‫النظرية النسبية‬

‫يعتبر العام ‪1905‬م عاما ثوريا في تاريخ العالم‪ .‬فالحداث فيه تترى وتسير سراعا‪ ،‬والتاريخ يقفز‪ ،‬ففي هذه السنة‬
‫نمت روسيا وأصبحت اليابان دولة عظمى‪ ،‬وكان كل شيء ينذر بوشك اندلع الحرب العالمية الولى‪.‬‬
‫وفي هذه السنة الحاسمة كان أينشتاين كثيرا ما يفكر في ماهية وكنه الكون‪ ،‬وفي نفس السنة أيضا قام بخطوات من‬
‫شأنها أن تقلب وجهة نظرنا الكونية رأسا على عقب‪ .‬ففيها وضع نظرياته الثلث‪ ،‬نظرية الكم والنظرية البراونية‬
‫ونظريته النسبية الخاصة التي كان لها الدور الكبير في الخذ بمسيرة العلم والعالم بأسره إلى خطوة متقدمة وقفز‬
‫به إلى العالي‪.‬‬
‫سنعطي الن نبذة مبسطة عن النظرية النسبية الخاصة ونتناول مفاهيمها وما تنص عليه من فرضيات ولكن قبل‬
‫أن نقوم بذلك سنورد أول بعض المثلة التي قد تساعد على تقريب المفهوم النسبي‪.‬‬
‫—————————————————————–‬
‫من بين العديد من المقالت اللتي تشرح النظرية النسبية ‪ Theory of relativity‬اعجبني هذا المقال في طريقة‬
‫عرضه وترتيب افكاره وامثلته الرائعة! ‪:wacko:‬‬
‫يمين أم يسار؟‬
‫أنظر إلى الشكل المقابل إلى أي جهة من الطريق يقع المنزل إلى‬
‫اليمين أم إلى اليسار؟‬
‫لول وهلة تبدو الجابة محيرة ومستحيلة! ولكن إذا نظرت إلى‬
‫الشخص ) أ ( يبدو المنزل على يمين الطريق‪ ،‬وبالنسبة للشخص‬
‫)ب( فإن المنزل يقع على يسار الطريق‪.‬‬
‫فوق أم تحت؟‬
‫كثيرا ما نستخدم الكلمات فوق و تحت والتي اختلف مفهومها مع‬
‫مرور الزمن وتطور العلم‪ .‬ففي الحقبة التاريخية التي كان يعتقد فيها‬
‫بأن الرض مسطحة كان التجاه الرأسي فوق هو نفسه عند كل‬
‫النقاط على سطح الرض‪ ،‬أي أن هناك اتجاه علوي )فوق( مطلق‬
‫واتجاه سفلي مطلق‪ ،‬ولكن بعد ثبوت فكرة كروية الرض أصبح مفهوم التجاه العلوي‬
‫)فوق( والتجاه السفلي )تحت( يختلف من مكان إلى أخر من سطح الرض‪ .‬فالتجاه‬
‫الرأسي للشخص المقيم في نصف الكرة الشمالي يعاكس تماما التجاه الرأسي للشخص‬
‫المناظر له في نصف الكرة الجنوبي‪ .‬بهذا اختل مفهوم الفوق المطلق والتحت المطلق‬
‫فليس هناك اتجاه رأسي وحيد في الكون بل هو يختلف من مكان لخر‪ ،‬ولكي نتحدث عن‬
‫التجاه الصحيح يجب الخذ في العتبار المكان الذي ينسب إليه هذا التجاه‪.‬‬
‫ليل أم نهار؟‬
‫الساعة الن العاشرة مساء…كلمة ليس لها معنى ول مفهوم بدون أن نحدد إذا كانت‬
‫العاشرة مساء في مكة أم في طوكيو‪ ،‬فالليل في مكة يوافقه النهار في طوكيو والعكس‬
‫صحيح فليس هناك ليل مطلق أو نهار مطلق بل هو زمن نسبي يختلف من مكان لخر‬
‫على سطح الرض‪.‬‬
‫وجميع الحالت التي تناقشها المثلة السابقة تعد صحيحة‪ ،‬أي أن المنزل في المثال الول يقع مرة على يمين‬
‫الطريق ومرة على يساره وهذا صحيح‪ .‬التجاه الرأسي متعاكس تماما في المثال الثاني بالنسبة لشخص في شمال‬
‫الكرة الرضية والخر في جنوبها وكل التجاهين صحيحا‪ .‬الشخص الذي في طوكيو يرى أن الوقت لديه نهارا‬
‫والخر في مكة مصر وبشدة على أن الوقت لديه ليل في نفس اللحظة‪ ،‬وهذا الختلف في قياس الزمن أو تحديد‬
‫التجاهات ل يعود إلى الخطأ في القياسات بين الشخصين أو الخلل في آلت الرصد المستخدمة‪ ،‬فكل منهما‬
‫صحيح ولكن بالنسبة له أي أن جميع الظواهر يكون فيها المرجع هو الشخص أو الجهاز الراصد وليس هناك‬
‫مرجع كوني مميز وثابت ولهذا أطلق عليها النظرية النسبية‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫وهناك الكثير من المور المسلم بها في حياتنا والتي نعتبرها مطلقة تصبح في عالم أينشتاين نسبية…فمثل‬
‫المتر العياري طوله مترا وهذا أمر مسلم به ولكن من وجهة نظر أينشتاين والنسبية التي ترى أنه ل وجود لشيء‬
‫مطلق ل طول ول زمن ول كتل ترى أن المتر العياري طوله مترا )‪100‬سم( بالنسبة للشخص الذي يحمله ولكنه‬
‫بالنسبة لشخص آخر يتحرك بسرعة كبيرة يكون طوله ‪70‬سم أو أقل من ذلك كلما زادت سرعته‪ .‬وكذلك الدقيقة)‬
‫‪60‬ثانية( التي يقيسها شخص بساعته قد يقيسها آخر على أنها ‪100‬ثانية أو أكثر تبعا للسرعة التي يتحرك بها‪ .‬إن‬
‫المر ل يقف عند هذا الحد في النظرية النسبية بل انعكس على مفهومنا للماضي والحاضر والمستقبل فمثل نعلم‬
‫أشعة الشمس تصلنا خلل ثمانية دقائق وبهذا يكون بعد الشمس عنا هو ثمان دقائق ضوئية‪ ،‬وكمثال آخر فإن‬
‫أقرب نجم للمجموعة الشمسية يبعد عنها أربعة سنوات ضوئية والنجوم البعيد في مجرتنا تبعد عنا آلف السنوات‬
‫الضوئية‪ ،‬وبما أن الضوء هو الوسيلة الوحيدة التي نعلم من خللها حدوث حدث ما في الكون وهو أسرع وسيلة‬
‫لنقل المعلومات بين النجوم والمجرات‪ ،‬فحدث ما على الشمس نعلم به على الرض بعد ثمان دقائق من وقوعه‪.‬‬
‫وانفجار أقرب نجم من المجموعة الشمسية يصلنا خبره بعد أربعة سنوات لن الضوء القادم منها سيصل الرض‬
‫بعد أربعة سنوات‪ ،‬وكذلك النجوم التي نراها في الليل قد ل تكون موجودة الن ولكننا نرى الضوء الذي صدر‬
‫عنها منذ سنوات أو آلف السنوات حسب بعدها عنا‪ ،‬ولهذا فإن انفجار نجم ما قد يكون ماضي بالنسبة لشخص في‬
‫هذا الكون ويكون حاضرا لشخص آخر في مكان آخر وقد يكون مستقبل بالنسبة لشخص ثالث في مكان ثالث‪،‬‬
‫وهذا بسبب تباطؤ الزمن حسب سرعة كل شخص بالنسبة للحدث ومكانه‪.‬‬
‫لنلقي النظر وبشكل سريع على مسيرة العلم ووضعه قبل ظهور النظرية النسبية والعجز الذي‬
‫أصاب الكثير من العلماء في تفسير الظواهر ونتائج التجارب التي تحصلوا عليها‪.‬‬
‫الثير المزعوم‬
‫عندما نكون في سيارة تسير بنا بسرعة ثابتة في الطريق فإنه يخي‹ل إلينا أننا في حالة سكون بل حراك‪ ،‬والطريقة‬
‫المثلى لمعرفة إذا كنا نتحرك أو ساكنين هي المقارنة بأشياء ثابتة كأن ننظر من خلل نافذة السيارة ونشاهد‬
‫الشجار وأعمدة الهاتف والرصيف لندرك بالمقارنة أن سيارتنا تتحرك بالنسبة لها‪ .‬وعندما تمر بنا سيارة أخرى‬
‫قادمة من التجاه المعاكس فإننا للوهلة الولى سنظن أننا نقف والسيارة القادمة هي المتحركة‪ ،‬وإذا مرت بنا‬
‫وتجاوزتنا مبتعدة عنا وبعكس اتجاهنا فإننا نقدر سرعتها بشكل خاطئ و يخيل إلينا أنها تسير بسرعة خاطفة بينما‬
‫هي في الواقع تسير بمعدل سرعة سيارتنا‪ .‬أما إذا كانت السيارة تسير في نفس التجاه الذي نسير فيه وموازية لنا‬
‫فإننا سنظن أن السيارتين واقفتين! وفي هذه الحالة ل سبيل إلى تمييز حركة السيارة من سكونها إل بالخروج منها‬
‫والنظر من بعيد من على رصيف ثابت‪.‬‬
‫إذا الحكم على جسم ما بأنه متحرك أو ساكن وبشكل قاطع يحتاج إلى مرجع ثابت للملحظة وبدون المرجع‬
‫الثابت ل يمكن معرفة الحركة من السكون‪.‬‬
‫وإذا تركنا السيارات وجئنا إلى الكون…فالمعروف انه في حالة حركة ككل وكأجزاء‪ ،‬فمثل تدور الرض حول‬
‫محورها بسرعة ألف ميل في الساعة‪ ،‬وحول الشمس بسرعة عشرين ميل في الثانية‪ ،‬وتتحرك الشمس ضمن‬
‫مجموعتها الشمسية بسرعة ثلثة عشر ميل في الثانية‪ ،‬والمجموعة الشمسية تتحرك داخل درب التبانة بسرعة‬
‫مائتي ميل في الثانية‪ ،‬ومجرة درب التبانة تتحرك نحو مجرات أخرى ل يعلمها إل ا بسرعة مائة ميل في‬
‫الثانية…‪.‬الخ‪ .‬فالكون كله في حالة حركة دائمة ومستمرة )وكل في فلك يسبحون(‪.‬‬
‫وقد واجه العلماء حيال هذه الحركات المعقدة مشكلة البحث عن الحركة الحقيقية‪ ،‬فحاولوا الخروج منها بافتراض‬
‫أن هناك مادة ثابتة تمل الفضاء يطلق عليها الثير ‪ ether‬بحيث ينسب إليه جميع الحركات ويعد كمرجع كوني‬
‫ثابت‪ .‬وإن كل جسم متحرك فهو متحرك بالنسبة للثير وسرعته مقاسة بالنسبة للثير‪ ،‬حتى سرعة الضوء هي‬
‫سرعته بالنسبة للثير‪ .‬وبرهنوا على وجود الثير بالطبيعة الموجية للضوء قائلين أن الضوء ل بد له من وسط‬
‫ينتشر فيه مثله مثل الصوت الذي ينتشر في الهواء وينعدم في الفراغ‪ ،‬ومثله مثل موجات البحر التي تنتشر في‬
‫الماء وهكذا بما أن الضوء يصلنا من النجوم البعيدة فإنه لبد من وجود وسط يمتد ويمل الكون ينتقل الضوء‬
‫خلله وأطلقوا عليه الثير‪ .‬وقد أعطى العلماء خصائص للثير بما يناسب تجاربهم‪ ،‬فأصبح للثير الكثير من‬
‫الخصائص فمثل‪:‬‬
‫‪ ‬يخترق الثير جميع الجسام والنجوم والكواكب التي تسبح فيه‪.‬‬
‫‪ ‬ينسحب الثير خلف الجسام الصلبة‪.‬‬
‫وهكذا ازدادت خصائص الثير مع كل تجربة ل تتفق نتائجها العملية مع المتوقع منه‪.‬‬
‫__________________________________________________________________‬

‫‪2‬‬

‫تجربة مايكلسون و مورلي‬

‫في العام ‪1881‬م أجرى العالمان مايكلسون و مورلي تجربة حاسمة الغرض منها إثبات وجود الثير وذلك عن‬
‫طريق قياس تأثير حركة الرض خلل الثير على سرعة الضوء وحساب سرعة الضوء في وضعين مختلفين‪:‬‬
‫الوضع الول‪ :‬أن تكون سرعة الضوء ففي نفس اتجاه سرعة الرض في مدارها حول الشمس‪.‬‬
‫الوضع الثاني‪ :‬أن تكون سرعة الضوء عمودية على سرعة الرض في مدارها حول الشمس‪..‬‬
‫فكرة التجربة‬
‫تتلخص فكرة التجربة في أن الرض تتحرك خلل‬
‫الثير بسرعة ‪ v‬عشرين ميل في الثانية فهي بذلك‬
‫تحدث تيارا في الثير بهذه السرعة‪ ،‬فلو أن شعاعا‬
‫من الضوء سقط على الرض في اتجاه التيار فإنه‬
‫لبد أن تزداد سرعته بمقدار عشرين ميل‪ .‬أما إذا‬
‫سقط في اتجاه مضاد للتيار فإن سرعته سوف‬
‫تنقص بمقدر العشرين ميل‪ ،‬فإذا كانت سرعة‬
‫الضوء ‪ c‬المعروفة هي ‪ 186284‬ميل في الثانية‪،‬‬
‫فإن السرعة المحسوبة في الحالة الولى ستكون‪ 186304=20+186284 :‬ميل في الثانية‪ .‬وتكون في الحالة‬
‫الثانية‪ 186264=20-186284 :‬ميل في الثانية‪ .‬وذلك وفقا لقانون إضافة السرعات لنيوتن ‪.c±v‬‬
‫أما إذا سقط الشعاع عمودي على حركة الرض فإن سرعة الضوء المحسوبة تساوي ½)‪.(c2 -v2‬‬
‫وبعد عدة متاعب قام مايكلسون و مورلي بتنفيذ التجربة بدقة مستخدمين جهازا عبارة عن طاولة بها مرايا‬
‫ومصدرا ضوئيا وشاشة لرصد الشعاع الضوئي‪ ،‬لن نخوض في تركيب الجهاز أو تفاصيل التجربة ولكن سنهتم‬
‫للنتيجة المدهشة التي توصلت إليها‪ ،‬حيث كانت النتيجة غير متوقعة على الطلق لم تسجل نتائج التجربة أي‬
‫فرق في سرعة الضوء في الحالتين الولى والثانية! وأعيدت التجربة في مناطق مختلفة على سطح الرض وفي‬
‫فصول مختلفة من السنة وكانت النتيجة واحدة وهي أن سرعة الضوء ثابتة‬
‫ل تتغير ول تختلف نتيجة لختلف التجاهين‪.‬‬
‫هذه النتيجة السلبية كانت بمثابة الصدمة للعلماء‪ ،‬فهي تشكك في صحة نظرياتهم التي قامت على مبدأ وجود‬
‫الثير فما كان منهم إل أن تمسكوا بفرضيتهم القائلة بوجود الوسط الكوني الثابت )الثير( على الرغم من النتائج‬
‫العملية التي أبطلت هذا‪ ،‬وهذه الصدمة جعلتهم يقولون تارة أن الثير ل بد وأنه يسير مع الرض وتارة يقولون‬
‫أن الجسام تنكمش في اتجاه حركتها خلل الثير وغيرها من العتقادات رافضين بذلك فكرة فشل وانعدام‬
‫فرضية الثير وكل ما بني عليها خلل تلك السنوات‪.‬‬
‫الجدير بالذكر أنه بالرغم من فشل فرضية وجود ما يسمى بالثير وأن ليس هناك أي مرجع كوني ثابت تنسب إليه‬
‫الحركات وأن سرعة الضوء تعد ثابتة ل تتغير فإن جميع النتائج والقوانين الكلسيكية التي قامت على هذه‬
‫الفرضية مازالت تحافظ على صحتها ولكن في حالت خاصة سنذكرها لحقا‪ ،‬وذلك لنها قامت بناء على‬
‫التجارب وما يتوصل إليه من تلك التجارب يسخر لها الثير ويعطى الخصائص لكي يتفق معها‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫النسبية في المكان‬
‫أما أينشتاين فكان له رأي آخر‪ ،‬كان يرى أن فرضية الثير خرافة ل وجود لها وأنه ل يوجد وسط ثابت ول‬
‫مرجع ثابت في الكون بل أن جميع أجزاؤه في حالة حركة مستمرة‪ .‬وبالتالي ل يمكن القطع بأن جسما ما يتحرك‬
‫والخر ثابت وإنما كل ما يقال أن الجسم الول يعتبر متحركا بسرعة قدرها كذا‪ ..‬بالنسبة للجسم الثاني‪ .‬كل ما‬
‫هناك حركة نسبية أما الحركة الحقيقة فل وجود لها‪ ،‬كما أن السكون الحقيقي ل وجود له أيضا‪.‬‬
‫لقد رفض أينشتاين فكرة المكان المطلق واعتبر المكان مقدارا متغيرا ونسبيا‪ ،‬واعتبر إمكانية تحديد مكان أي‬
‫جسم بدون اعتبار للزمن أمرا مستحيل‪ ،‬أي أنه يلزم أن نقول أن الجسم موجود في المكان كذا…في الوقت كذا‪..‬‬
‫لنه في حركة دائمة‪ .‬فالمكان والزمان هما مفهومان غير منفصلن في الحركة‪ ،‬فماذا تقول النسبية في المفهوم‬
‫الثاني”الزمان”؟‬
‫النسبية في الزمان‬
‫من وجهة نظر النسبية فإن الزمان ما هو إل تعبيرا عن انتقالت رمزية في المكان!!‬
‫فالزمن المعروف بالساعة واليوم والشهر ما هو إل مصطلحات لوضاع مختلفة في المكان‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫الساعة‪ ..‬هي دورة الرض ‪ 15‬درجة حول نفسها‪.‬‬
‫اليوم‪ ..‬دورة الرض دورة كاملة حول نفسها‪.‬‬
‫السنة‪ ..‬حركة الرض ودورتها دورة كاملة حول الشمس…‪ .‬وهكذا‪ ،‬ولكن ماذا عن الساعة واليوم والسنة على‬
‫كوكب عطارد أو كوكب بلوتو؟ ل شك أن ذلك سيكون مختلفا بالنسبة لمقاييسنا‪ ،‬فالسنة على كوكب عطارد ثلثة‬
‫أشهر من الوقت الذي نقيسه على الرض! بينما السنة على كوكب بلوتو أكبر من ذلك بكثير وتقدر ‪ 248‬سنة من‬
‫سنوات الرض‪ .‬المر إلى هذا الحد معقول ولكن ماذا عن المجرات الخرى؟ كيف يقدر اليوم والسنة فيها؟ وهل‬
‫يمكن استخدام الزمنة الرضية كمقياس للزمن على أرجاء هذا الكون الفسيح؟‬
‫ترد النظرية النسبية على تساؤلتنا قائلة‪:‬‬
‫إن كل الساعات التي نستخدمها على الرض مضبوطة على النظام الشمسي ولكن النظام الشمسي ليس هو النظام‬
‫الوحيد في الكون‪ .‬فالشخص الذي يسكن المريخ يجد للزمن دللت و تعابير مختلفة تماما‪ ،‬فالمريخ يدور حول‬
‫نفسه في ‪ 88‬يوما وفي هذه المدة نفسها يكون قد دار أيضا حول الشمس‪ ،‬ومعنى هذا أن طول اليوم المريخي‬
‫يساوي طول السنة المريخية وهو تقويم يختلف تماما عن تقويمنا‪ .‬ولكي يكون للزمن مفهوما وتعبيرا صحيحا فإنه‬
‫يجب أن ينسب إلى النظام الذي أشتق منه‪ ،‬وبالتالي فإن تعبيرنا للساعة واليوم والشهر يكون صالحا للتطبيق في‬
‫نظامنا فقط‪.‬‬
‫ويشرح أينشتاين هذه النقطة من نظريته وهي من أعمق تطبيقات النسبية وأكثرها غموضا فيقول‪:‬‬
‫إن متكلما من نيويورك يمكن أن يخاطب عبر الهاتف متكلما آخر في لندن ويكون الول يتحدث في ساعة‬
‫الغروب بينما الخر في منصف الليل ومع ذلك يمكن لنا أن نجزم بتزامن الحدثين أي أن الحدث )المكالمة‬
‫الهاتفية( أجريت في نفس الوقت وحدوثها في نفس اللحظة والسبب أن الحدثين يحدثان معا على أرض واحدة‬
‫خاضعة لتقويم واحد هو التقويم الشمسي ومن الممكن استنباط فروق التوقيت ورد هذه النية )الحدوث في آن‬
‫واحد( إلى مرجعها وهو النظام الواحد‪.‬‬
‫وهذا ما يعرف بمتصل المكان ‪-‬الزمان ‪.space-time continuum‬‬
‫أما القول بأنه من الممكن أن يحدث على الرض وعلى نجم الجبار أو الشعرى اليمانية مثل أحداث متوافقة في آن‬
‫واحد فهو أمر مستحيل لنها أنظمة مختلفة ل اتصال بينها والتصال الوحيد هو الضوء الذي يأخذ آلف السنين‬
‫لينتقل من واحد من هذه النظمة إلى الخر… ونحن حينما نرى أحد هذه النجوم و يخيل إلينا أننا نراه “الن”‬
‫نحن في الحقيقة نراه عن طريق الضوء الذي ارتحل عنه منذ ألوف السنين ليصلنا‪ ،‬ونحن في الواقع نرى ماضيه‬
‫و يخيل إلينا أننا نرى حاضره وقد يكون في الحاضر قد انفجر واختفى وارتحل بعيدا خارج نطاق رؤيتنا وما نراه‬
‫في الواقع إشارة إلى ماضي لم يعد له وجود إطلقا‬
‫وبهذا يكون قد شرح لنا أعمق ما في نظريته وما يسميه “نسبية الوقت الواحد” وكيف أن النسان ل يستطيع أن‬
‫يطلق كلمة الن على الكون وإنما يمكن أن يطلقها فقط على نظامه الزمني لن كل مرجع له زمنه الخاص‪.‬‬
‫عالمنا والبعاد الربعة‬
‫إذا كنت في البحر وأردت أن تحدد مكانك فأنت بحاجة إلى نسبة هذا المكان إلى بعدين هما الطول والعرض‪،‬‬
‫فتقول أنا عند خط طول كذا‪ ..‬وخط عرض كذا‪ ..‬أما إذا كنت طائرا في الهواء وأردت أن تحدد وضعك ومكانك‬
‫‪4‬‬

‫فإنك ستحتاج إلى ثلثة أبعاد هي الطول والعرض والرتفاع‪ .‬لنفسر هذا بطريقة أكثر وضوحا‪ :‬لنفرض أنك‬
‫احتجت لزراعة منطقة معينة فإنك ستحدد المساحة المزروعة ببعدين هما الطول والعرض‪ ،‬ولكنك عندما تقوم‬
‫بإنشاء مبنى فإنك ستفكر في البعد الثالث وهو الرتفاع‪ .‬هذه هي البعاد الثلثة التي تمثل على المحاور )‪(x,y,z‬‬
‫وكانت هذه المحاور الساسية المستخدمة في الحسابات الهندسية حتى مطلع القرن العشرين حيث رأى أينشتاين‬
‫أن هذه البعاد غير كافية ول بد من إضافة بعدا رابعا وهو الزمن فنقول أننا على خط طول كذا‪ ..‬وخط عرض‬
‫كذا‪ ..‬على ارتفاع كذا‪ ..‬في الوقت كذا‪..‬‬
‫أينشتاين هو العالم الوحيد الذي فكر في البعد الرابع وقال أن الكون الذي نعيشه ذو أربعة أبعاد وهي الطول‬
‫والعرض والرتفاع والمكان والزمان وأدخل الزمن في جميع حساباته واعتبره متغيرا‪ ،‬واعتبر المكان والزمان‬
‫مترابطين ومتصلين كمتصل واحد ‪.space-time continuum‬‬
‫النظرية النسبية الخاصة ‪The special theory of relativity‬‬
‫أصبحنا الن أقرب إلى إلى مبادئ النظرية النسبية التي يمكن القول بأن قصة الوصول إليها بدأت عندما وضع‬
‫ماكسويل أسس النظرية الكهرومغناطيسية وبناء على هذه السس أبدى أينشتاين رأيه في تجربة مايكلسون و‬
‫مورلي محاول إعطاء تفسيرا للنتائج التي حققتها التجربة‪ ،‬ومن هنا نشأت النظرية النسبية الخاصة التي فتحت‬
‫البواب لعصر جديد سمي بالعصر الذري وهو الذي نعيشه الن‪ ،‬وفسرت العديد من الظواهر الطبيعية في الكون‬
‫وشكلت قاعدة صلبة راسخة متماسكة حتى يومنا هذا لزالت التجارب المختلفة التي يجريها العلماء تثبت صحة‬
‫هذه النظرية‪.‬‬
‫ويجب أن نوضح أن النظرية النسبية الخاصة تتعامل مع الجسام المتحركة بسرعة منتظمة )بدون تسارع(‪،‬‬
‫وتعالج حركة الجسام ذات السرعات العالية التي تقترب سرعتها إلى سرعة الضوء‪ .‬وبعد عقد من الزمان قدم‬
‫أينشتاين نظريته النسبية العامة التي تعالج حركة الجسام المتسارعة بالنسبة لبعضها البعض وهي تشمل حركة‬
‫كافة مكونات الكون من نجوم ومجرات لنها تتحرك في مسارات دائرية أي أن لها عجلة تغير من اتجاه مسارها‬
‫ولهذا فإنها أعم وأشمل من الخاصة‪.‬‬
‫والن يمكننا الشروع في استعراض المبادئ التي قامت عليها النظرية النسبية الخاصة وهي‪:‬‬
‫‪ ‬ل وجود للحركة المطلقة ول مجموعة المحاور الثابتة التي ترجع إليها جميع الحركات‪.‬‬
‫‪ ‬إن جميع القوانين الفيزيائية يجب أن تكون هي بعينها وشكلها في أي من المناطق )النظمة( المتحركة مع‬
‫بعضها البعض بسرعة ثابتة‪.‬‬
‫‪ ‬ينتشر الضوء في جميع التجاهات وبسرعة ثابتة ل تتغير مع حركة المصدر الضوئي أو المشاهد ومقدارها‬
‫ثابت سواء كانت المنطقة )النظام( ساكنة أو متحركة‪ ،‬وهي سقف السرعات في الكون أي أنها أعلى سرعة‬
‫معروفة ول وجود لجسيم يتحرك بسرعة الضوء‪.‬‬
‫وانطلقا من المبدأ الول نجد أن أينشتاين أنكر وجود الثير كوسط لنقل الموجات الضوئية‪ .‬وفي المبدأ الثاني‬
‫يكمن الفرق بين نسبية نيوتن ونسبية أينشتاين‪ ،‬حيث أن الولى )نسبية نيوتن( اقتصرت على عدم تغير قوانين‬
‫الميكانيكا فقط‪ ،‬أما نسبية أينشتاين فتشمل على عدم تغير القوانين الفيزيائية كلها ميكانيكية كانت أو‬
‫كهرومغناطيسية منها معادلت ماكسويل حيث تظهر سرعة الضوء ثابتة وإن تغير الزمان والمكان‪ .‬أما المبدأ‬
‫الثالث فيشرح نتائج تجربة مايكلسون و مورلي وأثبت أن سرعة الضوء ثابتة‪.‬‬
‫نتائج مذهلة‬
‫توصلت النظرية النسبية بمبادئها الجديدة إلى نتائج جريئة‪ ،‬ومن أهم هذه النتائج ما يلي‪:‬‬
‫‪ ‬التأخير الزمني ‪Time Dilation‬‬
‫‪ ‬تقلص الطول ‪Length Contraction‬‬
‫‪ ‬تكافؤ الكتلة والطاقة ‪Mass Energy equivalent‬‬
‫ماذا يحدث للساعات والمساطر تبعا ‪ N‬لهذه النتائج؟‬
‫يشرح أينشتاين ما الذي يحدث للزمن والطول في نسبيته قائل‪:‬‬

‫‪5‬‬

‫أننا إذا تصورنا ساعة ملصقة بجسم متحرك بسرعة هائلة‪ ،‬فإن عقارب هذه الساعة لبد أن تسير بسرعة مختلفة‬
‫عن سرعة عقارب ساعة أخرى ملصقة بجسم ساكن كالجدار مثل… وبالمثل فإن مسطرة متحركة لبد أن يتغير‬
‫طولها تبعا لسرعتها المتحركة بها‪ .‬وعلى وجه الدقة فإن الساعة الملصقة بجسم متحرك تتأخر في الوقت كلما‬
‫ازدادت سرعة الجسم حتى تتوقف عقاربها تماما عن الدوران إذا بلغت سرعة الجسم سرعة الضوء والشخص‬
‫المتحرك مع الساعة ل يدرك هذه التغيرات وإنما يدركها الشخص الذي يلحظها من مكان ساكن‪ .‬وبالمثل تنكمش‬
‫المسطرة في اتجاه حركتها كلما زادت هذه الحركة حتى يتحول طولها إلى الصفر حينما تبلغ سرعة الضوء‬
‫بالنسبة للشخص الساكن‪.‬‬
‫ولكثير من التوضيح نفرض أن مسافرا يبلغ من العمر عشرين عاما أستقل مركبة فضائية تسير بسرعة ‪ %99‬من‬
‫سرعة الضوء بالنسبة لشخص على الرض له نفس العمر‪ ،‬سنجد أن ساعة الرجل الفضائي تتباطأ بالنسبة للرجل‬
‫الرضي والوقت الذي يحسبه المسافر يكون أقل من الوقت الذي يحسبه الرجل على الرض‪ ،‬وحقيقة فإن‬
‫الفعاليات الحيوية كضربات القلب والتنفس…الخ تكون ساعات بيولوجية وبالتالي فإن هذه الفعاليات تسير ببطء‬
‫لدى المسافر في المركبة الفضائية وهو لن يلحظ أي تغير في سرعة دقات قلبه أو تنفسه ولكن الذي يلحظ ذلك هو‬
‫الرجل على الرض حين مراقبته بتلسكوب مثل‪ .‬وبعد مرور سبعين سنة حسب تقدير وقياس الرجل على‬
‫الرض أي بعد ما أصبح عمره تسعون عاما‪ ،‬يعود الرجل الفضائي وعمره ثلثون عاما فقط! وهذا ما يعرف‬
‫بالتأخر الزمني‪ .‬وكذلك الحال في طول المركبة الفضائية‪ ،‬سيقيسها الرجل على الرض أقصر مما هي عليه أو‬
‫كما يقيسها المسافر الذي على متنها وهذا ما يعرف بانكماش أو تقلص الطول‪.‬‬
‫التأخير الزمني ‪Time Dilation‬‬
‫لتوضيح هذه النتيجة رياضيا نستخدم التجربة التي استخدمها أينشتاين لتوضيح فكرته‪.‬‬
‫افترض أينشتاين أن هناك قطارا يتحرك بسرعة ‪ ،v‬وعلى أرضية القطار يوجد مصدر ضوئي يبعث ومضة‬
‫ضوئية تسقط على مرآة مثبتة في سقف القطار لتنعكس ثم تعود إلى أرضية القطار مرة أخرى‪ .‬سنقوم الن‬
‫بمعالجة رياضية بسيطة نوضح فيها كيف ي¼حسب زمن الحدث بالنسبة لمراقبين أحدهما في القطار والخر يقف‬
‫في المحطة‪ .‬ولكن يجب أن نوضح ما نقصده بالمصطلحات التالية‪:‬‬
‫الحدث‪ :‬هو الفعل تحت الدراسة وللحدث بداية ونهاية‪ ،‬والحدث في تجربتنا هو إطلق الومضة الضوئية‪ ،‬فبداية‬
‫الحدث هو صدور الومضة من المصدر ونهاية الحدث هو عودتها بعد انعكاسها‪.‬‬
‫المراقب‪ :‬هو الشخص الذي يمتلك أجهزة وآلت قياس دقيقة ليرصد الحدث ويسجل النتائج‪ .‬ولدينا في تجربتنا‬
‫مراقبين أحدهما يقف على الرض )المراقب ‪ (O‬والخر في القطار)المراقب ‘‪ (O‬ويعتبر هذا الخير متحركا‬
‫بالنسبة للمراقب الول وثابتا للحدث لنه يتحرك معه وبنفس سرعته‪ .‬ويحدد مكان كل مراقب بالحداثيات)‬
‫‪.( x,y,z‬‬
‫الزمن الذي يقيسه المراقب ‘‪O‬‬
‫بما أن الزمن هو المسافة التي قطعتها الومضة الضوئية مقسوما على سرعتها‪ ،‬فإن الزمن الذي يقيسه المراقب‬
‫في القطار هو‪:‬‬
‫حيث‬
‫‪ d‬ارتفاع القطار‪.‬‬
‫‪ c‬سرعة الضوء‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫الزمن الذي يقيسه المراقب ‪O‬‬
‫كما يتضح من الشكل‪ ،‬تكون بداية انطلق الومضة في مكان‪ ،‬وانعكاسها في مكان‪ ،‬وعودتها إلى الرض في‬
‫من‬
‫مكان آخر وهذا ما يرصده المراقب ‪ O‬نتيجة لحركة القطار‪ .‬أي أن القطار يكون قد قطع مسافة قدرها‬
‫بداية الحدث إلى نهايته‪ .‬وكما هو واضح تقطع الومضة الضوئية مسافة أكبر مما تقطعه في الحالة الولى‪ ،‬وبما‬
‫أن سرعة الضوء ثابتة )وفقا للفرضية الثالثة(‪ ،‬إذا فإن الزمن الذي يقيسه المراقب ‪ O‬يكون أطول من الزمن الذي‬
‫يقيسه المراقب ‘‪.O‬‬
‫وتعطى العلقة بين الزمنين المقاسين في هذين النظامين المختلفين باستخدام تحويلت لورنتز‪-‬أينشتاين‪:‬‬

‫يلحظ أن‪:‬‬
‫‪ ‬سرعة الضوء هي أعلى سرعة معروفة وليس هناك جسم يسير بسرعة الضوء أي أن ‪ v < c‬دائما وهذا‬
‫الذي يقيسه المراقب ‘‪ O‬أقصر من‬
‫يعني أن الكمية تحت الجذر تكون موجبة وأقل من الواحد‪ ،‬إذا فإن الزمن‬
‫الزمن الذي يقيسه المراقب ‪.O‬‬
‫‪ ‬عندما تكون ‪> > v‬‬

‫أي يتساوى الزمنين المقاسين من قبل المراقبين‪ ،‬وتؤول معادلت التحويلت النسبية إلى المعادلت الكلسيكية‪،‬‬
‫وهذا يعني أن المعادلت الكلسيكية هي حالة خاصة من التحويلت النسبية عندما تكون السرعة صغيرة جدا‪.‬‬
‫_____________________________________________________________________‬
‫_‬
‫تقلص الطول ‪Length Contraction‬‬
‫كما هو الحال في الزمن‪ ،‬فإن قياسات الطول تتأثر أيضا بالحركة النسبية فطول جسم في حالة الحركة بالنسبة‬
‫لمشاهد يبدو دائما أقصر من طوله عندما يكون ثابتا‪.‬‬
‫فإذا تحركت مركبة فضائية بسرعة نسبية ‪ v‬قريبة من سرعة الضوء فإن طول المركبة كما يقيسها رائد الفضاء‬
‫أو المراقب ‘‪ O‬الذي على متنها هو ‘‪ L‬وهذا هو الطول الصلي ‪ ،proper length‬ويقصد بالطول الصلي أي‬
‫الطول الذي يقيسه المراقب الثابت بالنسبة للجسم المراد قياسه‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫في حين تكون قياسات المراقب الرضي ‪ O‬الذي تتحرك المركبة الفضائية بالنسبة له بسرعة ‪ v‬مختلفة تماما‬
‫ويرى طول أقصر ‪ L‬من الطول الصلي‪.‬‬

‫وتعطي تحويلت لورنتز‪-‬أينشتاين‪:‬‬
‫وبما أن الكمية تحت الجذر موجبة وأقل من الواحد لن ‪ ،v < c‬إذا فإن الطول ‪ L‬الذي يقيسه المراقب ‪ O‬يكون‬
‫أقصر من الطول '‪ L‬الذي يقيسه المراقب '‪.O‬‬
‫تجدر الشارة إلى أن النسبية والعلم بشكل عام لم يتوقف عند المثلة الخيالية والفتراضات والمعادلت الجبرية‪،‬‬
‫وإنما استطاع أن يقدم لنا دليل بل أدلة ملموسة تثبت صحة النظرية النسبية حيث استطاع إيفز في العام ‪1936‬م‬
‫أن يثبت أن ذرة اليدروجين المشع المنطلقة بسرعة عالية تطلق أشعة ترددها أقل من تردد الذرات الساكنة أو‬
‫بشكل آخر أن الزمن فيها أبطأ‪ ،‬فتردد الموجة هو عدد الذبذبات التي تحدثها في الزمن وحين نقول إن ترددها أقل‬
‫فكأنما نقول أن الزمن فيها يسير بشكل أبطأ‪.‬‬
‫ومن أشهر الظواهر الحقيقية التي تثبت صحة النسبية ظاهرة انحلل الميزونات ‪ .Meson decay‬الميزونات‬
‫هي جسيمات أولية غير مستقرة تتكون في طبقات الجو العليا نتيجة لمتصاص الغلف الجوي للشعة الكونية‬
‫القادمة من الفضاء الخارجي وتصل إلى سطح البحر بصورة غزيرة‪ .‬هذه الجسيمات غير المستقرة تتحول إلى‬
‫إلكترونات بعد فترة زمنية قدرها‬
‫تنحل تساوي‪:‬‬

‫بعد تكونها‪ ،‬وسرعتها‬

‫فإن المسافة التي ستقطعها قبل أن‬

‫هذه المسافة قصيرة جدا بالنسبة لسمك الغلف الجوي‪ ،‬ووفقا لهذه النتيجة نتوقع أنها تنحل قبل أن تصلنا إلى‬
‫سطح الرض ولكن المراصد الرضية تؤكد غير ذلك وترصد وجود عدد كبير من الميزونات على سطح البحر!‬
‫فكيف تفسر هذه الظاهرة؟‬
‫النسبية لديها الحل…‪.‬هذه القياسات من السرعة والزمن والمسافة‪ ،‬هي قياسات المراقب ‘‪ O‬المتحرك مع‬

‫‪8‬‬

‫الميزون‪ ،‬ولكن ماذا عن قياسات المراقب ‪ O‬الثابت على الرض؟‬
‫من ظاهرة التأخير الزمني نجد أن عمر الميزون كما يقيسه المراقب على الرض يعطى بـ‪:‬‬

‫وهذا الزمن أكبر بحوالي ‪ 16‬مرة من عمر الميزون عندما‬
‫يكون في حالة السكون أو عندما يقيسه المراقب’‪ .O‬ومنها‬
‫يستطيع الميزون المتحرك بهذه السرعة أن يقطع مسافة‬
‫قدرها‪:‬‬

‫وهذه هي المسافة التي يقيسها المراقب على الرض‪ ،‬وبهذا فإن هذه الجسيمات تستطيع الوصول إلى الرض‬
‫بالرغم من قصر عمرها وهذا هو تفسير تواجدها على سطح البحر‪.‬‬
‫تكافؤ الكتلة والطاقة ‪Mass Energy equivalent‬‬
‫عرفنا أن الكتلة هي مقدار ما في الجسم من مادة‪ ،‬وعرفنا أيضا أنها كمية ثابتة ل تتأثر بحركة الجسم أو سكونه‪،‬‬
‫ولكن أينشتاين الذي أثبت نسبية الزمان وأثبت نسبية المكان استطاع أيضا أن يثبت نسبية الكتلة واعتبرها متغيرة‬
‫تتأثر بحركة الجسم‪ ،‬فكلما ازدادت سرعة الجسم كلما ازدادت كتلته‪ .‬حيث العلقة بين كتلة الجسم وسرعته تعطى‬
‫بالمعادلة‪:‬‬

‫‪ m°‬كتلة الجسم في حالة السكون ‪ v ،‬سرعة الجسم‬
‫‪ m‬كتلة الجسم وهو متحرك ‪ c ،‬سرعة الضوء‬
‫ولم تلبث المعامل أن قدمت لنا التجارب الملموسة التي تثبت صحة هذه المعادلة‪ ،‬فقد أثبتت التجارب أن القذائف‬
‫المشعة التي تطلقها مادة اليورانيوم أو الراديوم )وهي دقائق مادية متناهية في الصغر تنطلق بسرعة قريبة من‬
‫سرعة الضوء( تزداد كتلتها بما يتفق مع معادلة أينشتاين‪.‬‬
‫ثم خطا أينشتاين خطوة أخرى في تفكيره النظري قائل‪ :‬أنه مادام الجسم يكتسب مزيدا من الكتلة حينما يكتسب‬
‫مزيدا من الحركة‪ ،‬وبما أن الحركة شكل من أشكال الطاقة فمعنى هذا أن الجسم حينما يكتسب طاقة يكتسب في‬
‫نفس الوقت كتلة‪ ،‬أي أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى كتلة والكتلة يمكن أن تتحول إلى طاقة‪ .‬وما لبث أن قدم‬
‫أينشتاين معادلته التاريخية الشهيرة التي تربط الكتلة والطاقة…‬
‫المعادلة التي صنعت القنبلة الذرية على أساسها…‬
‫المعادلة التي فسرت سر أزلية وقدم هذا الكون‪ ،‬والسر في أن العدد الهائل من النجوم التي مضت عليها بليين من‬
‫السنين مازالت تشع نورا وطاقة وحرارة دون أن تفنى…‬
‫‪9‬‬

‫المعادلة التي مكنت العلماء من الجابة على السؤال الملح وهو من أين تأتي الشمس بطاقتها التي ل تنضب؟…‬
‫المعادلة التي فتحت الباب لبحاث الفضاء وأصبح السفر في صواريخ هائلة تنطلق بسرعة خارقة وتخرج من‬
‫جاذبية الرض ممكنا نتيجة اختراع صنوف جديدة من الوقود الذري…‬

‫‪E = mc2‬‬
‫تنص هذه المعادلة على أن مقدارا ضئيل جدا من الكتلة يعطي طاقة هائلة‪ ،‬فالطاقة الناتجة من كتلة معينة تساوي‬
‫حاصل ضرب هذه الكتلة في مربع سرعة الضوء مما ينتج عنها كمية كبيرة من الطاقة‪ ،‬وهذا هو سر طاقة‬
‫النجوم وعمرها الطويل‪ .‬فهي تخسر كمية قليلة جدا من مادتها لتعطي طاقة تمد بها الكون بأكمله‪ .‬ومن هذه‬
‫المعادلة أيضا أصبح من من الممكن حساب ومعرفة كمية المادة اللزمة لنسف دولة وإفناء شعب بجرامات قليلة‬
‫فقط من اليورانيوم والماء الثقيل والكوبالت‪.‬‬
‫وأخيرا يجب القول أن النظرية النسبية ل تتعارض مع المفاهيم والقوانين الكلسيكية وإنما تعمقها‪ ،‬ولهذا فإنه‬
‫يجب تحديد الظروف التي يمكن فيها تطبيق المفاهيم النسبية أو المفاهيم الكلسيكية…‪.‬‬
‫نتصور شخصا في قطار يسير بسرعة عادية‪ ،‬وقرر أن يصحح الزمن حسب النظرية النسبية خوفا من أن تكون‬
‫ساعته متأخرة عن ساعة المحطة‪ ،‬إننا سنضحك من هذا الشخص لن التصحيح المطلوب ل يعد جزءا متناهي في‬
‫الصغر من الثانية‪ ،‬أقل بكثير من هزة واحدة من القطار على ساعته‪ .‬أما الكيميائي الذي يشك فيما إذا كانت كمية‬
‫الماء الذي يسخنها تبقى ثابتة الكتلة… يحتاج إلى من يفحص عقله‪ ،‬ولكن الفيزيائي الذي ل يأخذ في عين العتبار‬
‫تغير الكتلة في التحول النووي سيطرد من عمله لعدم كفاءته!‬
‫لم يتغير أي قانون من قوانين الفيزياء التي اكتشفها العلماء قبل النظرية النسبية ولكن حدود صحة هذه القوانين‬
‫أصبحت الن واضحة‪.‬‬
‫آراء حول أينشتاين والنظرية النسبية الخاصة‬
‫لم يتوصل أينشتاين لهذه النظرية بأبعادها المعروفة لنا الن عن طريق إجراء التجارب وتقصي النتائج‪ ،‬وإنما‬
‫توصل إليها بعد طرح أسئلة لنفسه حول ثبات الكون والتفكير العميق والتأمل وربما الخيال! نعم استخدم أينشتاين‬
‫خياله كثيرا للتوصل إلى حقائق علمية واقعية‪ .‬ويذكر أنه في يوم من اليام كان يجلس في الهواء الطلق على ربوة‬
‫يتأمل حركة السحب التي كانت تغطي السماء و يتساءل عن سر إتقان هذا الكون والقوى الخفية التي تديره فتخيل‬
‫أنه على منطاد يطير به بسرعة هائلة منتقل إلى الفضاء الخارجي ويسبح به بين الكواكب والنجوم‪ ،‬وما أن انتهى‬
‫من رحلته عاد إلينا أينشتاين وقد لمعت في رأسه فكرة النظرية النسبية الخاصة التي قدمت إلينا مفاهيم غريبة غير‬
‫مصدقة ومعقدة متحديا بذلك مفاهيم العلماء السابقين ويقول لهم عندما سألوه كيف يمكن تصديق هذا؟ رد قائل‬
‫ما العمل إذا كان هذا هو من قوانين الكون الساسية؟‬
‫هذا ما فعله أينشتاين…فكر و وضع النظريات وحلل النتائج في عقله وخرج للناس بمفاهيم جديدة لم يستطع أحد‬
‫أن ينفيها ول أن يبطلها ول أن يصدقها‪ ،‬وكان العلماء بحاجة إلى أدلة وبراهين للقتناع بهذه النظرية فأقاموا‬
‫التجارب المتعددة ليجاد هفوات ونقاط ضعف لتلك المبادئ ولكن ما إن قامت تجربة حتى كانت نتائجها تثبت‬
‫صحة النظرية النسبية‪ ،‬وهناك الكثير من الظواهر الفيزيائية التي عجزت عن تفسيرها القوانين الفيزيائية‬
‫الكلسيكية وحيرت العلماء الذين لم يكن أمامهم إل تطبيق النظرية النسبية ليجدوها تفسر تلك الظواهر‪ ،‬كما أنها‬
‫تنبأت بظواهر أخرى أثبتت صحتها مع تطور العلم وتقدم الزمن‪.‬‬
‫والن نتساءل هل النظرية النسبية صحيحة؟‬
‫الجواب على هذا السؤال هو أن النظرية النسبية في الوقت الحاضر تفسر عددا أكبر من الظواهر التي فسرتها‬
‫سابقاتها وتفسرها خيرا منها جميعا وحسبها ذلك الن‪ .‬فلقد سيطرت الميكانيكا التقليدية التي وضع نواتها نيوتن‬
‫زهاء قرنين من الزمن وحققت انتصارات باهرة في الفيزياء وعلم الفلك وستظل دائما مآثر الفكر البشري‬
‫وأمجاده وما زالت تعلمان في المدارس والجامعات‪ .‬على الرغم من أن الفروض التي قامت عليها غير صحيحة‬
‫إل أنها أعطت نتائج صحيحة قابلة للتطبيق عند السرعات الضعيفة التي ل تقارن بسرعة الضوء‪ .‬وما إن حلت‬
‫النظرية النسبية محل ميكانيكا نيوتن إذا بها تنطلق لتسيطر وتسود بين النظريات وتعد أعم وأشمل من قوانين‬
‫نيوتن التي قد تلتقي معها عند معالجة الجسام المتحركة بسرعات ضعيفة أي أن القوانين النسبية تؤول إلى‬
‫القوانين الكلسيكية عند السرعات المحدودة التي ل تقارن بسرعة الضوء‪ .‬ولكن ما أن تصبح السرعات قريبة من‬

‫‪10‬‬

‫سرعة الضوء فإن النظرية النسبية تتفوق تفوقا ل مثيل له وتعد الفضل والصلح في هذه الحالة‪ .‬ول بد أن‬
‫النظريات التي ستعقبها ستكون أعم منها وستنجح في النقاط التي قد تخفق فيها نظرية النسبية‪ ،‬ولن تسود هذه‬
‫النظرية حقبة طويلة المد كسابقاتها من النظريات‪ ،‬لن العلم يقفز من عصر لخر وسيأتي يوم تزول فيه النسبية‬
‫فالعلم ل يعرف نظرية نهائية فجميع نظرياته موقوتة بعصورها‪ ،‬مرهونة بأوقاتها‪ ،‬وهذا من أهم عوامل تقدمه‪.‬‬
‫المصدر‪http://www.makphys.com :‬‬

‫‪11‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful