‫مجـــــدي الهـــللي‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪1 4 2 9‬هـ ‪2 0 0 8 -‬م‬
‫رقم اليداع‪2 5 1 0 7 / 2 0 0 7 :‬‬
‫الترقيم الدولي‪I-S–B-N :‬‬

‫‪977-441-046-7‬‬

‫مركز السلم‬
‫للتجهيز الفني‬

‫عبد الحميد عمر‬

‫‪010696264‬‬
‫‪7‬‬

‫مؤسسـة اقـــــرأ‬
‫للنشر والتوزيع والترجمة‬
‫‪ 10‬ش أحمد عمارة ‪ -‬بجوار حديقة الفسطاط‬
‫القاهرة ت‪ 25326610 :‬محمول‪0126344043 -0102327302:‬‬

‫‪www.iqraakotob.com‬‬
‫‪Email:iqraakotob@yahoo.com‬‬

‫رب يسر وأعن يا كريم‬

‫المقدمـــــــــــــــة‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬حمدًا يوافي‬
‫نعمه ويكافئ مزيده‪ ،‬والصلة والسلم على‬
‫المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى‬
‫آله وصحبه أجمعين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فهذه الصفحات التي بين يديك – أخي القارئ‪ -‬تتحدث عن‬
‫القرآن وقيمته العظيمة‪ ،‬وكيفية النتفاع به ليحدث الوصال‬
‫مَ‬
‫الحقيقي بين القلب والقرآن فيتغير تبعًا لذلك الفرد ومن ث ّ‬
‫المة كما حدث مع الجيل الول‪.‬‬
‫ولعلك – أخي القارئ – تتساءل عن السبب الذي يدفع كاتب‬
‫هذه السطور لكثرة الحديث عن القرآن في عدة كتابات سابقة‬
‫حتى أصبح هذا الحديث هو القاسم المشترك في كُتبه الخيرة!!‬
‫بالفعل هناك دوافع تسوقني إلى كثرة الحديث عن القرآن‬
‫وعدم الملل من ذلك‪ ،‬وأعترف بأنني قد أكرر بعض المعاني‬
‫والفكار في هذه الكتابات‪.‬‬
‫ومن أهم هذه الدوافع هو ذلك الواقع المرير الذي تحياه‬
‫أمتنا‪ ،‬واحتياجها الماس إلى مشروع ينهض بها‪ ،‬ويعيدها إلى‬
‫سيرتها الولى‪.‬‬
‫ولقد أكرمنا الله عز وجل وتفضل علينا بما ل نستحقه‪ ،‬وأرانا‬
‫كيف يمكن أن يكون القرآن هو ذلك المشروع‪.‬‬
‫فالقرآن كنز عظيم فيه كل ما يحتاجه الفرد ليصبح كما‬
‫يحب الله ويرضى‪ ،‬وفيه كل ما تحتاجه المة للخروج من‬
‫النفق المظلم الذي تسير فيه‪ ،‬والنهوض من كَبْوتها التي‬
‫طالت وطالت ‪..‬‬

‫ما لن يكون‬
‫إن القرآن يصلح تما ً‬
‫بمثابة مشروع لنهضة المة جمعاء‪،‬‬
‫فهو كالشمس يسع الجميع‪ ،‬مع‬

‫‪4‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الخذ في العتبار أن الشمس ل‬
‫تؤثر إل فيمن يتعرض لها‪ ،‬كذلك‬
‫القرآن ل ينتفع به إل من يحسن‬
‫التعرض له‪ ،‬بل ويزيد القرآن على‬
‫شمس الدنيا‪ ،‬بأن نوره ل يأفل‬
‫وشمسه ل تغيب عن أي زمان أو‬
‫مكان‪...‬‬
‫ومع تي ُّ‬
‫سر القرآن للجميع إل أن غالبية المة – إل من رحم‬
‫ربي – قد أعرضت عنه كمصدر متفرد لتوليد اليمان وتقويم‬
‫السلوك‪ ،‬واكتفت منه بتحصيل الجر والثواب المترتب على‬
‫تلوته وحفظه‪.‬‬
‫من هنا برزت أهمية التنبيه على الجانب العظيم المهجور في‬
‫القرآن‪ ،‬والذي قد ل ينتبه إليه الكثيرون ممن يتعاملون معه‪ ،‬لذلك‬
‫أكثرت ‪-‬بفضل الله وعونه‪ -‬من الكتابات التي تتحدث عن أهمية‬
‫القرآن وكيفية النتفاع الحقيقي به‪ ،‬لعل كتابا من هذه الكتب يقع‬
‫بين يديْ من يبحث عن الصلح الحقيقي لقلبه‪ ،‬والعلو والرفعة‬
‫لمته‪.‬‬
‫فإن كنت – أخي القارئ‪ -‬من هؤلء‪ ،‬ول أشك في ذلك‪،‬‬
‫فأوصيك بالدعاء لكاتب هذه السطور بالمغفرة والرحمة وحسن‬
‫حسن‬
‫الخاتمة‪ ،‬والدعاء كذلك للمة بعودة أبنائها إلى القرآن‪ ،‬و ُ‬
‫النتفاع به‪.‬‬
‫والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن هدانا الله‬
‫سُ ْبحَاَنكَ َل ِعلْمَ لَنَا ِإلّ مَا َع ّلمْتَنَا [البقرة‪.]32 :‬‬
‫كتبه العبد العاجز الفقير‬
‫إلى عفو ربه ورحمته وتوفيقه‬

‫مجدي الهللي‬
‫‪www.Alemanawalan.com‬‬

‫‪Quraaan@hatmail.com‬‬
‫***‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫قبل أن تقرأ هذه الصفحات‬
‫أخي القارئ‪:‬‬
‫هو‪:‬‬

‫إن الهدف التي تنشده هذه الصفحات‬

‫(تحقيق الوصال بين القلب والقرآن)‪،‬‬
‫أو بمعنى آخر‪ :‬السماح لنور القرآن بدخول‬
‫القلب فينوره ويغيَّره‪ ،‬وهذا بل شك‬
‫سيستدعي التعامل مع القرآن بالطريقة‬
‫التي تحقق هذا الهدف‪ ،‬والتي أرشدنا إليها‬
‫الله عز وجل في كتابه‪ ،‬ورسوله في‬
‫سنته‪ ،‬وطبقها الصحابة – رضوان الله‬
‫عليهم – فكانوا بحق «جيل ً قرآنيًا فريدًا»‪.‬‬
‫وليس معنى هذا هو تسفيه أو تخطئة‬
‫من ل يتعامل مع القرآن بهذه الطريقة‪ ،‬أو‬
‫القول بحرمان من يقرؤه بدون فهم أو تأثر‬
‫من الجر والثواب‪ ،‬فنحن ل نقول بهذا‪ ،‬بل‬
‫نقول بأن الذي يقرأ القرآن بل فهم ول‬
‫تدبر ول تأثر لن ينتفع بالقرآن بالشكل‬
‫الصحيح‪ ،‬وإن كان هذا لن يحرمه الجر‬
‫بإذن الله‪.‬‬
‫فعليك أخي القارئ أن تستصحب هذا‬
‫المعنى وأنت تقرأ هذه الصفحات وغيرها‪.‬‬
‫***‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الفصل الول‬

‫الصخرة أغلقت الغار‬
‫فهل إلى خروج من‬
‫سبيل؟!‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪7‬‬

‫الصخرة أغلقت الغار‬
‫فهل إلى خروج من سبيل؟!‬

‫لو تأملنا المرحلة التي‬
‫تعيشها أمتنا لوجدناها تتشابه‬
‫إلى حد كبير مع مرحلة التية‬
‫التي مرت بها بنو إسرائيل‬
‫عندما رفضوا دخول الرض‬
‫المقدسة‪ ،‬فكان العقاب‬
‫ح ّرمَةٌ عَ َليْ ِهمْ أَ ْرَبعِيَ سََنةً‬
‫اللهي َفإِنّهَا مُ َ‬
‫يَتِيهُونَ فِي الَرْضِ [المائدة‪.]26 :‬‬
‫‪ ..‬والجدير بالذكر أن بني إسرائيل ظلوا خلل هذه المدة‬
‫يبحثون عن مخرج من التية‪ ،‬وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه‪،‬‬
‫وبذلوا فيه جهدهم‪ ،‬ليفاجأوا بعد ذلك أنه سراب‪ ،‬وأنهم لم‬
‫يبرحوا مكانهم‪.‬‬
‫‪ ..‬وكذلك نحن‪ ،‬فمنذ عقود طويلة والمخلصون من أبناء‬
‫أمتنا يبحثون عن مخرج يُنقذها من تيهها‪ ،‬إل أن هذا البحث – مع‬
‫ما فيه من جهد وإخلص‪ -‬تنقصه حلقة مهمة لكي تكتمل‬
‫جا يتيح‬
‫إنفرا‬
‫السلسلة وتظهر النتيجة المرجوة‪ ،‬وتنفرج الصخرة‬
‫ً‬
‫للمة الخروج من مأزقها الراهن‪.‬‬
‫‪ ..‬هذه الحلقة المفقودة تُعني بتشخيص السبب الرئيسي‬
‫لمرض أمتنا وكيفية علجه‪ ،‬وتنطلق من مفهوم يقول بأن أمتنا‬
‫ليست كبقية المم‪ ،‬وأن لها وضعا خاصا عند الله عز وجل‪ ،‬فهي‬
‫المة المكلفة منه سبحانه بحمل رسالته الخيرة للبشرية‬
‫ك جَ َعلْنَاكُ ْم أُمّةً َو َسطًا لَّتكُونُوا ُشهَدَاءَ َعلَى النّاسِ‬
‫وتبليغها للعالمين‪َ :‬وكَذَِل َ‬
‫[البقرة‪.]143 :‬‬
‫ج ّملّ َة‬
‫َوجَاهِدُوا فِي الِ حَ ّق ِجهَادِهِ هُ َو اجْتَبَاكُمْ َومَا َج َعلَ َعلَ ْيكُمْ فِي الدّينِ ِمنْ َحرَ ٍ‬
‫س ِلمِيَ مِن َق ْبلُ َوفِي هَذَا لَِيكُو َن ال ّرسُولُ َشهِيدًا َعلَ ْيكُمْ وََتكُونُوا‬
‫أَبِيكُ ْم إِْبرَاهِيمَ ُه َو َسمّاكُمُ اْلمُ ْ‬

‫‪8‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ُشهَدَاءَ َعلَى النّاسِ [الحج‪.]78 :‬‬

‫فصيلة دم المة‪:‬‬
‫فإن كانت أمتنا مكلفة من الله عز وجل بحمل رسالته‬
‫للناس أجمعين‪ ،‬فإنها لن تستطيع أن تقوم بهذه المهمة إل إذا‬
‫تقوَّت باليمان‪.‬‬

‫فاليمان هو الذي يعين أبناءها‬
‫على ترجمة هذه الرسالة إلى واقع‬
‫حي يراه الناس‪ ،‬ويولد داخلهم‬
‫القوة الدافعة للقيام بمهمة البلغ‪.‬‬
‫لذلك نجد أن الله عز وجل قد ربط بين علونا وقيادتنا‬
‫للبشرية وبين اليمان الذي تحمله صدورنا ‪ ..‬ألم يقل سبحانه‪:‬‬
‫وَأَنْتُ ُم ا َل ْعلَ ْو َن ِإ ْن كُنْتُم مّؤْمِِنيَ [آل عمران‪.]139 :‬‬
‫فالحماية والولية والكفاية والنصرة على قدر اليمان‪:‬‬
‫ل مَوْلَى الّذِي َن آمَنُوا وََأنّ اْلكَا ِفرِي َن لَ مَوْلَى َلهُمْ [محمد‪.]11 :‬‬
‫ك بَِأنّ ا َ‬
‫ذَِل َ‬
‫وَلَن َيجْ َع َل الُ ِل ْلكَا ِفرِي َن َعلَى اْلمُؤْمِِنيَ سَبِيلً [النساء‪.]141:‬‬

‫واليمان هو أهم شرط للتمكين‪:‬‬
‫خ َل َ‬
‫ف‬
‫ض َكمَا اسَْت ْ‬
‫خلِ َفّنهُمْ فِي الَ ْر ِ‬
‫ت لَيَسَْت ْ‬
‫َوعَدَ الُ الّذِي َن آ َمنُوا ِم ْنكُمْ َو َع ِملُوا الصّاِلحَا ِ‬
‫الّذِي َن مِن قَ ْب ِلهِمْ وَلَُي َمكّنَ ّن َلهُ ْم دِيَنهُمُ الّذِي ارْتَضَى َلهُمْ وَلَيُبَدَّلّنهُم مّن بَعْ ِد خَ ْو ِفهِمْ َأمْنًا يَ ْعبُدُونَنِي‬
‫ش ِركُو َن بِي شَيْئًا [النور‪.]55 :‬‬
‫لَ يُ ْ‬
‫إن فصيلة دم أمتنا هي اليمان‪ ،‬ويوم أن يضعف اليمان‪،‬‬
‫ويتمكن الهوى وحب الدنيا من قلوب أبنائها‪ ،‬فإنها بذلك تفقد‬
‫مصدر قوتها وتميزها على سائر المم‪ ،‬وليس ذلك فحسب؛ بل‬
‫إن ضعف اليمان وغلبة الهوى من شأنه أن يستدعى غضب‬
‫الله عليها لنها بهذا الضعف لن تستطيع أن تبلغ رسالته‪ ،‬ومن‬
‫ثَّم فإن العقوبات ستتوالى عليها حتى تفيق من غفلتها‪ ،‬وتعود‬
‫لليمان فتتقوى به‪ ،‬وليس أدل على ذلك من قوله ‪« :‬إذا تبايعتم‬
‫بالعينة‪ ،‬وأخذت أذناب البقر‪ ،‬ورضيتم بالزرع‪ ،‬وتركتم الهاد‪ :‬سلط ال عليكم ذ ًل ل ينعه‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪9‬‬

‫حت ترجعوا إل دينكم»(‪.)1‬‬
‫وعن أنس بن مالك مرفوعًا‪« :‬يأت على الناس زمان يدعو الرجل للعامة‪،‬‬
‫فيقول ال‪ :‬ادع لاصتك أستجب‪ ،‬وأما العامة فل‪ ،‬فإن عليهم غضبان»(‪.)2‬‬

‫مشكلتنا إيمانية‪:‬‬
‫من هنا نقول بأن مشكلة أمتنا إيمانية بالدرجة الولى‪ ،‬ولن‬
‫ينصلح حالها‪ ،‬ولن تستعيد عافيتها إل باليمان‪ ،‬فتستبدل بذلك‬
‫غضب الله برضاه‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م تستدعى نصره وتمكينه َوكَا َن حَقّا‬
‫صرُ اْلمُؤْمِِنيَ [الروم‪.]47 :‬‬
‫َعلَيْنَا نَ ْ‬
‫وليس معنى القول بأن مشكلة أمتنا مشكلة إيمانية هو ترك‬
‫الخذ بأسباب التقدم المادية التي أخذت بها سائر المم‪ ،‬أو ترك‬
‫الجهاد لتبليغ الدعوة وإقامة المشروع السلمي‪ ،‬بل المقصد هو‬
‫إعادة ترتيب الولويات‪ ،‬فاليمان أول ً ثم يلي ذلك توجيه‬
‫وتصريف الطاقة التي يولدها ذلك اليمان في المجالت‬
‫المختلفة‪ ،‬والسعي الدؤوب لستكمال المشروع السلمي الذي‬
‫يبدأ بإصلح الفرد‪ ،‬فالبيت‪ ،‬فالمجتمع‪ ،‬وينتهي بأستاذية العالم‬
‫وََيكُونَ الدّي ُن ُكلّهُ لِ [النفال‪.]39 :‬‬
‫مع الخذ في العتبار أن أهم عامل لنجاح هذا المشروع هو‬
‫وجود المسلم الصحيح الذي ممكَّن لله في قلبه‪ ،‬وفانعكس ذلك‬
‫سكِي وَ َمحْيَايَ‬
‫صلَتِي وَنُ ُ‬
‫على سائر حياته ليتحقق فيه قوله تعالى‪ِ :‬إ ّن َ‬
‫َو َممَاتِي لِ َربّ الْعَاَلمِيَ [النعام‪.]162 :‬‬
‫ول يمكن أن يظهر هذا النموذج إل باليمان‪ ،‬فاليمان هو‬
‫الوقود الذي يول ِّد الطاقة الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة في‬
‫أي زمان ومكان َل يَسْتَ ْأذُِنكَ الّذِي َن يُ ْؤمِنُو َن بِالِ وَالَْيوْ ِم ا َلخِ ِر أَن ّيجَاهِدُوا بَِأمْوَاِلهِمْ‬
‫ي إِّنمَا َيسْتَ ْأذُِنكَ الّذِينَ َل يُ ْؤمِنُو َن بِالِ وَاْليَوْ ِم ا َل ِخرِ وَارْتَابَتْ‬
‫سهِمْ وَالُ َعلِي ٌم بِاْلمُتّقِ َ‬
‫وَأَْنفُ ِ‬
‫ُقلُوُبهُمْ َفهُمْ فِي رَيِْبهِ ْم يََت َر ّددُونَ [التوبة‪.]45 ،44 :‬‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح‪ ،‬رواه أبو داود ‪ ،‬وأورده اللباني في صحيح الجامع الصغير (‪.)423‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه ابن المبارك في الزهد ح (‪.)922‬‬

‫‪10‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫العمود الفقري لليمان‪:‬‬
‫فإن كانت فصيلة دم أمتنا هي اليمان‪ ،‬وأننا الن نعاني من‬
‫مقو لليمان هو القرآن(‪.)1‬‬
‫نقص شديد فيه‪ ،‬فإن أعظم‬
‫ٍ‬
‫فالقرآن هو المنبع العظيم لليمان والذي ل يوجد له مثيل‪،‬‬
‫ويكفي أنه ينادي‬
‫ى واستكملوا نقص إيمانكم‪ ،‬فمنابعي‬
‫على الجميع أن هلموا إل َّ‬
‫ممتلئة وجاهزة‬
‫لمدادكم جميعًا بما تحتاجونه من إيمان رَبّنَا إِنّنَا َسمِ ْعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي‬
‫ِللِيَا ِن َأ ْن آمِنُوا ِبرَّبكُمْ فَآ َمنّا [آل عمران‪.]193 :‬‬
‫يقول محمد بن كعب القرظي‪« :‬المنادي هو القرآن‪ ،‬ليس‬
‫كلهم رأي النبي »(‪.)2‬‬
‫فالقرآن له قوة تأثير ضخمة على القلوب ل يناظره فيها مصدر‬
‫آخر وكيف ل‪ ،‬وهو كلم رب العالمين الذي إذا استقبلته الجبال‬
‫الرواسي لتصدعت واندكت من قوة تأثيره عليها َلوْ أَْنزَلْنَا هَذَا الْ ُقرْآنَ‬
‫َعلَى جََبلٍ ّلرَأَْيتَ ُه خَاشِعًا مَّتصَ ّدعًا مّ ْن خَشْيَ ِة الِ [الحشر‪.]21 :‬‬
‫فإن كان اليمان للقلب كالروح للبدن‪ ،‬فإن القرآن يمثل‬
‫العمود الفقري‬
‫لهذا اليمان؛ لذلك ليس عجبا أن يُسمى القرآن بالروح‪َ + :‬وكَذَِلكَ‬
‫أَ ْوحَيْنَا إَِل ْيكَ رُوحًا‬
‫مّ ْن َأ ْمرِنَا" [الشورى‪.]52 :‬‬
‫يقول مونتاي‪ :‬إن مثل الفكر العربي السلمي المبعد عن‬
‫التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه(‪.)3‬‬
‫إن القرآن – كما يقول محمد إقبال‪ -‬ليس بكتاب فحسب ‪..‬‬
‫‪1‬‬

‫() بفضل الله عز وجل تم بسط القول حول هذه المعاني في كتاب «إنه‬
‫القرآن سر نهضتنا» وإنما نختصر هنا المعنى للدخول من خلله إلى موضوع‬
‫هذا الكتاب‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.58‬‬

‫‪3‬‬

‫() قالوا عن القرآن لعماد الدين خليل ص ‪ ،287‬ملحق لكتاب إشارات العجاز‬
‫لبديع الزمان النورسي‪.‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪11‬‬

‫إنه أكثر من ذلك‪ ،‬إذا دخل القلب تغير النسان وإذا تغير‬
‫النسان تغير العالم(‪.)1‬‬
‫ويكفيك لتأكيد هذا المعنى ما حدث مع الجيل الول حينما‬
‫أحسنوا التعامل مع القرآن‪ ،‬وحين استقبلته قلوبهم الستقبال‬
‫الصحيح فكانت النتيجة السريعة المذهلة‪ ...‬سيادة الرض في‬
‫سنوات قليلة‪.‬‬

‫صنعوا ها هنا‪:‬‬
‫إنهم ُ‬
‫فإن كان التحقق باليمان والربانية هو‬
‫أهم صفات جيل التمكين‪ ،‬فليس عجبًا أن‬
‫يكون الصحابة رضوان الله عليهم قد‬
‫تحققت فيهم هذه الصفة على خير ما‬
‫يكون‪ ،‬وكان السبب الرئيس في هذا هو‬
‫القرآن‪ ،‬ولقد تحدث الستاذ سيد قطب –‬
‫رحمه الله – في هذا المر كثيًرا في‬
‫كتاباته‪ ،‬ومن ذلك ما قاله في آخر كتبه –‬
‫مقومات التصور السلمي‪:‬‬
‫«لقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الولى أقف أمام‬
‫شعور هذه الجماعة بوجود الله – سبحانه – وحضوره في قلوبهم‬
‫وفي حياتهم‪ ،‬فل أكاد أدرك كيف تم هذا؟!‬
‫كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة وحضورها في قلوبهم‬
‫وفي حياتهم‪ ،‬ولكني لم أكن أدرك كيف تم هذا حتى عدت إلى‬
‫القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الصيل‪ :‬تجليه حقيقة‬
‫اللوهية وتعبيد الناس لها وحدها بعد أن يعرفوها‪.‬‬
‫‪ ..‬وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله!‬
‫أدركت – ول أقول أحطت – سر الصناعة!‬
‫صنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية‬
‫عرفت أين ُ‬
‫وكيف صنع!‬
‫صنعوا ها هنا! صنعوا بهذا القرآن! بهذا المنهج المتجلى‬
‫إنهم ُ‬
‫فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تحيط هذه‬
‫‪1‬‬

‫() روائع إقبال للندوي ص ‪.158‬‬

‫‪12‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الحقيقة بكل شيء‪ ،‬وتغمر كل شيء‪ ،‬ويصدر عنها كل شيء‪،‬‬
‫ويتصل بها كل شيء! وتكيف بها كل شيء ‪ ..‬بهذا كله وجدت –‬
‫في الرض وفي دنيا الناس ‪ ..‬حقيقة «الربانية» متمثلة في‬
‫أناس من البشر‪.‬‬
‫‪ُ ..‬وجد «الربانيون» الموصولون بالله‪ ،‬العائشون بالله‪ ،‬ولله‪،‬‬
‫والذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إل الله‪.‬‬
‫‪ ..‬وحينما وجدت حقيقة «الربانية» هذه في دنيا الناس‪،‬‬
‫ووجد الربانيون الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة ‪ ..‬حينئذ‬
‫انساحت الحواجز الرضية‪ ،‬والمقررات الرضية‪ ،‬والمألوفات‬
‫الرضية ‪ ..‬ودبت هذه الحقيقة على الرض ‪ ..‬وصنع الله ما صنع‬
‫في الرض وفي حياة الناس بتلك الحفنة من العباد‪.‬‬
‫وبطلت الحواجز التي اعتاد الناس أن يروها تقف في وجه‬
‫الجهد البشري وتحدد مداه‪ ،‬وبطلت المألوفات التي يقيس بها‬
‫الناس الحداث والشياء ‪ ..‬ووجد الواقع السلمي الجديد‪ ،‬وولد‬
‫معه النسان الحقيقي الجديد»(‪.. )1‬‬

‫القرآن مخرجنا‪:‬‬
‫فإذا كان القرآن قد صنع الجيل الول‪ ،‬فإنه قادر بإذن الله‬
‫أن يصنع أجيال ً ربانية جديدة‪ ،‬وأن يخرج المة – بإذن الله‪ -‬من‬
‫أزمتها‪ ،‬ويعيد لها مكانتها‪.‬‬
‫وليس هذا الكلم من قبيل الماني والحلم بل هو حقيقة‬
‫أكدها التاريخ‪ ،‬وأخبرنا بها رسول الله ‪ ،‬ففي حديث حذيفة بن‬
‫اليمان حين أخبره رسول الله بما سيحدث من اختلف‬
‫وفرقة بعده‪ .‬قال حذيفة‪ :‬فقلت‪ :‬يا رسول الله فما تأمرني إن‬
‫أدركت ذلك‪ ،‬قال‪« :‬تعلّم كتاب ال عز وجل‪ ،‬واعمل به فهو الخرج من ذلك»‪.‬‬
‫قال حذيفة‪ :‬فأعدت عليه ثلثًا‪ ،‬فقال‬
‫وجل واعمل به فهو النجاة»(‪.)2‬‬

‫ثلثًا‪« :‬تعلّم كتاب ال عز‬

‫وخطب في مرجعه من حجة الوداع فقال‪« :‬إنا أنا بشر‪،‬‬
‫يوشك أن يأتين رسول رب فأُجيبه‪ ،‬وإن تارك فيكم الثقلي‪ :‬أولما كتاب ال‪ ،‬فيه الدى‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() مقومات التصور السلمي لسيد قطب ص ‪ 194 ،192‬باختصار‪.‬‬
‫() رواه أبو داود‪ ،‬والنسائي‪ ،‬والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫والنور‪ ،‬من استمسك به وأخذ به كان على الدين ومن أخطأه ضل»‬

‫‪13‬‬
‫(‪)1‬‬

‫وعندما حدثت فتنة مقتل عثمان بن عفان ذهب عبد‬
‫الرحمن بن أبزى إلى أُبي بن كعب ليسأله‪ :‬أبا المنذر ما‬
‫المخرج؟ قال‪ :‬كتاب الله‪ ،‬ما استبان لك فاعمل به وانتفع‪ ،‬وما‬
‫اشتبه عليك فكله إلى عالمه(‪.)2‬‬
‫وفي الحديث الذي رواه الحارث العور قال‪ :‬دخلت المسجد‬
‫فإذا الناس يخوضون في الحاديث فدخلت على على فقلت‪:‬‬
‫يا أمير المؤمنين‪ ،‬أما ترى الناس يخوضون في الحاديث؟‬
‫فقال‪ :‬فقد فعلوها؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬أما إني سمعت رسول‬
‫الله يقول‪« :‬إنا ستكون فت» قلت‪ :‬فما المخرج منها يا رسول‬
‫الله؟ قال‪« :‬كتاب ال تعال‪ ،‬فيه خب ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم هو‬
‫الفصل ليس بالزل ‪ ..‬الديث»(‪.)3‬‬

‫أين السنة؟!‬
‫وليس معنى القول بأن القرآن هو المخرج التقليل من شأن‬
‫السنة النبوية‪ ،‬بل العكس فالقرب الحقيقي من القرآن سيزيدنا‬
‫حبًا للسنة‪ ،‬ويعيننا على العمل بما تدل عليه‪.‬‬
‫فالسنة تشرح القرآن وتبين ما أُجمل فيه وَأَْنزَلْنَا إِلَ ْيكَ ال ّذ ْكرَ لُِتبَيّنَ‬
‫لِلنّاسِ مَا ُن ّز َل إِلَ ْيهِمْ وََل َع ّلهُمْ يََت َف ّكرُونَ [النحل‪.]44 :‬‬
‫وليس أدل على أهمية التمسك بالسنة مع القرآن من قوله‬
‫‪« :‬تركت فيكم شيئي‪ ،‬لن تضلوا بعدها‪ :‬كتاب ال‪ ،‬وسنت‪ ،‬ولن يتفرقا حت يردا علىّ‬
‫الوض»(‪.)4‬‬
‫مع الخذ في العتبار أن القرآن ينفرد بإعجازه قُل لِّئنِ ا ْجَتمَعَتِ‬
‫ضهُمْ ِلبَعْضٍ َظ ِهيًا‬
‫الِنْسُ وَاْلجِ ّن َعلَى أَن يَأْتُوا ِبمِ ْثلِ هَذَا اْل ُقرْآ ِن لَ يَأْتُو َن ِبمِ ْثلِهِ وََلوْ كَا َن َبعْ ُ‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)6177‬‬

‫‪2‬‬

‫() مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص ‪.174‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() رواه الترمذي والدارمي وغيرهما‪ ،‬و ضعفه اللباني في السلسلة الضعيفة‬
‫(‪.)1776‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه الحاكم‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع ح (‪.)2937‬‬

‫‪14‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫[السراء‪.]88 :‬‬
‫فالقرآن الكريم أعظم معجزة نزلت من السماء‪ ،‬والسر‬
‫العظم لعجازه يكمن في قوة تأثيره على القلوب‪ ،‬فإن كانت‬
‫سية تشاهد بالبصار‪ ،‬فإن معجزة القرآن‬
‫المعجزات السابقة ِ‬
‫ح ِّ‬
‫تشاهد بالبصائر‪ ،‬ويشعر بها كل من يتعرض لها‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬هناك أوجه إعجاز متعددة للقرآن (العجاز البياني‬
‫والعجاز التشريعي والعجاز الغيبي والعلمي) إل أن سر‬
‫إعجازه العظم – كما يقول المام الخطابي ‪ -‬هو‪« :‬صنيعه‬
‫بالقلوب‪ ،‬وتأثيره في النفوس‪.‬‬
‫فإنك ل تسمع كلما – غير القرآن – منظوًرا أو منثوًرا إذا قرع‬
‫السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلوة في حال‪ ،‬ومن‬
‫الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه‪.‬‬
‫ويستطرد الخطابي قائلً‪:‬‬
‫‪ ..‬تستبشر به النفوس‪ ،‬وتنشرح له الصدور‪ ،‬حتى إذا أخذت حظها‬
‫منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق‪ ،‬وتَغَ َّ‬
‫شاها من‬
‫الخوف والفََرق‪ ..‬ما تقشعر منه الجلود‪ ،‬وتنزعج له القلوب‪ ..‬يحول‬
‫بين النفس وبين ُمضمراتها وعقائدها الراسخة فيها‪.‬‬
‫فكم من عدو للرسول من رجال العرب وفتَّاكها‪ ،‬أقبلوا‬
‫يريدون اغتياله وقتله‪ ،‬فسمعوا آيات القرآن‪ ،‬فلم يلبثوا حين‬
‫وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الول‪ ،‬وأن يركنوا‬
‫إلى مسالمته‪ ،‬ويدخلوا في دينه‪ ،‬وصارت عداوتهم موالة‪،‬‬
‫وكفرهم إيمانًا(‪..)1‬‬

‫إن تأثير القرآن على القلوب ل يوجد‬
‫م فإن من يُحسن‬
‫له نظير‪ ،‬ومن ث َ‬
‫التعرض له سيكون من أكثر الناس حبا‬
‫لل ُّ‬
‫سنة‪ ،‬وحرصا على تطبيقها‪ ،‬وكيف ل‬
‫والطاقة المتولدة من كثرة التأثر بآيات‬
‫القرآن ستدفعه لتطبيق كل ما يستطيع‬
‫تطبيقه مما يُحبه الله ورسوله‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() التعبير القرآني والدللة النفسية ص ‪ 109 ،108‬نقل عن البيان في إعجاز‬
‫القرآن للخطابي ص ‪.64‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪15‬‬

‫القرآن والعمال الصالحة الخرى‪:‬‬
‫وليس المقصد كذلك من كلمنا عن القرآن التقليل من‬
‫شأن بقية العمال الصالحة الخرى‪ ،‬فكل طاعة‪ ،‬وكل عمل‬
‫صالح له وظيفة في تشييد بنيان اليمان في قلب المسلم‪،‬‬
‫ولكن المقصد هو وضع القرآن في حجمه الصحيح بالنسبة لتلك‬
‫العمال‪.‬‬
‫فكما أن للحج أعمال ً كثيرة كالسعي والطواف ورمي‬
‫الجمار‪ ،‬إل أن أهم عمل في الحج هو الوقوف بعرفة‪ ،‬فبه‬
‫يتحقق أهم مقصود للحج من إظهار الذل والنكسار والتَبَؤُّس‬
‫والفتقار لله عز وجل‪ ،‬لذلك قال ‪« :‬الحج عرفة»(‪.)1‬‬
‫وكما أن للتوبة أعمال ً كثيرة كالقلع عن الذنب‪ ،‬ورد‬
‫المظالم‪ ،‬والستغفار‪ ،‬إل أن أهم عمل للتوبة هو الندم‪ ،‬وبدونه‬
‫لن تتحقق التوبة ‪ ..‬قال ‪« :‬الندم توبة»(‪.)2‬‬
‫كذلك القرآن بالنسبة لليمان‪ ،‬فكما أن كل طاعة‪ ،‬وكل‬
‫عمل صالح من شأنه أن يزيد اليمان كالصيام والصدقة‬
‫وغيرهما إل أن القرآن يُمثل العمود الفقري لليمان‪ ،‬وبدونه ل‬
‫يمكن للقلب أن يستعيد عافيته بصورة كاملة‪ ،‬وتُبث الروح في‬
‫جنباته ‪ ..‬إنه كالماء فيه حياة لكل من شرب منه‪.‬‬

‫وفي هذا المعنى يقول ابن القيم‪:‬‬
‫وكل من القلب والبدن محتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() صحيح‪ ،‬رواه المام أحمد‪ ،‬والحاكم‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع ص‬
‫(‪.)3172‬‬
‫() أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ويصلح ‪ ..‬وكما أن البدن محتاج أن يرقى بالغذية المصلحة له‪،‬‬
‫والحمية عما يضره‪ ،‬فل ينمو إل بإعطائه ما ينفعه ومنعه مما يضره‪،‬‬
‫فكذلك القلب‪ :‬ل يزكو‪ ،‬ول ينمو‪ ،‬ول يتم صلحه إل بذلك ‪..‬‬
‫ول سبيل له إلى الوصول لذلك إل من القرآن‪ ،‬وإن وصل‬
‫إلى شيء منه من غيره‪ ..‬فهو شيء يسير ل يحصل له به تمام‬
‫المقصود(‪..)1‬‬
‫من هنا ندرك مغزى قول عبد الله بن عمرو بن العاص ‪:‬‬
‫ما‪ ،‬ويحم ُ‬
‫ل على‬
‫ما دره ً‬
‫لو بات رجل ينفق ديناًرا ديناًرا‪ ،‬ودره ً‬
‫الجياد في سبيل الله‪ ،‬حتى يصبح متقبل ً منه‪ ،‬وبت أتلو كتاب‬
‫الله حتى أصبح متقبل مني لم أحب أن لي عمله بعملي(‪.)2‬‬
‫وكان عبد الله بن مسعود ضعيف البنية‪ ،‬وكان يُقل من‬
‫صيام التطوع‪ ،‬فسئل عن سبب إقلله من الصوم‪ .‬فقال‪ :‬إنه‬
‫ى منه(‪.)3‬‬
‫يضعفني عن قراءة القرآن‪ ،‬وقراءة القرآن أحب إل َّ‬
‫ب قول الضحاك بن مزاحم‪ :‬لول تلوة‬
‫وإن تعجب فعج ٌ‬
‫م؟ قال‪ :‬لن‬
‫ل‬
‫له‪:‬‬
‫فقيل‬
‫مريضا‪.‬‬
‫أكون‬
‫القرآن لسرني أن‬
‫ِ َ‬
‫المرض يرفع عني الحرج ويُكفر عني الذنوب‪ ،‬ويجرى لي مثل‬
‫صالح ما كنت أعمل(‪.)4‬‬
‫فهو يعلم أن أثر التلوة ل يعدله شيء من إيمان وأمان‬
‫وسكينة كما قال عبد الله بن مسعود‪ :‬إن هذا القرآن مأدبة الله‬
‫فمن دخل فيه فهو آمن(‪.)5‬‬

‫هل أدرك المسلمون قيمة القرآن؟!‬
‫فإن كان القرآن كذلك فهل أدرك المسلمون قيمته‪ ،‬وهل‬
‫أحسنوا النتفاع به؟!‬
‫‪1‬‬

‫() إغاثة اللهفان ‪.1/76‬‬

‫‪2‬‬

‫() أورده الغافقي في لمحات النوار ص ‪ ،55‬وابن أبي شيبة في مصنفه (‬
‫‪.)10/508‬‬

‫‪3‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.62‬‬

‫‪4‬‬

‫() ابن أبي شيبة (‪ )13/580‬كتاب الزهد (‪.)2399‬‬

‫‪5‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)3323‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪17‬‬

‫‪ ..‬هل تعاملوا معه على حقيقته كمصدر متفرد لزيادة‬
‫اليمان ومن ث َّ‬
‫م التغيير؟!‬
‫للسف لم يحدث هذا‪ ،‬بل حدث العكس‪ ،‬فلقد انصب اهتمام‬
‫الغالبية منهم – إل من رحم ربي – على الناحية الشكلية للقرآن‪ ،‬ولم‬
‫يواكب ذلك اهتمام بتدبره والتأثر به‪ ،‬والغتراف من منابع اليمان‬
‫التي تتفجر من كل آية من آياته‪ ،‬لتستمر المة في ضعفها وعجزها‬
‫عن النهوض من كبوتها‪ ،‬وكيف ل وقد هُجر أهم وأعظم مصدر للمداد‬
‫اليماني‪.‬‬
‫ومما يزيد المر صعوبة أن الكثيرين ل يعترفون بذلك‪ ،‬بل‬
‫يعتبرون أن الهتمام بالقرآن يعني الكثار من قراءته بفهم أو‬
‫ح َّفاظ ألفاظه في‬
‫بدون فهم‪ ،‬ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من ُ‬
‫أقل وقت ممكن ‪ ..‬فازداد القرآن يُتما‪ ،‬وأصبح حاضًرا وغائبًا‪..‬‬
‫موجودًا ومهجوًرا‪.‬‬
‫‪ ..‬صار حاضًرا بلفظه على ألسنة الُقَّراء والحفاظ‪ ،‬لكنه‬
‫غائب بروحه وأنواره عن القلوب‪ ،‬وأثره اليجابي في السلوك‪.‬‬
‫‪ ..‬صار موجودا بشكله من خلل المطابع والذاعات‬
‫والمدارس والكليات والمسابقات‪ ،‬لكنه مهجور في حقيقته‬
‫وتأثيره على القلوب‪ ،‬وتغييره للخلق والسلوك‪.‬‬
‫‪ ..‬فإن قلت هلموا إلى القرآن ننتفع به‪ ،‬قيل لك‪ :‬وماذا علينا‬
‫أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل‪ ،‬فأغلب بيوت المسلمين –‬
‫إن لم تكن كلها – تحتوي على نسخة أو عدة نسخ من‬
‫المصحف‪ ،‬والكثير من السر تجد فيها من يحفظ قدًرا من‬
‫القرآن‪ ،‬والذاعات التي تبث آياته ليل نهار في ازدياد مستمر!!‪.‬‬
‫‪ ..‬من هنا تكمن صعوبة المر‪ ،‬فمع تَي ُّ‬
‫سر القرآن للجميع إل‬
‫أن الشعور بالحتياج إليه كمصدر ل غنى عنه لتوليد اليمان وبث‬
‫الروح إلى القلب يكاد يكون غير موجود‪.‬‬
‫سا إلى الماء‬
‫‪ ..‬إن حالنا ينطبق مع حال من يحتاج احتيا ً‬
‫جا ما ً‬
‫ليروى ظمأه‪ ،‬فيبحث عنه لهثًا في كل مكان على الرغم من‬
‫كونه موجودًا بين أمتعته وفي متناول يده‪ ،‬لكنه ل يصدق ذلك‪.‬‬

‫وانطبق حالنا مع قول الشاعر‪:‬‬

‫ومن العجائب والعجائب‬
‫جمة‬

‫قرب الدليل وما إليه‬
‫وصول‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪18‬‬

‫كالعيس في البيداء يقتلها‬
‫الظما‬

‫الرسول‬

‫والماء فوق ظهورها‬
‫محمول‬

‫يشكونا‪:‬‬

‫ومما يلفت النتباه أن رسولنا قد اشتكانا لله عز وجل‬
‫بخصوص هذا الوضع الشاذ الذي نفعله مع القرآن‪ :‬وَقَا َل ال ّرسُولُ يَا‬
‫ب ِإنّ قَ ْومِي اّتخَذُوا هَذَا الْ ُقرْآنَ َم ْهجُورًا [الفرقان‪.]30 :‬‬
‫َر ّ‬
‫ولو تأملنا هذه الشكوى لوجدنا أمًرا عجيبًا‪ :‬فلو كانت الية‬
‫لم تتضمن كلمة «اتخذوا» أي كانت بمعنى‪ :‬يا رب إن قومي‬
‫ما عن‬
‫هجروا القرآن لكان المراد بها أنا ً‬
‫سا أبعدوا القرآن تما ً‬
‫حياتهم‪ ،‬فل تجد فيها أي مساحة لقراءته أوسماعه أو إذاعته‪.‬‬
‫لكن وجود كلمة «اتخذوا» مع كلمة «مهجورا» أعطت‬
‫سا‬
‫لمفهوم الهجر بُعدًا آخر‪ ،‬ودلت على أن الشكوى تخص أنا ً‬
‫تعاملوا مع القرآن‪ ،‬وبذلوا فيه مجهودا؛ فكلمة اتخذوا تدل على‬
‫ذلك‪ ،‬إل أنهم في نفس الوقت – رغم هذا المجهود – قد هجروا‬
‫القرآن‪ ،‬وذلك حين اهتموا بشكله ولفظه‪ ،‬وهجروا أهم جانب‬
‫فيه أل وهو تأثيره المتفرد على القلوب ليحول ما فيها من‬
‫ي َيهْدِي‬
‫ل نُو ٌر َوكِتَابٌ مّبِ ٌ‬
‫ظلمات الهوى إلى نور اليمان قَ ْد جَا َءكُم مّ َن ا ِ‬
‫خ ِرجُهُم مّنَ ال ّظ ُلمَاتِ إِلَى النّو ِر بِِإذِْنهِ وََيهْدِيهِمْ إِلَى‬
‫سلَمِ وَُي ْ‬
‫بِ ِه الُ َمنِ اتّبَ َع ِرضْوَانَ ُه سُُبلَ ال ّ‬
‫ستَقِيمٍ [المائدة‪.]16 ،15 :‬‬
‫صرَاطٍ مّ ْ‬
‫ِ‬
‫فحين اكتفينا بالتعامل مع القرآن باللسنة والحناجر‪ ،‬ولم‬
‫نجتهد في الوصول بالقرآن إلى العقول والقلوب فإننا بذلك قد‬
‫حرمنا أنفسنا من أهم جانب فيه‪ ،‬ومن سر إعجازه العظم ‪..‬‬
‫فكانت المحصلة أننا اتخذنا القرآن مهجورا؛ لينتج عن ذلك‬
‫الهجر هبوطنا لهذا الدرك‪ ،‬ليصدق فينا قول رسول الله ‪« :‬إن‬
‫ال يرفع بذا الكتاب أقوامًا‪ ،‬ويضع به آخرين»(‪.)1‬‬

‫فما الحل في هذه الشكالية؟!‬
‫حسن‬
‫‪ ..‬مشكلتنا إيمانية‪ ،‬وحلها غاية في السهولة وهو ُ‬
‫القبال على القرآن‪ ..‬والقرآن بين أيدينا‪ ،‬جاهز لتغييرنا‪ ،‬وإمدادنا‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)1894‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪19‬‬

‫بإيمان متدفق ليس له حدود‪ ،‬ومن ثم القضاء على الوهن‬
‫والضعف الذي أصابنا وجعلنا معرة المم‪.‬‬
‫مي َّ‬
‫سر لجميع أفراد المة إل أن الكثير من‬
‫ومع ذلك الحل ال ُ‬
‫أبنائها غير مصدق لهذه الحقيقة‪ ،‬ويرى أن هذا الكلم فيه‬
‫مبالغة‪ ،‬وأن غاية الجهد والخدمة للقرآن هو الكثار من الكتاتيب‬
‫ح َّفاظ حروفه في‬
‫والمدارس والكليات لتخريج أكبر قدر من ُ‬
‫أقل وقت ممكن‪ ،‬وحث الناس على كثرة قراءته والجتهاد في‬
‫ختمه مرات ومرات – وبخاصة في شهر رمضان – لنيل أكبر‬
‫قدر من الحسنات فقط‪.‬‬
‫فإن ذكرتهم بأهمية التدبر والتأثر بالقرآن قال بعضهم‪ :‬نريد‬
‫أكبر قدر من الحسنات‪ ..‬نريد دخول الجنة؛ والتدبر يعطلنا عن‬
‫كثرة القراءة‪.‬‬
‫وقال البعض الخر‪ :‬فلتكن هناك ختمة للقراءة السريعة‬
‫التي تهتم بتحصيل أكبر قدر من الحسنات دون فهم أو تأثر‪،‬‬
‫وختمة للفهم والتأثر‪ ،‬ول بأس – على حد قولهم – من أن‬
‫نمكث مع ختمة التدبر سنوات وسنوات‪.‬‬
‫‪ ..‬كل هذا وغيره يتردد بين الكثير من المسلمين‪ ،‬مما جعل‬
‫أمر العودة الحقيقية إلى القرآن‪ ،‬والنتفاع به لحل مشكلتنا‬
‫اليمانية من الصعوبة بمكان‪.‬‬
‫ولكن حيث أنه ل بديل للمة عن هذا الحل‪ ،‬فل بد أن يستمر‬
‫ويستمر التذكير بقيمة القرآن‪ ،‬وبالهدف السمى لنزوله‪ ،‬والذي‬
‫لو اتضح أمامنا بصورة جلية‪ ،‬وأصبح إيمانًا مستقًرا في قلوبنا‪،‬‬
‫فإنه – بل شك – سيولد داخلنا الدافع القوي للقبال على‬
‫القرآن بصورة صحيحة لنلتمس منه الهدى والنور‪ ،‬أو بمعنى‬
‫آخر‪ ،‬سيتحول اهتمامنا نحو تحقيق الهدف الذي من أجله نزل‬
‫القرآن‪ ،‬وسنطوع الوسائل المختلفة – من قراءة وسماع وحفظ‬
‫– لتحقيق هذا الهدف‪ ،‬فاليمان بالقرآن والثقة الكبيرة فيه‬
‫كمصدر متفرد للهداية واليمان والتغيير هو نقطة البداية‬
‫الصحيحة نحو العودة الحقيقية إليه‪ ،‬والنتفاع به‪.‬‬
‫فكما يقول المام البخاري‪ :‬ل يجد طعمه إل من آمن به(‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() التبيان في أقسام القرآن لبن القيم ص ‪.205‬‬

‫‪20‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ويقول مالك بن دينار‪ :‬أقسم لكم ل يؤمن عبد بهذا القرآن‬
‫إل صدع قلبه(‪.)1‬‬
‫حا‬
‫فالذي يؤمن بالقرآن ل يسعه إ أن يتعامل معه تعامل صحي ً‬

‫لوَتِهِ أُولَِئكَ ُي ْؤمِنُونَ ِبهِ‬
‫اّلذِينَ آتَ ْينَا ُهمُ الْكِتَابَ َيتْلُوَنهُ َحقّ ِت َ‬

‫[البقرة‪.]121 :‬‬

‫‪ ..‬فإن قلت‪ :‬ولكننا نؤمن بالقرآن ومع ذلك ل نجد طعمه ول‬
‫تأثيره‪.‬‬
‫ليس المقصد من اليمان بالقرآن هو مجرد اليمان بأنه‬
‫«كلم الله‪ ،‬المنزل على محمد ‪ ،‬المتعبد بتلوته»(‪ .)2‬بل‬
‫المقصد بالضافة لهذا اليمان‪ :‬اليمان بقيمته وعظيم شأنه‪،‬‬
‫وأنه نزل من السماء ليهدي الناس إلى الله‪ ،‬ويأخذ بأيديهم إليه‬
‫‪..‬‬
‫بهذا اليمان تعامل الصحابة مع القرآن‪ ،‬يقول عبد الله بن‬
‫عمر ‪ :‬لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يُؤتى اليمان قبل‬
‫القرآن‪ ،‬وتنزل السورة على محمد ‪ ،‬فيُتَعلم حللها وحرامها‪،‬‬
‫وآمرها وزجرها‪ ،‬وما ينبغي أن يقف عنده منها‪ ،‬ثم لقد رأيت‬
‫رجال يؤتى أحدهم القرآن قبل اليمان‪ ،‬فيقرأ من بين فاتحته‬
‫إلى خاتمته‪ ،‬ما يدري ما آمره ول زاجره‪ ،‬ول ما ينبغي أن يقف‬
‫عنده‪ ،‬وينثره نثر الدقل(‪ – )3‬وفي رواية‪( :‬وكل حرف منه ينادي‪:‬‬
‫أنا رسول الله إليك لتعمل بي وتتعظ بمواعظي) (‪.)4‬‬
‫جندب بن عبد الله‬
‫ويؤكد على هذا المعنى الصحابي ُ‬
‫بقوله‪:‬‬
‫(‪)5‬‬

‫حزاورة‬
‫كنا مع النبي ونحن غلمان َ‬
‫القرآن‪ ،‬ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا(‪.)6‬‬
‫‪1‬‬

‫() الدر المنثور للسيوطي ‪.6/298‬‬

‫‪2‬‬

‫() مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ‪.21‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫فتعلمنا اليمان قبل‬

‫() الدقل‪ :‬ردئ التمر‪.‬‬
‫() رواه الحاكم في المستدرك ‪ ،1/91‬وقال صحيح على شرط الشيخين‪.‬‬
‫() حزاورة جمع حزير أي ممتلئ القوة‪.‬‬
‫() رواه ابن ماجه والبيهقي‪ ،‬وانظر فضائل القرآن للمستغفري ‪.1/275‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار‬

‫‪21‬‬

‫فإن قلت بأن هؤلء قد أدركوا قيمة القرآن لنهم سمعوا‬
‫ضا طريًا‪ ،‬فأنصتوا إليه‬
‫شيئًا لم يكونوا يألفونه ‪ ..‬سمعوه غ ً‬
‫مشدوهين‪ ،‬فامتلك عليهم مشاعرهم‪ ،‬وأحدث فيهم أثره البالغ‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬هذا كلم صحيح كسبب من السباب التي أوصلتنا‬
‫لهذا الوضع الغريب‪ ،‬فلقد ورثنا القرآن فيما ورثناه عن آبائنا‪،‬‬
‫وورثنا نفس طريقة التعامل معه‪ ،‬كما ألفنا سماع نغمته منذ‬
‫نعومة أظافرنا‪ ،‬فتعودنا عليه‪ ،‬فلم يعد يؤثر فينا كما أثر في‬
‫الجيال الولى ‪ ..‬هذا بالضافة إلى أسباب أخرى سيأتي بيانها –‬
‫أدت مجتمعة إلى انزواء القرآن في ركن بعيد من عقولنا‪،‬‬
‫وبيوتنا‪ ،‬وحياتنا‪.‬‬

‫ى وعليك ويقول‪:‬‬
‫وكأني بالقرآن ينادي عل َّ‬
‫‪«..‬هل أستحق منك هذه المعاملة مع أن هدفي إسعادك‪،‬‬
‫وإدخال السرور والبهجة على قلبك ومساعدتك على مواجهة‬
‫الحياة بحلوها ومرها؟!‬
‫‪ ..‬أأكون في بيتك وتهجرني كل هذا الهجر؟!‬
‫‪ ..‬أحين أكون بين يديك ل يصير نصيبي منك إل حنجرتك؟!‬
‫‪ ..‬أتسمع آياتي تتلى ول تنصت لها؟!‬
‫‪ ..‬أتدري ماذا سأقول لربك يوم القيامة؟!‬
‫‪ ..‬هيا بادر قبل فوات الوان‪ ،‬واجعلني حجة لك ل عليك»‪.‬‬

‫اليمان بالقرآن هو البداية‪:‬‬
‫من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة في طريق‬
‫النتفاع بالقرآن هي زيادة اليمان والثقة فيه كمصدر متفرد‬
‫للهداية والشفاء والتغيير‪ ،‬ويمكن بعون الله أن يتم هذا من‬
‫خلل التعرف على السبب السمى لنزول القرآن‪ ،‬وبالثر‬
‫الذي يُحدثه في القلوب‪ ،‬والتعرف على نماذج واقعية أحدث‬
‫فيها القرآن أثره‪ ،‬وبث فيها روحه‪ ،‬والتعرف كذلك على‬
‫السباب التي أدت بنا إلى ضعف اليمان بالقرآن‪ ،‬فصرنا كما‬
‫قال ابن عمر ‪« :‬ولقد رأيت رجالً يؤتى أحدهم القرآن قبل اليان‪ ،‬فيقرأ ما‬
‫بي فاتته إل خاتته‪ ،‬ما يدري ما آمره ول زاجره‪ ،‬ول ما ينبغي أن يقف عنده‪ ،‬وينثره نثر‬
‫الدقل»‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وبعد التعرف على السباب المختلفة التي أوصلتنا لهذه‬
‫الحالة‪ ،‬علينا أن نتعرف على الوسائل المعينة على النتفاع‬
‫بالقرآن‪ ،‬لنبدأ بها مهمة تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‪.‬‬
‫وفي الصفحات القادمة تبدأ بعون الله وفضله رحلة تعميق‬
‫اليمان بالقرآن‪ ،‬والتي تنطلق من التعرف على السبب الرئيس‬
‫لنزول القرآن‪ ،‬والذي إن اتضح في الذهان‪ ،‬واستقر مدلولة في‬
‫القلوب‪ ،‬فسيكون له أعظم الثر في تغيير نظرتنا للقرآن‪،‬‬
‫وطريقة تعاملنا معه ‪ ،‬ومن ثم النتفاع الحقيقي به‪.‬‬
‫***‬

‫الفصل الثاني‬

‫حبــــــل الو ّد‬

‫‪24‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫حبـــل الـــود‬
‫خلق الله عز وجل مخلوقات‬
‫كثيرة‪ ،‬لكنه – سبحانه – قد اختص‬
‫منها مخلوقًا واحدًا خلقه لنفسه ‪،‬‬
‫ونفخ فيه من روحه‪ ،‬وكرمه‪ ،‬وأحسن‬
‫خلقه‪ ،‬وأسجد لبيه الملئكة‪ ،‬وأعد له‬
‫الجنة لتكون داًرا للنعيم البدي‪ ،‬وذلك‬
‫بعد أن يجتاز اختباًرا يسيًرا على‬
‫الرض‪ ،‬جوهره هو عبادته – سبحانه –‬
‫بالغيب‪.‬‬
‫‪ ..‬جاء في الثر‪ :‬يا ابن آدم خلقت كل شيء لك‪ ،‬وخلقتك‬
‫لنفسي‪ ،‬فل تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له(‪.)1‬‬
‫ومما ل شك فيه أن الله عز وجل يريد لعباده جميعًا الخير‪،‬‬
‫فما من مولود يولد إل ويريد الله له الفلح والنجاح في امتحان‬
‫الدنيا‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫ل يَ ْدعُو إِلَى اْلجَنّةِ وَاْلمَغْ ِفرَةِ‬
‫م دخول الجنة والتنعم فيها وَا ُ‬
‫بِِإذْنِهِ [البقرة‪.]221 :‬‬
‫أما من يدخل النار فهو الذي يأبى ويُصر على عدم دخول‬
‫الجنة‪ ،‬وإل فماذا تقول عن موقف هؤلء المشركين من دعوة‬
‫السلم؟! وَِإذْ قَالُوا ال ّلهُ ّم إِن كَانَ هَذَا هُوَ اْلحَ ّق مِ ْن عِنْدِكَ فَأَ ْم ِط ْر َعلَيْنَا ِحجَارَةً مّنَ‬
‫سمَاءِ أَوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ [النفال‪.]32 :‬‬
‫ال ّ‬
‫ومع هذا الصرار في طلب العقوبة إل أن الله عز وجل لم‬
‫يستجب لطلبهم‪ ،‬ولم يَعْجل بعجلتهم‪ ،‬لنه سبحانه يريد لهم‬
‫الخير‪ ،‬لذلك فهو يحلم عليهم‪ ،‬ويصبر على كفرهم وظلمهم‬
‫لنفسهم‪ ،‬ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة لعلهم ينتبهون قبل‬
‫سمّى [طه‪.]129 :‬‬
‫ك َلكَانَ ِلزَامًا وََأ َجلٌ مّ َ‬
‫ت مِن رّّب َ‬
‫فوات الوان وَلَ ْو َل َك ِلمَ ٌة سَبَقَ ْ‬
‫عن أبي هريرة ‪ :‬أن النبي‬
‫‪1‬‬

‫قال‪« :‬لا خلق ال اللق‪ ،‬كتب ف كتابه‪،‬‬

‫() أورده الحافظ ابن رجب في شرح حديث «إن أغبط أوليائي عندي» ‪-‬‬
‫انظر مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي ص ‪.2/749‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪25‬‬

‫فهو عنده فوق العرش‪ :‬إن رحت تغلب غضب»(‪.)2‬‬
‫ويكفي في تأكيد هذا المعنى ما حدث لصحاب القرية‬
‫المذكورة في سورة «يس» الذين شردوا عن الله فأرسل‬
‫سبحانه لهم رسولين يذكرانهم بحقيقة وجودهم في الدنيا‪،‬‬
‫وضرورة العودة إلى الله قبل فوات الوان‪.‬‬
‫فكيف كان استقبال أصحاب القرية لهما؟!‬
‫كذبوا الرسولين واستهزؤوا بهما‪ ،‬وسخروا منهما‪.‬‬
‫فماذا فعل الله عز وجل بهم بعد هذا التكذيب؟!‬
‫أرسل إليهم رسول ً ثالثًا‪ ..‬ففعلوا معه مثل ما فعلوا بأخويه‬
‫صحَابَ اْل َقرْيَ ِة ِإ ْذ جَاءَهَا اْل ُمرْ َسلُو َن ِإذْ َأ ْر َسلْنَا إَِل ْيهِمُ اْثنَيْنِ َفكَذّبُو ُهمَا‬
‫ل َأ ْ‬
‫ض ِربْ َلهُم مَّث ً‬
‫وَا ْ‬
‫ش ٌر مّ ْثلُنَا وَمَا أَْن َز َل ال ّر ْحمَنُ مِن َشيْءٍ‬
‫َف َعزّزْنَا بِثَالِثٍ َفقَالُوا إِنّا إِلَ ْيكُم ّم ْر َسلُو َن قَالُوا مَا َأنْتُ ْم ِإلّ بَ َ‬
‫ِإ ْن أَنْتُ ْم ِإلّ‬
‫َتكْذِبُونَ [يس‪.]15-13 :‬‬
‫فجاءهم رجل من بينهم يعرفونه ويعرفهم ‪ ..‬جاءهم من‬
‫أقصى المدينة ليؤكد لهم صدق الرسل الثلثة‪ ،‬فقتلوه ليستدعوا‬
‫بذلك غضب الله وعقوبته‪ ،‬بعد حلمه وصبره العظيم عليهم‪،‬‬
‫وجاء المر بعقابهم لنهم مجرمون ل يريدون اليمان‪ ،‬ويصرون‬
‫على ذلك إصراًرا شديدًا رغم كل اليات البينات التي أرسلها‬
‫م خَامِدُونَ [يس‪:‬‬
‫ت ِإ ّل صَ ْيحَةً وَاحِدَةً فَِإذَا هُ ْ‬
‫الله لهم‪ ،‬فكانت العقوبة إِن كَانَ ْ‬
‫‪.]29‬‬
‫وبعد بيان القرآن الوافي لحال هؤلء المكذبين وكيف أنهم‬
‫هم الذين استدعوا العقوبة بإجرامهم إل أننا نفاجأ بالتعقيب‬
‫سرَةً َعلَى اْلعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مّن‬
‫اللهي على نهاية هؤلء بقوله تعالى‪ :‬يَا حَ ْ‬
‫ّرسُو ٍل ِإلّ كَانُوا بِ ِه يَسَْت ْهزِئُونَ [يس‪.]30 :‬‬
‫فالله عز وجل يتأسف عليهم‪ ،‬وعلى المصير الذي آلوا إليه‪،‬‬
‫مع أنهم هم الذين فعلوا ذلك بأنفسهم‪ ،‬وأصروا واستكبروا‬
‫استكباًرا‪ ،‬إل أن هذا لم يمنع من أن يتأسف الله ‪-‬سبحانه –‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم (‪ ،)6903‬وقال النووي والغلبة هنا‪ :‬كثرة الرحمة‪ ،‬وشمولها‪ ،‬كما‬
‫يقال‪ :‬غلب على فلن الكرم والشجاعة إذا كثرا منه‪ .‬انظر صحيح مسلم‬
‫بشرح النووي ‪.71 /17‬‬

‫‪26‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫سرَةً َعلَى الْ ِعبَادِ ‪.‬‬
‫عليهم‪ ..‬يَا حَ ْ‬
‫‪ ..‬نعم – أخي – هذا هو ربك الرحيم الودود الذي ل يرضى‬
‫لعبد من عباده الضلل والكفر َو َل َي ْرضَى لِ ِعبَادِهِ اْلكُ ْفرَ [الزمر‪.]7 :‬‬
‫لكنه – سبحانه – كتب على نفسه أن يترك للبشر حرية‬
‫الختيار‪ ،‬وأن يعبدوه بإرادتهم‪ ،‬فل يجبرهم على فعل طاعة‪ ،‬أو ترك‬
‫معصية‪ ،‬وإل صاروا مثل بقية المخلوقات‪ ،‬وفي نفس الوقت فإنه‬
‫جل‬
‫سبحانه يريد لهم جميعًا الخير ودخول الجنة لذلك فهو ل يُعَ ِّ‬
‫بعقوبتهم إذا ما عصوه‪ ،‬بل يحلم ويحلم لعلهم يرجعون إليه في يوم‬
‫سبُوا مَا تَ َركَ َعلَى ظَ ْه ِرهَا مِن دَاّبةٍ وََلكِن ُيؤَخّ ُر ُهمْ إِلَى‬
‫من اليام َوَلوْ ُيؤَا ِخذُ الُ النّاسَ بِمَا كَ َ‬
‫أَجَ ٍل مّسَمّى [فاطر‪.]45 :‬‬
‫أل يكفيك في تأكيد هذا المعنى أن الله عز وجل يرى الناس‬
‫تكفر به‪ ،‬وتجعل له ندًا‪ ،‬وولدًا وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم؟!‬
‫قال عبد الله بن قيس‪ :‬قال رسول الله ‪« :‬ما أحد أصب على أذى‬
‫يسمعه من ال تعال‪ ،‬إنم يعلون له ندًا‪ ،‬ويعلون له ولدًا‪ ،‬وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم‬
‫ويعطيهم»(‪.)1‬‬
‫وعن شهر بن حوشب ‪ :‬حملة العرش ثمانية‪ :‬أربعة منهم‬
‫يقولون‪ :‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬لك الحمد على حلمك بعد‬
‫علمك‪ ،‬وأربعة يقولون‪ :‬سبحانك اللهم وبحمدك‪ ،‬لك الحمد على‬
‫عفوك بعد قدرتك(‪.)2‬‬

‫الرحمة الواسعة‪:‬‬
‫في يوم من اليام شاهد رسول الله والصحابة الكرام‬
‫امرأة تسعى ملهوفة تبحث عن ابنها الذي ضل عنها‪ ،‬فلما‬
‫خذته فألزقته بطنها‪ ،‬ثم أرضعته‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫وجدته أ َ َ‬
‫لصحابه بعد رؤيتهم لهذا المشهد المؤثر‪« :‬أترون هذه الرأة طارحة ولدها‬
‫ف النار؟» قالوا‪ :‬ل والله‪ .‬فقال‪« :‬ل أرحم بعباده من هذه بولدها»(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)7013‬‬

‫‪2‬‬

‫() تفسير القرآن العظيم لبن كثير ‪.4/64‬‬

‫‪3‬‬

‫() رواه البخاري (‪ ،)5999‬ومسلم (‪.)6912‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪27‬‬

‫‪ ...‬نعم‪ ،‬الله عز وجل أرحم بعباده من هذه بولدها‪ ،‬ومن كل‬
‫والد بولده‪.‬‬
‫‪ ...‬أرأيت كيف يتعامل الب مع أبنائه‪ ،‬وكيف يحبهم ويتعب‬
‫من أجل راحتهم‪ ..‬أرأيت كيف يفرح بنجاحهم‪ ،‬ويحزن على‬
‫إخفاقهم‪ ،‬ول ينقطع رباط الود والشفقة بينه وبينهم مهما طال‬
‫الزمن‪ ،‬حتى وإن شرد بعضهم‪ ،‬وانحرف عن جادة الطريق‪ ،‬فإنه‬
‫ما‬
‫ل يتخلى عنه‪ ،‬بل يعمل جاهدًا على إعادته لصوابه مستخد ً‬
‫أساليب الترغيب والترهيب‪ .‬فإن أبي إل السير في طريق‬
‫الظلم‪ ،‬فإن الب – وإن بدا غاضبًا عليه – إل أن حبل الود ل‬
‫ينقطع أبدًا‪ ،‬فهو يدعو له‪ ،‬ويتمنى لحظة توبته‪ ،‬وينتظر منه أي‬
‫بادرة خير يُقبل بها عليه حتى يُبادره بأضعافها‪.‬‬
‫فإن كان هذا هو حب الب لبنائه‪ ،‬فإن حب الله عز وجل‬
‫لعباده أشد وأشد‪ ،‬ومما يؤكد هذه الحقيقة‪ :‬فرحه سبحانه بتوبة‬
‫العاصين والشاردين‪ ،‬بل و الكافرين‪.‬‬
‫‪ ..‬تأمل معي قوله ‪« :‬ل أشد فرحًا بتوبة عبده‬
‫حي يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلة‪ ،‬فانفلتت‬
‫منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِس منها‪ ،‬فأتى شجرة فاضطجع ف‬
‫ظلها‪ ،‬وقد أَيِس من راحلته‪ ،‬فبينما هو كذلك إذ هو با‪ ،‬قائمة‬
‫عنده‪ ،‬فأخذ بطامها ث قال من شدة الفرح‪ :‬اللهم أنت عبدي‬
‫وأنا ربك‪ ،‬أخطأ من شدة الفرح»(‪.)1‬‬
‫وقال ‪« :‬ل أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد‪ ،‬ومن الضال الواجد‪ ،‬ومن الظمآن‬
‫الوارد»(‪.)2‬‬
‫وكيف ل وهو سبحانه (يحب من عباده أن يطيعوه‪ ،‬ويكره‬
‫أن يعصوه‪ ،‬ويفرح بتوبة عبده مع غناه المطلق عن طاعته‪ ،‬وأن‬
‫نفعها إنما يعود إليه‪ ،‬لكن هذا من كمال رأفته بهم وحبه لنفعهم)‬
‫(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)6895‬‬
‫() رواه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة‪.‬‬
‫() فيض القدير للمناوي ‪.5/321‬‬

‫‪28‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪ ...‬نعم يا أخي‪ ،‬فالله عز وجل يريد الخير لجميع البشر حتى‬
‫اليهود والنصارى ‪ ..‬حتى المنافقين وقطاع الطرق ‪ ..‬حتى الذين‬
‫يعذبون الناس ‪ ..‬يريد لهم جميعًا أن يستغفروه فيغفر لهم‪،‬‬
‫ويتوبوا إليه فيقبلهم ‪ ..‬ألم يقل سبحانه لعباده العاصين‬
‫سهِ ْم لَ َتقَْنطُوا مِن‬
‫المسرفين على أنفسهم‪ُ :‬ق ْل يَا عِبَا ِديَ الّذِي َن َأ ْسرَفُوا َعلَى َأنْفُ ِ‬
‫ل ِإ ّن الَ َيغْ ِفرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا إِنّهُ هُوَ اْلغَفُو ُر ال ّرحِيمُ [الزمر‪.]53 :‬‬
‫ّر ْحمَ ِة ا ِ‬
‫‪ ..‬ألم يقل سبحانه للنصارى بعد أن ادَّعوا أن له صاحبة وولدًا‪:‬‬
‫سَت ْغفِرُوَنهُ وَالُ َغفُورٌ رّحِيمٌ [المائدة‪.]74 :‬‬
‫أَفَلَ َيتُوبُونَ إِلَى الِ وََي ْ‬
‫‪ ..‬ألم يقل سبحانه عن قطاع الطرق‪ِ :‬إلّ الّذِي َن تَابُوا مِن َق ْبلِ أَن‬
‫ل غَفُورٌ ّرحِيمٌ [المائدة‪.]34 :‬‬
‫تَقْ ِدرُوا َعلَ ْيهِمْ فَا ْعلَمُوا َأ ّن ا َ‬
‫‪ ..‬ألم يخاطب الناس جميعًا ويقول لهم‪ :‬يَا أَّيهَا النّاسُ قَ ْد جَا َءكُمُ‬
‫ال ّرسُولُ بِاْلحَ ّق مِن رّّبكُمْ فَآمِنُوا خَ ْيرًا ّلكُم [النساء‪.]170 :‬‬
‫فماذا تقول بعد ذلك لرب ودود يريد لعباده جميعًا الخير‬
‫والسعادة في الدنيا والخرة «يا ابن آدم! إنك ما دعوتن ورجوتن غفرت لك‬
‫على ما كان منك ول أبال‪ ،‬يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ث استغفرتن غفرت لك‬
‫ول أبال‪ ،‬يا ابن آدم! لو إنك أتيتن بقراب الرض خطايا‪ ،‬ث لقيتن ل تشرك ب شيئًا‪ ،‬لتيتك‬
‫بقرابا مغفرة»(‪.)1‬‬

‫جحود النسان‪:‬‬
‫‪ ..‬هذه المعاملة الودودة من الله عز وجل للنسان لم‬
‫يقابلها نفس المعاملة من النسان لربه سبحانه‪ ،‬بل ول عُشر‬
‫معشارها‪ ،‬والعجيب أننا لو نظرنا لجوانب رعاية الله‪ ،‬ودوام‬
‫إمداده‪ ،‬وتربيته‪ ،‬ولطفه‪ ،‬ووده لي إنسان‪ ،‬واستمرار ذلك‪،‬‬
‫وعدم توقفه ولو للحظة واحدة لشعرنا وكأن هذا النسان هو‬
‫العبد الوحيد لله!! ‪ ..‬وإذا ما نظرنا إلى رد فعل هذا النسان‬
‫تجاه تلك المعاملة‪ ،‬ومدى تفاعل مشاعره وسلوكه معها لظننا‬
‫أن لهذا النسان ربًا آخر غير الله لما نرى من جحوده وإعراضه‬
‫سد هذا الحال الشاذ ما جاء في الثر عن رب‬
‫ج ِّ‬
‫عنه سبحانه‪ ،‬وي ُ َ‬
‫‪1‬‬

‫() حسن‪ ،‬رواه الترمذي وحسنه اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬ح (‪..)4338‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪29‬‬

‫العزة‪« :‬إن والن والنس ف نبأ عظيم؛ أخلق ويُعبد غيي‪ ،‬وأرزق ويُشكر سواي‪ ،‬خيي‬
‫ل صاعد‪ .‬أتبب إليهم بنعمى وأنا الغن عنهم‪ ،‬ويتبغضون إلّ بالعاصي‬
‫إل العباد نازل وشرهم إ ّ‬
‫وهم أفقر شيء إلّ‪...‬‬
‫ل تلقيته من بعيد‪ ،‬ومن أعرض عن ناديته من قريب‪ ،‬ومن ترك لجلي أعطيته‬
‫من أقبل إ ّ‬
‫فوق الزيد‪ .‬ومن أراد رضاي أردت ما يريد ‪ .‬ومن تصرف بول وقوت ألنت له الديد‪.‬‬
‫أهل ذكري أهل مالست‪ ،‬وأهل شكري أهل زيادت‪ ،‬وأهل طاعت أهل كرامت‪ ،‬وأهل‬
‫معصيت ل أُقنّطهم من رحت‪ ،‬فإن تابوا فأنا حبيبهم‪ ،‬فإن أحب التوابي وأحب التطهرين‪ ،‬وإن‬
‫ل يتوبوا فأنا طبيبهم‪ ،‬أبتليهم بالصائب‪ ،‬لطهرهم من العايب‪.‬‬
‫من آثرن على سواي آثرته على سواه‪.‬‬
‫السنة عندي بعشر أمثالا إل سبعمائة ضعف‪ ،‬إل أضعاف كثية‪ ،‬والسيئة عندي‬
‫بواحدة‪ ،‬فإن ندم عليها واستغفرن غفرتا له‪.‬‬
‫أشكر اليسي من العمل‪ ،‬وأغفر الكثي من الزلل‪.‬‬
‫رحت سبقت غضب‪ ،‬وحلمي سبق مؤاخذت‪ ،‬وعفوي سبق عقوبت‪ ..‬أنا أرحم بعبادي من‬
‫الوالدة بولدها(‪.)1‬‬

‫غواية الشيطان‪:‬‬
‫ومما ساعد النسان على جحوده لربه وبعده عنه‪ :‬عدو الله‬
‫إبليس‪.‬‬
‫فإبليس كان يعبد الله مع الملئكة‪ ،‬وعندما خلق الله آدم‬
‫واختصه لنفسه ونفخ فيه من روحه طلب سبحانه من الملئكة‬
‫السجود له‪ ،‬فرفض إبليس السجود متعلل بأنه كيف يسجد لمن‬
‫خلَقَْتهُ مِن طِيٍ [العراف‪]12 :‬‬
‫هو أقل منه؟! قَالَ أَنَا خَ ْيرٌ مّ ْن ُه َخلَقْتَنِي مِن نّارٍ َو َ‬
‫وبدل من أن يعترف إبليس بخطئه‪ ،‬نجده يصر على ادعائه‪،‬‬
‫فكان ذلك سببًا في طرده من رحمة الله‪ ،‬والحكم عليه بالحبس‬
‫ج إِّنكَ مِنَ الصّا ِغرِينَ‬
‫ك أَن تََتكَّبرَ فِيهَا فَا ْخرُ ْ‬
‫في النار‪ :‬قَالَ فَاهِْبطْ مِ ْنهَا َفمَا َيكُونُ َل َ‬
‫[العراف‪.]13 :‬‬
‫‪ ..‬ولن إبليس يرى أن سبب هذه العقوبة هو آدم‪ ،‬ويرى‬
‫‪1‬‬

‫() مدارج السالكين لبن القيم ‪.216 ،1/215‬‬

‫‪30‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫محق في رفضه السجود‪ ،‬لذلك فقد طلب من الله‬
‫كذلك أنه ُ‬
‫عز وجل مهلة قبل تنفيذ العقوبة‪ ،‬ل ليرتاح‪ ،‬بل لينتقم لنفسه‬
‫من آدم وبنيه جمي ًعا‪ ،‬ويثُبت أنه أفضل منهم‪ .‬قَالَ َربّ فَأَْن ِظرْنِي إِلَى يَوْمِ‬
‫يُ ْبعَثُونَ قَالَ فَإِّنكَ مِنَ اْلمُ ْن َظرِينَ إِلَى يَوْمِ اْلوَقْتِ اْلمَ ْعلُومِ [ص‪.]81 -79 :‬‬
‫وبعد أن أعطاه الله المهلة التي طلبها‪ ،‬أقسم بعزة الله‬
‫سبحانه أن يجتهد في غواية الناس أجمعين وسوقهم معه إلى النار‬
‫فيحقق مراده‪ ،‬ويُرضى نفسه‪ ،‬ويُنفس عن حقده وحسده‪ ،‬ويُظهر‬
‫للجميع أن هذا المخلوق الذي اختصه الله لنفسه وكرمه‪ ،‬وأسجد له‬
‫الملئكة ل يستحق هذا كله بدليل أنه وقع فريسة سهلة في حبائله‪،‬‬
‫ت َع َليّ َلئِ ْن َأ ّخرْتَنِ إِلَى َيوْمِ الْقِيَامَةِ‬
‫وانخدع بغوايته‪ :‬قَا َل أَرَأَيَْتكَ هَذَا الّذِي َكرّمْ َ‬
‫لحْتَِنكَ ّن ذُرّيَّتهُ ِإلّ َقلِيلً [السراء‪.]62 :‬‬
‫صرَا َطكَ اْلمُسَْتقِي َم ثُمّ لَِتيَّنهُم مّن بَ ْينِ َأيْدِيهِمْ وَمِنْ‬
‫قَالَ َفِبمَا َأغْوَْيتَنِي َلقْعُ َد ّن َلهُمْ ِ‬
‫كرِينَ [العراف‪]17 -16 :‬‬
‫َخلْ ِفهِمْ َوعَ ْن أَْيمَاِنهِمْ َوعَ ْن َشمَاِئ ِلهِمْ َو َل َتجِ ُد َأكَْثرَهُ ْم شَا ِ‬
‫معنى ذلك أن كل من يعصى إبليس ويخالفه من أبناء آدم‪،‬‬
‫ويعبد الله بالغيب‪ ،‬وينجح في امتحان العبودية فيدخل الجنة؛‬
‫يعد بمثابة مصيبة‪ ،‬وكارثة على إبليس‪ ،‬لن ذلك معناه إثبات‬
‫عكس ما يدعيه‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م يتأكد خطؤه برفضه السجود لدم‪،‬‬
‫ويتأكد كذلك استحقاق آدم لكل مظاهر التكريم والعناية التي‬
‫نالها‪.‬‬

‫طبيعة المعركة‪:‬‬
‫من هنا ندرك طبيعة المعركة بين إبليس وبين البشر‪،‬‬
‫ضا بأن مستهدف إبليس هو إضلل الجميع بل استثناء‪.‬‬
‫وندرك أي ً‬
‫صا‬
‫فكل رجل أو امرأة في أي زمان أو مكان يُشكل هدفًا خا ً‬
‫له‪ ،‬فهو ل يكتفي بمن أضلهم‪ ،‬بل يريد أل يفلت منه أحد من‬
‫البشر‪.‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى ما يحدث له يوم عرفة عندما يجد‬
‫الرحمات والمغفرة تتنزل على العباد‪ ،‬فيتحسر على مجهوده‬
‫الضائع في إغواء هؤلء‪ ..‬يقول ‪« :‬ما رُئى الشيطان يومًا هو فيه أصغر‪ ،‬ول‬
‫أدحر‪ ،‬ول أغيظ منه ف يوم عرفة»(‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الحاكم‪.‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪31‬‬

‫‪ ..‬إن هدف إبليس واضح ومحدد أل وهو غواية البشر جميعًا‬
‫شيْطَانَ لَكُمْ َع ُدوّ فَاتّ ِخذُوهُ عَ ُدوّا إِنّمَا يَ ْدعُو ِحزَْبهُ ِليَكُونُوا ِمنْ‬
‫وسوقهم معه إلى النار إِنّ ال ّ‬
‫س ِعيِ [فاطر‪.]6 :‬‬
‫أَصْحَابِ ال ّ‬
‫فإن كان هذا هو هدف إبليس فماذا تظن أن يفعل بالناس؟!‬
‫بل شك أنه سيستخدم معهم كل الوسائل والساليب التي‬
‫من شأنها أن تشغلهم عن أداء المهمة التي خلقوا من أجلها‬
‫فيكون مصيرهم النار كما يريد‪.‬‬
‫وبالفعل نجح إبليس نجاحا كبيرا في تحقيق هدفه‪ ،‬فقد سار وراءه‬
‫أغلب البشر‪ ..‬ساروا وراءه بإرادتهم‪ ،‬ولو استخدم أحدهم عقله؛ لتبين‬
‫له كذب الماني التي يمنيه الشيطان بها أََلمْ أَ ْع َهدْ ِإَليْ ُكمْ يَا َبنِي آدَ َم أَن لّ‬
‫ط مّسَْتقِيمٌ َوَلقَدْ أَضَلّ ِمنْ ُكمْ ِجِبلّ‬
‫شيْطَا َن إِّن ُه لَ ُكمْ َع ُدوّ ّمبِيٌ وَأَنِ ا ْعُبدُونِي َهذَا صِرَا ٌ‬
‫َت ْعُبدُوا ال ّ‬
‫َكثِيًا أَ َف َلمْ تَكُونُوا َت ْعقِلُونَ [يس‪.]62 -60 :‬‬

‫أبواب الشيطان‬
‫ومن أعظم البواب التي يلج منها الشيطان على النسان باب‬
‫الشبهات‪ ،‬وباب الشهوات‪.‬‬
‫فمن باب الشبهات يُشككه في وجود إله لهذا الكون‪ ،‬أو‬
‫يشككه في أن إله الكون هو (الله)‪ ،‬أو يشككه في وجود حياة‬
‫وبعث وحساب بعد الموت ‪ ...‬كل ذلك لكي يبعده عن التوحيد‬
‫ولزوم الصراط‪.‬‬
‫أما باب الشهوات؛ فهو يدخل من خلل النفس وهواها وحبها‬
‫لنيل الشهوات واستيفاء الحظوظ‪ ،‬فيزين لها المحرمات‪،‬‬
‫والفجور‪ ،‬والعصيان‪ ،‬ويستغل جهلها‪ ،‬وحبها لهذه المور ليحقق‬
‫مراده بترك صاحبها لفعل المأمورات‪ ،‬وارتكابه المحظورات‪،‬‬
‫ومن ث َّ‬
‫م يبتعد عن الصراط‪...‬‬

‫الرحيم الودود‬
‫ومع أن الشيطان لم يجبر أحدًا على السير وراءه َومَا كَانَ ِل َي‬
‫جبُْتمْ لِي [إبراهيم‪ ،]22 :‬إل أن الله عز وجل‬
‫َع َليْكُم مّن ُسلْطَانٍ إِ ّل أَن َد َعوْتُ ُكمْ فَا ْسَت َ‬
‫لم يترك عباده فريسة لوساوسه وإغراءاته‪ ،‬وكيف يتركهم وهو‬
‫شيْطَانُ َي ِعدُكُمُ‬
‫الله الودود الذي يحب عباده ويريد لهم دخول جنته ال ّ‬

‫‪32‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫اْلفَقْرَ َويَ ْأمُرُكُم بِاْلفَحْشَا ِء وَالُ َي ِعدُكُم مّ ْغفِرَةً ّم ْنهُ وَ َفضْلً [البقرة‪.]268 :‬‬
‫فكانت رسالته المتتالية لهم والتي تذكرهم بحقيقة وجودهم‬
‫في الدنيا‪ ،‬وأنها دار امتحان‪ ،‬وأن هناك ربًّا واحدًا لهذا الكون ‪..‬‬
‫هو الذي خلقهم‪ ،‬وهو الذي يرزقهم ويحفظهم ويمدهم بكل‬
‫مقومات الحياة‪ ،‬وأن هذا الرب هو وحده المستحق للعبادة‪،‬‬
‫وهو الذي إليه سيرجعون بعد الموت ليسألهم عن المهمة التي‬
‫طالبهم بأدائها‪ ،‬أل وهي عبادته – سبحانه – بالغيب‪ ،‬فمن نجح‬
‫ما أبديًا في دار تسمى‬
‫في القيام بها فإن له جائزة عظيمة‪ ،‬ونعي ً‬
‫«الجنة»‪ ،‬ومن فشل فيها فسيعاقب بالحبس في سجن اسمه‬
‫«النار»‪.‬‬
‫وترسم هذه الرسالت للناس الطريق الموصل لرضا الله عز‬
‫وجل‪ ،‬وكيفية النجاح في اختبار الدنيا‪ ،‬وتستفيض في الحديث عن‬
‫ربهم‪ ،‬وتطمئنهم من ناحيته‪ ،‬وأنه رب رحيم ودود ل يريد لهم إل‬
‫الخير‪ ،‬وأكبر دليل عملي على ذلك هو حلمه عليهم‪ ،‬وعدم‬
‫ل َشكّ‬
‫محاسبتهم الفورية على ذنوبهم أو أخذهم بها‪ ..‬قَالَتْ رُ ُسلُ ُهمْ أَفِي ا ِ‬
‫ل مّسَمّى [إبراهيم‪:‬‬
‫ض َيدْعُو ُك ْم ِلَيغْفِ َر لَكُم مّن ُذنُوبِ ُكمْ َوُيؤَخّرَ ُكمْ إِلَى أَجَ ٍ‬
‫ت وَا َلرْ ِ‬
‫فَاطِرِ السّمَاوَا ِ‬
‫‪.]10‬‬
‫وتقوم هذه الرسالت بتنبيه الناس وتحذيرهم من عدوهم‬
‫الذي يريد لهم الشر ودخول النار‪ ،‬وتكشف لهم أساليبه في‬
‫نعُ عَ ْن ُهمَا ِلبَا َسهُمَا‬
‫الغواية يَا بَنِي آدَ َم لَ َيفْتَِنّنكُمُ الشّ ْيطَانُ َكمَا َأ ْخرَجَ َأبَوَْيكُم مّنَ اْلجَنّ ِة َي ِ‬
‫ث َل َترَوَْنهُمْ [العراف‪.]27 :‬‬
‫لُِيرَِي ُهمَا سَوْءَاِت ِهمَا إِنّ ُه َيرَاكُمْ هُ َو وَقَبِي ُلهُ مِ ْن حَيْ ُ‬
‫‪ ..‬باختصار إنها رسالت تخاطب الناس جميعًا‪ ،‬وتقول لكل‬
‫واحد منهم‪:‬‬

‫أقبل ول تخف فربك ينتظرك‪.‬‬
‫وكانت آخر هذه الرسالت التي أرسلها الله لبني البشر هي‬
‫«القرآن»‪ ،‬فقد جعلها – سبحانه – بمثابة الرسالة الخاتمة للبشرية‬
‫جمعاء‪ ،‬وأرسلها مع خير رسله محمد بن عبد الله عليه الصلة‬
‫والسلم‪.‬‬

‫لماذا أنزل الله القرآن؟!‬
‫إذن فقد أنزل الله عز وجل القرآن ليكون وسيلة يهتدي الناس‬
‫من خللها إلى طريقه‪ ،‬وإلى جنته يَا أَّيهَا النّاسُ َقدْ جَاءَكُمْ ُب ْرهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَْنزَْلنَا‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪33‬‬

‫سيُدْ ِخ ُلهُمْ فِي َرحْ َمةٍ ّم ْنهُ وَ َفضْلٍ وََي ْهدِي ِهمْ إَِل ْيهِ‬
‫صمُوا ِبهِ َف َ‬
‫إَِليْ ُكمْ نُورًا ّمبِينًا فََأمّا الّذِينَ آ َمنُوا بِالِ وَا ْعتَ َ‬
‫سَتقِيمًا [النساء‪.]175 ،174 :‬‬
‫صرَاطًا مّ ْ‬
‫ِ‬
‫فمن يقرأ القرآن يتأكد لديه بالدلة العقلية أن للكون إلهًا‬
‫واحدًا‪ ،‬وأن هذا الله هو الله سبحانه‪ ،‬وأنه خلقنا وأسكننا الرض‬
‫ما أو عذابًا‪.‬‬
‫ليختبرنا‪ ،‬وأن هناك حياة بعد الموت ثم حسابًا‪ ،‬فنعي ً‬
‫ول يكتفي القرآن بذلك بل يرسم للناس الطريق المستقيم‬
‫الموصل للنجاح في هذا الختبار‪ ،‬ونيل رضا الله‪ ،‬ويعَّرفهم‬
‫بالعقبات التي قد تعترضهم‪ ،‬وبالمنحنيات التي قد تُبعدهم‪،‬‬
‫وبعَدُوَّهم الذي يتربص بهم‪..‬‬
‫‪ ..‬كل هذا من خلل خطاب ودود يقطر رحمة وشفقة وحنانا ‪..‬‬
‫خطاب يستحث الجميع إلى سرعة العودة إلى الله قبل فوات‬
‫الوان‪ :‬ا ْسَتجِيبُوا لِ َربّكُم مّن َقبْلِ أَن َيأْتِ َي َيوْ ٌم لّ مَرَ ّد َلهُ مِ َن الِ [الشورى‪ .]47 :‬قُ ْل يَا‬
‫ل َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا ِإّنهُ ُهوَ اْل َغفُورُ‬
‫ِعبَا ِديَ اّلذِينَ َأسْرَفُوا َعلَى أَْنفُسِ ِهمْ َل َت ْقنَطُوا مِن رّحْ َمةِ الِ إِ ّن ا َ‬
‫الرّحِيمُ [الزمر‪.]53 :‬‬
‫إنه الحبل المتين الذي أنزله الله من السماء لينتشل به‬
‫الناس من الضلل ‪..‬‬
‫إنه حبل الود ّ الذي يظهر مدى حب الله لعباده‪ ،‬وأنه يريد‬
‫لهم جميعًا الخير‪.‬‬
‫‪ ..‬ألم يقل ‪« :‬أبشروا‪ ،‬فإن هذا القرآن طرفه بيد ال‪ ،‬وطرفهُ بأيديكم‪ ،‬فتمسكوا‬
‫به‪ ،‬فإنكم لن تلكوا‪ ،‬ولن تضلوا بعده أبدًا»(‪.)1‬‬

‫المعرفة وحدها ل تكفى‪:‬‬
‫فإن قلت إن معرفة طريق الهدى وحدها ل تكفي للسير فيه‪،‬‬
‫فقيود الشهوات تقيد القلب‪ ،‬وتجذبه إلى الرض‪ ،‬ووساوس الشيطان‬
‫وإغراءاته تثبط النسان كلما ه َّ‬
‫م بفعل الخير‪.‬‬
‫‪ ...‬نعم‪ ،‬هذا صحيح فمعرفة طريق الهدى وحدها ل تكفي بل‬
‫لبد من وسيلة تعين الناس على السير فيه ‪ ..‬لبد من دواء‬
‫يشفي صدورهم‪ ،‬ويُخل ِّص قلوبهم من سيطرة الهوى وحب‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح‪ ،‬رواه الطبراني‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬ح (‪.)34‬‬

‫‪34‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الدنيا والتثاقل إلى الرض‪ ،‬لبد من وجود مادة تفجر الطاقات‬
‫وتولد القوة الدافعة داخل النسان للسير في طرق الهداية ‪..‬‬
‫وهنا يظهر أعظم جانب لمعجزة القرآن أل وهو قدرته الفذة‬
‫على التغيير والتقويم لكل من يُقبل عليه‪ ،‬ويدخل في دائرة‬
‫تأثير معجزته وذلك من خلل قوة تأثيره على المشاعر‪ ،‬فيمتزج‬
‫بها مدلول القناعات العقلية التي تقدمها اليات فتصبح إيمانا‬
‫يستقر في القلب‪ ،‬ليتم ترجمة هذا اليمان بعد ذلك في صورة‬
‫عمل وسلوك‪.‬‬
‫فالقرآن ليس وسيلة للهداية فقط بل هو ُهدًى وَ ِشفَاءٌ‬
‫‪.]44‬‬
‫‪ ..‬يدل الناس على الطريق إلى الله‪ ،‬ويأخذ بأيديهم إليه‪ ،‬ويكون‬
‫ل نُورٌ وَ ِكتَابٌ‬
‫لهم في ذلك الطريق نعم الصاحب المين َق ْد جَاءَكُم مّنَ ا ِ‬
‫سلَمِ َوُيخْرِجُهُم مّ َن ال ّظلُمَاتِ ِإلَى النّورِ بِإِ ْذِنهِ وَيَ ْهدِي ِهمْ‬
‫ضوَاَنهُ ُسبُلَ ال ّ‬
‫ّمبِيٌ يَ ْهدِي ِب ِه الُ مَ ِن اّتبَعَ رِ ْ‬
‫ستَقِيمٍ [المائدة‪.]16 ،15 :‬‬
‫ِإلَى صِرَاطٍ مّ ْ‬
‫[فصلت‪:‬‬

‫أرأيت ماوصف الله به القرآن وأنه ليس بكتاب هداية فقط‬
‫ضا يقوم بإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن‬
‫بل إنه أي ً‬
‫الله؟!‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى المثال الذي ضربه الله عز وجل‬
‫للناس وبيَّن فيه قدرة القرآن على التأثير والتغيير‪َ :‬لوْ أَْنزَلْنَا هَذَا‬
‫س َل َع ّلهُمْ‬
‫ضرُِبهَا لِلنّا ِ‬
‫الْ ُقرْآنَ َعلَى جََبلٍ ّلرَأَيَْت ُه خَاشِعًا مّتَصَ ّدعًا مّنْ خَشَْي ِة الِ وَِت ْلكَ المْثَالُ َن ْ‬
‫يََت َف ّكرُونَ [الحشر‪.]21 :‬‬
‫فالقرآن هو الرحمة العظمى التي أرسلها الله للبشرية‬
‫لتكون بمثابة الوسيلة السهلة والدواء الناجع لشفائها من‬
‫أمراضها وهدايتها إليه يَا أَّيهَا النّاسُ قَ ْد جَاءَْتكُم مّ ْو ِعظَ ٌة مّن رّّبكُمْ َوشِفَا ٌء ّلمَا فِي‬
‫الصّدُورِ وَهُدًى َو َر ْحمَ ٌة ّل ْلمُؤْمِنِيَ [يونس‪.]57 :‬‬
‫‪ ..‬نعم – أخي – هذه هي أهم وأخطر وظيفة للقرآن‪ ،‬وهذا هو‬
‫السر العظم لمعجزته‪ ،‬فكل آية من آياته‪ ،‬وكل سورة من سوره‪،‬‬
‫تحمل منابع غزيرة لليمان‪ ..‬هذه المنابع جاهزة للتفجر والتدفق في‬
‫َ‬
‫عل ّته‪.‬‬
‫قلب أي شخص يتعرض لها مهما بلغت قسوته‪ ،‬ومهما كانت ِ‬
‫فالقرآن ل يستعصى عليه – بإذن الله – مرض‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪35‬‬

‫من المراض إل ويشفيه ول شبهة أو ظلمة من‬
‫الظلمات إل وينيرها بنور الله الذي يفيض ويشع من‬
‫كل آياته وكلماته‪ ،‬فيتبدل حال كل من يتعرض له‬
‫تعرضا مستمرا ليصبح شخصا آخر تتمثل فيه معاني‬
‫العبودية الحقة‪ ،‬والتعامل الصحيح المتوازن مع كل‬
‫متغيرات حياته‪.‬‬

‫القرآن وإغلق مداخل الشيطان‪:‬‬
‫فإن قلت‪ :‬وماذا يفعل القرآن في معركة العبد مع‬
‫الشيطان؟!‬
‫جاءك الجواب بأن القرآن الذي يعد بمثابة الحبل المتين يُبعد‬
‫ن يتمسك به عن دائرة تأثير الشيطان من خلل أمور كثيرة‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫لعل من أبرزها هو إغلقه لبابَي الشبهات والشهوات اللذين‬
‫يدخل منهما الشيطان على النسان‪.‬‬
‫فكل شبهة يثيرها الشيطان تجد الرد المقنع الحاسم عليها‬
‫في القرآن بسهولة ويسر‪ ،‬مهما كانت الشبهة مثل‪ :‬هل للكون‬
‫إله‪ ،‬وهل اسمه الله‪ .. ،‬هل له ولد؟!‪ ..‬هل له زوجة؟! هل له‬
‫شريك؟! ‪ ..‬هل هناك حساب بعد الموت؟‪ ....‬فالقرآن يفيض‬
‫بعشرات اليات التي ترد ردا مقنعًا قاط ًعا على مثل هذه‬
‫الشبهات ‪ ..‬كقوله تعالى في الرد على شبهة عدم وجود خالق‬
‫لهذا الكون‪ :‬أَ ْم ُخلِقُوا ِم ْن غَ ْيرِ َشيْءٍ أَمْ هُمُ اْلخَالِقُونَ [الطور‪.]35 :‬‬
‫وليس‬

‫ورده على من أثار شبهة أن القرآن من عند محمد‬
‫من عند الله أَ ْم‬
‫ل إِن كُنْتُمْ‬
‫ش ِر سُوَ ٍر مّ ْثلِ ِه مُفَْترَيَاتٍ وَا ْدعُوا مَ ِن اسَْت َطعْتُم مّن دُونِ ا ِ‬
‫يَقُولُونَ افَْترَاهُ ُقلْ فَأْتُوا بِعَ ْ‬
‫صَادِقِيَ فَإِن لّ ْم يَسَْتجِيبُوا َلكُمْ فَا ْع َلمُوا أَّنمَا أُْن ِز َل بِ ِعلْ ِم الِ وَأَن لّ ِإلَ َه ِإلّ هُوَ َف َه ْل أَنْتُمْ‬
‫س ِلمُونَ [هود‪.]14 ،13 :‬‬
‫مّ ْ‬

‫‪ ..‬أما فعله لغلق باب الشهوات فيأتي من خلل تقوية‬
‫اليمان‪ ،‬وزيادته باستمرار ‪ ..‬وكلما ازداد اليمان نقص الهوى‪،‬‬
‫ومن ثم ضعف داعي الهوى في قلب النسان وقوي داعي‬
‫اليمان‪ ،‬ليصبح السلطان على القلب لمصلحة اليمان‪ ،‬فيدخل‬
‫ك َعلَ ْيهِمْ ُس ْلطَانٌ‬
‫س َل َ‬
‫العبد بذلك في دائرة قوله تعالى‪ِ :‬إ ّن عِبَادِي لَيْ َ‬
‫[الحجر‪ ]42 :‬أي ليس لك على قلوبهم سلطان بسبب تمكن‬

‫‪36‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫اليمان منها‪ ،‬ول يوجد مثل القرآن في قدرته الفذة على زيادة‬
‫اليمان وَِإذَا ُتلَِيتْ َعلَ ْيهِ ْم آيَاتُهُ زَادَْتهُ ْم إِيَانًا [النفال‪.]2 :‬‬
‫وكيف ل يكون القرآن كذلك‪ ،‬والذي أنزله هو الذي خلق‬
‫النسان ويعلم ما توسوس به نفسه‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م فهو يعرف داءه‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ [الفرقان‪.]6 :‬‬
‫سرّ فِي ال ّ‬
‫ودواءه ُق ْل أَنزَلَهُ الّذِي يَ ْعلَمُ ال ّ‬
‫إنه الدواء الرباني قَدْ جَاءَْتكُم مّ ْو ِعظَةٌ مّن رّّبكُمْ َوشِفَا ٌء ّلمَا فِي الصّدُورِ‬
‫[يونس‪.]57 :‬‬
‫يقول عبد الله بن مسعود‪ :‬إن هذا الصراط محتضر تحضره‬
‫الشياطين‪ ،‬يقولون‪ :‬هَل ُ َّ‬
‫م يا عبد الله‪ ،‬ليصدوا عن سبيل الله‪،‬‬
‫(‪)1‬‬
‫فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله ‪.‬‬

‫ابن القيم وتجربته مع القرآن‪:‬‬
‫وللمام ابن القيم كلم نفيس يؤكد قدرة القرآن الفذة –‬
‫بإذن الله – على إغلق بابي الشبهات والشهوات أمام الشيطان‬
‫فيقول‪:‬‬
‫جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات‪،‬‬
‫والقرآن شفاء للنوعين‪.‬‬
‫ففيه من البينات والبراهين القاطعة ما يبين الحق من‬
‫الباطل‪ ،‬فتزول أمراض الشبهات المفسدة للعلم والتصور‬
‫والدراك‪ ،‬بحيث يرى الشياء على ما هي عليه ‪...‬‬
‫وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين على‬
‫حل‬
‫التوحيد‪ ،‬وإثبات الصفات‪ ،‬وإثبات المعاد والنبوات‪ ،‬ورد الن ِّ َ‬
‫الباطلة‪ ،‬والراء الفاسدة مثل القرآن‪.‬‬
‫م الوجوه وأحسنها‪،‬‬
‫فإنه كفيل بذلك كله‪ ،‬متضمن له على أت ّ‬
‫وأقربها إلى العقول‪ ،‬وأفصحها بيانا‪ ...‬وأحسن ما عند المتكلمين‬
‫وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريًرا‪ ،‬وأحسن تفسيًرا‪ ،‬فليس‬
‫عندهم إل التكلف والتطويل والتعقيد‪.‬‬
‫‪ ..‬ولقد تأملت الطرق الكلمية‪ ،‬والمناهج الفلسفية‪ ،‬فما‬
‫رأيتها تشفي عليل‪ ،‬ول تروى غليل‪ ،‬ورأيت أقرب الطرق طريقة‬
‫‪1‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.75‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬جبل الــــــود‬

‫‪37‬‬

‫القرآن ‪ ..‬ومن جَّرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي‪.‬‬

‫إصلح الرادة‪:‬‬
‫أما شفاؤه لمرض الشهوات‪ ،‬فذلك لما فيه من الحكمة‬
‫والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب‪ ،‬والتزهيد في الدنيا‪،‬‬
‫والترغيب في الخرة‪ ،‬والمثال والقصص التي فيها أنواع العبر‬
‫والستبصار‪ ،‬فيرغب القلب السليم فيما ينفعه‪ ،‬ويرغب عما‬
‫ضا للغي‪...‬‬
‫يضره‪ ،‬فيصير القلب محبًا للرشد‪ ،‬مبغ ً‬
‫فالقرآن مزيل للمراض الموجبة للرادات الفاسدة‪ ،‬فيصلح‬
‫القلب‪ ،‬فتصلح إرادته‪ ،‬ويعود إلى فطرته التي فُطر عليها‪،‬‬
‫فتصلح أفعاله الختيارية الكسبية ‪ ..‬فيصير بحيث ل يقبل إل‬
‫الحق‪ ،‬كما أن الطفل ل يقبل إل اللبن(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬لذلك فإن القرآن للقلوب‪ ،‬كالغيث للرض‪ ،‬فهو ينبت فيها‬
‫اليمان كما ينبت الماء الزرع‪.‬‬
‫وباستمرار تعرض القلوب للقرآن يزداد اليمان‪ ،‬وتقوى الرادة‪،‬‬
‫ويصلح القلب حتى يصير كما قال ‪« :‬أبيض مثل الصفا‪ ،‬ل تضره فتنة ما دامت‬
‫السماوات والرض»(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬هذا القلب هو القلب السليم الذي ليس للشيطان‬
‫سلطان عليه لتحرره من سيطرة الهوى‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬سيكون للشيطان بعض الل ّمات ولكن سرعان ما‬
‫سهُمْ طَاِئفٌ مّنَ‬
‫يفيق منها القلب‪ ،‬وتعود إليه بصيرته‪ِ :‬إنّ الّذِينَ اتّقَوْا ِإذَا مَ ّ‬
‫صرُونَ [العراف‪.]201 :‬‬
‫الشّ ْيطَا ِن تَ َذ ّكرُوا فَِإذَا هُم مّبْ ِ‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان‪ 75 – 1/73 :‬باختصار‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪ ،‬والمام أحمد وأورده اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬ح (‪.)2960‬‬

‫الفصل الثالث‬

‫روح القلوب وقوتها‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪39‬‬

‫روح القلوب وقوتها‬
‫من عجائب القرآن أنه‬
‫ميسر للجميع‪ ،‬ل يحتاج إلى‬
‫عقلية خاصة‪ ،‬أو طقوس‬
‫معينة‪ ،‬أو أماكن محددة‪ ،‬أو‬
‫أزمنة بعينها للتعامل معه‪.‬‬
‫فهو متاح في كل الظروف والحوال ‪ ..‬يخاطب العامة‬
‫والخاصة‪ ،‬والعلماء والميين‪ ،‬والرجل والمرأة‪ ،‬فيُحدث في‬
‫الجميع أثره العظيم‪ ،‬ويمد القلوب بالروح‪ ،‬ويفجر منابع إيمانه‬
‫فيها‪ ،‬فيخرجها من الظلمات إلى النور‪ ،‬ومن غلبة الهوى إلى‬
‫غلبة اليمان‪.‬‬
‫‪ ..‬إنه كالشمس تسع الجميع بضيائها وأثرها ودفئها‪ ،‬ويزيد‬
‫عن شمس الدنيا بأن شمسه ل تغرب‪ ،‬ونوره ل يأفل‪.‬‬
‫وكما أن شمس الدنيا ل تؤثر إل فيمن يتعرض لها؛ كذلك‬
‫ي ِلمَ ْن شَاءَ‬
‫القرآن ل يؤثر إل فيمن يتعرض له ِإنْ هُ َو ِإ ّل ِذ ْكرٌ ّللْعَاَلمِ َ‬
‫مِ ْنكُ ْم أَن يَسَْتقِيمَ [التكوير‪.]28 ،27:‬‬
‫ول يعني أبدًا عدم رؤية البعض للشمس بسبب الغيوم‬
‫وال ُّ‬
‫سحب‪ ..‬أنها غير موجودة‪ ،‬أو أن تأثير وجودها ل يعدو ذلك‬
‫الضوء الخافت المختلط بالضباب‪ ،‬والذي تصعب معه الرؤية‪..‬‬
‫‪ ..‬كذلك القرآن‪ ،‬فمعجزته موجودة ومحفوظة بحفظ الله‬
‫لها‪ ،‬ويظل تأثيرها الفذ يعمل ويعمل حتى قيام الساعة‪ ،‬فإن‬
‫حجب بعضها فوق‬
‫حجب بيننا وبينها‪ ،‬وإن أصبحت تلك ال ُ‬
‫حالت ال ُ‬
‫بعض‪ ،‬إل أن ذلك ل ينبغي أن يكون مدعاة للستسلم للمر‬
‫الواقع‪ ،‬والظن بأن هذا هو الوضع الطبيعي للقرآن‪ ،‬بل علينا أن‬
‫نجتهد ونجتهد في الوصول إلى دائرة التأثير المباشر لتلك‬
‫المعجزة‪.‬‬
‫ومما يدعو للسف أن طول أمد بعدنا عنها‪ ،‬مع إلفنا لذلك‬
‫الوضع‪ ،‬جعلنا نكاد ل نصدق بكونها مصدًرا متفردًا فذ ًا للتأثير‬

‫‪40‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الدائم‪ ،‬والتغيير الحقيقي‪.‬‬
‫من هنا تظهر الحاجة للتذكير بأهمية هذه المعجزة والسر‬
‫العظم فيها‪ ،‬ومظاهر تأثيرها ليكون ذلك دافعًا يدفعنا للبحث‬
‫الجاد عن كيفية الوصول إليها والنتفاع بها‪.‬‬

‫روح تسرى في القلوب‪:‬‬
‫من أهم الوصاف التي وصف بها القرآن أنه‪« :‬روح»‬
‫ك أَ ْوحَيْنَا إِلَ ْيكَ رُوحًا مّ ْن أَ ْمرِنَا [الشورى‪.]52 :‬‬
‫َوكَذَِل َ‬
‫فأهمية وجوده في القلب وتأثيره عليه‪ ،‬كأهمية الروح‬
‫بالنسبة للجسد ‪ ..‬بل يزيد باعتبار أن الجساد إلى زوال‪ ،‬وأن‬
‫القلب هو محل نظر الله عز وجل‪ ،‬وعلى قدر سلمته وصحته‬
‫تكون الستقامة في الدنيا‪ ،‬والنجاة يوم القيامة يَوْ َم َل يَن َفعُ مَالٌ َولَ‬
‫ل ِب َقلْبٍ َسلِيمٍ [الشعراء‪.]89 ،88 :‬‬
‫بَنُونَ ِإلّ َمنْ أَتَى ا َ‬
‫لذلك ل يخطئ من يقول بأن من يقرأ القرآن ويُحسن‬
‫التعرض لتأثير آياته يجد نفسه وكأنه يتعامل مع «كائن حي‬
‫يتحرك وينطق ‪ ..‬له مشاعر‪ ،‬يفرح ويحزن‪ ،‬يرضى ويغضب ‪..‬‬
‫ينتقل بين سور القرآن فتتحرك بها مشاعره ‪ ..‬هذه سورة تثير‬
‫فيه مشاعر الثقة والعتزاز‪ ،‬وتلك سورة تثير فيه مشاعر‬
‫الغيرة‪ ،‬وأخرى تثير فيه مشاعر الغضب لله‪ ،‬وتلك سورة تثير‬
‫(‪)1‬‬
‫فيه مشاعر الحزان‪ ،‬وهكذا‪»....‬‬
‫إنه ليس كتابًا فحسب‪ ،‬وليس دواء فحسب‪ .‬إنه شيء متفرد‬
‫ل يمكن إدراك كنهه وقدرته الفذة على العمل في ذات النسان‬
‫‪ ..‬إنه ‪-‬كما يقول سيد قطب‪ :-‬يزيل الغشاوة‪ ،‬ويفتح النوافذ‪،‬‬
‫ويسكب النور‪ ،‬ويحرك المشاعر‪ ،‬ويستجيش القلوب‪ ،‬ويخلص‬
‫الضمير‪ ،‬وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير(‪..)2‬‬

‫من دخل فيه فهو آمن‪:‬‬
‫إن القرآن كما يقول عبد الله بن مسعود ‪ :‬مأدبة الله عز‬
‫‪1‬‬

‫() التعبير القرآني والدللة النفسية‪.222 /‬‬

‫‪2‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.3297 /6‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪41‬‬

‫(‪)1‬‬

‫وجل فمن دخل فيه فهو آمن‬

‫وكيف ل‪ ،‬والذي يتلوه حق تلوته يشعر بأنه (يعيش حياة‬
‫نابضة في عالم آخر غير الذي يعيش فيه‪ ..‬يدرك أن روحا‬
‫تسرى فيه‪.‬‬
‫‪ ..‬يحس من يقرأ في القرآن متنقل ً بين آياته وسوره أنه‬
‫يعيش في قرية صغيرة‪ ،‬يجمعها مكان واحد‪ ،‬هي هذه المعمورة‬
‫رغم اتساعها‪ ..‬ويكتنفها زمان واحد من لدن آدم حتى قيام‬
‫الساعة‪.‬‬
‫‪ ..‬نصوص مفتوحة أمامها الطريق‪ ،‬ل يحدها زمان‪ ،‬ول‬
‫يقيدها مكان‪ ،‬تلقى تعاليمها لهذا النسان الذي ل تتغير مشاعره‬
‫وجوانبه النفسية وميوله على اختلف الزمان‪.‬‬
‫‪ ..‬هكذا يجد كل إنسان فيه بغيته ‪ ..‬يُقبل عليه المهموم ليجد‬
‫فيه بلسمه‪ ،‬ويقبل عليه المحزون ليجد فيه سلوته‪ ،‬ويقبل عليه‬
‫العالم ليجد فيه طلبه‪ ،‬ويقبل عليه الهارب من قيود الحياة‬
‫الرتيبة ليجد فيه خلوته ‪ ..‬يُقبل عليه الضال التائه ليجد ضالته‪،‬‬
‫فهو – كما ورد في وصفه – مأدبة الله‪ ،‬كل إنسان يأخذ منه‬
‫حاجته‪ ،‬ويجد فيه قناعته ومتعته وسلوته)(‪..)2‬‬
‫وفوق كل هذا‪ ...‬تلك الطاقة الروحية التي يولدها في نفس‬
‫من يُقبل عليه ‪ ..‬يقول محمد فريد وجدي‪ :‬إن في القرآن طاقة‬
‫روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس النسان‪ ،‬فهو يهز‬
‫وجدانه‪ ،‬ويرهف أحاسيسه ومشاعره‪ ،‬ويصقل روحه‪ ،‬ويوقظ‬
‫إدراكه وتفكيره(‪..)3‬‬
‫‪ ..‬إنه يثير العواطف ويوقظ العقول في وقت واحد‪ ،‬وبعد‬
‫القتناع يطمئن العقل ويهدأ الحساس‪ ،‬ويشعر النسان بنشوة‬
‫الفرح والرتياح(‪.)4‬‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه القريابي في فضائل القرآن رقم (‪.)59‬‬

‫‪2‬‬

‫() التعبير القرآني والدللة النفسية ص‪.225 ،224 :‬‬

‫‪3‬‬

‫() التعبير القرآني والدللة النفسية‪ 111 /‬نقل ً عن دائرة معارف القرن‬
‫العشرين لمحمد فريد وجدي ‪.7/679‬‬

‫‪4‬‬

‫() المصدر السابق‪.136 /‬‬

‫‪42‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫تأثير يُدرك ول يمكن وصفه‪:‬‬
‫يقول محمد فريد وجدي‪ :‬لما كان القرآن روحا من أمر الله‬
‫فل جرم كانت له روحانية خاصة هي عندنا جهة إعجازه‪،‬‬
‫والسبب الكبر في انقطاع النس والجن عن محاكاة أقصر‬
‫سورة من سوره‪ ،‬وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند‬
‫سماعه(‪.)1‬‬
‫صا يشعر به كل من يواجه‬
‫(إن في هذا القرآن سًرا خا ً‬
‫نصوص القرآن ابتداءًا قبل أن يبحث عن مواضع العجاز فيه‪،‬‬
‫إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن‪.‬‬
‫‪ ..‬يشعر أن هنالك شيئًا ما وراء المعاني التي يدركها العقل‬
‫من التعبير‪ ،‬وأن هنالك عنصًرا ينسكب في الحس بمجرد‬
‫حا‪ ،‬ويدركه بعض‬
‫الستماع لهذا القرآن‪ ،‬يدركه بعض الناس واض ً‬
‫ضا‪ ،‬ولكنه على كل موجود ‪ ..‬هذا العنصر الذي‬
‫الناس غام ً‬
‫ينسكب في الحس‪ ،‬يصعب تحديد مصدره‪ :‬أهو العبارة ذاتها؟‬
‫أهو المعنى الكامن فيها؟‬
‫أهو الصور والظلل التي تشعها؟ أهو اليقاع القرآني الخاص‬
‫المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه‬
‫العناصر كلها مجتمعة؟ أم أنها تشمل ما تقدم وشيئًا آخر وراءها‬
‫غير محدود!‬
‫ذلك سر مودع في كل نص قرآني يشعر به كل من يواجه‬
‫نصوص هذا القرآن ابتدا ًء ثم تأتي وراءه السرار المدركة‬
‫بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله) (‪.)2‬‬
‫‪ ..‬فالقرآن له سلطان الجلل والمهابة يستولى على‬
‫قلوب المخاطبين استيلءً (كالقهر وما هو بالقهر‪ ،‬له فعل‬
‫في القلوب كالسحر وما هو بالسحر‪ ،‬ل يختص ذلك بالنصار‬
‫دون الخصوم‪ ،‬ول بمحالفيه دون مخالفيه‪ ،‬بل يغزو القلب‬
‫من حيث ل يمكن لصاحبه رد‪ ،‬ويؤثر فيه من حيث ل يمكن‬
‫دفع‪ ،‬أثر في العداء كما أثر في التباع) (‪.)3‬‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق ‪.109/‬‬

‫‪2‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.6/3399‬‬

‫‪3‬‬

‫() التعبير القرآني والدللة النفسية ‪.128‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪43‬‬

‫من مظاهر تأثير القرآن‪:‬‬
‫ضا من مظاهر تأثيره في الخرين‪،‬‬
‫ولقد وصف لنا القرآن بع ً‬
‫ولم يقصر القرآن هذا التأثير على البشر فقط بل نجده قد‬
‫تعداهم إلى الجن‪ ،‬بل وإلى الجماد‪..‬‬
‫ولئن كنا ل نستطيع إدراك سر تأثير القرآن وكيفية عمله في‬
‫داخل الفرد إل أننا يمكن أن ندرك بعضا من أبعاده من خلل‬
‫نتائج ومظاهر هذا التأثير‪.‬‬

‫خشوع الجبال وتصدعها‪:‬‬

‫(لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وشدة تأثيره أنه لو أُنزل‬
‫جعل للبشر‪ ،‬لرأيت‬
‫جعل له عقل كما ُ‬
‫على جبل من الجبال‪ ،‬و ُ‬
‫الجبل – مع كونه في غاية القسوة والصلبة – خاشعًا متصدعًا‬
‫من خشية الله كما قال تعالى‪َ :‬لوْ أَْنزَلْنَا هَذَا الْ ُقرْآنَ َعلَى جََبلٍ ّلرَأَيَْت ُه خَاشِعًا‬
‫مَّتصَ ّدعًا مّ ْن خَشْيَ ِة الِ [الحشر‪ ]21 :‬أي‪ :‬لتَّعظ الجبل وتصدَّع صخُره‬
‫من شدة تأثره من خشية الله‪.‬‬
‫ففي هذا بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات‪،‬‬
‫ما‪..‬‬
‫ما‪ ،‬أو حجًرا أص ً‬
‫ولو كانت جبل ً أش ً‬
‫ضرب التصدع مثل ً لشدة النفعال والتأثير‪ ،‬لن منتهى تأثر‬
‫و ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫الجسام الصلبة أن تنشق وتتصدع‪ ،‬ول يحصل ذلك بسهولة) ‪.‬‬
‫ويعلق سيد قطب على هذه الية فيقول‪ :‬هي صورة تمثل‬
‫الحقيقة‪:‬‬
‫فإن لهذا القرآن لثقل ً وسلطانًا وأثًرا مزلزل ً ل يثبت له شيء‬
‫يتلقاه بحقيقته والذين أحسوا شيئًا من مس القرآن في كيانهم‬
‫يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا ل يعبر عنه إل هذا النص القرآني‬
‫المشع الموحي(‪.)2‬‬

‫القشعريرة والسجود‪:‬‬
‫فإن كان الجبل سيندك إذا ما استقبل القرآن‪ ،‬كذلك فإن‬
‫القلوب المؤمنة تخشع وتهتز هًزا عنيفًا عند استقباله‪ ،‬ولقد‬
‫‪1‬‬

‫() عظمة القرآن للدوسري‪.72 ،71 /‬‬

‫‪2‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.6/3532‬‬

‫‪44‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وصف لنا القرآن بعضا من مظاهر هذا التأثير‪:‬‬
‫سنَ اْلحَدِيثِ ِكتَابًا مّتَشَاِبهًا مّثَاِن َي َتقْشَ ِعرّ‬
‫ل َن ّزلَ َأحْ َ‬
‫فمن ذلك قوله تعالى‪ :‬ا ُ‬
‫ي ُجلُودُهُمْ وَ ُقلُوُبهُ ْم إِلَى ِذ ْكرِ الِ [الزمر‪.]23 :‬‬
‫مِ ْن ُه ُجلُودُ الّذِي َن َيخْشَ ْونَ رَّبهُ ْم ثُ ّم َتلِ ُ‬
‫فالقلب يتأثر ويلين‪ ،‬والجلد يقشعر ويلين ‪ ..‬وما هذا إل دللة‬
‫على الثر الذي أحدثه القرآن في القلب‪ ،‬والهزة العنيفة التي‬
‫حدثت للمشاعر‪.‬‬
‫وليس ذلك فحسب‪ ،‬بل إن المؤمن الذي يتلو اليات ويعيش‬
‫معها يجد قلبه وقد استولت عليه مشاعر التعظيم والمهابة‬
‫والجلل لله عز وجل‪ ،‬ول يستطيع أن يسيطر على هذه‬
‫المشاعر فتجده يسجد بتلقائية لربه إجلل ً وخشية ومهابة ِإنّ‬
‫خرّو َن لِلذْقَا ِن ُسجّدًا وَيَقُولُو َن سُ ْبحَانَ رَبّنَا إِن‬
‫الّذِي َن أُوتُوا الْ ِعلْ َم مِن قَ ْب ِلهِ ِإذَا ُي ْتلَى َعلَ ْيهِمْ َي ِ‬
‫م خُشُوعًا [السراء‪،107 :‬‬
‫خرّو َن لِلذْقَانِ يَ ْبكُونَ وََيزِيدُهُ ْ‬
‫كَانَ َوعْدُ رَبّنَا َلمَ ْفعُولً وََي ِ‬
‫‪.]109‬‬
‫حا قوله‬
‫فالحال المتوقع لمن يستقبل القرآن استقبال ً صحي ً‬
‫ت ال ّر ْحمَنِ َخرّوا ُسجّدًا وَُبكِيّا [مريم‪.]58 :‬‬
‫تعالى‪ِ :‬إذَا تُ ْتلَى َعلَ ْيهِ ْم آيَا ُ‬
‫فإن لم يصاحب البدن القلب في سجوده‪ ،‬اكتفى القلب‬
‫بالسجود وحده من خلل وجله واهتزازه وهبوطه خشوعًا لربه‪.‬‬
‫ومما يلفت النتباه أن الله عز وجل قد ذَّم الكافرين لعدم‬
‫سجودهم عند سماعهم للقرآن فَمَا َل ُهمْ لَ يُ ْؤ ِمنُونَ َوِإذَا ُقرِىءَ َع َل ْيهِمُ اْل ُقرْآنُ لَ‬
‫سجُدُونَ [النشقاق‪.]21 ،20 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫وكأن الحال الطبيعي للنسان عند سماعه للقرآن هو‬
‫السجود لشدة تأثير القرآن على المشاعر والقلوب ‪..‬‬
‫وليست هذه النفعالت وما يصاحبها من قشعريرة ووجل‬
‫وخشوع وسجود افتراضات نظرية أو أحوال مثالية يذكرها لنا‬
‫القرآن من باب التحفيز‪ ،‬بل لقد تكررت صورها كثيًرا في الجيل‬
‫الول‪ ،‬ول تزال تتكرر وإن كانت أقل بكثير من الماضي لسباب‬
‫عديدة ليس منها أبدًا فقدان القرآن لخاصية تأثيره على‬
‫القلوب‪ ،‬فالمعجزة القرآنية ل زالت وستظل تعمل حتى قيام‬
‫الساعة‪ ،‬فهي محفوظة بحفظ الله ‪ ..‬فهذه (هوني) التي نشأت‬
‫في أسرة انجليزية مسيحية‪ ،‬وشغفت بالفلسفة ثم سافرت إلى‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪45‬‬

‫كندا لكمال دراستها‪ ،‬وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف‬
‫على السلم‪ ،‬وأن تنتهي إليه ‪ ..‬تقول (هوني) واصفة حالها مع‬
‫لقاءاتها الولى بالقرآن‪:‬‬
‫‪ ...‬لن أستطيع مهما حاولت‪ ،‬أن أصف الثر الذي تركه القرآن ف قلب‪ ،‬فلم أكد أنتهي‬
‫من قراءة السورة الثالثة من القرآن حت وجدتن ساجدة لالق هذا الكون‪ ،‬فكانت هذه أول‬
‫صلة ل ف السلم ‪.)1( »...‬‬
‫(وهذا الديب الشاعر (نقول حنا) يعترف بروعة القرآن‪ ،‬و‬
‫تأثيره البالغ في القلوب‪ ،‬فيقول في تقدمته لقصيدته الرائعة‬
‫(من وحي القرآن)‪:‬‬
‫«قرأت القرآن فأذهلني‪ ،‬وتعمقت‬
‫فيه ففتنني‪ ،‬ثم أعدت القراءة فآمنت‬
‫‪ ..‬وكيف ل أؤمن ومعجزة القرآن بين‬
‫يدي أنظرها وأحسها كل حين‪ ،‬هي‬
‫معجزة ل كبقية المعجزات ‪ ..‬معجزة‬
‫إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها‪،‬‬
‫وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو‬
‫يبشر بها»(‪.)2‬‬

‫أجيبوا داعي الله‪:‬‬
‫ومن مظاهر تأثير القرآن‪ ،‬والتي حدثتنا عنها اليات‪ ،‬ما حدث‬
‫لمجموعة من الجن حينما استمعوا إلى آيات من القرآن فكان‬
‫أول رد فعل لهم أن قال بعضهم لبعض‪:‬‬
‫(أنصتوا) ولم يقولوا (اسمعوا) فقد أدهشهم الخطاب‪،‬‬
‫وسيطر عليهم‪ ،‬فتأثروا به تأثًرا بالغًا‪ ،‬وكانت النتيجة السريعة‬
‫لهذا التأثر هو الرغبة الجارفة بتبليغ ما فهموه من فحوى‬
‫ضرُوهُ‬
‫سَتمِعُونَ الْ ُقرْآنَ َف َلمّا َح َ‬
‫ك نَ َفرًا ّمنَ اْلجِنّ يَ ْ‬
‫صرَفْنَا ِإلَ ْي َ‬
‫الخطاب القرآني لقومهم َوِإذْ َ‬

‫قَالُوا َأْنصِتُوا َف َلمّا ُقضِ َي َولّوْا ِإلَى َقوْ ِمهِم مّنْذِرِينَ قَالُوا يَا َقوْمَنَا ِإنّا َسمِعْنَا كِتَابًا ُأْنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى ُمصَدّقًا‬
‫حقّ َوِإلَى َطرِيقٍ مّسَْتقِي ٍم يَا َقوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الِ وَآمِنُوا بِهِ َيغْ ِف ْر لَكُم مّن ُذنُوبِكُمْ‬
‫ّلمَا بَ ْينَ يَ َديْ ِه َيهْدِي ِإلَى الْ َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() قالوا عن القرآن لعماد الدين خليل ملحق لكتاب إشارات العجاز‬
‫للنورسي ص ‪.287‬‬
‫() نظرية العجاز القرآني‪ 110 /‬د‪ .‬أحمد سيد محمد عمار‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫َويُ ِج ْركُم ّمنْ عَذَابٍ َألِيمٍ [الحقاف‪.]31 -29 :‬‬
‫فاليات كما يقول ‪-‬سيد قطب‪ -‬تصور الثر الذي انطبع في‬
‫قلوبهم من النصات للقرآن‪ ،‬فقد استمعوه صامتين منتبهين‬
‫حتى النهاية‪ .‬فلما انتهت التلوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى‬
‫قومهم‪ ،‬وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما ل تطيق‬
‫السكوت عليه‪ ،‬أو التلكؤ في إبلغه والنذار به‪ .‬وهي حالة من‬
‫امتل حسه بشيء جديد‪ ،‬وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلب‪،‬‬
‫يدفعه دفعا إلى الحركة والحتفاء بشأنه وإبلغه للخرين بجد‬
‫واهتمام(‪.)1‬‬

‫تأثير القرآن على مشركي مكة‪:‬‬
‫تروى لنا كتب السيرة‪ :‬أن أبا سفيان بن حرب‪ ،‬وأبا جهل –‬
‫عمرو بن هشام – والخنس بن شريق‪ ،‬خرجوا ليلة ليستمعوا‬
‫من رسول الله وهو يصلي من الليل في بيته‪ ،‬فأخذ كل منهم‬
‫مجلسا يستمع فيه‪ ،‬وكل ل يعرف بمكان صاحبه‪ ،‬فباتوا‬
‫يستمعون له‪ ،‬حتى إذا طلع الفجر تفرقوا‪ ،‬فجمعهم الطريق‪،‬‬
‫فتلوموا قائلين‪ :‬فلو رآكم بعض سفهائكم لوقعتم في نفسه‬
‫شيئًا‪ ،‬ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية‪ ،‬عاد كل رجل إلى‬
‫مجلسه‪ ،‬فباتوا يستمعون له‪ ،‬حتى إذا طلع الفجر تفرقوا‪،‬‬
‫فجمعهم الطريق‪ ،‬فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة‪،‬‬
‫ثم انصرفوا‪ ،‬حتى إذا كانت الليلة الثالثة‪ ،‬أخذ كل رجل منهم‬
‫مجلسه‪ ،‬فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا‪،‬‬
‫فجمعهم الطريق‪ ،‬فقال بعضهم لبعض‪ :‬ل نبرح حتى نتعاهد أل‬
‫نعود‪ ،‬فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا»(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬فما الذي دفعهم لذلك؟!‬
‫إنه التأثير القوي للقرآن على قلوبهم‪ ،‬والذي لم يجعلهم‬
‫يستطيعون (السيطرة على أنفسهم التواقة للستماع إليه‪،‬‬
‫فعادوا رغم تعاهدهم على عدم العودة إلى سماعه) (‪.)3‬‬
‫ولهذا خشوا من هذا التأثير على عبيدهم وسائر الناس «فلو‬
‫‪1‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.6/3273‬‬

‫‪2‬‬

‫() السيرة النبوية لبن هشام ‪.193 ،1/192‬‬

‫‪3‬‬

‫() التعبير القرآني ‪.114/‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪47‬‬

‫رآكم بعض سفهائكم لوقعتم في نفسه شيئًا»‪.‬‬

‫الوليد بن المغيرة‪:‬‬
‫سمع الوليد بن المغيرة شيئًا من القرآن فكأنما رق له‬
‫فقالت قريش‪ :‬صبأ والله الوليد‪ ،‬ولتصبون قريش كلها‪.‬‬
‫فأوفدوا إليه أبا جهل يثير كبرياءه واعتزازه بنسبه وماله‬
‫ويطلب منه أن يقول في القرآن قول ً يعلم به قومه أنه له‬
‫كاره‪.‬‬
‫قال‪« :‬فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم مني‬
‫بالشعر ول برجزه ول بقصيده‪ ،‬ول بأشعار الجن‪ .‬والله ما يشبه‬
‫الذي يقوله شيئًا من هذا‪ .‬والله‪ :‬إن لقوله لحلوة‪ ،‬وإن عليه‬
‫لطلوة‪ ،‬وإنه ليحطم ما تحته‪ ،‬وإنه ليعلو وما يُعلى»‪.‬‬
‫قال أبو جهل‪ :‬والله ل يرضى قومك حتى تقول فيه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فدعني أفكر فيه ‪ .‬فلما فكر قال‪ :‬إن هذا إل سحر‬
‫يؤثر‪ .‬أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه؟ (‪.)1‬‬

‫اعترافات عتبة بن ربيعة‪:‬‬
‫(وهذا عتبة بن ربيعة – من سادة قريش – يقوم إلى محمد‬
‫ليفاوضه باسم المشركين من قريش‪ ،‬ويعرض عليه بعض‬
‫العروض‪ ،‬لعله يقبل بها‪ ،‬ويترك دعوته‪.‬‬
‫ملك‪ ،‬ويعرض عليه المال‪ ،‬ثم يعرض الطب‬
‫فيعرض عليه ال ُ‬
‫إن كان ما يأتيه من قبيل الوساوس والجنون‪..‬‬
‫حتى إذا فرغ الرجل من عروضه‪ ،‬وأتم مهمته‪ ،‬قال له‬
‫رسول الله ‪« :‬أوقد فرغت يا أبا الوليد قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«فاسمع مني»‪ ،‬قال‪ :‬أفعل‪ ،‬فقال رسول الله ‪ :‬بسم الله‬
‫ت آيَاتُهُ ُقرْآنًا َعرَبِيّا‬
‫صلَ ْ‬
‫الرحمن الرحيم حم َتنِيلٌ مّ َن ال ّر ْحمَ ِن ال ّرحِيمِ كِتَابٌ فُ ّ‬
‫سمَعُونَ وَقَالُوا ُقلُوبُنَا فِي َأكِنّ ٍة ِممّا‬
‫ض َأكَْثرُهُمْ َفهُ ْم لَ َي ْ‬
‫شيًا وَنَذِيرًا فََأ ْعرَ َ‬
‫لّ َقوْمٍ يَ ْع َلمُونَ بَ ِ‬
‫تَ ْدعُونَا إِلَ ْيهِ وَفِي آذانِنَا وَ ْقرٌ وَمِن َبيْنِنَا وََبيِْنكَ ِحجَابٌ فَا ْعمَ ْل إِنّنَا عَا ِملُونَ [فصلت‪.]5-1 :‬‬
‫ومضى رسول الله يقرأ عليه سورة فصلت‪ ،‬وعتبة منصت‬
‫لها‪ ،‬وقد ألقى يديه خلف ظهره‪ ،‬معتمدًا عليها يسمع منه‪ ،‬ثم‬
‫‪1‬‬

‫() التصوير الفني في القرآن لسيد قطب‪ 13 /‬نقل عن السيرة لبن هشام‪،‬‬
‫وتفسير ابن كثير‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫انتهى رسول الله إلى آية السجدة من السورة‪ ،‬فسجد وسجد‬
‫معه عتبة‪ ،‬ثم قال‪ :‬قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت‪ ،‬فأنت‬
‫وذاك‪.‬‬
‫وفي بعض الروايات أنه لما وصل إلى قوله تعالى‪ :‬فَِإ ْن‬
‫َأ ْعرَضُوا فَ ُق ْل أَنذَرُْتكُ ْم صَاعِقَةً ِم ْثلَ صَاعِ َقةِ عَادٍ وََثمُودَ قال له عتبة‪ :‬ناشدتك لله‬
‫والرحم أن تمسك‪ ،‬إذ لم يعد عتبة يتمالك نفسه أمام هذا الذي‬
‫يسمع مما ل قبل لهل الرض به‪.‬‬
‫ضا‪،‬‬
‫ثم قام عتبة إلى أصحابه الذين بعثوه عنهم رسول ً ومفاو ً‬
‫إل أنه كان قد سمع ما سمع‪ ،‬فأثر القرآن في نفسه وجوارحه‪،‬‬
‫حتى بدا ذلك في وجهه‪ ،‬فقال القوم بعضهم لبعض‪ :‬نحلف‬
‫بالله‪ ،‬لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‪ ،‬فلما‬
‫جلس إليهم قالوا‪ :‬ما وراءك يا أبا الوليد؟‬
‫قال‪ :‬ورائي أني سمعت قول‪ ،‬والله ما سمعت بمثله قط‪،‬‬
‫والله ما هو بالشعر‪ ،‬ول بالسحر‪ ،‬ول بالكهانة‪.‬‬
‫ُ‬
‫يا معشر قريش‪ ،‬أطيعوني واجعلوها بي‪ ،‬وخل ّوا بين هذا‬
‫الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه‪ ،‬فوالله ليكونن لقوله الذي‬
‫سمعت منه نبأ عظيم(‪.)1‬‬

‫السجود الجماعي‪:‬‬
‫‪ ..‬في يوم من اليام كان رسول الله يقرأ سورة النجم‬
‫عند الكعبة‪ ،‬وكان يستمع لقراءته العديد من المشركين‪،‬‬
‫فسكتوا وأنصتوا‪ ،‬وتأثروا لدرجة أنه عندما بلغ نهاية السورة‪،‬‬
‫وسجد عند قوله تعالى‪ :‬فَا ْسجُدُوا لِ وَاعْبُدُوا ‪ ،‬لم يتمالك جميع‬
‫المستمعين السيطرة على أنفسهم وخروا ساجدين‪.‬‬
‫يقول عبد الله بن مسعود‪ :‬أن النبي قرأ بالنجم فسجد‪،‬‬
‫خا أخذ كفًا من تراب فرفعه‬
‫فلم يبق أحد إل سجد‪ ،‬إل أن شي ً‬
‫إلى جبهته‪ ،‬وقال‪ :‬يكفيني هذا(‪.)2‬‬
‫سجدوا وهم مشركون ‪ ..‬وهم يمارون في الوحي والقرآن‬
‫‪ ..‬وهم يجادلون في الله والرسول!‬
‫‪1‬‬

‫() المعجزة القرآنية لمحمد حسن هيتو‪.38 ،37 /‬‬

‫‪2‬‬

‫() البخاري (‪ ،)3640‬ومسلم (‪.)576‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪49‬‬

‫سجدوا تحت هذه المطارق الهائلة التي وقعت على قلوبهم‬
‫والرسول يتلو هذه السورة عليهم‪ ،‬وفيهم المسلمون‬
‫والمشركون‪ .‬ويسجد فيسجد الجميع‪.‬‬
‫‪ ..‬ل يملكون أن يقاوموا وقع هذا القرآن؛ ول أن يتماسكوا‬
‫لهذا السلطان ‪ ..‬ثم أفاقوا بعد فترة فإذا هم في ذهول من‬
‫سجودهم كذهولهم وهم يسجدون‪.‬‬
‫بهذا تواترت الروايات‪ ،‬ثم افترقت في تعليل هذا الحادث‬
‫الغريب‪ ،‬وما هو في الحقيقة بغريب‪ ،‬فهو تأثير هذا القرآن‬
‫العجيب ووقعه الهائل في القلوب(‪.)1‬‬

‫خوف المشركين من فتنة نسائهم وأولدهم بسماعهم‬
‫للقرآن‪:‬‬
‫لما اشتد أذى المشركين بالمسلمين‪ ،‬وهاجر بعض الصحابة‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬رغب أبو بكر بالهجرة‪ ،‬فلقيه ابن الدُّغنَّة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر‪ :‬أخرجني قومي‪ ،‬فأريد أن‬
‫أسيح في الرض‪ ،‬وأعبد ربي‪ ،‬قال ابن الدغنة‪ :‬فإن مثلك يا أبا‬
‫بكر ل يخرج ول يُخرج‪ ،‬إنك لتكسب المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪،..‬‬
‫أنا لك جار‪ ،‬ارجع أعبد ربك ببلدك‪.‬‬
‫فرجع معه وطاف على أشراف قريش وأبلغهم بأنه أجار أبا‬
‫مر أبا بكر فليعبد ربه في داره‪،‬‬
‫بكر فرضوا بجواره‪ ،‬وقالوا له‪ُ :‬‬
‫فليص َّ‬
‫ل بها وليقرأ ما شاء‪ ،‬ول يؤذينا بذلك‪ ،‬ول يستعلن بصلته‪،‬‬
‫ول يقرأ في غير داره‪.‬‬
‫فابتنى أبو بكر مسجدًا بفناء داره‪ ،‬فكان كل يوم يصلي فيه‬
‫ويقرأ القرآن‪ ،‬فيجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون‬
‫منه وينظرون إليه‪ ،‬وكان أبو بكر رجل ً بكَّا ًء ل يملك عينيه إذا قرأ‬
‫القرآن‪.‬‬
‫وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين‪ ،‬فأرسلوا إلى ابن‬
‫الدغنة فقدم عليهم‪ ،‬فقالوا له‪ :‬إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك‬
‫على أن يعبد ربه في داره‪ ،‬وإنه قد جاوز ذلك فابتنى مسجدا‬
‫بفناء داره‪ ،‬وأعلن بالصلة والقراءة فيه‪ ،‬وإنا قد خشينا أن يفتن‬
‫نساءنا وأبناءنا بهذا فانْهَه‪ ،‬وإن أبي أن يفعل ذلك فاسأله أن يرد‬
‫‪1‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.6/3419‬‬

‫‪50‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫عليك ذمتك‪ ،‬فإنا كرهنا أن نُخفر ذمتك‪.‬‬
‫فجاء إلى أبي بكر يطلب منه أل يجهر بتلوة القرآن الكريم‪،‬‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬إني أرد إليك جوارك‪ ،‬وأرضي بجوار الله‬
‫ورسوله(‪.)1‬‬
‫‪ ...‬فهذه الخبار تؤكد إقرار المشركين بقوة تأثير القرآن‪،‬‬
‫ولول الكبر والعناد والحرص على استمرار نفوذهم ومكاسبهم‬
‫لسلموا‪ ،‬ويكفي تواصيهم فيما بينهم بالجتهاد في الحيلولة بين‬
‫الناس وبين سماعهم للقرآن حتى ل يتأثروا بسماعه فيؤمنوا‪:‬‬
‫س َمعُوا ِلهَذَا الْ ُقرْآنِ وَالْ َغوْا فِي ِه لَ َع ّلكُ ْم تَ ْغلِبُونَ [فصلت‪.]26 :‬‬
‫وَقَالَ الّذِي َن َك َفرُوا لَ تَ ْ‬
‫(من هنا ندرك حكمة تكليف المسلم بأن يمكن المشركين‬
‫س َمعَ َكلَ َم الِ‬
‫ي اسَْتجَارَكَ فََأ ِجرْ ُه حَتّى يَ ْ‬
‫ش ِركِ َ‬
‫من سماع كلم الله وَِإ ْن َأحَدٌ مّنَ اْلمُ ْ‬
‫ثُ ّم أَْبلِ ْغهُ مَأْ َمنَهُ [التوبة‪ ،]6 :‬ولم يكلف المسلم بما بعد السماع ‪..‬‬
‫فالسماع هو الداة الولى والمباشرة لنقل كلم الله إلى‬
‫(‪)2‬‬
‫الخرين‪ ،‬وهو الوسيلة النسب لفتح القلوب إلى هدى الله) ‪.‬‬

‫القرآن كان السبب الول لسلم الوائل‪:‬‬
‫وفي مقابل تأثر الكافرين بالقرآن مع عدم إسلمهم بسبب‬
‫كبرهم وعنادهم‪ ،‬وحرصهم على مصالحهم؛ نجد أن العامل‬
‫المشترك لسلم من أسلم من المسلمين الوائل هو سماعهم‬
‫ضا‪.‬‬
‫للقرآن أي ً‬
‫فهذا عمر بن الخطاب يقول في قصة إسلمه‪ :‬فلما‬
‫سمعت القرآن رقَّ له قلبي فبكيت‪ ،‬ودخلني السلم(‪.)3‬‬
‫* وقال الطفيل بن عمرو الدوسي وقد حشا في أذنيه‬
‫كُر ُّ‬
‫سفا‪ ،‬لئل يسمع القرآن‪« :‬فأبى الله إل أن يسمعني بعض‬
‫قوله‪ .‬فسمعت كلما حسنا‪ ،‬فقلت في نفسي‪ :‬واثكل أمي‪،‬‬
‫والله إني لرجل لبيب شاعر‪ ،‬ما يخفى عل َّ‬
‫ي الحسن من القبيح‪،‬‬
‫فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟‬
‫‪1‬‬

‫() صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم لنس كرزون ص‬
‫‪ 128 ،127‬نقل ً عن اتحاف الورى ‪.1/286‬‬

‫‪2‬‬

‫() التعبير القرآني ‪.108 ،107‬‬

‫‪3‬‬

‫() السيرة النبوية لبن هشام ‪.1/213‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪51‬‬

‫ى القرآن‪،‬‬
‫ى رسول الله السلم‪ ،‬وتل عل َّ‬
‫قال‪ :‬فعرض عل َّ‬
‫فوالله ما سمعت قول قط أحسن منه‪ ،‬ول أمًرا أعدل منه ‪..‬‬
‫فأسلمت(‪.)1‬‬
‫* وهذا الجبير بن مطعم يأتي المدينة مع أسارى بدر فيسمع‬
‫رسول الله يقرأ في صلة المغرب بسورة الطور‪ ،‬فلما قرأ‪:‬‬
‫أَ ْم ُخلِقُوا ِم ْن غَ ْيرِ َشيْءٍ أَمْ هُمُ اْلخَالِقُونَ قال جبير‪« :‬كاد قلب أن يطي»‪ ،‬وفي‬
‫رواية «وذلك أول ما وقر من اليان ف قلب»(‪.)2‬‬
‫* وحكت أم سلمة رضي الله عنها – أن النجاشي استقرأ‬
‫جعفًرا القرآن‪ ،‬قالت‪ :‬فقرأ عليه صدًرا من (كهيعص)‪ ..‬فبكى‬
‫النجاشي‪ ،‬حتى اخضلت لحيته‪ ،‬وبكت أساقفته حتى أخضلوا‬
‫مصاحفهم‪ ،‬حين سمعوا ما تل عيهم‪ ،‬ثم قال النجاشي‪ :‬إن هذا‬
‫والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة(‪..)3‬‬
‫* وجاء وفد من نصاري الحبشة إلى الرسول ‪ ،‬لما سمعوا به‪،‬‬
‫فتل عليهم الرسول كلم الله «فلما سعوا القرآن‪ ،‬فاضت أعينهم من الدمع ث‬
‫استجابوا ل‪ ،‬وآمنوا به»(‪.)4‬‬

‫كيف أسلم أسيد بن حضير؟‬
‫والسيرة مليئة بالحداث التي تؤكد هذا المعنى وكيف أن‬
‫الثر الذي كان يُحدثه القرآن في نفس مستمعه هو السبب‬
‫المباشر في إسلم النصار‪ ،‬ومن قبلهم المهاجرين‪.‬‬
‫فهذا هو أسيد بن حضير‪ ،‬وسعد بن معاذ‪ ،‬وكانا سيدي‬
‫(الوس)‪ ،‬قد عزما على إخراج مصعب بن عمير من يثرب بعد‬
‫أن تزايد عدد من أسلم من أهلها على يديه‪ ،‬و كان مصعب في‬
‫بستان من بساتين بنى (عبد الشهل) يدعو الناس إلى السلم‪،‬‬
‫ويقرأ عليهم القرآن‪.‬‬
‫فبدأ أُسيد بأن أخذ حربته‪ ،‬ومضى نحو البستان‪ ،‬فلما رآه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() المصدر السابق ‪.1/239‬‬
‫() رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫() السيرة النبوية لبن هشام ‪.2/207‬‬
‫() المصدر السابق‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫أسعد بن زرارة مقبل ً قال لمصعب‪ :‬ويحك يا مصعب‪ ،‬هذا سيد‬
‫قومه‪ ،‬وأرجحهم عقل‪ :‬أسيد بن حضير‪ ،‬فإن يسلم يتبعه في‬
‫إسلمه خلق كثير‪ ،‬فاصدق الله فيه‪..‬‬
‫وقف أسيد بن حضير على الجمع‪ ،‬والتفت إلى مصعب وصاحبه‬
‫أسعد‪ ،‬وقال‪ :‬ما جاء بكما إلى ديارنا‪ ،‬وأغراكما بضعفائنا؟! اعتزل هذا‬
‫الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة‪.‬‬
‫فالتفت مصعب إلى أسيد قائل‪ :‬يا سيد قومه‪ ،‬هل لك في‬
‫خير من ذلك؟ قال‪ :‬وما هو؟!‬
‫قال‪ :‬تجلس إلينا‪ ،‬وتسمع منا‪ ،‬فإن رضيت ما قلناه قبلته‪،‬‬
‫وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم‪.‬‬
‫فقال أسيد‪ :‬لقد أنصفت‪ ،‬وركز رمحه في الرض وجلس‪،‬‬
‫فأقبل عليه مصعب فكلمه عن السلم‪ ،‬وقرأ عليه شيئا من‬
‫آيات القرآن‪ ،‬فانبسطت أساريره‪ ،‬وأشرق وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬ما‬
‫أحسن هذا الذي تقول‪ ،‬ما أج ّ‬
‫ل ذلك الذي تتلو!! كيف تصنعون‬
‫إذا أردتم الدخول في السلم؟‬
‫قال مصعب‪ :‬تغتسل وتطهر ثيابك‪ ،‬وتشهد أن ل إله إل الله‬
‫وأن محمدًا رسول الله‪ ،‬وتصلي ركعتين‪ ،‬ففعل(‪.)1‬‬
‫وهكذا نجد الثر السريع للقرآن‪( ..‬لقد تلقوه مسحورين‪،‬‬
‫يستوى في ذلك المؤمنون والكافرون‪ :‬هؤلء يُسحرون‬
‫فيؤمنون‪ ،‬وهؤلء يُسحرون فيهربون‪ ،‬ثم يتحدث هؤلء وهؤلء‬
‫عما م َّ‬
‫سهم‪ ،‬فإذا هو حديث غامض ل يعطيك أكثر من صورة‬
‫المسحور المبهور‪ ،‬الذي ل يعلم موضع السحر فيما يسمع من‬
‫هذا النظم العجيب‪ ،‬وإن كان ليُحس منه في أعماقه هذا التأثير‬
‫الغريب)(‪.)2‬‬

‫الدليل الدامغ‪:‬‬
‫ومع كل مظاهر التأثير القرآني السابق ذكرها‪ ،‬إل أن أهم‬
‫مظهر لقوة تأثير المعجزة القرآنية هوالتحول العظيم الذي‬
‫حدث لجيل الصحابة‪ ،‬والتغيير الجذري الذي حدث لهم بعد‬
‫‪1‬‬

‫()السيرة النبوية لبن هشام ‪.275 ،2/274‬‬

‫‪2‬‬

‫() التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ‪.25/‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪53‬‬

‫إسلمهم‪...‬‬
‫جا لمة العرب‪ ،‬والتي كانت قبل‬
‫‪ ..‬هذا الجيل الذي يمثل نموذ ً‬
‫السلم في ذيل المم من حيث التقدم والحضارة وامتلك أسباب‬
‫القوة والمنعة‪ ،‬وكان أفرادها يغرقون في الظلم والتخلف والجاهلية‪،‬‬
‫وكان حالهم أسوأ بكثير من حالنا الن‪ ،‬وكيف ل‪ ،‬وقد كانوا يقومون‬
‫بأفعال لو حدثت بيننا لقامت الدنيا ولم تقعد‪ ،‬ويكفيك في تأكيد هذا‬
‫المعنى تلك القصة‪:‬‬
‫فقد لحظ رسول الله أن رجل ً من أصحابه يلزمه الغم‬
‫فقال له‪« :‬ما لك تكون مزونا؟»‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني قد أذنبت في الجاهلية ذنبا فأخاف‬
‫أن ل يُغفر لي وإن أسلمت‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪« :‬أخبن‬
‫عن ذنبك؟» فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني كنت من الذين يقتلون‬
‫ى امرأتي أن أتركها فتركتها‬
‫بناتهم‪ ،‬فوُلدت لي بنت فشفعت إل َّ‬
‫حتى كبرت وأدركت‪ ،‬فصارت من أجمل النساء فخطبوها‬
‫ى الحمية‪ ،‬ولم يتحمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في‬
‫فدخلت عل َّ‬
‫البيت بغير زوج‪ ،‬فقلت للمرأة‪ :‬إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا‬
‫سَّرت بذلك وزينتها بالثياب‬
‫في زيارة أقربائي فابعثيها معي‪ ،‬ف ُ‬
‫ى المواثيق بأن ل أخونها‪ ،‬فذهبت بها إلى‬
‫حلل‪ ،‬وأخذت عل َّ‬
‫وال ُ‬
‫رأس بئر فنظرت في البئر‪ ،‬ففطنت الجارية بأني أريد أن ألقيها‬
‫في البئر‪ ،‬فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول‪ :‬يا أبي أي شيء تريد‬
‫أن تفعل بي؟‬
‫ى الحمي ِّة‪ ،‬ثم‬
‫فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت عل َّ‬
‫التزمتني وجعلت تقول‪ :‬يا أبي ل تضيع أمانة أمي‪ ،‬فجعلت مرة‬
‫أنظر إلى البئر‪ ،‬ومرة أنظر إليها وأرحمها‪ ،‬وغلبني الشيطان‬
‫فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة‪ ،‬وهي تنادي في البئر‪ :‬يا أبي‬
‫قتلتني‪ ،‬فمكثت هناك حتى انقطع صوتها‪ ،‬فرجعت‪.‬‬
‫فبكى رسول الله‬
‫لعاقبتك»(‪.)1‬‬

‫وقال‪« :‬لو أُمرت أن أعاقب أحدًا با فعل ف الاهلية‬

‫أمة عجيبة‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() أورده القرطبي في تفسيره الجامع لحكام القرآن ‪ -7/64‬دار الكتب‬
‫العلمية‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪ ..‬لقد كان العرب قبل السلم يعبدون الحجارة‪ ،‬ويأتون‬
‫الفواحش‪ ،‬ويقطعون الرحام ويسيؤون الجوار‪ ،‬ويأكل القوى‬
‫منهم الضعيف‪.‬‬
‫يقول أبو رجاء العطاردي ‪« :‬كنا في الجاهلية نعبد الحجر‪،‬‬
‫خيَر منه‪ ،‬ألقيناه وأخذنا الخر‪ ،‬فإذا لم نجد‬
‫فإذا وجدنا حجًرا أ َ ْ‬
‫جثوة من تراب‪ ،‬ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا‬
‫جمعنا ُ‬
‫به»(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬هذه – أخي‪ -‬نماذج لما كان عليه الجيل الول قبل السلم‬
‫‪ ..‬هذا الجيل بهذه الحالة‪ ،‬حين أحسن أفراده استقبال القرآن‪،‬‬
‫والتعرض الصحيح له؛ أحسن القرآن وفادتهم وقام بعمله خير‬
‫قيام معهم‪ ،‬وأخرجت مدرسته جيل ً فريدًا وبأعداد كبيرة‪،‬‬
‫فانتقلت أمتهم متوثبة من الساقة إلى المقدمة وذلك في‬
‫سنوات معدودة‪..‬‬
‫يقول – محمد الغزلي‪ -‬رحمه الله‪:‬‬
‫والمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها‪ ،‬هي المعجزة‬
‫التي تشهد للنبي عليه الصلة والسلم بأنه أحسن بناء الجيال‪،‬‬
‫وأحسن تربية المم‪ ،‬وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية‬
‫للخلق‪ ..‬فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن‪ ،‬تحولوا‬
‫تلقائيًا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الستبداد ‪ ..‬إلى أمة‬
‫يسودها العدل الجتماعي ول يُعرف فيها نظام الطبقات ‪ ..‬إلى‬
‫أمة تكره التفرقة العنصرية‪ ،‬وتكره أخلق الكبرياء والترفع على‬
‫الشعوب‪.‬‬
‫ووجدنا بدويًا كربعى بن عامر يقول لقائد الفرس‪ :‬جئنا‬
‫نخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده‪ ،‬ومن ضيق‬
‫الدنيا إلى سعة الدنيا والخرة‪ ،‬ومن جور الديان إلى عدل‬
‫السلم(‪.)2‬‬

‫لذلك فلقد أصاب المام القرافي حين قال‪:‬‬
‫لو لم يكن لرسول الله‬

‫معجزة إل أصحابه لكفوه في‬

‫‪1‬‬

‫() البخاري (‪ )4376‬وجثوة من تراب هي القطعة من التراب تجمع فتصير‬
‫كوما‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي ص ‪.30‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬

‫‪55‬‬

‫إثبات نبوته(‪.)3‬‬
‫***‬

‫‪3‬‬

‫() صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم د‪ .‬أنس كرزون نقل‬
‫عن الفروق للقرافي ‪.4/170‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫الرسول والقرآن‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫الرسول‬

‫‪57‬‬

‫والقرآن‬
‫إذا كان للقرآن العظيم‬
‫ذلك الثر الواضح السريع‬
‫على كل من يُحسن التعرض‬
‫له‪ ،‬إل أن هذا الثر سيزداد‬
‫ويزداد كلما طالت فترات‬
‫المكث معه‪ ،‬وكيف ل وما‬
‫من لقاء يتم بين القلب‬
‫والقرآن إل واليمان يزداد‪،‬‬
‫والنور يتوهج‪ ،‬والطاقة تتولد‪،‬‬
‫والدافع للستقامة يقوى‪.‬‬

‫من هنا ندرك كيف وصل الجيل الول لهذا المستوى‬
‫اليماني غير المسبوق على مستوى البشر العاديين‪.‬‬
‫ذلك اليمان الذي ظهرت آثاره العظيمة في كل التجاهات‬
‫والوقات‪ ،‬فمع أن الصحابة – رضوان الله عليهم – كانوا‬
‫يضحكون‪ ،‬ويلعبون‪ ،‬ويمارسون حياتهم بصورة متوازنة‪ ،‬إل أن‬
‫اليمان في قلوبهم – كما يقول عبد الله بن عمر‪ -‬أمثال‬
‫الجبال(‪.)1‬‬
‫ولذا كان أثر ذلك اليمان يظهر سريعًا عند التعرض‬
‫للمواقف الصعبة‪..‬‬
‫قال أبو سلمة بن عبد الرحمن‪ :‬لم يكن أصحاب رسول الله‬
‫منحرفين أو متماوتين‪ ،‬وكانوا يتناشدون الشعار في‬
‫مجالسهم‪ ،‬ويذكرون أمرجاهليتهم‪ ،‬فإذا أُريد أحد منهم على‬
‫شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون(‪.)2‬‬
‫ولقد كان السبب الرئيس في هذا اليمان – كما أسلفنا –‬
‫‪1‬‬

‫() جامع العلوم والحكم لبن رجب ص ‪.66‬‬

‫‪2‬‬

‫() تلبيس إبليس لبن الجوزي ص ‪ ،291‬طبعة المنيرية‪.‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪58‬‬

‫هو القرآن‪ ،‬فلقد انكبوا على تلوته‪ ،‬وأعطوه الكثير والكثير من‬
‫أوقاتهم‪ ،‬وساعدهم على ذلك أستاذهم ومربيهم وقدوتهم‪ ،‬معلم‬
‫البشرية‪ ،‬محمد ‪ ،‬فقد كان دائم التذكير بمكانة القرآن‬
‫وعظمته‪ ،‬ومن ذلك قوله‪« :‬ما من كلم أعظم عند ال من كلمه‪ ،‬وما َردّ العباد‬
‫إل ال كلما أحب إليه من كلمه»(‪.)1‬‬
‫وقوله‪« :‬القرآن أحب إل ال من السماوات والرض ومن فيهن»(‪.)2‬‬

‫تأثر الرسول‬

‫بالقرآن‪:‬‬

‫لقد كان حبه للقرآن‪ ،‬واهتمامه به ل يُوصف‪ ،‬فقد سيطر‬
‫القرآن على عقله‪ ،‬واستحوذ على مشاعره‪ ،‬وبلغت قوة تأثيره‬
‫عليه أن شيَّب شعره‪ ،‬فقد دخل عليه يوما أبو بكر فقال له‪:‬‬
‫شبت يا رسول الله قبل المشيب‪ .‬فقال له مبينًا السبب‪« :‬شيبتن‬
‫هود وأخواتا قبل الشيب»(‪.)3‬‬
‫وفي يوم من اليام قال لعبد الله بن مسعود «اقرأ عل ّى‬
‫القرآن»‪ ،‬فقال‪ :‬أقرأ عليك‪ ،‬وعليك أُنزل؟!‪ ،‬قال‪« :‬إن أحب أن أسعه من‬
‫غيي»‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الية‬
‫شهِيدٍ َوجِ ْئنَا ِبكَ َعلَى هَ ُؤلَءِ َشهِيدًا [النساء‪ ]41:‬قال‪:‬‬
‫َفكَ ْيفَ ِإذَا جِئْنَا مِن ُكلّ ُأمّ ٍة بِ َ‬
‫(‪)4‬‬
‫«حسبك»‪ ،‬فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ‪.‬‬
‫ما‪ ،‬وتأثر به تأثًرا بالغًا لدرجة‬
‫‪ ..‬لقد تشبع بالقرآن تشبعًا تا ً‬
‫أن المام الشافعي ‪ -‬رحمه الله‪ -‬يعتبر أن كل ما حكم به‬
‫رسول الله فهو مما فهمه من القرآن(‪.)5‬‬
‫لقد اختلطت معاني القرآن بشخصية الرسول ‪ ،‬وامتزجت‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)3354‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)3359‬‬

‫‪3‬‬

‫() صحيح‪ ،‬أخرجه ابن مردويه وصححه اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬ح (‪.)3721‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه البخاري (‪ ،)5050‬ومسلم (‪.)1864‬‬

‫‪5‬‬

‫() تفسير القرآن العظيم لبن كثير ‪.1/4‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪59‬‬

‫بها‪ ،‬فصارت تتمثل واقعًا حيا في شخصه‪ ،‬وكأن القرآن أصبح‬
‫ل إِلَ ْيكُ ْم ِذ ْكرًا َرسُولً َي ْتلُو َعلَ ْيكُمْ آيَاتِ الِ ُمبَيّنَاتٍ‬
‫قَدْ َأْن َزلَ ا ُ‬
‫رسول الله‬
‫[الطلق‪ ]11 ،10 :‬لقد كان بحق‪ :‬قرآنا يمشي على الرض‪ ،‬لذلك‬
‫عندما سئلت السيدة عائشة – رضي الله عنها عن خلقه‬
‫(‪)1‬‬
‫قالت‪ :‬كان خلقه القرآن‪ ،‬يرضي لرضاه‪ ،‬ويسخط لسخطه ‪.‬‬

‫التأثير العملي السريع‪:‬‬
‫وكان للقرآن تأثير سريع عليه من الناحية العملية‪ ،‬وليس‬
‫أدل على ذلك من أن جوده وإحسانه كان يزداد أكثر وأكثر بعد‬
‫أن يدارسه جبريل ‪ -‬عليه السلم‪ -‬القرآن في رمضان‪.‬‬
‫فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪« :‬كان النبي أجود‬
‫الناس بالخير‪ ،‬وأجود ما يكون في شهر رمضان‪ ،‬لن جبريل كان‬
‫يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ‪ ،‬يعرض عليه‬
‫رسول الله القرآن‪ ،‬فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من‬
‫الريح المرسلة»(‪.)2‬‬

‫يقول ابن حجر تعليقا على هذا الحديث‪:‬‬
‫وفيه أن مداومة التلوة توجب زيادة الخير(‪.)3‬‬

‫صفة قراءته‪:‬‬
‫عندما كان يقرأ القرآن كان يقرؤه قراءة هادئة‪ ،‬مترسلة‪،‬‬
‫س َعلَى ُمكْثٍ [السراء‪:‬‬
‫حزينة كما أمره ربه وَ ُقرْآنًا َفرَ ْقنَاهُ لِتَ ْقرَأَ ُه َعلَى النّا ِ‬
‫‪ ،]106‬وَ َرّتلِ اْل ُقرْآ َن َترْتِيلً [المزمل‪.]4 :‬‬
‫‪ ..‬فكان يرتل السورة حتى تبدو وكأنها أطول من أطول‬
‫منها‪.‬‬
‫‪ ..‬وكان يمد الحروف في نهاية الية ليسمح للعقل بتفهم‬
‫الخطاب اللهي‪ ،‬وللقلب بالتجاوب معه‪ ،‬والتعاظ به‪ ،‬فإذا ما مر‬
‫بآية فيها ذكر الجنة دعا واستبشر‪ ،‬وإذا مر بآية فيها ذكر النار‬
‫‪1‬‬

‫() البخاري (‪.)4997‬‬

‫‪2‬‬

‫() مسلم (‪.)746‬‬

‫‪3‬‬

‫() فتح الباري ‪.9/54‬‬

‫‪60‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫استعاذ منها بالله‪.‬‬
‫‪ ..‬ولقد وصفت السيدة أم سلمة – رضي الله عنها‪ -‬قراءة‬
‫رسول الله بأنها (قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) (‪.)1‬‬
‫‪ ..‬ووصفت السيدة عائشة – رضي الله عنها – ترتيله‬
‫فقالت‪ :‬لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها‪.‬‬
‫‪ ..‬وفي حديث حفصة – رضي الله عنها – أن النبي كان‬
‫يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬وظل ليلة كاملة يردد آية واحدة هي قوله تعالى‪ :‬إِن‬
‫حكِيمُ [المائدة‪.)3( ]118 :‬‬
‫ك أَنتَ اْل َعزِيزُ اْل َ‬
‫تُعَذّْبهُمْ فَإِّنهُ ْم عِبَادُكَ وَإِن تَ ْغ ِفرْ َلهُمْ فَإِّن َ‬
‫ويصف لنا أبو ذر‬

‫هذه الليلة فيقول‪:‬‬

‫صلى بنا رسول الله ذات ليلة العشاء ثم رجع إلى أهله‪ .‬فلما‬
‫تكفأت عنه العيون رجع إلى مقامه فجئت فقمت خلفه قبل أن‬
‫يركع‪ ،‬فأومأ إل َّ‬
‫ي بيده فقمت عن يمينه‪ ،‬ثم جاء عبد الله بن مسعود‬
‫فقام خلفنا فأومأ إليه بيده فقام عن شماله – فقام رسول الله‬
‫حتى أصبح يتلو آية واحدة من كتاب الله بها يركع‪ ،‬وبها يسجد‪،‬‬
‫ت اْلعَزِيزُ اْلحَكِيمُ‬
‫وبها يدعو حتى أصبح إِن ُت َعذّبْ ُهمْ فَإِنّ ُهمْ ِعبَا ُدكَ وَإِن َت ْغفِرْ لَ ُهمْ َفإِّنكَ أَن َ‬
‫‪.‬‬
‫فلما أصبح قلت لعبد الله بن مسعود إن رسول الله‬
‫فعل كذا وكذا‪ ،‬فلو سألته عن ذلك‪ .‬فقال عبد الله ‪ :‬بأبي‬
‫وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية واحدة بها تركع‪ ،‬وبها‬
‫تسجد‪ ،‬وبها تدعو‪ ،‬وقد علمك الله القرآن كله‪ .‬قال‪« :‬إن دعوت‬
‫لمت»(‪.)4‬‬

‫الحرص على التلوة اليومية‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الترمذي (‪ )2923‬وقال حديث حسن صحيح غريب‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)733‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() رواه المام أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي‪ ،‬وإسناده‬
‫حسن‪.‬‬
‫() أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل (‪.)148‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪61‬‬

‫صا على قراءة القرآن كل يوم‪ ،‬وكيف ل وقد‬
‫وكان حري ً‬
‫أمره الله بذلك إِّنمَا ُأ ِم ْرتُ َأ ْن َأعْبُدَ َربّ هَذِهِ الَْبلْدَةِ الّذِي َحرّ َمهَا وَلَ ُه ُك ّل َشيْءٍ‬
‫ي وََأ ْن أَْتلُوَ اْل ُقرْآنَ [النمل‪.]92 ،91:‬‬
‫سلِمِ َ‬
‫وَُأ ِم ْرتُ َأ ْن َأكُونَ ِمنَ اْلمُ ْ‬
‫ولما جاء وفد ثقيف إلى المدينة أنزلهم رسول الله في‬
‫قبة بين المسجد وبين أهله‪ ،‬فكان يأتيهم ويُحدِّثهم بعد العشاء‪،‬‬
‫وفي ليلة من الليالي تأخر عليهم ثم أتاهم فقالوا له‪ :‬يا رسول‬
‫الله لبثت عنا الليلة أكثر مما كنت تلبث؛ فقال‪« :‬نعم‪ ،‬طرأ علىّ ِحزْب‬
‫من القرآن‪ ،‬فكرهت أن أخرج من السجد حت أقضيه»(‪.)1‬‬
‫ومع ذلك فلم يُؤثّر عنه‬
‫واحدة‪.‬‬

‫أنه قرأ القرآن كله في ليلة‬

‫تقول السيدة عائشة رضي الله عنها‪ :‬ل أعلم نبي الله‬
‫القرآن في ليلة‪ ،‬ول قام ليلة حتى أصبح(‪.)2‬‬

‫قرأ‬

‫ومما يؤكد هذا المعنى ما رواه المام مسلم أن رجل جاء‬
‫مف َّ‬
‫صل(‪ )3‬في‬
‫إلى عبد الله بن مسعود فقال‪ :‬إني لقرأ ال ُ‬
‫ركعة‪ .‬فقال عبد الله‪ :‬هذًّا(‪ )4‬كهذ َّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون‬
‫القرآن ل يجاوز تراقيهم‪ .‬ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه‪،‬‬
‫نفع ‪..‬‬
‫ثم قال‪ :‬إني لعلم النظائر التي كان رسول الله يقرن‬
‫سئل عنها فقال‪ :‬عشرون‬
‫بينهن‪ ،‬سورتين في كل ركعة‪ ..‬ف ُ‬
‫سورة من المفصل‪ ،‬وفي رواية‪ :‬ثمانية عشر‪ ،‬وسورتين من آل‬
‫حم(‪.)5‬‬
‫قال القاضي عياض ‪ ..‬إن هذا كان قدر قراءته غالبًا‪ ،‬وأن‬
‫تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل‪ ،‬وما ورد من غير‬
‫ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من‬
‫‪1‬‬

‫() رواه أبو داود (‪ ،)1393‬وابن ماجه (‪ )1345‬وأحمد في المسند (‪.)343‬‬

‫‪2‬‬

‫() أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل (المختصر) ص ‪.154‬‬

‫‪3‬‬

‫() المفصل‪ :‬هي السور الغير طويلة وتبدأ من سورة الحجرات أو سورة ق‬
‫حتى سورة الناس‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫() الهذَّ‪ :‬شدة السراع‪ ،‬والفراط في العجلة‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)1908 ،1906 ،1905‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪62‬‬
‫الوقات(‪.)1‬‬

‫دعوته‬

‫للناس بالقرآن‪:‬‬

‫ومن مظاهر تأثر الرسول بالقرآن‪ ،‬وإدراكه لهميته وأثره‬
‫العظيم في النفوس‪ ،‬أنه كان يدعو الناس به أكثر ما كان‬
‫يدعوهم بكلمه هو‪ ،‬وقصته مع عتبة بن ربيعة – أحد أئمة الكفر‬
‫في مكة – مشهورة‪ ،‬وقد مرت علينا‪.‬‬
‫وكان يعرض نفسه على الناس في موسم الحج – قبل‬
‫الهجرة‪ -‬فيقول لهم‪« :‬هل من رجل يملن إل قومه‪ ،‬فإن قريشًا منعون أن أبلغ‬
‫كلم رب»(‪.)2‬‬
‫وكان يقول لصحابه‪« :‬بلّغوا عن ولو آية» (‪.)3‬‬
‫وكان كثيًرا ما يخطب الجمعة بالقرآن (‪ ،)4‬وهو من هو في‬
‫البلغة‪ ،‬ويكفي أنه قد أوتى جوامع الكلم‪.‬‬
‫روى مسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت‪ :‬ما أخذت (ق‬
‫والقرآن المجيد)‬
‫إل عن لسان رسول الله يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر‬
‫إذا خطب‬
‫الناس (‪.)5‬‬
‫وروى ابن ماجه عن أُبي بن كعب قال‪ :‬قرأ رسول الله‬

‫يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم‪ ،‬فذكرنا بأيام الله‪ ،‬وأبو الدرداء‪،‬‬
‫وأبو ذر يغمزني‪ ،‬فقال‪ :‬متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم‬

‫‪1‬‬

‫() صحيح مسلم بشرح النووي ‪ ،6/346‬وقال النووي‪ :‬وقد جاء بيان هذه السور‬
‫العشرين في رواية في سنن أبي داود‪ :‬الرحمن والنجم في ركعة‪ ،‬واقتربت‬
‫والحاقة في ركعة‪ .‬والطور والذاريات في ركعة‪ .‬والواقعة ونون في ركعة‪،‬‬
‫وسأل سائل‪ ،‬والنازعات في ركعة‪ .‬وويل للمطففين‪ ،‬وعبس في ركعة‪،‬‬
‫والمدثر‪ ،‬والمزمل في ركعة‪ ،‬وهل أتى‪ ،‬ول أقسم في ركعة‪ ،‬وعم‬
‫والمرسلت في ركعة‪ ،‬والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() أخرجه أبو داود (‪ ،)4734‬والترمذي (‪.)2925‬‬

‫‪3‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)2837‬‬

‫‪4‬‬

‫() زاد المعاد لبن القيم ‪.1/187‬‬

‫‪5‬‬

‫() صحيح مسلم (‪.)873‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪63‬‬

‫أسمعها حتى الن‪ ،‬فأشار إليه أن اسكت(‪.)1‬‬

‫صفاء المنبع‪:‬‬
‫م ل وهو‬
‫لقد كان القرآن هو شغل رسول الله الشاغل‪ ،‬ول ِ َ‬
‫أكثر الخلق إدراكًا لهميته وقدرته على التغيير‪ ،‬ألم يقل له ربه‪:‬‬
‫ت تَ ْدرِي مَا اْلكِتَابُ َولَ الِيَانُ وََلكِن َج َعلْنَاهُ نُورًا‬
‫ك أَ ْوحَيْنَا إِلَ ْيكَ رُوحًا مّ ْن أَ ْمرِنَا مَا كُن َ‬
‫َوكَذَِل َ‬
‫ستَقِيمٍ [الشورى‪.]52 :‬‬
‫صرَاطٍ مّ ْ‬
‫ّنهْدِي ِبهِ مَن نّشَا ُء مِ ْن عِبَادِنَا وَإِّنكَ َلَتهْدِي إِلَى ِ‬
‫صا على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر‬
‫لذلك كان حري ً‬
‫غير كتاب الله حتى يستطيع ذلك الكتاب أن يقوم بوظيفته‬
‫كاملة في تغيير قلوبهم وعقولهم ونفوسهم‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م سلوكهم‬
‫تغييًرا جذريًا‪ .‬ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ما حدث منه × مع‬
‫عمر بن الخطاب ‪ ،‬فقد مر عمر برجل يقرأ كتابا‪ ،‬فاستحسنه‪،‬‬
‫فقال للرجل‪ :‬اكتب لي من هذا الكتاب‪ ،‬ثم أتى النبي فجعل‬
‫يقرأ عليه‪ ،‬وجعل وجه رسول الله يتلوَّن‪ ،‬فضرب رجل من‬
‫النصار بيده الكتاب‪ ،‬وقال‪ :‬ثكلتك أمك يا ابن الخطاب‪ ،‬أما ترى‬
‫وجه رسول الله منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟‬
‫فقال رسول الله ‪« :‬إنا بعثت فاتًا وخاتًا‪ ،‬وأعطيت جوامع الكلم وفواته‪،‬‬
‫واخْتُصر ل الديث اختصارا فل يهلكنكم التهوّكون»(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬يتلوَّن وجهه ويغضب عندما يجد أحد أصحابه يقرأ أو‬
‫يستحسن كتابًا آخر غير القرآن‪ ،‬وكيف ل يتغير وجهه وربه يقول‬
‫له‪َ :‬أوَ لَمْ َي ْك ِفهِمْ أَنّا أَْنزَلْنَا َعلَ ْيكَ اْلكِتَابَ يُ ْتلَى َعلَ ْيهِمْ [العنكبوت‪.]51 :‬‬
‫صا‪ ،‬أنزل الله‬
‫وعندما طلب منه أصحابه أن يقص عليهم قص ً‬
‫ص ِبمَا َأ ْوحَيْنَا إِلَ ْيكَ هَذَا اْل ُقرْآنَ [يوسف‪:‬‬
‫ص َعلَ ْيكَ َأحْسَنَ اْلقَصَ ِ‬
‫سبحانه‪َ :‬نحْ ُن َنقُ ّ‬
‫‪. ]3‬‬

‫فقد أخرج ابن جرير‪ ،‬عن عون بن عبد الله قال‪ :‬م َّ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫أصحاب رسول الله مل ّة‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬حدثنا‪ ،‬فأنزل‬
‫ُ‬
‫سنَ اْلحَدِيثِ [الزمر‪ ،]23 :‬ثم مل ّوا ملة أخرى‬
‫ل َن ّزلَ َأحْ َ‬
‫الله تعالى ا ُ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه ابن ماجة (‪ )1111‬وأسناده حسن‪.‬‬
‫() المتهوكون أي المتحيرون‪ ،‬والحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن أبي‬
‫قلبة‪.‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪64‬‬

‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬حدثنا فوق الحديث ودون القرآن – يعنون‬
‫ي إِنّا أَْنزَلْنَاهُ ُقرْآنًا َعرَبِيّا لّ َع ّلكُمْ‬
‫القصص‪ -‬فأنزل الله الر ِت ْلكَ آيَاتُ اْلكِتَابِ اْلمُبِ ِ‬
‫ت مِن قَ ْب ِلهِ‬
‫ص ِبمَا أَ ْوحَيْنَا إَِل ْيكَ هَذَا اْل ُقرْآنَ وَإِن كُن َ‬
‫سنَ الْقَصَ ِ‬
‫ص َعلَ ْيكَ َأحْ َ‬
‫تَ ْع ِقلُو َن َنحْ ُن نَقُ ّ‬
‫َلمِنَ الْغَا ِفلِيَ [يوسف‪.]3 -1 :‬‬
‫فأرادوا الحديث‪ ،‬فدلهم على أحسن الحديث‪ ،‬وأرادوا‬
‫القصص فدلهم على أحسن القصص(‪.)1‬‬

‫ترغيبه‬

‫للصحابة في تعلم القرآن‪:‬‬

‫ومع حرصه على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير‬
‫القرآن كان كذلك يستخدم معهم أساليب التشويق المختلفة‬
‫ليستثير مشاعرهم ويدفعهم للقبال على القرآن والنشغال به‪.‬‬
‫روى مسلم عن عقبة بن عامر قال‪« :‬خرج علينا رسول ال‬
‫صفّة‪ ،‬فقال‪ :‬أيكم يب أن يغدو كل يوم إل بُطحان‪ ،‬أو إل العقيق‪ ،‬فيأت منه بناقتي‬
‫ونن ف ال ُ‬
‫كوماوَيْن(‪ ،)2‬ف غي إث ول قطيعة رحم» فقلنا‪ :‬يا رسول الله نحب ذلك‪.‬‬
‫قال‪« :‬أفل يغدو أحدكم إل السجد فيعلَم أو يقرأ آيتي من كتاب ال عز وجل خي له من‬
‫ناقتي‪ ،‬وثلث خي له من ثلث‪ ،‬وأربع خي له من أربع‪ ،‬ومن أعدادهن من البل»(‪.)3‬‬

‫النبي‬

‫بيَّن لصحاب معاني القرآن‪:‬‬

‫صا على تعليم الصحابة ألفاظ‬
‫كما كان رسول الله حري ً‬
‫صا كذلك على تعليمهم معانيه‪..‬‬
‫القرآن‪ ،‬فإنه كان حري ً‬
‫يقول د‪ .‬يوسف القرضاوي‪ :‬ولقد جعل القرآن من مهام‬
‫النبي ‪( :‬تعليم الكتاب والحكمة) وهذا في أربع آيات من‬
‫القرآن‪.‬‬
‫ول ريب أن هذا التعليم ليس هو (التحفيظ) بدليل أنه‬
‫معطوف على تلوة اليات عليهم‪َ :‬ي ْتلُو َعلَ ْيهِمْ آيَاتِهِ وَُي َزكّيهِمْ وَُي َع ّل ُمهُمُ‬
‫ح ْكمَةَ [آل عمران‪.]164 :‬‬
‫اْلكِتَابَ وَاْل ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() الدر المنثور للسيوطي ‪ ،4/5‬ورواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن‪.‬‬
‫() الناقة الكوماء‪ :‬هي الناقة العظيمة السمنة‪.‬‬
‫() رواه مسلم (‪.)1870‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪65‬‬

‫فالتعليم أخص من التلوة‪.‬‬
‫إن هذا التعلم والتعليم هو الذي عبرت عنه بعض الحاديث بـ‬
‫(التدارس)‪ .‬ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي‬
‫قال‪« :‬ما اجتمع قوم ف بيت من بيوت ال يتلون كتاب ال‪ ،‬ويتدارسونه بينهم‪ ،‬إل نزلت‬
‫عليهم السكينة‪ ،‬وغشيتهم الرحة‪ ،‬وحفتهم اللئكة‪ ،‬وذكرهم ال فيمن عنده»‪.‬‬
‫ومعنى تدارس القرآن‪ :‬محاولة التعرف على ألفاظه‬
‫ومبانيه‪ ،‬وعلى مفاهيمه ومعانيه‪ ،‬وما يرشد إليه من العبر‪ ،‬وما‬
‫يدل عليه من الحكام والداب(‪.)1‬‬
‫ويقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ومعنى مدارسة‬
‫القرآن‪ :‬القراءة والفهم والتدبر والتبين لسنن الله في النفس‬
‫والفاق‪ ،‬ومعرفة الوصايا والحكام‪ ،‬وأنواع الترغيب والترهيب‪،‬‬
‫والوعد والوعيد‪ ،‬وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه(‪..)2‬‬

‫ويؤكد على هذا المعنى المام ابن تيمية فيقول‪:‬‬
‫يجب أن يُعلم أن النبي بيَّن لصحابه معاني القرآن كما‬
‫ل إِلَ ْيهِمْ [النحل‪]44 :‬‬
‫بيَّن لهم ألفاظه‪ ،‬فقوله تعالى‪ :‬لِتَُبيّ َن لِلنّاسِ مَا ُن ّز َ‬
‫يتناول هذا وهذا‪.‬‬
‫وقد قال أبو عبد الرحمن ال ُّ‬
‫سلَمى‪ :‬حدثنا الذين كانوا‬
‫يقرئوننا القرآن‪ ،‬كعثمان بن عفان‪ ،‬وعبد الله بن مسعود‪،‬‬
‫وغيرهما‪ :‬أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم‬
‫يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ قالوا‪ :‬فتعلمنا‬
‫القرآن والعلم والعمل جمي ًعا‪.‬‬
‫ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة‪.‬‬
‫وقال أنس‪ :‬كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران ج َّ‬
‫ل في‬
‫أعيننا‪.‬‬
‫‪ ..‬وذلك أن الله تعالى قال‪ :‬كِتَابٌ أَْنزَْلنَاهُ إَِل ْيكَ مُبَارَ ٌك لّيَدّّبرُوا آيَاتِ ِه‬
‫[ص‪ ،]29 :‬وقال‪َ :‬أ َفلَ َيتَدَّبرُونَ الْ ُقرْآنَ [النساء‪ ،]28 :‬وقال‪ :‬أَ َفلَ ْم يَدّّبرُوا‬
‫‪1‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن العظيم د‪ .‬يوسف القرضاوي ص ‪150 ،149‬‬
‫باختصار‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن لمحمد الغزالي ص ‪ 28‬باختصار‪.‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪66‬‬
‫الْ َق ْولَ [المؤمنون‪.]68 :‬‬

‫وتدبر الكلم بدون فهم معانيه ل يمكن!‪.‬‬
‫وكذلك قال تعالى‪ :‬إِنّا أَْنزَلْنَاهُ ُقرْآنًا َعرَبِيّا لّ َع ّلكُمْ َتعْ ِقلُونَ [يوسف‪،]2 :‬‬
‫وعقل الكلم متضمن لفهمه‪.‬‬
‫ومن المعلوم أن كل كلم فالمقصود منه‪ :‬فهم معانيه دون‬
‫مجرد ألفاظه ‪ ..‬فالقرآن أولى بذلك‪ ،‬ولهذا كان النزاع بين‬
‫الصحابة في تفسير القرآن قليل ً جدًا(‪.)1‬‬
‫ويقول المام الزركشي‪ :‬وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا‬
‫يتعلمون ما ينبغي أن يوقف عنده‪ ،‬كما يتعلمون القرآن(‪ .)2‬فتعلم‬
‫الوقف والبتداء أحد ثمرات تعلم المعاني‪.‬‬
‫صا على تعليم‬
‫‪ ..‬من هنا نقول بأن رسول الله كان حري ً‬
‫أصحابه القرآن ‪ ..‬لفظًا ومعنى‪.‬‬
‫‪ ..‬يقول عبد الله بن عمر‪« :‬كان رسول الله يعلمنا‬
‫القرآن‪ ،‬فإذا مر بسجود سجد وسجدنا معه»(‪.)3‬‬
‫(ولشتهار هذا المر عن رسول الله صار أصل ً يقاس عليه‬
‫غيره‪ ،‬ومن هذا القبيل قول جابر بن عبد الله ‪« :‬كان النب يعلمنا‬
‫الستخارة ف المور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن»(‪.)4‬‬
‫فإذا طرأ ما يمنع رسول الله من مباشرة ذلك بنفسه‬
‫وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة‪.‬‬
‫ومن هذا ما ورد عن عبادة بن الصامت قال‪« :‬كان رسول‬
‫الله يشغل‪ ،‬فإذا قدم مهاجر على رسول الله دفعه إلى‬
‫رجل منا يعلمه القرآن»(‪.)5‬‬
‫وعن أبي موسى‬

‫أن رسول الله‬

‫بعث معاذ ًا وأبا موسى‬

‫‪1‬‬

‫() مقدمة في أصول التفسير لبن تيمية ص ‪ 75 -74‬باختصار‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() البرهان في علوم القرآن للزركشي‪.237/‬‬

‫‪3‬‬

‫() أخرجه المام أحمد واللفظ له (‪ ،)2/157‬ومسلم بنحوه (‪.)2575‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)1162‬‬

‫‪5‬‬

‫() أخرجه المام أحمد ‪.5/324‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪67‬‬

‫إلى اليمن‪ ،‬فأمرهما أن يعلما الناس القرآن»(‪.)1‬‬

‫ل بديل عن التفهم والتدبر‪.‬‬
‫ومع هذا الترغيب في تعلم القرآن إل أنه كان دائم‬
‫التحذير لصحابته – ولمته من بعده – من أن يتحول القرآن من‬
‫وسيلة عظيمة لحياء القلب وبث الروح فيه إلى قراءة حنجرية‬
‫فقط طلبًا للجر والثواب دون النتفاع الحقيقي به‪ ،‬فعندما‬
‫سأله عبد الله بن عمرو بن العاص عن ختم القرآن في أقل من‬
‫ثلثة أيام قال له‪« :‬ل يفقهه من يقرؤه ف أقل من ثلث»(‪.)2‬‬
‫ومع حثه لصحابته على كثرة تلوة القرآن إل أنه كان‬
‫يربط ذلك بالقراءة الهادئة المرتلة المتفهمة للخطاب‪ ،‬والتى‬
‫من خللها يتعرض القلب لنوار القرآن‪ ،‬ومنابع اليمان فيه‬
‫فيحدث الوصال‪ ،‬وتدب الروح في القلب شيئًا فشيئًا حتى يحيا‬
‫حياة كاملة‪.‬‬
‫تأمل قوله‬

‫لصحابته‪« :‬من قرأ القرآن ف سبع ليالٍ كتب من الخبتي»‪.‬‬

‫قلنا‪ :‬فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟‬
‫قال‪« :‬إن أخاف أن يُعجلكم عن التفهم‪ ،‬إل أن تصبوا على مباكرة الليل‪ ،‬فمن فعل‬
‫كُتب من القربي»‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬ففي ثلث يا رسول الله؟‬
‫قال‪« :‬ل أراكم تطيقون ذلك‪ ،‬إل أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكب هه أن يبلغ‬
‫آخرها»‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬فإن أطقناه على تَفَهُّم وترتيل؟!‬
‫قال‪« :‬فذلك الهد من عبادة النبيي»‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬ففي أقل من ثلث يا رسول الله؟‬
‫قال‪« :‬ل تقرأوه ف أقل من ثلث»‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه المام أحمد ‪ .. 4/397‬انظر فضائل سور القرآن د‪ .‬إبراهيم عيسى‪/‬‬
‫‪.25‬‬

‫‪2‬‬

‫() السلسلة الصحيحة (‪.)1513‬‬

‫‪68‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وفي رواية‪ :‬قالوا‪ :‬يا رسول الله! وفي أقل من ثلث‪.‬‬
‫قال‪« :‬ل‪ ،‬ومن وجد منكم نشاطًا فليجعله ف حسن تلوتا»(‪.)1‬‬

‫‪ ..‬وكان يدل الصحابة على الوسائل المعينة على ت ُّفهم‬
‫القرآن والتأثر به ومن ذلك قوله في بيان أهمية القراءة‬
‫بصوت حزين‪« :‬أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يشى ال»(‪.)2‬‬
‫ وقوله عن فضل التسوك قبل القراءة‪« :‬إذا قام أحدكم يصلي‬‫من الليل فليستك‪ ،‬فإن أحدكم إذا قرأ ف صلته وضع ملك فاه على فيه‪ ،‬ول يرج من فيه‬
‫شيء إل دخل فم اللك»(‪.)3‬‬
‫ ولبيان ضرورة الفهم مع القراءة قال ‪« :‬إذا قام أحدكم من‬‫الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فلينصرف‪ ،‬فليضطجع»(‪.)4‬‬
‫* وللتذكير بأهمية القراءة في المصحف قال ‪« :‬من سرّه أن‬
‫يب ال ورسوله‪ ،‬فليقرأ ف الصحف»(‪.)5‬‬
‫‪ ..‬وكان دائم التذكير للصحابة على ضرورة تهيئة الجواء‬
‫المناسبة المعينة على التركيز والفهم‪ ،‬ومن ذلك ما رواه أبو‬
‫داود عن أبي سعيد قال‪ :‬اعتكف رسول الله في المسجد‬
‫فسمعهم يجهرون بالقراءة‪ ،‬فكشف الستر وقال‪« :‬أل إن كلكم مناج‬
‫ربه فل يؤذين بعضكم بعضا‪ ،‬ول يرفع بعضكم على بعض ف القراءة»(‪.)6‬‬
‫ وكان دائم النصح لصحابه – ولمته من بعده – بدوام‬‫قراءة القرآن وتعاهده حتى يستمر إمداد القلب بالمعاني‬
‫اليمانية فتتم التذكرة والتبصرة‪ ،‬ويزداد القرب والوصال‪ ،‬وكان‬
‫‪1‬‬

‫() أورده الحكيم الترمذي في نوادر الصول‪ ،‬والسيوطي في الجامع الكبير‪،‬‬
‫والقرطبي في التذكار‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)194‬‬

‫‪3‬‬

‫() السلسلة الصحيحة (‪.)1213‬‬

‫‪4‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)717‬‬

‫‪5‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)6289‬‬

‫‪6‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)2639‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪69‬‬

‫يحفزهم على القبال على القرآن بتذكيرهم بالجر العظيم‬
‫المترتب على تلوته‪ ،‬وفي نفس الوقت كان يحذرهم من تركه‬
‫وعدم المداومة على قراءته حتى ل تتفلت معانيه من العقل‬
‫والقلب ‪ ..‬ومن ذلك قوله ‪:‬‬
‫«اقرؤوا القرآن واعملوا به‪ ،‬ول تفوا عنه‪ ،‬ول تغلو فيه‪ ،‬ول تأكلوا به‪ ،‬ول تستكثروا‬
‫به»(‪.)1‬‬
‫وقوله‪« :‬اقرؤوا القرآن؛ فإنكم تؤجرون عليه‪ ،‬أما إن ل أقول (آل‪ ،‬حرف‪ ،‬ولكن‬
‫ألف عشر‪ ،‬ولم عشر‪ ،‬وميم عشر‪ ،‬فتلك ثلثون»(‪.)2‬‬
‫«تعاهدوا القرآن‪ ،‬فوالذي نفسي بيده‪ ،‬لو أشد تفصيا من قلوب الرجال من البل من‬
‫عُقلها»(‪.)3‬‬

‫متابعته‬

‫لصحابه‪:‬‬

‫كان يتابع أصحابه في أمر القرآن ومدى تعاهدهم له‪،‬‬
‫وكان حريصا على أل يمر عليهم يوم دون أن يقرأوا القرآن‪،‬‬
‫تأمل معي قوله ‪« :‬من نام عن حزبه‪ ،‬أو عن شيء منه‪ ،‬فقرأه فيما بي صلة الفجر‬
‫وصلة الظهر‪ ،‬كُتب له كأنا قرأه من الليل»(‪.)4‬‬
‫وذكر عنده أحد أصحابه فقال‪« :‬ذلك رجل ل يتوسد القرآن»‬
‫ومعنى ل يتوسد القرآن أي يقوم به الليل ول ينام عنه‪.‬‬

‫(‪)5‬‬

‫وقال يوما لصحابه‪« :‬إن لعرف أصوات رفقة الشعريي بالقرآن حي‬
‫يدخلون بالليل‪ ،‬وإن كنت ل أر منازلم حي نزلوا بالنهار»(‪.)6‬‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)1168‬‬

‫‪2‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)1164‬‬

‫‪3‬‬

‫() صحيح الجامع الصغير (‪.)2956‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)747‬‬

‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫() رواه ابن المبارك في الزهد‪ ،‬وأحمد‪ ،‬والنسائي‪.‬‬
‫() رواه البخاري‪ ،‬ومسلم‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ومع هذه المتابعة والحث على تعاهد القرآن فإنه كان‬
‫كذلك يتابع أثر القرآن على الصحابة ومدى تمثل ثمرته الحقيقية‬
‫فيهم‪ ،‬ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ذلك الحديث الذي يرويه‬
‫جبير بن نفير عن أبي الدرداء أنه قال‪ :‬كنا مع النبي فشخص‬
‫ببصره إلى السماء‪ ،‬ثم قال‪« :‬هذا أوان يتلس العلم من الناس حت ل يقدروا‬
‫منه على شيء»‪ .‬فقال أحد الحاضرين وهو زياد بن لبيد النصارى‪:‬‬
‫كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه‪ ،‬ولنقرئنه‬
‫نساءنا وأبناءنا‪.‬‬
‫فقال ‪« :‬ثكلتك أمك يا زياد‪ ،‬إن كنت لعدك من فقهاء أهل الدينة‪ ،‬هذه التوراة‬
‫والنيل عند اليهود والنصارى فما تغن عنهم»‪.‬‬
‫قال جبير بن نفير‪ :‬فلقيت عُبادة بن الصامت فقلت‪ :‬أل تسمع‬
‫ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته الذي قال أبو الدرداء‪ ،‬قال‪:‬‬
‫صدق أبو الدرداء‪ .‬إن شئت حدثتك بأول علم يُرفع من الناس‪:‬‬
‫(‪)1‬‬
‫الخشوع‪ ،‬يوشك أن تدخل المسجد الجامع فل ترى فيه خاشعًا ‪.‬‬
‫وخرج يوما على أصحابه فوجدهم في حلقة يقرؤون‬
‫القرآن ويتدارسونه بينهم‪ ،‬ففرح بهم وقال‪« :‬المد ل‪ ،‬كتاب ال واحد‪،‬‬
‫وفيكم الخيار‪ ،‬وفيكم الحر والسود‪ ،‬اقرأوا القرآن‪ ،‬اقرأوا قبل أن يأت أقوام يقيمون حروفه‬
‫كما يقام السهم ل ياوز تراقيهم‪ ،‬يتعجلون أجره ول يتأجلونه»(‪.)2‬‬
‫لقد كان شديد الحرص على أل تكون قراءة القرآن‬
‫باللسنة والحناجر فقط‪ ،‬فلكي يتم الوصال بين القلب والقرآن‬
‫وينعكس ذلك على السلوك؛ ل بد من التفهم والتأثر والتجاوب‬
‫مع اليات‪ ،‬فإن لم يحدث ذلك‪ ،‬واكتفى المرء بالقراءة التي ل‬
‫تتجاوز حنجرته فإن هذه القراءة ستكون في واد‪ ،‬بينما يكون‬
‫عمله وسلوكه في واد آخر‪ ،‬وليس أدل على ذلك من هذ‬
‫الواقعة‪:‬‬
‫بينما كان رسول الله يقسم مغانم حنين إذ قام رجل‬
‫فقال‪ :‬اعدل‪ ،‬فقال‪« :‬لقد شقيت إن ل أعدل» ‪ ..‬ثم قال رسول الله ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أخرجه الترمذي وقال‪ :‬حديث حسن غريب‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح‬
‫الجامع (‪.)6990‬‬
‫() رواه ابن حبان في صحيحه‪ ،‬وابن المبارك في الزهد‪.‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول‬

‫والقرآن‬

‫‪71‬‬

‫«إن ناسا ييئون‪ ،‬يقرؤون القرآن ل ياوز تراقيهم‪ ،‬يرقون من الدين كما يرق السهم من‬
‫الرمية‪.)1( »..‬‬
‫إن أعظم أثر لقراءة القرآن هو انضباط السلوك‪ ،‬واقتراب‬
‫الفعل من القول‪ ..‬فإن لم يحدث د َ َّ‬
‫ل ذلك على عدم الوصال‬
‫القلبي بالقرآن‪ ،‬ولقد كان × دائم التحذير من ذلك‪ ،‬وعندما‬
‫أخبر بالفتن التي ستمر بها المة‪ ،‬ربط ذلك بعدم النتفاع‬
‫بالقرآن‪ ،‬فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال‪« :‬ستكون‬
‫ف أمت اختلف وفرقة‪ ،‬قوم يسنون القول ويسيئون الفعل‪ ،‬يقرؤون القرآن ل ياوز تراقيهم‬
‫‪.)2( »..‬‬
‫وعن أبي قلبة قال‪ :‬قال رسول الله وذكر شيئًا فقال‪:‬‬
‫«ذلك أوان ينُسخ القرآن»‪ ،‬فقال رجل كالعرابي‪« :‬يا رسول‬
‫الله ما ينسخ القرآن؟‪ ،‬أو كيف ينسخ القرآن؟»‪ ،‬قال رسول‬
‫الله ‪« :‬ويحك يذهب أصحابه‪ ،‬ويبقى رجال كأنهم النعام»‪،‬‬
‫فضرب رسول الله إحدى يديه على الخرى‪ ،‬فمدهما يشير‬
‫بهما‪ ،‬فقال الناس‪ ،‬يا رسول الله أو ل نتعلمه ونعلمه أبناءنا‪،‬‬
‫ونساءنا»‪ ،‬فقال رسول الله ‪« :‬قد قرأت اليهود والنصارى‪ ،‬قد‬
‫قرأت اليهود والنصارى»(‪.)3‬‬

‫الوصية بالقرآن‪:‬‬
‫ل عجب إذ ًا ‪-‬أخي القارئ‪ -‬أن تكون الوصية التي أوصى بها‬
‫رسول الله أمته من بعده هي القرآن‪.‬‬
‫‪ ..‬ففي صحيح البخاري عن طلحة قال‪ :‬سألت عبد الله بن‬
‫أبي أوفي‪ :‬أأوصي النبي ؟ فقال‪ :‬ل‪ ،‬فقلت‪ :‬كيف كتب على‬
‫الناس الوصية؟‪ ،‬أُمروا بها ولم يُوص؟ قال‪ :‬أوصى بكتاب‬
‫الله»(‪.)4‬‬
‫وعندما أخبر‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫حذيفة بن اليمان بالختلف والفرقة التي‬

‫() رواه مسلم (‪.)1063‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه أحمد‪ ،‬وأبو داود وابن حبان‪ ،‬والحاكم وصححه‪.‬‬
‫() أخرجه ابن المبارك في الزهد برقم (‪ ،)753‬وقال الشيخ أحمد فريد‪:‬‬
‫مرسل صحيح السناد‪.‬‬
‫() صحيح البخاري‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ستحدث بعده‪ ،‬فقال له حذيفة‪ :‬يا رسول الله فما تأمرني إن‬
‫أدركت ذلك؟! قال‪« :‬تعلّم كتاب ال عز وجل واعمل به فهو الخرج من ذلك»‪.‬‬
‫قال حذيفة‪ :‬فأعدت عليه ثلثا‪ .‬فقال ‪« :‬تعلم كتاب ال واعمل به‬
‫فهو النجاة»(‪.)1‬‬
‫وقال يوما لصحابه‪« :‬ستكون فت» فسألوه‪ :‬وما المخرج منها؟‬
‫قال‪« :‬كتاب ال‪.)2( »..‬‬
‫خلُقه ‪ ،‬ووصيته‪ ،‬وميراثه ‪ ..‬مر أعرابي بعبد‬
‫فالقرآن كان ُ‬
‫الله بن مسعود وعنده قوم يتعلمون القرآن‪ ،‬فقال‪ :‬ما يصنع‬
‫هؤلء؟ فقال ابن مسعود‪ :‬يقتسمون ميراث محمد (‪.)3‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه الترمذي (‪ ،)2906‬والدارمي (‪ ،)3332‬وأورده اللباني في السلسلة‬
‫الضعيفة‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.51‬‬

‫الفصل الخامس‬

‫النموذج العملي‬
‫والدفعة الولى لمدرسة‬
‫القرآن‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪74‬‬

‫النموذج العملي‬
‫والدفعة الولى لمدرسة القرآن‬

‫الدفعة الولى‬
‫ذاق صحابة رسول الله حلوة اليمان من‬
‫خلل القرآن‪ ،‬وأدركوا قيمته وقدرته الفذة على‬
‫التغيير وبث الروح‪ ،‬فأقبلوا عليه‪ ،‬وانشغلوا به‪،‬‬
‫وأعطوه الكثير من أوقاتهم‪ ،‬وانجذبت مشاعرهم‬
‫نحوه عند لقائهم به لدرجة الستغراق والهيمنة‪،‬‬
‫حتى أصبحوا ل يملكون دمعهم حين يبدأون التلوة‪،‬‬
‫بل إن بعضهم كان يمرض من شدة أثر القرآن‬
‫عليه‪ ،‬والبعض الخر كانت النوار تشاهد في داره‬
‫عند قراءته‪ ،‬والكثير منهم كان يعيش مع آية من‬
‫اليات ساعات طوال ً يقرؤها ويكررها ويبكي‪ ،‬ول‬
‫يم ُّ‬
‫ل من ذلك‪.‬‬
‫ضا من الخبار التي وردت عن مظاهر تأثر‬
‫وإليك أخي بع ً‬
‫الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن‪:‬‬
‫* في أثناء مرض الرسول‬
‫بالناس»‪.‬‬

‫قال لمن حوله‪« :‬مروا أبا بكر فليصلّ‬

‫فقالت عائشة‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن أبا بكر رجل رقيق‪ ،‬إذا قرأ‬
‫القرآن ل يملك دمعه(‪.)1‬‬
‫* وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال‪ :‬قلت لجدتي‬
‫أسماء ‪ -‬بنت أبي بكر – كيف كان أصحاب رسول الله إذا‬
‫سمعوا القرآن؟ قالت‪ :‬تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم‬
‫الله(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() الدر المنثور ‪.5/610‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪75‬‬

‫* وكان عمر بن الخطاب يمر بالية فتخنقه‪ ،‬فيبقى في بيته‬
‫ضا(‪.)1‬‬
‫ما يُعاد‪ ،‬يحسبونه مري ً‬
‫أيا ً‬
‫* وفي يوم من اليام قال بعض الصحابة لرسول الله ‪ :‬ألم‬
‫تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر‬
‫سئل ثابت‪ ،‬فقال‪ :‬قرأت‬
‫مصابيح؟! قال‪« :‬فلعله قرأ بسورة البقرة»‪ ،‬ف ُ‬
‫سورة البقرة(‪.)2‬‬
‫* وقال رجل من أهل مكة لمسروق – أحد التابعين‪ :-‬هذا‬
‫مقام أخيك تميم الداري‪ ،‬لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد‬
‫أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله‪ ،‬يركع ويسجد ويبكي أَ ْم حَسِبَ‬
‫الّذِي َن اجَْت َرحُوا السّيّئَاتِ أَن ّنجْ َع َلهُ ْم كَالّذِي َن آمَنُوا َو َع ِملُوا الصّاِلحَاتِ سَوَاءً ّمحْيَاهُمْ وَ َممَاُتهُمْ‬
‫حكُمُونَ فلم يزل يرددها حتى أصبح(‪.)3‬‬
‫سَاءَ مَا َي ْ‬
‫* وهذا أسيد بن حضير يقول‪ :‬لو أني أكون كما أكون محل‬
‫حال من أحوال ثلث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك‪:‬‬
‫حين أقرأ القرآن أو أسمعه يُقرأ‪ ،‬وإذا سمعت خطبة رسول الله‬
‫‪ ،‬وإذا شهدت جنازة(‪.)4‬‬
‫* وكان عباد بن بشر يقوم بحراسة المسلمين بعد أن‬
‫عسكروا في مكان‪ ،‬وأخلدوا للنوم وهم في طريق عودتهم من‬
‫غزوة ذات الرقاع‪ ،‬ولما وجد الجو هادئًا بدأ في الصلة وقراءة‬
‫القرآن‪ ،‬وفي أثناء ذلك لمحه أحد المشركين فأصابه بسهم فلم‬
‫يتحرك من مكانه‪ ،‬بل نزعه وأكمل صلته‪ ،‬ثم رماه بسهم ثان‬
‫َ‬
‫فنزعه وأكمل صلته‪ ،‬ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وسل ّم‬
‫وأيقظ صاحبه عمار بن ياسر‪ ،‬ولما سأله عمار لماذا لم توقظني‬
‫منذ أول سهم؟ قال له‪ :‬كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن‬
‫أقطعها حتى أنفذها فلما تابع عل َّ‬
‫ي الرمي ركعت فآذنتك‪ ،‬وأيم‬
‫الله لول أن أُضيَّع ثغًرا أمرني رسول الله بحفظه لقطع‬
‫‪1‬‬

‫() صحابة رسول الله‬

‫وجهودهم في تعليم القرآن الكريم‪.156 /‬‬

‫‪2‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪ ،.66‬وابن كثير في فضائل القرآن‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫إسناده جيد‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق‪.145 /‬‬

‫‪4‬‬

‫() مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر‪.148 /‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪76‬‬

‫نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬لقد كان شعوره‬
‫باللم!!‬

‫بلذة القراءة‪ ،‬أشد بكثير من شعوره‬

‫‪ ..‬وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‪ :‬لما نزلت ‪ِ+‬إذَا‬
‫ت الَ ْرضُ زِْلزَاَلهَا" وأبو بكر الصديق قاعد فبكى حين أنزلت‪،‬‬
‫زُْلزِلَ ِ‬
‫فقال له رسول الله ×‪ :‬ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال‪ :‬يبكيني هذه‬
‫السورة(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬وهذا أسيد بن حضير بينما كان يقرأ في الليل سورة‬
‫البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس‪ ،‬فسكت فسكنت‪.‬‬
‫فقرأ فجالت الفرس‪ ،‬فسكت وسكنت الفرس‪ ،‬ثم قرأ فجالت‬
‫الفرس‪ ،‬فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها‪ ،‬فأشفق أن‬
‫تصيبه‪ ،‬فلما اجتره رفع رأسه في السماء حتى ما يراها‪ ،‬فلما‬
‫أصبح حدث النبي ‪ ،‬فقال له‪« :‬اقرأ يا ابن الحضير‪ ،‬اقرأ يا ابن‬
‫الحضير» قال‪ :‬فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها‬
‫قريبا‪ ،‬فرفعت رأسي فانصرفت إليه‪ ،‬فرفعت رأسي إلى‬
‫َ‬
‫السماء فإذا مثل الظُل ّة فيها أمثال المصابيح‪ ،‬فخرجت حتى ل‬
‫أراها‪ ،‬قال‪« :‬وتدري ما ذاك؟ «قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬تلك اللئكة دنت لصوتك‪ ،‬ولو‬
‫قرأت لصبحت ينظر الناس إليها‪ ،‬ل تتوارى منهم»(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وعن البراء قال‪ :‬قرأ رجل الكهف‪ ،‬وفي الدار دابة‪،‬‬
‫فجعلت تنفر‪ ،‬فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته‪ ،‬فذكر ذلك‬
‫للنبي فقال‪« :‬اقرأ فلن! فإنا السكينة تنلت عند القرآن‪ ،‬أو تنلت للقرآن»(‪.)4‬‬
‫ما‬
‫‪ ..‬وعن أبي غزية النصاري قال‪ :‬كان رجل من النصار قائ ً‬
‫يقرأ‪ ،‬فجاءت كهيئة القبة السوداء‪ ،‬فيها كهيئة الصلصل‪ ،‬حتى‬
‫أظلته‪ ،‬ففزع‪ ،‬ونفر فرسه‪ ،‬فانصرفت على فرسه فارتفعت‪،‬‬
‫فلما أصبح أتى رسول الله فذكر له ذلك‪ ،‬فقال له رسول الله‬
‫‪1‬‬

‫() السيرة النبوية لبن هشام‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() أورده ابن جرير الطبري في تفسيره ‪ ،24/553‬وانظر صحابة رسول الله‬
‫وجهودهم في تعليم القرآن‪.129 ،‬‬

‫‪3‬‬

‫() رواه البخاري (‪ ،)5018‬ومسلم (‪.)1856‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه مسلم (‪.)1854‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪77‬‬

‫‪« :‬تلك السكينة َأذِنَتْ القرآن حي سعته‪ ،‬أما إنك لو ثبت رأيت منها عجبا»(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬وروى الزهري أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد‬
‫الرحمن بن عوف في خلفة عمر بن الخطاب‪ ..‬قال عبد الله‬
‫بن عباس‪ :‬لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن‬
‫عند القراءة (‪.)2‬‬
‫‪ ..‬ولما قدم أهل اليمن المدينة في زمن أبي بكر فسمعوا‬
‫القرآن‪ ،‬فجعلوا يبكون‪ ،‬فقال أبو بكر الصديق‪ :‬هكذا كنا ثم‬
‫قست القلوب(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬عن عبيد بن عمير قال‪ :‬صلى بنا عمر بن الخطاب‬
‫صلة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ وَابْيَضّتْ‬
‫ح ْزنِ َفهُ َو َكظِيمٌ [يوسف‪ ]84 :‬بكى حتى انقطع فركع(‪.)4‬‬
‫عَيْنَاهُ مِنَ اْل ُ‬
‫‪ ..‬وهذا عبد الله بن مسعود يقول‪ :‬إذا وقعت في (سور) آل‬
‫حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن(‪.)5‬‬
‫ومعنى أتأنق فيهن‪ :‬أي أع ُجب بهن وأستلذ بقراءتهن‪ ،‬وأتتبع‬
‫محاسنهن(‪.)6‬‬
‫‪ ..‬وعن عبد الله بن أبي مليكة قال‪ :‬صحبت ابن عباس من‬
‫مكة إلى المدينة‪ ،‬فكان يصلي ركعتين‪ ،‬فإذا نزل قام شطر‬
‫الليل‪ ،‬ويرتل القرآن حرفا حرفا‪ ،‬ويكثر في ذلك من التسبيح‬
‫والنحيب(‪.)7‬‬
‫الثر المباشر للقرآن في سلوك الصحابة‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه أبو نعيم‪ ،‬وأورده المستغفري في فضائل القرآن برقم (‪.)473‬‬

‫‪2‬‬

‫() النتصار للقرآن للباقلني ‪ ،1/201‬ومختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ‪/‬‬
‫‪.145‬‬

‫‪3‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.135‬‬

‫‪4‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.137‬‬

‫‪5‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.255‬‬

‫‪6‬‬

‫() آيات الخشوع لعبد الله المغربي‪.232 /‬‬

‫‪7‬‬

‫() صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن ص ‪ ،318‬نقل ً عن الصابة‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫إذا أردت – أخي – أن تعرف قدر تأثير القرآن على قلوب‬
‫الصحابة‪ ،‬وكيف أن معانيه قد استحوذت على مشاعرهم‪،‬‬
‫وأصبحت تواجههم وتوجههم حيثما اتجهوا فانظر إلى آثار ذلك‬
‫من الناحية العملية لترى كيف كان ذلك الثر سريعا في إذعانهم‬
‫للحق‪ ،‬ومبادرتهم لفعل الخير‪ ،‬وعدم التلكؤ أو التباطؤ تحت أي‬
‫دعوى‪.‬‬

‫أل تحبون أن يغفر الله لكم؟!‬
‫‪ ..‬فهذا أبو بكر الصديق كان ينفق على مسطح بن أثاثة‬
‫لقرابته منه وفقره‪ ،‬فلما قال مسطح ما قال في السيدة‬
‫عائشة في حادثة الفك‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬والله ل أنفق على‬
‫مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة‪ ،‬ما قال‪ .‬فأنزل الله‪:‬‬
‫ضلِ مِنكُمْ وَالسّعَ ِة أَن يُؤْتُوا أُولِي الْ ُقرْبَى وَاْلمَسَاكِيَ وَاْل ُمهَا ِجرِينَ فِي سَبِيلِ‬
‫َو َل يَأَْتلِ أُولُو اْلفَ ْ‬
‫ل غَفُورٌ ّرحِيمٌ [النور‪.]22 :‬‬
‫ل َلكُمْ وَا ُ‬
‫ص َفحُوا َألَ ُتحِبّو َن أَن يّ ْغ ِفرَ ا ُ‬
‫الِ وَلَْيعْفُوا وَلْيَ ْ‬
‫قال أبو بكر‪ :‬بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي‪.‬‬
‫فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه‪ ،‬وقال‪ :‬والله ل أنزعها‬
‫أبدًا (‪.)1‬‬

‫أعرض عن الجاهلين‪:‬‬
‫حر بن قيس وعمه عيينة‬
‫‪ ..‬وهذا عمر بن الخطاب يأتيه ال ُ‬
‫بن حصن فيقول عيينة للخليفة عمر‪ :‬ه َّ‬
‫ي يا ابن الخطاب‪،‬‬
‫فوالله ما تعطينا الجزل ول تحكم فينا بالعدل‪ .‬فغضب عمر حتى‬
‫ه َّ‬
‫م به‪ ،‬فقال له الحُّر‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬إن الله تعالى قال لنبيه‬
‫خُذِ الْ َعفْوَ َوأْ ُم ْر بِالْ ُعرْفِ وََأ ْع ِرضْ عَنِ اْلجَا ِهلِيَ [العراف‪ ،]199 :‬وإن هذا‬
‫من الجاهلين‪.‬‬
‫يقول ابن عباس‪ :‬والله ما جاوزها عمر حين تلها عليه‪ ،‬وكان‬
‫وقافًا عند كتاب الله(‪.)2‬‬

‫أقرضت ربي حائطي‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)4750‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)4642‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪79‬‬

‫ل َقرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِ َف ُه لَهُ‬
‫لما نزل قول الله تعالى‪ :‬مَن ذَا الّذِي يُ ْق ِرضُ ا َ‬
‫ط وَإِلَيْ ِه ُت ْرجَعُونَ [البقرة‪.]245 :‬‬
‫ل يَ ْقبِضُ وَيَبْسُ ُ‬
‫َأضْعَافًا كَِثيَةً وَا ُ‬
‫قال أبو الدحداح‪ :‬يا رسول الله!‪ ،‬وإن الله يريد منا القرض؟‬
‫قال‪« :‬نعم يا أبا الدحداح» قال‪ :‬أرني يدك يا رسول الله! فناوله‬
‫يده‪ .‬قال‪ :‬إني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة‬
‫نخلة‪.‬‬
‫وأم الدحداح فيه وعيالها‪ ،‬فجاء أبو الدحداح فناداها‪ :‬يا أم‬
‫الدحداح‪ .‬قالت لبيك‪ .‬قال‪ :‬أخرجي فقد أقرضته ربي – عز وجل‬
‫– قالت‪ :‬ربح بيعك يا أبا الدحداح! ونقلت منه متاعها وصبيانها(‪.)1‬‬

‫ثابت بن قيس من أهل الجنة‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك قال‪ :‬لما نزلت هذه الية‪ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن‬
‫ضكُ ْم لِبَ ْعضٍ أَن‬
‫ج ْهرِ َبعْ ِ‬
‫ج َهرُوا َل ُه بِالْ َق ْولِ َك َ‬
‫ق صَ ْوتِ النِّبيّ َو َل َت ْ‬
‫آمَنُوا َل َترْ َفعُوا َأصْوَاَتكُمْ فَ ْو َ‬
‫ش ُعرُونَ [الحجرات‪.]2 :‬‬
‫ط َأ ْعمَاُلكُمْ وََأنْتُ ْم لَ تَ ْ‬
‫َتحْبَ َ‬
‫كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت‪ ،‬فقال‪ :‬أنا الذي‬
‫كنت أرفع صوتي على رسول الله ‪ ،‬وأنا من أهل النار‪ ،‬حبط‬
‫عملي‪ ،‬وجلس في بيته حزينا ففقده رسول الله فانطلق‬
‫بعض القوم إليه فقالوا له‪ :‬تفقدك رسول الله ‪ ،‬مالك؟!‬
‫قال‪ :‬أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي‪ ،‬وأجهر له‬
‫بالقول‪ ،‬حبط عملي‪ ،‬أنا من أهل النار‪.‬‬
‫فأتوا النبي فأخبروه بما قال‪ .‬فقال النبي ‪« :‬ل بل هو‬
‫من أهل الجنة»‪.‬‬
‫قال أنس‪ :‬فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من‬
‫أهل الجنة‪ .‬فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض النكشاف‪،‬‬
‫فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫بئسما تعودون أقرانكم‪ ،‬فقاتلهم حتى قُتل (‪.)2‬‬

‫سمعًا لربي وطاعة‪:‬‬
‫عن معقل بن يسار قال‪ :‬زوجت أختًا لي من رجل فطلقها‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه المام أحمد في المسند (‪.)3/346‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه أحمد في المسند (‪ ،)12422‬ومسلم بنحوه‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها‪ ،‬فقلت له‪ :‬زوجتك وأفرشتك‪،‬‬
‫وأكرمتك‪ ،‬فطلقتها ثم جئت تخطبها‪ ،‬ل والله ل تعود إليك أبدًا‪،‬‬
‫وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه‪ ،‬فأنزل الله هذه الية وَِإذَا َطلّقْتُمُ‬
‫ضرَارًا‬
‫سكُوهُ ّن ِ‬
‫ف َأوْ َس ّرحُو ُهنّ ِب َم ْعرُوفٍ َو َل ُتمْ ِ‬
‫سكُوهُ ّن ِبمَ ْعرُو ٍ‬
‫النّسَاءَ َفَبلَغْ َن َأ َج َلهُنّ فَأَمْ ِ‬
‫لَّتعْتَدُوا [البقرة‪.]231 :‬‬
‫فقلت‪ :‬الن أفعل يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬فزوجها إياه(‪.)1‬‬
‫وفي رواية‪ :‬فسمع ذلك معقل بن يسار فقال‪ :‬سمعا لربي‬
‫وطاعة‪ ،‬فدعا زوجها فزوجها إياه(‪.)2‬‬

‫والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت‪:‬‬
‫عن زيد بن ثابت أن رسول الله‬
‫الْقَاعِدُو َن مِنَ اْلمُؤْ ِمنِيَ وَاْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِي ِل الِ ‪.‬‬

‫أملى عليه‪َ :‬ل يَسَْتوِي‬

‫ى‪ ،‬قال‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫فجاء ابن أم مكتوم وهو يُمل ِّها عل َّ‬
‫والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت – وكان أعمى – فأنزل الله‬
‫على رسوله (غير أولى الضرر) (‪ )3‬أي‪َ :‬ل يَسَْتوِي اْلقَاعِدُونَ مِنَ‬
‫ضرَرِ وَاْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِي ِل الِ [النساء‪.]195 :‬‬
‫ي غَ ْيرُ أُولِي ال ّ‬
‫اْلمُؤْ ِمنِ َ‬

‫ل حاجة لي في أرضك‪:‬‬
‫نزل رجل من العرب على عامر بن ربيعة‪ ،‬فأكرم عامر‬
‫مثواه‪ ،‬وكلم فيه رسول الله ‪ ،‬فجاء الرجل إليه بعد ذلك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إني استقطعت رسول الله × واديا ما في العرب أفضل‬
‫منه‪ ،‬ولقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك‪.‬‬
‫فقال عامر‪ :‬ل حاجة لي في قطيعتك‪ ،‬نزلت اليوم سورة‬
‫س حِسَاُبهُمْ وَهُمْ فِي غَ ْفلَ ٍة مّ ْع ِرضُونَ [النبياء‪]1 :‬‬
‫ب لِلنّا ِ‬
‫أذهلتنا عن الدنيا اقَْت َر َ‬
‫(‪.)4‬‬

‫قرأت البارحة سورة براءة‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)5130‬‬

‫‪2‬‬

‫() فتح الباري ‪.9/234‬‬

‫‪3‬‬

‫() رواه البخاري (‪.)4592‬‬

‫‪4‬‬

‫() الجامع لحكام القرآن للقرطبي‪.‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪81‬‬

‫خرج عبد الرحمن بن يزيد مرة‪ ،‬وهو يريد أن يجاعل في‬
‫جعل هو ما يُجعل للغازي إذا وجب على‬
‫بعث خرج عليه (ال ُ‬
‫جعل يشترطه)‪ ،‬ثم أصبح‬
‫النسان غزو فجعل مكانه رجل ً آخر ب ُ‬
‫فتجهز‪ ،‬فقيل له‪ :‬ألم تكن أردت أن تجاعل؟ فقال‪ :‬بلى‪ ،‬و لكن‬
‫قرأت البارحة سورة براءة فسمعتها تحث على الجهاد(‪.)1‬‬
‫وهذا أبو طلحة يقرأ سورة (براءة) فأتى على هذه الية اْنفِرُوا‬
‫ِخفَافًا وَِثقَا ًل وَجَا ِهدُوا ِبَأ ْموَالِ ُكمْ َوأَْنفُسِ ُكمْ فِي َسبِيلِ الِ [التوبة‪ ]41 :‬فقال‪ :‬أرى ربنا‬
‫خا وشبابًا جهزوني يا بني‪ ،‬فقال بنوه‪ :‬يرحمك الله‪،‬‬
‫استنفرنا شيو ً‬
‫قد غزوت مع رسول الله حتى مات‪ ،‬ومع أبي بكر حتى مات‪،‬‬
‫ومع عمر حتى مات‪ ،‬فنحن نغزو عنك‪ ،‬فأبى فركب البحر فمات‬
‫فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إل بعد تسعة أيام‪ ،‬فلم يتغير‬
‫فدفنوه فيها(‪.)2‬‬

‫زينوا القرآن بالفعال‪:‬‬
‫ولشحذ همم المسلمين قبل القتال كان الصحابة يقرؤون‬
‫القرآن‪ ،‬ويذكِّرون بعضهم البعض بأخلق القرآن‪.‬‬
‫قال هشام بن عروة كان شعار أصحاب رسول الله‬
‫ورضي عنهم يوم اليمامة‪« :‬يا أصحاب سورة البقرة»(‪.)3‬‬
‫وقال أبو حذيفة يشحذ الهمم في ذلك اليوم المشهود‪ :‬يا‬
‫أهل القرآن‪ ،‬زينوا القرآن بالفعال‪.‬‬
‫وكان الصحابة يتواصون بينهم ويقولون‪ :‬يا أصحاب سورة البقرة‪،‬‬
‫بطل السحر اليوم(‪.)4‬‬
‫ولما أخذ سالم مولى أبي حذيفة الراية بعد مقتل زيد بن‬
‫الخطاب قال له المهاجرون‪ :‬أتخشى أن نؤتي من قبلك؟ فقال‪:‬‬
‫(بئس حامل القرآن أنا إذ ًا) (‪.)5‬‬
‫‪1‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.243‬‬

‫‪2‬‬

‫() تفسير ابن كثير ‪.2/327‬‬

‫‪3‬‬

‫() فضائل القرآن للمستغفري برقم ‪.713‬‬

‫‪4‬‬

‫() البداية والنهاية لبن كثير ‪.6/367‬‬

‫‪5‬‬

‫() المصدر السابق ‪.6/381‬‬

‫‪82‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وفي القادسية وقبل بدء المعركة‪ :‬صلى سعد بن أبي وقاص‬
‫بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتل قوله تعالى‪:‬‬
‫ض يَ ِرثُهَا ِعبَا ِديَ الصّاِلحُونَ [النبياء‪]105 :‬‬
‫وََل َقدْ َكَت ْبنَا فِي الزّبُورِ مِن َب ْعدِ الذّكْ ِر أَنّ ا َلرْ َ‬
‫(‪)1‬‬
‫وقرأ القَّراء على الناس‪ :‬آيات الجهاد وسوره ‪.‬‬
‫وبعد انتهاء المعركة وانتصار المسلمين كتب سعد بن أبي‬
‫وقاص إلى عمر بن الخطاب كتابا يخبره فيه بالفتح‪ ،‬فكان مما فيه‪:‬‬
‫‪ ..‬وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلن وفلن‪،‬‬
‫ورجال من المسلمين ل يعلمهم إل الله‪ ،‬فإنه بهم عالم ‪ ..‬كانوا‬
‫يُدووّن بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل‪ ،‬وهم آساد في‬
‫النهار ل تشبههم السود(‪..)2‬‬
‫هذه الجواء القرآنية جعلتهم يترفعون عن الدنيا وما فيها‪،‬‬
‫وشمخت نفوسهم إلى الرضوان الكبر لذلك كانوا آسادًا بالنهار‬
‫ل تشبههم السود ‪ ..‬يقول جابر بن عبد الله‪ :‬والله الذي ل إله‬
‫إل هو‪ ،‬ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع‬
‫الخرة(‪.)3‬‬
‫انشغال الصحابة بالقرآن ومحافظتهم على وردهم اليومي‪:‬‬
‫هذه المثلة الرائعة لثر القرآن على سلوك الصحابة ما‬
‫كانت لتظهر لول حرص الصحابة على كثرة قراءة القرآن بتفهم‬
‫وترتيل‪ ،‬فقد كان للواحد منهم حزب يومي من القرآن – قل أو‬
‫كثر – ل يتكاسل عن القيام به‪.‬‬
‫فعن الحسن قال‪« :‬قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ‪:‬‬
‫لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلم ربنا‪ ،‬وإني لكره أن يأتي‬
‫ى يوم ل أنظر في المصحف‪ ،‬وما مات عثمان حتى خَّرق‬
‫عل َّ‬
‫(‪)4‬‬
‫مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه ‪.‬‬
‫وعندما دخل عليه المعتدون ليقتلوه كان المصحف في‬
‫ضربت‪ ،‬فسال الدم‪ ،‬فقطرت قطرة‬
‫حجره يقرأ فيه‪ ،‬فمد َّ يده ف ُ‬
‫‪1‬‬

‫() البداية والنهاية ‪.7/47‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ‪.7/50‬‬

‫‪3‬‬

‫() آيات الخشوع ‪ ،228 /‬نقل ً عن تاريخ الطبري ‪.2/19‬‬

‫‪4‬‬

‫() حياة الصحابة للكاندهلوى ‪.3/168‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪83‬‬

‫سمِيعُ الْ َعلِيمُ [البقرة‪.)1( ]137 :‬‬
‫على قوله تعالى‪ :‬فَسََيكْفِي َكهُ ُم الُ وَهُ َو ال ّ‬
‫وعن ابن عباس قال‪ :‬كان عمر بن الخطاب‬
‫البيت نشر المصحف فقرأ فيه(‪.)2‬‬

‫إذا دخل‬

‫وقيل لنافع‪ :‬ما كان يصنع ابن عمر – رضي الله عنهما – في‬
‫منزله؟ قال‪ :‬ل تطيقونه‪ :‬الوضوء لكل صلة‪ ،‬والمصحف‬
‫بينهما(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وعن خيثمة قال‪ :‬دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ‬
‫في المصحف فقلت له‪ ،‬فقال‪ :‬هذا حزبي الذي أقرأ به الليلة(‪.)4‬‬
‫‪ ..‬وكان الحسن بن على يقرأ ورده من أول الليل‪ ،‬وحسينا كان‬
‫يقرأه من آخر الليل(‪.)5‬‬
‫سبعي‪ ،‬وأنا جالسة‬
‫‪ ..‬وقالت عائشة‪ :‬إني لقرأ حزبي‪ ،‬أو قالت‪ُ :‬‬
‫على فراشي أو سريري(‪.)6‬‬
‫‪ ..‬وكان أبو موسى يقول‪ :‬إني لستحي أن أنظر كل يوم في عهد‬
‫ربي عز وجل مرة(‪.)7‬‬
‫‪ ..‬وذات يوم قام عبد الرحمن بن عبد القارئ بزيارة عمر‬
‫بن الخطاب في داره‪ ،‬فتركه عمر وحيدا لمدة طويلة‪ ،‬ثم أذن‬
‫له بالدخول عليه‪ ،‬وقال له معلل ما فعل‪ :‬إني كنت في قضاء‬
‫وردي(‪.)8‬‬
‫لقد كانت هناك مساحة معتبرة للقرآن في يومهم‪ ،‬لدرجة‬
‫‪1‬‬

‫() صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم ص ‪ ،179‬نقل عن‬
‫معرفة الصحابة لبي نعيم ‪.1/254‬‬

‫‪2‬‬

‫() حياة الصحابة ‪.3/168‬‬

‫‪3‬‬

‫() حياة الصحابة ‪.3/168‬‬

‫‪4‬‬

‫() فضائل القرآن للمستغفري ‪1/421‬‬

‫‪5‬‬

‫() المصدر السابق ‪.1/421‬‬

‫‪6‬‬

‫() المصدر السابق ‪.1/422‬‬

‫‪7‬‬

‫() التذكار في أفضل الذكار للقرطبي ‪.184/‬‬

‫‪8‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد‪.185 /‬‬

‫‪84‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫أن بعضهم كان يختمه في ثلثة أيام والبعض في سبع‪ ،‬والبعض‬
‫في عشر‪ ،‬مع التدبر والترتيل والتجاوب مع اليات كما مر علينا‪،‬‬
‫والذي ساعدهم على المداومة على ذلك هو استشعارهم لقيمة‬
‫القرآن من ناحية‪ ،‬ولتحذيرات الرسول المتكررة لهم بعدم‬
‫النشغال بغيره من ناحية أخرى ‪ ..‬لذلك كان القرآن يصحبهم‬
‫في كل وقت‪ ،‬حتى في المعارك لم يتركوا قراءة القرآن كما‬
‫مر علينا في معركة القادسية ‪..‬‬
‫والذي كان يسير في طرقات المدينة ليل فلن تخطئ أذناه‬
‫آيات القرآن وهي تنساب من كل بيت‪ ،‬فالجميع يقرأ ويترنم‬
‫ويبكي‪ ،‬ويستشعر حلوة اليمان‪ ،‬ولذة الوصال‪ ،‬فيدفعه ذلك‬
‫إلى مزيد من القراءة بتدبر وترتيل‪ ..‬يستوي في ذلك الرجال‬
‫والنساء‪ ،‬ولقد مر علينا قوله ‪« :‬إن لعرف أصوات رفقة الشعريي بالقرآن‬
‫حي يدخلون بالليل‪ ،‬وإن كنت ل أر منازلم حي نزلوا بالنهار»(‪.)1‬‬
‫وكان يسير فمر على امرأة تقرأ َهلْ أَتَا َك حَدِيثُ اْلغَاشِيَةِ فقام‬
‫يستمع ويقول‪« :‬نعم قد جاءني»(‪.)2‬‬
‫لقد كان القرآن هو محور حياتهم‪ ،‬ومادة حياة قلوبهم‪..‬‬
‫يحرصون على تحصيلها أكثر من حرصهم على تحصيل الطعام‬
‫والشراب والراحة‪ ،‬ولم ل وهم يدركون بأن الحياة الحقيقية هي‬
‫حياة القلب‪ ..‬انظر إليهم بعد دخولهم مكة فاتحين مع رسول‬
‫الله بعد أيام حافلة بالمجهود العظيم والسفر الطويل ‪..‬‬
‫أليس من الطبيعي أن يخلدوا للراحة في الليل بعد انتهاء‬
‫مهمتهم؟! ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل ظلوا حول الكعبة يصلون‬
‫ويقرأون القرآن ويركعون ويسجدون ويتضرعون إلى الله‬
‫يحمدونه ويشكرونه على عظيم فضله‪.‬‬
‫‪ ..‬جاءت هند بنت عتبة زوجها أبي سفيان بن حرب صبيحة‬
‫فتح مكة‪ ،‬فقالت له‪ :‬أريد أن أبايع محمدًا‪.‬‬
‫قال أبو سفيان‪ :‬قد رأيتك تكفرين‪ .‬قالت أي والله‪ ،‬والله ما‬
‫رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة‪،‬‬
‫ما وركوعًا وسجودًا(‪.)3‬‬
‫والله إن باتوا إل مصلين قيا ً‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() سبق تخريجه‪.‬‬
‫() أورده ابن كثير في تفسيره ‪.4/456‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪85‬‬

‫فل عجب إذن – أخي القارئ‪ -‬أن تظهر هذه النماذج‬
‫الفريدة‪ ،‬وبهذه العداد الكبيرة‪ ،‬فالمدرسة واحدة‪ ،‬والمنهج‬
‫ف فياض ل ينضب‪.‬‬
‫واحد‪ ،‬والنبع صا ٍ‬

‫كيف كانوا يحفظون آيات القرآن؟‬
‫ومع اهتمام الصحابة الشديد بالقرآن‪ ،‬والحرص على تلوته‬
‫كل يوم‪ ،‬والكثار من مدة المكث معه‪ ،‬إل أن هذا لم يدفعهم‬
‫للسراع في حفظ اليات‪ ،‬باعتبار أن من أهم أهداف التلوة هو‬
‫الزيادة المستمرة لليمان‪ ،‬وتوليد الطاقة الدافعة للعمل‪ ،‬وفي‬
‫نفس الوقت فإن هدف الحفظ يختلف‪ ،‬فالذي يحفظ ألفاظه‬
‫لبد وأن يدرك معانيها‪ ،‬ويعمل بما تدل عليه حتى يُصبح حاملً‬
‫حا لهذه اللفاظ ول يكون ممن عناهم الله عز وجل‬
‫حمل ً صحي ً‬
‫حمِ ُل َأسْفَارًا‬
‫حمَا ِر َي ْ‬
‫ح ِملُوهَا َكمََثلِ اْل ِ‬
‫بقوله‪ :‬مََثلُ الّذِي َن ُح ّملُوا التّ ْورَاةَ ثُمّ لَ ْم َي ْ‬
‫[الجمعة‪.]5 :‬‬
‫لذلك نجد التمهل وعدم السراع هو سمة الصحابة في‬
‫حفظ القرآن‪ ،‬وليس أدل على ذلك من قول أبي عبد الرحمن‬
‫ال ُّ‬
‫سلمى‪ :‬حدثنا الذين كانوا يُقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان‪،‬‬
‫وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما‪ ،‬وغيرهما أنهم كانوا إذا‬
‫تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها‬
‫من العلم والعمل‪ ،‬قالوا‪ :‬فتعلمنا العلم والعمل جميعًا(‪ ،)1‬وزاد‬
‫في رواية الفريابي‪ :‬وأنه سيرث القرآن من بعدنا قوم يشربونه‬
‫شرب الماء ل يجاوز هذا‪ ،‬وأشار بيده إلى حنكه(‪.)2‬‬
‫لقد كان الصحابة – رضوان الله عليهم‪ -‬يدركون قيمة‬
‫القرآن وأنه قَ ْو ًل َثقِيلً [المزمل‪ .]5 :‬يقول عبد الله بن عمر‪ :‬كنا‬
‫صدر هذه المة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ما‬
‫معه إل السورة من القرآن أو شبه ذلك‪ ،‬وكان القرآن ثقيلً‬
‫عليهم‪ ،‬ورزقوا العمل به‪ ،‬وإن آخر هذه المة يخفف عليهم‬
‫القرآن‪ ،‬حتى يقرأه الصبي والعجمي فل يعملون به(‪.)3‬‬
‫‪3‬‬

‫() رهبان الليل لسيد العفاني ‪.1/310‬‬

‫‪1‬‬

‫() منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر ناصر ص ‪.104‬‬

‫‪2‬‬

‫() فضائل القرآن للفريابي ص ‪.241‬‬

‫‪3‬‬

‫() أخلق حملة القرآن للجرى ص ‪.49‬‬

‫‪86‬‬
‫ولقد أخبرهم الرسول‬
‫يشربون القرآن كشربم اللب»(‪.)1‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫بذلك حين قال‪« :‬يرج أقوام من أمت‬

‫لذلك لما بدأ المسلمون في عصر التابعين يقبلون على‬
‫حفظ القرآن بشكل مختلف عما كان يفعله الصحابة‪ ،‬ازداد‬
‫تحذير الصحابة لهم وتخويفهم من خطورة حمل ألفاظ القرآن‬
‫دون إدراك معانيه ومعرفة أحكامه‪ ،‬والعمل بما تدل عليه آياته‪.‬‬
‫فقد جمع أبو موسى الشعري الذين حفظوا القرآن في الكوفة‪،‬‬
‫َ‬
‫وكان عددهم يبلغ قرابة الثلثمائة‪ ،‬فعظ ّم القرآن‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫«إن هذا القرآن كائن لكم ذخًرا‪ ،‬وكائن عليكم وزًرا‪ ،‬فاتبعوا‬
‫القرآن ول يتبعكم‪ ،‬فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض‬
‫(‪)2‬‬
‫الجنة‪ ،‬ومن اتبعه القرآن ز َّ‬
‫ج به في قفاه فقذفه في النار» ‪.‬‬
‫وعندما جاء رجل إلى أبي الدرداء وقال له‪ :‬إن ابني قد جمع‬
‫القرآن‪ ،‬فانزعج أبو الدرداء وقال له‪ :‬اللهم اغفر‪ .‬إنما جمع‬
‫القرآن من سمع له وأطاع(‪.)3‬‬
‫وكيف ل يقول هذا‪ ،‬وهو القائل‪ :‬أخاف أن يقال لي يوم‬
‫القيامة علمت أم جهلت؟‬
‫فأقول‪ :‬علمت‪ .‬فل تبقى آية في كتاب الله آمرة أو زاجرة‬
‫إل و تسألني فريضتها‪.‬‬
‫تسألني المرة‪ :‬هل ائتمرت؟ وتسألني الزاجرة‪ :‬هل‬
‫ازدجرت؟!‬
‫فأعوذ بالله من علم ل ينفع‪ ،‬ومن دعاء ل يسمع(‪.)4‬‬
‫وكان يقول‪ :‬لو أعيتني آية من كتاب الله عز وجل فلم أجد‬
‫أحدًا يفتحها عل َّ‬
‫ي إل رجل ً بـبَْرك الغماد لرحلت إليه(‪.)5‬‬
‫‪1‬‬

‫() صحيح رواه الفريابي‪ ،‬والطبراني‪ ،‬وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ‪6/229‬‬
‫وقال‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() أخلق حملة القرآن للجري ص ‪.20‬‬

‫‪3‬‬

‫()فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.133‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫() حديث القرآن عن القرآن لمحمد الراوي ص ‪.46‬‬
‫() فضائل القرآن لبي عبيد‪ ،‬ص ‪ ،101‬وبَْرك الغماد‪ :‬موضع في أقاصي هجر‬
‫باليمن‪.‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪87‬‬

‫وفي المقابل كانوا يجتهدون في تعليم من بعدهم القرآن‬
‫بطريقة تربط بين اللفظ والمعنى‪ ،‬وتحقق مفهوم «التعليم‪،‬‬
‫وكانوا يقتصرون في الجلسة الواحدة على آية أو بضع آيات‬
‫حتى يتم النتفاع الصحيح بها‪.‬‬
‫فهذا عبد الله بن مسعود كان إذا أصبح فخرج أتاه الناس‬
‫إلى داره‪ ،‬فيقول‪ :‬على مكانكم‪ ،‬ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن‪،‬‬
‫فيقول‪ :‬أبا فلن‪ ،‬بأي سورة أنت؟ فيخبره‪ ،‬فيقول‪ :‬في أي آية؟‬
‫فيخبره؟ فيفتح عليه الية التي تليها‪ ،‬ثم يقول‪ :‬تعلمها‪ ،‬فإنها خير‬
‫لك مما بين السماء والرض‪ ،‬فيظن الرجل أنه ليس في القرآن‬
‫آية لعلها خير منها‪ ،‬ثم يمر بالخر فيقول له مثل ذلك‪ ،‬حتى‬
‫يقول ذلك لكلهم(‪.)1‬‬
‫وقال أبو العالية‪ :‬تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات‪ ،‬إنه‬
‫أحفظ لكم‪ ،‬وإن جبريل صلوات الله عليه كان ينزل بخمس‬
‫آيات متواليات(‪.)2‬‬
‫وقال أبو رجاء العطاردي‪ :‬كان أبو موسى يعلمنا القرآن‬
‫خمس آيات خمس آيات(‪.)3‬‬

‫خوف الصحابة على القرآن‪:‬‬
‫بعد أن ذاق الصحابة – رضوان الله عليهم – حلوة القرآن‪،‬‬
‫وأدركوا قيمته الحقيقية‪ ،‬والسر العظم لمعجزته‪ ،‬ووظيفته‬
‫المتفردة في إنشاء اليمان‪ ،‬وبناء اليقين الصحيح‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م‬
‫التقويم والتغيير ‪ ..‬بعد أن تأكدوا من هذا كله‪ ،‬ورأوا بأعينهم‬
‫ثمار التعامل الصحيح مع هذا الكتاب في شتى الدوائر‬
‫والمجالت‪ ،‬كان من أهم ما يشغل بالهم هو توصيل هذه‬
‫الرسالة لمن بعدهم من الجيال حتى ل يتحول القرآن من‬
‫وسيلة عظيمة للتغيير إلى مجرد كتاب مقدس يُقرأ للتبرك‬
‫والثواب فقط‪..‬‬
‫لذلك كانوا حريصين على متابعة من بعدهم في كيفية‬
‫تعاملهم مع القرآن‪ ،‬فالسيدة عائشة تسمع رجل يقرأ القرآن‬
‫‪1‬‬

‫() لمحات النوار ‪.1/272‬‬

‫‪2‬‬

‫() فضائل القرآن للمستغفري ‪.1/321‬‬

‫‪3‬‬

‫() معرفة القراء ‪.1/59‬‬

‫‪88‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫قراءة سريعة‪ ،‬فقالت‪ :‬ما قرأ هذا وما سكت(‪.)1‬‬
‫* وجاء رجل يقال له‪ :‬نُهيك بن سنان إلى عبد الله بن‬
‫مسعود فقال له‪ :‬يا أبا عبد الرحمن‪ :‬كيف تقرأ هذا الحرف‪ ،‬ألفا‬
‫تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسن» فقال‬
‫عبد الله‪ :‬وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟‬
‫قال نُهيك‪ :‬إني لقرأ المفصل في ركعة‪ .‬فقال عبد الله‪ :‬هذًّا‬
‫كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن ل يجاوز تراقيهم‪ ،‬ولكن‬
‫إذا وقع في القلب فرسخ فيه‪ ،‬نفع(‪..)2‬‬
‫* وقيل لعبد الله بن عمرو بن العاص‪ :‬الرجل يقرأ في ليلة؟‬
‫فقال‪ :‬أقد فعلتموها؟ لو شاء الله أنزله جملة واحدة‪ ،‬إنما فُصل‬
‫ليعطي كل سورة حظها من الركوع والسجود(‪.)3‬‬
‫* ورأى عبد الله بن مسعود مصحفًا مزينًا بالذهب فقال‪ :‬إن‬
‫أحسن ما ُزينت به المصحف تلوته ليل ً ونهاًرا في الخلوة(‪.)4‬‬
‫وكان أبو الدرداء يقول‪ :‬إذا حليتم مصاحفكم‪ ،‬وزوقتم‬
‫مساجدكم‪ ،‬فالدمار عليكم(‪.)5‬‬

‫توجيهات ووصايا الصحابة نحو القرآن‪:‬‬
‫عن الحسن قال‪ :‬كان رجل يكثر غشيان باب عمر ‪ ،‬فقال‬
‫له‪ :‬اذهب فتعلم كتاب الله‪ ،‬فذهب الرجل‪ ،‬ففقده عمر ثم لقيه‬
‫فكأنه عاتبه‪ ،‬فقال‪ :‬وجدت في كتاب الله ما أغناني عن باب‬
‫عمر(‪.)6‬‬
‫جندب بن عبد الله أهل البصرة بوصية فقال فيها‪:‬‬
‫‪ ..‬أوصى ُ‬
‫وعليكم بالقرآن‪ ،‬فإنه هدى النهار‪ ،‬ونور الليل المظلم‪ ،‬فاعملوا‬
‫‪1‬‬

‫() الزهد لعبد الله بن المبارك برقم (‪.)1197‬‬

‫‪2‬‬

‫() صحيح مسلم (‪.)1905‬‬

‫‪3‬‬

‫() مختصر قيام الليل ص ‪.152‬‬

‫‪4‬‬

‫() التذكار في أفضل الذكار ص ‪.192‬‬

‫‪5‬‬

‫() الزهد لبن المبارك برقم (‪.)746‬‬

‫‪6‬‬

‫() صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم ص ‪.154‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪89‬‬

‫به على ما كان من جهد وفاقة(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬أما الحسن بن على فيوصى وصية مهمة وضابطة لقراءة‬
‫القرآن فيقول‪ :‬اقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست‬
‫تقرؤه(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬وقال على بن أبي طالب‪ :‬أل أنبئكم بالفقيه حق الفقيه‪ ،‬من‬
‫لم يُقَنِّط الناس من رحمة الله‪ ،‬ولم يرخص لهم في معصية الله‪،‬‬
‫ولم يُؤََّمنهم مكر الله‪ ،‬ولم يترك القرآن إلى غيره‪..‬‬
‫أل ل خير في عبادة ليس فيها تفقه‪ ،‬ول خير في فقه ليس‬
‫فيه تفهم‪ ،‬ول خير في قراءة ليس فيها تدبر(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وكان عبد الله بن مسعود يقول‪ :‬أُنزل القرآن ليعملوا به‬
‫فاتخذوا دراسته عمل‪ ،‬إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى‬
‫خاتمته ما يُسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به(‪.)4‬‬

‫‪ ..‬وقال أبو الدرداء‪:‬‬
‫إياكم والهذاذين‪ ،‬الذين يهذون القرآن‪ ،‬يسرعون بقراءته‪،‬‬
‫فإنما مثل أولئك كمثل الكُنة‪ :‬ل أمسكت ماء‪ ،‬ول أنبتت كل (‪.)5‬‬
‫والكنة هي الظلة التي تكون فوق الدار‪.‬‬
‫‪ ..‬وهذا خباب بن الرت يقول لجار له‪ :‬يا هناه! تقرب إلى‬
‫الله ما استطعت‪ ،‬فإنك لن تقرب إليه بشيء هو أحب إليه من‬
‫كلمه(‪.)6‬‬
‫‪ ..‬وجاء رجل إلى أبي الدرداء فقال له‪ :‬إن إخوانًا لك من‬
‫أهل الكوفة يقرئونك السلم‪ ،‬ويأمرونك أن توصيهم‪ .‬فقال‪:‬‬
‫مرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم‬
‫أقرئهم السلم و ُ‬
‫‪1‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.78‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.134‬‬

‫‪3‬‬

‫() مختصر قيام الليل ص ‪.148‬‬

‫‪4‬‬

‫() إحياء علوم الدين ‪.1/426‬‬

‫‪5‬‬

‫() مختصر قيام الليل ص ‪.135‬‬

‫‪6‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.77‬‬

‫‪90‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة(‪.)1‬‬
‫والخزائم جمع خزامة وهي حلقة توضع في أنف البعير ليشد‬
‫بها الزمام‪ ،‬والمراد‪ :‬استسلم للقرآن‪ ،‬وأعطه زمامك‪ ،‬واتركه‬
‫يقودك‪ ،‬وسر وراءه تابعًا مطي ًعا‪.‬‬
‫‪ ..‬ومن وصايا عبد الله بن عمرو بن العاص‪ :‬عليكم بالقرآن‬
‫فتعلموه وعلموه أبناءكم‪ ،‬فإنكم عنه تُسألون‪ ،‬وبه تجزون‪،‬‬
‫وكفى به واعظًا لمن عقل(‪.)2‬‬
‫‪ ..‬وكان أبو أمامة الباهلي يقول‪ :‬اقرأوا القرآن‪ ،‬ول يغرنكم‬
‫هذه المصاحف المعلقة‪ ،‬فإن الله ل يعذب قلبا وعى القرآن(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬ومن أقوال عبد الله بن مسعود‪ :‬من قرأ في ليلة أكثر‬
‫من ثلث القرآن فهو راجز‪ ،‬ومن قرأ القرآن في أقل من ثلث‬
‫فهو راجز(‪.)4‬‬
‫‪ ..‬وعن أبي حمزة قال‪ :‬قلت لبن عباس‪ :‬إني سريع القراءة‪،‬‬
‫وإني أقرأ القرآن في ثلث‪ ،‬فقال‪ :‬لن أقرأ البقرة في ليلة‪،‬‬
‫ى من أن أقرأ كما تقول(‪.)5‬‬
‫فأدبرها وأرتلها‪ ،‬أحب إل َّ‬
‫وقال أبو موسى الشعري لقراء البصرة‪ :‬اتلوه‪ ،‬ول يطولن‬
‫(‪)6‬‬
‫عليكم المد‪ ،‬فتقسو قلوبكم‪ ،‬كما قست قلوب من كان قبلكم‪.‬‬

‫تحذيرات الصحابة من رفع القرآن‪:‬‬
‫كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يحذرون من بعدهم‪،‬‬
‫ويخوفونهم من زمن يُرفع فيه القرآن‪ ،‬فعن شدَّاد بن معقل عن‬
‫عبد الله بن مسعود قال‪ :‬إن أول ما تفقدون من دينكم المانة‪،‬‬
‫وإن آخر ما يبقى منها الصلة‪ ،‬وليصلين أقوام ل دين لهم‪ ،‬و إن‬
‫هذا القرآن الذي بين ظهرانيكم سينُتزع منكم‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬كيف‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.72‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.71‬‬

‫‪3‬‬

‫() سنن الدارمي (‪.)3320‬‬

‫‪4‬‬

‫() لمحات النوار ‪ ،3/1202‬ومعنى راجز‪ :‬أي يقرؤه كقراءة الشعر بالسجع‬
‫والرجز فتتوالى فيه الحركة والسكون حتى تنتهي أجزاؤه‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫() المرشد الوجيز ص ‪.197‬‬

‫‪6‬‬

‫() أخرجه مسلم‪. .‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪91‬‬

‫ينتزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا‪ ،‬وأثبتناه في مصاحفنا؟ فقال‪:‬‬
‫يسرى عليه في ليلة واحدة‪ ،‬فينتزع ما في القلوب‪ ،‬ويذهب ما‬
‫في المصاحف‪ ،‬ثم قرأ عبد الله وَلَئِ ْن شِئْنَا لَنَ ْذهَبَ ّن بِالّذِي أَ ْوحَيْنَا إَِل ْيكَ‬
‫[السراء‪.)1(]86 :‬‬
‫‪ ..‬وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‪ :‬ل تقوم الساعة‬
‫حتى يرجع القرآن من حيث نزل‪ ،‬له دوىٌّ كدوى النحل‪ ،‬فيقول‬
‫الرب‪ :‬مالك؟ فيقول‪ :‬يا رب أُتلى ول يعمل بي‪ ،‬أُتلى ول يُعمل‬
‫بي‪ ،‬ثلث مرات‪.‬‬
‫قال الليث بن سعد‪ :‬إنما يُرفع القرآن حين يقبل الناس على‬
‫الكتب‪ ،‬ويكبون عليها‪ ،‬ويتركون القرآن(‪.)2‬‬
‫وعن عبد الله بن مسعود قال‪ :‬اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع‪،‬‬
‫فإنه ل تقوم الساعة حتى يرفع‪ ،‬قالوا‪ :‬هذه المصاحف ترفع‪ ،‬فكيف‬
‫بما في صدور الناس؟ قال‪ :‬يسرى عليه ليل‪ ،‬فيرفع من صدورهم‪،‬‬
‫فيصبحون فيقولون‪ :‬كأنا لم نعلم شيئًا‪ ،‬ثم يفيضون في الشعر(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وعن معاذ بن جبل قال‪ :‬سيبلى القرآن في صدور أقوام‬
‫كما يبلى الثوب فَيَتَهافت‪ ،‬يقرؤونه ل يجدون له شهوة ول لذة‪،‬‬
‫يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب‪ ،‬أعمالهم طمع ل‬
‫يخالطه خوف‪ ،‬إن قَ َّ‬
‫صروا قالوا‪ :‬سنبلغ‪ ،‬وإن أساؤا قالوا‪:‬‬
‫(‪)4‬‬
‫سيغفر لنا‪ ،‬إنا ل نشرك بالله شيئًا ‪.‬‬
‫‪ ..‬وكان المام المقرئ خلف بن هشام البزار يعتب على‬
‫أهل زمانه عدم العناية بفهم القرآن والعمل به‪ ،‬فيقول رحمه‬
‫الله‪:‬‬
‫ما أظن القرآن إل عارية في أيدينا‪ ،‬وذلك أنا روينا أن عمر بن‬
‫الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة‪ ،‬فلما حفظها نحر‬
‫جزورا شكًرا لله‪ ،‬وإن الغلم في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ‬
‫ثلث القرآن ل يُسقط منه حرفا‪ ،‬فما أحسب القرآن إل عارية في‬
‫‪1‬‬

‫() رواه عبد الرزاق ‪ ،3/363‬وابن أبي شيبة ‪ ،505 ،7/256‬والحاكم ‪ ،4/549‬والبيهقي في‬
‫السنن ‪.6/289‬‬

‫‪2‬‬

‫() مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ص ‪.179‬‬

‫‪3‬‬

‫() شعب اليمان للبيهقي ‪ ،2/355‬والزهد لبن المبارك ح (‪.)752‬‬

‫‪4‬‬

‫() سنن الدارمي (‪.)3347‬‬

‫‪92‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫أيدينا(‪.)1‬‬

‫خوف الصحابة من انشغال الناس بغير القرآن‪:‬‬
‫أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن‪ ،‬فاستشار أصحابه‪،‬‬
‫فأشاروا عليه بذلك‪ ،‬ثم استخار الله شهًرا‪ ،‬ثم قال‪ :‬إني ذكرت‬
‫ما كانوا قبلكم كتبوا كتبًا‪ ،‬فأكبوا عليها‪ ،‬وتركوا كتاب الله عز‬
‫قو ً‬
‫(‪)2‬‬
‫وجل‪ ،‬وإني والله ل أشوب كتاب الله بشيء أبدًا ‪.‬‬
‫وخطب على بن أبي طالب في الناس وقال‪ :‬أعزم على‬
‫كل من كان عنده كتاب إل رجع فمحاه‪ ،‬فإنما هلك الناس حيث‬
‫تتبعوا أحاديث علمائهم‪ ،‬وتركوا كتاب ربهم(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وبلغ عبد الله بن مسعود أن عند ناس كتابًا يعجبون به‪،‬‬
‫فلم يزل بهم حتى أتوه فمحاه‪ ،‬ثم قال‪ :‬إنما هلك أهل الكتاب‬
‫قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم(‪.)4‬‬

‫‪ ..‬وعن ابن سيرين أن زيد بن ثابت قال‪:‬‬
‫أرادني مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة أن أكَتُبَه‬
‫شيئًا‪ ،‬قال‪ :‬فلم أفعل‪ ،‬قال‪ :‬فجعل ستًرا بين مجلسه وبين بقية‬
‫داره‪ ،‬وكان أصحابه يدخلون عليه ويتحدثون في ذلك الموضع‪،‬‬
‫خنَّاه‪ ،‬ثم أقبل‬
‫فأقبل مروان على أصحابه فقال‪ :‬ما أرانا إل قد ُ‬
‫ى‪ ،‬قلت‪ :‬وما ذاك؟ ما أرانا إل قد خناك‪ ،‬قلت‪ :‬وما ذاك؟‬
‫عل َّ‬
‫قال‪ :‬إنا أمرنا رجل يقعد خلف هذا الستر فيكتب ما تفتى هؤلء‬
‫وما تقول(‪.)5‬‬
‫‪ ..‬وقال عمرو بن قيس‪ :‬وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية‬
‫(بحوارين) حين توفى معاوية نُعَّزيِّه‪ ،‬ونُهنيه بالخلفة فإذا رجل‬
‫في مسجدها يقول‪ :‬أل إن من أشراط الساعة أن تُرفع الشرار‬
‫وتوضع الخيار‪ ،‬أل إن من أشراط الساعة أن يظهر القول‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() منهج السلف ص ‪.123‬‬

‫‪2‬‬

‫() جامع بيان العلم وفضله برقم (‪.)343‬‬

‫‪3‬‬

‫() جامع بيان العلم وفضله برقم (‪.)337‬‬

‫‪4‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)473‬‬

‫‪5‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)478‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪93‬‬

‫ويُخزن العمل‪ ،‬أل إن من أشراط الساعة أن تُتلى المثُناة فل‬
‫يوجد من يغيرها‪.‬‬
‫قيل له‪ :‬وما المثناه؟‬
‫قال‪ :‬ما استُكتب من كتاب غير القرآن‪ ،‬فعليكم بالقرآن فبه‬
‫هُديتم‪ ،‬وبه تجزون وعنه تسألون‪.‬‬
‫فحدثت بهذا الحديث بعد ذلك بحمص‪ ،‬فقال لي رجل من‬
‫القوم‪ :‬أو ما تعرفه؟‬
‫قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬ذاك عبد الله بن عمرو(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬وقال عبد الله بن مسعود‪ :‬إن ناسا يسمعون كلمي ثم‬
‫(‪)2‬‬
‫حل لحد أن يكتب إل كتاب الله ‪.‬‬
‫ينطلقون فيكتبونه‪ ،‬وإني ل أ ُ ِ‬
‫‪ ..‬وأراد عمر بن الخطاب أن يكتب ال ُّ‬
‫سنة‪ ،‬ثم بدا له أن ل‬
‫(‪)3‬‬
‫يكتبها‪ ،‬ثم كتب في المصار‪« :‬من كان عنده شيء فليمحه» ‪.‬‬
‫‪ ..‬وعن السود بن حلل قال‪ :‬أُتى عبد الله (ابن مسعود)‬
‫بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها‪ ،‬ثم أمر بها فأخرجت‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬أُذ ِكّر بالله رجل يعلمها عند أحد إل أعلمني به‪ ،‬والله لو‬
‫أعلم أنها بدار الهند لبلغتها‪ ،‬بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين‬
‫نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ل يعلمون(‪.)4‬‬
‫‪ ..‬وعن أبي نضرة قال‪ :‬قلت لبي سعيد الخدري‪ :‬أل نكتب‬
‫ما نسمع منك؟‬
‫قال‪« :‬أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم‬
‫يُحدَّثنا فنحفظ‪ ،‬فاحفظوا كما كنا نحفظ(‪.)5‬‬

‫كان‬

‫‪ ..‬هذه الخبار وغيرها تعكس تخوف الصحابة الشديد من‬
‫انشغال الناس بغير القرآن‪ ،‬فيحرموا أنفسهم من نوره العظيم‪،‬‬
‫وأثره المبارك والذي ل يوجد له مثيل ول بديل‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)480‬‬

‫‪2‬‬

‫() رواه الدارمي (‪.)485‬‬

‫‪3‬‬

‫() جامع بيان العلم وفضله ‪ 1/275‬برقم (‪.)345‬‬

‫‪4‬‬

‫() جامع بيان العلم وفضله برقم (‪.)350‬‬

‫‪5‬‬

‫() جامع بيان العلم وفضله برقم (‪.)339‬‬

‫‪94‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫هذا التخوف جعلهم يتشددون في موضوع كتابة العلم و‬
‫تقييده‪.‬‬
‫وهنا أمران ل بد من التنويه عليهما في هذا المقام‪ :‬الول‬
‫خاص بالسنة ومكانتها‪ ،‬والثاني خاص بتقييد العلم وكتابته‪.‬‬

‫منزلة السنة النبوية‪:‬‬
‫يقول عبد الفتاح أبو غده رحمه الله‪ :‬فالسنَّة والكتاب‬
‫توأمان ل ينفكان‪ ،‬ول يتم التشريع إل بهما جميعًا‪.‬‬
‫والسنة مبيَّنة للكتاب وشارحة له‪ ،‬ومو َّ‬
‫ضحة لمعانيه‪،‬‬
‫ومف َّ‬
‫صل‬
‫سرة لمبهمه‪،‬‬
‫فهي) من الكتاب بمنزلة الشرح له‪ ،‬يُف ّ‬
‫(‪1‬‬
‫َ‬
‫مقاصده ويُت ّم أحكامه ‪.‬‬
‫وقد أتى رجل إلى عمران بن حصين فسأله عن شيء‪،‬‬
‫فحدثه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬حدثوا عن كتاب الله ول تُحدَّثوا عن غيره‪.‬‬
‫فقال – عمران بن حصين – إنك امرؤ أحمق! أتجد في كتاب‬
‫الله تعالى صلة الظهر أربعا ل يُجهر فيها؟ ثم عدَّد عليه الصلة‬
‫والزكاة ونحو هذا‪ ،‬ثم قال‪ :‬أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟!‬
‫إن كتاب الله قد أبهم هذا‪ ،‬وإن السنة تفسر ذلك(‪.)2‬‬
‫فالسنة من الكتاب بمنزلة الجزء من الكل‪ ،‬ولقد تعهد الله‬
‫سبحانه بحفظ كتابه الكريم فقال‪ :‬إِنّا َنحْ ُن َنزّلْنَا ال ّذ ْكرَ وَإِنّا َلهُ َلحَا ِفظُونَ‬
‫[الحجر‪.]9 :‬‬
‫وحفظ السنة من حفظ الكتاب ول ريب‪ ،‬فهي محفوظة‬
‫بحفظ الله تعالى لها(‪.)3‬‬
‫لماذا لم تدوَّن السنة في عهد الرسول ‪:‬‬

‫يقول د‪ .‬مصطفى السباعي – رحمه الله‪:‬‬
‫ل يختلف اثنان من كتاب السيرة وعلماء السنة وجماهير‬
‫المسلمين في أن القرآن الكريم قد لقى من عناية الرسول‬
‫‪1‬‬

‫() لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث لعبد الفتاح أبو غدة ص ‪.11 ،10‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.15‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.19‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪95‬‬

‫والصحابة ما جعله محفوظا في الصدور‪ ،‬ومكتوبا في الرقاع‪،‬‬
‫والسعف‪ ،‬والحجارة‪ ،‬وغيرها‪ ،‬حتى إذا توفى رسول الله كان‬
‫القرآن محفوظا مرتبا ل ينقصه إل جمعه في مصحف واحد‪.‬‬
‫أما السنة فلم يكن شأنها كذلك‪ ،‬رغم أنها مصدر مهم من‬
‫مصادر التشريع في عهد الرسول ول يختلف أحد في أنها لم‬
‫تدون تدوينا رسميا كما دُون القرآن‪ ،‬ولعل مرجع ذلك إلى أن‬
‫الرسول عاش بين الصحابة ثلثًا وعشرين سنة‪ ،‬فكان تدوين‬
‫كلماته وأعماله ومعاملته تدوينا محفوظا في الصحف والرقاع‬
‫من العسر بمكان‪ ،‬لما يحتاج ذلك إلى تفرغ أناس كثيرين من‬
‫الصحابة لهذا العمل الشاق‪.‬‬
‫(ومن السباب كذلك) خوف اختلط بعض أقوال النبي‬
‫الموجزة الحكيمة بالقرآن‪ ،‬سهوا من غير عمد‪ ،‬وذلك خطٌر‬
‫على كتاب الله يفتح باب الشك فيه لعداء السلم‪ ،‬مما‬
‫يتخذونه ثغرة ينفذون منها إلى المسلمين لحملهم على التحلل‬
‫من أحكامه‪ ،‬والتفلت من سلطانه ‪ ..‬كل ذلك وغيره‪ -‬مما توسع‬
‫العلماء في بيانه – من أسرار عدم تدوين السنة في عهد‬
‫الرسول (‪ ،)1‬وبهذا نفهم سر النهي عن كتابتها الواردة في‬
‫صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬عن رسول الله ‪« :‬ل‬
‫تكتبوا عن شيئًا إل القرآن‪ ،‬فمن كتب عن غي القرآن فليمحه»‪.‬‬
‫موقف الصحابة من الحديث بعد و فاة الرسول ‪:‬‬
‫أوصى رسول الله صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم‬
‫«نضّر ال امرءًا سع مقالت فوعاها فحفظها‪ ،‬ث أداها إل من ل يسمعها‪ ،‬فرب حامل فقه غي‬
‫فقيه ورب حامل فقه إل من هو أفقه منه»(‪.)2‬‬
‫وشدد عليهم في التثبت فيما يرون «كفى بالرء كذبا أن يدث بكل ما‬
‫سع»(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() السنة ومكانتها في التشريع لمصطفى السباعي ص ‪.59 ،58‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه المام أحمد‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع‬
‫حديث (‪.)6766‬‬
‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫فلم يكن بد ٌ من أن يصدع الصحابة بالمر ويبلغوا أمانة‬
‫الرسول إلى المسلمين‪ ،‬وخصوصا وقد تفرقوا في المصار‪،‬‬
‫وأصبحوا محل عناية التابعين والرحلة إليهم‪ ،‬فكان التابعون‬
‫يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعد‬
‫المشقة وعناء السفار‪.‬‬
‫هذا كله كان عامل في انتشار الحديث وانتقاله بين‬
‫المسلمين(‪.)1‬‬
‫‪( ..‬ومهما يكن من إكثار بعض الصحابة التحديث عن رسول‬
‫الله‪ ،‬فقد كان ذلك قليل في عصري الشيخين أبي بكر وعمر‪ ،‬إذ‬
‫كانت خطتها حمل المسلمين على التثبت من الحديث من جهة‪،‬‬
‫وحمل المسلمين على العناية بالقرآن أولً (‪..)2‬‬
‫فقد كانت رغبة عمر أل يكثروا من التحديث عن الرسول‬
‫عليه الصلة والسلم كي ل ينشغل الناس بالحديث عن القرآن‪،‬‬
‫والقرآن غض طرى‪ .‬فما أحوج المسلمين إلى حفظه وتناقله‪،‬‬
‫والتثبت فيه‪ ،‬والوقوف على دراسته!!‬
‫روى الشعبي عن قرظة بن كعب قال‪ :‬خرجنا نريد العراق‬
‫فمشى معنا عمر إلى (صرار)‪ ،‬فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال‪:‬‬
‫م مشيت معكم؟‬
‫أتدرون ل ِ َ‬
‫قالوا‪ :‬نعم نحن أصحاب رسول الله‬

‫مشيت معنا‪.‬‬

‫فقال‪ :‬إنكم تأتون أهل قرية لهم دوىٌّ بالقرآن كدوى النحل‪،‬‬
‫ُ‬
‫فل تصدوهم بالحديث فتشغلوهم‪ ،‬جردوا القرآن وأقِل ّوا الرواية‬
‫عن رسول الله ‪ ،‬وامضوا وأنا شريككم‪ ،‬فلما قدم قرظة بن‬
‫حدَّثنا‪ ،‬قال‪ :‬نهانا عمر بن الخطاب(‪.)3‬‬
‫كعب قالوا‪َ :‬‬
‫ويعلق الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – على هذا المر‬
‫فيقول‪:‬‬

‫فعمر وغيره من الئمة ل يجحدون السنة‪ ،‬ولكنهم يريدون‬
‫إعطاء القرآن حظه الوفر من الحفاوة والقبال‪ ،‬وذلك هو‬
‫‪1‬‬

‫() السنة ومكانتها في التشريع السلمي ص ‪.62‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.64‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.63‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪97‬‬

‫الترتيب الطبيعي‪ ،‬فل بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة‬
‫قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه(‪.)1‬‬

‫تقييد العلم وكتابته‪:‬‬
‫أما بخصوص تقييد العلم وكتابته وتخوف الصحابة من ذلك –‬
‫كما مر علينا – فيقول الخطيب البغدادي‪:‬‬
‫فقد ثبت أن كراهة من كره الكتابة من الصدر الول‪ ،‬إنما‬
‫هي لئل يضاهى بكتاب الله تعالى غيره‪ ،‬أو يشتغل عن القرآن‬
‫بسواه‪ ،‬ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ‪ ،‬لنه ل يعرف حقها‬
‫من باطلها‪ ،‬وصحيحها من فاسدها‪ ،‬مع أن القرآن كفى منها‪،‬‬
‫وصار مهيمنا عليها‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬إنما اتسع الناس في كَتْب العلم‪ ،‬وعوَّلوا على تدوينه‬
‫في الصحف‪ ،‬بعد الكراهة لذلك‪ ،‬لن الروايات قد انتشرت‪،‬‬
‫والسانيد طالت‪ ،‬والعبارات باللفاظ اختلفت‪ ،‬فعجزت القلوب‬
‫عن حفظ ما ذكرنا‪..‬‬
‫وقال النووي‪ :‬كان بين السلف من الصحابة والتابعين‬
‫اختلف كثير في كتابة العلم‪ ،‬فكرهها كثيرون منهم‪ ،‬وأجازها‬
‫أكثرهم‪ ،‬ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلف(‪.)2‬‬
‫وقال ابن حجر العسقلني‪ :‬السلف اختلفوا في ذلك عمل‬
‫وتركا‪ ،‬وإن كان المر استقر والجماع انعقد على جواز كتابة‬
‫العلم‪ ،‬بل على استحبابه‪ ،‬بل ل يَبعُد وجوبه على من خشى‬
‫النسيان ممن يتبين عليه تبليغ العلم(‪.)3‬‬

‫ولكن هل من كلمة سواء في هذا الموضوع؟!‬
‫بل شك أنه ل يمكن الستغناء بالقرآن عن السنة‪ ،‬وكيف‬
‫يكون هذا والله عز وجل يقول لرسول‪ :‬وَأَْنزَلْنَا إِلَ ْيكَ ال ّذ ْك َر لِتُبَيّ َن لِلنّاسِ‬
‫مَا ُن ّزلَ ِإلَ ْيهِمْ [النحل‪.]44 :‬‬
‫‪1‬‬

‫() فقه السيرة لمحمد الغزالي ص ‪.37‬‬

‫‪2‬‬

‫() انظر‪ :‬تحقيق أبي الشبال الزهيري لكتاب جامع بيان العلم وفضله ‪،1/269‬‬
‫‪.270‬‬

‫‪3‬‬

‫() فتح الباري ‪.273 -1/271‬‬

‫‪98‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫خذُوهُ َومَا نَهَا ُكمْ َع ْنهُ فَاْنتَهُوا‬
‫ويقول للمسلمين جميعًا‪َ :‬ومَا آتَا ُكمُ الرّسُولُ َف ُ‬
‫[الحشر‪.]7 :‬‬
‫(فالحديث هو الذي تولى بيان ما أُجمل من القرآن‪ ،‬وتفصيل‬
‫أحكامه‪ ،‬ولوله لم نستطع أن نعرف الصلة والصيام‪ ،‬وغيرهما‬
‫من الركان والعبادات على الوجه الذي أراده الله تبارك‬
‫وتعالى‪ ،‬وما ل يقوم الواجب إل به فهو واجب) (‪.)1‬‬
‫ضا على ضرورة تقييد العلم بالكتابة حتى ل تختلط‬
‫ونؤكد أي ً‬
‫الروايات‪ ،‬وتتداخل العبارات وغير ذلك من المفاسد الكثيرة‪..‬‬
‫فل بد من كتابة الحديث والعناية به‪ ،‬متنا‪ ،‬وسندا‪ ،‬وشرحا‪.‬‬
‫ولكن أليس من الطبيعي أن يكون الهتمام بالقرآن أول ً ثم‬
‫بالسنة ثانيًا؟!‬
‫ول بد كذلك من كتابة العلم‪ ،‬والنتفاع بآراء العلماء‬
‫وجهودهم الفكرية‪ ،‬ولكن أليس الهتمام بالقرآن – لفظا ومعنى‬
‫– يسبق ذلك‪.‬‬
‫فمع كل ما قيل عن أسباب عدم تقييد العلم في البداية –‬
‫حكم من ذلك هو خوف‬
‫وهي أسباب صحيحة – إل أن أحد أهم ال ِ‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم وصحابته من بعده على انشغال‬
‫المسلمين بغير القرآن كمصدر متفرد للتغيير والتقويم‪،‬‬
‫فالرسول عليه الصلة والسلم كان أعلم الناس بقدر القرآن‪،‬‬
‫وبأنه ل يقوم مقامه شيء آخر في عمله داخل النسان‪ ،‬وكان‬
‫يخشى من النشغال بغيره حتى ل يفقد القلب أهم مصدر‬
‫لنشاء اليمان وإحداث التغيير‪.‬‬
‫وكذلك كان الصحابة يدركون أهمية القرآن‪ ،‬ويخشون من‬
‫الهتمام بغيره‪ ،‬مع حرصهم على تبليغ سنة رسول الله‬
‫والخذ بها‪.‬‬
‫ومما يدعو للسف أنه قد حدث ما كان يخشاه الرسول‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬وصحابته من بعده‪ ،‬فكان انجذاب الجيال‬
‫اللحقة نحو العلم وفروعه على حساب الهتمام بالقرآن من‬
‫حيث كونه مصدرا للهداية والشفاء‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() تعليق أبي الشبال على كتاب جامع بيان العلم ‪ 1/270‬نقل عن ناصر الدين‬
‫اللباني‪.‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪99‬‬

‫يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله‪:-‬‬
‫هجر المسلمون القرآن إلى الحاديث‪..‬‬
‫ثم هجروا الحاديث إلى أقوال الئمة ‪..‬‬
‫ثم هجروا أقوال الئمة إلى أسلوب المقلدين‪.‬‬
‫وكان تطور الفكر السلمي على هذا النحو وبال على‬
‫السلم وأهله ‪ ..‬روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم‪:‬‬
‫يأتي على الناس زمان يُعلق فيه المصحف حتى يعشش‬
‫عليه العنكبوت‪ ،‬ل ينتفع بما فيه‪ ،‬وتكون أعمال الناس بالروايات‬
‫والحاديث(‪..)1‬‬
‫وعن بشر الحافي قال‪ :‬سمعت أبا خالد الحمر يقول‪ :‬يأتي‬
‫َ‬
‫زمان‪ ،‬تُعط ّل فيه المصاحف‪ ،‬يطلبون الحديث والرأي‪ ،‬فإياكم‬
‫وذلك فإنه يُصفِّقُ الوجه‪ ،‬ويَشغل القلب‪ ،‬ويُكثر الكلم(‪.)2‬‬

‫من آثار هجر القرآن‪:‬‬
‫اهتم أكثرية الصحابة رضوان الله عليهم بتبليغ ما يحفظونه‬
‫من أحاديث رسول الله لمن بعدهم‪ ،‬وبدأ بعد ذلك الهتمام‬
‫الشديد بتدوين الحاديث خوفًا من النسيان أو موت من‬
‫يحفظها‪ ،‬وقد بذلوا في ذلك مجهودًا كبيًرا‪ ،‬ثم تفرع العلم إلى‬
‫فروع كثيرة كالفقه والسير‪ ،‬وظهر علم الكلم والفرق المختلفة‬
‫كالمعتزلة والمرجئة وما صاحبها من خلفات فكرية ضخمة‪،‬‬
‫ومواجهات كثيرة شغلت المة وأضاعت الكثير من جهود العلماء‬
‫في الرد على بعضهم البعض‪.‬‬
‫وبدأ الكلم عن أسماء الله وصفاته‪ ،‬وعن القَدَر‪ ،‬وعن‬
‫مفهوم اليمان والسلم وعن مرتكب الكبيرة‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫المور ‪..‬‬
‫والذي يقرأ في هذه الخلفات – بعد أن يعيش مع القرآن‬
‫ويقرؤه مرات ومرات بتدبر وترتيل وتأثر – فإنه سيخرج بنتيجة‬
‫مفادها أن هذه الخلفات ما هي إل ثمرة من ثمار هجر القرآن‪،‬‬
‫وأن صيحات التحذير التي أُطلقت من الجيل الول والتي تحذر‬
‫‪1‬‬

‫() فقه السيرة للغزالي ص (‪.)43 ،42‬‬

‫‪2‬‬

‫() سير أعلم النبلء ‪.9/21‬‬

‫‪100‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫من النشغال بغير القرآن‪ ،‬أو قراءته بدون فهم ول تأثر لم‬
‫تأخذها الجيال المتلحقة مأخذ الجد‪ ،‬بل وبدأ النبهار‬
‫بالموروثات الثقافية للحضارات المختلفة‪ ،‬وكان ما كان من‬
‫خلفات شغلت المة كثيًرا عن وظيفتها الساسية‪.‬‬

‫بناء اليمان من خلل القرآن‪:‬‬
‫إن الذي يقرأ القرآن ويتدبره ويرتله‪ ،‬وينشغل به كما انشغل‬
‫الصحابة‪ ،‬سيجد معانيه قد انطبعت في عقله‪ ،‬وتحولت إلى‬
‫خا رسوخ الجبال‬
‫يقين‪ ،‬وامتزجت بعاطفته فصارت إيمانًا راس ً‬
‫الرواسي‪ ،‬فالقرآن يُشرب في القلب محبة الله‪ ،‬وتعظيمه‪،‬‬
‫ومهابته‪ ،‬وتقديسه‪..‬‬
‫فاليمان بالله‪ ،‬وبأسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته العل دون تعطيل‬
‫أو تشبيه أو تأويل يصل لقارئ القرآن بسهولة ويسر‪ ،‬وإن لم‬
‫يستطع التعبير عنه‪ ،‬والدليل على هذا أن إيمانه ل يهتز إذا ما‬
‫استمع أو قرأ عن شبهة من شبهات الفلسفة وأهل المنطق‪،‬‬
‫وكيف ل‪ ،‬والقرآن قد أفرد مساحات كبيرة للحديث عن ألوهية‬
‫الله سبحانه وربوبيته وقيوميته على خلقه‪ ،‬وقدرته المطلقة‪،‬‬
‫وعلمه المحيط‪ ،‬وعزته‪ ،‬وجلله‪ ،‬وكماله ‪..‬‬
‫وليس ذلك فحسب فقد أَوْلى قضية اليمان باليوم الخر‬
‫ما كبيًرا‪ ،‬وكذلك سائر أركان اليمان ‪.‬‬
‫اهتما ً‬
‫‪ ..‬كل ذلك من خلل خطاب سهل ميسر يجمع بين القناعة‬
‫العقلية‪ ،‬والتفاعل القلبي‪ ،‬لينشأ اليمان كنتيجة لتعانق الفكر مع‬
‫العاطفة‪.‬‬
‫‪ ..‬وعندما انشغل الجيل الول بالقرآن لم تظهر تلك‬
‫التساؤلت والشبهات والخلفات التي ظهرت بعد ذلك‪.‬‬
‫يقول الشيخ محمد الغزالي‪ -‬يرحمه الله‪ .. :-‬إن دراسة‬
‫سا بعظمة الله‪ ،‬لم أحسه في‬
‫هذا القرآن الكريم‪ ،‬أورثتنى إحسا ً‬
‫قراءة كتاب آخر(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬أحسست أن الكتاب الذي بين يدي‪ ،‬يبدئ ويعيد في قيادة‬
‫الناس إلى الله‪ ،‬واستثارة مشاعرهم من العماق‪ ،‬كي يرتبطوا‬
‫به‪ ،‬ويتوجهوا إليه‪ ،‬ويستعدوا للقائه ‪..‬‬
‫‪1‬‬

‫() المحاور الخمسة في القرآن ص ‪.12‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫‪101‬‬

‫جعْل هذه‬
‫‪..‬الحديث دائم متصل عن الله‪ ،‬وما ينبغي له! وعن َ‬
‫الحياة مهادا لما بعدها (‪..)1‬‬
‫ويقول‪ :‬ليت المسلمين استقوا عقائدهم من القرآن وحده!‬
‫إذن لراحوا واستراحوا‪ ،‬إن بعض هواة الجدل لم يتورعوا عن‬
‫كثرة اللغط في قضايا العقيدة‪ ،‬فضلوا وأضلوا‪ ،‬ويشبه هؤلء في‬
‫النحراف قوم غرتهم فلسفة اليونان وخيالتهم النظرية ‪..‬‬
‫تحدثوا في أصل اليمان‪ ،‬فزادوا الطين بلة‪..‬‬
‫ول عاصم من هذه المزالق كلها‪ ،‬إل التزام المنهج‪ ،‬والسير‬
‫في معالمه(‪..)2‬‬
‫‪ ..‬إنني أتلو القرآن وأترك معانيه تنطبع في فؤادي دون‬
‫تقعر ول تجرؤ(‪..)3‬‬
‫ويقول‪ :‬هذا الكتاب يعرف الناس بربهم‪ ،‬على أساس من‬
‫إثارة العقل‪،‬‬
‫وتعميق النظر‪ ،‬ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله‪ ،‬ويقظة‬
‫في الضمير‪،‬‬
‫(‪)4‬‬
‫ووجل من التقصير‪ ،‬واستعداد للحساب ‪.‬‬

‫إعادة ترتيب الولويات‪:‬‬
‫من هنا نقول بأننا ل نريد الستغناء بالقرآن عن السنة‪ ،‬أو عن‬
‫كتب العلم المختلفة‪ ،‬ول نريد النشغال بغير القرآن على حساب‬
‫القرآن‪ ،‬بل نريد المرين م ًعا‪ ،‬على أن يُعطي القرآن الولوية في‬
‫الهتمام والرعاية‪ ،‬ليتحقق الهدف الذي من أجله أنزله الله عز‬
‫سلَمِ‬
‫ل نُورٌ َوكِتَابٌ مِّبيٌ َيهْدِي ِب ِه الُ مَنِ اتَّبعَ ِرضْوَاَن ُه سُُبلَ ال ّ‬
‫وجل قَدْ جَا َءكُم مّنَ ا ِ‬
‫صرَاطٍ مّسَْتقِيمٍ [المائدة‪،15 :‬‬
‫ت إِلَى النّورِ بِِإذْنِهِ وََيهْدِيهِمْ إِلَى ِ‬
‫خ ِر ُجهُم مّنَ ال ّظ ُلمَا ِ‬
‫وَُي ْ‬
‫‪.]16‬‬

‫كلمة أخيرة عن الصحابة والقرآن‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.12 ،11‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.14‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.15‬‬

‫‪4‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.20‬‬

‫‪102‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫إن أكثر أجيال المة إدراكًا لقيمة القرآن هم جيل الصحابة‪ ،‬فقد‬
‫عاشوا الحياة قبله‪ ،‬وعاشوها بعده‪ ،‬لذا فقد أدركوا – أكثر من‬
‫غيرهم – معنى السعادة الحقيقية‪ ،‬والربانية‪ ،‬والتغيير ‪ ..‬ويكفيك في‬
‫ذلك حزنهم على انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ‪.‬‬

‫فعن أنس بن مالك‬

‫قال‪:‬‬

‫قال أبو بكر الصديق بعد وفاة رسول الله لعمر ‪:‬‬
‫انطلق بنا إلى أم أيمن‪ ،‬نزورها كما كان رسول الله يزورها ‪..‬‬
‫فلما انتهيا إليها‪ ،‬بكت‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما يبكيك؟ ما عند الله خير‬
‫لرسوله ‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أبكى أن ل أكون أعلم أن ما عند الله‬
‫خير لرسوله ‪ ،‬ولكني أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء!‬
‫فهيجتهما على البكاء‪ ،‬فجعل يبكيان معها(‪.)1‬‬
‫من هنا ندرك أهمية صيحات التحذير التي أطلقوها‪ ،‬والوصايا‬
‫التي كانوا يوصون بها من بعدهم حول القرآن‪.‬‬
‫فهذه الوصايا كانت تنطلق من استشعارهم للقيمة العظيمة‬
‫للقرآن‪ ،‬وكانت تنطلق كذلك من خوفهم من عدم إدراك الجيال‬
‫اللحقة لتلك القيمة‪ ،‬فينزوى القرآن جانبا ول يأخذ دوره‬
‫المرسوم له في قيادة الحياة‪ ،‬وتشكيل الشخصية المسلمة‬
‫مَ‬
‫الصحيحة من جميع جوانبها‪ ،‬وإمدادها الدائم باليمان‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫تفقد المة مكانتها العالية بين المم‪ ،‬فتتراجع إلى الوراء‪ ..‬إلى‬
‫الذلة والمهانة‪ ،‬وكيف ل وقد ربط الله عز وجل علو هذه المة‬
‫باليمان وَأَنْتُ ُم ا َل ْعلَ ْونَ ِإ ْن كُ ْنتُم مّ ْؤمِنِيَ [آل عمران‪.]139 :‬‬
‫‪ ..‬فهل أخذت الجيال المتتابعة هذه الوصايا مأخذ الجد؟!‬
‫للسف لم يحدث ذلك‪ ،‬بل حدث العكس‪ ،‬وابتعد الكثيرون‬
‫من المسلمين عن النتفاع الحقيقي بكتابهم‪.‬‬
‫فكانت النتيجة هي الحال البائس والوضع المرير الذي‬
‫نحياه‪ ،‬فالقرآن رفع قدر الجيل الول وأعلى من شأنه وجعل‬
‫المة السلمية في مقدمة المم‪ ،‬بينما أوصلنا هجر النتفاع‬
‫بالقرآن إلى هذا المستوى الذي ل يخفى وصفه على أحد ‪..‬‬
‫فإن كنت في شك من هذا فتأمل قوله ‪« :‬إن ال يرفع بذا القرآن‬
‫‪1‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي‬

‫أقوامًا ويضع به آخرين»(‪.)2‬‬
‫***‬

‫‪2‬‬

‫() سبق تخريجه‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫الفصل السادس‬

‫لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪105‬‬

‫لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬
‫رأينا كيف أثَّر القرآن‬
‫العظيم على الجيل الول‪،‬‬
‫ورأينا كيف كان أثر القرآن‬
‫على مشركي مكة ‪ ..‬ليبقى‬
‫السؤال‪ :‬لماذا ل يفعل‬
‫القرآن معنا مثل ما فعل‬
‫معهم؟!‪..‬‬
‫إننا حتى لم نقل عنه ما قاله الوليد بن المغيرة‪« :‬إن له للوة‪،‬‬
‫وإن عليه لطلوة‪ ،‬وإن أسفله لغدق‪ ،‬وإن أعله لثمر‪ ،‬وإنه يعلو ول يعلى عليه‪.»..‬‬
‫إن القرآن هو القرآن‪ ،‬وأدوات النتفاع به التي نملكها من‬
‫أذن وعين ولسان وقلب هي نفس الدوات التي استخدموها‬
‫فأوصلتهم لتلك المرتبة العالية في تعاملهم مع القرآن‪ ،‬بل إن‬
‫فرصتنا في الستفادة أوسع منهم مع وجود المصاحف في كل‬
‫مكان‪.‬‬
‫فلماذا ل يحدث معنا مثل ما حدث معهم؟!‬
‫لماذا لم يحدث معنا مثل ما حدث لمشركي مكة – على‬
‫القل – من تأثرهم بالقرآن؟!‬
‫قبل الجابة عن هذه السئلة نقرأ سويا هذه الكلمات للمام‬
‫حسن البنا – رحمه الله‪:-‬‬
‫حين أنزل الله القرآن على نبيه محمد وقرأه هذا النبي‬
‫الكريم على المة العربية حينذاك‪ ،‬عمل في نفوسهم عمل‬
‫السحر‪ ،‬وبلغ أثره أعماق هذه القلوب‪ ،‬وتغلغل في حنايا‬
‫الضلوع‪ ،‬وتمكن من مكامن الرواح‪ ،‬وبدل الله به هذه المة‬
‫ما بين المة العربية‬
‫خلقًا آخر‪ ،‬فكان البون بعيدًا‪ ،‬والفارق عظي ً‬
‫في جاهليتها وإسلمها‪.‬‬
‫ولقد أثر القرآن في نفوس المشركين والمؤمنين على‬
‫السواء‪ ،‬ولكن أثره في نفوس المشركين كان أثًرا وقتيًا سلبيًا‪،‬‬

‫‪106‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وكانوا يفرون منه‪ ،‬ويضعون الحوائل فيما بينهم وبينه‪ ،‬ويقول‬
‫سمَعُوا ِلهَذَا اْل ُقرْآنِ وَاْلغَوْا فِي ِه َل َع ّلكُمْ َت ْغلِبُونَ [فصلت‪.]26 :‬‬
‫بعضهم لبعض‪َ :‬ل تَ ْ‬
‫أما المؤمنون فكانوا يَسَْتمِعُونَ الْقَ ْولَ َفيَتِّبعُو َن َأحْسَنَ ُه أُولَِئكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ الُ‬
‫وَأُولَِئكَ هُمْ أُولُو اللْبَابِ [الزمر‪.]18 :‬‬
‫ما إيجابيًا ‪ ..‬بدَّلهم وغيَّرهم‪،‬‬
‫فكان أثر القرآن في نفوسهم دائ ً‬
‫وحوَّلهم من حال إلى حال‪ ،‬ودفعهم إلى كرائم الخصال وجلئل‬
‫ش ِعرّ مِنْ ُه ُجلُودُ الّذِي َن َيخْشَ ْونَ‬
‫ث كِتَابًا مّتَشَاِبهًا مّثَاِنيَ تَقْ َ‬
‫العمال الُ َن ّزلَ َأحْسَنَ اْلحَدِي ِ‬
‫ل َيهْدِي ِبهِ مَن يّشَاءُ [الزمر‪:‬‬
‫ل ذَِلكَ هُدَى ا ِ‬
‫ي ُجلُودُهُمْ وَ ُقلُوُبهُ ْم إِلَى ِذ ْكرِ ا ِ‬
‫رَّبهُ ْم ثُ ّم َتلِ ُ‬
‫‪.]23‬‬
‫وها هو القرآن يُتلى علينا‪ ،‬ويُقرأ بين ظهرانينا‪ ،‬فهل تغيرت‬
‫به نفوسنا‪ ،‬وانطبعت عليه أخلقنا‪ ،‬وفعل في قلوبنا كما كان‬
‫يفعل في قلوب أسلفنا؟!‬
‫ل أيها الخوان ‪ ..‬لقد صرنا نقرأ القرآن قراءة آلية صرفة ‪..‬‬
‫كلمات تتردد‪ ،‬ونغمات تتعدد‪ ،‬ثم ل شيء إل هذا‪ ،‬أما فيض‬
‫القرآن وروحانيته‪ ،‬وهذا السيل الدافق من التأثير القوي الفعال‪،‬‬
‫فمن بيننا وبينه حجاب‪ ،‬ولهذا لم نكن صورة من النسخة الولى‬
‫التي تأثرت بالقرآن وتبدَّلت نفوسها به(‪.)1‬‬

‫هل اللغة هي السبب؟!‬
‫فإن قلت‪ :‬إن الجيل الول تأثر هذا التأثر البالغ بالقرآن لن‬
‫العرب كانوا يتذوقون اللغة بالسليقة ويدركون معانيها ومراميها‪،‬‬
‫أما نحن فلسنا مثلهم‪ ،‬لذلك يصعب علينا فهم القرآن ومن ث َّ‬
‫م‬
‫التأثر والنتفاع الحقيقي به‪.‬‬
‫بل شك أن (من يتذوق العربية يدرك معاني قد تخفى على‬
‫غير أهل اللغة) (‪ )2‬ولكن هذا المر ليس شرطًا للنتفاع بالقرآن‬
‫كهداية وشفاء‪.‬‬
‫فالذي أنزل القرآن وجعله للعالمين نذيًرا يعلم أن الناس‬
‫‪1‬‬

‫() مجلة الخوان المسلمين العدد (‪ )21‬السنة الولى ‪ 18‬رمضان ‪1362‬هـ‪18 ،‬‬
‫سبتمبر ‪1943‬م‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() التعبير القرآني ص ‪.568‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪107‬‬

‫جميعًا ليسوا من أهل اللغة المتذوقين لها‪..‬‬
‫وفي نفس الوقت فلنه ل يمكن لحد أن يهتدي بهدى‬
‫القرآن ويتأثر به‪ ،‬ويكون له بمثابة البشير‪ ،‬والنذير‪ ،‬والهادي‪،‬‬
‫والنور‪ ،‬والروح‪ ،‬والتذكرة‪ ،‬والتبصرة ‪ ..‬إل إذا تعلم اللغة العربية‬
‫كلغة تخاطب يفهم خطابها وألفاظها فهما عاما؛ كان تعلم هذا‬
‫القدر من اللغة ضروري للعجمي لفهم خطاب القرآن المباشر‬
‫له‪ ،‬ولو فهما إجماليًا‪..‬‬
‫يقول المام ابن تيمية‪ :‬إن نفس اللغة العربية من الدين‪،‬‬
‫ومعرفتها فرض واجب‪ ،‬فإن فهم الكتاب والسنة فرض‪ ،‬ول‬
‫يفهمان إل بفهم اللغة العربية‪ ،‬وما ل يتم الواجب إل به فهو‬
‫واجب(‪.)1‬‬
‫ومما ل شك فيه أن عاقل مهما كان مستوى علمه وإدراكه‬
‫محدودًا يستطيع – إذا ما أعمل عقله فيما يقرأ أو يسمع من‬
‫آيات – أن يفهم الخطاب القرآني بدرجة ما ‪..‬‬
‫هذه الدرجة تمكنه – بعون الله – من بلوغ الهداية القرآنية‪،‬‬
‫وهذا من صور‬
‫إعجاز القرآن‪ ،‬أن يسر الله فهمه للجميع‪ ،‬ك ٌ‬
‫ل على قدره‬
‫سرْنَا اْل ُقرْآنَ لِل ّذ ْكرِ" [القمر‪.]17 :‬‬
‫مستواه ‪+‬وََلقَدْ يَ ّ‬

‫لذلك فإن بلوغ الهداية من القرآن‪ ،‬والتأثر بمعانيه‪ ،‬ومن‬
‫ثم النتفاع الحقيقي به‪ ،‬في وسع وطاقة أي عاقل مهما‬
‫كان مستوى إدراكه‪.‬‬
‫يقول المام محمد عبده‪ :‬يجب على كل واحد من الناس أن‬
‫يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته‪ ،‬ل فرق بين عالم وجاهل ‪ .‬يكفي‬
‫صلَتِهِمْ‬
‫العامي من فهم قوله تعالى‪ :‬قَ ْد أَ ْف َلحَ اْلمُ ْؤمِنُونَ الّذِينَ هُمْ فِي َ‬
‫خَاشِعُونَ [المؤمنون‪ ]2 ،1 :‬ما يعطيه الظاهر من اليات‪ ،‬وأن الذين‬
‫جمعت أوصافهم في اليات الكريمة لهم الفوز والفلح عند الله‬
‫ُ‬
‫تعالى(‪.)2‬‬
‫ويقول‪ :‬ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما‬
‫‪1‬‬

‫() مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ‪.320‬‬

‫‪2‬‬

‫() مقدمة تفسير سورة الفاتحة ص ‪.11‬‬

‫‪108‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫يجذب نفسه إلى الخير‪ ،‬ويصرفها عن الشر‪ ،‬فإن الله تعالى‬
‫أنزله لهدايتنا وهو يعلم منا كل أنواع الضعف الذي نحن فيه(‪.)1‬‬

‫تفسير ل يعذر أحد بجهالته‪:‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ابن عباس ‪:‬‬
‫تفسير القرآن على أربعة أوجه‪ :‬وجه تعرفه العرب من‬
‫كلمها‪ ،‬وتفسير ل يعذر أحد بجهالته‪ ،‬وتفسير يعلمه العلماء‪،‬‬
‫وتفسير ل يعلمه إل الله تعالى(‪.)2‬‬
‫فالوجه الول‪ :‬كما يقول د‪ .‬يوسف القرضاوي‪ ،‬والذي‬
‫تعرفه العرب من كلمها‪ :‬أن القرآن نزل بلسان‬
‫العرب‪ ،‬وهو ما جاء على معهود كلمهم من‬
‫الحقيقة والمجاز‪ ،‬والصريح والكناية ‪ ..‬فالعرب‬
‫تعرف القرآن من خلل معرفتها بأسلوب كلمها‬
‫وطرائقه‪.‬‬
‫حا‬
‫الوجه الثاني‪( :‬ل يعذر أحد بجهالته)‪ :‬هو ما كان واض ً‬
‫بحيث يتبادر إلى الذهان معرفته‪ ،‬دون حاجة إلى‬
‫كد الذهن‪ ،‬وإجهاد العقل‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪( :‬تفسير يعلمه العلماء)‪ :‬ما ل يعرفه إل أهل‬
‫العلم‪ ،‬مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة‬
‫بعلوم أخرى‪ ،‬حتى يحمل المطلق على المقيد‪،‬‬
‫والعام على الخاص‪..‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬ما ل يعلمه إل الله‪ :‬مثل شؤون الغيب‪ ،‬التي‬
‫ل يعلم حقائقها إل الله سبحانه‪ ،‬كأحوال البرزخ‪،‬‬
‫وأمور الخرة‪ ،‬وموعد قيام الساعة(‪...)3‬‬
‫وعلق المام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم‬
‫القرآن) على قول ابن عباس في تقسيم التفسير إلى أربعة‬
‫أنواع فقال‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.12‬‬
‫() ذكره الطبري في مقدمة تفسيره‪.‬‬
‫() كيف نتعامل مع القرآن العظيم ص ‪.202‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪109‬‬

‫هذا تقسيم صحيح‪.‬‬
‫‪ ..‬فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم‪،‬‬
‫وذلك اللغة والعراب‪.‬‬
‫فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها‪ ،‬ومسميات أسمائها‪،‬‬
‫ول يلزم ذلك القارئ‪.‬‬
‫وأما العراب فما كان اختلفه محيل للمعنى وجب على‬
‫المفسر والقارئ تعلمه‪ ،‬ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم‪،‬‬
‫ويسلم القارئ من اللحن(‪..)1‬‬
‫‪ ..‬وأما ما ل يعذر أحد بجهله‪ ،‬فهو ما تتبادر الفهام إلى‬
‫معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الحكام ودلئل‬
‫التوحيد‪ ،‬وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًا يُعلم أنه مراد الله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫فهذا القسم ل يلتبس تأويله‪ ،‬إذ كل أحد يدرك معنى‬
‫التوحيد من قوله تعالى فَاعْ َلمْ أَنّهُ لَ إَِلهَ إِلّ الُ [محمد‪،]19 :‬‬
‫وأنه ل شريك له في إلهيته‪ ،‬وإن لم يعلم أن (ل) موضوعة‬
‫في اللغة للنفي‪ ،‬و (إل) للثبات‪ ،‬وأن مقتضى هذه الكلمة‬
‫الحصر‪.‬‬
‫‪ ..‬فما كان من هذا القسم ل يُعذر أحد يدعي الجهل بمعاني‬
‫ألفاظه‪ ،‬لنها معلومة لكل أحد بالضرورة(‪.)2‬‬

‫المرونة في النص القرآني‪:‬‬
‫وهنا تجدر الشارة إلى أن (العبارة القرآنية فيها من المرونة‬
‫والسعة بحيث يفهمها العقل العربي في عصر نزول القرآن‪،‬‬
‫كما يفهمها كل قارئ لكتاب الله في كل جيل‪ ،‬ويجد فيها ما‬
‫‪1‬‬

‫() قال الحليمي فيما نقله عنه البيهقي في الشعب (‪ :)244 ،5/243‬ومعنى‬
‫إعراب القرآن شيئان‪ :‬أحدهما أن يحافظ على الحركات التي بها يتميز لسان‬
‫العرب عن لسان العجم‪ ،‬لن أكثر كلم العجم مبني على السكون وصل‬
‫وقطعا‪ ،‬ول يتميز الفاعل من المفعول‪ ،‬والماضي من المستقبل باختلف‬
‫حركات المطالع‪ ..‬والخر‪ :‬أن يحافظ على أعيان الحركات‪ ،‬ول يُبدَّل شيئًا منه‬
‫بغيره‪ ،‬لن ذلك ربما أوقع في اللحن أو غير المعنى‪ .‬أ ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫وبفضل الله يتم تعليم النطق السليم للكلمات مع تعلم أحكام التجويد في حلقات‬
‫القرآن المنتشرة في كل مكان‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن العظيم ص ‪.203 ،202‬‬

‫‪110‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫يُشبع فكره ووجدانه معًا فهما فطريًا ميسرا) (‪.)1‬‬

‫وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله‪:‬‬
‫العبارة القرآنية فيها مرونة تجعل معاني كثيرة تخرج منها أو‬
‫تتحملها الية وكان ل بد أن تكون في الصياغة هذه المرونة لكي‬
‫تبقى وتكون ممتدة مع الزمن ‪ ..‬ففيها مرونة ظاهرة بحيث أنه‬
‫إذا تكلم في التاريخ ‪ ..‬أو تكلم في شيء‪ :‬تنزل العبارة لها نسيج‬
‫معين بحيث يمكن أن يستقبلها العبقري ويغوص فيها‪ ،‬ويمكن‬
‫أن يصل إليها العامي ويستقر عند حدودها الولى ‪ ..‬فهذا من‬
‫خصائص القرآن(‪.)2‬‬

‫ويضرب مثل ً لذلك فيقول‪:‬‬
‫ب فِيه وسعتني وأنا صغير‪ :‬أفهم أن الريبة الشك‬
‫فكلمة لَ رَيْ َ‬
‫وعدم الصحة‪ ،‬لكن وسعتني وأنا كبير أعرف الصول التي يستند‬
‫إليها الكلم لكي يكون مقبول(‪.)3‬‬

‫الدليل الواقعي‪:‬‬
‫وهناك دليل واقعي واضح يؤكد على أن السبب لعدم‬
‫انتفاعنا بالقرآن ليس هو افتقادنا للتذوق اللغوي‪.‬‬
‫‪ ..‬هذا الدليل يتمثل في وجود نماذج كثيرة ممتدة عبر‬
‫التاريخ السلمي من‬
‫غير العرب ممن تعلموا اللغة العربية‪ ،‬فتأثروا بالقرآن تأثًرا‬
‫بالغًا‪ ،‬وانتفعوا به‬
‫ما‪.‬‬
‫انتفاعًا عظي ً‬

‫يقول أبو الحسن الندوي‪:‬‬
‫ل تَقِ ُّ‬
‫ل قصص العلماء والمشايخ الصالحين الذين ولدوا في‬
‫العجم وكانت لغتهم غير العربية‪ ،‬في تذوقهم لتلوة القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬وعنايتهم بحفظه‪ ،‬وشغفهم به‪ ،‬وانصرافهم كليا إليه‪،‬‬
‫واستغراقهم فيه‪ ،‬ل تقل هذه القصص إثارة للرغبة وتأثيًرا في‬
‫‪1‬‬

‫() التعبير القرآني ص ‪.563‬‬

‫‪2‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن‪ ،‬ص ‪ 205‬باختصار‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.206‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪111‬‬

‫النفوس وعظة وعبرة عن غيرهم من الذين كانت لغتهم‬
‫الصلية هي العربية‪ ،‬ونجتزئ من مئات هذه القصص – فيما يلي‬
‫– بعض الحكايات المؤثرة‪:‬‬
‫‪ ..‬يذكر في سيرة المام المجدد أحمد السرهندي أنه كان‬
‫يبدو عند تلوته لكتاب الله تعالى‪ ،‬ويظهر على وجهه أن‬
‫الحقائق القرآنية تفيض عليه‪ ،‬وأن بركاته تنسكب وفيوضه‬
‫تنهمر‪ ،‬وكان إذا قرأ آيات العذاب أو اليات التي جاءت بصيغة‬
‫التعجب والستفهام‪ ،‬تجاوب معها‪ ،‬وتكيف بها‪.‬‬
‫‪ ..‬كان الشيخ فضل الرحمن الكنج مراد آبادي (م ‪1313‬هـ)‬
‫يقرأ القرآن ذات يوم إذ غلبه الوجد (التأثر والستغراق‬
‫المشاعري الشديد مع اليات)‪ ،‬فقال للشيخ السيد تجمل‬
‫حسين‪ :‬إن اللذة التي نجدها في القرآن‪ ،‬لو وجدتم منها ذرة‪،‬‬
‫لما صبرتم على الجلوس مثلنا‪ ،‬ولخرجتم تمزقون ثيابكم إلى‬
‫الصحراء‪ ،‬ثم قال‪ :‬آه‪ ،‬ودخل حجرته ومرض لعدة أيام‪.‬‬
‫وقال ذات مرة‪ :‬إن الصلة الحقيقية بالقرآن غاية السلوك‬
‫والحسان‪.‬‬
‫‪ ..‬ويقول الشيخ الجليل عبد القادر الرائيفوري – أحد كبار‬
‫المشايخ المعروفين في عصره – وهو يصف حال مربيه وشيخه‬
‫عبد الرحيم الرائيفوري (م ‪1919‬م – الموافق ‪1337‬هـ)‪ :‬لقد‬
‫رأيت الشيخ يقرأ القرآن الكريم‪ ،‬فكان يطيل قراءته في صلة‬
‫الليل أيما إطالة‪ ،‬فتارة يبكي‪ ،‬وإذا جاء ذكر العذاب‪ ،‬بكى‬
‫واستغفر الله تعالى وتضرع إليه تضرعا عجيبًا يتمثل حال من‬
‫يسأل العفو عن جريمته في ضراعة ولهف‪ ،‬وإذا جاءت آية فيها‬
‫ذكر رحمة الله – عز وجل – استبشر وسَّر تارة‪ ،‬وهدأ صامتا‬
‫أخرى(‪.)1‬‬

‫محمد إقبال‪:‬‬
‫ومن نماذج العاجم الذين تأثروا بالقرآن واستفادوا منه‬
‫استفادة عظيمة‪ :‬شاعر السلم محمد إقبال‪.‬‬

‫يقول أبو الحسن الندوي‪:‬‬
‫لقد أثَّر (القرآن الكريم) في عقلية إقبال‪ ،‬وفي نفسه ما لم‬
‫‪1‬‬

‫() المدخل إلى الدراسات القرآنية ص ‪ 106-104‬بتصرف يسير‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫يؤثر فيه كتاب ول شخصية‪ ،‬ولم يزل محمد إقبال إلى آخر‬
‫عهده بالدنيا يغوص في بحر القرآن‪ ،‬ويطير في أجوائه‪ ،‬ويجوب‬
‫في آفاقه‪ ،‬فيخرج بعلم جديد‪ ،‬وإيمان جديد‪ ،‬وإشراق جديد‪،‬‬
‫وقوة جديدة‪.‬‬
‫وكلما تقدمت دراسته‪ ،‬واتسعت آفاق فكره‪ ،‬ازداد إيمانًا بأن‬
‫القرآن هو الكتاب الخالد‪ ،‬والعلم البدي وأساس السعادة‪،‬‬
‫ومفتاح القفال المعقدة‪ ،‬وجواب السئلة المحيرة‪ ،‬وأنه دستور‬
‫حياة‪ ،‬ونبراس الظلمات‪.‬‬
‫ولم يزل يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى التدبر في‬
‫هذا الكتاب العجيب‪ ،‬وفهمه‪ ،‬ودراسته‪ ،‬والهتداء به في‬
‫مشكلت العصر‪ ،‬واستفتائه في أزمات المدنية‪ ،‬وتحكيمه في‬
‫الحياة والحكم‪ ،‬ويعتب على المسلمين إعراضهم عن هذا‬
‫ما‪ ،‬ويضع به آخرين‪.‬‬
‫الكتاب‪ ،‬الذي يرفع الله به أقوا ً‬

‫يقول إقبال‪:‬‬
‫إنك أيها المسلم ل تزال أسيًرا للمتزعمين للدين‪،‬‬
‫سا‪ ،‬إن‬
‫والمحتكرين للعلم‪ ،‬ول تستمد حياتك من القرآن رأ ً‬
‫الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك‪ ،‬ل اتصال لك به إل‬
‫إذا حضرتك الوفاة‪ ،‬فتُقرأ عليك سورة «يس» لتموت بسهولة‪.‬‬
‫فواعجبا! قد أصبح الكتاب الذي أُنزل ليمنحك القوة يتُلى الن‬
‫لتموت براحة وسهولة(‪.)1‬‬
‫ويقول‪ :‬أقول لكم ما أؤمن به وأدين‪ :‬إنه ليس بكتاب‬
‫فحسب‪ ،‬إنه أكثر من ذلك‪ ،‬إذا دخل القلب تغير النسان‪ ،‬وإذا‬
‫تغير النسان تغير العالم(‪..)2‬‬

‫بديع الزمان النورسي‪:‬‬
‫وبديع الزمان سعيد النورسي من نماذج العاجم الذين‬
‫تأثروا بالقرآن تأثًرا بالغًا‪ ،‬وفاضت عليه معانيه‪ ،‬وكتب الكثير‬
‫حولها في «رسائل النور» وحفظ الله به السلم في تركيا فترة‬
‫سقوط الخلفة وتحويل تركيا إلى دولة علمانية‪..‬‬
‫‪1‬‬

‫() روائع إقبال‪ 40 -28 :‬باختصار‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ‪.158‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪113‬‬

‫حا كان‬
‫‪ ..‬قبل أن يُقبل النورسي على القرآن إقبال ً صحي ً‬
‫يشعر بالحيرة‪ ،‬ويبحث عن مرشد روحي يسير وراءه‪ ،‬وأخذ‬
‫يوازن بين كلم عبد القادر الجيلني في كتابه «فتوح الغيب»‬
‫وبين كلم أحمد السرهندي في كتابه «المكتوبات»‪..‬‬
‫يقول رحمه الله‪ :‬احترت كثيًرا‪ ،‬أأسير وراء هذا‪ ،‬أم‬
‫أسير وراء ذاك؟ وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة‬
‫الشديدة؛ إذ بخاطر رحمان َّ‬
‫ي يخطر على قلبي ويهتف بي‪:‬‬
‫إن بداية هذه الطرق جميعها‪ ،‬ومنبع هذه الجداول كلها‪..‬‬
‫وشمس هذه الكواكب السيارة ‪ ..‬إنما هو القرآن الكريم‪،‬‬
‫فتوحيد القبلة الحقيقي إذن ل يكون إل في القرآن الكريم‬
‫‪ ..‬فالقرآن هو أسمى مرشد ‪ ..‬وأقدس أستاذ على‬
‫الطلق‪..‬‬
‫ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن‪ ،‬واعتصمت به‪،‬‬
‫واستمددت منه‪.‬‬
‫‪ ..‬صرفت كل همي ووقتي إلى تدبر معاني القرآن الكريم‪،‬‬
‫وبدأت أعيش حياة «سعيد الجديد»‪ ..‬أخذتني القدار نفيًا من‬
‫مدينة إلى أخرى ‪ ..‬وفي هذه الثناء تولدت من صميم قلبي‬
‫معان جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم‪..‬‬
‫أمليتها على من حولي من الشخاص‪ ،‬تلك الرسائل التي‬
‫أطلقتم عليها «رسائل النور» إنها انبعثت حقا من نور القرآن‬
‫الكريم(‪.. )1‬‬

‫النماذج كثيرة‪:‬‬
‫وإليك أخي القارئ بعضا من النماذج في العصر الحديث من‬
‫العاجم الذين أسلموا وتأثروا بالقرآن‪.‬‬
‫فهذه عائشة برجت هوني التي نشأت في أسرة إنجليزية‬
‫مسيحية‪ ،‬وشغفت بالفلسفة‪ ،‬ثم سافرت إلى كندا لكمال‬
‫دراستها‪ ،‬وهناك في الجامعة أتيح لها أن تتعرف على السلم‪،‬‬
‫وأن تنتهي إليه ‪..‬‬
‫تقول هوني‪ .. :‬لن أستطيع مهما حاولت‪ ،‬أن أصف الثر‬
‫‪1‬‬

‫() كليات رسائل النور – سيرة ذاتية ص ‪ 162 – 161‬باختصار‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الذي تركه القرآن في قلبي‪ ،‬فلم أكد انتهى من قراءة السورة‬
‫الثالثة من القرآن حتى وجدتني ساجدة لخالق هذا الكون‪،‬‬
‫فكانت هذه أول صلة لي في السلم(‪..)1‬‬
‫‪ ..‬وهذا فنسامي مونتاي الفرنسي‪ :‬رجل بحث وترحال‪،‬‬
‫اختص بدراسة القضايا السلمية والعربية عن كثب‪ ،‬قضى‬
‫سنوات عديدة في المغرب والمشرق وأفريقيا وآسيا‪ ،‬ونشر‬
‫عشرات البحاث والكتب عن السلم والحضارة السلمية‪،‬‬
‫وانتهى المر به إلى إعلن إسلمه في صيف عام ‪.1977‬‬
‫يقول مونتاي‪ :‬إنني ل أشك لحظة في رسالة محمد ‪،‬‬
‫واعتقد أنه خاتم النبياء والمرسلين‪ ،‬وأنه بُعث للناس كافة‪ ،‬وأن‬
‫رسالته جاءت لختم الوحي الذي نزل في التوراة والنجيل‪.‬‬
‫وأحسن دليل على ذلك هو القرآن المعجزة ‪ ..‬ويقول‪ :‬إن مثل‬
‫الفكر العربي السلمي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل‬
‫أفرغ من دمه(‪.. )2‬‬
‫‪ ..‬وهذا كات ستيفنز‪ :‬المغنى البريطاني المشهور في‬
‫الستينات وأوائل السبعينيات‪ ،‬اعتنق السلم عام ‪1976‬م بعد‬
‫أن تعرف على القرآن بواسطة شقيقه‪.‬‬
‫يقول ستيفنز‪ :‬في تلك الفترة من حياتي (فترة الشهرة‬
‫والنجاح) بدا لي وكأنني فعلت كل شيء‪ ،‬و حققت لنفسي‬
‫النجاح والشهرة والمال والنساء ‪ ..‬كل شيء‪ ،‬ولكن كنت مثل‬
‫القرد أقفز من شجرة إلى أخرى‪ ،‬ولم أكن قانعًا أبدًا‪ ،‬ولكن‬
‫كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه‬
‫حقا‪ ،‬وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬وهذا ايتين دينيه (‪ :)1929 -1861‬تعلم في فرنسا‪،‬‬
‫وأشهر إسلمه وتسمى بناصر الدين (‪ )1927‬يقول عن‬
‫القرآن‪:‬‬
‫إن معجزة النبياء الذين سبقوا محمدًا‬
‫‪1‬‬

‫كانت في الواقع‬

‫() قالوا عن القرآن لعماد الدين خليل‪ ،‬ملحق لكتاب إشارات العجاز‬
‫للنورسي‪ ،‬ص ‪.287‬‬

‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.287‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.268‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪115‬‬

‫معجزات وقتية‪ ،‬وبالتالي معرضة للنسيان السريع‪ .‬بينما‬
‫نستطيع أن نسمى معجزة اليات القرآنية‪( :‬المعجزة الخالدة)‬
‫وذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر‪ ،‬ومن اليسير على‬
‫المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة‬
‫بمجرد تلوة في كتاب الله‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬أح ًّ‬
‫س المشركون في دخيلة نفوسهم‪ ،‬أنه قد غزا‬
‫قلوبهم ذلك الكلم العجيب الصادر من أعماق قلب الرسول ‪،‬‬
‫وكلهم كثيًرا ما كانوا على وشك الخضوع لتلك اللفاظ الخاذة‬
‫التي ألهمها إيمان سماوي‪ ،‬ولم يمنعهم عن السلم إل قوة‬
‫حبهم لعراض الدنيا (‪..)1‬‬
‫هذه النماذج السابق ذكرها كانت ‪-‬كما ترى ‪ -‬لناس ليست‬
‫اللغة العربية هي لسانهم‪ ،‬بل تعلموها كما يتعلم الواحد منا لغة‬
‫أخرى غير لغته العربية‪.‬‬
‫ومما ل شك فيه أن أقصى ما كانوا يطمحون إليه في‬
‫تعاملهم مع اللغة العربية؛ أن يصلوا إلى المستوى اللغوي‬
‫لي شخص يعيش في البلد العربية‪ ،‬وينطق بها بسلسة‬
‫ما مثلما يطمح من يتعلم منا اللغة النجليزية –‬
‫وطلقة‪ ،‬تما ً‬
‫على سبيل المثال – وبل ريب أن مستوى تذوقهم للغة‬
‫العربية وأساليبها وبلغتها سيكون أقل منا بمراحل‪ ،‬ومع هذا‬
‫فقد رأينا تأثرهم البالغ بالقرآن والذي عبَّر بعضهم عنه‬
‫بالكلمات السابقة(‪.)2‬‬

‫عودة إلى العصر الول لنزول القرآن‪:‬‬
‫فإذا ما عدنا للعصر الول لنزول القرآن نجد نماذج ‪-‬لها علم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.263‬‬
‫()‪ ..‬لم نذكر في نماذج تأثر العاجم بالقرآن‪ ،‬أولئك الذين ل يفهمون العربية‪،‬‬
‫ومع ذلك فعندما استمعوا إلى القرآن – وهم ل يفهمونه – حدثت عندهم تغيرات‬
‫وتأثر بشكل ما ‪ ..‬لم نتحدث عنهم لن هذا الثر الذي أحدثه فيهم القرآن ليس هو‬
‫مقصدنا الحقيقي‪ ،‬لنهم يتأثرون بجرس القرآن وجماله التوقيعي ونغمه أو كما‬
‫يسميه الشيخ محمد عبد الله دراز – رحمه الله – يتأثرون بالقشرة الخارجية‬
‫للقرآن‪.‬‬
‫وهذا ليس التأثر اليماني الذي نريده‪ ،‬فالتأثر اليماني هو فهم المعنى‬
‫والنفعال معه لينشأ اليمان به في القلب‪ ،‬ومما يساعد على نجاح هذه‬
‫العملية هو ترتيل القرآن بصوت حزين‪ ،‬ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى‪:‬‬
‫ج ِميَ فَقَ َرأَهُ عَلَ ْيهِم مّا كَانُوا بِهِ مُ ْؤمِِنيَ [الشعراء‪ ]199 ،198 :‬فكيف‬
‫َولَ ْو نَ ّزلْنَاهُ عَلَى بَ ْعضِ العْ َ‬
‫يؤمنون بشيء ل يفهمونه ول يعرفون كنهه؟!‬

‫‪116‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ما بالقرآن‬
‫بالعربية لكنها ليست لسانها‪ -‬قد تأثرت تأثًرا عظي ً‬
‫كالنجاشي الذي تأثر بسماعه آيات من سورة مريم‪ ،‬وبكى حتى‬
‫ه لحيته‪ ،‬ثم قال‪ :‬إن هذا والذي جاء به عيسى ‪-‬‬
‫أخضلت دموعُ ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫عليه السلم‪ -‬ليخرج من مشكاة واحدة ‪ .‬وأسلم رحمه الله‪.‬‬
‫وليس معنى هذا هو التقليل من شأن أهل اللغة العربية‬
‫أصحاب التذوق الصحيح لها‪ ،‬بل العكس؛ فهم الئمة الذين‬
‫ينبغي أن ينتشروا بين المسلمين فيبينوا لهم ما أشكل عليهم‬
‫فهمه من القرآن فيزدادوا به هداية‪.‬‬
‫كل ما نقصده أن تعلم العربية من كل جوانبها ليس شرطًا‬
‫أساسيًا للنتفاع بالقرآن‪.‬‬
‫أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن أن الحارث بن قيس‬
‫َ‬
‫قال‪ :‬كنت رجل ً في لساني لكنة(‪ ،)2‬فقيل لي‪ :‬ل تَعَل ّم القرآن‬
‫َ‬
‫حتى تَعَل ّم العربية‪ ،‬فأتيت عبد الله فذكرت ذلك له‪ ،‬فقلت‪ :‬إنهم‬
‫يضحكون مني‪ ،‬ويقولون‪ :‬تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ل تفعل‪ ،‬فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن‪ ،‬ول‬
‫يبالون حفظ كثير من حروفه‪ ،‬وإن بعدك زمان تحفظ فيه‬
‫الحروف وتُضيَّع فيه الحدود(‪.)3‬‬
‫من هنا يتضح لنا أن عدم انتفاعنا بالقرآن في تحقيق الهداية‬
‫والشفاء والربانية ليس بسبب ضعف تذوقنا للغة العربية ‪..‬‬

‫ولكن ما السبب إذن؟!‬
‫صا ما قد أصابه مرض شديد له أعراض كثيرة‪،‬‬
‫هب أن شخ ً‬
‫وتم تشخيص مرضه ووصف الدواء المناسب له بواسطة طبيب‬
‫من الطباء‪ ،‬وعندما سأل عن الدواء اكتشف بأنه (السبرين)‬
‫فقط والذي تمتلئ به الدراج في بيته‪.‬‬
‫أليس من المفترض أن يبدأ في تناول الدواء؟!‬
‫ولكن إن لم يفعل ذلك‪ ،‬وأصر على الذهاب‪ ،‬لطبيب آخر ‪ ..‬فبماذا‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() السيرة النبوية لبن هشام ‪.1/207‬‬
‫ي (مثل العجمي الذي ل ينطق كل حروف اللغة بطريقة‬
‫() لكنة‪ :‬أي ع ّ‬
‫صحيحة)‪.‬‬
‫() فضائل القرآن لبن الضريس برقم (‪ )1‬و (‪.)3‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪117‬‬

‫تبرر هذا التصرف؟!‬
‫أليس هو استخفافه بهذا الدواء‪ ،‬وعدم إيمانه بأن يكون‬
‫السبرين سببًا في التخلص من مرضه الشديد‪ ،‬وذهاب أعراضه‬
‫المؤلمة‪.‬‬
‫إن أمر القرآن معنا أشد من أمر السبرين مع هذا المريض‪.‬‬
‫فالمرض موجود‪ ،‬وأعراضه بادية لكل ذي عينين‪ ،‬والتشخيص‬
‫واضح‪ ،‬والدواء موجود‪ ..‬أنزله رب العالمين ليحدث بإذنه شفاءً‬
‫ما ل يغادر سقما‪ ،‬ولكننا ل نريد تناوله على الرغم من معاناتنا‬
‫تا ً‬
‫الشديدة من المرض ‪..‬‬

‫لماذا؟!‬
‫لننا باختصار ل نثق في أن القرآن الموجود بين أيدينا‪ ،‬وفي‬
‫بيوتنا يستطيع أن يحل مشكلتنا‪ ،‬ويعيد لنا مجدنا‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم أخي‪ ،‬إن السبب الساسي لعدم انتفاعنا بالقرآن هو‪:‬‬
‫ف شاف وكوسيلة تقويم‬
‫ضعف الثقة واليمان به كدواء كا ٍ‬
‫وتغيير فذة‪.‬‬
‫أما كيف وصلنا لهذا المستوى من ضعف اليمان والثقة‬
‫بالقرآن‪ ،‬فبل شك أن هذا لم يحدث في يوم وليلة‪ ،‬بل حدث‬
‫عبر قرون طويلة‪ ،‬بسبب عوامل كثيرة ساهمت مجتمعة أو‬
‫متفرقة في انزواء القرآن في ركن صغير في نفوسنا‪ ،‬ويمكن‬
‫إجمال هذه العوامل والسباب في التي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬الصورة الموروثة عن القرآن‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬طول اللف‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬نسيان الهدف من نزول القرآن‪.‬‬
‫راب ًعا‪ :‬النشغال بفروع العلم والتوسع فيها على حساب‬
‫القرآن‪.‬‬
‫سا‪ :‬غياب أثر القرآن‪.‬‬
‫خام ً‬
‫سا‪ :‬كيد الشيطان‪.‬‬
‫ساد ً‬
‫سابعًا‪ :‬مفاهيم وممارسات ساهمت في عدم النتفاع‬

‫‪118‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫بالقرآن‪.‬‬
‫ولنبدأ ‪ -‬بعون الله ‪ -‬الصفحات القادمة في تناول كل سبب‬
‫من هذه السباب بشيء من التفصيل‪.‬‬
‫***‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪119‬‬

‫أولً‪ :‬الصورة الموروثة عن القرآن‬
‫‪ ..‬بعد أن ينزل الجنين من بطن أمه‪ ،‬ويبدأ في النمو شيئًا‬
‫فشيئًا‪ ،‬ثم يدخل مرحلة الدراك‪ ،‬فإنه يرى أموًرا كثيرة تحدث من‬
‫حوله ‪ ..‬هذه المور تقع في ذاكرته‪ ،‬فإذا ما تكرر بعضها أمامه فإنها‬
‫تنتقل إلى منطقة اللشعور في عقله لتشكل معتقدًا لديه(‪.)1‬‬
‫فعلى سبيل المثال‪ :‬عندما كان يشعر بالعطش كانوا‬
‫يحضرون له شيئًا كل مرة‪ ،‬فاستقر في يقينه – مع الوقت – أن‬
‫هذا الشيء هو الذي يدفع عنه العطش‪ ،‬ثم بعد ذلك يعلم اسم‬
‫هذا الشيء‪ ،‬فيطلبه بتلقائية عند عطشه‪.‬‬
‫وعندما يجد أبويه يتوقفان عن الكلم عند سماع شيء ما‬
‫يصل إلى مسامعه عدة مرات في اليوم‪ ،‬فإن ذاكرته تختزن‬
‫هذه الصورة من الحترام (للذان)‪.‬‬
‫‪ ..‬وهكذا في سائر المور التي يجدها في بيئته الولى‪ ،‬فكل‬
‫ما يُقَّدس في بيته‪ ،‬يُقَد َّ‬
‫س عنده‪ ،‬والعكس صحيح‪ ،‬فهو ل يأبه‬
‫بالمور التي ل يهتم بها أهل البيت‪.‬‬

‫وفي هذا المعنى يقول جودت سعيد‪:‬‬
‫الطفال الذين تدفعهم الرحام إلى الوجود ول يملكون فكًرا‬
‫ما‪ ،‬أو كتابة‪ ،‬وليس لديهم إل الستعداد لن يكونوا أي‬
‫أو كل ً‬
‫شيء تكون عليه بيئتهم‪ ،‬فكل طفل يولد في العالم العربي‬
‫يصير عربيًا في لسانه وفكره‪ ،‬حين ل يرى غير قومه‪ ،‬والصيني‬
‫يصير بوذيا‪ ،‬والهندي برهميا‪ ،‬وكذلك كل أطفال أهل الملل‬
‫والنحل واللغات(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() أي معلومة يتلقاها النسان من خلل سمعه أو بصره فإنها تذهب إلى جزء‬
‫في العقل وهو العقل المدرك أو الواعي أو الشعور‪ ،‬فإذا قبلها العقل انتقلت‬
‫إلى الجزء الخر وهو الغير مدرك أو اللشعور والذي يشكل منطقة العلم‬
‫الراسخ‪ ،‬أو اليقين‪ ،‬أو المعتقدات سواء كانت صحيحة أو فاسدة‪ ،‬ولكي‬
‫يستقر مدلول المعلومة في منطقة اللشعور ل بد من تكرار مرورها على‬
‫العقل المدرك مرات ومرات فيمررها إلى اللشعور حتى تستقر فيه ‪ ..‬مثال‪:‬‬
‫تعلم قيادة السيارة في البداية يكون بالعقل المدرك وبعد تكرار وتكرار‬
‫تستقر المعلومات في اللشعور‪ ،‬فيقوم النسان بقيادة السيارة بتلقائية دون‬
‫تفكير‪ ،‬وكذلك تعلم أحكام التجويد في البداية يكون بالعقل المدرك وبعد ذلك‬
‫بـ (اللشعور)‪.‬‬
‫() كن كابن آدم لجودت سعيد ص ‪.312‬‬

‫‪120‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وكما قال ‪« :‬ما من مولود إل يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه يُهوّدانه أو يُنصّرانه‪ ،‬أو‬
‫يجّسانه‪.)1( »..‬‬
‫(في المهد وهو ينظر إلى مناغاة أمة وسلوكها معه‪ ،‬ومع‬
‫من حولها من الكبار والصغار‪ ،‬فكله أذن وعين تصب في (ل‬
‫وعيه) مفاهيم الحضارة التي احتاجت إلى آلف السنين‪ ،‬خلل‬
‫سنتين أو ثلث‪.‬‬
‫إنه يبدأ بالتمييز بين الصوات الغاضبة والصوات الحانية‪،‬‬
‫وبين الوجوه المقطبة الغاضبة‪ ،‬والوجوه الباسمة المطمئنة‬
‫الراضية‪.‬‬
‫من هنا يتعلم الشياء المقدسة التي نغضب من أجلها إذا‬
‫انتهكت‪ ،‬والشياء والمفاهيم المدنسة التي نغضب‪ ،‬ونرفع‬
‫أصواتنا‪ ،‬ونقطب وجوهنا منها‪.‬‬
‫لهذا فإن الطفل حين يبدأ في الحبو‪ ،‬والمساك بالشياء‪،‬‬
‫واللعب بها‪ ،‬ينظر إلى وجوهنا ليطمئن إلى أن سلوكه يُقابل‬
‫بعلمات الرضا على وجوهنا‪ ،‬وهكذا يفهم القيم العميقة التي‬
‫تحكم سلوكنا قبل أن يتكلم‪ ،‬وقبل أن يعرف الكلمات ومعانيها‪،‬‬
‫فتبدو هذه القيم عميقة في شخصيته وكأنها ولدت معه‪ ،‬لنها‬
‫تغرس فيه عمليا‪.‬‬
‫يحدث هذا لدى الطفل في السنوات التي تسبق ذهابه إلى‬
‫المدرسة‪ ،‬وقبل أن يتعلم الكلم‪ ،‬وهذا ما يحكم سلوكه العميق‬
‫في حياته القادمة‪ ،‬ويصعب عليه أن يخرج على ما تعلمه‬
‫وغُرس فيه في سنوات عمره الولى‪ ،‬لنه تغلغل في‬
‫اللشعور(‪.)2‬‬

‫وماذا عن الصورة الموروثة عن القرآن؟!‬
‫فإن كانت أغلب المفاهيم والقيم – سواء كانت صحيحة أم‬
‫خاطئة – تغرس في يقين الطفل في سنوات عمره الولى‪،‬‬
‫فماذا يتكون لديه من مفاهيم حول القرآن؟!‬
‫هو في البداية ل يعرف القرآن لكنه يرى شيئًا موضوعًا في‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() كن كابن آدم ص ‪.314 ،313‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪121‬‬

‫مكان ما بالمنزل‪ ،‬تمر اليام واليام ول يقترب منه أحد‪ ،‬وإذا ما‬
‫حدث وأمسك به أحد أبويه فإنه يُقبله‪ ،‬وينظر فيه قليل ثم يتركه‬
‫في مكانه‪.‬‬
‫‪ ..‬يجد أمه تقوم بتشغيل المذياع فيخرج منه صوت له نغمة‬
‫ليست كسائر النغمات التي يسمعها‪ ،‬ثم يجد أمه تترك مكان‬
‫المذياع الذي ينبعث منه الصوت وتذهب لمكان آخر‪ ..‬أو تتحدث‬
‫مع والده‪ ،‬أو في الهاتف‪ ،‬أو تقرأ في مجلة ‪ ..‬كل هذا في وجود‬
‫الصوت المنبعث من المذياع!!‪.‬‬
‫‪ ..‬يرى والده ووالدته يشاهدان التلفاز باهتمام‪ ،‬فإذا ما جاء‬
‫الصوت الذي تعود على سماعه مع أمه وبنفس النغمة‪ ،‬يجد‬
‫أبويه وقد ذهب اهتمامهما فأغلقا الجهاز‪ ،‬أو تركاه يبث الصوت‬
‫دون أن يستمع إليه أحد‪.‬‬
‫سا يجلسون في مكان كبير‪،‬‬
‫‪ ..‬يسير مع أبويه فيجد أنا ً‬
‫ويسمع نفس الصوت‪ ،‬ويجد الناس ‪-‬في الغالب‪ -‬يتحدثون فيما‬
‫بينهم‪ ،‬ول يعبأون بما يسمعون ‪..‬‬
‫‪ ..‬يركب مع والده السيارة‪ ،‬فيجده قد أدار زًرا فيها‪ ،‬وانبعث‬
‫نفس الصوت‪ ،‬ثم يجد أباه يتحدث مع أمه في وجود الصوت الذي‬
‫تعود على سماعه دون أن يهتم به أحد ‪..‬‬
‫فماذا تظن أن يرسخ في يقين هذا الطفل – الذي ما هو إل أنا‬
‫وأنت – عن القرآن؟!‬
‫هل سيرث من أبويه ومن البيئة المحيطة أهمية القرآن‪،‬‬
‫وأنه للقلب كالروح للجسد‪ ،‬أم سيرث التقديس الشكلي له‪،‬‬
‫وعدم الهتمام بفهم خطابه؟!‬
‫‪ ..‬وعندما يكبر الولد ويكونون في سن المدرسة‪ ،‬فإن‬
‫بعض الباء يأخذ بأيديهم إلى مراكز تعليم القرآن‪ ،‬فيزداد المر‬
‫خا لديه بأن المطلوب مع القرآن هو‪ :‬ألفاظ تقرأ أو تحفظ‬
‫رسو ً‬
‫بل وعي ول إدراك‪..‬‬

‫الصورة الذهنية‪:‬‬
‫يقول عمر عبيد حسنة‪:‬‬
‫إن الصورة التي طبعت في أذهاننا‪ ،‬في مراحل الطفولة‬
‫للقرآن أنه ل يُستدعي للحضور إل في حالت الحتضار والنزع‬

‫‪122‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫والوفاة‪ ،‬أو عند زيارة المقابر‪ ،‬أو نلجأ لقراءته عند أصحاب‬
‫المراض المستعصية‪ ،‬وهي قراءات ل تتجاوز الشفاة(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬ويقول المام محمد عبده رحمه الله‪:‬‬
‫معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى أول ما يُلقن الوليد‬
‫عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم (الله) تبارك وتعالى‪،‬‬
‫يتعلمه باليمان الكاذبة‪ ،‬والصادقة‪( :‬والله لقد فعلت كذا وكذا‪،‬‬
‫والله ما فعلت كذا)‪.‬‬
‫وكذلك القرآن‪ :‬يسمع الصبي ممن يعيش معهم أنه كلم‬
‫الله تعالى‪ ،‬ول يعقل معنى ذلك‪ ،‬ثم ل يعرف من تعظيم القرآن‬
‫إل ما يعظمه به سائر المسلمين الذين تربى بينهم وذلك‬
‫بأمرين‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬اعتقاد أن آية كذا إذا كُتبت ومحيت بماء وشربه‬
‫صاحب مرض كذا يشفى‪ ،‬وأن من حمل القرآن ل‬
‫يقربه جن ول شيطان ويبارك له في كذا وكذا إلى‬
‫غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما‬
‫هو معروف للخاصة‪.‬‬
‫‪ ..‬ثانيهما‪ :‬الهَّزة والحركة المخصوصة والكلمات المعلومة‬
‫التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ‬
‫رخيم الصوت‪ ،‬حسن الداء‪ ،‬عارفًا بالتطريب على‬
‫أصول النغم‪.‬‬
‫والسبب في هذه اللذة والنشوة هو حسن الصوت والنغم‪،‬‬
‫بل أقوى سبب لذلك هو بُعد السامع عن فهم القرآن‪ ..‬وأعنى‬
‫بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها‬
‫وتملكه مواعظها فتشغله عما بين يديه مما سواه(‪..)2‬‬

‫ورثنا القرآن‪:‬‬
‫لقد ورثنا القرآن فيما ورثناه عن السابقين ‪ ..‬ورثناه ككتاب‬
‫سا شكليًا‪ :‬نُقبَّله ‪ ..‬نفتتح به الحفلت والمناسبات ‪..‬‬
‫مقدس تقدي ً‬
‫تكتب آياته في تابلوهات أنيقة تزين الجدران‪ ،‬أو تدق على‬
‫مصكوكات من الذهب والفضة لتتزين بها النساء‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن ص ‪.17‬‬

‫‪2‬‬

‫() مقدمة تفسير الفاتحة ص ‪ ،20 ،19‬باختصار‪.‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪123‬‬

‫يصف أبو الحسن الندوي هذا الحال عند حديثه عن العوامل‬
‫التي أثرت في تكوين شخصية محمد إقبال فيقول‪:‬‬
‫أما الستاذ الخر الذي يرجع إليه الفضل في تكوين‬
‫شخصيته وعقليته‪ ،‬فهو أستاذ كريم ل يخلو منه بيت من بيوت‬
‫المسلمين‪ ،‬ولكن ليس الشأن في وجود الستاذ‪ ،‬وكونه بمتناول‬
‫اليد من تلميذه‪ ،‬إنما الشأن في معرفته‪ ،‬وتقديره‪ ،‬وجلله‪،‬‬
‫والفادة منه‪ ،‬وإل لكان أبناء البيت‪ ،‬ورجال السرة‪ ،‬وأهل الحي‬
‫أسعد بعالمهم‪ ،‬وأكثر انتفاعًا من غيرهم‪ ،‬ولكن بالعكس من‬
‫ذلك رأينا أن العالِم الكبير والحكيم الشهير‪ ،‬والمؤلف العظيم‪،‬‬
‫ضائع في بيته‪ ،‬مهجور في داره‪ ،‬يزهد فيه أولده‪ ،‬ويستهين‬
‫بقيمته أفراد أسرته‪ ،‬ويأتي رجل من أقصى العالم‪ ،‬فيغترف من‬
‫حكَمه‪.‬‬
‫بحر علومه‪ ،‬ويتضلع من ِ‬
‫‪ ..‬ل تذهب بكم الظنون‪ ،‬ول يبعد بكم القياس أيها الخوان!‬
‫فذلك الستاذ العظيم هو «القرآن الكريم» الذي أثر في عقلية‬
‫إقبال‪ ،‬وفي نفسه ما لم يؤثَّر فيه كتاب ول شخصية‪ ،‬ولكنه أقبل‬
‫على قراءة هذا الكتاب إقبال رجل حديث العهد بالسلم‪ ،‬فيه‬
‫من الستطلع والتشوق ما ليس عند المسلمين الذين ورثوا‬
‫(‪)1‬‬
‫هذا الكتاب العجيب‪ ،‬فيما ورثوه من مال ومتاع ودار وعقار ‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() روائع إقبال ص ‪.38 ،37‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫‪124‬‬

‫ثانيًا‪ :‬طول اللف‬
‫إن وجود الشمس‪ ،‬وشروقها وغروبها كل يوم آيات عظيمة‬
‫تدل على القدرة المطلقة للخالق – سبحانه وتعالى‪ -‬وعلى‬
‫قيوميته على جميع خلقه‪ ،‬وأنه ل تأخذه سنة ول نوم ‪..‬‬
‫حا ومساءً لماذا ل‬
‫هذه اليات التي نشاهدها كل يوم‪ :‬صبا ً‬
‫تؤثر فينا؟!‬
‫الجواب هو‪ :‬لننا ألفنا وجودها منذ الصغر‪.‬‬
‫(فطبيعة النفس البشرية إذا ألِفت الشيء خفى عليها‬
‫أسراره‪ ،‬وصرفها هذا الِلف عن التفكر فيه ثم اكتشاف ما فيه)‬
‫(‪.)1‬‬
‫فإذا ما انتقلنا للقرآن الكريم فإننا نجد أن (طول اللف) له‬
‫دور كبير في عدم انتفاعنا به‪..‬‬
‫فمنذ الصغر ونحن قد ألفنا القرآن يُتلى بنغمة وتراتيل‬
‫معينة‪ ،‬ل تظهر هذه النغمة في كلم آخرم سواء كان شعرا أو‬
‫ن‪.‬‬
‫نثرا أو أغا ٍ‬
‫وباستمرار سماع هذه النغمة تعودت الُذن عليها‪ ،‬وألِفتها‬
‫دون محاولة الصغاء إلى معنى الكلم الذي يصاحبها‪.‬‬
‫ومما ساعد على عدم الصغاء للخطاب القرآني أن‬
‫المستمع في الغالب يكتفي بجو الروحانية‪ ،‬والشعور بالرتياح‬
‫الذي ينشأ عند سماع أصوات المقرئين ينساب في المكان‬
‫وكما أسلفنا فإن هذا الرتياح ناشئ عن جرس القرآن وجماله‬
‫التوقيعي الذي ل نظير له‪ ،‬ولكنه للسف ل ينُشئ إيمانًا‪،‬‬
‫فاليمان يحتاج إلى يقظة العقل وإدراكه للمعنى‪ ،‬مع استثارة‬
‫العاطفة مع هذا المعنى ليستقر مدلوله في القلب فينشأ بذلك‬
‫اليمان‪.‬‬

‫القراءة باللحان المحدثة‪:‬‬
‫ومما ساعد على إلف القرآن‪ ،‬وعدم النصراف إلى المعنى‬
‫هو القراءة باللحان المحدثة التي ابتدعها بعض المقرئين‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() التعبير القرآني ص ‪.136‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪125‬‬

‫يقول ابن رجب‪ :‬هذه اللحان تهيج الطباع‪ ،‬وتلهي عن تدبر‬
‫ما يحصل له من الستماع‪ ،‬حتى يصير اللتذاذ بمجرد سماع‬
‫النغمات الموزونة‪ ،‬والصوات المطربة‪ ،‬وذلك يمنع المقصود‬
‫من تدبر معاني القرآن‪.‬‬
‫وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن‪ ،‬ل بقراءة‬
‫اللحان‪ ،‬وبينهما بون بعيد(‪.)1‬‬
‫(فالقارئ يتفنن في النغم والتلحين‪ ،‬ويخرج عن سنن‬
‫الترتيل‪ ،‬وقواعد التجويد‪ ،‬ويعيد الية عند استحسان السامعين‬
‫للنغمة وطلبهم العادة‪ ،‬والسامع يستخفه الطرب ل من معاني‬
‫القرآن‪ ،‬بل من حسن التوقيع‪ ،‬وأفانين اللحان‪ ،‬فيصيح في نهاية‬
‫اليات بكلمات الستحسان‪ ،‬والثناء على القارئ‪ ،‬والدعاء له‪،‬‬
‫وطلب العادة منه(‪.)2‬‬
‫ولطالما طرقت أَذاننا ونحن نسير في الشوارع والطرقات‬
‫حدثة‪،‬‬
‫أصوات بعض المقرئين وهم يقرؤون بهذه اللحان الم ُ‬
‫والقراءات المختلفة لنفس الية‪ ،‬ولطالما سمعنا كلمات‬
‫الستحسان التي تلقى إليهم والهات التي تخرج من أفواه‬
‫السامعين‪..‬‬

‫سمعنا هذا ول نزال نسمعه حتى ألفناه‪ ،‬وانصرفت عقولنا‬
‫عن إدراك المعاني‪..‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() مجموع رسائل ابن رجب ‪.2/463‬‬

‫‪2‬‬

‫() هجر القرآن ص ‪.100‬‬

‫‪126‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ثالثًا‪ :‬نسيان الهدف الذي من أجله نزل القرآن‬
‫إن النسان هو موضوع القرآن‪ ،‬بمعنى أن الهدف السمى‬
‫لنزول القرآن هو هداية النسان وإصلحه والسير به في‬
‫الطريق المؤدي إلى رضا الله وجنته‪..‬‬
‫ومن أجل تحقيق هذا الهدف جعلها الله رسالة موجزة‬
‫مقارنة بما تحتويه من معان عظيمة‪ ،‬ليسهل حملها وقراءتها‬
‫وحفظها‪.‬‬
‫‪ ..‬ولكونها رسالة موجزة‪ ،‬وفقراتها قليلة الكلمات ثقيلة‬
‫ن وتؤدة حتى يتمكن‬
‫المعاني‪ ،‬كان من الضروري قراءتها بتأ ٍ‬
‫القارئ والسامع من فهم المقصود منها وَ ُقرْآنًا َفرَ ْقنَاهُ لِتَ ْقرَأَ ُه َعلَى النّاسِ‬
‫َعلَى ُمكْثٍ [السراء‪.]105 :‬‬
‫‪ ..‬ولن وظيفتها في الهداية والتغيير تتطلب الزيادة‬
‫المستمرة لليمان في القلوب‪ ،‬كان المر اللهي بترتيلها‬
‫والتغني بها لتستثير بذلك العاطفة وَرَّتلِ الْ ُقرْآنَ َترْتِيلً [المزمل‪.]4 :‬‬
‫‪ ..‬ولنها تخاطب الناس جميعًا‪ ،‬فقد يسرها الله للقراءة‪ ،‬فل‬
‫سرْنَا‬
‫تحتاج إلى أماكن محددة‪ ،‬أو أزمنة خاصة لتقرأ فيها‪ :‬وََلقَدْ يَ ّ‬
‫الْ ُقرْآنَ لِل ّذ ْكرِ [القمر‪.]17 :‬‬
‫ولن مستويات الناس وثقافاتهم ومداركهم مختلفة فقد‬
‫جعل الله عباراتها مرنة تستوعب الزمان والمكان والشخاص‬
‫أيًا كان مستواهم‪..‬‬
‫‪ . .‬ولن النسان من طبيعته النسيان‪ ،‬وكذلك لتعرضه‬
‫المستمر للمغريات والملهيات خلل يومه وليلته؛ كان من‬
‫الهمية بمكان أن يداوم على قراءة القرآن لتحدث له دوام‬
‫التذكرة والتبصرة‪ ،‬وليُعَوِّض بالقرآن ما فقده من إيمان‪ ،‬وليس‬
‫ما في إقبال‬
‫ذلك فحسب بل وليمد قلبه بالروح التي تجعله دو ً‬
‫على الله‪.‬‬
‫‪ ..‬من هنا كانت التوجيهات النبوية المتعددة بكثرة تلوة القرآن‪،‬‬
‫وتعاهده كل يوم‪ ،‬وحتى ل تمل النفس كان رصد الجوائز والجر‬
‫العظيم لكل من قرأ حرفًا من القرآن ليستمر الحافز والدافع لديها‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪127‬‬

‫للقراءة‪ ..‬كل ذلك ليتحقق المقصود من اللقاء بالقرآن ‪..‬‬
‫‪ ..‬تأمل معي هذا الحديث النبوي الذي يربط بين المرين ‪..‬‬
‫بين قيمة القرآن‪ ،‬وبين ثواب قراءته‪ .‬عن عبد الله بن مسعود‪،‬‬
‫عن النبي قال‪« :‬إن هذا القرآن مأدبة ال تعال‪ ،‬فتعلموا من مأدبته ما استطعتم‪ .‬إن‬
‫هذا حبل ال عز وجل‪ ،‬وهو النور البي‪ ،‬والشفاء النافع‪ ،‬عصمة لن تسك به‪ ،‬وناة لن اتبعه‪،‬‬
‫ل يعوجّ فيُقوّم‪ ،‬ول يزيغ فيُستعتب‪ ،‬ول تنقضى عجائبه‪ ،‬ول يلق على كثرة الرد‪ .‬فاتلوه‪ ،‬فإن‬
‫ال يأجركم على تلوته بكل حرف عشر حسنات‪ ،‬أما إن ل أقول ال‪ ،‬ولكن ألف عشر‪ ،‬ولم‬
‫عشر‪ ،‬وميم عشر»(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬ولن الهداية لن تحدث إل بفهم المراد من الخطاب كان‬
‫ب أَْنزَلْنَا ُه إِلَ ْيكَ‬
‫المر بتدبر القرآن لتحقيق المقصود من نزوله كِتَا ٌ‬
‫مُبَارَ ٌك لّيَدّّبرُوا آيَاتِ ِه وَلِيَتَ َذ ّك َر أُولُو اللْبَابِ [ص‪.]29 :‬‬
‫‪ ..‬ولن البعض قد ل يتيسر له وجود المصحف بجواره في‬
‫كل الوقات‪ ،‬ولن الصلة تتطلب قراءة القرآن كانت فضيلة‬
‫حفظه ‪ ..‬كله أو بعضه‪.‬‬
‫‪ ..‬إذن فهي منظومة متكاملة من الوسائل التي ُ‬
‫شرِعت‪،‬‬
‫وندب إليها لتحقيق الهدف العظيم من نزول القرآن يَا أَّيهَا النّاسُ‬
‫حمَةٌ ّل ْلمُ ْؤمِنِيَ [يونس‪:‬‬
‫قَ ْد جَاءَْتكُم مّ ْو ِعظَ ٌة مّن رّّبكُمْ َوشِفَا ٌء ّلمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى َو َر ْ‬
‫‪.]57‬‬
‫فكثرة قراءة القرآن‪ ،‬وتعلم أحكام تلوته‪ ،‬وترتيله‪ ،‬وحفظ‬
‫آياته‪ ،‬وتدبره‪ ،‬وقراءته بصوت مسموع وحزين‪ ..‬كل هذه وسائل‬
‫لتحقيق الهدف‪.‬‬
‫‪ ..‬معنى ذلك أن أهل القرآن هم أهل النتفاع به‪ ،‬والوصول‬
‫من خلله إلى الهدف الذي أنزل من أجله‪.‬‬
‫من هنا ندرك كلم ابن القيم‪ :‬أهل القرآن هم العالمون به‪،‬‬
‫والعاملون بما فيه‪ ،‬وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب‪ ،‬وأما من‬
‫حفظه ولم يفهمه‪ ،‬ولم يعمل بما فيه‪ ،‬فليس من أهله وإن أقام‬
‫حروفه إقامة السهم(‪.)2‬‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ‪ ،50‬وفي مجمع الزوائد (‪،)7/164‬‬
‫والدارمي (‪ )3316‬عن عبد الله بن مسعود‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ماذا يحدث لو نُسى الهدف؟!‬
‫‪ ..‬فإذا ما نُسى الهدف من نزول القرآن‪ ،‬وبالتالي لم يحدث‬
‫ربط الوسائل بهذا الهدف‪ ،‬فمن المتوقع أن يتعامل الكثير مع‬
‫النصوص الواردة في فضل وأهمية «الوسائل» (كفضل القراءة‬
‫والترتيل والحفظ وقراءة الليل‪ )..‬على أنها «غايات» و‬
‫«أهداف»‪.‬‬
‫فيُصبح هم المرء حفظ القرآن كهدف ومن ثم ل يُعطي‬
‫ما يُذكر للقراءة المتأنية الواعية المدركة لمعاني اليات‬
‫اهتما ً‬
‫فضل ً عن التأثر بها‪.‬‬
‫وينصرف الهم كذلك إلى تحصيل أكبر قدر من الحسنات من‬
‫ضا إلى استغراق‬
‫خلل القراءة السريعة‪ ،‬وينصرف الهم أي ً‬
‫الوقات في تعلم أحكام الترتيل والتعمق فيها‪ ،‬والتشديد على‬
‫المتعلمين في أمور قد ل تكون أساسية في الترتيل‪.‬‬
‫‪ ..‬كل ذلك وغيره من المتوقع أن يحدث لو نُسى الهدف من‬
‫نزول القرآن ‪..‬‬
‫ولقد حدث ذلك بالفعل ‪ ..‬نعم‪ ،‬لم يحدث ذلك بين يوم‬
‫وليلة‪ ،‬بل بدأ نسيان الهدف من نزول القرآن يحدث بالتدريج‬
‫بعد الجيل الول‪.‬‬
‫يقول عبد الله بن مسعود‪ :‬أُنزل القرآن ليُعمل به‪ ،‬فاتخذوا‬
‫دراسته عمل!!‬
‫إن أحدكم ليقرأ من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقط منه حرفا‪،‬‬
‫وقد أسقط العمل به(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬ويقول الحسن البصري‪ :‬إنكم اتخذتم قراءة القرآن‬
‫مراحل‪ ،‬وجعلتم الليل جمل‪ ،‬فأنتم تركبونه وتقطعون به‬
‫مراحله‪ ،‬وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم‪ ،‬فكانوا‬
‫يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار(‪.)2‬‬
‫وخير توصيف للحال مع القرآن حين ينُسى الهدف من نزوله‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() زاد المعاد لبن القيم ‪.1/338‬‬
‫() سبق تخريجه‪.‬‬
‫() لمحات النوار للغافقي ‪.3/1204‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪129‬‬

‫قول الحسن البصري‪:‬‬
‫إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان ل علم لهم بتأويله ولم‬
‫يأتوا المر من قِبَل أوله‪ ،‬قال الله عز وجل كِتَابٌ أَْنزَْلنَاهُ إَِل ْيكَ مُبَارَكٌ‬
‫لّيَدّّبرُوا آيَاتِهِ ‪.‬‬
‫وما تدبر آياته إل اتباعه لعلمه‪ ،‬والله يعلمه‪.‬‬
‫أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده‪ ،‬حتى إن‬
‫أحدهم ليقول‪ :‬قد قرأت القرآن كله فما أُسقط منه حرفا‪ ،‬وقد‬
‫أسقطه كله‪ ،‬ما بدا له القرآن في خلق ول عمل‪ ،‬حتى إن‬
‫أحدهم ليقول‪ :‬والله إني لقرأ السورة في نفس واحد‪.‬‬
‫والله ما هؤلء بالقراء ول العلماء ول الحكماء ول الورعة‪،‬‬
‫ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ ل كثر الله في الناس مثل‬
‫هذا(‪.)1‬‬

‫ويقول أبو شامة المقدسي‪:‬‬
‫لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز هِ َّ‬
‫ة إل في قوة‬
‫م ً‬
‫حفظه‪ ،‬وسرعة سرده‪ ،‬وتحرير النطق بألفاظه‪ ،‬والبحث عن‬
‫مخارج حروفه‪ ،‬والرغبة في حسن الصوت به‪.‬‬
‫وكل ذلك‪ -‬وإن كان حسنا – ولكن فوقه ما هو أهم منه‬
‫وأتم‪ ،‬وأولى‪ ،‬وأحرى‪ ،‬وهو فهم معانيه‪ ،‬والتفكر فيه‪ ،‬والعمل‬
‫بمقتضاه‪ ،‬والوقوف عند حدوده‪ ،‬وثمرة خشية الله تعالى من‬
‫حسن تلوته(‪.)2‬‬

‫ابن تيمية يؤكد على هدف نزول القرآن‪:‬‬
‫يقول ابن تيمية رحمه الله‪:‬‬
‫ول يخفى على أولى اللباب أن المقصود بنزوله اتباعه‪،‬‬
‫جعلوا من أهله‪ ،‬وأن‬
‫والعمل بما فيه‪ ،‬إذ العاملون به هم الذين ُ‬
‫المطلوب من تلوته تدبره‪ ،‬وفهم معانيه‪ ،‬لذلك أمر ال بترتيله‬
‫والترسل فيه ليتجلى أنوار البيان من مشارق تبصرته‪ ،‬ويتحلى‬
‫‪1‬‬

‫() أخرجه الفريابي في فضائل القرآن برقم (‪ ،)177‬ومحمد بن نصر في قيام‬
‫الليل‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() المرشد الوجيز ص ‪.193‬‬

‫‪130‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫بآثار اليمان من حقائق تذكرته(‪.)1‬‬

‫البنا يُذكِّر بالهدف‪:‬‬
‫ومن أقوال المام حسن البنا رحمه الله‪:‬‬
‫لم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد × ليكون‬
‫حتجب بها‪ ،‬أو أورادًا تُقرأ على المقابر وفي المآتم‪ ،‬أو‬
‫تميمة ي ُ‬
‫حمل أوراقًا‬
‫ليُكتب في السطور‪ ،‬ويحفظ في الصدور‪ ،‬أو لي ُ‬
‫ما ‪ ..‬وإنما نزل ليهدي‬
‫ما ويهُجر أحكا ً‬
‫ويُهمل أخلقًا‪ ،‬أو ليحفظ كل ً‬
‫ل نُورٌ َوكِتَابٌ مِّبيٌ َيهْدِي ِبهِ‬
‫البشرية إلى السعادة والخير قَدْ جَا َءكُم مّنَ ا ِ‬
‫خ ِر ُجهُم مّنَ ال ّظ ُلمَاتِ إِلَى النّو ِر بِِإذْنِهِ وََيهْدِيهِ ْم إِلَى صِرَاطٍ‬
‫سلَمِ وَُي ْ‬
‫الُ مَنِ اتَّبعَ ِرضْوَاَن ُه سُُبلَ ال ّ‬
‫(‪)2‬‬
‫ستَقِيمٍ [المائدة‪. ]16 ،15 :‬‬
‫مّ ْ‬

‫ويقول في نفس المعنى‪:‬‬
‫فليس المقصود من القرآن‪ :‬مجرد التلوة‪ ،‬أو التماس‬
‫البركة‪ ،‬وهو مبارك حقًا‪ ،‬ولكن بركته الكبرى في تدبره‪ ،‬وتفهم‬
‫معانيه ومقاصده‪ ،‬ثم تحقيقها في العمال الدينية والدنيوية على‬
‫السواء‪ ،‬ومن لم يفعل ذلك‪ ،‬واكتفى بمجرد التلوة بغير تدبر ول‬
‫عمل‪ ،‬فإنه يُخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن‬
‫ما‬
‫حذيفة ‪« :‬يا معشر القراء‪ :‬استقيموا فقد سبقتم سبقًا عظي ً‬
‫وإن أخذتم يمينًا وشمال ً لقد ضللتم ضلل ً بعيدًا»(‪.)3‬‬

‫هل نقرأ لنفهم أم نقرأ لنقرأ؟!‬
‫وللشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – كلم دقيق يؤكد هذا‬
‫المعنى‪ ،‬فيقول في كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟»‪« :‬حال‬
‫المسلمين مع القرآن الكريم تستدعى الدراسة المتعمقة‪ ،‬ذلك‬
‫أن المسلمين بعد القرون الولى‪ ،‬انصرف اهتمامهم بكتابهم‬
‫إلى ناحية التلوة‪ ،‬وضبط مخارج الحروف‪ ،‬واتقان الغُنن‬
‫مدود‪ ،‬وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على‬
‫وال ُ‬
‫ما ‪-‬أقصد أحكام التلوة‪ -‬لكنهم‬
‫تواتره كما جاءنا‪ ،‬أداءً وأحكا ً‬
‫بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم‪ ،‬صنعوا شيئًا ربما لم تصنعه المم‬
‫‪1‬‬

‫() قاعدة في فضائل القرآن ص ‪.54‬‬

‫‪2‬‬

‫() نظرات في كتاب الله ص ‪.34‬‬

‫‪3‬‬

‫() المصدر السابق ص ‪.88‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪131‬‬

‫الخرى ‪ ..‬فإن كلمة «قرأت» عندما يسمعها النسان العادي أو‬
‫يقولها‪ ،‬تعني‪ :‬أن رسالة جاءته أو كتابًا وقع بين يديه فنظر فيه‪،‬‬
‫وفهم المقصود منه ‪ ..‬فمن حيث الدللة ل أجد فكاكًا بين الفهم‬
‫والقراءة‪ ،‬أو بين السماع والوعي‪.‬‬
‫أما المة السلمية‪ ،‬فل أدري بأية طريقة فصلت بين التلوة‪،‬‬
‫وبين التدبر‪ ،‬فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة‪،‬‬
‫كما يقولون‪ ،‬وكأن ترديد اللفاظ دون حس بمعانيها‪ ،‬ووعي‬
‫لمغازيها‪ ،‬يفيد أو هو المقصود‪.‬‬
‫وعندما أحاول أن أتبين الموقف في هذا التصرف‪ ،‬أجد‬
‫أنه مرفوض من الناحية الشرعية‪ ،‬ذلك أن قوله تعالى‪:‬‬
‫ك ّليَ ّدبّرُوا آيَاِت ِه َوِلَيتَ َذكّرَ أُولُو الْلبَابِ [ص‪ ]29 :‬يعني‪:‬‬
‫ب َأنْ َزْلنَا ُه ِإَل ْيكَ ُمبَا َر ٌ‬
‫ِكتَا ٌ‬
‫الوعي والدراك والتذكر والتدبر‪ ..‬فأين التدبر؟ وأين التذكر‬
‫مع تلك التلوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس‬
‫بالمعنى‪ ،‬أو إدراك للمقصد» (‪..)1‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن ص ‪.27‬‬

‫‪132‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫رابعًا‪ :‬النشغال بفروع العلم والتبحر فيها‬
‫كان يحرص على عدم انشغال الصحابة بغير القرآن حتى‬
‫يتمكن القرآن في القيام بعمله على أكمل وجه‪..‬‬
‫ما تفخر به البشرية‬
‫وتوفى الرسول بعد أن ترك جيل ً عظي ً‬
‫حتى الن ‪..‬‬
‫ولقد كان أبناء هذا الجيل حريصون على تبليغ نفس الرسالة‬
‫لمن بعدهم‪ ،‬ولقد مر علينا سابقًا الكثير من المواقف التي تؤكد‬
‫هذا المعنى ‪..‬‬
‫ولكن بعد أن اتسعت الفتوحات‪ ،‬واختلط المسلمون‬
‫بالجناس الخرى وبما كانوا يحملونه من ثقافات حدث النبهار‬
‫بها والتفكير في نقلها وأسلمتها‪.‬‬
‫‪ ..‬هذا من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى فإن النشغال بتدوين‬
‫ما من الجيال التالية‬
‫الحديث‪ ،‬وتتبع رجاله استنفذ جهدا عظي ً‬
‫لجيل الصحابة‪.‬‬
‫‪ ..‬هذا العمل العظيم الذي قام به هؤلء العلماء الصالحون‬
‫كان ضروريًا لحفظ سنة رسول الله ‪ ،‬ولكن كان من الولى أل‬
‫يكون هذا العمل على حساب القرآن‪ ،‬بمعنى أن يسير الهتمام‬
‫بالحديث وتدوينه جنبًا إلى جنب مع الهتمام بالقرآن كمصدر‬
‫متفرد للهداية والتغيير‪ ،‬ولكن لم يحدث هذا على الوجه‬
‫المطلوب‪ ،‬وبدأ دور القرآن يتراجع قليل ً في النفوس‪ ،‬ولقد‬
‫تعالت صيحات من بينهم تنبههم لضرورة التوازن‪ ،‬حتى ل يكون‬
‫الهتمام بالحديث على حساب القرآن‪ ،‬ومن ذلك ما قاله المام‬
‫الشعبي لصحاب الحديث‪:‬‬
‫يا قوم! إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن(‪.)1‬‬
‫وليت المر قد اقتصر على الهتمام بالسنة‪ ،‬فالسنة هي صنو‬
‫حا‬
‫القرآن‪ ،‬وشارحة لما أجمل فيه‪ ،‬والذي يهتم بها اهتماًما صحي ً‬
‫فسيجدها تدعوه دوًما إلى النتفاع الحقيقي بالقرآن‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() مع القرآن وحملته في حياة السلف الصالح ص ‪ ،53‬نقل عن نزهة الفضلء‬
‫تهذيب سير أعلم النبلء ‪.3/582‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪133‬‬

‫وليت المر قد اقتصر كذلك على العلوم التي استقاها‬
‫العلماء من الكتاب والسنة والتي تُعرف الناس بربهم وبالطريق‬
‫الموصل لبلوغ رضاه وجنته‪ ،‬وبأحكامه التي افترضها عليهم‪،‬‬
‫وبما ينفعهم وبما يضرهم في الدارين‪.‬‬
‫‪ ..‬لم يقتصر المر على ذلك‪ ،‬بل بدأ التوسع في فروع العلم‬
‫المختلفة كعلوم اللة (النحو ‪-‬البلغة‪ -‬الصرف‪ )..‬والتي من‬
‫معينة لخدمة العلم الساسي النافع أل‬
‫المفترض أنها وسائل ُ‬
‫وهو معرفة الله عز وجل وما يحبه ويرضاه‪ ،‬ومعرفة أحكامه‪،‬‬
‫(‪)1‬‬
‫ومعرفة ما ينفع وما يضر‪.‬‬
‫‪ ..‬كل ذلك كان على حساب الهتمام بالقرآن‪.‬‬
‫ومما ساعد على النجراف في هذا المر النسيان التدريجي‬
‫للهدف من نزول القرآن‪ ،‬وعدم أخذ تحذيرات الصحابة مأخذ‬
‫الجد‪ ،‬واجتهاد البعض في تأويلها على أنها تعني فقط عدم خلط‬
‫القرآن بغيره وهو ل يزال غضا طريًا‪.‬‬

‫النبع لم يعد واحدًا‪:‬‬
‫إذن فتطور الفكر السلمي بهذا الشكل كان له مردود‬
‫سلبي على الهتمام بالقرآن‪ ،‬والدليل على ذلك أن المساحة‬
‫اتسعت بين الجيل الول والجيال المتتالية ‪ ..‬وفي هذا المعنى‬
‫يقول سيد قطب‪:‬‬
‫‪ ..‬كان هناك مقصد من رسول الله أن يقصر النبع الذي‬
‫يستقي منه ذلك الجيل – جيل الصحابة في فترة التكوين الولى‬
‫ على كتاب الله وحده‪ ،‬لتخلص نفوسهم له وحده‪ ،‬ويستقيم‬‫عودهم على منهجه وحده ‪ ..‬ومن ثم غضب أن رأى عمر بن‬
‫الخطاب يستقي من نبع آخر‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫() يقول ابن رجب في رسالة (فضل علم السلف على الخلف)‪ :‬أما ما أُحدث‬
‫ما‪ ،‬وظنوا أن من‬
‫بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علو ً‬
‫لم يكن بها عالما فهو جاهل أو ضال‪ ،‬فكلها بدعة‪ ،‬وهي من محدثات المور‬
‫المنهي عنها‪ ،‬فمن ذلك ما أحدثه المعتزلة من الكلم في القدر وضرب‬
‫المثال لله‪ ،‬وقد ورد النهي عن الخوض في القدر‪ ..‬ومن ذلك ما أحدثه‬
‫المعتزلة ومن حذا حذوهم من الكلم في ذات الله وصفاته بأدلة العقول‪،‬‬
‫وهو أشد خطًرا من الكلم في القدر‪ ،‬لن الكلم في القدر كلم في أفعاله‬
‫تعالى وهذا الكلم في ذاته وصفاته تعالى‪.‬‬
‫‪ ..‬وبعد أن عدَّد ابن رجب صوًرا كثيرة للعلوم المحدثة الغير نافعة قال‪:‬‬
‫وكل ذلك محدث ل أصل له‪ ،‬وصار ذلك علمهم حتى شغلهم ذلك عن العلم‬
‫النافع‪( .‬انظر ‪ :‬فضل علم السلف على الخلف من ص ‪.)33-24‬‬

‫‪134‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫كان رسول الله يريد صنع جيل خالص القلب‪ ،‬خالص‬
‫العقل‪ ،‬خالص التصور‪ ،‬خالص الشعور‪ ،‬خالص التكوين من أي‬
‫مؤثر آخر غير المنهج اللهي الذي يتضمنه القرآن الكريم‪.‬‬
‫ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده‪ ،‬فكان له في‬
‫التاريخ ذلك الشأن الفريد‪.‬‬
‫‪ ..‬ثم ما الذي حدث‪ ،‬اختلطت الينابيع! صبت في النبع الذي‬
‫استقت منه الجيال التالية فلسفة الغريق ومنطقهم وأساطير‬
‫الفرس وتصوراتهم‪ ،‬وإسرائيليات اليهود‪ ،‬ولهوت النصارى‪،‬‬
‫وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات‪.‬‬
‫واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم‪ ،‬وعلم الكلم‪ ،‬كما‬
‫ضا‪.‬‬
‫اختلط بالفقه والصول أي ً‬
‫وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الجيال بعد ذلك‬
‫الجيل‪ ،‬فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا‪.‬‬
‫‪ ..‬وما من شك أن اختلط النبع الول كان عامل ً أساسيًا من‬
‫عوامل الختلف البيَّن بين الجيال كلها‪ ،‬وذلك الجيل المتميز‬
‫الفريد(‪.)1‬‬
‫ليست دعوة لترك العلوم الخرى‪:‬‬
‫وليس المقصد من هذا الكلم هو الدعوة لترك العلوم‬
‫الخرى‪ ،‬والتراث الضخم الذي خلفته تلك الجيال في شتى‬
‫فروع الثقافة‪ ،‬والذي أفاد البشرية كلها‪ ،‬والذي استطاعت‬
‫أوروبا أن تستثمره خير استثمار في بناء نهضتها الحديثة‪.‬‬
‫‪ ..‬ليس هذا هو المقصد يقينًا‪.‬‬
‫بل المقصد من طرح هذا الموضوع دراسة السباب والعوامل‬
‫التي أدت إلى انزواء دور القرآن في أذهاننا إلى هذا الحد الذي‬
‫أصبحت فيه الصورة الذهنية المستدعاه عند الحديث عنه هي كيفية‬
‫استكمال حفظه؟‪ ..‬كيفية التبرك به وتحصيل الجر والثواب من‬
‫خلله؟!‬
‫والمقصد كذلك من طرح هذا الموضوع هو الدعوة لعادة‬
‫ترتيب الولويات‪ ،‬ووضع النتفاع الحقيقي بالقرآن على رأس‬
‫قائمة الرعاية والهتمام‪ ،‬ثم تأتي ال ُّ‬
‫سنَّة بعده‪ ،‬ثم سائر العلوم‬
‫‪1‬‬

‫() معالم في الطريق ص ‪.14 ،13‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪135‬‬

‫الخرى التي تخدم النسان وتنفعه في الدارين‪.‬‬
‫غيرة على القرآن ‪ ..‬ولكن!!‬
‫عندما انشغلت المة بالعلوم الخرى وتوسع العلماء في‬
‫فروع العلم‪ ،‬اشتدت غيرة بعض الصالحين على القرآن ففعلوا‬
‫أموًرا عجيبة ظنًا منهم أنهم بذلك يُرِغّبون المسلمين في‬
‫النكباب مرة أخرى على القرآن‪ ،‬فجاءت للسف بنتيجة‬
‫عكسية‪.‬‬
‫ومن أبرز هذه المور هي‪ :‬وضع أحاديث في فضائل القرآن‪،‬‬
‫وفضائل سوره ليس لها أي أصل ‪.‬‬
‫‪ ..‬ذكر المام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم‬
‫القرآن)‪ :‬أنه قيل لنوح بن أبي مريم‪ :‬من أين لك عن عكرمة‬
‫عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟!‬
‫فقال‪ :‬إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا‬
‫بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق‪ ،‬فوضعت هذه‬
‫الحاديث حسبة(‪.)1‬‬
‫يقول د‪ .‬مصطفى السباعي – رحمه الله – إن من أسباب‬
‫وضع الحاديث‪ :‬الجهل بالدين مع الرغبة في الخير‪.‬‬
‫وهو صنيع كثير من الزهاد والعباد والصالحين‪ .‬فقد كانوا‬
‫يحتسبون وضعهم للحاديث في الترغيب والترهيب‪ ،‬ظنًا منهم‬
‫أنهم يتقربون إلى الله‪ ،‬ويخدمون دين السلم؛ ويحببون الناس‬
‫في العبادات والطاعات‪ ،‬ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكَّروهم‬
‫بقوله ‪« :‬من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»(‪.)2‬‬
‫قالوا‪ :‬نحن نكذب له ل عليه‪ .‬وهذا كله من الجهل بالدين‬
‫وغلبة الهوى والغفلة‪ ،‬ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل‬
‫حديث فضائل القرآن سورة سورة‪ ،‬فقد اعترف بوضعه نوح بن‬
‫أبي مريم‪ ،‬واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن‬
‫واشتغلوا بفقه أبي حنيفة‪ ،‬ومغازي ابن إسحاق(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() البرهان في علوم القرآن للزركشي ص ‪.290‬‬
‫() متفق عليه‪.‬‬
‫() السنة ومكانتها في التشريع ص ‪.87‬‬

‫‪136‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫في كم يُختم القرآن؟!‬
‫ومن الخبار التي دُست كذلك لتحفيز الناس لكثرة قراءة‬
‫القرآن تلك التي تتناول هَدْى بعض السلف في ختم القرآن‪..‬‬
‫فمن المعلوم أن رسول الله لم يُجز لحد من الصحابة أن‬
‫يقرأ القرآن في أقل من ثلث‪.‬‬
‫فهذا عبد الله بن عمرو يقول‪ :‬جمعت القرآن فقرأت به في‬
‫كل ليلة‪ ،‬فبلغ ذلك النبي ‪ ،‬فقال لي‪« :‬اقرأ به ف كل شهر» فقلت‪:‬‬
‫أي رسول الله‪ ،‬دعني أستمتع من قوتي وشبابي‪ ،‬قال‪« :‬اقرأ به ف‬
‫كل عشرين»‪ ،‬قلت‪ :‬أي رسول الله‪ ،‬دعني أستمتع من قوتي‬
‫وشبابي‪ ،‬فقال‪« :‬اقرأ به ف كل عشر»‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬دعني‬
‫أستمتع من قوتي وشبابي‪ ،‬قال‪« :‬اقرأ به ف كل سبع»‪ ،‬قلت‪ :‬أي‬
‫رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي‪ ،‬فأبى»(‪.)1‬‬
‫وفي رواية‪« :‬ل يفقهه من يقرؤه ف أقل من ثلث»(‪ .)2‬فالمر واضح‪،‬‬
‫فالعقل والقلب ل يتحملن استيعاب القرآن كله – فهما وتجاوبا‬
‫– في أقل من ثلث‪ ،‬على الغالب‪.‬‬
‫‪ ..‬يقول أبو الطيب محمد شمس الحق آبادي في تعليقه‬
‫على هذا الحديث‪ :‬وهذا نص صريح في أنه ل يختم القرآن في‬
‫أقل من ثلث(‪.)3‬‬
‫وعن ابن مسعود قال‪ :‬اقرأوا القرآن في سبع ول تقرأوه‬
‫في أقل من ثلث(‪.)4‬‬
‫وكان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من‬
‫ثلث(‪.)5‬‬
‫‪1‬‬

‫() رواه النسائي في فضائل القرآن‪ ،‬وأحمد في مسنده (‪ )199‬وابن ماجه (‬
‫‪.)1346‬‬

‫‪2‬‬

‫() أخرجه المام أحمد‪ ،‬وأورده اللباني في السلسلة الصحيحة ح (‪.)1513‬‬

‫‪3‬‬

‫() عون المعبود ‪.4/187‬‬

‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫() أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح‪.‬‬
‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.179‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪137‬‬

‫وفي يوم من اليام قال النبي لصحابه‪« :‬أيعجز أحدكم أن يقرأ‬
‫ثلث القرآن ف ليلة»‪ ،‬فشق ذلك عليهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬أينا يطيق ذلك يا‬
‫رسول الله؟! فقال‪« :‬ال الواحد الصمد ثلث القرآن» (سورة الخلص)‬
‫(‪.)1‬‬
‫فإجابة الصحابة تدل على استصعابهم قراءة ثلث القرآن‬
‫في ليلة‪ ،‬لنهم يعلمون حقوق القراءة‪.‬‬
‫‪ ..‬إن جملة الحاديث الصحيحة التي وردت عن النبي‬
‫خص‬
‫مسألة الحد الدنى لختم القرآن تؤكد على أنه لم يُر ِّ‬
‫لحد ختمه في أقل من ثلثة أيام‪.‬‬

‫في‬

‫فإن قلت بأن عثمان بن عفان كان يقرأ القرآن في ركعة‪.‬‬
‫لجاءك الجواب بأن هذا الثر قد ضعَّفه الترمذي‪ ،‬وأقر اللباني‬
‫ذلك التضعيف فقال‪ :‬ولقد أحسن المام الترمذي برواية هذا‬
‫الخبر والذي بعده (خبر عثمان بن عفان‪ ،‬وخبر سعيد بن جبير)‬
‫بصيغة التضعيف‪ ،‬لن الركعة مهما طالت ل يمكن أن يقرأ فيها‬
‫القرآن الكريم كامل‪ ،‬فضل عما في ذلك من مخالفته لسنة‬
‫رسول الله في الركوع والسجود والقيام‪ ،‬وحاشا لسيدنا‬
‫عثمان أن يفعل مثل ذلك(‪.)2‬‬
‫وقال الشيخ عبد القادر الرناؤوط‪ :‬أقول‪ :‬هذا هو الصواب‬
‫الموافق للسنة(‪.)3‬‬
‫حمل خبر عثمان بن عفان وأمثاله كما يقول ابن‬
‫وقد ي ُ‬
‫كثير‪ :‬إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم‪ ،‬أو أنهم‬
‫كانوا يفقهون ويتفكرون فيما يقرأونه مع هذه السرعة والله‬
‫سبحانه وتعالى أعلم(‪.)4‬‬
‫فإذا ما نظرنا إلى كتب فضائل القرآن نجد في أغلبها أخباًرا‬
‫عجيبة عن بعض السلف بأن فلنًا كان يختم في رمضان ستين‬
‫ختمة‪ ،‬وآخر كان يختم ختمة فيما بين الظهر والعصر‪ ،‬ويختم‬
‫‪1‬‬

‫() رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() ضعيف الترمذي لللباني ص ( ‪.)357‬‬

‫‪3‬‬

‫() هجر القرآن ص ‪.67‬‬

‫‪4‬‬

‫() فضائل القرآن لبن كثير ص ‪.65‬‬

‫‪138‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ختمة أخرى فيما بين المغرب والعشاء‪ ،‬وآخر كان يختم بالنهار‬
‫أربع ختمات‪ ،‬وبالليل أربع ختمات(‪.)1‬‬
‫وأكثر من هذا وأكثر‪ ،‬ومن ل يصدق هذا الكلم فعليه بالنظر‬
‫في كتب فضائل القرآن ليتأكد بنفسه‪ .‬فهل هذا كلم يُعقل؟!‬
‫هل يمكن لحد أن يختم القرآن بين صلتي المغرب‬
‫والعشاء؟!‬
‫إن متوسط المسافة الزمنية بين انتهاء صلة المغرب حتى‬
‫صلة العشاء تقرب من ساعة من الزمن‪ ،‬أي أنه كان يقرأ كل‬
‫جزء من القرآن في دقيقتين!!!‬
‫‪ ..‬هذه الخبار وغيرها‪ ،‬مهما قيل في صحتها أو عدم صحتها‪،‬‬
‫فهي أولً‪ :‬تخالف الهدى النبوي‪ ،‬ثانيًا‪ :‬تصطدم مع قوله تعالى‪:‬‬
‫ّلَيدّبّرُوا آيَاِتهِ [ص‪ :]29 :‬ثالثًا‪ :‬ل يمكن تصديقها مهما ادعى البعض‬
‫وجود بركة في الوقت عندهم(‪ ..)2‬ولعل السبب وراء تناقل هذه‬
‫الثار ‪-‬دون التثبت من صحتها‪ -‬هو استثارة همم المسلمين في‬
‫النكباب على القراءة‪ ،‬والنشغال بها‪.‬‬
‫وللسف جاءت هذه الخبار بنتيجة عكسية‪ ،‬وازداد الحرص‬
‫على القراءة لمجرد القراءة‪ ،‬وخمدت الدعوة لتفهم القرآن‬
‫وتدبره والتأثر به‪ ،‬وقد ظهر هذا الحرص بصورة واضحة في‬
‫شهر رمضان‪ ،‬وجميعنا يعرف ما يحدث في هذا الشهر من‬
‫تسارع وتنافس بين الناس في عدد الختمات‪ ،‬دون أي التفات‬
‫إلى تدبر أو تأثر‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() انظر فضائل القرآن لبن كثير‪ ،‬والتبيان للنوي‪ ،‬وفضائل القرآن لبي عبيد‬
‫لتجد الكثير من هذه الخبار‪.‬‬
‫() وهل لم يكن عند الصحابة بركة في الوقت حين شق عليهم قراءة ثلث‬
‫القرآن في ليلة؟!!‪.‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪139‬‬

‫سا‪ :‬غياب أثر القرآن‬
‫خام ً‬
‫ومن العوامل التي أدت إلى ضعف اليمان بالقرآن غياب‬
‫أثره في حياة الكثير من المنشغلين به‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬هناك نماذج قرآنية تظهر بين الحين والخر‪ ،‬ولكن‬
‫نسبتها قليلة بالمقارنة بالمجموع‪.‬‬
‫وعندما يرى عموم الناس أن أخلق غالبية أهل القرآن ل‬
‫تختلف عن أخلق غيرهم‪ ،‬بل على العكس فقد يروا من‬
‫البسطاء أخلقًا وسلوكيات قد ل يجدوها من المنشغلين بالقرآن‬
‫‪ ..‬فإن هذا من شأنه أن يؤثر على نظرتهم للقرآن تأثيًرا سلبيًا‪،‬‬
‫لتزداد مكانته انحصاًرا في النفس‪،‬ويدخل في نطاق التقديس‬
‫الشكلي المحض‪.‬‬
‫فإذا ما حدثتهم عن ضرورة النتفاع بالقرآن كما انتفع به الجيل‬
‫الول‪ ،‬قفزت إلى أذهانهم المثلة التي يعرفونها ويحتكون بها من‬
‫المنشغلين بالقرآن‪ ،‬و التي ل يرون فيها النماذج الصحيحة‪ ،‬لذلك فإن‬
‫كلماتك – في الغالب – لن تجد لها صدىً إيجابيًا في نفوسهم‪.‬‬
‫‪ ..‬والمثلة على هذا الكلم موجودة في كل مكان – إل من‬
‫رحم الله – وسنكتفي في هذه الصفحات بعرض رسالة نُشرت في‬
‫مجلة «الزهور» المصرية‪ ،‬وهي تُعبر عن وضع مؤلم نعيشه‪ ،‬فيه‬
‫الكثير من المتناقضات بين القول والفعل‪ ،‬والواجب والواقع‪..‬‬
‫وعنوان الرسالة هو‪:‬‬

‫النصف الهارب!‬
‫حا عندما اختارها هي من بين كل‬
‫كادت الفتاة أن تطير فر ً‬
‫الفتيات‪ ،‬وتقدم لخطبتها‪ ..‬تخيلت حياتها معه فرقص قلبها‪.‬‬
‫وشعرت بأنها امتلكت الدنيا‪ ،‬والخرة معًا‪ ،‬فالشاب يحفظ‬
‫القرآن كاملً‪ ،‬ويخطب الجمعة في مسجد الحي‪ .‬ول يفوته‬
‫فرض في جماعة‪ ،‬ولن تكون حياتها معه إل جنة على الرض‬
‫ترفرف عليها ملئكة الطاعة والسعادة‪ ،‬ول يعرف الشقاق لها‬
‫طريقًا‪.‬‬
‫وعندما طلبت أم الفتاة من زوجها أن يسأل عن الشاب‬
‫أجابها بابتسامة عريضة‪ :‬يا حا َّ‬
‫جة أسأل على من؟! توكلي على‬
‫الله فالرجل تسبقه سيرته‪ ،‬وعلمة الصلة التي تزين جبهته!‬

‫‪140‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ما‪،‬‬
‫وتم الزواج سريعًا بعد خطبة قصيرة‪ ،‬وعقد لم يتجاوز أيا ً‬
‫ودخلت الفتاة جنتها‪ ،‬أو ما كانت تظنه جنة! ففي البيت‬
‫المشترك‪ ..‬وفي ظل ستر الجدران والسقف سقطت القنعة‪،‬‬
‫وظهر الوجه الحقيقي المخيف للزوج‪ ،‬ووجدت الفتاة نفسها في‬
‫كنف من ل يرعى فيها إل ًّ ول ذمة‪ ،‬فالجبين المزدان بسيمة‬
‫ما‪ ،‬واللسان الرطب بالذكر ل يخاطبها إل‬
‫السجود مقطب دائ ً‬
‫بسوء‪ ،‬والوجه الذي شدها نوره يشيح عنها كلما تحدثت إليه أو‬
‫سألته شيئًا‪ ،‬وتطور المر أكثر؛ فإذا باليدين اللتين طالما ارتفعتا‬
‫بتكبيرة الحرام توجهان إليها اللكمات إذا احتد الخلف بينهما‪،‬‬
‫والقدمين اللتين كم مشتا إلى المساجد تركلن أي شيء في‬
‫طريقهما عندما يغضب!‬
‫انسحبت الفرحة وحلوة التوقع من نفس الفتاة؛ لتخليا‬
‫مكانهما للصدمة ومرارة الواقع‪ ،‬والحساس القاسي بالخديعة‪..‬‬
‫كانت تسترجع كلماته عن البيت المسلم‪ ،‬وتقارنها بأفعاله‪،‬‬
‫فتهز رأسها غير مصدقة‪ ..‬تتذكر ما قاله عن صلة الرحم‪ ،‬وكيف‬
‫يكون البيت قبلة‪ ،‬وتقيسها إلى فظاظته مع ذوى قرباه‪ ،‬وسوء‬
‫استقباله لقاربها‪ ،‬فتكاد أن تجن! تتأمله وهو يطيل صلة‬
‫النوافل فتشعر أنها أمام ملك‪ ،‬فإذا خرج من صلته شعرت بأنه‬
‫يخلع ثوبه ليرتدي ثوب إنسان ل يظن من يتعامل معه أنه ركع‬
‫مرة في حياته!‬
‫عاتبته ‪ ..‬فتذرع بالقوامة‪ ،‬حا َّ‬
‫جته بالقرآن والسنة فاتهمها‬
‫بالتفلسف وسوء الدب‪ ،‬سألته التحكيم فرفض بإباء‪ ،‬وأكد أنه‬
‫غير مخطئ‪ ..‬شكته إلى أبيها فاتهمها بالمبالغة‪ ،‬والساءة إلى‬
‫الرجل الطيب «ال ُّ‬
‫سكرة» على حد تعبيره!‬
‫فضفضت مع أمها‪ ،‬فقالت بانزعاج‪ :‬صحيح‪« ..‬حسبناه‬
‫موسى فكان فرعون»‪ ،‬ثم أردفت بأسى‪ :‬ولكن اصبري يا‬
‫ابنتي‪ ،‬وأجرك على الله‪.‬‬
‫وعندما تيقن الب من صدق ابنته‪ ،‬لم يستطع أن يواجه‬
‫نظرات زوجته اللئمة‪ ،‬وهي تقول له‪ :‬قلت لك‪ :‬اسأل عنه يا‬
‫حاج!‬
‫وتمر الشهور والسنوات والزوج ل يستجيب لنصح‪ ،‬ول يقبل‬
‫مراجعة‪ ،‬ول ينحني للحق!‬
‫أعيت الب الحيل‪ ..‬ونفض الوسطاء أيديهم بعدما فقدوا‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪141‬‬

‫ما للصغير‬
‫المل ‪ ..‬ولم تملك الم إل البكاء ومحاولة التصبر إكرا ً‬
‫الذي رزقت به ابنتها‪.‬‬
‫وبقيت البنة تتجرع مرارة حياة كريهة‪ ،‬والب يأكله الندم‪،‬‬
‫والم تعشش في قلبها الفرحة المكسورة‪ ،‬والرجل كما هو‪،‬‬
‫يتلو القرآن بصوت رخيم جميل‪ ،‬بينما تنزوى هي في ركن قصى‬
‫لئذة بإذاعة القرآن الكريم يتداخل في سمعها صوت تلوة‬
‫زوجها وصوت مذيع يتحدث عن أسس اختيار الزوج‪ ،‬مستشهدًا‬
‫بحديثه ‪« :‬إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه‪ ،‬إل تفعلوا تكن فتنة ف الرض‬
‫وفساد كبي»‪.‬‬
‫تنهمر دموعها وتضم كفيها بأسى‪ ،‬قابضة على الفراغ‪،‬‬
‫متسائلة عن نصف معادلة الختيار الذي يسكن بيتها‪ ،‬والنصف‬
‫(‪)1‬‬
‫الخر الذي فر‪ ،‬ول تدري إلى أين؟!‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() مجلة الزهور العدد ‪ 78‬السنة السابعة – ربيع الخر ‪ 1428‬هـ مايو ‪2007‬م‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫سا‪ :‬كيد الشيطان‬
‫ساد ً‬
‫إن إبليس – الذي أقسم بعزة الله بأن يعمل على غواية‬
‫البشر وسوقهم معه إلى النار – ما كان ليترك هذه المة ليلتقي‬
‫أبناؤها بالقرآن فيتزودوا منه باليمان‪ ،‬وبالتالي يتحصنون من‬
‫كيده‪ ،‬ويلتزمون صراط الله المستقيم‪ ،‬فيدخلون الجنة‪.‬‬
‫وكيف يتركهم وقد رأى التأثير العظيم الفذ للقرآن على جيل‬
‫الصحابة‪ ،‬ومن ثَّم فإن استمرار وجود القرآن بين المسلمين‬
‫من شأنه أن يُفسد مخططاته‪ ،‬ويغلق البواب أمامه‪.‬‬
‫وفي الوقت ذاته فإن الشيطان ل يمكنه تحريف القرآن لن‬
‫الله عز وجل قد تكفل بحفظه إِنّا َنحْ ُن َنزّلْنَا ال ّذ ْكرَ وَإِنّا َلهُ َلحَا ِفظُونَ‬
‫[الحجر‪.]9 :‬‬
‫ول يمكنه كذلك دعوة المسلمين لنبذ كتابهم وإبعاده من‬
‫بينهم لنه رسالة نبيهم‪.‬‬
‫فماذا فعل الشيطان مع القرآن؟!‬
‫استطاع الشيطان أن يستدرج المسلمين‪ ،‬ويبعدهم شيئًا‬
‫فشيئًا عن النتفاع الحقيقي بالقرآن‪ ،‬وفي الوقت ذاته تركهم‬
‫يتصلون بالقرآن‪ ،‬ويتعاملون معه ولكن من الناحية الشكلية‪.‬‬
‫‪ ..‬فيجتمع له بذلك أمران‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن يصبح القرآن موجودًا بين المسلمين من الناحية‬
‫الشكلية اللفظية‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬أن يكون غائبًا من الناحية الحقيقية الجوهرية‪.‬‬
‫فيخمد باجتماع هذين المرين أي تأنيب للضمير في نفوس‬
‫المسلمين بهجر كتابهم‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م ل يمكن لحد أن يفكر بأن‬
‫القرآن بات غائبًا مهجوًرا‪.‬‬
‫فعندما تنتشر المصاحف في كل مكان‪ ،‬وتبث الذاعات آياته‬
‫ليل نهار‪ ،‬وتُخّرِج المدارس والحلقات والكليات عشرات اللف‬
‫من حفاظه‪ .‬وينك َ ُّ‬
‫ب المسلمون على قراءته في رمضان‪،‬‬
‫ويتنافسون على ختمه مرات ومرات بُغية تحصيل أكبر قدر من‬
‫الحسنات‪..‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪143‬‬

‫عندما يكون هذا وغيره من مظاهر الهتمام الشكلي‬
‫بالقرآن هو السائد بيننا‪ ،‬فإن الدعوة إلى العودة الحقيقية إليه‪،‬‬
‫والنتفاع بمعجزته‪ ،‬وقدرته الفذة على إنشاء اليمان والتغيير لن‬
‫تجد آذانا مصغية بين المسلمين‪ ،‬بل سيصبح من المتوقع أن‬
‫يقال لصاحب هذه الدعوة‪ :‬وماذا عسانا أن نفعل مع القرآن‬
‫أكثر مما نفعل؟! أل يكفي هذا الجهد المبذول معه؟!‬

‫تلبيس إبليس‪:‬‬
‫حا كبيًرا في استدراج المة وإبعادها‬
‫لقد نجح الشيطان نجا ً‬
‫عن النتفاع الحقيقي بالقرآن‪ ،‬وهذا لم يتم في يوم وليلة‪ ،‬بل‬
‫جا هادئًا بطيئًا عبر القرون المتعاقبة حتى وصل إلى‬
‫كان استدرا ً‬
‫الحال الذي وصل إليه الن‪.‬‬
‫وكانت أبوابه الرئيسة التي يدخل منها على المسلمين هي‬
‫باب الجهل‪ ،‬وباب الهوى‪ ،‬ومن كل منهما تتفرع أبواب كثيرة‬
‫تناسب كل الحالت‪ ،‬وتؤدي في النهاية إلى تحقيق هدفه‪.‬‬
‫والجدير بالذكر أن الشيطان ليس له سلطان مباشر على‬
‫أحد من الناس‪ ،‬ولكن عندما تصادف وسوسته هوى في النفس‪،‬‬
‫أو جهل بالمر فمن المتوقع أن تتم الستجابة لها‪.‬‬
‫فالجهل بقيمة القرآن الحقيقية‪ ،‬والهدف من نزوله‪ ،‬كان له‬
‫دور كبير في الستجابة لوساوس الشيطان في هذا الباب‪.‬‬
‫أما الهوى فله أفرع كثيرة يمكن أن تُغذَّيه من خلل التعامل‬
‫صدُّر‬
‫الشكلي مع القرآن منها‪ :‬التقدم على الناس بحفظه‪ ،‬وت َ َ‬
‫حرفة و‪....‬‬
‫المجالس لتعليم حروفه‪ ،‬والمباهاة بإتقانه‪ ،‬واتخاذه ِ‬
‫ي الجهل والهوى كثيرة ومتعددة‬
‫فالبواب المتفرعة من باب َ ْ‬
‫وكلها تؤدي إلى عدم النتفاع الحقيقي بالقرآن‪.‬‬

‫ليس وحده‪:‬‬
‫ومما تجدر الشارة إليه أن العوامل والسباب – السابق‬
‫ذكرها – قد ساعدت الشيطان في الوصول لهدفه‪ ،‬وإبعاد غالبية‬
‫المة عن النتفاع الحقيقي بالقرآن‪.‬‬
‫فالصورة الموروثة‪ ،‬وطول اللف‪ ،‬ونسيان الهدف من نزول‬
‫القرآن‪ ،‬والنشغال بفروع العلم على حساب القرآن‪ ،‬وعدم‬
‫ظهور آثار سلوكية إيجابية للكثير من المشتغلين بالقرآن ‪..‬‬

‫‪144‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫كل هذا سهل على الشيطان مهمته‪..‬‬

‫الشيطان ملحاح بطئ اليأس‪:‬‬
‫إن هدف الشيطان هو إبعاد كل فرد في المة عن النتفاع‬
‫الحقيقي بالقرآن‪ ،‬لذلك فهو في البداية يجتهد في الحيلولة دون‬
‫قراءة المسلم للقرآن‪ ،‬إما بالتسويف‪ ،‬أو بإشغاله بأمر آخر‪.‬‬

‫فإن قرأ بالفعل دخل عليه من مداخل متعددة‪:‬‬
‫‪ ..‬مدخل التعب والنعاس‪.‬‬
‫‪ ..‬مدخل تحصيل أكبر قدر من الحسنات ليدفع القارئ‬
‫للقراءة السريعة غير المتدبرة‪.‬‬
‫‪ ..‬مدخل شرود الذهن مع بعض الكلمات‪.‬‬
‫‪ ..‬مدخل تذكيره بأمر من أمور الدنيا التي ينبغي عليه القيام‬
‫بها ليترك القراءة‪.‬‬
‫‪ ..‬مدخل الهتمام الشديد بمخارج الحروف وإتقان التلوة‪.‬‬
‫‪ ..‬مدخل تخويفه من تدبر القرآن‪..‬‬
‫يقول ابن هبيرة‪ :‬ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن‬
‫تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر‪ ،‬فيقول‪ :‬هذه‬
‫مخاطرة‪ ،‬حتى يقول النسان‪ :‬أنا ل أتكلم في القرآن تورعًا(‪.)1‬‬

‫ويقول أبو حامد الغزالي في حديثه عن موانع فهم‬
‫القرآن‪:‬‬
‫أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من‬
‫مخارجها‪ ،‬وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن‬
‫فهم معاني كلم الله عز وجل‪ ،‬فل يزال يحملهم على ترديد‬
‫الحرف ي ُ َّ‬
‫خيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه‪ ،‬فهذا يكون تأملهم‬
‫مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟‬
‫(‪)2‬‬
‫وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() تدبر القرآن للسنيدي ص ‪ ،48‬نقل ً عن ذيل طبقات الحنابلة لبن رجب (‬
‫‪.)3/273‬‬

‫‪2‬‬

‫() إحياء علوم الدين ‪.440 ،1/439‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪145‬‬

‫(ومن تأمل هدى رسول الله ‪ ،‬وإقراره كل لسان على‬
‫قراءتهم تبين له أن التنطع‪ ،‬والتشدق‪ ،‬والوسوسة في إخراج‬
‫الحروف ليس من سنته(‪.)1‬‬

‫المعركة الحاسمة‪:‬‬
‫بهذه المداخل السابقة وغيرها‪ ،‬استطاع الشيطان أن يحقق‬
‫مراده‪ ،‬ويُبعد المة عن جوهر القرآن‪ ،‬وعن وظيفته المتفردة‬
‫في إحداث التغيير المتكامل للشخصية المسلمة‪.‬‬
‫فمنذ أن نزل القرآن من السماء‪ ،‬أصبحت أهم معركة‬
‫للشيطان مع المسلمين هي إبعادهم عن دائرة تأثير هذا الكتاب‬
‫ليسهل عليه إضللهم وإبعادهم عن الصراط المستقيم‪.‬‬
‫ومن العجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله عز وجل أن‬
‫نستعيذ به‪ ،‬ونطلب حمايته لنا من الشيطان‪ ،‬قبل القيام بها‪:‬‬
‫ذ بِالِ ِمنَ الشّ ْيطَانِ ال ّرجِيمِ [النحل‪:‬‬
‫هي قراءة القرآن فَِإذَا َقرَْأتَ الْ ُقرْآنَ فَاسْتَعِ ْ‬
‫‪.]98‬‬
‫فمن المعلوم أنه قبل أن يشرع المرء في الذكر أو الصيام‬
‫أو إخراج الصدقة‪ ،‬فإنه غير مأمور بأن يستعيذ بالله من‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫فلماذا قراءة القرآن دون غيرها من العبادات؟!‬
‫أليس في هذا المر دللة على أن الشيطان يجتهد ويجتهد‬
‫في إبعاد الناس عنه‪ ،‬والحيلولة دون انتفاعهم به‪ ،‬وذلك لنه‬
‫يعلم بقيمة القرآن‪ ،‬وقدرته الفذة على التغيير والشفاء!!‬
‫من هنا يتبين لنا حكمة الستعاذة بالله وطلب حمايته قبل‬
‫بدء القراءة‪ ،‬فالشيطان لن يترك أحدًا ينتفع بالقرآن‪ ،‬ول أمل‬
‫أمامنا إل بالستعانة بالله عليه‪.‬‬
‫ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم بقوله‪:‬‬
‫جله‪ ،‬حتى يشغله‬
‫جلِب على قارئه بخيله وَر ْ‬
‫إن الشيطان ي ُ ْ‬
‫عن المقصود بالقرآن‪ ،‬وهو تدبره وتفهمه‪ ،‬ومعرفة ما أراد به‬
‫المتكلم ‪-‬سبحانه ‪ -‬فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه‬
‫وبين مقصود القرآن‪ ،‬فل يكمل انتفاع القارئ به‪ ،‬فأُمر عند‬
‫‪1‬‬

‫() إغاثة اللهفان ‪.1/254‬‬

‫‪146‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الشروع أن يستعيذ بالله منه(‪.)1‬‬
‫ولعلنا بذلك نُدرك سر شكوى الكثيرين من أنهم حين‬
‫يشرعون في قراءة القرآن يفاجأون بخواطر وأفكار لم تكن‬
‫تأتيهم من قبل‪ ،‬فيشرد ذهنهم معها‪ ،‬ويستَغرقون فيها استغراقاً‬
‫ما‪.‬‬
‫تا ً‬
‫ونُدرك كذلك سر شكوى البعض من أن الرغبة في النوم‬
‫تسيطر عليه‪ ،‬بل ويغلبه النعاس كلما شرع في قراءة القرآن‪.‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬

‫() إغاثة اللهفان ‪.1/149‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪147‬‬

‫ساب ًعا‪ :‬مفاهيم وممارسات ساهمت في عدم النتفاع‬
‫بالقرآن‬
‫كان للسباب السابق ذكرها دور كبير في انزواء قيمة‬
‫القرآن في الذهان‪ ،‬وضعف الثقة فيه‪ ،‬وقصر دوره على التبرك‬
‫وافتتاح الحفلت والمناسبات‪ ،‬والقراءة في المآتم‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من صور الهتمام الشكلي بالقرآن‪.‬‬
‫فعندما يغيب الهدف من نزول القرآن‪..‬‬
‫وعندما تتوارث الجيال المتتابعة التقديس الشكلي للقرآن‪..‬‬
‫وعندما ل يرى الناس أثًرا إيجابيًا في سلوك غالبية‬
‫المنشغلين بالقرآن‪.‬‬
‫وعندما تكون معركة الشيطان الولى مع المسلمين هي إبعادهم‬
‫عن النتفاع بالقرآن‪..‬‬
‫فماذا ننتظر أن تكون ثمرة هذا كله؟!‬
‫للسف ثمار كثيرة ولكنها مريرة ‪..‬‬
‫فقد غاب القرآن عن قيادة الحياة ‪..‬‬
‫ولم تقر العين بظهور الجيل القرآني الرباني ‪..‬‬
‫وأصبحت المة في الذلين‪..‬‬
‫‪ ..‬هذا بصفة عامة‪.‬‬
‫أما على مستوى الفراد فقد أثمرت هذه المور العديد من‬
‫المفاهيم والممارسات التي أدت إلى إضعاف قيمة القرآن‬
‫الحقيقية في النفوس أكثر وأكثر‪.‬‬
‫هذه المفاهيم والممارسات – التي تحتاج إلى تصحيح – ما‬
‫كانت لتظهر بهذا الشكل لو تم التعامل مع القرآن على أنه قد‬
‫نزل من السماء لمهمة عظيمة أل وهي هدايتنا إلى الله ‪،‬‬
‫والخذ بنا إلى صراطه المستقيم‪.‬‬
‫فعندما نُسى الهدف‪ ،‬تم التعامل مع الوسائل المعينة على‬
‫الوصول إليه على أنها أهداف في ذاتها‪.‬‬
‫ولقد تم الحديث – بفضل الله – عن بعض هذه المفاهيم‬
‫والممارسات في كتاب (العودة إلى القرآن لماذا وكيف؟)‬

‫‪148‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫فصل‪ :‬عقبات في طريق العودة‪ ،‬وكتاب (إنه القرآن سر‬
‫نهضتنا) فصل‪ :‬تساؤلت وردود‪.‬‬
‫وفي هذه السطر نستكمل – بعون الله – طرح تلك‬
‫المفاهيم والممارسات‪.‬‬

‫الخوف من تدبر القرآن واللقاء المباشر به‪:‬‬
‫الله عز وجل أنزل القرآن لهدايتنا جميعًا َشهْرُ َرمَضَانَ الّذِي ُأْن ِزلَ‬
‫فِيهِ الْ ُقرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ اْلهُدَى وَالْ ُفرْقَانِ [البقرة‪.]185 :‬‬
‫أنزله سبحانه لهدايتنا وهو يعلم حالنا وكل صور الضعف لدينا‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ [الفرقان‪.]6 :‬‬
‫سرّ فِي ال ّ‬
‫ُق ْل أَنزَلَهُ الّذِي يَ ْعلَمُ ال ّ‬
‫ولقد طالبنا سبحانه بتدبر القرآن لنصل إلى هدايته كِتَابٌ‬
‫أَْنزَلْنَا ُه إِلَ ْيكَ مُبَارَ ٌك لّيَدّّبرُوا آيَاتِهِ َولِيَتَ َذ ّك َر أُولُو اللْبَابِ [ص‪.]29 :‬‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬التدبر المطلوب على حسب الطاقة‪ ،‬والحد الدنى‬
‫لطاقة أي عاقل يُمكِّنه من بلوغ الهداية‪.‬‬
‫ولكن البعض تخوف من التدبر‪ ،‬وألزم نفسه بأنه إذا أراد أن يفهم‬
‫ما يقرأ فل بد وأن يكون بينه وبين القرآن كتاب تفسير لتوضيح معنى‬
‫كل كلمة يقرؤها‪ ،‬وكل آية يتلوها‪.‬‬
‫ويعتبر المام ابن تيمية أن هذا التخوف من أهم السباب‬
‫التي حالت بين الناس وبين فهم القرآن(‪.)1‬‬
‫وعندما عدد المام أبو حامد الغزالي موانع فهم القرآن ذكر‬
‫منها‪ :‬أن يكون قد قرأ تفسيًرا ظاهًرا واعتقد أنه ل معنى‬
‫لكلمات القرآن إل ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد‬
‫وغيرهما(‪.)2‬‬
‫ويصحح المام محمد عبده – رحمه الله – هذا المفهوم‬
‫فيقول‪:‬‬
‫خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل‪ ،‬ولم يوجه‬
‫‪1‬‬

‫() قاعدة في فضائل القرآن لبن تيمية ص ‪.67‬‬

‫‪2‬‬

‫() إحياء علوم الدين ‪.1/441‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪149‬‬

‫الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم‪ ،‬بل لنهم من أفراد النوع‬
‫النساني الذي أنزل القرآن لهدايته ‪ ..‬يقول تعالى يَا َأيّهَا النّاسُ اّتقُوا‬
‫رَبّ ُكمُ فهل يُعقل أنه يرضى منا بأن ل نفهم قوله هذا‪ ،‬ونكتفي‬
‫بالنظر في قول ناظر نظر فيه لم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه‬
‫ل جملة ول تفصيل؟‬
‫كل‪ ،‬إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات‬
‫الكتاب بقدر طاقته ل فرق بين عالم وجاهل(‪.)1‬‬
‫وليس معنى هذا هو ترك النظر في كتب التفسير‪ ،‬بل‬
‫المقصد هو اللقاء المباشر مع القرآن وإعمال العقل في فهم‬
‫اليات – فهما إجماليا بحسب الطاقة – والرجوع إلى التفاسير‬
‫لزالة شبهة أو معرفة معنى التبس علينا فهمه‪.‬‬

‫تحصيل الجر والثواب فقط‪:‬‬
‫ومن المفاهيم التي ينبغي أن تُصحح عند المسلمين قصر‬
‫وظيفة القرآن على تحصيل الجر والثواب والتبرك‪...‬‬
‫فالمفهوم السائد أنه إن كان لكل حرف يقرؤه المرء من القرآن‬
‫له به عشر حسنات فليقرأ إذن أكبر قدر ممكن من الحروف ليزداد‬
‫رصيده من الحسنات‪ ،‬وفي الوقت نفسه فإن تدبر القرآن والوقوف‬
‫عند معانيه سيعطل مسيرته عن قراءة أكبر قدر ممكن من اليات‪،‬‬
‫ومن ث َّ‬
‫م يفوته الكثير من الحسنات‪ ...‬إذن فلنترك التدبر جانبًا لتحقيق‬
‫هدف الثواب والجر!!‬
‫‪ ..‬بمثل هذا الفهم ابتعد الكثير عن تدبر القرآن وتسابقوا‬
‫فيما بينهم على ختمه في أقل وقت ممكن خاصة في شهر‬
‫رمضان‪.‬‬
‫وبالرغم من أن آيات القرآن وأحاديث الرسول تحث على‬
‫التدبر والتأثر‪ ،‬وتذم من يقرأ القرآن ول يجاوز حنجرته‪ ،‬إل أن حب‬
‫مي) ينجزه المرء مع‬
‫النفس للراحة والشعور بالرضا بعد كل إنجاز (ك َ ِّ‬
‫القرآن‪ ،‬جعلها تستريح لمفهوم أن الهدف من قراءة القرآن هو‬
‫تحصيل الجر والثواب‪ ،‬وأن هذا الهدف يتحقق بمجرد قراءة اللفاظ‬
‫دون تفهم ول تأثر‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() تفسير الفاتحة وجزء عم لمحمد عبده ص ‪.11‬‬

‫‪150‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫فمما ل شك فيه أن السهل على النسان القراءة السريعة‬
‫للقرآن‪ ،‬والتي قد يشرد معها العقل في أودية الدنيا‪ ،‬فيشعر‬
‫ما كبيًرا من‬
‫المرء بعد القراءة براحة نفسية لمجرد إنجازه ك ً‬
‫الرباع والجزاء دون مجهود يُذكر‪ ،‬فيصبح هذا الشعور دافعًا له‬
‫للكثار من القراءة خاصة في شهر رمضان‪.‬‬
‫‪ ..‬فتحول بذلك مسار التعامل مع القرآن‪ ،‬وبدل ً من أن‬
‫تكون قراءته وسيلة لفهم المقصود منه‪ ،‬أصبحت غاية يتنافس‬
‫فيها المتنافسون‪.‬‬

‫السراع في حفظ القرآن‪:‬‬
‫ومن المفاهيم التي كان لها دور كبير في إبعاد البعض عن‬
‫النتفاع بالقرآن‪ :‬قناعتهم بأن أهل القرآن هم حفاظ حروفه‪،‬‬
‫بغض النظر عن ربط ذلك بالعمل بما فيه‪ ،‬والتخلق بأخلقه‪،‬‬
‫لينك َّ‬
‫ب كل من يحب القرآن ويطمع في الدخول في زمرة أهله‬
‫على حفظ ألفاظه في أسرع وقت ممكن‪ ،‬فإذا ما تم له ذلك‬
‫تمكنت من عقله ومشاعره عقيدة بأنه قد أصبح من أهل‬
‫القرآن‪ ،‬فينتج عن ذلك شعوره بالكتفاء تجاهه‪ ،‬وتخبو داخله أي‬
‫رغبة أو شعور بالحتياج إلى الجوانب الخرى النافعة في‬
‫القرآن‪ ..‬فيكفيه ما فعله‪ ،‬والجهد الذي بذله‪.‬‬
‫ولقد مر علينا من أحوال الصحابة مع القرآن‪ ،‬وتمهلهم في‬
‫حفظه‪ ،‬حتى يحملوه لفظًا ومعنى‪ ،‬وإيمانًا‪ ،‬ويترجموه عملً‪.‬‬
‫يقول المام أبو بكر الطرطوشي‪ :‬ومما ابتدعه الناس في‬
‫القرآن القتصار على حفظ حروفه دون التفقه فيه‪.‬‬
‫وروى المام مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر مكث‬
‫على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها(‪.)1‬‬

‫قراءة الحافظ‪:‬‬
‫ومما أبعد طائفة كبيرة من الحفاظ عن تدبر القرآن‬
‫والنتفاع الحقيقي به‪ ،‬هو حرصهم على عدم نسيان المحفوظ‬
‫فقط‪ ،‬لذلك تراهم يقرأون اليات قراءة سريعة بقصد المراجعة‬
‫وكل همهم هو عدم النسيان أو الخطأ‪.‬‬
‫لذلك لو سألت الكثير من الحفاظ‪ :‬كيف تقرأ القرآن؟‬
‫‪1‬‬

‫() الحوادث والبدع لبي بكر الطرطوشي ص ‪.206‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪151‬‬

‫سيكون جوابه المتوقع‪« :‬أقرؤه بطريقة تحافظ على حفظي‬
‫له»‪ ،‬وكأن الحفظ هو الغاية‪ ،‬مع أن الحفظ وسيلة مهمة لتيسير‬
‫النتفاع به واستدعائه في أي وقت‪.‬‬
‫إن المراجعة التي يراجعها الحافظ ما هي إل آيات القرآن‬
‫ُ‬
‫مر بتدبرها‪ ،‬والعمل بما فيها‪ ،‬ولقد مر علينا أن عبد الله‬
‫التي أ ِ‬
‫بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلفة عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬قال‪ :‬فلم أَر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد‬
‫الرحمن عند القراءة‪.‬‬
‫وللشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – تعليق على هذه‬
‫المسألة من خلل تجربة شخصية مر بها فيقول‪ :‬حفظت‬
‫ة ما كنت أعى منه شيئًا‪..‬‬
‫القرآن وعمري عشر سنين‪ ..‬وبداه ً‬
‫والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ للفاظ القرآن صرفتني‬
‫ن كثيرة كنت أمر بها ول أعرفها ‪ ..‬وأنا كبير‪ ،‬أقرأ‪ ،‬ولكن‬
‫عن معا ٍ‬
‫لني حفظت الكلم دون فهم للمعنى أجد نفسي – في كثير من‬
‫الحيان – أمضي دون فهم للمعنى‪ ،‬لن الحفظ كان يغلب على‬
‫التدبر أو إحسان الوعي ‪ ..‬وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي‬
‫على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ‪ ،‬وأحمل نفسي على‬
‫ترك هذه العادة التي ورثناها مع الحفظ(‪.)1‬‬

‫حول مفهوم النسيان‪:‬‬
‫من أكبر معينات عدم نسيان القرآن‪ :‬تدبره‪ ،‬والوقوف عند‬
‫معانيه‪ ،‬مع الخذ في العتبار قول من قال من العلماء بأن‬
‫مفهوم النسيان هو ترك العمل به‪.‬‬
‫فالمام أبو شامة حمل الحاديث الواردة في ذم نسيان‬
‫القرآن على ترك العمل‪ ،‬لن النسيان هو الترك لقوله تعالى‪:‬‬
‫سيَ" [طه‪.]115 :‬‬
‫‪+‬وَلَقَ ْد َعهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَ ْبلُ فََن ِ‬
‫قال‪ :‬وللقرآن يوم القيامة حالتان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬الشفاعة لمن قرأه ولم ينس العمل به‪.‬‬
‫به‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫والثانية‪ :‬الشكاية على من نسية أي تركه تهاونا ولم يعمل‬

‫() كيف نتعامل مع القرآن ص ‪.32‬‬

‫‪152‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫قال‪ :‬ول يبعد أن يكون من تهاون به حتى نسى تلوته‬
‫كذلك(‪..)2‬‬
‫وأورد القرطبي في التذكار عن سفيان الثوري قوله‪:‬‬
‫س‪،‬‬
‫وليس من اشتهر بحفظ شيء من القرآن وتفلت منه بنا ٍ‬
‫إذا كان يحل حلله ويحرم حرامه‪.‬‬
‫قال القرطبي‪ :‬وهذا تأويل حسن جدًا وفيه توجيه(‪.)2‬‬
‫فإذا ما تعلم المرء ما تدل عليه اليات التي يحفظها من‬
‫علم وعمل ثم ترك التنفيذ فإن هذا يدخل في مفهوم النسيان‪،‬‬
‫بل قد يكون أهم صوره‪ ،‬ومما يؤكد ذلك قول أبي الدرداء‪:‬‬
‫أخاف أن يقال لي يوم القيامة علمت أم جهلت؟ فأقول‪:‬‬
‫علمت‪ .‬فل تبقى آية في كتاب الله آمره أو زاجرة إل وتسألني‬
‫فريضتها‪ .‬تسألني المرة هل ائتمرت؟ وتسألني الزاجرة هل‬
‫ازدجرت؟‬
‫فأعوذ بالله من علم ل ينفع‪ ،‬ومن دعاء ل يسمع(‪.)3‬‬

‫أمراض القلوب‪:‬‬
‫ومن المداخل الخطيرة على البعض إيهامهم بأنهم ل‬
‫يصلحون للتعامل مع القرآن وتدبره بسبب ذنوبهم وأمراض‬
‫قلوبهم‪ ،‬وإيهامهم بأن عليهم التطهر من ذلك أول ً ثم القبال‬
‫على القرآن ‪ ،‬ولن من الصعب على المرء أن يظن بأنه قد‬
‫وصل لمرحلة التطهر والشفاء من أمراض قلبه‪ ،‬لذلك ستظل‬
‫هذه الشبهة تشكل حجابًا‪ ،‬وعائقًا يعوقه عن النتفاع بالقرآن‪.‬‬
‫ولو تأملنا حديث القرآن عن القرآن فسنجد أن من أهم‬
‫صفات هذا الكتاب أنه‪ :‬شفاء لما في الصدور ‪ ..‬والشفاء إنما‬
‫يكون للمريض وليس للصحيح‪ ،‬أي أن القرآن هو الدواء الذي‬
‫يطهر قلوبنا‪ ،‬وأن الذي يظن بعدم صلحيته للتعامل مع القرآن‬
‫بسبب مرض قلبه هو أولى الناس بالقرآن‪..‬‬
‫‪2‬‬

‫() الزواجر لبن حجر الهيثمي ص ‪.157‬‬

‫‪2‬‬

‫() التذكار في أفضل الذكار ص ‪.219‬‬

‫‪3‬‬

‫() حديث القرآن عن القرآن ص ‪.46‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪153‬‬

‫س قَدْ جَاءَْتكُم مّ ْو ِعظَةٌ مّن رّّبكُمْ َوشِفَا ٌء ّلمَا فِي الصّدُورِ‬
‫‪ ..‬يقول ربنا‪ :‬يَا أَّيهَا النّا ُ‬
‫حمَ ٌة ّل ْلمُؤْمِِنيَ [يونس‪.]57 :‬‬
‫وَهُدًى َو َر ْ‬
‫ثم إننا نجد في السيرة أن صناديد الكفر ‪ ..‬العتاة‬
‫والمتكبرين أمثال أبي جهل‪ ،‬والوليد بن المغيرة‪ ،‬وعتبة بن‬
‫ربيعة قد تأثروا بالقرآن‪ ،‬وخافوا أن يبلغ تأثيره الناس فيؤمنوا‬
‫س َمعُوا ِلهَذَا الْ ُقرْآنِ وَالْ َغوْا‬
‫به‪ ،‬ويضيع ملكهم وسيادتهم‪ ،‬لذلك قالوا‪ :‬لَ تَ ْ‬
‫فِي ِه لَ َع ّلكُ ْم تَ ْغلِبُونَ [فصلت‪.]26 :‬‬
‫ولسنا هنا نقلل من شأن تأثير المعاصي وأمراض القلوب‬
‫على فهم القرآن والتأثر به‪ ،‬فل شك أن القلب كلما طهر‪ ،‬كان‬
‫تأثره أسرع‪ ،‬وفي نفس الوقت فإن القلب المريض إذا ما أقبل‬
‫على القرآن يريد منه الشفاء‪ ،‬فإن استمرار تعرضه له كفيل –‬
‫بإذن الله‪ -‬بأن يحدث له التأثر الذي يبدأ في الغالب لحظيًا‬
‫ويسيًرا‪ ،‬ثم يزداد شيئًا فشيئًا بمداومة القراءة بتفهم وترتيل‬
‫وتباك‪.‬‬
‫ويكفيك في تأكيد هذا المعنى قوله تعالى‪ :‬ا ْع َلمُوا َأ ّن الَ ُيحْيِي‬
‫ت لَ َع ّلكُ ْم تَ ْع ِقلُونَ [الحديد‪.]17 :‬‬
‫الَ ْرضَ َبعْدَ َموِْتهَا قَ ْد َبيّنّا َلكُمُ الَيَا ِ‬
‫يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الية‪ :‬فيه إشارة إلى‬
‫أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها‪ ،‬ويهدي الحيارى بعد ضلتها‪،‬‬
‫ويفرج الكروب بعد شدتها‪ ،‬فكما يحيى الرض الميتة المجدبة‬
‫الهامدة بالغيث الهتان الوابل‪ ،‬كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين‬
‫القرآن والدلئل ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة ل يصل إليها‬
‫الواصل(‪.)1‬‬
‫ومع هذا كله يبقى مرض الكبر هو العائق الكبر أمام النتفاع‬
‫بالقرآن لن المتكبر في الغالب ل يستشعر حاجته إليه‪ ،‬ومن ثم‬
‫فلن يُقبل عليه طالبًا الشفاء‪.‬‬

‫قراءتان للقرآن‪:‬‬
‫ومن المداخل المبُعدة للبعض عن القرآن تصورهم بأنه‬
‫يمكنهم الجمع بين القراءة السريعة للقرآن بل تدبر ول تأثر بغية‬
‫‪1‬‬

‫() تفسير القرآن العظيم ‪.4/280‬‬

‫‪154‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫تحصيل الجر والثواب‪ ،‬وبين قراءة القرآن بتدبر وتأثر‪ ،‬وذلك‬
‫من خلل تخصيص ختمة للقراءة السريعة‪ ،‬وختمة للتدبر‪ ،‬ول‬
‫بأس من المكث مع ختمة التدبر وقتًا طويلً‪ ،‬ولو استمرت‬
‫سنوات وسنوات‪.‬‬
‫‪ ..‬هذا المدخل من أخطر المداخل لنه يؤدي إلى استمرارية‬
‫المرء في التعامل مع القرآن بصورة شكلية دون النتفاع‬
‫الحقيقي به‪ ،‬مع عدم شعوره بتأنيب الضمير تجاه هذه القراءة‬
‫السريعة؛ لنه يعلم أن ختمة التدبر سترفع عنه حرج القراءة بل‬
‫فهم‪.‬‬
‫‪ ..‬ومن المتوقع لمن يقتنع بهذا أن تكون القراءة السريعة‬
‫صا‪،‬‬
‫هي الغالبة على قراءته لنها ل تكلفه وقتًا كبيًرا‪ ،‬ول جهدًا خا ً‬
‫ولنها كذلك تُشعره بالرضا عن نفسه‪ ،‬وتحقيق ذاته كلما انتهى‬
‫من قراءة سورة أو جزء‪...‬‬
‫أما ختمة التدبر فهي تحتاج إلى قراءة هادئة‪ ،‬مترسلة‪ ،‬مع‬
‫ما إجماليًا‪ -‬فهذا بل‬
‫إعمال العقل لفهم المراد من الخطاب ‪-‬ولو فه ً‬
‫شك ل يريح النفس‪ ،‬وربما حاولت التهرب منه‪ ،‬والتسويف في‬
‫القيام به باعتبار أن هناك بابًا آخر للقراءة السريعة المريحة‬
‫حا أمامها‪.‬‬
‫مفتو ً‬
‫ولن خير الهدي هو هدي محمد ‪ ،‬وخير النماذج التطبيقية‬
‫هو نموذج الصحابة رضوان الله عليهم‪ ،‬فاعلم ‪-‬أخي‪ -‬أنه لم يَرِد‬
‫عن رسول الله ‪ ،‬ول عن صحابته الكرام أنهم كانوا يخصصون‬
‫ختمة للتدبر‪ ،‬وختمة للقراءة السريعة‪ ،‬بل كانت قراءة واحدة‬
‫تبحث عن الفهم والتأثر‪.‬‬

‫التعمق في المعنى‪:‬‬
‫ومن المداخل الخطيرة على البعض ‪-‬وبخاصة من أراد‬
‫النتفاع بالقرآن‪ -‬قناعتهم بضرورة الوقوف عند كل كلمة في‬
‫القرآن‪ ،‬والجتهاد في معرفة معناها‪ ،‬والتعمق فيها‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫مل‬
‫تتجاوز حصيلة القراءة بضع آيات‪ ،‬ويصبح القرآن وكأنه يخاطب‬
‫عقله فقط‪ ،‬دون أن يؤثر في قلبه‪ ،‬فتصير ثمرة قراءته مجرد‬
‫زيادة في معارفه العقلية دون زيادة لليمان في قلبه‪ ،‬مما‬
‫يجعله ‪-‬بعد مدة من الزمن‪ -‬يمل من هذه الطريقة‪ ،‬ويتسرب‬
‫صله حين‬
‫إليه الشعور بالندم على فوات الجر الذي كان سيح ِّ‬
‫يقرأ جزءًا أو جزءين في هذا الوقت‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م فإن هذا الشعور‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪155‬‬

‫سيدفعه للعودة إلى القراءة السريعة مرة أخرى‪.‬‬

‫وصايا الصحابة‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر‬
‫وَفَا ِكهَ ًة وَأَبّا [عبس‪ ،]31 :‬فقال‪ :‬هذه الفاكهة قد عرفناها‪ ،‬فما‬
‫ال ُّ‬
‫ب؟‬
‫ثم رجع إلى نفسه فقال‪ :‬إن هذا هو التكلف يا عمر‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬هذا لعمر الله التكلف‪ ،‬اتبعوا ما تبين لكم من‬
‫هذا الكتاب(‪.)1‬‬

‫ومن أقوال عبد الله بن مسعود‪:‬‬
‫ما يدعونكم إلى‬
‫تعلموا قبل ذهاب العلم‪ ،‬فإن من ورائكم قو ً‬
‫كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم‪ ،‬فتعلموا قبل ذهاب العلم‪،‬‬
‫وإياكم والتبدع‪ ،‬وإياكم والتنطع‪ ،‬وإياكم والتعمق‪ ،‬وعليكم‬
‫بأمركم العتيق(‪.)2‬‬
‫فالمطلوب أن نمرر ما ل نفهمه ونكتفي بالفهم الجمالي‬
‫حسب الطاقة‪ -‬فبه سيتحقق الهداية بمشيئة الله‪.‬‬‫ولقد مر علينا أنه لما وقع الناس في أمر عثمان قال عبد‬
‫الرحمن بن أبزى لُبي ابن كعب ‪ :‬أبا المنذر ما المخرج؟ قال‪:‬‬
‫كتاب الله‪ ،‬ما استبان لك فاعمل به وانتفع‪ ،‬وما اشتبه عليك‬
‫فكله إلى عالمه(‪.)3‬‬

‫هل يمكننا التأثر بكل آية؟!‬
‫‪ ..‬البعض ممن وضعوا التدبر والتأثر هدفًا لهم ل يرضون بأن‬
‫تمر عليهم آية بدون تأثر أو انفعال‪ ،‬مع أن هذا غير مطلوب‪،‬‬
‫فالمطلوب هو تدبر إجمالي‪ ،‬وترتيل‪ ،‬وتباك‪ ،‬ثم انتظار للتأثر‬
‫الذي ل يمكن توقع موضع حدوثه‪ ،‬لن هذا المر ليس بأيدينا‪ ،‬بل‬
‫هو منحة من الله عز وجل يمنحها لمن يكثر من القبال على‬
‫‪1‬‬

‫() فضائل القرآن لبي عبيد ص ‪.376‬‬

‫‪2‬‬

‫() فضائل القرآن للمستغفري ‪.1/182‬‬

‫‪3‬‬

‫() مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ص ‪.170‬‬

‫‪156‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫القرآن بإنصات وتركيز ملتمسا الهدى‪ ،‬ول يمكن لحد أن يتوقع‬
‫موضع التأثر‪.‬‬
‫ومع ذلك ترى البعض يريد التأثر مع كل آية فتجده يكرر‬
‫مكثه وقتًا‬
‫الية مرات ومرات حتى يحدث التأثر‪ ،‬فينتج عن ذلك ُ‬
‫طويل ً مع بضع آيات من القرآن‪.‬‬
‫فيفاجأ أنه بعد مرور أيام كثيرة لم تتجاوز قراءته عدة‬
‫صفحات‪ ،‬فيدخل عليه الشيطان من باب أنه بذلك قد هجر‬
‫القرآن لنه لن يختمه إل في عدة شهور – إن ختمه – ويستحثه‬
‫في ضرورة العودة للقراءة السريعة‪.‬‬
‫ويزداد إلحاح الشيطان عليه بترك التدبر عندما تحول‬
‫الظروف بينه وبين القراءة بضعة أيام‪ ،‬فإذا ما عاد إلى‬
‫القرآن دخل عليه الشيطان من باب تخويفه من هجر‬
‫القرآن‪ ،‬فيوهمه بضرورة السراع في القراءة بفهم أو بدون‬
‫فهم لدراك ما فاته ‪.‬‬

‫مدة الختم‪:‬‬
‫مبْعدة كذلك اقتناع البعض بضرورة ختم‬
‫ومن المداخل ال ُ‬
‫القرآن في مدة أقصاها شهر أو أربعون يوما حتى ل يكون‬
‫هاجًرا له‪ ،‬فيؤدي ذلك إلى الفراط في سرعة القراءة في بعض‬
‫اليام حتى يتسنى له ختم القرآن خلل المدة المحددة‪ ،‬وبالتالي‬
‫تقل فرصة التدبر والتأثر‪...‬‬
‫أخرج ابن أبي داود عن مكحول قوله‪ :‬كان أقوياء أصحاب‬
‫رسول الله يقرءون القرآن في سبع‪ ،‬وبعضهم في شهر‪،‬‬
‫وبعضهم في شهرين‪ ،‬وبعضهم في أكثر من ذلك(‪.)1‬‬
‫ويقول محمد أبو شهبة في كتابه «المدخل لدراسة القرآن‬
‫الكريم»‪:‬‬
‫وليس في الحديث ‪-‬الذي قال فيه رسول الله لعبد الله‬
‫بن عمرو بن العاص‪« :‬اقرأ القرآن ف أربعي»‪ -‬ما يدل على كراهة‬
‫الختم في أكثر من أربعين‪ ،‬والعبارة ليست حاصرة حتى يكون‬
‫ما عداها ليس من سنته‪ ،‬وغاية ما يدل عليه أن ذلك كان حالة‬
‫‪1‬‬

‫() التقان في علوم القرآن للسيوطي ‪.1/104‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪157‬‬

‫من حالته‪ ،‬أو أنه كان الغالب منها(‪.)1‬‬
‫وليس معنى هذا هو التراخي في قراءة القرآن وختمه‪ ،‬بل‬
‫العكس هو المطلوب‪.‬‬
‫فالقرآن دواء متكامل يبدأ من سورة الفاتحة وينتهي عند‬
‫سورة الناس‪ ،‬وكلما تناول المرء هذا الدواء بكثرة وبطريقة‬
‫صحيحة تسارع شفاؤه وبرؤه‪.‬‬
‫فالمطلوب إذن‪ :‬هو النشغال بالقرآن‪ ،‬والكثار من تلوته‪،‬‬
‫ولكن دون وجود مدة الختم كسيف مسلط‬
‫على الرقاب‪ ،‬ليتسنى للقارئ التدبر والتأثر‪،‬‬
‫والغتراف من منابع القرآن اليمانية‪ ،‬وتناول‬
‫دوائه بصورة صحيحة‪.‬‬

‫السماع عندى أفضل!!‬
‫ومما أبعد البعض عن النتفاع الحقيقي بالقرآن ظنه أنه يتأثر‬
‫بالسماع أكثر من تأثره بالقراءة‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م فإنه يهمل القراءة‪،‬‬
‫فهو ‪-‬كما يقول‪ -‬يجد قلبه عند سماع فلن وفلن من المقرئين‪..‬‬
‫سن‬
‫مسبب لذلك عند السماع‪ ،‬لح ُ‬
‫ولو كان التأثر بالمعنى هو ال ُ‬
‫هذا المر‪ ،‬وكيف ل‪ ،‬والتأثر بالمعنى مع الصوت الحسن ينبت‬
‫اليمان في القلب يقول ابن تيمية‪:‬‬
‫كان عمر بن الخطاب يقول لبي موسى الشعري‪ :‬يا أبا‬
‫موسى ذكرنا ربنا‪ ،‬فيقرأ وهم يسمعون ويبكون‪ .‬وكان أصحاب‬
‫محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن والباقي‬
‫يستمعون‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬ولهذا السماع من المواجيد العظيمة‪ ،‬والذواق‬
‫الكريمة‪ ،‬ومزيد المعارف والحوال الجسيمة ما ل يسعه‬
‫الخطاب‪ ،‬ول يحويه كتاب‪ ،‬كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من‬
‫مزيد العلم واليمان ما ل يحيط به بيان(‪.)2‬‬
‫جا للسماع الصحيح الناتج عن‬
‫ولقد أعطى لنا القرآن نموذ ً‬
‫تدبر المعنى وَِإذَا َسمِعُوا مَا أُْن ِزلَ إِلَى ال ّرسُو ِل َترَى َأعْيَُنهُ ْم َتفِيضُ ِمنَ الدّمْ ِع ِممّا َعرَفُوا‬
‫‪1‬‬

‫() المدخل لدراسة القرآن الكريم ص ‪.438‬‬

‫‪2‬‬

‫() التحفة العراقية في العمال القلبية ص ‪.74 ،73‬‬

‫‪158‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫حقّ َيقُولُونَ رَبّنَا آمَنّا فَاكُْتبْنَا َمعَ الشّاهِدِي َن [المائدة‪ ]83 :‬فبكاؤهم – كما‬
‫مِنَ اْل َ‬
‫(‪)1‬‬
‫يقول الطرطوشي – إنما كان لما فهموه من معانيه ‪.‬‬
‫جا عن صوت القارئ وتطريبه بالقرآن‬
‫أما إذا كان التأثر نات ً‬
‫دون المعنى فهنا تكمن المشكلة‪.‬‬
‫لن التطريب وإن كان يستثير المشاعر إل أنه قد يستثيرها‬
‫في أمور كامنة لديها ل تخدم اليمان‪ ،‬فاليمان ينشأ عند‬
‫استثارة المشاعر مع فهم ما دلت عليه القراءة‪.‬‬

‫يقول بكر أبو زيد‪:‬‬
‫إنما التعبد أن يتحرك (قلب) العبد إلى كلم الله وما فيه من‬
‫العظة والعبرة‪ ،‬والتذكير بالمصير وبالجنة والنار‪ ،‬وعظيم الحكم‬
‫والحكام‪.‬‬
‫أما لو تحرك عند قراءة القرآن طربا لمجرد حسن الصوت‪،‬‬
‫دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم‪ ،‬فهذا ليس من التعبد(‪.)2‬‬
‫فالقلب قد يكون فيه محبة لله ومحبة لغيره‪ ،‬وخشية له‬
‫وخشية لغيره‪ ،‬فإذا ما سمع المرء القرآن وهو يُقرأ بالتطريب‬
‫والصوت الحسن‪ ،‬فإنه قد يجد تأثًرا بما يسمعه‪ ،‬ويظن أن هذا‬
‫كله من دواعي محبة الله وخشيته‪ ،‬بل هي مشاعر ممتزجة‬
‫حا في حكم‬
‫(وليس كل ما حرك الكامن في النفوس‪ ،‬يكون مبا ً‬
‫الله ورسوله) (‪.)3‬‬
‫فإن قلت‪ :‬ألم يرد في ال ُّ‬
‫سنة استحباب سماع القرآن من‬
‫أصحاب الصوات الحسنة؟!‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬ورد ذلك ليكون أدعى لتفهم القرآن والتأثر بمعانيه‪.‬‬
‫يقول ابن كثير‪ :‬المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت‬
‫الباعث على تدبر القرآن وفهمه‪ ،‬والخشوع والخضوع والنقياد‬
‫للطاعة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() الحوادث والبدع ص ‪.191‬‬

‫‪2‬‬

‫() هجر القرآن ص ‪ 78 ،77‬بتصرف يسير‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() نزهة السماع في مسألة السماع من مجموع رسائل ابن رجب ص ‪. 472‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬

‫‪159‬‬

‫فأما الصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الوزان‬
‫والوضاع الملهية والقانون الموسيقائي‪ ،‬فالقرآن ينزه عن هذا‪،‬‬
‫جل ويُعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب وقد جاءت السنة‬
‫وي ُ‬
‫(‪)1‬‬
‫بالزجر عن ذلك ‪.‬‬
‫يتخوف على‬

‫عن عابس الغفاري قال‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫أمته ست خصال‪.‬‬
‫إمرة الصبيان‪ ،‬وكثرة ال ُّ‬
‫شَرط‪ ،‬والرشوة في الحكم‪ ،‬وقطيعة‬
‫الرحم‪ ،‬واستخفاف بالدم‪ ،‬ونشوًا يتخذون القرآن مزامير‬
‫يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم في الدين ولكن يقدمونه ليغنيهم‬
‫به غناء»(‪.)2‬‬

‫وفي حديث آخر‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫«بادروا بالعمال ستًا‪ :‬إمارة السفهاء‪ ،‬وكثرة ال ُّ‬
‫شَرط‪ ،‬وبيع‬
‫حكم‪ ،‬واستخفافا بالدم‪ ،‬وقطيعة الرحم‪ ،‬ونشوًا يتخذون‬
‫ال ُ‬
‫َ‬
‫القرآن مزامير‪ ،‬يقد ّمون أحدهم ليغنيهم‪ ،‬وإن كان أقلهم‬
‫فق ًها»(‪.)3‬‬
‫***‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫() فضائل القرآن لبن كثير ص ‪.115 ،114‬‬
‫() رواه أحمد والبزار والطبراني في الوسط والكبير‪ ،‬وقال الهيثمي‪ :‬وفي‬
‫إسناد أحمد‪ :‬عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف‪ ،‬وأحد إسنادي الكبير رجاله‬
‫رجال الصحيح‪ ،‬انظر مجمع الزوائد ‪.5/245‬‬
‫() صحيح‪ ،‬رواه الطبراني‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬ص (‪.)2812‬‬

‫الفصل السابع‬

‫كيف يحدث الوصال‬
‫بين القلب والقرآن؟!‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪161‬‬

‫كيف يحدث الوصال‬
‫بين القلب والقرآن؟!‬
‫عندما نتفكر في أسباب عدم انتفاعنا‬
‫بالقرآن – السابق ذكرها – فإننا سندرك أن‬
‫عودة المة إلى القرآن أمر غاية في‬
‫الصعوبة‪ ،‬وكيف ل وقد استقر في الذهان‪،‬‬
‫وفي العقل الباطن‪ ،‬صورة مبتورة عن‬
‫القرآن‪ ،‬وتكوَّن حاجز نفسي سميك بين‬
‫العقل وبين اليات المسموعة والمقروءة‪،‬‬
‫وكأنها بلغة أخرى غير اللغة التي ننطقها‪،‬‬
‫حتى ارتضى العقل أل يبذل أي محاولة لفهم‬
‫المراد منها ‪ ..‬هذا الحاجز – كما أسلفنا ‪-‬‬
‫يبدأ في التكون داخل المسلم منذ نعومة‬
‫أظافره ‪..‬‬
‫لقد توارثت المة ‪ -‬جيل بعد جيل‪ -‬هذا التعامل الخاطئ مع‬
‫القرآن‪ ،‬ورسخ في الذهان مفاهيم خاطئة حول الطريقة المثلى‬
‫لخدمته‪ ،‬وأن غاية المطلوب منه هو إتقان تلوته‪ ،‬وحفظ حروفه‪،‬‬
‫وكثرة قراءته لتحصيل الجر والبركة دون ربط هذا كله بمعانيه‪..‬‬
‫مع أن النصوص القرآنية واضحة الدللة بأن المقصود من قراءة‬
‫القرآن‪ :‬فهمة وتدبره‪ ،‬والفقه فيه والعمل به‪ ،‬وما التلوة والسماع‬
‫والحفظ إل وسائل للنتفاع بكنوزه‪ ،‬كما قال بعض السلف‪ :‬نزل‬
‫القرآن ليُعمل به‪ ،‬فاتخذوا تلوته عمل‪ ،‬ولهذا ‪-‬كما يقول ابن القيم‪-‬‬
‫كان أهل القرآن هم العالمون به ‪ ،‬والعاملون بما فيه‪ ،‬وإن لم‬
‫يحفظوه عن ظهر قلب‪.‬‬
‫وأما من حفظه ولم يفهمه‪ ،‬ولم يعمل بما فيه‪ ،‬فليس من أهله‬
‫وإن أقام حروفه إقامة السهم (‪.)1‬‬
‫فمع قوة ووضوح وكثرة النصوص الدالة على ذلك إل أنها لم‬
‫تقع مواقعها الصحيحة في النفوس‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() زاد المعاد لبن القيم (‪.)338 ،337 /1‬‬

‫‪162‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫فما الحل إذن وغالبية المسلمين لم يعودوا يدركون قيمة‬
‫ل نُورٌ َوكِتَابٌ مِّبيٌ َيهْدِي‬
‫القرآن الحقيقية‪ ،‬ومقصد نزوله قَدْ جَا َءكُم مّنَ ا ِ‬
‫خ ِرجُهُم مّنَ ال ّظ ُلمَاتِ إِلَى النّو ِر بِِإذِْنهِ وََيهْدِيهِمْ إِلَى‬
‫سلَمِ وَُي ْ‬
‫بِ ِه الُ َمنِ اتّبَ َع ِرضْوَانَ ُه سُُبلَ ال ّ‬
‫ستَقِيمٍ [المائدة‪.]16 ،15 :‬‬
‫صرَاطٍ مّ ْ‬
‫ِ‬
‫‪ ...‬إنه أمر غاية في الصعوبة أن يكون دواء أحدنا في يديه‪،‬‬
‫ثم يُعرض عنه‪ ،‬ليترك المرض يفتك بجسده ويهلكه‪.‬‬
‫‪ ...‬الكثير منا يشكو مرض قلبه وضعف إيمانه‪ ،‬فإن دللته‬
‫على القرآن‪ ،‬ل تجد لكلماتك أي وقع إيجابي في نفسه‪ ،‬وكيف‬
‫ل والصورة الذهنية التي تقفز للذهان عند الحديث عن القرآن‬
‫صورة ناقصة مشوهة ل تُعطي لهذا الكتاب إل قدسية شكلية‬
‫فقط‪ ،‬ول تربط بينه وبين وظائفه الحقيقية في التغيير والشفاء‪.‬‬

‫اليمان أولً‪:‬‬
‫إذا ما ش َّ‬
‫خصنا حالنا مع القرآن‪ ،‬وبحثنا عن السبب الرئيس‬
‫لهذا الوضع الشاذ لوجدناه – كما أسلفنا – نابعًا من ضعف‬
‫اليمان بقيمة القرآن وقدرته الفذة على إنشاء اليمان وإحداث‬
‫التغيير‪.‬‬
‫ومما يؤكد هذا المعنى قول عبد الله بن عمر‪:‬‬
‫لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتي اليمان قبل‬
‫القرآن‪ ،‬وتنزل السورة على محمد فنتعلم حللها وحرامها وما‬
‫ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم‪ ،‬ولقد‬
‫رأيت اليوم رجال ً يؤتي أحدهم القرآن قبل اليمان فيقرأ ما بين‬
‫فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره‪ ،‬ول زاجره‪ ،‬وما‬
‫ينبغي أن يوقف عنده‪ ،‬وكل حرف ينادي‪ :‬أنا رسول الله إليك‬
‫لتعمل بي‪ ،‬وتتعظ بمواعظي‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته‪ ،‬ول يدري ما‬
‫آمره‪ ،‬وما زاجره‪ ،‬وما ينبغي أن يوقف عنده ينثر نثر الدقل(‪.)1‬‬
‫يقول الدوسري‪ :‬فاليمان الذي أشار إليه ابن عمر (وإن‬
‫أحدنا يؤتي اليمان قبل القرآن‪ )..‬هو اليمان بأن القرآن إنما‬
‫‪1‬‬

‫() رواه الحاكم في المستدرك – كتاب اليمان وقال هذا حديث صحيح على‬
‫شرط الشيخين‪.‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪163‬‬

‫أُنزل لتدبر آياته والعمل بما فيه‪.‬‬
‫وذلك اليمان هو الذي دفع الصحابة رضوان الله عليهم‬
‫لتحقيق النصيحة لكتاب الله على ذلك الوجه‪ ،‬فكانوا فور نزول‬
‫السورة أو الية يبادرون لتعلمها والعمل بها‪ ،‬كما قال ابن عمر‬
‫في حديثه السابق‪ :‬وتنزل السورة على محمد فنتعلم حللها‬
‫وحرامها وما ينبغي أن نقف عنده منها‪.‬‬
‫ضا‪ :‬أن سبب التقصير في العمل‬
‫وأفاد قول ابن عمر أي ً‬
‫بكتاب الله يرجع إلى عدم تمكن ذلك اليمان من القلوب (ولقد‬
‫رأيت رجال ً يؤتي أحدهم القرآن قبل اليمان‪ ،‬فيقرأ ما بين‬
‫(‪)1‬‬
‫فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ول زاجره‪)..‬‬
‫فالصحابة حين أوتوا اليمان بقيمة القرآن (لم يكونوا يقرؤونه‬
‫بقصد الثقافة والطلع‪ ،‬ول بقصد التذوق والمتاع ‪ ..‬لم يكن‬
‫أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة فحسب‪ ..‬وإنما‬
‫كان يتلقى القرآن ليعرف أمر الله في خاصة شأنه وشأن‬
‫الجماعة التي يعيش فيها‪ ،‬وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته‬
‫‪ ..‬يتلقى المر ليعمل به فور سماعه‪ ،‬كما يتلقى الجندي في‬
‫الميدان المر اليومي ليعمل به فور تلقيه)(‪.)2‬‬

‫نقطة البداية الصحيحة‪:‬‬
‫إن اليمان بقيمة الشيء – أي شيء – هو الذي يولد النبهار‬
‫به‪ ،‬والستسلم له‪ ،‬وفتح منافذ الستماع والتلقي منه‪ ،‬و‬
‫العكس صحيح فعدم اليمان بالشيء يدفع لغلق منافذ‬
‫الستماع له‪ ،‬وعدم الكتراث به‪.‬‬
‫بمثل هذا تحدث عيسى عليه السلم لبني إسرائيل‪... :‬قَ ْد‬
‫ي َكهَيْئَةِ الطّ ْيرِ فَأَن ُفخُ فِيهِ فََيكُونُ طَ ْيرًا بِِإ ْذ ِن الِ‬
‫جِئُْتكُ ْم بِآيَ ٍة مّن رّّبكُ ْم أَنّي َأ ْخلُقُ َلكُم مّنَ الطّ ِ‬
‫ئ ا َل ْكمَهَ وَالَْبرَصَ وَُأحْيِي اْلمَوْتَى بِِإ ْذ ِن الِ وَأُنَّبُئكُمْ ِبمَا تَ ْأ ُكلُونَ وَمَا تَ ّد ِخرُونَ فِي بُيُوِتكُمْ‬
‫وَأُْب ِر ُ‬
‫ك لَيَ ًة ّلكُ ْم إِن ُكنْتُم مّؤْمِنِيَ [آل عمران‪.]49 :‬‬
‫ِإنّ فِي ذَِل َ‬

‫أرأيت أخي القارئ بماذا ختمت الية؟!‬
‫‪1‬‬

‫() عظمة القرآن للدوسري ص ‪.583 ،582‬‬

‫‪2‬‬

‫() معالم في الطريق ‪.15 ،14‬‬

‫‪164‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ِإنّ فِي ذَِلكَ لََيةً ّلكُمْ إِن كُنْتُم مّ ْؤمِنِيَ ‪ ،‬فإن لم تكونوا مؤمنين بي‬
‫حا‪.‬‬
‫كرسول فلن تستقبلوا هذا اليات استقبال صحي ً‬
‫ونفس المر بالنسبة للقرآن فإن لم يزدد اليمان بقيمة‬
‫القرآن‪ ،‬وبالهدف من نزوله‪ ،‬وبأنه قادر – بإذن الله – على‬
‫انتشالنا من الوحل الذي نغوص فيه‪.‬‬
‫‪ ..‬إن لم يحدث هذا فإن أي كلم يقال عن تدبر القرآن‪،‬‬
‫والتمهل في حفظه‪ ،‬وضرورة التخلق بأخلقه لن يجد الستجابة‬
‫الكافية في نفوس مستمعيه ‪..‬‬
‫‪ ..‬من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة للنتفاع بالقرآن‬
‫هي العمل على زيادة اليمان به في القلوب‪ .‬كما يقول المام‬
‫البخاري‪ :‬ل يجد طعمه إل من آمن به‪.‬‬
‫فكلما ازداد اليمان‪ :‬ازداد التلهف للقبال عليه‪ ،‬والستسلم‬
‫له‪ ،‬والنجذاب نحوه‪ ،‬والنشغال به‪.‬‬
‫فكيف لنا أن نترجم هذا الكلم النظري إلى واقع عملي‪،‬‬
‫ليحدث الوصال بين القلب والقرآن؟!‬
‫هناك ثلثة محاور ينبغي أن نسير فيها مجتمعه حتى يتحقق‬
‫لنا – بمشيئة الله – الهدف الذي نصبو إليه‪.‬‬

‫هذه المحاور هي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬تقوية الرغبة والدافع للنتفاع الحقيقي بالقرآن‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬صدق اللجوء إلى الله واللحاح عليه لتيسير انتفاعنا‬
‫بالقرآن‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬القبال على القرآن‪ ،‬والكثار من تلوته‪ ،‬واتخاذ‬
‫السباب والوسائل المعينة على تدبره والتأثر به‪.‬‬

‫ضا من التفصيل حول هذه المحاور‬
‫وإليك أخي القارئ بع ً‬
‫الثلثة‪:‬‬
‫أول‪ :‬تقوية الرغبة والدافع للنتفاع الحقيقى بالقرآن‬
‫الخطوة الولى في طريق العودة إلى القرآن‪ ،‬وتوجيه‬
‫القلب نحو أنواره ‪-‬كما أسلفنا‪ -‬هي زيادة الثقة فيه‪ ،‬والتعرف‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪165‬‬

‫على قيمته الحقيقية‪ ،‬وكيف أنه قادر ‪-‬بإذن الله‪ -‬على إحياء‬
‫قلوبنا وتغيير ما بأنفسنا‪ ،‬والتعرف كذلك على العقبات التي‬
‫تواجهنا في طريق العودة إليه وكيفية اجتيازها‪ ،‬مع تصحيح‬
‫المفاهيم الخاطئة التي رسخت في الذهان عن كيفية التعامل‬
‫معه‪ ..‬وكلما ازدادت الثقة في القرآن قويت الرغبة‪ ،‬واشتدت‬
‫الحاجة‪ ،‬وتولد الدافع القوي للقبال الصحيح عليه‪.‬‬
‫يقول سيد قطب‪ :‬الناس قلما ينقصهم العلم بالحق‬
‫والباطل‪ ،‬وبالهدى والضلل‪ ..‬إن الحق بطبيعته من الوضوح‬
‫والظهور بحيث ل يحتاج إلى بيان طويل ‪..‬‬
‫‪ ..‬إنما تنقص الناس الرغبة في الحق(‪.)1‬‬
‫ويقول السعدي في قوله تعالى َلقَ ْد كَانَ فِي يُوسُفَ وَِإخْوَِت ِه آيَا ٌ‬
‫ت‬
‫لّلسّاِئلِيَ [يوسف‪ :]7 :‬آيات لكل من سأل عنها بلسان الحال أو‬
‫بلسان المقال‪ ،‬فإن السائلين هم الذين ينتفعون باليات والعبر‪،‬‬
‫وأما المعرضون فل ينتفعون باليات(‪.)2‬‬
‫فالرغبة في الشيء تولد الشعور بالحتياج إليه‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م‬
‫النتفاع به‪.‬‬
‫وإليك أخي القارئ كلمات لبي الحسن الندوي ‪-‬رحمه الله‪-‬‬
‫تؤكد هذا المعنى يقول فيها‪:‬‬
‫إن من الشروط الولية الساسية للستفادة من القرآن‬
‫الكريم والنتفاع به‪ ،‬هو وجود الرغبة إليه‪ ،‬وطلب الستفادة‬
‫منه‪ ،‬فمن لم تتحقق عنده الرغبة والطلب ماذا يكون تأثير‬
‫القرآن فيه؟‬
‫إن من سنة الله – تعالى – ونواميسه أنه ل يعطي إل‬
‫بالرغبة والسؤال‪ ،‬وللرغبة والسؤال عنده قيمة كبيرة‪ ،‬فالقلق‬
‫على الوضع الراهن‪ ،‬وعدم القتناع به‪ ،‬والجهد للصلح والتغيير‪،‬‬
‫والبحث عن الطريق هو أول خطوة عنده في سبيل السعادة(‪.)3‬‬
‫‪ ..‬ولعل ما قيل في الصفحات السابقة يستثير لدينا مشاعر‬
‫‪1‬‬

‫() في ظلل القرآن ‪.1/480‬‬

‫‪2‬‬

‫() تيسير الكريم الرحمن ص ‪.394‬‬

‫‪3‬‬

‫() المدخل إلى الدراسات القرآنية الندوي ص ‪.93‬‬

‫‪166‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الرغبة والحتياج إلى جوهر القرآن ‪ ..‬لكن هذه الستثارة ل‬
‫تكفي لتوليد الدافع القوي للقبال الصحيح عليه‪ ،‬ومن ث َّ‬
‫م فمن‬
‫المتوقع أن تضعف فينا هذه الستثارة الوقتية شيئًا فشيئًا‪،‬‬
‫ونعود لسابق عهدنا من التعامل الشكلي مع القرآن‪.‬‬
‫لذلك فإن الخطوة الولى والساسية في طريق العودة إلى‬
‫القرآن هي ترسيخ وتعميق الشعور بالرغبة الكيدة والحتياج‬
‫الحقيقي إليه‪ ،‬وهذا يستلزم منا القراءة في بعض الكتب التي‬
‫تناولت هذا الموضوع والكثار منها في البداية؛ لتقوم بتغذية‬
‫وتقوية مشاعر الرغبة وتأججها لينتج عنها دافع قوي ومستمر‬
‫للقبال الصحيح على القرآن‪.‬‬
‫والكتب التي تحدثت عن القرآن كثيرة نرشح لك منها –‬
‫أخي – تلك التي أبرزت قيمة القرآن‪ ،‬وكيفية التعامل الصحيح‬
‫معه‪ ،‬فمن هذه الكتب‪:‬‬
‫ أخلق حملة القرآن لبي بكر الجرى‪.‬‬‫ كيف نتعامل مع القرآن؟ لمحمد الغزالي‪.‬‬‫ المدخل إلى الدراسات القرآنية لبي الحسن الندوي‪.‬‬‫ تدبر القرآن لسلمان بن عمر السنيدي‪.‬‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي‪.‬‬
‫النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز‪.‬‬
‫التذكار في أفضل الذكار للمام القرطبي‪.‬‬
‫منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم لبدر بن ناصر‬
‫البدر‪.‬‬
‫صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم‬
‫لنس أحمد كرزون‪.‬‬
‫نظرات في كتاب الله للمام الشهيد حسن البنا ‪-‬جمع‬
‫عصام تليمة‪.‬‬
‫جيل قرآني فريد من كتاب معالم في الطريق لسيد‬
‫قطب‪.‬‬
‫مقومات التصور السلمي لسيد قطب‪.‬‬
‫مقدمة تفسير في ظلل القرآن لسيد قطب‪.‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪167‬‬

‫ روائع إقبال لبي الحسن الندوي‪.‬‬‫ ما كتبه ابن القيم عن القرآن في كتب‪ :‬زاد المعاد –‬‫الفوائد – مدارج السالكين – مفتاح دار السعادة‪...‬‬
‫ فضائل القرآن للفريابي‪.‬‬‫ فضائل القرآن لبي عبيد الهروي‪.‬‬‫ولقد أكرم الله عز وجل كاتب هذه السطور‪ ،‬وتفضل عليه‬
‫بما ل يستحقه‪ ،‬بأن ي َّ‬
‫سر له الكتابة في هذا الموضوع في عدة‬
‫كتب هي‪:‬‬
‫ العودة إلى القرآن لماذا وكيف؟‬‫ إنه القرآن سر نهضتنا‪.‬‬‫ بناء اليمان من خلل القرآن‪.‬‬‫ كيف نغير ما بأنفسنا؟‬‫ الطوفان قادم ‪ ..‬الله أو الدمار‪.‬‬‫ عودة المجد‪ ..‬وَهْم أم حقيقة؟‪.‬‬‫ الجيل الموعود بالنصر والتمكين‪.‬‬‫ حقيقة العبودية‪.‬‬‫ كيف ننتفع بالقرآن؟‬‫فلك أخي القارئ أن تقرأ من هذه الكتب ما تشاء حتى‬
‫تقوى رغبتك وتشتد حاجتك إلى القرآن‪ ،‬واعلم أن «المداد‬
‫على قدر الستعداد» ‪ ،‬وأن الستعداد للتلقي يزيد وينقص تبعًا‬
‫للشعور بالحتياج‪ ،‬فمن اشتد شعوره بالحتياج إلى القرآن‬
‫مَ‬
‫وقويت في ذلك رغبته ازداد استعداده لذلك التلقي‪ ،‬ومن ث ّ‬
‫القبال الدائم عليه‪ ،‬فيتحقق تبعًا لذلك الوصال بين القلب‬
‫والقرآن‪.‬‬

‫المحور الثاني‪ :‬اللحاح على الله عز وجل‬
‫ل بد أن نوقن بأن الذي سيفتح لنا قلوبنا ليحدث الوصال‬
‫بينها وبين القرآن هو الله وحده ل شريك له وَِإنِ اهْتَدَيْتُ َفِبمَا يُوحِي‬
‫إَِليّ رَبّي [سبأ‪.]50 :‬‬
‫فل بد وأن يصدر أول ً القرار اللهي بالوصال وإل سيكون‬

‫‪168‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ط كَفّيْ ِه إِلَى اْلمَاءِ لِيَ ْبلُغَ فَا ُه وَمَا هُ َو ِببَالِ ِغهِ [الرعد‪.]14 :‬‬
‫حالنا كَبَاسِ ِ‬
‫ب َعلَ ْيهِمْ لَِيتُوبُوا [التوبة‪]118 :‬؟!‬
‫ألم يقل سبحانه‪ :‬ثُ ّم تَا َ‬
‫ومع ذلك‪ ،‬وحتى ل يدَّعي أحد بأن المر ليس بيده‪ ،‬وأنه‬
‫منتظر لهداية ربه‪ ،‬فقد ربط سبحانه بين إمداده وعطائه للعبد‪،‬‬
‫وبين مدى حرص هذا العبد واستعداده لتلقي هذا العطاء َفمَنْ‬
‫حرّوْا َرشَدًا [الجن‪.]14 :‬‬
‫ك َت َ‬
‫َأ ْسلَمَ فَأُولَِئ َ‬
‫وفي الحديث القدسي يقول تعالى‪« :‬يا عبادي كلكم ضال إل من‬
‫هديته‪ ،‬فاستهدون أهدكم»(‪.)1‬‬
‫فالجملة الولى (كلكم ضال إل من هديته) تحصر وتقصر الهداية‬
‫على الله عز وجل‪ ،‬والجملة الثانية (فاستهدون أهدكم) تبين دور‬
‫العبد في استجلب تلك الهداية‪ ،‬فإن كانت الهداية من الله‪ ،‬إل‬
‫أن البداية من العبد يطلبها بلسان حاله أو مقاله‪.‬‬
‫وكما جاء في الثر عن أبي الدرداء‪:‬‬
‫لما أهبط الله آدم إلى الرض قال له‪ :‬يا آدم أحبني وحببني‬
‫صا على‬
‫إلى خلقي‪ ،‬ول‬
‫تستطيع ذلك إل بي‪ ،‬ولكن إذا رأيتك حري ً‬
‫(‪)2‬‬
‫ذلك أعنتك عليه ‪..‬‬

‫عون الله للعبد على قدر عزمه‪:‬‬
‫يقول ابن رجب‪ :‬عون الله للعبد على قدر قوة عزيمته‬
‫وضعفها‪ ،‬فمن صمم على إرادة الخير أعانه الله وثبته‪.‬‬
‫وتأتي على قدر الكرام‬
‫على قدر أهل العزم تأتي‬
‫المكارم‬
‫العزائم‬
‫ص الرسل‪ :‬أولوا العزم‪.‬‬
‫ولهذا سمى الله خوا ّ‬
‫واعلم أن العزيمة على الرشد مبدأ الخير‪ ،‬فإن النسان قد‬
‫يعلم الرشد وليس له عليه عزم‪.‬‬
‫فالخير كله منوط بالعزيمة الصادقة على الرشد‪ ،‬وهي‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() رواه مسلم‪.‬‬
‫() استنشاق نسيم النس لبن رجب الحنبلي ص ‪.127‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪169‬‬

‫الحملة الولى التي تهزم جيوش الباطل‪ ،‬وتوجب الغلبة لجنود‬
‫الحق‪ ،‬قال أبو حازم‪ :‬إذا عزم العبد على ترك الثام‪ ،‬أتته‬
‫الفتوح‪.‬‬
‫ويكفيك مثال ً لهذا ما حدث من عمر بن عبد العزيز عندما‬
‫دُفن سليمان بن عبد الملك قَُّرب إليه موكب الخلفة فتركه‬
‫وركب بغلته‪ ،‬وصار مستصحبا لتلك العزيمة‪ ،‬فعلم الله صدقه‬
‫فيها فأعانه عليها(‪.)1‬‬
‫‪ ..‬فهل تريد – أخي‪ -‬النتفاع بالقرآن؟! ما عليك إذن إل أن‬
‫تستصحب عزيمة صادقة في ذلك‪ ،‬ثم تترجم هذه الرغبة‬
‫والعزيمة في صورة دعاء وطلب من الله عز وجل بأن يبلغك‬
‫مرادك‪.‬‬

‫ترجمة الرغبة‪:‬‬
‫فإن كانت الخطوة الولى للنتفاع الحقيقي بالقرآن هي‬
‫اشتداد الرغبة‪ ،‬فإن الخطوة التي تليها ‪ ..‬بل تصحبها ‪ ..‬هي‬
‫ترجمة هذه الرغبة بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بأن يفتح‬
‫حسن التأثر به‪.‬‬
‫قلوبنا لنور القرآن‪ ،‬ويُعَّرضها ل ُ‬
‫علينا أن ندعوه – سبحانه – دعاء المضطر الذي يخرج‬
‫دعاؤه من أعماق أعماق قلبه‪ ،‬كالذي تتقاذفه المواج في‬
‫البحر‪ ،‬فأخذ يصارع الغرق‪ ،‬وليس لديه شيء يتعلق به إل أمله‬
‫في الله بأن يستجيب تضرعه‪ ،‬وينقذه من الموت‪.‬‬

‫واعلم – أخي – أن مفتاح الجابة هو‬
‫التضرع والحرقة واستشعار الحتياج‬
‫الماس لله عز وجل‪.‬‬
‫يقول ابن رجب‪ :‬وعلى قدر الحرقة والفاقة تكون إجابة‬
‫الدعاء(‪.)2‬‬
‫وتذكر ‪ -‬أخي ‪ -‬قوله ‪« :‬إن ال ل يستجيب دعاء من قلب غافل له»(‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() مجموع رسائل ابن رجب ‪ 348 -1/343‬باختصار‪.‬‬
‫() الذل والنكسار لبن رجب‪.‬‬
‫() رواه المام أحمد والترمذي‪.‬‬

‫‪170‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫وعلينا أل نكتفي بالدعاء والستغاثة مرة أو مرتين‪ ،‬بل ل بد‬
‫من اللحاح واللحاح على الله بدعاء المضطر مرات ومرات‬
‫حتى ينفتح الباب‪.‬‬
‫فالله عز وجل يسمع دعاءنا‪ ،‬ويقدر على إجابته – وإجابة‬
‫جميع الخلئق – من أول مرة‪ ،‬ولكنه يريد أن يرى منا الصدق‬
‫في الطلب‪ ،‬وأننا جادون فيما ندَّعى‪ ،‬لذلك فهو قد يؤخر الجابة‬
‫اختباًرا لنا‪ ،‬فإن تركنا الباب‪ ،‬وأوقفنا التضرع والدعاء كان ذلك‬
‫علمة وبيَّنة على عدم صدقنا في أننا بحاجة ماسة لجابة ما‬
‫ل طارئة‬
‫نطلبه من الله‪ ،‬وأن المر ل يعدو أن يكون رد فعل لحا ٍ‬
‫عشنا معها‪ ،‬وتأثرنا بها تأثًرا لحظيًا‪ ،‬لذلك يقول ‪« :‬يُستجاب‬
‫لحدكم ما ل يعجل‪ ،‬يقول‪ :‬دعوت فلم يُستجب ل»(‪.)1‬‬

‫‪1‬‬

‫() متفق عليه‪.‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪171‬‬

‫ولنعلم جميعًا بأننا لو وصلنا لحالة‬
‫الضطرار والحرقة عند الدعاء مرات‬
‫ومرات‪ ،‬فإن الباب – يقينًا – سيُفتح‪،‬‬
‫والشيطان سيخنس‪ ،‬وشمس القرآن‬
‫ستشرق في قلوبنا بنور ربها‪.‬‬
‫ومن أهم أوقات اللحاح على الله ودعائه دعاء المضطر هو‬
‫ذلك الوقت الذي يسبق قراءة القرآن‪ ،‬فاللحاح الحار في هذا‬
‫الوقت من شأنه أن يهيئ القلب لستقبال القرآن استقبالً‬
‫حا‪.‬‬
‫صحي ً‬
‫ي لَهُ الدّينَ‬
‫خلِصِ َ‬
‫فكما يقول تعالى‪ :‬وَمَا يَتَ َذ ّك ُر ِإلّ مَن يُنِيبُ فَا ْدعُوا الَ ُم ْ‬

‫[غافر‪.]14 ،13 :‬‬

‫ومنها كذلك تلك الوقات التي تستغلق فيها أبواب فهم‬
‫اليات علينا‪.‬‬
‫يذكر الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في سياق هجرة عمر‬
‫بن الخطاب مع عياش ابن ربيعة‪ ،‬وهشام بن العاص – رضي‬
‫ما عن الهجرة‪ ،‬واستطاع‬
‫الله عنهم – (ولقد حبس الكفار هشا ً‬
‫أبو جهل أن يرد عيا ً‬
‫شا إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة ‪..‬‬
‫وقد كان شائعًا بين المسلمين أن الله ل يقبل ممن افتتن توبة‪،‬‬
‫وكانوا يقولون ذلك لنفسهم حتى قدم رسول الله المدينة‪،‬‬
‫سهِمْ َل تَ ْقَنطُوا مِن ّر ْحمَ ِة الِ ِإ ّن الَ‬
‫وأنزل الله‪ُ :‬قلْ يَا عِبَا ِديَ الّذِي َن َأ ْسرَفُوا َعلَى أَْنفُ ِ‬
‫يَ ْغ ِفرُ الذّنُوبَ َجمِيعًا إِنّهُ ُهوَ الْ َغفُو ُر ال ّرحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَّبكُمْ وََأ ْس ِلمُوا َلهُ مِن قَ ْبلِ أَن يَأِْتَيكُمُ‬
‫صرُونَ وَاتِّبعُوا َأحْسَ َن مَا أُْن ِزلَ إِلَ ْيكُم مّن رّّبكُم مّن قَ ْبلِ أَن يَأْتَِيكُمُ اْلعَذَابُ‬
‫ب ثُ ّم لَ تُنْ َ‬
‫الْعَذَا ُ‬
‫ش ُعرُونَ [الزمر‪.]55-53 :‬‬
‫بَ ْغتَةً وَأَْنتُمْ َل تَ ْ‬
‫قال عمر‪ :‬وكتبتها وبعثت بها إلى هشام بن العاص‪.‬‬
‫قال هشام‪ :‬فلما أتتني جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها‬
‫وأصوب‪ ،‬ول أفهمها حتى قلت‪ :‬اللهم فهمنيها‪ ،‬فألقى الله في‬
‫قلبي أنها إنما أُنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا‪ ،‬ويقال‬
‫فينا‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله‬

‫‪172‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫بالمدينة(‪.)1‬‬
‫ويقول المام ابن تيمية عن نفسه‪:‬‬
‫ربما طالعت على الية الواحدة نحو مئة تفسير‪ ،‬ثم أسأل‬
‫الله الفهم وأقول‪ :‬يا معلم آدم وإبراهيم علمني‪ .‬وكنت أذهب‬
‫إلى المساجد المهجورة وأمرغ وجهي في التراب‪ ،‬وأسأل الله‬
‫وأقول‪ :‬يا معلم إبراهيم فهمني(‪.)2‬‬

‫فإذا عزم المر‪:‬‬
‫لقد مر علينا في قصة إسلم أسيد بن حضير‪ ،‬قول أسعد بن‬
‫زرارة لمصعب بن عمير عندما رأى أُسيدًا يقبل عليهما بوجه‬
‫غاضبًا‪« :‬أصدق ال فيه»‪.‬‬
‫فلما صدق مصعب الله في أسيد‪ :‬انفتح قلبه‪ ،‬وانشرح‬
‫صدره‪ ،‬وانفرجت أساريره‪ ،‬ودخل في السلم‪.‬‬
‫وهذا هو بيت القصيد‪ :‬أن نصدق الله في طلب النتفاع‬
‫الحقيقي بالقرآن‪.‬‬
‫ل َلكَا َن خَ ْيرًا ّلهُمْ‬
‫‪ ..‬ألم يقل سبحانه‪ :‬فَِإذَا َعزَمَ ال ْمرُ َفلَ ْو صَدَقُوا ا َ‬
‫[محمد‪.]21 :‬‬
‫فالمر قد عزم الن‪ ،‬ول يبقى إل الصدق مع الله‪ ،‬ودوام‬
‫اللحاح عليه‪ ،‬وأن يكون حالنا معه – سبحانه – كحال الطفل‬
‫الذي يريد حاجة من أبيه‪ ،‬فل تجده ييأس أبدًا من طلب حاجته‬
‫رغم رفض أبيه المتكرر ‪ ،‬ويظل الطفل في إلحاحه المستمر‬
‫ويظل أبوه يرفضه حتى يتحول الرفض إلى استجابة أمام ذلك‬
‫السيل من اللحاح‪..‬‬
‫ولله المثل العلى‪ ،‬فلنصدق الله في طلبنا‪ ،‬ولنلح عليه في‬
‫الطلب‪ ،‬فإن تأخرت الجابة فعلينا أل نيأس‪ ،‬فربنا – سبحانه‬
‫وتعالى – أكرم الكرمين‪ ،‬وأجود الجودين‪ ،‬وهو ينتظر منا أي‬
‫‪1‬‬

‫() هجر القرآن ص ‪ ، 157 ،156‬نقل عن البداية والنهاية لبن كثير (‪،3/136‬‬
‫‪.)137‬‬

‫‪2‬‬

‫() رسائل من السجن لبن تيمية ص ‪.5‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪173‬‬

‫التفاتة نحوه ليقبل علينا‪ ،‬فإن تأخر المداد‪ ،‬فلحكمة يعلمها هو‪،‬‬
‫ولخير كبير ينتظرنا شريطة أل نبرح بابه‪ ،‬وأن نستمر في‬
‫اللحاح عليه‪ ،‬مع إظهار عظيم افتقارنا وحاجتنا إلى جوده‪.‬‬

‫‪ ...‬أخي‪:‬‬
‫أتظن أنك إن مَّرغت وجهك في التراب‪،‬‬
‫فاختلط به دمعك‪ ،‬واشتد نحيبك وتضرعك‬
‫إلى الله في طلبك للوصال بين قلبك‬
‫والقرآن‪ ...،‬أتظن أن ربك يعرض عنك‪ ،‬ول‬
‫يستجيب لطلبك؟!‬

‫المحور الثالث‪ :‬الكثار من تلوة القرآن بتفهم وترتيل‬
‫وصوت حزين‬
‫المحور الثالث الذي ينبغي أن يسير جنبا إلى جنب بجوار‬
‫المحورين السابقين هو الكثار من تلوة القرآن بتفهم وترتيل‬
‫وصوت حزين‪.‬‬
‫وقبل أن نتحدث عن الوسائل العملية المعينة على الفهم‬
‫والتأثر بالقراءة ننقل إليك – أخي القارئ‪ -‬بعض تجارب ونصائح‬
‫المصلحين في هذا الشأن‪.‬‬

‫محمد إقبال‪:‬‬
‫يقول أبو الحسن الندوي‪ :‬لقد كانت قراءة محمد إقبال‬
‫للقرآن قراءة تختلف عن قراءة الناس‪ ،‬ولهذه القراءة‬
‫الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن‪ ،‬واستطعامه إياه‪.‬‬
‫وقد حكى قصته لقراءة القرآن‪ .‬قال‪« :‬قد كنت تعمدت أن‬
‫أقرأ القرآن بعد صلة الصبح كل يوم‪ ،‬وكان أبي يراني‪،‬‬
‫فيسألني‪ :‬ماذا أصنع؟ فأجيبه‪ :‬أقرأ القرآن‪ ،‬وظل على ذلك‬
‫ثلث سنوات متتاليات يسألني سؤاله‪ ،‬فأجيبه جوابي‪ ،‬وذات يوم‬
‫قلت له‪ :‬ما بالك يا أبي! تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابًا‬
‫واحدًا‪ ،‬ثم ل يمنعك ذلك عن إعادة السؤال من غدٍ؟ فقال‪ :‬إنما‬
‫أردت أن أقول لك‪ :‬يا ولدي؛ اقرأ القرآن كأنما نَُّزل عليك‪ .‬ومنذ‬
‫ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه‪ ،‬فكان من أنواره ما‬

‫‪174‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫اقتبست‪ ،‬ومن درره ما نظمت»(‪.)1‬‬

‫حسن البنا‪:‬‬
‫من وصايا المام حسن البنا في كيفية النتفاع بالقرآن‪:‬‬
‫مكث وتمهُّل‪،‬‬
‫«واجتهد أن تقرأ في الصلة وغيرها على ُ‬
‫وخشوع وتذلل‪ ،‬وأن تقف على رؤوس اليات‪ ،‬وتعطي التلوة‬
‫حقها من التجويد والنغمات‪ ،‬من غير تكلف ول تطريب‪ ،‬أو‬
‫اشتغال باللفاظ عن المعاني‪ ،‬مع رفع الصوت المعتدل في‬
‫التلوة العادية أو الصلة الجهرية‪ ،‬فإن ذلك يُعين على الفهم‪،‬‬
‫ويثير ما غاص من شآبيب الدمع‪ ،‬وما نفع القلب شيء أفضل‬
‫من تلوة في تدبر وخشوع»(‪.)2‬‬
‫وكان يُصدِّر مقاله السبوعي التفسيري بجريدة الخوان‬
‫السبوعية بعبارة موضوعة في برواز يقول فيها‪:‬‬
‫«بين القرآن وبين القلوب المؤمنة صلة قوية‪ ،‬يفتح أمامها‬
‫خزائن أسراره‪ ،‬فرجاؤنا للقارئ الكريم أن يتلو اليات مرارا‪،‬‬
‫مستحضًرا قلبه‪ ،‬محاول ً الوصول إلى معناها قبل قراءة‬
‫التفسير‪ ،‬ثم يقرؤه بعد ذلك‪ ،‬فسيعرف بذلك كيف يتفهم كتاب‬
‫الله من غير واسطة»(‪.)3‬‬

‫سيد قطب‪:‬‬
‫أما سيد قطب ‪-‬رحمه الله‪ -‬فقد تحدث كثيًرا عن القرآن وكيفية‬
‫النتفاع به‪ ،‬فمن أقواله‪:‬‬
‫إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ‪ ،‬وأن يُتلقى من أجيال المة‬
‫المسلمة بوعي‪ ،‬وينبغي أن يُتدبر على أنه توجيهات حية‪ ،‬تتنزل‬
‫اليوم‪ ،‬لتعالج مسائل اليوم‪ ،‬ولتنير الطريق إلى المستقبل‪ .‬ل‬
‫على أنه مجرد كلم جميل يرتل‪ ،‬أو أنه سجل لحقيقة مضت‬
‫ولن تعود‪.‬‬
‫‪ ..‬ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات‬
‫حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا‪ ،‬كما كانت الجماعة المسلمة‬
‫‪1‬‬

‫() روائع إقبال لبي الحسن الندوي‪ – 39 ،38 /‬دار القلم – دمشق‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() حسن البنا ومنهجه في التفسير‪ -100 /‬دار التوزيع والنشر السلمية –‬
‫مصر‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫() حسن البنا ومنهجه في التفسير‪ -98 /‬دار التوزيع والنشر السلمية‪ -‬مصر‪.‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪175‬‬

‫الولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها‬
‫الواقعة‪..‬‬
‫وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد‪ .‬وسنجد‬
‫فيه عجائب ل تخطر على البال الساهي! سنجد كلماته وعباراته‬
‫وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق‪..‬‬
‫وتقول لنا حديثا طويل ً مفصل ً دقيقًا في كل ما يعرض لنا من‬
‫الشؤون ‪ ..‬وسنجد عندئذ في القرآن متاعًا وحياة‪ ،‬وسندرك‬
‫معنى قوله تعالى‪ :‬يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا اسَْتجِيبُوا لِ وَلِل ّرسُو ِل ِإذَا َدعَاكُم ِلمَا‬
‫ُيحْيِيكُمْ [النفال‪.)1( ]24 :‬‬

‫أبو الحسن الندوي‪:‬‬
‫ويتحدث الندوي عن تجربته مع القرآن فيقول‪ :‬إن للمؤلف‬
‫صا‪ ،‬في صدد الصلة الشخصية‬
‫تجربة عملية‪ ،‬واقترا ً‬
‫حا مخل ً‬
‫المباشرة بالقرآن الكريم‪ ،‬والعلقة القوية معه‪ ،‬وتذوقه‬
‫والتجاوب معه‪ ،‬والستفادة منه أكثر وأكثر‪ ،‬والتقرب به إلى‬
‫الله‪ ،‬والرقي عن طريقه في مدارج التوفيق‪.‬‬
‫وهو أنه ينبغي أن يشتغل بالقرآن – قدر المستطاع –‬
‫مباشرة بدون وساطة‪ ،‬ويتلو متنه أكثر ما يمكن‪ ،‬ويستمتع‬
‫َ‬
‫صل‬
‫بقراءته‪ ،‬ويتذوق ويتدبر في معانيه‪ ،‬فإذا كان القارئ قد ح ّ‬
‫من العربية ما يحتاج إليه‪ ،‬وتمكن من فهم القرآن الكريم‬
‫مباشرة‪ ،‬فعليه بقراءته وفهمه مباشرة‪ ،‬وإل فليرجع إلى‬
‫الحواشي والملحظات التفسيرية المختصرة‪ ،‬ويحاول تلوة‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وفهمه وتدبره وتذوقه من دون اعتماد وتعويل‬
‫دائم على تفسير إنساني ومراجعة كثيرة لكتب التفاسير‪،‬‬
‫ويكتفي بذلك إلى مدةٍ ما من الزمن‪ ،‬ويحمد الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬على‬
‫ما يفتحه عليه من فهم كتابه‪ ،‬وما يوفق إليه من تلوته‪ ،‬حمدًا‬
‫كثيًرا(‪.)2‬‬

‫وسائل عملية معينة على النتفاع بالقرآن‪:‬‬
‫وبعد أن نقلنا لك – أخي القارئ – بعض تجارب ووصايا‬
‫المصلحين في كيفية النتفاع بالقرآن يبقى الحديث عن‬
‫‪1‬‬

‫() في ظلل القرآن‪ -261 /1 :‬دار الشروق – مصر‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫() المدخل إلى الدراسات القرآنية لبي الحسن الندوي ص ‪.107‬‬

‫‪176‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الوسائل المعينة لتحقيق الوصال بين القلب والقرآن بصورة‬
‫عملية‪ ،‬ولقد تم ذكر هذه الوسائل بشيء من التفصيل في‬
‫كتاب «بناء اليمان من خلل القرآن»‪ ،‬وكتاب «حقيقة‬
‫العبودية»‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬ولتمام الفائدة‪ ،‬نذكرها هنا باختصار‪:‬‬
‫أولً‪ :‬اللحاح على الله عز وجل بأن يفتح قلوبنا لنوار‬
‫كتابه‪ ،‬وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر‪،‬‬
‫ولقد تقدم الحديث عن أهمية اللحاح على‬
‫الله في المحور الثاني‪ ،‬ونعيد ذكره هنا‬
‫باعتبار أن القيام به أمر ضروري قبل‬
‫الشروع في تلوة القرآن وذلك لهميته‬
‫وفائدته العظيمة في استثارة مشاعر الرغبة‬
‫في النتفاع بالقرآن‪ ،‬وتهيئة القلب‬
‫لستقباله‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬الكثار من تلوة القرآن‪ ،‬وإطالة فترة المكث معه‪،‬‬
‫وعدم قطع القراءة بأي أمر من المور ‪-‬ما‬
‫أمكن ذلك‪ -‬حتى ل نخرج من جو القرآن‪،‬‬
‫وسلطان الستعاذة‪ ،‬خاصة في البداية‪ ،‬ويُفضل‬
‫أن يكون اللقاء بالقرآن في مكان هادئ ‪-‬قدر‬
‫المستطاع‪ -‬وبعيدًا عن الضوضاء ليساعد المرء‬
‫على التركيز وعدم شرود الذهن‪ ،‬ول ننسى‬
‫ضا من‬
‫الوضوء والسواك قبل القراءة فهي أي ً‬
‫المعينات‪.‬‬

‫ثالثًا‪ :‬القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل‪:‬‬

‫َ‬
‫فالترتيل له وظيفة كبيرة في الط ّْرق على‬
‫المشاعر ومن ث َّ‬
‫م استثارتها وتجاوبها مع‬
‫الفهم الذي سيولده التدبر‪ ،‬لينشأ بذلك‬
‫اليمان حينما يتعانق الفهم مع التأثر‪.‬‬

‫وهنا تبرز أهمية تعلم أحكام التلوة حتى‬
‫تتحقق الفائدة من الترتيل‪ .‬فل بد وأن يجتهد‬
‫كل منا في تعلم أحكام التلوة والنطق‬
‫الصحيح لليات في أسرع وقت حتى يتسنى‬
‫له النتفاع بالقرآن‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬القراءة الهادئة الحزينة‪ :‬علينا ونحن نرتل القرآن‪،‬‬

‫الفصل السابع‪ :‬كيف يحدث الوصال‬

‫‪177‬‬

‫أن نُعطي الحروف والغُنَّات والمدود حقها‬
‫حتى يتيسر لنا معايشة اليات وتدبرها‬
‫والتأثر بها‪ ،‬وعلينا كذلك أن نقرأ القرآن‬
‫بصوت حزين لستجلب التأثر‪.‬‬
‫سا‪ :‬الفهم الجمالي لليات من خلل إعمال العقل‬
‫خام ً‬
‫في تفهم الخطاب‪ ،‬وهذا يستلزم منا التركيز‬
‫التام مع القراءة‪ .‬وليس معنى إعمال العقل‬
‫في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة‬
‫ونتكلف في معرفة معناها وما وراءها‪ ،‬بل‬
‫يكفي المعنى الجمالي الذي تدل عليه الية‬
‫حتى يتسنى لنا السترسال في القراءة ومن‬
‫ث َّ‬
‫م التصاعد التدريجي لحركة المشاعر‬
‫فتصل إلى التأثر والنفعال في أسرع وقت‪.‬‬
‫سا‪ :‬الجتهاد في التعامل مع القرآن كأنه أنزل عليك‪،‬‬
‫ساد ً‬
‫وكأنك المخاطب به‪ ،‬والجتهاد كذلك في‬
‫التفاعل مع هذا الخطاب من خلل الرد على‬
‫السئلة التي تتضمنها اليات‪ ،‬والتأمين عند‬
‫مواضع الدعاء‪ .. ،‬وهكذا‪.‬‬

‫سابعًا‪ :‬تكرار وترديد الية أو اليات التي حدث معها‬
‫تجاوب وتأثر قلبي حتى يتسنى للقلب‬

‫الستزادة من النور الذي يدخل‪ ،‬واليمان‬
‫الذي ينشأ في هذه اللحظات‪ ،‬ويستمر‬
‫ترديد وتكرار تلك الية أو اليات حتى‬
‫يتوقف التأثر والنفعال‪ ،‬فكما قيل‪ :‬الية‬
‫مثل التمرة كلما مضغتها‪ ،‬استخرجت‬
‫حلوتها‪.‬‬

‫ول بأس من وجود تفسير مختصر بجوارنا لجلء شبهة أو‬
‫معرفة معنى دق علينا فهمه‪ ،‬وإن كان من الفضل الرجوع إليه‬
‫بعد انتهاء القراءة حتى ل نخرج من جو القرآن والنفعالت‬
‫الوجدانية التي نعيش في رحابها إل إذا ألحت علينا كلمة نريد‬
‫معرفة معناها في الحال‪.‬‬
‫‪ ..‬فإن داومنا على هذه الوسائل – أخي القارئ – وثابرنا‬

‫‪178‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫عليها وسرنا بها جنبا إلى جنب مع المحورين السابقين (تقوية‬
‫الرغبة واللحاح على الله)‪ ،‬فلنبشر جميعًا بقرب شروق شمس‬
‫القرآن على قلوبنا لتبدأ معها حياة جديدة تكسوها السكينة‬
‫والطمأنينة‪ ،‬وروح جديدة وثابة تواقة لفعل الخير‪ ،‬وأهم من هذا‬
‫كله التجلبب بجلباب العبودية‪ ،‬والرضا بالله ربا‪ ،‬والكتفاء به‪،‬‬
‫والستغناء عن الناس‪.‬‬
‫‪ ..‬كل هذا‪ ،‬أخي الحبيب ‪،‬وغيره من الثمار العظيمة ينتظرنا‬
‫سنَّا القبال على القرآن وداومنا على ذلك‪.‬‬
‫جميعًا إن نحن أح َ‬
‫فكلما أعطينا للقرآن حقه أعطانا من خيره وكنوزه التي ل‬
‫ما‪ ،‬تكتب ما يحمله‬
‫نهاية لها‪ ،‬فلو كان البحر مدادًا والشجار أقل ً‬
‫ن هادية‪ ،‬لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار‬
‫كلم الله من معا ٍ‬
‫ومعاني هذا الكلم‪.‬‬
‫وأعلم ‪-‬أخي‪ -‬بأننا إذا أحسنَّا القبال على القرآن‪ ،‬وأكثرنا‬
‫من تلوته بالليل والنهار‪ ،‬فسنجد – بعون الله – لذة المناجاة‪،‬‬
‫وسنأنس بكلم الله أكثر من أُنسنا بأي شيء آخر‪ ،‬وستأتينا‬
‫الفتوحات من حيث ل نحتسب‪.‬‬
‫***‬

‫كلمة أخـــيرة‬
‫لكل مســــــلم‬

‫‪180‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫كلمة أخيرة لكل مسلم‬
‫أخي‪...‬‬
‫هل تبحث مثلي عن السعادة والطمأنينة وراحة البال؟!‬
‫هل تتوق إلى الربانية والقرب من الله؟!‬
‫هل تريد لقلبك أن يحيا حياته الحقيقية؟!‬
‫ها هو القرآن يدعونا جميعًا لذلك يَا أَّيهَا الّذِي َن آمَنُوا اسَْتجِيبُوا لِ‬
‫وَلِل ّرسُولِ ِإذَا َدعَاكُم ِلمَا ُيحْيِيكُمْ [النفال‪.]24 :‬‬
‫إن القرآن ينبت اليمان في القلوب مهما بلغت قسوتها‪،‬‬
‫ويُشربها محبة الله‪ ،‬وخشيته‪ ،‬ومهابته حتى يصير حبه – سبحانه‬
‫– أحب الشياء إليها‪ ،‬وخشيته أخوف الشياء لديها‪.‬‬
‫‪ ..‬إنه روح القلوب وقوتها ‪ ..‬من فقده فقد أضاع على نفسه‬
‫فرصة عظيمة للحياة الحقيقية‪ ،‬والسعادة‪ ،‬والرضا‪ ،‬ودخول جنة‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫واعلم أخي أن هذا ليس كلما نظريا إنشائيًا تُسوَّد به‬
‫الصفحات‪ ،‬بل هو حقيقة ل ينقص ظهورها في عالم الواقع‬
‫سوى أن نتخذ القرار الن بالنتفاع الحقيقي بالقرآن‪.‬‬
‫‪ ..‬نعم‪ ،‬الن علينا أن نعزم على ذلك‪ ،‬ثم نتجه إلى الله‬
‫نتضرع إليه ونستغيث به استغاثة المشرف على الغرق بأن يفتح‬
‫قلوبنا لنوار القرآن‪..‬‬
‫ثم نقبل مباشرة على القرآن نقرؤه قراءة جديدة ‪ ..‬قراءة‬
‫الباحث عن الهداية والشفاء والتغيير‪ ،‬وأن نداوم على ذلك ما‬
‫وسعنا الوقت والجهد‪.‬‬
‫فيقينا إن ثابرنا على ذلك فستشرق قلوبنا بنور القرآن‪،‬‬
‫ستد ُّ‬
‫ب الروح في صدورنا‪ ،‬لتبدأ الحياة الجديدة‪ ،‬والولدة‬
‫و َ‬
‫الحقيقية ‪ ..‬ولدة القلب الحي الذي إذا ما وُجد‪ُ :‬وجدت معه‬
‫أسباب النجاح والفلح جميعًا‪.‬‬
‫وتذكر أخي أن صلح المة متوقف على صلحي وصلحك‪،‬‬
‫وصلحنا لن يكون إل باليمان أول‪ ،‬والقرآن هو العمود الفقري‬
‫لهذا اليمان‪.‬‬

‫كلمة أخيرة لكل مسلم‬

‫‪181‬‬

‫فماذا ننتظر بعد ذلك؟!‬
‫ماذا ننتظر وقد دخلت المة إلى الغار‪ ،‬وقد سقطت صخرة‬
‫عظيمة فأغلقت بابه‪ ،‬والكل يستصرخ وينادي‪ :‬هل إلى خروج‬
‫من سبيل؟‬
‫فهل نكتفي بارتداء الكفان‪ ،‬و انتظار الموت‪ ،‬أم نبحث عن‬
‫مخرج من هذا الغار؟!‬
‫إن الدليل الذي سيقودنا إلى الخروج موجود لكنه مهجور‪.‬‬
‫إن القائد الذي نبحث عنه قريب منا‪ ،‬وأهل لخراجنا من‬
‫الغار‪.‬‬
‫إنه القرآن ‪ ..‬إي وربي القرآن‪..‬‬
‫هكذا أخبرنا ربنا وأرشدنا نبينا ‪.‬‬
‫فهيا يا أخي ‪ ..‬هيا نبدأ بأنفسنا أول ً فنأخذ الدواء‪ ،‬و نزحزح‬
‫الصخرة لنخرج من الغار ونرى شمس النهار‪ ،‬ونستنشق النسيم‬
‫النقي‪ ،‬فيحيا القلب‪ ،‬وتسكن النفس‪ ،‬ثم نعود لنأخذ بأيدي‬
‫إخواننا فنخرجهم من هذه الظلمات بإذن الله‪.‬‬
‫أل قد بلغت‪ ،‬اللهم فاشهد‪.‬‬
‫وص َّ‬
‫ل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫***‬

‫‪182‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫المراجـــــــــع‬
‫ القرآن الكريم‪.‬‬‫ التقان في علوم القرآن – جلل الدين السيوطي – دار الندوة الجديدة –‬‫بيروت‪.‬‬
‫ إحياء علوم الدين – أبو حامد الغزالي – دار الحديث – ط ‪1412 – 1‬هـ‪.‬‬‫ أخلق حملة القرآن – أبو بكر الجرى – دار الكتاب العربي – لبنان‪.‬‬‫ استنشاق نسيم النس – ابن رجب الحنبلي – المكتب السلمي – ط ‪-1‬‬‫‪1411‬هـ‪.‬‬
‫ إغاثة اللهفان – ابن قيم الجوزية – المكتب السلمي – بيروت – ط ‪-2‬‬‫‪1409‬هـ‪.‬‬
‫ النتصار للقرآن – القاضي الباقلني – دار ابن حزم – بيروت – تحقيق د‪ .‬محمد‬‫عصام القضاه‪.‬‬
‫ آيات الخشوع في القرآن – عبد الله المغربي – بيت الفكار الدولية – الردن‪.‬‬‫البداية والنهاية – الحافظ ابن كثير – دار الفجر للتراث – القاهرة – ط ‪-1‬‬‫‪.2003‬‬
‫ البرهان في علوم القرآن – الزركشي – دار الحديث – القاهرة – ‪1427‬هـ‪.‬‬‫ التبيان في أقسام القرآن – ابن قيم الجوزية – دار اليمان – السكندرية‪.‬‬‫ التحفة العراقية في العمال القلبية– ابن تيمية – المطبعة السلفية – القاهرة –‬‫ط ‪.1402 -3‬‬
‫ تدبر القرآن – سليمان بن عمر السنيدي – المنتدى السلمي – ط ‪-1‬‬‫‪1422‬هـ‪.‬‬
‫ التوحيد والوساطة في التربية الدعوية – فريد النصاري – دار الكلمة –‬‫المنصورة – مصر‪.‬‬
‫ التذكار في أفضل الذكار – القرطبي – مكتبة دار البيان – دمشق – ط ‪-3‬‬‫‪1407‬هـ‪.‬‬
‫ التصوير الفني في القرآن – سيد قطب – دار الشروق – القاهرة‪.‬‬‫ التعبير القرآني والدللة النفسية – عبد الله الجيوسي – دار الغوثاني – دمشق‬‫– ط ‪.2007 -2‬‬
‫ تفسير القرآن العظيم – الحافظ ابن كثير – مكتبة العبيكان – بيروت – ط ‪-2‬‬‫‪1417‬هـ‪.‬‬
‫ تفسير سورة الفاتحة وجزء عم – المام محمد عبده – الهيئة العامة لقصور‬‫الثقافة – مصر‪.‬‬
‫ تلبيس إبليس – ابن الجوزي – المطبعة المنيرية – القاهرة‪.‬‬‫ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلم المنان‪ -‬عبد الرحمن السعدي –‬‫مؤسسة الرسالة – ط ‪1420 -1‬هـ‪.‬‬
‫ جامع بيان العلم وفضله – ابن عبد البر –دار ابن الجوزي – السعودية ط ‪-3‬‬‫‪.1997‬‬
‫ الجامع لحكام القرآن – القرطبي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط ‪– 5‬‬‫‪1417‬هـ‪.‬‬

‫المراجـــــــــــع‬

‫‪183‬‬

‫ جامع العلوم والحكم – ابن رجب الحنبلي – دار ابن الجوزي‪ -‬السعودية – ط ‪-2‬‬‫‪1420‬هـ‪.‬‬
‫ حديث القرآن عن القرآن – محمد الراوي – مكتبة العبيكان – الرياض – ط ‪– 1‬‬‫‪1415‬هـ‪.‬‬
‫ حسن البنا ومنهجه في التفسير – دار التوزيع والنشر السلمية – القاهرة‪.‬‬‫ الحوادث والبدع – أبو بكر الطرطوشي – دار المغرب السلمي – ط ‪– 1‬‬‫‪1410‬هـ‪.‬‬
‫ حياة الصحابة – محمد يوسف الكاندهلوي – شركة الرياض – السعودية‪ -‬ط ‪-1‬‬‫‪.1998‬‬
‫ الدر المنثور في التفسير بالمأثور – للسيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت –‬‫ط ‪2000 – 1‬م‪.‬‬
‫ الذل والنكسار للعزيز الجبار – ابن رجب – مكتبة التوعية السلمية – القاهرة‬‫– ط ‪1414 -1‬هـ‪.‬‬
‫ رسائل من السجن لبن تيمية – دار الرقم – الكويت – ط ‪.1407 -3‬‬‫ رهبان الليل – سيد العفاني – مكتبة ابن تيمية – القاهرة – ط ‪1418 -4‬هـ‪.‬‬‫ روائع إقبال – أبو الحسن الندوي – دار القلم – دمشق – ط ‪1420 -1‬هـ‪.‬‬‫ زاد المعاد في هدى خير العباد – ابن القيم – مؤسسة الرسالة – بيروت‪.‬‬‫ الزهد – عبد الله بن المبارك – تحقيق أحمد فريد – دار العقيدة – السكندرية –‬‫ط ‪.1425 -14‬‬
‫ الزواجر عن اقتراف الكبائر – ابن حجر المكي الهيثمي – دار الشعب – القاهرة‬‫– ‪1400‬هـ‪.‬‬
‫ سلسلة الحاديث الصحيحة – محمد ناصر الدين اللباني – مكتبة المعارف –‬‫الرياض – ‪1415‬هـ‪.‬‬
‫ سلسلة الحاديث الضعيفة – محمد ناصر الدين اللباني – مكتبة المعارف –‬‫الرياض‪.‬‬
‫ سير أعلم النبلء – الحافظ الذهبي – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط ‪-1‬‬‫‪1429‬هـ‪.‬‬
‫ السنة ومكانتها في التشريع السلمي – مصطفى السباعي – المكتب‬‫السلمي – بيروت – ط ‪.1405– 4‬‬
‫ السيرة النبوية – ابن هشام – دار التراث العربي – القاهرة‪.‬‬‫ سنن الدارمي – دار المعرفة – بيروت – ط ‪1421 -1‬هـ‪.‬‬‫ صحيح الجامع الصغير وزيادته –اللباني – المكتب السلمي – دمشق – ط ‪-3‬‬‫‪.1408‬‬
‫ صحيح مسلم بشرح النووي – دار المعرفة – بيروت – ط ‪1417 -3‬هـ‪.‬‬‫ صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن الكريم‪ -‬أنس أحمد كرزون –‬‫دار ابن حزم – بيروت‪.‬‬
‫ عظمة القرآن الكريم – محمود الدوسري – دار ابن الجوزي – السعودية – ط‬‫‪1426 -1‬هـ‪.‬‬
‫ عون المعبود شرح سنن أبي داود – شمس الحق آبادي – دار الكتب العلمية –‬‫بيروت ط ‪1410 -1‬هـ‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫ فتح الباري– ابن حجر العسقلني – دار الكتب العلمية – بيروت – ط ‪-1‬‬‫‪1410‬هـ‪.‬‬
‫ فضائل القرآن – أبو عبيد القاسم الهروي – دار ابن كثير – دمشق – ط ‪-2‬‬‫‪1420‬هـ‪.‬‬
‫ فضائل القرآن – ابن كثير – دار المعرفة – بيروت – ط ‪1407 -2‬هـ‪.‬‬‫ فضائل القرآن – ابن الضريس – دار الفكر – دمشق‪.‬‬‫ فضائل سور القرآن الكريم – إبراهيم على السيد عيسى – دار السلم –‬‫القاهرة – ط ‪.2005 -2‬‬
‫ فضائل القرآن – للفريابي – مكتبة الرشد – الرياض – ط ‪1421 -2‬هـ‪.‬‬‫ فضائل القرآن – المستغفري – تحقيق أحمد إسلوم‪ -‬دار ابن حزم – بيروت –‬‫ط ‪2006 1‬م‪.‬‬
‫ فضل علم السلف على الخلف ‪ -‬ابن رجب الحنبلي ‪ -‬دار الحديث‪ -‬القاهرة‪.‬‬‫ في ظلل القرآن – سيد قطب – دار الشروق – القاهرة – ط ‪ 1408 -15‬هـ‪.‬‬‫ فقة السيرة – محمد الغزالي – دار القلم – دمشق – ط ‪ 1416 -6‬هـ‪.‬‬‫ فيض القدير شرح الجامع الصغير – المناوي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط‬‫‪ 1415 -1‬هـ‪.‬‬
‫ قاعدة في فضائل القرآن – ابن تيمية – مكتبة الظلل – الحساء – السعودية‪.‬‬‫ كليات رسائل النور – إشارات العجاز – النورسي – شركة سوزلر‪ -‬القاهرة‪ -‬ط‬‫‪2004 -1‬م‪.‬‬
‫ كليات رسائل النور – سيرة ذاتية – النورسي – شركة سوزلر – القاهرة – ط‬‫‪.2004 -4‬‬
‫ كيف نتعامل مع القرآن؟ ‪ -‬محمد الغزالي – دار الوفاء – مصر – ط ‪1412 -2‬‬‫هـ‪.‬‬
‫ كيف نتعامل مع القرآن العظيم – يوسف القرضاوي – دار الشروق – مصر‪.‬‬‫ كن كابن آدم – جودت سعيد – دار الفكر – دمشق – ط ‪.1419 -1‬‬‫ لمحات النوار ونفحات الزهار – الغافقي – دار البشائر السلمية – بيروت –‬‫ط ‪1997 -1‬م‪.‬‬
‫ لمحات من تاريخ السنة – عبد الفتاح أبو غدة – مكتب المطبوعات السلمية –‬‫حلب – ط ‪– 1‬‬
‫ مباحث في علوم القرآن – مناع القطان – مؤسسة الرسالة – ط ‪1407 -21‬‬‫هـ‪.‬‬
‫ مجموع رسائل ابن رجب – الفاروق الحديثة – شبرا – القاهرة – ‪2002‬م‪.‬‬‫ المحاور الخمسة في القرآن – محمد الغزالي – دار الوفاء – مصر – ط ‪-2‬‬‫‪.1989‬‬
‫ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد – الهيثمي – دار الكتب العلمية – بيروت ‪1408 -‬‬‫هـ‪.‬‬
‫ مدارج السالكين – ابن قيم الجوزية – دار الكتب العلمية – بيروت‪.‬‬‫ مختصر قيام الليل – محمد بن نصر المروزي – مؤسسة الرسالة – ط ‪-2‬‬‫‪ 1414‬هـ‪.‬‬
‫‪ -‬المدخل لدراسة القرآن الكريم – محمد أبو شهبة‪ .‬طبعة خاصة بالمؤلف‪.‬‬

‫المراجـــــــــــع‬

‫‪185‬‬

‫ المدخل إلى الدراسات القرآنية – أبو الحسن الندوي – مؤسسة الرسالة –‬‫بيروت – ط ‪.2004 -1‬‬
‫ المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز – أبو شامة – دار صادر –‬‫بيروت – ‪1975‬م‪.‬‬
‫ مع القرآن وحملته في حياة السلف الصالح – عبيد الشعبي – دار الوطن للنشر‬‫– السعودية‪.‬‬
‫ معالم في الطريق – سيد قطب – دار الشروق – القاهرة – ط ‪ 1403 -10‬هـ‪.‬‬‫ المعجزة القرآنية – محمد حسن هيتو – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط ‪-3‬‬‫‪ 1419‬هـ‪.‬‬
‫ مقدمة في أصول التفسير – ابن تيمية – دار التراث السلمي القاهرة‪.‬‬‫ مقومات التصور السلمي – سيد قطب – دار الشروق – القاهرة‪.‬‬‫ منهج السلف في العناية بالقرآن الكريم – بدر ناصر البدر – دار الفضيلة –‬‫المنصورة– ط ‪ 1424 -1‬هـ‪.‬‬
‫ نظرية العجاز القرآني – أحمد سيد عمار – دار الفكر – دمشق – ط ‪-1‬‬‫‪.1998‬‬
‫ نظرات في كتاب الله للمام الشهيد حسن البنا – جمع عصام تليمة – دار‬‫التوزيع والنشر – القاهرة‪.‬‬
‫ هجر القرآن (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن)‪ -‬محمد فتحي‪ ،‬محمود الملح‬‫– دار طيبة الخضراء – مكة‪.‬‬
‫ مجلة زهور المصرية – العدد ‪ – 78‬السنة السابعة – ربيع الخر ‪ -1428‬مايو‬‫‪.2007‬‬
‫ مجلة الخوان المسلمين – العدد (‪ )21‬السنة الولى ‪ -18-‬رمضان – ‪1362‬هـ‬‫‪ 18 -‬سبتمبر – ‪ ،1943‬نقل من موقع إخوان أون لين‪.‬‬

‫***‬

‫‪186‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫الفهرس‬
‫المقدمة‪3.................................................... .......‬‬
‫قبل أن تقرأ هذه الصفحات‪5...................................‬‬

‫الفصل الول‪ :‬الصخرة أغلقت الغار فهل إلى خروج من‬
‫سبيل؟!‬
‫المة‪1 0 ........................................ ..........‬‬

‫فصيلة دم‬
‫مشكلتنا إيمانية‪1 1 .................................. ................‬‬
‫العمود الفقري لليمان‪1 2 ....................... ..................‬‬
‫صنعوا ها هنا‪1 3 ............................ ...................‬‬
‫إنهم ُ‬
‫القرآن مخرجنا‪1 4 ..................................................‬‬
‫أين السنة؟!‪1 5 ................................................. .....‬‬
‫القرآن والعمال الصالحة الخرى‪1 7 ............................‬‬
‫هل أدرك المسلمون قيمة القرآن؟!‪1 8 ........................‬‬
‫الرسول يشكونا‪2 0 ......................... ........................‬‬
‫فما الحل في هذه الشكالية؟!‪2 0 ...............................‬‬
‫اليمان بالقرآن هو البداية‪2 3 .....................................‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬حبل الود‬
‫الواسعة‪2 9 .................................. ...............‬‬

‫الرحمة‬
‫جحود النسان‪3 1 ...................................................‬‬
‫غواية الشيطان‪32................................. .................‬‬
‫طبيعة المعركة‪3 3 ..................................................‬‬
‫أبواب الشيطان‪34.................................................‬‬
‫الرحيم الودود‪34............................................. .......‬‬
‫لماذا أنزل الله القرآن؟!‪3 5 ...................................... .‬‬
‫المعرفة وحدها ل تكفى‪3 9 ................................ ........‬‬
‫القرآن وإغلق مداخل الشيطان‪3 8 ........................... ...‬‬
‫ابن القيم وتجربته مع القرآن‪3 9 .................................‬‬
‫إصلح الرادة‪3 9 ....................................................‬‬

‫الفهـــــــــــــــرس‬

‫‪187‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬روح القلوب وقوتها‬
‫القلوب‪4 4 ........................................‬‬

‫روح تسرى في‬
‫من دخل فيه فهو آمن‪4 5 .................................... ......‬‬
‫تأثير يُدرك ول يمكن وصفه‪4 6 ................................... .‬‬
‫من مظاهر تأثير القرآن‪4 7 ................................ ........‬‬
‫خشوع الجبال وتصدعها‪4 7 ............................ ............‬‬
‫القشعريرة والسجود‪4 8 ...........................................‬‬
‫أجيبوا داعي الله‪5 0 ................................................‬‬
‫تأثير القرآن على مشركي مكة‪5 0 ..............................‬‬
‫الوليد بن المغيرة‪5 1 ...............................................‬‬
‫اعترافات عتبة بن ربيعة‪5 2 .......................................‬‬
‫السجود الجماعي‪5 3 ...............................................‬‬
‫خوف المشركين من فتنة نسائهم وأولدهم بسماعهم للقرآن‬
‫‪5 3 ....................................................... ..............‬‬
‫القرآن كان السبب الول لسلم الوائل‪5 5 ....................‬‬
‫كيف أسلم أسيد بن حضير؟‪5 6 ..................................‬‬
‫الدليل الدامغ‪5 7 ....................................................‬‬
‫أمة عجيبة‪58........................ ................................‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬الرسول والقرآن‬
‫‪6 4 ..........................................‬‬

‫تأثر الرسول بالقرآن‬
‫التأثير العملي السريع‪65..........................................‬‬
‫صفة قراءته‪6 5 ...................................... ................‬‬
‫الحرص على التلوة اليومية‪67.......................... .........‬‬
‫دعوته للناس بالقرآن‪68........................................ ...‬‬
‫صفاء المنبع‪6 9 .............................. ........................‬‬
‫ترغيبه للصحابة في تعلم القرآن‪70.............................‬‬
‫بين لصحاب معاني القرآن‪7 1 .........................‬‬
‫النبي‬
‫ل بديل عن التفهم والتدبر‪7 3 ..................... ................‬‬
‫متابعته لصحابه‪7 6 .................................................‬‬

‫‪188‬‬
‫الوصية‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬
‫بالقرآن‪7 8 .............................. ....................‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬النموذج العملي والدفعة الولى لمدرسة‬
‫القرآن‬
‫الصحابة ‪8 4 ...................‬‬

‫الثر المباشر للقرآن في سلوك‬
‫أل تحبون أن يغفر الله لكم؟!‪85.............................. ...‬‬
‫أعرض عن الجاهلين‪85..................................... .......‬‬
‫أقرضت ربي حائطي‪85...........................................‬‬
‫ثابت بن قيس من أهل الجنة‪86.................................‬‬
‫سمعًا لربي وطاعة‪86.............................................‬‬
‫والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت‪87.............................‬‬
‫زينوا القرآن بالفعال‪88................................. ...........‬‬
‫انشغال الصحابة بالقرآن ومحافظتهم على وردهم اليومي ‪8 9‬‬
‫كيف كانوا يحفظون آيات القرآن؟‪9 2 ...........................‬‬
‫خوف الصحابة على القرآن‪9 4 ...................................‬‬
‫توجيهات ووصايا الصحابة نحو القرآن‪9 6 .......................‬‬
‫تحذيرات الصحابة من رفع القرآن‪98...........................‬‬
‫خوف الصحابة من انشغال الناس بغير القرآن‪9 9 ............‬‬
‫منزلة السنة النبوية‪101............................. ................‬‬
‫لماذا لم تدوَّن السنة في عهد الرسول‪102.....................‬‬
‫موقف الصحابة من الحديث بعد وفاة الرسول ‪1 0 3 ...........‬‬
‫تقييد العلم وكتابته‪104..............................................‬‬
‫من آثار هجر القرآن‪106..................... .......................‬‬
‫بناء اليمان من خلل القرآن‪107...................... ............‬‬
‫إعادة ترتيب الولويات‪109.........................................‬‬

‫الفصل السادس‪ :‬لماذا لم ننتفع بالقرآن؟!‬
‫هل اللغة هي السبب؟!‪114........................................‬‬
‫تفسير ل يعذر أحد بجهالته‪116....................................‬‬
‫المرونة في النص القرآني‪118....................................‬‬
‫محمد إقبال‪120...................... ................................‬‬
‫بديع الزمان النورسي‪121..........................................‬‬

‫الفهـــــــــــــــرس‬

‫‪189‬‬

‫النماذج كثيرة‪122....................................................‬‬
‫عودة إلى العصر الول لنزول القرآن‪124.......................‬‬
‫ولكن ما السبب إذن؟!‪125................................. ........‬‬
‫أولً‪ :‬الصورة الموروثة عن القرآن‪127...........................‬‬
‫ثانيًا‪ :‬طول اللف‪1 3 2 ....................... .........................‬‬
‫ثالثًا‪ :‬نسيان الهدف الذي من أجله نزل القرآن‪134............‬‬
‫رابعًا‪ :‬النشغال بفروع العلم والتبحر فيها ‪140.................‬‬
‫سا‪ :‬غياب أثر القرآن‪147......................................‬‬
‫خام ً‬
‫سا‪ :‬كيد الشيطان‪150....................... ...................‬‬
‫ساد ً‬
‫سابعًا‪ :‬مفاهيم وممارسات ساهمت في عدم النتفاع بالقرآن‬
‫‪155....................................................... ..............‬‬
‫الخوف من تدبر القرآن واللقاء المباشر به‪156................‬‬
‫تحصيل الجر والثواب فقط‪1 5 7 ...................................‬‬
‫السراع في حفظ القرآن‪158.....................................‬‬
‫قراءة الحافظ‪1 5 9 ...................................................‬‬
‫حول مفهوم النسيان‪159...........................................‬‬
‫أمراض القلوب‪1 6 0 ............................ ......................‬‬
‫قراءتان للقرآن‪1 6 2 ...................................... ............‬‬
‫التعمق في المعنى‪1 6 3 .............................................‬‬
‫مدة الختم‪1 6 4 ............................... .........................‬‬
‫السماع عندى أفضل!!‪1 6 5 ........................ .................‬‬

‫الفصل السابع ‪ :‬كيف يحدث الوصال بين القلب والقرآن؟!‬

‫اليمان أولً ‪172................................................... ....‬‬
‫نقطة البداية الصحيحة‪173.........................................‬‬
‫أول‪ :‬تقوية الرغبة والدافع للنتفاع الحقيقى بالقرآن‪1 7 5 ......‬‬
‫المحور الثاني‪ :‬اللحاح على الله عز وجل‪178..................‬‬
‫المحور الثالث‪ :‬الكثار من تلوة القرآن بتفهم وترتيل وصوت‬
‫حزين‪183........................................... ...................‬‬
‫وسائل عملية معينة على النتفاع بالقرآن‪1 8 5 ..................‬‬
‫كلمة أخيرة لكل مسلم‪1 9 0 ......................................‬‬

‫‪190‬‬

‫تحقيق الوصال بين القلب والقرآن‬

‫المراجع‪192................................... ........................‬‬
‫الفهرس‪1 9 5 ..........................................................‬‬
‫***‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful