‫شبكة الدرة السلمية‬

‫‪:‬‬
‫يقول الدكتور النامي في مقدمة تحقيقه لكتاب أجوبة ابن خلفون‪-9 :‬‬
‫‪:12‬‬
‫يرجع المذهب الباضي في نشأته وتأسيسه إلى عصر التابعين؛‬
‫فمؤسسه الذي أرسى قواعد الفقه الباضي وأصوله هو التابعي‬
‫الشهير‪ :‬جابر بن زيد الزدي فهو إمام محدث فقيه‪ ،‬من أخص‬
‫تلميذ ابن عباس‪ ،‬وممن روى الحديث عن أُ ّم المؤمنين عائشة‬
‫(رضي ال عنها) وعدد كبير من الصحابة مِمّن شهد بدرا‪ ،‬كان‬
‫إماما في التفسير والحديث‪ ،‬وكان ذا مذهب خاص به في الفقه‪ ،‬ولد‬
‫سنة ‪ 21‬للهجرة‪ ،‬وكان أكثر استقراره بالبصرة وبها توفي سنة‬
‫‪ 93‬للهجرة‪.‬‬
‫[ولم ينسب ِإلَيهِ المذهب وَإِنّمَا نسب إلى عبد ال بن إباض وهو‬
‫تابعي أيضا عاصر معاوية وتوفي في أواخر أَيّام عبد الملك بن‬
‫مروان فهي نسبة عرضية كان سببها بعض المواقف الكلمية‬
‫والسياسية التي اشتهر بها ابن إباض وتميز بها‪ ،‬فنسب المذهب‬
‫الباضي ِإلَيهِ‪،‬ولم يستعمل الباضية في تاريخهم المبكر هذه النسبة‪،‬‬
‫بل كانوا يستعملون عبارة "جماعة المسلمين" أو أهل الدعوة" وأول‬
‫ما ظهر استعمالهم لكلمة الباضية كان في أواخر القرن الثالث]‪.‬‬
‫وقد توزع علم جابر بن زيد في روافد كثيرة‪ ،‬لَ َعلّ أخصبها وأثراها‬
‫ما أثره عنه تلميذه الذين انتشر المذهب على أيديهم‪ ،‬أبو عبيدة‬
‫مسلم بن أبي كريمة التميمي‪ ،‬وضمام بن السائب وغيرهم‪ .‬وقد تَمّ‬
‫تدوين ذلك الفقه في فترة مبكرة‪ ،‬فكان جابر بن زيد نفسه مِمّن‬

‫شبكة الدرة السلمية‬

‫يستعمل الكتابة والمراسلة فكتب بأجوبته إلى تلميذه وأصحابه…‪،‬‬
‫[وقد حفظ لنا التاريخ شيئا منها إلى اليوم ]‪ .‬واستكتب بعض زملئه‬
‫من التابعين مثل عكرمة مولى ابن عباس في بعض المسائل‪ .‬والذي‬
‫بين أيدينا من روايات ذلك الفقه المبكر‪ :‬كتاب روايات ضمام‪ ،‬وفتيا‬
‫الربيع بن حبيب‪ ،‬وكتاب النكاح لجابر بن زيد‪ ،‬وكتاب الصلة له‪،‬‬
‫وكثير من الروايات عن تلميذه عمرو بن هرم وعمرو بن دينار‪،‬‬
‫بالضافة إلى حديثه الذي جمعه الربيع بن حبيب في مسنده‬
‫الصحيح‪ .‬فالمذهب الباضي بالنظر إلى تأسيسه ونشأته من أقدم‬
‫المذاهب الفقهية السلمية وهو نتاج مدرسة العراق والبصرة‬
‫خصوصا‪.‬‬
‫على أنّه وإن تأثر بمدرسة العراق فاستخدم علماؤها الرأي والقياس‬
‫أيضا على تردد من بعضهم خصوصا جابر بن زيد وأبا عبيدة‪ ،‬إلّ‬
‫أنّ تأسيسه على يدي جابر وهو محدث صاحب آثار جعل منهجه‬
‫يطبع فقه المذهب ويغلب عليه‪ ،‬ويحد من تأثير مدرسة الرأي‪ ،‬التي‬
‫عظم خطرها في العراق‪.‬‬
‫على أنّ اتساع دائرة المذهب الباضي كدعوة إسلمية سياسية عامة‬
‫جعل المذهب ل يكسب طابعا خاصا يغلب عليه مدرسة بعينها أو‬
‫ينسب إلى مدينة بعينها كالبصرة‪ ،‬فَإِنّ الباحث يتردد كثيرا قبل أَن‬
‫يرسل حكما عاما يربط فيه المذهب بمركز التجمع الباضي في‬
‫البصرة‪ ،‬فقد كانت تجمعات مماثلة في كل من الكوفة ومكة والمدينة‬
‫وخراسان عرف منها علماء بارزون مختارون‪ ،‬سجلت أقوالهم في‬
‫الثار المبكرة لعلماء الباضية‪.‬‬
‫واكتملت صورة المذهب وتم تحرير أقواله وآرائه في صورتها‬
‫النهائية في أواخر أَيّام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة‪ ،‬الذي خلف‬
‫جابر بن زيد على إمامة أشياخ المذهب في البصرة‪ ،‬وهي مركز‬

‫شبكة الدرة السلمية‬

‫التجمع الساسي لعلماء الباضية؛ حتّى قرابة نهاية القرن الثالث‪.‬‬
‫وعنه حمله طلبته الذين وفدوا عليه من المغرب والمشرق إلى‬
‫بلدانهم‪ ،‬التي أضحت (من بعد) مراكز لدول إباضية‪ ،‬لعبت دورا‬
‫سياسيا خطيرا‪ ،‬في كل من جنوب الجزيرة وشرقها (اليمن‪،‬‬
‫وحضرموت ثُمّ عمان وفي شمال إفريقيا‪ ..‬ليبيا‪ ،‬تونس‪ ،‬الجزائر)‪.‬‬
‫وقد عرف هؤلء التلميذ باسم خاص تطلقه عليهم كتب السير‬
‫والطبقات الباضية هو اسم‪" :‬حملة العلم"‪ .‬وبجهود حملة العلم‬
‫تأسست دولة الباضية في شمال إفريقيا‪ ،‬فكان إمام الظهور الوّل‬
‫لهذه الدولة هو‪ :‬أبو الخطاب عبد العلى بن السمح المعافري أحد‬
‫حملة العلم‪ ،‬وقد بايعه أصحابه بالمامة في منطقة "صياد" قرب‬
‫بلدة زنجور في طرابلس سنة ‪ 140‬الهجري‪ ،‬ولعب دورا هاما في‬
‫سياسة المنطقة في فترة قصيرة‪ ،‬التي حكمها أَيّام ملك العباسيين‪ .‬ثُمّ‬
‫بعد حروب متصلة بين جيوش الدولة العباسية وجموع الباضية في‬
‫المغرب‪ ،‬أفلح تلميذ آخر من تلميذ أبي عبيدة وأحد "حملة العلم"‬
‫وهو عبد الرحمن بن رستم الفارسي في تأسيس الدولة الباضية‬
‫بتاهرت‪ ،‬والتي استمرت قرابة مائة وعشرين سنة (‪ 120‬سنة)‬
‫وازدهرت مع ازدهارها‪ ،‬وما هيأته من ظروف الستقرار حركة‬
‫علمية ممتازة في كل من جبل "نفوسة" و"تاهرت" تركت ثروة‬
‫علمية واسعة ذات قيمة جليلة‪ ،‬وبعد سقوط الدولة الباضية في‬
‫تاهرت احتفظت التجمعات السكانية الباضية بنوع من الستقلل‬
‫الديني والسياسي‪ ،‬مكنها في متابعة تلك النهضة العلمية التي تقوم‬
‫على رعايتها مجالس العلماء‪ ،‬التي عرفت في اصطلح الباضية‬
‫"بمجالس العزابة"‪ ،‬فاتصل النتاج العلمي بين إباضية المغرب في‬
‫مختلف العلوم السلمية حتّى أَيّامنا هذه‪.‬‬
‫وَلَ َعلّهُ من النصاف أَن نقرر هنا حقيقة هامة ‪ ..‬هي أنّ المذهب رغم‬
‫تلك الجفوة التي اصطنعتها ظروف السياسة في تاريخ المة‬

‫شبكة الدرة السلمية‬

‫السلمية بينه وبين سائر مذاهب المة‪ ..‬يمثل في واقعه أقرب‬
‫صورة إلى حقيقة السلم الصيل‪ ،‬في عقائده وفقهه ومسلك أتباعه‪،‬‬
‫ويتميز تاريخه الطويل بذلك الصراع المتصل لقامة وجود سياسي‬
‫للعقيدة السلمية‪ ،‬ممثل في إمامة العدالة في حال الظهور‪ ،‬أو في‬
‫السعي المتصل لقامتها في مسالك الدين الخرى في أطوار‬
‫"الدفاع" أو "الشراء" أو "الكتمان"‪.‬‬
‫ونحن نطمع أَن يكون نشر آثار الباضية دافعا لعلماء المة للتدبر‬
‫في فقه المذهب الباضي‪ ،‬ووضعه في مكانه الصحيح الذي يُ َقوّي‬
‫ث المسلمين في عصرٍ هم أحوج‬
‫الجماعة‪ ،‬ويوحد صفوفهم‪ ،‬ويلُمّ شع َ‬
‫ما يكونون فيه إلى وحدة صفوفهم‪ ،‬ورصد قوتهم لصد طغيان‬
‫الطاغوت المتربص بهم في الداخل والخارج‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful