‫التاريخ ‪.............................

‬‬
‫الباضية في موكب ‪1‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الشيخ‬
‫معَ َّ‬
‫مر‬
‫عَلي ي َ ْ‬
‫حيَى ُ‬

‫ضيَّة‬
‫البَا ِ‬

‫ب الت َّ‬
‫ريخ‬
‫ا‬
‫في َ‬
‫وك ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫الحلقة الولى‬
‫نشأة المذهب الباضي‬
‫اعتن بإخراجه‬
‫سلطان بن مبارك بن حد الشيبان‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪2‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ال َّ‬
‫معَ َّ‬
‫شي ْ ُ‬
‫مر‬
‫خ عَلِي ي َ ْ‬
‫حيَى ُ‬

‫ترجمة المؤلف‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪3‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫( ‪– 1919 / 1337 :‬‬
‫‪15 /‬‬
‫‪1400‬‬

‫‪:‬‬

‫‪27‬‬
‫‪) 1980‬‬

‫ولد الشيخ علي يي معمر بدينة نالوت بليبيا ‪ ،‬من عائلة متوسطة الال ‪،‬‬
‫متدينة ومافظة ‪.‬‬
‫كانحت أسحرته تسحكن قريحة « تكويحت » إحدى قرى ضواححي نالوت ‪،‬‬
‫وعندما تأهل للدراسة أدخله والده كتاب القرية الذي كان يشرف عليه الشيخ‬
‫العزا ب عبدال بن م سعود الكباوي ‪ ،‬فأ خذ مبادئ القراءة والكتا بة ‪ ،‬وح فظ‬
‫ق سطا من القرآن الكر ي ‪ .‬ث الت حق بالدر سة البتدائ ية ال ت فتحت ها الكو مة‬
‫اليطالية ‪.‬‬
‫وسرعان ما ظهر نبوغه ‪ ،‬وتلت مواهبه بي زملئه ‪ ،‬ما لفت إليه ن ظر‬
‫أستاذه الشيخ عيسى بن يي البارون الكباوي ‪ ،‬وصادف أن استقدمت ليبيا‬
‫عال ا من علماء جر بة ليدرس الف قه البا ضي وجلة من العلوم الشرع ية ؛ هو‬
‫الش يخ رمضان بن ي ي اللي ن الر ب ‪ ،‬فان ضم إل حلقا ته ولز مه ف أوقات‬
‫فراغه ‪.‬‬
‫و ف سنة ‪1927‬م ر جع الش يخ اللي ن إل جر بة ‪ ،‬فلح قه تلميذه الطموح‬
‫والتحق بلقاته ‪ ،‬ث انتقل بعد ذلك إل صفوف جامع الزيتونة العامر ‪.‬‬
‫و ف سنة ‪1937‬م غادر تو نس ميم ما وج هه ش طر مع هد الياة بالقرارة‬
‫بوادي ميزاب ف الزائر ‪ ،‬وبه حط الترحال ف طلب العلم ‪ ،‬وأقام سبع سنوات‬
‫تتل مذ خللَ ها على مشا يخ من هم ‪ :‬الش يخ إبراه يم بيوض ‪ ،‬والش يخ شري في‬
‫سعيد ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪4‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫آنس منه أساتذته الكفاية العلمية ‪ ،‬فأسندوا إليه مهمة التدريس بالعهد ‪،‬‬
‫فكان طالبحا ومدرسحا فح آن واححد ‪ ،‬ماح سحاعده على التوسحع فح البححث‬
‫والستزادة من العرفة ‪.‬‬
‫أما نشاطه الثقاف فبز بتونس ‪ ،‬ففي إحدى العطل الصيفية قصد جربة ‪،‬‬
‫وكون با جعية من زملئه الطلبة ‪ ،‬تتول المر بالعروف والنهي عن النكر ‪.‬‬
‫وف القرارة برز نشاطه ف التوجيه والرشاد ‪.‬‬
‫كان ينشر مقالته الدينية والدبية والجتماعية والتاريية بختلف الرائد‬
‫والجلت منها ‪:‬‬
‫‪.1‬ملة الشباب ‪ :‬يصدرها طلبة معهد الياة بالقرارة ‪.‬‬
‫‪.2‬ملة السلمون ‪ :‬يصدرها الركز السلمي بنيف ‪.‬‬
‫‪.3‬ملة الزهر ‪ :‬يصدرها ممع البحوث السلمية بأزهر القاهرة ‪.‬‬
‫‪.4‬السبوع السياسي ‪ ،‬والعلم ‪ :‬تصدران بطرابلس الغرب ف ليبيا‬
‫‪.‬‬
‫‪.5‬الرسالة ‪ :‬يصدرها حسن أحد الزيات بالقاهرة ‪.‬‬
‫بذل جهودا معتبة ف تأسيس عدة مؤسسات تربوية ‪ ،‬فأثرت جهوده ‪:‬‬
‫‪.1‬مدرسة ابتدائية ف جادو ‪.‬‬
‫‪.2‬معهدا للمعلمي ساه « معهد الشيخ إساعيل اليطال للمعلمي‬
‫»‪.‬‬
‫‪.3‬مدرسة الفتح بطرابلس ‪ ،‬تديرها جعية الفتح ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪5‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ول قد تدرج ف أرو قة التعل يم من مدرس ‪ ،‬إل مد ير مدر سة ‪ ،‬إل مو جه‬
‫تربوي ( مفتش ) ‪ ،‬إل موظف سام بأمانة التربية والتعليم بالوزارة ‪ ،‬وبقي فيها‬
‫إل حي وفاته ‪.‬‬
‫أ ما ف الجال ال سياسي فيتم ثل ف التحا قه أول ال مر – ب عد رجو عه من‬
‫ليبيا – ف النتساب إل الزب الوطن ‪ ،‬لكن سرعان ما تلى عنه ‪ ،‬لا تقق‬
‫أنه ل فائدة ترجى من هذه الحزاب ‪ ،‬فاعتزل السياية كلية ‪.‬‬
‫كان الشيخ علي يي معمر ولوعا بالدب ؛ شعره ونثره ‪ ،‬قديه وحديثه ‪،‬‬
‫وامتاز بأ سلوب ر صي وأدب رف يع ‪ ،‬ف سبك أشعارا رقي قة ‪ ،‬وح بك مقالت‬
‫فائقة ‪ ،‬وأبدع مسرحيات هادفة ‪.‬‬
‫وزبدة إنتا جه مؤلفات ف التار يخ والف كر ال سلمي ‪ ،‬أشهر ها كتاب «‬
‫الباضية بي الفرق السلمية » الذي أطبقت الفاق شهرته ‪ ،‬وأصبح النموذج‬
‫المثل لروحه السلمية ‪ ،‬ودعوته الكيمة إل توحيد السلمي ‪.‬‬
‫وجلة تآليفه الت عرفت ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬الكتب ‪:‬‬
‫‪«.1‬الباضية ف موكب التاريخ» ف أربع حلقات (مط) ‪:‬‬
‫اللقة الول ‪ :‬نشأة الذهب الباضي ‪.‬‬
‫اللقة الثانية ‪ :‬الباضية ف ليبيا ‪.‬‬
‫اللقة الثالثة ‪ :‬الباضية ف تونس ‪.‬‬
‫اللقة الرابعة ‪ :‬الباضية ف الزائر ‪.‬‬
‫‪«.2‬الباضية بي الفرق السلمية» طبع عدة مرات ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪6‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫‪«.3‬سسر أسسرة مسسلمة» طبحع عدة مرات ‪ ،‬آخرهحا نشحر جعيحة‬
‫التراث ؛ بتحقيق ممد بابا عمي ‪.‬‬
‫‪«.4‬اليثاق الغليظ» ‪.‬‬
‫‪«.5‬الفتاة الليبيسة ومشاكسل الياة» (محط) ‪ ،‬وطبحع كذلك تتح‬
‫عنوان «الفتاة السلمة ومشاكل الياة» بتحقيق أحد كروم ‪.‬‬
‫‪«.6‬القانيم الثلثة أو آلة من اللوى» (مط) ‪.‬‬
‫‪«.7‬السلم والقيم النسانية» ‪.‬‬
‫‪«.8‬فلسطي بي الهاجرين والنصار» ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الرسائل ‪:‬‬
‫‪«.1‬أجوبة وفتاوى» (مط) ‪.‬‬
‫‪«.2‬صلة المعة» (مط) ‪.‬‬
‫‪«.3‬أحكام السفر ف السلم» (مط) ‪.‬‬
‫‪«.4‬م سلم لك نه يلق ويد خن» أل فه بالشتراك مع الش يخ بيوض‬
‫(مط) ‪.‬‬
‫‪«.5‬المر بالعروف والنهي عن النكر» (مخ) ‪.‬‬
‫‪«.6‬القوق ف الموال» (مخ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬البحوث ‪:‬‬
‫‪.1‬مناقشة للشيخ خليل الزوغي (مخ) ‪.‬‬
‫‪.2‬بث قيم حول أجوبة أب يعقوب يوسف بن خلفون ‪.‬‬
‫‪.3‬بث حول الباضية قدمه إل موسوعة الضارة العربية ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪7‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫رابعا ‪ :‬التعاليق والقدمات ‪:‬‬
‫‪«.1‬تعليق على كتاب الصوم» لب زكرياء الناون (مط) ‪.‬‬
‫‪«.2‬تعليق على كتاب النكاح» لب زكرياء الناون (مط) ‪.‬‬
‫‪«.3‬مقدمسة لكتاب سسي مشايسخ نفوسسة» الذي حققحه تلميذه‬
‫الدكتور عمرو خليفة النامي ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬السرحيات ‪:‬‬
‫‪.1‬مسرحية «ذي قار» السياسية ‪.‬‬
‫‪.2‬مسرحية «مسن» ‪.‬‬
‫أما مقالته فمنها النشور ومنها غي النشور ‪ ،‬لو جعت لكانت ملدات ‪.‬‬
‫و قد ابتلي ف أوا خر حيا ته بعدة م صائب ‪ ،‬من ها ‪ :‬الضايقات ال سياسية ‪،‬‬
‫و سجن أبنائه ‪ ،‬والعلل التنو عة م ثل ض يق التن فس وض غط الدم وع سر ال ضم ‪،‬‬
‫وعدم العي ‪ ،‬وقلة ذات اليد ‪ ...‬فمضى إل ربه شهيدا ف ميدان العلم والدين‬
‫النيف ‪ ،‬تاركا للمة السلمية نوذجا حيا للعال السلم ‪ ،‬والجاهد الخلص ‪،‬‬
‫والؤلف الصادق ‪.‬‬
‫رثاه شعراء عديدون ‪ ،‬وسجل مآثره خطباء بارزون ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪8‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الشيخ‬
‫علي يحيى معمر‬
‫بقلم ‪ /‬الدكتور محمد ناصر بو حجام‬

‫الشيخ علي يحيى معمر شخصية إسلمية وأدبية‬
‫واجتماعيـة‪ ،‬امتازت بالبحـث الجاد‪ ،‬والعمـل الدؤوب‬
‫المتواصـل الذي ل يعرف الملل والكلل‪ ،‬فـي سـبيل‬
‫نشــر المعرفــة‪ ،‬وكشــف الحقائق لمــن يجهلهــا أو‬
‫يتجاهلها‪.‬‬
‫جل الصـادق مـع ربـه و‬
‫لقـد كان طول حياتـه الر ّـ‬
‫نفســه‪ ،‬المحــب لوطنــه و أمتــه‪ ،‬الغيور على دينــه‪،‬‬
‫الداعي لوحدة المسلمين‪ ،‬المجاهد في سبيل جمع‬
‫شملهـم‪ .‬المحارب للبدع و الخرافات‪ ،‬كان فـي كـل‬
‫ذلك محكمــا كتاب الله‪ ،‬و ســنة رســول الله صــلى‬
‫الله عليه و سلم‪.‬‬
‫السـتاذ علي بـن يحـي معمـر‪ ،‬مـن مواليـد مدينـة‬
‫(نالوت) (ليبيا) سنة ‪1919‬م‪ ،‬تلقى دراسته بمسقط‬
‫رأسه‪ ،‬ثم في جزيرة جربة التونسية‪ ،‬فمعهد الحياة‬
‫بالقرارة(الجزائر)‪ .‬درس فـي جربـة‪ ،‬و معهـد الحياة‪،‬‬
‫و أخيرا في بلدة ليبيا حين رجع إليها سنة ‪1945‬م‪.‬‬
‫فــي هذا الخيــر تدرج فــي أروقــة التعليــم‪ ،‬مــن‬
‫مدرس‪ ،‬إلى مديـــــــر مدرســـــــة‪ ،‬إلى موجـــــــه‬
‫تربوي(مفتـش)‪ ،‬إلى موثـق تربوي‪ ،‬إلى أن اسـتقربه‬
‫المقام فــي طرابلس الغرب فــي وظيفــي مرموق‬
‫بأمانة التربية و التعليم(الوزارة)‪ ،‬و بقي فيه إلى أن‬
‫وافته المنية‪ ،‬رحمه الله‪.‬‬
‫كان نشيطـــا فــي الحقــل الدينـــي و الدبـــي و‬
‫الجتماعـي‪ ،‬شارك فـي جميـع مجالت النشاط فـي‬
‫معهــد الحياة‪ :‬مــن دروس و جمعيات أدبيــة و فرق‬
‫فنيـة و رياضيـة و مسـرحية‪ ،‬و ذلك لمـا كان طالبـا‪ ،‬و‬
‫كان ناشطـــا فـــي إلقاء الدروس و المواعـــظ فـــي‬
‫المســاجد‪ ،‬و فــي صــفوف العامــة و الطلبــة‪ ،‬عمل‬
‫بواجب المر بالمعروف و النهي عن المنكر‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪9‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫كان ينشـــر مقالتـــه الدينيـــة و الجتماعيـــة و‬
‫التاريخيــة فــي مختلف الجرائد و المجلت‪ ،‬خاصــة‪:‬‬
‫الشباب(معهد الحياة) المسلمون‪ ،‬الزهر‪ ،‬الرسالة‪،‬‬
‫السبوع السياسي‪ ،‬المعلم و غيرها‪....‬‬
‫أثرى المكتبــة الســلمية بمؤلفات عديدة‪ ،‬تزيــد‬
‫عن سبعة عشر مؤلفا(‪ )17‬عدا التعليقات و الردود‬
‫و المقالت و القصائد و الناشيد و الفتاوى‪.‬‬
‫هكذا بقـي المرحوم يناضـل و يجاهـد إلى الرمـق‬
‫الخيـر فـي حياتـه‪ ،‬و بذلك أدى مـا عليـه‪ ،‬فذهـب إلى‬
‫ربـه قريـر العيـن حيـن قيـل له‪ (( :‬يـا أيتهـا النفـس‬
‫المطمئنـة ارجعـي إلى ربـك راضيـة مرضيـة فادخلي‬
‫فـي عبادي و أدخلي جنتـي)) و كان ذلك يوم الثلثاء‬
‫‪ 27‬صـفر ‪1400‬هــ الموافـق لــ(‪ 15‬جانفـي ‪1980‬م)‬
‫رحمه الله و أسكنه فسيح جنانه‪.‬‬
‫ممــا يمتاز بــه الشيــخ على يحيــى معمــر فــي‬
‫كتاباته‪:‬‬
‫المناقشـــة العلميـــة الهادئة‪ ،‬و الجدل المقنـــع‬
‫اللذيــن مصــدرهما الكفايــة العلميــة و الصــالة و‬
‫التفكيـــــر‪ ،‬و القتناع بالمبادئ التـــــي يعتنقهـــــا‪ ،‬و‬
‫الســـتجابة لقوله تعالى‪ (( :‬ادع إلى ســـبيل ربـــك‬
‫بالحكمـة و الموعظـة الحسـنة‪ ،‬و جادلهـم بالتـي هـي‬
‫أحسن))‪.‬‬
‫كمـا تمتاز مؤلفاتـه باللغـة البسـيطة و السـلوب‬
‫الممتـع‪ ،‬كمـا عرف عنـه التواضـع للعمـل‪ ،‬و الحترام‬
‫للعلماء‪ ،‬و التقدير للراء المعروضة‪ ،‬لنها تمثل قبل‬
‫كـل اعتبار و جهات نظـر مجتهديـن‪ ،‬قـد يصـيبون ‪ ،‬و‬
‫قد يخطئون‪.‬‬
‫لكــــــل ذلك نال فــــــي قلوب كبار النفوس و‬
‫المنصفين مكانة عالية‪ ،‬و حظي بالتقدير و الحترام‬
‫و قال أبــــــو اليقظان‪ ،‬إبراهيــــــم‪(( :‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪10‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫))‪.‬‬
‫بهذا السـلوب اسـتطاع المرحوم أن يعالج كثيرا‬
‫مـــن قضايـــا المســـلمين‪ ،‬و يناقـــش بعضـــا مـــن‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪11‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫اهتماماتهـــم و انشغالتهـــم‪ ،‬مـــن هذه القضايـــا((‬
‫وحدتهم و تضامنهم))‪.‬‬
‫إن حاجة المسلمين إلى التقارب و التفاهم‪ ،‬هي‬
‫اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى‪ ،‬بعد المآسي‬
‫التي تعرضوا لها في العصور السابقة التي اتسمت‬
‫بالجهـل و التعصـب و التسـلط و القهـر و الضطهاد‪،‬‬
‫و كبـــت الحريات‪ ،‬و تمريـــر المؤتمرات‪ ،‬و اختلف‬
‫أساليب التمويه‪ ،‬و اتباع سياسة التشويه و التزييف‬
‫و التحريــف‪ ،‬ممــا نتــج عنــه مجتمــع إســلمي ممزق‬
‫الواصــــــر‪ ،‬مشتــــــت الفكار‪ ،‬متضارب الهواء و‬
‫المشارب‪ ،‬خائر القوى‪ ،‬مذبذب المواقــف كســول ل‬
‫يتحرى نقـل الحقائق‪ ،‬و ل يسـعى إليهـا بنفسـه‪ ،‬بـل‬
‫يترك غيره يمليها عليه كما يشاء‪ ،‬و تبلد فكر أبناءه‪،‬‬
‫فلم يعودوا قادريــــن على اســــتقراء الحداث‪ ،‬و ل‬
‫استنطاق المواقف‪ ،‬فانطلت عليهم الحيل‪ ،‬و خفيت‬
‫عنهـم الدسـائس‪ ،‬فراحوا يكتبون و يرددون مـا يملي‬
‫عليهم من بعض الفرق السلمية و أعلمها و آرائها‪،‬‬
‫دون تمحيــص و تدقيــق‪ ،‬و ينســبون إليهــا أقوال و‬
‫أمورا‪ ،‬جهل أو تعصــبا‪ ،‬أو لســبب ودافـع آخـر غابـت‬
‫عنا حقيقته و فحواه‪.‬‬
‫كانت هذه الكتابات كافية لخراج من كتب عنهم‬
‫و زحزحتهــم مــن زمرة المســلمين‪ ،‬و لذلك فهــم‬
‫يسـتحقون لعنـة الله و الملئكـة و الناس أجمعيـن‪ .‬و‬
‫قـد كان لكتاب المقالت دور كـبير فـي هذا المسـار‪،‬‬
‫لن مـا كتبوه كان المصـدر و كان الصل فـي كـل مـا‬
‫يجب معرفته عن المذاهب السلمية‪ ،‬و معتقداتهم‬
‫و مبادئهـم‪ .‬و قـد اسـؤوا كثيرا إلي السـلم حيـن لم‬
‫يوفقوا فــي كتاباتهــم و تاريخهــم لمســيرة الفكــر‬
‫السلمي‪.‬‬
‫جئنا نحن فزدنا الطين بل‪ ،‬حين اعتبرنا أقوالهم‬
‫أمورا مسلمة‪ ،‬ل يمكن مناقشتها‪ ،‬لنهم معصومون‬
‫مـن الخطـأ‪ ،‬و أصـررنا على ذلك‪ ،‬رغـم توفـر أسـباب‬
‫المعرفــة‪ ،‬و طرق التمحيــص و التدقيــق‪ ،‬و موازيــن‬
‫التمييز و التثبيت‪ ،‬فجمدنا عقولنا‪ ،‬و ضيقنا قلوبنا‪ ،‬و‬
‫حددنـا أفـق معارفنـا‪ ،‬و وضعنـا على أعيننـا أقنعـة‪ ،‬و‬
‫قصـرنا مواطـن نظرنـا‪ ،‬لننـا لم نكـن فـي مسـتوى‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪12‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الكلمـة المسـؤولة‪ ،‬و الموقـف التاريخـي الملتزم‪ ،‬و‬
‫حقيقـــة التصـــور الموضوعـــي النزيـــه‪ ،‬و النظرة‬
‫المســتقبلية الشاملة و الرؤيــة الواضحــة الواعيــة‪،‬‬
‫فازدادت صفوفنا تصدعا‪ ،‬و مواقفنا تباينا‪.‬‬
‫لقــد حاول شيخنــا علي يحيــى معمــر تدراك هذا‬
‫الخطـأ‪ ،‬و معالجـة مسـألة الوحدة السـلمية بكتاباتـه‬
‫و مواقفـه و توجيهاتـه‪ ،‬و ذلك بتقريـر بعـض السـس‬
‫التـــي يجـــب إن ينطلق منهـــا كـــل مـــن يعترض أو‬
‫يتصــــدى للكتابــــة‪ ،‬أو الحديــــث عــــن اهتمامات‬
‫المسـلمين مهمـا تكـن هذه المحاولت‪ ،‬و مهمـا تكـن‬
‫هذه الموضوعات‪ ،‬إذا يجـب معالجتهـا بمـا يعيـن على‬
‫جمع كلمة المسلمين ل بما يؤدي إلى تفرقها‪.‬‬
‫يرى الســـتاذ أن المســـلمين متســـاوون فيمـــا‬
‫بينهم‪ ،‬ل فرق بين مسلم و آخر‪ ،‬و ل أفضلية لفرقة‬
‫على أخرى‪ ،‬و هـو مـا يجـب أن يعتقده كـل مؤمـن‪،‬‬
‫قال تحــت عنوان‪ (( :‬يــا أخــي فــي الله)) ‪ (( :‬و أن‬
‫تضع في اعتبارك أنني أرى جميع الفرق و المذاهب‬
‫السـلمية تقـف متسـاوية على صـعيد واحـد‪ ،‬فليـس‬
‫فيهـا‪-‬بصـفتها الجماعيـة‪-‬فرقـة أفضـل مـن فرقـة‪ ،‬و ل‬
‫مذهب خيرا من مذهب‪ ،‬و أن من المنتمين إلى كل‬
‫فرقــــة أو مذهــــب أتقياء بررة‪ ،‬و أشقياء فجرة‪ ،‬و‬
‫سادا أعظم‪ ،‬و هو وسط بين ذلك))‪.‬‬
‫فهـو يعيـب على المسـلمين حيـن تعتقـد كـل فئة‬
‫أنهـا خيـر مـن الخرى‪ ،‬و أنهـا صـاحبة الفضال‪ ،‬و أن‬
‫غيرهــا ل وزن لهــا و ل قيمــة‪ ،‬فتضفــي على نفســها‬
‫ألقابـا و تتسـمى بأسـماء تحرم غيرهـا منهـا‪ (( :‬سـبق‬
‫إلى أذهان الناس‪ ،‬بســبب مــا يقوله كــل أصــحاب‬
‫مذهــب عــن أنفســهم بأنهـم أصــحاب الحــق و أهــل‬
‫العدل‪ ،‬و أهـــل الصـــواب و أهـــل الســـنة‪ ،‬و أهـــل‬
‫الستقامة ‪ ،‬و بما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل‬
‫الزيغ‪ ،‬و أهل الضللة‪ ،‬و أهل البدعة و أهل الهواء‪،‬‬
‫و بأنهـم فعل أهـل الحـق‪ ،‬و بأنهـم فـي الجنـة‪ ،‬و بأن‬
‫غيرهــم فعل أهــل الباطــل‪ ،‬و أنهــم فــي النار‪ ،‬هذه‬
‫المفاهيـــم المبنيـــة على أنانيـــة مذهبيـــة يجـــب أن‬
‫تختفي‪ ،‬و أن يقوم بدلها مفهوم‪ ،‬هو أنه ليس هناك‬
‫في السلم إل أمة واحدة هي المة السلمية التي‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪13‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و عدهـا الله تبارك و تعالى بكـل خيـر‪ ،‬و ليـس فيهـا‬
‫مجموعات أو طوائف أو فرق تدفـــع هكذا بوصـــفها‬
‫الجماعي إلى الهاوية))‪.‬‬
‫أن أشـــد مـــا كان يحـــز فـــي نفســـه أنـــه يرى‬
‫المسـلمين يتناحرون فيمـا بينهـم‪ ،‬خاصـة حيـن يحدث‬
‫هذا فـي مسـتوى علماء المـة الموجهيـن لهـا‪ ،‬و كان‬
‫الشيـخ يرى أن سـبب هذا التناحـر‪ ،‬هـو التهـم التـي‬
‫يوجههــا البعــض إلى الخــر‪ ،‬نتيجــة الجهــل‪ ،‬و فقــد‬
‫الوعي‪.‬‬
‫لهذا عنـي بإظهار الحـق‪ ،‬و الدفاع عـن المظلوم‪،‬‬
‫و تصـحيح المفاهيـم‪ ،‬و الكشـف عـن الغاليـط‪ ،‬و قـد‬
‫نشــر دراســات اجتماعيــة و تاريخيــة قيمــة‪ ،‬و كتــب‬
‫بحوثـا و فصـول مطولة عـن الباضيـة بخاصـة‪ ،‬و لم‬
‫يكـن هذا منـه تعصـبا لمذهبـه‪ ،‬لكـن تحقيقـا لمبدئه‪ ،‬و‬
‫تنفيذا لخطتـه‪ ،‬و هـو إظهار الحقائق‪ ،‬و دفـع الضيـم‬
‫عـن طائفـة طالمـا ظلمهـا التاريـخ أم تعصـبا أو جهل‪،‬‬
‫قال الشيـخ‪ (( :‬أن أقلمـا لم تسـتقص البحـث‪ ،‬و لم‬
‫تتعرف الحقيقـة قـد تناولت هذه الفرقـة بشيـء مـن‬
‫الخطـأ فـي فهـم أصـول العقيدة و الخطـأ فـي فهـم‬
‫البواعث على العمل و الخطأ في مضمون السباب‬
‫التي نتجت عنها أحداث تاريخية‪ ،‬حملت هذه الفرقة‬
‫أوزارهـا‪ ،‬و بريـء منهـا أولئك الذيـن تسـببوا فيهـا‪ ،‬و‬
‫الذي يهمنـي في هذا الكتاب أن أوضـح ب عض اللبـس‬
‫الذي نتج عن آثار القلم الخطاءة‪.)).....‬‬
‫ثم يبين أن هذا المسلك يندرج في إطار تسهيل‬
‫وسائل التصال و التقارب بين المسلمين بالتعريف‬
‫بهــم‪ ،‬لن النســان عدو مــا جهــل‪ ،‬و يؤكــد على أن‬
‫العتزاز ل يكون إل بالمـــة الســـلمية ككـــل‪ ،‬و ل‬
‫اعتراف بهـا متشتتـة متفرقـة‪ (( :‬و أننـي و أنـا أقدم‬
‫للقارئ الكريــم هذا الكتاب عــن فرقــة مــن فرق‬
‫السـلم فـي جزء مـن وطـن المـة المسـلمة الكـبير‪،‬‬
‫يسرني جدا أن أعلن هنا‪ ،‬كما أعلنت من قبل أنني‬
‫ل أعتـز إل بالمـة المسـلمة أمـة واحدة‪ ،‬و ل أعتـز إل‬
‫بالوطــن المســلم و طنــا واحدا‪ ،‬و أن مــا قدمتــه و‬
‫أقدمــه مــن أبحاث عــن طوائف صــغيرة‪ ،‬أو بلدان‬
‫ضيقة‪ ،‬فإنما أكشف عن صورة من حياة هذه المة‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪14‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫العظيمــة‪ ،‬فــي جانــب مــن جوانبهــا‪ ،‬أو قســم مــن‬
‫أقسامها‪ ،‬فإذا بدأ للقارئ الكريم في أثناء قراءته ما‬
‫يشعـر بغيـر هذه الحقيقـة الثابتـة‪ ،‬أو أحـس أن عبارة‬
‫مـن العبارات تشعـر بغيـر هذا المعنـى‪ ،‬أو تدعوا إلى‬
‫عنصـــرية أو تفرقـــة فليضرب بذلك عرض الحائط‪.‬‬
‫فان كيان المــة المســلمة و الوطــن المســلم أكرم‬
‫على الله‪ ،‬و على الملئكـة‪ ،‬و على المؤمنيـن‪ ،‬و أعـز‬
‫مـــن جميـــع الكتاب و الدعاة‪ ،‬و إننـــي أحســـب أن‬
‫إيماني بهذه الحقيقة من وحدة المة في مذاهبها و‬
‫أجناســـها و أوطائهـــا قربـــة أتوســـل بهـــا إلى الله‬
‫تعالى‪)).‬‬
‫كيف ل يلتزم بهذه الطريقة و ل يسير على هذه‬
‫الســنن‪ ،‬و ل يعمــل على تطــبيق تعاليــم الســلم‪ ،‬و‬
‫تجسـيد روحـه فـي سـلوكه‪ ،‬و هـو موجهـا و ناصـحا‪:‬‬
‫(( و الكاتب المسلم حيـن يكتب عن طائفة أو عن‬
‫بلد‪ ،‬يجــــب أن يحرص على الرباط المتيــــن الذي‬
‫يربـــط بيـــن المـــة الســلمية بمختلف مذاهبهـــا و‬
‫ديارهـا‪ ،‬و أن يبعـد عـن قلبـه و عـن أحاسـيسه‪ ،‬و عـن‬
‫شعوره معانـي التفرقـة و العنصـرية‪ ،‬العصـبية‪ ،‬تلك‬
‫المعاني المنتة التي استغلتها المصلحة الخاصة غير‬
‫المؤمنــة‪ ،‬و قامــت بهــا فــي أحداث الزمــن مطامــع‬
‫فرديــة‪ ،‬و ســجلتها فــي التاريــخ أقلم مأجورة‪ ،‬أو‬
‫مغرورة أو مخدوعــــة‪ ،‬على حســــاب العناصــــر أو‬
‫الجناس أو المذاهب‪)).‬‬
‫يرى الشيـــخ علي يحيـــى معمـــر أن هناك عمل‬
‫كـبيرا متواصـل يجـب القيام بـه‪ ،‬ليكفـل لنـا الوقوف‬
‫أمام الدعاءات المغرضة‪ ،‬و المكايد المدسوسة ‪ ،‬و‬
‫الضرب على اليدي العابثـة‪ ،‬أنـه العمـل على إزاحـة‬
‫مـــا ران على التاريـــخ الســـلمي مـــن آثار كتابات‬
‫المغرضيــــن‪ ،‬و ترهات الجاهليــــن و الحاقديــــن‪ ،‬و‬
‫أكاذيــب الفاكيــن‪ ،‬و هــو مــا يعيــن على تصــحيح‬
‫المفاهيـــــم‪ ،‬و رد الشبـــــه‪ ،‬و إجلء الحقائق‪ ،‬بذلك‬
‫يتسنى للمسلمين إن يرجعوا إلى بعضهم البعض‪ ،‬و‬
‫تتـــم وحدتهـــم و يتعاونوا على البر و التقوى‪ ،‬يقول‬
‫الشيـخ‪ (( :‬فإننـا فـي أشـد الحاجـة إلى أن نزيـح مـن‬
‫تاريخ المة الذي رمتها به أقلم مغرضة أو مخطئة‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪15‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫حتى إذا استقام تاريخ المة السلمية على حقيقته‪،‬‬
‫و برئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسوء نية أو‬
‫بحسـن نيـة‪ ،‬ممـا ل يتلءم مـع أصـولها و قواعدهـا و‬
‫مصـادر تاريخهـا و تشريعهـا‪ .‬إذا اسـتقام التاريـخ على‬
‫ذلك‪ ،‬سقط عن المة كثير مما دسته اليدي العابثة‬
‫و الراء المخطئة‪ ،‬و القلم المغرضـــة‪ ،‬ســـواء كان‬
‫ذلك مـن كيـد خارجـي اندس فـي التراث السـلمي‪،‬‬
‫فآزرتــه عقول ســطحية‪ ،‬لم تنتبــه لمــا يحمله مــن‬
‫عدوان‪ ،‬أو مــن كيــد داخلي‪ ،‬دعــت إليــه ألســنة لم‬
‫يهذبهـا النطـق بالشهادة‪ ،‬فتقولت القاويـل مـن أجـل‬
‫غرض دنيوي قريب أو متاع فيها قليل‪)).‬‬
‫لهذا يرى الشيــخ على أن المعرفــة التــي تتوفــر‬
‫للمسلمين عن كل مذهب‪ ،‬و التعارف الذي يتم بين‬
‫معتنقي المذاهب‪ ،‬و العتراف الذي يكون شعار كل‬
‫فرد فـي كـل مذهـب‪ ،‬كـل ذلك يشعـر الجميـع أنهـم‬
‫يسيرون في خط واحد‪ ،‬و يهدفون إلى غاية واحدة‪،‬‬
‫و هــي خدمــة الســلم‪ ،‬و رفــع كلمــة الله‪ ،‬و بالتالي‬
‫يؤمنون بضرورة الترفـــع عـــن ســـفاسف المور‪ ،‬و‬
‫عدم البقاء فـــي المور الهامشيـــة‪ ،‬و الرتفاع إلى‬
‫مستوى عظمة الرسالة‪.‬‬
‫هذا المثلث( المعرفــــــــة‪ ،‬العتراف‪ ،‬التعارف)‬
‫كفيــل بتحطيــم المذهبيــة المبنيــة على التعصــب‬
‫المقيت‪ ،‬و المؤسسة على فكرة انحصار الحق عند‬
‫طائفة معينة و إنكار ما عند الخرين‪ ،‬و الرامية إلى‬
‫التشنيـــع بمـــن ل يقول بمـــا تقول بـــه فئة مـــن‬
‫المسلمين‪:‬‬
‫‬‫((‬
‫‪-‬‬

‫‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪16‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫‪.‬‬

‫(‬
‫)‬

‫‪)).‬‬
‫بهذه الروح عالج الشيــــخ كثيرا مــــن القضايــــا‬
‫الســـلمية‪ ،‬و بهـــا يتمنـــى أن تزول الثقـــة بيـــن‬
‫المســلمين‪ ،‬و تذهــب أســباب التباعــد عــن بعضهــم‬
‫البعـــض‪ ،‬و يحـــل محلهـــا التفاهـــم الذي يؤدي إلى‬
‫التعاون و العمــل المشترك‪ ،‬هذا مــا جعــل الســتاذ‬
‫علي مصـطفى المصـراتي يقول‪ (( :‬كانـت و ل تزال‬
‫و ســـتظل دراســـات علي معمـــر‪ -‬رغـــم اختلفات‬
‫الرأي‪ -‬أو في لون من ألوان التقريب بين المذاهب‬
‫السلمية في الكتاب و السنة و الشريعة‪)).‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪17‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫بهذا العرض المقتضــب لراء علي يحيــى معمــر‬
‫فــي مســألة الوحدة الســلمية و كيفيــة تحقيقهــا‪،‬‬
‫يتضــح لنــا دورة فــي التقريــب بيــن المســلمين‪،‬‬
‫بمحاولة إزالة مـــا يعكـــر صـــور العلقات بينهـــم‪ ،‬و‬
‫العمــــل على إخراج الريــــن الذي أحاط بالقلوب و‬
‫نبذه‪.‬‬
‫و الوســـــيلة الوحيدة للوصـــــول إلى الغايـــــة‬
‫المنشودة‪ ،‬و بلوغ الهدف المرسوم‪ ،‬و تحقيق المل‬
‫الكــبير و هــو " الوحدة" ل تتــم إل بتطــبيق الشعار‬
‫المقترح ( المعرفة‪ ،‬التعاون‪ ،‬العتراف)‪.‬‬
‫إننـا فـي أمـس الحاجـة إلى الوحدة‪ ،‬فالعداء قـد‬
‫تكالبوا علينــا‪ ،‬و اســتغلوا فينــا و صــمة التشتــت و‬
‫الفتراق‪ ،‬فأصابونا في ديننا‪ ،‬و في علقاتنا‪ ،‬و ألهونا‬
‫بمسائل هامشية على حساب الجوهر‪ ،‬و هو العمل‬
‫على تطوير مسيرتنا الفكرية‪ ،‬بما يعود علينا بالخير‬
‫العميم‪ ،‬قال الشيخ علي يحيى معمر‪:‬‬
‫(( و لن نصـل إلى هذه الدرجـة حتـى يعترف‬
‫اليوم أتباع جابر و أبـي حنيفـة و مالك و الشافعـي و‬
‫زيـد و جعفـر و أحمـد و غيرهـم‪ ،‬ممـن يقلدهـم الناس‬
‫أن أئمتهــم أيضــا يقفون فــي صــعيد واحــد‪ ،‬ل مزيــد‬
‫لحدهـم على الخرون‪ ،‬إل بمقدار مـا قدم مـن عمـل‬
‫خالص لله‪)).‬‬
‫و فـــي ختام هذه الكلمـــة أســـجل ملحظتيـــن‬
‫اثنتين‪:‬‬
‫كان الشيـــخ علي يحيـــى معمـــر يناقـــش هذه‬
‫القضايـــا بهدوء المؤمـــن الذي يســـعى إلى إظهار‬
‫الحقيقـة‪ ،‬رغبـة منـه فـي توحيـد صـف المسـلمين‪ ،‬و‬
‫بعدة الباحـــث الذي يملك الحجـــة‪ ،‬و البرهان على‬
‫تقرير الحقائق‪ ،‬و الذي يتحلى بالكفاية في الكتابة و‬
‫الفهام و التبليــــغ‪ ،‬و بأخلق العالم الذي يتواضــــع‬
‫بعلمـــه الواســـع‪ ،‬و يعترف بالفضـــل لصـــحابه‪ ،‬و‬
‫للعلماء العالميــن‪ ،‬و يلتمــس أعذارا لمــن كتــب و‬
‫ينزهـه عـن القصـد إلى السـاءة‪ ،‬يقول‪ (( :‬أخـي فـي‬
‫الله أرجــو أن تقرأ هذه الفصــول المعروضــة بيــن‬
‫يديــك فــي هذا الكتاب‪ ،‬محتســبا أجرك على الله‪ ،‬و‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪18‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أن تأخذ منها ما استبان لك أنه الحق بحفاوة‪ ،‬و أن‬
‫تنبذ ما استبان لك أنه الباطل على طول يدك‪ ،‬و أن‬
‫تزن كـل ذلك بالميزان الدقيـق الذي ل يخطـئ مـن‬
‫قوله تعالى‪ (( :‬فان تنازعتــم فــي شيــء فردوه إلى‬
‫الله و الرســـــول إن كنتـــــم مؤمنون بالله و اليوم‬
‫الخر‪)).‬‬
‫كشفـت كتاباتـه عـن الخطاء التاريخيـة الفادحـة‬
‫التـي ارتكبـت فـي حـق المذهـب الباضـي‪ ،‬كنموذج‬
‫للفتراء على الفكر السلمي‪ ،‬و يبين كيف تبرعمت‬
‫تلك الخطاء و أورقت‪ ،‬فأنتجت ثمارا خبيثة أسهمت‬
‫فــي توســيع شقــة الخلف بيــن المســلمين‪ ،‬كمــا‬
‫أماطــت اللثام عــن البيئات التــي ترعرعــت فيهــا‬
‫الشطحات التاريخيـة فرقـص على أنغامهـا الكذابون‬
‫و المشنعون و المغرضون‪ ،‬و الفاكون الذين يحبون‬
‫أن تشيـع الفتنـة و الفرقـة بيـن أبناء الملة الواحدة‪.‬‬
‫فلننتبــه إلى مــا يحاك ضدنــا‪ ،‬و لنتأكــد ممــا نقرأ‪ ،‬و‬
‫لنتأمل فيما يملى علينا‪ ،‬و لنربط كل قول بالعوامل‬
‫التي دفعت إلى الجهر به‪ ،‬حتى ل نخسر أنفسنا‪ .‬و‬
‫هــو مــا يدعونــا إلى مراجعــة كثيــر مــن الراء التــي‬
‫قررت فـي حـق بعـض المذاهـب السـلمية‪ ،‬و إعادة‬
‫النظـر فـي طريقـة التعامـل مـع الفكـر السـلمي‪ .‬و‬
‫التعريف به و الكتابة حوله‪ ،‬بما يعمل على التقريب‬
‫بين المسلمين‪ ،‬بدل التفريق بينهم‪.‬‬
‫هذه الن شهادة اعتراف و تقديــر للشيــخ علي‬
‫يحيى معمر يقدمها له أستاذه الشيخ سليمان عون‬
‫الله((‪ ....‬و إن كان مــــا تناولتــــه اليدي فــــي هذه‬
‫المؤلفات (( أي مؤلفات الشيـــخ علي)) حتـــى الن‬
‫هـو شيء قليـل بالنسـبة لمـا تبقـى‪ ،‬إل أنه رغـم قلتـه‬
‫أحدث أصداء واسعة في الوساط العلمية و الدبية‪،‬‬
‫و أزاح عمـن أعشـى ظلم التعصـب أعينهـم‪ ،‬و ران‬
‫الجهــل و الحقــد على قلوبهــم‪ ،‬أزاح عنهــم الغشاوة‬
‫الســوداء فأرى لهــم حقيقــة الســلم بيضاء ناصــعة‪،‬‬
‫بأدلة و براهيـن تظهـر فـي المنهـج الذي سـلكه أبـو‬
‫الشعثاء جابر بن زيد‪ ،‬و أتباعه من بعده‪ .‬كان رحمه‬
‫الله نبراسا يستضئ به في دياجير الجهل المدلهمة‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪19‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و سـيفا بتارا يقطـع بـه حجـج أهـل الزيـغ و الضلل‪ ،‬و‬
‫رحمة ضيقت الخلف بين المسلمين‪)).‬‬

‫مين ‪ ،‬والعاقبة‬
‫الحمد لله رب العال َ ِ‬
‫للمتقين ‪ ،‬ول عدوان إل على‬
‫الظالمين‪.‬‬
‫اللهم ص ّ‬
‫ل على محمد وآل محمد‪،‬‬
‫وبارك على محمد وآل محمد‪،‬‬
‫كما صليت ورحمت وباركت على‬
‫إبراهيم وعلى آل إبراهيم‪،‬‬
‫في العالمين إنك حميد مجيد‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪20‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫م َ‬
‫ة‬
‫م ٌ‬
‫قـدّ َ‬
‫ُ‬

‫ف هذه اللمحات الق صيةِ أرد تُ أن أعرض صفحاتٍ عن الباض ية ‪ ،‬أضعُ ها‬
‫بي أيدي الْمُثقّفي من المّة ‪ ،‬وليست هذه اللمحات شيئًا بعيدَ الْمَنال ؛ يَحتاج إل‬
‫تق صّي البحث وإطالة التنقيب ‪ ،‬وإنّما هي صورٌ َيجِدُها عن َكثَ بٍ كلّ مَ نْ خَلصتْ‬
‫نيتُه ف طلب الق ‪ ،‬ودعتْ هُ العزيْ َمةُ الصادقةُ إل الطلع على مصادر الشريعة لهل‬
‫ِنح‬
‫ّثتح عنهحم ‪ ،‬م ْ‬
‫ْسح كتحب السحي والتاريحخ النصحفة التح تَحَد ْ‬
‫هذا الذهحب ‪ ،‬و َدر ِ‬
‫موافقيهم ومُخالفيهم ‪.‬‬
‫والذه بُ الباضي ليس مذهبا ِسرّيـًا ‪ ،‬وليست أصولُه الت ينبن عليها خافيةً‬
‫أو َمجْهولةً ‪ ،‬وليس أتباعُه مِمّ نْ يستترون أو َيخْتفون ‪ ،‬فهم ل يقيمون لغي ال وزنًا‬
‫ِمح جزاءً محن غيح ال ‪ ،‬ول يتبعون فح‬
‫فح هذا الوجود ‪ ،‬ول ينتظرون عحن أعمالِه ْ‬
‫تصرفاتِهِمْ غي الق ‪.‬‬
‫ضرَ بَ الْمََثلَ العلى ف النّزَاهة‬
‫إنه مذه بٌ مل الدنيا حقّا و عدلً واستقامةً ‪ ،‬و َ‬
‫والن صاف ف أدوارٍ من التار يخ ‪ ،‬و سيمل الدن يا بذلك عند ما يأذن ال ‪ .‬ول ستُ‬
‫أق صِدُ بذلك مثلَ خرافة المامة عند الشيعة‪ ،‬ول قصة الهدي النتظر‪ ،‬وإنا أقصد أن‬
‫أقول‪ :‬إن الذهب الباضي يستمد قويه من السلم‪ ،‬الذي اختاره الالق ليكون دين‬
‫البشرية جعاء‪ ،‬كما جاء به ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ل ينحرف به عن صراط ال‬
‫السويّ غلوّ ول تفريط‪ ،‬ول تنت شر فيه الرافة الت يبثها مشائخ طرق يتصيدون با‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪21‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الدنيحا عحن طريحق الديحن‪ ،‬ول يتجمحد بتحكحم فقهاء على العقول والدارك فيمنعون‬
‫الجتهاد‪ ،‬ويقصرونه على عصر أو ناس ل يق لغيهم أن يصلوا إليه‪ .‬وتُعطل العلوم‬
‫والفهام‪ ،‬فل تُع طى حق الر ية ف الب حث والتنق يب وإعطاء الحكام‪ .‬بدعوى أن‬
‫الجتهاد أغلقت أبوابه‪ ،‬واحتفظ الفقهاء الامدون بالفاتيح ف مباء سريّ ل يهتدي‬
‫إليه الباحثون‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إن الذهب الباضي‪ ،‬يستمد قوته من السلم نفسه‪ ،‬لنه يتفظ بصفاء النبع‬
‫الذي ي صدر م نه‪ ،‬وعند ما يتوب ال سلمون إل رشد هم‪ ،‬ويعودون إل د ين رب م‪،‬‬
‫نظيفا من البدعة‪ ،‬نظيفا من الرافة‪ ،‬نظيفا من الغلوّ‪ ،‬نظيفا من المود‪ ،‬و نظيفا من‬
‫الباطيل الت ألصقها جهل النسان بدين ال القوي‪ .‬عند ذلك يد السلمون أنفسهم‬
‫على ال سلم ال ق‪ ،‬الذي مل الدن يا رح ة وعدل‪ ،‬وا ستقامة ونزا هة وح قا‪ .‬وعلى‬
‫ذلك السلم الق ل تزال هذه الطائفة الت ساها التاريخ فرقة الباضية‪ ،‬وأصر أن‬
‫ي عل ل م إما ما ك ما لغي هم من الفرق أئ مة‪ .‬ولو أن إمام هم ال ق الذي ل يهتدون‬
‫بغي هديه‪ ،‬ول يقلدون سواه‪ ،‬إنا هو ممد بن عبدال‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ليس‬
‫لغيه حق المامة إل بالسوة السنة‪ ،‬والتتبع للسنة الميدة القوية‪ ،‬واليان الطلق‬
‫بأن هدى رسول ال صلى ال عليه وسلم ف القول والعمل‪ ،‬هو الدى الذي أمر ال‬
‫أ مة م مد أن يكونوا عل يه‪ .‬وإذا جارى الباض ية الؤرخ ي‪ ،‬وانت سبوا إل عبدال بن‬
‫إباض‪ ،‬واتذوا لمح إسحْما كمحا لسحائر الفرق أسحاء‪ ،‬فل يعنح ذلك أنمح يقلدون‬
‫الرجال‪ ،‬ويقدسحون أقوالمح‪ ،‬ويتبعونمح إتباعحا أعمحى‪ ،‬ويرفعون أولئك الرجال إل‬
‫مراتب الكمال‪ ،‬الت ل يصلها إل أنبياء ال الصطفون‪ ،‬وإنا يرصون أن ل يأخذوا‬
‫دين هم إل على من توفرت ل م ف يه الث قة والما نة ف د ين ال‪ :‬الما نة ف القول‪،‬‬
‫والمانة ف العمل‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪22‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والباضية ل يقدسون الرجال‪ ،‬ول يعلونم علمة على الق‪ ،‬ول يوجبون تقليد غي‬
‫الع صوم‪ ،‬ول يتبعون م ما ل يث بت الدل يل الشر عي صواب م سلكهم‪ ،‬أو يرد ال نص‬
‫بأن م على هدى م مد عل يه ال سلم‪ ،‬ك ما ش هد الد يث الشر يف لعمار ر ضي ال‬
‫عنه‪ ،‬ولبعض الصحابة رضوان ال عليهم‪.‬‬
‫قال ف خر الجتهد ين ق طب الئ مة‪ ،‬رح ه ال تعال ف رده على الع قب‪( :‬وان أردت‬
‫أنم مهملون ل إمام لم‪ ،‬فقد سهوت‪ ،‬فإن إمامهم النب صلى ال عليه وسلم)‪.1‬‬
‫ولن يعظحم فح نظحر الباضيحة إل الؤمحن الذي يسحتمسك بغرز النحب‪ ،‬عليحه السحلم‬
‫ويسلك الحجة البيضاء الت ليلها كنهارها‪ ،‬ومهما بلغ الرجل من العلم والعمل فإن‬
‫ف مقاله مأخوذا ومتروكا غي من قال فيه الكتاب الكري ‪:‬‬
‫َ‬
‫حى﴾ (النجم‪،3:‬‬
‫ن الْهَوَى‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫ي يُو َ‬
‫ن هُوَ إ ِ ّل وَ ْ‬
‫﴿ وَ َ‬
‫ح ٌ‬
‫ما يَنْطِقُ ع َ ِ‬
‫‪... )4‬‬
‫َ ُ‬
‫سن َ ًٌ‬
‫ة ﴾ (الحزاب‪:‬‬
‫سوَةٌ َ‬
‫﴿ لَقَد ْ كَا َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م ف ِي َر ُ‬
‫ن لَك ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫‪.)21‬‬
‫بذه النظرة الواقع ية ين ظر الباض ية ال أئمت هم‪ ،‬ف هم ب شر غ ي مع صومي‪ ،‬تت مل‬
‫أقوال م وأعمال م الطاء والغفلة والن سيان‪ ،‬ولذلك ف ما ي صح تقليد هم لفعال م أو‬
‫لقوالم‪ ،‬وإنا تؤخذ عنهم تلك القوال‪ ،‬ويقتدى باتيك الفعال‪ ،‬حي يقيمون على‬
‫صحتها وصوابا الدليل‪ ،‬الذي ل يقبل التأويل‪ ،‬فاتباعهم ف قول ليس تقليدا لم‪ ،‬ول‬
‫اتباعا لرأيهم‪ ،‬وإنا هو اتباع لن يتبعون‪ ،‬وتقليد لن به يقتدون‪ ،‬وبديه يهتدون‪ ،‬وإل‬
‫حكمه يرجعون‪.‬‬

‫معَ َّ‬
‫مر‬
‫ع َلي ي َ ْ‬
‫حيَى ُ‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪23‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫هذا الكتاب‬

‫عنوان هذا الكتاب‪( :‬الباض ية ف مو كب التار يخ) ف هو يع ن أول بالشئون التاري ية‬
‫لذه الفر قة من فرق ال سلمي الكثية‪ ،‬النتشرة ف العال‪ ،‬ويع ن ب ا ثانيا ف متلف‬
‫أوطانا‪ ،‬ول يكن الباعث على وضع هذا الكتاب‪ ،‬غي الكشف عن جوانب مشرقة‪،‬‬
‫من تار يخ ال مة ال سلمية ال كبى‪ ،‬ف طائ فة من طوائف ها التعددة‪ ،‬و ف ر كن من‬
‫أركان وطنها الفسيح‪.‬‬
‫وأنا حي أكتب عن هذه الفرقة من فرق السلمي‪ ،‬أو عن غيها من الفرق‪ ،‬أو حي‬
‫أتدث عن بعض الماكن من هذا الوطن‪ ،‬أو عن غيها من الماكن الت يسود فيها‬
‫السلم‪ ،‬ل أقصد الدعاية لا‪ ،‬ول التنقيص من غيها‪ ،‬لنن أؤمن أن هذه الطوائف‬
‫هي جوانب من المة‪ ،‬وأن تلك الماكن هي جهات لوطن السلم‪ ،‬ولنن أؤمن‬
‫أن ف الفرق الخرى وف الماكن الخرى مثل ما عند هذه الفرقة‪ ،‬ومثل ما ف هذه‬
‫الماكن من الماد‪ .‬ث لنن أؤمن أن ف هذه المة السلمية‪ -‬وهي تتكون من هذه‬
‫الفرق – من عباقرة الرجال‪ ،‬وف الوطن السلمي – وهو يتكون من تلك الماكن‬
‫– من التر بة ال صبة ال ت تن بت ال جد والعظ مة‪ ،‬مال ي ستطيع قلم أن ي صيه‪ ،‬ول‬
‫با حث أن ي ستقصيه‪ .‬وإذ قد ك تب على هذه ال مة ال سلمية‪ -‬ف كث ي من أدوار‬
‫التاريحخ – أن تنقسحم ال طوائف دينيحة متلفحة بعحض الختلف‪ ،‬فإننح أسحتطيع أن‬
‫أزعم أن تلك الطوائف تنطلق إل غاية واحدة وإن تعددت با السبل‪ .‬كما أستطيع‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪24‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أن أقول‪ :‬إن لكل منها عباقرة وأعلما قدموا للسلم من جهة‪ ،‬وللبشرية من جهة‬
‫أخرى‪ ،‬أجل الدمات‪.‬‬
‫وإذ قحد كتحب على الوطحن السحلمي أن يتجزأ ال أوطان صحغية‪ ،‬تكمهحا دول‬
‫متلفة‪ ،‬فإنن على يقي أن كل وطن من هذه الوطان الصغية أنب من الفحول من‬
‫يعد مفخرة ف جبي النسانية‪.‬‬
‫فإذا انرفت ف تيار سياسي منحرف عن نج السلم دول تسيطر على بعض البقاع‬
‫السحلمية‪ ،‬فإن المحة السحلمة الكحبى‪ ،‬ل تزل‪ ،‬ولنتزال تؤدي رسحالتها‪ .‬وإن الفرد‬
‫ال سلم‪ ،‬والما عة ال سلمة ل تزال تا فظ على هذه الرالة ف تقديس وإعتزاز‪ .‬وذلك‬
‫يع ن أن الكفاح ف سبيل ال ق وال ي وال سعادة ل يتو قف‪ ،‬ولن يتو قف مادام على‬
‫وجه البسيطة مسلمون‪ ،‬يؤمنون بقيمة التشريع اللي لصلحة البشرية‪.‬‬
‫إننح أود أن يعلم القاريحء الكريح‪ ،‬أن الباعحث على إخراج هذا الكتاب‪ ،‬وقصحر‬
‫البحث فيه على فرقة واحدة من فرق السلم‪ ،‬والتحدث عن رجال وأماكن معينة‪-‬‬
‫أود أن يعرف القاريحء الكريح‪ ،‬أنالباعحث على ذلك ل يرجحع ال عصحبية مذهبيحة‪،‬‬
‫تض يق بالتفك ي النطلق ف د ين ال من سائر الفرق‪ ،‬ول ال جود ف حب و طن‬
‫ضيق‪ ،‬ل يتسع لبلد السلم‪ .‬وإنا يرجع ال أنن درست أصول هذه الفرقة‪ ،‬وعرفت‬
‫من تاريها أكثر ما درست من غيها وعرفت منه‪.‬‬
‫ث ان أقلما ل تستقص الب حث‪ ،‬ول تتعرف القيقة‪ ،‬قد تناولت هذه الفرقة بشيء‬
‫من الطأ‪ ،‬ف فهم أصول العقيدة‪ ،‬والطأ ف فهم البواعث على العمل‪ ،‬والطأ ف‬
‫فهم السباب الت نتجت عنها أحداث تاريية‪ ،‬حُمّلت هذه الفرقة أوزارها‪ ،‬وبريء‬
‫منها أولئك الذين تسببوا فيها‪.‬‬
‫والذي يهم ن ف هذا الكتاب‪ ،‬أن أو ضح ب عض الل بس الذي ن تج عن آثار القلم‬
‫الاطئة‪ .‬فإننا ف أشد الاجة إل أن نزيح عن تاريخ المة السلمية ف متلف فرقها‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪25‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وطوائف ها ذلك الر ين الذي رمت ها به أقلم مغر ضة أو مطئة‪ ،‬ح ت إذا ا ستقام تار يخ‬
‫المة على حقيقته‪ ،‬وبرئت الفرق الختلفة ما قيل عنها بسؤ نية أو بسن نية ما ل‬
‫يتلءم مع أ صولا وقواعد ها وم صادر تاري ها وتشريع ها‪ ،‬إذا ا ستقام التار يخ على‬
‫ذلك‪ ،‬سحقط عحن المحة كثيح ماح دسحته اليدي العابثحة‪ ،‬والراء الخطئة‪ ،‬والقلم‬
‫الغرضحة‪ ،‬سحواء كان ذلك محن كيحد خار جي اندس فح التراث السحلمي‪ ،‬فآزرتحه‬
‫عقول سطحية‪ ،‬ل تنتبه لا يمله من عدوان‪ .‬أو من كيد داخلي دعت إليه ألسنة ل‬
‫يهذبا النطق بالشهادة‪ ،‬فتقولت القاويل من أجل غرض دنيوي قريب‪ ،‬أو متاع فيها‬
‫قليل‪.‬‬
‫فإذا ا ستقام التار يخ السلمي الجيد‪ ،‬وعرض كل أ صحاب فر قة من فرق السلم‬
‫عقائد تلك الفرقة‪ ،‬وأحداث تاريها‪ ،‬ومدى ارتباطها بصدرها الول عرضا واضحا‬
‫صريا‪ ،‬وأزيلت عنها ما ألصقته با الدعاية الغرضة‪ ،‬أو الاهلة‪ ،‬أو الستغفلة‪ ،‬وجد‬
‫ج يع أ صحاب الفرق ف ج يع موا طن ال سلم‪ ،‬أن م متشابون كل التشا به‪ ،‬ف هم‬
‫منطلقون لتحقيحق الرسحالة الالدة التح أنيطحت بمح‪ ،‬فح طريحق واحدة‪ ،‬أوفح طرق‬
‫متشابة‪ ،‬منتهية إل غاية واحدة‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪26‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫رجوع إلى محجة السلم‬
‫ل قد اش تط ال سلمون ف ابتعاد هم عن الد ين‪ ،‬فحادوا ف عمل هم عن سية ال سلف‬
‫الصالي‪ ،‬وأوغلوا ف تافيهم عن سبيل ال‪ ،‬فبعدوا عنه‪.‬‬
‫َبعُد عنه التعلمون‪ ،‬با زخرفته لم وثنية الغرب‪ ،‬ودعت اليه فورة اللاد الت تتاح‬
‫العال‪ ،‬وبثه ف الفكار والعقول قوم ل يؤمنون بدين‪ ،‬ول يعملون لثل‪ ،‬ول يقدسون‬
‫الخلق والعمال الت فرضتها السماء على الرض‪.‬‬
‫وبعُد ع نه الب سطاء‪ ،‬ب ا د سته ال سرائلية الاكرة‪ ،‬وأدخله علماء ال سؤ ف ال سلم‪،‬‬
‫ورضيه الفقهاء الغفلون من خرافة وبدعة‪ ،‬ظنه الناس من دين ال‪ .‬وإنه لما يدعوا‬
‫إل الغبطة‪ ،‬ويبشر بالي‪ ،‬أن أقلما مباركة أخذت على نفسها أن تذود عن السلم‬
‫عدوان أعدائه‪ ،‬وعدوان أتباعه على السواء‪:‬‬
‫‪ -1‬فأ ما عدوان أعدائه الذي يش نه ال ستعمار وال صهيونية بختلف ال ساليب و ف‬
‫متلف الواجهات‪ ،‬ففيما يلي‪:‬‬
‫العدوان على اللق السلمي‪ ،‬بتيسي وسائل النلل‪ ،‬ونشر أسباب التعة الحرمة‪،‬‬
‫وتويحن الثح فح ارتكاب محا حرم ال فح البدان والعراض والموال‪ ،‬وتشجيحع‬
‫القوميات الضيقة‪ ،‬لتهون رابطة السلم التينة‪ ،‬ودعوى حرية الديان وتساويها‪ ،‬حت‬
‫تصحبح الديان الباطلة‪ ،‬والوثنيحة الكافرة‪ ،‬واللاد الذي ل يؤمحن بال‪ ،‬يطغحى على‬
‫السلم ف بلد السلم‪ ،‬وحت تنفصل الشعوب السلمية بعضها عن بعض‪ ،‬خوفا‬
‫محن إغضاب قلة تتبحع ملة خاسحرة‪ ،‬أو طائفحة تارب السحلم فح عقحر داره بعقيدة‬
‫باطلة‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪27‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والعدوان على الفكر السلمي القوي‪ ،‬بترويج مذاهب اجتماعية وسياسية‪ ،‬وضعها‬
‫أصحابا لهداف خاصة‪ ،‬ومرامي مقصودة‪ ،‬وأغراض دعتهم إليها مصلحة شعب أو‬
‫دولة‪ ،‬فأصبح أولئك الواضعون يتبوؤن مقاعد التقديس‪ ،‬وأصبحت أقوالم وآراؤهم‬
‫تورد للبهان فح مواضحع الحتجاج‪ ،‬ويرد باح على أحاديحث العصحومي‪ ،‬وعلى‬
‫الكتاب الذي ل يأتيه الباطل من بي يديه ول من خلفه‪ ،‬تنيل من حكيم حيد‪.‬‬
‫والعدوان على التشريحع السحلمي ومبادئه الكيمحة‪ ،‬التح أرسحلها خالق النسحان‬
‫ل سعاد الن سان‪ ،‬بأنواع من التشر يع الض يق الحدود‪ ،‬الذي يض عه الب شر‪ ،‬و هم ف‬
‫وضعه غي أمناء‪.‬‬
‫والعدوان على العقيدة السحلمية‪ ،‬التح ترر النسحان محن أيحة عبوديحة لغيح ال‪،‬‬
‫وتساوي بن آدم جيعا ف كرامة البشرية‪ .‬برافة أصل النواع‪ ،‬وقصة الطبيعة‪ ،‬وما‬
‫تزخرفه أكاذيب أتباع داروين ف قضية التطور‪.‬‬
‫‪ -2‬وأما عدوان أتباعه‪ ،‬فبعدم فهمهم لسراره‪ ،‬وعدم تسكهم بقائقه‪ ،‬وبتجافيهم‬
‫عن تعالي مه‪ ،‬وتقا صيهم عن توجي هه‪ ،‬وب عد تكيم هم له‪ ،‬والرجوع ال يه‪ ،‬والر ضا‬
‫بكمه فيما شجر بينهم من خلف‪.‬‬
‫لقد عملت تلك القلم الباركة على نشر الوعي الدين بي السلمي‪ ،‬تكشف عن‬
‫الصفحات البيض الشرقات‪ ،‬الت يهلها العامة من أتباع السلم‪ ،‬ويشاها العارفون‬
‫بحه محن أعدائه‪ ،‬فيتجاهلوناح‪ ،‬وتتصحدى فح عزم وإصحرار وثبات‪ ،‬لرد الطعنات التح‬
‫توجه ال دين ال‪ ،‬ف خفايا الدعاية الغرضة وبي أستار من العلج السموم لشاكل‬
‫الشرق‪ ،‬ودعوى تضي بنيه‪ ،‬وإيصالم ال الركب الزاحف‪ ،‬الذي يسرع ف اليمنة‬
‫على ميادين الياة‪.‬‬
‫يسرن أن أشي إل تلك القلم السلمة‪ ،‬الت تستمد حياتا من روح السلم‪ ،‬لتدفع‬
‫عنه عدوان العتد ين‪ ،‬ودسائس ال ستعمرين‪ ،‬وم كر ال صهاينة وال صليبيي‪ ،‬ولتك شف‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪28‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫تر يف العابث ي‪ ،‬وتر يف الاهل ي‪ ،‬وعناد الامد ين‪ ،‬وتا ف الخدوع ي‪ ،‬ولتدعوا‬
‫أبناء أمة ممد إل الستمساك بدين ممد‪ ،‬كما جاء به ممد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ي سرن أن أش ي إل حلة هذه القلم البار كة الكاف حة‪ ،‬وإل كل من يري ف هذا‬
‫الضمار‪ ،‬محن الذيحن ييون كحل يوم سحُنة‪ ،‬وييتون كحل يوم بدعحة‪ ،‬ويذودون عحن‬
‫السلم شبهات أعداء السلم‪.‬‬
‫ول ست بذ كر هؤلء اللكافح ي ف سبيل ال من حلة القلم الحياء أن كر ف ضل‬
‫غيهم م ن جاهدوا لعلء كلمة ال‪ ،‬فإن الهاد ف سبيل ال ل ينكره مؤمن بال‪،‬‬
‫ول كن ال صر ل يتأ تى ف م ثل هذا القام‪ ،‬فل ست أن سى ف ضل المام‪ ،‬وبع ثه للروح‬
‫ال سلمية ف ال سلمي‪ ،‬ول أ ثر تلميذه‪ -‬تلم يذ الدرس أو تلم يذ الفكرة‪ -‬الذ ين‬
‫حرروا عقول ال سلمي من الرا فة والبد عة والمود‪ ،‬وردوا مطا عن الكائد ين من‬
‫بقايا الروب الصليبية التعصبة‪.‬‬
‫كما ل أنسى فضل المام البناء‪ ،‬الذي نفخ روح العزة والكرامة والكفاح ف نفوس‬
‫الشباب السحلم‪ ،‬وبذر فيهحم روح الفدائيحة التح يسحميها الباضيحة مسحلك (الشراء)‬
‫ويعتبوناح مظهرا محن كرامحة السحلم وعزة السحلم‪ ،‬عندمحا تسحيطر دول الطغيان‬
‫والظلم‪ ،‬ول العزة ولرسوله وللمؤمني‪.‬‬
‫إن ن ل أن سى فذل هؤلء ول ف ضل غي هم‪ ،‬م ن ل أذكره ف هذا الف صل الق صي‪،‬‬
‫ولكنن أشرت بالتخصيص إل أقلم مباركة حية‪ ،‬ل تزال ف ميدان العركة‪ ،‬تواصل‬
‫الكفاح ف سبيل ال ضد الطغيان‪ :‬طغيان العدو الارجي‪ ،‬وطغيان العدو الداخلي‪.‬‬
‫طغيان الال‪ ،‬الذي نفخ الكب ف أفراد من البشر‪ ،‬فاقتعدوا ف زعمهم عروش اللة‪،‬‬
‫وطغيان الفقر الذي نفخ الذلة والستكانة ف قلوب أفراد من البشر‪ ،‬فأصبحوا عبيدا‬
‫لخوانم من بن النسان‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪29‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫طغيان العلم اللحد‪ ،‬الذي ل يعترف إل بالادة‪ ،‬ول يؤمن إل بالتجربة‪ ،‬ول يستسلم‬
‫إل لا تلمسه يداه‪ ،‬وهو مع ذلك يهل أقرب القائق إليه‪ ،‬وأدن العارف منه‪ ،‬فما‬
‫يعرف شياء عن مرى الياة بي يديه‪ ،‬ول يف هم سرا من أسرا الن فس البشرية الت‬
‫يكا فح لدمت ها‪ ،‬ول ي صل إل أقرب العلومات عن الروح ال ت أودع ها الالق ف‬
‫النسان واليوان والنبات‪.‬‬
‫وطغيان ال هل الكا فر الذي ينح جب ع نه النور‪ ،‬فل ي ستبي ال ق في ما د عت ال يه‬
‫رسالت السماء‪ ،‬للتحليق بالنسانيه ف ملكوت ال‪ ،‬ول يرى الباطل فيما وسوست‬
‫به شياطي الرض من الخلد بابن آدم ف وحل الطي‪ ،‬وقذارة التراب‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪30‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫لماذا كتبت هذه الفصول؟‬

‫يلو لبعض التعلمي الذين ل يعرفون من حقائق التاريخ‪ ،‬وبدائه العلم‪ ،‬وأوائل‬
‫أصول العقائد‪ ،‬ما يباعد بينهم وبي العامة‪ ،‬ويرجهم من حيز المية الثقافية‪.‬‬
‫يلو لناس محن هؤلء‪ ،‬أن يتزيوا بزي العلماء العارفيح‪ ،‬وأن يتحدثوا حديحث‬
‫الباحثي الطلعي‪ ،‬وأن يستعرضوا أحداث الزمن ف الاضر و الاضي‪ ،‬ليطلقوا عليها‬
‫أحكامحا قاطعحة‪ ،‬ويدلوا فيهحا بآراء ثابتحة‪ ،‬دون حاجحة ال حجحة أو دليحل‪ ،‬غيح أن‬
‫أحدهم قرأ موضوعا ف ملة‪ ،‬أو أن الخر رأى فقرة تتحدث عن موضوع معي ف‬
‫جريدة سيارة‪ ،‬أو أنه لح ذلك ف كتاب أو كتابي‪ ،‬وقد يكون هذا الوضوع الذي‬
‫لحه صاحبنا‪ ،‬ل يكن لحقق أن يصدر فيه برأي إل بعد الهود الضنية‪ ،‬والباث‬
‫الستفيضة‪ ،‬والطلع على عشرات الجلدات‪.‬‬
‫وقد استمعت إل مناقشة لنفر من هؤلء الفريق‪ ،‬تناولوا فيها طوائف السلمي‬
‫بالعرض والتحل يل‪ ،‬والتخطئة وال صواب‪ ،‬والدا ية والضلل‪ ،‬وعرضوا في ما عرضوا‬
‫إل الباض ية‪ ،‬فقال بعض هم‪ :‬هم فر قة من الوارج‪ ،‬ل نه قرأت ذلك ف كتاب من‬
‫ك تب التار يخ‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬بل هم فر قة من العتزلة‪ ،‬لن م يعتقدون أن القرآن‬
‫ملوق‪ ،‬وذهب بعضهم إل أنم يتفرعون عن الشاعرة‪ ،‬لنه سع أنم يؤمنون بالقدر‬
‫خيه وشره من ال‪ .‬ول يه تم وا حد من هؤلء الذ ين يتطارحون النقاش‪ ،‬ويتبادلون‬
‫الراء‪ ،‬وينلون الحكام على عدد من الفرق ال سلمية‪ ،‬بالتخطئة أو الت صويب‪ .‬أن‬
‫يظهر السباب الت دعته ال إصدار حكمه‪ ،‬والدلة الت يستند إليها ف إبداء رأيه‪،‬‬
‫غي ما قدمه من تعليل ساذج ف بعض النقط ل يقنع عاقل‪ ،‬ول يصلح سببا لوجهة‬
‫النظر‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪31‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و قد رأ يت أن أ ستعرض أ حد تلك الواض يع ال ت دار حول ا النقاش بقدر ما‬
‫أسحتطيع‪ ،‬وأن أحاول الجابحة عحن تلك السحئلة الائرة التح تداولتهحا فيحه اللسحن‬
‫والشفاه‪ ،‬وأن أتدث عن بعض الصول الت بن عليها الباضية مذهبهم‪ ،‬واستمدوا‬
‫منها عقيدتم‪ ،‬واقتبسوا منها أدلتهم وبراهينهم‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪32‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫خوَارِج‬
‫معْنَى ال َ‬
‫َ‬

‫هل الباضية فرقة من الوارج ؟‬
‫قبل أن يُجيب أيّ باحثٍ عن هذا السؤال يَجِبُ أن يُح ّددَ معن كلمة الوارج‬
‫وما تدل عليه ‪.‬‬
‫يطلق بضحع الؤرخيح كلمحة الوارج على أولئك الناس الذيحن اعتزلوا أميح‬
‫الؤمن ي عليّ ا بن أ ب طالب عند ما ق بل التحك يم ور ضي به ‪ ،‬لنّ هم ف ن ظر هؤلء‬
‫نقضوا بيعةً ف أعناقهم ‪ ،‬وخرجوا عن إمامة مشروعة ‪.‬‬
‫ويطلقها فري قٌ من الْمُتكلمي ف أصول العقائد والديانات وهم يقصدون بِهَا‬
‫الرو جَ من الد ين ‪ ،‬ا ستنادًا إل قول ر سول ال ‪ « :‬إن نا سًا من أمّتِي يَ ْمرُقُو نَ‬
‫من الد ين مُرُو قَ ال سهم من ال ّرمِيّ ة » ‪ .‬و قد ورد اْلحَدِي ثُ بروايات متعددة وألفاظ‬
‫مُختلفة ‪.‬‬
‫أ ما الفر يق الثالث فيطلق ها ويق صد بِ ها الهاد ف سبيل ال ‪ ،‬ا ستنادًا إل قولِ هِ‬
‫خرُ جْ مِ نْ بَْيتِ هِ مُهَا ِجرًا ِإلَى الِ َورَ سُوِلهِ ثُمّ يُ ْدرِكْ هُ الْمَوْ تُ َفقَدْ وَقَ عَ‬
‫تعال ‪َ ﴿ :‬ومَ نْ يَ ْ‬
‫أَ ْجرُهُ عَلَى الِ ﴾ [النساء ‪. ]100 :‬‬
‫وإذا أباح ب عض الؤرخ ي لنف سهم أن يطلقوا هذه الكل مة‪ -‬كل مة الوارج – على‬
‫جيع أولئك التمسكي بولية علي‪ ،‬الصرين على أنا حق شرعي ل يوز فيه التردد‪،‬‬
‫وأنه ليس من حق حت عليِّ نفسه‪ ،‬أن يشك ف إمامة أجعت عليها المة‪ ،‬ول أن‬
‫يت ساهل في ها‪ ،‬أو يق بل علي ها ال ساومة‪ ،‬وأن معاو ية وأتبا عه فئة باغ ية‪ ،‬ي ب علي هم‬
‫الرجوع ال حضية المامة والمة‪ ،‬إما طوعا وإما كرها بنص الكتاب‪ ،‬فإذا رضخ‬
‫عل يّ لطلب البغاة‪ ،‬وو ضع ال ق اليقي ن مو ضع ال شك‪ ،‬وتنازل عن الوا جب الذي‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪33‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أناط ته به ال مة‪ ،‬وألزم ته به البي عة‪ ،‬فإن هذه البي عة تن حل من أعناق هم‪ ،‬و هم ب عد‬
‫باليار‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إذا أباح بعحض الؤرخيح لنفسحهم‪ ،‬أن يطلقوا كلمحة الوارج‪ ،‬على هذه‬
‫الطائفة‪ ،‬فإنه يق لنا أن نتريث ونتثبت حت يستبي لنا طريق الصواب‪ ،‬ويتضح منهج‬
‫الق‪.‬‬
‫ولكحي ننصحف هؤلء القوم‪ ،‬الذيحن أطلق عليهحم بعحض الؤرخيح لقحب الوارج‪،‬‬
‫وحاربم إخوتم السلمون بالدعاية الكاذبة والصادقة‪ ،‬وقاتلوهم! كما ل يقاتلوا حت‬
‫أعداءهم ف ذلك الي‪ ،‬وطاردوهم! كما ل يطاردوا حت الزندقة واللاد‪.‬‬
‫لكي لنظلم هؤلء القوم‪ ،‬ولكي نوضح موقفهم كما يرونه ف ذلك الي‪ ،‬دون أن‬
‫يتسرب إليه خطاء التاريخ الغرض‪ ،‬أو تامله عليهم‪ ،‬ودون أن نتم بالدعاية الكاذبة‪،‬‬
‫الت تقلب حقائق التاريخ‪ ،‬قلبا ليرضاه التفكي السليم‪ ،‬والنطق القوي‪ ،‬تلك الدعاية‬
‫ال ت تعاون على بث ها وإشاعت ها‪ ،‬كل من المو ية التع صبة الت سلطة‪ ،‬والشي عة الغال ية‬
‫التطرفة‪ ،‬لكي نوضح موقف هؤلء القوم‪ ،‬يب أن نستعرض حركة الثورات ‪ 1‬منذ‬
‫فجر السلم‪ ،‬ونضع صوررته الواضحة بي أيدينا‪ ،‬لتصح القارنة‪ ،‬ويكون الستنتاج‬
‫أقرب إل الق‪ ،‬وأدن إل الدقة‪.‬‬
‫عاش ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ف كفاح م ستمر ضد الوثن ية ال ت ت سيطر‬
‫علىالعال‪ ،‬وجهاد متوا صل ضد القوى التكتلة ال ت تعارض انطل قة الدعوة لتحر ير‬
‫الن سان من عبادة غ ي ال‪ .‬فل ما جاء ن صر ال والف تح‪ ،‬ود خل الناس ف د ين ال‬
‫أفوا جا‪ ،‬وأ ت ال نعم ته على أ مة م مد‪ ،‬ور ضي ل م ال سلم دي نا‪ ،‬تو ف ر سول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بعدما أدى الرسالة‪ ،‬وبلغ المانة‪....‬‬
‫وبا يع الناس أباب كر خلي فة له‪ ،‬ول كن ب عد هذه الباي عة مباشرة‪ ،‬وق عت أول ثورة ف‬
‫ال سلم‪ ،‬من أناس كانوا يشهدون أن لأله إل ال وأن م مد ر سول ال‪ ،‬وكان من‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪34‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫هؤلء الثائر ين من ار تد على ع قبيه‪ ،‬وأن كر ما اعترف به‪ ،‬ومن هم من عزت عل يه‬
‫أمواله‪ ،‬فامتنع من أداء الزكاة‪...‬‬
‫فكان ف الو قف الازم الذي وق فه من هم خلي فة ر سول ال‪ ،‬ر غم معار ضة ب عض‬
‫الصححابة له‪ ،‬كان فح هذا الوقحف الازم الصحلب‪ ،‬إقرار لكحم ال‪ ،‬وتثحبيت لقدم‬
‫ال سلم‪ ،‬ون صر لد ين ال‪ ،‬وقضاء مبم على أ صول هذه الثورة أو الفت نة‪ ،‬والقائم ي‬
‫با‪ ،‬فاستتب المن‪ ،‬واستقرت المور واستمر السلمون ف أداء الرسالة الت دعا إليها‬
‫ممد‪ ،‬طيلة خلفة أب بكر‪ ،‬وطيلة خلفة عمر‪ ،‬ذلك العهد الجيد الذي يعتب بق‬
‫امتدادا لعصحر النبوة‪ .‬وتول عثمان اللفحة‪ ،‬فسحارت المور سحت سحنوات كاملة‬
‫سحيتا فح زمحن الليفتيح السحابقي‪ ،‬ثح بدأت الحوال تتغيح‪ ،‬وظهرت مشاكحل‬
‫جديدة‪ ،‬وتعثر سية اللفة فقد أصبح نقد أعمال الليفة والنيل من سلوكه يتفشى‬
‫على كثي من اللسنة‪ ،‬ويري ف كثي من الجتمعات‪ ،‬ول تتم ست سنوات أخرى‬
‫حت كانت الثورة الامة الت ذهبت فيما ذهبت بياة عثمان بي سع وبصر كثي‬
‫من الصحابة‪ ،‬وكانت هذه الثورة الثانية بعد وفاة رسول ال عليه الصلة والسلم‪.‬‬
‫وبايع السلمون عليا بن أب طالب أميا للمؤمني‪ ،‬وكان أول من بايع‪ :‬طلحة ابن‬
‫عبدال والزب ي بن العوام‪ ،‬ول كن ما كادت أن ت تم البي عة ح ت كان طل حة والزب ي‬
‫يملن لواء الثورة مع جاعة من كبار الصحابة‪ ،‬وقد استظهروا بأم الؤمني عائشة‪.‬‬
‫ووقف الليفة مع الثائرين موقفا حازما صلبا‪ ،‬وقتل ف هذه الثورة الطاحنة عدد غي‬
‫قليل من السلمي‪ ،‬ذهب فيمن ذهب فيها طلحة والزبي‪ ،‬وتابت أم الؤمني‪ ،‬ورجع‬
‫بقية الثائرين إل حظية المامة والمة‪ ،‬وكانت هذه هي الثورة الثالثة ف السلم‪.‬‬
‫ل تكحد تنتهحي هذه الرب الطاحنحة‪ ،‬ويعود ال البلد الدوء والسحتقرار‪ ،‬ويعرف‬
‫معاويحة أن الثورة فشلت‪ ،‬وأنحه معزول عحن وليحة الشام ل مالة‪ ،‬حتح أعلن الثورة‬
‫بالشام‪ ،‬و هو حينئذ عا مل من عمال اللي فة‪ ،‬وأظ هر أ نه يطالب بدم عثمان‪ ،‬و قد‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪35‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫استعد أمي الؤمني لطفاء هذه الثورة‪ ،‬كما أطفاء الثورة الت سبقتها‪ ،‬وجهز جيشه‬
‫القوي‪ ،‬وسار به ن و الشام‪ ،‬حيث الت قى بال ند الثائر ف الو ضع العروف ( صفي)‬
‫وبدأت العركة‪ ،‬ث استمر القتال حت ظهرت طلئع النصر‪ ،‬وأشرف جيش الليفة‬
‫على امتلك زمام العركة‪ ،‬ول يبقى للقضاء على هذه الثورة الامة إل لظات‪ ،‬عب‬
‫عنها الشتر النخعي (بفواق الناقة) التجأ الثائرون ال اليلة والدعة ولأوا إل الكر‬
‫والكيدة‪ ،‬فرفعوا الصاحف وهم يصيحون ياأهل العراق بيننا وبينكم كتاب ال‪.‬‬
‫طالب الثائرون هدنة‪ ،‬ودعوا الليفة الشرعي وجيشه إل تكيم حكمي‪.‬‬
‫و قد فطن أمي الؤمن ي وبعض من جيشه إل هذه الدعة‪ ،‬وعرفوا القصد من هذه‬
‫الدنحة‪ ،‬ولك نه بدل من أن ي قف موق فه الازم‪ ،‬ويوال حر به ضد الثائريحن‪ ،‬ح ت‬
‫يتحقق النصر‪ -‬وقد تققت بشائره‪ -‬ويُحلقي البغاة بأسلحتهم‪ ،‬ويعودوا ال صف‬
‫ال مة الذي انشقوا عنه‪ ،‬وبغواعليه‪ ،‬بدل من أن يقف موقفه الازم ذلك‪ ،‬استجاب‬
‫لدعاة الزية‪ ،‬وأخد بنصيحة طلب الدعة‪ ،‬وأكثرهم موعود من معاوية أو من عورو‬
‫بن العاص ‪ .1‬ورضي بالتحكيم وقبل الدنة‪ ،‬وأمر بايقاف القتال ف الال‪.‬‬
‫وهكذا انتهحت هذه الثورةالرابعحة إل هذا الوقحف الائع‪ ،‬الذي جعحل ححق عليّح فح‬
‫اللفة يتساوى مع حق معاوية‪ ،‬وجعل نصيب البغاة الثائرين يساوي نصيب جيش‬
‫المة الذي يدافع عن خلفة شرعية تت بالشورى‪ ،‬وانعقدت بالبيعة‪.‬‬
‫وتداعىالذين فطنواال خدعة الدنة من أصحاب علي وحذروه من قبولا‪ ،‬وأخبوه‬
‫أن قبولا يعن الشك ف خلفته والتنازل عنها‪ .‬وكانوا مصرين أن اللفة الشرعية‬
‫حق ل يتطرق اليه الشك‪ ،‬وليوز فيها الرجوع‪ ،‬ولتقبل فيها الساومة‪.‬‬
‫وإذ خ طر لعل يّ أن ي ستجيب لدعاة الزي ة من جي شه‪ ،‬والاكر ين من عدوه‪ ،‬وأن‬
‫يشحك فح نفسحه‪ ،‬والقح الذي بيده‪ ،‬ويتنازل عحن الشرف الذي أوله السحلمون‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪36‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ويساوي بينه وبي أحد عماله‪ ،‬ف قضية أخذ فيها عهدا من المة‪ ،‬وأخذت منه فيها‬
‫موثقا وعهدا‪ .‬ورضخ ال تكيم رجال فيما نزل فيه حكم ال‪.‬‬
‫ح ي ف عل عل ّي ذلك‪ ،‬تدا عى أولئك الذ ين ل يرتضوا التحك يم‪ ،‬وحذروا عليا من‬
‫قبوله‪ .‬وهم يرون أن معاوية باغ ل حق له‪ ،‬وأن بيعة علي قد انفسخت بوافقته على‬
‫الدنة ورضائه بالتحكيم‪ ،‬فلم تبق لحد ف أعناقهم بيعة‪ ،‬وليس لحد عليهم ميثاق‪.‬‬
‫تداعوا ال أن يعتزلوا جيحش علي‪ ،‬وركنوا ال موقحع يسحمى حروراءفانعزلوا فيحه‪،‬‬
‫ينتظرون تدد الوادث‪ ،‬واتاه المة ف قضية اللفة‪ ،‬ويكن ان يسمى هذا النعزال‬
‫عحن جيحش علي‪ :‬بالثورة الامسحة‪ ،‬ولو ان هذه الثورة ال هذا اليح كانحت ثورة‬
‫سحلبية‪ ،‬وموقحف أصححابا كان موقحف الحايحد الذي ينتظحر مرى المور‪ ،‬وقحد‬
‫جرتالمور با سرع م ا يتو قع ل ا‪ ،‬ف ما بلغ الو عد الذي حدده الطرفان لنتهاء الد نة‬
‫ح ت اجت مع الناس‪ ،‬وأعلن أبومو سى الشعري مندوب عل يّ‪ :‬عزل عل يّ منالل فة‪،‬‬
‫وترك المر شورى بي السلمي يتارون من يشاؤون‪.‬‬
‫كان هؤلء الحايدون يتتبعون منطق الوادث والواقع‪ ،‬فهم ينظرونال معاوية نظرتم‬
‫حم ليقيمون أي وزن‬
‫حر واليلة‪ ،‬ولذلك فهح‬
‫حه بالكح‬
‫إل باغ ياول ان يفرض نفسح‬
‫لدعوى عزله‪ ،‬فهم ل يتول أمر اللفة إل ذلك الي‪ ،‬لبالكراه ول بالشورى‪ ،‬فل‬
‫معن لغزله من منصب ليس هو فيه‪ ،‬كما ليقيمون أي وزن لتولية عمرو بن العاص‬
‫له‪ ،‬لن عمرو ل يفو ضه ال سلمون ف تول ية أم ي الؤمن ي‪ .‬أ ما نظرت م ال علي ف قد‬
‫كانوا يتوقعون أن يتفحق الكمان على إقراره فح الكحم‪ ،‬وحينئذ ترجحع ال علي‬
‫الصحبغة الشرعيحة ال ت تنازل عنهحا لثباتاح‪ ،‬وي ب على ال سلمي حينئذ أن يوحدوا‬
‫صفوفهم تت طاعته ماقام فيهم بكتاب ال‪ .‬ولكن الندوب الذي اختاره علي ليمثله‬
‫ف هذه القض ية الظال ة‪ ،‬أعلن أ نه عزل عل يا عن أ مر ال سلمي‪ ،‬وأن أل مر أ صبح‬
‫للشورى والختيار‪ ،‬وتؤيد موقف هؤلء الحايدين‪ ،‬وانظم اليهم عدد أخر من كانوا‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪37‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫يقفون ال جانحب علي حتح ذلك اليح‪ ،‬وبثوا المحر فيمحا بينهحم على أسحاس أن‬
‫السلمي أصبحوا دون خليفة‪ ،‬فهذا معاوية باغ ظال ليكن أن يتول أمر السلمينن‪،‬‬
‫وهذا علي يعزله النذوب الذي اختاره للتحكيححم‪ ،‬وأذن فليختاروا ‪ ......‬واختاروا‬
‫عبدال بن وهب الراسب‪ ،‬فبايعوه اميا للمسلمي وخليفة للمسلمي بعد علي بن أب‬
‫طالب‪ ،‬فهو الليفة الشرعي الامس ف نظرهم‪.‬‬
‫وبذه الطوة أصبحت المة السلمية منقسمة ال ثلث دول‪ :‬دولة يرأسها معاوية‬
‫– وإن ل يبايعه عليها أحد ال ذلك الي‪ -‬ودولة يرأسها علي بن أب طالب بعد أن‬
‫فشلت ف نظره حكومة الكمي – وعاد فاستمسك بالبي عة الول دون أن يعترف‬
‫بعزل ا ب مو سى الشعري له منذو به ف قض ية التحك يم‪ -‬ودولة يرأ سها عبدال بن‬
‫و هب الرا سب‪ -‬ب عد أن باي عه ج ع كبي من الذ ين انف صلوا عن علي ع ند قبوله‬
‫التحكيم‪ ،‬ث عند اعلن الكم بعزل علي عن اللفة‪ -‬ومع كل فرقة من هذه الفرق‬
‫جع غي قليل من كبار الصحابة‪ ،‬وفيهم بعض الشهود لم بالنة ‪ .1‬على أن هناك‬
‫فري قا راب عا اعتزلوا هذا النقاش الذي و قع ب ي ال سلمي‪ ،‬وبعدوا عن قض ية الل فة‪،‬‬
‫فلم يطلبوها لنفسهم‪ ،‬ول يؤيدوا واحدا من طالبيها‪ ،‬ومن هذا الفريق السادة‪ :‬سعد‬
‫بن أب وقاص‪ ،‬وعبدال بن عمر‪ ،‬وممد بن مسلمة النصاري وأسامة بن زيد‪.‬‬
‫بعد أن جع المام علي جيشه‪ ،‬ومن بقي تت طاعته من الند‪ ،‬فكر ف اعادة الكرة‬
‫على معاوية واخاد ثورته‪ ،‬وماولة اخضاعه من جديد‪.‬‬
‫ول كن ب عض أ صحابه أشاروا عل يه بحار بة عبدال بن و هب الرا سب‪ ،‬هذا اللي فة‬
‫الد يد الذي و صل ال منصحب الل فة عن طريحق البي عة‪ ،‬و هو الطر يق الشر عي‬
‫للخلفة‪.‬‬
‫واقتنع علي بصواب هذا الرأي‪ ،‬فعدل عن ماربة معاوية ال ماربة عبدال بن وهب‪،‬‬
‫وكان أتباع عبدال بحن وهحب يعتقدون أن امامهحم هحو المام القح و أن كل محن‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪38‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫علي‪ -‬بعحد التحكيحم والعزل‪ -‬ومعاويحة ثائران يبح عليهمحا الرجوع ال حضية‬
‫المامة والمة‪.‬‬
‫هذه خلصة الثورات الت اشتعلت ف ذلك العصر وذهب ضحيتها عشرات اللف‬
‫من أبطال السلم‪ ،‬وقد حاولت أن ألصها باياز قدر الستطاع‪ ،‬مع عناية بإيضاح‬
‫الق ضة من الزاو ية ال ت يرا ها ب ا أؤلئك الذ ين يطلق علي هم ف ب عض ك تب التار يخ‬
‫والدب كلمة الوارج‪ .‬أولئك القوم الذين يرون أنم أصحاب الق‪ ،‬وأن البيعة ل‬
‫تنعقد بطريق شرعي بعد التحكيم ال لعبدال بن وهب الراسب ‪ ،‬ذلك الليفة الذي‬
‫باي عه ج هو من المة‪ ،‬في هم كث ي من كبار الصحابة‪ ،‬من بين هم بعض الشهود ل م‬
‫بالنة‪.‬‬
‫فإذا رجعنا ال أول هذا البحث‪ ،‬وأردنا أن نستخلص منه طائفة معينة ‪ ،‬من الطوائف‬
‫التح قامحت بالثورة‪ ،‬لنطلق عليهحا اسحم الوارج‪ ،‬فينطبحق هذا السحم علي ها انطباقحا‬
‫كامل‪ ،‬من الناحيتي السياسية والدينية‪ ،‬ويكونون خوا ج عن اللفة وخوارج عن‬
‫الدين‪ ،‬وينطبق عليهم الديث الذي أوردناه سابقا‪.‬‬
‫فأي هذه الطوائف الثائرة يكننحا أن نطلق عليهحا هذا السحم ملحظيح فيحه معنح‬
‫الروج عن ال سلم ون ن مطمئنون ال صحة أحكام نا‪ ،‬ومنطق ية ا ستدللنا وعدم‬
‫انسياقنا ال تيار معي من تيارات التاريخ‪.‬‬
‫أ ما أك ثر أوائل الؤرخ ي‪ ،‬و قد كانوا إ ما تب عا للشي عة أو صنائع للموي ي‪ ،‬يعملون‬
‫جاهد ين على إرضاء متبوعي هم‪ ،‬ف قد وجدوا ال مر سهل ل يكلف هم عناء‪ ،‬فأطلقوا‬
‫كلمة الوارج على العدو الشترك للمويي والشيعة‪ ،‬أطلقوها على تلك الطائفة من‬
‫ال سلمي ال ت اعتزلت عل يا ع ند التحك يم وباي عت عبدال بن و هب إماما‪ ،‬وثارت‬
‫على الظلم‪ ،‬وفساد الكم ف الدولة الموية‪ ،‬ومن بعدها من سار ف ذلك الطريق‪،‬‬
‫وتن كب عن سية اللفاء الراشد ين‪ .‬ول كى ي صبغ أولئك الؤرخون هذه الت سمية‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪39‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫باللون القبول ‪ ،‬ربطوا الع ن ال سياسي لكل مة الروج بالع ن الدي ن ‪ ،‬و قد عملت‬
‫السلطة و الدعاية ف كلتا الطائفتي ‪ :‬الشيعة و الموية ‪ ،‬على تثبيت هذا الطلق و‬
‫نشر هذه القاويل ‪ ،‬حت وضعت مئات الحاديث الكذوبة ف الطعن على الوارج‪،‬‬
‫و التشنيع عليهم‪ ،‬و نسبة الروق و الكفر اليهم جيعا‪ ،‬او ال افراد من رؤسائهم و‬
‫زعمائهم‪ ،‬وقد كان الهلب بن اب صفرة القائد الذى ضحى بدينه لدنيا بن امية ‪،‬‬
‫من اك ثر الواضع ي لذه الحاد يث الكذو بة ف الط عن على الوارج‪ ،‬ح ت اشت هر‬
‫بذلك و عرفحه بحه الناس‪ ،‬فكانوا يقولون اذا رأوه خارجا‪( :‬راح يكذب)‪ .1‬كان‬
‫المويون والشيعة ياولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب‪ ،‬لقب الوارج‪-‬‬
‫ب عد أن ف سر بالروج من الد ين‪ -‬بؤلء الثائر ين الذ ين ينادون ف إ صرار وشدة‪،‬‬
‫بالباديء العادلة ف اللفة؛ وكان الشيعة ياولون با أوتوا من براعة أن يصروها ف‬
‫ب يت علي‪ ،‬ك ما كان غي هم من الطامع ي في ها‪ ،‬يشترط ل ا الاش ية أو القرش ية أو‬
‫العروبحة‪ ،‬حسحب الصحلحة السحياسية لصححاب الراء فح ذلك اليح‪ .‬وكحل هذه‬
‫التاهات تت مع على مار بة التاه الذي ات ه إل يه أتباع عبدال بن و هب الرا سب‪.‬‬
‫ذلك التاه العادل الذي يرى أن السحلمي متسحاوون فح القوق والواجبات‪( .‬إن‬
‫أكرمكم عند ال أتقاكم) {لفضل لعرب على أعجمي إل ابالتقوى}‪.‬‬
‫قلت ف صدر هذا الديث‪ :‬إن عددا من الثورات وقع منذ وفاة رسول ال صلى ال‬
‫عل يه و سلم إل إنتهاء خل فة المام عل يّ بن أ ب طالب‪ ،‬فأيّ هذه الثورات ي ق أن‬
‫يطلق علىالقائميح باح لقحب الوارج‪ ،‬محع ملحظةالروج عحن اللفحة الشرعيحة‬
‫والروق من الدين؟‬
‫لتسهيل الجابة على هذا السؤال أستطيع أن أقسم هذه الثورات ال ثلثة أقسام‪-:‬‬
‫الول‪ :‬ثورة ليس لا تعليل ول أسباب غي عدم تكن السلم ف قلوب القائمي با‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪40‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وعدم إيانمح اليان الصححيح بتكامحل الرسحالة الحمديحة‪ ،‬ويتجلى هذا فح الثورة‬
‫الول‪ ،‬الت ارتد فيها فريق‪ ،‬وامتنع فريق أخر عن أداء الزكاة‪.‬‬
‫الثان‪ :‬ليس ل ا أسباب ظاهرة معقولة‪ :‬أ ما أسبابا القيقية الفية‪ ،‬فهي الناع على‬
‫مناصب الدولة‪ ،‬من خلفة أوعمالة‪ ،‬ويتمثل ذلك ف الثورة الثالثة الت قام با طلحة‬
‫والزبي‪ ،‬وف الثورة الرابعة الت قام با معاوية بن أب سفيان‪.‬‬
‫الق سم الثالث‪ :‬ثورة ا ستندت ال أ سباب ظاهرة يتراءى للنا ظر أن ا معقولة‪ ،‬ويتم ثل‬
‫ذلك ف الثورة الثانية الت قتل فيها عثمان‪ ،‬وف الثورة الامسة الت اعتزل فيها جاعة‬
‫من جيش علي بعد التحكيم‪ ،‬وعزل أب موسى الشعري له‪.‬‬
‫فلو كان القصود من كلمة الوارج‪ ،‬هو الروج السياسي عن خليفة تت له البيعة‬
‫الشرع ية‪ ،‬لكان إطلق هذه الكل مة على طل حة والزب ي‪ ،‬أو على معاو ية وأتبا عه‪ ،‬أو‬
‫على الثائر ين على عثمان أظ هر وأو ضح‪ ،‬أ ما إذا لو حظ الع ن ال سياسي مع الع ن‬
‫الدي ن فإ نه لي كن إطلق هذه الكل مة علي هم‪ ،‬ك ما أ نه من الع سي إطلق ها على‬
‫العتزلي لعلي‪.‬‬
‫والسبب ف هذا العسر أن هؤلء الثائرين سواء كانوا من القسم الثان أو من القسم‬
‫الثالث إنا ثاروا غي منكرين لصل من أصول السلم‪ ،‬ول مكذبي بعلوم من الدين‬
‫بالضرورة‪ ،‬ومع كل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة‪ ،‬فيهم بعض الشهود لم‬
‫بالنة‪.‬‬
‫وبناء على هذا فإن أحاديحث الروق –إذا صححت‪ -‬ليكون القصحود منهحا إل‬
‫أصحاب الثورة الول‪ ،‬أولئك الذين خرجوا على خلفة أب بكر منكرين للشريعة أو‬
‫لصل من أصولا‪ ،‬فإن هؤلء يستطيع الباحث أن يطلق عليهم كلمة الوارج‪ ،‬وهو‬
‫يقصد بذه الكلمة معنييها السياسي والدين وهو مطمئن‪ ،‬لروجهم عن خلفة ممع‬
‫علي ها‪ ،‬وإنكار هم لل سلم جلة بعد ما أمنوا به‪ ،‬أو تكذيب هم بر كن ثا بت بالكتاب‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪41‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والسحنة والجاع‪ ،‬إنكارا إسحتحقوا بحه أن ياربمح خليفحة رسحول ال الول حربحا‬
‫لهوادة في ها‪ ،‬م صداقا لقوله عل يه ال سلم‪[ :‬لن أدركت هم لقتلن هم ق تل ثود] – إن‬
‫صح الديث ‪ -‬وقد قتلهم خليفته رضي ال عنه قتل ثود تقيقا لبه عليه السلم‪.‬‬
‫ويستأنس لذا الرأي من توقعه صلى ال عليه وسلم أن يدركهم‪ ،‬فإن هذا يدل على‬
‫قرب زمنهحم منحه‪ ،‬وأنحه كان يأمحل أن ينتقحم ل منهحم‪ ،‬ولكحن إرادة ال شاءت أن‬
‫يتأخروا عنه قليل‪ ،‬وأن تكون فتنتهم إمتحانا لصلبة أب بكر‪ ،‬وأن تكون عقوبتهم‬
‫على يد الصديق رضي ال عنه‪.‬‬
‫وكما يستأنس بذا الديث لذا العن‪ ،‬كذلك يستأنس بديث الروق ف الرواية الت‬
‫تقول ( سيخرج أو سيمرق) فإن إ ستعمال ال سي يدل على قرب الروج‪ ،‬ول ي كن‬
‫أقرب ال رسول ال صلى ال عليه وسلم من هذا الروج الذي قضى عليه الصديق‬
‫وحارب أهله حرب ثود‪.‬‬
‫على أنن أقف وقفة طويلة عند هذه الحاديث الت تصف فرقا من السلمي بالروق‬
‫من الدين‪ .‬ولو أنن لأملك الن السباب الت تملن على الشك ف صحتها‪.‬‬
‫ويظ هر من سياق الوادث أن هذه الحاد يث ال ت تتحدث عن الوارج‪ ،‬ل ت كن‬
‫معروفحة عنحد حدوث الثورات الول‪ ،‬وإل فكيحف أمكحن أن لتدور على اللسحنة‪،‬‬
‫وأن ليوصحف باح الارجون عحن اللفحة فح زمحن أبح بكحر وعثمان وعلي‪ ،‬ول‬
‫الارجون عن الد ين ف ز من ال صديق؟ لاذا تب قى مفو ظة لي ستفيذ من ها أن صار‬
‫اللفحة أو خصحومها فح أربحع ثورات جامةح ذهحب ضحيتهحا عدد غيح قليحل محن‬
‫السلمي البطال‪ .‬إن دل على شيء فإنا يدل على أن هذه الحداث ل تكن معروفة‬
‫عنحد وقوع هذه الثورات‪ ،‬وإناح إناح وضعحت بعحد ذلك قصحدا للتشنيحع على أهحل‬
‫النهروان‪ ،‬ول مل علي على قتال م والقضاء علي هم‪ ،‬خو فا من أن يتحرج علي من‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪42‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫دمائهم‪ ،‬ويتردد ف قتالم‪ ،‬ويفكر تفكيا منطقيا ف أنه قد يكون لؤلء حق‪ ،‬ولرأيهم‬
‫سند‪.‬‬
‫و قد كان علي شد يد الحا سبة لنف سه‪ ،‬كث ي التفك ي ف أعماله ال سابقة‪ ،‬يزِ نُ مأقدم‬
‫عل يه من أحداث‪ ،‬ويدل لذا ماقاله أ بو العباس الشما خي ف كتا به الق يم (ال سي) ‪:‬‬
‫(فقال الش عت نا جز القوم‪ ،‬وإن كلموا الناس أف سدوهم علي نا) ‪ 1‬فالشي عة الذ ين‬
‫ييطون بعلي‪ ،‬وهحم يكافحون لكحي يبنوا دولة‪ ،‬يشون أن يتصحل أهحل النهروان‬
‫بالناس‪ ،‬وأن يقنعوهحم باح لديهحم محن حجحة وبرهان‪ ،‬إن قبول التحكيحم خطاء فح‬
‫السحياسة‪ ،‬وإن خلفحة علي بعحد التحكيحم والعزل باطلة‪ ،‬وإن البيعحة سحاقطة عحن‬
‫العناق‪ ،‬وإن الليفة الق هو عبدال بن وهب الراسب‪ ،‬الذي بايعه جهور غي قليل‬
‫محن السحلمي‪ ،‬كان الشيعحة يافون أن يتصحل أهحل النهروان بالناس‪ ،‬ولذلك فهحم‬
‫يريدون أن يقضوا على هذه الراء قبل أن تنتشر ف الناس‪ ،‬ويفهمها الميع‪ ،‬ويقتنعوا‬
‫بصحتها‪.‬‬
‫وليكحن القضاء على هذه الراء إل بالقضاء على أصححابا‪ ،‬فلو تردد علي فح هذا‬
‫المر‪ ،‬وترز من إراقة الدماء‪ ،‬فإن كل شيء سوف يضيع‪ ،‬ولذلك فيجب أن يمل‬
‫بشت الوسائل والطرق على اتاد هذه الطوة الازمة الاسة‪.‬‬
‫وقحد اسحتطاعوا أن يقنعوه‪ ،‬فاقتنحع برأي الشعحت‪ ،‬واتذح هذه الطوة‪ ،‬ونفحذ فكرة‬
‫الناجزة‪ ،‬فق ضى على أ هل النهروان‪ ،‬ولك نه ل ي ستطع أن يق ضي على الفكرة ال ت‬
‫دعوا إليها‪ ،‬هذه الفكرة الت تسربت با فيها من صدق وصراحة و واقعية إل كثي‬
‫من العقول‪ ،‬حت أصبحت مبداء يناضل عنه معتنقوه بصب وشجاعة وثبات‪.‬‬
‫وخل صة الب حث أن كل مة الوارج‪ ،‬أطلق ها ب عض الؤرخ ي على أتباع عبدال بن‬
‫وهب الراسب إطلقا تارييا وأدبيا‪ ،‬بيث لتنصرف إل غيهم‪ ،‬وليس ف هذا كبي‬
‫بث‪ ،‬فإن إطلق إسم على مموعة من الناس ليس بذي أهية إذا كان هذا الطلق‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪43‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫مرد ت سمية‪ .‬أ ما إذا رو عي ف يه مدلول دي ن فإ نه ي سن ب نا أن نتر يث ق بل أن نطلق‬
‫هذا الكحم الرهيحب‪ ،‬الذي يسحلطه التاريحخ الغرض على رؤوس بعحض الطوائف‬
‫السحلمية فح قسحاوة وغلظحة‪ ،‬فح اليح الذي نعترف فيحه أن هذه الطوائف تؤمحن‬
‫برسالة (ممد) وبتكاملها‪ ،‬وبا جاء فيها‪ ،‬وتستند ف آرائها ونظرياتا ال كتاب ال‬
‫و سنة ر سوله عل يه ال صلة وال سلم‪ ..‬وتعت مد ف ماججت ها على ماجاء ف التن يل‪،‬‬
‫وورد ف خب الع صوم‪ ،‬وأج عت عل يه ال مة‪ ،‬ال ت لتت مع على ضلل‪ ،‬ولو أن م‬
‫انرفوا ف الفهم‪ ،‬وأخطأوا ف التأويل‪ .‬وقد يعتقد بعضمن يطلع على هذا الفصل أنن‬
‫أريد الدفاع عن الوارج‪ ،‬وتبير أعمالم‪ ،‬وتصحيح أخطائهم‪.‬‬
‫والوا قع أن ن ل أق صد إل ش يء من ذلك‪ ،‬و كل ما ف ال مر أ نه ساقن إل هذا‬
‫الديث‪ ،‬النطقية الت وجدتا ف أباثهم ونظرياتم ف قضية اللفة‪ ،‬وحاولت جهد‬
‫الستطاع أن أصور الوادث والدواعي إليها ف ذلك العصر دون أن أنساق مع تيار‬
‫من التيارات‪ ،‬وأج عل أحكا مي أك ثر د قة وتردا من الؤثرات ال سياسية والعاطف ية‬
‫وال صلحية‪ ،‬ال ت أثرت على كتّ حاب التار يخ والباحث ي ف العقائد ف تلك الع صور‬
‫السوابق‪ .‬وال الوفق للصواب‪.‬‬
‫ويسرن أن أصرح ف آخر هذا الفصل‪ ،‬أنن أُجل أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫و سلم‪ ،‬وأن ن أدع له أ صحابه امتثال لمره عل يه ال سلم‪ ،‬فل أقول في هم إل خيا‪،‬‬
‫واننح أعلم أنحه لو أنفحق أحدنحا مثحل أُححد ذهبا فلن يبلغ مُدّ أحدهحم أو نصحيفه‪،‬‬
‫وح سبهم شر فا أن ال اختار هم ل صحبة ر سول ال‪ ،‬وأن م الدف عة الول من حلة‬
‫مشعل السلم‪ ،‬ولعل ال اطلع عليهم فغفر لم‪ ،‬كما قال عليه السلم ف أهل بدر‪.‬‬
‫أ ما أولئك الذ ين وردت في هم أحاد يث تع يب علي هم م سلكا أوقول فإن ن ل أتاوز‬
‫فيهم معن تلك الحاديث‪ ،‬وعهدتا على راويها وإنن أستغفر ال من الزلل وأضرع‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪44‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫إل يه سبحانه أن يغ فر ل ما قد يكون انزلق إل يه القلم م ا ل ير ضى ع نه‪ ،‬إ نه ول‬
‫التوفيق والداية‪.‬‬

‫الخوارج في نظر الباضية‬

‫من هم الوارج ف نظر الباضية؟‬
‫يرى الباض ية أن إطلق كل مة الوارج على فر قة من فرق ال سلم ليل حظ ف يه‬
‫العن السياسي الثوري‪ ،‬سواء كانت هذه الثورة لسباب شرعية عندهم أو لسباب‬
‫غيح شرعيحة‪ ،‬ولذلك فهحم ل يطلقوا هذه الكلمحة على قتلة عثمان‪ ،‬ول على طلححة‬
‫والزبي وأتباعهما‪ ،‬ول على معاوية وجيشه‪ ،‬ول على بن فندين والذين أنكروا معه‬
‫إمامة عبدالوهاب الرستمي‪ ،‬وإنا كل ما يلحظونه إنا هو العن الدين الذي يتضمنه‬
‫حديث الروق ف صيغه الختلفة‪.‬‬
‫والروج عن ال سلم يكون‪ :‬إ ما بإنكار الثا بت القط عي من أحكا مه‪ ،‬أوبالع مل ب ا‬
‫يالف القطوع بحه محن نصحوص أحكام السحلم ديانحة‪ ،‬فيكون هذا العمحل فح قوة‬
‫النكار والرد‪ .‬وأقرب الفرق السحلمية إل هذا العنح هحم الزارقحة ومحن ذهحب‬
‫مذهبهم من يستحل دماء السلمي وأموالم‪ ،‬وسب نسائهم وأطفالم‪ ،‬يقول العلمة‬
‫أبويعقوب يوسف بن إبراهيم ف كتابه الدليل والبهان ‪( : 1‬وزلة الوارج نافع بن‬
‫شرِكُونَ) (النعام‪:‬‬
‫الزرق وذويه حي تأولوا قول ال تعال (وَإِنْ َأ َطعْتُمُو ُهمْ ِإنّكُ مْ لَمُ ْ‬
‫‪ )121‬فأثبتوا الشرك ل هل التوح يد ح ي أتوا من العا صي ما أتوا ولو أ صغرها)‬
‫انت هى‪ ،‬وقال ف مو ضع آ خر من ن فس الكتاب‪( :‬وأ ما الار قة ف قد زعموا أن من‬
‫ع صىال تعال ولو ف صغي من الذنوب أو كبي‪ ،‬أشرك بال العظ يم وتأولوا قول‬
‫شرِكُو نَ) (النعام‪ )121:‬فقضوا بالسم على‬
‫ال عز وجل (وَإِ نْ َأ َطعْتُمُوهُ مْ ِإنّكُ مْ لَمُ ْ‬
‫جيع من عصى ال عز وجل؛ أنه مشرك‪ ،‬وعقبوا بالحكام‪ ،‬فاستحلوا قتل الرجال‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪45‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وأخذ الموال‪ ،‬والسب للعيال‪ ،‬فحسبهم قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬إن‬
‫ناسا من أمت يرقون من الدين مروق السهم من الرمية‪ ،‬فتنظر ف النصل فل ترى‬
‫شيئا‪ ،‬وتنظر ف القدح فل ترى شيئا‪ ،‬وتتمارى ف الفوق‪ ،‬فليس ف أمة ممد صلى‬
‫ال عل يه و سلم أش به ش يء بذه الروا ية من هم‪ ،‬لن م عك سوا الشري عة؛ قلبو ها ظهرا‬
‫لب طن‪ ،‬وبدلوا ال ساء والحكام‪ ،‬لن ال سلمي كانوا علىع هد ر سول ال صلى ال‬
‫عل يه و سلم يع صون ول ترى علي هم أحكام الشرك ي‪ ،‬فل يت شعري في من نزلت‬
‫الدوح‪ ،‬ف ال سلمي أو ف الشرك ي؟ فأبطلوا الر جم واللد والق طع‪ ،‬كأن م ل يس‬
‫من أمة أحد عليه السلم‪ .‬احوالت أعينهم فنظروا ف العن الذي أمر ال به السلمي‬
‫أن ي ستعملوه ف الشرك ي‪ ،‬من جهاد العدو وال هد ف ماربت هم‪ ،‬فا ستعملوه ف‬
‫السلمي) انتهى‪ .‬وقال ف نفس الكتاب ‪( :1‬وأما الارقة وهم الوارج‪ ،‬فلن يفى‬
‫على عا قل ب سية ما ساروا ف أهل السلم‪ ،‬كسية أ هل السلم ف أ هل الوثان‬
‫والصنام‪ ،‬كأنا بعث إليهم رسول آخر غي ممد عليه السلم‪ ،‬وقد قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪[ :‬إن ناسا من أمت يرقون من الدين مروق السهم من الرمية‪،‬‬
‫فتنظر ف النصل فل ترى شيئا‪ ،‬وتنظر ف القدح فل ترى شيئا‪ ،‬وتنظر ف القديدة فل‬
‫ترى شيئا‪ ،‬وتتمارى فح الفوق ٍٍ] وفح حديحث آخحر [يرج محن ضئضئي هذا ناس‬
‫يرقون من الدين مروق السهم من الرمية]‪.2‬‬
‫هذا رأي الباض ية ال صريح الوا ضح ف الوارج‪ ،‬و هو يتل قى مع رأي المهور ف‬
‫التسمية‪ ،‬ويتلف ف التعليل‪ ،‬فالزارقة خوارج‪ ،‬لنم أخطأوا تأويل آيات الكتاب‪،‬‬
‫حوا خوارج لنمح‬
‫حم بذا الطاء ال ردآيات‪ ،‬وإبطال أحكام‪ ،‬وليسح‬
‫و أدى عملهح‬
‫انفصلوا عن علي بن أب طالب بعد التحكيم‪ ،‬أو لنم ساروا على المويي‪ .‬إن رأي‬
‫الباضية ليقيم أي وزن للناحية الثورية ف اطلق كلمة الوارج‪ ،‬ولكنهم يعللونا‬
‫التعليحل الدينح العقول‪ ،‬فكلمحة الوارج ل تطلق إل على أولئك الذيحن خرجوا محن‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪46‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الدين‪ ،‬أما الروج عن إمام‪ ،‬والثورة عليه‪ ،‬مهما كانت أسباب تلك الثورة‪ ،‬وذلك‬
‫الروج‪ ،‬ليكن أن يعتب خروجا من الدين‪ ،‬ومرقا من السلم‪ ،‬وليصح بال أن‬
‫يطبق على القائمي بذا الكم القاسي الرهيب‪ ،‬ولو صح أن يعتبوا عصاة بغاة يب‬
‫تأديب هم ح ت بالرب لرجاع هم ال ال مة‪ .‬والوا قع التاري ي أ كب شا هد على هذا‬
‫الرأي‪ ،‬فإنه ل يعرف على القل فيما اطلعت عليه أن أحدا حكم بالروج من الدين‬
‫على أصحاب الثورات الذين ثاروا على أئمة شرعيي؛ كالثوار على عثمان‪ ،‬أو علي‪،‬‬
‫أو عبدال بحن و هب‪ ،‬أوغي هم‪ .‬و قد و قف أن صار الل فة ف كل تلك الحوال‬
‫للدفاع عن وحدة ال مة‪ ،‬وقاتلوا البغاة قتال عنيفا لتأديب هم‪ ،‬وإرجاع هم إل حضية‬
‫المامة‪ ،‬ولكن دون الكم عليهم بالروق من السلم‪ .‬فلماذا إذن يطلق هذا السم‬
‫على العتزلي لعليّ دون سائر الثوار؟‬
‫إن هذا السم ف نظر الباضية لعلقة له بالثورة‪ ،‬أو بالروج عن أي إمام وليطلق‬
‫بال على جيحع الذيحن اعتزلوا عليا‪ ،‬وإناح يطلق علىالفرق التح تأولت آيات محن‬
‫كتاب ال فأخطأت التأويل‪ ،‬وأفضى با سوء الفهم والتصرف ال إنكار أورد بعض‬
‫أحكام السحلم القطعيحة‪ ،‬ولو محن الناحيحة العمليحة‪ ،‬فخرجوا بذلك عحن السحلم‪،‬‬
‫وانطبحق عليهحم حديحث رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬فهحم خوارج بالعقيدة‬
‫والعمل‪ ،‬لبالثورة‪.‬‬
‫ف هل ب عد هذا اليضاح والبيان‪ ،‬يو جد مايدعو ن أن أقرر من جد يد‪ :‬أن الباض ية‬
‫ليسحوا محن الوارج‪ ،‬وقحد رأيتحم رأيهحم الصحريح فح الوارج‪ ،‬وحكمهحم عليهحم‪،‬‬
‫وتعليلهم لذلك الكم‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪47‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫توافق في رأي‬

‫ف هذا الف صل أ حب أن أث بت اللح ظة الي سية الت ية؛ و هي‪ :‬أن اشتراك أفراد أو‬
‫طوائف ف رأي معي ليعن اشتراك أولئك الفراد أو تلك الطوائف ف جيع الراء‪،‬‬
‫واتفاقهم عليها‪ ،‬ومن الطاء ف فهم هذه اللحظة اليسية تسربت الشبهة ال أولئك‬
‫الذ ين يزعمون أن الباض ية فر قة من الوارج‪ ،‬أو من غي هم من الفرق ال سلمية‬
‫الكثية‪ ،‬والسحبب فح ذلك أن الباضيحة ينتقدون قبول التحكيحم‪ ،‬ويرون أن عليحا‬
‫مطيء ف الوافقة عليه‪ .‬وف جعله حقه من اللفة موضوع نزاع بينه وبي معاوية‪.‬‬
‫ك ما أ نه و قد ر ضي بالتحك يم وعزله الكمان‪ -‬أخ طأ ف قتاله لعبدال بن و هب‬
‫الراسب‪ ،‬وأصحاب النهر‪ .‬وليس هذا الرأي مقصورا على الباضية ولعلى الوارج‪،‬‬
‫وإنا كان رأي كثي من كبار الصحابة والتابعي ‪ .1‬وتوافق آراء الباضية والوارج‬
‫ف هذه النقطة ليعل الباضية خوارج‪ ،‬كما ليعل الوارج إباضية‪ .‬ولكي أوضح‬
‫هذه النقطة أسوق مايأت‪:‬‬
‫يشترك العتزلة والشاعرة فح أصحل تنيحه الباري‪ ،‬فهحل يعحل هذا الشتراك فح هذا‬
‫ال صل كل من العتزلة والشاعرة فر قة واحدة؟‪ .‬ويشترك ب عض العتزلة والشي عة ف‬
‫نظر ية ح صر الل فة ف الب يت الاش ي‪ ،‬ف هل ي عل هذا الشتراك كل من العتزلة‬
‫والشيعة فرقة واحدة؟‪ .‬ويشترك الباضية مع الوارج ف قضية اللفة‪ ،‬ومع العتزلة‬
‫ف ال صفات‪ ،‬و مع الشاعرة ف القدر‪ ،‬ف هل ي عل هذا الشتراك كل من الباض ية‬
‫والوارج والعتزلة والشاعرة فر قة واحدة؟ ن عم إن ا فر قة واحدة بالن ظر ال ال صل‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪48‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫العام الذي ي صدرون ع نه‪ ،‬و هو ال سلم‪ ،‬ول كن هذا لي نع أن ل كل فر قة من هذه‬
‫الفرق وغيها آراء تتص با‪ ،‬حسب فهمها للكتاب والسنة‪.‬‬
‫وقد تكثر هذه الفوارق بي فرقتي منها أو تقل حسب الصول؛ أصول الدين‪ ،‬أو‬
‫أصول الفقه الت ترى كل فرقة صحة إتاذها أساسا للعقيدة أو للعمل‪.‬‬
‫أعتقحد أن فح اللحظات السحابقة الواب القنحع عحن حية أولئك الذيحن يربطون‬
‫العلئق بيح الباضيحة والوارج‪ ،‬كمحا أنحه يكفحي لقناع أولئك الذيحن يريدون أن‬
‫يسحبوا الباضيحة فرقحة متفرعحة عحن العتزلة‪ ،‬أو الشاعرة أوغيهحم‪ ،‬محن الذاهحب‬
‫السلمية التعددة‪.‬‬
‫ومن هذه اللحظة أيضا‪ ،‬يتضح أن الباضية قد يتفقون ف بعض وجهات النظر مع‬
‫الوارج‪ ،‬أو مع العتزلة‪ ،‬أو مع الشاعرة‪ ،‬ولكنها ليست فرقة من هذه الفرق‪ ،‬لنا‬
‫تتلف عن كل واحدة من هذه الفرق ف ب عض أ صول العقائد‪ ،‬أو ب عض أ صول‬
‫الع مل‪ ،‬إن ا تتلف عن تلك الفرق جيعا ف الراء ال ت بعدت في ها تلك الفرق عن‬
‫روح السلم‪.‬‬
‫والباضية حسب أصولم العملية‪ ،‬وحسب تعاملهم مع بقية السلمي من مالفيهم‪،‬‬
‫وح سب ال سية الواقع ية ال ت سجلها ل م التار يخ ف متلف الع صور‪ ،‬يع تبون أب عد‬
‫الفرق السلمية جيعا عن الروج‪ ،‬وسوف يتضح ذلك ف الفصول التية من هذه‬
‫اللقات‪ ،‬وف سية البطال الذين سوف نستعرض تاريهم الجيد‪ ،‬وف الفترات الت‬
‫قامت للباضية دول تكم حسب القواعد الت جعلها هذا الذهب القوي‪ .‬فمن هم‬
‫الباضية؟ وكيف نشاء هذا الذهب القوي؟ وهل حقا يعتب أقرب الذاهب إل أهل‬
‫السنة؟ إن الواب على هذه السئلة سوف يأت ف فصول آتية من هذه اللقة‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪49‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ميزان الخطأ والصواب للفرق‬
‫السلمية‬

‫إن كثيا من الذ ين تدثوا عن الباض ية ف القد ي والد يث‪ ،‬و سواء كان ذلك ف‬
‫سياق البحث عن العقائد‪ ،‬أو عن أحداث التاريخ‪ ،‬جرت على أقلمهم هذه العبارة‪:‬‬
‫(الباضية أقرب الفرق إل أهل السنة)‪ .‬وأهل السنة هم فرقة من الفرق السلمية؛‬
‫ل ا آراء وأ صول ب نت علي ها قوا عد مذهب ها ‪ .1‬و هي تر جع ف هذه ال صول إل‬
‫ال صل العام لم يع الفرق ال سلمية ‪ -‬الكتاب وال سنة والجاع‪-‬ولي كن بطبي عة‬
‫الال أن تتخحذ فرقحة محن الفرق مقياسحا للخطاء والصحوب‪ ،‬فتحكحم على صححة‬
‫الذاهحب الخرى بدى القرب أو البعحد منهحا‪ ،‬فإن أصححاب كحل فرقحة محن الفرق‬
‫السلمية الكثية يعتقد أنه على صواب‪ ،‬وأن الق فيما ذهب إليه‪ ،‬وأن دينه الذي‬
‫يد ين ال به أ صح الديان‪ ،‬وأن أ صوله ال ت ا ستمدها هي أث بت ال صول‪ ،‬و هو بذا‬
‫العتبار يرى أن الفرق التح تشاركحه فح أكثحر الصحول تكون أقرب الىالصحواب‪.‬‬
‫ولكن هذه دعوى يدعيها أصحاب كل مذهب‪ ،‬فليس لا ف نظر القيقة قيمة ‪...‬‬
‫وإنا القياس القيقي الذي نقيس به الطاء والصواب‪ ،‬واليزان الصادق الذي نزن به‬
‫العقائد والذا هب والراء والعمال‪ ،‬فنعرف مقدار صحتها‪ ،‬ومدى قرب ا أو بعد ها‬
‫من ال صواب‪ ،‬فإن ا هو اليزان الذي وض عه ر سول ال صلىال عل يه و سلم ‪[:‬ل قد‬
‫تر كت في كم ما إن ت سكتم به لن تضلوا بعدي أبدا‪ :‬كتاب ال و سنت] هذا هو‬
‫القياس الصحيح‪ ،‬الذي ل يتغي‪ ،‬وليتهم‪ ،‬وليطيء‪ ،‬ول يأتيه الباطل من بي يديه‬
‫ول من خلفه‪ .‬من أراد أن يعرف صحة عقيدة أو زيغها‪ ،‬وقربا من الق أوبعدها‪،‬‬
‫فليعرض ها على هذاالقياس‪ ،‬وليح كم حينئذ ب ا ي تبي له‪ ،‬وليدع جان با تقارب الفرق‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪50‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والطوائف من بعض ها وتباعد ها‪ ،‬ولين بذ أ ساءها وألقاب ا‪ ،‬فإن كل ذلك ليغ ن من‬
‫ال ق شيئا‪ ،‬و قد قرأت في ما قرأت م ثل هذا الكلم للمؤرخ الل يب ال ستاذ الطا هر‬
‫الزاوي‪ ،‬تناول ف يه الد يث عن الباض ية‪ ،‬وأورد هذه الملة كأن ا كان متأثرا برأي‬
‫بن حزم الندل سي‪ ،‬وإنه لن النصاف للستاذ الزاوي أن أقول‪ :‬إنه تناول الديث‬
‫عن الباض ية ف هذاالف صل ف قط بكث ي من الر قة والد قة والحتراس‪ ،‬وأ نه حاول‬
‫جهده فح هذا الفصحل فقحط‪ .‬أن يقحف موقحف النصحف الحايحد الذي يدعوا إل ل‬
‫شعت المة‪ ،‬ونبذها للخلف وأسبابه‪ ،‬مهما كانت مصادر ذلك اللف وبواعثه‪،‬‬
‫وأنا حي أذكر له هذا الوقف النبيل ف هذا الفصل آمل أن يتخذه مبدءا يدعوا إليه‪،‬‬
‫ويد ين ال تعال به‪ .‬وأذ كر أن ف كل من كتاب يه (تار يخ الف تح العر ب ف ليب يا) و‬
‫(جهاد البطال) لزات مقصودة للباضية‪ ،‬وتامل بيّنا عليهم‪ ،‬وانرافا عن موقف‬
‫الؤرخ الحايد النيه ‪ .2‬وسوف أعرض لبيان تلك الواقف ف غي هذا الفصل إن‬
‫شاء ال‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪51‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫افتراق المة‬

‫روي عحن رسحول ال صحلى ال عليحه وسحلم أنحه قال ‪[1:‬سحتفترق أمتح على ثلث‬
‫و سبعي فر قة كل هن الىالنار ما خل واحدة ناج ية‪ ،‬وكل هم يد عي تلك الواحدة]‪.‬‬
‫روي الد يث بروايات متعددة متل فة‪ ،‬نص ف إحدا ها على أن الفر قة الناج ية هي‬
‫الت تكون على ما كان عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم و أصحابه رضوان ال‬
‫عليهم‪ ،‬وف رواية أخرى أن جيع الفرق ناجية ماعدا واحدة هالكة‪ .‬ويظهر أن هذه‬
‫الروا ية ضعي فة‪ .‬إن الد يث ي نص أن كل فر قة من هذه الفرق تد عي أن ا هي‬
‫الناجية‪ ،‬وإدعاء كل فرقة أنا هي الواحدة الناجية أمر طبيعي‪ ،‬فإنه ليصر على اتباع‬
‫فر قة هال كة إل منون‪ ،‬و قد جا هد أ صحاب الفرق جي عا ل يبهنوا أن م على ال ق‪،‬‬
‫وأن م ي سلكون ال سلك ال سويّ‪ ،‬الذي كان عل يه ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‬
‫وأصحابه‪ ،‬وأن غيهم من الفرق حاد عن سبيل ال‪ ،‬ف العمل أو ف العتقاد‪.‬‬
‫تناول المام هذا الديث بالبحث‪ ،‬وناقش دعوى كل الفرق وبراهينها الت تقدمها‬
‫للتدل يل على أن ا الفر قة الناج ية‪ ،‬وب ي أن ا مت ساوية ف احتمال أن تكون على ال ق‬
‫عند ال وأن تكون على الباطل‪ ،‬واستخلص من كل ذلك أن الفرقة الناجية ليكن‬
‫أن تكون إحدى هذه الفرق‪ ،‬وإنا هي الفرقة الت تكون على ما كان عليه رسول ال‬
‫صلى ال عل يه و سلم من ج يع الفرق‪ .‬إن م أولئك الؤمنون الذ ين لتغر هم أقوال‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪52‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الرجال‪ ،‬ول يتبعون مسالك الضلل‪ ،‬وليستمسكون بغي هدى العصوم وأصحابه‪،‬‬
‫الذين هم كالنجوم‪ ،‬بأيهم اقتديتم اهتدي‪.‬‬
‫وكلم السحتاذ المام قيحم‪ ،‬وفهمحه لسحرار الشريعحة السحلمية فح هذا العصحر‬
‫وا ستمساكه بال ق‪ ،‬ودفا عه عن د ين ال‪ ،‬يذكر نا بالع صر الول؛ حين ما كان ال ق‬
‫ضالة الؤمن‪ ،‬يدور معه حيثما دار‪ ،‬ويقف معه أينما وقف‪.‬‬

‫الناجي والهالك من الفرق‬

‫ظاهحر الديحث الذي سحقناه فح افتراق المحة على اختلف رواياتحه‪ ،‬يدل أن اثنيح‬
‫و سبعي فر قة من ال سلمي هال كة جيعا‪ ،‬وأن فر قة واحدة ف قط ناج ية‪ ،‬وإذا سلمنا‬
‫بظاهر الديث‪ ،‬وقلنا إن السلمي ينقسمون فعل إل ثلث وسبعي فرقة‪ ،‬وأن هذا‬
‫العدد ومصور وموجود فعل‪ .‬فهل يق لنا أن ننظر إل الوضوع من زاوية أخرى؟‪.‬‬
‫إن كل فر قة من هذه الفرق‪ ،‬تتوي على ملي ي من ال سلمي‪ ،‬ليعلم عدد هم إل‬
‫ال‪ ،‬وهذه اللييح تتفاوت فح معارفهحا وعلمهحا وعقلهحا ودينهحا تفاوتا ليضبطحه‬
‫مقياس‪ ،‬وليأ ت عل يه ح صر‪ ،‬والطب قة الشتغلة بب حث أ صول العقائد‪ ،‬ال ت اختل فت‬
‫فيها المة‪ .‬كالقدر‪ ،‬والعدالة اللية‪ ،‬وصفات الباري‪ ،‬من كل فرقة قلة ضئيلة جدا‪.‬‬
‫أما باقي السلمي وإن كانوا ينسبون إل مذهب من تلك الذاهب‪ ،‬إل أنم ليعرفون‬
‫شيئا عحن هذه الباححث العميقحة‪ ،‬التح تسحتدعي كفاءات خاصحة‪ ،‬وهحم يقومون‬
‫بواجباتم الدينية حسب ما تلقوه‪ ،‬مؤمني بربم‪ ،‬مصدقي برسوله عليه السلم وما‬
‫جاء بحه جلة وتفصحيل‪ ،‬متقربيح إل ال بأعمالمح‪ ،‬لتؤهلهحم ثقافتهحم إل مناقشحة‬
‫اليات القرآن ية‪ ،‬ودرا سة الح كم والتشا به من الكتاب الكر ي‪ ،‬وليوّل م تفكي هم‬
‫الحدود أن يصلوا إل تلك البا حث ال ت يري وراء ها علماء الكلم‪ .‬إن الع مي من‬
‫الشاعرة أوالباضية أو العتزلة أو غيهم‪ ،‬ليطر له مطلقا أن يبحث مشكلة القَدَر‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪53‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ف هو مؤ من بطب عه أ نه لي قع ف الكون إل ما يريده ال‪ ،‬والعا مي من هذه الذا هب‬
‫ومن غيها‪ ،‬ليفهم ماتعن كلمات الذات‪ ،‬والصفات‪ ،‬وهل الصفات عي الذات إل‬
‫آخر ما هنالك من الباحث الت تتاج إل كثي من الذكاء والعلم‪.‬‬
‫فهل هؤلء السلمي‪ ،‬الذين ينتسبون ال متلف الفرق وهم يؤمنون بربم‪ ،‬ويعملون‬
‫صالا‪ ،‬يكونون من أصحاب النار؟ لن ظاهر هذا الديث يقسم السلمي ال ثلث‬
‫وسبعي فرقة‪ ،‬يلقى اثني وسبعي منها ف النار؟‬
‫تدث كث ي من الفقهاء عن ايان العجائز‪ ،‬وقال بعض هم أن إيان ن مثلٌ ل ا ي ب أن‬
‫يكون عليه إيان السلم‪ ،‬لنه إيان بال ليتزعزع‪ ،‬ول تنال منه الشبه مهما كثرت‪،‬‬
‫وهو ف سذاجته وبساطته قوي متي‪ ،‬قيل أن الصحابة سألوا أمرأة بضرة الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬عن ال فقالت‪ :‬هوف السماء ‪،‬فقال عليه السلم‪[ :‬دعوها فإنا‬
‫مؤم نة]‪ .‬ول يطلب من هم أن يلقوا علي ها ماضرة طويلة ف ا ستحالة التح يز واللول‬
‫عن الباريء عز وجل‪ ،‬لن عقلها غي مؤهل لتلقي مثل تلك الباث‪ ،‬فهل هؤلء‬
‫العجائز‪ ،‬الاربات بإياننح‪ ،‬العارفات بربنح‪ ،‬القائمات بواجباتنح‪ ،‬الحافظات على‬
‫دينهحن‪ ،‬الجتنبات لاح حرم ال‪ ،‬يصحرن ال النار‪ ،‬لننح ينتميح ال واحدة محن هذه‬
‫الفرق الت حكم عليها ظاهر الديث بالعذاب الليم‪ .‬وهل يتم السلم على جيع‬
‫أتباع الفرق‪ ،‬من رجال ونساء‪ ،‬أن يبحثوا أصول هذه الفرق وعقائدها‪ .‬حت يعرفوا‬
‫الفرقة الناجية ويدخلوا فيها‪ ،‬لكي تشملهم رحة ال ورضوانه‪.‬‬
‫أعت قد أن هذا التكل يف يع سر عن الطبي عة البشر ية‪ ،‬وأن ساحة ال سلم لتقت ضي‬
‫التكل يف ب ثل هذا ال مر الشاق‪ ،‬الذي ليكون ف طوق ال سلم العادي الذي يؤ من‬
‫بال ويراعي ربه ف عمله‪ ،‬ويشى ال ويتقيه ف مارمه‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪54‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وف قول رسول ال صلى ال عليه وسلم [أفلح إن صدق]‪ 1‬عن الرجل الذي أقسم‬
‫أن ليتطوع بش يء فوق الفرائض‪ ،‬م ثل عن ساحة ال سلم وي سره‪ ،‬وتقبله لعمال‬
‫الؤمن دون تكليف بباحث الفلسفة‪ ،‬والفروق بي الذاهب‪.‬‬
‫ل قد ر ضي ال ال سلم دينا ل مة م مد‪ ،‬وخ تم به ر سالته ال الرض‪ ،‬وج عل هذه‬
‫المة خي أمة أخرجت للناس‪ ،‬وأمة ممد هي أمة الجابة؛ والوفون بدين ال من‬
‫هذه المحة – مهمحا كانحت الفرق التح ينتمون إليهحا – يرجون رحةح ال‪ ،‬ويافون‬
‫عذابحه‪ ،‬وهحم أجدر أن يتغمدهحم ال بالرحةح‪ ،‬ويشملهحم بالغفرة‪ ،‬إل مصحرا على‬
‫معصية‪ ،‬أو متعمقا ف فتنة‪.‬‬
‫و قد يكون من النا سب ق بل أن أخ تم هذا الف صل أن أن قل مقتطفات من كلم أ ب‬
‫يعقوب حي تدث عن افتراق المة‪ ،‬وطريقة المع بي قوله تعال‪ُ ) :‬كنْتُ مْ َخْيرَ ُأ ّمةٍ‬
‫أُ ْخرِجَتْ لِلنّاسِ )(آل عمران‪ :‬من الية ‪ ،)110‬و حديث الفتراق [ستفترق أمت إل‬
‫ثلث وسبعي فرقة ‪...‬ال‪ ]..‬قال ‪ :1‬ونستظهر با عاينا ورأينا من بلوغ هذه المة‬
‫طرف الرض شرقا ومغربا‪ ،‬وإذ أعادهم ال تعال من عبادةالوثان‪ ،‬واتاذ غيه ربا‪.‬‬
‫من غي أن تل بشيء من طرق أهل الق‪ ،‬فالصل السلمة‪ .‬ماخل صنفي منها‪:‬‬
‫البتدع ف د ين ال عز و جل‪ ،‬وال صر على مع صية ال عز و جل‪ ،‬البا ين ل‪ .‬فهذان‬
‫لسبيل لما إل النة‪.‬‬
‫ويقول ف غي هذا الكان ‪( :2‬والبدع متفرقة‪ ،‬فكل بدعة تشرع هدم قواعد السلم‬
‫فهحي العامحة الطامحة‪ ،‬التح تبلغ الرجال والعيال‪ ،‬وأمحا التح تقصحر على الخبار‪ ،‬ول‬
‫تاوز إل هدم قوا عد ال سلم‪ ،‬كالختلف ف أ ساء الشري عة من مؤ من وم سلم‪،‬‬
‫وكافر وفاسق‪ ،‬ومشرك ومنافق‪ ،‬وف القرآن والصفات‪ ،‬فأكثر ما تضر هذه العان‬
‫قائلهحا لسحامعها‪ ،‬مال يعتقدهحا دينا يدان ال تعال بحه أو يقطحع عذر مالفيحه محن‬
‫السحلمي‪ ،‬أو هدم بحه قاعدة محن قواعحد السحلم‪ ،‬هناك ليعذر‪ .‬ومحن اقتصحر على‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪55‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫قوا عد ال سلمم من الشهادة‪ ،‬وال صلة والزكاة وال صوم وال ج من ا ستطاع ال يه‬
‫سبيل‪ ،‬فعسى وعسى‪ .‬وكذلك من كان بالثغور من أرض العدو ول يبلغه إمامه إل‬
‫قواعد السلم‪ ،‬ول يبلغه ماشجر بي المة‪ ،‬ول يفهمه‪ .‬فإن فهم ل يقطع الشهادة‬
‫عل يه‪ ،‬والقول على الرجال‪ ،‬وأ ما العيال والن سوان والبله والولدان ف هم بعيدون محن‬
‫هذا‪ ،‬وكذلك أهل بلد السودان الذين ل يبلغهم السلم إل بعد المسمائة سنة من‬
‫الجرة‪ ،‬ول يعرفوا التفرقة بي الذاهب والفراق‪ ،‬فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ‬
‫أحدا بذنحب غيه‪ .‬وقحد قال ال تعال‪ ) :‬وَل تَ ِزرُ وَا ِزرَةٌ ِو ْزرَ ُأ ْخرَى)(النعام‪ :‬محن‬
‫الية ‪1.)164‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪56‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫تكوّن المذاهب السلمية‬

‫ي يل لب عض الناس ف هذاالع صر‪ ،‬أن تكوّن الذا هب الدين ية شبيه بتكون الحزاب‬
‫ال سياسية‪ ،‬يت مع عدد من الناس ت ت زعا مة وا حد من هم‪ ،‬ث يضعون ل م مباد يء‬
‫معينة‪ ،‬يتفقون عليها‪ ،‬ويعلنونا للناس‪ ،‬ث يدعون إليها ويدافعون عنها با لديهم من‬
‫حرارة وقوة‪ ،‬والواقع أن الفرق بي تكوّن الذاهب الدينية والحزاب السياسية شاسع‬
‫جدا‪.‬‬
‫تتكوّن الحزاب ال سياسية نتي جة ظروف خا صة‪ ،‬و ف أزم نة معي نة‪ ،‬تقت ضي الطال بة‬
‫ببعض القوق‪ ،‬أورسم الطوط لسي الدولة‪ ،‬فيتقدم جهور من شعب أو أمة – بعد‬
‫التفاق على الباديء – إل الطالبة با‪.‬‬
‫أ ما الذا هب الدين ية‪ :‬فتتكون تكوّ نا تدري يا هادئا‪ ،‬ف أزم نة متطاولة‪ ،‬ح سب تولد‬
‫الفكار والراء الديدة فح الياة‪ ،‬وحسحب وقوع الوادث‪ -‬والحداث وعرضهحا‬
‫على أصحول الشريعحة الثابتحة‪ -‬القرآن والسحنة والجاع‪ -‬لعطائهحا حكمحا شرعيا‪.‬‬
‫سواء كانت هذه الحكام متعلقة بالعمل أوبالعتقاد‪.‬‬
‫إننحا نسحتطيع أن نؤرخ نشوء حزب‪ ،‬تارياح زمنيحا باليوم والشهحر والسحنة‪ ،‬ولكننحا‬
‫لن ستطيع أن نؤرخ نشوء مذ هب دي ن بذا التحد يد‪ ،‬لن تكون الذا هب إن ا ينشاء‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪57‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫نتيجة لا تد من أحداث‪ ،‬ويدث من آراء‪ ،‬قد تطول بينهاالسافات الزمنية‪ ،‬ث إن‬
‫هذه الراء والحداث ال ت تُعرض على أ صل من ال صول الع تبة ف الشرع لتع طي‬
‫حكما معينا‪ ،‬سواء تقاربت ف زمنها أوتباعدت‪ ،‬تستغرق وقتا قد يطول وقد يقصر‪،‬‬
‫ليدر سها الجت هد درا سة كاملة‪ ،‬ويعرض ها علىالدلة الشرع ية‪ ،‬ويت خذ في ها القرار‬
‫الصحيح السليم‪ ،‬وهذا بطبيعة الال ليدث ف زمن واحد‪ .‬لن الوقائع الت تدّ ف‬
‫الياة‪ -‬سواء كانت متعلقة بالعقل أو التفكي أو العمل‪ -‬لتمع بعضها ال بعض ث‬
‫تعرض نفسحها على عال يعطيهحا ال كم الطلوب‪ ،‬ثح إن هذه الحكام التح يطلق ها‬
‫الجتهدون على حوادث أزمنتهم ل يكن الغرض منها إنشاء مذاهب أو تكوين فرق‪.‬‬
‫إن أولئك العلم الذيحن تركوا فح حياة السحلم هذا الثحر العظيحم‪ ،‬ل يكحن فح‬
‫حسابم أن أما ًسوف تقلدهم‪ ،‬وتقدس آراءهم‪ ،‬وتنسب إليهم مذاهب‪ ،‬بعد أن جاء‬
‫ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بالذهب الق‪ ،‬والصراط القوي‪.‬‬
‫إن م كانوا معلم ي من الدر جة الول‪ ،‬فكانوا ياولون ب ا أوتوا من ج هد وقوة‪ ،‬أن‬
‫يوجهوا قلوب الناس ال اليان الق بال‪ ،‬والفهم الق لسرار الشريعة والعمل الق‬
‫باح جاء بحه السحلم‪ .‬فكانوا يفسحرون البهحم محن القرآن الكريح والديحث النبوي‬
‫الشريف‪ ،‬لولئك الذين تقصر أفهامهم عن معانيه‪ ،‬وتعجز مداركهم عن البلوغ ال‬
‫مراميه‪ ،‬ويشرحون مقاصد الدين لولئك الذين تول العجمة دون معرفتهم لسرار‬
‫العربية ف فهم الكتاب العزيز‪.‬‬
‫كان أولئك العلم معلم ي‪ ،‬وهبوا أنف سهم وجهود هم للعلم‪ ،‬فكانوا ير صون على‬
‫إفادة الناس ف كل متمع‪ :‬ف السجد‪ ،‬والشارع‪ ،‬والسوق‪ ،‬ليكتمون ما أتاهم ال‬
‫من فضله‪ ،‬وليبخلون با علموا عن طالب علم يد ف طلبه‪ ،‬وليبتغون به مكسبا ف‬
‫الدن يا أوجا ها ع ند الناس‪ ،‬ولذلك كانوا حرا صا أ شد الرص أن يكون مايعلمو نه‬
‫حقا ثبحت لمح بالدليحل‪ ،‬وصحح عندهحم بالبهان‪ ،‬فإن هدايحة الناس إل ديحن ال‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪58‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وتعليمهم أسرار شريعته‪ ،‬وتنوير قلوبم وبصائرهم بنور ال‪ ،‬أفضل القربات عندهم‪،‬‬
‫وأزكى العمال لديهم‪ ،‬وأحب الواجبات ال نفوسهم‪.‬‬
‫وو ثق الناس ب م‪ ،‬فكانوا يلتفون حول م‪ ،‬وي ستمعون ال أحاديث هم‪ .‬وي سألونم في ما‬
‫يعرض لم من مشاكل‪ ،‬ويستفتونم فيما ينوبم من أحداث‪ ،‬ويرجعون إليهم فيما‬
‫يعتور قلوبم وعقائدهم وأعمالم‪ ،‬من وساوس وشكوك‪ ،‬فتكونت حول كل واحد‬
‫منهحم هالة محن العجحبي‪ ،‬نشاء عنهحا شبحه مايسحمى اليوم‪ -‬فح الفلسحفة والدب‪-‬‬
‫بالدارس‪.‬‬
‫الت فّ حول كل واحد من هؤلء العلم‪ ،‬مموعة من الطلب والستمعي‪ ،‬يعجبون‬
‫بدروس أ ستاذهم وآرائه‪ ،‬ويقتنعون بج ته وبرها نه‪ ،‬ويعتقدون سلمة ال صول ال ت‬
‫ب ن علي ها أحكا مه‪ ،‬فيتجهون اتا هه ف الفكرة والع مل والعت قد‪ ،‬وي ستعملون أدل ته‬
‫وبراهينه‪ ،‬وياولون أن ينشروا عنه ذلك‪ ،‬وأن يقنعوا به الناس‪ ،‬وبذه الطريقة‪ ،‬تصبح‬
‫لبعضهم مدرسة متميزة عن غيها ف بعض الراء أو العتقدات‪ .‬ولقد كان ف كل‬
‫حاضرة محن الواضحر السحلمية فح ذلك اليح مدارس ذات شهرة ومكانحة‪ ،‬فقحد‬
‫كانت مكة‪ ،‬والدينة‪ ،‬و البصرة‪ ،‬والكوفة‪ ،‬ومصر‪ ،‬وعمان‪ ،‬ودمشق وغيها‪ ،‬مراكز‬
‫ثقاف ية‪ ،‬ت شع على العال ال سلمي نور العر فة والدى‪ .‬و قد كان العلماء من بق ية‬
‫ال صحابة وكبار التابع ي‪ ،‬أمثال عبدال بن عباس وعائ شة أم الؤمن ي‪ ،‬وعبدال بن‬
‫ع مر‪ ،‬وأ نس بن مالك‪ ،‬وجابر بن ز يد‪ ،‬وال سن الب صري‪ ،‬و سعيد ا بن ال سيب‪،‬‬
‫وعطاء بحن أبح رباح وغيهحم‪ ،‬يشغلون هذه الراكحز‪ ،‬ويتولون فيهحا نشحر الثقافحة‬
‫السلمية‪.‬‬
‫ولا ذهبت هذه الطبقة المتازة من الصحابة والتابعي‪ ،‬خلفتهم طبقة أخرى من تابع‬
‫التابع ي‪ ،‬وكان كل وا حد من هم متأثرا بأ حد أولئك العلم‪ ،‬يتر سم خطاه‪ ،‬ويف ت‬
‫بفتواه‪ ،‬وجاءت بعد هذه الطبقة‪ ،‬طبقة أخرى‪ ،‬سلكت نفس هذاالسبيل‪ ،‬وقد كانت‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪59‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫تدّ حوادث‪ ،‬وتدث آراء‪ ،‬فح زمحن كحل طبقحة محن هذه الطبقات‪ ،‬فيدرسحها‬
‫الجتهدون‪ ،‬ويرجعون ا ال ال صول الثاب تة ع ند كل وا حد من هم‪ .‬وبطول الز من‪،‬‬
‫وانتشار الهحل بالديحن‪ ،‬وتكون طبقحة محن الفقهاء الامديحن‪ ،‬الذيحن يقدسحون آراء‬
‫الشخاص‪ ،‬ويتحكمون ف أعمال الناس‪ ،‬فيدعونم ال اتباع رأي معي‪ ،‬وتقليد إمام‬
‫يرونه أعلم من غيه‪ ،‬وأصوب حكما‪ ،‬تكونت الذاهب‪ ،‬وتعصب لا التباع بدون‬
‫فهم‪ ،‬وحاربوا غيها ف عناد وإصرار وبلدة‪.‬‬
‫وقلدوا أولئك الئمة الذين وثقوا بم‪ ،‬تقليد عصمة وتقديس‪ ،‬وانتسبوا إليهم إنتساب‬
‫فخر واعتداد‪.‬‬
‫كان نشوء الدارس الدين ية والثقاف ية ف صدر ال سلم‪ ،‬واختلف وج هة الن ظر ب ي‬
‫الجتهديحن فح بعحض الصحول أو الفروع‪ ،‬دليل على سحاحةالسلم‪ ،‬وانفسحاحه‬
‫للمدارك والعقول‪ .‬وعلى عدم جوده على حرفيححة النصححوص‪ ،‬وعدم تجيه على‬
‫الفهام أن تنطلق ف حر ية التفك ي وال ستنباط‪ ،‬ل كن هذه الر ية الدين ية ال ت ف هم‬
‫حدود ها القدمون‪ ،‬وهذه ال سماحة السلمية‪ ،‬ال ت أتا حت لتلك العقول البارة أن‬
‫تلق ف أجواء البحث والطلع والستطلع‪ -‬أصبحت فيما بعد سببا من أسباب‬
‫الشحناء واللف والتنابذ‪ ،‬عندما سيطر الهل على الناس‪ ،‬وأعمى التعصب الامد‬
‫نور البصائر‪ ،‬ولعبت أهواء الكم والسياسة بالفاهيم القيقية لتعاليم الدين القوي‪،‬‬
‫وا ستغل الطغاة والبابرة من الكام‪ ،‬أطماع ضعاف النفوس والعقائد‪ ،‬م ن ت ثق ب م‬
‫الشعوب‪ ،‬وتكل إليهم أمر دينها‪ ،‬فانطمست الروح الية‪ ،‬وأصبحت القائق الدينية‪،‬‬
‫والصول التيت تبن عليها العقائد والعمال‪ ،‬مظاهر جدلية للقول ل للعمل‪ ،‬وميدانا‬
‫يتسابق فيه طلب الشهرة العلمية للظهور ل للحق‪ ،‬وللناس ل ل‪ ،‬وأصبح الدين بعد‬
‫ذلك مرفقا من مرافق الياة‪ ،‬يأنس إليه الناس‪ ،‬بكم الرث والعادة واللف‪ ،‬لبكم‬
‫اليان والعقيدة والعمحل‪ .‬وهحم يقومون بواجباتمح كمحا يقوم السحيحيون بطقوس‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪60‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الكنيسحة‪ .‬ومظاهحر تعوّدهحا الناس ل صحلة لاح بالقلب‪ ،‬ولعلقحة لاح باليان‪ .‬إناح‬
‫واجبات تؤدى وحسب‪ .‬يس النسان راحة بعد الفراغ منها‪ ،‬كالت يسها عندما‬
‫ينجز أعمالً يب عليه إنازها‪.‬‬
‫وهذه هي النكبة الت أصابت السلمي‪ ،‬وباعدت بينهم و بي دينهم‪ ،‬وأضعفت أثر‬
‫الروح ال ت يضفي ها نور ال ق على قلوب الؤمن ي‪ ،‬فأ صبحوا ليتقيدون ف أعمال م‬
‫بالدود الت رسها الق‪ ،‬وليقفون عندما يشتبه عليهم اللل والرام‪ ،‬ولياسبون‬
‫أنفسحهم على مسحافة البعحد بينهحم وبيح ديحن ال‪ ،‬وليفزعون لضعحف محا وقحر فح‬
‫صدورهم من إيان‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪61‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫المذاهب الدينية والمذاهب‬
‫الفلسفية‬

‫هل تتكون الذاهب الدينية كما تتكون الذاهب الفلسفية؟‬
‫قد أشرت ف أحادي ثي ال سابقة إل أن ب عض ال سطحيي يظنون أن الذا هب الدين ية‬
‫تتكون كما تتكون الحزاب السياسية‪ ،‬وأريد هنا أن أنفي وجود الشبه بي الذاهب‬
‫الدينية والذا هب الفل سفية‪ ،‬فالذ هب الفل سفي هو آراء بشرية‪ ،‬ف قضايا الياة‪ ،‬أو‬
‫مابعد الياة؛ فكرة بعد فكرة‪ ،‬وقضية بعد قضية‪ ،‬وهي قابلة ف أصولا للنقد‪ ،‬وكثيا‬
‫ما تب ن تلك النظريات ال ت يضع ها الع قل البشري‪ ،‬على أ سس من الو هم الب طل‪،‬‬
‫والنظر الاطيء‪ ،‬والعرفة القاصرة‪...‬‬
‫أما الذاهب الدينية‪ ،‬وإن كونت حصيلة مبادئها تكوينا تدرييجا‪ ،‬فإن هذه الباديء‬
‫راجعة إل أصول واحدة‪ ،‬غي قابلة للنقد أو الطاء أو البطلن‪ ،‬لن واضعها هو عال‬
‫الغيحب والشهادة‪ .‬ومحن هذه الصحول الثابتحة النلة محن السحماء‪ ،‬تسحتمد الذاهحب‬
‫إتاهات ا‪ ،‬وتقت بس أحكام دين ها‪ ،‬ف عقيدت ا وعبادت ا ومعاملت ا‪ ،‬و ف ن ظم حيات ا‪،‬‬
‫ونظم حكمها‪ ،‬وموقفها من غيها من الديان‪.‬‬
‫وليس اختلف الذاهب ف القيقة إل إختلفا ف الفهم والتفسي لعان تلك الصول‬
‫الت لتتبدل ول تتغي‪ ،‬وليأتيها البطلن‪ .‬وليوجد مذهب إسلمي يزعم أنه يستمد‬
‫قواعده من غي تلك الصول‪ ،‬حت تلك الذاهب التطرفة ف العتماد على العقل‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪62‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والقيقة الت يب أل يتطرق إليها الدل‪ ،‬أن السلم وهو الدين الذي اختاره خالق‬
‫الن سان ليكون النظام الذي يكفل سعادة البشرية ف اليات ي‪ ،‬قد قرر كل السس‬
‫الت تنبن عليها الياة السعيدة للنسان‪ ،‬ف كل مراحل الزمان‪ ،‬وبا أن كتابا ليكن‬
‫أن يوي التفا صيل الدقي قة للحوادث اليوم ية الار ية‪ ،‬والنظريات الفكر ية والعقل ية‬
‫والعلميحة السحتجدة‪ ،‬والنظحم القتصحادية والعمرانيحة التعاقبحة فح سحي الزمان لياة‬
‫النسان الطويلة‪ ،‬فقد اكتفى السلم بوضع الصول الت تستمد منها قواعد العقيدة‬
‫والعمحل ويسحند اليهحا توجيحه العقول والفهام‪ ،‬وبذا عيح نقطحة النطلق‪ ،‬وجهحة‬
‫التحليق للتفكي البشري‪ ،‬و قد قصد السلم بذا‪ ،‬أن يفتح مال البحث والتنقيب‪،‬‬
‫وأن يف سح مال الختيار والقار نة‪ ،‬وأن يع طي للن سان أ كب ق سط من الر ية ف‬
‫العقيدة والعمحل والرأي‪ ،‬والسحلم ليكره شيئا كمحا يكره العبوديحة لغيح ال‪،‬‬
‫وليارب شيئا كمحا يارب البحوت والطغيان والظلم‪ ،‬وتعال النسحان على أخيحه‬
‫النسان‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪63‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫متى بدأت المذاهب السلمية‬

‫سألن أحد التعلمي‪ ،‬هل بدأت الذاهب السلمية ف عهد الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم؟‬
‫وعج بت ف باد يء ال مر ك يف يول هذا ال سؤال ف خا طر مؤ من‪ ،‬ولك ن عند ما‬
‫فكرت ف الوضوع ظن نت‪ -‬وان كان ال ظن ليغ ن من ال ق شيئا‪ -‬أن ال سائل رب ا‬
‫فهم هذا من بعض مناقشات الصحابة‪ ،‬رضوان ال عليهم‪ ،‬لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬ومراجعتهم له‪ ،‬أو أنه تسرب إليه من مطالعته لبعض الكتب الت أثارت مثل‬
‫هذه الناقشة‪ .‬كما فعل الشهرستان ‪ .1‬ففي مقدمته مايشعر أن الشبه الت تعلقت با‬
‫الفرق الاطئة‪ ،‬قد أثيت أ صولا ف ز من الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وأ نا إذ‬
‫أسحوق هذا الديحث أقرر أن أباث العلمحة الشهرسحتان أعمحق محن هذا السحؤال‬
‫الب سيط‪ ،‬ومه ما كان ال مر فإن ن أ ستطيع أن أؤ كد أن هذا ال سؤال بع يد جدا عن‬
‫الواقع‪ .‬فقد عاش السلمون ف حياة الرسول عليه الصلة و السلم‪ ،‬ليتاجون ال‬
‫ا ستنباط الحكام‪ ،‬أو ت سابق الفهام‪ ،‬أو تقر ير القوا عد للعقائد‪ ،‬لن كل ذلك ل يس‬
‫من شأنم‪ ،‬فقد كان الوحي ينل بالحكام ف كل حي‪ ،‬وكان الرسول عليه الصلة‬
‫و ال سلم يشرح الب هم بقوله وعمله‪ ،‬وي يب عن ال سئلة ال ت ترد إل يه ب ا يش في‬
‫ويكفي‪ .‬وقد يدث أن يقف السلمون موقف التردد غي القتنع ف قضية من القضايا‬
‫أو مو قف من الوا قف‪ ،‬و قد يراجعو نه ف جواب من أجوبتحه ال ت ليقتنعون ب ا‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪64‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ب سهولة‪ ،‬عند ما تغر هم ظوا هر معي نة‪ ،‬و قد ي سلمون ل مر الر سول ول كن شيئا من‬
‫الية يب قى مترددا ف نفو سهم‪ ،‬و ف أمثال هذه الظروف‪ ،‬كان الر سول صلى ال‬
‫عليحه وسحلم يقنعهحم بالعمحل‪ ،‬وبالنتائج الترتبحة على حكمحه وأجوبتحه‪ ،‬ولعحل هذه‬
‫الظاهرة تتمثل ف أحداث الديبية‪ ،‬الت ظن بعض السلمي أنم قبلوا فيها الدنية ف‬
‫دينهحم‪ ،‬واحتار السحلمون فيهحا حية ل يتاروا مثلهحا محن قبحل‪ ،‬وراجحع فيهحا عمرُ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كثيا‪ ،‬وراجع أبابكر حت قال له الصدّيق رضي ال‬
‫عنه‪ :‬ويك ياعمر استمسك بغرزه فإنه نب يوحى إليه‪.‬‬
‫وأمثال هذه الوادث ليكن أن يدعي أحد من الباحثي أنا نواة لتكون الذاهب‪ ،‬أو‬
‫أن ا مال فة لر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬و كل مايقال في ها أن ا مناق شة لزيادة‬
‫الطمئنان‪ ،‬كما سأل الليل عليه السلم ربه أن يريه كيف ييي الوتى‪.‬‬
‫ول ا تو ف ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وتولىالل فة أبوب كر ث ع مر‪ ،‬كا نت‬
‫خلفته ما امتداد لع صر النبوة‪ ،‬لول الوح شة ال ت أعقبت ها وفاة ر سول ال وانقطاع‬
‫الو حي‪ ،‬ف نفوس ال سلمي واجتماعات م‪ .‬أ ما ف غ ي هذا‪ ،‬ف قد ا ستمرت كل مة‬
‫السلمي واحدة‪ .‬إل فيما يدث عندما تناقش مسألة تتلف فيها النظار حت يذكر‬
‫أ حد من ال صحابة في ها عل ما عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬فينق طع الدل‪،‬‬
‫ويوت الصخب‪،‬أوتتوافق الكثرية على حكم فتستجيب القلية‪ .‬ويقع الجاع‪ ،‬كما‬
‫وقع ف البيعة لب بكر‪ ،‬ويستمر السلمون ف كفاحهم للطغيان‪ ،‬ونشرهم لدين ال‬
‫وجهادهم ف سبيله‪ ،‬ليدون وقتا للدعة‪ ،‬ولفراغا للراحة وعندما تستجد حوادث‪،‬‬
‫أوتقع أمور تتاج ال حكم‪ ،‬يتول ذلك أولوا المر والعلم من السلمي‪ ،‬الذين كانوا‬
‫مستعدين لذا كل الستعداد‪ ،‬يبحثون عن الصول ف كتاب ال‪ ،‬فإن ل يدوا ففي‬
‫سحنة رسحول ال‪ ،‬فإن ل يدوا ففحي إجاع السحلمي‪ ،‬فإن ل يدوا‪ ،‬قاسحوها على‬
‫أشباهها ونظائرها‪ ،‬ما وقع فيه حكم مستمد من الصول السابقة‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪65‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وام تد الز من‪ ،‬وانت شر ال سلم ف أك ثر بقاع الرض‪ ،‬ون قص عدد ال صحابة الذ ين‬
‫عاشوا ف عصر النبوة‪ ،‬وشهدوا ممدا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وشاهدوا نزول الوحي‪،‬‬
‫ود خل ال سلم ناس ليعرفون الل غة العرب ية‪ ،‬وليفهمون مقا صد الشري عة ال سلمية‬
‫كما يفهمها الصحابة الولون‪ ،‬فكان لزاما أن يفسر لم القرآن الكري‪ ،‬وأن يشرح‬
‫لم الديث الشريف‪ ،‬وأن توضح لم مقاصد الشريعة السلمية‪ ،‬ومن هذه الدروس‬
‫وال سئلة والناقشات ال ت ترد علىأل سنة ال سلمي الدد‪ -‬هؤلء ال سلمي الذ ين ل‬
‫يشهدوا نزول الو حي‪ ،‬ول يروا شخ صية الر سول القو ية‪ ،‬ال ت تق نع بلل الر سالة‪-‬‬
‫بدأ تكون الذاهب‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪66‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫نشأة المذهب الباضي‬

‫إذا أردنا أن نؤرخ للمذاهب السلمية بنسبتها إل العلمي الوائل‪ ،‬الذين كان لم‬
‫التأث ي الرو حي والثقا ف ال كب على الناس‪ ،‬فإن الذ هب البا ضي‪ ،‬يكون من أول ا‬
‫نشوءا‪ ،‬فقد كان معلمه الول جابر بن زيد‪ ،‬من كبار التابعي‪ ،‬الذين نشروا الثقافة‬
‫السلمية ف القرن الول الجري‪ ،‬وقد عاش هذا المام العظيم‪ ،‬مابي سنت ‪-21‬‬
‫‪ 96‬للهجرة النبوية‪ ،‬على صاحبها أفضل الصلة وأزكى التحية‪.‬‬
‫إن أغلب الشا كل ال ت اختل فت في ها ال مة نشأت ف الثلث ي الخي ين من القرن‬
‫الول‪ .‬وقد حصر العلمة الشهرستان هذه الشاكل ف أربعة أصول كبار كما يقول‬
‫هي ‪:1‬‬
‫‪ -1‬الصفات والتوحيد فيها‪.‬‬
‫‪ -2‬القَدَر والعدل‪.‬‬
‫‪ -3‬الوعد والوعيد‪.‬‬
‫‪ -4‬السمع والعقل والرسالة والمانة‪.‬‬
‫ث شرح السائل الت تندرج تت كل قسم من هذه القسام‪ ،‬والذي يعنينا من ذلك‬
‫ف هذا الفصل أن نشي إل ما أثي منها ف القرن الول‪ ،‬واتذ الباضية فيه مذهبهم‪،‬‬
‫مستندين إل الباهي القاطعة‪ ،‬واليات الحكمة من كتاب ال الكري‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪67‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫م ا أث ي ف ذلك القرن‪ ،‬مشا كل القَدَر وال صفات‪ ،‬والو عد والوع يد‪ ،‬ك ما أن قض ية‬
‫اللفة قد استنفذت جهدا كبيا من رجال العلم والكم ف ذلك العصر‪.‬‬
‫و قد درس الباض ية‪ ،‬و ف مقدمت هم المام ال كب جابر بن ز يد هذه الشا كل‪ ،‬ك ما‬
‫درسحها غيهحم محن علماء السحلم‪ ،‬وانتهوا فيهحا إل الرأي والذهحب الذي اقتنعوا‬
‫بصحته وصوابه‪ ،‬ما يوافق كتاب ال وسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫اتذ الباضية الصل الول لذهبهم فيما يتعلق بالباريء سبحانه وتعال‪ ،‬تنيهه تعال‬
‫عن مشابة اللق‪ ،‬استنادا إل اليات الحكمات من كتاب ال‪ .‬وما ورد ف القرآن‬
‫الكري ما يوهم التشبيه‪ ،‬فإنه يب اليان به أنه من عند ال‪ ،‬وتأول اليات الوهة‬
‫للتشبيه با يقتضيه العن من السياق كتأويل الستواء بالستيلء‪ ،‬واليد بالقدرة‪ ،‬وما‬
‫إل ذلك‪.‬‬
‫وف قضية القدر رأى الباضية منذ ذلك الي‪ ،‬أن اليان ليتم حت يؤمن النسان‬
‫بالقدر‪ ،‬خيه وشره‪ ،‬أنه من ال )وَاللّ هُ َخَلقَكُ مْ َومَا َتعْمَلُو نَ) (الصافات‪( ،)96:‬أَل‬
‫لَهُ اْلخَلْقُ وَالَْأمْر)(العراف‪:‬الية ‪َ ( ،)54‬هلْ مِنْ خَالِقٍ َغْيرُ اللّه)(فاطر‪:‬الية ‪ )،)3‬اللّهُ‬
‫خَالِ قُ ُكلّ شَيْء)(الر عد‪:‬ال ية ‪ ،)16‬وللع بد حق الكت ساب و الختيار‪ .‬وهكذا‬
‫ا ستقرت آراء الباض ية ف أك ثر م سائل اللف على ال صول ال ستمدة من القرآن‬
‫الكر ي‪ ،‬والد يث النبوي الشر يف‪ ،‬وليزال بق ية من أ صحاب ر سول ال صلى ال‬
‫عليحه وسحلم‪ ،‬أحياءً وقحد رجحع المام الكحب فح كثيح محن هذه السحائل إل آراء‬
‫الصحابة؛ كعبدال بن عباس‪ ،‬وعائشة أم الؤمني‪ ،‬كما وقع ف مسألة رؤية الباريء‬
‫ليلة السراء‪ ،‬حت قالت‪ :‬من زعم أن ممدا رأى ربه فقد أعظم على ال الفرية ‪.1‬‬
‫ومن هذا الفصل يتبي للقاريء الكري أن الذهب الباضي اقتبس أصوله القوية الت‬
‫بن عليها عقائده وأعماله ف خي القرون ‪ 2‬حينما كانت بقية من أصحاب رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم ينشرون الثقافة بعلمهم‪ ،‬ويوضحون هدى ممد بسلكهم‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪68‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وينصحرون ديحن ال بإرشادهحم وتوجيه هم ونصحيحتهم‪ ،‬وأنحه حينمحا كانحت تدث‬
‫الشاكل وتنجم البدع‪ ،‬فيفكر فيها العلماء العلم‪ ،‬كان جابر رضي ال عنه يدرسها‬
‫دراسة الؤمن الحقق‪ ،‬فإذا ل يستب له منفذ الصواب‪ ،‬رجع إل أساتذته الذين عرفوا‬
‫من أسرار السلم وروحه‪ ،‬مال يفهمه غيهم‪ ،‬فعرضها على ترجان القرآن‪ ،‬أو على‬
‫المياء ال ت قال في ها عل يه ال سلم‪[:‬خذوا عن ها ن صف دين كم] أو أ نس بن مالك‬
‫خادم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعبدال بن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬أو غيهم‬
‫من أوت الكمة‪ ،‬وأجازه الرسول عليه الصلة والسلم للتعليم والرشاد‪.‬‬
‫وب عد ا ستقرار آراء الباض ية‪ ،‬بأزم نة متل فة‪ ،‬تطول أوتق صر‪ ،‬بدأت تتكون الذا هب‬
‫الخرى‪ ،‬وتنت شر ف ب عض جهات العال ال سلمي؛ فتكو نت العتزلة‪ ،‬ث تكو نت‬
‫غيها من الذاهب الت يعتنقها كثرة السلمي اليوم‪.‬‬
‫وبذا العتبار‪ ،‬يكون الذهب الباضي أول الذاهب العتدلة نشوءا‪ ،‬وأقربا إل عصر‬
‫النبوة وخيح القرون‪ ،‬وأفهمهحا لروح السحلم‪ ،‬وأسحرار التشريحع‪ ،‬وهدى ممحد‬
‫وأصحابه‪.‬‬
‫ولذه ال سباب نف سها‪ ،‬ن ستعرض ف ف صول آت ية‪ ،‬ب عض التاهات ال ت ي تص ب ا‬
‫أويكاد يتص با‪.‬‬
‫قضية اللفة‬
‫عندمحا كان كبار العلماء محن التابعيح ‪ ،‬يعقدون مالس العلم ‪ ،‬يفسحرون كتاب ال‬
‫ويروون للناس ما حفظوا عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬من قول وع مل ‪،‬‬
‫ويفتون للناس في ما يعرض ل م من مشا كل _ كا نت قض ية الل فة ‪ ،‬قد أخذت‬
‫حظها من النقاش ‪ ،‬واستقر فيها الناس على آراء معينة ‪ ،‬حسب أدلتهم الت يقتنعون‬
‫با ‪ ،‬وأصولم الت يستندون إليها ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪69‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وكان جابر بن زيد الزدي _ أحد هؤلء العلماء _ اتذ البصرة مقرا له ينشر فيها‬
‫العلم ‪ ،‬ويوال التدريس والتأليف ‪ ،‬ويهتم بشؤون السلمي ‪ ،‬وكانت قضية اللفة‬
‫من القضايا الت مرت عليه ‪ ،‬ودرسها دراسة مستفيضة عميقة ‪ ،‬وانتهى فيها إل رأي‬
‫ثابت مبن على روح العدالة ف السلم ومستمد من القرآن الكري ‪ ،‬ومستند على‬
‫سية السلف من أصحاب النب عليه الصلة والسلم ‪.‬‬
‫كان يرى أن اللفة أ هم مرا فق الدولة ‪ ،‬وأع ظم مظ هر لل مة وأقوى سلطة تشرف‬
‫على تنف يذ أوا مر ال ‪ ،‬وت طبيق أحكام الكتاب الكر ي ‪ ،‬و هي بذا الو صف ل ي كن‬
‫أن تضع لنظام وراثي ‪ ،‬ول أن ترتبط بنس أو قبيلة أو أسرة أو لون ‪ ،‬وإنا يب أن‬
‫يشترط فيها الكفاءة الطلقة ‪ ،‬الكفاءة الدينية ‪ ،‬والكفاءة الُلقية ‪ ،‬والكفاءة العملية ‪،‬‬
‫والكفاءة العقلية ‪ ،‬فإذا تساوت هذه الكفاءات ف مموعة من الناس ‪ ،‬أمكن أن تعل‬
‫الاشية أو القرشية أو العروبة من أسباب الفاضلة ‪ ،‬أو من وسائل الترجيح ‪ ،‬أما ف‬
‫غي ذلك فليس لا حساب ‪.‬‬
‫وقد عرف الناس هذا الرأي لابر بن زيد ‪ ،‬كما عرفوه لكثي من العلماء العاصرين‬
‫له ‪ ،‬ولكث ي من أ صحاب ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ‪ .‬وكان طل به ينشرون‬
‫ذلك ع نه ‪ ،‬ويتحدثون به ‪ ،‬و ف هذه النق طة يلت قي رأي الباض ية برأي الوارج ‪،‬‬
‫و من ه نا زلق ب عض الؤرخ ي ‪ ،‬فح سبوا أن الباض ية فر قة من الوارج ‪ ،‬دون أن‬
‫يهدوا أنفسهم ف الطلع على بقية الصول والراء ‪ .‬وقد سبق أن قلت ف موضع‬
‫من الفصول السابقة ‪ ،‬أن توافق فرقتي على رأي مع ي ‪ ،‬ل يعلهما فرقة واحدة ‪،‬‬
‫ولعحل قضيحة اللفحة هحي أهحم قضيحة يلتقحي فيهحا الباضيحة والوارج فح فهمهحم‬
‫للسلم ‪ ،‬وعملهم بأحكامه ‪.‬‬
‫على أنن أعتقد أن المة السلمية _ بعد التجارب الطويلة الريرة ‪ ،‬وبعد أن ابتعد‬
‫با التاريخ عن الؤثرات الاصة ‪ ،‬الت سيتا ف اتاه معي _ ل يسعها إل أن ترى‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪70‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫رأي الباض ية ف قض ية الل فة ‪ ،‬وأن علماء ال سلم ل ي كن أن يرجحوا غ ي هذا‬
‫الرأي ‪ ،‬وإذا قدر لل مة ال سلمية أن تت مع ‪ ،‬وأن تر جع إل ح كم ال ‪ ،‬وأن تل غي‬
‫هذه الشرائع ال ت جاء ب ا ال ستعمار ‪ ،‬لبعاد هذه ال مة ال سلمية عن كتاب ال ‪،‬‬
‫وقدر للخلفحة السحلمية أن تتول شؤون السحلمي كمحا أمحر ال ‪ ،‬لو قدر ذلك ‪،‬‬
‫وكان للمة أن تتار رئيس الدولة الت تلقى بي يديه بقدرات المة ‪ ،‬ما وسعها إل‬
‫أن ترجع إل قواعد هذا الذهب ‪ ،‬لتختار الليفة أو رئيس الدولة ‪ ،‬حسب الشروط‬
‫السابقة الت أشرنا إل بعضها ‪ ،‬ولَا أقامت للهاشية أو القرشية أو العروبة أي وزن ‪،‬‬
‫اللهحم إل فح مقام الترجيحح ‪ ،‬عندمحا تتسحاوى الواهحب والكفاءات ‪ ،‬ولن تتسحاوى‬
‫الواهحب والكفاءات فح أمحة تشتمحل على اللييح محن متلف الفهام والعقول‬
‫والخلق ‪.‬‬
‫وإ نه لي سرن حقا أن أقت طف من ال ستاذ م مد الغزال ‪ ،‬ال سطور الرائ عة الت ية ‪،‬‬
‫لختتم با هذا الفصل‪ (( :‬ونن نتساءل فيما هذا الدل كله؟ وما يضرنا أو يفيدنا‬
‫من هذا النسب؟ وما ينقصنا أو يزيدنا من إفريقيا أو آسيا؟ وما فضل عبدشس على‬
‫توت عنحخ آمون؟ أو تتمحس على عنترة؟ ولاذا ل يقال فح إياز إن الزنيح السحلم‬
‫خي من الاشي النافق ‪ ،‬وأن قضية فلسطي من شأن السلم والسلمي ‪ ،‬قبل أن‬
‫تكون من شأن العرب وال ستعمرين ‪ ،‬وأن صاحب الر سالة العظ مى قال‪( :‬لََينْتَ ِهيَنّ‬
‫أقوام من الفخر بآبائ هم الذ ين ماتوا ‪ ،‬إن ا هم فحم جهنم ‪ ،‬ليكونن أهون على ال‬
‫من العلن الذي يدهده الرء بأنفه ‪ ،‬إن ال تعال قد أذهب عنكم عبية _ كب _‬
‫الاهلية ‪ ،‬إنا هو مؤمن تقي ‪ ،‬أو فاجر شقي ‪ ،‬الناس كلهم بنو آدم ‪ ،‬وآدم خلق من‬
‫تراب ))‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪71‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫موقف الباضية من أسواق الجدل‬

‫لعل من الصفات الت يتاز با الباضية‪ ،‬أنم لييلون إل كثرة الدل‪ ،‬وليرتاحون‬
‫للمناق شة الفار غة‪ ،‬وال صام التع نت‪ ،‬وليشغلون أوقات م بترد يد القاو يل‪ ،‬وإطالة‬
‫الحاديث‪ ،‬وذلك أن قواعد الدين جعلتهم يؤمنون بقيمة الفكرة ل الكلمة‪ ،‬ويدون‬
‫قوة الدل يل ف الع مل ل ف القول‪ ،‬ويعرفون أن إقا مة ال جة بال سلوك أقوى من ها‬
‫بالدعوى‪ ،‬ولذلك فأنت عندما ترجع إل أسواق الدل‪ ،‬ومؤترات الكلم ف التاريخ‬
‫ال سلمي الطو يل‪ ،‬فإ نك ت د الباض ية أ قل الفرق كلما وأكثر ها عملً‪ ،‬وأخف ها‬
‫حديثا‪ ،‬وأرجحها إيانا‪ ،‬وأبعدها عن الدعوى وأدناها إل الهتداء‪.‬‬
‫وعند ما انتقلت الناقشات من طور الب حث ف ال ق‪ ،‬والتماس ال صواب‪ ،‬وت صحيح‬
‫العقيدة‪ ،‬إل طور آخر‪ :‬هو عقد مالس للخصام‪ ،‬ومامع للمناظرة و اللعب بالكلم‪،‬‬
‫والدل للحصول على لذة الفوز ف العارك البيانية الامية‪ ،‬الت يقصد منها الظهور‬
‫أكثر ها م ا يق صد من ها الب حث عن القي قة‪ ،‬وظ هر ف أ فق الياة‪ ،‬حياة ال سلمي‪،‬‬
‫أولئك النفر الذين يريدون أن يلؤا الدنيا بالضجيج‪ ،‬ويشغلوا أذهان الناس بالقول‪.‬‬
‫عندمحا انتقلت حياة السحلمي إل هذا الوضحع‪ ،‬رجحع الباضيحة‪ -‬وقحد آمنوا بصححة‬
‫مذهب هم‪ ،‬و سلمة عقيدت م‪ ،‬ب عد أن مّ صوها وبنو ها على ال صول من كتاب ال‬
‫وسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ ل تدخلها بدعة أو خرافة‪ ،‬وعرضوا متلف‬
‫الشاكل على اليزان الذي وضعه الشرع الكب‪ ،‬قبل أن يشتد اللجاج بالناس‪ -‬رجع‬
‫الباضية إل أنفسهم ياسبونا على العمل با علمت‪ ،‬ويسيون با على نور من دين‬
‫ال‪ ،‬ينشرون محا ثبحت عندهحم بالدليحل الذي ليتمحل التأويحل‪ ،‬فح هدوء واتزان‪،‬‬
‫ليشغلون أنفسحهم بالصحخب الداوي الذي ليحس له نتائج‪ ،‬وليلقون بأنفسحهم فح‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪72‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الكفاح الكلمي الذي يهدف إل مظاهر العظمة والنفوذ ف الدنيا‪ ،‬ولكنهم مع كل‬
‫ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الق‪ ،‬وإثبات أدلته‪ ،‬وعندما يقتضي الوقف الرد‬
‫على أباطيحل الدعيح‪ ،‬وترهات البتدعيح‪ ،‬وشبهات الفتريحن‪ ،‬فإن علماء الباضيحة‬
‫يكونون أسرع الناس إل تطيم الباطل‪ ،‬الذي يريد أن يستعلن‪ ،‬أو الشبهة الت يبتغي‬
‫صاحبها أن يكسوها ثوب الجة‪ ،‬وما أن يطموا الباطل‪ ،‬ويفحموا أصحابه‪ ،‬حت‬
‫يعودواإل العمل ف سبيلهم الذي مهدوه‪ ،‬وسلوكهم الذي اختاروه؛ عمل صال ل‬
‫والمحة‪ ،‬واسحتمساك متيح بالكتاب والسحنة‪ ،‬ودؤوب لينقطحع لعلء كلمحة ال‪.‬‬
‫يتآمرون بالعروف ويتناهون عحن النكحر‪ ،‬ويتبعون سحبيل ال الذي حدده السحلم‪،‬‬
‫وأوضحه هدى ممد عليه السلم‪ .‬كفاح ل تصاحبه ضجة‪ ،‬ونصر ل تسبقه دعوى‪،‬‬
‫وليعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة‪ .‬وجدل حيّ هاديء ليصخب ول يعلن‪ ،‬ولكنه‬
‫يقطحع طريحق التحدي‪ ،‬عحن الهواء والبدع‪ ،‬ويلزم الباطحل أن يتوارى فل يسحتعلن‪،‬‬
‫ويتضاءل فل يبي‪.‬‬
‫كان واصحل بحن عطاء إمام العتزلة‪ ،‬يتوق إل مادلة أبح عحبيدة مسحلم‪ ،‬ويعحد العدة‬
‫لذلك‪ ،‬حت سنحت له الفرصة ذات يوم‪ ،‬وجعهما مكان‪ ،‬فقال واصل لب عبيدة‪:‬‬
‫ل‪ ،‬ولك ن أقول يعذب على القدور‪ ،‬ث قال أبو عبيدة لوا صل‪ :‬أ نت الذي تقول‪ :‬إن‬
‫ال تعال يع صى با ستكراه؟ فع جز وا صل و سكت عن الواب‪ .‬فق يل له ب عد ذلك؛‬
‫سألته فتخلص‪ ،‬وسألك فسكت‪ ،‬فقال واصل‪ :‬بنيت له بنيانا منذ ثلثي سنة‪ ،‬فهدمه‬
‫وهو واقف ‪.1‬‬
‫كان العتزلة أكثحر الفرق السحلمية حبا للجدل‪ ،‬ولذلك فهحم لينفكون عحن تدي‬
‫غيهحم محن الفرق السحلمية‪ ،‬وتدى جاعحة منهحم أهحل الذهحب‪ ،‬فعقدوا ملسحا‬
‫للمناظرة‪ ،‬وتقدم العتزل الذي سهر ف إعداد ال سئلة والجو بة‪ ،‬فنادى‪ :‬ياعبدال‪،‬‬
‫فلم يبه أحد‪ ،‬لن الجلس يشتمل على عدد من العبادلة‪ ،‬فقال‪ :‬عبدال بن اللمطي‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪73‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫البا ضي أر يد‪ ،‬فأجابحه‪ ،‬فقال العتزل‪ :‬ياعبدال‪ :‬هل تسحتطيع أن تنت قل من مكان‬
‫لست فيه إل مكان أنت فيه‪ -‬فقال عبدال‪ :‬ل‪ ،‬فقال العتزل‪ :‬هل تستطيع أن تنتقل‬
‫من مكان أ نت ف يه إل مكان ل ست ف يه فقال‪ :‬إذا شئت‪ ،‬فقال‪ :‬خر جت من ها يا بن‬
‫اللمطي ‪ .1‬وهكذا انتقض ما بناه العتزل وسهر ف إعداده والتفكي له ليال سودا‪.‬‬
‫وقع ف نفس الجاج شيء من القدر فشكا‪ ،‬ذلك إل كاتبه يزيد بن مسلم‪ ،‬فبعث‬
‫يزيد يسأل جابرا‪ -‬وكان به معجبا‪ ،‬وفيه واثقا‪ ،‬فأجابه‪ :‬قل للمي يكثر من ترديد‬
‫خطب ته‪ ،‬فإن في ها الواب ع ما ي سأل؛ وردد الجاج خطب ته‪ ،‬وأك ثر في ها التفك ي‪،‬‬
‫فانتبه إل أن خطبته تشتمل على قوله تعال‪) :‬مَ نْ يَهْدِ اللّ هُ َفهُوَ الْمُ ْهتَدِي َومَ نْ ُيضِْللْ‬
‫َفأُولَِئكَ هُمُ اْلخَاسِرُونَ) (لعراف‪)178:‬‬
‫و ف ال ية الكري ة الواب عن حية الجاج‪ ،‬فقال ليز يد‪ :‬وي ك يايز يد‪ ،‬ما أعلم‬
‫صاحبك ‪.2‬‬
‫وأراد جاعة من الوارج‪ -‬وهم يستحلون أموال السلمي وسب نسائهم وأطفالم‪-‬‬
‫أن يادلوا جابرا‪ ،‬فقال لم‪:‬‬
‫أليس قد حرم ال دماء السلمي بدين؟ فقالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬وحرم الباءة منهم بدين؟‬
‫فقالوا‪ :‬نعم! فقال‪ :‬أوليس قد أحل دماء أهل الرب بدين بعد تريها بدين؟ فقالوا‪:‬‬
‫بلى! وحرم ال وليتهم بدين بعد المر با بدين؟ فقالوا نعم! فقال‪ :‬هل أحل مابعد‬
‫هذا بد ين؟ ف سكتوا‪ ،‬وهكذا ا ستطاع أن ي سي ب م خطوة خطوة ح ت ي ضع أيدي هم‬
‫على ال ق‪ ،‬ويعرف هم أن الحكام ال ت تنط بق على ال سلمي لي ست كالحكام ال ت‬
‫تنط بق على الشرك ي‪ ،‬وأن الو حد إذا ارت كب ماي ل به د مه ليكون ذلك كافيا‬
‫لستحلل ماله‪ ،‬وسب نسائه وأطفاله‪.‬‬
‫إن دم الوحد قد يل لتنفيذ حكم ال ف العقوبات على بعض الرائم الجتماعية أو‬
‫السياسية‪ ،‬كالقتل والزنا‪ ،‬وقطع الطريق والبغي‪ ،‬وهذه الحكام إنا يقصد منها أول‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪74‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫عقوبحة الجرم على محا ارتكحب‪ ،‬وثانيحا زجحر الناس عحن ارتكاب مثحل هذه الثام‪،‬‬
‫والعقوبة ف كل أحكام الشريعة‪ ،‬إنا قدرت بالضرورة‪ ،‬وبنيت على السباب الداعية‬
‫إليها‪ ،‬وحددت طريقة تنفيذها دون إسراف أو مبالغة‪.‬‬
‫ولذلك فل ي ل أن تتعدى الدود ال ت ر ست ل ا‪ ،‬وهذا الع ن دق على أفهام ب عض‬
‫الناس‪ ،‬فسحألوا المام عليا لاح ناقشوه عحن وقعحة المحل فقالوا‪ :‬حلّلت لنحا دماء قوم‬
‫وحر مت علي نا أموال م‪ .‬و هو ن فس ال سوأل الذي وج هه أ حد ج ند أ ب الطاب‬
‫عبدالعلى عندما احتل القيوان‪ ،‬فأنكر عليه أبو الطاب هذا السوأل وزجره عنه‪،‬‬
‫وقال له‪ :‬لو فعلنا ذلك لكان حقيقا على ال أن يكبنا معهم ف النار ‪.1‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪75‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الجتهاد‬

‫ذهحب كثيح محن الفرق السحلمية إل إغلق باب الجتهاد بعحد عصحور معينحة ‪،‬‬
‫حا سبي أ نه لن يأ ت ناس ف م ستوى الجتهد ين ال سابقي ‪ ،‬وأ نه ل ي بق ف الد ين‬
‫ميدان ينفسح للجتهاد‪.‬‬
‫وحينما حجر هؤلء الامدون على عقول السلمي وأفهام هم أن تنطلق ‪ ،‬وتلق ف‬
‫الياديحن الفسحاح التح فتحهحا الكتاب الكريح بدعوة الؤمنيح إل النطلق والتحرر‬
‫والتفكي ‪ ،‬جدوا السلم من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة خاصةز‬
‫وقحد عرف الباضيحة منحذ أول وهلة ‪ ،‬أن هذه الفكرة الامدة ل تتمشحى محع روح‬
‫ال سلم الذي ي صلح ل كل زمان ومكان ‪ ،‬فإن ال سلم ب عد أن ر سم الدود ال ت ل‬
‫ينب غي تطي ها ‪ ،‬أراد ال سلمي أن ينطلقوا بواهب هم وأفكار هم ‪ ،‬وعلوم هم وأفهام هم‬
‫ف مياد ين الياة ‪ ،‬يرودون الجاه يل ‪ ،‬ويفتتحون الغالق وينيون ال سبيل أمام أفواج‬
‫البشرية ف جيع العصار والمصار ‪ ،‬ل يجر على أواخر المة ما أباحه لوائلها ‪،‬‬
‫والسحلمون فح جيحع العصحور ل يتفاضلون إل بالتقوى واليان والعمحل الصحال ‪،‬‬
‫والكفاح التواصحل فح سحبيل ال ‪ ،‬باسحتثناء شرف الصححبة لولئك النفحر الذيحن‬
‫اختار هم ال أن يكونوا أ صحاب م مد صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬والدف عة الول ال ت‬
‫تمل مشعل الداية لي البشرية الضالة ‪.‬‬
‫إن حاجة السلمي إل الجتهدين ف العصور التأخرة ‪ ،‬وإل أباثهم ف هذه الشاكل‬
‫الكثية ‪ ،‬ال ت تعرض ها الضارات الختل فة على ال مة ‪ ،‬أ شد من حاجت ها إلي هم ف‬
‫الزمنة السابقة ‪ ،‬ووصول العاملي من هذه المة إل الجتهاد أيسر ف هذه العصور‬
‫ل سهولة الوا صلت ‪ ،‬وإمكان ات صال العلماء ‪ ،‬وح صولم على ج يع ال صادر ال ت‬
‫تساعدهم عل أباثهم ومناقشتهم‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪76‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ولا كان الباضية يعتقدون أن ما فتحه ال لوائل هذه المة ل ينغلق عن آخرها ‪،‬‬
‫وأن باب الجتهاد الذي تركحه ( ممحد صحلى ال عليحه وسحلم ) مفتوححا على‬
‫مصراعيه ‪ ،‬ل يكن أن يغلقه فقيه مغلق الف هم ‪ ،‬ولذلك فقد ناقشوا قضية الجتهاد‬
‫والستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بذا العبء ‪ .‬وهل يصح الختصاص فيه‬
‫لن استكمل شرائط الجتهاد ف قسم دون قسم ؟ لئل تتوقف اللكات والواهب ف‬
‫ميدان محن مياديحن العلم والياة ‪ ،‬محن أجحل ميدان آخحر تعمحل فيحه ملكات وعقول‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ول عل في ما كت به العل مة ال سالي ف هذا الوضوع كثيا من اليضاح والتحق يق ‪،‬‬
‫فا ستمع إل يه يقول بعد أن أو ضح الشروط ال ت يب أن تتو فر ف الجت هد ‪ ،‬كالعلم‬
‫باللغة ‪ ،‬وأصول الدين وأصول الفقه ‪ ،‬ومصادر الدلة من الكتاب والسنة والجاع ‪:‬‬
‫( أما إذا اختل منها بعض الشروط ‪ ،‬وكان عالا بشيء دون شئ ‪ ،‬كما لو كان‬
‫عالا بأدلة النكاح ‪ ،‬دون غيهحا ‪ .‬أو بأدلة البيوع دون غيه ‪ ،‬أو نوح ذلك ‪ .‬وكان‬
‫متقنا باح علم منهحا اتقانا تاما ‪ .‬فهحل يوز له أن يتهحد فح اسحتنباط محا علم محن‬
‫الحكام ؟ أم ل يوز له حت يكون عالا بميع أحكام الكتاب والسّنة ؟‬
‫ذ هب المام الكد مي ر ضي ال ع نه إل جواز ذلك ‪ ،‬ون سب هذا القول إل أك ثر‬
‫ال صوليي ‪ ،‬وق يل ل يوز الجتهاد ف ب عض ال سائل دون ب عض ‪ ،‬وإن عرف من‬
‫ذلك الب عض الدلة ال ت تتعلق ب ا أحكا مه ‪ ،‬وهذه ال سألة معرو فة عند هم ‪ ،‬بتجزئ‬
‫الجتهاد ‪ ،‬والصححيح محا عليحه المام محن جواز ذلك ‪ .‬لنحه لو اشترطنحا كمال‬
‫الجتهاد ف كل فن ‪ ،‬بيث ل يهل الجتهد شيئا من السائل الجتهادية ‪ ،‬لكمال‬
‫عل مه بأ خذ كل م سألة ‪ ،‬وإل كان قا صرا ‪ ،‬و قد سئل مالك بن أ نس عن أربع ي‬
‫م سألة فأجاب عن أر بع ‪ .‬وقال ف البق ية ل أدري ‪ ،‬فلول أ نه ي صح الجتهاد ف‬
‫مسحألة دون أخرى ‪ ،‬لاح جاز له أن ييحب عحن البعحض ‪ ،‬وكذلك نقحل عحن بعحض‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪77‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ال صحابة ‪ :‬التو قف ف م سائل الحكام ‪ ،‬معاذ وا بن ع مر وغيه ا ‪ ،‬وكذلك عن‬
‫التابع ي ‪ ،‬وتا بع التابع ي ‪ ،‬ح ت صار ذلك شعارا ف علماء الخرة ‪ ،‬فلو ل ي كن‬
‫الجتهاد ف بعض السائل دون بعض جائزا ما ثبت هذا التوقف عنهم‪1.‬‬
‫هكذا بكثي من السماحة والوضوح والتحرر ‪ ،‬يناقشون الشاكل مستندين إل عمل‬
‫ال صحابة والتابع ي ‪ ،‬و سية ال سلف ال صالي ‪ ،‬ل يجرون ما و سعه العلم ‪ ،‬ول‬
‫يرمون ما أحله الد ين ‪ ،‬ول يتركون مشا كل الع صور التتاب عة تترا كم مزدح ة على‬
‫أبواب محن الجتهاد أغلقتهحا أفهام بليدة ‪ ،‬لتعود هذه الشاكحل القهقرى لتتطلب‬
‫الحكام من علماء قد بل يت عظام هم ‪ ،‬وفن يت أنظار هم ‪ ،‬وا ستوفوا آجال م م نذ‬
‫قرون مديدة‪...‬‬
‫وإ نه ل ما يب عث على انشراح قلوب الؤمن ي أن أدرك أك ثر علماء ال سلمي ف هذا‬
‫الع صر ‪ ،‬صواب هذه النظرة ع ند الباض ية ‪ ،‬فانتفضوا يقطعون هذه ال سلسل ال ت‬
‫كبلت فرقا من السلمي عصورا طويلة ‪ ،‬ويكسرون هذه البواب الت أغلقت دون‬
‫ح والجتهاد ‪ ،‬ويقتحمون هذا اليدان الحجور الذي‬
‫حاء التفكيح‬
‫ح سح‬
‫النطلق فح‬
‫خصصته النظرة الامدة متحفا للموتى ‪ ،‬ويبيحون للمسلمي ما أباحه ال لم ‪ ،‬بل‬
‫ُمح طَاِئفَةٌ ِليََت َفقّهُوا فِي‬
‫ِنح ُكلّ ِفرَْقةٍ ِمنْه ْ‬
‫وندبمح إل السحباق فيحه فقال ‪ ) :‬فََلوْل نَ َفرَ م ْ‬
‫الدّينِ َوِليُنْ ِذرُوا َق ْومَهُمْ ِإذَا رَ َجعُوا ِإلَيْهِمْ َلعَلّهُمْ َيحْذَرُونَ)(التوبة‪ :‬من الية ‪)122‬‬
‫و من الح قق أ نه ل يس مطلوبا من هذه الطائ فة ال ت تد عى ل مل ر سالة ال وتفق يه‬
‫السحلمي فح الديحن ‪ ،‬وإنذارهحم عندمحا يسحتكملون عدة الدعاة محن اليان والعلم‬
‫والعمحل ‪ .‬ليحس مطلوبا محن هذه الطائفحة أن يكونوا حلة لسحائل جافحة ‪ ،‬وقضايحا‬
‫م سلمة ‪ ،‬يتزنون ا ف ذوا كر جامدة ‪ ،‬كأن ا طب عة مكررة ‪ ،‬لك تب مفو ظة ‪ .‬فإن‬
‫أمثال هؤلء ل ي صح أن يو صفوا بالف قه ‪ ،‬ول ي ستطيعون النذار ‪ ،‬ول يقوون على‬
‫حل رسالة ال‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪78‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وقحد يكون السحتاذ المام محن أوائل محن حطحم المود ‪ ،‬وحلح لواء الثورة على‬
‫الرجعية الدينية الت تكمت ف السلمي عدة قرون ‪ ،‬وتوقفت بم دون تقدم ‪ ،‬تنظر‬
‫فح حية وارتباك إل موكحب الياة يتغلغحل بالبشريحة فح أطواء الزمحن ‪ ،‬ودعحا إل‬
‫التحرر من هذا الق يد الذي ك بل به جهلة الفقهاء انطل قة الف هم ال سلمي العم يق‬
‫لحداث الزمن وتطورات الياة ‪.‬‬
‫كان الباضية منذ العصر الول من وعى هذه القيقة ‪ ،‬وفهم روح السلم الت دعا‬
‫إلي ها ف الكتاب الكر ي ‪ ،‬وهدى ر سوله القو ي ف توجي هه ل صحابه رضوان ال‬
‫علي هم ك ما ف عل عل يه ال سلم مع معاذ بن ج بل ح ت ح د ال على توف يق ر سول‬
‫ر سول ال ‪ .‬فلم ي سمحوا لذا الق يد أن ي غل أيدي هم ‪ ،‬ولذا الجْر أن ي قف دون‬
‫انطلقهم ‪ ،‬ولذا المود أن يسيطر على عقولم وأفهامهم وعلومهم ‪ ،‬وذلك لنم‬
‫يعتحبون مدارك الناس ومواهبهحم متسحاوية ‪ ،‬وكمحا أمكحن أن تيحء القرون الول‬
‫بالعمالقة والعلم‪.‬‬
‫ما دا مت ال صادر ال ت ي ستقي من ها الولون هي ن فس ال صادر ال ت ي ستقي من ها‬
‫التأخرون ‪ ،‬مع ما تيسر من وسائل التصال والطلع والعرفة‪.‬‬
‫وهذه قضية ثانية من القضايا الت يكاد ينفرد با الباضية ‪ ،‬والت تتمشى مع روح‬
‫السلم ومع حقيقة الياة ‪ ،‬ومع طبيعة الوجود ‪ ،‬وقد غفل عنها كثي من أصحاب‬
‫الذا هب الخرى ‪ ،‬ول يفهموا حقيقت ها إل ف هذا الع صر الذي بدأ ف يه ال سلمون‬
‫ينفضون عنهم غبار الغفلة والمود والرجعية ‪ ،‬وينطلقون فيما مهدته ساحة السلم‬
‫‪ ،‬ودعا إليه سيد النام ‪ ،‬عليه الصلة والسلم ‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪79‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫السلم عقيدة وقول وعمل‬

‫من السائل ال ت يكاد ينفرد ب ا الباضية‪ :‬هذه القاعدة الا مة ال ت ل ي كن أن تكون‬
‫للسلم ثرة بدونا‪ ،‬هذه القاعدة هي اشتراطهم العمل لتمام السلم‪.‬‬
‫)ِإنّ الدّينَ ِعنْدَ الّلهِ اْلأِسْلمُ )(آل عمران‪ :‬من الية ‪)19‬‬
‫والسحلم ليتحم إل بقول وعمحل‪ ،‬فالقول‪ :‬النطحق بكلمحة الشهادة‪ ،‬والعمحل التيان‬
‫بميع الفرائض‪ ،‬واجتناب جيع الحرمات‪ ،‬والوقوف عند جيع الشبهات‪.‬‬
‫النطق بالشهادة يدخل الشخص ف الخطط الغراف للمسلمي‪ ،‬فيحرم دمه‪ ،‬وماله‪،‬‬
‫وتفظ كرامة نسائه وأطفاله‪ ،‬لقوله عليه السلم ‪[:‬أمرت أن أقاتل الناس حت يقولوا‪:‬‬
‫لإله إل ال‪ ،‬فإذا قالوها فقد حقنوا من دماءهم وأموالم إل بقها]‪ ،‬قيل وما حقها‬
‫يا ر سول ال؟ قال ‪[:‬ك فر ب عد إيان‪ ،‬وز ن ب عد إح صان‪ ،‬وق تل الن فس]‪ 1‬أ ما أن‬
‫يكت في الرء بالن طق بذه الكل مة‪ ،‬ويه مل الع مل ب ا فر ضه ال‪ ،‬فهذا إيان غ ي تام‪،‬‬
‫وع مل غ ي صال‪ ،‬إن طبي عة ال سلم تقت ضي من الش خص أن يؤ من بال ور سالته‪،‬‬
‫وأن يصرح بذا اليان‪ ،‬وأن يندفع للعمل با جاءت به هذه الرسالة‪ ،‬الت آمن با‪.‬‬
‫ولو ألق يت نظرة إلىالعال ال سلمي اليوم‪ ،‬الذي يوج بلي ي من الب شر‪ ،‬يشهدون‬
‫أن ل إله إل ال وأن ممدا ر سول ال‪ ،‬ويفخرون بأن م م سلمون‪ ،‬اختار هم ال لن‬
‫يكونوا ف ال مة ال ت أراد ال أن ي تم ب ا ال مم الؤم نة‪ ،‬وين سخ بشريعت ها شرائع‬
‫ال سماء‪ .‬إ نك لو ألق يت نظرة إل هؤلء ال سلمي وإل أعمال م‪ ،‬لذهل تك النتي جة‪،‬‬
‫وساءتك القارنة‪.‬‬
‫إن ال حي أرسل ممدا صلى ال عليه وسلم بشريعة السلم‪ ،‬أراد أن يكون السلم‬
‫كله ل‪ ،‬وأن ليكون ل ف الؤ من شر يك‪ ،‬فإن ال أغ ن الشركاء‪ ،‬فإ ما أن يتو جه‬
‫الؤمن إل ال بقلبه ولسانه وجوارحه وإل فإن ال غن عنه‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪80‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وما جدوى أن يلوك اللسان كلمة التوحيد‪ ،‬ويتليء القلب بب غي ال‪ ،‬وتتسابق‬
‫الوارح إل كل ما نى ال عنه‪ ،‬تاركة لا فرضه ال عليها‪.‬‬
‫محا وزن هذا السحلم الذي ل يقرب الصحلة؟ أو ل يعترف بالزكاة؟ أو ل يجح إل‬
‫للمباهاة؟‬
‫وما وزن هذا السلم الذي يدخل الانة فيشرب حت يفقد عقله؟ والقمرة حت يفقد‬
‫ماله؟ والاخور حت ينهك صحته ويهتك ستره؟‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬
‫ومحا وزن هذا السحلم الذي ينطلق فح الشوارع تمحل أصحابعه السحبحة لياه الناس‪،‬‬
‫وتتم تم شفتاه بل إله إل ال‪ ،‬وتول عيناه ب ي الفا تن ال ت حرم ال‪ ،‬ح ت ي د من‬
‫أعي الناس غرة‪ ،‬فيتكب الفاحشة‪ ،‬ويبتز الال الرام‪ ،‬ث يرج فيضفي على الدخل‬
‫الفاسق ثوبا من الوقار الارجي ليظن الناس أنه مؤمن؟‬
‫وما وزن هذا السلم؟ الذي يتج بقول الفيلسوف على قول ال‪ ،‬ويرد بنظرية فرويد‬
‫على سنة ر سول ال‪ ،‬ويع تز بفل سفة مار كس دون فل سفة ال سلم‪ ،‬ويع طل أحكام‬
‫الكتاب بالدسحاتي التح وضعهحا جان بول سحارتر ‪ ،1‬أو جون ديوي‪ ،‬أو كارل‬
‫ماركس؟‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬
‫و ما وزن هذا السلم الذي ينفق الموال ف كل سبيل إل سبيل ال والي‪ ،‬ويشترك‬
‫ف كل مشروع إل مشروع العروف‪ ،‬وينهى عن كل ملس إل ملس النكر؟!!‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬
‫و محا وزن هذا السحلم الذي يسحتغفل الناس بالديحن‪ ،‬ويتلهحم عحن أموالمح باظهار‬
‫التقوى‪ ،‬فيسرقها باستحقاق الصدقة؟‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪81‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و ما وزن هذا السلم الذي يستعبدالناس وأموالم برية التملك‪ ،‬ويسخرهم تسخي‬
‫العبيد بدعوى ولية المر‪ ،‬ويكم عليهم بالتجهيل‪ ،‬والتفقي والذلل؟‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬
‫وما وزن ذلك السلم الذي سع بذا العصر فتعصر‪ ،‬وقيل له عن الشتراكية فتشرك‪،‬‬
‫ث دعي إل الشيوعية فتشيع؟‬
‫ما وزن هذا السلم عند ال؟‬
‫وليست هذه الصور مقصورة علىالفراد‪ ،‬و إنا هي تنطبق على الدول‪ .‬إنا تنطبق‬
‫كل النطباق على هذه الطوائف الائرة من بلد ال سلم‪ ،‬ال ت تد عي كل واحدة‬
‫من ها أن ا دولة‪ ،‬ت ستعصم بالعرو بة وتترك ال سلم‪ ،‬وتع تز بالعن صر‪ ،‬وتتنا سى الد ين‪.‬‬
‫وتقلد أعداء الدين وأعدائها ف طرق الكم‪ ،‬وتنبذ طرق الكم الت وضعها ال لا‪،‬‬
‫تستمد منهم الرأي والبة‪ ،‬والسلح والذخية واليلة والكيد‪.‬‬
‫ما وزن هذه الدول عند ال؟‬
‫إ نك ت ستطيع أن ت د ملي ي من ال صور للي ي من الب شر‪ ،‬تنطلق أل سنتهم بكل مة‬
‫التوحيد‪ ،‬ولكنهم ف غي ذلك ليسوا مسلمي‪ ،‬فهل يتم إيان كل أولئك‪ ،‬ويسبون‬
‫على السححلم؟ لو كان هذاليان كاملً كمححا أراده ال‪ ،‬وكان إيان هؤلء الغثاء‬
‫كإيان أولئك ال صناديد الذ ين يرون أن الع مل هو شري طة كمال اليان لكان العال‬
‫كله يسي اليوم على شريعة ال‪ .‬فإن عشرة ألف من السلمي‪ -‬عندما كان السلم‬
‫إيانا وقول وعمل‪ -‬اسحتطاعوا أن يهدوا اللييح إل ديحن ال بسحلوكهم‪ ،‬قبحل أن‬
‫يهدوهم بأقوالم وأسيافهم‪ ،‬واستطاع أولئك اللف القليلة أن يثبتوا حكم ال قويا‬
‫مزدهرا فح بلدال‪ ،‬وإن كان أهلهحا على غيح السحلم‪ ،‬لن أولئك القلة كانوا‬
‫مسحلمي حقحا بقلوبمح وألسحنتهم وجوارحهحم‪ .‬إننح أزعحم‪ -‬وقحد أكون مطئا فح‬
‫هذاالزعم‪ -‬أنه ل يضر السلم‪ ،‬ويهونه ف نظر أتباعه‪ ،‬ويريء السلمي على ترك‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪82‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫فرائ ضه‪ ،‬وانتهاك حرما ته‪ ،‬وعدم التق يد بشر عه‪ -‬ش يء م ثل ما أ ضر به هذا القول‬
‫الذي يض في ال سلم الكا مل على ر جل ل يس له من ال سلم إل قولة لإله إل ال‪،‬‬
‫وتشدق بعحض التفقهيح‪ ،‬الذيحن يسحتغلون ماحفظوا دون فهحم‪ ،‬ويتهدون لرضاء‬
‫العامة والهلة من الناس بتهوين أسباب العصية لم‪ ،‬ويدجلون بإسم بعض الذاهب‪،‬‬
‫قائليح‪ :‬إن جهنحم ل تلق لنح يوححد ال‪ ،‬ولو ل يعمحل‪ ،‬وأن محن قال ل إله إل ال‬
‫دخحل النحة‪ ،‬وإن زنح وإن سحرق‪ ،‬غيح فاهحم معنح الملة الخية‪ .‬فح أمثال هذه‬
‫ال ساليب ال ت يقتطعون ا عن معاني ها‪ ،‬ويدعون ب ا الناس عن أنف سهم و عن دين هم‬
‫و عن رب م‪ ،‬يضفون علي هم ل قب ال سلم‪ ،‬وي سلبونم الع مل ال صال‪ ،‬الذي اشتر طه‬
‫الكتاب الكري لن آمن بال‪ ،‬فلم يرد فيه إيان غي مقرون بالعمل الصال والحسان‪.‬‬
‫هذه قضية ثالثة من القضايا الت يكاد ينفرد با الباضية منذ أول السلم‪ ،‬وساروا‬
‫في ها على الن هج الذي كان عل يه م مد صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬و سار عل يه أ صحابه‬
‫رضوان ال عليهحم فلم يفرقوا بيح القول والعمحل‪ ،‬ول يزئوا ديحن ال‪ ،‬ول يطمعوا‬
‫العصاة الصرّين غي التائبي‪ ،‬كانت معصيتهم بالفعل أو الترك‪ ،‬ف رحة ال‪.‬‬
‫والن و قد انت فض ال سلمون من هجعت هم الطويلة‪ ،‬ورجعوا ال كتاب رب م وهدي‬
‫نبيهم و سية سلفهم‪ ،‬ي ستلهمونه التوج يه‪ ،‬وي ستوحونه الرشاد‪ ،‬ويلتم سون م نه‬
‫هدايةالطر يق‪ ،‬عرفوا أن الع مل هو الشرط ال ساسي ف صحة العقيدة‪ ،‬ولذلك ف قد‬
‫انطلقحت القلم الباركحة‪ ،‬تدعوا ال السحتمساك بالعروة الوثقحى محن كتاب ال‪،‬‬
‫والتحلي باللق القوم الذي تلى بحه ممحد صحلى ال عليحه وسحلم‪ ،‬والندفاع ال‬
‫ميدان الهاد الدائم جهاد النفحس‪ ،‬فإن ل يسحتطع أن يقهحر الشيطان فح نفسحه‬
‫ليستطيع أن يقهر العدو ف أرضه‪ ،‬ومادام السلمون منحرفي عن صراط ال السّوي‬
‫فإنم لن يتأيدوا بنصر ال‪ .‬فإذا فهم السلمون السلم حق الفهم‪ ،‬ورجعوا إل العمل‬
‫به أفرادا وأما‪ ،‬شعوبا ودول‪ ،‬وأسلموا أرواحهم وألسنتهم وجوارحهم ل‪ ،‬فإن ال‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪83‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫تعال يشرح صدورهم للسلم‪ ،‬ويعل لم من كل ضيق فرجا‪ ،‬ومن كل مشكلة‬
‫مرجا‪ ،‬ويؤت م العزة ال ت وعد هم ب ا؛ فإن العزة ل ولر سوله وللمؤمن ي‪[ .‬وليزال‬
‫عبدي يتقرّب إلّ بالنوافل حت أحبه‪ ،‬فإذا أحببته كنت سعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره‬
‫الذي يُبصر به‪ ،‬ويده الت يبطش با]‪.‬‬

‫الولية والبراءة والوقوف‬

‫يقول ق طب الئ مة ف الشا مل ‪ ( :‬ول ية الملة وبراءت ا فريضتان بالكتاب وال سنة‬
‫والجاع ‪ ،‬على كل مكلف ع ند بلو غه إن قا مت عل يه ال جة ) ‪ ،‬وب عد مناق شة‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪84‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫للموضوع قال‪ ( :‬وأ ما ول ية الشخاص وبراءت ا فواجبتان قيا سا عليه ما ‪ ،‬ولورود‬
‫أحاديث ف حب الخوان ف ال ‪ ،‬ومدح حبهم ف القرآن ) وبعد مناقشة للموضوع‬
‫قال ‪ ( :‬وقال غينا ل تبان )‪.‬‬
‫ل قد رأ يت أن أبتدئ هذا الف صل ‪ ،‬بذه القائق ال ت يقرر ها ق طب الئ مة رح ه ال‬
‫ورضى عنه ‪ ،‬وقطب الئمة من الفكرين الحرار القلئل ‪ ،‬الذين جاد بم الزمن ف‬
‫هذا العصر الخي ‪ ،‬وهو بالضافة إل أنه من أولئك الذين فتح ال بصائرهم لفهم‬
‫أ سرار التشر يع ال سلمي ‪ ،‬وقذف ف قلوب م نور الك مة والعر فة‪ ،‬وقوا هم على‬
‫الكفاح ف سبيل ال ‪ ،‬ويسر لم خدمة دينه ف عصور النطاط والظلم بالتحقيق ‪،‬‬
‫وطبق علي ها الحكام ال ستمدة من الكتاب وال سنة ‪ ،‬ور جح ما كان متأرج حا ب ي‬
‫قولي وأقوال ‪ .‬وهو مع هذا العمل التواصل ‪ ،‬والنتاج الكتاب با ل يبلغ إليه مؤلف‬
‫فيما أعرف ‪ ،‬ومع قيامه بالتدريس وبالوعظ والرشاد ‪ .‬إنه مع كل ذلك موسوعة‬
‫علمية متنقلة ف جيع فروع العلم ‪ ،‬وكان يعيش ف عصره حياة حقيقية ‪ ،‬فقد كان‬
‫مطل عا على ما يري ف العال من أحداث ‪ ،‬وت صل إل يه ج يع الركات الثقاف ية ‪،‬‬
‫والطاعن الت توجه إل السلم ‪ ،‬فيتصدى لا بالرد والنقد حسب قوتا وضعفها‪.‬‬
‫ل ست الن ب صدد الترج ة لذا العل مة الح قق الذي كان صورة ح ية لل صفات ال ت‬
‫يب أن يكون عليها السلم ‪ ،‬الذي ربط أواصر قلبه بربه ‪ ،‬وترفع عن راحة الدنيا‬
‫ونعيم ها رغ بة ف يا ع ند ال من نع يم ‪ ،‬وو قف نف سه للجهاد ف سبيل ال ‪ ،‬يارب‬
‫دسائس الصهيونية والصليبية وعملئهما فيما يبتكره الستعمرون من أساليب ‪ ،‬ويرد‬
‫ك يد علماء الدن يا الذ ين يتزلفون أ صحاب ال سلطان للح صول على منا فع عاجلة ‪،‬‬
‫ويبحط خداع الفقهاء الامديحن ‪ ،‬وحيحل الشائخ الطرق الذيحن يدرون أعصحاب‬
‫الرادة السلمة لتستكي ‪ ،‬ويسممون أفكار المة الؤمنة بالبدع والرافة لتستهي ‪،‬‬
‫وعند ربك الب اليقي‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪85‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫لقد رأى الباضية ‪ ،‬أن مبة الؤمن الوف بدينه ‪ ،‬الريص على واجباته ‪ ،‬البتعد عن‬
‫الحارم ‪ ،‬التخلق بأخلق ال سلم ‪ ،‬الت بع لدى م مد عل يه ال سلم ‪ ،‬القت في لثار‬
‫السلف الصالي ؛ رأى الباضية أن الؤمن إذا كان على هذا الطريق ‪ ،‬وجبت مبته‬
‫على الؤمن ي ‪ ،‬وأعل نت ولي ته ب ي ال سلمي ‪ ،‬وطل بت له الغفرة والرح ة من رب‬
‫العالي‪.‬‬
‫وان ظر أي ها القارئ الكر ي ‪ ،‬إل مت مع ل تري ف يه الح بة والودة والرح ة إل ب ي‬
‫أولئك الؤمن ي الذ ين علقوا م صائرهم ب يد ال ‪ ،‬ووهبوا أنف سهم لعلء كل مة ال ‪،‬‬
‫ول يربطهم فيما بينهم إل الخوة ف ال ‪ .‬فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ ‪ ،‬ول‬
‫يسحتعذ بال فأقدم على العصحية ‪ ،‬ول يسحارع إل التوبحة ‪ ،‬انفصحم هذا الرباط الذي‬
‫يربطه بالؤمني ‪ ،‬وتطمت هذه الخوة الت قامت على الدين ‪ ،‬حت يدد إيانه بربه‬
‫‪ ،‬ويستغفر ال من ذنبه ؛ ويصل حبال قلبه بفاطر السماوات والرض‪.‬‬
‫فإذا فعل ذك ‪ ،‬رجعت منلته بي إخوانه كما كانت ‪ ،‬وعزت نفسه بينهم بعد أن‬
‫هانت ‪ ( ،‬ول العزة ولرسوله وللمؤمني)‪.‬‬
‫وقحد رأى الباضيحة أن هذا السحلم الذي يعلن بيح الل قول ل إله إل ال ‪ ،‬ممحد‬
‫ر سول ال ‪ ،‬ث يترئ على أوا مر ال فيتخلى عن واجبا ته ‪ ،‬أو يقدم على ارتكاب‬
‫الحظورات ‪ ،‬أو يل قى ال بغ ي الظ هر الذي يظهره للناس ‪ ،‬أو يف ضل على شئ من‬
‫دين ال شيئا ما يدعو إليه البشر ‪ ،‬أو يرتكس إل التزلف لخلوق – حي أو ميت –‬
‫فيجو منه ما ل يرجوه الؤمن إل من ال‪.‬‬
‫رأى الباضية أن هذا السلم الذي وصفناه بالسلم ‪ ،‬وأدخلناه بي أهل التوحيد ‪،‬‬
‫ل يق أن يكرم بالتساوي مع الصادقي ‪ ،‬ول يكن أن تشمله الحبة ف الدين ‪ ،‬بل‬
‫يب أن يد الغلظة من الؤمني ‪ ،‬وأن يسمع التقريع والتوبيخ ‪ ،‬وأن يطلب البتعاد‬
‫عنحه ‪،‬وأن تعلن الباءة منحه ‪ ،‬ويقلل التعامحل معحه ‪ ،‬حتح تضيحق عليحه الرض باح‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪86‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫رح بت ‪ ،‬ول ي د مل جأ من ال إل إل يه ‪ .‬فإ ما أن يشرح ال صدره لل سلم ‪ ،‬وأن‬
‫يفتحح قلبحه لليان ‪ ،‬وأن يسحخر أعضاءه للعبادة ‪ ،‬وأن يباعحد بينحه وبيح العصحية ‪،‬‬
‫فيتوب ما ارتكب ‪ ،‬ويعود إل حظية السلم ‪ ،‬بالعمل الصال ‪ ،‬والهاد التواصل؛‬
‫جهاد الن فس والوى ‪ ،‬فترت بط أوا صره حينئذ بأوا صر الناس ‪ ،‬وي صبح ب عد الدا ية‬
‫والتوفيق أخا ف ال ‪ .‬وإما أن يرتكس إل الشيطان ‪ ،‬ويصر على العصيان ‪ ،‬ويستكب‬
‫عن التو بة ‪ ،‬ويبت عد عن ما سبة الن فس ‪ ،‬وي ستمر ف الغوا ية والضلل ‪ ،‬وحينئذ ل‬
‫يكحن لولياء ال أن يبوا عدو ال ‪ ،‬ول أن يرضوا عمحن جاهره بالعصحية ‪ ،‬وإن‬
‫القلوب الؤم نة‪ ،‬لت ستحي أن تت جه إل الليك الديان ‪ ،‬لتطلب منه الرح ة والغفران ‪،‬‬
‫لعبيد الشهوات وأغوياء الشيطان‪ِ) ،‬إنّ كَ ل تَهْدِي مَ نْ َأ ْحبَبْ تَ َولَ ِكنّ اللّ هَ يَهْدِي مَ نْ‬
‫يَشَاء)(القصص‪ :‬من الية ‪ )56‬إن العصاة الذين يصرون على ما فعلوا ‪ ،‬وياهرون‬
‫ال والناس با ارتكبوا ‪ ،‬انفصلوا بكبيائهم عن ربم ‪ ،‬وابتعدوا عن مبة إخوانم ‪،‬‬
‫وحادوا ال ور سوله )ل َتجِدُ قَوْما يُ ْؤ ِمنُو نَ بِاللّ هِ وَاْليَوْ مِ الْآ ِخرِ يُوَادّو نَ مَ نْ حَادّ اللّ هَ‬
‫َورَ سُولَهُ )(الجادلة‪ :‬من ال ية ‪) )22‬إِنّ الّذِي نَ ُيحَادّو نَ اللّ هَ َورَ سُوَلهُ أُوَلئِ كَ فِي‬
‫اْلَأذَلّيَ) (الجادلة‪ِ) ،)20:‬إنّ الّذِينَ ُيحَادّونَ اللّهَ َورَسُوَلهُ ُكِبتُوا كَمَا ُكبِتَ الّذِينَ مِنْ‬
‫َقبِْلهِ مْ )(الجادلة‪ :‬من الية ‪ )5‬لقد كانت الصراحة والصدق واليان هي الصفات‬
‫الت يتحلى با السلمون ف الصدر الول ‪ ،‬فل تد إل مؤمني يتنافسون ف العمل‬
‫ال صال ‪ ،‬أو منافق ي أذل م ال بنفاق هم ‪ ،‬أو م سلمي قد تغلب على أحد هم لّ ة من‬
‫الشيطان فيت كب مع صية ي ستخفي ب ا ‪ ،‬وي ستتر بذن به و هو كظ يم ‪ ،‬فل ت بغ به‬
‫الوقاحة إل أن يستحل ما حرّم ال ‪ ،‬ول أن ياهر بعصية ال ‪ ،‬ول أن يصر على ما‬
‫ارتكب من ذنب ‪ ،‬وهو يعلم أنه ذنب ‪ ،‬بل إنه ليحاسب نفسه الساب العسي على‬
‫ما ارتكب من إث ‪ ،‬ويرجع إل ربه وهو مشفق أن يعرض عنه موله ‪ ،‬ويتخلى عنه‬
‫برحته وينساه‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪87‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫إن الجت مع ال سلمي أن ظف من أن ت قع ف يه الع صية من م سلم ث ي سكتون ع نه‬
‫فيدعونه فيهم مبوبا قبل أن يبادر إل التوبة والستغفار والتكفي ‪ ،‬إن كانت العصية‬
‫ما يتحلل منه بالتكفي ‪ .‬قيل لبن عمر ‪ :‬إن فلنا يقرئك السلم ‪ ،‬فقال رضي ال‬
‫عنه ‪ :‬لقد بلغن أنه يقول بالقدر ‪ ،‬فإذا كان باقيا على شئ من ذلك ‪ ،‬فل تبلغه عن‬
‫السلم ‪ .‬وقال أمي الؤمني عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ ( :‬من رأينا منه خيا ‪،‬‬
‫وظننا فيه خيا ‪ ،‬قلنا فيه خيا وتوليناه ‪ ،‬ومن رأينا منه شرا ‪ ،‬وظننا فيه شرا ‪ ،‬قلنا‬
‫فيه شرا وتبأنا منه ‪ )1‬وقال عليه الصلة والسلم ‪ ( :‬من أحب ل ‪ ،‬وأبغض ل ‪،‬‬
‫وأعطى ل ‪ ،‬ومنع ل ‪ ،‬فقد استكمل اليان)‪.2‬‬
‫هذه قض ية راب عة من القضا يا ال ت يكاد ينفرد ب ا الباض ية عن غي هم من الفرق‬
‫السلمية ‪ ،‬فلم يساووا بي مؤمن تقي وعاصٍ شقي ف العاملة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يب على‬
‫الجتمحع السحلم أن يعلن كلمحة القح فح كحل فرد محن أفراده ‪ ،‬وأن يتول تذيحب‬
‫الناشزين وتقوي النحرفي ‪ ،‬وتربية الخطئي ‪ ،‬بالوسائل الت شرعها السلم للتربية‬
‫الماعية ‪ ،‬من أمر بعروف وني عن منكر ‪ ،‬وإعراض عمن يتول عن ال‪.‬‬
‫وليس من ال ق أبدا أن نتغا ضى عن أولئك الذ ين يرتكبون العا صي ‪ ،‬ونضع هم ف‬
‫صف واحد مع الؤمني الوفي ‪ ،‬بل يب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعالنه‬
‫بالعدواة مادام منحرفا عن سبيل ال ‪ ،‬وأن ل ن ساوي ف العاملة بي نه وب ي الو ف ‪،‬‬
‫وأن ل نعطيه من الحبة وطلب الغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب ال ف‬
‫الفاء والعلنية ‪ ،‬ويرجع إليه ف كل كبية وصغية ‪ ،‬ويقف عند حدوده الت رسها‬
‫ل يتخطاها ) َوْليَجِدُوا فِيكُ مْ ِغ ْل َظةً)(التوبة‪ :‬من الية ‪) ،)123‬ل َتجِدُ قَوْما يُ ْؤمِنُو نَ‬
‫بِالّلهِ وَالْيَ ْومِ الْآ ِخرِ يُوَادّونَ َمنْ حَادّ الّلهَ َو َرسُولَهُ )(الجادلة‪ :‬من الية ‪)22‬‬
‫ويسرن أن أختم هذا الفصل بذه السطور الرائعة من كلم الستاذ ممد الغزال‪:‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪88‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫( هل الدين إل الب والبغض ! ‪ ..‬إن الدين هو هذه العاطفة الشبوبة بحبة الي‬
‫وأصحابه ‪ ،‬وكراهة الشر وأحزابه ‪ ،‬هو هذه العاطفة الدافقة النسابة كالفيضان الوار‬
‫‪ ،‬ل تد مستقرها إل حيث تبلغ أهدافها ‪ ،‬ل يهمها أن تغمر سفحا ‪ ،‬أو تطوق قمة‬
‫‪ ..‬إن الدين هو هذه العاطفة الرة اليسية ‪ :‬اشئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك‬
‫عن م صافحتهم ‪ ،‬وي عل حرة الغ ضب ت صبغ وج هك لراءت م على رب م ‪ ،‬فإ ما‬
‫استطعت أن تسف الرض من تتهم ‪ ،‬أو تقيم الدنيا وتقعدها حولم ‪ ..‬وإل فإن‬
‫أقعدك العجز سكنت سكون القهور على ما يلسعه من عار ‪ ،‬ل سكون البليد على‬
‫ما وصل إليه من قرار ) ‪.‬‬
‫ل قد شرح ال ستاذ الغزال ف هذه ال سطور القليلة قاعدة الول ية والباءة ال ت سار‬
‫عليهحا الباضيحة منحذ فجحر التاريحخ ‪ .‬والباضيحة ل يرجون العصحاة محن اللة ‪ ،‬ول‬
‫يكمون علي هم بالشرك ‪ ،‬ول كن يوجبون الباءة من هم وبغض هم ‪ ،‬وإعلن ذلك ل م‬
‫حت يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إل ربم‬

‫كفر النعمة‬

‫ي سب الكث ي م ن لعلم له أن الباض ية يتفقون مع الوارج ف تكف ي الع صاة كفر‬
‫شرك‪ ،‬ول يعرفون أن الباض ية يطلقون كل مة الك فر على ع صاة الوحد ين‪ ،‬الذ ين‬
‫ينتهكون حرمات ال‪ ،‬ويقصدون بذلك كفر النعمة‪ ،‬أخذا من اليات الكرية‪ ،‬الت‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪89‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أطلَقتْهحا فح أمثال هذه الواضيحع‪ ،‬واسحتنادا إل أحاديحث الرسحول صحلى ال عليحه‬
‫وسلم‪َ ) ،‬ولِلّ هِ َعلَى النّا سِ حِجّ اْلبَيْ تِ مَ نِ ا ْستَطَاعَ ِإَليْ هِ َسبِيلً َومَ نْ َكفَرَ فَِإنّ اللّ هَ َغنِيّ‬
‫عَنِ الْعَالَمِيَ)(آل عمران‪ :‬من الية ‪ِ ) .)97‬ليَبْلُ َونِي َأَأشْ ُكرُ أَمْ أَ ْك ُفرُ َومَنْ شَ َكرَ فَِإنّمَا‬
‫سهِ َو َمنْ َك َفرَ َفِإنّ رَبّي َغنِيّ َك ِريٌ)(النمل‪ :‬من الية ‪َ ) .)40‬و َمنْ لَمْ َيحْكُمْ‬
‫يَشْ ُكرُ ِلَنفْ ِ‬
‫بِمَا َأْنزَلَ اللّ هُ َفأُوَلئِ كَ هُ مُ الْكَاِفرُو نَ)(الائدة‪ :‬من الية ‪ .)44‬سأل القرع بن حابس‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬الج علينا كل عام يارسول ال؟ فقال عليه السلم‬
‫‪[:‬لو قلت نعم لوجبت‪ ،‬ولو وجبت لا قدرت عليه‪ ،‬ولو ل تفعلوا لكفرت]‪[ .‬من ترك‬
‫ال صلة ك فر]‪[ .‬ل يس ب ي الع بد والك فر إل تر كه ال صلة]‪ [ .‬أل ل ترجعوا بعدي‬
‫كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض]‪[ .‬الرّشا ف الكم كفر]‪.‬‬
‫وأمثال هذه الحاديث كثي حت إن بعض رواة الديث يبوب لذا بقوله‪[:‬كفر دون‬
‫كفر]‪ .‬ويطيء الناس فل يصلون إل القائق‪ ،‬لنم ليكلفون أنفسهم مشقة البحث‬
‫والطلع‪ ،‬فهم حي يسمعون أن الباضية يكمون بكفر عصاة الوحدين يسبون‬
‫أن هذا الكم إخراج للمسلمي من الدين‪ ،‬وحكم عليهم بالشرك‪ ،‬وهذا ما ذهب‬
‫إل يه الوارج‪ ،‬وإذن فالباض ية فر قة من الوارج! وهكذا يبنون نتائج على مقدمات‬
‫مهولة‪ ،‬غي صحيحة‪ ،‬فيتورطون ف خطاء شنيع‪ ،‬وينسبون إل فرقة من أحرص فرق‬
‫السلم على قول الق واتباعه ومن أشدها تسكا بكتاب ال وسنة رسوله‪ ،‬ينسبون‬
‫إليها أقوالً أو آراءً هي أبعد عنها من الذين ينسبونا إليها‪.‬‬
‫ولو رجع هؤلء إل كتاب ال الذي ليأتيه الباطل من بي يديه ول من خلفه‪ ،‬وإل‬
‫سنة ر سول ال الذي ل ين طق عن الوى )إِ نْ هُوَ ِإلّا وَحْ يٌ يُوحَى) (لن جم‪ )4:‬ث‬
‫اطلعوا على ك تب الذ هب وناقشو ها ف أدلت ها وم ستنداتا‪ ،‬وعرضو ها على اليزان‬
‫الذي وض عه م مد صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وفهموا الع ن الذي يق صده الباض ية من‬
‫كلمحة الكفحر حيح تطلق على الوحديحن‪ ،‬إنمح لو فعلوا ذلك لوفروا على أنفسحهم‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪90‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وصمة الهل‪ ،‬وعلموا أن هؤلء الناس ياسبون انفسهم على كل دقيق وجليل‪ ،‬قبل‬
‫أن ياسبهم الناس‪ ،‬وأنم ليقدمون على قول أو عمل‪ ،‬إل إذا انبن على آية مكمة‪،‬‬
‫أو سنة متبعة‪.‬‬
‫وأعتقحد أن ماتقدم يكفحي ليضاح القصحود محن إطلق كلمحة الكفحر على العصحاة‬
‫ويق صد بذلك ك فر النع مة‪ ،‬وال سبب الذي د عا الباض ية إل إطلق هم هذه الكل مة‬
‫على العصاة بدل من كلمة النفاق أو الفسوق أمران‪ :‬أولما‪ :‬أنا الكلمة الت أطلقها‬
‫الكتاب الكري والسنة القوية عليهم ف كثي من الواضيع والناسبات‪.‬‬
‫وثانيه ما‪ :‬أن لكل مة النفاق أثرا خا صا ف تار يخ ال سلم‪ ،‬ف قد اشت هر ب ا عدد من‬
‫الناس ف زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬آمنوا ظاهرا ولكن قلوبم ل تطمئن‬
‫باليان‪ ،‬فكان القرآن الكر ي ينل بتقريع هم ويف ضح بعض هم ويتوعد هم‪ ،‬بالعذاب‬
‫الليم‪ ،‬ف الدنيا والخرة‪ ،‬حت اشتهروا بذا السم‪ ،‬وعرفوا به‪:‬‬
‫)الْ ُمنَاِفقُو نَ وَالْ ُمنَاِفقَا تُ َبعْضُهُ مْ مِ نْ بَعْ ضٍ يَ ْأ ُمرُو نَ بِالْمُنْ َكرِ َويَنْهَوْ نَ عَ نِ الْ َم ْعرُو فِ‬
‫سيَهُمْ ِإنّ الْ ُمنَاِفقِيَ هُ مُ اْلفَا سِقُونَ) (التوبة‪ )67:‬حت‬
‫َويَ ْقبِضُو نَ َأيْ ِديَهُ مْ نَ سُوا اللّ هَ َفنَ ِ‬
‫صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علما عليهم‪ ،‬فإذا أطلقت انصرفت إليهم‪.‬‬
‫و قد أطل قت كل مة الك فر ف الكتاب العز يز على النافق ي ف ز من الر سول عل يه‬
‫ال صلة وال سلم‪ ،‬ك ما أطلقت على ع صاة الوحد ين‪ .‬ووردت بالعني ي ف الد يث‬
‫النبوي‪ ،‬ويقول علماء اللغة‪ :‬إنا بذا العن الذي يقصد به كفر النعمة إنا هي مشتقة‬
‫من الكفران‪.‬‬
‫وقحد أطلقهحا القرآن الكريح كثيا بعنح الشرك‪ ،‬سحواء كان الشرك شرك جحود أو‬
‫شرك مساواة‪.‬‬
‫وخلصة البحث أن الباضية عندما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد‬
‫ف هم يق صدون ك فر النع مة‪ ،‬و هو مايطلق عل يه غي هم كل مة الف سوق والع صيان‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪91‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫والع ن الذي يطلق عل يه الباض ية ك فر النع مة‪ ،‬ويطلق عل يه العتزلة الف سوق ويطلق‬
‫عليه غيهم النفاق أوالعصيان وهو معن واحد‪.‬‬
‫وقد أطلقت الكلمات الثلثة على النافقي ف زمن الرسول صلى ال عليه وسلم كما‬
‫أطلقت على الذين ياهرون ال بالعصية‪ ،‬فيخالفونه عن أمره‪.‬‬
‫والنقاش ف هذا الوضوع نقاش لغوي‪ ،‬والختلف لفظي‪ ،‬والنتيجة أن من يصر على‬
‫مع صية ال يل قي ن فس الزاء الذي يلق يه من يك فر بال‪ ،‬أ ما معاملة ال سلمي ل ن‬
‫يف سق عن أ مر ال أو ينا فق ف د ين ال‪ ،‬أويك فر بنع مة ال‪ ،‬فإن ا معاملة للعا صي‬
‫النت هك الذي ت ب ماولة إرشاده إل وجوب ال ستمساك بدي نه ورجو عه إل أوا مر‬
‫ربه‪ ،‬وإقلعه عن مادّة ال ورسوله‪ ،‬فإن أصر واستكب وتغلب عليه الشيطان‪ ،‬بُريء‬
‫منه‪ ،‬ومن عمله‪ ،‬وجافاه السلمون‪ ،‬على ماتقدم ف فصل الولية والباءة حت يتوب‪.‬‬

‫مسالك الدين‬

‫يقول صاحب عقيدة التوح يد ‪ ( :‬م سالك الد ين أرب عة ‪ :‬الظهور والدفاع والشراء‬
‫والكتمان )‪ .‬إن الجتمع السلمي إما أن يكون ظاهرا على أعدائه ‪ ،‬حرا ف أراضيه‬
‫‪ ،‬مسحتقلً بأحكامحه ‪ ،‬عاملً بكتاب ال وسحنة رسحوله ‪ ،‬منفذا لحكام الديحن ‪ ،‬ل‬
‫يضع لجنب بوجه من الوجوه ‪ ،‬ول يستبد به حاكم ‪ ،‬ول يطغى عليه ذو سلطان‬
‫‪ .‬فهذه الالة هي حالة الظهور ‪ ،‬و هي أك مل الالت للمجت مع ال سلم ‪ ،‬وعلي ها‬
‫ي ب أن تكون ال مة ‪ ،‬لن ا النلة ال ت ارتضا ها ال للمؤمن ي ( ول العزة ولر سوله‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪92‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وللمؤمنيح ) ‪ .‬فإذا اندر السحلمون عحن هذا القام ‪ ،‬وتضاءلوا عحن هذا الشرف ‪،‬‬
‫ونزلوا عحن هذه الرتبحة التح رفعهحم إليهحا اليان بال ‪ ،‬والثقحة فيحه ‪ ،‬فيجحب أن ل‬
‫يهادنوا الظلم ‪ ،‬وأن ل يستكينوا للطغيان ‪ ،‬وأن ل يسمحوا لليدي العابثة أن تعبث‬
‫بقدرات المة ‪ ،‬فتنتهك حرماتم ‪ ،‬وتول دون أمور دينهم ‪ ،‬وتتحكم ف أعمالم‬
‫وعبادات م ‪ ،‬وتتصرف ف أموال م بغي التشر يع الذي وضعه عال الغيب والشهادة ‪،‬‬
‫والدى الذي تركه ممد صلى ال عليه وسلم لبناء السلم‪.‬‬
‫إذا اندرت ال مة إل هذه الوهدة فت سيطر علي ها عدو أج نب ‪ ،‬أو تلى _ من أول ته‬
‫المة ثقتها ‪ ،‬وأسلمته مقاليدها ‪ ،‬ووضعت بي يديه رعايتها _ عن المانة ‪ ،‬وحاد‬
‫با عن الطريق ‪ ،‬وخان ال ورسوله والسلمي فيما وضع بي يديه ‪ ،‬وجب حينئذ أن‬
‫ي قف ال سلمون ف طر يق تلك الدولة الباغ ية ‪ ،‬يأمرون ا بالعروف ‪ ،‬وينهون ا عن‬
‫الن كر ‪ ،‬ويلزمون ا أن ت سلك ب م طر يق ال صواب ‪ ،‬فإذا اعتزت بال ث ‪ ،‬وا ستمرأت‬
‫طعم الظلم ‪ ،‬واستكبت أن تضع لمر ال ‪ ،‬وأن ترجع إل سبيل ال ‪ ،‬فحينئذ يأت‬
‫القسم الثان من التنظيم السلمي وهو الدفاع ‪ ،‬والدفاع ف مسالك الدين يرادف‬
‫ما يعب عنه ف العصر الاضر بالثورة ‪ ...‬الثورة على الستعمار الجنب ‪ ،‬أو الثورة‬
‫على الستعمار الداخلي ‪ :‬كالثورة على الظلم ‪ ،‬والثورة على القطاع ‪ ،‬والثورة على‬
‫الفساد ‪ ،‬والثورة على النراف عن دين ال ف كل مظاهره وأشكاله ‪.‬والزعيم الذي‬
‫يقود هذه الثورة يسمى ( إمام الدفاع ) وله على المة الثائرة حق الطاعة والمتثال ‪،‬‬
‫مادامحت الثورة قائمحة ‪ ،‬فإذا اسحتقرت المور ‪ ،‬ورجعحت إل الدوء والسحتقرار ‪،‬‬
‫أصحبح واحدا محن أفراد المحة ‪ ،‬له حقوقهحم وعليحه واجباتمح ‪ ،‬ورجوع المور إل‬
‫نصحابا يكون بأححد أمريحن ‪ ،‬إمحا ناح الثورة وإمحا فشلهحا ‪ ،‬ناحهحا يكون بأححد‬
‫أمريحن ‪ ،‬إمحا اسحتجابة الدولة لطالب المحة ‪ ،‬ورجوعهحا إل أحكام ال ‪ ،‬وفح هذه‬
‫الالة ينتهي عمل الثورة إل هذا الد‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪93‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وإمحا الطاححة بالنظام الفاسحد ‪ ،‬وقلب الكحم الظال ‪ ،‬وتغييه إل نظام إسحلمي ‪،‬‬
‫يتم شى مع التشر يع الذي جاء به كتاب ال الكر ي ‪ ،‬وعندئذ أيضا ل يكون لزع يم‬
‫الثورة أو أم ي الدفاع ‪ ،‬أي حق ف ال كم ‪ ،‬إل إذا اختار ته ال مة ‪ ،‬لشروط توفرت‬
‫فيه بعد الدوء والجتماع والتفكي والفاضلة ‪ ،‬حسب الشروط التبعة ف اختيار أمي‬
‫للمؤمني ‪.‬‬
‫فإذا ضعف السلمون حت عن هذا الوقف ‪ ،‬أصبحوا ل يستجيبون لداعي الثورة ‪،‬‬
‫ويفضلون طريق السلمة ‪ ،‬ويركنون إل الدعة والستراحة ‪ ،‬جاء السلك الثالث من‬
‫م سالك الد ين ‪ ،‬و هو الشراء ‪ ،‬ف حق لقلة من هم إذا بلغوا أربع ي شخ صا أن يعلنوا‬
‫الثورة على الفساد ‪ ،‬وبا أن هذه الثورة الت يقوم با عدد قليل ل يتوقع لا النجاح‬
‫ف كفاح ها ضد دولة ظال ة م سلحة ‪ ،‬وأ مة م سالة راض ية بالذل ‪ ،‬إن هذا التنظ يم‬
‫يشبه أن يكون شغبا على دولة ظالة حت ل تطمئن إل تنفيذ خططها الائرة ‪ ،‬وقد‬
‫ل تكون لا نتائج غي هذا القلق الذي ييم على الظالي ‪ ،‬والتوجس والوف الذي‬
‫يسود أعمالم وحركاتم ‪ ،‬ولذلك فقد اشترط لذا التنظيم ‪ ،‬شروط قاسية ل يقبلها‬
‫إل الفدائيون ‪ ،‬الذيحن وهبوا حياتمح لياة المحة ‪ ،‬وذلك أنحه ل يلح لمح بعحد أن‬
‫ينخرطوا ف هذه الؤ سسة ‪ ،‬أن يعودوا إل بلد هم ‪ ،‬أو ي ستقروا ف أمكنت هم ‪ ،‬أو‬
‫يتخلوا عن ر سالتهم ‪ ،‬ح ت ينت هي ب م ال مر إل النجاح أو الق تل ‪ ،‬والق تل أقرب‬
‫المر ين إلي هم ‪ ،‬وعند ما تض طر الظروف أحد هم إل منله لشأن من شؤون تد يد‬
‫الثورة ‪ ،‬كالتزود ‪ ،‬فإ نه يع تب ف منله غريبا م سافرا يق صر ال صلة ! ولك نه عند ما‬
‫يكون ف شعف البال ‪ ،‬أو بطون الودية ‪ ،‬يقطع الواصلت على الطغاة ‪ ،‬أو يهدم‬
‫السور الت تر با القطر الظالة ‪ ،‬أو يقتلع أسس القلع الت تمع ذخية البابرة ‪،‬‬
‫حينئذ يعتب ف منله وبي أهله ‪ ،‬وهم ف كل ذلك ل يل لم أن يروّعوا المني ‪،‬‬
‫أو أن يسيئوا إل السالي ‪ .‬إنه تنظيم رائع للفدائية ف السلم عندما يتحكم الظلم ‪،‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪94‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وي ستعلي عب يد الشيطان ‪ ،‬وتع طل أحكام ال بأحكام الن سان ‪ ،‬يقول أ بو إ سحاق‬
‫( الشراء من أخص أوصاف الباضية ) ‪.‬‬
‫فإذا رضيت المة بالذل ‪ ،‬واستسلمت للظلم ‪ ،‬وجرى عليها حكم الطغاة ‪ ،‬ول يقم‬
‫في ها من يثور لكرا مة ال سلم الهدرة ‪ ،‬ول لشرف الر سالة ال ت أعزت الن سانية ‪،‬‬
‫وتغلب ححب الدعحة على كحل فرد ‪ ،‬وركحن الميحع إل الراححة ‪ ،‬فلم تتكون حتح‬
‫الفدائية الت تقض مضاجع الظالي ‪ ،‬وتذكرهم أن حكمهم لن يقر ‪ ،‬وأن القاومة ل‬
‫تزال هي أمل الؤمني ‪ ،‬وأنم سوف ياسبون أمام ال والمة حسابا عسيا‪.‬‬
‫إذا ضع فت ال مة ح ت عن هذه الرت بة ‪ ،‬أ صبحت ت ت التنظ يم الخ ي ‪ ،‬تنظ يم‬
‫الكتمان ‪ .‬وعندئذ يبح أن يبتعحد الؤمنون عحن مسحاعدة الظاليح بتول الوظائف‬
‫الظالةح ‪ ،‬وأن تتول شؤونمح جعيات تبحث فيهحم هدايحة ال ‪ ،‬وتل قلوبمح باليان‬
‫بال ‪ ،‬وتن شر في هم العر فة والثقا فة ال سلمية ال ت تب صرهم بد ين ال ‪ ،‬فل تكون‬
‫علقتهحم بالظاليح إل فح أيسحر طريحق ‪ ،‬وأضيحق مال ‪ ،‬فيمحا يتعلق ببايحة الموال‬
‫الفرو ضة علي هم للحاكم ي ‪ ،‬و هي المعيات ‪ ،‬أو ما ي سمى ف التنظ يم البا ضي‬
‫( بلقة العزابة ) ‪.‬‬

‫العَّزابة‬

‫تعريف العزّابة‪ :‬العزّابة هيئة مدودة العدد‪ ،‬تثل خية أهل البلد علما وصلحا‪ ،‬وهذه‬
‫اليئة تقوم بالشراف الكامل على شئون الجتمع الباضي؛ الشئون الدينية‪ ،‬والشئون‬
‫التعليم ية‪ ،‬والشئون الجتماع ية‪ ،‬والشئون ال سياسية‪ .‬و هي ف ز من الظهور والدفاع‬
‫تثل ملس الشورى للمام أو عامله ومن ينوب عنه‪ ،‬أما ف زمن الشراء أو الكتمان‬
‫فهي تثل المام وتقوم بعمله‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪95‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫تتار هيئة العزّا بة من بين ها شيخا ي سمى (ش يخ العزّا بة) يكون أعلم هم وأكثر هم‬
‫كفاءة‪ ،‬ول يشترط فيحه أن يكون أكحبهم سحنا‪ ،‬والشيحخ يرأس اليئة فح جلسحاتا‪،‬‬
‫ويثلها ف جيع أعمالا‪ ،‬ويتكلم باسها‪ ،‬وينفذ قراراتا‪ ،‬ويتول الشراف الباشر على‬
‫جيع شئون البلد أو المة‪ ،‬ويب أن تعرض عله جيع الشاكل والحداث‪ ،‬وحكمه‬
‫بعد قرار اليئة نافذ ف جيع الحكام‪.‬‬
‫إشتقاق كلمة العزّابة‪ :‬اشتقت هذه الكلمة من العزوب أو العِزابة‪ ،‬وهي تعن العزلة‪،‬‬
‫والغربحة‪ ،‬والتصحوف‪ ،‬والتهجحد‪ ،‬والنقطاع فح رؤوس البال‪ ،‬ويقصحد باح فح هذا‬
‫السحتعمال النقطاع إل خدمحة الصحلحة العامحة‪ ،‬والعراض عحن حظوظ النفحس‪،‬‬
‫والب عد عن مشا غل الياة‪ ،‬من أ هل ومال وولد‪ ،‬فإن العزّا ب ل يع طي لؤلء من‬
‫جهده ووقته إل القليل‪ ،‬أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها ل ف خدمة السلمي‪،‬‬
‫دون مقابل يتقاضاه على عمله‪ ،‬أو أجر يرجوه منهم‪ ،‬لن أجره وحسابه على ال‪.‬‬
‫معن كلمة الَلقَة‪ :‬كلمة اللقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزّابة‪ ،‬فهي مرادفة لا‪.‬‬
‫وقحد أخذت هذه الكلمحة محن التحليحق‪ ،‬وهحو السحتدارة‪ ،‬وذلك أن العزّابحة فح‬
‫اجتماعاتمح الرسحية يلسحون على هيئة حلقحة أو دائرة‪ ،‬وهحو أنسحب وضحع لتبادل‬
‫الراء‪ ،‬ودراسة وجهات النظر الختلفة‪.‬‬
‫كما أن اللوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة‪ ،‬أو تلوة القرآن الكري‪،‬‬
‫والتاه إل ال بالدعاء‪.‬‬
‫مقر العزّابة‪ :‬القر الرسي للعزابة يكون ف السجد‪ ،‬ولذلك فلزام أن يكون ف جانب‬
‫من جوا نب ال سجد ب يت خاص بالعزّا بة‪ ،‬وي ستحسن أن يكون بعيدا عن مالس‬
‫الناس‪ ،‬حت لتسمع الداولت الت تري فيه‪ ،‬وهذا البيت الاص بم ليوز لغيهم‬
‫الدخول إليحه مطلقا‪ ،‬ويتحتحم على الدد منهحم أن يقوموا بتنظيفحه ومراقبتحه وفرشحه‬
‫وملحظة جيع ما يلزمه‪ ،‬وفيه تفظ وثائقهم فل يطلع عليها أ حد غيهم‪ .‬وجيع‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪96‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الداولت والناقشات والباححث التح تري داخله تعتحب سحرية‪ ،‬ل يوز اخراجهحا‪،‬‬
‫وإفشاؤها لي سبب من السباب‪ ،‬ماعدا القرارات الت تتخذ للتنفيذ فيتول الشيخ‬
‫إعلناح‪ ،‬وقحد ينوب عنحه أححد العضاء الخريحن؛ ول يوز للعزابحة أن يناقشوا أي‬
‫موضوع ف غي مقرهم الرسي‪ ،‬وبعد أن ينتهوا إل قرار ف أي موضوع يق لم أن‬
‫ينتقلوا إل مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار‪ ،‬إذا كان تنفيذه يقتضي منهم النتقال‪ ،‬وإذا‬
‫أصحدروا أمرا فح شأن محن الشئون الجتماعيحة للبلد‪ ،‬كتحديحد الهور‪ ،‬أو تديحد‬
‫السحعار‪ ،‬أو بدء العمحل فح الواسحم الزراعيحة‪ ،‬أو محا شاكحل ذلك‪ ،‬فلم يسحتجب‬
‫المهور لقرارهحم اعتصحموا فح مقرهحم‪ ،‬ولزموا السحجد دون أن يقوموا بأعمالمح‬
‫العتادة‪ ،‬وامتنعوا من دخول السواق والبلد‪ ،‬حت يستجيب الناس للحكم‪ ،‬ويقوموا‬
‫بتنف يذ ال مر‪ ،‬ول تدث م ثل هذه الالة ع ند الباض ية ف ليب يا‪ ،‬إل عددا قليلً من‬
‫الرات‪ ،‬اسحتجاب فيهحا الناس لمحر العزّابحة بأسحرع مايكحن‪ ،‬بحل لقحد كان الناس‬
‫ي سارعون ح ي ي سمعون ب ثل هذا الو قف من العزّا بة‪ ،‬فيقنعون بعض هم‪ ،‬ويبلغون‬
‫موافقتهم إل الجلس قبل حضور وقت الصلة الثانية‪ ،‬فتسي المور ف معتادها‪.‬‬
‫عدد أعضاء اللقة‪ :‬يتراوح عدد أعضاء اللقة بي عشرة أعضاء وستة عشر عضوا‪،‬‬
‫يوزع عليهم العمل كما يأت‪:‬‬
‫شيخ العزّابة‪ :‬ويكون أعلم القوم‪ ،‬وأقواهم شخصية‪ ،‬وأقدرهم على حل الشاكل‪.‬‬
‫‪ -1‬ال ستشارون‪ :‬ويكون عدد هم أرب عة ليزيدون ول ينق صون‪ .‬ويلزمون الش يخ‪،‬‬
‫ول يقطع أمرا دون موافقتهم‪.‬‬
‫‪ -2‬المام‪ :‬ش خص وا حد‪ ،‬يقوم ب صلة الما عة‪ ،‬ويوز أن يكون أ حد الرب عة‬
‫الستشارين‪.‬‬
‫‪ -3‬الؤذن‪ :‬و هو ش خص وا حد م سئول عن تري أوقات ال صلة‪ ،‬والقيام به مة‬
‫الذان‪ ،‬ويصح أن يكون أحد الربعة الستشارين‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪97‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫‪ -4‬وكلء الوقاف‪ :‬يصحص عضوان للشراف على الوقاف‪ ،‬وعلى ميزانيحة‬
‫اللقة‪ .‬وضبط الواردات والصادرات‪ .‬وطريقة إصلح وتنمية الوقاف‪ ،‬ويشترط ف‬
‫هذين العضوين بالضافة إل الشروط العامة لعضاء اللقة‪ ،‬أن ليكونا من الغنياء‬
‫الكثرين‪ ،‬ول من الفقراء العوزين‪ ،‬ولكن من متوسطي الال الستورين‪.‬‬
‫‪ -5‬العلمون‪ :‬يصص ثلثة أعضاء أو أكثر أوأقل حسب الاجة‪ ،‬للشراف على‬
‫التربية والتعليم‪ ،‬وتنظيم الدراسة‪ ،‬ومراقبة التلميذ ف الحاضر‪ .‬وهي دور التعليم‪ .‬أو‬
‫ف القسام الداخلية‪ .‬وما إل ذلك من شئون التعليم‪.‬‬
‫‪ -6‬حقوق الو تى‪ :‬ي صص أرب عة أعضاء أو خ سة للشراف على حقوق الو تى‪،‬‬
‫فيتولون الشراف على غسلهم‪ ،‬وتهيزهم‪ ،‬والصلة عليهم‪ ،‬ودفنهم‪ ،‬ومراقبة تنفيذ‬
‫وصاياهم‪ ،‬وتقسيم تركاتمم حسب الفرائض ف أحكام السلم‪.‬‬
‫وإذا تو ف ش خص و هو ف براءة ال سلمي بأن مات على مع صية‪ ،‬فإن هؤلء العزّا بة‬
‫ليقومون بقو قه‪ ،‬لن العا صي ل حق له على الؤمن ي‪ ،‬ولكن هم ي سمحون ل ن شاء‬
‫من غ ي أعضاء اللقة أن يقوم بتلك القوق‪ ،‬ذلك أن القيام بأمور ال يت فرض على‬
‫الكفاية‪ ،‬إذا قام به البعض أجزى عن الباقي‪.‬‬
‫شروط العضوية‪ :‬يشترط ف أعضاء العزّابة عدة شروط منها‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يكون حافظا لكتاب ال‪.‬‬
‫‪ -2‬أن ير براحل الدراسة مرحلة مرحلة‪ ،‬ويستوف الدراسة فيها‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون مافظا على الزي الرسي للطلبة عندما كان ف الدراسة‪ ،‬والزي الرسي‬
‫للعزّابة عندما يدخل اللقة‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يكون أديبا كيسا فطنا‪ ،‬ذا لباقة ومهارة ف تصريف المور‪.‬‬
‫‪ -5‬أن يكون مبا للدراسة راغبا فيها‪ ،‬مواصلً للتعلم والتعليم‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪98‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫‪ -6‬أن ل تكون له مشا غل دنيو ية كثية تمله على كثرة التردد على ال سواق‪،‬‬
‫والختلط بالعامة والسوقة‪ ،‬اختلطا يزري بقامه‪ ،‬ويذهب بيبته‪.‬‬
‫‪ -7‬أن يغسل جسده باء‪ ،‬ويغسل قلبه باء وسدر‪ ،‬وهذه عبارة اصطلحية‪ ،‬يقصد‬
‫من ها أن يكون الن سان نظ يف ال يد‪ ،‬والب طن‪ ،‬والع ي من أموال الناس‪ ،‬وأن يكون‬
‫نظيف القلب من جيع أمراض القلوب‪ ،‬أي أن يكون طاهر الباطن و الظاهر‪.‬‬
‫و قد شرح أبوعمار عبدالكا ف هذه العبارة بقولة‪( :‬أماال سد فيغ سله من الد نس ف‬
‫الناس‪ ،‬وأما القلب فيغسله من الغش والتكب وما أشبه ذلك ما يوجب حبط العمل)‬
‫والعبارة كما ترى ف غاية الدقة‪ ،‬وهي تتمل أكثر ما أشرت إليه وأشار إليه العلمة‬
‫أبوعمار‪ ،‬فتأملها‪ ،‬فكلما تأملتها وجدت فيها معن جديدا‪...‬‬
‫ولقد شدد الشائخ ف تنظيف الؤمن لقلبه‪ ،‬لن أدران القلوب أشد قذارة من أدران‬
‫البدان‪ ،‬ولذلك أوجبوا عل يه أن يغ سل ج سده بالاء‪ ،‬وأن يغ سل قل به باء و سدر‪،‬‬
‫وهي كناية تفيذ الرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر‪ ،‬فإن من‬
‫طهرت سريرته حسنت سيته‪ ،‬واستقامت أموره‪ ،‬وكثرت ماسبته لنفسه‪ ،‬ورعايته‬
‫لسلوكه‪ ،‬وف ذلك ناح‪.‬‬
‫واجبات الل قة‪ :‬على هيئة العزّا بة واجبات أكيدة هي م سئولة عن ها باعتبار ها هيئة‪،‬‬
‫وتتخلص هذه الواجبات فيما يلي‪:‬‬
‫الشراف على التعليم وتيئة الوسائل لذلك‪ ،‬وتيسي السبل أمام جيع الطفال لينالوا‬
‫ق سطا من الدرا سة‪ ،‬ويتعلموا جزءا من القرآن الكر ي و ما يعرفون به أمور دين هم‪،‬‬
‫وهذا أ قل ما ي كن أن يتاح للط فل‪ ،‬فإذا كا نت أسرة الطفل فقية ب يث ل ت ستغن‬
‫عن مهوده الضع يف‪ ،‬أو ل يس ل ا ما تو نه به أوقات الدرا سة و جب أن تقدم له‬
‫مساعدة‪ ،‬وذلك بالنفاق عليه‪.‬‬

‫التاريخ ‪.............................‬‬
‫الباضية في موكب ‪99‬‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫‪ -1‬مراعاة الالة الجتماع ية للناس‪ ،‬وتي سي سبل الياة للفق ي والضع يف‪ ،‬وإياد‬
‫العمل للجميع‪ ،‬وذلك بطالبة الغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء ف إناز‬
‫أعمالم مقابل أجور‪ ،‬كثيا ما يعيّنها أعضاء العزّابة‪.‬‬
‫‪ -2‬حل الشا كل ال ت تن جم ب ي الناس‪ ،‬والف صل ف قضايا هم‪ ،‬وال كم بين هم ف‬
‫خصوماتم‪ ،‬وإيصال القوق إل أصحابا‪.‬‬
‫‪ -3‬الشراف على أوقاف الساجد‪ .‬وعلى ميزانية اللقة أو ضبط الصادر والوارد‪،‬‬
‫وإنفاق جيحع ذلك فح وجهحه‪ ،‬والعمحل على تنميحة الوقاف الثابتحة‪ ،‬وإصحلحها‪،‬‬
‫واستغللا أحسن إستغلل‪.‬‬
‫‪ -4‬حفظ السواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملت ل يبيحها الشرع‪ ،‬أو أن ترد‬
‫إليها أموال مسترابة أو مشبوهة‪.‬‬
‫‪ -5‬تنظيم الراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حت ل تصل إليها‬
‫أيدي الغارة والسرقة والضرار‪.‬‬
‫‪ -6‬ال كم على الع صاة والجرم ي وتأديب هم‪ ،‬وإعلن الباءة من هم‪ ،‬وق طع التعا مل‬
‫معهم حت يتوبوا ويرجعوا إل ال‪.‬‬
‫‪ -7‬القيام بالعلقات الارجية وتنظيمها‪ ،‬سواء كانت علقات حرب أو سلم‪.‬‬
‫هذه بعض الهام الت تناط بجلس العزّابة باعتباره هيئة مسئولة عن الجتمع أمام ال‬
‫وأمام الناس‪ ،‬وعلى اليئة أن توزع العمال على العضاء حسحب الكفاءة والقدرة‪،‬‬
‫والذي يقوم بذلك إنا هو الشيخ بعد اتفاق اللقة‪.‬‬
‫أ ين تنشاء حلق العزّا بة‪ :‬تنشاء حلق العزّا بة ف كل بلد أو قر ية‪ ،‬وحل قة العزّا بة هم‬
‫الذين يشرفون على أمور البلد أو القرية الاصة‪ ،‬فإذا كان هنالك أمر هام‪ ،‬أوحدث‬
‫أكب من مستوى القرية أو البلد رفع إل الجلس العلى للعزابة الذي يرأسه الشيخ‬
‫الكب‪ ،‬أوحاكم البل حسبما كان ف جبل نفوسة‪ ،‬وذلك كمسائل إيقاع الدود‪،‬‬

‫‪............................. 100‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و ما يتعلق بال من العام‪ ،‬و ما إل ذلك من الشا كل ال ت تكون أ كب من ال ستوى‬
‫الحلي للقرية‪ ،‬واليئة الكبى للعزابة أو اليئة العامة لم هي اليئة الت يرأسها الشيخ‬
‫الكب‪ ،‬ولبد أن يكون شيخا للعزابة ف بلده ويقوم مقام المام ف أزم نة الكتمان‪،‬‬
‫أ ما أعضاء العزّا بة الذ ين يكونون م عه ف هم ال ستشارون‪ ،‬ويكونون من شيوخ حل قة‬
‫العزّابة ف بلدانم‪ .‬ومقرهم هو مركز البلد وعاصمتها‪ ،‬ولم مع الشيخ اجتماعات‬
‫دورية‪ ،‬مرة ف كل ثلثة أشهر‪ ،‬ومت دعت الاجة‪ .‬وأحكام هذا الجلس نافذة على‬
‫ج يع البلد‪ ،‬و كل اللق خا ضع ماديا وأدبيا لذا الجلس‪ ،‬ويع تب ال سلطة القيق ية‬
‫للمجتمحع الباضحي‪ ،‬أمحا بقيحة اللق فهحي مسحاعدة له‪ ،‬منفذة لعماله‪ ،‬ويبح على‬
‫الشيخ الكب للعزابة أن يكون مقر حكمه ف مركز البلد‪ ،‬فإذا اختار السكن ف غي‬
‫ذلك الكان فعل يه أن يبا شر الحكام ف مر كز ال كم ل ف م ل ال سكن ك ما كان‬
‫يفعحل أبوهارون موسحى بحن هارون‪ ،‬وأبوعبدال بحن جلداسحن الللوتح‪ ،‬وأبوييح‬
‫الرجان‪ ،‬وغيهم‪.‬‬
‫إن شيخ العزّابة ف الجتمع الباضي يثل سلطة المام العادل‪ ،‬ويقوم بميع مهامّه ف‬
‫النطاق الذي ت سمح به ظروف الياة ف ز من كل وا حد من هم‪ .‬و هو مق يد بجلس‬
‫الشورى الذي ل يق له أن يصدر رأيا قبل موافقته‪ ،‬اللهم إل ف الحكام الثابتة ف‬
‫الدين السلمي‪ .‬وله أن يستعي بشخص يقوم له مقام الفت‪ .‬والقصد من هذا الفت‬
‫هو تر ير ن صوص ال كم ال ستمدة من الشرع الشر يف‪ .‬أو ال ساعدة على ترج يح‬
‫القوال ف السائل اللفية الت تتعدد فيها وجهات أنظار الفقهاء‪ .‬وليس القصود من‬
‫وجود الفت أن يبصر الشيخ بأحكام ليعرفها‪ .‬لن شيخ العزّابة يشترط فيه أن يكون‬
‫من أعلم الشائخ‪ ،‬إذا ل يكن أعلمهم‪.‬‬
‫وف الجتماعات الدورية الت تعقد ف ثلثة أشهر أو ف ستة أشهر‪ ،‬يضر مثلون عن‬
‫جيع حلق العزّابة‪ .‬ويستعرضون مالديهم من مشاكل‪ ،‬ويدرسون معا وضع الجتمع‪.‬‬

‫‪............................. 101‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ويتخذون ف ذلك القرارات اللز مة‪ .‬وير سون خ طط ال سي ف ال ستقبل‪ ،‬على أ نه‬
‫يق لكل حلقة أن تتصل بالجلس العلى وتدعوه للنعقاد إذا كانت هنالك أسباب‬
‫تدعوا إل ذلك‪ .‬ك ما أن ل ا ال ق أن تعرض مشاكل ها الا صة على الش يخ ال كب‪،‬‬
‫وتقتبس منه الرأي والنصيحة‪.‬‬
‫ويثل كل حلقة من حلق العزّابة شيخها وبعض مستشاريه‪ ،‬إل ف أحوال الضرورة‬
‫الت يتعذر فيها عليه أن يقوم بذه الهمة‪.‬‬
‫اختيار أعضاء الل قة‪ :‬يرا عى ف اختيار العزّا بة بالضا فة إلىالشروط ال ت ي ب أن‬
‫تتو فر ف كل ش خص أن يكونوا مثل ي للقبائل أوالهات ال ت يشت مل علي ها البلد‪،‬‬
‫وليشترط ت ساوي العدد‪ ،‬ك ما أ نه إذا ل يو جد ف قبيلة ما من تتو فر ف يه الشروط‬
‫الشخ صية أ خذ من غيها‪ ،‬وعند ما يتاج العزّابة إل إضا فة ع ضو جديد إل اللقة‬
‫يأخذونه عن أحد طريقي‪:‬‬
‫إما أن يطلبوا من القبيلة الت يراد أخذ العضو منها أن ترشح عددا من تتوفر فيهم‬
‫شروط العضويحة‪ ،‬والكفاءات الطلوبحة محع الشهرة بالصحلح‪ ،‬والتقوى‪ ،‬والعفاف‪،‬‬
‫والناهة‪ ،‬وحب الي‪ ،‬واليثار والتضحية‪ ،‬والعمل للصال العام‪ ،‬فتختار اليئة واحدا‬
‫منهحم‪ :‬وإمحا أن يطلبوا إل منظمحة (إيرْوَانحْ) أن يقدموا إليهحم واحدا منح يلء ذلك‬
‫الفراغ‪.‬‬
‫ح ي يتع ي الع ضو لن يش غل مركزا ف العزّا بة‪ ،‬يد عى إل مقر هم الر سي‪ ،‬ويتول‬
‫الشيخ تعريف بالسية الت يب عليه أن يسيها‪ ،‬وبالدب الذي يلتزمه ويؤكد عليه‬
‫أن يعرف أن محن أوكحد الواجبات عليحه أن يافحظ على آداب السحلم‪ ،‬ويتخلق‬
‫بأخلقه الميدة‪ ،‬من الستقامة والناهة‪ ،‬والعفة‪ ،‬والنقطاع إل خدمة المة‪ ،‬والتزام‬
‫السحجد‪ ،‬والعراض عحن حظوظ الدنيحا أل بقدار الضرورة‪ ،‬والجتهاد فح العبادة‪،‬‬
‫والتواضع للمؤمني‪ ،‬والغلظة على العصاة والجرمي‪ ،‬وأن يكون قدوة حسنة للناس‬

‫‪............................. 102‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ف قوله و ف عمله‪ ،‬وأن يتحرى ف رز قه التحري الكا مل‪ ،‬ويتار له أن يكون مال‬
‫احترافه الزراعة‪ ،‬لن التجارة تسبب له احتكاكا مباشرا بالناس‪ ،‬فيغلب أن ل يسلم‬
‫منها بالق أو بالباطل‪ ،‬وهم يلخصون هذا الوقف ف عبارة مشهورة متداولة هي‪-:‬‬
‫(أن ل يكون ف غي مسجده‪ ،‬أو حلقه أوبيته)‪ ،‬وبعد أن يعرف بميع ما يترتب‬
‫عليه من حقوق وواجبات‪ ،‬وما يلقى عليه من مهام ومسئوليات‪ ،‬يطلب إليه أن يعلن‬
‫عحن قبوله أو رفضحه‪ ،‬فإذا أعلن قبوله – وهذا محا يدث فعلً‪ -‬أسحندت إليحه الهام‬
‫العلميحة‪ ،‬كأن يقوم بالتدريحس أو وكالة السحجد‪ ،‬أو الشتراك فح الشراف على‬
‫حقوق الوتى‪ ،‬ث أعلم أنه يعتب أصغر العزّابة‪ .‬ولو كان أكب من بعضه سنا‪ ،‬وعليه‬
‫أن يتول خدمتهحم‪ ،‬ويطلب إل سحلفه –أي العزّابح الذي كان أصحغرهم قبحل هذا‬
‫العضو الديد‪ -‬أن يبقى معه ثلثة أيام‪ ،‬يدربه فيها على آداب خدمة العزّابة‪ ،‬لنه‬
‫يعتب رئيسه الباشر‪ ،‬وعندما يلس العزّابة يتحتم أن يكون ملسه بعده ‪ ...‬وترتيب‬
‫مالس العزّابة ضروري‪ ،‬فليوز للمتأ خر أن يسبق التقدم‪ ،‬والعزّا ب يع تب رئي سا ف‬
‫أي مكان يوجحد فيحه‪ ،‬وله وحده ححق افتتاح الكلم فح الجالس العامحة‪ ،‬وكذلك‬
‫اختتامحه‪ ،‬وإدارة الناقشات‪ ،‬ومحا إل ذلك‪ ،‬فل يوز لتلميحذ أو عامحي أن يتول شيئا‬
‫من ذلك إل بإذنه‪.‬‬
‫عقوبة العزّاب‪ :‬الطلوب من العزّاب أن يكون قدوة ومثل للستقامة‪ ،‬ولذلك فإن ما‬
‫يع تب من غيه أخطاء صغية يع تب م نه أخطاء كبية ي ب عل يه الحتراس من ها‪،‬‬
‫والبتعاد عنها؛ وهذا حت ف مكارم الخلق‪ ،‬ومعاملة الناس‪ ،‬فإذا قدر عليه فأخطأ‪،‬‬
‫نظر ملس العزّابة ف موضوعه‪:‬‬
‫فإن كان ال طأ كبيا يت صل بع صية ال‪ ،‬وي سيئ إل سعة العزّا بة‪ ،‬أويل حق إها نة‬
‫بالسحجد‪ ،‬أو اسحتخفافا بالقح‪ ،‬أو محا أشبحه ذلك‪ ،‬وجحب عليهحم أن يكموا عليحه‬
‫بالباءة على الشهاد‪ ،‬ك ما يقع بالن سبة لغيه من الناس‪ ،‬ول ير فع عنه ح كم الباءة‬

‫‪............................. 103‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ح ت يتوب علنا‪ ،‬ول يس له ب عد ذلك حق الرجوع إل ملس العزّا بة أبدا‪ ،‬فإن من‬
‫أخرج من هذا الجلس بطريق الباءة ليق له دخوله مرة ثانية‪ ،‬وإن تاب ونصحت‬
‫توبته‪ ،‬ويبقى كسائر السلمي له حقوقهم وعليه واجباتم‪.‬‬
‫أ ما إذا كان الطاء صغيا ليقت ضي التو بة‪ ،‬فإن م يعقدون له ملس تأد يب سري‪،‬‬
‫وقد يكمون عليه بالبعاد عن ملس العزّابة لدة طويلة أوقصية حسب الطأ الذي‬
‫ارتكبه‪ ،‬وستروا عليه ذلك عن الناس‪.‬‬
‫وسبب هذا الكم كان العزّابة من أشد الحافظي على السلم وآدابه‪ ،‬وقد لص‬
‫أحد الشائخ هذه السية ف عبارة لطيفة فقال‪( :‬إن مُحتـول الناس مثل اللب يغيه‬
‫أي شيء يقع عليه)‪.‬‬
‫كيف تكون نظام العزّابة‪:‬‬
‫ف أوا خر القرن الثالث الجرى وق عت حادثتان كبيتان‪ ،‬وكان ل ما أ ثر كبي على‬
‫الباضية‪ ،‬ف ليبيا وتونس والزائر‪:‬‬
‫الول الرب الطاحنة بي الغالبة والباضية ف قصر مانو‪ ،‬وقد تلقى فيها الباضية‬
‫ضربة عنيفة من يد الطاغية أحد بن الغلب‪.‬‬
‫أ ما الثان ية ف هي تغلب الشي عة على الدولة الر ستمية ف الزائر‪ ،‬وقضائ هم على هذه‬
‫الدولة‪.‬‬
‫وإذا كانت كلتا الدولتي الغلبة والشيعية لتتبعان أحكام السلم‪ ،‬ولتعملن با‪،‬‬
‫ف قد ف كر علماء الباض ية ف ج عل نظام ي سيون عل يه‪ ،‬يفظون به أحكام ال ف‬
‫مواطنهم‪ ،‬ويسيّحرون به المة ف الوجهة الصالة‪ ،‬دون أن يلتجئوا إل إعلن دولة‬
‫جديدة‪ ،‬أو يتعلقوا بدولة ظالة مستبدة‪.‬‬
‫فاهتدوا إل و ضع هذا النظام‪ ،‬و قد كان ف أول ال مر عُرفا ي سي عل يه الناس‪ ،‬ح ت‬
‫جاء المام الكبي أبوعبدال ممد بن بكر ف أواخر القرن الرابع‪ ،‬فحرره على شكل‬

‫‪............................. 104‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫قانون يشتمل على مواد‪ ،‬ث طبقه تطبيقا كاملً ف مواطن الباضية‪ ،‬ف ليبيا‪ ،‬ث ف‬
‫تو نس‪ ،‬ث ف الزائر‪ ،‬حيث ليزال يطبق بد قة؛ وعلى هذا ال ساس اع تب الؤرخون‬
‫أن المام أبحا عبدال هحو واضحع نظام العزّابحة‪ ،‬والقح أنحه يعتحب واضعا لذا النظام؛‬
‫فلوله ل ا و صل إلي نا على تلك الطري قة الن سقة‪ ،‬و قد جاء ب عد أ ب عبدال عدد من‬
‫العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصة‪ ،‬وأضافوا إليه بعض الواد‪ ،‬وأطلق‬
‫عليه بعضهم لفظ (سية العزّابة)‪ ،‬و من العلماء الذين عنوا به‪ ،‬وكتبواعنه‪ :‬أبوزكريا‬
‫يي بن بكر‪ ،‬وأبوعمار عبدالكاف‪ ،‬وأبوالربيع سليمان بن يلف الزات‪ ،‬وقد حرص‬
‫التأخرون من هم أن يضيفوا إل يه جل ف آداب العال والتعلم‪ .‬وآداب حل قة العزّا بة‬
‫وما يب أن تتنه عنه‪.‬‬
‫والذي يدرس هذا النظام ك ما شر حه أولئك الئ مة العلم يرج بقانون فذ لن ظم‬
‫الترب ية والتعل يم من ج هة‪ ،‬ولل سية ال صالة ال ت ي ب أن ي سي علي ها ال سلمون‪،‬‬
‫فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم‪ ،‬عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان‪.‬‬
‫كما كان ذلك عند الباضية ف الزائر‪ ،‬رغم ما بدلته فرنسا الستعمرة الظالة الباغية‬
‫‪...‬‬
‫قوة العزّابة‪:‬‬
‫استطاع العزّابة أن يتفظوا بذا النظام طيلة قرون طويلة‪ ،‬و أن يعملوا به وأن يطبقوا‬
‫بقتضاه الحكام على جيع الفراد‪ ،‬دون أن يشذ منهم شاذ‪ ،‬أو يتكب عليهم متكب‪.‬‬
‫فماهحو السحر الذي منحهحم هذه القوة وأسحلس إليهحم قياد الناس‪ ،‬فكانوا يتقبلون‬
‫أحكامهم ويستجيبون لوامرهم‪ ،‬ليدثون شغبا‪ ،‬وليظهرون تردا‪...‬‬
‫إن لذلك سببي هامي‪:‬‬
‫الول‪ :‬الشخ صية القو ية ال ت تتم تع ب ا هيئة العزّا بة ب سبب ال صفحات الثال ية ال ت‬
‫تتصحف باح اللقحة كهيئة‪ ،‬وأعضاء العزّابحة كأفراد‪ ،‬فإن الؤمحن عندمحا يلتزم آداب‬

‫‪............................. 105‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫السحلم‪ ،‬ويسحي بديحه‪ ،‬ويسحي السحية الرضيحة‪ ،‬يكون موضحع الحترام والتقديحر‬
‫والطاعة من جيع الناس‪ ،‬وتسلس له أزمة القيادة‪ ،‬إذا تول ذلك ف متمع أو أمة‪.‬‬
‫الثان‪ :‬حكم الولية والباءة الشخصيتي‪ :‬هذه القاعدة الامة الت يتص با الباضية‬
‫دون غي هم من الذا هب في ما أعرف‪ .‬وكل مة الول ية تع ن ال ب ف ال‪ ،‬وكل مة‬
‫الباءة تع ن الب غض ف ال‪ .‬والول ية حق ل كل م سلم م ستقيم عر فت ف يه التقوى‬
‫والوقوف عند حدود ال‪ ،‬أما الباءة فواجب على كل مؤمن أن يعلن براءته وبغضه‬
‫للعصاة الجرمي‪ .‬حت يتوبوا إل ال‪.‬‬
‫ول ا كا نت هيئة العزّا بة هي ال سئولة عن تنف يذ أحكام ال‪ ،‬فإن من واجبات ا عند ما‬
‫يثبت لديها انراف عن دين ال ف أي شخص‪ .‬أن تعلن عليه حكم الباءة وعندما‬
‫يعلن ح كم الباءة على ش خص‪ ،‬سرعان ما يتبدل و جه الياة لد يه‪ ،‬فيف قد ما كان‬
‫يده من حسن العاملة‪ ،‬وإشراقة الب ف ال‪ ،‬ويتجاف عنه الصدقاء ويتجاف عنه‬
‫الهحل والقارب‪ ،‬ويقطحع الناس معاملتحه إل بالقدار الضروري جدا‪ ،‬فيجحد نفسحه‬
‫معزولً عن الجتمع‪ ،‬لحق له ف الياة الكرية‪ ،‬ولذلك يضطر إل التوبة والستغفار‬
‫والندم علنا‪ ،‬وف السجد‪ ،‬فإذا تأكد ملس العزّابة أن الرجل صادق ف توبته‪ ،‬نادم‬
‫على خطيئته‪ ،‬راجع إل ربه‪ ،‬أعلنوا رفع الباءة عنه‪.‬‬
‫وعندئذ تر جع إل يه ج يع القوق‪ ،‬وي ستمتع ب كل ما كان ي ستمتع به ق بل أن يغره‬
‫الشيطان‪ ،‬وليس من حق أحد بعد التوبة أن يذكره بعصيته‪ ،‬أو يعيه باضيه‪.‬‬
‫منظمة إيرْوَانْ‪:‬‬
‫(إيرْوَا نْ) كلمة بربرية معناها طلبة العلم الذين حفظوا القرآن الكري‪ ،‬فهم لبد أن‬
‫يكونوا من حلة كتاب ال‪ ،‬و من الشتغل ي بالدرا سة‪ ،‬و هي ج ع‪ ،‬والوا حد من ها‬
‫(إيرُو) أما بفتح المزة (أَرُو) فهو إسم يطلق علىاليوان العروف بالظربان ف اللغة‬

‫‪............................. 106‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫العربيحة‪ ،‬وأمحا (آر) بفتحه المزة ومدهحا وسحكون الراء فمعناهحا السحد‪ ،‬وفح لجحة‬
‫صنهاجة الببرية معناها هات أو أعطن‪.‬‬
‫هذه النظمة هي القوة الثانية بعد العزّابة‪ ،‬ولا نظام وتقاليد وحقوق خاصة با‪ ،‬وهي‬
‫كالجلس الستشاري الساعد للعزابة‪ ،‬أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ‪ ،‬وكثيا‬
‫ما يسند العزّابة أعملً إل ملس (إيروان)‪.‬وسوف أشرح الانب العلمي منه ف فصل‬
‫آت من هذا الكتاب (نظم التربية والتعليم) فلياجعه من شاء هنالك‪.‬‬
‫هذا مل خص ي سي مت صر عن نظام العزّا بة الذي ب قي ي سي به الباض ية ف الغرب‬
‫السلمي مدة طويلة‪.‬‬
‫وقد ارتفع حكم العزّابة من مواطن الباضية‪ ،‬ف ليبيا وتونس ف القرن الخي‪ ،‬ومنذ‬
‫ارتفع نظام العزّابة من هذه الواطن تسرب الفساد إل الجتمع‪ ،‬ولن يستطيع الباضية‬
‫أن يعودوا إل ما كانوا عل يه من د ين وخلق وا ستقامة مال يعودوا إل ال ستمساك‬
‫بد ين ال واللياذ به‪ ،‬وإن ال سلمي جيعا ما أ صيبوا ب ا أ صيبوا به إل لنراف هم عن‬
‫دين ال‪ ،‬وخروجهم عن منهاجه‪.‬‬
‫ولن يصلح آخر هذه المة إل با صلح به أولا‪.‬‬

‫صيانة لكرامة المرأة‬

‫لقد كانت طبيعة الياة ف المة السلمة ل تبيح للمرأة أن تتلي برجل أجنب عنها‪،‬‬
‫ول تب يح لر جل أن يتلي بامرأة أجنب ية ع نه ‪.‬وذلك خو فا من الفت نة ؛ لن الدوا فع‬
‫الن سية قد تتغلب على الن فس ع ند الر جل أو ع ند الرأة وه ا متليان ‪ ،‬في صلن إل‬
‫الحذور ‪ ،‬ويقع السوء الذي منه يذران ‪ ،‬لقد حذر رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫من ذلك فقال ‪ ( :‬إياكم و اللوة بالنساء ‪ ،‬والذي نفسي بيده ما خل رجل بامرأة‬
‫إل كان الشيطان ثالثه ما ) ‪ .‬و ف روا ية ‪ ( :‬د خل الشيطان بينه ما ) ‪ .‬وروي ع نه‬

‫‪............................. 107‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪ ( :‬من كان يؤمن بال واليوم الخر فل يلون بامرأة ليس بينه‬
‫وبينها مرم )‬
‫ول كن وا قع الياة كثيا ما ي عل الرأة ف طريق الر جل ‪ ،‬أو الر جل ف طر يق الرأة‬
‫بضرورة من الضرورات ‪ ،‬فيل عب الشيطان بينه ما دوره ‪ ،‬وياول أن يدعه ما عن‬
‫نفسحيهما ‪ ،‬ويهحد لمحا سحبيل اللقاء الول ‪ ،‬ويبسحط لمحا وسحائل العذر لرتكاب‬
‫الفاح شة ‪ ،‬فيمنيه ما بأن يربط بينه ما عرى الزواج ف ال ستقبل ‪ ،‬في عد الر جل الرأة‬
‫بالزواج ‪ ،‬ويغري ها بالحلم الضاح كة ‪ ،‬من تكو ين ال عش وال سرة ‪ ،‬والناء النل‬
‫القار ‪ ،‬ح ت تطمئن إل يه ‪ ،‬وي يل إلي ها أن ا ستبدأ مكان ا الد يد ‪ ،‬وأن ا قر بت من‬
‫تقيق اللم العذب ‪ ،‬فتسلم إليه نفسها ‪ ،‬وتتم لعبة الشيطان قبل أن يتم الزواج‪.‬‬
‫وأمثال هذه الالة موجود وكثيح ‪ ،‬وفح أغلب الحيان ل يكون الرجحل جادا فيحه‬
‫وعده للفتاة بالزواج ‪ ،‬وقحد يكون جادا ‪ ،‬ولكحن ظروفا أخرى ل يلك السحيطرة‬
‫علي ها تول دون ذلك الزواج ‪ ،‬وين تج عن ذلك خ سران ف الد ين ‪ ،‬وفضي حة ف‬
‫الجت مع ‪ ،‬وضياع لفتاة ي كن أن ي صان شرف ها بش يء من الك مة‪ .‬وتعال ب عض‬
‫الذاهحب السحلمية هذه الشكلة بفرض إتام الزواج بيح الفتح العابحث والفتاة‬
‫الخدوعة‪.‬‬
‫و ف هذا الع صر الذي انطل قت ف يه الفتاة _ دون رعا ية أ حد _ ف معترك الياة ‪،‬‬
‫ودعت ها أساليب الدنية الغربية أن تتعرف على الر جل ‪ ،‬وأن تعيش م عه ‪ ،‬وأن تتب‬
‫أخلقه ‪ ،‬تصطاد منه زوجا تعيش معه ‪ ،‬فكانت هي الفريسة الول للصائدين _ ف‬
‫هذا العصحر كثرت الشاكحل الناجةح عحن هذا النطلق والختلء واسحتعصت على‬
‫جيحع اللول التح يضعهحا فلسحفة الغرب ‪ ،‬ورأى بعضهحم فرارا محن ححل الشكلة‬
‫بالطرق النسحانية ‪ ،‬فحاول أن يلهحا بالطرق اليوانيحة ‪ ،‬وذلك بالسحتسلم لاح ‪،‬‬

‫‪............................. 108‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وإطلق الغريزة تعمل عملها ‪ ،‬وتوين أ مر الفاحشة ‪ ،‬وعدم ح سبانا إثا تلم عليه‬
‫الفتاة أو الفت‪.‬‬
‫وقحد ابتلى الوطحن السحلمي بذا الداء ‪ ،‬فأصحبحت الفتاة فح بعضحه منطلقحة هذا‬
‫النطلق الكامن مع الشيطان وف بعضه الخر تد فع بشدة _ كما تد فع الشاة إل‬
‫السلخ _ لتلحق بأختها‪.‬‬
‫وقحد درس الباضيحة هذه الشكلة منحذ خيح القرون ‪ ،‬وانتهوا فيحه إل رأيهحم الذي‬
‫ينفردون به في ما أعرف ؛ فحرموا الزواج ب ي من رب طت بينه ما عل قة إ ث ‪ ،‬و قد‬
‫كانوا ف تريهم لذا الزواج يستندون إل روح السلم الذي يارب الفاحشة‪.‬‬
‫روت أم الؤمني عائشة رضي ال عنها عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال ‪:‬‬
‫( أيا رجل زن بامرأة ث تزوجها فهما زانيان إل يوم القيامة ) ‪ .‬وهذا الكم ‪،‬‬
‫حكم تري الزواج بي من ربطت بينهما فاحشة بطريق من الطرق يغلق باب الدعة‬
‫أمام الشيطان ‪ ،‬وأمام النسان ‪ ،‬فل يستطيع بعدها أن يأت الرجل إل امرأة فيغرر با‬
‫ويدعها عن نفسها ‪ ،‬ويزعم لا أنه سوف يتم فعلته الشنيعة بالزواج‪.‬‬
‫وهذا الكم يني الطريق أمام الرأة ‪ ،‬فيجعلها تعرف الصادقي من الكاذبي من الناس‬
‫الذين يتصلون با ‪ ،‬وكل من حاول أن يسبق الوادث ويصل معها إل نتائج الزواج‬
‫قبل الزواج فهو كاذب أثيم ‪ ،‬وخادع لئيم ‪ ،‬يق لا أن تفر منه ‪ ،‬وتبتعد عنه ‪ ،‬أما‬
‫الرجل الذي يترم فيها خلقها ‪ ،‬ويصون لا عفافها ‪ ،‬ويافظ على شرفها ف نفسه‬
‫فهو الرجل الصادق ‪ ،‬الذي يؤيد حقا أن يبن عش الزوجية ‪ ،‬وييا الياة الكرية‪.‬‬
‫ولو كان هذا الرأي هحو رأي جيحع فرق المحة ‪ ،‬وهذا الكحم هحو حكمهحا ‪ ،‬لقحل‬
‫انراف الفتاة عن القصد ‪ ،‬واستمسكت بطهرها وعفافها ‪ ،‬ول تتعد حدود الباءة ‪،‬‬
‫اللهم إل من فقدت الياء ‪ ،‬وأعدت نفسها لتحيا حياة دعارة وبغاء ‪ .‬لنا لو كانت‬
‫تعرف أناح سحوف ترم على الرجحل الذي تزل معحه ‪ ،‬وترم منحه ‪ ،‬فل يكنحه أن‬

‫‪............................. 109‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫يتزوج ها لن الد ين يرم هذا الزواج ‪ ،‬ف هي سوف تف كر كثيا ق بل أن تت ساهل ف‬
‫أمر نفسها ‪ ،‬ث هي تعلم أنه ل يكن أن يقدم على الزواج منها أحد آخر ‪ .‬ومن ذا‬
‫الذي يقدم على الزواج من امرأة لا ماضٍ أثيم ؟!‬
‫لقد عال الباضية موضوع التغرير بالفتاة قبل أن تقع ف الشكلة ؛ فتأمل أيها القارئ‬
‫الكريح هذا الرأي ‪ ،‬وزنحه بيزان الشرع القويح ‪ ،‬وميزان العقحل الكيحم ‪ ،‬وميزان‬
‫التفكيح السحليم ‪ .‬وإن شئت فأضحف إل ذلك ‪ :‬القاعدة الامحة التح وضعهحا المام‬
‫العظيم مالك بن أنس للمعاملت ‪ ،‬واشتهرت ف كتب الفقه بباب سد الذرائع‪.‬‬

‫من أســــــرار الزكاة‬

‫ي ر الن سان صدفة بدُور ب عض الغنياء أو متاجر هم أيام عاشوراء‪ ،‬في ستلفت نظره‬
‫ازدحام جهور من الناس على ذلك الباب‪ ،‬وح ي ي سأل عن سبب الزدحام يقال‬
‫له‪ :‬إنم فقراء ينتظرون تفريق الزكاة‪.‬‬
‫وهذه ال صورة متولدة عن علم الفق ي بو عد صرف الزكاة‪ ،‬إذ كثيا ماي سأل الفق ي‬
‫الغن أن لينساه عند تفريقه للزكاة‪ ،‬فيعده الغن بذلك ويدد له اليوم‪ ،‬وتصبح هذه‬

‫‪............................. 110‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الطري قة عادة‪ ،‬وح ت إذا ل ي سبق إت صال ب ي الفق ي والغ ن‪ ،‬فإن الفق ي يعرف عادة‬
‫الغن وموعد تفريقه للزكاة‪ ،‬فيذهب ف اليعاد‪ ،‬ويقف مع الواقفي‪ ،‬ينتظر نصيبه من‬
‫هذا الق‪.‬‬
‫ويطل الغن من النافذة فيى المهور الكبي الذي ينتظره‪ ،‬فيزدهيه الوقف ويس أنه‬
‫م سن عظ يم‪ ،‬ي ستفيد من ماله عدد ض خم من الناس‪ ،‬وهذه نافذة من النوا فذ ال ت‬
‫يدخل منها الشيطان إل قلب النسان‪.‬‬
‫إخراج الزكاة فري ضة من فرائض ال سلم ل بد من أدائ ها‪ ،‬و هي حق ل صحابا ف‬
‫مال الغ ن يب أن يوصلها إلي هم دون أن ي صحبها هوان أو مذلة لم؛ فلماذا ت صبغ‬
‫بذا الظهر الذي يدل أكثر ما يدل على الرياء والباهاة؟ ولاذا يمع أرباب الق ف‬
‫الزكاة على هذا الصعيد ف هذا النظر الؤذي ليؤدي إليهم حقا من حقوقهم؟!‬
‫أل يس ف إمكان الغ ن أن يفرق ماي ب عل يه من حقوق ال على من ي ستحقها من‬
‫الناس دون أن يكلفهم عناء التجمع والنتظار‪ ،‬بل يوصلها إليهم دون أن يكون بينه‬
‫وبينهم اتفاق‪ ،‬فيأتيهم بالفرج على حي غفلة‪ ،‬ودون أن يسبوا له حسابا‪ ،‬ودون أن‬
‫يمّلهم مهانة السوأل ومذلة النتظار!!‬
‫إن الصورة الت ذكرت‪ ،‬تدها ف بعض الدن الكبية ف ليبيا‪ ،‬وقد اعتاد الفقراء أن‬
‫يذكـِحروا الغنياء بأنفسهم‪ ،‬ويطالبوهم بقهم ف الزكاة‪.‬‬
‫وي قف علماء الباض ية من هذه الشكلة موق فا م ستوحى من عزة ال سلم وكرا مة‬
‫السلم‪.‬‬
‫فإنه ليس من أخلق السلم أن يظهر بظهر الذليل الستجدي‪ ،‬الواقف على العتاب‬
‫ينتظر ماتود به الكف‪ ،‬وتسخوا به النفس الشّححاح‪.‬‬
‫وقد وردت أحاديث كثية ف النهي عن الستجداء والسألة‪ ،‬واعتمد الباضية تلك‬
‫الحاديث الشريفة‪ ،‬فمنعوا السلم من إراقة ماء الوجه‪ ،‬والتعرض لذلة السوأل‪ ،‬فإذا‬

‫‪............................. 111‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫هانت عليه كرامته‪ ،‬وذهب يسأل الناس الزكاة‪ ،‬حُرم منها عقابا له على هذا الوان‪،‬‬
‫وتعويذا له على الستغناء عن الناس‪ ،‬والعتماد على الكفاح‪.‬‬
‫على أن الزكاة ححق لبحد أن يصحل إل أصححابه دون أن يهينوا أنفسحهم بالتعرض‬
‫للغنياء‪ .‬ودون أن يتـَحكلوا عليه فيدخلونه ف حسابم‪ ،‬ودون أن يشعر الغن بذا‬
‫الظهر التعال الذي يوج الناس إليه‪ ،‬فيأتونه متعرضي لنواله‪.‬‬
‫وقد يصل الفقر بأحد من الناس إل شدة ل تقوى إرادته على التغلب عليها‪ ،‬فيضطر‬
‫إل تفيف هذه الشدة بالستجداء‪.‬‬
‫و ف هذا الو قف تبز قض ية أخرى هي وا جب ال مة ال سلمة‪ .‬فإن ح فظ كرا مة‬
‫السلمي واجب على الكفاية‪ .‬وما يل للمة أن تترك من بنيها من يهوي به الفقر‬
‫إل الذلة والوان‪.‬‬
‫إن من واجب المة السلمة أن تيسر أسباب الياة الكرية لكل فرد من أفرادها‪ ،‬ول‬
‫تتخلى عنه حت تصل به الال إل الاجة الدقعة الت تدفعه إل السوأل‪ .‬بل عليها أن‬
‫تعال مشكلة الفقر بطريق من الطرق الكرية‪ ،‬كأن تيسر العمل لن يستطيع العمل‪،‬‬
‫أو تتخذ النظم الت ترعى العجزة وتصد عنهم غائلة الوع‪ ،‬وتوصل إليهم ما يرفع‬
‫عنهم ثقل الياة بيد عطوفة كرية‪.‬‬
‫و قد ن تج عن هذا ال كم ع ند الباض ية‪ -‬ال كم برمان طالب الزكاة من ها‪ -‬أ نك‬
‫لتدح فح الجتمحع الباضحي شحاذا‪ .‬وليوب الشوارع يتعرض لبواب النازل أو‬
‫التا جر ليتل قى ال صدقات‪ .‬ولت د غنيا ببا به جهور من الفقراء و هو يوزع علي هم‬
‫الزكاة فح زهحو وخيلء‪ .‬وإناح تصحل الزكاة إل أصححابا دون أن يكون للفقيح باح‬
‫سابق علم‪ .‬ودون أن يس الغن أنه يقدم إحسانا‪ ،‬وإنا يقوم بواجب يشى أل يقبله‬
‫ال منه‪ ،‬ويرجوا من رحة ال أن تتوله بالقبول‪.‬‬

‫‪............................. 112‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وقد كان الباضية ف جبل نفوسة يكونون هيئات تمع الزكاة وتصرف ف مصارفها‬
‫بالطرق ال ت ل تكون ع ند الفقراء عادة النتظار‪ ،‬ولت عل ف ال سنة موا سم للتج مع‬
‫ل خذ الزكاة‪ ،‬وهذه اليئات ال ت تتول ج ع الزكاة‪ ،‬وتفظ ها‪ ،‬وتن فق من ها على من‬
‫يسحتحقها فح تنظيحم‪ ،‬وكثيا محا تظيحف إل تلك البالغ التحصحله محن الزكاة مبالغ‬
‫أخرى ما يتبع به أصحاب الموال‪ ،‬ولسيما ف سنوات الشدة الت قد ل تكفي‬
‫فيها الزكاة لسد اللة عند الحتاجي‪.‬‬
‫وحبذا لو أن المحة السحلمية عملت على مثحل هذا التنظيحم‪ ،‬فيسحرت العمحل الرح‬
‫الكري‪ ،‬وحرّمت عليه السوأل والستجداء‪ ،‬ث قدّرت مقدار الاجة فلم تتركها تصل‬
‫بالسلم إل أحط دركات النسانية‪.‬‬
‫على أن هذه اليئات يب أن تتكون عند المة السلمة عندما ل تكون على رأسها‬
‫دولة مسحلمة‪ .‬أمحا إذا كانحت الدولة مسحلمة‪ ،‬فإن جعح الزكاة يكون محن بعحض‬
‫حقوق ها‪ ..‬ورعا ية الفق ي وتي سي الياة الرة الكري ة له‪ ،‬و صيانته من الها نة والذلة‬
‫يكون من بعض واجباتا‪.‬‬

‫عصبية‬

‫ألف ال ستاذ الطا هر اح د الزاوي الطرابل سي ثل ثة ك تب ف التار يخ هي (جهاد‬
‫البطال) و (الفتح العرب ف ليبيا) و (أعلم ليبيا)‬
‫وقد أتيح ل أن أطلع على هذه الكتب‪ ،‬وحي أذكر أنن أقدر الجهود العظيم‪ ،‬الذي‬
‫بدله الؤلف فح هذه الكتحب‪ ،‬وأشكحر له هذا الهحد‪ ،‬أححب أن أقول عنهحا الكلمحة‬
‫التية‪:‬‬
‫حي تقرأ كتاب (الفتح العرب ف ليبيا) تس أن الؤلف عندما يعرض للحديث عن‬
‫الباضية يشعر بكثي من الرارة‪ ،‬وهو رغم أنه عرض قضايا التاريخ ف هذا الكتاب‬

‫‪............................. 113‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫عرضا صادقا‪ ،‬ول ينحدر ال تغي ي القائق‪ ،‬ول ي د ف مطاو يء التار يخ ماينتقده‬
‫على أولئك الناس‪ ،‬سواء ف سلوكهم الدن أو ف سلوكهم السياسي والعسكري‪،‬‬
‫ف هم ل يقدموا على أي ع مل يالف أحكام ال سلم أثناء حروب م‪ ،‬وأثناء سلمهم‪،‬‬
‫إل أ نه ر غم ذلك‪ ،‬يشعرك الؤلف‪ -‬وأ نت تقرأ كتا به‪ -‬بأ نه ي مل كراه ية متأ صلة‬
‫لؤلء القوم‪ ،‬وب ثُ الؤلف لرو حه في ما يك تب‪ ،‬وإشبا عه لكتاب ته بذه الروح ح ت‬
‫يسها القاريء إحساسا واضحا ملكة ليتحلى با إل عدد قليل من كبار الكتاب‪.‬‬
‫ل قد كان الباض ية ك ما كان غي هم من الفرق يثورون على ألوان الظلم والطغيان‪،‬‬
‫الذي ي قع من ولة العبا سيي البابرة‪ ،‬أو من غي هم م ن و صل ال مرا كز ال كم‬
‫بدون أن يؤهله دي نه لذلك‪ ،‬وحرص الؤلف أن ي سمي الثورات ال ت قام ب ا الباض ية‬
‫(فتنا) حت يوهم القاريء أن هؤلء القوم يشغبون على الدولة‪ ،‬دون أن يكون لم‬
‫حق‪ ،‬وهو ل يطلق هذا الوصف على آلف الثورات الت قامت للناع على الكم‪،‬‬
‫والنتقام من الذنب والبيء‪ ,‬وعن الروب الطاحنة الت تبادلا عمال العباسيي ف‬
‫كل الملكة السلمية‪ ،‬ومن بينها ليبيا‪.‬‬
‫ومحن العجيحب أن هذا الكتاب‪ -‬رغحم هدؤه الظاهري‪ -‬يكاد يكون ماولة سحافرة‬
‫ليقاد الفتنحة بيح العرب والببر‪ ،‬ودعوة صحارخة لحياء مايكاد يندثحر محن دعوة‬
‫العن صرية البغي ضة‪ ،‬وبر غم أن الف تح كان إ سلميا ق بل أن يكون عرب يا‪ ،‬وأن مقاو مة‬
‫الدين الديد الت قام با الببر إبان الفتح ليست أشد من الروب الت قام با العرب‬
‫أنف سهم لعار ضة ال سلم ع ند الف تح‪ ،‬ول أ شد من الروب ال ت قام ب ا الفرس أو‬
‫الترك أو الرومان‪ ،‬أو غي هم من الشعوب عند ما بلغت هم ر سالة ال‪ ،‬بر غم أن هذه‬
‫القاو مة لد ين ال ل ت ص ب نس من الجناس البشر ية‪ ،‬فإن صاحب الكتاب ياول‬
‫أن يعلها صفة متمكنة من الببر‪ ،‬ويصف هؤلء القوم بالتشدد والعراض عن دين‬
‫ال‪.‬‬

‫‪............................. 114‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ون ن ل يهم نا أ مر أولئك العرض ي من قل يل أو كث ي‪ ،‬والك فر ملة واحدة‪ ،‬يت مع‬
‫عليها‪ -‬ف جهنم‪ -‬الببري والعرب والفارسي‪ ،‬وزملؤهم من جيع الجناس ‪...‬‬
‫وف تسمية الكتاب نفسه دليل على هذه الروح الت كتب با الستاذ الزاوي تاريه‬
‫القيم‪ ،‬وبدل من أن يكون عنوان الكتاب‪( :‬الفتح السلمي ف ليبيا) صار العنوان‪:‬‬
‫(الفتح العرب) ‪...‬‬
‫ولو كان الفتح عربيا فقط لا كان هنالك فرق بينه وبي الفتح الغريقي‪ ،‬أوالرومان‪،‬‬
‫أو التتري‪ ،‬أو غيها من الجناس‪ ،‬فليس العرب باعتبارهم جنسا أكرم على ال من‬
‫الغول‪ ،‬أو السكسون‪ ،‬أو النود المر ‪...‬‬
‫عندمحا افتتحح السحلم هذه البلد‪ ،‬وعحم نور الدايحة الحمديحة هذه الربوع‪ ،‬ل يبحق‬
‫لكلمة العرب والببر مكان‪ ،‬فإن ال قد أبدلما إسا آخر خيا وأهدى‪ ،‬هذا السم‬
‫هو الكلمة الت اختارها الكتاب الكري‪ ،‬فدعا با أتباع ممد عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫(ياأيها الذين آمنوا) أو تلك الكلمة الخرى الت ساهم با جدهم ابراهيم خليل ال‬
‫عليه السلم‪:‬‬
‫(هو ساكم السلمي) فلماذا نسند الفتح ال جنس من البشر‪ ،‬مع ان الفتح للسلم‪،‬‬
‫وال يسخّحر من جنده من يشاء ‪...‬‬
‫وعند ما تدث الثورات والنازعات‪ ،‬لاذا ل نشرح أ سبابا القيق ية‪ ،‬ونعترف بال طأ‬
‫سواء كان هذا ال طأ من الدولة أو من الثائر ين علي ها‪ ،‬ث نن سب هذه الثورات إل‬
‫القائمي با‪ ،‬ل إل أجناسهم وعناصرهم؟‪.‬‬
‫قلت ل قد حرص الؤلف أن ي سمي حركات الباضية بالفتنة‪ ،‬وأن ين سبها إل الببر‪،‬‬
‫حت يمع الباضية ف صعيد وا حد مع فرق أخرى‪ ،‬يرىالؤلف أن ا رقي قة الدين‪،‬‬
‫ضعيفةاليان‪.‬‬

‫‪............................. 115‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ولكنه ل يكلف نفسه عناء تبير أحكامه هذه عندما يسنده ال أمة مسلمة‪ ،‬ول يد‬
‫ف الوا قع التاري ي مايعله يؤ من بأن حركات الثورة ال ت يقوم ب ا الباض ية‪ ،‬كا نت‬
‫فتنة أو تدعوا الىالفتنة‪ ،‬فإن الكم الذي كان بيد المويي أول‪ -‬ماعدا فترة قصية‬
‫هي خلفة عمر بن عبدالعزيز‪ -‬وبيد الدولة العباسية ثانيا‪ ،‬كان ملكا عضوضا‪ ،‬كما‬
‫ساه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ول يكن خلفة رشيدة‪ ،‬والثورة على هذا اللك العضوض الظال ل يعتب فتنة‪ ،‬ث ان‬
‫ولة هذه الدول وعمالاح فح متلف بلد السحلم‪ ،‬ل يتقيدوا بأحكام الكتاب‪ ،‬ول‬
‫يعرفوا للعدل معنح‪ ،‬ول يترموا للناس حقحا‪ ،‬فكانحت المحة لتكحف عحن الثورة‪،‬‬
‫ولت قف عن الكفاح؛ كفاح ألوان الضطهاد والظلم والطغيان ف ج يع بقاع العال‬
‫السلمي‪ ،‬ف الزيرة العربية‪ ،‬وف الشام‪ ،‬وف العراق‪ ،‬وف فارس وما وراءها‪ ،‬وف‬
‫مصر والغرب السلمي‪ .‬غي أن مؤلف كتاب (الفتح العرب ف ليبيا) ل يلو له أن‬
‫يطلق كل مة الفت نة‪ ،‬إل على الثورة ال ت يقوم ب ا هؤلء الذ ين يرص أن يطلق علي هم‬
‫اسم بربر‪ ،‬ليجعل من هم صفا معارضا للعرب‪ ،‬ويهد أن يعل بينهم وبي السلم‬
‫سدّا‪ ،‬وأن يشعل بينهم وبي اخوتم من العرب نارا ‪...‬‬
‫لقد كان أكثر أولئك الذين قادوا الثورات الت قام با الباضية ف ليبيا من العرب‪،‬‬
‫ورغم ذلك فإن صاحب الكتاب ينسبها ال الببر‪ ،‬ويعب عنها بالفت‪.‬‬
‫إن الثورات ف العال السلمي ل تقف يوما واحدا منذ انرف القائمون بالمر عن‬
‫الكم بكتاب ال‪ ،‬والسبب ف ذلك بسيط ومعقول‪:‬‬
‫كانحت البشريحة خاضعحة للةح محن البشحر‪ ،‬صحابرة على طغيان النسحان‪ ،‬حتح جاء‬
‫السلم فبعث كرامة النسانية ف السلمي‪ ،‬وحرم فيها الستكانة والذلة‪ ،‬والعبودية‪،‬‬
‫ما أمكن هم دفاع ها‪ ،‬وش عر ال سلمون بتحق يق هذه الكرا مة ف عهود النبوة والل فة‬
‫الرشيدة‪ ،‬فلما تول الكم أولئك الذين انرفوا عن الدين ال الدنيا‪ ،‬وعن الق ال‬

‫‪............................. 116‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫الثرة‪ ،‬وعحن العدل ال الور ‪ ...‬ثار الحرار فح كحل مكان‪ ،‬وليزالون يثورون ال‬
‫اليوم‪ ،‬وال يوم القيامة‪.‬‬
‫وقد عجبت للمؤلف وهو يكتب ف هذا العصر الذي استيقظ فيه السلمون وعرفوا‬
‫جيع أخطأ الاضي‪ ،‬وهم أحرص ما يكونون على إبعاد ذلك الشبح البغيض‪ ،‬الذي‬
‫فرقهحم ال أحزاب وشيحع‪ ،‬ومل قلوب الناس بالبغضاء والكراهيحة‪ ،‬وسحهل عليهحم‬
‫الوثوب على من يالفهم لسبب ولغي سبب ‪...‬‬
‫عج بت للمؤلف ك يف ي سمح لنف سه أن يك تب بذا ال سلوب‪ ،‬وبذه الروح‪ ،‬وأن‬
‫يرتضي لنفسه أن يكون ميي عصبية‪ ،‬ف هذاالعصر الذي يب فيه أن تتكتل المة‪،‬‬
‫وأن تتضامن فيه جهودها ‪...‬‬
‫ل قد بدل الؤلف جهدا جبارا و هو يك تب عن وط نه ال بيب‪ ،‬ولك نه حرص أ شد‬
‫الرص على الكتابحة بذا السحلوب وبذه الروح حتح فح كتابحه (البطال) فكان‬
‫يستعمل كلمة العرب والببر بدل من أي اسم آخر‪ ،‬قد يكون أدق ف العن‪ ،‬وأوف‬
‫بالغرض‪ ،‬وإنحه لغريحب حقا فح مثحل علم السحتاذ الزاوي‪ ،‬واتسحاع ثقافتحه وكرهحه‬
‫لدواعي التفرقة واللف‪ ،‬أن يسخر قلمه لدعوى الاهلية الت بري َء منها رسول ال‬
‫صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وأن يرك قض ية ال نس ف الش عب الوا حد‪ ،‬وأن ي يز ب ي‬
‫العرب والببر‪ ،‬كأنحه نسحي أن ال تعال جعحل المحة السحلمية أمحة واحدة‪ ،‬وأن‬
‫السلم يذيب الن سيات‪ ،‬وليفل بالقوميات‪ ،‬وليأبه للعنصر‪( :‬كل كم لدم وآدم‬
‫من تراب)‪.‬‬
‫فلماذا ياول بعض الناس احياء العصبية القبلية‪ ،‬أو اللفات العنصرية‪ ،‬بعد أن أغنانا‬
‫ال عنها بالسلم‪:‬‬

‫‪............................. 117‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫) ُكْنتُ مْ َخْيرَ ُأمّةٍ أُ ْخرُِأ ْخرِجَ تْ لِلنّا سِ َت ْأ ُمرُو نَ بِالْ َم ْعرُو فِ َوَتنْهَوْ نَ عَ نِ الْمُنْ َكرِ َوتُ ْؤمِنُو َن‬
‫بِاللّهِ) (آل عمران‪ )110:‬فإذا كان لعرب فضل فهو فضل السلم‪ ،‬وإن كان لببري‬
‫فضل فهو فضل السلم‪:‬‬
‫)نّ أَ ْك َرمَكُ مْ ِعنْدَ اللّ هِ َأتْقَاكُم)(الجرات‪ :‬من الية ‪ )13‬وقد حصل بلل البشي‪،‬‬
‫وصهيب الرومي‪ ،‬وسلمان الفارسي‪ ،‬على مال يصل عليه عبداللك والدولة الموية‬
‫من ورائه‪ ،‬وهارون الرشيد والدولة العباسية من بي يديه ‪ ...‬وذلك فضل ال يؤتيه‬
‫من يشاء‪.‬‬
‫وإذا كان لببري أوعر ب ما يؤا خذ عل يه‪ ،‬ويا سب على ارتكا به أو تضيي عه‪ ،‬ف هو‬
‫سلوك الع صية‪ ،‬والنف صام عن عرى الد ين‪ ،‬وعدم التخلق بأخلق القرآن الكر ي‪،‬‬
‫وعدم التقيد با دعا اليه ممد عليه السلم ف الكتاب الذي ل يأتيه الباطل من بي‬
‫يديه ول من خلفه‪ ،‬وف الديث‪ ،‬الذي هو )ِإنْ ُهوَ ِإلّا َوحْيٌ يُوحَى) (لنجم‪)4:‬‬
‫و ف ال سية العطرة ال ت هي الت طبيق القي قي لل سلم‪ ،‬ف من شاء أن ين صب نف سه‬
‫حكما‪ ،‬وي قف مو قف القا ضي‪ ،‬يتح كم ف التار يخ‪ ،‬ويتحدث عن أقدار الرجال‪،‬‬
‫فليج عل هذا اليزان ن صب عين يه‪ ،‬ليزن أعمال الناس إن كان ي ستطيع‪ ،‬وع ند ر بك‬
‫اليزان الق‪ ،‬والساب الدقيق‪.‬‬
‫هذا تعل يق ق صي على كتاب ض خم بذل ف يه الؤلف من ال هد والو قت شيئا غ ي‬
‫قليل‪ ،‬وإننا حي نقول قولة الق ف مآخذنا على هذا الجهود العظيم‪ ،‬لننسى أبدا‪،‬‬
‫أن الؤلف قدم للوطن خدمة سوف تشكرها له الجيال القادمة‪ ،‬ولينعنا هذا الثناء‬
‫عل يه‪ ،‬والتقد ير له‪ ،‬أن نش ي إل تلك الفوات؛ وأي مؤلف ل ت قع له هنات وتو جه‬
‫إليه انتقادات‪ ،‬وتصى له غلطات!‬
‫وإذا أن سأ ال ف ال جل‪ ،‬وو فق ف الع مل‪ ،‬ف سوف أحاول أن أنا قش الكتاب في ما‬
‫ظهر ل أن الؤلف أخطأ فيه التوفيق‪ ،‬وحاد فيه عن الصواب‪.‬‬

‫‪............................. 118‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫اعتصام الباضية بالدين‬

‫لقد أشرت إل بعض الصول العلمية الت يتاز با الباضية‪ ،‬و يعتمدونا ف مذهبهم‪،‬‬
‫و يسن ب الن أن نعود إل تفصيل حياة هذا الذهب ف المة السلمية و إل أثره‬
‫ف مرى تاريها‪ ،‬و إل مسلك أتباعه للصول الت أصولا و القواعد الت دونوها ‪،‬‬
‫و البادئ ال ت ساروا علي ها ف ج يع ع صور التار يخ طب قا ل سالك الد ين ال ت سبق‬
‫الديث عنها ‪.‬‬

‫‪............................. 119‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ول يس من الدعوى أو التب جح أن أقول أن الباض ية من أول الفرق ال سلمية ال ت‬
‫ترص أن ل يتخ طى أفراد ها الدود ال ت ر سها ل م الد ين و أن يكون ال سلم من ها‬
‫صورة صحيحة حقيقية لمارسة السلم ‪ ،‬و أوضحته سية السلف الصالي و ليس‬
‫مع ن هذا أ نه قد ل ت قع مع صية من أبا ضي‪ ،‬فإن هذا ل يس من ط بع الب شر و إن ا‬
‫القصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية فإما أن تكون ما يعلمه الناس‪ ،‬أو ما يلم‬
‫به الفرد مستترا حت يغلبه الشيطان ‪ ،‬فإذا كان الطأ من النوع الول بادر السلمون‬
‫إل إعلن الباءة منه و قطع التعامل معه و الفوة عليه حت من أقاربه و أهله‪ ،‬حت‬
‫يعترف با ارتكب على الشهاد‪ ،‬و يعلن توبته إل ربه بعد رجوعه إليه و يعاهد ال‬
‫أل يعود و هكذا يرجع العاصي إل حظية المة و تطهر من أرجاس العصية ليعاود‬
‫الكفاح ف سبيل ال و العمل الي و قد تطهر و الدعوة إليه و ييا حياة نظيفة ف‬
‫متمع نظيف‪.‬‬
‫أما إذا كان من القسم الثان أي من الخطاء الت يلم با النسان مستترا فإن ذلك‬
‫يعله يسي مع الركب ف الظاهر‪ ،‬على أن ضميه ل يكف عن التوبيخ هو يعتقد انه‬
‫ليس فيما يعصى ال به صغي كما قال ترجان القرآن رضي ال عنه‪ ،‬و أن من ورد‬
‫على ربه بذه الالة سيكون من أصحاب النار خالدا فيها أبدا‪ ،‬و ف ذلك زجر عما‬
‫ارتكب‪ ،‬و داع إل القلع عما أل به من وساوس الشيطان‪ ،‬الذي يدعو أتباع هذا‬
‫الذهب إل هذا التمسك الريص أفرادا و جاعات إنا هو بعض القواعد الت يتاز‬
‫با هذا الذهب عن غيه من الذاهب كوجوب المر بالعروف و النهي عن النكر‬
‫على الفرد ال سلم و الجت مع ال سلمي و ت طبيق ذلك ف م سألة الول ية و الباءة‪ ،‬و‬
‫الوقوف و كالقاعدة الخرى الا مة ال ت ت عل الميان ل ي تم إل بالع مل ‪ ،‬فل ي د‬
‫العاصي مستندا يستند عليه بينه و بي نفسه ‪ ،‬أو بينه و بي الناس و ل يق أن يطمع‬
‫فح دخول النحة بقول ل إله إل ال ممدا رسحول ال‪ ،‬دون أن يقرن ذلك بالعمحل‬

‫‪............................. 120‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ال صال‪ ،‬ك ما ل ي ق له أن يأ مل ف الروج من العذاب الل يم و قد قدم على ر به‬
‫مرتكسا ف عمله‪ ،‬مرتنا بذنبه ‪:‬‬
‫صحَابُ النّارِ هُ مْ فِيهَا خَالِدُونَ)‬
‫سبَ سَّيئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ َخطِيئَتُهُ َفأُولَئِكَ أَ ْ‬
‫)بَلَى مَنْ كَ َ‬
‫(البقرة‪ ) ، )81:‬ل َتخْتَ صِمُوا لَدَيّ وَقَدْ قَ ّدمْ تُ ِإَليْكُ مْ بِالْوَعِيدِ)( قّ‪ :‬من ال ية‬
‫‪) ،)28‬مَا ُيبَ ّدلُ الْقَ ْولُ لَ َديّ َومَا َأنَا ِبظَلّامٍ لِ ْل َعبِيدِ) (قّ‪)29:‬‬
‫و بناء على هذه السس الت يراها الباضية ف قواعد الدنيا‪ ،‬كانت أعمالم صورا‬
‫حقيقية لبادئهم و عقائدهم‪.‬‬
‫و قد اشتهروا بذلك مدى التاريخ و عرفوا به ‪ ،‬فكانوا ف متمعهم و أفرادهم أمثلة‬
‫للمؤمني الذين يافظون على دين ال ف واجباته و آدابه ‪ ،‬و جيع الخلق الت دعا‬
‫إليهحا ‪ ،‬و يبتعدون عحن كحل محا نىح السحلم عنحه‪ ،‬أو كرهحه‪ ،‬محن قول و عمحل ‪،‬‬
‫ي سارعون إل اليات و يبتعدون عن الحرمات ‪ ،‬و يقفون ع ند الشبهات‪ ،‬م صداقا‬
‫لقول أمي الؤمني عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫((كنا ندع سبعي بابا من اللل مافة أن نقع ف الرام))‪ .‬و إذا كانت الصورة‬
‫الصادقة لا عليها الباضية منذ أول التاريخ إل اليوم فإنه من الق الؤل أن اعترف‬
‫أن الباض ية ف ليب يا بدءوا ينحرفون من ح يث الع مل عن هذا ال سبيل القو ي الذي‬
‫سار عليه أسلفهم و حافظ عليه أجدادهم‪ ،‬حفاظ الؤمني الخلصي لدين ال ‪.‬‬
‫بدأ هذا النراف عن ال سبيل القو ي م نذ اشتعلت نار الفت نة ب ي ال سلمي ف حرب‬
‫إيطاليا بسبب ما دسته من مكائد للخوة و تسليط بعضهم على بعض ‪ ،‬و إمدادها‬
‫ل كل فر يق بالال و ال سلح سرا و علن ية‪ ،‬ليش تد الناع و تن شق الع صا‪ ،‬و تفترق‬
‫المة على نفسها‪ ،‬فيهون عليها احتلل البلد‪ ،‬و احتلل العباد ‪.‬‬
‫و منذ ذلك الي ظهر ف الجتمع الباضي من يرتكب العصية جهارا‪ ،‬و يون أمانة‬
‫ال نارا ‪ ،‬فيشرب المر الت حرم ال‪ ،‬أو يغش ف البيع و الشراء ليكتسب مال‪ ،‬أو‬

‫‪............................. 121‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫يستهي بدود ال‪ ،‬ليجامل أعداء ال‪ ،‬بل أدهى من ذلك و أمر ‪ ،‬انه وجد فيهم من‬
‫يترك الصلة ‪ ،‬أو يتنع عن الزكاة‪ ،‬فيخل بإحدى الواجبات و هو يدعي السلم‪ ،‬و‬
‫ينتمي ف زعمه إل أتباع عبدال بن اباض ‪ ،‬فإذا جئت لتنهاه عن هذا النكر أجابك‬
‫ف غي مبالة أن مذهب الباضية مذهب شديد‪ ،‬و أنه سع أن غيه من الذاهب ل‬
‫يغلقون أبواب النة ف اوجه العصاة‪ ،‬كأنا أصبحت أبواب النة و أبواب الحيم ف‬
‫أدي الناس‪ ،‬يغلقونا مت شاءوا و يفتحونا لن شاءوا ‪.‬‬
‫و ف هذا ال ي الذي أذ كر ف يه هذه القائق الؤ سفة الؤل ة و أ نا أل أ إل يه تعال أن‬
‫يهدي قومحي فإنمح ل يعلمون ‪ ،‬أذكحر لمح فخحر و اعتزاز أن علماء السحلم اليوم‬
‫يدعون إل دين ال على روح هذا الذهب‪ ،‬فكأنا يستقون من أصوله‪ ،‬و قواعده‪ ،‬و‬
‫ل غرابة ف ذلك ‪ ،‬فإن كل مسلم يغار على دينه و يدعو إل كتاب ربه – يد نفسه‬
‫قريبا من هذا الذهب لنه يستقى من النبع الصاف الذي استقى منه و حافظ عليه ‪.‬‬
‫و لو أن السلمي ف جيع القطار حرصوا أن يكونوا صورا حية للسلم كمان كان‬
‫الباضية‪ ،‬لا وجدوا أعداؤهم بينهم مدخل و ل بي صفوفهم طريقا ‪.‬‬
‫إن ال ستعمار و الظلم و الطغيان ل ي ستطع أن يتغلب على ال سلمي إل حين ما بذر‬
‫بينهحم فتنحة الال و التعحة الرام‪ ،‬و أشاع بينهحم الفاحشحة و النكحر‪ ،‬وسحهل عليهحم‬
‫العراض عن ح كم ال إل ح كم الن سان و ق طع العل قة ب ي الفرد و الجت مع ‪،‬‬
‫فأعطى للفرد حق الرية ف ارتكاب ما يشاء ما حرم ال ‪.‬‬
‫ولو أن الجتمع بقى مهيمنا على سلوك الفرد‪ ،‬فلبا يستطيع إنسان يدعي السلم أن‬
‫ي د ماخورا أو يرت كب ز ن و ل ي ستطيع م سلم أن ي د ف بلد م سلم حا نة‪ ،‬أو‬
‫يشرب خرا ‪.‬‬
‫و ل ي ستطيع إن سان يد عي ال سلم أن ي د مقمرة أو يل عب قمارا‪ ،‬و ل ي ستطيع‬
‫مسلم ف متمع إسلمي أن يد ما يساعده على ارتكاب مرم‪ ،‬أو يالف سية من‬

‫‪............................. 122‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫سي السلمي ‪ ،‬أو خلقا من أخلق الؤمني لن الجتمع سوف يقف له بالرصاد ‪،‬‬
‫و ياسحبه على محا ترك أو قدم‪ ،‬حتح يعود إل الطريحق المثحل و الصحراط القوم و‬
‫السبيل السوي‪.‬‬
‫لو أن الجت مع ال سلمي ب قى مهيم نا على سلوك الفرد ك ما كان ذلك ف صدر‬
‫ال سلم و ك ما ب قى ع ند الباض ية إل اليوم‪ ،‬ل ا شذ ال سلمون عن ال سلم‪ ،‬و ل ا‬
‫بعدوا عن كتاب ال‪ ،‬و ل ا غلب علي هم عدو ل ير حم‪ ،‬أف سد في هم الد ين و اللق‪،‬‬
‫قبل أن يستغلهم ف العمل و الال‪ ،‬يأخذ منهم الهد و الثروة‪ ،‬و يقضي فيهم بكم‬
‫البوت و القوة‪.‬‬
‫و إ نه ل ن البتعاد عن د ين ال‪ ،‬و من الجافاة لكتاب ال و من التن كر عن هدي‬
‫رسول ال صلى ال عليه و سلم أن تيء اليوم من بلد إسلتي تكمه‪-‬فيما تزعم‪-‬‬
‫دولة م سلمة‪ ،‬فترى دور البغاء مفتو حة لطلب الشهوة و عب يد الشيطان ل هن دول‬
‫من الغرب ترى أن ف ذلك مصلحة‪.‬‬
‫و ترى حانات يروج في ها الب يع و الشراء و تزد حم الزبائن على ارتشاف ما حر مه‬
‫ال‪ ،‬و امر نبيه عليه السلم بكسر دنانه؛ لتساير الدولة السلمة أعداء ال و تكسب‬
‫منهم – ف زعمها‪ -‬مال حراما‪.‬‬
‫و ترى دورا مشيدة الركان عظيمحة البنيان و مفروشحة بأرقحى محا وصحل إليحه ذوق‬
‫الن سان‪ ،‬تدر في ها قي مة الك سب و تض يع في ها ثرة ال هد‪ ،‬لتلت هم الائدة الضراء‬
‫الال الذي هو من حق ال مة‪ ،‬اختل سها من ها أبنائ ها العاقون‪ ،‬و الكام الظالون و‬
‫العملء الستغلون‪.‬‬
‫إن هذه الصور و آلفا من الصور الت تتراءى كل يوم ف بلد من بلد السلم يب‬
‫أن تزول‪ ،‬لو أن الجتمع السلمي بقى مهيمنا على الفرد‪ ،‬و مهيمنا على الدولة الت‬
‫ي سي ب ا الفراد‪ ،‬لن هذه الوبقات ال ت أشاع ها ال ستعمار ف بلد ال سلم ليحول‬

‫‪............................. 123‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫بي السلمي و العمل بعقيدتم الصافية‪ ،‬و خلقهم الطاهر السليم‪ ،‬هي الدواء الت‬
‫فتكت بالشباب‪.‬‬
‫فها نت عل يه كرا مة الرجولة و أذل ته الشهوة الحر مة فضاع عر ضه و حيوي ته ب ي‬
‫بيوت الدعارة و تسكع ف الانات يشرب المر و يقرع الكأس بالكأس حت ضاع‬
‫وق ته وضاع عقله ث حاول ان يكت سب الال من أي سر طر يق‪ ،‬فول ف دور القمار‬
‫ف سرق القمار ماله و أع صابه و سلمة تفكيه و خرج إل الشارع حطا ما ل يس له‬
‫مال و ل عرض و ل دين ‪.‬‬
‫و قد سلم الجتمع الباضي من هذه الدواء و أشباهها على مدى التاريخ‪ ،‬ما عدا‬
‫الربعي سنة الت استثيناها فيما سبق من تاريخ ليبيا فقط‪ ،‬لن الجتمع الباضي بقى‬
‫م سيطرا على الفرد و لن نظام العزا بة ك ما أشرت إل يه ف م سالك الد ين ف دور‬
‫الكتمان‪ ،‬بقى يوجه السلمي و ياسبهم على أعمالم و يدد لم التاه الذي بينه‬
‫ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬فل ما تغلب ال ستعمرون على ليب يا و قضوا على‬
‫نظام العزابة ف البلد‪ ،‬و حالوا بي العلماء و بي القيام بالمر بالعروف و النهي عن‬
‫الن كر‪ ،‬و منعوا إعلن الول ية و الباءة م ن يسحتحقها‪ ،‬بدأ ب عض الناس ي ستمرئون‬
‫ط عم الع صية و يتشبهون ب ن جاور هم م ن ل ياف ف ال إل و ل ذ مة و يرمون‬
‫الناس بأبصارهم إل الياة الت يياها العابثون من أعداء ال و أعداء السلم ‪.‬‬
‫على ان هذه النك بة ال ت أ صابت الباض ية ك ما أصابت غيهم من السلمي كانت‬
‫مقصورة على الباضية ف ليبيا أما إخوانم ف بقية البلد فقد استمرت حياتم كما‬
‫كانت عليه زمن ال سلف الصال‪ ،‬ل تؤثر علي هم خطبة استعمار و ل يغلب عليهم‬
‫انلل الوار و ل يد الشر ف بلدهم سبيل‪ ،‬و ل تعرف العصية إليهم طريقا و ل‬
‫يفحر الفرد بعمله عحن حكحم الجتمحع الذي يسحهر على الديحن و على اللق و على‬
‫العمل‪.‬‬

‫‪............................. 124‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و الن و قد ذ هب ال ستعمار و ترر م نه العال فل عل الباض ية ف ليبيا يرجعون إل‬
‫سية السلف الت يعتز با السلم و لعل السلمي يعودون إل هدي ممد‪ ،‬معرضي‬
‫عن زخرف القول من عبيد الزنا‪.‬‬
‫و ل عل الدولة – و هي م سلمة‪ -‬تل غي القوان ي ال ت وضع ها الب شر لتع مل بالقانون‬
‫الذي أنزلته السماء و تعرض عن مسايرة أعداء ال‪ ،‬و تنظف البلد السلم من أسباب‬
‫العصحية لتنظحف أخلق الشباب و أنحه لهون على الؤمحن أن يغضحب كينيدي و‬
‫خروتشوف و نرو و ابن غوريون و إبليس و جيع اتباعهم من أن يغضب ال‪ ،‬و قد‬
‫أغضب ممد صلى ال عليه و سلم أبا جهل و كسرى و قيصر و غيهم ليضي ال‬
‫‪ ..‬و لنا ف رسول ال أسوة حسنة ‪!! .‬‬

‫الباضية في قيادة المة‬

‫قلت ف الفصل السابق‪ :‬إنه يسن ب الن أن أعود إل تفصيل حياة هذا الذهب ف‬
‫المة السلمية‪ ،‬وأثره ف مرى تاريها الافل‪ ،‬وال سية أتباعه أفرادا ومتمعا‪.‬‬
‫وقدقلت إن الجت مع البا ضي‪ -‬بناء على قوا عد مذه به كوجوب ال مر بالعروف‪،‬‬
‫والنهي عن النكر‪ ،‬ووجوب الولية‪ ،‬والباءة‪ ،‬للفراد والماعات؛ وعدم تام اليان‬
‫إل بالعمل الصال‪ ،‬الذي يدعو إليهالسلم‪ ،‬وأنه ل أمل للعاصي‪ -‬الذي يوت على‬
‫معصيته‪ -‬ف رحة ال‪.‬‬
‫إن الجت مع البا ضي بناء على هذه القوا عد‪ ،‬كان صورة صحيحة للمجت مع ال سلم‬
‫النظيف؛ طهارة ف العقيدة من الزيغ والبدعة‪ ،‬وطهارة ف العمل من أدران العصية‪،‬‬

‫‪............................. 125‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وطهارة ف اللق بالتحلي ب ا تلى به ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وندب إل يه‬
‫وتلى به الؤمنون الصادقون ف كل زمان‪.‬‬
‫وقحد ظلمحت الطوائف السحلمية الباضيحة مرتيح‪ ،‬ظلمتهحم حيح حشرهحم بعحض‬
‫الؤرخيح الغرضيح فح الوارج‪ -‬وهحم أبعحد الناس عحن الوارج‪ -‬فصحدقت تلك‬
‫الطوائف هذه الدعوى من الؤرخي الغرضي‪.‬‬
‫وظلمتهم مرة أخرى‪ ،‬حي رضيت بذا الكم على طائفة من أصدق الؤمني‪ ،‬دون‬
‫أن ترجحع ال التحقيحق فح قواعحد هذا الذهحب ومسحتنداتا محن الكتاب والسحنة‪،‬‬
‫والتحقيحق فح مدى تطحبيق أتباع هذا الذهحب لقواعحد السحلم وأخلق السحلم‪،‬‬
‫ودعوة السلم‪.‬‬
‫ولو رجعحت تلك الطوائف إل التحقيحق فح هاتيح الناحيتيح‪ :‬ناحيحة العقيدة‬
‫ومستنداتا‪ ،‬وناحية العمل وتطبيقه‪ ،‬لراجعت نفسها وغيت حكمها‪ ،‬وتبي لا وجه‬
‫من الصواب والق ل يبد لا أول المر‪.‬‬
‫و قد حاول ب عض العباقرة ف متلف الع صور أن يت خذ هذه الطوة فا ستبان الر شد‪،‬‬
‫وظهر له الق‪ ،‬ولكنه أحجم عن مواجهة الرأي العام الذي يثق فيه‪ ،‬با رأى وظهر‬
‫له‪ ،‬فاتذح طريقا وسحطا‪ ،‬وعحب عنحه بالملة الشهورة التح تناقلتهحا كتحب التاريحخ‪:‬‬
‫(الباضية أقرب الفرق إل أهل السنة)‪.‬‬
‫أ ما أم ي الؤمن ي ع مر بن عبدالعز يز‪ ،‬ف قد كان موق فه أ صرح من ذلك‪ ،‬و قد و عد‬
‫الماعة أن ييي كل يوم سنة وييت بدعة‪.‬‬
‫وكان من العباقرة الذين حاولوا هذه الحاولة مالك بن أنس‪ ،‬وعبداللك بن مروان‪،‬‬
‫وابن حزم الظاهري‪ ،‬والشهرستان والطاهر الزاوي‪ -‬وحسب الزاوي فخرا أن يذكر‬
‫محع هؤلء العباقرة العلم‪ -‬وغيهحم محن الذيحن اتسحعت آفاقهحم للفهحم والبححث‬
‫والتحقيق‪ ،‬ول يقتصروا على إشاعة كاذبة‪ ،‬أو دعوى مغرضة أو قول ذهب إليه ناس‬

‫‪............................. 126‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫دون أن يعرفوا شيئا محن كتحب أصححاب هذا الذهحب‪ ،‬ويطلعوا على سحلوكهم‬
‫وسيهم الطلع الكاف‪ ،‬الذي يعطي الصورة القيقية لجراء الكم‪.‬‬
‫وكمحا كان الفرد العادي محن الباضيحة صحورة صححيحة للمسحلم الذي يدعحو إليحه‬
‫السلم‪ ،‬وكان الجتمع الباضي صورة صحيحة للمجتمع السلم الذي يقيم شعائر‬
‫ال‪ ،‬ويافظ على دين ال‪ ،‬ويعمل جاهدا لتطبيق أحكام ال‪ ،‬حت ف حالة الكتمان‪،‬‬
‫كذلك كان من تقلد أمر السلمي من الباضية صورة للمسلم الخلص‪ ،‬الذي وثق‬
‫به السلمون‪ ،‬فأسندوا إليه أمور دينهم ودنياهم‪ ،‬فأكب هذه الثقة من المة‪ ،‬وحافظ‬
‫على هذه المانة من ال‪.‬‬
‫ولاح كنحت لأقصحد أن أتدث عحن التاريحخ السحياسي للباضيحة‪ -‬ولو أن السحياسة‬
‫لتفترق عن الدين ف السلم‪ -‬فقد يكون ما يتم به هذا البحث أن ألص الركة‬
‫السياسية للباضية بأشد ما يكن من الختصار‪.‬‬
‫انت شر الذ هب البا ضي ف جزيرة العرب وماجاور ها‪ ،‬كالعراق وم صر‪ ،‬و ف شال‬
‫افريقيا‪ ،‬قبل أن تتكون الذاهب الخرى‪ ،‬وقد استقر الباضية على كثي من القواعد‬
‫والراء ف أصول الدين‪ ،‬قبل أن تنشاء مذاهب الشاعرة‪ ،‬وقبل أن ينفصل واصل بن‬
‫عطاء عحن أسحتاذه السحن البصحري‪ ،‬فتكون محن ذلك فرقحة العتزلة‪ ،‬وكحل محا كان‬
‫موجودا حينئذ محن الطوائف السحلمية‪ ،‬إناح هحم بعحذ فرق الشيعحة‪ ،‬وبعحض فرق‬
‫الوارج‪ ،‬وأهل السنة والماعة‪ .‬ولست أقصد بأهل السنة والماعة ف هذا الفصل‬
‫فرق الشاعرة‪ ،‬فإنإطلقهذه التسحمية عليهحم خطحأ تارييح‪ ،‬جاء متأخرا‪ .‬وإناح كان‬
‫يطلق لفظ السنية والماعة على معاوية بن أب سفيان و أتباعه‪ .‬لنم أنكروا إمامة‬
‫علي بن أب طالب‪ ،‬وجعلوا يبه على النابر ولعنه سنة متبعة‪ ،‬فسموا من وافقتهم أهل‬
‫السنة والماعة‪.‬‬

‫‪............................. 127‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫قال السعودي‪( :‬إن أصحاب معاوية ارتقى بم المر ف طاعته ال أنعلوا لعن علي‬
‫سنة‪ ،‬ينشأ عليها الصغي‪ ،‬ويهلك عليها الكبي‪ ،‬يلعنه على النابر)‪.‬‬
‫وقال الاكم‪ ( :‬وإنا غلب عليهم إسم السنية‪ ،‬لن معاوية لا أمر بلعن علي بن أب‬
‫طالب‪ ،‬زعم أنه سنة‪ ،‬فاستحق هذا السم كل من يرىإمامه معاوية حت قتل (أي‬
‫علي) وا ستقر ال مر لعاو ية‪ ،‬وانقاد إل يه الم يع‪ ،‬فزادوا إ سم الما عة على ال سنة‪،‬‬
‫فتسمّحوا با)‪.‬‬
‫وقال النذري ف رسالته الصراط الستقيم‪-:‬‬
‫(وإنا تركوا ذلك الن‪ ،‬لن عمر بن عبدالعزيز كان رجلً مائلً إل مذهب الصوبي‬
‫لمامة علي‪ ،‬الانعي من نكثها‪ ،‬وأحسب أن وجدت ف بعض الكتب أنه كان دعا‬
‫من كان ف زمانه من الباضية إليه‪ ،‬فعاهدهم على أن يغي كل يوم منكرا من مناكر‬
‫هؤلء ال سنية‪ ،‬فحينئذ أن كر علي هم شيئا ب عد ش يء ح ت أن كر علي هم‪ -‬ل نه ل ي كن‬
‫أ حد ف تلك الزم نة ين كر علي هم مناكر هم إل الباض ية‪ -‬لعن هم لعلي فكفوا ع نه‬
‫خوفا منه‪ ،‬لعلمهم لخالفته مذهبهمم ذلك‪ ،‬ولقوة سلطانم عليه) انتهى‪.‬‬
‫و من هذا يت ضح أن كل مة (أ هل ال سنة والما عة) لتطلق على مذ هب دي ن‪ ،‬وإن ا‬
‫كانت تطلق على مذهب سياسي‪ ،‬يدعو إليه بنوا أمية‪ ،‬ليستخلصوا اللفة من بن‬
‫هاشم‪ ،‬وإن هذا الذهب الذي أطلق على نفسه أحب الساء إل السلمي قد تطرف‬
‫إل حد ل يصل إليه أحد فيما أعلم‪ ،‬مِمّحا وصلت إليه يدي من أحداث التاريخ‪:‬‬
‫تاريحخ السحياسة أو تاريحخ العقيدة‪ ،‬فيجعحل أتباع مذهحب مهمحا كان متطرفا سحب‬
‫خصومهم ولعنهم سنة متبعة ف كل اجتماع‪.‬‬
‫قلت إن الباض ية انتشروا ف أك ثر بلد ال سلم ق بل أن تتكون كث ي من الطوائف‬
‫السلمية الخرى‪ ،‬كفرق الشاعرة والعتزلة وغيها‪ ،‬وبقطع النظر عن الدة القصية‬
‫التح قام فيهحا المام عبدال بحن إباض بأعمال عسحكرية‪ ،‬لحاربحة طغيان الموييح‪،‬‬

‫‪............................. 128‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وبق طع الن ظر عن الدة ال ت بو يع في ها المام عبدال بن ي ي طالب ال ق‪ ،‬فط هر‬
‫الرمي الشريفي‪ ،‬من عبث العابثي‪ ،‬أقول إنه بقطع النظر عن هذه الركات‪ ،‬فقد‬
‫قامت للباضية دول مستقلة ف أناء البلد السلمية‪ .‬قامت للباضية دول مستقلة‬
‫ف عمان‪ .‬وتعاق بت على ال كم في ها إل الع صر الا ضر‪ ،‬و قد بل غت من القوة ف‬
‫بعض عصور التاريخ أنكونت أسطولً يسيطر على البحار‪ ،‬ويتحدى أقوى دولتي ف‬
‫العال‪ :‬أسحبانيا والبتغال فح ذلك اليح‪ .‬ومحن أراد أن يسحتقصي ذلك‪ ،‬ويعرف محا‬
‫كا نت عل يه هذه ال مة ال سلمة من م د وعظ مة‪ ،‬عند ما كا نت أور با ت غط ف نوم‬
‫عميق‪ ،‬وكانت بقية المة السلمية رازحة تت طغيان جبابرة الكم‪ ،‬وعبدة الال‪،‬‬
‫من أراد أن يعرف ذلك فليقرأ ت فة العيان للعل مة ال سالي‪ ،‬وليطلع على ما كت به‬
‫أمي البيان المي شكيب أرسلن‪ ،‬وقد يد صورا من ذلك‪ ،‬ف إحدى حلقات هذا‬
‫الكتاب‪ .‬حلقة (الباضية ف الزيرة العربية)‪.‬‬
‫أما ف الغرب السلمي وأقصد بالغرب السلمي البلد الواقعة بي الدود الصرية‬
‫والحيط الطلسي‪ ،‬فقد قامت فيه أيضا دول للباضية كانت أمثلة رائعة لا يب أن‬
‫تكون عليه دولة مسلمة تكم بكتاب ال‪ ،‬وتتبع هدى رسول ال‪ ،‬وقد بدأت حركة‬
‫مكافحة الظلم‪ ،‬ظلم الولة العباسيي ف ليبيا عندما كان هؤلء الولة ينحرفون عن‬
‫أحكام القرآن‪ ،‬وتغرهحم الياة الدنيحا فيتجحبون ويظلمون‪ ،‬وتغرهحم سحطوة الاه‬
‫و سلطة الكو مة فل ي سبون للشعوب قي مة‪ ،‬وليقيمون للعدل ح سابا‪ ،‬وليدعنون‬
‫ل ا يفر ضه ال ق على الا كم والحكوم‪ .‬فثار الباض ية علىالظلم‪ ،‬وبايعوا بالما مة‬
‫الارث بن تليد الرادي‪ ،‬ث أبا الطاب عبد العلى بن السمح العافري‪ ،‬ث أبا حات‬
‫يعقوب بن حبيب بن حات اللزوزي‪ ،‬وقد كان مركز هذه الركة هو الزء الشرقي‬
‫من الركز السلمي‪ ،‬أي البلد الت تتد ما بي سرت والقيوان‪.‬‬

‫‪............................. 129‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و سوف نعرض صورا رائ عة من سية هؤلء الئ مة العظام ف إحدى حلقات هذا‬
‫الكتاب‪( .‬حلقة الباضية ف ليبيا)‪.‬‬
‫وعندما تضافر تهود الظالي للقضاء على هذه الركة الثورية الت ترمي إل إرجاع‬
‫الكم لكتاب ال وسنة رسوله‪ ،‬وحالوا دونا ودون القيام با به ودعت إليه‪.‬‬
‫انبعثت هذه الركة نفسها ف الانب الغرب من الغرب السلمي‪ ،‬فتكونت الدولة‬
‫الرستمية ف تاهرت‪ ،‬وتعاقبت عليها الئمة‪ :‬عبدالرحن‪ ،‬عبدالوهاب‪ ،‬أفلح‪ ،‬أبوبكر‪،‬‬
‫أبواليقظان‪ ،‬أبوحات‪ ،‬وحقق أولئك الئمة العظام ما يطلب من ولة أمرر السلمي‪.‬‬
‫وأحاديثهم وأخبارهم منشورة فيكتب التاريخ‪.‬‬
‫وسحوف نسحتعرض بعحض تلك الصحور الرائعحة فح إحدى حلقات هذا الكتاب‪:‬‬
‫(الباضية ف الزائر)‪.‬‬
‫راجعت ما وصلت إليه يدي من كتب التاريخ‪ ،‬سواء كانت من كتب أهل الذهب‬
‫أنفسهم‪ ،‬أو من غيهم من الفرق السلمية فما وجدت ف سيتم إل ما يشرف ف‬
‫جيع أدوار التاريخ‪.‬‬
‫إنك لتطالع حروبا طاحنة ومعارك حامية‪ ,‬وانتصارا أو انزاما‪ ،‬وإنك لتجد ف كل‬
‫ذلك ع فة كال ت تعرف ها ع ند اللفاء الراشد ين‪ ،‬احترام لفراد الشعوب ال سالي؛ ف‬
‫دمائهم وأموالم وأعراضهم‪ ،‬وعدل ف النود الحاربي‪ :‬قتل عند ساحات الوغى‪،‬‬
‫ول كن ل اتباع لدبر‪ ،‬ول إجهاز على جر يح‪ ،‬ولتعدي على أعراض‪ ،‬ول ا ستحلل‬
‫لموال الوحد ين مه ما كا نت مذاهب هم‪ .‬و ساح وع فو وعدل ع ند نا ية الرب‪ ،‬ل‬
‫يعرفوا النتقام بعد النتصار‪ ،‬فل مثلة ول قطع رءوس لترسل من بلد إل بلد للتشفي‬
‫والنتقام‪ ،‬وإظهار البطحش والبحوت‪ .‬حرصحوا على أن يقفوا حيحث وقحف بمح‬
‫السحلم‪ ،‬وأن يعلوا حكحم ال وسحية نحبيه ووصحايا اللفاء الراشديحن‪ ،‬منارا بحه‬
‫يهتدون‪ ،‬وإليه يرجعون‪.‬‬

‫‪............................. 130‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫كلمة قصيرة‬

‫ل ست أر مي من كتا بة هذه الف صول إل الك شف عن الناح ية ال سياسية للمذ هب‬
‫الباضي و العناية عناية خاصة به‪ ،‬فإن الركة السياسية ف نظري أقل من الوانب‬
‫الخرى و لذلك فأنحا أتدث عنهحا كظواهحر و أعراض لتطحبيق الباديحء‪ ،‬تطبيقحا‬
‫صحيحا سليما ف حياة الباضية ‪ ،‬حياتم العلمية‪ ،‬و أبي با الفرق بي الفرق الت‬
‫يكون مسلكها صورة تطبيقية لعقائدها ومبادئها‪ ،‬و الفرق الت ترى بونا شاسعا بي‬
‫مسلكها و بيندعاويها ف اتباع السلم و العمل بأحكامه‪.‬‬
‫و يهمن ف هذه الباحث بصورة خاصة أن اتدث عن التسلسل العلمي لملة هذا‬
‫الذهب و أن أكشف الصورة الرائعة من السية الرشيدة الت كان يسلكها اتباعه ف‬
‫متلف العصور و الزمنة ‪.‬‬
‫و ف احوال الظهور و الكتمان و ما بينه ما‪ ،‬و عن ال ستمساك الت ي بال سلم و‬
‫احكام السلم ‪ ،‬رغم تراكم الفت و تزاحم الحن و اضطراب المن‪.‬و عن حقيقة‬
‫اعتصحام بال و احتقارا للمخلوق مهمحا بلغ محن القوة و البطحش و الطغيانحو عحن‬

‫‪............................. 131‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫العراض عن زخارف الدنيا و رغبة فيما عند ال‪.‬و أن أعرض على القاريء الكري‬
‫حياة حافلة فيما يدعو إل اليان بال من مثل و اخلق و أعمال مافة ال ف و ال‬
‫ل ح ساب في ها لخلوق و جهاد ف سبيل ال ‪ ،‬ل ذ كر ف الدن يا‪.‬و ع مل صال‬
‫مستمر للبناء الذي يشيده السلم و يرفع قواعده الكتاب الكري و يافظ عليه ممد‬
‫صلى ال عليه و سلم‪.‬‬
‫وسحوف يلححظ القاريحء الكريح هذه الياة الافلة باليح‪ ،‬و الهتداء‪ ،‬و السحية‬
‫الرشيدة‪ ،‬و العمل الصال ف التراجم القصية الت أعرضها ف الصفحات النية‪.‬‬

‫جابر بن زيــــــد‬

‫ولد أبوالشعثاء جابر بن زيد الزدى سنة ‪ 21‬للهجرة‪ ،‬وتوف سنة ‪ 96‬منها‪ .‬وهو و‬
‫إن كان عمانيا إل أنه عاش ف العراق‪ ،‬فقد أمضى أ كثر عمره البارك‪ ،‬ف البصرة‪،‬‬
‫إحدى عواصم العراق العلمية ف ذك الي‪.‬‬
‫عاش ف البصرة‪ -‬كما عاش أ كثر زملئه من كبار التابعي‪ -‬ينشر العلم ف الساجد‬
‫والجامع‪ ،‬ويبث اللق الميد بي الناس‪ ،‬ويدعو إل التمسك التي بالدين القوي‪،‬‬
‫والحافظة على أصوله وفروعه‪ .‬ويفت ف الشاكل الت تعرض للناس‪ ،‬حت قال إياس‬
‫بن معاوية‪( :‬لقد رأيت البصرة وما فيها مفت غي جابر بن زيد)‪.‬‬
‫وقال ترجان القرآن‪ -‬عبد ال بن العباس رضي ال عنه‪( :‬عجبا لهل العراق‪ ،‬كيف‬
‫يتاجون إلينا وفيهم جابر بن زيد)‪ ،‬ولا توف قال أنس بن مالك صاحب رسول ال‬
‫صلىال عل يه و سلم‪( :‬اليوم مات أعلم من على ظ هر الرض) ود خل ثا بت البنا ن‬
‫على جابر ا بن ز يد و قد حضر ته الوفاة فقال له‪ :‬هل تشت هي شيئا؟ قال‪ :‬أشت هي أن‬
‫أل قى ال سن البصري‪ ،‬وكان ال سن م ستخفيا خو فا من طغيان الموي ي وعمال م‪،‬‬
‫فذ هب ثا بت إل ال سن وكان يعرف مقره وجاء به إل صديقه الم يم الحت ضر‪،‬‬

‫‪............................. 132‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وتدث التاب عي ال سلم ال كبي‪ ،‬إل التاب عي ال سلم ال كبي‪ ،‬وتوا صيا وه ا يتأهبان إل‬
‫فراق ف الدنيا طويل‪ ،‬ويأملن لقاء ف الخرة سعيد‪.‬‬
‫وتدث ال سن عن زميله ورفي قه و صديقه الذي ر حل عن الدن يا وا ستقبل الخرة‬
‫فقال‪( :‬هذا وال الفقيه العال)‪.‬‬
‫وقد شهد له بالعلم والفقه والدين وساحة اللق غيهؤلء كثي‪ ..‬كثي من الصحابة‬
‫وكثي من التابعي وكثي من تابع التابعي‪ .‬غي أنن أرى شهادة عبدال بن عباس‪،‬‬
‫وأنس بن مالك‪ ،‬وعائشة أم الؤمني وهم من أخص أصحاب رسول ال صلى ال‬
‫عل يه و سلم‪ ،‬وأعرف هم بقائق الد ين وأ سراره‪ ،‬وأعل مه بعا ن القرآن الكر ي وموا قع‬
‫السحنة‪ ،‬وأكثرهحم إلما بسحيته العطرة وهديحه القويح‪ ،‬يضاف إليهحا شهادة السحن‬
‫البصري سيد التابعي وأقربم من جابر‪ ،‬وأعرفهم به‪.‬‬
‫إن هذه الشهادة الت يعطيها أخص أصحاب الرسول صلى ال عليه وسلم ويتمها‬
‫سيد التابعي‪ :‬تعتب أعظم إجازة معتمدة تعطى عن درجة علمية ف ذلك الي‪.‬‬
‫أ خذ جابر العلم عن عبدال بن عباس‪ ،‬وعائ شة أم الؤمن ي‪ ،‬وأنس بن مالك‪ ،‬وعبد‬
‫ال بن عمر‪ ،‬وغيهم من الصحابة‪.‬‬
‫قال جابر‪ :‬أدركحت سحبعي بدريا فحويحت محا عندهحم محن العلم ال البححر‪ ،‬وكان‬
‫يقصد بالبحر عبد ال بن عباس رضي ال عنهما‪ .‬وإذا استطاع هذا المام العظيم با‬
‫أوت من جهد وذكاء وصب أن يمع على سبعي بدريا‪ ،‬فإنه ليس غريبا أن يكون‬
‫ج ع من علم بق ية ال صحابة رضوان ال علي هم ما ل يبل غه ال صر‪ ،‬لكثرة عدد هم‪،‬‬
‫وسهولة الخذ عنهم‪.‬‬
‫وقد تلقى عنه خَحلقٌ كثي‪ ،‬منهم قتادة شيخ البخاري وأيوب‪ ،‬وابن دينار وضمام‬
‫بن ال سائب‪ ،‬وحيان العرج‪ ،‬وأ بو عبيدة م سلم بن أ ب كري ة‪ ...‬عاش جابر ك ما‬
‫عاش غيه من كبار التابع ي‪ ،‬يا هد لحياء سنة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪،‬‬

‫‪............................. 133‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫بالقول والعمحل‪ ،‬ويدعحو سحرأ وعلنا إل أن المحة السحلمية‪ ،‬يبح أن تافحظ على‬
‫شريعة ال لتكون خي أمة أخرجت للناس‪ ،‬وكان يندد ف دروسه ومتمعاته‪ ،‬بأولئك‬
‫الذيحن انرفوا عحن ديحن ال‪ ،‬فحكموا أهواءهحم‪ ،‬وأرضوا شهواتمح‪ ،‬واتبعوا سحبيل‬
‫الشيطان‪ ،‬وكان يبارك الثورة التح تطيحح بالظلم‪ ،‬وتنع الكحم محن أيدي الونحة‪،‬‬
‫لتضعه ف أيدي أمينة‪ ،‬حريصة على قداسة أحكام ال‪.‬‬
‫وكان الباضية يصدرون عن رأيه ف جيع أمورهم‪ ،‬كما كان يصدر عنه كثي من‬
‫غي هم من ال سلي‪ ،‬ول يس جابر هو التاب عي الوح يد الذي كان ه حذا رأي أك ثر‬
‫علماء الصحابة والتابعي ف ذلك الي‪.‬‬
‫ولذلك فقحد كان طغيان الموييح وعمالمح يلححق أوالئك العلماء الدعاة فح كحل‬
‫مكان‪ ،‬وكثيا ما يفر أولئك العلماء الداة فيستخفون عن الظلم ويفرون بدينهم عن‬
‫البوب‪ .‬وقد يلحق بعضهم كثي من الذى‪ ،‬فيتحمله صابرأ ف سبيل ال‪.‬‬
‫و كان جابر بطل من أبطال السلم‪ -‬يرص على تعريف السلمي بدينهم‪ ،‬وبالعزة‬
‫والكر مة ال ت يريد ها ال ل م‪ ،‬ويكا فح ف صب وعزي ة‪ ،‬طغيان الظال ي‪ ،‬وأضال يل‬
‫البتدعي‪ -‬كان بطل ف ترويض نفسه‪ ،‬وحلها على سلوك الصراط السوي‪ ،‬ل تغره‬
‫شهرة العلم‪ ،‬ولتخذعحه ثقحة الناس بحه‪ ،‬ولتزدهيحه نشوة الفوز فح النتصحار على‬
‫الصوم‪.‬‬
‫رأى يوما أحد طلبه يكتب شيئا أثناء الدرس فنهاه أن يكتب شيئا غي آية مكمة‪،‬‬
‫أوسنة متبعة‪ ،‬أما رأيه فل عبة به‪ ،‬لنه قد يد ف الساء حجة أقوى من الت يستند‬
‫إليها ف الصباح‪ ،‬فيجع عنه‪ ،‬إل ما ثبت بالدليل القوى‪ ،‬ويذهب الطالب با كتب‬
‫ينشر الباطل ف الناس‪.‬‬

‫‪............................. 134‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫كان للحجاج كاتب يدعى يزيد بن مسلم‪ .‬وكان يب جابرا كل الب‪ ،‬ويعجب‬
‫بحه كحل العجاب‪ ،‬وأخذت ظروف الياة العاديحة جابرأ‪ ،‬إل زيارة هذا الكاتحب‬
‫الع جب‪ ،‬وكأن الكا تب أراد أن يدم كل من رئي سه و صديقه‪ ،‬فه يأ ل ما فر صة‬
‫اللقاء دون أن يشعرها‪ .‬واستمع الجاج إل المام العظيم‪ ،‬فأعجب بعلمه وخلقه‪،‬‬
‫فعرض عليه القضاء قائل له‪( :‬ل ينبغي أن تؤثر بك أحدا‪ ،‬نعلك قاضيا للمسلمي)‬
‫وكا نت هذه هى الفر صة ال ت ير مي إلي ها الكا تب ال صديق‪ ،‬ول كن جابرا ل ي كن‬
‫طالب دنيا‪ .‬فقال‪( :‬أنا أضعف عن ذلك) قال الجاج‪ ،‬وما بلغ من ضعفك؟‬
‫قال‪ :‬يقع بي الرأة خادمها شر‪ ،‬فما أحسن أن أصلح بينهما‪ .‬فقال الجاج‪ :‬إن هذا‬
‫لو الضعف‪..‬‬
‫وهكذا تلص المام ال كحب محن هذا العرض الكريح الذى كان حريا أن تطيح له‬
‫نفس غيه فرحا ومسرة‪.‬‬
‫ويظ هر أن الكاتب الصديق ل يفهم مقصد المام من هذا التخلص‪ ،‬وكان يريد أن‬
‫ي ستغل هذه الفر صة لفائدة المام‪ ،‬وأن يد مه خد مة دائ مة‪ ،‬ولذلك قال للحجاج؟‬
‫(هه نا خ صلة ت فى عن الش يخ وفي ها عون للم سلمي‪ ،‬تعله ف أعوان صاحب‬
‫الديوان بالبصحرة‪ ،‬فوافحق الجاج على القتراح‪ ،‬ولكحن العال الزاهحد ل يوافحق فقال‬
‫ليزيد‪ :‬ما صنعت شيئا‪ ،‬أتران أكون عونا لصاحب الديوان؟‪.‬‬
‫وهكذا ل يقبحل المام العرض الثانح الذي تقدم بحه هذا العجحب البح‪ ،‬وتنه أن‬
‫يشتغل ف وظائف حكومة ظالة‪ ،‬وهل يصح أن يُعي جابر أولئك الظلمة‪ ،‬وهو يندد‬
‫كل يوم‪ ،‬بأعمالم‪ ،‬ويطالب هم بآداء القوق إل أهل ها‪ ،‬وت سليم الموال والعطا يا إل‬
‫أصحابا‪ ،‬واسناد الوظائف إل المناء الراص الذين يتقون أل ويافون حسابه‪.‬‬
‫وعند ما أراد الرجوع من هذه الزيارة‪ ،‬وت حيأ لل سفر أ مر يز يد غلما نه أن ي سرجوا‬
‫البذون فاستحى المام من ربه أن يركب مركبا اختاره الظالون الرفهون‪ ،‬واختص‬

‫‪............................. 135‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫به ااجبابرة الترفون‪ ،‬فا ستعفى صاحبه م نه‪ ،‬فأحضرت له بغلة فق بل وركب ها‪ ،‬و هو‬
‫يعلم أن ركوب البغلة أدن إل الشونة وأبعد من الراحة‪ ،‬وأنقى للكب‪ ،‬وأقرب من‬
‫سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد كان سيد اللق يركب (دلدل) الشهباء‪.‬‬
‫و بالغ يز يد ف إكرام المام‪ .‬على الطري قة ال ت يعرف ها الكام الترفون ال سرفون ف‬
‫الدول الظالة‪ ،‬فأمر جواريه أن يدهن رأس جابر وليته بالغالية فنل المام الكبي إل‬
‫دجلة وغسحل رأسحه وليتحه‪ .‬ودلكهمحا‪ ،‬دلكا شديدا‪ ،‬وهحو يقول‪( :‬اللهحم لتعحل‬
‫حظي منك منلت من هؤلء القوم)‪.‬‬
‫اعتاد جابر أن يج كل سنة‪ .‬وف إحدى هذه السنوات ب عث إليه عامل البصرة أن‬
‫لتحبح العام‪ ،‬فإن الناس يتاجون إليحك‪ ،‬يعنح فح التدريحس والفتوى‪ ،‬ولكحن جابرأ‬
‫أصر على موقفه‪ ،‬وأبلغ العامل أنه لن يترك عمل ل من أجل أوامر بشر‪ ،‬ولو كان‬
‫هذا البشر عامل من عمال الدولة الموية‪ ،‬فأخذه العامل وسجنه‪.‬‬
‫وعندما أهل هلل ذي الجة‪ ،‬جاء الناس ال العامل فقالوا‪ :‬أصلح ال المي قد أهل‬
‫هلل ذي الجة ول يبقى من الوقت مايكفي للسفر بي البصرة ومكة‪ .‬فأطلق المي‬
‫سراحه‪ .‬ولا وصل جابر إل منله بدأ يشد الراحلة على ناقة له‪ .‬كان يعدها للحج‪.‬‬
‫سكَ لَهَا)(فاطر‪ :‬من الية ‪ )2‬ث سأل‬
‫ويقول‪) :‬مَا َيفْتَ حِ اللّ هُ لِلنّا سِ مِ نْ رَحْ َمةٍ فَل مُمْ ِ‬
‫آمنة هل عندك شيء؟ فقالت له نعم وأحضرت الزاد ف جرابي‪...‬‬
‫وطلب منها ال تب أحدا بسي‪ .‬ف ذلك اليوم‪ ،‬وانتهى إل عرفات والناس بالوقف‪،‬‬
‫فضربت الناقة الرض برانا‪ ،‬وتلجات‪ ،‬فقال الناس‪ :‬ذكها! ذكها ‪...‬‬
‫فقال (حقيق لناقة رأت هلل ذى الجة ف البصرة‪ ،‬وأدركت الناس ف مرمات‪ ،‬أل‬
‫أن يفعل با هذا‪ ).‬وسلمت الناقة وكان قد سافر عليها أربعا وعشرين مرة بي حِجة‬
‫وعمرةٍ‪.‬‬

‫‪............................. 136‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وإنه لن نافلة القول أن أتدث عن دين جابر وخلقه‪ ،‬وخوفه لربه‪ ،‬واتباعه للسنة‪،‬‬
‫وابتعاده عن البدعة‪ ،‬وفهمه العميق لسرار الشريعة‪ ،‬وماسبته لنفسه‪ ،‬وحلها على ما‬
‫تكره النفس البشرية إذا كان ف ذلك‪ ،‬قربة إل ال عز وجل‪.‬‬
‫اشتهر عن جابرأنه ل ياكس ف ثلث‪ :‬ف كراء إل مكة‪ ،‬وف عبد يشترى ليعتق‪،‬‬
‫و ف شاةللتضح ية‪ ،‬وكان يقول‪( :‬ل نا كس ف ش يء نتقرب به إل ال تعال)‪ .‬وإذا‬
‫وقع ف يديه ستوق كسره ورمى به لئل يغر به مسلم‪ -‬والستوق الدرهم الغشوش‪.‬‬
‫امتل قل به باليان بال‪ ،‬وفاض على لسانه دعوة مل صة إل دين ال‪ ،‬وعلى جوار حه‬
‫عمل صالا با يرضي ال‪ .‬قالت هند بنت الهلب‪( :‬كان جابر ابن زيد أشد الناس‬
‫اانقطاعا إل وال أ مي‪ ،‬وكان ل يعلم ش يء يقرب ن إلىال عز و جل إل أمر ن به‪،‬‬
‫ولشيء يباعدن عنه إل نا ن عنه ‪ ،‬وكان ليأمر ن أين أضع المار)‪ .‬وتضع يدها‬
‫على البهة لتبي موضع المار من جبهة الرأة السلمة‪.‬‬
‫ولو التم ست م ثل هذه الشهادة عن علم جابر وأخل قه أودي نه‪ ،‬أو ذكائه وعبقري ته‬
‫لكثرت هذه الشهادات وأخذت م نا وق تا ومكا نا‪ .‬وح سبك أن تعلم أ نه رح ه ال‬
‫أعلم من أن يبقى من كتاب ال وسنة رسوله وهدي ممد حت ف سلوكه الاص‬
‫شيء ليعرفه‪ .‬وإنه أذكى من أن تنطلي عليه زخرفة لبدعة ظاهرة أو خفية‪ ،‬وأخشى‬
‫ل من أن يرى منكرا ويسكت عنه‪ ،‬وأشجع من أن يؤيد عمل الظالي‪ ،‬ويرضى عن‬
‫سلوك الطاغ ي‪ ،‬وأحرص على آداء رسالة ال سلم من أن ي كل من التعليم ف كل‬
‫مكان‪.‬‬
‫رأى أ حد الج بة ي صلي فوق الكع بة فنادى‪ :‬يا من ي صل فوق الكع بة لقبلة لك!‪...‬‬
‫وكان ابن عباس ف ناحية من السجد فسمه فقال‪ :‬إن كان جابر بن زيد ف شيء‬
‫من البلد فهذا القول منه‪ .‬والستاذ العبقري يعرف من مِن تلميذه يتاز بصحة الفهم‬

‫‪............................. 137‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫ول حة العبقريحة ود قة اللح ظة والهتمام بأمحر ال سلمي‪ ،‬والع مل على إرشاد هم‪،‬‬
‫وتوجيههم إل الطريق القوم‪.‬‬
‫وبعد هذا كله فإن جابرا يعتب من أوائل الؤلفي ف السلم‪ ،‬إذا ل يكن أولم على‬
‫الطلق‪ ،‬وقحد كان لكتابحه الضخحم القيحم‪ ،‬السحمى (ديوان جابر) رنحة فح صحدر‬
‫السلم‪ ،‬وكان موضع تنافس بي دور الكتب السلمية‪ ،‬واستطاعت مكتبة بغداد‬
‫أن تتح صل عل يه‪ ،‬وأن تب خل به عن غي ها من الكتبات‪ ،‬ول تن قل م نه إل ن سخة‬
‫واحدة كافح أحد عباقرة جبل نفوسة للحصول عليها ف قصة طويلة سوف ترد إن‬
‫شاء ال ف حلقة آتية‪.‬‬
‫كان لذا الكتاب قيمة كبى لا فيه من علم وهدى‪ ،‬ولقربه من عصر النبوة‪ ،‬ولخذ‬
‫مؤل فه عن ال صحابة رضوان ال علي هم‪ ،‬وكا نت له قي مة أخرى أثر ية و هي أ نه أول‬
‫كتاب ضخم ألف ف السلم‬
‫وإنه لن الؤسف أن يضيع هذا الثراث العظيم من مكتبة بغداد عندما أحرقت تلك‬
‫الكتبة العظيمة!وضاعت منها آلف النفائس‪ ،‬كما أنه من الؤل الر أن تضيع النسخة‬
‫الت وصلت إل ليبيا فيما ضاع من الثراث السلمي العظيم بسبب الهل والقد‬
‫وطلب الرفعة عند الناس‪ .‬وليس أعظم منة من ضياع التراث العلمي واللقي والدين‬
‫ل مة م سلمة لي ستقيم حاضر ها إلعلى القوا عد التي نة ال ت انب ن عل يه ماضي ها‪ ،‬ولن‬
‫يصلح حاضر هذه المة إل با صلح به أولا‪.‬‬
‫ل قد حاولت ف هذا الف صل أن أتر جم للمام العظ يم جابر بن ز يد‪ ،‬ولكن ن أعترف‬
‫أن ن أخف قت ول أ ستطع أن أ صل إل ما قدر ته ف نف سي‪ ،‬وإل مايتطل به الوضوع‬
‫من‪ ،‬ولن يفوتن ف آخر هذا الفصل أن أقتبس من العلمة قاسم ابن سعيد الشماخي‬
‫ما يأت‪:‬‬

‫‪............................. 138‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫وأ ما ت سمية مذهب نا بالباض ية‪ .‬لكون عبدال بن اباض ر ضي ال ع نه كان الجا هد‬
‫عل نا‪ ،‬النا ضل عل نا‪ ،‬ف سبيل تق يق القائق‪ ،‬وت صحيح قضا يا العقول‪ ،‬في ما أحد ثه‬
‫أهل القالت والبدع‪ ،‬من الزور والفتراء ف شريعة ربنا وكان شديدا ف ال تعال‪،‬‬
‫وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف‪ ،‬كان الجة الدامغة‪ ،‬الت ينس أمامها كل‬
‫ثرثار‪ ،‬وله كلم مع ع بد اللك بن مروان يه ضم ن فس كل جائر جبار‪ ،‬تغلب على‬
‫ال سلمي أصححابه الذيحن يقولون بقوله الباضيحة‪ ،‬وتسحمى الذهحب باسحه على هذا‬
‫العن‪ ،‬وإنا كان المام القائد‪ ،‬اوسيلة الراشد أس الذهب وحاميه‪ ،‬مرجع الفضل ف‬
‫تدوينه وتشييد مبانيه‪ ،‬إنا كان جابر ابن زيد رضى ال عنه‪ -‬وعبدال بن إباض كان‬
‫صنوه وتلوه‪ ،‬وكان ليصدر ف اله النوازل إل عن رأيه ونظره‪ ،‬و بعد وفاة جابر بن‬
‫زيد‪ ،‬ظهر عبدال بن إباض بأجلى مظاهر الغية الدينية‪ ،‬ولقن أصحابه مبدأ القدام‬
‫ف تقرير الق‪ ،‬وقمع اهل الور والظلم‪ ،‬النحرفي عن جادة الصواب‪ ،‬حت ظهرت‬
‫هذه الفرقحة الناجيحة‪ ،‬الحقحة الصحادقة‪ ،‬فح أدوارهحا الوجوديحة فح حالتح الكتمان‬
‫والظهور‪ ،‬مرعية بعي عناية ال تعال‪.‬‬
‫ل يقدر عليحه أححد بسحوء‪ ،‬ظاهري الكرامات‪ ،‬أعداء الناكحر والرائم‪ ،‬أشداء على‬
‫الظلم والظالي‪ ،‬والنفاق والنافقي‪.‬‬

‫‪............................. 139‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة‬
‫التميمي‬

‫ا خذ العلم و أ صول الذ هب عن جابر بن ز يد جاعات كثية انتشروا ف الشرق و‬
‫الغرب ‪.‬‬
‫و كان أعظمهم المام أبو عبيدة مسلم بن أب كرية التميمي ‪ ،‬الذي أصبح مرجع‬
‫الباضية دون خلف بعد جابر بن زيد رغم أن زملء ل يقلون عنه علما بدين ال‬
‫و عمل به‪.‬‬
‫هو أ بو عبيدة م سلم بن أ ب كري ة مول ب ن ت يم اشت هر بل قب القفاف‪ ،‬ل نه كان‬
‫يشتغل بصنع القفاف و هي حرفة حرة شريفة استطاع أن يرتزق منها هو و طلبه‬
‫رزقا شريفا حلل بعرق البي و كد اليمي ‪.‬‬
‫تول التدريحس بعحد المام جابر فأخحذ العلم عنحه خلق كثيح رغحم محا ابتلى بحه محن‬
‫مضايقة الطغيان و تشديد الرقابة عليه ‪ ،‬و منعه من نشر العلم و بث الروح التحررة‬
‫الت ل ترضى بالضيم و ل تسكت عن الوان‪.‬‬
‫و قد اضطر تت ضغط الظالي أن يقوم العلم مستترا و أن يفى مدرسته القيمة عن‬
‫أنظار الجاج‪ ،‬و الجاج الطاغ ية الذي ل ي كد ي سلم من جبوته و طغيا نه مؤ من‬

‫‪............................. 140‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫بر به ملص مع زميله و صديقه ضمام و ا ستشار ف أمره ا مو سيا ليدله على نوع‬
‫ال كل الذي يتعذب به ال كل و ل يف ضى به إل الوت ‪ ،‬فأشار عل يه بإطعامه ما‬
‫الزيت و الكراث ‪ ،‬فكان ذلك طعامهما إل أن مات الجاج فأطلق سراحهما‪.‬‬
‫و رب ا ضاق ضمام بذا ال سجن و هذا العذاب فيقول له أ بو عبيدة ف صب الؤ من‬
‫الواثق على من تضيق ؟‬
‫خرج المام أبحو عحبيدة محن سحجن الجاج فواصحل رسحالته فح الدعوة إل ال و‬
‫التمسك بدينه و العمل بشريعته و كان حر الفكرة ينشر البادئ السلمية الصحيحة‬
‫ف كرامة السلم‪ .‬و عدم قبوله للمتهان و مطالبة ذوي السلطان بالستقامة ف الدين‬
‫و اللق و العمل و الكم‪.‬‬
‫كان يدعو إل مطالبة ذوي السلطان بالتزام السنة و اتباع سية السلف الصالي و‬
‫إقامة العدل بي الناس و تنفيذ أحكام ال كما جاء با كتاب ال‪ ،‬و هذه الدعوة هي‬
‫اكره ما يكره الظلمة الستبدون ف كل عصر و ف كل مصر‪ ،‬و لذلك فقد بذلوا ما‬
‫لدي هم من قوة و ا ستعملوا كل و سيلة ل كي يولوا دون هذه الدعوة و ينعو ها من‬
‫البلوغ إل الناس على حقيقتهحا و صححتها ووضوحهحا و لكحي تبقحى المحة وادعحة‬
‫مستسلمة ‪ ،‬و يستمر الشعب صابرا منتظرا ‪ ،‬و يسود الميع القناعة و الصب‪.‬‬
‫و ل كن هل ي ستطيع الظلم مه ما كان قو يا و الطغيان مه ما كان عني فا و ال بوت‬
‫مهما استكب و استعلى هل يستطيع كل ذلك ؟ و أضعاف كل ذلك ‪ :‬أن يسكت‬
‫الق و يطمس نور القيقة و أن يطول استعباد لشعوب تؤمن بأن دين ال يدعو إل‬
‫التحرر محن عبوديحة البشحر و أن كتاب ال يرم عليهحا النذال و السحتكانة و أن‬
‫ر سول ال (ص) يعلم أم ته ‪ :‬أن أف ضل الهاد كل مة ال ق ع ند إمام جائر يق تل ب ا‬
‫صاحبها ‪.‬‬

‫‪............................. 141‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫فعل الجاج و أعوان الجاج و رؤساء الجاج ‪ ،‬كل ما يستطيعون ليخفتوا صوت‬
‫القح و يضطهدوا دعاة الكرامحة و حلة الشريعحة فسحجنوا ‪ ،‬و عذبوا و قتلوا و مل‬
‫الدنيا بالرهبة و الوف ‪ ،‬فعلوا كل ذلك و اكثر من ذلك و لكنهم ل يستطيعوا إل‬
‫أن يزيدوا الثورة اشتعال و أن يعجلوا بنهايحة سحلطانم و ذهحب الجاج و ذهبحت‬
‫الدولة الت كان يعبدها من دون ال ‪ ،‬و ذهب ما اعد لحاربة الؤمني من قوة ‪ ،‬و‬
‫تو ف إل رح ة ال الؤمنون الخل صون ‪ ،‬من التابع ي و ل ق بر به جابر و ال سن و‬
‫ضمام و أبو عبيدة و آلف غيهم من وصلت إليهم يد الجاج و زملئه من الطغاة‬
‫بالذى الكثي أو القليل و لكن شتان بي ما سجله التاريخ لولئك و هؤلء أما عند‬
‫ربك فخي و أبقى‪.‬‬
‫استطاع الجاج با عنده من إمكانيات و ما أتيح له من قوى أن يزيد قليل ف الال‬
‫الرام الذي تتع به الترفون من بن أمية و أن ينحهم أمنا أكثر ف مالس العربدة و‬
‫السكر و أن يهيئ لم التفرغ للشراب و القمار و الفجور‪.‬‬
‫واسحتطاع أولئك الضطهدون العذبون ‪ ،‬أن يدوا المحة السحلمية بديحن ال ‪ ،‬و أن‬
‫يو صلوا إلي هم ر سالة م مد صافية خال صة و أن يغمروا قلوب م باليان بال وحده و‬
‫أن يعرفوهم أن العبودية ل تكون إل ل و أنه يتساوى ف ذلك جيع الخلوقات‪.‬‬
‫و اسحتطاع أولئك العذبون و الضطهدون أن يفهموا المحة أن اللفاء و العمال و‬
‫الوظفي ف الدولة و القائمي بالكم ف جيع الرافق و العمال أن هؤلء ليسوا غي‬
‫حلة أمانة مؤقتة و إجراء للقيام بمام الدولة ‪ ،‬نظي قوت و كسوة ل إسراف فيها و‬
‫ل تبذير‪.‬‬
‫فإذا حفظوا هذه المانة و رعى مصلحة المة و أدوها إل أهلها ‪ ،‬كما يقتضي الق‬
‫و العدل فلم من المة اجر الذي أسلفنا‪ ،‬أما جزاء إخلصهم و أمانتهم وجهدهم و‬
‫صدقهم فعلى ال و عند ربك الزاء الوف‪.‬‬

‫‪............................. 142‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫أما إذا نسوا من أنفسهم عجزا عن تمل هذه المانة و خافوا عاقبة فليعيدوا المانة‬
‫إل أهلها و لينسحبوا مشكورين سالي‪.‬‬
‫أ ما إذا غرت م أنف سهم و غلب الشيطان على ضمائر هم و أرادوا أن يتخذوا مال ال‬
‫دول ‪ ،‬و عباده خول ‪ ،‬و أن ي ستأثروا بأك ثر م ا أعطا هم ال ق فإن ال مة ي ب أن‬
‫تقحف فح وجوههحم و أن ترد عحن مقاصحدهم و أن تطالب بالتزام الدود و اتباع‬
‫ال سبيل ‪ ،‬فإن عرفوا ال ق و رجعوا إل يه غ فر ال ل م ‪ ،‬و قبلت ال مة من هم ذلك‪ ،‬و‬
‫استمروا ف أداء واجباتم و القيام بأعمالم ‪ ،‬و الحافظة على أمانة ال الت وضعت‬
‫ف أعناقهم ‪ ،‬أما إذا نفخ الشيطان ف آنافهم و استحوذ البطر ف نفوسهم و أخذتم‬
‫العزة بال ث و ا ستمرءوا شهوة ال كم فإ نه ي ب أن ت قف ال مة ل م بالر صاد و أن‬
‫تا سبهم على أعمالم و أن تبعدهم عن مناصبهم و لو بقتال م ‪ ،‬فإن قتل الفسدين‬
‫أهون عند ال من إفساد الصلحي و ظلم الؤمن و العبث بالقوق‪.‬‬
‫هذه الدعوة الت كان يدعوا با إليها الؤمنون من السلف الصال و على هذه الدعوة‬
‫كان الظالون من ذوي السلطة يطاردونم شر مطاردة ليخفتوا صوت الق‪.‬‬
‫و كان أولئك الئمة العظام ل ينفكون – مع دعوة التحرر هذه – عن نشر العلم و‬
‫بث اللق الم يد فكانوا يدأبون على تفق يه عباد ال ف د ين ال و تف سي ما خ فى‬
‫عليهم من كتاب ال أو سنة رسول ال ‪.‬‬
‫و لا كانت الرقابة الشديدة عن أب عبيدة ل تنفك عن التجسس عنه و كانت أوامر‬
‫الظل مة تن عه من التدر يس ف قد ات ذ مدر سته ف سرداب خ في طو يل وو ضع على‬
‫مدخله سلسل من الد يد فإذا سع صلصلتها هو و طل به علموا أن غري با ير يد‬
‫الدخول إليهم فأوقفوا الدرس و شغلوا بصنع القفاف فل يشتبه الزائر ف أمرهم فإذا‬
‫غادرهم و أمنوا عيون الظلمة رجعوا إل ما كانوا عليه‪.‬‬

‫‪............................. 143‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و انتقلوا من إدارة مع مل لنتاج القفاف إل إدارة مع مل لنتاج القلوب و العقول و‬
‫العزائم‪.‬‬
‫و مع هذه الرقا بة الشديدة و الض غط ال ستمر و العذاب ال ر مع كل ذلك ا ستطاع‬
‫ذلك الغمام العظ يم أن يكون مدر سة إ سلمية ت مل نور الدا ية الحمد ية إل ج يع‬
‫الفاق ‪ ،‬فقد تثقف فيها عدد ل يبلغه الصر من السلمي و يكفي أنا خرجت حلة‬
‫العلم إل الشرق و حلة العلم إل الغرب‪.‬‬
‫و إل هذا الكفاح الطو يل ال ستمر ضد الظلم و الظال ي الذي يقوم به هذا المام ‪،‬‬
‫فإنه كان يقوم بكفاح عقلي ودين آخر طويل مستمر ‪ ،‬كفاح البدعة فيما تزخرفه‬
‫العقول النحرفة و البصائر الولء من القدرية و الجبة و الوارج تلك العقول الت‬
‫ابتليت بب الدل ف ذلك الي و ترك العمل‪.‬‬
‫كان أبو عبيدة – إل دينه القوي ‪ ،‬و خلقه الكري و علمه الواسع و ثباته على البدأ‬
‫و ا ستمساكه بال ق و جفو ته للع صاة و صموده أمام النوازل جم التوا ضع ‪ ،‬ل ي‬
‫العريكة و سهل اللق يعترف بقلة الطلع و قصور الباع‪.‬‬
‫ل قد كان م سلما ف دي نه و ف خل قه و ف عمله و ف عل مه و كان داع ية من دعاة‬
‫السلم ‪ ،‬ل يفتنه زخرف الياة و ل تغره زينة الدنيا ‪ ،‬و ل يد الباطل عنده لينا أو‬
‫هوادة‪.‬‬
‫إنه خلق الكفاح ‪ :‬كفاح الباطل ف جيع صوره و أشكاله ‪ ،‬كفاح الباطل الذي يأت‬
‫عن طر يق القوة من ذوي ال سلطة و كفاح البا طل الذي يأ ت عن طر يق الع قل ف‬
‫منطقة البدعة‪ ،‬و كفاح الباطل الذي يأت عن طريق العلم ف إغفال بعض تراث المة‬
‫‪ ،‬و كفاح الباطل الذي يأت عن طريق الهل ف التقليد العمى ‪ ،‬و كفاح الباطل‬
‫الذي يأت عن طريق الصب ف الوداعة لحتمال الذلة‪ ،‬و كفاح الباطل الذي يأت عن‬
‫طريق الزع ف صورة الفرار من الصمود لحتمال النازلة ودرء الصيبة‪.‬‬

‫‪............................. 144‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫و هو ح ي يكا فح هذا البا طل ف ج يع صوره و أشكاله يعرف أن حياة فرد أق صر‬
‫من أن تقوم بذه الرسالة الكرية و لذلك عمل على تكوين جيل من الشباب الواعي‬
‫الثقحف و العارف بقيقحة الرسحالة السحلمية ‪ ،‬الدرك لسحرار شريعتهحا و أن أول‬
‫وصحف يبح أن يكون عليحه الؤمحن بال أن يكون معتزا بال ذليل على الؤمنيح ‪،‬‬
‫عزيزا على الكافرين ‪ ،‬صبورا على الحن ف إعلء كلمة ال‪.‬‬
‫قال العلمة الشماخي عندما تدث عن أب عبيدة‪:‬‬
‫(تعلم العلوم و علمها ‪ ،‬و رتب روايات الديث و أحكمها ‪ ،‬و هو الذي يشار إليه‬
‫بالصابع بي أقرانه و يزدحم لستماع ما يقرع الساع من زواجر و عظة ‪ ،‬و قد‬
‫اعترف مع ذلك بضيق الباع ‪ ،‬مع ما عليه من اتساع)‪.‬‬
‫و مع ما لذه الشهادة من قيمة ‪ ،‬فإن الركة العلمية الت قام با المام أعظم من أن‬
‫تصورها كلمات ف سطور ‪ ،‬و يكفي أنه كان مركز إشعاع ف البصرة ‪ ،‬و من ذلك‬
‫السرداب الفي الفي الذي تصلصل السلسل على بابه و تتكدس فيها القفاف من‬
‫القلم و الوراق ‪ ،‬انطلقت الدعوة الرة الكرية ‪ ،‬للمحافظة على تراث ممد كما‬
‫جاء بحه ممحد‪ ،‬فبلغحت هذه النطلقحة أقصحى الشرق و أقصحى الغرب ‪ ،‬و أقصحى‬
‫الشمال ‪ ،‬و أق صى النوب ‪ ،‬و ل تزل م نذ ذلك ال ي إل اليوم و هي تكا فح من‬
‫اجل هذه الرسالة الكرية‪ ،‬حت استيقظ الغافلون و انتبه النائمون الشاردون و بدءوا‬
‫يراجعون أنف سهم و يرجعون إل رب م و لينضموا إل بعض هم و يوحدوا صفوفهم و‬
‫يفظوا رسحالة ال محن الخطار الديدة ‪ ،‬أخطار الزندقحة و اللاد ‪ ،‬و عبادة الناس‬
‫الذ ين قد ستهم الضارة الكاذ بة ‪ ،‬و الدعاية الغر ضة ال ت تر مي إل أبعاد هذا الد ين‬
‫القيم عن مرى الياة ‪ ،‬لنا تعرف أنه ل قرار لحكام البشر مع أحكام ال ‪ ،‬و ل‬
‫قيمة لشرائع الفلسفة مع شريعة السلم ‪.‬‬

‫‪............................. 145‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫كلمة الختام‬

‫إنن أتوجه إل ال سبحانه و تعال بالشكر على نعمه الظاهرة الفية و احده جل و‬
‫عل أن ي سر ل هذا الع مل الضئ يل لد مة الد ين و ال مة و أ سأله أن يعله خال صا‬
‫لوجهه الكري و أضرع إليه سبحانه و تعال أن ييسر ل ف إناز بقية هذه اللقات‪،‬‬
‫و أن يتول عملي بالتوفيق ‪ ،‬إنه نعم الول و نعم النصي ‪.‬‬
‫لقد رأيت أن أقف بذه اللقات إل هذا الد‪ ،‬و أنا حي أراجعها ألس فيها كثيا‬
‫من الخلل‪ ،‬و عدم الستيفاء بالقاصد الت رميت إليها و اعتقد أن هذه الفصول ف‬
‫مموع ها ‪ ،‬ل تبلغ الق صود من ها ف الك شف عن حقائق من شأ الباض ية ‪ ،‬ك ما أن‬
‫ترج ة كل من المام ي العظيم ي ل أبلغ ب ا منلته ما ف نف سي‪ ،‬و عذري ف كل‬
‫ذلك ‪ ،‬قلة الصحادر ‪ ،‬و بعدي عحن مال الكتبات العامحة و الاصحة محن جهحة ‪ ،‬و‬
‫ضخامة العمل الذي قصدت إليه من جهة أخرى ‪.‬‬
‫و على أولئك الطام ي إل الز يد من العر فة الذ ين ل يقنع هم ال مل الطف يف‪ ،‬و ل‬
‫يروي غلتهحم هذا الوشحل الضعيحف‪ ،‬أن يسحرحوا أنظارهحم بيح محا كتبحه العباقرة‬
‫الؤرخي ‪ ،‬و عباقرة علماء السلم ف متلف العصور ‪ ،‬فإنم سوف يدون ف تلك‬
‫النان الغناء ‪ ،‬متع العقل و الفكر و الروح ‪.‬‬
‫و ل ي سعن و أ نا اخ تم هذه الف صول‪ ،‬إل أن أتقدم بالش كر الز يل إل ج يع من‬
‫أمدو ن بال ساعدة ف الباث التواض عة ‪ ،‬و أ خص من بين هم ال صديق أح د علي‬

‫‪............................. 146‬‬
‫الباضية في موكب التاريخ‬
‫‪ .............................‬نشــأة المذهب الباضي‬

‫عسكر على تيسيه ل هذا العمل‪ ،‬مقدرا ما بذله من جهود جبارة‪ ،‬و سهره من ليال‬
‫طوال ‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful