهة الكامنهة بالمعلومات العلميهة إلى الجماهيهر‪ ،‬ول تتورط فهى ممارسهات التضليهل‬
‫العلمهى وتزييهف الوعهى‪ .‬وحتهى تصهبح مرآة صهادقة تعكهس صهورة المجتمهع ول تُجمّله‬
‫تفاصيلها‪ .‬وبالتالى يمتلك البشر الوعى‪ ،‬ومن ثم القدرة على التطور نحو مجتمع أفضل‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪19‬‬

‫‪-‬‬

‫« تمهيــــد »‬
‫الطـار النظرى والمنهجى للدراســة‬
‫أول ً ‪ :‬اعتبارات نظريــــــــــة‬
‫ثانياً‪:‬‬

‫جهـــــة للدراســـــة‬
‫مو ِّ‬
‫الجراءات المنهجية‬

‫‪-‬‬

‫‪20‬‬

‫‪-‬‬

‫أولً‪ :‬اعتبارات نظريـة موجهـة للدراسـة‪:‬‬

‫(‪ )1‬مشكلة الدراســة‪:‬‬

‫كانت حرية العلم ‪ -‬ول تزال وستزال ‪ -‬الشغل الشاغل لنصار حرية التعبير فى‬

‫الماضهى القريهب والحاضهر المقيهم والمسهتقبل المنظور‪ .‬فمنهذ أن حلّت وسهائل العلم محهل‬
‫الت صال الشخ صى لن قل المعلومات ب ين الجماه ير حول الوقائع والحداث والمجريات والراء‬
‫والفكار فى أى مجت مع‪ ،‬م نذ ذلك الح ين أ صبحت و سائل العلم ركيزة اجتماع ية وجز ًء من‬
‫البن ية التركيب ية لى مجت مع حد يث أو معا صر؛ وبالتالى كا نت م سألة الحفاظ على سيولة تلك‬
‫القنوات التى تمر عبرها المعلومات بمثابة حفاظ على المرآة المجتمعية التى يرى فيها المجتمع‬
‫انعكا سات فاعليا ته‪ ،‬بح يث يمتلك القدرة ‪ -‬من خلل الفاعل ين ف يه ‪ -‬على مراج عة الخطوات‬
‫وتصحيح المسار‪.‬‬
‫ول قد أضا فت التطورات التكنولوج ية المذهلة فى الن صف الثا نى من القرن العشر ين‬
‫سهيولة مضاعفهة إلى تلك القنوات العلميهة‪ ،‬خرجهت بنطاقهها مهن حيهز المحليهة إلى رحاب‬
‫العالميهة‪ ،‬بحيهث أصهبحت المواد العلميهة المختلفهة الجنسهية والمنقولة عهبر البهث الفضائى‬
‫المباشر تتلقى كلها فى شاشة واحدة‪ ،‬سواء أكانت شاشة التلفزيون بقنواته الفضائية الجنبية‬
‫والمحلية‪ ،‬أو كانت شاشة الكومبيوتر بمواقعه العالمية والوطنية عبر شبكة النترنت‪ .‬وأدى هذا‬
‫إلى ف تح الباب وا سعا أمام تجاور الن ظم العلم ية ‪ -‬المتباي نة فى توجهات ها ومدى حريت ها فى‬
‫الت عبير عن مجتمعات ها ‪ -‬أمام أع ين جماه ير المتلق ين والمرا قبين وأن صار حر ية الت عبير‪ ،‬م ما‬
‫أش عل جذوة المقار نة ب ين ن ظم إعلم ية وأخرى‪ ،‬وممار سات إعلم ية وأخرى‪ .‬و ما كان لتلك‬
‫المقارنة أن تأتى أثرها ‪ -‬لدى أنصار حرية التعبير والمنشغلين بعلوم العلم ‪ -‬ما لم تتأسس‬
‫تلك المقارنهة حول تسهاؤلت مشروعهة عهن مدى كفاءة النظهم العلميهة الراهنهة فهى القيام‬
‫بوظائفهها‪ ،‬نوعيا وكيفيا وكميا‪ ،‬بحيهث يصهبح كهل مهن‪ :‬نوع الوظيفهة العلميهة ومضمونهها‬
‫الملئم ودرجهة فاعليتهها‪ ،‬بمثابهة مؤشرات دالة على درجهة كفاءة تلك النظهم العلميهة‬
‫أو قصورها‪ .‬فبعدما امتلكت النظم العلمية التكنولوجيا الفائقة ‪ -‬ولن كل تكنولوجيا وُجدت‬
‫لتُسهتخدم ‪ -‬فإن عدم اسهتثمار التكنولوجيها إعلميا لتسهليط الضوء على الحقائق المجتمعيهة‬
‫محليا‪ ،‬سهيجعل مهن تلك التكنولوجيها أداة للتعميهة والتضليهل على المسهتويات المحليهة‪ ،‬أو أداة‬
‫سهياسية للصهراع بيهن القوى والمصهالح المتنافسهة عالميا‪ .‬المهر الذى يضهع تلك التسهاؤلت‬
‫المشروعهة ‪ -‬حول مدى كفاءة النظهم العلميهة الراهنهة فهى القيام بوظائفهها ‪ -‬فهى قلب‬

‫‪-‬‬

‫‪21‬‬

‫‪-‬‬

‫المشكلت العلم ية ال تى ينب غى إخضاع ها للب حث المتع مق والدرا سة الم ستفيضة‪ ،‬باعتبار ها‬
‫َمعْهلما من معالم الطريق نحو الستثمار المثل للفرص التى تتيحها التكنولوجيا الحديثة‪.‬‬
‫ل كن التعا مل العل مى مع الن ظم العلم ية لتحد يد مدى كفاءت ها فى القيام بوظائف ها‬
‫( نوعيا وكيفيا وكميا ) يبت عد عن دائرة المترادفات ال تى يح فل ب ها ح قل الثقا فة العا مة ع ند‬
‫التعامهل مهع كهل مهن‪ :‬وسهائل العلم والمؤسهسات العلميهة والنظهم العلميهة باعتبارهها‬
‫م سميات متعددة لمدلول وا حد‪ ،‬إذ إن النظام العل مى فى المدلول العل مى يُ عد بمثا بة‪ ..‬كيانا‬
‫إعلميا جامعا للنشطة العلمية‪ ،‬ويعمل هذا الكيان فى ظل نظام سياسى وقانو نى مع ين‪،‬‬
‫وفى ظل مرجعية فلسفية معينة‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا المدلول العل مى‪ ..‬فإن النظام العل مى ‪ -‬طبقا لتو صيف قطاعا ته ‪-‬‬
‫يتكون من ثلثة قطاعات تمثل مجمل النشطة العلمية‪ ..‬على النحو التالى‪:‬‬
‫أ ‪-‬‬

‫قطاع المؤسهسات العلميهة‪ :‬بمها تضمهه هذه المؤسهسات مهن قائميهن بالتصهال‬
‫( العلميين ) وتجهيزات تكنولوجية للنتاج العلمى‪ ،‬وبما تنشره من رسائل إعلمية‪.‬‬

‫ب‪-‬‬

‫قطاع وسائل العلم‪ :‬بما يضمه من وسائل إعلمية مختلفة‪ ،‬باعتبارها القناة التى تقوم‬
‫المؤسسات العلمية من خللها بنشر رسائلها العلمية إلى جماهير المتلقين‪.‬‬

‫ج‪-‬‬

‫قطاع جماهيهر المتلقيهن‪ :‬باعتبارههم الطرف الذى يحوز وسهائل العلم؛ لسهتقبال‬
‫الرسائل العلمية التى تنشرها المؤسسات العلمية‪.‬‬
‫ك ما أن النظام العل مى يتكون ‪ -‬طبقا لتو صيف أطرا فه ‪ -‬من الطراف التال ية على‬

‫النحو التالى‪:‬‬
‫أ ‪-‬‬

‫الطراف الفاعلة‪ :‬وتضهم كلً مهن القائميهن بالتصهال وجماهيهر المتلقيهن‪ ،‬باعتبارهمها‬
‫الطرفين الفاعلين فى العملية العلمية‪.‬‬

‫ب‪-‬‬

‫الطراف المعرفيصة‪ :‬ويمثلهها الرسهائل العلميهة‪ ،‬باعتبارهها حاملة المحتوى المعرفهى‬
‫الكامن بالمعلومات العلمية المنشورة‪.‬‬

‫ج‪-‬‬

‫الطراف العتبارية‪ :‬ويمثلها المؤسسات العلمية‪ ،‬باعتبارها ذات شخصية اعتبارية‬
‫من وجهة النظر القانونية‪.‬‬

‫د ‪-‬‬

‫الطراف التكنولوجيصة‪ :‬ويمثل ها و سائل العلم‪ ،‬باعتبار ها الو سيلة التكنولوج ية ال تى‬
‫يمكن من خللها استقبال الرسائل العلمية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪22‬‬

‫‪-‬‬

‫وتمارس هذه القطاعات أو تلك الطراف دورها باعتبارها « ثوابت بنائية » فى البنية‬
‫التركيبية الستاتيكية للنظام العلمى‪ ،‬بينما تمارس دورها باعتبارها « متغيرات وظيفية » فى‬
‫البنية التركيبية الديناميكية للنظام العلمى أثناء ممارسته لفاعلياته فى المجتمع‪.‬‬
‫وتفسير ذلك‪ ..‬أن كافة النظم العلمية على مستوى العالم تتكون فى بنيتها التركيبية‬
‫الستاتيكية من هذه القطاعات أو الطراف‪ ،‬ولكن درجة فاعلية هذه القطاعات أو الطراف فى‬
‫البنية التركيبية الديناميكية للنظم العلمية أثناء ممارستها لفاعلياتها هى التى تتغير من مجتمع‬
‫إلى آخر‪.‬‬
‫فكافهة النظهم العلميهة فهى كهل المجتمعات تتكون مهن القائميهن بالتصهال وجماهيهر‬
‫المتلق ين والرسائل العلم ية والمؤسسات العلم ية وو سائل العلم‪ ..‬ولكن الذى يختلف من‬
‫مجتمع إلى آخر يتمثل فى كل من‪ :‬درجة فاعلية القائمين بالتصال ( من حيث العدد ومستوى‬
‫التأه يل والتدر يب والمكانات المهن ية )‪ .‬در جة فاعل ية الر سائل العلم ية ( من ح يث ن سبة‬
‫المعرفهة الكامنهة بهها )‪ .‬درجهة فاعليهة المؤسهسات العلميهة ( مهن حيهث العدد والتجهيزات‬
‫التكنولوج ية وكفاءة ما تض مه من قائم ين بالت صال ودر جة شفافيت ها فى ن قل المعر فة الكام نة‬
‫بالرسائل العلمية )‪ .‬درجة فاعلية وسائل العلم ( من حيث نسبة انتشارها فى المجتمع )‪.‬‬
‫درجة فاعلية جماهير المتلقين ( من حيث مستوياتهم الثقافية والقتصادية والفئوية التى تؤثر‬
‫على درجة حيازتهم لوسائل العلم )‪.‬‬
‫وبالتالى فإن كا فة تلك المتغيرات الوظيف ية ‪ -‬ال تى تتغ ير من مجت مع إلى آ خر ‪ -‬هى‬
‫التى تؤثر على مدى كفاءة النظم العلمية فى القيام بوظائفها‪ ،‬نوعيا وكميا وكيفيا‪ .‬طبقا لمدى‬
‫الرتفاع أو النخفاض فى نسب هذه المتغيرات‪.‬‬
‫ولكن ثمة متغيرات بعينها ‪ -‬ضمن هذه المتغيرات الوظيفية ‪ -‬يمكن أن يُطلق عليها‬
‫« المتغيرات الوظيفية الحاكمة » التى تشير درجة التغير فيها إلى التغير فى مجمل المتغيرات‬
‫الخرى‪.‬‬
‫و من ثم فإذا أم كن تحد يد المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى البن ية التركيب ية الديناميك ية‬
‫للنظام العلمى‪ ،‬فإنه سيمكن التعرف على مدى كفاءة النظم العلمية فى ممارستها لوظائفها‬
‫نوعيا وكيفيا وكميا‪ ،‬وفقا لعدد محدود من المتغيرات الوظيف ية الحاك مة ال تى تش ير إلى مج مل‬
‫فاعليات المتغيرات الوظيفية الخرى المتعددة فى بنية تلك النظم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪23‬‬

‫‪-‬‬

‫و فى إطار هذا الف هم للدور الذى تمار سه المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى التأث ير على‬
‫مدى كفاءة النظام العلمى فى ممارسته لوظائفه‪ ،‬تتبلور مشكلة الدراسة التى تتمثل فى أن أى‬
‫نظام ل يكت سب مقومات كفاء ته إل من خلل تطوي عه لمتغيرا ته الوظيف ية الحاك مة إلى ال حد‬
‫الق صى ‪ -‬من خلل تحق يق التوازن في ما بين ها ‪ -‬ب ما يم نع ارتفاع متغ ير ما على المتغيرات‬
‫الخرى؛ إذ إن أى تفاوت بيهن المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة بأى نظام يؤدى إلى عدم توازنهه‬
‫وتدنى كفاءته واختلله وظيفيا‪ ،‬وابتعاده عن الضطلع بوظائفه فى المجتمع‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإذا كا نت المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية النظام العل مى هى ال تى‬
‫تؤثر على مدى كفاءة هذا النظام فى ممارسته لوظائفه فى المجتمع ( نوعيا وكيفيا وكميا)‪ ،‬فإن‬
‫تحد يد هذه المتغيرات الحاك مة‪ ،‬ور صد التأثيرات ال تى تمار سها علي ها عول مة الت صال ‪ -‬ب ما‬
‫يؤدى إلى توازنهها أو التفاوت فيمها بينهها ‪ -‬سهيقدم المؤشرات الموضحهة لمدى التوازن أو‬
‫الختلل الوظي فى فى بن ية النظام العل مى‪ ،‬ودر جة الكفاءة ال تى ي صل إلي ها هذا النظام فى‬
‫ممارسته لوظيفته فى المجتمع‪.‬‬
‫وبناءا عليه‪ ..‬يمكن تلخيص مشكلة الدراسة فى أنها‪:‬‬
‫تحديصد المتغيرات الوظيفيصة الحاكمصة فصى بنيصة النظصم العلميصة‪ ،‬ورصصد الثار التصى‬
‫تمار سها عول مة الت صال على هذه المتغيرات ب ما يؤدى إلى توازن ها أو التفاوت في ما بين ها‪،‬‬
‫وب ما يؤدى إلى التأث ير بال سلب أو اليجاب على كفاءة النظام العل مى فى ممار سته لوظيف ته‬
‫فى المجتمع ( نوعيا وكميا وكيفيا )‪.‬‬

‫(‪ )2‬أبعاد الدراسـة‪:‬‬
‫تنطلق الدراسة الراهنة من عدة أبعاد هى‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البُعد الموضوعى‪ :‬دراسة البعاد الفكرية والمادية والمجتمعية والنسانية لظاهرة العولمة‬
‫من خلل درا سة مداخل ها التاريخ ية والمعرف ية والفل سفية ال تى تم ثل أبعاد ها الفكر ية‪،‬‬
‫ودرا سة مظاهر ها ومؤ سساتها ال تى تم ثل أبعاد ها الماد ية‪ ،‬ودرا سة تأثيرات ها ال سياسية‬
‫والقت صادية والثقاف ية والعلم ية والن سانية ال تى تم ثل أبعاد ها المجتمع ية والن سانية‪.‬‬
‫وتحديهد المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة فهى بنيهة النظهم العلميهة‪ ،‬ورصهد الدور الذى‬
‫تمارسه البعاد المتعددة للعولمة على هذه المتغيرات لتحقيق أو عدم تحقيق التوازن فيما‬
‫بينها؛ ومن ثم رصد مدى كفاءة النظم العلمية فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمع فى‬
‫ظل التحولت العولمية الراهنة‪ .‬ومدى حاجة تلك النظم إلى إعادة توصيف وظيفتها فى‬

‫‪-‬‬

‫‪24‬‬

‫‪-‬‬

‫المجت مع‪ ،‬بح يث تتنا سب هذه الوظي فة مع تلك التحولت‪ ،‬وت ستجيب لطبي عة المتغيرات‬
‫الوظيفية الحاكمة فى بنية هذه النظم‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البُ عد الزما نى‪ :‬هو التوق يت الذى ي تم ف يه إجراء الدرا سة للوقوف على ال صورة الن ية‬
‫لحالة وممارسات النظم العلمية الحرة والموجهة فى ذلك التوقيت‪.‬‬
‫جه ‪ -‬البُعد المكانى‪ :‬ل تهتم الدراسة بالمكان الجغرافى قدر اهتمامها بالمكان من حيث كونه‬
‫المؤثر الذى تلتصق مرجعياته الفلسفية وقيوده المعرفية بالنظم العلمية المنتمية إليه؛‬
‫وبالتالى فإن اهتمام الدراسة بحرية النظم العلمية أو توجيهها‪ ،‬سيدفعها إلى تتبع النظم‬
‫العلمية فى دول الشمال المتقدم ودول الجنوب النامى أو المتخلف‪ ،‬بحيث تقدم صورة‬
‫للممار سات العلم ية العمل ية فى كل من الن ظم العلم ية الحرة أو الموج هة‪ ،‬وت سلط‬
‫الضوء على مدى التوازن بيهن المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة ببنيهة تلك النظهم؛ وبالتالى‬
‫مدى كفاءة هذه النظم فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمع‪.‬‬

‫(‪ )3‬أسباب اختيار الدراسة‪:‬‬
‫أ ‪-‬‬

‫إن العولمة ‪ -‬كظاهرة حديثة التناول فى الدبيات العلمية ‪ -‬تحتاج إلى إلقاء المزيد من‬
‫الضوء على أبعادهها الفكريهة ( التاريخيهة والمعرفيهة والفلسهفية )‪ ،‬وأبعادهها الماديهة‬
‫( مظاهرهها ومؤسهساتها )‪ ،‬وأبعادهها المجتمعيهة ( السهياسية والقتصهادية والثقافيهة‬
‫والعلمية )‪ ،‬وأبعادها النسانية‪.‬‬

‫ب‪-‬‬

‫إن المسهتجدات التهى تطرحهها ظاهرة العولمهة فهى أرض الواقهع الراههن والمسهتقبل‬
‫المنظور‪ ،‬تطرح أهميهة رصهد مدى مواكبهة المفاهيهم التقليديهة الراسهخة فهى أدبيات علم‬
‫العلم لتلك المستجدات‪.‬‬

‫ج ه ‪ -‬إ نه من الهام تحد يد المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية الن ظم العلم ية ودرا سة‬
‫التأثيرات التهى تمارسهها العولمهة على هذه المتغيرات؛ للتعرف على دور هذه التأثيرات‬
‫فهى الرتفاع أو النخفاض بكفاءة هذه النظهم فهى ممارسهتها لوظيفتهها فهى المجتمهع‪،‬‬
‫ودورها فى إبراز مدى ملءمة هذه الوظيفة للتحولت العولمية الراهنة‪.‬‬
‫د ‪ -‬إنه من الهام إعادة فحص المرجعيات الفلسفية التى تستند إليها النظم العلمية الراهنة‬
‫فى ممار ستها لوظيفت ها فى المجت مع؛ وذلك ح تى يم كن التعرف على مدى م سئولية تلك‬
‫المرجعيات الفلسفية عن التطورات السلبية أو اليجابية الطارئة على المتغيرات الوظيفية‬
‫الحاكمة فى بنية تلك النظم فى ظل التحولت العولمية الراهنة والمستقبلية؛ ومن ثم مدى‬

‫‪-‬‬

‫‪25‬‬

‫‪-‬‬

‫الحا جة إلى طرح مرجع ية فل سفية جديدة تت يح للن ظم العلم ية ممار سة وظيفت ها بكفاءة‬
‫كبيرة فى المجتمع‪.‬‬
‫هه ‪ -‬وبالتالى فإنهه يصهبح مهن الهام مراجعهة ثنائيهة السهلطة والمسهئولية فهى بنيهة النظهم‬
‫العلم ية الراه نة ال تى ت ستند إلى المرجعيات الفل سفية العلم ية القائ مة؛ وذلك للتعرف‬
‫على مدى مسئولية هذه الثنائية عن تقييد أو تفعيل المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية‬
‫الن ظم العلم ية‪ ،‬ومدى الحا جة إلى الب حث عن تو صيف جد يد لتلك الثنائ ية فى ظل‬
‫التحولت العولمية الراهنة والمستقبلية‪.‬‬
‫و‪-‬‬

‫إن الممارسات السلبية للنظم العلمية فى مجال تشكيل الوعى تاريخيا‪ .‬تطرح أهمية‬
‫دراسة أثر البعاد العلمية للعولمة على دفع النظم العلمية نحو الممارسات السلبية‬
‫فهى مجال تشكيهل الوعهى التهى تتمثهل فهى تزييهف الوعهى والختراق الثقافهى‪،‬‬
‫أو الممارسهات اليجابيهة التهى تتمثهل فهى النقهل الوافهى للمعرفهة الكامنهة بالمعلومات‬
‫العلم ية إلى جماه ير المتلق ين؛ و من ثم توض يح مدى م سئولية الرتفاع أو النخفاض‬
‫فى ن سب المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية الن ظم العلم ية عن در جة فاعل ية هذه‬
‫الممارسات السلبية أو اليجابية‪.‬‬

‫(‪ )4‬المفاهيم المستخدمة فى الدراسـة‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عولمة التصال‪:‬‬

‫تش ير العول مة فى أب سط تعاريف ها إلى زيادة در جة الرتباط المتبادل ب ين المجتمعات‬

‫النسههانية مههن خلل عمليات انتقال السههلع ورؤوس الموال وتقنيات النتاج والشخاص‬
‫والمعلومات‪ .‬ولقد تحققت هذه الزيادة فى الرتباط نتيجة التطور التكنولوجى الفائق فى وسائل‬
‫النتقال والت صال‪ .‬وبالتالى تش ير « عول مة الت صال » إلى التطورات ال تى أدت إلى اختراق‬
‫العلم والمعلومات والتصهالت للحدود الجغرافيهة والحواجهز التقليديهة‪ ،‬بحيهث اتسهع نطاق‬
‫انتشار الرسهائل العلميهة والمعلوماتيهة والتصهالية مهن المسهتويات المحليهة إلى المسهتويات‬
‫العالمية‪.‬‬

‫ب ‪ -‬النظام العلمى‪:‬‬
‫هو كيان جامع للنشطة العلمية يعمل فى ظل نظام سياسى وقانونى معين‪ ،‬ويتبنى‬
‫مرجعية فلسفية معينة‪ .‬ويتكون النظام العلمى من القطاعات التالية‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫‪26‬‬

‫‪-‬‬

‫‪•0‬قطاع المؤسسات العلمية بما تضمه من قائمين بالتصال وتجهيزات تكنولوجية للنتاج‬
‫العلمى‪ ،‬وبما تنشره من رسائل إعلمية‪.‬‬
‫‪•0‬قطاع وسائل العلم بما تضمه من وسائل العلم المتنوعة المطبوعة واللكترونية‪.‬‬
‫‪•0‬قطاع جماهير المتلقين‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الوظيفة المعرفية للنظم العلمية‪:‬‬
‫تضطلع النظهم العلميهة بمهمهة نقهل المعلومات فهى المجتمهع‪ ،‬إذ إن كافهة المواد‬
‫العلميهة ( إخباريهة أو دراميهة أو برامجيهة‪ ..‬إلخ ) مها ههى إل معلومات‪ .‬ول تقوم النظهم‬
‫العلم ية بن قل المعلومات لذات ها‪ ،‬ول كن للمعر فة الكام نة بتلك المعلومات‪ .‬وبالتالى فإن مه مة‬
‫نقل المعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية هى المهمة المنوطة بالنظم العلمية‪ ،‬بحيث تصبح‬
‫وظيفة هذه النظم ‪ -‬وفقا لهذا المنظور ‪ -‬ما هى إل وظيفة معرفية‪ ،‬انطلقا من مضمون الدور‬
‫الذى تضطلع به تلك النظم فى كافة المجتمعات‪.‬‬

‫د ‪ -‬الثوابت البنائية بالنظم العلمية‪:‬‬

‫ههى القطاعات أو الطراف التهى تتكون منهها كافهة النظهم العلميهة مهمها تعددت‬

‫توجهاتها من حيث الحرية أو التوجيه‪ ،‬وتمارس هذه القطاعات أو الطراف دورها باعتبارها‬
‫وحدات ثابتة فى البنية التركيبية الستاتيكية للنظم العلمية‪.‬‬

‫هص ‪ -‬المتغيرات الوظيفية بالنظم العلمية‪:‬‬
‫هى القطاعات أو الطراف التى تتكون منها النظم العلمية‪ ،‬وذلك أثناء ممارسة تلك‬
‫القطاعات أو الطراف لدورها فى البنية التركيبية الديناميكية للنظام العلمى إبان اضطلعه‬
‫بفاعلياته فى المجتمع؛ وبالتالى فهى تتغير من مجتمع إلى آخر ومن نظام إعلمى إلى آخر‪.‬‬

‫و ‪ -‬المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى النظم العلمية‪:‬‬

‫هى المتغيرات الوظيفية التى تشير درجة التغير فيها إلى مجمل التغير فى المتغيرات‬

‫الوظيفية الخرى‪ ،‬بحيث يمكن لهذه المتغيرات تمثيل المتغيرات الخرى‪ ،‬وتقديم صورة شاملة‬
‫عن مجمل التغيرات فى النظام العلمى‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪27‬‬

‫‪-‬‬

‫ثانيـاً‪ :‬الجـراءات المنهجيـة‪:‬‬

‫(‪ )1‬هـدف الدراســة‪:‬‬

‫تهدف الدراسهة إلى بيان الدور الذى تلعبهه عولمهة التصهال لبراز الطابهع المعرفهى‬

‫لوظي فة الن ظم العلم ية فى المجت مع‪ ،‬ب ما يؤدى إلى الرتفاع بدر جة كفاءت ها فى ممار ستها‬
‫لوظيفتها فى المجتمع ( نوعيا وكيفيا وكميا )‪.‬‬

‫وفهى سهبيل الوصهول إلى هذا الهدف العام‪ ،‬تهدف الدراسهة إلى تحقيهق أهداف فرعيهة‬

‫تؤدى ‪ -‬فهى مجملهها ‪ -‬إلى الوصهول لذلك الهدف العام‪ ،‬مهن خلل عرض البعاد الفكريهة‬

‫والماديهة والمجتمعيهة والنسهانية لظاهرة العولمهة‪ ،‬حتهى يمكهن الحاطهة بجوانبهها وأبعادهها‬

‫العلم ية باعتبار ها ظاهرة حدي ثة التناول فى الدبيات العلم ية‪ .‬ثم العرض لمعالم التطورات‬

‫الحادثهة فهى المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة فهى بنيهة النظهم العلميهة‪ ،‬وبيان مدى مسهئولية‬

‫المرجعيات الفل سفية الراه نة ال تى تتبنا ها تلك الن ظم عن كل من‪ :‬الرتفاع أو النخفاض فى‬
‫ن سب هذه المتغيرات‪ ،‬وم سئوليتها عن ثنائ ية ال سلطة والم سئولية فى بنيت ها‪ ،‬ومدى تلؤم هذه‬

‫الثنائية مع الطابع المعرفى لوظيفة تلك النظم فى المجتمع؛ ومن ثم مدى حاجة النظم العلمية‬
‫الراهنة إلى مرجعية فلسفية مناسبة‪ ،‬وتوصيف جديد لثنائية السلطة والمسئولية فى بنيتها‪ ،‬بما‬
‫يضمن الرتفاع بدرجة كفاءتها فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمع‪.‬‬

‫(‪ )2‬مجتمع الدراسـة‪:‬‬

‫القطاع المجتم عى الذى ته تم به الدرا سة هو الن ظم العلم ية‪ ،‬باعتبار ها نظاما فرعيا‬

‫دا خل المجت مع بو صفه نظاما عاما‪ ،‬وباعتبار ها بن ية ماد ية يحدد مدى كفاءت ها فى ممار ستها‬

‫لوظيفت ها مدى فاعل ية المتغيرات الوظيف ية الحاك مة ب ها‪ ،‬وباعتبار ها مدعو مة بمرجع ية فل سفية‬
‫تمارس سلطتها وتضطلع بمسئوليتها من خللها‪.‬‬

‫ويتهم التعامهل مهع الن ظم العلم ية فهى تلك الدرا سة فهى سياق يرت فع ب ها مهن إطار‬

‫التفا صيل الجزئ ية‪ ،‬بح يث يجرد ها فى أ طر عا مة تت سع لحتوائ ها وفقا لممار ساتها المتراو حة‬

‫بين الحرية أو التوجيه‪ ،‬بحيث يتم توصيف النظم العلمية فى هذه الدراسة وفقا لطابعين‪ :‬نظم‬

‫إعلمية حرة‪ ،‬ونظم إعلمية موجهة‪.‬‬

‫(‪ )3‬فروض وتساؤلت الدراسـة‪:‬‬
‫الفرض المطروح بالدراسة ‪ :‬تمثل العولمة المشروع الفكرى والعملى لقوى الرأسمالية العالمية‬
‫فى سعيها ن حو ال سيطرة على العالم؛ وذلك نظرا لد فع العول مة‬

‫نحهو تكويهن الكيانات الكهبرى وسهحق الكيانات الصهغيرة على‬

‫‪-‬‬

‫‪28‬‬

‫‪-‬‬

‫كافة المستويات السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية‪.‬‬
‫‪‬‬

‫التساؤل الول ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫التساؤل الثانى ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫التساؤل الثالث ‪:‬‬

‫‪‬‬

‫التساؤل الرابع ‪:‬‬

‫ما هو ال ثر الذى تمار سه عول مة الت صال على المتغيرات الوظيف ية‬
‫الحاكمة فى بنية النظم العلمية الراهنه ومن ثم على تفعيل وظيفتها فى‬
‫المجتمع ؟‬
‫ما هو الثر الذى تمارسه المرجعيات الفلسفية العلمية التى تتبناها‬
‫النظهم العلميهة الراهنهة على درجهة كفاءة تلك النظهم فهى ممارسهتها‬
‫لوظيفتها فى المجتمع ؟‬
‫ما هو الطابع الملئم لتوصيف ثنائية السلطة والمسئولية فى بنية النظم‬
‫العلمية‪ ،‬بما يضمن الرتفاع بدرجة كفاءتها فى ممارستها لوظيفتها فى‬
‫المجتمع ؟‬
‫مها ههو الدور الذى تمارسهه عولمهة التصهال فهى مجال قيام النظهم‬
‫العلمية بتشكيل الوعى الجتماعى لجماهير المتلقين ؟‬

‫(‪ )4‬نمـوذج الدراسـة‪:‬‬

‫انطلقا من أهداف الدراسة‪ ،‬فإن الدراسة الراهنة تنتمى فى جانب منها إلى الدراسات‬

‫الوصفية‪ ،‬وفى جانب آخر إلى الدراسات الستطلعية الكشفية∗‪.‬‬
‫ح يث ت سعى الدرا سة الو صفية ‪ -‬من خلل المعارف ال تى قدمت ها الدرا سات ال سابقة حول‬
‫ظاهرة العولمهة ‪ -‬إلى اختبار صهحة الفرض الذى قدمتهه الدراسهة حول ارتباط ظاهرة العولمهة‬
‫بالرأسمالية العالمية فى سعيها للسيطرة على العالم من خلل تكوين الكيانات الكبرى وسحق الكيانات‬
‫الصغيرة‪ .‬وفى سبيل ذلك تعرض الدراسة للبعاد الفكرية ( التاريخية والمعرفية والفلسفية ) لظاهرة‬
‫العولمة‪ ،‬وأبعادها المادية ( المظاهر التى تتسم بها‪ ،‬والمؤسسات التى تتكون منها )‪ ،‬وأبعادها‬
‫المجتمعية ( السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية )‪ ،‬وأبعادها النسانية‪.‬‬
‫بين ما ت سعى الدرا سة ال ستطلعية إلى درا سة مشكلة بحث ية لم تتعرض ل ها الدرا سات‬

‫‪‬‬

‫ال سابقة‪ .‬و هى التأثيرات ال تى تمار سها عول مة الت صال على المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى‬
‫انظر‪ :‬سمير حسين‪ ،‬دراسات فى مناهج البحث العلمى ( بحوث العلم )‪ .‬ص ‪ .123‬حيث يقرر ما نصه‪:‬‬
‫( تتداخل النواع الثلثة للبحوث ‪ -‬الستطلعية والوصفية والسببية ‪ -‬مع بعضها البعض أحيانا‪ ،‬بمعنى أنه ل توجد‬
‫حدود فاصلة بين كل منها‪ ،‬فضلً عن إمكانية استخدامها جميعا فى مختلف مراحل التطور العلمى فى العلوم المختلفة‪ ،‬أو فى‬
‫عمل بحثى واحد )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪29‬‬

‫‪-‬‬

‫بنية النظم العلمية‪ .‬وأثر هذه التأثيرات على إبراز الوظيفة المعرفية للنظم العلمية‪ .‬وفى‬
‫سبيل ذلك تعرض الدرا سة بالتحل يل للمتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية الن ظم العلم ية‬
‫والتطورات التهى طرأت عليهها نتيجهة التأثيرات التهى تمارسهها ظاهرة العولمهة‪ .‬كمها توضهح‬
‫الدراسهة الثهر الذى تمارسهه المرجعيات الفلسهفية العلميهة ‪ -‬التهى تتبناهها النظهم العلميهة‬
‫الراه نة ‪ -‬فى تقي يد أو تفع يل هذه المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية تلك الن ظم‪ .‬وتعرض‬
‫للتو صيف الملئم لثنائ ية ال سلطة والم سئولية فى بن ية تلك الن ظم ب ما يض من الرتفاع بدر جة‬
‫كفاءتها فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمع‪ .‬وتوضح الدور الذى تمارسه عولمة التصال فى‬
‫مجال تشكيل الوعى الجتماعى لجماهير المتلقين‪.‬‬

‫(‪ )5‬منهـج الدراسـة‪:‬‬
‫نظرا لن طبيعة الدراسة تقتضى المقارنة بين النظم العلمية الحرة والنظم العلمية‬
‫الموجهة‪ ،‬فإن المنهج المقارن قد يكون أكثر المناهج ملءمة لهداف الدراسة؛ وذلك للمقارنة‬
‫بين التأثيرات التى أحدثتها العولمة فى المتغيرات الوظيفية الحاكمة ببنية تلك النظم‪ ،‬حرة كانت‬
‫أم موجهة‪ ،‬والمقارنة بين الممارسات العملية لتلك النظم فى أرض الواقع العلمى الراهن‪.‬‬

‫(‪ )6‬أدوات الدراسـة‪:‬‬
‫سيتم ال ستعانة فى الدرا سة ب كل من المدخصل الوظيفصى ‪ Functional‬ومد خل النظصم‬
‫‪ Systems‬باعتبارهمها الداة أو المرجعيهة العلميهة التهى سهتمثل أسهاس التعامهل مهع مشكلة‬
‫الدراسة‪.‬‬
‫حيث ستتم الستفادة من أطروحات « نظرية البنائية الوظيفية » ‪Structural Functionalism‬‬

‫لتحديد المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية؛ ومن ثم توصيف الطابع الملئم‬
‫للوظيفة التى تضمن لتلك النظم القيام بدورها فى المجتمع بكفاءة‪.‬‬
‫كما ستتم ال ستفادة من أطروحات « مفهوم الن ظم » لتحل يل الن ظم العلم ية الراه نة‪،‬‬
‫وتحد يد مدخلت ها‪ ،‬والقيود التى تعترض هذه المدخلت خلل م سارها بتلك الن ظم ح تى تتحول‬
‫إلى مخرجات‪ .‬ثهم عرض نموذج للنظام العلمهى الذى يضمهن تقليهص تلك القيود‪ ،‬ويضمهن‬
‫الرتفاع بحجم المخرجات الناتجة من النظم العلمية‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪30‬‬

‫‪-‬‬

‫البــاب الول‬
‫ظاهـــرة العـولمـــة‬
‫( البعاد الفكرية والمادية والمجتمعية والنسانية )‬

‫محتـويـات البــاب الول‬
‫مقـدمــة البــاب الول‬
‫الفصل‬

‫البعاد الفكرية لظاهرة‬

‫الول‪:‬‬
‫الفصل‬

‫العولمةالمادية لظاهرة‬
‫البعاد‬

‫الثانى‪:‬‬
‫الفصل‬

‫العولمةالمجتمعية والنسانية‬
‫البعاد‬

‫الولالعولمة‬
‫لظاهرة‬
‫الثالث‪:‬‬
‫خـاتمــة البــاب‬

‫الفصـل الول‬
‫البعـاد الفكرية لظاهرة العولمـة‬
‫محتـويـات الفصـل الول‬
‫مقدمـة الفصـل الول‬
‫المبحث مدخل تاريخى‬
‫الول‪ :‬مدخل معـرفى‬
‫المبحث‬
‫الثانى‪ :‬مدخل فلسفـى‬
‫المبحث‬
‫الثالث‪:‬‬
‫الفصـل الول‬
‫خـاتمـة‬

‫‪-‬‬

‫‪37‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬
‫مدخل تاريخى‬
‫إن المسيرة التى قطعتها البشرية بدءا من عصور الصيد الولى‪ ،‬ثم عصور الزراعة‬

‫فع صور ال صناعة‪ ،‬وح تى ع صر ما فوق الت صنيع الحالى ( ع صر المعلومات )‪ ،‬تبدو م سيرة‬
‫جديرة بالتأمل‪ ،‬حيث تبدو الرغبة فى الحاطة بأبعاد العالم رغبة بشرية مستمرة طوال مراحل‬

‫تلك المسيرة‪.‬‬

‫ف قد كان العالم ‪ -‬على مر التار يخ ‪ -‬يتش كل فى الرؤى الن سانية طبقا لن سبية كل من‪:‬‬

‫المدى الرضى المحيط‪ ،‬والفق السماوى المنظور‪ .‬حيث كان ذلك المدى وذاك الفق هما البُعدان‬

‫اللذان استطاعت البشرية الوصول إليهما لتعريف حدود ذلك العالم وتخومه وأطرافه ومنتهاه‪.‬‬

‫ل ( الذى يوضهح اتصهال الرض‬
‫ففهى عصهور الصهيد الولى‪ ..‬كان خهط الفهق أو ً‬

‫بالسماء )‪ ،‬والجبال الشامخة ثانيا‪ ،‬ثم البحار والمحيطات اللنهائية ثالثا ( بحور الظلمات )‪ ،‬هم‬

‫الذيهن يمثلون جميعا الحدود الطبيعيهة لنهايهة ذلك العالم‪ .‬وكان الترحهل الدائم ‪ -‬وراء المناخ‬

‫المناسب والغذاء الموسمى ‪ -‬يقطع الستقرار الذى قد يولّد لدى النسان رؤية تراكمية مركبة‬
‫للحدود ال تى يتطلع إلي ها لب سط النفوذ أو ال سلطة‪ .‬ف قد كان التن قل ضد حيازة الرض‪ ،‬وبالتالى‬
‫كانت الرض حينئذ مسرحا للحداث وليست شريكا فى هذه الحداث‪.‬‬

‫ومهع عصهور الزراعهة‪ ..‬وبدء السهتقرار النسهانى‪ ،‬وارتباط النسهان بالرض‬

‫المزروعة‪ ،‬وظهور فكرة الحيازة لرقعة أرض معينة‪ .‬بدأت الرض تمثل النواة لرؤية توسعية‬

‫لدى النسهان لمتلك المزيهد مهن هذه الرض‪ ،‬إمها بالمتداد الطهبيعى دون منازعهة‪،‬‬

‫أو بال صراع والقتال لحيازة المز يد من ها‪ .‬وحينئذ أ صبح سطح الرض بثروا ته الظاهر ية هو‬

‫المحرك للحداث والنزاعات وهو الدافع لها‪ .‬وهو المحفز للتوق النسانى إلى التملك والنتشار‬

‫والمتداد‪ .‬وبهذا أصبح سطح الرض شريكا فى الحداث‪.‬‬

‫ومع الثورة الصناعية‪ ..‬دخل باطن الرض بثرواته المعدنية المخبوءة حيز الصراع‪.‬‬

‫وأ صبحت قي مة الرض تقاس بموارد ها الباطن ية أيضا ولي ست الظاهر ية ف قط‪ .‬وبالتالى ات سع‬

‫تعريف ما هو مدى للنزاع لدى النسان‪ .‬بحيث لم تصبح الراضى المزروعة فقط هى محور‬
‫هذا النزاع‪ ،‬وإنما كل الراضى سواء أكانت ذات الثروات المنظورة أو المخبؤة‪ .‬وبهذا أصبح‬
‫باطن الرض شريكا فى الحداث‪.‬‬

‫ومع عصر المعلومات الحالى‪ ..‬امتد حيز الفق النسانى إلى ما فوق القشرة الرضية‬

‫‪-‬‬

‫‪38‬‬

‫‪-‬‬

‫من فضاء مح يط يتض من طبقات الغلف الجوى‪ ،‬ونطاق الجاذب ية الرض ية‪ ،‬ومدارات القمار‬

‫الصناعية‪ ،‬ونطاق ترددات الطيف الكهرومغناطيسى الحاملة للتصالت اللسلكية‪.‬‬

‫لقد كانت رقعة الرض المحدودة هى مسرح الحداث بداية‪ ،‬ثم أصبح سطح الرض‬

‫ومهن بعده باطنهها همها المحركان للحداث لحقا‪ ،‬والن أصهبحت الرض كلهها ‪ -‬بسهطحها‬

‫وباطن ها ونطاق جاذبيت ها ‪ -‬هى موضوع الحداث‪ .‬وتحق قت بذلك الرغ بة البشر ية القدي مة فى‬

‫الحاطة بأبعاد العالم‪ .‬بحيث أصبحت تلك الكرة المعلقة فى السماء فى مدار حول الشمس هى‬

‫النطاق المعلوم البعاد لتحركات النسان وخططه وصراعاته وطموحاته‪.‬‬

‫وطالما أصبح العالم موضوعا لكافة النشطة النسانية‪ ،‬فهذه إذن هى الرؤية النسانية‬

‫المكتملة لوحدة الم صير الن سانى على هذا الكو كب‪ ،‬والخطوة العالم ية المتم مة ل ما سبقها من‬

‫خطوات موغلة فى القدم وعدم الكتمال‪ .‬فالرغبة النسانية المستمرة فى الحاطة بأبعاد العالم‪،‬‬

‫والتهى تعهد ‪ -‬بعبارة مختصهرة ‪ -‬ملمحا إنسهانيا تاريخيا للتوجهه نحهو مها يُطلق عليهه اليوم‬

‫« العولمة »‪ ،‬تلك الرغبة ”هى التى نقلت النسان عند نهايات القرن العشرين من استخداماته‬

‫للرض فقط ( مع تطلعاته للسماء )‪ ،‬إلى استخداماته للرض ( مع اختراقه للفضاء ) “(‪.)1‬‬

‫وبهذا المعنى تصبح العولمة ” ظاهرة متميزة ولحظة جديدة فى التاريخ البشرى‪ .‬وهى‬

‫فى ال ساس وليدة ظروف ومعطيات تاريخ ية وحضار ية معا صرة‪ .‬ور غم أن ها لم تبرز فجأة‬

‫ومن دون مقدمات سابقة‪ .‬إل أنه ل يمكن استيعاب العولمة إل كفصل جديد من فصول التاريخ‬

‫له سماته وخصائصه المختلفة كل الختلف عن الفصول الخرى “(‪.)2‬‬

‫وهذا يوضح بأن ” النسانية تواجه الن قفزة كمية نحو المام “(‪ )3‬إذ ” إن عملية التغير‬

‫ل جدا منذ أن صارع الرجال والنساء الوائل من أجل الستفادة‬
‫التكنولوجى اطردت زمنا طوي ً‬

‫من بيئات هم‪ ،‬واكت سبوا المز يد والمز يد من قوة الد فع على مدى آلف ال سنين‪ .‬ول كن قوة الد فع‬

‫هذه تسارعت خلل القرون الثلثة الخيرة على نحو غير مسبوق‪ .‬وترتبت على هذا تحولت‬

‫بعيدة فى ظروف الحياة الجتماعية والنسانية بعامة “(‪.)4‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() سيار الجميل‪ ،‬العولمة والمستقبل ( إستراتيجية تفكير )‪ .‬ط ‪ ،1‬عمان‪ :‬الهلية للنشر والتوزيع‪ .2000 ،‬ص ‪.102‬‬
‫() عبههد الخالق عبههد ال‪ " ،‬العولمههة‪ :‬جذورههها وفروعههها وكيفيههة التعامههل معههها "‪ ،‬مجلة عالم الفكههر‬
‫( عدد خاص بعنوان‪ :‬العولمة ظاهر العصر )‪ ( .‬العدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.57‬‬
‫() آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬ط ‪ ،1‬بنغازى‪ :‬الدار الجماهيرية‪ .1990 ،‬ص ‪.18‬‬

‫() آر‪ .‬إيه‪ .‬بوكانان‪ ،‬اللة قوة وسلطة ( التكنولوجيا والنسان منذ القرن ‪17‬‬
‫سلسلة عالم المعرفة‪ ،‬عدد (‪ ،)259‬الكويت‪ :‬المجلس الوطنى للثقافة والفنون والداب‪ ،‬يوليو ‪ .2000‬ص ‪.7‬‬

‫حتى الوقت الحاضر )‪ .‬ترجمة شوقى جلل‪،‬‬

‫‪-‬‬

‫‪39‬‬

‫‪-‬‬

‫ف فى ح ين ” سادت الزرا عة المجتمعات البشر ية لمدة عشرة آلف سنة‪ .‬واحتا جت هذه‬
‫المجتمعات إلى قرن واحد أو قرنين لتحقق تفوق الصناعة‪ ..‬الن تنفتح أمام المجتمعات البشرية‬
‫أبواب عصر جديد هو عصر ما فوق التصنيع “(‪ .)5‬عصر تتسارع معدلت التطور فيه بشكل لم‬
‫تعرفهه النسهانية مهن قبهل‪ ..‬وبذلك فإن العولمهة تفرض طابعهها على العالم الذى نعيهش فيهه‪،‬‬
‫باعتبارهها السهلوب المثهل للتعامهل مهع العالم المحيهط بنظرة شاملة تسهتلهم كافهة المنجزات‬
‫البشرية‪ .‬وهذا يتضح من أن ” استخدام أى أدوات تحليلية ذات طبيعة موضوعية سوف يُظهر‬
‫بوضوح أن العولمة عملية مستمرة وتيار متدفق يمكن ملحظة تأثيره‪ ،‬ويمكن قياس هذا التأثير‬
‫سواء بشكل أو طريقة كمية أو بشكل وطريقة نوعية وكيفية فى مجالت وجوانب متعددة “(‪.)6‬‬
‫فلقد أصبح ” مشهد العالم يتغير مع الثورة اللكترونية‪ .‬إذ ننتقل من النتاج الثقيل إلى‬
‫النتاج الناعم‪ ،‬ومن العمل اليدوى إلى عمال المعرفة‪ ،‬ومن وسائل النقل التقليدية إلى الوسائل‬
‫المتعددة‪ ،‬ومن الكلمة المطبوعة إلى الصورة المرئية‪ ...‬باختصار‪ :‬إننا ننتقل من زمن الجسم‬
‫والورق إلى زمن الرقم والضوء “(‪.)7‬‬
‫ول عل ” أولى بشائر الثورة التكنولوج ية والمعلومات ية أن طر يق التنم ية لم ي عد يقت ضى‬
‫اجتياز المراحل التاريخية نفسها التى سلكها الغرب؛ أى من المجتمع الزراعى إلى الصناعى‬
‫فالمعلوماتهى‪ ،‬حيهث إن المعلوماتيهة توفهر طريقا مختصهرا للحاق بالتطويهر والسهيطرة على‬
‫المستقبل‪ ،‬وتعد بتحطيم هذه الحلقة‪ ،‬وتمنح خيارا جديدا لمجابهة تحديات التنمية “(‪.)8‬‬
‫فل قد ” أفرزت متغيرات ال سنين الخيرة للقرن العشر ين م صدرا جديدا سوف تكون له‬
‫الغلبة فى قرننا ( الحالى ) الحادى العشرين‪ ،‬أل وهو المعرفة وامتلك المعلومة “(‪.)9‬‬
‫” فالمعرفة البشرية صارت تتضاعف مرة كل عشر سنوات بحيث خلّف العقد الماضى‬
‫معرفة علمية أكثر مما خلفه التاريخ البشرى بأكمله‪ .‬بينما تتضاعف قدرة الكومبيوتر كل ثمانية‬
‫عشهر شهرا‪ .‬وتتضاعهف قدرة النترنهت مرة كهل عام‪ .‬وتتضاعهف سهلسل الهه ‪ DNA‬التهى‬
‫يمكن تحليلها مرة كل عامين ”(‪.)10‬‬

‫‪5‬‬

‫() آلف ين توفلر‪ ،‬صدمة الم ستقبل ( المتغيرات فى عالم ال غد )‪ ،‬ترج مة مح مد على نا صف‪ ،‬ط ‪ ،2‬القاهرة‪ :‬نه ضة م صر‬

‫‪6‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬العولمة ( مقدمة فى فكر واقتصاد وإدارة عصر اللدولة )‪ .‬ص ‪.33‬‬

‫للطباعة والنشر والتوزيع‪ .1990 ،‬ص ‪.15‬‬
‫‪7‬‬

‫() على حرب‪ ،‬حديث النهايات ( فتوحات العولمة ومآزق الهوية )‪ .‬ط ‪ ،1‬بيروت‪ :‬المركز الثقافى العربى‪ .2000 ،‬ص‬
‫‪.139‬‬

‫‪8‬‬

‫() أنطوان بطرس‪ ،‬المعلوماتية على مشارف القرن الحادى والعشرين‪ .‬ط‪ ،1‬بيروت‪ :‬مكتبة لبنان‪ .1987 ،‬ص ‪.143‬‬

‫‪9‬‬

‫() تركى الحمد‪ ،‬الثقافة العربية فى عصر العولمة‪ .‬ط ‪ ،1‬بيروت‪ :‬دار الساقى‪ .1999 ،‬ص ‪.50‬‬

‫‪10‬‬

‫() ميتشيو كاكو‪ ،‬رؤى مستقبلية ( كيف سيغير العلم حياتنا فى القرن الواحد والعشرين )‪ .‬ترجمة سعد الدين خرفان‪ ،‬سلسلة‬
‫عالم المعرفة‪ ،‬عدد (‪ ،)270‬الكويت‪ :‬المجلس الوطنى للثقافة والفنون والداب‪ ،‬يونيو ‪ .2001‬ص ‪.13 - 12‬‬

‫‪-‬‬

‫‪40‬‬

‫‪-‬‬

‫إن العول مة بهذا المل مح ” سلسلة معقدة من العمليات تكت سب قوة دفع ها من خل يط من‬

‫المؤثرات ال سياسية والقت صادية‪ ،‬إن ها تغ ير مظا هر الحياة اليوم ية وب صفة خا صة فى الدول‬

‫المتقد مة‪ .‬و فى الو قت نف سه ف هى تخلق نظما وقوى عبر قوم ية جديدة‪ .‬إن ها أك ثر من مجرد‬

‫خلفية أو انعكسات لسياسات معاصرة‪ .‬وإذا ما نظرنا إليها نظرة كلية‪ ،‬فالعولمة آخذة فى تغيير‬

‫مؤسسات المجتمعات التى نعيش فيها “(‪.)11‬‬

‫وذلك من خلل ” ثلث ثورات متزام نة ومتراب طة تحدث فى الو قت الرا هن‪ .‬الثورة‬

‫ال سياسية وتعنهى النتقال مهن الشمول ية والسهلطوية إلى الديمقراط ية والتعدديهة واحترام حقوق‬

‫الن سان‪ .‬والثورة القيم ية وتع نى النتقال من الق يم الماد ية إلى الق يم ما ب عد الماد ية‪ .‬والثورة‬

‫المعرفية وهى تتركز فى النتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة “(‪.)12‬‬

‫وبالتالى‪ ..‬فنحن ”نشهد اليوم التنصيب السريع للنظم المعقدة التى سوف تصبح بمثابة‬

‫ال سس التكنولوج ية والتجار ية للبن ية التحت ية لبيئة المعلومات الكون ية‪ .‬وهذا الفضاء الت صالى‬
‫التفاعلى الجد يد سوف يُوظّ ف بل شك كأداة قو ية لخد مة القت صاد‪ .‬ولك نه سوف يكون أيضا‬

‫بمثابة مركز للتغيرات الجذرية والبعيدة فى مجتمعاتنا“ (‪.)13‬‬

‫هة‬
‫هه الثالثه‬
‫هن توفلر » فإن ” حضارة الموجه‬
‫هى « آلفيه‬
‫هر المريكه‬
‫ها يقرر المفكه‬
‫وكمه‬

‫( حضارة عصر ما بعد الصناعة ) لن تستطيع أن تعمل بهيكلية الموجه الثانية ( عصر الصناعة ) ‪.‬‬
‫فكما لم يقدر الثوريون الذين أوجدوا العصر الصناعى على ممارسة سلطاتهم عن طريق نظام‬

‫القطاعية المتخلف‪ .‬كذلك تواجه الحضارة الجديدة الحاجة لبتكار أدوات سياسية حديثة‪ .‬وهذه‬
‫هى الرسالة السياسية للموجة الثالثة “(‪.)14‬‬

‫ولقهد قدم « منتدى كوبنهاجهن للتقدم الجتماعهى » المنعقهد عام ‪ 1997‬تفسهيرا هاما‬
‫للتفرقة بين العولمة كمرحلة من مراحل التطور التاريخى النسانى‪ ،‬والعولمة بوصفها مشروعا‬
‫سياسيا يقود القتصاد العالمى فى مرحلة محددة‪” .‬وأطلق المؤتمر على التوجه الول « التجاه‬
‫»‪ ..‬والذى يعنهى التقدم نحهو تضييهق المسهافات الماد ية ب ين الفراد وتنم ية العتماد المتبادل ب ين‬
‫الدول‪ .‬ب ما يم ثل تحركا أ ساسيا لت طبيق الشروط البشر ية الكافلة لن مو العلم والتكنولوج يا‪ .‬ويم ثل‬
‫‪11‬‬

‫() أنطونى جيدنز‪ ،‬الطريق الثالث ( تجديد الديمقراطية الجتماعية )‪ .‬ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف‪ ،‬ط‬

‫‪12‬‬

‫() السهيد ياسهين‪ " ،‬فهى مفهوم العولمهة "‪ .‬فهى أسهامة أميهن الخولى ( محرر )‪ ،‬العرب والعولمهة ( بحوث ومناقشات الندوة‬

‫‪ ،1‬طرابلس‪ :‬دار الرواد‪ .1999 ،‬ص ‪.66 - 65‬‬

‫الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية )‪ .‬ط ‪ ،2‬بيروت‪ :‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ .1998 ،‬ص ‪.25‬‬
‫‪)(Serexhe, Bernhard, Deregulation / Globalisation: The loss of Cultural Diversity? p. 1.‬‬

‫‪13‬‬

‫‪)Available from Internet(.‬‬

‫‪14‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬ط ‪ ،1‬بنغازى‪ :‬الدار الجماهيرية‪ .1990 ،‬ص ‪.433‬‬

‫‪-‬‬

‫‪41‬‬

‫‪-‬‬

‫اتجاها عاما للتغيهر يمكنهه البحار بواسهطة القرار النسهانى‪ .‬أمها التوجهه الثانهى فقهد أطلق عليهه‬
‫المؤت مر « المشروع »‪ ..‬وهو مشروع العولمة الرأ سمالية ( أو الرأسمالية الكونية ) وال تى تتمثل‬
‫فى تطبيق أفكار ومؤسسات اقتصاد السوق على العالم ككل‪ .‬والذى تبنته بنشاط الوليات المتحدة‬
‫المريك ية وعدد آ خر من الحكومات من دول كبيرة و صغيرة‪ ،‬بوا سطة أك ثر المنظمات العالم ية‬
‫قوة‪ ،‬والصفوة المالية والقتصادية فى العالم‪ .‬ووفقا لما نص عليه التقرير‪:‬‬
‫« فإن التمييز بين التوجهين يبدو هاما وذلك لنشاء فضاء للتفكير والفعل النسانى‪ .‬إذ‬
‫إ نه بدون ذلك ستبدو نها ية التار يخ م صاحبة لنها ية ال سياسة المتمثلة فى القت صار على ق طب‬
‫واحهد وشكهل واحهد للمنظمات السهياسية التهى يقتصهر دورهها على خدمهة مصهالح الرأسهمالية‬
‫الكونية‪ ،‬وتترك للحكومات غرفة صغيرة للمناورة» “(‪.)15‬‬
‫ولكن ” إذا كان صحيحا إن العولمة تكشف عن ذروة من ذرا تطور النظام الرأسمالى‬
‫العال مى‪ .‬فث مة اعتقادات أن التار يخ سيتجاوز هذه اللح ظة و سيكشف فى الم ستقبل المنظور أن‬
‫العولمة ‪ -‬بغض النظر عن نشأتها الرأسمالية ‪ -‬ستتجاوز شروط نشأتها لتصبح عملية عالمية‬
‫واسهعة المدى‪ .‬سهتنقل النسهانية كلهها ‪ -‬على اختلف ثراء وفقهر المهم ‪ -‬إلى آفاق عليها مهن‬
‫التطور الفكرى والعلمهى والتكنولوجهى والسهياسى والجتماعهى‪ .‬وبعبارة أخرى سهتحدث آثار‬
‫إيجابية لم تكن متصورة لدى من هندسوا عملية العولمة‪ .‬بل وستتجاوز الثار مخططاتهم التى‬
‫كا نت تهدف للهيم نة وال سيطرة على النظام العال مى‪ .‬و سيثبت التار يخ أ نه لن يتاح لدولة واحدة‬
‫مثل الوليات المتحدة المريكية أو حتى لمجموعة الدول الكبرى‪ ،‬أن تهيمن هيمنة كاملة على‬
‫العالم اقتصهاديا وسهياسيا وتكنولوجيها وعلميا‪ ،‬وإل حكمنها على شعوب الرض جميعا بالعقهم‬
‫وعدم الفاعلية “(‪.)16‬‬

‫‪)(Koshy, Ninan, Political Dimensions of Globalisation. P.1. )Available from Internet(.‬‬
‫‪16‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬الزمن العربى والمستقبل العالمى‪ .‬ط ‪ ،1‬القاهرة‪ :‬دار المستقبل العربى‪ .1998 ،‬ص ‪.74‬‬

‫‪15‬‬

‫‪-‬‬

‫‪42‬‬

‫‪-‬‬

‫‪‬المبحـث الثـانى‬
‫مدخـل معـرفى‬
‫”أشار «قاموس أكسهفورد للكلمات النجليزيهة الجديدة» لمفهوم العولمهة للمرة الولى‬

‫عام ‪ 1991‬واصفا إياه أنه من الكلمات الجديدة التى برزت خلل التسعينات “(‪.)17‬‬

‫” ومفهوم العولمة ‪ -‬من الوجهة النظرية البحت ‪ -‬قد يعنى‪ :‬جعل الشئ على مستوى‬

‫عالمهى‪ .‬أى نقله مهن حيهز « المحدود » إلى آفاق « الل محدود » أى العالم بأسهره‪ .‬ومهن ثهم‬

‫يصهبح إطار الحركهة والتعامهل والتفاعهل والتبادل على اختلف صهوره وأبعاده السهياسية‬
‫والقتصهادية والثقافيهة والتقنيهة‪ ..‬وغيرهها‪ ،‬متجاوزا الحدود الجغرافيهة المعروفهة للدول‪ .‬لكهن‬

‫مفهوم ( العولمهة ) ل يقتصهر على هذا المعنهى وحده‪ ،‬بهل ينصهرف كذلك ‪ -‬حسهب مها تشيهر‬

‫الدبيات المريكية ‪ -‬إلى ما يعنى‪ :‬تعميم الشئ وتوسيع دائرته “(‪.)18‬‬

‫” ويجرى العرف السائد فى الدبيات الغربية على تعريف العولمة أنها‪ ..‬زيادة درجة‬

‫الرتباط المتبادل بيهن المجتمعات النسهانية مهن خلل عمليات انتقال السهلع ورؤوس الموال‬

‫وتقنيات النتاج والشخاص والمعلومات “(‪ .)19‬وبالتالى تع نى العول مة ” جملة عمليات تاريخ ية‬

‫متداخلة تتجسد فى تحريك المعلومات والفكار والموال والشياء وحتى الشخاص بصورة ل‬
‫سهابق لهها مهن السههولة والنيهة والشمول ية والديمومهة‪ .‬إنهها قفزة حضاريهة تتمثهل فهى تعميهم‬

‫التبادلت القتصهادية والجتماعيهة والثقافيهة على نحهو يجعهل العالم واحدا أكثهر مهن أى يوم‬

‫مضى من حيث كونه سوقا للتبادل أو مجالً للتداول أو أفقا للتواصل“ (‪.)20‬‬

‫” وإذا كان علم القتصهاد يُعهد أسهبق فروع العلم الجتماعهى فهى الكشهف عهن مقومات‬

‫وخ صائص ظاهرة العول مة‪ ،‬ور صد تأثيرات ها الن ية والم ستقبلية على شمال العالم وجنو به‪ .‬إل أن‬

‫الدوائر الكاديمية فى مجال علم الجتماع الثقافى والعلمى لم تتوصل بعد إلى تحديد إطار منهجى‬

‫ذى مضمون معرفى واضح يمكن الستناد إليه كإطار مرجعى عند استخدام مصطلح العولمة “(‪.)21‬‬

‫‪17‬‬

‫() عبد الخالق عبد ال‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.50‬‬

‫‪18‬‬

‫() السيد الزيات‪ " ،‬هل تتلشى الدولة فى ظل العولمة؟ "‪ ،‬مجلة تحديات ثقافية‪ ( .‬عدد ‪ ،4‬أبريل‪ /‬يونيو ‪ ،) 2001‬ص ‪.63‬‬

‫‪19‬‬

‫() عمرو محيى الدين‪ " ،‬تعقيب على ورقة السيد ياسين حول‪ :‬مفهوم العولمة "‪ ،‬فى أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬العرب والعولمة‬
‫( بحوث ومناقشات الندوة الفكريههههة التههههى نظمههههها مركههههز دراسههههات الوحدة العربيههههة )‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.29‬‬

‫‪21‬‬

‫() عواطف عبد الرحمن‪ ،‬العلم العربى وقضايا العولمة‪ .‬ط ‪ ،1‬القاهرة‪ :‬العربى للنشر والتوزيع‪ .1999 ،‬ص ‪.12‬‬

‫ط ‪ ،2‬بيروت‪ :‬مركز دراسات الوحدة العربية‪ .1998 ،‬ص ‪.35‬‬

‫‪-‬‬

‫‪43‬‬

‫‪-‬‬

‫” ومهن الطهبيعى أن تختلف التعاريهف لمفهوم العولمهة باختلف أبعادهها وتجلياتهها‬
‫ومؤشرات ها على أرض الوا قع‪ .‬ويت ضح من خلل ر صد الدبيات فى هذا المجال وجود أر بع‬
‫مجموعات كبرى من التعاريف هى‪:‬‬
‫مجموعة تُركّز على البعد القتصادى للعولمة‪ ،‬وهو البُعد الذى يحتوى على مؤشرات‬
‫أ‪-‬‬
‫واتجاهات ومؤسهسات اقتصهادية عالميهة جديدة غيهر معهودة فهى السهابق وتشكهل فهى‬
‫مجملها العولمة القتصادية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مجموعهة تركهز على البعهد الثقافهى‪ ،‬وههو البعهد الذى يشيهر إلى بروز الثقافهة كسهلعة‬
‫عالميهة تُسهـَوق كأى سهلعة تجاريهة أخرى؛ ومهن ثهم بروز وعهى وإدراك ومفاهيهم‬
‫وقناعات ورموز ووسائط ووسائل ثقافية عالمية الطابع‪.‬‬
‫جه ‪ -‬مجموعهة تركهز على البُعهد السهياسى‪ ،‬الذى يشيهر إلى قضايها سهياسية عالميهة جديدة‬
‫مرتبطة أشد الرتباط بالحالة الحادية السائدة حاليا‪.‬‬
‫د ‪ -‬مجموعهة تركهز على البعهد الجتماعهى‪ ،‬الذى يلحهظ بروز المجتمهع المدنهى العالمهى‬
‫وبروز قضايا إنسانية مشتركة تُشكّل فى مجملها العولمة الجتماعية “(‪.)22‬‬
‫ومن هذا المنطلق‪ ..‬هناك عدة مستويات للتعامل مع العولمة‪ .‬فثمة مستوى للتعامل مع‬
‫العولمهة باعتبارهها ” أيدلوجيهة أو إطار فكرى يقوم على فكرة انتصهار الحضارة الغربيهة‪،‬‬
‫ويدّ عى تدش ين مرحلة جديدة فى التار يخ البشرى أو التأ سيس لحضارة إن سانية جديدة‪ .‬وي ستند‬
‫فهى هذه الدعاوى على مجموعهة مهن الطهر اليدلوجيهة كالليبراليهة الجديدة أو اتجاه مها بعهد‬
‫الحدا ثة أو مرحلة ما ب عد التنم ية أو ما ب عد المبريال ية‪ .‬وت سنده نظريات تف سيرية م ثل نظر ية‬
‫التحديث والتلقى ونظرية عبر القومية ونظرية القرية العالمية “(‪.)23‬‬
‫ولكن التحليل المتع مق يوضح أنه ل يم كن ” اعتبار العول مة أيدلوجية معينة أو مذهبا‬
‫سياسيا أو معتقدا فكريا‪ ،‬إذ تخبر نا تجليات ها النظر ية وتطبيقات ها المتنو عة أن ها ظاهرة تاريخ ية‬
‫كبرى‪ .‬ك ما هو الحال بالن سبة لظوا هر تاريخ ية عديدة‪ :‬كال ستكشافات الجغراف ية أو الثورات‬
‫التكنولوج ية‪ ...‬ل ها أنماط متعددة الوجوه ومنا هج متنو عة الحقول “(‪ ”.)24‬فاليدلوج يا تتعارض‬
‫مهع العولمهة كظاهرة جديدة‪ .‬والعولمهة فهى الحقيقهة نظام عالمهى جديهد له أدواتهه ووسهائله‬
‫وعنا صره وميكانزما ته‪ ،‬ومنجزات ها ح صيلة تاريخ ية لع صر تنو عت ف يه تلك التطورات ال تى‬
‫ازدحم بها التاريخ الحديث للنسان “(‪.)25‬‬
‫‪22‬‬

‫() ع بد الخالق ع بد ال‪ " ،‬مناقشات حول ور قة ال سيد ياسهين عن‪ :‬مفهوم العول مة "‪ ،‬فى أ سامة أم ين الخولى ( محرر )‪،‬‬
‫مرجع سابق‪ .‬ص ‪.53 - 52‬‬

‫‪23‬‬

‫() صلح سالم زرنو قة‪ " ،‬مخا طر الب عد الثقا فى خارج ال سيطرة والفرص صعبة "‪ .‬جريدة الهرام بتار يخ ‪ ،27/9/2000‬صفحة‬
‫الحوار القومى‪ ،‬ملف ( العرب والعولمة‪ :‬تقليص المخاطر وتعظيم الفرص )‪ .‬ص ‪.32‬‬

‫‪24‬‬

‫() سيار الجميل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.85‬‬

‫‪25‬‬

‫() سيار الجميل‪ " ،‬تعقيب على ورقة السيد ياسين حول‪ :‬مفهوم العولمة "‪ ،‬فى أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص‬
‫‪.38‬‬

‫‪-‬‬

‫‪44‬‬

‫‪-‬‬

‫وث مة م ستوى ثان للتعا مل مع العول مة ” كظاهرة‪ ..‬بمع نى مجمو عة من الجراءات‬

‫والسهياسات والممارسهات المقصهودة والصهادرة عهن القوى الكهبرى فهى العالم ( خصهوصا‬

‫الوليات المتحدة المريكية ) والتى تحاول بشكل واع ومتعمد تحديد مضمون العولمة وفرض‬

‫شروط ها على كل التجمعات وبش كل يخدم م صالحها؛ و من ثم ف قد أ صبحت العول مة فى هذا‬

‫المستوى تعنى التدخل فى الشئون الداخلية من الناحية السياسية‪ ،‬والتحكم فى عمليات الصلح‬

‫القتصادى من الناحية القتصادية‪ ،‬والختراق العلمى والثقافى من الناحية الثقافية “(‪.)26‬‬

‫ولعل السباب التى تجعل هذا التجاه يجد صداه لدى بعض الوساط الفكرية‪ ،‬تتمثل فى‬

‫أن ” العولمههة ‪ -‬كظاهرة مازالت غيههر واضحههة المعالم ل مههن حيههث تحديههد المفهوم (‬
‫‪ ) Conceptually‬ول من حيث اختبارها على أرض الواقع ( ‪ - ) Empirically‬كل ما يمكن أن‬

‫يُقال عن ها أن ها تُعبّر عن ديناميك ية جديدة تبرز دا خل دائرة العلقات الدول ية‪ ،‬من خلل تحق يق‬

‫درجة عالية من الكثافة والسرعة فى عملية انتشار المعلومات والمكتسبات العلمية والتقنية‪ .‬وعلى‬
‫مها يبدو‪ ،‬ففهى إطار هذه الديناميكيهة ( الجديدة ) يتزايهد دور العامهل الخارجهى فهى تحديهد مصهير‬

‫الطراف الوطنية المكوّنة لهذه الدائرة المندمجة؛ وبالتالى لتوابعها ( أو‪ :‬هوامشها ) ”(‪.)27‬‬

‫و من ه نا‪ ،‬فإن تزا يد دور العالم الخار جى ل ي جب تف سيره كنوع من الهيم نة‪ ..‬والتحل يل‬

‫العل مى يث بت أن “ هيم نة الوليات المتحدة لن ت ستمر ب سبب مشاكل ها الداخل ية من ناح ية‪ ،‬ولتو قع‬

‫ظهور قوى جديدة من ناحية أخرى‪ .‬وسيبقى ( إذن ) للوليات المتحدة مركز « مهم » ل « مهيمن‬
‫» ”(‪.)28‬‬

‫أما المستوى الثالث للتعامل مع العولمة‪ ،‬فهو الذى يتعامل معها باعتبارها ” عملية‪..‬‬

‫بمع نى أن ها مرحلة تاريخ ية أو بمثا بة تطور نو عى جد يد فى التار يخ الن سانى‪ .‬وبالتالى ف هى‬

‫محصهلة تطور تاريخهى تراكمهى له جذوره التهى تحدّث عنهها الكثيرون والتهى حاول البعهض‬
‫وضعهها فهى شكهل حلقات متتاليهة‪ .‬وههى بذلك تجسهيد لمجموعهة مهن التطورات العلميهة‬

‫والقتصادية التى تجعل منها امتدادا لتجاهات سبق أن تحددت‪ .‬وهى بهذا المعنى تخرج عن‬

‫إمكان ية التح كم في ها‪ .‬بح يث تبدو م ستقلة تماما كقوى علم ية وتكنولوج ية واقت صادية عن إرادة‬
‫الدول ال كبرى‪ ،‬وبالتالى ظهور قوى جديدة تتح كم فى التجاهات العالم ية ( الشركات الدول ية‪،‬‬
‫المؤسسات المالية الدولية‪ ،‬أسواق المال العالمية‪ ،‬مافيات العنف والجريمة‪ ) ..‬وظهور شبكات‬

‫مهن التفاعهل ل تعرف الحدود ول تعترف بسهيادة الدولة‪ .‬وظهور أنسهاق عالميهة جديدة‬
‫‪26‬‬

‫() صلح سالم زرنوقة‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.32‬‬

‫‪27‬‬

‫() حسههين معلوم‪ " ،‬التسههوية فههى زمههن العولمههة‪ :‬التداعيات المسههتقبلية لخيار العرب السههتراتيجى "‪ ،‬فههى‬
‫عبد الباسط عبد المعطى ( محرر )‪ ،‬العولمة والتحولت المجتمعية فى الوطن العربى ( ندوة مهداة إلى سمير أمين )‪ .‬مركز البحوث‬

‫‪28‬‬

‫() أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.11‬‬

‫العربية ( الجمعية العربية لعلم الجتماع )‪ ،‬القاهرة‪ :‬مكتبة مدبولى‪ .1999 ،‬ص ‪.112‬‬

‫‪-‬‬

‫‪45‬‬

‫‪-‬‬

‫( ن سق سياسى عال مى‪ ،‬ن سق اقت صادى عال مى‪ ،‬وآ خر إعل مى وكذلك ع سكرى ) ثم تع نى‬
‫ظهور قضايا عالمية جديدة “(‪.)29‬‬

‫‪ ..‬ولكن أيا كانت مستويات التعامل مع العولمة التى يؤدى تعددها إلى التباس المفهوم‪،‬‬

‫إل أنه من الهام الشارة إلى أن ” العولمة فى مفهومها الضمنى ومدلولها الصطلحى ليست هى‬

‫ل بعالم ية الديان∗ ‪ -‬أى د ين ‪ -‬كال سلم‬
‫العالم ية ب حد ذات ها ‪ -‬إذ ل يمكن نا ألب ته أن نقرن ها مث ً‬
‫الذى جاء إلى العالم كله‪ .‬أو بعالميهة بعهض المذاههب السهياسية والقتصهادية كالشتراكيهة التهى‬

‫جاءت لتعلن على لسهان كارل ماركهس « يها عمال العالم اتحدوا »‪ .‬وذلك لن « العالميهة »‬

‫مصهطلحا ومضمونا ارتبطهت بالرض والنسهان‪ ،‬أمها « العولمهة » مصهطلحا ومضمونا فقهد‬
‫ارتبطت بالكونية وأنظمة النسان المتنوعة سواء مع الرض أم فى الفضاء “(‪.)30‬‬

‫و من ن فس المنطلق‪ ،‬فإن ” العول مة لي ست هى «الدول ية»‪ .‬لن ها لي ست مجرد علقات‬

‫وطيدة بيهن المهم‪ .‬ولكنهها تتعلق بعمليات انبثاق المجتمهع المدنهى العالمهى والذى يتخلل حدود‬
‫المهم‪ .‬فالدول التهى تواجهه مخاطهر وأخطارا بدلً مهن أعداء ل تحتاج إلى رؤيهة العالم فهى‬

‫مصطلحات النظرية الواقعية‪ ،‬حيث تصبح الواقعية مصطلحا خطأ؛ وذلك لن العتقادات التى‬

‫تشير إليها قديمة ومهجورة “(‪.)31‬‬

‫ول عل كل هذا التبا ين فى الم ستويات المعرف ية المتعددة للتعا مل مع العول مة‪ ،‬يو ضح أن‬

‫العولمة ” شأنها شأن كل التحديات المصيرية ‪ -‬تجمع بين التهديدات والفرص ‪ -‬وهى بهذا ليست‬

‫كلها شرا بالضرورة‪ .‬وعلينا أن نمعن النظر‪ ..‬فيما يمكن أن تأتى به من فرص ومزايا“(‪.)32‬‬

‫إذ إنه ” ل يمكن اختزال العولمة فى المخاطر دون الفرص أو فى الفرص دون المخاطر‪.‬‬

‫ول يمكن تجاهل إيجابيات العولمة الواضحة كل الوضوح‪ .‬كما ل يمكن استبعاد سلبياتها البارزة‬

‫كل البروز‪ .‬كذلك ل يمكن التغافل عن المستجدات الحياتيه والفكرية المعاصرة‪ ،‬والعتقاد أن العالم‬

‫لم يتغير وبالتالى الستمرار بالقوالب الحياتية والفكرية السابقة نفسها‪ ،‬والتى ربما ل تناسب الفصل‬
‫الجد يد من التار يخ‪ ،‬ورب ما تو حى بالمواج هة وافتعال المعارك غ ير الضرور ية مع العول مة‪ .‬لذا‬
‫‪29‬‬

‫() صلح سالم زرنوقة‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.32‬‬

‫∗‬

‫انظر‪ :‬محمد أحمد بيومى‪ ،‬علم الجتماع الدينى‪ .‬ط ‪ ،2‬السكندرية‪ :‬دار المعرفة الجامعية‪ ،1985 ،‬ص ‪ .44‬حيث‬
‫يقرر مها نصهه‪ « :‬توصهل النثروبولوجيون الذيهن حاولوا دراسهة المجتمعات البدائيهة فهى أفريقيها وآسهيا إلى ملحظتيهن‬
‫أ ساسيتين ه ما‪ :‬أولً‪ ،‬وجود ش كل من أشكال الد ين فى كل مكان‪ ،‬ثانيا‪ ،‬التنوع المذ هل فى أشكال ال سلوك الدي نى‪ .‬بمع نى‬
‫آخر‪ ،‬لوحظ الدين على أنه منتشر ومتنوع فى كل مكان »‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪30‬‬

‫() سيار الجم يل‪ ،‬العول مة والم ستقبل ( إ ستراتيجية تفك ير )‪ .‬ط ‪ ،1‬عمان‪ :‬الهل ية للن شر والتوز يع‪ .2000 ،‬ص ‪- 85‬‬
‫‪.86‬‬

‫‪31‬‬

‫() أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.188‬‬

‫‪32‬‬

‫() أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.8‬‬

‫‪-‬‬

‫‪46‬‬

‫‪-‬‬

‫ي صبح من المهم تشخيص العولمة تشخي صا متوازنا بكل ما لها وما عليها‪ ،‬ودون اتخاذ موا قف‬

‫عاطفية وعقائدية مسبقة‪ ،‬أو إطلق أحكام قيمية وأخلقية جاهزة تعبّر عن افتراضات وقناعات هى‬

‫أقرب إلى الوهام البعيدة كل الب عد عن حقي قة ما يجرى فى العالم من تحولت حضار ية عمي قة‪.‬‬

‫وبالتالى فالمطلوب فهم العولمة وليس افتعال المعارك معها “(‪.)33‬‬

‫ح يث إن هناك اتجاهات فكر ية معي نة تتعا مل مع العول مة باعتبار ها مؤامرة‪ ،‬وذلك مثل ما‬

‫” توصف العولمة من قبل الشتراكيين والراديكاليين بأنها خدعة إمبريالية من صنع الوليات المتحدة‬

‫المريكية للتدخل فى الشئون الداخلية للحصون الشتراكية أو القلع القومية أو القيم الوطنية‪ .‬أو كما‬

‫توصف من قبل الصوليين والوطنيين‪ ..‬والتراثيين والخصوصيين بأنها إمبريالية ثقافية تسعى إلى‬
‫تهجين العالم وتجريده من خصوصياته‪ ،‬وفرض النموذج الثقافى الغربى على شعوب الرض قاطبة‪.‬‬

‫وبالتالى فالكونية المستقبلية التى تسعى العولمة إليها ما هى ‪ -‬فى نظرهم ‪ -‬إل كونية استعمارية‬

‫كاذبة‪ .‬ل تحترم النسان ول تحافظ على جذوره وحضارته وموارده وتجاربه وثقافاته “ (‪ .)34‬وبالتالى‬

‫يصبح النعزال عن العولمة هو النتيجة الكيدة لمثل هذا الطرح‪.‬‬

‫ول شك أن ” الن سلخ الكا مل والعزلة الكاملة عن عمليات العول مة الجار ية ‪ -‬على‬

‫نحو ما يشير « سمير أمين » وبعض منظرى مدرسة التبعية فى السابق ‪ -‬أصبح نوعا من‬

‫( الفانتازيا )‪ .‬يقود أحيانا إلى « التخلف المستقل » وليس إلى « التنمية المستقلة »“(‪.)35‬‬

‫وذلك باعتبار أن ” التناقهض الذى تفرزه ظاهرة العولمهة مهن جههة وسهرعة التحولت‬

‫من جهة أخرى‪ ،‬تجعل النماذج الفكرية المدرسية القديمة عاجزة عن فهمها وتحليلها والتنظير‬

‫لهها‪ ..‬وبالتالى فل مناص مهن تجديهد المناههج وتغييهر أسهاليب المقاربات ونبهذ عقليهة « الفكهر‬
‫الواحد » و« الفكر الواحد المضاد »‪ .‬والفادة من الجوانب اليجابية مثل‪ :‬كونية مبادئ حقوق‬

‫النسهان‪ ،‬والعتراف بالخهر‪ .‬واحترام الخصهوصيات الثقافيهة‪ ،‬والتصهدى للنظهم السهتبدادية‪.‬‬

‫ومقاومهة الجوانهب السهلبية مثهل‪ :‬محاولت السهيطرة وإملء الشروط على الشعوب الضعيفهة‪،‬‬

‫وتحالف سماسرة أمم ية رأس المال مع منظمات الماف يا وتجار المخدرات‪ .‬ول يم كن أن تن جح‬
‫هذه المقاومة إل من خلل العمل السياسى والنضال الجتماعى “(‪.)36‬‬
‫‪‬‬

‫‪33‬‬

‫() عبد الخالق عبد ال‪ " ،‬العولمة‪ :‬جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها "‪ ،‬مجلة عالم الفكر‬
‫(عدد خاص بعنوان‪ :‬العولمة ظاهرة العصر)‪ ( .‬العدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ .) 1999‬ص ‪.43‬‬

‫‪34‬‬

‫() سههيار الجميههل‪ " ،‬تعقيههب على ورقههة السههيد ياسههين حول‪ :‬مفهوم العولمههة "‪ ،‬فههى أسههامة أميههن الخولى‬
‫( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.41‬‬

‫‪35‬‬

‫() محمود عبد الفضيل‪ " ،‬مناقشات حول ورقة إسماعيل صبرى عبد ال عن‪ :‬العولمة والقتصاد والتنمية العربية‪ ..‬العرب‬
‫والكوكبة "‪ ،‬فى أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.401‬‬

‫‪36‬‬

‫() الحبيب الجنحانى‪ " ،‬ظاهرة العولمة‪ :‬الواقع والفاق "‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.12 - 11‬‬

‫‪-‬‬

‫‪47‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثالـث‬
‫مدخـل فلسـفى‬
‫يم ثل ق صور المفاه يم الفكر ية عن ملح قة المنجزات الماد ية والتقن ية معلما من معالم‬

‫العصر الراهن‪ .‬حيث أدى التطور المادى الهائل والمتسارع إلى الكشف عن فجوات فى هياكل‬

‫التطور الفكرى للبشريهة‪ .‬ففهى حيهن كان السهبق للتطور الفكرى على التطور المادى فهى‬
‫الع صور ال سابقة‪ .‬إل أن الع صر الحالى ‪ -‬ع صر المعلومات والمعر فة ‪ -‬تجاوز ف يه التطور‬

‫المادى التكنولو جى الكث ير من ال طر الفكر ية ال تى لم ت ستطع تطو ير مضمون ها ليتلءم مع‬
‫الوضاع الراهنة‪ ،‬أو على القل يتمكن من تفسيرها‪.‬‬

‫مهن هذا المنطلق تبدو العولمهة كظاهرة تاريخيهة كهبرى بمثابهة تجاوز للمشروع الفكرى‬

‫« للحداثة » و« ما بعد الحداثة » معا‪ ،‬وإن كانت بل شك هى ”أقرب إلى مرحلة ما بعد الحداثة‪...‬‬

‫التى برزت فى السبعينات والثمانينات وكان هدفها محاولة استيعاب اللحظة الحضارية والفكرية التى‬
‫تم تأسيسها منذ عصر التنوير ومنذ بروز الحضارة الغربية‪ .‬والعمل على تجاوزها من خلل إجراء‬

‫مراج عة نقد ية ل سجل هذه الحضارة‪ ،‬وإ سقاط م سلماتها والتأ سيس لحضارة جديدة وو عى حضارى‬
‫جديد أساسه التنوع الحضارى ونسبية المعرفة واحترام الفروقات ورفض التأطير “(‪.)37‬‬

‫وكانهت الحداثهة قهد أسهست “ لمشروع متكامهل يتضمهن رؤيهة متكاملة للعالم تبنتهها‬

‫الطبقات الرأسمالية ال صاعدة‪ .‬و هو يقوم على عدة أركان‪ :‬الفرد ية‪ ،‬والعقلن ية‪ ،‬والعتماد على‬

‫العلم والتكنولوجيا‪ ،‬وتبنى نظرة خطية عن التقدم النسانى ”(‪.)38‬‬

‫ولكهن أنصهار « مها بعهد الحداثهة » رأوا أن كافهة هذه الركان ل تصهمد أمام النقهد‪،‬‬

‫هوفيتى‬
‫هق السه‬
‫هة على النسه‬
‫هى غمار مجتمعات شموليه‬
‫هة “ أدت إلى ضياع الفرد فه‬
‫فالفرديه‬

‫أو مجتمعات جماهير ية على الن سق المري كى‪ .‬والعقلن ية العلم ية أدت ‪ -‬ح ين تجاهلت البعاد‬
‫النسانية ‪ -‬إلى سلبيات ل حدود لها‪ .‬أما العلم الذى أسئ استغلله والتكنولوجيا التى انطلقت‬

‫فى كل اتجاه بغير قيم أخلقية تحكمها‪ ،‬فقد أدت إلى اضطرابات سياسية واجتماعية وثقافية ل‬

‫حدود لها‪ .‬ويبقى وهم التقدم النسانى الصاعد للتاريخ‪ ،‬والذى بددته بغير شك حروب ومآسى‬
‫وكوارث القرن العشرين ”(‪.)39‬‬

‫اقتب سه ع بد الخالق ع بد ال‪ ،‬فى " العول مة‪)(Lyotard, J., The Postmodern Condition Minneapolis, 1984:‬‬
‫‪.‬جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها "‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪59‬‬
‫‪38‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬الزمن العربى والمستقبل العالمى‪ .‬ط ‪ ،1‬القاهرة‪ :‬دار المستقبل العربى‪ .1998 ،‬ص ‪.265‬‬

‫‪39‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.265‬‬

‫‪37‬‬

‫‪-‬‬

‫‪48‬‬

‫‪-‬‬

‫ويوضح الفيلسوف الفرنسى « فرانسوا ليوتار » فى كتابه « الوضع ما بعد الحداثى »‬

‫أن ”البشر ية مرت بمرا حل ثلث‪ ..‬الولى‪ :‬المرحلة القبائل ية وكا نت المعر فة في ها تن بع من‬

‫الخرافة والسطورة‪ ،‬والنقل من السلف إلى الخلف‪ .‬ثم المرحلة الثانية‪ :‬حالة المجتمع الحداثى‬

‫الذى يستمد مشروعية معارفه من اليدلوجيات السياسية والنظريات الفلسفية التى تقوم الدولة‬

‫بفرضها بواسطة المؤسسات التعليمية والعلمية تبريرا لسلطتها‪ .‬أما المرحلة الثالثة‪ :‬ما بعد‬

‫الحدا ثة ‪ Post Modernism‬ف هى مرحلة العلم الذى ل غش ف يه‪ ،‬إذ ي ستمد العلم مشروعي ته‬
‫من المعلومات المت سارعة المتدف قة عبر أجهزة الك مبيوتر وآليات النظ مة ال سوبرتكنولوجى‪.‬‬

‫وتلك المشروعية ل يتحكم فيها أى شئ على الطلق‪ .‬إنما هى متحررة من كل قيد بمنهاج‬
‫براجما تى » نف عى » متمرد على ال سلطة وعلى اليدلوجيات فى آن وا حد‪ .‬وبالتالى لم ت جد‬
‫التكنولوجيا كبير عناء فى إسقاط اليدلوجيات‪ ،‬بل وإسقاط مشروعية المعرفة التقليدية ”(‪.)40‬‬

‫هذه المراحل الثلث “ تؤلف ما يمكن تسميته ثالوث القدامة والحداثة وما بعد الحداثه‪.‬‬

‫أو بصيغة أحدث‪ :‬ثالوث الصولية والعالمية والعولمة ”(‪.)41‬‬

‫ولهذا يؤكهد ليوتار أنهه إذا كانهت “ مجتمعاتنها تتجهه صهوب عصهر مها بعهد الصهناعة‬

‫‪ Post-industrial age‬فإن ثقافتنا تتجه صوب عصر ما بعد الحداثة ” ‪.)42(Post-modern age‬‬
‫لقد كانت الحداثة ‪ -‬إذن ‪ -‬هى فلسفة «العالمية»‪ ،‬بينما تتقدم « ما بعد الحداثة » لتصير‬

‫هى فل سفة « العول مة »‪ “ .‬فالعالم ية هى ع صر المطلقات‪ .‬المطلق العل مى الذى أ سس ل صياغة‬

‫المطلقات الجتماعيهة‪ ،‬والحتميات العلميهة التهى أسهست لحتميات التغيهر الجتماعهى بواسهطة‬

‫الصراع أو الثورة‪ .......‬وبالتالى كان جوهر التغير الذى حصل من العالمية إلى العولمة‪ ،‬تغيّرا‬
‫من المطلقات إلى الممكنات أو الحتمالت المفتوحة‪ .....‬فالنتقال من نيوتن إلى أينشتاين‪ ،‬ومن‬

‫الحتم ية إلى الن سبية‪ .‬والنتقال من القليد ية إلى اللإقليد ية‪ ..‬ل بد من أن تواك به نظرات أخرى‬
‫للحياة ورؤى للعالم مختل فة‪ .‬ف فى عالم يح مل إمكانات كثيرة ل وجود ل صراع ذى ش كل وا حد‬

‫أو اتجاه واحد أو هدف واحد‪ .‬وهذا يحيل المجتمع إلى أفراد متنافسين‪ ،‬مختلفين‪ ،‬ومتفقين‪ .‬فتنتفى‬
‫قدرة الفكار على التأثير وقدرة النظريات الكلية على تقديم البدائل”(‪.)43‬‬

‫‪40‬‬

‫() مهدى بندق‪ " ،‬ليت كلينتون وبوش يعودان "‪ ،‬مجلة تحديات ثقافية‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.9 - 8‬‬

‫‪41‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.11‬‬

‫‪)(Mattelart, Armand & Mattelart, Michele, Theories Of Communication )A Short‬‬

‫‪42‬‬

‫‪Introduction(.Translated by susan Gruenheck Taponier & James A. Cohen, London:‬‬
‫‪SAGE Publications Ltd, 1998. P. 143.‬‬
‫‪43‬‬

‫() فهي مة شرف الد ين‪ " ،‬تعق يب على ور قة الجابرى وبلقز يز حول‪ :‬العول مة فى الطار العر بى "‪ ،‬فى أ سامة أم ين الخولى‬
‫( محرر )‪ .‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.322 - 321‬‬

‫‪-‬‬

‫‪49‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى فإن “ الحتميهة كمها سهقطت فهى العلم‪ ،‬سهقطت أيضا فهى مجال الممارسهة‬

‫الجتماع ية والف عل التاري خى‪ .‬فل يس هناك حتميات تقود شعوبا بأكمل ها إلى م صير مظلم‪ .‬لن‬

‫معنهى ذلك ‪ -‬كمها تقرر فلسهفة مها بعهد الحداثهة ‪ -‬اللغاء المطلق للرادة النسهانية‪ ،‬وإغلق‬
‫أبواب المل أمام التقدم ”(‪.)44‬‬

‫إن “ ما ب عد الحدا ثة تد عو إلى الن ساق الفكر ية المفتو حة‪ ،‬وتكره التعميمات‪ ،‬وتر كز‬

‫على الجزئى‪ ،‬وتهتم بالمجتمعات المحلية‪ ،‬وتغ ير طري قة صنع القرار‪ ،‬وتف تح الباب لمشاركات‬
‫إنسانية أوسع ”(‪.)45‬‬

‫وهذا يوضهح “ أن الحضارة الجديدة تتحدى بعمقهها الثورى كهل الفرضيات وأسهاليب‬

‫التفكير والمعادلت واليدلوجيات القديمة التى لم تعد تناسب الحقائق الجديدة بغض النظر عن‬

‫فعاليتها فى الماضى ”(‪.)46‬‬

‫وبالتالى “ لم ت عد ت فى بقراءة العالم وتدبر مشكل ته عقلن ية ديكارت أو ليبرال ية فولت ير‬

‫أو تنويرية كانط أو تقدمية ماركس أو استراتيجيات كلوزفيتز أو اقتصاديات كينز أو ديمقراطية‬
‫ل عن قومية القوميين وإسلمية السلميين وماركسية الماركسيين‪ ..‬المر‬
‫تشرشل وديجول‪ ،‬فض ً‬
‫يحتاج إلى شبكة جديدة من المفاهيم أو إلى أنظمة مختلفة من المعايير ”(‪.)47‬‬

‫إن العول مة بوجه ها الفكرى الفل سفى المتم ثل فى « ما ب عد الحدا ثة » تنطلق من وا قع‬

‫مادى يح مل الكث ير من التغيرات والتحولت غير الم سبوقة‪ .‬وا قع انت صر ف يه “ الزمان الفعلى‬

‫الذى يجرى بسرعة الضوء‪ ،‬على المكان التقليدى الممتد بأبعاده الثلثة‪ .‬حتى الن كان التاريخ‬

‫يجرى فى أمكنة محلية تشغلها الدول والوطان‪ ،‬أو فى أزمنة جزئية تمثلها التراثات والثقافات‬
‫الخاصهة بالشعوب والمهم التهى تغطهى الرض‪ .‬أمها الن فإن تاريهخ العالم يجرى وفقا لزمهن‬
‫واحد ووحيد هو زمن عالمى يوصف بأنه فورى ومباشر ومشهدى‪ .‬إنه زمن عابر للحدود بين‬
‫القارات والمجتمعات واللغات عبر شبكات التصال الفورى ”(‪.)48‬‬

‫ففهى الماضهى‪ ..‬مثل “تعارف الجميهع على أن المهم تتحهد معا إذا توافرت مسهاحة‬

‫متصلة من الرض تنطوى على قيمة اقتصادية‪ ،‬ولغة تساعد السكان الصليين على التصال‬
‫معا‪ ،‬وثقا فة وتار يخ مشترك وديا نة تن بع من ماضي هم المشترك فى ب عض الحيان‪ .‬ول كن هذه‬

‫‪44‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬الزمن العربى والمستقبل العالمى‪ .‬ط ‪ ،1‬القاهرة‪ :‬دار المستقبل العربى‪ .1998 ،‬ص ‪.84‬‬

‫‪45‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.84‬‬

‫‪46‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬ط ‪ ،1‬بنغازى‪ :‬الدار الجماهيرية‪ .1990 ،‬ص ‪.10‬‬

‫‪47‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.52‬‬

‫‪48‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.97‬‬

‫‪-‬‬

‫‪50‬‬

‫‪-‬‬

‫القوى كلها تفقد محليتها المادية الن‪ ..‬مما يقلل الحاجة إلى دولة تقليدية تتواجد محليا وماديا‪.‬‬

‫وهكذا ف قد ل نتحدث أبدا رب ما ب عد ذلك عن ال مة باعتبار ها دولة ( أو مجمو عة دول ) وإن ما‬

‫باعتبار ها الشب كة ال تى تر بط المنتم ين إلى تلك ال مة فى ش تى أرجاء العالم ”(‪ .)49‬ل قد أ صبح‬
‫العالم شبكة “والشبكة تبدو كبرج بابل يثرثر بمئات اللسنة ”(‪.)50‬‬

‫لقد حلت إذن الشبكات محل الدول‪ ..‬بحيث أصبحنا “نحيا الن بين ثلثة عوالم‪ .‬الول‬

‫ههو عالم الفكار‪ ،‬والثانهى ههو العالم الفيزيائى ( المادى )‪ ،‬والثالث ههو العالم الفتراضهى الذى‬

‫تخلقه تقنيات التصال‪ .‬المر الذى يضعنا أمام تصنيف مغاير للعوالم تتغير معه سياسة الحقيقة‬

‫وإدارة الواقع‪ .‬فمنذ أفلطون حتى هيجل كانت معرفة الحقيقة هى التطابق مع ما هو واقع‪......‬‬

‫أما الن فإن الحاكم والناظم هو عالم الشباح الضوئية من المنتجات اللكترونية غير الملموسة‪.‬‬

‫ومع نى ذلك أن الحقي قة هى لي ست ما نعر فه‪ ،‬بل ما نختل قه من الوقائع أو ما ن صطنعه من‬
‫العوالم‪ ....‬وتلك هى المفارقه‪ :‬لم تعد الشباح ظلل الحقيقة‪ ،‬بل ما نصنع به الحقائق ”(‪.)51‬‬

‫إذ إن “ أعدادا متزايدة من المنتجات سيمكنها أن تت خذ ش كل ( البتات ) بدلً من ش كل‬

‫السلع المصنعة ”(‪ ،)52‬كما أن تكنولوجيا ( الواقع الفتراضى ) “ ستخلق نوعا جديدا من العلم‬

‫يُد عى ( العلم ال سبرانى ) الذى يعطي نا القدرة على محاكاة أنظ مة فيزيائ ية معقدة م ثل‪ :‬الثقوب‬
‫السوداء والنجوم المتفجرة والمناخ وسطوح الطائرات النفاثة السرع من الصوت ”(‪.)53‬‬

‫وبالتالى فإن هذا “ الضغهط للمكان والتسهريع ليقاع الزمهن سهيجعل البشريهة تقترب‬

‫من درجة الصفر فى المسافات الزمنية؛ مما يجعل كل العالم حاضر فى كل العالم فى لحظة‬

‫واحدة ”(‪ ...)54‬النترنت مثال لذلك‪.‬‬

‫هز الحضارى‬
‫هموبوليتية » ذات المركه‬
‫هة « الكوسه‬
‫هن “المدينه‬
‫هم النتقال مه‬
‫وبهذا يته‬

‫والتجارى‪ .‬وحيث النقل يتم من المركز نحو الهوامش والطراف‪ ،‬إلى مدينة من نوع جديد هى‬
‫المدي نة « الومنوبوليت ية » مدي نة الحضور والع مل من بُ عد‪ ،‬عبر الشبكات وطرقات العلم‬
‫السريعة التى تتيح الرؤية الفائقة بالسرعة القصوى من خلل التعامل مع المعطيات الرمزية‬

‫‪49‬‬

‫() مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪ ( 345‬بتصرف )‪.‬‬

‫‪)(Wesemann, Arnd, Slaves of the Cyber - Market )An Interview with Geert Lovink(.‬‬

‫‪50‬‬

‫‪P.1. )Available from Internet(.‬‬

‫‪51‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.173‬‬

‫‪52‬‬

‫() ب يل جي تس‪ ،‬المعلومات ية ب عد النتر نت ( طر يق الم ستقبل )‪ .‬ترج مة ع بد ال سلم رضوان‪ ،‬سلسلة عالم المعر فة‪ ،‬عدد (‬

‫‪53‬‬

‫() ميتشيو كاكو‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.57‬‬

‫‪54‬‬

‫() زكى العائدى‪ ،‬الزمان العالمى‪ .‬اقتبسه سيار الجميل‪ ،‬العولمة والمستقبل ( إستراتيجية تفكير )‪ .‬ط ‪ ،1‬عمان‪ :‬الهلية للنشر‬

‫‪ ،)231‬الكويت‪ :‬المجلس الوطنى للثقافة والفنون والداب‪ ،‬مارس ‪ .1998‬ص ‪.397‬‬

‫والتوزيع‪ .2000 ،‬ص ‪.43‬‬

‫‪-‬‬

‫‪51‬‬

‫‪-‬‬

‫وشبه المادية‪ .‬هذه المدينة تفقد مركزيتها‪ ..‬فمركزها يوجد فى كل مكان بقدر ما ل يوجد فى‬

‫أى مكان‪ .‬إ نه مر كز فائق تتحول م عه المدن والعوا صم بهند ستها التقليد ية إلى مجرد دوائر أو‬
‫ضواح‪ ،‬من جراء الت صالت الفور ية العابرة للحدود ب ين الوطان والقارات أو ب ين الهويات‬

‫والثقافات ”(‪.)55‬‬

‫ول كن على الجا نب ال خر فث مة رؤى واتجاهات ترى أن « الحدا ثة » كمشروع فكرى‬

‫فل سفى لم َتمُ تْ‪ .‬وأن “الحدا ثة هى المشروع اللمتنا هى الذى مُ نح أ سس را سخة جديدة ب عد‬
‫قرون من سوء الستعمال ”(‪.)56‬‬

‫حيهث ترى تلك التجاهات أن هناك “ حاجهة إلى منظور نقدى جديهد يتعامهل مهع‬

‫العولمهة بوصهفها الصهيغة الخيرة فهى المناقشات القديمهة حول الحداثهة والرأسهمالية ”(‪.)57‬‬
‫وذلك على اعتبار أن “ ما ب عد الحدا ثة هى فى وا قع ال مر الطار المعر فى الكا من للنظام‬

‫العالمى الجديد‪ .‬فهى رؤية تنكر المركز والمرجعية‪ ،‬وترفض أن تعطى للتاريخ أى معنى‬

‫وللنسان أية قيمة أو مركزية أو إطلق‪ .‬وتُسقط كل اليدلوجيات ( عصر ما بعد اليدلوجيات ) ‪.‬‬

‫وتن كر التار يخ ( ع صر نها ية التار يخ )‪ .‬وتن كر الن سان ( ع صر ما ب عد الن سان )‪ .‬فعالم‬
‫حسهب هذه الرؤيهة يفتقهر إلى المركهز‪ ،‬فكهل المور ماديهة‪ ،‬وكهل المور متسهاوية‪ ،‬وكهل‬
‫المور نسبية‪ ،‬فهو عالم فى حالة سيولة كاملة‪ ...‬وكما يقول « فريدريك جيمسون » الناقد‬

‫المري كى المارك سى‪ :‬إن روح ما ب عد الحدا ثة تعبّر عن روح رأ سمالية ع صر الشركات‬

‫المتعددة القوميات‪ .‬حيههث قام رأس المال (هذا الشههئ المجرد المتحرك الذى ل يكترث‬

‫بالحدود أو الزمان أو المكان) بإلغاء كهل الخصهوصيات‪ ،‬كمها ألغهى الذات المتماسهكة التهى‬

‫يتحهد فيهها التاريهخ والعمهق والذاتيهة‪ ،‬وحلت القيمهة التبادليهة العامهة محهل القيمهة الصهلية‬
‫للشياء ”( ‪.)58‬‬

‫وبالتالى ”إذا كانت قيم العقل والتنوير والحرية والليبرالية قد ازدهرت فى بداية نشأة‬

‫النظام الرأسمالى‪ .‬فإن هذه المرحلة من حياة هذا النظام أخذت تُبرز فلسفة جديدة تسعى لهدار‬
‫هذه القيهم‪ ،‬وإشاعهة اللعقلنيهة والرؤى الجزئيهة المتشظيهة ودحهض المبادئ والنسهقة الكليهة‬

‫المعرفية والتاريخية والعلمية واليدلوجية والقيمية باسم ما بعد الحداثة‪ ،‬مستغلة فى ذلك الطابع‬
‫‪55‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.161‬‬

‫‪)(Mosterng, Kenneth, )Modernity, Post modernity, Social Marginality(. P.1. )Available‬‬

‫‪from Internet(.‬‬
‫‪)(Lloyd, Christopher, “ Globalization: Beyond the ultra-modernist narrative to a critical‬‬
‫‪realist perspective on geopolitics in the cyber age ”. In International Journal of urban and‬‬
‫‪regional Research,. vol. 24 )No. 16 - June 2000(, p. 258. )Available from Internet(.‬‬

‫‪58‬‬

‫‪56‬‬

‫‪57‬‬

‫() ع بد الوهاب الم سيرى‪ " ،‬فى نها ية التار يخ و صراع الحضارات "‪ ،‬فى فخرى لب يب ( محرر )‪ ،‬صراع الحضارات أم‬
‫هراع الحضارات أم حوار الثقافات‪ ،‬القاهرة ‪ 12 - 10‬مارس‬
‫هر الدولى حول صه‬
‫حوار الثقافات (أوراق ومداخلت المؤتمه‬
‫‪ .)1997‬ص ‪.104‬‬

‫‪-‬‬

‫‪52‬‬

‫‪-‬‬

‫الشمولى المطلق الجامهد المتعصهب فهى ممارسهات بعهض المبادئ واليدلوجيات والتوجهات‬

‫الدائيهة والميكانيكيهة والسهتخدامات العدوانيهة والقمعيهة للعقلنيهة وللعلم نفسهه فهى كثيهر مهن‬

‫التجارب ال سياسية والجتماع ية والفكر ية طوال هذا القرن“(‪ ” .)59‬ف قد انتهزت تيارات ما ب عد‬
‫الحداثة هذه الحقائق لصالحها ‪ -‬مثل عجز الفكر الماركسى عن مواكبة العصر وسقوطه ذلك‬

‫السقوط المدوى ‪ -‬بأن عكست الوضع‪ ،‬وبدلً من الحديث عن القتصاد أصبح الحديث كله عن‬

‫الثقافهة وعهن الفكهر كأنهها أشياء ل علقهة لهها بالقتصهاد أو الجتماع‪ ،‬بالعلقات النتاجيهة‬

‫أو تقسهيم العمهل‪ ،‬بالطبقات أو وضهع المرأة فهى المجتمهع‪ .‬حيهث حولت التيارات الفكريهة‬
‫للرأ سمالية المعا صرة ال صراعات إلى معارك مف صولة عن الطار المادى الذى تتحرك ف يه‬

‫سعَت لتحويل الناس إلى م ستهلكين فى سوق ال سلع العال مى‪،‬‬
‫أو تتجاوزه أحيانا لتغيّ ر ف يه‪ ...‬و َ‬
‫وإلى مستهلكين للفكار والصور ولفلم المتعة والترفيه“(‪.)60‬‬

‫وبالتالى يؤدى هذا ‪ -‬مهن وجههة نظهر منتقدى مها بعهد الحداثهة ‪ -‬إلى سهيادة حضارة‬

‫جديدة ” حضارة الفردانيهة التهى تطيهح بنواة المجتمهع النوويهة ( العائلة )‪ ،‬وتطيهح بالتضامهن‬

‫الجماعى على قاعدة روحية ثقافية ( التراحم )‪ ،‬وتطيح بالتواصل الحميمى بين ( الشخاص )‬

‫لت حل محله ( الت صال ) ب ين أفراد‪ .‬وأ ساس هذا كله فى القت صاد الجتما عى وال سياسى هو‬

‫تسهييد دورة ( رأس المال ) فوق الجميهع‪ ،‬دورة النقود والسهلع والنقود‪ ..‬مرة أخرى‪ ،‬ومعهها‬

‫تسييد « القوة »‪ ،‬قوة الرأسمال ودولته أو دولة القوى بين الجميع “(‪ .)61‬وهذا سيؤدى إلى أنه‬

‫” بدلً مهن الماركسهية ( ماركسهيزم ) ظهرت السهوقية ( ماركتزم ) نسهبة إلى السهوق‪ ،‬وهذه‬

‫ال سوقية وهيمنت ها على العالم بأ سره بشماله وجنو به وشر قه وغر به‪ ....‬ستؤدى إلى أن العالم‬
‫سيحكمه إيقاع ثلثى‪ :‬المصنع ( حيث ينتج النسان ) ‪ -‬والسوق ( حيث يستبضع ) ‪ -‬وأماكن‬

‫الترفيه ( حيث يفرغ ما فيه من طاقة وتوترات وعقد وأبعاد )‪ .....‬وحينما يسيطر هذا اليقاع‬
‫الثلثهى على العالم بأسهره يظههر النظام العالمهى الجديهد وأيدلوجيات نهايهة التاريهخ ومها بعهد‬

‫الحداثة “(‪ .)62‬حيث ” الحياة الدنيوية القيمة الولى بل منازع‪ .‬فعندما ل يعود المرء يجد الخلود‬

‫أمامه‪ .‬تغدو الحياة نضال قَلِقا ضد الز من‪ .‬وبطبي عة الحال يغدو الز من الدنيوى ل نهائيا‪ ،‬غير‬

‫أن هذه اللنهائية ل تقوم إل بفتح مجال ل نهائى أمام قلق النسان الحديث “(‪.)63‬‬
‫‪59‬‬

‫() محمود أم ين العالم‪ ،‬حضارة وا حد وثقافات متعددة (مقار بة نظر ية عا مة)‪ .‬فى فخرى لب يب( محرر )‪ ،‬المر جع ال سابق‪،‬‬
‫ص ‪.84‬‬

‫‪60‬‬

‫هب‬
‫هى فخرى لبيه‬
‫هة)‪ .‬فه‬
‫هد الحداثه‬
‫ها بعه‬
‫هر مه‬
‫هن ل تقربوا الدولر (فكه‬
‫هارعوا أو تحاوروا ولكه‬
‫هة‪ ،‬تصه‬
‫هف حتاته‬
‫() شريه‬
‫( محرر )‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.222 - 221‬‬

‫‪61‬‬

‫() مح مد ع بد الشف يع‪ " ،‬هيروشيما تتذ كر الهو ية "‪ ،‬مجلة الع صور الجديدة (عدد خاص‪ :‬أمريكا‪ ..‬رو ما الجديدة‪ ..‬إمبريال ية‬
‫الفضيلة)‪ ( .‬عدد ‪ ،13‬من سبتمبر ‪ ،) 2000‬ص ‪.102‬‬

‫‪62‬‬

‫() عبد الوهاب المسيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.94‬‬

‫‪63‬‬

‫() سههيرج لتوش‪ ،‬تغريههب العالم ( بحههث حول دللة ومغزى وحدود تنميههط العالم )‪ .‬ترجمههة خليههل كلفههت‪،‬‬

‫‪-‬‬

‫‪53‬‬

‫‪-‬‬

‫‪ ..‬وفهى الغالب‪ ..‬فإن دعاوى منتقدى تيار مها بعهد الحداثهة ل تجهد صهداها إل لدى‬

‫” أصهحاب المشاريهع اليدلوجيهة الذيهن يقرأون العولمهة قراءة نضاليهة مثاليهة طوباويهة مهن خلل‬

‫تهويمات الهوية وأطياف العدالة‪ .‬وهؤلء يدخلون على العولمة بمواقف مسبقة كما نجد لدى الكثيرين‬
‫من المثقفين العرب والفرنسيين بنوع خاص ممن تفاجئهم الحداث والتحولت‪ .‬مع هذا الفريق تُقرأ‬

‫الظاهرة الكونيهة والطفرة الحضاريهة بتعابيهر السهتتباع الحضارى والغزو الثقافهى‪ ،‬أو الرأسهمالية‬
‫الجديدة أو الهيمنة المريكية‪ ...‬أو موت الثقافة بفعل تسليع الفكار والجساد والشياء “ (‪.)64‬‬

‫وتقرر النظرة الموضوعية أن ” القراءة اليدلوجية هى قراءة وحيدة الجانب تقوم على‬

‫التبسيط والختزال‪ ،‬وذلك حيث تُقرأ العولمة بتعابير التمركز والهيمنة‪ ،‬أو السوق والسلعة‪ ،‬أو‬

‫الستعمار والرأسمالية‪ ،‬أو الختراق والغتصاب‪ ،‬أو الغزو والكتساح “(‪.)65‬‬

‫وبالتالى فإن الدعاء بأن ” الموا كب الحدي ثة ل تزال بحا جة لقار عى الطبول القدا مى ”(‪،)66‬‬

‫هو إدعاء غ ير صحيح‪ ،‬وذلك لن التعا مل اليدلو جى مع العول مة سيؤدى إلى عدم اللتفات إلى‬

‫سلبياتها الساسية التى تتمثل ‪ -‬فى رأى البعض ‪ -‬فى المخاطر التى ستترتب على غياب البُعد‬

‫الرو حى عن العالم الذى تد عو إل يه العول مة‪ ،‬ح يث إن ”انح سار المحتوى الرو حى العم يق لدى‬

‫الشعوب الثرية يعنى أن رسالتهم الرئيسية للشعوب الفقيرة والجماهير الناشطة سياسيا حديثا‪ ،‬إنما‬

‫هى لثارة الرغ بة لدي هم صوب المحاكاة الماد ية‪ ،‬ال تى هى وبب ساطة صعبة المنال لغلب العالم‬

‫المحروم‪ .‬وعل يه غدت ر سالة المحاكاة الماد ية و من غ ير ق صد العا مل المح فز لنوع من الح سد‬
‫المحبط الذى يمكن للمتطرفين الدهماويين المناورة به‪ ،‬والنتيجة هى أزمة روح عالمية “(‪.)67‬‬

‫ويُذكّر هذا بالخطأ الفاحش الذى وقعت فيه الشيوعية عندما ” اعتمدت فى نجاحها على‬

‫الداء المادى تماما بعد أن رفضت القيم الروحية الثابتة‪ ...‬وهنا لم تستطع النجاة لنها أخطأت‬
‫فى الح كم على طبي عة الن سان الخل قة‪ ،‬وتحديدا طبي عة الن سان نف سه‪ .‬ف هى لم ت ستطع ت سخير‬

‫المكانية النسانية لنها سحقت روح النسان “(‪ .)68‬وتناست تماما أن ” النسان يستمد إنسانيته‬
‫ل عن الطبيعة بقوانينها الصارمة وحتمياتها النهائية‪ .‬فرغم أنه يعيش داخلها‬
‫من كونه كائنا منفص ً‬
‫ط ‪ ،1‬سلسلة كتاب العالم الثالث‪ ،‬القاهرة‪ :‬دار العالم الثالث‪ .1992 ،‬ص ‪.61‬‬
‫‪64‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.30‬‬

‫‪65‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.44‬‬

‫‪66‬‬

‫() هارلن كليفل ند‪ ،‬ميلد عالم جد يد ( فر صة متا حة لقيادة عالم ية )‪ .‬ترج مة جمال على زهران‪ ،‬ط ‪ ،1‬القاهرة‪ :‬المكت بة‬

‫‪67‬‬

‫() زبغنيو بريجنسكى‪ ،‬الفوضى ( الضطراب العالمى عند مشارف القرن الحادى والعشرين )‪ .‬ترجمة مالك فاضل‪ ،‬ط ‪،1‬‬

‫‪68‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.58‬‬

‫الكاديمية‪ .2000 ،‬ص ‪.50‬‬

‫عمان‪ :‬الهلية للنشر والتوزيع‪ .1998 ،‬ص ‪.55‬‬

‫‪-‬‬

‫‪54‬‬

‫‪-‬‬

‫خاضعا فى ب عض أو جه حيا ته لقوانين ها‪ .‬إل أ نه قادر على تجاوز ها وتجاوز قوانين ها ليتحرك‬

‫دا خل البنهى الن سانية‪ ،‬الحضار ية والتاريخ ية ال تى شيدتهها يداه‪ ،‬وال تى تش كل حيزا إنسهانيا له‬

‫قوانينه الخاصة‪ .‬هذا الحيز هو رقعة الحرية التى يمكن للنسان أن يمارس فيها حرية الختيار‬

‫والسهقوط والرتفاع‪ .‬حريهة أن يخطهئ ويصهيب‪ ،‬وأن يتحول إلى بطهل أو مهرج؛ ولذا يصهبح‬

‫التنبؤ بسلوكه فى حكم المستحيل‪ .‬إن النسان إنسان بسبب حضاريته وتاريخيته‪ ..‬وهذا ما تنكره‬
‫الرؤ ية المتمركزة حول الطبي عة ال تى ترد الن سان فى جم يع أبعاده إلى عالم الطبي عة ‪ /‬المادة‪،‬‬

‫وإلى قوانينها البسيطة التى يمكن التنبؤ بها والتحكم فيها وتوظيفها “(‪.)69‬‬

‫‪ ..‬إل أن غياب الُب عد الرو حى عن فل سفة ما ب عد الحدا ثة ‪ -‬والذى قد يع تبره الب عض‬

‫أقرب أو جه ن قد العول مة إلى الموضوع ية ‪ -‬قد يد عو إلى القياس التلقائى على م صير التجر بة‬

‫الشيوعية والتورط فى ” التفكير الساذج ذى الخطوط الطولية‪ ...‬والسقاطات الطولية التى تميز‬

‫معظم ما يُكتب حاليا عن المستقبل؛ وهى بالتالى تدفع إلى القلق من أجل أشياء مغالطة تماما لما‬
‫ينبغى القلق بشأنه‪ ،‬ذلك أننا لن نستطيع أن نفهم عصرنا ما لم نتقبل الفرضية المنطقية بأننا نندفع‬

‫نحهو مرحلة جديدة تماما مهن التطور القتصهادى والتكنولوجهى ‪ -‬مرحلة مها فوق التصهنيع ‪-‬‬

‫وبدون تقبلنا للمنطق الثورى فإننا لن نستطيع أن نحرر خيالنا لينطلق إلى آفاق المستقبل“(‪.)70‬‬

‫لذا‪ ..‬فإن محاولة التمادى فى تف سير الحا ضر بالما ضى لن تفلح لتقد يم إضا فة روح ية‬

‫إلى فكر وفلسفة ما بعد الحداثة‪ ..‬بحيث يمكنها تنمية مستقبل النسان المادى والروحى‪ .‬وحتى‬

‫يم كن ال سير فى هذا المضمار‪ ،‬فإ نه ينب غى أن يتولد الف هم الخالص بأن ” مشروع الحدا ثة قد‬
‫فشل‪ ،‬وأن فلسفة ما بعد الحداثة هم أول من أصدر شهادة الوفاة ”(‪.)71‬‬

‫وهذا يعنى بكل بساطة أن ” الظاهرة الكونية تتطلب تفسيرا كونيا ”(‪ ،)72‬تفسيرا مغايرا‬

‫للتف سيرات ال سابقة المتعارف علي ها‪ ،‬انطلقا من أن الع صر الرا هن بات صالته الشبك ية يف تح‬

‫الطر يق للجوا نب الماد ية فى حياة الن سان مثل ما يف تح الطر يق أيضا للجوا نب الروح ية‪ ،‬إذ إن‬

‫إمكانية التخاطب والتفاعل الحر من خلل شبكات المعلومات حاليا وطريق المعلومات السريع‬
‫فى المستقبل‪ ،‬وتنامى دور منظمات المجتمع المدنى غير الحكومية‪ ،‬كل ذلك سيؤدى إلى عدم‬

‫غياب الدعوة والتبشير من ناحية ب عض الجماعات بالقيم الروح ية وأهميتها فى حياة الن سان‪.‬‬
‫‪69‬‬

‫() عبد الوهاب المسيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.90‬‬

‫‪70‬‬

‫() آلف ين توفلر‪ ،‬صدمة الم ستقبل ( المتغيرات فى عالم ال غد )‪ ،‬ترج مة مح مد على نا صف‪ ،‬ط ‪ ،2‬القاهرة‪ :‬نه ضة م صر‬
‫للطباعة والنشر والتوزيع‪ .1990 ،‬ص ‪.192‬‬

‫‪)(Beck, Ulrich, Beyond the nation state )globalization(. p.3. )Available from Internet(.‬‬
‫‪72‬‬

‫‪71‬‬

‫() صهامويل هنتنجتون‪ ،‬صهدام الحضارات ( إعادة صهنع النظام العالمهى )‪ .‬ترجمهة طلعهت الشايهب‪ ،‬القاهرة‪ :‬دار سهطور‪،‬‬

‫‪ .1998‬ص ‪.160‬‬

‫‪-‬‬

‫‪55‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى‪ ..‬فل مجال للتطا بق ب ين غياب الجا نب الرو حى فى ع صر « الحدا ثة »‪ ،‬وغيا به فى‬

‫عصر « ما بعد الحداثة »∗‪ ..‬فثمة اختلفات جوهرية بين العصرين‪ ،‬فالحداثة لم توجد فيها إل‬

‫بنية اتصالية مصمتة لنقل وجهة النظر الواحدة فى الغالب العم‪ ،‬أما ما بعد الحداثة فلديها بنية‬
‫ات صالية شبك ية تتقا طع في ها اللف والملي ين من الرؤى ووجهات الن ظر‪ ..‬وبالتالى فال مر‬

‫متروك لخيار النسان‪..‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫للمزيد حول مفهومى « الحداثة » و« ما بعد الحداثة »‪.‬‬

‫انظهر‪ :‬باسهم على خريسهان‪ ،‬العولمهة والتحدى الثقافهى‪ .‬ط ‪ ،1‬بيروت‪ :‬دار الفكهر العربهى‪ .2001 ،‬صهفحات ‪99‬‬
‫‪.115‬‬

‫‪-‬‬

‫‪-‬‬

‫‪56‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمــة الفصـل الول‪:‬‬
‫عرضهت الدراسهة بالفصهل الول للبعاد الفكريهة لظاهرة العولمهة‪ ،‬مهن خلل دراسهة‬
‫مداخلها التاريخية والمعرفية والفلسفية‪.‬‬
‫حيهث تهبين مهن عرض المدخهل التاريخهى لظاهرة العولمهة أن العولمهة ‪ -‬مهن وجههة‬
‫النظر التاريخية ‪ -‬كانت نتاجا لرغبة النسان منذ بدء الخليقة فى الحاطة بأبعاد الرض التى‬
‫أو العالم الذى يعيهش فيهه‪ .‬وقهد تراكمهت التصهورات النابعهة مهن تلك الرغبهة عهبر العصهور‬
‫المتتالية التى شهدتها النسانية‪ .‬بحيث تطورت تلك التصورات من مجرد التعامل مع الرض‬
‫على أنها مسرح للحداث إبان عصور الصيد الولى‪ ،‬إلى التعامل مع سطح الرض باعتباره‬
‫شريكا فى الحداث إبان عصور الزراعة‪ ،‬ثم التعامل مع باطن الرض باعتباره هو الشريك‬
‫فى الحداث إبان ع صور ال صناعة من خلل الهتمام بالثروات المخبوءة دا خل الرض‪ ،‬ثم‬
‫أخيرا امتد حيز الفق النسانى إلى ما فوق القشرة الرضية من فضاء محيط فى ظل عصر‬
‫الفضاء والمعلومات بحيهث أصهبحت الرض كلهها بسهطحها وباطنهها ونطاق جاذبيتهها ههى‬
‫موضوع الحداث‪ .‬وبذلك تصهبح العولمهة مهن وجههة النظهر التاريخيهة‪ ،‬بمثابهة رؤيهة إنسهانية‬
‫لوحدة الم صير الن سانى على هذا الكو كب‪ ،‬الذى يم ثل فى الت صورات الن سانية المتراك مة‬
‫تاريخيا أبعاد العالم الرضى الذى يعيش فيه البشر جميعا‪.‬‬
‫كما تبين من عرض المدخل المعرفى لظاهرة العولمة أن العولمة ‪ -‬من وجهة النظر‬
‫المعرفيهة ‪ -‬مصهطلح خلفهى ل يوجهد اتفاق على تعريفهه‪ ،‬لنهه غالبا مها تؤدى التوجهات‬
‫اليدلوج ية إلى تعر يف م صطلح العول مة وفقا لمنظور كل أيدلوج ية‪ .‬ف فى ح ين يرا ها الب عض‬
‫شرا مطلقا يراهها البعهض الخهر خيرا مطلقا‪ ،‬وذلك وفقا للنتماءات اليدلوجيهة لكهل فريهق‪.‬‬
‫ولهذا فإن التعريف المحايد الذى يوصّف العولمة انطلقا من أنشطتها العملية هو الذى يرى أن‬
‫العولمة ما هى إل « زيادة درجة الرتباط المتبادل بين المجتمعات النسانية من خلل سهولة‬
‫عمليات انتقال السلع ورؤوس الموال وتقنيات النتاج والشخاص والمعلومات »‪.‬‬
‫ول قد تبين من عرض المد خل الفل سفى لظاهرة العول مة أن العول مة ‪ -‬من وج هة الن ظر‬
‫الفلسفية ‪ -‬يمكن اعتبارها الوجه التطبيقى لفلسفة ما بعد الحداثة‪ .‬إذ إن العولمة كظاهرة تاريخية‬
‫كبرى بمثابة تجاوز للمشروع الفكرى لفلسفة « الحداثة » وأقرب إلى فلسفة « ما بعد الحداثة »‪.‬‬
‫فلقد كانت الحداثة هى فلسفة « العالمية » بينما تبدو ما « ما بعد الحداثة » هى فلسفة العولمة‪.‬‬
‫إذ إن فل سفة ما ب عد الحدا ثة تبت عد عن المطلقات ال تى أ سست ل ها فل سفة الحدا ثة‪ ،‬وتقترب من‬
‫الممكنات والحتمالت المفتو حة‪ .‬وبالتالى ف هى بمثا بة انتقال من الحتم ية إلى الن سبية‪ ،‬و من «‬

‫‪-‬‬

‫‪57‬‬

‫‪-‬‬

‫رؤ ية « نيو تن » الحتم ية للكون إلى رؤ ية « أينشتا ين » النسبية لذات الكون‪ ،‬فب سقوط المطلق‬
‫الزمنى سقط أيضا المطلق المكانى‪ ،‬وأدت الثورة التصالية الشبكية على مستوى العالم إلى أن‬
‫ي تم ض غط المكان وت سريع إيقاع الز من‪ ،‬وبالتالى أ صبح العالم كله حاضرا فى كل نق طة من‬
‫نقاط المكنهة الموجودة على كوكهب الرض‪ .‬وبالتالى فإن فلسهفة مها بعهد الحداثهة تقدم نفسهها‬
‫باعتبار ها الخلف ية الفكر ية ال تى يتحرك أمام ها مش هد العول مة الذى ت سرى ف يه ال سلع ورؤوس‬
‫الموال والشخاص والمعلومات عبر أقطار العالم بسرعة الصوت أو الضوء‪.‬‬
‫ولكهن‪ ..‬إذا كانهت البعاد الفكريهة لظاهرة العولمهة تقدم الخلفيهة التاريخيهة والمعرفيهة‬
‫والفلسهفية التهى تنطلق منهها هذه الظاهرة‪ .‬فإن دراسهة البعاد الماديهة لظاهرة العولمهة تقدم‬
‫المظاهر المادية التى تنشأ عن فاعليات هذه الظاهرة‪ ،‬والكيانات المادية التى تعتمد عليها فى‬
‫ممارستها لهذه الفاعليات‪ ..‬وهذا ما سنعرض له فى الفصل القادم‪..‬‬
‫‪‬‬

‫الفصـل الثـانى‬
‫البعـاد المــاديـة لظاهرة العــولمـة‬

‫‪-‬‬

‫‪58‬‬

‫‪-‬‬

‫محتـويـات الفصـل الثـانى‬
‫مقـدمـة الفصـل الثـانى‬
‫المبحث‬

‫مظاهر العولمة‬

‫الول‪:‬‬
‫المبحث‬

‫مؤسسات‬

‫العولمة‬
‫الثانى‪:‬‬
‫الثـانى‬
‫خـاتمــة الفصـل‬

‫المبحـث الول‬
‫مظـاهر العولمـة‬
‫يتيح تحليل مضمون أدبيات العولمة التعرف على المظاهر المرتبطة بها والناشئة عنها‬

‫والكاشفة عن آثارها المادية التى تعكسها على كافة الصعدة والمجالت‪.‬‬

‫ففهى الدبيات المؤيدة أو الناقدة للعولمهة ثمهة عبارات تتكرر بانتظام لتكشهف عهن المظاههر‬

‫المرتبطة بكافة عمليات العولمة فى أبعادها السياسية والقتصادية والثقافية والتصالية ( العلمية )‪.‬‬
‫وتتوارد هذه المضامين الدالة على مظاهر العولمة فى العبارات التالية‪:‬‬

‫توح يد ‪ -‬تو حد ‪ -‬انق سام ‪ -‬تف تت ‪ -‬تفرق ‪ -‬تنوع ‪ -‬تف كك ‪ -‬مشار كة ‪ -‬شمول ‪ -‬اندماج ‪-‬‬
‫تكا مل ‪ -‬تر كز ‪ -‬تك تل ‪ -‬ترا كم ‪ -‬تنم يط ‪ -‬تش ظى ‪ -‬تجا نس ‪ -‬تما ثل ‪ -‬اعتماد متبادل ‪-‬‬

‫تشابك ‪ -‬تفاعل ‪ -‬تقارب ‪ -‬تعاون ‪ -‬انتشار ‪ -‬تشابه ‪ -‬تذويب ‪ -‬ترابط ‪ -‬تداخل ‪ -‬تعددية ‪-‬‬

‫ل مركزية ‪ -‬فردية ‪ -‬تآكل ‪ -‬تخصص ‪ -‬مركزية ‪ -‬تحول ‪ -‬زوال ‪ -‬تسارع ‪ -‬سيولة ‪-‬‬

‫انفتاح ‪ -‬اختراق ‪ -‬تغيّره ‪ -‬توسهع ‪ -‬انحسهار ‪ -‬توازن ‪ -‬انكماش ‪ -‬عدم ارتداد ‪ -‬ضغهط‬
‫الزمان ‪ -‬ل مكان ‪ -‬اختزال‪ ....‬إلخ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪59‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعهل التحليهل اللغوى لمعانهى تلك العبارات يوضهح مدى التناقهض المتولد عهن تلك‬

‫العبارات المتعاكسة والمتضادة والمتفارقة فى دللتها ومضمونها وتأثيرها‪ .‬فالعولمة بذلك فى‬
‫أوضح مظاهرها تعبّر عن مجموعة متناقضات يعجز المنطق البسيط عن جمعها معا فى بوتقة‬
‫واحدة‪ .‬إذ كيف تتلقى المتناقضات لكى تُشكّل ‪ -‬فى مجملها ‪ -‬بناءا متكاملً متماسك الركان‬

‫ول يفتقر إلى الصلبة والقوة‪.‬‬

‫من هنا تنبع أهمية التعامل مع العولمة باعتبارها ” عملية مركبة مزدوجة ومتعارضة‬

‫يتجاذب فيها منطق التوحيد مع آليات النقسام‪ .‬ويعمل الميل إلى الئتلف والتجانس مع الميل‬
‫إلى الختلف والتنافر‪ .‬وهذا شأن كل اجتماع بشرى وكل تجمع حضارى أو فضاء ثقافى “(‪.)73‬‬
‫فالعولمة إذن ‪ -‬كعملية مركبة ‪ -‬تتشكل وتتمظهر فى إطار ما يمكن أن نطلق عليه‬

‫« استراتيجية التوحد والتكتل والندماج » و« تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام »‪.‬‬

‫ولعل هذه الحقيقة الملزمة لمظاهر العولمة ل تعبّر عن تناقض داخلى‪ ،‬بل هى تعبّر‬

‫عن منطق المور والشياء فى طبيعتها الفطرية‪ ،‬فالكل يتركب من الجزاء‪ ،‬والجزاء تتفرع‬

‫من الكل‪.‬‬

‫وبالتالى فإن العولمهة توحّده الطهر فهى إطار واحهد‪ ،‬بينمها تقسهّم المضاميهن‪ .‬تختصهر‬

‫المرجعيات‪ ،‬بينما تتفرع فى الوسائل والساليب‪.‬‬

‫ولهذا فإن الحديث عن مظا هر التوحد والتكتل والندماج فى العول مة‪ ،‬ل يم كن ف صله‬

‫عهن مظاهرالتشظهى والتجزؤ والنقسهام‪ .‬فالمظهران متلزمان‪ ،‬بحيهث يمكهن التقريهر أن أعهم‬

‫مظاهر العولمة يمكن صياغتها فى التعبير التالى‪ :‬التوحد الملزم للنقسام‪ ،‬أو التكتل الملزم‬
‫للتجزؤ‪ ،‬أو الندماج الملزم للتشظى‪ ..‬وهكذا‪.‬‬

‫وك ما يقول الرئ يس التشي كى « فاكلف هاف يل »‪” :‬ن حن نع يش الن « حضارة كون ية‬

‫واحدة »‪ ،‬وهى ليست أكثر من قشرة رقيقة‪ ،‬قشرة تغطى أو تخفى التنوع الكبير فى الثقافات‪،‬‬
‫فى الشعوب‪ ،‬فى عالم الديان‪ ،‬فى التقاليد التاريخية والتجاهات التى تشكلت على مر التاريخ‪،‬‬

‫وجمعيها يوجد تحت تلك القشرة على نحو ما “(‪.)74‬‬

‫‪73‬‬

‫() على حرب‪ ،‬حديث النهايات (فتوحات العولمة ومآزق الهوية)‪ .‬ص ‪.111‬‬

‫‪74‬‬

‫() صامويل هنتنجتون‪ ،‬صدام الحضارات ( إعادة صنع النظام العالمى )‪ .‬ترجمة طلعت الشايب‪ ،‬ص ‪.94‬‬

‫‪-‬‬

‫‪60‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى فإن هذا التوحهد الذى يضهم بداخله التنوع‪ ،‬ينبهع أيضا ‪ -‬كمها يقرر « بطرس‬

‫غالى » الم ين العام ال سابق لمنظ مة ال مم المتحدة ‪ -‬من ” أن كوكب نا يخ ضع لض غط تفرزه‬
‫قوتان عظيمتان متضادتان‪ :‬إنهما العولمة والتفكك “(‪.)75‬‬

‫كما ينبع مثلما يقرر « ميشيل كلوج » فى دراسته « أربع أطروحات حول العولمة »‬

‫مهن ” أن العولمهة كمها تعمهل على خلق التوحهد‪ ،‬إل أنهها ليسهت مرادفا لمصهطلح‬

‫« عالم واحد »‪ ،‬بل هى تتجه أكثر فأكثر إلى خلق نظام متشابك لعوالم متصلة ومترابطة فيما‬
‫بينها‪ ،‬بواسطة المستحدثات الكونية الجديدة والمتطورة “(‪.)76‬‬

‫إن العولمهة ‪ -‬إذن ‪ -‬تعمهل وفقا لسهتراتيجية التوحهد والتكتهل والندماج وتكتيكات‬

‫التشظهى والتجزؤ والنقسهام‪ .‬وبالتالى فإن العولمهة ” بقدر مها تولّد مشاعهر التقارب والتجانهس‬

‫والتشا بك ب ين الثقافات‪ ،‬تعزز مشا عر التما يز والخ صوصية‪ ،‬وتؤ كد الحدود ب ين هو ية وأخرى‬

‫”(‪ .)77‬وهذا يج عل ” ش كل العالم فى عمل ية العول مة هو أقرب إلى الشب كة م نه إلى الهرم“(‪.)78‬‬

‫لنهه ” إذا كان جوههر الحضارات واحدا‪ ،‬أل وههو عمارة الرض‪ .‬فإن جوههر الثقافات ههو‬

‫التعدد والتعددية‪ ،‬لنه متعلق بأساليب الحياة وإضفاء المعنى على الشياء “(‪.)79‬‬

‫ول عل هذا التلزم ب ين المتفارقات فى مظا هر العول مة‪ ،‬والذى يتم ثل فى إ ستراتيجية‬
‫التو حد والتك تل والندماج وتكتيكات التش ظى والتجزؤ والنق سام‪ ،‬يقت ضى أهم ية التعرض ل كل‬
‫مظهر من هذه المظاهر للتعرف عليه عن قرب‪ ،‬وذلك على النحو التالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬إستراتيجية التوحد والتكتل والندماج‪:‬‬
‫تنطوى إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج على كا فة المظا هر العا مة ال تى‬
‫تقوّى الترا بط والتقارب والتدا خل على كا فة الم ستويات‪ .‬وذلك انطلقا من حقي قة ” أن العول مة‬
‫تُعتبر مرحلة تاريخية فى تطور العالم جوهرها وجود مجموعة من الظواهر والمستجدات ذات‬
‫الطابع العلمى والمعلوماتى والقتصادى والسياسى والثقافى العابرة لحدود الدول‪ ،‬والتى تؤدى‬
‫إلى مزيد من الترابط والتداخل والتأثير والتأثر بين دول العالم ومناطق مختلفة “(‪.)80‬‬

‫‪75‬‬

‫() أحمهد مجدى حجازى‪ " ،‬العولمهة وتهميهش الثقافهة الوطنيهة‪ :‬رؤيهة نقديهة مهن العالم الثالث "‪ ،‬مجلة عالم الفكهر‬
‫( عدد خاص بعنوان‪ :‬العولمة ظاهرة العصر )‪ ( .‬العدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.123‬‬

‫‪76‬‬

‫() سيار الجميل‪ ،‬العولمة والمستقبل ( استراتيجية تفكير )‪ .‬ص ‪.49‬‬

‫‪77‬‬

‫() نيفيهن مسهعد‪ " ،‬تعقيهب على ورقهة‪ :‬العولمهة والدولة "‪ ،‬فهى أسهامة أميهن الخولى ( محرر )‪ ،‬العرب والعولمهة ( بحوث‬
‫ومناقشات الندوة الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية )‪ .‬ص ‪.185‬‬

‫‪78‬‬

‫() حيدر إبراهيم‪ " ،‬العولمة وجدل الهوية الثقافية " مجلة عالم الفكر‪ ( .‬مرجع سابق )‪ ،‬ص ‪.106‬‬

‫‪79‬‬

‫() تركى الحمد‪ ،‬الثقافة العربية فى عصر العولمة‪ .‬ص ‪.67‬‬

‫‪80‬‬

‫() حسنين توفيق إبراهيم‪ " ،‬العولمة‪ :‬البعاد والنعكاسات السياسية ( رؤية أولية من منظور علم السياسة ) "‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪.‬‬
‫مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.187‬‬

‫‪-‬‬

‫‪61‬‬

‫‪-‬‬

‫فالعول مة تع مل على ”الزيادة المتنام ية فى وتيرة التدا خل ب ين الجماعات والمجتمعات‬
‫البشريهة فهى هذا العالم‪ ،‬ويبدو هذا التداخهل أكثهر وضوحا على صهعيدى القتصهاد والعلم‪.‬‬
‫ولكنه ل يقل عن ذلك شأنا فى مجالت الثقافة والسياسة‪ ..‬فل يمكن اليوم الحديث عن اقتصاد‬
‫منعزل‪ ..‬ك ما ل يم كن الحد يث عن حدود سياسية قادرة على الحما ية المطل قة للدولة‪ ..‬بف ضل‬
‫ثورة المعلومات والتصالت “(‪.)81‬‬
‫وبالتالى فإن العولمة كما يُعرفها «أنتونى جيدنز» بمثابة ” مرحلة جديدة‪ ..‬تتكثف فيها‬
‫العلقات الجتماع ية على ال صعيد العال مى‪ .‬ح يث يحدث تل حم غ ير قا بل للف صل ب ين الدا خل‬
‫والخارج‪ .‬وي تم في ها ر بط المحلى والعال مى بروا بط اقت صادية وثقاف ية و سياسية وإن سانية “(‪.)82‬‬
‫فالعولمة على الرغم من أنها ” تزيد من قبضة وصلبة وسيطرة المركز‪ ،‬لكنها تخلق مشاكل‬
‫واحدة‪،‬وتجر بة متقار بة‪ ،‬ووعيا متدرجا‪ ،‬وو سائل ودوا عى تو حد جهود الملي ين ض هد الخ طر‬
‫الكبر“(‪ ،)83‬سواء أكان هذا الخطر إنسانيا ( سياسيا اقتصاديا ثقافيا )‪ ،‬أم طبيعيا ( بيئيا )‪.‬‬
‫فل قد أدى تشا بك الت صالت العالم ية إلى ”تو سيع نطاق ال صراع المحلى ليد خل فى‬
‫زمرة قضايا المن العالمى‪ ،‬وتحويل الفقر المحلى إلى مشكلة تنمية عالمية‪ ،‬والتمكن من رؤية‬
‫الكيفية التى تتراكم بها سلوكيات الفراد لتصير تهديدات بيئية شاملة “(‪.)84‬‬
‫وبالتالى أصبحنا فى هذا العالم ”مرتبطين معا بطريقة راسخة‪ ،‬حيث لم نعد لول مرة‬
‫بقادريهن على البقاء كحضارات مانعهة ومغلقهة‪ ،‬سهواء أكانهت حضارة شرقيهة أم غربيهة‪ .‬إننها‬
‫نتقاسهم احتمالً مشتركا للبادة أو النجاز‪ ،‬وبالتالى ل نسهتطيع البقاء متعدديهن ولكهل تاريخهه‬
‫المختلف والمعزول‪ .‬إن تاريهخ كهل منها الثقافهى والوطنهى قهد تحول إلى قيهم مشتركهة عامهة‬
‫لمستقبل أفضل للبشرية “(‪.)85‬‬
‫ولهذا فثمة ”اتجاه صاعد يضغط فى سبيل صياغة نسق مُلزم من « القواعد الخلقية‬
‫الكونية »‪ .‬ومطروح الن فى الساحة الفكرية العالمية أكثر من مشروع لصياغة هذه القواعد‪.‬‬
‫بعضها مستمد من الديان السماوية الثلثة‪ ،‬بالضافة إلى الخبرة النسانية الممتدة‪ ،‬وما يسمى‬

‫‪81‬‬

‫() تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.20‬‬

‫‪82‬‬

‫() عبد الخالق عبد ال‪ " ،‬العولمة‪ :‬جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها "‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪ .‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.53‬‬

‫‪83‬‬

‫هط‬
‫هد الباسه‬
‫هى عبه‬
‫هن "‪ ،‬فه‬
‫همير أميه‬
‫هر سه‬
‫هل الدولى‪ :‬حول فكه‬
‫هيم العمه‬
‫هة والمرأة وتقسه‬
‫هة‪ " ،‬العولمه‬
‫هف حتاته‬
‫() شريه‬
‫عبد المعطى ( محرر )‪ ،‬العولمة والتحولت المجتمعية فى الوطن العربى‪ .‬ص ‪.256‬‬

‫‪84‬‬

‫() هارلن كليفلند‪ ،‬ميلد عام جديد‪ .‬ترجمة جمال على زهران‪ ،‬ص ‪.299‬‬

‫‪85‬‬

‫() أ‪ .‬ك‪ .‬م‪ .‬خان‪ " ،‬تحدى الحضارة الكونية‪ :‬رد هندى "‪ ،‬فى فخرى لبيب ( محرر )‪ ،‬صراع الحضارات أم حوار الثقافات‬
‫( أوراق ومداخلت المؤتمهر الدولى حول صهراع الحضارات أم حوار الثقافات‪ ،‬القاهرة ‪ 12 - 10‬مارس ‪ .) 1997‬ص‬
‫‪.359‬‬

‫‪-‬‬

‫‪62‬‬

‫‪-‬‬

‫« الثقافة المدنية » والتى تركز على الحرية السياسية وأهمية المجتمع المدنى واحترام حقوق‬
‫النسان “(‪.)86‬‬
‫ول عل هذا التجاه ن حو ن شر الثقا فة المدن ية ين بع من ” أن العمليات الديمقراط ية للبلدان‬
‫المنفردة قد أمست تتأثر شيئا فشيئا بشدة بالفكار‪ ...‬ذوات الصل الخارجى‪ .‬حيث باتت تنتمى‬
‫كل الحزاب السياسية الديمقراطية تقريبا إلى ائتلفات دولية شتى‪ .‬مما يزيد من اعتماد الدول‬
‫بعضها على البعض الخر ويضعف قوة الحدود الدولية التقليدية الفاصلة “(‪.)87‬‬
‫إن مظاهر التوحد والندماج التى تكشف عنها العولمة تغي ـِر من شكل العالم إلى حد‬
‫كبير‪ ،‬مما سيؤدى إلى ” نشوء مركز هو من الطغيان والحضور بحيث يوجد فى كل مكان ول‬
‫يو جد فى أى مكان معا‪ .‬إ نه مر كز عال مى يتوا فق مع احتياجات ال سوق الكل ية سوف ت صبح‬
‫جم يع المدن والعوا صم بالن سبة إل يه بمثا بة ضواح ل غ ير “(‪ ” .)88‬و من ثم ك سر جمود ض يق‬
‫نطاق المكان‪ ،‬وجعهل المكان ممتدا ل ينحصهر فهى نطاق حدود دولة بذاتهها‪ ،‬بهل يتعدى هذه‬
‫الحدود ليقيهم الفرد علقات وتعاملت مهع الخريهن على اتسهاع العالم وترامهى أطرافهه‪ ..‬إن‬
‫معاملت شبكة النترنت مثالً حيا على ذلك “(‪.)89‬‬
‫إن « ا ستراتيجية التو حد والتك تل والندماج » ال تى تتمظ هر العول مة وفقا ل ها‪ ،‬سواء‬

‫أكانهت على المسهتويات القتصهادية بالتكتهل والتركهز‪ ،‬أم على المسهتويات السهياسية بالتوحهد‬

‫والترا بط والتعاون المتبادل‪ ،‬أم على الم ستويات الثقاف ية بالنفتاح والتقارب والت سامح‪ ،‬أم على‬
‫المستويات التصالية بالتشابك والتزامن والتفاعل‪ ،‬إن هذه الستراتيجية تمثل خطوة هامة نحو‬

‫توحيد الجنس البشرى فى نظرته صوب المال والخطار التى تواجه هذا العالم‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام ‪:‬‬
‫ت سفر تكتيكات العول مة للتجزؤ والتش ظى والنق سام عن كا فة المظا هر ال تى تقود ن حو‬

‫التعدد والتنوع والختلف‪.‬‬

‫وتبدو تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام م ثل الك فة الخرى للميزان‪ ،‬الذى‬

‫يح مل على كف ته الولى ا ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج‪ .‬وبالتالى فإن مظا هر‬
‫العولمة تتوازن فيما بين الستراتيجية والتكتيك‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬الزمن العربى والمستقبل العالمى‪ .‬ص ‪.67‬‬

‫‪87‬‬

‫() زبغن يو بريجن سكى‪ ،‬الفو ضى ( الضطراب العال مى ع ند مشارف القرن الحادى والعشر ين )‪ .‬ترج مة مالك فا ضل‪ ،‬ص‬
‫‪.80‬‬

‫‪88‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.104‬‬

‫‪89‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬العولمة ( مقدمة فى فكر واقتصاد وادارة عصر اللدولة )‪ .‬ص ‪.177‬‬

‫‪-‬‬

‫‪63‬‬

‫‪-‬‬

‫مهن هنها‪ ..‬فإن النظرة التهى ترى أن العولمهة مجرد هيمنهة ومركزيهة واسهتراتيجية كهبرى‬

‫للتو حد والتك تل والندماج‪ ،‬وتتغا فل عن جانب ها الدا فع للتعدد والتنوع والختلف هى مجرد نظرة‬

‫قا صرة‪ ،‬انطلقا من أن ” الرباطات ال تى وحدت مجت مع الت صنيع ‪ -‬رباطات القانون والق يم العا مة‬

‫ومركزية التعليم والثقافة ونمطيتها ‪ -‬كلها تتمزق‪ .‬إن النظريين المتشائمين المنذرين بمجتمع الكتلة‬

‫الواحدة هم فى الحقي قة قوم قد ا ستبد ب هم وا قع بدأ نا نتجاوزه‪ ..‬بح يث ما زالوا ي ستجيبون لظروف‬

‫مجتمع التصنيع‪ ،‬رغم أن هذا النظام يضمحل وسائر فى طريقه إلى البطلن “ (‪ .)90‬ورغم أن ”أى‬
‫نظرة فاحصة إلى هذا الدعاء ستثبت لنا أن العكس هو الصحيح‪ .‬إذ إننا نسير بسرعة نحو التشطير‬

‫والتنوع‪ ،‬ل فى إنتاجنا المادى فحسب‪ ،‬ولكن أيضا فى الفن وفى التعليم وفى الثقافة العامة “ (‪.)91‬‬

‫فعلى المسصتوى الحضارى تهم النتقال مهن ” مرحلة يغلب عليهها التأثيهر الموجهه مهن‬

‫إحدى الحضارات على غير ها‪ ،‬إلى تأث ير ذى تفاعلت متعددة التجاه ب ين كل الحضارات “(‪.)92‬‬
‫بحيهث أصهبحت ” أيهة هويهة جمعيهة ذات شأن كهبير للمجتمهع الدولى‪ ،‬ليسهت محتملة ول‬

‫ضرور ية‪ .......‬ل نه فى النظام العال مى الجد يد ي تم ج عل هذه المجتمعات ن سبية‪ ،‬باعتبار ها‬
‫أجزاءً من نظام تتش تت ف يه كل من ال سلطة ال سياسية والثقاف ية‪ .‬وإن هذا التش تت مل مح من‬
‫ملمح العالم‪ ...‬إن التعددية لبد أن تشكل ملمحا أساسيا من ملمح النظام الكونى “(‪.)93‬‬

‫وعلى المستوى المجتمعى ” فإن المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا هى فى الواقع أبعد ما‬

‫تكون عهن الرتابهة والتماثهل‪ ......‬إذ إن ضربات مطارق ثورة مها فوق التصهنيع تنهال اليوم‬

‫على المجت مع فتشظ يه وتق سمه إلى أجزاء‪ .......‬إن ن فس قوى التنو يع ال تى تع مل من أ جل‬

‫تو سيع مجال الختيار الفردى لل سلع والمواد الثقاف ية‪ ،‬تع مل أيضا على م حو النمط ية والتما ثل‬
‫فى البنى الجتماعية “(‪.)94‬‬

‫وعلى الم ستوى ال سيا سى‪ ،‬فإن التقدم التكنولو جى سيعمل على خلق قوة جديدة هى‬

‫قوة «التقارب اللكترو نى»‪ .‬و ستعمل تلك القوة ” على زيادة عدد الناس الذ ين يم كن الو صول‬
‫إليهم‪ ..‬عبر المكان والزمان‪ ..‬وهذا التقارب يعمل على توزيع قوى السيطرة والتحكم‪ ،‬وانتقالها‬

‫من أيدى السلطات المركزية إلى جميع سكان العالم “(‪.)95‬‬

‫‪90‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬صدمة المستقبل ( المتغيرات فى عالم الغد )‪ .‬ترجمة محمد على ناصف‪ ،‬ص ‪.314 - 313‬‬

‫‪91‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.281‬‬

‫‪92‬‬

‫() صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.87‬‬

‫‪93‬‬

‫() عبهد العزيهز موافهى‪ " ،‬عرض لكتاب رونالد روبرتسهون ( العولمهة‪ :‬النظريهة الجتماعيهة والثقا فة الكونيهة ) "‪ ،‬مجلة تحديات‬
‫ثقافية‪ ( .‬عدد ‪ ،4‬أبريل ‪ -‬يونيو ‪ ،) 2001‬ص ‪.136‬‬

‫‪94‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.296‬‬

‫‪95‬‬

‫() مايكل ديرتوزوس‪ ،‬ماذا سيحدث ( كيف سيغير عالم المعلومات الجديد حياتنا )‪ .‬ترجمة بهاء شاهين‪ ،‬ص ‪.369‬‬

‫‪-‬‬

‫‪64‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعل نمو الفردية يمثل أحد الملمح الهامة فى مظاهر العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام‪.‬‬

‫فكمها يلحهظ عالم الجتماع «ألريهس بيهك» ‪ Ulrich Beck‬فهى مؤلفهه ‪The cosmopolitan‬‬

‫‪ manifesto‬ظهور ما يُ سمى ب ه « الفرد ية المؤ سساتية »‪ ،‬و هى تع نى ” أن مع ظم الحقوق‬

‫والمنهح التهى تقدمهها دولة الرفاهيهة مصهممة لفراد وليهس لعائلت‪ ......‬فالناس مدعوون إلى‬
‫تكوين أنفسهم كأفراد‪ ،‬أن يخططوا أو أن يفهموا ويصمموا أنفسهم كأفراد “(‪.)96‬‬

‫ول عل هذا يظ هر أيضا على الم ستوى ال صناعى من خلل ظهور ما يُ سمى «منتجات‬

‫التفرد الجماعى»‪ ” ،‬فهناك اتجاه واضح فى مجال التصنيع‪ ،‬نحو السلع المنخفضة التكلفة التى‬

‫تُصهنع وفقا لرغبهة العميهل‪ ....‬ومهع النخفاض الحتمهى المطرد للتكاليهف‪ ،‬ومهع تقدم أشكال‬
‫التكنولوجيا ونضجها‪ ،‬سوف يظهر النتاج المتفرد الجماعى ليميز هذا العصر “(‪.)97‬‬

‫‪ ..‬ولكن منتقدى العولمة يؤكدون أن إلغاء العولمة للحواجز المكانية بين الدول سيؤدى‬

‫إلى تنميط البشر وتماثلهم‪ .‬وبالتالى فل مجال لمنتجات التفرد الجماعى المزعومة طالما تماثل‬

‫هه إذا كان‬
‫هى أنه‬
‫هل فه‬
‫هن الرد على ذلك يتمثه‬
‫هة المكان‪ .‬ولكه‬
‫هة تضاؤل أهميه‬
‫هر نتيجه‬
‫البشه‬

‫” المكان يختفى تدريجيا كعامل من عوامل التمايز‪ ..‬فإنه ل ينبغى أن يفترض أحد أن الفروق‬

‫بيهن الجماعات تنمحهى كمها يفترض بعهض النظرييهن الجتماعييهن‪ ،‬بهل الحرى أن نقول أن‬

‫محور التنوع يتحول من أبعاد مكانية إلى أبعاد زمانية “(‪ ،)98‬وهذه البعاد الزمانية ستتمثل فى‬
‫الفروق ب ين الجيال المتعاق بة نتي جة ت سارع التغ ير على كا فة الم ستويات؛ وبالتالى فإذا كا نت‬

‫الفروق فى الماضى بين البشر اقتصرت على التمايزات الجغرافية والثقافية والحضارية‪ ،‬فإنها‬

‫ستمتد الن لكى تصل إلى التمايزات الزمنية العمرية الجيلية‪.‬‬

‫إن الواقع الجديد الذى يتشكل مع العولمة يحتاج من أجل فهمه إلى ” فكر غير مؤدلج‬
‫أو مذهب‪ .‬أى إلى فكر يتسم بالمرونة والنفتاح والبتكار‪ ..‬إنه يحتاج فى الدرجة الولى إلى‬
‫أن يغ ير المرء نظر ته الحاد ية التب سيطية‪ ..‬إلى الوا قع‪ ،‬ل كى ين ظر إل يه بتعقيدا ته والتبا ساته‪،‬‬
‫بفجواته وتفجراته “(‪.)99‬‬

‫‪96‬‬

‫() أنطو نى جيد نز‪ ،‬الطر يق الثالث ( تجد يد الديمقراط ية الجتماع ية )‪ .‬ترج مة مالك عب يد أ بو شهيوة ومحمود مح مد خلف‪،‬‬
‫ص ‪.70 - 69‬‬

‫‪97‬‬

‫() مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.170‬‬

‫‪98‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.304‬‬

‫‪99‬‬

‫() تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.144‬‬

‫‪-‬‬

‫‪65‬‬

‫‪-‬‬

‫ههة‬
‫ههن المركزيات الداريه‬
‫ههن خيارات إل التنازل عه‬
‫ههس هناك مه‬
‫وبالتالى ” فليه‬
‫والبيروقراطيات السلطوية والشموليات السياسية‪ ..‬لصالح التعدديات والتنوعيات‪.)100(“ ..‬‬
‫‪‬‬

‫‪100‬‬

‫() سيار الجميل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.50‬‬

‫‪-‬‬

‫‪66‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثـانى‬
‫مؤسسـات العـولمـة‬
‫تمارس العولمة فاعلياتها المادية التى تتجلى مظاهرها فى إستراتيجية التوحد والتكتل‬

‫والندماج وتكتيكات التشظهى والتجزؤ والنقسهام‪ ،‬مهن خلل قطاعات متعددة فهى العالم يمكهن‬

‫اعتبارهها ‪ -‬فهى مجموعهها ‪ -‬تمثهل المؤسهسات التهى تعبـهِر أنشطتهها عهن العولمهة‪ ،‬بكافهة‬
‫مستوياتها السياسية والقتصادية والثقافية والتصالية ( العلمية )‪.‬‬

‫وهذه المؤسسات يم كن تقسيمها إلى مؤ سسات للبنية التحت ية للعول مة ومؤ سسات للبن ية‬

‫الفوقية للعولمة‪ ،‬وذلك كالتالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬مؤسسات البنية التحتية للعولمـة ‪:‬‬
‫تتمثل مؤسسات البنية التحتية للعولمة فى القطاعات الموفرة لقنوات ووسائل الربط‬

‫والت صال ب ين أجزاء العالم المتعددة‪ .‬تلك القنوات والو سائل الموا صلتية والت صالية ال تى‬

‫أدى التقدم التكنولوجى المتراكم على مدى التاريخ إلى بلوغها مرحلة متقدمة جدا‪ ،‬أسفرت‬

‫عهن تحقيهق التشابهك والترابهط ( المادى واللكترونهى ) بيهن أطراف العالم‪ .‬وتتكون تلك‬
‫المؤسسات من‪:‬‬

‫(‪ )1‬خطوط المواصلت البحرية والجوية ( السياحية والتجارية )‪:‬‬
‫ساهمت خطوط الموا صلت ‪ -‬البحر ية أولً والجو ية ثانيا ‪ -‬فى ك سر حا جز العزلة‬

‫التى كانت تفرضها البحار والمحيطات‪ .‬فلقد قامت الخطوط البحرية بربط قارات العالم تجاريا‬

‫وا ستكشافيا‪ ،‬وا ستمرت فى ذلك ح تى ” أ صبحت الخطوط الجو ية المدن ية م ستقرة تماما بحلول‬

‫عام ‪ 1939‬خا صة دا خل القارة المريك ية‪ .‬ح يث تو جد ب ها سوق مزدهرة للن قل فائق ال سرعة‬

‫فيما بين المراكز الحضرية التى تفصل فيما بينها مسافات واسعة‪ .‬ولكن على الرغم من هذا‬
‫التقدم ظلت الطرق العابرة للمحيطات خارج نطاق قدرات الطائرات ذات القواعهد الرضيهة‪،‬‬

‫وبالتالى كانهت تقوم بهها طائرات بحريهة “(‪ .)101‬إلى أن ظههر عقهب الحرب العالميهة الثانيهة‬

‫” ج يل جد يد من الطائرات الضخمة ذات الرب عة محركات‪ ..‬ود خل هذا النوع خد مة الطيران‬

‫عبر الطلسى‪ ..‬وبحلول الخمسينات أصبحت الطائرة فى هذا الوقت الوسيلة التى ل غنى عنها‬

‫لجم يع أشكال ن قل الركاب والبر يد لم سافات طويلة‪ ،‬وكذلك لن قل سلع ذات طبي عة خا صة‪ ،‬إلى‬
‫‪101‬‬

‫() آر‪ .‬إيه‪ .‬بوكانان‪ ،‬اللة قوة وسلطة ( التكنولوجيا والنسان منذ القرن ‪ 17‬حتى الوقت الحاضر )‪ .‬ترجمة شوقى جلل‪،‬‬
‫ص ‪.173‬‬

‫‪-‬‬

‫‪67‬‬

‫‪-‬‬

‫أن تهم الظهور للمحرك النفاث والذى قام بدور مههم فهى سهبيل ترويهض النقهل الجوى‪ ،‬بحيهث‬
‫أصبح الطيران ميسورا للجميع‪ ..‬فى السفر عبر مسافات طويلة “(‪.)102‬‬

‫لقد كانت الخطوط البحرية ومن بعدها الجوية اللبنة الولى فى مؤسسات البنية التحتية‬
‫للعولمة‪ ..‬ول يمكن إنكار أن شبكات الطرق البرية كان لها أثر كبير فى كسر حاجز العزلة بين‬
‫أطراف العالم القديهم‪ ..‬ولكهن مهع ظهور قارات العالم الجديهد ظهرت الخطوط البحريهة عهبر‬
‫المحيطات‪ ،‬وتم اكتمالها بالخطوط الجوية لتحقيق الربط السريع بين أجزاء العالم ككل‪.‬‬
‫(‪ )2‬شبكات التصالت والعلم ( الكابلية واللسلكية ) والبث الفضائى المباشر‪:‬‬
‫لم تقتصر عملية ربط أجزاء العالم على خطوط المواصلت المادية ( البحرية والجوية )‬
‫فقهط‪ ،‬بهل تعدتهها إلى خطوط التصهالت اللكترونيهة ( الكهرومغناطيسهية )‪ ،‬سهواء أكانهت‬
‫با ستخدام ال سلك والكوا بل‪ ،‬أم با ستغلل الخواص الطبيع ية للطيهف الكهرومغناطي سى لن قل‬
‫الشارات الل سلكية فى أجواء الغلف الجوى لكو كب الرض‪ ،‬أم با ستخدام القمار ال صناعية‬
‫لنقل موجات الميكروويف التصالية من أحد أطراف الرض إلى أى من الطراف الخرى‪.‬‬
‫إل أ نه من خلل إمكان ية ا ستغلل التكنولوج يا الفضائ ية للغراض العلم ية‪ ،‬وال تى‬
‫تطورت من البث الفضائى غير المباشر إلى البث الفضائى المباشر‪ ،‬فقد تحققت المكانية لربط‬
‫جموع السهكان على مسهتوى العالم‪ ،‬ليبدأ بذلك عصهر العلم العالمهى متجاوزا بذلك عصهر‬
‫العلم الجماهيرى‪ ..‬ويمثل البث العلمى الفضائى المباشر اللبنة الولى فى صرح العولمة‬
‫العلمية‪.‬‬
‫وبالتالى فقد أدت التصالت اللكترونية إلى ربط أجزاء العالم صوتيا ومرئيا ولحظيا‬
‫وعن بعد‪ ،‬دون النتقال‪ ،‬بحيث أصبح التصال بديلً عن النتقال‪.‬‬
‫(‪ )3‬شبكة النترنت‪:‬‬
‫تمثهل شبكهة النترنهت الوسهيلة الكثهر شمولً وتقدما فهى عالم شبكات التصهالت‬
‫والعلم والمعلومات فى عالمنا الراهن‪.‬‬
‫حيث تملك شبكة النترنت القدرة على تحقيق التصال والعلم متعدد الوسائط ‪Multi‬‬

‫‪ ( Media‬السمعى البصرى المعلوماتى ) والذى تجتمع فيه ثلثية الصوت والصورة والنص‪،‬‬
‫مع القدرة الكاملة على تحقيق التفاعليه بين أطراف التصال لحظيا‪ .‬والسبب فى ذلك أن شبكة‬

‫النترنت تجتمع فيها كافة التكنولوجيات التصالية والعلمية والمعلوماتية فى حزمة واحدة‪،‬‬
‫‪102‬‬

‫() آر‪ .‬إيه‪ .‬بوكانان‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬صفحات ‪.175 - 173‬‬

‫‪-‬‬

‫‪68‬‬

‫‪-‬‬

‫بح يث إنهها تمثهل ‪ -‬فهى مجموعهها ‪ -‬مؤسهسة البنيهة التحتيهة الحديثهة المؤهلة لتفع يل عمليات‬

‫ومظاهر العولمة على كافة المستويات‪.‬‬

‫وإذا كانهت « النترنهت » عبارة عهن شبكهة ضخمهة تتكون مهن عدد كهبير مهن الشبكات‬

‫المرتبطة بعضها ببعض ‪ interconnecting networks‬فإنه “ ل يوجد ثمة شخص أو مجموعة‬

‫أشخاص يم كن ل ها أن تد عى ملك ية أو إدارة النتر نت‪ .‬ول كن يم كن اعتبار كل م ستخدم و كل‬

‫مشترك فى النترنت مسئولً عن جهازه أو شبكته‪ .‬وكل شركة توفر خدمة اتصال بالنترنت‬
‫مسئولة عن شبكتها والمشتركين فيها ”(‪.)103‬‬

‫ول قد اكت سبت « النتر نت » ا ستقللها الحالى م نذ عام ‪ 1983‬عند ما “انق سمت شب كة‬

‫الربانت العسكرية ‪ -‬التى أنشئت للغراض التصالية العسكرية المريكية عام ‪ - 1969‬إلى‬

‫شبكتيهن‪ :‬الولى ظلت تابعهة لوزارة الدفاع المريكيهة وأطلق عليهها « ميلنهت »‪ ،‬والثانيهة‬

‫خصصت للستخدامات المدنية وأطلق عليها النترنت “(‪.)104‬‬

‫” ولقهد غيرت السههولة التهى يمكهن أن ينشهر بهها الفراد والشركات المعلومات عهبر‬

‫النترنت المفهوم الكامل لكلمة « نشر »‪ .‬كما رسخت النترنت نفسها كموقع لنشر المحتوى‪.‬‬

‫فههى تملك مها يكفهى مهن المسهتخدمين لكهى تفيهد مهن دورة التغذيهة المرتدة‪ .‬فكلمها زاد عدد‬

‫مشتركي ها زاد المحتوى الذى تتضم نه‪ .‬وكل ما زاد المحتوى الذى تتضم نه زاد عدد المشترك ين‬

‫المنضمين إليها “(‪.)105‬‬

‫ويُن ظر إلى « النتر نت » على أن ها الطراز الول البدائى من مشروع عملق يُ سمى‬

‫«الطريق السريع للمعلومات» ‪ ” information super highway‬والواقع أن الطريق طويل أمام‬
‫النترنت لتصبح طريق المعلومات السريع‪ .‬لكنها تبقى مع ذلك القتراب الكبر لنا اليوم منه‪،‬‬

‫و سوف تتطور بالف عل لتش كل طر يق المعلومات ال سريع ”(‪ ،)106‬بح يث ” إذا كان الطر يق غ ير‬

‫المُعبّ د ( الحالى ) للنتر نت م صنوعا فى مجمله من كابلت نحا سية‪ ،‬فإن طر يق المعلومات‬

‫السريع والمعبد ربما سيُصنع من اللياف البصرية الليزرية “(‪.)107‬‬

‫وبالتالى فإن المؤسسة المرشحة لكى تصبح مؤسسة البنية التحتية للعولمة بامتياز‪ ،‬هى‬

‫« الطريهق السهريع للمعلومات »‪ ،‬والذى سهيبدو بمثابهة تطويهر هائل لشبكهة النترنهت حيهث‬
‫‪103‬‬

‫()‬

‫‪104‬‬

‫()‬

‫‪105‬‬

‫()‬

‫‪106‬‬

‫()‬

‫‪107‬‬

‫() ميتشيو كاكو‪ ،‬رؤى مستقبلية ( ك يف سيغير العلم حياتنا فى القرن الواحد والعشرين )‪ ،‬ترجمة سعد الدين خرفان‪ ،‬ص‬
‫‪.75‬‬

‫شريف درويش اللبان‪ ،‬تكنولوجيا التصال ( المخاطر والتحديات والتأثيرات الجتماعية )‪ .‬ص ‪.103‬‬
‫مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.65‬‬
‫بيل جيتس‪ ،‬المعلوماتية بعد النترنت ( طريق المستقبل )‪ .‬ترجمة عبد السلم رضوان‪ ،‬ص ‪.157‬‬
‫نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.152‬‬

‫‪-‬‬

‫‪69‬‬

‫‪-‬‬

‫سيتجاوزها فى السرعات الفائقة لتبادل المعلومات‪ ،‬وفى البرامج الفائقة الذكاء للتعامل مع‬

‫الكم المهول من المعلومات المنسابة عبر ذلك الطريق‪ ،‬وفى امتداد هذا الطريق إلى كافة‬

‫مجالت الحياة البشريهة الماديهة والمعنويهة‪ ،‬بحيهث يصهبح قناة فريدة للتواصهل بيهن كافهة‬
‫أفراد وأجزاء العالم ككل‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬مؤسسات البنية الفوقية للعولمـة ‪:‬‬
‫تتمثهل مؤسهسات البنيهة الفوقيهة للعولمهة فهى القطاعات التهى تمارس أدوارا سهياسية‬

‫أو اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية أو إنسانية أو قانونية أو ثقافية أو إعلمية على مستوى العالم‬
‫ككهل‪ .‬ولعهل هذه المؤسهسات مها كان لهها أن تمارس أنشطتهها إل مهن خلل اسهتثمار فاعليات‬

‫مؤ سسات البن ية التحت ية للعول مة‪ ،‬باعتبار ها قناة الت صال والنتقال والتوا صل والعلم ال تى‬
‫تحقق الترابط بين أجزاء العالم؛ وبالتالى تتيح لنشطة تلك المؤسسات النتشار على والمتداد‬

‫إلى المستوى العالمى‪.‬‬

‫وتتكون تلك المؤسسات من‪:‬‬
‫(‪ )1‬المنظمات والتفاقيات والمواثيق الدولية‪:‬‬
‫تمثهل المنظمات والتفاقيات والمواثيهق الدوليهة الشكهل الذى تنتظهم ‪ -‬وفقا له ‪-‬‬

‫مؤسهسات البنيهة الفوقيهة للعولمهة ذات التمثيهل الحكومهى على مسهتوى العالم‪ ،‬وذلك مهن‬
‫خلل ربطهها للحكومات الممثلة لدول العالم فهى شكهل منظمات أو اتفاقيات أو مواثيهق‪.‬‬

‫وبالتالى فههى كيان مادى فاعهل على المسهتوى العالمهى لتحقيهق المهن والتعاون على‬
‫الم ستويات ال سياسية والقت صادية والجتماع ية والن سانية والبيئ ية والثقاف ية والعلم ية‬

‫والقانونية والنسانية‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫فعلى مسهتوى الحكومهة العالميهة ‪ -‬تقريبا ‪ -‬تبدو منظمهة المهم المتحدة ‪ UN‬ههى‬

‫المؤسهسة الدول ية الكثهر ت عبيرا عن هذا التو جه‪ ،‬مهن خلل وكالتهها المتخصهصة فهى كافهة‬

‫مجالت التعاون العالميهة‪ ،‬ومهن خلل الجمعيهة العامهة للمهم المتحدة ومجلس المهن‪ .‬فلقهد‬

‫“ لعبت المم المتحدة ومنظماتها التابعة دورا رئيسيا فى تأكيد أهمية العولمة‪ ،‬وأهمية العداد‬

‫لوحدة العالم‪ ،‬وأهمية إيجاد شكل من أشكال الفوقية فوق الدول والحكومات‪ ،‬خاصة فى أوقات‬
‫الزمات‪ .‬وأهمية أن تتنازل الدول والحكومات عن جزء من سيادتها إن لم تكن سيادتها كاملة‬

‫لصالح آليات أكبر‪ ،‬وبشكل يتسع ليشمل جميع دول العالم‪ ،‬وليشكل فيما بعد حكومة العولمة‪.‬‬
‫لقد استطاعت المم المتحدة منذ إنشائها عام ‪ 1945‬ومنظماتها العالمية أن تهيئ الفكر النسانى‬
‫لفكرة الحكومة العالمية ”(‪.)108‬‬

‫‪108‬‬

‫()‬

‫محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.71‬‬

‫‪-‬‬

‫‪70‬‬

‫‪-‬‬

‫وعلى مستوى القتصاد العالمى تظهر مؤسسات عالمية مثل‪ “ :‬البنك الدولى وصندوق‬
‫النقهد الدولى واللذان تهم إنشائهمها بمقتضهى اتفاقيهة بريتون وودز عام ‪ )109(” 1944‬ومنظمهة‬
‫التجارة العالمية ‪ WTO‬التى تم إنشاؤها عام ‪” 1995‬لكى تحل محل التفاقية العامة للتعريفات‬
‫والتجارة « الجات »∗ التى تم توقيعها عام ‪.)110(” 1948‬‬
‫” ويقوم صندوق الن قد والب نك الدولى ‪ -‬إلى حد كبير ‪ -‬بمحاولة ض بط ال سياسات‬
‫المال ية والنقد ية لمختلف الدول “( ‪ ،)111‬بين ما ” ت ضع منظ مة التجارة العالم ية مجمو عة من‬
‫القواعد والقوانين التى تلتزم بها الدول العضاء فى مجال التجارة الدولية للسلع والخدمات‬
‫والفكار‪ ،‬وتعمهل على صهيانة وتأكيهد المنافسهة العادلة الحرة فهى التجارة الدوليهة‪ ،‬وعدم‬
‫وجود أى ش كل من أشكال التمي يز والتفر قة ب ين المنتجات المحل ية والمنتجات الم ستوردة‪،‬‬
‫وت ضع إطارا عاما للتزامات الدولة فى التخفيضات الجمرك ية‪ .‬و من أ جل حما ية المناف سة‬
‫تقوم بمكافحة الممارسات التجارية غير العادلة‪ ،‬مثل الدعم الحكومى للصادرات‪ ،‬أو لجوء‬
‫ب عض الم صدرين إلى تخف يض أ سعار المنتجات الم صدرة عن ال سعار المحل ية‪ ،‬و هو ما‬
‫يُعرف بالغراق “(‪.)112‬‬
‫وعلى المسهتوى القانونهى والقضائى العالمييهن‪ ،‬تقوم كهل مهن محكمهة العدل الدوليهة‬
‫والشرطهة الجنائيهة الدوليهة ( النتربول ) بالدور القضائى ومهام تنفيهذ القانون على المسهتوى‬
‫العالمى‪ ،‬وتدعمهما ‪ -‬فى ذلك ‪ -‬قواعد القانون الدولى العام والتفاقيات الدولية لمتابعة وتسليم‬
‫المجرمين فيما يتعلق بالجرائم الجنائية العادية‪ .‬بينما تقوم محكمة الجزاء الدولية بموجب قرار‬
‫من مجلس ال من بالن ظر فى المحاكمات المتعل قة بالجرائم ضد الن سانية‪ ،‬بالضا فة إلى الدور‬
‫الذى ستمارسه المحكمة الجنائية الدولية فى نفس هذا المضمار‪ ،‬ولكن فى نطاق الدول الموقعة‬
‫على اتفاقية إنشاء هذه المحكمة‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫()‬

‫حازم الببلوى‪ ،‬دور الدولة فى القتصاد‪ .‬ص ‪.206‬‬

‫تنص المادة (‪ )20‬من اتفاقية الجات على التى‪ .. « :‬ليس هناك شئ فى هذه التفاقية يمكن فهمه على أنه يمنع تبنى أو‬
‫إنفاذ أى طرف متعاقهد للتدابيهر‪ ..‬الضروريهة لحمايهة الخلق والمعنويات العامهة‪ ..،‬وحياة أو صهحة النسهان والحيوان‬
‫والنبات‪ ...‬أو الكنوز الوطنيههههههههة ذات القيمههههههههة الفنيههههههههة والتاريخيههههههههة‬
‫أو الركيولوجية‪ ،‬وصون الموارد الطبيعية القابلة للستنفاد‪.» ..‬‬
‫‪‬‬

‫ان ظر‪ :‬جارى بيرتلس وآخرون‪ ،‬جنون العول مة ( تفن يد المخاوف من التجارة المفتو حة )‪ .‬ص ‪ .151‬و سعيد اللوندى‪،‬‬
‫بدائل العولمة ( طروحات جديدة لتجميل وجه العولمة القبيح )‪ .‬ص ‪.191‬‬
‫‪110‬‬

‫() جوموك‪ .‬سههوندارام‪ ،‬صههدام أم حوار ( بعههض الفكار القتصههادية للعصههر الجديههد )‪ .‬فههى فخرى لبيههب‬
‫( محرر ) ( مرجع سابق )‪ ،‬ص ‪.132‬‬

‫‪111‬‬

‫()‬

‫‪112‬‬

‫()‬

‫حازم الببلوى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.231‬‬
‫محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.76 - 75‬‬

‫‪-‬‬

‫‪71‬‬

‫‪-‬‬

‫وعلى المسهتوى التشريعهى العالمهى‪ ،‬يظههر التحاد البرلمانهى الدولى الذى يضهم‬
‫برلمانات العالم‪ ،‬كأحد الشكال المبدئية لبرلمان عالمى‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشركات المتعددة الجنسيات وأسواق المال العالمية‪:‬‬
‫تمثل الشركات المتعددة الجنسيات وأسواق المال العالمية القطاع القتصادى لمؤسسات‬
‫البنية الفوقية للعولمة‪ .‬وهى ‪ -‬فى الغالب ‪ -‬شركات تخضع فى ملكيتها وإدارتها لفراد القطاع‬
‫الخاص‪ ،‬وإن كانت الحكومات تشترك ‪ -‬فى بعض الدول ‪ -‬بنسب ملكية محدودة فيها‪ .‬ومعظم‬
‫هذه الشركات ‪ -‬فهى الغالب ‪ -‬ههى شركات مسهاهمة يسهاهم الفراد المختلفيهن على مسهتوى‬
‫العالم فى تملك أسهمها المطروحه فى أسواق المال ( البورصات ) العالمية‪ .‬والتى يتم تداولها‬
‫كل يوم من مساهم إلى آخر دون اللتفات إلى ديانته أو عرقه أو جنسيته‪.‬‬
‫ولقهد ظهرت الشركات المتعددة الجنسهيات للوجود فهى البدايهة فهى شكهل ” الشركات‬
‫التجار ية ال تى تع مل فى مجال التجارة الخارج ية‪ ،‬ثم شركات الن قل والموا صلت خا صة ال تى‬
‫تستخدم الخطوط الجوية والبحرية والبرية المنتظمة التى تجوب العالم‪ ،‬ثم شركات السياحة‪ ،‬ثم‬
‫البنوك ذات الفروع العالميهة‪ ..‬وتسهتمد هذه الشركات مواردهها الماليهة والبشريهة والتقنيهة مهن‬
‫مصادرها المختلفة المنتشرة فى جميع أنحاء العالم لتختار أفضل عناصر العمل والنتاج “(‪.)113‬‬
‫وبالتالى فمقار هذه الشركات موزعهة على أنحاء العالم ” فمقرهها الدارى فهى دولة‬
‫ومقرها التسويقى فى دولة ثانية‪ ،‬ومقرها الهندسى والفنى فى دولة ثالثة‪ ،‬ومقرها النتاجى فى‬
‫دولة راب عة‪ ،‬ومقرها القلي مى فى دولة خام سة‪ ،‬ومقر ها الدعائى والعلنى فى دولة سادسة‪،‬‬
‫ومقرها التنفيذى فى دولة سابعة‪ ..‬فهى تفترض أن العالم بالنسبة لها هو عالم بل حدود سياسية‬
‫أو اقتصادية أو جغرافية‪ ..‬وتعمل من منطلق أن حدودها هى حدود العالم بأسره؛ لذلك فهى ل‬
‫تجهد صهعوبة فهى نقهل سهلعها وخدماتهها وأصهولها وإداراتهها ومراكهز بحوثهها إلى أى مكان‬
‫مستخدمة آخر التقنيات فى تقلص الزمان والمكان “(‪.)114‬‬
‫ول قد كان التطور ال كبر لهذه الشركات فى الفترة من ‪ 1975‬إلى ‪ 1990‬ح يث ارت فع‬
‫عدد هذه الشركات ” مهن (‪ )11000‬شركهة لهها (‪ )82000‬فرع فهى شتهى أنحاء العالم عام‬
‫‪ ،1975‬إلى (‪ )37500‬شركة لها (‪ )207000‬فرع فى عام ‪.)115(” 1990‬‬
‫وثمة انطباع سائد بأن الشركات المتعددة الجنسيات قاصرة على شئون قطاعى التجارة‬
‫والصهناعة‪ .‬ولكهن الواقهع يقرر أن قطاع الخدمات يدخهل فهى إطار فاعليات الشركات المتعددة‬
‫‪113‬‬

‫()‬

‫‪114‬‬

‫()‬

‫‪115‬‬

‫()‬

‫محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.80‬‬
‫عبد الخالق عبد ال‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.70‬‬
‫سيار الجميل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.80‬‬

‫‪-‬‬

‫‪72‬‬

‫‪-‬‬

‫الجن سيات‪ ،‬وبالتالى فإن النش طة العلم ية العالم ية تمارس فاعليات ها هى الخرى من خلل‬
‫شركات متعددة الجنسههيات‪ .‬فالمجموعات الصههحفية الكههبرى فههى العالم وشبكات القنوات‬
‫التلفزيونية الفضائية ( كمثال ) ما هى إل شركات متعددة الجنسيات‪ ،‬بل ويمكن اعتبار وكالت‬
‫النباء بمثابة شركات متعددة الجنسيات‪.‬‬
‫حدِدة للقيمهة التجاريهة لتلك‬
‫وتمثهل أسهواق المال العالميهة ( البورصهات ) السهوق ال ُم َ‬
‫الشركات‪ ،‬وال تى ي تم في ها تداول ح صص من هذه الشركات فى ش كل أ سهم الم ساهمين بالب يع‬
‫والشراء‪ ” .‬ولتوازنات الوانهى المسهتطرقة خصهائص لهها تأثيرهها الخاص على معاملت‬
‫ال سواق الدول ية‪ ،‬ح يث تنت قل التجاهات ال تى تحدث فى إحدا ها‪ ،‬لت صيب بدر جة أو بأخرى‬
‫السهواق الخرى معززة بذلك حركهة رأس المال السهاخنة التهى ل تهدأ أو تسهتقر فهى سهوق‬
‫معي نة بذات ها‪ ،‬لتت جه وتفرض توازناتها على ال سواق الخرى‪ ،‬وتفرض آليات ها الن صياع ش به‬
‫الكا مل لتوازنات الوا نى الم ستطرقة‪ .‬وهكذا أر ست العول مة (القت صادية) قوانين ها‪ ...‬فال كل‬
‫داخل سوق واحد وإن تعددت ‪ -‬فى الظاهر ‪ -‬السواق “(‪.)116‬‬
‫لقد تمكن القطاع القتصادى من الستثمار الفائق لمؤسسات البنية التحتيه للعولمة‪ ،‬من‬
‫خطوط مواصلت برية وبحرية وجوية‪ ،‬وشبكات اتصالت وإعلم كابلية ولسلكية وفضائية‪،‬‬
‫ل إلى شبكة النترنت‪ ،‬وبذلك استطاع القطاع القتصادى النتقال بأنشطته إلى المستوى‬
‫وصو ً‬
‫العالمى‪.‬‬
‫(‪ )3‬المنظمات الدولية غير الحكومية ( منظمات المجتمع المدنى العالمى )‪:‬‬
‫وتمثهل المنظمات الدوليهة غيهر الحكوميهة قطاع مؤسهسات البنيهة الفوقيهة للعولمهة‬
‫المرتبط بقطاع المجتمع المدنى العالمى‪ .‬و” هى عبارة عن هيئات أو اتحادات دولية مستقلة‬
‫عهن الحكومات‪ ،‬وعادة مها يكون لهها فروع وأعضاء فهى العديهد مهن دول العالم‪ ،‬وتركهز‬
‫اهتماماتهها وأنشطتهها على قضايها مهنيهة‪ ،‬أو قضايها أخرى ذات طابهع عالمهى مثهل‪ :‬حقوق‬
‫النسهان وحمايهة البيئة وتحقيهق السهلم ومراقبهة النتخابات ومسهاعدة اللجئيهن وضحايها‬
‫الحروب والكوارث‪..‬إلخ “(‪.)117‬‬
‫ويش هد العالم تطورا متزايدا فى انتشار المنظمات الدول ية غ ير الحكوم ية ” ف فى نها ية‬
‫القرن العشر ين كان يوجد حوالى عشرون منظ مة حكوم ية دول ية‪ ،‬ومائة وثمانون منظ مة غير‬
‫‪116‬‬

‫()‬

‫‪117‬‬

‫()‬

‫محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.231‬‬
‫حسنين توفيق إبراهيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.193‬‬

‫‪-‬‬

‫‪73‬‬

‫‪-‬‬

‫حكوميهة تتجاوز الحدود القوميهة‪ .‬أمها اليوم فتوجهد أكثهر مهن ثلثمائة مهن المنظمات الحكوميهة‬
‫الدولية‪ ،‬وحوالى خمسمائة من المنظمات الدولية غير الحكومية “(‪.)118‬‬
‫ول قد أظهرت المنظمات الدول ية غ ير الحكوم ية فاعليات ها المؤثرة والضاغ طة فى عدد‬
‫مهن ” المؤتمرات العالميهة كمؤتمهر قمهة الرض فهى ريهو دى جانيرو‪ ،‬ومؤتمهر السهكان فهى‬
‫القاهرة‪ ،‬ومؤتمهر المرأة فهى بكيهن‪ ،‬ومؤتمهر حقوق النسهان فهى فيينها‪ ،‬ومؤتمهر مناهضهة‬
‫العنصرية فى ديربن بجنوب أفريقيا “(‪.)119‬‬
‫كمها تمارس عدد مهن تلك المنظمات الدوليهة غيهر الحكوميهة تأثيرهها الضاغهط على‬
‫الحكومات فهى مجالت البيئة وحقوق النسهان‪ ،‬مثهل‪ :‬منظمصة السصلم الخضصر الدوليصة‬
‫‪ ،Greenpeace‬ومنظمصة العفصو ‪ ،Amnesty International‬أو المفوضيصة الدوليصة للقضاة‪.‬‬
‫أو فى مجالت مكافحة الفساد فى دوائر المال والعمال العالمية مثل منظمة الشفافية الدولية‪.‬‬
‫أو فى مجالت تقديم المساعدة المالية لشعوب الدول المتخلفة والمناطق المنكوبة مثل‪ :‬منظمة‬
‫الوكسصفام ‪ ،Oxfam‬أو فهى مجال الرعايهة الصهحية مثهل منظمصة أطباء بل حدود‪ ،‬أو فهى‬
‫هر‬
‫هل منظمصصة أخوات حول العالم‪ ..‬إلخ تلك المنظمات غيه‬
‫هة حقوق المرأة مثه‬
‫مجالت حمايه‬
‫الحكومية دولية النشاط والتى تتداول وسائل العلم العالمية نشراتها وتقاريرها‪.‬‬
‫ل قد أفادت المنظمات الدول ية غ ير الحكوم ية من مؤ سسات البن ية التحت ية للعول مة ال تى‬
‫مكّنتها من إمكانية القيام بأنشطة مدنية غير حكومية على مستوى عالمى‪ .‬ولعل فاعليات شبكة‬
‫النترنت المتاحة حاليا للمنظمات الدولية غير الحكومية‪ ،‬تعزز كثيرا من قدرتها على الرتفاع‬
‫بدر جة تأثيرها فى كا فة المجالت ال تى تدخل فى إطار أنش طة منظمات المجت مع المدنى على‬
‫المستوى العالمى‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪118‬‬

‫()‬

‫‪119‬‬

‫()‬

‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.191‬‬
‫انظر كلً من‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عبد الخالق عبد ال‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.84‬‬
‫ب ‪ -‬هناء عبيد‪ ،‬العولمة‪ .‬صفحات ‪.29 - 27‬‬

‫‪-‬‬

‫‪74‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمــة الفصـل الثانى‪:‬‬
‫عرضهت الدراسهة بالفصهل الثانهى للبعاد الماديهة لظاهرة العولمهة مهن خلل دراسهة‬
‫مظاهرها ومؤسساتها‪ .‬حيث تبين من تحليل مضمون أدبيات العولمة أن مظاهر العولمة تتلزم‬
‫فيهها المتناقضات والمتفارقات بحيهث تبدو كعمليهة مركبهة مزدوجهة ومتعارضهة‪ ،‬يتجاذب فيهها‬
‫منطق التوحيد مع أليات النقسام‪ ،‬ويعمل الميل إلى الئتلف والتجانس مع الميل إلى الختلف‬
‫والتنافهر‪ .‬وبالتالى فالعولمهة فهى مظاهرهها العمليهة تُوحّده الطهر فهى إطار واحهد بينمها تقسهم‬
‫المضامين‪ ،‬وتختصر المرجعيات بينما تتفرع فى الوسائل والساليب‪ .‬ولهذا استحدثت الدراسة‬
‫ت صنيفا لمظا هر العول مة يق سمها إلى مظهر ين‪ ،‬وهذان المظهران ه ما‪ « :‬إ ستراتيجية التو حد‬
‫والتكتهل والندماج » و« تكتيكات التشظهى والتجزؤ والنقسهام »‪ .‬بحيهث تمارس العولمهة‬
‫فاعليات ها وفقا ل كل من‪ :‬إ ستراتيجية التو حد والتك تل والندماج ال تى تع مل على توح يد ال طر‬
‫والمرجعيات وتقويهة الترابهط والتقارب والتداخهل على كافهة المسهتويات‪ .‬وتكتيات التشظهى‬
‫والتجزؤ والنقسام التى تعمل فى ذات الوقت على تكريس التعدد والتنوع والختلف‪.‬‬
‫ول عل هذا التنا قض ب ين هذ ين المظهر ين ‪ -‬اللذ ين تتمظ هر العول مة وفقا له ما ‪ -‬هو‬
‫الذى يمنحها البنية الواقعية التى تعبّر عن منطق المور والشياء فى طبيعتها الفطرية‪ .‬فالكل‬
‫يتركب من الجزاء والجزاء تتفرع من الكل‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإن أ عم مظاهر العولمة يمكن صياغتها فى التعبير التالى‪ :‬التوحد الملزم‬
‫للتشظى‪ ،‬والتكتل الملزم للتجزؤ‪ ،‬والندماج الملزم للنقسام‪.‬‬
‫كما تبين من رصد مؤسسات العولمة‪ ،‬إنه يمكن تقسيمها إلى نوعين‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مؤسهسات البنيهة التحتيهة للعولمهة‪ :‬وههى القطاعات الموفّرة لقنوات ووسهائل الربهط‬
‫والتصال بين أجزاء العالم المتعددة‪.‬‬
‫ب‪-‬‬

‫مؤسهسات البنيهة الفوقيهة للعولمهة‪ :‬وههى القطاعات التهى تمارس أدوارا سهياسية أو‬
‫اقتصادية أو ثقافية أو إعلمية‪ ..‬إلخ‪ ،‬على مستوى العالم ككل‪.‬‬
‫ويو فر التعرف على مظا هر العول مة ومؤ سساتها‪ ،‬الفر صة للمز يد من المعر فة حول‬

‫الثار التهى تمارسهها هذه المظاههر والكيانات على النشطهة المجتمعيهة والنسهانية‪ ،‬فهى ظهل‬
‫الخلفيهة الفكريهة التهى تنطلق منهها العولمهة‪ ،‬والبنيهة الماديهة التهى تتمظههر وفقا لهها‪ .‬وهذا مها‬
‫سنعرض له فى الفصل القادم‪ ،‬حول البعاد المجتمعية والنسانية لظاهرة العولمة‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪75‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل الثالث‬
‫البعـاد المجتمعية والنسانية لظاهرة‬
‫العولمـة‬
‫محتـويـات الفصـل الثالث‬
‫مقدمــة الفصــل الثـالث‬

‫القســـــــــــــــم الول ‪ :‬البعاد‬
‫المبحـــــــث البعاد السـياسية لظاهرة‬

‫المجتمعيــــة لظاهرة العولمــــة‬

‫العولمــــــــــــــــــــــــة‬
‫الول‪:‬‬
‫المبحـــــــث البعاد القتصـــــــــــادية‬
‫العولمـــــــــــــة‬
‫الثانــــــــى‪:‬‬
‫لظاهرة‬
‫لظاهرةالثقافيــــة‬
‫المبحـــــــث البعاد‬
‫العولمــــــــــــــــــــــــة‬
‫الثالث‪:‬‬
‫المبحـــــــث البعاد العلميــة لظاهرة‬
‫الرابـــــــــع‪ :‬العولمــــــــــــــــــــــــة‬

‫القسـم الثانـى‪ :‬البعاد النسـانية‬

‫المبحـــــــث ظاهرة العولمــــــــــــــة‬

‫لظاهرة العولمــــــــــــــــــــــة‬

‫النســــانية‬
‫والمشتركات‬
‫الخامـــــس‪:‬‬
‫قــراءة أخـــرى)‬
‫(‬

‫خـاتمــة الفصــل الثـالـث‬

‫‪-‬‬

‫‪76‬‬

‫‪-‬‬

‫القسـم الول‬
‫البعـاد المجتمعيـة لظاهرة العــولمـة‬
‫المبحـث الول‬
‫البعـاد السياسيـة للعـولمــة‬
‫(العـولمة السياسية)‬
‫تكشهف البعاد السهياسية للعولمهة عهن عدد مهن التغيرات المتدرجهة التهى أخذت تطرأ‬
‫على الم سلمات فى المفاه يم ال سياسية المعا صرة‪ ،‬وال تى با تت تتعلق بم ستقبل ن مو أو انكماش‬
‫دور الدولة‪ ،‬ومدى صههلحية الديمقراطيههة الغربيههة للنتشار عالميا‪ ،‬والدور المأمول لقوى‬
‫المجتمع المدنى على المستوى العالمى‪ .‬وذلك كالتالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬العـولمـة وسيادة الدولـة‪:‬‬
‫تدفهع إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتكتهل والندماج إلى التحول التدريجهى ن حو نشأة‬
‫حكو مة عالم ية ذات مجال سيادة عال مى تنضوى تح ته سيادات الدول القوم ية المتفر قة‪ .‬بين ما‬
‫ت سفر تكتيكات التش ظى والتجزؤ والنقسهام عن تف تت البن ية ال سيادية للدولة القوم ية‪ ،‬ل صالح‬
‫دويلت انفصالية تنسلخ عن مجال سيادتها‪ ،‬أو لصالح مؤسسات المجتمع المدنى المتطلعة إلى‬
‫الختصاص ببعض مكونات هذه السيادة‪.‬‬
‫ولعل الواقع يقرر أن الدولة ” لم تعد هى الوحدة المركزية الساسية فى النظام العالمى‬

‫كما كانت عليه فى السابق‪ ،‬وبخاصة فى ظل بروز قوى اقتصادية واجتماعية محلية وعالمية‬

‫مناف سة “(‪ .)120‬ح يث أ صبحت ” الدولة المعا صرة مضطرة إلى تفك يك أبنيت ها الشمول ية ل صالح‬

‫المجتمعات المحل ية من خلل اللمركز ية‪ ..‬ول صالح مؤ سسات المجت مع المد نى الباز غة‪.....‬‬

‫والتنازل فى ن فس الو قت عن عد يد من مجالت سيادتها التقليد ية ل صالح المؤ سسات الدول ية‬
‫والكونيهة “‬

‫(‪)121‬‬

‫المهر الذى سهيؤدى إلى ” أن مؤسهسة الدولة لن تكون بتلك المحوريهة أو‬

‫المركزية التى كانت عليها فى السابق‪ ،‬حين كانت تحتكر كل شئ أو مؤهلة لحتكار كل شئ‬
‫‪120‬‬

‫‪121‬‬

‫() عبهد الخالق عبهد ال‪ " ،‬مناقشهة حول ورقهة جلل أميهن عهن‪ :‬العولمهة والدولة "‪ ،‬فهى أسهامة أميهن الخولى‬
‫( محرر )‪ ،‬العرب والعولمة ( بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية )‪ .‬ص ‪.202‬‬
‫()‬

‫السيد ياسين‪ ،‬الزمن العربى والمستقبل العالمى‪ .‬ص ‪.125‬‬

‫‪-‬‬

‫‪77‬‬

‫‪-‬‬

‫يقع ضمن حدودها فى إطار سيادتها‪ .‬فمع الثورة التقنية المعاصرة‪ ...‬تتحول السيادة إلى مجرد‬
‫مفهوم قانونى ل قوة فعلية له “(‪ .)122‬حيث نقلت إستراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج ”‬

‫السهلطة ؛ بعيدا عهن المهم إلى فضاء عالمهى غيهر مسهيس “(‪ ”،)123‬ولعهل دهشهة السهياسيين‬

‫وانبهار هم من قدرة العول مة على تلي ين ‪ to soften up‬المؤ سسات‪ ،‬جعلت هم يعتقدون أن هم فى‬
‫طريقهم لن يصبحوا «حفارى قبورهم»“(‪.)124‬‬

‫ولهذا فقهد برز إلى الدبيات السهياسية العالميهة مفهوم « حهق التدخهل » والذى يمنهح‬

‫العالم حق تجاوز سيادة الدولة‪ .‬ففى ” عام ‪ 1977‬قال الرئيس المريكى « كارتر »‪ ..‬إنه ليس‬

‫هناك عضو فى المم المتحدة يمكنه أن يزعم أن إساءة معاملته لمواطنيه داخل دولته تُعد من‬
‫المور الخا صة به وحده “(‪ .)125‬علوة على ذلك‪ ..‬ف قد ” كان هناك اقتراح فرن سى تم تقدي مه‬
‫عام ‪ 1978‬بإمداد سكرتير عام المم المتحدة بالقدرة على مراقبة التحركات العسكرية بواسطة‬

‫القمار الصناعية “(‪.)126‬‬

‫ولقد تم تطبيق حق التدخل فى الواقع السياسى الفعلى إما ” لسباب إنسانية كما حدث‬

‫للتدخل الدولى فى الصومال‪ ،‬أو لسباب سياسية كما حدث بالنسبة للعراق تحت لواء الشرعية‬
‫الدولية “(‪ ،)127‬أو كما حدث فى كوسوفو بالنسبة للصرب واللبان‪.‬‬

‫ول شك فى أن الوا قع المعا صر يو ضح ” أن المشا كل الع مق ال تى توا جه الن سانية‬

‫أكبر من أن تستطيع الدولة القومية ‪ -‬وهى الوحدة التقليدية للشئون الدولية ‪ -‬معالجتها‪ ،‬ولكن‬

‫هذا القول ل يعنهى أن الدولة القوميهة قهد عفها الدههر على ضرورة وجودهها‪ .‬فالدولة القوميهة‬
‫ستبقى ‪ -‬ولوقت قادم ‪ -‬المحطة الرئيسية للولء المدنى‪ ..‬ومع هذا فإن عالم اليوم بحاجة إلى‬

‫أكثهر مهن مجرد دولة قوميهة‪ ،‬لتنظيهم سهلم عالمهى‪ ،‬ولرفهع رفاهيتهه‪ ،‬ونشهر قطاف العلم‬
‫والتكنولوج يا عالميا‪ ،‬والتما شى مع المشا كل البيئ ية والكون ية‪ ..‬فى إطار مجت مع أ كبر يع كس‬

‫عناصره الموحدة ويطمر العناصر التى ساعدت تقليديا على تقسيمه “(‪.)128‬‬

‫‪122‬‬

‫()‬

‫‪123‬‬

‫()‬

‫تركى الحمد‪ ،‬الثقافة العربية فى عصر العولمة‪ .‬ص ‪.52‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬الطريق الثالث (تجديد الديمقراطية الجتماعية)‪ .‬ص ‪.192‬‬

‫‪Beck, Ulrich, Beyond the nation state ) globalization (. p. 1. )Available from Internet(.‬‬

‫()‪124‬‬

‫‪125‬‬

‫()‬

‫‪126‬‬

‫()‬

‫‪127‬‬

‫()‬

‫‪128‬‬

‫() زبغن يو بريجن سكى‪ ،‬الفو ضى ( الضطراب العال مى ع ند مشارف القرن الحادى والعشر ين )‪ .‬ترج مة مالك فا ضل‪ ،‬ص‬
‫‪.192‬‬

‫هارلن كليفلند‪ ،‬ميلد عالم جديد‪ .‬ترجمة جمال على زهران‪ ،‬ص ‪.199‬‬
‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.123‬‬

‫‪-‬‬

‫‪78‬‬

‫‪-‬‬

‫ول كن نظرا لن نا نش هد الن مرحلة انتقال ية من مجال ال سيادة التقليدى للدولة القوم ية إلى‬
‫مجال السهيادة العالمهى للحكومهة أو الدارة العالميهة‪ ،‬فإن المور تلتبهس على الفههم‪ ،‬وتبدو حمايهة‬
‫الدول القومية لمصالحها الستراتيجية بمثابة دليل على عدم صحة التوجهات العولمية‪ ،‬على الرغم‬
‫من أن العول مة سرعان ما ستدفع ن حو تل قى كل الم صالح ال ستراتيجية القوم ية ت حت مظلة‬
‫المصلحة العالمية الكبرى‪ .‬ولعل هذا يفسر أن تناقض مصالح دولة مثل الوليات المتحدة المريكية‬
‫مع بعض المصالح العالمية هو أمر يمكن تفسيره فى سياق تلك المرحلة النتقالية‪ ،‬ولكن تدريجيا‬
‫سرعان ما ستتطابق المصالح العالمية مع المصالح القومية لتشكل مصلحة إستراتيجية عالمية‪.‬‬
‫على الجانب الخر‪ ..‬فإن تكتيكات العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام تدفع نحو نشوء‬
‫دويلت انفصهالية عرقيهة منسهلخة عهن الدولة القوميهة الم‪ .‬ويشههد العالم الن العديهد مهن‬
‫الحركات النفصالية فى أوربا الغربية والشرقية‪ ،‬وفى المغرب العربى والمشرق العربى‪ ،‬وفى‬
‫غرب أفريقيا وشرقها‪ ،‬وفى جنوب شرق آسيا وفى الشرق القصى‪ .‬علوة على ذلك فإن قوى‬
‫المجتمع المدنى الصاعدة تجد نفسها مؤهلة للضطلع بجزء من اختصاصات الدولة القومية‪.‬‬
‫وبالتالى سرعان ما تمتد منظمات المجتمع المدنى؛ لكى تمارس أدوارا مجتمعية كانت تحتكرها‬
‫الدولة القومية‪ ،‬وذلك تمشيا مع سلطتها الصاعدة التى لبد أن تقابلها اختصاصات متنامية على‬
‫كافة المستويات‪ .‬ومن هنا ينبغى التعامل مع الدولة باعتبارها ” ظاهرة تاريخية خاضعة للتغير‬
‫ول ها مآل معي نة بح كم التطور الجتما عى ول ي صح ت صنيم دور الدولة‪ ،‬بل يجدر تحد يد هذا‬
‫الدور فى ضوء حاجات التنمية والتقدم الجتماعى‪ ..‬إن التجربة تشير إلى مظاهر سلبية كثيرة‬
‫فهى مسهيرة الدولة الوطنيهة فهى‪ ..‬العالم الثالث بوجهه عام‪ .‬والشهئ المههم فهى اسهتخلصه مهن‬
‫التجربة السابقة هو التأكيد على أهمية الديمقراطية كمؤسسات حكم‪ ،‬وحقوق النسان باعتبارها‬
‫القاعدة الحقيقية لى دور فعال وسليم للدولة “(‪.)129‬‬
‫ولعهل ” متغيرات عصهرنا توحهى بأننها نعيهش فهى مرحلة مها بعهد الدولة القوميهة‬
‫أو إرها صاتها‪ ،‬فالقوم ية ظاهرة تاريخ ية معي نة ل ها أ سبابها‪ ،‬ولي ست فكرة مت سامية منف كة من‬
‫قيود الزمان والمكان “(‪.)130‬‬
‫وبالتالى فإن الشكهل الذى تتحول إليهه الدولة ‪ -‬بحيهث يُنقهل جزء مهن سهيادتها إلى‬

‫الم ستوى فوق القو مى ( حكو مة عالم ية )‪ ،‬وجزء آ خر إلى الم ستوى المحلى ( مجت مع مد نى‬
‫‪129‬‬

‫‪130‬‬

‫() مهدى الحافظ‪ " ،‬مناقشة حول ورقة جلل أمين عن‪ :‬العولمة والدولة "‪ .‬فى أسامة الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص‬
‫‪.200‬‬
‫()‬

‫تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.47‬‬

‫‪-‬‬

‫‪79‬‬

‫‪-‬‬

‫وأقليات عرقيهة ) ‪ -‬لن يؤدى إل إلى اختفاء ” الدولة الرخوة ‪ ..The soft state‬التهى تتسهم‬
‫بالف ساد وتجا هل ح كم القانون وتغل يب م صالح أفراد ها الخا صة على الم صلحة العا مة) “(‪،)131‬‬

‫انطلقا مهن أن الدول لن يمكنهها البقاء فهى المجتمهع العالمهى إل ” مهن خلل التعاون الفعال مهع‬

‫بعضها البعض ومع محلياتها وأقاليمها ومع الجماعات والتجمعات عبر القومية “(‪.)132‬‬

‫وبالتالى فإن سهيادة الدولة التهى سهتتضاءل أمام سهيادة العالم‪ ،‬وسهلطة الدولة التهى‬

‫ستنكمش أمام سلطة الحركات النفصالية أو سلطة المجتمع المدنى‪ ،‬تطرحان أمام الدولة طريقا‬

‫آخر يوفر لها البقاء‪.‬‬

‫” لذلك على الدولة أن تكون حاسمة فى مهمتها من أجل تحديث الهوية الثقافية والتماسك‬

‫الجتما عى وذلك من أ جل تنم ية الديمقراط ية‪ .‬ل نه إذا كا نت الدولة فى طريق ها للختفاء‪ ،‬فلن‬

‫تو جد وحدة إن سانية جديدة ‪ -‬سواء أكا نت الكرة الرض ية أم الدولة العالم ية ‪ -‬يم كن أن تكون‬
‫مناسبة لستمرار التكاثر البشرى “(‪ .)133‬وهذا ما يفسر نزوع بعض الدبيات والمؤسسات الدولية‬

‫إلى إعادة التذكيهر بضرورة قوة الدولة ردا على الدعاوى المبشرة بانكماشهها‪ ” .‬فالبنهك الدولى‬
‫الذى كان من أول المتحدث ين عن انكماش الدولة بات يتب نى وجهة ن ظر أخرى‪ ..‬فهناك نمو فى‬
‫أدبيات قوة الدولة من حيث قوتها كشرط لقدرتها على تطبيق التغير “(‪.)134‬‬

‫وفهى سهبيل ذلك يضهع البنهك الدولى ” ثلثهة شروط أسهاسية لتحقيهق الحكهم الصهالح‬

‫‪ Good Governance‬ههى‪ -1 :‬إنشاء مؤسهسات قطاع عام قادر‪ -2 .‬الحهد مهن الفسهاد‬

‫والتصرفات التحكمية للدولة‪ -3 .‬تسهيل العمل الجماعى “(‪.)135‬‬

‫ولعهل هذا مها أدى إلى ظهور اتجاه « الطريهق الثالث »∗ فهى الدبيات السهياسية‬

‫الوربية‪ .‬كرد فعل على الجدال الدائر حول انكماش الدولة ” فالليبراليون الجدد يريدون تقليص‬
‫سلطات الدولة أو الحد من ها‪ .‬والديمقراطيون الجتماعيون تاريخيا يتحمسون لتوسيع سلطاتها‪.‬‬

‫الطر يق الثالث يطرح إعادة بناء الدولة لتتجاوز كلً من اليم ين الذى يطرح بأن الحكو مة هى‬
‫العدو واليسار الذى يقول بأن الحكومة هى الحل “(‪.)136‬‬

‫‪131‬‬

‫()‬

‫‪132‬‬

‫()‬

‫جلل أمين‪ " ،‬العولمة والدولة "‪ ،‬فى أسامة أمين الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.162‬‬
‫انطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.64‬‬

‫‪Beck, Ulrich, op. cit, p. 3. )Available from Internet(.‬‬
‫‪Koshy, Ninan, Political Dimensions of Globalisation. p. 4. )Available from Internet(.‬‬

‫‪135‬‬

‫()‪134‬‬

‫() نيف ين م سعد‪ ،‬تعق يب على ور قة جلل أم ين عن ( العول مة والدولة )‪ .‬فى أ سامة الخولى ( محرر )‪ ،‬مر جع سابق‪ ،‬ص‬
‫‪.185‬‬

‫‪‬‬
‫‪136‬‬

‫()‪133‬‬

‫()‬

‫انظر‪ :‬هناء عبيد‪ ،‬العولمة‪ .‬صفحات ‪.82 - 80‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.114 - 113‬‬

‫‪-‬‬

‫‪80‬‬

‫‪-‬‬

‫” إذن مطلوب دولة قوية وليست تسلطية‪ ،‬دولة مؤسسات وليست دولة أشخاص‪ ،‬دولة‬

‫قانون وشفافية وليست دولة يُشكل الفساد جزءً من بنيتها “(‪.)137‬‬

‫إن كل ما سبق يوضح أن الدولة القومية باعتبارها ”الوحدة السياسية الرئيسية لحقبة‬

‫الموجة الثانية‪ ،‬تتعرض إلى ضغوطات ل مفر منها‪ .‬إحدى هذه الضغوط تريد تحويل السلطة‬

‫ال سياسية من الدولة القوم ية إلى المنا طق والجماعات دون القوم ية‪ .‬وأخرى تر يد ن قل ال سلطة‬

‫مهن المهة إلى الوكالت والمنظمات الدوليهة‪ .‬إن هذه الضغوط تقود إلى تقسهيم المهم المتقدمهة‬
‫تكنولوجيا إلى وحدات أصغر وأقل سلطة “(‪.)138‬‬

‫إن التاريهخ يوضهح أن ” الدولة المعاصهرة ظاهرة تاريخيهة لم تجاوز فهى شكلهها‬

‫المعاصر أكثر من ثلثة أو أربعة قرون‪ .‬ومن المتصور بالتالى أن تعرف تطورا جديدا “‬

‫(‪)139‬‬

‫وهذا هو ما يحدث الن‪ ..‬حيث أصبحت مفاهيم مثل سيادة الدولة والدولة القومية ودور الدولة‬
‫فى الحكم ‪ -‬أصبحت فى ظل العولمة ‪ -‬مفاهيم ديناميكية قابلة للتغير بما يعزز من إستراتيجية‬

‫وتكتيكات العولمة‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬العولمـة والديمقراطيـة‪:‬‬
‫تدفهع إسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج نحهو توحيهد أسهاليب الحكهم على‬

‫المستوى العالمى‪ ،‬وذلك من خلل تنامى التجاه نحو أسلوب الحكم الليبرالى الديمقراطى‪ .‬بينما‬
‫فهى المقابهل تدفهع تكتيكات التشظهى والتجزؤ والنقسهام نحهو انحسهار دور البرلمانات كنموذج‬

‫للديمقراطية التمثيلية‪ ،‬والتجاه نحو الديمقراطية الشعبية أو أشكال مبتكرة أخرى للديمقراطية‪.‬‬

‫فلقهد كان” أبرز تطورات الربهع الخيهر مهن القرن العشريهن ههو إماطهة اللثام عهن‬

‫أو جه الض عف الخطيرة فى أنظ مة العالم الديكتاتور ية‪ ،‬ح تى ما بدا من ها قويا عنيدا‪ .‬سواء‬

‫منها اليمين السلطوى العسكرى أو اليسار الشمولى الشيوعى‪ .‬فمن أمريكا اللتينية إلى شرق‬

‫أورو با‪ ،‬و من التحاد ال سوفيتى إلى الشرق الو سط وآ سيا‪ ،‬تهاوت حكومات قو ية على مدى‬
‫العقدين الماضيين “(‪.)140‬‬

‫‪137‬‬

‫() حسنين توفيق إبراهيم‪ " ،‬العولمة‪ :‬البعاد والنعكاسات السياسية ( رؤية أولية من منظور علم السياسة ) "‪ ،‬مجلة عالم الفكر ( عدد خاص‬
‫بعنوان‪ :‬العولمة ظاهرة العصر )‪ ( .‬العدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.211‬‬

‫‪138‬‬

‫()‬

‫‪139‬‬

‫() حازم الببلوى‪ " ،‬تعقيب على ورقة اسماعيل صبرى عبد ال عن‪ :‬العولمة والقتصاد والتنمية العربية "‪ ،‬فى أسامة أمين‬
‫الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.392‬‬

‫‪140‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬ص ‪.343‬‬

‫فرانسيس فوكاياما‪ ،‬نهاية التاريخ وخاتم البشر‪ .‬ترجمة حسين أحمد أمين‪ ،‬ص ‪.10‬‬

‫‪-‬‬

‫‪81‬‬

‫‪-‬‬

‫” ففى عام ‪ 1974‬سقط نظام البرتغال الذى وضعه « سالزار » ولم يستطع أن يحميه‬
‫خليفته « جايتانو »‪ .‬وتبعه نظام « فرانكو » بأسبانيا فى ‪ .1975‬كما عرف نفس المصير حكم‬
‫العسهكر فهى اليونان فهى ‪ .1974‬وعرفهت أمريكها اللتينيهة الشهيرة بانقلباتهها وديكتاتورياتهها‬
‫تسهاقطا متتابعا فهى الرجنتيهن (‪ )1982‬وأورجواى (‪ )1983‬والبرازيهل (‪ )1984‬وشيلى (‬
‫‪ .)1990‬وانتقلت الموجة إلى آسيا فسقط نظام كوريا القوى فى ‪ 1987‬كما سقط قبل ذلك نظام‬
‫كمبوديا الغاشم “(‪ .)141‬وكانت بداية النهاية للنظام العنصرى فى جنوب أفريقيا ” فى فبراير عام‬
‫‪ 1990‬عندمها أعلنهت حكومهة « دى كليرك » التهى يهيمهن عليهها البيهض ‪ -‬آنذاك ‪ -‬إطلق‬
‫سراح « نيلسون » مانديل ورفع الحظر على نشاط حزب المؤتمر الوطنى الفريقى “(‪.)142‬‬
‫وعلى الجانهب الشيوعهى فقهد توالت النهيارات‪ ،‬حيهث اسهتغرق ” إنهاء حكهم الحزب‬
‫الشيوعهى فهى بولندا عشهر سهنوات‪ ،‬وفهى المجهر عشرة شهور‪ ،‬وفهى ألمانيها الشرقيهة عشرة‬
‫أ سابيع‪ ،‬و فى تشيكو سلوفاكيا عشرة أيام‪ ،‬و فى رومان يا ل يس أك ثر من ع شر ساعات ‪ ..‬تلك‬
‫السلسلة من المفاجآت السياسية التى ملت شاشة التلفزيون فى ‪ .1989‬ثم فى خريف ‪1991‬‬
‫عندما انحل التحاد السوفيتى نفسه‪ ،‬وأخذت جمهورياته تحاول لملمة أجزائه المتبعثرة “(‪.)143‬‬
‫”وخلل الفترة من عام ‪ 1974‬إلى عام ‪ 1994‬تحولت ستون دولة من أنظمة شمولية‬
‫أو ديكتاتوريهة إلى أنظمهة ديمقراطيهة “(‪ ،)144‬بحيهث ارتفهع عدد الدول الديمقراطيهة مهن‬
‫” ثمان ية و سبعين قطرا إلى مائة وثمان ية وثلث ين قطرا‪ ،‬وارت فع معدل البلد الديمقراط ية من‬
‫‪ %44‬إلى ‪ %72‬من مجموع عدد الدول بالعالم “(‪.)145‬‬
‫إن انتشار الديمقراطية يوضح أن ” إجماعا ملحوظا قد ظهر فى السنوات القليلة الماضية‬
‫فى جم يع أنحاء العالم‪ ،‬حول شرع ية الديمقراط ية الليبرال ية كنظام للح كم‪ ،‬ب عد أن لح قت الهزي مة‬
‫باليدلوجيات المنافسة ‪ -‬مثل الملكية الوراثية والفاشية والشيوعية ‪ -‬فى الفترة الخيرة “(‪.)146‬‬
‫وهذا الملمح نحو توحيد أساليب الحكم ‪ -‬كأحد البعاد السياسية للعولمة ‪ -‬يوضح أن‬
‫”عدد الخيارات المتاحة أمام الدول فى تحديدها لكيفية تنظيم نفسها سياسيا واقتصاديا يتناقص‬
‫بمرور الزمهن‪ .‬فمهن بيهن النماط المختلفهة للنظمهة التهى ظهرت عهبر تاريهخ النسهانية‬
‫‪141‬‬

‫()‬

‫‪142‬‬

‫()‬

‫‪143‬‬

‫()‬

‫‪144‬‬

‫()‬

‫‪145‬‬

‫()‬

‫‪146‬‬

‫()‬

‫حازم الببلوى‪ ،‬دور الدولة فى القتصاد‪ .‬ص ‪.171‬‬
‫فرانسيس فوكوياما‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.30‬‬
‫هارلن كليفلند‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.43‬‬
‫حسنين توفيق إبراهيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.190‬‬
‫السيد ياسين‪ ،‬الحوار الحضارى فى عصر العولمة‪ .‬ص ‪.11‬‬
‫فرانسيس فوكوياما‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.8‬‬

‫‪-‬‬

‫‪82‬‬

‫‪-‬‬

‫( مهن الملكيات والرسهتوقراطيات‪ ،‬إلى الحكومات الدينيهة الخاضعهة لرجال الديهن‪ ،‬إلى‬
‫الديكتاتوريات الفاشية والشيوعية فى قرننا هذا ) نجد أن الشكل الوحيد للحكومة الذى بقى ثابتا‬
‫لم يُمس حتى نهاية القرن العشرين هو الديمقراطية الليبرالية “(‪.)147‬‬
‫ولعهل هذه الحركهة التاريخيهة توضهح أن الديمقراطيهة على الرغهم مهن كونهها وليدة‬

‫مجتمعات غرب ية مرت بظروف خا صة‪ ،‬ول كن ر غم ذلك ت ظل الديمقراط ية ” وبدون أن تكون‬
‫كاملة‪ ..‬هى النظام السياسى الرقى والكثر عقلنة بين سائر النظمة السياسية التى اخترعتها‬
‫البشرية فى مسارها التاريخى الطويل “(‪.)148‬‬

‫و” هناك ثلثة مستويات مترابطة ومتداخلة للنظر إلى الديمقراطية‪ .‬أولها‪ :‬الديمقراطية‬

‫كنظام للق يم‪ ..‬وتتم ثل الق يم الديمقراط ية فى الحر ية والعدالة والمشار كة والم ساواة والت سامح‬

‫السهياسى والفكرى والقبول بالتعدديهة والختلف والتداول السهلمى للسهلطة بالحتكام إلى إرادة‬

‫الشعب واحترام حقوق النسان وسيادة القانون‪ .‬وثانيها‪ :‬الديمقراطية كأسلوب لممارسة السلطة‬

‫وتنظيم العلقة بين الدولة والمجتمع‪ ..‬وذلك من خلل مجموعة من الطر القانونية والهياكل‬

‫السياسية والمؤسسية والقواعد الجرائية التى تنظم الممارسة الديمقراطية‪ .‬وهنا تبرز عناصر‬
‫عدة فى بن ية النظام الديمقرا طى تتعلق بتنظ يم العل قة ب ين ال سلطات وطبي عة النظام الحز بى‬

‫والنظام النتخا بى وبن ية البرلمان‪ .‬وثالث ها‪ :‬الديمقراط ية باعتبار ها ن مط حياة للمجت مع‪ ..‬وي تم‬

‫التركيهز هنها على مدى توافهر قيهم وممارسهات الديمقراطيهة على صهعيد مؤسهسات المجتمهع‬
‫كالسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنادى‪ ....‬ومن منظور قضية العولمة يمكن القول أن‬

‫قيم الديمقراطية تعتبر ذات طابع عالمى باعتبارها قيما إنسانية عامة وثيقة الرتباط بالتطور‬
‫النسانى‪ ....‬أما الشكال والصيغ التنظيمية والمؤسسية التى تأخذها النظم الديمقراطية فهى‬
‫متعددة ويمكن أن تختلف من دولة إلى أخرى ”(‪.)149‬‬

‫ول شك فى أن الديمقراطية ‪ -‬كأسلوب للحكم ‪ -‬تعانى من عدد من المشكلت‪ .‬ولكن‬

‫قابل ية النظام الديمقرا طى للمراج عة والت صحيح تو ضح ” أ نه ل يس كافيا أن نش ير إلى مشكلت‬
‫فى الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة حتى لو كانت مشكلت هامة مثل العجز فى الميزانية‬

‫أو التض خم أو الجري مة أو المخدرات أو تدم ير البيئة أو عدم الم ساواة‪ ،‬فالمشكلة ل تتحول إلى‬

‫تناقض إل إذا كانت من الخطورة بحيث ل يمكن حلها فى إطار النظام القائم “(‪.)150‬‬
‫‪147‬‬

‫()‬

‫‪148‬‬

‫()‬

‫‪149‬‬

‫()‬

‫‪150‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.56‬‬
‫جورج طرابيشى‪ ،‬فى ثقافة الديمقراطية‪ .‬ص ‪.5‬‬
‫حسنين توفيق إبراهيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.206‬‬
‫فرانسيس فوكاياما‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.130‬‬

‫‪-‬‬

‫‪83‬‬

‫‪-‬‬

‫وفهى الواقهع‪ ..‬فإن مها تدفهع إليهه تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام‪ ،‬مهن‬

‫انحسهار فهى دور البرلمانات ودور التمثيهل النيا بى‪ ،‬يو ضح بأن ث مة تطويرا فهى ش كل النظهم‬

‫الديمقراط ية آخذا فى التكون‪ .‬وأن انتشار الديمقراط ية يراف قه انح سار لطر ها القدي مة‪ ،‬وميلد‬
‫لطر جديدة شعبية أكثر منها تمثيلية‪.‬‬

‫” فالمجتمع المعاصر يشهد ولدة أسئلة لم تعد السياسة والحزاب السياسية بقادرة على‬
‫الجابهة عنهها ول حتهى على صهياغتها‪ .‬فالسهياسة وصهدام اليدلوجيات كان لهمها معنهى‬
‫ما دام النقاش متمحورا حول مستوى إعادة توزيع الثروة الجتماعية‪ .‬ولكن مع توقف التفكير‬
‫فى بدائل للنظام القتصادى السائد مع سقوط الشيوعية‪ ،‬فإن اهتمامات الرأى العام باتت تنصب‬
‫على مسهائل غيهر قابلة للندراج فهى برامهج الحزاب ول فهى طقوسهها‪ .‬فقضايها البيئة مثلً‬
‫ع صية على الت صنيف فى خا نة اليم ين أو الي سار‪ ....‬وآليات الديمقراط ية التمثيل ية والحزب ية‬
‫تقهف مشلولة عهن الفعهل إزاء تطور ظاهرة الجنوح فهى ضواحهى العواصهم والمدن الكهبرى‪،‬‬
‫وظاهرة الدمان على المخدرات‪ ،‬ك ما ت قف عاجزة عن الجا بة على ال سئلة الخلق ية ال تى‬
‫ت ستأثر بالهتمام الجما عى م ثل التلق يح ال صطناعى والمهات الحاملت بالنيا بة وتجارة زرع‬
‫العضاء “(‪ ..)151‬والستنساخ‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫وبالتالى فإذا كانت الديمقراطية تواجه تغييرا فى أطرها ‪ -‬وليس فى قيمها ‪ -‬نابعا من‬
‫الح ساس بأز مة ما‪ ” .‬فإن أز مة الديمقراط ية تن بع من كون ها أن ها لي ست ديمقراط ية كاف ية‪.‬‬
‫فاليمان بالديمقراط ية لم يتغ ير فى الوليات المتحدة ح يث ‪ %90‬من ال سكان يؤمنون بالش كل‬
‫الديمقراطى للحكومة‪ .‬وفى إحصاء لحد عشر بلدا أوربيا فى الفترة ما بين ‪1990 - 1981‬‬
‫ظهر أن أكثر من ‪ %90‬مؤيدون لنظام ديمقراطى للحكومة ولكن النسبة نفسها وافقت على أنه‬
‫يجب البحث عن طرق لتطوير الديمقراطية “(‪.)152‬‬
‫ولعل ” السؤال المحورى الذى تثيره خبرات النظم الديمقراطية فى اللحظة الراهنة إنما‬
‫يتعلق بمدى احتفاظ البرلمانات بدورهها السهاسى وههو تمثيلهها لعموم الناخهبين‪ .‬فالقضيهة ههى‬
‫ات ساع دور الجماعات المنظ مة ونفوذ ها على ح ساب الغلب ية ال صامتة غ ير المنظ مة “(‪.)153‬‬
‫” فالقرارات لم تعهد تصهنعها اليوم المؤسهسات الحكوميهة والهيئات التمثيليهة أو الجراءات‬
‫النتخابية من برلمانات واستفتاءات‪ ،‬وإنما أصبحت شأنا عالميا يتعلق بسلطات جديدة أصحابها‬
‫‪151‬‬

‫()‬

‫‪152‬‬

‫()‬

‫‪153‬‬

‫()‬

‫جورج طرابيشى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.160‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.115‬‬
‫منار الشوربجى‪ " ،‬انحسار دور البرلمانات ظاهرة عالمية‪ ..‬ولكن "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،25/7/2001‬ص ‪.10‬‬

‫‪-‬‬

‫‪84‬‬

‫‪-‬‬

‫هم الذ ين ي سيطرون على و سائط العلم‪ ،‬ويحركون أموال هم ومنتجات هم اللماد ية من طرف‬
‫إلى آخر من أنحاء الرض “(‪.)154‬‬
‫إن كهل هذا أدى إلى ضرورة تطويهر طرق جديدة لممارسهة الديمقراطيهة‪ ،‬طرق تتجهه‬
‫رأسها إلى الشعهب متخطيهة جماعات المصهالح والبرلمانات والحزاب‪ .‬ويتضهح هذا فهى تنامهى‬
‫ظاهرة « اسهتطلعات الرأى » ” فمهع هذه التقنيهة‪ ..‬انتفهت الحاجهة إلى وسهاطة الحزاب‪.‬‬
‫فالمواج هة أض حت مباشرة من الن ف صاعدا ب ين و جه الزع يم ال سياسى وب ين الرأى العام ك ما‬
‫يتج سد فى ال ستطلعات‪ .‬ف فى إنجلترا م هد البرلمان ية‪ ،‬ن جد أن ا ستطلعات الرأى ‪ -‬ل لع بة‬
‫الكثرية والقلية البرلمانية ‪ -‬هى التى هزمت السيدة الحديدية « تاتشر »‪ .‬وفى الوليات المتحدة‬
‫المريك ية‪ ،‬أض حت المواج هة المزم نة ب ين الرئ يس والكونجرس مشرو طة بالنتائج ال سبوعية‬
‫أو الشهرية لستطلعات الرأى‪ ،‬فبقدر ما تتصاعد السهم الرئاسية يميل أعضاء الكونجرس إلى‬
‫المصالحة وبقدر ما تهبط يجنحون إلى المشاكسة‪ .....‬إن استطلعات الرأى تلغى المسافة التى‬
‫كا نت تف صل النا خب عن نا خبيه‪ ..‬وتع يد إلى الديمقراط ية نزرا من ذلك الطا بع المبا شر الذى‬
‫تجردها منه اللية التمثيلية‪ ،‬فمع تقنية استطلعات الرأى يعود للناخبين حضور شبه دائم “(‪.)155‬‬
‫وثمة أطر حديثة كثيرة مطروحة على الساحة لتطوير الممارسات الديمقراطية‪ ،‬وكلها‬
‫تصب فى مسار نقل السلطة للجماهير مثل ” آلية الستفتاءات السريعة على القرارات باستخدام‬
‫أسهلوب الرسهائل القصهيرة على المحمول؛ فهى السهتفتاء على رأى الجماهيهر تجاه الضرائب‬
‫الجديدة مثلً‪ ..‬أو التجاه ن حو اختفاء صندوق النتخاب بشكله التقليدى‪ ،‬وا ستبداله بمو قع على‬
‫النترنهت ( صهندوق الكترونهى ) يمكهن التصهويت مهن خلله‪ ..‬ولن يكون نظام القتراع‬
‫اللكترو نى المبا شر وال سريع هو الوح يد على ال ساحة‪ ،‬بل سيعمل جنبا إلى ج نب مع ن ظم‬
‫معلومات ن ظم ال ستفتاءات ال سريعة‪ ،‬ال تى تع مل فى حالة احتياج الحا كم لتخاذ قرارات مه مة‬
‫هس للبرلمان‪.‬‬
‫هب مباشرة وليه‬
‫ها اللجوء للشعه‬
‫هن معهه‬
‫هل الدولة يتعيه‬
‫هن قبه‬
‫هتراتيجية مه‬
‫اسه‬
‫علوة على ن ظم متاب عة أداء الحكومات وقياس شعب ية الم سئولين دوريا على كل الم ستويات‬
‫( إدارة محلية ‪ -‬وزراء فى حكومة مركزية ‪ -‬رؤساء وحكام ) “(‪.)156‬‬
‫بالضا فة إلى ذلك‪ ..‬فث مة أفكار أخرى تن بع من تقدم و سائل الت صال اللكترو نى من‬
‫خلل شب كة النتر نت‪ .‬م ثل ” إمكان ية ا ستخدام أ سلوب المقايضات التعاقب ية ‪ Trade-offs‬ب ين‬
‫‪154‬‬

‫()‬

‫‪155‬‬

‫()‬

‫‪156‬‬

‫() جمال محمهد غيطاس‪ " ،‬الديمقراطيهة الرقميهة والعودة إلى زمهن سهقراط‪ :‬مشاههد حيهة مهن الحياة الرقميهة " ‪ ،‬جريدة الهرام‪.‬‬
‫بتاريخ ‪ ،14/8/2001‬ص ‪.24‬‬

‫على حرب‪ ،‬حديث النهايات ( فتوحات العولمة ومآزق الهوية )‪ .‬ص ‪.103‬‬
‫جورج طرابيشى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬صفحات ‪.162 - 160‬‬

‫‪-‬‬

‫‪85‬‬

‫‪-‬‬

‫الحزاب والقوى المجتمع ية‪ ،‬وال تى تتم ثل فى إجراء مقايضات واتفاقات ب ين تلك المجموعات‬
‫حول إمكان ية تب نى اتجاه مع ين والمواف قة عليه نظ ير الح صول على مواف قة الطرف الخر فى‬
‫قضيهة أخرى‪ ،‬أو جعهل النواب يصهوتون بنسهبة ‪ %50‬فقهط فهى أيهة مسهألة مطروحهة وتبقهى‬
‫ال صوات الخرى من حق عي نة عشوائ ية تم ثل الرأى العام‪ ،‬وبا ستخدام الحوا سب وو سائل‬
‫التصال عن بعد والقتراع يصبح المر بسيطا للغاية “(‪.)157‬‬
‫إن عولمة الديمقراطية تدفع إلى انتشار الديمقراطية وتوحيد أساليب الحكم فى الشكل‬
‫الديمقراطهى على مسهتوى العالم‪ .‬ولكنهها تدفهع أيضا فهى اتجاه انحسهار دور الديمقراطيهة‬
‫التمثيليهة والبرلمانات‪ ،‬والتجاه نحهو الديمقراطيهة الشعبيهة وانقسهام الجماعات السهياسية بعدد‬
‫أفراد المجتمع‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬العـولمـة والمجتمع المدنى‪:‬‬
‫تدفهع إسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج منظمات المجتمهع المدنهى‬
‫( المنظمات غ ير الحكوم ية ) إلى الندماج تدريجيا على الم ستوى العال مى فى تك تل يع كس‬
‫إرادة جماع ية فى مقا بل إرادة الحكومات‪ .‬فى ح ين تد فع تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ‬
‫والنق سام إلى تش ظى المجت مع المد نى على الم ستوى المحلى ليع كس إرادة القليات فى مقا بل‬
‫الرادة الجماعية للمجتمع المحلى‪.‬‬
‫وينبع ذلك من ” أن كثيرا من معطيات عملية العولمة ومخرجاتها سوف يقضى ‪-‬‬
‫ل محالة ‪ -‬إلى تقويهة بنيان المجتمهع المدنهى ومنظماتهه‪ .‬وإعادة صهوغ علقتهه بالدولة‬
‫ومؤ سساتها‪ ..‬ك ما أن اهتمام ب عض المنظمات الدول ية ‪ -‬و فى مقدمت ها هيئة ال مم المتحدة‬
‫ووكالت ها المتخ صصة ‪ -‬بإحياء المجت مع المد نى وإنعاش منظما ته على م ستوى الدولة‪.‬‬
‫وقيام بعهض الدول الكهبرى والمؤسهسات الدوليهة بتخصهيص نوع مهن المنهح والقروض‬
‫والمعونات لمنظمات المجت مع المد نى وتمو يل ب عض أنشطت ها‪ .‬كل ذلك ي سهم فى تنش يط‬
‫تلك المنظمات “( ‪.)158‬‬
‫ممها أدى إلى أن تصهبح تلك ” الحركات الجتماعيهة والجماعات والمنظمات غيهر‬
‫الحكومية الجديدة بالتالى قادرة على أن تعكس قوتها على المسرح العالمى “(‪.)159‬‬

‫‪157‬‬

‫()‬

‫‪158‬‬

‫()‬

‫‪159‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬صفحات ‪.465 - 462‬‬
‫السيد الزيات‪ " ،‬هل تتلشى الدولة فى ظل العولمة " مجلة تحديات ثقافية‪ ( .‬العدد ‪ ،4‬أبريل ‪ -‬يونيو ‪ ،) 2001‬ص ‪.73‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.88‬‬

‫‪-‬‬

‫‪86‬‬

‫‪-‬‬

‫وظههر ذلك فهى حركات المعارضهة القويهة والحتجاجات الواسهعة التهى مارسهها تكتهل‬
‫منظمات المجت مع المد نى فى المؤتمرات القت صادية الدول ية فى ال سنوات الخيرة‪ ،‬وال تى بدأت‬
‫ل فهى « سهياتل » بالوليات المتحدة‪ ،‬حتهى أن بعهض المعلقيهن أطلق على هذا التكتهل‬
‫أو ً‬
‫« ش عب سهياتل »∗‪ .‬حيهث إن ” الكثيريهن باتوا يعتقدون أن هناك جما عة واحدة أو ائتلفا واحدا‬
‫مهن الجماعات ههو الذى يقهف وراء تلك الحتجاجات‪ .‬والحقيقهة غيهر ذلك تماما‪ ،‬لن هناك‬
‫العشرات بل والمئات من الجماعات ال تى تعارض العول مة ومنظمات ها‪ ،‬و فى مع ظم الحيان ل‬
‫يكون هناك تنسيق بينها‪ ...‬ففيها جماعات يسارية‪ ،‬وأخرى يمينية‪ ،‬وثالثة محافظة‪ ،‬كما أن هناك‬
‫جماعات فوضو ية‪ ،‬وال كل يجمع ها هدف وا حد هو إ سقاط العول مة‪ ،‬وإن كا نت أ سباب كل من ها‬
‫مختلفة “(‪.)160‬‬
‫ولكن إذا كانت تلك التكتلت ‪ -‬فى مراحلها الولى ‪ -‬تتم دون محركات تنظيمية‪ .‬فإن‬
‫التقدم المتاح فهى وسهائل التصهال سهيتيح لهها فهى المسهتقبل إمكانيهة التقارب والتكتهل المنظهم‬
‫والهادف‪ .‬وهذا مها يؤكده « أنطونهى جيدنهز » مهن ” أن الحركات الجتماعيهة‪ ،‬ومجموعات‬
‫القضية الواحدة‪ ،‬والمنظمات غير الحكومية وغيرها من تجمعات المواطنين‪ ،‬سوف تلعب بكل‬
‫تأكيد جز ًء من الدور فى السياسة على أساس مستمر‪ ..‬من المستوى المحلى إلى العالمى “‬

‫(‪)161‬‬

‫انطلقا من أن ” تقدم العول مة يج عل الجما عة مر كز اهتمام وذلك لهم ية الضغوط ال تى يم كن‬
‫أن تمارسها من القاعدة “(‪.)162‬‬
‫كما يؤكده رئيس شركة « شيل » العالمية عندما قال ” كنا إلى حد ما بطيئين فى فهم أن‬

‫هذه الجماعات تتجه للحصول على السلطة‪ .‬لقد أسأنا تقدير مدى تأثير هذه التغيرات‪ .‬وأخفقنا فى‬

‫أن ندخل فى حوار جدى مع هذه الجماعات الجديدة‪ .‬ويضيف‪ ..‬إن مؤسسات المجتمع العالمى يُعاد‬
‫اكتشافها‪ ،‬فى الوقت الذى تعيد فيه التكنولوجيا تحديد العلقة بين الفراد والمنظمات “(‪.)163‬‬

‫ول كن إذا كا نت منظمات المجت مع المد نى تند مج على الم ستوى العال مى‪ ،‬فإن التش ظى‬

‫ههو الحادث على المسهتويات المحليهة‪ .‬حيهث توضهح كافهة الشارات أن ” المجتمهع التشكيلى‬

‫‪ Configurative‬سيحتل مكان المجت مع عالى الطبق ية ( مجت مع المجموعات ال كبرى المتحال فة‬
‫تنقسهم الجماعات المناهضهة للعولمهة إلى‪ :‬جماعات حقوق النسهان‪ ،‬جماعات البيئة‪ ،‬اتحادات عماليهة‪ ،‬جماعات طلبيهة‪،‬‬
‫جماعات فوضوية وفوضويون‪ ،‬مطالبون بإصلح صندوق النقد الدولى‪ ،‬مطالبون بإلغاء ديون الدول الفقيرة‪.‬‬

‫‪‬‬

‫انظههههر‪ :‬أشرف أبههههو الهول‪ " ،‬العولمههههة والحتجاجات "‪ ،‬جريدة العالم اليوم‪ .‬بتاريههههخ ‪،2/5/2000‬‬
‫ص ‪.10‬‬
‫‪160‬‬

‫()‬

‫‪161‬‬

‫()‬

‫‪162‬‬

‫()‬

‫‪163‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.10‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.91‬‬
‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.123‬‬
‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.87‬‬

‫‪-‬‬

‫‪87‬‬

‫‪-‬‬

‫سهويا ُمشَههكّلة الغلبيهة ) ويتألف هذا المجتمهع التشكيلى مهن آلف القليات‪ ،‬بعضهها مؤقهت‬

‫الوجود وبعضهها يشكهل أنماطا غريبهة جدا‪ ،‬لكنهها سهريعة الزوال‪ ،‬وههى نادرا مها تلتحهم فهى‬

‫إجماع نسبته ‪ %51‬على القضايا الكبرى “(‪.)164‬‬

‫ففهى دراسهة «روبرت وتهناو» ‪ Robert Wuthnow‬حول تطور حركهة الجماعات‬

‫ال صغيرة فى الوليات المتحدة المريك ية ” تبين أن ‪ %40‬من المريكي ين ينتمون على ال قل‬

‫إلى جماعة صغيرة واحدة تتقابل بانتظام “(‪.)165‬‬

‫ول قد أو ضح الرئ يس التشي كى « فاكلف هاف يل » ” بأن قوة من ل قوة ل هم تك من فى‬

‫التنظيهم الذاتهى للمجتمهع المدنهى‪ ،‬الذى يتحدى المنطهق الذرائغهى الكامهن فهى الدولة والجهزة‬
‫التكنولوجية للهيمنة والتحكم “(‪.)166‬‬

‫ولكن ينبغى النتباه إلى أن ” المجتمع المدنى ليس كما يتصور البعض مصدرا للتنظيم‬

‫العفوى والنسهجام‪ .‬فماذا يحدث عندمها تكون الجماعات الفاعلة لهها صهورة مختلفهة لمسهتقبل‬

‫الجماعة الواسعة؟ من الذى يقرر أين تقف نهاية جماعة وبداية أخرى؟‪ ..‬الحكومة يجب عليها‬

‫أن تقوم بالح كم فى هذه القض ية والقضا يا الصعبة الخرى‪ ،‬الدولة يجب أن تح مى الفراد من‬

‫صراع الم صالح فى المجت مع المد نى‪ ،‬الدولة ل ت ستطيع أن تتحول إلى المجت مع المد نى‪ :‬فإذا‬

‫كانت الدولة فى كل مكان فليس لها مكان ”(‪.)167‬‬

‫إن العولمة تجعل العالم ينتقل ” من أسلوب السلطة الهرمية المطلقة إلى أساليب جديدة‪،‬‬
‫أساليب تفاوضية أفقية وليست عمودية‪ ،‬أساليب أكثر تحضرا ولكنها أشد تعقيدا “(‪.)168‬‬
‫‪‬‬

‫المبحـث الثـانى‬
‫البعـاد القتصـادية لظاهـرة العـولمـة‬
‫‪164‬‬

‫()‬

‫‪165‬‬

‫()‬

‫‪166‬‬

‫() سلفوى زيز يك‪ " ،‬ل م فر من من طق الرأ سمالية "‪ ،‬مجلة الثقا فة العالم ية‪ ( .‬العدد ‪ ،100‬ما يو ‪ -‬يون يو ‪ ،) 2000‬ص‬
‫‪.214‬‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.459‬‬
‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.124‬‬

‫‪167‬‬

‫()‬

‫‪168‬‬

‫() الحبيب الجنحانى‪ " ،‬ظاهرة العولمة‪ :‬الواقع والفاق "‪ ،‬مجلة عالم الفكر ( عدد خاص بعنوان‪ :‬العولمة ظاهرة العصر )‪.‬‬
‫( العدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.36‬‬

‫أنطونى جيدنز‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.130‬‬

‫‪-‬‬

‫‪88‬‬

‫‪-‬‬

‫( العـولمـة القتصـادية )‬
‫تك شف البعاد القت صادية للعول مة عن عدد من التغيرات المتدر جة ال تى أخذت تطرأ‬
‫على المسلمات فى المفاهيم القتصادية المعاصرة‪ ،‬والتى باتت تتعلق بواقع تنامى أو انكماش‬
‫دور السوق وآلياته‪ ،‬ومدى اتساع دور الشركات المتعددة الجنسيات‪ ،‬والدور الذى تلعبه القوى‬
‫الضابطة لليات السوق أو لسياسات الشركات‪.‬‬

‫أولً‪ :‬العـولمـة ودور السـوق وآليـاته‪:‬‬
‫تدفع إستراتيجية العول مة للتوحد والتكتل والندماج ن حو عملية دمج لل سواق المحل ية‬
‫على مسهتوى العالم‪ ،‬بمها يؤدى إلى تكويهن سهوق عالميهة واحدة فهى مجالت حركصة السصلع‬
‫والخدمات والموال والتوظ يف‪ .‬بين ما تد فع تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام ن حو‬
‫تجزؤ ال سواق وتعدد ها وتنوع ها فى مجال نوع ية ال سلع والخدمات‪ ،‬ب ما يتنا سب مع رغبات‬
‫كل عميل باتساع العالم‪.‬‬
‫ويم كن القول بأن ” أ هم خ صائص الحضارة ال صناعية ابتداع ها ال سوق كو سيط ب ين‬
‫النتاج على نطاق وا سع وال ستهلك على نطاق وا سع‪ .‬و هى ل تش به فى شئ ال سوق ال تى‬
‫عرفت ها الحضارة الزراع ية‪ .‬فال سوق فى الحضارة ال صناعية ت سيطر على كل مرا فق الحياة‬
‫وتتحكم فى النتاج والستهلك عن طريق مؤسساتها المختلفة “(‪.)169‬‬
‫ونظرا ” لن نظام السوق هو محصلة لتطور اجتماعى بطئ ومتدرج‪ ،‬وتاريخ طويل‬
‫من التجربة والخطأ‪ ......‬فمن هنا جاءت مرونة السوق وحيويتها‪ .‬فهى دائمة التطور والتلؤم‬
‫مع ظروف البيئة وتغيرات التكنولوجيا أو الذواق “(‪.)170‬‬
‫ونظرا ل ما فرض ته البن ية التحت ية للعول مة من سهولة فى الت صال والنتقال والن قل‬

‫والشحههن والتجارة‪ .‬فقههد أدى ذلك إلى ” زيادة معدلت التجارة العالميههة وحركههة انتقال‬

‫التكنولوجيها ورأس المال والعمالة عهبر الحدود‪ ..‬وزيادة الترابهط والتداخهل بيهن السهواق‬

‫والبورصهات الماليهة العالميهة “(‪ .)171‬المهر الذى سهيسفر عهن ” القضاء على عزلة السهواق‬
‫الجزئية ودمجها جميعا فى سوق واحد متعولم وبشكل تدريجى “(‪.)172‬‬
‫‪169‬‬

‫() راجى عنايت‪ ،‬ثورة حضارية زاحفة ( وماذا عن مستقبل مصر )‪ .‬ص ‪.9‬‬

‫‪170‬‬

‫() حازم الببلوى‪ ،‬دور الدولة فى القتصاد‪ .‬ص ‪.95‬‬

‫‪171‬‬

‫() حسنين توفيق إبراهيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.188‬‬

‫‪172‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬العولمة ( مقدمة فى فكر واقتصاد وإدارة عصر اللدولة )‪ .‬ص ‪.159‬‬

‫‪-‬‬

‫‪89‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى ” أصبح من الواضح على نحو متزايد أن السياسة القتصادية لمة ما‪ ،‬قد‬

‫تؤثهر على البلدان الخرى‪ .‬فعندمها كانهت المهم منعزلة بحواجهز تجاريهة عاليهه‪ ،‬وكانهت‬

‫التدفقات التجارية محدودة‪ ،‬كان فى مقدور بلد ما أن يتجاهل السياسات القتصادية المحلية‬

‫لبلد آخر‪ .‬ولكن مع تهاوى الحواجز أصبحت السياسات المحلية للبلدان الخرى أكثر أهمية‬

‫بكث ير “(‪ . )173‬ال مر الذى أدى إلى أن ي صبح ” النشاط القت صادى‪ ..‬شد يد التأ ثر بأى تغي ير‬

‫فهى أسهعار البورصهات أو إحصهاءات موازيهن المدفوعات وأرقام البطالة ومعدلت ارتفاع‬
‫ال سعار‪ ..‬واكت سبت البيانات المال ية المجردة أهم ية ق صوى جاوزت ما وراء ها من حقائق‬
‫عينيهة‪ . )174(“ ..‬بحيهث تحول القتصهاد إلى نوع جديهد مهن القتصهاد‪ ،‬يُطلق عليهه‬

‫( القتصهاد الرمزى ) نسهبة إلى تأثره الشديهد بمدلولت رمزيهة أكثهر مهن تأثره بمدلولت‬
‫مادية تتمثل فى الصول العينية‪.‬‬

‫ولهذا كان ” سهياق نمهو تطور القوى‪ ،‬واتجاهات الحركهة المنظمهة للشياء‪ ،‬تدفهع إلى‬

‫التوجه الفاعل نحو التكتل والندماج‪ ..‬وقد فرض ذلك‪ ..‬عولمة النشاط النتاجى‪ ،‬حيث أصبح‬
‫من الم ستحيل على أى مؤ سسة أو شر كة أو مشروع ؛ النغلق تماما عن التأثيرات العالم ية‬

‫وعولمهة النشاط المالى واندماج وارتباط أسهواق النقهد والمال ببعضهها البعهض‪ ،‬واتجاههها إلى‬

‫التمركز والنتشار والتوسع “(‪.)175‬‬

‫ونتي جة لذلك ف قد أ صبحت ” النقود ب سبيلها الن لت صبح رقم ية على ن حو مطرد‪ ..‬ل قد‬

‫أصهبح هذا المهر واقعا الن بالنسهبة للبنوك الكهبيرة والمؤسهسات الدوليهة‪ .‬ومهن حوالى ‪4‬‬
‫تريليونات دولر تُتداول فى الوليات المتحدة‪ ،‬فإن الع شر من ها ف قط هو على ش كل ن قد حقي قى‬

‫وعملت مخزنة فى صناديق البنوك وجيوب الناس “(‪ .)176‬المر الذى أدى إلى أن النقود بدأت‬

‫” تأخهذ شكهل سهلعة تتداول خارج وظائفهها القتصهادية التقليديهة‪ .‬كمها خرجهت عهن سهيطرة‬

‫الحكومات‪ ،‬المحتكر الطبيعى لصدار النقود‪ .‬وبدأت النقود اللكترونية والمبادلت عبر شبكات‬

‫الت صال العال مى تتجاوز حدود ال سواق التقليد ية “(‪ ” .)177‬فأك ثر من تريليون دولر يوميا ي تم‬
‫تحويلها فى شكل تحويلت للعملة المتبادلة “(‪.)178‬‬

‫‪173‬‬

‫() جارى بيرتلس وآخرون‪ ،‬جنون العولمة ( تفنيد المخاوف من التجارة المفتوحة )‪ .‬ترجمة كمال السيد‪ ،‬ص ‪.115‬‬

‫‪174‬‬

‫() حازم الببلوى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.122‬‬

‫‪175‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.7‬‬

‫‪176‬‬

‫() ميتشيو كاكو‪ ،‬رؤى مستقبلية ( ك يف سيغير العلم حياتنا فى القرن الواحد والعشرين )‪ .‬ترجمة سعد الدين خرفان‪ ،‬ص‬
‫‪.53 - 52‬‬

‫‪177‬‬

‫هط‬
‫هد الباسه‬
‫هى عبه‬
‫هى‪ .‬فه‬
‫هن العربه‬
‫هبة للوطه‬
‫ها بالنسه‬
‫هتعمارية الجديدة ومغزاهه‬
‫هد محمود المام‪ ،‬الظاهرة السه‬
‫() محمه‬
‫عبد المعطى ( محرر )‪ ،‬العولمة والتحولت المجتمعية فى الوطن العربى‪ ،‬ص ‪.95‬‬

‫‪178‬‬

‫() أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.61‬‬

‫‪-‬‬

‫‪90‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالضا فة إلى النقود اللكترون ية ف قد ظ هر فى الح قل القت صادى م صطلح « التجارة‬

‫اللكترون ية »‪ ..‬فمع تحول اقتصاد عصر ( ما ب عد ال صناعة ) إلى اقت صاد خدمات أك ثر م نه‬

‫اقتصاد منتجات صناعية وتحويلية‪ .‬فإن التجارة اللكترونية تصبح هى الكثر سرعة وإنجازا‪.‬‬

‫وتتكون التجارة اللكترونيهة مهن ” التجارة اللكترونيهة غيهر المباشرة والتهى تتعلق‬

‫بمعلومات عهن سهلع ماديهة فعليهة يتهم شحنهها بوسهائل النقهل التقليديهة‪ .‬والتجارة اللكترونيهة‬

‫المباشرة التى تشتمل على سلع هى نفسها عبارة عن معلومات يتم شحنها بش كل مباشر عبر‬

‫شبكات التصهال‪ .‬وهذه السهلع تشمهل البريهد اللكترونهى‪ ..‬والبرامهج‪ ..‬والكتيبات والكتهب‬

‫وال صور والت سجيلت الفن ية والمو سيقى والفلم وأدلة ال سفر والرشادات والخبار أو أ سعار‬
‫البور صات والموال والجراءات وال ستمارات والمواد التعليم ية‪ ...‬ونظرا لن ال سرعة ال تى‬

‫تتهم بهها عمليهة التوريهد تُرضهى الحاجهة النسهانية للشباع الفورى‪ .‬فمهن المرجهح أن تصهبح‬
‫التجارة اللكترونية المباشرة عنصرا هاما من عناصر سوق المعلومات “(‪.)179‬‬

‫وتف يد التقديرات بأن ” ح جم التجارة اللكترون ية فى العالم قد بلغ ‪ 1234‬مليار دولر‬

‫عام ‪ 2002‬مقابهل ‪ 73.9‬مليار دولر عام ‪ ....98‬وذلك لكونهها وسهيلة متميزة وغيهر مسهبوقة‬
‫للوصول إلى أسواق العالم جميعها وفى وقت واحد وبأقل النفقات الممكنة‪ ..‬وبذلك تُعد تطبيقا‬

‫حقيقيا لفكرة العول مة‪ .‬لكون ها و سيلة فعالة لع قد ال صفقات ب ين المتعامل ين عن طر يق الت صال‬

‫اللكترونهى المباشهر بينههم‪ ،‬وبذلك فإنهها ل تحتاج إلى المسهتندات الورقيهة ومها تسهتلزمه مهن‬
‫نفقات‪ .‬كما إنها توفر النفقات العامة والدارية ومصاريف النتقال “(‪.)180‬‬

‫لقهد أدت التجارة اللكترونيهة إلى أن تحهل ” التجارة فهى « البتّات » محهل التجارة فهى‬

‫الذرات‪ .‬فأثمن منتج فى التجارة الدولية فى الوقت الحالى هو المعلومات التى تُنقل إلكترونيا “(‪.)181‬‬
‫ولذا تتحول التجارة الحقيقيهة ببطهء ولكهن بثقهة ” إلى تجارة عهبر شبكهة النترنهت‪ ،‬وذلك لن‬
‫الغراء قوى جدا‪ .‬فليهس هناك متجهر يغلق إطلقا على النترنهت‪ ،‬ول يوجهد مكان بعيهد‬

‫ومعزول عن بقية العالم “(‪.)182‬‬

‫إن تحول القت صاد إلى اقت صاد خدمات على ن حو متزا يد‪ ،‬وظهور النقود اللكترون ية‬
‫والتجارة اللكترونية‪ ،‬بالضافة إلى سهولة النقل والشحن عبر الخطوط الجوية‪ ،‬كل ذلك أدى‬
‫‪179‬‬

‫هن‪،‬‬
‫هة بهاء شاهيه‬
‫هد حياتنهها )‪ .‬ترجمه‬
‫هيغير عالم المعلومات الجديه‬
‫هف سه‬
‫هيحدث ( كيه‬
‫هل ديرتوزوس‪ ،‬ماذا سه‬
‫() مايكه‬
‫ص ‪.245‬‬

‫‪180‬‬

‫() أسامة سليمان‪ 1234 " ،‬مليار دولر حجم التجارة اللكترونية عام ‪ ،" 2002‬جريدة العالم اليوم‪ .‬بتاريخ ‪ ،1/5/2000‬ص‬
‫‪.5‬‬

‫‪181‬‬

‫() باتر يك جل ين وآخرون‪ " ،‬تعولم الف ساد "‪ ،‬فى كي مبرلى آن إليوت ( محرر )‪ ،‬الف ساد والقت صاد العال مى‪ .‬ترج مة مح مد‬
‫جمال إمام‪ ،‬ص ‪.27‬‬

‫‪182‬‬

‫() ميتشيو كاكو‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.73 - 72‬‬

‫‪-‬‬

‫‪91‬‬

‫‪-‬‬

‫إلى وجود ” اقتصهاد معولم كليها على مسهتوى السهواق الماليهة “(‪ ،)183‬وإلى تقارب السهواق‬
‫السلعية والخدمية على مستوى العالم تدريجيا؛ لكى تصبح سوقا واحدة مندمجة‪.‬‬
‫ول كن نظرا لن مظا هر العول مة تتلزم فى ظل ها تكتيكات التش ظى والتجزؤ والنق سام‬
‫مع استراتيجية التوحد والتكتل والندماج‪ ،‬فإنه إذا كانت السواق المالية قد تعولمت بالندماج‬
‫والترا بط‪ ،‬وال سواق التجار ية فى طريق ها لذلك من خلل تنا مى التجارة اللكترون ية‪ ،‬فإن تلك‬
‫السواق فى طريقها للتجزؤ والتشظى والتعدد والتنوع فى مجال نوعيات السلع والخدمات‪ ،‬بما‬
‫يتناسب مع رغبات كل عميل‪.‬‬
‫وذلك انطلقا من أن ” مجتمع المستقبل لن يقدم لهله فيضا من السلع المفيدة المنمطة‪،‬‬
‫بل أعظم توليفة منوعة من السلع والخدمات غير المنمطة شهدها أى مجتمع من قبل‪ .‬إننا نسير‬
‫ليس فى اتجاه مزيد من التنميط للسلع المادية‪ ،‬بل فى اتجاه النقيض الجدلى لذلك “(‪.)184‬‬
‫ويثبت التطور الصناعى أن ” التكنولوجيا البدائية هى فقط التى تفرض تنميط النتاج‪.‬‬
‫أمها « التوميشيهن » فعلى العكهس مهن ذلك يفتهح الطريهق إلى تنوع‪ ..‬ل نهايهة له‪.)185(“ ..‬‬
‫والبرهان على ذلك ” إن الحشد الثرى من المنتجات والمصنوعات المتاحة فى كثير من أنحاء‬
‫العالم حاليا يتجاوز كثيرا ما كان متاحا فى أى وقت فى الماضى “(‪ ،)186‬حيث ” حلت وفورات‬
‫النوع محل وفورات الحجم “(‪.)187‬‬
‫إن هذه القدرة التى ستوفرها التكنولوجيا الحديثة على التنوع السلعى والخدماتى تترافق‬
‫مع تنامى القدرة التى توفرها التكنولوجيا على التصال اللكترونى عبر شبكات التصال‪ .‬مما‬
‫سيؤدى إلى تحقيق الفكرة التى كان قد طرحها « آدم سميث » لمفهوم السواق فى كتابة ثروة‬
‫المم عام ‪ ،1776‬والتى مفادها أنه ” لو كان كل مشتر يعرف سعر كل بائع‪ .‬وكل بائع يعرف‬
‫ما الذى يرغب كل مشتر فى شرائه‪ .‬لصبح كل فرد فى « السوق » قادرا على اتخاذ قرارات‬
‫مبنية على معرفة كافية‪ .‬ولجرى توزيع موارد المجتمع بكفاءة “(‪.)188‬‬

‫‪183‬‬

‫() أنطوانى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.62‬‬

‫‪184‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬صدمة المستقبل ( المتغيرات فى عالم الغد )‪ .‬ترجمة محمد على ناصف‪ ،‬ص ‪.275‬‬

‫‪185‬‬

‫() نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.276‬‬

‫‪186‬‬

‫() جارى بيرتلس وأخرون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.149‬‬

‫‪187‬‬

‫() عمرو محيهى الديهن‪ " ،‬مناقشات حول ورقهة جلل أميهن عهن‪ :‬العولمهة والدولة "‪ ،‬فهى أسهامة أميهن الخولى‬
‫( محرر )‪ ،‬العرب والعولمة ( بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية )‪ .‬ص ‪.190‬‬

‫‪188‬‬

‫() بيل جيتس‪ ،‬المعلوماتية بعد النترنت (طريق المستقبل)‪ .‬ترجمة عبد السلم رضوان‪ ،‬ص ‪.257‬‬

‫‪-‬‬

‫‪92‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعل ما توفره شبكات الت صال ‪ -‬من قدرة فائ قة على الوصول لهذا الطرح فى ظل‬
‫تنامى التجارة اللكترونية ‪ -‬يوضح أن السوق العالمية الكبيرة تتجه إلى التجزؤ والنقسام وفقا‬
‫لرغبات العملء على م ستوى العالم ك كل فى مجال النوعيات ال سلعية والخدمات ية ال تى تقدم ها‬
‫تلك السوق العالمية عبر الشاشات اللكترونية المترابطة‪.‬‬
‫ح يث سيقود إنشاء طر يق المعلومات ال سريع فى الم ستقبل إلى تو سيع ” نطاق ال سوق‬
‫اللكترونية ويجعل منها الوسيط المطلق أو السمسار الشامل‪ ..‬وستكون كل السلع المعروضة‬
‫للبيع فى العالم بأسره متاحة لفحصها ومقارنتها‪ .‬بل لدخال تعديلت عليها‪ ..‬وسوف ينقلنا ذلك‬
‫إلى عالم جديهد مهن الرأسهمالية ضئيلة الحتكاك‪ ،‬وضئيلة النفقات المباشرة‪ ،‬حيهث تصهبح‬
‫المعلومات المتعلقة بالسوق وافرة‪ ،‬وحيث تكلفة التعاملت ضئيلة “(‪.)189‬‬
‫م ما سيؤدى إلى ” تعا ظم إمكان ية تحد يد موا صفات المن تج وفقا لرغبات العم يل “(‪.)190‬‬
‫ويؤدى إلى بروز اقتصهاد جديهد يطلق عليهه « آلفيهن توفلر » اقتصصاد المنتهلك ( أى المنتهج‪/‬‬
‫المستهلك )‪ ،‬والذى يعنى ”قيام المستهلك ببعض المراحل النهائية فى النتاج‪ ،‬من خلل إتاحة‬
‫ال ُمنْتِج ل سلع غ ير كاملة النتاج‪ ،‬وتوف ير أجهزة يمكن ها ا ستكمال النتاج منزليا‪ ،‬بح يث ت صبح‬
‫للمستهلك القدرة على إنتاج السلعة وفقا لرغبته أو تشكيل الخدمة وفقا لحاجته “(‪.)191‬‬

‫ثانياً‪ :‬العولمـة والشركات المتعددة الجنسيات‪:‬‬
‫فى إطار ا ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج تت جه الشركات ن حو الندماج‬
‫المؤسهسى مهن أجهل تكويهن كيانات عالميهة عملقهة‪ ،‬بينمها تعمهل تكتيكات التشظهى والتجزؤ‬
‫والنقسهام على التجاه بالنظهم النتاجيهة نحهو التخصهص‪ ،‬والتجاه بالسهاليب الداريهة نحهو‬
‫اللمركزية‪.‬‬
‫فلقد أدى الترابط العالمى الناشئ عن البنية التحتية للعولمة إلى تشابك السواق المحلية‬
‫فى سوق دول ية واحدة بات ساع العالم‪ ،‬وارت فع بذلك سقف الحتمالت الت سويقية للشركات من‬
‫نطاق ال سوق المحل ية إلى نطاق ال سوق العالم ية‪ .‬ال مر الذى قاد الشركات ن حو الندماج فى‬
‫كيان أكبر وأضخم من أجل ضمان رأس مال قادر على النتاج والتسويق على مستوى السوق‬
‫العالمية‪.‬‬

‫‪189‬‬

‫() نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.258‬‬

‫‪190‬‬

‫() مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.248‬‬

‫‪191‬‬

‫() انظر‪ :‬آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬صفحات ‪.316 - 289‬‬

‫‪-‬‬

‫‪93‬‬

‫‪-‬‬

‫ولقهد تبلورت سهياسة الندماجات القتصهادية فهى ” ثلثهة أنواع مهن الندماجات‪:‬‬
‫اندماجات صهغرى صهغيرة‪ ،‬واندماجات صهغرى كهبيرة‪ ،‬واندماجات كهبرى كهبيرة‪ ..‬ومنهها‬
‫اندماج الشرا كة و هو نوع من الندماج التداخلى والتكاملى بين الشركات‪ ..‬والندماج المرحلى‬
‫أو المؤقهت ( اندماج المتياز أو شراء الجههد )‪ ..‬والندماج القسهرى الذى يتهم عهن طريهق‬
‫البتلعات أو النضمام أو السحق ‪ ،‬أو شراء حقوق السماء التجارية وغيرها “(‪.)192‬‬
‫وث مة أمثلة واض حة فى ال سنوات الخيرة على تزا يد التجاه ن حو الندماجات ال كبرى‬
‫لتكوين كيانات عملقة على المستوى العالمى‪.‬‬
‫ففى ‪ 12/1/2000‬اندمجت شركة « أمريكا أون لين » ‪ AoL‬وشركة « تايم وارنر »‬
‫فى شركة واحدة قيمتها ‪ 350‬مليار دولر(‪.)193‬‬
‫وفى ‪ 6/2/2000‬اندمجت شركة « مانيزمان » اللمانية للتليفون المحمول مع شركة «‬
‫فودافون إيرتاتش » البريطانية فى شركة واحدة قيمتها ‪ 185‬مليار دولر(‪.)194‬‬
‫وفى ‪ 8/3/2000‬اندمج بنك « دويتش بنك » أكبر بنوك ألمانيا مع « درسدنربنك » ثالث‬
‫أكهبر بنوك ألمانيها ليشكل بنكا تزيهد قيمهة أرصهدته عهن ‪ 1.2‬تريليون دولر‬

‫( ‪) 195‬‬

‫(‪ 1200‬مليار‬

‫دولر)‪.‬‬
‫و فى ‪ 15/4/2000‬اندم جت شر كة « ‪ BP‬أمو كو » مع شر كة « أطلنت يك رتشفيلد »‬
‫للبترول فهى شركهة واحدة قيمتهها ‪ 200‬مليار دولر لتصهبح ثالث أكهبر شركهة بترول فهى‬
‫العالم(‪.)196‬‬
‫وكما هو واضح من هذه المثلة التى أوردناها على سبيل المثال وليس الحصر‪ ،‬فإن‬
‫التجاه نحهو الندماج فهى عالم الشركات لتكويهن شركات عملقهة يمتهد إلى كافهة المجالت‬
‫والنشطة‪ ..‬العلمية‪ ،‬والتصالية‪ ،‬والمالية‪ ،‬والبترولية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ولعهل الفوائد التهى تجنيهها الشركات مهن الندماج والتكتهل والتركهز تتمثهل فهى الرتفاع‬

‫بمستوى حجم النتاج فى مقابل الهبوط بالتالى فى نسبة التكلفة‪ .‬وذلك من خلل ” تقديم منتجات‬

‫جديدة واسعة الستخدام‪ ،‬يتم انتاجها بأحجام اقتصادية كبيرة للدرجة التى يكاد يكون نصيب الوحدة‬
‫المنت جة من ها من عنا صر التكل فة الثاب تة صفرا‪ .‬و من ثم ر غم ضخا مة التكال يف الثاب تة‪ ،‬ور غم‬
‫‪192‬‬

‫() سيار الجميل‪ ،‬العولمة والمستقبل ( إستراتيجية تفكير )‪ .‬ص ‪.47‬‬

‫‪193‬‬

‫() جريدة الهرام بتاريخ ‪ ،12/1/2000‬ص ‪.1‬‬

‫‪194‬‬

‫() جريدة العالم اليوم بتاريخ ‪ ،6/2/2000‬ص ‪.2‬‬

‫‪195‬‬

‫() جريدة الهرام بتاريخ ‪ ،8/3/2000‬ص ‪.1‬‬

‫‪196‬‬

‫() جريدة العالم اليوم بتاريخ ‪ ،15/4/2000‬ص ‪.1‬‬

‫‪-‬‬

‫‪94‬‬

‫‪-‬‬

‫ضخامهة المنفهق منهها على البحوث والدراسهات والتطويهر‪ ،‬ورغهم كونهها متزايدة القيمهة وبشكهل‬
‫مضطرد‪ ،‬إل أنها ل تشكل عبئا على الوحدات المنتجة لكونها أقرب بالنسبة لها إلى الصفر “(‪.)197‬‬

‫وينب غى الشارة إلى أن الندماجات الحال ية ال تى تت جه إلي ها الشركات العالم ية ل تؤدى‬

‫إلى خلق كيان عملق بن فس موا صفات الوحدات القت صادية الداخلة فى تكوي نه‪ .‬وذلك ل ما ث بت‬
‫مهن ” خطهأ القول بأن التنميهة الصهناعية تعنهى بالضرورة قيام بيروقراطيات متزايدة الحجهم‬

‫أو اتحادات عملقهة مهن الشركات الصهناعية‪ .‬فالبيروقراطيات الضخمهة تتضاءل فعاليتهها متهى‬
‫تجاوز حجمهها حدا معينا‪ .‬إذ تصهاب عندئذ بمها يسهميه القتصهاديون « عدم الوفهر الناجهم عهن‬

‫الحجم الكبير » وتضحى بالتالى أقل كفاءة من عدد أكبر من المنظمات الصغر “(‪ .)198‬وإنما ثمة‬
‫موا صفات اقت صادية جديدة غال بة على كا فة الندماجات الخذة فى التش كل تفرض ها تكتيكات‬
‫العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام‪ ،‬ح يث ” حلت شب كة النتاج م حل الم صنع ال كبير‪ ،‬وحلت‬

‫وفورات النوع م حل وفورات الح جم‪ ،‬وأ صبحت وحدة النتاج هى العالم ك كل‪ ،‬ول يس المصنع‬

‫الكبير القائم فى موطن معين “(‪.)199‬‬

‫ولقهد أدى هذا إلى ضرورة إجراء تغييرات جذريهة فهى البنيهة التنظيميهة والداريهة‬

‫والخطهط النتاجيهة لتلك الشركات العملقهة؛ وبالتالى فقهد صهاحب ” توسهع نشاط الشركات‬
‫العالمية تغير جذرى فى نظم النتاج والدارة‪ ،‬وفى تقسيم العمل الدولى “(‪.)200‬‬

‫فقد ساعدت التكنولوجيا ” على استخدام مبادئ التخصص وتقسيم العمل الدولى بصورة‬

‫أكثر فاعلية‪ .‬حيث لن يتم التخصص فقط فى منتجات كاملة بذاتها‪ ،‬ولكن سيتم التخصص فى‬

‫إنتاج بعض مكونات المنتجات‪ .‬ومن هنا يتم تغطية عنصر المشاركة فى النتاج على المستوى‬

‫الدولى العام‪ .‬وبالتالى سهيادة قيهم ومبادئ السهتفادة مهن المزايها النسهبية والمطلقهة على نطاق‬
‫المعمورة بكاملها “(‪.)201‬‬

‫وإذا كان التخصهص فهى مجال النظهم النتاجيهة قرينهة للعولمهة القتصهادية‪ ،‬فإن‬
‫«اللمركزية الدارية والتنظيمية» صارت ملزمة للشركات العملقة‪ ،‬حيث أدى اتساع أنشطة‬
‫الشركات على مستوى العالم ككل إلى ضرورة ” إعادة صياغة الشركات وتحولها من التنظيم‬
‫الرأ سى إلى التنظ يم الذى يقوم على الشبكات “(‪ ،)202‬وإلى ” تكو ين أنواع جديدة من المنظمات‬
‫‪197‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.22‬‬

‫‪198‬‬

‫() فرانسيس فوكوياما‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.83 - 82‬‬

‫‪199‬‬

‫() عمرو محيى الدين‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.190‬‬

‫‪200‬‬

‫() عمرو محيهى الديهن‪ " ،‬تعقيهب على ورقهة السهيد ياسهين حول‪ :‬مفهوم العولمهة "‪ ،‬فهى أسهامة أميهن الخولى‬
‫( محرر )‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.36‬‬

‫‪201‬‬

‫() محسن أحمد الخضيرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.29‬‬

‫‪202‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.119‬‬

‫‪-‬‬

‫‪95‬‬

‫‪-‬‬

‫المستقبلية التى ستتمتع بهرمية تنفيذية أكثر تسطحا وأقل اعتمادا على سلطة عليا‪ .‬وهى تتألف‬
‫من عناصر وعوامل صغيرة لها علقاتها الخاصة مع العالم الخار جى‪ ،‬وسياساتها الخارج ية‬
‫المميزة تحافهظ عليهها دون المرور بالمركهز‪ ..‬وبالتالى سهتحل الشخصهية الشبكيهة ‪Network‬‬

‫‪ Character‬محل البنية الهرمية للمنظمة “(‪.)203‬‬
‫هة الدهوقراطية∗»‬
‫هة» إلى «اللمركزيه‬
‫هة البيروقراطيه‬
‫هن «المركزيه‬
‫إن التجاه مه‬
‫‪ AD-HOCRACY‬هو السمة المميزة للساليب الدارية والتنظيمية فى الشركات الندماجية‬
‫العمل قة‪ .‬وهناك الكثير من الشواهد التى تدل ” على أن الن ظم البيروقراطية لسلم المراتب‪،‬‬
‫تلك ال تى تف صل ب ين أولئك الذ ين ي صنعون القرارات وأولئك الذ ين ينفذون ها ف قط‪ ،‬قد أخذت‬
‫تتعدل وتتغير مساراتها أو تتحطم “(‪.)204‬‬

‫ثالثاً‪ :‬العولمـة والقوى الضابطـة‪:‬‬
‫فى ظل تنا مى قوة ال سوق وقوة الشركات ‪ -‬كأ حد البعاد القت صادية للعول مة ‪ -‬فإن‬
‫ثمة قوى ضابطة تعمل على ضبط ممارسات السوق وآلياته؛ للحفاظ على قيم المنافسة‪ ،‬وحرية‬
‫التجارة على مستوى العالم‪ .‬وقوى ضابطة أخرى تعمل على ضبط سياسات الشركات‪ ،‬للحفاظ‬
‫على حقوق العاملين‪.‬‬
‫وفى حين تضطلع بدور القوى الضابطة لممارسات السوق وآلياته؛ المنظمات الدولية‬
‫القت صادية والمال ية‪ ،‬م ثل الب نك الدولى و صندوق الن قد الدولى ومنظ مة التجارة العالم ية‪ .‬فإن‬
‫منظمهة العمهل الدوليهة والنقابات العماليهة والمهنيهة تضطلع بدور القوى الضابطهة لسهياسات‬
‫الشركات‪.‬‬
‫وفى إطار استراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج‪ .‬فإن القوى الضابطة لممارسات‬
‫ال سوق وآليا ته تت جه ن حو الندماج والتو حد‪ .‬ح يث إ نه من ” المر جح أن تن سق منظ مة التجارة‬
‫العالم ية برامج ها و سياساتها مع الب نك الدولى و صندوق الن قد الدولى‪ .‬والر جح أن تكون نتي جة‬
‫ذلك فرض مشروطية مؤسسية مشتركة‪ .‬وقد يترتب على ذلك أل تُمنح قروض البنك الدولى إل‬
‫إذا شهدت منظمة التجارة العالمية بأن طالب القرض قد التزم بقواعد المنظمة “(‪.)205‬‬
‫‪203‬‬

‫() آلفين توفلر‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.287 - 286‬‬
‫انظههر‪ :‬آلفيههن توفلر‪ ،‬صههدمة المسههتقبل ( المتغيرات فههى عالم الغههد )‪ .‬ترجمههة محمههد على ناصههف‪،‬‬
‫ص ‪ .127‬حيهث يقرر أن لفهظ ‪ AD HQC‬تعنهى فهى اللتينيهة‪ :‬مهن أجهل هذا الغرض بالذات‪ .‬وبالتالى فالمقصهود بهذا‬
‫المصطلح وصف المنظمات السريعة التغير ذات المرونة الهيكلية وفقا لهداف كل مشروع‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪204‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.141‬‬

‫‪205‬‬

‫() جوموك‪ .‬سههوندارام‪ " ،‬صههدام أم حوار‪ :‬بعههض الفكار القتصههادية للعصههر الجديههد "‪ ،‬فههى فخرى لبيههب‬

‫‪-‬‬

‫‪96‬‬

‫‪-‬‬

‫فلقد أدى التشابك القتصادى بين المم ‪ -‬والذى أفرزته كل من البنية التحتية والفوقية‬
‫للعولمة ‪ -‬إلى انطلق المم ” بأقصى السرعة فى تنافسها الكونى على تحقيق حصة منا سبة‬
‫فى السوق العالمية‪ .‬المر الذى يعنى أن عودة أى أمة من هذه المم إلى النكفاء على الداخل‬
‫سيكون كارثة على هذه المة بل مراء “(‪.)206‬‬
‫و من ه نا‪ ..‬ف قد تنا مى دور القوى الضاب طة لممار سات ال سوق العال مى وآليا ته‪ ،‬ح تى‬
‫تض من الحفاظ على ق يم ال سوق المتمثلة فى ضمان حر ية التجارة وضمان المناف سة الحرة ب ين‬
‫كافة دول العالم‪.‬‬
‫وكذلك تعمل إستراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج‪ ،‬على اتجاه القوى الضابطة‬
‫ل سياسات الشركات ‪ -‬والمتمثلة فى النقابات المهن ية والعمال ية المحل ية ‪ -‬ن حو التو حد والتك تل‬
‫تدريجيا على الم ستوى العال مى‪ .‬من أ جل أن تمارس دورها فى الحفاظ على ضمانات وحقوق‬
‫العاملين‪ ،‬وذلك بالتعاون مع منظمة العمل الدولية‪ .‬حيث أدى امتداد أنشطة الشركات وفروعها‬
‫فى أنحاء العالم‪ ،‬إلى فقدان النقابات العمال ية والمهن ية المحل ية قدرت ها على الض غط والم ساومة‬
‫لضمان حقوق أعضائهها‪ .‬وبالتالى كان التوجهه نحهو الندماج والتوحهد والتكامهل العالمهى ههو‬
‫الضامن لمواجهة الكيانات العملقة للشركات المتعددة الجنسيات‪.‬‬
‫ولكهن فهى إطار تكتيكات العولمهة للتجزؤ والتشظهى والنقسهام‪ ،‬فإن التنامهى المتدرج‬
‫للقوى الضاب طة لممار سات ال سوق وآليا ته والقوى الضاب طة ل سياسات الشركات‪ ،‬سيعمل على‬
‫تعزيهز النقسهام والصهدام والمواجههة بيهن هذه القوى؛ نظرا لتبايهن توجهاتهها واختلف نطاق‬
‫أنشطتها وتعارض سياساتها‪.‬‬
‫ول عل ما يؤ كد هذا‪ ،‬ال صدامات ب ين تلك القوى المتعار ضة فى المؤتمرات القت صادية‬
‫العالم ية للدول ال سبع الكبار أو منظ مة التجارة العالم ية أو صندوق الن قد والب نك الدولى‪ ،‬ح يث‬
‫إنه غالبا ما تتعارض مصالح وتوجهات القوى الضابطة لممارسات السوق وآلياته مع مصالح‬
‫القوى الضابطهة لسهياسات الشركات‪ ،‬ولعهل هذا سهيطرح تغييرا كهبيرا فهى دور الدولة فهى‬
‫القتصهاد على المسهتوى المحلى‪ ،‬حيهث إنهه سهتتحول الدولة ‪ -‬فهى ظهل هذه الظروف المولّدة‬
‫لكيانات عالميهة متعارضهة المصهالح ‪ -‬إلى مراقهب محلى يعمهل على فهض الشتباك وقيادة‬
‫( محرر )‪ ،‬صهراع الحضارات أم حوار الثقافات ( أوراق ومداخلت المؤتمهر الدولى حول صهراع الحضارات أم حوار‬
‫الثقافات‪ ،‬القاهرة ‪ 12 - 10‬مارس ‪ .)1997‬ص ‪.134‬‬
‫‪206‬‬

‫() ها نس ‪ -‬بيترمارت ين وهارالد شومان‪ ،‬فخ العول مة ( العتداء على الديمقراط ية والرفاه ية )‪ .‬ترج مة عدنان عباس على‪،‬‬
‫ص ‪.387‬‬

‫‪-‬‬

‫‪97‬‬

‫‪-‬‬

‫المفاوضات والم ساومات ب ين هذه القوى‪ ،‬بح يث تضطلع الدولة بدور رقا بى تفاو ضى لضمان‬
‫الحفاظ على مستوى من الكفاءة القتصادية للطراف المتعارضة‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪98‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثالث‬
‫البعاد الثقافية لظاهرة العولمة‬
‫(العـولمة الثقافية)‬
‫تش ير البعاد الثقاف ية للعول مة إلى مجمو عة من التغيرات ال تى با تت تطرأ على وا قع‬

‫عدد من المفاه يم الثقاف ية م ثل‪ :‬الثقافة والحضارة والهو ية‪ ،‬ح يث تك شف العول مة ‪ -‬بمظاهر ها‬

‫المتعارضة ‪ -‬عن تأثيرات ملحوظة يمكن إدراك مداها عند التعامل مع تلك المفاهيم فى ظل‬
‫التطورات العولمية الراهنة‪.‬‬

‫و فى إطار عرض البعاد الثقاف ية للعول مة‪ ..‬سنحاول ‪ -‬بقدر الم ستطاع ‪ -‬الع مل على‬

‫إزالة اللبس الواضح فى المفاهيم الذى يصطدم به الباحث الساعى إلى تمييز الفروق بين معانى‬
‫ودللت كهل مهن‪ :‬الثقافهة والحضارة والهويهة‪ .‬إذ تُسهتخدم تلك المصهطلحات فهى الكثيهر مهن‬

‫الكتابات‪ ،‬بح يث يكون أحد ها مرادفا للخهر؛ ممها يؤدى إلى الخلط والتخبهط عنهد محاولة فههم‬

‫دللت تلك المفاهيم المتمايزة المتداخلة فى نفس الوقت‪.‬‬

‫وبدايةً‪ ..‬يمكهن تعريهف الثقافهة بأنهها ” شبكهة مهن المعانهى والرموز والشارات التهى‬

‫نسجها النسان بنفسه لعطاء الغاية لنفسه وجماعته والعالم والكون من حوله “(‪.)207‬‬

‫وهذا يعنى أن الثقافة فى جذورها ” عبارة عن معايير للفعل والسلوك “(‪ ،)208‬كما أنها‬

‫فى جوهرها ” إنتاج للرموز والنصوص “(‪.)209‬‬

‫صر‬
‫صم والمعاييص‬
‫هن‪ ..‬مجموع القيص‬
‫هى تتضمه‬
‫هة بهذا المعنه‬
‫هن القول أن الثقافه‬
‫وبهذا يمكه‬

‫والسلوكيات ال سائدة فى مجتمع من المجتمعات‪ ،‬بالضافة إلى المنتجات الفكرية والمعنوية‬

‫) الداب والفنون والعلوم والفلسفة‪ ..‬إلخ )‪.‬‬

‫وانطلقا من هذا التعر يف للثقا فة‪ ..‬فإن الحضارة ‪ -‬كامتداد مادى لهذا المع نى ‪ -‬ما‬

‫هى إل الثقافة‪ ،‬ولكن مرتبطة بالثار والمنجزات المادية الناتجة عن تلك الثقافة‪ .‬وتلك الثار‬

‫والمنجزات الماديهة تتمثهل فهى الدوات والجهزة والعمارة وتخطيهط المدن وكافهة وسهائل‬
‫السيطرة على البيئة الطبيعية‪.‬‬
‫‪207‬‬

‫() تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.17‬‬

‫‪208‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.16‬‬

‫‪209‬‬

‫() على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.109‬‬

‫‪-‬‬

‫‪99‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى‪ ..‬وتأسيسا على هذا التعريف للحضارة‪ ،‬فإن الهوية ‪ -‬كطا بع لهذا المع نى ‪-‬‬

‫ما هى إل الحضارة‪ ،‬ولكن ملونة بالنتماءات الجغرافية أو الدينية أو العرقية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الثقصصافصصة = قيم ‪ +‬معايير ‪ +‬سلوكيات ‪ +‬منتجات فكرية ومعنوية‬
‫الحضارة = الثقافة ‪ +‬الثار والمنجزات المادية الناتجة عن هذه الثقافة‬

‫الهويصصصصصة = الحضارة × النتماءات الجغرافية أو الدينية أو العرقية‪ ..‬إلخ‬
‫ومهن خلل هذه االمعانهى الدالة على هذه المفاهيهم‪ ،‬سهنتعرض للبعاد الثقافيهة للعولمهة فهى‬
‫مجالت الثقافة والحضارة والهوية‪ .‬وذلك على النحو التالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬العولمــة والثقافـة‪:‬‬
‫تدفع إستراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج إلى التخلق التدريجى لثقافة عالمية‬

‫ذات طابهع إنسهانى يضهم القيهم والمبادئ النسهانية العامهة‪ ،‬بحيهث تتخلل تلك الثقافهة العالميهة‬
‫الن سانية بن ية الثقافات الراه نة ل كى ت صبح جزءا من ن سيجها‪ ،‬ال مر الذى يز يد من مل مح‬

‫التشابهه ب ين الثقافات‪ .‬فهى حيهن تدفهع تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام إلى زيادة‬

‫مل مح التعدد ية الثقاف ية فى صلب الثقا فة المركز ية ل كل مجت مع‪ ،‬نتي جة تعظ يم البن ية التحت ية‬
‫للعولمة لمكانية الترابط والتصال بين القليات‪.‬‬

‫فل قد أتا حت مؤ سسات البن ية التحت ية للعول مة ‪ -‬خا صة و سائل الت صال اللكترون ية ‪-‬‬

‫إمكانيهة التعرض بسههولة للثقافات المختلفهة والتعرف عليهها ومتابعتهها مهن خلل البهث الفضائى‬
‫المبا شر بالقمار ال صناعية‪ .‬بالضا فة إلى إمكان ية الت صال اللكترو نى التفاعلى ب ين الفراد من‬

‫ذوى الثقافات المختلفهة مهن خلل شبكات المعلومات‪ .‬وبالتالى فإن ذلك سهيؤدى إلى إحداث تقارب‬
‫بين الثقافات المتعددة‪ ،‬نتيجة تجاور تلك الثقافات المتمايزة داخل شاشة التلفزيون أو الحاسب اللى‪.‬‬

‫كما سيؤدى إلى خروج الثقافات المهمشة من حيز المحلية إلى نطاق العالمية‪ .‬ولعل هذا التقارب‬
‫سهيساعد تدريجيا على زيادة نطاق التوحهد والتشابهه والتهجيهن بيهن مل مح الثقافات المتعددة‪ .‬ممها‬

‫سيؤدى إلى احتواء كل ثقافة على ملمح عالمية تتزايد تدريجيا داخل إطارها المحلى‪.‬‬

‫ولهذا ” لم َت ُعدْ اليون سكو بصفتها منظ مة تهتم بالثقا فة تتردد فى الحد يث عن أخلقيات‬

‫عالم ية جديدة‪ .‬و فى تقرير ها عن التنوع البشرى الخلق‪ ،‬دعوة ل يخطئ ها الذ هن إلى عول مة‬

‫أو كونية تتسم بوحدة وتنوع الثقافة النسانية معا “(‪.)210‬‬

‫ومن ثم فقد ” ارتبطت العولمة بمجموعة من النتائج الثقافية‪ ،‬والتى يمكن تحليلها إلى‬

‫فئات تندرج تحت ثلث فرضيات رئيسية وهى‪:‬‬
‫‪210‬‬

‫() حيدر إبراه يم‪ " ،‬العول مة وجدل الهو ية الثقاف ية "‪ ،‬مجلة عالم الف كر ( عدد خاص‪ :‬العول مة ظاهرة الع صر )‪ ( .‬العدد ‪،2‬‬
‫أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.119‬‬

‫‪-‬‬

‫‪100‬‬

‫‪-‬‬

‫التجانس ‪ -‬الستقطاب ‪ -‬التهجين ( التوليد )‬
‫ح يث تو ضح فرض ية « التجا نس » أن الثقا فة الكون ية فى طريق ها إلى التو حد حول‬
‫النموذج الغربى أو المريكى‪ .‬وعلى الرغم من ظهور بعض الدلة التى تدعم هذه الرؤية‪ ،‬إل‬
‫أن حضور الثقافات البديلة ومظا هر المقاو مة للمعاي ير الغرب ية تج عل فرض ية « ال ستقطاب »‬
‫هى الجديرة بأن تقدم صورة أكثر إقناعا للتجاه الذى تتطور صوبه الثقافة الكونية‪.‬‬
‫ول كن نظرا لن الترا بط والعتماد الكو نى ل يعنيان بالضرورة التوا فق الثقا فى‪ .‬وذلك‬
‫لكون الثقا فة تبدو أك ثر صلبة من المنظمات القت صادية والتكنولوج ية فى مواج هة عمليات‬
‫توحيد المعايير‪ .‬وبالتالى فحتى الن‪ ..‬تبدو فكرة الستقطاب محاطة بالكثير من القيود‪.‬‬
‫أ ما فرض ية « التهج ين » ( التول يد )‪ ،‬فإن جدل ها الرئي سى ين صب حول أن الثقافات‬
‫تقوم با ستعارة ود مج عنا صرها المتعددة بين ها وب ين بعض ها الب عض‪ .‬وذلك لخلق امتدادات ها‬
‫وتشكيل صورها‪ .‬وتظهر الدلة التى تدعم هذا التصور بشكل رئيسى فى المؤسسات الشعبية‬
‫والشعائر الدينيهة‪ ....‬إن النتائج الثقافيهة للعولمهة تبدو إذن متنوعهة ومتعددة “(‪ .)211‬وذلك‬
‫انطلقا مهن ” أن كهل ثقافهة تملك الكثيهر الذى تعلمهه للثقافات الخرى‪ .‬وبوسهعها أن تغتنهى‬
‫بإسهامات عديدة “(‪.)212‬‬
‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن ” العولمة ليست بحاجة بالضرورة إلى فرض نظام ثقافى موحد‬
‫على كهل أنحاء العالم‪ .‬لن هناك اسهتحالة أمام كهل مهن يخطهط لمحهو التعدد الثقافهى العالمهى‪.‬‬
‫فالثقافات وإن كانت تنشأ وتتطور وتزيد فاعليتها فى مراحل المد التاريخى‪ ،‬وتذوى وتضعف‬
‫فى عهود النحسار والتراجع‪ .‬إل إنها مع ذلك تبقى وتستمر ‪ -‬وإن كانت تتغير عبر الزمن ‪-‬‬
‫لنها تعبّر عن جماعات بشرية بعينها لها تاريخها الجتماعى الفريد‪ ،‬الذى ل يمكن محوه ول‬
‫إزلة آثاره‪ ،‬ول إلقاؤه ليُستبدل بنزعات عولمية جديدة “(‪.)213‬‬
‫إن البعاد الثقافية للعولمة تطرح بذلك ثقافة عالمية آخذة فى التشكل ل تتكون من ثقافة‬
‫واحدة‪ ،‬ول كن من ثقافات رئي سية متعددة‪ ،‬تكون ن سب ومل مح التشا به والتما ثل في ها أك ثر من‬
‫نسب وملمح الختلف‪.‬‬

‫‪)(Holton, Robert, Globalization’s Cultural Consequences ) Dimensions of Globalization (. The‬‬
‫‪Annals of the American Academy of Political and social science, vol. 570 )No. 13 - July 2000(,‬‬
‫‪p. 140 . ) Available from Internet (.‬‬
‫‪211‬‬

‫‪212‬‬

‫() سيرج لتوش‪ ،‬تغريب العالم‪ .‬ترجمة خليل كلفت‪ ،‬ص ‪.126‬‬

‫‪213‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.77‬‬

‫‪-‬‬

‫‪101‬‬

‫‪-‬‬

‫وثمهة مؤشرات عديدة على بروز ملمهح لثقافهة عالميهة واحدة فهى صهلب الثقافات‬
‫العالمية على تعدد أصولها‪.‬‬
‫فل قد ” ن مت وتطورت فى عالم نا المعا صر ثقا فة مدن ية كون ية ‪global civic culture‬‬

‫يمكهن السهتيحاء مهن ينابيعهها لبناء أخلق كونيهة‪ .‬ففكرة حقوق النسهان‪ ،‬وفكرة الشرعيهة‬
‫الديمقراطيهة‪ ،‬وفكرة المحاسهبة العامهة‪ ،‬والفكرة الخاصهة بإقامهة الدليهل على أى دعوى‪ .‬كلهها‬
‫يم كن أن تكون أفكارا مرش حة للخلقيات الكون ية‪ ..‬ويم كن القول أن المطال بة باحترام حقوق‬
‫النسان والوعى البيئى‪ ..‬أدلة أخرى على وجود هذه الثقافة المدنية وأهميتها “(‪.)214‬‬
‫وهناك ” دراسات ترى أن النترنت ستؤثر على طبيعة المعرفة النسانية ذاتها‪ .‬ومن‬
‫النتائج البارزة المتوقعهة أن سهعة المعارف النسهانية‪ ،‬وإمكانيهة الطلع عليهها مهن مختلف‬
‫الم صادر والزوا يا‪ ،‬ستؤدى بالتدر يج إلى القضاء على التخ صصات العلم ية الجزئ ية و ستوسع‬
‫من نظرة الباحثين‪ .‬وستجعلهم يدورون فى مدارات أوسع بكثير من نطاق الدوائر الضيقة التى‬
‫يعيشون في ها‪ .‬م ما سيجعلهم أك ثر مو سوعية فى تناول الظوا هر‪ .‬م ما قد يؤدى إلى خلق ثقا فة‬
‫إنسانية من نوع جديد‪ ،‬ل تتسم بالتجزؤ الملحوظ فى الثقافة السائدة “(‪.)215‬‬
‫ول قد ” اقتر حت اللج نة الدول ية للثقا فة والتنم ية ال تى شكلت ها اليون سكو عام ‪ 1992‬أن‬
‫تكون المبادئ السهاسية التاليهة ههى جوههر الخلق الكونيهة الجديدة‪ .‬وههى‪ :‬احترام حقوق‬
‫الن سان ‪ -‬الديمقراط ية وعنا صر المجت مع المد نى ‪ -‬حما ية القليات ‪ -‬اللتزام بال حل ال سلمى‬
‫للمنازعات والمفاوضات النزيهة “(‪.)216‬‬
‫ول كن ث مة أدبيات ترى أن العول مة ” شمول ية جديدة لن ها تنت هى إلى محاولة فرض‬
‫ثقافهة واحدة ونمهط وحيهد للحياة على المهم‪ ،‬وتصهادر الخيارات الجتماعيهة والسهياسية‬
‫البديلة‪ .‬والعولمهة أيضا وههى تبشهر بانتهاء عصهر اليدلوجيات‪ ،‬تفسهح الطريهق إلى‬
‫أيديولوجيها وحيدة مهيمنهة‪ ،‬ل تعترف إل بثقافهة واحدة ∗ بمها تنطوى عليهه مهن أنماط إنتاج‬
‫واستهلك وحياة واحدة‪ .‬وهى ثقافة نهاية التاريخ التى تحاول أن تجمل وجهها الشائه بقناع‬
‫مخادع زائف مهن المصهطلحات التهى فقدت معناهها‪ :‬ديمقراطيهة‪ ،‬وحقوق النسهان‪ ،‬وتعدد‬
‫سياسى “(‪.)217‬‬
‫‪214‬‬

‫() السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.266‬‬

‫‪215‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.173‬‬

‫‪216‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.268‬‬
‫للمز يد حول ن قد البعاد الثقاف ية للعول مة‪ ،‬ان ظر‪ :‬جان بييرفارن يي‪ ،‬عول مة الثقا فة‪ .‬ترج مة ع بد الجل يل الزدى‪ ،‬القاهرة‪:‬‬
‫الدار المصرية اللبنانية‪.2002 ،‬‬

‫‪‬‬

‫‪217‬‬

‫() محمد إبراهيم منصور‪ " ،‬مناقشات حول ورقتى الجابرى وبلقزيز عن‪ :‬العولمة والهوية الثقافية "‪ ،‬فى أسامة أمين الخولى‬

‫‪-‬‬

‫‪102‬‬

‫‪-‬‬

‫أيضا فإن تلك الدبيات ترى أن طبيعة ثقافة العولمة ما هى إل‪:‬‬
‫”ثقا فة تم جد ال ستهلك ‪ -‬وتم هد للع نف ‪ -‬وتم جد الفرد ية والنان ية ‪ -‬وأن ها ثقا فة ماد ية ‪-‬‬

‫وت ستهين بكث ير من الق يم المجتمع ية ( النتماء ‪ -‬حقوق المواط نة ‪ -‬فرص الع مل ‪ -‬اعتبارات‬

‫البيئة ‪ -‬المجتمع المدنى ) “(‪.)218‬‬

‫وبالتالى فإن ما تطمح إليه البعاد الثقافية للعولمة هو أمركة الثقافة‪ ،‬فى حين ” تطرح‬

‫عمل ية أمر كة الثقا فة العالم ية خطرا على الديمقراط ية‪ ،‬وذلك لكون ها تعوق إمكان ية خلق مجت مع‬

‫مد نى حقي قى على الم ستوى الكو نى يتكون من مواطن ين أحرار يمثلون الثقافات المختل فة‪ .‬و فى‬
‫حين أن عالم ماك ( ‪ ) MC world‬ل يعارض الديمقراطية‪ ،‬إل أنه يبدو حياديا فى مواجهتها إذا‬

‫ما كان غرضها الوحيد هو تكوين مجتمع كونى قائم على المستهلكين‪ .‬وبالتالى سيؤدى غياب أى‬

‫رد فعهل تجاه هذه العمليهة‪ ،‬إلى عدم إنتاج العولمهة لثقافهة كونيهة متعددة الجنسهيات أو أى تعاون‬

‫عال مى‪ .‬بين ما سيقود ذلك إلى زوال التنوع والديمقراط ية فى مواج هة ال ستهلك الشا مل“ (‪.)219‬‬
‫وذلك ” لن وحدانيهة السهوق سهتعمل على تهشيهم مقاومهة كهل هؤلء الذيهن حافظوا على نظام‬

‫آخر للقيم يختلف عن القيم التجارية “(‪.)220‬‬

‫ومن الواضح أن تلك الدبيات التى تنظر بعين الشك إلى البعاد الثقافية للعولمة تنطلق‬

‫من فرضية أنه ” بعد انهيار التحاد السوفيتى أضحت الوليات المتحدة القوة العظمى الوحيدة‬
‫فى عالم يزداد تقل صا‪ .‬و مع تنا مى‪ ..‬العول مة فى مجالت ال سياسة وال من والقت صاد وتبادل‬

‫المعلومات والثقا فة‪ ،‬ونظرا إلى دور الوليات المتحدة المركزى فى مع ظم هذه المجالت‪ ،‬بات‬
‫من ال صعوبة بمكان التمي يز ب ين ال حد الذى ينت هى عنده النفوذ المري كى وال حد الذى تبدأ م عه‬

‫العول مة‪ .‬سواء أكا نت العول مة مجرد ش كل من أشكال المر كة العالم ية‪ ،‬أم كا نت فعلً ظاهرة‬

‫م ستقلة فى ذات ها ستنحسر ال سيطرة المريك ية عن ها شيئا فشيئا فى الم ستقبل المنظور “ (‪.)221‬‬

‫ولكن إلى أن يسفر المستقبل عن هذا‪ ،‬فإنه يبدو من الرجح القول بأن أمريكا ” لم تقولب العالم‬

‫على صورتها‪ ،‬ف قد يكون العالم متجها الن فى التجاه الذى سبق للوليات المتحدة أن اتج هت‬

‫( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.355‬‬
‫‪218‬‬

‫() حسين كامل بهاء الدين‪ ،‬الوطنية فى عالم بل هوية ( تحديات العولمة )‪ .‬ص ‪.150 - 149‬‬

‫‪)(Barber, Benjamin R.,“Democracy at risk: American Culture in a global culture.”, World‬‬
‫‪policy Journal. )n2, summer 1998(,p. 29 )13(. )Available from Internet(.‬‬
‫‪219‬‬

‫روجيه جارودى‪ ،‬أمريكا طليعة النحطاط‪ .‬ترجمة عمرو زهيرى‪ ،‬ص ‪.27 - 26‬‬

‫‪220‬‬

‫()‬

‫‪221‬‬

‫بول سالم‪ " ،‬الوليات المتحدة والهيم نة‪ :‬معالم الهيم نة فى مطلع القرن الحادى والعشر ين "‪ ،‬فى أ سامة أم ين‬
‫()‬
‫الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.209‬‬

‫‪-‬‬

‫‪103‬‬

‫‪-‬‬

‫إل يه‪ ،‬و هى بالتالى ربمها تمثهل النمهط الذى تسهير نحوه شرائح كبيرة من أ هل الرض الذيهن‬

‫يلجون عالم الطبقة الوسطى الستهلكية التطلع “(‪.)222‬‬

‫وبالتالى فإ نه يم كن القول أن ” الخوف الهو سى من نتائج العول مة قض ية مبالغ في ها‪.‬‬
‫فمهما بلغت العولمة من شمولية ثقافية‪ ،‬فإنها لن تلغى الخصوصيات الثقافية تمام اللغاء‪ .‬فكما‬
‫إنه لم يكن هناك ثقافة أصلية نقية تمام النقاء فى أى مجتمع أو جما عة عبر التار يخ‪ .‬فإ نه لن‬
‫يكون هناك ثقافة عالمية ملغية تمام اللغاء للخصوصيات المحلية “(‪.)223‬‬
‫وذلك لنهه ” إذا كانصت جغرافيصة العالم تكاد تصصبح واحدة فإن التواريصخ مختلفصة‬
‫ومتعارضصة‪ .‬ذلك أن النسهان ل يحيها فهى المكان وحده‪ .‬إنمها ههو كائن زمنهى يجهر وراءه‬
‫تواري خه ويطوى أطواره‪ .‬والزمن هو زمن الخبرات والمعايشات التى تولّد ما ل يتناهى من‬
‫الفروقات بين الهويات والثقافات “(‪.)224‬‬
‫وبالتالى فمهن ” الحرى القول بوجود ثقافات تتفاعهل بقدر مها تتنافهس‪ .‬والثقافهة الحيهة‬
‫المتجددة تمتهص مها عنهد الثقافات الخرى مهن البداعات والنجازات‪ .‬كمها فعهل العرب مهع‬
‫منطهق اليونان وفكرههم‪ .‬وكمها تعامهل الغربيون مهع النجازات الفكريهة والعلميهة فهى الثقافهة‬
‫العرب ية ال سلمية “(‪ .)225‬وهذا يو ضح ” أن الطبي عة الن سانية العا مة للثفا فة القوم ية هى ال تى‬
‫تنتقل أكثر من تلك الخصوصيات المميزة للثقافة القومية “(‪.)226‬‬
‫إن ” الميزة ال ساسية فى العول مة أن الن سبية هى المطلق الوح يد ‪ -‬إن صح الت عبير‬
‫فالعولمهة ل تسهعى إلى خلق مركهز أو قطهب واحهد كمها يبدو ظاهريا‪ ،‬ولكنهها تعمهل على‬‫زحز حة الثوا بت‪ .‬و فى هذه الحالة ي صعب فرض ثقا فة مركز ية عالم ية‪ .‬ول كن ستوجد ثقافات‬
‫إنسانية عالمية تشترك فى طرائق تفكير واستخدام أدوات عالمية‪ .‬ولكنها تتنوع فى التعبير عن‬
‫خصوصية غير ثابتة‪ ..‬أى نسبية “(‪.)227‬‬
‫و من ه نا‪ ،‬فإن التغ ير الذى تمار سه البعاد الثقاف ية للعول مة على أ ية ثقا فة هو طبي عة‬
‫جوهرية فى كافة الثقافات‪ ،‬و” من الخطأ التعامل مع الثقافة باعتبارها شيئا جامدا معزولً غير‬
‫‪222‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ .‬ص ‪.222‬‬

‫‪223‬‬

‫()‬

‫تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.22‬‬

‫‪224‬‬

‫()‬

‫على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.95‬‬

‫‪225‬‬

‫()‬

‫نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.110‬‬

‫‪226‬‬

‫أح مد برقاوى‪ " ،‬ن حو تحد يد فل سفى‪ /‬إن سانى لمفهوم الثقا فة العالم ية‪ :‬مد خل ميتادولو جى "‪ ،‬فى فخرى لب يب‬
‫()‬
‫( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.257‬‬

‫‪227‬‬

‫حيدر إبراهيم‪ " ،‬إشكالية الحركة الصولية فى الوطن العربى فى ظل العولمة الثقافية "‪ ،‬فى عبد الباسط عبد‬
‫()‬
‫المعطى وآخرون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.332‬‬

‫‪-‬‬

‫‪104‬‬

‫‪-‬‬

‫قابل للتغيير‪ .‬إذ إن كل الثقافات تتغير بمرور الزمن‪ ...‬فل توجد ثقافة ساكنة ل تتطور‪ .‬كما ل‬
‫توجد ثقافة منعزلة عن الثقافات الخرى‪ .‬فالثقافات المختلفة هى فى حالة تفاعل دائم‪ .‬وقد أدت‬
‫الثورة فهى وسهائل المواصهلت والتصهالت إلى زيادة هذا التفاعهل “(‪ .)228‬وبالتالى فقهد‬
‫” أصهبح متأخرا جدا بالنسهبة للثقافات لكهى تنظهر بعيهن العتبار إلى العزلة‪ .‬ولكنهه ليهس‬
‫متأخرا‪ ،‬لصياغة إستراتيجية جماعية‪ ،‬وللمقاومة‪ ،‬ولعادة صياغة التراث والهويات فى عالم‬
‫لم يعد يتصور المفاهيم المجردة‪ ،‬سواء أكانت محلية مجردة أم قومية مجردة أم حتى عولمية‬
‫مجردة “(‪.)229‬‬
‫ل أن ” يأتهى نظام سهياسى معيهن ‪ -‬ويأبهى باسهم‬
‫وهذا يوضهح أنهه لم يعهد مقبو ً‬
‫الخصوصية الثقافية ‪ -‬تنفيذ ما اتفقت عليه المم‪ .‬فإن ذلك يُعد فى الواقع إساءة استخدام بالغة‬
‫لح جة الخ صوصية الثقاف ية‪ .‬ذلك أ نه لو كا نت هناك خ صوصية ثقاف ية شأن ها أن تحرم الن سان‬
‫من حري ته ال سياسية أو تمن عه من الح صول على حقو قه المشرو عة القت صادية والجتماع ية‪،‬‬
‫فمعنى ذلك أنها خصوصية ثقافية متخلفة‪ ،‬ينبغى العمل على تغييرها وتطويرها حتى ترقى إلى‬
‫مستوى العصر “(‪.)230‬‬
‫وخل صة القول إن الثقا فة العالم ية الن سانية ال صاعدة ال تى تن مو فى ظل إ ستراتيجية‬
‫العولمة للتوحد والتكتل والندماج ل تلغى الخصوصيات الثقافية‪ .‬ولعل أفضل ما قيل فى هذا‬
‫الشأن هو العبارة ال تى أورد ها الكا تب المري كى « صامويل هنتنجتون » فى كتا به « صدام‬
‫الحضارات » ح يث قال‪ ” :‬عالم متعدد الثقا فة ل يم كن تجن به لن المبراطور ية الكون ية أ مر‬
‫مسهتحيل‪ ..‬البقاء على الوليات المتحدة والغرب يتطلب تجديهد الهويهة الغربيهة‪ ...‬أمهن العالم‬
‫يتطلب قبول التعددية الكونية “(‪.)231‬‬
‫‪ ...‬وفى المقابل‪ ..‬فإن تكتيكات العولمة للتجزؤ والتشظى والنقسام ستعمل على توفير‬
‫المكانيهة لتشابهك وترابهط الثقافات الهامشيهة وثقافات القليهة‪ ،‬بمها يؤدى إلى ظهور ملمهح‬
‫التعددية الثقافية فى صلب الثقافة المركزية لكل مجتمع‪.‬‬

‫‪228‬‬
‫طلعت المغربى‪ " ،‬دراسة هامة تناقش قضية التعصب والتسامح‪ :‬التكافؤ والمساواة بين الثقافات المختلفة شرط‬
‫()‬
‫أساسى لتحقيق التسامح "‪ ،‬جريدة الوفد‪ .‬بتاريخ ‪ ،17/7/2000‬ص ‪.8‬‬
‫‪229‬‬
‫‪)(Uncapher, Willard, Between Local and Global ) Placing the Media Scape in the‬‬

‫( ‪transnational Cultural flow, P. 15.) Available from Internet‬‬

‫‪230‬‬

‫()‬

‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.68‬‬

‫‪231‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.515‬‬

‫‪-‬‬

‫‪105‬‬

‫‪-‬‬

‫فسهولة التصال اللكترونى بين أفراد كل أقلية ستؤدى إلى تشابكهم اللكترونى على‬
‫مستوى العالم أو الدولة الواحدة‪ .‬وبالتالى سيتيح ذلك الفرصة لتلك الثقافات التحتية‪ ،‬لكى تندرج‬
‫بوضوح ضمن إطار الثقافة المركزية لمجتمعها‪.‬‬
‫فل قد ”كا نت مع ظم مجتمعات الما ضى تع مل ض من إطار مجمو عة من الق يم العا مة‬
‫ال سائدة‪ .‬هذا الطار العام ينك مش الن‪ .‬ول يس هناك ما يعزز احتمال تكو ين إطار وا سع جد يد‬
‫جمَع عليها خلل العقود القادمة ( داخل كل مجتمع )‪ .‬إن كل الضغوط تتخذ اتجاها‬
‫من القيم ال ُم ْ‬
‫إلى الخارج نحو مزيد من التنوع وليس إلى الداخل طلبا لمزيد من التوحيد “(‪.)232‬‬
‫وكمها يقرر الكاتهب المريكهى « آلفيهن توفلر » ” فالحقيقهة ههى أن كهل دفعتنها نحهو‬
‫المستقبل إنما تحملنا بعيدا عن التنميط‪ .‬بعيدا عن السلع المتجانسة وعن التماثل فى الفن‪ .‬وعن‬
‫أسهلوب النتاج الكهبير فهى التعليهم والثقافهة‪ .‬إننها قهد وصهلنا إلى مفترق جدلى هام فهى التطور‬
‫التكنولوجى للمجتمع‪ .‬فالتكنولوجيا بدلً من أن تفرض قيودا على فرديتنا‪ .‬سوف تضاعف آسيا‬
‫من مجالت اختيارنا ومن آفاق حريتنا “(‪.)233‬‬
‫و قد يعت قد الب عض‪ ” ..‬أن طرح قض ية الخ صوصيات الثقاف ية ‪ -‬ال تى تطرح ها تكتيكات‬
‫العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام ‪ -‬يعيق النصهار الوطنى من منطلق أنه يكرس الفرقة‪ ،‬أى‬
‫يؤكد الختلف‪ .‬ولكن النظرة المتعمقة تؤكد أن العتراف بالخصوصيات الثقافية‪ ،‬يسعد ويريح‬
‫التجمعات البشريهة التهى تشعهر بالغتراب كأقليهة فهى وسهط أكثريهة‪ .‬فتكون الوحدة مهن خلل‬
‫التنوع‪ ،‬ويتقوى المجتمهع لنهه يوسهع الرضيهة المشتركهة ويؤكهد الحقوق المتكافئة “(‪.)234‬‬
‫و ”الواقهع أن التنوع البشرى الخلق ههو مبدأ الفعهل البتكارى فهى الثقافهة التهى تتوثهب بعافيهة‬
‫الحرية‪ .‬وتشيع معانى التسامح وحق الختلف واحترام المغايرة‪ .‬ول تنفر من إعادة النظر فى‬
‫تقاليدها “(‪“ .)235‬وربما كانت تعددية النسان على المستوى الثقافى كما على المستوى الوراثى‬
‫هصى شرط بقائه‪ .‬ومهن يدرى مها إذا كانهت الثقافات التهى يجرى اليوم إنكارهها والهزء بهها‪ ،‬لن‬
‫تكون غدا بحكم خصوصياتها ذاتها الكثر قدرة على أن تواجه تحديات التاريخ “(‪.)236‬‬
‫‪ ...‬لقد كان هذا المعنى ”هو ما أقره المدير العام لليونسكو فى نوفمبر ‪ 1997‬عندما‬
‫أشار إليه على النحو التالى‪ :‬كما أن حماية التنوع البيولوجى هو أمر لزم وضرورى لصحة‬
‫‪232‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬صدمة المستقبل ( المتغيرات فى عالم الغد )‪ .‬ترجمة محمد على ناصف‪ ،‬ص ‪.318‬‬

‫‪233‬‬

‫()‬

‫نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.294‬‬

‫‪234‬‬

‫()‬

‫ميلد حنا وآخرون‪ ،‬المثقف العربى والخر ( بين الرفض والقبول واللمبالة )‪ .‬ص ‪.20‬‬

‫‪235‬‬

‫()‬

‫جابر عصفور‪ " ،‬تنوعنا الخلق "‪ ،‬مجلة تحديات ثقافية‪ ( .‬عدد ‪ ،1‬يوليو ‪ -‬سبتمبر ‪ ،) 2000‬ص ‪.18‬‬

‫‪236‬‬

‫()‬

‫سيرج لتوش‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.122‬‬

‫‪-‬‬

‫‪106‬‬

‫‪-‬‬

‫هو ضرورى ولزما لضمان‬
‫هى هه‬
‫هى واللغوى والفكرى والفنه‬
‫البيئة‪ .‬كذلك يكون التنوع الثقافه‬
‫الصحة الروحية للمجتمعات والفراد “(‪.)237‬‬

‫ثانياً‪ :‬العولمـة والحضــارة‪:‬‬
‫تك شف البعاد الثقاف ية للعول مة عن تغيرات با تت تطرأ على العلقات ب ين الحضارات‬
‫العالميهة تأثرا بمظاههر العولمهة التهى تتلزم فيهها إسهتراتيجية التوحهد والتكتهل والندماج مهع‬
‫تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام‪.‬‬
‫ح يث تمارس إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج آثار ها المتمثلة فى زيادة‬
‫در جة التقارب ب ين الحضارات‪ ،‬نتي جة سهولة و سائل الت صال اللكترو نى‪ ،‬وإمكان ية التعرف‬
‫على الحضارات الخرى بالتصهال دون النتقال‪ .‬ممها يدفهع نحهو بدايهة الظهور التدريجهى‬
‫لملمح حضارة عالمية إنسانية فى صلب الحضارات العالمية الخرى‪ .‬وتدل المؤشرات على‬
‫تصهاعد نمهو مفردات هذه الحضارة العالميهة النسهانية بازدياد القدرة على سههولة التصهال‬
‫والتقارب اللكترو نى‪ .‬بين ما تد فع تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام ن حو ا ستثمار‬
‫الفروق والختلفات بيهن الحضارات فهى القضايها والمشكلت والنزاعات التهى تثار على‬
‫المستويات العالمية؛ مما يزيد من احتمالت الصدام والتنافر بين الحضارات‪ ،‬ومن احتمالت‬
‫تفتيت المجتمعات التى تضم حضارات متعددة‪.‬‬
‫ويدل عدد من الشوا هد على أن نا نش هد ”بدا ية تش كل حضارة عالم ية جديدة شعار ها‬
‫وحدة الجنسى البشرى “(‪.)238‬‬
‫فالنترنهت والبهث الفضائى التلفزيونهى المباشهر ‪ -‬وفهى المسهتقبل القريهب ‪ -‬الطريهق‬
‫السهريع للمعلومات‪ ،‬يمثلون جميعا العصهب الرئيسهى الذى تتجمهع حوله الملمهح الوليهة‬
‫للحضارة العالمية الناشئة‪.‬‬
‫حيث ”يتوقع علماء الكمبيوتر رؤية عالم بكامله يزدهر حول النترنت ‪ -‬ومن بعدها‬
‫الطريق السريع للمعلومات ‪ -‬يتمثل فى التجارة والصيرفه اللكترونيتين والمدارس والجامعات‬
‫الفتراضية والسواق والمكتبات السبرانية “(‪.)239‬‬

‫‪237‬‬

‫()‬

‫عواطف عبد الرحمن‪ " ،‬العولمة والحقوق الثقافية للشعوب "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،31/3/2001‬ص ‪.10‬‬

‫‪238‬‬

‫()‬

‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.52‬‬

‫‪239‬‬

‫()‬

‫ميتشيو كاكو‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.62‬‬

‫‪-‬‬

‫‪107‬‬

‫‪-‬‬

‫كما سيؤدى التوجه نحو إنشاء الطريق السريع للمعلومات إلى ”تركيب قشرة خارجية‬

‫حضارية من الخبرات المشتركة فوق ثقافات العالم الفردية “(‪ .)240‬حيث يقول الرئيس التشيكى‬

‫« فاكلف هافيل » ”نحن نعيش الن حضارة كونية واحدة‪ ،‬إنها ليست أكثر من قشرة رقيقة‪.‬‬
‫و هى قشرة تغ طى أو تخ فى التنوع ال كبير‪ ،‬فى الثقافات‪ ،‬فى الشعوب‪ ،‬فى عالم الديان‪ ،‬فى‬
‫التقال يد التاريخ ية والتجاهات ال تى تشكلت على مر التار يخ‪ ،‬وجميع ها يو جد ت حت تلك القشرة‬

‫على ن حو ما “(‪ .)241‬وبالتالى فإن ” ضرورات التعا يش الثقا فى تتطلب الب حث ع ما هو مشترك‬
‫بالنسبة لمعظم الحضارات “(‪.)242‬‬

‫∗‬

‫وُي عد « فران سيس فوكويا ما » مؤلف كتاب « نها ية التار يخ » من أبرز المبشر ين بنشأة‬

‫حضارة عالمية واحدة‪ .‬حيث يوضح ”أن العلوم الطبيعية الحديثة تخلق آفاقا متجانسة من إمكانات‬
‫النتاج القتصادى‪ .‬فالتكنولوجيا تتيح إمكانية تراكم الثروة بغير حدود‪ .‬وتتيح بالتالى إمكانية إشباع‬

‫قدر متزا يد دوما من الرغبات الن سانية‪ .‬ول شك فى أن هذه العمل ية تض من تجان سا متزايدا ب ين‬
‫كا فة المجتمعات البشر ية ب غض الن ظر عن أ صولها التاريخ ية أو تراث ها الحضارى‪ .‬ذلك أن كا فة‬
‫الدول التى تمارس تحديث اقتصادها لبد أن يزداد باطراد التشابه فيما بينها‪ .‬إذ يتعين عليها التوحد‬

‫قوميا على أسهاس مهن الدولة المركزيهة‪ ،‬والتوسهع فهى تأسهيس المدن‪ ،‬وال ستعاضة عهن الشكال‬
‫التقليدية للتنظيم الجتماعى ( كالقبيلة والطائفة والعائلة ) بأشكال يقرها منطق القتصاد تقوم على‬

‫أساس من الدور والكفاءة‪ ،‬وتوفر التعليم العام لكافة المواطنين‪ .‬وقد زادت الروابط التى تربط بين‬

‫مثهل هذه المجتمعات بفضهل السهواق العالميهة وانتشار الثقافهة السهتهلكية فهى العالم كله “(‪.)243‬‬

‫وبالتالى فإن « فوكويا ما » يب شر بحضارة عالم ية تتم ثل فى ” ازدهار حضارة إ ستهلكية عالم ية‬
‫تقوم على أساس من المبادئ القتصادية الليبرالية فى العالم الثالث والول والثانى على حد سواء‪.‬‬

‫فالعالم القت صادى النتا جى الدينا مى العظ يم الذى خلق ته التكنولوج يا المتقد مة والتنظ يم العقل نى‬
‫للعمل‪ ،‬يتمتع بقدرة عظيمة على تحقيق التجانس بين الشعوب والدول‪ ،‬وعلى الربط بين المجتمعات‬

‫المختلفة فى عالمنا بفضل إقامة أسواق عالمية “(‪.)244‬‬

‫ولكن مع تراكم الشواهد الدالة على ملمح الحضارة العالمية النسانية الصاعدة‪ ،‬فعلى‬

‫الجا نب المقا بل تع مل تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام على التجاه ن حو ا ستثمار‬
‫‪240‬‬

‫()‬

‫مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.246‬‬

‫‪241‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.94‬‬

‫‪242‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.516‬‬

‫للمزيد حول تحليل فكر « فرانسيس فوكوياما »‬
‫‪‬‬

‫انظر‪ :‬على حرب‪ ،‬الختام الصولية والشعائر التقدمية ( مصائر المشروع الثقافى العربى )‪ .‬صفحات ‪.219 - 212‬‬
‫‪243‬‬

‫()‬

‫فرانسيس فوكوياما‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.11‬‬

‫‪244‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.107‬‬

‫‪-‬‬

‫‪108‬‬

‫‪-‬‬

‫الفروق والختلفات ب ين الحضارات فى القضا يا والنزاعات العالم ية؛ م ما يؤدى إلى ال صدام‬

‫والتنافهر بيهن تلك الحضارات نتيجهة سههولة التصهال اللكترونهى والجدال بيهن الحضارات‬

‫المتعددة‪ ،‬وبالتالى زيادة احتمالت تفتيت المجتمعات التى تضم حضارات متعددة من جراء تلك‬
‫النزاعات‪.‬‬

‫ف فى مجال التف تت ن جد ” المجتمعات ال تى اتحدت عن طر يق اليدلوج يا أو الظروف‬
‫التاريخيهة‪ ،‬ولكنهها منقسهمة بسهبب الحضارات‪ .‬إمها إنهها تتفتهت كمها حدث للتحاد السهوفيتى‬
‫ويوغوسهلفيا‪ ..‬أو تتعرض لتوتهر شديهد كمها ههو الحال فهى أوكرانيها ونيجيريها والسهودان‬
‫وسريلنكا وغيرها “(‪.)245‬‬
‫وفى مجال الصدام يُعد الكاتب المريكى « صامويل هنتنجتون » من أبرز المبشرين‬
‫بإمكانية تصادم الحضارات‪ ،‬حيث يرى أنه ” فى عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الفروق‬
‫المائزة بين الشعوب أيدلوجية أو سياسية أو اقتصادية‪ ،‬وإنما هى فروق ثقافية‪ .‬ولم تعد الكتل‬
‫الثلث التهى كا نت إبان الحرب الباردة ههى أههم التجمعات الدوليهة‪ .....‬الحضارات العالم ية‬
‫السهبع أو الثمانيهة ههى أههم التجمعات “(‪ ،)246‬حيهث ” انتقلت العلقات بيهن الحضارات فهى‬
‫القرن العشر ين من مرحلة يغلب علي ها التأث ير المو جه من إحدى الحضارات على غير ها‪،‬‬
‫إلى تأثيهر ذى تفاعلت متعددة التجاه بيهن كهل الحضارات “(‪ .)247‬ولكهن نظرا لن ” كهل‬
‫حضارة ترى نفسهها مركزا للعالم‪ ،‬أو تكتهب تاريخهها وكأنهه الدرامها الرئيسهية فهى التاريهخ‬
‫الن سانى‪ ...‬ورب ما كان ذلك ينط بق على الغرب أك ثر م ما هو على أى ثقا فة أخرى “(‪،)248‬‬
‫فإنهه ”فهى الحقبهة الناشئة ‪ -‬يصهبح ‪ -‬صهدام الحضارات ههو الخطهر الكثهر تهديدا للسهلم‬
‫العالمى‪ .‬والضمان ال كبر ضد حرب عالمية‪ ،‬هو نظام عالمى يقوم على الحضارات “(‪، )249‬‬
‫وليس على حضارة واحدة؛ وبالتالى‪ ” ..‬فإن تجنب حرب حضارات كونية يتوقف على قبول‬
‫قادة العالم بالشخصية متعددة الحضارات للسياسة الدولية وتعاونهم للحفاظ عليها “(‪.)250‬‬

‫ثالثاً‪ :‬العولمـة والهـويـة‪:‬‬
‫تبدو الهوية ‪ -‬من وجهة النظر التحليلية ‪ ” -‬عبارة عن مركب من العناصر المرجعية‬
‫المادية والجتماعية والذاتية المصطفاة‪ ،‬التى تسمح بتعريف خاص للفاعل الجتماعى‪ ..‬وطالما‬
‫‪245‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.47‬‬

‫‪246‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.39‬‬

‫‪247‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪87‬‬

‫‪248‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.90‬‬

‫‪249‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.251‬‬

‫‪250‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.38‬‬

‫‪-‬‬

‫‪109‬‬

‫‪-‬‬

‫أنها مركب من عناصر فهى بالضرورة متغيرة فى الوقت ذاته الذى تتميز فيه بثبات معين‪..‬‬
‫فالهوية منظورا إليها سوسيولوجيا متغير من المتغيرات‪ ،‬فالعربى اليوم مثلً ليس هو العربى‬
‫ق بل ألف عام‪ ،‬ولك نه يب قى عربيا‪ .‬ول كن المشكلة تك من فى صفة ال صطفاء أو ح تى الدل جة‬
‫التى تضفيها هذه النخبة أو تلك على عناصر منتقاة من عناصر الهوية‪ ،‬فتثبتها وتحدد الهوية‬
‫الصلية من خللها‪ ،‬وتضفى عليها هالة القداسة والسمو “(‪.)251‬‬
‫ونظرا لن ” الهو ية متغ ير اجتما عى م ثل أى متغ ير آ خر‪ .‬فإن محاولة تثبيت ها ذهنيا‬
‫ضمن عناصر منتقاة‪ ..‬يقضى عليها فى النهاية‪ ..‬فالحرص المبالغ فيه يؤدى غالبا إلى النتيجة‬
‫المتخوف منها “(‪.)252‬‬
‫وت ستمد النزاعات حول مفهوم الهو ية عنا صر ” قوت ها المهل كة من افتراض يز عم أن‬
‫الهويهة الثقافيهة تقابلهها بالضرورة هويهة سهياسية‪ ،‬ل تخلو ههى أيضا فهى الواقهع مهن طابعهها‬
‫الوه مى‪ ..‬وال حق أن كل الهويت ين تكون فى أح سن الحوال بنا ًء ثقافيا أو سياسيا أو أيدلوجيا‪،‬‬
‫أى بنا ًء تاريخيا أصهلً‪ .‬فل توجهد هويهة طبيعيهة تفرضهها الوضاع‪ ..‬فليسهت هناك سهوى‬
‫إستراتيجيات للهوية يتبعها بشكل رشيد محركون يمكن التعرف عليهم “(‪.)253‬‬
‫وترى ب عض الدرا سات ” أن مفهوم الهو ية يتما هى مع اليدلوجيا بمعنا ها السلبى‪ ،‬أى‬
‫تزييف الوعى‪ .‬فالهوية غير موجودة ولكن تُخلق وتُشكل اجتماعيا‪ .‬فهى ل تعدو كونها ظاهرة‬
‫اجتماعية أو إنسانية مما ينزع عنها ذلك الطابع الميتافيزي قى الذى يض فى على الهوية صفات‬
‫متعالية على الوجود الملموس “(‪.)254‬‬
‫وبالتالى فإن ” كل هوية إثنيه هى نتاج فى جزء منها لستخدام السلطة‪ .‬واختُرعت من‬
‫مصادر ثقافية مختلفة‪ .‬ففى مجال الثنية كما هو فى القومية ليس هناك شيئ أصيل “(‪.)255‬‬
‫ومن هذا المنطلق‪ ...‬فإن النظر إلى العولمة ‪ -‬بوصفها معادية للهوية ‪ -‬يصبح بمثابة‬
‫” فخ يُنصب للهويات العاجزة والثقافات الكسولة‪ ،‬لكى تزداد عجزا وفقرا وتراجعا “(‪.)256‬‬

‫‪251‬‬

‫()‬

‫تركى الحمد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.18‬‬

‫‪252‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.19‬‬

‫‪253‬‬

‫()‬

‫جان فرانسوا بايار‪ ،‬أوهام الهوية‪ .‬ترجمة حليم طوسون‪ ،‬ص ‪.7‬‬

‫‪254‬‬

‫حيدر إبراهيهم‪ " ،‬العولمهة وجدل الهويهة الثقافيهة "‪ ،‬مجلة عالم الفكهر ( عدد خاص بعنوان‪ :‬العولمهة ظاهرة‬
‫()‬
‫العصر )‪ ( .‬عدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.103‬‬

‫‪255‬‬

‫()‬

‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.184 - 183‬‬

‫‪256‬‬

‫()‬

‫على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.13‬‬

‫‪-‬‬

‫‪110‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى‪ ..‬ف من خلل هذا الف هم لمفهوم الهوية ‪ -‬ال تى ما هى إل الحضارة ول كن ملونة‬

‫بالنتماءات الجغرافية أو الدينية أو العرقية‪ ..‬إلخ ‪ -‬يمكن ملحظة أن الثار الثقافية الناجمة عن‬

‫العول مة تؤدى وفقا ل ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج‪ ،‬إلى النشأة التدريج ية لهو ية‬

‫إن سانية عالم ية ت ستمد معالم ها ومضمون ها من المبادئ الن سانية المتضم نة فى الهويات العالم ية‬

‫المختلفهة‪ ،‬وبحيهث تقهف جنبا إلى جنهب مهع تلك الهويات‪ .‬بينمها تقود تكتيكات العولمهة للتشظهى‬

‫والتجزؤ والنق سام إلى تأك يد الحدود الفا صلة ب ين الهويات الثن ية والعرق ية والجغراف ية المتعددة‬
‫الراهنة‪ ،‬وإضافة أشكال أخرى من الهويات ذات النتماءات المحدودة إلى مجموع تلك الهويات‪،‬‬

‫بما يعزز واقع النفصال والتباعد والتفكك بين جميع تلك الشكال المتشظية للهوية‪.‬‬

‫ف فى إطار النشأة التدريج ية لهو ية إن سانية عالم ية‪ .‬ن جد أن ما أتاح ته التكنولوج يا من‬

‫سههولة التصهال إلكترونيا‪ ،‬وسههولة تحرك الشخاص وانتقالههم عهبر القارات‪ ،‬قهد أدى إلى‬

‫هة‪ ،‬وبل هويات متميزة‬
‫هع بل حدود نهائيه‬
‫هه الحياة على الرض‪ ،‬وذلك بخلق واقه‬
‫” تبدل وجه‬
‫بصورة حاسمة‪ .‬بحيث تصبح خارجية المكان الوجه الخر لمرونة الهويات‪ .‬المر الذى يضع‬
‫الهوية موضع التساؤل بفتحها على تعدد المكنة والعوالم والنتماءات “(‪. )257‬‬

‫فعلى مستوى المكان الجغرافى” فإننا نشهد فى الواقع اضمحللً تاريخيا لقيمة المكان‬

‫فى حياة الن سان‪ .‬إن نا نر بى سللة جديدة من البدو “(‪ ،)258‬وذلك ك ما يقرر المف كر المري كى‬

‫« آلف ين توفلر »‪ ...‬فل قد ” تضاءلت إلى حد بع يد قي مة المكان فى تحد يد الفروق ب ين الناس‪،‬‬
‫وذلك نتيجة لتزايد الحركة والتنقل‪ .‬كما اضمحلت فى نفس الوقت روح النتماء إلى مكان ما‪،‬‬

‫لدر جة بل غت وفقا ل ما يعبّر ع نه البروفي سور « جون ديكمان » من جام عة بن سلفانيا قائلً‪ :‬إن‬

‫الولء لمدينة أو ولية قد أصبح الن لدى الكثير أضعف من الولء لشركة أو مهنة أو منظمة‬

‫تطوعية “(‪ ،)259‬وهكذا يمكن القول أن ” الولء ينتقل من البنى الجتماعية ذات الطبيعة المكانية‬

‫( المدي نة‪ ،‬الول ية‪ ،‬ال مة‪ ،‬الجيرة ) إلى ( الشر كة والمه نة‪ ،‬ال صداقة وشب كة العمال ) وهذه‬
‫الخيرة متحركة بطبيعتها ويمكن لسباب عملية أن نعتبرها لمكانية “(‪.)260‬‬

‫فسهولة النتقال والتصال تؤدى إلى مرونة الهوية وقابليتها للتأثير والتأثر ” ويوفر لنا‬

‫التاريهخ والنثربولوجهى العديهد مهن المثلة لمجتمعات ليهس لديهها ثقافهة محددة‪ .‬يقيهم أعضاؤهها‬

‫هويتهم على التبادل والتهجين والستعداد للتأقلم مع أى بلد ومع كل عادات قوية متنوعة “(‪.)261‬‬
‫‪257‬‬

‫()‬

‫على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.43‬‬

‫‪258‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬صدمة المستقبل ( المتغيرات فى عالم الغد )‪ .‬ترجمة محمد على ناصف‪ ،‬ص ‪.76‬‬

‫‪259‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.94‬‬

‫‪260‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.94‬‬

‫‪261‬‬

‫()‬

‫جان فرانسوا بايار‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.62‬‬

‫‪-‬‬

‫‪111‬‬

‫‪-‬‬

‫ويظ هر هذا بوضوح فى منا طق الموا نئ التاريخ ية والمنا طق ال ساحلية‪ ،‬وال تى تميزت تاريخيا‬

‫بكثرة التصهال بالقادميهن مهن مختلف البلدان والحضارات‪ ،‬فشكلت لدى قاطنيهها هويهة بمثابهة‬
‫مزيج من الهويات العالمية الوافدة‪.‬‬

‫وهذا مها تقدمهه العولمهة الن مهن خلل تسههيلها للتصهال بيهن مختلف الحضارات‬
‫بوا سطة شب كة النتر نت و من بعد ها الطر يق ال سريع للمعلومات‪ .‬ح يث ستساعد على ” تحول‬
‫الهويات عهن كونهها معسهكرات عقائديهة أو متاريهس عنصهرية أو حروبا أصهولية مقدسهة‪،‬‬
‫لتصهبح‪ ..‬بيئة للتلقهح والتفاعهل “(‪ .)262‬ومصن ثصم فإذا كانصت معالم الهويصة تتحول نحصو أطصر‬
‫لمكانية محددة‪ ،‬فإن العالم كله إذن سيصبح هو الطار المناسب للهوية العالمية التى تتجاوز‬
‫المكنة المحدودة إلى المكان الشمل والرحب‪.‬‬
‫أمها على مسهتوى « موضوع » الهويهة‪ ،‬فقهد برزت مضاميهن جديدة للهويهة ذات‬
‫امتدادات عالمية وإنسانية‪ ،‬مثل النتماء إلى الحركات ( البيئية ) النشطة التى تتضمن اهتماما‬
‫عالميا وإنسهانيا بالبيئة على كامهل كوكهب الرض‪ ،‬والنتماء إلى منظمات حقوق النسهان‬
‫العالميهة‪ ،‬بحيهث باتهت تهبرز ملمهح عالميهة ممتدة ومتسهعة لهويهة حضاريهة ناشئة‪ ،‬هويهة‬
‫موضوعها النسانية ومداها العالم ككل‪.‬‬
‫وفهى إطار مها تكشهف عنهه تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام مهن تأكيهد‬
‫للحدود الفا صلة بين الهويات التاريخ ية‪ ،‬وإضا فة هويات فئوية جديدة ضمن رقعة العالم‪ ،‬فإن‬
‫« نظر ية التم يز » فى علم الن فس الجتما عى تو ضح أن ” الناس يعرفون أنف سهم ب ما يجعل هم‬
‫مختلفين عن الخرين‪ ..‬فالنسان يرى نفسه على ضوء المواصفات التى تميزه عن غيره من‬
‫الب شر‪ .‬خا صة أولئك الذ ين هم من ن فس و سطه الجتما عى العادى‪ ...‬وح يث أن التطور فى‬
‫وسائل التصال والتجارة والنتقال يزيد من العلقات المتبادلة والمتداخلة بين الحضارات‪ .‬فإن‬
‫الناس يضفون وثاقة أكبر على هوياتهم الحضارية “(‪.)263‬‬
‫وك ما يقول المف كر الفرن سى « دوبر يه » ” فإن العالم يزداد تشرذما بازدياد وتائر توحيده‪.‬‬

‫ويعنهى بذلك أ نه كل ما تعمقهت العول مة القتصهادية تشرذمهت البن ية ال سياسية‪ .‬فتظههر النزاعات‬
‫القوم ية كرد ف عل لهذه العمل ية‪ .‬تلك النزاعات ال تى تأ خذ أحيانا صورا بال غة التطرف دفاعا عن‬

‫النتماء‪ ،‬سهواء كان و طنيا أو قوميا أو دينيا “(‪ ” .)264‬وفهى إطار هذه التحولت تهبرز المطالب‬
‫‪262‬‬

‫()‬

‫على حرب‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.51‬‬

‫‪263‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.112 - 111‬‬

‫‪264‬‬

‫أحمد مجدى حجازى‪ " ،‬العولمة وتهميش الثقافة الوطنية‪ :‬رؤية نقدية من العالم الثالث "‪ ،‬مجلة عالم الفكر ( عدد‬
‫()‬
‫خاص بعنوان‪ :‬العولمة ظاهرة العصر )‪ ( .‬عدد ‪ ،2‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.127‬‬

‫‪-‬‬

‫‪112‬‬

‫‪-‬‬

‫ل عديدة بفعل القهر الشمولى والسلطوى “(‪.)265‬‬
‫الثقافية والسياسية للقليات التى كانت مقموعة أجيا ً‬
‫وذلك مثلما حدث بعد ” سقوط النظمة الشيوعية فى التحاد السوفيتى ويوغوسلفيا‪ ..‬حيث لم يعُد‬

‫الناس يُعرفون بأنهم شيوعيون أو مواطنون سوفيت أو يوغوسلف‪ .‬بل أصبحوا فى حاجة ملحة‬

‫ليجاد هويات جديدة وجدو ها فى البدائل الثن ية والدين ية القدي مة‪ ...‬النظام القم عى للدول ال تى ل‬
‫تؤمن بوجود إله‪ ،‬حل محله عنف الناس المؤمنين بآلهة مختلفين ”(‪.)266‬‬

‫وبالتالى ”فالعولمهة تجرف نحهو السهفل‪ .‬فههى تخلق حاجات جديدة‪ .‬وكذلك احتمالت‬

‫جديدة نحو إعادة انبعاث الهويات المحلية “(‪.)267‬‬

‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن سصهولة التصصال اللكترونصى تؤدى إلى التوحيصد الفتراضصى؛‬

‫ومن ثم النسلخ الواقعى للفراد المشتركين فى الهوية والموزعين على مستوى العالم‪ .‬فلقد‬

‫هراعات الممتدة بيهن‬
‫” لعبهت تجمعات الشتات دورا رئيسهيا على كل الجانهبين فهى الصه‬
‫السرائيليين والفلسطينيين‪ .‬وفى دعم الرمن والكروات والشيشان فى صراعاتهم‪ .‬ومن خلل‬

‫التليفزيون والفا كس والبر يد اللكترو نى‪ ،‬فإن التزامات الشتات ي تم تقويت ها وأحيانا ا ستقطابها‪،‬‬

‫من خلل التصال المستمر بأوطانهم السابقة “(‪.)268‬‬

‫وبالمثهل فقهد ” قوّت وسهائل التصهال الحديثهة مهن العلقات بيهن الشعوب السهلمية‬

‫و ساعدت على تطوير ها‪ .‬ك ما زادت بن سبة كبيرة أعداد الذ ين يذهبون إلى م كة لداء فري ضة‬

‫ال حج‪ ،‬م ما خلق إح ساسا أع مق بالهو ية المشتر كة ب ين الم سلمين من بلد بعيدة م ثل ال صين‬

‫والسنغال وبنجلديش‪ ....‬وهناك مؤتمرات منتظمة كثيرة ومشاورات تتم بين المثقفين والعلماء‬
‫المسلمين تُعقد فى مراكز مثل طهران ومكة وكواللمبور‪ ،‬وتنتشر أشرطة الكاسيت والفيديو‬

‫والمواعظ والدروس الدينية عبر الحدود الدولية‪ .‬لدرجة أن الدعاة والوعاظ المؤثرين أصبحوا‬

‫يصلون الن إلى جماهير بعيدة خارج مجتمعاتهم “(‪.)269‬‬

‫أمها على مسهتوى دفهع تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام إلى خلق هويات‬

‫فئويهة جديدة‪ ،‬فإن الكاتهب المريكهى « آلفيهن توفلر » يوضهح أن ” ضربات مطارق ثورة مها‬

‫فوق الت صنيع تنهال اليوم على المجت مع فتشظ يه وتق سمه إلى أجزاء وتفار يق‪ ...‬إن ن فس قوى‬
‫التنو يع ال تى تع مل من أ جل تو سيع مجال الختيار الفردى لل سلع وللمواد الثقاف ية‪ ،‬تع مل أيضا‬

‫على م حو النمط ية والتما ثل فى بنا نا الجتماع ية‪ .‬وهذا هو ال سر في ما نعان يه اليوم من انبثاق‬
‫‪265‬‬

‫()‬

‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.103‬‬

‫‪266‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.425‬‬

‫‪267‬‬

‫()‬

‫أنطونى جيدنز‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.63‬‬

‫‪268‬‬

‫()‬

‫صامويل هنتنجتون‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.444‬‬

‫‪269‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.286‬‬

‫‬‫مفا جئ ومتكرر لطوائف فرع ية جديدة “‬

‫(‪)270‬‬

‫صلب بنية الهويات المرجعية الرئيسية‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫‪-‬‬

‫تؤدى إلى خلق هويات فئو ية جديدة متشظ ية فى‬

‫المبحـث الثالث‬
‫البعاد العلمية لظاهرة العولمة‬
‫(عـولمة التصال )‬
‫تبدو العولمهة التصهالية بمثابهة السهكة الحديديهة التهى سهارت عليهها قاطرة العولمهة بأبعادهها‬
‫الخرى السياسية والقتصادية والثقافية‪ ،‬حيث مارست بذلك دور قناة التصال ووسيلة الربط‬
‫ووسيط النقل‪.‬‬
‫وتم ثل النظ مة العلم ية والت صالية والمعلومات ية الراه نة ‪ -‬الموز عة على م ستوى‬
‫العالم ‪ -‬القطاع العلمهى فهى كيان العولمهة التصهالية‪ ،‬بالضافهة إلى قطاع آخهر ههو قطاع‬
‫المواصلت البحرية والجوية‪.‬‬
‫ولقهد كان يمكهن فهى الماضهى التفرقهة بيهن النظمهة العلميهة والنظمهة التصهالية‬
‫والنظ مة المعلومات ية‪ .‬ول كن أدى ظهور « شب كة النتر نت » إلى اندماج الثلث أنظ مة معا‪،‬‬
‫لتشكل بروز وسيلة جديدة إعلمية اتصالية معلوماتية فى نفس الوقت‪.‬‬
‫وما يعنينا فى هذه الدراسة هو القطاع العلمى التصالى المعلوماتى‪ ،‬والذى مارس‬
‫دوره كأ حد قطاعات البنيت ين الفوق ية والتحت ية للعول مة من خلل تحقي قه للر بط والتوا صل ب ين‬
‫الثقافات والحضارات والهويات والدول والشعوب والجماعات والشركات وال سواق‪ .‬بالضا فة‬
‫إلى كو نه يتأ ثر بمظا هر العول مة‪ ،‬ال تى شارك ويشارك هو نف سه فى ظهور ها‪ .‬بح يث تخ ضع‬
‫النظمة العلمية التصالية المعلوماتية لمظاهر العولمة التى تتلزم فيها إستراتيجية التوحد‬
‫والتكتل والندماج مع تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام‪.‬‬
‫وتكشهف البعاد العلميهة للعولمهة عهن عدد مهن التحولت التهى باتهت تطرأ على‬
‫النظ مة العلم ية المعا صرة بمكونات ها من‪ :‬المؤ سسات العلم ية وو سائل العلم وجماه ير‬
‫المتلقين‪ .‬وسنعرض لذلك على النحو التالى‪:‬‬

‫أول ‪ :‬العولمة و النظم العلمية ‪:‬‬
‫‪270‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.296‬‬

‫‪-‬‬

‫‪114‬‬

‫‪-‬‬

‫تؤدى إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج إلى اتجاه النظ مة العلم ية إلى‬

‫التداخهل والتشابهك والنفتاح على بعضهها البعهض‪ ،‬ممها يسهاعد على التخلق التدريجهى لنظام‬

‫إعلمى عالمى‪ .‬بينما تؤدى تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام إلى تأكيد النظمة العلمية‬

‫التقليدية المحلية على انتماءاتها الحضارية والثقافية‪ ،‬المر الذى يساهم فى تنوع وتعدد النظمة‬
‫العلمية المعاصرة‪.‬‬

‫حيث يوضح الوضع الحالى الذى تطرحه البعاد العلمية للعولمة أن إستراتيجية‬

‫العولمة للتوحد والتكتل والندماج تعمل على زيادة التداخل والتشابك والنفتاح بين النظمة‬
‫العلم ية على م ستوى العالم؛ وذلك لمتداد تأث ير مضامين ها العلم ية إلى خارج حدود ها‬

‫وصولً إلى معظم دول العالم‪ .‬بحيث أصبحت شاسة التلفزيون أو الكومبيوتر مجالً لعرض‬

‫الرسائل العلمية الصادرة من كافة النظمة العلمية فى العالم من خلل شاشة واحدة‪.‬‬

‫وهذا يدفع تلك النظمة المختلفة إلى التنافس من أجل جذب أكبر نسبة من المشاهدين نحو‬

‫رسهائلها العلميهة‪ .‬وبالتالى محاولة إنتاج رسهائل إعلميهة ذات طابهع عالمهى وإنسهانى ل‬

‫تخا طب فئة بعين ها‪ ،‬وإن ما تخا طب المتل قى ب صفته إن سانا موط نه العالم‪ ،‬ال مر الذى ي ساعد‬
‫تدريجيا على نشأة ملمح لنظام إعلمى عالمى تندمج فيه النظمة العلمية العالمية‪.‬‬

‫والواقهع أن العالم “ يشههد حاليا تنافسها شديدا بيهن المحطات التلفزيونيهة الفضائيهة‬

‫للستحواذ على أكبر عدد ممكن من المشاهدين‪ ،‬ومن ثم تحقيق الهداف التى تصبو إليها تلك‬
‫المحطات‪ .‬وممها سهاعد فهى ازدياد حمهى التنافهس‪ ،‬التطورات الكهبيرة التهى تحققهت فهى مجال‬

‫تكنولوجيها القمار الصهناعية‪ ..‬وتتسهابق المحطات التلفزيونيهة لتوفيهر أفضهل الوسهائل لجذب‬

‫المشاهد على مستوى شكل البرامج ومضمونها‪ .‬ل سيما أن المشاهد سيجد أمامه أكثر من (‬

‫‪ )4000‬اختيار من المحطات التلفزيون ية الفضائ ية‪ .‬و فى ظل هذا التد فق الذى ل تحده حدود‪.‬‬

‫فإن اختياره سهيكون الفاصهل الحاسهم‪ .‬وههو اختيار تحكمهه فهى الغالب عوامهل عديدة‪ .‬أى أن‬
‫المشاهد سوف يُحوّل مؤشر جهازه نحو المحطة التى تستهويه وتلبى احتياجاته ”(‪.)271‬‬

‫والمثال على ذلك “ تجربهة محطهة ( ‪ ) CNN‬التهى حققهت نجاحا ملحوظا دفهع محطهة‬

‫( ‪ ) BBC‬إلى أن تحذو حذوهها‪ .‬إذ توجههت إلى قارتهى أفريقيها وأمريكها طامحهة إلى إزالة آثار‬

‫أسلوب اله ‪ .CNN‬ولمواجهة هذا الخطر التنافسى أسرعت محطة ‪ CNN‬إلى تكثيف جهودها‬

‫لتحسين البرامج التليفزيونية العالمية وافتتاح مكاتب إضافية فى عدد من دول العالم ”(‪.)272‬‬
‫‪271‬‬

‫()‬

‫إياد شاكر البكرى‪ ،‬عام ‪ 2000‬حرب المحطات الفضائية‪ .‬ص ‪.218 - 217‬‬

‫‪272‬‬

‫()‬

‫المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.219‬‬

‫‪-‬‬

‫‪115‬‬

‫‪-‬‬

‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن ملحظة التطور السريع الذى تلعبه شبكة النترنت يوضح أنها‬
‫باتت بمثابة “ مجتمعا متكاملً له عاداته وتقاليده بل ولغته الخاصة‪ .‬مما سمح لبعض الباحثين‬
‫أن يقرروا أن النترنت أصبحت التعبير المثل عن ثقافة ما بعد الحداثة ”(‪ ،)273‬بالضافة إلى‬
‫أن سههولة تصهدير الكتهب والمؤلفات والفلم السهينمائية والتسهجيلت الموسهيقية مهع اكتمال‬
‫تطبيق اتفاقيات حرية التجارة‪ ،‬وسهولة طبع الصحف فى عدة دول بالعالم فى وقت واحد‪ .‬كل‬
‫ذلك أدى وسهيؤدى إلى امتداد النطاق المؤثهر للنظهم العلميهة المختلفهة إلى خارج حدودهها‬
‫ل تقريبا إلى العالم ككهل؛ ممها يؤدى ‪ -‬بالحتكاك والتنافهس ‪ -‬إلى نشأة ملمهح لنظام‬
‫وصهو ً‬
‫إعلمى عالمى ذو طابع إنسانى عام يتجاوز الختلفات والتنوعات الحضارية والثقافية‪.‬‬
‫ولكهن فهى المقابهل فإن تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام تدفهع النظمهة‬
‫العلمية نحو التأكيد على انتماءاتها الحضارية والثقافية‪ ،‬خاصة فى مجال محطات التلفزيون‬
‫الرض ية والمحطات الذاع ية المحل ية وال صحف والمجلت المحل ية‪ .‬ال مر الذى ي ساعد على‬
‫الحتفاظ بنظم إعلمية محلية متعددة ومتنوعة فى مقابل النشأة التدريجية لملمح نظام إعلمى‬
‫عالمى‪ ،‬بالضافة إلى بروز المواقع ذات الطابع المحلى على النترنت كرد فعل مضاد للمواقع‬
‫ذات الطابع العالمى‪.‬‬
‫ويهبرهن على هذا أن “ أحهد القوانيهن المعمول بهها فهى دول التحاد الوربهى ههو أن‬
‫يكون ‪ %51‬مهن المواد الدراميهة المعروضهة تليفزيونيا مهن إنتاج أوربهى ”(‪ .)274‬كمها طالبهت‬
‫فرن سا بإقرار مبدأ « ال ستثناء الثقا فى » فى اتفاق ية الجات المنشئة لمنظ مة التجارة العالم ية‪.‬‬
‫وذلك لن ها اكتش فت أن “ ن صيب ال سينما الفرن سية فى ال سوق المريك ية ‪ %0.5‬بين ما ن صيب‬
‫المن تج السينمائى المري كى فى ال سوق الفرن سية ‪ .)275(” %60‬ولذلك ف قد “ أعلن وز ير الثقا فة‬
‫الفرنسهى السهابق « جاك لنهغ » بأنهه خائف ويشكهو مهن وقوع الشعهب الفرنسهى ضحيهة‬
‫للستعمار الثقافى المريكى ”(‪.)276‬‬
‫و فى ن فس إطار التأك يد على الطا بع المحلى‪ ،‬انت هج النظام العل مى الم صرى سياسة‬
‫إنشاء محطات تليفزيونية أرضية محلية بامتداد القطر المصرى من الشمال إلى الجنوب‪ ،‬وبلغ‬
‫عدد هذه المحطات ثمانى محطات‪.‬‬
‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.173‬‬

‫‪273‬‬

‫()‬

‫‪274‬‬

‫محمود عوض‪ " ،‬تعقيهب على ورقتهى الجابرى وبلقزيهز عهن‪ :‬العولمهة والهويهة الثقافيهة "‪ ،‬فهى أسهامة أميهن‬
‫()‬
‫الخولى ( محرر )‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.329‬‬

‫‪275‬‬

‫()‬

‫روجيه جارودى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.114‬‬

‫‪276‬‬

‫()‬

‫إياد شاكر البكرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.250‬‬

‫‪-‬‬

‫‪116‬‬

‫‪-‬‬

‫وحتى فى مجال النترنت‪ ،‬فقد تمادت بعض الدول فى “ الخوف من الثقافات الجنبية‪،‬‬
‫وفى التزامها الساسى تجاه الحفاظ على بيئة مواطنيها الجتماعية ورقابتها‪ .‬إذ أعلنت الصين‬
‫وسهنغافورة وإيران عهن عزمهها على رقابهة الوصهول للمواد المنشورة على النترنهت‬

‫”‬

‫(‪)277‬‬

‫بالضا فة إلى كل من ال سعودية وأفغانسهتان‪ .‬ك ما “ صهرح وز ير الموا صلت ال صينى‪ :‬أن‬
‫الصهين باعتبارهها دولة ذات سهيادة تمارس رقابتهها على المعلومات‪ ...‬وإذا كنها سهنرتبط‬
‫بالنترنت فإن هذا ل يعنى الحرية المطلقة للمعلومات”(‪.)278‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العولمة و المؤسسات العلمية ‪:‬‬

‫تمثل المؤسسة العلمية الكيان القتصادى المهنى الفنى الذى تنضوى تحته النشطة‬

‫العلمية الخاصة بجمع المعلومات ونشرها‪.‬‬
‫وتكشف استراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج عن اتجاه المؤسسات العلمية‬
‫إلى التوحد والندماج ضمن مؤسسات أكبر لستغلل المكانات التكنولوجية المتاحة لنشر وبث‬
‫المواد العلم ية على م ستوى العالم‪ .‬بين ما تد فع تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام‬
‫نحو نشأة مؤسسات إعلمية صغيرة ومتعددة توازى تعدد وتنوع جماعات وطوائف ومنظمات‬
‫المجتمع المدنى الصاعدة‪.‬‬
‫طرِد فى تكنولوجيا التصال الحديثة إلى اتساع السواق التصالية‬
‫حيث أدى التقدم الم ّ‬
‫لتشمهل الرقعهة العالميهة ككهل‪ .‬وهذا يدفهع المؤسهسات العلميهة المتشابههة وظيفيا إلى التجاه‬
‫التدري جى ن حو « الندماج الوظي فى »‪ ،‬ح يث با تت تت حد المؤ سسات ال صحفية ‪ -‬مثل ‪ -‬فى‬
‫اندماجات وظيف ية والمؤ سسات الذاع ية فى اندماجات أخرى‪ ..‬وهكذا‪ .‬ك ما يد فع المؤ سسات‬
‫العلميهة غيهر المتشابههة وظيفيا‪ ،‬بهل المتشابههة نوعيا إلى « الندماج النوعهى » فهى إطار‬
‫اندماجات إعلميهة نوعيهة ضخمهة ( صهحفية تلفزيونيهة إذاعيهة )‪ .‬بالضافهة إلى اتجاه تلك‬
‫الندماجات العلمية النوعية إلى « التكتل » مع اندماجات نوعية اتصالية واندماجات نوعية‬
‫معلوماتية‪ .‬وذلك فى شكل تكتلت مؤسسية ضخمة ( إعلمية اتصالية معلوماتية )‪.‬‬
‫ويُعهد هذا الملمهح امتدادا للمسهار الذى تتبعهه الشركات كمنظمات اقتصهادية فهى ظهل‬
‫الثار الناجمة عن البعاد القتصادية للعولمة‪.‬‬
‫وتوضهح التقديرات “ أن ‪ %75‬مهن السهوق الحالى للتصهالت تحكمهه (‪ )80‬شركهة‬

‫متعددة الجنسهية ”(‪ .)279‬وفهى دراسهة « جون تومبسهون » عهن « الميديها والحداثهة » يقرر أن‬
‫‪277‬‬

‫()‬

‫مايكل ديرتوزوس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.353‬‬

‫‪278‬‬

‫()‬

‫السيد ياسين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.179‬‬

‫‪279‬‬

‫()‬

‫إياد شاكر البكرى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.224‬‬

‫‬‫“‬

‫‪117‬‬

‫‪-‬‬

‫شركة « سونى » اليابانية اشترت عام ‪ 1989‬اثنتين من أكبر شركات هوليوود لنتاج الفلم‬

‫وبرا مج التلفزيون وه ما شرك تا « كولومب يا » و« تري ستار » بمبلغ ‪ 3.4‬بليون دولر‪ .‬وكا نت‬
‫شركة سونى قد اشترت قبلهما شركة ( سى‪ .‬سى‪ .‬إس ) للتسجيلت الموسيقية والغنائية‪ ،‬وفى‬
‫العام نف سه اشترت شر كة « مات سوشيتا » شر كة « إم‪ .‬سى‪ .‬إ يه » ‪ M.C.A‬ال تى تملك شر كة‬

‫« يونيفرسال » لنتاج الفلم السينمائية وبرامج التلفزيون بمبلغ ‪ 6.9‬مليار دلور ”(‪.)280‬‬

‫و فى ‪ “ 12/1/2000‬اندم جت كل من شر كة « أمري كا أون ل ين » ‪ AoL‬مع شر كة‬

‫«تايم وارنر» فى شركة عملقة واحدة بقيمة ‪ 350‬مليار دولر‪ ،‬حيث تضم تايم وارنر حوالى‬

‫عشهر شركات مهن بينهها‪ :‬مجلة « تايهم »‪ ،‬و« شبكهة سهى إن إن » ‪ ،CNN‬ومجلة « بيبول »‬

‫‪ ،People‬وشركهة « وارنربرازرز »‪ ..‬وغيرهها‪ .‬أمها مجموعهة « أمريكها أون ليهن » ‪AoL‬‬

‫فتضهم حوالى سهت شركات مهن بينهها‪ :‬أمريكها أون ليهن‪ ،‬وكومهبيوتر سهيرف‪ ،‬ونيتسهكيب‪..‬‬

‫وغيرها‪ .‬وتضم « شبكة أمريكا أون لين للنترنت » ما يزيد على ‪ 20‬مليون مشترك‪ ،‬ومجلة‬

‫« تا يم » يو جد لدي ها ‪ 30‬مليون مشترك‪ .‬أ ما « شب كة سى إن إن » ‪ CNN‬فإن مشاهدي ها فى‬

‫قارات العالم المختلفة يتجاوزون المليار مشاهد‪ ..‬و« شبكة تايم وارنر كيبل » تحظى به ‪13‬‬
‫هن القراء‬
‫هبر عدد مه‬
‫هى بأكه‬
‫هة الهائلة تحظه‬
‫هة العلميه‬
‫مليون مشترك‪ .‬أى أن تلك المجموعه‬

‫والمشتركين والمشاهدين فى أنحاء العالم بأسره ”(‪.)281‬‬

‫ولعههل هذا الندماج بمثابههة نموذج عملى لفكرة التكتلت المؤسههسية الضخمههة‬

‫( العلمية التصالية المعلوماتية ) والتى تضم شركات صحفية وإذاعية وتليفزيونية ومعلوماتية‪.‬‬

‫وقهد “ أكهد التحاد الدولى للصهحفيين‪ ..‬أن العالم يشههد حاليا هيمنهة عدد محدود مهن‬

‫الشركات التهى ت سيطر على العلم ووسهائل نقهل النباء‪ ..‬بدأت فهى منتصهف الثمانينات بامتلك‬

‫شبكات تليفزيونيهة عملقهة مهن بينهها ‪ ABC‬و ‪ ..NBC‬ويؤكهد «ديهن ألجهر» مؤلف كتاب‬

‫« ميجاميديا » عام ‪ ،1998‬أنه رغم إصدار الكونجرس المريكى لقانون التصالت عام ‪1996‬‬
‫فى محاولة لدعم المنافسة‪ ،‬إل إن العكس هو الذى حدث‪ .‬حيث أدى القانون إلى ظهور الندماجات‬

‫ل من تسهيل القدرة على المنافسة‪ ،‬كما كان‬
‫وانخفاض عدد الشركات المالكة للوسائل العلمية بد ً‬

‫يهدف القانون عند صدوره‪ ..‬وصرح « موريزيو كارلوتى » رئيس مجموعة « ميدياسيت » التى‬
‫تُعد أضخم مجموعة إعلمية خاصة فى إيطاليا‪ ،‬بأن الوقت قد حان لشركات تكنولوجيا المعلومات‬

‫الوربية للسراع بمعدلت الندماج لمواجهة ( غول ) الندماجات فى الوليات المتحدة فى الوقت‬

‫الراههن ”(‪ .)282‬وذلك كرد فعهل على “ اتفاق لجنهة التصهالت الفيدراليهة المريكيهة مهع عمالقهة‬
‫‪280‬‬

‫سامى خش بة‪ " ،‬الميد يا والتحد يث‪ :‬العول مة العلم ية شارع التجاه الوا حد أم الم سارات المتعددة "‪ ،‬جريدة‬
‫()‬
‫الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،10/8/2001‬ص ‪.39‬‬
‫أحمد شاهين‪ " ،‬دكتاتورية التكنولوجيا "‪ ،‬مجلة أكتوبر‪ ( .‬عدد ‪ ،1214‬يناير ‪ ،) 2000‬ص ‪.41‬‬

‫‪281‬‬

‫()‬

‫‪282‬‬

‫ان ظر‪ :‬جريدة الهرام بتار يخ ‪ ،13/1/2000‬مخاوف عالم ية من تأ ثر حر ية ال صحافة وتد فق الخبار ب عد‬
‫()‬
‫اندماج أمريكا أون لين وتايم وارنر‪ .‬صفحة أخبار العالم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪118‬‬

‫‪-‬‬

‫صناعة التلفزيون والك مبيوتر‪ ..‬على تب نى النظام الرق مى كطري قة إر سال قيا سية م ما يش جع على‬

‫ل مع الشب كة‪ ..‬وتوق عت اللج نة‬
‫الندماج ب ين التلفزيون والك مبيوتر ويج عل التلفزيون جهازا متفاع ً‬

‫بأن يُسهتغنى عهن إشارات التلفزيون التماثليهة فهى حدود عام ‪ ،)283(” 2006‬انطلقا مهن أن‬

‫“ تكنولوجيا الرقميات تمثل المنجم الجديد للرأسمالية العالمية‪ .‬ويدور صراع ضارى بين الشركات‬

‫العملقة للسيطرة على أسواق التصال والمعلومات ”(‪.)284‬‬

‫إن إسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج توضهح أن المؤسهسات العلميهة‬
‫“‬

‫تتحول سريعا ل كى ت صبح متعددة الجن سيات ( وعابرة للقوميات ) بش كل متزا يد‪ ،‬وذلك فى‬

‫مجالت الملكية والتمويل والتنظيم والنتاج والتوزيع والمحتوى‪ ...‬إلخ ”(‪.)285‬‬
‫وفى المقابل‪ ،‬فإن تكتيات العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام تعمل على نشأة مؤسسات‬
‫إعلم ية صغيرة متعددة التوجهات ومتنو عة الهداف؛ وذلك انطلقا من التقدم التكنولو جى الذى‬
‫أدى إلى توفيهر المكانيهة ‪ -‬للجماعات ومنظمات المجتمهع المدنهى والطوائف ‪ -‬لنشهر وترويهج‬
‫برامج ها وأفكار ها ودعاوا ها م ستهدفة أعضاء ها ف قط أو جماه ير المتلق ين الخر ين‪ ،‬وذلك من‬
‫خلل مؤسهسات إعلميهة صهغيرة جدا‪ ،‬تكتفهى بإصهدار نشرة محدودة التوزيهع‪ ،‬أو إنشاء موقهع‬
‫صغير على شب كة النتر نت‪ ،‬أو من خلل الذاعات الضي قة النطاق ‪ Narrow-cast‬ذات المدى‬
‫الجغرافى المحدود والتى تتوجه إلى جماعات الجماهير القل عددا والكثر تجانسا‪.‬‬
‫إن نظر ًة على آلف المواقع على شبكة النترنت‪ ،‬تلك المواقع الخاصة بمجموعات النقاش‬
‫فى موضوعات محددة تتفاوت وتتنوع بتعدد وتنوع تلك المجموعات‪ ،‬أو الخاصة بالطوائف الدينية‬
‫أو الجمعيات الخير ية ومنظمات المجت مع المد نى المتعددة‪ .‬إن تلك النظرة تو ضح انقلب “ القوى‬
‫التى صنعت المجتمع الجماهيرى فجأة إلى قوى معاكسة‪ .‬حيث القومية أصبحت إقليمية فى التيار‬
‫التكنولو جى المتقدم‪ .‬وح يث تم ا ستبدال بوت قة الن صهار وضغوطات ها بإثن ية جديدة‪ .‬أ ما و سائل‬
‫العلم فأصبحت تنشر الثقافة اللجماهيرية بدل الثقافة الجماهيرية ”(‪.)286‬‬
‫إن كل ذلك يوضح أن حركة الندماج والتوحد لتكوين مؤسسات إعلمية عملقة وكبيرة‬
‫تتواكهب فهى ذات الوقهت مهع حركهة تشظهى وتفتهت واسهعة تنتهج عنهها آلف مهن المؤسهسات‬
‫العلم ية الصهغيرة التهى تخرج عن مجال نشاط واهتمام المؤسهسات العمل قة‪ .‬بح يث يترافهق‬
‫‪283‬‬

‫()‬

‫ميتشيو كاكو‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.78 - 77‬‬

‫‪284‬‬

‫()‬

‫عواطف عبد الرحمن‪ ،‬العلم العربى وقضايا العولمة‪ .‬ص ‪.29‬‬

‫‪)(.Mcquail, Denis, Mass Communication Theory )An Introduction(. P. 134285‬‬
‫‪286‬‬

‫()‬

‫آلفين توفلر‪ ،‬حضارة الموجة الثالثة‪ .‬ترجمة عصام الشيخ قاسم‪ ،‬ص ‪.252‬‬

‫‪-‬‬

‫‪119‬‬

‫‪-‬‬

‫الندماج مهع التجزؤ والتوحهد مهع النقسهام‪ .‬ذلك “ أن العولمهة تشجهع التشظهى إلى عدد مهن‬
‫الجماعات مواز لعدد الهويات المرجعية ”(‪ ...)287‬كما أنها ‪ -‬بذات الوقت ‪ -‬تشجع الندماج‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬العولمة و الرسائل العلمية ‪:‬‬

‫تم ثل و سائل العلم القناة التكنولوج ية ال تى تقوم المؤ سسات العلم ية بن قل الر سائل‬

‫العلمية من خللها إلى جماهير المتلقين‪.‬‬
‫وتعمهل إسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج على الدمهج التدريجهى لكافهة‬
‫الوسهائل العلميهة فهى بنيهة هيكليهة إلكترونيهة واحدة‪ .‬بينمها تؤدى تكتيكات التشظهى والتجزؤ‬
‫والنقسام إلى إنتاج هذه البنية الهيكلية المدمجة وفقا لمدى واسع من التنوع فيما يتعلق بأساليب‬
‫الستخدام أو بنوعية التكنولوجيا المستخدمة‪.‬‬
‫ح يث تؤدى إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج إلى الد مج التدري جى لكا فة‬
‫وسائل العلم اللكترونية والورقية فى بنية هيكلية إلكترونية واحدة يمثلها الكومبيوتر المتعدد‬
‫الغراض‪ .‬حيث يتحول الكومبيوتر تدريجيا فى السنوات الخيرة إلى وسيلة إعلمية معلوماتية‬
‫اتصهالية مهن خلل اسهتقباله للبهث التليفزيونهى والذاعهى‪ ،‬وعرضهه للفلم والمسهرحيات‬
‫المصورة والتسجيلت المسموعة‪ ،‬وعرضه للمواقع اللكترونية للصحف والدوريات والكتب‪.‬‬
‫مما سيؤدى إلى إمكانية مطالعة كافة وسائل العلم فى وسيلة واحدة هى الكومبيوتر المتعدد‬
‫الغراض الذى يمكهن اسهتخدامه أيضا كوسهيلة « معلوماتيهه » للدخول إلى قواعهد البيانات‬
‫الرقميهة‪ ،‬واسهتخدامه كوسهيلة « اتصهالية » لجراء المكالمات التليفونيهة والمحادثات النصهية‬
‫( الدردشة ‪.)Chating‬‬
‫وبالتالى‪ ،‬فإن وسهائل العلم المتعددة‪ ،‬تتحول تدريجيا نحهو الندماج فهى بنيهة هيكليهة‬
‫واحدة يمثلها الكومبيوتر المتعدد الغراض‪.‬‬
‫وفى المقابل‪ ..‬تؤدى تكتيكات العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام إلى إنتاج هذه البنية‬

‫الهيكليهة اللكترونيهة المدمجهة‪ ،‬وفقا لمدى واسهع مهن التنوع فيمها يتعلق بأسهاليب السهتخدام‬

‫أو فيما يتعلق بنوعية التكنولوجيا المستخدمة‪ .‬فعلى مستوى « أساليب الستخدام » سيتم انتاج‬

‫هذه البنية الهيكلية اللكترونية المدمجة فى أشكال متعددة‪ :‬ثابتة ومحمولة‪ .‬حيث توضع الثابتة‬
‫فى المنازل ووسائل المواصلت ( السيارات ‪ -‬الطائرات ‪ -‬السفن )‪ ،‬بينما تُستخدم المحمولة‬

‫فى كافة الماكن المحتمل الوجود فيها‪.‬‬

‫‪287‬‬

‫دومينيهك فولتون‪ " ،‬مجتمهع النترنهت والوعود الزائفهة "‪ ،‬مجلة الدراسهات العلميهة‪ ( .‬عدد ‪ ،96‬يوليهو ‪-‬‬
‫()‬
‫سبتمبر ‪ ،) 1999‬ص ‪.57‬‬

‫‪-‬‬

‫‪120‬‬

‫‪-‬‬

‫وعلى م ستوى « نوع ية التكنولوج يا » الم ستخدمة‪ ،‬فإن الفيزيائي ين يتوقعون أ نه بحلول‬

‫عام ‪ 2005‬لن يمكهن تصهغير شريحهة السهليكون المسهتخدمة فهى الكومهبيوتر إلى أقهل مهن‬

‫( ‪ 0.1‬ميكرون ) فهى الحجهم‪ .‬المهر الذى سهيؤدى إلى ظهور تكنولوجيات جديدة كبديهل عهن‬

‫شريحهة السهليكون∗ تتمثهل فهى اسهتخدام « الجزيئات » ذاتهها للحلول محهل شريحهة السهليكون‪،‬‬

‫أو اسهتخدام جزيئات الهه «د‪ .‬ن‪ .‬أ» ‪ D.N.A‬التهى ترمهز إلى الحماض النوويهة الربعهة بنواة‬

‫الخليهة الحيهة‪ .‬بحيهث يؤدى هذا إلى ظهور الكومهبيوتر الجزيئى أو كومهبيوتر الهه ‪.D.N.A‬‬

‫وبالتالى فإن تنوع التكنولوجيات الم ستحدثة سيؤدى إلى تنوع المكانات التكنولوج ية في ما يتعلق‬
‫بسهرعة معالجهة البيانات والقدرة الفائقهة على تخزينهها وعرض الصهور المجسهمة والصهوات‬
‫المتعددة البعاد‪ .‬بحيث تتنوع تلك البنية الهيكلية اللكترونية المدمجة ‪ -‬التى سيمثلها الكومبيوتر‬

‫المتعدد الغراض ‪ -‬فى إمكاناتها التكنولوجية بناءا على نوعية التكنولوجيا المستخدمة فيها‪.‬‬

‫رابعا ‪ :‬العولمة و جماهير المتلقين ‪:‬‬

‫تو ضح البعاد العلم ية للعول مة أن إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج تؤدى‬

‫إلى دمج قطاعات كبيرة من جماهير المتلقين على مستوى العالم تحت لواء رسائل اتصالية ذات‬

‫موا صفات عالم ية وإنسانية تبث ها ن ظم إعلم ية عملقة ذات توجهات عالم ية إن سانية أيضا‪ ،‬المر‬
‫الذى ي ساهم فى تكو ين رأى عام عال مى فى القضا يا العالم ية الطا بع‪ .‬بين ما تد فع تكتيات العول مة‬
‫للتشظى والتجزؤ والنقسام نحو تفكيك قطاعات جماهير المتلقين وفقا لمجالت اهتماماتهم الخاصة‬

‫أو انتماءاتهم المتنوعة‪ ،‬فى القضايا الشخصية الطابع‪.‬‬

‫ولعل بطولة كأس العالم لكرة القدم‪ ،‬والتغطية العلمية لحرب تحرير الكويت وحرب‬

‫كوسهوفو والحرب على العراق‪ ،‬ومراسهم تشييهع جنازة الميرة ديانها‪ ،‬ومراسهم افتتاح وختام‬
‫الدورات الوليمب ية‪ ،‬وأحداث تفج ير كل من مبن يى التجارة العال مى ووزارة الدفاع المريك ية‬

‫( البنتاجون ) فهى‬

‫‪ ،11/9/2001‬والحرب ضهد تنظيهم القاعدة وجماعهة طالبان فهى‬

‫أفغان ستان‪ ....‬إن كل تلك الحداث الدور ية أو العار ضة تج مع مليارات من سكان العالم حول‬
‫شاشات التليفزيون أو الملي ين من هم حول شاشات الكو مبيوتر‪ ،‬بح يث تؤدى إلى د مج قطاعات‬
‫كبيرة من المتلقين داخل دائرة اهتمام واحدة‪ ،‬على الرغم من تعدد الحضارات والثقافات‪.‬‬

‫فلقد أدى “ الترابط العلمى بين مختلف أنحاء العالم بصورة لم تشهدها البشرية من‬

‫ق بل‪ ...‬إلى دخول قطاعات وشرائح جديدة من الب شر فى دائرة المشار كة المعرف ية‪ ،‬من خلل‬
‫المتابعة العلمية لمختلف الحداث العالمية والقرارات المصيرية(‪.)288‬‬

‫انظر‪ :‬ميتشيو كاكو‪ ،‬رؤى مستقبلية ( كيف سيغير العلم حياتنا فى القرن الواحد والعشرين )‪ .‬ترجمة سعد الدين خرفان‪،‬‬
‫ص ‪ 133‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪288‬‬

‫()‬

‫عواطف عبد الرحمن‪ ،‬العلم العربى وقضايا العولمة‪ .‬ص ‪.35‬‬

‫‪-‬‬

‫‪121‬‬

‫‪-‬‬

‫علوة على ذلك‪ ..‬ف فى إطار إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج‪ ،‬لم ت صبح‬

‫القطاعات الكهبيرة لجماهيهر وسهائل العلم بمثابهة ذرات معزولة ومتفرقهة‪ ،‬بهل أصهبح لديهها‬

‫القدرة ‪ -‬مهن خلل القدرات التفاعليهة الجديدة التهى توفرهها شبكات المعلومات ‪ -‬على تحقيهق‬

‫الترابط مع وسائل العلم‪ ،‬أو تحقيق الترابط بين أفراد الجماهير وبعضهم البعض‪ .‬ذلك أن‬
‫“‬

‫الميزة الجوهر ية لللكترونيات الرقم ية هى سهولة الترا بط‪ .‬هذه ميزة لم تعرف ها الت صالت‬

‫التقليديهة ول حتهى الجيهل الول مهن التقنيات الرقميهة‬

‫”‬

‫‪ .‬وذلك قبهل أن تتشابهك أجهزة‬

‫(‪)289‬‬

‫الكومبيوتر لكى تشكل شبكة مترابطة باتساع العالم ككل‪.‬‬

‫وإذا كانت الجماهير التى تتفاعل من خلل شبكات المعلومات ( النترنت حاليا والطريق‬

‫ال سريع للمعلومات فى الم ستقبل القر يب ) تم ثل ن سبة محدودة من إجمالى عدد سكان العالم‪ .‬إل‬

‫أن المنطهق القت صادى لشبكات المعلومات يفرض ضرورة د مج قطاعات واسهعة من جماهيهر‬

‫المتلقين المتجولين بتلك الشبكات‪ .‬وذلك لن “ هناك تكاليف ثابتة لتأليف المواد المعلوماتية‪ .‬لذلك‬

‫يتطلب ال مر من أ جل جعل ها منخف ضة التكل فة وجود جمهور وا سع‪ ...‬كذلك لن تد عم إيرادات‬

‫العلنات الطريهق السهريع للمعلومات لو لم تتقبله أغلبيهة مناسهبة مهن جمهور الناس‪ .‬ولكهى‬

‫يكون ذلك ههو واقهع الحال‪ ،‬فإن السهعر المحدد كمقابهل للتوصهيل سهيتعين تحقيقهه ”(‪ .)290‬ولعهل‬
‫الر جح أن كا فة التطورات الندماج ية والتفاعل ية فى ح قل قطاعات جماه ير المتلق ين ستساهم‬

‫فى نشأة رأى عام عالمى فى القضايا ذات الهتمام العالمى‪.‬‬

‫وعلى الجانهب الخهر‪ ..‬فإن تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام تؤدى إلى‬

‫تفكيهك وتشظهى قطاعات جماهيهر المتلقيهن‪ ،‬وفقا لمجالت اهتماماتههم الخاصهة أو انتماءاتههم‬

‫الثقاف ية أو الطائف ية أو العرق ية ‪ -‬فى القضا يا الشخ صية الطا بع ‪ -‬وذلك اعتمادا على تزاوج‬
‫التكنولوجيا الرقمية مع تكنولوجيا وسائل العلم التقليدية‪ ،‬والتى أصبحت تتيح خدمات الفيديو‬

‫عند الطلب ‪ vedio in demand‬أو خدمات التليفزيون المدفوع الجر ‪ ،pay T.V‬هذا بالضافة‬

‫إلى القدرات الفائقة التى توفرها شبكات المعلومات‪ ،‬والتى تتيح إمكانية تفاعلية واسعة تساعد‬

‫على توفير تنويعة مهولة من الختيارات التى تتلءم مع عدد أفراد قطاعات جماهير المتلقين‪.‬‬

‫وبالتالى سهيؤدى هذا إلى أن “ تتحول النشطهة التصهالية مهن توحيهد الجماهيهر‬

‫‪ Massification‬إلى تفتيهت الجماهيهر ‪ Demassification‬ومهن مركزيهة التصهال إلى ل‬

‫مركزية التصال ”(‪.)291‬‬

‫‪‬‬

‫‪289‬‬

‫()‬

‫و‪ .‬رسل نيومان‪ ،‬مستقبل الجمهور المتلقى‪ .‬ترجمة محمد جمول‪ ،‬ص ‪.120‬‬

‫‪290‬‬

‫()‬

‫بيل جيتس‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.406‬‬

‫‪291‬‬

‫()‬

‫حسن عماد مكاوى‪ ،‬تكنولوجيا التصال الحديثة فى عصر المعلومات‪ .‬ص ‪ 252‬بتصرف‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪122‬‬

‫‪-‬‬

‫القسـم الثانى‬
‫البعاد النسانية لظاهرة العولمة‬
‫المبحث الخامس‬
‫ظاهرة العولمة والمشتركات النسانية‬
‫(قراءة أخرى)‬
‫توضهح المداخهل السهابقة‪ ..‬الفكريهة‪ ،‬والماديهة‪ ،‬والمجتمعيهة ( السهياسية والقتصهادية‬
‫والثقاف ية والت صالية ) ال تى تناول نا في ها ظاهرة العول مة بالف حص والتحل يل أن العول مة تم ثل‬
‫عمل ية مزدو جة يتلزم في ها الترك يب مع التفك يك‪ .‬ف هى عمل ية م ستمرة‪ ..‬تؤدى إلى ترك يب‬
‫الجزاء المتعددة فى كل واحد من خلل إستراتيجيتها للتوحد والتكتل والندماج‪ ..‬وتفكيك الكل‬
‫إلى أجزائه المتعددة من خلل تكتيكاتها للتشظى والتجزؤ والنقسام‪.‬‬
‫والعولمة بهذا التوصيف وذلك المعنى ما هى إل مرحلة متقدمة لوعى النسان بالعالم‬
‫الذى يعيهش فيهه‪ ،‬وإدراكهه للمشتركات النسهانية ( الماديهة والمعنويهة ) فهى هذا العالم‪ .‬وتلك‬
‫المرحلة المتقدمة سبقتها مراحل متعددة‪ ،‬مارست فيها الجيال البشرية المتتابعة عملية تركيب‬
‫وتفكيهك للطبيعهة مهن حولهها‪ ،‬وللوعهى داخلهها‪ ،‬فهى محاولة لبناء الدراك والتبصهر والفههم‬
‫والمعرفة على المستويين المادى والمعنوى‪.‬‬

‫أولً‪ :‬المشترك النسانى المادى‬
‫(‪ )1‬التفكيهك‪:‬‬

‫ل قد تطور الو عى الن سانى خلل الح قب المتتال ية ال تى مرت ب ها البشر ية‪ ،‬من الو عى‬

‫ل إلى الو عى الفائق∗‪ .‬وتراف قت تلك‬
‫الفطرى‪ ،‬إلى الو عى الب سيط‪ ،‬ثم الو عى المر كب‪ ،‬و صو ً‬
‫المرا حل المتتاب عة لتطور الو عى مع الع صور البشر ية المتتال ية المعبّرة عن النشاط الن سانى‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫∗ انظر‪ :‬إسماعيل على سعد‪ ،‬التصال والرأى العام ( مبحث فى القوة واليدلوجية )‪ .‬ص ‪ .26‬حيث يقرر ما نصه‪ " :‬إن فكر‬
‫النسان‪ ،‬وهو الفارق الساسى بينه وبين مختلف الكائنات‪ ،‬بدأ بالملحظة المباشرة لما يدور حوله‪ ..‬وانتهى عبر حلقات متصلة‬
‫من التطور والتعقيد إلى أنساق أفكار بالغة التركيب "‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪123‬‬

‫‪-‬‬

‫بدءا من عصور الصيد‪ ،‬فعصور الزارعة‪ ،‬ثم عصور الصناعة‪ ،‬وصولً إلى عصرنا الحالى‬
‫( عصر ما بعد الصناعة ) أو عصر المعلومات‪.‬‬
‫ول قد كان الو عى الفطرى الذى ن شأ عن الملح ظة هو الو عى الذى قاد الن سان إلى‬
‫ملح ظة البيئة الطبيع ية من حوله‪ .‬وكان تحر كه خلل ها بمثا بة رد ف عل لحركت ها هى‪ .‬بح يث‬
‫كا نت انتقال ته ‪ -‬خلف قطعان ال صيد ون حو المنا طق النبات ية وم سارات النهار ‪ -‬من أ جل‬
‫توفير حاجته الغذائية من اللحوم والثمار والمياه‪ .‬وبالتالى قاد هذا الوعى الفطرى النسان نحو‬
‫النفعال الفطرى ب كل ما هو متحرك ونا مٍ‪ ،‬فكا نت حرك ته فى البيئة الطبيع ية بمثا بة رد ف عل‬
‫فطرى من جراء ملح ظة الحر كة والن مو‪ ،‬ال مر الذى أدى إلى أن ت صبح تلك الع صور هى‬
‫عصور الصيد والتقاط والثمار والترحال‪.‬‬
‫ثم كا نت المرحلة التال ية ال تى ارت قى في ها الو عى الن سانى من الو عى الفطرى إلى‬
‫الوعى البسيط‪ .‬وقادته الملحظة إلى التحكم فى البيئة من حوله‪ ،‬بحيث تنفعل هى من جراء‬
‫تدخلتهه فيهها‪ .‬حيهث سهيطر النسهان على البيئة النباتيهة مهن خلل اكتشاف الزراعهة‪ ،‬ومهن‬
‫خلل التح كم فى م صادر المياه ب شق الترع و القنوات للرا ضى الزراع ية‪ .‬ك ما تم كن من‬
‫التحكم فى البيئة الحيوانية من خلل استئناس الحيوانات الليفة والداجنة وحيوانات المراعى‪،‬‬
‫وال ستقرار حول م صبات وفروع النهار‪ .‬بح يث قادت مرحلة الو عى الب سيط الن سان ن حو‬
‫التحكم فى حركة ونمو البيئة الطبيعية المتحركة والنامية من حوله‪ .‬أى التحكم فى كل ما هو‬
‫ه ومتحرك‪ .‬وبالتالى كانهت تلك العصهور ههى عصهور الزراعهة وتربيهة الحيوانات‬
‫نام ٍ‬
‫والستقرار‪.‬‬
‫ولقهد كانهت مرحلة النتقال مهن الوعهى البسهيط إلى الوعهى المركهب بمثابهة تحول فهى‬
‫الوعى النسانى الذى ازداد تعقيدا‪ .‬حيث تطورت ملحظة النسان للبيئة الطبيعية‪ ،‬وامتدت إلى‬
‫ما هو ثا بت وغ ير نا مٍ من عنا صر الطبي عة ال صلبة وال سائلة والغاز ية‪ ،‬ومحاولة التعا مل مع ها‬
‫بالسهتخراج والصههر والتشكيهل والتركيهب‪ .‬بحيهث أكسهب النسهان ‪ -‬بوعيهه المركهب ‪ -‬تلك‬
‫العنا صر الجامدة الثاب تة غ ير النام ية‪ ،‬القدرة على الحر كة الميكانيك ية‪ .‬ل قد كان الو عى المر كب‬
‫الذى قاد النسان إلى التصنيع بمثابة نقلة نوعية هامة مكنت النسان من التحكم فى كل ما هو‬
‫جامد وثابت وغير نا مٍ‪ ،‬مثلما سبق له السيطرة على كل ما هو متحرك ونا مٍ‪ .‬وبالتالى كانت تلك‬
‫العصور هى عصور الصناعة وابتكار الجهزة والماكينات ووسائل النتقال‪.‬‬
‫ول كن عند ما تطور و عى الن سان من الو عى المر كب إلى الو عى الفائق‪ ،‬كا نت تلك‬

‫مرحلة جديدة تم ثل تعاظما كبيرا فى تعقّ د ذلك الو عى‪ .‬ح يث تطورت ملح ظة الن سان للبيئة‬

‫‪-‬‬

‫‪124‬‬

‫‪-‬‬

‫الطبيعية‪ ،‬وامتدت إلى ما هو مخفى فيها وغير ظاهر وغير ُم ْدرَك بالحواس الطبيعية‪ .‬وأسفر‬

‫هذا عهن اكتشاف التركيهب الخلوى للكائنات الحيهة النباتيهة والحيوانيهة والنسهانية‪ ،‬والتركيهب‬

‫الذرى للعنا صر ( ال صلبة وال سائلة والغاز ية )‪ .‬واكتشاف الكائنات الميكروب ية ( الفطريات ‪-‬‬

‫البكتيريا ‪ -‬الفيروسات )‪ ...‬لقد كان الوعى الفائق للنسان سبيلً إلى رفع الحجاب عن إدراك‬
‫الن سان من خلل ابتكاره لو سائل م ساعدة شكلت امتدادا فائقا لدرا كه وحوا سه‪ ،‬بل وتطور‬
‫ال مر إلى إضا فة امتدادات عظي مة لقدرا ته العقل ية أيضا من خلل ا ستغلل الخواص الخف ية‬

‫للظواههر الطبيعيهة كاللكترونات والكهرومغناطيسهية لنقهل التصهالت والمعلومات وتخزينهها‬

‫وتحليل ها من خلل ابتكار الحا سبات الل ية‪ .‬وبالتالى أ صبح الع صر الحالى هو ع صر ما ب عد‬
‫الصناعة أو عصر المعلومات أو العصر التكنوترونى أو اللكترونى‪.‬‬

‫(‪ )2‬التركيب∗‪:‬‬
‫ولكن هذا الوعى النسانى بمكونات وخصائص البيئة الطبيعية المحيطة‪ ،‬والذى ارتقى‬

‫من الوعى الفطرى إلى البسيط إلى المركب إلى الفائق‪ ،‬وبالتالى انتقل من ملحظة الظاهر إلى‬

‫معاينهة المخفهى‪ ،‬ومهن إدراك البنيهة الكليهة للمخلوقات والعناصهر إلى إدراك البنيهة الخلويهة‬

‫الجزيئ ية والذر ية والنووية لها‪ .‬هذا الو عى ‪ -‬الذى كان ذا طابع تفكيكى فى مجمله فى مجال‬

‫اهتما مه بالبيئة الطبيع ية المل صقة للن سان ‪ -‬كان على الجا نب ال خر وعيا ذا طا بع ترك يبى‬

‫فى مجال اهتمامه بالبيئة الفضائية المحيطة بالنسان والبعيدة عنه‪.‬‬

‫فلقهد كان الوعهى الفطرى يدرك الرض المحيطهة بوصهفها الكون بأكمله‪ .‬ويدرك أن‬

‫الجرام الخرى كالنجوم والشمس والقمر ما هى إل مصابيح يمكن من خلل متابعة تحركاتها‬

‫وغيابهها وظهورهها ضبهط مواق يت الف صول والزرا عة والتنبهؤ بمصهير الن سان‪ .‬فالكون هو‬
‫الرض المحيطة التى تحدها البحار السحيقة وغللة رقيقة هى السماء بمصابيحها المتحركة‪.‬‬

‫ثم ارتقى الوعى النسانى إلى مرحلة الوعى البسيط‪ ،‬من خلل تراكم عمليات الرصد‬

‫لتحركات الجرام السهماوية‪ .‬واسهتطاع « كلوديوس بطليموس » عام ‪140‬م أن يصهمم نظاما‬
‫مركزيا للكون قائما على التحركات المشاهدة لتلك الجرام‪ ،‬ام تد بموج به الكون وات سع‪ ،‬ح يث‬

‫أ صبحت الرض هى المر كز وحول ها الش مس والكوا كب فى مدارات دائر ية متتاب عة تف صل‬

‫بينها مسافات‪ ،‬ثم تأتى أخيرا السماء بنجومها الثابتة المضيئة كحد نهائى للكون‪ .‬وبذلك اتسعت‬

‫انظر كل من‪:‬‬
‫‪‬‬

‫أ‪-‬‬

‫ج‪.‬ج‪ .‬كراوثههر‪ ،‬قصههة العلم‪ .‬ترجمههة يمنههى طريههف الخولى وبدوى عبههد الفتاح‪ ،‬سههلسلة العمال العلميههة‬
‫( مهرجان القراءة للجميع ‪ -‬مكتبة السرة ‪ ،) 1999‬القاهرة‪ :‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‪.1999 ،‬‬

‫ب ‪ -‬صلح محمود عثمان محمد‪ ،‬التصال واللتناهى بين العلم والفلسفة‪ .‬السكندرية‪ :‬منشأة المعارف‪.1998 .‬‬

‫‪-‬‬

‫‪125‬‬

‫‪-‬‬

‫حدود الكون الذى تحتههل الرض مركزه بفضههل النظام المركزى الذى صههممه بطليموس‪،‬‬

‫واستمر هذا الوعى بحدود الكون قائما لمدة تصل تقريبا إلى اللف عام‪.‬‬

‫ولكن مع مرحلة الوعى المركب‪ ،‬لم يتقبل النسان تلك المركزية للرض ول تلك الحدود‬
‫المزعو مة للكون‪ .‬وأ سهمت الجهود العلم ية ل كل من « نيقول كوبرنيكوس » ( ‪)1543 - 1473‬‬
‫و«جوهان كبلر» (‪ )1630 - 1571‬و«جاليليو جاليلى» (‪ )1642 - 1564‬فى وضع السس‬
‫اللز مة لظهور و عى مر كب جد يد بالكون ين فى فكرة مركز ية الرض‪ ،‬ويضع ها فى موقع ها‬
‫الحقيقى‪ ،‬باعتبارها كوكبا مثل باقى الكواكب التى تدور حول الشمس‪ ،‬تلك الشمس التى اتضح‬
‫ مع تطور التل سكوب فى ز من « جاليل يو » ‪ -‬أن ها مجرد ن جم م ثل با قى النجوم ال تى تمل‬‫السماء‪ .‬وعلى يد « إسحق نيوتن » (‪ )1727 - 1642‬تم اكتشاف قوانين الجاذبية التى تمسك‬
‫هذا الكون فهى ظهل نظام ميكانيكهى متكامهل ومنضبهط‪ .‬وبذلك أصهبح الكون بنا ًء ماديا شاسهع‬
‫التسههاع تتجاذب كههل أجرامههه بقوة الجاذبيههة وقوانينههها‪ ،‬ويغوص وسههط فضاء‬
‫ل نهائى‪ ،‬وبذلك اتسعت حدود الكون إلى ما ل نهاية‪.‬‬
‫ول قد كا نت مرحلة الو عى الفائق بمثا بة نقلة جبارة فى و عى الن سان بالكون المح يط‬
‫وظواهره‪ .‬وأسهمت الجهود العلمية له « ألبرت أينشتاين » (‪ )1955 - 1879‬فى صياغة‬
‫« نظرية النسبية »‪ ،‬والتى حطمت الكون الثابت الشاسع اللمتناهى لنيوتن‪ ،‬وأثبتت أن الكون‬
‫ما هو إل « متصل زمكانى » يحتل الزمن فيه البعد الرابع‪ ،‬وأنه كيان شاسع متناه ولكن غير‬
‫محدود؛ لنه دائم التمدد والتساع وقابل للنكماش بعد فترة غير معلومة من التمدد‪.‬‬
‫علوة على ذلك‪ ،‬فقهد أدى اكتشاف أن الوحدة فهى البناء السهماوى ههى المجرة ‪ -‬وأن‬
‫الكون يتكون من مجرات تنتظم فى داخلها مليارات النجوم ‪ -‬إلى نشوء فهم تركيبى جديد حول‬
‫الكون الذى يتكون مهن مجرات تتباعهد عن بعضهها نتيجهة تمدد هذا الكون‪ .‬وأن نجمنها الشمهس‬
‫الذى تدور حوله أرض نا ( كو كب الرض ) ما هو إل ن جم ضئ يل دا خل إحدى المجرات ال تى‬
‫تدور حول مركز الكون الذى يتمدد ويتسع وقد ينطوى وينكمش فى أجل آخر غير معلوم‪ ،‬وفقا‬
‫لطروحات نظرية « النفجار العظيم » ‪Big Bang‬التى تفسر نشأة هذا الكون‪.‬‬
‫لقهد اتضهح أن الكون ههو المشترك المادى الكهبر الذى يضهم كهل شهئ‪ ،‬والجسهيمات‬
‫الذرية هى المشترك الصغر التى نشأ عنها كل شئ‪ ،‬والعالم ( كوكب الرض ) هو المشترك‬
‫المادى النسانى الذى يضم الجنس البشرى ( النسان )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪126‬‬

‫‪-‬‬

‫(‪ )3‬المشتركات المادية‪:‬‬
‫إن ترافهق أو تزواج التركيهب مهع التفكيهك فهى الوعهى النسهانى‪ ،‬قاد ذلك الوعهى إلى‬
‫إدراك جو هر هذا الكون وماهي ته‪ .‬فالو عى التفكي كى أدى إلى إدراك وحدة البن ية الذر ية للكون‬
‫والعالم والنسهان‪ .‬والوعهى التركيهبى أدى إلى إدراك وحدة الكون المنظور على الرغهم مهن‬
‫ات ساعه‪ .‬وبالتالى فإذا كان المشترك المادى الجزئى النا تج عن التفك يك هو الذرة وج سيماتها‪،‬‬
‫والمشترك المادى الكلى النا تج عن الترك يب هو الكون‪ ،‬فإن المشترك الن سانى المادى بينه ما ‪-‬‬
‫الذى يمارس الن سان حيا ته عل يه أو فى مجاله أو فى نطا قه ‪ -‬يتم ثل فى‪ :‬كو كب الرض‬
‫أو المجموعة الشمسية أو المجرة‪ .‬أى أن ذلك التسلسل من جسيمات الذرة إلى كوكب الرض‬
‫إلى المجمو عة الشم سية إلى المجرة إلى الكون يُشكل ثمار الو عى الن سانى بالكون فى م ساره‬
‫من الكل إلى الجزء أو من الجزء إلى الكل‪.‬‬
‫وهكذا يبدو كوكهب الرض فهى المسهافة الرمزيهة مهن الذرة إلى الكون بمثابهة‬
‫« المشترك النسانى المادى » للجنس البشرى‪ .‬والمجموعة الشمسية هى « المجال » المادى‪.‬‬
‫والمجرة هى «المستقر» المادى‪ .‬والكون هو « المستودع » المادى الكلى‪.‬‬
‫و من ه نا‪ ..‬فإن الو عى بأن العالم ( الرض ) يم ثل المشترك المادى للج نس الن سانى‬
‫هو بمثابة وعى عولمى ( العولمة )‪.‬‬
‫والوعهى بأن المجموعهة الشمسهية تمثهل المجال المادى ههو بمثابهة وعهى كوكهبى‬
‫( الكوكبة )‪.‬‬
‫والوعى بأن المجرة تمثل المستقر المادى هو بمثابة وعى مجرى ( المجرية )‪.‬‬
‫والوعى بأن الكون يمثل المستودع المادى الكلى هو بمثابة وعى كونى ( الكونية )‪.‬‬
‫إن هذه الرؤيهة توضهح أن محاولت النسهان للتركيهب والتفكيهك قادتهه إلى إدراك‬
‫المشتركات الن سانية الماد ية‪ .‬وكان أول ها إدراك أن العالم هو المشترك الن سانى المادى‪ .‬وأن‬
‫البشر جميعهم فى سفينة واحدة هى كوكب الرض‪ .‬وبالتالى فالعولمة ‪ -‬تعنى بكل بساطة ‪-‬‬
‫أن نا فى عالم وا حد ول يس فى عوالم متعددة‪ ،‬وأن العول مة ما هى إل مرحلة متقد مة فى و عى‬
‫الن سان بأ صل الكون والعالم من خلل الترك يب والتفك يك‪ .‬وبذلك ت صبح العول مة ‪ -‬من هذا‬
‫المنظور ‪ -‬خروجا على المألوف المكانهى والمألوف الزمانهى وإنشاء أو تقديهم رؤيهة مشتركهة‬
‫لمألوف « زمكانهى » يضهم كهل سهكان هذا العالم‪ ،‬ذلك العالم الذى لن يمكهن مواجههة قضاياه‬
‫العالمية إل من خلل تنمية المشتركات النسانية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪127‬‬

‫‪-‬‬

‫ثانياً‪ :‬المشترك النسانى المعنوى‬
‫إن عملية التزواج بين التركيب والتفكيك فى الوعى البشرى ‪ -‬والتى قادت إلى إدراك‬
‫المشترك الن سانى المادى ‪ -‬هى ال تى أ سفرت أيضا عن إدراك المشترك الن سانى المعنوى‪.‬‬
‫وذلك انطلقا من أ نه إذا كان الو عى الن سانى بعنا صر البيئة الطبيع ية هو الذى صاغ وشكّ ل‬
‫التطورات الحضار ية ال كبرى فى تار يخ البشر ية‪ ،‬وذلك وفقا لم ستوى تطور هذا الو عى‪ .‬فإن‬
‫البحث عن منشأ هذا الوعى وموجهه‪ ،‬هو الذى سيقود إلى إدراك المشترك النسانى المعنوى‪.‬‬
‫ولقد قادت عملية التركيب فى الوعى النسانى إلى إدراك أن كل هذا الكون ما هو إل‬
‫نتاج لعقل مطلق يمثله ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فهو عقل شامل محيط غير محدود‪.‬‬
‫كما قادت عملية التفكيك فى الوعى النسانى إلى إدراك أن التطور النسانى ما هو إل‬
‫نتاج لعقهل محدود يمثله النسهان‪ ،‬وذلك العقهل المحدود يكتسهب معارفهه بالتراكهم والتوارث‬
‫والخبرة والصواب والخطأ‪ ،‬فهو عقل جزئى محدود غير شامل وغير محيط‪.‬‬
‫ول قد كان المشترك الن سانى المنا سب للقيام بدور الو سيط ب ين الع قل المطلق الذى يمثله‬
‫ال سبحانه وتعالى‪ ،‬والعقل المحدود الذى يمثله النسان‪ ،‬يتمثل فى « قيمة الحرية »‪ .‬حيث تمثل‬
‫قي مة الحر ية المشترك الن سانى المعنوى القا بل لتو صيف العل قة ب ين ال والن سان‪ ،‬باعتبار أن‬
‫الحرية هى الشرط اللزم لصحة إيمان العقل النسانى المحدود بالعقل اللهى المطلق‪ ،‬والشرط‬
‫اللزم لشرعيهة مبدأى الثواب والعقاب اللهييهن‪ .‬فل مجال لحسهاب النسهان إل لو امتلك حريهة‬
‫الختيار ب ين الخ ير وال شر وب ين الخ طأ وال صواب‪ .‬وبالتالى فالمشترك الن سانى المعنوى النا تج‬
‫عن عملية التركيب التى تقود إلى العقل المطلق‪ ،‬أو عملية التفكيك التى تقود إلى العقل المحدود‪،‬‬
‫هو ( الحر ية الن سانية )‪ ،‬تلك القي مة ال تى لو تم كبت ها ومحا صرتها وتقلي صها؛ لف قد الن سان‬
‫الجوهر والمعنى الذى يمنحه التفوق على كافة كائنات الرض‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪128‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمة الفصل الثالث ‪:‬‬

‫عرضت الدراسة بالفصل الراهن‪ ،‬للبعاد المجتمعية ( السياسية والقتصادية والثقافية‬

‫والعلمية ) والبعاد النسانية للعولمة‪.‬‬
‫حيث تبين من دراسة « البعاد السياسية للعولمة » ‪ -‬فى مجالت سيادة الدولة وتطور‬
‫الديمقراطيهة ودور المجتمهع المدنهى ‪ -‬أن إسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج فهى‬
‫مجال سيادة الدولة تقود ن حو الن مو التدري جى لقيام حكو مة عالم ية على م ستوى العالم ك كل‪ ،‬قد‬
‫تكون هيئة المم المتحدة أقرب نموذج لمعالمها‪ ،‬ولكن المستقبل سيسفر عن الملمح العامة لتلك‬
‫الحكومة العالمية التى فى الغالب ستختلف عن الحكومات القومية الحالية‪ ،‬سواء فى مجال البنية‬
‫الهيكلية أو السلطات الدستورية والقانونية‪.‬‬
‫ك ما تك شف البعاد ال سياسية للعول مة أن تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام‪،‬‬
‫سهتقود نحهو التقلص التدريجهى لدور الدولة على المسهتوى القومهى‪ ،‬ونقهل هذا الدور إلى‬
‫المستويات المحلية وقطاعات المجتمع المدنى‪.‬‬
‫والنتيجهة العامهة‪ ..‬أن العولمهة سهتؤدى إلى تطور دور الدولة‪ ،‬بحيهث تنقهل جزءا مهن‬
‫سيادتها إلى المستوى فوق القومى ( الحكومة العالمية )‪ ،‬جزءا آخر من سيادتها إلى المستوى‬
‫المحلى ( المجتمع المدنى )‪.‬‬
‫وفى مجال تطور الديمقراطية تكشف البعاد السياسية للعولمة‪ ..‬أن إستراتيجية العولمة‬
‫للتو حد والتك تل والندماج تقود ن حو توح يد أ ساليب الح كم على الم ستوى العال مى‪ ،‬وذلك من‬
‫خلل تنامى التجاه نحو أسلوب الحكم الليبرالى الديمقراطى على مستوى دول العالم‪.‬‬
‫بينمها تقود تكتيكات العولمهة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام نحهو انحسهار نموذج الديمقراطيهة‬
‫هة‬
‫هة وأشكال مبتكرة أخرى للممارسه‬
‫هة الشعبيه‬
‫هو نموذج الديمقراطيه‬
‫هة‪ ،‬والتجاه نحه‬
‫التمثيليه‬
‫الديمقراطية‪.‬‬
‫وفهى مجال دور المجتمهع المدنهى تكشهف البعاد السهياسية للعولمهة‪ ..‬أن إسهتراتيجية‬
‫العول مة للتو حد والتك تل والندماج‪ ،‬تقود منظمات المجت مع المد نى على الم ستوى العال مى إلى‬
‫الندماج فهى تكتلت تعكهس إرادة جماعيهة فهى مواجههة إرادة الحكومات‪ .‬بينمها تقود تكتيات‬
‫التشظى والتجزؤ والنقسام على المستوى المحلى إلى تشظى المجتمعات المحلية إلى تجمعات‬
‫صغيرة تعكس إرادة القليات فى مقابل الرادة الجماعية للمجتمع المحلى‪.‬‬
‫كما تبين من دراسة « البعاد القتصادية للعولمة » فيما يتعلق بتطور السوق وآلياته‪،‬‬
‫ودور الشركات متعددة الجنسيات‪ ،‬ودور القوى الضابطة لليات السوق أو سياسات الشركات‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪129‬‬

‫‪-‬‬

‫أن إستراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج فى مجال تطور السوق وآلياته تقود نحو دمج‬
‫السهواق المحليهة على مسهتوى العالم بمها يؤدى إلى تكويهن سهوق عالميهة واحدة‪ .‬بينمها تقود‬
‫تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنق سام إلى تجزؤ ال سواق وتعدد ها وتنوع ها فى مجال‬
‫نوعيات السلع والخدمات بما يتناسب مع رغبات كل عميل باتساع العالم‪.‬‬
‫هة أن‬
‫هادية للعولمه‬
‫هف البعاد القتصه‬
‫هياساتها‪ ..‬تكشه‬
‫هى مجال تطور الشركات وسه‬
‫وفه‬
‫إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج تت جه بالشركات على م ستوى العالم ن حو الندماج‬
‫من أجل تكوين كيانات عالمية عملقة‪ ،‬بينما تقود تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام الشركات‬
‫إلى التجاه بالنظم النتاجية نحو التخصص‪ ،‬والتجاه بالساليب الدارية نحو اللمركزية‪.‬‬
‫وفهى مجال دور القوى الضابطهة لليات السهوق وسهياسات الشركات‪ ..‬تكشهف البعاد‬
‫القتصادية للعولمة أن إستراتيجية العولمة للتوحد والتكتل والندماج تقود القوى الضابطة لممارسات‬
‫ال سوق وآليا ته ن حو التو حد والندماج على الم ستوى العال مى‪ ،‬وذلك لممار سة دور ها فى ض بط‬
‫آليات السوق‪ .‬وتقود القوى الضابطة لسياسات الشركات نحو التكتل على الم ستوى العالمى وذلك‬
‫لممارسة دورها فى الحفاظ على ضمانات وحقوق العاملين‪.‬‬
‫بينما تكشف تكتيكات العولمة للتشظى والتجزؤ والنقسام عن التجاه نحو تعزيز النقسام‬
‫وت صاعد ال صدام‪ ،‬ما ب ين توجهات القوى الضاب طة لممار سات ال سوق وآليا ته والقوى الضاب طة‬
‫لسياسات الشركات‪ ،‬وذلك لتنامى التعارض بين توجهاتهما على المستوى المحلى أو العالمى‪.‬‬
‫ك ما تبين من درا سة البعاد الثقاف ية للعول مة في ما يتعلق ب كل من‪ :‬الحضارة‪ ،‬والثقا فة‪،‬‬
‫والهو ية‪ ..‬أن إ ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج فى مجال الثقا فة‪ ..‬تقود ن حو ن مو‬
‫ثقا فة ذات مل مح عالم ية على الم ستوى العال مى‪ ،‬تتض من قيما وأخلقيات ومعاي ير و سلوكيات‬
‫ومنتجات فكر ية ذات طا بع عال مى‪ .‬بين ما تؤدى تكتيكات التش ظى والتجزؤ والنق سام إلى تأك يد‬
‫التنوع والتما يز ب ين الثقافات المحل ية على الم ستوى العال مى‪ ،‬من خلل التفاف كل ثقا فة حول‬
‫ذاتها ومحاولة تأكيد ذاتيتها‪.‬‬
‫و فى مجال الحضارة‪ ..‬تك شف البعاد الثقاف ية للعول مة أن إ ستراتيجية التو حد والتك تل‬
‫والندماج تقود نحهو بدايهة الظهور التدريجهى لملمهح حضارة عالميهة اسهتهلكية فهى صهلب‬
‫الحضارات المتمايزة الراه نة‪ ،‬بح يث تش كل شب كة النتر نت حاليا والطر يق ال سريع للمعلومات‬
‫مستقبلً المحور الذى تتراكم حوله منجزات تلك الحضارة الصاعدة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪130‬‬

‫‪-‬‬

‫هد الفروق‬
‫هو تأكيه‬
‫هام إلى التجاه نحه‬
‫هى والتجزؤ والنقسه‬
‫ها تقود تكتيكات التشظه‬
‫بينمه‬
‫والختلفات بيههن الحضارات المتمايزة الراهنههة‪ ،‬بمهها يؤدى إلى إمكانيات الصههدام‬
‫أو التنافر فى محاولة لتأكيد الذات الحضارية‪.‬‬
‫وفهى مجال الهويهة‪ ..‬تكشهف البعاد الثقافيهة للعولمهة‪ ،‬أن إسهتراتيجية التوحهد والتكتهل‬
‫والندماج تقود نحهو نمهو هويهة ناشئة ‪ -‬ذات ملمهح عالميهة ‪ -‬موضوعهها النسهانية ومداهها‬
‫العالم ككهل‪ ،‬وذلك انطلقا مهن التغيرات التهى أدى إليهها التقدم فهى مجال التصهال والنتقال‪،‬‬
‫والتهى أسهفرت عهن اضمحلل القيمهة الجغرافيهة للمكان‪ ،‬واضمحلل الفروق بيهن العراق‬
‫والجناس ومعتنقهى الديانات المختلفهة‪ ،‬نتيجهة سههولة التلقهى والتقارب المادى أو اللكترونهى‬
‫بين كافة الفراد على مستوى العالم‪.‬‬
‫بينما تقود تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام نحو تخلق هويات فئوية جديدة متشظية‬
‫فى تنوعها وتعددها‪ ،‬ينتمى من خللها الفراد لطوائف فرعية ذات اهتمامات مستحدثة تتجاوب‬
‫مع القضايا المحلية والمشكلت الجتماعية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫كمها تهبين مهن دراسهة « البعاد العلميهة للعولمهة » فيمها يتعلق بالنظهم العلميهة‬
‫والمؤ سسات العلم ية وو سائل العلم وجماه ير المتلق ين ‪ ..‬أن إ ستراتيجية العول مة للتو حد‬
‫والتكتهل والندماج ‪ -‬فهى مجال النظهم العلميهة ‪ -‬تقود تلك النظهم على مسهتوى العالم نحهو‬
‫التداخهل والتشابهك والنفتاح على بعضهها البعهض‪ ،‬بمها يسهاعد على التخلق التدريجهى لنظام‬
‫إعل مى ذى طا بع عال مى‪ ،‬ورأى عام عال مى وإن سانى‪ ،‬منف صلين عن تلك الن ظم‪ .‬بين ما تؤدى‬
‫تكتيكات التشظهى والتجزؤ والنقسهام إلى تأكيهد النظمهة العلميهة المحليهة الراهنهة على‬
‫انتماءاتهها الحضاريهة والثقافيهة‪ ،‬المهر الذى يسهاهم فهى تنوع وتعدد النظمهة العلميهة‬
‫المعاصرة‪ ،‬نتيجة محاولة كل نظام التمترس حول ذاته لحماية الهوية الوطنية‪.‬‬
‫و فى مجال المؤ سسات العلم ية‪ ..‬تك شف البعاد العلم ية للعول مة أن إ ستراتيجية‬
‫العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج تقود المؤسهسات العلميهة العالميهة إلى الندماج ضمهن‬
‫مؤ سسات أ كبر‪ ،‬من خلل اتجاه المؤ سسات العلم ية العالم ية المتشاب هة وظيفيا إلى الندماج‬
‫الوظي فى‪ ،‬واتجاه المؤ سسات العلم ية العالم ية المتشاب هة نوعيا إلى الندماج النو عى‪ ،‬واتجاه‬
‫الندماجات العلميهة النوعيهة إلى التكتهل مهع الندماجات التصهالية النوعيهة والندماجات‬
‫المعلوماتيهة النوعيهة‪ ،‬بحيهث تكوّن تكتلت مؤسهسية اندماجيهة ضخمهة ( إعلميهة اتصهالية‬
‫معلوماتية )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪131‬‬

‫‪-‬‬

‫بين ما تقود تكتيكات التش ظى والتجزؤ والنق سام إلى د عم نشوء المؤ سسات العلم ية‬
‫الصهغيرة ‪ -‬المتعددة التوجهات والمتنوعهة الهداف ‪ -‬التهى تسهتهدف جماهيهر فئويهة متعددة‪.‬‬
‫ال مر الذى يؤدى إلى نشوء آلف المؤ سسات العلم ية ال صغيرة ال تى يخرج مجال نشاط ها‬
‫عن مجال نشاط المؤسسات العلمية العملقة‪.‬‬
‫و فى مجال و سائل العلم‪ ..‬تك شف البعاد العلم ية للعول مة أن إ ستراتيجية العول مة‬
‫للتوحد والتكتل والندماج تعمل على الدمج التدريجى لكافة الوسائل العلمية فى بنية هيكلية‬
‫إلكترونية واحدة‪ .‬بينما تؤدى تكتيكات التشظى والتجزؤ والنقسام إلى إنتاج هذه البنية الهيكلية‬
‫المدمجهة وفقا لمدى واسهع مهن التنوع‪ ،‬فيمها يتعلق بأسهاليب السهتخدام أو نوعيهة التكنولوجيها‬
‫المستخدمة‪.‬‬
‫وفى مجال جماهير المتلقين‪ ..‬تكشف البعاد العلمية للعولمة أن إستراتيجية العولمة‬
‫للتوحهد والتكتهل والندماج تقود إلى دمهج قطاعات كهبيرة مهن جماهيهر المتلقيهن على مسهتوى‬
‫العالم تحت لواء رسائل اتصالية ذات مواصفات عالمية إنسانية تبثها مؤسسات إعلمية عملقة‬
‫ذات توجهات عالمية إنسانية‪.‬‬
‫بينمها تقود تكتيكات العول مة للتش ظى والتجزؤ والنقسهام إلى تفكيهك وتشظهى قطاعات‬
‫جماهير المتلقين وفقا لمجالت اهتماماتهم الخاصة أو انتماءاتهم الثقافية أو الطائفية أو العرقية‬
‫وذلك تلبية للرسائل التصالية الفئوية التى تبثها مؤسسات إعلمية صغيرة متخصصة‪.‬‬
‫كمها تهبين مهن دراسهة البعاد النسهانية للعولمهة إن العولمهة مها ههى إل نتاج إدراك‬
‫النسان للمشتركات المادية النسانية والمشتركات المعنوية النسانية فى هذا العالم‪ .‬حيث أدت‬
‫محاولة النسان التراكمية الساعية إلى تفكيك وتركيب العالم من حوله ‪ -‬من أجل الوصول إلى‬
‫أصهل العالم أو الحاطهة بأبعاده ‪ -‬إلى نمهو إدراك النسهان بالمشتركات النسهانية الماديهة‬
‫والمعنوية فى هذا العالم‪.‬‬
‫وبالتالى فل قد أدت محاولت الن سان التراكم ية على مر الع صور لترك يب العالم من‬
‫حوله ‪ -‬تكويهن رؤيهة مركبهة للحاطهة بأبعاد العالم ‪ -‬إلى الوعهى بأن الكون ههو المشترك‬
‫النسانى الكبر‪.‬‬
‫كمها أدت محاولت النسهان التراكميهة على مهر العصهور لتفكيهك العالم مهن حوله ‪-‬‬
‫تكوين رؤية عن أصل الشياء ‪ -‬إلى الو عى بأن البن ية الذرية هى المشترك النسانى المادى‬
‫الصغر‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪132‬‬

‫‪-‬‬

‫وبالتالى‪ ..‬يصبح كوكب الرض ( العالم ) الذى يوجد فى المسافة الرمزية بين الكون‬
‫والذرة هو المشترك النسانى المادى‪.‬‬
‫أ ما المشترك الن سانى المعنوى ف قد و صلت إل يه البشر ية من مج مل وعي ها الترك يبى‬
‫بالعقهل المطلق الذى يمثله ال سهبحانه وتعالى‪ ،‬ومجمهل وعيهها التفكيكهى بالعقهل المحدود الذى‬
‫يمثله النسان‪ .‬وبالتالى تَمثهـَل ذلك المشترك النسانى المعنوى فى قيمة ( الحرية ) التى هى‬
‫الشرط اللزم لصهحة إيمان العقهل النسهانى المحدود بالعقهل اللههى المطلق‪ .‬والشرط اللزم‬
‫لشرعيهة مبدأى الثواب والعقاب اللهييهن‪ ،‬وإل فل مجال لحسهاب النسهان لو لم يمتلك حريهة‬
‫الختيار بيهن الخيهر والشهر‪ .‬وبالتالى فإن المشترك النسهانى المعنوى ‪ -‬الناتهج عهن عمليهة‬
‫التركيب التى تقود إلى العقل المطلق وعملية التفكيك التى تقود إلى العقل المحدود ‪ -‬يتمثل فى‬
‫( الحرية النسانية )‪.‬‬
‫ولهذا‪ ..‬فإن التحل يل الخ ير فى سياق هذا الف هم يرى أن « العول مة ما هى إل مرحلة‬
‫متقد مة فى و عى الن سان بالعالم من حوله قاد ته من خلل عملي تى الترك يب والتفك يك على‬
‫المستويات المادية والمعنوية إلى إدراك المشتركات النسانية المادية والمعنوية »‪.‬‬

‫‪‬‬

‫خاتمةالباب الول ‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫‪133‬‬

‫‪-‬‬

‫كشفت مجمل النتائج التى توصلت إليها الدراسة فى فصول الباب الول عن عدم دقة‬
‫الفرض المطروح بالدراسة حول ظاهرة العولمة‪ ،‬والذى ينص على التى‪:‬‬
‫« تمثل العولمة المشروع الفكرى والعملى للرأسمالية العالمية فى سعيها نحو السيطرة‬
‫على العالم‪ ،‬ح يث تد فع العول مة ن حو تكو ين الكيانات ال كبرى و سحق الكيانات ال صغيرة على‬
‫كافة المستويات السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية »‪.‬‬
‫حيهث كشهف التحليهل المتعمهق لظاهرة العولمهة ‪ -‬مهن خلل التعرف على مداخلهها‬
‫التاريخ ية والمعرف ية والفل سفية والتعرف على مؤ سساتها ومظاهر ها وأبعاد ها ‪ -‬عن ت صور‬
‫مغا ير لظاهرة العول مة يبت عد ب ها عن الت صورات غ ير الدقي قة النات جة عن عدم الف هم العل مى‬
‫للظاهرة أو عن التفسير اليدلوجى الضيق لها‪.‬‬
‫إذ تبين أن ظاهرة العولمة ليست من صنع الرأسمالية العالمية ول من صنع غيرها من‬
‫القوى‪ ،‬لن الواقع يقرر بأن العولمة لم يخترعها ولم يصنعها ولم يخطط لها أحد‪ .‬وليس معنى‬
‫ذلك أنها صنعت نفسها بنفسها‪ ،‬وإنما هذا يعنى أن العولمة ما هى إل مرحلة متقدمة فى وعى‬
‫الن سانية بالعالم من حول ها‪ ،‬ح يث أدى ترا كم المنجزات الن سانية ( الفكر ية والتكنولوج ية ) إلى‬
‫إدراك النسانية للمشتركات المادية والمعنوية فى هذا العالم التى تجمع البشرية كلها فى بوتقة‬
‫واحدة‪ .‬فالعولمة هى نتاج لمحاولت النسان التراكمية منذ بدء الخليقة لترك يب وتفكيك العالم‬
‫من حوله‪.‬‬
‫وبالتالى فقد قادت محاولت النسان لتركيب العالم من حوله ‪ -‬تكوين رؤية عن أبعاد‬
‫العالم ‪ -‬إلى إدراك المشترك النسهانى المادى الكهبر الذى يتمثهل فهى الكون الذى هو مسهتقر‬
‫ومستودع لكل شيئ‪.‬‬
‫كما قادت محاولت النسان لتفكيك العالم من حوله ‪ -‬تكوين رؤية عن أصل الشياء ‪-‬‬
‫إلى إدراك المشترك الن سانى ال صغر الذى يتم ثل فى البن ية الذر ية ال تى هى أ صل كل شئ‪.‬‬
‫وبإدراك النسان للمشترك النسانى المادى الكبر والمشترك النسانى المادى الصغر‪ ..‬أدرك‬
‫بذلك الجانهب المادى لظاهرة العولمهة والذى يتمثهل فهى أن كوكهب الرض ( العالم ) ههو‬
‫المشترك الن سانى المادى الذى ي قف ب ين الذرة الدقي قة والكون الشا سع العظ يم ل كى ي ضم على‬
‫سطحه الجنس البشرى‪.‬‬
‫وبنفهس المن طق فقهد قادت محاولت الن سان للتفك يك والترك يب ‪ -‬للبحهث عن من شأ‬
‫وعيه بذاته وبالعالم من حوله ‪ -‬إلى إدراك المشترك النسانى المعنوى‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪134‬‬

‫‪-‬‬

‫ح يث قادت عمل ية الترك يب إلى إدراك أن كل هذا الكون ما هو إل نتاج لع قل مطلق‬
‫شامل محيط‪ ،‬غير محدود‪ ،‬يمثله ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫كمها قادت عمليهة التفكيهك إلى الوعهى بحقيقهة أن كهل مهن التطور النسهانى وإدراك‬
‫النسهان لذاتهه‪ ،‬مها همها إل نتاج لعقهل محدود جزئى غيهر شامهل يكتسهب معارفهه بالتراكهم‬
‫والتوارث والخبرة والصواب والخطأ‪ .‬ويمثل هذا العقل النسان‪.‬‬
‫ول قد كان المشترك الن سانى المعنوى المنا سب للقيام بدور الو سيط ب ين الع قل المطلق‬
‫الذى هو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬والعقل المحدود الذى هو النسان‪ ،‬يتمثل فى « قيمة الحرية »‪.‬‬
‫حيث تمثل قيمة الحرية المشترك النسانى المعنوى القابل لتوصيف العلقة بين ال والنسان‪.‬‬
‫انطلقا من أن الحر ية هى الشرط اللزم ل صحة إيمان الع قل الن سانى المحدود بالع قل الل هى‬
‫المطلق‪ ،‬والشرط اللزم لشرعيهة مبدأى الثواب والعقاب اللهييهن‪ ،‬فل مجال لحسهاب النسهان‬
‫إل لو امتلك الحرية للختيار بين الخير والشر وبين الخطأ والصواب‪.‬‬
‫وبالتالى فإن المشترك النسهانى المعنوى يتمثهل فى ( الحر ية الن سانية )‪ ،‬تلك القيمهة‬
‫ال تى لو تم كبت ها ومحا صرتها وتقلي صها لف قد الن سان الجو هر والمع نى اللذان يمنحا نه التفوق‬
‫على كل كائنات الرض‪.‬‬
‫ونظرا لن ظاهرة العول مة بهذا الف هم ما هى إل نتاج للترك يب والتفك يك فإن ذلك أدى‬
‫إلى أن تحمل العولمة فى داخلها مظاهر تخلقها ونشأتها‪ ،‬وهى قدرتها على التركيب والتفكيك‪،‬‬
‫وبالتالى قدرتها على ممارسة الشيئ ونقيضه‪ .‬ومن هنا كانت مظاهر العولمة أثناء ممارستها‬
‫لفاعلياتها العملية فى الواقع تؤكد أنها كما تدفع إلى التوحد والتكتل والندماج ( التركيب ) فإنها‬
‫فى نفس الوقت تدفع إلى التشظى والتجزؤ والنقسام ( التفكيك )‪.‬‬
‫وهذا أدى إلى أن التحل يل ال سطحى لظاهرة العول مة ي قع دائما فى مأزق إدراك مظ هر‬
‫واحهد مهن مظاهرهها دون إدراك المظههر الخهر‪ ،‬نظرا لمها يدفهع إليهه إدراك المظهريهن مهن‬
‫ارتباك وتناقض‪.‬‬
‫وفى الواقع‪ ..‬فإن امتلك العولمة لهذه القدرة على الجمع بين الشئ ونقيضه‪ ،‬هى التى‬
‫تمنح ها صفة الظاهرة الشاملة‪ ،‬وتو فر ل ها التوازن فى المج مل العام‪ ،‬وتم نع ا ستئثار فر يق ما‬
‫بمفرده بالمكانات التى توفرها‪ .‬فكما تستفيد بعض القوى من مظاهر العولمة للتوحد والتكتل‬
‫والندماج لتحقيهق مصهالح معينهة‪ ،‬فإن بعهض القوى الخرى سهتستفيد مهن مظاههر العولمهة‬
‫للتشظى والتجزؤ والنقسام لتحقيق مصالح أخرى‪..‬‬

‫‪-‬‬

‫‪135‬‬

‫‪-‬‬

‫إن هذا الفههم لظاهرة العولمهة يوضهح بأنهها كظاهرة شاملة ل تنتمهى إلى قوة أو جههة‬
‫معينهة‪ ،‬وإنمها ههى تنتمهى إلى البشريهة كلهها‪ .‬كمها إنهها ل تصهلح لكهى تكون مشروعا فكريا‬
‫أو عمليا للرأسهمالية العالميهة للسهيطرة على مقدرات الشعوب والدول‪ ،‬وذلك لنهها تسهتعصى‬
‫على التوجيه وتخرج عن نطاق السيطرة‪ ،‬إذ إنها كما تدفع إلى التوحد والتكتل والندماج‪ ،‬فإنها‬
‫تدفع ‪ -‬بذات الوقت ‪ -‬إلى التشظى والتجزؤ والنقسام‪ .‬وبالتالى ل يمكن التعامل معها بوصفها‬
‫أيدلوجية لن اليدلوجية أحادية التجاه بينما ظاهرة العولمة تجمع المتناقضات‪.‬‬
‫إن كهل مها سهبق يوضهح عدم دقهة الفرض الول الذى اسهتنبطته الدراسهة مهن أغلب‬
‫الكتابات العربية والجنبية حول العولمة‪ ،‬ذلك الفرض الذى يمثل الخطاب السائد حول العولمة‬
‫فى دول العالم الثالث وفى المنطقة العربية‪ .‬ولعل هذا الخطاب يحمل أسباب ارتيابه فى ظاهرة‬
‫العولمهة انطلقا مهن أن جانبهها المعنوى المتمثهل فهى قيمهة الحريهة يتماثهل نسهبيا مهع فكرة‬
‫الديمقراطيهة الغربيهة‪ ،‬بينمها جانبهها المادى يشجهع تحريهر التجارة واقتصهاد السهوق واليمان‬
‫بالعلم‪ .‬ولكهن المنطهق الموضوعهى يقرر بأن الديمقراطيهة وتحريهر التجارة والسهوق والنظرة‬
‫العلم ية‪ ،‬كل ها مبادئ إن سانية منطق ية فر ضت نف سها لواقعيت ها ول يس لرأ سماليتها‪ ،‬ولذلك فإن‬
‫العتراف بإن سانية هذه المبادئ هو فى حد ذا ته اعتراف بقابليت ها دوما للمراج عة والت صحيح‬
‫للحفاظ على جانب العدالة والتوازن فى توجهاتها‪.‬‬
‫والواقع يوضح أن العولمة كما تقوم على الشركات متعددة الجنسيات‪ ،‬فهى أيضا تقوم‬
‫على منظمات المجت مع المد نى‪ .‬وك ما تروج لثقا فة عالم ية إن سانية‪ ،‬ف هى تف تح الباب للثقافات‬
‫القوم ية‪ .‬وك ما تج عل من شب كة النتر نت سوقا للتجارة اللكترون ية‪ ،‬فإن ها تجعل ها أيضا ساحة‬
‫مفتوحة للفكار والمعرفة‪.‬‬
‫‪ ...‬و فى هذا الطار‪ ..‬فإن الدرا سة تقدم ح صيلة الف هم ال سابق للعول مة فى صورة‬
‫فرضيهن تدعهو إلى إعادة اختبارهمها فهى الدراسهات اللحقهة للتأكهد مهن مدى صهحتهما‬
‫وموضوعيتهما وهما كالتالى‪:‬‬
‫•‬

‫تمثل ظاهرة العولمة مرحلة متقدمة فى وعى النسان بالعالم من حوله نتجت من خلل‬
‫محاولت النسان التراكمية عبر العصور لتركيب وتفكيك ذلك العالم‪ ،‬مما أدى إلى إدراكه‬
‫للمشترك النسهانى ( المادى ) المتمثهل فهى « العالم »‪ ،‬والمشترك النسهانى ( المعنوى )‬
‫المتمثل فى « الحرية النسانية »‪.‬‬

‫‬‫•‬

‫‪136‬‬

‫‪-‬‬

‫نظرا لن العولمة نتجت عن التركيب والتفكيك فإن مجمل مظاهرها يتمثل فى دفعها‬
‫نحهو التوحهد والتكتهل والندماج فهى ذات الوقهت الذى تدفهع فيهه نحهو التشظهى والتجزؤ‬
‫والنقسام‪.‬‬
‫ولكن إذا كانت البعاد المجتمعية للعولمة ( السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية )‬

‫قهد تأثرت بإسهتراتيجية العولمهة للتوحهد والتكتهل والندماج‪ ،‬وتكتيكاتهها للتشظهى والتجزؤ‬
‫والنقسهام ‪ -‬كمها أوضحنها فهى المباحهث التاليهة ‪ -‬فإن هذا التأثيهر كمها انعكهس على الثوابهت‬
‫البنائية فى بنية تلك البعاد‪ ،‬قد انعكس أيضا بالضرورة على المتغيرات الوظيف ية الفاعلة ب ها‪.‬‬
‫ونظرا لن محور اهتمامنا فى هذه الرسالة ينصب على البعاد العلمية للعولمة‪ ،‬فإن محاولة‬
‫التعرف على الثار ال تى تحدثهها العول مة على المتغيرات الوظيف ية فى بن ية الن ظم العلم ية‬
‫يمثل المحور الذى سيدور حوله توجه الدراسة فى الباب القادم‪..‬‬

‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪137‬‬

‫‪-‬‬

‫البــاب الثـانى‬
‫القدرات المعرفية للنظم العلمية‬
‫الراهنة‬
‫فى ظل البعاد العلمية للعولمة‬
‫محتـويـات البــاب الثـانى‬
‫إشـــــــــــــــــــارات‬
‫مقدمــة‬
‫الفصل‬
‫الرابع‪:‬‬
‫الفصل‬

‫البــاب الثــانى‬
‫القدرات المعرفية للنظم‬
‫الراهنة‬
‫العلمية‬
‫الفلسفية للنظم‬
‫المرجعيات‬

‫الخامس‪:‬‬
‫الفصل‬
‫السادس‪:‬‬

‫الراهنة‬
‫العلمية‬
‫العملية لتقييد‬
‫الممارسـات‬
‫القدرات المعرفية‬

‫للنظم العلمية الحرة‬
‫والموجهـة‬
‫خاتمـــة البــاب الثـانى‬

‫‪-‬‬

‫‪138‬‬

‫‪-‬‬

‫إشـــارات‬
‫« الم سئولية الولى للعلم هى م سئولية اجتماع ية‪ ..‬و هى م سئولية اجتماع ية ج سيمة‪..‬‬
‫فهناك دور اجتماعى لننا ندخل فى قلب السرة المصرية »‪.‬‬
‫(وزير العلم المصرى‪ :‬محمد صفوت‬

‫الشريف)‬

‫( لقاء مع وزير العلم المصرى ببرنامج حديث المدينة بتاريخ ‪) 1/6/1999‬‬

‫« حرية البداع تنتهى عند حرية المجتمع‪ ،‬وخصوصا عندما يكون مجتمعا شرقيا له سمات‬
‫معي نة‪ .‬وأ نا أحذر دائما من عدم التطاول على الديان‪ ،‬أو خدش حر مة المجت مع أو حيائه‪..‬‬
‫أنا مهمتى حماية المجتمع دينيا‪ ،‬والحفاظ على أعرافه وتقاليده الجتماعية »‪.‬‬
‫(‬

‫وزير الثقافة المصرى‪ :‬فاروق‬

‫حسنى )‬

‫( نقل عن‪ :‬يسرى ال سيد‪ " ،‬فاروق حسنى‪ :‬أتابع حرية البداع‪ ..‬ولكن ال الغنى عن أعمال تهدم المجتمع "‪ ،‬جريدة الجمهورية‪.‬‬
‫بتاريخ ‪ ،11/1/2001‬ص ‪)13‬‬

‫« إن الصحافة المصرية تملك داخلها ضميرا حيا‪ ،‬ورقابة ذاتية‪ ،‬وإحساسا عميقا بالمسئولية‬
‫الوطنية »‪.‬‬
‫( إبراهيم نافع‪ " ،‬عمود حقائق "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،21/6/2001‬ص‬

‫‪) 40‬‬

‫«الحر ية ل تكون على ح ساب ازدراء الديان‪ ،‬وتشج يع الدب ل يكون على ح ساب قلة‬
‫الدب‪ .‬وجمال السلوب ل علقة له باللفاظ السوقية واللخلقية »‪.‬‬
‫[إبراهيم سعدة‪ " ،‬القاهرة تحترق والحكومة تتفرج "‪ ( ،‬عمود الموقف السياسى )‪ ،‬جريدة أخبار اليوم‪ .‬بتاريخ‬

‫‪ ،13/5/2000‬ص‬

‫‪.] 1‬‬

‫« نؤكد لهذا السفير ( السفير المريكى )‪ ،‬أن حرية الصحافة فى مصر ل ينازعها منازع‪..‬‬
‫وهى حرية نعتز ونفخر بأنها غير موجودة بهذا القدر وتلك المساحة فى بلدهم ذاتها‪ ،‬رغم‬
‫مصا يتغنون بصه ليصل نهار‪ ..‬فالمجتمصع يعرف إلى أى مدى يتحكصم رأس المال فصى الصصحافة‬
‫عندهم‪ ،‬لتصبح فى النهاية معبرة عن مصالح فرد أو مجموعة أفراد‪ ......‬ثم أل يعلم السفير‬
‫المريكى أن الصحافة فى مصر تتمتع بالستقللية الكاملة ول ولية لية سلطة أخرى عليها‪،‬‬
‫سواء تنفيذية أو غير تنفيذية‪!!!!» ‍..‬‬
‫[ سمير رجب‪ " ،‬أقوال للسفير المريكى‪ :‬ليس لكائن من كان فى مصر سلطة منع الصحف من التحليل والتفكير‪ ..‬نعم هناك تداخلت‬
‫إلكترومغناطيسية تطيح بالطائرات فى الجو "‪ ( ،‬مقال خطوط فاصلة )‪ ،‬جريدة الجمهورية‪ .‬بتاريخ ‪ ،6/11/1999‬الصفحة الخيرة ]‪.‬‬

‫« ومتى ثبت ذلك فل محل للحديث عن النقد المباح‪ ،‬كما ل يُقبل من المتهمين إثبات صحة‬

‫الوقائع التى ساندوها للمدعى بالحق المدنى‪ ،‬بل ويتعين إدانتهم حتى ولو كانوا يستطيعون‬

‫‪-‬‬

‫‪139‬‬

‫‪-‬‬

‫إثبات ما اقترفوا به‪ .‬ورغم ذلك فقد عجز المتهمون عن إثبات صحة ما زعموه‪ ،‬كما عجزت‬
‫كل المستندات والوراق التى قذفوا بها فى ملف الدعوى فى أن تحقق ذلك‪ .‬وتلفت المحكمة‬

‫الن ظر إلى أن ما أو سع الش قة وأب عد الم سافة ب ين ن قد موضو عى يتحرى ف يه صاحبه و جه‬

‫صة‬
‫صة الحياة الخاصص‬
‫صبير الجادة وأدب الحوار‪ ،‬ويحترم حرمص‬
‫صيلة التعص‬
‫صة وملتزم بوسص‬
‫الحقيقص‬

‫للمواطنين دون أن يخوض بالباطل فيما ينال من حرماتهم ونزاهتهم ووطنيتهم‪ .‬وبين ما لجأ‬

‫المتهمون إل يه عند ما ملوا خزائن أقلم هم بال غل ال سود بد ًل من الحقي قة‪ ،‬ثم سكبوا فى‬

‫أوراقهم أحقاد عمياء للتشهير بالمجنى عليه »‪.‬‬
‫(‬

‫حيثيات الحكم فى قضية د‪ .‬يوسف والى ضد جريدة‬

‫الشعب )‬

‫( نقل عن‪ :‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،15/8/1999‬ص ‪) 42‬‬

‫« إن حريصة الصصحافة لبصد أن تكون حريصة مسصئولة تحافصظ على قيصم المجتمصع وتقاليده‬
‫( بيان المجلس العلى للصحافة حول واقعة جريدة النبأ )‬

‫ومصالحه العليا »‪.‬‬

‫( نقل عن‪ :‬جريدة الهرام‪ " .‬المجلس العلى للصحافة يدين جريدة النبأ ويرفع دعوى للغاء ترخيصها "‪ ،‬بتاريخ ‪ ،21/6/2001‬ص‬

‫‪.) 15‬‬

‫« أصدر الدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد بيانا يستنكر الجريمة البشعة التى ارتكبتها‬

‫جريدة النبصأ أمصس الول‪ ،‬والتصى اعتدت بهصا على تقاليصد وعادات المجتمصع المصصرى‪ ،‬عندمصا‬

‫نشرت ال صور الفاض حة للكا هن ال سابق المعزول‪ ،‬و هو يمارس أفعالً مناف ية للداب العا مة‬

‫والذوق الم صرى‪ .‬أ كد بيان حزب الو فد أن المجت مع الم صرى ُروع بال مس بطع نة مغر ضة‬
‫من صحيفة صفراء‪ ،‬اعتدت على كل ق يم وأخلقيات وعادات المجت مع الم صرى ال تى قا مت‬

‫عليهصا مصصر منصذ مئات السصنين‪ ،‬وقصد حدث ذلك فصى ظروف مريبصة ل تخدم سصوى العدو‬
‫السرائيلى المتربص بالمة »‪.‬‬

‫( جريدة الو فد‪ " .‬بيان الو فد إلى المة‪ :‬نطالب بمحاك مة عاجلة لتجار ال صحافة ال صفراء‪ ..‬نحذر من محاولت تفجير م صر من‬
‫الداخل "‪ ،‬بتاريخ ‪ ،19/6/2001‬ص ‪.) 1‬‬

‫‪«.‬‬

‫ل يس هناك الكث ير من الطرق لت ضع حذاءك على ع نق ش خص ما‪ ..‬إن ها دائ ما نف سها‬
‫‪ (.‬نعوم تشومسكى‪ ،‬ضبط الرعاع‪ .‬ترجمة هيثم على حجازى‪ ،‬ص‬

‫« كلما زاد عدد المحرمات‪ ..‬زاد تخلف المجتمع »‪.‬‬
‫( مراد وهبه‪ :‬جرثومة التخلف )‬
‫( نقل عن‪ :‬رفعت السعيد‪ ،‬مصر‪ ..‬التنوير عبر ثقب إبرة‪ .‬ص ‪) 136‬‬

‫« مما له مغزى‪ ..‬أن تأميم الفكر سار فى كل مكان مع تأميم الصناعة »‪.‬‬
‫( إى‪ .‬هه‪ .‬كار )‬
‫( نقل عن‪ :‬ف‪ .‬ا‪ .‬هايك‪ ،‬الطريق إلى العبودية‪ .‬ص ‪) 153‬‬

‫»‬

‫‪) 162‬‬

‫‪-‬‬

‫‪140‬‬

‫‪-‬‬

‫« مُتْ بداء الصمت‪ ..‬خير لك من داء الكلم‪ ..‬إنما العاقل‪ ..‬من ألجم فاه بلجام »(النواسى)‬
‫( نقل عن‪ :‬جابر عصفور‪ ،‬ضد التعصب‪ .‬ص ‪) 326‬‬

‫« الخ طأ الج سيم الذى ي قع ف يه العلم العر بى‪ ..‬إ نه يع يش ت حت و هم ال ظن بأن تجا هل‬
‫الشياء يلغى وجودها »‪.‬‬
‫( محمد إبراهيم الشوش‪ " ،‬ما هكذا كان عبد الناصر "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،22/1/2000‬ص ‪) 9‬‬

‫« يق ضى الن سان سنواته الولى فى تعلم الن طق‪ ..‬وتق ضى النظ مة العرب ية بق ية عمره فى‬
‫( أحلم مستغانمى‪ :‬رواية ذاكرة الجسد )‬

‫تعليمه الصمت »‪.‬‬

‫[ نقل عن‪ :‬رجاء النقاش‪ " ،‬ولي مة لعشاب الب حر‪ ..‬وذاكرة الج سد‪ ..‬روايتان متشابهتان‪ ..‬فأ ين ال صيل وأ ين ال صورة؟ "‪ ،‬مجلة‬
‫الهلل‪ ( .‬عدد ‪ ،2‬فبراير ‪ ،) 2001‬ص ‪.] 44‬‬

‫« فى الدعاية كما هو فى الحب‪ ..‬كل ما هو ناجح فهو مسموح به »‪.‬‬
‫(‬

‫وزير الدعاية النازى‪ :‬جوزيف‬

‫جوبلز )‬

‫] نقل عن‪ :‬ديفيد ويلتش‪ " ،‬قوى القناع "‪ ،‬مجلة الثقافة العالمية‪ ( .‬العدد ‪ ،100‬مايو ‪ ،) 2000‬ص ‪[ 206‬‬

‫« لقد صوّت الشعب ضد الحكومة‪ ..‬الحل البسط هو تغيير الشعب »‪.‬‬
‫( برتولد برخت )‬
‫( نقل عن‪ :‬روجيه جارودى‪ ،‬أمريكا طليعة النحطاط‪ .‬ترجمة عمرو زهيرى‪ ،‬ص ‪) 124‬‬

‫« موقف الطاغية‪ ،‬هو موقف ذلك الذى يقطع الشجرة لكى يقطف ثمرة »‪.‬‬
‫( مونتسكيو )‬
‫( نقل عن‪ :‬إمام عبد الفتاح إمام‪ ،‬الطاغية‪ .‬ص ‪.) 49‬‬

‫« كل سلطة ل تقدم الحقي قة كل الحقي قة للجماه ير‪ ،‬والجماه ير بإمكانيات ها العتبار ية ل‬
‫تستطيع بلوغ تلك الحقيقة‪ ،‬ومن هنا تُقاد الجماهير ضد مصالحها‪ ،‬بل تقود الجماهير نفسها‬
‫أحيانا ضد مصالحها بسبب عدم المعرفة »‪.‬‬
‫‪ (.‬سالم القمودى‪ ،‬سيكولوجية السلطة‪ :‬بحث فى الخصائص النفسية المشتركة للسلطة‪ .‬ص ‪) 82‬‬

‫‪-‬‬

‫‪141‬‬

‫‪-‬‬

‫مقـدمـة‬
‫البــاب الثـانى‬
‫تمثل دراسة مدى كفاءة النظم العلمية فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمعات قضية‬
‫هامهة تمتلك الكثيهر مهن مهبررات أهميتهها فهى ظهل البعاد المجتمعيهة للعولمهة ( السهياسية‬
‫والقت صادية والثقاف ية والعلم ية )‪ ،‬و فى ظل أبعاد ها الن سانية‪ .‬إذ إن النطلق ن حو تأ سيس‬
‫التقارب العولمى على مستوى العالم ( سياسيا واقتصاديا وثقافيا وإعلميا ) لتعميق المشتركات‬
‫الن سانية لن يُك تب له النجاح لو كان المردود المعر فى النا تج عن النش طة العلم ية للن ظم‬
‫العلمية يتناقض مع ‪ -‬أو يبتعد عن ‪ -‬جوهر الوقائع والحداث والمجريات والراء والفكار‬
‫فى المجتمعات التى تمثل فى مجموعها الكيان العالمى‪.‬‬
‫لذلك‪ ..‬فإ نه ي صبح من الهام تحل يل الن ظم العلم ية إلى عنا صرها الرئي سية وتحد يد‬
‫المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية تلك الن ظم‪ ،‬وال تى يؤدى الرتفاع أو النخفاض في ها إلى‬
‫التأثير على مدى كفاءة هذه النظم فى القيام بوظيفتها فى المجتمعات المتعددة‪.‬‬
‫كمها إنهه يصهبح مهن الهام أيضا دراسهة الخلفيات الفكريهة التهى تتحرك فهى ظلهها هذه‬
‫المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة وتؤدى إلى التأثيهر عليهها‪ ،‬ومهن ثهم المسهاس بمدى كفاءة النظهم‬
‫العلم ية‪ .‬بالضا فة إلى أهم ية عرض الممار سات العمل ية للن ظم العلم ية الحرة والموج هة‪،‬‬
‫لمعاينة مدى فاعلية هذه المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى أرض الواقع العلمى‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا الترتيب‪ ..‬فقد تم تقسيم الباب الماثل إلى ثلثة فصول‪ .‬الفصل الرابع‬
‫بعنوان‪ :‬القدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة الراهنهة‪ ،‬ويدور حول تحديهد المتغيرات الوظيفيهة‬
‫الحاكمة فى بنية النظم العلمية التى تؤثر على المردود المعرفى الناتج عن النشطة العلمية‬
‫لتلك النظم‪ .‬والفصل الخامس بعنوان‪ :‬المرجعيات الفلسفية للنظم العلمية الراهنة‪ ،‬ويدور حول‬
‫رصد الخلفيات الفكرية التى تؤثر على المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية‪ ،‬بما‬
‫يؤدى إلى التأث ير على كفاءة تلك الن ظم فى ممار ستها لوظيفت ها فى المجت مع‪ .‬والف صل ال سادس‬
‫بعنوان‪ :‬الممار سات العمل ية لتقي يد القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية الحرة والموج هة‪ ،‬ويدور‬
‫حول عرض الممارسات العملية المقيدة للقدرات المعرفية بالنظم العلمية الحرة والموجهة‪.‬‬
‫وسنعرض فيما يلى لتلك الفصول بمباحثها المتتالية‪...‬‬

‫‪-‬‬

‫‪142‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل الرابـع‬
‫القدرات المعرفية للنظم العلمية‬
‫الراهنة‬
‫محتـويـات الفصـل الرابـع‬
‫مقدمـة الفصــل الرابـع‬
‫المبحـــــــث المتغيرات الوظيفيـة الحاكمـة فـى بنيـة‬
‫العلميــــــــــــــــة‬
‫النظــــــــــــــــم‬
‫الول‪:‬‬
‫التكنولوجيـة للنظـم العلميـة‬
‫المبحـــــــث القدرات‬
‫الثانــــــــى‪ :‬الراهنــــــــــة فــــــــــى ظــــــــــل‬
‫البعــاد العلميـــة للعـولمــة‬
‫(من التصال المحدود إلى التصال‬
‫شبه الكامل)‬
‫المبحـــــــث درجة شفافية النظم العلمية الراهنة‬
‫فـــــــــــــــــــــى ظـــــــــــــــــــــل‬
‫الثالث‪:‬‬
‫البعــاد العلميـــة للعـولمــة‬
‫( القيود المعرفية فى النظم‬
‫العلمية )‬
‫خـاتمــة الفصــل الرابـع‬

‫‪-‬‬

‫‪143‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬
‫المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية‬
‫يمارس النظام العل مى فاعليا ته فى المجت مع‪ ،‬باعتباره نظاما فرعيا فى البن ية الكل ية‬
‫للمجتمع بوصفه نظاما عاما‪.‬‬
‫وي تم التعا مل فى هذه الدرا سة مع النظام العل مى باعتباره‪ « :‬كيانا جامعا للنش طة‬
‫العلمية‪ ،‬يعمل فى ظل نظام سياسى وقانونى معين‪ ،‬وفى ظل مرجعية فلسفية معينة »‪.‬‬
‫ويتكون النظام العلمى ‪ -‬وفقا لهذا الطار ‪ -‬من ثلثة قطاعات كالتالى‪:‬‬
‫(‪)1‬‬

‫قطاع المؤ سسات العلم ية‪ :‬ب ما تض مه من قائم ين بالت صال وتجهيزات تكنولوج ية‬
‫للنتاج العلمى‪ ،‬وبما تنشره من رسائل إعلمية‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫قطاع وسائل العلم‪ :‬باعتبارها القناة التى تقوم المؤسسات العلمية ‪ -‬من خللها ‪-‬‬
‫بنشر رسائلها العلمية إلى جماهير المتلقين‪.‬‬

‫(‪)3‬‬

‫قطاع جماهيهر المتلقيهن‪ :‬باعتبارههم الطرف الذى يحوز وسهائل العلم للطلع على‬
‫الرسائل العلمية التى تنشرها المؤسسات العلمية‪.‬‬
‫ويوضح الشكل التالى بناء النظام العلمى وفقا لتوصيف قطاعاته‪ ،‬وذلك على النحو‬

‫التالى‪:‬‬

‫كما أن النظام العلمى يتكون ‪ -‬طبقا لتوصيف أطرافه ‪ -‬من الطراف التالية‪:‬‬

‫‬‫(‪)1‬‬

‫‪144‬‬

‫‪-‬‬

‫الطراف الفاعلة‪ :‬ويمثل ها كلً من‪ :‬القائم ين بالت صال وجماه ير المتلق ين‪ ،‬باعتباره ما‬
‫الطرفين الفاعلين فى العملية العلمية‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫الطراف المعرفيصة‪ :‬ويمثلهها الرسهائل العلميهة‪ ،‬باعتبارهها حاملة محتوى المعرفهة‬
‫الكامنة بالمعلومات العلمية المنشورة‪.‬‬

‫(‪)3‬‬

‫الطراف العتبارية‪ :‬ويمثلها المؤسسات العلمية‪ ،‬باعتبارها ذات شخصية اعتبارية‬
‫من وجهة النظر القانونية‪.‬‬

‫(‪)4‬‬

‫الطراف التكنولوجيصة‪ :‬ويمثل ها و سائل العلم‪ ،‬باعتبار ها الو سيلة التكنولوج ية ال تى‬
‫يمكن من خللها استقبال الرسائل العلمية‪.‬‬
‫ويو ضح الش كل التالى بناء النظام العل مى وفقا لتو صيف أطرا فه‪ ،‬وذلك على الن حو‬

‫التالى‪:‬‬

‫وكما هو واضح من الشكل رقم (‪ )1‬والشكل رقم ( ‪ ،)2‬فإن بناء النظام العلمى وفقا‬
‫لتوصيف قطاعاته‪ ،‬يتكافئ مع بناء النظام العلمى وفقا لتوصيف أطرافه‪.‬‬
‫وتمارس هذه القطاعات أو تلك الطراف دورها باعتبارها « ثوا بت بنائية » فى البنية‬
‫التركيبية الستاتيكية للنظام العلمى‪ .‬بينما تمارس دورها باعتبارها « متغيرات وظيفية » فى‬
‫البنية التركيبية الديناميكية للنظام العلمى أثناء ممارسته لفاعلياته فى المجتمع‪.‬‬
‫وتفسهير ذلك‪ ..‬أن كافهة النظهم العلميهة على مسهتوى العالم تتكون ‪ -‬فهى بنيتهها‬
‫التركيب ية ال ستاتيكية ‪ -‬من هذه القطاعات أو الطراف‪ ،‬ول كن در جة فاعل ية هذه القطاعات‬

‫‪-‬‬

‫‪145‬‬

‫‪-‬‬

‫أو الطراف فى البنية التركيبية الديناميكية للنظم العلمية أثناء ممارستها لفاعلياتها‪ ،‬هى التى‬
‫تتغير من مجتمع إلى آخر‪.‬‬
‫فكافهة النظهم العلميهة فهى كهل المجتمعات تتكون مهن القائميهن بالتصهال وجماهيهر‬
‫المتلق ين والر سائل العلم ية والمؤ سسات العلم ية وو سائل العلم‪ .‬ول كن الذى يختلف من‬
‫مجتمع إلى آخر يتمثل فى كل من‪ :‬درجة فاعلية القائمين بالتصال ( من حيث العدد ومستوى‬
‫التأه يل والتدر يب والمكانات المهن ية )‪ .‬در جة فاعل ية الر سائل العلم ية ( من ح يث ن سبة‬
‫المعرفهة الكامنهة بهها )‪ .‬درجهة فاعليهة المؤسهسات العلميهة ( مهن حيهث العدد والتجهيزات‬
‫التكنولوج ية وكفاءة ما تض مه من قائم ين بالت صال ودر جة شفافيت ها فى ن قل المعر فة الكام نة‬
‫بالرسائل العلمية )‪ .‬درجة فاعلية وسائل العلم ( من حيث نسبة انتشارها فى المجتمع)‪.‬‬
‫در جة فاعل ية جماه ير المتلق ين ( من ح يث م ستوياتهم الثقاف ية والقت صادية وت صنيفاتهم الفئو ية‬
‫التى تؤثر على درجة حيازتهم لوسائل العلم )‪.‬‬
‫وبالتالى فإن كا فة تلك المتغيرات الوظيف ية ‪ -‬ال تى تتغ ير من مجت مع إلى آ خر ‪ -‬هى‬
‫التى تؤثر على مدى كفاءة النظم العلمية فى القيام بوظائفها‪ ،‬نوعيا وكيفيا وكميا‪ ،‬طبقا لمدى‬
‫الرتفاع أو النخفاض فى نسب هذه المتغيرات‪.‬‬
‫ولكهن ثمهة متغيرات بعينهها ضمهن هذه المتغيرات الوظيفيهة؛ يمكهن أن يُطلق عليهها‬
‫المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة‪ ،‬والتهى تشيهر درجهة التغيهر فيهها إلى مجمهل التغيهر فهى كافهة‬
‫المتغيرات الوظيفية الخرى‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإذا أمكن تحديد المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى البنية التركيبية الديناميكية‬
‫للنظام العلمى‪ ،‬فإنه سيمكن التعرف على مدى كفاءة النظم العلمية فى ممارستها لوظائفها‬
‫نوعيا وكيفيا وكميا‪ ،‬وفقا لعدد محدود من المتغيرات الوظيف ية الحاك مة ال تى تش ير إلى مج مل‬
‫فاعليات المتغيرات الوظيفية الخرى المتعددة فى بنية تلك النظم‪.‬‬
‫ويمكهن اسهتنباط هذه المتغيرات الوظيفيهة الحاكمهة مهن خلل تحليهل فاعليات النظام‬
‫العلمهى؛ للتعرف على المتغيرات التهى تضهم بداخلهها عددا مهن المتغيرات الخرى‪ ،‬بحيهث‬
‫تكون دالة على مجمل أنشطة النظام العلمى‪ ،‬وموضحة لمدى كفاءته فى ممارسته لوظيفته‬
‫فى المجتمع‪.‬‬
‫ويمارس النظام العلمهى فاعلياتهه العلميهة مهن خلل قيام المؤسهسات العلميهة‬

‫( الطراف العتبارية ) بنقل الرسائل العلمية ( الطراف المعرفية ) ‪ -‬عبر وسائل العلم‬

‫‪-‬‬

‫‪146‬‬

‫‪-‬‬

‫( الطراف التكنولوجية ) ‪ -‬إلى جماهير المتلقين ( الطراف الفاعلة )‪ .‬أى أن همزة الوصل‬

‫بيهن « المؤسهسات العلميهة » و« جماهيهر المتلقيهن » تتمثهل فهى « وسهائل العلم » التهى‬
‫تتولى نقل « الرسائل العلمية »‪.‬‬

‫وهذا يوضهح أن « الرسهائل العلميهة » ههى العنصهر الدال على جميهع أنشطهة‬

‫« المؤ سسات العلم ية »‪ ،‬ب ما تض مه من « قائم ين بالت صال » يقومون بج مع المعلومات‬

‫العلمية وصياغتها فى صورة رسائل إعلمية‪ ،‬وبما تملكه من تجهيزات تكنولوجية تتيح لها‬

‫نشر هذه الرسائل‪.‬‬

‫وبالمثهل‪ ..‬فإن « وسهائل العلم » ههى العنصهر الدال على وصهول « الرسهائل‬

‫العلمية » إلى «جماهير المتلقين» من خلل حيازتهم لهذه الوسائل‪ ،‬وفقا لمستوياتهم التعليمية‬

‫والقتصادية والثقافية‪.‬‬

‫وتأ سيسا على ذلك‪ ..‬فإ نه يم كن اعتبار « الر سائل العلم ية » بمثا بة المؤ شر الدال‬

‫على مج مل فاعليات « المؤ سسات العلم ية »‪ ،‬ب ما تض مه من قائم ين بالت صال وتجهيزات‬
‫تكنولوجيهة‪ .‬واعتبار « وسهائل العلم » بمثابهة المؤشهر الدال على مجمهل فاعليات قطاع‬

‫« جماه ير المتلق ين »‪ .‬أى أن « الر سالة » تأتلف مع « الو سيلة » فى ظل عل قة بنائ ية‬

‫وظيف ية‪ ،‬بح يث تش ير الر سالة إلى مج مل فاعليات المؤ سسات العلم ية‪ ،‬وتش ير الو سيلة إلى‬

‫مجمل فاعليات جماهير المتلقين‪.‬‬

‫ونظرا لن « الرسائل العلمية » ‪ -‬باعتبارها ثابتا بنائيا فى بنية النظام العلمى ‪-‬‬

‫تطرح متغيرا وظيفيا عند ممارستها لفاعلياتها فى المجتمع يتمثل فى « نسبة المعرفة الكامنة‬
‫∗‬

‫بالرسهائل العلميهة » ‪ ،‬حيهث إن كافهة النظهم العلميهة تنتهج رسهائل إعلميهة ولكهن نسهبة‬

‫المعرفة الكامنة فيها هى التى تتغير من مجتمع إلى آخر‪ .‬ونظرا لن نسبة المعرفة الكامنة فى‬
‫تلك الرسهائل تتوقهف على درجهة عدم فاعليهة القيود العلميهة‪ ،‬أو بمعنهى آخهر على درجهة‬

‫الشفافية التى يتسم بها النظام العلمى فى نقله للمعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية‪ .‬فإن هذا‬

‫يوضح أن « درجة شفافية النظام العلمى » تمثل أحد المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية‬
‫النظام العلمى‪.‬‬

‫وبذات الكيفية‪ ..‬ونظرا لن « وسائل العلم » ‪ -‬باعتبارها ثابتا بنائيا فى بنية النظام‬
‫العلمهى ‪ -‬تطرح متغيرا وظيفيا عنهد ممارسهتها لفاعلياتهها فهى المجتمهع يتمثهل فهى‬
‫« نسبة انتشار وسائل العلم فى المجتمع »‪ ،‬حيث إن كافة النظم العلمية بها وسائل إعلم‬
‫‪‬‬

‫تشير " نسبة المعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية " إلى المخزون المعرفى الذى تحمله المعلومات العلمية ويترتب‬
‫عليه أثر معرفى لدى جماهير المتلقين‪ ،‬إذ إن المعلومات العلمية ل يتم إرسالها أو تلقيها لذاتها؛ وإنما للمخزون المعرفى‬
‫الكامن فيها‪ ،‬ذلك المخزون الذى يتعرض للتقلص نتيجة القيود المعرفية المتعددة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪147‬‬

‫‪-‬‬

‫ولكن ن سبة انتشارها فى المجتمع هى التى تختلف من مجتمع إلى آ خر‪ .‬فإن هذا يوضح أن‬
‫« نسبة انتشار وسائل العلم فى المجتمع » تمثل أحد المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية‬
‫النظام العلمصى‪ .‬ونظرا لن « وسهائل العلم » تمثهل الطرف التكنولوجهى فهى بنيهة‬
‫النظام العل مى‪ .‬فإن « ن سبة انتشار وسائل العلم فى المجت مع » تصبح بمثا بة ت عبير عن‬
‫« القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإن مدى كفاءة النظام العلمهى فهى ممارسهته لوظيفتهه فهى المجتمهع‬
‫( نوعيا وكميا وكيفيا ) تتوقف على اثنين من المتغيرات الوظيفية الحاكمة تتمثل فى كل من‪« :‬‬
‫درجة شفافية النظام العلمى» و«القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪.‬‬
‫ويشيهر واقهع عمهل النظهم العلميهة إلى صهحة الطرح السهابق‪ ..‬إذ إن مجرد ضمان‬
‫و صول الر سائل العلم ية إلى أعلى ن سبة من جماه ير المتلق ين‪ ،‬ل يش ير إلى ممار سة النظام‬
‫العل مى لفاعليا ته بكفاءة‪ .‬وإن ما ل بد من ت عبير تلك الر سائل العلم ية عن مج مل الحداث‬
‫والوقائع والراء والفكار السهائدة بالمجتمهع‪ .‬وبالتالى فإذا مها كان النظام التشريعهى السهارى‬
‫بالمجتمهع يجرم نشهر نسهبة كهبيرة مهن المعلومات العلميهة فهى ذلك المجتمهع‪ .‬وكان النظام‬
‫السياسى ل يهتم بسن تشريعات تضمن حرية المعلومات‪ ،‬وتمنع قطاعات المجتمع المختلفة من‬
‫إخفاء المعلومات المشروعهة‪ .‬وكانهت المؤسهسات العلميهة تحظهر نوعيات مهن المعلومات‬
‫بمبادرة ذاتيهة منهها‪ ،‬ووفقا لتقديراتهها الخاصهة للمصهالح المجتمعيهة‪ .‬فإن كهل ذلك سهيعنى أن‬
‫الرسهائل العلميهة التهى يقوم النظام العلمهى بنقلهها ل تمثهل مجمهل أحداث ووقائع وآراء‬
‫وأفكار المجتمع‪ .‬ويعنى أن ارتفاع أو انخفاض « درجة شفافية النظام العلمى » ستؤثر على‬
‫نسبة المعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية‪ ،‬مما يؤثر على درجة كفاءة النظام العلمى‪.‬‬
‫وبالمثهل‪ ،‬فإن مجرد ضمان ارتفاع نسهبة المعرفهة الكامنهه بالمعلومات العلميهة‪،‬‬
‫نتيجة ارتفاع درجة شفافية النظام العلمى‪ ،‬ل يشير إلى ممارسة النظام العلمى لفاعلياته‬
‫بكفاءة‪ ،‬وإنما لبد من وصول تلك المعرفة الكامنه إلى أكبر نسبة من جماهير المتلقين‪ ،‬وهذه‬
‫الن سبة تتو قف على ن سبة انتشار و سائل العلم فى المجت مع أى على القدرات التكنولوج ية‬
‫للنظام العلمى‪.‬‬
‫وهذا يوضح أن مدى كفاءة النظام العلمى فى ممارسته لوظيفته فى المجتمع تتوقف‬
‫على مدى ارتفاع أو انخفاض قدرته على نقل المعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية إلى جماهير‬
‫المتلقين‪ .‬أى تتوقف على « المردود المعرفى » العائد على جماهير المجتمع ككل من جراء قيام‬
‫النظام العل مى ‪ -‬وفقا لدر جة شفافي ته ‪ -‬بن قل المعر فة الكام نة فى ر سائله العلم ية ‪ -‬وفقا‬

‫‪-‬‬

‫‪148‬‬

‫‪-‬‬

‫لنسهبة انتشار وسهائل العلم فهى المجتمهع ‪ -‬إلى جماهيهر المتلقيهن‪ .‬وبالتالى فإن هذا المردود‬
‫المعرفى العائد على جماهير المجتمع يمكن اعتباره بمثابة تعبير عن « القدرات المعرفية للنظام‬
‫العلمصى »‪ .‬بحيهث تصهبح « القدرات المعرفيهة للنظام العلمهى » بمثابهة المؤشهر الدال على‬
‫مدى كفاءة النظام العلمى فى ممارسته لوظيفته فى المجتمع ( نوعيا وكيفيا وكميا )‪.‬‬
‫وبهذا ي صبح المتغيران اللذان يؤثران فى « القدرات المعرف ية للنظام العل مى » ه ما‬
‫كل من‪:‬‬
‫ « القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪.‬‬‫ « درجة شفافية النظام العلمى »‪.‬‬‫بحيهث إن ارتفاع أو انخفاض أى منهمها يؤثهر بالتالى طرديا على ارتفاع أو انخفاض‬
‫القدرات المعرفية للنظام العلمى‪ .‬ويمكن صياغة هذه العلقة رياضيا فى المعادلة التالية‪:‬‬
‫القدرات المعرفية للنظام العلمى =‬
‫درجة شفافية النظام العلمى × القدرات التكنولوجية للنظام العلمى‬
‫وتوضح العلقة الرياضية السابقة عددا من المؤشرات الهامة كالتالى‪:‬‬
‫(‪)1‬‬

‫إن القدرات المعرفيهة للنظام العلمهى ل يمكهن بأى حال مهن الحوال أن تزيهد على‬
‫القدرات التكنولوجية لذلك النظام‪.‬‬

‫(‪)2‬‬

‫إن القدرات المعرفيهة للنظام العلمهى ل يمكهن بأى حال مهن الحوال أن تزيهد على‬
‫درجة شفافية ذلك النظام‪.‬‬

‫(‪)3‬‬

‫إنه يمكن للقدرات المعرفية للنظام العلمى أن تتساوى فقط مع القدرات التكنولوجية‬
‫لذلك النظام فى حالة واحدة ف قط‪ ،‬و هى الحالة ال تى ت صل في ها در جة شفافي ته إلى حد ها‬
‫الق صى؛ أى ت ساوى الوا حد ال صحيح‪ ،‬فعندئذ ف قط‪ ..‬تت ساوى القدرات المعرف ية للنظام‬
‫العلمى مع قدراته التكنولوجية‪ .‬وتمثل هذه الحالة مرحلة الستقرار للنظام العلمى‪.‬‬
‫حمّل‬
‫والتى تعنى استغلل النظام العلمى لمقومات كفاءته الذاتية إلى الحد القصى‪ ،‬و َت َ‬
‫ما يمكن أن نسميه ( مؤثرات غير إعلمية ) لمسئولية عدم بلوغ القدرات التكنولوجية ‪-‬‬
‫وبالتالى القدرات المعرفية ‪ -‬لذلك النظام إلى الحد القصى‪ .‬وتتمثل تلك المؤثرات غير‬
‫العلميهة فهى المؤثرات القتصهادية التهى تقلص مهن نسهبة انتشار وسهائل العلم‬
‫بالمجتمع‪ ،‬نتيجة ضعف القدرة القتصادية للسكان فى ذلك المجتمع‪ ،‬مما يعوق قدرتهم‬
‫على حيازة وسائل العلم‪ .‬كما تتمثل فى المؤثرات الثقافية التى تقلص من نسبة انتشار‬

‫‪-‬‬

‫‪149‬‬

‫‪-‬‬

‫وسهائل العلم المطبوعهة أو الحاسهبات اللكترونيهة فهى المجتمهع‪ ،‬نتيجهة ارتفاع نسهبة‬
‫المية اللغوية أو الكمبيوترية بين سكان ذلك المجتمع‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫(‪)4‬‬

‫إ نه يم كن للقدرات المعرف ية للنظام العل مى أن تت ساوى مع در جة شفافي ته فى حالة‬
‫و صول القدرات التكنولوج ية لذلك النظام إلى حد ها الق صى‪ ،‬و هى حالة غ ير دالة على‬
‫حرية النظام العلمى‪ ،‬إذ يمكن أن توجد فى النظم العلمية الموجهة التى توفر وسائل‬
‫العلم لمواطنيها بنسبة كبيرة لستخدامها فى الدعاية لنظام الحكم‪ ،‬كما يمكن أن توجد‬
‫فى الدول القليلة السكان والمرتفعة من حيث مستواها القتصادى‪.‬‬

‫(‪)5‬‬

‫إ نه ث مة عل قة طرد ية متبادلة ب ين كل من در جة شفاف ية النظام العل مى والقدرات‬
‫التكنولوجية للنظام العلمى‪ .‬حيث يشير ارتفاع أو انخفاض درجة الشفافية إلى زيادة أو‬
‫محدودية التشريعات المقيدة لنشاء المؤسسات العلمية‪ ،‬ومن ثم زيادة أو محدودية نسبة‬
‫انتشار وسائل العلم فى المجتمع « القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪ .‬وبالمثل‪..‬‬
‫يش ير ارتفاع أو انخفاض القدرات التكنولوج ية إلى زيادة أو محدود ية انتشار المؤ سسات‬
‫العلم ية فى النظام العل مى‪ ،‬و من ثم ارتفاع أو انخفاض ن سبة المعر فة الكام نة فى‬
‫المعلومات العلمية‪ ،‬والتى تتولى جمعها تلك المؤسسات‪ ،‬بما يعنى ارتفاع أو انخفاض‬
‫« درجة شفافية النظام العلمى »‪.‬‬
‫‪ ..‬إن ما سبق يوضح أن المتغير الوظيفى الحاكم ( التابع ) المتمثل فى « القدرات‬

‫المعرفيهة للنظام العلمهى » يتأثهر طرديا بالرتفاع أو النخفاض فهى كهل مهن المتغيريهن‬
‫الوظيفيين الحاكمين ( المستقلين ) اللذين يشير أحدهما إلى « درجة شفافية النظام العلمى »‬
‫والخر إلى « القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪.‬‬
‫وبالتالى فإن درا سة الثار ال تى تمار سها عول مة الت صال على هذ ين المتغير ين هى‬
‫التى ستقدم التوصيف الدقيق للدور الذى تمارسه عولمة التصال على القدرات المعرفية للنظم‬
‫العلمية؛ ومن ثم على مدى كفاءتها فى القيام بوظيفتها فى المجتمع ( نوعيا وكيفيا وكميا )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪150‬‬

‫‪-‬‬

‫‪‬المبحـث الثـانى‬
‫القدرات التكنولوجية للنظم العلمية فى ظل البعاد‬
‫العلمية للعولمة‬
‫( من التصال المحدود إلى التصال شبه الكامل )‬
‫كشفهت دراسهة البعاد العلميهة للعولمهة ( عولمهة التصهال ) عهن مظاههر التوحهد‬
‫والتكتهل والندماج‪ ،‬ومظاههر التشظهى والتجزؤ والنقسهام التهى باتهت تميهز توجهات النظهم‬
‫العلمية الراهنة بمؤسساتها العلمية ووسائلها العلمية وجماهيرها من المتلقين‪.‬‬
‫ولقد اكتسبت البعاد العلمية للعولمة قوة دفعها من قاعدة تكنولوجية عريضة نتجت‬
‫عهن التطورات التكنولوجيهة الفائقهة فهى حقول تكنولوجيها التصهال وتكنولوجيها العلم‬
‫وتكنولوجيها المعلومات‪ .‬تلك التطورات التهى كانهت دائما هدفا لسهعى النسهان الدؤوب نحهو‬
‫تحق يق الت صال ش به الكا مل عن بُ عد‪ ،‬والذى ي ستطيع من خلله تجاوز وتخ طى ال صعوبات‬
‫الت صالية الناشئة عن الحوا جز والحدود الجغراف ية المتعل قة بانتقال الت صال من مكان ل خر‪.‬‬
‫وال صعوبات الت صالية الناشئة عن العتبارات الم ساحية والزمن ية المتعل قة بخ صائص و سائل‬
‫الت صال ( إلكترون ية كا نت أم ورق ية )‪ .‬وال صعوبات الت صالية الناشئة عن العتبارات الفن ية‬
‫المتعلقة بمحدودية الموجات المتاحة بالطيف الكهرومغناطيسى المحيط بكوكب الرض‪.‬‬
‫وتمثلت ثمرة هذا السهعى التراكمهى فهى النجاح فهى تحقيهق التكامهل بيهن حقول‬
‫التكنولوجيات الثلث المسهئولة عهن عمليهة التصهال النسهانى ( تكنولوجيها التصهالت ‪-‬‬
‫تكنولوجيا العلم ‪ -‬تكنولوجيا المعلومات )‪ .‬فمن خلل تحقيق التكامل بين هذه التكنولوجيات‬
‫على الم ستوى العضوى‪ ،‬أ صبحت تم ثل ‪ -‬فى مجموع ها ‪ -‬بن ية ماد ية متكاملة لن قل الر سائل‬
‫التصالية العلمية المعلوماتية‪.‬‬
‫وقد أمكن تحقيق « التكامل التكنولوجى العضوى » من خلل اتجاه تكنولوجيا الوسائط‬
‫الناقلة إلى التكا مل عضويا في ما بين ها‪ .‬ح يث تراب طت تكنولوج يا كوا بل اللياف الضوئ ية مع‬
‫تكنولوج يا ا ستغلل الط يف الكهرومغناطي سى مع تكنولوج يا القمار ال صناعية مع تكنولوج يا‬
‫التصالت الرقم ية؛ لكى تشكل شب كة إلكترونية متكاملة عضويا تمثلها الن ‪ -‬بش كل أولى ‪-‬‬
‫البن ية الشبك ية الماد ية ‪ Hard ware‬لشب كة النتر نت‪ ،‬و سيمثلها فى الم ستقبل المنظور بش كل‬

‫‪-‬‬

‫‪151‬‬

‫‪-‬‬

‫متكامل « الطريق السريع للمعلومات » كبنية متقدمة من اللياف الضوئية والقمار الصناعية‬
‫المترابطة معا‪.‬‬
‫ولقهد ألقهى التكامهل التكنولوجهى العضوى بظلله على تكنولوجيها الوسهائل ( أجهزة‬
‫التصال والستقبال والعرض )؛ مما أسفر عن تحقيق « التكامل التكنولوجى الهيكلى » في ما‬
‫يتعلق بتكنولوج يا الو سائل‪ ،‬وأدى إلى حدوث تغيرات فى هيا كل وإمكانات و سائل العلم و قد‬
‫تمثلت هذه التغيرات فى التى‪:‬‬
‫•‬

‫دمصج الوسصائل‪ :‬حيهث أسهفر التكامهل التكنولوجهى الهيكلى عهن إنتاج وسهائل العلم‬
‫والتصهال والمعلومات فهى بنيهة هيكليهة إلكترونيهة واحدة‪ ،‬أو منظومهة جهازيهة جماعيهة‬
‫متكاملة‪ ،‬اتحدت فيهها وسهائل العلم الورقيهة واللكترونيهة معا‪ ،‬بالضافهة إلى المكانات‬
‫التصالية والمعلوماتية‪ .‬بحيث يتم ‪ -‬من خلل تلك البنية الهيكلية اللكترونية المدمجة ‪-‬‬
‫اسهتقبال الرسهال الذاعهى والتليفزيونهى‪ ،‬والصهحف والدوريات والكتهب ذات المواقهع‬
‫هجيلت‬
‫هورة‪ ،‬والتسه‬
‫هرحيات المصه‬
‫هة على شبكات المعلومات‪ ،‬والفلم والمسه‬
‫اللكترونيه‬
‫المسموعة‪ ،‬واستقبال وإرسال المكالمات التليفونية والملفات النصية والرسومية‪.‬‬

‫• حركية الوسائل‪ :‬حيث أدى التقدم التكنولوجى إلى ابتكار وسائل اتصالية إعلمية معلوماتية‬
‫محمولة‪ ،‬تخرج بنطاق التعا مل التصهالى العل مى المعلوماتهى من الما كن المغل قة إلى‬
‫الما كن المفتو حة؛ وبالتالى تحولت تلك الو سائل من الش كل الثا بت إلى الشكال المحمولة‬
‫التى يسهل التعامل معها أثناء الحركة والتنقل وفى كافة المواقف والماكن‪.‬‬
‫•‬

‫ذكاء الوسصائل‪ :‬فمهن خلل تكامهل تكنولوجيها المعلومات مهع تكنولوجيها العلم‬
‫والتصالت‪ ،‬اكتسبت الوسائل العلمية التصالية المعلوماتية القدرة على تحقيق رغبات‬
‫المسههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههتخدم‬
‫أو المتلقى‪ .‬فمن خلل استخدام برامج المرشحات ‪ Filters‬أو الجهزة الوقائية التى يمكنها‬
‫استقبال الرسائل واستبعاد أخرى‪ ،‬بالضافة إلى إمكانية الرسال والستقبال اللى للرسائل‬
‫العلمية التصالية المعلوماتية دون وجود القائم بالتصال أو المتلقى‪ .‬إن كل ذلك أضاف‬
‫كثيرا إلى إمكانات وسائل العلم‪ ،‬بحيث باتت تتميز بالذكاء اللكترونى‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فل قد أ سفرت التطورات التكنولوج ية الفائ قة ‪ -‬ال سابق عرض ها فى مجالت‬

‫تكنولوج يا الت صالت وتكنولوج يا العلم وتكنولوج يا المعلومات ‪ -‬عن ات ساع نطاق انتشار‬
‫وسائل العلم فى المجتمعات؛ وبالتالى ارتفاع القدرات التكنولوجية للنظم العلمية‪ ،‬حيث إن‬

‫‪-‬‬

‫‪152‬‬

‫‪-‬‬

‫منطق التطور التكنولوجى الصناعى يقود إلى تبنى سياسة وفورات النتاج الجماهيرى الكبير‪.‬‬
‫ال مر الذى يؤدى إلى النتاج الض خم والقي مة ال سعرية المنخف ضة‪ ،‬وبالتالى انتشار المبتكرات‬
‫التكنولوج ية فى المجتمعات‪ .‬ول قد أ سفر هذا المن حى عن ات ساع نطاق انتشار و سائل العلم‬
‫المتمثلة فهى أجهزة التليفزيون وأجهزة الريسهيفر الفضائيهة وأجهزة الراديهو وأجهزة الفيديهو‬
‫وأجهزة الكاسيت وأجهزة الكومبيوتر (فى قوالبها الثابتة أو المحمولة)‪ ،‬بالضافة إلى الرتفاع‬
‫فى ح جم الن سخ الموز عة من ال صحف والدوريات والك تب وشرائط الفيد يو وشرائط الكا سيت‬
‫وأقراص الكومبيوتر‪ ،‬علوة على انتشار دور العرض السينمائى ودور العرض المسرحى‪.‬‬
‫‪ ..‬ويوضح الجدول التالى اتساع نطاق انتشار وسائل العلم فى العالم ‪ -‬وخصوصا‬
‫الصحف والذاعة والتليفزيون ‪ -‬طبقا لخر الحصاءات المتاحة بمعرفة « مؤسسة اليونسكو‬
‫للح صاءات » ‪ Unesco Institute for statistics‬التاب عة لمنظ مة « اليون سكو »‪ ،‬وذلك على‬
‫∗‬

‫النحو التالى ‪:‬‬

‫الجهـــة‬

‫العالم‬

‫أفريقيــــــــا‬

‫آســـــــــــيا‬

‫أوربـــــــــــا‬

‫أمريكـــــــــا‬

‫الدول‬
‫العربيــــــــة‬

‫الصحـــــف اليـــوميــــة‬

‫أجهـــزة الراديــو‬

‫السـنـ‬
‫ة‬

‫عدد‬
‫الصح‬
‫ف‬
‫اليومية‬

‫إجمال‬
‫ى‬
‫عدد‬
‫النسخ‬
‫(مليـو‬
‫ن)‬

‫عدد‬
‫النسخ‬
‫لكل (‬
‫‪)1000‬‬
‫فـــرد‬

‫السنـــ‬
‫ة‬

‫إجمالى‬
‫عدد‬
‫أجهزة‬
‫الراديو‬

‫عدد‬
‫الجهزة‬
‫لكل (‬
‫‪)1000‬‬
‫فـــرد‬

‫أجهــــزة‬
‫التلفزيـون‬
‫عدد‬
‫إجمالى‬
‫الجهزة‬
‫عدد‬
‫لكل‬
‫أجهزة‬
‫ألف‬
‫التلفزي‬
‫فـــرد‬
‫ون‬
‫(مليـو‬
‫ن)‬

‫‪1970‬‬

‫‪7947‬‬

‫‪392‬‬

‫‪107‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪906‬‬

‫‪245‬‬

‫‪299‬‬

‫‪81‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪8391‬‬

‫‪548‬‬

‫‪96‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪2432‬‬

‫‪418‬‬

‫‪1396‬‬

‫‪240‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪199‬‬

‫‪4‬‬

‫‪12‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪33‬‬

‫‪93‬‬

‫‪1.6‬‬

‫‪4.6‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪224‬‬

‫‪12‬‬

‫‪16‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪158‬‬

‫‪216‬‬

‫‪44‬‬

‫‪60‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪1630‬‬

‫‪102‬‬

‫‪49‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪171‬‬

‫‪81‬‬

‫‪42‬‬

‫‪20‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪3010‬‬

‫‪229‬‬

‫‪66‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪900‬‬

‫‪255‬‬

‫‪672‬‬

‫‪190‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪3133‬‬

‫‪193‬‬

‫‪281‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪327‬‬

‫‪465‬‬

‫‪144‬‬

‫‪205‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪2115‬‬

‫‪190‬‬

‫‪261‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪531‬‬

‫‪729‬‬

‫‪325‬‬

‫‪446‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪2876‬‬

‫‪88‬‬

‫‪170‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪361‬‬

‫‪698‬‬

‫‪108‬‬

‫‪209‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪2939‬‬

‫‪111‬‬

‫‪141‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪811‬‬

‫‪1017‬‬

‫‪342‬‬

‫‪429‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪105‬‬

‫‪2.1‬‬

‫‪17‬‬

‫‪1970‬‬

‫‪16‬‬

‫‪131‬‬

‫‪2.7‬‬

‫‪21‬‬

‫‪1996‬‬

‫‪140‬‬

‫‪9.2‬‬

‫‪36‬‬

‫‪1997‬‬

‫‪71‬‬

‫‪269‬‬

‫‪31‬‬

‫‪119‬‬

‫ملحوظة‪ :‬إجمالى عدد النسخ وعدد الجهزة بالمليون‬
‫‪Uneco Institute for statistics, Global statistics ) Culture & Communication (. Available at:‬‬
‫‪http: // portal. unesco. org /uis/ TEMPLATE / html / cult And Com / Table_ IV_ S_ 1.ht1...,‬‬
‫‪) 6 April 2003 (.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪153‬‬

‫‪-‬‬

‫جدول رقم ( ‪ :) 1‬حجم انتشار الصحف اليومية وأجهزة الراديو وأجهزة‬
‫التليفزيون على مستوى العالم‬
‫فى الفترة من ‪ 1970‬إلى ‪1996/1997‬‬

‫علوة على ذلك ‪ ..‬فقهد شهدت السهنوات العشهر الخيرة مهن القرن العشريهن ارتفاعا‬
‫متزايدا فى استخدام الكمبيوتر الشخصى على مستوى العالم‪ ،‬حيث « ارتفعت أعداد الكمبيوتر‬
‫الشخصى عبر العالم من ‪ 98‬مليون كمبيوتر عام ‪ 1990‬إلى أكثر من ‪ 500‬مليون كمبيوتر عام‬
‫‪.)292(» 2000‬‬
‫المر الذى يوضح أن تكنولوجيا التصالت والعلم والمعلومات قد امتلكت القدرات‬
‫الفائقهة التهى تسهمح لى مجتمهع فهى الوقهت الحالى ‪ -‬إذا امتلك المكانيات القتصهادية‬
‫( النتاجيهة أو السهتيرادية‪ ..‬والسهتهلكية ) والمكانيات الثقافيهة ( انعدام أو انخفاض نسهبة‬
‫المية اللغوية أو الكومبيوترية بين أفراده ) ‪ -‬أن يرتفع بالقدرات التكنولوجية لنظامه العلمى‬
‫إلى مرحلة الت صال ش به الكا مل‪ .‬وبالط بع فإن التكال يف القت صادية المطلو بة للو صول لتلك‬
‫المرحلة سهتتناقص بمرور الوقهت وفقا لمنطهق وفورات الحجهم الكهبير فهى مجال التصهنيع‬
‫التكنولو جى‪ .‬م ما يع نى أن تفوق القدرات التكنولوج ية للن ظم العلم ية الراه نة قد بات أمرا‬
‫اقتر بت م نه بالف عل ب عض الن ظم العلم ية‪ ،‬و ستصل إل يه فى الم ستقبل المنظور با قى الن ظم‬
‫العلمية‪ .‬وذلك نظرا للوضاع التى ترتبها البعاد السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية‬
‫للعول مة‪ ،‬وال تى تد فع ن حو هذا التجاه‪ .‬فالعول مة فى أبعاد ها ال سياسية تد فع ن حو المز يد من‬
‫التحول الديمقراطى‪ ،‬تأثرا بالمشترك النسانى المعنوى الذى يتمثل فى قيمة الحرية النسانية‪.‬‬
‫والتحول الديمقراطهى ‪ -‬كمفهوم ليهبرالى على المسهتوى السهياسى ‪ -‬يدفهع بدوره نحهو التحرر‬
‫على الم ستوى القت صادى‪ ،‬موج ها القت صاديات العالم ية ن حو اقت صاد ال سوق‪ .‬ويؤدى من طق‬
‫التحرر السهياسى والقتصهادى إلى نمهو الوعهى الثقافهى لدى الثقافات والحضارات والهويات‬
‫للتعهبير عهن نفسهها‪ ،‬وللتعرف على الثقافات والحضارات والهويات الخرى‪ ،‬باسهتخدام البعاد‬
‫العلم ية للعول مة على م ستوى الن ظم العلم ية والمؤ سسات العلم ية والو سائل العلم ية‬
‫وجماهير المتلقين‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإن كهل مها سهبق يدفهع نحهو النتشار الواسهع المدى لوسهائل العلم فهى‬
‫المجتمعات‪ ،‬باعتبارها القناة الموصلة للمعلومات العلم ية التى يوفرها المجت مع‪ ،‬المر الذى‬
‫‪)(Unesco Institute for statistics, Facts and Figures 2000 ) Part 3 - culture and‬‬
‫= ‪Communication (. P. 31. Available at: http: // Portal. Unesco. org / uis/ ev. Php? uRL_ ID‬‬
‫‪3830, ) 6 April 2003 (.‬‬

‫‪292‬‬

‫‪-‬‬

‫‪154‬‬

‫‪-‬‬

‫يعنى تصاعد القدرات التكنولوجية للنظم العلمية تدريجيا حتى تصل إلى حدها القصى الذى‬
‫يمكن أن نطلق عليه « مرحلة التشبع التكنولوجى العلمى »‪.‬‬
‫ول عل التطور التكنولو جى المت سارع ل يج عل من هذه المرحلة أمرا بع يد المنال‪ ،‬بل‬
‫هى قيد التحقق‪ ،‬نظرا لما يرتبه التكامل التكنولوجى الهيكلى من فرصة دمج الوسائل العلمية‬
‫كل ها فى بن ية جهاز ية إلكترون ية مدم جة‪ ،‬بح يث لو تو فر ل كل أ سرة على و جه الرض جهاز‬
‫كمهبيوتر يرتبهط بخهط تليفون؛ فإن ذلك يعنهى إمكانيهة وصهولها إلى كافهة الوسهائل العلميهة‬
‫المتاحة فى العالم‪.‬‬
‫ويوضهح الجدول التالى وصهول بعهض الدول المتقدمهة إلى مرحلة التشبهع العلمهى‬
‫بالف عل ( تقريبا ) م نذ عام ‪ ،90/91‬في ما يتعلق بامتلك أجهزة التليفزيون‪ ،‬وتحقيق ها لم ستويات‬
‫مرتف عة فى عدد أجهزة الك مبيوتر الم ستخدمة‪ ،‬طبقا لح صاءات عام ‪ ،2000‬وذلك وفقا للن حو‬
‫التالى(‪:)293‬‬
‫نسبة امتلك السر‬
‫لجهزة التليفزيون‬
‫عام ‪1991 - 1990‬‬

‫عدد أجهزة الكمبيوتر‬
‫لكل (‪ )1000‬فرد‬
‫عام ‪2000‬‬

‫الوليات المتحدة‬

‫‪98%‬‬

‫‪585‬‬

‫ههههههههههههها‬
‫بلجيكه‬

‫‪97%‬‬

‫‪465‬‬

‫الدنمارك‬

‫‪98%‬‬

‫‪432‬‬

‫فرنسهههههههههههههها‬

‫‪95%‬‬

‫‪305‬‬

‫ههههههههههههها‬
‫إيطاليه‬

‫‪98%‬‬

‫‪209‬‬

‫هولندا‬

‫‪95%‬‬

‫‪395‬‬

‫ههههههههههههبهانيا‬
‫أسه‬

‫‪98%‬‬

‫‪143‬‬

‫السهههههههههههههويد‬

‫‪97%‬‬

‫‪507‬‬

‫سهههههههههههههويسرا‬

‫‪93%‬‬

‫‪502‬‬

‫المملكهههههههههة المتحدة‬

‫‪98%‬‬

‫‪338‬‬

‫الـــــدولــــة‬

‫جدول رقم (‪ :)2‬مرحلة التشبع العلمى التليفزيونى والمستويات المرتفعة لعدد‬
‫أجهزة الكمبيوتر بالدول المتقدمة‬

‫‪ ..‬ولن يقتصر هذا التقدم التدريجى نحو مرحلة التشبع العلمى على الدول المتقدمة‬
‫ف قط‪ ،‬بل سيمتد إلى كا فة دول العالم‪ .‬إذ إن محدود ية المكانات القت صادية أو الثقاف ية‪ ،‬وال تى‬
‫‪)(Comparative International Statistics )2002( No.1359 & Comparative Internatioinal‬‬
‫‪Statistics )1996( No. 1339. Available at: http: // www. census. gov, ) 6 April 2003 (.‬‬

‫‪293‬‬

‫‪-‬‬

‫‪155‬‬

‫‪-‬‬

‫يم كن أن تعوق ت صاعد القدرات التكنولوج ية للن ظم العلم ية إلى حد ها الق صى قد با تت ‪-‬‬
‫وفقا ل سياسات وفورات الح جم ال كبير وانخفاض القي مة ال سعرية للمبتكرات التكنولوج ية؛ ووفقا‬
‫للنتشار المتصهاعد للتعليهم على مسهتوى العالم تأثرا بكافهة التحولت التهى تطرحهها ظاهرة‬
‫العولمة ‪ -‬فى مآلها إلى الزوال التدريجى‪ ،‬بحيث يمكن لكافة المجتمعات الوصول فى المستقبل‬
‫المنظور إلى مرحلة النظم العلمية ذات القدرات التكنولوجية الكاملة‪.‬‬
‫وهذا يوضهح أن القدرات التكنولوجيهة للنظهم العلميهة فهى ظهل البعاد العلميهة‬
‫للعول مة وأبعاد ها ( ال سياسية والقت صادية والثقاف ية ) تند فع ن حو الت صاعد المت سارع‪ ،‬بح يث‬
‫تصل فى المستقبل المنظور إلى حدها القصى‪.‬‬
‫ك ما يو ضح أيضا‪ ..‬أن التطور التكنولو جى فى ح قل « الت صال الن سانى الجماهيرى‬
‫عن بُعد » كان يقود دائما عملية التصال نحو القتراب من أسلوب التصال شبه الكامل عن‬
‫بُعد‪ ،‬والذى يتلفى كافة الفجوات التصالية التى كانت تصنعها الفواصل المكانية والجغرافية‬
‫والخ صائص الفن ية والزمن ية والم ساحية لو سائل العلم والت صال‪ ...‬ف من الكتاب المخطوط‬
‫هى إلى‬
‫هو إلى التليفزيون الرضه‬
‫هة إلى الراديه‬
‫هحيفة الجماهيريه‬
‫إلى الكتاب المطبوع إلى الصه‬
‫التليفزيون الفضائى إلى شبكهة النترنهت‪ ،‬كان كهل تطور مهن تلك التطورات يسهد فجوة فهى‬
‫محدودية التصال‪ ،‬ويدفعه نحو أسلوب التصال النسانى الجماهيرى شبه الكامل عن بُعد‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪156‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثـالث‬
‫درجة شفافية النظم العلمية فى ظل البعاد العلمية‬
‫للعولمة‬
‫( القيود المعرفية فى النظم العلمية )‬
‫أدت البعاد السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية للعولمة إلى تطور درجة شفافية‬

‫النظم العلمية‪ .‬حيث أدت العولمة السياسية ‪ -‬بدفعها نحو الديمقراطية ونمو المجتمع المدنى‬

‫وتقل يص سيادة الدولة ‪ -‬إلى تدع يم قوة الن ظم العلم ية وات ساع مدى ا ستقللها عن ال سلطة‪.‬‬
‫ك ما أدت العول مة القت صادية إلى تنا مى قوة المؤ سسات العلم ية وات ساع أ سواقها المحتملة‪،‬‬

‫وبالتالى ازدياد حجم جماهيرها المستهدفة‪ .‬كما أدت العولمة الثقافية ‪ -‬بما تطرحه من مظاهر‬

‫للتو حد والتجزؤ في ما يتعلق بالثقا فة والحضارة والهو ية ‪ -‬إلى ن مو ملحوظ فى ح جم المعارف‬

‫النسانية المتداولة والتى تستهدف العالم ككل أو القوميات المتعددة‪ .‬كما أدت العولمة التصالية‬

‫‪ -‬بمها تطرحهه مهن مظاههر للتكتهل والنقسهام فيمها يتعلق بالنظهم العلميهة ومكوناتهها مهن‬

‫المؤ سسات العلم ية وو سائل العلم وجماه ير المتلق ين ‪ -‬إلى ازدياد مهول فى ح جم المواد‬
‫العلمية المتداولة على مستوى العالم‪.‬‬

‫ول قد أ سفر كل ما سبق عن عدد من التطورات ال تى أضا فت إلى إمكانات الر سائل‬

‫العلمية‪ ،‬باعتبارها الطرف المعرفى الذى تشير نسبة المعرفة الكامنة فيه إلى درجة شفافية‬

‫النظم العلمية‪ .‬وتمثلت تلك التطورات فى التى‪:‬‬

‫‪•0‬التضخصم الكمصى للرسصائل العلميصة‪ :‬فلقهد أدت عولمهة التصهال الجماهيرى مهن خلل‬
‫المحطات الفضائية وشبكة النترنت‪ ،‬إلى سريان فيض من الرسائل العلمية التى تنهمر‬
‫ل يل نهار من ش تى البقاع والرجاء‪ .‬ح يث أ سفر التطور فى تكنولوج يا المعلومات عن‬

‫“ ظاهرة غيهر مسهبوقة‪ ..‬فزيادة المعلومات تدفهع إلى المزيهد مهن تطور تكنولوجيها‬
‫المعلومات‪ .‬وتطوير تكنولوجيا المعلومات يقود إلى توالد المعلومات ”(‪ .. )294‬وهكذا‪.‬‬

‫‪•0‬ديناميكيصة الرسصائل العلميصة‪ :‬حيهث توفهر شبكات المعلومات بقدراتهها الرقميهة رسهائل‬
‫ديناميك ية تحتوى على عنا صر ن صية ور سومية وفيديو ية و صوتية‪ .‬و هو ما يض فى على‬

‫المحتوى العلمى قدرا كبيرا من الديناميكية تتمثل فى قدرته على التحول من شكل إلى‬

‫‪294‬‬

‫() محمود علم الدين ومحمد تيمور عبد الحسيب‪ ،‬الحاسبات اللكترونية وتكنولوجيا التصال‪ .‬ص ‪.20‬‬

‫‪-‬‬

‫‪157‬‬

‫‪-‬‬

‫آخر بسهولة‪ ،‬خلفا للستاتيكية والثبات التى كان يتميز بها المحتوى العلمى فى العقود‬
‫السابقة‪.‬‬

‫‪•0‬مرونة الرسائل العلمية‪ :‬فلقد أدت المكانيات التفاعلية فى شبكات المعلومات إلى توفير‬
‫إمكانية اتفاق الرسائل العلمية مع رغبات المتلقى‪ ،‬المر الذى وفر مرونة كبيرة كانت‬
‫مفتقدة فى العلم غير التفاعلى‪.‬‬
‫‪•0‬حرية انتقال الرسائل العلمية‪ :‬حيث أدى البث التليفزيونى الفضائى المباشر إلى اختراق‬
‫حدود الدول‪ ،‬وبالتالى ا ستحالة ممار سة الرقا بة على الر سائل العلم ية الفضائ ية القاد مة‬
‫من الدول الخرى‪ .‬كما أدت فاعليات شبكة النترنت إلى صعوبة تحكم السلطات الوطنية‬
‫فى الطوفان المعلوماتى الذى توفره الشبكة‪ .‬مما أتاح الفرصة لتوفير قدر كبير من حرية‬
‫انتقال الرسهائل العلميهة متخطيهة فهى ذلك الحدود الدوليهة والحواجهز الجغرافيهة والقيود‬
‫القانونية‪.‬‬
‫ولقد دفعت كل هذه التطورات التى طرأت على إمكانات الرسائل العلمية نحو إرغام‬
‫النظم العلمية على الكشف عن بعض المعلومات التى كانت تريد حظرها؛ بسبب نشرها من‬
‫خلل نظم إعلمية أخرى عبر البث الفضائى المباشر أو عبر شبكة النترنت‪ .‬المر الذى دعم‬
‫من درجة شفافية النظم العلمية‪ ،‬ولكن بنسبة بسيطة‪ ،‬حيث إن عائق اللغة يقلص من حجم‬
‫التعرض للر سائل العلم ية الجنب ية‪ ،‬بالضا فة إلى عدم قدرة الن ظم العلم ية الجنب ية على‬
‫متاب عة كا فة القضا يا المحل ية فى البلدان الخرى؛ لهتمام ها فى المقام الول بمتاب عة قضا يا‬
‫البلدان التى تنتمى إليها‪.‬‬
‫ول يمكهن تجاههل أن كافهة تلك التطورات قهد أدت إلى تدعيهم « درجهة شفافيهة النظهم‬
‫العلميهة »؛ ومهن ثهم تدعيهم القدرات المعرفيهة لتلك النظهم‪ ،‬مقارنهة بقدراتهها المعرفيهة فهى‬
‫الماضى القريب‪ .‬ولكن الواقع يقرر أن ثمة قيودا معرفية مازالت تمارس دورها كحواجز فى‬
‫و جه ال سريان ال حر والوا فى للمعر فة الكام نة فى المعلومات العلم ية المنشورة‪ ،‬ال مر الذى‬
‫يؤثر بالسلب على درجة شفافية النظم العلمية؛ وبالتالى على القدرات المعرفية لتلك النظم‪.‬‬
‫حيهث ل يمكهن الرتفاع بالقدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة لكهى تتسهاوى مهع قدراتهها‬
‫التكنولوجيهة‪ ،‬إل مهن خلل الرتفاع بدرجهة شفافيهة النظهم العلميهة إلى حدهها القصهى‪،‬‬
‫أو بعبارة أخرى النخفاض بالقيود المعرفيهة على المعلومات العلميهة فهى المجتمهع إلى‬
‫ال صفر‪ ،‬وذلك وفقا للعل قة الرياض ية ‪ -‬ال سابق توضيح ها ‪ -‬ب ين القدرات المعرف ية والقدرات‬
‫التكنولوجيهة ودرجهة شفافيهة النظهم العلميهة‪ .‬وبالتالى فإن مهمهة محاصهرة القيود المعرفيهة‬

‫‪-‬‬

‫‪158‬‬

‫‪-‬‬

‫الكائنة بالنظم العلمية والعمل على إلغائها‪ ،‬تُعد مهمة ضرورية للرتفاع بالقدرات المعرفية‬
‫للنظم العلمية حتى تتساوى مع قدراتها التكنولوجية‪.‬‬
‫ويم كن تعر يف « القيود المعرف ية » بأن ها « مجمو عة العوائق ال تى تؤ ثر سلبيا ‪-‬‬
‫بأسلوب مباشر أو غير مباشر ‪ -‬على درجة شفافية النظم العلمية والقدرات التكنولوجية‬
‫لتلك النظم؛ ومن ثم على القدرات المعرفية للنظم العلمية »‪.‬‬
‫وتمارس القيود المعرف ية تأثير ها على القدرات التكنولوج ية للن ظم العلم ية ب صورة‬
‫غيهر مباشرة‪ ،‬وذلك مهن خلل إعاقتهها للنتشار الطهبيعى للمؤسهسات العلميهة فهى المجتمهع‬
‫نتيجة ربط خطوات إنشائها بالعديد من الشروط والمتطلبات العسيرة؛ مما يؤدى إلى انخفاض‬
‫عدد المؤ سسات العلم ية بالمجت مع وضعف ها‪ ،‬وبالتالى انخفاض ن سبة انتشار و سائل العلم‬
‫فى ذلك المجتمع؛ ومن ثم انخفاض القدرات التكنولوجية للنظام العلمى‪.‬‬
‫بينمها تمارس القيود المعرفيهة تأثيرهها بصهورة مباشرة على درجهة شفافيهة النظهم‬
‫العلمية‪ ،‬وذلك من خلل قيامها بحجب نوعيات معينة من المعلومات العلمية عن النشر‪،‬‬
‫المر الذى يؤدى إلى انخفاض نسبة المعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية المنشورة؛ ومن ثم‬
‫انخفاض درجة شفافية النظم العلمية‪.‬‬
‫ويوضح التحليل التاريخى لمدى فاعلية القدرات المعرفية للنظم العلمية أن محدودية‬
‫نسبة انتشار وسائل العلم (تاريخيا) فى المجتمعات‪ ،‬أدت إلى اللقاء بمسئولية النخفاض فى‬
‫القدرات المعرفيهة لتلك النظهم على عاتهق قدراتهها التكنولوجيهة المحدودة‪ ،‬التهى لم تكهن تسهمح‬
‫بتكوين مردود معرفى مرتفع للمعلومات العلمية المنشورة فى هذه المجتمعات‪.‬‬
‫ول كن مع الوا قع الجد يد الذى تطر حه العول مة بأبعاد ها ال سياسية والقت صادية والثقاف ية‬
‫والعلمية‪ ،‬فإن المكانية التكنولوجية المتاحة الن للنظم العلمية للوصول إلى مرحلة التشبع‬
‫العلمى التكنولوجى أدت إلى انتشار وسائل العلم فى المجتمعات؛ ومن ثم الرتفاع بالقدرات‬
‫التكنولوجية للنظم العلمية مقارنة بالماضى‪ .‬وبالتالى فقد أدى هذا إلى توارى النطباع السائد‬
‫تاريخيا حول مسهئولية القدرات التكنولوجيهة المحدودة عهن انخفاض القدرات المعرفيهة للنظهم‬
‫العلميهة‪ ،‬وانتقال تلك المسهئولية إلى القيود المعرفيهة السهائدة فهى المجتمهع‪ ،‬والتهى تؤدى إلى‬
‫انخفاض درجة شفافية النظم العلمية؛ ومن ثم انخفاض القدرات المعرفية لتلك النظم‪.‬‬
‫وتتكون القيود المعرفية الكائنة ببنية النظم العلمية الراهنة من نوعين من القيود‪:‬‬
‫• القيود المجتمعية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪159‬‬

‫‪-‬‬

‫• القيصود الذاتيصصصصة‪.‬‬
‫وسنعرض لهذه القيود بنوعيها على النحو التالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬القيود المجتمعية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‪:‬‬
‫تشيهر القيود المجتمعيهة‪ ..‬إلى القيود السهائدة فهى المجتمعات والتهى تؤدى إلى تقليهص‬
‫نسهبة المعرفهة الكامنهة بالمعلومات العلميهة الداخلة إلى المؤسهسات العلميهة‪ .‬وتتمثهل تلك‬
‫القيود فى الدساتير والقوانين السارية أو العراف والممارسات العملية السائدة فى المجتمعات‬
‫لتقييد حرية التعبير‪.‬‬
‫وبالتالى فإن « القيود المجتمعية » تنقسم وفقا لهذا التوصيف إلى نوعين‪:‬‬
‫• القيود التشريعية‪.‬‬
‫• القيصصود العمليصصصة‪.‬‬
‫وسنعرض لكل من النوعين على النحو التالى‪:‬‬

‫(‪ )1‬القيود التشريعية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‪:‬‬

‫تشيهر « القيود التشريعيهة »‪ ..‬إلى القيود المجتمعيهة المقررة بموجهب التشريعات‬

‫( الد ساتير والقوان ين ) المقي ـِدة لحر ية الت عبير‪ ،‬وال تى تؤدى إلى تقل يص ن سبة المعلومات‬
‫الداخلة إلى المؤسسات العلمية‪.‬‬
‫وتمارس تلك التشريعات فاعلياتهها مهن خلل تقييدهها لمجموعهة « الحقوق العلميهة‬
‫∗‬

‫للنسان » ‪ .‬وبالتالى فإن تلك التشريعات تنقسم إلى‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التشريعات المقيـِدة لحق الجماهير فى المعرفة‪:‬‬
‫∗‬

‫وهى مجموعة التشريعات التى تتولى حماية « الحقوق المضادة للحقوق العلمية » ‪،‬‬
‫وتتكون من التشريعات التالية‪:‬‬
‫‪‬‬

‫تشيهر " الحقوق العلميهة للنسهان " إلى مجموعهة الحقوق التهى تكفهل للطراف الفاعلة فهى العمليهة العلميهة ( القائميهن‬
‫بالتصال وجماهير المتلقين )‪ ،‬ممارسة حريتها فى التعبير‪ .‬وتنقسم هذه الحقوق وفقا لمجال عملها إلى‪ :‬الحقوق العلمية العامة‪،‬‬
‫والحقوق العلمية الخاصة‪ ،‬والحقوق العلمية المساعدة‪.‬‬
‫هة‬
‫هق المعرفه‬
‫هن مفهوم حه‬
‫هرى مه‬
‫هى المصه‬
‫هف النظام العلمه‬
‫هر المعلومات وموقه‬
‫هد محفوظ‪ ،‬عصه‬
‫هر‪ :‬محمه‬
‫انظه‬
‫( دراسة نظرية فى الحقوق العلمية للنسان )‪ .‬رسالة ماجستير غير منشورة‪ ،‬كلية الداب‪ ،‬جامعة السكندرية‪،1998 ،‬‬
‫صفحات ‪.184 - 174‬‬

‫∗‬

‫‪‬‬

‫تشيهر " الحقوق المضادة للحقوق العلميهة " إلى مجموعهة الحقوق الخاصهة بالفرد أو المجتمهع والتهى تسهتهدف فرض‬
‫نطاق لحماية الفرد أو المجتمع من تدخل المؤسسات العلمية أو اقتراب الجماهير‪ .‬وبالتالى فهى تنقسم إلى كل من‪ :‬الحقوق‬
‫المجتمعية المضادة للحقوق العلمية‪ ،‬والحقوق الفردية المضادة للحقوق العلمية‪.‬‬
‫‪‬‬

‫انظر‪ :‬محمد محفوظ‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬صفحات ‪187 - 185‬‬

‫‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪160‬‬

‫‪-‬‬

‫ تشريعات حماية المن القومى والسرار العامة‪.‬‬‫ تشريعات حماية أخلقيات وقيم المجتمع‪.‬‬‫ تشريعات حماية تشريعات المجتمع‪.‬‬‫ تشريعات حماية مبادئ ورموز وسلطات وطوائف المجتمع‪.‬‬‫ تشريعات حماية السمعة والعتبار من التشهير والقذف‪.‬‬‫ تشريعات حماية الخصوصية والسرار الخاصة‪.‬‬‫ تشريعات كفالة عدالة المحاكمات القضائية‪.‬‬‫ب‪-‬‬

‫التشريعات المقيـِدة لحق المؤسسات العلمية فى العلم‪:‬‬
‫وههى التشريعات الخاصهة بتنظيهم عمهل المؤسهسات العلميهة العاملة فهى مجالت‬
‫( الصهحافة ‪ -‬الذاعهة والتليفزيون ‪ -‬الكتاب والمطبوعات ‪ -‬المصهنفات السهمعية‬
‫والبصرية ‪ -‬المعلومات ‪ -‬الدعاية والتوجيه والعلن )‪.‬‬
‫وتتح كم تلك التشريعات فى قوا عد م نح التراخ يص للمؤ سسات العلم ية والعلمي ين‬

‫وقوا عد الرقا بة على تلك المؤ سسات وقوا عد إنشاء مجالس ال صحافة ومواث يق الشرف‬

‫الصحفى‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫ج‪-‬‬

‫التشريعات المقيـِدة لحق المجتمع فى التصال‪:‬‬
‫وههى التشريعات الخاصهة بتنظيهم مرافهق التصهالت وتعريفات التصهالت وكافهة‬

‫المور المتعلقة بالنشطة التصالية فى المجتمع‪.‬‬

‫(‪ )2‬القيود العملية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‪:‬‬
‫تشير « القيود العملية »‪ ..‬إلى القيود المجتمعية الناتجة عن غياب التشريعات الضامنة‬

‫لحريهة المعلومات العلميهة فهى المجتمهع‪ .‬وبالتالى فههى قيود يفرضهها الواقهع العملى الذى‬

‫يحظر بعض المعلومات عن المؤسسات العلمية على الرغم من عدم خضوع هذه المعلومات‬
‫للقيود التشريعية السارية فى المجتمع‪.‬‬

‫وبالتالى فإن « القيود العمليهة » تنشهأ فهى المجتمعات نتيجهة شيوع مفهوم السصرية‪،‬‬

‫وعدم تطبيق تشريعات تكبّل ذلك المفهوم‪ ،‬وتضمن حرية الوصول والطلع والحصول على‬
‫المعلومات‪.‬‬

‫وتواجهه المؤسهسات العلميهة فهى المجتمعات التهى تخلو مهن قوانيهن ضامنهة لحريهة‬

‫المعلومات‪ ،‬مأزق عدم إمكانية الحصول على المعلومات المشروعة‪ ،‬والتى تخفيها الحكومات‬

‫أو المؤسسات أو الفراد تحت طبقات من السرية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪161‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعل الواقع يقرر‪ ..‬أن فاعلية القيود العملية فى أى مجتمع ‪ -‬من خلل شيوع مفهوم‬

‫السهرية وغياب مفهوم العلنيهة ‪ -‬تؤدى إلى ارتفاع درجهة عدم اليقيهن‪ ،‬وإلى اتسهاع مسهاحة‬
‫الغيب حول شئون الواقع لدى أفراد المجتمع‪ ،‬بالضافة إلى سيادة قناعات عدم الثقة فى أهلية‬

‫الجماهيهر للمعرفهة‪ ،‬إذ إن ” السهرية تُعتهبر دائما نقيضا للتعهبير الحهر وضده‪ .‬ولعنهة على‬

‫الديمقراطية المفتوحة‪ .‬كما إنها تُعتبر دافعا غريزيا لدى الحكومة‪ .‬فمنذ بدء وجود المة ظلت‬
‫ال سلطة التنفيذ ية تض غط بشدة وبا ستمرار على حقوق ها الد ستورية والفل سفية فى تكم يم الت عبير‬

‫ح تى تح مى أ سرار الدولة “(‪ .)295‬وبالتالى فإن تدع يم حق الجماه ير فى المعر فة ‪ -‬فى ظل‬
‫آليات السرية ‪ -‬يدفع إلى التساؤل حول ” كيف يمكن تكوين تقنيات جديدة تحقق توازنا جديدا‬

‫فى السيطرة على المعلومات بين السلطات المركزية والجمهور بمعناه الواسع “(‪.)296‬‬

‫وربما يبدو من الواضح ‪ -‬فى ظل التقدم التكنولوجى الهائل ‪ -‬أن السلطات الحكومية‬
‫با تت تف قد كثيرا من أساليب الستئثار بالمعلومات‪ ،‬وخ صوصا فى ظل التقدم المطرد لشبكات‬
‫المعلومات‪ ،‬وسهولة وصول الجماهير إلى المواقع المعلوماتية‪ .‬ولكن على الرغم من ذلك فإن‬
‫ال سرية ال تى تفرض ها الشركات والمؤ سسات على ب عض معلومات ها الخا صة ال تى ل تحمي ها‬
‫القوانين تحت دعوى عدم النيل من مراكزها التنافسية فى السواق‪ .‬بالضافة إلى السرية التى‬
‫تفرضها الحكومات على كم غير قليل من المعلومات التى ل تمتد إليها قوانين حماية السرار‬
‫العامة تحت دعوى انتمائها إلى المعلومات المتعلقة بالمن القومى وأسرار الدولة‪ .‬علوة على‬
‫السهرية الخاصهة ببعهض معلومات الفراد التهى ل تحميهها القوانيهن تحهت دعوى حمايهة‬
‫الخ صوصية‪ ..‬إن كل تلك الحوا جز المتتاب عة من ال سرية تج عل من ال صعب التحدث عن ”‬
‫مجت مع المعلومات‪ ..‬الذى أ صبح من ال صعب إدرا كه فى ظل قوا عد ال سرية المتنام ية على‬
‫المعلومات‪ ،‬إل لو افترض نا أن الحياة قابلة للتقلص إلى مجرد « بايتات »‪ ،‬بح يث ت صبح وحدة‬
‫واحدة من المعلومات أك ثر نفعا للديمقراط ية من غير ها “(‪ .)297‬وبالط بع فإن ل فظ ( غير ها )‬
‫يعود على المعلومات المحظورة تحت بند السرية‪.‬‬
‫وفهى الواقهع فإن السهرية ترتبهط ‪ -‬فهى أغلب الحوال ‪ -‬بالفسهاد وبالتالى ” فإن نظهم‬
‫الحكم المخادعة ( أو المؤسسات أو الفراد ) هى التى تؤيد السرية لخفاء ممارساتها الملتوية‬
‫وتعاملتها المريبة؛ لعتقادها بأن السرية تؤدى إلى التعجيل بإنجاز السياسات الحكومية‪ .‬وذلك‬
‫‪295‬‬

‫() رودنى أ‪ .‬سمولل‪ ،‬حرية التعبير فى مجتمع مفتوح‪ .‬ترجمة كمال عبد الرؤوف‪ ،‬ص ‪.447‬‬

‫‪296‬‬

‫() و‪ .‬رسل نيومان‪ ،‬مستقبل الجمهور المتلقى‪ .‬ترجمة محمد جمول‪ ،‬ص ‪.61‬‬

‫‪)(Downing, John, “ Government Secrecy and the media in the united states and Britain, ” In‬‬
‫‪Peter Golding, & Murdock, Graham & Schlesinger, Philip, communicating Politics‬‬
‫‪) Mass communication and the Political process (. p. 170.‬‬
‫‪297‬‬

‫‪-‬‬

‫‪162‬‬

‫‪-‬‬

‫ا ستنادا إلى عدم الث قة فى اختيارات الجماه ير‪ .‬ال مر الذى يبرر الممار سة ال سرية في ما يتعلق‬
‫بكافة الشئون العامة “(‪.)298‬‬
‫وبالتالى فطالمها ظلت قيود السهرية تقلص القدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة‪ ،‬فإن‬
‫” مسهألة‪ ،‬متهى تسهتطيع الدولة‪ ..‬أن تتدخهل لفرض الحظهر على مضمون التصهالت‪ ،‬سهتظل‬
‫م سألة مركز ية من الم سائل ال تى تش غل الحق بة الحدي ثة “(‪ .)299‬وانطلقا من هذا‪ ..‬ي صبح من‬
‫الهام جدا التأك يد على الحقي قة المتمثلة فى ” أن فكرة مجت مع المعلومات تع نى أن هذا المجت مع‬
‫يعتمهد على اسهتخدام المعلومات‪ ،‬وليهس على اعتبار أن هذا المجتمهع ينتهج المعلومات فحسهب‬
‫”(‪.)300‬‬

‫ثانياً‪ :‬القيود الذاتية على القدرات المعرفية للنظم العلمية‪:‬‬
‫تشيهر « القيود الذاتيهة »‪ ..‬إلى القيود التهى تقلص نسهبة المعرفهة الكامنهة بالمعلومات‬
‫الخارجهة مهن المؤسهسات العلميهة إلى جماهيهر المتلقيهن‪ .‬وتضطلع المؤسهسات العلميهة‬
‫بممار سة هذه القيود بمبادرة ذات ية من ها‪ ،‬ا ستجابة لم صالح واتجاهات ب عض القوى المجتمع ية‪،‬‬
‫واستنادا إلى المرجعية الفلسفية التى يتبناها النظام العلمى‪.‬‬

‫(‪ )1‬تصنيف القيود الذاتية‪:‬‬
‫يتضح من التوصيف السابق للقيود الذاتية‪ ..‬أنها تنقسم إلى عدد من القيود كالتالى‪:‬‬
‫‪ -‬قيود السيطرة الحكومية أوالحزبية أوالمؤسسية‬

‫‪ -‬قيود الملكية الحتكارية‬

‫‪ -‬قيود الجمهور الموجه‬

‫‪ -‬قيود فلسفية‬

‫وسنعرض لهذه القيود على النحو التالى‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قيود السيطرة الحكومية أو الحزبية أو المؤسسية‪:‬‬
‫تشيهر قيود السهيطرة الحكوميهة أو الحزبيهة أو المؤسهسية إلى المحاولت ‪ -‬المعلنهة‬

‫أو المسهتترة ‪ -‬للحكومات أو الحزاب أو المؤسهسات للسهيطرة على مصهادر المعلومات‪ .‬وتبدو‬
‫المؤسسات العلمية ‪ -‬فى هذا الصدد ‪ -‬المرشح الول لقبضة هذه السيطرة‪ .‬ومن هنا يبدو من‬

‫الهام ملحظهة طبيعهة ” العل قة ب ين المؤسهسات السهياسية ( الحكومات والحزاب ) والمؤسهسات‬
‫العلمية‪ .‬وتنبع هذه العلقة من طبيعة الرتباط بين رجل السياسة والعلم الناتج عن التفاعل‬
‫‪298‬‬

‫() أنتونى ديبونز وأسترهورن وسكوت كرونينويز‪ ،‬علم المعلومات والتكامل المعرفى‪ .‬ترجمة أحمد أنور بدر ومحمد فتحى‬
‫عبد الهادى‪ ،‬ص ‪.231‬‬
‫‪)(Thayer, Frank, Legal Control of the Press. p. 165.‬‬
‫() نعوم تشومسكى‪ ،‬ردع الديمقراطية‪ .‬ترجمة فاضل جتكر‪ ،‬ص ‪.396‬‬

‫‪299‬‬

‫‪300‬‬

‫‪-‬‬

‫‪163‬‬

‫‪-‬‬

‫المستمر بينهما‪ .‬ويمكن رؤية هذا التفاعل من خلل رغبة كل النظامين فى المحافظة على النظام‬

‫الخر‪ ،‬وكذلك الشتراك فى انتاج الرسالة العلمية‪ .‬حيث نجد أن العضاء فى قمة الجهازين قد‬

‫يحتفظون باتصهالت مسهتمرة بينهمها تهدف إلى تنظيهم العلقات فيمها بينهمها‪ ،‬أو لحهل أوجهه‬
‫ال صراعات المحت مل تواجد ها “ (‪ .)301‬ول تقت صر علقات ال سيطرة ب ين ال سياسيين ( الحكومي ين‬

‫أو الحزبي ين ) وب ين المؤ سسات العلم ية على العلقات غ ير الر سمية‪ ،‬وإن ما تم تد إلى علقات‬

‫السيطرة الرسمية والمعلنة التى يمارسونها على المؤسسات العلمية الحكومية أو الحزبية‪ .‬والتى‬
‫قد تكون مفهومة إذا اقتصرت على تخصيص مساحات وبرامج لعرض وجهات النظر الحكومية‬

‫والحزب ية‪ .‬ولكن ها ل يم كن أن تكون مفهو مة إذا تور طت فى م نع ن شر وجهات الن ظر الخرى‬
‫المضادة للحكومة أو الحزب‪ ،‬أو إذا تورطت فى تحريف مضامين الخبار بما يتلءم مع توجهاتها‬

‫السهياسية‪ ..‬ونفهس المهر ينطبهق على علقات السهيطرة بيهن المؤسهسات الخاصهة والمؤسهسات‬

‫العلميهة‪ .‬والتهى تتهم مهن خلل العل قة غيهر الرسهمية‪ ،‬أو العل قة الرسهمية النابعهة مهن ملكيهة‬
‫المؤسسة الخاصة للمؤسسة العلمية وتجنيدها لخدمة أهدافها التجارية أو الصناعية أو الربحية‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قيود الملكية الحتكارية‪:‬‬
‫تشير قيود الملكية الحتكارية إلى الدور الذى تلعبه الملكية الحتكارية فى إعاقة النمو الحر‬

‫للقدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة فهى المجتمهع‪ .‬ذلك ” أن الحتكار يقولب والمنافسهة تؤدى إلى‬

‫التنوع “ (‪ .)302‬ول عل وا قع التجاه ن حو الندماجات العلم ية لتكو ين مؤ سسات أ كبر يطرح أهم ية‬

‫متابعة أساليب العمل داخل تلك المؤسسات حيث ” تتعدد ضغوط المؤسسة ( على العاملين بها )‪..‬‬

‫وتتمثل هذه الضغوط فى عوامل خارجية وداخلية‪ .‬وتعنى العوامل الخارجية موقع الوسيلة من النظام‬
‫الجتماعى القائم‪ ،‬ومدى ارتباطها بمصالح معينة‪ ..‬أما العوامل الداخلية فتشمل‪ :‬نمط الملكية وأساليب‬

‫السهيطرة والنظهم الداريهة وضغوط النتاج‪ .‬وتلعهب هذه العوامهل دورا مهما وملموسها فهى شكهل‬

‫المضمون الذى يُقدم للجمهور‪ .‬كما إنها تنتهى بالقائم بالتصال إلى أن يصبح جزءا من الكيان العام‬
‫للمؤسسة “(‪ .) 303‬بحيث يتحول القائمون بالتصال إلى ” موظفين فى بيروقراطية جمع البناء “‬

‫(‪) 304‬‬

‫وطالمها أن ” صهانعى الرأى باتوا يراقبون أنفسههم‪ ،‬ولم يعهد شهئ يفزع أصهحاب الملكيهة يسهتطيع‬

‫الو صول إلى المطب عة‪ .‬فإن ما يم كن أن ير عب أ صحاب الملك ية ي تم عموما إبقاؤه بعيدا عن أنظار‬

‫الجمهور بقدر مذهل تماما من النجاح فى بعض الحيان “ (‪.)305‬‬
‫‪301‬‬

‫() بسيونى إبراهيم حمادة‪ ،‬وسائل العلم والسياسة (دراسة فى ترتيب الولويات)‪ .‬ص ‪.293‬‬

‫‪302‬‬

‫() بيير بورديو‪ ،‬التليفزيون وآليات التلعب بالعقول‪ .‬ترجمة درويش الحلوجى‪ ،‬ص ‪.39‬‬

‫‪303‬‬

‫() أما نى ال سيد فه مى‪ " ،‬أ ثر الممار سة العلم ية للعامل ين فى أخبار التليفزيون على اتجاهات هم ن حو الع مل "‪ ،‬مجلة البحوث‬
‫العلمية‪ .‬كلية اللغة العربية بالقاهرة ‪ -‬جامعة الزهر‪ ( ،‬العدد ‪ ،5‬يوليو ‪ ،) 1996‬اقتبسه حسن عماد مكاوى وليلى حسين‬
‫السيد‪ ،‬فى التصال ونظرياته المعاصرة‪ ،‬ص ‪.180‬‬

‫‪304‬‬

‫() حسن عماد مكاوى وليلى حسين السيد‪ ،‬التصال ونظرياته المعاصرة‪ .‬ص ‪.180‬‬

‫‪305‬‬

‫() نعوم تشومسكى‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.356‬‬

‫‪-‬‬

‫‪164‬‬

‫‪-‬‬

‫وعلى الر غم من أن الكيانات المؤ سسية العلم ية ال صغيرة ال تى أتا حت ل ها التكنولوج يا‬

‫الحديثة أن تتواجد بأقل قدر من التكلفة‪ ،‬يمكن أن توازن ‪ -‬فى مجموعها ‪ -‬قوة الحتكارات‪ ،‬إل‬

‫أن رغ بة بعهض تلك الكيانات فهى إضفاء نوع من التميهز على رسهائلها العلم ية المتخصهصة؛‬
‫يدفعهها إلى فرض رسهوم خاصهة أو اشتراطات معينهة للطلع على مواقعهها بالنترنهت أو‬

‫منشورات ها‪ .‬بح يث تؤدى تلك القيود إلى ” خلق نوع من الندرة الم صطنعة ح تى ت صبح المعلو مة‬
‫سهلعة تخضهع لقوانيهن العرض والطلب “(‪ .)306‬وبالتالى فإذا كانهت الكيانات الكهبيرة تحتكهر سهوق‬

‫الر سائل العلم ية العا مة؛ فإن الكيانات ال صغيرة تتحول ل كى تحت كر سوق الر سائل العلم ية‬

‫المتخصصة‪ .‬وبهذا تصبح القدرات المعرفية للنظم العلمية نهبا للحتكارات الكمية والكيفية‪.‬‬
‫ج ‪ -‬قيود الجمهور الموجه‪:‬‬

‫تشيهر قيود الجمهور الموجهه إلى النقيهض الموضوعهى لمفهوم « الجمهور العليهم »‬

‫‪ .informed public‬إذ إن التفك ير ذا الب عد الوا حد النا تج عن التوج يه و سيادة قيود ال سيطرة‬

‫الحكومية والحزبية والمؤسسية والحتكار‪ ،‬يقضى تماما على قيم التعددية والتنوع التى يزدهر‬
‫فى ظلها مفهوم « السوق الحرة للفكار »‪ ،‬والتى تدعم عملية نقل المعرفة فى المجتمع‪ .‬المر‬

‫الذى يؤدى إلى وأد مفهوم حق المعرفة فى عقول الجماهير ذاتها‪ ،‬بحيث تصبح بمثابة جماهير‬

‫موجههة منقادة‪ ،‬تعادى الرأى الخهر والتفكيهر المنطلق المتحرر‪ .‬بينمها تقدس منطهق القوالب‬

‫الجامدة والفكار المعلبة الجاهزة‪ .‬وهكذا تصبح الجماهير نفسها ‪ -‬صاحبة الحق فى المعرفة ‪-‬‬
‫∗‬

‫بمثابة معوق لنمو هذا الحق فى المجتمع ‪.‬‬

‫ولقد عبّر « طه حسين » فى كتابه « مستقبل الثقافة » عن هذه الظاهرة‪ ،‬وذلك عندما‬

‫أعرب عن أ سفه قائلً “ ما أ كبر النبوغ الذى يض يع ويذ هب هدرا ل نه يك ظم نف سه‪ .‬ويُكره ها‬
‫على العراض عن النتاج خوفا من الدولة أو خوفا من القراء ”(‪.)307‬‬

‫ول عل هذا هو الهدف الذى يط مح إل يه أى نظام ير يد ال سيطرة على سريان المعلومات‬

‫فهى المجتمهع‪ .‬إذ إنهه ” على عاتهق أى نظام غسهيل دماغ يعمهل بشكهل سهليم‪ ،‬تقهع جملة مهن‬
‫الواجبات المختلفة بعضها حساس ودقيق إلى حد كبير‪ .‬وبالتالى فإن أحد أهداف نظام كهذا هو‬

‫الجماه ير الغب ية الجاهلة‪ ..‬ال تى ل بد من إلهائ ها بتب سيطات مفر طة مشحو نة بشحنات عاطف ية‬

‫قوية‪ ،‬لبد من تهميشها ولبد من عزلها‪ ....‬فكى يصبح الذعان سمة يُعوّل عليها‪ .‬لبد من‬

‫ترسيخه فى سائر الميادين‪ .‬بحيث يصبح الجمهور حشدا من المراقبين ل المشاركين “(‪.)308‬‬
‫‪306‬‬

‫() نبيل على‪ ،‬العرب وعصر المعلومات‪ .‬ص ‪.51‬‬
‫للمزيد حول مفهوم " الجمهور العليم " ومفهوم " السوق الحرة للفكار "‬

‫‪‬‬

‫انظر محمد محفوظ‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.107 - 106‬‬
‫‪307‬‬

‫() جابر عصفور‪ ،‬ضد التعصب‪ .‬ص ‪.27‬‬

‫‪308‬‬

‫() نعوم تشومسكى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪ 367‬بتصرف‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪165‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعل هذا السلوب يمثل أبرز صور التضليل العلمى‪ ،‬فعندما ” يعمد مديرو أجهزة‬
‫العلم إلى طرح أفكار وتوجهات ل تتطا بق مع حقائق الوجود الجتما عى‪ .‬فإن هم يتحولون‬
‫إلى سهائسى عقول‪ .‬ذلك أن الفكار التهى تنحهو عهن عمهد إلى اسهتحداث معنهى زائف‪ ،‬وإلى‬
‫إنتاج و عى ل يسهتطيع أن ي ستوعب بإراد ته الشروط الفعل ية للحياة القائمهة أو أن يرفض ها‪،‬‬
‫سواء على المستوى الشخصى أو الجتماعى‪ ،‬ليست فى الواقع سوى أفكار مموهة أو مضللة‬
‫”(‪.)309‬‬
‫إن قيود الجمهور الموجه هى النتيجة النهائية لوضع الحواجز والسدود ‪ -‬دون سند من‬
‫القانون ‪ -‬حول القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية‪ .‬بح يث تتحول الجماه ير ذات ها ‪ -‬صاحبة‬
‫الحق فى المعرفة ‪ -‬إلى أكبر عدو لهذه المعرفة‪.‬‬
‫د ‪ -‬القيود الفلسفية‪:‬‬
‫تشيهر القيود الفل سفية إلى القيود التهى تمارسهها المؤ سسات العلم ية بمبادرة ذاتيهة منهها‬
‫لحظر نسبة معينة من المعرفة الكامنة فى المعلومات الخارجة منها إلى جماهير المتلقين‪ ،‬وذلك‬
‫لحماية بعض المصالح المجتمعية‪ ،‬التى تعتبرها المرجعية الفلسفية ‪ -‬التى يتبناها النظام العلمى‬
‫ جديرة بالحما ية‪ .‬علوة على ذلك‪ ..‬فغالبا ما ت ستخدم المؤ سسات العلم ية مبرر المرجع ية‬‫الفلسفية التى يتبناها النظام العلمى لتأويل استخدامها للقيود الذاتية الخرى‪ .‬بحيث ل تعترف تلك‬
‫المؤسسات بممارستها لقيود السيطرة الحكومية أو الحزبية أو المؤسسية أو قيود الملكية الحتكارية‬
‫أو قيود الجمهور الموجه استجابة لمصالح أو ضغوط تلك الجهات‪ ،‬وإنما تدّعى ممارستها استجابة‬
‫للقيود الفلسفية النابعة من المرجعية الفلسفية التى يتبناها النظام العلمى‪.‬‬
‫‪--------------------------------------------------------‬‬‫وبناءا على مها سهبق‪ ..‬يتضهح أن التأثيهر الذى تمارسهه كهل مهن القيود المعرفيهة‬
‫( المجتمعيهة أو الذاتيهة ) يؤدى إلى تقليهص درجهة شفافيهة النظهم العلميهة أو قدراتهها‬
‫التكنولوجية؛ ومن ثم تقليص القدرات المعرفية لتلك النظم‪.‬‬
‫ول كن‪ ..‬على الر غم من القوة الملحوظة للقيود المجتمع ية لعتماد ها على قوة المجتمع‬
‫التشريعيهة‪ ،‬إل أن القيود الذاتيهة تبدو أكثهر خطورة على القدرات المعرفيهة للنظهم العلميهة‪،‬‬
‫وذلك انطلقا من أن القيود الذات ية ت تم ممار ستها وفقا ل ساليب م ستترة وغ ير مباشرة ي صعب‬
‫ملحظتها‪ ،‬بخلف القيود المجتمعية التى يسهل ملحظتها؛ لطبيعتها الملموسة‪.‬‬

‫‪309‬‬

‫() هربرت أ‪ .‬شيللر‪ ،‬المتلعبون بالعقول‪ .‬ترجمة عبد السلم رضوان‪ ،‬ص ‪.7‬‬

‫‪-‬‬

‫‪166‬‬

‫‪-‬‬

‫(‪ )2‬النظريات الموضّحة للساليب العملية لممارسة القيود الذاتية‪:‬‬
‫ر صدت مجمو عة من النظريات العلم ية ال ساليب العمل ية ال تى تتبع ها المؤ سسات‬
‫العلم ية للتح كم فى القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية با ستخدام القيود الذات ية‪ .‬ول شك أن‬
‫التف سير العل مى الذى تقد مه هذه النظريات لكيف ية التح كم فى ن سبة المعر فة الكام نة بالمعلومات‬
‫العلم ية المنشورة‪ ،‬يُ عد أ ساسا نظريا هاما لتوض يح ال ساليب ال تى ت تم ب ها هذه الممار سات‬
‫الذاتية السلبية لحظر نوعيات محددة من المعلومات فى النظم العلمية المختل فة‪ .‬وسنعرض‬
‫لهذه النظريات على النحو التالى‪:‬‬
‫أ ‪ -‬نظرية تحليل الطار العلمى‪:‬‬
‫وههى إحدى نظريات « المعرفهة مهن وسهائل العلم »‪ ،‬وتفترض هذه النظريهة ” أن‬
‫الحداث ل تنطوى فى حد ذات ها على مغزى مع ين‪ .‬وإن ما تكت سب مغزا ها من خلل وضع ها‬
‫فى إطار ‪ Frame‬يحدد ها وينظم ها ويض فى علي ها قدرا من الت ساق‪ ،‬من خلل الترك يز على‬
‫ب عض جوا نب الموضوع وإغفال جوا نب أخرى‪ .‬فالطار العل مى هو تلك الفكرة المحور ية‬
‫التى تنتظم حولها الحداث الخاصة بقضية معينة‪ ...‬والطار العلمى لقضية ما يعنى انتقاء‬
‫متع مد لب عض جوا نب الحدث أو القض ية وجعل ها أك ثر بروزا فى ال نص العل مى‪ ..‬وتش ير‬
‫دراسات عديدة سابقة إلى أن استخلص الجمهور لسباب قضية أو مشكلة ما وسبل علجها‪،‬‬
‫يرتبهط إلى حهد كهبير بنوع الطار العلمهى الذى يسهتخدمه القائم بالتصهال فهى شرح أبعاد‬
‫القض ية‪ ..‬ويتح كم فى تحد يد الطار العل مى خم سة متغيرات هى‪ :‬مدى ال ستقلل ال سياسى‬
‫لو سائل العلم ‪ -‬نوع م صادر الخبار ‪ -‬أنماط الممار سة العلم ية ‪ -‬المعتقدات اليدلوج ية‬
‫والثقافية للقائمين بالتصال ‪ -‬طبيعة الحداث ذاتها ”(‪.)310‬‬
‫ب ‪ -‬نظرية حارس البوابة العلمية ( ‪:) Gatekeeper‬‬
‫وتوضح تلك النظرية ” أنه على طول الرحلة التى تقطعها المادة العلمية حتى تصل‬
‫إلى الجمهور المستهدف‪ ،‬توجد نقاط ( بوابات ) يتم فيها اتخاذ قرارات بما يد خل وما يخرج‪.‬‬
‫وكل ما طالت المرا حل ال تى تقطع ها الخبار ح تى تظ هر فى الو سيلة العلم ية‪ .‬تزداد الموا قع‬
‫التى يصبح فيها من سلطة فرد أو عدة أفراد‪ ،‬تقرير ما إذا كانت الرسالة ستنتقل بنفس الشكل‬
‫أو بعد إدخال تعديلت عليها‪ .‬ويصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات له أهمية كبيرة فى انتقال‬
‫المعلومات “(‪.)311‬‬
‫‪310‬‬

‫() حسن عماد مكاوى وليلى حسين السيد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.350 - 348‬‬

‫‪311‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.176‬‬

‫‪-‬‬

‫‪167‬‬

‫‪-‬‬

‫ج ‪ -‬نظرية ترتيب الولويات ( ‪:) Agenda‬‬
‫و هى إحدى نظريات « التأث ير المعتدل لو سائل العلم »‪ ،‬وتو ضح تلك النظر ية‬
‫“ أن وسهائل العلم تلعهب دورا هاما فهى تشكيهل الحقيقهة الجتماعيهة لنها‪ ،‬مهن خلل مها‬
‫تزودنها بهه مهن أخبار وموضوعات تنتقيهها لنها مهن العالم الخارجهى‪ .‬ول يتعلم الجمهور‬
‫القضايها والموضوعات العامهة فقهط مهن وسهائل العلم‪ .‬ولكنهه يتعلم مقدار الهميهة التهى‬
‫يمنح ها لقض ية أو موضوع مع ين من خلل الترك يز الذى يح ظى به فى و سائل العلم‪.‬‬
‫وهذا التأث ير لو سائل العلم‪ ..‬أى قدرت ها على أن تؤ ثر فى التغي ير المعر فى ب ين الفراد‪،‬‬
‫يُسمى بوظيفة وضع الجندة لوسائل العلم‪ .‬وهنا يكمن تأثير وسائل العلم الحديثة وهى‬
‫قدرتها على بناء العالم لنا ”(‪.)312‬‬
‫د ‪ -‬التحليل الوظيفى لوسائل العلم ( ‪:) Functional Analysis‬‬
‫وهو أحد تطبيقات نظرية « البنائية الوظيفية » على المؤسسات العلمية‪ ،‬ومن وجهة‬
‫نظهر التحليهل الوظيفهى‪ ،‬فإن دور الوحدات فهى أى نظام يكون “ وظيفيا ‪ Functional‬إذا كان‬
‫يساعد على استقرار النظام وحفظ توازنه‪ ،‬ويحدث الختلل الوظيفى ‪ Dysfunctional‬إذا كان‬
‫السهلوك الذى تمارسهه الوحدات يخهل باسهتقرار النظام ويعوق تقدمهه ”(‪ .)313‬ولقهد أدرك‬
‫« هارولد لزويهل » ‪ “ .Lasswell, H.D‬أن وسهائل العلم يمكهن أن تصهبح غيهر وظيفيهة‬
‫‪ Dysfunctional‬أى تُحدث أثارا ضارة للمجتمهع‪ ....‬نتيجهة عدم قدرة وسهائل العلم على‬
‫إرسال المعلومات بكفاءة‪ ،‬أو عدم استقبال هذه المعلومات من جانب الجمهور بمهارة ”(‪.)314‬‬
‫‪‬‬

‫‪ ...‬إن العرض السابق للنظريات الموض حة لل ساليب العمل ية لممار سة القيود الذات ية‬
‫يوضح الدوار التى يمكن أن تمارسها المؤسسات العلمية أو القائم بالتصال لتقليص درجة‬
‫شفاف ية الن ظم العلم ية؛ و من ثم تقل يص قدرات ها المعرف ية‪ .‬وتن بع خطورة هذه ال ساليب من‬
‫طبيعة ممارستها التى تتم خلف جدران المؤسسات العلمية‪ ،‬ومن طبيعة خلفيتها الفكرية التى‬
‫تستند إلى المرجعية الفلسفية التى يتبناها النظام العلمى‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪312‬‬

‫() بسيونى إبراهيم حمادة‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.278 - 277‬‬

‫‪313‬‬

‫() حسن عماد مكاوى وليلى حسين السيد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.128‬‬

‫‪314‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.72‬‬

‫‪-‬‬

‫‪168‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمـة الفصـل الرابـع‪:‬‬
‫توصلت الدراسة ‪ -‬من خلل محاولة تحديد المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم‬
‫العلمية ‪ -‬إلى معادلة رياضية توضح العلقة بين تلك المتغيرات‪ ،‬وتتمثل فى التى‪:‬‬
‫القدرات المعرفيـة للنظام العلمـى = درجـة شفافيـة النظام العلمـى ×‬
‫قدراته التكنولوجية‬
‫حيهث يشيهر مصهطلح «القدرات المعرفيهة» إلى المردود المعرفهى الناتهج عهن نشهر‬
‫المعلومات العلمية بين جماهير المتلقين‪ ،‬بما يعنى قدرة النظام العلمى على نقل المعرفة‬
‫الكام نة بالمعلومات العلم ية إلى أ كبر قدر من جماه ير المتلق ين‪ .‬ويش ير م صطلح «در جة‬
‫شفاف ية النظام العل مى» إلى ن سبة المعر فة الكام نة بالمعلومات العلم ية المنشورة‪ .‬ويش ير‬
‫مصطلح «القدرات التكنولوجية» إلى نسبة انتشار وسائل العلم فى المجتمع‪.‬‬
‫ولقهد تهبين مهن رصهد التطورات التكنولوجيهة فهى الواقهع العلمهى أن القدرات‬
‫التكنولوجيهة للنظهم العلميهة تندفهع نحهو التصهاعد المتسهارع ‪ -‬فهى ظهل البعاد السهياسية‬
‫والقت صادية والثقاف ية والعلم ية للعول مة ‪ -‬إلى ال حد الذى سيتيح لى مجت مع فى الم ستقبل‬
‫المنظور الوصهول إلى مرحلة التشبهع التكنولوجهى العلمهى‪ ،‬والتهى تصهل فيهها القدرات‬
‫التكنولوجية لى نظام إعلمى إلى حدها القصى‪.‬‬
‫كمها تهبين مهن الدراسهة أن « درجهة شفافيهة النظهم العلميهة » قهد ارتفعهت نسهبيا‬
‫مقارنهة بالماضهى القريهب ‪ -‬تأثرا بالبعاد السهياسية والقتصهادية والثقافيهة والعلميهة‬
‫للعولمهة ‪ -‬ممها أدى إلى التضخهم الكمهى للرسهائل العلميهة‪ ،‬وديناميكيهة ومرونهة تلك‬
‫الرسهائل‪ ،‬وحريهة اختراقهها للحدود الدوليهة والحواجهز الجغرافيهة والقيود القانونيهة‪ .‬المهر‬
‫الذى أرغم النظم العلمية على الكشف عن بعض المعلومات التى اعتادت حظرها‪ ،‬نظرا‬
‫لنشرها فى نظم إعلمية أخرى عبر البث الفضائى المباشر أو عبر شبكة النترنت‪ .‬ولكن‬
‫نظرا لوجود عائق اللغهة وعائق صهعوبة المتابعهة الدقيقهة للقضايها المحليهة بمعرفهة نظهم‬
‫إعلم ية أجنب ية‪ ،‬فإن در جة شفاف ية الن ظم العلم ية ستظل تعا نى من التقلص‪ ،‬ل يس ف قط‬
‫بسبب تلك المؤثرات الخارجية؛ وإنما أيضا بسبب القيود المعرفية التى توجد فى بنية تلك‬
‫النظم‪ ،‬مما يؤدى إلى الحد من درجة شفافيتها‪ ،‬ومن ثم الحد من قدراتها المعرفية‪.‬‬
‫ولقد استحدثت الدراسة تصنيفا للقيود المعرفية التى تؤدى إلى تقليص درجة شفافية‬
‫النظم العلمية وقدراتها التكنولوجية‪ ،‬ومن ثم تقليص قدراتها المعرفية‪ .‬حيث تم تقسيمها‬

‫‪-‬‬

‫‪169‬‬

‫‪-‬‬

‫إلى التهى‪ :‬القيود المجتمع ية وتتكون من ( قيود تشريع ية وقيود عمل ية )‪ ،‬والقيود الذات ية‪،‬‬
‫حيث يفرض المجتمع القيود المجتمعية فى حين تفرض المؤسسات العلمية القيود الذاتية‪.‬‬
‫ولقهد تهبين أنهه رغهم القوة الملحوظهة للقيود المعرفيهة المجتمعيهة لعتمادهها على قوة‬
‫المجتمهع التشريعيهة‪ ،‬إل أن القيود المعرفيهة الذاتيهة تبدو أكثهر خطورة على القدرات المعرفيهة‬
‫للنظم العلمية‪ ،‬وذلك انطلقا من أن القيود الذاتية تتم ممارستها وفقا لساليب مستترة وغير‬
‫مباشرة يصعب ملحظتها‪ ،‬بخلف القيود المجتمعية التى يسهل ملحظتها لطبيعتها الملموسة‪.‬‬
‫ومهن ثهم فقهد قدمهت نتائج ذلك الفصهل الجابهة على التسهاؤل الول مهن تسهاؤلت‬
‫الدراسة‪ ،‬والذى ينص على التالى‪:‬‬
‫« ما هو ال ثر الذى تمار سه عول مة الت صال على المتغيرات الكائ نة ببن ية الن ظم‬
‫العلمية الراهنة‪ ،‬ومن ثم على وظيفتها فى المجتمع؟ »‬
‫وتمثلت تلك الجابة فى التالى‪:‬‬
‫تمارس عولمصة التصصال أثرا غيصر متوازن على المتغيرات الكائنصة فصى بنيصة النظصم‬
‫العلميصة‪ ،‬بمصا يؤدى إلى تصصاعد قدراتهصا التكنولوجيصة بمعدلت أكثصر تسصارعا مصن تصصاعد‬
‫درجة شفافيتها‪ ،‬وذلك نتيجة الدور السلبى الذى تمارسه القيود المعرفية فى بنية تلك النظم‪.‬‬
‫‪ ..‬ولكهن‪ ..‬إذا كانهت القيود المعرفيهة تؤدى إلى انخفاض القدرات المعرفيهة للنظهم‬
‫العلميهة‪ ،‬فإنهه يصهبح مهن الضرورى التعرف على الخلفيات الفكريهة التهى تتيهح لتلك القيود‬
‫اسهتمرار البقاء فهى بنيهة تلك النظهم‪ .‬وهذا مها سهيدور حوله موضوع الفصهل الخامهس حول‬
‫المرجعيات الفلسفية للنظم العلمية الراهنة‪ ،‬تلك المرجعيات التى تمثل الخلفيات الفكرية للنظم‬
‫العلمية‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪170‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل الخامس‬
‫المرجعيات الفلسفية للنظم العلمية‬
‫الراهنة‬
‫محتـويـات الفصـل الخامس‬
‫مقدمـة الفصـل الخامـس‬
‫المبحث‬

‫نظريات النظم‬

‫العلمية‬
‫الول‪:‬‬
‫نظرية المسئولية‬
‫المبحث‬
‫الجتماعية‬
‫الثانى‪:‬‬
‫(رؤيــة نقديـة)‬
‫خـاتمــة الفصــل الخامـس‬

‫‪-‬‬

‫‪171‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬
‫نظريات النظم العلمية‬
‫تنتظم نظريات النظم العلمية فى تصنيفات متعددة أسفرت عنها العديد من الدراسات‬
‫التى حاول كل منها توصيف النظم العلمية‪ ،‬ومحاولة وضع الحدود والخطوط الفاصلة التى‬
‫تميهز نظاما إعلميا مها عهن النظام الخهر‪ .‬ولقهد تمثلت أههم تصهنيفات النظهم العلميهة فهى‬
‫المحاولت التالية‪:‬‬

‫أولً‪ :‬تصنيفات نظريات النظم العلمية‪:‬‬
‫(‪ )1‬تصنيف « سيبرت وبيترسون وشرام »(‪:)315‬‬
‫ويُ عد هذا الت صنيف الذى ظ هر عام ‪ 1956‬بمثا بة الدرا سة الكل سيكية المرجع ية ال تى‬
‫أسست لمفهوم نظريات النظم العلمية‪ ،‬وذلك من خلل تصنيفها إلى أربعة تصنيفات‪:‬‬
‫النظر ية ال سلطوية ‪ -‬النظر ية الليبرال ية ‪ -‬النظر ية الشيوع ية ‪ -‬نظر ية الم سئولية الجتماع ية‬
‫وتمثهل النظريهة السهلطوية‪ ،‬المرجعيهة الفلسهفية التاريخيهة التهى نشأت فهى ظلهها كافهة النظهم‬
‫العلميهة وههى محاطهة بالعديهد مهن القيود القويهة‪ .‬ثهم تطورت فهى بعهض الدول الغربيهة‬
‫والوليات المتحدة المريك ية إلى النظر ية الليبرال ية‪ ،‬و فى ب عض دول أور با الشرق ية والدول‬
‫الشتراكيهة إلى النظريهة الشيوعيهة‪ .‬ثهم سهرعان مها تطورت النظريهة الليبراليهة فهى الوليات‬
‫المتحدة المريك ية وأور با الغرب ية إلى نظر ية الم سئولية الجتماع ية‪ .‬بين ما ل تزال مع ظم دول‬
‫العالم الثالث تتبنى خليطا من تلك النظريات‪ ،‬ولكن هذا الخليط ‪ -‬فى مجمله العام ‪ -‬يغلب عليه‬
‫الطابع السلطوى‪ ،‬وإن كان يتمسح فى منطلقات نظرية المسئولية الجتماعية‪.‬‬

‫(‪ )2‬تصنيف « لوينشتاين »(‪:)316‬‬

‫ويم ثل هذا الت صنيف إضا فة نقد ية ها مة لت صنيف نظريات العلم الر بع من خلل‬

‫تعامله م عه باعتباره ت صنيفا يفت قر إلى المرو نة اللز مة لو صف وتحل يل كل أنظ مة العلم‬
‫الموجودة فى العالم‪ .‬ولقد قسّم هذا التصنيف النظم العلمية إلى خمسة أنواع‪:‬‬
‫نظهم سهلطوية ‪ -‬نظهم سهلطوية اجتماعيهة ‪ -‬نظهم ليبراليهة ‪ -‬نظهم ليبراليهة اجتماعيهة ‪ -‬نظهم‬
‫مركزية اجتماعية‪.‬‬
‫‪)(Severing werner J. & Thankard, James W., Communication Theories ) origins, Methods,‬‬
‫‪Uses (. p. 210.‬‬
‫‪315‬‬

‫‪316‬‬

‫() جون ميرل ورالف لوينشتايههن‪ ،‬العلم وسههيلة ورسههالة‪ .‬ترجمههة سههاعد خضههر العرابههى الحارثههى‪،‬‬
‫ص ‪.241 - 240‬‬

‫‪-‬‬

‫‪172‬‬

‫‪-‬‬

‫حيث حل مفهوم السلطوية الجتماعية محل الشيوعية؛ ليستوعب بذلك كل دول الكتلة الشرقية‬

‫والنظم العلمية الموجهة فى الدول النامية‪ .‬كما تم استبعاد مفهوم المسئولية الجتماعية؛ ليحل‬
‫محله كل من مفهو مى الليبرال ية الجتماع ية والمركز ية الجتماع ية‪ ،‬ح يث تتض من الليبرال ية‬
‫الجتماعية حدا أدنى من القيود والسيطرة الحكومية لدعم قنوات التصال وتأكيد الروح العملية‬
‫للفلسفة الليبرالية‪ ،‬بينما تتضمن المركزية الجتماعية ملكية حكومية أو عامة لقنوات التصال‬

‫المحدودة لتأكيد الروح العملية للفلسفة الليبرالية‪.‬‬

‫(‪ )3‬تصنيف « ألتشول »‪:‬‬
‫قدم هذا التصنيف تقسيما جديدا للنظمة العلمية من خلل تقسيمها إلى ثلثة أنواع‪:‬‬

‫‪ -‬أنظمة ماركسية‬

‫‪ -‬أنظمة السوق‬

‫‪ -‬أنظمة تقدمية‬

‫بحيث يصبح هذا التصنيف موازيا للنظمة السياسية المطروحة عالميا‪ ،‬وهى النظم الشيوعية‬

‫والنظم الرأسمالية ودول العالم الثالث‪.‬‬

‫وعلى الرغم من أن ما أكده هذا التصنيف ‪ -‬من وجود اختلفات بين تلك النظم حول‬

‫مفهو مى الحر ية والم سئولية ‪ -‬إل أ نه ” أشار إلى وجود سبعة قوان ين قابلة للتوا جد فى كل‬

‫النظمة العلمية مهما تعارضت توجهاتها وهى‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫فهى كهل النظمهة العلميهة‪ ،‬أجهزة العلم وكلء هؤلء الذيهن بيدههم السهلطة السهياسية‬

‫‪-‬‬

‫إن محتوى أجهزة العلم يعكس دائما مصلحة هؤلء الذين يمولون العلم‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫كل أجهزة العلم تقوم على معت قد الت عبير ال حر‪ ،‬وإن كان هذا الت عبير ي تم تعري فه بطرق‬

‫‪-‬‬

‫كل أجهزة العلم تؤ يد مبدأ الم سئولية الجتماع ية‪ ،‬وتعلن أن ها تل بى حاجات الش عب‬

‫‪-‬‬

‫كهل نظام مهن أنظمهة العلم الثلثهة ينظهر إلى إعلم النظاميهن الخريهن على أنهه‬

‫‪-‬‬

‫تقوم مدارس الصهحافة بنقهل أيدلوجيات أنظمهة مجتمعاتهها‪ ،‬وتتولى كذلك نقهل قيمهها‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫الممارسات العلمية تختلف دائما عن النظرية “(‪.)317‬‬

‫‪317‬‬

‫والقتصادية‪.‬‬

‫مختلفة‪.‬‬

‫وتخدم مصالحه‪.‬‬
‫منحرف‪.‬‬

‫وبالتالى فهى تساعد الذين يمتلكون السلطة فى إبقاء سيطرتهم على أجهزة العلم‪.‬‬

‫() جى‪ .‬هربرت ألتشول‪ ،‬سيمفونية العلم ( نظام للتصنيف )‪ .‬عرض وترجمة زكى الجابر‪ ،‬ص ‪.33 - 32‬‬

‫‪-‬‬

‫‪173‬‬

‫‪-‬‬

‫(‪ )4‬تصنيف « ماكويل »(‪:)318‬‬
‫قدم ماكويهل فهى هذا التصهنيف إضافهة هامهة إلى النظريات الربهع التقليديهة للنظهم‬

‫العلمية‪ ،‬حيث أضاف نظريتين جديدتين هما‪:‬‬
‫‪ -‬النظرية التنموية‬

‫‪ -‬نظرية المشاركة الديموقراطية‬

‫حيث تسعى النظرية التنموية إلى توصيف وضع وسائل العلم فى الدول النامية وتوجيهها‬
‫ل كى تخدم عمل ية التنم ية‪ .‬بين ما ” تبرز نظر ية المشار كة الديمقراط ية‪ ،‬كرد ف عل للطا بع التجارى‬
‫والتجاه إلى الحتكار فى وسائل العلم الخاضعة للملكية الفردية‪ ،‬وبيروقراطية المؤسسات الذاعية‬
‫ال تى أقي مت على أ ساس الم سئولية الجتماع ية‪ .‬وبالتالى فإن و سائل العلم ي جب أن تو جد بش كل‬
‫أ ساسى من أ جل جماهير ها‪ ،‬ول يس من أ جل منظمات و سائل العلم أو المهني ين‪ .‬وأن الجماعات‬
‫والمنظمات والمجتمعات المحليهة يجهب أن تكون لهها وسهائل إعلمهها الخاصهة‪ .‬وأن أفضهل أشكال‬
‫العلم هى وسائل العلم الصغيرة التى يمكن من خللها تحقيق التفاعل أو المشاركة السياسية‪.‬‬
‫وأن التصال مهم جدا لدرجة ل يمكننا معها تركه للمهنيين وحدهم “(‪.) 319‬‬
‫” وتدا فع نظر ية المشار كة الديمقراط ية عن د عم و سائل العلم للتعدد الثقا فى إلى‬
‫أبعد مدى‪ ،‬حيث ينبغى أن تُستخدم وسائل العلم لتمثيل الجماعات المتعددة‪ .‬وعلى خلف‬
‫نظرية المسئولية الجتماعية التى تفترض أن وسائل العلم يمكن أن تؤدى تلك الوظيفة‪،‬‬
‫فإن نظر ية المشار كة الديمقراط ية ت ستدعى ‪ -‬من أ جل تنم ية البداعات ‪ -‬و سائل العلم‬
‫ال صغيرة ال تى يم كن إدارت ها مباشرة بوا سطة جماعات صغيرة‪ ،‬ينب غى على الحكو مة أن‬
‫تقدم ل ها الد عم والعانات والبرا مج التدريب ية‪ ،‬لتمك ين أعضاء ها من تعلم كيف ية إدارة تلك‬
‫الوسائل العلمية “( ‪.)320‬‬

‫(‪ )5‬تصنيف « هاشتين » ‪: Hachten‬‬

‫” قسم هذا التصنيف النظم العلمية وفقا لخمسة مفاهيم هى‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫المفهوم الغربهى ‪ ،western concept‬والذى يشمهل النظريهة الليبراليهة ونظريهة المسهئولية‬
‫الجتماعية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫المفهوم الثورى ‪ ،Revolutionary‬وذلك لتوصهيف وسهائل العلم فهى ثورات أوربها‬
‫الشرقية فى التسعينات‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫المفهوم التنموى‬

‫‪ -‬المفهوم الشيوعى‬

‫‪ -‬المفهوم السلطوى‬

‫‪)(Mcquail, Denis, Mass Communication Theory ) An Introduction (. pp. 121 - 135.‬‬
‫() حمدى حسن‪ ،‬الوظيفة الخبارية لوسائل العلم‪ .‬ص ‪.157‬‬

‫‪318‬‬

‫‪319‬‬

‫‪)(Mcquail, Denis, op.cit, p. 100.‬‬

‫‪320‬‬

‫‪-‬‬

‫‪174‬‬

‫‪-‬‬

‫ل مهن النظريهة الليبراليهة ونظريهة المسهئولية‬
‫وبالتالى فقهد دمهج هذا التصهنيف ك ً‬
‫الجتماعية فى إطار المفهوم الغربى‪ .‬واستحدث مفهوم جديد هو المفهوم الثورى بالتطبيق على‬
‫صحافة دول أوربا الشرقية عقب انهيار النظام الشيوعى ”(‪.)321‬‬

‫(‪ )6‬تصنيف « جاى بلك وجيينج بريانت »‪:‬‬
‫ويقسم هذا التصنيف النظم العلمية إلى خمسة نظم وفقا لخمسة مفاهيم‪:‬‬
‫السلطوى ‪ -‬الشيوعى ‪ -‬الثورى ‪ -‬التنموى ‪ -‬الغربى‬
‫إل أن وجهه الخلف بينهه وبيهن تصهنيف هاشتيهن يتمثهل فهى ” إضافهة نظريهة الديمقراطيهة‬
‫الجتماعيهة إلى المفهوم الغربهى‪ .‬ونظام الديمقراطيهة الجتماعيهة ههو نظام خاص بدول أوربها‬
‫الغرب ية يعت مد على ف كر المارك سيين الجدد المختلط بكتابات الفل سفة الل يبراليين الكل سيكيين‪.‬‬
‫ويهدف إلى التنوع فى الراء من أ جل تعز يز الديمقراط ية فى كل المجالت الجتماع ية ب ما‬
‫في ها القت صاد‪ .‬ويمتلك هذا ال حق كل المواطن ين‪ .‬ويمت نع فى هذا النظام الت صادم المفرط مع‬
‫حقوق الفراد والم صالح الجتماع ية‪ .‬وتكون ملك ية و سائل العلم للش عب والمنظمات ال تى‬
‫ل تستهدف الربح والقطاع الخاص “(‪.)322‬‬

‫ثانياً‪ :‬نقد تصنيفات نظريات النظم العلمية‪:‬‬
‫أظهرت التصنيفات السابقة للنظم العلمية أن المدى الذى تم تصنيف النظم العلمية‬
‫خلله يتراوح ما بين‪ :‬مفهوم التوجيه أو مفهوم الحرية‪ .‬بحيث يمكن من خلل التعميم العلمى‬
‫تجميع النظم العلمية فى نظامين رئيسيين وهما‪:‬‬
‫ن ظم إعلم ية موج هة‪ :‬ويد خل فى إطار ها ‪ -‬بدرجات متفاو تة فى التوج يه ‪ ( -‬الن ظم‬

‫•‬

‫السلطوية‪ ،‬النظم الشيوعية أو الماركسية أو السلطوية الجتماعية‪ ،‬النظم التنموية أو التقدمية‬
‫)‪.‬‬
‫•‬

‫نظصم إعلميصة حرة‪ :‬ويدخهل فهى إطارهها ‪ -‬بدرجات متفاوتهة فهى الحريهة ‪ ( -‬النظهم‬
‫ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههة‬
‫الليبراليه‬
‫أو أنظمة السوق‪ ،‬النظم المسئولة اجتماعيا أو الليبرالية الجتماعية أو المركزية الجتماعية‬
‫أو الديمقراطية الجتماعية‪ ،‬نظام المشاركة الديمقراطية )‪.‬‬

‫‪ )( 321‬سليمان صالح‪ " ،‬التجاهات العلمية الحديثة لمفهوم حرية الصحافة "‪ ،‬مجلة الدراسات العلمية‪ ( .‬عدد ‪ ،93‬أكتوبر ‪-‬‬
‫ديسمبر ‪ ،) 1998‬ص ‪.92‬‬
‫‪322‬‬
‫‪)(Black, Jay & Bryant, Jennirgs, Introduction to Media Communication ) Understand the‬‬

‫‪Past, experience the present, marvel at the future (. p. 489.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪175‬‬

‫‪-‬‬

‫ولقهد قامهت تلك التصهنيفات بتصهنيف النظهم العلميهة وفقا لمحددات سهياسية‬
‫أو اقتصهادية أو اجتماعيهة أو ثقافيهة‪ .‬حيهث تشيهر المحددات السصياسية إلى علقهة النظام‬
‫العل مى بال سلطة من ح يث در جة التح كم وال سيطرة واليدلوج ية ال سائدة والحر ية المتا حة‪.‬‬
‫وتشيهر المحددات القتصصادية إلى أنماط الملكيهة السهائدة للنظهم العلميهة وأسهاليب إدارتهها‬
‫وتمويلهها‪ .‬وتشيهر المحددات الجتماعيصة إلى الدوار الجتماعيهة المنوطهة بالنظهم العلميهة‪.‬‬
‫بينما تشير المحددات الثقافية إلى الوظائف العلمية المتعلقة بنشر المعلومات والراء ومدى‬
‫كفالة النظم العلمية للتنوع والتعدد‪.‬‬
‫وإذا كانت النظم العلمية الموجهة تبدو كأحد أدوات السلطة‪ ،‬من حيث كونها أدوات‬
‫دعائ ية لن ظم الح كم وللترو يج اليدلو جى ود عم خ طط التنم ية فى المجت مع‪ .‬بين ما تبدو الن ظم‬
‫العلم ية الحرة ك سلطة راب عة فى مواج هة سلطات الدولة الثلث‪ ،‬ت ستهدف م صلحة المجت مع‬
‫ومصلحة كيانها الذاتى‪ ،‬باعتبارها مؤسسات اقتصادية تبغى الربح من خلل نشر المعلومات‬
‫والترويهج العلنهى‪ .‬فإنهه يمكهن القول إذن‪ ..‬أن النظهم العلميهة الموجههة تسهتهدف توجيهه‬
‫المجت مع من أ جل م صلحة الدولة‪ ،‬بين ما الن ظم العلم ية الحرة ت ستهدف ت سليط الضوء على‬
‫أنشطة الدولة من أجل مصلحة المجتمع‪.‬‬
‫ولكهن نظرا لنهه ل وجود للدولة بدون المجتمهع‪ ،‬فإن كافهة النظهم العلميهة الحرة‬
‫أو الموجههة تحاول أن تترجهم ممارسهاتها العلميهة فهى إطار التزامهها تجاه المجتمهع‪ .‬وكمها‬
‫أو ضح « ألتشول » ” فإن كل أجهزة العلم تؤ يد مبدأ الم سئولية الجتماع ية وتعلن أن ها تل بى‬
‫حاجات الشعب وتخدم مصالحه “(‪.)323‬‬
‫وبالتالى فإن نظريهة المسهئولية الجتماعيهة تبدو وكأنهها تقدم الطار النظرى الفلسهفى‬
‫الذى يصلح لكى تستند إليه كافة النظم العلمية الحرة والموجهة لتبرير ممارساتها العلمية‪.‬‬
‫المر الذى يطرح أهمية الدراسة النقدية لتلك النظرية‪ ،‬والتى تمثل المرجعية الفلسفية الرئيسية‬
‫التهى تسهتند إليهها معظهم النظهم السهياسية فهى تبريرهها لممارسهاتها لتقليهص القدرات المعرفيهة‬
‫لنظمها العلمية‪.‬‬
‫وسهنعرض فهى المبحهث التالى للسهس النظريهة التهى قامهت عليهها نظريهة المسهئولية‬
‫الجتماع ية‪ ،‬تمهيدا لخضاع تلك ال سس للدرا سة النقد ية للتعرف على مدى ملءمت ها للبعاد‬
‫السياسية والقتصادية والثقافية والعلمية للعولمة‪ ،‬ومدى جدارتها بالتبنى باعتبارها مرجعية‬
‫فلسفية تهتدى بها النظم العلمية الراهنة فى تبرير تقليصها لقدراتها المعرفية‪.‬‬
‫‪323‬‬

‫() جى‪ .‬هربرت ألتشول‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.62‬‬

-

176

-



‫‪-‬‬

‫‪177‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثـانى‬
‫نظرية المسئولية الجتماعية‬
‫( رؤيـــة نقــديــة )‬
‫أولً‪ :‬السس الفكرية لنظرية المسئولية الجتماعية‪:‬‬
‫يعتبر تقرير لجنة « هتشنز » ‪ Hutchins Commission‬الصادر عام ‪ 1947‬فى الوليات‬

‫المتحدة المريك ية ت حت عنوان « صحافة حرة وم سئولة» ‪ A Free and Responsible press‬هو‬
‫الساس الفكرى الذى قامت عليه نظرية المسئولية الجتماعية للنظم العلمية‪.‬‬
‫وقد أشارت نتائج هذا التقرير إلى الملحظات التالية(‪:)324‬‬
‫•‬

‫إن السوق الحرة قد فشلت فى تحقيق الوعد بحرية الصحافة‪.‬‬

‫•‬

‫إن التطورات التكنولوجية والتجارية للصحافة أدت إلى تقليل فرص الفراد والجماعات‬

‫المتنوعة فى الدخول إلى السوق والتمتع بحق النشر‪ .‬كما أدت إلى هبوط معايير الداء وإلى‬

‫فشل الصحافة فى تلبية احتياجات المجتمع الخلقية والجتماعية‪ .‬بالضافة إلى تناقص قدرة‬
‫الصحافة على إمداد المجتمع بالمعلومات‪ ،‬كما أدت إلى زيادة السيطرة الطبقية‪.‬‬

‫•‬

‫إن القلة القادرة على اسهتخدام وسهائل العلم تعمهل على خدمهة بعهض الجماعات فهى‬

‫•‬

‫إن الصحافة تصبح فى حاجة إلى نوع ما من التنظيم الذاتى أو السيطرة ‪ ،‬إذا استمرت‬

‫المجتمع ول تلبى حاجات المجتمع ككل‪.‬‬
‫فى انتهاج ممارسات ضارة بالمجتمع‪.‬‬

‫ول قد رأت اللج نة أن صناعة العلم فى الوليات المتحدة المريك ية ي جب أن ت ستمر فى يد‬

‫القطاع الخاص واض عة فى اعتبار ها الم صلحة العا مة‪ ..‬ووض عت اللج نة مجمو عة ت صورات‬

‫حول وظائف الصحافة‪ ..‬تتمثل فى التى‪:‬‬

‫• إعطاء تقرير صادق وشامل وذكى عن الحداث اليومية فى سياق يعطى لها مغزى‪.‬‬
‫• أن تعمل كمنبر لتبادل التعليق والنقد‪.‬‬
‫• أن تقدم صورة ممثلة للجماعات المتنوعة التى يتكون منها المجتمع‪.‬‬
‫• أن تقدم أهداف المجتمع وقيمه وتوضحها‪.‬‬
‫• أن توفر معلومات كاملة عما يجرى يوميا‪.‬‬
‫‪324‬‬

‫() انظر كلً من‪:‬‬
‫أ ‪ -‬سليمان صالح‪ ،‬أزمة حرية الصحافة فى النظم الرأسمالية‪ .‬ص ‪.18‬‬
‫ب ‪ -‬حسن عماد مكاوى‪ ،‬أخلقيات العمل العلمى ( دراسة مقارنة )‪ .‬ص ‪.71‬‬

‫‪-‬‬

‫‪178‬‬

‫‪-‬‬

‫” وأو صت اللج نة الحكو مة بت طبيق الضمانات الد ستورية لحر ية ال صحافة‪ ،‬وأن تع مل‬
‫الحكومهة على تسههيل ظهور وسهائل إعلم جديدة‪ ،‬واسهتمرار المنافسهة بيهن الوسهائل الكهبيرة‬
‫القائمة “(‪.)325‬‬
‫” ول قد تأ ثر الخطاب العلمى فى الوليات المتحدة بتقر ير اللج نة والنتائج ال تى تو صلت‬
‫إليها‪ .‬وكان من مؤيدى هذا التوجه العلمى « ثيودور بيترسون »‪ ،‬حيث كتب عام ‪ 1956‬عن‬
‫جوهر نظرية المسئولية الجتماعية وقال‪ ” :‬إن الحرية تحمل معها المسئولية‪ ،‬وأن الصحافة التى‬
‫تح ظى بمكا نة متميزة ع ند الحكو مة المريك ية ل بد أن تكون م سئولة عن المجت مع‪ ،‬وأن تح قق‬
‫الوظائف الرئيسية التى يؤديها العلم فى المجتمع الحديث‪ .‬وهكذا يتبين أن لجنة هتشنز كانت هى‬
‫الركيزة ال ساسية فى ولدة هذه النظر ية‪ .‬وأن الدرا سات العلم ية ال تى تناولت موضوع نظر ية‬
‫المسئولية الجتماعية كانت تستمد فلسفتها من النتائج التى وردت فى تقرير اللجنة “(‪.)326‬‬
‫وبالتالى فإن ” التصهور النظرى الذى بدأتهه لجنهة هتشنهز تبلور فيمها بعهد فهى كتابات‬
‫الصحفيين والمهتم ين بالعلم‪ ،‬ليكون أ ساسا للنظر ية التى عُر فت فيما ب عد بنظر ية الم سئولية‬
‫الجتماعية “(‪.)327‬‬
‫وتمثلت مبادئ نظرية المسئولية الجتماعية فى التالى(‪:)328‬‬
‫•‬

‫إن وسائل العلم يجب أن تقبل القيام بالتزامات معينة تجاه المجتمع‪.‬‬

‫•‬

‫إن هذه اللتزامات يمكن تنفيذها بوضع معايير مهنية لنقل المعلومات تتمثل فى الحقيقة‬
‫والدقة والموضوعية والتوازن‪.‬‬

‫•‬

‫لتنفيذ هذه اللتزامات يجب أن تنظم وسائل العلم نفسها بشكل ذاتى‪.‬‬

‫•‬

‫إن وسهائل العلم يجهب أن تتجنهب نشهر مها يمكهن أن يؤدى إلى الجريمهة والعنهف‬
‫والفوضى الجتماعية‪ ،‬أو توجيه أية إهانات إلى القليات‪.‬‬

‫•‬

‫إن وسائل العلم يجب أن تكون متعددة‪ ،‬وتعكس تنوع الراء وتلتزم بحق الرد‪.‬‬

‫•‬

‫إن المجت مع والجمهور من ح قه أن يتو قع من و سائل العلم معاي ير رفي عة فى آدائ ها‬
‫لوظائفها‪.‬‬

‫•‬

‫إن التدخل العام يمكن أن يكون مُبررا لتحقيق المصلحة العامة‪.‬‬

‫‪325‬‬

‫() محمود علم الدين‪ ،‬الصحافة فى عصر المعلومات ( الساسيات والمستحدثات )‪ .‬ص ‪.82‬‬

‫‪326‬‬

‫() محمد بن سعود البشر‪ ،‬المسئولية الجتماعية فى العلم‪ .‬ص ‪.20‬‬

‫‪327‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.51‬‬

‫‪328‬‬

‫() سليمان صالح‪ ،‬مفهوم حر ية ال صحافة ( درا سة مقار نة ب ين جمهور ية م صر العرب ية والممل كة المتحدة فى الفترة من‬
‫‪ 1945‬إلى ‪ .) 1985‬رسالة دكتوراه غير منشورة‪ ،‬كلية العلم‪ ،‬جامعة القاهرة‪ ،1991 ،‬ص ‪.8 - 7‬‬

‫‪-‬‬

‫‪179‬‬

‫‪-‬‬

‫وقهد طرحهت نظريهة المسهئولية الجتماعيهة بعهض الحلول لتحقيهق مبادئ المسهئولية‬
‫الجتماعية وتتمثل فى(‪:)329‬‬
‫•‬

‫التنظيهم الذاتهى لمهنهة الصهحافة مهن خلل إصهدار مواثيهق لحمايهة حريهة التحريهر‬
‫والممارسة الصحفية‪.‬‬

‫•‬

‫إصدار قوانين للحد من الحتكار‪.‬‬

‫•‬

‫إنشاء مجالس للصحافة‪.‬‬

‫•‬

‫إنشاء نظام لتقديم إعانات للصحف بهدف المحافظة على التنوع الصحفى‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬نقد نظرية المسئولية الجتماعية‪:‬‬
‫على الرغم من محاولة نظرية المسئولية الجتماعية لرساء مجموعة من المبادئ التى‬
‫ت ستهدف تحق يق نوع من التوازن ب ين حق المؤ سسات العلم ية فى العلم و حق جماه ير‬
‫المتلقين فى المعرفة‪ ،‬إل أن الواقع العلمى يوضح أن السلبيات التى نشأت نظرية المسئولية‬
‫الجتماعية من أجل القضاء عليها مازالت تسيطر على العمل العلمى‪.‬‬
‫ول قد تمثلت المعوقات ال تى ” جعلت أن صار نظر ية الم سئولية الجتماع ية فى العلم‬
‫ل يتجاوزون مرحلة التنظير إلى واقع التطبيق‪ ..‬فى‪ :‬النزعة الربحية فى اقتصاديات الوسيلة‪..‬‬
‫سهيطرة جماعات الضغهط والمصهالح‪ ..‬الهتمام بالوظيفهة الترفيهيهة وسهوء اسهتخدامها “(‪.)330‬‬
‫حيهث مازالت النزعهة الربحيهة فهى اقتصهاديات المؤسهسات العلميهة قائمهة‪ ،‬وتتجلى فهى‬
‫الندماجات المت صاعدة ب ين المؤ سسات العلم ية من أ جل تحق يق وفورات اقت صاديات الح جم‬
‫والنتاج الكبير‪ .‬وهذا بالطبع يؤدى إلى محاصرة التعددية وتقليص عدد المؤسسات العلمية‪.‬‬
‫وفهى مجال سهيطرة جماعات الضغهط والمصهالح‪ ،‬مازالت العلقات القائمهة علنا أو سهرا بيهن‬
‫المؤسسات العلمية وبين جماعات الضغط والمصالح فى المجتمعات تقيد كثيرا من قدرة تلك‬
‫المؤسسات على النشر الوافى للمعلومات العلمية‪ ..‬وفيما يتعلق بالهتمام بالوظيفة الترفيهية‬
‫على حسهاب الوظائف المعرفيهة‪ ،‬فإن المضمون الترفيههى مازال ههو المسهيطر على مجمهل‬
‫مساحات وساعات النتاج العلمى‪.‬‬
‫ول عل هذا ما يد عو أن صار نظر ية الم سئولية الجتماع ية إلى التحذ ير من أن ” زيادة‬
‫التبعية لمصالح مجتمع العمال ‪ -‬التى ل تفعل أكثر من الثارة والتضليل من أجل الربح ‪-‬‬
‫ستدعو إلى ن مو الرتياب الجماهيرى فى و سائل العلم‪ ،‬وإلى ال سيطرة الحكوم ية المحتو مة‬
‫‪329‬‬

‫() سليمان صالح‪ ،‬أزمة حرية الصحافة فى النظم الرأسمالية‪ .‬ص ‪.18‬‬

‫‪330‬‬

‫() محمد بن سعود البشر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬صفحات ‪ ( 44 - 10‬بتصرف )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪180‬‬

‫‪-‬‬

‫على تلك الوسهائل “(‪ .)331‬بينمها على الجانهب الخهر‪ ..‬يعبّر نقاد المسهئولية الجتماعيهة عهن‬
‫اقتناع هم بعدم وجود حا جة لتلك النظر ية‪ .‬ويؤكدون أن “ أى محاولة لو ضع يد الحكو مة على‬
‫صمامات ال صحافة ( العلم )‪ ،‬قد يد مر إلى أب عد مدى المفهوم ال صلى لحريت ها أك ثر م ما‬
‫ل للصلح ”(‪.)332‬‬
‫ستفعل مواطن الضعف المزعومة‪ ،‬والتى هى قابلة أص ً‬
‫ولكهن مها بيهن التأييهد والمعارضهة لنظريهة المسهئولية الجتماعيهة ‪ -‬باعتبارهها إحدى‬
‫نظريات النظم العلمية ‪ -‬فإن التحليل العلمى للسس التى قامت عليها تلك النظرية هو الذى‬
‫سهيوضح مدى جدارة تلك النظريهة بالتبنهى أو التطهبيق‪ .‬إذ إن اللفهت للنظهر أن ثمهة جاذبيهة‬
‫فكرية فى نظرية المسئولية الجتماعية جعلتها تمثل المبرر الجاهز الذى تستند إليه كافة النظم‬
‫العلمية تقريبا فى تبريرها لممارساتها المقيدة لقدراتها المعرفية‪.‬‬
‫ولعهل التحليهل العلمهى يوضهح أن ثمهة أوجهه قصهور عديدة فهى تلك النظريهة على‬
‫المستويات التاريخية والتنظيمية والتطبيقية والمعرفية والتكنولوجية‪ .‬وذلك وفقا للتفصيل التالى‪:‬‬

‫(‪ )1‬المستوى التاريخى‪:‬‬
‫إن التحليهل التاريخهى لظروف نشأة نظريهة المسهئولية الجتماعيهة يوضهح أن تلك‬
‫الظروف التاريخية لم تعد قائمة الن‪ .‬فلقد “ ظهرت نظرية المسئولية الجتماعية فى وقت كان‬
‫العالم فيه مُحاطا بالزمات‪ ،‬وكانت الديمقراطية نفسها تتعرض لتهديدات واضحة ”(‪.)333‬‬
‫ح يث ظهرت نظر ية الم سئولية الجتماع ية ع قب نها ية الحرب العالم ية بعام ين‪ .‬وكا نت‬

‫الفلسفة السياسية فى دول الغرب ‪ -‬على الرغم من النتصار العسكرى ‪ -‬تعانى الكثير من الضعف‬

‫وعدم الثقة‪ .‬فلقد أدى الصراع مع النازية والفاشية اللتين ظهرتا من قلب الليبرالية الغربية إلى اهتزاز‬
‫الث قة فى ال ُم ثل الليبرال ية فى كا فة المجالت‪ .‬كذلك كان لبروز المع سكر الشر قى الشيو عى بقيادة‬
‫التحاد السوفيتى دور كبير فى اتساع الدور الذى تمارسه الحزاب الشتراكية الديمقراطية فى الدول‬

‫الوربية فى محاولة لدرء خ طر اليدلوجية الماركسية‪ .‬و فى هذا المناخ المل بد بعدم الث قة والهتزاز‬
‫الفكرى ظهرت نظريهة المسهئولية الجتماعيهة فهى مجال العلم‪ ،‬باعتبارهها امتدادا للتجاه الذى‬
‫سهيطر على كافهة المجالت عقهب الحرب‪ ،‬ذلك التجاه الذى كان يرى أن الليبراليهة الكلسهيكية ‪-‬‬

‫بتوفيرها للحرية المطلقة على كافة الصعدة ‪ -‬تتيح بذلك ثغرات ومواطن ضعف يمكن من خللها‬

‫إساءة استخدام تلك الحرية أو النقلب عليها‪ .‬ولذلك كان لبد من تقنين فكرة التدخل التى تحد‬
‫‪)(Harless, James D., Mass Communication ) An Introductory survey (. p. 489.‬‬
‫‪)(Merrill, John C. & Lee, John & Lander, Edward J. F., Modern Mass Media. p. 181.‬‬
‫‪)(Baran, stanley J. & Davis, Dennis K., Mass Communication Theory ) Foundations,‬‬

‫‪Ferment and Future (. p. 100.‬‬

‫‪331‬‬
‫‪332‬‬
‫‪333‬‬

‫‪-‬‬

‫‪181‬‬

‫‪-‬‬

‫‪ -‬نوعا ما ‪ -‬من فل سفة الحر ية المطل قة سواء أكا نت فى المجالت ال سياسية ( بح ظر اقا مة‬

‫أحزاب نازيهة أو فاشيهة ) أم فهى المجالت القتصهادية (بالسهماح بقدر مهن تدخهل الدولة فهى‬

‫القتصاد)‪ ،‬أم فى المجالت الجتماعية ( بإقامة شبكات تأمين وضمان إجتماعى واسعة )‪ ،‬أم‬
‫فى المجالت الثقافية والعلمية ( من خلل تحديد دور اجتماعى للمؤسسات الثقافية العلمية‬

‫يساعد على تحقيق التوازن فى المجتمع )‪.‬‬

‫ولكهن الواقهع الراههن الذى تشهده المجتمعات المعاصهرة فهى ظهل مها تطرحهه ظاهرة‬

‫العولمهة مهن تغيرات يختلف تماما عهن كهل تلك الظروف المواكبهة لنشأة نظريهة المسهئولية‬
‫الجتماعية‪ .‬فلقد أدى انهيار المعسكر الشتراكى إلى تصاعد الثقة فى النموذج الليبرالى بأبعاده‬

‫القت صادية المتمثلة فى ال سوق‪ ،‬وال سياسية المتمثلة فى الديمقراط ية‪ ،‬والجتماع ية المتمثلة فى‬
‫الفردية‪ ،‬والثقافية العلمية المتمثلة فى حرية الفكر وحرية التعبير‪.‬‬

‫وإذا كانهت بعهض التجاهات الفكريهة ترى أن التاريهخ يعيهد دورتهه ليوفهر الرضيهة‬

‫الخ صبة لن مو نظر ية الم سئولية الجتماع ية‪ ،‬انطلقا من أن الدعوة إلى الطر يق الثالث ال تى‬

‫تنتهج اتجاه « الديمقراطية الجتماعية » تتصاعد كرد فعل على تصاعد التجاه نحو سياسات‬

‫« الليبراليين الجدد »‪ .‬فإن عالم ما بعد الحرب الباردة يختلف عن عالم ما قبل الحرب الباردة‪.‬‬

‫والديمقراطية الجتماعية تختلف عن الشتراكية الديمقراطية‪ .‬ووسائل العلم التقليدية تختلف‬
‫عن و سائل العلم الجديدة ( النتر نت حاليا والطر يق ال سريع للمعلومات م ستقبلً )‪ .‬وبالتالى‬

‫فإن نظريهة المسهئولية الجتماعيهة فهى العلم لم تعهد تتواءم مهع الواقهع الراههن بكافهة أبعاده‬
‫السياسية والقتصادية والجتماعية والثقافية والعلمية‪.‬‬

‫ول عل هذا ما أدى بأ حد الباحث ين العلمي ين إلى الت ساؤل “ هل ستؤدى نها ية الحرب‬

‫الباردة وتأ سيس النظام العال مى الجد يد إلى تول يد نظر ية معيار ية جديدة ( للن ظم العلم ية )؟‬

‫وهل ستؤدى الزمات المحلية أو الداخلية الراهنة إلى ظهور الحافز الكافى لعادة التفكير فى‬

‫نظرية المسئولية الجتماعية أو تطوير نظرية أخرى جديدة ؟ ”(‪.)334‬‬

‫(‪ )2‬المستوى التنظيمى‪:‬‬

‫‪)(Baran, stanley J. & Davis, Dennis K., op.cit., p. 100.‬‬

‫‪334‬‬

‫‪-‬‬

‫‪182‬‬

‫‪-‬‬

‫تمثلت القوا عد التنظيم ية ال تى أشارت إلي ها نظر ية الم سئولية الجتماع ية لضمان تنف يذ‬

‫مبادئها فى القواعد التية‪ :‬المواثيق الخلقية ‪ -‬مجالس الصحافة والعلم ‪ -‬قوانين مكاف حة‬
‫الحتكار ‪ -‬العانات الحكومية‪.‬‬

‫ويتضهح مهن تلك القواعهد أن بعضا منهها يترجهم فلسهفة التنظيهم الذاتهى للمؤسهسات‬

‫العلميهة مهن خلل المواثيهق الخلقيهة ومجالس الصهحافة والعلم‪ ،‬والبعهض الخهر يبيهح‬

‫التدخهل العام مهن خلل العانات الحكوميهة‪ ،‬أو التدخهل التشريعهى مهن خلل قوانيهن منهع‬

‫الحتكار‪ .‬ولكن الواقع يقرر أن تلك المبادئ التنظيمية لم تكتسب ‪ -‬فى معظم حالت تطبيقها ‪-‬‬
‫القوة اللزمة لكى تؤكد المبادئ التى دعت إليها نظرية المسئولية الجتماعية‪.‬‬

‫ففههى الوليات المتحدة ‪ -‬باعتبارههها مهههد نظريههة المسههئولية الجتماعيههة ‪-‬‬

‫“ هناك مشكلة أساسية تتعلق بهذه النظرية‪ ،‬حيث ل يوجد اتفاق عام حول مسئوليات العلم‪،‬‬
‫∗‬

‫وعلى الر غم من وجود عدة مواث يق لمرا فق العلم المختلفة تحدد م سئوليات كل مر فق‪ ،‬إل‬
‫أنهه ل يوجهد ميثاق واحهد عام وشامهل وملزم للجميهع‪ .‬ويعود السهبب فهى هذا إلى موقهف‬

‫العلميين المريكيين أنفسهم الذين ل يرغبون فى تحديد المسئوليات بصورة دقيقة وحاسمة‬

‫خشيهة أن يؤدى هذا التحديهد إلى محاولة التزامههم بتلك المسهئوليات ”(‪ .)335‬لذا ” فإن أغلب‬

‫المبادئ التى تتضمنها مواثيق الخلقيات تُصاغ فى عبارات عامة وأحيانا غامضة أو مبهمة‪.‬‬

‫وبالذات ما يتعلق منها بمبادئ الموضوعية والحيدة والصدق وحرية العلم “(‪.)336‬‬

‫وفيمها يتعلق بمجالس الصهحافة والعلم‪ ،‬فإن بعهض الباحثيهن يرى ” أن الدور الذى‬

‫تقوم بهه مجالس الصهحافة غيهر ضرورى‪ ،‬بهل ينطوى على خطورة ضهد المجتمهع ووسهائل‬
‫العلم‪ .‬فهناك العديهد مهن الدول التهى تمارس الرقابهة على الصهحف مهن خلل مجالس‬

‫الصهحافة‪ .‬وذلك مهن خلل تخويهل المجالس بفرض رخهص على إصهدار الصهحف‪ .‬ومراقبهة‬
‫الممارسات الصحفية وعقاب الصحفيين الذين يعارضون سياسات الحكومة “(‪.)337‬‬

‫ولعهل المجلس العلى للصهحافة ( المصهرى ) نموذج للمجالس الصهحفية التهى تتولى‬

‫إصدار التراخيص للصحف‪ .‬ويمكن للحكومة ‪ -‬ممثلة فى رئيس الجمهورية ‪ -‬دعوته لجتماع‬

‫∗‬

‫انظر‪ [ :‬قواعد أخلقيات العمل لمديرى التحرير فى وكالة أنباء أسوشيتدبرس ‪ -‬بيان جمعية رؤساء تحرير‬
‫ال صحف المريك ية عن مبادئ أخلقيات ال صحافة ‪ -‬بيان عن سياسة وكالة يونايتدبرس إنترناشيونال ‪ -‬جمع ية ال صحفيين‬
‫المحترفين ( قواعد الخلقيات ) ]‪ ،‬فى جون ل‪ .‬هاتلنج‪ ،‬أخلقيات الصحافة‪ .‬ترجمة كمال عبد الرؤوف‪ ،‬صفحات ‪- 121‬‬
‫‪.140‬‬
‫‪‬‬

‫‪335‬‬

‫() محمد بن سعود البشر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.49‬‬

‫‪336‬‬

‫() محمود علم الدين‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.95‬‬

‫‪337‬‬

‫() حسن عماد مكاوى‪ ،‬أخلقيات العمل العلمى ( دراسة مقارنة )‪ .‬ص ‪.144‬‬

‫‪-‬‬

‫‪183‬‬

‫‪-‬‬

‫غ ير عادٍ‪ .‬بالضا فة إلى ما يقوم به المجلس من ر فع تقار ير سنوية لرئ يس الجمهور ية عن‬

‫أوضاع الصحافة∗‪.‬‬

‫وهناك أيضا مجلس ال صحافة فى الممل كة المتحدة الذى أن شئ عام ‪ ،1953‬والذى ” لم‬
‫ين شأ إل نتي جة التهد يد بإ صدار تشر يع بإنشائه‪ .‬لذلك سارعت الهيئات والمنظمات المهن ية إلى‬
‫حسهم خلفاتهها حول تشكيهل المجلس ودسهتوره‪ .‬وقهد لعهب ذلك دورا أسهاسيا فهى تقليهل ثقهة‬
‫الجمهور فى المجلس‪ ،‬والنظر إليه على أساس أنه جهاز قد جاء لحماية الصحافة ولم يأت ليقيم‬
‫علقة متوازنة بين الصحافة والجمهور‪ ..‬حيث لم يستطع أن ينفذ وظائفه أو أهدافه التى نص‬
‫عليها دستوره بشكل مرضٍ مما جعله معرضا للنقد من كافة التجاهات “(‪.)338‬‬
‫وفي ما يتعلق بقوان ين م نع الحتكار‪ ،‬فإ نه ” ر غم إ صدار الكونجوس المري كى لقانون‬
‫الت صالت عام ‪ 1996‬فى محاولة لد عم المناف سة‪ ،‬إل إن الع كس هو الذى حدث‪ .‬ح يث أدى‬
‫ل مهن‬
‫القانون إلى ظهور الندماجات وانخفاض عدد الشركات المالكهة للوسهائل العلميهة‪ ،‬بد ً‬
‫ت سهيل القدرة على المناف سة ك ما كان يهدف القانون ع ند صدوره “(‪ .)339‬ك ما أن القوان ين ال تى‬
‫صدرت لل حد من الحتكار والتر كز فى ملك ية ال صحافة فى بريطان يا وفرن سا ” لم ت ستطع أن‬
‫توقف معدل التركيز والحتكار أو تحفظ الحياة للصحف الصغيرة “(‪.)340‬‬
‫أ ما نظام العانات الحكوم ية ” ف قد ح قق ب عض النتائج اليجاب ية فى ب عض دول أور با‬
‫مثل السويد‪ ،‬التى قامت بمواجهة خطر سيطرة الحتكارات على صحافتها بانشاء نظام لتقديم‬
‫إعانات للصهحف بهدف المحافظهة على التنوع الصهحفى‪ .‬وقهد تهم تقديهم هذه المعونات إلى‬
‫الحزاب واتحادات العمال التهى تمتلك صهحفا‪ .‬وقهد نجحهت هذه المعونات فهى المحافظهة على‬
‫حياة الكث ير من ال صحف ال صغيرة فى ال سويد‪ .‬ول كن بالر غم من نجاح نظام تقد يم المعونات‬
‫للصحف فى السويد‪ ،‬إل إن فكرة تقديم معونات للصحف تم رفضها بشكل واسع فى الكثير من‬
‫الدول الوربيهة والوليات المتحدة المريكيهة‪ ،‬خوفا مهن اسهتغلل الحكومات لهها للتدخهل فهى‬
‫شئون الصحافة “(‪.)341‬‬

‫∗‬
‫‪‬‬

‫انظر قانون تنظيم الصحافة رقم ‪ 96‬لسنة ‪ 1996‬المواد أرقام ‪ 46‬و‪ 47‬و‪ 48‬و‪ 74‬و‪.78‬‬

‫‪338‬‬

‫() سليمان صالح‪ ،‬أزمة حرية الصحافة فى النظم الرأسمالية‪ .‬صفحات ‪ ( 259 - 226‬بتصرف )‪.‬‬

‫‪339‬‬

‫() ان ظر‪ " :‬مخاوف عالم ية من تأ ثر حر ية ال صحافة وتد فق الخبار ب عد اندماج أمري كا أون ل ين وتا يم وار نر "‪ ،‬جريدة‬
‫الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،13/1/2000‬صفحة أخبار العالم‪.‬‬

‫‪340‬‬

‫() سههليمان صههالح‪ " ،‬التجاهات العلميههة الحديثههة لمفهوم حريههة الصههحافة "‪ ،‬مجلة الدراسههات العلميههة‪.‬‬
‫( عدد ‪ ،93‬أكتوبر ‪ -‬ديسمبر ‪ .) 1998‬ص ‪.90‬‬

‫‪341‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.90‬‬

‫‪-‬‬

‫‪184‬‬

‫‪-‬‬

‫ولهذا‪ ..‬يمكن القول أن القواعد التنظيمية التى وضعتها نظرية المسئولية الجتماعية لم‬
‫تستطع أن تحقق القدر المرجو من النجاح فى أرض الواقع العلمى الراهن‪ .‬ولعل ما تطرحه‬
‫البعاد العلمية للعولمة من تغيرات حالية ومستقبلية سيؤدى إلى زيادة ابتعاد الواقع العلمى‬
‫عهن تلك القواعهد‪ ،‬نتيجهة عدم ملءمتهها للوضاع العلميهة الراهنهة‪ .‬ومهن هنها سهتبدو تلك‬
‫القواعهد التنظيميهة ذات ” منفعهة محدودة طالمها تسهتطيع فقهط المسهاعدة على تنويهر الذهان‬
‫وإرشادها ولكنها تفتقر لى وسيلة للتطبيق “(‪.)342‬‬

‫(‪ )3‬المستوى التطبيقى‪:‬‬
‫على الرغهم مهن أن مها قدمتهه نظريهة المسهئولية الجتماعيهة مهن معاييهر مهنيهة لنقهل‬
‫المعلومات تتمثهل فهى‪ :‬الحقيقهة‪ ،‬والدقهة‪ ،‬والموضوعيهة‪ ،‬والتوازن‪ ،‬بحيهث تمثهل هذه المفاهيهم‬
‫معاي ير رفي عة ي ستخدمها العلميون فى أدائ هم لوظائف هم العلم ية‪ ،‬إل أن النظر ية تجاهلت‬
‫تماما وضع أى أساليب تطبيقية تساعد على تنفيذ تلك المعايير المجردة‪ .‬والخروج بها من حيز‬
‫التجريهد النظرى إلى نطاق الواقهع العملى‪ .‬م ما أدى إلى أن تلك المعاييهر با تت تم ثل إشكال ية‬
‫كبيرة فى توجهات العمل العلمى نظرا لشدة عموميتها وغموضها واتساع مدى تأويلها وفقا‬
‫لت صورات متعددة‪ .‬بل وأ صبحت تلك المعاي ير ‪ -‬فى حد ذات ها ‪ -‬بمثا بة مبرر جا هز يَ سهُل‬
‫السهتناد إليهه عنهد الرغبهة فهى الهجوم على وسهائل العلم‪ ،‬مهن خلل اتهامهها بعدم تحرى‬
‫الحقيقة والدقة والموضوعية والتوازن‪ .‬أو مبرر جاهز لدى العلميين أنفسهم لتبرير حظرهم‬
‫لبعض المعلومات تحت دعوى اللتزام بتلك المعايير‪.‬‬
‫ويمثل معيار « الحقيقة » تحديا كبيرا أمام أى نشاط إعلمى يطمح فى الوصول إليه‪،‬‬
‫إذ إن الحقي قة ن سبية‪ ،‬وترت بط بالمعر فة البشر ية ال تى ت عد قا صرة نتي جة التفاوت فى المجال‬
‫الدراكهى للحواس البشريهة والقدرات العقليهة والمدى المتغيهر ‪ -‬يوما بعهد آخهر ‪ -‬للتطورات‬
‫التكنولوج ية‪ ..‬إلخ‪ ..‬ال مر الذى يج عل من الحقي قة ‪ -‬كمعيار لح سن الداء العل مى ‪ -‬أمرا‬
‫يقع فى نطاق الستحالة العملية والنظرية معا‪.‬‬
‫وفهى نفهس الطار يأتهى معيار « الموضوعيهة » الذى يُطلق عليهه تعهبير « الكأس‬
‫المقدسة∗ للصحافة »‪ ،‬ليمثل عقبة أخرى فى طريق ما تطمح إليه نظرية المسئولية الجتماعية‪.‬‬
‫ويعا نى معيار الموضوع ية ” من ثل ثة قيود أو أو جه ق صور كمقياس لنتاج الخبار‪.‬‬

‫أولها‪ :‬إنه مبدأ مطلق بمعنى إما أنك موضوعى أو ل‪ .‬وثانيها‪ :‬إنه فى مستوى إدراك الصورة‬
‫‪342‬‬

‫() روبرت شمول ( محرر )‪ ،‬مسئوليات الصحافة‪ .‬ترجمة الفرد عصفور‪ ،‬ص ‪.17‬‬

‫‪Bluemlein, Ann colleen, Testing objectivity: An experiment measuring objectivity in‬‬
‫‪Journalists and non - Journalists. ) Available from Internet (.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪185‬‬

‫‪-‬‬

‫واستخدام اللغة‪ ،‬يستحيل على العلميين أن يحققوا الموضوعية الكاملة تماما‪ ،‬كما هو المر‬
‫بالن سبة لى ش خص آ خر‪ .‬وثالث ها‪ :‬إن ا ستخدام م صطلح الموضوع ية فى المجال ال صحفى‪..‬‬

‫يوحهى بسههولة بمسهتوى مهن النجاز الروتينهى الذى باسهتطاعته أن يخفهى المشاكهل الحقيقيهة‬

‫للتغطيهة الخباريهة‪ ..‬وبهذا المعنهى تكون الموضوعيهة مفهوما أو مصهطلحا يسهاعد على نزع‬
‫الصفة الجتماعية عن العلم وإبعاده عن احتمالت وشروط الممارسة “(‪.)343‬‬

‫ول عل هذا ما أكد ته ب عض الدرا سات ح ين قررت أن ” مفهوم الموضوع ية الذى يتبناه‬

‫العلميون من المفاه يم الروتين ية فى الع مل العل مى‪ ،‬وال تى ت ساعدهم على تج نب التعرض‬
‫للنتقادات أو التهام بالتحيهز‪ ..‬فالموضوعيهة ههى طقهس أو شعيرة اسهتراتيجية تُسهتخدم أسهاسا‬

‫للدفاع عهن طبيعهة ونوعيهة النتاج مهن نقاده‪ .‬حيهث إن وقهت العلمييهن قصهير أو محدود ول‬
‫يمكّن هم من التح قق م ما إذا كانوا قد ح صلوا على الحقائق ال صحيحة للخبار أم ل‪ ،‬فى الو قت‬

‫الذى ل يمكنههم فيهه الدعاء بصهدق وواقعيهة هذه الحقائق؛ ومهن ثهم فههم يتبعون مجموعهة مهن‬
‫الجراءات لدعاء الموضوعية ولحماية أماكنهم الوظيفية من مخاطر رفع قضايا ضدهم بالقذف‬

‫أو السب‪ ....‬ويؤدى اتباع هذا الروتين إلى حذف المعلومات التى قد تجلب ضررا “(‪.)344‬‬

‫ول قد أظهرت إحدى الدرا سات أن تبنّ ى العلمي ين لمعيار الموضوع ية يجعل هم أك ثر‬

‫حيادا عند الحكم على الحقائق المتنازع عليها‪ ” .‬ففى دراسة أجريت على عدد خمسة وأربعين‬

‫صحفيا وخمسة وثلثين من غير الصحفيين تم اطلعهم على تقرير متضارب حول اغتصاب‬

‫رجل أسود لمرأة بيضاء‪ .‬بحيث تضمن ذلك التقرير ثلث مجموعات من المعلومات‪ ،‬أولها‪:‬‬

‫الحقائق المتفق عليها ( من الطرف ين )‪ ،‬وثاني ها‪ :‬الحقائق ال ستنتاجية ( التى صرح بها طرف‬

‫ولم يناقضهها الطرف الخهر )‪ ،‬وثالثهها‪ :‬الحقائق المتنازع عليهها‪ .‬وعرّفهت تلك الدراسهة‪،‬‬

‫الموضوعيهة على أنهها البقاء على الحياد عنهد الحكهم على مصهداقية الشهادات المتقاربهة‪.‬‬

‫وأوضحت النتائج عدم وجود اختلف بين ردود فعل الصحفيين وغير الصحفيين تجاه الحقائق‬
‫المت فق علي ها أو ال ستنتاجية‪ .‬ول كن الختلف حدث فى مجال الحقائق المتنازع علي ها‪ ،‬ح يث‬

‫دلت النتائج على أن الصحفيين أكثر موضوعية من نظرائهم غير الصحفيين “(‪.)345‬‬

‫ولكن إذا كانت تلك الدراسة قد أثبتت أن العلميين أكثر موضوعية من غيرهم‪ ،‬إل‬

‫أنهها لم توضهح ههل ههم موضوعيون بالقدر الكافهى لوصهفهم بالموضوعيهة ؟! انطلقا مهن أن‬
‫‪343‬‬
‫() جون كورنر‪ ،‬التليفزيون والمجتمع ( الخصائص‪ ،‬التأثير‪ ،‬النوعية‪ ،‬العلنات )‪ .‬ترجمة أديب خضور‪ ،‬عرض وتلخيص‬
‫محمد إبراهيم‪ ،‬فى مجلة الدراسات العلمية‪ ،‬عدد (‪ )96‬يوليو ‪ -‬سبتمبر ‪ ،1999‬ص ‪.161‬‬
‫‪)(Tuchman G., “ objectivity as strategic Ritual: An Examination of Newsmen’s Notions of‬‬
‫اقتبسه سيد بخيت‪ ،‬فى العمل‪objectivity ”, American Journal of sociology. ) vol. 77, 1977 (. pp 48 - 49.‬‬
‫‪.‬الصحفى فى مصر ( دراسة سسيولوجية للصحفيين المصريين )‪ ،‬ص ‪76‬‬

‫‪)(Bluemlein, Ann Colleen, op. cit.‬‬

‫‪345‬‬

‫‪344‬‬

‫‪-‬‬

‫‪186‬‬

‫‪-‬‬

‫الموضوعية ترى أن ” المعلومات المبنية عل الحقائق هى الوسيلة الصحيحة للمعرفة “(‪.)346‬‬
‫وبالتالى تظل إشكالية الموضوعية تطل برأسها باعتبارها معيارا يستعصى على التطبيق العام‪،‬‬
‫لما يتميز به ذلك المعيار من سيولة فائقة‪ ،‬ولعتماده على معيار الحقيقة الذى هو الخر مغرقا‬

‫فى الغموض والنسبية‪.‬‬

‫أمها بالنسهبة لمعيارى « الدقهة » و« التوازن »‪ ،‬فإذا كانهت بعهض الدراسهات ترى‬

‫” أنه من الممكن تحديد مستويات الدقة بدرجة جيدة‪ .‬فإن قياس التوازن ‪ -‬الذى هو تعبير عن‬

‫التجرد وعدم التحيهز ‪ -‬يثيهر الكثيهر مهن المصهاعب‪ ،‬وذلك لعدم وجود مقياس معتمهد يمكهن‬
‫اللجوء إليه بشكل مستقل عن التفسير التقييمى‪ .‬فتحديد زمان وقوع حدث صباحا أم مساءا هو‬

‫م سألة يتو قع المرء إمكان ية تدقيق ها ( بد قة ) ‪ ،‬والتأ كد من ها ب سرعة فى مع ظم الحالت‪ .‬بين ما‬

‫يصعب اعتبار ما إذا كان استخدام مشاهد معينة من فيلم‪ ،‬أو تعابير معينة من تقرير‪ ،‬أو حذف‬

‫أرقام معينة من رسالة بمثابة تحيزا أم ل “(‪.)347‬‬

‫إل أن دراسات أخرى ترى ” أن الدقة فى عملية تصنيع الخبار مازالت بعيدة المنال‪.‬‬

‫فاسهتقراء الواقهع يؤكهد غياب هذه السهمة فهى لغهة كتابهة الخهبر‪ .‬فاسهتخدام المفردات اللغويهة‬

‫والمصطلحات يحمل فى الكثير من الحيان إيحاءات ودللت ل تصور الحدث ذاته‪ ،‬بقدر ما‬

‫تصور ما يريد العلمى تصويره‪ .‬وتتناقض الدقة فى كتابة الخبار كلما تزايد عدد البوابات‬

‫ال تى ي مر ب ها الحدث ح تى ي صل للن شر‪ ..‬فل شك أن كل حارس بوا بة يم كن أن يقوم بإجراء‬

‫تعديلت على كتا بة ال خبر‪ .‬و هو ما يؤدى إلى أن يكون المن تج النهائى و هو ال خبر المنشور‪..‬‬
‫أقل دقة فى توصيف وتصوير الواقع “(‪.)348‬‬

‫ولعل هذا ينطبق أيضا على معيار التوازن‪ ،‬والذى تثبت الممارسات العلمية أنها فى‬

‫غيهر قليهل مهن الحداث تبتعهد عنهه كثيرا‪ ،‬بحيهث يصهبح التحيهز ههو المعيار السهائد والعنوان‬

‫الصريح للتغطية العلمية‪.‬‬

‫إن ما سبق يو ضح أن نظر ية الم سئولية الجتماع ية لم ت ستطع و ضع أ ساليب تطبيق ية‬

‫يمكن من خللها تنفيذ مبادئ المسئولية الجتماعية‪ ،‬بل إن المعايير التى وضعتها كانت أبعد ما‬
‫تكون عن إمكانية التطبيق لشدة تجريدها وسيولتها ونسبيتها‪.‬‬

‫(‪ )4‬المستوى المعرفى‪:‬‬
‫‪346‬‬

‫() دانييل يانكلوفيتش‪ ،‬الديمقراطية وقرار الجماهير‪ ،‬ترجمة كمال عبد الرؤوف‪ .‬ص ‪.275‬‬

‫‪347‬‬

‫() جون كورنر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.161‬‬

‫‪348‬‬

‫() سليمان صالح‪ ،‬صناعة الخبار فى العالم المعاصر‪ .‬ص ‪.138 - 137‬‬

‫‪-‬‬

‫‪187‬‬

‫‪-‬‬

‫دعت نظرية المسئولية الجتماعية إلى إطار معرفى ينظم حرية المؤسسات العلمية‬

‫فى نشر الرسائل العلمية‪ ،‬ويتضمن تجنبها نشر ما يمكن أن يؤدى إلى‪ :‬الجريمة ‪ -‬العنف ‪-‬‬

‫الفوضى الجتماعية ‪ -‬توجيه إهانات إلى القليات أو الساءة إليهم‪.‬‬

‫وربما يقود التحليل السطحى إلى نتيجة مؤداها أن إفراط المؤسسات العلمية فى نشر‬

‫أخبار العنهف والجريمهة وأخبار الفضائح ‪ -‬على حسهاب الهتمام بمشاكهل المجتمهع وعرض‬
‫أصوات الجماعات المتعددة الفاعلة فيه ‪ -‬هو الذى أدى إلى دعوة نظرية المسئولية الجتماعية‬

‫إلى اللتزام بهذا الطار المعرفى‪.‬‬

‫وربمها أيضا‪ ..‬يقود التحليهل السهطحى إلى إسهناد ذلك الطار المعرفهى الذى وضعتهه‬

‫النظرية إلى الظروف القانونية للوليات المتحدة المريكية التى نشأت فيها هذه النظرية‪ .‬والتى‬
‫ينهص دسهتورها على عدم أحقيهة الكونجرس فهى إصهدار أى قانون يحهد مهن حريهة التعهبير‬

‫أو الصهحافة‪ .‬وبالتالى يضمهن هذا الطار المعرفهى ملء الفراغ التشريعهى الناشهئ عهن هذه‬
‫الصرامة الدستورية‪.‬‬

‫ولكهن كل التحليليهن السهطحيين عنهد محاولة التعمهق فهى أسهانيدهما يتهم اكتشاف‬

‫ابتعادهما عن الصواب‪ ...‬ذلك أن نشر أخبار الجنس والعنف والجريمة والفضائح وتجاهل‬
‫القليات ومشاكلههم‪ ..‬بمثابهة شهئ‪ ،‬ونشهر مها يؤدى إلى العنهف والجريمهة والفوضهى‬
‫الجتماع ية وال ساءة إلى القليات‪ ..‬بمثا بة شئ آ خر‪ .‬فالن شر عن أخبار الع نف ل يرت بط‬

‫بنشر الدعاوى المؤيدة للعنف أو التى تحرض عليه‪ ،‬وتجاهل مشاكل القليات غير الساءة‬
‫إلى القليات واحتقارها‪.‬‬

‫علوة على ذلك‪ ..‬فإنهه على الرغهم مهن تقييهد الدسهتور للكونجرس المريكهى فهى‬

‫إصدار قوانين تحد من حرية التعبير والصحافة‪ .‬إل أن ذلك لم يمنع الكونجرس من إصدار‬

‫القوانين التى تحد من حرية التعبير الذى يؤدى إلى العنف أو الجريمة أو التشهير‪ .‬كما لم‬

‫يمنع المحك مة العل يا المريك ية من تب نى مبادئ قضائ ية لل حد من حر ية الت عبير الذى يؤدى‬

‫إلى العنهف أو الجريمهة أو التشهيهر‪ .‬ففهى الوقهت المعاصهر لظهور نظريهة المسهئولية‬

‫الجتماعية ” كان من ضمن المبادئ التى تتبناها المحكمة المريكية العليا مبدأ أحقية الحد‬
‫من حر ية الت عبير لمواج هة خ طر حالى وا ضح‪ .‬بالضا فة إلى كل من « قانون سميث »‬

‫‪ Smith Act‬الصادر عام ‪ ،1940‬الذى يعتبر الدعوة إلى تدمير الحكومة بالعنف تحريضا‪ .‬و«‬

‫قانون التحريههض » المريكههى الصههادر عام ‪ 1918‬الذى ينههص على عدم جواز قول‬

‫أو فعهل أى شيهئ يهدف إلى إثارة الحتقار أو الزدراء بطريقهة مهينهة للسهاءة إلى سهمعة‬

‫‪-‬‬

‫‪188‬‬

‫‪-‬‬

‫الحكو مة‪ .‬ك ما أن المحك مة العل يا ل تح مى الت عبير الحا فل بالكراه ية لى فئة إذا كان على‬
‫وشك أن يتحول لعمال عنف فورية ”( ‪.)349‬‬

‫ول عل هذا يو ضح أن الطار المعر فى الذى وضع ته نظر ية الم سئولية الجتماع ية لتقي يد‬
‫نشر بعض الرسائل العلمية التى تؤدى إلى العنف والجريمة والفوضى الجتماعية والساءة‬
‫للقليات‪ ،‬ذلك الطار المعرفهى مغطهى أسهاسا بالقوانيهن التهى كانهت سهائدة آنذاك بالمجتمهع‬
‫المريكى‪ .‬وبالتالى فإن ذلك الطار لم يغط فراغا تشريعيا‪ .‬بل أدى إلى الستناد إلى ذلك الطار‬
‫المعرفهى مهن جانهب الحكومهة أو المؤسهسات العلميهة فهى الوليات المتحدة أو كافهة الدول‬
‫الخرى‪ ،‬لتبرير حظر بعض المعلومات تحت دعوى أنها تؤدى إلى تلك المحاذير‪ ،‬على الرغم‬
‫من أن كا فة الدول ب ها قوان ين وتشريعات تعا قب و سائل العلم ع ند تورط ها فى ن شر ر سائل‬
‫إعلميهة تنطوى على تلك المحاذيهر‪ .‬علوة على ذلك‪ ..‬فإن عددا غيهر قليهل مهن الباحثيهن‬
‫العلميهن أصهبح يسهتند إلى هذا الطار المعرفهى الذى روجتهه نظريهة المسهئولية الجتماعيهة‬
‫ل تبرير ح ظر ب عض المعلومات‪ .‬مثال ذلك ما يؤكده البا حث « وار ين بر يد » ‪waren Breed‬‬

‫عندما يقرر “ أنه فى بعض الحوال قد ل يقدم القائم بالتصال تغطية كاملة للحداث التى ت قع‬
‫من حوله‪ .‬ول يس هذا الغفال نتي جة لتق صير أو ع مل سلبى‪ .‬ول كن يُغ فل القائم بالت صال أحيانا‬
‫تقديم بعض الحداث إحساسا منه بالمسئولية الجتماعية‪ .‬وللحفاظ على بعض الفضائل الفردية أو‬
‫المجتمع ية‪ .‬ف قد تض حى و سائل العلم أحيانا بال سبق ال صحفى‪ .‬أو تت سامح ب عض الش يئ فى‬
‫واجبها الذى يفرض عليها تقديم كل الخبار التى تهم الجماهير‪ .‬وذلك رغبة منها فى تدعيم قيم‬
‫المجتمع وتقاليده‪ .‬كذلك تعمل وسائل العلم على حماية النماط الثقافية السائدة فى المجتمع‪..‬‬
‫وغالبا ما تتج نب وسائل العلم انتقاد الفراد الذين يقومون بتلك الدوار لتدعيم البناء الثقافى‬
‫للمجتمع ”(‪.)350‬‬
‫وهكذا ‪ -‬وت حت غطاء تبريرى نا تج عن تف سيرات وا سعة لمبادئ نظر ية الم سئولية‬
‫الجتماع ية ‪ -‬امتل كت المؤ سسات العلم ية ال حق فى ح ظر ب عض المعلومات ت حت دعاوى‬
‫مختل فة‪ .‬تعت مد على نوا يا وضمائر القائم ين بالت صال الذ ين يمار سون عمل هم على اعتبار أ نه‬
‫ر سالة مقد سة لحما ية ق يم المجت مع وم صالحه‪ .‬وبالتالى فإن هذا الطار المعر فى الذى طرح ته‬
‫نظر ية الم سئولية الجتماع ية لتقي يد نشر ب عض الرسائل العلم ية التى تتعارض مع م صلحة‬

‫‪349‬‬

‫() انظر‪ :‬حسن عماد مكاوى‪ ،‬أخلقيات العمل العلمى ( دراسة مقارنة )‪ .‬ص ‪ 77 - 76‬وصفحات ‪.116 - 108‬‬

‫‪350‬‬

‫() حسن عماد مكاوى وليلى حسين السيد‪ ،‬التصال ونظرياته المعاصرة‪ .‬ص ‪.178‬‬

‫‪-‬‬

‫‪189‬‬

‫‪-‬‬

‫المجتمهع‪ ،‬أدى إلى تشويهه وعهى القائميهن بالتصهال مهن خلل تحويلههم إلى حراس بوابات‬
‫أو أوصياء على المعلومات‪.‬‬
‫ويرى ب عض نقاد نظر ية الم سئولية الجتماع ية أن نظر ية الم سئولية الجتماع ية لم ي تم‬
‫اختراعها ” لتلقينها لطلب الصحافة والعلم‪ .‬ولكن لتقديم المنطق والمبرر للتحيزات الخاصة‬
‫لو سائل العلم‪ .....‬وبدلً من الكتا بة الواقع ية‪ ،‬يقوم المحررون الم سئولون اجتماعيا بتجا هل‬
‫الحداث التهى تقهع بالفعهل‪ .‬ويكتبون عهن الصهدق المتوارى خلف الحقيقهة‪ .)351(“ ...‬كمها يرى‬
‫بعض هؤلء النقاد أن نظرية المسئولية الجتماعية ” ل تمثل مشكلة فى حد ذاتها‪ .‬ولكنها فقط‬
‫علمهة على خداع وكذب السهللة التهى تتحكهم فهى وسهائل العلم‪ .‬وأن نظريهة المسهئولية‬
‫الجتماعيهة مها ههى إل اسهم اخترعتهه وسهائل العلم العديمهة الضميهر لسهتخدامه كغطاء‬
‫لفكارها المتحيزة “(‪.)352‬‬
‫ول عل الوا قع الذى تطر حه فاعليات شبكات المعلومات يج عل الطار المعر فى لنظر ية‬
‫المسهئولية الجتماعيهة غيهر ذى جدوى‪ .‬إذ إن القدرة اللمحدودة على النشهر اللكترونهى‬
‫للمعلومات عبر شب كة النتر نت تتخ طى مع ظم الحوا جز الرقاب ية وال طر المعرف ية‪ ،‬ول تت يح‬
‫إل بإمكانيات باهظة التكلفة ومتناقصة التأثير مع استمرار التقدم التكنولوجى ‪ -‬القدرة على‬‫ح ظر الر سائل العلم ية ال تى يؤدى نشر ها إلى الع نف أو الجري مة أو الفو ضى الجتماع ية‬
‫أو ال ساءة للقليات‪ .‬فل قد جعلت التكنولوج يا هذا ال مر اختياريا من خلل برا مج المرشحات‬
‫والفل تر اللكترون ية ال تى ي تم ا ستخدامها فرديا أو جماع يا فى ب عض موا قع النتر نت لح ظر‬
‫استقبال أو إرسال بعض الرسائل التحريضية‪.‬‬

‫(‪ )5‬المستوى التكنولوجى‪:‬‬
‫كش فت البعاد العلم ية للعول مة ‪ -‬من خلل ا ستراتيجية التو حد والتك تل والندماج ‪-‬‬

‫عهن اتجاه النظهم العلميهة على مسهتوى العالم نحهو التداخهل والتشابهك والنفتاح على بعضهها‬

‫الب عض‪ ،‬م ما ي ساعد على التخلق التدري جى لنظام إعل مى ذو مل مح عالم ية وتوجهات عالم ية‬

‫إنسانية‪ .‬كما ستؤدى استراتيجية التوحد والتكتل والندماج ‪ -‬فى مجال المؤسسات العلمية ‪-‬‬

‫إلى اتجاه تلك المؤسسات للندماج فى مؤسسات أكبر‪ ،‬وستؤدى الستراتيجية نفسها ‪ -‬فى مجال‬

‫جماهير المتلقين ‪ -‬إلى دمج قطاعات كبيرة من جماهير المتلقين على مستوى العالم تحت لواء‬

‫ر سائل ات صالية ذات موا صفات عالم ية وإن سانية‪ .‬وبالتالى ستؤدى التغيرات الناشئة عن التقدم‬
‫التكنولوجى إلى ضمور وتقلص فكرة المسئولية الجتماعية فى مجال العلم‪ .‬وذلك لن اتساع‬
‫‪)(Demarais, Robert A., The Biased Media’s Social Responsibility Theory. P.1. ) Avaliable‬‬

‫‪from Internet (.‬‬
‫‪)(Ibid p. 2.‬‬

‫‪351‬‬

‫‪352‬‬

‫‪-‬‬

‫‪190‬‬

‫‪-‬‬

‫مدى الرسائل العلمية ليشمل العالم سيؤدى إلى نشرها فى مجتمعات متباينة الظروف والعادات‬

‫والتقاليد والقيم‪ .‬وبالتالى فإن فكرة قبول وسائل العلم القيام بالتزامات معينة تجاه المجتمع‪ ،‬تلك‬
‫الفكرة التهى تمثهل صهلب نظريهة المسهئولية الجتماعيهة سهتواجه مأزق تعدد المجتمعات التهى‬

‫تستهدفها نفس الرسالة العلمية‪ .‬وبالتالى فإن قبول المؤسسات العلمية القيام بالتزامات معينة‬
‫تجاه كهل مجتمهع على و جه الرض يسهتقبل ر سائلها‪ ،‬سهتؤدى إلى تكريهس كمّ من اللتزامات‬

‫الجتماع ية المتناق ضة والمتضار بة ب سبب اختلف وتبا ين المجتمعات‪ .‬وبالتالى ستؤدى محاولة‬
‫اللتزام بكل شئ إلى عدم القدرة على اللتزام بشئ‪ ،‬أو بالحرى عدم القدرة على نشر أى شئ‪.‬‬

‫ومن هنا فإن فكرة المسئولية الجتماعية ستواجه صعوبة العتماد عليها كمبرر لحظر‬

‫بعهض المعلومات على النطاق العالمهى؛ وذلك لتناقضهها مهع أبعاد ومنطلقات هذا النطاق‪ .‬فهى‬
‫ح ين ستجد مكانا ل ها في ما ستوفره تكتيكات التش ظى والتجزؤ والنق سام الم صاحبة للعول مة‪،‬‬

‫والتهى سهتؤدى إلى توجهه النظهم العلميهة نحهو التأكيهد على انتماءاتهها الحضاريهة والثقافيهة‬

‫وخصهوصا فهى مجال محطات التليفزيون الرضيهة والمحطات الذاعيهة المحليهة والصهحف‬
‫والمجلت المحل ية‪ .‬وبالتالى يم كن ه نا لفكرة المسهئولية الجتماع ية أن تمارس عمل ها‪ ،‬ول كن‬
‫بصهعوبة نتيجهة التأثيهر الفائق للتغيرات المصهاحبة للعولمهة‪ .‬وإمكانيهة ظهور نظريهة جديدة‬
‫مضادة لتلك النظرية‪.‬‬

‫‪‬‬

‫إن كل ما سبق يوضح‪ ..‬أن ما تعانيه نظرية المسئولية الجتماعية من أوجه قصور‬

‫عديدة ‪ -‬على الم ستويات التاريخ ية والتنظيم ية والتطبيق ية والمعرف ية والتكنولوج ية ‪ -‬يجعل ها‬

‫ل ت ستطيع ال صمود كنظر ية للن ظم العلم ية‪ .‬فاختلف ظروف نشأت ها التاريخ ية عن الوا قع‬
‫الراهن‪ .‬وقصور مبادئها التنظيمية ومعاييرها التطبيقية‪ .‬وعدم جدوى إطارها المعرفى لحظر‬

‫بعض الرسائل العلمية الضارة‪ .‬وصعوبة استخدامها فى ظل التقدم التكنولوجى الفائق الذى‬
‫امتد بنطاقات النظم العلمية إلى الحدود العالمية‪ .‬إن كل ذلك يوضح أن تلك النظرية لم تعد‬
‫صالحة لل ستخدام كنظر ية للن ظم العلم ية‪ .‬ال مر الذى أدى بأ حد الباحث ين العلمي ين إلى‬

‫التقريهر بأن ” المتابهع للدراسهات العلميهة الغربيهة ونتائج البحوث والدراسهات التهى يقدمهها‬

‫المتخصصون فى حقل العلم‪ ،‬يلحظ بونا شاشعا بين السس الفكرية والمنطلقات الجتماعية‬
‫ال تى قا مت علي ها هذه النظر ية‪ ،‬وب ين الت طبيق العملى ل ها‪ .‬أو ب ين أدبيات هذه النظر ية‪ ،‬ومدى‬

‫فههم القائميهن على الوسهائل العلميهة والمشتغليهن بالعلم لمعنهى هذه النظريهة ودللت‬

‫مضامين ها ومحاولة ال خذ ب ها “(‪ .)353‬وهذا ما تؤكده حقي قة أن ” نظر ية الم سئولية الجتماع ية‬
‫‪353‬‬

‫() محمد بن سعود البشر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.10‬‬

‫‪-‬‬

‫‪191‬‬

‫‪-‬‬

‫فى العلم ليست مطبقة ‪ -‬على القل فى المجتمع الذى ظهرت فيه ‪ -‬بصيغتها وقالبها المهنى‬

‫والجتماعى والسياسى المعروف عند المتخصصين فى العلم “(‪.)354‬‬

‫وبالتالى فإن ما سبق عر ضه من ت صنيفات متعددة للن ظم العلم ية يو ضح أن كا فة‬
‫نظريات النظهم العلميهة ‪ -‬إمها الليبراليهة ومها تفرع منهها أو السهلطوية ومها تفرع منهها ‪-‬‬
‫لم ت ستطع تو صيف الن ظم العلم ية ب صورة صحيحة‪ .‬فالنظر ية الليبرال ية تعاملت مع الن ظم‬
‫العلمية باعتبارها سلطة بل مسئولية‪ ،‬ونظرا لن أى نظام يمارس سلطة بل مسئولية يتحول‬
‫إلى نظام ديكتاتورى‪ ،‬فقهد أفرزت النظريهة الليبراليهة ديكتاتوريهة المؤ سسات العلم ية‪ .‬بين ما‬
‫تعاملت نظرية المسئولية الجتماعية مع النظم العلمية باعتبارها سلطة تلتزم بمسئولية غير‬
‫مناسهبة‪ ،‬حيهث أدت المبادئ غيهر الواقعيهة الشديدة التجريهد إلى تحميهل المؤسهسات العلميهة‬
‫عبهء اللتزام بمسهئولية فضفاضهة‪ ،‬ممها أدى إلى اسهتغلل تلك المسهئولية لتقييهد المحتوى‬
‫المعرفى للرسائل العلمية تحت دعوى القيام بدور مسئول اجتماعيا‪ .‬أما النظريات السلطوية‬
‫وما تفرع منها من نظريات ( النظرية التنموية ‪ -‬النظرية الشيوعية ‪ -‬النظرية الثورية‪ ..‬إلخ )‪.‬‬
‫فقهد تعاملت جميعهها مهع النظهم العلميهة باعتبارهها كيانا بل سهلطة تابعا للسهلطة الحكوميهة‪،‬‬
‫ويلتزم هذا الكيان بمسئوليات تنموية أو دعائية أو توجيهية أو تعبوية‪ ،‬مما أدى إلى أن تصبح‬
‫المؤ سسات العلم ية م سئولة أمام الدولة أو الحزب أو الثورة‪ ..‬وبالتالى تخلت عن ا ستقللها‬
‫لت صبح فرعا من أفرع ال سلطة الحكوم ية‪ ،‬وبذلك تحولت المؤ سسات العلم ية إلى مؤ سسات‬
‫دعائية تمارس تزييف الوعى وتضليل للعقول‪.‬‬
‫ولعهل هذا يوضهح أن كافهة نظريات النظهم العلميهة تخلو مهن توصهيف مناسهب‬
‫ل سلطة تلك الن ظم وم سئوليتها‪ .‬فحيث ما توافرت ال سلطة غا بت الم سئولية‪ ،‬والع كس صحيح‪.‬‬
‫وبالتالى تك شف ممار سات تلك الن ظم فى الوا قع العلمهى عن تناقضات تؤدى إلى تقي يد‬
‫القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية سواء أكا نت فى الن ظم العلم ية الحرة أم فى الن ظم‬
‫العلمية الموجهة‪.‬‬
‫وفى سبيل تقديم صورة واضحة عن تلك الممارسات‪ ،‬سنعرض فى الفصل التالى لتلك‬
‫الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية الحرة والموجهة‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪354‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.50‬‬

‫‪-‬‬

‫‪192‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمـة الفصـل الخامـس‪:‬‬
‫عرضت الدراسة بالفصل الماثل للمرجعيات الفلسفية للنظم العلمية الراهنة‪ .‬وتبين‬
‫مهن رصهد التصهنيفات الهامهة لنظريات النظهم العلميهة الحرة أو الموجههة‪ ،‬أن كافهة النظهم‬
‫العلميهة الحرة أو الموجههة تحاول أن تترجهم ممارسهاتها العلميهة فهى إطار التزامهها تجاه‬
‫المجت مع‪ .‬ف فى ح ين ت ستهدف الن ظم العلم ية الموج هة المجت مع من أ جل الدولة‪ ،‬فإن الن ظم‬
‫العلميهة الحرة تسهتهدف الدولة مهن أجهل المجتمهع‪ .‬ولكهن نظرا لنهه ل وجود للدولة بدون‬
‫المجتمهع‪ ،‬فإن هذا يؤدى بالضرورة إلى أن تحاول كافهة النظهم العلميهة ترجمهة ممارسهاتها‬
‫العلمية فى إطار التزامها تجاه المجتمع‪.‬‬
‫وتأ سيسا على النتي جة ال سابقة ف قد ا ستنبطت الدرا سة أن نظر ية الم سئولية الجتماع ية‬
‫تقدم الطار النظرى الفلسفى الذى تستند إليه كافة النظم العلمية الحرة أو الموجهة ‪ -‬بدرجة‬
‫أو بأخرى ‪ -‬لتبرير ممارساتها العلمية فى تقييد قدراتها المعرفية‪ .‬وبالتالى ف قد تم إخضاع‬
‫هذه النظرية للتحليل النقدى وتبين أنها تعانى من أوجه قصور عديدة على المستويات التاريخية‬
‫والتنظيمية والتطبيقية والمعرفية والتكنولوجية‪.‬‬
‫فعلى المستوى التاريخى‪ ..‬فإن مبادئ نظرية المسئولية الجتماعية أصبحت ل تتواكب‬
‫مهع البعاد السهياسية والقتصهادية والثقافيهة والعلميهة للعولمهة‪ .‬وذلك انطلقا مهن أن تلك‬
‫النظر ية نشأت ع قب الحرب العالم ية الثان ية‪ ،‬و صاغت مبادئ ها ب ما يؤدى إلى تلب ية الظروف‬
‫التاريخ ية الخا صة بتلك الفترة ب كل ما تحمله من هوا جس ال شك فى مبادئ النموذج الل يبرالى‬
‫الذى خر جت من معط فه الحركات الناز ية والفاش ية ال تى أشعلت نار الحرب العالم ية الثان ية‪،‬‬
‫وبكل ما تحمله تلك الفترة من صعود للنموذج الشيوعى الذى يمثله التحاد السوفيتى‪ .‬وبالتالى‬
‫فإن الظروف التاريخية الخاصة التى نشأت فيها تلك النظرية لم تعد قائمة فى الوقت الراهن‪.‬‬
‫المر الذى أدى إلى تجاوز الظروف الراهنة لمبادئ تلك النظرية‪.‬‬
‫وعلى الم ستوى التنظي مى‪ ..‬فإن التجر بة الواقع ية أثب تت عدم نجاح القوا عد التنظيم ية‬
‫التى صاغتها تلك النظرية لضمان تنفيذ مبادئ المسئولية الجتماعية‪ ،‬تلك القواعد التى تمثلت‬
‫فى‪ :‬المواث يق الخلق ية ‪ -‬مجالس ال صحافة والعلم ‪ -‬قوان ين مكاف حة الحتكار ‪ -‬العانات‬
‫الحكومية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪193‬‬

‫‪-‬‬

‫وعلى الم ستوى الت طبيقى‪ ..‬لم تقدم نظر ية الم سئولية الجتماع ية أ ية أ ساليب تطبيق ية‬
‫تسهاعد على تنفيهذ المعاييهر المهنيهة التهى صهاغتها لضمان التزام النظهم العلم ية بمسهئوليتها‬
‫الجتماعية‪ .‬بحيث باتت تلك المعايير ‪ -‬والتى تمثلت فى معايير الحقيقة والدقة والموضوعية‬
‫والتوازن ‪ -‬تمثل إشكالية كبيرة فى توجهات العمل العلمى نظرا لشدة عموميتها وغموضها‬
‫واتساع مدى تأويلها وفقا لتصورات متعددة‪.‬‬
‫وعلى المسهتوى المعرفهى‪ ..‬تهبين مهن تحليهل الطار المعرفهى الذى قدمتهه نظريهة‬
‫المسهئولية الجتماعيهة ‪ -‬لتقييهد نشهر الرسهائل العلميهة التهى تؤدى إلى العنهف والجريمهة‬
‫والفوضى الجتماعية والساءة للقليات ‪ -‬إن ذلك الطار مغطى أساسا بالتشريعات العلمية‬
‫التى تحظر نشر تلك الرسائل‪ .‬وبالتالى فإن ذلك الطار المعرفى لم يغط فراغا تشريعيا وإنما‬
‫تهم السهتناد إليهه مهن جانهب الحكومات أو المؤسهسات العلميهة ‪ -‬بالنظهم العلميهة الحرة‬
‫أو الموج هة ‪ -‬ل تبرير ممار ساتها فى ح ظر ب عض المعلومات ت حت دعوى أن ها تؤدى إلى تلك‬
‫المحاذير التى تضمنها الطار المعرفى لنظرية المسئولية الجتماعية‪.‬‬
‫وعلى المسهتوى التكنولوجهى‪ ..‬يؤدى التطور التكنولوجهى المتواصهل إلى عدم قدرة‬
‫الن ظم العلم ية على اللتزام بالم سئولية الجتماع ية ( وذلك لن إ ستراتيجية العول مة للتو حد‬
‫والتكتهل والندماج سهتؤى إلى التخلق التدريجهى لنظام إعلمهى ذو ملمهح عالميهة وتوجهات‬
‫عالمية إنسانية‪ ،‬وإلى دفع المؤسسات العلمية العالمية للندماج فى مؤسسات أكبر‪ ،‬وإلى دمج‬
‫قطاعات كهبيرة مهن جماهيهر المتلقيهن على مسهتوى العالم تحهت لواء رسهائل اتصهالية ذات‬
‫موا صفات عالم ية إن سانية )‪ .‬وبالتالى فإن كل ذلك سيؤدى إلى ن شر الر سائل العلم ية فى‬
‫مجتمعات متباينهة الظروف والعادات والتقاليهد والقيهم‪ ،‬المهر الذى سهيؤدى إلى اسهتحالة القيام‬
‫بالتزامات اجتماعيهة تجاه تلك المجتمعات المتعددة والمتباينهة‪ .‬وإل فإن محاولة اللتزام بكهل‬
‫شيئ‪ ،‬ستؤدى إلى عدم القدرة على نشر شئ‪ ،‬أو بالحرى عدم القدرة على اللتزام بأى شئ‪.‬‬
‫علوة على ذلك‪ ..‬ف قد ا ستنبطت الدرا سة من ر صد أو جه الق صور المتعددة فى بن ية‬
‫نظريهة المسهئولية الجتماعيهة‪ ،‬ومهن رصهد النظريات الخرى للنظهم العلميهة ( النظريهة‬
‫الليبراليهة ‪ -‬السهلطوية )‪ ،‬أن كافهة تلك النظريات تخلو مهن توصهيف دقيهق لسهلطة تلك النظهم‬
‫ومسهئوليتها‪ .‬فحيهث توافرت السهلطة غابهت المسهئولية والعكهس صهحيح‪ .‬فالنظريهة الليبراليهة‬
‫تعاملت مع النظم العلمية باعتبارها سلطة بل م سئولية مما أدى إلى ديكتاتورية المؤسسات‬
‫العلم ية‪ .‬والنظر ية ال سلطوية تعاملت مع الن ظم العلم ية باعتبار ها كيانا بل سلطة ويلتزم‬
‫بمسهئوليات تنمويهة أو دعائيهة أو توجيهيهة أو تعبويهة‪ ،‬ممها أدى إلى أن تصهبح المؤسهسات‬

‫‪-‬‬

‫‪194‬‬

‫‪-‬‬

‫العلم ية م سئولة أمام الدولة أو الحزب أو الثورة‪ ،‬وبالتالى تخلت عن ا ستقللها لت صبح فرعا‬
‫من أفرع ال سلطة الحكوم ية‪ ،‬وتحولت إلى مؤ سسات دعائ ية تمارس تزي يف الو عى وتضل يل‬
‫العقول‪ .‬أما نظرية المسئولية الجتماعية فقد تعاملت مع النظم العلمية باعتبارها سلطة تلتزم‬
‫بمسهئولية غيهر مناسهبة‪ ،‬حيهث أدت المبادئ اللواقعيهة شديدة التجريهد إلى تحميهل المؤسهسات‬
‫العلميهة بعبهء اللتزام بمسهئولية فضفاضهة‪ ،‬سهرعان مها تهم اسهتغللها ‪ -‬مهن قبهل تلك‬
‫المؤسهسات ذاتهها ‪ -‬لتقييهد المحتوى المعرفهى للرسهائل العلميهة تحهت دعوى اللتزام بدور‬
‫مسئول اجتماعيا‪.‬‬
‫‪ ..‬و من ثم ف قد قد مت نتائج ذلك الف صل الجا بة على الت ساؤل الثا نى من ت ساؤلت‬
‫الدراسة‪ ،‬والذى ينص على التى‪:‬‬
‫« ما هو ال ثر الذى تمار سه المرجعيات الفل سفية العلم ية ‪ -‬ال تى تتبنا ها الن ظم‬
‫العلمية الراهنة ‪ -‬على القدرات المعرفية لتلك النظم »؟‬
‫ولقد تمثلت الجابة على ذلك التساؤل فى النتيجة التالية‪:‬‬
‫تؤدى المرجعيات الفلسفية التى تتبناها النظم العلمية الراهنة إلى استمرار بقاء‬
‫القيود المعرفية ( المجتمعية والذاتية ) ببنية تلك النظم وفقا لدرجات متفاوتة‪ .‬المر الذى‬
‫يجعل تلك المرجعيات مسئولة عن الثر غير المتوازن الذى تمارسه عولمة التصال على‬
‫المتغيرات الوظيفيصة الحاكمصة ببنيصة النظصم العلميصة‪ ،‬ويؤدى إلى إعاقصة تصصاعد قدراتهصا‬
‫المعرفية‪.‬‬
‫‪ ..‬ولعل واقع استمرار القيود المعرفية فى بنية النظم العلمية استنادا إلى المرجعيات‬
‫الفلسفية التى تبرر بقاءها‪ ،‬يطرح أهمية التعرض للممارسات العملية لتقييد القدرات المعرف ية‬
‫فى كل من النظم العلمية الحرة والموجهة‪ ،‬حتى يمكن التعرف على المناخ العلمى السائد‬
‫فى الن ظم العلم ية الحرة ومقارن ته بالمناخ العل مى ال سائد فى الن ظم العلم ية الموج هة‪،‬‬
‫ومهن ثهم رصهد الدور الذى تلعبهه المرجعيات الفلسهفية بقيودهها المعرفيهة‪ ،‬فهى تقييهد القدرات‬
‫المعرفية بتلك النظم‪ ،‬سواء أكانت حرة أم موجهة‪.‬‬
‫وهذا ما سنطرحه فى الفصل القادم‪..‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪195‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل الســادس‬
‫الممارســات العملية لتقييد القدرات‬
‫المعرفية‬
‫للنظم العلمية الحرة والموجهـة‬
‫محتـويـات الفصـل الســادس‬
‫مقـدمـة الفصـل السـادس‬
‫المبحث‬
‫الول‪:‬‬
‫المبحث‬
‫الثانى‪:‬‬
‫خـاتمــة‬

‫الممارسات العملية لتقييد‬
‫القدرات المعرفية للنظم‬
‫العلميــة الحــرة‬
‫الممارسات العملية لتقييد‬
‫القدرات المعرفية للنظم‬
‫العلميــة الموجهــة‬
‫الفصـل السـادس‬

‫‪-‬‬

‫‪196‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬

‫الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية‬
‫للنظم العلمية الحرة‬
‫يقرر وا قع الممار سات العلم ية ” إن الح يز المتاح لحر ية الت عبير فى الغرب ل يس‬

‫مطلقا بل حدود‪ .‬بالر غم من أن الل غة ال سائدة فى الخطاب ال سياسى الغر بى قد تو حى بع كس‬

‫ذلك‪ .‬فالممار سة الغرب ية لم ترق أبدا إلى م ستوى الشعارات الغرب ية المرفو عة فى شأن حما ية‬

‫حق التعبير للجميع‪ .‬والحكومات والمجتمعات الغربية لم تنظر أبدا إلى حرية التعبير على أنها‬

‫أمر مقدس ل يجوز القتراب منه أو النتقاص من مكانته‪ .‬فنجد كثيرا من الحكومات الغرب ية‬

‫تُخرج بعهض الراء مهن دائرة حمايهة القانون‪ ..‬والسهباب التهى تد عو الحكومات الغربيهة إلى‬

‫انتهاك حر ية الت عبير متعددة‪ .‬ف قد يكون عموم المجت مع ضد ال سماح لب عض الراء فى الت عبير‬

‫العل نى‪ ،‬فت ستجيب الحكو مة للرأى العام‪ .‬وأحيانا يكون ح ظر الراء ا ستجابة لرغ بة قطاع م هم‬
‫من الناخبين أو أصحاب النفوذ أو ممولى الحملت النتخابية أو أقلية مؤثرة داخل الدولة‪ ،‬مما‬

‫يض طر الحكو مة لن تخ ضع لرغبات هم‪ .‬وأحيانا تل جأ الحكومات لمعاق بة ب عض الراء حفاظا‬

‫على السلم الجتماعى أو المن القومى “(‪.)355‬‬

‫وتو ضح الدرا سة المريك ية ل كل من « مار تن لى » و« نورمان سولومون » حول‪:‬‬

‫« مصادر غير موثوق فيها‪ :‬دليل إلى كشف التحيز فى أخبار الميديا » ” أن الصحافة الحرة‬

‫تخضهع لقيود قاسهية فهى الممارسهة‪ .‬فعلى قمهة الهرم العلمهى يتربهع مُلك المؤسهسة الذيهن‬

‫يملكون سلطة تعيين رؤساء التحرير وشاغلى المناصب التنفيذية الدارية وسلطة فصلهم‪ .‬وهذا‬

‫يعطيههم سهلطة التحكهم فهى السهياسة التحريريهة للصهحيفة‪ .‬وفهى النهايهة فإن مُلك الصهحيفة‬

‫ورؤساء ومديرى تحريرها هم الذين يحددون ما هى الفكار والتصورات والرؤى التى يجب‬

‫أن ت صل للرأى العام من خلل ها‪ .‬ول هم سلطة غ ير محدودة فى اقتراح ما يُن شر من ق صص‬
‫صهحفية أو اسهتخدام الفيتهو ضهد نشرهها‪ ..‬بحيهث يصهبح الخهبر ههو مها يقرر المالك ورئيهس‬

‫التحرير طبعه فى الجريدة‪ ،‬وليس الخبر هو ما يكتبه المحرر‪ ..‬وفى استطلع أجرته الجمعية‬

‫المريكيهة لمحررى الصهحف اعترف ‪ %33‬منههم بأنههم ل يشعرون بأن لديههم حريهة نشهر‬
‫القصص الصحفية التى يتوصلون إليها والتى تتعارض مع مصالح مؤسستهم “(‪.)356‬‬

‫‪355‬‬

‫() شريف عبد العظيم‪ ،‬حرية التعبير فى الغرب‪ .‬ص ‪.17 - 16‬‬

‫‪356‬‬

‫() عاطهف الغمرى‪ " ،‬القوة الخفيهة فهى الصهحافة المريكيهة ( كتاب جديهد ) "‪ ،‬جريدة الهرام ( ملحهق الجمعهة )‪ .‬بتاريهخ‬
‫‪ ،3/8/2001‬ص ‪.38‬‬

‫‪-‬‬

‫‪197‬‬

‫‪-‬‬

‫وتو ضح درا سة « سليمان صالح » حول « د عم الدولة لل صحف وتأثيره على تعدد ية‬

‫الصهحف وتنوعهها » ” أن دراسهة واقهع الصهحافة فهى دول أوربها والوليات المتحدة‪ ،‬تكشهف‬
‫بوضوح أن ال سوق لم ت عد حرة‪ ،‬ولم ت عد مفتو حة للجم يع‪ .‬وأن ها تض يق يوما ب عد يوم ح تى‬

‫ل ي صبح في ها مجال لتعدد ية الراء ولتنوع ال صحف‪ .‬لي صبح هناك صوت وا حد هو صوت‬

‫الرأسمالية المحافظة التى تدعم بصحفها استمرارية الوضاع الراهنة‪ .‬وهو ما يعنى أن نطاق‬

‫الديمقراطيهة فهى المجتمعات الغربيهة يضيهق وأن قوى سهياسية كثيرة ل يمكنهها الوصهول إلى‬
‫الجماهير من خلل الصحافة‪ .‬وأن مبدأ سيادة المستهلك قد أصبح خرافة‪ .‬ف قد ضاق أمام هذا‬

‫المستهلك نطاق الختيار “(‪.)357‬‬

‫ل من « سالى ايثل ستون » و« مار تا وين جر » حول‪ « :‬من‬
‫و فى تحق يق صحفى لك ٍ‬

‫يملك الخبار » ” تهم عرض قائمهة بأسهماء الشركات والفراد الذيهن يملكون ويسهيطرون على‬

‫أكهبر الشركات التلفزيونيهة فهى الوليات المتحدة المريكيهة وكذلك محطات الراديهو وكهبريات‬

‫الصهحف والمجلت العالميهة مثهل‪ :‬بوسهتن هيرالد‪ ،‬شيكاغهو تريهبيون‪ ،‬لوس أنجلوس تايهم‪،‬‬

‫نيويورك تايمهز‪ ،‬يهو‪.‬إس‪ .‬توداى‪ ،‬وول سهتريت جورنال‪ ،‬واشنطهن بوسهت‪ ،‬تايهم‪ ،‬نيوزويهك‪..‬‬

‫ويذكر التحقيق أسماء شركات صناعية ومالية عالمية مثل‪ :‬كابيتال سيتيز‪ ،‬وجنرال إليكتريك‪،‬‬

‫وكوكس انتربرايز‪ ..‬بالضافة إلى أسماء كبار المالكين والمساهمين من أمثال‪ :‬روبرت مردوخ‪،‬‬

‫وارن بوف يت‪ ،‬لورا نس تي تش صاحب سلسلة فنادق لو يس‪ ،‬ت يد تير نر ( شب كة سى‪ .‬إن‪ .‬إن ) ‪،‬‬
‫أسرة أوشز ‪ -‬سلزبرجر‪ ،‬أسرة هيرست‪ ،‬أسرة جراهام‪.)358(“ ..‬‬

‫و فى درا سة « بييربورد يو » عن « التليفزيون وآليات التل عب بالعقول » يو ضح أن‬

‫” شبكة ‪ NBC‬مملوكة لشركة جنرال إليكتريك‪ ..‬وشبكة ‪ ABC‬مملوكة لشركة ديزنى‪ ..‬وشبكة‬
‫‪ CBS‬مملوكهة لشركهة وسهتنجهاوس‪ ..‬وأن القناة الفرنسهية الولى ‪ TF1‬مملوكهة لشركهة بويهج‬

‫”(‪.)359‬‬

‫وفهى الوليات المتحدة ” تمارس أقهل مهن عشرة تكتلت إعلميهة متعددة الجنسهيات‬

‫سيطرتها على با قى المؤ سسات العلم ية الخرى‪ .‬بين ما تتولى أ قل من د ستتين من المؤ سسات‬

‫العلميهة اتخاذ القرار للغلبيهة المقهورة مهن الصهحف والمجلت والفلم والتليفزيون والراديهو‬

‫والك تب‪ ..‬وبالتالى فإن الثقا فة ال سائدة فى النظام العلمى المري كى الن ‪ -‬فى كل مظاهر ها ‪-‬‬
‫‪357‬‬

‫() سليمان صالح‪ " ،‬د عم الدولة لل صحف وتأثيره على تعدد ية ال صحف وتنوع ها "‪ ،‬مجلة الدرا سات العلم ية‪ ( .‬عدد ‪،92‬‬
‫يوليو ‪ -‬سبتمبر ‪ ،) 1998‬ص ‪.70 - 69‬‬

‫‪358‬‬

‫() بييربورديو‪ ،‬التليفزيون وآليات التلعب بالعقول‪ .‬ترجمة درويش الحلوجى‪ ،‬ص ‪.13‬‬

‫‪359‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.28‬‬

‫‪-‬‬

‫‪198‬‬

‫‪-‬‬

‫تبدو كمباراة فهى السهتغلل التجارى‪ .‬ويتجلى ذلك فهى محاولة الضفاء الكامهل للصهفة التجاريهة‬

‫على النشطهة المختلفهة‪ ،‬واختفاء التصهورات الخاصهة بالخدمهة العامهة مهن المناقشات العامهة‪،‬‬

‫وانحطاط الصحافة والتغطية العلمية للحداث السياسية‪ ..‬وذلك تحت الضغط التجارى المتزايد‬
‫”(‪.)360‬‬

‫ول كن إذا كا نت المؤ سسات العلم ية تمارس باختيار ها تقي يد قدرات ها المعرف ية ت حت‬

‫وطأة ض غط الم صالح الحتكار ية‪ .‬فإن ث مة جهات متعددة فى المجت مع المد نى فى المجتمعات‬

‫الغرب ية تمارس هى الخرى ن فس المه مة‪ ” .‬وال سبب فى ذلك ير جع إلى قوة المجت مع المد نى‬
‫فى تلك البلد والقدرة ال كبيرة لدى أفراد المجت مع عموما على تنظ يم أنف سهم أو إدارة شئون هم‬

‫واللتفاف حول هدف يجمعهم بدون الحاجة إلى تدخل من الدولة “(‪.)361‬‬

‫ويوضهح التقريهر الذى ينشره « مكتهب حريهة المثقفيهن » التابهع لتحاد المكتبات‬

‫المريكية‪ ،‬والذى تضمن قائ مة بأهم مائة كتاب تعرضت لتحديات رقاب ية خلل العقد الخ ير‬

‫” أن الجهات التهى تمنهع أو تصهادر كتابا ههى‪ :‬إمها المجالس التعليميهة بالمدارس‪ ،‬أو مجالس‬
‫الباء‪ ،‬أو المسئولون عن المكتبات العامة بناء على اقتراح من روادها‪ .‬ويكون المنع مقصورا‬

‫على الجهة وحدها دون إلزام لى جهة أخرى‪ ..‬فرقابة أو منع كتاب فى إحدى الوليات ليس‬
‫مُلزِما ل ية ول ية أخرى‪ ..‬و قد تم ر صد ‪ 5718‬واق عة رقاب ية تم إبلغ مك تب حر ية المثقف ين‬

‫عنهها بيهن عامهى ‪ 1990‬و‪ %72 ،1999‬مهن هذه الوقائع تمهت فهى المدارس أو المكتبات‬

‫المدر سية‪ ،‬و‪ %26‬ت خص كتبا عُر ضت فى مكتبات عا مة‪ .‬أ ما أ صحاب الطلب بالم نع فمن هم‬

‫‪ %60‬مهن الباء‪ ،‬و‪ %16‬بواسهطة رواد المكتبات‪ ،‬و‪ %10‬مهن قبهل الدارييهن سهواء فهى‬

‫المجالس التعليمية أو المكتبات‪ ...‬ووفقا للتقرير فإن أكثر السباب التى يُمنع لجلها أحد الكتب‬

‫هو‪ :‬اليماءات الجنسية‪ ..‬أو اللغة المبتذلة أو المتضمنة لمفاهيم عنصرية أو لنها غير مناسبة‬

‫للفئات العمرية الصغيرة‪ ،‬أو بسبب أفكار تروج للديان غير الرسمية‪ ،‬أو العنف‪ ،‬أو الرعب‪،‬‬

‫أو الشذوذ الجنسى‪ ،‬أو العرى‪ ...‬والمفاهيم المضادة للقيم العائلية “(‪.)362‬‬

‫و فى درا سة « شر يف ع بد العظ يم » حول « حر ية الت عبير فى الغرب » يو ضح أن‬

‫” كل الجامعات المريك ية تقريبا ب ها ما يُ سمى « قوا عد إبداء الرأى » ‪ speech code‬وال تى‬

‫تم نع الطلب من مهاج مة أو انتقاد أى أقل ية عرق ية أو دين ية أو الشواذ جنسهيا‪ .‬ويُعا قب من‬
‫‪)(McChesney, Robert W., Making media Democratic. P. 1. ) Available from Internet (.‬‬
‫() شريف عبد العظيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.34 - 33‬‬

‫‪360‬‬

‫‪361‬‬
‫‪362‬‬

‫() ماجدة الجندى‪ " ،‬فهى ضوء حجهم الرقابهة والمصهادرة‪ ..‬ههل أمريكها مجتمهع متحضهر؟ "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريهخ‬
‫‪ ،16/1/2001‬ص ‪.35‬‬

‫‪-‬‬

‫‪199‬‬

‫‪-‬‬

‫يخالف هذه القوا عد إما بالفصل التام من الجامعة أو الحرمان المؤقت من الدرا سة أو التوب يخ‬

‫اللفظى أو بعض العقوبات الرمزية‪ ....‬وثمة منظمات بأكملها تنشأ كى تحارب نوعا من أنواع‬

‫الت عبير م ثل منظمات « الغالب ية الخلق ية » و« التحاد الفيدرالى للخلق القو يم »‪ ،‬ال تى تهدف‬

‫إلى محاربة الفلم والمجلت الفاضحة جنسيا‪ .‬ومنظمة « الدقة فى البحث الكاديمى » والتى‬

‫تعارض التوجهات اليسارية لبعض أساتذة الجامعات “(‪.)363‬‬

‫وإذا كان المجتمهع المدنهى ‪ -‬بعناصهره المتعددة ‪ -‬يقيهد القدرات المعرفيهة للنظهم‬
‫العلم ية با ستخدام « القيود العمل ية »‪ ،‬فإن الحكومات فى الدول الغرب ية تتد خل هى الخرى‬
‫بأشكال متعددة‪ ،‬ورب ما يت خذ هذا التد خل شكله ال سافر والمعلن ع ند التعرض للقضا يا المتعل قة‬
‫بالمن القومى أو عند إعلن حالة الحرب‪.‬‬
‫ولقهد قرر رئيهس الوزراء البريطانهى السهابق « ونسهتون تشرشهل » ” أنهه فهى زمهن‬
‫الحرب يكون الصدق ثمينا إلى حد أنه يجب أن يصحبه حرس من الكاذيب “(‪.)364‬‬
‫وهذا ما توضحه كهلُ من دراسة « سيمون سرفاتى وآخرون» حول « وسائل العلم‬
‫والسياسة الخارجية » ودراسة « رودنى سمول » حول « حرية التعبير فى مجتمع مفتوح »‪..‬‬
‫من خلل عرضهما للمأزق الكبير الذى تعرضت له المؤسسات العلمية أثناء تغطية أحداث‬
‫العمليات الحربيهة فهى كهل مهن حرب القوات البريطانيهة فهى جزر فوكلنهد‪ ،‬وحرب القوات‬
‫المريكية فى جرينادا وبنما وحرب تحرير الكويت ( عاصفة الصحراء )‪.‬‬
‫ففهى أثناء حرب جزر فوكلنهد عام ‪ ،1982‬مارسهت حكومهة « مارجريهت تاتشهر »‬
‫رقابة شديدة على وسائل العلم من خلل إنشاء ” نظام « المجموعات الصحفية »‪ ،‬وإصدار‬
‫جميع المعلومات العسكرية من مركز العلم العسكرى “(‪ ....)365‬وتشبها بالنموذج النجليزى‪،‬‬
‫ورغبهة مهن العسهكريين المريكييهن أثناء حرب جرينادا‪ ،‬فهى تجاوز عقدة حرب فيتنام التهى‬
‫وُ صفت بأن ها كا نت حرب تليفزيون ية ” انطلق الع سكريون انتقاما لتجاوزات حقيق ية أو متخيلة‬
‫للصهحافة فهى فيتنام‪ ،‬إلى التعامهل مهع المعلومات كأيهة سهلعة حربيهة أخرى‪ ...‬بحيهث منعهت‬
‫الوامر الرسمية الصحفيين من تغطية العملية حتى انتهت فعلً “(‪ ” .)366‬وعندما حاول بعض‬
‫الصهحفيين اسهتئجار سهفن خاصهة للوصهول إلى الجزيرة‪ ،‬اعترض السهطول المريكهى هذه‬
‫السفن وأرغم الصحفيين على القامة لمدة يومين على ظهر سفينة تابعة للبحرية المريكية‪....‬‬
‫و فى عمل ية غزو « بن ما » تم تأخ ير الطائرة ال تى كان مقررا أن تح مل المجمو عة ال صحفية‬
‫‪363‬‬

‫() شريف عبد العظيم‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.32 - 30‬‬

‫‪364‬‬

‫() ر‪ .‬جريجورى نوكس‪ " ،‬ليبيا‪ :‬قصة حكومة "‪ ،‬فى سيمون سرفاتى ( محرر )‪ ،‬وسائل العلم والسياسة الخارجية‪ .‬ص‬
‫‪.74‬‬

‫‪365‬‬

‫() رودنى أ‪ .‬سمولل‪ ،‬حرية التعبير فى مجتمع مفتوح‪ .‬ص ‪.445‬‬

‫‪366‬‬

‫() سيتفن س‪ .‬روزنفلد‪ " ،‬فى الخل يج‪ :‬حروب ال صحافة "‪ ،‬فى سيمون سرفاتى ( محرر )‪ ،‬المر جع ال سابق‪ .‬ص ‪- 321‬‬
‫‪.322‬‬

‫‪-‬‬

‫‪200‬‬

‫‪-‬‬

‫المختارة خمس ساعات‪ ،‬حتى ل تصل إلى مدينة «بنما سيتى» عند وصول القوات المريكية‬
‫إلى المدينهة‪ .‬وعندمها وصهل الصهحفيون إلى العاصهمة‪ ،‬منهع الحراس العسهكريون المرافقون‬
‫للمجموعة؛ الصحفيين من الوصول إلى مناطق القتال أو الكتابة عنها طبقا لملحظاتهم “(‪.)367‬‬
‫ولقد تكرر نفس المر فى حرب تحرير الكويت « عاصفة الصحراء »‪ ،‬فلقد نصت‬
‫التعليمات ال تى أ صدرتها وزارة الدفاع المريك ية ‪ -‬فى ‪ 14/1/1991‬ت حت عنوان ‪Persian‬‬
‫‪ - Gulf Guide lines for media‬على التالى “ فى حالة نشوب المعارك فإن المعلومات ال تى‬
‫تحصل عليها المجموعة الصحفية تكون عرضة للمراجعة قبل السماح بنشرها‪ ،‬لتحديد ما إذا كانت‬
‫تحتوى على معلومات حسهههاسة عهههن الخطهههط العسهههكرية أو القدرات أو العمليات‬
‫أو نقاط الض عف‪ ..‬ال تى قهد تش كل خطورة على نتائج عمل ية حرب ية أو تهدد أ من قوات أمري كا‬
‫أو قوات الحلفاء‪ .‬و سيتم ف حص المادة للتأ كد ف قط من التزام ها بالقوا عد ال ساسية المرف قة‪ ،‬ول يس‬
‫لحتمال أن تعبّر عن نقد أو تتسبب فى حرج‪ .‬كما أن ضابط الشئون العامة المرافق للصحفيين فى‬
‫الموقع الذى يزورونه سوف يُراجع المادة الصحفية‪ ،‬ويناقش أية مشاكل لمخالفة القواعد الساسية‬
‫مهع المحرر‪ .‬وإذا لم يصهل الثنان إلى اتفاق حول المادة الصهحفية‪ ،‬تُرسهل المادة فورا إلى القيادة‬
‫الع سكرية فى « الظهران » لمراجعت ها بوا سطة مد ير ق سم ال صحافة هناك ومم ثل و سائل العلم‬
‫الموجود‪ .‬وإذا لم يتهم الوصهول إلى اتفاق تُرسهل المادة إلى مسهاعد وزيهر الدفاع للشئون العامهة‬
‫ليراجعها الرئيس المختص‪ .‬ولكن القرار النهائى حول النشر سيكون فى أيدى المؤسسة الصحفية‬
‫التهى يتبعهها المراسهل نفسهه ”(‪ .)368‬وعلى الرغهم مهن كهل هذه الضمانات لكفالة سهرية العمليات‬
‫الحربية‪ ،‬فقد أوقف وزير الدفاع المريكى “ إعطاء البلغات الصحفية عند بدء الهجوم البرى‪ .‬ولم‬
‫يكن هناك أية أخبار يومية من « المجموعة الصحفية » ول أية بلغات‪ .‬وهو حظر كامل على‬
‫ل من الصحفيين فقط خاطروا بجلب‬
‫الخبار لم يسبق له مثيل فى التاريخ المريكى‪ .‬ولن عددا قلي ً‬
‫سخط القوات المسلحة‪ ،‬استطاع المريكيون فى الوقت المناسب أن يشاهدوا الستيلء على الدولة‬
‫التى كان الحلفاء يحاولون تحريرها لكثر من ستة أسابيع ”(‪.)369‬‬
‫ويقرر « رودنى سمولل » أن تحليل عملية الرقابة على التغطية العلمية فى حرب‬
‫∗‬

‫‪‬‬

‫الخليج يؤكد بأن ” الخبار السيئة كان يتم تلوينها ‪ -‬وكلما أمكن ذلك ‪ -‬كان يتم التعمية على‬
‫‪367‬‬

‫() رودنى أ‪ .‬سمولل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.445‬‬

‫‪368‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.429‬‬

‫‪369‬‬

‫() ستيفن س‪ .‬روزنفلد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.326‬‬

‫∗‬

‫للمزيد حول التغطية العلمية لحروب الخليج‪ ،‬انظر كلً من‪:‬‬

‫أ ‪-‬‬

‫عوا طف ع بد الرح من‪ ،‬التغط ية الخبار ية فى الصحافة العربية بين الستقلل والتبعية‪ :‬مصر نموذجا ( دراسة‬
‫حالة للعدوان المري كى على العراق )‪ .‬فى قضا يا الو طن العر بى فى ال صحافة خلل القرن العشر ين‪ ،‬صفحات‬
‫‪.122 - 101‬‬

‫ب‪-‬‬

‫هويدا م صطفى‪ ،‬دور العلم فى الزمات الدول ية ( درا سة حالة للدارة العلم ية لحرب الخل يج )‪ .‬القاهرة‪:‬‬
‫مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر‪.2000 ،‬‬

‫‪-‬‬

‫‪201‬‬

‫‪-‬‬

‫الجزاء القبيحة من أخبار الحرب وإخفاؤها‪ .‬كما أن المعلومات كانت تتم عن طريق عدة نقاط‬
‫مركزيهة لعتمادهها‪ ،‬وفهى معظهم الحيان كانهت المعلومات تتعرض للتأخيهر أثناء بثهها “(‪.)370‬‬
‫بحيث إن خبرة وسائل العلم مع الحروب الحديثة أوضحت أنه إذا ” كانت فيتنام من بعض‬
‫النواحى هى حرب وسائل العلم‪ ..‬فإن العراق كانت حرب القوات المسلحة “(‪.)371‬‬
‫وهذا ” ما انتهت إليه دراسة صحيفة « لوموند » الفرنسية ‪ Le Monde‬على عينة من‬
‫ال صحفيين‪ .‬ح يث أعرب ‪ %48‬من هم أن هم يشعرون أن هم كانوا أدوات ب يد ال سلطات الع سكرية‪.‬‬
‫وأن العلم الفرنسهى كان تحهت سهيطرة ‪ -‬أو بمعنهى أخهر موجها مهن قبهل ‪ -‬قوات التحالف‬
‫وعلى رأسها الوليات المتحدة‪ .‬مما جعل وسائل العلم الفرنسية تخرج من تلك الزمة وهى‬
‫تعانى من فقدان المصداقية من قبل ‪ %53‬من عينة الدراسة ”(‪.)372‬‬
‫ولكهن‪ ..‬إذا كان التراجهع فهى القدرات المعرفيهة أصهبح ملحوظا فهى وسهائل العلم‬
‫التقليدية فى النظم العلمية الحرة‪ ،‬فثمة مخاوف من أن يمتد ذلك إلى وسائل العلم الجديدة‪،‬‬
‫النترنت ( حاليا ) والطريق السريع للمعلومات ( مستقبلً )‪.‬‬
‫وفى أطروحة « أونسانج يون » حول « التجاه البنائى لتنمية تكنولوجيا المعلومات »‬
‫تحاول الدرا سة الت صدى لف حص مدى جد ية تلك المخاوف‪ .‬ح يث ” تدور مشكلة الدرا سة حول‬
‫كيفية استخدام النترنت من أجل إدراك المكانية الديمقراطية للتصال التكنولوجى‪ .‬وفى سبيل‬
‫هة‬
‫هياسية والمجتمعيه‬
‫هى مؤداه‪ :‬أن الظروف السه‬
‫هة اختبار فرض رئيسه‬
‫ذلك تحاول الطروحه‬
‫تتعارض مهع السهتقلل التكنولوجهى‪ ،‬لن معظهم التطورات التكنولوجيهة تخضهع للتأثيرات‬
‫السياسية والجتماعية‪ ..‬وقد رصدت الطروحة أربعة عوامل رئيسية سياسية واجتماعية لها‬
‫إمكانيهة التأثيهر على النترنهت وههى‪ :‬الحكومهة ‪ -‬الشركات ‪ -‬الفراد ‪ -‬الجمهور‪ .‬وتوصهلت‬
‫الطروحة إلى أن البنية الصناعية الحالية للنترنت غير قادرة على التطور الجماعى المستند‬
‫إلى المجال العام والتشاور العام‪ .‬وأوصهت الدراسهة بأنهه يجهب على السهياسات المطبقهة فهى‬
‫مجالت‪ :‬مزودى خدمات النترنههت ‪ -‬أو شبكات النترنههت ‪ -‬أو محتويات النترنههت ‪-‬‬
‫أو مستخدمى النتر نت‪ .‬ي جب على تلك السياسات أن تشجع الفراد ل كى يصبحوا أعضا ًء فى‬
‫جماعات الجمهور‪ ،‬مهن خلل تحسهين قوة الجمهور وحمايهة التعهبير الفردى‪ .‬كمها أوضحهت‬
‫‪370‬‬

‫() رودنى أ‪ .‬سمولل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.446‬‬

‫‪371‬‬

‫() ستيفن س‪ .‬روزنفلد‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.335‬‬

‫‪372‬‬

‫() منهههى الحديدى‪ ،‬اختراق القائم بالتصهههال‪ .‬فهههى أعمال ندوة الختراق العلمهههى للوطهههن العربهههى‬
‫( القاهرة‪ 24 - 23 :‬نوفمبر ‪ ،) 1996‬ص ‪.166‬‬

‫‪-‬‬

‫‪202‬‬

‫‪-‬‬

‫الدراسهة أن الحكومهة تحتاج إلى المشاركهة المباشرة فهى التصهالت المؤسهّسة للنترنهت مهن‬
‫خلل تأسيس هيئات عامة‪ ..‬بحيث تقدم الحكومة بذلك طرقا بديلة لستخدام النترنت “(‪.)373‬‬
‫‪ ..‬إن ما سبق يوضح أن ثمة ممارسات غير قليلة تمثل تراجعا فى القدرات المعرفية‬
‫للن ظم العلم ية الحرة ال مر الذى حدا بأ حد الباحث ين إلى أن يع تبر ” أن الت صور بأن المز يد‬
‫من التقدم القتصادى فى الدولة يعنى بالضرورة المزيد من الليبرالية وانفتاح الحكومة‪ ..‬ما هو‬
‫إل من هراءات القرن التاسع عشر‪ .‬إذ إن ما نواجهه الن ما هو إل محاولت مثابرة لتقليص‬
‫السهريان الحهر للمعلومات لدعهم سهرية الحكومهة والشركات فهى مجالت حقوق العمال‪،‬‬
‫وبالحرى مجالت المن القومى “(‪.)374‬‬
‫ولهذا‪ ..‬يبدو مهن الهام ضرورة توضيهح‪ ،‬أن التراجصع فصى القدرات المعرفيصة للنظصم‬
‫العلمية الحرة ناتج عن قصور فى بنية النظام العلمى الحر ذاته؛ بسبب غياب حلقة ما فى‬
‫سلسلة ذلك النظام‪ ،‬ول يس ناتجا عن مؤامرة كبرى يقف خلفها رجال الح كم ورجال العمال‪.‬‬
‫” لن النقاد الي ساريين يميلون إلى حيا كة ق صص عن تآ مر صارخ‪ ...‬انطلقا من أن النتي جة‬
‫النهائ ية هى أن مع ظم ما يراه وي سمعه مع ظم الناس فى و سائل العلم يب قى واحدا من ح يث‬
‫المضمون والرأى المطروح‪ ..‬ولكن هذه الحادية ليست نتيجة وجود حلقة كريهة من المخططين‬
‫المتآمر ين‪ .‬إن ها بنيو ية مرتب طة بح سابات ال سوق‪ ..‬كري هة بطريقت ها الخا صة‪ ..‬وتش كل عائقا‬
‫خطيرا فى طريقة تطور الوسائل الجديدة والمال الجديدة فى مجال التصالت السياسية “(‪.)375‬‬
‫و من ه نا فإن الب حث الموضو عى هو الذى ي ستهدف ك شف وعلج الق صور فى هذا النموذج‬
‫ال حر للعلم‪ .‬ول يس مجرد محاولة تحطي مه‪ ،‬دون أن يو جد بد يل غ ير ن ظم العلم الموج هة‬
‫فى الدول غ ير الديمقراط ية‪ ،‬وال تى ي تم وأد قدرات ها المعرف ية ت حت جبال من القيود المتع سفة‬
‫والمستبدة‪.‬‬

‫‪)(Yun, Eunsang, structural approach to the development of the communications‬‬
‫‪technologies: A new conception of the public interest for the internet and the GCIP model.‬‬
‫‪) Available from Internet (.‬‬
‫‪374‬‬
‫‪)(Downing, John, “ Government secrecy and the media in the united states and Britain ”, In‬‬
‫‪Golding, Peter & Murdock, Graham & Schlesinger, Philip, Communicating Politics‬‬
‫‪) Mass communication and the Political Process (. p. 170.‬‬
‫‪373‬‬

‫‪375‬‬

‫() و‪ .‬رسل نيومان‪ ،‬مستقبل الجمهور المتلقى‪ .‬ترجمة محمد جمول‪ ،‬ص ‪.208‬‬

‫‪-‬‬

‫‪203‬‬

‫‪-‬‬

‫‪‬المبحـث الثـانى‬
‫الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية‬
‫للنظم العلمية الموجهـة‬
‫يبدو التفاوت فيما بين المتغيرات الوظيفية الحاكمة فى بنية النظم العلمية الموجهة أكثر‬

‫وضوحا‪ .‬ففهى حيهن امتهد التقدم التكنولوجهى ليطال القدرات التكنولوجيهة لتلك النظهم‪ ،‬إل أن التقدم‬

‫الديمقراطهى لم يمتهد بنفهس الدرجهة ليطال درجهة شفافيتهها؛ ممها أدى إلى اسهتمرار تقييهد قدراتهها‬
‫المعرفية‪.‬‬

‫ولعهل ذلك يظههر بوضوح فهى اتجاه العديهد مهن تلك النظهم العلميهة الموجههة إلى‬

‫ال سماح للقطاع الخاص بامتلك القنوات التليفزيون ية الفضائ ية‪ ،‬على ها مش احتكار الحكومات‬

‫لمحطات التليفزيون الرضى فى الغالبية العظمى من تلك الدول‪ .‬وكان هذا التوجه نحو القطاع‬

‫الخاص فى حقل العلم الفضائى‪ ،‬يهدف إلى موازنة البث الفضائى الجنبى ببث فضائى آخر‬
‫وطنهى يموله القطاع الخاص‪ ،‬للتخفيهف عهن كاههل ميزانيات تلك الدول التهى تحملت مهن قبهل‬

‫عبهء تمويهل المحطات الفضائيهة الرسهمية‪ .‬وبالطبهع لم تفلت أغلب هذه المحطات الفضائيهة‬
‫الخا صة من ذات القيود والقوا عد ال تى تق يد القدرات المعرف ية بالمحطات التليفزيون ية الر سمية‬

‫( الرضية أو الفضائية ) بتلك النظم‪.‬‬

‫وتمثل المنطقة العربية نموذجا واضحا لهذا التوجه نحو السماح بقنوات فضائية خاصة‬

‫ذات قدرات معرفيهة مقيدة إل فيمها ندر‪ .‬وتوضهح دراسهة « مجهد الهاشمهى » عهن « العلم‬
‫الكونهى وتكنولوجيها المسهتقبل » ” أن القنوات التلفزيونيهة الفضائيهة العربيهة تنقسهم إلى قسهمين‪:‬‬

‫الق سم الول‪ :‬قنوات فضائ ية عرب ية ‪ /‬عالم ية‪ ،‬و هى ال تى ت بث من خارج الو طن العر بى متخذة‬

‫عوا صم عالم ية مقرا ل ها‪ ،‬و هى قنوات خا صة وبرؤوس أموال تجار ية من القطاع الخاص ول‬

‫عل قة للدولة بشئون ها أو إدارت ها إطلقا‪ .‬وتتم ثل هذه القنوات فى‪ :‬قناة ‪ ( MBC‬مر كز تلفزيون‬

‫الشرق الوسهط ) ‪ -‬قناة ‪ Art‬شبكهة راديهو وتلفزيون العرب ‪ -‬شبكهة أوربهت ‪orbit- LBCI‬‬

‫الفضائ ية اللبنان ية ( العالم ية ) ‪ ANN -‬شب كة الخبار العرب ية ‪ -‬قناة الندلس الفضائ ية‪ .‬والق سم‬

‫الثانى‪ :‬قنوات فضائية عربية ‪ /‬عربية‪ ،‬وهى التى تبث داخل الوطن العربى إلى العالم‪ ،‬البعض‬

‫منها رسمية تُموّل من الحكومة مباشرة‪ ،‬والخرى خاصة يشرف عليها أحد الثرياء أو شركات‬

‫مساهمة لدارتها‪ .‬وتتمثل هذه القنوات بنوعيها فى‪ :‬الفضائية المصرية (‪ - )1‬الفضائية المصرية‬
‫(‪ - )2‬قناة الن يل الدول ية ‪ -‬قنوات الن يل المتخ صصة ‪ M2 -‬الخا صة المغرب ية ‪ RTM -‬القناة‬

‫الفضائيهة المغربيهة الحكوميهة ‪ TV7 -‬الفضائيهة التونسهية ‪ ALGerian TV -‬القناة الفضائيهة‬

‫‪-‬‬

‫‪204‬‬

‫‪-‬‬

‫الجزائر ية ‪ T.M -‬القناة الفضائ ية الموريتان ية ‪ Libya -‬القناة الجماهير ية الفضائ ية ‪Sodan -‬‬

‫القناة الفضائية السودانية ‪ -‬القناة الفضائية اليمنية ‪ -‬الفضائية السعودية ‪ -‬قناة دبى الفضائية ‪-‬‬

‫قناة د بى ‪ ( 2‬خا صة ) ‪ -‬قناة د بى الريا ضة ‪ -‬قناة د بى القت صادية ‪ -‬قناة د بى للدرا ما ‪ -‬قناة‬

‫أبهو ظهبى الفضائيهة ‪ -‬قناة الشارقهة الفضائيهة ‪ -‬قناة عجمان الفضائيهة ‪ B.TV -‬قناة البحريهن‬
‫∗‬

‫الفضائ ية ‪ -‬قناة عمان الفضائ ية ‪ -‬قناة الجزيرة القطر ية الفضائ ية ( خا صة ) ‪ -‬قناة الم ستقبل‬
‫اللبنانية ( خاصة ) ‪ -‬قناة ‪ NBN‬الخبارية اللبنانية الخاصة ‪ -‬الفضائية العربية الردنية ‪ -‬القناة‬

‫الفضائية السورية ‪ -‬قناة العراق الفضائية ‪ -‬قناة فلسطين الفضائية ”(‪.)376‬‬

‫ومن وسط هذا العدد الكبير للقنوات الفضائية العربية‪ ،‬فإن قناة الجزيرة القطرية الفضائية‬

‫هى التى استطاعت أن تنجو بشكل كبير من أسر القيود على قدراتها المعرفية إلى الحد الذى جعل‬

‫” العديد من المثقفين فى الشرق الوسط يرون أن ما تبثه هذه القناة رمزا محركا للثارة فى العالم‬

‫العربهى‪ .‬بينمها اعتهبر البعهض مها تبثهه ( فتنهة ) تثيهر المشاكهل والخلفات وتكشهف المخفهى‬

‫والمستور “(‪ ...)377‬إل أن حرب الوليات المتحدة ضد معاقل الرهاب فى أفغانستان أدت إلى أن‬

‫تتبوأ قناة الجزيرة مكانة عالمية سبق أن تبوأتها قناة ‪ CNN‬أثناء حرب تحرير الكويت؛ وذلك لن‬
‫حكام « طالبان » فى أفغان ستان ‪ -‬آنذاك ‪ -‬سمحوا ل ها بمفرد ها بتغط ية أحداث الحرب؛ م ما أدى‬
‫إلى أن تن قل عن ها كا فة و سائل العلم العالم ية‪ ...‬إن الستقللية ال كبيرة لقناة الجزيرة تو ضح أن‬

‫رفع القيود عن القدرات المعرفية هو الضامن الكبر لجذب المتلقين إلى المواد العلمية‪.‬‬

‫ول كن على الر غم من ذلك‪ ،‬فإن النظام العل مى الم صرى ان صرف عن هذا التو جه‬

‫عند ما قرر إنشاء « منط قة إعلم ية حرة » يم كن أن تُبَث من خلل ها قنوات فضائ ية م صرية‬
‫يمولها القطاع الخاص‪ ،‬ووضع ضوابط لعمل تلك القنوات تتمثل فى أنه ” ل يجوز الترخيص‬
‫لقنوات ذات صهبغة دينيهة أو طائفيهة أو حزبيهة أو تدعهو إلى الجنهس أو العنهف‪ ،‬كمها تلتزم‬

‫الشركات المرخهص لهها بالعمهل بميثاق الشرف العلمهى‪ ،‬ول يجوز التنازل للغيهر عهن‬
‫الترخيهص الممنوح إل بموافقهة مجلس إدارة المنطقهة الحرة “(‪ .)378‬وتهم بالفعهل الموافقهة على‬
‫∗‬

‫إنشاء أربع قنوات فضائية امتلكتها شركات مساهمة مصرية اعتبارا من ‪. 13/6/2001‬‬

‫∗‬

‫قناة الجزيرة مؤسسة عامة مستقلة قد مت لها حكومة قطر قرضا قيمته ( ‪ )500‬مليون دولر لتمويل القناة‬
‫على مدى ( خ مس ) سنوات‪ ،‬على أن ت صبح قادرة على إعالة نف سها من خلل العلنات والشتراكات‪ .‬و قد انطل قت‬
‫القناة يوم ‪ .1/11/1996‬انظر‪ :‬مجد الهاشمى‪ ،‬العلم الكونى وتكنولوجيا المستقبل‪ .‬ص ‪.224‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪376‬‬

‫() مجد الهاشمى‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬صفحات ‪.242 - 140‬‬

‫‪377‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.223‬‬

‫‪378‬‬

‫() جريدة الهرام بتاريخ ‪ ،19/9/2000‬ص ‪.1‬‬

‫∗‬

‫انظر‪ :‬جريدة الهرام بتاريخ ‪ ،1/6/2001‬ص ‪.3‬‬

‫‪-‬‬

‫‪205‬‬

‫‪-‬‬

‫ولكن‪ ..‬إذا كانت القدرات المعرفية مقيدة بدرجة كبيرة فى مجالت العلم الذاعى‬

‫والتليفزيو نى فى الن ظم العلم ية الموج هة‪ ،‬فإن المؤ سسات ال صحفية على الر غم من كون ها‬
‫أكثهر تحررا فيمها يتعلق بالسهماح للقطاع الخاص والمعارضهة بإصهدار الصهحف‪ ،‬وبالتطرق‬

‫لمضاميهن إعلميهة ل يمكهن التطرق لهها بتاتا فهى العلم التليفزيونهى والذاعهى‪ ،‬إل أن‬
‫الممار سات العمل ية فى ح قل العلم ال صحفى تؤ كد أن تقي يد القدرات المعرف ية هو الغالب‬

‫على توجهات النظم العلمية الموجهة‪.‬‬

‫ف فى درا سة « فاروق أ بى ز يد » حول « الن ظم ال صحفية فى الو طن العر بى »‪ ،‬تبين‬

‫مهن خلل تحليهل مضمون سهتة عشهر قانونا للمطبوعات فهى كهل مهن‪ :‬مصهر‪ ،‬والسهودان‪،‬‬

‫والمملكهة العربيهة السهعودية‪ ،‬والكويهت‪ ،‬والبحريهن‪ ،‬وقطهر‪ ،‬ودولة المارات العربيهة المتحدة‪،‬‬
‫وعُمان‪ ،‬والعراق‪ ،‬وسوريا‪ ،‬ولبنان‪ ،‬والسودان‪ ،‬واليمن‪ ،‬وليبيا‪ ،‬وتونس‪ ،‬والجزائر‪ ،‬والمغرب‪..‬‬
‫تبين ” أن جم يع النظ مة ال صحفية العرب ية بن سبة ‪ %100‬تقوم بفرض الرقا بة على ال صحف‪،‬‬

‫سواء كانت هذه الرقابة سابقة على النشر أو لحقة عليه‪ ،‬أو كانت هذه الرقابة على الصحف‬

‫المحلية أو الصحف الجنبية الواردة من الخارج “(‪.)379‬‬

‫ومن الواضح أن ممارسة الرقابة أو حتى مجرد التلويح بممارستها يؤدى إلى قصور‬

‫خطير فى حركة سريان المعلومات العلمية فى المجتمع‪ .‬مما ينعكس بالتالى على القدرات‬
‫المعرف ية للن ظم العلم ية وعلى التوجهات المهن ية للقائم ين بالت صال‪ .‬ول عل هذا ما توض حه‬

‫درا سة « سيد بخ يت » حول « الع مل ال صحفى فى م صر‪ :‬درا سة سوسيولوجية لل صحفيين‬
‫الم صريين » ح يث أوض حت الدرا سة التطبيق ية ” أن ‪ %70‬من القيادات ال صحفية أجابوا بأ نه‬

‫ت صلهم تعليمات وتوجيهات لتقر ير ن شر نوع ية معي نة من الخبار أو عدم نشر ها‪ ،‬عن طر يق‬

‫مك تب ال صحافة الذى يت صل بال صحف لبلغ ها بهذه الخبار‪ .‬ك ما وا فق ‪ %95‬من القيادات‬

‫الصهحفية على خضوع الصهحافة القوميهة فيمها تنشره لسهياسة الحكومهة‪ .‬ووافهق ‪ %70‬مهن‬

‫المندوبين الصحفيين على خضوع الصحافة المعار ضة فيما تنشره لسياسة أحزاب ها‪ .‬كما رأى‬
‫‪ %93‬من المندوبين و‪ %85‬من القيادات الصحفية بأن الصحافة القومية تعكس رأى السلطة‪...‬‬

‫كمها أجاب ‪ %75‬مهن القيادات الصهحفية التنفيذيهة أن الصهحافة المصهرية ل تنشهر الخبار‬
‫المتعلقة بفساد بعض النخب “(‪.)380‬‬

‫ولكهن‪ ..‬إذا كان مناخ الرقابهة يقيهد فاعليات المؤسهسات العلميهة‪ .‬فإنهه ‪ -‬مهن جههة‬

‫أخرى ‪ -‬يؤدى إلى إكساب تلك المؤسسات الجرأة على تلوين محتوى رسائلها العلنية‪ ،‬وذلك‬
‫‪379‬‬

‫() فاروق أبو زيد‪ ،‬مدخل إلى علم الصحافة‪ .‬ص ‪.124‬‬

‫‪380‬‬

‫() سيد بخيت‪ ،‬العمل الصحفى فى مصر ( دراسة سوسيولوجية للصحفيين المصريين )‪ .‬صفحات ‪.239 - 230‬‬

‫‪-‬‬

‫‪206‬‬

‫‪-‬‬

‫إمعانا فى مناخ الفساد والفساد العلمى القائم‪ .‬فقد أوضحت الدراسة السابقة ” أن ‪ %70‬من‬
‫القيادات ال صحفية أكدوا أن ال صحافة الم صرية تتحا يل على عدم تمي يز المادة التحرير ية عن‬
‫العلن‪ .‬كما أكد ‪ %65‬من تلك القيادات أن الصحافة المصرية تتردد فى نشر معلومات تسيئ‬

‫لبعض المعلنين “(‪.)381‬‬

‫ولعل هذا ما أكده ‪ -‬بكل شجاعة وقوة ‪ -‬الكاتب الصحفى المصرى « فهمى هويدى »‬
‫∗‬

‫فى مقاله القنبلة « صحفيون للب يع » ح يث أ كد أن ” جهاز الرقا بة الدار ية أ عد تقريرا عن‬

‫الصحفيين الذين يتقاضون رواتب ومكافآت شهرية من الوزارات والشركات ورجال العمال‪.‬‬

‫وتبين منه أن الغلبية الساحقة من المؤسسات الصحفية يتقاضى محرروها تلك المكافأت‪ .‬وأن‬
‫الحصة الكبر منها تذهب إلى محررى الصحف القومية‪ .‬وأن الذين يقبضون المكافآت وصل‬

‫عددهم فى إحدى المؤسسات الصحفية القومية إلى أكثر من ‪ 200‬صحفى‪ .‬بينما يهبط الرقم إلى‬

‫خمسهة أو سهبعة صهحفيين فهى الصهحف المسهتقلة أو المعارضهة‪ .‬وهؤلء يتقاضون شهريا‬
‫ما بين ألفين و‪ 15‬ألف جنيه “(‪.)382‬‬

‫ول يقتصهر المهر بالنظام العلمهى المصهرى على مجرد شراء ولء العلمييهن‬

‫« بذ هب الم عز »‪ ،‬وإن ما يم تد ال مر إلى حد تشر يد العلمي ين « ب سيف الم عز »‪ ،‬من خلل‬

‫إغلق المؤسهسات العلميهة‪ .‬فخلل الفترة مهن عام ‪ 1998‬إلى عام ‪ 2001‬تهم إيقاف ثلث‬
‫صحف عن ال صدور‪ .‬ف فى ‪ 25/2/1998‬تم إلغاء ترخ يص ط بع جريدة « الد ستور »‪ ،‬و هى‬

‫جريدة مصرية تصدر بترخيص من قبرص‪ ،‬وذلك بسبب نشرها بيان الجماعة السلمية الذى‬

‫يهدد باغتيال رجال العمال القباط فى مصر‪ .‬وفى شهر مايو ‪ 2000‬تم إيقاف صدور جريدة‬

‫« الشعهب » الصهادرة عهن حزب العمهل؛ بسهبب مها نشرتهه الجريدة مهن نقهد شديهد لروايهة‬

‫« ولي مة لعشاب الب حر » للكا تب ال سورى « حيدر حيدر »‪ ،‬وأدى ذلك إلى اندلع المظاهرات‬

‫فى جام عة الز هر‪ ،‬للت عبير عن الغ ضب م ما تضمن ته الروا ية من ادعاء بالتطاول على الذات‬

‫اللهيهة‪ .‬وفهى ‪ 5/7/2001‬قرر القضاء الدارى إيقاف ترخيهص جريدة « النبهأ » وحجبهها عهن‬

‫الصدور بسبب ما نشرته بتاريخ ‪ 17/6/2001‬فى عدد ها رقم ‪ 663‬عن الممارسات الجنسية‬

‫« للراههب‪ /‬برسهوم المحروقهى »‪ ،‬ومها صهاحب الموضوع مهن نشهر صهور لتلك الممارسهات‬
‫الجنسية أعقبها اندلع المظاهرات التى قام بها القباط احتجاجا على ما نشرته الصحيفة‪.‬‬
‫‪381‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬صفحات ‪.278 - 273‬‬

‫∗‬

‫على الرغم من أن مجلس نقابة الصحفيين أكد عدم تلقيه أية تقارير من جهات سيادية أو رقابية باتهام أحد من‬
‫الصهحفيين بالمخالفات المذكورة‪ .‬إل أن الحقيقهة التهى يعلمهها الكثيرون وجدت أخيرا مهن يمتلك الشجاعهة ليقولهها‪ .‬انظهر‪:‬‬
‫جريدة الهرام بتاريخ ‪ ،17/4/2001‬ص ‪.15‬‬
‫‪‬‬

‫‪382‬‬

‫() فهمى هويدى‪ " ،‬صحفيون للبيع "‪ ،‬جريدة الوفد‪ .‬بتاريخ ‪ ،30/3/2001‬ص ‪.14‬‬

‫‪-‬‬

‫‪207‬‬

‫‪-‬‬

‫ول مجال للدهشهة‪ ..‬مهن قيام مظاهرات إسهلمية فهى حالة جريدة الشعهب‪ ،‬للمطالبهة‬
‫بم صادرة روا ية‪ .‬وقيام مظاهرات قبط ية فى حالة جريدة الن بأ‪ ،‬للمطال بة بم صادرة جريدة‪ .‬فالن ظم‬
‫العلمية الموجهة تؤدى إلى نمو مفهوم « الجمهور الموجه » الذى ل يعترف بالرأى الخر ول‬
‫يؤمن بالتعددية الفكرية‪ .‬وهذا يؤكد ” أن القمع يعيد إنتاج نفسه‪ .‬وأن فعل القمع ذاته ينعكس على‬
‫من يقع عليه‪ .‬مما يؤدى إلى تحول المقموعين إلى قامعين وانقلب المنفعلين بالقمع إلى فاعلين له‬
‫”(‪.)383‬‬
‫ول كن إذا أم كن للن ظم العلم ية الموج هة التح كم فى مؤ سساتها العلم ية التقليد ية‪ ،‬ف هل‬
‫يمكن لشبكات المعلومات أن تطرح تحديا كبيرا أمام تلك النظم‪ ،‬بما توفره من قدرات اتصالية فائقة‬
‫جدا يصهعب السهيطرة عليهها ومراقبتهها ؟‪ ...‬إن الواقهع يقرر‪ ..‬أنهه على الرغهم مهن التحدى‬
‫التكنولوجى الذى يقلص كثيرا من القدرة على تقييد شبكات المعلومات‪ ،‬إل أن ثمة وسائل وأساليب‬
‫تمار سها ب عض الن ظم لعا قة ال سريان ال حر للمعلومات ” ف فى عالم النتر نت الذى سقطت ف يه‬
‫الحدود ب ين الدول‪ .‬تُمارس لع بة ال قط والفأر ب ين الحكومات السيوية والمواطنين الذين يخاطرون‬
‫بالقبض عليهم من أجل حرية الوصول إلى الشبكة العالمية‪ .‬وتحاول دولتا الصين وسنغافورة إعاقة‬
‫و صول موا قع معي نة على الشب كة‪ ،‬هى الموا قع ال تى تحوى مضمونا سياسيا أو جن سيا ل ترغ به‬
‫الدولتان‪ .‬كما تقوم هاتان الدولتان بالحد من عدد الشركات العاملة فى مجال توزيع خدمة النترنت‬
‫على المواطنين‪ ،‬وتفرضان عليها استخدام مرشحات إلكترونية ‪ electronic filters‬لعاقة المواقع‬
‫غير المرغوب فيها ”(‪ .)384‬كما ” تستخدم السلطات السعودية تقنية متقدمة لحجب نحو ‪ 200‬ألف‬
‫مو قع على النتر نت وذلك لم نع م ستخدمى النتر نت من دخول الموا قع الباح ية أو ال تى تحتوى‬
‫على انتقادات للنظام السعودى أو النظمة الخليجية المجاورة “(‪.)385‬‬
‫ولكهن على الرغهم ممها سهبق‪ ..‬يمكهن القول‪ ..‬أن التقدم التكنولوجهى المطرد سهيقلص‬
‫كثيرا من قدرة ال سلطات على تقي يد حر ية الت صال بالنتر نت ( حاليا ) أو بالطر يق ال سريع‬
‫للمعلومات ( مستقبلً )‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪383‬‬

‫() جابر عصفور‪ ،‬ضد التعصب‪ .‬ص ‪.26‬‬

‫‪384‬‬

‫() شريف درويش اللبان‪ ،‬تكنولوجيا التصال ( المخاطر والتحديات والتأثيرات الجتماعية )‪ .‬ص ‪.184‬‬

‫‪385‬‬

‫() انظر كلً من‪:‬‬
‫أ ‪-‬‬

‫أحمد أبو الوفا‪ " ،‬حملة مداهمات عربية ضد المواقع الباحية والبرامج المنسوخة "‪ ،‬جريدة العالم اليوم‪ .‬بتاريخ‬
‫‪ ،7/5/2001‬ص ‪.13‬‬

‫ب‪-‬‬

‫أشرف أبو الهول‪ " ،‬السعودية تحظر ‪ 200‬ألف موقع آخر للنترنت‪ " ،‬جريدة العالم اليوم‪ .‬بتاريخ ‪،7/5/2001‬‬
‫ص ‪.13‬‬

‫‪-‬‬

‫‪208‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمـة الفصـل السـادس‪:‬‬
‫‪ ..‬كشهف العرض السهابق للدراسهات والوقائع الموضحهة للممارسهات العمليهة لتقييهد‬
‫القدرات المعرف ية فى كل من الن ظم العلم ية الحرة والموج هة‪ ،‬عن فاعل ية القيود المعرف ية‬
‫( المجتمع ية أو الذات ية ) فى بن ية الن ظم العلم ية الراه نة سواء الحرة أو الموج هة‪ .‬ح يث‬
‫تمارس القيود المجتمع ية دور ها من خلل القيود التشريع ية والعمل ية المقي ـِدة لحر ية الت عبير‪.‬‬
‫بين ما تمارس القيود الذات ية دور ها من خلل المبادرات الذات ية للقائم ين بالت صال والمؤ سسات‬
‫العلمية لتقييد حرية التعبير‪ .‬وإذا كانت القيود المجتمعية يمكن ملحظتها بسهولة لعتمادها‬
‫على تشريعات وممارسهات ظاهرة فهى المجتمهع‪ .‬فإن القيود الذاتيهة مهن الصهعب ملحظتهها؛‬
‫لعتمادها على نوايا المؤسسات العلمية‪ ،‬ولكونها تتم داخل جدران تلك المؤسسات‪.‬‬
‫وعلى الر غم من أن التقدم التكنولو جى قد ن جح جزئيا فى أن يقلص إلى حد ما من‬
‫المدى الذى تمتهد إليهه ( القيود المجتمعيهة ) لحظهر بعهض المعلومات‪ ،‬نتيجهة قدرة الفضائيات‬
‫وشبكات المعلومات على اختراق الحدود والحوا جز التقليد ية‪ .‬ونتي جة انتشار ال مد الديمقرا طى‬
‫ل من التقدم التكنولو جى وال مد الديمقرا طى‪ ،‬لن ي ستطيعا أن‬
‫على الم ستوى العال مى‪ .‬إل أن ك ً‬
‫يقل صا من فاعل ية القيود الذات ية فى بن ية الن ظم العلم ية الراه نة‪ ،‬وال تى اكت سبت المؤ سسات‬
‫العلم ية بموجب ها القدرة على ح ظر المعلومات المشرو عة بناءا على مبادرات ذات ية وكوا بح‬
‫طوعية‪.‬‬
‫ومن المرجح‪ ..‬أن المستقبل القريب سيقدم القيود الذاتية باعتبارها الخطر الكبر على‬
‫حريهة الت عبير قيا سا بالقيود المجتمعيهة‪ .‬إذ إن اسهتمرار تقلص القيود المجتمعيهة نتي جة الوا قع‬
‫الذى يفرضه التقدم التكنولوجى والمد الديمقراطى‪ ،‬يؤدى إلى منح مزيد من المعلومات الفرصة‬
‫للق فز من فوق أ سوار الح ظر التقليد ية‪ .‬ول كن بالمقا بل‪ ..‬تب قى القيود الذات ية بمنأى عن ذلك‬
‫التأث ير‪ ،‬وذلك لكون ها مخف ية وغ ير ملحو ظة‪ ،‬وتح ظى بد عم ال سلطات الحكوم ية والمؤ سسات‬
‫العلم ية ومنظمات المال والعمال؛ لن ها تمنح هم جميعا الفر صة لقا مة علقات نفع ية مع‬
‫بعضهم البعض تنال من درجة شفافية النظم العلمية‪ .‬المر الذى سيؤدى إلى إهدار الفرص‬
‫التى تتيحها البعاد المجتمعية للعولمة للرتفاع بالقدرات المعرفية للنظم العلمية‪.‬‬
‫و من الوا ضح أن ا ستمرار القيود المعرف ية ( المجتمع ية أو الذات ية ) فى بن ية كل من‬
‫النظم العلمية الحرة والموجهة‪ ،‬يستند إلى المرجعيات الفلسفية العلمية الراهنة التى تُسلّم‬
‫بضرورة تواجهد القيود المعرفيهة فهى بنيهة تلك النظهم‪ .‬وبالتالى فإن اسهتمرار تلك المرجعيات‪،‬‬

‫‪-‬‬

‫‪209‬‬

‫‪-‬‬

‫سيؤدى إلى استمرار العتراف بالقيود الذاتية حتى لو أدى التقدم التكنولوجى والديمقراطى إلى‬
‫تقليص القيود المجتمعية‪.‬‬
‫وانطلقا مهن هذا الواقهع‪ ..‬فإن تمهيهد الطريهق أمام تصهاعد القدرات المعرفيهة للنظهم‬
‫العلمية ‪ -‬بما يجعلها تستجيب للتطورات التى تطرحها البعاد المجتمعية للعولمة ‪ -‬يستلزم‬
‫أهم ية تب نى مرجعيات فل سفية إعلم ية جديدة ل تُ سلّم بضرورة توا جد القيود المعرف ية فى بن ية‬
‫النظم العلمية‪ ....‬وهذا ما سنحاول طرحه فى الفصل القادم‪..‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪210‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمـة البــاب الثـانى‪:‬‬
‫حاولت الدرا سة ‪ -‬من خلل ذلك الباب ‪ -‬الجا بة على الت ساؤلين الول والثا نى من‬
‫تساؤلت الدراسة‪ .‬وكان التساؤل الول ينص على التى‪:‬‬
‫« ما هو ال ثر الذى تمار سه عول مة الت صال على المتغيرات الكائ نة ببن ية الن ظم العلم ية‬
‫الراهنة‪ ،‬ومن ثم على وظيفتها فى المجتمع ؟ »‪.‬‬
‫وكان التساؤل الثانى ينص على التى‪:‬‬
‫« ما هو الثر الذى تمارسه المرجعيات الفلسفية العلمية ‪ -‬التى تتبناها النظم العلمية‬
‫الراهنة ‪ -‬على القدرات المعرفية لتلك النظم ؟ »‪.‬‬
‫وقهد توصهلت الدراسهة فهى محاولتهها للجابهة على التسهاؤل الول‪ ،‬إلى أن الثهر الذى‬
‫تمار سه عول مة الت صال على المتغيرات الكائ نة ببن ية الن ظم العلم ية الراه نة هو أ ثر غ ير‬
‫متوازن‪ ،‬ومن ثم ل يساعد تلك النظم على القيام بأعباء وظيفتها فى المجتمع على الوجه الكمل‪.‬‬
‫وتف صيل ذلك‪ ..‬أن الدرا سة تو صلت إلى أن المتغيرات الوظيف ية الحاك مة بين ية الن ظم‬
‫العلم ية تتحدد فى ثل ثة متغيرات هى‪ « :‬القدرات المعرف ية للنظام العل مى » و« در جة‬
‫شفافية النظام العلمى » و« القدرات التكنولوجية للنظام العلمى »‪ .‬وتنتظم هذه المتغيرات‬
‫الثلثة فى العلقة الرياضية التالية‪:‬‬
‫القدرات المعرفية للنظام العلمى = درجة شفافية النظام العلمى ×‬
‫قدراته التكنولوجية‬
‫وقد أثبتت الدراسة أن المتغيرين الوظيفيين الحاكمين ( المستقلين ) ل يستجيبان بدرجة‬
‫متوازنهة لل ثر الذى تمارسهه عليهمها عولمهة التصهال‪ ،‬وبالتالى فإن المتغيهر الوظيفهى الحاكهم‬
‫( التابع ) الذى يتمثل فى « القدرات المعرفية للنظم العلمية » يتصاعد بدرجة أقل من الدرجة‬
‫التى كان يمكن أن يتصاعد بها لو كانت استجابة المتغيرين الخرين تتم بدرجة متوازنة‪.‬‬
‫حيث تمارس عولمة التصال تأثيرها على « القدرات التكنولوجية للنظم العلمية »‬
‫انطلقا مهن النتائج التهى ترتبهت على التقدم التكنولوجهى الهائل فهى تكنولوجيات التصهالت‬
‫والعلم والمعلومات وأدت إلى التكامهل بيهن هذه التكنولوجيات الثلث ‪ -‬مهن خلل التكامهل‬
‫التكنولو جى العضوى فى مجال تكنولوج يا الو سائط الناقلة‪ ،‬والتكا مل التكنولو جى الهيكلى فى‬
‫مجال تكنولوج يا أجهزة ال ستقبال والعرض والت صال ‪ -‬ال مر الذى أ سفر عن د مج و سائل‬
‫العلم والتصهال والمعلومات فهى بنيهة هيكليهة إلكترونيهة مدمجهة واحدة يمثلهها الكومهبيوتر‬
‫المت صل بشبكات المعلومات‪ ،‬م ما أ سفر عن الت صاعد المطرد فى ن سبة انتشار و سائل العلم‬
‫فهى المجتمعات المختلفهة‪ ،‬وذلك انطلقا مهن الثار التهى تمارسهها البعاد القتصهادية للعولمهة‬

‫‪-‬‬

‫‪211‬‬

‫‪-‬‬

‫والتهى تؤدى إلى تبنهى سهياسات النتاج الضخهم وفقا لمبدأ وفورات الحجهم الكهبير فهى مجال‬
‫الت صنيع التكنولو جى لو سائل الت صال‪ ،‬ال مر الذى سيؤدى إلى انخفاض القي مة ال سعرية لتلك‬
‫الوسائل بالتزاوج مع التصاعد فى نسبة انتشارها على مستوى العالم‪ .‬وبالتالى‪ ..‬سينعكس هذا‬
‫على القدرات التكنولوج ية للن ظم العلم ية ب صورة إيجاب ية تي تح لغلب تلك الن ظم الو صول‬
‫بسههولة إلى مرحلة التشبهع التكنولوجهى العلمهى‪ ،‬تلك المرحلة التهى تعنهى وصهول القدرات‬
‫التكنولوجية للنظم العلمية إلى حدها القصى‪.‬‬
‫وعلى الجانب الخر ‪ ..‬فإن التأثير الذى تمارسه عولمة التصال على « درجة شفافية‬
‫الن ظم العلم ية » يتم ثل فى النفجار المعلوما تى وال كم المهول من الر سائل العلم ية ال تى‬
‫تنه مر ل يل نهار عبر قنوات الت صال الممتدة عبر أرجاء العالم‪ ،‬م ما أدى إلى تجاوز الر سائل‬
‫العلمية للحدود الجغرافية والقيود القانونية والخصائص الفنية لوسائل العلم التقليدية‪ ،‬المر‬
‫الذى انعكهس إيجابيا على « درجهة شفافيهة النظهم العلميهة »‪ .‬ولكهن مازالت بعهض العوائق‬
‫والقيود تمنع التصاعد المتسارع فى « درجة شفافية النظم العلمية » وتتمثل فى ضعف الثر‬
‫الذى تمار سه الر سائل العلم ية الفضائ ية الجنب ية المختر قة للحدود والموا نع القانون ية‪ ،‬وذلك‬
‫نتيجة العائق اللغوى‪ ،‬ونتيجة عدم قدرة النظم العلمية الجنبية على الهتمام الكبير بالقضايا‬
‫المحل ية اليوم ية ال تى تحجب ها الن ظم العلم ية المحل ية‪ ،‬هذا بالضا فة إلى التقي يد ال كبير الذى‬
‫تمارسه مجموعة القيود المعرفية الكائنة فى بنية النظم العلمية الراهنة والتى تتمثل فى القيود‬
‫المجتمعية ( التشريعية والعملية ) والقيود الذاتية التى تمارسها المؤسسات العلمية‪ ،‬مما يؤدى‬
‫ فى المجمل العام ‪ -‬إلى عدم ارتفاع « درجة شفافية النظم العلمية » بنفس الدرجة التى‬‫تتصهاعد بهها « القدرات التكنولوجيهة للنظهم العلميهة »‪ ،‬ويؤدى إلى عدم توازن الثهر الذى‬
‫تمار سه عول مة الت صال على هذ ين المتغير ين‪ ،‬وبالتالى ال حد من الدر جة ال تى كان يم كن أن‬
‫تتصاعد وفقا لها « القدرات المعرفية للنظم العلمية » نتيجة هذا الثر غير المتوازن‪ .‬المر‬
‫الذى يسفر عن عدم قدرة الن ظم العلم ية على القيام بوظيفتها فى المجت مع‪ ،‬والتى تتمثل فى‬
‫نقل معرفة وافية عن الحداث والمجريات والراء والفكار نتيجة الثار السلبية التى تمارسها‬
‫العوائق والقيود المعرفية على « درجة شفافية النظم العلمية »‪.‬‬
‫كما توصلت الدراسة فى محاولتها للجابة على التساؤل الثانى إلى وجود ارتباط بين‬
‫المرجعيات الفلسهفية العلميهة التهى تتبناهها النظهم العلميهة الراهنهة‪ ،‬وبيهن القيود المعرفيهة‬
‫الكائنة ببنية تلك النظم‪ .‬حيث تعترف كافة المرجعيات الفلسفية العلمية بشرعية تواجد القيود‬
‫المعرفية ببنية النظم العلمية بدرجات متفاوتة‪ ،‬المر الذى يؤدى إلى إعاقة تصاعد القدرات‬
‫المعرفية للنظم العلمية‪ ،‬ويؤثر سلبيا على قيامها بوظيفتها فى المجتمع‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪212‬‬

‫‪-‬‬

‫وتفصهيل ذلك‪ ..‬أن الدراسهة عرضهت للتصهنيفات المتعددة لنظريات النظهم العلميهة‬
‫والتى أطلقت عليها الدراسة مصطلح المرجعيات الفلسفية باعتبارها تمثل الخلفية الفلسفية للنظم‬
‫العلمية‪ .‬حيث تبين أن المدى الذى يضم النظم العلمية الراهنة يتراوح ما بين كل من‪:‬‬
‫•‬

‫النظهم العلميهة الموجههة‪ :‬والتهى يندرج تحتهها وفقا لدرجات متفاوتهة فهى التوجيهه‬
‫( النظهم السهلطوية ‪ -‬النظهم الشيوعيهة أو الماركسهية أو السهلطوية الجتماعيهة ‪ -‬النظهم‬
‫التنموية أو التقدمية )‪.‬‬

‫•‬

‫النظهم العلميهة الحرة‪ :‬والتهى يندرج تحتهها وفقا لدرجات متفاوتهة فهى الحريهة‬
‫( الن ظم الليبرال ية أو أنظ مة ال سوق ‪ -‬الن ظم الم سئولة اجتماعيا أو الليبرال ية الجتماع ية‬
‫أو المركزية الجتماعية أو الديمقراطية الجتماعية ‪ -‬نظم المشاركة الديمقراطية )‪.‬‬
‫ونظرا لن عرض الممارسات العملية لتلك النظم أوضح أن النظم العلمية الموجهة‬

‫تمارس دورهها باعتبارهها أحهد أدوات السهلطة مهن حيهث كونهها أدوات دعائيهة لنظهم الحكهم‬
‫وللترويج اليدلوجى ودعم خطط التنمية‪ .‬بينما تمارس النظم العلمية الحرة دورها باعتبارها‬
‫سهلطة رابعهة ‪ -‬فهى مواجههة سهلطات الدولة الثلث ‪ -‬مهمتهها تسهليط الضوء على الحداث‬
‫والوقائع والفكار والراء فهى المجتمهع وتقديمهها للجماهيهر‪ .‬وبالتالى فإن النظهم العلميهة‬
‫الموجهة تستهدف تشكيل وعى المجتمع من أجل الدولة‪ ،‬بينما النظم العلمية الحرة تستهدف‬
‫كشف ممارسات الدولة من أجل المجتمع‪ .‬ولكن نظرا لنه ل وجود للدولة بدون المجتمع‪ ،‬فإن‬
‫كافة النظم العلمية سواء الحرة أو الموجهة تحاول أن تترجم ممارساتها العلمية فى إطار‬
‫التزامهها تجاه المجتمهع‪ .‬وانطلقا من هذه النتي جة ف قد اكتسهبت نظريهة المسهئولية الجتماعيهة‬
‫جاذبية خاصة جعلت من أطروحاتها الصيغة الكثر قبولً لدى كل من النظم العلمية الحرة‬
‫والموج هة‪ ،‬بح يث يأول ها كل من النظام ين لتحق يق أهدا فه ت حت دعوى اللتزام بدور م سئول‬
‫تجاه المجتمع‪.‬‬
‫حيث تبرر النظم العلمية الموجهة تشديدها للقيود المجتمعية على المعلومات‪ ،‬وتبرر‬
‫مؤسساتها العلمية تبنيها للقيود الذاتية‪ ،‬تحت دعوى اللتزام بدور مسئول اجتماعيا‪.‬‬
‫وبن فس المن طق تبرر الن ظم العلم ية الحرة ا ستمرار بقاء عدد من القيود المجتمع ية‬
‫داخهل بنيتهها‪ ،‬وتهبرر مؤسهساتها العلميهة تبنيهها للقيود الذاتيهة‪ ،‬تحهت دعوى اللتزام بدور‬
‫مسئول اجتماعيا‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪213‬‬

‫‪-‬‬

‫وهذا يو ضح أن ا ستمرار بقاء القيود المعرف ية ( المجتمع ية و الذات ية ) فى بن ية الن ظم‬
‫العلمية الراهنة يرجع إلى اعتراف المرجعيات الفلسفية التى تتبناها تلك النظم بشرعية تلك‬
‫القيود ‪ -‬وفقا لدرجات متفاوتة من القوة والض عف ‪ -‬المر الذى ينعكس بالسلب على « درجة‬
‫شفاف ية الن ظم العلم ية » نتي جة تقل يص تلك القيود المجتمع ية والذات ية لن سبة المعر فة الكام نة‬
‫بالمعلومات المنشورة بتلك الن ظم‪ ،‬وبالتالى الم ساهمة فى إبطاء معدلت الت صاعد فى القدرات‬
‫المعرف ية للن ظم العلم ية الراه نة‪ ،‬بح يث تتحول التكنولوج يا الت صالية العلم ية المعلومات يه‬
‫الفائ قة الم صاحبة للبعاد العلم ية للعول مة ‪ -‬وال تى تتخ طى الحدود الجغراف ية والخ صائص‬
‫الفن ية ( الم ساحية والزمن ية ) بو سائل الت صال التقليد ية ‪ -‬إلى تكنولوج يا لن قل معر فة مكبلة‬
‫بالقيود المعرف ية ( المجتمع ية والذات ية )‪ .‬وبالتالى ي تم إهدار المكان ية ال تى توفر ها التكنولوج يا‬
‫لممارسة التصال شبه الكامل عن بعد وللنقل الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫ولقهد رصهدت الدراسهة ‪ -‬مهن خلل عرضهها لتصهنيفات تلك المرجعيات الفلسهفية‬
‫وعرضهها للطار الفكرى لنظريهة المسهئولية الجتماعيهة ‪ -‬عدم قدرة تلك المرجعيات جميعا‬
‫على التوصهيف الدقيهق لثنائيهة السهلطة والمسهئولية بتلك النظهم‪ ،‬تلك الثنائيهة التهى يؤدى عدم‬
‫التوصيف الدقيق للطابع الذى يميزها إلى اضطلع تلك النظم بأدوار تتجاهل حقوقها وتتناقض‬
‫مع واجبات ها‪ ..‬ول قد أوض حت الدرا سة أن المرجعيات الفل سفية الراه نة أدت بالن ظم العلم ية‬
‫الموج هة إلى أن تمارس م سئوليات غ ير إعلم ية مع افتقار ها ل ية سلطة‪ ،‬فى ح ين تمارس‬
‫النظم العلمية الحرة سلطتها فى مواجهة سلطات المجتمع الخرى مع افتقارها إلى مسئولية‬
‫إعلم ية تحدد واجبات ها ووظيفت ها ال صيلة‪ ..‬ول عل الوا قع يقرر بأ نه عند ما يمارس أى نظام‬
‫فاعليا ته دون التنظ يم الدق يق لثنائ ية ال سلطة والم سئولية فى بني ته الفكر ية والعمل ية‪ ،‬فإن ذلك‬
‫يؤدى إلى تجاوزه لسلطاته أو تفريطه فى مسئولياته أو الثنين معا‪.‬‬
‫وبالتالى فإن تلك المرجعيات الفلسفية تؤدى إلى تقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية‬
‫الراه نة نتي جة اعتراف ها بثنائ ية القيود المجتمع ية والذات ية وعدم تو صيفها الج يد لثنائ ية ال سلطة‬
‫والمسئولية ببنية تلك النظم‪ .‬المر الذى يكشف عن مسئولية تلك المرجعيات الفلسفية عن الثر‬
‫غ ير المتوازن الذى تمار سه عول مة الت صال على القدرات التكنولوج ية ودر جة شفاف ية الن ظم‬
‫العلم ية‪ .‬م ما يع نى أن تلك المرجعيات قد با تت ل تتواءم مع التطورات الحال ية والم ستقبلية‬
‫التى تطرحها البعاد العلمية للعولمة‪ .‬تلك البعاد التى يتلزم فيها التوحد والتكتل والندماج‬
‫مهع التشظهى والتجزؤ والنقسهام‪ ،‬وتوفهر فرصهة عريضهة لتنميهة القدرات المعرفيهة للنظهم‬
‫العلم ية‪ ،‬انطلقا من قدرات ها التكنولوج ية المت سارعة الت صاعد وال تى ت سمح بالن قل الوا فى‬
‫للمعرفة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪214‬‬

‫‪-‬‬

‫ولهذا‪ ..‬فإن النتائج ال تى تو صل إلي ها الباب الثا نى من الدرا سة يم كن صياغتها فى‬
‫التالى‪:‬‬
‫‪ « •0‬تمارس عولمصة التصصال أثرا غيصر متوازن على المتغيرات الوظيفيصة الحاكمصة فصى بنيصة‬
‫النظصم العلميصة بمصا يؤدى إلى تصصاعد القدرات التكنولوجيصة لتلك النظصم بمعدلت أكثصر‬
‫تسارعا من تصاعد درجة شفافيتها‪ ،‬وذلك نتيجة للدور السلبى الذى تمارسه القيود المعرفية‬
‫الكائنة فى بنية تلك النظم »‪.‬‬
‫‪ «•0‬تؤدى المرجعيات الفلسفية التى تتبناها النظم العلمية الراهنة إلى استمرار بقاء القيود‬
‫المعرفية ( المجتمعية والذاتية ) فى بنية تلك النظم ‪ -‬وفقا لدرجات متفاوتة ‪ -‬المر الذى‬
‫يجعل تلك المرجعيات مسئولة عن الثر غير المتوازن الذى تمارسه عولمة التصال على‬
‫المتغيرات الوظيف ية الحاك مة فى بن ية الن ظم العلم ية‪ ،‬ويؤدى إلى إعا قة ت صاعد قدرات ها‬
‫المعرفية »‪.‬‬
‫ولكن‪ ..‬إذا كانت المرجعيات الفلسفية الراهنة تؤدى إلى استمرار بقاء القيود المعرف ية‬
‫( المجتمع ية والذات ية ) فى بن ية الن ظم العلم ية ب ما يؤدى إلى تقل يص قدرة تلك الن ظم على‬
‫استثمار المكانات التكنولوجية والمعرفية التى تتيحها ظاهرة العولمة‪ ،‬فإنه يصبح من المناسب‬
‫حينئذ؛ البحث عن مرجعية فلسفية تضمن القضاء على القيود المعرفية فى النظم العلمية‪ ،‬بما‬
‫يتيح لتلك النظم الرتفاع بقدراتها المعرفية فى ظل البعاد العلمية للعولمة‪.‬‬
‫وهذا ما سنطرحه فى الباب الثالث‪...‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪215‬‬

‫‪-‬‬

‫البــاب الثـالث‬
‫نحو مسئولية إعلمية منـاسـبة‬
‫للنظم العلمية‬
‫( الوظيفة المعرفية للنظم‬
‫العلمية )‬
‫محتـويـات البـاب الثـالث‬
‫إشـــــــــــــــــارات‬
‫مقـدمـة البـاب الثالـث‬
‫الفصل السابع‪:‬‬
‫الفصـل الثامـن‪:‬‬
‫الفصـل التاسـع‪:‬‬

‫الفصل العاشر‪:‬‬

‫الحريـة المطلقـة للتعـبير وسـلطة النظـم‬
‫العلمية ومسئوليتها‬
‫البعاد العمليـــة للمســـئولية المعرفيـــة‬
‫للنظــــــــــــــــــم العلميــــــــــــــــــة‬
‫الدوات القياسية لمفهوم المسئولية‬
‫المعرفية للنظم العلمية‬
‫( أساليب القياس العلمى )‬
‫نحــــو نظام إعلمــــى مســــئول معرفياً‬

‫الفصــل الحادى المســئولية المعرفيــة وتشكيــل الوعــى‬
‫عشـــــــــــــر‪ :‬الجتماعـــــــــى فـــــــــى النظـــــــــم‬
‫العلمية الراهنـة‬
‫خـاتمـة البـاب الثـالـث‬

‫‪-‬‬

‫‪236‬‬

‫‪-‬‬

‫إشـــارات‪:‬‬
‫« ل يجوز لحد أن يفرض على غيره صمتا ولو كان معززا بالقانون »‪.‬‬
‫[ المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار عوض المُر‪ :‬قضية رقم ‪ 37‬لسنة ‪ 11‬قضائية (دستورية ) بتاريخ ‪6/2/1993‬‬
‫‪ (.‬نقل عن‪ :‬حسام محفوظ‪ ،‬الموسوعة الدستورية الشاملة‪ .‬ص ‪) 351‬‬
‫]‬

‫« ليس هناك من أحد يقبل ازدراء الديان‪ ،‬ولكن هل نُحرّم على الكُتاب والصحفيين القتراب‬
‫من رجال الدين والمؤسسات الدينية؟ وهل نحرم الرقابة المدنية على المؤسسة الدينية ؟ »‪.‬‬
‫[ رضا هلل‪ " ،‬الصحافة والسياسة والكنيسة "‪ ( ،‬عمود سياسة خارجية )‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،28/6/2001‬ص ‪] 4‬‬
‫« إن الوربي ين لي سوا مت سامحين خل قة‪ ،‬ولي سوا مع حر ية التفك ير والعتقاد بح كم أن هم‬
‫أوربيون‪ ،‬وإنما عرفوا التعصب والتزمت والتشدد‪ ،‬وقتلوا المخالفين‪ ،‬ومثلوا بهم‪ ،‬وشوهوا‬
‫وجوهم‪ ،‬وبتروا أطرافهم‪ ..‬حتى خرجوا من تخلفهم وانحطاطهم‪ ،‬وأدركوا أن تقدمهم كأمم‬
‫وأفراد مرهون بالتزامهم بالحرية‪ ،‬واحتكامهم للعقل‪ ،‬وإيمانهم جميعا بأنهم سواسية فى كل‬
‫شيئ‪ .‬فليس لحاكم مهما عل شأنه‪ ،‬ول لرجل دين مهما بلغ علمه‪ ،‬أن يزعم لنفسه امتيازا‬
‫خاصصصا يعطيصصه الحصصق فصصى أن يفرض على مواطصصن مصصن المواطنيصصن رأيا‪،‬‬
‫أو عقيدة‪ ،‬أو أسلوبا فى الحياة »‪.‬‬
‫‪ (.‬أحمد عبد المعطى حجازى‪ " ،‬الذين يطفئون الشموع "‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،17/5/2000‬ص ‪) 28‬‬
‫« حر ية ال صحافة لي ست بأى حال من الحوال امتيازا لل صحفى وإن ما للمجت مع‪ .‬ف هى حق‬
‫المجتمع فى المعرفة‪ ،‬والصحفى هو إحدى أدوات هذه المعرفة »‪.‬‬
‫] نبيل عمر‪ " ،‬الحرية فى خطر "‪ ( ،‬عمود أحداث فى الخبار )‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪ ،9/5/2000‬ص ‪[ 6‬‬
‫« عندما تسمح المعلومة بتكوين ثروة ‪ -‬فى بضع دقائق ‪ -‬ل يمكن جمعها حتى بعد سنوات‬
‫من العمل الشاق أو طوال عمر كامل‪ ،‬فإن إغراء شراء أو بيع هذه المعلومة ل يُقاوم »‪.‬‬
‫( آلن كوتا‪ :‬الرأسمالية فى كل حالتها )‬
‫( نقل عن‪ :‬روجيه جارودى‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪) 44 - 43‬‬
‫« أ ما ما جاء بكتاب ( القمنصى ) فى مجال الحديصث عن قضيصة ( نصصر أ بو ز يد ) ومو قف‬

‫( عبد الصبور شاهين ) منها‪ ،‬فإن ذلك ل يعدو أن يكون مناظرة بين رأى المؤلف ورأى الشيخ‬

‫عبد الصبور شاهين‪ ،‬وكلهما ينطق فى مجال مقاله بوجهة نظره‪ ،‬ومنع أيهما ومصادرة كلمته يمثل‬

‫حجرا على فكره‪ ،‬و هو ما تتأذى م نه الن سانية‪ .‬إذ إ نه بالمناظرات النقد ية ير قى الف كر وينجلى عن‬

‫الصواب دائما‪ .‬وهو أمر محمود‪ ،‬ول يمكن القول بأنه فى تلك المناظرة النقدية تعريض بأحد »‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪237‬‬

‫‪-‬‬

‫( حيثيات حكم المستشار سلمة سليم رئيس محكمة شمال القاهرة )‬
‫( نقل عن‪ :‬جابر عصفور‪ ،‬ضد التعصب‪ .‬ص ‪) 337‬‬
‫« فشجاعة المناضلين فى سبيل الحرية وتفانيهم‪ ،‬واستعدادهم لن يتصدوا لكثر أشكال إرهاب‬
‫الدولة تطرفا‪ ،‬هى فى الغالب‪ ،‬أمور ملفتة للنظر‪ ،‬مثيرة للهتمام‪ ،‬جديرة بالملحظة »‪.‬‬
‫( نعوم تشومسكى‪ ،‬ردع الديمقراطية‪ .‬ترجمة فاضل جتكر‪ ،‬ص ‪) 399‬‬
‫« إن كل القوى المعادية للحرية‪ ..‬تتجمع ضد كل شيئ ليبرالى »‪.‬‬
‫( أ‪ .‬موللر فان دين بروك )‬
‫( نقل عن‪ :‬ف‪ .‬ا‪ .‬هايك‪ ،‬الطريق إلى العبودية‪ .‬ترجمة محمد مصطفى غنيم‪ ،‬ص ‪) 163‬‬
‫« الفكر الليبرالى ل يشغل نفسه بإقامة الجنة الرضية لن ذلك مستحيل‪ ،‬ولكنه يعمل على‬
‫الوصول إلى أفضل أنواع الجحيم‪ .‬وهو ل يعمل على توفير فرص العمل لكل الناس‪ ،‬بل يعمل‬
‫على توفير أكبر قدر من فرص العمل لكبر عدد من الناس‪ ...‬وهو يتعامل مع الحياة كما هى‬
‫عليه‪ ،‬وليس كما يتمناها‪ .‬ويتعامل مع البشر بل أوهام‪ ،‬فهم ليسوا بملئكة‪ ،‬كما أنهم ليسوا‬
‫بشياطين‪ ،‬هم مزيج من الثنين »‪.‬‬
‫] على سالم‪ " ،‬عبء الحرية الثقيل "‪ ،‬مجلة روز اليوسف‪ ( .‬عدد ‪ ،) 14/8/1999 - 3714‬ص ‪[ 76‬‬
‫« لمسصت لدى المريكييصن اعتقادا جازما‪ ،‬بأن انهيار التحاد السصوفيتى سصببه الول غياب‬
‫الديمقراطية والحرية الصحفية‪ ،‬ففى غيابهما تختفى الحقائق المُرة وراء جدار سميك من السرية‪،‬‬
‫وتتضاعف الخطاء والخطايا‪ ،‬إلى أن يحيق بالمجتمع بأيدى ابنائه ما هو أشر مما يدبره له أعداؤه‬
‫»‪.‬‬
‫[ نقل عن‪ :‬جواد مر قة‪ " ،‬العلم ودوره‬

‫‪ ،) 1998‬ص ‪17‬‬

‫( محمد عبد الله‪ ،‬جريدة الهرام‪ .‬بتاريخ ‪) 16/10/1997‬‬
‫‪ - 92‬يول يو‪ /‬سبتمبر‬
‫فى التنشئة الديمقراط ية "‪ ،‬مجلة الدرا سات العلم ية ( عدد‬

‫]‬

‫« إن الحريصة ُمرَاوغصة‪ ..‬ويصصعب طالمصا تسصربت فصى مجتمصع مصا‪ ،‬أن يتمكصن أحصد مصن المسصاك‬
‫بتلبيب ها‪ ،‬فدائما ما يُفلت طرفُ من ها من ال سر‪ ،‬ويكون هو مقد مة الحقي قة‪ ..‬وهذه هى رو عة‬
‫الحرية »‬
‫( الباحث )‬
‫« إن الحر ية كال جن الذى يُطلق من قمق مه‪ ،‬ل ير غب بالضرورة أن ين صت لوا مر الش خص‬
‫الذى نزع السدادة »‪.‬‬

‫( كازيميرا برونسكين‪ :‬رئيسة وزراء ليتوانيا‪ 3 ،‬مايو ‪)1990‬‬
‫( نقل عن‪ :‬هارلن كليفلند‪ ،‬ميلد عالم جديد‪ .‬ترجمة جمال على زهران‪ ،‬ص ‪) 33‬‬

‫‪-‬‬

‫‪238‬‬

‫‪-‬‬

‫« النقد امتداد للنبوة‪ ..‬ولول النقاد لهلك الناس‪ ،‬ولطغى الباطل على الحق‪ ،‬ولمتطى الرذال‬
‫ظهور الفاضل‪ ..‬وبقدر ما يخفت صوت الناقد‪ ،‬يرتفع صوت الدجال »‪.‬‬
‫( بيرم التونسى )‬
‫( نقل عن‪ :‬محمد حسام محمود لطفى‪ ،‬ملف قضايا حرية الرأى والتعبير فى مصر‪ ،‬ص ‪) 1‬‬
‫« وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين‪ ،‬بل‬
‫إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل‬
‫الب حث العل مى مع اعتقاده أن بح ثه يقتضي ها‪ ..‬وح يث إ نه من ذلك يكون الق صد الجنائى غ ير‬
‫متوفر‪ ..‬فلذلك‪ ..‬تحفظ الوراق إداريا‪ ..‬رئيس نيابة مصر‪ ..‬القاهرة فى ‪ 30‬مارس ‪.» 1927‬‬
‫( نص قرار محمد نور رئيس نيابة مصر فى قضية كتاب الشعر الجاهلى لطه حسين )‬
‫( نقل عن‪ :‬أمير سالم ومحمد عبد العال ومصطفى عويس‪ ،‬أحكام القضاء المصرى وحقوق النسان‪ .‬ص ‪.) 192‬‬
‫« إذا أُريد لحرية التعبير أن تتنفس فى المجال الذى ل يمكن أن تحيا بدونه‪ ،‬فإن قدرا من‬
‫التجاوز يتعيصن التسصامح فيصه‪ ،‬ول ي سوغ بحال أن يكون الش طط فصى بعصض الراء مسصتوجبا‬
‫إعاقة تداولها »‪.‬‬
‫هر‪ :‬قضيههة رقههم‬
‫[ المحكمههة الدسههتورية العليهها برئاسههة المسههتشار عوض المُه‬

‫( دستورية ) بتاريخ ‪6/2/1993‬‬

‫‪37‬‬

‫لسههنة‬

‫‪11‬‬

‫قضائيههة‬

‫]‬

‫( نقل عن‪ :‬حسام محفوظ‪ ،‬الموسوعة الدستورية الشاملة‪ .‬ص ‪) 351‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪239‬‬

‫‪-‬‬

‫مقـدمـة‬
‫البـاب الثـالـث‬
‫تم ثل ممار سات تقي يد القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية عق بة حقيق ية أمام إمكان ية‬
‫اسهتثمار النظهم العلميهة للفرص التهى تطرحهها البعاد العلميهة للعولمهة‪ .‬وذلك لن‬
‫التفاوت ب ين القدرات التكنولوج ية الفائ قة للن ظم العلم ية ب ما توفره من إمكان ية ن قل وا فٍ‬
‫للمعر فة؛ وب ين القدرات المعرف ية لتلك الن ظم‪ ،‬يو ضح محدود ية در جة شفاف ية تلك الن ظم‪،‬‬
‫ويوضح أن ثمة خللً فى الطار الفكرى الذى تنطلق منه المرجعيات الفلسفية الراهنة التى‬
‫تتبناهها النظهم العلميهة‪ .‬ويتمثهل هذا الخلل فهى غياب الرؤيهة الواضحهة المتكاملة للطار‬
‫هة باعتبارهها عاملً مضادا‬
‫هع القيود المعرفيه‬
‫هى أن يتعامهل مه‬
‫النظرى الملئم الذى ينبغه‬
‫لسهتقرار النظهم العلميهة وإمكانيهة وصهولها إلى مرحلة التسهاوى بيهن قدراتهها المعرفيهة‬
‫وقدراتها التكنولوجية‪.‬‬
‫ويتر تب على هذه النتي جة‪ ،‬أهم ية التو جه ن حو ترج يح المرجع ية الفل سفية ال تى تؤ من‬
‫بضرورة انعدام القيود المعرفية على النظم العلمية‪ ،‬ومن ثم تضمن الحرية المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ..‬فإن هذا سيطرح ضرورة مراجعة ثنائية السلطة والمسئولية فى بنية النظم العلمية‬
‫لترسيم حدود وجوهر تلك السلطة ومسئوليتها‪ ،‬بما يتلءم مع منطلقات الحرية المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫ونظرا‪ ..‬لن الواقهع العلمهى يثبهت دائما بأن سهلطة النظهم العلميهة ‪ -‬غالبا ‪ -‬ل‬
‫خلف عليها‪ ،‬وإنما يتمحور الخلف والصراع فى الغالب العم حول مسئولية تلك النظم‪ .‬فإنه‬
‫يصبح من الهام توضيح طابع وخصائص المسئولية المفترضة فى النظم العلمية بما يضمن‬
‫كفاءتها ( نوعيا ) فى القيام بوظيفتها فى المجتمع‪ .‬وتوضيح البعاد العملية لتلك المسئولية بما‬
‫يجعلها مسئولية ذات وجه تطبيقى غير تجريدى يتجاوز جوانب القصور التى سبق وأوضحناها‬
‫فى نظر ية الم سئولية الجتماع ية‪ ،‬ال مر الذى يض من كفاءة الن ظم العلم ية ( كيفيا ) فى القيام‬
‫بوظيفت ها فى المجت مع‪ .‬بالضا فة إلى أهم ية ابتكار مقاي يس رياض ية يم كن من خلل ها قياس‬
‫درجهة التزام النظهم العلميهة بمسهئوليتها المفترضهة بمها يضمهن كفاءتهها ( كميا ) فهى القيام‬
‫بوظيفتها فى المجتمع‪.‬‬
‫ك ما ي صبح من الهام‪ ..‬توض يح البن ية التخطيط ية الهيكل ية للنظام العل مى فى ظل‬
‫إقرار مبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬ومقارنتها ببنية النظم العلمية الراهنة‪ ،‬ومدى تأثير هذه‬
‫البنية الجديدة على الدور الذى ستلعبه النظم العلمية فى مجال تشكيل وعى جماهير المتلقين‬

‫‪-‬‬

‫‪240‬‬

‫‪-‬‬

‫فهى ظهل البعاد العلميهة للعولمهة‪ ،‬مقارنهة بالدوار السهلبية النيههة التهى تمارسهها النظهم‬
‫العلمية الراهنة‪.‬‬
‫وانطلقا من هذه الهداف‪ ..‬ف قد تم تق سيم الباب الرا هن إلى خم سة ف صول‪ .‬الف صل‬
‫ال سابع بعنوان‪ :‬الحر ية المطل قة للت عبير و سلطة الن ظم العلم ية وم سئوليتها‪ .‬والف صل الثا من‬
‫بعنوان‪ :‬البعاد العمل ية للم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية‪ .‬والف صل التا سع بعنوان‪ :‬الدوات‬
‫القيا سية للم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية ( أ ساليب القياس العل مى )‪ .‬والف صل العا شر‬
‫بعنوان‪ :‬نحو نظام إعلمى مسئول معرفيا‪ .‬والفصل الحادى عشر بعنوان‪ :‬المسئولية المعرفية‬
‫وتشكيل الوعى الجتماعى فى النظم العلمية الراهنة‪.‬‬
‫وسنعرض فيما يلى لتلك الفصول بمباحثها المتتالية‪..‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪241‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل السـابع‬
‫الحـريـة المطلقـة للتعـبير‬
‫وسلطة النظم العلمية ومسئوليتها‬
‫محتـويـات الفصـل السـابع‬
‫مقدمـة الفصـل السـابع‬
‫المبحـــــــث‬
‫المبحـــــــث‬
‫الول‪:‬‬
‫الثانــــــــى‪:‬‬
‫المبحـــــــث‬

‫الطار الفكرى للحريـــة المطلقـــة‬
‫ومسـئولية‬
‫البعاد الفكريـة لسـلطة‬
‫للتعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبير‬
‫العلمية‬
‫النظم‬
‫المســـئولية المعرفيـــة‬
‫خصـــائص‬

‫الثالث‪:‬‬

‫للنظــــــــــــــم العلميــــــــــــــة‬
‫( الوظيفـة المعرفيـة )‬

‫خـاتمــة الفصـل السـابع‬

‫‪-‬‬

‫‪242‬‬

‫‪-‬‬

‫مقدمـة‬
‫الفصـل السـابع‬
‫القدرات المعرفية للنظام العلمى = درجة شفافية النظام العلمى ×‬
‫قدراته التكنولوجية‬
‫‪ .....‬توضح هذه العلقة الرياضية أن الحالة الوحيدة التى تسمح بتساوى القدرات التكنولوجية‬
‫مع القدرات المعرفية للنظام العلمى تتمثل فى الحالة التى تساوى فيها درجة شفافية النظام‬
‫العلمى الواحد الصحيح‪ ،‬بما يعنى انعدام القيود المعرفية فى بنية النظام العلمى‪.‬‬
‫وانطلقا مهن النتيجهة التهى توصهلت إليهها الدراسهة بشأن الثهر غيهر المتوازن الذى‬
‫تمارسه عولمة التصال بما يؤدى إلى تصاعد القدرات التكنولوجية للنظم العلمية بمعدلت‬
‫أكثهر تسهارعا مهن تصهاعد درجهة شفافيتهها‪ ،‬المهر الذى سهيؤدى إلى أن تصهل غالبيهة النظهم‬
‫العلم ية فى الم ستقبل المنظور إلى مرحلة التش بع التكنولو جى العل مى‪ ،‬ب ما يع نى و صول‬
‫قدرات ها التكنولوج ية إلى حد ها الق صى‪ .‬فإن هذا يو ضح‪ ..‬بأن الو ضع الذى سيسمح بانعدام‬
‫القيود المعرفية فى بنية النظم العلمية ‪ -‬ويضمن وصول درجة شفافيتها إلى حدها القصى ‪-‬‬
‫هو الوضع الذى سيجعل القدرات المعرفية للنظم العلمية مكتملة‪.‬‬
‫ونظرا لن إقرار مبدأ الحريهة المطلقهة للتعهبير ههو الذى سهيسمح بنشوء هذا الوضهع‪،‬‬
‫فإن دراسة البعاد الفكرية لمبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬ودراسة ثنائية السلطة والمسئولية فى‬
‫النظم العلمية الراهنة‪ ،‬ودراسة أثر إقرار مبدأ الحرية المطلقة للتعبير على هذه الثنائية‪ ،‬إن‬
‫كهل ذلك سهيساهم فهى تكويهن فههم علمهى حول القاعدة الفكريهة التهى يمكهن للنظهم العلميهة‬
‫الرتكاز عليهها عنهد ممارسهتها لوظيفتهها فهى المجتمهع‪ ،‬بمها يضمهن كفاءة هذه الوظيفهة على‬
‫المستوى النوعى ( نوعيا )‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا الت صور‪ ..‬ف قد تم تق سيم الف صل الرا هن إلى ثل ثة مبا حث‪ .‬المب حث‬
‫الول بعنوان‪ :‬الطار الفكرى للحرية المطلقة للتعبير‪ .‬والمبحث الثانى بعنوان‪ :‬البعاد الفكرية‬
‫لسلطة ومسئولية النظم العلمية‪ .‬والمبحث الثالث بعنوان‪ :‬خصائص المسئولية المعرفية للنظم‬
‫العلمية ( الوظيفة المعرفية )‪.‬‬
‫وسنعرض فيما يلى لتلك المباحث‪...‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪243‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬
‫الطار الفكرى لمبدأ الحرية المطلقة للتعبير‬
‫نظرا لن البعاد المجتمعيهة للعولمهة ( السهياسية والقتصهادية والثقافيهة والعلميهة )‬
‫تدفهع نحهو التصهاعد المطرد فهى القدرات التكنولوجيهة للنظهم العلميهة‪ ،‬انطلقا مهن سهياسة‬
‫وفورات النتاج الكهبير التهى تؤدى إلى انتشار وسهائل العلم فهى المجتمعات نظرا لنخفاض‬
‫قيمت ها ال سعرية؛ و من ثم ي صبح النخفاض فى القدرات المعرف ية للن ظم العلم ية راجعا ف قط‬
‫إلى الثهر الذى تمارسهه القيود المعرفيهة ( المجتمعيهة والذاتيهة ) على نسهبة المعرفهة الكامنهة‬
‫بالمعلومات العلميهة المنشورة‪ ،‬المهر الذى سهيؤدى إلى أن تصهبح القيود المعرفيهة بمثابهة‬
‫عامل مضاد لتصاعد القدرات المعرفية للنظم العلمية‪.‬‬
‫ولعهل الطار الفكرى الذى يسهمح بإلغاء كافهة القيود المعرفيهة ( المجتمعيهة والذاتيهة )‬
‫على القدرات المعرفية للنظم العلمية يتمثل فى الطار الذى يعترف بمبدأ « الحرية المطلقة‬
‫للتعهبير »‪ .‬وذلك على اعتبار أن أى إطار فكرى يتعامهل مهع حريهة التعهبير باعتبارهها حريهة‬
‫مقيدة المدى ومحدودة النطاق‪ ،‬لن يسهاهم فهى الخروج مهن مأزق محدوديهة القدرات المعرفيهة‬
‫للنظم العلمية قياسا بقدراتها التكنولوجية‪.‬‬
‫وبالتالى فإن المدى المطلق لحر ية الت عبير هو الذى سيسمح بال سريان ال حر للر سائل‬
‫العلم ية؛ م ما يح قق التوازن المنشود ب ين القدرات المعرف ية والتكنولوج ية للن ظم العلم ية‪،‬‬
‫ويقضى على الخلل الوظيفى فى بنية النظم العلمية الراهنة‪.‬‬
‫ولكهن‪ ..‬تاريخيا‪ ..‬فإن النتائج السهلبية التهى ترتبهت على اليمان بالحريهة المطلقهة‬
‫للتعبير فى ظل النظرية الليبرالية للنظم العلمية تقدم الحجة للدعاء بضرورة توقف حرية‬
‫الت عبير ع ند مدى مع ين لحما ية الكث ير من العتبارات المن ية والوطن ية والجتماع ية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫إل أن التحليل المتعمق يوضح أن النظرية الليبرالية للنظم العلمية لم تفشل لقرارها مبدأ‬
‫الحريهة المطلقهة للتعهبير‪ ،‬وإنمها فشلت لنهها لم تسهتطع صهياغة العلقهة بيهن سهلطة النظهم‬
‫العلميهة ومسهئوليتها‪ ،‬حيهث منحهت النظهم العلميهة سهلطة مطلقهة دون أن توضهح نوع‬
‫الم سئولية الملقاة على عا تق تلك الن ظم‪ .‬وبالتالى تحولت المؤ سسات العلم ية ‪ -‬فى ك نف‬
‫تلك النظرية ‪ -‬إلى كيانات تمارس سلطة بل مسئولية؛ مما أسفر عن الكثير من السلبيات فى‬
‫حقل العمل العلمى‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪244‬‬

‫‪-‬‬

‫وانطلقا مما يكشف عنه الواقع الراهن من مسئولية القيود المعرفية عن تقلص القدرات‬
‫المعرفية للنظم العلمية مقارنة بقدراتها التكنولوجية‪ .‬فإن الطار الفكرى المَعنّى بإعادة تعريف‬
‫سلطة وم سئولية الن ظم العلم ية ينب غى أن يتأ سس على قاعدة اليمان بالحر ية المطل قة للت عبير‬
‫باعتبار ” أن النظريات التى تتوافق مع النماذج الموجودة يتم استيعابها بسهولة فى التركيب العام‬
‫للمعرفة‪ ،‬بينما النظريات التى ل تتفق تماما يتم تنحيتها جانبا بدون أى مبالة “ (‪.)386‬‬
‫وبالتالى فإن محاولة تجاهل محددات الواقع الراهن للنظم العلمية تحت دعوى ” أن‬
‫ما كان يرو جه فل سفة القرن الثا من ع شر من مطلقات‪ ،‬ل بد أن يؤ خذ بحذر شد يد وبتحفظات‬
‫كثيرة‪ ،‬نظرا لن الحريهة ليسهت دائما شيئا مرغوبا فيهه‪ ،‬وحريهة التعهبير لبهد أن يكون لهها‬
‫حدود “ (‪ .)387‬إن تلك المحاولة‪ ..‬سهتؤدى إلى التمسهك بأطهر فكريهة تتجاوزهها آليات الواقهع‬
‫الراهن؛ مما يؤدى إلى انفصال الفكر عن التطبيق والمثال عن الوا قع‪ ،‬ويؤدى إلى النحراف‬
‫ل محفوفا‬
‫بحريهة التعهبير مهن خلل دفهع العلمييهن وغيرههم إلى ممارسهتها باعتبارهها عم ً‬
‫بالحوا جز والحدود‪ ،‬ال مر الذى يؤدى إلى غلق البواب أمام الخلق والبداع والتحرر الفكرى‪،‬‬
‫ويفتح الباب واسعا أمام التحجر والتخلف والجمود‪.‬‬
‫ويم كن ف هم ال سس ال تى ترت كز علي ها الدعوة إلى ضرورة إطلق حر ية الت عبير من‬
‫خلل درا سة أرب عة محددات و هى‪ :‬نوع الطار الذى تنت مى إل يه حر ية الت عبير‪ ،‬والمدى الذى‬
‫ينب غى أن يم تد إل يه هذا الطار خلل ممار سة حر ية الت عبير لفاعليات ها‪ ،‬وتو صيف المحتوى‬
‫المعرفى الناشئ عن هذه الممارسة ضمن ذلك الطار‪ ،‬بالضافة إلى دراسة التأثير الناتج عن‬
‫انتشار هذا المحتوى المعرفى فى المجتمع‪.‬‬
‫ول عل درا سة تلك المحددات الرب عة ستساهم فى توض يح الطار الفكرى الذى يد عو‬
‫إلى ضرورة إطلق حرية التعبير وذلك على النحو التالى‪:‬‬

‫أولً‪ :‬نوع الطار اللزم لحرية التعبير‪:‬‬
‫تعنى حرية التعبير ‪ -‬فى المعنى العام ‪ -‬المعاكس الموضوعى لحرية الفعل‪ ،‬حيث إن‬
‫التعبير النسانى يتجسد فى الدللت والرموز‪ ،‬بينما الفعل النسانى يتجسد فى الرادة المادية‬
‫والنش طة العمل ية‪ .‬فالطار المم يز للت عبير الن سانى هو إطار رمزى‪ ،‬والطار المم يز للف عل‬
‫النسهانى ههو إطار عملى‪ .‬ومهن هنها كانهت أدوات التعهبير النسهانى ههى الحروف واللفاظ‬
‫‪386‬‬

‫() دانييل يانكلوفيتش‪ ،‬الديمقراطية وقرار الجماهير‪ .‬ترجمة كمال عبد الرؤوف‪ ،‬ص ‪.264‬‬

‫‪387‬‬

‫() جلل أمين‪ ،‬التنوير الزائف‪ .‬ص ‪.42‬‬

‫‪-‬‬

‫‪245‬‬

‫‪-‬‬

‫والشارات والرموز والصهور والحركات والنفعالت‪ ،‬ويتجلى ذلك فهى تعهبيرات مكتوبهة‬
‫أو منطوقة أو مرئية‪ .‬بينما أدوات الفعل النسانى هى القوة العضلية فى مجال تأثيرها المادى‬
‫واللت والجهزة والمعدات‪ ،‬ويتجلى ذلك فهى السهيطرة على والتحكهم فهى مكونات البيئة‬
‫الطبيعية من جماد ونبات وحيوان وإنسان‪.‬‬
‫وبالتالى فإن الطار الذى يضهم التعهبير النسهانى ههو إطار رمزى يتشكهل فهى عالم‬
‫الرموز والمعانهى‪ .‬بخلف الطار الذى يضهم الفعهل النسهانى الذى يتشكهل فهى عالم الوقائع‬
‫والحداث‪ ،‬وبالتالى فهو إطار مادى‪.‬‬
‫المر الذى يكشف عن أن التعامل مع التعبير النسانى يجب أن يتم فى إطار طبيعته‬
‫الرمز ية ال تى تميزه عن الف عل الن سانى‪ .‬وبالتالى فإن القوا عد القانون ية المقيدة لمجال حر ية‬
‫الفعهل النسهانى حتهى ل تمتهد آثاره إلى الخريهن بالضرر‪ ،‬ل تنطبهق بالضرورة على مجال‬
‫حرية التعبير النسانى‪ ،‬لكونه مجالً رمزيا يحتاج إلى قواعد أخرى غير قانونية تصلح للتعامل‬
‫مع الثار الضارة المحتملة لبعض الرموز والدللت التى يتضمنها التعبير النسانى‪.‬‬
‫وانطلقا مما سبق‪ ،‬فإن المُحدّد الول فى الطار الفكرى لحرية التعبير يوضح أن هذا‬
‫الطار ههو إطار رمزى بطهبيعته ونوعهه‪ ،‬لكونهه يتعامهل مهع الرموز والمعانهى ومهع الفكار‬
‫والدللت‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬مدى الطار اللزم لحرية التعبير‪:‬‬
‫تأ سيسا على رمز ية الطار الذى يم يز الت عبير الن سانى فإن ذلك الت عبير ي صبح تبعا‬
‫لذلك حرا بطصصبيعته‪ ،‬لن الطار الذى يميزه هههو إطار رمزى ل يعرف الحدود الماديههة‬
‫أو الحواجز الواقعية‪ .‬يُضاف إلى ذلك أن التعبير النسانى يصبح حرا نظرا لوظيفته‪ ،‬ذلك أن‬
‫مضمون هذا التعهبير ههو نقهل الفكار‪ .‬والفكار ينبغهى أن تكون حرة‪ ،‬لنهه ل يمكهن تهبين‬
‫صحتها من خطأ ها إل من خلل مناقشت ها‪ ،‬ومناقشت ها ت ستتبع بالضرورة إعلن ها‪ ،‬وإعلن ها‬
‫يسهتتبع بالضرورة كفالة الحريهة التامهة لذلك العلن حتهى يمكهن للمناقشهة أن تلم بأطراف‬
‫وجوههر تلك الفكار‪ ،‬وهذا يسهتتبع بالضرورة أن تكون تلك المناقشهة حرة حتهى يمكهن تحليهل‬
‫كافة جوانب تلك الفكار‪ ،‬كما يستتبع أن تكون تلك المناقشة علنية حتى يمكن ضمان أكبر عدد‬
‫من المناقشين لهذه الفكار‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫أ ما الفعال ‪ -‬فإن ها بخلف ذلك ‪ -‬ل يم كن تبين صحتها من خطأ ها إل ع ند أو ب عد‬
‫وقوعها‪ ،‬ومن ثم مناقشة فوائدها التى تحققت أو أضرارها‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪246‬‬

‫‪-‬‬

‫ولذلك يكت سب الت عبير الن سانى ‪ -‬نظرا لرمزي ته ‪ -‬مدى غ ير محدود لنطاق حري ته‪،‬‬
‫بخلف الفعل النسانى الذى يتقيد دائما بمدى محدد لنطاق حريته نظرا لماديته‪.‬‬
‫وانطلقا مهن تلك الرؤيهة‪ ،‬فإن حريهة التعهبير ‪ -‬نظرا لرمزيهة إطارهها ومداهها غيهر‬
‫المحدود ‪ -‬ما هى إل حر ية مطل قة غ ير مقيدة بحدود أو حوا جز‪ ،‬ح يث إن المدى المطلق هو‬
‫المدى الوحيهد الذى يوفهر لهها التوافهق مهع إطارهها الرمزى القائم على الرموز والفكار‬
‫والمعانى‪.‬‬
‫أما ” إذا أصبحت حرية التعبير غير مطلقة‪ ،‬فإن ذلك يعطى سلطة ما لشخص ما لكى‬
‫يقرر أين يوضع الخط الذى ينبغى عدم تجاوزه‪ ..‬ولو أصبح ذلك الشخص ُممَهثّلً فى الدولة‬
‫فإن الهبوط إلى أسفل المنحدر الزلق للرقابة سيصبح عندئذ ل يُقاوم “(‪ ” .)388‬فلقد مُنح النسان‬
‫العقل لكى يستخدمه‪ .‬فهل يمكن أن نقول للناس‪ :‬إن عليهم أل يستخدموا العقل إطلقا لنهم قد‬
‫يخطئون فى استخدامه “ (‪.)389‬‬
‫إن الوا قع يقرر أ نه ” ما دام مجال المناق شة والب حث مفتوحا فإن نا نأ مل أن نهتدى إلى‬
‫الرأى القرب إلى الصهواب‪ ..‬ول مجال للعتراض على التمادى فهى المناقشهة إلى أقصهى‬
‫الحدود‪ ..‬لن البرهان إذا لم ي صدق على أق صى حالة فإ نه لن ي صدق على أ ية حالة أخرى‪...‬‬
‫لن نا إذا ادعي نا اليق ين فى أ مر ما مع أن هناك ولو فرد وا حد ين كر ثبو ته‪ ..‬فإن نا بذلك ند عى‬
‫أننها‪ ..‬أصهحاب الحهق دون غيرنها فهى إصهدار الحكهم بثبوت ذلك المهر دون أن نسهمع لدفاع‬
‫الفر يق ال خر “(‪ .)390‬ول يُع تبر من قب يل المبال غة القول بأن ” الضرر الذى يتر تب على ك بت‬
‫حريهة الت عبير عن الرأى يتمثهل فهى سهلب الج نس البشرى بأكمله من ال سلف ح تى الجيهل‬
‫الحاضر من تلك الحرية‪ ..‬لنه إذا كان ذلك الرأى صائبا فهم قد حُهرِموا من فرصة يستبدلون‬
‫فيها الباطل بالحق‪ .‬وإذا كان خاطئا فإن الناس س ُيحْهـرمون من فرصة ‪ -‬ل تقل عن سابقتها‬
‫قي مة ‪ -‬هى فر صة الزدياد من التعرف على ال حق بش كل وا ضح حيوى‪ ،‬ن تج عن مقارن ته‬
‫بالخطأ “ (‪.)391‬‬
‫وفى ظل مجتمع المعلومات الذى نشهد بداياته الن ” ينبغى للمعلومات أن تكون متاحة‬
‫للتداول‪ .‬ذلك أن مجتمع المعلومات يمكن أن يوجد فقط لو لم تكن هناك عقبات تحول دون هذا‬
‫التداول‪ ،‬ف هو بالتعر يف مجت مع ل يتوا فق مع الح ظر وال سرية أو عدم الم ساواة فى الو صول‬
‫‪)(Collins, Richard & Murroni, Cristina, New Media - New policies. p. 95.‬‬
‫() جون ستيوارت مل‪ ،‬عن الحرية‪ .‬ترجمة عبد الكريم أحمد‪ ،‬ص ‪.86‬‬

‫‪388‬‬

‫‪389‬‬
‫‪390‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.93 - 92‬‬

‫‪391‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.84‬‬

‫‪-‬‬

‫‪247‬‬

‫‪-‬‬

‫للمعلومات “ (‪ .)392‬ولعهل السهماح بعدم إطلق حريهة التعهبير سهيؤدى إلى أن يتحول مجتمهع‬
‫المعلومات إلى مجتمهع ( بعهض المعلومات ) وليهس المعلومات كلهها؛ نظرا لمها سهتؤدى إليهه‬
‫الحدود والحواجز من إعاقة حركة بعض المعلومات والسماح ببعضها الخر‪.‬‬
‫إن الواقهع التكنولوجهى يقرر ‪ -‬مثلمها تقرر فلسهفة حريهة التعهبير ‪ -‬أن المدى الذى‬
‫يتحرك فى إطاره التعبير النسانى ينبغى أن يكون مدى مطلقا‪ ،‬بحيث تتمتع حرية التعبير فى‬
‫ظله بالحرية المطلقة‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬محتوى الطار اللزم لحرية التعبير‪:‬‬
‫يترتب على المدى المطلق لحرية التعبير نتيجة هامة تتمثل فى تعدد الراء وتنوع‬
‫المعلومات والفكار والمعانهى المتاحهة فهى المجتمهع‪ .‬وبالتالى فإن سهيادة أحهد الفكار‬
‫أو الراء لن تكون ناشئة عن احتكار م سبق ل ساحة الفكار‪ ،‬ول كن ناشئة عن مناق شة حرة‬
‫ب ين كا فة الراء تت يح للرأى ال سائد أن يتبوأ مكان ته بنا ًء على اختيار الغلب ية ( الجماه ير )‪.‬‬
‫إن تعدد الفكار والراء يؤدى إلى وفرتهها‪ ،‬وفهى أغلب الحوال ”الوفرة على كهل حال‬
‫تطرح تحديا أقل من الندرة “(‪ . )393‬حيث تؤدى وفرة الراء والفكار إلى اشتعال جذوة النقد‬
‫فى المجتمعات‪ .‬وكما قرر الفيلسوف « كانط » فإن ” النقد هو أفضل أداة بناء عرفها العقل‬
‫البشرى “ (‪.)394‬‬
‫وتتمثل فائدة النقد الناشئ عن تعدد الراء والفكار فى المجتمع فى حقيقة ” أن الرأى‬
‫ال سائد ‪ -‬فى أى مجت مع ‪ -‬إ ما أن يكون خ طأ وبالتالى فل بد أن يكون هناك رأى آ خر هو‬
‫الصواب‪ ،‬وإما أن يكون صوابا‪ ،‬مما يح بذ ضرورة معار ضة هذا ال صواب بما يناق ضه من‬
‫الخ طأ ح تى يتم كن الذ هن من الحا طة بال حق إحا طة تا مة‪ ..‬وإ ما قد يكون ل كل من الرأي ين‬
‫نصهيب مهن الحقيقهة‪ ..‬ولبهد حينئذ مهن تكميهل الرأى المقبول بالرأى المرفوض حتهى يأتلف‬
‫شمل الحقيقة “ (‪.)395‬‬
‫ول قد أثب تت العد يد من التجارب البشر ية ” أن الهتداء إلى الحقي قة فى جم يع الم سائل‬
‫الحيوية إنما يكون بالتوفيق بين آراء متناقضة “ (‪ ” )396‬وما دام الناس يضطرون إلى سماع كل‬

‫‪)(Mattelart, Armand & Mattelart, Michele, Theories of communication ) a short Introduction‬‬
‫‪(. p. 50.‬‬
‫‪392‬‬

‫‪393‬‬

‫() و‪ .‬رسل نيومان‪ ،‬مستقبل الجمهور المتلقى‪ .‬ترجمة محمد جمول‪ ،‬ص ‪.119‬‬

‫‪394‬‬

‫() طارق حجى‪ ،‬نقد العقل العربى ( من عيوب تفكيرنا المعاصر )‪ .‬ص ‪.83‬‬

‫‪395‬‬

‫() جون ستيوارت مل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.132‬‬

‫‪396‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.135‬‬

‫‪-‬‬

‫‪248‬‬

‫‪-‬‬

‫الطرفين والموازنة بين أقوالهما‪ ،‬فسوف يَسهُل التوصل إلى الحقيقة‪ .‬ولكنهم إذا اقتصروا على‬
‫سماع أحد الطرفين دون الخر‪ ،‬فهنا يظهر الخطأ وينحرف الصواب عن حقيقته “(‪.)397‬‬
‫ولعهل وسهائل العلم الجديدة المتمثلة فهى شبكات المعلومات تتوافهق بشكهل كبير مهع‬
‫مفهوم الوفرة والتعدد الذى يتسم به محتوى التعبير النسانى‪ .‬حيث تبدو « النترنت » الوسيلة‬
‫العلم ية الولى ال تى يتزاوج في ها نطاق ال بث العر يض مع نطاق ال بث الض يق‪ .‬لن سعتها‬
‫اللمحدودة تؤدى إلى إمكانية استخدامها للعلم الجماهيرى‪ ،‬بالضافة إلى إمكانية استخدامها‬
‫للت صال الجم عى أو الشخ صى أو الذا تى‪ .‬ح يث يم كن ل كل م ستخدم للنتر نت أن يل عب دور‬
‫المتلقهى والقائم بالتصهال ضمهن ملييهن جماهيهر المتلقيهن‪ ،‬أو دور المتلقهى والقائم بالتصهال‬
‫ضمن جماعة اتصالية صغيرة‪.‬‬
‫وبهذا فإن مفهوم التعدد الذى يتسم به محتوى التعبير النسانى هو المفهوم الذى يتوافق‬
‫مع التطور التكنولوجى الراهن فى وسائل العلم الحديثة‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬التأثير الناتج عن حرية التعبير‪:‬‬
‫يم ثل التأث ير النا تج عن إطلق حر ية الت عبير الهدف والغا ية من اليمان بهذا المفهوم‪.‬‬
‫فحرية التعبير المطلقة ليست غاية فى حد ذاتها‪ ،‬ولكنها الوسيلة المثلى لضمان السريان الحر‬
‫للفكار والمعرفهة فهى المجتمهع‪ .‬وكمها أكهد « جان جاك روسهو » فإن ” الحكهم السهليم يسهتند‬
‫دائما‪ ..‬على الرادة العا مة ال تى ل تقوم إل على ال صالح العام‪ ..‬وترب ية الفراد كفيلة بتكو ين‬
‫إرادات عامة ل يمكن التغرير بها أو إيقاعها فى الغش “ (‪.)398‬‬
‫ول شك أن تعدد الراء وتنوع المعلومات والفكار نتي جة إطلق حر ية الت عبير يؤدى‬
‫إلى تربيهة الفراد على خهبرة الختيار والنتقاء مهن جملة الراء والفكار المعروضهة‪ ،‬المهر‬
‫الذى يؤدى إلى تكوين الرادة العامة التى تحقق الصالح العام‪.‬‬
‫وبهذا فإن ضمان إيجابيهة تأثيهر الفكار والراء ينشهأ عهن ضمان تعددهها الذى ينشهأ‬
‫بدوره عن ضمان حريتها المطل قة‪ .‬وكما أوضح « جون ستيورات مل »‪ ،‬فإنه ” ح يث يسود‬
‫التفاق على عدم المجادلة فهى المبادئ والعقائد والمسهائل الكهبرى التهى تههم النسهانية‪ ،‬نجهد‬
‫النشاط العقلى خاملً “ (‪ .)399‬فتقييد حرية التعبير يؤدى إلى عدم وفرة الراء والفكار‪ ،‬وبالتالى‬
‫‪397‬‬

‫() جون ستيوارت مل‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.142‬‬

‫‪398‬‬

‫() جان جاك روسو‪ ،‬المختار فى العقد الجتماعى‪ .‬ترجمة عبد الكريم أحمد‪ ،‬ص ‪.51 - 50‬‬

‫‪399‬‬

‫() جون ستيورات مل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.114‬‬

‫‪-‬‬

‫‪249‬‬

‫‪-‬‬

‫إلى اعتياد الع قل البشرى على الخمول النا تج عن عدم مكابدة عناء الختيار‪ ،‬بل ويُضاف إلى‬
‫ذلك تحويل الفكار الكبرى المتفق عليها فى حياة الفراد إلى أطر خاوية بل مضامين‪ ” ،‬لن‬
‫عدم المناقشة ل يؤدى إلى نسيان السباب التى بُنيت عليها الراء فحسب‪ .‬بل يفضى غالبا إلى‬
‫نسيان معا نى الراء حتى تع جز اللفاظ ال تى تعب ـِر عن ها عن تو صيلها للذ هن‪ .‬وبدلً من أن‬
‫يصهبح الرأى فهى الذههن فكرة واضحهة وعقيدة مؤثرة‪ .‬ل تبقهى هناك إل بضهع كلمات جوفاء‬
‫ترددها الذاكرة عن ظهر قلب “ (‪.)400‬‬
‫إن إيجاب ية التأث ير هى الهدف من حر ية الت عبير المطل قة ال تى تؤدى إلى تعدد الراء‬
‫والفكار‪ ،‬وإلى إقا مة المجت مع الديمقرا طى الذى تتح قق فى ظله الم صلحة العا مة‪ .‬وك ما أ كد‬
‫« جون ديوى »‪ ،‬فإن ” الديمقراطيهة ليسهت غايهة بحهد ذاتهها‪ ،‬ولكنهها وسهيلة يكتشهف الناس‬
‫ويو سعون ويظهرون بوا سطتها طبيعتهم الن سانية ال صلية‪ .‬فالديمقراط ية تُن تج أنا سا أحرارا‪،‬‬
‫ذلك هو الهدف النهائى للمجت مع الديمقرا طى‪ .‬ل يس إنتاج البضائع‪ ،‬ول كن إنتاج كائنات بشر ية‬
‫حرة يرتبط الواحد منها بالخر بشروط المساواة “ (‪.)401‬‬
‫ول كن هل تض من دائما حر ية الت عبير المطل قة إيجاب ية التأث ير ؟ وذلك فى ظل بروز‬
‫إشكالية كبرى تطل بوجهها تتمثل فى أن الفعال تنشأ عن القوال والفكار والمعلومات‪ ،‬وأن‬
‫بعض القوال والفكار والمعلومات قد تؤدى إلى أفعال ضارة بالمجتمع؛ مما يؤدى إلى سلبية‬
‫التأثير الناتج عن الحرية المطلقة للتعبير وعدم إيجابيته‪.‬‬
‫ولعل الرتباط بين القوال والفكار والمعلومات وبين الفعال حقيقة ل يمكن إنكارها‪.‬‬
‫فعلى الرغم من اختلف الطار الرمزى للتعبير النسانى عن الطار العملى للفعل النسانى‪،‬‬
‫إل أن العلقة بينهما شديدة التلزم فى ظل علقة دائرية‪ ،‬بحيث يفضى كل منهما إلى الخر‪.‬‬
‫فالتعبير النسانى تصاحبه أو تنشأ عنه أفعال‪ ،‬والفعل النسانى تصاحبه أو تنشأ عنه تعبيرات‬
‫رمزية‪ ..‬وهكذا‪ ...‬وبالطبع ل تؤرقنا الثار اليجابية الناتجة عن التعبير النسانى‪ ،‬ولكن الذى‬
‫يثير القلق يتمثل فى الثار الضارة المترتبة على ذلك التعبير‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ،‬فإن السؤال الذى يطرح نفسه فى هذا المجال هو‪ :‬هل نقلص إذن من المدى‬
‫المطلق لحرية التعبير من أجل تلفى الثار الضارة الناشئة عن نشر بعض القوال أو الراء‬
‫أو الفكار أو المعلومات؟‬

‫‪400‬‬

‫() جون ستيورات مل‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬ص ‪.122‬‬

‫‪401‬‬

‫() نعوم تشومسكى‪ ،‬ضبط الرعاع ( حوارات أجراها معه‪ :‬ديفيد بارساميان )‪ .‬ترجمة هيثم على حجازى ص ‪.231‬‬

‫‪-‬‬

‫‪250‬‬

‫‪-‬‬

‫ولعل الجابة على هذا السؤال تتمثل فى أنه سبق وأن تبين أن القواعد القانونية المقيدة لمجال‬
‫حرية الفعل النسانى ‪ -‬حتى ل تمتد آثاره الضارة إلى الخرين ‪ -‬ل تنطبق بالضرورة على‬
‫مجال حرية التعبير النسانى الذى هو رمزى بطبيعته‪ ،‬ويحتاج إلى قواعد أخرى غير قانونية‬
‫تصلح للتعامل مع الثار الضارة المحتملة الناشئة عنه‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ،‬فإن رمزية التعبير النسانى تستتبع استخدام أساليب رمزية أيضا لمواجهة‬
‫الثار الضارة المحتملة لب عض أنواع الت عبير الن سانى‪ .‬وهذه ال ساليب الرمز ية ل ينب غى أن‬
‫تمارس أى نوع من الختصار للمدى المطلق لحرية التعبير‪ ،‬وإنما يتم استخدام تلك الساليب‬
‫على هامصش الطار المطلق لحريصة التعصبير‪ .‬وهذا يعنهى أن مواجهصة الثار الضارة المحتملة‬
‫لبعصض أنواع التعصبير النسصانى تتصم مصن خلل موازنتهصا بأنواع أخرى مصن التعصبير النسصانى‬
‫المعارض ل ها والمنا قض لتوجهات ها والكا شف لثار ها الضارة المحتملة‪ ..‬وهذا يو ضح بأن‬
‫السلوب المثل لمواجهة التعبير النسانى‪ ،‬يتمثل فى استخدام ذات الوسيلة وهى « التعبير‬
‫النسانى »‪ .‬وذلك من خلل ابتكار أساليب إعلمية تكفل ممارسة نوع من التدخل العلمى‬
‫على ها مش الر سائل العلم ية ال تى قد تؤدى إلى آثار ضارة محتملة‪ .‬انطلقا من أن المدى‬
‫المطلق لحرية التعبير ل يتضمن ‪ -‬بأى حال من الحوال ‪ -‬السماح بتقييد حرية التعبير بأى‬
‫قانون أو تشر يع‪ .‬فحر ية الت عبير بمجال ها الرمزى ل يجوز تقييد ها بأ ية قيود قانون ية‪ ،‬وإل تم‬
‫تفريغ ها بذلك من مضمون ها‪ .‬وإن ما ي تم التعا مل مع ها من خلل قوا عد غ ير قانون ية تضطلع‬
‫بتنفيذ ها المؤ سسات العلم ية‪ .‬وهذه القوا عد غ ير القانون ية يم كن أن نطلق علي ها « أ ساليب‬
‫التدخل العلمى لتخفيف الثار الضارة المحتملة للرسائل العلمية »‪.‬‬
‫وتجدر الشارة إلى أن الحتجاج بالثار السلبية التى نشأت عن حرية التعبير المطلقة‬
‫فهى النظام العلمهى الغربهى فهى فترات سهابقة‪ ،‬ممها أدى إلى ظهور نظريهة المسهئولية‬
‫الجتماع ية لمحاولة علج تلك الثار ال سلبية‪ .‬إن ذلك الحتجاج ل ينطلق من رؤ ية صحيحة‪.‬‬
‫ذلك لن النظر ية الليبرال ية فى العلم من حت المؤ سسات العلم ية سلطة مطل قة بل أد نى‬
‫مسئولية‪ .‬مما أدى إلى أن تقلص تلك المؤسسات من حدود حرية التعبير المطلقة الممنوحة لها‬
‫بمبادرة ذات ية من ها‪ .‬إذ إن ممار سة ال سلطة بل م سئولية‪ ،‬يف تح الباب لممار سة الحر ية بانتقائ ية‬
‫ت ستهدف المز يد من ال سلطة ول تتو قع أى قدر من الم ساءلة أو المحا سبة‪ .‬وبالتالى فإن حر ية‬
‫التعبير المطلقة لم يتم تطبيقها أصلً فى ظل النظام العلمى الغربى‪ ،‬نتيجة تجاهل النظرية‬
‫الليبرال ية لجا نب الم سئولية العلم ية‪ .‬وعلى الر غم من محاولة نظر ية الم سئولية الجتماع ية‬
‫إحياء جا نب الم سئولية المفقودة فى النظر ية الليبرال ية‪ .‬إل أن ها أكدت على م سئولية ل تتنا سب‬

‫‪-‬‬

‫‪251‬‬

‫‪-‬‬

‫مع طبي عة الن ظم العلم ية‪ .‬م ما أدى بالضرورة إلى تضحيت ها بمفهوم حر ية الت عبير المطل قة‬
‫باعتبارها تتناقض مع القيام بدور مسئول تجاه المجتمع‪.‬‬
‫وهذا يوضح أن إيجابية التأثير الناشئة عن حرية التعبير المطلقة لم يُهتَح لها التحقق‬
‫لعدم توفر الطر الفكرية ‪ -‬الضامنة لتفعيل دور حرية التعبير المطلقة ‪ -‬أصلً‪.‬‬
‫وبالتالى‪ ،‬فلن يمكن للقدرات المعرفية للنظم العلمية أن تلحق بقدراتها التكنولوجية‪،‬‬
‫فهى ظهل مرجعيات فلسهفية تؤمهن بالحريهة المطلقهة للتعهبير‪ ،‬إل لو تضمنهت تلك المرجعيات‬
‫توصيفا دقيقا لجناحى السلطة والمسئولية فى بنية النظم العلمية الراهنة‪.‬‬
‫‪‬‬

‫إن ما سبق يوضح‪ ..‬أن السمات المميزة للطار اللزم لحرية التعبير النسانى تؤدى‬
‫إلى إيجاب ية التأثيهر النا شئ عن حر ية الت عبير‪ ،‬باعتبار ” أن التنو ير ل يس فى حا جة إل إلى‬
‫الحريهة‪ ،‬وأفضهل الحريات الخاليهة مهن الضرر ههى تلك التهى تسهمح بالسهتخدام العام لعقهل‬
‫النسان فى جميع القضايا “ (‪.)402‬‬
‫وهذا يؤكهد أن « رمزيصة » التعهبير النسهانى ههى التهى تجعله « مطلق » الحريهة‪،‬‬
‫وحريتهه المطلقهة ههى التهى تكسهبه « التعدد والتنوع »‪ ،‬وتعدده وتنوعهه همها اللذان يضمنان‬
‫« إيجابية تأثيره »‪.‬‬

‫‪402‬‬

‫() مراد وهبة‪ ،‬مُلك الحقيقة المطلقة‪ .‬ص ‪.20‬‬

‫‪-‬‬

‫‪252‬‬

‫‪-‬‬

‫‪‬المبحـث الثانى‬
‫البعاد الفكرية لسلطة ومسئولية النظم العلمية‬
‫تنطلق البعاد الفكرية لسلطة ومسئولية النظم العلمية من ثنائية [ الحق ‪ -‬الواجب ]‪.‬‬
‫إذ إن كل حق يجب أن يقابله واجب مناسب له حتى يمتلك شرعية وجوده‪ .‬وإل فإن ممار سة‬
‫ال حق بل التزام بأى وا جب ت صبح مدعاة للنحراف والف ساد والنفلت والت سيب‪ .‬بين ما ي صبح‬
‫اللتزام بالواجهب دون التمتهع بأى حهق بمثابهة سهلب للحافهز وقتهل للطموح وإهدار للمكانيهة‪.‬‬
‫وبالتالى ف من خلل ثنائ ية [ ال حق ‪ -‬الوا جب ] تنت ظم العلقات والقوى دا خل المجت مع كنظام‬
‫عام‪ ،‬أو داخل أى نظام فرعى كبير أو صغير يضمه المجتمع‪.‬‬
‫ولعهل ثنائيهة [ الحهق ‪ -‬الواجهب ] تناسهب الفراد كأعضاء فهى الجماعهة النسهانية‬
‫أو الو طن أو العالم‪..‬إلخ‪ .‬فى ح ين أن ثنائ ية [ ال سلطة ‪ -‬الم سئولية ] أك ثر تنا سبا مع الن ظم‬
‫بوصفها كيانات اعتبارية تمتلك ( السلطة ) التى هى مرادفة ( للحق )‪ ،‬وتلتزم ( بالمسئولية )‬
‫التى هى مرادفة ( للواجب )‪.‬‬
‫وبهذا ت صبح ثنائ ية [ ال سلطة ‪ -‬الم سئولية ] هى المقياس الذى يم كن من خلله ض بط‬
‫ممارسات النظم‪ .‬و ذلك فى إطار دراسة مدى اضطلعها بسلطتها ومدى التزامها بمسئوليتها‪.‬‬
‫ومدى التوازن بين تلك السلطة والمسئولية المقابلة لها‪ .‬بحيث إن أى خلل فى بنية تلك الثنائية‬
‫ نتيجة عدم التناسب بين سلطة النظام ومسئوليته ‪ -‬يؤدى إلى اضطراب فى ممارسات النظام‬‫وإلى البتعاد به عن السلوب الصحيح فى ممارسته لوظائفه الساسية فى المجتمع‪.‬‬
‫و فى مجال تو صيف سلطة وم سئولية الن ظم العلم ية‪ ،‬فإن حقوق النظصم العلميصة‬
‫تصصبح هصى سصلطتها‪ ،‬وواجبات النظصم العلميصة أو وظائفهصا تصصبح هصى مسصئوليتها‪ .‬وبهذا‬
‫ت صبح الحقوق العلم ية‪ ،‬ال تى تمارس بموجب ها الن ظم العلم ية دور ها فى المجت مع‪ ،‬هى‬
‫العناصر التى تتكون منها سلطة تلك النظم‪ .‬بينما تصبح الوظائف المنوطة بالنظم العلمية فى‬
‫المجتمع هى العناصر التى تتكون منها مسئولية تلك النظم‪.‬‬

‫أولً‪ :‬توصيف سلطة النظم العلمية‪:‬‬
‫تتجسهد عناصهر سهلطة النظهم العلميهة فهى الحقوق العلميهة المكفولة لتلك النظهم‪،‬‬
‫بحيث تصبح تلك الحقوق فى جملتها هى جماع السلطة الممنوحة لى نظام إعلمى‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪253‬‬

‫‪-‬‬

‫وتتكون حقوق الن ظم العلم ية من مجمو عة الحقوق العلم ية للن سان ال تى تنق سم‬
‫إلى‪ :‬الحقوق العلميهة العامهة‪ ،‬والحقوق العلميهة الخاصهة‪ ،‬والحقوق العلميهة المسهاعدة‪.‬‬
‫∗‬

‫وذلك على النحو التالى ‪:‬‬
‫(‪ )1‬الحقوق العلمية العامة‪:‬‬
‫و هى الحقوق ذات المجال العملى العام‪ ،‬الذى يم تد إلى كل طر فى العمل ية العلم ية‬
‫( القائم بالتصال والمتلقى ) وتتكون من‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حق العلم ‪.Right to inform‬‬
‫ب ‪ -‬حق المعرفة ‪. Right to know‬‬
‫ج ‪ -‬حق التصال ‪.Right to communicate‬‬
‫(‪ )2‬الحقوق العلمية الخاصة‪:‬‬
‫وههى الحقوق ذات المجال العملى الخاص‪ ،‬الذى يقتصهر على أحهد طرفهى العمليهة‬
‫العلمية دون امتداده إلى الطرف الخر وتتكون من‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحقوق العلمية الخاصة بالمتلقى وهى‪:‬‬
‫• حق الرد والتصحيح ‪.Right to Reply and correction‬‬
‫ب ‪ -‬الحقوق العلمية الخاصة بالقائم بالتصال وهى‪:‬‬
‫• حق النشر ( حق المؤلف ) ‪.Right to Publish or copy Right‬‬
‫• حق حماية سرية المصادر العلمية‪.‬‬
‫(‪ )3‬الحقوق العلمية المساعدة‪:‬‬
‫وهى الحقوق ذات المجال العملى التنفيذى‪ ،‬بمعنى ظهورها كمراحل تنفيذية فى صلب بناء‬
‫الحقوق العلمية العامة‪ ،‬حيث تتواجد تلك الحقوق المساعدة داخل بناء الحقوق العلمية العامة‬
‫وتشكل أدوات مساعدة لنجاز تلك الحقوق لهدافها‪ .‬وتتكون الحقوق العلمية المساعدة من‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حق الوصول إلى المعلومات‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حق الطلع على المعلومات‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حق الحصول على المعلومات‪.‬‬
‫‪ .....‬إذن فإن الحقوق العلمية العامة والخاصة والمساعدة تمثل جوهر سلطة النظم‬

‫‪‬‬

‫ل مهن المؤسهسات العلميهة وجماهيهر المتلقيهن ‪-‬‬
‫العلميهة‪ .‬وهذه الحقوق مجتمعهة تكفهل لك ٍ‬

‫∗‬

‫انظر‪ :‬محمد محفوظ‪ ،‬مرجع سابق‪ ،‬صفحات ‪.184 - 174‬‬

‫‪-‬‬

‫‪254‬‬

‫‪-‬‬

‫باعتباره ما الطرف ين الفاعل ين بالنظام العلمى ‪ -‬إمكان ية الو صول والطلع والح صول على‬
‫المعلومات وجمع ها ونشر ها‪ .‬وبالتالى فهذه ال سلطة تمارس فاعليات ها ككيان « كا شف » ي سمح‬
‫للنظم العلمية بكشف نتاج أعمال السلطات والنظم الفرعية الخرى فى المجتمع للجماهير‪،‬‬
‫ومتابعة مدى التزام هذه السلطات والنظم الفرعية بسلطاتها ومسئولياتها‪.‬‬
‫وبهذا يمكن توصيف سلطة النظم العلمية بأنها‪:‬‬
‫« سلطة كاش فة تضطلع بمه مة ت سليط الضوء على أنش طة سلطات المجت مع الخرى ونظ مه‬
‫الفرعيصة‪ ،‬ويمارس هذه السصلطة المؤسصسات العلميصة وجماهيصر المتلقيصن مصن خلل اسصتخدام‬
‫أ ساليب إعلم ية م ستمدة من الحقوق العلم ية‪ ،‬وذلك بهدف ج مع المعلومات والراء ‪ -‬حول‬
‫و من ال سلطات والن ظم الفرع ية فى المجت مع ‪ -‬وترتيب ها وت صنيفها و صياغتها والتعل يق علي ها‬
‫ونشرها »‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬توصيف مسئولية النظم العلمية‪:‬‬
‫تتج سد عناصهر م سئولية الن ظم العلم ية فهى واجبات أو وظائف هذه الن ظم‪ ،‬بح يث‬
‫ت صبح تلك الواجبات أو الوظائف ‪ -‬فى جملت ها ‪ -‬هى جماع الم سئولية الملقاة على عا تق أى‬
‫نظام إعلمى بمؤسساته العلمية وجماهيره من المتلقين‪.‬‬
‫وثمهة تصهنيفات متعددة للوظائف التهى تؤديهها النظهم العلميهة وذلك على النحهو التالى‪:‬‬
‫(‪.)403‬‬
‫(‪)1‬‬

‫وظائف وسائل العلم للمجتمع‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مفهوم « لزويل »‪:‬‬
‫• مراقبة البيئة‪.‬‬

‫• ترابط أجزاء المجتمع فى الستجابة للبيئة‪.‬‬

‫• نقل التراث الجتماعى عبر الجيال‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مفهوم « تشارلس رايصت »‪ :‬أضاف تشارلس رايهت وظيفهة جديدة للوظائف التهى‬
‫قدمها « لزويل »‪ ،‬وهى‪:‬‬
‫• التهرفيهههه‪.‬‬
‫ج‪-‬‬

‫مفهوم « لزرسفيلد وميرتون »‪:‬‬
‫• التشاور (تبادل الراء)‪.‬‬

‫‪403‬‬

‫• تدعيم المعايير الجتماعية‪.‬‬

‫() حسن عماد مكاوى وليلى حسين السيد‪ ،‬التصال ونظرياته المعاصرة‪ .‬صفحات ‪.80 - 70‬‬

‫‪-‬‬

‫‪255‬‬

‫‪-‬‬

‫• التخدير (الخلل الوظيفى)‪.‬‬
‫مفهوم « ولبور شرام »‪:‬‬

‫د‪-‬‬

‫• وظيفة المراقب‪.‬‬

‫• التنشئة‪.‬‬

‫• الوظيفة السياسية‪.‬‬

‫هص ‪ -‬مفهوم « ماكويل »‪:‬‬
‫• العلم‪.‬‬

‫• تحقيق التماسك الجتماعى‪.‬‬
‫• التعبئة‪.‬‬

‫• تحقيق التواصل الجتماعى‪ • .‬الترفيه‪.‬‬

‫و ‪ -‬مفهوم « صمويل بيكر »‪ :‬لدور وسائل العلم فى خدمة النظام السياسى‪:‬‬
‫• تسهيل التماسك الجتماعى‪.‬‬

‫• تفسير المجتمع لنفسه‪.‬‬
‫• دمههج السههكان الجدد فههى‬

‫• خدمة النظام القتصادى‪.‬‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫(‪)2‬‬

‫وظائف وسائل العلم للفرد‪:‬‬
‫ب ‪ -‬تطويهر مفاهيمنها عهن‬

‫أ ‪ -‬مراقبة البيئة أو التماس المعلومات‪.‬‬
‫التراث‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تيسير التفاعل الجتماعى‪.‬‬

‫د ‪ -‬بديل للتفاعل الجتماعى‪.‬‬

‫هه ‪ -‬المساعدة فى التحرر العاطفى‪.‬‬
‫و ‪ -‬المساعدة فى الهروب من التوتر والغتراب‪.‬‬
‫ز ‪ -‬خلق طقوس يومية تمنحنا الحساس بالنظام والمن‪.‬‬
‫‪ ...‬يت ضح من تلك الت صنيفات المتعددة للوظائف المفتر ضة للنظهم العلم ية أن تلك‬
‫الوظائف تدور فى مجمل ها حول مضمون وا حد مه ما تعددت الهداف والم سميات‪ ،‬و هو ن قل‬
‫المعرفة الكام نة في البيانات والمعلومات والراء والقوال والفكار‪ .‬وذلك إما بأ سلوب مباشر‬
‫يتمثهل فهى وظائف معرفيهة مباشرة مثهل وظائف‪ :‬مراقبهة البيئة ‪ -‬نقهل التراث ‪ -‬التشاور ‪-‬‬
‫المراق بة ‪ -‬العلم ‪ -‬التماس المعلومات‪ .‬أو بأ سلوب غ ير مبا شر يتم ثل فى وظائف معرف ية‬
‫غ ير مباشرة م ثل وظائف‪ :‬ترا بط أجزاء المجت مع ‪ -‬الترف ية ‪ -‬تدع يم المعاي ير الجتماع ية ‪-‬‬
‫التنشئة ‪ -‬التماسك الجتماعى ‪ -‬التعبئة ‪ -‬المساعدة فى التحرر العاطفى‪ ..‬إلخ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪256‬‬

‫‪-‬‬

‫وبهذا يمكن توصيف مسئولية النظم العلمية انطلقا من وظيفتها الرئيسية التى تتمثل‬
‫فى « الن قل الوا فى للمعر فة الكام نة فى البيانات والمعلومات والراء والقوال والفكار »؛ أى‬
‫أنها « مسئولية معرفية » بحتة‪ ،‬شاغلها الوحيد هو النقل الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫وتجدر الشارة فى هذا المقام‪ ..‬إلى ضرورة التفر قة ب ين سلطة الن ظم العلم ية فى‬
‫نشر المعلومات‪ ،‬ومسئوليتها فى النقل الوافى للمعرفة الكامنة بتلك المعلومات‪ ،‬وذلك انطلقا‬
‫من أن عملية نشر المعلومات ‪ -‬فى حد ذاتها ‪ -‬ل تعنى النقل الوافى للمعرفة الكامنة بها‪ ،‬إذ‬
‫إن الكثير من النظم العلمية تلجأ إلى حجب نسبة من المعرفة الكامنة بالمعلومات‪ ،‬بحيث يتم‬
‫النشهر فعلً دون النقهل الوافهى للمعرفهة‪ .‬ولعهل المثلة على ذلك كثيرة فهى الواقهع العلمهى‬
‫∗‬

‫المعاصر سواء أكانت فى النظم العلمية الحرة أم الموجهة ‪.‬‬
‫‪ ....‬إن ما سبق يو ضح أن التو صيف الواق عى ل سلطة وم سئولية الن ظم العلم ية‬
‫يتم ثل فى التو صيف الذى يتعا مل مع النظام العل مى باعتباره نظاما يمتلك سلطة كاش فة‬
‫تتولى تسليط الضوء على أنشطة المجتمع ككل‪ ،‬وباعتباره نظاما يضطلع بمسئولية معرفية‬
‫تلتزم بوظيفة النقل الوافى للمعرفة الكامنة بالمعلومات والبيانات والراء والقوال والفكار‬
‫التى يوفرها المجتمع‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ ..‬فإن سلطة الن ظم العلم ية هى « سلطة كاش فة »‪ ،‬وم سئولية الن ظم‬
‫العلمية هى « مسئولية معرفية »‪.‬‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫∗‬

‫انظر الفصل السادس حول الممارسات العملية لتقييد القدرات المعرفية للنظم العلمية الحرة والموجهة‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪257‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثالث‬
‫خصائص مفهوم المسئولية المعرفية للنظم العلمية‬
‫أو ضح التعا مل مع الن ظم العلم ية من خلل ثنائ ية [ ال سلطة ‪ -‬الم سئولية ] أن‬
‫الن ظم العلم ية تمارس « سلطة كاش فة » وتلتزم ب ه « م سئولية معرف ية »‪ .‬ح يث تتم ثل‬
‫السلطة الكاشفة فى سلطة جمع المعلومات والراء وترتيبها وتصنيفها وصياغتها ونشرها‪.‬‬
‫وتتمثهل المسهئولية المعرفيهة فهى مسهئولية النقهل الوافهى للمعرفهة الكامنهة بتلك المعلومات‬
‫والراء المتعددة التى تسرى المجتمع‪ .‬وعلى الرغم من أن غالبية النظم السياسية يمكنها أن‬
‫تتواءم ‪ -‬بش كل أو بآ خر ‪ -‬مع سلطة الن ظم العلم ية فى ج مع المعلومات‪ ،‬إلى در جة أن‬
‫ب عض تلك الن ظم ال سياسية قد تتعا مل مع الن ظم العلم ية باعتبار ها أجهزة م ساعدة فى‬
‫تسهليط الضوء على المعلومات التهى يحتاجهها النظام السهياسى‪ ،‬وتكون بعيدة بطبيعتهها عن‬
‫متناول الجهزة الرسمية للدولة‪ ،‬كما يمكنها أن تتواءم مع سلطة النظم العلمية فى نشر‬
‫المعلومات ال تى تر يد تلك الن ظم ال سياسية توجيه ها إلى الجماه ير على أو سع نطاق وبش كل‬
‫غ ير مبا شر‪ ،‬إل أن غالب ية الن ظم ال سياسية ل يمكن ها أن تتواءم بش كل كا مل مع م سئولية‬
‫النظم العلمية فى النقل الوافى للمعرفة الكامنة بالمعلومات والراء والفكار‪ ..‬إلخ‪ .‬حيث‬
‫ي تم ه نا ال صطدام ب ين م سئوليتين‪ :‬م سئولية النظام ال سياسى فى تحق يق ال ستقرار وضمان‬
‫التأي يد ل سياساته‪ ،‬وم سئولية النظام العل مى فى الن قل الوا فى للمعر فة الكام نة بالمعلومات‬
‫العلميهة والراء والفكار‪ ،‬بصهرف النظهر عهن تأثيراتهها السهياسية أو القتصهادية أو‬
‫الجتماعية أو الثقافية أو المنية‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫لذا فإن تحديد خصائص المسئولية المعرفية للنظم العلمية ‪ -‬باعتبار جانب المسئولية‬
‫ههو الجانهب المثيهر للجدل فهى بنيهة النظام العلمهى ‪ -‬يسهاعد كثيرا على فههم طبيعهة الدور‬
‫المأمول واليجابى لعمل تلك النظم فى المجتمع‪.‬‬
‫ولعل طبيعة الدور الذى تؤديه المسئولية المعرفية ‪ -‬والمتمثل فى وظيفة النقل الوافى‬
‫للمعرفهة ‪ -‬يطبعهها بعدد مهن الخصهائص التهى يؤدى توفرهها إلى توضيهح معالم المجال الذى‬
‫تتحرك فى نطاقه لممارسة فاعلياتها فى المجتمع‪.‬‬
‫ويمكن ترتيب هذه الخصائص المميزة للمسئولية المعرفية على النحو التالى‪:‬‬

‫‪-‬‬

‫‪258‬‬

‫‪-‬‬

‫أولً‪ :‬مسئولية ( مطلقـة )‪:‬‬
‫تت سم الم سئولية المعرف ية ‪ -‬نظرا لدور ها فى الن قل الوا فى للمعر فة ‪ -‬بأن ها م سئولية‬

‫مطلقة غير نسبية؛ وذلك لن مهمة النقل الوافى للمعرفة التى تقوم بها النظم العلمية تمثل‬

‫المظ هر العل مى العملى لفكرة حر ية الت عبير‪ .‬ونظرا ل ما أوضحناه سابقا من أن المدى الذى‬

‫يتحرك فى إطاره الت عبير الن سانى ينب غى أن يكون مدى مطلقا؛ وذلك نظرا للطبي عة الرمز ية‬
‫لحر ية الت عبير ال تى لتتلءم مع القيود الماد ية؛ لذا فإن الم سئولية المعرف ية ‪ -‬باعتبار ها الل ية‬

‫الملئمة التى تمتلكها النظم العلمية لتفعيل فكرة الحرية المطلقة للتعبير ‪ -‬ينبغى عليها هى‬

‫الخرى أن تكون مطلقة‪ ،‬بحيث تسمح بالنقل الوافى للمعرفة الكامنه بالراء والمعلومات التى‬
‫تش كل فى مجموع ها المعر فة ال سائدة فى المجت مع أو العالم‪ ،‬مع عدم ا ستبعاد أى جا نب من‬

‫جوانب تلك المعرفة‪ .‬فالمسئولية المعرفية مطلقة‪ ،‬بمعنى أنها ل يمكن أن تتقلص أو تتسع وفقا‬

‫للطهر النسهبية للنظمهة السهياسية المختلفهة أو الثقافات المتباينهة‪ .‬فالمدى النسهبى يعادى تماما‬
‫مفهوم المسهئولية المعرفيهة ويفرغهه مهن محتواه‪ ،‬لن الخضوع للتأثيرات السهياسية والثقافيهة‬

‫والخلقية المتفاوتة سيؤدى إلى وضع الحواجز المتتابعة فى طريق النقل الوافى للمعرفة‪ ،‬مما‬
‫يفرغ مفهوم المسئولية المعرفية من محتواه‪.‬‬

‫يُضاف إلى ذلك‪ ..‬أن نسبية الحقيقة ( أو المعرفة ) تؤدى إلى ضرورة أن تكون حرية‬

‫الت عبير مطل قة‪ .‬وذلك ح تى يم كن ضمان أ كبر قدر من القتراب من تلك الحقي قة المراو غة‪.‬‬

‫ولعل المسئولية المعرفية المطلقة للنظم العلمية هى التى يمكنها ضمان ذلك القتراب بفتحها‬
‫كافة القنوات للنقل الوافى للمعرفة دون أية قيود أو محددات‪.‬‬

‫إن الحدود المطل قة للم سئولية المعرف ية هى ال تى تج عل المؤ سسات العلم ية تمارس‬

‫سلطتها فى تغط ية الحداث‪ ،‬ثم نشر ها بمضمون ها المعر فى الكا مل بدلً من أن ت صبح “ فى‬

‫سباق ‪ -‬مع بعضها البعض ‪ -‬لطمس المعلومات ” (‪.)404‬‬

‫كما أن الحدود المطلقة للمسئولية المعرفية هى التى تجعل ” مسئولية العلمى أن يكون‬

‫إعلميا “ (‪ ..)405‬فقهط ل غيهر‪ .‬وبالتالى يتهم القضاء على ” الوضهع الراههن‪ ،‬والذى أصهبح فيهه‬
‫العلميون هم الدبلوماسيون الجدد‪ ،‬وهم المشاركون فى اللع بة العظ مى للحياة‪ ،‬ولم يعودوا بعد‬

‫ببساطة المراقبين فى الجنحة‪ ..‬فليس العلم هو البحث عن الحقيقة‪ ..‬بل البحث عن الحقائق‬

‫النسبية البسيطة‪ ..‬البحث الذى ل يكل عما يمكن أن يُعرف وليس عما ل يمكن أن يُعرف “ (‪.)406‬‬
‫‪404‬‬

‫() أدو ين نيومان‪ " ،‬م سئولية ال صحفى "‪ ،‬فى روبرت شمول ( محرر )‪ ،‬م سئوليات ال صحافة‪ .‬ترج مة ألفرد ع صفور‪ ،‬ص‬
‫‪.34‬‬

‫‪405‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.45‬‬

‫‪406‬‬

‫() جورجهى آن غايهر‪ " ،‬الصهحفيون‪ :‬الهداف الجديدة‪ ..‬الدبلوماسهيون الجدد والوسهطاء الجدد "‪ ،‬فهى روبرت شمول‬
‫( محرر )‪ ،‬المرجع السابق‪ .‬ص ‪.85‬‬

‫‪-‬‬

‫‪259‬‬

‫‪-‬‬

‫وبهذا فإن الحدود المطلقهة للمسهئولية المعرفيهة ‪ -‬بمها تؤدى إليهه مهن النقهل الوافهى‬
‫للمعرفة ‪ -‬ستؤدى إلى تربية الدراك لدى المتلقين‪ ،‬والذى يعد فى جوهره ” حالة تيقظ للوعى‪.‬‬
‫وحسهاسية للواقهع تسهبق الفعهل “ (‪ .)407‬وبالتالى إلى ترويهج اليمان بمبدأ ” أن إطلق الحريهة‬
‫التا مة للغ ير فهى معار ضة الراء ال سائدة ومناقضتهها‪ .‬يُ عد هو الشرط الجوهرى الذى يجيهز‬
‫افتراض صحة هذه الراء “ (‪.)408‬‬
‫إن الخاصية المطلقة للمسئولية المعرفية تمثل أكبر ضمان لفاعلية وقوة السلطة الكاشفة‬
‫للنظم العلمية‪ .‬لنها تتيح لها مجال غير محدود للن قل الوافى لنتائج تسليطها الضواء على‬
‫سهلطات المجتمهع وكافهة أنشطتهه‪ .‬المهر الذى يجعلهها تقهف أمام تلك السهلطات فهى موقهف‬
‫المواجهة فى ساحة مكشوفة تتسلط عليها أضواء الرأى العام‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬مسئوليـة ( ديمقراطية )‪:‬‬
‫إن الخاصية المطلقة التى تتسم بها المسئولية المعرفية توضح أن تفعيل تلك المسئولية‬
‫ل يمكن أن يتم إل فى ظل النظم الديمقراطية‪ .‬ومن ثم فهى مسئولية ديمقراطية ل يمكن لها أن‬
‫تمتلك فاعلياتها إل فى ظل حكم الغلبية‪.‬‬
‫إذ إن ن سبية الحقي قة تج عل الو صول إلى الجماع م ستحيلً‪ ..‬وبالتالى فإن الطار الذى‬
‫يو فر مدى غ ير محدود من المعلومات والراء‪ ،‬هو الطار الذى يم كن من خلله معر فة أك ثر‬
‫الراء إنتشارا‪ ،‬وبالتالى تبني ها باعتبار ها تم ثل رأى الغلب ية‪ ” .‬وطال ما أن النشقاق فى الرأى‬
‫ل يُك بت‪ ،‬ف سوف يكون هناك دائما من سوف ي شك فى الفكار ال تى تح كم معا صريه‪ ،‬وي ضع‬
‫أفكارا جديدة‪ ..‬وإن هذا التفا عل ب ين أفراد يمتلكون معر فة مختل فة وآراء مختل فة‪ .‬هو ما يش كل‬
‫حياة الف كر‪ .‬إذ إن ن مو الع قل هو عمل ية اجتماع ية تقوم على وجود م ثل هذه الختلفات “ (‪.)409‬‬
‫حيث ” إن إتاحة الفرصة للراء المختلفة أن تعبّر عن نفسها بحرية‪ ،‬هو السبيل الوحيد الذى‬
‫يض من لكا فة الهيئات والمؤ سسات ال سياسية والقت صادية والجتماع ية توا فر كل المعلومات‬
‫هة التجاوزات‪،‬‬
‫هة لتخاذ القرارات‪ ،‬ومراقبه‬
‫هة اللزمه‬
‫والفكار والمقترحات والبدائل المختلفه‬
‫وكشف الخطاء‪ ،‬والوصول لفضل الحلول‪ ،‬وتحقيق التقدم واستمرارية النمو‪ .‬كما أن حرية‬
‫التعهبير تفتهح الباب للمعارضهة السهلمية والرأى المخالف‪ ،‬ممها يقلل فرصهة اللجوء للعنهف‬
‫السياسى والجتماعى “ (‪.)410‬‬
‫‪407‬‬

‫() هربرت أ‪ .‬شيللر‪ ،‬المتلعبون بالعقول‪ .‬ترجمة عبد السلم رضوان‪ ،‬ص ‪.70‬‬

‫‪408‬‬

‫() جون ستيوارت مل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.88‬‬

‫‪409‬‬

‫() ف‪ .‬ا‪ .‬هايك‪ ،‬الطريق إلى العبودية‪ .‬ترجمة محمد مصطفى غنيم‪ ،‬ص ‪.162‬‬

‫‪410‬‬

‫() شريف عبد العظيم‪ ،‬حرية التعبير فى الغرب‪ .‬ص ‪.53 - 52‬‬

‫‪-‬‬

‫‪260‬‬

‫‪-‬‬

‫وانطلقا مهن هذه الرؤيهة فإن الخاصهية الديمقراطيهة للمسهئولية المعرفيهة ‪ -‬بتبنيهها‬
‫لفكرة الغلبيهة ‪ -‬تؤكهد‪ ..‬أولً‪ :‬سهيادة الشعهب و” أنهه ل يجوز السهماح ليهة هيئة تشريعيهة‬
‫أو تنفيذية ل تتفق مصالحها ومصالح الشعب أن تفرض على المة آرائها‪ .‬وأن تقرر للناس‬
‫النظريات والمناقشات التهى تسهمح لههم بالسهتماع إليهها “ (‪ .)411‬كمها أنهها تؤكهد‪ ..‬ثانيا‪ :‬حهق‬
‫القلية فى الدعوة لطارها الفكرى‪ ،‬وذلك انطلقا من أنه ” ل تكفى حماية الفرد من طغيان‬
‫الحا كم‪ .‬بل ي جب حماي ته أيضا من طغيان الشعور ال سائد والرأى العام‪ .‬و من م يل المجت مع‬
‫إلى أن يفرض ‪ -‬بوسهائل أخرى غيهر العقوبات المدنيهة ‪ -‬أفكاره وعاداتهه بوصهفها قواعهد‬
‫عامة لل سلوك على الذ ين يخرجون عليه‪ .‬فيعوق المجت مع بذلك ن مو الشخ صية الفرد ية ال تى‬
‫ل تتفق مع أساليبه فى الحياة “ (‪.)412‬‬
‫إن الخاصية الديمقراطية للمسئولية المعرفية تجعل النظام العلمى بمثابة أحد الركان‬
‫الرئيسية فى صلب بنيان المجتمع الديمقراطى‪ .‬وذلك بتمثيلها للنظام العلمى باعتباره المقابل‬
‫الرمزى لصندوق النتخاب‪ ،‬والذى تظهر من خلله آراء الغلبية بدلً من أصواتها النتخابية‪.‬‬
‫بح يث ي صبح النظام العل مى فى ظل ديمقراط ية الم سئولية المعرف ية ساحة للتدر يب على‬
‫العملية الديمقراطية‪.‬‬
‫فمشكلة الديمقراطيهة أنهها حكهم الغلبيهة‪ .‬ممها يتيهح للغلبيهة فرض إطارهها المادى‬
‫( برنامجها السياسى ) على القلية‪ .‬وبالتالى فحتى يمكن للقلية أن تمتلك الفرصة لكى تصبح‬
‫يوما ما هى الغلبية‪ .‬فإنه ينبغى إتاحة الفرصة لها لمحاولة إقناع الخرين بإطارها المادى‬
‫( برنامجها السياسى ) وذلك من خلل توفير الحرية الكاملة لها للتعبير عنه من خلل الطر‬
‫الرمزية ( حرية التعبير )‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬مسئوليـة ( شعبيـة )‪:‬‬
‫انطلقا من أن الطار الذى يت سم به الت عبير الن سانى هو الطار الرمزى‪ .‬فإن الن ظم‬

‫العلم ية ‪ -‬باعتبار ها القناة المو صلة للت عبير الن سانى ‪ -‬تمارس دور ها من خلل فاعليات‬

‫رمزية غير مادية‪ .‬فالنظم العلمية ل تمتلك سلطة إصدار قرارات ملزمة بالمقارنة بالسلطات‬

‫الثلث الخرى للدولة‪ .‬فال سلطة التنفيذ ية ت صدر القرارات الدار ية الملز مة للجم يع‪ .‬وال سلطة‬

‫التشريعية تصدر القوانين الملزمة للكافة‪ .‬والسلطة القضائية تصدر أحكامها الواجبة النفاذ فى‬

‫مواجهة الفراد والسلطات الخرى‪ ...‬أى أن هذه السلطات تمتلك فاعليات مادية ملزمة‪ ،‬وذلك‬
‫بخلف الن ظم العلم ية ال تى ل تمتلك إل فاعليات رمز ية غ ير ملز مة ولكن ها مؤثرة‪ .‬بمع نى‬
‫‪411‬‬

‫() جون ستيوارت مل‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.82‬‬

‫‪412‬‬

‫() المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.62‬‬

‫‪-‬‬

‫‪261‬‬

‫‪-‬‬

‫أنها تمتلك التأثير التلقائى فى نفوس المتلقين من خلل النقل الوافى للمعرفة الكامنة بالمعلومات‬

‫والراء فهى المجتمهع‪ ،‬المهر الذى يقود أولئك المتلقيهن إلى إصهدار قراراتههم بناءا على تلك‬
‫المعر فة‪ .‬وهذا يؤ كد أن سلطة الن ظم العلم ية بمثا بة سلطة شعب ية كاش فة‪ ،‬ل تمتلك هيا كل‬

‫تنظيم ية ل صدار قرارات ملز مة‪ .‬وإن ما تقدم نا تج عمل ها للش عب‪ ،‬من خلل التزام ها الكا مل‬

‫بمسئوليتها المعرفية المتمثلة فى النقل الوافى للمعرفة‪ .‬ويقوم الشعب ‪ -‬بناءا على تلك المعرفة ‪-‬‬
‫بالبناء التدريجى لتوجهاته وقراراته التى تنعكس على صناديق النتخاب‪.‬‬

‫إذن فالسلطة الكاشفة للنظم العلمية ذات طابع شعبى‪ ،‬لكونها سلطة ل تمتلك إصدار‬
‫قرارات ملزمهة ( مثلهها مثهل منظمات المجتمهع المدنهى )‪ .‬كمها أن المسهئولية المعرفيهة للنظهم‬
‫العلمية ذات توجه شعبى‪ ،‬لكونها مسئولية يقتصر دورها على النقل الوافى للمعرفة لجماهير‬
‫الشعب‪ ،‬وتترك للشعب مهمة صياغة التوجهات وتمحيص البدائل والقرارات‪.‬‬
‫ولعله مهن المصهلحة أن تمارس النظهم العلميهة دورهها كمنظمات شعبيهة وليهس‬
‫كمنظمات حكوميهة‪ .‬لن ” هناك أدلة وافرة على أن الناس ل يثقون بوسهائل إعلميهة زائدة‬
‫المركزية‪ .‬فالدراسات حول آلة الدعاية الداخلية فى ألمانيا النازية‪ ،‬بالضافة إلى سلوك وسائل‬
‫العلم لدى النظمهة السهتبدادية الحديثهة‪ ،‬تشيهر إلى أن الناس إجمالً يبحثون عهن معلومات‬
‫موثو قة من م صادر أخرى‪ .‬فح ين تل جأ وزارات العلم إلى المبال غة بش كل روتي نى‪ ،‬يعرف‬
‫الناس كيف يطرحون جانبا التقارير الخبارية التى تُقدم إليهم“ (‪ .)413‬وذلك انطلقا من أن تلك‬
‫التقارير تصدر عن نظم إعلمية غير مسئولة معرفيا‪ ،‬وإنما مسئولة حكوميا أو اجتماعيا؛ مما‬
‫ي صبغ ر سائلها العلم ية ب صبغة القرارات الحكوم ية الملز مة‪ ،‬ويجعل ها أب عد ما تكون عن‬
‫التوجه الشعبى الذى يطبعها بطابع التلقائية التى تقربها من جماهير الشعب‪.‬‬
‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن الطا بع الش عبى للم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية يع نى‬
‫أن التغيرات التهى تطرحهها تكتيكات العولمهة للتجزؤ والتشظهى والنقسهام ‪ -‬فيمها يخهص‬
‫جماهير المتلقين ‪ -‬تعظّم من إمكانية اشتراك الجماهير ‪ -‬بأى شعب ‪ -‬فى مسئولية النقل‬
‫الوا فى للمعر فة‪ ،‬وذلك من خلل الفاعليات التكنولوج ية الفائ قة لشبكات المعلومات‪ .‬وبهذا‬
‫تم تد الم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية إلى جماه ير الش عب الذ ين يشاركون فى تفع يل‬
‫تلك المسئولية من خلل مبادرتهم بالنقل الوافى للمعرفة الكامنه بالمعلومات والراء التى‬
‫تشكهل جماع المعرفهة فهى المجتمهع‪ .‬المهر الذى يطبهع المسهئولية المعرفيهة فهى النهايهة‬
‫بالطابع الشعبى‪.‬‬
‫‪413‬‬

‫() و‪ .‬رسل نيومان‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.269‬‬

‫‪-‬‬

‫‪262‬‬

‫‪-‬‬

‫ول شك ” أن مشاركة العديد من الناس فى النشاط العلمى بمبادراتهم الخاصة ومن‬

‫منطلق رغبتههم الخاصهة فهى التصهال‪ ،‬ههو أقوى دفاع على الطلق يملكهه أى مجتمهع فهى‬
‫مواجهة السيطرة العلمية وتوجيه العقول “ (‪.)414‬‬

‫رابعـاً‪ :‬مسئوليـة ( عـالميــة )‪:‬‬
‫تتسم المسئولية المعرفية للنظم العلمية بأنها مسئولية عالمية‪ .‬بمعنى أن المدى الذى‬

‫تع مل خلله يم تد إلى العالم بأ سره‪ ،‬ول يقت صر على حدود جغراف ية معي نة أو م صالح وطن ية‬

‫ل ‪ -‬التهى تفرض عليهها طبيعتهها أن تكون‬
‫ضيقهة‪ .‬وذلك بخلف المسهئولية الجتماعيهة ‪ -‬مث ً‬
‫محل ية‪ ،‬أى محددة بحدود المجت مع الذى ينتمهى إل يه النظام العلمهى‪ .‬ولمّ ا كا نت المجتمعات‬

‫تختلف وتتنوع وتتفاوت؛ فإن المسهئولية الجتماعيهة لنظام إعلمهى تختلف عهن المسهئولية‬
‫الجتماع ية لنظام إعل مى آ خر‪ ..‬أ ما الم سئولية المعرف ية فإن خ صائصها المطل قة الديمقراط ية‬

‫الشعب ية تج عل مجال عمل ها هو الن قل الوا فى للمعر فة على امتداد العالم دون التفات لختلف‬

‫الثقافات أو المجتمعات أو الحضارات‪ .‬وبالتالى فههى مسهئولية تكتسهب عالميتهها مهن طبيعتهها‬

‫المقتصرة فقط على وظيفة النقل الوافى للمعرفة‪.‬‬

‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن المسهئولية المعرفيهة تكتسهب طابعهها العالمهى مهن حقيقهة‬

‫” أن ج سم المعر فة البشر ية ك نز اجتما عى‪ ،‬تجمّ ع جماعيا خلل التار يخ‪ .‬ول ي خص شخ صا‬

‫واحدا‪ ..‬أو بلدا معينا‪ .‬وي جب أن يكون هذا الك نز العام متاحا الو صول إل يه للجم يع‪ .‬ف هو ثروة‬

‫للبشريهة كلهها “ (‪ .)415‬وبالتالى فإذا كانهت المعرفهة ذات طبيعهة عالميهة‪ .‬فإن هذا ينعكهس‬
‫بالضرورة على المسئولية المعرفية للنظم العلمية التى تستهدف النقل الوافى لهذه المعرفة‪.‬‬

‫يُضاف إلى ذلك‪ ..‬أن اسهتراتيجية العولمهة العلميهة للتوحهد والتكتهل والندماج تؤدى‬

‫إلى بروز ملمهح لنظام إعلمهى عالمهى يتجاوز الختلفات الثقافيهة والحضاريهة‪ .‬ولعهل‬

‫المسئولية التى تتواءم مع هذا النظام العلمى العالمى ينبغى لها أن تتسم هى الخرى بطابع‬
‫عالمى‪ ،‬وهذا ما يتوفر فى المسئولية المعرفية للنظم العلمية نظرا لطابعها العالمى‪.‬‬

‫خامساً‪ :‬مسئولية ( شاملة ‪ -‬عملية ‪ -‬قياسية )‬
‫انطلقا مهن أن المسهئولية المعرفيهة ههى التهى تتواءم مهع النظهم العلميهة فهى ظهل‬
‫التغيرات المترتبهة على البعاد العلميهة للعولمهة‪ ،‬نظرا لمها توفره مهن إمكانيهة الرتقاء‬
‫بالقدرات المعرفية للن ظم العلم ية حتى تتوازن مع قدرات ها التكنولوجية المتصاعدة‪ .‬فإن هذا‬
‫‪414‬‬

‫() هربرت أ‪ .‬شيللر‪ ،‬مرجع سابق‪ .‬ص ‪.264‬‬

‫‪415‬‬

‫() أحمد محمد صالح‪ " ،‬المعرفة فى عصر المعلومات "‪ ،‬مجلة الهلل‪ ( .‬العدد ‪ ،2‬فبراير ‪ ،) 2001‬ص ‪.10‬‬

‫‪-‬‬

‫‪263‬‬

‫‪-‬‬

‫يو ضح أن التعا مل مع الم سئولية المعرف ية ينب غى أن ي تم باعتبار ها م سئولية النظام العل مى‬
‫ككل‪ ،‬بكافة أطرافه الفاعلة وغير الفاعلة‪ .‬أى أن المسئولية المعرفية تمارس دورها كمسئولية‬
‫شاملة تمتد إلى كافة أطراف العملية التصالية‪ ،‬سواء أكانت الطراف الفاعلة فيها والتى تتمثل‬
‫فى‪ :‬القائمين بالتصال وجماهير المتلقين‪ ،‬أم الطراف العتبارية والتى تتمثل فى‪ :‬المؤسسات‬
‫العلمية‪ ،‬أم الطراف الرمزية والتى تتمثل فى الرسائل العلمية‪ ،‬أم الطراف التكنولوجية‬
‫وال تى تتم ثل فهى و سائل العلم‪ ...‬ول عل أ ية محاولة لقصهر نطاق الم سئولية المعرف ية على‬
‫أطراف بعينها فى العملية التصالية دون أطراف أخرى‪ ،‬ستؤدى إلى أن تصبح تلك المسئولية‬
‫مجرد مسئولية لتلك الطراف فقط وليس للنظام العلمى ككل‪.‬‬
‫وبالتالى فإن المسهئولية المعرفيهة ههى مسهئولية النظام العلمهى ككهل‪ ،‬حتهى يمكهن‬
‫الرتفاع بقدرا ته المعرف ية‪ .‬وهذا يطرح بالتبع ية أن جماه ير المتقل ين تمتلك دورا ينب غى علي ها‬
‫القيام به لتفعيل فكرة المسئولية المعرفية للنظم العلمية‪.‬‬
‫واستنادا إلى خاصية الشمول التى تتسم بها المسئولية المعرفية‪ ،‬فإن هذا يطرح أهمية‬
‫∗‬

‫انطواء هذه المسئولية على « أساليب عملية » تكون بمثابة قواعد مُهرشِدَة ‪ -‬غير حاكمة ‪-‬‬
‫لفاعليات كافة أطراف العملية التصالية‪ .‬فالحدود المطل قة للم سئولية المعرفية التى تنطلق من‬
‫مبدأ الحريهة المطلقهة للتعهبير تحتاج إلى قواعهد مرشدة ذات طابهع عملى غيهر تجريدى‪ .‬ممها‬
‫يساعد على ضمان التأثير اليجابى الناتج عن الحرية المطلقة للتعبير‪ .‬ولعل التعامل النقدى مع‬
‫مبادئ نظريهة المسهئولية الجتماعيهة أوضهح أن القواعهد المجردة التهى وضعتهها تلك النظريهة‬
‫والمتمثلة فى ( الد قة والموضوع ية والحياد‪ ) ...‬خل قت الفر صة للتحا يل على حر ية الت عبير‪،‬‬
‫ت حت دعوى اللتزام بتلك القوا عد المجردة ال تى كان من الع سير تطبيق ها فى الوا قع العملى‪.‬‬
‫لهذا فإن الم سئولية المعرف ية ‪ -‬باعتبار ها الم سئولية الملئ مة للن ظم العلم ية فى ظل البعاد‬
‫العلميهة للعولمهة ‪ -‬ينبغهى أن تكون مسهئولية تتسهم بطابهع عملى‪ ،‬حتهى توفهر أكهبر فرصهة‬
‫لتحقيق الثر اليجابى الناتج عن ضمان الحرية المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫ولكن إذا كانت المسئولية المعرفية تتسم بكونها « عملية » من خلل وضعها لقواعد‬
‫«عملية إرشادية» لكافة أنشطة أطراف العملية التصالية‪ .‬فإن ذلك يستتبع أهمية وضع أساليب‬
‫« قياسية » يمكن من خللها قياس مدى تحقيق تلك القواعد العملية الرشادية للثر اليجابى‬
‫الناتج عن ضمان الحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬وإل فإن افتقار المسئولية المعرفية للساليب القياسية‬
‫‪‬‬

‫المق صود بالقوا عد المرشدة ( غ ير الحاك مة ) هو أ نه ل يتح تم اللتزام بن فس الجراءات أو ال طر ال تى تنطوى علي ها تلك‬
‫القواعههههد‪ ،‬وإنمهههها يمكههههن اللتزام باجراءات وأطههههر أخرى‪ .‬بشرط أن تحقههههق نفههههس الهدف‬
‫أو المضمون الذى كانت تسعى لتحقيقه القواعد الصلية‪ .‬وهذا يعنى أنها تمثل نموذجا إرشاديا غير ملزم فى إجراءاته الشكلية‬
‫( أى يمكن تنفيذ مضمونها بأشكال متعددة )‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪264‬‬

‫‪-‬‬

‫سيؤدى إلى عدم وجود أ ية و سيلة يم كن من خلل ها التعرف على الثار النات جة عن الحر ية‬
‫المطل قة للت عبير‪ .‬وبالتالى سيتيح هذا الفر صة لمناه ضى حر ية الت عبير ل كى يكيلوا التهامات‬
‫الجزافية للحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬فى محاولة منهم لفرض قيود تحد من هذه الحرية‪ .‬كما أنه‬
‫سهيحول دون وجود وسهيلة يمكهن مهن خللهها التعرف على المؤشرات السهلبية المتولدة عهن‬
‫النشطهة العلميهة؛ ممها يؤدى إلى ارتفاع قيمهة هذه المؤشرات التهى سهتسئ حتما إلى مبدأ‬
‫الحرية المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫مهن هنها‪ ..‬فإن المسهئولية المعرفيهة للنظهم العلميهة ينبغهى لهها أن تكون مسهئولية‬
‫( شاملة ‪ -‬عمل ية ‪ -‬قيا سية )‪ ،‬وذلك ح تى يم كن توف ير الضمان ال كبر لفاعل ية مبدأ الحر ية‬
‫المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪265‬‬

‫‪-‬‬

‫خاتمـة الفصـل السـابع‪:‬‬
‫تبين من خلل درا سة البعاد الفكر ية للحر ية المطل قة للت عبير أن ث مة محددات فكر ية‬
‫مترابطة تقدم السس المنطقية التى يستند إليها مبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪ ..‬وهذه المحددات‬
‫هى‪:‬‬
‫•‬

‫نوع الطار الذى تنتمى إليه حرية التعبير‪.‬‬

‫•‬

‫المدى الذى يمتد إليه هذا الطار خلل ممارسة حرية التعبير لفاعلياتها‪.‬‬

‫•‬

‫المحتوى المعرفى الذى سيتضمنه هذا الطار نتيجة تلك الممارسات‪.‬‬

‫•‬

‫الثر الناتج عن نشر هذا المحتوى المعرفى فى المجتمع‪.‬‬
‫و قد تو صلت الدرا سة إلى أن نوع الطار الذى تنت مى إل يه حر ية الت عبير يتم ثل فى‬

‫( الطار الرمزى )‪ .‬وأن المدى الذى يم تد إل يه هذا الطار هو ( المدى المطلق )‪ .‬وأن‬
‫المحتوى المعرفههى الذى سههيتضمنه هذا الطار هههو محتوى يتسههم ( بتعدد الراء وتنوع‬
‫المعلومات والفكار والمعانى ) المتاحة فى المجتمع‪ .‬وأن الثر الناتج عن نشر هذا المحتوى‬
‫المعرفى هو فى مجمله العام ( أثر إيجابى )‪ ،‬وأن أية آثار ضارة محتملة قد تنشأ عن إطلق‬
‫حرية التعبير ل يجوز إستخدامها كمبرر لحظر التعبير‪ ،‬وإنما يصبح إجراء تدخلت إعلمية‬
‫معينهة لمحاولة التخفيهف مهن الثار الضارة المحتملة بمثابهة الجراء المناسهب الذى يجعهل‬
‫مواجهة التعبير النسانى تتم أيضا بذات الداة الرمزية التى هى التعبير النسانى‪ ،‬بحيث يُترك‬
‫ل سلطة القضاء مه مة تقد ير الضرار الماد ية الناشئة عن الت عبير الن سانى ومقاضاة الم سئول‬
‫عن ها‪ .‬والنتي جة العا مة تتم ثل فى أن « رمز ية » الت عبير الن سانى هى ال تى تجعله « مطلق »‬
‫الحريهة‪ ،‬وحريتهه المطلقهة ههى التهى تكسهبه « التعدد والتنوع »‪ ،‬وتعدده وتنوعهه همها اللذان‬
‫يضمنان « إيجابية تأثيره » فى المجمل العام‪.‬‬
‫كما تبين من دراسة البعاد الفكرية لسلطة ومسئولية النظم العلمية‪ ،‬أن سلطة النظم‬
‫العلمية تتمثل فى مجموعة الحقوق العلمية للنسان‪ ،‬وأن مسئولية النظم العلمية تتمثل‬
‫فى مجمو عة الوظائف المفتر ضة لتلك الن ظم‪ .‬و قد ا ستحدثت الدرا سة تو صيفا ل سلطة الن ظم‬
‫العلميهة يصهفها أنهها‪« :‬سهلطة كاشفهة تضطلع بمهمهة تسهليط الضوء على أنشطهة سهلطات‬
‫المجتمهع الخرى ونظمهه الفرعيهة فهى كافهة المجالت‪ .‬ويمارس هذه السهلطة المؤسهسات‬
‫العلميهة وجماهيهر المتلقيهن مهن خلل ممارسهتهم لحقوقههم العلميهة النابعهة مهن مجموعهة‬
‫الحقوق العلميهة للنسهان‪ ،‬وذلك بهدف جمهع المعلومات والراء ‪ -‬حول السهلطات والنظهم‬
‫الفرعية فى المجتمع ‪ -‬وترتيبها وتصنيفها وصياغتها والتعليق عليها ونشرها‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪266‬‬

‫‪-‬‬

‫ك ما ا ستحدثت الدرا سة تو صيفا لم سئولية ( وظي فة ) الن ظم العلم ية ي صفها أن ها‪:‬‬
‫« مسئولية معرفية صرفة تضطلع بمهمة النقل الوافى للمعرفة الكامنة فى المعلومات والراء‬
‫والقوال والفكار والبداعات ال تى يوفر ها المجت مع‪ ،‬وذلك بهدف نقل ها لجماه ير المتلق ين »‪.‬‬
‫وذلك انطلقا من فحص التصنيفات المتعددة لوظائف النظم العلمية‪ ،‬والتى أوضحت أن تلك‬
‫الوظائف تدور فهى مجملهها حول مضمون واحهد مهمها تعددت الهداف‪ ،‬وههو نقهل المعرفهة‬
‫للجماه ير‪ .‬وي تم ذلك إ ما بأ سلوب مبا شر يتم ثل فى وظائف ( مراق بة البيئة ‪ -‬ن قل التراث ‪-‬‬
‫التشاور ‪ -‬المراقبهة ‪ -‬العلم ‪ -‬التماس المعلومات ) أو بأسهلوب غيهر مباشهر يتمثهل فهى‬
‫وظائف ( ترابهط أجزاء المجتمهع ‪ -‬نقهل التراث ‪ -‬الترفيهه ‪ -‬تدعيهم المعاييهر الجتماعيهة ‪-‬‬
‫التنشئة ‪ -‬التماسك الجتماعى ‪ -‬التعبئة ‪ -‬المساعدة فى التحرر العاطفى‪ ..‬إلخ )‪.‬‬
‫ول قد استنبطت الدرا سة أن الطابع المعر فى للم سئولية المعرف ية يجعلها تت سم بعدد من‬
‫الخ صائص‪ ،‬تتم ثل فى أن ها‪ :‬م سئولية ( مطل قة )‪ ( ،‬ديمقراط ية )‪ ( ،‬شعب ية )‪ ( ،‬عالم ية )‪،‬‬
‫( شاملة ‪ -‬عملية ‪ -‬قياسية )‪ .‬المر الذى يضمن قيام النظم العلمية بوظيفتها ( مسئوليتها )‬
‫فى المجتمع بكفاءة على المستوى النوعى ( نوعيا )‪.‬‬
‫ولقد قدمت نتائج هذا الفصل الجابة على السؤال الثالث من تساؤلت الدراسة والذى‬
‫ينص على‪:‬‬
‫« ما هو الطا بع الملئم لتو صيف ثنائ ية ال سلطة والم سئولية فى بن ية الن ظم العلم ية ب ما‬
‫يضمن ارتفاع قدراتها المعرفية ؟ »‪.‬‬
‫وتمثلت الجابة على هذا التساؤل فى النتيجة التالية‪:‬‬
‫يم ثل كلُ من الطا بع المعر فى لم سئولية الن ظم العلم ية والطا بع الكا شف ل سلطتها‬
‫الطابع ين الملئم ين للرتفاع بالقدرات المعرف ية للن ظم العلم ية‪ ،‬فى ظل مرجع ية فل سفية‬
‫تتبنى مبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪.‬‬
‫ولكن حتى يمكن للنظم العلمية أن تمارس سلطتها الكاشفة ومسئوليتها المعرفية ‪ -‬فى‬
‫ظل إقرار مبدأ الحر ية المطل قة للت عبير ‪ -‬ب صورة عمل ية تتجاوز ال طر التجريد ية‪ ،‬فإن الع مل‬
‫على مراجعة الدوار التى تضطلع بها كافة أطراف العملية العلمية‪ ،‬سيقدم البعاد العملية التى‬
‫تتحرك خللها النظم العلمية فى ظل إقرار مبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬بما يضمن كفاءتها‬
‫( كيفيا ) فى ممارستها لوظيفتها فى المجتمع‪ ...‬وهذا ما سنعرض له فى الفصل القادم‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪267‬‬

‫‪-‬‬

‫الفصـل الثامـن‬
‫البعـاد العمليـة للمسئوليـة المعـرفيـة‬
‫للنظـم العـلميـة‬
‫محتـويـات الفصـل الثامـن‬
‫مقدمـة الفصـل الثـامـن‬
‫المبحـــــــث بُعد الطراف المعرفية‬
‫( المســــئولية المعرفيــــة والرســــائل‬
‫الول‪:‬‬
‫العلمية )‬
‫المبحـــــــث بُعد الطراف التكنولوجية‬
‫الثانــــــــى‪ ( :‬المســــئولية المعرفيـــــة ووســــائل‬
‫العلم )‬
‫المبحـــــــث بُعد الطراف العتبارية‬
‫( المســئولية المعرفيــة والمؤســسات‬
‫الثالث‪:‬‬
‫العلمية )‬
‫المبحـــــــث بُعد الطراف الفاعلـة‬
‫الرابـــــــــع‪ ( :‬المســــئولية المعرفيــــة والقائميــــن‬
‫بالتصال وجماهير المتلقين )‬
‫خـاتمـة الفصـل الثـامـن‬

‫‪-‬‬

‫‪268‬‬

‫‪-‬‬

‫مقـدمـة‬
‫الفصـل الثـامـن‬
‫تطرح الخصائص التى تتسم بها المسئولية المعرفية للنظم العلمية ‪ -‬باعتبارها مسئولية‬

‫مطلقة‪ ،‬ديمقراطية‪ ،‬شعبية‪ ،‬شاملة عملية قياسية ‪ -‬ضرورة مراجعة الدوار التى تضطلع بها كافة‬

‫أطراف العمل ية الت صالية بح يث تتواءم تلك الدوار مع منطلقات الطا بع المعر فى لتلك الم سئولية‬

‫وخ صائصها‪ .‬ونظرا ل ما تتطل به الممار سة العمل ية من قوا عد مرشدة ( ولي ست حاك مة ) ت ساعد‬

‫على التوجهه بالنشطهة العلميهة نحهو كفالة الحريهة المطلقهة للتعهبير‪ .‬فإن محاولة صهياغة تلك‬
‫القواعد المرشدة تمثل خطوة ضرورية للبتعاد عن المفاهيم التجريدية غير العملية والقتراب من‬

‫تأسهيس مها يمكهن أن نطلق عليهه «البعاد العمليهة للمسهئولية المعرفيهة»‪ ،‬تلك البعاد التهى يمكهن‬

‫اعتبارها الوجه التطبيقى فى الواقع العملى للبعاد الفكرية لمفهوم المسئولية المعرفية‪ ،‬بما يضمن‬
‫قيام النظم العلمية بوظيفتها فى المجتمع بكفاءة على المستوى الكيفى ( كيفيا )‪.‬‬
‫ونظرا لن أطراف العملية التصالية تتمثل فى الطراف التالية‪:‬‬
‫ الطراف الفاعلة‪ :‬وتتكون من القائمين بالتصال وجماهير المتلقين‪.‬‬‫ الطراف العتبارية‪ :‬وتتكون من المؤسسات العلمية‪.‬‬‫ الطراف المعرفية‪ :‬وتتكون من الرسائل العلمية‪.‬‬‫ الطراف التكنولوجية‪ :‬وتتكون من وسائل العلم‪.‬‬‫فإن البعاد العملية للمسئولية المعرفية يمكن تحديدها فى أربعة أبعاد على النحو التالى‪:‬‬

‫بُ عد الطراف الفاعلة ‪ -‬بُ عد الطراف العتبار ية ‪ -‬بُ عد الطراف المعرف ية ‪ -‬بُ عد الطراف‬
‫التكنولوجية‪.‬‬

‫وانطلقا من هذا الت صور ف قد تم تق سيم الف صل الما ثل إلى أرب عة مبا حث‪ .‬المب حث الول‬

‫بعنوان‪ :‬بُعد الطراف المعرفية ( المسئولية المعرفية والرسائل العلمية )‪ .‬والمبحث الثانى بعنوان‪:‬‬
‫بُعهد الطراف التكنولوجيهة ( المسهئولية المعرفيهة ووسهائل العلم )‪ .‬والمبحهث الثالث بعنوان‪ :‬بُعهد‬
‫الطراف العتبار ية ( الم سئولية المعرف ية والمؤ سسات العلم ية )‪ .‬والمب حث الرا بع بعنوان‪ُ :‬ب عد‬

‫الطراف الفاعلة ( المسئولية المعرفية والقائمين بالتصال وجماهير المتلقين )‪ .‬وتدور هذه المباحث‬

‫حول الساليب الكيفية التى تضمن التزام الرسائل العلمية ووسائل العلم والمؤسسات العلمية‬
‫والقائمين بالتصال وجماهير المتلقين بالنقل الوافى للمعرفة الكامنة بالمعلومات العلمية‪ .‬بما يساعد‬
‫النظم العلمية على ممارسة وظيفتها فى المجتمع بكفاءة ( كيفيا )‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪269‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الول‬
‫بُعد الطراف المعرفية‬
‫( المسئولية المعرفية والرسائل العلمية )‬
‫تح تل الر سائل العلم ية مقد مة البعاد العمل ية للم سئولية المعرف ية‪ ،‬باعتبار ها الطار‬
‫الذى يضهم المحتوى المعرفهى للعمليهة التصهالية‪ ،‬والمحور الذى تتمركهز حوله كافهة أهداف‬
‫العمل العلمى‪ .‬سواء أكانت من جانب القائمين بالتصال من خلل دورهم فى النقل الوافى‬
‫للمعرفة‪ ،‬أم من جانب جماهير المتلقين من خلل تلقيهم لتلك المعرفة‪.‬‬
‫ويؤدى تطهبيق مفهوم المسهئولية المعرفيهة على عمليهة التصهال النسهانى‪ ،‬إلى عدم‬
‫مواك بة المفهوم التقليدى للر سائل العلم ية للطا بع المعر فى للم سئولية المعرف ية وخ صائصها‪.‬‬
‫فالمفهوم التقليدى للرسهائل العلميهة القائم على مواصهفات الصهدق والدقهة والموضوعيهة‪،‬‬
‫ل يعتمد إل على أطر مطاطة تحتمل الكثير من التأويل‪ ،‬بما يؤدى إلى افتقاد تلك المواصفات‬
‫نفسها للصدق والدقة والموضوعية التى تدعو إليها∗‪ .‬ونظرا لرتباط مفهوم المسئولية المعرفية‬
‫بمبدأ الحريهة المطلقهة للتعهبير‪ ،‬فإن القاعدة المرشدة العامهة التهى ينبغهى أن تلتصهق بالرسهائل‬
‫العلم ية لتمنح ها تلك الحر ية المطل قة‪ ،‬تتم ثل فى نموذج [المعر فة أولً ‪ -‬المعر فة أخيرا ‪-‬‬
‫المعرفهة فقهط]‪ .‬بمعنهى أن الرسهائل العلميهة ينبغهى أل يتهم تطويعهها ليهة شروط‬
‫أو محظورات‪ ،‬كما ل ينبغى لها أن تتحمل بأية أعباء إل أعباء النقل الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫ويطرح نموذج [ المعرفصة أولً ‪ -‬المعرفصة أخيرا ‪ -‬المعرفصة فقصط ] باعتباره قاعدة‬
‫مرشدة للرسائل العلمية فى استهدافها الوحيد للمعرفة‪ ،‬إشكالية هامة تلقى بظللها على مبدأ‬
‫الحر ية المطل قة للت عبير‪ ،‬وتتم ثل‪ ..‬أولً‪ :‬فى كيف ية الملء مة ب ين ضمان الن قل الوا فى للمعر فة‬
‫الكامنة فى المعلومات العلمية‪ ،‬وبين تجنب الثار الضارة المحتملة للرسائل العلمية التى‬
‫قد تن شأ عن الحر ية المطل قة للت عبير‪ ،‬فى ظل عدم وجود تشريعات تق يد العلم‪ .‬وثانيا‪ :‬فى‬
‫كيفية ضمان النقل الوافى للمعرفة الكامنة بالرسائل العلمية النوعية ( إخبارية ‪ -‬درامية ‪-‬‬
‫ل ‪ -‬المعرفة أخيرا ‪ -‬المعرفة فقط ]‪.‬‬
‫إعلنية )‪ ،‬بحيث تحقق نموذج [ المعرفة أو ً‬

‫‪‬‬

‫وسنعرض فيما يلى لتلك القضايا الشكالية على النحو التالى‪:‬‬

‫انظر‪ :‬الفصل الخامس ( المبحث الثانى )‪ ،‬حول نقد المستوى التطبيقى لنظرية المسئولية الجتماعية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪270‬‬

‫‪-‬‬

‫أولً‪ :‬المســــئولية المعرفيــــة والثار الضارة المحتملة للرســــائل‬
‫العلمية‪:‬‬
‫يؤدى إقرار مبدأ الحريهة المطلقهة للتعهبير إلى ضرورة غياب أيهة قيود تشريعيهة على‬
‫النشطة العلمية فى المجتمع‪ .‬ولكن نظرا لن بعض الرسائل العلمية قد تؤدى إلى نتائج‬
‫ماديهة محتملة تضهر الفراد أو المجتمهع‪ .‬فإن الفراغ القانونهى فهى هذا المجال سهيؤدى إلى أن‬
‫تصبح حرية التعبير منفلتة وتسفر عن نتائج ضارة ل يمكن تلفيها‪.‬‬
‫لذلك كان من الضرورى الع مل على صياغة قاعدة مرشدة يم كن من خلل ها التك هن‬
‫بالثار الضارة المحتملة التهى قهد تترتهب على نشهر بعهض الرسهائل العلميهة‪ .‬مهع التزام‬
‫المؤ سسات العلم ية بم سئولية التد خل العل مى على ها مش تلك الر سائل لضمان تخف يف‬
‫الثار الضارة الناشئة عهن النقهل الوافهى للمعرفهة الكامنهة بهها‪ .‬وهذا يعنهى أن المسهئولية‬
‫المعرف ية للن ظم العلم ية تفرض على المؤ سسات العلم ية ضرورة الن قل الوا فى للمعر فة‬
‫الكامنة بكافة الرسائل العلمية بما فيها الرسائل التى يمكن أن تكون لها آثار ضارة محتملة‬
‫على الفراد أو المجتمع‪ .‬ولكن بشرط أن تمارس تلك المؤسسات نوعا من التدخل العلمى‬
‫على هامش هذه الرسائل بحيث يتم التخفيف من الثار الضارة المحتملة الناشئة عن النشر‪.‬‬
‫ول شهك أن القاعدة المرشدة التهى تحقهق هذا المطلب تتناقهض تماما مهع واقهع عمهل النظهم‬
‫العلمية الراهنة التى يتم تقييد حرية التعبير فيها بالعديد من القيود التشريعية؛ مما أدى إلى‬
‫أن ت سترشد تلك الن ظم فى عمل ها بنموذج تب سيطى م خل؛ ح تى تتج نب الوقوع فى الم ساءلة‬
‫القانونية‪ .‬ويتمثل ذلك النموذج فى ثنائية [ الرسالة ‪ -‬التأثير ]‪ ،‬بمعنى أن الرسائل العلمية‬
‫ال تى يشت به فى تأثيرات ها الضارة على الفراد أو المجت مع ي تم حظر ها وعدم نشر ها‪ .‬وذلك‬
‫دون أ ية درا سة جادة لحتمالت ذلك التأث ير ومحاولة إجراء أى تد خل إعل مى لتخف يف تلك‬
‫الثار الضارة المحتملة‪.‬‬
‫ول كن فى ظل الحر ية المطل قة للت عبير ال تى يتبنا ها مفهوم الم سئولية المعرف ية‪ ،‬وال تى‬
‫تؤدى إلى غياب القيود التشريعية‪ .‬فإن القاعدة المرشدة التى تتجاوز نموذج [ الرسالة ‪ -‬التأثير‬
‫] تتم ثل فى نموذج [ حر ية الر سالة ‪ -‬احتمالت التأث ير ‪ -‬التد خل العل مى ]‪ ،‬ب ما يع نى أن‬
‫الحر ية المطل قة للر سالة مكفولة على الر غم من احتمالت التأث ير الضارة‪ ،‬من خلل ال سماح‬
‫للمؤسهسات العلميهة بإجراء تدخلت إعلميهة تتمثهل فهى القيام بإجراءات تحريريهة معينهة‬
‫للتخفيف من الثار الضارة المحتملة من جراء النشر‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪271‬‬

‫‪-‬‬

‫ويم كن للمؤ سسات العلم ية إجراء درا سة احتمال ية لدرا سة احتمالت التأث ير الضار‬
‫للرسهائل العلميهة‪ ،‬وذلك مهن خلل السهلوب السهتفهامى التالى الذى يتكون مهن خمسهة‬
‫تساؤلت وفقا للنحو التالى‪:‬‬
‫‪ -1‬هل هناك أثر محتمل؟‬
‫‪ -2‬هل هو أثر مادى؟‬
‫‪ -3‬هل هو أثر مباشر؟‬
‫‪ -4‬هل هو أثر ضار؟‬
‫‪ -5‬هل هو ضار بالشخاص أو الممتلكات؟‬
‫وت تم درا سة احتمالت التأث ير الضار من خلل الجا بة المتتاب عة على تلك الت ساؤلت‬
‫الخمسة‪ ،‬والتى تُعتبر الجابة بالنفى على أى منها بمثابة دليل على عدم وجود أية آثار ضارة‬
‫محتملة للرسالة العلمية‪ ،‬فى حين أن الجابة عليها جميعا باليجاب تعنى وجود آثار ضارة‬
‫محتملة فى تلك الرسالة‪.‬‬
‫وهذا يعنهى أن التنبهؤ بالثار الضارة المحتملة للرسهائل العلميهة تحتاج إلى خمسهة‬
‫شروط تتمثهل فهى‪ :‬ضرورة وجود أثهر محتمهل‪ .‬وضرورة أن يكون هذا الثهر ماديا وليهس‬
‫معنويا‪ .‬وأن يكون هذا ال ثر المادى مباشرا فى احتمال ات صاله بالر سالة العلم ية‪ ،‬ب ما يع نى‬
‫أن الر سالة العلم ية ت سببت مباشرة فى حدو ثه‪ .‬وأن يكون هذا ال ثر المادى المبا شر ضارا‪،‬‬
‫بح يث ي سبب آثارا ضارة‪ .‬وأن يكون هذا ال ثر المادى المبا شر الضار موجها إلى الشخاص‬
‫أو الممتلكات وليس إلى المعانى أو الرموز‪.‬‬
‫ومهن الواضهح أن هذا السهلوب السهتفهامى المتدرج يتوافهق مهع المدى المطلق الذى‬
‫تتحرك فيه حرية الرسالة العلمية فى ظل إقرار مبدأ الحرية المطلقة للتعبير‪ ،‬حيث ل يكفى‬
‫أن يكون للر سالة أ ثر احتمالى ضار ف قط‪ ،‬بل ي جب أن يكون أثرا احتماليا ماديا مباشرا ضارا‬
‫بالشخاص والممتلكات‪ .‬وهذا يعنهى أن الرسهالة العلميهة ذات الثهر المادى المباشهر غيهر‬
‫الضار ل ترافق ها أ ية تدخلت إعلم ية‪ .‬ك ما أن الر سالة العلم ية ذات ال ثر المادى الضار‬
‫غ ير المبا شر ل ترافق ها أ ية تدخلت إعلم ية‪ ،‬ح يث إن شرط إجراء تدخلت إعلم ية يتو قف‬
‫على مباشرة الثر المحتمل المادى الضار بالشخاص أو الممتلكات‪.‬‬
‫وتجدر الشارة إلى أن نموذج [ حرية الرسالة ‪ -‬احتمالت التأثير ‪ -‬التدخل العلمى ]‬
‫هو مجرد نموذج إرشادى يو ضح مدى حدوث أو عدم حدوث الضرر من جراء ن شر الر سالة‬
‫العلميهة‪ ،‬ولكنهه ل يوضهح كيفيهة التدخهل العلمهى لتخفيهف الثار الضارة المحتملة لتلك‬

‫‪-‬‬

‫‪272‬‬

‫‪-‬‬

‫الر سالة‪ ،‬ذلك التد خل الذى ل ي سوّغ ‪ -‬بأى صورة ‪ -‬ح ظر ن شر الر سالة أو التعت يم علي ها أو‬
‫تغي ير مضمون ها‪ .‬وإن ما ي سمح للمؤ سسات العلم ية بالتد خل على ها مش الر سالة العلم ية‬
‫لمجرد التخفيهف أو التحذيهر مهن الثار الضارة المحتملة‪ ،‬وفقا لجراءات تحريريهة متعددة‬
‫تختلف باختلف الحقوق المضادة للحقوق العلميهة التهى تنتهكهها تلك الرسهائل العلميهة‪.‬‬
‫وسهنعرض فهى الفصهل التالى لنموذج « الطريقهة الحتماليهة لتوصهيف التدخهل العلمهى فهى‬
‫مواجههة الحقوق المضادة للحقوق العلميهة »‪ ،‬والذى سهيتم مهن خلله توضيهح الجراءات‬
‫التحريريهة التهى يتهم إجراؤهها كنوع مهن التدخهل العلمهى؛ لتخفيهف الثار الضارة المحتملة‬
‫للرسائل العلمية‪ ،‬فى ظل مبدأ الحرية المطلقة للتعبير الذى تتبناه المسئولية المعرفية‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬المسئولية المعرفية والمعرفة الكامنة بالرسائل العلمية‪:‬‬
‫(‪ )1‬المسئولية المعرفية والرسائل الخبارية‪:‬‬

‫ت ستحوذ الر سائل العلم ية الخبار ية على جزء كبير من ر صيد المعر فة ال تى تقوم‬

‫وسائل العلم بنقلها للجماهير‪ ،‬وذلك من خلل تقديمها لرؤية بانورامية يومية متجددة لحداث‬
‫المجتمع والعالم المحيط‪.‬‬
‫ويطرح تبنّىه مفهوم المسهئولية المعرفيهة للنظهم العلميهة ضرورة التزام الرسهائل‬
‫العلمية الخبارية بالنقل الوافى للمعرفة الكامنة بالحداث الجارية‪ ،‬وذلك من خلل اللتزام‬
‫بتغطية تلك الحداث من كافة الزوايا والبعاد‪ ،‬المر الذى يساهم فى تقديم معرفة وافية تكشف‬
‫الوا قع ول تحر فه‪ .‬ول يم كن تغط ية الحداث من مختلف الزوا يا إل من خلل بناء الر سائل‬
‫الخبار ية بطري قة متواز نة‪ ،‬بح يث تتوازن بداخل ها كا فة أبعاد الحدث ومحاوره‪ .‬وبالتالى فإن‬
‫التوازن المراد يتمثهل فهى العرض المتوازن لكافهة الزوايها المتاحهة للحدث‪ ،‬وليهس محاولة‬
‫العرض النتقائى لتلك الزوايا لحداث نوعا من التوازن المختلق‪.‬‬
‫ويمكهن أن نطلق على المبدأ الذى يضمهن التوازن فهى عرض جوانهب الرسهائل‬
‫العلميهة الخباريهة ( مبدأ العرض المتوازن )‪ ،‬ويخضهع هذا المبدأ لقاعدة مرشدة تتمثهل فهى‬
‫نموذج [ الحدث ‪ -‬الطراف ]‪ ،‬حيهث يشيهر نموذج [ الحدث ‪ -‬الطراف ] إلى الحقيقهة التهى‬
‫توضح أن كل حدث يرتبط بمجموعة من الطراف المختلفة وذلك على النحو التالى‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أطراف بمثابة موضوع للحدث إيجابيا‪ :‬وهم الطراف الفاعلون للحدث‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أطراف بمثابة موضوع للحدث سلبيا‪ :‬وهم الطراف المتأثرون بالحدث‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أطراف يكون الحدث موضوعا لهصم وظيفيا‪ :‬وههم الطراف المهتمون بالحدث بحكهم‬
‫وظائفهم‪.‬‬

‫‬‫‪-‬‬

‫‪273‬‬

‫‪-‬‬

‫أطراف يكون الحدث موضوعا لهصم ظرفيا‪ :‬وههم الطراف المهتمون بالحدث بحكهم‬
‫تواجدهم الظرفى ( المكانى أو الزمانى ) فى نطاق حدوثه‪.‬‬
‫وانطلقا من هذا التقسيم‪ ..‬فإن الصياغة المعرفية لبد أن تعرض لكافة تلك الطراف‬

‫فى صلب الرسالة الخبارية بشكل متوازن‪ ،‬بما يحقق النقل الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫وبهذا يقدم نموذج [ الحدث ‪ -‬الطراف ] ‪ -‬باعتباره قاعدة مرشدة لضمان التزام‬
‫النظم العلمية بمسئوليتها المعرفية عند نقلها للخبار والحداث التى تقع بالمجتمع ‪ -‬وسيلة‬
‫عملية يمكن من خللها تحليل الرسائل الخبارية‪ ،‬بحيث يمكن اكتشاف مدى التزامها بالعرض‬
‫المتوازن بجوانب الحدث المتعددة‪ .‬كما أنه يمكن استخدامه كنموذج إرشادى يمكن اتباعه عند‬
‫الصياغة التحريرية للرسائل العلمية الخبارية‪.‬‬
‫وتجدر الشارة إلى أنهه يمكهن تطهبيق مبدأ ( العرض المتوازن ) القائم على نموذج‬
‫[ الحدث ‪ -‬الطراف ] على التحقيقات الصهحفية والتليفزيونيهة والذاعيهة وكافهة النشطهة‬
‫العلمية الخبارية الخرى‪.‬‬

‫(‪ )2‬المسئولية المعرفية والرسائل الدرامية‪:‬‬
‫تش كل الدرا ما ( التليفزيون ية وال سينمائية والذاع ية ) ركنا هاما إلى أق صى الحدود فى‬
‫حقل الرسائل العلمية‪ ،‬حيث يمثل المضمون الترفيهى الجانب العظم من اهتمامات مشاهدى‬
‫وسهائل العلم اللكترونيهة‪ .‬ويطرح تبنهى مفهوم المسهئولية المعرفيهة لمبدأ الحريهة المطلقهة‬
‫للتعبير‪ ،‬ضرورة تصميم نموذج للتعامل مع الرسائل العلمية الدرامية بحيث ل تصبح مجالً‬
‫للنقهل غيهر الوافهى للمعرفهة إلى الجماهيهر‪ .‬وعلى الخهص عنهد عرض العمال الدراميهة‬
‫( التاريخية أو السياسية أو الباحية أو فوق ال سّنية أو العنيفة )؛ وذلك لنها تمثل أهم المواد‬
‫الدرامية التى يمكن أن يتم فيها تجاهل النقل الوافى للمعرفة‪ ،‬بما يؤدى إلى نقل معرفة محرفة‬
‫أو مزيفة فى مجال الدراما التاريخية أو السياسية‪ ،‬أو نقل معرفة اقتحامية أو فوق سنية لبعض‬
‫هنية‬
‫هة أو فوق السه‬
‫ها الباحيه‬
‫هى مجال الدرامه‬
‫هس فه‬
‫هى الحه‬
‫هن أو مرهفه‬
‫الطفال أو المتدينيه‬
‫أو العنيفة‪.‬‬
‫ففى مجال الدراما التاريخية أو السياسية‪ ،‬تتمثل القاعدة المرشدة التى تضمن النقل الوافى‬
‫للمعرفة التاريخية أو السياسية‪ ،‬فى نموذج [ الرسالة الدرامية ‪ -‬المعلومات المرجعية ]‪ .‬حيث‬
‫يقدم ذلك النموذج الطار الذى يمكن من خلله وضع العمال الدرامية فى السياق الذى يضمن‬
‫النقهل الوافهى للمعرفهة‪ .‬وتعنهى « المعلومات المرجعيهة » تقديهم بيان شامهل يوضهح المصهادر‬

‫‪-‬‬

‫‪274‬‬

‫‪-‬‬

‫المختل فة ال تى تم العتماد علي ها لكتا بة المادة التاريخ ية أو ال سياسية للدرا ما‪ ،‬سواء أكا نت تلك‬
‫المصهادر كتبا أم دراسهات أم شهادات شخصهية‪ .‬بالضافهة إلى ضرورة إشارة تلك المعلومات‬
‫المرجع ية لى تد خل من المؤلف فى صياغة الحداث أو الشخ صيات طبقا لضرورات الكتا بة‬
‫الدرامية‪ .‬ويتم عرض تلك المعلومات المرجعية فى مقدمة ومؤخرة العمل الدرامى‪.‬‬
‫وتوفر تلك المعلومات المرجعية بُعدا معرفيا يوضح لجماهير المتلقين مدى جدية العمل‬
‫أو انحيازه لطرف مهن الطراف أو اتجاه مهن التجاهات‪ .‬وبذلك يمكهن للمتلقيهن التعرض‬
‫للر سالة العلم ية بو عى م سبق يحول دون الن سياق ل ية معلومات محر فة أو موج هة تهدف‬
‫إلى خدمة غرض سياسى أو ثقافى معين‪.‬‬
‫وفهى مجال الدرامها الباحيهة أو فوق السهّنية أو العنيفهة‪ ،‬تتمثهل القاعدة المرشدة التهى‬
‫تضمهن التعر يف الوا ضح والمسهبق بمضمون تلك الدرامها فى نموذج [ الرسصالة الدراميصة ‪-‬‬
‫التغليصف ]‪ ،‬حيهث يقدم ذلك النموذج الطار الذى يمكهن مهن خلله وضهع تلك العمال التهى‬
‫تحتوى على مشاهد إباحية أو مشاهد جنسية مكشوفة أو مشاهد عنف دامية فى سياق تحذيرى‪.‬‬
‫وذلك من خلل « تغليف » العمل الدرامى طوال مدة عرضه بإشارة رمزية أو كتابية توضح‬
‫استهدافه لفئة سنية معينة ( للكبار فقط )‪ ،‬بالضافة إلى توضيحها لمضمونه ( جنس ‪ -‬عنف )‪.‬‬
‫وبذلك يتم نقل معرفة وافية تتيح للمشاهد الفرصة لتجنب الرسائل العلمية الدرامية التى ل‬
‫ير غب فى مشاهدت ها لد يه فى أى و قت من أوقات عرض ها‪ .‬ك ما يت يح « التغل يف » الفر صة‬
‫لمنع تعرض الطفال للعمال الدرامية التى تتجاوز مراحلهم العمرية‪.‬‬

‫(‪ )3‬المسئولية المعرفية والرسائل العلنية‪:‬‬
‫يم ثل العلن القاعدة القت صادية للمؤ سسات العلم ية‪ ،‬بح يث أ صبحت أ ية محاولة‬
‫لكبح الفيضان العلنى أو القضاء على علقات العتماد فيما بينه وبين المؤسسات العلمية‬
‫بمثابهة محاولة فاشلة؛ لن معنهى نجاحهها ههو القضاء على التوازن القتصهادى لى نظام‬
‫إعلمى وتهديد لستقلله عن سلطة الدولة‪.‬‬
‫ويعانى السلوب الراهن لصياغة الرسائل العلنية من سلبيات كبيرة تتمثل فى عملية‬
‫ب يع « الم ستهلك العزل » إلى « المعلن » الم سلح بكا فة و سائل الغراء‪ ،‬من خلل ت صميم‬
‫الر سالة العلن ية ل كى تل بى الحاجات والرغبات والغرائز الن سانية ف قط‪ .‬وذلك وفقا للنموذج‬
‫الشهير [ المثير ‪ -‬الستجابة ]‪ ،‬مع الغفال التام لحق المتلقى « المستهلك » فى معرفة ماهية‬
‫السلعة ومكوناتها وسعرها وترتيبها فى تصنيفات الجودة للسلع المنافسة‪ ،‬وما إلى غير ذلك من‬

‫‪-‬‬

‫‪275‬‬

‫‪-‬‬

‫معلومات يجهب أن تكون ههى السهاس لجذب المسهتهلك‪ ،‬وليهس الخدع الدراميهة والنفسهية‬
‫لصطياد المستهلك ( المتلقى ) فى شرك المعلن ( المؤسسة العلنية )‪.‬‬
‫وبالتالى فإن القاعدة المرشدة التى تضمن التزام الرسائل العلنية بالنقل الوافى للمعرفة‬
‫الكامنهة فيهها‪ ،‬تتمثهل فهى نموذج [ الجودة ‪ /‬المثيصر ‪ -‬القدرة ‪ /‬السصتجابة ]‪ ،‬حيهث يقدم هذا‬
‫النموذج مفهوما جديدا للر سالة العلن ية يت يح ل ها ن قل معر فة واف ية دون إغفال جوا نب الثارة‬
‫الدرامية النفسية‪.‬‬
‫ويُقصهَد بعنصهر « الجودة » فهى النموذج ( الجودة السهلعية )‪ .‬ويتضمهن هذا العنصهر‬
‫ضرورة عرض المواصفات المختلفة للسلعة‪ ،‬بالضافة إلى ترتيبها فى تصنيفات الجودة السلعية‬
‫مقارنهة بالسهلع المشابههة‪ .‬بينمها يُقصهَد بعنصهر « القدرة » فهى النموذج ( القدرة الشرائيهة )‪.‬‬
‫ويتضمن هذا العنصر عرضا لثمن السلعة أو كافة السلع التى يروجها العلن‪ ،‬بحيث يختار‬
‫المتلقى ما يتناسب منها مع قدراته الشرائية‪.‬‬
‫وبذلك يضهع نموذج [ الجودة ‪ /‬المثيهر ‪ -‬القدرة ‪ /‬السهتجابة ] السهلعة فهى مواجههة‬
‫الم ستهلك فى ظل عل قة إيجاب ية ل تتجا هل حق المعلن فى محاولة إبراز ال سلعة وتجميل ها‪،‬‬
‫ول تتجاهل حق المستهلك أيضا فى محاولة معرفة المواصفات الخاصة بالسلعة ومدى جودتها‬
‫ومدى توافق سعرها مع قدرته الشرائية‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪276‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثانى‬
‫بُعد الطراف التكنولوجية‬
‫(المسئولية المعرفية والوسائل العلمية)‬
‫تم ثل الو سائل العلم ية الجماهير ية باختلف نوعيات ها ‪ -‬المطبو عة أو اللكترون ية‬
‫أو شبكات معلومات ‪ -‬القناة الموصلة للرسائل العلمية‪ ،‬والنافذة التى يطالع جماهير المتلقين‬
‫من خللها تلك الرسائل‪.‬‬
‫وفى إطار مفهوم المسئولية المعرفية للنظم العلمية‪ ،‬فإن الوسائل العلمية ينبغى أن‬
‫تكون بمثا بة قنوات مفتو حة تتم تع بال سيولة لتوف ير ال سريان ال حر للمعر فة‪ ،‬بح يث ل يق يد ذلك‬
‫السهريان أيهة عوائق أو موانهع إل العوائق أو الموانهع الناتجهة عهن الخصهائص المميزة لتلك‬
‫الوسائل على اختلف نوعياتها‪.‬‬
‫فالوسائل العلمية المطبوعة أو اللكترونية أو شبكات المعلومات‪ ،‬يختلف ك ُل منها عن‬
‫الخرى في ما يتعلق بخ صائصها المميزة‪ ،‬من ح يث ال سعة الزمن ية‪ ،‬والح يز الم ساحى‪ ،‬والبعاد‬
‫التصالية‪ ،‬والنتقائية المعرفية‪ .‬حيث تتقيد وسائل العلم التقليدية ( المطبوعة أو اللكترونية )‬
‫بتلك الخ صائص المميزة من ح يث ال سعة الزمن ية ال تى تتم ثل فى عدد ساعات اليوم بالن سبة‬
‫للوسائل اللكترونية‪ ،‬أو من حيث الحيز المساحى الذى يتمثل فى عدد الصفحات القابلة للتداول‬
‫بالنسهبة للوسهائل المطبوعهة‪ ،‬أو من حيهث البعاد التصصالية التهى تتمثهل فهى ضعهف قدراتهها‬
‫التفاعلية مع جماهير المتلقين والتى ل تزيد عن التفاعل مع عشرات أو مئات الجماهير‪ .‬المر‬
‫الذى يصهبغ رسهائلها العلميهة بالبُعهد الواحهد‪ ،‬وبالتالى بالنتقائيهة فهى اختيار موضوعات‬
‫واستبعاد أخرى لمراعاة السعة الزمن ية أو الحيز الم ساحى‪ ....‬أما شبكات المعلومات ( وسيلة‬
‫العلم الحديثة )‪ ،‬فإنها تتغلب على كل تلك القيود المتعلقة بالسعة الزمنية أو الحيز المساحى‬
‫أو البعاد التصالية أو النتقائية المعرفية‪ .‬إذ إن قدراتها التخزينية الرقمية والترابطية المهولة‬
‫تقدم مدى غيهر محدود تقريبا للسهعة والحيهز الحاوييهن للوان المعرفهة‪ .‬وبالتالى تتعدد فيهها‬
‫البعاد التصالية وتنعدم فيها النتقائية المعرفية‪.‬‬
‫ولكن على الر غم من التفاوت فى الخصائص المميزة للوسائل العلمية‪ ،‬فإن القاعدة‬
‫المرشدة التهى ينبغهى أن تضمهن قيامهها بالنقهل الوافهى للمعرفهة ‪ -‬فهى ظهل القيود الفنيهة التهى‬
‫تطرح ها تلك الخ صائص المميزة ‪ -‬تتم ثل فى نموذج [ النطاق الوا سع ‪ -‬النطاق الض يق ]‪.‬‬
‫ويعنهى هذا النموذج أن النظام العلمهى يجهب أن يضمهن كفالة وسهائله العلميهة ‪ -‬فهى‬

‫‪-‬‬

‫‪277‬‬

‫‪-‬‬

‫مجموع ها ‪ -‬ل كل من النطاق الوا سع ( الجماهيرى ) والنطاق الض يق ( الفئوى ) لن شر أو بث‬
‫الر سائل العلم ية‪ .‬بح يث تك فل تلك الو سائل ‪ -‬فى مجموع ها ‪ -‬نطاقات العلم الجماهيرى‬
‫الواسهع المتوجهه إلى الجماهيهر العريضهة على الرغهم مهن اختلف خصهائصها وسهماتها‬
‫وانتماءاتهها‪ .‬كمها تكفهل ‪ -‬بذات الوقهت ‪ -‬نطاقات العلم الجماهيرى الضيهق المتخصهص‬
‫المتوجه إلى جماعات نوعية من الجماهير وفقا لخصائصها وسماتها وانتماءاتها‪.‬‬
‫وتؤدى محاولة أى نظام إعلمى إلى قصر مدى وسائله العلمية على النطاق الواسع‬
‫فقهط دون النطاق الضيهق‪ ،‬إلى فشله فهى تحقيهق النقهل الوافهى للمعرفهة‪ ،‬وذلك لفتقار رسهائله‬
‫العلمية عندئذ إلى المعرفة المتخصصة التى تستهدف جماعات نوعية من الجماهير‪.‬‬
‫وبالمقابل فإن قصر النظام العلمى لمدى وسائله العلمية على النطاق الضيق فقط‬
‫دون النطاق الوا سع يؤدى بالم ثل إلى الخفاق فى الن قل الوا فى للمعر فة‪ ،‬وذلك لغياب المعر فة‬
‫الشاملة عندئذ عن مجال رسائله العلمية المتخصصة‪.‬‬
‫ول شك أن إستراتيجية التوحد والتكتل والندماج وتكتيكات التجزؤ والتشظى والنقسام‬
‫ المصاحبة للعولمة ‪ -‬تؤدى ‪ -‬فى مجال أبعادها العلمية ‪ -‬إلى امتلك النظم العلمية‬‫للقدرة على تلبية وسائلها العلمية فى مجموعها لكل من النطاق الواسع والنطاق الضيق لنشر‬
‫أو بث الر سائل العلم ية‪ .‬إذ إن المتداد النتشارى لشبكات المعلومات على م ستوى العالم ‪-‬‬
‫بالضافة إلى التوسع الفائق للبث الفضائى التليفزيونى المباشر ‪ -‬يؤدى إلى تحقق هذا الملمح‬
‫فههى معظههم النظههم العلميههة على مسههتوى العالم‪ ،‬مههن خلل المدى الواسههع‬
‫أو الضيق المتحقق أصلً فى شبكة النترنت‪ ،‬أو من خلل المدى الواسع المتحقق فى القنوات‬
‫الفضائية العامة أو الصحف والمجلت العامة أو تسجيلت الفيديو والكاسيت العامة‪ ،‬أو المدى‬
‫الضيهق المتحقهق فهى القنوات الفضائيهة المتخصهصة أو الصهحف أو المجلت المتخصهصة‬
‫أو تسجيلت الفيديو والكاسيت المتخصصة‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪278‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الثالث‬
‫بُعد الطراف العتبارية‬
‫( المسئولية المعرفية والمؤسسات العلمية )‬
‫يطرح دخول مفهوم المسهئولية المعرفيهة ضمهن فاعليات العمليهة التصهالية أهميهة‬
‫مراج عة الدور الذى تقوم به المؤ سسات العلم ية‪ .‬ح يث تم ثل المؤ سسات العلم ية الطرف‬
‫العتبارى فى العمل ية الت صالية‪ ،‬وذلك نظرا لكونها شخ صية اعتبار ية وفقا للمفهوم القانونى‪،‬‬
‫ولكون ها كيانا اعتباريا جامعا ي ضم النش طة المهن ية العلم ية وفقا للمفهوم العل مى‪ .‬ح يث‬
‫تضم المؤسسات العلمية أحد الطراف الفاعلة فى عملية التصال وهو ( القائم بالتصال )‪،‬‬
‫كما تضم الطراف المعرفية فى عملية التصال وهى ( الرسائل العلمية )‪.‬‬
‫ويمثل السعى إلى الربح الحافز الكبر لضمان التنافس الحر بين المؤسسات العلمية‬
‫فى عملية جمعها للمعلومات العلمية والنقل الوافى للمعرفة الكامنة فى تلك المعلومات‪ .‬ولكن‬
‫التجارب التاريخية توضح أن السعى إلى الربح قد يجنح بالمؤسسات العلمية نحو اللجوء إلى‬
‫عدم ن شر جوا نب المعر فة ال تى تجعل ها ت صطدم ب سلطات الدولة أو ت ضر بموارد ها العلم ية‬
‫لدى الشركات المعلنة‪ .‬مما يؤدى إلى القتصار على نشر جوانب محدودة من المعرفة الكامنة‬
‫بالمعلومات العلميهة‪ ،‬والتعتيهم على جوانهب أخرى قهد تكون على قدر كهبير مهن الهميهة‬
‫والتأثير‪.‬‬
‫ول عل هذا التنا قض ب ين ال سعى إلى الر بح والن قل الوا فى للمعر فة ‪ -‬سواء أكان فى‬
‫النظهم العلميهة الحرة أم الموجههة ‪ -‬نشهأ نتيجهة عدم وضهع قواعهد مرشدة لبيان دور‬
‫المؤسسات العلمية فى نقل المعرفة‪ .‬ففى النظم العلمية الحرة لم تقدم النظرية الليبرالية‬
‫أ ية قوا عد مُرشدة لضمان التزام المؤ سسات العلم ية بن قل المعر فة‪ .‬م ما أدى إلى سهولة‬
‫جنوح المؤسسات العلمية نحو الربح اليسير القائم على عدم اللتزام بالنقل الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫بينما وضعت نظرية المسئولية الجتماعية قواعد تحريرية لحظر بعض جوانب المعرفة‪ ،‬مما‬
‫أع طى الفر صة للتعت يم والح ظر ت حت دعوى اللتزام بدور م سئول اجتماعيا‪ .‬أ ما فى الن ظم‬
‫العلمية الموجهة فإن النتائج الفادحة التى يمكن أن تترتب على ال صطدام بالسلطة‪ ،‬توفر‬
‫دائما المبرر للمؤسسات العلمية لحظر بعض جوانب المعرفة لتجنب الغلق أو التعطيل‬
‫أو إلغاء الترخيص‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪279‬‬

‫‪-‬‬

‫ونظرا لمها تطرحهه البعاد العلميهة للعولمهة مهن اتجاه المؤسهسات العلميهة نحهو‬
‫الندماج فى تكتلت ضخ مة‪ ،‬وذلك وفقا ل ستراتيجية العول مة للتو حد والتك تل والندماج‪ ،‬م ما‬
‫سهيزيد مهن احتمالت تأثيهر المصهالح التجاريهة والسهياسية للمؤسهسات المالكهة للمؤسهسات‬
‫العلميهة على مسهئولية النقهل الوافهى للمعرفهة‪ ،‬فإن القواعهد المرشدة التهى تقدمهها المسهئولية‬
‫المعرفيهة تبدو ههى المعادل الموضوعهى القابهل للتوازن مهع التأثيرات الندماجيهة للمؤسهسات‬
‫العلم ية‪ ،‬بالضافهة إلى مها تطرحهه تكتيكات العول مة للتشظهى والتجزؤ والنقسهام مهن قدرة‬
‫متزايدة للمؤسسات العلمية الصغيرة على التواجد داخل المدى اللنهائى لشبكات المعلومات‪.‬‬
‫وبالتالى زيادة احتمالت نشهر جوانهب المعرفهة التهى يتهم التعتيهم عليهها‪ ،‬المهر الذى يجهبر‬
‫الندماجات العلمية على ضرورة النشر الوافى للمعرفة‪.‬‬
‫ويمثهل نموذج [ الربصح ‪ -‬المعرفصة ] القاعدة المرشدة الضامنهة للتزام المؤسهسات‬
‫العلميهة بمسهئوليتها المعرفيهة‪ ،‬مهن خلل توضيهح تلك القاعدة المرشدة لحهق المؤسهسات‬
‫العلم ية فى الر بح‪ ،‬فى مقا بل التزام ها بالن قل الوا فى للمعر فة‪ .‬وبالتالى فإن قيام المؤ سسات‬
‫العلم ية بمحاولة تغليهب اعتبارات الربهح على اعتبارات النقهل الوافهى للمعرفهة سهتؤدى إلى‬
‫نشرها لمعرفة محدودة وغير وافية‪ ،‬نظرا لتداخلها مع المؤثرات السياسية والتجارية‪.‬‬
‫كمها أن أى محاولة لتغليهب اعتبارات النقهل الوافهى للمعرفهة على اعتبارات الربهح لن‬
‫تُنتج على المدى الطويل إل معرفة متحيزة لتوجهات القائمين على تمويل المؤسسات العلمية‬
‫غير الساعية إلى الربح‪.‬‬
‫لذا فإن أفضل ضمان يكفل النقل الوافى للمعرفة يتمثل فى العتراف بحق المؤسسات‬
‫العلمية فى الربح‪ ،‬فى مقابل مسئوليتها عن النقل الوافى للمعرفة‪ ،‬وذلك فى ظل علقة ثنائية‬
‫مترابطة يؤدى تحقق أحد أطرافها إلى تحقق الثانى بالضرورة‪.‬‬
‫ولعل أهم النتائج المترتبة على إقرار المؤسسات العلمية لنموذج [ الربح ‪ -‬المعرفة ]‬
‫لتعريف دورها فى المجتمع يتمثل فى القضاء على الراء المتعارضة التى كان بعضها يرى‬
‫أن المؤسسات العلمية ل ينبغى أن تسعى للربح‪ ،‬فى مواجهة الراء الخرى المعاكسة لذلك‪.‬‬
‫حيهث يؤدى نموذج [ الربهح ‪ -‬المعرفهة ] إلى التعامهل مهع المؤسهسات العلميهة باعتبارهها‬
‫مؤسسات اقتصادية تسعى إلى الربح فى مقابل التزامها بتقديم سلعة معرفية أو خدمة معرفية‬
‫سيُعرّضها للخسارة‬
‫ذات مواصفات قياسية متفق عليها‪ ،‬وأى محاولة للخلل بتلك المواصفات َ‬
‫وعدم رواج منتجاتها وفقدان سمعتها‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪280‬‬

‫‪-‬‬

‫ول شك أ نه ل يمكهن التغاضهى ‪ -‬على الرغهم مهن ضغهط التوجهات المثال ية ‪ -‬عن‬
‫حقيقة أن ما تقدمه المؤسسات العلمية ما هو إل سلعة أو خدمة مثلها مثل أية سلعة أو خدمة‬
‫أخرى‪ .‬وبالتالى فإن مراعاة تلك السلعة أو الخدمة لمعيار المواصفات العلمية القياسية أمر‬
‫ضرورى لضمان رواجها‪ .‬ولعل المعيار هنا هو النقل الوافى للمعرفة‪ .‬بحيث تعتبر أية محاولة‬
‫لخفاء بعض المعلومات أو التعتيم عليها بمثابة عدم مراعاة للمواصفات العلمية‪ .‬واتجاه من‬
‫المؤسهسة العلميهة نحهو تقديهم معرفهة إعلميهة غيهر مطابقهة للمواصهفات وغيهر صهالحة‬
‫للستهلك المعرفى؛ لنها معرفة متحيزة أو ناقصة‪.‬‬
‫وتمثهل الرؤيهة الواقعيهة التهى تتعامهل مهع المؤسهسات العلميهة باعتبارهها مؤسهسات‬
‫اقتصهادية مدخلً هاما لتصهحيح التصهورات التهى تتعلق بالذهان حول تلك المؤسهسات‪ .‬لنهه‬
‫سهيؤدى إلى تنميهة المعاييهر النقديهة تجاه المعرفهة المنقولة خلل وسهائل العلم‪ ،‬وتقليهص‬
‫التصورات المثالية حول الدور النضالى الرسالى المزعوم للمؤسسات العلمية‪ .‬المر الذى‬
‫سيرتفع بدرجة الوعى لدى المتلقين ويدفعهم للتعامل مع المؤسسات العلمية من خلل أطر‬
‫واقعية حول طبيعة دورها فى المجتمع‪.‬‬
‫علوة على ذلك‪ ..‬فإن تلك الرؤيهة الواقعيهة سهتقضى على التناقهض الذى يحكهم‬
‫تصهورات المؤسهسات العلميهة ذاتهها؛ لطبيعهة دورهها فهى المجتمهع‪ ،‬والذى يتراوح مها بيهن‬
‫الكفاح المزعوم مهن أجهل الوصهول للحقيقهة‪ ،‬وبيهن التنافهس الشرس مهن أجهل ضمان الكفاءة‬
‫القتصادية‪.‬‬
‫و فى إطار تفع يل نموذج [ الر بح ‪ -‬المعر فة ] ‪ -‬باعتباره قاعدة مرشدة لضمان التزام‬
‫المؤ سسات العلم ية بم سئوليتها المعرف ية ‪ -‬فإن اللتزام بعدد من الجراءات التنظيم ية يُ عد‬
‫أمرا ضروريا للنتقال بذلك النموذج إلى المجال العملى‪.‬‬
‫وتتمثل تلك الجراءات فى اللتزامات التالية‪:‬‬
‫أولً‪ :‬تلتزم المؤسسات العلمية بالنص فى العقود التى تبرمها مع الوكالت العلنية‬
‫أو الشركات المعلنهة على عدم أحقيهة تلك الوكالت أو الشركات فهى فسهخ تعاقداتهها مهع‬
‫المؤسسات العلمية بسبب نشر موضوعات انتقادية تتعلق بتلك الشركات‪ ،‬ويحق للمؤسسات‬
‫العلمية فى حالة حدوث ذلك المطالبة قضائيا بفرض غرامات مالية على تلك الشركات‪ ،‬كما‬
‫ل يحهق للشركات المعلنهة وقهف التعامهل مهع أحهد المؤسهسات العلميهة لسهابق قيامهها بنشهر‬

‫‪-‬‬

‫‪281‬‬

‫‪-‬‬

‫موضوعات انتقادية تتعلق بها‪ ،‬وتتحمل الشركات المعلنة عبء إثبات السباب الحقيقية لوقف‬
‫التعامل أمام القضاء‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬تلتزم المؤسسات العلمية بنشر كامل نصوص تعاقداتها العلنية بحيث تفرد‬
‫الصحف صفحات لنشر تلك التعاقدات‪ ،‬فى حين يمكن للمؤسسات العلمية العاملة فى مجال‬
‫وسائل العلم اللكترونية نشر نصوص تلك التعاقدات فى مواقع مخصصة لذلك على شب كة‬
‫النترنت‪ ،‬بحيث يؤدى ذلك النشر إلى متابعة ضمان تنفيذ اللتزام الوارد فى الفقرة السابقة‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬تلتزم المؤسهسات العلميهة بتخصهيص باب ثابهت يتضمهن جدولً موضحا بهه‪:‬‬
‫أسهماء الشركات المعلنهة‪ ،‬والقيمهة الماليهة لعلناتهها بالمؤسهسة‪ ،‬والرباح الناتجهة عهن تلك‬
‫العلنات‪ .‬ويتهم نشهر ذلك الجدول يوميا أسهوة بالجداول الموضّحهة لخبار أسهواق المال‬
‫( البور صات )‪ .‬و فى حالة و سائل العلم اللكترون ية ي تم الن شر فى موا قع مخ صصة لذلك‬
‫على شبكة النترنت‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬تلتزم المؤسسات العلمية بنشر أسماء الشركات أو الفراد المالكين لها‪ ،‬ويتم‬
‫ذلك النشهر فهى باب ثابهت يخصهص لذلك فهى حالة وسهائل العلم المطبوعهة‪ ،‬وفهى مواقهع‬
‫مخصصة لذلك على شبكة النترنت فى حالة وسائل العلم اللكترونية‪.‬‬
‫خامسصا‪ :‬تلتزم المؤسهسة العلميهة بنشهر الموضوعات النتقاديهة ‪ -‬التهى تنشرهها‬
‫المؤسهسات العلميهة الخرى ‪ -‬التهى تتعلق بالشركات أو الفراد المالكيهن لهها‪ ،‬وذلك على‬
‫اعتبار أن محاولة إلزام المؤسهسة العلميهة بالمبادرة بنشهر موضوعات انتقاديهة عهن الجههة‬
‫المالكهة لهها ههو إلزام غيهر واقعهى ولن يمكهن تحقيقهه‪ ،‬فهى حيهن أن اللتزام بنشهر مها تنشره‬
‫المؤسسات الخرى أمر يمكن اللزام به‪.‬‬
‫‪‬‬

‫‪-‬‬

‫‪282‬‬

‫‪-‬‬

‫المبحـث الرابع‬
‫بُعد الطراف الفاعلة‬
‫( المسئولية المعرفية والقائمين بالتصال وجماهير‬
‫المتلقين )‬
‫أولً‪ :‬القائمون بالتصال ( العلميـون )‪:‬‬
‫يمثهل القائمون بالتصهال ( العلميون ) ركنا هاما فهى البعاد العمليهة للمسهئولية‬
‫المعرف ية‪ ،‬وذلك باعتبار هم أ حد الطراف الفاعلة فى العمل ية الت صالية‪ ،‬بالضا فة إلى كون هم‬
‫الطرف المنشئ للرسالة العلمية من خلل جمع المعلومات وصياغتها وتصنيفها‪ ،‬ثم نشرها‬
‫فهى الوسهائل العلميهة المتعددة‪ .‬وانطلقا مهن الطار المطلق لحريهة التعهبير الذى تتبناه‬
‫الم سئولية المعرف ية‪ ،‬بالضا فة إلى تبني ها لنموذج [ الر بح ‪ -‬المعر فة ] باعتباره النموذج الذى‬
‫يعترف ب حق المؤ سسات العلم ية فى الر بح‪ ،‬فى مقا بل التزام ها بالن قل الوا فى للمعر فة‪ .‬فإن‬
‫بُعد القائم ين بالت صال ‪ -‬كأ حد البعاد العمل ية للم سئولية المعرف ية ‪ -‬ينب غى أن يتواءم مع تلك‬
‫المنطلقات للمسهئولية المعرفيهة‪ ،‬بحيهث يصهبح دافعا لهها؛ نظرا لدوره الريادى فهى العمليهة‬
‫العلمية‪.‬‬
‫و فى إطار ال سلطة الشعب ية الكاش فة والم سئولية المعرف ية للن ظم العلم ية‪ ،‬فى ظل‬
‫اليمان بالحريهة المطلقهة للتعهبير‪ .‬فإن القائم بالتصهال يمارس دوره باعتباره وكيلً عهن‬
‫الجماهير لستقاء المعلومات من مصادرها المتاحة والكامنة‪ .‬أى أن القائم بالتصال ما هو إل‬
‫ممثهل للجماهيهر بموجهب « وكالة معرفيهة » للحصهول على المعرفهة ونقلهها كاملة للجماهيهر‬
‫صاحبة تلك المعرفة‪.‬‬
‫وينطلق مفهوم القائم بالت صال ‪ -‬كوك يل عن الجماه ير ‪ -‬من حقي قة أن الجماه ير على‬
‫الرغم من امتلكها لمكانية استقاء المعلومات ذاتيا من مصادرها وفقا للصلحيات الممنوحة لها‬
‫بمو جب التشريعات الم ساندة ل حق المعر فة‪ .‬إل أن هذه المه مة تتعارض مع الدوار الجتماع ية‬
‫المختل فة والمتفاو تة‪ ،‬وال تى تم يز نشاط كل فرد فى المجت مع‪ .‬ولذلك ت صبح فكرة تكل يف وك يل‬
‫للقيام بتلك المهمة بمثابة وسيلة إيجابية لتمكين الجماهير من ممارسة حقها فى المعرفة‪ ،‬دونما‬
‫تعارض مهع مها تفرضهه العباء الجتماع ية المتعددة على الفراد‪ .‬وبالتالى تبدو فكرة « الوكالة‬
‫المعرفية » بمثابة عقد اجتماعى تتنازل بموجبه الجماهير عن حقها فى استقاء المعرفة‪ ،‬وتكلف‬
‫ل وافيا لولئك الجماهيهر‬
‫بهه العلمييهن‪ ،‬فهى مقابهل التزام العلمييهن بنقهل تلك المعرفهة نق ً‬

‫‪-‬‬

‫‪283‬‬

‫‪-‬‬

‫( الموكلين )‪ .‬ولهذا تصبح أية محاولة للتدخل بالتعديل أو الحذف أو التحريف أو الضافة لتلك‬
‫المعرفة‪ .‬بمثابة تجاوز لحدود الوكالة المعرفية أو تراخى عن القيام بأعبائها‪.‬‬
‫لذلك فإن القاعدة المرشدة الصالحة لصياغة دور القائم بالتصال باعتباره وكيلً تتمثل‬
‫فى نموذج [ الجماهير كموكل ‪ -‬القائم بالتصال كوكيل ]‪ ،‬بحيث يمارس القائم بالتصال دوره‬
‫باعتباره وكيلً فى مواجهة الجماهير صاحبة التوكيل‪ ،‬ويتمحور موضوع تلك الوكالة فى نقل‬
‫المعرفة الوافية إلى الجماهير‪.‬‬
‫ويقدم نموذج [ الجماهيهر كموكهل ‪ -‬القائم بالتصهال كوكيهل ] مهن خلل تلك الثنائيهة‬
‫تحديدا دقيقا لبعاد الدور الذى ينبغهى أن يقوم بهه القائم بالتصهال؛ حتهى ل يرتبهط ذلك الدور‬
‫بأدوار أخرى تؤدى إلى تقليهص ذلك الدور السهاسى المتمثهل فهى النقهل الوافهى للمعرفهة إلى‬
‫الجماهير بموجب حدود الوكالة المعرفية‪.‬‬
‫ولعل أهم تلك الدوار الخرى الشائعة فى ضمير القائم بالت