‫َتجَارِبُ ا ُلمَم‬

‫سكَ َويْه‬
‫َأبَو َع ِلىّ َأحْمَدُ بْنُ مُحَمّدٍ مِ ْ‬
‫تنسيق‬
‫خزانة الدب‬

‫غفر ال له ولوالديه‬

‫ج‪ ،1‬ص‪5 :‬‬

‫تصدير التصدير‬
‫نشر الزءان الوّل و الثان من كتاب تارب المم عام ‪ 1987‬م‪ .‬و حظى عملنا التواضع بالقبول و التشجيع من قبل الباحثي‬
‫من ذوى الختصاص‪ ،‬سواء ف ايران أو خارجها‪ ،‬و لكن تأخّر‪ -‬و لظروف طارئة‪ -‬صدور الجزاء التبقّية الاهزة ف الطبعة‬
‫بيث صدرت عام (‪ 2001 -1997‬م) ف الوقت الذي نفذت فيه النسخ النشورة من الزأين الوّلي‪ .‬إذن و عند ما عزم المر‬
‫على إصدارها كاملة و متزامنة‪ ،‬أعدنا النظر ف تصديرنا الذي صدّرنا به عملنا يوم ذاك‪ ،‬و أدخلنا فيه بعض ما استجدّ لنا بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫و الدير بالذكر أ ّن هذه الطبعة الحقّقة الكاملة الجزاء من تارب المم ل تقاس إطلقا بالطبعة السابقة الناقصة الجزاء الت‬
‫نشرها آمد روز (ج ‪ ،5‬ج ‪ 6‬الذيل‪ ،‬مصر ‪ )1914 -1916‬و ترجها الستشرق مرجليوث إل النليزية (أكسفورد ‪-21‬‬
‫‪ )1920‬و الت ل تشمل إلّا أق ّل من نصف أجزاء الكتاب من آخره‪ .‬حيث إن نشرتنا هذه تشمل و لوّل مرّة ف تاريخ النشر و‬
‫منذ عهد غوتبغ‪ ،‬ك ّل أجزاء تارب المم الستة مع ذيله و فهارسه‪ ،‬لتصبح ف النهاية ثان ملدات‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬و قد شاءت القدار أن ل يكون فراغنا من هذا العمل إلّا ف عامنا هذا بالذات‪ ،‬الذي صادف السنة اللف من وفاة‬
‫مسكويه من ناحية‪ ،‬و السنة الدولية لوار الضارات من ناحية أخرى‪ .‬لقد سبق أن عمل مسكويه الكثي من أجل هذا الوار‪،‬‬
‫فإنّه حكيم اسلم ّى غنوصىّ برغماتىّ‪ ،‬فلسف التاريخ و نظر ف تاريخ المم و الشعوب العتدّة با ف ذلك العصر و حسب‬
‫مصادر كانت ف متناوله‪ ،‬للتعرّف على مناحى حياتم و لستخلص‬

‫ج‪ ،1‬ص‪6 :‬‬
‫تاربم و التنبيه على مواضع العتبار منها‪ ،‬كما درس آداب العرب و الفرس و اليونان و الند و ذلك لكمال ال «جاودان‬
‫خرد» أى الكمة الالدة الت وجد نواتا عند الفرس القدمي و ألفاها تعمّ النسانيّة جعاء‪ ،‬كما خدم النسان من حيث هو‬
‫ى انتماء‪ ،‬و ذلك بحاولته الرائدة العترف با لدى الميع ف فلسفة الخلق الت ل تكن مدوّنة قبله‪ ،‬الفلسفة‬
‫إنسان و من دون أ ّ‬
‫ص و اللئق به و التوقّع منه‪ ،‬و ل يقصد إلّا‬
‫الت ل تدف إلّا سعادة النسان القصوى‪ ،‬و ل تنشد إلّا رقيه إل كماله العلى‪ ،‬الا ّ‬
‫تقوي سلوكه و ذلك لنقاذه مّا اعتاد أن يعانيه طيلة حياته‪.‬‬
‫و ف التام‪ ،‬نسأل ال تعال شأنه‪ ،‬و ذلك بعد شكره على هذا التوفيق‪ ،‬أن يوفّقنا ف إكمال الترجة الفارسية لذا الكتاب أيضا و‬
‫ف إتام ما تبقّى من العمل لسائر مصنفات هذا العال العلم اليرانّ السلمى نصّا و ترجة‪ ،‬و ف نشر دراست الستقلّة الشاملة‪،‬‬
‫الاصة بسكويه و دوره العلمي ف عصره‪ ،‬و الت أو ّد أن تكون آخر حلقة من هذه السلسلة‪ ،‬و ذلك لس ّد الفراغ الشهود على‬
‫هذا الصعيد‪ ،‬ف لغتنا الفارسية‪.‬‬
‫الدكتور ابو القاسم امامى طهران‪ -‬شتاء ‪ 1379‬ش‪ 1421 /.‬ق‪ 2001 /.‬م‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪7 :‬‬

‫تصدير عام حول مسكويه و تصنيفه تارب المم‬
‫مناهل دراسته‬
‫ل يرد ف الصادر القدية الت وصلت إلينا حت اليوم‪ ،‬ذكر بالتفصيل عن حياة مسكويه ييب على الكثي من السئلة الطروحة‬
‫أمام دارسيه‪ .‬و ك ّل ما لدينا هو نصوص مبعثرة ف هذا الصدر أو ذاك‪ ،‬تناقلها أصحاب التراجم و مؤرّخو الكمة‪ ،‬و هي نزر‬
‫قليل للغاية‪ .‬و من حسن الظّ أن نرى حكيما من كبار الكماء العاصرين لسكويه‪ ،‬مّن يعرف مسكويه عن كثب و يقدّر القيم‬
‫الت تنطوى عليها شخصيّته‪ ،‬نراه و ل يقنعه ما كتبه عن مسكويه ف كتابه و الذي ليس إلّا بقدر ما كتبه حول الكماء الخرين‬
‫بالختصار و التلخيص‪ ،‬بل يعدنا فيه أنّه سيخصّص رسالة بسكويه يعال فيها مزيدا من تفاصيل حياته‪ .‬و هذا الكيم هو أبو‬
‫سليمان النطقي السجستانّ الذي يعدّ بدوره من أعظم الكماء ف تلك القبة‪ .‬ث نرى‪ -‬و هذا من سوء الظّ‪ -‬أ ّن ما وعده أبو‬
‫سليمان ل يصل إلينا‪ ،‬سواء كان ل يوفّق ف إناز ما وعد‪ ،‬أو لنّه أنزه‪ ،‬و لكنّ صروف الدهر هي الت حرمتنا هذه الوثيقة القيّمة‬
‫الت كان من شأنا أن تغنينا مّا هو مبعثر هنا و هناك‪ ،‬و ليس إلّا تردادا لقليل من الكثي اللزم ف التعرّف على حياة مسكويه‪ .‬أمّا‬
‫ما وعده أبو سليمان‪ ،‬فهو ما قاله ف كتابه صوان الكمة‪:‬‬
‫«‪ ...‬أمّا ما سعته من ماري حياته‪ ،‬و شاهدته من سيه السنة‪ ،‬و أخلقه الطاهرة‪ ،‬فسأفرد فيه رسالة أقصرها على ذلك‪ ،‬إذ ليس‬
‫يتمل هذا الوضع‬

‫ج‪ ،1‬ص‪8 :‬‬
‫أكثر مّا ذكرته‪ ».‬و كان ظهور هذا الوعد الفريد ف الصوان‪ ،‬و مصيه الجهول بعد ذلك‪ ،‬بالنسبة للمعنيّي بدراسة مسكويه‬
‫«غمامة أبرقت‪ -‬كما قال القائل‪ -‬قوما عطاشا‪ ،‬فلمّا رأوها‪ ،‬أقشعت و تلّت» و ل تطر ما يشفى غليلهم‪.‬‬
‫و أمّا تصنيفه تارب المم‪ ،‬الذي ضمّنه ف الزأين الخيين منه حوادث عصره‪ ،‬و من خللا بعض حوادث حياته‪ ،‬فهذا الصدر‬
‫أيضا‪ ،‬يتوقّف عند سنة ‪ 369‬ه‪ ،‬و هذا يعن أنّ مسكويه عاش بعد ذلك حوال نصف قرن‪ ،‬تاركا كتابة الوادث التبقّية من‬
‫عصره‪ ،‬الوادث الت كان من شأنا أن تلقى مزيدا من الضوء على النصف الثان من حياته أيضا‪ ،‬و ذلك من خلل اتّصاله الوثيق‬
‫بالشخصيّات الدخيلة ف تلك الوادث‪ ،‬حيث كان مسكويه من وجوه أوساطهم‪.‬‬
‫و مهما يكن من أمر الصادر‪ ،‬فإننا ل نعمد هنا الوض ف تفاصيل حياة مسكويه‪ ،‬بل نكتفي بإيراد أه ّم الصادر الت فيها ترجة أو‬
‫ذكر لسكويه‪ ،‬نثبتها ف أربع فئات‪:‬‬
‫أ‪ .‬آثاره كسية ذاتيّة‪:‬‬
‫إنّ مسكويه قد يتحدّث ف مطاوى آثاره عن نفسه‪ ،‬بأحاديث لا دللت مهمّة ف معرفة أحواله و بعض نواحي حياته‪ ،‬و أخصّ‬
‫بالذّكر كتابه‪ :‬تذيب الخلق‪ ،‬و كتابه الخر‪ :‬الوامل و الشوامل‪ ،‬و الزءين الامس و السادس من تارب المم‪.‬‬
‫ب‪ .‬الصادر العاصرة لسكويه (‪ 421 -320‬ه)‪:‬‬
‫‪ .1‬أبو حيّان التوحيدي (‪ 414 -320‬ه) ف المتاع‪ ،‬و القابسات‪ ،‬و مثالب الوزيرين‪ ،‬و الصداقة و الصديق‪.‬‬
‫‪ .2‬أبو سليمان النطقي (العقد الوّل من القرن الرابع‪ 391 -‬ه‪ ).‬ف كتابه صوان الكمة‪.‬‬
‫‪ .3‬أبو منصور الثعالب (‪ 429 -350‬ه‪ ).‬ف تتمّة اليتيمة‪ .‬و أمّا ما ذكره عن مسكويه ف اليتيمة نفسها فل يتجاوز نقل بيتي من‬
‫شعر مسكويه قالما ف ابن العميد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪9 :‬‬
‫‪ .4‬أبو بكر الوارزمي (التوفّى سنة ‪ 382‬ه‪ ).‬ف رسائله‪.‬‬
‫‪ .5‬بديع الزمان المذان (‪ 389 -...‬ه‪ ).‬أيضا ف رسائله‪.‬‬
‫ج‪ .‬الصادر التأخّرة عن عصر مسكويه‪:‬‬
‫‪ .1‬البيهقي (التوف سنة ‪ 575‬ه‪ ).‬ف مطوط كتابه تاريخ حكماء السلم‪ ،‬عند كلمه عن الفيلسوف ابن الطيّب و تطاول ابن‬
‫سينا على علماء عصره‪ .‬و هو مطوط يتشابه كما قال عزّت (ص ‪ )146‬ف هذا الوضوع و غيه مع كتاب آخر مطبوع هو تتمة‬
‫ص بسكويه‪ ،‬كما نشر الكتاب‬
‫صوان الكمة‪ ،‬بل ها كتاب واحد بعنواني متلفي‪ ،‬نشر عزت ف كتابه (ص ‪ )146‬النصّ الا ّ‬
‫بكامله ف دمشق سنة ‪.1943‬‬
‫‪ .2‬ابن أب أصيبعة (‪ 616 -579‬ه‪ ).‬ف عيون النباء ف طبقات الطبّاء‪.‬‬
‫‪ .3‬ياقوت (التوف سنة ‪ 629‬ه‪ ).‬ف معجم الدباء أو إرشاد الريب‪.‬‬
‫‪ .4‬القفطي (‪ 656 -564‬ه‪ ).‬ف إخبار العلماء بأخبار الكماء‪.‬‬
‫‪ .5‬الشهرزوري (عاش شطرى القرني السادس و السابع) ف مطوطة نزهة الرواح و روضة الفراح‪ .‬و تد النص منشورا ف‬
‫عزّت (ص ‪ .)144‬و كلم الشهرزوري ف هذا النصّ اقتضاب مرّف من كلم أب سليمان النطقي ف نشرة بدوي (ص ‪.)346‬‬
‫ص الشهرزوري هذه العبارة‪« :‬إل وقتنا هذا» دون إشارة إل أنّ الكلم لب سليمان و أنّ‬
‫و العجيب من أمره أنّك تد ف ن ّ‬
‫الوقت وقته و وقت مسكويه‪.‬‬
‫‪ .6‬الصفدي (‪ 764 -696‬ه‪ ).‬ف الواف بالوفيات‪ .‬ترجم له ف هذا الكتاب بترجة وافقت ترجته ف معجم ياقوت‪.‬‬
‫‪ .7‬حاجي خليفة (‪ 1067 -1017‬ه‪ ).‬ف كشف الظنون‪.‬‬
‫‪ .8‬عبد ال أفندى التبيزي الصفهان (من أعلم القرن الثان عشر) ف رياض العلماء‪.‬‬
‫‪ .9‬الوانساري (‪ 1313 -1224‬ه‪ ).‬ف الروضات‪.‬‬
‫‪ .10‬السيد حسن الصدر (‪ 1354 -1272‬ه‪ ).‬ف تأسيس الشيعة لعلوم السلم‪ ،‬و ف الشيعة و فنون السلم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪10 :‬‬
‫‪ .11‬ممد على مدرس (‪ 1373 -1296‬ه‪ ).‬ف ريانة الدب‪.‬‬
‫‪ .12‬الطهران (‪ 1389 -1293‬ه‪ ).‬ف الذريعة‪ ،‬و ذلك عند ذكره لثار مسكويه‪.‬‬
‫د‪ .‬الدراسات الديثة‪:‬‬
‫أمّا الدراسات الديثة الت قام با الباحثون ف الشرق و الغرب‪ ،‬فبالضافة إل ما نشر منها ف دوائر العارف‪ ،‬أو ف تواريخ‬
‫الفلسفة السلمية‪ ،‬أو ف الفهارس‪ ،‬أو ف الجلت العلميّة‪ ،‬أو ف معاجم العلم‪ ،‬أو ف مقدمة النشرات لثار مسكويه‪ ،‬و غيها‪،‬‬
‫فإنّ هناك دراسات أخرى مسهبة مستقلة‪ ،‬أنزت أيضا‪ ،‬حول مسكويه و نقد آثاره و تقييم أعماله العلمية‪ .‬و هي حسب تاريخ‬
‫النشر‪:‬‬
‫الدكتور عزيز عزّت‪« :‬ابن» مسكويه و فلسفته الخلقيّة و مصادرها (القاهرة ‪ 1946‬م)‪،‬‬
‫و الدكتور عبد الرحن بدوي‪ :‬مقدمته السهبة على نشرته لاويدان خرد (الكمة الالدة القاهرة ‪ 1952‬م‪ ،‬طهران ‪ 1358‬ه‪.‬‬
‫ش‪،).‬‬
‫و الدكتور عبد الق أنصارى‪ :‬فلسفة مسكويه الخلقية (بالنليزية عليكره ‪ 1964‬م ‪)، M .S .Khan:‬مسكويه‪ ،‬حياته و‬
‫آثاره‪ ،‬بالنليزية‪ .‬أخبنا بذلك ف نشرته لرسالة مسكويه ف ماهيّة العدل (ليدن ‪ 1964‬م‪ :‬ص ‪ 1‬حاشية ‪ )1‬و لكنّنا ل ند أىّ‬
‫إشارة إل هذا الكتاب ف الدراسات الت أنزت بعد ذلك‪،‬‬
‫و الدكتور م‪ .‬أركون ‪ (M .Arkoun):‬النسيّة العربيّة ف القرن الرابع الجري‪ ،‬مسكويه الفيلسوف و الؤرّخ (باللغة‬
‫الفرنسيّة‪ ،‬باريس ‪ 1970‬م‪ ،‬و باللغة العربيّة‪ :‬نزعة النسنة ف الفكر العرب‪ ،‬جيل مسكويه و التوحيدي‪ ،‬بيوت‪ ،‬دار الساقي‬
‫‪ 1997‬م‪،).‬‬
‫و أخيا فإنّ لنا أيضا دراسة شاملة عن مسكويه باللغة الفارسية حاولنا من خللا س ّد الفراغ الشهود هنا ف ايران‪ ،‬مع العلم بأنّه‬
‫رازىّ‪ ،‬أى إيرانّ‪.‬‬
‫هذا علوة على هذا التصدير الذي بي يدي القارئ‪ ،‬و الذي نقل بتمامه و عن طبعته الول‪ ،‬ف مستدركات أعيان الشيعة ف‬
‫مادّة «أحد مسكويه»‪ ،‬و مقدّمتنا لترجتنا الفارسيّة لذا الكتاب‪ ،‬و ما كتبناه ف مادّة «أبو على مسكويه» ف «دايرة العارف‬
‫بزرگ إسلمي» (دائرة العارف السلميّة الكبى) العاد نشره ف «ذكرى ألفيّة أب على مسكويه» الت أقيمت ف مدينة قم ف‬
‫هذا العام‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪11 :‬‬

‫الفترة الت عاشها‬
‫عاش مسكويه حوال مائة سنة‪ ،‬و وصل إل أرذل العمر الذي امتدّ من سنة ‪ 320‬ه على القوى‪ ،‬إل التاسع من صفر سنة ‪421‬‬
‫ه‪ .‬بالتحديد على ما ذكره ياقوت نقل عن يي بن مندة‪ .‬و يبدو أن مرجليوث هو أوّل من حاول تديد مولد مسكويه‪ ،‬و ذلك‬
‫ف القدمة الت قدّمها لترجته النليزية للجزأين الخيين من تارب المم و ذيل الروذراورى له (أنظر ‪LEcl .,Pref .,P).‬‬
‫‪: .ii‬فنراه و قد حدّد مولد مسكويه «مؤقتا» سنة ‪ 330‬ه‪ ،.‬ث يعود قائل‪« :‬أو أسبق بقليل»‪ .‬ث ياول الدكتور عزّت (ص ‪-79‬‬
‫‪ )80‬تقدي هذا التاريخ من ‪ 330‬إل ‪ 325‬ه‪ .‬كما يقدّمه الدكتور عبد الرحن بدوي (ص ‪ )21 -20‬أكثر من ذلك و يعله‬
‫سنة ‪ 320‬ه‪ .‬قائل‪« :‬إن ل يكن قبل ذلك»‪.‬‬
‫و أمّا الدلئل أو المارات الوجودة لتحديد مولد مسكويه فهي‪:‬‬
‫‪ .1‬ما قاله مسكويه نفسه ف تارب المم ف مقدمة حوادث سنة ‪ 340‬ه‪ .‬فصاعدا‪ ،‬ذاكرا مصادره ف تقرير تلك الوادث‪ ،‬قال‪:‬‬
‫«أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة‪[ ،‬أى بعد سنة ‪ 340‬ه‪ ].‬فهو عن مشاهدة و عيان‪ ،‬أو خب مصّل يرى عندي خبه مرى ما‬
‫عاينته‪ .‬و ذلك أنّ مثل الستاذ الرئيس أب الفضل ممد بن السي بن العميد‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬خبّرن عن هذه الواقعة و غيها با‬
‫دبّره و ما اتّفق له فيها‪ ،‬فلم يكن إخباره ل دون مشاهدتى ف الثقة و السكون إل صدقه‪ ،‬و مثل أب ممد الهلّب‪ -‬رحه ال‪-‬‬
‫خبّرن بأكثر ما جرى ف أيّامه‪ ،‬و ذلك بطول الصحبة و كثره الجالسة‪ ،‬و حدّثن كثي من الشايخ ف عصرها با يستفاد منه‬
‫تربة‪ ،‬و أنا أذكر جيع ما يضرن ذكره‪ ،‬و ما شاهدته و جرّبته بنفسي فسأحكيه أيضا بشيئة ال‪ .2 ».‬ما قاله مسكويه ف تارب‬
‫المم أيضا عن نفسه‪( ،‬أنظر حوادث سنة ‪ ،)341‬و ذلك‬

‫ج‪ ،1‬ص‪12 :‬‬
‫عند ذكر مع ّز الدولة بالدّة و البذاءة‪ ،‬و موقف الوزير الهلّب من أخلقه‪ .‬قال مسكويه‪:‬‬
‫«و كان مع ّز الدولة حديدا سريع الغضب بذيء اللسان‪ ،‬يكثر سبّ وزرائه و الحتشمي من حشمه‪ ،‬و يفترى عليهم‪ ،‬فكان‬
‫يلحق الهلّب‪ -‬رحه ال‪ -‬من فحشه و شتمه عرضه ما ل صب لحد عليه‪ ،‬فيحتمل ذلك احتمال من ل يكترث له و ينصرف إل‬
‫منله‪ ،‬و كنت أنادمه ف الوقت‪ ،‬فل أرى لا يسمعه فيه أثرا‪ ،‬و يلس لنسه نشيطا مسرورا ‪ »....‬أمّا ف الدليل الوّل فيحدّثنا‬
‫مسكويه عن «طول الصحبة و كثرة الجالسة» الت كانت بينه و بي الوزير الهلب‪ ،‬و ف الدليل الثان يقول‪« :‬و كنت أنادمه ف‬
‫الوقت‪ ».‬و العروف أنّ الهلّب قد تولّى الكتابة لع ّز الدولة سنة ‪ 339‬ه‪ .‬و خوطب بالوزارة سنة ‪ 345‬ه‪ .‬و توفّى ف شعبان سنة‬
‫‪ 352‬ه‪( .‬أنظر التجارب‪ ،‬حوادث سنة ‪ ،)352 ،345 ،339‬و الفترة الواقعة بي سنت ‪ 339‬و ‪ 352‬هي الت كانت فيها تلك‬
‫النادمة و الصحبة و الجالسة الت وصفها مسكويه بالكثرة و الطول‪ .‬نعم صحيح أنّه «قد صحب الوزير الهلّب ف أيّام شبيبته»‪-‬‬
‫كما صرّح به أبو سليمان أيضا ف الصوان (ص ‪ -)347 -346‬و لكنّ مسكويه ف هذه الشبيبة‪ ،‬ل يكن أن تكون سنّة أق ّل من‬
‫‪ 25‬سنة‪ ،‬و خاصّة بالنظر إل أنّه «كان من خواصّه و وجوه الختصّي به»‪ -‬كما أضاف أبو سليمان‪ -‬و كان من النكة و‬
‫البصية على مستوى جعل الهلّب يتخذه نديا له و «يبه بأكثر ما جرى ف أيّامه»‪ ،‬كما جعل مسكويه بالذات يعدّ نفسه مصدرا‬
‫من مصادر تاريخ سنة ‪ 340‬فصاعدا‪ ،‬و ذلك ف قوله‪« :‬و أنا أذكر جيع ما يضرن ذكره‪ ،‬و ما شاهدته و جرّبته بنفسي‪،‬‬
‫فسأحكيه بشيئة ال‪ ».‬فبذلك ل يصحّ أن يكون مولده بعد سنة ‪ ،320‬كما تكون منادمته و صحبته الطويلة و مالسته الكثية‬
‫للوزير الهلّب ابتداء من عام ‪ 345‬أى دون احتساب المس السنوات الول (‪ 344 -339‬ه‪ ).‬من وزارة الهلّب و ذلك لبعض‬
‫الحتمالت السلبيّة الت قد تعترى هذا الفتراض‪.‬‬
‫‪ .3‬و هناك دليل آخر‪ ،‬و هو دليل على طول عمره أكثر من كونه دليل على تديد سنواته أو تديد ميلده‪ ،‬و هو أنّ لسكويه‬
‫أبياتا يشكو فيها «سوء أثر الرم و بلوغه أرذل العمر» (أنظر الثعالب‪ ،‬التتمة ص ‪.)96‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪13 :‬‬
‫فبهذا ل نستبعد أن يكون مسكويه قد عمّر مائة سنة كاملة (‪ )421 -320‬إن ل نقل أكثر من ذلك‪ ،‬و عاش قرنا كامل هو ألع‬
‫القرون السلميّة حضارة‪ ،‬و هو عصر النهضة ف السلم كما سّاه آدم متز‪ .‬و إذا عرفنا أنّ دولة البويهيي قد بدأت ف سنة‬
‫‪ 320‬ه‪ ،‬فيكون مسكويه و الدولة البويهية‪ ،‬تربي‪ ،‬أو‪ ،‬لدتي‪ ،‬تعاصرا قرنا كامل‪ .‬و السنوات الائة هذه كانت قمّة ازدهار تلك‬
‫الدولة‪ ،‬و أمّا السنوات التبقّية من عمر الدولة (‪ 448 -421 27‬ه‪ ).‬فهي سنوات تنحدر السرة البويهيّة فيها‪ ،‬إل حضيض‬
‫الضعف و الضمحلل‪ .‬فبذلك‪ ،‬يصبح مسكويه وثيقة حيّة من أوثق وثائق تلك القبة التاريية الت لا خصائص و ميزات ف‬
‫تاريخ الفكر و العلم السلميي‪ ،‬و إن كانت بالنسبة للخلفة العباسية عصر تفكّك و تعدّد ف مراكز الكم‪ ،‬مع العلم بأنّ هذا‬
‫بالذات‪ ،‬أدّى إل تعدّد مراكز العلم أيضا‪ ،‬كما أدّى إل ازدهار تلك الراكز‪ ،‬و نبوغ العلماء النتمي إل متلف أرجاء العال‬
‫السلمى آنذاك‪ ،‬و ذلك لتنافس المراء و تفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء و الدباء إل بلطاتم‪ .‬فنبغ ف غضون ذلك‬
‫رجال علم و حكمة و أدب و سياسة عاصرهم مسكويه و عاصروه‪ ،‬و كان مسكويه على اتّصال وثيق بكثي منهم‪.‬‬

‫مسكويه‪ ،‬ل ابن مسكويه‬
‫و اختلفوا ل سيّما ف القرون السلمية الخية ف أنّه‪ :‬من هو اللقّب بسكويه؟ هو‪ ،‬أى أحد‪ ،‬أو أبوه ممّد‪ ،‬أو جدّه يعقوب؟‬
‫و الواقع أنّ مسكويه لقبه هو‪ ،‬أى لقب أحد‪ ،‬و أمّا الختلف الوجود بذا الصدد‪ ،‬فيجع أول‪ ،‬إل عدم النتباه إل التسمية الت‬
‫سّاه با معاصروه من أصدقائه و زملئه‪ ،‬و ثانيا‪ ،‬لنّ بعض التأخرين رأوا مسكويه يسمّى نفسه بشكل ل يكن معه البتّ‪ ،‬لو ل‬
‫نستدلّ با دعاه به معاصروه‪ .‬فإنّنا نراه قد يسمّى نفسه «الستاذ أبو على أحد بن ممد مسكويه» (أنظر التجارب‪ ،‬الخطوطة‬
‫الصورة ‪ 182‬بن ‪ 480 ,6‬بن ‪ 5‬و الطبوعة من نشرتنا‪ ،‬ج ‪ ،170 :5‬ج ‪ ،410 :6‬جاويدان خرد [الكمة الالدة]‪،)375 :‬‬
‫كما قد يسمّى «أحد بن ممد بن يعقوب‬

‫ج‪ ،1‬ص‪14 :‬‬
‫مسكويه» (أيضا جاويدان خرد ص ‪ ،5‬و رسالته إل أب حيّان ف ماهيّة العدل‪ ،‬ص ‪.)12‬‬
‫فوقوع «مسكويه» تارة بعد اسه أحد‪ ،‬و تارة بعد اسم أبيه ممد‪ ،‬و تارة بعد اسم جدّه يعقوب‪ ،‬كان سبب الطأ الذي شاع ف‬
‫ما بعد‪ ،‬ف ضبط اسم مسكويه‪ ،‬فأوهم بعض الكتّاب أنّ مسكويه لقب لبيه‪ ،‬أو جدّه‪ ،‬فكتبوه‪« :‬أحد بن مسكويه»‪ ،‬أو‪« :‬أحد‬
‫بن ممد بن مسكويه» أو بشكل أغرب‪« :‬أحد بن ممد بن يعقوب بن مسكويه»‪ ،‬بعن أنّ «مسكويه» أصبح لقبا لب جدّه‬
‫(أنظر الوانساري‪ ،‬الروضات ‪ ،254 :1‬و الطهران‪ ،‬الذريعة ‪.)374 :3‬‬
‫و القيقة أنّه عند ما يقال‪« :‬أحد مسكويه» أو «أحد بن ممد مسكويه»‪ ،‬أو «أحد بن ممد بن يعقوب مسكويه»‪ ،‬فالقصد أن‬
‫ييء اللقب بعد أحد أى بعد اسه‪ ،‬فإذا ذكر السم وحده فاللقب يتلوه مباشرة‪ .‬و لكن إذا ذكر السم مصّصا بذكر اسم‬
‫الب‪ ،‬فيجيء اللقب بعد ذكر الب‪ ،‬و إذا كان هناك تصيص آخر بذكر اسم الدّ فيأتى اللقب بعد ذكر اسم الدّ‪ ،‬و هكذا‪.‬‬
‫لنّ مسكويه ذاته ل يذكر اسه متلوّا باسم أبيه‪ ،‬أو جدّه دائما‪ ،‬بل نراه أحيانا يذكر لقبه بعد كنيته (أب على) فقط‪ ،‬و نراه يفعل‬
‫ذلك بتكرار مشهود يبدّد ك ّل الشكوك بذا الصدد‪.‬‬
‫ففي شوامله على هوامل أب حيّان الت يبلغ عددها ‪ 175‬مسألة‪ ،‬نراه يذكر اسه ف مسته ّل كل جواب بقوله‪« :‬قال أبو على‬
‫مسكويه» اللّهم إلّا ف الجابة الول‪ ،‬حيث يذكر اسه متلوّا باسم أبيه فيقول‪« :‬قال أبو على أحد بن ممد مسكويه»‪ ،‬أى لرّة‬
‫واحدة فقط‪ ،‬و ذلك لتخصيص اسه باسم أبيه كما أشرنا إل ذلك‪ .‬فأحد نفسه هو اللقّب بسكويه‪ ،‬و هو ليس ابنا لسكويه‪ ،‬أو‬
‫سبطا له‪.‬‬
‫و أمّا العاصرون لسكويه (‪ 421 -320‬ه‪ ).‬الذين سّوه ف كتبهم «مسكويه» فهم‪ :‬أبو سليمان النطقي (‪ 391 -310‬ه‪ ).‬ف‬
‫صوان الكمة‪ :‬ص ‪ ،321‬و أبو حيّان التوحيدي (‪ 414 -320‬ه‪ ).‬ف المتاع‪ ،227 :3 ،136 ،35 :1 :‬و ف الصداقة و‬
‫الصديق‪ ،68 -67 :‬و ف مثالب الوزيرين‪ ،19 -18 :‬و أبو منصور الثعالب (‪ 429 -350‬ه‪ ).‬ف تتمّة اليتيمة ‪:1‬‬
‫‪ ،96‬و أبو بكر الوارزمي (‪ 382 -...‬ه‪ ).‬ف رسائله‪ .102 :‬و أمّا بديع الزمان المذان (‪ 389 -...‬ه‪ ).‬فنقل ضبطه ياقوت‬
‫ف معجم الدباء حيث قال‪« :‬و للبديع المذان إل أب على مسكويه» على أنّ هناك طبعة غي مقّقة من رسائل البديع (ص‬
‫‪ )323 ،100‬ورد فيها اسم‬

‫ج‪ ،1‬ص‪15 :‬‬
‫مسكويه بصورة خاطئة هكذا‪« :‬أبو على بن مشكويه» فلو كان ضبط البديع كمصدر لياقوت مالفا لضبط ياقوت‪ ،‬أو ضبط أب‬
‫حيّان‪ ،‬أو ضبط ابن مندة‪ ،‬من الذين ذكرهم ياقوت ف معجمه‪ ،‬لكان ياقوت ذكر هذا الختلف‪.‬‬
‫و أمّا القدماء من غي معاصري مسكويه الذين سّوه «مسكويه» فهم‪ :‬الروذراورى (‪ 488 -437‬ه‪ ).‬ف مقدمته على الذيل‪ ،‬و‬
‫ابن أب أصيبعة (‪ 616 -579‬ه‪ ).‬ف عيون النباء (الطبعات الثلث‪ :‬ص ‪ ،245‬ص ‪ ،236‬ص ‪ ،)331‬و ياقوت ف معجم‬
‫الدباء (نشرة مرجوليوث ج ‪ :5‬ص ‪ ،)11 ،10 ،6 ،5‬و الصفدي (‪ 764 -696‬ه) نقل كلم ياقوت بتمامه (أنظر‬
‫مرجوليوث ف نشرته لياقوت ‪ 5 :5‬الاشية)‪ .‬و قد صرّح ياقوت بأنّ مسكويه لقب لحد حيث ذكره ف عنوان كلمه بقوله‪:‬‬
‫«أحد بن ممد بن يعقوب اللقّب مسكويه» (برفع «اللقّب»)‪ .‬و القّ مع مرجوليوث حيث ضبط «اللقّب» بالرفع نعتا لحد ل‬
‫ليعقوب‪ ،‬و ذلك لنّ مرجوليوث شاهد بوضوح أنّ ياقوت نفسه يكرّر ذكر مسكويه ف خسة مواضع (ناقل عن معاصريه) بلفظ‬
‫مسكويه‪ ،‬فلم يتردّد ف ضبط «اللقّب» بالرفع إذا كان الضبط منه و ليس من مطوطة معجم الدباء‪ ،‬و نن نعتب ابن مندة أيضا‬
‫من الذين ذكروا مسكويه «مسكويه» حيث نرى ياقوت ينقل عنه بنفس الضبط‪ .‬و من هؤلء القدماء القفطي (‪ 646 -564‬ه)‬
‫ف تاريخ الكماء (ص ‪ )331‬و نصي الدين الطوسي (‪ 672 -597‬ه‪ ).‬ف أخلق ناصري (باللغة الفارسية ص ‪ ،)36 ،35‬و‬
‫حاجي خليفة (التوف ‪ 1067‬ه‪ ).‬ف كشف الظنون‪ ،‬و السخاوي (القرن التاسع) ف التوبيخ (ص ‪.)39‬‬
‫و أمّا ف الوسوعات و دوائر العارف‪ ،‬فهو مسكويه أيضا ف‪ :‬دائرة العارف السلمية (الطبعة الديدة ‪ 1971‬م‪ ،.‬النليزية و‬
‫الفرنسية) انسحابا من الوقف ف الطبعة القدية‪ ،‬ففي تلك الطبعة ورد «ابن مسكويه» كما ف الطبعة العربية و الطبعة الفارسية‬
‫(دانشنامه ايران و إسلم)‪ ،‬و هو مسكويه أيضا عند دهخدا ف لغتنامه‪ ،‬و كذلك ف دائرة العارف للبستان‪ ،‬كما صرّح العاملي‬
‫ف العيان بقوله‪« :‬مسكويه لقب أحد نفسه كما صرّح به جاعة ‪ »....‬أمّا الدراسات الستقلّة الت نشرت عن مسكويه‪ ،‬فهو ف‬
‫كلّها مسكويه كما رأيت من عناوينها الت سبق أن ذكرناها‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪16 :‬‬
‫و من بي الستشرقي فإنّ مرجوليوث أيضا صرّح بقوله‪« :‬إنّ مسكويه لقب له بالذات ل لبيه و هذا يظهر بلء كثي من كلم‬
‫معاصريه ‪( »...‬أنظر )‪ Ecl .,Preface ,ii‬و كذلك برجشتر أيسر الذي أورد مواضع جاء فيها «مسكويه» بدون «ابن»‬
‫(أنظر ‪: P .476‬بن ‪ 65‬بن ‪ ZDMG)،‬كما أخبنا الدكتور عزت عن مطوطات رسائل مسكويه (مموعة راغب باشا) جاء‬
‫فيها ضبط «مسكويه» بالصورة الصحيحة‪.‬‬
‫أمّا ما ورد ف مطوطة كتاب تاريخ الكماء للبيهقي (أنظر عزت‪ )146 :‬أو ف مطوطة نزهة الرواح للشهرزورى حيث جاء‬
‫«ابن مسكويه» فهو اقتضاب مرّف خاطئ من صوان الكمة لب سليمان‪ ،‬و نن عرفنا ضبط أب سليمان سواء ف ما نقله عنه‬
‫ياقوت‪ ،‬أو ف الصوان نفسه ف نشرة بدوي (ص ‪ .)346 ،321‬فهاتان الخطوطتان ل يكن العتماد عليهما‪ ،‬و لعلّ أخطاء‬
‫التأخرين ف ضبط اسم مسكويه إنّما نشأ عنهما‪.‬‬
‫و أمّا ما جاء ف مطوطة ابن خلكان (‪ 681 -608‬ه) الذي كتبه بطّ يده (التحف البيطان‪ ،‬الضافات‪ ،‬رقم ‪ ،25735‬ورقة‬
‫‪ 10‬ب) و الذي اعتمد عليه بروكلمن ‪ (GAL،‬اللحق ‪ 582 :1‬رقم ‪ )1‬و قال «من الحتمل أن يكون مسكويه‪ -‬و أصله‬
‫مشكويه‪ -‬لقب جدّه» كما فعل آمد روز )‪ (NoteontheHist .P .XVI‬فمردود ما دام مسكويه و معاصروه الكبار‬
‫يشهدون بلفه‪.‬‬
‫فبذلك كلّه‪ ،‬و ف ناية الطاف‪ ،‬فهو‪ :‬مسكويه‪ ،‬أى هو أبو على أحد مسكويه (ابن ممد بن يعقوب) أى اللقب له‪ ،‬ل لبيه‪ ،‬و ل‬
‫لدّه‪.‬‬

‫مسكويه‪ :‬مشكويه‬
‫إنّ الصل الفارسي لسكويه هو «مشكويه» كما جاء ف بعض طبعات رسائل المذان‪ ،‬و عند دولتشاه السمرقندي (القرن التاسع‬
‫الجري) ف تذكرة الشعراء‪( ،‬ص ‪ )24‬و عند يوست ف الساء اليرانية (باللانيّة‪ ،‬ص ‪ ،)218‬و عند بروكلمن (اللحق ‪:1‬‬
‫‪ 582‬الاشية) و عند جب )‪ (Gibb‬ف دائرة العارف السلمية‪ ،‬و كذلك عند لفيف من الكتّاب اليرانيي منهم سعيد نفيسى‬
‫ف ترجته لبن سينا (ص ‪ ،)131‬دانش پژوه على ظهر نشرته‬

‫ج‪ ،1‬ص‪17 :‬‬
‫لاويدان خرد‪.‬‬
‫أمّا ف تاريخ كمبدج فالشكل الفارسي للسم هو بالسي‪ :‬مسكويه( ‪: Muskuya‬أنظر ‪ P .924 -03‬بن ‪theCamb).‬‬
‫‪ .Hist .ofIran ,Vol .4‬و هذا غريب‪ .‬ل ّن النطق الفارسي للكلمة منذ عصر مسكويه‪ ،‬أو أسبق من ذلك‪ ،‬ل يعترف‬
‫بوجود حرف السي فيها‪ ،‬مهما يكن من أمر أصلها ف اللغات الندو إيرانية القدية‪ .‬فالسي هذه علمة وجود شكلي لتعريب‬
‫هذا السم‪ :‬مسكويه‪ ،‬مسكويه‪ .‬و الوّل أوفق للنطق العرب و الثان أقرب إل الشكل الفارسي‪:‬‬
‫مشكويه‪.‬‬
‫إ ّن كلمة مشكويه تركّبت من جزأين‪ :‬مشك أويه )‪ (Lmoshk uyeh‬أمّا الزء الوّل فهو ف الفارسية بضم اليم و كسرها‪،‬‬
‫و أصله ف السنسكريتية( ‪ muska‬مصغر ‪: mus‬بالفارسية موش‪ :‬الفأرة)‪ ،‬و ف اليونانية ‪ Lmoskos،‬و ف اللتينيّة ‪،‬‬
‫‪ Lmuskus‬و معن الكلمة‪ :‬الادة العطرة العروفة الأخوذة من غزال السك‪ ،‬و ل حاجة إل القول إنّه عرّب إل «مسك»‪ .‬قال‬
‫الوهري‪ :‬السك من الطيب فارسىّ معرّب‪ .‬قال‪ :‬و كانت العرب تسميه «الشموم»‪ .‬أمّا الزء الثان (أويه) فهو لحقة تلحق‬
‫بالكلمات لبيان التصاف‪ ،‬أو النسبة‪ ،‬أو التصغي‪ ،‬أو الستعطاف‪ ،‬و أمّا إذا قلنا «مشك )‪» (Lmashk‬بفتح اليم‪ ،‬فمعناه‬
‫جلده الغنم مدبوغا و غي مدبوغ‪ ،‬أو الوعاء الذي يصنع منه و يعل السقّاء فيه الاء‪ .‬و تعريبه «مسك» بالسي الهملة و بنفس‬
‫العن (أنظر اللسان‪ ،‬نفس الادّة)‪ .‬و هذا الشكل بعناه ربا يهمّ الذين ضبطوا «مسكويه» بفتح اليم‪ ،‬كما نده عند مرجوليوث ف‬
‫نشرته لعجم ياقوت (‪ )17 -5 :5‬مع العلم بأنّه ذكره بكسر اليم ف مقدّمته لترجة تارب المم‪.‬‬
‫أمّا العان الت أوردها أصحاب القواميس الفارسية لكلمة «مشكويه» (مشكوى ‪ moshkuy‬مشكو )‪ Lmoshku‬فهي‪:‬‬
‫بيت الصنام‪ .‬سرادق اللوك‪ .‬القصر‪ .‬الطابق الفوقان من البيت‪ .‬كما أنّ مشكوي ‪ Moshkuyi‬اسم لنغمة موسيقيّة‪( .‬أنظر‬
‫معي‪ :‬نفس الوادّ)‪.‬‬
‫و هناك ملحظة أخرى حول كلمة «مشكويه»‪ ،‬و هي أنّها اسم‪ -‬كما قال الؤرّخون الغرافيون‪ -‬لبليدة من أعمال الري بينها و‬
‫ى مرحلتان على طريق ساوه (أنظر مراصد الطلع‪ :‬نفس الادة‪ ،‬و القدسي‪ :‬ص ‪ ،400‬و أشباههما من الصادر)‪ ،‬و‬
‫بي الر ّ‬
‫لذلك اعتقد‬

‫ج‪ ،1‬ص‪18 :‬‬
‫بعضهم بأ ّن مولد مسكويه هو بليدة مشكويه هذه‪( .‬أنظر‪ :‬رى باستان [الري الثرية]‪.)625 :‬‬
‫و قال الدكتور عزّت بذا الصدد‪ :‬إنّ مسكويه لقّب بسكويه ربا لنّه كان يبّ هذا العطر‪ ،‬و يفضّله‪ ،‬و يتطيّب به‪ ،‬و هو ف‬
‫بعض أشعاره (أنظر التتمة‪ )98 :‬يستعمل كلمة السك للمقارنة السنة‪ ،‬فهو يشبّه خيار الناس و فضلءهم بالسك ف قوله‪:‬‬
‫و الناس ف العي أشباه و بينهم * ما بي عامر بيت ال و الرب‬
‫ف العود ما يقرن السك الذك ّى به * طيبا‪ ،‬و فيه لقى ملقى مع الطب‬
‫و كم كان بودّنا أن ند دليل نعتمد عليه على أنّ مسكويه من بليدة مشكويه من أعمال الري‪ -‬كما قيل‪ -‬حت يأتى دور التأمل‬
‫ف كيفية استعمال النسبة بذا الشكل ف اللغة العربية‪ ،‬لنّها لو كانت نسبة فارسيّة بلحقة «أويه»‪ ،‬لكان النسوب هو «مشك»‬
‫و نن نعلم أ ّن البليدة اسها «مشكويه»‪ ،‬فيلزم أن تكون النسبة إل «مشكويه» بأحد الشكال التالية‪:‬‬
‫مشكويى (من الصل الفارسي‪ :‬مشكويگى‪ ،‬كخانى و ميانى) أو‪ :‬مسكوي بذف ما يشبه تاء التأنيث ف النسبة العربية‪ :‬أو‪:‬‬
‫مسكويهى‪ ،‬على وزن سيبويهى‪ّ .‬ث يأتى دور هذا السؤال‪ :‬لا ذا ل يقولوا‪ :‬أبو على السكويهى؟ أى لا ذا ل يعرّفوه بأل التعريف‬
‫ف ضبطه العرب؟ إلّا أن يقال‪ :‬إ ّن النسبة ف أصلها الفارسىّ كانت على شكل «مشكويهاى» و كانت تكتب بالصورة التقليدية‪:‬‬
‫«مشكويه» أى بإثبات ياء صغية على شكل هزة على الاء‪ ،‬ث حذفت المزة استخفافا بشأنا ف ناية الكلمة‪ ،‬و على القاعدة‬
‫القائلة‪« :‬تلك كلمة أعجميّة فالعبوا با كيف شئتم» فقيل ف التعريب‪ :‬مسكويه على وزن سيبويه و نسى أمر التعريب فأصبحت‬
‫النسبة لقبا له‪ ،‬ث ابتليت بصي سائر الكلمات الفارسية الختومة ب «ويه» الت تنوس بي ضبط «‪ -‬أويه )‪» (Luyah‬و «‪-‬‬
‫ويه ‪» (LWayh).‬و ما دمنا ل نتوصل إل دليل مقنع يد ّل على صحّة أحد هذه الفروض‪ ،‬فل يكن الطمئنان إل أىّ شيء يقال‬
‫بذا الصدد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪19 :‬‬

‫أوصافه و ألقابه الخرى‬
‫لقد وصفه الترجون له من القدماء و التأخّرين بقولم‪ :‬الكيم‪ ،‬التكلّم‪ ،‬الفيلسوف‪ ،‬الخلقى‪ ،‬الؤرّخ‪ ،‬الرياضىّ‪ ،‬الهندس‪،‬‬
‫اللغوي‪ ،‬الديب‪ ،‬الشاعر‪ ،‬الكاتب‪ ،‬الذكىّ‪ ،‬الناقد‪ ،‬النافذ الفهم‪ ،‬الكثي الطلع على كتب القدمي و لغاتم التروكة‪ .‬كما كان‬
‫من ألقابه‪ ،‬علوة على لقب مسكويه‪ :‬الازن‪ ،‬و الندي‪ ،‬كما لقّب بالعلم الثالث‪ ،‬مع أ ّن اللّقب كان قد ترشّح له ابن سينا أيضا‪.‬‬
‫و يقال إنّ مسكويه لقّب بالعلم الثالث لدوره الف ّذ الذي لعبه ف إعادة بناء الفلسفة اليونانيّة ف فرعها العملي‪ ،‬أى ف فلسفة‬
‫الخلق‪ ،‬و جع أشتاتا و تحيصها و ترصيص أركانا‪ ،‬بصورة ل يزد عليها أىّ مصنّف صنّف ف فلسفة الخلق حت زماننا هذا‪.‬‬
‫أضف إل ذلك أنّ أبرز كتاب ف الخلق‪ ،‬ظهر ف اللغة الفارسيّة‪ ،‬هو كتاب‪ :‬أخلق ناصري‪ ،‬الذي ليس إلّا ترجة لكتاب‬
‫مسكويه‪ :‬تذيب الخلق‪ ،‬نقله إل الفارسيّة نصي الدين الطوسي و كان معجبا بسكويه و كتابه إعجابا كبيا يعرب عنه بأبياته‬
‫العروفة الت نظمها ف زمن سابق و قبل أن يقوم بترجته‪ ،‬و أوّلا‪« :‬بنفسي كتاب حاز كلّ فضيلة ‪( »...‬أنظر أخلق ناصري‪:‬‬
‫‪.)36‬‬
‫إنّ هذه اللقاب و النعوت الت لقّب با مسكويه و نعت‪ ،‬لى دليل على تعدّد عناصر شخصيّته و سعة آفاقه ف العلم و الكمة‪،‬‬
‫تعزّزه أدلّة أخرى تتمثّل ف تلك الثار الكثية القيّمة الت تركها لنا‪ ،‬و الت نوردها هنا باختصار‪:‬‬

‫آثاره ف حقول العرفة‬
‫‪ .1‬ترتيب السعادات و منازل العلوم (الترتيب‪ ،‬ترتيب السعادات‪ ،‬ترتيب السعادات و منازل العلوم‪ .‬أنظر التهذيب‪ :‬زريق‪،15 :‬‬
‫‪ ،124 ،91 ،49 ،39‬السعادة‪ .‬طبعة الطوبى‪ ،‬ترتيب العادات‪ .‬أنظر العاملي‪ ،)10 :5 :‬السعدة‪ .‬أنظر‪ :‬ملس‪ ،‬ف ‪ 7001‬و‬
‫ف الصوان هو اسم لكتاب آخر لسكويه‪ .‬و قد حقّقنا و نشرنا هذا الكتاب الصغي الجم تت عنوان‪:‬‬
‫ترتيب السعادات و منازل العلوم‪ ،‬و ذلك ف «مموعه گنجينه بارستان»‪ :‬خزانة بارستان‪،‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪20 :‬‬
‫حكمت ‪ ،1‬صص ‪ ،127 -97‬الت صدرت عن مكتبة و متحف و مركز وثائق ملس الشورى السلمى (طهران ‪ 1379‬ه‪.‬‬
‫ش‪ 2000 /‬م‪ ).‬و الكتاب شرح لراتب السعادة الثلث و تديد دقيق لراتب العلوم حسب مدرسة أرسطو و قيمتها ف الرقىّ‬
‫بالنسان نو السعادة و الكمال النسى (التهذيب‪.)15 :‬‬
‫‪ .2‬الفوز الصغر (الفوز الصغي‪ .‬أنظر الصوان‪ ،‬بدوي‪ ،347 :‬و القفطي‪ )332 :‬و قد يسمّى الكتاب باسم آخر هو‪ :‬كتاب‬
‫الواب عن السائل الثلث‪ .‬اختصر إقبال اللهورى نظام مسكويه الفلسفي من خلل الفوز الصغر‪ ،‬و قال‪« :‬إنّى أطرح‬
‫الفلسفة الول لسكويه الت ل شك أنّها أكثر انتظاما من فلسفة الفاراب‪ ،‬كما استبدل الفلسفة الفلطونيّة الديثة لبن سينا‪،‬‬
‫بالدمة الصيلة الت أدّاها مسكويه تاه فلسفة بلده‪( ».‬أنظر‪ :‬سي فلسفه در ايران‪.)33 :‬‬
‫‪ .3‬الوامل و الشوامل‪ .‬و قد استعار أبو حيّان التوحيدي كلمة الوامل لسئلته البعثرة الت تنتظر الواب (‪ 175‬مسألة) و‬
‫استعمل مسكويه كلمة الشوامل ف الجابات الت أجابه با‪ ،‬فضبط با هوامل أب حيّان الت كانت كالبل السيّبة‪ ،‬ل ّن الشوامل‬
‫هي اليوانات الت تضبط البل الوامل فتجمعها (أنظر أمي‪ ،‬القدمة ص «ج»)‪.‬‬
‫‪ .4‬تذيب الخلق (كتاب الطهارة‪ ،‬كتاب طهارة النفس‪ ،‬طهارة العراق‪ .‬أنظر نشرة زريق‪ )104 ،91 :‬أمّا تذيب الخلق‬
‫اسم أطلقه مسكويه أيضا على هذا الكتاب ف كتابه الخر‪ :‬جاويدان خرد (أنظر نشرة دانش پژوه‪ .)24 :‬و قد اتذ اسم‬
‫الكتاب أشكال متلفة ف مطوطات الكتاب‪ .‬نقله نصي الدين الطوسي إل الفارسية و سّاه‪ :‬أخلق ناصري‪ ،‬كما قال فيه و ف‬
‫مؤلّفه أبياته الربعة العروفة‪ ،‬إعجابا بما‪ .‬و نقله أبو طالب الزنان أيضا و بعده السيدة العالة نصرت أمي إل الفارسية‪ ،‬كما نقله‬
‫زريق إل النليزية (بيوت ‪ 1968‬م) و أركون )‪ (M .Arkoun‬إل الفرنسية (دمشق‪ ،‬العهد الفرنسى ‪ 1969‬م)‪ .‬و‬
‫الكتاب يتألّف من ستّ مقالت هي‪ :‬الول ف مبادئ الخلق‪ ،‬و الثانية ف اللق و تذيبه و الكمال النسان و سبيله‪ ،‬و الثالثة‬
‫ف الي و أقسامه‪ ،‬و السعادة و مراتبها‪ ،‬و الرابعة ف العدالة‪ ،‬و الامسة ف الحبّة و الصداقة‪ ،‬و السادسة ف صحّة النفس و‬
‫حفظها‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪21 :‬‬
‫‪ .5‬الفوز الكب (الكبي) ليس للكتاب أثر ف فهارس الكتب الطبوعة‪ ،‬بيد أنّ هناك رأيّا قائل بكون الفوز الكب و تذيب‬
‫الخلق كتابا واحدا‪ ،‬و ليس كذلك‪ ،‬لدلئل أقمناها ف بثنا الستقلّ عن مسكويه‪ .‬و نكتفي هنا بالقول‪ :‬إنّ أبا سليمان أورد‬
‫العنواني لكتابي متلفي (أنظر الصوان‪.)347 :‬‬
‫‪ .6‬فوز السعادة (نور السعادة‪ .‬أنظر العاملي ‪ .)146 :10‬نرجّح أن يكون الشبه القريب بي «فوز» و «نور» قد أدّى إل‬
‫تصحيف جعل صاحب ريانة الدب (‪ )208 :8‬يعدّها عنواني لكتابي متلفي و ها كتاب واحد‪ .‬كما أنّ موضوع الكتاب‬
‫يظهر من عنوانه بلء‪.‬‬
‫‪ .7‬رسائل فلسفية‪ .‬مفوظة ف مموعة راغب باشا تت رقم ‪ .1463‬و هذه الرسائل متصرة تبلغ صفحاتا ‪ 32‬صفحة و تتراوح‬
‫بي صفحة واحدة و ‪ 16‬صفحة و عناوينها هي‪:‬‬
‫أ‪ .‬رسالة ف اللّذّات و اللم‪ ،‬ب‪ .‬رسالة ف الطبيعة‪ ،‬ج‪ .‬رسالة ف جوهر النفس و البحث عنها‪ ،‬د‪ .‬رسالة ف العقل و العقول‪ ،‬ه‪.‬‬
‫رسالة ف النفس و العقل‪ ،‬و رسالة ف إثبات الصور الروحانية الت ل هيول لا‪ ،‬ز‪ .‬ما الفصل بي الدهر و الزمان‪.‬‬
‫‪ .8‬رسالة ف ماهيّة العدل‪ .‬العنوان الكامل لا كما جاء ف مسته ّل الخطوطة الوجودة ف مشهد (‪ )137 /44 ،43 :1‬هو‪:‬‬
‫رسالة الشيخ أب على أحد بن ممد بن يعقوب مسكويه إل على بن ممد أب حيّان الصوف‪ ،‬ف ماهيّة العدل و بيان أقسامه‪.‬‬
‫‪ .9‬جاويدان خرد‪ .‬قال مسكويه عنه‪:‬‬
‫«‪ ...‬فهذه جل نكمها قبل تفصيلها بالزئيات‪ ،‬و لول أنّا قد أحكمنا لك الصول كلّها ف كتابنا الوسوم بتهذيب الخلق‪،‬‬
‫لوجبنا لك إيرادها هاهنا‪ ،‬و لكن هذا كتاب غرضنا فيه إيراد جزئيات الداب بواعظ الكماء من كلّ أمّة و نلة‪ ،‬و تبعنا فيه‬
‫صاحب كتاب جاويدان خرد [أحد ملوك الفرس القدمي] كما وعدنا به ف أوّله‪ ،‬و لنّ موضوع الكتاب الوّل كتاب فارسىّ‪،‬‬
‫وجب أن نبدأ بآداب الفرس و مواعظهم‪ّ ،‬ث نتبعها بآداب المم الخرين‪».‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪22 :‬‬
‫فإذن‪ ،‬القسم الوّل للكتاب بن على جاويدان خرد من تأليف قدامى الفرس‪ ،‬و القسم الثان هو آداب المم الخرى‪ ،‬بدأها‬
‫بآداب الفرس التأخرين (إل ما قبل السلم)‪ .‬و أمّا آداب المم الخرى فهي‪ :‬آداب الند‪ ،‬آداب العرب‪ ،‬آداب الروم (منها‬
‫لغزقابس)‪ ،‬حكم السلميي‪.‬‬
‫‪ .10‬آداب الدنيا و الدين‪ .‬ذكره العاملي (‪ )145 :10‬و صاحب الذريعة (‪ )387 :1‬بفارق أنّ الخي ضبطه «أدب الدنيا و‬
‫الدين» و مصدرها صاحب الروضات الذي نقل بدوره عن النراقي ف الزائن‪ .‬ك ّل ما نقله الوانساري بشأن هذا الكتاب هو ما‬
‫أورده ف حاشية الروضات (‪ )255 :1‬و هذا نصّه‪:‬‬
‫«و قال الحقّق النراقي ف كتابه الزائن‪ :‬قال (ابن) مسكويه ف كتاب آداب الدنيا و الدين‪ :‬الفرق بي السرف و التبذير‪ ،‬أنّ‬
‫السرف هو الهل بقادير القوق‪ ،‬و التبذير هو الهل بواقع القوق‪ .‬انتهى‪.».‬‬
‫ث قال صاحب الروضات‪« :‬و ظنّى أنّ الغالب على كتابه هذا الذي ل نذكره ف الت‪ ،‬متون اللغة‪ ،‬و أصول العرفة مع شيء من‬
‫مراسم الشريعة و أحاديث العلم و الكمة‪ ،‬فيلحظ إن شاء ال منه ره‪ .11 ».‬أنس الفريد‪ .‬هذا هو عنوانه عند أب سليمان ف‬
‫الصوان‪ ،)247( :‬و ياقوت (‪ )10 :5‬و القفطي (‪ )331‬و الشهرزوري (أنظر عزّت‪ ،)144 :‬و عنوانه‪ :‬ندي الفريد‪ ،‬عند كلّ‬
‫من الوانساري (‪ )255 :1‬و العاملي (‪.)146 :10‬‬
‫قال ياقوت‪« :‬و له كتاب أنس الفريد و هو مموع يتضمّن أخبارا و أشعارا و أمثال غي مبوّب»‪.‬‬
‫و قال القفطي‪« :‬فمن تصانيفه كتاب أنس الفريد و هو أحسن كتاب صنّف ف الكايات القصار و الفوائد اللّطاف‪ ».‬قال آدم‬
‫متز (‪ ،)468 :1‬و ذلك بعد أن تدّث عن تطور القصص السلّية و السار الجنبيّة الظاهرة ف فنّ القصة منذ القرن الثالث‪،‬‬
‫قال‪« :‬و أخيا جاء دور مسكويه‪ ،‬و كان أكب مؤرّخى القرن الرابع‪ ،‬فألّف كتاب أنس الفريد و هو أحسن كتاب صنّف ف‬
‫الكايات القصار‬

‫ج‪ ،1‬ص‪23 :‬‬
‫و الفوائد اللّطاف‪ .‬و هذه القصص الديدة‪ ،‬هي من نوع يغاير ك ّل الغايرة القصص القدية الت ألّفها ابن قتيبة و صاحب العقد‪،‬‬
‫ففيها ند و لوّل مرّة تام السلوب القصصى السلمى‪ ،‬أعن طريقة القصص الت ليست عربيّة خالصة‪ .12 ».‬الواطر (أنس‬
‫الواطر؟)‪ .‬ذكره أبو سليمان ف الصوان باسم الواطر و نقل منه نصّا تد ّل على أن الكتاب ف النفس‪ ،‬و أنّها جوهر بهة و‬
‫عرض بهة‪ ،‬و ما إل ذلك‪.‬‬
‫‪ .13‬حقائق النفوس‪ .‬هكذا ورد عند العاملي (‪ )146 :10‬و تبعا له ف ريانة الدب (‪:8‬‬
‫‪ )208‬و هو مال آخر لدراسات مسكويه النفسيّة‪.‬‬
‫‪ .14‬كتاب السياسة للملك (العاملي ‪ ،146 :10‬و الوانساري ‪ )255 :1‬ذكره مسكويه ف التهذيب‪ .‬ذكر السيد حسن‬
‫الصدر ف كتابه التأسيس (ص ‪ )384‬كتابا لسكويه بعنوان‪:‬‬
‫كتاب السياسة السلطانيّة‪ .‬و نن نظ ّن أنّه ليس غي كتاب السياسة للملك‪.‬‬
‫‪ .15‬الستوف ف الشعر‪ .‬ذكر هذا الكتاب بنفس العنوان عند ك ّل من أب سليمان (ص ‪ )247‬و ياقوت (‪ .)10 :5‬و ذكره‬
‫الشهرزوري (ص ‪ ،76‬عزّت‪ ،)144 :‬و العاملي (‪.)145 :10‬‬
‫و لكنّ الوانساري ذكره بوصفه ل بعنوانه‪ .‬فقال عند إحصاء آثار مسكويه «‪ ...‬كتاب ف متار الشعار» فأصبح ذلك عنوانا‬
‫للكتاب عند صاحب الريانة (‪ .)208 :8‬ذكره أبو سليمان قائل‪« :‬الستوف ف الشعر الشتمل على حلّ الختار منه‪.16 ».‬‬
‫الرسالة السعدة‪ .‬ذكره مسكويه ف التهذيب بنفس العنوان كما ذكره أبو سليمان (ص ‪ )247‬بعنوان «رسالة السعدة» دون أىّ‬
‫شرح له و لكن عنوان الرسالة‪ -‬لو فرضنا أنّه لكتاب غي ترتيب السعادات‪( ،‬أنظر رقم ‪ -)1‬فإنّه ينطق بكونا دراسة ف مسألة‬
‫السعادة‪ ،‬ل سيّما بالنظر إل ما نعرفه عند مسكويه من الهتمام بوضوع السعادة‪.‬‬
‫‪ .17‬فوز النجاة‪ .‬ذكر الكتاب عند بعض من درس مسكويه هامشيّا بعنوان‪ :‬فوز النجاة ف الختلف (الخلق)‪ .‬يكن أن يكون‬
‫عنوانا ثانيا لكتابه الخر السمى فوز السعادة‪ ،‬و لكنّنا ل نستبعد أن يكون عنوانا لكتاب على حدة‪ ،‬بالنظر إل كثرة ما كتبه‬
‫مسكويه خصيصا ف علم النفس و الخلق‪.‬‬
‫‪ .18‬كتاب السي‪ .‬ذكره ياقوت (‪ )10 :5‬كما عرّفه باختصار قائل‪ ...« :‬و كتاب السي‪،‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪24 :‬‬
‫أجاده‪ ،‬ذكر فيه ما يسيّر به الرجل نفسه من أمور دنياه‪ .‬مزجه بالثر‪ ،‬و الية‪ ،‬و الكمة‪ ،‬و الشعر‪ ».‬هذا ك ّل ما أورده ياقوت و‬
‫نقل عنه العاملي بتمامه (العاملي ‪.)146 :10‬‬
‫‪ .19‬كتاب الامع‪ .‬ورد بنفس العنوان عند ك ّل من ياقوت (‪ )10 :5‬و العاملي (‪:10‬‬
‫ى السمّى بالاوى‪،‬‬
‫‪ .)146‬رجّح عزّت (ص ‪ )140‬أنّه ف الطبّ‪ .‬إن كان هذا صحيحا يكن القول‪ :‬إنّه أجع من كتاب الراز ّ‬
‫ل ّن مسكويه درس الرازي و أكبّ على كتبه‪ ،‬ث كتب هذا الكتاب ف ضوء اجتهاداته بعد تلك الدراسة‪.‬‬
‫‪ .20‬كتاب ف تركيب الباجات من الطعمة (كتاب الطبيخ‪ .‬أنظر ابن أب أصيبعة ص ‪ .)245‬قال القفطي (ص ‪ )332‬و ذلك‬
‫عند إحصائه لكتب مسكويه الطبيّة‪ ..« :‬و كتاب ف تركيب الباجات من الطعمة‪ ،‬أحكمه غاية الحكام‪ ،‬و أتى فيه من أصول‬
‫علم الطبيخ و فروعه بك ّل غريب حسن‪ ».‬و قد ذكر الكتاب عند البعض بعنوان‪ :‬كتاب البطيخ! و هو تصحيف ل مالة‪.‬‬
‫‪ .21‬كتاب الشربة‪ .‬ذكره ابن أب أصيبعة (ص ‪ )245‬بنفس العنوان‪ ،‬كما ذكره العاملي (‪ )146 :10‬بقوله‪« :‬كتاب الشربة و‬
‫ما يتعلق با من الحكام الطبيّة‪ ».‬و اختصره أمي الدولة ابن التلميذ (ابن أب أصيبعة ‪.)276 /1‬‬
‫‪ .22‬كتاب ف الدوية الفردة‪ .‬هذا الكتاب تفرّد بذكر اسه القفطي (ص ‪ )332‬فلم يذكره غيه من الترجي لسكويه‪ ،‬من أمثال‬
‫ابن أب أصيبعة الذي ذكر بعض آثاره ف الطبّ و العلج‪.‬‬
‫‪ .23‬متصر النبض‪ .‬كتاب ف الطب‪ ،‬كتب لعضد الدولة البويهي‪ ،‬و هو متنازع فيه بي ابن سينا و بي أب على مسكويه‪ ،‬أو أب‬
‫على مندويه‪ .‬أمّا انتساب الكتاب إل ابن سينا فمردود‪ ،‬لنّه كان طفل عمره سنتان عند ما مات عضد الدولة‪ ،‬و لذلك ذهب‬
‫فيلسوف الدولة صاحب كتاب مطرح النظار إل أنّ الكتاب لب على مسكويه أو لب على مندويه (أنظر الگود‪ ،‬تاريخ پزشكى‬
‫ايران ص ‪.)280‬‬
‫‪ .24‬رسالة ف الحرّك و التحرّك‪ .‬ذكرها مسكويه ف كتاب العقل و العقول‪.‬‬
‫‪ .25‬رسالة ف الكمة النادرة‪ .‬ذكرها دفّاع ف كتاب اسهام العرب (ص ‪.)148‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪25 :‬‬
‫‪ .26‬رسالة ف ذكر الجر العظم‪ .‬ف الكيمياء‪ 47 ،‬آ‪ ،‬دانشگاه طهران ‪ 291( 941‬بن ‪ 4‬بن‪GAS).‬‬
‫‪ .27‬رسالة ف الكيمياء‪ .‬أصغر مهدوى ‪ 280‬نشريه ‪ 291( 2‬بن ‪ 4‬بن ‪ GAS).‬و يتحدّث سزگي عن مقارنة تّت بي هذه‬
‫الرسالة و رسالة ف ذكر الجر العظم‪ ،‬و أنتجت أ ّن العنواني لرسالة واحدة‪.‬‬
‫‪ .28‬الكن الكبي‪ .‬بشي آقا ‪ 126 ،505‬آ‪ 158 -‬آ (‪ 291‬بن ‪ 4‬بن‪GAS).‬‬
‫‪ .29‬تتمّة كتاب كن الكمة‪( .‬الكن الكبي؟) آستان قدس ‪ ،14148‬مموعة (‪ )1‬صص ‪ .275 -231‬هذه التتمّة قدّمناها‪ .‬ف‬
‫الؤتر السنوى العشرين لتاريخ العلوم عند العرب (حلب‪ 27 -25 ،‬سبتمب ‪.)1999‬‬
‫‪ .30‬تفصيل النشأتي و تصيل السعادتي‪ .‬قال ف الذريعة‪« :‬ذكر هذا العنوان صاحب الريانة و ل ند عند غيه‪ .‬قال صاحب‬
‫الريانة [عند ذكره لثار مسكويه]‪ :‬تفصيل النشأتي و تصيل السعادتي ف الخلق‪ ،‬و للراغب الصفهان أيضا كتاب ف معرفة‬
‫النفس بذا العنوان‪ .31 ».‬أحوال الكماء و صفات النبياء السلف‪ .‬هكذا ورد العنوان عند الوانساري (‪:1‬‬
‫‪ ،)256‬و هو عند العاملي‪« :‬أحوال الكماء السلف و صفات بعض النبياء السالفي»‪.‬‬
‫‪ .32‬الختصر ف صناعة العدد‪ .‬إنّ أبا سليمان النطقي (ص ‪ )247‬و بعده الشهرزوري (عزّت‪ )141 :‬يشيان إل أنّ له‬
‫مصنفات «ف جيع الرياضيّات و ‪ ...‬و الساب و ‪ ...‬مّا هو متداول ف اليدى يقرأ عليه ف أيام مالسه‪ ».‬دون ذكر لعنوان‬
‫واحد من عناوين آثاره الرياضيّة‪ .‬بيد أنّ مسكويه نفسه ذكر ف التهذيب اسم أحدها و هو‪ :‬الختصر ف صناعة العدد‪.‬‬
‫‪ .33‬فقر أهل الكتب‪ .‬ذكره الشهرزوري (ص ‪ ،76‬أنظر عزّت‪ ،)141 :‬و هو كتاب قد يكون طريفا كما نبّه عليه عزّت‪ .‬لنّ‬
‫ك با‪ ،‬و الت ينتمي إليها بكم كونه خازنا لكتبات المراء و‬
‫مسكويه ربا يعرض فيه نتائج تربته الاصّة مع هذه الفئة الت احت ّ‬
‫الوزراء البويهيي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪26 :‬‬
‫‪ .34‬رسالة ف دفع الغمّ من الوت‪ .‬هكذا ورد عند سزكي (‪ 336‬بن ‪ )3‬حقّقها لويس شيخو و نشرها تت عنوان رسالة ف‬
‫الوف من الوت (عام ‪ 1911‬م‪ ،).‬و نسبها خطأ إل ابن سينا و هي من مسكويه (انظر أخلق ناصري‪ ،‬نشرة مينوى ص ‪)606‬‬
‫و نسبت مرّة أخرى إل ابن سينا عند ما نشرت ضمن رسائل ابن سينا ف الكمة الشرقية (ليدن ‪ 1894‬أنظر مقق ص ‪،209‬‬
‫‪ ،)430‬كما نقلها إل الفارسية البقعى القمي ف ‪ 73‬صفحة تت عنوان‪:‬‬
‫چرا از مرگ بترسم‪ :‬لا ذا أخاف من الوت؟ (قم‪ ،‬ط ‪ 1327 ،2‬ش‪ -‬أنظر مشار)‪.‬‬
‫‪ .35‬تعاليق على الكتب النطقية‪ .‬ذكرها أبو سليمان النطقي (ص ‪ )247‬بقوله‪ :‬تعاليق حواشي الكتب النطقية‪ .‬كما ذكرها‬
‫الشهرزوري و الوانساري و العاملي بتغيي طفيف ف السم‪.‬‬
‫‪ .36‬وصيّة له‪ .‬أوردها أبو سليمان ف الصوان (ص ‪ )352 -347‬و مسكويه نفسه ف جاويدان خرد (نشرة بدوي ص ‪-285‬‬
‫‪ )292‬أولا‪« :‬يا طالب الكمة طهّر لا قلبك ‪ »...‬و ختامها‪« :‬بل حاجة إل تفكي و تييز و تطلّب‪ ».‬كما أورد أبو سليمان‬
‫فصل آخر من كلم مسكويه بعد إيراده الوصيّة‪.‬‬
‫‪ .37‬وصيّة أب على مسكويه (عهده مع نفسه)‪ .‬أوردها ياقوت (‪ )19 -17 :5‬و نقل عنه العاملي (‪ ،)199 -198 :10‬أولا‪:‬‬
‫«هذا ما عاهد عليه أحد بن ممد و هو يومئذ آمن ف سربه ‪ »...‬و ختامها‪« :‬و صرف جيع البال إليه‪ ».‬أعجب با التوحيدي و‬
‫نقلها ف القابسة ‪( 94‬ص ‪ )383‬دون تصريح باسم صاحبها‪ ،‬مع الثناء الميل الكثي عليه‪.‬‬
‫‪ .38‬مراسلة بينه و بي بديع الزمان المذان‪ .‬للبديع رسالة اعتذار إل مسكويه‪ ،‬أجاب عليها مسكويه‪ .‬تد الرسالة و الواب‬
‫عند ياقوت (‪.)17 -11 :5‬‬
‫‪ .39‬شعر مسكويه‪ .‬نقل الثعالب (التتمة‪ )100 -96 :‬و نقل عنه ياقوت (‪ )17 -7 :5‬ناذج من شعره‪ .‬و أثن عليه الثعالب‬
‫بقوله‪« :‬و كان ف الذروة العليا من الفضل و الدب و البلغة و الشعر‪ .40 ».‬نزهت نامه علئى‪ .‬ذكره العاملي (‪)145 :10‬‬
‫و صاحب الريانة (‪ )208 :8‬و نسباه إل مسكويه‪ .‬كما ذكره صاحب الذريعة (‪ )130 :24‬و نسبه إل شهمردان بن أب الي‬

‫ج‪ ،1‬ص‪27 :‬‬
‫الرازي قائل‪« :‬و قد نسبه إساعيل پاشا (هدية ‪ )73 :1‬خطأ إل «ابن» مسكويه و عنه أخذ ف أعيان الشيعة و كذلك أخطأنا‬
‫نن ف النابس‪ -‬ص ‪ 28‬فإذن الكتاب ليس لسكويه‪.‬‬
‫‪ .41‬تارب المم‪ .‬و هو الكتاب الذي بي يدي القارئ‪ .‬كتاب جليل ف التاريخ‪ ،‬و مصدر ل يستغن عنه ف الدراسات التارييّة‪،‬‬
‫ل ينشر حت الن‪ -‬مع السف‪ -‬ل عندنا ف ايران‪ ،‬و ل ف غيها من البلدان السلمية و غي السلمية‪ ،‬إلّا بعض أجزائه‪.‬‬
‫فأخذنا على عاتقنا تقيق نصّه و نشره بكامل أجزائه‪ ،‬مشفوعا بزئى الذيل و الفهارس‪ ،‬كما عزمنا على ترجته إل اللغة الفارسية‪،‬‬
‫حت ل يبقى مواطنونا الذين هم مواطنو مسكويه أيضا‪ ،‬مرومي من قراءته‪ ،‬و التمتع با يتضمّنه هذا الثر العظيم‪ ،‬من الفوائد ف‬
‫دراسة الاضي‪ ،‬و العتبار به‪.‬‬
‫و لتجارب المم من حيث نظرة مسكويه التاريية‪ ،‬أهيّة بالغة‪ ،‬كما له من حيث عرضه و نشره و الهتمام به‪ ،‬مصي ملتو‬
‫غريب‪ ،‬ناول أن نتناوله هنا بقدر ما يتيح لنا الجال ف هذا التصدير‪ ،‬فنقول‪:‬‬

‫التاريخ كما يراه مسكويه‬
‫بنظرة إل مقدمة تارب المم‪ ،‬يتّضح أنّ التاريخ ف رأى مسكويه‪ ،‬يشتمل على أحداث يكن للنسان أن يستفيد منها تربة ف‬
‫حياته الفردية و الجتماعية‪ ،‬ف أمور ل تزال يتكرّر مثلها‪ ،‬و ينتظر حدوث أشباهها‪ ،‬و إذا عرف النسان تلك الحداث و قيمتها‬
‫التجريبيّة ث اتّخذها إماما لنفسه‪ ،‬يقتدى به‪ ،‬فهذا يعله يذر مّا ابتلى به قوم‪ ،‬و يتمسّك با سعدوا به‪ .‬و النظرة هذه تبتن على‬
‫رأيه القائل‪ :‬إنّ أمور الدنيا متشابة‪ ،‬و أحوالا متناسبة‪.‬‬
‫فباستطاعة النسان أن يقارن الاضر بالاضي‪ ،‬و يهتدى بدى التجارب الت حصلت فيه للسلف‪ .‬ث إنّ ما يفظه النسان من‬
‫التاريخ‪ ،‬كأنه تارب له‪ ،‬باشرها بنفسه‪ ،‬فأصبح خبيا بالمور الت ل يرّبا فعل ف حياته‪ ،‬حت إنّه يعرفها بعد ذلك قبل وقوعها‪،‬‬
‫فيستقبلها استقبال الب‪ ،‬فيفعل ف علجها النسب و الجدى‪ ،‬فيحلّ مشاكله‪ ،‬و ينجح ف مشاريعه ناح البي الواعي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪28 :‬‬
‫بيد أنّ مسكويه ل حظ أنّ تلك الخبار التارييّة القّة مغمورة بالسار‪ ،‬متبدّدة ف الرافات و الساطي الت ليست لا فائدة إلّا‬
‫استجلب النوم با‪ ،‬و التأنّس بالستطرف منها‪ .‬فأخذها بالنقد و استخراج ذات القيمة منها‪ ،‬و ضرب صفحا عمّا ل يد فيها‬
‫قيمة تارييّة تريبيّة و تركها و هو يرى أنّ للحداث التارييّة القّة أيضا أنس السمر الذي يوجد ف الرافات و الساطي‪ .‬إنّ‬
‫مسكويه ل يثق بروايات ما قبل الطوفان‪ ،‬لفقدانا القيمة التارييّة الت ينشدها هو‪ ،‬كما ل يد ف العجزات تربة إنسيّة يستطيع‬
‫الميع أن يارسوا مثلها‪ ،‬أو يعتبوا با‪ ،‬و هذا ل يعن أنّه ترك ما كان للنبياء من تدابيهم البشريّة الت ليست مقرونة بالعجاز‪،‬‬
‫ل ّن هذا النمط من أخبارهم وارد ف صميم ما اهتمّ به مسكويه ف كتابة التاريخ‪ .‬مع العلم بأنّ لسكويه كتابا ف صفات النبياء‬
‫السالفي تت عنوان‪ :‬أحوال الكماء و صفات النبياء السالفي (أنظر التصدير‪ :‬الثار)‪ .‬و هذا ردّ على الستشرق كرادى فو )‬
‫‪ (I ,601‬ف ما اتّهمه به من أنّه ل يترم السنّة‪ .‬و أخيا‪ ،‬عمد مسكويه إل أحداث ترى على البخت و التّفاق‪ ،‬مّا هو خارج‬
‫عن نطاق تدبي النسان و قدرته‪ ،‬حت تكون ف حسبانه‪ ،‬و ل تسقط من ديوان الوادث عنده‪ ،‬و ما ينتظر وقوع مثله‪ ،‬و إن ل‬
‫يستطع ترّزا من مكروهه‪.‬‬
‫إنّه لن ينسى ما ضمنه ف مقدّمة الكتاب‪ ،‬بل نراه يؤكد هنا و هناك و بناسبات شتّى‪ ،‬على أغراضه و يص ّر على الضىّ ف النهج‬
‫الذي نجه لنفسه ف عمله‪ .‬فحينا نراه يبّر تركه ذكر بعض الشياء بقوله‪« :‬لروجها عمّا بنينا عليه غرض هذا الكتاب (‪264‬‬
‫بن ‪ ،)1‬و حينا يؤكّد على هذا الغرض حت ف عنوان حدث أراد ذكره‪ .‬ففي عنوان الديث عن الشورى يقول‪:‬‬
‫«ذكر ما يب ذكره من حديث الشورى و ما يليق منه بذا الكتاب‪ ».‬و كذلك‪ ،‬و بعد أن ينقل الوار الذي جرى بي المام‬
‫على بن أب طالب و الزبي‪ :‬الوار الذي أثّر ف الزبي حت أقسم ل يارب عليّا‪ -‬لول وسوسة ابنه له و اقتراحه التكفي عن‬
‫اليمي بعتق غلم له يقال له‪ :‬مكحول‪ -‬و بعد إيراده هذا الدث نراه يقول‪« :‬و إنّما حكينا هذه الكاية لنّ فيها تربة تستفاد‪،‬‬
‫و إن ذهب على قوم فإنّا ننبّه عليه‪ ،‬و ذلك أنّ الحنق ربا سكن بالكلم الصحيح‪ ،‬و الساكن ربا أحنق بالزور من الكلم‪ ،‬و‬
‫ذلك بسب تأتّى من يريد ذلك‪ ،‬و إتيانه من وجهه‪».‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪29 :‬‬
‫(‪ 550‬بن ‪ .)1‬و ل يهمّه ف ذلك شخصيّة القائل أو الفاعل‪ ،‬و ل ينظر إل من قال أو فعل‪ ،‬بل يهمّه مغزى ما قال أو فعل‪ ،‬من‬
‫حيث تلؤمه و أغراضه ف كتابه تارب المم‪ .‬فنراه يستحسن موقفا من مواقف الضحّاك الشهي بالسفك و القتل و الظلم‪ ،‬و‬
‫ينقل كلما منه حيث قال ف الجابة على أمّه البذيئة‪« :‬فلمّا همت بالسطوة بم (أى‪ :‬بكاب الصبهان و أصحابه عند ما زاروه‬
‫للتأتّى له و استعطافه‪ 14 -15 -‬بن ‪ )1‬وقف القّ بين و بينهم كالبل‪ ،‬فحال بين و بي ما أردت‪ ».‬ث يعلّق مسكويه على‬
‫هذا الكلم بقوله‪« :‬فهذا ما استحسن من فعل الضحّاك و قوله و ل يعرف له شيء مستحسن غيه‪ ».‬إنّ هذا اللتزام الواعي‬
‫الذي يبديه مسكويه تاه منهجه‪ ،‬هو ما ل نراه عند كثي من الصنّفي‪ .‬فمسكويه‪ ،‬كما قال روزنتال (‪ )197 ،196‬يثّل مستوى‬
‫عاليا ف الكتابة التارييّة‪ ،‬فهو قلّما يهتمّ بالمور التافهة‪ ،‬بل يدرك كلّ ما له قيمة تارييّة جوهريّة‪ ،‬و يعرض الحداث الامّة بشكل‬
‫معقول متماسك‪.‬‬
‫إنّ الؤرخي السلمي‪ -‬و معظمهم مّن تأخّر عن مسكويه و تأثّر به بالذات‪ -‬نظروا إل التاريخ من حيث هو درس و عظة و‬
‫عبة‪ ،‬و لكنّ مسكويه‪ ،‬السابق ف هذا الضمار‪ ،‬هو الؤرّخ الوحيد الذي نج منهج الستدلل الفلسفي مع ما كان له من نظرة‬
‫أخلقية عمليّة برغماتية )‪ (Pragmatic‬إل حوادث التاريخ (زرياب‪ -180 :‬بتصرّف)‪ .‬إنّك ل تد بي الؤرّخي السلمي‬
‫مؤرّخا عمد إل التاريخ عن وعى وجدّ‪ ،‬نشدانا للفوائد الت تنطوى عليها أحداثه‪ ،‬بالستوى الذي عمد إليه مسكويه‪ .‬إنّه حكيم‬
‫أخلقىّ‪ ،‬و مصنّف كتاب حكيم باسم تارب المم‪ .‬كما هو رائد ف الكتابة العلميّة للتاريخ‪ ،‬و أوّل من ش ّق الطريق إل فلسفة‬
‫التاريخ‪ ،‬ليكون أسوة حسنة فيما بعد‪ ،‬لمثال رشيد الدين فضل ال (‪ 718 -645‬ه) ف جامع التواريخ‪ ،‬و ابن خلدون (‪-732‬‬
‫‪ 806‬ه) ف مقدمته‪ ،‬ث الكافيجي (القرن التاسع) ف كتابه‪ :‬الختصر ف علم التاريخ‪ ،‬و السخاوي (‪ 920 -830‬ه) ف كتابه‪:‬‬
‫العلن بالتوبيخ لن ذ ّم أهل التاريخ (زرين كوب‪ -74 ،71 :‬بتصرف)‪ .‬و هناك ميزة أخرى أشار إليها كيتان ف مقدمته حيث‬
‫قال‪ :‬إنّ الثر الذي بقي لنا من مسكويه‪ ،‬بن على أساس منهج قريب جدا من البادئ التّبعة عند مؤرّخى العال الغرب و الؤرّخي‬
‫التأخّرين‪ ،‬و مسكويه خلفا لسلفه الشهي الطبي الذي استهدف‪ -‬أساسا‪ -‬جع الواد التارييّة‪،‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪30 :‬‬
‫و عرضها على ترتيب تاري ّى لئق‪ ،‬عزم على أن يصنّف تاريه كبناء عضوي يكون الفكر الساسى الحدّد عنصرا بنّاء ف الكتاب‬
‫بأسره‪ ،‬رابطا ك ّل أجزاء التصنيف بعضها ببعض‪.‬‬
‫يرى القارئ على صفحات هذا الكتاب عنصرا شخصيا ل يده ف الصنّفات التارييّة الخرى الؤلّفة ف تلك القبة‪.‬‬
‫إنّ تارب المم‪ -‬و بصورة جلّية‪ -‬عمل فكرى نتج عن ذهن استدلل بنّاء‪ ،‬يسوده انطباع سام من غرض الؤرّخ و واجبه‪ ،‬و‬
‫بذا‪ ،‬يبدى مسكويه فضل كبيا على من سبقه أو عاصره من الؤرّخي الذين كتبوا آثارهم باللغة العربية‪ .‬إنّه ل يرضيه مرّد جع‬
‫الادة التارييّة و عرضها ف ترتيب تاريىّ‪ ،‬لنّه يعتقد أ ّن أحداث الاضي تترابط ف ما بينها بشبكة من الصال النسيّة‪ .‬و ف‬
‫القيقة‪ ،‬فإ ّن التاريخ‪ -‬كما يراه مسكويه‪ -‬ليس غي هذا‪ ،‬كما يرى العاقل ف رواية التاريخ القّة ينبوعا من العلم الثمي (كيتان‪،‬‬
‫القدمة‪: LXI -XII).‬‬
‫ى انتماء‪.‬‬
‫إنّ مسكويه ل ييل إل أحد ف كتابة التاريخ‪ ،‬و ل ييد به عن النهج القوي أ ّ‬
‫«لقد كتب تاريه‪ -‬كما نبّه عليه مرجوليوث أيضا‪ -‬ف حياد تامّ‪ ،‬مع أنّه عاش ف خدمة المراء و الوزراء البويهيّي‪ ،‬و كان من‬
‫التوقع أن يشيد بم و يدحهم‪ ،‬و ل يتعرّض لنقدهم أبدا‪ ،‬ف حي نراه ل يل إليهم ف كتابة التاريخ‪ »،‬و ل يراع جانبهم ف ما‬
‫كتبه عنهم‪ ،‬بل نراه يؤاخذهم على أشياء ف سلوكهم و تدابيهم‪.‬‬

‫مصادر مسكويه ف كتابة التاريخ‬
‫صرّح مسكويه بأنّه لّا قرأ أخبار المم‪ ،‬و سي اللوك‪ ،‬و أخبار البلدان‪ ،‬و كتب التواريخ (أنظر مقدّمة الصنّف) وجد فيها ما‬
‫تستفاد منه تربة‪ ،‬و هذا دليل واضح على تعدّد مصادره‪ ،‬ف كتابة التاريخ‪ .‬بيد أنّه اعتمد اعتمادا كلّيا على الطبي (‪-224‬‬
‫‪ 310‬ه‪ ،).‬كما اعتمد على الصادر الخرى الت تتنوّع و تتلف‪ ،‬حسب الفترات التارييّة الت أرّخها ف تصنيفه‪ ،‬و حسب‬
‫مصادر كانت ف متناوله‪ ،‬بيث ل يكن عدّها و حصرها إلّا بعدّ الصرّح منها ف الكتاب‪ ،‬و حصر غي الصرّح منها بإرجاع نقول‬
‫مسكويه الختلفة إل أصولا و أصحابا‪ ،‬و هذا يتطلّب دراسة مستقلة قد تأخذ وقتا طويل‪ .‬فمصادر مسكويه حسب هذه العجالة‬
‫هي‪:‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪31 :‬‬
‫‪ .1‬تاريخ الطبي‪ :‬عوّل مسكويه‪ ،‬أوّل و قبل ك ّل شيء‪ ،‬على الطبي‪ .‬و ذلك بذف كثي من موادّ الطبي‪ ،‬من مكرّره و ما ل‬
‫يدخل ف إطار منهج مسكويه ف كتابة تاريه‪.‬‬
‫فمسكويه يوازى الطبي ابتداء من العصر الفيشداذى و ذكر أوشهنج بالذات‪ ،‬أو مّا بعد الطوفان حسب تصريه‪ ،‬إل سنة ‪295‬‬
‫ه‪ ،‬مع العلم بأ ّن الطبي استمرّ ف تاريه حت سنة ‪ 302‬ه‪ .‬و مسكويه ليس الؤرّخ الوحيد الذي ينهل من مناهل الطبي و يعوّل‬
‫عليه ف تصنيفه‪ .‬فمن هو الذي ل يعوّل على الطبي؟ فها هو ابن الثي يصرّح ف مقدمته (ص ‪ )3‬قائل‪« :‬فابتدأت بالتاريخ الكبي‬
‫الذي صنّفه المام أبو جعفر الطبي‪ ،‬إذ هو العوّل عند العامّة عليه‪ ،‬و الرجوع عند الختلف إليه‪ .‬فأخذت ما فيه من جيع‬
‫تراجه‪ ،‬ل أخلّ بترجة واحدة منها‪ ،‬و قد ذكر هو ف أكثر الوادث روايات ذات عدد‪ ،‬فقصدت أتّ الروايات‪ ،‬و أضفت إليها من‬
‫غيها ما ليس منها ‪ ...‬فلمّا فرغت منه أخذت غيه من التواريخ الشهورة [منها تارب المم] فطالعتها‪ ،‬و أضفت منها إل ما‬
‫نقلته من تاريخ الطبي ما ليس فيه ‪ »....‬هذه هي الالة عند جلّ الؤرخي منهم ابن خلدون أيضا (العب ‪ .)1140 :4‬إنّهم‬
‫وجدوا تاريخ الطبي ينبوعا ثرّا يتدفّق منه ذلك الجم الائل من الواد التارييّة‪ ،‬و الروايات الختلفة الكثية الت أوردها فيه‪،‬‬
‫دون نقد‪ ،‬أو تعليق‪ ،‬واعيا عامدا ما يفعله‪ ،‬كما صرّح به ف مقدمته‪ .‬و لكن الؤرّخي صاغوا ما أخذوه عن الطبي ف قوالب‬
‫ارتضوها لتصانيفهم‪ ،‬ك ّل على شاكلته‪ .‬و من هؤلء مسكويه‪ ،‬الذي أخذ بدوره عن الطبي أخذ نقد و اختيار و تحيص و‬
‫حذف و إضافة من مصادر أخرى‪ ،‬وفقا لغراضه الت تدّث عنها ف مقدمة تارب المم‪.‬‬
‫و الدير بالذكر أنّ هناك مناسبة خاصّة بي مسكويه و الطبي يتاز با مسكويه من بي سائر الؤرّخي‪ ،‬حيث يعتب مسكويه‬
‫تلميذا غي مباشر للطبي ف استماع تاريه عن صاحبه‪ ،‬و قراءة كتابه عليه‪ ،‬و الصول على الجازة منه‪ .‬قال مسكويه بذا‬
‫الصدد (تارب المم ‪« :)224 :6‬و فيها [أى ف سنة ‪ 350‬ه‪ ].‬مات أبو بكر أحد بن كامل القاضي‪ ،‬رحه ال‪ ،‬و منه سعت‬
‫كتاب التاريخ لب جعفر الطبي‪ ،‬و كان صاحب أب جعفر‪ ،‬قد سع منه‬

‫ج‪ ،1‬ص‪32 :‬‬
‫شيئا كثيا‪ ،‬و لكنّى ما سعت منه عن أب جعفر غي هذا الكتاب‪ ،‬بعضه قراءة عليه‪ ،‬و بعضه إجازة ل‪ ،‬و كان ينل ف شارع عبد‬
‫الصمد‪ ،‬ول معه اجتماع كثي‪ .2 ».‬نفائس الكتبات‪ :‬ل يكتف مسكويه بالطبى‪ ،‬حت بالنسبة إل القسم الذي قلنا إنّه عوّل فيه‬
‫عليه تعويل كليّا (العصر الفيشداذى إل سنة ‪ ،)295‬بل أورد ف تاريه نصوصا إيرانيّة عدية النظي ل ندها ل عند الطبي و ل‬
‫ص بالذكر عهد أردشي الذي يعتب من أقدم‬
‫عند غيه من كبار الؤرخي من أمثال السعودي و ابن الثي و من إليهما‪ ،‬و ن ّ‬
‫النصوص اليرانية الدوّنة الت وصلت إلينا‪ ،‬و كذلك السية الذاتيّة لنوشروان‪ ،‬و خطبته الشحونة‪ ،‬اللتي نقلهما مسكويه عن‬
‫كتاب كتبه أنوشروان نفسه ف سيته‪.‬‬
‫من أين أتى مسكويه بذه النصوص و غيها مّا تفرّد بنقلها بي الؤرّخي؟ إنّه كان خازنا لكتبات البويهيي من أمثال ابن العميد‪ ،‬و‬
‫ابنه أب الفتح‪ ،‬و عضد الدولة‪ .‬لقد دامت صحبته أو خزانته سبع سني لبن العميد فقط (تارب المم ‪ ،)315 :6‬و كان‬
‫لفهرس مكتبة ابن العميد ‪ 1056‬ورقة (‪ 44‬كراسة لكلّ منها ‪ 24‬ورقة‪ -‬متز ‪ )297 :1‬و ل يثبت ف هذا الفهرس إلّا أساء‬
‫الكتب‪ ،‬و قد اجتمعت ف تلك الكتبة ك ّل أنواع العلوم و الكم و الداب‪ ،‬تمل على مائة وقر و زيادة (تارب المم ‪:6‬‬
‫‪ .)262‬و عن مكتبة عضد الدولة حكى لنا القدسي (الذي كان يتلف إليها‪ ،‬فل جرم أنّه زار مسكويه أيضا) حيث قال عند‬
‫وصفه لدار عضد الدولة بشياز و غرفها و عجائبها‪:‬‬
‫«‪ ...‬و خزانة الكتب‪ ،‬عليها وكيل و خازن و مشرف من عدول البلد‪ ،‬و ل يبق كتاب صنّف إل وقته من أنواع العلوم كلّها إلّا‬
‫و حصّله فيها‪ ،‬و هي أزج طويل‪ ،‬ف صفّة كبية‪ ،‬فيه خزائن من ك ّل وجه‪ ،‬و قد ألصق إل جيع حيطان الزج و الزائن بيوتا‬
‫طولا قامة ف عرض ثلثة أذرع من الشب الزوّق‪ ،‬عليها أبواب تنحدر من فوق‪ ،‬و الدفاتر منضّدة على الرفوف‪ ،‬لك ّل نوع‬
‫بيوت و فهرستات‪ ،‬فيها أسامى الكتب ل يدخلها إلّا وجيه ‪( »...‬القدسي‪.)449 :‬‬
‫ك أنّ مسكويه استفاد من هذه الكتبات كثيا من علمه و الواد التارييّة الت أوردها ف كتابه مّا ل يوجد عند سائر‬
‫فل ش ّ‬
‫الؤرّخي سواء ما أضافه ف تاريخ ما قبل السلم‬

‫ج‪ ،1‬ص‪33 :‬‬
‫مستمدّا من مصادر إيرانية قدية موجودة ف تلك الزانات‪ ،‬أو ما أضافه إل تاريخ ما بعد السلم آخذا عن مصادر إسلمية‬
‫كانت فيها‪.‬‬
‫‪ .3‬ثابت بن سنان‪ :‬هناك فترة تارييّة تبدأ من سنة ‪ 295‬إل سنة ‪ 340‬ه يعتمد مسكويه فيها على مصادر مستقلّة عن الطبي‪،‬‬
‫منها‪ :‬تاريخ ثابت بن سنان (التوف سنة ‪ 363‬ه) ابن ثابت بن قرّة الصاب الرّان (‪ 228 -221‬ه) خال أب إسحق هلل بن‬
‫مسن الصاب‪.‬‬
‫كتب ثابت بن سنان تاريه ابتداء من خلفة القتدر (من سنة مائتي و نيّف‪ -‬القفطي) إل سنة ‪ 360‬ه‪ .‬فكتب أبو إسحق هلل‬
‫بن مسّن تتمة لتاريخ ثابت بن سنان وصلت إل سنة ‪( 447‬كلود كاهن‪ ،‬دانشنامه ايران و إسلم)‪ .‬و من دلئل كونه مصدرا‬
‫لسكويه ما جاء ف التجارب ‪ 313 :5‬حيث قال‪ ..« :‬و حكى ثابت بن سنان ف كتابه أنّ ‪ »...‬فهذا تصريح من مسكويه أنّه‬
‫أخذ ف تاريخ هذه الفترة عن ثابت بن سنان أيضا‪.‬‬
‫‪ .4‬أبو إسحاق الصاب‪ ،‬إبراهيم بن هلل بن إبراهيم بن زهرون (هارون)‪ .... :‬قال الروذراورى ف ذيل تارب المم (ص ‪:)33‬‬
‫«و عمل أبو إسحق الكتاب الذي سّاه‪ :‬التاجى ف الدولة الديلميّة و هو كتاب إذا عمل منه جزءا حله إل عضد الدّولة حت‬
‫يقرأه و يصلحه‪ ،‬و يزيد فيه و ينقص منه‪ .‬فلمّا كان تكامل ما أراده حرّر و حل إل خزانته‪ .‬و هو كتاب بديع الترصيف حسن‬
‫التصنيف‪ ،‬فإ ّن أبا إسحاق كان من فرسان البلغة‪ ،‬الذين ل تكبو مراكبهم و ل تنبو مضاربم‪ ،‬و وجدنا آخره موافقا لخر كتاب‬
‫تارب المم‪ ،‬حت إنّ بعض اللفاظ تتشابه ف خاتتهما‪ ،‬و انتهى القولن ف التاريخ بما إل أمد واحد‪ ،‬و الكتاب موجود يغن‬
‫تأمّله عن الخبار عنه‪ ».‬و للكتاب و صاحبه أب إسحاق الصاب‪ ،‬و سبب تأليفه إيّاه بأمر من عضد الدولة البويهي حكاية طريفة‬
‫تدها عند الروذراورى ف ذيل تارب المم (ص ‪.)33 -30‬‬
‫هذا‪ ،‬و قد التبس المر علينا ف الطبعة الول بي إبراهيم الصاب كاتب التاجى و بي حفيده هلل الصاب (‪ )359 -384‬الذي‬
‫ذيّل على تاريخ ثابت بن سنان (‪)221 -288‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪34 :‬‬
‫حيث أوردنا (ص ‪ )34‬على الروذراورى صاحب الذيل فيما قاله بشأن الشبه بي آخر كتاب التاجى و بي آخر تارب المم‪،‬‬
‫المر الذي كان ف نيّتنا‪ ،‬و ذلك بعد صدور الطبعة الول و وقوفنا على هذا اللتباس‪ ،‬أن نشي إليه ف استدراكاتنا الت رجّحنا‬
‫أن نثبتها ف ملد الفهارس‪ ،‬أى الجلد الثامن لتجارب المم من طبعتنا‪ ،‬غي متوقّعي أنّه سيعاد طبع هذا التصدير قبل أن يطبع‬
‫ملد الفهارس‪ .‬و هنا نشكر زميلنا الدكتور ع‪ .‬منوى الذي نبّه بدوره على ذلك ف مقدمته المتعة (ص ‪ )21‬الت وضعها لترجته‬
‫للجزئي الخيين من الكتاب اللذين نشرها مع الذيل آمد روز (القاهرة ‪.)1914 -16‬‬
‫‪ .5‬مسكويه مصدرا‪ :‬مهما يكن من أمر الفترة السابقة‪ ،‬أى الت تنتهي إل سنة ‪ 340‬ه‪ ،‬فإنّ مسكويه بشهوده و عيانه تارة‪ ،‬و‬
‫بسماعه من الصدقاء و الزملء الساسة الشايخ تارة أخرى‪ ،‬يعتب مصدرا حيّا لكتابة تاريه‪ .‬لقد صرّح مسكويه بذلك ف بداية‬
‫ذكر الوادث لتلك السنة حيث قال‪:‬‬
‫«أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة (‪ 340‬ه) فهو مشاهدة و عيان‪ ،‬أو خب مصّل‪ ،‬يرى عندي خبه مرى ما عاينته‪ ،‬و ذلك أنّ‬
‫مثل الستاذ الرئيس أب الفضل ممد بن السي بن العميد‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬خبن عن هذه الواقعة و غيها با دبّره‪ ،‬و ما اتفق‬
‫له فيها‪ ،‬فلم يكن إخباره ل دون مشاهدتى ف الثقة به‪ ،‬و السكون إل صدقه‪ ،‬و مثل أب ممد الهلّب‪ -‬رحه ال‪ -‬خبّرن بأكثر ما‬
‫جرى ف أيّامه‪ ،‬و ذلك بطول الصحبة و كثرة الجالسة‪ ،‬و حدّثن كثي من الشايخ ف عصرها با يستفاد منه تربة‪ ،‬و أنا أذكر‬
‫جيع ما يضرن ذكره منه و ما شاهدته و جرّبته بنفسي‪ ،‬فسأحكيه أيضا بشيئة ال‪ ».‬و هكذا يصل تاريه إل سنة ‪ 369‬ه‪ .‬مع‬
‫أنّه عاش حت سنة ‪ 421‬ه‪ .‬أى لدة نصف قرن‪ ،‬تاركا كتابة تاريخ تلك الدّة‪ .‬و بالرغم من ذلك‪ ،‬فإنّ تارب المم عرف‬
‫كمصدر أساس ل يستغن عنه لدراسة القرن الرابع الجري و العصر البويهي الذي يعتب ألع العصور السلمية علما و حضارة‬
‫‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪35 :‬‬

‫تارب المم‪ :‬اسه‬
‫اسم الكتاب هو‪ :‬تارب المم‪ ،‬كما سّاه مسكويه نفسه ف مقدمته حيث قال‪..« :‬‬
‫فجمعت هذا الكتاب و سّيته‪ :‬تارب المم‪ ».‬و قد ذكره بضبط أمي ك ّل من ياقوت ‪ ،10 :5‬و ابن الثي ‪،86 :8 ،118 :7‬‬
‫و كذلك القفطي‪ ،331 :‬و البيهقي‪ ،19 -18 :‬و ابن خلكان ‪:2‬‬
‫‪ ،19‬و ابن خلدون ‪ ،772 :3‬و الوانساري ‪ ،255 :1‬و غيهم‪ .‬و لكنه ورد بزيادة «عواقب المم» عند كل من أب سليمان‬
‫ف الصوان‪ ،347 :‬و الروذراورى ف الذيل‪ ،5 :‬و السخاوي نقل عن عمر بن الفهد الاشي الكي ف إتاف الورى (روزنتال‪:‬‬
‫‪ .)441‬و الزيادة عند العاملي ‪ 146 :10‬هي «تعاقب المم» و هي ضبطت عند كيتان )‪ (Caetani‬ف مقدمته ‪LTaaqib‬‬
‫بكسر القاف و هو خطأ‪ .‬و الزيادة هذه إنا نشأت عن أسلوب السجع ف عنونة الصنفات‪ ،‬السلوب الذي طالا ساد أو ساط‬
‫الكتّاب و النسّاخ طيلة القرون مّن ل يرضوا با سّاه الصنفون تصانيفهم‪ ،‬فشفعوا أساءها با شاء لم السجع و الصنعة التكلّفة‪،‬‬
‫بالرغم من تصريح الؤلّفي ف ضبط أساء آثارهم‪ .‬و لذلك نرى الشطر الثان‪« :‬عواقب المم أو‪ :‬تعاقب المم» موضوعا متلقا‪،‬‬
‫لنّ مسكويه و هو صاحب الكتاب‪ ،‬أثبت اسم كتابه ف مقدمته بقوله‪« :‬تارب المم» ل أكثر و ل أقلّ‪ ،‬حيث قال‪« :‬فجمعت‬
‫هذا الكتاب و سّيته تارب المم»‪ .‬و الغريب ف المر أنّ الناسخ الذي انتسخ هذه القدّمة و تصريح الصنّف باسم كتابه‪ ،‬نراه‬
‫ف عبارات التام و الفراغ‪ ،‬و قد أضاف على السم شطرا ثانيا تارة‪ ،‬و قدّم الشطر الثان على الشطر الوّل تارة أخرى‪ .‬أى‬
‫كتب مرّة‪« :‬تارب المم و عواقب المم»‪ ،‬و مرّة‪« :‬عواقب المم و تارب المم»!‬

‫تزئة تارب المم‬
‫إنّ التجزئة الكاملة الوحيدة الت وصلت إلينا من تارب المم هي تزئة مطوطة أيا صوفيا و هي ستّة أجزاء‪ .‬أمّا مطوطة ملك‬
‫(مط) فهي ف ملّد واحد كبي‪ ،‬و ليس فيه تزئة‪ ،‬اللّهم إلّا إشارة بسيطة ف الامش تدل على أنّ الخطوطة انتسخت عن نسخة‬
‫كانت‬

‫ج‪ ،1‬ص‪36 :‬‬
‫على ثلثة أجزاء‪ ،‬دون أىّ إشارة إل عبارات الفتتاح من البسملة و التحميد و غي ذلك‪.‬‬
‫و هذا التثليث يبدو أيضا مّا بقي من مطوطة ملك الثانية (مح)‪ ،‬أو مطوطة آستان قدس (آ)‪ ،‬فهما أيضا كانتا ف الصل ثلثة‬
‫أجزاء‪.‬‬
‫أمّا تزئة أيا صوفيا فهي تزئة كمّية‪ ،‬أى ل يعتب فيها التقسيم التأليفي الذي يبتن عادة على الواضيع الرئيسة‪ ،‬أو الفترات التارييّة‬
‫الحدّدة خاصّة ف أثر تاري ّى مثل تارب المم‪ .‬لذلك يرى القارئ أنّنا نقلنا ‪ 43‬صفحة من بداية الزء الثان و أضفناها إل ناية‬
‫الزء الوّل‪ ،‬أوّل لكمال الفصل الخي من الزء الوّل‪ ،‬ثانيا من أجل إكمال عصر ما قبل الموى‪ ،‬و سنراعى هذا البدأ ف‬
‫الجزاء الباقية أيضا إذا اقتضى الال‪.‬‬
‫ص با قبل السلم و هو مفصّل بدوره إل فصول حسب عصور‬
‫و من ناحية أخرى‪ ،‬قسمنا الزء الوّل إل قسمي‪ :‬قسم خا ّ‬
‫السر الاكمة اليرانية مثل‪ :‬الفيشداذية‪ ،‬و الكيانيّة‪ ،‬و الشغانيّة‪ ،‬و الساسانيّة‪ ،‬و قسم آخر خاص بالعصر الراشدي‪ ،‬و فيه‬
‫فصول حسب أيّام اللفاء‪ .‬أمّا بالنسبة للعصر الموى و العصر العباسي أيضا سنراعى مبدأ التقسيم و التفصيل مهما أمكن‪.‬‬
‫أمّا العناوين الفرعيّة الت كانت ف أصل الخطوطة ل ندها كافية لرشاد القاري إل موادّ الكتاب و مواضيعه‪ ،‬و لذلك اخترنا لا‬
‫عناوين جديدة مناسبة وضعناها ف أماكنها‪.‬‬
‫و ما دفعنا إل ذلك‪ ،‬أنّنا وجدنا بي مطوطات الكتاب‪ ،‬و من حيث العناوين الفرعيّة اختلفا‪ ،‬سواء ف وجود عنوان ما‪ ،‬أم ف‬
‫عدمه‪ ،‬أو ف صياغة عبارته‪ ،‬مّا برهن على أنّ غي الصنف من النسّاخ و غيهم‪ ،‬هم الذين وضعوا قسما من هذه العناوين الفرعيّة‬
‫ص الكتاب‪.‬‬
‫ك على نظرة الباحث الدقق الذي ينظر ف ن ّ‬
‫الّت ل تؤثّر دون ش ّ‬

‫مطوطات تارب المم‬
‫ل يصل إلينا من مطوطات هذا الكتاب إلّا القليل‪ ،‬ل سيّما إذا كان الراد الخطوط الكامل الشتمل على كل أجزائه‪ .‬و هذه‬
‫الخطوطات بغضّ النظر عن كمالا و نقصها هي‪:‬‬
‫‪ .1‬أيا صوفيا (الصل)‪ :‬مطوط كامل ف ستة أجزاء مفوظ ف أيا صوفيا بأسطنبول‬

‫ج‪ ،1‬ص‪37 :‬‬
‫برقم ‪ 3116‬إل رقم ‪ .3121‬انتسخه ممد بن على بن ممد أبو طاهر البلخي بكامل أجزائه‪ ،‬بيث فرغ من انتساخ الزء‬
‫الوّل ف شهر ربيع الوّل سنة خس و خسمائة (‪ )505‬و من انتساخ الزء السادس و الخي منه ف منتصف شهر ربيع الول‬
‫سنة ستّ و خسمائة (‪ .)506‬أى ف مدة سنة واحدة‪ .‬قطعه صغي‪ ،‬و ف الصفحة الواحدة منه ‪ 12‬سطرا‪ ،‬و ف كل سطر ‪13‬‬
‫كلمة‪ .‬أوّل هذه الخطوطة أى ف فاتة الزء الوّل و بعد البسملة و التحميد‪« :‬قد أنعم ال علينا ‪ »...‬و آخرها أى ف ناية‬
‫الزء السادس‪« :‬إلّا أنّه ل يظهر أمره لحد‪ .‬هذا آخر ما عمله الستاذ أبو على أحد بن ممد بن يعقوب مسكويه رضى ال عنه و‬
‫المد للّه و صلواته على ممد النبّ و آله أجعي و حسبنا ال و نعم الوكيل‪ ».‬أما تزئة الكتاب ف هذه الخطوطة فهي كما يلي‪:‬‬
‫الزء الول (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 296 ،3116‬ورقة‪ 591 :‬صفحة)‪ .‬تاريخ النسخ‪ :‬ربيع الول سنة خس و خسمائة (‪.)505‬‬
‫يشتمل هذا الزء على الوادث التاريية منذ العصر الفيشداذى اليران حت سنة ‪ 37‬هجرية‪.‬‬
‫الزء الثان (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 297 ،3117‬ورقة‪ 593 :‬صفحة‪ ،‬طهران‪ ،‬الكتبة الركزية‪ ،‬اليكروفيلم رقم ‪ ،120‬و الصورة رقم‬
‫‪ .)290‬و يشتمل هذا الزء على حوادث سنة ‪ 38‬إل سنة ‪ 103‬هجرية‪.‬‬
‫الزء الثالث (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 297 ،3118‬ورقة‪ 593 :‬صفحة‪ ،‬طهران‪ ،‬الكتبة الركزية‪ ،‬اليكروفيلم رقم ‪ ،121‬و الصورة‬
‫رقم ‪ .)244‬يتضمن هذا الزء على حوادث سنة ‪ 104‬إل سنة ‪ 191‬هجرية‪.‬‬
‫الزء الرابع (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 290 ،3119‬ورقة‪ 580 ،‬صفحة‪ ،‬طهران‪ ،‬الكتبة الركزية‪ ،‬اليكروفيلم رقم ‪ ،122‬و الصورة‬
‫رقم ‪ .)293‬يشتمل هذا الزء على حوادث سنة ‪ 191‬إل سنة ‪ 233‬هجرية‪.‬‬
‫الزء الامس (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 293 ،3120‬ورقة‪ 585 :‬صفحة) تاريخ النتساخ‪ :‬شهر مرّم سنة ست و خسمائة (‪.)506‬‬
‫يشتمل هذا الزء على حوادث سنة ‪ 234‬إل ‪326‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪38 :‬‬
‫هجرية‪.‬‬
‫الزء السادس (أيا صوفيا‪ ،‬رقم ‪ 260 ،3121‬ورقة‪ 520 :‬صفحة) تاريخ النتساخ‪:‬‬
‫منتصف شهر ربيع الول سنة ستّ و خسمائة (‪ .)506‬يشتمل هذا الزء على حوادث سنة ‪ 326‬إل سنة ‪ 396‬هجرية‪.‬‬
‫ما نشر من هذه الخطوطة‪ :‬نشر كيتان )‪ (L .Caetani‬الزء الوّل‪ ،‬و الزء الامس‪ ،‬و الزء السادس من الخطوطة (ليدن‬
‫‪ 1917 ،1913 ،1909‬م) عن مؤسسة جب )‪ (Gibb‬التذكارية‪ ،‬طبعة فتوغرافيّة ‪ (facsimileedition).‬إنّه قدّم‬
‫الزأين الامس و السادس على الجزاء الخرى (الثان و الثالث و الرابع) نظرا لكونما مكمّلي لتاريخ الطبي‪ .‬و كان مشروع‬
‫الؤسسة يقضى بأن يعود كيتان و أعوانه إل العمل لنشر الجزاء الوسطى (‪ )4 ،3 ،2‬بعد الفراغ من الزأين الخيين (كيتان‪،‬‬
‫مقدمة الزء الامس )‪: XIV‬و لكنّهم ل يوفّقوا ف إناز مشروعهم لسباب قد تكون ظروف الرب العالية الول منها‪ .‬فلم‬
‫تنشر تلك الجزاء و بقيت بعيدة عن متناول الباحثي‪.‬‬
‫امّا اللحق الت ألقت بذه الطبعة (طبعة كيتان الفتوغرافية) فهي ف الزء الول‪:‬‬
‫مقدمة لكيتان (‪ 5‬صفحات) و كلمة آمد روز )‪ (Amedroz‬عن حياة مسكويه (‪ 13‬صفحة) و ملخّص لضمون الزء الول‬
‫بقلم ملون )‪ (G .Meloni‬و فهرس أعلم للون أيضا‪ ،‬كما ألقى ل سترنج )‪ (G .LeStrange‬نظرة على اللخص و‬
‫الفهرس قبل إرسالما إل الطبعة‪.‬‬
‫و ف الزء الامس‪ ،‬مقدمة لكيتان أيضا (‪ 4‬صفحات) مع ملخص و فهرس‪ .‬أمّا الزء السادس فليس معه غي مقدّمة كتبها ل‬
‫سترنج (صفحتان)‪.‬‬
‫أمّا ما نشره آمد روز (مد) فهو الزءان الامس و السادس من هذه الخطوطة (القاهرة شركة التمدن ‪ 1915 ،1914‬م)‬
‫بإسقاط ‪ 56‬صفحة من أوّل الزء الامس و ضمّ ‪ 28‬صفحة من الزء السادس إل الزء الامس‪ ،‬كما نشر معهما جزءا ثالثا‬
‫يتألّف من ذيل تارب المم للوزير أب شجاع ممد بن السي اللقّب بظهي الدين الروذراورى (من سنة ‪ 369‬إل سنة ‪389‬‬
‫هجرية)‪ ،‬و جزءا رابعا يتشكّل من الزء الثامن من تاريخ أب السي هلل‬

‫ج‪ ،1‬ص‪39 :‬‬
‫بن الحسّن بن إبراهيم الصاب الكاتب (من سنة ‪ 389‬إل سنة ‪ )393‬و هذان الزءان صدرا ف ملّد واحد تت عنوان‪ :‬ذيل‬
‫ص الذيل بسبب وفاته‪ ،‬فتابع‬
‫تارب المم (القاهرة شركة التمدن ‪ 1916‬م)‪ ،‬مع العلم بأنّ آمد روز ل يوفّق ف إكمال تقيق ن ّ‬
‫عمله مرجوليوث‪ ،‬فحقّق النصف الباقي منه (مرجليوث‪ ،‬القدمة ‪: I).‬فكلّ ما نشره آمد روز هو ملدان (‪ )6 ،5‬من تارب‬
‫المم‪ ،‬و ملد ثالث عرف بذيل تارب المم (ذيل الروذراورى الزء الثامن من تاريخ هلل الصاب)‪ .‬و الجزاء الثلثة هذه‬
‫(نشرة آمد روز) نشرت بترجة إنليزية (ثلثة أجزاء) ترجها مرجوليوث بقدّمة من ‪ 11‬صفحة و فهرس من ‪ 144‬صفحة (جزء‬
‫ص العرب و الترجة النليزية و الفهرس سبعة أجزاء‪ ،‬تت عنوان( ‪AbbasidCaliphate‬‬
‫واحد) و الجموع من الن ّ‬
‫‪:‬أكسفورد ‪ 1921 -1920‬م)‪.‬‬
‫أمّا نشرتنا هذه‪ ،‬كما هي بي يدي القارئ‪ ،‬فتشمل أجزاء تارب المم الستّة مع الذيل‪:‬‬
‫الزء السابع‪ ،‬و الفهارس‪ :‬الزء الثامن‪ ،‬لنكون قد نشرنا الكتاب و لوّل مرّة بأجزائه الكاملة (طهران‪ ،‬سروش ‪-1987‬‬
‫‪ 2001‬م) كما ستشمل ترجة الكتاب إل اللغة الفارسيّة الت نشر الزء الوّل منها حت الن (طهران‪ ،‬سروش ‪ ،)1990‬و‬
‫ليكتمل العمل و ف ناية الطاف‪ ،‬ف ‪ 16‬جزءا‪ ،‬فنكون بذلك قد أسهمنا ف سدّ الفراغ الذي طالا شغل بال الكثيين من العنيّي‬
‫بالدراسات التاريية السلمية اليرانية‪.‬‬
‫‪ .2‬ملك (مط) برقم ‪ .4145‬نسخة كاملة من حيث الكمّية‪ ،‬ف ملّد واحد من القطع الكبي‪ .‬عدد صفحاتا ‪ ،1014‬ف كلّ‬
‫صفحة منها ‪ 25‬سطرا و لكل سطر ‪ 21‬كلمة‪ .‬هي مثل أيا صوفيا ف أوّلا و آخرها‪ .‬و عبارة الفراغ ف التام هي‪« :‬قد تّ‬
‫الفراغ من هذه السودّة ف عشر (العشر) الوّل من شهر ذى الجّة الرام ف الليلة (ليلة) الضحى منه‪ ،‬من سنة أربع و تسعي و‬
‫مائتي بعد اللف (‪ )1294‬من الجرة القدسة‪ ،‬على يد أق ّل الطلّاب و السادات ممود الطباطبائى الردستان الصفهان‪ ».‬خط‬
‫النسخة نسخىّ جيل مقروء‪ ،‬و لكنّ الفوات و الخطاء الناتة عن قلّة الثقافة لدى الناسخ‪ ،‬حطّت من قيمتها كنسخة‪.‬‬
‫و سيأت الكلم عنها ف مكانه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪40 :‬‬
‫‪ .3‬ملك الثانية‪( :‬مح) برقم ‪ .4324‬عدد أوراقها ‪ 231‬و عدد صفحاتا ‪ ،462‬بالقطع التوسط‪ ،‬ف كلّ صفحة منها ‪21‬‬
‫سطرا‪ .‬انتسخه ممد بن داود السين الشهدي ف سنة ‪ 1307‬هجرية‪ .‬أولا‪« :‬و دخلت سنة إحدى و مائة و فيها ول يزيد بن‬
‫عبد اللك اللفة ‪ »...‬و آخرها‪ ..« :‬و اتصل خب انصرافه بالهتدى‪ ،‬فكتب إليه ف ذلك كتابا (كتبا) كثية‪ ،‬فلم يؤثر (تؤثّر)‬
‫شيئا‪ ،‬فلمّا نظر ‪ ،...‬تت ‪ .»...‬تشتمل الخطوطة هذه على حوادث سنة ‪ 101‬إل سنة ‪ 256‬هجرية‪ .‬فهي مطوطة ناقصة‪.‬‬
‫‪ .4‬آستان قدس‪( :‬أ) برقم ‪ ،4090‬جامعة طهران‪ ،‬الكتبة الركزية‪ ،‬اليكروفيلم رقم ‪ 1638‬و الصورة رقم ‪( 6188 /3‬ثلثة‬
‫أقسام) عدد الوراق ‪ ،257‬و عدد الصفحات ف القسام الثلثة ‪ 514‬صفحة‪ .‬أوّلا بعد البسملة و المدلة‪« :‬و دخلت سنة‬
‫إحدى و مائة» و آخرها‪« :‬و خرج و اتصل خب انصرافه بالهتدى‪ ،‬فكتب إليه كتابا [كتبا] كثية‪ ،‬فلم يؤثّر (تؤثّر) شيئا‪ .‬فلمّا‬
‫نظر ‪ »...‬تشبه ف أولا و آخرها مطوطة ملك الثانية (مح)‪ .‬يعود تاريخ انتساخ الخطوطة إل شعبان سنة ‪ 1297‬و هذه‬
‫الخطوطة ناقصة أيضا كمخطوطة ملك الثانية‪.‬‬
‫‪ .5‬باريس ‪: (Shefer ,A .B 1) 8385‬بن ‪ Paris ,Bib 1 .Nat .,Arab‬نسخة ناقصة تشتمل على حوادث سنوات‬
‫‪ 315 -249‬هجرية فقط‪( .‬كيتان‪ ،‬القدمة‪: XIII).‬‬
‫‪ .6‬بودل ‪: (UriI ,No .408, 753‬بن ‪ LMarsh).‬و هذه النسخة تشتمل على حوادث ‪ 365 -340‬هجرية‪( .‬كيتان‬
‫القدمة‪: XIII).‬‬
‫‪ .7‬أمستردام‪ :‬مطوطة ناقصة تشتمل على حوادث سنة ‪ 196‬إل سنة ‪ 251‬هجرية (‪ 101‬بن ‪ Cat .deJong‬كيتان‪،‬‬
‫القدمة )‪: XIII‬أوّلا ناقص بأكثر من سطرين‪ ،‬ث تبدأ هكذا‪:‬‬
‫«‪ ..‬أمر العراة باتاذ تراس من البواري‪ ،‬و بالرمي بالقاليع و ممد قد أقبل على اللّهو و الشرب‪ ،‬و وكّل المر كلّه إل ممد بن‬
‫عيسى بن نيك‪ ،‬و إل الرش ‪ »...‬و آخره‪ ..« :‬و نزل السي بالقرب من دمّا‪ .‬نز الكتاب ‪ ...‬و يتلوه ف الزء السادس‪ :‬ذكر‬
‫ب و آله الطاهرين و سلّم‪».‬‬
‫رأى أشي به عليه صواب‪ .‬و المد للّه ربّ العالي‪ ،‬و صلواته على ممّد الن ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪41 :‬‬
‫نشر الخطوطة دى خويه )‪ (M .J .DeGoeje‬بترجة لتينيّة و مقدمة (بريل ‪ 1869 -71‬م) تت عنوان‬
‫‪: entaHistoricorum‬كما نشرت مرّة ثانية بالفست و بذف الترجة اللتينية (بغداد‪ ،‬الثنّى‪ ،‬دون تاريخ) تت عنوان‪:‬‬
‫العيون و الدائق‪ ،‬لؤلف مهول (من خلفة الوليد بن عبد اللك إل خلفة العتصم) و يليه ملّد من تارب المم‪ .‬و العنوان‬
‫الاص بقسم تارب المم هو‪ :‬تارب المم‪ ،‬تأليف أب على أحد بن ممد بن يعقوب «بن» مسكويه‪ ،‬الزء السادس‪ .‬فالنشرة‬
‫هذه هي من قسمي‪ :‬القسم الوّل هو الزء الثالث التبقّى من كتاب «العيون و الدائق ف أخبار القائق» (عح) اشترك (يونج )‬
‫‪ P .DeJong‬مع دى خويه ف تقيقه‪ ،‬و القسم الثان و هو جزء صغي من تارب المم (تد) حقّقه دى خويه وحده‪( .‬من‬
‫صفحة ‪ 411‬إل صفحة ‪ ،583‬الجموع‪ 172 :‬صفحة مطبوعة)‪.‬‬
‫‪ .8‬اسكوريال ‪: Escorial ,No .4071 .Cat .9071.‬نسخة ناقصة تشتمل على حوادث سنة ‪ 36‬إل سنة ‪ 67‬هجرية‬
‫(كايتان‪ ،‬القدمة‪، XIII).‬‬

‫تقيق النصّ‬
‫و بقارنة بسيطة بي هذه الخطوطات الت وصفناها‪ ،‬يتّضح أنّ الخطوطة الكاملة الوحيدة الت عرفت ف العال حت الن‪ ،‬هي‬
‫مطوطة أيا صوفيا‪ ،‬و هي الت يؤهّلها تاريها التقدّم (‪ 606 -605‬ه) و أصالتها و صحتها نسبيّا لن تكون أساسا لعملنا ف‬
‫تقيق نصّ الكتاب‪ ،‬و إخراجه بميع أجزائه‪ .‬ل ّن سائر الخطوطات‪ ،‬كما أشرنا إليه‪ ،‬ناقصة تشمل أجزاء متقطعة من الكتاب‪ ،‬و‬
‫حت لو سنح لنا جع أشتاتا من مكتبات العال‪ ،‬و ض ّم بعضها إل بعض‪ ،‬ل تعطينا النصف من نصّ الكتاب‪ .‬لنّها إمّا تكرار لبعض‬
‫أجزاء الكتاب و إمّا متقطّعة ل صلة بي بعضها و البعض الخر (أنظر السنوات الت تشتمل عليها هذه الجزاء)‪.‬‬
‫و أمّا مطوطة (مط) فهي برغم اشتمالا على ك ّل الكتاب‪ ،‬فهي مطوطة متأخرة (أنظر‬

‫ج‪ ،1‬ص‪42 :‬‬
‫تاريخ النتساخ) من ناحية‪ ،‬و مليئة بأخطاء الستنساخ من ناحية أخرى‪ .‬و أمّا كثرة الخطاء و التصحيفات فيها فترجع ف ما‬
‫ط ف الصل الذي نقل عنه الكاتب‪ ،‬و ثانيهما عدم الثقافة اللزمة لثل هذا العمل عند‬
‫نظنّ‪ ،‬إل أمرين‪ :‬أولما عدم وضوح ال ّ‬
‫هذا الكاتب‪ .‬و لذلك بالذات‪ ،‬ظهرت ف هذه الخطوطة أخطاء فادحة و تصحيفات عجيبة كثية تبلغ عشرين إل ثلثي خطأ ف‬
‫صفحة واحدة‪ ،‬و هي وصلت فعل حوال المسي ف الصفحة الول من الكتاب من خطأ و بياض‪.‬‬
‫و هنا ل بأس ف أن نذكر ناذج من أخطاء هذه الخطوطة ليقف القارئ على نوعيّة الخطاء‪ ،‬و من ثّ على قيمة هذه الخطوطة‬
‫السلبيّة‪ :‬لقد كتب الناسخ خطأ «عمر بن خان» بدل «غزا برجان»‪ ،‬و «عهته»! بدل «عرضه»‪ ،‬و «على حاله مؤخرا»! بدل‬
‫«على خاله سوخرا»! و «أبوال»! بدل «أموال»! و «يعرضوا السن» بدل «صغي السنّ»! و «فطرر بن» بدل «و ضرار بن»! و‬
‫«ما قدر جعا إنّك ف هذا المر»! بدل «ما قدر جعالتك ف هذا المر»‪ ،‬و «قبالة بطه»! بدل «قبالة لظه»! و «ناش»! بدل‬
‫«باشر»‪ ،‬و «و كان سعد هذا تزوّج أمّه خدمة لذية»! بدل «تزوّج أمة تدم لذية»! و «خر شدن» بدل «خر شيدان»! و‬
‫أخطاء كثية أخرى‪ ،‬ل جدوى لذكر جيعها‪.‬‬
‫و بالنظر إل الالة هذه‪ ،‬فإنّا اعتمدنا أساسا على نسخة أياصوفيا (الصل) ث (مط) كما استعنّا بالصول التاريية خاصة بالطبى‪،‬‬
‫و بالخطوطات الناقصة الوجودة ف متناولنا مثل‪ :‬مح‪ ،‬آ‪ ،‬تد‪( ،‬و الخية عن طريق نشرة دى خويه) كما استعنّا بصورة غي‬
‫مباشرة بالخطوطتي اللتي استفاد منهما الدكتور احسان عباس ف نشرته لعهد أردشي الت رمز إليها ب‪ :‬ر‪ ،‬غ‪ ،‬خصيصا لتحقيق‬
‫العهد (أنظر مقدمته لنشرته)‪.‬‬
‫و نعن بالصول التاريية‪ ،‬تاريخ الطبي‪ ،‬و الكامل لبن الثي‪ ،‬و الثار الباقية للبيون‪ ،‬و سي اللوك للثعالب‪ ،‬و الروج‬
‫للمسعودي‪ ،‬و حزة و الدينوري و غيها‪ .‬و هذه‪ -‬ما خل الطبي‪ -‬استفدنا منها ف قسم ما قبل السلم‪ ،‬أى ما يصّ بالتاريخ‬
‫اليران القدي‪ ،‬ل سيّما ف تقيق العلم اليرانية‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪43 :‬‬
‫و أمّا بالنسبة للطبي (طبعة أوروبا) فانّنا استفدنا منه الكثي سواء بالنسبة للعلم‪ ،‬أو بالنسبة لزاحة الشكوك ف قراءة الكلمات‬
‫و العبارات‪ ،‬و مل الفراغ الناتج عن البياض و السقط و النحاء و الرم و غيها‪ ،‬و ل سيما من حواشي الطبي ف نشرة دى‬
‫خويه الليئة باختلف النسخ‪ ،‬حيث إنّ الطبي منهل كبي ارتوى منه ج ّل الؤرخي التي بعده و منهم مسكويه‪ .‬و هذا بالنسبة‬
‫للفترة التاريية الطويلة الت اشترك فيها الطبي و مسكويه ف ذكر أحداثها‪ ،‬و أمّا بالنسبة للزمن الزائد عليها (العصر البويهي‬
‫عند مسكويه) فرأينا أن نقارن النصّ مع أصول أخرى متأخرة عن الطبي حسب إلاح الاجة لنّ الطريق كان معبّدا ف هذا‬
‫القسم من العمل و إل حدّ ما‪ ،‬بعد أن نشر آمد روز الزأين الاصّي بذا العصر مع الذيل‪ ،‬فذلّل لنا بعض الصعاب مشكورا‪.‬‬
‫و الدير بالذكر أنّنا ذكرنا صفحات الرجاع ف كلّ مقارنة عملناها بي الصل و الطبي‪ ،‬مع ما ف هذه القارنة من صعوبات‪،‬‬
‫ص يالفه ف الجم و ترتيب الوادّ‪ ،‬تتطلّب أناة‪ ،‬و لكنّها ف نفس الوقت عمل فيه نفع كبي للباحثي‪.‬‬
‫لنّ القارنة بي نصّ ما‪ ،‬و ن ّ‬
‫و ف تاريخ ما قبل السلم‪ ،‬أى أوائل الزء الول‪ ،‬يوجد كثي من العلم اليرانيّة القدية ذات جذور ف اللغات الفهلويّة و‬
‫الفستائيّة و غيها‪ ،‬ضبطت و صحّفت ف الصول التارييّة و منها تارب المم‪ ،‬بصور شتّى‪ ،‬أوّل‪ :‬بسبب غرابة أشكالا ف‬
‫أصلها القدي‪ ،‬ثانيا‪ :‬اللعب الذي لعبته اللغة العربيّة ف تعريبها ثالثا‪ :‬عبث الكتّاب و النساخ با‪ .‬و هذا هو ما أدّى إل أشكال‬
‫غريبة من التحريف و التصحيف‪ .‬لذلك أرجعنا‪ -‬قدر الستطاع‪ -‬مثل هذه العلم إل أصولا ف الواشي‪ ،‬بعد إثبات اختلف‬
‫صور الضبط فيها‪ ،‬مستفيدين من عمل سابق قمنا به بذا الصدد‪ ،‬معوّلي على قواميس اللغات اليرانيّة القدية و دراسات‬
‫الخصائيي ف هذا الجال‪ .‬و مّا هو جدير بالذكر هنا‪ ،‬أنّه‪ ،‬لّا كانت العلم كثية متوالية ف الصفحات الول من الزء الوّل‪،‬‬
‫و ذلك لختصار تقارير مسكويه لتلك الفترة‪ ،‬لذلك‪ ،‬نرى حواشي تلك الصفحات مكثّفة‪ ،‬مع أنّنا حاولنا‪ -‬قدر الستطاع‪-‬‬
‫تلخيص تعاليقنا و إثباتا بأوجز وجه‪ .‬و كذلك حاولنا شرح العلم الغرافية‪ ،‬أو بعض الكلمات‪ ،‬قدر ما‬

‫ج‪ ،1‬ص‪44 :‬‬
‫تيسّر و سنحت لنا فرص البحث و التتبع‪ ،‬أو بدافع حاجتنا ف تقيق الكلمة و ضبطها‪ ،‬دون أن نكون قد وفّقنا ف شرح كلّ تلك‬
‫العلم أو الفردات‪ .‬كما استعملنا لذا الغرض الرموز الصوتية الدولية‪ ،‬و لكن بشيء من التغيي الذي دفعتنا إليه الظروف‬
‫الطبعيّة‪ ،‬فأصبحت الرموز كما يلي‪:‬‬
‫(الفارسيّة ‪) V‬ه( ‪ h‬الكسرة العربية) إ ‪ Ai‬ا ‪ a‬خ ‪ x‬ش( ‪ sh‬بالدّ) اى ‪ I‬آ ‪ a‬ى ‪ y‬ث ‪ th‬ج ‪ j‬چ ‪ ch‬ز ‪ z‬أو ‪ u‬ا ‪ o‬ذ ‪dh‬‬
‫ژ ‪ zh‬و ‪ w‬غ ‪ gh‬گ ‪ g‬و قد اتبعنا ف رسم الكلمات و كذلك ف إثبات الوار الوارد ف النصّ و ما إل ذلك‪ ،‬معدّل الطرق‬
‫الديثة القترحة ف تقيق النصوص‪ ،‬مّا يتلءم و طبيعة نصّ تاريىّ مثل تارب المم‪ ،‬و بالنتيجة‪ ،‬فقد غيّرنا ضبط رهط من‬
‫الكلمات نثبت هاهنا ناذج منها‪ :‬أثبتنا‪:‬‬
‫أثنائها بدل أثنايها‪ ،‬و بقاؤه‪ ،‬بقاءه‪ ،‬بقائه بدل بقاه‪ ،‬و الياة بدل اليوة‪ ،‬و تدنو بدل تدنوا‪ ،‬و إساءة بدل إسآة‪ ،‬و جاءت بدل‬
‫جآت‪ ،‬و ابنة بدل ابنت‪ ،‬و ثاني بدل ثني‪ ،‬و حارث بدل حرث‪ ،‬و رؤوس بدل رؤس‪ ،‬و سبعة آلف بدل سبعة ألف‪ ،‬و أربعة‬
‫ص عند‬
‫آلف بدل أربعة ألف‪ ،‬و أيّة‪ ،‬بدل أيّت‪ ،‬و ما إليها ‪ ..‬و أمّا‪ ،‬بشأن إثبات الوار فقد اتبعنا الناهج الألوفة ليكون الن ّ‬
‫القراءة‪ ،‬أوضح و أنطق‪ ،‬و وضعنا العبارات النقولة بي «»‪ ،‬كما جعلنا ك ّل كلمة دخيلة مقحمة مّا نقلناها عن الصول الخرى‪،‬‬
‫أو اقترحناها نن‪ ،‬جعلناها بي []‪ ،‬حفظا للمانة و حرصا على أصالة النصّ‪ ،‬و أثبتنا رقم صفحات مصورة كيتان‪ ،‬أى صفحات‬
‫ك ف صحّة ما أثبتناه‪ ،‬ثانيا‪:‬‬
‫الخطوطة‪ ،‬بي []‪ ،‬أوّل‪ :‬لتسهل على القارئ القارنة بي نشرتنا و بي الصل إن ش ّ‬
‫لسهولة الراجعة حسب الرجاعات الوجودة ف دراسات الباحثي‪ ،‬ثالثا‪ :‬لسهولة‬

‫ج‪ ،1‬ص‪45 :‬‬
‫الرجاعات الداخلية الت احتجنا نن إليها‪ ،‬خصيصا بالنظر إل ثبوت مواضعها قبل الطبع و بعده‪ .‬ث يرى القارئ أنّنا أوردنا‬
‫ص العادي‪ ،‬و ما إل ذلك من القواعد الألوفة‪.‬‬
‫النصوص الطويلة الامّة بسطور أقصر تييزا بينها و بي الن ّ‬
‫و ف التام أشكر ال على أن وفّقن لتام هذا العمل اللتوى الضن‪ ،‬الذي طالا فكّرت ف إنازه‪ ،‬كما أقدّر الهود الت بذلتها‬
‫دار سروش للنشر‪ ،‬بن فيها من أصحاب القرار‪ ،‬و الباشرين‪ ،‬و التعاملي معهم من خارجها‪ ،‬منذ بدء هذا العمل حت الن‪،‬‬
‫أشكرها على تمّلها أعباء مراحل طبع هذا السفر التراث ّى الكبي‪ ،‬علما منها بأنّ جهدها هذا سينعكس ف إثراء الكتبة العالية‪ ،‬و‬
‫ذلك ف حقل الدراسات السلميّة اليرانيّة‪ ،‬التارييّة‪ ،‬و الضاريّة‪.‬‬
‫و أشكر أخيا‪ -‬و هل يبئ الشكر ذمّة الدين؟ أشكر قرينت الفاضلة الت وقفت بانب ف أشدّ اللحظات و استظهرت با و‬
‫ن العزيزين آرش و مازيار‪ ،‬الذين‬
‫بدورها الشجّع ف آناء التوان و الفتور‪ ،‬فلو ل ذلك لا أمكنن إناز هذا العمل‪ ،‬كما أشكر اب ّ‬
‫حرموا و ف أغلب الحيان من كامل حضورى بينهم‪ ،‬حيث طال ما انزويت ف مكتبت بنأى عنهم و عن السهام معهم ف‬
‫تفاصيل الياة العائليّة‪ .‬فل أقلّ من أنّ أهديهم حصيلة هذا الهد‪ ،‬رمزا لداء ما فاتن من الواجب تاههم‪ ،‬متمنّيا أن يعوّضهم ال‬
‫حياة طويلة عريضة‪ ،‬ملؤها السلمة و السعادة و الناء‪ .‬و ال ولّ التوفيق‪.‬‬
‫الدكتور ابو القاسم امامى شتاء ‪ 1379‬ش‪ 1421 /.‬ق‪ 2001 /.‬م ‪..‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪47 :‬‬

‫مقدّمة الصنّف‬
‫المد للّه ربّ العالي [‪ ]1‬حد الشاكرين‪ ،‬و صلواته على ممّد النبّ و آله أجعي [‪ .]2‬قد أنعم ال علينا‪ ،‬معاشر خدم مولنا‬
‫اللك السيّد الجلّ‪ ،‬ولّ النعم‪ -‬أطال ال بقاءه‪ ،‬و أكبّ أعداءه‪ ،‬و حرس ملكه‪ ،‬و أعزّ سلطانه‪ -‬لّا أخرجنا ف زمانه‪ ،‬و أنشأنا ف‬
‫أيامه‪ ،‬و بوّأنا ظلّه‪ ،‬و أنزلنا كنفه‪ ،‬و جعلنا من خاص خدمه‪.‬‬
‫فنحن نتقلّب [‪ ]3‬من نعمه فيما ل شكر له غي الدعاء‪ ،‬و ل ثن له غي الثناء‪ ،‬فنسأل ال بأخلص نيّة و أصدق طويّة‪ ،‬إدامة‬
‫أيّامه‪ ،‬و المتاع با خوّلناه من إنعامه‪ ،‬إنّه جواد كري‪.‬‬
‫و إنّى لّا تصفّحت أخبار المم‪ ،‬و سي اللوك‪ ،‬و قرأت أخبار البلدان‪ ،‬و كتب التواريخ‪ ،‬وجدت فيها ما تستفاد منه [‪ ]2‬تربة ل‬
‫تزال [‪ ]4‬يتكرّر مثلها و ينتظر حدوث شبهها و شكلها‪ :‬كذكر مبادئ الدول‪ ،‬و نشء [‪ ]5‬المالك‪ ،‬و ذكر دخول اللل فيها‬
‫بعد ذلك‪ ،‬و تلف من تلفاه و تداركه إل أن عاد إل أحسن حال‪ ،‬و إغفال من أغفله و اطّرحه إل أن تأدّى إل الضمحلل و‬
‫الزوال‪ ،‬و ذكر ما يتّصل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ربّ العالي‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬التصلية ف مط‪ :‬و صلّى ال على نبيّه و آله أجعي‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تقلّب ف المر‪ :‬تصرّف فيها كيف يشاء‪ .‬يقال‪ :‬فلن يتقلّب ف أعمال السلطان و ف نعمائه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬ل يزال‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬و نشر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪48 :‬‬
‫بذلك من السياسات ف عمارة البلدان‪ ،‬و جع كلم الرعيّة‪ ،‬و إصلح نيّات [‪ ]1‬الند‪ ،‬و الروب و مكايد [‪ ]2‬الرجال‪ ،‬و ما‬
‫تّ منها على العدوّ‪ ،‬و ما رجع على صاحبه‪ ،‬و ذكر السباب الت تقدّم با قوم عند السلطان‪ ،‬و الحوال الت تأخّر لا آخرون‪ ،‬و‬
‫ما كان منها [‪ ]3‬ممود الوائل مذموم العواقب‪ ،‬و ما كان بضدّ ذلك‪ ،‬و ما استمرّ أوّله و آخره على سنن [‪ ]4‬واحد‪ ،‬و ذكر‬
‫سياسات [‪ ]3‬الوزراء‪ ،‬و أصحاب اليوش‪ ،‬و من أسند إليه حرب و سياسة‪ ،‬أو تدبي أو إيالة‪ ،‬فوف بذلك و تأتّى له [‪ ،]5‬أو‬
‫كان بلف ذلك‪.‬‬
‫و رأيت [‪ ]6‬هذا الضرب من الحداث‪ ،‬إذا عرف له مثال ما تقدّم‪ ،‬و تربة لن سلف‪ ،‬فاتّخذ إماما يقتدى به‪ ،‬حذر ما ابتلى به‬
‫قوم‪ ،‬و تسّك با سعد به قوم‪.‬‬
‫فإنّ أمور الدنيا متشابة‪ ،‬و أحوالا متناسبة‪ ،‬و صار جيع ما يفظه النسان من هذا الضرب كأنّه تارب له‪ ،‬و قد دفع إليها‪ ،‬و‬
‫احتنك [‪ ]7‬با‪ ،‬و كأنّه قد عاش ذلك الزمان كله‪ ،‬و باشر تلك الحوال بنفسه‪ ،‬و استقبل أموره استقبال الب [‪ ]8‬و عرفها‬
‫قبل وقوعها‪ ،‬فجعلها نصب عينه و قبالة لظه [‪ ،]9‬فأع ّد لا أقرانا و قابلها بأشكالا‪ .‬و شتّان بي من كان بذه الصورة و بي من‬
‫كان غرّا [‪ ]10‬غمرا [‪ ]11‬ل يتبيّن المر إلّا [‪ ]4‬بعد وقوعه‪ ،‬و ل يلحظه إلّا بعي الغريب منه‪ ،‬ييّره [‪ ]12‬كلّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬يثاب‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و مكانة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬و منها ما كان‪.‬‬
‫[‪ .]4‬السنن‪ :‬الطريقة و الثال‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬و تأن له‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الكلمة غي واضحة ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيّده ما ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]7‬احتنكت الس ّن الرجل‪ :‬حنكته‪ ،‬أى‪ :‬أحكمته التجارب و جعلته حكيما‪.‬‬
‫[‪ .]8‬مط‪ :‬بياض‪ .‬يقال‪ :‬أخبن بذلك الب‪ :‬العال بالب‪ .‬و ف ما نقله بعض الباحثي عن هذه القدمة‪:‬‬
‫«البي»‪ ،‬و ما أثبتناه هو الصحيح نصّا‪.‬‬
‫[‪ .]9‬مط‪« :‬قبالة بطه»! بدل «قبالة لظه»‪.‬‬
‫[‪ .]10‬هو غرّ‪ :‬غي مرّب‪.‬‬
‫[‪ .]11‬صبّ غمر‪ :‬ل يرّب المور‪.‬‬
‫[‪ .]12‬مط‪ :‬و يبه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪49 :‬‬
‫خطب يستقبله‪ ،‬و يدهشه ك ّل أمر يتجدّد له‪.‬‬
‫و وجدت هذا النمط من الخبار مغمورا بالخبار الت ترى مرى السار و الرافات الت ل فائدة فيها غي استجلب النوم با‪،‬‬
‫و الستمتاع بأنس الستطرف منها‪ ،‬حت ضاع بينها‪ ،‬و تبدّد ف أثنائها‪ ،‬فبطل النتفاع به‪ ،‬و ل يتصل لسامعه و قارئه اتصال يربط‬
‫بعضه بعضا‪ ،‬بل تنسى النكتة منها قبل أن تيء أختها‪ ،‬و تتفلّت [‪ ]1‬من الذهن قبل أن تقيّدها نظيتا‪ ،‬و يشتغل الفكر بسياقة‬
‫خبها دون تصيل فائدتا‪.‬‬
‫فلذلك‪ ،‬جعت هذا الكتاب‪ ،‬و سّيته تارب المم‪ .‬و أكثر الناس انتفاعا به و أكبهم حظّا منه‪ ،‬أوفرهم قسطا من الدنيا‪،‬‬
‫كالوزراء‪ ،‬و أصحاب اليوش‪ ،‬و سوّاس الدن‪ ،‬و مدبّرى أمر [‪ ]5‬العامّة و الاصّة‪ .‬ث سائر طبقات الناس‪ .‬و أقلّ الناس حظّا‪ ،‬ل‬
‫يلو [‪ ]2‬أن ينتفع به ف سياسة النل‪ ،‬و عشرة الصديق‪ ،‬و مداخلة الغريب‪ ،‬و ل يعدم مع ذلك‪ ،‬أنس السمر الذي يوجد ف‬
‫القسم الخر الذي اطّرحناه‪.‬‬
‫و بعد‪ ،‬فلو كان الادم ل يتقرّب إلّا با يع ّز وجوده عند سلطانه‪ ،‬و ل يلطف ف الدمة إلّا با ل يد مثله‪ ،‬لنقطعت أسباب الدايا‬
‫و التحف‪ ،‬و ارتفعت اللطفات بالداب و الطرف [‪ ،]3‬و ل سيما عند من كان ف علوّ المّة‪ ،‬و توقّد القرية‪ ،‬و حفظ الداب‪،‬‬
‫و سياسة اللك و الرعيّة ف الي‪ ،‬على ما عليه اللك السيّد‪ ،‬أدام ال سلطانه [‪.]4‬‬
‫و أنا مبتدئ بذكر ال و منّته‪ ،‬با نقل إلينا من الخبار بعد الطوفان‪ ،‬لقلّة الثقة با كان منها قبله‪ ،‬و لنّ ما نقل [إلينا] [‪ ]5‬أيضا‬
‫ل يفيد شيئا ما عزمنا على ذكره [‪]6‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬و تنقلت‪.‬‬
‫[‪ .]2‬رسم الصل‪ :‬ل يلوا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬و الطرق‪ .‬الطرفة‪ :‬ك ّل شيء مستحدث عجيب‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬ظلله‪.‬‬
‫[‪ .]5‬إلينا‪ :‬أضفناها عن مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪50 :‬‬
‫و ضمنّاه [‪ ]1‬ف صدر الكتاب‪ .‬و لذا السبب بعينه‪ ،‬ل نتعرّض لذكر معجزات النبياء‪ -‬صلوات ال عليهم‪ -‬و ما تّ لم من‬
‫السياسات با‪ ،‬ل ّن أهل زماننا ل يستفيدون منها تربة فيما يستقبلونه من أمورهم‪ ،‬اللّهمّ إلّا ما كان منها تدبيا بشريّا ل يقترن‬
‫بالعجاز‪.‬‬
‫و قد ذكرنا أشياء ما يرى على التّفاق و البخت [‪ ]2‬و إن ل يكن فيها تربة‪ ،‬و ل تقصد بإرادة‪ .‬و إنّما فعلنا ذلك لتكون هي‬
‫و أمثالا ف حساب النسان و ف خلده [‪ ]3‬و وهه‪ ،‬لئلّا تسقط من ديوان الوادث عنده و ما ينتظر وقوع مثله‪ ،‬و إن ل يستطع‬
‫ترّزا من مكروهه إلّا بالستعانة باللّه‪ ،‬و ل توقّعا لحبوبه إلّا بسألته التوفيق‪ ،‬و هو‪ -‬ع ّز اسه‪ -‬خي موفّق و معي‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬هكذا ضبطت ف الصل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البخت‪ :‬ف اللسان عن الزهرى‪ :‬ل أدرى أهو عرب أم ل‪ .‬ف العرّب عن ابن دريد‪ :‬فارسي معرّب‪.‬‬
‫بالفهلوية ‪: baxt‬بالفستائية ‪: Lbaxta‬بعن النصيب القدّر (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬اللد‪ :‬البال و النفس‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪51 :‬‬

‫الفيشداذيّة و من عاصرهم‬
‫أوشهنج‬
‫فأوّل من يفظ اسه و سيته من اللوك أوشهنج [‪ ]7[ ]1‬و أنا ذاكره [‪ ]2‬و اللوك بعده على توال و نسق‪ .‬فإن كان لواحد‬
‫منهم سية ممودة أو تدبي مرضىّ‪ ،‬ذكرته و ذكرت سائر ما ضمنته ف صدر الكتاب‪ ،‬و من ل يفظ له سية‪ ،‬ذكرت اسه فقط‪،‬‬
‫ليكون نظام التاريخ مفوظا‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫إنّ أوشهنج هذا هو الذي خلف جدّه جيومرت [‪ ]3‬و جع القاليم السبعة‪ ،‬و رتّب اللك‪ ،‬و نظم العمال‪ ،‬و لقّب ب‬
‫«فيشداذ» [‪ ،]4‬و تفسيه بالعربية‪ :‬أوّل سية العدل‪ ]5[ .‬و يقال‪ :‬إنّه كان بعد الطوفان بائت سنة‪ .‬و هو أوّل من عرف قطع [‬
‫‪]6‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصول‪ :‬أوشهنج‪ ،‬أوشهنك‪ ،‬أوشهنق‪ ،‬هوشنگ‪ .‬بالفستائية ‪: Haushyanha‬أى‪ :‬واهب النلة السنة (يو‪:‬‬
‫‪ ،126‬حب)‪ .‬بالفهلوية( ‪: Hoshyang‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ذاكره‪ :‬غي واضحة ف الصل و ما أثبتناه هو من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصول جيومرت‪ ،‬كيومرث‪ .‬بالفستائية ‪: Gaya -Mareta‬أى‪ :‬اليّ الذي يوت‪ ،‬أو‪ :‬الياة الفانية‪.‬‬
‫بالفهلوية( ‪: Gayomard ,Gayomart‬حص‪.)411 -399 :‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصول‪ :‬فيشداد‪ ،‬بيشداذ‪ ،‬پيشداد‪ .‬بالفهلوية( ‪: Peshdat‬ف)‪ .‬بالفستائية ‪: Para -Dhata‬أى‪ :‬من وضع‬
‫القانون أمامه و حكم بالعدل (يد ‪.)178 :1‬‬
‫[‪ .]5‬كذا ضبطت ف الصل‪ :‬أوّل سية العدل‪.‬‬
‫[‪ .]6‬يشاهد مثل هذا التعبي عند مسكويه ف مواضع أخرى أيضا‪ ،‬قال مثل‪ :‬أول من عرف ذلّل الفيلة‪ ،‬أو‪ :‬من‬

‫ج‪ ،1‬ص‪52 :‬‬
‫الشجر‪ ،‬و بن به‪ ،‬و استخرج العادن و بن مدينت بابل [‪ ]1‬و السوس [‪ .]2‬و كان فاضل سائسا ممودا‪ ،‬و نزل الند‪ ،‬ثّ تنقّل‬
‫ف البلد‪ ،‬و عقد التاج‪ ،‬و جلس على السرير‪ .‬و كان من حسن سياسته أن نفى أهل الفساد و الدّعارة [‪ ]3‬من البلدان [‪ ]8‬إل‬
‫الباري‪ ،‬و ألأهم إل رؤوس البال و جزائر البحار‪ ،‬و طهّر منهم المالك‪ ،‬و استخدم من كان يستصلحه منهم‪ ،‬و سّاهم‬
‫الشياطي و العفاريت‪ ،‬و قرّب أهل الصلح و أحسن رعاية المور‪ ،‬إل أن انتهى ملكه إل طهومرت [‪ ]4‬بعده‪.‬‬
‫طهومرت‬
‫و هو من ولد أوشهنج‪ ،‬و بينهما عدّة آباء‪ ،‬و سلك سية جدّه‪ ،‬و تنقّل ف البلدان‪ ،‬و بن الوضع الذي جدّده بعد ذلك سابور [‬
‫‪ ]5‬من فارس‪ ،‬و نزله‪ ،‬و طلب الدعّار و نفى الشياطي أعن الشرار‪ .‬و هو أول من كتب بالفارسية‪ .‬و سلك سبيل جدّه‪،‬‬
‫فاستمرّ نظام اللك على حال واحدة من عموم الصلح‪ ،‬و استقامة أحوال الند و الرعية‪ ،‬إل أن ملك بعده جمّ شيذ [‪.]6‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] عرف خندق النادق (أنظر ص ‪.)61 ،51‬‬
‫[‪ .]1‬بابل‪ :‬بالبابليه ‪: LBabilu‬أى‪ :‬باب إيل‪ ،‬أى‪ :‬باب ال‪ .‬بالفستائية ‪: LBavari.‬ف نقش بيستون( ‪Babirauv‬‬
‫‪:‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصادر الفارسية القدية( ‪: Shusha ,Shusa ,Susa‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬الذعارة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬كذا ف الصل و مط‪ :‬طهومرت‪ ،‬و هو تصحيف‪ .‬و ف الصول‪ :‬طهمورت‪ ،‬طهمورث‪ .‬بالفهلويّة‪:‬‬
‫( ‪ Taxmurit‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬سابور‪ :‬مدينة منها إل شياز خسة و عشرون فرسخا‪ ،‬كما هو اسم لكورة بفارس با مدن أكب من مدينة سابور (يا)‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬جشيد‪ .‬ف الصول الخرى‪ :‬جمّ الشّيذ‪ ،‬جمّ‪ ،‬جشاسب‪ ،‬جشيدون‪ .‬بالفستائية‪:‬‬
‫‪ Yima -Xshaeta.‬بالفهلوية ‪: Yimshet‬أى‪ :‬ج ّم الشرق (ف‪ ،‬حص‪ ،‬لد)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪53 :‬‬
‫جمّ شيذ‬
‫و هو أخو طهمورت‪ ،‬و تفسي «شيذ» الشعاع‪ .‬لنه كان وضيئا‪ ،‬جيل‪ .‬و ملك القاليم‪ ،‬و سلك [‪ ]9‬السية التقدمة‪ ،‬و زاد‬
‫عليها بأن صنّف الناس و طبّقهم و رتّب منازل الكتّاب‪ ،‬و أمر أن يلزم كل أحد طبقته‪ .‬و عمل أربعة خواتيم‪ :‬خاتا للحروب و‬
‫الشرط‪ ،‬و كتب عليه «الناة»‪ ،‬و خاتا للخراج‪ ،‬و جباية الموال‪ ،‬و كتب عليه «العمارة»‪ ،‬و خاتا للبيد [‪ ،]1‬و كتب عليه‬
‫«الوحا» [‪ ]2‬و خاتا للمظال‪ ،‬و كتب عليه «العدل»‪ .‬فبقيت هذه الرسوم ف ملوك الفرس إل أن جاء السلم‪ ،‬و ألزم من غلبه‬
‫من أهل الفساد و الشياطي العمال الصّعبة‪ ،‬و أذلّهم بقطع الجارة و الصخور من البال‪ ،‬و عمل الكلس و الصّ و البناء و‬
‫الطي‪ ،‬و عمل العادن‪ ،‬و غي ذلك من المور الصعبة‪ .‬فحسنت سيته‪ ،‬و خافه أهل العيث [‪ ]3‬و الفساد‪ ،‬با ألزمهم من‬
‫العمال الشاقّة‪ .‬و أحدث النوروز [‪ ،]4‬و جعله عيدا و أمر الناس بالتنعم فيه‪ ]10[ .‬ث إنّه بعد ذلك‪ ،‬بدّل سيته‪ .‬فكان من‬
‫نتيجة فعله و سوء عاقبته‪ ،‬أن دخل الوهن ف المالك‪ ،‬و تاسر أهل الفساد عليه‪.‬‬
‫فمما حكى من تبديل سيته‪ ،‬إظهار الكب و البية على وزرائه و كتّابه و قوّاده‪ ،‬و إيثار التخلّى و الغرام باللذّات‪ ،‬و ترك‬
‫مراعاة كثي من السياسيات الت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬البيد‪ :‬عرب (ابن دريد)‪ .‬فارسي معرّب من «دم بريده» [أى‪« :‬مذوف الذّنب» حسب تعبي الؤرخي‪ -‬أنظر ص ‪ 93‬و‬
‫ما علّقناه على تلك الصفحة]‪ .‬أو معرّب من «بردن» أى‪ :‬الذهاب بالشيء (باللغة الفارسية)‪ .‬أو معرّب للكلمة اليونانية‬
‫‪: veredus‬و معناها‪ :‬اليوان ذو القوائم الربع‪ّ ،‬ث توّل إل معن «فرس البيد»‪ ،‬ث إل «البيد» بالذات (لد‪ ،‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الوحا‪ :‬السرعة‪ .‬و الكتوب على الوات عند ابن الثي‪ .‬الرفق و الداراة العمارة و العدل الصدق و المانة السياسة و‬
‫النتصاف (‪.)64 :1‬‬
‫[‪ .]3‬و ف مط‪ :‬أهل العبث (بالباء الوحّدة)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الطبي‪ :‬نوروز (‪ .)180 :1‬الثعالب‪ :‬النوروز (ص ‪ .)14‬ابن الثي‪ :‬نيوز (‪ .)497 :1‬أبو نواس ف شعره‪ :‬النوكروز‪.‬‬
‫بالفهلوية ‪: nok -roch‬أو( ‪ Lnoghroz‬حب)‪ .‬مف‪: nik -roch.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪54 :‬‬
‫س بذلك بيوراسب [‪ -]1‬و هو الذي تسمّيه العرب الضحّاك [‪ -]2‬و علم استيحاش الناس منه‪ ،‬و‬
‫كان يتولّاها بنفسه‪ .‬فأح ّ‬
‫تنكّر خواص أصحابه له‪ ،‬فدسّ إل رجاله [‪ ]3‬من استصلحه [‪ ]4‬لنفسه‪ ،‬و دبّر عليه حت قوى‪ّ ،‬ث قصده‪ ،‬فهرب منه ج ّم و تبعه‬
‫حت ظفر به‪ ،‬فنكل به‪ ،‬و أشره بئشار [‪ .]5‬و قد كان ج ّم تنقّل ف البلدان قبل ذلك‪ ،‬إل أن جرى عليه ما جرى‪.‬‬
‫و كان الضحّاك هذا‪ -‬على ما تزعم الفرس‪ -‬من ولد جيومرت‪ ،‬و بينه و بي جيومرت من الباء «تاج» [‪ ]6‬و إليه تنتسب‬
‫العرب‪ ،‬فيقال لم‪« :‬تاجى» [‪ ]7‬و هم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬هوراسب‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الضحّاك‪ :‬معرّب «دهآك» (حزه‪.)24 :‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬رحاله‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬من استخلصه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الطبي‪ :‬و نشره بنشار (‪ .)181 :1‬أشر الشبة و غيها‪ :‬نشرها‪ .‬الئشار‪ :‬النشار‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الطبي‪ :‬تاز (‪ .)202 :1‬البيون‪ :‬غار (قار) و هو أبو العرب العاربة (ص ‪ .)104‬حزة‪ :‬تاج‪ ،‬و لذلك قيل لم‪ :‬تاجيان‬
‫(ص ‪ .)34‬ابن الثي‪ :‬يارين (‪.)74 :1‬‬
‫[‪ .]7‬بالفهلوية( ‪ LTazhik‬فم( ‪)، Tazik ,tajik‬ف)‪ :‬النسوب إل قبيلة طىء أو العرب‪ .‬تاجيك‪ ،‬تاجك‪ ،‬تازيك‪ -،‬و‬
‫بأحد العان‪ -‬تاژيك‪ :‬شيء واحد‪ .‬باللغة التركية‪ :‬تات (الرعيّة) چيك (ف الصل و بأحد العان‪:‬‬
‫الولد‪ ،‬أو بعن التصغي)‪ -1 :‬غي الترك عامة‪ ،‬و من ليس بترك أو مغول‪ -2 .‬اليران خاصة‪ -3 .‬أهل تاجيكستان (فم)‪.‬‬
‫أما الوجوه الت ذكرها الباحثون ف تسمية العرب ب «تازى» فهي‪ -1 :‬أن تكون الكلمة من الصدر الفارسي‪« :‬تازيدن» أى‪:‬‬
‫شنّ الغارة لن العرب كانت تكثر ذلك ف غابر الزمن‪ -2 .‬لفظة «تاژ» معناها اليمة‪ ،‬و العرب كانت تسكن اليام فسمّاهم‬
‫اليرانيون ب «تاژيك» تازى‪ ،‬ث تبع الصينيّون اليرانيي ف هذه التسمية‪ ،‬فقالوا للعرب‪« :‬تاش» (لد)‪ -3 .‬كان اليرانيون‪ ،‬ف‬
‫عصر أنوشيوان‪ ،‬على اتصال باليمن‪ ،‬و كانوا يسمون طيّئا ب «تاژ»‪ ،‬فقالوا للمنسوب إل هذه القبيلة «تاژيك»‪ ،‬ث أطلقوا‬
‫السم على كل العرب (حب)‪ ،‬و هذا التعميم نراه أيضا ف التلمود و الوارد اليهودية السريانية الخرى‪ ،‬حيث أطلق على‬
‫العرب‪ :‬طييعه‪ ،‬طييه‪ ،‬طيايه‪ ،‬و أصلها‪ :‬طىء ‪ (. Obermeyer ,s .332 .ff‬نقل عن الفصّل ‪:1‬‬
‫‪ -4 .)660‬ان لفظة‪« :‬تازى» هي الشكل الفارسي للفظة‪« :‬طائى» العربية الت تطلق على النسوب إل قبيلة «طىء» (لش)‪.‬‬
‫‪ -5‬كان اليرانيون منذ القدي يسمون غي اليرانيي ب «تاجيك» أو «تاژيك»‪ ،‬كما سّت الغريق غيهم «بربرا»‪ ،‬و سّت‬
‫العرب غيهم «أعجميا»‪ ،‬فتحول هذا اللفظ إل «تازى» ف اللغة الفارسية الديثة‪ ،‬ث اختص بالعرب قليل قليل‪ ،‬بينما بقي ف‬
‫بلد الترك و ما وراء النهر بشكله‬

‫ج‪ ،1‬ص‪55 :‬‬
‫يلقّبون بيوراسب ب «الزدهاق» [‪ ]11[ .]1‬و قوّم منهم يزعمون أن جمّ شيذ زوّج أخته من بعض أشراف أهل بيته و ملّكه‬
‫اليمن‪ ،‬فولدت له الضحّاك‪ .‬و أما العرب فينسبون الضحّاك غي هذه النسبة‪ .‬و رغم قوم أنّه نرود‪ .‬و زعم آخرون أنّ نرود كان‬
‫عامل من قبله على كثي من أعماله‪ ،‬و ل ينبغي أن نذكر من أمره فيما قصدنا له‪ ،‬أكثر من هذا النّبذ‪ ،‬لئلّا ننقطع عن غرضنا‪.‬‬

‫بيوراسب و ما جرى بينه و بي كاب الصبهان‬
‫و لا ملك بيوراسب [‪ ]2‬ظهر منه خبث شديد و فجور كثي‪ ،‬و ملك الرض كلّها‪ ،‬فسار فيها بالور و العسف‪ ،‬و بسط يده‬
‫بالقتل و الصلب‪ ،‬ليهابه الناس‪ ،‬و ليمحو عن صدور الناس سياسة من تقدّمه و ذكرهم و سنّتهم‪ .‬فسنّ العشور‪ ،‬و اتذ الغنّي و‬
‫اللهي‪ .‬و كان على منكبه سلعتان [‪ ]3‬يركهما [‪ ]4‬إذا شاء‪ ،‬كما يرّك يديه‪.‬‬
‫فادّعى أنما حيّتان‪ ،‬تويل على [‪ ]12‬ضعفاء الناس‪ ،‬و أغبيائهم‪ ،‬و كان يسترها بثيابه‪.‬‬
‫فلما طالت أيامه و ع ّم الناس جوره‪ ،‬كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بإصبهان‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] القدي و بعناه العام (مطلق الجانب)‪ ،‬ث بعد أن اختلطت الترك اللتائيون و الفرس ف تلك التخوم‪ ،‬دخلت كلمة‬
‫«تاجيك» ف لغة الترك فسمّت الترك اليرانيي ب «تاجيك» فقيل‪« :‬ترك و تاجيك» (بس ‪:3‬‬
‫‪ 50‬الاشية)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬ف الصول‪ :‬أزدهاق‪ ،‬أژدهاك‪ ،‬دهآك‪ .‬شا‪ :‬أژدها‪ ،‬أژدهافش‪ ،‬بالفستائية ‪: LAgi -Ldahaka.‬بالفهلوية‪:‬‬
‫( ‪ Azhi -dahak‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف سائر الصول‪ :‬بيوراسب‪ ،‬بيوراسف‪ ،‬براسب‪ .‬بالفهلوية( ‪: Bevarasp‬ف)‪ ،‬أى‪ :‬من له عشرة آلف حصان (فم)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬السلعة‪ :‬زيادة تدث ف السد‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬حركهما‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪56 :‬‬
‫رجل يقال له‪« :‬كاب» [‪ ]1‬من أثناء [‪ ]2‬العامة‪ ،‬و كان الضحّاك قتل له ابني‪ .‬فلما بلغ الزع من كاب هذا على ولديه ما بلغ‪،‬‬
‫أخذ عصا‪ ،‬فعلّق بطرفها [‪ ]3‬جرابا [‪ -.]4‬و يقال‪ :‬إنّه كان حدّادا و إ ّن الذي علّقه نطع [‪ ]5‬كان يتوقّى به من النار‪ -‬فجعله‬
‫علما و دعا الناس إل ماهدة بيوراسب [‪ ،]6‬فأجابه خلق كثي‪ ،‬لا كانوا فيه من البلء و فنون الور‪ .‬فاستفحل [‪ ]7‬أمره و‬
‫قوى‪ ،‬و تفأل الفرس بذلك العلم‪ ،‬و عظّموا أمره‪ ،‬و زادوه و رصّعوه بعد ذلك بالوهر‪ ،‬حت جعله ملوك العجم علمهم الكب‬
‫الذي يتبّكون به‪ ،‬و سّوه «درفش كابيان»‪ .‬فكانوا ل يسيّرونه إلّا ف المور العظام‪.‬‬
‫و لا استعلى كاب الصبهان‪ ،‬و أشرف على بيوراسب‪ ،‬هرب [‪ ]13‬عن منازله‪.‬‬
‫و اجتمع أشراف الناس على كاب‪ ،‬و ناظروه ف اللك‪ .‬فقال لم كاب‪ :‬إنّه ل يتعرّض للملك‪ ،‬لنه ليس من أهله‪ .‬و أمرهم أن‬
‫يلّكوا بعض ولد جمّ‪ .‬و كان أفريذون [‪ ]8‬بن أثفيان [‪ ]9‬مستخفيا من الضحّاك ف بعض النواحي‪ ،‬فواف هو و من معه إل‬
‫كاب‪ ،‬فاستبشر الناس به‪ ،‬لنّه كان مرشّحا للملك‪ .‬فصار كاب أحد أعوان أفريذون حت احتوى [‪ ]10‬على منازل بيوراسب [‬
‫‪ ،]11‬و حت تبعه و أسره‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الطبي (‪ ،)207 :1‬و ابن الثي (‪ ،)75 :1‬الثعالب (ص ‪ .)34‬ف الفارسية الديثة‪ :‬كاوه‪.‬‬
‫بالفهلوية( ‪: LKavagh‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬من أبناء العامة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬بأطرافها‪ ،‬و التصحيح من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الراب‪ :‬الوعاء‪ ،‬أو‪ :‬الزود من إهاب الشاء‪.‬‬
‫[‪ .]5‬النطع‪ :‬بساط من الدم أى من اللود الدبوغة‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬هوراسب‪.‬‬
‫[‪ .]7‬استفحل أمره‪ :‬تفاقم و اشتدّ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬ف سائر الصول‪ :‬أفريدون‪ ،‬أفريذون‪ ،‬ف بندهش ‪: LFreton.‬بالفستائيّة ‪: Thraetaon.‬ف فيدا‪:‬‬
‫( ‪ Traitana‬يد ‪.)188 :1‬‬
‫[‪ .]9‬مط‪ :‬ايقبان‪ .‬ف سائر الصول‪ :‬أثقابان‪ ،‬أثقيان‪ ،‬أثقيال (حب)‪ .‬يد‪ :‬آسپيان (‪ )188 :1‬بالفستائية‪:‬‬
‫‪ Atawya.‬ف فيدا( ‪ Aptya‬حص‪ ،465 :‬يد ‪ .)199 :1‬بالفهلوية( ‪ Asfian ,Asvian‬ف( ‪LAsviyan‬‬
‫‪) ,Asfiyan‬وب‪ .)31 :‬بالفارسية الديثة‪ :‬آتبي‪ ،‬ث آبتي‪.‬‬
‫[‪ .]10‬احتوى الشيء و عليه‪ :‬حواه‪ :‬استول عليه و ملكه‪.‬‬
‫[‪ .]11‬مط‪ :‬هوراسب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪57 :‬‬
‫بدنباوند [‪ ،]1‬فقتله‪.‬‬
‫و ل يسمع من أمور الضحّاك بشيء يستحسن‪ ،‬و ل نقل من أخباره ما يكتب غي شيء واحد‪ .‬و هو أ ّن بليّته [‪ ]2‬لا اشتدّت‪ ،‬و‬
‫طالت أيّامه و تراسل وجوه الناس ف أمره‪ ،‬و أجعوا على الصي إليه من البلدان‪ ،‬واف بابه العظماء و الوجوه من النواحي و‬
‫القطار‪ ،‬و تناظروا ف الدخول عليه و التأتّى له [‪ ]3‬و استعطافه‪ ،‬و أجعوا على تقدي كاب الصبهان‪ ،‬و ذلك لا رأوا من ترّقه‬
‫على ولديه‪ ]14[ ،‬و جرأته على الكلم‪ .‬فلما اجتمعوا ببابه أعلم بكانم‪ ،‬فأذن لم‪ ،‬فدخلوا يقدمهم كاب‪.‬‬
‫فمثل بي يديه‪ ،‬و أمسك عن السلم‪.‬‬
‫ث قال‪:‬‬
‫ «أسلّم عليك سلم من يلك القاليم كلّها‪ ،‬أم سلم من يلك هذا القليم؟» فقال‪« :‬بل سلّم سلم من يلك القاليم كلّها‪،‬‬‫فإنّى ربّ الرض‪ ».‬فقال له كاب‪« :‬فإن كنت مالك القاليم كلّها‪ ،‬فما بالك خصصت بتحاملك و مؤنك [‪ ]4‬و إساءتك ناحية‬
‫كذا؟ و هلّا قسمت أمر كذا بي القاليم؟» ث عدّد أشياء‪ ،‬و جرّد له الصّدق‪ ،‬حت انزل [‪ ]5‬له الضحّاك و أقرّ‪ ،‬و وعد الناس‬
‫با يبّون‪ ،‬و أمرهم بالنصراف ليتّدعوا [‪ ،]6‬ث يعودوا إليه ليقضى حاجاتم‪.‬‬
‫و كانت له أم فاحشة بذيئة [‪ ]7‬جبّارة‪ ،‬و كانت تسمع كلمهم لّا دخلوا عليه‪ ،‬فاغتاظت منهم و أنكرت إقراره للقوم‪ .‬فكلّمت‬
‫بيوراسب [‪ ]8‬منكرة عليه و قالت‪:‬‬
‫ «هلّا دمّرت عليهم و أمرت بم؟»‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬دنباوند‪ ،‬دمباوند‪ ،‬دباوند‪ .‬دماوند‪ :‬كورة من كور الرىّ‪ .‬جبل عال جدّا‪ ،‬مستدير قرب الرىّ‪ .‬سجن أفريذون بيوراسب ف‬
‫رأسه (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬نكبته‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تأتّى للمر‪ :‬ترفّق و أتاه من وجهه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الؤن‪ :‬جع مفرده‪ :‬مؤنه‪ :‬الشدّة و الثقل‪.‬‬
‫[‪ .]5‬انزل‪ :‬انقطع‪ .‬و ف مط‪« :‬ترك» بدل «انزل»‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ليتّدعوا‪ :‬ل توجد ف مط‪ .‬اتّدع‪ :‬سكن و استقرّ‪.‬‬
‫[‪ .]7‬بذأ‪ :‬فحش ف قوله‪.‬‬
‫[‪ .]8‬مط‪ :‬هوراسب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪58 :‬‬
‫فقال لا [‪ ]15‬الضحّاك على عتوّه‪:‬‬
‫ «إنك ل تفكّرى ف أمر‪ ،‬إلّا و قد سبقت إليه‪ .‬إنّ القوم بدهون [‪ ]1‬بالق‪ .‬فلما همت بالسطوة بم‪ ،‬وقف القّ بين و بينهم‪،‬‬‫و اعترض كالبل‪ ،‬فحال بين و بي ما أردت‪ ».‬فهذا ما استحسن من فعل الضحّاك و قوله‪ ،‬و ل يعرف له شيء مستحسن غيه‪.‬‬

‫ثّ ملك أفريذون‬
‫و هو من ولد جمّ‪ .‬و يقال‪ :‬إنّه كان التاسع من ولده‪ .‬فر ّد مظال الناس‪ ،‬و أمر بالنصاف و الحسان‪ ،‬و نظر إل ما غصب عليه‬
‫الضحّاك من الرضي و غيها‪ ،‬فردّها كلّها على أهلها‪ ،‬إلّا ما ل يد له أهل‪ ،‬فإنّه وقفه على الساكي و مصال العامة‪ .‬و كان‬
‫موثرا للعلم و أهله‪ ،‬و كان صاحب طبّ و نوم و فلسفة‪ .‬و كان له ثلثة أولد‪ :‬سرم‪ ،‬و طوج‪ ،‬و إيرج [‪ .]2‬فخشي ألّا يتّفقوا‬
‫بعده‪ .‬و أن يبغى بعضهم [‪ ]16‬على بعض‪ .‬فظنّ أنّه إذا قسم اللك بينهم أثلثا ف حياته‪ ،‬بقي المر بعده على انتظام و صلح‪.‬‬
‫فجعل الروم [‪ ]3‬و ناحية الغرب لسرم‪ ،‬و الترك و الصي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بدهه‪ :‬فجأة‪ ،‬بغته‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬سرم (سلم)‪ ،‬طوج‪ ،‬إيرج (‪ .)230 ،222 :1‬السعودي‪ :‬سلم‪ ،‬اطوج‪ ،‬ايراج ايران (‪:1‬‬
‫‪ .)247‬الثعالب‪ :‬سلم‪ ،‬توز ايرج (ص ‪ .)14‬حزة‪ :‬سلم‪ ،‬طوج‪ ،‬ايرج (ص ‪ .)25‬البيون‪ :‬سلم (شرم)‪ ،‬طوج (توژ)‪ ،‬إيرج (ص‬
‫‪ .)104‬شا‪ :‬سلم‪ ،‬تور‪ ،‬ايرج (‪ .)79 :1‬تور تورج (بق) توژ (لد) توج (اليعقوب ‪ )134 :2‬طوس (الدينوري ‪ .)9 :1‬ف‬
‫الفهلوية )‪: LTurch( Sarm ,Eretch‬بن‪Tutch.‬‬
‫بالفستائية ‪: Sairimyana‬أى‪ :‬بلد سرم‪ ،‬أى‪ :‬الروم‪ .‬و ‪ Tuiryana‬أى‪ :‬بلد الترك‪ .‬و ‪: Airyana‬أى‪ :‬بلد‬
‫اليرانيي (حص‪ ،474 -469 :‬يد ‪ ،194 :1‬يد ‪.)52 :2‬‬
‫[‪ .]3‬لقد ذكر انقسام ملك فريدون بي أبنائه الثلثة ف «چهر دادنسك» الذي هو من النساك الفقودة لفستا‪ ،‬و هذا ما نفهمه‬
‫من «دينكرد» الفصل الثالث الفقرتي التاسعة و العاشرة‪ .‬و ف «فروردين يشت» ذكرت خسة أقوام‪ ،‬فأضيف على الثلثة‬
‫الذكورة قومان و ها‪« :‬سائىن» و «داهى»‪ .‬و قد أخذت الفرس هذه القصة من الند و أوروبيي و ل يكن إرجاع تاريها إل‬
‫أبعد من عصر الشكانيي الذين‬

‫ج‪ ،1‬ص‪59 :‬‬
‫لطوج‪ ،‬و العراق و الند ليرج و هو صاحب التاج و السرير‪ ،‬فلمّا مات أفريذون‪ ،‬وثب طوج و سرم بإيرج‪ ،‬فقتله‪ ،‬و ملكا‬
‫الرض بينهما‪.‬‬
‫و أفريذون أوّل من تسمّى ب «كي [‪ .»]1‬فكان يقال له‪ :‬كي أفريذون [‪ ،]2‬و هي كلمة تعن التنيه‪ ،‬أى‪ :‬روحان‪ ،‬أى‪ :‬هو‬
‫منّه متصل بالروحانية‪ ]3[ .‬و كان جسيما و سيما حسن البهاء‪ ،‬مربا [‪ ]4‬عظيم القوة‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إنّ بيوراسب [‪ ]5‬قال له لّا ظفر به‪:‬‬
‫ «ل تقتلن بدّك جمّ‪ ».‬فقال له أفريذون منكرا لقوله‪:‬‬‫«لقد ست بك نفسك و هّتك‪ ،‬و عظمت ف نفسك‪ ،‬حي قدرتا لذا‪ .‬جدّى كان أعظم [‪ ]17‬قدرا من أن يكون مثلك كفؤا له‬
‫ف القود [‪ ،]6‬و لكن أقتلك بثور كان ف دار جدّى‪ ».‬و أفريذون أوّل من عرف ذلّل [‪ ]7‬الفيلة‪ ،‬و قاتل با العداء‪ .‬ث قسم‬
‫الرض كما ذكرنا بي أولده‪ .‬و لجل ما صار بي أولده من العداوة‪ ،‬بقيت الذحول [‪ ]8‬بي‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] ما كانوا يعرفون القومي ‪ Tura‬و ‪ LSairima‬اللذين ذكرا ف «فروردين يشت»‪ ،‬و لكنهم كانوا يطلقون السي‬
‫على أعدائهم القاطني ف الشمال و شرقىّ الشمال و الغرب من بلدهم‪ ،‬فأطلقوا ‪ LSairima‬على اليونان‪ ،‬و الروم‪ ،‬و‬
‫اللّان‪ ،‬كما أطلقوا ‪ Tura‬على أقوام‪ ،‬عاشوا ف شرقى الشمال أى قبائل «تار»‪.‬‬
‫و «خيون»‪ ،‬ث على الياطلة‪ ،‬و أخيا على قبائل الترك (حص‪.)474 -469 :‬‬
‫[‪ .]1‬بالفستائية ‪: Kavi.‬بالفهلوية ‪: Kay‬أى‪ :‬اللك (فم) و بعن العزيز‪ ،‬و القهار‪ ،‬و البّار (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬أفريذون‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬متصل الروحانية‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط و الطبي‪ :‬مرّبا‪ .‬الحرب‪ :‬البي بالرب‪ ،‬الشجاع‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬هوراسب‪.‬‬
‫[‪ .]6‬القود‪ :‬القصاص‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬عرف تذليل الفيلة‪ ،‬و الصل هو الصح نصا‪ ،‬لن أسلوب التعبي هذا معهود من مسكويه ف مواطن كثية من‬
‫الكتاب‪ .‬انظر مثل‪ :‬ص ‪.61 ،59 ،51‬‬
‫[‪ .]8‬الذحول جع مفرده الذحل‪ :‬القد و الثأر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪60 :‬‬
‫الترك‪ ،‬و ملوك إيرانشهر [‪ ،]1‬و الروم‪ ،‬و طلب بعضهم بعضا بالدماء و الترات [‪.]2‬‬
‫و كان إبراهيم النب‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬ف أيام الضحّاك‪ .‬و لذلك زعم قوم أنّه نرود و أن نرود عامل من عمّاله‪ .‬و ل ينقل من‬
‫أخباره‪ -‬عليه السلم [‪ -]3‬شيء من النمط الذي همنا بإيراده ف هذا الكتاب‪ ،‬إلّا أشياء حكاها مان [‪ ،]4‬و هي بعيدة من‬
‫القّ‪ ،‬فلذلك ل أوردها‪ ،‬و ل أتعرّض لذكرها‪.‬‬
‫منوشهر‬
‫فكان من سوء عاقبة وثوب طوج و سرم بإيرج و قتلهما إيّاه‪ ،‬أن نشأ ابن ليرج بن أفريذون [‪ ]5‬يقال له‪ :‬منوشهر [‪ ]18‬حقد‬
‫على طوج‪ ،‬فدبّر عليه‪ ،‬إل أن قاومه‪ ،‬و تغلّب على ملك أبيه إيرج‪ ،‬ث نشأ ولد لطوج التركي‪ ،‬فنفى منوشهر [‪ ]6‬عن بلده‪ .‬و‬
‫كانت بينهما حروب ل ينقل منها شيء يستفاد منه تربة‪ .‬ث [‪]7‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ايران ايراج‪ .‬شهر‪ :‬اللك (السعودي ‪ .)248 :1‬بالفهلوية ‪: EranShatr‬أى‪ :‬أرض ايران كما كان يستعمل ف العصر‬
‫الساسان (فم)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬التراب‪ ،‬و الترات جع مفرده التّرة‪ :‬الظلم ف الذحل عامة‪ ،‬الناية على الغي من قتل و نب و سب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف مط‪ :‬بدون «عليه السلم»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مان‪ :‬بالفستائية ‪: Namanya.‬بالفهلوية ‪: LManik‬أى‪ :‬النسوب إل البيت‪( :‬باروچا‪ .)312 :‬مان‪ :‬الفذّ‪ ،‬عدي‬
‫النظي (بق)‪ .‬ولد عام ‪ 215‬م‪ .‬ف مردينو ببابل (البيون‪ ،)208 :‬و يقال‪ :‬إنّه ولد ف هدان‪ ،‬ث انتقل إل بابل‪ ،‬و قتل ‪ 274‬م‪.‬‬
‫و ادّعى بأنه فارقليط‪ ،‬و مزج بي الزرادشتية و السيحية (حب‪ ،‬لد‪ ،‬فم)‪ .‬له من الثار‪ :‬سابورقان (شاپورگان) ف العاد‪ .‬كن‬
‫الحياء‪ .‬سفر السفار‪ .‬فراقماطيا (بنگاهيك)‪ .‬سفر البابرة (كوان)‪ .‬إنيل زند (إنيل مان) مكتوبا ب ‪ 22‬حرفا من حروف‬
‫الجاء الت أبدعها‪ ،‬ملحقا بجموعة من الصور سيت باللغات اليرانية‪ :‬أردهنگ‪ ،‬أرثنگ‪ ،‬أرتنگ‪ ،‬أرژنگ‪ ،‬أرجنگ‪ ،‬و‬
‫باليويانيّة‪ :‬أيقون‪ ،‬و بالقبطية‪ :‬أيقونس (لد‪ ،‬حب‪ ،‬فم)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬أفريدون‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف سائر الصول‪ :‬منوشهر‪ ،‬منوشجهر‪ ،‬منوجهر‪ .‬مط‪ :‬منوچهر‪ ،‬بالفستائية( ‪ ManushC Lhithra‬يو ‪.)191‬‬
‫[‪ .]7‬ث‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪61 :‬‬
‫أديل [‪ ]1‬منه منوشهر‪ ،‬فنفاه عن بلده‪ ،‬و عاد إل ملكه‪.‬‬
‫و كان منوشهر موصوفا بالعدل و الحسان‪ .‬و هو أوّل من عرف خندق النادق و جع آلة الروب‪ ،‬و أوّل من وضع الدّهقنة‪،‬‬
‫فجعل لكل قرية دهقانا‪ ]2[ ،‬و جعل أهلها عبيدا و خول [‪ ،]3‬و ألبسهم لباس الذلّة‪ ،‬و أمرهم بطاعته‪ .‬و لا قوى سار نو‬
‫التّرك و طالب دم جدّه إيرج بن أفريذون‪ ،‬فقتل طوج بن أفريذون و أخاه سرما‪ ،‬و أدرك ثأره و انصرف‪.‬‬
‫ث نشأ فراسياب [‪ ]4‬بن ترك الذي ينسب إليه الترك من ولد طوج بن أفريذون‪ ،‬فحارب [‪ ]19‬منوشهر‪ ،‬و حاصره بطبستان‪.‬‬
‫ث إن منوشهر و فراسياب اصطلحا‪ ،‬و ضربا بينهما حدّا ل ياوزه واحد منهما‪ ،‬و هو نر بلخ‪ -‬و الفرس تكى ف ذلك حكايات‬
‫[‪ ]5‬ل فائدة ف إيرادها‪ -‬فانقطعت الرب بي فراسياب و منوشهر‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬قال الجاج‪ :‬يوشك أن تدال الرض منّا‪ ،‬أى‪ :‬يعل لا الكرة و الدولة علينا‪ ،‬فتأكل لومنا كما أكلنا ثارها‪ ،‬و تشرب‬
‫دماءنا كما شربنا مياهها (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بالفهلوية ‪: dehikan:‬مالك الرض و رئيس القرية (حب‪ ،‬فم)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الول‪ :‬عطية ال من النعم‪ ،‬و العبيد‪ ،‬و الماء‪ ،‬و التباع‪ ،‬و الشم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬أفراسياب‪ .‬ف سائر الصول‪ :‬فراسيات‪ ،‬فراسياب‪ ،‬أفراسياب (الطبي ‪ ،528 ،434 :1‬البيون‪:‬‬
‫‪ ،222 ،194‬حزة‪ ،20 :‬السعودي ‪ ،)249 :1‬بالفهلوية( ‪: Frasyak‬برثلمه‪.)986 :‬‬
‫[‪ .]5‬منها أسطورة آرش شواتي السمى ف الفستا ب ‪: EroxshaXshwivi -isu‬أى‪ :‬آرش الصلب القوس‪ ،‬أو‪:‬‬
‫صاحب السهم السريع (اليشت ‪ ،8‬الفقرات ‪ .)8 -6‬بالفهولية( ‪: ErexshaShepak -Tir‬حص‪ 588 :‬لد‪ ،‬حب)‪ .‬ورد‬
‫اسه ف الصادر كما يلي‪ :‬إيرش‪ ،‬ارششياطي‪ ،‬ارشسياطي (الطبي ‪ ،)435 :2‬أرش (الثعالب‪ ،107 :‬البيون‪ ،)220 :‬ارسناس‬
‫(الدينوري ص ‪ ،)11‬ايرشى (ابن الثي ‪.)166 :1‬‬
‫جاء ف الفستا‪« :‬نمد تيشتريا ‪ Tishtrya‬النجمة الساطعة الرائعة الت تسي إل بر فوروكش‪:‬‬
‫ى الذي‬
‫[ ‪ VouruKasha‬بالفهلوية‪ :‬فراخ كرت] بسرعة ينطلق با سهم إرخش ‪ LErexsha‬الصلب القوس‪ ،‬ذلك الر ّ‬
‫كان أصلب الريّي قوسا‪ ،‬و رمى من جبل خشوث ‪ LXshutha‬إل جبل خفنفنت ‪ Xvanvant،‬و مسّته نفحة من أهورا‬
‫مزدا‪ ،‬و ش ّق له الاء و الكل و الشمس صاحبة السهول الفسيحة‪ ،‬منهجا عريضا‪ ».‬و الراد ببل خشوث‪ :‬جبال «البز» و ببل‬
‫خفنفنت‪ :‬أحد جبال منطقة جيحون (حص‪ ،590 ،589 :‬زند اوستا ‪.)416 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪62 :‬‬

‫خطبة منوشهر‬
‫فمما حكى و نقل من تدابي منوشهر أنّه لا مضى من ملكه نو ثلثي سنة‪ ،‬تناولت التراك أطراف أعماله‪ ،‬فجمع قومه‪ ،‬و‬
‫وبّخهم‪ ،‬ث خطب عليهم‪ ،‬و هذه أوّل خطبة [‪ ]1‬عرفناها‪ ،‬و نقلت إلينا‪ .‬قال‪:‬‬
‫«أيها الناس‪ :‬إنّكم ل تلدوا الناس كلّهم‪ .‬و إنّما الناس ناس ما حفظوا أنفسهم [‪ ،]2‬و دفعوا العدوّ عنهم‪ .‬و قد نالت الترك منكم‬
‫[‪ ،]3‬و من‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] و أمّا أبو ريان البيون فيوى السطورة بقوله‪« :‬زعموا أنّ أفراسياب لا تغلّب على ايرانشهر‪ ،‬و حاصر منوشجهر‬
‫بطبستان‪ ،‬طلب منه أمرا‪ ،‬فأنعم به عليه‪ ،‬على أن يردّ إليه من ايرانشهر رمية نشّابة ف مثلها‪ .‬فحضر ملك من اللئكة اسه‬
‫إسفندارمذ‪ ،‬و أمر أن يتخذ قوسا و نشابة‪ ،‬على مقدار مثّله لصانعها على ما بيّن ف كتاب البستا [الفستا‪ ،‬البستاق‪ ،‬بالفهلوية‬
‫‪: Apistak‬بن ‪ Avistak،‬بالفارسية الديثة‪ :‬أوستا (بالواو الفارسية)]‪ ،‬و أحضر أرش‪ ،‬و كان شريفا ديّنا حكيما‪ ،‬و أمر‬
‫بأخذ القوس و رمى النشّابة‪ .‬فقام‪ ،‬و تعرّى و قال‪ :‬أيها اللك‪ ،‬و أيها الناس! أبصروا بدن‪ ،‬فإنّى بريء من كل جراحة و علة‪ ،‬و‬
‫إنّى موقن بأنّى إذا رميت بذه القوس و السهم‪ ،‬تقطّعت قطعا و تلفت نفسي و قد جعلتها فداء لكم‪ .‬ث ترّد‪ ،‬و م ّد القوس با‬
‫أعطاه ال من القوة‪ ،‬فرمى با‪ ،‬و تقطّع قطعا‪ ،‬و أمر ال الريح حت اختطفت النشابة من جبل الرويان‪ ،‬و بلغ با إل أقصى‬
‫خراسان بي فرغانة و طبستان‪ ،‬فأصابت أصل شجرة من شجرة الوز كبية‪ ،‬ل يكن لا ف الدنيا شبه من الشجار كبا‪ .‬و‬
‫يقال‪ :‬إنّ من موضع الرمية إل موقع النشّابة ألف فرسخ‪ .‬فاصطلحا على تلك الرمية‪ ،‬و كانت ف هذا اليوم‪ :‬التيكان‪ .‬فاتذه‬
‫الناس عيدا ‪( »...‬البيون‪.)220 :‬‬
‫إنّ منطلق السهم كما جاء ف الفستا و الصادر السلمية هو أحد هذه المكنة‪ :‬خشوث‪ ،‬قمّة دماوند‪ ،‬آمل‪ ،‬سارى‪ ،‬جرجان‪،‬‬
‫رويان‪ ،‬طبستان‪ .‬و موقعه‪ :‬خفنفنت‪ ،‬ساحل جيحون‪ ،‬مرو‪ ،‬نر بلخ (جيحون آمودريا)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬هذه الطبة تدها كاملة عند الطبي أيضا (‪ ،)437 :1‬كما تد ملخّصها بنسبة أقل من النصف عند ابن الثي (‪:1‬‬
‫‪ .)166‬و قد قارنّا ف تقيق نصها بي الصل و مط و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أول الطبة ف مط‪ :‬أيها الناس بئس ما حفظوا أنفسهم‪ .‬و ف الطبي‪ ... :‬ما عقلوا من أنفسهم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬منكم‪ :‬غي موجودة ف الطبي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪63 :‬‬
‫أطرافكم‪ ،‬و ليس ذلك إلّا من ترككم جهاد عدوّكم‪ ،‬و قلّة البالة‪ ،‬و إن ال تعال أعطانا هذا اللك ليبلونا‪ :‬أ نشكر فيزيدنا [‬
‫‪ ،]4‬أم نكفر فيعاقبنا؟ و نن أهل بيت خي [‪ ،]5‬و معدن [‪ ]20‬اللك [‪ .]6‬فإذا كان غدا‪ ،‬فاحضروا‪ ».‬فاعتذر الناس‪ ،‬و‬
‫واعدوه الضور‪ .‬فلمّا كان من غد‪ ،‬أرسل إل أهل بيت الملكة و أشرافهم‪ ،‬و إل الساورة [‪ ]7‬و كبارهم‪ ،‬فدعاهم‪ ،‬و أذن‬
‫للرؤساء من الناس و دعا «موبذان موبذ [‪ ،»]8‬و أقعده على كرسي مقابل سريره‪ ،‬ث قام على سريره خطيبا‪ .‬فقام أشراف‬
‫الناس‪ ،‬و أهل بيت الملكة و الساورة‪ ،‬فقال‪ :‬اجلسوا‪ .‬فإنّى إنّما قمت لسعكم‪ .‬فجلسوا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«أيها الناس‪ ،‬إنا اللق للخالق‪ ،‬و الشكر للمنعم‪ ،‬و التسليم للقادر‪ ،‬و ل بدّ ما هو كائن‪ ،‬و إنّه ل أضعف من ملوق‪ ،‬طالبا كان‬
‫أو مطلوبا‪ ،‬و ل أقوى من خالق‪ ،‬و ل أقدر من طلبته [‪ ]9‬ف يده‪ ،‬و ل أعجز من هو ف يد طالبه‪.‬‬
‫«أل و إنّ التفكّر نور‪ ،‬و الغفلة ظلمة‪ ،‬و الهالة ضللة‪ .‬و قد ورد الوّل‪ ،‬و ل ب ّد للخر من اللحوق [‪ ]10‬بالوّل‪ ،‬و قد‬
‫مضت قبلنا [‪]21‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬فنريد‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الطبي‪ :‬عزّ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الطبي‪ :‬اللك للّه‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الساورة‪ :‬جع مفرده السوار‪ :‬الرامي‪ ،‬و قيل‪ :‬الفارس (العرّب)‪ ،‬القائد (لد)‪ ،‬الر‪ ،‬العظيم (فاب ‪:1‬‬
‫‪ .)223‬بالفستائية ‪: Asbaray‬ركوب الفرس‪ ،‬بالفارسية القدية ‪: asa -bara،‬بالفهلوية ‪: aspavar‬بن‬
‫‪ aspabarak‬السوار‪ :‬الراكب مقابل الراجل (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]8‬موبدان موبد‪ :‬أعلى درجة ف رتب رجال الدين الزرداشت‪( .‬فم) بالفهلوية( ‪: magupat‬مغ بد)‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الطّلبة و الطّلبة‪ :‬الطلوب‪.‬‬
‫[‪ .]10‬ف الطبي‪ :‬اللحاق‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪64 :‬‬
‫أصول نن فروعها‪ ،‬فما بقاء [‪ ]1‬فرع بعد [‪ ]2‬ذهاب أصله‪ ،‬و إنّ ال‪ -‬عزّ و جلّ‪ -‬أعطانا هذا اللك‪ ،‬فله المد‪ ،‬و نسأله‬
‫إلام الرشد و الصدق و اليقي‪.‬‬
‫«أل و إنّ للملك على أهل ملكة حقّا‪ ،‬و لهل ملكته عليه حقّا [‪ .]3‬فح ّق اللك على أهل ملكته‪ ،‬أن يطيعوه و يناصحوه و‬
‫يقاتلوا عدوّه‪ ،‬و حقّهم على اللك أن يعطيهم أرزاقهم ف أوقاتا‪ ،‬إذ ل معتمد لم على غيها‪ ،‬و إنّه تارتم [‪ ]4‬و حقّ الرعية‬
‫على اللك‪ ،‬أن ينظر لم‪ ،‬و يرفق بم‪ ،‬و ل يمّلهم ما ل يطيقون‪ .‬فإنّ أصابتهم مصيبة تنقص من ثارهم‪ ،‬لفة أو ضرر من السماء‬
‫أو الرض‪ ،‬أن يسقط عنهم خراج ما نقص و إن اجتاحتهم [‪ ]5‬مصيبة‪ ،‬أن يعوّضهم ما يقوّيهم على عمارتم [‪ ،]6‬ث يأخذ منهم‬
‫بعد ذلك على قدر ما ل يحف بم ف سنة أو سنتي‪ .‬و الند للملك بنلة جناحي [‪ ]22‬الطي [‪ ،]7‬فهم أجنحة اللك‪ ،‬و مت‬
‫ص من الناح ريشة‪ ،‬كان ذلك نقصانا منه‪ ،‬و كذلك اللك‪ ،‬إنّما هو بناحه و ريشه‪.‬‬
‫ق ّ‬
‫«و إن اللك ينبغي له أن يكون فيه ثلث خلل [‪ :]8‬أوّلا أن يكون صدوقا فل يكذب‪ ،‬و أن يكون سخيّا فل يبخل‪ ،‬و أن يلك‬
‫نفسه عند الغضب‪ ،‬فإنّه مسلّط [‪ ،]9‬و يده مبسوطة‪ ،‬و الراج يأتيه‪.‬‬
‫فينبغي له أن ل يستأثر [‪ ]10‬عن جنده و رعيته‪ ،‬با هم أهل له‪ ،‬و أن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬بقي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬مع ذهاب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬سقطت من مط‪« :‬حقا‪ ،‬و لهل ملكته حقا‪ .‬فحقّ اللك على أهل ملكته»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل و مط‪ :‬و إنّه تارتم‪ .‬ف الطبي‪ :‬و إنّها تارتم‪ .‬ابن الثي‪ :‬إنّه خازنم‪.‬‬
‫[‪ .]5‬اجتاحتهم مصيبة أو جائحة‪ :‬أهلكت مالم‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الطبي‪ :‬عماراتم‪.‬‬
‫[‪ .]7‬كذا ف الصل و مط‪ .‬و ف الطبي‪ :‬الطائر‪.‬‬
‫[‪ .]8‬اللل‪ :‬جع اللّة‪ :‬الصلة‪ ،‬اللق‪.‬‬
‫[‪ .]9‬مط‪ :‬سلط‪.‬‬
‫ص به نفسه‪.‬‬
‫[‪ .]10‬استأثر بالشيء‪ :‬خ ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪65 :‬‬
‫يكثر العفو‪ .‬فإنّه ل ملك أبقى من ملك فيه العفو [‪ ،]1‬و ل أهلك من ملك فيه العقوبة‪ .‬و إن الرء لن [‪ ]2‬يطئ ف العفو‪ ،‬خي‬
‫له من أن يطئ ف العقوبة‪ .‬فينبغي له أن يتثبّت [‪ ]3‬ف المر الذي فيه قتل النفس و بوارها‪ .‬و إذا رفع إليه من عامل من عماله ما‬
‫يستوجب به العقوبة‪ ،‬فل ينبغي له أن يابيه [‪ ،]4‬و ليجمع بينه و بي التظلّم‪ ،‬فإن صحّ عليه [‪ ]23‬للمظلوم حقّ خرج إليه منه‪،‬‬
‫و انعجز عنه أدّى [‪ ]5‬اللك عنه [‪ ،]6‬و ردّه إل موضعه‪ ،‬و أخذه بإصلح ما أفسد‪ .‬فهذا لكم علينا‪ .‬أل و من سفك دما بغي‬
‫حقّ‪ ،‬أو قطع يدا بغي حقّ‪ ،‬فإنّى ل أعفو عن ذلك إلّا أن يعفو عنه صاحبه‪ .‬فخذوا هذا عنّى‪.‬‬
‫«أل و إنّ الترك قد طمعت فيكم فاكفونا [‪ ،]7‬فإنّما تكفون أنفسكم‪ .‬و قد أمرت لكم بالسلح و العدّة و أنا شريككم ف‬
‫الرأى‪.‬‬
‫و إنّما ل من هذا اللك اسه مع الطاعة منكم‪ .‬أل و إنّ اللك ملك إذا أطيع‪ ،‬فإذا خولف‪ ،‬فذلك ملوك و ليس بلك‪ .‬و مهما [‬
‫‪ ]8‬بلغنا من اللف‪ ،‬فإنّا ل نقبله من البلغ‪ ،‬حت نتيقّنه‪ .‬فإذا صحّت معرفة ذلك‪ ،‬أنزلناه [‪ ]9‬منلة الخالف‪.‬‬
‫«أل و إنّ أكمل الداة عند الصيبات‪ ،‬الخذ بالصب‪ ،‬و الراحة إل اليقي‪ .‬فمن قتل ف ماهدة العدو‪ ،‬رجوت له الفوز برضوان‬
‫ال‪.‬‬
‫و أفضل المور التسليم [‪ ]24‬لمر ال‪ ،‬و الراحة إل اليقي‪ ،‬و الرضا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬العفو ‪ ...‬العقوبة‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط‪ .‬ف الطبي‪ :‬أن يطئ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تثبت ف المر و الرأى‪ :‬تأتّى فيه و ل يعجل‪.‬‬
‫[‪ .]4‬حاباه ماباة‪ :‬اختصه و مال إليه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬أذى!‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬عند‪.‬‬
‫[‪ .]7‬ف الصل‪« :‬فاكفوها» و التصحيح من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]8‬مط‪ :‬ما‪.‬‬
‫[‪ .]9‬ف الطبي‪ :‬و إلّا أنزلناه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪66 :‬‬
‫ف الطالب‪.‬‬
‫بقضائه‪ .‬أين الهرب ما هو كائن‪ ،‬و إنّما نتقلّب [‪ ]1‬ف ك ّ‬
‫و إنّما هذه الدنيا سفر‪ ،‬أهلها ل يلّون عقد الرحال إلّا ف غيها [‪.]2‬‬
‫إنّما بلغتهم فيها بالعوارى [‪ .]3‬فما أحسن الشكر للمنعم‪ ،‬و التسليم لرّ قضاء الق [‪ ،]4‬و من أحقّ بالتسليم لن فوقه من ل‬
‫يد مهربا إلّا إليه [و ل معوّل إلّا عليه] [‪ .]5‬فثقوا [‪ ]6‬بالغلبة إذا كانت نيّاتكم أ ّن النصر من عند ال‪ .‬و كونوا على ثقة من‬
‫درك [‪ ]7‬الطلبة إذا صحّت نيّاتكم‪ .‬و اعلموا أنّ هذا المر ل يقوم إلّا [‪ ]8‬بالستقامة‪ ،‬و حسن الطاعة‪ ،‬و قمع العدوّ‪ ،‬و سدّ‬
‫الثغور‪ ،‬و العدل للرعيّة‪ ،‬و إنصاف الظلوم‪.‬‬
‫فشفاؤكم عندكم‪ ،‬و الدواء الذي ل داء فيه الستقامة و المر بالي و النهى عن الشرّ‪ ،‬و ل قوّة إلّا باللّه‪.‬‬
‫«أنظروا للرعية‪ ،‬فإنّها مطعمكم و مشربكم‪ ،‬و مت عدلتم فيهم‪ ،‬رغبوا ف العمارة‪ ،‬فزاد ذلك ف خراجكم‪ ،‬و تبيّن ف زيادة‬
‫أرزاقكم‪ .‬و إذا [‪ ]25‬حفتم [‪ ]9‬على الرعيّة زهدوا ف العمارة و عطّلوا أكثر الرض‪ ،‬فنقص ذلك من خراجكم‪ ،‬و تبيّن ف‬
‫نقص أرزاقكم‪.‬‬
‫فتعاهدوا الرعيّة بالنصاف‪ .‬و ما كان من النار‪ ،‬و البثوق [‪ ،]10‬ما نفقته على السلطان‪ ،‬فأسرعوا فيه قبل أن يكب [‪ .]11‬و‬
‫ما كان من ذلك على الرعيّة‪ ،‬فعجزوا عنه‪ ،‬فأقرضوهم من بيت مال الراج‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬يتقلّب‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ف غي بناء‪.‬‬
‫[‪ .]3‬جع العارية‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬لن قضاء الق‪ .‬ف الطبي‪ :‬لن القضاء له‪.‬‬
‫[‪ .]5‬زيادة من مط و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬فتقوّوا‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الدرك‪ :‬اسم مصدر من الدراك‪ :‬الوصول‪ ،‬و البلوغ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬ل‪ :‬غي موجودة ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]9‬حاف عليه‪ :‬جار و ظلم‪ .‬و ف مط‪ :‬جنفتم‪.‬‬
‫[‪ .]10‬البثوق‪ :‬جع البثق‪ :‬موضع انبثاق الاء‪.‬‬
‫[‪ .]11‬الطبي‪ :‬يكثر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪67 :‬‬
‫فإذا جاءت [‪ ]1‬أوقات خراجهم [‪ ،]2‬فخذوا من خراج غلّاتم على قدر ما ل يحف بم‪ .‬ذلك ربع ف كل سنة‪ ،‬أو ثلث‪ ،‬أو‬
‫نصف‪ ،‬لكيل يتبيّن [‪ ]3‬عليهم‪.‬‬
‫هذا قول و أمرى‪ .‬يا موبذ موبذان‪ ،‬الزم هذا القول‪ ،‬وجدّ [‪ ]4‬ف الذي سعت ف يومك‪ .‬أسعتم أيّها الناس؟» قالوا‪« :‬نعم‪ ».‬و‬
‫أثنوا عليه‪ ،‬و دعوا له‪ ،‬ث أمر بالطعام‪ .‬فوضع‪ ،‬و أكلوا و شربوا‪ ،‬و خرجوا و هم له شاكرون‪ .‬ث كان من أمره ما كان ما‬
‫ذكرناه‪.‬‬

‫منوشهر و الرايش بن قيس‬
‫و ف أيّامه غزا الرايش بن قيس بن صيفي بن يشجب بن يعرب بن قحطان [‪ ]26‬من ملوك [‪ ]5‬اليمن‪ .‬و كان اسم الرايش‬
‫الارث‪ .‬غزا الند‪ ،‬فغنم غنائم عظيمة‪ ،‬فأنفذ رجل من أصحابه يعرف بشمر بن العطّاف‪ ،‬فدخل الترك من أرض آذربيجان‪ ،‬و‬
‫هي يومئذ ف أيديهم‪ ،‬فقتل و سب و غنم‪.‬‬
‫و غزا بعده ذو منار بن الرايش بعد أبيه‪ ،‬و انّما سّى ذا منار لنّه غزا بلد الغرب‪ ،‬فوغل فيها برّا و برا‪ ،‬و خاف على جيشه‬
‫اللك عند قفوله [‪ ،]6‬فبن النار ليهتدوا با‪ .‬ث وجّه ابنه إل أقاصى الغرب‪ ،‬فغنم‪ ،‬و أصاب مال‪ ،‬و قدم عليه بسب لم خلقة‬
‫منكرة‪ ،‬فذعر الناس منهم‪ ،‬فسمّوه ذا الذعار‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬حان‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف مط‪ :‬إخراجهم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف مط‪ :‬يتبيّن ذلك عليهم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬كذا ف مط‪ :‬جدّ‪ .‬ف الطبي‪ :‬خذ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ملوك اليمن ‪ ...‬بشمر‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]6‬القفول‪ :‬الرجوع‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪68 :‬‬
‫و إنّما ذكرتم ف هذا الوضع‪ ،‬لتصال ذلك بذكر [‪ ]1‬منوشهر‪ ،‬و أنّ الفرس تدّعى أنّ ملوك اليمن كانت عمّال للوك الفرس‬
‫با‪ ،‬و أنّ الرايش كان من قبل منوشهر يغزو الترك و غيهم‪ .‬و العرب تنكر ذلك‪ ،‬و تزعم أن ملكهم ل يكن قطّ من قبل أحد‪ ،‬و‬
‫إنّما كانوا برؤوسهم‪.‬‬

‫ظهور موسى ف أيّام منوشهر‬
‫و ف أيّام منوشهر [‪ ]27‬ظهر موسى‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬و يقال‪ :‬إنّ عمره‪ -‬عليه السلم‪ -‬كان مائة و عشرين سنة‪ ،‬منها ف أيام‬
‫أفريذون عشرون سنة‪ ،‬و ف أيام منوشهر مائة سنة‪ .‬و كان من حديث موسى مع فرعون و ما أنزل من اليات على يده‪ ،‬ما هو‬
‫مشهور‪ .‬و قد اعتذرنا من ذكر هذه الخبار و تركها‪.‬‬
‫ث كان من حديث التّيه [‪ ]2‬ما كان‪ ،‬إل أن أخرج بن إسرائيل منه يوشع بن نون بعد موت موسى‪ ،‬و غزا الكنعانيي‪ ،‬و نفاهم‬
‫إل السواحل‪ ،‬و افتتح مدينة البّارين‪ .‬فيقال إ ّن إفريقس بن قيس بن صيفي بن كعب بن زيد بن حي بن سبأ بن يشجب بن‬
‫يعرب بن قحطان مرّ بم متوجها إل إفريقية [‪ ،]3‬فاحتملهم من سواحل الشام‪ ،‬حت أتى بم إفريقية‪ ،‬فافتتحها‪ ،‬و قتل ملكها‬
‫جرجيا [‪ ،]4‬و أسكنها البقية الت كانت بقيت من الكنعانيي الذين كان احتملهم من سواحل الشام‪ ،‬فهم البابرة‪ .‬و إنّما سّوا‬
‫بذلك لنّ إفريقس [‪ ]28‬قال لم‪« :‬ما أكثر بربرتكم!» فسمّوا بذلك «بربرا» [‪.]5‬‬
‫و كان إفريقس هذا عامل لنوشهر على ما تزعم الفرس‪ .‬و كان تدبي يوشع أمر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬بذكر‪.‬‬
‫[‪ .]2‬التيه‪ :‬حيث تاه بنو إسرائيل‪ ،‬أى حاروا‪ ،‬و ل يهتدوا للخروج منه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬فريقيّه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬جرجيز‪ .‬و ف الطبي‪ :‬جرجي‪.‬‬
‫[‪ .]5‬بربر‪ :‬ثرثر‪ ،‬فهو بربار‪ ،‬أى‪ :‬ثرثار‪ .‬و ف لغة الغريق و الرومان ‪: barbares‬الجنب (حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪69 :‬‬
‫بن إسرائيل‪ ،‬من لدن مات موسى إل أن توفّى يوشع ف زمان منوشهر‪ ،‬عشرين سنة‪ ،‬و ف زمان فراسياب سبع سني‪ .‬و لّا هلك‬
‫منوشهر‪ ،‬تغلّب فراسياب على ملكة فارس‪ ،‬و طلب بالذحول‪ .‬و صار إل أرض بابل و أقام بهرجاقذق [‪ ،]1‬و أكثر الفساد‪ ،‬و‬
‫خرّب ما كان عامرا‪ ،‬و دفن النار و القنّ‪ ،‬فقحط الناس ف سنة خس من ملكه‪ ،‬إل أن أخرج‪ ،‬وردّ إل بلد الترك‪ .‬فغارت [‬
‫‪ ]2‬الياه ف تلك السني‪ ،‬و حالت [‪ ]3‬الشجار الثمرة‪.‬‬

‫ز ّو بن طهماسب‬
‫و ل يزل الناس ف أعظم بليّة إل أن ظهر زوّ [‪ ]4‬بن طهماسب‪ ،‬و يقول بعضهم‪:‬‬
‫زاغ‪ ،‬و بعضهم‪ :‬زاب‪ ،‬و بعضهم‪ :‬زاسب‪ ،‬و هو من أولد منوشهر‪ ،‬و بينه و بينه عدّة آباء‪.‬‬
‫فلما ظهر ز ّو طرد فراسياب عن ملكة فارس‪ ،‬حت ردّه إل الترك بعد حروب [‪ ]5[ ]29‬كثية جرت بينهما ل يذكر لنا منها ما‬
‫نستفيد منه تربة‪ .‬و كانت غلبة فراسياب على إقليم بابل اثنت عشرة سنة من لدن توفّى منوشهر إل أن طرده زوّبن طهماسب‪،‬‬
‫إل تركستان‪.‬‬
‫نو‬
‫ث ابتدأ زوّ ف عمارة ما خرّبه فراسياب‪ .‬فأمر ببناء ما هدم من الصون و إعادة ما طمّر [‪ ]6‬و عوّر [‪ ]7‬من النار و الق ّ‬
‫كرى [‪ ]8‬ما كان اندفن من الياه‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مهرجاقذق‪ ،‬مهرجانقذق‪ :‬معرّب من «مهرگان كذه (كذك)‪ .‬بالفهلوية ‪: Mitragan -Katak‬أى‪ :‬بيت ميترا‬
‫(حب)‪ .‬ولية ميطة على صيمرة (ل‪ )218 :‬و صيمرة بلدة بي ديار البال و ديار خوزستان (يا)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غار الاء‪ :‬ذهب ف الرض و سفل فيها‪.‬‬
‫[‪ .]3‬حالت النخلة‪ :‬حلت عاما و ل تمل آخر‪.‬‬
‫[‪ .]4‬بالفستائية ‪: LUzava‬ابن( ‪ LTumaspa‬يد ‪ .)46 :2‬بالفهلوية( ‪: LOz av ,Uzav‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل (مصورة ليدن)‪ :‬حصل تقدي و تأخي بي صفحت ‪ 29‬و ‪.30‬‬
‫[‪ .]6‬طمّره‪ :‬بالغ ف طمره‪ ،‬أى دفنه‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬غور‪ .‬عوّر عيون الياه‪ :‬دفنها و سدّها‪.‬‬
‫[‪ .]8‬كرى النهر‪ :‬حفر فيه حفرة جديدة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪70 :‬‬
‫حت عاد جيع ذلك إل أحسن ما كان‪ ،‬و وضع عن الناس الراج سبع سني‪.‬‬
‫فعمرت البلد ف أيّامه‪ ،‬و كثرت الياه‪ ،‬و درّت معايش الناس‪ ،‬و استخرج بالسواد [‪ ]1‬نرا‪ ،‬و سّاه‪ :‬الزاب‪ ،‬و بن على حافتيه‬
‫[‪ ]2‬مدينة‪ ،‬و هي الت تسمى‪:‬‬
‫الدينة العتيقة‪ ،‬و كوّرها كورة [‪ ،]3‬و جعلها ثلث طساسيج [‪ :]4‬الزاب العلى‪ ،‬و الزاب الوسط‪ ،‬و الزاب السفل‪ ،‬و نقل‬
‫إليها بذور الرياحي و أصول الشجار من البال‪ .‬و ز ّو هذا أوّل من عرف [‪ ]30‬اتّخذ [‪ ]5‬ألوان الطبيخ‪ ،‬و أصناف الطعمة‪،‬‬
‫و أعطى جنوده ما غنم باليل [‪ ،]6‬و ما أوجف عليه من أموال الترك‪ ،‬و كان وزيره «كرساسف» من أولد طوج بن أفريذون‪.‬‬
‫و قد حكى أنّ زوّا و كرساسف [‪ ،]7‬اشتركا ف اللك‪ .‬و الصحيح من أمره أنّه كان وزيرا لزوّ و معينا له‪ .‬فكان جيع ملك زوّ‬
‫ثلث سني‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬السواد‪ :‬رستاق من رساتيق العراق‪ .‬و حدّ السواد على قول أب عبيد‪ :‬من حديثة الوصل طول إل عبّادان‪ ،‬و من عذيب‬
‫القادسية إل حلوان عرضا‪ ،‬فيكون طوله مائة و ستي فرسخا (يا)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬حافته‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الكورة‪ :‬لفظ فارسي معرّب‪ ،‬و أصله‪« :‬خوره» (خره)‪ :‬الناحية‪ .‬البقعة الت يتمع فيها قرى و مال (فم‪ ،‬مو)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬طساسيج‪ :‬جع مفرده‪ :‬طسّوج‪ ،‬أى الحلة و الناحية‪ ،‬و طسّوج تعريب ل «تسو»‪ .‬و أصله ف الفهلوية‪:‬‬
‫( ‪ LTasuk‬يد ‪.)330 :2‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪« :‬أوّل من عرف اتاذ»‪ .‬أسلوب للكتابة عند مسكويه تده ف مواطن كثية من الكتاب‪ ،‬انظر مثل‪ :‬ص ‪،59 ،51‬‬
‫‪.61‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬البل‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬كركاسب‪ .‬بالفستائية ‪ keresaspa،‬بالفهلوية( ‪: Karshasp‬حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪71 :‬‬

‫الكييّة و من عاصرهم‬
‫كيقباذ بن زوّ‬
‫ث ملك بعده كيقباذ بن زوّ‪ ،‬و سلك سبيل أبيه‪ .‬فكوّر الكور‪ ،‬و بيّن حدودها و حريها‪ ،‬و أمر الناس بالعمارات‪ ،‬و أخذ العشر‬
‫من الغلّات لرزاق الند‪ ،‬و كان حريصا على العمارة‪ ،‬و مانعا لوزته‪ .‬و اللوك الكييّة من نسله‪ .‬و جرت بينه و بي الترك‬
‫حروب كثية‪ .‬و كان مقيما ف ال ّد الذي بي ملكة الفرس و الترك بناحية بلخ‪ ،‬ينع الترك من تطرّف [‪ ]1‬شيء من حدود‬
‫فارس‪ .‬فجميع هذه العداوات و الروب سببها سوء نظر من قسم اللك بي أولده‪ ،‬ث وثوب من وثب من الخوة [‪ ]31‬بأخيه‪،‬‬
‫و استمرار الشحناء بعد ذلك و العداوات‪.‬‬
‫و أما القيّم بأمر بن إسرائيل بعد يوشع‪ ،‬فكان كالب بن توفيل [‪ ،]2‬ث حزقيل الذي يقال له‪ :‬ابن العجوز‪ -‬و كانت لما أخبار‬
‫مشهورة تركنا ذكرها لنا معجزات ل تستفاد منها تربة [‪ -]3‬و حزقيل هو صاحب القوم «الذين خرجوا من ديارهم و هم‬
‫ألوف حذر الوت‪ ،‬فقال لم ال‪ :‬موتوا‪ ،‬ث أحياهم» [‪ ]4‬لنم ودّوا لو ماتوا فاستراحوا من بلء كان أصابم‪ :‬إمّا طاعون‪ ،‬أو ما‬
‫أشبهه‪ ،‬فخرجوا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط و الطبي‪ :‬تطرّق‪ :‬ابتغى إليه طريقا‪ .‬تطرّف الشيء‪ :‬أخذ من أطرافه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬يوفنا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.535 :2‬‬
‫[‪ .]4‬س ‪ 2‬البقرة‪.243 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪72 :‬‬
‫فرارا من ذلك‪.‬‬
‫ث إلياس‪ ،‬ث اليسع‪ ،‬ث إيلف‪ .‬و ف خلل هؤلء‪ ،‬كان يتملّك عليهم قوم من الكنعانيي و غيهم‪ ،‬فيسومونم البليا و العظائم‪،‬‬
‫و ليس ف ذكرهم فائدة‪ .‬إل أن جاءهم شويل النبّ‪ .‬و كان من خبه مع جالوت و طالوت ما ذكره ال تعال‪.‬‬
‫و ملك داود [‪ ]1‬لا كان منه من مبارزة جالوت‪ .‬و الب [‪ ]32‬مشهور مقرون بعجزة النبياء‪ .‬ث ملك سليمان‪ ،‬و أخباره و‬
‫معجزاته مذكورة‪.‬‬

‫كيقابوس و ما جرى على ابنه سياوخش‬
‫ث ملك بعد كيقباذ‪ ،‬كيقابوس [‪ ]2‬بن كيبنة [‪ ]3‬بن كيقباذ اللك‪ .‬فشدّد على أعدائه و قتل خلقا من عظماء البلد‪ ،‬من كان‬
‫ينكر أمرهم و سكن بلخ‪ .‬و ولد له ابن ل ير مثله ف عصره جال و تام خلقة‪ ،‬و سّاه سياوخش‪ ]4[ ،‬و ضمّه إل رستم [‪]5‬‬
‫الشديد بن دستان من ولد كرساسف الذي ذكرناه قبيل‪ ،‬و كان إصبهبذ سجستان و ما يليه من قبله‪ ،‬و أمره بتربيته و أوصاه به‪.‬‬
‫فأخذه رستم‪ ،‬و مضى به إل سجستان و تيّر له الواضن و الرضعات‪ ،‬حت أدرك [‪ ،]6‬فجمع له العلّمي‪ ،‬و أدّبه‪ ،‬ث علّمه‬
‫الفروسة [‪ ،]7‬حت فاق فيها‪ ،‬و قدم على والده رجل كامل‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬سقط من مط‪ :‬داود‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البيون ص ‪ 107‬و حزة ص ‪ :30‬كيكاوس‪ .‬بالفهلوية( ‪: KaiKayus‬ف)‪ .‬ف الفستا ‪: Kaviusan‬اللك الثان‬
‫من السرة الكيية‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬كييه‪ .‬ف الطبي و حواشيه‪ :‬كسه (مهملة)‪ ،‬كتيبه!‪ ،‬كييه‪ ،‬كيبيه‪ ،‬و تصحيفات أخرى (‪.)597 :2‬‬
‫أصله حسب الروايات اليرانية القدية‪ :‬أئى پيفنگهو( ‪ Aipivanghu‬فم ‪« 1641 :6‬كيكاوس»)‪ ،‬و الشبه ظاهر بي الصل‬
‫و صورة التعريب خاصة إذا أدخلنا عليه‪: Kavi.‬‬
‫[‪ .]4‬بالفستائية ‪: Syavarshan.‬بالفهلوية( ‪: Siavaxsh‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬بالفستائية ‪: (Rosataxm )-Ltahm.‬بالفهلوية‪: Rostahm.‬‬
‫[‪ .]6‬أدرك الصبّ‪ :‬بلغ اللم‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬الفروسية‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪73 :‬‬
‫فامتحنه كيقابوس والده‪ ،‬فوجده كامل نافذا [‪ ]1‬بارعا‪.‬‬
‫و كان لكيقابوس زوجة بارعة المال‪ ،‬يقال‪ :‬إنّها بنت [‪ ]33‬فراسياب ملك الترك‪ ،‬و يقال‪ :‬إنّها بنت ملك اليمن‪ .‬فهويت‬
‫سياوخش‪ ،‬و هويها‪ .‬و الفرس تكى أمورا طويلة‪ ،‬و تزعم أنّها كانت ساحرة‪ ،‬و أنّها سحرته‪ ،‬إلّا أن آخر أمرها آل إل أن علم‬
‫كيقابوس با يرى بينهما‪.‬‬
‫فكان من عاقبة ميلهما إل الوى‪ ،‬و ظنّهما أنّ ذلك ينكتم‪ ،‬أن تغيّر كيقابوس لبنه سياوخش‪ ،‬و أشفق سياوخش على نفسه‪.‬‬
‫فسأل رستم أن يسأل أباه توجيهه لرب فراسياب‪ .‬و كان قد تدّدت وحشة بي كيقابوس و فراسياب‪ .‬و أراد سياوخش بذلك‬
‫البعد من والده‪ ،‬و التنحّى عما تكيده به امرأة أبيه [‪ .]2‬ففعل ذلك رستم و خاطب أباه فيه‪ ،‬و استأذن له ف جند يضمّهم إليه‪.‬‬
‫فأذن له‪ ،‬و ضمّ إليه جندا كثيفا و أشخص [‪ ]3‬سياوخش إل بلد الترك‪ .‬فلما التقى سياوخش و فراسياب‪ ،‬جرى بينهما صلح‪.‬‬
‫و كتب بذلك سياوخش إل أبيه يعلمه ما جرى بينه و بي [‪ ]34‬فراسياب‪.‬‬
‫فكتب إليه أبوه بإنكار ذلك‪ ،‬و أمره بناهضته و مناجزته الرب‪ .‬فرأى سياوخش أ ّن ف فعله ما كتب به أبوه من ماربة‬
‫فراسياب‪ -‬بعد الذي جرى بينهما من الصلح و الدنة‪ ،‬من غي نقض [‪ ]4‬فراسياب شيئا من أسباب ذلك‪ -‬عارا و منقصة‪.‬‬
‫فامتنع من إنفاذ أمر أبيه ف ذلك‪ .‬و رأى أنّه يؤتى ف ك ّل ذلك من زوجة أبيه [‪ .]5‬فمال إل الرب من أبيه‪ ،‬فراسل فراسياب ف‬
‫أخذ المان لنفسه منه‪ ،‬و اللحاق به و فراق والده‪ ،‬فأجابه فراسياب إل ذلك‪ .‬و كان السفي بينهما رجل من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ناقدا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬كان يقال لا سودابه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أشخص فلنا إليه‪ :‬بعث به إليه‪.‬‬
‫[‪« .]4‬الذي ‪ ...‬نقض»‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الطبي‪ :‬من زوجة أبيه الت دعته إل نفسها‪ ،‬فامتنع عليها (‪.)529 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪74 :‬‬
‫عظماء الترك يقال له‪ :‬فيان [‪ .]1‬فلمّا فعل ذلك سياوخش‪ ،‬انصرف عنه من كان [‪ ]2‬معه من جند أبيه‪ ،‬إل أبيه‪ .‬و أكرم‬
‫فراسياب سياوخش‪ ،‬و زوّجه ابنة له‪ ،‬و هي أ ّم كيخسرو‪ ،‬و ل يزل على إكرامه [‪ ،]3‬إل أن ظهر له من أدب سياوخش و إربه [‬
‫‪ ]4‬و كماله‪ ،‬و ندته ما أشفق منه‪ ،‬و ضرّب [‪ ]5‬بينهما أخ كان [‪ ]35‬لفراسياب و ابنان له حذرا على ملكهم‪ .‬و له خب‬
‫طويل ف ذلك‪ ،‬إل أن قتل و امرأة سياوخش‪ -‬و هي ابنة فراسياب‪ -‬حامل منه‪ ،‬بابنه كيخسرو‪ .‬فطلبوا له اليلة‪ ،‬لسقاطها ما [‬
‫‪ ]6‬ف بطنها‪ ،‬فلم تسقط‪.‬‬
‫ث إن فيان الذي توسّط الصلح بي سياوخش و بي فراسياب‪ ،‬أنكر ما جرى من فعل فراسياب‪ ،‬و حذّره عاقبة الغدر و الطلب‬
‫بالثأر‪ ،‬و أشار عليه أن يدفع ابنته إليه‪ ،‬يعن‪ :‬زوجة سياوخش‪ ،‬لتكون عنده إل أن تضع‪ ،‬ث إن أراد قتله قتله [‪.]7‬‬
‫ففعل فراسياب ذلك‪ .‬فلما وضعت‪ ،‬امتنع فيان من قتل الولد‪ ،‬و ستر أمره حت بلغ الولود‪ ،‬و هو كيخسرو‪.‬‬
‫و يكى‪ :‬أن كيقابوس بعث بيب [‪ ]8‬بن جوذرز إل بلد الترك‪ ،‬و أمره بالبحث عن أمر الولود الذي لسياوخش‪ ،‬و التأتّى‬
‫لخراجه مع أمّه‪ .‬ففعل بيب ذلك‪ ،‬و بقي زمانا طويل يبحث عن أمره‪ ،‬إل أن وقف على خبه‪ .‬فاحتال [‪ ]36‬فيه و ف أمّه‪ ،‬حت‬
‫أخرجهما من أرض الترك‪ .‬فاستقبلهما رستم الشديد ف جند عظيم من أول البأس و النجدة‪ ،‬و طلب الترك أثر كيخسرو‪،‬‬
‫فجرت بينهم و بي رستم حروب ظفر فيها رستم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بالفارسية‪ :‬پيان‪.‬‬
‫[‪« .]2‬كان ‪ ...‬سياوخش»‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬الكرامة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الرب‪ :‬الدّهاء و الفطنة‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ضرّب بي القوم‪ :‬سعى‪ ،‬أغرى بعضهم ببعض‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الصل‪ :‬و ما‪.‬‬
‫[‪ .]7‬قتله‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الطبي‪ :‬بّ بن جوذرز‪ .‬حزة‪ :‬ويو بن جوذرز‪ .‬بالفهلوية ‪: ViviGutarzan.‬شا‪ :‬گيو‪(Giv).‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪75 :‬‬
‫فللفرس هاهنا خرافات‪ ،‬و تزعم أ ّن الشياطي كانت مسخّرة لكيقابوس‪ .‬و قوم يزعمون أ ّن سليمان بن داود‪ -‬عليهما السلم‪-‬‬
‫أمرهم بذلك‪ ،‬ف خرافات كثية ظاهرة الحالة‪ ،‬من الصعود إل السماء‪ ،‬و بناء مدينة كنكرز [‪ ]1‬بأسوار ذهب و فضّة و حديد‬
‫و ناس‪ ،‬و أنّها بي السماء و الرض‪ ،‬و أشباه ذلك ما ل فائدة ف ذكره‪.‬‬
‫إلّا أنّ جلة أمره‪ ،‬أنّه تبّر لا ّت له أكثر ما كان يقصده‪ .‬و سار من خراسان حت نزل بابل‪ ،‬و ترك ما كان يسوسه بنفسه‪ ،‬و‬
‫يباشره برأيه‪ .‬و أوحش الناس بالجّاب و التعظّم‪ ،‬و آثر اللوة‪ .‬فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه‪ ،‬و كثرت اللوك ف‬
‫النواحي‪ ،‬حت كان يغزوهم بعد ذلك و يغزونه‪ ]37[ ،‬فيظفر مرّة و ينكب أخرى‪ ،‬إل أن غزا بلد اليمن و اللك يومئذ با ذو‬
‫الذعار بن أبرهة بن ذى النار بن الرايش‪ .‬فلمّا أظلّه [‪ ]2‬كيقابوس‪ ،‬خرج إليه ذو الذعار ف جوع حي و ولد قحطان‪ ،‬فظفر‬
‫بكيقابوس‪ ،‬و أسره و استباح عسكره‪ ،‬و حبسه ف بئر و أطبق عليها طبقا‪.‬‬
‫فخرج من سجستان رستم الشديد ف من أطاعه من الناس‪ .‬و أمّا الفرس فتحكى حكايات ل فائدة فيها عن شدّة رستم و بأسه‪ ،‬و‬
‫أنّه و غل ف البلد بلد اليمن‪ ،‬و استخرج كيقابوس من مبسه [‪ .]3‬و أما اليمن فتزعم أنّه ل يكن من ذلك شيء‪ ،‬و أنّ ذا‬
‫الذعار لّا بلغه إقبال رستم‪ ،‬خرج إليه ف جنود عظيمة‪ ،‬و خندق‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬كندر‪ .‬الطبي‪ :‬كيكدر‪ ،‬قيقدور (‪ .)602 :2‬الثعالب‪ .‬كنكدز‪ .‬التصحيفات و الترادفات كما وردت ف الصول‬
‫هي‪ :‬كنكرز‪ ،‬كنگدز‪ ،‬گنگدز‪ ،‬گنگدژ‪ ،‬گنگديز‪ ،‬گندز‪ ،‬بشت گنگ‪ ،‬گنگبهشت‪ ،‬گنگ دژهوخت (هخت‪ ،‬هوخ)‪،‬‬
‫دژهوخت‪ :‬مدينة ف البال الدودية الشرقية ليران القدية (الصادر الفهلوية)‪ ،‬أو‪ :‬ف ما وراء بر فراخكرت (بندهش)‪ ،‬أو‪ :‬ف‬
‫أرض الترك (شا)‪ ،‬أو‪ :‬هي قهندز بارا (تاريخ بارا)‪ ،‬أو‪ :‬مدينة ف ما وراء بر «فوروكش»‪ ،‬أو‪ :‬هي بيت القدس (فهرست شا)‪.‬‬
‫أو اسم لقلعة بناها الضحّاك ف بابل (بق)‪ .‬انظر أيضا‪ :‬حب‪ ،‬لد‪ ،‬كيا‪.123 :‬‬
‫[‪ .]2‬أظ ّل فلنا‪ :‬دنا منه‪ ،‬و أقبل عليه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬من جبسه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪76 :‬‬
‫كل واحد منهما على نفسه و عسكره‪ ،‬و أنّهما أشفقا من البوار على جنديهما‪ ،‬و توّفا‪ -‬إن تزاحا‪ -‬أن ل يكون لما بقيّة‪.‬‬
‫فاصطلحا على دفع كيقابوس إل رستم و وضع [‪ ]38‬الرب‪ .‬فانصرف رستم بكيقابوس إل بابل‪ ،‬فكتب له كيقابوس كتابا‬
‫بالعتق‪ ،‬و أقطعه [‪ ]1‬سجستان و زابلستان‪ .‬و كانت [‪ ]2‬الكتب يومئذ و الرسائل يسية نزرة الكلم‪ ،‬ل يذكر فيها السباب و‬
‫العلل‪ .‬و نسخة الكتاب‪:‬‬
‫«من كيقابوس بن كيقباذ‪ ،‬إل رستم‪.‬‬
‫إنّى قد أعتقتك من العبودة‪ ،‬و ملّكتك على بلد سجستان‪ .‬فل تق ّرنّ لحد بعبودة‪ .‬و املك سجستان كما أمرتك‪ ،‬و اجلس على‬
‫سرير من فضّة موّهة بالذهب‪ .‬و البس قلنسوة منسوجة بالذهب متوّجة [‪.»]3‬‬
‫و ما يد ّل على صدق ما حكيناه من أمر كيقابوس‪ ،‬قول السن بن هان‪:‬‬
‫و قاظ [‪ ]4‬قابوس ف سلسلنا * سني سبعا وفت [‪ ]5‬لاسبها‬

‫ث ملك كيخسرو [‪ ]6‬بن سياوخش [‪ ]7‬بن كيقابوس‬
‫فعقد التاج على رأسه‪ ،‬و خطب رعيّته خطبة بليغة‪ ،‬أعلمهم فيها أنّه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب‪ .‬ث كتب إل [‬
‫‪ ]39‬جوذرز بإصبهان و كان‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬القطاع يكون تليكا و غي تليك (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬كاتب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬موهة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬قاظ بالكان‪ :‬أقام فيه ف زمن القيظ أى الرّ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬وفت‪ :‬تّت‪.‬‬
‫[‪ .]6‬بالفهلوية( ‪: KaiHusrave‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]7‬سياوش‪ .‬بالفهلوية‪: Siavaxsh.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪77 :‬‬
‫إصفهبذه [‪ ]1‬على خراسان‪ ،‬يأمره بالصي إليه‪ ،‬و أمره أن يعرض جنده و أن [ينتخب] [‪ ]2‬ثلثي ألف رجل‪ ،‬و ضمّهم إل‬
‫طوس‪ ]3[ ،‬و كان ف من أشخص معه برزافره [‪ ]4‬عمّ كيخسرو‪ ،‬و ابن لوذرز‪ ،‬و جاعة من إخوته‪ .‬و تقدّم [‪ ]5‬كيخسرو‬
‫إل طوس أن يكون قصده لفراسياب و طراخنته [‪ ،]6‬و حذّره من ناحية ببلد الترك فيها أخ له يقال له‪ :‬فروذ بن سياوخش‪ ،‬من‬
‫بعض نساء التراك‪ ،‬كان سياوخش تزوّجها أيام صار إل فراسياب‪ ،‬فولدت له فروذ‪ ،‬و أقام بوضعه إل أن شبّ‪.‬‬
‫فكان من غلط طوس أن خالف كيخسرو‪ ،‬و ذاك أنّه لّا صار بالقرب من الدينة الت فيها فروذ‪ ،‬هاجت الرب‪ ،‬و قتل فروذ‪ .‬و‬
‫اتصل خبه بكيخسرو‪.‬‬
‫فكتب إل برزافره عمّه كتابا غليظا يعلمه فيه ما ورد عليه من خب طوس‪ ،‬و ماربته فروذ‪ ،‬و قتله إيّاه‪ .‬و أمره بتوجيه طوس إليه‬
‫مقيّدا مغلول‪ .‬و تقدّم إليه ف القيام بالعسكر‪ ]40[ ،‬و التوجه إليه لوجهه [‪ .]7‬ففعل برزافره ذلك‪ ،‬و تولّى أمر العسكر‪ ،‬و عب‬
‫النهر العروف ب «كاسرود» [‪ ،]8‬و انتهى خبه إل فراسياب‪ .‬فوجّه إل برزافره جاعة من إخوته و طراخنته لحاربته‪ .‬فالتقوا و‬
‫فيهم فيان و اخوته‪.‬‬
‫فاقتتلوا قتال شديدا‪ ،‬و ظهر من برزافره ف ذلك اليوم فشل لا اشت ّد الرب‪ ،‬و كثر القتلى‪ ،‬فهرب و اناز بالعلم إل رؤوس‬
‫البال‪ ،‬و اضطرب على ولد جوذرز أمرهم‪ ،‬فقتل منهم ف تلك اللحمة‪ ،‬ف وقعة واحدة‪ ،‬سبعون رجل‪ ،‬و قتل بشر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصفهبذ‪ :‬لقب للوك‪ ،‬جبال طبستان (البيون‪.)109 :‬‬
‫[‪ .]2‬الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬قال نولدكه‪ :‬طوس (توس) إن كان اسم شخص فأصله ‪: Tus،‬و إن كان اسم مكان فأصله ‪: Tos.‬ث حصل اللط‬
‫بينهما ف الكتابة‪ ،‬و هذا أدّى إل وحدة التلفّظ بينهما‪ ،‬فقيل لكليهما( ‪: Tus‬يد)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬شا‪ :‬فريبز‪.‬‬
‫[‪ .]5‬تقدم إل فلن بكذا‪ :‬أمره به‪ ،‬أو طلبه منه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الطراخنة‪ :‬جع مفرده طرخان (ترخان)‪ :‬ملك الترك (لف)‪ ،‬اسم عام لمراء سرقند (لد)‪ .‬يقال للوك سرقند‪ :‬طرخون‬
‫(البيون ‪.)1011‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬التوجه لوجهه‪.‬‬
‫[‪ .]8‬شا‪ :‬كاسه رود‪ .‬اسم قدي لنهر يسمى‪« :‬چرم»‪ ،‬أو‪« :‬لئي» (حب ‪.)255 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪78 :‬‬
‫كثي‪.‬‬
‫و انصرف برزافره و من أفلت معه إل كيخسرو‪ .‬فرئيت الكآبة ف وجهه‪ ،‬و امتنع من الطعام و الشراب‪ ،‬إل أن مضت أيام‪ .‬ث‬
‫راسل جوذرز‪ .‬و لّا دخل عليه شكا إليه برزافره‪ ،‬و أعلمه أنّه كان سبب الزية بالعلم و خذلنه ولده‪.‬‬
‫فقال كيخسرو‪:‬‬
‫ «إنّ حقّك لزم لنا لدمتك أبانا [‪ ،]1‬و هذه جنودنا و خزائننا [‪ ]2‬مبذولة لك‪.‬‬‫فاطلب ترتك [‪ ،]3‬و استعدّ [‪ ]41‬و تيّأ للتوجّه إل فراسياب‪.‬‬
‫فنهض جوذرز‪ ،‬فقبّل يده و قال‪:‬‬
‫ «أيها اللك‪ ،‬نن رعيّتك و عبيدك‪ .‬فإن كانت آفة‪ ،‬أو نازلة‪ ،‬فلتكن بالعبيد‪ ،‬دون اللوك‪ .‬و أولدى القتولون فداؤك‪ ،‬و نن‬‫من وراء النتقام من فراسياب و الشتفاء من الترك‪ ».‬و كتب كيخسرو إل رؤساء أجناده و وجوه عسكره يأمرهم بوافاته ف‬
‫صحراء تعرف بشاه اسطون [‪ ]4‬من كورة بلخ‪ ،‬ف وقت وقّته لم‪ .‬فوافت رؤساء الجناد ف ذلك اليوم‪ ،‬و شخص إليه‬
‫كيخسرو بإصبهبذيه و أصحابم و فيهم برزافره عمه‪ ،‬و جوذرز و بقية ولده‪ .‬فتول كيخسرو بنفسه عرض الند‪ ،‬حت عرف‬
‫مبلغهم‪ ،‬و فهم أحوالم‪ .‬ث دعا بوذرز و ثلثة نفر معه‪ ،‬فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من أربعة وجوه‪ ،‬حت‬
‫ييطوا بم برّا و برا‪ ،‬و قوّد على تلك العساكر‪ ،‬و جعل أعظمها إل جوذرز و جاعة من الصهبذين [‪ ]42‬كثية‪ .‬و دفع إليه‬
‫يومئذ العلم الكب الذي يسمونه‪ :‬درفش كابيان‪ ،‬و ل يكن يدفع قبل ذلك إل أحد من القواد‪ ،‬و إنّما كانوا يسيّرونه مع أولد‬
‫اللوك [‪ ،]5‬و أمر أحد‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬إيانا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و خزانتنا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الترة‪ :‬الثأر‪.‬‬
‫[‪ .]4‬شاهستون‪ :‬كانت ناحية من أعمال بلخ (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬و انا ‪ ...‬اللوك‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪79 :‬‬
‫القواد [‪ ]1‬بالدخول ما يلي الصي‪ ،‬و ضمّ إليه جاعة كبية‪ ،‬و أمر آخر بالدخول من ناحية الزر‪ ،‬و ضمّ إل آخر ثلثي ألف‬
‫رجل و أمرهم بالدخول من طريق بي [‪ ]2‬جوذرز‪ ،‬و بي الذي دخل من طريق الصي‪.‬‬
‫و دخل جوذرز من ناحية خراسان‪ ،‬و بدأ بفيان‪ .‬فالتحمت بينهما حرب مذكورة‪ ،‬تكى فيها الفرس عجائب‪ ،‬بارز فيها بيزن [‬
‫‪ ]3‬بن بيب خان و هو أخو فيان‪ ،‬فقتله مبارزة و قتل جوذرز فيان مبارزة أيضا‪ .‬و قصد جوذرز فراسياب‪ ،‬و ألّت عليه‬
‫العساكر من كل وجه‪ ،‬و اتّبع القوم كيخسرو بنفسه‪ ،‬و جعل قصده للوجه الذي كان فيه جوذرز‪ ،‬و صيّر مدخله منه‪ .‬فواف‬
‫عسكر جوذرز‪ ،‬و قد أثخن [‪ ]43[ ]4‬ف القتل‪ .‬و قتل فيان إصهبذ فراسياب و الرشّح للملك بعده‪ ،‬و جاعة كبية من إخوته‬
‫و أولده‪ ،‬و أسر بروين [‪ ]5‬قاتل سياوخش‪ ،‬و وجد جوذرز قد أحصى القتلى و السرى و ما غنم من الكراع [‪ ]6‬و الموال‪،‬‬
‫فوجد مبلغ ما ف يده من السرى ثلثي ألفا و من القتلى خسمائة ألف و نيفا و ستي ألفا على ما تزعم الفرس‪ ،‬و حاز من‬
‫الكراع و الموال ما ل يصى كثرة‪ ،‬و أمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه‪ ،‬أن يعل أسيه أو قتيله عند علمه‪ ،‬لينظر إليه‬
‫كيخسرو عند موافاته‪.‬‬
‫فلمّا واف كيخسرو العسكر موضع اللحمة‪ ،‬اصطفّت الرجال له و تلقاه جوذرز‪ .‬فلمّا دخل العسكر‪ ،‬جعل يرّ بعلم علم‪ .‬فكان‬
‫أول قتيل رآه جثّة فيان‪.‬‬
‫فنظر إليه‪ ،‬و خاطبه با يرى مرى الشتفاء‪ ،‬و ل يزل يفعل ذلك حت وقف على علم بيب بن جوذرز‪ ،‬و وجد تته بروين حيّا‬
‫أسيا‪ ،‬فسأل [‪ ]44‬عنه‪ ،‬فأخب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬و أمره» بدل «و أمر أحد القوّاد»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بن جوذرز‪.‬‬
‫ب خان (‪ .)610 :2‬مط‪ :‬بيزن بن كيب خان‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بيژن‪ ،‬ويژن‪ ،‬وين‪ .‬الطبي‪ :‬بيزن بن ّ‬
‫[‪ .]4‬أثخن ف المر‪ :‬بالغ فيه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬روبن‪ .‬الطبي‪ :‬بروا بن فشنجان (‪.)611 :2‬‬
‫[‪ .]6‬الكراع‪ :‬اسم يمع اليل و السلح‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪80 :‬‬
‫أنه قاتل سياوخش الذي مثل به بعد قتله‪ .‬فقرب منه كيخسرو‪ ،‬ث طأطأ رأسه بالسجود‪ ،‬ث قال‪« :‬المد للّه الذي أمكنن منك‪».‬‬
‫و وبّخه طويل‪ .‬ث أمر بقطع أعضائه حيّا‪ .‬فلمّا ل يبق له طابق [‪ ]1‬ذبه‪ .‬ث استقرّ ف مضربه‪ ،‬و أجلس عمّه عن يينه‪ ،‬و دعا‬
‫بوذرز [‪ ،]2‬فأحسن صلته و ماطبته‪ ،‬و حد ما كان منه‪ ،‬و فوّض إليه الوزارة الت يقال لا‪ :‬بزرج فرمذار [‪ ،]3‬و هو مرتبة‬
‫الوزارة‪ ،‬و جعل إليه مع ذلك إصبهان و جرجان‪ ،‬و فعل مثل ذلك من الباء [‪ ]4‬و الكرامة بك ّل من أبلى [‪ ]5‬من قوّاده و‬
‫رجاله‪.‬‬
‫ث أتته الخبار من الوجوه الثلثة الخر‪ :‬أنّهم قد أحاطوا بفراسياب‪ .‬و برز فراسياب‪ ،‬و ما كان بقي من ولده إلّا شيذه‪]6[ ،‬‬
‫فتوجه نو كيخسرو بعدّة و عتاد‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إ ّن كيخسرو أشفق يومئذ‪ ،‬و هابه‪ ،‬و ظنّ أن ل طاقة له به‪ ،‬و إنّ القتال بقي متّصل [‪ ]45‬بينهما أربعة أيام‪ ،‬إل أن انزم‬
‫شيذه و اتّبعه كيخسرو‪ ،‬فلحقه و ضربه بالعمود على رأسه فخرّ ميّتا‪ ،‬و غنم كيخسرو ماله‪.‬‬
‫و بلغ الب فراسياب‪ ،‬فأقبل ف جع عظيم‪ .‬فلمّا التقى مع كيخسرو‪ ،‬نشبت بينهما حرب يقال‪ :‬إنّه ل ير مثلها قطّ على وجه‬
‫الرض‪ ،‬حت اختلط رجال إيرانشهر برجال الترك‪ .‬ث انزم فراسياب و كثر القتل‪ .‬فتزعم الفرس أنّه بلغ عدد القتلى أمرا عظيما‪،‬‬
‫ل أستحسن ذكره لكثرته‪ .‬و جدّ كيخسرو ف طلبه‪ ،‬حت لقه بآذربيجان‪ ،‬فظفر به و استوثق منه بالديد‪ .‬ث وبّخه‪ ،‬و سأله عن‬
‫سبب قتله سياوخش‪ .‬فلم تكن [‪ ]7‬له حجّة‪ ،‬فذبه كما ذبح سياوخش‪ .‬ث انصرف غانا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطابق و الطابق‪ :‬العضو‪ ،‬كاليد و الرجل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و دعا بق جوذرز‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بالفارسية‪ :‬بزرگ فرماندار‪ :‬الوزير العظم (لد)‪ .‬بالفهلوية( ‪: Va zurgFarmatar‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪ :‬البا‪ .‬مط‪ :‬الب‪ ،‬الباء‪ :‬العطاء‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أبلى ف المر‪ :‬اجتهد فيه و بالغ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الطبي‪ :‬شيده (‪.)615 :2‬‬
‫[‪ .]7‬فلم تكن ‪ ...‬ذبح‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪81 :‬‬
‫مسرورا‪.‬‬
‫و كان لفراسياب أخ يقال له‪ :‬كي شواسف [‪ ،]1‬صار إل بلد الترك بعد أخيه‪ ،‬و كان له ابن يقال له‪ :‬خرزاسف [‪ ،]2‬فملك‬
‫البلد بعد أبيه كي شواسف‪ ،‬و هو ابن أخى فراسياب الذي حارب منوشهر‪.‬‬
‫و لا فرغ كيخسرو [‪ ]46‬من الطالبة بوتره [‪ ،]3‬و استق ّر ف ملكه‪ ،‬زهد ف اللك‪ ،‬و تنسّك و أعلم الوجوه من أهل بيته و‬
‫ملكته‪ ،‬أنّه على التخلّى‪ .‬فاشت ّد جزعهم‪ ،‬و تضرّعوا إليه‪ ،‬و راودوه [‪ ]4‬على القام على تدبي ملكهم‪ .‬فأب عليهم‪ ،‬و لا يئسوا‪،‬‬
‫قالوا‪:‬‬
‫ «فإذا قمت [‪ ]5‬على ما أنت عليه‪ ،‬فس ّم من يقوم به‪ ».‬و كان لراسف حاضرا‪ ،‬فأشار بيده إليه‪ ،‬و أعلمهم أنّه خاصّته و‬‫وصيّه‪ .‬فقبل لراسف الوصية‪ ،‬و أقبل الناس عليه‪ ،‬و فقد كيخسرو‪ .‬فبعض الناس يقول‪ :‬إنّه غاب للتنسك‪ ،‬و ل يدرى أين مات‪.‬‬
‫و بعضهم يقول غي ذلك‪ .‬و كان ملكه ستي سنة‪ .‬ث ملك بعده لراسب [‪.]6‬‬

‫لراسب و ما كان من أمر بتنصّر‬
‫و يقال‪ :‬إنّه ابن أخى كيقابوس‪ .‬و اتّخذ سريرا من ذهب مكلّل بالوهر‪ ،‬للجلوس عليه‪ .‬و بنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ [‬
‫‪ ]7‬و سّاها‪ :‬السناء‪ .‬و هو أوّل من دوّن الدواوين‪ ،‬و قوّى ملكه بانتخاب النود لنفسه [‪ ]47‬و عمر الرض‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط و الطبي‪ :‬كي شراسف (‪.)617 :2‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي أيضا‪ :‬خرزاسف‪ .‬بالفارسية‪ :‬أرجاسپ‪ .‬بالفهلوية ‪: LArjasp‬أو ‪: Archa sp.‬بالفستائية‪:‬‬
‫‪ Arjataspa‬أى‪ :‬مالك الفراس الثمينة (حص‪ ،626 :‬يد ‪.)285 :1‬‬
‫[‪ .]3‬الوتر و الوتر‪ :‬الذحل‪ ،‬الثأر‪ ،‬النتقام‪.‬‬
‫[‪ .]4‬راوده على المر‪ :‬طلب منه فعله‪.‬‬
‫[‪ .]5‬قام على المر‪ :‬دام و ثبت‪ .‬مط‪ :‬ما ذا أقمت عليهم‪.‬‬
‫[‪ .]6‬بالفهلوية‪: Luhrasp.‬‬
‫[‪ .]7‬بالفهلوية( ‪: Baxl‬ف)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪82 :‬‬
‫و ذلك أنّ التراك اشتدت شوكتهم ف زمانه‪ ،‬فجعل منله بلخ ليقاتل [‪ ]1‬التراك‪.‬‬
‫و وجّه بتنصّر [‪ ]2‬إصبهبدا لا بي الهواز إل أرض الروم من غرب دجلة‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إن اسه بالفارسية‪ :‬بت نرسى‪ .‬فشخص حت أتى دمشق‪ ،‬فصاله أهلها‪.‬‬
‫و وجّه قائدا له‪ ،‬فأتى بيت القدس‪ ،‬فصال ملك بن إسرائيل‪ ،‬و هو رجل من ولد داود‪ ،‬و أخذ منه رهائن و انصرف‪ .‬فلما بلغ‬
‫طبية و ثبت بنو إسرائيل على ملكهم‪ ،‬فقتلوه و قالوا‪:‬‬
‫ «داهنت [‪ ]3‬أهل بابل و خذلتنا»‪ ،‬و استعدّوا للقتال‪.‬‬‫فكان من عاقبة جنايتهم [‪ ]4‬على ملكهم أن كتب قائد بتنصّر إليه با كان‪.‬‬
‫فكتب إليه يأمره أن يقيم بوضعه حت يوافيه‪ ،‬و أن يضرب أعناق الرهائن الذين معه‪ ،‬و سار بتنصّر‪ ،‬حت أتى بيت القدس‪ ،‬فأخذ‬
‫الدينة عنوة‪ ،‬و قتل القاتلة‪ ،‬و سب الذرية‪ ،‬و هرب الباقون إل مصر‪.‬‬
‫فكتب بتنصّر إل ملك مصر‪« -]48[ :‬إ ّن عبيدا ل هربوا منّى إليك‪ .‬فسرّحهم [‪ ]5‬إلّ‪ ،‬و إلّا غزوتك و أوطأت بلدك‬
‫اليل‪ ».‬فكتب إليه ملك مصر‪:‬‬
‫ «ما هم عبيدك‪ ،‬و لكنهم الحرار أبناء الحرار‪ ».‬فغزاه بتنصّر‪ ،‬فقتله‪ ،‬و سب أهل مصر‪ .‬ث انصرف بسب كثي من أهل‬‫ب و غيه من أبناء النبياء‪ ،‬و خرب بيت القدس‬
‫فلسطي و الردن فيهم دانيال الن ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ليقابل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪ :‬اسه بالفارسية‪ :‬بترشه‪ ،‬بت نرسه‪ ،‬بت سه (‪ )645 :2‬بالبابلية ‪: Nabukadurri usur‬أى‪:‬‬
‫نبو يرس التاج (حب) بنوخذ نصر‪ ،‬بنوخذ راصر (الفصل ‪.)350 :1‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬راهنت (‪.)246 :2‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬خيانتهم‪.‬‬
‫[‪ .]5‬فسرحهم ‪ ...‬مصر‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪83 :‬‬
‫منذ ذاك‪.‬‬
‫و كان لراسف بعيد المّة‪ ،‬طويل الفكر‪ ،‬شديد القمع للملوك الحيطة بإيرانشهر‪ .‬و كانت ملوك الروم و الغرب و الند يملون‬
‫إليه ف كل سنة وظيفة معروفة و إتاوة [‪ ]1‬معلومة‪ ،‬و يقرّون له أنّه ملك اللوك هيبة له‪ .‬و كان بتنصّر حل إليه من بيت القدس‬
‫خزائن و أموال عظيمة‪ .‬ث كبت سنّه‪ ،‬و أحسّ بالضعف‪.‬‬
‫فملّك ابنه بشتاسف [‪ ،]2‬و اعتزل اللك‪ ،‬و كان عمره و ملكه فيما ذكر مائة و عشرين سنة‪ ]49[ .‬و قد قيل‪ :‬إنّ بتنصّر‬
‫كان ف خدمة لراسف‪ ،‬و توجّه من قبله إل الشام و بيت القدس‪ ،‬ليجلى اليهود عنها‪ ،‬ففعل‪ ،‬ث انصرف‪ .‬ث كان ف خدمة ابنه‬
‫بشتاسف‪ ،‬ث ف خدمة ابنه بمن‪ ،‬و إ ّن بمن أقام ببلخ الت كانت تسمى‪ :‬السناء‪ ،‬و أنفذ بتنصّر إل بيت القدس لجلء اليهود‪،‬‬
‫و إنّ السبب ف ذلك كان وثوب صاحب بيت القدس على رسل بمن و قتله بعضهم‪ .‬فمضى بتنصّر‪ ،‬فسب و هدم بيت‬
‫القدس‪ .‬و انصرف إل بابل‪ ،‬و ملّك «متنيا» [‪ ]3‬و سّاه‪« :‬صدقيا» [‪ .]4‬فلمّا صار بتنصّر ببابل‪ ،‬خالفه صدقيا‪ .‬فغزاه بتنصّر‬
‫ثانيا‪ ،‬و ظفر به‪ .‬فأخرب الدينة و اليكل و أوثق صدقيا و حله إل بابل‪ ،‬بعد أن ذبح ولده و سل عينيه‪ ،‬فمكث بنو إسرائيل‬
‫ببابل‪ ،‬إل أن رجعوا إل بيت القدس‪ .‬فكانت غلبة بتنصّر‪ -‬و هو بت نرسى‪ -‬إل أن مات‪ ،‬ف هذا القول الذي حكيناه آنفا‪،‬‬
‫أربعي سنة‪.‬‬
‫ث قام بعده ابن له يقال له‪ :‬نروذ‪ ]50[ ،‬ث ابن له يقال له‪ :‬بلتنصّر [‪ ،]5‬فخلّط‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬التاوة‪ :‬الزية‪ ،‬الراج‪ ،‬ما يؤخذ كرها‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪ :‬بشتاسب (‪ )647 :2‬گشتاسپ‪ ،‬و يشتاسب‪ .‬بالفهلوية( ‪: Vishtasp‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الصل غي واضح‪ .‬مط‪ :‬سيبا و ما أثبتناه من الطبي الطابق لقاموس الكتاب القدس‪ .‬ف حواشي الطبي‪ :‬شيبا‪ ،‬منيثا‪،‬‬
‫مثينا (‪ ،642 :2‬لد)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬صندقيا‪ .‬الطبي صديقيا‪ ،‬صيدقيا (‪.)643 :2‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصول الخرى‪ :‬بلتشر‪ ،‬بلطشاصر ‪، Belsharrasur‬بن( ‪ Besazar‬الفصل ‪ .)611 :1‬جاء ف الطبي‬

‫ج‪ ،1‬ص‪84 :‬‬
‫و ل يرتض بمن أمره‪ ،‬فعزله‪ ،‬و ملّك مكانه‪:‬‬

‫كيش [‪]1‬‬
‫و تقدّم إليه بمن أن يرفق ببن إسرائيل‪ ،‬و يطلق لم النول حيث أحبّوا‪ ،‬و الرجوع إل أرضهم و أن يولّى عليهم من يتارونه‪،‬‬
‫فاختاروا دانيال النب‪ -‬عليه السلم‪ -‬فولّا أمرهم‪ .‬و كان ملك كيش و مدة سنيه معدودة من خراب بيت القدس‪ ،‬منسوبة إل‬
‫بتنصّر و مبلغها سبعون سنة‪ .‬ث ملك بابل و ناحيتها من قبل بمن [‪ ]2‬رجل من قرابته يقال له‪:‬‬

‫اخشوارس [‪]3‬‬
‫إبن كيش بن جاماسب اللقّب ب «العال»‪ ،‬و ولد لخشوارس ولد من امرأة من سب بن إسرائيل يقال لا‪ :‬أشي [‪ ،]4‬صنعا من‬
‫ال لبن إسرائيل‬
‫‪ ،‬فسمّاه‪:‬‬
‫كيش‬
‫فملك بعد أبيه و هو ابن ثلث عشرة سنة‪ ،‬و علّمه خاله التوراة‪ ،‬و فهم أمر دانيال‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] (‪« :)652 :2‬فلما ملك بلتشر خلط ف أمره‪ ،‬فعزله بمن و ملّك مكانه على بابل و ما يتصل با من الشام و غيها‬
‫داريوش الاذوى ‪ ...‬حي صار إل الشرق‪ ،‬فقتل بلتشر و ملك بابل و ناحية الشام ثلث سني‪ ،‬ث عزله بمن و ول مكانه كيش‬
‫الغيلمى ‪.»...‬‬
‫[‪ .]1‬بالفارسية القدية‪ :‬كوروش‪ ،‬كورو‪ .‬بالعيلمية ‪: Ku -rash.‬بالبابلية ‪: LKu -ra -ash.‬بالرومية( ‪ Cyrus‬پاب )‬
‫‪، LKent‬فترة الكم‪ 529 -559 :‬ق م (فم)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بالفهلوية( ‪: LVahman‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬اخشوارش‪ ،‬اخشويرش خشايارشاه‪ .‬و ف النقش الاص به‪: Xashi -arsha.‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪ :‬اشتر (‪.)653 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪85 :‬‬
‫و من كان معه‪ :‬مثل حننيا‪ ،‬و عازريا‪ ،‬و عزير [‪ .]1‬و تأدّب و علم العلوم‪ .‬و سأله [‪ ]51‬بنو إسرائيل أن يأذن لم ف الروج‬
‫إل بيت القدس فأب و قال‪:‬‬
‫«لو كان معى منكم ألف نبّ‪ ،‬ما فارقن [ما فارقن] [‪ ]2‬ما دمت حيّا»‪.‬‬
‫و ولّى دانيال القضاء‪ ،‬و أمره ان يرج كل شيء ف الزائن ما كان بتنصّر أخذه من بيت القدس‪ ،‬فبن و عمر ف أيام كيش‪ ،‬و‬
‫مات بمن لثلث عشرة سنة خلت من قيام كيش ببابل‪.‬‬
‫و قد حكى أهل التوراة ف أمر بتنصّر أقوال متلفة تركنا ذكرها‪ .‬إلّا أنم ذكروا أن بتنصّر لا خرّب بيت القدس‪ ،‬أمر جنوده أن‬
‫يل كل رجل منهم ترسه ترابا‪ ،‬ث يقذفه ف بيت القدس‪ .‬فقذفوا فيه من التراب ما مله‪ .‬و لا انصرف إل بابل‪ ،‬اجتمع معه سبايا‬
‫بن إسرائيل‪ ،‬و أمرهم أن يمعوا من كان ف بيت القدس كلّهم‪ .‬فاجتمع عنده الكلّ‪ ،‬فاختار منهم سبعي ألف صبّ‪ .‬فلمّا‬
‫خرجت غنائم جنده‪ ،‬سألوه أن يقسم فيهم الصبيان‪ .‬فقسم ف اللوك [‪ ]52‬منهم‪ ،‬فأصاب كلّ رجل منهم أربعة‪ .‬فكان من‬
‫أولئك الغلمة‪ :‬دانيال النبّ‪ ،‬و حننيا‪ ،‬و ميشايل‪ ،‬و سبعة آلف من أهل بيت داود‪ ،‬و أحد عشر ألفا من سبط آسر بن [‪]3‬‬
‫يعقوب‪ ،‬و على ذلك سائر أولد يعقوب السباط‪.‬‬
‫ث غزا بتنصّر العرب‪ .‬و ذلك ف زمن مع ّد بن عدنان‪ .‬فوثب على ك ّل من كان ف بلده من تّار العرب‪ ،‬و كانوا يقدمون عليه‬
‫بالتجارات‪ ،‬و يتارون [‪ ]4‬من عندهم البّ و التمر و الثياب و غيها‪ .‬فجمع من ظفر به منهم‪ ،‬و بن لم حيا [‪]5‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬حنينا‪ ،‬و عادنيا‪ ،‬و غرير‪ .‬الطبي‪ :‬حننينا و ميشايل و عازريا (‪.)654 :2‬‬
‫[‪ .]2‬التكملة من الطبي (‪ .)654 :2‬مط‪ :‬كالصل‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬أشر‪ ،‬أشي (‪.)357 ،355 :1‬‬
‫[‪ .]4‬امتار لنفسه أو أهله‪ :‬جع الية‪ .‬و الية‪ :‬الطعام و نوه يمع للسفر و نوه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الي‪ :‬شبه الظية أو المى‪ .‬مدينة على الفرات غرب بغداد‪ ،‬كانت الفرس تسميها‪ :‬فيوز سابور‪ ،‬أول من عمرها سابور‬
‫ذو الكتاف (يا)‪ .‬بالفارسية‪ :‬فيوز شاپور‪ ،‬باليونانية( ‪: LPerisab or‬ل‪.)72 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪86 :‬‬
‫على النجف‪ ،‬و حصّنه‪ ،‬و ضمّهم فيه‪ ،‬و وكّل بم حرسا‪ .‬ث نادى ف الناس بالغزو‪ ،‬فتأهّبوا لذلك‪ ،‬و انتشر الب ف من يليهم من‬
‫العرب‪ ،‬فخرجت إليهم طوائف منهم مسالي فأحسن إليهم‪ ،‬و أنزلم بتنصّر شاطئ الفرات‪ ،‬فابتنوا موضع معسكرهم‪ ،‬و سّوه‪:‬‬
‫«النبار» و خلّى عن أهل الية‪ ،‬فاتّخذوها منل مدّة حياة بتنصّر‪ .‬فلمّا مات انضموا إل أهل النبار و بقي ذلك الي خرابا‪[ .‬‬
‫‪]53‬‬
‫و ملك كي بشتاسف بن كي لراسف‬
‫فبن مدينة فسّا‪ ،‬و هو أول من عرف بسط دواوين الكتّاب‪ ،‬ل سيّما ديوان الرسائل‪ ،‬و أمر الكتّاب أن يطيلوا كتب الرسائل‪ ،‬و‬
‫يذكروا فيها السباب و العلل‪.‬‬
‫و كان له ديوانان‪ :‬أحدها ديوان الراج‪ ،‬و الخر ديوان النفقات‪ .‬فكان ك ّل ما يرد‪ ،‬فإل ديوان الراج‪ ،‬و كل ما يرج من‬
‫جيش و غيه‪ ،‬فإل ديوان النفقات‪ .‬و كان من رسم الوزير‪ -‬و اسه‪« :‬برزج فرمذار» [‪ -]1‬أن يكون له خليفة يسمى‪:‬‬
‫«إيرانارغر» [‪ ،]2‬يصل إل اللك‪ ،‬و يعرض عليه و ينوب عن الوزير‪ .‬فأمّا التقلّد لديوان الرسائل فيسمّى‪« :‬دبيفذ» [‪ ،]3‬و‬
‫كان له كاتب موكّل بدار الملكة‪ ،‬فان وقع على أحد تقصي ف منلة‪ ،‬أو حطّ ف درجة‪ ،‬رجع إل ذلك الكاتب حت يبيّن حال‬
‫مرتبته‪ ،‬فيجري عليه رسه‪.‬‬

‫ظهور زردشت‬
‫و ظهر ف أيامه زردشت [‪ ،]4‬و أراده على قبول دينه‪ ،‬فامتنع من [‪ ]54‬ذلك‪ ،‬ث‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬برزج فريدار‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ابدا مارعن! بالفهلوية ‪: Eran -amargar:‬الحاسب‪ ،‬أو الحصى ليران (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬دبيبد‪ .‬بالفهلوية( ‪: Dipir -pat‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪ :‬زرادشت بن اسفيان (‪ .)675 :2‬بالفستائية ‪: Zarathushtra:‬صاحب البعران الصفراء‪ .‬اسم‬

‫ج‪ ،1‬ص‪87 :‬‬
‫صدّقه‪ ،‬و قبل ما دعاه إليه و أتاه به‪ ،‬من كتاب يكتب ف جلد اثن [‪ ]1‬عشر ألف بقرة‪ ،‬حفرا ف اللود‪ ،‬و نقشا بالذهب‪ .‬و‬
‫صيّر بشتاسف ذلك بإصطخر و وكّل به الرابذة [‪ ،]2‬و منع تعليمه العامة‪ ،‬و بن ببلد الند بيوتا للنيان‪ ،‬و تنسّك و اشتغل‬
‫بالعبادة‪ .‬و هادن خرزاسف بن كي سواسف ابن أخى فراسياب و ملك الترك على ضرب من الصلح‪ .‬و ف شريطة الصلح أن‬
‫يكون [بباب] [‪ ]3‬خرزاسف دابّة موقوفة ف منلة الدواب الت تكون على أبواب اللوك‪ ،‬فأشار زردشت على بشتاسف‪ ،‬بنقض‬
‫الدنة [‪ ،]4‬و مفاسدة ملك الترك‪ .‬فقبل منه‪ ،‬و بعث إل الدابّة‪ ،‬و الوكّل با‪ ،‬أن ينصرف‪ ،‬و أظهر الغدر‪ .‬فغضب خرزاسف‪ ،‬و‬
‫كتب إليه كتابا غليظا‪ ،‬و أمره بتوجيه زردشت إليه‪ ،‬و أقسم‪ -‬إن امتنع‪ -‬أن يغزوه حت يسفك دمه و دماء أهل بيته‪.‬‬
‫فلما ورد الرسول بالكتاب‪ ،‬كتب كتابا أغلظ منه [‪ ]55‬جوابا عن كتابه‪ ،‬و آذنه‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] أسرته( ‪ LSpitama.‬حب) بالفهلوية( ‪: aratushtSpitaman‬ف)‪ .‬حول مكان الولدة‪ ،‬قيل‪ :‬الري‪ ،‬و ف‬
‫الغلب يقال‪ :‬الشمال الشرقي ليران‪ .‬زمان الولدة‪ :‬هناك اختلف أيضا‪ .‬دأب أتباعه و أغلب الستشرقي على تديده بوال‬
‫عام ‪ 600‬ق‪ .‬م‪ .‬قتل زرداشت ف الملة الثانية الت شنها أرجاسب التركي على ايران (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬اثنت‪ .‬و هو خطأ‪ .‬ف الطبي‪ :‬ف موضع من إصطخر يقال له‪ :‬دربيشت (‪ .)676 :2‬إنّ كور فارس خسة‪،‬‬
‫أكبها و أصلها كورة إصطخر (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬جع هربذ هيبد‪ .‬بالفستائية ‪: Aethrapaiti:‬العلم (الزء الول بعن التعليم‪ ،‬و الزء الثان لحقة تفيد معن‬
‫التصاف و اللكية‪ ).‬و استعمل بعن التلميذ أيضا‪ ،‬ث استعمل بعن موبد‪ ،‬ث بعن رجل الدين على الطلق (كسا‪ ،)417 :‬و‬
‫بعن عميد الامعة (دات‪ .)92 :‬بالفهلوية ‪: LEhrpat،‬و ف النقوش ‪: LHerpat‬أنظر أيضا (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل و مط‪ :‬ببلد‪ .‬ف الطبي‪ :‬أن يكون لبشتاسف «بباب» خرزاسف دابة موقوفة بنلة الدواب الت «تنوب» [و ف‬
‫نسخة «تكون»] على أبواب اللوك (‪.)676 :2‬‬
‫[‪ .]4‬الدنة‪ :‬الصالة بعد الرب‪ ،‬أو فترة تعقب الرب يتهيأ فيها العدوان للصلح‪ ،‬و لا شروط خاصة (مر)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪88 :‬‬
‫بالرب‪ ،‬و أعلمه أنّه غي مسك [عنه] [‪ ]1‬إن أمسك‪ ،‬فسار بعضهما إل بعض‪ ،‬و مع كلّ واحد منهما إخوته و أهل بيته‪ .‬فقتل‬
‫بينهما خلق كثي‪ ،‬و أحسن الغناء [‪ ]2‬ابن بشتاسف إسفنديار‪ ،‬و قتل بيدرفش الساحر [‪ ]3‬بيده مبارزة‪ .‬فصارت الدبرة [‪]4‬‬
‫على الترك‪ ،‬فقتلوا قتل ذريعا‪ ،‬و مضى خرزاسف هاربا على وجهه‪ ،‬و رجع بشتاسف إل بلخ‪.‬‬
‫فلمّا مضت لتلك الرب سنون‪ ،‬سعى على إسفنديار رجل يقال له‪ :‬فرّوخ‪ ]5[ ،‬فأفسد قلب بشتاسف عليه‪ .‬و ذاك أنه أعلمه‪:‬‬
‫أنه ينتدب [‪ ]6‬للملك‪ ،‬و يزعم أنه أح ّق به‪ ،‬و أن الناس مائلون إليه‪ .‬فصدّق بشتاسف بذلك‪ ،‬و ترك الرفق و معالة المور على‬
‫تؤدة‪ ،‬و أخذ ف أن يندبه لرب دون حرب [‪ .]7‬فكان ينجح فيها كلّها‪ ،‬ث أمر بتقييده‪ ،‬و صيّره ف الصن الذي فيه حبس‬
‫النساء‪ .‬و صار بشتاسف إل جبل يقال له‪« :‬طميذر» [‪ ،]8‬لدراسة دينه‪ ،‬و التنسك هناك‪ ،‬و خلّف أباه لراسف [‪ ]56‬ف مدينة‬
‫بلخ شيخا هرما قد أبطله الكب‪ ،‬و ترك خزائنه و أمواله على [‪ ]9‬امرأته‪.‬‬
‫فكان من عاقبة ذلك‪ ،‬أن حلت الواسيس خبه إل خرزاسف‪ ،‬فجمع جنودا ل يصون كثرة‪ ،‬و شخص من بلده نو بلخ‪ .‬فلما‬
‫انتهى إل توم [‪ ]10‬ملك‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬عنه‪ :‬تكملة من الطبي (‪.)677 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و أحسن الفناء‪ .‬ف الطبي‪ :‬و أحسن الغناء عنه ابنه إسفنديار (‪ .)677 :2‬بالفهلوية‪ :‬بن( ‪Spendat‬‬
‫‪ Espandyaz‬يد ‪.)288 :2‬‬
‫[‪ .]3‬بالفهلوية( ‪: Vedaratsh‬ياز)‪ .‬كان بيدرفش بطل جيش أرجاسب ملك الترك‪ .‬ف الطبي‪ :‬بيدرفش الساحر (‪:3‬‬
‫‪ )677‬بيدرفش جادو (حب‪ ،‬لد)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الدبرة‪ :‬الزية ف القتال‪.‬‬
‫[‪ .]5‬بالفهلوية ‪: Farraxv:‬الشع‪ ،‬الميل (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ينتدب‪ :‬يسرع‪ ،‬ييب الدعوة إل المر‪.‬‬
‫[‪ .]7‬كذا ف الصل و مط‪ :‬لرب دون حرب‪ .‬و ف الطبي‪ :‬لرب بعد حرب (‪.)677 :2‬‬
‫[‪ .]8‬طميذر‪ ،‬طميدر‪ :‬جبل حصي ف بلخ (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]9‬ف الطبي‪ :‬مع امرأته‪.‬‬
‫[‪ .]10‬التخوم‪ :‬جع مفرده تم و تم‪ :‬الد الفاصل بي أرضي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪89 :‬‬
‫فارس‪ ،‬قدّم أمامه جوهرمز [‪ ]1‬أخاه‪ -‬و كان مرشّحا للملك‪ -‬ف جاعة من القاتلة كثية‪ ،‬و أمرهم أن يغذّوا [‪ ]2‬السي‪ ،‬حت‬
‫يتوسطوا الملكة‪ ،‬ث يوقعوا [‪ ]3‬بأهلها و يغيوا على الدن و القرى‪ .‬ففعل جوهرمز ذلك‪ ،‬و سفك الدماء‪ ،‬و استباح الرم‪ ،‬و‬
‫سب ما ل يصى كثرة‪ ،‬و اتبعه خرزاسف‪ ،‬فأحرق الدواوين‪ ،‬و قتل لراسف و الرابذة‪ ،‬و هدم بيوت النيان‪ ،‬و استول على‬
‫الموال و الكنوز‪ ،‬و سب ابنتي [‪ ]4‬لبشتاسف‪ ،‬و أخذ فيما أخذ «درفش كابيان»‪ ،‬و شخص يتبع بشتاسف‪ ،‬فهرب منه‬
‫بشتاسف‪ ،‬حت تصّن ف البل الذي يعرف بطميذر ما يلي فارس‪ ،‬و نزل ببشتاسف ما ضاق به ذرعا [‪ ]57‬و ندم على ما صنعه‬
‫بإسفنديار‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إنه وجّه إليه باماسف [‪ ،]5‬حت استخرجه من مبسه‪ ،‬و صار به إل أبيه‪ .‬فلما دخل عليه‪ ،‬اعتذر إليه و وعده عقد التاج‬
‫على رأسه‪ ،‬و أن يفعل به مثل الذي فعل به لراسف‪ ،‬و قلّده عسكره‪ ،‬و أمره بحاربة خرزاسف‪ .‬فلما سع إسفنديار كلم أبيه‪،‬‬
‫طابت نفسه‪ ،‬و كفّر [‪ ]6‬بي يديه‪ ،‬و تولّى المر‪ ،‬و تقدم فيما احتاج إليه‪.‬‬
‫ث عبّى ليلته أصحابه‪ ،‬فلما أصبح‪ ،‬أمر بنفخ القرون‪ ،‬و سار بالنود نو عسكر الترك‪ .‬فلما رأت الترك عسكره‪ ،‬خرجوا إليه على‬
‫ض إسفنديار [و] [‪ ]8‬بيده‬
‫وجوههم يتسابقون و ف القوم جوهرمز و أندرمان [‪ .]7‬فالتحمت الرب بينهم‪ ،‬و انق ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬جوهرمز گوهرمزد‪ :‬گو ‪ Lgaw ,gow‬البطل‪ ،‬أى‪ :‬هرمزد البطل‪ .‬ف الثعالب و ترجة زوتنبغ‪ :‬كهرم( ‪LKohram‬‬
‫ص ‪.)336‬‬
‫[‪ .]2‬أغذّ ف السي‪ :‬أسرع‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أوقع بالعداء‪ :‬بالغ ف قتالم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬وها خان‪ ،‬و باذافره (الطبي ‪ )678 :2‬هاى و به آفريد (شا)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الطبي‪ :‬جاماسب العال (‪ .)681 :2‬بالفهلوية‪: LJamasp.‬‬
‫[‪ .]6‬كفّر لسيده‪ :‬انن و وضع يده على صدره و طأطأ رأسه تعظيما له‪.‬‬
‫[‪ .]7‬و ندريان‪ ،‬و ندرين‪ .‬هو أخو جوهرمز و خرزاسف (الطبي ‪.)671 :2‬‬
‫[‪ .]8‬و‪ :‬زدناها من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪90 :‬‬
‫ب عليهم بالطعن‪ .‬فلم تكن هنيهة حت ثلم ف القوم ثلمة عظيمة‪ ،‬و فشا ف الترك‪:‬‬
‫الرمح كالبق‪ ،‬حت خالط القوم‪ ،‬و أك ّ‬
‫إسفنديار قد أطلق من البس‪ ،‬فانزموا ل يلوون على شيء‪ ،‬و انصرف إسفنديار و قد ارتع العلم الكب‪ ]58[ ،‬و حل معه‬
‫منشورا‪.‬‬
‫فلمّا دخل على بشتاسف‪ ،‬استبشر بظفره‪ ،‬و أمر باتّباع القوم و قتل خرزاسف إن قدر عليه‪ ،‬بلهراسف‪ ،‬و بقتل جوهرمز و‬
‫أندرمان‪ ،‬بن قتل من ولده‪ ،‬و بدم حصون الترك و برق مدنا و بقتل أهلها‪ ،‬بن قتلوا من حلة الدين‪ ،‬و باستنقاذ السبايا‪ ،‬و‬
‫وجّه معه من القواد و العظماء خلقا كثيا‪ .‬فدخل إسفنديار بلد الترك‪ ،‬و رام ما ل يرمه أحد‪ ،‬و اعترض‪ -‬على ما تزعم الفرس‪-‬‬
‫العنقاء الذكورة [‪ ،]1‬و رماها‪ ،‬و دخل مدينة الصفر [‪ ]2‬عنوة‪ ،‬حت قتل ملكها و إخوته و مقاتلته‪ ،‬و استباح أمواله‪ ،‬و سب‬
‫ذراريّه و نساءه و استنقذ أختيه‪ ،‬و كتب بالفتح إل أبيه‪.‬‬

‫ياسر أنعم‬
‫فأمّا ملوك اليمن‪ ،‬فقد كتبناهم إل عهد سليمان و أيّامه‪ّ ،‬ث صار اللك إل ياسر [‪ ]3‬بن عمرو الذي يقال له‪ :‬ياسر أنعم‪]4[ ،‬‬
‫لنعامه على العرب‪ .‬و كان سار غازيا نو الغرب‪ .‬حت بلغ واديا يقال له‪ :‬وادي الرمل‪ ،‬و ل يكن [‪ ]59‬بلغه أحد قبله‪ ،‬و ل يد‬
‫وراءه مازا لكثرة الرمل‪ .‬فبينا هو مقيم إذ انكشف الرمل‪ .‬فأمر بعض أهل بيته أن يعب هو و أصحابه‪ .‬فعبوا‪ ،‬و ل يرجعوا‪ .‬فأمر‬
‫بصنم من ناس‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬انظر الثعالب‪.333 :‬‬
‫[‪ .]2‬من أساء مدينة بارا (لد)‪ .‬ف الطبي‪ :‬دز روئي‪ ،‬و تفسيها بالعربية‪ :‬الصفرية (‪ )680 :2‬روئي دژ (حص)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬ياشر‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬ناش نعم! هذه التصحيفات العجيبة نوردها بي حي و آخر للشارة إل ما لخطوطة مط من قيمة سلبية‪ ،‬حت تكون‬
‫ف حسبان القارئ عند مقارنته بينها و بي الصل‪ .‬ف الفصل‪ :‬ياسر يهنعم‪ ،‬ياسر ينعم‪ ،‬ياسر أنعم الميي ملك سبأ (‪.)48 :1‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪91 :‬‬
‫فصنع ث نصب على صخرة عظيمة على شفي الوادي‪ ،‬و كتب ف صدره بالسند [‪:]1‬‬
‫«هذا الصنم لياسر أنعم [‪ ]2‬الميي‪ ،‬ليس وراءه مذهب‪ ،‬فل يتكلّفن ذلك أحد فيعطب‪».‬‬
‫تبّع‬
‫ث ملك بعد تبّع‪ .‬و هو تبان [‪ ،]3‬و هو أسعد‪ ،‬و هو أبو كرب بن مليكيكرب‪ ،‬تبّع بن زيد بن عمرو بن تبّع ذى الذعار بن‬
‫أبرهة تبّع ذى النار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ‪.‬‬
‫و كان تبّع هذا ف أيام بشتاسف و أردشي بمن بن إسفنديار بن بشتاسف‪.‬‬
‫خرج و غزا‪ ،‬و بلغ النبار‪ ،‬و الوصل‪ ،‬ث آذربيجان [‪ ،]4‬و لقى با الترك‪ ،‬فهزمهم‪ ،‬و قتل با القاتلة‪ ،‬و سب الذريّة‪ ،‬فأقام با‬
‫دهرا‪ ،‬و هابته اللوك‪ ،‬و أهدت إليه‪ ،‬و قدم عليه رسول ملك الند بالدايا و الطرف من الرير و السك‪ ]60[ ،‬و سائر الطرف‪،‬‬
‫فرأى ما ل يرى مثله‪.‬‬
‫فقال‪« :‬ويك! أكلّ هذا ف بلدكم؟» فقال‪ :‬أبيت اللعن [‪ ،]5‬هذا أقلّ ما ترى ف بلدنا‪ ،‬و أكثره ف بلد الصي‪ ».‬و وصف له‬
‫بلد الصي‪ ،‬و سعتها و خصبها‪ .‬فآل ليغزونّها‪ ،‬و سار بمي‪ ،‬حت أتى الصي ف جع عظيم‪ ،‬حت دخلها‪ ،‬فقتل مقاتلتها‪ ،‬و‬
‫اكتسح ما وجد فيها‪.‬‬
‫و يزعمون أنّ مسيه إليها كان‪ -‬و مقامه با و رجعته منها‪ -‬ف سبع سني‪ .‬و خلّف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬اسم لط المي باليمن (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ناش النعم!‬
‫[‪ .]3‬مهملة النقط ف الصل‪ ،‬و ضبطناها حسب الطبي (‪ .)684 :2‬و ما ف مط‪ :‬ييان‪ .‬انظر أيضا الفصّل ‪:1‬‬
‫‪.547‬‬
‫[‪ .]4‬بالفهلوية( ‪: Aturpatakan‬حب‪ ،‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أبيت اللعن‪ :‬من تيات اللوك ف الاهلية‪ ،‬معناها‪ :‬أبيت أن تأتى من المور ما تلعن عليه و تذ ّم بسببه (لع)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪92 :‬‬
‫بالتبّت [‪ ]1‬اثن عشر ألف فارس من حي‪ ،‬فهم أهل التبت اليوم‪ ،‬و يزعمون أنم عرب‪ ،‬و خلقهم و ألوانم خلق العرب و‬
‫ألوانم‪.‬‬

‫أردشي بمن‬
‫و ملك بعد بشتاسف أردشي بمن‪ .‬و انبسطت يده‪ ،‬و تناول المالك بقدرة [حت] [‪ ]2‬ملك القاليم‪ .‬و ابتن بالسواد مدينة و‬
‫هي العروفة ب «هينيا» [‪ ]3‬و هو أبو دارا [الكب] [‪ ،]4‬و أبو ساسان أب الفرس الخي [‪ ]5‬أردشي بن بابك و ولده‪.‬‬
‫و كان بمن بن إسفنديار كريا‪ ]61[ ،‬متواضعا‪ ،‬مرضيّا‪ .‬و كانت ترج كتبه‪« :‬من أردشي [‪ ]6‬بمن [‪ ]7‬عبد ال‪ ،‬و خادم‬
‫ال‪ ،‬و السائس لمركم»‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إنّه غزا الرومية الداخلة [‪ ،]8‬ف ألف ألف مقاتل‪ .‬و ل تزل ملوك الرض تمل إليه التاوة‪ ،‬إل أن هلك‪ ،‬و ابنه دارا‬
‫[الكب] [‪ ]9‬ف بطن أمه‪ .‬فملّكوا خاى بنته شكرا لبيها‪ .‬و كان من أعظم ملوك الفرس شأنا‪ ،‬و أفضلهم تدبيا‪ .‬و له كتب و‬
‫رسائل تفوق كتب أردشي و عهده‪ .‬و تفسي «بمن» بالعربية‪« :‬السن النيّة»‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫‪[Tibet .]1:‬من بلدان آسيا الركزية ف غرب الصي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ما ف الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬جاء ف الطبي‪ :‬و ساها‪ :‬آباد أردشي‪ ،‬و هي القرية العروفة ب «هينيا» من الزاب العلى (‪ )687 :2‬هانيا‪ ،‬هانية‪،‬‬
‫هن‪ :‬قرية كبية ف ضفة دجلة فوق النعمانية (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الكب‪ :‬ليست ف الصل و مط‪ .‬فأضفناها من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]5‬كذا ف مط‪ .‬ف الطبي‪« :‬الخر»‪ ،‬ضد القدم‪ :‬الؤخّر‪.‬‬
‫[‪ .]6‬بالفارسية القدية ‪: Artaxshathra:‬اللك القدس (شاك‪ .)48 :‬بلوتارخ‪ :‬ماكروخي ‪ Makroxeir،‬البيون‪:‬‬
‫مقروشي‪ :‬طويل اليدين (ص ‪ ،)11‬و يقال له‪ :‬طويل الباع‪ ،‬أيضا (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]7‬بالفستائية ‪: Vohamana:‬النصيح‪ ،‬السن النية‪( .‬يپ ‪ ،88 :1‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الرومية‪ :‬اسم لدينتي‪ :‬مدينة ببلد الروم و أخرى بالدائن (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الكب‪ :‬تكملة من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪93 :‬‬
‫خاى‬
‫ث ملكت خاى [‪ ]1‬بنته‪ ،‬لنّها حلت منه دارا الكب‪ ،‬و سألته أن يعقد التاج له ف بطنها‪ ،‬و يؤثره باللك‪ ،‬ففعل بمن ذلك‪ .‬و‬
‫كان ساسان [‪ ]2‬بن بمن ف ذلك الوقت رجل يتصنّع للملك‪[ ،‬ل يشكّ] [‪ ]3‬فيه‪ .‬فلما رأى ساسان ما فعل أبوه‪ ،‬شقّ عليه‪،‬‬
‫فلحق بإصطخر‪ ،‬و تزهّد‪ ،‬و خرج من اللية‪ ،‬و اتذ غنيمة‪ ،‬فكان يتولّى ماشيته بنفسه‪ ،‬و استشنعت العامة ذلك من فعله‪ ،‬و‬
‫قالوا‪:‬‬
‫ «صار ساسان راعيا»‪.‬‬‫و سبّوه به‪ ]62[ .‬ث لّا كب دارا حوّل التاج إليه‪ .‬و كانت خاى ضبطت الكم [‪ ]4‬بنجدة و رأى و حصافة‪ ،‬و أغزت الروم‬
‫جيشا‪ ،‬و أوتيت ظفرا‪ .‬فقمعت العداء و شغلتهم عن تطرّف [‪ ]5‬شيء من بلدها‪ ،‬و نال رعيّتها ف تدبيها خفض و رفاهة‪ ،‬إل‬
‫أن ملّك ابنها‪:‬‬

‫دارا [‪ ]6‬بن بمن‬
‫فنل بابل‪ ،‬و كان ضابطا للكه‪ ،‬قاهرا لن حوله من اللوك يؤدّون إليه الراج‪ .‬ابتن بفارس مدينة‪ ،‬و ساها‪« :‬دارا برد [‪ .»]7‬و‬
‫حذف دوابّ البيد [‪]8‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي و حواشيه‪ :‬خان‪ ،‬هاى‪ ،‬خاى (‪ .)686 :2‬هاى (شا)‪ .‬هاك (ياز‪ ،‬كيا‪.)41 :‬‬
‫بالفستائية ‪: LHumaya:‬الباركة (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بالفهلوية ‪: LSasan:‬الفقي (يو)‪ :‬هو جد اللوك الساسانية‪ .‬كان من الشراف و رئيس معبد آناهيذ (آناهيتا) ف‬
‫إصطخر و بابك ابنه (سا‪.)86 :‬‬
‫[‪ .]3‬ل يشك‪ :‬مهملة ف الصل و العجام من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬اللك‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الصل و الطبي‪ :‬كذا‪ .‬مط و ابن الثي‪ :‬تطرّق‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف سائر الصول‪ :‬دارا‪ ،‬داريوش‪ ،‬داريوس‪ ،‬داراب‪ ،‬داريوشن‪.‬‬
‫[‪ .]7‬بالفهلوية( ‪: Darap -kart‬ف)‪.‬‬
‫[‪ .]8‬قال الثعالب‪ :‬هو أوّل من وضع البيد‪ ،‬و رتب له الدواب‪ ،‬و أمر بتحذيف أذنابا علمة لا (ص ‪.)398‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪94 :‬‬
‫و رتّبها‪ .‬و كان معجبا بابنه «دارا»‪ ،‬و بلغ من حبّه إيّاه أن سّاه باسم نفسه‪ ،‬و صيّر له اللك من بعده‪ ،‬و كان له وزير يسمّى‪:‬‬
‫«رشتي [‪ »]1‬ممودا ف عقله‪ .‬فشجر بينه و بي غلم تربّى [‪ ]2‬مع دارا الصغر يقال له‪« :‬بيى [‪ ،»]3‬ش ّر و عداوة‪ .‬فسعى‬
‫رشتي عليه عند اللك‪ .‬فيقال‪ :‬إنّ اللك سقى بيى شربة فمات‪ ،‬فاضطغن دارا الصغر على رشتي‪ ،‬و على جاعة كانوا عاونوه‪.‬‬

‫دارا الصغر‬
‫فلمّا ملك دارا ابن دارا بن بمن‪ ،‬كان أول ما تكلم به حي عقد التاج [‪ ]63‬على رأسه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ «لن ندفع أحدا ف مهوى اللكة‪ ،‬و من تردّى فيها‪ ،‬ل نكففه عنها‪ ».‬و استكتب أخا بيى‪ ،‬و استوزره‪ ،‬رعاية لق أخيه‪ ،‬و‬‫أنسا به‪ ،‬و ل يكن ف موضع الوزارة‪ ،‬و ل كان له كفاية رشتي‪.‬‬
‫فكان من عاقبة ذلك‪ ،‬أن أفسد قلبه على أصحابه‪ ،‬و حله على قتل بعضهم‪ ،‬فاستوحشت منه الاصّة و العامّة‪ ،‬و نفروا عنه‪ ،‬و‬
‫كان حقودا جبّارا‪ .‬فعرف خبه السكندر فغزاه و قد ملّه أهل ملكته‪ ،‬و استوحش جنده‪ ،‬و أحبّ الميع الراحة منه‪ .‬فلحق كثي‬
‫من وجوه أصحابه و أعلم جنده بالسكندر‪ ،‬فأطلعوه على عورة دارا و قوّوه عليه‪ ،‬فلمّا التقيا ببلد الزيرة [‪ ،]4‬اقتتل سنة‪ .‬ثّ‬
‫إنّ رجال من‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] و قال الطبي‪ ... :‬و حذف دوابّ البد‪ ،‬و رتّبها (‪ .)692 :2‬حذف الشيء‪ :‬قطعه من طرفه‪ .‬تذيف الشعر‪:‬‬
‫الخذ من نواحيه و تسويته (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬رستي‪ .‬و الكلمة مهملة النقط ف الطبي مع تصحيفات ف الاشية‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬رب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الكلمة مهمة النقط ف الطبي مع تصحيفات ف الاشية‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أنظر مراصد الطلع ‪.331 :1‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪95 :‬‬
‫أصحاب دارا وثبوا به‪ ،‬فقتلوه‪ ،‬و تقرّبوا بذلك إل السكندر‪ ،‬فأمر بقتلهم و قال‪:‬‬
‫ «هذا جزاء من اجترأ على ملكه‪ ».‬و تزوّج ابنته‪ :‬روشنك [‪ .]1‬ث غزا الند و مشارق [‪ ]64‬الرض‪ ،‬فملكها‪ .‬ث انصرف و‬‫هو يريد السكندرية‪ ،‬فهلك بناحية السواد‪ ،‬فحمل ف تابوت من ذهب إل أمّه‪ .‬و كان ملكه أربع عشرة سنة‪ ،‬و اجتمع ملك‬
‫الروم و كان قبل السكندر متفرقا‪ ،‬و تفرّق ملك فارس و كان متمعا‪.‬‬

‫ما يكى عن السكندر و حيله السكندر و دارا‬
‫و قد كان فيلفوس أبو السكندر‪ ،‬صال دارا‪ ،‬على خراج يمله إليه ف كلّ سنة‪ .‬فلمّا هلك الب‪ ،‬و ملك السكندر‪ ،‬و طمع ف‬
‫دارا‪ ،‬منعه الراج الذي كان يمله أبوه إليه‪ .‬فأسخط دارا‪ ،‬فكتب إليه يؤنّبه بسوء صنيعه ف تركه حل ما كان أبوه يمله من‬
‫الراج‪ ،‬و أنه إنا دعاه إل حبس ذلك‪ ،‬الصب و الهل‪ ،‬و بعث إليه بصولان و كرة و بقفيز [‪ ]2‬من السمسم‪ :‬يعلمه بذلك أنه‬
‫إنّما ينبغي أن يلعب مع الصبيان بالصولان [‪ ،]3‬و ل يتقلّد اللك‪ ،‬و ل يتلبّس به‪ ،‬و يعلمه أنه إن ل يقتصر على ما أمره به‪ ،‬و‬
‫ب السمسم الذي بعث به إليه‪.‬‬
‫تعاطى اللك‪ ،‬بعث إليه من يأتيه به ف وثاق‪ ]65[ ،‬و أن عدّة جنوده الذين يبعث بم‪ ،‬كعدّة ح ّ‬
‫فكتب السكندر ف جواب ذلك‪ ،‬أن قد فهم ما كتب به‪ ،‬و نظر إل ما أرسله‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بالفهلوية ‪: Roshanak‬بالفستائية ‪: Raoxshana.‬ابنة دارا و زوجة السكندر (يو‪ ،‬حب)‪ .‬ابنة دارا هي‬
‫‪ Stativa‬و أما روشنك (باليونانية )‪ LRoxano‬فهي ابنة شريف من شرفاء سغد‪ ،‬تزوجت من السكندر (إيب‪،1736 :‬‬
‫‪.)1883‬‬
‫[‪ .]2‬القفيز‪ :‬مكيال كان يكال به قديا و يتلف مقداره ف البلد (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الصولان‪ :‬معرّب چوگان‪ ،‬بالفهلوية( ‪: Chopakan‬حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪96 :‬‬
‫من الصولان و الكرة‪ ،‬و تيمّن به‪ ،‬للقاء اللقى الكرة إل الصولان و اجتراره [‪ ]1‬إيّاها‪ ،‬و أنّه شبّه الرض بالكرة‪ ،‬و تفأل‬
‫بلكه إياها‪ ،‬و احتوائه عليها‪ ،‬و أنه يت ّر ملك دارا إل ملكه‪ ،‬و بلده إل حيّزه من الرض‪ ،‬و أن نظره إل السمسم الذي بعث‬
‫به‪ ،‬كنظره إل الصولان و الكرة‪ ،‬لدسه و بعده من الرارة و الرافة‪ .‬و بعث إل دارا مع كتابه بصرّة من «خردل»‪ ،‬و أعلمه ف‬
‫ذلك الواب‪ :‬أنّ ما بعث به إليه قليل‪ ،‬غي أ ّن ذلك مثل الذي بعث به ف القوّة‪ ،‬و الرافة‪ ،‬و الرارة‪ ،‬و أنّ جنوده فيما وصف به‬
‫منه‪.‬‬
‫فلما وصل إل دارا جواب كتاب السكندر‪ ،‬جع إليه جنده [‪ ،]2‬و تأهّب لحاربة السكندر‪ ،‬و تأهّب له السكندر‪ ،‬و سار نو‬
‫[‪ ]66‬بلد دارا‪ .‬فلمّا التقيا‪ ،‬و جرى ما جرى من أمر القائدين اللذين تقرّبا إل السكندر و طلبا الظوة عنده و الوسيلة‪ ،‬و كان‬
‫نادى السكندر ألّا يقتل دارا‪ ،‬و أن يؤسر أسرا‪ ،‬فلمّا أعلم السكندر با جرى‪ ،‬سار [‪ ]3‬حت وقف عنده‪ ،‬فرآه يود [‪]4‬‬
‫بنفسه‪ .‬فنل السكندر عن دابته‪ ،‬حت جلس عند رأسه‪ ،‬و أخبه أنه ما همّ بقتله‪ ،‬و أن الذي أصابه ل يكن عن رأيه‪.‬‬
‫و قال له‪« :‬سلن ما بدا لك [‪ ]5‬فإن أسعفك به‪ ».‬فقال له دارا‪« :‬ل حاجتان‪ :‬إحداها أن تنتقم ل من الرجلي اللذين فتكا ب‪-‬‬
‫و سّاها‪ -‬و الخرى أن تتزوج ابنت‪ :‬روشنك‪ ».‬فأجابه إل الاجتي‪ ،‬و أمر بصلب الرجلي اللذين انتهكا من ملكهما ما انتهكا‪،‬‬
‫و تزوّج روشنك و ملك الرض كلها‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إن الرجلي اللذين قتل دارا‪ ،‬إنّما فعل ذلك بأمر السكندر‪ ،‬و كان شرط‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬و احتياز‪.‬‬
‫[‪ .]2‬جنده‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬سار‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬بول‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬ما بذلك‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪97 :‬‬
‫لما شرطا‪ .‬فلما طعناه‪ ،‬دفع إليهما حكمهما‪ ،‬و وف لما بشرطهما‪ ]67[ ،‬ث قال‪:‬‬
‫ «قد وفيت لكما بالشرط‪ ،‬و ل تكونا شرطتما أنفسكما‪ ،‬و أنا قاتلكما‪ ،‬فإنّه ليس ينبغي [‪ ]1‬لقتلة اللوك أن يستبقوا‪ ،‬إلّا بذمّة‬‫ل تفر [‪ ،»]2‬فقتلهما و صلبهما‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إنّ السكندر ف اليام الت نازل فيها دارا كان يصي إليه بنفسه على أنه رسول‪ .‬فيتوسط العسكر‪ ،‬و يعرف كثيا ما‬
‫يتاج إليه‪ .‬فكان إذا وصله [‪ ]3‬دارا‪ ،‬أعجب به و استحسن سته [‪ ]4‬و ماراته‪ .‬إل أن اتمه و أحسّ السكندر‪ ،‬فهرب‪.‬‬

‫ذكر حيلة للسكندر‬
‫ف أصحابه و أمر من ينادى‪:‬‬
‫فلمّا تواقفت [‪ ]5‬اليلن يوم الرب‪ ،‬خرج السكندر من ص ّ‬
‫ «يا معشر الفرس! قد علمتم ما كتبنا [‪ ]6‬لكم من المانات‪ ،‬فمن كان منكم على الوفاء‪ ،‬فليعتزل عن العسكر‪ ،‬و له منّا‬‫الوفاء با ضمنّاه‪ ».‬و اتمت الفرس بعضها بعضا‪ .‬فكان أول اضطراب حدث فيهم‪.‬‬

‫حيلة أخرى‬
‫و ما يكى من حيله ف الروب‪ ]68[ :‬أنه لا شخص عن فارس إل أرض الند‪ ،‬تلقّاه فور ملكها ف جع عظيم‪ ،‬و معه ألف فيل‬
‫عليها السلح و الرجال‪ ،‬و ف خراطيمها السيوف و العمدة‪ ،‬فلم تقف دواب السكندر و انزم‪ .‬فلما حصل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ينبغي‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ل تف! خفر بالعهد‪ :‬و ف به‪ .‬خفر العهد و به‪ :‬نقضه (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬أوصله‪ .‬و فضّلنا ضبط مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬السمت‪ :‬السكينة و الوقار‪ ،‬اليئة‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬تواقف‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬ما اتعالكم!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪98 :‬‬
‫ف مأمنه‪ ،‬أمر باتاذ فيلة من ناس موّفة‪ ،‬و ربط خيله بي تلك التماثيل حت ألفتها‪ ،‬ث أمر فملئت نفطا و كبيتا‪ ،‬و ألبسها‬
‫الدروع‪ ،‬و جرّت على العجل إل العركة‪ ،‬و بي ك ّل تثالي منها [‪ ]1‬جاعة من أصحابه‪ .‬فلما نشبت الرب‪ ،‬أمر بإشعال النيان‬
‫ف أجواف التماثيل‪ ،‬فلما حيت‪ ،‬انكشف أصحابه عنها‪ ،‬و غشيتها [‪ ]2‬الفيلة‪ ،‬فضربتها براطيمها‪ ،‬فنشطت و ولّت مدبرة‬
‫راجعة [‪ ]3‬على أصحابا‪ ،‬و صارت الدبرة على ملك الند‪.‬‬

‫حيلة أخرى له‬
‫و ما يكى أيضا عنه‪ :‬أنه كان نزل على مدينة حصينة‪ .‬فتحصن منه أهلها و عرف [‪ ]4‬خبها‪ ،‬فأعلم أنّ فيها من الية و العيون‬
‫س [‪ ]5‬تّارا [‪ ]69‬متنكرين‪ ،‬و أمرهم بدخول الدينة‪ ،‬و أمدّهم بال على سبيل التجارة‪ ،‬و تقدم إليهم‬
‫النفجرة كفايتهم‪ .‬فد ّ‬
‫ببيع ما معهم‪ ،‬و ابتياع ما أمكنهم من الية‪ ،‬و الغالة با‪ .‬ففعل التجار ذلك‪ ،‬و رحل السكندر عنهم‪ .‬فلم يزل التجار يشترون‬
‫الية‪ ،‬إل أن حصل ف أيديهم أكثره‪ .‬فلما علم السكندر ذلك‪ ،‬كتب إليهم أن أحرقوا الية الت ف أيديكم و اهربوا‪ .‬ففعلوا‬
‫ذلك‪ ،‬و زحف السكندر إليها‪ ،‬فحاصرهم أياما يسية‪ ،‬فأعطوه الطاعة‪ ،‬و ملك الدينة‪.‬‬
‫و كان أيضا إذا انصرف عن مثل هذه الدينة‪ ،‬شرّد من حولا من أهل القرى [‪ ،]6‬و تدّدهم بالسب‪ ،‬حت خرجوا هاربي‬
‫معتصمي بالدينة‪ ،‬فل يزال بذلك حت يعلم أنّه قد دخلها أضعاف أهلها و أسرعوا ف الية‪ ،‬فيجع حينئذ‪ ،‬فيحاصرهم‪ ،‬و يفتح‬
‫الدينة‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬فيها‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و غشّها‪.‬‬
‫[‪ .]3‬راجعة‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬و تعرف‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬فدبر‪.‬‬
‫[‪ .]6‬القرى‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪99 :‬‬

‫السكندر و أرسطوطالس‬
‫و ما يكى عنه‪ :‬أنّه كتب إل أرسطوطالس يبه‪ :‬أ ّن ف عسكره من الروم [‪ ]70‬جاعة من خاصته‪ ،‬ل يأمنهم على نفسه‪ ،‬لا يرى‬
‫من بعد همهم و شجاعتهم و كثرة آلتهم‪ ،‬و ل يرى لم عقول تفي بتلك الفضائل‪ ،‬و يكره القدام بالقتل عليهم بالظنّة‪ ،‬مع‬
‫وجوب الرمة‪.‬‬
‫فكتب إليه أرسطوطالس‪:‬‬
‫ «فهمت كتابك‪ ،‬و ما وصفت به أصحابك‪ .‬فأمّا ما ذكرت من بعد همهم فإنّ الوفاء من بعد المة‪ .‬و أمّا ما ذكرت من‬‫شجاعتهم و نقص عقولم عنها‪ ،‬فمن كانت هذه حاله‪ ،‬فرفّهه ف معيشته‪ ،‬و اخصصه بسان النساء‪ .‬فإنّ رفاهة العيش توهى‬
‫العزم‪ ،‬و تبّب السلمة‪ ،‬و تباعد من ركوب الطأ و الغرر [‪ .]1‬و ليكن خلقك حسنا تلص لك النيات‪ ،‬و ل تتناول من لذيذ‬
‫العيش ما ل يكن أوساط إخوتك مثله‪.‬‬
‫فليس مع الستيثار مبة‪ ،‬و ل مع الواساة بغضة‪ .‬و اعلم أنّ الملوك [‪ ]2‬إذا اشترى ل يسأل عن مال موله و إنّما يسأل عنه‬
‫خلقه‪ ]71[ ».‬و كان السكندر ف اليام الت لقى فيها دارا‪ ،‬و جل من ماربته‪ ،‬و دعاه إل الوادعة‪ ،‬لا رأى كثرة عدّته و عتاده‬
‫و عدد جنده‪ .‬فاستشار دارا أصحابه ف أمره‪ ،‬فغشّوه‪ ،‬و زيّنوا له الرب‪ ،‬لفساد قلوبم عليه‪ ،‬و كاتبوا السكندر‪ ،‬و أطمعوه فيه‪.‬‬
‫و كان ملك دارا أربع عشرة سنة‪ .‬فهدّم السكندر حصون الفرس‪ ،‬و بيوت النيان‪ ،‬و قتل الرابذة‪ ،‬و أحرق كتبهم‪ ،‬و دواوين‬
‫دارا‪.‬‬
‫و كاتب [‪ ]3‬معلّمه و وزيره أرسطوطالس يعلمه‪ :‬أنّه شاهد بإيرانشهر رجال ذوى أصالة ف الرأى‪ ،‬و جال ف الوجوه‪ ،‬لم مع‬
‫ذلك صرامة و شجاعة‪ ،‬و أنه رأى لم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬الغدر‪ .‬و الغرر‪ :‬الطر‪ .‬التعريض للهلكة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬اللوك!‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬و كتب إل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪100 :‬‬
‫هيآت و خلقا‪ ،‬لو كان عرف حقيقتها‪ ،‬لا غزاهم‪ ،‬و أنّه إنّما [‪ ]1‬ملكهم بسن التفاق و البخت‪ ،‬و أنّه ل يأمن‪ -‬إن ظعن‬
‫عنهم‪ -‬وثوبم‪ ،‬و ل تسكن نفسه إلّا ببوارهم‪.‬‬
‫فكتب إليه أرسطوطالس‪:‬‬
‫ «فهمت كتابك ف رجال فارس‪ .‬فأما قتلهم فهو من الفساد ف الرض و لو قتلتهم لنبت البلد أمثالم [‪ ]72‬لنّ إقليم بابل‬‫يولّد أمثال هؤلء الرجال‪ ،‬من أهل العقول و السداد ف الرأى‪ ،‬و العتدال ف التركيب‪ ،‬فصاروا أعداءك و أعداء عقبك بالطبع‪،‬‬
‫لنّك تكون قد وترت [‪ ]2‬القوم‪ ،‬و كثرت الحقاد على أرض الروم منهم و من بعدهم‪ ،‬و إخراجك إياهم ف عسكرك ماطرة‬
‫بنفسك و أصحابك‪ .‬و لكن أشي عليك برأى هو أبلغ لك ف ك ّل ما تريد من القتل‪ ،‬و هو أن تستدعى أولد اللوك منهم‪ ،‬و من‬
‫يستصلح للملك و يترشح له‪ ،‬فتقلّدهم البلدان‪ ،‬و يتوليهم الوليات‪ ،‬ليصي كل واحد منهم ملكا برأسه‪ ،‬فتتفرّق كلمتهم‪ ،‬و‬
‫يتمعوا على الطاعة لك‪ ،‬و ل يؤدّى بعضهم إل بعض طاعة‪ ،‬و ل يتّفقوا على أمر واحد‪ ،‬و ل تتمع كلمتهم‪ ».‬ففعل السكندر‬
‫ذلك‪ ،‬فت ّم أمره‪ ،‬و أمكنه أن يتجاوز ملك الفرس‪ ،‬فسار قدما إل أرض الند‪ ،‬حت قتل ملكها مبارزة‪ ،‬بعد حروب عظيمة هائلة‪ ،‬و‬
‫فتح مدنا‪ ،‬ث صار إل الصي‪ ،‬و صنع با [‪ ]3‬كصنيعه بأرض الند‪ ،‬ث طاف ما يلي القطب [‪ ]73‬الشمال‪ ،‬و رجع إل العراق‪،‬‬
‫و خرج منها بعد أن ملّك ملوك الطوائف‪ ،‬فمات ف طريقه بشهرزور [‪ ،]4‬و يقال‪ :‬بل ف قرية من قرى بابل‪ ،‬و كان عمره ستّا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬لا!‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬سرت‪.‬‬
‫[‪ .]3‬با‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬شهرزور‪ :‬مدينة تقع ف ناحية بنفس السم ف الشمال الغرب من دينور‪ ،‬و السافة بينهما أربعة منازل (ل‪.)205 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪101 :‬‬
‫و ثلثي سنة‪ ،‬و ملك منها ثلث عشرة سنة و أشهرا‪ .‬و قتل دارا ف السنة الثالثة من ملكه‪.‬‬

‫السكندر و ملك الصي‬
‫و ف الرواية الصحيحة‪ :‬أنّ السكندر لا انتهى إل بلد الصي‪ ،‬أتاه حاجبه و قد مضى من الليل شطره‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «هذا رسول ملك الصي بالباب يستأذن ف الدخول عليك‪ ».‬قال‪« :‬أدخله‪ ».‬فأدخله‪ .‬فوقف بي يدي السكندر‪ ،‬و سلّم‪ ،‬ث‬‫قال‪:‬‬
‫ «إن رأى اللك يستخلين‪ ».‬فأمر اللك من بضرته أن ينصرفوا‪ ،‬فانصرفوا كلهم و بقي حاجبه‪ .‬فقال‪:‬‬‫ «إن الذي جئت له‪ ،‬ل يتمل أن يسمعه غيك‪ ».‬قال‪« :‬فتّشوه‪ ».‬فلم يوجد معه سلح‪ .‬فوضع السكندر بي يديه سيفا‬‫مسلول و قال له‪:‬‬
‫ «قف بكانك و قل ما شئت‪ ».‬و أخرج كلّ من كان بقي عنده‪.‬‬‫فقال‪:‬‬
‫ «أنا ملك الصي‪ ،‬ل رسوله‪ ،‬جئت أسألك عما تريده‪ ]74[ ،‬فإن كان ما أمكن عمله‪ -‬و لو على أصعب الوجوه‪ -‬عملته‪ ،‬و‬‫أغنيتك عن الرب [‪ ».]1‬فقال له السكندر‪« :‬ما الذي آمنك من؟» قال‪« :‬علمي بأنّك عاقل حكيم‪ ،‬و ل تك بيننا عداوة‪ ،‬و‬
‫ل مطالبة بذحل‪ ،‬و أنّك تعلم‪ ،‬إن قتلتن‪ ،‬ل يكن ذلك سببا لتسليم أهل الصي إليك ملكهم‪ ،‬و ل ينعهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬عن الروب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪102 :‬‬
‫قتلى من أن ينصبوا [‪ ]1‬لنفسهم ملكا‪ ،‬ث ينسب إل غي الميل‪ ،‬و ض ّد الزم‪ ».‬فأطرق السكندر‪ ،‬و علم أنه رجل عاقل‪ ،‬ث‬
‫قال له‪:‬‬
‫ «الذي أريد منك ارتفاع [‪ ]2‬ملكتك لثلث سني عاجل‪ ،‬و نصف ارتفاع ملكتك لكلّ سنة»‪.‬‬‫قال‪« :‬هل غي هذا؟» قال‪« :‬ل‪ ».‬قال‪« :‬قد أجبتك‪ ،‬و لكن سلن‪ :‬كيف تكون حال بعد ذلك؟» قال‪« :‬قل‪ ،‬كيف تكون‬
‫حالك؟» قال‪« :‬أكون أول قتيل من مارب‪ ،‬أو أول أكيلة مفترس‪ ».‬قال‪« :‬فإن قنعت منك بارتفاع سنتي‪ ،‬كيف تكون حالك؟»‬
‫قال‪« :‬تكون أصلح قليل و أفسح مدّة‪ ».‬قال‪« :‬فإن قنعت منك [‪ ]3‬بارتفاع سنة؟» قال‪« :‬يكون ف ذلك بقاء للكى‪ ،‬و ذهاب‬
‫جيع لذّاتى‪ ».‬قال‪« :‬فإن قنعت [‪ ]75‬منك [‪ ]4‬بارتفاع الثلث‪ ،‬كيف تكون حالك؟» قال‪ :‬يكون السدس للفقراء و مصال‬
‫البلد‪ ،‬و يكون الباقي ليشى و لسائر أسباب اللك»‪.‬‬
‫فقال‪« :‬قد اقتصرت منك على هذا‪ ».‬فشكره و انصرف‪ .‬فلما طلعت الشمس‪ ،‬أقبل جيش الصي‪ ،‬حت طبّق الرض‪ ،‬و أحاط‬
‫بيش السكندر‪ ،‬حت خافوا اللك‪ .‬و تواثب أصحابه حت ركبوا اليل‪ ،‬و استعدوا للحرب بعد المن و الطمأنينة إل السلم‪.‬‬
‫فبينا هم كذلك‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬أن يصبوا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الرتفاع‪ :‬ما حصل من الزراعة‪ .‬الراج‪.‬‬
‫[‪ .]3‬منك‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬منك‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪103 :‬‬
‫إذ طلع ملك الصي و عليه التاج و هو راكب‪ .‬فلما تراءى [‪ ]1‬الصفّان‪ ،‬و رأى السكندر ملك الصي‪ ،‬قدّر أنه حضر للحرب‪.‬‬
‫فصاح به‪« :‬أ غدرت؟» فترجّل‪ ،‬و قال‪« :‬ل‪ ،‬و ال‪ ».‬قال‪« :‬فادن من‪ ».‬فدنا و قال‪« :‬ما هذا اليش الكثي؟» قال‪« :‬إن أردت‬
‫أن أريك أنّى ل أطيعك من قلّة و ضعف‪ ،‬و لكنّى رأيت العال العلوي مقبل عليك‪ ،‬مكّنا لك من هو أقوى منك و أكثر عددا‪ ،‬و‬
‫من حارب العال العلوي غلب‪ ،‬فأردت طاعته بطاعتك‪ ،‬و التذلل له [‪ ]76‬بالتذلل لك‪ ».‬فقال له السكندر‪« :‬ليس مثلك من‬
‫يسام الذلّ‪ ،‬و ل من يؤدّى الزية‪ ،‬فما رأيت بين و بينك من اللوك‪ ،‬من يستحق التفضيل و الوصف بالعقل‪ ،‬غيك‪ ،‬و قد‬
‫أعفيتك من جيع ما أردته منك‪ ،‬و أنا منصرف عنك»‪.‬‬
‫فقال ملك الصي‪« :‬فلست تسر‪ ».‬ث انصرف عنه السكندر‪ ،‬فبعث إليه ملك الصي بضعف ما قرّره معه‪.‬‬
‫و بن السكندر اثنت عشرة مدينة‪ ،‬و سّاها كلّها «السكندرية»‪ ،‬منها‪ :‬مدينة «ج ّى [‪ »]2‬بإصبهان‪ ،‬و ثلث مدن أخرى‬
‫براسان‪ ،‬و هي‪ :‬هراة‪ ،‬و مرو‪ ،‬و سرقند‪.‬‬
‫و بن بأرض بابل مدينة لروشنك‪ ،‬و بن بأرض يونان سبع مدن [‪.]3‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬رأى!‬
‫[‪ .]2‬جىّ‪ :‬بالفهلوية( ‪: Gay‬حب) و كانت تسمى شهرستانة (ل‪.)219 :‬‬
‫[‪ .]3‬و ليس لذا الديث أصل‪ ،‬لنه كان مرّبا و ل يكن بناء (حزة‪ .)29 :‬الروايات الاصة بالسكندر تدها عند الطبي ‪:2‬‬
‫‪.704 -692‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪104 :‬‬

‫البطالسة‬
‫و عرض على ابن للسكندر اللك بعد وفاة أبيه‪ ،‬فأب و اختار النسك‪ ،‬ملّكت اليونانية على رواية أكثر الناس بطليموس‪ .‬ث ملك‬
‫عدة متوالية يقال لكل واحد منهم‪« :‬بطلميوس» [‪ ،]1‬كما يقال للوك الفرس‪« :‬الكاسرة» و تغلّب قوم من اليونانيي بعده على‬
‫نواحي مصر [‪ ]77‬و الشام‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬باليونانية( ‪: Ptalemaios‬حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪105 :‬‬

‫الشغانيّة [‪ ]1‬و من عاصرهم‬
‫و اختلف أهل الرواية ف عدد ملوك الطوائف الذين ملكوا إقليم بابل‪ ،‬إل أن قام باللك أردشي بابكان [‪ ،]2‬فنظم ملك الفرس‪.‬‬
‫فبعضهم يزعم أنّ آشك [‪ -]3‬و هو ابن دارا الكب‪ -‬جع جعا كثيا و سار إل أنطيخس [‪ ،]4‬و كان مقيما بسواد العراق من‬
‫قبل الروم‪ ،‬و زحف إليه أنطيخس‪ .‬فالتقيا ببلد الوصل‪ ،‬فقتل أنطيخس‪ ،‬و غلب آشك على السواد‪ ،‬و صار ف يده من الوصل‬
‫إل الرىّ و إصبهان‪ ،‬و عظّمه سائر [‪ ]5‬ملوك الطوائف لشرفه‪ ،‬و ما كان من فعله‪ ،‬و بدءوا به على أنفسهم ف كتبهم‪ ،‬و بدأ‬
‫فيما كان يكتب إليهم بنفسه‪ ،‬و سّوه ملكا‪ ،‬و أهدوا إليه‪ ،‬من غي أن يعزل أحدا منهم‪ ،‬أو يستعمله‪.‬‬

‫ثّ ملك جوذرز بن أشكان‬
‫و هو الذي غزا بن إسرائيل الرّة الثانية‪ .‬و ذلك بعد قتلهم يي بن زكريّا‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فترة الكم‪ 250 :‬ق م‪ 226 -‬م‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أول السلسلة الساسانية‪ .‬ف الصل‪ :‬أردشي بن بابكان‪ ،‬فحذفنا «بن» لن اللف و النون ف آخر «بابك» علمة تفيد‬
‫نسبة البنوّة‪ ،‬ف «بابكان» أى‪ :‬ابن بابك‪ .‬انظر الطبي ‪.704 :2‬‬
‫[‪ .]3‬أيضا الطبي (‪.)709 :2‬‬
‫‪[Antiochus .]4.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪« :‬روابو اللوك» بدل «سائر اللوك»!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪106 :‬‬
‫فسلّطه ال عليهم‪ ،‬فأكثر القتل فيهم‪ ،‬فلم تعد لم [جاعة بعد] [‪ ]1‬ذلك [‪ ]78‬و رفع ال عنهم النبوّة‪ ،‬و أنزل بم الذلّ‪.‬‬
‫و كان من سنّة الفرس بعد السكندر‪ ،‬أن يضعوا لن ملك بلد البل‪.‬‬
‫فخضعوا للشغانيّة‪ ،‬و أوّلم‪ :‬أشك [‪ ]2‬بن أشكان‪ّ ،‬ث سابور بن أشكان‪ -‬و ف أيامه ظهر عيسى بن مري بأرض فلسطي‪ -‬ثّ‬
‫ملك جوذرز بن أشغانان الكب‪ ،‬ثّ بيى الشغان‪ ،‬ثّ جوذرز الشغان‪ ،‬ثّ نرسى [‪ ]3‬الشغان‪ ،‬ثّ هرمز الشغان‪ّ ،‬ث أردوان‬
‫الشغان‪ ،‬ثّ كسرى الشغان‪ ،‬ثّ بلش الشغان‪ ،‬ثّ أردوان الصغر الشغان‪ ،‬ثّ أردشي بن بابك‪.‬‬
‫فكان مدّة هؤلء إل أن وثب أردشي على الردوان‪ ،‬فقتله و جع أمر الفرس‪ ،‬مائتي و ستّا و ستّي سنة‪ .‬و ل يقع إلينا شيء من‬
‫تدابيهم يستفاد منه تربة إلّا خب لبعض الروم‪ ،‬و هو‪:‬‬

‫ذكر حيلة لبعض ملوك الروم‬
‫كان أحد ملوك [‪ ]4‬الفرس وجّه رجل من جلّة قوّاده ف جيش إل ملك الروم‪ ،‬فحاربه‪ ،‬فأجله الفارس ّى عن أكثر بلده‪ ،‬حتّى‬
‫فتح [‪ ]79‬أنطاكية [‪ ،]5‬و جاوزها‪ ،‬و أوغل ف بلد الروم‪ .‬فجمع ملك الروم رؤساء قومه‪ ،‬فشاورهم‪ .‬فأشاروا بأمور متلفة‪،‬‬
‫حتّى انفرد له رجل من أهل ملكته‪ ،‬و ل يكن من أبناء اللوك‪.‬‬
‫فقال‪« :‬إنّ [‪ ]6‬عندي رأيا أشي به‪ .‬فإن رزق ال الظفر‪ ،‬فما ل عندك؟»‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ما ف [] مطموس ف الصل‪ ،‬و مأخوذ عن مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بالفهلوية ‪: LArshak‬أشك‪ :‬أول اللوك الشكانيّي (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بالفهلويّة( ‪: LNarsah‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ملوك‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أنطاكيه‪ :‬مدينة على شاطئ النهر العاصي [نر حاة و حص و يعرف باليماس‪ -‬يا]‪ ،‬و يقال لا أنتوخيا أيضا (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]6‬إنّ‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪107 :‬‬
‫قال اللك‪« :‬سل حاجتك‪ ».‬قال‪« :‬إنّى أرى الرأى الصحيح‪ ،‬و أخاطر فيه بنفسي‪ ،‬فاجعل ل اللك من بعدك‪ ».‬قال‪« :‬نعم»‪،‬‬
‫فوثّق له به‪.‬‬
‫فقال الرومي‪« :‬إنّ الفرس قد طمعت ف ملكنا‪ ،‬فلم يبق منهم ند [‪ ]1‬و ل ذو رأى إلّا وجّهوه ف وجوهنا‪ ،‬و قد ضعفنا عنهم‪ ،‬و‬
‫قد حلوا ذراريّهم إل الشام و الزيرة‪ .‬فالرأى أن تأذن ل فأنتخب من عسكرك خسة آلف رجل‪ ،‬ث أحلهم ف البحر‪ ،‬و أصي‬
‫من خلفهم‪ ،‬فأوكل بضائق الطرق‪ ،‬و صعاب العقاب‪ ،‬رجال من أصحاب من أهل البأس و النجدة‪ ،‬فإنّ خبي إذا بلغهم‪ ،‬فتّ ف‬
‫عضدهم و نبت [‪ ]2‬قلوبم‪ ،‬و رجعوا إل عيالتم و أموالم متقطّعي [‪ ،]3‬فل [‪ ]80‬ي ّر بالواضع الت وكّلت با أحد من‬
‫الفرس إلّا قتل‪ ،‬فل يسلم إلّا القليل الذين إذا صاروا إل الشام أتيت عليهم [‪ ]4‬و تشرّدهم أنت من خلفهم‪ ».‬فأجابه اللك إل‬
‫رأيه‪ ،‬و أنفذه إل الشام‪ .‬فلما بلغ الفرس أ ّن الروم قد خلفتهم ف أموالم‪ ،‬و أهاليهم‪ ،‬خرج أكثرهم على وجوههم متقطّعي ل‬
‫يلوون على شيء‪ ،‬و مرّوا بضائق الطرق‪ ،‬فقتل أكثرهم‪ ،‬و خرج ملك الروم إل من بقي منهم‪ ،‬فهزمهم‪ ،‬فلم يسلم منهم إلّا‬
‫القليل‪ .‬فتحوّل اللك بذلك السبب من أهل بيت الملكة بالروم‪ ،‬إل قوم ليسوا من أهل بيتها‪ ،‬بل هم من أهل إرميناقس [‪،]5‬‬
‫فبقى فيهم إل هذه الغاية‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬النجد‪ :‬الشجاع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬نب الرب فلنا‪ :‬جبّنته‪ ،‬أضعفته‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تقطّع أمرهم بينهم‪ :‬تفرّقوا به‪ .‬تقطّعت بم السباب‪ :‬عجزوا‪ ،‬و انقطعت سبلهم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أتيت عليهم‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬ارمينافس‪ .‬و ارميناق ناحية من نواحي الروم القدية (لد)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪108 :‬‬

‫ذكر سبب طمع العرب ف أطراف الفرس‬
‫كنّا حكينا من أمر بتنصّر أنّه أنزل الية من العرب جاعة‪ ،‬فانتقلوا بعد موته إل النبار‪ ،‬و بقي الي خرابا يبابا‪ ،‬زمانا طويل‪ ،‬ل‬
‫تطلع [عليهم] [‪ ]1‬طالعة من بلد العرب‪ ،‬و ل يطمع [‪ ]2‬أحد فيهم من الريف‪ ،‬بعد ما قصدهم [‪ ]81‬بتنصّر‪.‬‬
‫فلمّا غلب السكندر على ملكة الفرس‪ ،‬و جعلها مقسومة ف ملوك الطوائف‪ ،‬ضعف كل واحد منهم ف نفسه‪ ،‬و صار عدوّه‬
‫بالقرب منه من الرض‪ ،‬و لك ّل واحد خندق [‪ ]3‬يقصده الخر‪ ،‬فيغي بعضهم على بعض‪ّ ،‬ث يرجع كالطفة‪.‬‬
‫و قد كان كثر ف ذلك الزمان أولد مع ّد بن عدنان‪ ،‬و من كان معهم من قبائل العرب‪ ،‬و ملوا بلدهم من تامة و ما يليهم‪ ،‬و‬
‫حدثت بينهم أحداث و حروب‪ ،‬فتفرّقوا‪ ،‬و خرجوا يطلبون متّسعا ف بلد اليمن و مشار [ف] [‪ ]4‬الشام‪ ،‬و أقبلت منهم قبائل‬
‫حتّى نزلوا البحرين و با جاعة من الزد‪ ،‬و كانوا نزلوها ف زمان ابن ماء السماء‪ ،‬و تالف القوم الذين خرجوا من تامة على‬
‫التنوخ بالبحرين‪ -‬التّنوخ‪ :‬القام‪ -‬و كان منهم قوم من قضاعة‪ ،‬و قوم من معدّ‪ ،‬و قوم من إياد‪.‬‬
‫فتعاقدوا على التوازر و التناصر‪ ،‬و صاروا يدا على الناس و صار اسهم‪« :‬تنوخ»‪.‬‬
‫ثّ لّا بلغهم انتشار [‪ ]82‬أمر الفرس و اختلف كلمتهم‪ ،‬تطلّعت نفوسهم إل ريف العراق‪ ،‬و طمعوا ف الفرس و فيما يلي بلد‬
‫العرب من أعمالم‪ ،‬أو مشاركتهم فيها‪ ،‬و اهتبلوا ما وقع بي ملوك الطوائف من الختلف‪ ،‬فأجع رؤساؤهم على‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬التكملة من الطبي‪ .‬و العبارة ف الطبي‪ :‬ل تطلع عليهم طالعة من بلد العرب و ل يقدم عليهم قادم (‪:2‬‬
‫‪.)745‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و ل طمع أحد‪.‬‬
‫[‪ .]3‬معرّب «هندك»‪ ،‬كنده (لد)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪« :‬مشارق‪ ،‬و التصحيح من الطبي (‪ .)745 :2‬و الشارف‪ ،‬جع مشرف‪ :‬قرى قرب حوران منها بصرى من‬
‫الشام‪ّ ،‬ث من أعمال دمشق‪ .‬و الشارف من الدن‪ :‬على مثل مسافة النبار من بغداد‪ ،‬و القادسية من الكوفة (يا)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪109 :‬‬
‫السي ال العراق‪ .‬فلمّا ساروا‪ ،‬وجدوا الرمانيّي‪ -‬و هم القوم الذين بأرض بابل و ما يليها إل ناحية الوصل‪ -‬يقاتلون‬
‫الردوانيّي‪ ،‬و هم‪ :‬ملوك الطوائف‪ ،‬و هم فيما بي نفّر [‪ -]1‬قرية من سواد العراق‪ -‬إل البلّة [‪ ]2‬و أطراف البادية‪ .‬فلم تدن‬
‫لم‪ ،‬فدفعوهم عن بلدهم‪ .‬و إنا قيل‪« :‬الرمانيّي» لنّه كان يقال لعاد‪« :‬إرم»‪ ،‬فلمّا هلكت‪ ،‬قيل لثمود‪« :‬إرم»‪ّ ،‬ث سّوا‪:‬‬
‫«الرمانيّي» و هم بقايا «إرم»‪ ،‬و هم نبط السواد‪ .‬و يقال لدمشق‪« :‬إرم»‪.‬‬
‫ثّ طلع قوم من تيم ال‪ ،‬و غطفان ف من تنخ معهم من اللفاء و العشائر على النبار‪ ،‬على ملك الرمانيّي‪ .‬و طلع قوم من كندة‬
‫و بن فهم مع من حالفهم‪ .‬و تنخ بعضهم على نفّر على [‪ ]83‬ملك الردوانيّي‪ ،‬فأنزلوا الي‪ ،‬فلم تزل طالعة النبار و طالعة نفّر‬
‫على ذلك‪ ،‬ل يدينون للعاجم‪ ،‬و ل تدين لم العاجم‪ ،‬حتّى قدمها تبّع‪ -‬و هو أسعد بن مليكيكرب‪ -‬ف جيوشه‪ ،‬فخلّف با من‬
‫ل تكن به قوّة و من ل يقو على الغزو معه‪ ،‬و ل الرجوع إل بلده‪ .‬فانضمّوا إل أهل الية‪ ،‬و خرج تبّع ف حي سائرا‪ ،‬ثّ رجع‬
‫إليهم‪ ،‬فأقرّهم على حالم‪ ،‬و انصرف إل اليمن و فيهم من ك ّل القبائل من بن ليان‪ -‬و هم بقايا جرهم‪ -‬و طيّء‪ ،‬و كلب‪ ،‬و‬
‫تيم‪ ،‬و غيهم‪ ،‬و اتّصلت جاعتهم و قووا‪ ،‬و كانوا بي النبار و الية إل طفّ [‪ ]3‬الفرات ف الظا ّل و البنية‪ ،‬و كانوا‬
‫يسمّون [‪« :]4‬عرب الضاحية»‪.‬‬

‫من عاصر الشغانيّي من ملوك العرب‬
‫فكان أوّل من ملك منهم‪:‬‬
‫مالك بن فهم‪ ،‬و ملوك الفرس طوائف‪ ،‬و قد دخل الوهن عليهم‪ ،‬و طمع فيهم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬نفّر‪ :‬بلدة على نر النرس من بلد الفرس‪ .‬قال الطيب‪ ،‬فإن عن أنّه من بلد الفرس قديا جاز‪ ،‬فأمّا الن فهو من نواحي‬
‫بابل (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البلّة‪ :‬بلدة على شاطئ دجلة البصرة (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬أطراف‪.‬‬
‫[‪ .]4‬يسمون‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪110 :‬‬
‫ثّ ملك أخوه عمرو بن فهم‪.‬‬
‫ثّ جذية البرش بن مالك بن فهم‪ ،‬فقوى أمره‪ ،‬و كان جيّد الرأى‪ ،‬شديد النكاية ف العداء [‪ ]84‬بعيد الغار‪ .‬فاستجمع له‬
‫اللك بأرض العراق‪ ،‬و ض ّم إليه العرب‪ ،‬و غزا باليوش‪ ،‬و عظّمته العرب‪ ،‬و كنت‪ -‬عن برص به‪ -‬ب «البرش» و ب‬
‫«الوضّاح»‪ ،‬فكان تفد عليه الوفود‪ ،‬و تب إليه الموال‪.‬‬
‫ى بن نصر بن ربيعة‪ ،‬وضيء‪ ،‬له جال و ظرف‪ ،‬يلي شرابه‪ .‬فعشقته أخت جذية رقاش‪ ،‬و‬
‫و كان عنده غلم من إياد يقال له‪ :‬عد ّ‬
‫ما زالت تتال‪ ،‬و تواطئه‪ ،‬حتّى زوّجها اللك بعدىّ ف سكره‪ .‬فوطئها من ليلته و علقت [‪ ]1‬منه‪ .‬فلما أصبح جذية و عرف‬
‫الب‪ ،‬ندم ندامة شديدة‪ .‬و عرف عدىّ الب‪ ،‬فهرب‪ ،‬و لق بإياد حتّى هلك‪ .‬و اشتملت رقاش على حبل‪ ،‬فولدت غلما و سّته‬
‫عمرا [‪ .]2‬فترعرع الغلم و حسن و برع‪ ،‬فالبسته و حلّته‪ ،‬و أزارته خاله جذية‪ ،‬فأعجب به‪ ،‬و أحبّه‪ ،‬و خلطه بولده‪ ،‬و أمر‬
‫فطوّق‪ ،‬و هو أوّل عربّ ألبس طوقا‪ّ .‬ث تزعم العرب أنّ النّ استهوته [‪ ]3‬زمانا إل أن عاد إل [‪ ]85‬جذية‪ .‬و له خب [‪.]4‬‬

‫عمرو بن ظرب‬
‫و كان قد ملك بأرض الية و مشار [ف] [‪ ]5‬بلد الشام‪ ،‬عمرو بن ظرب بن حسّان العمليقى‪ .‬فجمع جذية جوعه من‬
‫العرب ليغزوه‪ .‬و أقبل عمرو بن ظرب بموعه من الشام‪ .‬فالتقوا‪ ،‬و اقتتلوا قتال شديدا‪ ،‬فقتل عمرو بن ظرب‪ ،‬و فضّت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬علقت منه‪ :‬أحبّها و شغف با‪ .‬علق با و علقها‪ :‬أحبّها‪ .‬علقت الرأة بالولد‪ :‬حبلت (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬عمرو‪ :‬يكتب بالواو للفرق بينه و بي عمر و تسقطها ف النصب لنّ اللف تلفها (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬استهوى فلنا‪ :‬أثّر فيه حتّى يتقبّل رأيه دون أن يقوم لديه دليل على صحّته‪.‬‬
‫[‪ .]4‬انظر الطبي (‪.)753 :2‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل و مط «مشارق»‪ ،‬و التصحيح من الطبي (‪.)756 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪111 :‬‬
‫جوعه‪ ،‬و غنمه جذية و انصرف موفورا‪ .‬فملكت من بعده ابنته‪:‬‬

‫الزبّاء [‪]1‬‬
‫و اسها نائلة‪ .‬و كان جنودها بقايا من العماليق‪ ،‬و العاربة الول‪ ،‬و قبائل من قضاعة‪ .‬فلمّا استحكم حكمها‪ ،‬أجعت على غزو‬
‫جذية البرش تطلب بثأر أبيها‪ .‬و استشارت أهل الرأى‪ ،‬فأشي عليها بالعدول عن الرب إل الكر‪ ،‬و أعلموها [‪ ]2‬أنّها امرأة‪،‬‬
‫و الرب سجال [‪ ]3‬بي الرجال‪ ،‬و أنّها لو قد هزمت كان البوار‪ ،‬و أعلموها من غبّ [‪ ]4‬مباشرة مثلها للحرب‪ ،‬ما كرهته‪.‬‬
‫و أشارت عليها أختها «زنيبة [‪ »]5‬و كانت ذات دهاء و إرب‪ -‬أن تأتى المر من جهة الدع و الكر‪ ،‬و أن تكتب إل جذية‬
‫[‪ ]86‬تدعوه إل نفسها و ملكها‪.‬‬
‫فقبلت ذلك و كتبت إليه‪:‬‬
‫أنا ل تد ملك النساء إلّا إل قبح ف السماع‪ ،‬و ضعف ف السلطان و قلّة ضبط للمملكة‪ ،‬و أنّها ل تد للكها موضعا‪ ،‬و ل‬
‫لنفسها كفؤا «غيك‪ .‬فهل ّم إلّ‪ ،‬و اجع ملكي إل ملكك‪ ،‬وصل بلدي ببلدك‪ ،‬و تو ّل تدبيي كلّه و أمرى‪ ،‬لتموت الضغائن و‬
‫الحقاد‪ ،‬و تزول عن قلوب الناس ما خامرها من العداوات‪ ».‬فلما انتهى كتاب الزباء إل جذية‪ ،‬و قدم عليه رسلها بخاطبات‬
‫شبيهة بذا العن‪ ،‬استخفّه [‪ ]6‬ما دعته إليه‪ ،‬و رغب فيما أطمعته فيه‪ ،‬و جع أهل الرأى من أصحابه‪ ،‬فاستشارهم‪ .‬فأجع رأيهم‬
‫على أن يسي إليها‪ ،‬و يستول على ملكها‪.‬‬
‫و كان فيهم رجل يقال له‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الزبّاء( ‪: Zenobia‬الفصّل ‪.)99 :3‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪ :‬أعلموه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬السجال‪ :‬الباراة‪ ،‬و الفاخرة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الغب من كلّ شيء‪ :‬عاقبته و أخرته‪.‬‬
‫[‪ .]5‬زنيبة‪ :‬مهملة ف الصل‪ ،‬و العجام من الطبي‪ .‬ف مط‪« :‬زنيبة» و هي تنطبق على زنوبيا ‪ LZenobia‬أكثر من‬
‫انطباقها على ما ف الطبي (زبيبة)‪.‬‬
‫[‪ .]6‬استخفّه‪ :‬استفزّه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪112 :‬‬

‫قصي بن سعد [‪]1‬‬
‫و كان سعد هذا تزوّج أمة تدم لذية [‪ ،]2‬فولدت له قصيا‪ ،‬و كان حازما‪ ،‬أريبا‪ ،‬أثيا عند جذية‪ .‬فخالفهم ف ما [‪]87‬‬
‫أشاروا به عليه‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «رأى فاتر [‪ ]3‬و غدر [‪ ]4‬حاضر‪ -».‬فذهب مثل‪.‬‬‫فنازعوه الرأى‪ ،‬فقال لذية‪:‬‬
‫ «أكتب إليها‪ :‬فلتقبل إليك إن كانت صادقة‪ .‬فإن ل تفعل‪ .‬ل تسر إليها مكّنا [إيّاها] [‪ ]5‬من نفسك و قد وترتا‪ ،‬و قتلت‬‫أباها‪ ».‬فلم يوافق جذية ما أشار به عليه قصي‪ ،‬و قال جذية‪:‬‬
‫ «أنت امرؤ رأيك ف الكنّ [‪ ،]6‬ل ف الضحّ [‪ -»]7‬فذهبت مثل‪.‬‬‫دعا جذية ابن أخته عمرو بن عدىّ‪ ،‬فاستشاره‪ ،‬فشجّعه على السي‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «هناك نارة [‪ ]8‬قومي‪ ،‬و لو قد رأوك [‪ ،]9‬صاروا معك‪ ».‬فأطاعه و عصى قصيا‪ .‬فقال قصي‪:‬‬‫ «ل يطاع لقصي أمر‪ ».‬و ف ذلك يقول الشعراء ما حذفناه طلب الياز‪.‬‬‫و استخلف جذية عمرو بن عدىّ على ملكه و سلطانه‪ .‬و سار ف وجوه‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي (‪.)758 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬تزوّج أمّه خدمة لذية!‬
‫[‪ .]3‬الفاتر‪ :‬الضعيف‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬عذر‪.‬‬
‫[‪ .]5‬إيّاها‪ :‬تكملة منّا‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الكنّ‪ :‬كل ما يردّ الرّ و البد من البنية و الغيان و نوها‪.‬‬
‫ضحّ‪ :‬الشمس أو ضوؤها إذا استمكن من الرض‪ .‬ما أصابته الشمس‪ .‬الباز الظاهر من الرض‪.‬‬
‫[‪ .]7‬ال ّ‬
‫[‪ .]8‬نارة‪ :‬بطن من إياد من العدنانية (كحّالة)‪.‬‬
‫[‪ .]9‬ف الطبي‪ :‬و لو قدروا لصاروا معك‪ .‬بدل‪ :‬و لو قد رأوك صاروا معك (‪.)759 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪113 :‬‬
‫أصحابه‪ ،‬فأخذ على الفرات من الانب الغربّ‪ .‬فلمّا نزل رحبة [‪ ]1‬مالك بن طوق‪ -‬و كان تدعى ف ذلك الزمان «الفرضة»‪-‬‬
‫دعا قصيا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ ما الرأى؟» فقال‪:‬‬‫«ببقّة [‪ ]2‬تركت الرأى‪ -».‬فذهبت مثل‪ ]88[ .‬و استقبلته رسل الزبّاء بالدايا و اللطاف‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا قصي كيف ترى؟» قال‪:‬‬‫ «خطر يسي ف خطب كبي‪ -‬فذهبت مثل‪ -‬و ستلقاك اليل‪ ،‬فإن سارت أمامك فإن الرأة صادقة‪ ،‬و إن أخذت جنبتيك‪،‬‬‫فالقوم غادرون‪ ،‬فاركب العصا‪ ،‬فإنّى مسايرك عليها‪ ».‬و كانت العصا فرسا لذية ل تارى‪ ،‬فلقيته اليول و الكتائب‪ ،‬فحالت‬
‫بينه و بي العصا‪ ،‬فركبها قصي مولّيا على متنها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «ويل أمّه حزما على ظهر العصا‪ -».‬فذهبت مثل‪.‬‬‫و نا قصي‪ ،‬و أدخل على الزبّاء‪ .‬فلما رأته كشفت له عن إسبها [‪ ،]3‬فإذا هو مضفور‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫ «يا جذية! أدأب عروس ترى؟»‪ -‬فذهبت مثل‪.‬‬‫ف الثرى‪ ،‬و أمر غدر أرى‪ -».‬فذهبت مثل‪.‬‬
‫فقال‪« :‬بلغ الدى‪ ،‬و ج ّ‬
‫فتمّت حيلتها على جذية‪ ،‬حتّى قتلته بأن قطعت راهشيه [‪ ،]4‬ف خب طويل‪ ،‬و أمثال مفوظة‪ .‬فهلك جذية‪ ،‬و خرج قصي حت‬
‫قدم على عمرو بن عدىّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬رحبة مالك بن طوق‪ :‬على الفرات بي الرقّة و العانة‪ ،‬أحدثها مالك بن طوق ف خلفة الأمون (مع) رحبة الشام (ل)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بقّة‪ :‬اسم موضع قريب من الية‪ ،‬و قيل‪ :‬حصن كان على فرسخي من هيت كان نزله جذية البرش (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬السب‪ :‬شعر الفرج‪ ،‬و قيل‪ :‬شعر الست‪ .‬الشعر النابت على قبل الرأة و الرجل‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الراهشان‪ :‬عرقان ف باطن الذراعي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪114 :‬‬
‫[‪ ]89‬و هو بالية‪.‬‬
‫فقال له قصي‪« :‬أ داثر [‪ ،]1‬أم ثائر؟» فقال‪« -:‬بل ثائر سائر‪ -».‬فذهبت مثل‪.‬‬

‫ذكر حيلة لقصي على الزبّاء تّت له عليها‬
‫كانت الزبّاء قد سألت الكهنة و النجّمي عن أمرها و ملكها‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫ «نرى هلكك بسبب غلم مهي غي أمي‪ ».‬و وصفوا قصيا و عمرو بن عدىّ‪ ،‬و قالوا‪:‬‬‫ «لن توت إلّا بيده‪ ،‬و لكنّ حتفك بيدك‪ ،‬و من قبله ما يكون‪ ».‬فحذرت عمرا‪ ،‬و اتّخذت نفقا من ملسها الذي كانت تلس‬‫فيه‪ ،‬إل حصن لا داخل مدينتها‪ ،‬و قالت‪ :‬إن فجئن أمر دخلت النفق إل حصن‪.‬‬
‫ثّ دعت مصوّرا حاذقا فجهّزته‪ ،‬و قالت‪:‬‬
‫ «سر حتّى تقدم على عمرو بن عدىّ متنكّرا فتخلو بشمه و تالطهم با عندك من التصوير‪ّ ،‬ث أثبت [‪ ]2‬عمرو بن عدىّ‬‫معرفة‪ ،‬فصوّره جالسا‪ ،‬و قائما‪ ،‬و راكبا‪ ،‬و متفضّل [‪ ،]3‬و متسلّحا بيئته‪ ،‬و لبسته‪ ،‬و ثيابه‪ ،‬و لونه‪ .‬فإذا أحكمت ذلك‪ ،‬فأقبل‬
‫ى [‪ ]90‬و بلغ جيع ما وصّته به‪ ،‬ثّ رجع إليها با وجّهته له من الصور‪.‬‬
‫إلّ‪ ».‬فانطلق الصوّر‪ ،‬حتّى قدم على عمرو بن عد ّ‬
‫فعرفت عمرا على جيع هيئاته‪ ،‬و حذرته‪.‬‬
‫ثّ إ ّن قصيا قال لعمرو‪« :‬إجدع أنفى‪ ،‬و اضرب ظهري‪ ،‬و دعن و إيّاها‪ ».‬فقال عمرو‪« :‬و ما أنا بفاعل‪ ،‬و ل أنت بستحقّ منّى‬
‫لذلك‪ ».‬فقال قصي‪« :‬خ ّل عنّى إذا و خلك ذمّ‪ ».‬فذهبت مثل‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الداثر‪ :‬الغافل‪ .‬دثر السيف‪ .‬صدى‪ .‬دثر القلب‪ :‬غفل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أثبته‪ :‬عرفه حق العرفة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تفضّل‪ :‬لبس الفضال‪ .‬و الفضال ما يلبس ف البيت‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪115 :‬‬
‫فقال له عمرو‪« :‬فأنت أبصر‪ ».‬فجدع قصي أنف نفسه‪ ،‬و أثّر بظهره‪ ،‬و قيلت فيه الشعار‪ .‬و خرج قصي كأنّه هارب‪ ،‬و أظهر‬
‫أنّ عمرا فعل به ذلك‪ ،‬و أنّه يزعم أنّه مكر باله جذية‪ ،‬و غرّه من الزبّاء‪.‬‬
‫فسار قصي حتّى قدم على الزبّاء‪ .‬فقيل لا‪« :‬إ ّن قصيا بالباب‪ ».‬فأمرت به‪ ،‬فأدخل عليها‪ ،‬فإذا أنفه قد جدع و ظهره قد ضرب‪.‬‬
‫فقالت‪« :‬ما الذي أرى بك يا قصي؟» قال‪« :‬زعم عمرو أنّى غررت خاله‪ ،‬و زيّنت له السي إليك‪ ،‬و غششته‪ ،‬و مالتك [‪]1‬‬
‫عليه‪ ،‬ففعل ب ما ترين‪ ،‬فأقبلت إليك‪ ،‬و عرفت أنّى ل أكون مع أحد هو أثقل [‪ ]91‬عليه منك‪ ».‬فأكرمته‪ ،‬و أصابت عنده‬
‫حزما و رأيا و تربة و معرفة بأمور اللوك‪ .‬فلمّا علم أنّها قد وثقت به‪ ،‬و استرسلت إليه‪ ،‬قال لا‪:‬‬
‫ «إ ّن ل بالعراق أموال كثية‪ ،‬و با طرائف و ثياب و عطر‪ ،‬فابعثن إل العراق لحل مال‪ ،‬و أحل إليك من بزوزها‪ ،‬و طرائف‬‫ثيابا‪ ،‬و صنوف ما يكون با من المتعة‪ ،‬و الطيب‪ ،‬و التجارات‪ ،‬فتصيبي ما ل غناء للملوك عنه‪ ،‬مع أرباح عظيمة‪ ،‬فإنّه ل‬
‫طرائف كطرائف العراق‪ ».‬فلم يزل با يزيّن لا ذلك‪ ،‬حتّى سرّحته‪ ،‬و دفعت إليه أموال‪ ،‬و جهّزت معه عيا‪ ،‬و قالت‪:‬‬
‫ «انطلق إل العراق‪ ،‬فبع با ما جهّزناك به‪ ،‬و ابتع لنا طرائف ما يكون با‪ ».‬فسار قصي‪ ،‬و أتى الية متنكّرا‪ ،‬فدخل على‬‫عمرو‪ ،‬و أخبه بالب‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «جهّزن بالبزّ و الطرف من المتعة‪ ،‬لع ّل ال يكّن من الزبّاء‪ ،‬فتصيب ثأرك‪،‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ماله‪ :‬ساعده‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪116 :‬‬
‫و تقتل عدوّك‪ ».‬فأعطاه حاجته‪ ،‬و جهّزه بصنوف الثياب و غيها‪ .‬فرجع بذلك كلّه إل الزبّاء [‪ ]92‬فعرضه عليها‪ .‬فأعجبها ما‬
‫رأت‪ ،‬و ازدادت به ثقة‪ ،‬و إليه طمأنينة‪ ،‬ثّ جهّزته بأكثر مّا كانت جهّزته به‪ .‬فسار حتّى قدم العراق‪ ،‬و لقى عمرو بن عدىّ‪ ،‬و‬
‫حل من عنده ما ظ ّن أنّه موافق للزبّاء‪ ،‬و ل يترك جهدا و ل حيلة ف طرفة و ل متاع قدر عليه إلّا حله إليها‪.‬‬
‫ثّ عاد الثالثة إل العراق‪ .‬فقال لعمرو‪:‬‬
‫ «اجع إلّ ثقات قومك و أصحابك و جندك‪ ،‬و هيّئ ل الغرائر [‪ ]1‬و السوح [‪ ».]2‬و حل ك ّل رجلي ف غرارتي‪ ،‬و جعل‬‫معقد رؤوس الغرائر من باطنها‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «إذا دخلنا مدينة الزبّاء‪ ،‬أقمتك على باب نفقها‪ ،‬و خرجت الرجال من الغرائر‪ ،‬فصاحوا بأهل الدينة‪ ،‬فمن قاتلهم قتلوه‪ ،‬و إذا‬‫أقبلت الزبّاء تريد النفق‪ ،‬حلّلتها بالسيف‪ ».‬ففعل عمرو بن عدى جيع ذلك‪ .‬فلمّا قرب من الدينة‪ ،‬تقدّم قصي إليها‪ ،‬و بشّرها‪ ،‬و‬
‫أعلمها كثرة ما حل إليها من الثياب‪ ،‬و سألا أن ترج فتنظر إل قطرات تلك البل‪ ،‬و ما عليها من الحال‪ .‬و كان قصي يكمن‬
‫النهار و يسي بالليل‪ .‬فخرجت الزبّاء فأبصرت [‪ ]93‬البل‪ .‬فلمّا توسّطت البل الدينة أنيخت‪ ،‬و دلّ قصي عمرا على باب‬
‫النفق‪ ،‬و خرجت الرجال من الغرائر‪ ،‬و صاحوا بأهل الدينة‪ ،‬و وضعوا فيهم السلح‪ .‬و قام عمرو بن عدىّ بباب النفق‪ ،‬و أقبلت‬
‫الزبّاء مبادرة تريد النفق لتدخله‪ .‬فأبصرت عمرا قائما‪ ،‬فعرفته بالصورة الت صوّرها الصوّر‪ ،‬فمصّت خاتها و كان فيه سمّ‪ ،‬و‬
‫قالت‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الغرائر‪ :‬جع مفرده الغرارة‪ ،‬و هي وعاء من اليش يوضع فيه القمح و نوه‪ ،‬و هو أكب من الوالق‪.‬‬
‫[‪ .]2‬السوح‪ :‬جع السح‪ :‬الكساء من شعر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪117 :‬‬
‫‪« -‬بيدي‪ ،‬ل بيدك يا عمرو!» فحلّلها بالسيف‪ ،‬فقتلها و أصاب ما أصاب‪ ،‬و انكفأ [‪ ]1‬سالا‪.‬‬

‫عمرو بن عدىّ‬
‫ى بن نصر بن ربيعة بن الارث بن مالك بن عمرو بن نارة بن لم‪ ،‬و هو أول من اتّخذ‬
‫و صار اللك بعد جذية لعمرو بن عد ّ‬
‫الية منل من ملوك العرب‪ ،‬و إليه تنسب ملوك آل نصر‪ ،‬و مات و هو ابن مائة و عشرين سنة‪ ،‬ل يدين للوك الطوائف‪ ،‬و ل‬
‫يدينون له‪ ،‬حتّى قدم أردشي بن بابك ف أهل فارس‪ ،‬فكان من أمرهم ما كان‪ ]2[ .‬و ل يكن للوك اليمن نظام قبل آل نصر‪ ،‬و‬
‫إنّما كان الرئيس يكون ملكا على ملفه [‪ ]3‬و مجره [‪ ،]4‬و ل يتجاوزه‪ ]94[ ،‬فإن نبغ منهم نابغ مثل تبّع و غيه‪ ،‬فتجاوز‬
‫ذلك‪ ،‬فإنّما هو عن غي نظام و ل ملك موطّد [له] [‪ ]5‬و ل لبائه‪ ،‬و ل لبنائه‪ ،‬و لكن كالذي يكون من بعض من تشرّد‪ ،‬فيغي‬
‫عند الغرّة‪ ،‬فإذا قصده الطلب‪ ،‬ل يكن له ثبات‪ .‬فكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد‪ ،‬ف قدي الدهر‪،‬‬
‫يرج من ملفه و مجره أيّاما‪ ،‬فيصيب ما مرّ به‪ ،‬ثّ يتشمّر عند الطلب [‪ ]6‬راجعا إل موضعه من غي أن يدين له أحد من غي‬
‫أهل ملفه و مجره بالطاعة‪ ،‬أو يؤدّى إليه خرجا إلّا ما يصيب على جهة الغارة‪ ،‬حت كان عمرو بن عدىّ‪ ،‬إبن أخت جذية‪ ،‬فإنّه‬
‫اتّصل له و لعقبه و لسبابه اللك على من كان بنواحي العراق‪ ،‬و بادية الجاز‪ ،‬باستعمال ملوك فارس إيّاهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬انكفأ‪ :‬رجع‪ ،‬انصرف‪.‬‬
‫[‪ .]2‬انظر الطبي ‪.768 :2‬‬
‫[‪ .]3‬الخلف‪ :‬الكورة‪ ،‬و هي الحافظة‪ ،‬أو الديرية ف الصطلح الديث‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الحجر‪ :‬مجر القيل من أقيال اليمن‪ :‬حوزته‪ ،‬و ناحيته‪ ،‬و حاه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬تكملة أوردناها لا يبدو هنا من نقص‪.‬‬
‫[‪ .]6‬عند خوف الطلب (الطبي ‪.)769 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪118 :‬‬
‫و استكفائهم أمر من وليهم من العرب‪.‬‬

‫طسم و جديس‬
‫و مّن أساء السية فاصطلم [‪ ،]1‬طسم و جديس [‪ ،]2‬و كانوا ف أيّام ملوك الطوائف‪ .‬فأما طسم فكان اللك [‪ ]95‬فيهم‪ ،‬و‬
‫كانوا ساكن اليمامة‪ ،‬و هي إذ ذاك من أخصب البلد و أعمرها و أكثرها خيا‪ ،‬لم فيها صنوف الثمار‪ ،‬و معجبات الدائق و‬
‫القصور الشامة‪ .‬و كان ملكهم ظلوما غشوما راكبا هواه‪ .‬فكان ما لقوا من ظلمه‪ :‬أنه أمر ألّا تدى بكر من جديس إل زوجها‬
‫حت تدخل عليه فيفترعها [‪ .]3‬فغب على ذلك دهرا‪ ،‬حت أنف منهم رجل يقال له‪ :‬السود بن عفار [‪.]4‬‬
‫فقال لرؤساء قومه‪:‬‬
‫ «قد ترون ما نن فيه من العار و الذلّ‪ ،‬الذي ينبغي للكلب أن تعافه‪ ،‬و تتعض منه‪ ،‬فأطيعون‪ ،‬فإنّى أدعوكم إل عزّ الدهر و‬‫نفى الذلّ‪ ».‬قالوا‪« :‬و ما ذاك؟» فأخذ عهودهم إل أن وثق ث قال‪:‬‬
‫ «إنّى صانع للملك طعاما‪ ،‬فإذا حضر نضنا إليهم بأسيافنا‪ ،‬فانفردت به فقتلته‪ ،‬و أجهز كلّ رجل منكم على جليسه‪ ».‬فأجابوه‬‫إل ذلك‪ ،‬و اجتمع رأيهم عليه‪ .‬فاتّخذ طعاما و أمر قومه‪ ،‬فانتضوا سيوفهم و دفنوها ف الرمل‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «إذا أتاكم [‪ ]96‬القوم يرفلون ف حللهم فخذوا سيوفكم ث شدّوا عليهم قبل‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬اصطلمهم العدو أو الوت‪ :‬استأصلهم و أبادهم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أنظر الطبي ‪ ،771 :2‬و ابن الثي ‪.351 :1‬‬
‫[‪ .]3‬افترع البكر‪ :‬افتضّها‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪ :‬غفار‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪119 :‬‬
‫أن يأخذوا مالسهم‪ ،‬ث اقتلوا الرؤساء‪ ،‬فإنّكم إذا قتلتموهم ل تكن السفلة شيئا‪ ».‬و حضر اللك‪ ،‬فقتل و قتل الرؤساء‪ ،‬ث شدّوا‬
‫على البقيّة‪ ،‬فأفنوهم‪.‬‬

‫حدّة بصر اليمامة‬
‫فهرب رجل من طسم يقال له‪ :‬رياح بن مرّة‪ ،‬حت أتى حسان بن تبّع‪ ،‬فاستغاث به‪ .‬فخرج حسّان بن تبّع ف حي‪ ،‬فلمّا كان من‬
‫اليمامة على ثلث‪ ،‬قال له رياح‪:‬‬
‫ «أبيت اللعن‪ ،‬إنّ ل أختا متزوّجة ف جديس يقال لا‪ :‬اليمامة‪ ،‬ليس على وجه الرض أبصر منها‪ .‬إنا لتبصر الراكب من‬‫مسية ثلث‪ ،‬و إن أخاف أن تنذر القوم‪ ،‬فمر أصحابك‪ ،‬فليقطع كلّ رجل منهم شجرة فيجعلها أمامه‪ ».‬ففعلوا ذلك‪ ،‬فأبصرتم‪،‬‬
‫فقالت لديس‪:‬‬
‫ «لقد سارت حي‪ ».‬فكذّبوها و قالوا‪:‬‬‫ «ما الذي ترين؟» قالت‪« :‬أرى رجل ف شجر معه كتف يتعرّقها [‪ ]1‬أو نعل يصفها‪ ».‬فلم يستمعوا منها‪ ،‬و استهانوا‪ ،‬فكان‬‫كما قالت‪ .‬و صبّحهم حسّان فأبادهم [‪ ]97‬و أخرب بلدهم‪ ،‬و هدّم قصورهم و حصونم‪ .‬و أتى حسّان باليمامة ففقأ [‪]2‬‬
‫عينها‪ ،‬و قالت العرب ف ذلك الشعار‪ ،‬و هي معروفة‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تعرّق العظم‪ :‬أكل ما عليه من اللحم نشا بأسنانه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬فقأ العي‪ :‬شقّها فخرج ما فيها‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪121 :‬‬

‫الساسانيّة [‪ ]1‬و من عاصرهم أردشي بن بابك‬
‫ثّ لّا استول أردشي بن بابك [‪ ]2‬على الرمانيّي (و هم ملوك العراق و أنباط السواد‪ ،‬و كان ك ّل واحد منهم يقاتل صاحبه‪،‬‬
‫فاستول أردشي عليهما‪ ،‬و قتل الردوان‪ -‬و يسمّى «شاهنشاه»)‪ ،‬كره كثي من تنوخ أن يقيموا ف ملكته‪ ،‬فخرجوا‪ ،‬فلحقوا‬
‫بالشام‪ ،‬و انضمّوا إل من كان هناك‪ ،‬و كان ناس من العرب يدثون الحداث لو تضيق بم العيشة‪ ،‬فيخرجون إل ريف العراق‬
‫و ينلون الية على ثلثة أثلث‪ :‬الثلث [الوّل [‪« :]]3‬تنوخ»‪ ،‬و هم [‪ ]4‬من كان يسكن الظا ّل و بيوت الشعر و الوبر ف‬
‫غربّ الفرات فيما بي الية و النبار و ما فوقها‪.‬‬
‫و الثلث الثان‪« :‬العبّاد»‪ ،‬و هم الذين سكنوا الية و ابتنوا با‪ .‬و الثلث الثالث‪:‬‬
‫«الخلف»‪ ،‬و هم الذين لقوا بأهل الية و نزلوا فيهم من ل تكن من تنوخ الوبر [‪ ]98‬و ل من العبّاد الذين دانوا لردشي‪.‬‬
‫و كانت الية و النبار جيعا بنيتا ف زمن بتنصّر‪ ،‬فخربت الية لا تول أهلها عند هلك بتنصّر إل النبار‪ ،‬و عمرت النبار‬
‫ى باتّخاذه إيّاها منل‪ ،‬فعمرت الية خسمائة و بضعا و ثلثي‬
‫خسمائة و خسي سنة إل أن عمرت الية ف زمن عمرو بن عد ّ‬
‫سنة‪ ،‬إل أن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فترة الكم‪ 652 -224 :‬م (فم)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أنظر الطبي (‪.)813 :2‬‬
‫[‪ .]3‬الوّل‪ :‬تكملة منّا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪ :‬و هو‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪122 :‬‬
‫وضعت الكوفة‪ ،‬و نزلا السلمون‪.‬‬
‫و دبّر أردشي أمر الفرس و العرب‪ ،‬و ردّ نظام اللك‪ ،‬و كان حازما أريبا كثي الستشارة طويل الفكر‪ ،‬معتمدا ف تدبيه على‬
‫رجل فاضل من الفرس يعرف ب «تنسر»‪ ،‬و كان هربذا‪ .‬فلم يزل يدبّر أمره و يتمع معه على سياسة اللك‪ ،‬إل أن أطاعه من‬
‫جاوره من ملوك الطوائف‪ ،‬و عرفوا فضله‪ ،‬و دخلوا تت رايته رهبة و رغبة‪ ،‬و حارب من امتنع منهم عليه‪.‬‬
‫و له مكايد و حروب يطول الكتاب بذكرها‪ .‬فمن أحسن ما حفظ له عهده إل اللوك بعده‪ ،‬و هذه نسخته‪]99[ :‬‬

‫عهد أردشي‬
‫ «باسم ولّ الرحة‪ ]1[ .‬من ملك اللوك أردشي بن [‪ ]2‬بابك‪ ،‬إل من يلفه [‪ ]3‬بعقبه من ملوك فارس‪ ،‬السلم و العافية‪ .‬أمّا‬‫بعد [‪ ،]4‬فإ ّن صيغ [‪ ]5‬اللوك على غي صيغ [‪ ]6‬الرعية‪ ،‬فاللك يطبعه [‪ ]7‬العزّ و المن و السرور و القدرة‪ ،‬على طباع‬
‫النفة و الرأة و العيث [‪ ]8‬و البطر‪ .‬ث كلّما ازداد ف العمر تنفّسا و ف اللك سلمة‪ ،‬زاده [‪ ]9‬ف هذه الطبائع الربع [‪،]10‬‬
‫حتّى يسلمه [‪ ]11‬إل سكر السلطان الذي هو أش ّد من سكر الشراب‪ ،‬فينسى النكبات و العثرات [‪ ]12‬و الغي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ر‪ :‬بدون بسملة‪ :6 .‬بسم ال الرحن الرحيم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬من أردشي ملك اللوك‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬يلف‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬بدون «أما بعد»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬منع‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬منع‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬بطبعه‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬البطر و العيث‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪« :‬ث له كلما ازداد ‪ ...‬زيادة» بدل «ث كلما ازداد ‪ ...‬زاده»‪.‬‬
‫[‪ .]10‬ف الصل‪ :‬الربعة‪ .‬و التصحيح من غ‪.‬‬
‫[‪ .]11‬غ‪ :‬يسلّمه ذلك منه‪.‬‬
‫[‪ .]12‬غ‪ :‬بدون «العثرات»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪123 :‬‬
‫و الدوائر و فحش تسلّط اليام‪ ،‬و لؤم غلبة الدهر‪ ،‬فيسل يده و لسانه بالفعل و القول‪ .‬و قد قال الوّلون منّا‪ :‬عند حسن الظنّ‬
‫باليّام تدث الغي‪ .‬و قد كان من اللوك من يذكّره عزّه الذلّ‪ ،‬و أمنه الوف‪ ،‬و سروره الكآبة‪ ،‬و بطره [السوقة] [‪[ ،]1‬و‬
‫قدرته العجزة] [‪ ،]2‬و ل حزم إلّا ف جيعها‪.‬‬
‫ «اعلموا أنّ الذي أنتم [‪ ]100‬لقون بعدي‪ ،‬هو الذي لقين [‪ ]3‬من المور‪ ،‬و هي بعدي واردة عليكم [بثل الذي وردت‬‫به علىّ] [‪ ،]4‬فيأتيكم السرور و الذى ف اللك من حيث أتيان‪ ،‬و أن منكم من سيكب اللك صعبا فيمن من شاسه [‪ ]5‬و‬
‫جاحه و خبطه و اعتراضه بثل الذي منيت به‪ ]6[ .‬و منكم من سيث اللك عن الكفاة الذلّلي له مركبه‪ ،‬و سيجرى على‬
‫لسانه و يلقى فيه قلبه [‪ ]7‬أن قد فرع [‪ ]8‬له‪ ،‬و كفى‪ ،‬و اكتفى و فرغ للسعي ف العبث و اللهي [‪ ،]9‬و أنّ من قبله من‬
‫اللوك إل التوطيد له أجروا‪ ،‬و ف التمكي له سعوا‪ ،‬و أن قد خصّ با حرموا‪ ،‬و أعطى ما منعوا‪ ،‬فيكثر أن يقول مسرّا و معلنا‪:‬‬
‫خصّوا بالعمل و خصصت بالدعة‪ ،‬و قدّموا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬بالسوقة‪ ،‬مهملة‪ ،‬فاعجمناها و حذفنا الباء‪ .‬ف مط أيضا‪ :‬بالسوقة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬زيادة من غ‪ .‬و قدرته العجزة‪ ،‬فإذا هو قد جع مهجة ( «بجة»‪ -‬رسائل البلغاء) اللوك‪ ،‬و فكرة السوقة ( «و حذر‬
‫الرعية‪ -‬رسائل البلغاء) و ل حزم إلّا ف جعها» بدل‪« :‬بطره ‪ ...‬جيعها»‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬لقبته‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الشماس‪ :‬الباء‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪ :‬منيت به منه‪ .‬يقال‪ :‬من ال (ين منيا) فلنا بكذا‪ .‬أى ابتله و أصابه‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬أمنيته‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬فرغ‪ ،‬بالغي العجمة‪ .‬و فرع (بالعي الهملة) الفرس‪ :‬كبحه‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪ :‬ف السعى ف اللهي و اللعب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪124 :‬‬
‫قبلي إل الغرر‪ ،‬و خلّفت ف الثقة‪.‬‬
‫و هذا الباب من البواب الت تكسر سكور [‪ ]1‬الفساد‪ ،‬و يهاج با قربات [‪ ]2‬البلء‪ ،‬و يغن البصي اللطيف ما ينتهك من‬
‫المور ف ذلك [‪ .]3‬فإنّا قد رأينا اللك الرشيد السعيد النصور الكفىّ الظفر [‪ ]101‬الازم ف الفرصة‪ ،‬البصي بالعورة‪،‬‬
‫اللطيف [للشبهة] [‪ ]4‬البسوط له ف العلم و العمر‪ ،‬يتهد فل يعدو [‪ ]5‬صلح ملكه حياته [‪ ،]6‬إلّا أن يتشبّه به متشبّه‪ .‬و‬
‫رأينا اللك القصي عمره‪ ،‬القريبة مدّته‪ ،‬إذا كان سعيه بإرسال اللسان با قال‪ ،‬و اليد با عملت‪ ،‬بغي تدبي [‪ ]7‬يدرك‪ ،‬أفسد‬
‫جيع ما قدّم له من الصلح قبله‪ ،‬و يلّف الملكة خرابا على من بعده [‪.]8‬‬
‫ «و قد علمت أنكم ستبلون [‪ ]9‬مع اللك بالزواج و الولد و القرناء و الوزراء و الخدان و النصار و الصحاب و‬‫العوان و التنصّحي و التقربي و الضحكي و الزيّني [‪ :]10‬ك ّل هؤلء‪ -‬إلّا قليل‪ -‬أن يأخذ لنفسه أحبّ إليه من أن يعطى‬
‫منها‪ ،‬و إنّما عمله لسوق يومه و حياة غده‪ .‬فنصيحته اللوك [‪ ]11‬فضل نصيحته لنفسه‪ ،‬و غاية الصلح عنده صلح نفسه‪ ،‬و‬
‫غاية الفساد عنده فسادها‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬جع مفرده السكر‪ :‬ما يس ّد به النهر و نوه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ر‪ :‬دواهم‪ ،‬بدل‪« :‬قربات»‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬بدل «تكسر ‪ ...‬ف ذلك»‪ :‬يكثر با فنون البلء‪ ،‬و تعي البصر عن لطيف ما يتهتك من المور ف ذلك»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل‪ :‬يعدو‪.‬‬
‫[‪ .]6‬حياته‪ :‬مهملة ف الصل و التصحيح من مط‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬صواب تدبي‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬بدل «أفسد ‪ ...‬من بعده»‪ :‬أفسد و استفسد جيع ما قدّم له من قبله‪ ،‬و خلّف الملكة خرابا من بعده‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪ :‬ستبتلون‪.‬‬
‫[‪ .]10‬الزيّن‪ :‬اللّاق‪ .‬غ‪ :‬التزيّني‪.‬‬
‫[‪ .]11‬غ‪ :‬للوك‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪125 :‬‬
‫ص بنعمة دون الناس فهي عنده نعمة عامّة‪ ،‬و إذا عمّ [‪]102‬‬
‫يعل نفسه هي العامّة‪ ،‬و العامّة [‪ ]1‬هي الاصّة‪ :‬فإن [‪ ]2‬خ ّ‬
‫الناس بالنصر على العدوّ‪ ،‬و العدل ف البيضة‪ ،‬و المن على الري‪ ،‬و الفظ للطراف‪ ،‬و الرأفة من اللك‪ ،‬و الستقامة من‬
‫اللك‪ ،‬و ل يصص من ذلك با يرضيه‪ ،‬سّى تلك النعمة نعمة خاصّة‪ .‬ث أكثر شكيّة [‪ ]3‬الدهر‪ ،‬و مذمّة المور‪ .‬يقيم للسلطان‬
‫سوق الودّة ما أقام له سوق الرباح‪ ،‬و ل يعلم ذلك الوزير و القرين أنّ ف التماس الربح على السلطان فساد جيع المور [‪،]4‬‬
‫و قد قال الوّلون منّا‪ :‬رشاد الوال خي للرعيّة من خصب الزمان [‪.]5‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن اللك و الدين أخوان توأمان‪ .‬ل قوام لحدها إلّا بصاحبه‪ ،‬ل ّن الدين أسّ اللك و عماده‪ ]6[ ،‬و صار اللك‬‫بعد حارس الدين‪ ،‬فل بدّ للملك من أسّه‪ ،‬و ل ب ّد للدين من حارسه‪ ،‬فإنّ [‪ ]7‬ما ل حارس له ضائع‪ ،‬و إنّ ما [‪ ]8‬ل أسّ له‬
‫مهدوم‪ .‬و إنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إيّاكم إل دراسة الدين [و تلوته و التفقّه فيه‪ ،‬فتحملكم الثقة بقوّة السلطان]‬
‫[‪ ]9‬على التهاون بم [‪ ،]10‬فتحدث ف الدين رئاسات مستسرّات ف من قد وترت [‪ ]11‬و جفوت [‪]103‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪ :‬و يعل العامة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬فإذا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬شكاية‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬بدل «و ل يعلم ذلك الوزير ‪ ...‬فساد جيع المور»‪« :‬و ل يعلم ذلك الوزير أنّ الوضيعة عنده ف التماس الربح على‬
‫السلطان»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف رسائل البلغاء‪ :‬رشاد اللك‪ .‬ف كامل البّد‪ :‬عدل السلطان‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪ :‬بدون «عماده»‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬لنّ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬بدون «إنّ»‪.‬‬
‫[‪ .]9‬ما بي [] زيادة من ر‪ ،‬غ‪.‬‬
‫[‪ .]10‬مط‪ :‬به‪.‬‬
‫[‪ .]11‬وتره‪ :‬قتل حيمه و أدركه بكروه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪126 :‬‬
‫و حرمتم و أخفتم و صغّرت من سفلة [‪ ]1‬الناس و الرعيّة و حشو العامّة‪ ،‬و ل يتمع [‪ ]2‬رئيس ف الدين مسرّ‪ ،‬و رئيس ف‬
‫اللك معلن‪ ،‬ف ملكة واحدة قطّ‪ ،‬إلّا انتزع الرئيس ف الدين ما ف يد الرئيس ف اللك‪ ،‬لنّ الدين أسّ و اللك عماد‪ ،‬و صاحب‬
‫س أول بمع [‪ ]3‬البنيان من صاحب العماد‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ «و قد مضى قبلنا ملوك كان اللك منهم يتعهد الملة بالتفسي [‪ ]4‬و الماعات بالتفصيل [‪ ،]5‬و الفراغ بالشغال‪ ،‬كتعهّده‬‫ص فضول الشعر و الظفر و غسل الدرن و الغمر [‪ ]6‬و مداواة ما ظهر من الدواء و ما بطن‪ .‬و قد كان من أولئك‬
‫جسده بق ّ‬
‫اللوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده‪ ،‬و كان با يلّفه من الذكر [الميل [‪ ]]7‬الحمود‪ ،‬أفرح و أبج منه با‬
‫يسمعه بأذنه ف حياته‪.‬‬
‫فتتابعت تلك الملك بذلك كأنم ملك واحد‪ ،‬و كأنّ أرواحهم روح واحدة‪ ،‬يكّن أوّلم لخرهم‪ ،‬و يصدّق آخرهم أوّلم بميع‬
‫أنباء أسلفهم‪ ،‬و مواريث آرائهم [‪ ،]8‬و صياغات عقولم‪ ،‬عند الباقي منهم بعدهم‪ ،‬فكأنّهم جلوس [‪ ]104‬معه‪ ،‬يدّثونه‪ ،‬و‬
‫يشاورونه [‪ ،]9‬حت كان على رأس دارا بن دارا ما كان‪ ،‬و غلبة [‪ ]10‬السكندر على ما غلب [‪ ]11‬من ملكنا‪ .‬فكان‬
‫إفساده أمرنا‪ ،‬و تفريقه جاعتنا‪ ،‬و تريبه عمران ملكتنا‪ ،‬أبلغ له ف ما أراد من سفك دمائنا‪ .‬فلمّا أذن ال ف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬السّفلة و السّفلة من الناس‪ :‬أسافلهم و غوغاؤهم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬و اعلموا أنه لن يتمع‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬بميع‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ر‪ .‬بالتفتيش‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬و الماعة بالتحصيل‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الغمر‪ :‬القد و الغلّ‪ .‬نت العرق‪.‬‬
‫[‪ .]7‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬آبائهم‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪ :‬و يشاورهم‪.‬‬
‫[‪ .]10‬غ‪ :‬من غلبة‪.‬‬
‫[‪ .]11‬غ‪ :‬غلب عليه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪127 :‬‬
‫جع ملكتنا و دولة أحسابنا‪ ،‬كان من ابتعاثه [‪ ]1‬إيّانا ما كان‪ ،‬و بالعتبار [‪ ]2‬تتّقى الغي‪ ،‬و من يلفنا أوجد للعتبار‪ ،‬منّا‪ ،‬لا‬
‫استدبروا من أعاجيب ما أتى علينا‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن سلطانكم إنّما هو على أجساد الرعيّة‪ ،‬و أنّه ل سلطان للملوك على القلوب‪ .‬و اعلموا أنكم إن غلبتم الناس‬‫على ذات [‪ ]3‬أيديهم‪ ،‬فلن تغلبوهم على عقولم‪ .‬و اعلموا أنّ العاقل [الحروم] [‪ ]4‬سالّ عليكم لسانه‪ ،‬و هو أقطع سيفيه‪ ،‬و‬
‫إنّ أش ّد ما يضربكم [‪ ]5‬به من لسانه‪ ،‬ما صرف اليلة فيه إل الدين‪ :‬فكأ ّن بالدين يتجّ و للدين‪ -‬فيما يظهر‪ -‬يغضب‪ ،‬فيكون‬
‫للدين بكاؤه‪ ،‬و إليه دعاؤه‪ ،‬و [‪ ]6‬هو أوجد للتابعي و الصدّقي و الناصحي و الؤازرين [‪ ]105‬منكم‪ .‬لنّ بغضة الناس هي‬
‫موكّلة باللوك‪ ،‬و مبّتهم و رحتهم موكلّة بالضعفاء الغلوبي‪ .‬و قد كان من قبلنا من اللوك يتالون لعقول من يذرون‪ ،‬بتخريبها‪،‬‬
‫فانّ العاقل ل تنفعه [جودة] [‪ ]7‬نيزته [‪ ]8‬إذا صيّر عقله خرابا [مواتا] [‪ ،]9‬و كانوا يتالون للطاعني بالدين على اللوك‪،‬‬
‫فيسمّونم البتدعي‪.‬‬
‫فيكون الدين هو الذي يقتلهم و يريح اللوك منهم‪ .‬و ل ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد و النسّاك [و التبتّلي] [‪ ]10‬أن يكونوا‬
‫أول بالدين‪ ،‬و ل أحدب [‪ ]11‬عليه‪ ،‬و ل أغضب له منه‪ .‬و ل ينبغي للملك أن يدع‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪ :‬ابتعاث ال‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬العثار‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬ما ف‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬غ‪ :‬ما يضرّكم‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪« :‬ث» بدل «و»‪.‬‬
‫[‪ .]7‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬النحيزة‪ :‬الطبيعة‪.‬‬
‫[‪ .]9‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]10‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]11‬حدب عليه‪ :‬عطف‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪128 :‬‬
‫النسّاك بغي المر و النهى لم ف نسكهم [و دينهم] [‪ ]1‬فإنّ خروج النساك و غي النسّاك من المر و النهى عيب على اللوك‬
‫و عيب على الملكة‪ .‬و ثلمة يتسنّمها الناس بنيّة [‪ ]2‬الضرر للملك و لن بعده‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن مصي الوال إل [‪ ]3‬غي أخدانه‪ ،‬و تقريبه غي وزرائه‪ ،‬فتح لبواب [النباء] [‪ ]4‬الحجوب [‪ ]5‬عنه علمها‪.‬‬‫و قد قيل‪ :‬إذا استوحش الوال مّن ل [‪ ]106‬يوطّن [‪ ]6‬نفسه عليه‪ ،‬أطبقت عليه ظلم الهالة [‪ ،]7‬و قيل‪ :‬أخوف ما تكون‬
‫العامّة آمن ما يكون الوزراء‪.‬‬
‫ «اعلموا أنّ دولتكم تؤتى من مكاني‪ :‬أحدها غلبة بعض المم الخالفة لكم‪ ،‬و الخر فساد أدبكم [‪ .]8‬و لن يزال حريكم‬‫من المم مروسا‪ ،‬و دينكم من غلبة الديان مفوظا‪ ،‬ما عظّمت فيكم الولة‪ ،‬و ليس تعظيمهم بترك كلمهم‪ ،‬و ل إجللم‬
‫بالتنحّى عنهم‪ ،‬و ل الحبّة لم بالحبّة لكل ما يبّون‪ .‬و لكن تعظيمهم تعظيم أديانم و عقولم‪ ،‬و إجللم إجلل منلتهم من ال‪،‬‬
‫و مبّتهم مبّة إصابتهم‪ ،‬و حكاية الصواب عنهم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬بينة الضرر‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬على‪.‬‬
‫[‪ .]4‬النباء‪ :‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ر‪ :‬لبواب مجوب‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ص‪ :‬ما يوطّن‪.‬‬
‫[‪ .]7‬قس هذه السطور با جاء ف رسائل البلغاء‪« :‬و إذا أذن اللك للعقلء من مناصحى دولته‪ ،‬ف إناء ما يتجدّد عندهم من‬
‫النصائح الت ل يعلمها خواصه‪ ،‬أو يعلمونا و يكتمونا‪ ،‬انفتحت له أبواب من الخبار الحجوبة عنه‪ ،‬فيحذر وزراؤه و خواصه‬
‫من التفاق على أمر يكرهه‪ ،‬خوفا من أن يطالع به‪ ،‬فيأمن مكايدهم‪ ،‬و تسلم الرعية من ظلمهم‪ ،‬و من غلبت عليه خواصه‪ ،‬حت‬
‫منعوا عنه الناس‪ ،‬فل يصل إليه إلّا من يبّون‪ ،‬أطبقت ظلم الهالة عليه»‪.‬‬
‫[‪ .]8‬ص‪ :‬رأيكم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪129 :‬‬
‫ «و اعلموا أنه ل سبيل إل أن يعظّم الوال إلّا بالصابة ف السياسة‪ ،‬و رأس إصابة السياسة أن يفتح الوال لن قبله من الرعية‬‫بابي‪ :‬أحدها باب رقّة و رحة [و رأفة و تضرّع و بذل و تنّن و إلطاف و مواساة و مؤانسة] [‪ ]1‬و بشر و تلل [و عفو] [‪]2‬‬
‫و انبساط و انشراح‪ ،‬و الخر‪ :‬باب غلظة و خشية [‪ ]3‬و تعنّت [‪ ]107‬و تسدّد و إمساك و مباعدة و إقصاء و مالفة و منع‬
‫و قطوب [‪ ]4‬و انقباض [و تضييق و عقوبة] [‪ ]5‬و مقرة إل أن يبلغ القتل‪ .‬و اعلموا انّى ل أس ّم [هذين البابي] [‪ ]6‬باب‬
‫رفق و باب عنف‪ ،‬و لكنّى [سّيتهما] [‪ ]7‬جيعا «باب رفق»‪ ،‬ل ّن [‪ ]8‬فتح باب الكروه مع باب السرور هو أو شك لغلقه [‬
‫‪ ،]9‬حتّى ل يبتلى به أحد‪ .‬و [‪ ]10‬ف الرعيّة من الهواء الغالبة للرأى و الفجور الستثقل للدين و السفلة النقة على الوجوه‬
‫بالنفاسة و السد‪ ،‬ما ل ب ّد معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة‪ ،‬و بباب الستبقاء باب القتل‪ ،‬و قد يفسد الوال بعض الرعيّة‬
‫من حرصه على صلحها‪ ،‬و يغلظ [‪ ]11‬عليها من رقّته لا [‪ ،]12‬و يقتل [‪ ]13‬فيها من حرصه على حياتا‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّ قتالكم العداء من المم قبل قتالكم الدب من أنفس رعيّتكم‪ ،‬ليس بفظ‪ ،‬و لكنّه إضاعة‪ .‬و كيف ياهد‬‫العدوّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬و خشنة و تعصب و تشديد و جفاء‪ ،‬بدل «و خشية و تعنّت و تسدد و إمساك»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪« :‬عبوس» بدل «قطوب»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الصل‪ :‬هذا الباب‪ ،‬و التصحيح من غ‪.‬‬
‫[‪ .]7‬ف الصل‪ :‬سيتها‪ ،‬و التصحيح من غ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬و اعلموا أنّ‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪ :‬لغلقه‪.‬‬
‫[‪ .]10‬غ‪ :‬و اعلموا أنّ‪.‬‬
‫[‪ .]11‬غ‪ :‬و قد يغلط‪.‬‬
‫[‪ .]12‬غ‪ :‬من شدة رأفته با‪.‬‬
‫[‪ .]13‬غ‪ :‬و قد يقتل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪130 :‬‬
‫ب الياة و بغض‬
‫بقلوب متلفة‪ ،‬و أيد متعادية‪ .‬و قد علمتم أنّ الذي بن عليه الناس‪ ]108[ ،‬و جبلت عليه الطباع [‪ ،]1‬ح ّ‬
‫الوت‪[ ،‬و أنّ الرب تباعد من الياة و تدن من الوت] [‪ ،]2‬فل دفع و ل منع [‪ ]3‬و ل صب و ل ماماة مع هذا‪ ،‬إلّا بأحد‬
‫وجهي‪ :‬إمّا بنيّة‪ ،‬و النيّة ما لن يقدر على الوال عند الناس بعد النيّة الت تكون ف أوّل الدولة‪ ،‬و إمّا بسن الدب و إصابة‬
‫السياسة‪.‬‬
‫«و اعلموا أنّ بدء ذهاب الدول [‪ ]4‬من قبل إهال الرعية بغي أشغال معروفة‪ ،‬و ل أعمال معلومة‪ .‬فإذا فشى الفراغ [ف‬
‫الناس] [‪ ،]5‬تولّد منه النظر ف المور‪ ،‬و الفكر ف الصول‪ .‬فإذا نظروا ف ذلك‪ ،‬نظروا فيه بطبائع متلفة‪ ،‬فتختلف بم‬
‫الذاهب‪ ،‬و يتولّد من اختلف مذاهبهم‪ ،‬تعاديهم و تضاغنهم و تطاعنهم [‪ ،]6‬و هم ف ذلك متمعون‪ -‬ف اختلفهم‪ -‬على‬
‫بغض اللوك‪ ،‬لنّ كل صنف منهم إنا يرى إل فجيعة اللك بلكه‪ ،‬و لكنهم ل يدون سلّما إل ذلك [‪ ]7‬أوثق من الدين‪ ،‬و ل‬
‫أكثر أتباعا‪ ،‬و ل أعزّ امتناعا‪ ،‬و ل أش ّد على الناس صبا [‪ .]8‬ث يتولّد من تعاديهم [‪ ]109‬أنّ اللك ل يستطيع جعهم على‬
‫هوى واحد‪ ،‬فإذا انفرد ببعضهم‪ ،‬فهو عدوّ بقيّتهم‪ ،‬ث تتولّد من عداوتم [للملك] [‪ ]9‬كثرتم‪ ،‬فإ ّن من شأن العامّة الجتماع‬
‫على استثقال الولة و النفاسة [‪ ]10‬عليهم‪ .‬لنّ ف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪ :‬الطبائع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ما ف [] زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ليس ف غ‪ :‬فل دفع و ل منع‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬و اعلموا أنّ ذهاب الدول يبدو‪.‬‬
‫[‪ .]5‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪ :‬بدون «تطاعنهم»‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬مع ذلك ممعون‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬صوابا‪.‬‬
‫[‪ .]9‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]10‬النفاسة‪ :‬السد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪131 :‬‬
‫الرعيّة الحروم‪ ،‬و الضروب‪ ،‬و القام عليه و فيه و ف حيمه الدود‪ ،‬و الداخل عليه بعزّ اللك الذ ّل ف نفسه و خاصّته‪ .‬فكلّ‬
‫هؤلء يرى إل متابعة أعداء اللك‪ّ .‬ث يتولّد من كثرتم أن يب اللك عن القدام عليهم‪ ،‬فإ ّن إقدام اللك على جيع الرعيّة تغرير‬
‫[‪ ]1‬بلكه و نفسه‪ ،‬و يتولّد من جب الولة عن تأديب العامة تضييع الثغور الت فيها المم من ذوى الدين و البأس‪ ،‬ل ّن اللك إن‬
‫س ّد الثغور باصّته الناصحي له‪ ،‬و خلت [‪ ]2‬به العامّة الاسدة العادية [‪ ،]3‬ل يعد بذلك تدريبهم ف الرب‪ ،‬و تقويتهم ف‬
‫السلح‪ ،‬و تعليمهم الكيدة مع البغضة‪ ،‬فهم عند ذلك أقوى عدو [و أضرّه‪ ،‬و أحنقه] [‪ ،]4‬و أحضره‪ ،‬و أخلقه بالظفر‪ ،‬و ل‬
‫بدّ من استطراد [‪ ]110‬هذا كله إذا ضيّع أوّله‪.‬‬
‫ «فمن ألفى منكم الرعيّة بعدي و هي على حال أقسامها الربعة الت هي‪ :‬أصحاب الدين‪ ،‬و الرب‪ ،‬و التدبي‪ ،‬و الدمة‪ -‬من‬‫ذلك‪:‬‬
‫الساورة صنف‪ ،‬و العبّاد و النسّاك و سدنة النيان صنف‪ ،‬و الكتّاب و النجّمون و الطبّاء صنف‪ ،‬و الزرّاع و الهّان و التجار‬
‫صنف‪ -‬فل يكوننّ بإصلح جسده أشدّ اهتماما منه بإحياء تلك الال‪ ،‬و تفتيش ما يدث فيها من الدخلت [‪ ،]5‬و ل يكوننّ‬
‫لنتقاله عن اللك بأجزع منه من انتقال صنف من هذه الصناف إل غي مرتبته‪ .‬لنّ تنقّل الناس عن مراتبهم سريع ف نقل اللك‬
‫عن ملكه‪ :‬إمّا إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غرر به‪ :‬عرّضه للهلكة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬خلت به‪ :‬خادعته‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬العادية النافسة‪ ،‬و إن التمس سدّ الثور بالعامة الاسدة و ل يعد‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الدخلت‪ :‬النيات‪ .‬دخلة المر‪ :‬بطانته‪ .‬الدخلة‪ :‬الذهب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪132 :‬‬
‫خلع‪ ،‬و إمّا إل فتك‪ .‬فل يكوننّ من شيء من الشياء أوحش بتّة [‪ ]1‬من رأس صار ذنبا‪ ،‬أو ذنب صار رأسا‪ ،‬أو يد مشغولة‬
‫أحدثت فراغا‪ ،‬أو كري ضرير‪ ،‬أو لئيم مرح‪ .‬فانّه يتولّد من تنقّل الناس عن حالتم‪ ،‬أن يلتمس كلّ امرئ منهم أشياء فوق‬
‫مرتبته‪ ]111[ .‬فإذا انتقل أو شك أن يرى أشياء أرفع ما انتقل إليه‪ ،‬فيغبط و ينافس‪ .‬و قد علمتم أنّ من الرعيّة أقواما هم أقرب‬
‫الناس من اللوك حال‪ .‬و ف تنقّل الناس عن حالتم مطمعة للذين يلون اللوك ف اللك‪ ،‬و مطمعة للذين دون الذين يلون اللوك‬
‫ف تلك الال‪ ،‬و هذا لقاح بوار اللك‪.‬‬
‫ «و من ألفى منكم الرعيّة و قد أضيع [‪ ]2‬أوّل أمرها‪ ،‬فألفاها ف اختلف من الدين‪ ،‬و اختلف [‪ ]3‬من الراتب‪ ،‬و ضياع‬‫من العامّة‪ ،‬و كانت به على الكاثرة قوّة‪ ،‬فليكاثر [‪ ]4‬بقوّته ضعفهم‪ ،‬و ليبادر بالخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالخذ بكظمه [‬
‫‪ ،]5‬و ل يقولنّ‪:‬‬
‫أخاف العسف [‪ .]6‬فإنّما ياف العسف من ياف جريرة العسف على نفسه‪ ،‬فأمّا إذا كان العسف لبعض الرعيّة صلحا لبقيّتها‪،‬‬
‫و راحة له و لن بقي معه من الرعيّة‪ ،‬من النغل [‪ ]7‬و الدغل و الفساد‪ ،‬فل يكوننّ إل شيء بأسرع منه إل [‪ ]112‬ذلك‪ ،‬فإنّه‬
‫ليس نفسه و ل أهل موافقته يعسف‪ ،‬و لكنّما [‪ ]8‬يعسف عدوّه‪.‬‬
‫ «و من ألفى منكم الرعيّة ف حال فسادها‪ ،‬و ل ير بنفسه عليها‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بتّة‪ :‬قطعا‪ .‬غ‪ :‬منه بدل‪ :‬بتّة‪ .‬مط‪ :‬نية‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬ضاع‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬و اختلل‪.‬‬
‫[‪ .]4‬كاثره‪ :‬غالبه بالكثرة‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أخذ بكظمه‪ :‬كربه و غمّه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬العسف‪ :‬الظلم‪.‬‬
‫[‪ .]7‬النغل‪ :‬الفساد بي القوم‪ .‬نغلت نيته‪ :‬ساءت‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬و لكنه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪133 :‬‬
‫قوّة ف [إ] صلحها [‪ ،]1‬فل يكوننّ لقميص قمل [‪ ]2‬بأسرع خلعا منه لا لبس من ذلك اللك‪ ،‬و ليأته البوار‪ -‬إذا أتاه‪ -‬و هو‬
‫غي مذكور بشؤم‪ ،‬و ل منوّه به ف دنياه [‪ ،]3‬و ل مهتوك به ستر ما ف يديه‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن فيكم من يستريح إل اللهو و الدعة‪ ،‬ث يدي من ذلك ما يورثه خلقا و عادة‪ .‬فيكون ذلك لقاح ج ّد ل لو فيه‪،‬‬‫و تعب ل خفض [‪ ]4‬فيه [‪ ،]5‬مع الجنة ف الرأى و الفضيحة ف الذكر‪ .‬و قد قال الولون منّا‪ :‬لو رعيّة الصدق بتقريظ‬
‫اللوك‪ ،‬و لو ملوك الصدق بالتودّد إل الرعيّة‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن من شاء منكم ألّا يسي بسية إلّا [‪ ]6‬قرّظت له فعل‪ ،‬و من شاء منكم بعث العيون على نفسه فأذكاها‪ ،‬فلم‬‫تكن الناس بعيب نفوسهم بأعلم منه بعيبه‪.‬‬
‫ «ث إنه ليس منكم [‪ ]113‬ملك إلّا كثي الذكر لن يلي المر بعده‪ ،‬و من فساد الرعيّة [‪ ]7‬نشر أمور ولة العهود‪ ،‬فإنّ ف‬‫ذلك من الفساد أنّ أوّله دخول عداوة مضّة [‪ ]8‬بي اللك‪ ،‬و ول عهده‪ ،‬و ليس يتعادى متعاديان بأش ّد من أن يسعى ك ّل واحد‬
‫منهما ف قطع سؤل [‪ ]9‬صاحبه‪ .‬و هكذا اللك‪ ،‬و ول عهده‪ :‬ل يس ّر الرفع أن يعطى الوضع سؤله ف فنائه‪ .‬و ل يس ّر هذا‬
‫الوضع أن يعطى الخر سؤله ف البقاء‪ ،‬و مت يكن فرح أحدها ف الراحة من صاحبه‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬المزة‪ ،‬زدناها‪.‬‬
‫[‪ .]2‬القميص قمل إذا كثر عليه القمل‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬دناءة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الفض‪ :‬لي العيش وسعته‪.‬‬
‫[‪ .]5‬غ‪ :‬معه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬بدون «إلّا»‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬اللك‪.‬‬
‫[‪ .]8‬أمضّه المر‪ :‬أخرقه و ش ّق عليه‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪ :‬شوكة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪134 :‬‬
‫تدخل كل واحد منهما وحشة من صاحبه ف طعامه و شرابه‪ ،‬و مت تداينا [‪ ]1‬بالتهمة‪ ،‬يتّخذ ك ّل واحد منهما [أحبّاء و أخدانا‬
‫و أهل‪ ،‬ث يدخل ك ّل واحد منهما] [‪ ]2‬و غر [‪ ]3‬على أحبّاء صاحبه‪ .‬ث تنساق المور إل هلك أحدها لا ل ب ّد منه من‬
‫الفناء‪ ،‬فتفضى المور إل الخر و هو حنق على جيل من الناس‪ ،‬يرى أنه موتور إن ل يرمهم و يضعهم‪ ،‬و ينل بم الت كانوا‬
‫يريدون إنزالا به لو ولوا‪.‬‬
‫فإذا وضع بعض الرعية و أسخط بعضا على هذه الهة‪ ]114[ ،‬تولّد من ذلك ضغن و سخط من الرعيّة‪ ،‬ث ترامى ذلك إل‬
‫بعض ما أحذر عليكم بعدي‪ .‬و لكن ليختر الوال منكم للّه‪ ،‬ث للرعيّة‪ ،‬ث لنفسه‪ ،‬وليّا للعهد من بعده‪ّ ،‬ث ليكتب اسه ف أربع‬
‫صحائف‪ ،‬فيختمها باته‪ ،‬فيضعها عند أربعة نفر [‪ ]4‬من خيار أهل الملكة‪ .‬ث ل يكوننّ [‪ ]5‬منه ف س ّر و ل ف علنية أمر‬
‫يستدلّ به على ولّ ذلك العهد‪ ،‬ل ف إدناء و تقريب يعرف به‪ ،‬و ل ف إقصاء و تنكّب يستراب له‪ ،‬و ليتّق ذلك ف اللحظة و‬
‫الكلمة‪ .‬فإذا هلك‪ ،‬جعت تلك الكتب الت عند الرهط الربعة‪ ،‬إل النسخة الت عند اللك‪ ،‬ففضضن جيعا‪ ،‬ث نوّه بالذي وضع‬
‫اسه ف جيعهن‪ .‬فيلقى اللك‪ -‬إذا لقيه‪ -‬بداثة عهده بال السوقة [‪ ،]6‬فلبس ذلك اللك‪ -‬إذا لبسه‪ -‬ببصر السوقة‪ ،‬و سعها‪،‬‬
‫و رأيها‪ .‬فإ ّن ف سكر السلطان الذي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تداينا‪ :‬تاكما‪.‬‬
‫[‪ .]2‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الوغر و الوغر‪ :‬القد و الضغن و العداوة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬النفر‪ :‬الماعة من الرجال من ثلثة إل عشرة أنفار‪ .‬و يقال‪ :‬ثلثة نفر‪ ،‬أو‪ :‬ثلثة أنفار‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل‪ :‬ل يكون‪ .‬و نون التأكيد من غ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬السوقة للمفرد و المع‪ :‬الرعية‪ ،‬و يقال للجمع‪ :‬سوق كغرف‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪135 :‬‬
‫سيناله [‪ ،]1‬ما يكتفى به له [‪ ]2‬من سكر ولية العهد مع سكر اللك‪.‬‬
‫فيص ّم و يعمى قبل لقاء اللك لصمم اللوك و عماهم‪ ،‬ث يلقى اللك‪ ،‬فيزيده صمما و عمى مع ما يلقى ف ولية [‪ ]115‬العهد‬
‫من بطر السلطان‪ ،‬و حيلة العتاة‪ ،‬و بغى الكذّابي و [ترقية] [‪ ]3‬النمّامي و تميل الوشاة بينه و بي من فوقه‪.‬‬
‫ «ث اعلموا أنّه ليس للملك [أن يبخل‪ ،‬لنه ل ياف الفقر‪ ،‬و ليس له] [‪ ]4‬أن يكذب‪ ،‬لنه ل يقدر أحد على استكراهه‪ ،‬و‬‫ليس له أن يغضب‪ ،‬ل ّن الغضب و العداوة لقاح الش ّر و الندامة‪ ،‬و ليس له أن يلعب و ل يعبث‪ ،‬ل ّن العبث و اللعب من عمل‬
‫الفرّاغ‪ ،‬و ليس له أن يفرغ‪ ،‬ل ّن الفراغ من أمر السّوق‪ ،‬و ليس له أن يسد إلّا ملوك المم على حسن التدبي‪ ،‬و ليس له أن‬
‫ياف‪ ،‬لنّ الوف من العور [‪ ،]5‬و ليس له أن يتسلّط‪ ،‬إذ هو معور [‪.]6‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن زين اللوك‪ ،‬ف استقامة الال‪ :‬أن ل تتلف منه ساعات العمل و الباشرة‪ ،‬و ساعات الفراغ و الدعة‪ ،‬و ساعات‬‫الركوب و النهة‪ ،‬فإ ّن اختلفها منه خفّة‪ ،‬و ليس للملك أن يفّ‪.‬‬
‫ «اعلموا أنّكم لن تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن و الزراء عليكم‪ ،‬و ل قدرة بكم [‪ ]7‬على أن تعلوا القبيح حسنا‬‫[‪.]116‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪« :‬بينّاه»‪ ،‬بدل «سيناله»‪ .‬مط‪ :‬نسبنا له‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬بدون «له»‪.‬‬
‫[‪ .]3‬رقى ف الديث‪ :‬زاد فيه‪ .‬مط‪« :‬و تتبع الكذابي» بدل «و ترقية النمامي»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ما بي [] زيادة من غ‪ ،‬و رسائل البلغاء‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬العوز‪ .‬غ‪ :‬من أمر العور‪ .‬رجل معور‪ :‬قبيح السية‪ .‬أعور الرجل و الرأة‪ :‬بدت عورتما‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪ :‬إن هو أعور‪ .‬مط‪ :‬إذ هو معوز‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬لكم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪136 :‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن لباس اللك و مطعمه مقارب للباس السوقة و مطعمهم‪ ،‬و بالرىّ أن يكون فرحهما با نال من ذلك واحدا‪.‬‬‫و ليس فضل اللك على السوقة إلّا بقدرته على اقتناء الحامد و استفادة الكارم‪ .‬فإ ّن اللك إذا شاء أحسن‪ ،‬و ليس السوقة‬
‫كذلك‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّه يقّ على اللك منكم أن يكون ألطف ما يكون نظرا‪ ،‬أعظم ما يكون خطرا‪ ،‬و ألّا يذهب حسن أثره ف الرعيّة‬‫خوفه لا‪ ،‬و ألّا يستغن بتدبي اليوم عن تدبي غد‪ ،‬و أن يكون حذره للملقي أش ّد من حذره للمباعدين‪ ،‬و أن يتّقى بطانة السوء‬
‫أش ّد من اتّقائه عامّة السوء‪ ،‬و ل يطمع ّن ملك ف إصلح العامّة إذا ل يبدأ بتقوي الاصّة‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّ لكل ملك بطانة‪ ،‬و أنّ لكل رجل من بطانته بطانة‪ ،‬ث لك ّل امرئ من بطانة البطانة بطانة‪ ،‬حت يتمع ف ذلك‬‫[جيع] [‪ ]1‬أهل الملكة! فإذا أقام اللك بطانته على حال الصواب‪ ،‬أقام كل امرئ منهم بطانته [‪ ]117‬على مثل ذلك حت‬
‫يتمع على الصلح عامّة الرعيّة‪.‬‬
‫ «اعلموا أنّ اللك منكم قد تون عليه العيوب‪ ،‬لنّه ل يستقبل با إن [‪ ]2‬عملها حت يرى أنّ الناس يتكاتونا بينهم‬‫كمكاتتهم إيّاه تلك العيوب‪ .‬و هذا من البواب الداعية إل طاعة الوى‪ ،‬و طاعة الوى داعية إل غلبته‪ ،‬فإذا غلب الوى اشتدّ‬
‫علجه من السوقة الغلوب [‪ ]3‬فضل عن اللك الغالب‪.‬‬
‫ «اتّقوا بابا واحدا طالا أمنته فضرّن‪ ،‬و حذرته فنفعن‪ :‬احذروا‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ما ف [] زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪ :‬و إن (بزيادة الواو)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬يبدو أنّ تذكي الصفة باعتبار معن «السوقة» الفرد‪ .‬ف مط أيضا‪ :‬الغلوب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪137 :‬‬
‫إفشاء السرّ عند الصغار من أهليكم و خدمكم‪ ،‬فانّه ل يصغر أحد منهم [عن] [‪ ]1‬حل ذلك السرّ كامل! ل يقول منه شيئا‬
‫حت يضعه حيث تكرهون‪ ،‬إمّا سقطا و إما غشّا [‪ ،]2‬و السقط أكثر ذلك‪ .‬اجعلوا حديثكم لهل الراتب‪ ،‬و حباءكم [‪ ]3‬لهل‬
‫الهاد‪ ،‬و بشركم لهل الدين‪ ،‬و سرّكم عند من يلزمه خي ذلك و شرّه و زينه و شينه‪« ]118[ .‬و اعلموا أنّ صحة الظنون‬
‫مفاتيح اليقي‪ ،‬و أنكم ستستيقنون من بعض رعيّتكم بي و شرّ‪ ،‬و ستظنّون ببعضهم خيا و شرّا‪ ،‬فمن استيقنتم منه بالي و‬
‫الشرّ‪ ،‬فليستيقن منكم بما‪ ،‬و من ظننتموها به [‪ ،]4‬فليظنّهما بكم ف أمره‪ ،‬فعند ذلك يبدو من الحسن إحسانه‪ ،‬فيخالف الظنّ‬
‫فيغتبط [‪ ،]5‬و من السيء إساءته‪ ،‬فيصدق الظنّ به فيندم‪.‬‬
‫«و اعلموا أنّ للشيطان ف ساعات من الدهر طمعا ف السلطان عليكم‪ ،‬منها‪ :‬ساعات الغضب و الرص و الزهو‪ ،‬فل تكونوا له‬
‫ف شيء من ساعات الدهر أشدّ قتال منكم عندهنّ حتّى يتقشّعن‪.‬‬
‫و كان يقال‪ :‬اتّق مقارنة الريص الغادر‪ ،‬فإنّه إن رءاك ف القرب‪ ،‬رأى منك أخبث حالتك‪ ،‬و إن رءاك ف الفضول‪ ،‬ل يدعك و‬
‫فضولك‪.‬‬
‫أسعدوا [‪ ]6‬الرأى على الوى‪ ،‬فإ ّن ذلك تليك للرأى‪ .‬و اعلموا أنّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪« :‬على» و ل ند لا وجها من الصحة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الغشّ‪ :‬اسم للغش‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الباء‪ :‬العطاء‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬منه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬فيسقط‪.‬‬
‫[‪ .]6‬أسعدوا‪ :‬ساعدوا‪ .‬غ‪ :‬استعدوا‪ :‬استعينوا‪( .‬الول من السعاد و الثان من الستعداء)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪138 :‬‬
‫من شأن الرأى الستخذاء [‪ ]1‬للهوى‪ ،‬إذا جرى الوى على عادته‪.‬‬
‫و قد عرفنا [‪ ]119‬رجال كان الرجل منهم يؤنس من قوّة طباعه‪ ،‬و نبالة رأيه ما تريه نفسه أنّه على إزاحة الوى عنه‪ ،‬و إن‬
‫جرى على عادته‪ ،‬و معاودته الرأى‪ ،‬و إن طال به عهده قادر‪ ،‬لثقة يدها بقوّة الرأى‪ .‬فإذا تكّن الوى منه‪ ،‬فسخ عزم رأيه‪ ،‬حت‬
‫يسمّيه كثي من الناس ناقصا ف العقل‪ .‬فأمّا البصراء فيستبينون من عقله عند غلبة الوى عليه ما يستبان من الرض الطيّبة‬
‫الوات‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن ف الرعية صنفا من الناس هم بإساءة الوال أفرح منهم بإحسانه‪ ،‬و إن كان الوال ل يترهم‪ ،‬و كان الزمان ل‬‫ينكبهم‪ ،‬و ذلك لستطراف حادثات الخبار‪ ،‬فإ ّن استطراف الخبار معروف من أخلق حشو الناس‪ .‬ثّ ل طرفة عندهم فيما‬
‫اشتهر‪ ،‬فجمعوا ف ذلك سرور ك ّل عدو لم و لعامّتهم مع ما و تروا به أنفسهم و ولتم‪.‬‬
‫فل دواء لولئك إلّا بالشغال‪ .‬و ف الرعية صنف و تروا [‪ ]2‬الناس [‪ ]120‬كلّهم و هم الذين قووا على جفوة الولة‪ ،‬و من‬
‫قوى على جفوتم فهو غي سا ّد ثغرا و ل مناصح [‪ ]3‬إماما‪ ،‬و من غشّ المام فقد غشّ العامّة و إن ظنّ أنه للعامة مناصح‪ ،‬و‬
‫كان يقال‪ :‬ل ينصح عمل من غشّ عامله‪.‬‬
‫ «و ف الرعيّة صنف تركوا إتيان اللوك من قبل أبوابم و أتوهم من قبل وزرائهم‪ .‬فليعلم اللك منكم أنّ من أتاه من قبل بابه‬‫فقد آثره بنصيحته [‪ ]4‬إن كانت عنده‪ ،‬و من أتاه من قبل وزرائه فهو موثر للوزير على اللك ف جيع ما يقول و يفعل‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬استخذى له‪ :‬انقاد و اتّضع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬ضروب و تروا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬بدون «ل»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬بنصيحة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪139 :‬‬
‫ «و ف الرعيّة صنف دعوا إل أنفسهم الاه‪ ،‬بالباء و الردّ له‪ ،‬و وجدوا ذلك عند الغفّلي نافقا [‪ ،]1‬و ربّما قرّب اللك‬‫الرجل من أولئك لغي نبل ف رأى‪ ،‬و ل إجزاء [‪ ]2‬ف العمل‪ ،‬و لكن الباء و الردّ أغرياه به [‪.]3‬‬
‫ «و ف الرعيّة صنف أظهروا التواضع‪ ،‬و استشعروا الكب‪.‬‬‫فالرجل منهم يعظ اللوك زاريا عليهم بالوعظة‪ ،‬يد ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم [‪ ]121‬و يسمّى هو ذلك‪ -‬و كثي من‬
‫معه‪ -‬ترّيا [‪ ]4‬للدين‪ .‬فإن أراد اللك هو انم ل يعرف لم ذنبا يهانون عليه [‪ ،]5‬و إن أراد إكرامهم فهي منلة حبوا با‬
‫أنفسهم على رغم اللوك‪ ،‬و إن أراد إسكاتم كان السماع ف ذلك أنّه استثقل ما عندهم من حفظ الدين‪ ،‬و إن أمروا بالكلم‬
‫قالوا [ما يفسد و ل يصلح] [‪ .]6‬فأولئك أعداء الدول و آفات اللوك‪ .‬فالرأى للملوك تقريبهم من الدنيا‪ ،‬فإنّهم إليها أجروا [‬
‫‪ ،]7‬و فيها [‪ ]8‬عملوا‪ ،‬و لا سعوا‪ ،‬و إيّاها أرادوا‪ .‬فإذا تلوّثوا [‪ ]9‬فيها بدت فضائحهم‪ ،‬و إلّا فإنّ فيما يدثون ما يعل‬
‫للملوك سلّما إل سفك دمائهم‪ .‬و كان بعض اللوك يقول‪ :‬القتل أقلّ للقتل‪.‬‬
‫ «و ف الرعيّة صنف أتوا اللوك من قبل النصائح لم‪ ،‬و التمسوا صلح منازلم بإفساد منازل الناس‪ .‬فأولئك أعداء الناس و‬‫أعداء‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬نافعا‪ .‬نفقت السوق‪ :‬قامت و راجت تارتا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الجزاء‪ :‬الكفاية و الغناء‪.‬‬
‫[‪ .]3‬به‪ :‬الصل مطموس‪ ،‬و الثبت من غ‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬مرزا‪.‬‬
‫[‪ .]5‬و ف غ‪ :‬به‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الضبط من غ‪ ،‬و ف الصل‪ :‬إنا نفسد و ل نصلح‪ .‬و ف رسائل البلغاء‪ :‬و إن أطلق لسانه‪ ،‬قال بوعظه بي الل ما أفسد‬
‫حال الدولة‪.‬‬
‫[‪ .]7‬أجرى إل الشيء‪ :‬قصده‪.‬‬
‫[‪ .]8‬غ‪ :‬لا‪.‬‬
‫[‪ .]9‬مط‪ :‬تكونوا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪140 :‬‬
‫اللوك‪ ،‬و من عادى اللوك و جيع الرعيّة‪ ،‬فقد عادى نفسه‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن الدهر [‪ ]122‬حاملكم على طبقات‪ ،‬منهنّ‪ :‬حال السخاء حت تدنو من السرف‪ ،‬و منهن‪ :‬حال التقتي [‪]1‬‬‫حت تقرب من البخل‪ ،‬و منهنّ‪ :‬حال الناة‪ ،‬حت تصي إل البلدة‪ ،‬و منهنّ‪ :‬حال الناهزة للفرصة حت تدنو من الفّة‪ ،‬و منهنّ‬
‫حال الطلّاقة ف اللسان حت تدنو من الذر‪ ،‬و منهنّ‪ :‬حال الخذ بكم الصمت حت تدنو من العىّ‪ ،‬فاللك منكم جدير أن يبلغ‬
‫من ك ّل طبقة ف ماسنها حدّها‪ ،‬فإذا وقف على الدود الت ما وراءها سرف‪ ،‬ألم نفسه عمّا وراءها‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن اللك منكم ستعرض له شهوات ف غي ساعاتا‪ .‬و اللك إذا قدّر ساعة العمل‪ ،‬و ساعة الفراغ‪ ،‬و ساعة الطعم‪،‬‬‫و ساعة الشرب‪ ،‬و ساعة الفضيلة [‪ ،]2‬و ساعة اللهو‪ ،‬كان جديرا ألّا يعرف منه [‪ ]3‬الستقدام بالمور‪ ،‬و ل الستيخار عن‬
‫ساعاتا‪ .‬فإنّ اختلف ذلك يورث مضرّتي‪ :‬إحداها السخف‪ ،‬و هي أشدّ المرين‪ ]123[ ،‬و الخرى نقص السد‪ ،‬بنقص‬
‫أقواته و حركاته‪.‬‬
‫ «و اعلموا أ ّن من ملوككم من سيقول‪ :‬ل الفضل على من كان قبلي من آبائي و عمومت و من ورثت عنه هذا المر‪ ،‬لبعض‬‫الحسان يكون منه‪ .‬فإذا قال ذلك‪ ،‬سوعد [‪ ]4‬عليه بالتابعة [‪ ]5‬له‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪ :‬حال القتصاد‪ .‬قتّر على عياله‪ :‬بل‪ ،‬و ضيّق عليهم ف النفقة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬الفضلة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬بدون «منه»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬و سوعد‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬بالبايعة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪141 :‬‬
‫فليعلم ذلك اللك و التابعون [‪ :]1‬إنا [‪ ]2‬وضعوا أيديهم و ألسنتهم ف قصب [‪ ]3‬آبائه من اللوك و هم ل يشعرون‪ .‬و‬
‫ى أن يشعر بعض التابعي له فيغمّض [‪ ]4‬على ما ل يزنه من ذلك‪.‬‬
‫لبالر ّ‬
‫ «و اعلموا أ ّن ابن اللك و أخاه و عمّه [‪ ]5‬و ابن عمّه كلّهم يقول‪:‬‬‫ى ألّا أموت حت أكون ملكا‪ ،‬فإذا قال ذلك‪ ،‬قال ما ل يسرّ اللك‪ .‬فإن كتمه‪ ،‬فالداء ف كلّ‬
‫كدت أن أكون ملكا‪ ،‬و بالر ّ‬
‫مكتوم‪ ،‬و إن أظهره كلم [‪ ]6‬ف قلب اللك كلما [‪ ]7‬يكون لقاحا للتباين و التعادي‪.‬‬
‫و ستجدون [‪ ]8‬القائل ذلك من التابعي و الحتملي [‪ ]9‬و التمنّي‪ ،‬ما تنّى لنفسه ما يريده [‪ ،]10‬إلّا [‪ ]124[ ]11‬ما‬
‫اشتاق إليه شوقا‪ .‬فإذا تكّن ف صدره المل‪ ،‬ل يرج النيل له‪ ،‬إلّا ف اضطراب من البل [‪ ،]12‬و زعزعة تدخل على اللك و‬
‫أهل الملكة‪ .‬فإذا تنّى ذلك فقد جعل الفساد سلّما إل الصلح‪ ،‬و ل يكن الفساد سلّما إل صلح قطّ‪ .‬و قد رست لكم ف ذلك‬
‫مثال ل مرج لكم منه إلّا به‪.‬‬
‫اجعلوا أولد اللك من بنات عمومتهم‪ّ .‬ث ل يصلح من أولد بنات العمام‪ ،‬إلّا كامل غي سخيف العقل‪ ،‬و ل عازب الرأى‪ ،‬و‬
‫ل ناقص الوارح‪ ،‬و ل معيوب عليه ف الدين‪ .‬فإنّكم إذا فعلتم ذلك‪ ،‬ق ّل طلّاب اللك‪ ،‬و إذا ق ّل طلّابه استراح ك ّل امرئ على‬
‫جديلته‪ ،‬و عرف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬البالغون‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بدون «إنا»‪.‬‬
‫[‪ .]3‬قصبه‪ :‬شتمه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬غ‪ :‬فيغضى‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪« :‬و ابن أخى اللك» بدل «عمه و ابن عمه»‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الكلم‪ :‬الرح‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬كلّ ما‪.‬‬
‫[‪ .]8‬ف الصل‪ :‬و ستجد‪ .‬غ‪ :‬و ستجدون‪.‬‬
‫[‪ .]9‬غ‪« :‬و الخيلي له» بدل «الحتملي و التمني»‪.‬‬
‫[‪ .]10‬غ‪ :‬ما يزيده‪.‬‬
‫[‪ .]11‬ف الصل و مط‪ :‬إل‪ ،‬و التصحيح من غ‪.‬‬
‫[‪ .]12‬البل‪ :‬العهد و الذمة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪142 :‬‬
‫حاله [‪ ،]1‬و غضّ بصره‪ ،‬و رضى بعيشته و استطاب زمانه‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّه سيقول قائل من عرض [‪ ]2‬رعيّتكم‪ ،‬أو من ذوى قرابتكم‪ :‬ما لحد عل ّى فضل و [‪ ]3‬لو كان ل ملك ‪،..‬‬‫فإذا قال ذلك فإنّه قد تنّى اللك [‪ ]4[ ]125‬و هو ل يشعر‪ ،‬و يوشك أن يتمنّاه بعد ذلك و هو يشعر‪ .‬فل يرى ذلك من رأيه‬
‫خطل [‪ ،]5‬و ل من فعله زلل‪ ،‬و إنّما يستخرج ذلك فراغ القلب و اللسان مّا يكلّف أهل الدين و الكتّاب و السّاب‪ ،‬أو‬
‫فراغ اليد مّا يكلّف الساورة‪ ،‬أو فراغ البدن ما يكلّف التجّار‪ ،‬و الهنة‪ ،‬و الدم‪ .‬و اعلموا أنّ اللك و رعيّته جيعا ي ّق عليهم ألّا‬
‫يكون للفراغ عندهم موضع‪ ،‬فإنّ التضييع ف فراغ اللك‪ ،‬و فساد الملكة ف فراغ الرعيّة‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّا على فضل قوّتنا‪ ،‬و إجابة المور إيّانا‪ ،‬و حدّة دولتنا‪ ،‬و شدة بأس أنصارنا‪ ،‬و حسن نيّة وزرائنا‪ ،‬ل نستطع‬‫إحكام تفتيش الناس‪ ،‬حت بلغنا من الرعيّة مكروهها‪ ،‬و من أنفسنا مهودها‪.‬‬
‫ «و اعلموا أنّه ل ب ّد من سخط سيحدث منكم على بعض أعوانكم العروفي بالنصيحة لكم‪ ،‬و ل ب ّد من رضى سيحدث لكم‬‫ش لكم‪ ،‬فل تدثوا‪ ،‬عند ما يكون من ذلك‪ ،‬انقباضا عن العروف [‪ ]126‬بالنصيحة‪ ،‬و ل‬
‫من بعض أعدائكم العروفي بالغ ّ‬
‫استرسال إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬غ‪« :‬و اقتصر على ما يليه‪ ،‬و استكثر كل امرئ حاله» بدل «على جديلته و عرف حاله»‪ .‬الديلة‪:‬‬
‫الطريقة‪ ،‬و الشاكلة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬هو من عرض الناس‪ :‬من العامة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬بدون «و»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬حصل تقدي و تأثي بي صفحت ‪ 125‬و ‪ 126‬من مصورة ليدن‪ ،‬فصححناه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الطل‪ :‬المق‪ .‬النطق الضطرب الفاسد‪ .‬الكلم الكثي الفاسد‪ .‬الطول و الضطراب يكون ف النسان و الرمح و الفرس‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪143 :‬‬
‫العروف بالغشّ‪.‬‬
‫ «قد خلّفت لكم رأي‪ ،‬إذ ل أستطع تليف بدن‪ ،‬و قد حبوتكم با حبوت به نفسي و قضيت حقّكم فيما آسيتكم به من رأى‪.‬‬‫فاقضوا حقّى بالتشفيع ل ف صلح أنفسكم و التمسك بعهدي إليكم‪ .‬فإنّى قد عهدت إليكم عهدي‪ ،‬و فيه صلح جيع ملوككم‬
‫و عامّتكم و خاصّتكم‪ .‬و لن تضيعوا ما احتفظتم با رست لكم ما ل تصنعوا [‪ ]1‬غيه‪ .‬فإذا تسّكتم به‪ ،‬كان علمة ف بقائكم ما‬
‫بقي الدهر‪.‬‬
‫ «و لول اليقي بالبوار النازل على رأس اللف من السني [‪ ،]2‬لظننت أنّى قد خلّفت فيكم ما إن تسّكتم به‪ ،‬كان علمة ف‬‫بقائكم الدهر‪ .‬و لكن القضاء إذا جاءت أيّامه‪ ،‬أطعتم أهواءكم‪ ،‬و استثقلتم ولتكم‪ ،‬و أمنتم و تنقّلتم عن مراتبكم و عصيتم‬
‫خياركم [و أطعتم شراركم] [‪ ،]3‬و كان أصغر ما تطئون فيه سلّما إل أكب منه حت تفتقوا ما رتقنا‪[ ،‬و توهوا ما وثّقنا] [‪،]4‬‬
‫و تضيعوا ما حفظنا‪ .‬و القّ [‪ ]5‬علينا و عليكم [‪ ]127‬ألّا نكون [‪ ]6‬للبوار أغراضا‪ ،‬و ف الشؤم أعلما‪ .‬فإنّ الدهر إذا أتى‬
‫بالذي تنتظرون‪ ،‬اكتفى بوحدته [‪ .]7‬و نن ندعو ال لكم بنماء النلة‪ ،‬و بقاء الدولة‪ ،‬دعوة ل يفنيها فناء قائلها حتّى النقلب [‬
‫‪ ،]8‬و نسأل ال الذي عجّل بنا و خلّفكم‪ ،‬أن يرعاكم رعاية يرعى با ما تت أيديكم [و أن يرفعكم رفعة يضع با من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ما ل تضعوا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬غ‪ :‬ألف سنة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬غ‪ :‬و يق‪.‬‬
‫[‪ .]6‬نكون‪ :‬من غ‪ .‬و ف الصل‪ :‬ألّا تكونوا‪.‬‬
‫[‪ .]7‬غ‪ :‬حدّته (بالتشديد)‪.‬‬
‫[‪ .]8‬النقلب‪ :‬العاد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪144 :‬‬
‫عاداكم] [‪ ،]1‬و يكرمكم كرامة يهي با من ناوأكم‪ .‬و نستودعكم ال وديعة يكفيكم با الدهر الذي يسلّمكم إل [‪ ]2‬زياله [‬
‫‪ ]3‬و غيه [و عثراته] [‪ ]4‬و عداوته‪ ،‬و السلم على أهل الوافقة مّن يأتى عليه العهد [‪ ]5‬من المم الكائنة بعدي [‪».]6‬‬

‫ث انتهى اللك إل سابور بن أردشي [‪]7‬‬
‫فمن وجوه الكائد الغريبة [‪ ]8‬ما تّ على رجل من الرامقة [‪ ]9‬يقال له‪:‬‬
‫الساطرون‪ ،‬و هو الذي تسمّيه العرب‪ :‬الضيزن‪ ،‬و كان ينل ببال تكريت بي دجلة و الفرات ف مدينة يقال لا‪ :‬الضر [‪.]10‬‬
‫و زعم هشام بن الكلب أنّه من العرب من قضاعة‪ ،‬و أنّه ملك أرض الزيرة‪ ،‬و كان معه من قبائل قضاعة [‪ ]128‬ما ل يصى‪،‬‬
‫و بلغ ملكه الشام‪.‬‬
‫ث إنه تطرّف [‪ ]11‬بعض السواد ف غيبة لسابور إل ناحية خراسان‪ .‬فلمّا قدم من غيبته‪ ،‬شخص إليه حت أناخ على حصنه‪ ،‬و‬
‫تصّن الضيزن‪ ،‬كما قال العشى ميمون بن قيس‪ ،‬سنتي‪ ،‬ل يقدر سابور على الوصول إليه‪ ،‬و هو قوله‪:‬‬
‫أل تر للحضر إذ أهله * بنعمى‪ ،‬و هل خالد من نعم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬من مط‪ .‬و ما ف الصل‪ :‬إلّا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غ‪ :‬زواله‪ .‬الزيال‪ :‬الفراق‪.‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من غ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬غ‪ :‬هذا العهد‪.‬‬
‫[‪ .]6‬غ‪ :‬بعدي إل يوم القيامة‪.‬‬
‫[‪ .]7‬أنظر الطبي (‪.)823 :2‬‬
‫[‪ .]8‬ف الصل و مط‪« :‬القريبة»‪.‬‬
‫[‪ .]9‬جع مفرده‪ :‬الرمقان‪ .‬قوم من العجم هبطوا الوصل أوائل السلم‪.‬‬
‫[‪ .]10‬الضر‪ :‬باليونانية حترا (هترا)‪ :‬شيّدها الفرتيّون على بعد أربعة كيلو مترات من وادي الثرثار بي دجلة و الفرات ف‬
‫القرن الول‪ ،‬كانت حصنا دفاعيا لم ضد التوسع الرومان و مركزا تاريا (ل‪ ،‬مع‪ ،‬أم)‪.‬‬
‫[‪ .]11‬مط‪ :‬تطرق‪ .‬ف الطبي‪ :‬تطرّف السواد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪145 :‬‬
‫أقام به شاهبور النو * د [‪ ]1‬حولي يضرب فيه القدم [‪]2‬‬
‫و كان للضيزن هذا ابنة يقال لا‪ :‬النضية‪ ،‬عركت [‪ ]3‬فأخرجت إل ربض الدينة‪ -‬و كذلك كان يفعل بالنساء إذا عركن‪ -‬و‬
‫كانت من أجل نساء زمانا‪ ،‬و كان سابور أيضا من أجل رجال زمانه‪ .‬فاطّلعت عليه يوما‪ ،‬فرأته‪ ،‬فعشقته‪ ،‬و أرسلت إليه‪:‬‬
‫ «ما تعل ل‪ ،‬إن دللتك على ما تدم به سور هذه الدينة‪ ،‬و تقتل أب؟» قال‪:‬‬‫ «حكمك‪ ،‬و أرفعك على نسائي‪ ،‬و أخصّك بنفسي دونن»‪.‬‬‫فاحتالت للحرس حت سقتهم المر و صرعتهم‪ ،‬و أظهرت علمة ذلك لسابور‪.‬‬
‫فنصب للسور حت [تسوّر] [‪ ]4‬و فتحها عنوة [‪ ،]129‬و قتل الرس و الضيزن‪ ،‬و أباد قضاعة الذين كانوا مع الضيزن‪ ،‬فلم‬
‫يبق منهم باق يعرف إل اليوم‪ ،‬و أخرب سابور الدينة‪ ،‬و ف ذلك يقول عمرو بن إله‪:‬‬
‫أل يزنك و النباء تنمى * با لقت سراة بن العبيد‬
‫و مصرع ضيزن و بن أبيه * و أحلس الكتائب من تزيد [‪]5‬‬
‫أتاهم بالفيول ملّلت * و بالبطال سابور النود‬
‫فهدّم من أواسى الصن صخرا * كأ ّن ثفاله زبر الديد‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و العرب تلقّبه‪ :‬سابور النود (السعودي ‪.)113 :1‬‬
‫[‪ .]2‬ف بعض الصول‪ :‬القمم‪ .‬و البيات تدها ستة ف الطبي (‪.)828 :2‬‬
‫[‪ .]3‬عركت‪ :‬حاضت‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل غموض‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪ .‬تسوّر السور أو الائط‪ :‬صعد عليه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬من تزيد بن حلوان (الطبي ‪.)829 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪146 :‬‬
‫و احتمل سابور النضية بنت الضيزن‪ ،‬فأعرس با بعي التمر‪ .‬فذكر أنّها ل تنم‪ ،‬و تضوّرت [‪ ]1‬ليلتها من خشونة فرشها و هي‬
‫من حرير مشوّة بالقزّ‪ .‬فالتمس ما كان يؤذيها‪ .‬فإذا ورقة آس‪ ،‬ملتزقة بعكنة [‪ ]2‬من عكنها قد أثّرت فيها من لي بشرتا‪.‬‬
‫فقال لا سابور‪« :‬ويك! بأىّ شيء كان يغذوك أبوك؟» فقالت‪« :‬بالزبد‪ ،‬و الخّ‪ ،‬و شهد البكار من النحل‪ ،‬و صفو المر‪».‬‬
‫قال‪« :‬و أبيك لنا أحدث عهدا بك‪ ،‬و أوتر [‪ ]3‬لك من أبيك‪ ،‬الذي غذّاك با تذكرين‪ ».‬فأمر رجل‪ ،‬فركب فرسا جوحا‪ ،‬ث‬
‫عصب غدائرها بذنبه‪ ،‬ث استركضها‪ ،‬فقطّعها قطعا‪ ]130[ .‬و قد أكثر الشعراء ف ذكر الضيزن هذا‪ ،‬و إيّاه عن عدىّ بن زيد‬
‫بقوله‪:‬‬
‫و أخو الضر [‪ ،]4‬إذ بناه و إذ دج * لة تب إليه‪ ،‬و الابور‬
‫شاده مرمرا‪ ،‬و جلّله كل * سا‪ ،‬فللطّي ف ذراه و كور‬
‫ل يهبه ريب النون فباد ال * ملك عنه‪ ،‬فبابه مهجور [‪]5‬‬

‫توال ستة ملوك‬
‫و مضت أيّام سابور‪ ،‬و هي ثلثون سنة‪ ،‬حيدة‪ .‬و ف أيّامه ظهر مان‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تضوّر‪ :‬تلوّى و صاح من وجع الضرب و الوع و نوها‪.‬‬
‫[‪ .]2‬العكنة‪ :‬ما انطوى تثن من لم البطن‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬أوثر‪ ،‬آثر‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬الصن‪.‬‬
‫[‪ .]5‬تد البيات ف الطبي (‪ ،)830 :2‬و ف الوفيات (‪ ،)245 :7‬و ف ديوان عدىّ‪.)84( :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪147 :‬‬
‫الزنديق‪ ]1[ ،‬و كذلك أيّام ابنه هرمز اللقّب بالبطل و الريء‪ .‬و كان عظيم اللق جريئا‪ .‬له حكايات عظيمة جدّا‪ ،‬و كوّر‬
‫مدينة «رامهرمز» و ملك سنة‪ .‬ث مضت أيّام ابنه برام بن هرمز كذلك‪ ،‬و قتل مان و سلخه‪ .‬و مضت أيّام ابنه برام بن برام‪ ،‬ثّ‬
‫[أيّام] [‪ ]2‬ابنه برام بن برام بن برام‪ ،‬ث [أيّام] [‪ ]3‬نرسى بن برام أخى [‪ ]4‬برام الثالث‪ ،‬ث أيّام هرمز بن نرسى‪ ،‬و كان‬
‫فظّا‪ ،‬إلّا أنّه رفق بالرعيّة‪ ،‬و سار بأعدل سية فيهم‪ ،‬و حرص على العمارة و انتعاش الضعفاء‪ ،‬ث هلك و ببعض نسائه حبل‪.‬‬
‫فبعض الناس يزعم أنه وصّى باللك لذلك المل ف بطن أمّه‪ ،‬و بعضهم زعم أنّ الناس لا ش ّق عليهم موت هرمز‪ ،‬سألوا عن‬
‫نسائه‪ .‬فلمّا عرفوا [‪ ]131‬أنّ ببعضهنّ حبل‪ ،‬عقدوا التاج عليه ف بطن أمّه‪ ،‬ث ولد‪:‬‬

‫سابور اللقّب بذي الكتاف [‪]5‬‬
‫و هو سابور بن هرمز بن نرسى بن برام بن برام بن هرمز بن سابور بن أردشي‪ .‬فكتب إليه الناس الكتب من الفاق‪ ،‬و وجّه‬
‫البد إل الطراف‪ ،‬و قلّد الوزراء و الكتّاب‪ ،‬و العمّال‪ ،‬العمال الت كانوا يعملونا ف ملك أبيه‪.‬‬
‫ب يدبّر‪ ،‬و ل يدرى ما يكون منه‪،‬‬
‫فممّا حدث ف أيّامه‪ :‬أنّ خبه لّا فشا و شاع‪ ،‬و علم أصحاب الطراف أنّ ملك الفرس ص ّ‬
‫طمع فيهم و ف ملكتهم الروم‪ ،‬و الترك‪ ،‬و العرب‪ .‬و كانت أدن بلد العداء إل فارس بلد العرب‪ ،‬و كانوا من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الزنديق‪ :‬الخالف لوامر زند و پازند (بق)‪ .‬بالفهلوية ‪ LZandik.‬ف الانوية‪ :‬فاسد العقيدة‪ .‬ف الفستائية‪ :‬قاطع‬
‫الطريق‪ ،‬الساحر‪ ،‬ناقض العهد‪ ،‬الادع‪ .‬و ف العربية‪ :‬الرتد‪ ،‬الدهري‪ ،‬من ل دين له (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ما ف [] تكملة منّا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ما ف [] تكملة منّا‪ .‬و تد أخبار هؤلء اللوك ف الطبي (‪.)836 -831 :2‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪ :‬أخو برام‪.‬‬
‫[‪ .]5‬لقبه‪ :‬هوبه سنبا (البيون‪ ،121 :‬و الطبي ‪ ،836 :2‬و السعودي ‪.)279 :1‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪148 :‬‬
‫أحوج المم إل تناول شيء من العايش‪ ،‬لسوء حالم و شظف عيشهم‪ .‬فسار جع عظيم منهم ف البحر‪ ،‬من ناحية بلد عبد‬
‫القيس و البحرين و كاظمة [‪ ،]1‬حت أناخوا براشهر [‪ ]2‬و سواحل أردشي خرّه‪ ،‬و أسياف [‪ ]3‬فارس‪ ،‬و غلبوا أهلها على [‬
‫‪ ]132‬مواشيهم و حروثهم و معايشهم‪ ،‬و أكثروا الفساد ف تلك البلد‪ ،‬و مكثوا بذلك حينا ل يغزوهم أحد من الفرس لقلّة‬
‫اليبة‪ ،‬و انتشار المر‪ ،‬و كثرة الدبّرين‪ ،‬و لنّ اللك طفل‪ ،‬حت ترعرع سابور‪ ،‬و جعل الوزراء يعرضون عليه أمر النود الت ف‬
‫الثغور‪ ،‬و وردت الخبار بأ ّن أكثرهم قد أحلّ‪ .‬و عظّموا عليه المر بعد المر‪ .‬و كان مّن عرض عليه‪ ،‬أمر النود الت ف الثغور‪،‬‬
‫و من كان منهم بإزاء العداء‪ ،‬و أنّ الخبار وردت بإحلل أكثرهم‪ .‬و هوّلوا عليه الطب ف ذلك‪.‬‬
‫فقال لم سابور‪« :‬ل يكبنّ عليكم هذا‪ ،‬فانّ اليلة فيه يسية»‪ ،‬و أمر بالكتاب إل أولئك النود بأنه‪:‬‬
‫ «انتهى إلّ طول مكثكم ف النواحي الت أنتم فيها‪ ،‬و عظم غناءكم عن إخوانكم و أوليائكم‪ ،‬فمن أحبّ منهم النصراف إل‬‫أهله‪ ،‬فلينصرف مأذونا له ف ذلك‪ ،‬و من أحبّ أن يستكمل الفضل بالصب ف موضعه عرف له ذلك‪ ».‬و تقدّم إل من اختار‬
‫النصراف‪ ،‬ف لزوم أهله و بلده إل وقت [‪ ]133‬الاجة إليه‪.‬‬
‫فلمّا سع الوزراء ذلك من قوله و رأيه‪ ،‬استحسنوه و قالوا‪« :‬لو كان هذا قد أطال تربة المور و سياسة النود‪ ،‬ما زاد رأيه على‬
‫ما سعنا منه‪ ».‬ث تتابعت آراؤه ف تقوي أصحابه و قمع أعدائه‪ ،‬حت إذا تّت له ست عشرة سنة‪ ،‬و أطاق حل السلح و ركوب‬
‫اليل‪ ،‬و اشت ّد عظمه‪ ،‬جع إليه رؤساء أصحابه و أجناده‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كاظمة‪ :‬ج ّو على سيف البحر ف طريق البحرين من البصرة‪ ،‬بينها و بي البصرة مرحلتان (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬راشهر (ريشهر)‪ :‬مدينة إزاء بوشهر (ل)‪ .‬ناحية من كورة أرجان (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬السياف‪ :‬جع مفرده السيف‪ :‬ساحل البحر‪ ،‬ساحل الوادي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪149 :‬‬
‫ثّ قام فيهم خطيبا‪ .‬فذكر ال عزّ و جلّ‪ ،‬و ذكر ما أنعم به عليه و عليهم بآبائه‪ ،‬و ما أقاموا من إربم‪ ،‬و نفوا من أعدائهم‪ ،‬و ما‬
‫اخت ّل من أمورهم ف اليّام الت مضت من أيّام صباه‪ ،‬و أعلمهم‪ :‬أنّه يستأنف العمل ف الذبّ عن البيضة‪ ،‬و أنّه يقدّر الشخوص [‬
‫‪ ]1‬إل بعض العداء لحاربته‪ ،‬و أنّ عدّة من يشخص معه من القاتلة ألف رجل‪ .‬فنهض إليه القوم داعي متشكرين‪ ،‬و سألوه أن‬
‫يقيم بوضعه و يوجّه القواد و النود ليكفوه ما قدّر من الشخوص فيه‪ .‬فأب أن ييبهم إل القام‪.‬‬
‫فسألوه الزدياد على العدة الت ذكرها‪ ،‬فأب‪ .‬ث انتخب ألف فارس من صناديد [‪ ]134‬جنده و أبطالم و أغنيائهم‪ ،‬و تقدّم‬
‫إليهم ف الضىّ لمره‪ ،‬و ناهم عن البقاء على العرب و على من لقوا منهم‪ ،‬و وصّاهم ألّا يعرّجوا [‪ ]2‬على مال و ل غنيمة و‬
‫ل يلتفتوا إليه‪.‬‬
‫ث سار بم‪ ،‬حت أوقع بن انتجع بلد فارس من العرب و هم غارّون [‪ .]3‬فقتل منهم أبرح القتل‪ ،‬و أسر أعنف السر‪ ،‬و هرب‬
‫ط [‪ ،]4‬و استبى بلد البحرين‪ .‬فجعل يقتل أهلها و ل يقبل فداء و ل يعرّج على‬
‫بقيّتهم‪ .‬ث قطع البحر ف أصحابه فورد ال ّ‬
‫غنيمة‪ .‬ث مضى على وجهه‪ ،‬فورد هجر [‪ ]5‬و با ناس من تيم و بكر بن وائل و عبد القيس‪ .‬فسفك فيهم من الدماء سفكا‬
‫سالت كسيل الطر‪ ،‬حت كان الارب منهم يرى أن لن ينجيه غار و ل جبل و ل بر و ل جزيرة‪ .‬ث عطف إل بلد عبد القيس‪،‬‬
‫فأباد أهلها إلّا من هرب منهم‪ .‬فلحق بالرمال‪ ،‬ث أتى اليمامة [‪،]6‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬يقدّر الشخوص‪ :‬ينوي الروج‪.‬‬
‫[‪ .]2‬عرّج‪ :‬مال‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬غازون‪ .‬الغارّون‪ :‬الغافلون‪.‬‬
‫ط عمان ف سيف البحرين‪ ،‬و السيف كلّه الطّ‪ ،‬و فيه‪ :‬القطيف‪ ،‬و العقي‪ ،‬و قطر‬
‫[‪ .]4‬أرض تنسب إليها الرماح‪ ،‬و هو خ ّ‬
‫(مع)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬هجر‪ :‬ناحية البحرين‪ ،‬و قيل‪ :‬مدينة هي قاعدة البحرين (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]6‬اليمامة‪ :‬بلد كبي فيه قرى و حصون و نل‪ ،‬و كان اسها أول جوّا (مع)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪150 :‬‬
‫فقتل با مثل تلك القتلة‪ .‬و ل يرّ باء من مياه العرب إلّا عوّره [‪ ]1‬و ل جبّ من جبابم إلّا طمّه‪ .‬ثّ أتى قرب الدينة‪ ،‬فقتل من‬
‫وجد هنالك من العرب و أسر‪ّ .‬ث عطف نو [‪ ]135‬بلد بكر و تغلب و فيما بي ملكة فارس و مناظر الروم بأرض الشام‪.‬‬
‫فقتل من وجد با من العرب و سب و طمّ مياههم‪.‬‬
‫ثّ أسكن قوما من بن تغلب و من سكن منهم البحرين‪ ،‬دارين [‪ ]2‬و الطّ‪ ،‬و من كان من عبد القيس و طوائف تيم‪ ،‬هجر‪ ،‬و‬
‫من كان من بكر بن وائل‪ ،‬كرمان‪ -،‬و هم الذين يدعون بكر إياد‪ -‬و من كان منهم من بن حنظلة‪ ،‬بالرميلة من بلد الهواز‪ .‬و‬
‫بن بالسواد مدينة بزرج سابور [‪ ،]3‬و بن النبار‪ ،‬و بن السوس و الكرخ‪ .‬و غزا بعد ذلك أرض الروم‪ ،‬فسب سبيا كثيا‪ .‬و‬
‫بن براسان نيسابور‪.‬‬
‫ثّ هادن قسطنطي [‪ ]4‬ملك الروم الذي بن قسطنطينيّة [‪ ،]5‬و هو أوّل من تنصّر من ملوك الروم‪.‬‬

‫ذكر حيلة لقسطنطي‬
‫كان قسطنطي لّا ملك الروم كبت سنّه‪ ،‬و ساء خلقه‪ ،‬و ظهر به وضح‪.‬‬
‫فأرادت الروم خلعه‪ ،‬و كاشفته و قالت‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬عوّر‪ :‬عيون الياه‪ :‬طمّها‪ ،‬دفنها‪ ،‬سدها‪ ،‬كبسها بالتراب‪.‬‬
‫[‪ .]2‬فرضة بالبحرين يلب إليها السك من الند فينسب إليها (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بزرج سابور‪ :‬من طساسيج بغداد‪ ،‬حدّه من أعلى العلث من شرقى دجلة (مع)‪.‬‬
‫‪[Constantinus .]4.‬‬
‫[‪ .]5‬قسطنطينيّة ‪ Constantinople‬اسطنبول‪ ،‬إستانبول (تغيّر هذا السم ف العصر العثمان إل إسلمبول‪ ،‬أى‪ :‬مدينة‬
‫السلم‪ ،‬و إل الستانة)‪ ،‬و هو معرّب من الصل اليونان ‪: Eistenbolin‬أو من اليونان البيزنطى ‪: Estinbolin.‬أى‪ :‬إل‬
‫الدينة‪ .‬بوزنطيا‪ ،‬بوزنطة‪ ،‬بيزنطه‪ ،‬من الصل اليونان ‪: Byzantion‬ل‪ ،.‬إنل ‪.: Byzantioum،‬فر ‪: Byzance.‬و‬
‫يطلق هذا السم‪ ،‬من باب تسمية الكل بالزء (العاصمة)‪ ،‬على امباطورية الروم الشرقية الت تأسّست ف الفترة الواقعة بي‬
‫‪ 330‬إل ‪ 395‬م‪ .‬ف القطاع الشرقي من المباطورية الرومية الكبى و دامت حت عام ‪ 1461‬م (لد‪ ،‬فم‪Col).‬‬
‫‪،. .NewAgeEnc‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪151 :‬‬
‫ «اعتزل اللك‪ ،‬فإنّ لك من الال ما ل تفقد معه شيئا مّا أنت فيه من نعمتك‪ ».‬فشاور نصحاءه [‪ ]136‬فقالوا له‪:‬‬‫ «ل طاقة لك بالقوم‪ ،‬فقد اجتمعت كلمتهم على خلعك‪ ».‬قال‪« :‬با اليلة؟» قالوا‪« :‬تتال بالدين‪ -‬و كانت النصرانية قد‬‫ظهرت و هي خفيّة‪ -‬و ذلك بأن تستأذن ف زيارة بيت القدس‪ ،‬و تستمهلهم مدّة ما تعود‪ .‬فإذا حصلت با دخلت ف هذا الدين‬
‫النصران تمل الناس عليه‪ ،‬فانّهم يفترقون فرقتي‪ ،‬فتقاتل بن أطاعك من عصاك‪ ،‬و ما قاتل قوم على دين قط إلّا غلبوا‪ ».‬ففعل‬
‫قسطنطي ذلك‪ ،‬فظفر بالروم‪ .‬فأحرق كتبهم و حكمتهم‪ ،‬و بن البيع‪ ،‬و حل الناس على النصرانية‪ ،‬و نقلهم من الرومية و كانت‬
‫دار ملكتهم‪ ،‬و بن قسطنطينية و ل يزل اللك مروسا بالنصرانية‪ ،‬و غلب على الشام‪ ،‬إل أن ظهر السلم‪.‬‬

‫ث ملك من الروم لليانوس [‪]1‬‬
‫و كان يدين بلة اليونانية القدية [‪ ]2‬الت كانت قبل النصرانية‪ .‬فلمّا ملك‪ ،‬أظهر ملّته‪ ،‬و أعادها كهيئتها‪ ،‬و أمر بدم البيع‪ ،‬و‬
‫جع جوعا من الروم و الزر و من كان ف ملكته من العرب‪]137[ .‬‬

‫عاقبة سرف سابور ف القتل‬
‫فكان من عاقبة ذلك السرف الذي أقدم عليه سابور من قتل العرب‪ :‬أن اجتمع‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬لليانوس ‪: LJulian،‬جوليان‪ ،‬يوليان (الفصّل ‪.)642 :2‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي بلّة الروم القدية (‪.)840 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪152 :‬‬
‫ف عسكر لليانوس من العرب مائة و سبعون ألف مقاتل‪ .‬فوجّههم مع بطريق [‪ ]1‬له ف مقدمته‪ .‬و أقدموا على فارس حنقي‬
‫موتورين‪ .‬و ذلك أ ّن سابور ل يقتصر على النتقام مّن أذنب و تاوز حدّه‪ ،‬حت قتل البيء‪ ،‬و سفك من الدماء ما ل يصى‪.‬‬
‫فلما انتهى إل سابور كثرة من مع لليانوس من النود‪ ،‬و شدّة بصائرهم‪ ،‬و حنق العرب‪ ،‬و عدد الروم و الزر‪ ،‬هاله ذلك‪ ،‬و‬
‫وجّه عيونا تأتيه بأخبارهم‪ ،‬و مبلغ عددهم‪ ،‬و شجاعتهم‪ ،‬و عدّتم‪ .‬فاختلفت عليه أقاويل العيون ف ما أتوه من الخبار عن‬
‫لليانوس و جنده‪ .‬فتنكّر سابور‪ ،‬و سار ف ثقاته ليعاين عسكرهم‪.‬‬

‫تلّصه بسن التّفاق‬
‫فكان ما جن فيه على نفسه و تلّص منه بسن التفاق‪ :‬أنّه لّا قرب من عسكر البطريق الذي كان على القدمة و كان اسه [‬
‫‪ ]138‬يوسانوس [‪ ]2‬و معه العرب و الزر‪ ،‬وجّه قوما ليتجسّسوا الخبار و يأتوه بقائقها‪ .‬فنذرت [‪ ]3‬بم الروم‪ ،‬فأخذوهم‬
‫و دفعوهم إل يوسانوس‪ .‬فأقرّ من جلتهم رجل واحد‪ ،‬و أخب بالقصة على وجهها و بكان سابور‪ ،‬و سأله أن يوجّه معه جندا‬
‫فيدفع إليهم سابور‪.‬‬
‫فأرسل يوسانوس رجل من بطانته إل سابور يعلمه [‪ ]4‬ما ألقى إليه من أمره و ينذره‪ .‬و إنّما فعل ذلك ليله إل النصرانية الت‬
‫قصدها لليانوس‪ .‬فارتل سابور من الوضع الذي كان فيه و صار إل عسكره‪ .‬ث زحف لليانوس بسألة العرب إيّاه‪ ،‬فقاتل سابور‬
‫ض جعه‪ ،‬و قتلوا منهم مقتلة عظيمة‪ ،‬و هرب سابور ف من‬
‫وف ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بطريق‪ :‬معرّب أصله اليونان البيزنطى ‪: Patrikios،‬معناه بالرومية‪ :‬أمي اليش‪ ،‬و ف السيحية‪:‬‬
‫القسيس‪ ،‬باللتينية( ‪: patricus‬لد‪ ،‬فم)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بوسابوس‪ .‬و هو( ‪ LJovian‬الفصّل ‪.)642 :2‬‬
‫[‪ .]3‬نذر به‪ :‬علمه‪ ،‬فحذره‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل و مط‪ :‬و يعلمه‪ .‬فحذفنا الواو‪ ،‬كما يتطلّبه السياق‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪153 :‬‬
‫بقي من جنده‪ ،‬و احتوى لليانوس على مدينة طيسبون ملّة سابور‪ ،‬و ظفر ببيوت أمواله و خزائنه فيها‪ .‬ث اجتمع إل سابور من‬
‫آفاق بلده جنوده‪ ،‬و حارب لليانوس‪ ،‬و استنقذ منه طيسبون‪ ،‬و اختلفت الرّسل بينه و بي لليانوس‪.‬‬

‫سوء تفّظ لليانوس‬
‫فكان من سوء تفّظ لليانوس ف تلك الال و استرساله‪ ]139[ :‬أن كان يوما جالسا ف حجرة من فسطاطه‪ ،‬و الرسل تتلف‬
‫بينه و بي سابور‪ ،‬فجاءه سهم غرب فأصاب مقتله من فؤاده‪ ،‬فسقط و مات‪ ،‬و أسقط [‪ ]1‬ف روع جنده و هالم ما نزل به‪ ،‬و‬
‫يئسوا من التقصّى ف بلد فارس‪ ،‬فصاروا نشرا ل ملك عليهم‪ .‬فطلبوا إل يوسانوس أن يتولّى اللك لم ليملّكوه عليهم‪ .‬فأب‬
‫ذلك‪ ،‬و ألّوا عليه‪ ،‬فأعلمهم أنّه على ملّة النصرانية‪ ،‬و أنّه ل يلي قوما هم له مالفون ف دينه‪.‬‬
‫فأخبتم الروم أنّهم على ملّته‪ ،‬و أنّهم كتموها مافة لليانوس‪ .‬فأجابم حينئذ‪ ،‬فلمّا ملّكوه [‪ ]2‬أظهروا النصرانية‪.‬‬
‫ث إ ّن سابور لا علم بلك لليانوس‪ ،‬أرسل إل قوّاد جنوده الروم يقول‪:‬‬
‫ «إ ّن ال قد أمكننا منكم‪ ،‬و أدالنا عليكم‪ ،‬و نرجو أن تلكوا ببلدنا جوعا من غي أن نزّ لقتالكم سيفا‪ ،‬أو نشرع له رما‪،‬‬‫فسرّحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم‪ ».‬فعزم يوسانوس على إتيان سابور لا كان بينه و بينه‪ ،‬لا أنذره و من عليه‪ .‬فلم‬
‫يتابعه أحد [‪ ]140‬من قوّاد جنده‪ .‬فاستبدّ برأيه‪ ،‬و جاء إل سابور ف ثاني رجل من أشراف من كان ف عسكره و جنده‪ ،‬و‬
‫عليه تاجه‪ .‬فبلغ سابور ميئه إليه‪ ،‬فتلقّاه‪ ،‬و تساجدا‪ ،‬فعانقه سابور شكرا لا كان منه ف أمره‪ ،‬و طعم عنده‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أسقط ف روعهم‪ :‬فزعوا‪ ،‬خافوا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬ملّكوا بدون «ه»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪154 :‬‬
‫يومئذ و نعم‪ .‬و إ ّن سابور أرسل إل قوّاد جند الروم و ذوى الرئاسة فيهم يعلمهم‪:‬‬
‫أنّهم لو ملّكوا غي يوسانوس‪ ،‬لرى هلكهم ف بلد فارس‪ ،‬و لكن تليكهم إيّاه ينجيهم من سطوته‪ .‬ث قوّى أمر يوسانوس بكلّ‬
‫جهد‪ ،‬و قال له عند منصرفه‪:‬‬
‫ «إ ّن الروم قد شنّوا الغارة على بلدنا‪ ،‬و قتلوا بشرا كثيا‪ ،‬و قطّعوا بأرض السواد من الشجر و النخل ما كان با‪ ،‬و خرّبوا‬‫عمرانا‪ ،‬فإمّا أن تدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا و خرّبوا‪ ،‬و إمّا أن تعوّضونا من ذلك نصيبي و حيّزها‪ ».‬فأجاب يوسانوس و أشراف‬
‫جنده سابور إل ما سأل من العوض‪ ،‬و دفعوا إليه نصيبي‪ .‬فبلغ ذلك أهلها‪ ،‬فجلوا عنها إل مدن للروم‪ ،‬خوفا على أنفسهم من‬
‫ملك مالف ملّتهم‪ .‬فبلغ ذلك سابور‪ ،‬فنقل اثن عشر ألف [‪ ]141‬أهل بيت من أهل إصطخر و إصبهان و كور أخر‪ ،‬من بلده‬
‫إل نصيبي‪ ،‬فأسكنهم إيّاها‪ .‬و انصرف يوسانوس إل الروم و ملكها يسيا ث هلك‪.‬‬
‫و ضرى سابور على قتل العرب‪ ،‬و نزع أكتاف رؤسائهم زمانا طويل‪ ،‬فسمّته العرب «ذا الكتاف»‪ .‬ث إنّه استصلح العرب و‬
‫أسكن من بعض تغلب و عبد القيس و بكر‪ ،‬كرمان و توّج [‪ ]1‬و الهواز‪ .‬و بن مدينة نيسابور و مدائن أخر بالسند و‬
‫سجستان [‪ ،]2‬و نقل طبيبا من الند‪ ،‬فأسكنه السوس‪ ،‬فورث طبّه أهل السوس‪.‬‬
‫و هلك سابور بعد اثنتي و سبعي سنة من ملكه‪.‬‬

‫أردشي بن هرمز [‪]3‬‬
‫و قام باللك بعد سابور‪ ،‬أخوه أردشي بن هرمز بن نرسى بن برام بن برام بن هرمز بن سابور بن أردشي بن بابك‪ .‬فلمّا استقرّ‬
‫به اللك ظهر منه شرّ‪ ،‬و قتل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬نوخ‪ .‬و توّج‪ :‬مدينة بفارس على شاطئ نر سابور خربت ف القرن السادس (ل‪.)280 :‬‬
‫[‪ .]2‬سجستان سگستان سيستان (ل‪.)385 :‬‬
‫[‪ .]3‬انظر الطبي ‪.846 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪155 :‬‬
‫[من] [‪ ]1‬ذوى الرئاسة و العظماء خلقا كثيا‪ ،‬فخلعه الناس بعد أربع سني من ملكه‪ ،‬و ملّكوا‪:‬‬

‫سابور بن سابور ذى الكتاف‬
‫فاستبشرت الرعية به و برجوع ملك أبيه إليه‪ .‬فأحسن السية و رفق بالرعية‪ ،‬إل أن سقط عليه فسطاط كان ضرب عليه‪ ،‬فمات‬
‫و ملّك بعده [‪ ]142‬أخوه‪:‬‬

‫برام بن سابور ذى الكتاف‬
‫و كان يلقّب بكرمان شاه‪ ،‬لن سابور ولّاه «كرمان»‪ ،‬فمضت أيّامه ممودة‪ ،‬و كان جيل السياسة مبّبا [‪ .]2‬ث قام باللك‪:‬‬

‫يزدجرد العروف بالثيم ابن برام بن سابور ذى الكتاف [‪]3‬‬
‫و من الفرس من يقول‪ :‬هو أخو برام و هو يزدجرد بن سابور ذى الكتاف‪.‬‬
‫و كان فظّا غليظا ذا عيوب كثية‪ ،‬و كان من أش ّد عيوبه وضعه ذكاء ذهن و حسن أدب كانا فيه‪ ،‬غي موضعهما‪ .‬و ذلك أنّه‬
‫كان كثي الرؤية ف الضارّ [‪ ]4‬من المور‪ ،‬و استعمل علمه الذي أوتيه‪ ،‬ف الدهاء و التل‪ ،‬و استخفّ بكلّ علم كان عند‬
‫الناس‪ ،‬و احتقر آدابم و استطال با عنده‪ ،‬و كان من ذلك معجبا‪ ،‬غلقا‪ ،‬سيئ اللق‪ ،‬ردىء الطعمة [‪ ،]5‬حت بلغ من شدة‬
‫غلقه و حدّته أن يستعظم صغي الزلّات و ل يرضى ف عقوبتها إلّا با ل يستطاع أن يبلغ مثلها‪ .‬ث ل يقدر أحد من بطانته‪ -‬و إن‬
‫كان لطيف النلة منه‪ -‬أن يشفع لن ابتلى به‪ ،‬و إن كان ذنب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ما ف [] تكملة من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ميبا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.847 :2‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬الصغار من المور‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ردىء الطعمة‪ :‬ردىء السية ف الكل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪156 :‬‬
‫البتلى [‪ ]143‬به يسيا‪ .‬و ل يكن يأتن أحدا على شيء من الشياء‪ .‬و ل يكن يكافئ على حسن البلء‪ .‬و كان يعتدّ بالسيس‬
‫من العرف إذا أوله و يستجزل ذلك‪ .‬فإن جسر على كلمه أحد ف أمر قال له‪:‬‬
‫ «ما قدر جعالتك [‪ ]1‬ف هذا المر الذي كلّمتنا فيه‪ ،‬و ما الذي بذل لك؟» و ما أشبه ذلك‪ .‬فلقى الناس منه عنتا‪ .‬فلما‬‫اشتدّت بليّته‪ ،‬و كثر إهانته للعظماء‪ ،‬و حل على الضعفاء‪ ،‬و أكثر من سفك الدماء‪ ،‬اجتمعوا و تضرّعوا إل ربّهم ف تعجيل‬
‫إنقاذهم منه‪.‬‬
‫فتزعم الفرس‪ :‬أنه كان مطّلعا من قصره ذات يوم إذ رأى فرسا عائرا [‪ ]2‬ل ير مثله قطّ ف اليل‪ ،‬حسن صورة و تام خلق‪ ،‬حت‬
‫وقف على بابه‪ ،‬فتعجّب الناس منه‪ ،‬لنه كان متجاوز المر [‪ .]3‬فأمر يزدجرد أن يسرج و يلجم و يدخل عليه‪ .‬فحاول ساسته‬
‫و أصحاب مراكبه إلامه و إسراجه‪ ،‬فلم يكّن أحدا منهم من نفسه‪ .‬فخرج بنفسه إل الوضع الذي فيه الفرس‪ ،‬فألمه بيده و‬
‫أسرجه و لّينه [‪ ]4‬فلم يتحرّك‪ ،‬فلمّا استدار به [‪ ]144‬و رفع ذنبه ليثفره [‪ ،]5‬رمه الفرس على فؤاده رمة هلك منها مكانه‪،‬‬
‫ث ل يعاين ذلك الفرس‪ .‬فأكثرت الفرس ف حديثه و ظنّت الظنون‪ .‬و كان أحسنهم مذهبا من قال‪« :‬إنا استجاب ال دعاءنا»‪.‬‬
‫ث ملك بعد يزدجرد الثيم ابنه‪:‬‬

‫برام جور [‪]6‬‬
‫و كان أسلمه يزدجرد إل النذر بن النعمان ليبّيه ف ظهر الية‪ ،‬لصحّة‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬جعا إنك! بدل‪ :‬جعالتك‪.‬‬
‫[‪ .]2‬عار‪ :‬ذهب و جاء متردّدا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الطبي‪ :‬متجاوز الال‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬و كتبه!‬
‫[‪ .]5‬أثفر الدابة‪ :‬شدها بالثفر‪ :‬سي ف مؤخر السرج يش ّد على عجز الدابة تت ذنبها‪.‬‬
‫[‪ .]6‬أنظر الطبي ‪.845 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪157 :‬‬
‫التربة و الواء‪ ،‬و ليتعلّم هناك الفروسية‪ .‬و تكفّله النعمان و عظّم يزدجرد النذر بن النعمان و شرّفه‪ ،‬و ملّكه على العرب‪ ،‬و سار‬
‫به النذر‪ ،‬فربّاه‪ ،‬و استدعى له الواضن من الفرس و العرب‪ ،‬ث أحضره الؤدّبي‪ ،‬و حرص برام على الدب‪.‬‬
‫فتحكى عنه حكايات من النجابة ف صغره‪ ،‬فمنها أنّه قال للمنذر بن النعمان و هو ابن خس سني‪:‬‬
‫ «أحضرن مؤدّبي ليعلّمون الكتابة و الفقه و الرمى و الفروسية‪ ».‬فقال له النذر‪« :‬إنّك بعد صغي السنّ‪ ،‬و ل يأن لك ذلك‬‫بعد‪ ».‬فقال له برام‪« :‬أما تعلم أيّها الرجل‪ ،‬أنّى من ولد اللوك‪ ،‬و أنّ اللك [‪ ]145‬صائر إلّ‪ ،‬و أول ما كلّف به اللوك و‬
‫طلبوه‪ ،‬صال العلم‪ ،‬لنّه زين لم و ركن‪ ،‬و به يفوقون؟ أما تعلم أنّ ك ّل ما يتقدّم ف طلبه ينال وقته‪ ،‬و ما ل يتقدّم فيه‪ ،‬بل يطلب‬
‫ف وقته‪ ،‬ينال ف غي وقته‪ ،‬و ما يفرّط فيه و ف طلبه‪ ،‬يفوت فل ينال؟ عجّل علىّ با سألتك!» فوجّه النذر ساعة سع مقالة برام‪،‬‬
‫إل باب اللك من أتاه برهط من العلّمي و الفقهاء و معلّمى الرمى و الفروسية‪ ،‬و جع له حكماء الروم و فارس و مدّثى العرب‪،‬‬
‫فألزمهم إيّاه‪ ،‬و وقف أوقاتا لكل قوم منهم‪ .‬فتفرّغ برام لتعلّم كل ما سأل أن يعلّم‪ ،‬و استمع من أهل الكمة‪ ،‬و وعى ما سع‪ ،‬و‬
‫ثقف كل ما علّم بأيسر سعى‪ ،‬و بلغ أربع عشرة سنة و قد فاق معلّميه‪ ،‬و استفاد كل ما أفيد و حفظ وفاق‪ .‬ثّ حرص على‬
‫انتخاب الفراس العربيّة و ركوبا و إحضارها و الرمى عليها‪ ،‬فبع ف ذلك‪ .‬و تكى الفرس عنه حكايات عظيمة جدّا [‪.]1‬‬
‫ثّ أعلم النذر أنّه على اللام بأبيه‪ ،‬فشخص‪ ]146[ ،‬و كان أبوه ل يفل بولد له‪ ،‬فاتّخذ برام للخدمة‪ ،‬و لقى برام من ذلك‬
‫عنتا‪ .‬و اتفق أن ورد على يزدجرد‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي (‪ )856 :2‬و الثعالب‪ 539 :‬و ابن الثي (‪.)401 :1‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪158 :‬‬
‫وفد من قيصر‪ -‬و فيهم أخو قيصر‪ -‬ف طلب الصلح و الدنة‪ ،‬فسأله برام أن يكلّم يزدجرد ف الذن له ف النصراف إل النذر‪.‬‬
‫فأذن له أبوه و انصرف إل بلد العرب و قد عرّض بأبيه و رأى قلّة نفاق [‪ ]1‬أدبه عليه‪ ،‬و لقى شدّة و هوانا‪ .‬فأقبل على التنعم‬
‫و التلذّذ‪ ،‬إل أن هلك أبوه يزدجرد و برام غائب‪.‬‬
‫فتعاقد قوم من العظماء ألّا يلّكوا أحدا من نسل يزدجرد‪ ،‬و أظهروا‪ :‬أنّ ولد يزدجرد ل يتملون اللك‪ ،‬و ليس فيهم نيب غي‬
‫برام‪ ،‬و برام ل يتأدّب بأدب الفرس‪ ،‬و إنّما أدبه أدب العرب‪ ،‬و أخلقه أخلقهم‪ ،‬لنشئه ف ما بينهم و بي أظهرهم‪ ،‬و اجتمعت‬
‫كلمة العامّة معهم على صرف اللك عن برام إل رجل من عترة أردشي بن بابك يقال له‪:‬‬
‫كسرى‬
‫فملّكوه‪ ،‬و انتهى هلك يزدجرد و ما كان من تليكهم كسرى إل برام‪ ]147[ .‬فدعا بالنذر و بالنعمان ابنه و ناس من علية‬
‫العرب‪ .‬فذكّرهم إحسان والده إليهم و إنعامه عليهم مع فظاظته و شدّته على الفرس‪ ،‬و أخبهم بوت والده و ما كان من الفرس‬
‫من تليك غيه‪ ،‬و منّاهم من نفسه و وعدهم با أنسوا به‪ .‬فقال النذر‪:‬‬
‫ «ل يهولنّك ذلك حت ألطف للحيلة‪ ».‬ثّ إنّ النذر جهّز عشرة آلف من فرسان العرب مع ابنه إل طيسبون و بأردشي [‪]2‬‬‫مدينت اللك‪ ،‬و أمره أن يعسكر قريبا منهما‪ ،‬و أن يغي على ما والها‪ ،‬و إن ترّك أحد لقتاله قاتله‪ .‬و أذن له ف السر و السب‪،‬‬
‫و ناه عن لقتل‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط و الصل‪« :‬قلّة نفاق»‪ .‬و الظاهر أنّ إحدى الكلمتي زائدة لنّ النفاق بعن النفاد‪ ،‬و الفناء‪ ،‬و القلّة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مهملة ف الصل و أعجمناها كما ف مط و الطبي‪ .‬أصلها‪ :‬ويه أرتشر‪ .‬صور التعريب‪ :‬برسي‪ ،‬بردسي‪ ،‬بردشي‪،‬‬
‫گواشي‪ ،‬جواسي‪ ،‬جواشي‪ ،‬و بادرشي هي كرمان (ل‪.)325 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪159 :‬‬
‫فسار النعمان حت نزل قريبا من الدينتي‪ ،‬و وجّه طلئعه إليهما و استعظم قتال الفرس‪ .‬فاجتمع رأى العظماء و أهل البيوتات‬
‫على إنفاذ حواى [‪ ]1‬على تأدية رسالة‪ -‬و حواى هذا صاحب رسائل يزدجرد‪ -‬إل النذر و يستكفونه أمر النعمان ابنه‪ ،‬و‬
‫يوّفونه من عقب جنايته عليه‪.‬‬
‫فلمّا ورد حواى على النذر قال له‪« :‬الق اللك برام‪ ]148[ ».‬و وجّه معه من يوصله إليه‪ .‬فلمّا دخل عليه راعه منظر برام و‬
‫ما رأى من و سامته‪ .‬فكلّمه برام و وعده و منّاه و ردّه إل النذر‪ ،‬و رسم له أن ييب عمّا كتب إليه‪.‬‬
‫فقال النذر لواى‪« :‬قد تدبّرت ما جئتن به‪ ،‬و قرأت الكتاب و لست صاحب النعمان‪ ،‬و إنّما صاحبه اللك برام‪ ،‬و هو الذي‬
‫ظ لغيه فيه‪ ».‬فلمّا سع حواى مقالته‪ ،‬و‬
‫وجّهه إل ناحيتكم‪ ،‬و رسم له ما هو ل مالة متمثّلة‪ ،‬ل ّن اللك صار له بعد أبيه‪ ،‬و ل ح ّ‬
‫تذكّر ما عاين من باء برام و روائه [‪ ]2‬و حسن كلمه‪ ،‬علم أنّ جيع من يشاور ف صرف اللك عنه مصوم [‪ ]3‬مجوج‪.‬‬
‫فقال للمنذر‪:‬‬
‫ «إن لست ميا [‪ ]4‬جوابا‪ ،‬و لكن سر‪ -‬إن رأيت‪ -‬إل ملّة اللوك فيجتمع إليك من با من العظماء و أهل البيوتات‪ ،‬و أت‬‫ف المر ما يمل‪ ،‬فانّهم لن يالفوك ف شيء ما تشي به‪ ».‬فردّ النذر حواى‪ ،‬و استع ّد و سار بعده بيوم مع برام ف ثلثي ألف‬
‫رجل من فرسان العرب [‪ ]149‬و ذوى البأس و النجدة منهم إل مدينت اللك‪ .‬فلمّا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬حواب‪ ،‬ف الطبي‪ :‬جوان‪ ،‬جواب‪ ،‬حوان (‪.)859 :2‬‬
‫[‪ .]2‬الرواء‪ :‬حسن النظر‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الخصوم‪ :‬الغلوب ف الصومة‪ ،‬و الحجوج‪ :‬الغلوب ف الجة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أحار الواب‪ :‬ردّه‪ ،‬و منه‪ :‬ل ير جوابا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪160 :‬‬
‫و ردها‪ ،‬جع الناس و جلس برام على منب من ذهب مكلّل بالوهر‪ ،‬و جلس النذر عن يينه‪ ،‬و تكلّم عظماء الفرس‪ ،‬و فرشوا‬
‫[‪ ]1‬للمنذر بكلمهم فظاظة يزدجرد كانت [‪ ]2‬و سوء سيته [‪ ،]3‬و أنّه أخرب الرض و أكثر القتل ظلما حت ق ّل الناس‪ .‬و‬
‫ذكروا أمورا فظيعة‪ ،‬و ذكروا أنّهم إنّما تعاقدوا على صرف اللك عن ولد يزدجرد لذلك‪ .‬و سألوا النذر ألّا يبهم ف أمر اللك‬
‫على ما يكرهونه‪.‬‬
‫فقال النذر لبهرام‪:‬‬
‫ «أنت أول بإجابة القوم‪ ».‬فقال برام‪:‬‬‫ «إن لست أكذّبكم ف شيء ما نسبتم إل يزدجرد لا استق ّر عندي من ذلك‪ .‬و لقد كنت منكرا سوء هديه متنكّبا طريقته‪ ،‬و ل‬‫أزل أسأل ال أن يفضى باللك إلّ فأصلح كلّ ما أفسد‪ ،‬و أرأب ما صدع‪ ،‬و سأعيد المور بشيئة ال إل أ ّت ما كانت عليه ف‬
‫وقت من الوقات انتظاما‪ ،‬و أعمر البلد‪ ،‬و أرفّه الرعيّة‪ ]150[ ،‬و أوسع لم‪ ،‬و أوطّئ جانب [‪ ،]4‬و أد ّر أرزاق النود و أهل‬
‫الطاعة‪ ،‬و أس ّد الثغور‪ ،‬و أنفى أهل الفساد‪ .‬فإن أتت للكى سنة و ل أف لكم بذه المور الت عددت عليكم‪ ،‬تبّأت من اللك‬
‫طائعا‪ ،‬و أشهد ال بذلك و ملئكته و موبذان موبذ‪ ».‬فسمع أكثر الناس و رضوا‪ ،‬و تكلّمت طائفة كان رأيها مع كسرى‪.‬‬
‫فقال برام‪:‬‬
‫ «فإنّى على ما ضمنته لكم‪ ،‬و استيجاب [‪ ]5‬للملك‪ ،‬و أنّه حقّ ل‪ .‬قد رضيت‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فرشوا‪ :‬بسطوا‪ :‬شرحوا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ابن الثي‪ :‬فذكروا فظاظة يزدجرد أب برام و سوء سيته (‪.)403 :1‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬بدون «جانب»‪ .‬وطأ جانبه‪ :‬كان سهل الخلق‪ ،‬كريا‪ ،‬مضيافا‪.‬‬
‫[‪ .]5‬كذا ف مط‪ .‬و ما ف الصل غي واضح‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪161 :‬‬
‫أن يوضع التاج و الزينة بي أسدين مشبلي‪ ،‬فمن تناوله فهو اللك‪».‬‬

‫برام يتناول التاج و الزينة من بي أسدين مشبلي‬
‫فلمّا سع القوم هذه القالة‪ ،‬مع ما وعد من نفسه‪ ،‬سكنوا‪ ،‬و أظهروا الستبشار و الرضاية‪ ،‬و قالوا‪:‬‬
‫ «إنّا إن تّمنا صرف اللك عن برام‪ ،‬ل نأمن هلك الفرس على يده بن يرى رأيه و لكثرة من استجاش من العرب‪ .‬و قد عرض‬‫علينا ما ل يدعه إليه أحد‪ ،‬لول ثقته ببطشه و جرأته‪ .‬فإن يكن على ما وصف به نفسه‪ ،‬فليس الرأى إلّا تسليم اللك إليه و السمع‬
‫و الطاعة‪ ]151[ ،‬و إن يهلك ضعفا و عجزا فنحن برءاء منه‪ ،‬آمنون لشرّه و غائلته‪ ».‬فتفرّقوا على هذا الرأى‪ ،‬و جلس برام‬
‫من الغد ف مثل ملسه بالمس‪ ،‬و حضر من كان يادّه فقال‪:‬‬
‫ «إمّا أن تيبون عمّا تكلّمت به أمس‪ ،‬و إمّا أن تسكتوا باخعي ل بالطاعة‪ ».‬فقال القوم‪« :‬قد رضينا بكمك‪ ،‬و أن يوضع‬‫التاج و الزينة بي السدين كما ذكرت بيث رست‪ ،‬و تنازعاها أنت و كسرى‪ ».‬فأتى بالتاج و الزينة‪ ،‬و تولّى موبذان موبذ‬
‫الذي كان يعقد التاج على رأس ك ّل ملك يلك‪ ،‬فوضعهما ناحية‪ ،‬و جاء إصبهبذ مع ثقات القوم بأسدين ضاريي موّعي‬
‫مشبلي‪ .‬فوقف أحدها عن جانب الوضع الذي وضع فيه التاج و الزينة‪ ،‬و الخر بذائه‪ ،‬و أرخى وثاقهما‪.‬‬
‫ث قال برام لكسرى‪:‬‬
‫ «دونك التاج و الزينة!» فقال كسرى‪:‬‬‫‪« -‬أنت أول بالبدء منّى‪ ،‬لنّك تطلب اللك بوراثة‪ ،‬و أنا فيه دخيل‪».‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪162 :‬‬
‫و ل يكره برام قوله لثقته بنفسه‪ ،‬و حل جرزا و توجّه نو التاج و الزينة‪.‬‬
‫فقال له موبذان موبذ‪:‬‬
‫ «استماتتك ف هذا المر الذي تقدم عليه [‪ ]152‬هو تطوع منك‪ ،‬ل عن رأي‪ ،‬و ل عن رأى أحد من الفرس‪ ،‬و نن برءاء‬‫إل ال من إتلفك نفسك‪ ».‬فقال برام‪:‬‬
‫ «نعم أنتم برءاء‪ ،‬و ل وزر عليكم‪ ».‬ث أسرع نو السدين‪ .‬فلمّا رأى موبذان موبذ جدّه‪ ،‬هتف به و قال‪:‬‬‫ «بح بذنوبك و تب منها‪ّ ،‬ث أقدم إن كنت ل مالة مقدما‪ ».‬فباح برام با سلف من ذنوبه‪ ،‬ث مشى نو السدين‪ ،‬فبذر‬‫أحدها‪ ،‬فلمّا دنا من برام‪ ،‬وثب وثبة‪ ،‬فإذا هو على ظهر السد‪ ،‬و عصر جنب السد بفخذيه حت أثخنه [‪ ،]1‬فجعل يضرب‬
‫على رأسه بالرز‪ ،‬ث قرب من السد الخر‪ .‬فلمّا تكّن منه قبض على أذنيه و عركهما [‪ ]2‬بكلت يديه‪ ،‬و ل يزل يضرب رأسه‬
‫برأس السد الذي كان ركب ظهره‪ ،‬حت دمغهما‪ّ ،‬ث قتلهما ضربا على رأسهما بالرز‪ ،‬و ذلك كلّه بشهد من جيع من حضر‬
‫ذلك الوضع و برأى من كسرى‪ .‬فتناول برام التاج و الزينة‪ ،‬و كان كسرى أوّل من هتف به و قال‪:‬‬
‫ «عمّرك ال برام‪ ،‬الذي يسمع له من حوله و يطيع‪ ،‬و رزقه ال ملك [‪ ]153‬أقاليم الرض السبعة‪ ».‬ث هتف الناس و جيع‬‫من حضر ذلك الجلس‪ ،‬و قالوا‪:‬‬
‫ «أذعنّا للملك برام و رضينا به ملكا‪ ».‬و كثر الدعاء و الضجيج‪.‬‬‫و لقى الرؤساء النذر بعد ذلك و سألوه أن يكلّم برام ف التغمّد لساءتم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أثخنه‪ :‬تكاثر عليه و غلبه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬عرك الشيء‪ :‬حكّه حت ماه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪163 :‬‬
‫و الصفح عنهم‪ .‬فسأله النذر و أسعفه اللك‪ .‬ث جلس برام‪ -‬و هو ابن عشرين سنة‪ -‬سبعة أيّام متوالية للجند و الرعيّة‪ ،‬يعدهم‬
‫الي من نفسه و يضهم على تقوى ال و طاعته‪ ،‬و غب زمانا يسن السية و يعمر البلد و يد ّر الرزاق‪.‬‬
‫ث آثر اللهو على ذلك‪ ،‬و كثرت خلواته بأصحاب اللهي و الواري‪ ،‬حت كثرت ملمة رعيّته إيّاه على ذلك‪ ،‬و طمع من حوله‬
‫من اللوك ف استباحة بلده و الغلبة على بلده‪.‬‬

‫خاقان يغزو برام‬
‫و كان أوّل من سبق إل مكاثرته و مغالبته خاقان ملك الترك‪ .‬فإنّه غزاه ف مائتي و خسي ألفا من التراك‪ .‬فبلغ الفرس إقبال‬
‫خاقان ف هذا المع العظيم فهالم و تعاظمهم‪ ،‬و دخل إليه من عظمائهم قوم من أهل الرأى [‪ ]154‬فقالوا‪:‬‬
‫ «أيّها اللك‪ ،‬قد أزفك [‪ ]1‬من بائقة [‪ ]2‬هذا العدوّ ما يشغلك عمّا أنت فيه من اللهو و التلذّذ‪ ،‬فتأهّب له‪ ،‬كي ل يلحقك‬‫منه أمر يلزمك فيه مسبّة و عار‪ ».‬فكان برام لثقته بنفسه و رأيه‪ ،‬ييب القوم‪ :‬بأن ال ربّنا قوى و نن أولياؤه‪ ،‬ث يقبل على‬
‫الثابرة و اللزوم لا فيه من اللهو و الصيد‪.‬‬

‫حيلة برام جور على خاقان [‪]3‬‬
‫إل أن أظهر ذات يوم التجهّز إل آذربيجان لينسك ف بيت نارها و يتوجّه منها إل أرمينية و يطلب الصيد ف آجامها‪ ،‬و يلهو ف‬
‫مسيه‪ ،‬ف سبعة رهط من العلماء و أهل البيوتات و ثلثائة رجل من رابطته‪ ،‬ذوى بأس و ندة‪ .‬و استخلف أخا له يقال له‪:‬‬
‫«نرسى»‪ ،‬على ما كان يدبّر من ملكه‪ .‬فلم يشكّ الناس حي بلغهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أزف‪ :‬اقترب و دنا‪ ،‬و منه أزفت الزفة‪ ،‬و أزفت الساعة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البائقة‪ :‬الشرّ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.863 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪164 :‬‬
‫مسي برام ف من سار بم‪ ،‬و استخلفه أخاه على ما استخلف‪ ،‬ف أنّ ذلك هرب من عدوّه‪ ،‬و إسلم للكه‪ .‬و توامروا [‪ ]1‬ف‬
‫إنفاذ وفد إل خاقان‪ ،‬و القرار له [‪ ]155‬بالراج‪ ،‬و مافة منه‪ ،‬لستباحة بلدهم‪ ،‬و اصطلمه [‪ ]2‬مقاتلتهم و وجوههم‪ ،‬إن‬
‫هم ل يفعلوا ذلك و يبادروا إليه‪ .‬فبلغ خاقان الذي أجع عليه الفرس من النقياد و الضوع‪ .‬فأمنهم و تودّع و ترك كثيا من‬
‫الدّ و الستعداد‪ ،‬و آثر جنده أيضا ذلك‪ .‬و أتى برام عي له من جهة خاقان‪ ،‬فأخبه باله‪ ،‬و حال جنده و فتورهم عن الدّ‬
‫الذي كانوا عليه‪.‬‬
‫فسار برام ف العدّة الذين كانوا معه‪ ،‬فبيّت خاقان و قتله بيده‪ ،‬و انزم من سلم من القتل منهم‪ ،‬و خلّفوا عسكرهم و أثقالم‪.‬‬
‫فأمعن برام ف طلبهم يقتلهم‪ ،‬و يوى الغنائم و يسب الذرارىّ‪ ،‬و انصرف هو و جنده سالي‪ ،‬و ظفر بتاج خاقان و إكليله‪ ،‬و‬
‫بع له أهل البلد التاخة لا غلب عليه‪ ،‬بالطاعة‪ .‬و سألوه أن ي ّد لم حدّا بينه و بينهم فل يتعدّوه‪.‬‬
‫ث بعث قائدا له إل ما وراء النهر‪ ،‬فأثخنهم و أقروا له بالعبوديّة و أداء الزية‪.‬‬
‫و انصرف برام بالغنائم العظيمة و التاج و الكليل [‪ ]156‬و ما فيهما من الياقوت الحر و سائر الواهر فنحلها [‪ ]3‬بيت‬
‫النار بآذربيجان‪.‬‬
‫و رفع الراج عن الناس ثلث سني‪ ،‬و قسم ف الفقراء مال عظيما‪ ،‬و ف البيوتات و أهل الحساب عشرين ألف ألف [‪000‬‬
‫بن ‪ 000‬بن ‪ ]20‬درهم‪.‬‬
‫و كتب كتبا إل الفاق يذكر فيها أ ّن الب كان ورد عليه بورود خاقان بلده و أنه مّد ال و توكّل عليه‪ ،‬و سار ف سبعة رهط‬
‫من أهل البيوتات‪ ،‬و ثلثائة فارس من نبة رابطته على طريق آذربيجان‪ ،‬و جبل القبق [‪ ،]4‬حت نفذ إل براري خوارزم و‬
‫مفاوزها‪ ،‬و أبله ال أحسن بلء‪ ،‬و ذكر ف الكتاب ما وضعه عن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬توامروا تآمروا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬اصطلمه‪ :‬استأصله‪ .‬صلمه‪ :‬قطعه من أصله‪.‬‬
‫[‪ .]3‬نل‪ :‬أعطى و تبّع‪.‬‬
‫[‪ .]4‬جبال قفقاز (لد)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪165 :‬‬
‫الناس من الراج‪ ،‬و هذا الكتاب كان بليغا‪ ،‬و الفرس يفظونه‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إنّ برام ترك من حقّ بيت الال من الراج سبعي ألف ألف [‪ 000‬بن ‪ 000‬بن ‪ ]70‬درهم بقسط تلك السنة‪ ،‬و كان‬
‫هذا مقدار ما بقي منه‪ ،‬ثّ [أمر بترك] [‪ ]1‬الراج ثلث سني أخر‪.‬‬

‫قصده الند و الروم و السند و السودان‬
‫ث إ ّن برام لا انصرف من غزوه خاقان مظفّرا قصد الند‪ ،‬فيحكى له حكايات عظيمة و أمور كبار تولّاها‪ ،‬و غلب عليها‪ ،‬و‬
‫زوّجه [‪ ]157‬ملك الند ابنته و نله الديبل [‪ ]2‬و مكران و ما يليها‪ ،‬فضمّها برام إل أرض الفرس‪ ،‬و حل خراجها إل برام‪.‬‬
‫ث أغزى برام «مهرنرسى» إل بلد الروم ف أربعي ألف مقاتل‪ ،‬و أمره أن يقصد عظيمها و يناظره ف أمر التاوة و غيها‪.‬‬
‫فتوجّه مهرنرسى ف تلك العدّة‪ ،‬و دخل قسطنطينية‪ ،‬و مقامه مشهور هناك‪ ،‬فهادنه ملك الروم‪ ،‬و انصرف بميع ما أراد برام‪-‬‬
‫و كان مهرنرسى هذا من ولد بمن بن اسفندياذ بن بشتاسف‪ ،‬و ربا خفّف اسه‪ ،‬فقيل‪« :‬نرسى»‪ -‬و بلغ مبلغا‪ ،‬و كلّ ذلك بيبة‬
‫برام و ما تكّن له ف قلوب اللوك و أهل الطراف و الند من جودة الرأى و حسن التدبي و الشجاعة و نفاذ العزية‪ ،‬و قلّة‬
‫التّكال على غيه‪.‬‬
‫و ذكر أ ّن برام بعد فراغه من أمر خاقان و أمر ملوك الروم و السند‪ ،‬مضى إل بلد السودان [‪ ]3‬من ناحية اليمن‪ ،‬فأوقع بم‪،‬‬
‫و قتل منهم مقتلة عظيمة‪ ،‬و سب منهم خلقا‪ ،‬و انصرف إل ملكته‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كلمة مطموسة ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ديبل‪ :‬كرسي ارمينية ف الكم السلمى (ل‪ .)196 :‬أنظر الطبي ‪ ،868 :2‬و ابن الثي ‪.406 :1‬‬
‫[‪ .]3‬ما ف الصل يشبه «السردان»‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيده مط و الطبي ‪.871 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪166 :‬‬

‫ارتطام برام ف سبخة‬
‫و هلك بعد ذلك ف «ماه» [‪ ]1‬و ذلك أنه توجّه إليها للصيد [‪ ]158‬فشدّ على عي و أمعن ف طلبه فارتطم ف ماء ف سبخة [‬
‫‪ ]2‬و غرق هناك‪ .‬فسارت والدته إل ذلك الوضع بأموال عظيمة‪ ،‬فأقامت قريبة منها‪ ،‬و أمرت بإنفاق تلك الموال على من‬
‫يرجه‪ .‬فنقلوا طينا عظيما و حأة كثية‪ ،‬و جعوا منه إكاما عظاما‪ ،‬و ل يقدروا على جثة برام‪ .‬و كان ملكه ثلثا و عشرين سنة‪.‬‬
‫ث ملك بعده‪:‬‬

‫يزدجرد بن برام جور‬
‫فكان يسي بسية أبيه و ل يزل قامعا لعدوّه رؤوفا برعيّته و جنوده‪ .‬و كان له ابنان‪ :‬أحدها يسمّى هرمز‪ ،‬و الخر فيوز‪ .‬فغلب‬
‫هرمز على اللك بعد أبيه يزدجرد‪ ،‬و هرب فيوز منه و لق ببلد الياطلة [‪ ،]3‬و أخب ملكها بقصّته و قصّة أخيه هرمز‪ ،‬و أنّه‬
‫أول باللك منه‪ ،‬و سأله أن يدّه بيش يقاتل بم أخاه‪ .‬فأب عليه ملك الياطلة و قال‪:‬‬
‫ «سأعلم علمه‪ ،‬ث أمدّك إن كنت صادقا‪ ».‬فلما عرف ملك الياطلة أنّ هرمز ملك ظلوم غشوم‪ ،‬قال‪:‬‬‫ «إن الور ل يرضاه ال‪ ،‬و ل يصلح عليه اللك‪ ،‬و ل تقوم به سياسة‪ ،‬و ل‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بالفارسية القدية ‪: Mada.‬بالفهلوية ‪: May:‬البلد‪ ،‬بلد ماد (ميد)‪ ،‬عراق العجم و آذربيجان‪ ،‬أرض البل (حب)‪.‬‬
‫ماه البصرة‪ :‬الدينور‪ .‬ماه الكوفة‪ :‬ناوند (حب‪ ،‬نقل عن جاهر البيون‪.)205 :‬‬
‫[‪ .]2‬السبخة‪ :‬أرض ذات سباخ‪ ،‬و السباخ ما يعلو الاء من طحلب و نوه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الياطلة‪ :‬النسوبون إل هيطل و هو معرّب ‪ LHeptal‬أو ‪ LHeftal.‬و ف بندهش( ‪: Heftalan‬انكساريا‪:‬‬
‫‪ .)215‬بالفارسية‪ :‬هيتال (حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪167 :‬‬
‫يترف [‪ ]159[ ]1‬الناس ف ملك اللك الائر إلّا بالور‪ ،‬و ف هذا هلك الناس و خراب الرض‪ ».‬فأمدّ فيوز‪ ،‬و دفع إليه‬
‫الطالقان [‪ .]2‬فأقبل فيوز من عنده بيش طخارستان [‪ ]3‬و طوائف خراسان [‪ ،]4‬و سار إل أخيه هرمز بن يزدجرد و هو‬
‫بالرىّ‪ ،‬و كانت أمّهما واحدة‪ ،‬و كانت بالدائن تدبّر ما يليها من اللك‪ ،‬فظفر فيوز بأخيه‪ ،‬فحبسه و أظهر العدل و حسن‬
‫السية‪ ،‬و كان يتديّن‪ ،‬إلّا أنّه كان مارفا [‪ ]5‬مشؤوما على رعيته‪ ،‬و قحط الناس ف زمانه سبع سني‪ ،‬فأحسن فيها إل الناس‪ ،‬و‬
‫ف عن الباية‪ ،‬و ساسهم أحسن سياسة‪.‬‬
‫قسم ما ف بيوت الموال و ك ّ‬
‫ن و العيون‪ ،‬و قحلت [‪ ]6‬الشجار و الغياض [‪ ،]7‬و‬
‫و يقال‪ :‬إنّ النار غارت ف مدّة هذه السبع السني‪ ،‬و كذلك الق ّ‬
‫تاوتت الوحوش و الطيور‪ ،‬و جاعت النعام و الدوابّ‪ ،‬حت كانت ل تطيق أن تمل حولة‪ ،‬و عمّ أهل البلد الهد [‪ ]8‬و‬
‫الجاعة‪.‬‬

‫حسن سياسة من فيوز‬
‫فبلغ من حسن سياسة فيوز لذلك المر [‪ ]160‬أن كتب إل جيع أهل رعيّته‪ :‬أنّه ل خراج عليكم و ل جزية و ل سخرة‪ ،‬و‬
‫أنّه قد ملّكهم أنفسهم و أمرهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ل يترق‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطالقان مدينة على ثلث منازل من مرو الروذ من جهة بلخ‪ ،‬و كانت مدينة ذات أهية ف القرن الثالث الجري (ل‪:‬‬
‫‪.)449‬‬
‫[‪ .]3‬طخارستان‪ :‬ولية ف شرقى بلخ على الساحل النوب من جيحون تتد إل بدخشان (ل‪.)453 :‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬خوارسان‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الحارف‪ :‬الجازى على الي و الشرّ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬قحل‪ :‬يبس‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الغيضة‪ :‬الجة‪ :‬الوضع الذي يكثر فيه الشجر و يلتفّ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الهد‪ :‬الشقّة و الفقر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪168 :‬‬
‫بالسعي فيما يقوتم [‪ ]1‬و يصلحهم‪ .‬ث كتب إليهم ف إخراج الوى [‪ ]2‬و الطعام و الطامي [‪ ]3‬لك ّل من كان يلك شيئا من‬
‫ذلك ما يقوت [‪ ]4‬الناس‪ ،‬و التآسى فيه‪ ،‬و ترك الستيثار به‪ ،‬و أن يكون حال أهل الفقر و الغن و أهل الشرف و الضعة ف‬
‫التآسى واحدة‪ ،‬و أخبهم أنّه إن بلغه أن إنسيّا مات جوعا‪ ،‬عاقب أهل تلك الدينة أو القرية أو الوضع الذي يوت فيه ذلك‬
‫النسى‪ ،‬و نكّل بم أشدّ النكال‪.‬‬
‫و يقال‪ :‬إنّه ل يهلك ف تلك اللزبة [‪ ]5‬و الجاعة أحد من رعيّته إلّا رجل من رستاق كورة أردشي خرّة‪.‬‬
‫ث إ ّن فيوز لا حييت بلده‪ ،‬و أغاثه ال بالطر‪ ،‬و عادت الياه‪ ،‬و صلحت الشجار‪ ،‬و استوسق [‪ ]6‬له اللك‪ ،‬أثخن [‪ ]7‬ف‬
‫العداء و قهرهم‪ ،‬و بن مدنا‪:‬‬
‫إحداها بالرىّ‪ ،‬و الخرى بي جرجان وصول‪ ]8[ ،‬و الخرى بناحية آذربيجان‪.‬‬
‫ث سار بنوده نو خراسان مريدا حرب أخشنواز [‪ ]161[ ]9‬ملك الياطلة‪ ،‬لشياء كانت ف نفسه‪ ،‬و ل ّن هؤلء القوم كانوا‬
‫يأتون الذكران و يرتكبون الفواحش‪ ،‬فتأوّل با و سار إليهم‪ .‬فلما بلغ أخشنواز خبه اشتدّ منه رعبه و علم أن ل طاقة له به‪.‬‬

‫حيلة تت للك الياطلة على فيوز‬
‫فكان ما تّ له على فيوز من اليلة حت قهره و قتله و قتل عامّة من كان‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬يقويهم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الوى‪ :‬جع الوّة‪ :‬الفرة‪ ،‬البئر الغطاة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطامي‪ :‬جع الطمورة‪ :‬مكان تت الرض قد هيئ ليطمر فيه البّ و الفول و نوه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬يفوت! أنظر إل كاتب مط كيف يعامل مع كلمتي من أصل واحد فيكتبهما‪« :‬يقويهم» و «يفوت»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬اللزبة‪ :‬الشدة‪ ،‬الزمة‪ ،‬القحط‪.‬‬
‫[‪ .]6‬استوسق‪ :‬انتظم‪.‬‬
‫[‪ .]7‬أثخن ف العداء‪ :‬بالغ ف قتالم‪.‬‬
‫[‪ .]8‬صول‪ :‬معرّب «چول» مدينة ف بلد الزر ف نواحي باب البواب و هو الدربند (يا)‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الطبي‪ :‬أخشنواز‪ ،‬خوشنواز (‪ .)875 :2‬بالفهلوية( ‪: Xshunvaz‬فم)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪169 :‬‬
‫معه‪ :‬أ ّن رجل من أصحاب أخشنواز‪ ،‬لا علم أنّ ملكه قد بعل [‪ ،]1‬و أنه قد أشرف على اللك هو و أهل بلده‪ ،‬تنصّح إليه و‬
‫قال‪:‬‬
‫ «إنّى رجل كبي السنّ قريب الجل‪ ،‬و قد فديت اللك و أهل ملكته بنفسي [‪ ]2‬فاقطع يدىّ و رجل ّى و أظهر ف جسمي و‬‫جنب آثار السياط و العقوبات‪ ،‬و ألقن ف طريق فيوز‪ ،‬و أحسن إل ولدي و عيال بعدي‪ ،‬فإنّى أكفيك أمر فيوز‪ ».‬ففعل ذلك‬
‫أخشنواز بذلك الرجل‪ ،‬و ألقاه ف طريق فيوز‪ .‬فلمّا م ّر به أنكر حاله و رأى شيئا فظيعا‪ .‬فسأله عن أمره‪ ،‬فأخبه‪ :‬أنّ أخشنواز‬
‫فعل به ذلك‪ ،‬لنّه قال له‪« :‬ل قوام لك باللك فيوز و جنوده»‪ ،‬و أشار عليه بالنقياد [‪ ]162‬له و العبودة‪.‬‬
‫فرقّ له فيوز‪ ،‬و رحه‪ ،‬و أمر بمله معه‪ ،‬فأعلمه على وجه النصح‪ ،‬أو ف ما زعم‪ ،‬أنه يدلّه على طريق قريب متصر ل يدخل أحد‬
‫منه قطّ إل أخشنواز على طريق الفازة‪ ،‬و سأله [‪ ]3‬أن يشتفى له منه‪ .‬فاغت ّر فيوز بذلك منه و أخذ القطع [‪ ]4‬بالقوم ف‬
‫الطريق الذي ذكره له‪ ،‬فلم يزل يقطع بم مفازة [‪ ]5‬بعد مفازة‪.‬‬
‫فلما شكوا عطشا أعلمهم أنّهم قد قربوا من الاء و من قطع الفازة‪ ،‬حت بلغ بم موضعا علم أنم ل يقدرون فيه على تقدّم و ل‬
‫تأخر‪ ،‬بيّن لم أمره‪.‬‬
‫فقال أصحاب فيوز لفيوز‪:‬‬
‫ «قد كنّا حذّرناك‪ ،‬أيّها اللك‪ ،‬فلم تذر‪ ،‬فأمّا الن فل بدّ من الضىّ قدما‪ ،‬فإنّه ل سبيل إل الرجوع‪ ،‬فلعلّك تواف القوم على‬‫الالت كلّها‪ ».‬فمضوا لوجوههم و قتل العطش أكثرهم‪ ،‬و صار فيوز بن نا معه إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بعل بأمره‪ :‬دهش و تيّر‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بنفسه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬و سأله ‪ ...‬و من قطع الفازة‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬القطع‪ :‬القطوع اليد أو الرجل‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الفازة‪ :‬الصحراء‪ ،‬الهلكة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪170 :‬‬
‫عدوّهم‪ .‬فلمّا أشرفوا عليهم‪ -‬و هم بأسوأ حال من الض ّر و الضعف‪ -‬دعوا أخشنواز إل الصلح‪ ،‬على أن يلّى سبيلهم حتّى‬
‫ينصرفوا إل بلدهم‪ ،‬على أن يعل له فيوز عهد [‪ ]163‬ال و ميثاقه ألّا يغزوهم و ل يروم أرضهم و ل يبعث إليه جندا‬
‫يقاتلونم‪ ،‬و يعل بي الملكتي حدّا ل يوزه‪ .‬فرضي أخشنواز بذلك‪ ،‬و كتب له كتابا متوما و أشهد له على نفسه شهودا‪ ،‬ثّ‬
‫خلّى سبيله و انصرف‪ .‬فلما صار إل ملكته حله النف على معاودة أخشنواز‪.‬‬

‫عاقبة غدره‬
‫فكان من عاقبة غدره‪ :‬أنّه غزاه بعد أن ناه وزراؤه و خاصّته عن ذلك‪ ،‬لا فيه من نقض العهد‪ ،‬فلم يقبل منهم و أب إلّا ركوب‬
‫رأيه‪ .‬و كان ف من ناه عن ذلك رجل يصّه و يتب رأيه يقال له‪ :‬مربوذ [‪ .]1‬فلمّا رأى لاجته‪ ،‬كتب ما دار بينهما ف صحيفة‪،‬‬
‫و سأله التم عليها‪ .‬و مضى فيوز لوجهه نو بلد أخشنواز‪.‬‬
‫فلمّا بلغ فيوز منارة كان بناها برام جور ف ما بي توم [‪ ]2‬بلد خراسان و بلد الترك‪ -‬لئلّا يوزها الترك إل خراسان‪ ،‬ليثاق‬
‫كان بي الترك و الفرس على ترك الفريقي التعدّى لا‪ ،‬و كان فيوز عاهد [‪ ]164‬أخشنواز أن ل ياوزها إل بلد الياطلة‪ -‬أمر‬
‫فيوز فصمد [‪ ]3‬فيها خسون فيل و ثلثائة رجل‪ ،‬فجرّت أمامه جرّا و اتّبعها‪ ،‬و زعم أنّه يريد بذلك الوفاء‪ ،‬و ترك ماوزة ما‬
‫عاهد عليه‪.‬‬
‫فلمّا بلغ أخشنواز ذلك من فعل فيوز‪ ،‬أرسل إليه يقول له‪:‬‬
‫ «إ ّن ال عزّ و جلّ ل يادع و ل ياكر‪ ،‬فانته عمّا انتهى عنه أسلفك‪ ،‬و ل تقدم على ما ل يقدموا عليه»‪.‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬مرديو‪ .‬الطبي‪ :‬مزدبوذ‪ ،‬مربود‪.‬‬
‫[‪ .]2‬جع التخم‪ :‬الد الفاصل بي أرضي‪ .‬الدّ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬صمد‪ :‬قصد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪171 :‬‬
‫فلم يفل فيوز لقوله‪ ،‬و ل يكترث برسالته‪ ،‬و جعل يستطعم ماربة أخشنواز و يدعوه إليها‪ ،‬و جعل أخشنواز يتنع من ماربته و‬
‫يتكرّهها‪ ،‬لنّ ج ّل ماربة الترك إنّما هو بالداع و الكر و الكائد‪.‬‬
‫ث إنّ أخشنواز أمر فحفر [‪ ]1‬خلف عسكره خندق عرضه [‪ ]2‬عشرة أذرع و عمقه عشرون ذراعا‪ ،‬و غمّى بشب ضعاف‪ ،‬و‬
‫ألقى عليه التراب‪ ،‬ث ارتل ف جنده و مضى غي بعيد‪ .‬فبلغ فيوز رحلة أخشنواز بنده من معسكره‪ ،‬فلم يشكّ أنّ ذلك هزية‬
‫منهم و أنّه قد انكشف [‪ ]3‬و هرب‪ .‬فأمر بضرب الطبول‪ ،‬و ركب ف جنده ف [‪ ]165‬طلب أخشنواز و أصحابه و أغذّوا [‬
‫‪ ]4‬السي‪ .‬و كان مسلكهم على ذلك الندق‪ .‬فلمّا بلغوه اقتحموه على عماية‪ ،‬فتردّى فيها فيوز و عامّة جنده‪ ،‬و هلكوا من‬
‫آخرهم [‪ .]5‬و عطف أخشنواز إل عسكر فيوز و احتوى على كلّ شيء فيه‪ ،‬و أسر موبذان موبذ‪ ،‬و صارت فيوز دخت‬
‫بنت فيوز ف من صار ف يده من نساء فيوز‪.‬‬
‫ث قام باللك بعد فيوز بن يزدجرد‪ ،‬ابنه‪:‬‬

‫بلش بن فيوز بن يزدجرد بن برام جور [‪]6‬‬
‫و كان حسن السية‪ ،‬حريصا على العمارة‪ .‬و بلغ من حسن نظره أنّه كان ل يبلغه أنّ بيتا خرب و جل أهله عنه‪ ،‬إلّا عاقب‬
‫صاحب القرية الت فيها ذلك البيت‪ ،‬على تركه إنعاشهم و س ّد فاقتهم‪ ،‬حت ل يضطروا إل اللء عن أوطانم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬أن يف!‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬عهته!‬
‫[‪ .]3‬انكشف‪ :‬انزم ف الرب‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬أعدوا‪ .‬أغذّ السي‪ :‬أسرع‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أنظر الطبي ‪.876 :2‬‬
‫[‪ .]6‬نفس الصدر ‪.882 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪172 :‬‬

‫ث ملك قباذ بن فيوز أخو بلش [‪]1‬‬
‫و كان صار إل خاقان يستنصره على أخيه بلش و يذكر أنّه أحقّ باللك منه‪.‬‬
‫فبقى هناك أربع سني‪ ،‬ثّ جهّزه خاقان‪ .‬فلمّا عاد و بلغ نيسابور [‪ ]166‬بلغه موت أخيه بلش [‪ .]2‬و كان ف وقت اجتيازه‬
‫تزوّج ابنة رجل من الساورة متنكّرا‪ ،‬و واقعها‪ ،‬فحملت بأنوشروان [‪ .]3‬و لا عاد ف هذا الوقت الذي ذكرناه‪ ،‬سأل عن‬
‫الارية‪ ،‬فأتى با و بابنه أنوشروان‪ .‬فتبّك به و با‪ .‬و لا بلغ حدود فارس و الهواز بن مدينة أرجان [‪ ،]4‬و بن حلوان‪ ،‬و بن‬
‫قباذ خرّة [‪ ،]5‬و عدة مدن أخر‪.‬‬

‫من آرائه اليّدة‬
‫فكان من آرائه اليّدة و عزائمه النافذة‪ ،‬قبضه على خاله «سوخرا [‪ .»]6‬و كان سبب ذلك أ ّن فيوز لا جرى عليه ما جرى من‬
‫الياطلة كان سوخرا يلفه على مدينة اللك بالدائن‪ .‬فجمع جوعا كثية من الفرس‪ ،‬و قصد أخشنواز ملك الياطلة و حاربه و‬
‫انتقم منه و تكّم عليه‪ .‬و كان وقع ف يده دفاتر الديوان الذي صحب فيوز‪ .‬فتقاضى بميع ما كان ف خزائنه و خزائن قوّاده و‬
‫أهله‪ ،‬و طلب الوجوه من السارى الذين بقوا ف يد أخشنواز‪ .‬و ل يزل يارب أخشنواز و يكيده و يبلغ منه [‪ ]167‬ما يتحكّم‬
‫به عليه‪ ،‬حت استنقذ من يده عامّة الفرس‪ ،‬و أكثر ما احتوى عليه من خزائن فيوز‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬نفس الصدر ‪.883 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بلس‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بالفهلوية‪: Anoshakruvan.‬‬
‫[‪ .]4‬أرجان‪ :‬ولية ف أقصى غرب فارس‪ ،‬خرائبها قريبة من ببهان (ل‪.)290 :‬‬
‫[‪ .]5‬قباذ خرّة‪ :‬ولية ف فارس‪ ،‬و مدنا‪ :‬كارزين‪ ،‬قي‪ ،‬أبرز (ل‪.)274 :‬‬
‫‪[Sukhray .]6‬من الصل الفستائى‪ :‬سوخره‪ ،‬و هو ف الفارسية «سرخ» أى‪ :‬الحر (وب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪173 :‬‬
‫فكان له أثر حسن عند الفرس و عند ابن فيوز‪ ،‬أعن‪ :‬بلش و قباذ‪ .‬فعظّموه و رفعوا منلته إل حيث ليس بينه و بي اللك إلّا‬
‫مرتبة واحدة‪ .‬فتولّى سياسة المر بنكة و تربة‪ ،‬و استوى على المر‪ ،‬و مال إليه الناس و استخفّوا بقباذ‪ ،‬و تاونوا به‪ .‬فلم‬
‫يتمل قباذ ذلك‪ ،‬و كتب إل سابور الرازي [‪ -]1‬الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران‪ ،‬و كان اصبهبذ البلد‪ -‬ف القدوم‬
‫عليه ف من قبله من الند‪ ،‬فقدم بم سابور‪ ،‬فواضعه قتال خاله سوخرا‪ ،‬و أمره فيه بأمره‪ ،‬على لطف و كتمان شديد خفىّ‪ .‬فغدا‬
‫سابور على قباذ‪ ،‬فوجد عنده سوخرا جالسا‪ .‬فمشى نو قباذ ماوزا له‪ ،‬و تغفّل سوخرا‪ .‬فلم يأبه سوخرا لرب سابور‪ ،‬حت ألقى‬
‫وهقا كان معه ف عنقه‪ ،‬ث اجتذبه‪ ،‬فأخرجه‪ ،‬و أوثقه‪ ،‬و استودعه السجن‪ .‬فحينئذ ضربت الفرس الثل بأن قالوا‪:‬‬
‫ «نقصت ريح سوخرا‪ ،‬و هبّت ريح مهران»‪.‬‬‫ث قتل قباذ سوخرا‪ .‬فكان هذا رأيا تّ على سكون‪ ،‬و ل يضطرب فيه أمر‪.‬‬
‫[‪]168‬‬

‫سوء تدبي قباذ عند ظهور مزدك و زوال ملكه‬
‫و كان مّا أساء فيه التدبي و الرأى حتّى اجتمعت كلمة موبذان موبذ و جاعة الفرس على حبسه و إزالة ملكه عنه‪ .‬أنّه اتّبع رجل‬
‫يقال له «مزدك»‪ ،‬مع أصحاب له يقال لم‪« :‬العدليّة»‪.‬‬
‫قالوا‪« :‬إنّ ال جعل الرزاق ف الرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالتآسى‪ ،‬و لكن الناس تظالوا‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬بدون «الرازي»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪174 :‬‬
‫و زعموا‪ :‬أنّهم يأخذون للفقراء من الغنياء و يردّون من الكثرين على القلّي‪ ،‬و أنّه من كان عنده فضل ف الال و القوت‪ ،‬أو‬
‫النساء و المتعة‪ ،‬فليس هو أول به من غيه‪.‬‬
‫فافترص السفلة ذلك و اغتنموه‪ ،‬و كانفوا مزدك و أصحابه حت قوى أمرهم‪.‬‬
‫فكانوا يدخلون على الرجل ف داره‪ ،‬فيغلبونه على ماله و نسائه‪ ،‬فل يستطيعون المتناع منهم‪ .‬و قوّاهم قبول اللك رأيهم‪ ،‬و‬
‫دخوله معهم‪ .‬فلم يلبثوا إلّا قليل حت صار الرجل ل يعرف أباه‪ ،‬و ل الب ولده‪ ،‬و ل يلك أحد شيئا مّا يتّسع به‪.‬‬
‫و صيّروا قباذ ف مكان ل يصل إليه غيهم فيه‪ .‬فأجعت الفرس‪ -‬حي رأوا فساد اللك‪ -‬على تليك أخيه جاماسف بن فيوز‪.‬‬
‫و قد حكى أيضا‪ :‬أ ّن الزدكيّة [‪ ]169‬هم الذين أجلسوا جاماسف ليكون اللك من قبلهم ل منّة لغيهم عليهم‪ ،‬إلّا أنّ الكاية‬
‫الول أشبه بالقّ‪.‬‬

‫ذكر حيلة تّت لخت قباذ حتّى أخرجته من البس‬
‫ث إنّ أختا لقباذ أتت البس الذي كان فيه قباذ‪ .‬فحاولت الدخول إليه‪ ،‬فمنعها الوكّل الذي كان ثقة عليه‪ ،‬و طمع أن يفضحها‬
‫بذلك السبب و ألقى طمعه فيها‪.‬‬
‫ف قباذ ف‬
‫فأخبته أنّها غي مالفة له ف شيء ما يهواه منها‪ .‬فأذن لا حتّى دخلت السجن و أقامت عند قباذ يوما‪ .‬ث أمرت فل ّ‬
‫ى ضابط كان معه ف البس‪ .‬فلمّا مرّ الغلم بوال البس‪ ،‬سأله عمّا يمله‪ .‬فأفحم‪ ،‬فاضطرب‪.‬‬
‫بساط‪ ،‬و حل على عاتق غلم قو ّ‬
‫فلحقته أخت قباذ فأخبته أنّه فراش كانت افرشته ف عراكها [‪ ،]1‬و أنّها إنّما خرجت لتتطهر و تنصرف‪ .‬فصدّقها و ل يس‬
‫البساط‪ ،‬و ل يدن منه استقذارا له على مذهبهم‪ ،‬و خلّى عن الغلم الامل لقباذ‪ .‬فمضى به‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬العراك‪ :‬اليض‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪175 :‬‬
‫و خرجت ف أثره‪ ،‬و هرب قباذ‪ ،‬فلحق بأرض [‪ ]170‬الياطلة‪ ،‬ليستمدّ ملكها فيحارب من يالفه‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إنّه نزل ف مسيه ب «أبرشهر [‪ »]1‬على رجل من عظمائها‪ .‬فتزوّج ابنة له معصرا [‪ ،]2‬و إنّها أمّ كسرى أنوشروان و‬
‫إنّ نكاحه لم أنوشروان ف سفره هذا‪ّ .‬ث إنّ قباذ رجع من سفره هذا بابنه أنوشروان‪ .‬و غلب أخاه جاماسف بعد أن ملك اخوه‬
‫ستّ سني‪ .‬ث غزا الروم و افتتح آمد [‪ ]3‬و بن مدنا منها‪ :‬أرجان و غيها‪ ،‬و ملّك ابنه كسرى أنوشروان و أعطاه خاته‪.‬‬
‫و هلك قباذ و كان ملكه بسن ملك [‪ ]4‬أخيه ثلثا و أربعي سنة‪.‬‬

‫سبب هلك قباذ‬
‫و كان سبب هلكه سوء رأيه‪ ،‬و فساد عقيدته‪ ،‬و ضعف ملكه‪ .‬و ذلك أنّه لّا التقى الارث بن عمرو بن حجر الكندي و‬
‫النعمان بن النذر بن إمرئ القيس‪ ،‬قتله‪ ،‬و أفلت النذر بن النعمان الكب‪ ،‬و ملك الارث بن عمرو الكندي ما كان يلك‬
‫النعمان‪ .‬فبعث قباذ بن فيوز ملك فارس إل الارث بن عمرو الكندي أنّه‪:‬‬
‫ «قد كان بيننا و بي اللك الذي كان قبلك عهد و إنّى أحبّ لقاءك»‪ ]171[ .‬و كان قباذ زنديقا يظهر الي‪ ،‬و يكره سفك‬‫الدماء‪ ،‬و يدارى أعداءه ف ما يكره من سفك الدماء‪ ،‬و كثرت الهواء ف زمانه و استضعفه الناس‪.‬‬
‫فخرج إليه الارث بن عمرو ف عدد و عدّة‪ ،‬حت التقيا بقنطرة الفيّوم‪ .‬فأمر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ايرانشهر‪ .‬و أبرشهر اسم لنيسابور ف أوائل الكم السلمي‪ ،‬و كان يقال لا ايرانشهر أيضا (ل‪:‬‬
‫‪.)409‬‬
‫[‪ .]2‬أعصرت الرأة‪ :‬أدركت و كأنّها دخلت شبابا فهي معصر‪.‬‬
‫[‪ .]3‬آمد‪ :‬أكب مدن ديار بكر على الدجلة العليا (ل‪.)93 :‬‬
‫[‪ .]4‬الصل و مط‪ :‬بلك سن أخيه‪ .‬و الباء بعن مع‪ .‬أنظر الطبي ‪ .888 :2‬و ابن الثي ‪.414 :1‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪176 :‬‬
‫قباذ بطبق من تر‪ ،‬فنع نواه‪ ،‬و أمر بطبق آخر‪ ،‬فجعل فيه تر بنواه‪ .‬ث وضعا بي أيديهما‪ ،‬و جعل الذي فيه النوى بي يدي‬
‫الارث بن عمرو‪ ،‬و الذي ل نوى فيه بي يدي اللك قباذ‪ .‬فكان الارث يأكل التمر و يلقى النوى‪ ،‬و اللك يأكل التمر و ل‬
‫يتاج إل إلقاء النوى‪.‬‬
‫فقال الارث‪« :‬ما لك ل تأكل كما آكل؟» فقال الارث‪« :‬إنّما يأكل النوى إبلنا و غنمنا‪ ».‬و علم أنّ قباذ يهزأ به‪ .‬ث افترقا‬
‫على الصلح و على أن ل يتجاوز الارث و أصحابه الفرات‪.‬‬
‫إلّا أنّ الارث استضعفه و طمع فيه‪ ،‬فأمر أصحابه أن يعبوا الفرات و يغيوا على قرى السواد‪ .‬فأتى قباذ الصريخ و هو بالدائن‪،‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫ «هذا من تت كنف ملكهم»‪.‬‬‫ث أرسل إل الارث بن عمرو‪ :‬أ ّن لصوصا من العرب قد أغاروا على السواد [‪ ]172‬و أنه يبّ لقاءه‪.‬‬
‫فلقيه‪ ،‬فقال قباذ كالعاتب‪:‬‬
‫ «لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك‪ ».‬فطمع الارث ف لي كلمه فقال‪:‬‬‫ «ما علمت و ل شعرت‪ ،‬و ل أستطيع ضبط لصوص العرب‪ ،‬و ما ك ّل العرب تت طاعت‪ ،‬و ما أتكّن منهم إلّا بالال و‬‫النود‪ ».‬فقال له قباذ‪« :‬فما الذي تريد؟» قال‪« :‬أريد أن تطعمن من السواد ما أتّخذ به سلحا [‪ ».]1‬فأمر له با يلي جانب‬
‫الغرب من أسفل الفرات و هي ستّة طساسيج‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ملجا!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪177 :‬‬
‫فأرسل الارث بن عمرو الكندي إل تبّع و هو باليمن‪:‬‬
‫ «إنّى قد طمعت ف ملك العاجم‪ ،‬و قد أخذت منه ستّة طساسيج‪ ،‬فأجع النود و أقبل‪ ،‬فانّه ليس دون ملكهم شيء‪ ،‬لنّ‬‫اللك عليهم ل يأكل اللحم‪ ،‬و ل يستحلّ هراقة الدماء‪ ،‬و له دين ينعه من ضبط اللك‪ ،‬فبادر بعدّتك و جندك‪ ».‬فجمع تبّع‬
‫النود‪ ،‬و سار حت نزل الية‪ ،‬و قرب من الفرات‪ ،‬فآذاه البقّ‪ ،‬فأمر الارث بن عمرو أن يشقّ له نرا إل النجف‪ ،‬ففعل و هو‬
‫نر الية‪ ،‬فنل عليه‪ ،‬و وجّه ابن أخيه [‪ ]1‬شرا ذا الناح [‪ ]173‬إل قباذ‪ .‬فقاتله‪ ،‬فهزمه شر‪ ،‬حت لق بالرىّ‪ ،‬ث أدركه با‬
‫فقتله‪.‬‬

‫ذكر ما ّت لتبّع و ابن أخيه شر و ابنه حسّان بعد احتوائهم على ملكة الفرس‬
‫ثّ إ ّن تبّعا أمضى شرا ذا الناح إل خراسان‪ ،‬و وجّه ابنه حسّان إل السغد [‪ ]2‬و قال‪:‬‬
‫ «أيّكما سبق إل الصي فهو عليها‪ ».‬و كان كلّ واحد منهما ف جيش عظيم يقال‪ :‬إنما كانا ستمائة ألف و أربعي ألفا‪ .‬و‬‫بعث ابن أخيه الخر و اسه‪« :‬يعفر» إل الروم‪.‬‬
‫فأمّا يعفر فإنّه سار حت أتى قسطنطينية‪ .‬فأعطوه الطاعة و التاوة‪ .‬ث مضى إل روميّة فحاصرها‪ .‬ث أصابم جوع‪ ،‬و وقع فيهم‬
‫طاعون فرقّوا [‪ .]3‬و علم الروم بذلك‪ ،‬فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد‪.‬‬
‫و أمّا شر ذو الناح فانّه سار حتّى انتهى إل سرقند‪ ،‬فحصرها‪ ،‬فلم يظفر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ابن أخته‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬السفه‪ .‬الطبي‪ :‬الصغد‪.‬‬
‫[‪ .]3‬رقّ‪ :‬نف و لطف‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪178 :‬‬
‫منها بشيء‪ .‬فلمّا رأى ذلك‪ ،‬أطاف [‪ ]1‬بالرس حت أخذ رجل من أهلها‪ ،‬فاستمال بقلبه‪ ،‬ث سأله عن الدينة و ملكها‪.‬‬
‫فقال‪« :‬أمّا ملكها فأحق الناس ليس له ه ّم إلّا الشرب و الكل و الماع‪ ،‬و لكن له بنت [‪ ]174‬هي الت تقضى أمر الناس‪».‬‬
‫فمنّاه و وعده حت طابت نفسه‪ .‬ث بعث معه هديّة إليها و قال‪:‬‬
‫ «أخبها أنّى إنّما جئت من أرض العرب للذي بلغن من عقلها‪ ،‬لتنكحن نفسها‪ ،‬فأصيب منها غلما يلك العرب و العجم‪ ،‬و‬‫أنّى ل أجئ التماس الال‪ ،‬و أنّ معى من الال أربعة آلف تابوت ذهبا و فضّة هاهنا‪ ،‬و أنا أدفعها إليها و أمضى إل الصي‪ ،‬فإن‬
‫كانت ل الرض‪ ،‬كانت امرأتى‪ ،‬و إن هلكت كان الال لا‪ ».‬فلمّا انتهت رسالته إليها قالت‪:‬‬
‫ «قد أجبته‪ ،‬فليبعث بالال‪ ».‬فأرسل إليها بأربعة آلف تابوت‪ ،‬و ف كلّ تابوت رجلن‪ .‬و كان لسمرقند أربعة أبواب‪ ،‬على‬‫كلّ باب منها أربعة آلف رجل‪ .‬و جعل شر العلمة بينه و بينهم أن يضرب لم باللجل‪ .‬و تقدّم ف ذلك إل رسله الذين وجّه‬
‫معهم‪ .‬فلمّا صاروا ف الدينة ضرب لم باللجل‪ .‬فخرجوا‪ ،‬فأخذوا بالبواب و ند [‪ ]2‬شر ف الناس فدخل الدينة‪ ،‬و قتل أهلها‬
‫و حوى ما فيها [‪.]3‬‬
‫ث سار إل الصي‪ .‬فلقى زحوف الترك [‪ ]175‬فهزمهم‪ ،‬و انتهى إل الصي‪.‬‬
‫فوجد حسّان [بن] [‪ ]4‬تبّع قد كان سبقه إليها ثلث سني‪ .‬فأقاما با‪ -‬ف بعض الروايات‪ -‬حت ماتا‪ ،‬و كان مقامهما إحدى و‬
‫عشرين سنة‪ .‬و ف بعض الروايات‪ -‬و هو الجمع عليه‪ :-‬أ ّن شرا و حسّانا انصرفا ف الطريق الت كانا أخذا فيه‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬أطاق‪ .‬أطاف بالشيء‪ :‬أ ّل به‪ ،‬و أحاط به‪ .‬طرقه ليل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ند‪ :‬نض و مضى‪ .‬ند لعدوه‪ :‬صمد‪ ،‬و شرع ف قتاله‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.890 :2‬‬
‫[‪ .]4‬زيادة من الطبي ‪.892 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪179 :‬‬
‫حتّى قدما على تبّع با حازا من الموال بالصي و صنوف الوهر و الطيب و السب‪ ،‬ث انصرفوا جيعا إل بلدهم‪ .‬و ذلك أنّه‬
‫كانت هّة ملوك العرب الغزو و الغنيمة و ل يطمعوا ف اللك الثابت‪ .‬و كان أحدهم إذا مل يده من الغنائم و أرضى جنده و‬
‫ظفروا با ف نفوسهم‪ ،‬انكفأوا إل بلدهم‪.‬‬
‫و كانت وفاة تبع باليمن و ل يرج أحد من ملوك اليمن بعده غازيا إل شيء من البلد‪ .‬و كان ملكه مائة و إحدى و عشرين‬
‫سنة‪.‬‬
‫و أمّا ف الرواية الخرى‪ :‬فإنّه أقام تبّع و واطأ ابن أخيه شرا و ابنه حسّانا أن يلكا الصي‪ ،‬و يمل إليه الغنائم‪ ،‬و نصب بينه و‬
‫بينهم النار‪ .‬فكان إذا حدث [‪ ]176‬حدث أوقدوا النار‪ ،‬فأتى الب ف ليلة‪ .‬و كان جعل آية ما بينه و بينهم [أنه] [‪:]1‬‬
‫ «إن أنا أوقدت نارين من عندي فهو هلك يعفر‪ ،‬و إن أوقدت ثلثا فهو هلك تبّع‪ .‬و إن كانت من عندهم نار فهو هلك‬‫حسّان‪ ،‬و إن كانت نارين فهو هلكهما»‪.‬‬
‫فمكثوا بذلك‪ .‬ث إنه أوقد نارين فكان هلك يعفر‪ ،‬ث أوقد ثلثا فكان هلك تبّع‪.‬‬
‫و قد ذكر بعض الرواة‪ :‬أنّ الذي سار إل الشرق من التبابعة‪ ،‬تبّع الخر و هو‪:‬‬
‫تبّع تبان أسعد أبو بكر بن مليكيكرب بن زيد بن عمرو ذى الذعار و هو أبو حسّان‪.‬‬
‫و قام باللك بعد قباذ ابنه كسرى أنوشروان‬
‫فاستقبل المر ب ّد و سياسة و حزم‪ .‬و كان جيّد الرأى‪ ،‬كثي النظر‪ ،‬صائب التدبي‪ ،‬طويل الفكر ث الستشارة‪ .‬فجدّد سية‬
‫أردشي‪ ،‬و نظر ف عهده [‪ ،]2‬و أخذ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تكملة يقتضيها السياق‪ .‬و ف الطبي‪ :‬أن إذا أوقدت‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أنظر العهد ف ص ‪.144 -122‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪180 :‬‬
‫نفسه به‪ ،‬و أدّب به رعيته و بطانته‪ ،‬و بث عن سياسات المم‪ ،‬و استصلح لنفسه منها ما رضيه‪ ،‬و نظر ف تدابي [‪ ]1‬أسلفه‬
‫الستحسنة [‪ ]177‬فاقتدى با‪.‬‬
‫و كان أوّل ما بدأ به أن أبطل ملّة زرداشت الثان الذي كان من أهل فسّا‪ ،‬و كان مّن دعا إليها مزدك بن فامارد [‪ ،]2‬و كان مّا‬
‫آمن به الناس‪ -‬لا زيّنه لم و حثّهم عليه‪ -‬التآسى ف أموالم و أهاليهم‪ .‬و ذكر أنّ ذلك من البّ الذي يرضاه ال و يثيب عليه‬
‫ض السفلة بذلك على‬
‫أحسن الثواب‪ ،‬و أنّه لو ل يكن الذي أمرهم به من الدين‪ ،‬لكان مكرمة ف الفعال و رضى ف التفاوض‪ .‬فح ّ‬
‫الشراف و اختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء‪ ،‬و سهّل سبيل الظلمة إل الظلم‪ ،‬و العهّار [‪ ]3‬إل قضاء نمتهم و إل‬
‫الوصول إل الكرائم‪ .‬فشمل الناس بلء عظيم‪.‬‬
‫فلما أبطل اللك أنوشروان ملّة هذين‪ ،‬و قتل عليه بشرا كثيا‪ ،‬و سفك من الدماء ما ل يصى كثرة من ل ينتهى‪ ،‬و قتل قوما من‬
‫الانوية و ثبت ملة الجوسية القدية‪ ،‬كتب [‪ ]4‬ف ذلك كتبا بليغة إل أصحاب الوليات و الصبهبذين‪ ،‬و قوّى اللك بعد ضعفه‬
‫بإدامة النظر‪ ،‬و هجر اللذ و ترك اللهو إلّا ف أوقات‪ ]178[ ،‬حت نظّم أموره و قوّى جنوده بالسلحة و الكراع‪ ،‬و عمر‬
‫البلد‪ ،‬و حفظ الموال‪ ،‬و فرّق منها ما ل يسع حفظه من الرزاق و الصلت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪ :‬تدبي‪ .‬فأثبتناها «تدابي» لظهور كون «الستحسنة» صفة ل «تدابي» ل ل «السلف»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط‪ :‬مزدك بن فامارد‪ .‬بالفهلوية ‪: LMazdak.‬ف الطبي‪ :‬مزدق بن بامذاد (‪ .)893 :2‬ف البيون‪ :‬مژدك بن‬
‫هدادان من أهل نسا (الثار‪ .)209 :‬و قيل‪ :‬هو من إصطخر فارس‪ ،‬و نسا بن ‪ Nesa‬من نواحي شياز‪ ،‬تغي اسها إل بيضاء‪،‬‬
‫لقلعة بيضاء كانت فيها على حد قول الصطخرى (فم)‪ .‬و على ما ف الطبي‪ :‬كان من مدريه ‪ Madhraya‬أى كوت‬
‫العمارة حاليا‪ .‬دعا إل دين زردشت بونده (بوندس) السمى «دريست دين» و الذي كان ف إصلح الدين الانوى‪ .‬و زردشت‬
‫بونده (الزرادشت الثان‪ -‬مسكويه) كان من أهل فسّا (معرّب ‪ Pasa‬و هي ناحية ف فارس شرقى شياز مركزها مدينة بنفس‬
‫السم‪ -‬فم)‪ .‬كان ظهور زردشت بونده قبل ظهور مزدك بقرني ‪ (LC .R .K،‬و الطبي ‪.)893 ،885 :2‬‬
‫[‪ .]3‬أى سبيل العهّار‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل و مط‪« :‬و كتب» فحذفنا الواو‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪181 :‬‬
‫الوضوعة مواضعها‪ ،‬و سدّ الثغور‪ ،‬و ر ّد كثيا من الطراف الت غلب عليها المم بعلل و أسباب شتّى‪ ،‬منها‪ :‬السّند‪ ،‬و الرّخج [‬
‫‪ ،]1‬و زابلستان‪ ،‬و طخارستان [‪ ،]2‬و دروستان [‪ ]3‬و غيها‪ .‬و قتل أمّة يقال لا‪ :‬البافرز [‪ ]4‬و استبقى منهم من فرّقهم و‬
‫استعبدهم و استعان بم ف حروبه‪ .‬و أسرت له أمّة يقال لم‪ :‬صول‪ ،‬و قدم بم عليه‪ ،‬فقتلهم و استبقى ثاني رجل من كماتم‪ ،‬و‬
‫عمل أعمال عظيمة منها‪ :‬بنيانه الصون و الطام [‪ ]5‬و العاقل لهل بلده‪ ،‬يكون حرزا لم يلجأون إليها من عد ّو إن دههم‪.‬‬

‫من ثرة أعماله‬
‫فكان من ثرة هذه العمال‪ :‬أنّ خاقان‪ -‬و اسه سنحوا [‪ -]6‬كان ف ذلك الوقت أمنع الترك و أشجعهم‪ .‬و هو الذي قاتل‬
‫«ورز [‪ »]7‬ملك الياطلة‪ ،‬غي هائب كثرة الياطلة و منعتهم‪ ،‬و بأسهم‪ ]179[ .‬فقتل ورز [‪ ]8‬و عامّة جنده‪ ،‬و غنم أموالم و‬
‫احتوى على بلدهم إلّا ما كان كسرى غلب عليه منها‪ .‬و أقبل ف جوعه من أمم استمالم‪ ،‬و هم‪ :‬أبر‪ ،‬و بنجر‪ ،‬و بلنجر‪ .‬و‬
‫بلغت عدّة الميع مائة ألف و عشرة آلف مقاتل أناد‪.‬‬
‫فأرسل إل كسرى يتوعّده و يطلب منه أموال‪ ،‬و أنّه إن ل يعل بالبعثة إليه ما سأله‪ ،‬وطئ بلده و ناجزه [‪ .]9‬فلم يفل كسرى‬
‫به و ل يبه إل ما سأل‪ ،‬لتحصينه‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬الزنج‪ .‬و الرخج ولية ف أطراف قندهار و شرق ّى بست (ل‪.)371 :‬‬
‫[‪ .]2‬طخارستان‪ :‬ولية واسعة ف شرقى بلخ (ل‪.)453 :‬‬
‫[‪ .]3‬ف الطبي و حواشيه‪ :‬دردستان‪ ،‬دروستان‪ ،‬دورستان‪ .‬مط‪ :‬روستان‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪ :‬البامرز‪ ،‬البارز‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الطام‪ :‬جع مفرده الطم‪ ،‬و الطم‪ :‬الصن‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬مسحوا! ف الطبي‪ :‬سنجبوا‪ ،‬سحنوا سحبوا (‪.)895 :2‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬وزر‪ .‬ف الطبي‪ :‬ورز‪ ،‬ورد‪.‬‬
‫[‪ .]8‬مط‪ :‬وزرة‪.‬‬
‫[‪ .]9‬مط‪ :‬فاخره‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪182 :‬‬
‫نواحيه ل سيما ناحية صول الت أقبل منها خاقان‪ ،‬و لناعة السبل و الفجاج‪ ،‬و لعرفته بقدرته على ضبط ثغر أرمينية‪ .‬فأقدم‬
‫خاقان على ناحية صول من نواحي جرجان‪ ،‬فرأى من الصون و الرجال الذين أعدّهم كسرى ما ل حيلة له فيه‪ ،‬فانصرف خائبا‪.‬‬

‫فأما تدبيه للمزدكية و ردّه الظال و ما دبّر ف أمر النساء الغلوبات على أنفسهن و تدابيه الخرى‬
‫فإنّه ضرب أعناق رؤسائهم‪ ،‬و قسم أموالم ف أهل الاجة‪ ،‬و قتل جاعة كثية من كان دخل على الناس ف أموالم و أهاليهم من‬
‫عرف‪ ]180[ ،‬وردّ الموال إل أربابا‪ ،‬و أمر بكل مولود اختلف فيه‪ ،‬أن يلحق بن هو ف سيما ذلك منهم إذا ل يعرف أبوه‪ ،‬و‬
‫أن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه‪ ،‬إن قبله الرجل‪ ،‬و بك ّل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لا حت يغرم لا‬
‫مهرها و يرضى أهلها‪ ،‬ث تيّر الرأة بي القامة عليه و بي تزويج غيه‪ ،‬إلّا أن يكون لا زوج أوّل فتردّ إليه‪ .‬و أمر بكل من كان‬
‫أضرّ برجل ف ماله‪ ،‬أو ركب أحدا بظلمة أن يؤخذ منه القّ ث يعاقب الظال بعد ذلك بقدر جرمه‪ .‬أمر بعيال ذوى الحساب‬
‫الذين مات قيّمهم فكتبوا له‪ ،‬فأنكح بناتم الكفاء‪ ،‬و جعل جهازهم من بيت الال‪ ،‬و أنكح بنيهم من بيوتات الشراف‪ ،‬و أغناهم‬
‫و أمرهم بلزمة بابه ليستعان بم ف أعماله‪ .‬و خي نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسي و يصيّرن [‪ ]1‬ف الجراء أمثالن‪ ،‬أو‬
‫ن [‪ ]181‬و إسلف [أصحاب] [‪ ]2‬العمارات و تقويتهم‪ .‬و أمر‬
‫تبتغى لن أكفاؤهن من البعولة‪ .‬و أمر بكرى النار و حفر الق ّ‬
‫بإعادة ك ّل جسر أو‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬و يصرن ف الجر أمثالن (‪.)897 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مزيد من الطبي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪183 :‬‬
‫قنطرة خرّبت أن تردّ إل أحسن ما كانت عليه‪ .‬و أمر بتسهيل سبل الناس‪ ،‬و بن ف الطرق القصور و الصون‪ ،‬و تيّر الكام و‬
‫العمّال و تقدّم [‪ ]1‬إل من ولّى منهم أبلغ التقدّم‪ ،‬و تقدّم بكتب سي أردشي و وصاياه‪ ،‬فاقتدى با و حل الناس عليها [‪.]2‬‬

‫فتوح أنوشروان‬
‫فلما انتظمت له هذه المور و استوسق ملكه و وثق بنده و قوّته‪ ،‬سار نو أنطاكية فافتتحها و أمر أن تصوّر له الدينة على‬
‫ذرعها و طرقها و عدّة منازلا‪ ،‬و أن يبن على صورتا له مدينة إل جانب الدائن‪ ،‬فبنيت الدينة العروفة بالروميّة‪.‬‬
‫ث حل أهل أنطاكية حت أسكنهم إيّاها‪ .‬فلمّا دخلوا باب الدينة مضى أهل كلّ بيت منهم إل ما يشبه منازلم الت كانوا فيها‬
‫بأنطاكية‪ .‬ث قصد لدينة هرقل فافتتحها‪ ،‬ث السكندرية‪ ،‬و أذعن له قيصر‪ ،‬و حل إليه الفدية‪.‬‬
‫ث انصرف من الروم و أخذ نو الزر‪ ،‬فأدرك فيهم تبله [‪ ،]3‬و ما كانوا و تروه به [‪ ]182‬ف رعيّته‪ ،‬ث نو عدن‪ ،‬فسكر [‪]4‬‬
‫هناك ناحية من البحر بي [‪ ]5‬جبلي بالصخور و عمد الديد‪ .‬ث سار إل الياطلة مطالبا لم بدم فيوز‪ ،‬بعد أن صاهر خاقان و‬
‫استعان به‪ .‬فأتاهم‪ ،‬فقتل ملكهم‪ ،‬و استأصل أهل بيته‪ ،‬و تاوز بلخ و ما وراءها‪ ،‬و أنزل جنوده فرغانة [‪ .]6‬ث انصرف إل‬
‫الدائن‪ ،‬و بعث قوما إل البشة ف جند من الديلم‪ .‬فقتلوا مسروقا البشي باليمن‪ .‬و أقام مظفّرا منصورا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تقدم إليه‪ :‬أمره‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و من وصاياه‪ ،‬و عهده الذي تركه للملوك التي بعده‪ .‬أنظر‪ :‬ص ‪ 122‬إل ‪.144‬‬
‫[‪ .]3‬التبل‪ :‬القد و العداوة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬سكره‪ :‬سدّه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الطبي‪ :‬بي جبلي ما يلي أرض البشة بالسفن العظام و الصخور و عمد الديد و السلسل (‪:2‬‬
‫‪.)898‬‬
‫[‪ .]6‬فرغانة‪ :‬ولية على ساحل جيحون (ل‪.)519 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪184 :‬‬
‫يهابه جيع أمرائهم‪ ،‬و يضر بابه وفود الترك و الصي و الزر و نظرائهم‪ .‬و كان مكرما للعلماء‪ .‬و قد كان غزا برجان [‪ .]1‬ث‬
‫رجع فبن الباب [‪ ]2‬و البواب‪.‬‬
‫و ف زمانه ولد عبد ال أبو النب‪ -‬صلّى ال عليه و سلّم‪ .-‬و النب أيضا‪ -‬عليه السلم‪ -‬و ملك ثان [‪ ]3‬و أربعي سنة‪ .‬أمّا‬
‫عبد ال بن عبد الطلب فانّه ولد لربع و عشرين سنة من ملكه‪ .‬و بعث إل النذر بن النعمان‪ -‬و أمّه ماء السماء امرأة من اليمن‬
‫[‪ -]4‬فملّكه الية و ما كان يليه آل الارث بن عمرو‪ ،‬و ر ّد المر إل نصابه‪.‬‬

‫تدابي أنوشروان لستغزار الموال و تثميها‬
‫و من أحسن ما دبّره أنوشروان ف استغزار الموال و تثميها [‪ ]183‬أنّه بعد فراغه من الثغور و ملوك الطراف‪ ،‬و توظيفه‬
‫الوظائف على أقاصى اللوك من الترك و الزر و الند و غيهم‪ ،‬و بيعه مدن الشام و مصر و الروم على ملك الروم بأموال‬
‫عظيمة‪ ،‬و إلزامه جزية يملها ف كلّ سنة على ألّا يغزو بلده‪ ،‬نظر ف الراج و أبواب الال الت كان يستأديها اللوك قبله من‬
‫بلده‪ .‬فإذا رسوم الناس كانت جارية على الثلث من الرتفاع خراجا‪ ،‬و من بعض الكور الربع‪ ،‬و من بعضها المس‪ ،‬و من‬
‫بعضها السدس‪ ،‬على حسب شربا [‪ ]5‬و عمارتا‪ ،‬و من جزية الماجم [‪ ]6‬شيئا معلوما‪.‬‬
‫و كان اللك قباذ بن فيوز تقدّم‪ -‬ف آخر ملكه‪ -‬بسح الرض سهلها‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف مط‪« :‬عمر بن خان» بدل «غزابرجان»! برجان‪ ،‬بالفهلوية ‪: LVarjan:‬بلد من نواحي الزر (مع)‪ ،‬و الزر‪:‬‬
‫مصحّف الرز‪ ،‬و الرز‪ :‬معرّب گرج‪ .‬بالفارسية‪ :‬گرجستان (مت)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الباب و البواب‪ ،‬باب البواب‪ ،‬الدربند‪ ،‬دربند نوشروان‪ :‬مدينة على بر الزر (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الطبي‪ :‬سبعا (‪.)899 :2‬‬
‫[‪ .]4‬ف الطبي‪ :‬من النمر‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الشرب‪ :‬الاء‪ .‬النصيب من الاء‪ .‬وقت الشرب‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الماجم‪ :‬جع مفرده المجمة‪ :‬البئر تفر ف السبخة‪ ،‬أو ضرب من الكاييل (مو)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪185 :‬‬
‫و جبلها‪ ،‬ليصحّ الراج عليها‪ ،‬فمسحت‪ .‬غي أنّ قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك الساحة‪ .‬فلمّا ملك أنوشروان أمر‬
‫باستتمامها و إحصاء النخل و الزيتون و غي ذلك‪ ،‬و الماجم‪ .‬ث أمر الكتّاب فأخرجوا جل ذلك غي مفصّلة‪ ،‬و أذن للناس إذنا‬
‫عامّا‪ ،‬و أمر كاتب خراجه أن يقرأ [‪ ]184‬عليهم المل الستخرجة من أصناف الغلّات و عدد النخل و الزيتون و الماجم‪.‬‬
‫فقرأ ذلك عليهم‪.‬‬
‫ث قال لم كسرى‪:‬‬
‫ «إنّا رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه الساحة و من النخل و الزيتون و الماجم و ضائع‪ ،‬و نأمر بإنامها [‪ ]1‬ف‬‫السنة ف ثلثة أنم‪ .‬و نمع ف بيوت أموالنا من الموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور‪ ،‬أو طرف من الطراف‪ ،‬فتق أو شيء‬
‫نكرهه و احتجنا إل تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مال‪ ،‬كانت الموال عندنا معدّة موجودة‪ ،‬و ل نرد استيناف اجتبائها على تلك‬
‫الال‪ .‬فما ترون ف ما رأينا من ذلك و أجعنا عليه؟» فلم يشر عليه أحد منهم بشورة و ل ينبس بكلمة‪ .‬فكرر كسرى هذا القول‬
‫عليهم ثلث مرات‪.‬‬
‫فقام رجل من عرضهم و قال لكسرى‪:‬‬
‫ «أ تضع أيّها اللك‪ -‬عمّرك ال خالدا‪ -‬من هذا الراج على الفان من كرم يوت‪ ،‬و زرع يهيج [‪ ،]2‬و نر يغيض‪ ،‬و عي أو‬‫قناة ينقطع ماؤها؟» فقال له كسرى‪« :‬يا ذا الكفلة الشؤوم! من أىّ طبقات الناس أنت؟» قال‪« :‬أنا رجل من الكتّاب‪]185[ ».‬‬
‫ى [‪ ]3‬حت يوت‪ ».‬فضربوه با الكتّاب خاصّة تبّيا منه إل كسرى من رأيه و ما جاء منه حتّى‬
‫فقال كسرى‪« :‬اضربوه بالدو ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬النام‪ :‬تعيي مواقيت تأدية الدّين‪ .‬و النجم‪ :‬الوقت الضروب‪ ،‬أو القسط من الدّين (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬يهيج‪ :‬ييبس و يصفر‪.‬‬
‫ى جع الدواة‪ :‬الحبة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الدو ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪186 :‬‬
‫قتلوه‪.‬‬
‫و قال الناس‪:‬‬
‫ «نن راضون أيّها اللك با أنت ملزمنا من خراج‪ ».‬و إنّ كسرى اختار رجال من أهل الرأى و النصيحة‪ .‬فأمرهم بالنظر ف‬‫أصناف ما ارتفع إليه من الساحة و عدد النخل و الزيتون و رؤوس الزية‪ ،‬و وضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه‬
‫صلح الرعية و رفاغة [‪ ]1‬معايشهم‪ ،‬و رفع ذلك إليه‪.‬‬
‫فتكلّم كل امرئ منهم ببلغ رأيه ف ذلك و ف قدر الوضائع‪ ،‬و أداروا المر بينهم‪ ،‬فاجتمعت كلمتهم على وضع الراج على ما‬
‫يعصم الناس و البهائم و هو‪:‬‬
‫النطة‪ ،‬و الشعي‪ ،‬و الرز‪ ،‬و الكرم‪ ،‬و الرطاب [‪ ،]2‬و النخل‪ ،‬و الزيتون‪.‬‬
‫و كان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع النطة و الشعي درها‪ ،‬و على كل جريب كرم ثانية دراهم‪ ،‬و على كلّ‬
‫جريب أرض رطاب سبعة دراهم‪ ،‬و على كلّ [‪ ]186‬أربع نلت فارسية درها‪ ،‬و على ك ّل ست نلت دقل [‪ ]3‬مثل ذلك‪،‬‬
‫و على كلّ ستّة أصول زيتون مثل ذلك‪ .‬و ل يضعوا إلّا على كلّ نل ف حديقة‪ ،‬أو متمع غي شا ّذ [‪ ،]4‬و تركوا ما سوى ذلك‬
‫من الغلّات السبع‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬رفاهة‪ .‬ف الطبي‪ :‬رفاغة‪ .‬نقطة الغي مطموسة ف الصل‪ .‬الرفاغة‪ :‬لي العيش و سعتها و بذا العن تلئم ما ف مط‬
‫(رفاهة)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الرطاب‪ :‬جع رطبة (رطب)‪ :‬ما نضج من البسر قبل أن يصي ترا‪ .‬كل ما يؤكل من النبات غضّا طريّا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الدقل‪ :‬أردأ التمر‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الشاذّ‪ :‬النفرد الارج عن الماعة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪187 :‬‬
‫فقوى الناس ف معايشهم‪ ،‬و ألزموا الناس الزية ما خل أهل البيوتات‪ ،‬و العظماء‪ ،‬و القاتلة‪ ،‬و الرابذة‪ ،‬و الكتّاب‪ ،‬و من كان‬
‫ف خدمة اللك‪ .‬و صيّروها على طبقات‪:‬‬
‫اثن عشر درها‪ ،‬و ثانية‪ ،‬و ستّة‪ ،‬و أربعة‪ ،‬على قدر إكثار الرجل و إقلله‪ .‬و ل يلزموا الزية من كان أتى له من السني دون‬
‫العشرين‪ ،‬أو فوق المسي‪.‬‬

‫عمر يقتدى بوضائع كسرى‬
‫و رفعوا هذه الوضائع إل كسرى‪ .‬فرضيها‪ ،‬و أمر بإمضائها‪ ،‬و الجتباء عليها ف ثلثة أنم كلّ سنة‪ ،‬و سّاها «أبراسيار» [‪-]1‬‬
‫و تأويله‪ :‬المر التراضى به‪ -‬و هي الوضائع الت اقتدى عمر بن الطاب‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬با حي افتتح بلد الفرس‪ ،‬و أمر‬
‫باجتباء الناس من أهل الذمّة عليها‪ .‬إلّا أنّه وضع على ك ّل جريب [‪ ]2‬غامر [‪ ]3‬على قدر احتماله مثل الذي وضع على الرض‬
‫الزروعة‪ ]187[ ،‬و زاد على ك ّل جريب أرض‪ -‬مزارع حنطة أو شعي‪ -‬قفيزا من حنطة إل القفيزين‪ ،‬و رزق منه الند‪ .‬و ل‬
‫يالف بالعراق خاصّة وضائع كسرى على جربان الرض و على النخل و الزيتون و الماجم‪ ،‬و ألغى ما كان كسرى ألغاه ف‬
‫معايش الناس‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أبراسيار‪ :‬مهملة ف الصل و مط‪ ،‬و العجام من الطبي‪ .‬ف هامش الطبي‪ :‬ابن ابسار‪ ،‬ابرسيار (‪:2‬‬
‫‪ .)962‬أبراسيار تريف للكلمة الفارسية «هداستان» [أى‪ :‬اتفاق النظر و التصميم]‪ ،‬و يؤيّد ذلك أن الكلمة وردت ف ترجة‬
‫البلعمي (ص ‪ )250‬بعن التراضي و الصلح الضرائب من قبل أنوشروان‪.‬‬
‫أنظر الدكتور ممدي‪« :‬نظرة ف الرجع»‪ ،‬الدراسات الدبية‪ ،‬السنة الامسة‪ ،‬العدد الثان‪ ،‬ص ‪ ،112‬الاشية ‪.2‬‬
‫[‪ .]2‬الريب‪ :‬معرب «گرى» عشرة آلف ذراع (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أعجمنا العي كما ف الطبي‪ :‬غامر‪ .‬و الغامر خلف العامر‪ .‬الرض الراب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪188 :‬‬
‫ذكر قطعة من سية أنوشروان و سياساته كتبتها على ما حكاه أنوشروان نفسه ف كتاب [‪ ]1‬عمله ف سيته و ما ساس به ملكته‬
‫و قرأت فيما كتب أنوشروان من سية نفسه قال‪:‬‬

‫رجل اخترط السيف و أراد الوثوب علينا‬
‫«كنت يوما جالسا بالدّسكرة [‪ ]2‬و أنا سائر إل هذان لنصيف هناك و قد أعدّ طعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان‪ ،‬و‬
‫الياطلة‪ ،‬و الصي‪ ،‬و قيصر‪ ،‬و بغبور‪ ،‬إذ دخل رجل من الساورة مترطا سيفه حت وصل إل الستر [‪ .]3‬فقطع الستر ف ثلثة‬
‫أماكن‪ ،‬و أراد الدخول حيث نن‪ ،‬و الوثوب علينا‪ .‬فأشار علىّ بعض خدمي أن أخرج إليه بسيفي‪ .‬فعلمت أنّه إن كان إنّما هو‬
‫رجل واحد‪ ،‬فسوف يال بيننا و بينه‪ ،‬و إن كانوا جاعة فانّ سيفي ل يغن شيئا‪ ،‬فلم أخف و ل أترّك من مكان‪ .‬فأخذه بعض‬
‫الرس‪ ،‬فإذا هو رجل رازى من حشمنا و خاصتنا [‪ ]188‬فلم يشكّوا أنّ من هو على رأيه كثي‪ ،‬فسألون ألّا أجلس و ل أحضر‬
‫الشرب ف جاعة حت أستبي المر‪ .‬فلم أجبهم إل ذلك لئلّا يرى الرسل منّى جبنا‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬هو نفس ما ذكره ابن الندي باسم‪« :‬كتاب التاج ف سية أنوشروان» أو‪« :‬الكارنامج ف سية أنوشروان» نقله ابن القفع‬
‫من الفهلوية إل العربية (الفهرست‪ ،305 ،118 :‬مت‪.)43 :‬‬
‫[‪ .]2‬الدسكرة دستگرد ‪ Dastgard‬دستگرد خسرويه‪ ،‬دسكرة اللك‪ :‬على طريق طيسفون‪ -‬هدان (حب) على ‪ 107‬كم‪.‬‬
‫من الشمال الشرقي لطيسفون ‪ (LC .I .S،‬مت‪.)53 :‬‬
‫[‪ .]3‬الستر‪ :‬ما كان يسدل بي اللك و الندامى (التاج‪.)48 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪189 :‬‬
‫فخرجت لشرب‪ ،‬فلمّا فرغنا هدّدت الرازي بقطع اليمي و العقوبات‪ ،‬و سألت أن يصدقن عن الذي حله على ذلك‪ ،‬و أنّه إن‬
‫صدقن ل تنله عقوبة بعد ذلك‪ .‬فذكر أ ّن قوما وضعوا من قبل أنفسهم كتبا و كلما‪ ،‬و ذكروا أنّه من عند ال‪ ،‬أشاروا عليه‬
‫بذلك و أخبوه أن قتله‪ -‬إن قتلن‪ -‬يدخله النّة‪ .‬فلمّا فحصت عن ذلك وجدته حقّا‪ ،‬فأمرت بتخلية الرازي و بردّ ما أخذ منه‬
‫من الال‪ ،‬و تقدّمت بضرب رقاب أولئك الذين انتحلوا الدين‪ ،‬و أشاروا به عليه حتّى ل أدع منهم أحدا‪ ».‬و قال أنوشروان‪:‬‬

‫استحلل قتلى‬
‫«إنّى لّا أحضرت القوم الذين اختلفوا [‪ ]1‬ف الدين و جعتهم للنظر فيما يقولونه‪ ،‬بلغ من جرأتم و خبثهم و قوّة شياطينهم أن ل‬
‫يبالوا بالقتل و الوت ف إظهار [دينهم] [‪ ]2‬البيث‪ ،‬حتّى إنّى سألت أفضلهم رجل‪ ،‬على رؤوس الناس‪ ،‬عن استحلله [‪]189‬‬
‫قتلى فقال‪:‬‬
‫ «نعم! أستحلّ قتلك و قتل من ل يطاوعنا على ديننا‪« ».‬فلم آمر بقتله حتّى إذا حضر وقت الغذاء‪ ،‬أمرت أن يتبس للغداء‪ ،‬و‬‫أرسلت إليه بظرف من الطعام‪ ،‬و أمرت الرسول أن يبلّغه عنّى‪ :‬أنّ بقائى أنفع له مّا ذكر‪ .‬فأجاب رسول‪:‬‬
‫ «أ ّن ذلك حقّ‪ ،‬و لكن سألن اللك أن أصدقه ذات نفسي و ل أكتمه‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬اختلفوا ف الدين‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬دينهم من مط‪ ،‬و الصل غي واضح‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪190 :‬‬
‫شيئا ما أدين به‪ ،‬و إنّما أدين با أخذته من مؤدّب [‪ ».]1‬و قال أنوشروان‪:‬‬

‫تصدّقت على مساكي الروم‬
‫«لّا غدر ب قيصر و غزوته فذ ّل و طلب الصلح و أنفذ إلّ بال و أق ّر بالراج و الفدية‪ ،‬تصدّقت [‪ ]2‬على مساكي الروم و‬
‫ل قصي بعشرة آلف دينار‪ ،‬و ذلك ف ما وطئته من أرض الروم دون غيها‪ ».‬و قال‪:‬‬
‫ضعفاء مزارعيها ما بعث إ ّ‬

‫تفيف الراج لعمارة الراضى‬
‫«لا همت بتصفّح أمر الرعية بنفسي‪ ،‬و رفع البلء و الظلم عنهم‪ ،‬و ما ينوبم من ثقل الراج‪ -‬فإنّ فيه مع الجر تزيي الملكة‪،‬‬
‫و غناهم‪ ،‬و قدرة الوال على ما يب أن يستخرج منهم‪ ،‬إن هو احتاج إل ذلك‪ ،‬و قد كان ف آبائنا من يرى أنّ وضع الراج [‬
‫‪ ]190‬عنهم للسنة و السنتي و التخفيف أحيانا‪ ،‬مّا يقوّيهم على عمارة أرضيهم‪ -‬فجمعت العمال و من يؤدّى الراج‪ ،‬فرأيت‬
‫من تليطهم ما ل أر له حيلة إلّا التعديل و القاطعة على بلدة بلدة‪ ،‬و كورة كورة‪ ،‬و رستاق رستاق‪ ،‬و قرية قرية‪ ،‬و رجل رجل‪،‬‬
‫و استعملت عليهم أهل الثقة و المانة ف نفسي‪ ،‬و جعلت ف ك ّل بلد مع كلّ عامل أمناء يفظون عليه‪ ،‬و ولّيت قاضى كلّ‬
‫كورة النظر ف أهل كورته‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مؤدّب‪ :‬الباء ليست واضحة ف الصل‪ .‬مط‪ :‬مودى‪ .‬و هو من اليداء بعن الحسن و النعم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪« :‬صدقت» و ما أثبتناه من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪191 :‬‬
‫و أمرت أهل الراج أن يرفعوا ما يتاجون إل رفعه إلينا‪ ،‬إل القاضي الذي ولّيته أمر كورهم‪ ،‬حت ل يقدر العامل أن يزيد شيئا‪،‬‬
‫و أن يؤدّوا الراج بشهد من القاضي‪ ،‬و أن يعطى به الباءة [‪ ،]1‬و أن يرفع خراج من هلك منهم‪ ،‬و ل يراد الراج من ل‬
‫يدرك [‪ ]2‬من الحداث‪ ،‬و أن يرفع القاضي و كاتب الكورة و أمي أهل البلد و العامل‪ ،‬ماسبتهم إل ديواننا‪ ،‬و فرّقت الكتب‬
‫بذلك‪ ».‬و قال‪:‬‬

‫ما رفع إلينا موبذان موبذ‬
‫«رفع إلينا موبذان موبذ‪ :‬أنّ قوما سّاهم من ذوى الشرف‪ -‬بعضهم بالباب كان شاهدا [‪ ]191[ ]3‬و بعضهم ببلد أخر‪-‬‬
‫دينهم مالف لا ورثنا عن نبّينا و علمائنا‪ ،‬و أنّهم يتكلّمون بدينهم سرّا و يدعون إليه الناس‪ ،‬و أنّ ذلك مفسدة للملك‪ ،‬حيث ل‬
‫تقوم الرعيّة على هوى واحد‪ :‬فيحرّمون جيعهم ما يرّم اللك و يستحلّون ما يستحلّ اللك ف دينه‪ ،‬فإنّ ذلك إذا اجتمع للملك‪،‬‬
‫قوى جنده لجل الوافقة بينهم و بي اللك‪ ،‬فاستظهر على قتال العداء‪.‬‬
‫فأحضرت أولئك الختلفي ف الهواء [ ّث أمرت] [‪ ]4‬أن ياصموا [‪ ]5‬حتّى يقفوا على ال ّق و يقرّروا [‪ ]6‬به‪ ،‬و أمرت أن‬
‫يقصوا عن مدينت و عن بلدي و ملكت‪ ،‬و بتتبّع كلّ من هو على هواهم‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬المزة ف «الباءة» من مط‪ .‬و ف الصل‪ :‬الباة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أدرك الصب‪ :‬أدرك اللم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬ماضرا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ما بي [] ل يكن ل ف الصل و ل ف مط‪ ،‬فزدناه بوحي السياق‪.‬‬
‫[‪ .]5‬خاصمه‪ :‬جادله‪ ،‬و نازعه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬تقرير النسان بالشيء‪ :‬جعله ف قراره‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪192 :‬‬
‫فيفعل به ذلك‪ ».‬و قال‪:‬‬

‫ما سألته الترك و مسينا إل باب صول‬
‫«إنّ الترك الذين ف ناحية الشمال‪ ،‬كتبوا إلينا با قد أصابم من الاجة‪ ،‬و أنم ل يدون بدّا‪ -‬إن ل نعطهم شيئا‪ -‬من أن يغزونا‪،‬‬
‫و سألوا خصال‪ ،‬أحدها‪ :‬أن نتّخذهم ف جندنا و نري عليهم ما يعيشون به‪ ،‬و أن نعطيهم من أرض الكنج [‪ ]1‬و بلنجر [‪ ]2‬و‬
‫تلك الناحية‪ ،‬ما يتعيّشون منه‪ .‬فرأيت أن أسي ف ذلك الطريق إل باب صول [‪ ]192[ ،]3‬و أحببت أن تعرف اللوك من قبلنا‬
‫هناك نشاطنا للسفار و قوّتنا عليها مت همنا‪ ،‬و أن يروا ما رأوا من هيبة [‪ ]4‬اللوك‪ ،‬و كثرة النود‪ ،‬و تام العدّة‪ ،‬و كمال‬
‫السلح ما يقوون به على أعدائهم و يعرفون به قوّة من خلفهم إن هم احتاجوا إليه‪ ،‬و أحببنا‪ -‬بسينا‪ -‬أن يرى لم على أيدينا‬
‫الوائز و الملن [‪ ]5‬و القرب من الجلس و اللطف ف الكلم‪ ،‬ليزيدهم ذلك مودّة لنا‪ ،‬و رغبة فينا‪ ،‬و حرصا على قتال‬
‫أعدائنا‪ .‬و أحببت أيضا التعهّد لصونم‪ ،‬و أن أسأل أهل الراج عن أمرهم ف مسينا‪ ،‬فسرت ف طريق هذان و آذربيجان‪.‬‬
‫فلمّا بلغت باب الصول و مدينة فيوز‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الكنج‪ :‬معرّب «گنجه»‪ :‬مدينة عظيمة هي قصبة بلد أرّان‪ ،‬و أهل الدب يسمّونا‪ :‬جنة (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بلنجر‪ :‬مدينة ببلد الزر خلف الباب و البواب (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬صول‪ :‬مدينة ف بلد الزر ف الباب و البواب (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪ :‬هيئة‪ .‬و هو تصحيف‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الملن‪ :‬ما يمل عليه من الدوابّ ف البة خاصة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪193 :‬‬
‫خسره [‪ ،]1‬رمّمت تلك الدائن العتيقة و الدود‪ ،‬و أمرت ببناء حصون أخر‪.‬‬
‫«فلمّا بلغ خاقان الزر نزولنا هناك‪ ،‬توّف أن نغزوه‪ .‬فكتب‪:‬‬
‫أنّه ل يزل‪ -‬منذ ملكت‪ -‬يبّ موادعت‪ ،‬و أنّه يرى الدخول ف طاعت سعادة‪ ،‬و رأى بعض قوّاده لا شاهد حاله تركه‪ ،‬فأتانا ف [‬
‫‪ ]193‬ألفي من أصحابه‪ ،‬فقبلناه‪ ،‬و أنزلناه مع أساورتنا ف تلك الناحية‪ ،‬و أجريت عليه و على أصحابه الرزق‪ ،‬و أمرت لم‬
‫بصن هناك‪ ،‬و أمرت بصلّى لهل ديننا‪ ،‬و جعلت فيه موبذا و قوما نسّاكا‪ ،‬و أمرتم أن يعلّموا من دخل ف طاعتنا من الترك‪ ،‬ما‬
‫ف طاعة الولة من النفعة العاجلة ف الدنيا‪ ،‬و الثواب الجل ف الخرى‪ ،‬و أن يثّوهم على الودّة و الصحّة و العدل و النصيحة‬
‫و ماهدة العدوّ‪ ،‬و أن يعلّموا أحداثهم رأينا و مذهبنا‪ .‬و أقمت لم ف تلك التخوم [‪ ]2‬السواق و أصلحت طرقهم‪ ،‬و قوّمت‬
‫السكك‪ ،‬و نظرنا فيما اجتمع لنا هناك من اليل و الرجال‪ ،‬فإذا بيث لو كان ف وسط فارس‪ ،‬لكان منلنا با فاضل‪ ».‬قال‪:‬‬

‫تديد النظر ف أمر الملكة‬
‫«و لّا أتى للكنا ثان و عشرون سنة جدّدت [‪ ]3‬النظر ف أمر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الصل و مط‪ .‬و فيوز خسرو‪ :‬مدينة بالقرب من باب البواب باسم فيوز قباد‪ .‬بن هناك أنوشروان قصرا و سّاه‬
‫باب فيوز قباد (يا)‪ .‬و بعد أن بن هناك كسرى قصرا و عمرها سّيت باسه‪:‬‬
‫فيوز خسرو‪ّ ،‬ث غلب عليه السم الوّل‪ :‬فيوز قباد (مت‪.)64 :‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬النجوم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬حدّدت‪ .‬و نقطة اليم من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪194 :‬‬
‫الملكة و العدل على الرعية‪ ،‬و النظر ف أمرهم و إحصاء مظالهم و إنصافهم‪ ،‬و أمرت موبذ كلّ [ثغر] [‪ ]1‬و مدينة و بلد و‬
‫جند [‪ ]2‬بإناء ذلك إلّ‪ ،‬و أمرت بعرض الند من كان منهم بالباب‪ ]194[ ،‬بشهد منّى‪ ،‬و من غاب ف الثغور و الطراف‪،‬‬
‫بشهد القائد و باذوسبان [‪ ]3‬و القاضي و أمي من قبلنا‪ ،‬و أمرت بمع أهل كور الراج ف كلّ ناحية من ملكت إل مصرها‪،‬‬
‫مع القائد و قاضى البلد و الكاتب و المي‪ ،‬و سرّحت من قبلي من عرفت صحّته و أمانته و نسكه و علمه‪ ،‬و من جرّبت ذلك‬
‫منه إل ك ّل مصر و مدينة‪ ،‬حيث أولئك [الغلمان و] [‪ ]4‬العمال و أهل الرض‪ ،‬ليجمعوا بينهم و بي أهل أرضيهم و بي‬
‫وضيعهم و شريفهم‪ ،‬و أن يرفع المر كلّه على حقّه و صدقه‪[ :‬فما] [‪ ]5‬نفذ فيه لم أمر‪ -‬لو صحّ فيه القضاء و رضى به‬
‫أهله‪ -‬فرغوا منه هنالك‪ ،‬و ما أشكل عليهم رفعوه [‪ ]6‬إلّ‪ .‬و بلغ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الكلمة غي واضحة ف الصل فأثبتناها حسب مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬جند‪ :‬معرّب «گند» سى السلمون كل صقع جندا‪ ،‬بند عيّنوا له يقبضون أعطياتم فيه منه‪ .‬فكانوا يقولون‪ :‬هؤلء جند‬
‫كذا‪ ،‬حت غلب عليهم و على الناحية (يا) و الند معرب ‪ Gond:‬إحدى و حدات اليش الساسان‪ ،‬و رئيسها «گُند سالر»‪،‬‬
‫و يليها «درفش ‪» LDrafsh،‬ث «وشت ‪» LVasht‬بالواو الفارسية (مت‪: C .I .S .,P .502 66).‬‬
‫[‪ .]3‬باذوسبان‪ ،‬پادوسبان‪ ،‬پادگسپان ‪ Padgospan:‬درجة من درجات أصحاب الناصب‪ .‬و قد كان هذا اللقب يتلف‬
‫ارتفاعا و انفاضا حسب العصور الختلفة‪ .‬ففي بعضها‪ ،‬كان البادوسبان معاونا لاكم القضاء‪ ،‬و كان تابعا للصفهبذ‪ ،‬و ف‬
‫بعضها الخر‪ ،‬كانت للباذوسبان صلحية الرزبان‪ .‬و كان كل ناحية من نواحي الشمال و النوب و الشرق و الغرب تسمى ف‬
‫بعض العصور پادگش ‪ (Padgosh )C .I .S ,.P .64،‬و دام هذا الترتيب إل أوائل حكم أنوشروان‪ ،‬إلّا أنّ أنوشروان‬
‫استبدل الباذوسباني الربعة‪ ،‬بأربعة إصفهبذين (مت‪.)67 :‬‬
‫[‪ .]4‬ما بي [] تكملة من مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ما ف الصل و مط‪« :‬فيما» و هو خطأ نظرا لسياق العبارة‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ما ف الصل و مط‪« :‬و رفعوه» بالواو‪ ،‬فرأيناها زائدة مقحمة فحذفناها بوحي من السياق‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪195 :‬‬
‫اهتمامي بتفقّد ذلك ما لول الذي أدارى من العداء و الثغور‪ ،‬لباشرت أمر الراج و الرعيّة بنفسي قرية قرية‪ ،‬حت أ تعهّدها و‬
‫أكلّم رجل رجل من أهل ملكت‪ ،‬غي أنّى توّفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو أعظم منه‪ ،‬و المر الذي ل يغن فيه غنائى [‬
‫‪ ]195‬و ل يقدر على إحكامه غيى‪ ،‬و ل يكفينيه كاف‪ ،‬مع الذي ف الشخوص إل قرية قرية‪ ،‬و من الؤونة على الرعيّة من‬
‫جندنا‪ ،‬و من ل ند بدّا من إشخاصه معنا‪ .‬و كرهنا أيضا إشخاصهم إلينا‪ ،‬مع توّفنا أن يشغل أهل الراج عن عمارة أرضيهم‪،‬‬
‫أو يكون فيهم من يدخل عليه ف ذلك مؤونة ف تكلف السي إل بابنا‪ ،‬و قد ضيّع قراه و أناره و ما ل يد بدّا من تعهّده ف‬
‫السنة كلّها ف أوقات العمارة‪.‬‬
‫ففعلنا ذلك بم‪ ،‬و وكّلنا موبذان موبذ و كتبنا به الكتب و سرّحنا من وثقنا به و رجونا أن يرى مرانا‪ ،‬و شخّصنا و قلّدناه‬
‫ذلك‪ ».‬قال‪:‬‬

‫جلوسنا مع أهل الكور للفحص عن الرعيّة و أمناء الراج‬
‫«و لّا آمن ال جيع أهل ملكتنا من العداء‪ .‬فلم يبق منهم إلّا نو من ألفى رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصنهم لصعوبة‬
‫البال عليها‪ ،‬ل ند شيئا أنفع لملكتنا من أن نفحص من الرعيّة و أولئك المناء الذين وصّيناهم بإنصاف أهل الراج‪ ،‬و كان‬
‫بلغنا أنّ أولئك المناء ل يبالغوا على قدر رأينا ف ذلك‪ ،‬فأمرت بالكتب [‪ ]196‬إل قاضى كورة كورة‪ :‬أن يمع أهل الكورة‬
‫بغي علم عاملهم و أول أمرهم‪ ،‬فيسألم عن مظالهم و ما استخرج منهم‪ ،‬و يفحص عن ذلك بجهود رأيه‪ ،‬و يبالغ فيه‪ ،‬و يكتب‬
‫حال رجل‬

‫ج‪ ،1‬ص‪196 :‬‬
‫رجل منهم‪ ،‬و يتم عليه باته و خات الرضا من أهل تلك الكورة‪ ،‬و يبعث به إلّ‪ ،‬و يسرّح من يتمع رأى أهل الكورة عليه‬
‫بالرضا نفرا‪ ،‬و إن أحبّوا أن يكون ف من يشخص‪ ،‬بعض سفلتهم أيضا‪ ،‬فعل ذلك‪.‬‬
‫«فلمّا حضروا جلست للناس و أذنت بشهد من عظماء أرضنا و ملوكهم‪ ،‬و قضاتم و أحرارهم و أشرافهم‪ ،‬و نظرت ف تلك‬
‫الكتب و الظال‪ .‬فأيّة مظلمة كانت من العمّال و من وكلئنا‪ ،‬أو من وكلء وكلئنا‪ ،‬و نسائنا‪ ،‬و أهل بيتنا‪ ،‬حططنا عنهم بغي‬
‫بيّنة‪ ،‬لعلمنا بضعف أهل الراج عنهم و ظلم أهل القوّة من السلطان لم‪ ،‬و أية مظلمة كانت لبعضهم من بعض و وضحت لنا‪،‬‬
‫أمرت بإنصافهم قبل الباح [‪ ،]1‬و ما أشكل‪ ،‬أو وجب الفحص عنه‪ ،‬بشهود البلد [‪ ]197‬و قاضيها‪ ،‬سرّحت معه أمينا من‬
‫الكتّاب‪ ،‬و أمينا من فقهاء ديننا‪ ،‬و أمينا من وثقنا به من خدمنا و حاشيتنا‪ ،‬فأحكمت ذلك إحكاما وثيقا‪ ،‬و ل يعل ال لذوي‬
‫قرابتنا و خدمنا و حاشيتنا منلة عندنا دون القّ و العدل‪ ،‬فإ ّن من شأن قرابة اللك و حاشيته أن يستطيلوا بعزّة و قوّة‪ .‬فإذا أهل‬
‫السلطان أمرهم هلك من حاوروه [‪ ]2‬إلّا أن تكون فيهم متأدّب بأدب ملكه‪ ،‬مافظ على دينه‪ ،‬شفيق على رعيّته‪ ،‬و أولئك‬
‫قليل‪ .‬فدعانا الذي اطّلعنا عليه من ظلم أولئك‪ ،‬إل أن ل نطلب البيّنة عليهم ف ما ادّعى قبلهم‪ ،‬و ل نرد ظلم أحد من كان عزيزا‬
‫بنا‪ ،‬و منيعا بكانه و منلته عندنا‪ ،‬فانّ الق واسع للضعفاء و القوياء‪ ،‬و الفقراء و الغنياء‪ ،‬و لكنّا لّا أشكلت المور ف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬برح الكان براحا‪ :‬زال عنه و غادره‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف مط‪ :‬حاوزوه‪ .‬حاوروه‪ :‬جادلوه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪197 :‬‬
‫ذلك علينا‪ ،‬كان المل على خواصّنا و خدمنا‪ ،‬أحبّ إلينا من أن نمل على ضعفاء الناس و مساكينهم و أهل الفاقة و الاجة‬
‫منهم‪.‬‬
‫و علمنا أنّ أولئك الضعفاء ل يقدرون على ظلم من حولنا [‪ ]198‬و علمنا مع ذلك أنّ [الذين] [‪ ]1‬أعدينا [‪ ]2‬عليهم من‬
‫خاصّتنا يرجعون من نعمتنا و كرامتنا إل ما ل يرجع إليه أولئك الضغفاء‪.‬‬
‫و لعمري‪ ،‬إنّ أحبّ خواصّنا إلينا‪ ،‬و أبرّ خدمنا ف أنفسنا‪ ،‬الذين يفظون سيتنا ف الرعيّة‪ ،‬و يرحون أهل الفاقة و السكنة‪ ،‬و‬
‫ينصفونم‪ ،‬فإنّه قد ظلمنا من ظلمهم‪ ،‬و جار علينا من جار عليهم‪ ،‬و أراد تعطيل ذمّتنا الت هي حرزهم و ملجأهم‪ ».‬قال‪:‬‬

‫ما كتبه إلينا أربعة أصناف من ترك الزر‬
‫«ث كتب إلينا على رأس سبع و ثلثي سنة من ملكنا أربعة أصناف من الترك من ناحية الزر‪ ،‬و لكلّ صنف منهم ملك‪ ،‬يذكرون‬
‫ما دخل عليهم من الاجة‪ ،‬و ما لم من الظّ ف عبودتنا‪ ،‬و سألوا أن نأذن لم ف القدوم بأصحابم لدمتنا و العمل با نأمرهم‬
‫به‪ ،‬و ل نقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا‪ ،‬و أن ننلم منلة سائر عبيدنا‪ ،‬فإنّا سنرى ف كلّ ما نأمرهم به من قتال و غيه‪،‬‬
‫كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا‪.‬‬
‫«فرأيت ف قبول إيّاهم عدّة منافع‪ ،‬منها‪ ]199[ :‬جلدهم و بأسهم‪ ،‬و منها‪ :‬أنّى توّفت أن تملهم الاجة على إتيان قيصر أو‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪ :‬الذي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أعدينا عليهم‪ :‬ظلمناهم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪198 :‬‬
‫بعض اللوك فيقووا بم علينا‪ .‬و قد كان ف ما سلف يستأجر قيصر منهم لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الجرة‪ ،‬فكان لم ف ذلك‬
‫القتال بعض الشوكة بسبب أولئك التراك‪ ،‬و ل ّن الترك ليس عندهم لذّة الياة‪ ،‬فهو الذي [‪ ]1‬يرّيهم مع شقاء معيشتهم على‬
‫الوت‪.‬‬
‫فكتبت إليهم‪ :‬أنّا نقبل من دخل ف طاعتنا و ل نبخل على أحد با عندنا‪ .‬و كتبت إل مرزبان الباب آمره أن يدخلهم أوّل فأول‪.‬‬
‫«فكتب إلّ أنّه‪ :‬قد أتاه منهم خسون ألفا بنسائهم و أولدهم و عيالتم‪ ،‬و أتاه من رؤسائهم ثلثة آلف بأهل بيتهم و نسائهم و‬
‫أولدهم و عيالتم‪.‬‬
‫«و لّا بلغن ذلك أحببت أن أقرّبم إلّ‪ ،‬ليعرفوا إحسان إليهم ف ما أكرمهم به و أعطيهم‪ ،‬و ليطمئنّوا إل قوّادنا حتّى إذا أردنا‬
‫تسريهم مع بعض قوّادنا‪ ،‬كان كلّ واحد بصاحبه واثقا‪ .‬فشخصت إل آذربيجان‪ .‬فلما نزلت آذربيجان أذنت لم ف القدوم‪ ،‬و‬
‫أتان عند [‪ ]200‬ذلك طرائف من هدايا قيصر‪ ،‬و أتان رسول خاقان الكب و رسول صاحب خوارزم‪ ،‬و رسول ملك الند‪ ،‬و‬
‫الداور [‪ ،]2‬و كابل شاه‪ ،‬و صاحب سرنديب [‪ ،]3‬و صاحب كله [‪ ،]4‬و كثي من الرسل‪ ،‬و تسعة و عشرون ملكا ف يوم‬
‫واحد‪ ،‬و انتهيت إل أولئك التراك الثلثة و المسي اللف‪ ،‬فأمرت أن يصفّفوا هناك‪ ،‬و ركبت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فهو الذي‪ :‬كذا ف الصل و مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الداور‪ :‬ولية واسعة ماورة لولية رخج و بست و الغور‪ ،‬و هي ثغر الغور من ناحية سجستان‪ .‬و مدينة الداورتل و غور‪،‬‬
‫و ها على نر الندمند (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬سرنديب‪ :‬جزيرة عظيمة ف بر هركند بأقصى بلد الند‪( .‬مع)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬كله‪ :‬فرضة بالند‪ ،‬و هي منتصف الطريق بي عمان و الصي ف وسط خطّ الستواء (مع) من جزر الليج الثان من بر‬
‫الند (لد)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪199 :‬‬
‫لذلك‪ ،‬فكان يومئذ من أصحاب‪ ،‬و من قدم عليّ‪ ،‬و من دخل ف طاعت و عبودتى‪ ،‬من ل يسعهم مرج كان طوله نو عشرة‬
‫فراسخ‪.‬‬
‫فحمدت ال كثيا‪ ،‬و أمرت أن يصنّف أولئك التراك ف أهل بيوتاتم على سبع مراتب و رأّست عليهم منهم‪ ،‬و أقطعتهم‪ ،‬و‬
‫كسوت أصحابم‪ ،‬و أجريت عليهم الرزاق‪ ،‬و أمرت لم بالياه و الرضي‪ ،‬و أسكنت بعضهم مع قائد ل ببجان‪ ،‬و بعضهم مع‬
‫قائد ل باللّان [‪ ،]1‬و بعضهم بآذربيجان‪ ،‬و قسمتهم ف كلّ ما احتجنا إليه من الثغور‪ ،‬و ضممتهم إل الرزبان‪ .‬فلم أزل أرى من‬
‫مناصحتهم و اجتهادهم ف ما نوجههم له‪ ،‬ما [‪ ]201‬يسرّنا ف جيع الدائن و الثغور و غيها‪».‬‬

‫خاقان الكب يعتذر إلّ و يسأل التجاوز‬
‫«و كتب إلّ خاقان الكب يعتذر إلّ من بعض غدراته‪ ،‬و يسأل الراجعة و التجاوز‪ ،‬و ذكر ف كتابه و رسالته‪ :‬إنّ الذي حله على‬
‫عداوت و غزو أرضى من ل ينظر له‪ ،‬و ناشدن ال أن أتاوز عنه‪ ،‬و يوثّق ل با أطمئن إليه‪ ،‬و ذكر أ ّن قيصر قد أرسل إليه‪ ،‬و‬
‫زعم أنّه يستأذنن ف قبول رسله‪ ،‬و أنّه ل يعمل ف قبول رسل أحد إلّا با أمرته‪ ،‬و ل ياوز أمرى‪ ،‬و ل يرغب ف الموال و ل ف‬
‫الودّات لحد إلّا برضاي‪ .‬و كان دسيس ل ف الترك كاتبن بندم خاقان و ندم أصحابه على غدره و عداوته إيّاى‪.‬‬
‫«فأجبته‪ :‬إنّى لعمري ل أبال أ بطبيعة نفسك و غريزتك غدرت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬اللّان (أرّان‪ ،‬أران)‪ :‬بلد واسعة منها كنجه‪ ،‬بينها و بي آذربيجان نر الرس [أرس] (مع)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪200 :‬‬
‫بنا‪ ،‬أم أطعت غيك ف غدرك بنا‪ ،‬و ما ذنبك ف طاعة من أطعت ف ذلك إلّا كذنبك ف ما فعلته برأى نفسك‪ ،‬و إنّك قد‬
‫استحققت أش ّد العقوبة‪ -.‬و كتبت [‪ -:]1‬إنّى ل أظنّ شيئا ما وجب بين و بينكم إلّا و قد كنت صنعته‪ ،‬و ل أظنّ شيئا من‬
‫الوثيقة بقي لكم إلّا و قد وثّقت [‪ ]202‬لنا [‪ ]2‬به قبل اليوم ّث غدرت‪ ،‬فكيف نطمئنّ إليك و نثق بقولك‪ ،‬و لسنا نأمنك على‬
‫مثل ما فعلت من الغدر و نقض العهد و الكذب ف اليمي؟ و ذكرت أنّ رسل قيصر عندك‪ ،‬و وقفنا على استيذانك إيّانا فيهم‪ ،‬و‬
‫إنّى لست أناك عن مودّة أحد‪ .‬و كرهت أن يرى أنّى أتوّف مصادقته و أهاب ذلك منه‪ ،‬و أحببت أن أعلمه أنّى ل أبال بشيء‬
‫مّا يرى بينهما‪« ،‬ثّ سرّحت لرمّة الدائن و الصون الت براسان و جع الطعمة و العلف إليها ما يتاج إليه الند‪ ،‬و أمرتم‬
‫أن يكونوا على استعداد و حذر‪ ،‬و ل يكون من غفلتهم ما كان ف الرّة الول و هم على حال الصلح‪ ».‬قال‪:‬‬

‫القاتلة و أهل العمارة سواء‬
‫«و كان شكرى للّه تعال لّا وهب ل و أعطان متّصل بنعمه الول [‪ ]3‬الت وهبها ل ف أوّل خلقه إيّاى‪ ،‬فإنّما الشكر و النعم‬
‫ف إل‬
‫عدلن ككفّت اليزان‪ ،‬أيّهما رجح بصاحبه احتاج [‪ ]4‬الخ ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الكلمة مطموسة ف الصل قرأناها بقرينة ما ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬لنا به‪ :‬ف الصل غموض و ما ف مط‪ :‬لا به‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬الول‪.‬‬
‫[‪ .]4‬احتاج ‪ ..‬صاحبه‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪201 :‬‬
‫أن يزاد فيه حتّى يعادل صاحبه‪ .‬فإذا كانت النعم كثية و الشكر [‪ ]203‬قليل‪ ،‬انقطع المل و هلك ظهر الامل‪ ،‬و إذا كان‬
‫ذلك مستويا استم ّر [‪ ]1‬الامل‪ .‬فكثي النعم يتاج [‪ ]2‬صاحبها إل كثي الشكر‪ ،‬و كثي الشكر يلب كثي النعم‪ .‬و لّا وجدت‬
‫ب العمال إليه‪ ،‬فوجدته الشيء الذي به أقام السماوات و الرض‪ ،‬و أرسى‬
‫الشكر بعضه بالقول‪ ،‬و بعضه بالعمل‪ ،‬نظرت ف أح ّ‬
‫به البال‪ ،‬و أجرى به النار‪ ،‬و برأ به البيّة‪ ،‬و ذلك القّ و العدل فلزمته‪ ،‬و رأيت ثرة القّ و العدل عمارة البلدان الت با‬
‫معاش الناس و الدوابّ و الطي و سكّان الرض‪.‬‬
‫«و لّا نظرت ف ذلك‪ ،‬وجدت القاتلة أجراء لهل العمارة‪ ،‬و وجدت أيضا أهل العمارة أجراء للمقاتلة‪ .‬و أمّا القاتلة فإنّهم‬
‫يطلبون أجورهم من أهل الراج و سكّان البلدان لدافعتهم عنهم‪ ،‬و ماهدتم من ورائهم‪ .‬فح ّق على أهل العمارة أن يوفوهم‬
‫أجورهم‪ .‬فإنّ عمارتم تتمّ بم‪ ،‬و إن أبطأوا عليهم بذلك أوهنوهم‪ ،‬فقوى عدوّهم‪ .‬فرأيت من القّ [‪ ]204‬على أهل الراج ألّا‬
‫يكون لم من عمارتم إلّا ما أقام معايشهم‪ ،‬و عمروا به بلدانم‪ .‬و رأيت أن ل أجتاحهم و أستفرغ ذات أيديهم للخزائن [‪ ]3‬و‬
‫القاتلة‪ ،‬فإنّى إذا فعلت ذلك ظلمت القاتلة مع ظلم أهل الراج‪ ،‬و ذلك أنّه إذا فسد العامر فسد العمور‪ ،‬و ذاك أهل الرض و‬
‫الرض‪ ،‬فإنّه إذا ل يكن لهل الراج ما يعيشهم و يعمرون به بلدهم‪ ،‬هلكت القاتلة الذين‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الكلمة غي واضحة ف الصل و خاصة ف الرف الخي منها بيث يكن أن نقرأها «استم» لول قرينة ما ف مط‪:‬‬
‫«استمر»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬يتاج ‪ ...‬كثي الشكر‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬للخزان‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪202 :‬‬
‫قوّتم بعمارة الرض و أهل العمارة‪ .‬فل عمارة للرض إلّا بفضل ما ف يد أهل الراج‪ ،‬فمن الحسان إل القاتلة‪ ،‬و الكرام لم‬
‫أن أرفق بأهل الراج و أعمر بلدهم و أدع لم فضل ف معايشهم‪.‬‬
‫فأهل الرض و ذوو الراج أيدى القاتلة و الند‪ ،‬و قوّتم‪ ،‬و القاتلة أيضا أيدى أهل الراج و قوّتم‪.‬‬
‫«و لقد فكّرت و ميّزت ذلك جهدي و طاقت‪ ،‬فما رأيت أن أفضّل هؤلء على أولئك و ل أولئك على هؤلء‪ ،‬إذ وجدتما‬
‫كاليدين التعاونتي [‪ ،]1‬و كالرِجلي الترافدتي‪ .‬و لعمري ما أعفى أهل [‪ ]205‬الراج من الظلم من أضرّ بالقاتلة‪ ،‬و ل كفّ‬
‫الظلم عن القاتلة من تعدّى على أهل الراج‪ ،‬و لول سفهاء الساورة لبقوا على الراج و البلد إبقاء الرجل ضيعته الت منها‬
‫معيشته و حياته و قوّته‪ .‬و لول جهّال أهل الراج لكفّوا عن أنفسهم بعض ما يتاجون إليه من العايش إيثارا للمقاتلة على‬
‫أنفسهم‪ ».‬قال‪:‬‬

‫أقبلنا بعد ذلك على السي و السنن‬
‫«و لّا فرغنا [‪ ]2‬من إصلح العامّة و الاصّة بذين الركني من أهل الراج و القاتلة‪ ،‬و كان ذلك ثرة العدل و القّ الذي به‬
‫دبّر ال العظيم خلئقه‪ ،‬و شكرت ال على نعمه ف أداء حقّه على مواهبه‪ ،‬و أحكمنا أمور القاتلة و أهل الراج ببسط العدل‪،‬‬
‫أقبلنا بعد ذلك على السي و السنن‪ .‬ث بدأنا بالعظم فالعظم نفعا لنا و الكب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪ :‬التعاوني‪ ،‬الترادفي‪ .‬فأنّثناها‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ما عرفنا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪203 :‬‬
‫فالكب عائدة على جندنا و رعيّتنا‪ .‬و نظرنا ف سي آبائنا من لدن بشتاسف‪ ،‬إل ملك قباذ أقرب آبائنا منّا‪ ،‬ث ل نترك صلحا ف‬
‫ب الباء‪ ،‬و لكنّا آثرنا حبّ‬
‫شيء إلّا أخذناه‪ ،‬و ل فسادا إلّا أعرضنا عنه‪ ]206[ ،‬و ل يدعنا إل قبول ما ل خي فيه من السنن ح ّ‬
‫ال و شكره و طاعته‪.‬‬
‫«و لّا فرغنا من النظر ف سي آبائنا‪ -‬و بدأنا بم و كانوا أحقّ بذلك‪ ،‬فلم ندع حقّا إلّا أكثرناه‪ ،‬و وجدنا القّ أقرب القرابة‪-‬‬
‫نظرنا ف سي أهل الروم و الند‪ ،‬فاصطفينا ممودها‪ ،‬و جعلنا عيار ذلك عقولنا‪ ،‬و ميّزناه بأحلمنا [‪ ،]1‬فأخذنا من جيع ذلك ما‬
‫زيّن سلطاننا‪ ،‬و جعلناه سنّة و عادة‪ ،‬و ل تنازعنا أنفسنا إل ما تيل إليه أهواؤنا‪ ،‬و أعلمناهم ذلك و أخبناهم به‪ ،‬و كتبنا إليهم با‬
‫كرهنا لم من السي و نيناهم عنه‪ ،‬و تقدمنا إليهم فيه‪ ،‬غي أنّا ل نكره أحدا على غي دينه و ملّته و ل نسدهم ما قبلنا‪ ،‬و ل مع‬
‫ذلك أنفنا من تعلّم ما عندهم‪ ،‬فإنّ القرار بعرفة الق و العلم‪ ،‬و التّباع له‪ ،‬من أعظم ما تزيّنت به اللوك‪ ،‬و من أعظم الضرّة‬
‫على اللوك النفة من التعلّم‪ ،‬و الميّة من طلب العلم‪ ،‬و ل يكون عالا من ل يتعلّم‪.‬‬
‫[‪« ]207‬و لّا استقصيت ما عند هاتي المّتي من حكمة التدبي و السياسة‪ ،‬وصلت [‪ ]2‬بي مكارم أسلف‪ ،‬و ما أحدثته برأي‪،‬‬
‫و أخذت به نفسي‪ ،‬و قبلته عن اللوك الذين ل يكونوا منّا و ثبتّ على المر الذي نلت به الظفر و الي‪ .‬و رفضت سائر المم‪،‬‬
‫لنّى ل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬جع مفرده اللم‪ :‬العقل‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪« :‬و وصلت» بواو العطف‪ .‬فحذفنا الواو لوجود «لا» ف بداية الملة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪204 :‬‬
‫أجد عندهم رأيا و ل عقول‪ ،‬و ل أحلما‪ ،‬و وجدتم أصحاب بغى و حسد و كلب و حرص و شحّ و سوء تدبي و جهالة و لؤم‬
‫عهد و قلّة مكافأة‪ .‬و هذه أمور ل تصلح عليها ولية‪ ،‬و ل تت ّم با نعمة‪]1[ ».‬‬
‫و قرأت مع هذه السية ف آخر هذا الكتاب‪ ،‬الذي كتبه أنوشروان ف سية نفسه‪ ،‬أ ّن أنوشروان لّا فرغ من أمور الملكة و‬
‫هذّبا‪ ،‬جع إليه الساورة مع القوّاد و العظماء و الرازبة و النسّاك و الوابذة و أماثل الناس معهم‪ ،‬فخطبهم فقال‪:‬‬

‫خطبة أنوشروان‬
‫«أيّها الناس! أحضرون فهمكم‪ ،‬و أرعون [‪ ]2‬أساعكم‪ ،‬و ناصحون أنفسكم‪ ]208[ ،‬فانّى ل أزل واضعا سيفي على عنقي‪-‬‬
‫منذ وليت عليكم‪ -‬غرضا للسيوف و السنّة‪ ،‬كل ذلك للمدافعة عنكم و البقاء عليكم‪ ،‬و إصلح بلدكم مرة بأقصى الشرق‪،‬‬
‫و تارة ف آخر الغرب‪ ،‬و أخرى ف ناحية النوب‪ ،‬و مثلها ف جانب الشمال‪.‬‬
‫و نقلت الذين اتمتهم إل غي بلدهم‪ ،‬و وضعت الوضائع ف بلدان الترك‪ ،‬و أقمت بيوت النيان بقسطنطينية‪ ،‬و ل أزل أصعد‬
‫جبل شاما و أنزل عنه‪ ،‬و أطأ حزونه [‪ ]3‬بعد سهولة‪ ،‬و أصب على‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬قال ابن الثي‪ ،‬بعد ذكر كلمات من أنوشروان ف الكمة و إصلح أمر الراج‪ :‬فانظر إل هذا الكلم الذي يدلّ على‬
‫زيادة العلم و توفر العقل و القدرة على منع النفس‪ ،‬و من كان هذا حاله استحق أن يضرب به الثل ف العدل إل أن تقوم الساعة‬
‫(‪.)475 :1‬‬
‫[‪ .]2‬أرعون‪ :‬أرعى فلنا سعه‪ :‬أصغى إليه و استمع لكلمه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الزون‪ :‬جع الزن‪ :‬ما غلظ من الرض‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪205 :‬‬
‫الخمصة و الخافة‪ ،‬و أكابد البد و الرّ‪ ،‬و أركب هول البحر و خطر الفازة‪ ،‬إرادة هذا المر الذي قد أتّه ال لكم من الثخان‬
‫ف العداء‪ ،‬و التمكي ف البلد‪ ،‬و السعة ف العاش و درك العزّ‪ ،‬و بلغ ما نلتم‪ .‬فقد أصبحتم بمد ال و نعمته على الشرف‬
‫العلى من النعمة و الفضل الكب من الكرامة و المن‪ ،‬و قد هزم ال أعداءكم و قتلهم‪ .‬فهم بي مقتول هالك‪ ،‬و حىّ مطيع‬
‫لكم سامع‪.‬‬
‫«و قد بقي لكم عدوّ عددهم [‪ ]1‬قليل‪ ،‬و بأسهم شديد‪ ،‬و شوكتهم [‪ ]209‬عظيمة‪ ،‬و هؤلء الذين بقوا‪ ،‬أخوف عندي‬
‫عليكم‪ ،‬و أحرى أن يهزموكم و يغلبوكم‪ ،‬من الذين غلبتموهم من أعدائكم أصحاب السيوف و الرماح و اليول‪ .‬فإن أنتم‪-‬‬
‫أيّها الناس‪ -‬غلبتم عدوّكم هذا [‪ ]2‬الثان غلبتكم لعدوّكم الذين قاتلتم و حاصرت‪ ،‬فقد تّ الظفر و النصر‪ ،‬و تّت فيكم القوّة و‬
‫تّ لكم العزّ‪ ،‬و تّت عليكم النعمة‪ ،‬و تّ لكم الفضل‪ ،‬و تّ لكم الجتماع و اللفة و النصيحة و السلمة‪ .‬و إن كنتم قصّرت و‬
‫وهنتم‪ ،‬و ظفر هذا العدو بكم‪ ،‬فإ ّن الظفر الذي كان منكم على عدوّكم بالغرب و الشرق و ف النوب و الشمال‪ ،‬ل يكن ظفرا‬
‫منكم‪ .‬فاطلبوا أن تقتلوا من هذا العدوّ الباقي مثل الذي قتلتم من ذلك العدوّ الاضي‪ ،‬و ليكن جدّكم ف هذا و اجتهادكم و‬
‫احتشادكم أكب و أج ّل و أحزم و أعزم و أصحّ و أسدّ‪ .‬فإنّ أحقّ العداء بالستعداد له أعظمهم مكيدة و أشدّهم شوكة‪ ،‬و ليس‬
‫الذي كنتم تافون من عدوّكم الذي قاتلتم‪ ،‬بقريب [‪ ]210‬من هؤلء الذين آمركم بقتالم الن‪ .‬فاطلبوه‪ ،‬و صلوا ظفرا بظفر‪،‬‬
‫و نصرا بنصر‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬عدو عددهم‪ :‬بضمي المع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪« :‬هذا الت عليكم لعدوكم الذين قاتلتم» بدل «هذا الثان غلبتكم لعدوكم الذين قاتلتم‪».‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪206 :‬‬
‫و قوّة بقوّة‪ ،‬و تأييدا بتأييد‪ ،‬و حزما و عزما بزم و عزم‪ ،‬و جهادا بهاد‪ .‬فإ ّن ذلك اجتماع صلحكم‪ ،‬و تام النعمة عليكم‪ ،‬و‬
‫الزيادة ف الكرامة من ال لكم‪ ،‬و الفوز برضوانه ف الخرة‪.‬‬
‫«ث اعلموا أنّ عدوّكم من الترك و الروم و الند و سائر المم‪ ،‬ل يكونوا ليبلغوا منكم‪ -‬إن ظهروا عليكم و غلبوكم‪ -‬مثل الذي‬
‫يبلغ هذا العدوّ منكم‪ ،‬إن غلبكم و ظهر عليكم‪ ،‬فإ ّن بأس هذا العدوّ أشدّ‪ ،‬و كيده أكب‪ ،‬و أمره أخوف من ذلك العدوّ‪.‬‬
‫«يا أيّها الناس‪ ،‬إنّى قد نصبت [‪ ]1‬لكم كما رأيتم‪ ،‬و لقيت ما قد علمتم بالسيف و الرمح و الفاوز و البحار و السهولة [‪ ]2‬و‬
‫البال أقارع عدوّا عدوّا‪ ،‬و أكالب جندا جندا‪ ،‬و أكابد ملكا ملكا‪ ،‬ل أتضرع إليكم هذا التضرع ف قتال أولئك النود و‬
‫اللوك‪ ،‬و ل أسألكم هذه السألة ف طلب ال ّد و الجتهاد و الحتفال [‪ ]211‬و الحتشاد [‪ ،]3‬و إنّما فعلت هذا اليوم لعظم‬
‫خطره‪ ،‬و شدّة شوكته و مافة صولته بكم‪ ،‬و إن أنا‪ -‬أيّها الناس‪ -‬ل أغلب هذا العدوّ و أنفه [‪ ]4‬عنكم‪ ،‬فقد أبقيت فيكم أكب‬
‫العداء‪ ،‬و نفيت عنكم أضعفها‪ .‬فأعينون على نفى هذا العد ّو الخوف عليكم‪ ،‬القريب الدار [‪ ]5‬منكم‪ .‬فأنشدكم ال‪ -‬أيّها‬
‫الناس‪ -‬لّا أعنتمون عليه حت أنفيه عنكم و أخرجه من بي أظهركم‪ ،‬فيت ّم بلئي عندكم‪ ،‬و بلء ال فيكم عندي‪ ،‬و تتمّ النعمة‬
‫عل ّى و عليكم‪ ،‬و الكرامة من ال ل و لكم‪ ،‬و يتمّ هذا العزّ [‪ ]6‬و النصر و هذا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬نصب نصبا‪ :‬أعيا و تعب‪.‬‬
‫[‪ .]2‬السهولة‪ :‬جع السهل‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الكلمة غي واضحة ف الصل و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الكلمة غي واضحة ف الصل و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬القريب الدان‪.‬‬
‫[‪ .]6‬كذا ف مط‪ :‬العز‪ ،‬و ف الصل غموض‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪207 :‬‬
‫الشرف و التمكي‪ ،‬و هذا الثروة و النلة‪.‬‬
‫«يا أيّها الناس! إنّى تفكّرت بعد فراغي من كتاب [‪ ]1‬هذا و ما وصفت من نعمة ال علينا ف المر الذي‪ ،‬لا غلب «دارا» اللوك‬
‫و المم‪ ،‬و قهرها و استول على بلدها‪ ،‬ث لا ل يكم أمر هذا العدو‪ ،‬هلك [بسببه] [‪ ]2‬و هلكت جنوده‪ ،‬بعد السلمة و‬
‫الظفر و النصر و الغلبة‪ .‬و ذلك أنّه ل يرض بالمر الذي ّت له به اللك‪ ،‬و اشت ّد به له السلطان و قوى به على [‪ ]212‬العداء‪،‬‬
‫و تّت عليه به النعمة‪ ،‬و فاضت عليه من وجوه الدنيا كلّها الكرامة‪ ،‬حت احتيل له بوجوه النميمة‪ :‬البغي‪ ،‬فدعا البغي‪ ،‬و السد‪،‬‬
‫فتقوّى به و تكّن‪ ،‬و دعا السد بعض أهل الفقر لهل الغن‪ ،‬و أهل المول لهل الشرف‪ .‬ث أتاهم السكندر على ذلك من‬
‫تفرق الهواء‪ ،‬و اختلف المور‪ ،‬و ظهور البغضاء‪ ،‬و قوة العداوة فيما بينهم‪ ،‬و الفساد منهم‪ .‬ث ارتفع ذلك إل أن قتله صاحب‬
‫حرسه و أمينه على دمه‪ ،‬للذي شل قلوب العامّة من الشرّ و الضغينة‪ ،‬و ثبت فيها من العداوة و الفرقة‪ ،‬فكفى السكندر مؤنة‬
‫نفسه‪ .‬و قد اتّعظت بذلك اليوم فذكرته‪.‬‬
‫«يا أيّها الناس! فل أسع ّن ف هذه النعمة تفرّقا و ل بغيا و ل حسدا ظاهرا و ل وشاية و ل سعاية‪ ،‬فإنّ ال قد طهّر من ذلك‬
‫أخلقنا و ملكنا و أكرم عنه وليتنا‪ .‬و ما نلت ما نلته‪ -‬بنعمة ربنا و حده‪ -‬بشيء من هذه المور البيثة الت نفتها العلماء‪ ،‬و‬
‫ب للرعيّة‪ ،‬و الوفاء و العدل و الستقامة و التؤدة‪.‬‬
‫عافتها الكماء‪ ،‬و لكنّى نلت هذه الرتب [‪ ]213‬بالصحّة و السلمة‪ ،‬و ال ّ‬
‫و إنّما تركنا أن نأخذ عن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أصبحت الطبة كتابا بعد تدوينه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬تكملة اقتضاها السياق‪ ،‬فأضفناها‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪208 :‬‬
‫هذه المم الت سيناها أعن‪ :‬من الترك و الببر و الزنج و البال و غيهم مثل ما أخذنا عن الند و الروم‪ ،‬لظهور هذه الخلق‬
‫ط و ل ملكها على ظهور هذه الخلق فيها‪ .‬و إنّ أول ما أنا ناف و تارك من هذه‬
‫فيهم و غلبتها عليهم‪ .‬و ل تصلح أمّة ق ّ‬
‫المور‪ ،‬هذه الخلق الت هي أعدى أعداءكم‪.‬‬
‫«أيّها الناس! إنّ فيما بسط ال علينا بالسلمة و العافية و الستصلح‪ ،‬غن لنا عمّا نطلب بذه الخلق الردية الشؤومة‪.‬‬
‫فاكفون ف ذلك أنفسكم فإ ّن قهر هذه العداء أحبّ إلّ و خي لكم من قهر أعدائكم من الترك و الروم‪ .‬فامّا أنا‪ -‬يا أيّها‬
‫الناس‪ -‬فقد طبت نفسا بترك هذه المور و مقها و قمعها و نفيها عنكم‪ ،‬ل حاجة ل با فيها‪ ،‬و ل بالذي علىّ منها‪ ،‬فطيبوا‬
‫أنفسا بالذي طبت [‪ ]214‬به نفسا منكم‪.‬‬
‫«يا أيها الناس! إنّى قد أحببت أن أنفى عنكم عدوّكم الباطن و الظاهر‪ ،‬فأمّا الظاهر منهما‪ ،‬فإنّا بمد ال و نعمته‪ ،‬قد نفيناه و‬
‫أعاننا ال عليه و خضد [‪ ]1‬لنا شوكته‪ ،‬و أحسنتم فيه و أجلتم و آسيتم و أجهدت‪ .‬فافعلوا ف هذا العدوّ كما فعلتم ف ذلك‬
‫العدوّ‪ ،‬و اعملوا فيه كالذي عملتم ف ذلك‪ ،‬و احفظوا عن ما أوصيكم به‪ ،‬فانّى شفيق عليكم ناصح لكم‪.‬‬
‫«أيّها الناس! من أحي هذه المور فينا‪ ،‬فقد أفسد بلءه عندنا بقتاله من كان يقاتلنا من أعدائنا‪ ،‬فإنّ هذه أكثر مضرّة و أشدّ‬
‫شوكة و أعظم بليّة و أضر تبعة‪ .‬اعلموا أ ّن خيكم‪ -‬يا أيّها الناس!‪ -‬من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬خضد الشيء‪ :‬كسره من غي فصل‪ ،‬خضد الشجر‪ :‬نزع الشوك عنه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪209 :‬‬
‫جع إل بلءه السالف عندنا‪ ،‬العونة لنا على نفسه ف هذا الغابر‪.‬‬
‫و اعلموا أنّ من غلبه هذا غلب عليه ذاك‪ ،‬و من غلب هذا فقد قهر ذاك‪ .‬و ذلك أن بالسلمة‪ ،‬و اللفة‪ ،‬و الودّة‪ ،‬و الجتماع‪،‬‬
‫و التناصح منكم يكون الع ّز و القدرة [‪ ]215‬و السلطان‪ ،‬و مع التحاسد‪ ،‬و البغي‪ ،‬و النميمة‪ ،‬و التشتّت‪ ،‬يكون ذهاب الع ّز و‬
‫انقطاع القوّة‪ ،‬و هلك الدنيا و الخرة‪ .‬فعليكم با أمرناكم به‪ ،‬و احذروا ما نيناكم عنه‪ ،‬و ل قوّة إلّا باللّه‪ .‬عليكم بواساة أهل‬
‫الفاقة و ضيافة السائلة‪ .‬و أكرموا جوار من جاوركم‪ ،‬و أحسنوا صحبة من دخل من المم فيكم‪ ،‬فإنّهم ف ذمّت‪ .‬ل تبهوهم [‬
‫‪ ]1‬و ل تظلموهم‪ ،‬و ل تسلّطوا عليهم‪ ،‬و ل ترجوهم‪ ،‬فإنّ الحراج يدعو إل العصية‪ ،‬و لكن اصبوا لم على بعض الذى‪ ،‬و‬
‫احفظوا أمانتكم و عهدكم‪ ،‬و احفظوا ما عهدت إليكم من هذه الخلق‪ .‬فإنّا ل نر سلطانا قطّ و ل أمّة هلكوا إلّا بترك هذه‬
‫الخلق‪ ،‬و ل صلحوا إلّا معها‪ .‬و باللّه ثقتنا ف المور كلّها‪ ».‬ث هلك أنوشروان بعد ثان [‪ ]2‬و أربعي سنة من ملكه‪ ،‬و ملك‬
‫أبنه‪:‬‬

‫هرمز بن أنوشروان‬
‫[‪ ]216‬و كانت أمّه بنت خاقان الكب‪ ،‬و كان كثي الدب‪ ،‬حسن النيّة ف الحسان إل الضعفاء و الساكي‪ ،‬إلّا أنّه كان يمل‬
‫على الشراف‪ ،‬فعادوه و أبغضوه‪ ،‬فعلم بذلك منهم‪ ،‬فكان ف نفسه منهم مثل ما ف أنفسهم منه‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ل تبهوهم‪ :‬ل تقابلوهم با يكرهون‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬ثانية‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪210 :‬‬

‫من سيته الرتضاة‬
‫و كان من سيته الرتضاة‪ :‬أنّه ترّى الي و العدل على الرعيّة‪ ،‬و تشدّد على العظماء الستطيلي على الضعفاء‪ ،‬و بلغ من عدله‬
‫أنّه كان يسي إل ال «ماه» ليصيف هناك‪ ،‬فأمر فنودي ف مسيه ذلك ف مواضع الروث أن يتحامى‪ ،‬و ل يسي فيها الراكب‬
‫لئلّا يضرّوا بأحد و وكّل بتعهّد ما يرى ف عسكره‪ ،‬و معاقبة من تعدّى أمره‪ ،‬و تغريه عوضا لصاحب الرث‪.‬‬
‫و كان ابنه كسرى ف عسكره‪ ،‬فعار [‪ ]1‬مركب من مراكبه‪ ،‬و وقع ف مرثة من الحارث الت كانت على طريقه‪ ،‬فرتع فيها‪ ،‬و‬
‫أفسد منها‪ .‬فأخذ ذلك الركب‪ ،‬و رفع إل الرجل الذي وكّله هرمز بعاقبة من أفسد [‪ ]217‬هو أو دابّته شيئا من الحارث و‬
‫تغريه‪ ،‬و ل يقدر الرجل على إنفاذ أمر هرمز ف كسرى ابنه‪ ،‬و ل أحد من حشمه‪ .‬فرفع ما رأى من إفساد ذلك الركب إل‬
‫هرمز‪ ،‬فأمره أن يدع [‪ ]2‬أذنيه‪ ،‬و يبتّر ذنبه‪ ،‬و يغرّم كسرى‪ .‬فخرج الرجل لنقاذ المر‪ .‬فدسّ له كسرى رهطا من العظماء‬
‫ليسألوه التغبيب [‪ ]3‬ف أمره‪ ،‬فلقوه و كلّموه ف ذلك‪ ،‬فلم يب إليه‪ ،‬فسألوه أن يؤخّر ما أمر به هرمز ف الركب حت يكلّموه‪.‬‬
‫ف عنه‪ ،‬ففعل‪ .‬فلقى أولئك الرهط هرمز‪ ،‬و أعلموه أنّ بذلك [‪[ ]4‬الركب] [‪ ]5‬الذي عار‪ ،‬زعارة‪ ،‬و أنّه أخذ‬
‫فأمر بالك ّ‬
‫ف عن جدعه و تبتيه لا فيه من سوء الطية‪ .‬فلم يبهم إل ما سألوه‪ ،‬و أمر بالركب‪ ،‬فجدع أذناه‬
‫للوقت‪ .‬و سألوه أن يأمر بالك ّ‬
‫و بتّر ذنبه و غرّم كسرى كما يغرّم غيه ف هذا الد‪ ،‬ث ارتل‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬عار يعي عيا‪ :‬ذهب و جاء مترددا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬جدعه‪ :‬قطع أنفه أو طرفا من أطرافه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غبّب فلن ف المر‪ :‬ل يبالغ فيه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬أنّ بتلك الدابة الت غارت غازة و أنه أخذ للوقت!‬
‫[‪ .]5‬ف الصل‪« :‬الدابة» فاستبدلناها ب «الركب» مراعاة لتذكي ما يرتبط به من موصول و ضمي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪211 :‬‬
‫و أيضا‪ :‬ركب ذات يوم ف أوان إيناع الكرم إل ساباط [‪ ]1‬الدائن [‪ ]218‬و كان مرّه على بساتي و كروم‪ .‬فاظّلع [‪]2‬‬
‫بعض أساورته ف كرم‪ ،‬فرأى فيه حصرما فأصاب منها عناقيد‪ ،‬و دفعها إل غلمه و قال‪:‬‬
‫ «اذهب با إل النل‪ ،‬و اطبخها بلحم‪ ،‬و اتذ منها مرقة‪ ،‬فانّها نافعة ف هذا البّان‪ ».‬فأتاه حافظ ذلك الكرم‪ ،‬فلزمه و صرخ‪.‬‬‫فبلغ اشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم‪ ،‬أن دفع إل حافظ الكرم منطقة [‪ ]3‬ملّاة بذهب كانت عليه‪،‬‬
‫عوضا له من الصرم الذي رزأه [‪ ]4‬من كرمه‪ ،‬و افتدى با نفسه‪ ،‬و رأى أنّ قبض الافظ إيّاها منه‪ ،‬و تليته عنه‪ ،‬منّة من با‬
‫عليه [‪.]5‬‬
‫فهذه كانت سية هرمز ف العدل و الضبط و اليبة‪ ،‬و كان مظفّرا منصورا ل ي ّد يده إل شيء إلّا و أتاه‪ ،‬و كان مع ذلك أديبا‪،‬‬
‫داهيا‪ ،‬إلّا عرقا قد نزعه [‪ ]6‬أخواله من الترك‪ .‬فكان لذلك مقصيا للشراف و أهل البيوتات و العلماء‪.‬‬
‫و قيل‪ :‬إنّه قتل ثلثة عشر ألف رجل و ستمائة رجل‪ .‬و ل يكن [له رأى] [‪ ]7‬إلّا ف [تألّف] [‪ ]8‬السفلة و استصلحهم‪ .‬و‬
‫ط [‪ ]219‬مراتب خلق‪ ،‬و قصّر [‪ ]9‬بالساورة‪[ ،‬ففسدت] [‪ ]10‬عليه نيات جنده من الكباء‪،‬‬
‫حبس خلقا من العظماء‪ ،‬و ح ّ‬
‫[و اتصل] [‪ ]11‬ذلك با جناه على برام شوبي ما سنحكيه‪ .‬فكان ذلك سبب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ساباط‪ :‬قرية كانت قريبة من الدائن و هي‪ -‬حسب معجم البلدان‪ -‬ساباط كسرى‪ ،‬بناها اللك بلش (ولش)‪ ،‬و لذلك‬
‫قد يسمى‪ :‬بلشآباذ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬اظّلع‪ :‬مال‪ .‬و ف مط و الطبي‪ :‬اطّلع‪.‬‬
‫[‪ .]3‬النطقة و النطق‪ :‬ما يشدّ به الوسط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬رزأه ماله‪ :‬أصاب منه شيئا فنقصه‪.‬‬
‫[‪ .]5‬أنظر الطبي ‪.990 :2‬‬
‫[‪ .]6‬نزعه عرق‪ :‬أشبه أصله‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الصل غي واضح و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الصل غي واضح‪ ،‬و قرأناه بصعوبة‪ .‬مط‪ :‬ألف السلفة! تألفه‪ :‬تكلّف ألفته و داراه‪.‬‬
‫[‪ .]9‬قصّر عن المر‪ :‬تركه‪ .‬قصّر ف المر‪ :‬تاون فيه‪ .‬قصّر ف العطيّة‪ :‬قلّلها‪.‬‬
‫[‪ .]10‬الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]11‬الصل غي واضح و ما أثبتناه من مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪212 :‬‬
‫هلكه‪.‬‬

‫ذكر سوء اختياره جنده و برام جوبي [‪ ]1‬حت هلك‬
‫خرج على هرمز خوارج منها‪« :‬شابة [‪ ]2‬ملك الترك العظم ف ثلثائة ألف مقاتل‪ .‬و صار إل باذغيس [‪ ،]3‬و ذلك بعد‬
‫إحدى عشر سنة من ملكه‪ ،‬و خرج عليه ملك الروم ف ثاني ألف مقاتل قاصدا له‪ ،‬و خرج عليه ملك الزر حت صار إل باب‬
‫البواب‪ ،‬و خرج عليه من العرب خلق نزلوا ف شاطئ الفرات‪ ،‬و شنّوا الغارة على أهل السواد و اجترأ عليه أعداؤه‪ ،‬و غزوا [‬
‫‪ ]4‬بلده‪.‬‬
‫فأمّا شابة ملك الترك فإنّه أرسل إل هرمز و إل عظماء الفرس يؤذنم بإقباله و يقول‪:‬‬
‫ «رمّوا ل قناطر أنار و أودية أجتاز عليها إل بلدكم‪ ،‬و اعقدوا القناطر على ك ّل نر ل قنطرة له‪ ،‬و افعلوا ذلك ف النار و‬‫الودية الت عليها مسلكي من بلدكم إل بلد الروم‪ ،‬فإنّى ممع على [‪ ]220‬السي إليها من بلدكم‪.‬‬
‫فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك‪ ،‬فشاور فيه‪ ،‬فأجع له على قصد ملك الترك و صرف العناية إليه‪ .‬فوجّه إليه رجل من أهل‬
‫الرىّ يقال له‪ :‬برام بن برام جشنس [‪ ]5‬و يعرف ب «جوبي»‪ .‬فاختار برام من الند اثن عشر ألف رجل على عينيه من‬
‫الكهول دون الشباب‪ ،‬و كانت عدّة من يشتمل عليه الديوان سبعي ألف‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بالفارسية‪ :‬چوبي‪ .‬و قد تكرر هذا السم ف النص‪ ،‬فتارة ورد «جوبي» و أخرى «شوبي» فوحدناها ف الثبات على‬
‫الصورة الول‪ :‬جوبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬شانه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬باذغيس‪ ،‬بادغيس‪ .‬بالفهلوية ‪: LVatgis:‬ولية بي هراة و مرو الرود (ل)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أنظر الطبي (‪.)991 :2‬‬
‫[‪ .]5‬جشنس‪ :‬معرّب گشنس‪ ،‬و هو مفف گشنسب‪ ،‬بالفهلوية( ‪: Vushnasp ,Gushnasp‬حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪213 :‬‬
‫مقاتل‪.‬‬
‫فمضى برام ب ّد و إغذاذ‪ ،‬حت حاز هراة و باذغيس‪ ،‬و ل يشعر شابة ببهرام حت نزل بالقرب منه معسكرا‪ .‬فجرت بينهما‬
‫حروب و رسائل‪ ،‬إل أن قتل برام شابة برمية رماها إيّاه‪ ،‬فاستباح عسكره‪ ،‬و أقام موضعه‪ ،‬فوافاه برموذة [‪ ]1‬بن شابة‪ ،‬و كان‬
‫يعدل بأبيه‪ ،‬فحاربه‪ ،‬فهزمه‪ ،‬و حصره ف بعض الصون‪ ،‬ث ألّ عليه حت استسلم له‪ ،‬فوجّهه أسيا إل هرمز‪ ،‬و غنم كنوزا‬
‫عظيمة‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إنّه حل إل هرمز من الموال و الواهر و الوان و سائر المتعة مّا غنمه وقر مائتي و خسي ألف بعي ف مدّة تلك‬
‫اليّام‪ .‬فشكره هرمز على [‪ ]221‬ذلك‪ ،‬إلّا أنّه أراد منه أن يتقدّم بن معه إل بلد الترك‪ ،‬و كاتبه ف ذلك‪ ،‬فلم ير برام ذلك‬
‫صوابا‪ .‬ث خاف برام سطوة هرمز‪ ،‬و حكى له‪ :‬أنّ اللك يستق ّل ما حله إليه من الغنائم ف جنب ما وصل إليه و أنّه يقول ف‬
‫مالسه‪:‬‬
‫ «برام قد ترفّه‪ ،‬و استطاب الدعة»‪.‬‬‫و بلغ ذلك الند‪ ،‬فخافوا مثل خوفه‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إ ّن برام جع ذات يوم وجوه عسكره‪ ،‬فأجلسهم على مراتبهم‪ ،‬ث خرج عليهم ف زىّ النساء‪ ،‬و بيده مغزل و قطن‪ ،‬حت‬
‫جلس ف موضعه‪ ،‬و حل لك ّل واحد من أولئك القوم مغزل و قطن‪ ،‬فوضع بي أيديهم‪ ،‬فامتعضوا من ذلك و أنكروه‪ .‬فقال برام‪:‬‬
‫«إنّ كتاب اللك ورد علىّ بذلك‪ ،‬و ل ب ّد من امتثال أمره إن كنتم طائعي‪ ».‬فأظهروا أنفة و حيّة‪ ،‬و خلعوا هرمز‪ ،‬و أظهروا أنّ‬
‫ابنه أبرويز [‪ ]2‬أصلح للملك منه‪ ،‬و ساعدهم على ذلك خلق كثي مّن كان بضرة هرمز‪.‬‬
‫و أنفذ هرمز جيشا كثيفا مع آذينجشنس لحاربة برام‪ ،‬و أشفق أبرويز من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬رموز بن شانه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬بالفهلوية ‪: Aparvej:‬النتصر (حب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪214 :‬‬
‫الديث و خاف سطوة [‪ ]222‬برام‪ ،‬فهرب إل آذربيجان‪ .‬فاجتمع إليه هناك عدّة من الرازبة و الصفهبذين‪ ،‬فأعطوه بيعتهم‪.‬‬
‫و ل يظهر أبرويز شيئا‪ ،‬و أقام بكانه إل أن بلغه قتل آذينجشنس الوجّه لحاربة برام جوبي‪ ،‬و انفضاض المع الذي معه‪ ،‬و‬
‫اضطراب أمر أبيه هرمز‪.‬‬
‫و كتبت إليه أخت آذينجشنس‪ -‬و كانت تربه‪ -‬تبه بضعف أبيه هرمز‪ ،‬و أعلمته أنّ العظماء و الوجوه قد أجعوا على خلعه‪ ،‬و‬
‫أعلمته أنّ جوبي‪ -‬إن سبقه إل الدائن‪ -‬احتوى على اللك‪ .‬و لتلبث العظماء بذلك أن وثبت على هرمز و فيهم بندويه [‪ ]1‬و‬
‫بسطام خال أبرويز‪ .‬فخلعوه و سلوا عينيه و تركوه ترّجا من قتله‪ .‬فلمّا بلغ ذلك أبرويز‪ ،‬بادر بن معه إل الدائن و سبق إليها‬
‫برام جوبي‪ ،‬و تتوّج و جع إليه الوجوه و الشراف‪ ،‬و جلس لم على سريره‪ ،‬و منّاهم و وعدهم و قال‪:‬‬
‫ «إ ّن هرمز كان لم قاضيا عادل‪ ،‬و من نيّتنا البّ و الحسان‪ ،‬فعليكم بالسمع و الطاعة‪ ».‬فاستبشر له الناس‪ ،‬و دعوا له‪.‬‬‫فلمّا كان اليوم [‪ ]223‬الثان‪ ،‬أتى أباه‪ ،‬فسجد له و قال‪:‬‬
‫ «عمّرك ال أيّها اللك‪ ،‬إنّك تعلم أنّى بريء ما آتاه إليك النافقون‪ ،‬و إنّما هربت خوفا منك‪ ».‬فصدّقه هرمز و قال له‪:‬‬‫ «يا بنّ! ل إليك حاجتان‪ ،‬فأسعفن بما‪ :‬إحداها أن تنتقم مّن عاون على خلعى و السمل لعين‪ ،‬و ل تأخذك بم رأفة‪ ،‬و‬‫الخرى أن تؤنسن ك ّل يوم بثلثة نفر لم أصالة رأى‪ ،‬و تأذن لم ف [الوصول] [‪ ]2‬إلّ‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬بندى‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الصل غي واضح‪ .‬مط و الطبي‪ :‬ف الدخول عل ّى (‪.)996 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪215 :‬‬
‫فتواضع له أبرويز و قال‪:‬‬
‫ «عمّرك ال أيّها اللك‪ ،‬إنّ الارق برام قد أظلّنا [‪ ]1‬و معه الشجاعة و النجدة‪ ،‬و لسنا نقدر أن ن ّد يدا إل من أتى إليك ما‬‫أتى‪ ،‬فإنّهم وجوه أصحابك‪ .‬و لكن إن أدالن ال من النافق‪ ،‬فأنا خليفتك و طوع أمرك‪».‬‬
‫ذكر اليلة الت تّت لبرويز حتّى أفلت من برام بعد ظفره به و رجوعه بعد ذلك و قتله إيّاه ببلد الترك و استيلئه على اللك‬
‫إ ّن أبرويز خرج إل النهروان لا وردها برام‪ ،‬و واقفه [‪ ]2‬و جعل النهر بينه و بينه‪ ،‬و دار بينهما كلم كثي [‪ ،]3‬ك ّل ذلك‬
‫يدور على استصلح برام‪ ،‬فل ير ّد [‪ ]224‬عليه برام إلّا ما يسوءه‪ ،‬حتّى يئس منه و أجع على حربه‪ .‬و لما أخبار كثية و‬
‫أحاديث طويلة آخرها‪ :‬أن أبرويز ضعف عنه بعد أن قتل بيده ثلثة نفر من التراك كانوا وثّقوا برام من أبرويز‪ ،‬و ضمن لم عليه‬
‫مال عظيما‪ ،‬و كان هؤلء الثلثة من أشدّ التراك و أعظمهم أجساما و شجاعة‪ .‬ث رأى أبرويز من أصحابه فتورا و حرّض‬
‫أصحابه فتبيّن منهم فشل‪ .‬فصار إل أبيه و شاوره‪ ،‬فرأى له الصي إل ملك الروم فأحرز نساءه و شخص ف عدّة يسية فيهم‪:‬‬
‫بندويه‪ ،‬و بسطام‪ ،‬و كردى [‪ ]4‬أخو برام‪ .‬ل ّن كردى هذا كان ماقتا لخيه‪ ،‬معاديا له‪ ،‬شديد الطاعة و النصيحة لبرويز‪ .‬فلمّا‬
‫خرجوا‪ ،‬من الدائن خاف القوم من برام و أشفقوا أن ير ّد هرمز إل اللك‪ ،‬و يكاتب ملك الروم عن هرمز ف ردّهم فيتلفوا‪.‬‬
‫فأعلموا أبرويز ذلك و استأذنوا ف إتلف هرمز فلم ير [‪ ]5‬جوابا‪ .‬فانصرف بندويه و بسطام‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أظلنا‪ :‬دنا منّا‪ .‬أقبل علينا‪ ،‬غشينا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬واقفه ف حرب أو خصومة‪ :‬وقف معه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.996 :2‬‬
‫[‪ .]4‬أنظر الطبي ‪.998 :2‬‬
‫[‪ .]5‬أحار الواب‪ :‬ردّه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪216 :‬‬
‫و طائفة معهما إل هرمز حت أتلفوه خنقا‪ ،‬ث رجعوا [‪ ]225‬إل كسرى و قالوا‪:‬‬
‫ «سر على خي طائر‪ ».‬فحثّوا دوابّهم‪ ،‬و صاروا إل الفرات‪ ،‬فقطعوه‪ ،‬و أخذوا طريق الفازة‪ ،‬بدللة رجل يقال له‪ :‬خرشيذان [‬‫‪ ،]1‬و صاروا إل بعض الديارات ف أطراف العمارة‪ .‬فلمّا أوطنوا الراحة‪ ،‬لقتهم خيل برام‪ .‬فلمّا نذروا بم‪ ،‬أنبه بندويه أبرويز‬
‫من نومه و قال له‪:‬‬
‫ «احتل لنفسك‪ ،‬فإنّ القوم قد أظلّوك‪ ».‬فقال كسرى‪« :‬ما عندي حيلة‪ ».‬فقال بندويه‪« :‬فإنّى سأحتال لك بأن أبذل نفسي‬‫دونك‪ ».‬قال‪« :‬و كيف ذلك؟» قال‪ :‬تدفع إلّ بزّتك [‪ ]2‬و زينتك لعلوا الدير و تنجو أنت و من معك من وراء الدير‪ ،‬فإنّ‬
‫القوم إذا وصلوا إلّ و رأوا هيئتك علىّ‪ ،‬اشتغلوا عن غيى و طاولتهم [‪ ]3‬حت تفوتم‪ ».‬ففعلوا ذلك و بادروهم حت تواروا‬
‫بالبل‪ّ .‬ث وافاهم خيل برام و عليهم قائد له يقال له‪ :‬برام بن سياوش‪ .‬فاطّلع عليهم بندويه من فوق الدير و عليه بزّة أبرويز‪ ،‬و‬
‫أوهه أنّه هو‪ ،‬و سأله أن ينظره [‪ ]4‬إل غد ليصي ف [‪ ]226‬يده سلما‪ ،‬و يصي به إل برام جوبي‪ .‬فأمسك عنه و حفظ الدير‬
‫بالرس ليلته‪.‬‬
‫فلمّا أصبح اطّلع عليه ف بزّته و حليته و قال‪:‬‬
‫ «إ ّن عل ّى و على أصحاب بقيّة شغل من استعداد لصلوات و عبادات‪ ،‬فأمهلنا‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬خرشندان‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البزة‪ :‬الثياب‪ ،‬السلح‪ ،‬اليئة‪ .‬البزّ‪ :‬السلح‪ ،‬الثياب من الكتّان و القطن‪.‬‬
‫[‪ .]3‬طاولتهم‪ :‬ما طلتهم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أنظره‪ :‬أمهله‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪217 :‬‬
‫و ل يزل يدافع حتّى مضى عامّة النهار‪ .‬و أمعن أبرويز و علم أنّه قد فاتم‪ .‬ففتح الباب حينئذ‪ ،‬و أعلم برام بأمره‪ .‬فانصرف به‬
‫إل جوبي‪ ،‬فحبسه ف يد برام بن سياوش‪.‬‬
‫فأمّا برام جوبي فإنّه دخل الدائن‪ ،‬و جلس على سرير اللك‪ ،‬و جع العظماء‪ ،‬فخطبهم و ذ ّم أبرويز‪ ،‬و دار بينهم كلم‪ .‬فكان‬
‫كلّهم منصرفا عنه إلّا أن برام تتوّج و انقاد له الناس خوفا‪.‬‬
‫ثّ إ ّن برام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بوبي و ظهر [‪ ]1‬جوبي على ذلك فقتله‪ ،‬و أفلت بندويه و لق آذريبجان‪ .‬و‬
‫سار أبرويز حت أتى أنطاكية‪ ،‬و كاتب ملك الروم منها [‪ ]2‬و راسله بماعة مّن كان معه‪ ،‬و سأله نصرته‪ ،‬فأجابه إل ذلك [‬
‫‪ ]227‬و انساقت المور بالقادير‪ ،‬إل أن زوّجه ابنته مري و حلها إليه‪ ،‬و بعث إليه ب «تياذوس» [‪ ]3‬أخيه و معه ستّون ألف‬
‫مقاتل‪ ،‬عليهم رجل يقال له‪:‬‬
‫سرجس [‪ ]4‬يتولّى تدبي أمرهم‪ ،‬و رجل آخر يقال له‪« :‬الكمىّ» [‪ -]5‬كان يعدل بألف رجل‪ -‬معظّم ف الروم‪ ،‬و سأله ترك‬
‫التاوة الت كان آباؤه يسألونا ملوك الروم‪ ،‬إذا هو ملّك‪ .‬فاغتبط بم أبرويز‪ ،‬و أراحهم خسة أيّام‪ ،‬ث عرضهم [‪ ]6‬و عرّف [‬
‫‪ ]7‬عليهم العرفاء‪ ،‬و ف القوم تياذوس‪ ،‬و سرجس‪ ،‬و الكمىّ الذي وصفناه‪ ،‬و سار بم حت نزل من آذربيجان ف صحراء تدعى‬
‫الدنق‪ ،‬فوافاه هناك بندويه و رجل من إصبهبذى الناحية‪ -‬و يقال له‪ :‬موسيل‪ -‬ف أربعي ألف مقاتل و انفضّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ظهر على المر‪ :‬اطّلع عليه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬عنها‪ ،‬و التصحيح من الطبي (‪.)996 :2‬‬
‫[‪ .]3‬تياذوس‪ :‬كذا ف الطبي‪C .I .S( Theodosius 999 :2).‬‬
‫‪[C .I .S( Sergius .]4).‬‬
‫[‪ .]5‬الكمىّ‪ :‬الشجاع‪ ،‬أو لبس السلح لنه يكمى نفسه أى يسترها بالدرع و البيضة‪.‬‬
‫[‪ .]6‬عرض الند‪ :‬أمرّهم عليه‪ ،‬واحدا واحدا‪.‬‬
‫[‪ .]7‬عرّف عليهم عريفا (أى سيدا‪ ،‬قيّما)‪ :‬أقامه ليعرف فيهم من صال أو طال‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪218 :‬‬
‫إليه الناس باليل من إصبهان و خراسان و فارس‪ ،‬و انتهى إل برام مكانه بصحراء الدنق‪ ،‬فشخص نوه من الدائن‪ ،‬فجرت‬
‫بينهما حرب شديدة قتل فيها الكم ّى الرومي [‪ ]1‬بضربة ضربه با بعض الفرس على رأسه‪ ،‬فق ّد رأسه و يده‪ ،‬و عار [‪ ]2‬فرسه‬
‫بنصف بدنه الباقي إل معركة أبرويز و معسكره‪ ]228[ ،‬فاستضحك أبرويز‪ ،‬و عظم ذلك على الروم حت كثر الكلم فيه‪ ،‬و‬
‫عوتب أبرويز‪ ،‬و قيل له‪:‬‬
‫ «هذا جزاؤنا منك‪ ،‬يقتل كميّنا و واحد عصره ف طاعتك‪ ،‬و بي يديك‪ ،‬فتضحك؟» فاعتذر بأن قال‪:‬‬‫ «إن و ال ما ضحكت لا تكرهون‪ .‬و لقد شقّ علىّ أن فقدت مثله أكثر مّا شقّ عليكم‪ ،‬و لكنّى رأيتكم تستصغرون شأن برام‬‫جوبي‪ ،‬و تنكرون هرب منه‪ ،‬فذكرت ذلك من قولكم الن‪ ،‬و علمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة و أثرها على هذا الكمىّ‬
‫تعذرونن و تعلمون يقينا أنّ هرب إنّما كان من أمثال هؤلء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم ف البطال‪ ».‬و يقال‪ :‬إنّ أبرويز‬
‫حارب برام منفردا عن العسكر بأربعة عشر رجل منهم كردى أخو برام‪ ،‬و بندويه و بسطام حربا شديدة وصل فيها بعضهم إل‬
‫بعض‪ ،‬و الجوس تكى حكايات عظيمة ل فائدة ف ذكرها مع امتناعها‪ ،‬و جلتها‪ :‬أنّ أبرويز استظهر استظهارا أيس معه برام‬
‫جوبي‪ ]229[ ،‬و علم أنّه ل حيلة له فيه‪ ،‬فاناز عنه نو خراسان‪ ،‬ث صار إل الترك‪ ،‬و صار أبرويز إل الدائن بعد أن فرّق ف‬
‫النود من الروم أموال عظيمة و صرفهم إل ملك الروم‪.‬‬
‫و لبث برام ف الترك مكرّما عند اللك‪ ،‬حت احتال عليه أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز‪ :‬إل الترك بوهر نفيس و غيه‪ ،‬حت‬
‫احتال لاتون امرأة‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي ‪.1000 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬عاد فرسه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪219 :‬‬
‫اللك‪ ،‬و لطفها بذلك الوهر و غيه من الدايا حت دسّت لبهرام من قتله‪ .‬فاغتمّ خاقان لوته‪ ،‬و أرسل إل أخته كردية و امرأته‬
‫يعلمها [‪ ]1‬بلوغ الادث ببهرام منه‪ ،‬و يسأل أن يتزوّجها و طلّق امرأته خاتون بذا السبب‪ ،‬فأجابته كردية جوابا ليّنا‪ ،‬و ضمّت‬
‫من كان مع أخيها من القاتلة إليها‪ ،‬و خرجت بم من بلد الترك إل حدود ملكة فارس فأتّبعها ملك الترك أخاه بطرا [‪ ]2‬ف‬
‫اثن عشر ألف فارس‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إ ّن كردية قاتلت‪ ،‬و قتلت بطرا بيدها‪ ،‬و مضت لوجهها [‪ ،]230‬حت تلقّتها خيول الفرس من الدود‪ .‬و كتبت إل‬
‫أخيها كردى‪ ،‬فأخذ لا أمانا من أبرويز‪ .‬فلمّا قدمت عليه اغتبط با‪ ،‬و تزوّج با أبرويز‪.‬‬

‫ذكر سوء سياسة اتّفق على أبرويز ف جنده حت ظهر الروم عليه‬
‫ل يزل أبرويز يلطف ملك الروم‪ .‬الذي كان نصره‪ ،‬و يهاديه [‪ ،]3‬إل أن و ثبت الروم عليه ف شيء أنكروه منه‪ ،‬فقتلوه و‬
‫ملّكوا غيه‪ .‬فبلغ ذلك أبرويز‪ ،‬فامتعض‪ ،‬و أخذته الفيظة‪ ،‬فآوى ابن اللك القتول اللجئ إليه‪ ،‬و توّجه‪ ،‬و ملّكه على الروم‪ ،‬و‬
‫وجّه معه جنودا كثيفة مع شهر براز [‪ ،]4‬فدوّخ بم البلد‪ ،‬و ملك صاحب كسرى بيت القدس‪ ،‬و أخذ خشبة الصليب‪ ،‬و‬
‫بعث با إل كسرى ف أربع و عشرين سنة من ملكه‪ .‬ث احتوى على مصر‪ ،‬و السكندرية‪ ،‬و بلد نوبة‪ ،‬و بعث مفاتيح مدينة‬
‫السكندرية إل كسرى ف سنة ثان و عشرين من ملكه‪ .‬و قصد قسطنطينية‪ ،‬فأناخ على ضفّة الليج القريب منها‪ ،‬و خيّم [‪]5‬‬
‫هناك‪ .‬فأمر كسرى فخرّب بلد الروم‪ ،‬غضبا ما انتهكوا من ملكهم و انتقاما له‪ ،‬و ل يضع لبن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط و الطبي‪ :‬يعلمها بلوغ الادث ببهرام منه (‪.)1001 :2‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط‪ :‬بطر‪ .‬نظر‪ ،‬بطو‪.‬‬
‫[‪ .]3‬يهاديه‪ :‬يهادنه (مل)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬شهريرار ‪. I .S( Shahrvaraz.‬حب)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬و جشم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪220 :‬‬
‫ملكهم [‪ ]231‬القتول أحد‪ ،‬و ل منحوا الطاعة‪ ،‬غي أنّهم قتلوا اللك الذي ملّكوه بعد أبيه السمّى فوقا [‪ ]1‬لا ظهر من فجوره‬
‫و سوء تدبيه‪ ،‬و ملّكوا عليهم رجل يقال له‪ :‬هرقل [‪ .]2‬فلمّا رأى هرقل عظيم ما فيه بلد الروم من تريب جنود فارس إيّاها‪،‬‬
‫و قتلهم مقاتلتهم‪ ،‬و سبيهم ذراريّهم‪ ،‬و استباحتهم أموالم‪ ،‬تضرّع إل ال‪ ،‬و أكثر الدعاء و البتهال‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬إنّه رأى ف منامه رجل ضخم الثّة رفيع الجلس‪ ،‬عليه [بزّة‪ ،‬قائما ف ناحية عنه] [‪ ،]3‬فدخل عليهما داخل‪ ،‬فألقى ذلك‬
‫الرجل عن ملسه و قال لرقل‪:‬‬
‫ «إن قد سلّمته ف يدك‪ ».‬فلم يقصص رؤياه تلك ف يقظته على أحد حت توالت عليه أمثاله‪ .‬فرأى بعض لياليه‪ :‬كأنّ رجل‬‫دخل عليهما و بيده سلسلة طويلة‪ ،‬فألقاها ف عنق صاحبه‪ ،‬أعن صاحب الجلس الرفيع عليه [‪ ،]4‬ث دفعه إليه و قال له‪:‬‬
‫ «ها قد دفعت إليك كسرى برمّته‪ ».‬فلمّا تتابعت هذه الحلم‪ ،‬قصّها على عظماء الروم و ذوى العلم منهم‪ ،‬فأشاروا [‪]232‬‬‫عليه أن يغزوه‪ .‬فاستع ّد هرقل‪ ،‬و استخلف ابنه على مدينة قسطنطينية‪ ،‬و أخذ عن الطريق الذي فيه شهريار صاحب كسرى‪ ،‬و‬
‫سار حت و غل ف بلد أرمينية‪ ،‬و نزل نصيبي سنة‪ ،‬و قد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى قد استدعى لوجدة كانت من‬
‫كسرى عليه‪ .‬و أمّا شهربراز فقد كانت كتب كسرى ترد عليه ف الثوم على الوضع الذي هو به [و ترك الباح منه] [‪ .]5‬ث‬
‫بلغ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و الطبي‪ :‬قوفا‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪ .‬و هو معرّب‪C .I .S( LPhocas).‬‬
‫‪[Heraclius .]2.‬‬
‫[‪ .]3‬العبارة سقطت من الصل‪ ،‬فأضفناها من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الرفيع عليه‪ :‬كذا ف الصل و مط‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل و مط‪« :‬و نزل الباح» و ما أثبتناه من الطبي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪221 :‬‬
‫كسرى تساقط [‪ ]1‬هرقل ف جنوده إل نصيبي‪ .‬فوجّه لحاربة هرقل رجل من قوّاده يقال له‪ :‬راهزاذ [‪ ،]2‬ف اثن عشر ألف‬
‫رجل من الناد‪ ،‬و أمره أن يقيم بنينوى‪ -‬و هي الت تدعى الن الوصل‪ -‬على شاطئ دجلة‪ ،‬و ينع الروم أن يوزوها‪.‬‬
‫و كان كسرى بلغه خب هرقل‪ ،‬و أنّه مغذّ‪ ،‬و هو يومئذ مقيم بدسكرة اللك‪ .‬فنفذ راهزاذ لمر كسرى‪ ،‬و عسكر حيث أمره‪.‬‬
‫فقطع هرقل دجلة ف موضع آخر‪ ،‬إل الناحية الت كان فيها جند فارس‪ .‬فأذكى راهزاذ [‪ ]233‬العيون عليه‪ ،‬فانصرفوا إليه‪،‬‬
‫فأخبوه أنّه ف سبعي ألف مقاتل‪ ،‬فأيقن راهزاذ و من معه من الند‪ ،‬أنّهم عاجزون عن مناهضته‪ .‬فكتب إل كسرى غي مرّة دهم‬
‫هرقل إياه بن ل طاقة له و لن معه بم‪ ،‬لكثرتم و حسن عدّتم‪ .‬كل ذلك ييبه كسرى بأنّه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن‬
‫استقتالم [‪ ]3‬و بذل دمائهم ف طاعته‪.‬‬
‫فلمّا تتابعت على راهزاذ جوابات كسرى بذلك‪ ،‬عبّى جنده و ناهض الروم بم‪ .‬فقتلت الروم راهزاذ و ستة آلف رجل‪ ،‬و‬
‫انزمت بقيّتهم و هربوا على وجوههم‪ .‬و بلغ كسرى قتل الروم راهزاذ و ما نال هرقل من الظفر‪ ،‬فهدّه ذلك‪ ،‬و اناز من‬
‫دسكرة اللك إل الدائن‪ ،‬و تصّن با لعجزه كان عن ماربة هرقل‪ ،‬و سار هرقل حتّى كان قريبا من الدائن‪ .‬فلما تساقط إل‬
‫كسرى خبه و استع ّد لقتاله انصرف إل أرض الروم‪ .‬و كتب كسرى إل قوّاد الند الذين انزموا‪ ،‬يأمرهم أن يدلّوه [‪]234‬‬
‫على كلّ رجل منهم و من أصحابه‪ ،‬من فشل ف تلك الرب و ل يرابط مركزه فيها‪ ،‬فأمر بأن يعاقب بسب ما استوجب‪.‬‬
‫فأحوجهم [‪ ]4‬بذا الكتاب إل اللف عليه و طلب اليل لنجاة أنفسهم منه‪ .‬و كتب إل شهربراز‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تساقط و سقط إليه القوم‪ :‬نزلوا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬راهزار (‪.)1004 :2‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬استقبالم‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الطبي‪ :‬فأخرجهم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪222 :‬‬
‫يأمره بالقدوم عليه و يستعجله ف ذلك‪ ،‬و يصف له ما نال هرقل منه و من بلده [‪.]1‬‬
‫و قد حكى‪ :‬أنّ كسرى عرف امرأة ف فارس ل تلد إلّا اللوك البطال‪ ،‬فدعاها و قال‪:‬‬
‫ «إن أريد أن أبعث إل الروم جيشا‪ ،‬و أستعمل عليهم رجل من بنيك‪ ،‬فأشيى علىّ‪ :‬أيّهم أستعمل؟» فوصفت أولدها فقالت‪:‬‬‫ «هذا فرّخان أنفذ من سنان‪ ،‬و هذا شهربراز أحكم من كذا‪ ،‬و هذا فلن أروغ من كذا‪ ».‬فاستعمل شهربراز‪ .‬فسار إل‬‫الروم‪ ،‬فظهر عليهم و هزمهم و خرّب مدائنهم‪.‬‬
‫فلمّا ظهرت فارس على الروم‪ ،‬جلس فرّخان يشرب‪ ،‬فقال لصحابه‪:‬‬
‫ «لقد رأيت كأن جالس على سرير كسرى‪ ]235[ ».‬فبلغت كسرى‪ ،‬و كتب إل شهربراز‪:‬‬‫ل برأس فرّخان‪ ».‬فكتب إليه‪:‬‬
‫ «إذا أتاك كتاب هذا‪ ،‬فابعث إ ّ‬‫ «أيّها اللك‪ ،‬إنّك لن تد مثل فرّخان‪ ،‬فا ّن له نكاية ف العد ّو و صوتا‪ ،‬فل تفعل‪ ».‬فكتب إليه‪:‬‬‫ «إ ّن ف رجال فارس خلفا منه‪ ،‬فعجّل علىّ برأسه‪ ».‬فراجعه‪ ،‬فغضب كسرى و ل يبه‪ ،‬و بعث بريدا إل أهل فارس‪:‬‬‫ «إن قد نزعت عنكم شهربراز‪ ،‬و استعملت عليكم فرّخان‪ ».‬ثّ دفع إل البيد صحيفة صغية و قال‪:‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مظا ّن نزول «آل‪ ،‬غلبت الروم ‪ »...‬أنظر الطبي ‪.1005 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪223 :‬‬
‫ «إذا ول فرّخان اللك‪ ،‬و انقاد له أخوه‪ ،‬فأعطه‪ ».‬فلما قرأ شهر براز الكتاب قال‪:‬‬‫ «سعا و طاعة‪ ».‬و نزل عن السرير‪ ،‬و جلس فرّخان‪ ،‬و دفع الصحيفة إليه‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «ايتون بشهربراز‪ ».‬فقدّمه ليضرب عنقه‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «ل تعجل‪ ،‬حت أكتب وصيّت‪ ».‬قال‪« :‬افعل!» فدعا بسفط و أعطاه ثلث صحائف‪ ،‬و قال‪:‬‬‫ «ك ّل هذا راجعت فيك كسرى و أنت أردت أن تقتلن بكتاب واحد!» فردّ اللك على أخيه‪.‬‬‫فكتب شهربراز إل قيصر [‪ ]236‬ملك الروم‪:‬‬
‫ «إ ّن ل حاجة ل تملها البد و ل تبلّغها الصحف‪ .‬فالقن‪ ،‬و ل تلقن إلّا ف خسي روميا‪ ،‬فإنّى [‪ ]1‬أيضا ألقاك ف خسي‬‫فارسيا‪ ».‬فأقبل قيصر ف خسمائة رومىّ‪ ،‬و جعل يضع العيون بي يديه ف الطريق‪ ،‬و خاف أن يكون قد مكر به حتّى أتاه عيونه‬
‫أنه‪ :‬ليس معه إلّا خسون رجل‪ّ .‬ث بسط لما‪ ،‬و التقيا ف قبّة ديباج ضربت لما‪ ،‬و اجتمعا و مع كلّ واحد منهما سكّي‪ ،‬و دعوا‬
‫ترجانا بينهما‪.‬‬
‫فقال شهربراز‪:‬‬
‫ «إ ّن الذين خرّبوا مدينتك‪ ،‬و بلغوا منك و من جندك [‪ ]2‬ما بلغوا أنا و أخى بشجاعتنا و كيدنا‪ ،‬و إنّ كسرى حسدنا‪ ،‬فأراد‬‫أن أقتل أخى فأبيت‪ ،‬ثّ أمر أخى أن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فإنّى ‪ ...‬فارسيا‪ :‬سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬جدك‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪224 :‬‬
‫يقتلن‪ .‬فقد خلعناه جيعا‪ ،‬فنحن نقاتله معك‪ ».‬قال‪« :‬قد أصبتما و وفّقتما‪ ».‬ثّ أشار أحدها [‪ ]1‬إل صاحبه‪ :‬أنّ السرّ إنّما يكون‬
‫بي اثني‪ ،‬فإذا جاوز اثني فشا‪.‬‬
‫قال صاحبه‪« :‬أجل!» فقاما جيعا إل الترجان بسكّينهما‪ ،‬فقتله! و اتّفقا على قتال كسرى‪]237[ .‬‬

‫فممّا اتفق ف أيّام كسرى من الوادث الت تستفاد منها تربة ما كان من يوم ذى قار و حرب العرب و الفرس‬
‫و كان سبب ذلك قتل النعمان بن النذر اللخمي‪ ،‬قتله كسرى لسباب نذكر جلها إن شاء ال‪:‬‬
‫ى و ابنه زيد بن عدىّ سبب ولية النعمان و سبب هلكه جيعا‪.‬‬
‫ى بن زيد العباد ّ‬
‫كان عد ّ‬

‫قتل النعمان بن النذر و أسبابه‬
‫و ذلك أنّ عديّا و أخويه‪ -‬و ها‪ :‬عمار‪ ،‬و عمرو‪ ،‬و يعرف عمار ب «أبّ»‪ ،‬و عمرو ب «سىّ»‪ -‬كانوا ف خدمة الكاسرة [‬
‫ى بن زيد و أخويه‪ ،‬ليكونوا‬
‫‪ ،]2‬و لم من جهتهم قطائع‪ .‬و كان قابوس الكب عمّ النعمان و إخوته‪ ،‬بعث إل كسرى أبرويز بعد ّ‬
‫ف كتّابه يترجون له‪.‬‬
‫فلمّا مات النذر بن النذر ترك من أولده اثن عشر رجل‪ ،‬و هم الشاهب‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أحدها ‪ ...‬صاحبه‪ :‬غي واضحة ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫ى من تراجة أبرويز كسرى بن هرمز (‪.)1016 :2‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ ... :‬و كان عد ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪225 :‬‬
‫سّوا بذلك لمالم‪ ،‬و فيهم يقول العشى‪:‬‬
‫فبنو النذر الشاهب بالية * يشون غدوة كالسيوف [‪]1‬‬
‫ى بن أوس بن مرينا‪ .‬و‬
‫فجعل النذر ابنه النعمان ف حجر [‪ ]2‬عدىّ‪ ،‬و جعل ابنه السود ف حجر رجل [‪ ]238‬يقال له‪ :‬عد ّ‬
‫بنو مرينا قوم لم شرف و هم من لم‪ ،‬و بنو النذر الباقون‪ ،‬و هم عشرة‪ ،‬مستقلّون بأنفسهم‪.‬‬
‫و كان النذر جعل على أمره كلّه‪ ،‬إياس بن قبيصة الطائي‪ ،‬فكان ف مكانه أشهرا يدبّر أمر العرب كلّه‪ .‬و طلب كسرى من يلّكه‬
‫ى بن زيد فقال له‪:‬‬
‫على العرب‪ ،‬فدعا عد ّ‬
‫ «من بقي من بن النذر‪ ،‬و ما هم‪ ،‬و هل فيهم خي؟» فقال‪« :‬بقيتهم من ولد هذا اليت‪ -‬يعن النذر بن النذر‪ -‬و هم رجال‬‫ى يفضّل اخوة النعمان عليه ف النل [‪ ،]3‬و يريهم أنّه‬
‫ى بن زيد‪ .‬فكان عد ّ‬
‫نباء‪ ».‬فكتب إليهم‪ ،‬فقدموا عليه‪ ،‬فأنزلم على عد ّ‬
‫ل يرجوه‪ ،‬و يلو بم رجل رجل‪ ،‬و يقول لم‪:‬‬
‫ «إن سألكم اللك‪ :‬أ تكفونن العرب؟ فقولوا‪ :‬نكفيكهم إلّا النعمان‪ ».‬و قال للنعمان‪:‬‬‫ «إن سألك اللك عن إخوتك‪ ،‬فقل‪ :‬إن عجزت عنهم فإنّى عن غيه أعجز‪ ».‬و كان عدىّ بن أوس بن مرينا داهية أريبا‪ .‬فكان‬‫يوصى السود بن النذر و يقول له‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬بالسيوف (‪.)1017 :2‬‬
‫[‪ .]2‬ف حجره‪ :‬ف كنفه و حايته‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬النل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪226 :‬‬
‫ى بن زيد ف ما يشي به عليك‪ ،‬فإنّه و ال ل‬
‫ «قد عرفت [‪ ]239‬أنّى لك راج‪ ،‬و أنّ طلبت و رغبت إليك أن تالف عد ّ‬‫ى بن زيد أن يدخلهم عليه‪ ،‬جعل يدخلهم رجل رجل‬
‫ينصح لك أبدا‪ ».‬فلم يلتفت السود إل قوله‪ .‬فلمّا أمر كسرى عد ّ‬
‫فيكلّمه‪ .‬فكان اللك كسرى يرى رجال قلّ ما رأى مثلهم‪ .‬فإذا سألم‪:‬‬
‫ «هل تكفونن ما كنتم [‪ ]1‬تلون؟» قالوا‪« :‬نكفيك العرب إلّا النعمان‪ ».‬فلمّا دخل النعمان عليه‪ ،‬رأى رجل دميما [‪]2‬‬‫قصيا أحر‪ ،‬فكلّمه‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «أ تستطيع أن تكفين العرب؟» قال‪« :‬نعم‪ ».‬قال‪« :‬و كيف تصنع بإخوتك؟» قال‪« :‬أيّها اللك‪ ،‬إن عجزت عنهم‪ ،‬فأنا عن‬‫غيهم أعجز‪ ».‬فملّكه‪ ،‬و كساه‪ ،‬و ألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم فيه اللؤلؤ‪ ،‬و الذهب‪ .‬فلمّا خرج و هو ملك على العرب‪،‬‬
‫ى بن أوس بن مرينا للسود‪:‬‬
‫قال عد ّ‬
‫ «دونك‪ ،‬فإنّك خالفت الرأى‪ ».‬ث إ ّن عدىّ بن زيد صنع طعاما ف بيعة‪ ،‬و أرسل إل ابن مرينا أن‪ :‬ائتن مع من أحببت‪ ،‬فإ ّن ل‬‫ى بن أوس‪:‬‬
‫ى بن زيد لعد ّ‬
‫حاجة‪ .‬فأتاه ف ناس‪ ،‬فتغدّوا ف البيعة غداءهم العدّ‪ ،‬و شربوا‪ ]240[ .‬فقال عد ّ‬
‫ «يا عدىّ! إنّ أحقّ من عرف ال ّق ثّ ل يلم عليه‪ ،‬من كان مثلك‪ .‬إنّى عرفت أنّ صاحبك السود بن النذر كان أحبّ إليك من‬‫أن يلك من صاحب النعمان‪ ،‬فل تلمن على شيء كنت على مثله‪ ،‬و أنا أحبّ ألّا تقد علىّ شيئا لو قدرت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ما كنت تكون!‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ذميما‪ ،‬و الدميم‪ :‬قبيح الوجه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪227 :‬‬
‫ى بن‬
‫عليه ركبته‪ ،‬و أحبّ أن تعطين من نفسك ما أعطيك من نفسي‪ ،‬فإ ّن نصيب من هذا المر ليس بأوفر من نصيبك‪ ».‬فقام عد ّ‬
‫زيد إل البيعة‪ ،‬فحلف ألّا يهجوه‪ ،‬و ل يبغيه غائلة أبدا‪ ،‬و ل يزوى عنه خيا‪ .‬فلمّا فرغ عدىّ بن زيد‪ ،‬قام ابن مرينا فحلف على‬
‫مثل يينه ألّا يزال يهجوه [‪ ]1‬أبدا‪ ،‬و يبغيه الغوائل ما بقي‪.‬‬
‫و خرج النعمان حت نزل منله بالية‪ ،‬و افترق العديّان على وحشة كما ذكرت‪.‬‬

‫حيلة لعدىّ بن أوس على عدىّ بن زيد‬
‫ى بن مرينا للسود‪:‬‬
‫فقال عد ّ‬
‫ «و إذا ل تظفر [‪ ،]2‬فل تعجز أن تطلب بثأرك من هذا العدّى الذي عمل بك ما عمل‪ .‬فقد كنت أخبك أنّ معدّا ل ينام‬‫مكرها‪ ،‬و أمرت أن تالفه فعصيتن‪ ».‬قال‪« :‬فما تريد؟» قال‪« :‬أريد أن ل [‪ ]241‬تأتيك فائدة من مائك و أرضك إلّا عرضتها‬
‫علىّ‪ ».‬ففعل‪ .‬و كان ابن مرينا كثي الال واسع الضيعة‪ .‬فلم يرّ به يوم إلّا بعث فيه إل النعمان هديّة أو تفة‪ .‬فلمّا توال ذلك و‬
‫كثر عند النعمان هدايا ابن مرينا صار من أكرم الناس عليه‪ ،‬و كان ل يقضى ف ملكه شيئا إلّا بأمر ابن مرينا‪ ،‬و كان إذا ذكر‬
‫عدىّ بن زيد عنده أحسن ابن مرينا الثناء عليه‪ ،‬و ذكر فضله و قال‪:‬‬
‫ى إلّا أن يكون فيه مكر و خديعة‪ ».‬فلمّا رأى من يطيف بالنعمان منلة ابن مرينا عنده‪ ،‬لزموه و تابعوه [‬
‫ «إنّه ل يصلح العد ّ‬‫‪ ،]3‬فجعل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪« :‬ألّا يزال يهجوه»‪ ،‬ف الطبي‪ :‬ألّا يهجوه (‪.)1019 :2‬‬
‫[‪ .]2‬غي واضح ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيده ما ف مط و الطبي‪.)1019 :2( :‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬و بايعوه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪228 :‬‬
‫يقول لن يثق به من أصحابه‪:‬‬
‫ى بن زيد عند اللك بي‪ ،‬فقولوا‪ :‬إنّه لكما يقول‪ ،‬و لكنّه ل يسلم عليه أحد‪ ،‬و إنّه يقول‪ :‬إنّ اللك‪-‬‬
‫ «إذا رأيتمون أذكر عد ّ‬‫يعن النعمان‪ -‬إنّما هو عامله‪ ،‬و إنّه هو الذي ولّاه ما ولّاه‪ ».‬و ل يزالوا بذا و أشباهه‪ ،‬حت أضغنوه عليه‪ .‬ثّ إنّهم كتبوا كتابا عن‬
‫عدىّ إل قهرمان [‪ ]1‬كان له‪ ،‬و دسّوا له حتّى أخذ الكتاب‪ ،‬و أتى به النعمان‪ ،‬فقرأه و أغضبه‪.‬‬
‫ى بن زيد‪:‬‬
‫[‪ ]242‬فأرسل إل عد ّ‬
‫ «عزمت عليك إلّا زرتن‪ ،‬فإنّى قد اشتقت إليك‪ ».‬و هو عند كسرى‪.‬‬‫فاستأذن كسرى‪ ،‬فأذن له‪ .‬فلمّا أتاه‪ ،‬ل ينظر إليه‪ ،‬حت حبس ف مبس ل يدخل عليه فيه أحد‪ .‬فجعل عدىّ بن زيد يقول الشعر‪،‬‬
‫و يبلغه النعمان‪ ،‬و كان أوّل ما قاله ف السجن‪:‬‬
‫ليت شعري عن المام و يأت * ك بب النباء عطف السّؤال [‪]2‬‬
‫ى من الشعر شيئا بلغ النعمان و سعه‪ ،‬فندم على حبسه إيّاه‪ ،‬و علم أنّه كيد فيه‪.‬‬
‫و قال أشعارا كثية [‪ ،]3‬و كان كلما قال عد ّ‬
‫ى و أعياه التضرّع إل النعمان‬
‫فكان يرسل إليه‪ ،‬و يعده و ينّيه‪ ،‬و يفرق [‪ ]4‬أن يرسله [‪ ]5‬فيبغيه الغوائل‪ .‬فلمّا طال سجن عد ّ‬
‫بالشعار الت يستعطفه فيها مرّة و يبه فيها با كيد به مرّة‪ ،‬و مرّة يذكّره‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬القهرمان‪ :‬أمي اللك و وكيله الاص بتدبي دخله و خرجه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬تد البيت عند الطبي ‪ ،1020 :2‬و ف أيّام العرب‪.15 :‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪ ،1019 :2‬و أيام العرب‪.14 :‬‬
‫[‪ .]4‬يفرق‪ :‬ياف‪ ،‬يفزع‪.‬‬
‫[‪ .]5‬يرسله‪ :‬يطلقه من السجن‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪229 :‬‬
‫بالوت‪ ،‬و يبه بلك من هلك قبله‪ ،‬كتب إل أخيه أبّ و هو مع كسرى‪:‬‬
‫أبلّغ [‪ ]1‬أبيّا على نأيه * فهل ينفع الرء ما قد علم [‪]243‬‬
‫بأنّ أخاك شقيق الفؤا * د كنت به واثقا [‪ ]2‬ما سلم‬
‫لدى ملك موثق ف الدي * د إمّا بقّ و إمّا ظلم‬
‫فل أعرفنك كذات الغل * م [‪ ]3‬ما [‪ ]4‬ل تد عارما [‪ ]5‬تعترم‬
‫فأرضك أرضك إن تأتنا * تنم نومة ليس فيها حلم‬
‫فكتب إليه أخوه‪:‬‬
‫إن يكن خانك الزّمان فل عا * جز قوم و ل ألفّ [‪ ]6‬ضعيف‬
‫و يي الله لو أنّ جأوا [‪ * ]7‬ء طحونا [‪ ]8‬تضيء فيها السيوف‬
‫ذات ر ّز [‪ ]9‬متابة غمرة الو * ت صحيح سربالا [‪ ]10‬مكفوف [‪]11‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و النصوص الختلفة و كذلك ف أيّام العرب‪« :‬أبلغ» و ما ف مط‪« :‬أبلّغ» بتشديد اللّام من باب التفعيل‪.‬‬
‫فالمزة إذن للنداء بتقدير النادى‪ ،‬أى‪« :‬أ صاحب بلّغ» من باب «يا ترى» أى‪« :‬يا رجل هل ترى» و هذا أوفق للوزن‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪ :‬والا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ذات الغلم‪ :‬المّ الرضع‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط و الصل‪« :‬إذا ل تد» و ما أثبتناه من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]5‬العارم‪ :‬الراضع‪ ،‬يقال‪ :‬اعترمت الرأة‪ :‬تبغت من يعرمها أو يصّ ثديها‪ ،‬و الراد‪ :‬إن ل تد من ترضعه درّت هي فحلبت‬
‫ثديها‪ .‬قال ابن العراب‪ :‬يقال هذا لن يتكلّف ما ليس من شأنه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬اللفّ‪ :‬البطيء الثقيل‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الأواء‪ :‬الكتيبة الت يعلو لونا السواد لكثرة الدروع‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الطحون‪ :‬الت تطحن ما لقيت‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الرزّ‪ :‬الصوت‪.‬‬
‫[‪ .]10‬السربال‪ :‬القميص‪.‬‬
‫[‪ .]11‬الكفوف‪ :‬الثوب الذي خطّت حاشيته‪ ،‬و لعلّه يريد أنّها كتيبة سالة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪230 :‬‬
‫كنت ف حيها لئتك أسعى * فاعلمن لو سعت إذ تستضيف [‪]1‬‬
‫إن تفتن و ال ألف جزوعا * ل يعفّيك ما يصوت الريف‬
‫فلعمرى لئن جزعت عليه * لزوع على الصّديق أسوف‬
‫و لعمري لئن ملكت عزائى * لقليل شرواك [‪ ]2‬ف ما أطوف‬

‫كسرى يكتب ف إرسال عدىّ و عدىّ يقتل‬
‫و يقال‪ :‬إنّ عديّا لا كاتب أبيّا‪ ،‬قام أبّ‪ ،‬فدخل على كسرى‪ ،‬فكلّمه‪ ،‬فكتب له و بعث معه رجل‪ ،‬و أذن له ف السي لستنقاذ‬
‫ى من غسّان‪،‬‬
‫أخيه‪ .‬فكتب خليفة النعمان القيم بباب اللك إليه أنّه‪ :‬قد كتب إليك ف أمر عدىّ‪ .‬فأتاه أعداء [‪ ]244‬عد ّ‬
‫فأشاروا على النعمان بقتل عدىّ‪.‬‬
‫ى إليه فرشاه‪ ،‬و أمره أن يبدأ بعدىّ‪ .‬فدخل عليه و‬
‫و قالوا‪« :‬افرغ منه الساعة‪ ».‬فأب عليهم‪ ،‬و جاء الرجل‪ ،‬و كان تقدّم أخو عد ّ‬
‫هو مبوس و كان قال له‪:‬‬
‫ «ابدأ بالدخول إليه ف البس فانظر ما يأمرك به‪ ».‬فلمّا دخل الرسول على عدىّ قال له‪:‬‬‫ «إنّى قد جئتك بإرسالك [‪ ]3‬فما عندك؟» قال‪« :‬عندي الذي تبّ‪ ».‬و وعده‪ ،‬و سأله ألّا يرج من عنده‪ ،‬و قال‪:‬‬‫ «أعطن الكتاب حت أرسل به أنا‪ ،‬فإنّك إن خرجت من عندي‪ ،‬قتلت‪ ».‬فقال الرسول‪« :‬ل أستطيع إلّا أن آتى النعمان‬‫بالكتاب فأوصله بنفسي إليه‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تستضيف‪ :‬تستجي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬شرواك‪ :‬مثلك‪ .‬شرح البيات من أيّام العرب‪.17 :‬‬
‫[‪ .]3‬بإرسالك‪ :‬بإطلقك‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪231 :‬‬
‫فانطلق مب [‪ ،]1‬فأتى النعمان‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «إنّ رسول كسرى قد دخل على عدىّ و هو ذاهب به‪ ،‬و إن فعل ل يستبق [‪ ]2‬منّا أحدا‪ ،‬و ل تنج أنت و ل غيك‪ ».‬فبعث‬‫إليه النعمان بأعدائه‪ ،‬فغمّوه حت مات‪ ،‬ث دفنوه‪.‬‬
‫و دخل الرسول على النعمان بالكتاب‪.‬‬
‫فقال‪« :‬نعم و كرامة و سعا و طاعة‪ ».‬و بعث إل الرسول بأربعة آلف مثقال [‪ ]245‬ذهبا‪ ،‬و جارية‪ ،‬و قال له‪:‬‬
‫ «إذا أصبحت فادخل عليه و أخرجه أنت بنفسك‪ ».‬فلما أصبح ركب‪ ،‬فدخل السجن‪ ،‬فقال له الرس‪:‬‬‫ «إنّه قد مات منذ أيام‪ ،‬فلم نترئ على أن نب اللك النعمان فرقا منه‪ ،‬لعلمنا بكراهيته لذلك‪ ».‬فرجع الرسول إل النعمان‬‫فقال‪:‬‬
‫ «إنّى كنت بدأت به‪ ،‬فدخلت إليه و هو حىّ‪ ».‬فقال النعمان‪« :‬يبعثك اللك إلّ فتدخل إليه قبلي! كذبت و لكنّك أردت‬‫الرشوة و البث‪ ».‬و تدّده‪ .‬ثّ إنه استدعاه بعد ذلك‪ ،‬و زاده جائزة و كسوة‪ ،‬و أكرمه و استوثق منه أن ل يب اللك‪ ،‬إلّا أنّه قد‬
‫مات قبل أن يقدم عليه‪ .‬فرجع الرسول إل كسرى‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «إنه مات قبل أن أدخل عليه‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه من الطبي‪ .‬مط‪ :‬بب‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬ل يسبق أحد‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪232 :‬‬

‫ى يلف أباه عند كسرى‬
‫زيد بن عد ّ‬
‫و ندم النعمان على قتل عدىّ ندامة شديدة‪ ،‬و اجترأ أعداء عدىّ على النعمان‪ ،‬و هابم النعمان هيبة شديدة‪ ،‬فخرج النعمان ف‬
‫بعض صيده ذات يوم‪ ،‬فلقى ابنا لعدىّ يقال له‪ :‬زيد‪ .‬فلمّا رآه عرف شبهه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «من أنت؟» فقال‪« :‬أنا زيد بن عدىّ بن زيد‪ ».‬فكلّمه‪ ،‬فإذا [‪ ]246‬غلم ظريف‪ ،‬ففرح به فرحا شديدا‪ ،‬و قرّبه‪ ،‬و اعتذر‬‫إليه من أمر أبيه‪ ،‬ثّ جهّزه و كتب إل كسرى‪:‬‬
‫«إنّ عديّا كان مّن أعي به اللك ف نصحه و لبّه‪ ،‬فأصابه ما ل بدّ منه و انقضت مدّته و انقطع أجله‪ ،‬و ل يصب به أحد أشدّ من‬
‫مصيبت‪ ،‬و أمّا اللك فلم يكن ليفقد رجل من عبيده إلّا جعل ال له منه خلفا لا عظم ال من ملكه و شأنه‪ ،‬و قد أدرك له ابن‬
‫ليس دونه و قد سرّحته إل اللك‪ .‬فإن رأى أن يعله مكان أبيه و يصرف عمّه إل عمل آخر فعل‪ ».‬فكان هو الذي يلي ما يكتب‬
‫إل أرض العرب و خاصّة اللك‪ ،‬و كانت له من العرب وظيفة ف كلّ سنة من الفراس الهارة [‪ ،]1‬و من الكمأة الرطبة و‬
‫ى بن زيد له هذه الرسوم‪.‬‬
‫اليابسة‪ ،‬و القط [‪ ،]2‬و الدم‪ ،‬و سائر تارات العرب‪ .‬و كذلك كان عد ّ‬
‫فلمّا وقع عند اللك هذا الوقع سأل عن النعمان‪ ،‬فأحسن الثناء عليه‪ ،‬فمكث سنوات بنلة أبيه‪ ،‬و أعجب به كسرى و كان‬
‫يكثر الدخول إليه‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الهارة‪ :‬جع الهر‪ :‬ولد الفرس‪.‬‬
‫[‪ .]2‬القط‪ :‬الب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪233 :‬‬

‫فرصة انتهزها زيد‬
‫فلمّا كان بعض [‪ ]247‬دخلته على كسرى جرى حديث النساء [‪ ،]1‬و طلب اللك امرأة لا صفات و نعوت مكتوبة عند‬
‫اللوك‪ .‬و كان من رسم اللوك أن يطلب لم جارية تمع تلك النعوت ف مالكهم‪ ،‬فكتبت تلك الصفة‪ .‬فدخل زيد على كسرى‬
‫فكلّمه ف ما دخل فيه‪ ،‬ث قال‪:‬‬
‫ «إنّى رأيت اللك كتب ف نسوة يطلب له‪ ،‬فقرأت الصفة‪ ،‬و أنا خبي بآل النذر‪ ،‬و عند عبدك النعمان من بناته و بنات عمّه و‬‫أهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة‪ ».‬قال‪« :‬فكتب فيهنّ‪ ».‬فقال‪« :‬أيّها اللك‪ ،‬إنّ شرّ شيء ف العرب و ف النعمان أنم‬
‫يتكرّمون‪ -‬زعموا ف أنفسهم‪ -‬عن العجم‪ .‬فأنا أكره أن يغيّبهنّ‪ ،‬و إن قدمت أنا عليه على معرفت‪ ،‬ل يقدر على تغييبهنّ‪ ،‬فابعثن‬
‫و ابعث معى رجل يفقه العربية‪ ».‬فبعث معه رجل جلدا حصيفا‪ ،‬فخرج به زيد‪ ،‬فجعل يكرم ذلك الرجل و يلطفه حت بلغ‬
‫الية‪ .‬فلمّا دخل عليه‪ ،‬أعظم اللك و قال‪:‬‬
‫ «إنّه قد احتاج إل نساء لهله و ولده‪ ،‬و أراد كرامتك [‪ ]248‬و بعث إليك‪.‬‬‫فقال‪« :‬و ما هؤلء النسوة؟» فقال‪« :‬هذه صفتهنّ قد جئنا با‪».‬‬

‫صفة جارية أهداها النذر الكب إل أنوشروان‬
‫و كانت الصفة أنّ النذر الكب أهدى إل أنوشروان جارية كان أصابا لّا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي ‪.1025 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪234 :‬‬
‫أغار على الارث الكب الغسانّ ابن أب شر‪ ،‬فكتب إل أنوشروان يصفها له‪:‬‬
‫«هي معتدلة اللق‪ ،‬نقيّة اللون و الثغر‪ ،‬بيضاء‪ ،‬قمراء‪ ،‬و طفاء [‪ ،]1‬دعجاء [‪ ]2‬حوراء [‪ ،]3‬عيناء [‪ ،]4‬قنواء [‪ ،]5‬شّاء [‬
‫‪ ،]6‬زجّاء [‪ ،]7‬برجاء [‪ ،]8‬أسيلة الدّ [‪[ ]9‬شهيّة القبّل] [‪ ]10‬جثلة [‪ ]11‬الشعر‪ ،‬عظيمة الامة‪ ،‬بعيدة مهوى القرط‪،‬‬
‫عيطاء [‪ ،]12‬عريضة الصدر‪ ،‬كاعب الثدي‪ ،‬ضخمة مشاشة [‪ ]13‬النكب و العضد‪ ،‬حسنة العصم‪ ،‬لطيفة الكفّ‪ ،‬سبطة [‬
‫‪ ]14‬البنان‪ ،‬لطيفة ط ّى البطن‪ ،‬خيصة [‪ ]15‬الصر‪ ،‬غرثى [‪ ]16‬الوشاح‪ ،‬رداح [‪ ]17‬القبل‪ ،‬رابية الكفل‪ ،‬مفعمة الساق‪،‬‬
‫لفّاء [‪ ]18‬الفخذين‪ ،‬ريّا [‪ ]19‬الروادف‪ ،‬ضخمة الأكمتي [‪ ،]20‬عظيمة الركبة‪ ،‬مشبعة [‪ ]21‬اللخال‪ ،‬لطيفة الكعب و‬
‫القدم‪ ،‬قطوف [‪ ]22‬الشي‪ ،‬مكسال [‪]23‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الوطفاء‪ :‬غزيرة الهداب و شعر الاجبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الدعج‪ :‬شدّة سواد العي‪ ،‬و شدّة بياض بياضها‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الور‪ :‬اسوداد العي كلها مثل الظباء‪.‬‬
‫[‪ .]4‬العيناء‪ :‬هي الرأة الت عظم سواد عينها ف سعة مشهودة‪.‬‬
‫[‪ .]5‬القناء‪ :‬ارتفاع ف أعلى النف‪ ،‬واحد يدأب ف وسطه‪ ،‬و سبوغ ف أعله‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الشمم‪ :‬ارتفاع القصبة ف النف‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الزجّاء‪ :‬دقيقة الاجبي ف طول‪.‬‬
‫[‪ .]8‬البجاء‪ :‬جيلة العي‪ .‬و الت بياض عينها مدق بالسواد كله‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الد السيل‪ :‬اللي الملس الطويل السترسل‪.‬‬
‫[‪ .]10‬زيادة من الطبي و ابن الثي‪.‬‬
‫[‪ .]11‬الثل من الشعر‪ :‬الكثيف السود‪.‬‬
‫[‪ .]12‬العيطاء‪ :‬الطويلة العنق‪.‬‬
‫[‪ .]13‬الشاشة‪ :‬رأس العظم المكن الضغ‪.‬‬
‫[‪ .]14‬سبطة البنان‪ :‬الكرية‪.‬‬
‫[‪ .]15‬خيصة الصر‪ :‬من خصرها ضامر دقيق‪.‬‬
‫[‪ .]16‬الغرثى‪ :‬الوعى‪ ،‬و غرثى الوشاح‪ :‬دقيقة الصر‪.‬‬
‫[‪ .]17‬الرداح‪ :‬العجزاء الثقيلة الوراك التامة اللق‪ ،‬و القبل‪ :‬ما استقبلك من مشرف‪.‬‬
‫[‪ .]18‬اللفّاء‪ :‬مكتنة الفخذين‪.‬‬
‫[‪ .]19‬ريّا الروادف‪ :‬من كثر لم أرادفها‪.‬‬
‫[‪ .]20‬الأكمتان‪ :‬اللحمتان اللتان على رؤوس الوركي‪[ .‬و ف ابن الثي‪ :‬النكبي]‪.‬‬
‫[‪ .]21‬مشبعة اللخال‪ :‬كناية عن السمن‪.‬‬
‫[‪ .]22‬قطوف الشي‪ :‬تقارب الطو‪.‬‬
‫[‪ .]23‬الكسال‪ :‬الرأة الت ل تكاد تبح ملسها و هو مدح عندهم!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪235 :‬‬
‫الضحى‪ ،‬بضّة [‪ ]1‬التجرّد‪ ،‬شوع [‪ ]2‬للسيّد‪ ،‬ليست بنساء [‪ ]3‬و ل سعفاء [‪ ]4‬ذليلة النف‪ ،‬عزيزة النفس‪ ،‬ل تغذ ف‬
‫بؤس‪ ،‬حييّة‪ ،‬و زينة‪ ،‬حليمة‪ ،‬ركينة‪ ،‬كرية الال‪ ،‬تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها‪ ،‬و بفصيلتها دون [‪ ]249‬جاع قبيلتها‪ ،‬قد‬
‫أحكمتها التجارب ف الدب‪ ،‬فرأيها رأى أهل الشرف‪ ،‬و عملها عمل أهل الاجة‪ ،‬صناع الكفّي‪ ،‬قطيعة اللسان [‪ ،]5‬رهوة [‬
‫‪ ]6‬الصوت‪ ،‬تزين البيت و تشي العدوّ‪ ،‬إن أردتا اشتهت‪ ،‬و إن تركتها انتهت‪ ،‬تملق عيناها‪ ،‬و تمرّ وجنتاها‪ ،‬و تذبذب‬
‫شفتاها و تبادرك الوثبة»‪.‬‬
‫فقبلها أنوشروان‪ ،‬و أمر بإثبات هذه الصفة ف ديوانه‪ ،‬فلم يزالوا يتوارثونا حتّى أفضى ذلك إل كسرى بن هرمز‪.‬‬
‫فقرأ عليه زيد هذه الصفة‪ ،‬فشقّ عليه‪ ،‬فقال لزيد و للرسول‪:‬‬
‫ «أما ف عي السواد و فارس ما تبلغون به حاجتكم!» فقال الرسول لزيد‪« :‬ما العي؟» فقال‪« :‬البقر‪ ».‬فقال زيد للنعمان‪:‬‬‫«إنّما أراد كرامتك‪ ،‬و لو علم أنّه يشقّ عليك ل يكتب به إليك‪ ».‬فأنزلما يومي‪ ،‬ثّ كتب إل كسرى‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬البضّة‪ :‬الناعمة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الشموع‪ :‬الزّاحة الضحوك اللعوب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬النس‪ :‬قريب من الفطس‪.‬‬
‫[‪ .]4‬السعفاء‪ :‬السوداء‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ليست سليطة‪.‬‬
‫[‪ .]6‬رهوة الصوت‪ :‬رقيقة الصوت‪( .‬ج ّل هذه الشروح منقولة عن أيّام العرب)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪236 :‬‬
‫ «إ ّن الذي طلب اللك ليس عندي‪ ».‬و قال لزيد‪:‬‬‫ «اعذرن عنده‪ ».‬فلما رجعا إل كسرى‪ ،‬قال زيد للرسول الذي جاء معه‪:‬‬‫ أصدق اللك‪ ،‬الذي سعت منه‪ ،‬فإنّى سأحدّثه بديثك‪ ،‬و ل أخالفك فيه‪ ».‬فلمّا دخل [‪ ]250‬على كسرى قال زيد‪« :‬هذا‬‫كتابه‪ ».‬فقرأه عليه‪.‬‬
‫فقال كسرى‪« :‬فأين ما كنت خبّرتن به؟» فقال‪« :‬قد كنت أخبتك بضنّهم بنسائهم على غيهم‪ ،‬و إنّ ذلك من شقائهم‪:‬‬
‫اختيارهم الوع و العرى على الشبع و الرياش‪ ،‬و اختيارهم السّموم و الرياح على طيب أرضك هذه‪ ،‬حت إنّهم ليسمّونا‬
‫السجن‪ ،‬فسل هذا الرسول معى عن الذي قال‪ ،‬فإنّى أكره أن أحكى للملك قوله أو أردّ عليه ألفاظه‪ ».‬فقال للرسول‪« :‬ما قال؟»‬
‫قال‪« :‬انّه قال‪ -‬أيّها اللك‪ :-‬أما ف بقر السواد ما يكفيه حت يطلب ما عندنا؟» فعرف الغضب ف وجهه‪ ،‬و وقع ف قلبه منه ما‬
‫وقع‪ ،‬و لكنّه قال‪:‬‬
‫ب عبد قد قال هذا‪ ،‬فصار أمره إل التباب‪».‬‬
‫‪« -‬ر ّ‬

‫كسرى يدعو النعمان و هو يمل السلح‬
‫و شاع هذا الكلم‪ ،‬فبلغ النعمان و سكت كسرى على ذلك أشهرا‪ ،‬و جعل النعمان يستع ّد و يتوقّع حتّى أتاه كتابه أن‪:‬‬
‫ «أقبل‪ ،‬فإ ّن للملك إليك حاجة‪ ».‬فانطلق حي أتاه كتابه‪ ،‬فحمل سلحه و ما قوى عليه‪ّ ،‬ث لق ببلي طيّء‪ ،‬و كانت عنده‬‫فرعة بنت سعد بن حارثة بن لم [‪ ]251‬و قد ولدت له رجل و كانت‬

‫ج‪ ،1‬ص‪237 :‬‬
‫عنده أيضا زينب بنت أوس بن حارثة‪ .‬فأراد النعمان طيّئا على أن يدخلوه و ينعوه‪ ،‬فأبوا ذلك و قالوا‪:‬‬
‫ «لول صهرك لقاتلناك‪ ،‬فإنّه ل حاجة لنا ف معاداة كسرى‪ ».‬فأقبل ليس أحد من الناس يقبله‪ ،‬حت نزل بذي قار‪ ،‬ف بن شيبان‬‫سرّا‪ ،‬فلقى هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود‪ ،‬و كان سيّدا منيعا‪ ،‬و كان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود البلّة‪ .‬فكره النعمان‬
‫لذلك أن يدفع إليه أهله‪ ،‬و علم أ ّن هانئا مانعه مّا ينع منه نفسه‪ ،‬فأودعه سلحه‪ ،‬و توجّه بنفسه إل كسرى‪ ،‬فلقى زيد بن عدىّ‬
‫على قنطرة ساباط‪.‬‬
‫فقال‪« :‬انج نعيم!» فقال‪« :‬أنت يا زيد فعلت هذا‪ ،‬أما و ال لئن انفلتّ لفعلنّ بك و لصنعنّ‪ ».‬فقال له زيد‪« :‬امض نعيم!‬
‫فقد‪ -‬و ال‪ -‬وضعت لك عنده آخيّة [‪ ]1‬ل يقلعها الهر [‪ ]2‬الرن [‪.]3‬‬
‫فلما بلغ كسرى أنه بالباب‪ ،‬بعث إليه‪ ،‬فقيّده‪ ،‬و أنفذه إل خانقي‪ ،‬فلم يزل ف السجن حت وقع الطاعون‪ ،‬فمات فيه‪ ،‬و الناس‬
‫يظنّون أنّه [‪ ]252‬مات بساباط‪ ،‬لبيت [‪ ]4‬قاله العشى‪ .‬و الصحيح ما قلناه‪.‬‬

‫إياس و ما أدّى إل يوم ذى قار‬
‫و أمر كسرى إياس بن قبيصة الطائي أن يض ّم ما كان النعمان ينظر فيه‪ ،‬و يمع ماله و يبعث به إليه‪ .‬فبعث إياس إل هانئ أن‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الخية‪ :‬عروة تثبت ف الرض أو الائط لربط الدابة با‪ .‬الرمة و الذمة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الهر‪ :‬أول ما ينتج من اليل و المر الهلية و غيها‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الرن‪ :‬النشط‪ .‬يقال‪ :‬شددت له آخية ل يلّها الهر الرن‪.‬‬
‫[‪ .]4‬و البيت كما ف الطبي (‪:)1028 :2‬‬
‫فذاك و ما أنى من الوت ربّه بساباط‪ ،‬حتّى مات و هو مرزق‬

‫ج‪ ،1‬ص‪238 :‬‬
‫ «أرسل ما استودعك النعمان من السلح و غيه‪ ».‬و كان ثانائة درع‪ .‬فأب هانئ أن يسلّم خفارته‪.‬‬‫فلمّا منعها هانئ غضب كسرى‪ ،‬و أظهر أنّه يستأصل بكر بن وائل و عنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلب‪ -‬و هو يبّ هلك‬
‫بكر بن وائل‪ -‬فقال لكسرى‪:‬‬
‫ «يا خي اللوك‪ ،‬أدلّك على غرّة بكر بن وائل؟» قال‪« :‬نعم‪ ».‬قال‪« :‬أمهلها حتّى تقيظ [‪ ،]1‬فإنّهم يتمعون إل مآلم يقال له‪:‬‬‫ذو قار‪ ،‬فيتساقطون عليه تساقط الفراش ف النار‪ ،‬فتأخذهم كيف شئت‪ ،‬و أنا أكفيكهم‪ ».‬فترجم له‪ ،‬فأقرّهم‪ ،‬حت إذا قاظوا‬
‫جاءت بكر بن وائل‪ ،‬فنلت حنو ذى قار‪ ،‬و هو على ليلة من ذى قار [‪ .]2‬فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة أن‪ :‬اختاروا‬
‫واحدا من ثلث خصال‪ .‬فنل النعمان على هانئ و قال‪:‬‬
‫«أنا رسول اللك إليكم‪ ،‬أخيّركم ف ثلث [‪ ]253‬خصال‪ :‬إمّا أن تعطوا بأيديكم فيحكم اللك فيكم با شاء‪ ،‬و إمّا أن تدعوا‬
‫الديار‪ ،‬و إمّا أن تأذنوا برب‪ ».‬فتآمروا‪ ،‬فولّوا أمورهم حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلى‪ ،‬و كانوا يتيمّنون به‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «ل أرى إلّا القتال‪ ،‬لنّكم إن أعطيتم بأيديكم‪ ،‬قتلتم‪ ،‬و سبيت ذراريكم‪ ،‬و إن هربتم قتلكم العطش‪ ،‬و تلقّاكم تيم فتهلككم‪،‬‬‫فآذنوا اللك برب‪ ».‬فبعث اللك كسرى إل إياس‪ ،‬و إل الامرز [‪ ]3‬التستري‪ ،‬و كان مسلحه [‪]4‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬قاظ اليوم‪ :‬اشت ّد حره‪ .‬قاظ القوم بالكان‪ :‬أقاموا به أيام الرّ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ذو قار‪ :‬ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة (مع)‪.‬‬
‫‪[Hamerz .]3.‬‬
‫[‪ .]4‬السلح‪ ،‬و السلحة‪ :‬ك ّل موضع مافة يقف فيه الند بالسلح للمراقبة و الحافظة‪ .‬القوم السلّحون‬

‫ج‪ ،1‬ص‪239 :‬‬
‫بالقطقطانية [‪ ]1‬و إل جلبزين [‪ ]2‬و كان مسلحه ببارق‪ .‬و كتب إل قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذى الدّين‪ -‬و‬
‫كان كسرى استعمله على طفّ سفوان [‪ -]3‬أن يوافوا إياسا‪ ،‬فإذا اجتمعوا‪ ،‬فإياس على الناس‪ .‬و جاءت الفرس و معها النود‬
‫و الفيول عليها الساورة‪ ،‬و قد بعث النب‪ -‬صلّى ال عليه و سلّم‪.-‬‬
‫فقال‪ -‬عليه السلم‪:-‬‬
‫‪« -‬اليوم انتصفت العرب من العجم [‪ ».]4‬فحفظ ذلك اليوم‪ ،‬فإذا هو يوم الوقعة‪.‬‬

‫رأى جيّد رآه قيس بن مسعود لانئ [‪]254‬‬
‫لّا دنت جيوش الفرس بن معهم انس ّل قيس بن مسعود ليل‪ ،‬فأتى هانئا فقال‪:‬‬
‫ «أعط قومك سلح النعمان فيقووا‪ ،‬فإن هلكوا كان تبعا لنفوسهم و كنت قد أخذت بالزم‪ ،‬و إن ظفروا ردّوه عليك‪».‬‬‫ففعل‪ ،‬و قسم الدروع و السلح ف ذوى القوى و اللد من قومه‪ ،‬فلمّا دنا المع من بكر بن وائل‪ ،‬قال لم هانئ‪:‬‬
‫ «يا معشر بكر‪ ،‬إنّه ل طاقة لكم بنود كسرى و من معهم من العرب‪ ،‬فاركبوا الفلة‪ ».‬فتسارع الناس إل ذلك‪ ،‬فوثب حنظلة‬‫بن ثعلبة بن سيّار‪ .‬فقال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] ف ثغر‪ ،‬أو مفر للمحافظة‪ .‬ترجة لكلمة «زينستان» الفارسية الركبة من «زين» (بالفهلوية‪:‬‬
‫)‪ Zen‬أى السلح‪ ،‬و «ستان» أى الكان (حب)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬القطقطانية‪ :‬موضع قرب الكوفة (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ما ف الصل و مط غي واضح و ما أثبتناه يوافق الطبي (‪.)1030 :2‬‬
‫ف سفوان‪ :‬ماء على قدر مرحلة من الربد بالبصرة به ماء كثي (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ط ّ‬
‫[‪ .]4‬أنظر الطبي (‪ ،)1031 :2‬و العقد (‪.)262 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪240 :‬‬
‫ «إنّما أراد ناتنا‪ ،‬فلم يزد على أن ألقانا ف اللكة‪ ».‬فردّ الناس‪ ،‬و قطع وضن الوادج لئلّا تستطيع بكر أن تسوق نساءها إن‬‫هربوا [‪ ،]1‬فسمّى‪« :‬مقطّع الوضن [‪ ».]2‬فضرب حنظلة على نفسه قبّة ببطحاء ذى قار‪ ،‬و آل‪ :‬ل يفرّ حت تفرّ القبّة‪.‬‬
‫فمضى من مضى من الناس و رجع أكثرهم‪ ،‬و استقرى [‪ ]3‬ماء لنصف شهر‪ .‬فأتتهم العجم‪ ،‬فقاتلتهم بالنو‪ ،‬فجزعت العجم من‬
‫العطش‪ ،‬و ل تقم لحاصرتم فهربت إل البابات [‪ ]4‬فتبعتهم [‪ ]5‬بكر و عجل أوائل بكر‪ ]255[ ،‬فتقدّمت عجل‪ ،‬و أبلت‬
‫يومئذ بلء حسنا‪ ،‬و اضطمّت عليهم جنود العجم‪ ،‬فقال الناس‪ :‬هلكت عجل‪ .‬ثّ حلت بكر‪ ،‬فوجدت عجل ثابتة تقاتل‪ ،‬و امرأة‬
‫تقول‪:‬‬
‫إن يظفروا يوّزوا [‪ ]6‬فينا الغرل [‪ * ]7‬إيها [‪ ]8‬فداء لكم بن عجل‬
‫و تقول أيضا‪:‬‬
‫إن تزموا نعانق * و نفرش النّمارق [‪]9‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيده مط و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي (‪ :)1031 :2‬الوضن‪ :‬حزم الرحال‪ .‬و يقال‪ :‬مقطّع البطن‪ .‬و البطن‪ :‬حزم القتاب‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬و استقى‪ .‬ف الطبي‪ :‬و استقوا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬البابات‪ :‬موضع قريب من ذى قار كان با يوم العرب (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط و الطبي‪ :‬و تبعتهم‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الطبي‪ :‬يرّزوا‪.‬‬
‫[‪ .]7‬الغرل‪ :‬جع غرلة‪ :‬جلدة الصب الت تقطع ف التان‪.‬‬
‫[‪ .]8‬إيها‪ :‬اسم فعل معناه‪ :‬ل تدّث‪ .‬و قد ترد بعن التصديق و الرضا بالشيء‪ .‬إيه‪ :‬اسم فعل معناه الستزادة من حديث أو‬
‫عمل‪ .‬أو السكات و الكفّ بعن‪ :‬حسبك‪.‬‬
‫[‪ .]9‬النمارق‪ :‬جع النمرقة‪ ،‬و هي الوسادة الصغية‪ ،‬أو الطنفسة فوق الرحل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪241 :‬‬
‫أو تربوا نفارق * فراق غي وامق [‪]1‬‬
‫فقاتلوهم بالبابات يوما‪ ،‬فعطش العجم‪ ،‬فمالوا إل بطحاء ذى قار‪.‬‬
‫فأرسلت إياد إل بكر سرّا‪ -‬و كانوا مع إياس عونا على بكر‪:-‬‬
‫ى المرين أعجب إليكم‪ :‬أن نطي تت ليلتنا فنذهب‪ ،‬أو نقيم‪ ،‬و نفرّ حي تتلقون؟» قالوا‪« :‬بل تقيمون‪ ،‬فإذا التقى القوم‬
‫ «أ ّ‬‫انزمتم بم‪ ».‬فصبّحتهم بكر بن وائل و الظعن [‪ ]2‬واقفة يذمرن [‪ ]3‬الرجال على القتل‪ .‬فقال يزيد بن حار السكون و كان‬
‫حليفا لبن شيبان‪:‬‬
‫ «يا بن شيبان‪ ،‬أطيعون و اكمنوا [‪ ]4‬لم كمينا‪ ».‬ففعلوا‪ ،‬فكمنوا ف مكان من ذى قار يسمّى إل اليوم «البء [‪».]5‬‬‫فاجتلدوا على [‪ ]6‬ميمنة إياس بن قبيصة و فيها [‪ ]7‬الامرز‪ ،‬و على ميسرته و فيها [‪ ]8‬اللبزين [‪ ،]256‬و على ميمنة هانئ‬
‫بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيبان‪ ،‬و على ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلى و حنظلة يرتز و يقول‪:‬‬
‫قد شاع أشياعكم فجدّوا * ما علّت و أنا شيخ جلد [‪]9‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الوامق‪ :‬الحبّ‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الظعن‪ :‬جع الظعينة‪ :‬الراحلة‪ ،‬الودج‪ ،‬الزوجة!‬
‫ض على المر‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ذمر‪ :‬ح ّ‬
‫[‪ .]4‬الصل و مط و الطبي‪« :‬و اكمنون لم» فحذفنا «ن» وفقا لبن الثي (‪.)490 :1‬‬
‫[‪ .]5‬ف الطبي‪ :‬البّ‪ ،‬الب‪ .‬مط‪ :‬حب‪ .‬و ف الصول‪ :‬البئ‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الطبي‪ :‬و على‪.‬‬
‫[‪ .]7‬فيها‪ :‬سقطت من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]8‬فيها‪ :‬أيضا سقطت من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]9‬ف الطبي‪ :‬مؤد‪ .‬أى‪ :‬ذو أداة من السلح تامة‪ ،‬أى‪ :‬ل عذر ل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪242 :‬‬
‫و القوس فيها وتر عردّ [‪ * ]1‬مثل ذراع البكر أو أشدّ‬
‫ثّ صيّروا المر بعد هانئ إل حنظلة‪ .‬فمال إل مارية ابنته و هي أمّ عشرة نفر‪ ،‬فقطع وضينها‪ ،‬فوقعت على الرض‪ ،‬و قطع و ضن‬
‫النساء‪ ،‬فوقعن على الرض‪.‬‬
‫و نادت بنت القرين الشيبانيّة حي وقعت النساء إل الرض‪:‬‬
‫ويها بن شيبان صفّا بعد صفّ * إن تزموا يصبّغوا [‪ ]2‬فينا القلف [‪]3‬‬
‫فقطع سبعمائة من بن شيبان أيدى أقبيتهم من قبل مناكبهم‪ ،‬لتخفّ أيديهم بالضرب‪ ،‬فجالدوهم‪ ،‬و نادى الامرز لّا رأى جدّ‬
‫القوم و ثباتم للحرب و صبهم للموت‪:‬‬
‫ «مرد و مرد!» فقال برد بن حارثة اليشكري‪« :‬ما يقول؟» قال‪« :‬يدعو إل الباز و يقول‪ :‬رجل و رجل‪ ».‬فقال‪« :‬و أبيكم‬‫لقد أنصف‪ ]257[ ».‬و برز له برد‪ ،‬فلم يلبث برد أن تكّن من الامرز فقتله‪ ،‬و نادى حنظلة بن ثعلبة‪:‬‬
‫ «يا قوم‪ ،‬ل تقفوا لم فيستغرقكم النشّاب‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬عردّ‪ :‬صلب شديد‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪« :‬يصنعوا» و قد زالت نقطتا الياء‪ .‬ما ف الصل‪« :‬يضيّعوا» و قد يكون له معن!‪ .‬و ما أثبتناه من الطبي (‪:2‬‬
‫‪ ،)1033‬و ابن الثي (‪.)490 :1‬‬
‫[‪ .]3‬القلف‪ :‬جع القلفة‪ :‬اللدة الت يقطعها الاتن من ذكر الصب‪ .‬و قوله‪ :‬يصبّغوا فينا القلف‪ ،‬أى‪ :‬إن هزمتم افتضّوا أبكارنا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪243 :‬‬
‫فحملت ميسرة بكر‪ -‬و عليها حنظلة‪ -‬على ميمنة اليش‪ ،‬و قد قتل الامرز رئيسهم‪ ،‬قتله برد‪ ،‬و حلت ميمنة بكر‪ -‬و عليها‬
‫يزيد بن مسهر‪ -‬على ميسرة اليش‪ ،‬و عليهم اللبزين‪ ،‬و خرج الكمي من خبء ذى قار من ورائهم [و عليهم] [‪ ]1‬يزيد بن‬
‫حار‪ ،‬فشدّوا على قلب اليش‪ ،‬و فيهم إياس بن قبيصة و ولّت إياد منهزمة كما وعدتم‪ .‬و انزمت الفرس و اتّبعوهم يسعون‪ ،‬ل‬
‫ينظروا إل سلب و ل إل شيء حتّى تعارفوا «بأدم»‪ -‬موضع قريب من ذى قار‪ -‬فوجد ثلثون فارسا‪ ،‬من عجل و من سائر بكر‬
‫ستون فارسا و قتلوا جلبزين‪ ،‬قتله حنظلة بن ثعلبة‪ ،‬و ذلّت الفرس بعد ذلك‪ ،‬و ذلّ أمرهم‪.‬‬

‫ذكر حيلة لبرويز على ملك الروم‬
‫كان أبرويز وجّه رجل من جلّة أصحابه ف جيش جرّار إل بلد الروم [‪ ]258‬فنكا فيهم‪ ،‬و بلغ منهم‪ ،‬و فتح الشامات و بلغ‬
‫الدرب ف آثارهم فعظم أمره و خافه أبرويز‪ .‬فكاتبه بكتابي أمره ف أحدها أن يستخلف على جيشه من يثق به و يقبل إليه‪ ،‬و‬
‫يأمره ف الخر أن يقيم بوضعه‪ ،‬فإنّه لا تدبّر أمره و أجال الرأى‪ ،‬ل يد من يس ّد مسدّه‪ ،‬و ل يأمن اللل‪ ،‬إن غاب عن موضعه‪ ،‬و‬
‫أرسل بالكتابي رسول من ثقاته و قال له‪:‬‬
‫ف لذلك فهو ما أردت‪ ،‬و إن كره و تثاقل عن الطاعة‪ ،‬فاسكت عليه أيّاما‪ ،‬ثّ‬
‫ «أوصل الكتاب الول بالمر بالقدوم‪ ،‬فإن خ ّ‬‫أعلمه أنّ الكتاب الثان ورد عليك‪ ،‬و أوصله إليه ليقيم بوضعه‪ ».‬فخرج رسول كسرى حت ورد على صاحب اليش ببلد‬
‫الشام‪ ،‬فأوصل الكتاب إليه‪ ،‬فلمّا قرأه قال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪« :‬من ورائهم اللبزين» فحذفنا «اللبزين» و أثبتنا مكانا «و عليهم» كما ف الطبي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪244 :‬‬
‫ «إمّا أن يكون كسرى قد تغيّر ل و كره موضعي‪ ،‬أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي و أنا ف بر العدوّ‪ ».‬فدعا الصحاب‬‫و قرأ عليهم الكتاب فأنكروه‪ .‬فلمّا كان بعد ثلثة أيّام‪ ،‬أوصل الكتاب الثان بالقام‪ ،‬و أوهه أنّ رسول [‪ ]259‬ورد به‪ ،‬فلمّا‬
‫قرأه قال‪« :‬هذا تليط‪ ».‬و ل يقع منه موقعا‪ ،‬و دسّ إل ملك الروم من ناظره ف إيقاع صلح بينهما‪ ،‬على أن يلّى الطريق للك‬
‫الروم‪ ،‬حتّى يدخل بلد العراق على غرّة من كسرى‪ ،‬و على أ ّن للك الروم ما تغلّب عليه من دون العراق‪ ،‬و للفارسي ما وراء‬
‫ذلك إل بلد فارس‪.‬‬
‫فأجابه ملك الروم إل ذلك و تنحّى الفارسي عنه ف ناحية من الزيرة‪ ،‬و أخذ أفواه الطرق‪ ،‬فلم يعلم كسرى حتّى ورد خب ملك‬
‫الروم من ناحية قرقيسياء [‪ ،]1‬و كسرى غي معدّ‪ ،‬و جنده متفرّقون ف أعماله‪ .‬فوثب من سريره مع قراءة الب و قال‪:‬‬
‫ط دقيق إل صاحبه‬
‫ «هذا وقت حيلة ل وقت شدّة‪ ».‬و جعل ينكت ف الرض مليّا‪ّ .‬ث دعا برقّ‪ ،‬و كتب فيه كتابا صغيا ب ّ‬‫بالزيرة يقول فيه‪:‬‬
‫ «قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم‪ ،‬و إطماعه ف نفسك و تلية الطريق له حتّى إذا تولّج ف بلدنا‬‫أخذته من أمامه و أخذته أنت و من ندبناه لذلك من خلفه‪ ،‬فيكون ذلك بواره‪ ،‬و قد تّ ف هذا الوقت ما دبّرناه‪ ،‬و ميعادك [‬
‫‪ ]260‬ف اليقاع به يوم كذا!» ّث دعا راهبا كان ف دير بانب مدينته و قال له‪:‬‬
‫ «أىّ جار كنت لك؟»‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬قرقيسا‪ .‬و قرقيسياء‪ :‬بلد على الابور عند مصبّه‪ ،‬و هي على الفرات‪ ،‬جانب منها على الابور‪ ،‬و جانب آخر‬
‫فوق رحبة مالك بن طوق (مع‪) C .I .S( Circesium).‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪245 :‬‬
‫قال‪« :‬أفضل جار‪ ».‬قال‪« :‬قد بدت لنا إليك حاجة‪ ».‬قال الراهب‪« :‬اللك أج ّل من أن يكون له حاجة إل مثلي‪ ،‬و لكن عندي‬
‫بذل نفسي ف الذي يأمر به اللك‪ ».‬قال كسرى‪« :‬تمل ل كتابا إل فلن صاحب؟» قال‪« :‬نعم‪ ».‬قال كسرى‪« :‬فإنّك تتاز‬
‫بأصحابك النصارى‪ ،‬فأخفه‪ ».‬قال‪« :‬نعم‪ ».‬فلمّا ولّى عنه الراهب قال له كسرى‪:‬‬
‫ «أ علمت ما ف الكتاب؟» قال‪« :‬ل‪ ».‬قال‪« :‬فل تمله حتّى تعلم ما فيه‪ ».‬فلمّا قرأه أدخله ف جيبه ثّ مضى‪.‬‬‫فلمّا صار ف عسكر الروم و نظر إل الصلبان و القسيسي و ضجيجهم بالتقديس و الصلوات احترق قلبه لم و أشفق مّا خاف‬
‫أن يقع بم‪ .‬و قال ف نفسه‪:‬‬
‫ «أنا ش ّر الناس إن حلت بيدي حتف النصرانية‪ ،‬و هلك هؤلء اللق‪ ».‬فصاح‪« :‬أنا ل يمّلن كسرى رسالة و ل معى‬‫كتاب‪ ».‬فأخذوه و وجدوا الكتاب معه‪.‬‬
‫و قد كان كسرى وجّه رسول قبل ذلك اختصر الطريق حتّى م ّر بعسكر الروم و كأنّه رسول إل كسرى [‪ ]261‬من صاحبه‬
‫الذي طابق [‪ ]1‬ملك الروم و معه كتاب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬طابق‪ :‬وافق‪ ،‬عاون‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪246 :‬‬
‫فيه‪:‬‬
‫«إنّ اللك كان قد أمرن بقاربة ملك الروم و أن أختدعه و أخلّى له الطريق‪ ،‬فيأخذه اللك من أمامه‪ ،‬و آخذه أنا من خلفه و قد‬
‫فعلت ذلك‪ ،‬فرأى اللك ف إعلمى وقت خروجه إليه‪ ».‬فأخذ ملك الروم الرسول و قرأ الكتاب و قال‪:‬‬
‫ «قد عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن [‪ ]1‬على كسرى‪ ».‬و وافاه أبرويز ف من أمكنه من جنده‪ ،‬فوجد ملك الروم قد‬‫ولّى هاربا‪ ،‬فاتّبعه يقتل و يأسر من أدرك‪ ،‬و بلغ صاحب كسرى هزية الروم‪ ،‬فأحبّ أن يلّى نفسه و يستر ذنبه لا فاته ما دبّر‪،‬‬
‫فخرج خلف الروم الاربي‪ ،‬فلم يسلم منهم إلّا القليل [‪.]2‬‬

‫ذكر سبب هلك أبرويز و قتله‬
‫كان سبب هلك أبرويز و قتله تبّره‪ ،‬و احتقاره العظماء‪ ،‬و عتوّه‪ .‬و ذاك أنّه استخفّ با ل يستخفّ به اللك الازم‪ ]262[ .‬و‬
‫كان قد جع من الال ما ل يمعه أحد من اللوك‪ ،‬و بلغت خيله قسطنطينية و إفريقية‪ ،‬و كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة و جارية‪،‬‬
‫و ألف فيل إلّا فيل واحد‪ ،‬و خسون ألف دابّة‪ ،‬و من الواهر‪ ،‬و اللت و الوان ما يليق بذلك‪ .‬و أمر أن يصى ما اجتب من‬
‫خراج بلده و سائر أبواب الال سنة ثان عشرة من ملكه‪ .‬فرفع إليه‪ :‬أ ّن الذي اجتب ف تلك السنة من الراج و سائر البواب‬
‫ستمائة ألف ألف [‪ 000‬بن ‪ 000‬بن ‪ ]600‬درهم‪ .‬و أمر فحوّل إل بيت مال بن بدينة طيسبون‪ ،‬من ضرب فيوز بن يزدجرد‬
‫و قباذ بن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أدهن‪ :‬أظهر خلف ما أضمر‪ ،‬أو خدع و غشّ‪ .‬أدهن عليه‪ :‬أبقى‪ .‬أدهن فلنا‪ :‬داراه و لينه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬إنّ ما ذكره مسكويه تت عنوان «حيلة لبرويز» ل نعثر على ذكر له عند كلّ من الطبي‪ ،‬و السعودي‪ ،‬و الدينوري‪ ،‬و‬
‫الثعالب‪ ،‬و ابن الثي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪247 :‬‬
‫فيوز اثنتا عشرة ألف [‪ 000‬بن ‪ ]12‬بدرة ف أنواع من الواهر و الكسىّ و غي ذلك‪ .‬فعتا و استهان بالناس و الحرار‪.‬‬
‫و بلغ من جرأته أنّه أمر رجل كان على حرس بابه الاصّة يقال له‪:‬‬
‫زاذانفروخ‪ ،‬أن يقتل كلّ مقيّد ف سجن من سجونه‪ .‬فأحصوا‪ ،‬فبلغوا ستّة و ثلثي ألفا‪ .‬فلم يقدم زاذانفروخ على قتلهم‪ ،‬و تقدّم‬
‫بالتوقّف عمّا أمر به كسرى و أعدّ علل له ف ما أمر [‪ ]263‬به فيهم‪.‬‬
‫فكان هذا أحد ما كسب به كسرى عداوة أهل ملكته‪.‬‬
‫و الثان‪ :‬احتقاره إيّاهم و استخفافه بعظمائهم‪.‬‬
‫و الثالث‪ :‬أنّه سلّط علجا [‪ ]1‬يقال له «الفرّخان زاذ» عليهم‪ ،‬حتّى استخرج بقايا الراج بعنف و عذاب‪ ،‬و كان ضمن من‬
‫ذلك مال عظيما‪ ،‬فسلّطه على الناس‪.‬‬
‫و الرابع‪ :‬إجاعه على قتل الفلّ [‪ ]2‬الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل‪.‬‬
‫فمضى قوم من العظماء إل عقر بابل و فيه شيى [‪ ]3‬بن أبرويز مع إخوته با‪ ،‬و قد وكّل بم مؤدّبون و أساورة يولون بينهم و‬
‫بي براح ذلك الوضع‪ ،‬فأقبلوا به‪ ،‬و دخلوا مدينة برسي ليل‪ .‬فخلّى عمّن كان ف سجونا و أخرج من كان فيها‪ ،‬و اجتمع إليه‬
‫الف ّل الذين كانوا عملوا بأمر كسرى بقتلهم‪ .‬فنادوا‪:‬‬
‫ «قباذ شاهنشاه»‪ ،‬و صاروا حي أصبحوا إل رحبة كسرى‪ ،‬فهرب الرس من قصر أبرويز‪ ،‬و اناز كسرى بنفسه إل باغ له‬‫قريب من قصره يدعى‪« :‬باغ الندوان» فارّا [‪.]4‬‬
‫فأخذ و حبس خارجا [‪ ]264‬عن دار الملكة ف دار رجل يقال له‪ :‬مارسفند [‪.]5‬‬
‫__________________________________________________‬
‫ف الشديد‪.‬‬
‫[‪ .]1‬العلج‪ :‬الا ّ‬
‫[‪ .]2‬الفلّ‪ :‬النهزم‪( .‬للواحد و المع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬شيى شيويه‪ ،‬و اسه قباذ (الطبي ‪ )1045 ،1043 :2‬قباذ الثان‪(LC .I .S).‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬هاربا‪.‬‬
‫[‪ .]5‬مط‪ :‬ماراسفند‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪248 :‬‬
‫إل ان قتل‪ ،‬بعد حديث طويل [‪ ]1‬و مراسلت بينه و بي شيى بواطأة العظماء‪ ،‬و بعد تقريع كثي و توبيخ على ما كان منه ف‬
‫أشياء عدّدوها عليه‪ .‬فأجاب عن الك ّل بوابات مقنعة صحيحة ل نذكرها لروجها عما بنينا عليه غرض هذا الكتاب‪.‬‬
‫و كان هلكه بعد ثان و ثلثي سنة‪ ،‬و لضىّ اثني و ثلثي سنة و خسة عشر يوما من ملكه‪ ،‬هاجر النب‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬من‬
‫مكّة إل الدينة‪.‬‬
‫و خلّف ف بيت الال يوم قتل من الورق أربعمائة ألف [‪ 000‬بن ‪ ]400‬بدرة‪ ،‬سوى الكنوز و الذخائر و الواهر و آلت‬
‫اللك‪ ،‬و ف تلك الكنوز «كنباذ آورد» [‪.]2‬‬
‫ثّ ملك شيويه بن أبرويز‪.‬‬

‫ذكر عاقبة شيويه بن أبرويز‬
‫قتل شيويه أباه‪ ،‬و قتل سبعة عشر أخا له ذوى آداب و شجاعة‪ ]265[ ،‬بشورة وزرائه‪ ،‬فابتلى بالسقام‪ ،‬و انتقض عليه بدنه‪،‬‬
‫فلم يلتذّ بشيء من لذّات الدنيا‪ ،‬و جزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا‪ ،‬و كان يبكى إل أن رمى بالتاج عن رأسه‪ ،‬و عاش ما عاش‬
‫مهموما حزينا مدنفا‪ .‬و كان الطاعون فشا ف أيّامه‪ ،‬فأهلك أكثر الفرس‪ .‬و كان ملكه ثانية أشهر‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي ‪.1044 :2‬‬
‫[‪ .]2‬گنج ى واذ آورد‪ ،‬گنج باد آورد ‪ (LC .I .S).‬و گنج باد آورد [أى كن أتت به الريح] اسم للحن من ألان باربد‪.‬‬
‫قيل‪ :‬إنّ الوسيقار باربد )‪ (LBarbad‬لّنه بعد أن أتى أبرويز بذلك الكن (فم)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪249 :‬‬

‫ث ملك أردشي بن شيويه‬
‫و كان طفل‪ ،‬و قيل‪ :‬إنّه كان ابن سبع سني‪ ،‬لنّه ل يوجد غيه من أهل بيت الملكة‪ ،‬و حضنه رجل يقال له‪ :‬مهاذر جشنس [‬
‫س بداثة أردشي سوى أنّه غلط ف أمر شهربراز القيم بثغر الروم‪.‬‬
‫‪ ،]1‬فأحسن سياسة اللك فبلغ من إحكامه ذلك أنه‪ :‬ل ي ّ‬

‫ذكر غلطه ف ذلك و استهانته بأمره حت كان سبب هلكه‬
‫كان شهربراز ف جند ضمّهم إليه كسرى‪ ،‬و كان كسرى و شيويه ل يزالن يكتبان إليه ف المر يهمّهما و يستشيانه‪ .‬فلمّا ل‬
‫يشاوره عظماء [‪ ]266‬الفرس ف تليك أردشي‪ ،‬و ل يكاتبه أيضا مهاذرجشنس‪ ،‬تعنّت الفرس‪ ،‬و تبغّى عليهم‪ ،‬و بسط يده‪ ،‬و‬
‫جعله سببا للطّمع ف اللك‪ ،‬و استطال‪ ،‬و احتقر أردشي لداثة سنّه‪ ،‬و دعا الناس إل التشاور ف اللك‪ّ .‬ث أقبل بنده و قد عمد‬
‫مهاذرجشنس‪ ،‬فحصّن سور مدينة طيسبون و أبوابا‪ ،‬و حوّل أردشي و من بقي من نسل اللوك و نسائهم‪ ،‬و ما كان ف بيت مال‬
‫أردشي من مال و خزائن و كراع‪ ،‬إل مدينة طيسبون‪.‬‬
‫فلما ورد شهربراز أناخ إل جانب مدينة طيسبون‪ ،‬و حاصر من فيها‪ ،‬و نصب الجانيق عليها‪ ،‬فلم يصل إليها‪ .‬فلمّا رأى عجزه‬
‫عن افتتاحها أتاها من قبل الكيدة‪ ،‬فلم يزل يدع رجل يقال له‪ :‬نيوخسرو [‪ ،]2‬و رجل كان اصبهبذ نيمروزكان [‪ ،]3‬حت‬
‫فتحا له باب الدينة‪ ،‬فدخلها‪ ،‬و أخذ جاعة من الرؤساء‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و جاء ف الطبي‪ :‬كانت مرتبته رئاسة أصحاب الائدة (‪.)1062 :2‬‬
‫[‪ .]2‬الصل مهمل النقط‪ .‬ف الطبي‪ :‬نيوخسرو‪ .‬كان رئيس حرس أردشي (‪.)1062 :2‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬نيمروذكان‪ ،‬بالذال العجمة‪ .‬ف الطبي‪ :‬نامدار جشنس بن آذرجشنس اصبهبذ نيمروز‬

‫ج‪ ،1‬ص‪250 :‬‬
‫فقتلهم‪ ،‬و استصفى أموالم‪ ،‬و قتل أردشي بن شيويه‪ .‬و كان ملكه سنة و ستة أشهر‪.‬‬
‫[‪]267‬‬

‫ث ملك شهربراز‬
‫و ل يكن من أهل بيت الملكة و دعا نفسه ملكا‪ ،‬و لّا جلس على سرير اللك ضرب عليه بطنه‪ ،‬و بلغ من شدّة ذلك عليه أنّه ل‬
‫يقدر على إتيان اللء‪ ،‬فدعا بالطّست‪ ،‬فوضع أمام ذلك السرير‪ ،‬و مدّ ف وجهه ما ستره‪ ،‬فتبّرز ف الطّست! ث امتعض رجل‬
‫يقال له «بسفرّوخ [‪ »]1‬و أخوين له‪ ،‬من قتل شهربراز أردشي بن شيويه‪ ،‬و غلبته على اللك‪ ،‬فتحالفوا على قتله‪ .‬و كان من‬
‫السنّة إذا ركب اللك أن يقف له حرسه ساطي عليهم الدروع‪ ،‬و البيض‪ ،‬و الترسة‪ ،‬و السيوف‪ ،‬و بأيديهم الرماح‪ ،‬فإذا حاذاهم‬
‫اللك وضع كل رجل منهم ترسه على قربوس سرجه‪ ،‬ثّ وضع جبهته عليه كهيئة السجود‪ .‬و إ ّن شهربراز ركب بعد أن ملك‬
‫بأيام‪ ،‬فوقف له بسفرّوخ‪ ،‬ث طعنه أخواه‪ ،‬فسقط عن دابته‪ ]268[ ،‬فشدّوا ف رجله حبل و جرّوه إقبال و إدبارا ساعة‪ ،‬و‬
‫ساعدهم قوم من العظماء و قتلوا عدّة عاونوا ف الفتك بأردشي‪ ،‬و ملّكوا بوران بنت كسرى‪ .‬و كان جيع ما ملك شهربراز‬
‫أربعي يوما‪.‬‬
‫و ملكت بوران بنت كسرى أبرويز‬
‫فأحسنت السية‪ ،‬و بسطت العدل‪ ،‬و أمرت بر ّم القناطر و السور و إعادة العمارات‪ ،‬و وضعت بقايا الراج‪ ،‬و كتبت إل‬
‫الناس عامّة كتبا تعلمهم ما هي عليه‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] (نفس الصفحة)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬فسفرّوخ بن ماه خرشيدان‪(LC .I .S( PusFarrukh )3601 :2).‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪251 :‬‬
‫من الحسان‪ ،‬و أنّها ترجو أن يريهم ال من الرفاهة و الستقامة بكانا‪ ،‬و من العدل و حفظ الثغور ما يعلمون به أنه ليس ببطش‬
‫الرجال تدوّخ البلد‪ ،‬و ل ببأسهم تستباح العساكر‪ ،‬و ل بكائدهم ينال الظفر‪ ،‬و تطفأ النوائر‪ ،‬و لكنّ ذلك كلّه باللّه عزّ و جلّ‪،‬‬
‫و حسن النيّة‪ ،‬و استقامة التدبي‪ .‬و أمرت بالناصحة و حسن الطاعة‪ ،‬و ردّت خشبة الصليب على ملك الروم‪ .‬و كان ملكها‬
‫سنة و أربعة أشهر‪]269[ .‬‬

‫ث ملك بعدها رجل يقال له‪ :‬جشنسبنده [‪]1‬‬
‫و كان ملكه أق ّل من شهر‪ ،‬و ل يظهر له أثر تستفاد منه تربة‪.‬‬

‫ث ملكت آزرمى دخت ابنة كسرى أبرويز‬
‫كانت آزرمى دخت من أجل نساء دهرها‪ ،‬و كان عظيم فارس يومئذ «فرّخ هرمز» إصهبذ خراسان‪ ،‬و أرسل إليها‪ :‬يسألا أن‬
‫تزوّجه نفسها‪ ،‬فأرسلت إليه‪:‬‬
‫ «إ ّن التزويج للملكة غي جائز‪ ،‬و قد علمت أنّ إربك فيما ذهبت إليه‪ ،‬قضاء حاجتك منّى‪ ،‬فصر إلّ ليلة كذا و كذا‪ ».‬ففعل‬‫[فرّخ هرمز] [‪ ،]2‬و ركب إليها ف تلك الليلة‪ ،‬و تقدّمت آزرمى دخت إل صاحب حرسها أن يترصّده ف الليلة الت تواعدا‬
‫اللتقاء فيها‪ ،‬حتّى يقتله‪ .‬فنفذ صاحب حرسها لمرها‪ ،‬و أمر به فجرّ برجله‪ ،‬و طرح ف رحبة دار الملكة‪ .‬فلمّا أصبح الناس و‬
‫رأوه‪ ،‬علموا أنّه ل يقتل إلّا لعظيمة‪ .‬فأمرت بثّته فغيّبت‪.‬‬
‫و كان رستم بن فرّخ هرمز هذا عظيم البأس قويّا ف نفسه و هو [‪ ]270‬رستم صاحب القادسية الذي تولّى قتال العرب من قبل‬
‫يزدجرد ف ما بعد‪ ،‬و سنحكى‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬جشنسده (‪ ،)1064 :2‬و ابن الثي‪ :‬خشنشبنده (‪ ،)449 :1‬و الصحيح‪ :‬جشنسبنده‪ ،‬معرّب گشنسب‬
‫بندك ‪ GusnaspBandak.‬و جاء ف بعض الصول‪ :‬جشنسفنده‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪« :‬خره هرمز» و ما أثبتناه يؤيده الطبي و مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪252 :‬‬
‫خبه هناك‪ .‬فلمّا بلغه ما صنع بأبيه‪ ،‬أقبل ف جند عظيم‪ ،‬حت نزلوا الدائن‪ ،‬و سل عين آزرمى دخت‪ ،‬و قتلها‪ ،‬و كان ملكها‬
‫ستة أشهر‪ .‬و اختلف [‪ ]1‬فيمن ملك بعد آزرمى دخت‪ ،‬فقيل‪ :‬أتى برجل من عقب أردشي بن بابك‪ ،‬كان ينل الهواز يقال‬
‫له‪:‬‬

‫كسرى بن مهرجشنس‬
‫فلبس التاج و قتل بعد أيّام‪ .‬و يقال‪ :‬بل كان رجل يسكن ميسان [‪ ]2‬يقال له‪:‬‬
‫فيوز‬
‫فلملّكوه كرها‪ ،‬و كان ضخم الرأس‪ .‬فلما توّج قال‪:‬‬
‫ «ما أضيق هذا التاج!» فتطيّر العظماء من افتتاح كلمه بالضيق‪ ،‬و قتلوه‪ ]3[ .‬ث أتى برجل من أولد كسرى كان لأ إل‬‫موضع من الغرب قريب من نصيبي يقال له‪« :‬حصن الجارة» حي قتل شيويه بن كسرى‪ ،‬يقال له‪:‬‬

‫فرّخ باذخسرو [‪]4‬‬
‫فانقاد له الناس طوعا زمنا يسيا‪ ،‬ث استعصوا عليه و خالفوه [‪ ]271‬و كان‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي (‪.)1065 :2‬‬
‫[‪ .]2‬كورة واسعة كثية القرى و النخل بي البصرة و واسط قصبتها ميسان (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬و قتلوه بعد أن ملك أياما (الطبي ‪.)1067 :2‬‬
‫[‪ .]4‬يذكر هذا السم هنا ف ثلثة مواضع‪ .‬ففي مط‪ :‬فرخباذ خسرو‪ ،‬فرخ زاد خسرو‪ ،‬خره داد خسرو‪ ،‬ف الطبي (‪:2‬‬
‫‪ :)1066‬فرخ زاد خسروا (ف الواضع الثلثة)‪ .‬و أما عند البيون و حسب الداول الربعة‪ :‬فرخ زاد خسرو‪ ،‬خرّه زاد‬
‫خسرو‪ ،‬خرهداذ خسرو‪ ،‬فرخزاد خسرو (ص ‪ -)128 -112‬و أما ف الصل فكما يراه القارئ‪ .‬لننا آثرنا إثباتا كما هي مع‬
‫العلم بأ ّن الصحيح هو أحد هذه الشكال‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪253 :‬‬
‫ملكه ستة أشهر‪ ،‬و كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز بإصطخر‪ ،‬قد هرب إليها حي قتل شيويه إخوته‪،‬‬
‫فلمّا بلغ عظماء إصطخر أ ّن من بالدائن خالفوا فرّخ زادخسرو‪ ،‬أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى‪« :‬بيت نار أردشي»‪ ،‬فتوّجوه هناك‬
‫و ملّكوه و كان حدثا‪ .‬ث أقبلوا به إل الدائن‪ ،‬و قتلوا «خرّهداد خسرو» بيل احتالوها له و ساغ اللك ليزدجرد‪.‬‬

‫ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز‬
‫فملك يزدجرد‪ .‬غي أنّ ملكه كان عند ملك آبائه كاليال و كاللم‪ ،‬و كانت العظماء و الوزراء يدبّرون ملكه لداثة سنّه‪ ،‬و‬
‫كان أشدّهم نباهة ف وزرائه [‪ ]1‬و أذكاهم رئيس الول [‪ .]2‬و ضعف أمر ملكة فارس‪ ،‬و اجترأ عليه أعداؤه من ك ّل وجوه‪،‬‬
‫و تطرّفوا [‪ ]3‬بلده‪ ،‬و أخربوا منها‪ ،‬و غزت العرب بلده بعد أن مضى من ملكه ثلث أو أربع سني‪ ]272[ ،‬و كان عمره‬
‫كلّه إل أن قتل برو عشرين سنة‪.‬‬
‫و له أحاديث و سي‪ ،‬سنذكرها بعد فراغنا من الحوال الت تّت من جهة الرأى و التدبي ف أيام النبّ‪ -‬صلّى ال عليه و سلّم‪-‬‬
‫و اللفاء من بعده‪ ،‬إل أن يتصل بذكر يزدجرد‪ ،‬و ما كان منه [‪.]4‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪« :‬وزارته» و ما أثبتناه من مط و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الول‪ :‬عطية ال من النعم‪ ،‬و العبيد‪ ،‬و الماء‪ ،‬و غيهم من التباع و الشم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الطبي أيضا‪ :‬تطرّفوا‪ .‬مط‪ :‬تطرّقوا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬أنظر الطبي ‪.1067 :2‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪255 :‬‬

‫عصر النبّ (ص) و اللفاء الراشدين‬

‫ج‪ ،1‬ص‪257 :‬‬

‫مّا جرى ف غزوات الرسول (ص) من تدابيه البشرية ف غزوة الندق‬
‫فممّا جرى ف غزوات رسول ال‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬من التدابي البشرية و اليل النسانية [‪ ]1‬ما كان منه‪ -‬عليه السلم‪ -‬ف‬
‫غزوة الندق‪ .‬و ذلك أ ّن النب‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬لّا أجلى اليهود من بن النضي عن ديارهم‪ ،‬اجتمع رؤساؤهم‪ ،‬و فيهم سلم بن‬
‫ي بن أخطب و غيها‪ ،‬فقدموا مكّة‪ ،‬و دعوهم إل حرب رسول ال‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬و حزّبوا الحزاب الت‬
‫أب القيق و ح ّ‬
‫ذكرها ال تعال و طمعوا ف استيصال النبّ‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬فنشطت قريش لذلك‪ ،‬و تذكّروا أحقادهم ببدر‪ ،‬فخرجوا و‬
‫قائدهم أبو سفيان بن حرب‪ .‬و خرجت غطفان و قائدهم عيينة بن حصن [‪ ]273‬بن حذيفة بن بدر‪ ،‬و بنو فزارة [‪ ]2‬و غيهم‬
‫من الحزاب‪.‬‬
‫فأشار سلمان على رسول ال‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬لّا رآه يهمّ بالقام بالدينة‪ ،‬و يدبّر [‪ ]3‬أن يتركهم [‪ ]4‬حتّى يردوا‪ّ ،‬ث ياربم‬
‫على الدينة و ف طرقها‪ ،‬أن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فاستشار رسول ال (ص) سعد بن معاذ و سعد بن عبادة‪ ،‬فقال‪« :‬شيء تبّ أن نصنعه‪ ،‬أم شيء أمرك ال به‪ ،‬أم شيء‬
‫تصنعه لنا؟» قال‪« :‬بل [أصنعه] لكم‪ ،‬و ال ما أصنع ذلك إلّا أنّى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة و كالبوكم من كلّ‬
‫جانب‪ ،‬فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ‪( »...‬الطبي ‪ ،1474 :3‬ابن الثي ‪.)181 :2‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬بنو قراوة‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬بدو!‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬بتركهم!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪258 :‬‬
‫يندق‪ .‬ففعل ذلك‪ ،‬و وردت قريش بعددها و عدّتا‪ ،‬و وردت الحزاب‪ ،‬و كثر الناس و العداء على رسول ال‪ -‬صلى ال‬
‫عليه‪ -‬و كان قد وادع بن قريظة و هم أصحاب حصون بالدينة‪ ،‬و صاحب عقدهم و عهدهم كعب بن أسد القرظىّ‪.‬‬

‫احتيال حيّ بن أخطب لكعب بن أسد‬
‫ي بن أخطب لكعب بن أسد‪ ،‬حت وصل إل حصنه‪ ،‬فأغلق كعب دونه باب الصن‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫فاحتال ح ّ‬
‫ «بين و بي ممّد عقد‪ ،‬و لن أنقض ما بين و بينه‪ ».‬قال‪« :‬افتح الباب أكلّمك‪ ».‬فقال‪« :‬ما أنا بفاعل‪ ».‬فقال‪« :‬و ال إن‬‫أغلقت دون الباب إلّا على جشيشتك [‪ ]1‬أن آكل معك منها‪ ».‬فأحفظ [‪ ]2‬الرجل حت فتح له‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ «ويك يا كعب! جئتك بقريش على قادتا و سادتا حت أنتهم بالدينة‪.‬‬‫و جئتك [‪ ]274‬بغطفان على قادتا و سادتا‪ ،‬و قد عاهدون ألّا يبحوا حت يستأصلوا ممدا و من معه‪ ».‬فتأبّى كعب‪ ،‬و ل يزل‬
‫به‪ ،‬يفتله [‪ ]3‬ف الذروة و الغارب‪ ،‬حت أعطاه عهدا من ال و ميثاقا أن يكون معه‪ .‬و نقض كعب ما بينه و بي رسول ال‪-‬‬
‫صلى ال عليه‪ -‬و برئ ما كان عليه له [‪.]4‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الشيشة‪ :‬طعام مطبوخ من النطة الطحونة طحنا جليل‪ ،‬بلحم أو تر‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أحفظه‪ :‬أغضبه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬يقبله! قوله‪« :‬ل يزل به يفتله ف الذروة و الغارب» أى ما زال يادعه و يتلطّفه حت أجابه‪ .‬و أصله أن الرجل إذا أراد‬
‫تأليف البعي الصعب يرّ يده عليه و يسح غاربه و يفتل و بره حت يستأنس و يوضع فيه الزمام (أيام العرب‪.)60 :‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬عليه و له‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪259 :‬‬
‫فلما صحّ عند رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬ذلك‪ ،‬ضاق ذرعا و خشي أن يفتّ ذلك ف أعضاد السلمي‪ .‬فعظم البلء‪ ،‬و اشتدّ‬
‫الوف‪ ،‬و أتاهم عدوّهم من فوقهم و من أسفل منهم حت ظنّ الؤمنون ك ّل ظنّ و نم النفاق من الؤمني‪ ،‬و كثر الوض‪]1[ .‬‬

‫ما كان من نعيم بن مسعود من تذيل و خداع‬
‫و أقام رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و أصحابه ف ما وصف ال من الوف و الشدّة‪ ،‬لتظاهر العداء عليهم‪ ،‬و إتيانم من فوقهم‬
‫و من أسفل منهم‪ ،‬حت أتاه نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف [‪ ]2‬بن ثعلبة الغطفان مسلما‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا رسول ال‪ ،‬إنّى قد أسلمت و إنّ قومي ل يعلموا بإسلمى‪ ،‬فأمرن با شئت‪ ،‬أنته إليه‪ ».‬فقال رسول ال [‪ -]275‬صلى‬‫ال عليه‪:-‬‬
‫ «إنّما أنت رجل واحد فينا‪ ،‬و إنّما غناؤك [‪ ]3‬أن تذّل [‪ ]4‬عنّا ما استطعت‪ ،‬و عليك بالداع‪ ،‬فإنّ الرب خدعة‪ ».‬فخرج‬‫نعيم بن مسعود حتّى أتى بن قريظة و كان نديا لم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا بن قريظة‪ ،‬قد عرفتم ودّى إيّاكم و خاصّة ما بين و بينكم‪ ».‬قالوا‪« :‬صدقت‪ ،‬لست عندنا بتّهم‪ ».‬فقال لم‪:‬‬‫ف معهم‪ ،‬جاءوا لرب ممد‪ ،‬فإن ظاهرتوهم‬
‫ «إنّ قريشا و غطفان و من الت ّ‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الوض‪ :‬التفاوض ف الديث‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬أسف‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غناؤك‪ :‬نفعك و كفايتك‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬تدل‪ .‬تذّل عنّا‪ :‬أى تدخل بينهم حت يذل بعضهم بعضا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪260 :‬‬
‫عليه‪ ،‬فليسوا [كهيئتكم] [‪ ،]1‬و ذاك أ ّن البلد بلدكم‪ ،‬به أموالكم و أولدكم و نساؤكم‪ ،‬ل تقدرون أن تتحوّلوا إل غيه‪ .‬فأمّا‬
‫قريش و غطفان فإنّ أموالم و أبناءهم و نساءهم ببلد غي بلدكم‪ ،‬فإن رأوا نزة و غنيمة أصابوها‪ ،‬و إن كان غي ذلك لقوا‬
‫ببلدهم‪ ،‬و خلّوا بينكم و بي الرجل‪ ،‬و الرجل [‪ ]2‬ببلدكم ل طاقة لكم به إن [‪ ]3‬خل بكم فل تقاتلوا القوم حتّى تأخذوا‬
‫منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم‪ ،‬على أن يقاتلوا معكم ممدا حت يناجزوه [‪ ».]4‬قالوا‪« :‬لقد أشرت علينا [‬
‫‪ ]276‬برأى و نصح‪ ».‬ثّ خرج حت أتى قريشا‪ .‬فقال لب سفيان بن حرب و من معه‪:‬‬
‫ يا معشر قريش! قد عرفتم ودّى إيّاكم و فراقي ممدا‪ ،‬و قد بلغن أمر رأيت حقّا علىّ أن أبلغكم‪ ،‬نصحا لكم‪ ،‬فاكتموا علىّ‪».‬‬‫قالوا‪« :‬نفعل‪ ».‬قال‪« :‬اعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم و بي ممد و قد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما‬
‫صنعنا [‪ ،]5‬فهل يرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتي‪:‬‬
‫من قريش و غطفان‪ ،‬رجال من أشرافهم و كبائهم و نعطيكم [‪ ]6‬فتضرب أعناقهم‪ّ ،‬ث نكون معك [‪ ]7‬على من بقي منهم‪.‬‬
‫فإن بعثت إليك [‪ ]8‬يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم‪ ،‬فل تدفعوا إليهم رجل واحدا‪ ».‬فوقع ذلك من القوم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬كهيئاتم‪ ،‬و ف بعض الصول‪ :‬فليسوا مثلكم‪ .‬ابن الثي (‪ :)183 :2‬ليسوا كأنتم‪ .‬ف الصل‪:‬‬
‫«كهيئتهم» و صححناها كما ف الطبي ‪.148 :3‬‬
‫[‪ .]2‬و الرجل‪ :‬غي موجود ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬و إن‪ .‬و الواو ليست ل ف مط و ل ف الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬تناجزوه‪ .‬الناجزة‪ :‬النازلة و القاتلة‪.‬‬
‫[‪ .]5‬و ف الصل‪« :‬ما صنعوا» و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬و نعطيك إياهم‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬معكم‪.‬‬
‫[‪ .]8‬مط‪ :‬تبعث إليكم‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪261 :‬‬
‫و خرج حتّى أتى غطفان‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ «يا معشر غطفان! أنتم أصلى و عشيت‪ ،‬و أحبّ الناس إلّ‪ ،‬و ل أراكم تتّهمون‪ ».‬قالوا‪« :‬صدقت‪ ».‬قال‪« :‬فاكتموا علىّ‪».‬‬‫قالوا‪« :‬نفعل‪ ».‬ثّ قال لم مثل ما قال لقريش‪ ،‬و حذّرهم مثل ما حذّرهم‪.‬‬

‫اتّفاق جيّد‬
‫فكان من التّفاق اليّد [‪ ]277‬أن أرسل بعد ذلك أبو سفيان و رؤوس غطفان إل بن قريظة عكرمة بن أب جهل ف نفر من‬
‫قريش و غطفان‪ .‬فقال لم‪:‬‬
‫ «إنّا لسنا بدار مقام‪ ،‬و قد هلك الفّ و الافر [‪ ،]1‬فاغدوا [‪ ]2‬للقتال حتّى نناجز ممدا و نفرغ مّا بيننا و بينه‪ ».‬فأرسلوا‬‫إليه‪:‬‬
‫ «إ ّن اليوم السبت‪ -‬و كان اتّفق ذلك‪ -‬و هو يوم ل نعمل فيه شيئا‪ ،‬و مع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهنا من‬‫رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز ممدا‪ ،‬فإنّا نشى‪ -‬إن ضرستكم الرب و اشتدّ عليكم القتال‪ -‬أن تشمّروا إل‬
‫بلدكم‪ ،‬و تتركونا و الرجل ف بلدنا‪ ،‬و ل طاقة لنا بذلك من ممد‪ ».‬فلمّا رجعت الرسل بالذي قالت بنو [‪ ]3‬قريظة‪ ،‬قالت‬
‫قريش و غطفان‪:‬‬
‫ «و ال إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لقّ‪ ».‬فأرسلوا إل بن قريظة‪:‬‬‫ «إنّا و ال ما ندفع إليكم رجل واحدا من رجالنا‪ .‬فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫ف و الافر‪ :‬البل و اليل (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]1‬ال ّ‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪« :‬فأعدّوا» ف مط و الطبي‪ :‬فاغدوا‪.‬‬
‫[‪« .]3‬بنو»‪ :‬سقطت من الصل و مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪262 :‬‬
‫فقالت بنو قريظة [‪ ]1‬حي أدّت إليهم الرسل‪:‬‬
‫ «إ ّن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود [‪ ]278‬لقّ‪ .‬ما يريد القوم إلّا أن يقاتلوا‪.‬‬‫فإن وجدوا فرصة انتهزوها‪ ،‬و إن كان غي ذلك انشمروا [‪ ]2‬إل بلدهم‪ ،‬و خلّوا بينكم و بي الرجل‪ ».‬فأرسلوا إل القوم‪:‬‬
‫ «إنّا و ال ل نقاتل معكم حت تعطونا رهنا‪ ».‬و تاذل القوم‪ .‬و اتّهم بعضهم بعضا‪ ،‬و ذلك ف زمن شات [‪ ]3‬و ليال باردة‬‫كثية الرياح تطرح [‪ ]4‬أبنيتهم‪ ،‬و تكفأ [‪ ]5‬قدورهم‪ .‬و ضاق ذرع القوم و بلغ رسول ال‪ -‬صلّى ال عليه و سلّم‪ -‬اختلف‬
‫القوم و ما هم فيه من الهد‪ .‬فدعا حذيفة بن اليمان‪ ،‬فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليل‪ .‬فذهب حذيفة بن اليمان‪ ،‬حتّى دخل ف‬
‫القوم‪ .‬قال حذيفة‪ :‬فذهبت فرأيت من الرياح أمرا هائل ل يقرّ لم نارا و ل بناء‪.‬‬
‫فقام أبو سفيان ابن حرب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا معشر قريش‪ ،‬لينظر امرؤ جليسه‪ ».‬قال‪ :‬فبادرت و أخذت بيد الرجل الذي إل جانب‪ ،‬فقلت‪« :‬من أنت؟» قال‪:‬‬‫«أنا فلن بن فلن‪ ».‬ث قال أبو سفيان‪:‬‬
‫ «إنكم يا قوم ما أصبحتم بدار مقام‪ .‬لقد هلك الكراع [‪ ]6‬و الفّ‪ ،‬و أخلفتنا [‪ ]279‬بنو قريظة‪ ،‬و بلغنا عنهم ما نكره‪ ،‬و‬‫لقينا من الهد و الشدّة و هذه الريح ما‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الصل‪« :‬بنو قريظ» و ما أثبتناه يوافق مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬تشمّروا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬شتا اليوم‪ ،‬أو الشتاء‪ :‬اشتدّ برده‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬طرح‪.‬‬
‫[‪ .]5‬تكفأ‪ :‬تقلب‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الكراع‪ :‬اليل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪263 :‬‬
‫ترون‪ .‬فارتلوا‪ ،‬فإنّى مرتل‪ ».‬ث قام إل جله‪ ،‬و قام الناس معه‪ .‬و سعت غطفان با فعلت قريش‪ ،‬فانصرفوا إل بلدهم‪ ،‬و تفرّق‬
‫ذلك المع من غي قتال‪ ،‬إلّا ما كان من عدّة يسية اتّفقوا على الجوم على الندق‪ ،‬يكى أن فيهم عمرو بن عبد ودّ‪ ،‬فقتلوا‪.‬‬
‫أما عمرو فقتله عل ّى بن أب طالب مبارزة لا اقتحم [‪ ]1‬عليه الندق‪ .‬و انتقض ذلك المع و التدبي كلّه‪.‬‬
‫و من ذلك ما كان يوم حني و فيه ذكر لدريد بن الصّمّة و بعض آرائه‬
‫و من ذلك أنّه لا افتتح رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬مكّة‪ ،‬و أقام خسة عشر يوما‪ ،‬جاءت هوازن و ثقيف لحاربته‪ ،‬فنلوا بني‪.‬‬
‫و ذاك أنّهم كانوا قبل ذلك قد جعوا له حي سعوا بخرجه من الدينة‪ ،‬و ظنّوا أنه يريدهم‪ .‬فلمّا قصد مكّة أقبلوا عامدين إليه‪ ،‬و‬
‫معهم الموال و النساء و الصبيان‪ ،‬و رئيس هوازن يومئذ مالك بن عوف‪ .‬و أقبلت معهم ثقيف‪ ،‬و نصر [‪ ،]2‬و جشم‪[ .‬‬
‫‪ ]280‬و ل يشهد معهم من هوازن كعب و ل كلب‪ .‬و ف جشم دريد بن الصمّة [و هو] [‪ ]3‬شيخ كبي‪ ،‬ل شيء فيه إلّا أنّهم‬
‫يتيمّنون برأيه و معرفته بالرب و دربته با‪.‬‬
‫فلما نزل بأوطاس‪ ،‬اجتمع الناس إل رئيسهم مالك بن عوف و فيهم دريد بن الصمّة يقاد به و هو ف شجار له‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ى واد أنتم؟» قالوا‪« :‬بأوطاس‪».‬‬
‫ «بأ ّ‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط‪« :‬اقتحم عليه الندق»‪( .‬أنظر‪ :‬الطبي ‪.)1475 :3‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬مضر!‬
‫[‪ .]3‬ما بي [] تطلّبه السياق فزدناه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪264 :‬‬
‫قال‪« :‬نعم‪ ،‬مال اليل‪ ،‬ل حزن [‪ ]1‬ضرس‪ ،‬و ل سهل دهس [‪ .]2‬ما ل أسع رغاء [‪ ]3‬البعي‪ ،‬و ناق المي‪ ،‬و يعار [‪]4‬‬
‫الشاء‪ ،‬و بكاء الصغي؟» فقالوا له‪« :‬ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم‪ ،‬و نساءهم‪ ،‬و أموالم‪ ».‬فقال‪« :‬أين مالك؟» فدعى‬
‫له‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا مالك‪ ،‬إنّك قد أصبحت رئيس قومك‪ ،‬و إنّ هذا يوم له ما بعده من اليام‪ ،‬ما ل أسع رغاء البعي‪ ،‬و ناق المي‪ ،‬و بكاء‬‫الصغي‪ ،‬و يعار الشاء؟» قال‪« :‬سقت مع الناس أبناءهم‪ ،‬و نساءهم‪ ،‬و أموالم‪ ».‬قال‪« :‬و ل؟» قال‪« :‬أردت أن أجعل خلف كلّ‬
‫رجل أهله و ولده و ماله‪ ،‬ليقاتل عنهم‪ ».‬قال‪ :‬فأنقض [‪ ]5‬به‪ .‬ث قال‪:‬‬
‫ «راعى ضأن [‪ ]281‬و ال‪ .‬ويك! هل يردّ النهرم شيء؟ إنّها إن كانت لك‪ ،‬ل ينفعك إلّا رجل بسيفه و رمه‪ ،‬و إن كانت‬‫عليك‪ ،‬فضحت ف أهلك و مالك‪ .‬ما فعلت كعب و كلب؟» قالوا‪« :‬ل يشهدها منهم أحد‪ ».‬قال‪« :‬غاب ال ّد و الدّ‪ ،‬لو كان‬
‫يوم علء و رفعة ل تغب عنه كعب و ل كلب‪.‬‬
‫فمن شهدها منكم؟»‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الزن من الرض ما غلظ و خشن‪ .‬و الضرس منها ما فيه الجارة كأنا أضراس‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الدهس و الدهس‪ :‬الكان اللي ليس برمل و ل تراب و ل طي (لع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الرغاء‪ :‬صوت البل‪.‬‬
‫[‪ .]4‬و ف مط و الصل‪ :‬النعار‪ ،‬و هو تصحيف و ما أثبتناه هو من سائر الصول‪ ،‬اليعار‪ :‬صوت الغنم أو العزى و قيل‪ :‬الشديد‬
‫من أصوات الشاء (لع)‪ ،‬و النعار‪ :‬التصويت باليشوم‪.‬‬
‫[‪ .]5‬فأنقض به‪ :‬زجره‪ ،‬من النقاض‪ ،‬و هو أن تلصق لسانك بالنك العلى‪ ،‬ث تصوت ف حافتيه من غي أن ترفع طرفه عن‬
‫موضعه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪265 :‬‬
‫قالوا‪« :‬عمرو بن عامر‪ ،‬و عوف بن عامر‪ ».‬قال‪[ « :‬ذانك] [‪ ]1‬الذعان من بن عامر ل ينفعان و ل يضرّان‪ .‬يا مالك إنّك لن‬
‫تصنع بتقدي البيضة‪ ،‬بيضة هوازن‪ ،‬إل نور اليل شيئا‪ ،‬ارفعهم إل متمنع بلدهم و عليا قومهم [‪ّ ،]2‬ث الق هؤلء الصبّاء [‪]3‬‬
‫على متون اليل‪ ،‬فإن كانت لك‪ ،‬لق بك من وراءك‪ ،‬و إن كانت عليك قد أحرزت أهلك و مالك‪ ».‬قال‪[ :‬و ال ل أفعل‬
‫ذلك‪ ،‬إنّك قد كبت و كب علمك] [‪ ،]4‬و ال لتطيعنّى يا معشر هوازن‪ ،‬أو لتّكئنّ على سيفي هذا حت يرج من ظهري»‪.‬‬
‫و كره أن يكون فيها لدريد ذكر و رأى‪.‬‬
‫فقال دريد‪« :‬هذا يوم ل أشهده و ل يفتن‪».‬‬
‫يا ليتن فيها جذع [‪ * ]282‬أخبّ فيها و أضع [‪]5‬‬
‫أقود وطفاء الزّمع * كأنّها شاة صدع [‪]6‬‬
‫و كان دريد رئيس قومه بن جشم و سيّدهم و أوسطهم مع شجاعته و دربته و تاربه‪ ،‬و لكن السنّ أدركته حت فن‪.‬‬
‫ث قال مالك للناس‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف النص و ف مط‪« :‬ذلك» و هو خطأ‪ .‬و ما أثبتناه من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و علياء قريهم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الصبّاء‪ :‬جع الصابئ‪ .‬يريد السلمي‪ ،‬كانوا يسمونم بذا السم لنم عندهم صبئوا عن دينهم‪ ،‬أى خرجوا من دين‬
‫الاهلية إل السلم (العقد الفريد ‪ -133 :1‬الاشية)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬تكملة من الطبي و العقد‪.‬‬
‫[‪ .]5‬الذع‪ :‬الشاب‪ ،‬أخبّ‪ :‬أعدو‪ ،‬أضع‪ :‬أسرع ف سيى‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الوطفاء‪ :‬الطويلة الشعر‪ ،‬و الزمع‪ :‬الشعر الذي فوق مربط قيد الدابة‪ ،‬يريد فرسا صفتها هكذا‪ ،‬و الشاة (هنا)‪ :‬الوعل‪ ،‬و‬
‫الصدع من الوعال و الظباء و المر‪ :‬الفت الشاب القوى (العقد ‪ -133 :1‬الاشية)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪266 :‬‬
‫ «إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون [‪ ]1‬سيوفكم‪ ،‬و شدّوا شدّة رجل واحد عليهم‪ ».‬فلمّا استقبل خيل رسول ال‪ ،‬صلّى ال‬‫عليه‪ -‬و كان يومئذ اثن عشر ألفا‪ ،‬منهم عشرة آلف فتحوا مكة‪ ،‬و ألفان من أسلم و انضاف إليهم بوادي حني‪ -‬اندروا ف‬
‫واد من أودية تامة أجوف‪ ،‬إنّما ينحدرون [‪ ]2‬فيه اندارا‪ ،‬و ذلك ف عماية [‪ ]3‬من الصبح‪ ،‬و كان القوم قد سبقوا إل الوادي‬
‫[‪ ،]4‬فكمنوا ف شعابه و أحنائه و مضايقه‪ ،‬و تيّئوا و أعدّوا‪ .‬فما راع خيل رسول ال‪ -‬عليه السلم‪ -‬و هم منحطّون‪ ،‬إلّا‬
‫الكتائب‪ ،‬قد شدّت عليهم‪ ،‬فانشمروا [‪ ]5‬ل يلوى أحد على أحد‪.‬‬
‫و اناز رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬ذات اليمي و صاح‪:‬‬
‫ «أيّها الناس‪ ،‬أين؟ هلمّوا إلّ‪ ،‬أنا رسول ال‪ ]283[ ،‬أنا ممد بن عبد ال‪ ».‬و بقي مع النبّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬نفر من أهل‬‫بيته‪ ،‬فيهم علىّ بن أب طالب‪ ،‬و العباس‪ ،‬و ابنه الفضل‪ ،‬و جاعة من الهاجرين [‪.]6‬‬
‫فقال رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬للعباس‪:‬‬
‫ «اصرخ‪ :‬يا معشر النصار‪ ،‬يا أصحاب السمرة [‪ ».]7‬فأجابوه من كل ناحية و حلوا على الناس فكانت إيّاها‪ ]8[ .‬و قتل‬‫عل ّى بن أب طالب‪ -‬عليه السلم‪ -‬صاحب الراية‪ ،‬و قتل خيل مالك بن عوف كلّ مقتلة‪ ،‬و غنم السلمون تلك الموال‪ ،‬و سبوا‬
‫النساء و الولد‪ ،‬و قتل دريد‪ .‬و كان عدّة السب يومئذ من هوازن ستّة آلف من النساء و الولد‪.‬‬
‫فلمّا قدمت وفود هوازن على النبّ‪ -‬عليه السلم‪ -‬مسلمي‪ ،‬أعتق لم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الفون‪ :‬جع الفن و الفن‪ ،‬أى‪ :‬الغمد‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬اندورا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف عماية من الصبح‪ :‬ف ظلم منه‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬واد‪.‬‬
‫[‪ .]5‬انشمر‪ :‬مرّ جادّا و مضى‪ :‬هرب‪.‬‬
‫[‪ .]6‬و ف بعض الصول‪ :‬و النصار‪.‬‬
‫[‪ .]7‬مط‪ :‬الشجرة‪ .‬و السمرة‪ :‬الشجرة الت كانت تتها بيعة الرضوان عام الديبية‪.‬‬
‫[‪ .]8‬الضمي ف «كانت» يرجع إل «الملة» الفهومة من «حلوا» أى كانت هي هي‪ ،‬و انتهى كلّ شيء (أنظر اللسان‪« ،‬إيّا»)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪267 :‬‬
‫أبناءهم و نساءهم كلّهم‪ ،‬ف حديث طويل‪.‬‬
‫و من ذلك ما كان بعد ظهور العنسىّ الكذّاب‬
‫و من ذلك‪ :‬أنّه لا ظهر السود العنسي الكذّاب متنبّئا باليمن و حضرموت و صنعاء‪ ،‬حاربه شهر بن باذام [‪ ،]1‬و كان رسول‬
‫ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬استخلفه بعد أبيه باذام على البناء [‪ ]2‬و على بعض أعمال [‪ ]284‬أبيه‪ .‬فهزمه السود‪ ،‬و فرّق البناء‬
‫عنه‪ ،‬و ظفر به بعد‪ ،‬فقتله و غلب على صنعاء‪ ،‬و هرب عمّال رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و جعل أمر السود الكذّاب يعلو و‬
‫يستطي استطارة الريق‪.‬‬
‫و كان جعل عمرو بن معديكرب خليفته ف مذحج بعد أن ارتدّ عمرو‪ ،‬و جعل أمر جنده إل قيس بن عبد يغوث‪ ،‬و أسند أمر‬
‫البناء إل فيوز الديلمي و دادويه‪ ،‬و كان شهر قد تزوّج بنت عمّ فيوز‪ ،‬و كانت جيلة‪ ،‬فلمّا قتل شهر تزوّج با السود‪.‬‬
‫فأنفذ رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬إل فيوز‪ ،‬و إل جشنس‪ ،‬و غيه من البناء يأمرهم بالقيام على دينهم‪ ،‬و أن ينهضوا ف‬
‫الرب و العمل ف السود‪ ،‬إما غيلة و إمّا مصادمة‪ .‬فألقى كتاب [‪ ]3‬رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬إل أصحابه‪ ،‬تغيّر [‪]4‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬بالام! و باذام (باذان) كان عامل كسرى على اليمن و أسلم ف السنة العاشرة من الجرة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬البناء‪ :‬أبناء فارس‪ ،‬أو أبناء اليمن‪ ،‬اسم أطلق على أخلف جنود الفرس الذين بعثهم أنوشروان إل اليمن‪ ،‬ليدفعوا‬
‫الحباش من الساحل النوب للجزيرة العربية‪ ،‬ث أقاموا ف اليمن بأمر من أنوشروان‪.‬‬
‫[‪ .]3‬غي واضح ف الصل و ف مط أيضا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪« :‬بغي»! و ف الطبي‪ :‬قال عبيد ال عن جشيش بن الديلمي (كذا) قال‪ :‬قدم علينا وبر بن ينّس بكتاب النب (ص)‬
‫يأمرنا فيه بالقيام على ديننا و النهوض ف الرب و العمل ف السود إمّا غيلة و إمّا مصادمة‪ ،‬و أن نبلغ عنه من رأينا أن عنده ندة‬
‫و دينا‪ .‬فعملنا ف ذلك‪ ،‬فرأينا أمرا كثيفا و رأيناه قد تغيّر لقيس بن عبد يغوث و كان على جنده‪ ،‬فقلنا‪ :‬ياف على دمه‪ ،‬فهو‬
‫ب (ص) فكأنا وقعنا عليه من السماء و كان ف غمّ و ضيق‪ ،‬فأجابنا إل ما أحببنا ‪»..‬‬
‫لوّل دعوة‪ ،‬و أنبأناه الشأن و أبلغناه عن الن ّ‬
‫(الطبي ‪.)1856 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪268 :‬‬
‫السود لقيس بن عبد يغوث‪.‬‬
‫فقال أصحاب [‪ ]1‬رسول ال‪ -‬عليه السلم‪:-‬‬
‫ «إنّ قيسا ياف على دمه‪ ،‬و هو لوّل دعوة‪ ،‬فهل ّم ندعوه [‪ ».]2‬فاجتمعوا لذلك [‪ ]285‬ث دعوه‪ ،‬و أبثّوه أمرهم‪ ،‬و أبلغوه‬‫عن النبّ‪ -‬صلّى ال عليه‪ -‬و كأنّما وقعوا عليه من السماء‪ ،‬لنّه كان ف غمّ و ضيق بأمره‪ ،‬فأجابم إل ما أحبّوا‪.‬‬
‫ثّ إ ّن عامر بن شهر بن باذام [‪ ]3‬اعترض [‪ ]4‬ف قوم منهم‪ :‬ذو مرّان‪ ،‬و ذو الكلع‪ ،‬و ذو ظليم‪ .‬فكاتبوا أصحاب النبّ‪-‬‬
‫صلى ال عليه‪ -‬و بذلوا لم النصر‪.‬‬
‫ب ف س ّر قد اتّفقوا عليه‪ ،‬فأجابوا القوم بالتوقّف‪ .‬و ذاك أنّ المر‬
‫و كان النبّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬قد كاتبهم‪ ،‬فكان أصحاب الن ّ‬
‫كان استتبّ للسود و استفحل‪ ،‬فهابوه هيبة شديدة‪.‬‬
‫ثّ إنّه دخل جشنس الديلمي على آزاذ‪ -‬و هي امرأة السود الت خلف عليها شهر بن باذام‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ «يا ابنة عمّ‪ ،‬قد عرفت بلء هذا الرجل عند قومك‪ .‬قتل زوجك و طأطأ [‪ ]5‬ف قومك القتل‪ ،‬و سفك بالباحة [‪ ]6‬دماء من‬‫بقي منهم‪ ،‬و فضح النساء‪ ،‬فهل عندك‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬فقال رسول ال» بدون «أصحاب»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و الكلمة مهملة ف كلتا النسختي و قرأناها حسب السياق‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪« :‬بالام» و هو خطأ‪.‬‬
‫[‪ .]4‬و ف الطبي‪ ... :‬إذ جاءنا اعتراض ذى زود‪ ،‬و ذى الكلع‪ ،‬و ذى ظليم عليه‪ ،‬و كاتبونا و بذلوا لنا النصر ‪...‬‬
‫(‪.)1857 :4‬‬
‫[‪ .]5‬طأطأ ف قتلهم‪ :‬بالغ فيه‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬بالجابة!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪269 :‬‬
‫مالة [‪ ]1‬عليه؟» فقالت‪« :‬و على أىّ أمره؟» قال جشنس‪ :‬فقلت‪« :‬إخراجه‪ ».‬فقالت‪« :‬أو قتله؟» قلت‪« ]286[ :‬أو قتله‪».‬‬
‫قالت‪« :‬نعم‪ .‬و ال‪ ،‬ما خلق ال شخصا أبغض إلّ منه‪ ،‬ما ينتهى عن حرمة للّه [‪ .]2‬فإذا عزمتم فأعلمون أخبكم بأتى هذا‬
‫المر‪ ».‬قال جشنس‪:‬‬
‫فأخرج فإذا فيوز و داذويه ينتظران‪ ،‬و إذا قيس قد دعاه السود‪ ،‬فدخل إليه ف عشرة من مذحج و هدان‪.‬‬
‫فقال له السود‪« :‬يا قيس! أل أفعل بك‪ ،‬أل أصنع؟» يعت ّد عليه بنعمته‪.‬‬
‫فقال‪« :‬بلى‪ ».‬قال‪« :‬فإنّه يقول‪ -‬يعن الشيطان الذي معه‪:-‬‬
‫ «إنّ قيسا على الغدر بك‪ ،‬إيه‪ ،‬يا سوءة‪ ،‬يا سوءة‪ ،‬إلّا تقطع من قيس يده‪ ،‬يقطع قنّتك العليا‪ ».‬حت ظنّ أنه قاتله‪ .‬فقال‪:‬‬‫ «كذبك و ذى المار‪ ،‬فإمّا قتلتن‪ ،‬فإنّها موتة مرية أهون علىّ من موتات أموت با كلّ يوم‪ ،‬خوفا و فرقا‪ ،‬و إمّا صدّقتن‪.‬‬‫فواللّه لنت أهيب و أج ّل ف نفسي‪ ،‬من أن أحدّثها بغدر لك‪ ».‬فرقّ له‪ ،‬و أخرجه‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬المالة‪ :‬العاونة و الساعدة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬ما يقوم للّه على حقّ‪ ،‬و ل ينتهى له عن حرمة (‪.)1858 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪270 :‬‬
‫قال‪:‬‬
‫فخرج قيس علينا و طوانا‪ ،‬غي أنّه قال‪« -]287[ :‬اعملوا عملكم‪ ».‬ثّ خرج السود علينا‪ ،‬فقمنا مثول بي يديه بالباب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا فيوز‪ ،‬أحقّ ما بلغن عنك؟‪ -‬و هيّأ له الربة‪ -‬لقد همت أن أنرك‪ ».‬فقال فيوز‪:‬‬‫ «اخترتنا أيّها اللك لصهرك‪ ،‬و فضّلتنا على البناء‪ ،‬و لو ل تكن نبيّا ما بعنا نصيبك و نصيبنا منك بشيء‪ ،‬فكيف و قد اجتمع‬‫لنا بك أمر آخرة و أول‪ ،‬ل تقبلنّ علينا أمثال ما يبلغك‪ ،‬فإنّا بيث تبّ‪ ».‬ثّ ذبح السود مائة من بي بقرة و بعي غي مبّسة و‬
‫ل معقّلة‪ ،‬بربته‪ ،‬و قال لفيوز‪:‬‬
‫ «اقسم هذه‪ ،‬فأنت أعلم بن هاهنا‪ ».‬قال فيوز [‪:]1‬‬‫ففعلت هذا و لقته قبل أن يصل إل داره‪ ،‬فإذا رجل يسعى إليه ب‪ ،‬فأستمع له و هو يقول‪:‬‬
‫ «أنا قاتله غدا و أصحابه‪ ،‬فاغد علىّ‪ّ ».‬ث التفت فإذا هو بفيوز‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «مه؟»‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الطبي مكان «قال فيوز» إل «بعزيتنا»‪« :‬فاجتمع إلّ أهل صنعاء‪ ،‬و جعلت آمر للرهط بالزور‪ ،‬و لهل البيت‬
‫بالبقرة‪ ،‬و لهل النخلة بعدّة‪ ،‬حت أخذ كلّ ناحية بقسطهم‪ .‬فلحق به قبل أن يصل إل داره و هو واقف على رجل يسعى إليه‬
‫بفيوز‪ .‬فاستمع له‪ ،‬و استمع له فيوز و هو يقول‪ :‬أنا قاتله غدا و أصحابه فاغد علىّ‪ .‬ث التفت فإذا به‪ .‬فقال‪ :‬مه! فأخبه بالذي‬
‫صنع‪ .‬ث ضرب دابته داخل‪ .‬فرجع إلينا‪.‬‬
‫فأخبنا الب‪ .‬فأرسلنا إل قيس فجاءنا‪ ،‬فأجع ملؤهم أن أعود إل الرأة‪ ،‬فأخبها بعزيتنا ‪( »...‬الطبي ‪.)1859 -60 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪271 :‬‬
‫قال‪« :‬قد قسمتها كما أمرتن‪ ».‬قال‪« :‬أحسنت»‪.‬‬
‫و ضرب دابّته و دخل‪ .‬فرجع فيوز إل أصحابه‪ ،‬فأخبهم بالب‪.‬‬
‫قال جشنس‪:‬‬
‫فأرسلنا إل قيس فجاءنا‪ .‬فاجتمع [‪ ]288‬ملؤهم أن أعود إل الرأة فأخبها بعزيتنا لتشي علينا برأيها‪ .‬فأتيت الرأة و قلت‪:‬‬
‫ «ما عندك؟» قالت‪« :‬هو متحرّز مترس‪ ،‬و ليس من القصر شيء إلّا و الرس ميطون به غي هذا البيت‪ ،‬فإ ّن ظهره إل مكان‬‫كذا و كذا من الطريق‪ ،‬فإذا أمسيتم فانقبوا عليه‪ ،‬فإنّكم من دون الرس‪ ،‬و ليس دون قتله شيء‪ ».‬و قالت‪« :‬إنّكم ستجدون فيه‬
‫سلحا و سراجا و هو علمة لكم‪ ».‬فخرجت من عندها و تلقّان السود خارجا من بعض منازله‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «ما أدخلك علىّ؟» و وجأ رأسى حت سقطت‪ ،‬و كان شديدا‪ ،‬و صاحت الرأة‪ -‬فأدهشته عنّى‪ ،‬و لول ذلك لقتلن‪ -‬و‬‫قالت‪:‬‬
‫ «ابن عمّى جاءن زائرا‪ ،‬فقصّرت ب‪ ».‬فقال‪« :‬اسكت ل أبا لك! فقد وهبته لك‪ ».‬فتحاملت و أتيت أصحاب فقلت‪:‬‬‫ «النجاء‪ ،‬الرب‪ ».‬و أخبتم الب‪ .‬فإنّا على ذلك حيارى إذا جاءن رسولا يقول‪:‬‬‫ «ل تدعنّ ما فارقتك عليه‪ ،‬فإنّى ل أزل به حت اطمأن [‪ ]289‬و اعتذر‪ ».‬فقلنا لفيوز‪« :‬ايتها و تثبّت‪ ،‬فأمّا أنا فل سبيل ل‬‫إل الدخول بعد النهى‪ ».‬ففعل‪ .‬و كان فيوز أفطن منّا‪ ،‬فلما أخبته الب قال‪:‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪272 :‬‬
‫ «و كيف ننقب [‪ ]1‬على بيوت مبطّنة البواب؟ ينبغي لنا أن نقلع بطانة الباب‪ ».‬فدخل‪ ،‬فاقتلعا البطانة‪ ،‬ثّ أغلقاه و جلسا‬‫عندها كالزائر‪ .‬فدخل عليها فاستخفّته غية‪ ،‬و أخبته برضاع و قرابة مثلها [‪ ]2‬مرّم‪ .‬فصاح به و أخرجه و جاء بالب‪ .‬فلمّا‬
‫أمسينا عملنا ف أمرنا و قد كنّا واطأنا أشياعنا‪ ،‬و لكن عجّلنا عن مراسلتهم‪ .‬فنقبنا البيت من خارج‪ ،‬ثّ دخلناه‪ ،‬و فيه سراج‬
‫تت جفنة [‪ ،]3‬و اتّقينا بفيوز لنّه كان أندنا و أشدّنا‪ ،‬فقلنا‪:‬‬
‫ «انظر ما ذا ترى و أين موضعه؟» فدخل و نن بينه و بي الرس الذين معه ف مقصورته‪ .‬فلمّا دنا من باب البيت سع غطيطا‬‫شديدا‪ ،‬فإذا الرأة جالسة‪ .‬فلمّا قام على الباب فتح عينيه فقال أيضا‪:‬‬
‫ «ما ل و مالك يا فيوز!» فخشي أن يرجع لخذ السلح و إعلمنا فنهلك و تلك الرأة‪ .‬فعاجله‪ -‬و كان مثل المل‪ -‬فأخذ‬‫برأسه فدقّ [عنقه] [‪ ]290[ ]4‬و وضع ركبته ف ظهره فدقّه‪ ،‬ث قام ليخرج‪ .‬فأخذت بثوبه و هي ترى أنّه ل يقتله‪ ،‬و قالت‪:‬‬
‫ «أين تدعن؟» قال‪« :‬ل بأس‪ ،‬أخب أصحاب و أعود معهم‪ ».‬فأتانا و قمنا معه فأردنا حزّ رأسه‪ .‬فتحرّك و اضطرب فلم‬‫نضبطه‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫ «اجلسوا على صدره‪ ».‬فجلس الثنان على صدره و أخذت الرأة بشعره‪ ،‬و سعنا بربرة‪ ،‬فألمته‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬ينقب»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬منها‪.‬‬
‫[‪ .]3‬نقطة اليم غي واضحة‪ .‬فتقرأ «جفنة» و «حفنة» مط‪« :‬حفته»! و ما أثبتناه يؤيده الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]4‬ف الصل‪ :‬فدقّ‪ ،‬ف مط‪ :‬فدقة‪ .‬و «عنقه» من ابن الثي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪273 :‬‬
‫بيلة [‪ ،]1‬و أم ّر الشفرة على حلقه‪ ،‬فخار كأشدّ خوار من ثور سعته قطّ‪.‬‬
‫فابتدر الرس الباب و هم حول القصورة‪:‬‬
‫ «ما هذا‪ ،‬ما هذا؟» فقالت الرأة‪« :‬النّب يوحى إليه‪ ،‬اهدأوا!» [فخمد [‪ .]]2‬ث سهرنا [‪ ]3‬ليلتنا و نن نأتر‪ :‬كيف نب‬‫أشياعنا ليس [‪ ]4‬غينا ثلثتنا‪ :‬أنا و فيوز و قيس‪ .‬فأجعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا و بي أشياعنا‪ ،‬ث ننادي الذان‪ .‬فلما‬
‫طلع الفجر فعلنا ذلك‪ ،‬فتجمّع الرس فناديتهم‪:‬‬
‫ «أشهد أنّ ممدا رسول ال و أنّ عبهلة كذّاب‪ ».‬و ألقينا إليهم برأسه‪ ،‬و خلصت صنعاء و الند [‪ ،]5‬و أعزّ ال السلم‪ ،‬و‬‫تنافسنا المارة‪ ،‬و تراجع أصحاب رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬إل أعمالم [‪ ]291‬فاصطلحوا على معاذ‪ ،‬فكان يصلّى بنا‪ .‬و‬
‫كتبنا إل رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬بالب‪ ،‬و ذلك ف حياته فقدمت رسلنا و قد مات النبّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬صبيحة الليلة‬
‫الت فتكنا فيها بالسود فأجابنا أبو بكر رضى ال عنه‪.‬‬

‫أساء كتّاب النبّ صلّى ال عليه و سلّم‬
‫كان علىّ بن أب طالب و عثمان بن عفّان يكتبان الوحى‪ ،‬فإن غابا كتبه أبّ بن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬ميله‪ .‬الئلة‪ :‬خرقة الائض‪ :‬الرقة تسكها النائحة و تشي با‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪« :‬فحمد» بالاء الهملة‪ .‬ف الطبي‪« :‬فخمد» بالاء العجمة‪ .‬و ما ل يناسب السياق‪:‬‬
‫«فخمدوا» كما ف ابن الثي ‪.340 :2‬‬
‫[‪« .]3‬سهرنا» من مط‪ .‬و ف الصل «شّرنا»‪ .‬شّر للشيء‪ :‬تيّأ‪ ،‬و ف الطبي‪« :‬سرنا» أى‪ :‬ل ننم و تدثنا ليل‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪« :‬ليس ثلثتنا» و ما أثبتناه يوافق الطبي (‪.)1862 :4‬‬
‫[‪ .]5‬أعمال اليمن ف السلم مقسومة على ثلثة ولة‪ :‬فوال على الند و ماليفها‪ ،‬و وال على صنعاء و ماليفها‪ ،‬و وال على‬
‫حضرموت و ماليفها (يا)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪274 :‬‬
‫كعب و زيد بن ثابت‪ ،‬فإن ل يشهد هؤلء كتبه سائر الكتّاب‪ ،‬و هم‪ :‬عمر بن الطّاب‪ ،‬و طلحة‪ ،‬و خالد بن سعيد‪ ،‬و يزيد بن‬
‫أب سفيان‪ ،‬و العلء الضرمي‪ ،‬و أبو سلمة بن عبد الشهل‪ ،‬و عبد ال بن أب سرح‪ ،‬و حويطب بن عبد العزّى‪ ،‬و أبو سفيان بن‬
‫حرب‪ ،‬و معاوية‪ ،‬و عثمان‪ ،‬و أبان‪ :‬ابنا سعيد‪ ،‬و حاطب بن عمرو‪ ،‬و جهيم بن الصلت‪.‬‬
‫و كان خالد بن سعيد بن العاص و معاوية بن أب سفيان يكتبان بي يديه ف حوائجه‪ .‬و كان الغية بن شعبة و الصي بن ني‬
‫يكتبان بي الناس و ينوبان عن خالد و معاوية‪ ،‬إذا غابا‪ .‬و كان عبد ال بن الرقم ربا كتب [‪ ]292‬إل اللوك عن النب‪ -‬عليه‬
‫السلم‪ .‬و كان زيد بن ثابت مع ما يكتبه من الوحى‪ ،‬يكتب إل اللوك‪ ،‬و كان يسن بالفارسية و بالرومية و بالبشية‪ .‬و كان‬
‫حنظلة بن الربيع خليفة ك ّل كاتب من كتّاب النبّ‪ -‬عليه السلم‪ -‬غاب عن عمله‪ ،‬فغلب عليه اسم الكاتب من بينهم‪ .‬و كان‬
‫النبّ‪ -‬عليه السلم‪ -‬يضع عنده خاته‪ ،‬و قال له‪:‬‬
‫ «الزمن و أذكرن بكلّ شيء لثالثة‪ ».‬فكان ل يأتى على مال و ل حاجة ثلثة أيام إلّا ذكّره به‪ ،‬فل يبيت‪ -‬عليه السلم‪ -‬و‬‫عنده منه شيء‪ .‬فأمّا عبد ال بن سعد بن أب سرح‪ ،‬فإنّه ارتدّ بعد كتابته للنبّ‪ -‬عليه السلم‪.‬‬
‫و كان يتكلّم‪ ،‬فسمعه رجل من النصار‪ ،‬فحلف باللّه‪ :‬لئن أمكنه ال منه ليضربنّه بالسيف‪ .‬فلمّا كان يوم فتح مكة‪ ،‬جاء به‬
‫عثمان‪ -‬و كان بينهما رضاع‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ «يا رسول ال‪ ،‬هذا عبد ال‪ ،‬أقبل تائبا‪ ».‬فأعرض عنه‪ ،‬و النصارى حاضر بيده السيف‪ .‬فأعاد عليه عثمان القول‪ ،‬فأعرض‬‫عنه‪ .‬فلمّا أعاد الثالثة مدّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬يده‪ ،‬فبايعه و قال للنصارى‪:‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪275 :‬‬
‫ب أن يومض‪».‬‬
‫ «لقد تلوّمت [‪ ]1‬أن توفّى بنذرك‪ ».‬فقال‪« :‬فهلّا [‪ ]293‬أو مضت [‪ ]2‬إلّ؟» فقال‪« :‬إنّه ل ينبغي للن ّ‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تلوّم على المر و فيه‪ :‬تلبّث عليه و انتظر و تكّث (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬أومض‪ :‬أومأ‪ .‬أشار إشارة خفيّة رمزا أو غمزا‪ .‬أو مضت الرأة‪ :‬سارقت النظر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪277 :‬‬

‫ما حدث ف خلفة أب بكر‬
‫و من صرامة الرأى و حصافته ما كان من أب بكر رضى ال عنه‬
‫و ذلك أنّه لّا مات النب‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬ارتدّت العرب و اضطرمت الرض و اشتغل الناس بالرتدّين و تروخى [‪ ]1‬عن‬
‫مسيلمة و طليحة‪ .‬فاستغلظ أمرها و ارتدّت من كل قبيلة عامّة و خاصّة إلّا قريشا و ثقيفا‪ .‬فتشدّد أبو بكر و كان فيه لي‪ ،‬إلّا أنّه‬
‫حزم و حصف و خالف الناس‪ ،‬و كانوا أشاروا عليه بالقاومة‪ .‬و ذلك أنّ أسامة بن زيد كان غائبا باليش الذي جهّزه رسول‬
‫ال‪ -‬عليه السلم‪ -‬معه إل حيث قتل فيه أبوه زيد‪ ،‬و كان أهل الدينة ف قلّة‪ ،‬و كان طليحة قد قوى بأسد و غطفان و طيّء‪.‬‬
‫فبعثوا وفودا إل أب بكر‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬من ك ّل قبيلة‪ ،‬و نزلوا على وجوه الناس على أن يقيموا الصلة و ل يؤتوا الزكاة‪،‬‬
‫فجرّد أبو بكر العزية و قال‪:‬‬
‫ «لو منعون عقال لاهدتم عليه‪ ]2[ ».‬فرجعوا فأخبوا عشائرهم [‪ ]294‬بقلّة من [‪ ]3‬أهل الدينة و أطمعوهم فيها‪.‬‬‫فكان من حصافة أب بكر أن جعل على أنقاب الدينة بعد خروج الوفد عليّا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬و توحّى مسيلمة و طليحة (‪ .)1871 :4‬و توحّى‪ :‬أسرع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و يضيف الطبي هنا‪ :‬و كان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة (‪.)1872 :4‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬بدون «من»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪278 :‬‬
‫و الزبي و طلحة و نفرا معهم‪ .‬و أخذ أهل الدينة بضور السجد‪ ،‬و قال لم‪:‬‬
‫ «إنّ الرض كافرة‪ ،‬و قد رأى وفدهم منكم قلّة‪ ،‬و إنّكم ل تدرون أ ليل تؤتون‪ ،‬أم نارا؟ و أدناهم منكم على بريد [‪ ]1‬و قد‬‫كان القوم يأملون أن نوادعهم‪ ،‬و نقبل منهم و قد أبينا عليهم‪ ،‬و نبذنا إليهم [‪ ]2‬فاستعدّوا و أعدّوا‪ ».‬فما لبثوا إلّا ثلثا حت‬
‫طرقوا الدينة غارّة [‪ ]3‬مع الليل و خلّفوا ردءا [‪ ]4‬لم بذي حسى‪ ،‬فوافوا النقاب [‪ ]5‬و عليها القاتلة و دونم أقوام [‪]6‬‬
‫يدرجون‪.‬‬
‫فنهنهوهم [‪ ]7‬و أرسلوا إل أب بكر بالب‪ .‬فخرج أبو بكر ف أهل السجد على النواضح إليهم فانزموا و اتّبعهم السلمون على‬
‫إبلهم حت بلغوا ذا حسى‪ .‬فخرج عليهم الردء بأناء قد نفخوها و جعلوا فيها البال‪ ،‬ث دهدهوها [‪ ]8‬بأرجلهم ف وجوه البل‬
‫فتدهده كل نى ف طوله [‪ ]9‬فنفرت البل إبل السلمي و هم عليها‪ ،‬و ل تنفر [‪ ]295‬من شيء نفارها من الناء‪ .‬فعاجت بم‬
‫ما يلكونا [‪ ]10‬حت دخلت بم الدينة‪ ،‬إلّا أنّه ل يصرع مسلم و ل يصب‪ ،‬و ظنّ القوم بالسلمي الوهن فبعثوا إل الناس بالب‬
‫فقدموا عليهم أعمارا [‪.]11‬‬
‫و بات أبو بكر ليلته يتهيّأ‪ ،‬فعبّى الناس‪ ،‬ث خرج ف تعبئته من أعجاز [‪ ]12‬ليلته يشى‪ ،‬فما طلع الفجر إلّا و هم مع العد ّو ف‬
‫صعيد واحد‪ .‬فما سعوا لحد من‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬البيد‪ :‬الرسول‪ ،‬ث استعمل ف السافة الت يقطعها بي كل منلي و هي اثنا عشر ميل (القرب) أنظر تعاليقنا على ص‬
‫‪.53‬‬
‫[‪ .]2‬نبذ إل العدو‪ :‬رمى إليه بالعهد‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف مط و الطبي (‪ )1874 :4‬غارة‪ .‬و يكن أن نقرأ ما ف الصل «غارّه» أو «عارّه»‪.‬‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬أزدا‪ .‬و الردء‪ :‬العون و الناصر‪.‬‬
‫[‪ .]5‬النقاب‪ :‬جع مفرده النقب‪ :‬الطريق ف البل‪.‬‬
‫[‪ .]6‬مط‪ :‬بدون «أقوام»‪.‬‬
‫[‪ .]7‬ننهه‪ :‬كفّه و زجره‪ .‬ننه الدابة‪ :‬صاح به لتكفّ‪.‬‬
‫[‪ .]8‬دهدهه‪ :‬دحرجه‪ .‬تدهده‪ :‬تدحرج‪.‬‬
‫[‪ .]9‬الطول‪ :‬البل يربط ف وتد و نوه للدابة‪ ،‬فترعى مقيدة (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]10‬ف الصل و مط‪« :‬ما يلكوها»‪.‬‬
‫[‪ .]11‬جاء عمرا‪ :‬جاء بطيئا‪ .‬ف الطبي‪ :‬اعتمادا ف الذين‪ .‬ف حاشيته‪ :‬اعتمارا ف الدين‪.‬‬
‫[‪ .]12‬و ف الطبي‪ :‬ث خرج على تعبئة من أعجاز ليلته‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪279 :‬‬
‫السلمي هسا و ل حسّا حتّى وضعوا فيهم السيوف‪ .‬فما ذ ّر [‪ ]1‬قرن الشمس حتّى ولّوهم الدبار و غلبوهم على عامّة‬
‫ظهرهم‪ ،‬و قتل رئيسهم حبال و كان صاحب طليحة‪ ،‬و اتبعهم أبو بكر‪ -‬فكان أول فتح‪ -‬فلما بلغ ذا القصة وضع با النعمان‬
‫بن مقرّن ف عدد‪ ،‬و رجع إل الدينة‪ ،‬فذ ّل الشركون و عزّ السلمون بوقعة أب بكر‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬فوثب بنو ذبيان و عبس‬
‫على من فيهم من السلمي فقتلوهم ك ّل قتلة‪ ،‬و فعل من وراءهم فعلهم‪ .‬فحلف أبو بكر ليقتلنّ ف كل قبيلة قتلة من قتلوا و‬
‫ليزيدنّ و ليفعل ّن و ليصنعنّ [‪.]2‬‬
‫فوف بذلك‪ ،‬فازداد السلمون ثباتا على دينهم و تفرّق [‪ ]296‬أمر الشركي‪ ،‬و طرقت الدينة صدقات صفوان و الزبرقان و‬
‫عدىّ‪ .‬فاستبشر لذلك أبو بكر و السلمون‪ ،‬و ذلك لستّي يوما من خروج أسامة‪.‬‬
‫ث قدم أسامة و استخلفه أبو بكر على الدينة و قال له و لنده‪« :‬أريوا و استريوا‪ ».‬ث خرج بنفسه مع الذين كانوا على‬
‫النقاب‪ ،‬فقال له السلمون‪:‬‬
‫ «ننشدك ال أن تعرّض نفسك‪ ،‬فإنّك إن تصب ل يكن للناس نظام‪ .‬و مقامك أش ّد على العدوّ‪ .‬فابعث رجل إن أصيب أمّرت‬‫آخر‪ ».‬فقال‪« :‬ل و ال حتّى أواسيكم بنفسي‪ ».‬فخرج ف تعبئته إل ذى القصة و النعمان و أصحابه على ما كانوا عليه‪ ،‬حت‬
‫نزل على أهل الربذة بالبرق‪ .‬فاقتتلوا‪ ،‬فهزم القوم و أخذ الطيئة أسيا‪ ،‬و طارت عبس و بنو بكر‪ .‬فأقام أبو بكر على البرق‬
‫أيّاما و قد غلب بن ذبيان على البلد‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «حرام على بن ذبيان البلد أن يطأوها بعد أن غنّمناها ال‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فما ذ ّر قرن الشمس‪ :‬فما طلعت‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و لينصحنّ‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪280 :‬‬
‫فلمّا غلب أهل الردّة و دخلوا فيما خرجوا منه‪ ،‬جاءت بنو ثعلبة و من كان ينازلم‪ .‬فمنعوا منها فأتوه ف الدينة [‪ ]297‬فقالوا‪:‬‬
‫‪« -‬علم ننع من لزوم بلدنا؟» فقال‪« :‬كذبتم‪ ،‬ليست لكم ببلد‪».‬‬

‫عقد أحد عشر لواء لحاربة أهل الردة‬
‫ثّ حى بلد الربذة كلّها لصدقات السلمي و جاءت الصدقات الكثية‪ .‬فلمّا أراح أسامة و جنوده ظهورهم و جّوا‪ ،‬عقد أبو بكر‬
‫أحد عشر لواء و قطع عليها البعوث‪:‬‬
‫عقد لالد بن الوليد و أمره بطليحة بن خويلد‪ ،‬فإذا فرغ منه سار إل مالك بن نويرة بالبطاح إن قام له‪ ،‬و عقد لعكرمة بن أب‬
‫جهل و أمره بسيلمة‪ ،‬و عقد للمهاجر بن أب أمية و أمره بنود السود العنسي و معونة البناء على قيس بن الكشوح و من‬
‫أعانه من اليمن عليهم‪ ،‬ث يضى إل كندة بضرموت‪ ،‬و عقد لالد بن سعيد بن العاص و كان قدم من اليمن‪ ،‬و ترك عمله‪ ،‬و‬
‫لعمرو بن العاص إل جّاع قضاعة و وديعة و الارث‪ ،‬و لذيفة بن مصن‪ ،‬و أمره بأهل دبا‪ ،‬و لعرفجة بن هرثة‪ ،‬و أمره بهرة‪ ،‬و‬
‫لشرحبيل بن حسنة على قضاعة‪ ،‬و لطريفة بن حاجز‪ ،‬و أمره ببن سليم و هوازن‪ ،‬و لسويد بن مقرّن و أمره بتهامة اليمن‪ ،‬و‬
‫للعلء بن الضرمي‪ ،‬و أمره بالبحرين‪.‬‬
‫ففصل المر من ذى القصّة و قد كتب لم عهدهم‪ ،‬فلحق بك ّل أمي جنده‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪281 :‬‬
‫[‪ ]298‬و كتب إل جيع الرتدّة كتبا بليغة بالعذار و النذار و الترغيب و الترهيب‪ ،‬و نفذت الرسل أمام النود بالكتب و نفذ‬
‫خالد إل طليحة‪ ،‬فهزمه و فضّ خيله‪.‬‬
‫و كان طليحة ارت ّد ف حياة رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و ادعى النبوّة‪ .‬فوجه النبّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬ضرار بن الزور عامل‬
‫على بن أسد و أمرهم بالقيام ف ذلك على ك ّل من ارتدّ فأشجوا طليحة و أخافوا و نقص أمره‪ ،‬حت ل يبق إلّا أخذه سلما‪ .‬سوى‬
‫أنّه كان ضرب ضربة بالراز‪ ،‬فنبا عنه‪ .‬فشاعت ف الناس و أتى السلمي‪ -‬و هم على ذلك‪ -‬موت نبيّهم‪ .‬و قال ناس‪:‬‬
‫ «إ ّن السلح ل يعمل ف طليحة‪ ».‬فقوى أمره و نقص أمر السلمي لذلك‪ ،‬حت إنّهم قالوا عرفنا [‪ ]1‬ذلك ف أنفسنا يوم ورد‬‫علينا الب بوفاة رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪.‬‬
‫و قام عيينة بن حصي بنصره‪ ،‬و قام ف غطفان فقال‪:‬‬
‫ «ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا و بي بن أسد‪ ،‬و إنّى مدّد اللف الذي كان بيننا ف الاهلية‪ ،‬و متابع [‪]299‬‬‫طليحة‪ ،‬و ال لن نتبع نبيا من الليفي أحبّ إلينا من أن نتبع نبيّا من قريش‪ ».‬و قد مات رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و بقي‬
‫طليحة‪ ،‬فطابقوه على رأيه‪ .‬فلمّا قوى أمر طليحة و استفحل‪ ،‬هرب ضرار و أصحاب النب‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و طاروا كلّ مطار‪.‬‬
‫قال ضرار بن الزور‪« :‬فما رأيت أحدا‪ -‬ليس رسول ال‪ -‬أمل لرب شعواء من أب بكر‪ ،‬لعلنا نبه و لكأنّما نبه با له‪ ،‬ل‬
‫عليه‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط‪ .‬و ما ف الصل‪ :‬عرقنا‪ .‬و ف الطبي (‪ :)1892 :4‬حت عرفوا النقصان‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪282 :‬‬

‫صرامة عمر و حصافته ف هذا الوقت‬
‫و ما ظهر من عمر‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬ف هذا الوقت صرامة و حصافة‪ :‬أ ّن عمرو بن العاص كان بعمان‪ .‬فلمّا مات رسول ال‪-‬‬
‫صلى ال عليه‪ -‬أقبل حت انتهى إل البحرين‪ ،‬و سار ف بن تيم‪ ،‬و ف بن عامر‪ ،‬حتّى قدم الدينة‪ ،‬فأطافت به قريش و سألوه‪.‬‬
‫فأخبهم أنّ العساكر معسكرة من دبا إل حيث انتهيت إليكم‪ .‬و أخبهم من اضطراب السلم و قوّة العداء ما كسرهم‪.‬‬
‫فتفرّقوا و تلّقوا حلقا‪ .‬و أقبل عمر بن الطاب يريد [‪ ]300‬التسليم على عمرو‪ .‬فمرّ بلقة و هم ف شيء ما سعوا من عمرو‪،‬‬
‫و ف تلك اللقة عثمان و علىّ و طلحة و الزبي و عبد الرحن بن عوف و سعد‪ .‬فلمّا دنا عمر منهم سكتوا‪.‬‬
‫فقال عمر‪« :‬فيم أنتم؟» فلم يبوه‪ ،‬فقال‪« :‬ما أعلمن بالذي خلوت له‪ ».‬فغضب طلحة و قال‪« :‬يا ابن الطاب أ تبنا‬
‫بالغيب؟» فقال‪« :‬ل يعلم الغيب إلّا ال‪ ،‬و لكن أظنّ أنكم قلتم‪ :‬ما أخوفنا على قريش‪ ،‬من العرب و أخلقهم ألّا يقرّوا بذا‬
‫المر‪ ».‬قالوا‪« :‬صدقت‪ ».‬قال‪« :‬فل تافوا هذه النلة‪ .‬أنا و ال منكم على العرب أخوف منّى عليكم من العرب‪ ،‬و ال لو‬
‫تدخلون معاشر قريش جحرا [‪ ]1‬لدخلته العرب ف آثاركم‪.‬‬
‫فاتقوا ال فيهم‪ّ ».‬ث مضى عمر إل أب بكر و اجتمع مع عمرو‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف مط‪ :‬حجرا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪283 :‬‬

‫إسلم طليحة بعد ارتداده و ادّعائه النبوّة‬
‫فأمّا طليحة‪ ،‬فإنّه لا هزم أصحابه‪ ،‬هرب حت نزل على كعب على النقع [‪.]1‬‬
‫فأسلم‪ ،‬و ل يزل مقيما ف كلب حت مات أبو بكر‪ .‬و إنّما أسلم هنالك حت بلغه أنّ أسدا و غطفان و عامرا قد أسلموا‪ .‬فلمّا‬
‫مات أبو بكر‪ ]301[ ،‬أتى [‪ ]2‬عمر للبيعة‪ ،‬فقال له عمر‪:‬‬
‫ «أنت قاتل عكاشة و ثابت‪ ،‬و ال ل أحبّك أبدا‪ ».‬فقال يا أمي الؤمني‪ ،‬ما تنقم علىّ من رجلي أكرمهما ال بيدي و ل يهنّى‬‫بأيديهما‪ ».‬فبايعه عمر‪ .‬ث قال له خري [‪:]3‬‬
‫ «ما بقي من كهانتك؟» قال‪« :‬نفخة أو نفختان بالكي [‪ ».]4‬ث رجع إل دار قومه‪ ،‬و أقام با حت خرج إل العراق‪.‬‬‫و لا أعطى أهل بزاخة من أسد و غطفان و طيئ بأيديهم على السلم‪ ،‬ل يقبل خالد من أحد منهم و ل من هوازن و سليم‪ ،‬إلّا‬
‫على أن يأتوا بالذين حرقوا و مثّلوا و عدوا على أهل السلم ف حال ردّتم‪ .‬فأتوه بم‪ ،‬فقتل منهم إلّا قرّة بن هبية و نفرا معه أو‬
‫ثقتهم‪ ،‬و مثّل بالذين مثّلوا بالسلمي‪ ،‬و أحرقهم بالنيان‪ ،‬و رضخهم [‪ ]5‬بالجارة‪ ،‬و رمى بم من البال‪ ،‬و نكّسهم ف البار‪،‬‬
‫و خرق بعضهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬النع‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ما ف الصل غي واضح‪ ،‬فأثبتنا الكلمة كما ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬حري‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الكي‪ :‬جهاز من جلد أو نوه يستخدمه الداد و غيه للنفخ ف النار لشعالا‪.‬‬
‫[‪ .]5‬رضخ النوى‪ :‬كسره بالجر‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪284 :‬‬
‫بالنبال‪ ،‬و كتب ببهم و ما صنع‪ ،‬إل أب بكر‪.‬‬
‫فكتب إليه أبو بكر‪:‬‬
‫«ليزدك ال ما أنعم به عليك خيا‪ ،‬فاتق ال‪ ،‬و ل تظفرنّ بأحد قتل السلمي إلّا قتلته و نكلت به غيه‪ ،‬و إن كنت [‪]302‬‬
‫أحييت مّن حادّ ال و ضادّه فاقتله‪ ».‬فأقام خالد شهرا على بزاخة يصعّد و يصوّب و يرجع ف طلب القوم‪ ،‬فمنهم من يرق‪ ،‬و‬
‫منهم من يرضخه‪ ،‬و منهم من يرمى به من البل‪.‬‬

‫مكيدة للفجاءة تّت عليه‬
‫و قدم الفجاءة [‪ ]1‬بن إياس بن عبد ياليل على أب بكر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «أعنّى بسلح‪ ،‬و مرن با شئت‪ ،‬و من شئت من أهل البادية‪ ».‬فأعطاه سلحا‪ ،‬و أمَره أمْره‪ ،‬فخالفه‪ ،‬و خرج‪ ،‬و نزل الواء [‬‫‪ ،]2‬و بعث نبة بن أب اليثاء [‪ ،]3‬و أمره بالسلمي‪ ،‬فشنّها [‪ ]4‬غارة على ك ّل مسلم ف سليم و هوازن‪ ،‬و بلغ ذلك أبا بكر‪،‬‬
‫فأرسل إليه من حاربه بالواء حربا شديدا‪ ،‬فقتل نبة‪ ،‬و هرب الفجاءة‪ ،‬فلحقه من أسره و بعث به إل أب بكر‪ ،‬فأوقد له ف‬
‫مصلّى الدينة حطب كثي‪ ،‬ث رمى به ف النار مقموطا‪.‬‬

‫قتل مسيلمة ف حديقة الوت و مكيدة لجّاعة على خالد‬
‫و من وجوه الكائد ف الرب أنّ خالدا لا مضى نو اليمامة قاصدا مسيلمة‪ ،‬فضرب [با] [‪ ]5‬عسكره‪ ،‬خرج أهل اليمامة مع‬
‫السيلمة‪ .‬ثّ التقى‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الصل و مط‪ :‬الفجأة‪ .‬و ما ف الطبي «الفجاءة» (‪.)1903 :4‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪« :‬و ترك الوى»‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪« :‬مة» ف الطبي أيضا‪ :‬نبة و ف ابن الثي (‪ :)350 :2‬نبة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬كذا ف النسختي و الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ف الصل و مط‪ :‬به‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪285 :‬‬
‫الناس‪ ،‬و ل تلقهم حرب قطّ مثلها [‪ ]303‬من حرب العرب‪ .‬فاقتتل الناس قتال شديدا حت انزم السلمون‪ ،‬و خاضوا إل‬
‫فسطاط خالد‪ ،‬فزال خالد عنه‪ ،‬و أسلم امرأته أ ّم تيم‪ ،‬فرعبلوا [‪ ]1‬الفسطاط بالسيوف‪.‬‬
‫ث إ ّن السلمي تداعوا و تبّأوا إل ال من انزم‪ ،‬و جالدوا حت قتل زيد بن الطّاب و عدّة من خيار الناس‪ ،‬و خلصوا [‪ ]2‬إل‬
‫مكّم اليمامة [‪ ،]3‬و كان سيّدا فيهم‪ ،‬فقاتل قتال شديدا حت قتل‪ ،‬و زحف السلمون‪ ،‬و اشتدّ القتال‪ .‬فكانت يومئذ سجال إنّما‬
‫يكون مرّة على السلمي‪ ،‬و مرّة على الكافرين‪ .‬و استحرّ القتال ف الهاجرين و النصار‪ ،‬و ثبت مسيلمة‪ ،‬و دارت رحاهم عليه‪.‬‬
‫فعرف خالد بن الوليد أنّها ل تركد إلّا بقتل مسيلمة‪ ،‬و ل تفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم‪ .‬فبز خالد حتّى إذا كان أمام الصفّ‬
‫دعا إل الباز‪ ،‬و انتمى و قال‪:‬‬
‫ «أنا ابن الوليد العود‪ ،‬أنا ابن عامر و زيد‪ ».‬فجعل ل يبز له أحد إلّا حطّمه و قتله‪ .‬و دارت عليه رحى السلمي فطحنت‪.‬‬‫ث دنا خالد من مسيلمة‪ ،‬فدعاه مناديا بأعلى صوته [‪ ]304‬ليطلب غرّته [‪ ،]4‬و ذلك لا علم أنّ الرب ل تزول إلّا بزواله‪،‬‬
‫فأجابه مسيلمة‪ .‬فعرض عليه أشياء ما يشتهى مسيلمة‪ ،‬ث قال له‪:‬‬
‫ى النصاف تعطينا؟» فكان إذا همّ بوابه‪ ،‬أعرض عنه مستشيا شيطانه‪ ،‬فكان شيطانه ينهاه أن يقبل‪،‬‬
‫ «إن قبلنا النصف‪ ،‬فأ ّ‬‫فأعرض بوجهه مرّة من ذلك‪ ،‬فركبه خالد فأرهقه‪ ،‬فأدبر‪ ،‬و زالوا‪ ،‬فذمر خالد الناس‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «دونكم ل تقيلوهم‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬رعبل‪ :‬قطع‪ ،‬مزّق‪.‬‬
‫[‪ .]2‬خلص إل الشيء‪ :‬وصل‪.‬‬
‫[‪ .]3‬و ف الطبي‪ :‬خلّصوا إل مكّم اليمامة و هو مكّم بن الطفيل (‪.)1943 :4‬‬
‫[‪ .]4‬فدعا مسيلمة طلبا لعورته (الطبي ‪.)1948 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪286 :‬‬
‫فاقتحموا حديقة الوت [‪ ،]1‬فاقتحم الناس عليهم‪ ،‬فقتلوا منهم عشرة آلف‪ ،‬و قتل مسيلمة‪ .‬قتله و حشىّ بربته‪ ،‬و أعانه رجل‬
‫من النصار‪.‬‬
‫و كان خالد ظفر قبل هذه الوقعة بجّاعة مع نفر معه كانوا خرجوا ف سريّة لم‪ ،‬و كان ظنّ أنّهم استقبلوه‪ .‬فلمّا سألم صدقوه‪.‬‬
‫و لو عرفوا خبه لقالوا‪ :‬إنّما استقبلناك‪ ،‬فسلموا‪ .‬فعرضهم على السيف‪ ،‬فقتلهم عن آخرهم إلّا مّاعة‪ ،‬فإنّه استحياه طمعا ف‬
‫النتفاع به‪ .‬فلمّا فرغ من قتل مسيلمة و أخب به أخرج مّاعة يرسف ف الديد ليدلّه على مسيلمة‪ ]305[ ،‬فجعل يكشف له‬
‫القتلى حتّى م ّر بحكّم اليمامة‪ ،‬و كان وسيما حسنا‪ .‬فلما رآه خالد قال‪:‬‬
‫ «هذا صاحبكم؟» قال‪« :‬ل‪ ،‬هذا و ال خي منه و أكرم‪ ،‬هذا مكّم اليمامة‪ ».‬ث مضى خالد يكشف له القتلى‪ .‬فإذا رويل‬‫أصفر [‪ ]2‬أخينس‪ ،‬فقال مّاعة‪:‬‬
‫ «هذا صاحبكم‪ ،‬قد فرغتم منه‪ ».‬فقال خالد لجّاعة‪« :‬هذا فعل بكم ما فعل‪ ».‬قال‪« :‬قد كان ذلك يا خالد‪ ،‬و إنّه و ال ما‬‫جاءك إلّا سرعان اليل‪ ،‬و إن الصون لملوءة رجال‪ ،‬فهلّم أصالك على قومي‪ ».‬يقول ذلك لرجل قد نكته الرب‪ ،‬و أصيب‬
‫معه من أشراف الناس من أصيب‪ ،‬فقد رقّ‪ ،‬و أحبّ الدعة و الصلح‪.‬‬
‫فقال‪« :‬هلمّ أصالك‪ ».‬فصاله على الصفراء و البيضاء و اللقة [‪ ]3‬و نصف السب‪.‬‬
‫ث قال‪« :‬فآتى القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و الديقة‪ :‬بستان كان لسيلمة الكذاب‪ ،‬كانوا يسمّونه‪« :‬حديقة الرحان»‪ ،‬و عنده قتل مسيلمة‪ ،‬فسمّوه‪« :‬حديقة الوت»‬
‫(يا)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪ :‬أصيفر (‪.)1949 :4‬‬
‫[‪ .]3‬اللقة‪ :‬السلح عامّة و الدرع خاصّة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪287 :‬‬
‫قال‪« :‬انطلق إليهم‪ ».‬فذهب و قال للنساء‪ -‬و ليس ف الصون إلّا النساء و الصبيان و من ليس به طرق [‪ ]1‬من الشيوخ‪:‬‬
‫ «البسن الديد‪ ،‬ثّ أشرفن على الصون‪ ،‬و انشرن شعوركنّ‪ ».‬ث كرّ نو خالد و قال‪:‬‬‫ «أبوا [‪ ]2‬ما صالتك عليه‪ ،‬و لكن صالن على ربع السب لعزم [‪ ]3‬على [‪ ]306‬القوم‪ ».‬قال خالد‪« :‬قد فعلت‪».‬‬‫فسرّحه و قال‪:‬‬
‫ «أنتم باليار ثلثا‪ ،‬و ال لئن ل تتمّوا و ل تقبلوا‪ ،‬لندنّ إليكم‪ ،‬ث ل أقبل منكم خصلة أبدا إلّا القتل‪ ».‬فكان خالد إذا نظر إل‬‫الصون رآها ملوءة اليطان بالسلح و السواد‪ ،‬فياها رجال و إنّما هي النساء‪.‬‬
‫فلمّا رجع مّاعة إليهم قال‪« :‬فأمّا الن فاقبلوا‪ ».‬و رجع إل خالد‪ ،‬و قال‪« :‬بعد ش ّر ما‪ ،‬قبلوا [‪ ،]4‬اكتب كتابك‪ ».‬فكتب‪:‬‬
‫«هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مّاعة من مرارة و فلنا و فلنا‪ ،‬قاضاهم على الصفراء‪ ،‬و البيضاء‪ ،‬و ربع السب‪ ،‬و اللقة‪،‬‬
‫و الكراع‪ ،‬و حائط من كل قرية و مزرعة‪ ،‬على أن تسلموا‪ ،‬ث أنتم آمنون بأمان ال و لكم ذمّة خالد بن الوليد‪ ،‬و ذمّة أب بكر‬
‫خليفة رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و ذمم السلمي على الوفاء‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطرق‪ :‬الشحم‪ .‬القوّة (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي و ابن الثي (‪ )365 :2‬أيضا‪ :‬أبوا‪ .‬مط‪ :‬ايو‪ .‬و ف الصل‪ :‬آيوا‪ .‬و هو تصحيف‪.‬‬
‫[‪ .]3‬عزم على فلن‪ :‬أمره و شدد عليه (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪ .‬بعد ش ّر ما رضوا (‪.)1954 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪288 :‬‬
‫فلمّا فرغ خالد بن الوليد من هذه الوقعة و الصلح‪ ،‬فتحت الصون‪ ،‬فإذا ليس فيها إلّا النساء و الصبيان! فقال خالد لجّاعة‪:‬‬
‫ «ويك‪ ،‬خدعتن!» قال‪« :‬قومي‪ ،‬و ل أستطع إلّا ما صنعت‪ »]1[ .‬و لّا فرغ خالد من هذه الوقعة أمره [‪ ]307‬أبو بكر‬‫بالسي إل العراق‪ ،‬و كان ما كان من أمره مع الفرس‪ ،‬و ل أجد ف تلك الروب و الوقعات مع عظمها و شدتا موضع حيلة‪ ،‬و‬
‫ل موقع تدبي تستفاد منه تربة إلّا اليسي ما سنذكره‪ ،‬و باقيه كلّه جهاد من القوم و نصر من ال و اجتهاد من السلمي‪ ،‬و‬
‫خذلن للفرس‪ ،‬و انصرام لدّتم‪ ،‬و انقضاء للكهم‪.‬‬
‫و كان شرطنا ف أول الكتاب ألّا نثبت من الخبار إلّا ما فيه تدبي نافع للمستقبل‪ ،‬أو حيلة تّت ف حرب‪ ،‬أو غيها‪ ،‬ليكون‬
‫معتبا و أدبا لن يستأنف من المر مثله‪ ،‬فلذلك تركنا إثبات هذه الوقائع‪ ،‬و على أنّا سنذكر المل الت فيها أدن تنبيه على‬
‫موضع فائدة‪ ،‬و لجل ذلك‪ ،‬تركنا ذكر أكثر مغازي رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و وقعاته‪ ،‬لنّها كلّها توفيق ال و نصره و‬
‫ى [‪.]2‬‬
‫خذلن أعدائه‪ ،‬و ل تربة ف هذا‪ ،‬و ل تستفاد منه حيلة‪ ،‬و ل تدبي بشر ّ‬
‫و من الراء السديدة ما كان من خالد بالشام يوم اليموك [‪]3‬‬
‫[‪ ]308‬و ذلك أنّ خالدا افتتح السواد الذي بينه و بي دجلة‪ ،‬و حاز غربّ دجلة كلّها بوقائع كثية و حروب عظيمة‪ ،‬و شغل‬
‫الفرس عن أمر اللك‪ .‬فإنّ أردشي بن‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الطبي‪.)1953 :4( :‬‬
‫[‪ .]2‬انتبه إل الصرار الذي يبديه مسكويه على منهجه ف كتابة التاريخ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر الطبي ‪.2090 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪289 :‬‬
‫شيى مات و قد كان هلك العظماء و أهل بيت كسرى با أفناهم شيى‪ ،‬و بغزوات خالد للعظماء‪ ،‬و تفرّغ أبو بكر للشام‪ ،‬و‬
‫كان أمر خالدا ألّا يقتحم على الفرس‪ ،‬لنّ مسال لم كانت من وراء السلمي‪ .‬فخشي أن يؤتوا من ورائهم‪ ،‬و قد كان السلمون‬
‫أشرفوا على اللك بالشام لكثرة جنود الروم‪.‬‬
‫فكتب أبو بكر إل خالد يأمره أن يستخلف على جنده‪ ،‬و يسي ف عدد وافر إل إخوانه السلمي بالشام‪ .‬و لا اهتمّ بأمر الشام‬
‫كتب إل عمرو بن العاص‪ ،‬و إل الوليد بن عقبة‪ ،‬و كانا على عمل من الصدقات‪ .‬أمّا عمرو فكان على صدقات هذي و عذرة و‬
‫ف لفّها‪ .‬و أمّا الوليد فكان على النصف من صدقات قضاعة‪ .‬فكتب أبو بكر إليهما يرغّبهما ف الهاد و ييّرها بي أعمالما‬
‫من ل ّ‬
‫و ما ندبما إليه‪ ،‬فكتبا بإيثار الهاد‪ ،‬فكتب [‪ ]309‬أبو بكر بأن يندبا من يليهما‪ ،‬و يستخلفا على أعمالما‪.‬‬
‫ث ندب أبو بكر من كان اجتمع إليه‪ ،‬و قوّى بم عمرا‪ ،‬و أمّره على فلسطي و أمره بطريق سّاها له‪ .‬و ولّى الوليد الردن‪ ،‬و‬
‫أمدّه ببعض من كان اجتمع إليه‪.‬‬
‫و دعا يزيد بن أب سفيان فأمّره على جند عظيم هم جهور من انتدب له‪ ،‬و ف جنده سهيل بن عمرو‪ ،‬و أشباهه‪ .‬و استعمل أبا‬
‫عبيدة و أمّره على حص مع جند [‪.]1‬‬
‫و كان قد قدّم خالد سعيد بن العاص‪ ،‬و أمره أن يأتى تيماء‪ ،‬و يقيم با‪ ،‬فل تتجاوزها‪ ،‬و ينتدب إليه من حوله و يتقوّى به‪ ،‬حتّى‬
‫تأتيه النود‪ .‬و سى ليزيد بن أب سفيان دمشق‪ ،‬و لشرحبيل بن حسنة الردن‪.‬‬
‫فتواف الند أطراف الشام مع المراء الربعة‪ ،‬و هم سبعة و عشرون ألفا‪ .‬و أمّر أبو بكر معاوية و شرحبيل على ثلثة آلف‪ ،‬و‬
‫كان عكرمة بن أب جهل ردءا [‪]2‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬جنده‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الردء‪ :‬الذي يتبع غيه معينا له‪ .‬قال تعال‪ :‬فأرسله معى ردءا يصدّقن‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪290 :‬‬
‫لم ف ستة آلف‪ .‬و كان ف ثغر الروم أبو عبيدة‪ ،‬فشجى [‪ ]1‬بالروم و كثروا عليه‪ ،‬فكتب إل [‪ ]310‬أب بكر يستمدّ‪ ،‬و‬
‫أمدّهم بالد بن الوليد من العراق ف عشرة آلف‪ ،‬فكانوا ستة و أربعي ألفا‪ ،‬و كان قتالم على تساند‪ :‬ك ّل جند و أميهم‪ ،‬و ل‬
‫يمعهم أمي واحد حتّى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق‪.‬‬

‫تدبي حصيف من خالد‬
‫فلمّا قدم خالد‪ ،‬وجد الروم ف جع عظيم و قد استمدوا الستعربة و نصارى العرب و مسال [‪ ]2‬الفرس‪ ،‬فكانوا ف مائت ألف‬
‫مقاتل على حنق شديد‪ ،‬و هم يقاتلون بنشاط و اجتماع‪ .‬و رأى السلمي متساندين يقاتل كل قوم مع أميهم‪.‬‬
‫فقال لم‪« :‬هل لكم يا معشر الرؤساء ف أمر يع ّز ال به الدين‪ ،‬و ل يدخلكم منه نقيصة و ل مكروه؟» قالوا‪« :‬و ما ذلك؟» قال‪:‬‬
‫ «إ ّن هذا يوم من أيّام ال‪ ،‬ل ينبغي فيه الفخر و ل البغي‪ ،‬أخلصوا جهادكم و أريدوا ال بعملكم‪ ،‬فإنّ هذا يوم له ما بعده‪ ،‬و‬‫ل تقاتلوا قوما على نظام و تعبئة على تساند و انتشار فإنّ ذلك ل ينبغي و ل يلّ‪ ،‬و إنّ من وراءكم لو يعلم علمكم‪ ،‬حال [‬
‫‪ ]311‬بينكم و بي هذا‪.‬‬
‫فاعلموا ف ما ل تؤمروا به‪ ،‬بالذي ترون أنه الرأى من واليكم و مبّته‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬شجى بقرنه‪ :‬قهره قرنه‪ .‬اهت ّم و حزن‪.‬‬
‫[‪ .]2‬السال‪ :‬جع مفرده السلح و السلحة‪ :‬كلّ موضع مافة يقف فيه الند بالسلح للمراقبة و الحافظة‪ .‬القوم السلّحون ف‬
‫ثغر أو مفر للمحافظة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪291 :‬‬
‫قالوا‪« :‬هات ما الرأى؟» قال‪:‬‬
‫ «إ ّن [‪ ]1‬أبا بكر ل يبعثنا إلّا و هو يرى أنّا سنتياسر‪ ،‬و لو علم بالذي كان و يكون لقد جعكم‪ .‬إنّ الذي أنتم فيه أش ّد على‬‫السلمي مّا غشيهم‪ ،‬و أنفع [‪ ]2‬للمشركي من أمدادهم‪ .‬و لقد علمت أنّ الدنيا فرّقت بينكم‪ ،‬فاللّه ال ف دينكم‪ ،‬فقد أفرد‬
‫كلّ رجل ببلد من البلدان ل ينتقصه منه أن دان لحد من أمراء النود‪ ،‬و ل يزيده أن دانوا له‪.‬‬
‫إنّ تأمي بعضكم ل ينقصكم عند ال و ل عند خليفة رسول ال‪ ،‬هلمّوا‪ ،‬فإنّ هؤلء قد تيّئوا‪ ،‬و هذا يوم له ما بعده‪ ،‬إن رددنا‬
‫القوم إل خندقهم اليوم ل نزل نردّهم‪ .‬و إن هزمونا ل نفلح بعدها‪ .‬فهلمّوا‪ ،‬فلنتعاور المارة‪ ،‬فليكن عليها بعضنا اليوم‪ ،‬و الخر‬
‫غدا‪ ،‬و الخر بعد غد حت يتأمّر كلّنا‪ .‬دعون أ لكم [‪ ]3‬اليوم‪ ».‬فأمّروه و هم يرون أنّها كخرجاتم قبل قدوم خالد [‪ ]312‬و‬
‫أنّ المر طويل و المارة تصل إل كلّ واحد منهم‪.‬‬
‫فخرجت الروم ف تعبئة ل يكون أحسن منها‪ ،‬و ل ير السلمون مثلها قطّ‪.‬‬
‫و خرج خالد ف تعبئة ل تعبّ مثلها العرب‪ .‬و ذلك أنّه لّا رأى كثرة عدد الروم‪ ،‬قال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬سقط من مط‪« :‬إنّ أبا بكر ‪ ...‬أش ّد على»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪ :‬أنقع‪ .‬و ما أثبتناه مطابق لا ف مط و الطبي ‪.2092 :4‬‬
‫[‪ .]3‬مط و الطبي‪« :‬أليكم» و الصحيح ما ف الصل‪ ،‬لنّ الفعل [أل] مزوم هنا جوابا لشرط متصيّد ما قبل كما يقول‬
‫النحاة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪292 :‬‬
‫ «إنّه ليس ف التعبئة تعبئة أكثر ف رأى العي من الكراديس [‪ .]1‬فجعل القلب كراديس كثية‪ ،‬و أقام فيها أبا عبيدة‪ ،‬و جعل‬‫اليمنة كراديس‪ ،‬و عليها عمرو بن العاص‪ ،‬و جعل اليسرة كراديس‪ ،‬و عليها يزيد بن أب سفيان‪ ،‬و جيعها ستّة و ثلثون‬
‫كردوسا‪ .‬و ف الماعة ألف رجل من أصحاب رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬فيهم نو من مائة من أهل بدر‪ .‬و كان أبو سفيان‬
‫يدور و يرّض الناس‪.‬‬
‫فقال رجل لالد‪« :‬ما أق ّل السلمي و أكثر الروم!» فقال خالد‪« :‬ما أكثر السلمي و أق ّل الروم‪ ،‬إنّما تكثر النود بالنصر‪ ،‬و تقلّ‬
‫بالذلن‪ ،‬ل بعدد الرجال‪ .‬و ال‪ ،‬لوددت أنّ الشقر براء من توجّيه [‪ ،]2‬و أنّهم أضعفوا [‪ ]3‬ف العدد‪ ».‬و كان فرسه قد‬
‫حفى [‪ ]4‬ف مسيه‪.‬‬
‫ثّ أنشب القتال و التحم [‪ ]313‬الناس و تطارد الفرسان‪ .‬فإنّهم على ذلك‪ ،‬إذ قدم البيد من الدينة‪ .‬فأخذته النود‪ ،‬و سألوه‬
‫الب‪ .‬فلم يبهم إلّا بسلمة‪ ،‬و أخبهم عن أمداد‪ ،‬و إنّما جاء بوت أب بكر و تأمي أب عبيدة‪ ،‬فأبلغوه خالدا‪ ،‬فأخبه الب‪ ،‬و‬
‫أسرّه إليه‪ ،‬و أخبه با قال للجند‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «أحسنت‪ ،‬فقف‪ ».‬و أخذ الكتاب‪ ،‬فجعله ف كنانته و خاف‪ -‬إن أظهر ذلك‪ -‬أن ينتشر أمر الند‪.‬‬‫و جدّ خالد ف القتال‪ ،‬و صلى الناس الول و العصر إياء‪ ،‬و تضعضع الروم‪ ،‬و ند خالد بالقلب‪ ،‬حت كان بي خيلهم و‬
‫رجلهم‪.‬‬
‫و كان موضعهم الذي اختاروه للقتال واسع الطّرد‪ ،‬و ضيّق الهرب‪ .‬فلمّا وجدت خيلهم مهربا ذهبوا و تركوا رجلهم ف‬
‫مصافّهم‪ ،‬و خرجت خيلهم تشتدّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الكراديس‪ :‬جع مفرده الكردوس و الكردوسة‪ :‬طائفة عظيمة من اليل و اليش‪.‬‬
‫[‪ .]2‬التوجّى‪ :‬رقة القدم أو الافر أو الفّ من كثرة الشي (مو)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أضعفوا‪ :‬جعلوا ضعفي‪.‬‬
‫[‪ .]4‬حفى‪ :‬مشى بل نعل و ل خفّ‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪293 :‬‬
‫بم ف الصحراء‪ .‬و لا رأى السلمون خيل الروم توجّهت للهرب‪ ،‬أفرجوا لا و ل يرجوها‪ .‬فذهبت متفرّقة ف البلد‪ ،‬و أقبل‬
‫خالد و السلمون على الرجل‪ ،‬ففضّوهم‪ .‬فكأنّما هدم بم حائط‪ ،‬فاقتحموا ف خندقهم [‪ ]314‬فاقتحم عليهم فعمدوا إل‬
‫الواقوصة [‪ ]1‬حت هوى فيها القترنون و غيهم‪ ،‬فمن صب من القترني للقتال هوى به من جشعت نفسه‪ ،‬فيهوى الواحد‬
‫بالعشرة ل يطيقونه‪ ،‬كلّما هوى اثنان كانت البقية أضعف‪ .‬فتهافت ف الواقوصة عشرون و مائة ألف [‪ 000‬بن ‪ ]120‬إنسان‬
‫منهم ثانون ألف مقترن و أربعون ألف مطلق‪ ،‬سوى من قتل ف العركة من اليل و الرجل‪ ،‬و تلّل أخو ملك الروم و أشراف من‬
‫أشرافهم برانسهم و قالوا‪:‬‬
‫ «ل نبّ أن نرى يوم السوء‪ ،‬إذ ل نستطع أن نرى يوم السرور‪ ،‬و إذ ل نستطع أن ننع النصرانية‪ ».‬فأصيبوا ف تزمّلهم‪.‬‬‫و قد كان عكرمة بن أب جهل ف بعض جولت الروم نزل عن فرسه و قال‪:‬‬
‫ «قاتلت عن رسول ال صلى ال عليه ف كلّ موطن و أفرّ اليوم!» ثّ نادى‪:‬‬‫ «من يبايع على الوت؟» فبايعه ضرار بن الزور ف أربعمائة من وجوه الناس و الفرسان‪ ،‬فقاتلوا قدّام فسطاط خالد‪ ،‬حتّى‬‫أثبتوا جيعا جراحا‪ ،‬و قتلوا إلّا من [‪ ]315‬برأ و منهم ضرار‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الواقوصة‪ :‬واد بالشام ف أرض حوران نزله السلمون أيام أب بكر الصدّيق على اليموك لغزو الروم ‪...‬‬
‫و ف كتاب أب حذيفة‪ :‬أنّ السلمي أوقعوا بالشركي يوما باليموك‪ ،‬فش ّد خالد ف سرعان الناس و شدّ السلمون معه يقتلون كل‬
‫قتلة‪ ،‬فركب بعضهم بعضا‪ ،‬حت انتهوا إل أعلى مكان مشرف على أهوية‪ ،‬فأخذوا يتساقطون فيها و هم ل يبصرون و هو يوم‬
‫ذو ضباب‪ ،‬و قيل كان ذلك بالليل و كان آخرهم ل يعلم با صار إليه الذي قبله حت سقط فيها ثانون ألفا ‪ ...‬و سيت هذه‬
‫الهوية بالواقوصة من يومئذ حت اليوم‪ ،‬لنم واقصوا فيها‪( .‬يا‪ ،‬و الطبي ‪.)2099 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪294 :‬‬
‫و قاتل النساء يومئذ و جرحت جويرية بنت أب سفيان‪ ،‬و كانت مع زوجها‪ ،‬بعد قتال شديد‪ ،‬و كان الشتر من شهد هذا اليوم‪-‬‬
‫و هو اليموك‪ -‬فأبلى بلءا حسنا‪.‬‬
‫و لّا فرغ خالد من حرب القوم نعى إل الناس أبا بكر و قال‪:‬‬
‫ «المد للّه الذي قضى على أب بكر الوت‪ ،‬و كان أحبّ إلّ من عمر‪ ،‬و المد للّه الذي ولّى عمرو كان أبغض إلّ من أب‬‫بكر‪ ،‬ث ألزمن طاعته‪ ».‬و انتهت الزية إل هرقل و هو دون حص‪ ،‬و بلغه قتل أخيه مع الصناديد و عامّة اليل و الرجل‪ ،‬فارتل‬
‫و صار المر لب عبيدة‪.‬‬

‫من عجيب ما ركبه خالد‬
‫و من عجيب ما ركبه خالد بن الوليد ف سفرته هذه الت خرج فيها من العراق لعاونة أب عبيدة على الروم‪ ،‬أنّه‪ :‬لّا هزمت الروم‬
‫خالد بن سعيد بن العاص‪ ،‬و قتلوا ابنه و قتلوا اليش الذي معه‪ ،‬و اجتمعت الروم باليموك‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫ «و ال لنشغلنّ أبا بكر و العرب ف أنفسهم عن تورّد بلدنا‪ ».‬ث نزلوا الواقوصة [‪ ]316‬مستعلي‪.‬‬‫فبلغ ذلك أبا بكر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ي الروم وساوس الشيطان بالد بن الوليد‪ ».‬فكتب إليه أن‪:‬‬
‫ «و ال لنس ّ‬‫ «سر حت تأتى جوع السلمي باليموك‪ ،‬فانّهم قد شجوا بالروم‪ ،‬و إنّه ل يشج الموع من الناس بعون ال شجاك [‪ ،]1‬و ل‬‫ينع الشجا من الناس نزعك‪ ،‬فلتهنئك [‪ -]2‬أبا سليمان‪ -‬النية‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪ :‬شجيك‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬فلتهنك و ما أثبتناه يؤيده الطبي ‪.2110 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪295 :‬‬
‫ل الزاء‪،‬‬
‫و الظوة‪ ،‬فأتم‪ -‬تّم ال لك‪ -‬و ل يدخلنّك عجب فتخسر و تذل‪ ،‬و إياك أن تد ّل بعمل‪ ،‬فإنّ ال له النّ و هو و ّ‬
‫فاستخلف الثنّى بن الارثة بالعراق‪ ،‬فإذا فتح ال على السلمي الشام فارجع إل عملك بالعراق‪ ».‬فقال خالد‪« :‬كيف ل بطريق‬
‫أخرج فيه من وراء جوع الناس‪ ».‬فجمع الدلّاء و أهل الية‪ ،‬فكلّهم قالوا‪:‬‬
‫ «ل نعرف إلّا طريقا ل يمل جيشا‪ ،‬يأخذه الف ّذ و الراكب [‪ ».]1‬و نوه أن يغرّر بالسلمي‪ .‬فعزم عليه‪ ،‬و ل يبه [‪]317‬‬‫أحد إلّا رافع بن عمية على تيّب شديد‪ .‬فقام فيهم و قال‪:‬‬
‫ «يا قوم ل يلفنّ [‪ ]2‬هديكم‪ ،‬و ل يضعفنّ يقينكم‪ ،‬و اعلموا أنّ الؤونة تأتى على قدر النيّة‪ ،‬و الجر على قدر السبة‪».‬‬‫فأجابه نفر‪ ،‬و قالوا لالد‪:‬‬
‫ «أنت رجل مصنوع لك‪ ،‬فشأنك [‪ ».]3‬فطابقوه و نووا‪ ،‬و احتسبوا‪.‬‬‫فقال لم رافع‪:‬‬
‫ «تروّوا للشفة لمس‪ ».‬فظمّأ ك ّل قائد من البل الشرف اللل ما يكتفى به‪ ،‬ث سقوها العلّ بعد النهل‪ ،‬ثّ صرّوا آذان البل‬‫و كعّموها و خلّوا أدبارها‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط‪ .‬و ف الطبي‪ :‬الف ّذ الراكب (‪.)2112 :4‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط‪ ،‬و ف الطبي‪ :‬ل يتلفنّ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬و ف الطبي‪ :‬أنت رجل قد جع ال لك الي فشأنك‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪296 :‬‬
‫ثّ ركبوا من قراقر مفوّزين إل سوى [‪ ]1‬و هي إل جانبها الخر مّا يلي الشام‪ .‬فلما ساروا يوما افتظّوا لكل من اليل كروش‬
‫عشر من تلك البل فمزجوا ما ف كروشها با كان من اللبان‪ .‬ثّ سقوا اليل و شربوا للشفة جرعا‪ ،‬فعلوا ذلك أربعة أيّام‪ .‬فلمّا‬
‫نزلوا بسوى و خشي أن يفضحهم ح ّر الشمس نادى خالد رافعا‪:‬‬
‫ى و أنتم على الاء‪ ».‬و كان يشجعهم و هو متحيّر به رمد‪.‬‬
‫ «ما عندك يا رافع؟» [‪ ]318‬قال‪« :‬خي‪ ،‬أدركتم الر ّ‬‫ثّ قال‪« :‬أيها الناس‪ ،‬انظروا عليمي [‪ ]2‬كأنّهما ثديان‪ ».‬فأتوا عليهما و قالوا‪« :‬علمان‪ ».‬فقام عليهما فقال‪« :‬اضربوا ينة و‬
‫يسرة لعوسجة كقعدة الرجل‪ ».‬فقالوا‪« :‬ل نرى شيئا‪ ».‬فقال‪« :‬إنّا للّه‪ ،‬هلكتم و هلكت معكم‪ ،‬انظروا‪ ».‬فنظروا فوجدوا‬
‫جذمها‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫ «جذم [‪ ،]3‬و ل نرى شجرة‪ ».‬فقال‪:‬‬‫«احتفروا حيث شئتم‪ ».‬فاستثاروا أوشال [‪ ]4‬و أحساء [‪ ]5‬رواء [‪ .]6‬فقال رافع‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬سوى‪ :‬ماء لبهراء من ناحية السماوة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط و الطبي‪ :‬علمي (‪ .)2113 :4‬و انظر ابن الثي (‪.)408 :2‬‬
‫[‪ .]3‬الذم و الذم‪ :‬الصل و النبت‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الوشل‪ :‬الاء القليل يتحلّب من جبل أو صخر و ل يتصل قطره‪ .‬و الوشل أيضا‪ :‬الاء الكثي‪ -‬ضدّ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬و الحساء‪ :‬جع مفرده حسى‪ ،‬و حسى و حسى‪ :‬سهل من الرض يستنقع فيه الاء‪ ،‬و قيل‪ :‬غلظ فوقه رمل يمع ماء الطر‬
‫و كلّما نزحت دلوا اجتمعت أخرى‪.‬‬
‫[‪ .]6‬الرواء‪ :‬الاء العذب‪ .‬الكثي الروي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪297 :‬‬
‫ «أيها المي‪ ،‬ما وردت هذا الاء منذ ثلثي سنة‪ ،‬و ما وردته إلّا مرّة و أنا غلم مع أب‪ ».‬فاناز خالد من سوى على مضيّح [‬‫‪ ]1‬براء‪ ،‬و إنّهم لغارّون و ناس منهم يشربون خرا لم ف جفنة قد اجتمعوا عليها و مغنّيهم يقول‪:‬‬
‫أل علّلن قبل جيش أب بكر * لعلّ منايانا قريب و ما ندري‬
‫أظنّ خيول السلمي و خالدا * سيطرقكم قبل الصّباح من البشر [‪]2‬‬
‫فهل لكم ف السّي قبل قتالم * و قبل خروج العصرات من الدر‬
‫فيزعمون أنّ مغنيهم قتل‪ ،‬و سال دمه ف الفنة عند الغارة‪ .‬و قال شاعر السلمي‪]319[ :‬‬
‫للّه عينا رافع أنّى اهتدى * فوّز [‪ ]3‬من قراقر [‪ ]4‬إل سوى‬
‫خسا [‪ ]5‬إذا ما سارها [‪ ]6‬اليش بكى * ما سارها قبلك إنسىّ أرى‬
‫فلما انتهى خالد إل سوى أغار على أهله و قد خلّف ثغور الروم و جنودها مّا يلي العراق‪ ،‬فصار بينهم و بي اليموك‪ّ ،‬ث صمد‬
‫لم الطريق حتّى صار إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مضيّح براء‪ :‬ماء بالشام‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و ما ف مط‪ :‬من النشر‪ .‬و البشر من منازل تغلب بن وائل (اليام‪.)208 :‬‬
‫[‪ .]3‬فوّز الرجل‪ :‬دخل الفازة‪.‬‬
‫[‪ .]4‬قراقر‪ :‬واد لكلب بالسماوة من ناحية العراق‪ ،‬نزله خالد بن الوليد عند قصده الشام‪ .‬قراقر‪ ،‬حنو قراقر‪ ،‬و حنوذى قار‪ ،‬و‬
‫ذات العجرم‪ ،‬و البطحاء‪ ،‬كلها حول ذى قار (يا)‪.‬‬
‫[‪ .]5‬المس‪ :‬من الفلوات ما بعد ماؤها حت يكون ورد البل ف اليوم الامس‪ ،‬و المس أن ترد البل الاء ف اليوم الامس من‬
‫وردها السابق‪.‬‬
‫[‪ .]6‬ف الصل‪ :‬ما ساره‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪298 :‬‬
‫دمشق‪ ،‬ثّ مرج الصفر‪ .‬فلقى غسّان و عليهم الارث بن اليهم‪ ،‬فانتسف عسكرهم و عيالتم و بعث بالخاس إل أب بكر‪ ،‬ثّ‬
‫خرج حت نزل مياه بصرى‪ ،‬فكانت أوّل مدينة فتحها خالد من الشام بن معه من جنود العراق‪ ،‬فخرج منها فواف السلمي‬
‫بالواقوصة ف عشرة آلف‪.‬‬
‫و لا تراءى العسكران بعث القيقلر [‪ ]1‬أخو ملك الروم‪ -‬و هو صاحب اليش‪ -‬رجل عربيّا من قضاعة و قال له‪:‬‬
‫ «ادخل ف هؤلء القوم‪ ،‬فأقم فيهم يوما و ليلة‪ّ ،‬ث ائتن ببهم‪ ».‬فدخل ف الناس رجل عربّ ل ينكر‪ ،‬فأقام فيهم‪ ،‬ثّ أتاه‪.‬‬‫فقال‪« :‬مه‪ ،‬ما وراءك؟» قال‪« :‬هم رهبان بالليل فرسان [‪ ]320‬بالنهار‪ ،‬لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده‪ ،‬و لو زن رجوه إقامة‬
‫للحدّ‪ ».‬فقال القيقلر‪« :‬لئن كنت صادقا لبطن الرض خي من لقاء هؤلء على ظهرها‪».‬‬

‫الثن بن الارثة و شهربراز قائد الفرس‬
‫فأمّا الثن بن حارثة‪ ،‬فكان من حديثه بعد خالد بن الوليد‪ :‬أنّ الفرس اجتمعوا على شهربراز بن أردشي بن شهريار بن أبرويز‪ ،‬و‬
‫وجدوه بيسان‪ ،‬فوجّه إل الثنّى جندا عظيما عليهم هرمز العروف باذويه ف عشرة آلف‪ ،‬و معه فيل‪ ،‬فكتبت السال بإقباله‪،‬‬
‫فخرج الثن من الية‪ ،‬و ضمّ إليه السال‪.‬‬
‫و كتب شهربراز إل الثنّى‪:‬‬
‫ «إنّى قد بعثت إليك جندا من وحش أهل القرى‪ ،‬إنّما هم رعاة الدجاج‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬القبقلر‪ ،‬و ف حواشيه‪ :‬القنقلل‪ ،‬القنقلر‪ ،‬القيقلن‪ ،‬القلنقار (‪.)2125 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪299 :‬‬
‫و النازير‪ ،‬و لست أقابلك إلّا بم‪ ».‬فأجابه الثنّى‪:‬‬
‫«من الثنّى إل شهربراز‪ ،‬إنّما أنت أحد الرجلي‪ :‬إما باغ‪ ،‬فذلك ش ّر لك و خي لنا‪ ،‬و إمّا كاذب‪ ،‬فأعظم الكاذبي فضيحة و‬
‫عقوبة عند ال و الناس اللوك‪ ،‬و أمّا الذي يدلّنا عليه الرأى‪ ،‬فانّكم إنّما اضطررت إليه‪ ،‬فالمد للّه الذي ر ّد كيدكم إل رعاة‬
‫الدجاج [‪ ]321‬و النازير‪ ».‬فلمّا وقف الفرس على كتابه جزعوا و قالوا‪:‬‬
‫ «إنّما أتى شهربراز من لؤم منشأته [‪ ».]1‬و قالوا له‪« :‬جرّأت علينا عدوّنا با كتبت إليه‪ ،‬فإذا كاتبت أحدا فاستشر‪ ».‬ثّ‬‫التقوا ببابل‪ ،‬فاقتتلوا بعدوة الصراة [‪ ]2‬الدنيا قتال شديدا‪.‬‬
‫ثّ إ ّن الثن و ناسا من السلمي اعتوروا الفيل‪ ،‬و كان يفرّق بي الصفوف و الكراديس‪ ،‬فأصابوا مقتله‪ ،‬فقتلوه‪ ،‬و هزموا أهل‬
‫فارس و اتّبعهم السلمون يقتلونم حتّى جازوا بم مسالهم‪ ،‬و طلبوا الفلّ [‪ ]3‬حتّى بلغوا الدائن‪ .‬و مات شهربراز منهزم [‪]4‬‬
‫هرمز جاذويه‪ ،‬و اختلف أهل فارس بعده‪ ،‬و أبطأ خب أب بكر على السلمي لرضه‪.‬‬
‫فخرج الثن نو أب بكر ليخبه خب السلمي و يستأذنه ف الستعانة بن ظهرت توبته من أهل الردّة‪ -‬و كان أمر أبو بكر ألّا‬
‫يستعان بم‪ -‬و ليخبه أنّه ل يلّف أحدا أنشط لقتال فارس و معونة الهاجرين منهم‪ .‬فقدم الدينة و استخلف على عسكره بشي‬
‫بن الصاصيّة [‪ ]322[ ]5‬فوجد أبا بكر‪ -‬رضى ال عنه‪-‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬متشابه»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬انظر الطبي (‪.)2117 :4‬‬
‫[‪ .]3‬الفلّ‪ :‬النهزم‪ ،‬للواحد و المع‪ .‬انظر الطبي (‪.)2117 -18 :4‬‬
‫[‪ .]4‬أى وقت انزام هرمز‪ .‬انظر أيضا الطبي (‪.)2119 :4‬‬
‫[‪ .]5‬الصل‪ :‬غي واضح‪ .‬مط‪ :‬الصافة‪ .‬و ما أثبتناه يؤيده الطبي (‪.)2120 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪300 :‬‬
‫مريضا مرضه الذي مات فيه‪ ،‬فأخبه الب‪.‬‬
‫فدعا أبو بكر عمر‪ -‬و كان قد عقد له‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ «يا عمر‪ ،‬اسع ما أقول لك‪ ،‬ث اعمل عليه‪ .‬إنّى أظنّ أن أموت من يومى هذا‪ -‬و ذلك يوم الثني‪ -‬فإن أنا متّ‪ ،‬فل تسيّ‬‫حت تندب الناس مع الثن‪ ،‬و ل تشغلنّكم مصيبة‪ -‬و إن عظمت‪ -‬عن أمر دينكم‪ ،‬و وصية ربّكم‪ ،‬و قد رأيتن متوفّى [‪]1‬‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬و ما صنعت‪ ،‬و ل يصب اللق بثله‪ .‬و باللّه لو أنّى أن عن أمر ال لذلنا و لضطرمت الدينة نارا‪.‬‬
‫و إن فتح ال على أمرائنا فاردد أصحاب خالد إل العراق‪ ،‬فإنّهم أهله و ولة حدّه‪ ،‬و أهل الضراوة بم‪ ،‬و الرأة عليهم‪ ».‬و‬
‫مات أبو بكر رضى ال عنه مع الليل‪ ،‬و ندب عمر الناس مع الثن‪ .‬و قال عمر‪:‬‬
‫ «كأ ّن أبا بكر علم أنّه يسوءن أن أؤمّر خالدا على العراق حي أمرن بصرف أصحابه‪ ،‬و ترك ذكره‪ ».‬و تشاغل أهل فارس‬‫فيما بينهم عن إزالة السلمي عن السواد فيما بي خلفة أب بكر إل قيام عمر‪ ،‬و رجوع [‪ ]323‬الثن مع أب عبيد [‪ ]2‬إل‬
‫العراق‪ ،‬و كان جهور جند العراق بالية بالسيب [‪ ]3‬و الغارات تنتهي بم إل شاطئ دجلة‪ ،‬و دجلة حجاز بي العرب و‬
‫العجم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أى‪ :‬حي توف رسول ال‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و قد وردت هذه الكنية بكل الوجهي‪« ( :‬أبو عبيد»‪ ،‬أبو عبيدة») ف مواضع من النصّ‪.‬‬
‫[‪ .]3‬كورة من سواد الكوفة‪ ،‬و ها سيبان‪ :‬العلى و السفل من طسّوج سورا عند قصر ابن هبية (يا)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪301 :‬‬

‫أساء كتّاب أب بكر رضى ال عنه‬
‫كتب لب بكر رضى ال عنه‪ :‬عثمان بن عفّان‪ ،‬و زيد بن ثابت‪ ،‬و عبد ال بن الرقم‪ ،‬و حنظلة بن الربيع‬
‫‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪303 :‬‬

‫ما حدث ف خلفة عمر‬
‫عمر يقاسم خالدا ماله‬
‫فلمّا استخلف عمر كان أوّل ما تكلّم به عزل خالد بن الوليد‪ .‬و كتب إل أب عبيدة بتأميه عليه‪ ،‬و قال له‪:‬‬
‫ «أدع خالدا‪ ،‬فإن أكذب نفسه ف حديث تكلّم به خالد فهو أمي على ما هو عليه‪ ،‬و إن ل يكذب نفسه فأنت المي‪ .‬ثّ انزع‬‫عمامته عن رأسه‪ ،‬و قاسه ماله نصفي‪ ]1[ ».‬فلما ذكر ذلك أبو عبيدة لالد قال‪:‬‬
‫ «أنظرن أستشر ف أمرى‪ ]2[ ».‬ففعل أبو عبيدة‪ .‬فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد‪ ،‬و كانت عند الارث بن هشام‪،‬‬‫فذكر لا الديث‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫ «و ال ل يبّك عمر أبدا‪ ،‬و ما يريد إلّا أن تكذب نفسك ث ينعك‪ ».‬فقبّل رأسها و قال‪:‬‬‫ «صدقت‪ ».‬و تّ على أمره و أب [‪ ]324‬أن يكذب نفسه‪.‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تد الرواية عند الطبي (‪.)2148 :4‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬أنظرن أستشر أخت ف أمرى (‪.)2148 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪304 :‬‬
‫فقام بلل مول أب بكر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «ما أمرت به ف خالد؟» قال‪« :‬أمرت أن أنزع عمامته و أقاسه ماله‪ ».‬ففعل‪ ،‬و قاسه ماله حت بقيت نعله‪ .‬فقال أبو عبيدة‪:‬‬‫ «إ ّن هذا ل يصلح إلّا بذا‪ ».‬فقال خالد‪« :‬أجل‪ ،‬و ما أنا بالذي أعصى أمي الؤمني‪ ،‬فاصنع ما بدا لك‪ ».‬فأخذ نعل و أحذاه‬‫نعل‪.‬‬
‫ث قدم خالد الدينة على عمر‪ .‬فكان كلّما م ّر بالد‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ «يا خالد أخرج مال السلمي من تت استك‪ ».‬فيقول‪« :‬و ال ما عندي مال لم‪ ».‬فلمّا أكثر عليه عمر قال له خالد‪:‬‬‫ «يا أمي الؤمني‪ ،‬قيمة ما أصبت ف سلطانكم أربعون ألف درهم‪ ».‬قال عمر‪« :‬قد أخذت ذلك منك‪ ».‬قال‪« :‬هو لك»‪.‬‬‫قال‪« :‬و أخذته‪ ».‬و ل يكن لالد مال إلّا عدّة و رقيق‪ .‬فحسب ذلك‪ ،‬فبلغت ثاني ألف درهم‪ ،‬فناصفه عمر على ذلك و أعطاه‬
‫أربعي ألف درهم و أخذ ماله‪.‬‬
‫فقيل‪« :‬يا أمي الؤمني‪ ،‬لو رددت على خالد ماله‪ ».‬فقال‪« :‬إنّما أنا تاجر للمسلمي‪ ،‬و ال ل أردّه عليه أبدا‪ ».‬فكان عمر يرى‬
‫أنّه [‪ ]325‬قد اشتفى من خالد حي صنع به ذلك‪.‬‬

‫من حديث خالد و فتح دمشق‬
‫و كان خالد قبل أن ينقضي حرب الروم‪ ،‬على مقدمة خيل أب عبيدة‪ ،‬و هو‬

‫ج‪ ،1‬ص‪305 :‬‬
‫الذي فتح دمشق بيت الملكة‪ .‬و كان من حديثه أن عمر كاتب السلمي عند ما هزموا الروم باليموك‪ :‬أن يقصدوا لدمشق‪،‬‬
‫فانّها مق ّر عزّ الروم‪ ،‬و أن يشغلوا أهل فحل [‪ ]1‬و فلسطي‪ ،‬و أهل حص بيل تكون بإزائهم‪ .‬فإن فتحها ال قبل دمشق فذاك‪،‬‬
‫و إن تأخّر فتحها حت تفتح دمشق‪ ،‬فلينصرف أبو عبيدة و خالد ال حص‪ ،‬و عمرو إل فلسطي‪ .‬و كان أبو عبيدة بعث ذا‬
‫الكلع ليكون بي دمشق و حص ردءا‪ .‬ففعل أبو عبيدة كما أمره‪ ،‬و قدّم خالدا‪ -‬و هرقل يومئذ بمص‪ -‬فحاصر أهل دمشق‬
‫حصارا شديدا نوا من سبعي ليلة‪ ،‬و قاتلوهم بالجانيق و هم معتصمون بالدينة‪ ،‬يرجون الغياث من هرقل‪ .‬و جاءت خيول هرقل‬
‫مغيثة لهل دمشق‪ ،‬فأشجتها خيول ذى الكلع و شغلتها عن الناس‪.‬‬
‫فلمّا أيقن أهل [‪ ]326‬دمشق أنّ المداد ل تصل إليهم فشلوا‪ ،‬و طمع فيهم السلمون‪ ،‬و كانوا يرون أنّها كالغارات قبل ذلك‬
‫إذا هجم البد قفل [‪ ]2‬الناس‪ ،‬فسقط النّحم [‪ ]3‬و القوم مقيمون‪ .‬فعند ذلك انقطع رجاؤهم و ندموا على دخول دمشق‪.‬‬

‫اتّفاق جيّد للمسلمي‬
‫و كان من التّفاق اليّد للمسلمي‪ :‬أن ولد للبطريق الذي على أهل دمشق مولود‪ .‬فصنع طعاما‪ ،‬فأكل القوم و شربوا‪ ،‬و غفلوا‬
‫عن مواقفهم‪ ،‬و ل يشعر بذلك أحد من السلمي إلّا ما كان من خالد‪ ،‬فإنّه كان ل ينام و ل ينيم‪ ،‬و ل يفى عليه‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬فحل‪ :‬موضع بالشام‪ ،‬كانت للمسلمي مع الروم به وقعة‪ ،‬قتل فيها ثانون ألفا من الروم‪ ،‬و هي مشهورة‪.‬‬
‫و تسمى «يوم فحل»‪ ،‬كما تسمّى «يوم الردغة» و «يوم بيسان» (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬فقتل ف الناس‪ .‬و ف الطبي أيضا‪ :‬قفل (‪.)2152 :4‬‬
‫[‪ .]3‬النحم‪ :‬السعال‪ .‬سقط النحم‪ :‬أقبل‪ .‬و هذا من قولم‪« :‬سقط الرّ أو البد»‪ :‬أقبل (مو)‪ .‬و ف الطبي‪:‬‬
‫النجم (نفس الصفحة)‪ .‬ف مط‪ :‬فقتل فسقط العجم (!)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪306 :‬‬
‫شيء من أمورهم‪ ،‬عيونه ذاكية‪ ،‬و جواسيسه مفرّقة‪ ،‬و هو معنّ با يليه‪ .‬و كان كل جانب من الدينة إل قوم‪ .‬و كان قد اتّخذ‬
‫خالد حبال كهيئة السلليم و أوهاقا‪.‬‬
‫فلمّا أمسى ذلك اليوم و عرف خب القوم ند هو و من معه من جنده الذين قدم بم‪ ،‬و تقدّمهم هو و القعقاع بن عمرو و مذعور‬
‫بن عدىّ [‪ ]327‬و أمثاله من أصحابه ف أوّل نومه و قالوا‪:‬‬
‫ «إذا سعتم تكبينا على السور فارقوا إلينا و اندوا للباب‪ ».‬فلما انتهى إل الباب الذي يليه هو و أصحابه التقدمون‪ ،‬رموا‬‫بالبال الشّرف و على ظهورهم القرب الت قطعوا با خندقهم‪ .‬فلما ثبت لم وهقان تسلّق فيهما القعقاع و مذعور‪ .‬ث ل يدعا‬
‫أحبولة إلّا أثبتاها و الوهاق بالشّرف‪ ،‬و كان الكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان بدمشق‪ ،‬أكثره ماء و أشدّه مدخل‪ .‬و ل يبق‬
‫من خرج مع خالد تلك الليلة أحد إلّا رقى أو دنا من الباب‪ ،‬حت إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه و اندر معهم‪ ،‬و‬
‫خلّف من يمى ذلك الكان لن يرتقى‪ ،‬و أمرهم بالتكبي‪ .‬فكبّر الذين على السور‪ ،‬فنهد السلمون إل الباب‪ ،‬و مال إل البال‬
‫بشر كثي فوثبوا فيها‪ .‬و انتهى خالد إل أوّل من يليه‪ ،‬فأنامهم‪ ،‬و اندر إل الباب‪ ،‬فقتل البوّابي‪ ،‬و ثار أهل الدينة‪ ،‬و فزع سائر‬
‫الناس‪ ،‬فأخذوا مواقفهم و ل يدرون [‪ ]328‬ما الشأن‪ ،‬و تشاغل كل ناحية با يليهم‪ ،‬و قطع خالد بن الوليد و من معه أغلق‬
‫الباب بالسيوف‪ ،‬و فتحوا للمسلمي‪ ،‬فأقبلوا عليهم من داخل‪ ،‬حت ما بقي ما يلي باب خالد مقاتل إلّا أنيم‪.‬‬
‫و لا ش ّد خالد على من يليه‪ ،‬و بلغ منهم ما أراد عنوة‪ ،‬و أرز [‪ ]1‬من أفلت إل أهل البواب الت تلى غيه‪ ،‬دعوا السلمي إل‬
‫الصلح‪ .‬فأجابوهم و قبلوا منهم و ل يدرون با كان من خالد‪ .‬ففتحوا لم البواب و قالوا‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أرز إل الكان‪ :‬لأ إليه‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪307 :‬‬
‫ «ادخلوا‪ ،‬و امنعونا من أهل ذلك الباب‪ ».‬فدخل أهل ك ّل باب‪ ،‬بصلح [‪ ]1‬من يليهم‪ ،‬و دخل خالد با يليه عنوة‪ .‬فالتقى‬‫خالد و القوّاد ف وسطها‪ ،‬هذا استعراضا و انتهابا‪ ،‬و هذا صلحا و تسكينا‪ .‬فأجروا ناحية خالد مرى الصلح‪.‬‬
‫و لا فرغ السلمون من فتح دمشق‪ ،‬ساروا إل فحل و بيسان‪ ،‬و لقوا حربا شديدا‪ ،‬و افتتحوها بعد شدائد و بأس كثي‪.‬‬

‫عمر و انتداب أب عبيد للخروج إل فارس‬
‫فأمّا خب فارس‪ ،‬فإن عمر ندب الناس مع الثن بن حارثة‪ ،‬و قد ذكرنا فيما تقدّم قدوم الثن على أب بكر [‪ ]329‬و وصاة [‪]2‬‬
‫أب بكر عمر به‪ .‬فلم ينتدب أحد مع الثن‪ .‬و ذاك أنّ هذا الوجه أعن فارس كانت أكره الوجوه إل الناس‪ ،‬لشدّة بأس الفرس و‬
‫عظم شوكتهم‪ ،‬و قهرهم المم‪.‬‬
‫فكان الثن يرّض الناس و يقول‪:‬‬
‫«أيها الناس‪ ،‬إنّا قد غلبناهم على نصف السواد‪ ،‬و قد ضرى من قبلنا‪ ،‬و اجترأنا عليهم‪ ،‬و لنا من بعد ما ينتظره السلم من‬
‫الكافر‪ ».‬و قام عمر ف الناس‪ ،‬و خطبهم‪ ،‬و حضّهم و أذكرهم وعد ال ف كتابه أن يورثهم الرض‪ ،‬و قوله عزّ و جلّ‪ :‬لُِي ْظ ِه َرهُ‬
‫ش ِركُونَ‪ ]3[ 33 :9 .‬أين «عباد ال الصالون؟» [‪]4‬‬
‫عَلَى الدّينِ ُكلّهِ‪ ،‬وَ َلوْ َك ِرهَ اْلمُ ْ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و العبارة ف الطبي‪« :‬فدخل أهل ك ّل باب بصلح ما يليهم‪ ،‬و دخل خالد ما يليه عنوة ‪ »...‬و ف حاشية الطبي‪« :‬بصلح‬
‫ما يليهم‪ ».‬و «بصلح من يليهم» (‪.)2153 :4‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬وصى‪ .‬الوصاة‪ :‬الوصية‪ ،‬جعها‪ :‬وصى‪.‬‬
‫[‪ .]3‬س ‪ 9‬التوبة‪.33 :‬‬
‫ي الصّاِلحُونَ‪( 105 :21 .‬س ‪21‬‬
‫ض َي ِرثُها عِبادِ َ‬
‫[‪ .]4‬إشارة إل قوله تعال‪ :‬وَ َلقَدْ َكتَبْنا ف الزّبُورِ من بَعْ ِد ال ّذ ْكرِ‪َ ،‬أنّ الْأَرْ َ‬
‫النبياء‪.)105 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪308 :‬‬
‫فكان أوّل من انتدب أبو عبيد ابن مسعود الثقفي‪ ،‬و قال‪« :‬أنا لا‪ ».‬ث سليط بن قيس‪.‬‬
‫فلما اجتمع ذلك البعث قيل لعمر‪:‬‬
‫ «أمّر عليهم رجل من الهاجرين و النصار‪ ».‬قال‪« :‬ل و ال ل أفعل‪ .‬إنّما رفعكم ال بسبقكم إل الهاد‪ ،‬و سرعتكم إل‬‫العدو‪ .‬فإذا جبنتم و كرهتم اللقاء‪ ،‬و اثّاقلتم إل الرض‪ ،‬فأول بالرئاسة منكم من سبق إل الدفع‪ ،‬و أجاب إل الدعاء‪]330[ .‬‬
‫ل و ال‪ ،‬ل أؤمّر عليهم إلّا أوّلم انتدابا‪ ».‬ث دعا أبا عبيد و قال له‪:‬‬
‫ «اسع من أصحاب رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ ،-‬و أشركهم ف المر‪ .‬و ل تسرعنّ حت يتبيّن‪ .‬فإنّها الرب‪ ،‬و الرب ل‬‫يصلح لا إلّا الرجل الكيث الذي يعرف الفرصة‪ ».‬و قال لب عبيد‪:‬‬
‫‪« -‬إنّه ل ينعن أن أؤمّر سليطا إلّا سرعته إل الرب‪ ،‬و ف التسرّع إل الرب ضياع إلّا عن بيان‪».‬‬

‫قدوم أب عبيد مع الثنّى بعد استخراج الفرس يزدجرد و تتويج بوران رستم‬
‫فقدم أبو عبيد و معه الثن بن حارثة‪ ،‬و قد استخرج الفرس يزدجرد‪ .‬و كانت بوران عدل [‪ ]1‬ف ما بينهم‪ ،‬لا افتتنت الفرس و‬
‫قتل الفرّخزاذ بن البندوان‪ .‬و كان سياوخش قدم‪ ،‬فقتل آزرمىدخت‪ .‬و ذلك ف غيبة الثن‪ .‬و كان شغل الفرس‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الطبي (‪ .. :)2163 :4‬و قد كانت بوران أهدت للنبّ (ص) فقبل [هديتها]‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪309 :‬‬
‫طول غيبته ف ما بينهم‪ .‬و كانت بوران دعت رستم‪ ،‬و شكت إليه تضعضع فارس‪ ،‬و دعته إل القيام بأمرهم‪ ،‬و توّجته‪.‬‬
‫فقال رستم‪« :‬أنا عبد سامع مطيع‪ ».‬فولّته أمر فارس و حربا‪ ،‬و أمرت فارس أن يسمعوا له و يطيعوا‪ .‬فقتل رستم سياوخش‪ ،‬و‬
‫دانت له الفرس‪ ،‬و ذلك بعد قدوم أب عبيد‪.‬‬
‫ثّ إ ّن عمر [‪ ]331‬لا فصل الثن و أبا عبيد [‪ ،]1‬استعجلهما‪ ،‬و قال لما‪:‬‬
‫ «النجا‪ ،‬النجا‪ ،‬بن معكم‪ ،‬فإنّى مدّكم بالناس‪ ».‬ثّ ندب أهل الردّة‪ ،‬و أذن لم ف الغزو‪ ،‬و رمى بم العراق و الشام‪.‬‬‫فقدم الثن قبل أب عبيد بنصف شهر‪ ،‬و نزل خفّان [‪ ]2‬لئلّا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه‪ .‬و كتب رستم إل دهاقي السواد‪ :‬أن‬
‫يثوروا بالسلمي‪ .‬و دسّ ف كل رستاق رجل ليثور بأهله‪ .‬و بلغ ذلك الثن‪ ،‬و عجل جابان‪ ،‬و كان اجتمع إليه بشر كثي‪،‬‬
‫بالنمارق [‪ ،]3‬و لق أبو عبيد‪ ،‬فأج ّم الناس‪ ،‬ث تعبّى‪ :‬فجعل الثن على اليل‪ ،‬و عبّى اليمنة و اليسرة‪ .‬فنلوا على جابان‬
‫بالنمارق‪ ،‬فقاتلهم قتال شديدا‪ّ ،‬ث انزم جابان‪ ،‬فأسر‪ .‬فكان آمنه من أسره‪ ،‬فخلّى عند أبو عبيد‪ .‬فأخبوه أنه ملك‪ .‬فأشاروا‬
‫بقتله‪ .‬فأب أبو عبيد‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «إ ّن السلمي ف التوادّ و التناصر كالسد الواحد‪ ،‬ما لزم بعضهم فقد لزم كلّهم‪ ».‬قالوا‪« :‬إنّه ملك‪ ».‬قال‪« :‬و إن كان‪ ،‬ل‬‫أغدر‪ ».‬فتركه‪ ،‬و قسم الغنائم‪ ،‬و كان فيها مال و عطر [‪ ]332‬كثي‪ ،‬و بعث بالخاس إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪« :‬أبو عبيد» و ما أثبتناه يوافق مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬خفّان (بالفتح و التشديد)‪ :‬موضع قرب الكوفة‪ ،‬فوق القادسية (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬النمارق‪ :‬موضع قرب الكوفة (مع)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪310 :‬‬
‫عمر‪.‬‬

‫السّقاطيّة بكسكر‬
‫و ثار نرسى بكسكر‪ ،‬و كان رستم أمره بذلك‪ .‬و نرسى هذا ابن خالة كسرى‪ ،‬و كانت كسكر قطيعة له‪ ،‬و كان النّرسيان له‬
‫يميه ل يأكله و ل يشربه و ل يغرسه غي آل كسرى إلّا من أكرموه بشيء منه‪.‬‬
‫فلما انزمت الفرس يوم النمارق اجتمعت الفالّة إل نرسى‪ ،‬و هو ف عسكره‪ ،‬و نادى أبو عبيد بالرحيل‪ ،‬و قال للمجرّدة‪:‬‬
‫ «اتّبعوا الفالّة حت تدخلوهم عسكر نرسى أو تبيدوهم‪ ».‬و مضى أبو عبيد حي ارتل من النمارق حت ينل على نرسى‬‫بكسكر‪ -‬و نرسى يومئذ بأسفل كسكر‪ ،‬و الثن معه ف تعبئته الت قاتل فيها جابان‪ ،‬و نرسى على منّبتيه ابنا [‪ ]1‬خاله و ها‪:‬‬
‫ابنا خال كسرى بندويه و تيويه ابنا بسطام‪ ،‬و أهل باروسا و نر جوبر و الزواب معه إل جنده‪.‬‬
‫و كان قد أتى الب بوران و رستم بزية جابان‪ .‬فبعثوا الالنوس [‪ ،]2‬و بلغ ذلك نرسى و من معه‪ ،‬فرجوا أن يلحق قبل الوقعة‪،‬‬
‫و عاجلهم أبو عبيد‪ ،‬فالتقوا أسفل من كسكر ف مكان يدعى السّقاطية‪ ،‬فاقتتلوا ف صحارى [‪ ]3‬ملس قتال [‪ ]333‬شديدا‪.‬‬
‫ث انزم نرسى‪ ،‬و قتل أصحابه‪ ،‬و غلب على عسكره و أرضه‪ ،‬و جع أبو عبيد‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط‪ :‬ابنا خاله‪ .‬و انظر أيضا الطبي (‪.)2169 :4‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬فبعثوا الالنوس‪ .‬و ف الطبي‪ :‬فبعثوا إل الالنوس‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل و مط‪« :‬ف صحار» فأثبتناها «ف صحارى»‪ -‬كما ف الطبي (‪ -)2169 :4‬بإثبات الياء‪.‬‬
‫لن الكلمة منوعة من الصرف‪ ،‬فهي مفتوحة ف حالة الر‪ ،‬و غي منوّنة‪ ،‬فل التقاء لساكني و ل حذف‪ ،‬و ل يقاس بقولك‪« :‬ف‬
‫واد»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪311 :‬‬
‫الغنائم‪ .‬و هناك رأى السلمون من الطعمة ما ل يروا مثله‪ ،‬و أخذت خزائن نرسى‪ .‬فلم يكونوا بشيء أفرح منهم بالنّرسيان‪ .‬لنّه‬
‫كان حى‪ ،‬فاقتسموه‪ ،‬و جعلوا يطعمونه الفلحي‪ ،‬و بعثوا بمسه إل عمر‪ ،‬و كتبوا إليه‪:‬‬
‫«إنّ ال أطعمنا مطاعم كان الكاسرة يمونا‪ ،‬و أحببنا أن تروها‪ ،‬و تشكروا إنعام ال و إفضاله‪ ».‬و أقام أبو عبيد‪ ،‬و سرّح الثن‬
‫إل باروسا‪ ،‬و عاصما إل نر جوبر‪ .‬فأخربوا‪ ،‬و سبوا‪ ،‬و هرب ذلك الند إل الالنوس‪ .‬و سار أبو عبيد و استقبله الالنوس‪،‬‬
‫فنهد إليه أبو عبيد ف السلمي على تعبئته‪ .‬فهزمهم السلمون‪ ،‬و هرب الالنوس‪ ،‬و أقام أبو عبيد [‪ ]1‬قد غلب على تلك‬
‫البلد‪.‬‬
‫و لا رجع الالنوس إل رستم و من أفلت معه قال رستم‪:‬‬
‫ى العجم أش ّد على العرب؟» قال‪« :‬بمن جاذويه‪ ».‬و هو ذو الاجب‪ .‬فوجّهه و معه فيلة‪ ،‬و ردّ معه الالنوس‪ ،‬و قال له‪:‬‬
‫ «أ ّ‬‫ «قدّم الالنوس‪ ،‬فإن عاد لثلها [‪ ]334‬فاضرب عنقه‪ ».‬فأقبل بمن جاذويه و معه «درفش كابيان»‪ .‬و كانت من جلود‬‫النمر‪ ،‬عرض ثان أذرع‪ ،‬و طول اثن عشر ذراعا‪ .‬و أقبل أبو عبيد‪ ،‬و نزل الروحة موضع البج و العاقول‪.‬‬
‫فبعث إليه بمن جاذويه‪« :‬إمّا أن تعبوا إلينا و ندعكم و العبور‪ ،‬و إمّا أن تدعونا نعب إليكم‪ ».‬فقال الناس‪« :‬ل تعب يا با عبيد [‬
‫‪ !]2‬ينهاك عن العبور‪ ،‬قل لم‪ :‬فليعبوا!» و كان من أشدّ الناس عليه ف ذلك سليط‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا‪ :‬قد غلب بدون «و» كما ف الطبي أيضا (‪.)2172 :4‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف الصل و مط‪ ،‬و ف الطبي‪ :‬يا أبا عبيد (‪.)2175 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪312 :‬‬
‫فلجّ أبو عبيد‪ ،‬و قال‪« :‬ل يكونون أجرأ على الوت منّا‪ ،‬بل نعب إليهم‪ ».‬فعبوا إليهم ف منل ضيّق الطّرد‪ .‬فاقتتلوا يوما‪ ،‬حت‬
‫إذا كان آخر النهار‪ ،‬و استبطأ رجل من ثقيف الفتح‪ ،‬ألّف بي الناس‪ ،‬فتصافحوا بالسيوف ف أهل فارس‪ ،‬و أصيب منهم ستة‬
‫آلف ف العركة و ل يبق إلّا الزية‪ .‬فحمل أبو عبيد على الفيل‪ ،‬و ضربه‪ ،‬فخبط الفيل أبا عبيد‪ ،‬و قام عليه‪ ،‬و جال السلمون‬
‫جولة‪ ،‬ث تّوا [‪ ]1‬عليها و ركبهم أهل فارس‪]335[ .‬‬

‫خطأ ف الرأى‬
‫فكان من خطأ الرأى و العجلة فيه [‪ ]2‬أن بادر رجل من ثقيف السر فقطعه‪.‬‬
‫فانتهى الناس إليه‪ ،‬و السيوف تأخذهم من خلفهم‪ ،‬فتهافتوا ف الفرات‪ .‬فأصابوا يومئذ من السلمي أربعة آلف بي غريق أو‬
‫قتيل‪ ،‬و حى الناس الثن و عاصم و مذعور‪ ،‬و قد كان سليط‪ -‬كما قدمنا الب عنه‪ -‬يناشد أبا عبيد مع وجوه الناس‪ ،‬و يقولون‬
‫[‪:]3‬‬
‫ «إ ّن العرب ل تلق مذ كانوا‪ ،‬مثل جنود فارس‪ ،‬و قد حفلوا لنا و استقبلونا من الزهاء و العدّة‪ ،‬با ل يلقنا به [أحد] قبل‪ ،‬و قد‬‫نزلت [‪ ]4‬منل لنا فيه مال و مرجع من فرّة إل كرّة‪ ».‬فقال‪ :‬ل أفعل‪ ،‬جبنت يا سليط‪.‬‬
‫فقال سليط‪« :‬أنا و ال أجرأ منك‪ ،‬نفسا‪ ،‬و قد أشرنا عليك بالرأى‪ ،‬فستعلم‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط و الطبي (‪ .)2175 :4‬و ف الصل‪« :‬نوا»‪ّ .‬ت على المر‪ :‬استمرّ عليه‪.‬‬
‫[‪« .]2‬فكان ‪ ...‬فيه» سقطت من مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الطبي (‪ ..« :)2177 :4‬فناشده سليط بن قيس و وجوه الناس‪ ،‬و قالوا‪ :‬إن العرب ‪.»...‬‬
‫[‪ .]4‬كذا ف الصل و مط و الطبي‪ :‬و قد نزلت‪ .‬و ربا يكون الصحيح‪ :‬لو نزلت‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪313 :‬‬

‫رؤيا رأتا امرأة أب عبيد‬
‫و كانت امرأة أب عبيد رأت رؤيا و هو [‪ ]1‬ف الروحة‪ :‬أ ّن رجل نزل من السماء بإناء فيه شراب‪ ،‬فشرب أبو عبيد و ابنه و‬
‫جاعة من أهل بيته‪.‬‬
‫فأخبت أبا عبيد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «هذه الشهادة‪ ».‬و عهد أبو عبيد إل [‪ ]336‬الناس‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «إن قتلت فعلى الناس فلن‪ ،‬فإن قتل فعليكم فلن‪ ».‬إل أن أمّر الذين شربوا من الناء على الولء‪.‬‬‫ ث قال‪« :‬إن قتل أبو القاسم فعليكم الثن‪ّ ».‬ث ند بالناس و عب‪ ،‬و عضّلت [‪ ]2‬الرض بأهلها‪ ،‬و التحمت الرب‪ .‬فلمّا‬‫نظرت اليول إل الفيلة عليها النخل‪ ،‬و اليل عليها التجافيف‪ ،‬و الفرسان [‪ ]3‬عليهم الشّعر [‪ ،]4‬رأت شيئا منكرا ل تر مثله‪.‬‬
‫فجعل السلمون إذا حلوا ل تقدم خيلهم‪ ،‬و إذا حلوا على السلمي بالفيلة و اللجل فرّقت بي كراديسهم ل تقوم لا اليل إلّا‬
‫على نفار‪ .‬و خرقهم الفرس بالنشّاب‪ ،‬و عض السلمي الل‪ ،‬و ترجّل أبو عبيد‪ ،‬و ترجّل معه الناس‪ ،‬فصافحوهم بالسيوف‪،‬‬
‫فصارت الفيلة إذا حلت دفعتهم‪.‬‬
‫فنادى أبو عبيد‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الصل و مط‪ :‬و هو‪ .‬و ف الطبي‪ :‬و هي (‪.)2178 :4‬‬
‫[‪ .]2‬ف مط‪ :‬غصّت‪ .‬عضّلت‪ :‬غصّت‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الكلمة غي واضحة ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه من مط و يؤيده الطبي‪.‬‬
‫[‪« .]4‬الشعر» غي مشكولة ف الصل و ضبطناها حسب الطبي‪ .‬و جاء ضبطها ف بعض الصول «الشّعر» أيضا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪314 :‬‬
‫ «احتوشوا الفيلة و قطّعوا بطنها [‪ ،]1‬و اقلبوا عنها أهلها‪ ».‬و واثب هو الفيل البيض‪ ،‬فتعلّق ببطانه فقطّعه‪ ،‬و وقع الذين‬‫عليه‪ .‬و فعل القوم مثل ذلك‪ :‬فما تركوا فيل إلّا حطّوا رحله و قتلوا [‪ ]337‬أصحابه‪ .‬و أهوى الفيل لب عبيد‪ ،‬فنفح مشفره‬
‫بالسيف‪ ،‬فاتقاه الفيل بيده و وقع‪ ،‬فخبطه الفيل‪ .‬و أخذ اللواء‪ ،‬الذي كان أمّره بعده‪ .‬فقاتل الفيل حت تنحّى عنه‪ ،‬فاجترّه إل‬
‫السلمي‪ ،‬و أحرزوا شلوه‪ّ .‬ث ترث الفيل فاتّقاه بيده‪ ،‬دأب أب عبيد‪ ،‬و خبطه و قام عليه‪.‬‬
‫و تتابع سبعة من ثقيف كلّهم يأخذ اللواء فيقاتل حت يوت‪ .‬ثّ أخذ اللواء الثن و هرب عنه الناس‪.‬‬
‫فلما رأى عبد ال بن مرثد الثقفىّ ما يصنع الناس‪ ،‬بادرهم السر‪ ،‬فقطعه‪ .‬فلما توافاه الناس تافتوا ف الفرات‪ ،‬فغرق من ل يصب‪،‬‬
‫و قتل من صب‪ .‬و هذا الب تصديق لدريد حيث قال‪« :‬إنّ النهزم ل يردّه شيء‪ ».‬و نادى‪:‬‬
‫ «أيّها الناس! أنا دونكم‪ ،‬فاعبوا‪ ».‬و عقد لم السر و قال‪:‬‬‫ «ل تدهشوا اعبوا على هينتكم‪ ،‬فإنّا لن ندع الوضع و لن نزايل حت نراكم من ذاك الانب‪ ».‬و أتى بعبد ال بن مرثد‪ ،‬و‬‫كان ينع الناس من العبور‪ .‬فضربه الثن و قال‪:‬‬
‫ «ما حلك على ما فعلت؟» قال‪« :‬ليقاتلوا‪ ».‬فلمّا ضمّت السفن‪ ،‬و عب الناس كان آخر [‪ ]338‬من قتل عند السر سليط‬‫بن قيس‪ .‬و عب الثن‪ ،‬و حى جانبه‪ ،‬و اضطرب عسكره‪ ،‬و ارفضّ عنه أهل الدينة‪ ،‬حت لقوا بالدينة‪ ،‬و تركها بعضهم فنلوا‬
‫البوادي‪ ،‬و بقي الثن ف قلّة‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف بعض الصول‪ :‬وضنها‪ .‬و البطن جع مفرده‪ :‬البطان‪ :‬حزام يش ّد على البطن‪ .‬و أما الوضن فمفرده‪:‬‬
‫الوضي‪ :‬البطان العريض النسوج من سيور أو شعر‪ ،‬و قيل‪ :‬إنّ الوضي للهودج بنلة الزام للسرج‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪315 :‬‬
‫و رامهم ذو الاجب فلم يقدر عليهم لعتراض الفرات‪ ،‬و قطع السر‪.‬‬
‫و هلك يومئذ من السلمي أربعة آلف من بي قتيل و غريق‪ ،‬و هرب ألفان‪ ،‬و بقي مع الثن ثلثة آلف‪ ،‬فكأنّ الميع كانوا‬
‫تسعة آلف‪ .‬و جرح الثن جراحة شديدة‪ ،‬و أثبت فيه حلق من درعه هتكهنّ الرمح [‪.]1‬‬
‫و لا بلغ عمر ما صنعه أهل الدينة‪ ،‬و أخب عمّن سار ف البلد استحياء من الزية اشت ّد عليه‪ ،‬و رحهم‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ل لكنت فئة له‪ ».‬فبينا ذو الاجب يروم أن‬
‫«اللهم إنّ ك ّل مسلم ف حلّ منّى‪ ،‬أنا فئة لكل مسلم‪ ،‬يرحم ال أبا عبيد‪ ،‬لو اناز إ ّ‬
‫يعب إل السلمي أتاه الب باضطراب الفرس‪.‬‬
‫فرجع بعد أن ارفضّ عنه جنده‪ ،‬و أتاه الب أنّ الناس ف الدائن ثاروا برستم‪ ،‬و نقضوا ما بينهم و بينه‪ ،‬و صاروا فرقتي‪ :‬الفهلوج‬
‫على رستم‪ ،‬و أهل فارس على الفيزان‪ّ ]339[ .‬ث إنّ جابان و مردانشاه خرجا حت أخذا بالطريق و هم يرون أنّهم سيفضّون‬
‫و ل يشعرون با جاء ذا الاجب من فرقة أهل فارس‪.‬‬
‫و بلغ الثن فعلة جابان و مردانشاه‪ .‬فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو‪ ،‬و خرج ف جريدة خيل يريدها و ظنّا أنه هارب‪،‬‬
‫فأخذها أسيين‪ ،‬و خرج أهل أليس [‪ ]2‬على أصحابما‪ ،‬فأتوه بم أسرى‪ ،‬و عقد الثن لم با ذمّة و قدّمهما و ضرب أعناقهما‬
‫و أعناق السرى‪ ،‬ث رجع إل عسكره‪ .‬و كان جرير بن عبد ال البجلي يسأل قديا ف بيلة أن تلتقط من القبائل‪ ،‬و كان النبّ‪-‬‬
‫صلى ال عليه‪ -‬و عده ذلك‪ ،‬فلمّا ول عمر دعاه بالبيّنة‪ ،‬فأقامها‪ .‬فكتب له إل عمّاله ف العرب‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬انظر الطبي ‪.2180 :4‬‬
‫[‪ .]2‬أليس‪ ،‬مصغّر على وزن فليس‪ :‬موضع ف أول أرض العراق من ناحية البادية و قيل‪ :‬قرية من قرى النبار و هي بتشديد‬
‫اللم (مع)‪ ،‬و انظر الطبي (‪.)2182 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪316 :‬‬
‫كلّها من كان فيه أحد ينسب إل بيلة ف الاهلية‪ ،‬و ثبت عليه ف السلم بغي ذلك فأخرجوه إل جرير‪ .‬فلما أعطى جرير‬
‫حاجته ف استخراج بيلة من الناس و جعهم‪ ،‬أخرجوا إل الثن مددا له‪ .‬و كتب عمر يستنفر الناس من أهل الردّة و غيهم‪ ،‬فلم‬
‫يرد عليه أحد إلّا رمى به الثن‪]340[ .‬‬

‫يوم البويب و يسمّى يوم العشار‬
‫و بعث الثن بعد السر ف من يليه من المدّين‪ ،‬فتوافوا إليه ف جع عظيم‪.‬‬
‫و بلغ رستم و الفيزان ذلك‪ ،‬و أتتهم العيون به‪ ،‬و با ينتظرون من المداد‪ ،‬فاجتمعا على أن يبعثا بهران المذان حت يريا من‬
‫رأيهما و يتمع أمرها‪ .‬فخرج مهران ف اليول‪ ،‬و أمره [‪ ]1‬بالية‪ .‬و بلغ الثن الب و هو معسكر بي القادسية و خفّان ف‬
‫الذين أمدّوه من العرب‪ .‬فاستبطن فرات بادقلى‪ ،‬و أرسل إل جرير و عصمة‪ ،‬و إل ك ّل قائد أظلّه أنّه‪:‬‬
‫ «جاءنا أمر ل نستطع معه القام حت تقدموا علينا‪ ،‬فعجّلوا اللحاق بنا‪ ،‬و موعدكم البويب‪ ]2[ ».‬و سلك الثن وسط السواد‪،‬‬‫و سلك جرير على الوف و من كان معه‪ ،‬حت انتهوا إل الثن و هو على البويب‪ ،‬و مهران من وراء الفرات بإزائه‪ ،‬و كان عمر‬
‫عهد إليهم ألّا يعبوا برا و ل جسرا إلّا بعد ظفر‪ .‬فاجتمعوا بالبويب‪ ،‬و اجتمع العسكر على شاطئ البويب الشرقىّ‪ .‬و كان‬
‫ب [‪ ]3‬ف الوف [‪.]341‬‬
‫البويب مغيضا للفرات أيام الدود أزمان فارس يص ّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي (‪ :)2184 :4‬فأمراه‪ .‬و ف حواشيه‪ :‬و أمره‪ ،‬و أمراؤه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و البويب نر بالعراق يأخذ من الفرات‪ ،‬و قد يسمى يوم مهران‪ ،‬و يوم العشار‪ .‬كان على السلمي الثن بن حارثة‪ ،‬و‬
‫على الفرس مهران المدان و ذلك سنة ‪ 13‬ه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط و الطبي أيضا (‪ :)2187 :4‬يصبّ‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪317 :‬‬
‫و قدم على عمر غزاة بن كنانة‪ ،‬و الزد‪ ،‬فأمّر على بن كنانة غالب بن عبد ال‪ ،‬و على الزد عرفجة بن هرثة‪ ،‬و أمرهم‬
‫بالعراق‪ .‬فقدموا على الثن‪ ،‬و قدم عليه هلل بن علّفة فيما اجتمع إليه من الرياب [‪ .]1‬فأمره عمر و سرّحه‪ ،‬فقدم على الثنّى‪،‬‬
‫و كذلك فعل بغزاة كلّ قبيلة من جشم و خثعم و بن حنظلة و بن ضبّة و غيهم‪ .‬فاجتمعوا عند الثن‪.‬‬
‫و اجتمع رستم و الفيزان معا‪ ،‬و استأذنا بوران‪ -‬و كذلك كانا يعملن إذا أرادا شيئا استأذنا من حجّابا فكلّماها به‪ -‬فأخباها‬
‫بعدد اليش و كثرة الذين ينفذون مع مهران‪ ،‬و كانت فارس ل تكثر البعوث‪.‬‬
‫فقالت بوران‪« :‬ما بال فارس ل يرجون إل العرب كما كانوا يرجون قبل اليوم؟» قال‪« :‬إ ّن اليبة كانت قبل اليوم مع عدوّنا و‬
‫إنّها اليوم فينا‪ ».‬فعرفت رأيهم و استصوبته‪.‬‬
‫و لا نزل مهران ف جنده وراء الفرات‪ -‬و الفرات بينهما‪ -‬قال‪:‬‬
‫ «إمّا أن تعبوا إلينا‪ ،‬و إمّا أن نعب إليكم‪ ».‬فقال السلمون‪« :‬اعبوا إلينا‪ ».‬فعبوا‪ ،‬و أقبلوا إل السلمي [‪ ]342‬ف صفوف‬‫ف فيل‪ ،‬و رجلهم أمام فيلهم‪ ،‬و جاءوا لم زجل‪ .‬فقال الثن للمسلمي‪:‬‬
‫ثلثة مع كلّ ص ّ‬
‫ «إ ّن هذا الزجل وجل!» قالوا‪« :‬أجل‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬الرياب‪ .‬و ف الطبي أيضا الرباب‪ .‬و كان مراه إل موضع دار صال بن على بالكوفة‪ ،‬و مصبه ف الوف العتيق‪ ،‬و‬
‫كان مغيضا للفرات أيام الدود ليزيدوا به الوف تصينا‪ ،‬و قد كانوا فعلوا ذلك الوف حت كانت السفن ترفأ إل الوف (يا)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪318 :‬‬
‫قال‪« :‬فالزموا الصمت و ائتمروا [‪ ]1‬هسا‪ ».‬فدنوا من السلمي و جاءوهم من قبل نر بن سليم اليوم‪ .‬فلما دنوا زحفوا‪ ،‬و‬
‫ركب الثن فرسه الشموس‪ ،‬و كان ل يركبه إلّا إذا قاتل‪ .‬و دعى الشموس [‪ ]2‬للي عريكته و طهارته‪ .‬فوقف على الرايات‬
‫يضّهم و يذكر أحسن ما فيهم و يقول‪:‬‬
‫ «إن أرجو ألّا يؤتى العرب اليوم من قبلكم‪ ،‬و ال ما يسرّن اليوم لنفسي شيء إلّا و هو يسرّن لعامّتكم‪ ».‬فيجيبونه بثل ذلك‪،‬‬‫و أنصفهم الثن بالقول و الفعل‪ ،‬و خلط الناس ف الكروه و الحبوب‪ ،‬فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قول و ل عمل‪.‬‬
‫ث قال‪:‬‬
‫ «إن مكبّر ثلثا‪ ،‬فتهيّأوا‪ ،‬ث احلوا مع الرابعة‪ ».‬فلما كبّروا أوّل تكبية أعجلهم فارس‪ ،‬فعاجلوهم و خالطوهم مع أوّل‬‫تكبية‪.‬‬
‫و ركدت الرب مليّا‪ .‬فرأى الثن خلل ف بعض صفوفه‪ ،‬فأرسل إليهم‪:‬‬
‫ «المي يقرأ [‪ ]343‬السلم و يقول‪ :‬ل تفضحوا السلمي اليوم‪ ».‬فقالوا‪« :‬نعم‪ ».‬و اعتدلوا‪.‬‬‫و كانوا يرونه قبل ذلك و هو ي ّد بلحيته لا يرى منهم! فلمّا أعتبوه رأوه يضحك فرحا‪.‬‬
‫فلمّا طال القتال‪ ،‬نظر الثن إل نفر من الثعلبيّي نصارى و فيهم جلّاب خيل قدموا مع أنس بن هليل‪ .‬فقال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬و اهتمروا‪ .‬ف الصل‪ :‬و اتروا‪ .‬و ف الطبي (‪ :)2190 :4‬ائتمروا‪ ،‬كما أثبتناه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و العروف أنّ «الشموس» معرّب أصله الفارسي‪« :‬چوش» و معناه ف اللغتي‪ :‬الفرس الذي ل يكّن أحدا من ظهره‪ ،‬و ل‬
‫من السراج و اللام‪ ،‬و ل يكاد يستق ّر (حب‪ ،‬قب)‪ .‬فكيف يكن القول‪ :‬دعى الشموس «للي عريكته»!‬

‫ج‪ ،1‬ص‪319 :‬‬
‫ «يا أنس‪ ،‬إنّك امرؤ عربّ و إن ل تكن على ديننا‪ ،‬فإذا رأيتن قد حلت على مهران‪ ،‬فاحل معى‪ ».‬و قال لبن [مردى] [‪]1‬‬‫الفهر مثل ذلك‪ .‬فأجابوه إليه‪ .‬فحمل الثن على مهران حت أزاله‪ ،‬فدخل ف ميمنته‪ّ .‬ث خالطوهم و اجتمع القلبان‪ ،‬و ثار الغبار و‬
‫ب نصران مهران‪.‬‬
‫الجنّبات تقتتل‪ ،‬ل يفرغون لنصر أمرائهم‪ ،‬و ل يستطيعون ذلك‪ ،‬ل الشركون و ل السلمون‪ .‬و قتل غلم تغل ّ‬
‫و وقف الثن عند ارتفاع الغبار حت أسفر و قد فن قلب [‪ ]2‬الشركي‪ .‬فأما الجنّبات فهي بالا‪ ،‬فجعل الثن يدعو لم‪ ،‬و‬
‫يرسل إليهم من يذمرهم و يقول‪:‬‬
‫ «الثن [يقول] [‪ :]3‬عادتكم ف أمثالم!» حت هزموهم‪ .‬فسابقهم الثنّى إل السر‪ ،‬فسبقهم و أخذ العاجم [‪]344‬‬‫يفترقون بشاطئ الفرات مصعدين و مصوّبي‪ ،‬و اعتورتم خيول السلمي فجعلهم جثاء‪.‬‬
‫فما كانت بي العرب و العجم وقعة كانت أبقى رمّة منها‪ ،‬كانوا يرزونا [‪ ]4‬مائة ألف‪ ،‬و ما عفى عليها إلّا ادّفان البيوت [‪.]5‬‬
‫فيحكى أهل تلك الناحية‪ :‬أنم كانوا يأتون البويب‪ ،‬فيون ف ما بي موضع السكون اليوم و بن سليم عظاما بيضا تلول تلوح من‬
‫هامهم و أوصالم‪ ،‬يعتب با‪.‬‬
‫و سّى يوم البويب يوم العشار‪ :‬أحصى مائة رجل قتل كل واحد منهم عشرة يومئذ‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬مودن» و الصل غي واضح (مودى؟ نودى؟ نوبن؟) و ما أثبتناه من الطبي (‪.)2192 :4‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬غالب الشركي‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ما بي [] تكملة زيدت عن الطبي (‪.)2194 :4‬‬
‫[‪ .]4‬حرزه‪ :‬قدّره بالدس‪ ،‬و خّنه‪ .‬ليس ف مط‪« :‬كانوا يرزونا مائة ألف»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬كذا ف الصل‪ .‬ف مط‪ :‬ادفان البويب‪ .‬و ف الطبي‪ :‬و ما عفى عليها حت دفنها ادفان البيوت (‪:4‬‬
‫‪ )2193‬و ف موطن آخر‪ :‬و كانت وقعة البويب رمضان سنة ثلث عشر‪ ،‬قتل ال عليه مهران و جيشه‪ ،‬و أفعموا جنبت البويب‬
‫عظاما حت استوى و ما عفّى عليها إلّا التراب أزمان الفتنة‪.)2199 :4( .‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪320 :‬‬
‫و ندم الثن على أخذه السر‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «قد عجزت عجزة وقى ال شرّها بسابقت القوم إل السر حت أحرجتهم و إنّى غي عائد‪ .‬فل تعودوا و ل تعتدوا ب أيها‬‫الناس‪ ،‬فإنّها كانت زلّة‪ ،‬و ل ينبغي إحراج أحد إلّا من ل يقوى على امتناع‪ ».‬و كان الثن أصاب نزل مهران غنما‪ ،‬و بقرا‪ ،‬و‬
‫دقيقا‪ ،‬فبعثوا إل عيالت الناس‪ ،‬و كانوا خلّفوهنّ بالقوادس مع عمرو بن عبد السيح بن بقيلة‪ .‬فلما رفعوا للنساء [‪ ]345‬فرأين‬
‫اليل‪ ،‬تصاين و حسبنها غارة‪ .‬فقمن دون الصبيان بالجارة و العمد‪ .‬فقال عمرو‪:‬‬
‫ «هكذا ينبغي لنساء هذا اليش أن يكنّ‪ ».‬و بشّرهنّ بالفلح [‪.]1‬‬‫و عقد الثن السر‪ ،‬و سرّح ف طلب النهزمي أصحاب السر‪ ،‬فأصابوا غنائم كثية و تبعوهم‪ .‬و كتب القوّاد و الرؤساء منهم‬
‫إل الثن‪:‬‬
‫ «إ ّن ال سلّم و وجّه لنا ما رأيت‪ ،‬و ليس دون القوم شيء‪ ،‬أ فتأذن لنا ف القدام‪ ».‬فأذن لم‪ .‬فأغاروا حت بلغوا ساباط‪ ،‬و‬‫تصّن منهم أهل ساباط‪ ،‬و استمكنوا من الغارة على من بينهم و بي دجلة‪ ،‬و مروها ل يافون كيدا‪ ،‬و انتقضت مسال العجم‪،‬‬
‫فرجعت إليهم‪ ،‬و اعتصموا بساباط‪.‬‬

‫الثنّى يغي على قرية بغداد غارة‬
‫ثّ إنّ الثن بلغه خب قرية [‪ ]2‬يأتيها تّار مدائن كسرى و السواد‪ ،‬و يتمعون با ف كل سنة مرّة و معهم فيها من الموال كبيت‬
‫الال‪ ،‬و تلك أيّام سوقهم‪.‬‬
‫فاستدعى الثن من وثق به من أهل الية فاستشاره‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬الفلح‪ .‬و الطبي‪ :‬الفتح (‪.)2197 :4‬‬
‫[‪ .]2‬أنظر الطبي ‪.2203 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪321 :‬‬
‫فقال له‪:‬‬
‫ «إن أنت قدرت أن تغي عليهم و هم ل يشعرون‪ ،‬أصبت فيها مال فيه غن السلمي دهرهم و قووا على أعدائهم أبدا‪ ».‬قال‪:‬‬‫«و كم بينها و بي مدائن كسرى؟» [‪ ]346‬قال‪« :‬بعض يوم أو عامّة يوم‪ ».‬قال‪« :‬فكيف ل با؟» قالوا‪ :‬نشي عليك أن تأخذ‬
‫طريق البّ حت تنتهي إل النافس‪ ،‬فإنّ أهل النبار يضربون إليها و يبونك فيأمنون‪ ،‬و تأخذ دهاقي النبار بالدلّاء‪ ،‬و تسي‬
‫سواد ليلتك حت تأتيهم صبحا‪ ،‬فتصبّحهم غارة‪ ».‬ففعل الثن ذلك‪ ،‬فلما انتهى إل النبار‪ ،‬تصّن منه صاحبها و هو ل يدرى من‬
‫هو‪ ،‬و ذلك ليل‪ .‬فلمّا عرفه نزل إليه‪ ،‬فأطعمه الثن و استكتمه و سأله الدلّاء إل بغداد حت يعب منها إل الدائن‪.‬‬
‫قال‪« :‬أنا أجيء معك‪ ».‬قال‪ :‬ل أريدك معى‪ ،‬ابعث معى من هو أد ّل منك‪ ».‬فزوّدهم الطعمة و العلف‪ ،‬و بعث معهم الدلّاء‪،‬‬
‫فساروا‪.‬‬
‫فلما كانوا بالنصف‪ ،‬قال الثن‪:‬‬
‫ «كم بين و بي هذه القرية بغداد؟» قال‪« :‬خسة فراسخ‪ ».‬فندب من أصحابه جاعة للحرس‪ ،‬و بعث طلئع فحسبوا الناس‬‫لئلّا يسبق الب و قال‪:‬‬
‫‪« -‬أيّها الناس‪ ،‬أطعموا و توضّئوا و تيّئوا‪ ».‬ث سرى آخر الليل فصبّحهم ف أسواقهم‪ ،‬فوضع فيهم السيف‪ ،‬فأخذوا ما شاءوا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪322 :‬‬
‫و قال الثن‪:‬‬
‫ «ل تأخذوا إلّا الذهب [‪ ]347‬و الفضة و ال ّر من كل شيء‪ ».‬ثّ انكفأ راجعا حت نزل بنهر السّيلحي [‪ ]1‬بالنبار‪ ،‬فسمع‬‫هسا ف ما بي الناس‪:‬‬
‫ «ما أسرع القوم ف طلبنا‪ ».‬فخطبهم و قال‪:‬‬‫«أيها الناس‪ ،‬احدوا ال و تناجوا بالبّ و التقوى‪ ،‬و ل تناجوا بالث و العدوان‪ ]2[ ،‬انظروا ف المور و قدّروها‪ ،‬ث تكلّموا‪ .‬ما‬
‫بلغ النذير مدينتهم بعد‪ ،‬و لو بلغهم لال الرعب بينهم و بي طلبكم إنّ للغارات روعات تنتشر عليها يوما إل الليل‪ .‬و لو‬
‫طلبكم الحامي من رأى العي ما أدركوكم و أنتم على العراب‪ ،‬حت تنتهوا إل عسكركم و جاعتكم‪ ،‬و لو أدركوكم لقاتلتهم و‬
‫رجوت النصر و الجر‪ .‬فثقوا باللّه‪ ،‬و أحسنوا به الظنّ‪ ،‬فقد نصركم ال عليهم ف مواطن كثية و هم أعدّ منكم‪ ،‬و سأخبكم‬
‫عنّى أنّ أبا بكر أوصانا أن نقلّل العرجة و نسرع الكرّة ف الغارات»‪.‬‬
‫ثّ أقبل بم و معهم الدلّاء حت انتهى بم إل النبار‪.‬‬
‫ثّ إ ّن الثن أغار على حىّ من تغلب على دجلة‪ ،‬و على قوم كانوا بتكريت‪ ،‬و أصابوا ما شاءوا [‪ ]348‬من النعم‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬السيلحي‪ :‬طسوج قرب بغداد بينه و بينها ثلثة فراسخ‪ .‬و قرية وراء عقرقوف تسميها العامة «الصالي» و هي الت بات‬
‫با الثن بن حارثة‪ ،‬و صبح فأغار على سوق بغداد (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]2‬انظر‪ :‬س ‪ 58‬الجادلة‪.9 :‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪323 :‬‬

‫القادسية و أيّامها [‪]1‬‬
‫فقال أهل فارس لرستم و الفيزان‪:‬‬
‫ «إنّه ل يبح منكما الختلف حت أوهنتما أهل فارس‪ ،‬و أطمعتما فيهم عدوّهم‪ ،‬و ل يبلغ من خطركما أن نقرّكما على هذا‬‫الرأى و أن تعرّضا فارس للهلكة‪ .‬ما بعد بغداد و ساباط و تكريت إلّا الدائن‪ ،‬و ال لتجتمعان أو لنبدأ ّن بكما قبل أن يشمت‬
‫شامت‪ ،‬و نشفيّ نفوسنا منكما‪».‬‬

‫تليك يزدجرد‬
‫فاجتمع رستم و الفيزان عند بوران و قال [‪ ]2‬لا‪:‬‬
‫ «اكتب لنا نساء كسرى و سراريّه‪ -».‬ففعلت‪.‬‬‫فأرسلوا ف طلبهنّ‪ ،‬فلم تبق امرأة إلّا أتوا با‪ ،‬فأخذوهنّ بالرجال‪ ،‬و وضعوا عليهنّ العذاب يستدلّون على ذكر من أبناء كسرى‪.‬‬
‫فلم يوجد عندهنّ أحد‪.‬‬
‫فقالت إحداهنّ‪:‬‬
‫ «ل يبق إلّا غلم يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن أبرويز‪ ،‬و أمّه من أهل بادوريا [‪».]3‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬انظر‪ :‬الطبي (‪ .)2208 :4‬أيام القادسية أربعة‪ :‬الول يوم أرماث‪ ،‬و الثان يوم أغواث‪ ،‬و الثالث يوم عماس‪ ،‬و الرابع‪:‬‬
‫يوم القادسية (يا) و الليلة الت تلت يوم أرماث تسمى ليلة الدأة‪ ،‬و الليلة الت تلت يوم أغواث تسمى ليلة السواد عند الؤرخي‬
‫كما سيأت ذكره‪.‬‬
‫[‪ .]2‬و ف الصل و مط‪ :‬قالوا‪.‬‬
‫[‪ .]3‬بادريا (بادريا‪ ،‬بادورياء)‪ :‬طسّوج من كورة الستان بالانب الغرب من بغداد (يا)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪324 :‬‬
‫فأرسلوا إليها‪ ،‬فأخذوها به‪ ،‬و كانت قد أنزلته [ف أيام شيى] [‪ ]1‬حي جعهنّ ف القصر البيض‪ ،‬و قتل الذكور إل أخواله و‬
‫كانت واعدتم‪ ،‬ث دلّته إليهم ف زبيل [‪ .]2‬فلما أخذت أمّه به‪ ،‬دلّتهم عليه‪ ،‬فأرسلوا‪ ،‬فجاؤوا به‪ ،‬فملّكوه و هو ابن إحدى [‬
‫‪ ]349‬و عشرين سنة‪ ،‬و اجتمعوا عليه و اطمأنّت فارس‪ ،‬و استوسقوا‪ ،‬و تبارى الرؤساء ف طاعته و معونته‪ .‬فسمّى النود لكلّ‬
‫مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر‪ .‬فسمّى جند الية و جند النبار و البلّة و السال‪ ،‬و أظهروا ال ّد و النصيحة‪.‬‬
‫و بلغ ذلك من أمرهم و اجتماعهم الثن و السلمي‪ ،‬فكتبوا إل عمر با ينتظرون منهم‪ .‬فلم يصل الكتاب إل عمر‪ ،‬حت كفر‬
‫أهل السواد كلهم‪ :‬من كان له عهد و من ل يكن له عهد‪.‬‬
‫فكتب عمر إليهم‪:‬‬
‫ «فاخرجوا من بي ظهران العاجم‪ ،‬و تفرّقوا ف الياه الت تليهم على حدود أرضهم‪ ،‬و ل تدعوا ف ربيعة أحدا و ل مضر و ل‬‫حلفاءهم من أهل النجدات‪ ،‬و ل فارسا‪ ،‬إلّا اجتلبتموه‪ ،‬فإن جاء طائعا‪ ،‬و إلّا حشرتوه‪ .‬احلوا العرب على الدّ إذا جدّ العجم‪».‬‬
‫فنل الثن بذي قار‪ ،‬و نزل الناس باللّ‪ ،‬و بشراف إل غضىّ‪ -‬و غضىّ جبل [‪ ]3‬البصرة‪ -‬فكان ف أمواه‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تكملة زيدت عن الطبي (‪.)2211 :4‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي و مط‪« :‬زبيل‪ .‬و ف بعض الصول‪« :‬زنبيل»‪ .‬و الزبيل بعن الزنبيل‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬ح ّد البصرة‪ .‬الطبي‪ :‬حيال البصرة‪ .‬و ف حواشي الطبي‪ :‬جبل البصرة‪ ،‬جبال البصرة (‪:4‬‬
‫‪.)2211‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪325 :‬‬
‫العرب [‪ ]1‬من أولا إل آخرها مسال ينظر بعضهم إل بعض و يعي بعضهم بعضا إن كان كون‪ .‬و ذلك ف ذى العقدة من سنة‬
‫ثلث عشرة [‪ ]350‬للهجرة‪.‬‬
‫و كتب عمر إل عمّال العرب على الكور و القبائل أن‪:‬‬
‫ «ل تدعوا أحدا له سلح أو فرس أو ندة إلّا انتخبتموه‪ ،‬ث وجّهتموهم إلّ‪ ،‬و العجل العجل [‪ ».]2‬فمضت الرسل‪ ،‬و وافاه‬‫ث و الدّ‪.‬‬
‫هذا الضرب من القبائل‪ ،‬و أخبوه عمّن وراءهم بال ّ‬
‫و خرج عمر ف أول يوم من الحرّم سنة أربع عشرة حت نزل ما يدعى صرارا‪ ،‬فعسكر به و ل يدرى الناس ما يريد‪ .‬و كان‬
‫عثمان أجرأ عليه‪ ،‬فقال له‪:‬‬
‫ «ما بلغك؟ ما الذي تريد؟» فنادى‪« :‬الصلوة جامعة‪ ».‬فاجتمع إليه الناس‪ ،‬فأخبهم الب‪ّ ،‬ث نظر ما يقول الناس‪.‬‬‫فقام العامّة‪ :‬سر و سر بنا معك!» فدخل معهم ف رأيهم‪ ،‬و كره أن يدعه حت يرجهم منه ف رفق‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «استعدّوا‪ ،‬فانّى سائر‪ ،‬إلّا أن ييء رأى هو أمثل من ذلك‪ ».‬ث جع أهل الرأى و وجوه أصحاب النبّ‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬فقال‪:‬‬‫ «أحضرون الرأى‪ ».‬فأجع ملهم أن يقيم‪ ،‬و يبعث رجل من أصحاب رسول ال‪ ،‬و يرميه بالنود‪.‬‬‫فنادى عمر‪« :‬الصلوة جامعة‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬أقواه العرب! الطبي‪ :‬أمواه العراق‪ ،‬و ف حواشيه‪ :‬أمواه العرب (‪.)2211 :4‬‬
‫[‪ .]2‬هذا الكتاب «أول ما عمل به عمر حي بلغه أنّ فارس قد ملّكوا يزدجرد» (الطبي ‪.)2211 :4‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪326 :‬‬
‫فاجتمع إليه الناس‪ .‬فأرسل إل علىّ‪ ،‬و كان استخلفه [‪ ]351‬على الدينة‪ ،‬فأتاه‪ ،‬و إل طلحة‪ ،‬و كان على مقدمته‪ ،‬فرجع إليه‪ ،‬و‬
‫إل الزبي و عبد الرحان بن عوف‪ ،‬و كانا ف الجنّبتي‪.‬‬
‫ث قام فيهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «إ ّن ال جع على السلم أهله‪ ،‬فألّف بي القلوب و جعلهم فيه إخوانا‪ ،‬فالسلمون فيما بينهم كالسد‪ ،‬ل يلو منه شيء ما‬‫أصاب غيه‪ ،‬و كذلك يقّ عليهم أن يكونوا و أمرهم شورى بينهم‪.‬‬
‫فالناس تبع لن قام لذا المر ما اجتمعوا عليه‪ ،‬و رضوا به‪ ،‬و ما رءاه أولوا الرأى لزم الناس‪ ،‬و كانوا له تبعا‪ ،‬فمن قام بذا المر‬
‫فهو تبع لول الرأى‪ .‬أيّها الناس! إنّى كنت كرجل منكم‪ ،‬حت صرفن ذوو الرأى عن الروج‪ ،‬فقد رأيت أن أقيم و أبعث رجل‬
‫و قد أحضرت هذا المر من قدّمت و من خلّفت‪ ».‬فكان طلحة من تابع و عبد الرحان من ناه و قال‪:‬‬
‫ «بأب أنت و أمّى ‪ »...‬قال عبد الرحان‪ :‬فما فديت أحدا بأب و أمّى بعد النب صلّى ال عليه غيه [‪ ،]1‬و قلت‪:‬‬‫ «‪ ..‬اجعل عجزها ب [‪ ،]2‬و أقم‪ ،‬و ابعث جندا‪ ،‬فقد رأيت قضاء ال لك ف جنودك فإن يهزم جيشك [‪ ]352‬فليس‬‫كهزيتك‪ ،‬و إنّك إن تقتل أو تزم ف أنف المر خشيت على السلمي‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬انظر الطبي (‪.)2214 :4‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط و الطبي‪ .‬و ف حواشيه‪« :‬ل» (نفس الصفحة)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪327 :‬‬
‫قال عمر‪:‬‬
‫ «فأشيوا علىّ برجل!» قال عبد الرحان‪« :‬وجدته‪ ».‬و كان ورد كتاب سعد بن أب وقاص و هم ف تلك الال‪ ،‬جوابا عن‬‫كتاب عمر‪:‬‬
‫ «إنّى قد انتخبت لك ألف فارس [‪ ]1‬كامل كلّهم له ندة و رأى و صاحب حيطة يوط حري قومه و ينع ذمارهم‪ ،‬إليه [‪]2‬‬‫انتهت أحسابم و رأيهم فشأنك بم‪ ».‬و وافق كتابه مشورتم‪.‬‬
‫و قال عبد الرحان‪« :‬وجدته لك [‪ ».]3‬قال‪« :‬من؟» قال‪« :‬السد عاديا‪ ،‬سعد بن مالك‪ ».‬فأرسل إليه‪ ،‬فقدم‪ ،‬فأمّره على حرب‬
‫العراق‪ ،‬و أوصاه‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «يا سعد سعد بن وهيب! ل يغ ّرنّك من ال أن قيل‪ :‬خال رسول ال! ليس بينه و بي أحد نسب إلّا طاعته‪ .‬فالناس شريفهم و‬‫وضيعهم ف ذات ال سواء‪ :‬ال ربّهم و هم عباده‪ ،‬يتفاضلون بالعافية‪ ،‬و يدركون ما عنده بالطاعة‪ .‬فانظر المر الذي رأيت‬
‫رسول ال‪ -‬صلى ال عليه‪ -‬منذ بعث إل أن فارقنا‪ -‬عليه‪ ،‬فالزمه‪ ،‬فإنّه المر‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطبي‪ :‬ألف فارس مؤد (‪.)2216 :4‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف الصل و مط‪ :‬إليه‪ .‬و ف الطبي (‪ :)2216 :4‬إليهم‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬فقالوا‪ :‬قد وجدت بدون «لك»‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪328 :‬‬
‫[‪ ]1[ ]353‬هذه [‪ ]2‬عظت إياك إن تركتها و رغبت عنها حبط عملك و كنت من الاسرين‪ ».‬فسار سعد‪ ،‬و مات الثن من‬
‫انتقاض جراحته قبل أن يصل إليه سعد‪ .‬و ذاك أنّ جرحه كان ينتقض و يبأ حت مات‪ .‬و قدم سعد‪ ،‬فأغار ف ما يليه‪ ،‬و ل يزل‬
‫ل يزدجرد على رستم‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫كذلك‪ ،‬إل أن أ ّ‬
‫ «ل ب ّد أن تلى حرب العرب بنفسك‪ ».‬فخرج رستم ف العدّة و العديد و اليول و الفيول‪ ،‬و راسله سعد بالغية بن شعبة و‬‫غيه من دهاة العرب و أصحابه من ذوى اليئات و الراء‪ ،‬فجرت بينهم ماطبات‪ ،‬ل تربة فيها و ل فائدة ف الستأنف‪ ،‬فتركنا‬
‫ذكرها‪.‬‬
‫إل أن صافّهم رستم و عب إليهم‪ .‬و كان ف القلب الذي فيه رستم ثانية عشر فيل عليها الصناديق و الرجال‪ ،‬و ف الجنّبتي‬
‫ثانية و سبعة عليها الصناديق و الرجال‪ ،‬و أقام الالنوس بينه و بي ميمنته‪ ،‬و الفيزان بينه و بي ميسرته‪ ،‬و بقيت القنطرة بي‬
‫خيلي من خيول السلمي و الشركي‪.‬‬

‫تدبيه دبّره يزدجرد للسراع ف تسلّم أنباء الرب‬
‫و كان يزدجرد وضع بينه و بي رستم رجال‪ :‬فأوّلم على باب إيوانه و الخر [‪ ]3[ ]354‬على دعوة منه‪ ،‬بيث يسمعه‪ ،‬و‬
‫الخر كذلك إل أن انتظم بينه و بي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬حصل تقدي و تأخي ف الصل بي الصحفتي ‪ 353‬و ‪ 354‬فصححناه‪ .‬أنظر الطبي ‪ ،2217 :4‬السطر الثان‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف الصل و مط‪« :‬بعده»‪ .‬و ف الطبي‪« :‬هذه» كما هو الصحيح‪.‬‬
‫[‪ .]3‬أنظر‪ :‬الاشية الاصة بالصفحة ‪ 353‬من الصل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪329 :‬‬
‫رستم بالرجال‪ .‬فلما نزل رستم بساباط قال الرجل الذي بساباط‪« :‬نزل!» و قال الذي يليه‪ ،‬ث الذي يليه‪ ،‬حت يقوله من يلي‬
‫اليوان و يسمعه يزدجرد‪ .‬فكان كلّما ارتل‪ ،‬أو نزل‪ ،‬أو حدث أمر‪ ،‬جرى المر فيه على ما شرحته‪ ،‬و ترك البد‪.‬‬
‫و كان ذلك شأنه إل أن انقضى الرب‪.‬‬
‫و كان بسعد حبون [‪ ]1‬و خراجات يومئذ ل يستطيع أن يركب‪ .‬فإنّما هو على وجهه‪ ،‬ف صدره و سادة و هو مكبّ عليها‪،‬‬
‫مشرف على الناس من القصر‪ ،‬يرمى بالرّقاع فيها أمره و نيه إل خالد بن عرفطة‪ ،‬و كان الصف إل جانب القصر‪.‬‬
‫فشغّب قوم من وجوه الناس على سعد‪ ،‬و ل يرضوا با صنع خالد‪ .‬فهمّ بم سعد و شتمهم‪ .‬ث خطبهم‪ ،‬و اعتذر إليهم‪ ،‬فرضوا‪ ،‬و‬
‫أمر الرؤساء حت خطبوا ف من يلونم‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬و تاضّوا و تواصوا‪.‬‬
‫فأما الفرس فإنّهم تعاهدوا‪ ،‬و تواصوا‪ ،‬و اقترنوا بالسلسل‪ .‬فكان القترنون ثلثي ألفا‪ ،‬و جلتهم مائة و عشرون ألفا‪ ،‬و ثلثون‬
‫فيل عليها القاتلة‪ ]355[ ،‬و فيلة عليها اللوك وقوف ل تقاتل‪.‬‬

‫يوم أرماث‬
‫و أمر سعد فقرئ سورة الهاد‪ .‬و قال سعد‪:‬‬
‫ «إن مكبّر‪ ،‬فإذا سعتم التكبية الول فشدّوا شسوع نعالكم‪ ،‬فإذا كبّرت الثانية فتهيّأوا‪ ،‬فإذا كبّرت الثالثة فشدّوا النواجذ‬‫على الضراس و احلوا‪ ».‬فلمّا فرغ القرّاء‪ ،‬كبّر سعد و كبّر الناس‪ ،‬ث ثنّى فتهيّأ الناس‪ ،‬ثّ ثلّث فبز أهل النجدات فأنشبوا‬
‫القتال‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪« :‬جنون»‪ -‬و هو خطأ‪ -‬و «جراحات»‪ .‬و ف حواشي الطبي‪ :‬حبوب‪ ،‬جنون! (‪.)2287 :4‬‬
‫و البون جع مفرده الب‪ :‬الدمّلة القيّحة‪ .‬و الراجات و مفردها الراجة‪ :‬كل ما يرج بالبدن كالدّمّل‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪330 :‬‬
‫و خرج أمثالم من أهل فارس‪ ،‬فاعتوروا الضرب و الطعن‪ .‬و خرج هرمز إل غالب بن عبد ال‪ -‬و كان هرمز من ملوك الباب‬
‫متوّجا‪ -‬فأسره غالب أسرا‪ ،‬و جاء به إل سعد‪ ،‬فأدخل‪ ،‬و انصرف إل الطاردة‪ .‬فبينا الناس ينتظرون التكبية الرابعة‪ ،‬قام صاحب‬
‫رجّالة بن ند‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا بن ند‪ ،‬إنّما سّيتم ندا لتفعلوا‪ ».‬فبعث إليه سعد خالد بن عرفطة‪:‬‬‫ «و ال لتك ّفنّ‪ ،‬أو لوّليّ عملك غيك‪ ».‬و لا تطاردت الفرسان خرج رجل ينادى‪:‬‬‫ «مرد و مرد»‪ ]1[ .‬فانتدب له عمرو بن معدى كرب‪ ،‬فرماه الفارسي بنشّابة‪ ،‬فما أخطأت سئة [‪ ]2‬قوسه‪ -‬و كان‬‫متنكّبها‪ -‬فحمل عليه [‪ ]356‬عمرو‪ ،‬فاعتنقه‪ ،‬ث أخذ منطقته فاحتمله فوضعه بي يديه‪ .‬ث جاء به حت إذا دنا منّا كسر عنقه‪ ،‬ث‬
‫وضع سيفه على حلقه فذبه‪ ،‬ث ألقاه‪.‬‬
‫ث قال‪« :‬أنا هكذا‪ ،‬فاصنعوا بم‪ ،‬إنّما الفارسي إذا فقد قوسه تيس!» فقلنا‪« :‬يا با ثور [‪ ]3‬من يستطيع أن يصنع كما تصنع؟» و‬
‫خرج إل طليحة عظيم منهم‪ ،‬فبارزه‪ ،‬فما لبّثه طليحة أن قتله‪ .‬و قام الشعث بن قيس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ى فرى يفرون [‪ ،]4‬و أىّ ه ّذ يهذّون!» و كذلك كانوا‪ ،‬لنّهم حبسوا الفيلة بالضرب و‬
‫ «يا معشر كندة! للّه د ّر بن أسد‪ ،‬أ ّ‬‫الطعن‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط و الطبي‪ .‬مرد‪ :‬رجل‪ .‬أى‪ :‬رجل و رجل [يتبارزان]‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الصل غي واضح‪ .‬و ف مط‪ :‬سئة‪ .‬و العبارة ف الطبي (‪ :)2297 :5‬فما أخطأت «سية» قوسه «و هو» متنكبها‪ .‬سئة‬
‫القوس و سؤتا‪ :‬طرفها العطوف العرقب (لع‪« :‬سأى»‪).‬‬
‫[‪ .]3‬أى‪ :‬يا أبا ثور‪.‬‬
‫ى ه ّد يهدّون‪.‬‬
‫ى فرّ يفرّون‪ ،‬و أ ّ‬
‫[‪ .]4‬مط‪ :‬أ ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪331 :‬‬
‫ «‪ ..‬يا معشر كندة! أراكم تنتظرون من يكفيكم الناس‪ .‬العرب منذ اليوم يقاتلون و أنتم جثاة على الرّكب تنتظرون‪ ».‬فوثب‬‫إليه عدّة‪ ،‬و قالوا‪:‬‬
‫ «عثر جدّك إنّك لتؤبّخنا [‪ ]1‬و نن أحسن الناس موقفا‪ ،‬ها نن معك‪ ».‬فنهد و ندوا فأزالوا من بإزائهم‪ .‬و لا رأى فارس ما‬‫تلقى الفيلة من كتيبة أسد‪ ،‬رموهم بدّهم كلّه‪ ،‬و بدروا الشدّة على السلمي عليهم ذو الاجب و الالنوس و السلمون ينتظرون‬
‫[‪ ]357‬التكبية الرابعة من سعد‪ .‬فاجتمعت حلبة فارس على أسد و معهم الفيلة قد ثبتوا لم‪ .‬و كبّر سعد الرابعة‪ ،‬فزحف إليهم‬
‫السلمون و رحى الرب تدور على أسد‪ ،‬و حلت الفيول على اليمنة و اليسرة على اليول‪ ،‬فكانت اليول تجم عنها و تيد‪.‬‬
‫فأرسل سعد إل عاصم بن عمر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا معشر بن تيم‪ .‬ألستم أصحاب البل و اليل‪ ،‬أ ما لكم لذه الفيلة من حيلة؟» قالوا‪« :‬بلى و ال‪ ».‬ث نادى ف رجال من‬‫قومه رماة‪ ،‬و آخرين أهل ثقافة‪ ،‬فقال لم‪:‬‬
‫ «يا معشر الرماة‪ ،‬ذبّوا ركبان الفيلة بالنّبل‪ ».‬و قال‪« :‬يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة‪ ،‬فقطعوا وضنها‪ ».‬و خرج يميهم‬‫و الرحى تدور على أسد و قد جالت اليمنة و اليسرة غي بعيد‪ .‬و أقدم أصحاب عاصم بن عمرو على الفيلة‪ ،‬فأخذوا بأذنابا و‬
‫أذناب توابيتها‪ ،‬فقطّعوا وضنها و ارتفعت عن ظهورها‪ .‬فما بقي لم يومئذ فيل إلّا عرّى و قتل أصحابا‪ ،‬و نفّس عن أسد‪ ،‬فردّوا‬
‫عنهم فارس إل مواقفهم‪ ،‬و ل يزالوا [‪]358‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي (‪ ،)2300 :5‬عثّر ال جدّك‪ ،‬إنّك لتؤيسنا‪ .‬و ف حواشي الطبي‪ :‬لتويسنا‪ ،‬لتوبسنا‪ ،‬لبؤسنا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪332 :‬‬
‫يقتتلون حت غربت الشمس‪ ،‬ث حت ذهب هدأة من الليل‪ .‬ث رجع هؤلء و رجع هؤلء‪ ،‬و أصيب ف أسد تلك العشيّة خسمائة‪،‬‬
‫و كانوا ردءا للناس‪ .‬و كان عاصم عادية الناس و حاميتهم‪ .‬فهذا يومها الوّل و هو يوم أرماث‪.‬‬

‫يوم أغواث [‪]1‬‬
‫و لا أصبح القوم على تعبئة من غد وقفوا‪ .‬و وكّل سعد رجال بنقل الشهداء إل العذيب‪ ،‬و إسلم الرثيث إل النساء‪ ،‬يقمن‬
‫عليهم‪ ،‬و الناس ينتظرون بالملة نقل الرثيث‪ .‬فلمّا استقلّت بم البل‪ ،‬و توجّهت بم نو العذيب‪ ،‬طلعت بوادي اليل من‬
‫الشام‪ ،‬الذين صرفهم عمر بعد دمشق إل العراق‪ .‬و كان أبو عبيدة‪ ،‬لا قدم عليه كتاب عمر‪ :‬أن يصرف أهل العراق أصحاب‬
‫خالد بن الوليد و ل يذكر خالدا‪ ،‬ضنّ بالد‪ ،‬و احتبسه عنده‪ ،‬و سرّح اليش‪ -‬و هم ستّة آلف‪ ]359[ -‬و أمّر عليهم هاشم‬
‫بن عتبة بن أب وقّاص‪ ،‬و على مقدمته القعقاع بن عمرو‪ .‬فعجّله أمامه‪ ،‬فانذب القعقاع و طوى و تعجّل‪ ،‬فتقدّم على الناس يوم‬
‫أغواث‪ ،‬و قد عهد إل أصحابه و هم ألف‪ ،‬أن يتقطّعوا أعشارا‪ :‬فكلما بلغ عشرة مدى البصر‪ ،‬سرّحوا ف آثارهم عشرة‪ .‬فتقدّم‬
‫القعقاع أصحابه ف عشرة‪ ،‬فأتى الناس‪ ،‬فسلّم عليهم‪ ،‬و بشّرهم بالنود‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «أيها الناس! إنّى قد جئتكم ف قوم و ال لو كانوا بكانكم ثّ أحسّوكم‪ ،‬لسدوكم بظوتا‪ ،‬و حالوا أن يظفروا [‪ ]2‬با‬‫دونكم‪ .‬فاصنعوا كما أصنع‪ ».‬فنادى‪« :‬من يبارز؟» فسكن الناس‪ ،‬و تذاكروا قول أب بكر فيه‪« :‬ل يهزم جيش فيه مثل هذا‪».‬‬
‫فخرج إليه ذو الاجب‪ ،‬فقال له القعقاع‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أنظر الطبي ‪.2303 :5‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي‪ :‬أن يطيوا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪333 :‬‬
‫ «من أنت؟» قال‪« :‬أنا بمن جاذويه‪ ».‬فنادى‪« :‬يا لثارات أب عبيد و سليط و أصحاب السر‪ ».‬ث اجتلدا‪ ،‬فقتله القعقاع‪.‬‬‫و جعلت خيل القعقاع ترد قطعا إل الليل و ينشط الناس‪ ،‬فكأن ل يكن بالمس [‪ ]360‬مصيبة‪ ،‬و كأنّها استقبلوا قتالم بقتل‬
‫الاجب و للحاق القطع‪ ،‬و انكسرت الفرس لذلك‪.‬‬
‫و نادى القعقاع أيضا‪« :‬من ينازل؟» فخرج إليه رجلن أحدها الفيزان و الخر البندوان‪ .‬فانض ّم إل القعقاع الارث بن ظبيان‪،‬‬
‫فبادر القعقاع الفيزان فضربه‪ ،‬فإذا رأسه مطروح‪ ،‬و بادر ابن ظبيان البندوان فضربه‪ ،‬فإذا رأسه كذلك‪ ،‬و تورّدهم فرسان‬
‫السلمي‪ ،‬و جعل القعقاع يقول‪:‬‬
‫ «يا معشر السلمي باشروهم بالسيوف فإنّما يصد الناس با‪ ».‬فتواصى الناس و اجتلدوا با حت الساء‪ .‬فلم ير أهل فارس ف‬‫هذا اليوم شيئا ما يعجبهم‪ ،‬و أكثر السلمون فيهم القتل‪ ،‬و ل يقاتلوا ف هذا اليوم على فيل‪ ،‬لنّ توابيتها تكسّرت بالمس‪،‬‬
‫فاستأنفوا علجها حي أصبحوا‪ ،‬فلم ترتفع حت كان من الغد‪ .‬و ف هذا اليوم حل بنو عمّ القعقاع عشرة عشرة من الرجّالة على‬
‫إبل قد ألبسوها‪ ،‬فهي ملّلة مبقعة‪ ]361[ ،‬و أطافت بم خيولم فحموهم‪ ،‬و أمرهم أن يملوها على خيلهم بي الصفّي‬
‫يتشبّهون بالفيلة‪ ،‬ففعلوا بم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث‪ .‬فجعلت البل ل تصمد لقليل و ل كثي إلّا نفرت خيلهم‪،‬‬
‫و ركبتهم سيوف [‪ ]1‬السلمي‪ .‬فلمّا رأوا ذلك استنّوا بم‪ ،‬فلقى أهل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬خيول السلمي‪ .‬الطبي‪ :‬إلّا نفرت «بم» خيلهم و ركبتهم «خيول» السلمي (‪.)2309 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪334 :‬‬
‫فارس من البل يوم أغواث أعظم ما لقى السلمون من الفيلة يوم أرماث‪.‬‬
‫و جعل رجل من بن تيم يتعرّض للشهادة‪ ،‬فأبطأت عليه حت تعرّض لرستم يريده‪ ،‬فأصيب دونه‪.‬‬
‫و خرج رجل من فارس ينادى‪« :‬من يبارز؟» فبز له علباء [‪ ،]1‬فأسجده و نفحه الفارسي فأمعاه‪ ،‬فلم يستطع القيام‪ ،‬فعالها‪،‬‬
‫فلم يتأتّ له حت مرّ به رجل من السلمي‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا هذا أعنّى على بطن‪ ».‬فأدخله له‪ ،‬فأخذ بصفاقيه‪ ،‬ث زحف نو صفّ فارس ما يلتفت على السلمي‪ ،‬فأدركه الوت على‬‫رأس ثلثي ذراعا من مصرعه إل صفّ فارس‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫أرجو با من ربّنا ثوابا * قد كنت [مّن] [‪ ]2‬أحسن الضّرابا [‪]362‬‬
‫و خرج رجل من أهل فارس ينادى [‪« :]3‬من يبارز؟» فبز له العرف بن العلم العقيلي فقتله‪ ،‬ث برز له آخر من فارس فقتله‪،‬‬
‫ث برز آخر فقتله‪ ،‬فأحاطت به فوارس منهم‪ ،‬فصرعوه‪ ،‬و ندر سلحه عنه‪ ،‬فأخذوه‪ ،‬فجعل يغبّر ف وجوههم بالتراب حت رجع‬
‫إل أصحابه و قال‪:‬‬
‫[و] [‪ ]4‬إن تأخذوا بزّى‪ ،‬فإنّى مرّب [‪ * ]5‬خروج من الغمّاء‪ ،‬متضر النّصر‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطبي‪ :‬علباء بن جحش العجلى فأسحره فنفحه الفارسي ‪.)2310 :5( ..‬‬
‫[‪ .]2‬الصل «كنت ما»‪ ،‬مط‪« :‬كنت ما» و ما أثبتناه من الطبي (نفس الصفحة)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الصل‪ :‬فينادى‪ .‬فحذفنا الفاء كما ف مط‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الصل و مط بدون «و» فزدناها كما ف الطبي (‪.)2310 :5‬‬
‫[‪ .]5‬و ف بعض الصول‪ :‬مرب‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪335 :‬‬
‫و إنّى لام من وراء عشيت * ركوب لثار الوى مفل المر‬
‫و حل القعقاع يومئذ ثلثي حلة‪ ،‬كلّما طلعت قطعة من اليل حل حلة فيصيب فيها‪ .‬فقتل ف يوم أغواث ثلثي فارسا‪ ،‬و كان‬
‫آخرهم بزرجهر المدان‪ ،‬و قال القعقاع فيه‪:‬‬
‫حبوته جيّاشة بالنّفس * هدّارة مثل شعاع الشّمس‬
‫ف يوم أغواث قليل [‪ ]1‬الفرس * أنس بالقوم أشدّ النّخس‬
‫حت تفيظ [‪ ]2‬معشرى و نفسي [‪]363‬‬
‫و اقتتل الناس صتيتا حت انتصف الليل‪ .‬فكانت ليلة أرماث تدعى «الداة»‪ ،‬و ليلة أغواث تدعى «السواد»‪ .‬و ل يزل السلمون‬
‫يرون الظفر يوم أغواث ف القادسية‪ ،‬و قتلوا عامّة أعلمهم‪ ،‬و جالت فيهم خيل القلب‪ ،‬و ثبت رجلهم‪ ،‬فلو ل أنّ خيلهم كرّت‪،‬‬
‫لخذ رستم أخذا‪ .‬و انتمى السلمون لدن [‪ ]3‬أمسوا‪ .‬فلمّا أمسى سعد و سع ذلك نام‪ ،‬و قال لبعض من عنده‪:‬‬
‫ «إن ّت الناس على النتماء فل توقظن‪ ،‬فإنّهم أقوياء على عدوّهم‪ ،‬فإن سكتوا و ل ينتم الخرون فل توقظن‪ ،‬فإنّهم على‬‫السواء‪ ،‬و إن سعتهم ينتمون‪ ،‬فأيقظن‪ ،‬فإ ّن انتماءهم لشرّ‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و مط‪« :‬قليل»‪ ،‬و ف الطبي (‪« :)2311 :5‬فليل» مرورا‪ .‬الفليل‪ :‬الماعة‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الطبي و مط‪ :‬تفيض‪ .‬تفيظ‪ :‬توت‪.‬‬
‫[‪ .]3‬ف الصل‪ :‬لدى‪ .‬ف الطبي‪ :‬لدن أمسوا‪ .‬مط‪ :‬الذين أمسوا‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪336 :‬‬

‫قصّة أب مجن مع سلمى و سعد‬
‫فلمّا اشتدّ القتال بالسواد‪ ،‬سأل أبو مجن سلمى بنت خصفة‪ ،‬و كان مبوسا مقيّدا ف القصر‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ «يا ابنة خصفة‪ ،‬هل لك إل خي؟» قالت‪« :‬و ما ذاك؟» قال‪« :‬تلّي عنّى و تعيينن البلقاء‪ .‬فللّه علىّ‪ ،‬إن سلّمن ال أرجع‬‫إليك حت أضع رجل ّى ف قيدي‪ !».‬فقالت‪« :‬و ما أنا و ذاك؟» فجعل يرسف ف قيده و قال‪]364[ :‬‬
‫كفى حزنا أن تردى اليل بالقنا * و أترك مشدودا علىّ وثاقيا‬
‫إذا قمت عنّان [‪ ]1‬الديد و غلّقت * مصاريع من دون تصمّ الناديا‬
‫قالت سلمى‪« :‬إنّى استخرت ال‪ ،‬و رضيت بعهدك‪ ».‬فأطلقته و قالت‪:‬‬
‫ «أمّا الفرس فل أعيها‪ ».‬فرجعت‪.‬‬‫«فاقتادها رويدا‪ ،‬و أخرجها من باب القصر‪ ،‬فركبها‪ .‬ث دبّ عليها حت إذا كان بيال اليمنة‪ .‬ث حل على اليسرة ميسرة الفرس‪،‬‬
‫يلعب برمه و سلحه بي الصفّي‪ -‬و قد حكى أ ّن الفرس كانت عريا‪ ،‬و حكى أنّها كانت بسرجها‪ -‬ث رجع من خلف صفّ‬
‫السلمي إل اليسرة‪ ،‬فكبّر‪ ،‬و حل على ميمنة القوم‪ ،‬يلعب بي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصل «غنّان» و ما أثبتناه يؤيده مط و الطبي (‪.)2313 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪337 :‬‬
‫الصّفي برمه و سلحه‪ .‬ث رجع من خلف السلمي إل القلب‪ ،‬فبدر أمام الناس‪ ،‬فحمل على القوم يلعب بي الصفّي برمه و‬
‫سلحه‪ .‬فكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا‪ ،‬و تعجّب الناس منه و هم ل يعرفونه و ل يروه بالنهار‪.‬‬
‫ب مشرف من فوق القصر‪،‬‬
‫فقال بعض الناس‪« :‬هذا من أوائل أصحاب هاشم‪ ،‬أو هاشم نفسه‪ ]365[ ».‬و انتبه سعد و هو منك ّ‬
‫فقال‪:‬‬
‫ «و ال لول مبس أب مجن لقلت‪ :‬إنّه هو و هذه البلقاء‪ ».‬و قال بعض الناس‪« :‬إن كان الضر يشهد الروب فهذا الضر‪».‬‬‫و قال بعضهم‪« :‬لول أنّ اللئكة ل تباشر [القتال] [‪ ]1‬لقلنا‪ :‬ملك بيننا!» فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس‪ ،‬و تراجع‬
‫السلمون‪ ،‬و أقبل أبو مجن حت دخل القصر من حيث خرج منه‪ ،‬و وضع عن نفسه و عن دابّته‪ ،‬و أعاد رجليه ف قيده‪ ،‬و قال‬
‫ف أبيات‪:‬‬
‫لقد علمت ثقيف غي فخر * بأنّا نن أكرمهم سيوفا‬
‫و أكثرهم دروعا سابغات * و أصبهم إذا كرهوا الوقوفا‬
‫و أنّا وفدهم ف ك ّل يوم * فإن عميوا فسل بم عريفا [‪]2‬‬
‫و ليلة قادس ل يشعروا ب * و ل أشعر بخرجى الزّحوفا‬
‫فإن أحبس فذلكم بلئي * و إن أترك أذيقهم التوفا‬
‫و إنّما حبس ف أبيات قالا و هي‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كلمة «القتال» مأخوذة من الطبي ‪.2314 :5‬‬
‫[‪ .]2‬البيت تكملة من الطبي ‪.2315 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪338 :‬‬
‫إذا متّ‪ ،‬فادفنّى إل أصل كرمة ‪]1[ ...............‬‬
‫فلمّا أصبحت سلمى أتت سعدا‪ ،‬و كانت مغاضبة له‪ ،‬و صالته و أخبته [‪ ]366‬خبها مع أب مجن‪ .‬فدعا به‪ ،‬و أطلقه‪ ،‬و‬
‫قال‪:‬‬
‫‪« -‬اذهب‪ ،‬فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله‪ ،‬حت تفعله‪ ».‬قال‪« :‬ل جرم و ال‪ ،‬ل أجيب لسان إل صفة قبيح أبدا‪».‬‬

‫يوم عماس‬
‫أصبح الناس اليوم الثالث على مواقفهم و بينهم كالرّجلة المراء ميل ف عرض الصفّي‪ ،‬و قد قتل من السلمي ألفان‪ ،‬و من‬
‫الشركي عشرة آلف‪ ،‬و كان أهل الدين يمعون القتلى يملونم إل القابر و يبلّغون الرثيث إل النساء و الصبيان‪ ،‬و [النساء‬
‫و] [‪ ]2‬الصبيان يرفون القبور ف اليومي‪ :‬يوم أغواث و يوم أرماث‪ .‬و بات القعقاع ليلته كلها يسرّب أصحابه إل الكان الذي‬
‫فارقهم بالمس‪ .‬ث قال لم‪:‬‬
‫ «إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة‪ ،‬كلّما توارت مائة فليتّبعها مائة‪ .‬فإن جاء هاشم فذاك‪ ،‬و إلّا جدّدت للناس رجاء و جدّا‪».‬‬‫ففعلوا و ل يشعر بذلك أحد‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و البيات كما ف الطبي (‪ )2316 :5‬هي‪:‬‬
‫ت ألّا أذوقها و تروى‬
‫إذا متّ فادفنّى إل أصل كرمة تروّى عظامي بعد موتى عروقها و ل تدفنّن بالفلة فإنّن أخاف إذا ما م ّ‬
‫بمر الصّ لدي فإنّن أسي لا من بعد ما قد أسوقها‬
‫[‪ .]2‬تكملة من الطبي‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪339 :‬‬
‫فأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلهم‪ :‬فأمّا [‪ ]367‬قتلى الشركي فقد أضيعوا‪ ،‬لنّهم ل يعرضون لمواتم‪ ،‬و كان‬
‫ذلك ما صنع ال للمسلمي مكيدة ليشدّ با أعضادهم‪.‬‬
‫فلمّا ذرّ قرن الشمس و القعقاع يلحظ اليل طلعت نواصيها‪ .‬فكبّر‪ ،‬و كبّر الناس و قالوا‪« :‬جاء الدد» و قد كان عاصم بن‬
‫عمرو أمر أن يصنع مثلها‪ .‬فجاؤوا من قبل خفّان‪ .‬فما جاء آخر أصحاب القعقاع حت انتهى لم هاشم ف سبعمائة‪ ،‬فأخبوه برأى‬
‫القعقاع و ما صنع ف يوميه‪ ،‬فعبّى أصحابه سبعي سبعي‪.‬‬
‫فلما نز [‪ ]1‬أصحاب القعقاع خرج هاشم ف سبعي معه‪ ،‬فيهم قيس بن هبية‪ ،‬حت إذا خالط القلب كبّروا‪ ،‬و قد أخذ السلمي‬
‫الفرح [‪ ،]2‬فكبّروا جيعا و قد أصلح الشركون توابيت الفيلة معها الرجّالة يمونا أن تقطع وضنها و مع الرجّالة فرسان‬
‫يمونم‪ ،‬إذا رأوا كتيبة دلفوا إليها بفيل و اتباعه لينفروا به اليل‪.‬‬
‫فلم يكن ذلك منهم كما كان بالمس‪ ،‬ل ّن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد‪ ،‬كان أوحش [‪ ]368‬و أهول‪ ،‬و إذا طاف به‬
‫الناس كان آنس‪ .‬فكان القتال كذلك‪ .‬و كان يوم عماس من أوّله إل آخره شديدا‪ ،‬العجم و العرب فيه سواء‪ ،‬و ل يكون بينهم‬
‫لفظة [‪ ]3‬إلّا تعاورها الرجال حت تبلغ يزدجرد‪ ،‬فكان يبعث إليهم بأهل النجدات من بقي عنده فيقوون بم‪ ،‬و تيئهم المداد‬
‫على البد‪ .‬فلو ل الذي صنع القعقاع ف اليومي‪ ،‬و ميء هاشم بعقبه كسر ذلك السلمي‪ ،‬و ما كان عامّة جنن السلمي إلّا‬
‫براذع الرحال‪ ،‬قد أعرضوا فيها الريد‪ ،‬و من ل تكن له وقاية‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الصل‪ .‬مط‪ :‬نر‪ .‬و ف حواشي الطبي‪ :‬نر‪ ،‬نز‪ ،‬و ف الطبي‪« :‬فلما جاء آخر أصحاب القعقاع» (‪:5‬‬
‫‪.)2319‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬و تداخل السلمون الفرح! و ف الصل‪ :‬و قد أخلى السلمون الفرخ (الفرج؟) و ف عبارة الصل غموض‪ ،‬و ما‬
‫أثبتناه كان مكتوبا على هامش الصل فرجّحناه‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬لقطة‪ .‬ف الطبي‪ :‬نقطة‪ ،‬و ف هامشه‪ :‬بقطة‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪340 :‬‬
‫لرأسه‪ ،‬عصّب رأسه بالنساع‪ .‬و أبلى يومئذ قيس بن هبية بن مكشوح‪.‬‬
‫و قال عمرو بن معدى كرب‪:‬‬
‫ «إن حامل على الفيل بازائهم‪ ،‬فل تدعون أكثر من جزر جزور‪ ،‬فإن تأخّرت فقدت أبا ثور‪ ،‬و أين لكم مثل أب ثور‪ ،‬و إن‬‫أدركتمون وجدتون و ف يدي السيف‪ !».‬فحمل‪ ،‬فما انثن حت ضرب فيهم‪ ،‬و ستره الغبار‪ .‬فقال أصحابه‪:‬‬
‫ «ما تنتظرون؟ ما أنتم بلقاء أن تدركوه‪ ،‬و إن فقدتوه فقد السلمون فارسهم‪ ».‬فحلموا‪ ،‬فأفرج [‪ ]369‬الشركون عنه بعد‬‫ما صرعوه و طعنوه و إنّ سيفه لفي يده يضاربم به‪ ،‬و قد طعن فرسه‪ .‬فلمّا انفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس عليه فارسي‪،‬‬
‫فحرّكه الفارسي‪ ،‬فاضطرب الفرس‪ ،‬فالتفت إل عمرو‪ ،‬فه ّم به‪ ،‬فغشيه السلمون‪ .‬فنل عنه‪ ،‬و حاضر إل الفرس [‪ ،]1‬و قال‬
‫عمرو لصحابه‪:‬‬
‫‪« -‬أمكنون من لامه‪ ».‬فأمكنوه منه فركبه‪.‬‬

‫اتّفاق جرى يوم عماس و يذر أن يقع مثله‬
‫و من التفاق الذي جرى ف يوم عماس و يذر أن يقع مثله‪ :‬أنّ رجل من الفرس خرج بي الصفّي فهدر و شقشق و دعا إل‬
‫الباز‪.‬‬
‫قال‪ :‬فبز رجل منّا يقال له‪ :‬شب بن علقمة‪ ،‬و كان قصيا دميما‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «يا معشر السلمي! قد أنصفكم الرجل‪ ».‬فلم يبه و ل يرج إليه أحد‪.‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطبي‪ :‬و حاضر إل أصحابه (‪ .)2323 :5‬و ضبط الصل‪ :‬الفرس‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪341 :‬‬
‫فقال‪« :‬أما و ال‪ ،‬لول أن يزدرون لرجت إليه‪ ».‬فلمّا رأى أنّ السلمي ل ينعونه أخذ سيفه و حجفته‪ ،‬و تقدّم‪ .‬فلمّا رآه‬
‫الفارسي نزل إليه‪ ،‬فاحتمله‪ ،‬و جلس على صدره و أخذ سيفه ليذبه و قد كان شدّ مقود فرسه بنطقته‪ .‬فلمّا سلّ السيف [‬
‫‪ ]370‬حاص الفرس حيصة‪ ،‬فجذبه القود‪ ،‬فقلبه عنه‪ .‬فأقبل عليه و هو يسحب‪ ،‬فافترشه‪ .‬و جعل أصحابه يصيحون به‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «صيحوا ما بدا لكم‪ ،‬فواللّه ل أفارقه حت أقتله و أسلبه‪ ».‬فذبه و سلبه‪ ،‬ث أتى به سعدا‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «إذا كان حي الظهر فائتن‪ ».‬فوافاه‪ ،‬فحمد سعد ال‪ ،‬و أثن عليه‪ ،‬ث قال‪:‬‬‫‪« -‬إن قد رأيت أن أنفّله إيّاه‪ ،‬و كلّ من سلب سلبا فهو له‪ ».‬فباعه باثن عشر ألفا‪.‬‬

‫ما جرى ف يوم عماس أيضا‬
‫و لا عادت الفيلة لفعلها يوم أرماث تفرّق بي الكتائب‪ ،‬راسل قوما من أسلموا من الفرس‪ ،‬فدخلوا عليه‪ ،‬فسألم عن الفيلة‪:‬‬
‫«هل لا مقاتل؟» قالوا‪« :‬نعم! الشافر و العيون‪ .‬ل ينتفع با بعدها‪ ».‬فأرسل إل القعقاع و عاصم ابن مذعور‪« :‬اكفيان‬
‫البيض‪ ».‬و ذاك أ ّن الفيلة كانت تألفه‪ ،‬و كان بإزائهما‪ ،‬و أرسل إل حّال و الربّيل‪« :‬اكفيان الجرب»‪ -‬و كان بازائهما‪.‬‬
‫فأما القعقاع و عاصم فانّهما أخذا رمي أصمّي ليّني‪ ،‬ث دبّا ف خيل و رجل‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫‪« -‬اكتنفوه لتحيّروه‪».‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪342 :‬‬
‫فنظر الفيل ينة و يسرة و ها يريدان أن يبط [‪ .]1‬فحمل القعقاع و عاصم‪ -‬و الفيل متشاغل بن حوله‪ -‬فوضعا رميهما [‬
‫‪ ]371‬ف عين الفيل البيض‪ ،‬فقبع‪ ،‬و نفض رأسه‪ ،‬فطرح ساسته‪ ،‬و دلّى مشفره‪ ،‬فبادره القعقاع‪ ،‬فنفحه بالسيف‪ ،‬فرمى به‪ ،‬و‬
‫أقعى الفيل‪ ،‬فقتلوا من كان عليه‪.‬‬
‫و أما حّال و الربّيل فانّهما قال‪:‬‬
‫ى الوت أشدّ؟» قالوا‪« :‬أن تشدّا على هذا الفيل‪ ».‬قال‪« :‬فنّقا فرسيهما حت إذا قاما على السنابك‬
‫ «يا معشر السلمي‪ ،‬أ ّ‬‫ضرباها على الفيل الذي بازائهم‪ .‬فطعن أحدها عينه فوطئ الفيل من خلفه‪ ،‬و يضرب الخر مشفره‪ ،‬فيضربه سائس الفيل ضربة‬
‫ف السلمي و خزوه‪ ،‬و إذا‬
‫شانئة ف وجهه بالطبزين‪ ،‬فأفلت با هو و الربّيل [‪ ،]2‬فبقى الفيل متلدّدا بي الصفّي كلّما أتى ص ّ‬
‫أتى صفّ الشركي نسوه‪ ،‬و صاح الفيلن صياحا عظيما‪ .‬ث ولّى الجرب الذي عوّر‪ ،‬فوثب ف العتيق فاتّبعته الفيلة فخرقت‬
‫صفّ العاجم‪ ،‬و عبت العتيق ف إثره‪ ،‬فبيّتت [‪ ]3‬الدائن ف توابيتها‪ ،‬و هلك من فيها‪ ،‬و خلص السلمون بأهل فارس‪ ،‬و مال‬
‫الظلّ‪ ،‬فتزاحفوا‪ ،‬و اجتلدوا بالسيوف حت أمسوا‪ .‬فلمّا طعنوا ف الليل اشت ّد القتال [‪ ]372‬و صب الفريقان‪ ،‬و ل يسمع إلّا‬
‫الغماغم من هؤلء و هؤلء‪ ،‬فسمّيت «ليلة الرير» ل يكن بعدها قتال بليل بالقادسيّة‪.‬‬
‫ثّ إنّ سعدا وجّه طليحة و عمرو بن معدى كرب إل ماضة كانت أسفل منهم‪ ،‬و خشي أن يؤتى السلمون منها بعبور الفرس‪ ،‬و‬
‫وصّاها أن يقفا هناك‪ ،‬فإن أحسّا بكيد أنذرا السلمي‪ .‬فانتهيا إل هناك‪ ،‬فلم يدا أحدا‪ .‬فأمّا طليحة فرأى‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬يبط‪ .‬ف الطبي (‪ :)2325 :5‬يتخبّطا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الصل و مط‪ :‬با و هو الربّيل بتقدي «و» على «هو» و ما أثبتناه يؤيده الطبي (‪.)2325 :5‬‬
‫[‪ .]3‬و ف الطبي‪ :‬فأتت الدائن‪ ،‬و ف حواشيه‪ :‬فبيّتت (‪.)2326 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪343 :‬‬
‫ف الشركي كبّر ثلث تكبيات‪ ،‬فدهش القوم‪،‬‬
‫أن يعب‪ ،‬و أمّا عمرو فقال‪« :‬ما أمرنا بذلك‪ ».‬فعب طليحة حت إذا صار وراء ص ّ‬
‫و كفّوا عن الرب لينظروا ما هو‪ ،‬و طلبوه فلم يدروا أين سلك! و سفل حت غاص‪ ،‬و أقبل إل العسكر فأتى سعدا خبه‪ ،‬فاشتدّ‬
‫ذلك على الفرس‪ ،‬و فرح السلمون‪ .‬و قال طليحة للفرس‪:‬‬
‫ «ل تعدموا أمرا ضعضعكم‪ ».‬ث إنّهم عادوا‪ ،‬و جدّدوا تعبئة‪ ،‬و أخذوا ف أمر ل يكونوا عليه ف اليام الثلثة و السلمون على‬‫تعبيتهم‪ ،‬فطاردهم فرسان العرب‪ ،‬فإذا القوم ل يشدّون‪ ،‬و ل يريدون إلّا الزحف [‪ ]373‬فقدّموا صفا له أذنان‪ ،‬و أتبعوا آخر و‬
‫آخر حت تّ صفوفهم ثلثة عشر صفّا ف القلب و الجنّبتي‪ .‬فرماهم فرسان العسكر فلم يعطفهم ذلك‪ .‬ث لقت بالفرسان‬
‫الكتائب‪ ،‬فحمل القعقاع على ناحيته الت رمى با مزدلفا‪ .‬فقاموا على ساق و الناس على راياتم‪ ،‬بغي إذن سعد‪.‬‬
‫فقال سعد‪« :‬اللّه ّم اغفرها له و انصره‪ ،‬وا تيماه سائر الليلة‪ ».‬ث قال‪« :‬إنّ الرأى ما رءاه القعقاع‪ .‬فإذا كبّرت ثلثا فاحلوا‪».‬‬
‫فلمّا كبّروا [‪ ]1‬واحدة حلت أسد‪ ،‬فقال‪ :‬اللّه ّم اغفرها لم و انصرهم‪ .‬وا أسداه سائر الليلة‪ ».‬ث حل الناس و عصوا سعدا‪.‬‬
‫فقام قيس بن الكشوح ف من يليه‪ -‬و ل يشهد شيئا من لياليها إلّا تلك الليلة‪ ،‬لنّه كان آخر من ورد مع هاشم‪ -‬فقال‪:‬‬
‫ «إ ّن عدوّكم قد أب إلّا الزاحفة‪ ،‬و الرأى رأى أميكم‪ ،‬و ليس بأن تمل اليل ليس معها الرجل‪ ».‬قال القوم‪« :‬إذا زحفوا و‬‫طاردهم عدوّهم على اليل ل رجال معهم عفّروا [‪]2‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬كبّروا‪ ،‬و ما أثبتناه من مط‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪ :‬عفروا‪ .‬و ما أثبتناه يؤيده الطبي و مط (‪.)2331 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪344 :‬‬
‫بم‪ ،‬و ل يطيقوا أن يقدموا عليهم‪ .‬تيسّروا للحملة‪ ،‬و انتظروا التكبي‪ -».‬و إنّ نشّاب العاجم لتجوز [‪ ]374‬صفّ السلمي‪».‬‬
‫فتكلّم الرؤساء‪ .‬فقال دريد بن كعب النخعي‪ -‬و كان معه لواء النخع‪:-‬‬
‫ «إ ّن السلمي قد تيّئوا للمزاحفة‪ ،‬فاستبقوا الؤمني الليلة إل ال و الهاد‪ ،‬نافسوهم الشهادة‪ ،‬و طيبوا نفسا بالوت‪ ،‬فإنّه أنى‬‫من الوت إن كنتم تريدون الياة‪ ،‬و إلّا فالخرة ما أردت‪ ».‬و تكلّم الشعث بن قيس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن الكرام‪ ،‬و منايا‬
‫ «ل ينبغي أن يكون هؤلء أجرأ على الوت منّا‪ ،‬و ل أسخى نفسا عن الدنيا‪ ،‬ل تزعوا من القتل‪ ،‬فإنّه أما ّ‬‫الشهداء‪ ».‬و ترجّل و تكلّم طليحة فقال مثل ذلك‪ ،‬و تكلّم غالب و حّال و أهل النجدات‪ ،‬فقالوا قريبا من ذلك‪ ،‬و فعلوا‬
‫فعلهم‪ .‬و قامت حربم على ساق‪ ،‬حت الصباح‪.‬‬
‫فتلك ليلة الرير‪.‬‬
‫و حكى أنس بن الليس‪ ،‬قال‪ :‬شهدت ليلة الرير‪ ،‬فكان صليل الديد فيها كصوت القيون ليلتهم حت الصباح‪ ،‬أفرغ عليهم‬
‫الصب إفراغا‪ ،‬و بات سعد بليلة ل يبت بثلها‪ ،‬و رأى العرب و العجم أمرا ل يروا مثله قطّ‪ ،‬و انقطعت الصوات عن رستم و‬
‫سعد‪ .‬فبعث سعد نّارا [‪ -]1‬و هو [‪ ]375‬غلم‪ -‬إل الصفّ ل يد رسول‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «أنظر ما ترى من حالم‪ ».‬فرجع‪ ،‬فقال‪« :‬ما رأيت يا بنّ؟» قال‪« :‬رأيت قوما يلعبون و يدّون‪ ».‬فأوّل شيء سعه سعد ليلتئذ‬‫ما يستدل به على الفتح ف نصف الليل الخي‪،‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصل‪ :‬مهمل النقط مع تشديد الثان‪ .‬ف مط‪ :‬زالت نقطة النون‪ .‬و ف الطبي‪ :‬باد‪ ،‬و ف حاشيته‪:‬‬
‫نار (‪.)2334 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪345 :‬‬
‫صوت القعقاع بن عمرو‪ ،‬و هو يقول‪:‬‬
‫نن قتلنا معشرا و زائدا * أربعة و خسة و واحدا‬
‫تسب [‪ ]1‬فوق اللّبد [‪ ]2‬الساودا * حت إذا ماتوا دعوت شاهدا [‪]3‬‬
‫ال ربّى و احتردت [‪ ]4‬جاهدا‬
‫و أصبحوا ليلة القادسية‪ -‬و هي ليلة الرير‪ .‬سّيت بليلة القادسية من بي تلك الليال و اليّام‪ -‬و الناس حسرى ل يغمّضوا ليلتهم‬
‫كلّها‪ .‬فسار القعقاع ف الناس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «إ ّن الدبرة بعد ساعة لن بدأ اليوم‪ ،‬فاصبوا فإنّ النصر مع الصب‪ ».‬فاجتمع إليه جاعة من الرؤساء‪ ،‬فصمدوا لرستم حت‬‫خالطوا الذين دونه‪.‬‬
‫و لّا رأت ذلك القبائل قام فيها رجال‪ ،‬فقام قيس بن عبد يغوث الكشوح‪ ،‬و الشعث بن قيس‪ ،‬و عمرو بن معدى كرب‪ ،‬و‬
‫أشباههم‪ ،‬فحضّوا الناس و حرّضوا‪.‬‬
‫[‪ ]376‬فكان أوّل من زال حي قام قائم الظهية الرمزان و البندوان [‪ ،]5‬فتأخّرا و ثبتا حيث انتهيا‪ .‬و انفرج القلب‪ ،‬و ركد‬
‫عليهم النقع‪ ،‬و هبّت ريح عاصف‪ ،‬فقلعت طيارة رستم عن سريره‪ ،‬فهوت ف العتيق و هي دبور‪ ،‬و مال الغبار عليهم‪ .‬و انتهى‬
‫القعقاع و أصحابه إل السرير‪ ،‬فعبوا به‪ ،‬و قد قام رستم حي طارت الريح بالطيارة إل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الصل و حواشي الطبي‪ :‬تسب‪ ،‬و ف الطبي و مط‪« :‬نسب»‪.‬‬
‫[‪ .]2‬اللّبد‪ :‬بساط من صوف‪ ،‬أو ما يعل على الفرس تت السرج‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬جاهدا‪ ،‬و ف حواشيه‪ :‬شاهدا‪.‬‬
‫[‪ .]4‬الصل‪« :‬اجتردت» بقرينة مط‪ ،‬لن نقطة اليم فيه زائلة تقريبا‪ .‬ف الطبي‪« :‬احترزت عامدا» و ف حواشيه‪« :‬احتردت‬
‫جاهدا»‪.‬‬
‫[‪ .]5‬و ف الطبي‪« :‬البيزان» (‪.)2336 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪346 :‬‬
‫بغال قدمت عليه بال يومئذ فهي واقفة‪ .‬فاستظلّ ف ظلّ بغل و حله‪ .‬فقصده هلل بن علّفة‪ ،‬و ولّى عنه رستم‪ ،‬فاتبعه هلل‪،‬‬
‫فرماه رستم‪ ،‬فشكّ قدمه ف الركاب‪ ،‬و قال بالفارسية‪:‬‬
‫ «بباى [‪ -».]1‬يقول‪« :‬كما أنت ارفق‪ ».‬فحمل عليه هلل‪ ،‬فضربه ضربة نفحت مسكا‪ .‬و مضى رستم نو العتيق‪ ،‬فرمى‬‫بنفسه فيه‪ ،‬و اقتحمه هلل عليه‪ ،‬فتناوله و قدم عام و هلل قائم‪ .‬فأخذ رجله‪ ،‬ث خرج به‪ ،‬و ضرب جبينه بالسيف حت قتله‪ ،‬ث‬
‫جاء به حت رمى به بي يدي رحله و أرجل البغال‪ ،‬و أخذ سلبه‪ ،‬ث صعد السرير‪ ،‬و نادى‪:‬‬
‫ «قتلت رستم و ربّ الكعبة‪ ،‬إلّ إلّ!» فأطافوا به‪ ،‬و كبّروا و ما يسون السرير‪ ،‬و ل يرونه‪ ،‬و انزم الشركون‪ ]377[ .‬و‬‫قام الالنوس على الردم و نادى أهل فارس إل العبور‪ ،‬و أسفر الغبار‪ .‬فأما القترنون فإنّهم جشعوا‪ .‬فتهافتوا ف العتيق‪ ،‬فوخزهم‬
‫السلمون برماحهم‪ ،‬فما أفلت منهم مب و هم ثلثون ألفا‪.‬‬

‫درفش الكابيان و غيه من السلب‬
‫و أخذ ضرار بن الطّاب درفش الكابيان‪ ،‬فعوّض منها ثلثي ألفا‪ ]30 ،000[ ،‬و كانت قيمتها ألفى ألف و مائت ألف [‪،000‬‬
‫‪ .]2 ،200‬و جعت السلب و الموال‪ ،‬فجمع منها شيء ل يمع قبله و ل بعده‪.‬‬
‫و أرسل سعد إل هلل‪ ،‬فدعى‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬بباى بپاى‪ :‬فعل أمر من الصدر الفارسي‪« :‬پاييدن» و الباء زائدة ف صيغة المر‪ .‬و معناه‪ :‬انتبه! (و ف هذا العن تشدّد‬
‫الباء الفارسية‪ ،‬أى حرفه الثان) أو‪ :‬ابق‪ ،‬دم‪ ،‬أو‪ :‬قاوم‪ ،‬أو‪ :‬أرصد‪ ،‬و ف الطبي‪ :‬فشكّها ف الركاب و قال بپايه‪ .‬و ف الامش‪:‬‬
‫«بيايه‪ ،‬بيابه‪ ،‬ببايه»‪ ،‬أى‪ :‬اصب‪ .)2343 :5( .‬و فيه أيضا‪:‬‬
‫«فشكها» و رستم يقول بالفارسية‪« :‬بپايه» أى‪ :‬كما أنت‪ ،‬و ف الاشية‪« :‬كما أتت» (‪.)2356 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪347 :‬‬
‫ «أين صاحبك؟» قال‪« :‬رميت به تت أبغل كانت هنالك‪ ».‬قال‪« :‬اذهب‪ ،‬و جئ به‪ ».‬فأمضى له سلبه‪ .‬و بعث زهرة بن‬‫الويّة [‪ ]1‬يتبع الالنوس و من لق به‪ ،‬و أمر القعقاع بن سفل‪ ،‬و شرحبيل بن عل‪ .‬و أمر بدفن الشهداء‪ .‬فخرج زهرة بن‬
‫الويّة ف آثارهم‪ .‬فلمّا انتهى إل الردم وجده مبثوقا‪ ،‬ليمنعوهم من الطلب‪ .‬فقال زهرة‪:‬‬
‫ «يا بكي‪ -‬و كان معه‪ -‬أقدم فرسك!» و كان بكي يقاتل على الناث‪ ،‬و قال‪:‬‬‫ «ثب أطلل!» فتجمّعت و وثبت‪ .‬و أوثب زهرة فرسه [‪ -]378‬و كان على حصان‪ -‬فاتبعه و تتابع على ذلك ثلثائة‬‫فارس‪ .‬و نادى زهرة حي كاعت [‪ ]2‬اليل‪:‬‬
‫ «خذوا أيها الناس على القنطرة فعارضونا!» ففعل الناس ذلك و مضى زهرة‪ ،‬فلحق الفرس‪ ،‬و قد نزلوا الرّارة و طمعوا‪ ،‬و‬‫هم يتعجّبون من رميهم و أنّه ل يعمل ف العرب‪ .‬و كان الالنوس قد رفع له كرة [‪ ،]3‬فهو يرميها و يشكّها بالنشّاب‪ .‬فشدّ‬
‫زهرة على الالنوس‪ ،‬فقتله‪ ،‬و انزمت الفرس‪.‬‬
‫و قد قيل‪ :‬إنّ الالنوس كان راكبا يمى الفرس حي لقهم زهرة‪ ،‬فشاوله‪ ،‬و اختلفا ضربتي سبقه زهرة‪ ،‬فقتله‪.‬‬
‫و أمّا القعقاع و شرحبيل فإنّهما خرجا ف طلب من ارتفع و سفل‪ ،‬فقتلوهم ف ك ّل قرية و أجة و شاطئ نر‪ ،‬و راجعوا‪ .‬فتوافوا‬
‫عند صلة الظهر‪ ،‬و هنّأ الناس‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬الويّه (‪ .)2338 :5‬مط‪ :‬الويّه‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كاعت اليل‪ :‬مشت و تايلت على أكواعها‪ .‬من شدّة الرّ‪ ،‬أو لنا عقرت‪ .‬الكاع‪ :‬طرف الزند الذي يلي البام‪.‬‬
‫[‪ .]3‬و ف الطبي‪ :‬الكرة و ف حواشيه‪ :‬الكرّة (‪.)2357 ،2342 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪348 :‬‬
‫بعضهم بعضا‪ ،‬و أثن سعد على كلّ حىّ‪ ،‬و ذكر خيا‪.‬‬
‫و تدرّع زهرة ما كان على الالنوس‪ ،‬فبلغ بضعة و سبعي ألفا‪ .‬فلمّا رجع إل سعد نزع سلبه و قال‪:‬‬
‫ «أل انتظرت إذن؟» فكتب عمر إل سعد‪:‬‬‫ «تعمد إل مثل زهرة و قد صلى با صلى به [‪ ]379‬و قد بقي من حربك ما بقي‪ ،‬تكسر قوّته [‪ ،]1‬و تفسد قلبه! أمض له‬‫سلبه‪ ،‬و فضّله عند العطاء بمسمائة‪ ».‬و قد حكى أنّ عامة من شهد القادسية فضّلوا عند العطاء بمسمائة‪ .‬و أمّا أهل اليّام‪،‬‬
‫فإنّهم فضّلوا على أهل القادسية‪ ،‬فإنّهم فرض لم على ثلثة آلف‪.‬‬
‫فقيل لعمر‪:‬‬
‫ «لو ألقت بم أهل القادسية‪ ،‬أو فضّلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه‪ ».‬فقال‪« :‬كيف أفضّلهم و هم شجى [‪]2‬‬‫العدوّ‪ ،‬فهلّا فعل الهاجرون بالنصار إذ قاتلوهم بفنائهم مثل هذا‪ ».‬فحكى عن رجل من عبس قال‪:‬‬
‫أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انزموا ما ل يصب الناس قبلهم‪ .‬لقد كان الرجل من السلمي يدعو الفارس منهم و عليه السلح‬
‫التامّ‪ ،‬فيأتيه حت يقوم بي يديه فيضرب عنقه و يأخذ سلحه‪ ،‬و ربا قتله بسلحه‪ ،‬و ربا أمر الرجلي أحدها بصاحبه‪ ،‬و كذلك‬
‫ف العدّة‪ .‬و كان من هرب‪ :‬الرمزان‪ ،‬و قارن‪ ،‬و أهود‪.‬‬
‫و كان من استقتل‪ :‬شهريار بن كنارا‪ ،‬و ابن الربذ‪ ،‬و الفرّخان‪ ،‬و خسروشنوم [‪.]3‬‬
‫[‪ ]380‬و باع هلل بن علّفة سلب رستم‪ -‬و كان تفّف لا وقع ف الاء‪ -‬بسبعي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطبي‪ :‬تكسر قرنه (‪.)2342 :5‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪ :‬شجن العدو (‪.)2343 :5‬‬
‫[‪ .]3‬مهمل النقط و بدون الواو الول ف الصل و مط‪ ،‬و ما أثبتناه هو من الطبي (‪.)2356 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪349 :‬‬
‫ألفا‪ ،‬و كانت قيمة قلنسوته مائة ألف [‪ ]100 ،000‬لو ظفر با‪.‬‬
‫و جاء نفر من العباد حت دخلوا على سعد‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫ «أيها المي‪ ،‬رأينا جسد رستم على باب قصرك‪ ،‬و عليه رأس غيه‪ ».‬و كان الضرب قد شوّهه‪ ،‬فضحك‪.‬‬‫و من أنباء الشام‬
‫و أما جند الشام فإنّ حص افتتحت‪ ،‬و توجّه علقمة إل غزّة‪ ،‬و توجّه معاوية إل قيساريّة‪ ،‬و صمد عمرو بن العاص إل الرطبون‬
‫[‪ ]1‬بأجنادين‪ ،‬و كان الرطبون أدهى الروم‪ ،‬أبعدها غورا‪ ،‬و أذكاها فعل‪ ،‬و كان على الروم‪ ،‬و قد وضع بالرملة جندا عظيما [‬
‫‪ ،]2‬و كتب عمرو إل عمر [بالب] [‪.]3‬‬
‫فقال عمر‪:‬‬
‫‪« -‬قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب‪ ،‬فانظروا عمّا تنفرج‪».‬‬

‫ذكر خديعة عمرو لرطبون‬
‫و جعل عمرو ينفذ إل الرطبون رسل فل يشفونه [‪ .]4‬و ل يقدرون من أرطبون على سقطة‪ .‬فعزم على أن يتولّاه بنفسه‪ ،‬فدخل‬
‫عليه كأنّه رسول‪ .‬فأبلغه ما [‪ ]381‬يريد‪ ،‬و سع كلمه‪ ،‬و تأمّل حصونه حت عرف ما أراد‪.‬‬
‫و قال أرطبون ف نفسه‪:‬‬
‫ «و ال إنّ هذا لعمرو‪ ،‬أو الذي يأخذ عمرو برأيه‪ ،‬و ما كنت لصيب القوم بأعظم عليهم من قتله‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أرطيون‪ ،‬بالياء الثنّاة (لد)‪ .‬و ف الطبي أيضا بالباء الوحدة (‪.)2398 :5‬‬
‫[‪ .]2‬و زاد ف الطبي‪ :‬و بايلياء جندا عظيما‪.‬‬
‫[‪ .]3‬تكملة من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]4‬و ف الطبي‪ :‬فل تشفيه الرسل (‪.)2399 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪350 :‬‬
‫ثّ دعا حرسيّا‪ ،‬فسارّه بقتله‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «اخرج بكان كذا و كذا‪ ،‬فإذا م ّر بك هذا فاقتله‪ ».‬و فطن له عمرو فقال‪:‬‬‫ «قد سعت منّى و سعت منك‪ .‬فأمّا ما قلت فقد وقع منّى موقعا‪ ،‬و أنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الطّاب مع هذا الوال‬‫لنكاتفه و يشهدنا أموره‪ .‬فأرجع‪ ،‬فآتيك بم الن‪ .‬فإذا رأوا ف الذي عرضت مثل رأي فقد رآه أهل العسكر و المي‪ ،‬و إن ل‬
‫يروه رددتم إل مأمنهم‪ ،‬و كنت على رأس أمرك‪ ».‬فقال‪« :‬نعم‪ ».‬و دعا رجل‪ ،‬فسارّه و قال‪:‬‬
‫ «اذهب إل فلن فردّه إلّ‪ ».‬فرجع الرجل‪ .‬و قال لعمرو‪:‬‬‫ «انطلق‪ ،‬فجئ بأصحابك‪ ».‬فخرج عمرو و رأى ألّا يعود لثلها‪ ،‬و علم الرومي أنّه قد خدعه‪ .‬فقال‪:‬‬‫ «خدعن الرجل‪ .‬هذا أدهى اللق‪ ».‬فبلغت عمر فقال‪:‬‬‫‪« -‬خدعه عمرو و غلبه‪ .‬للّه عمرو‪»]1[ .‬‬

‫سعد بن أب وقّاص يقدّم زهرة إل برسي‬
‫ث إنّ سعد بن أب وقاص [‪ ]382‬قدّم زهرة برسي [‪ .]2‬فمضى زهرة من كوثى ف القدّمات حت نزل برسي‪ ،‬فتلقاه شيزاد‬
‫بساباط بالصلح و تأدية الزى‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تد التفاصيل عند الطبي (‪.)2400 :5‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬نرسي‪ .‬و برسي من نواحي بغداد قرب الدائن و يقال‪« :‬برسي الرومقان»‪ ،‬و قال حزة‪ :‬هي إحدى‬
‫الدائن السبعة الت سيت بالدائن و هي غرب دجلة (مع)‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪351 :‬‬
‫فأمضاه إل سعد‪ ،‬فأقبل معه و تبعته الجنّبات‪ .‬و خرج هاشم و خرج سعد ف إثره و قد فلّ زهرة كتيبة كسرى بوران [حول] [‬
‫‪ ]1‬الظلم [‪ ،]2‬و انتهى هاشم إل مظلم ساباط‪ ،‬و وقف لسعد حت لق به‪ ،‬و كانت به كتائب كسرى تدعى‪« :‬السود»‪،‬‬
‫يلفون باللّه ك ّل يوم‪:‬‬
‫ «ل يزول ملك فارس ما عشنا‪ ».‬فتنادوا و رئيسهم القرّط‪ .‬و قال القرّط‪:‬‬‫ل إلّ‪ ».‬و ذلك لا انتهى إليه‪ .‬فنل إليه هاشم فقتله‪ .‬فقبّل سعد رأس هاشم‪ ،‬و قبّل هاشم قدم سعد‪ .‬و قدم سعد إل برسي‪،‬‬
‫ «إ ّ‬‫سمْتُ ْم من قَبْ ُل ما لَكُ ْم من زَوالٍ‪ ]3[ 44 :14 .‬ث ارتل فنل برسي‪ .‬و جعل السلمون‬
‫فنل إل الظلم و قرأ‪ :‬أَ َو لَمْ تَكُونُوا أَقْ َ‬
‫كلّما قامت طائفة على برسي‪ ،‬وقفوا‪ ،‬ثّ كبّروا كذلك‪ ،‬حت انرّ [‪ ]4‬آخر من مع سعد‪ ،‬فكان مقامه على برسي شهرين‪ .‬و‬
‫عبوا ف الثالث‪ ،‬و ذلك أنّهم أقاموا شهرين يرمونم بالجانيق‪ ،‬و يدبّون إليهم بالدبابات‪ ،‬و يقاتلونم بك ّل عدّة‪ .‬و كان [‪]383‬‬
‫سعد استصنع شيزاد عشرين منجنيقا‪ ،‬فشغلوهم با‪ .‬و كانت العرب مطيفة ببهرسي و العجم متحصّنة فيها‪ .‬و ربا خرج‬
‫العاجم يشون على السنّيات الشرفة على دجلة ف العدّة و العديد لقتال السلمي‪ ،‬فل يقومون لم‪ .‬فكان آخر ما خرجوا ف‬
‫رجّالة‪ ،‬و ناشبة ترّدوا للحرب‪ ،‬و تبايعوا على الصب‪ ،‬فقاتلهم السلمون و ل يلبّثوهم [‪ ،]5‬فكذبوا و تولّوا‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تكملة من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الظلم‪ :‬مظلم ساباط‪ :‬موضع مضاف إل ساباط الت بقرب الدائن (مع)‪.‬‬
‫[‪ .]3‬س ‪ 14‬إبراهيم‪.46 :‬‬
‫[‪ .]4‬الطبي‪« :‬نز» و ف حواشيه‪« :‬أنز»‪.)2425 ،1( .‬‬
‫[‪ .]5‬الطبي‪« :‬و ل يثبتوا لم» (‪.)2428 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪352 :‬‬

‫ذكر استهانة ف الرب عادت بلكة‬
‫هكذا وجدت ف التاريخ و هو سهو‪ ،‬ل ّن زهرة بن الويّة عاش بعد هذا‪ ،‬و شهد مواقف كثية‪ ،‬و سيد جيعه على الثر‪ .‬و لعلّ‬
‫هذا زهرة بن خالد‪ ،‬فلينظر ف ذلك‪.‬‬
‫كان ف ذلك اليوم على زهرة بن الويّة درع مفصومة‪ ،‬فقيل له‪:‬‬
‫ «لو أمرت بذا الفصم فسرد‪ ».‬فقال‪« :‬و ل؟» قال‪« :‬ناف عليك منه‪ ».‬قال‪« :‬إنّى لكري على ال‪ ،‬إن ترك سهم فارس [‪]1‬‬‫الند كلّهم‪ّ ،‬ث أتان من هذا الفصم حت يثبت ف‪ ».‬فكان أول رجل من السلمي يومئذ أصيب هو [‪ ]384‬بنشّابة ثبتت فيه من‬
‫ذلك الفصم‪.‬‬
‫فقال بعضهم‪« :‬انزعوها عنه‪ ».‬فقال‪« :‬دعون‪ ،‬فإن نفسي معى ما دامت ف‪ ،‬لعلّى أصيب منهم بطعنة‪ ،‬أو ضربة‪ ،‬أو خطوة‪».‬‬
‫فمضى نو العدوّ‪ ،‬فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر‪ ،‬فقتله‪ ،‬و أحيط به فقتل‪ ،‬و انكشفوا‪ .‬و تنادى أهل برسي‪ ،‬فعبوا‪.‬‬
‫فلمّا رآهم سعد و السلمون يعبون‪ ،‬زحفوا إل السور و الجانيق تأخذه‪ .‬فناداهم رجل‪:‬‬
‫ «المان»‪.‬‬‫فآمنوه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ضبط ف الصل «فارس»‪ ،‬و الضبط عند الطبي‪« :‬فارس» (‪.)2428 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪353 :‬‬
‫ى شيء ترمون؟ ما بقي ف الدينة أحد‪ ».‬فتسوّروا‪ ،‬و دخلوا برسي‪ ،‬و فتحوا أبوابا‪ ،‬و توّل العسكر إليها‪ ،‬و حاولوا‬
‫ «أ ّ‬‫العبور‪ ،‬فوجدوهم قد ضمّوا السفن إليهم ف ما بي البطائح و تكريت‪.‬‬

‫برسي [‪ ]1‬و أبيض كسرى‬
‫و لا دخل السلمون برسي لح لم البيض‪ .‬فقال ضرار بن الطّاب‪:‬‬
‫ «ال أكب‪ ،‬هذا ما وعد ال و رسوله‪ :‬أبيض كسرى‪ ».‬و ال لتتابعوا بالتكبي حت أصبحوا‪ .‬و خبّرهم ذلك الرجل الذي نادى‬‫بالمان‪:‬‬
‫أنّكم حصرت القوم حت أكلوا الكلب و السناني‪.‬‬
‫و لّا نزل سعد برسي‪ -‬و هي الدينة الت كان فيها منل كسرى‪ -‬طلب السفن [‪ ]385‬ليعب بالناس إل الدينة القصوى‪ ،‬فلم‬
‫يقدر على شيء‪ ،‬و أقام أيّاما يصعّد و يصوّب‪ .‬فأتاه أعلج يدلّونه على ماضة تاض إل صلب الوادي‪ ،‬فأب و أبقى على السلمي‬
‫و فجئهم الدّ‪ ،‬فرأوا أمرا هائل ف سنة جود صيفها [‪ ]2‬متتابع‪.‬‬
‫فجمع سعد الناس و خطبهم و قال بعد حد ال‪:‬‬
‫ «إ ّن عدوّكم قد اعتصم منكم بذا البحر‪ ،‬فل تلصون إليه معه‪ ،‬و هم يلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم ف سفنهم‪ ،‬و‬‫ليس وراءكم شيء تافون أن تؤتوا منه‪ ،‬و قد كفاكموهم أهل اليام‪ ،‬و عطّلوا ثغورهم‪ ،‬و أفنوا ذادتم‪ .‬و قد رأيت أن تبادروا‬
‫جهاد العدوّ‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و هي الدينة الدنيا (الطبي ‪.)2432 :5‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل‪« :‬ف سنة جود صيفيها متتابع» و لكنّا أثبتناه كما ف الطبي (‪ )2432 :5‬الود‪ :‬الطر الغزير‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪354 :‬‬
‫بنيّاتكم قبل أن تصدكم [‪ ]1‬الدنيا‪ ،‬أل إنّى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم‪ ».‬فقالوا جيعا‪:‬‬
‫ «عزم ال لنا و لك على الرشد‪ ».‬فندب سعد الناس إل العبور‪ ،‬فقال‪:‬‬‫ «من يبدأ و يمى لنا الفراض حت ل يتلحقوا [‪ ]2‬و يلحق الناس‪ ،‬فل ينعوا من الروج من الاء؟»‪.‬‬‫فانتدب له عاصم بن عمرو و جاعة من ذوى البأس‪ّ .‬ث انتدب بعدهم ستمائة من أهل [‪ ]386‬النجدات‪ .‬فاستعمل عليهم‬
‫عاصما‪ ،‬فسار فيهم حت وقف على شاطئ دجلة‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «من ينتدب معى لنع الفراض من عدوّكم لنحميكم حت تعبوا؟» فانتدب له ستون‪ ،‬فجعل نصفهم على خيول إناث‪ ،‬و‬‫نصفهم على ذكورة‪ .‬ثّ اقتحموا دجلة‪ ،‬و اقتحم بقيّة الستمائة على أثرهم‪ .‬فكان أول من فصل من الستمائة‪ ،‬رجل يعرف بأصمّ‬
‫التيم و شرحبيل و عدّة من معه‪.‬‬
‫فلمّا رآهم الفرس و ما صنعوا‪ ،‬أعدّوا للخيل الت عبت مثلها‪ ،‬فاقتحموا دجلة فأعاموها إليهم‪ .‬فقال عاصم و قد لقوه ف‬
‫السرعان و قد دنا من الفرضة‪:‬‬
‫ «الرماح‪ ،‬الرماح أشرعوها‪ ،‬و توخّوا با العيون»‪.‬‬‫فالتقوا‪ ،‬و توخّى السلمون عيونم‪ .‬فولّوا بأجعهم و السلمون يشمّصون [‪ ]3‬بم خيلهم ما يلك رجالا منع شيء منها‪،‬‬
‫فلحقوهم ف الدّ فقتلوا عامّتهم‪ ،‬و نا من نا منهم عورانا‪ ،‬و تزلزلت بم اليل‪ ،‬و تلحق الستمائة بأوائلهم الستي‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الطبي‪ :‬تصركم‪ ،‬تصدكم‪ ،‬تضدكم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬ف الصل و مط‪ :‬ل يتلحقون‪.‬‬
‫[‪ .]3‬الطبي‪ :‬يشمسون (‪.)2433 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪355 :‬‬
‫غي متعتعي‪ ،‬و أذن سعد للناس ف القتحام و أمرهم بالقتران‪ ،‬فتلحق عظم الند‪ ،‬فركبوا من دجلة اللجّة و إنّها لترمى بالزبد [‬
‫‪ ]387‬و هي مسودّة‪ ،‬و إنّ الناس ليتحدّثون ف عومهم‪ ،‬و قد اقترنوا ما يكترثون‪ ،‬كما يتحدّثون ف مسيهم على الرض‪.‬‬
‫ففجئوا [‪ ]1‬أهل فارس با ل يكن ف حسابم‪ ،‬فأعجلوهم عن جهور أموالم‪.‬‬
‫ف من ذخائره معهم حي نزل السلمون بر سي إل حلوان‪ .‬و بلغ ذلك سعدا‪ .‬جاءه بالب‬
‫و كان يزدجرد قد قدّم عياله و ما خ ّ‬
‫بعض العلج [‪ ]2‬و قال‪:‬‬
‫ «ما تنتظر إذا كان بعد ثلث ل يبق بالدائن مال لكسرى‪ ،‬و ل لهله»‪.‬‬‫فكان ذلك ما هيّج سعدا و حله على ما فعل‪ .‬فكان قرين سعد الذي يسايره ف الاء سلمان الفارسىّ‪ ،‬و كان سفيهم‪ ،‬و الترجم‬
‫لم و عنهم‪.‬‬
‫و حكى‪ :‬أ ّن ذلك اليل عب بأجعه‪ ،‬و قد اسودّت منه دجلة حت ما يرى الاء‪ ،‬فسلموا بأجعهم‪ ،‬ما فقدوا رجل واحدا‪ ،‬و ل‬
‫أداة‪ .‬غي أنّ رجل كانت له علقة ف قدح رثّة‪ ،‬فانقطعت‪ ،‬و ذهب القدح ف الاء‪ ،‬و التقطه رجل من الاء كان أسفل‪ ،‬تناوله‬
‫برمه‪ ،‬و جاء به إل العسكر يعرّفه‪ ،‬فأخذه صاحبه‪.‬‬
‫و زال رجل من بارق يومئذ [‪ ]388‬يدعى غرقدة عن ظهر فرس له شقراء‪ ،‬فنظر إليها السلمون عريا [‪ ]3‬تنفض أعرافها و‬
‫الغريق طاف‪ ،‬فثنّى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه‪ ،‬فأخذ بيده‪ ،‬و جرّه حت عب‪ ،‬و كان البارق ّى من أشدّ الناس‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أعجزت الخوات [‪ ]4‬أن يلدن مثلك يا قعقاع؟»‪ -‬و كان للقعقاع فيهم‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف مط‪ :‬فعجبوا‪ .‬ف الطبي أيضا‪ :‬ففجئوا‪.)2434 :5( :‬‬
‫[‪ .]2‬جع العلج‪ :‬العي‪ ،‬المار‪ ،‬حار الوحش السمي القوى‪ ،‬الرجل الضخم القوى من كفار العجم‪ ،‬و بعضهم يطلقه على‬
‫الكافر عموما‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مهملة ف مط و الصل‪ .‬فرس عرى‪ :‬غي مسرج‪ ،‬و يقال‪ :‬خيل أعراء‪ .‬قيل‪ :‬و ل يقال‪ :‬فرس عريان‪ ،‬كما ل يقال‪ :‬رجل‬
‫عرى (قب)‪.‬‬
‫[‪ .]4‬و الضبط ف الصل‪ :‬أعجزت الخوات‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪356 :‬‬
‫خؤولة‪.‬‬
‫و ما زالت حاة فارس يقاتلون على الفراض حت أتاهم آت فقال‪:‬‬
‫‪« -‬علم تقاتلون‪ ،‬و ل تقتلون أنفسكم؟ فواللّه ما ف الدائن أحد‪».‬‬

‫مبادرة يزدجرد إل حلوان‬
‫و بادر يزدجرد إل حلوان‪ ،‬و خلّف مهران الرازي و النخيجان [‪ -]1‬و كان على بيت الال بالنهروان‪ -‬و خرجت الفرس با‬
‫قدرت عليه من ح ّر التاع و خفيفه و بالنساء و الذرارىّ‪ ،‬و تركوا ف الزائن من الثياب‪ ،‬و المتعة و النية‪ ،‬و الفضول‪ ،‬و‬
‫اللطاف‪ ،‬و العطر‪ ،‬ما ل يدرى‪ :‬ما قيمته‪ .‬و خلّفوا ما كانوا أعدّوا للحصار من الطعمة‪ ،‬و الشربة‪ ،‬و أصناف الأكول و اليوان‬
‫من البقر‪ ،‬و الغنم‪.‬‬

‫دخول الدائن‬
‫فدخل السلمون الدائن‪ ،‬و أخذوا ف سككها ل يلقون فيها أحدا و ل يسّونه‪ ،‬إلّا من كان ف القصر البيض‪ .‬فأحيط بم [‬
‫‪ ]389‬و دعوهم‪ .‬و كانوا قد اتعظوا بأهل برسي‪ .‬و ذلك أنّ السلمي لا نزلوا عليهم أجّلوهم ثلثا‪ ،‬و دعوهم إل ثلث‬
‫خصال‪ :‬إمّا السلم‪ ،‬و إمّا الزية‪ ،‬و إمّا الرب‪ .‬فلما ل ييبوا ف [اليوم] الثالث أبادوهم‪ .‬و لا دعوا أهل القصر البيض إل مثل‬
‫ذلك اختاروا الزية‪ .‬و كان الخاطب لم سلمان الفارسي‪.‬‬
‫و ملك السلمون الغنائم‪ ،‬و احتوى سعد على بيوت الال‪ ،‬فوجد فيها ثلثة آلف ألف ألف [‪ .]3000 ،000 ،000‬فنل‬
‫سعد القصر البيض‪ ،‬و اتّخذ اليوان مصلّى‪ .‬و قدّم جيشا إل النهروان‪ ،‬عليهم زهرة‪ ،‬و تراجع إل الدائن أهلها على‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الصل و مط‪ :‬الكلمة مهملة إلّا ف النون الخية‪ .‬ف الطبي‪ :‬النخيجان (‪.)2439 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪357 :‬‬
‫المان و الرضا بالزية‪.‬‬
‫و وجدوا بالدائن قبابا تركية ملوءة سلل متمة بالرصاص‪ ،‬قالوا‪ :‬فما حسبناها إلّا طعاما من حلواء‪ ،‬فإذا هي آنية الذهب و‬
‫الفضّة! و قسمت بعد ف الناس‪.‬‬
‫قال حبيب‪ :‬لقد رأيت رجل يطوف و يقول‪:‬‬
‫ «من معه بيضاء بصفراء‪ ».‬و لقد أتينا على كافور كثي‪ .‬فما حسبناه إلّا ملحا‪ ،‬فجعلنا نعجّن به الدقيق حت وجدنا مرارته ف‬‫البز! و لا انتهى زهرة ف القدمة إل النهروان [‪ ]390‬وجدهم قد ازدحوا‪ ،‬فوقع بغل ف الاء كلبوا عليه‪ .‬فقال زهرة‪:‬‬
‫ «إن أقسم باللّه انّ لذا البغل لشأنا ما كلب عليه القوم‪ ،‬و ل صبوا للسيوف بذا الوقف الضنك إلّا لمر‪ ».‬و إذا الذي عليه‬‫خرزات كسرى و وشائحه‪ ،‬و عليها من الواهر ما ل تعرف قيمته‪ ،‬و كان يلس فيها يوم الباهاة‪.‬‬
‫فترجّل زهرة يومئذ حت أزاحهم عن البغل‪ ،‬فاحتمله هو و أصحابه‪ ،‬و جاءوا با عليه إل صاحب القباض‪ ،‬ل يدرون ما عليه حت‬
‫فتح هناك‪.‬‬

‫تاج كسرى و أدراعه‬
‫و حكى هبية بن الشعث عن جدّه قال‪:‬‬
‫كنت من خرج ف الطلب‪ ،‬فإذا ببغلي فذاد راكباها عنهما بالنشّاب [‪ ،]1‬و نظرت‪ ،‬و إذا ل يبق معهما غي نشّابي‪ .‬فألحت‬
‫بما‪ ،‬فاجتمعا‪ ،‬فقال أحدها‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬مط‪ :‬مكان «فذاد» إل «بالنشّاب»‪« :‬قد أدركناها عنهما بالنشاب» و ف الطبي‪ :‬قد ردّا (ذبّا) اليل عنهما بالنشاب (‬
‫‪.)2446 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪358 :‬‬
‫لصاحبه‪:‬‬
‫ «على ما أرى‪ ،‬ارمه و أحيك‪ ،‬أو أرميه و احن!» فحمى كلّ واحد منهما صاحبه حت رميا بما‪ّ .‬ث إنّى حلت عليهما‪،‬‬‫فقتلتهما‪ ،‬و جئت بالبغلي ما أدرى ما عليهما‪ ،‬حت أتيت بما صاحب القباض و إذا هو يكتب ما يأتى به الناس و ما يمع من‬
‫الزائن و الدور‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «على [‪ ]391‬رسلك حت ننظر ما معك!» فأطلت الوقوف بعد ما حصلت عنهما‪ ،‬فإذا سفطان على أحد البغلي فيهما تاج‬‫كسرى مفسّخا [‪ ،]1‬و كان ل يمله إلّا أسطوانتان‪ ،‬و فيهما الوهر‪ ،‬و إذا على الخر سفطان فيهما ثياب كسرى منسوجة‬
‫بالذهب النظوم بالوهر‪.‬‬
‫و خرج القعقاع بن عمرو يومئذ ف الطلب‪ ،‬فلحق بفارسىّ يمى الناس‪ ،‬فاقتتل‪ ،‬فقتله‪ ،‬و إذا مع القتول جنيبة عليها عيبتان و‬
‫غلفان‪ ،‬و ف أحد الغلفي خسة أسياف [‪ ،]2‬و ف الخر ستة أسياف [‪ ،]3‬و إذا ف إحدى العيبتي أدراع‪ :‬درع كسرى‪ ،‬و‬
‫مغافره‪ ،‬و ساقاه‪ ،‬و ساعده‪ ،‬و درع هرقل‪ ،‬و ف الخر درع سياوخش‪ ،‬و درع خاقان‪ ،‬و درع داهر [‪ ،]4‬و درع برام شوبي‪،‬‬
‫و درع النعمان‪ ،‬و كان الفرس استلبوها من أربابا أيام خالفوا كسرى‪.‬‬
‫و حكى عاصم بن الارث قال‪:‬‬
‫خرجت ف الطلب‪ .‬فأخذت طريقا مسلوكا‪ ،‬و إذا حار‪ .‬فلمّا رآن صاحبه حثّه‪ ،‬فلحق بآخر أمامه‪ ،‬فمال‪ ،‬و حثّا حاريهما‪ ،‬فانتهيا‬
‫إل جدول قد كسر [‪ ]392‬جسره‪ ،‬فثبتا حت أتيتهما‪ّ ،‬ث تفرّقا و رمان أحدها‪ ،‬فألظظت [‪ ]5‬حت‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الطبي (‪ ،)2446 :5‬و ف مط‪ :‬منسّجا‪.‬‬
‫[‪ .]2‬مط‪ :‬أشياف!‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬أيضا‪ :‬أشياف!‬
‫[‪ .]4‬كذا ف مط و الطبي‪ ،‬و ف الصل‪ :‬كلمة مطموسة ل تقرأ‪.‬‬
‫[‪ .]5‬ألظّ ف الرب‪ :‬ألّ‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪359 :‬‬
‫قتلته‪ ،‬و أفلت الخر‪ ،‬و رجعت إل المارين‪ ،‬فأتيت بما صاحب القباض‪.‬‬
‫فنظرنا‪ ،‬فإذا على أحدها سفطان‪ ،‬ف أحدها فرس من ذهب مسرج بسرج من فضّة‪ ،‬على ثفره و لببه الياقوت و الزمرّد منظوما‬
‫على الفضّة‪ ،‬و لامه كذلك‪ ،‬و فارس من فضّة مكلّل بالوهر‪ ،‬و إذا ف الخر ناقة من فضّة عليها شليل من ذهب‪ ،‬و بطان من‬
‫ذهب‪ ،‬و لما [‪ ]1‬شناق أو زمام من ذهب‪ ،‬و ك ّل ذلك منظوم بالوهر‪ ،‬و إذا عليها رجل من ذهب مكلّل بالياقوت كان‬
‫كسرى يضعهما إل أسطوانت التاج‪.‬‬
‫و حكى غيه‪ :‬أنّ رجل أقبل بقّ معه‪ ،‬فدفعه إل صاحب القباض‪ ،‬فقال هو و الذين معه‪:‬‬
‫ «ما رأينا مثل هذا قطّ‪ ،‬ما يعدله ما عندنا و ل يقاربه‪ ».‬ثّ سألوه عن نفسه‪ ،‬فأب أن يبهم‪ ،‬و قال‪:‬‬‫ «ل و ال‪ ،‬ل أخبكم لتحمدون‪ ،‬و ل لتقرّظون‪ ،‬و لكنّى أحد ال و أرضى بثوابه‪ ».‬و قال سعد‪:‬‬‫ «لول ما سبق به أهل بدر [‪ ،]2‬لقلت‪ :‬إنكم أفضل منهم و أكرم [‪ ]393‬و أي ال‪ ،‬لقد تتبّعت من أهل بدر هنات و هنات‬‫فيما أحرزوا‪ ،‬و ما أحسّها [‪ ]3‬و ل أسعها من هؤلء القوم‪.‬‬
‫و قال جابر بن عبد ال‪:‬‬
‫ «و ال الذي ل إله إلّا هو‪ ،‬ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية أنّه يريد الدنيا مع الخرة‪ .‬و لقد اتّهمنا ثلثة أنفس فما رأينا‬‫كأمانتهم و زهدهم و ورعهم‪ :‬طليحة‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف مط‪ :‬لما‪ .‬و ف الطبي‪ ،‬لا (‪.)2448 :5‬‬
‫[‪ .]2‬كلمة مطموسة ف الصل‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيده الطبي و مط‪.‬‬
‫[‪ .]3‬كذا ف مط‪ :‬أحسها‪ ،‬و ف الطبي‪ :‬أحسبها‪ ،‬و ف حواشيه‪ ،‬أحسّها (‪.)2449 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪360 :‬‬
‫بن خويلد‪ ،‬و عمرو بن معدى كرب‪ ،‬و قيس بن الكشوح‪».‬‬

‫عمر و تاج كسرى‬
‫و لا قدم على عمر بن الطّاب بتاج كسرى و بزّته‪ ،‬و زبرجه‪ ،‬و منطقته‪ ،‬و سلحه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ «إ ّن قوما أدّوا هذا لذو أمانة‪ ».‬فقال عل ّى صلوات ال عليه‪:‬‬‫ «إنّك عففت فعفّت الرعيّة‪ ».‬و لا قسم سعد الفيء أصاب الفارس اثنا عشر ألف درهم‪ ،‬و كلّهم كان فارسا يوم الدائن‪ ،‬و‬‫ليس فيهم راجل‪ ،‬و كانت النائب كثية‪ .‬و لا نزل سعد الدائن بعث إل العيالت‪ ،‬فأنزلم الدور و فيها الرافق‪ ،‬فأقاموا بالدائن‬
‫حت فرغوا من جلولء‪ ،‬و حلوان‪ ،‬و تكريت‪ ،‬و الوصل‪ .‬ث توّلوا إل الكوفة‪.‬‬

‫بساط يساوى جريبا‬
‫و لا قسم سعد الفيء أخذ يسأل بعد القسم و إخراج المس [‪[ ]394‬عن] [‪ ]1‬القطف‪ ،‬فلم تعدل قيمته‪ ،‬فقال للمسلمي‪:‬‬
‫ «هل لكم ف أن نطيب نفسا عن أربعة أخاسه و نبعث به إل عمر‪ ،‬فيضعه حيث يرى‪ ،‬فانّا ل نراه ينفق بيننا؟» فقالوا‪« :‬نعم‪،‬‬‫هاء [‪ ]2‬ال إذا‪ ».‬فبعث‪ .‬و كان ستّي ذراعا ف ستّي ذراعا‪ ،‬بساطا واحدا مقدار جريب‪ ،‬فيه طرق كالصور‪ ،‬و فصوص‬
‫كالنار‪ ،‬و خلل ذلك كالدير‪ ،‬و ف حافاته كالرض‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تكملة منّا‪ .‬و العبارة ف الطبي‪« :‬و فضل بعد القسم ‪ ...‬القطف فلم يعتدل قسمته» (‪.)2452 :5‬‬
‫[‪ .]2‬هاء بالكسر‪ :‬هات‪ :‬أى أعط ال‪ .‬هاء بالفتح‪ :‬خذ‪ .‬و ضبط ف الطبي‪ :‬هاء ال و ل أنته إل وجه له‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪361 :‬‬
‫الزروعة البقلة بالنبات‪ ،‬و عليه ما كانوا يعدّونه ف الشتاء‪ ،‬إذا ذهبت الرياحي‪ ،‬و كانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه‪ ،‬و كأنّهم‬
‫ف رياض‪ ،‬لنّ الرض‪ -‬أرض البساط‪ -‬مذهّب‪ ،‬و وشيه فصوص‪ ،‬و عليه قضبان الذهب‪ ،‬عليها أنوار من الذهب و الفضة‪ ،‬و‬
‫أوراق كذلك من حرير قد أجرى فيه ماء الذهب‪ ،‬و كانت العرب تسميه القطف [‪.]1‬‬
‫فلما قدم به على عمر جع الناس‪ ،‬و خطبهم‪ ،‬و استشارهم ف البساط‪ ،‬و أخبهم خبه‪ .‬فاختلف عليه الناس‪ ،‬فمن مشي بقبضه و‬
‫آخر مفوّض إليه‪ ،‬و آخر مرقّق‪.‬‬
‫فقام علىّ عليه السلم فقال‪« -:‬ل تعل [‪ ]395‬علمك جهل‪ ،‬و يقينك شكّا؟ إنّك إن تقبله على هذا‪ ،‬اليوم‪ ،‬ل تعدم ف غد من‬
‫يستح ّل به ما ليس له‪ ».‬فقال‪« :‬صدقتن و نصحتن‪ ».‬فقطعه و قسمه‪ .‬و أصاب عليّا قطعة منه باعها بعشرين ألفا‪ ،‬و ما هي‬
‫بأجود تلك القطع [‪.]2‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الطبي‪ :‬القطف‪ ،‬القطيفة (‪.)2453 :5‬‬
‫[‪ .]2‬و عند الطبي روايتان‪:‬‬
‫الول‪ :‬ثّ قسم [عمر] المس ف مواضعه‪ ،‬ث قال‪ :‬أشيوا عل ّى ف هذا القطف! فأجع ملهم على أن قالوا‪« :‬قد جعلوا ذلك‬
‫لك‪ ،‬فر رأيك»‪ ،‬إلّا ما كان من علىّ‪ ،‬فإنّه قال‪« :‬المر كما قالوا‪ ،‬و ل يبق إلّا التروية‪ ،‬إنّك إن تقبله على هذا‪ ،‬اليوم‪ ،‬ل تعدم ف‬
‫غد من يستحقّ به ما ليس له»‪ ،‬قال‪« :‬صدقتن و نصحتن»‪ ،‬فقطعه بينهم‪ .‬و الثانية‪ :‬فقام علىّ‪ -‬حي رأى عمر يأب‪ -‬حت انتهى‬
‫إليه‪ ،‬فقال‪« :‬ل تعل علمك جهل‪ ،‬و يقينك شكّا؟‬
‫إنه ليس من الدنيا إلّا ما أعطيت فأمضيت‪ ،‬أو لبست فأبليت‪ ،‬أو أكلت فأفنيت»‪ ،‬قال‪« :‬صدقتن و نصحتن»‪ ،‬فقطعه‪ ،‬فقسمه‬
‫بي الناس‪ ،‬فأصاب عليّا قطعة منه‪ ،‬فباعها بعشرين ألفا‪ ،‬و ما هي بأجود تلك القطع‪( .‬الطبي ‪.)2452 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪362 :‬‬

‫ى كسرى على ملّم‬
‫زّ‬
‫و لا عرض على عمر‪ -‬رضى ال عنه‪ -‬حلىّ كسرى و زيّه ف الباهاة‪ -‬و كانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زىّ‪ -‬قال‪:‬‬
‫ «علىّ بحلّم‪ ».‬و كان أجسم عربّ يومئذ بالدينة‪ ،‬فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب و صبّ عليه أوشحته و قلئده‬‫و ثيابه‪ ،‬و أجلس للناس‪ .‬فنظر إليه عمر و الناس‪ ،‬فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا و فتنتها‪ .‬ث أقيم عن ذلك‪ ،‬و ألبس زيّه الخر‪،‬‬
‫فنظروا إليه‪ ،‬ث كذلك ف غي نوع حت أتى عليها كلّها‪ ،‬ث ألبسه سلحه‪ ،‬و قلّده سيفه‪ ،‬فنظروا إليه ف ذلك‪.‬‬
‫فقال عمر‪:‬‬
‫ «إ ّن أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة‪ ».‬قال‪« :‬أحق بامرئ من السلمي غرّته الدنيا‪ ،‬هل يبلغنّ مغرور منها إلّا دون هذا؟ و ما خي‬‫امرئ مسلم سبقه كسرى فيما يضرّه و ل ينفعه‪ .‬إ ّن [‪ ]396‬كسرى ل يزد على أن تشاغل با أوتى عن آخرته‪ ،‬فجمع لزوج‬
‫امرأته‪ ،‬أو زوج ابنته‪ ،‬أو امرأة ابنه‪ ،‬و ل يقدّم لنفسه‪ ،‬فقدّم امرؤ لنفسه‪ ،‬و وضع الفضول مواضعها تصل له‪ ،‬و إلّا حصلت‬
‫للثلثة بعده‪ ،‬و أحق من جع لم أو لعدوّ جارف‪».‬‬

‫وقعة جلولء‬
‫ثّ إنّ سعدا أتاه الب بأنّ مهران قد عسكر بلولء [‪ ]1‬و خندق عليه‪ ،‬و أنّ أهل‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل و ف مط و ف بعض أبيات الشعر بالقصر أى بدون المزة فصححنا الصل استنادا إل ياقوت و الطبي (‪:5‬‬
‫‪ .)3456‬جلولء بالدّ‪ :‬طسوج من طساسيج السواد بينها و بي خانقي سبعة‬

‫ج‪ ،1‬ص‪363 :‬‬
‫الوصل قد عسكروا بتكريت‪ .‬و كتب إل عمر بذلك‪ .‬فكتب إليه عمر‪:‬‬
‫ «قدّم هاشا إل جلولء ف اثن عشر ألفا من وجوه الهاجرين و النصار و أعلم العرب من ارتدّ‪ ،‬و من ل يرتدّ‪ ،‬و اجعل على‬‫مقدمته القعقاع بن عمرو‪ ».‬و كان الفرس لا انتهوا بعد الرب من الدائن إل جلولء‪ ،‬رأوا الطريق يفترق بأهل آذربيجان و‬
‫الباب و بأهل البال و فارس‪ .‬فتذامروا‪ ،‬و قال بعضهم لبعض‪:‬‬
‫ «يا معشر الفرس‪ ،‬إن افترقتم ل تتمعوا أبدا‪ ،‬هذا مكان يفرّق بيننا‪ ،‬فهلمّوا‪ ،‬فلنجتمع للعرب به‪ ،‬و لنقاتلهم بميع عزائمنا‪.‬‬‫فإن كانت لنا فهو الذي نريد‪ ،‬و إن كانت الخرى‪ ]397[ ،‬كنّا قد أبلينا العذر‪ ».‬فاحتفروا الندق‪ ،‬و اجتمعوا فيه‪ ،‬على‬
‫مهران‪ ،‬و نفذ يزدجرد إل حلوان‪ ،‬و رماهم بالرجال‪ ،‬و خلّف فيهم الموال‪ .‬فأقاموا ف خندقهم و قد أحاطوا به السك من‬
‫الشب إلّا طرقهم‪.‬‬
‫فلمّا قدم هاشم أحاط بم‪ ،‬و طاولم أهل فارس‪ ،‬و كانوا ل يرجون إلّا إذا أرادوا‪ .‬و زاحفهم السلمون بلولء ثاني زحفا كلّ‬
‫ينصر السلمون‪ ،‬و يغلب الشركون‪ ،‬حت غلبوهم على حسك الشب‪ ،‬فاتذوا حسك الديد‪ ،‬و تركوا للمجال وجها‪ .‬فخرجوا‬
‫على السلمي منه‪ ،‬و اقتتلوا قتال شديدا ل يقتتلوا مثله و ل ليلة الرير‪ ،‬إلّا أنّه كان أكمش و أعجل‪ ،‬و ل ير السلمون و ل‬
‫ط حت أنفذوا النبل‪ ،‬و قصفوا الرماح‪ ،‬و صاروا إل السيوف و الطبزينات‪ ،‬فكانوا بذلك إل بي‬
‫الشركون مثله ف موطن ق ّ‬
‫الصلتي‪ ،‬و صلّى الناس إياء‪.‬‬
‫ثّ خنست كتيبة للمشركي و جاءت أخرى‪ ،‬فوقفت مكانا‪ّ ،‬ث كذلك‪ ،‬فكسر السلمي ما رأوا‪.‬‬
‫فقال القعقاع بن عمرو‪:‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[ ()] فراسخ (يا)‪ .‬كان فتح جلولء ف ذى القعدة سنة ‪ 16‬ف أوله‪ ،‬بينها و بي الدائن تسعة أشهر (الطبي ‪.)2470 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪364 :‬‬
‫ «أيها الناس‪ ،‬أهالتكم [‪ ]398‬هذه؟» فقالوا‪« :‬و كيف ل يهولنا و نن مكلّون و هم مريون‪ ».‬فقال القعقاع‪« :‬اصبوا إل‬‫الساعة‪ ،‬فإنّى حامل عليهم‪ ،‬فاحتملوا معى و ل يكذّبنّ [‪ ]1‬أحد حت يكم ال بيننا‪ ».‬ثّ حل‪ ،‬و حل معه الناس‪ ،‬و انتهى‬
‫بالقعقاع وجهه الذي زاحف فيه إل باب خندقهم‪ ،‬فأخذه‪ .‬و أمر مناديا فنادى‪:‬‬
‫ «يا معشر السلمي‪ ،‬هذا أميكم قد دخل الندق و أخذ به‪ ،‬فأقبلوا إليه‪ ،‬و ل ينعكم من بينكم و بينه من دخوله‪ ».‬و إنّما أمر‬‫بذلك ليقوّى السلمي به‪ ،‬و لئلّا يتحاجزوا‪ .‬فحمل السلمون و ل يشكّون إلّا أ ّن هاشا ف الندق‪ .‬فلم يقم لملتهم شيء‪ ،‬حت‬
‫انتهوا إل باب الندق فإذا هم بالقعقاع قد أخذ به‪ ،‬و الشركون ينة و يسرة على الجال الذي بيال خندقهم‪ .‬فهلكوا فيما‬
‫أعدّوا للمسلمي من السك‪ ،‬و عقرت دوابّهم و عادوا رجّالة‪ ،‬و يتّبعهم السلمون‪ .‬فلم يفلت إلّا من ل يعدّ‪ ،‬و قتل منهم يومئذ‬
‫مائة ألف أو يزيدون‪ ،‬فجلّلت القتلى الجال و ما بي يديه و ما خلفه‪ ،‬فسمّيت‪« :‬جلولء الوقيعة»‪ ]399[ .‬و اقتسم الناس ف‬
‫جلولء مثل ما اقتسموا ف الدائن‪ .‬و يقال‪ :‬إنّهم اقتسموا على ثلثي ألف ألف‪ ]30 ،000 ،000[ ،‬و كان المس منه ستة‬
‫ألف ألف [‪ .]6 ،000 ،000‬و اقتسم السبايا‪ ،‬فاتذن‪ ،‬و ولدن ف السلمي‪.‬‬

‫استيذان عمر ف النسياح‬
‫و لا بلغت الزية يزدجرد‪ ،‬سار من حلوان نو البل‪ ،‬و قدم القعقاع حلوان‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ل يكذّبنّ أحد‪ :‬ل يجمنّ عن الملة هيبة‪ .‬كذّب عن أمر‪ :‬أحجم عنه هيبة‪ .‬و ف مط‪ :‬ل يكدّين‪ .‬و أيّد قراءتنا للصل ما‬
‫ف الطبي (‪.)2462 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪365 :‬‬
‫و كوتب عمر بفتح جلولء و نزول القعقاع حلوان‪ ،‬و استأذنوه ف اتّباعهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «وددت أن بي السواد و بي البل سدّا من نار ل يلصون إلينا و ل نلص إليهم‪ .‬حسبنا من الريف السواد‪ .‬إن قد آثرت‬‫سلمة السلمي على النفال‪ ».‬و بعث بالخاس مع جاعة فيهم زياد بن أب سفيان‪ ،‬و كان هو الذي يكتب للناس و يدوّنم‪.‬‬
‫فلمّا قدموا على عمر‪ ،‬كلّم زياد عمر فيما جاء له من الستيذان ف التقدّم‪ ،‬و وصف له الال‪.‬‬
‫فقال عمر‪« :‬هل تستطيع أن تقوم ف الناس بثل الذي كلّمتن به؟» فقال‪« :‬و ال‪ ،‬ما على الرض شخص أهيب ف صدري منك‪،‬‬
‫فكيف ل أقوى [‪ ]400‬على هذا من غيك!» فقام ف الناس با أصابوا‪ ،‬و با صنعوا‪ ،‬و بميع ما يستأذنون فيه من النسياح ف‬
‫البلد‪.‬‬
‫فقال عمر‪« :‬هذا الطيب الصقع‪ ».‬و قال‪« :‬إنّ جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا بالقال‪ ]1[ ».‬ثّ إنّ عمر لا نظر إل الخاس‬
‫الحمولة من جلولء قال‪:‬‬
‫ «و ال‪ ،‬ل يمّنّه سقف بيت حتّى أقسمه‪ ».‬فبات عبد الرحان بن عوف‪ ،‬و عبد ال بن الرقم يرسانه ف سقف السجد‪.‬‬‫فلمّا أصبح جاء ف الناس‪ ،‬فكشف عنه النطاع‪ .‬فلمّا نظر إل ياقوته‪ ،‬و زبرجده‪ ،‬و جوهره‪ ،‬بكى‪.‬‬
‫فقال له عبد الرحان‪:‬‬
‫ «ما يبكيك يا أمي الؤمني؟ فو ال‪ ،‬إنّ هذا لوطن شكر و سرور‪».‬‬‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الطبي‪ :‬إنّ جندنا أطلقوا بالفعال لساننا (‪.)2466 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪366 :‬‬
‫فقال عمر‪« :‬ما ذا يبكين؟ و ال‪ ،‬ما أعطى ال هذا قوما إلّا تاسدوا‪ ،‬و تباغضوا‪ .‬و ل تاسدوا إلّا وقع بأسهم بينهم‪ ».‬و لا فرض‬
‫عمر العطاء‪ ،‬قال قائل‪:‬‬
‫ «يا أمي الؤمني‪ ،‬لو تركت ف بيوت الموال عدّة لكون إن كان‪ ».‬فقال‪« :‬كلمة ألقاها الشيطان على فيك‪ ،‬وقان ال [‪]401‬‬‫شرّها‪ ،‬و هي فتنة لن بعدي‪ .‬بل أعدّ لم ما أعدّ ال و رسوله‪ .‬طاعة ال و رسوله‪ ،‬فهما عدّتنا الت با أفضينا إل ما ترون‪».‬‬

‫ما عامل به عمر خالد بن الوليد‬
‫و ف سنة سبع عشرة‪ ،‬أدرب [‪ ]1‬خالد بن الوليد و عياض‪ ،‬و كان خالد على قنّسرين من تت يد أب عبيدة‪ ،‬فأصابوا أموال‬
‫عظيمة‪ .‬فانتجع خالدا رجال‪.‬‬
‫و كان الشعث بن قيس فيمن انتجع خالدا بقنّسرين‪ ،‬فأجازه بعشرة آلف‪ ،‬و كان عمر ل يفى عليه شيء ف عمله‪ ،‬فكتب إليه‬
‫بروج من خرج من تلك الغزاة من الشام‪ ،‬و بائزة من أجيز‪.‬‬
‫فدعا البيد و كتب معه إل أب عبيدة‪:‬‬
‫أن يقيم خالدا و يعقله بعمامته‪ ،‬و ينع عنه قلنسوته حت يعلمكم من أين أجاز الشعث‪ :‬أمن ماله‪ ،‬أم من إصابة‪ ،‬فإن زعم أنّها‬
‫من إصابة أصابا‪ ،‬فقد أقرّ بيانة‪ ،‬و إن زعم أنّها من ماله‪ ،‬فقد أسرف‪ ،‬فاعزله على كلّ حال‪ ،‬و اضمم إليك عمله‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬أدرب القوم‪ :‬دخلوا أرض العدوّ‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪367 :‬‬
‫فكتب أبو عبيدة إل خالد‪ ،‬فقدم عليه‪ .‬ث جع الناس و جلس لم على النب‪ ،‬فقام [‪ ]402‬البيد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «يا خالد! أمن مالك أجزت بعشرة آلف‪ ،‬أم من إصابة؟» فلم يبه حت أكثر عليه و أبو عبيدة ساكت ل يقول شيئا‪.‬‬‫فقال بلل بعد أن قام إليه‪:‬‬
‫ «إ ّن أمي الؤمني أمر بكذا و كذا‪ ».‬و تناول عمامته فنقضها [‪ ،]1‬ل ينعه سعا و طاعة‪ .‬و وضع قلنسوته‪ ،‬ث أقامه‪ ،‬فعقله‬‫بعمامته و قال‪:‬‬
‫ «ما تقول‪ ،‬أمن مالك‪ ،‬أم من أصابة؟» قال‪« :‬ل‪ .‬بل من مال‪ ».‬فأطلقه‪ ،‬و أعاد قلنسوته‪ّ ،‬ث عممه بيده و قال‪:‬‬‫ «نسمع و نطيع لولتنا‪ ،‬و نفخّم و ندم موالينا‪ ».‬و أقام خالد متحيّرا ل يدرى‪ :‬أ معزول أم غي معزول‪ .‬و جعل أبو عبيدة‬‫يكرمه و يزيده تفخيما و ل يبه‪ .‬فلمّا طال على عمر أن يقدم خالد‪ ،‬ظنّ الذي كان‪.‬‬
‫فكتب إليه بالقبال‪.‬‬
‫فأتى خالد أبا عبيدة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ «رحك ال‪ ،‬ما أردت إل ما صنعت؟ كتمتن أمرا كنت أحبّ أن أعرفه قبل اليوم‪ ».‬فقال أبو عبيدة‪:‬‬‫ «إنّى و ال ما كنت لروعك‪ :‬ما وجدت بدّا‪ ،‬و قد علمت أ ّن ذلك يروعك‪ ».‬فرجع [‪ ]403‬خالد إل قنّسرين فخطب أهل‬‫عمله‪ ،‬و ودّعهم‪ ،‬و تمّل‪ ،‬ث‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬فنفضها‪ .‬و صححناه با ف مط‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪368 :‬‬
‫خرج نو الدينة حت قدم على عمر‪ ،‬فشكاه‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «لقد شكوتك إل السلمي‪ ،‬و باللّه‪ ،‬إنّك ف أمرى غي ممل يا عمر‪ ».‬فقال له عمر‪:‬‬‫ «من أين هذا الثراء؟» قال‪« :‬من النفال و السّهمان‪ ».‬ثّ أخذ منه عشرين ألف درهم‪ ،‬فأدخلها بيت الال‪ .‬ثّ قال‪:‬‬‫ «يا خالد‪ ،‬و ال إنّك علىّ لكري‪ ،‬و إنّك إلّ لبيب‪ ،‬و لن تعاتبن بعد اليوم على شيء‪ ».‬و كتب عمر ف المصار‪:‬‬‫ «إنّى ل أعزل خالدا عن سخط و ل خيانة و لكنّ السلمي فتنوا به‪ ،‬فخفت أن يوكلوا إليه و يبتلوا [به] [‪ ]1‬و أحببت أن‬‫ج عمر ف هذه السنة‪ ،‬و بن السجد الرام‪ ،‬و وسّع فيه‪ ،‬و أقام‬
‫تعلموا أ ّن ال هو الصانع‪ ،‬و ألّا نكون بعرض فتنة‪ ]2[ ».‬و ح ّ‬
‫بكة عشرين ليلة‪ ،‬و هدم على أقوام أبوا أن يبيعوا‪ ،‬و وضع أثان دورهم ف بيت الال حت أخذوها‪.‬‬

‫علء بن الضرمي و عاقبة عصيانه‬
‫و كان علء بن الضرمي بالبحرين واليا من قبل أب بكر ثّ من قبل عمر [‪ ]404‬و كان يبارى [‪ ]3‬سعدا‪ ،‬فطال [‪ ]4‬العلء‬
‫على سعد ف الردّة بالفضل‪ .‬فلمّا‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬تكملة من الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬راجع الطبي (‪.)2526 -28 :5‬‬
‫[‪ .]3‬الكلمة مطموسة ف الصل و أثبتناها كما ف مط و الطبي (‪.)2546 :5‬‬
‫[‪ .]4‬كذا ف الصل و مط‪ :‬فطال‪ ،‬و ف الطبي‪ :‬فطار‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪369 :‬‬
‫ظفر سعد بالقادسيّة‪ ،‬و أزاح الكاسرة‪ ،‬و أخذ حدود ما يلي السواد و غيها‪ ،‬و استعلى‪ ،‬و جاء بأعظم ما كان العلء جاء به‪،‬‬
‫أحبّ العلء أن يصنع شيئا ف العاجم‪ ،‬و رجا أن يدال كما قد أديل‪.‬‬
‫و ل ينظر العلء ف ما بي فضل الطاعة و العصية بدّ‪ .‬و كان عمر لا ولّاه ناه عن البحر‪ ،‬فلم يفكّر ف الطاعة و العصية و‬
‫عواقبهما‪ ،‬و طمع ف فارس من جهته‪.‬‬
‫فندب أهل البحرين إل فارس‪ ،‬فتسرّعوا إل ذلك‪ ،‬و فرّقهم أجنادا‪ :‬على أحدها الاورد بن العلّى‪ ،‬و على الخر السوار بن هّام‪،‬‬
‫و على الخر خليد بن النذر بن ساوى‪ ،‬و خليد على جاعة الناس‪ .‬فحملهم ف البحر إل فارس بغي إذن عمر‪ .‬فعبت تلك‬
‫النود من البحرين إل فارس‪ ،‬فخرجوا ف إصطخر و بازائهم أهل فارس و على أهل فارس الربذ‪ ،‬اجتمعوا عليه‪ ،‬فحالوا بي‬
‫السلمي و بي سفنهم‪.‬‬
‫فقام خليد ف الناس فقال‪:‬‬
‫ «أمّا بعد‪ ،‬فإ ّن ال إذا قضى أمرا جرت به القادير [‪ ]405‬حت يصيبه‪ ،‬و إنّ هؤلء القوم ل يزيدوا با صنعوا على أن دعوكم‬‫إل حربم‪ ،‬و إنّما جئتم لحاربتهم و الرض و السفن لن غلب‪ ،‬فاستعينوا بالصب و الصلة‪ ».‬فأجابوه إل ذلك و صلّوا الظهر‪ ،‬ث‬
‫ناهدوهم ف موضع يقال له‪ :‬طاؤوس‪.‬‬
‫فقتل جاعة من السلمي فيهم السوار و النذر بن الارود‪ .‬و تزجّل خليد بن‬

‫ج‪ ،1‬ص‪370 :‬‬
‫النذر و ارتز‪:‬‬
‫يال تيم [‪ ]1‬جّعوا النول * قد كاد [‪ ]2‬جيش عمر يزول‬
‫و كلّكم يعلم ما أقول‬
‫ «و انزلوا!» فنلوا‪ ،‬فقاتلوا القوم‪ ،‬فقتل أهل فارس مقتلة ل يقتلوا مثلها‪ ،‬و هزم الباقون‪ .‬ث خرجوا يريدون البصرة‪ ،‬فغرقت‬‫سفنهم و ل يدوا إل الرجوع سبيل‪ .‬فوجدوا سهرك [‪ ]3‬قد أخذ على السلمي بالطرق‪ ،‬فعسكروا و امتنعوا ف نشوبم ذلك‪.‬‬
‫و بلغ عمر ما صنع العلء من بعثه ذلك اليش ف البحر‪ ،‬فألقى ف روعه نو من الذي كان‪ .‬فاشتدّ غضبه على العلء‪ ،‬و كتب‬
‫إليه بعزله‪ ،‬و توعّده‪ ،‬و أمره بأثقل الشياء عليه‪ ،‬و قال له‪:‬‬
‫ «الق بسعد بن أب وقّاص ف من قبلك‪ ،‬فهو [‪ ]406‬أمي عليك‪ ».‬فخرج بن معه نو سعد‪.‬‬‫و كتب عمر إل عتبة بن غزوان‪:‬‬
‫ «ا ّن العلء بن الضرمي حل جندا من السلمي‪ ،‬فأقطعهم أهل فارس و عصان‪ ،‬و أظنّه ل يرد ال بذلك‪ ،‬فخشيت عليهم ألّا‬‫ينصروا‪ ،‬و أن يغلبوا‪ ،‬و ينشبوا‪ .‬فاندب إليهم الناس و اضممهم إليك من قبل أن يتاحوا‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬الطبي‪« :‬يال تيم أجعوا»‪( .‬يال يا آل)‪ .‬و ف الصل‪ :‬يالتميم‪.‬‬
‫[‪ .]2‬الطبي‪« :‬و كاد» (‪.)2548 :5‬‬
‫[‪ .]3‬كذا ف مط‪ :‬سهرك‪ .‬و ف الطبي‪ :‬شهرك‪ ،‬سهرك (‪.)2548 :5‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪371 :‬‬
‫فندب عتبة الناس إليهم و أخبهم بكتاب عمر‪ .‬فانتدب عاصم بن عمرو و عرفجة و جاعة يرون مراهم كالحنف بن قيس‪ ،‬و‬
‫سعد بن أب العرجاء‪ ،‬و صعصعة بن معاوية‪ ،‬فخرجوا ف اثن عشر ألفا على البغال ينبون اليل و عليهم أبو سبة بن أب رهم‪.‬‬
‫فسار أبو سبة بالناس و ساحل ل يلقاه أحد و ل تعرّض له حت التقى مع خليد‪ ،‬بيث أخذ عليهم الطريق غبّ وقعة القوم‬
‫بطاؤوس‪ ،‬و إنّما كان ول قتالم أهل إصطخر و الشذّاذ من غيهم‪ ،‬و قد كان أهل إصطخر حيث أخذوا بالطرق على السلمي‬
‫و أنشبوهم‪ ،‬استصرخوا أهل فارس كلهم‪ ،‬فضربوا إليهم من كلّ وجه و كورة‪.‬‬
‫فالتقوا هم و أبو سبة بعد طاؤوس و قد توافت إل [‪ ]407‬السلمي أمدادهم‪ ،‬و إل الشركي أمدادهم‪ ،‬و على الشركي‬
‫سهرك‪ .‬فاقتتلوا‪ ،‬ففتح ال على السلمي‪ ،‬و قتل الشركي و أصاب السلمون منهم ما شاءوا‪ ،‬و هي الغزاة الت شرفت فيها نابتة‬
‫البصرة و كانوا أفضل نوابت المصار‪ ،‬ث انكفأوا با أصابوا‪.‬‬
‫و كتب إليهم عتبة بالثّ و قلّة العرجة‪ ،‬فانضمّوا إليه بالبصرة‪ ،‬و قبل ذلك فتح عتبة الهواز‪ ،‬و قاتل فيها الرمزان حت ظفر به‬
‫بتستر بعد وقعات أسر ف آخرها الرمزان و أعطى بيده على الرضا بكم عمر‪ .‬و قتل الرمزان بيده الباء بن مالك [‪ ]1‬و مزأة‬
‫بن ثور‪.‬‬

‫إرسال الرمزان إل الدينة‬
‫و وفد أبو سبة وفدا فيهم أنس بن مالك‪ ،‬و الحنف بن قيس‪ .‬فأرسل الرمزان معهم فقدموا [‪ ]2‬مع أب موسى البصرة‪ ،‬ث‬
‫خرجوا نو الدينة‪.‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬ف الصل‪ :‬ثور‪ ،‬و هو خطأ‪ ،‬و ما أثبتناه يؤيده مط و الطبي (‪.)2556 :5‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط‪ :‬فقدموا‪ .‬و الصل غي واضح‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪372 :‬‬
‫فلما دخلوها هيّأوا الرمزان ف هيأته [‪ ،]1‬و ألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب‪ ،‬و وضعوا على رأسه تاجا يدعى ال‬
‫«آذين» مكلّل بالياقوت‪ ،‬و عليه حليته كي ما يراه عمر و السلمون‪ .‬ث خرجوا به على الناس يريدون عمر ف منله‪ ،‬فلم يدوه‪.‬‬
‫فسألوا عنه‪ ]408[ ،‬فقيل لم‪« :‬جلس [‪ ]2‬ف السجد‪ ».‬و ل يروه‪ .‬فلمّا انصرفوا‪ ،‬مرّوا بغلمان من أهل الدينة يلعبون‪.‬‬
‫فقالوا لم‪:‬‬
‫ «ما تلدّدكم [‪ ،]3‬تريدون أمي الؤمني؟ فإنّه نائم ف ميمنة السجد‪ ،‬متوسّد برنسه‪ »]4[ .‬و كان عمر جلس لوفد الكوفة ف‬‫برنس‪ .‬فلمّا فرغ من كلمهم و ارتفعوا عنه و أخلوه‪ ،‬نزع برنسه‪ّ ،‬ث توسّده فنام‪.‬‬
‫فانطلقوا و معهم النظّارة‪ ،‬حت إذا رأوه جلسوا دونه‪ ،‬و ليس ف السجد نائم و ل يقظان غيه‪ ،‬و الدرّة ف يده معلّقها [‪.]5‬‬
‫فقال الرمزان‪« :‬أين عمر؟» قالوا‪« :‬ها هو ذا!» و جعل الوفد يشيون إل الناس‪ :‬أن اسكتوا عنه‪ .‬و أصغى الرمزان إل الوفد‪.‬‬
‫فقال‪« :‬أين حرسه و حجّابه عنه؟» قالوا‪« :‬ليس له حاجب و ل حارس و ل كاتب و ل ديوان‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬و ف الصل‪ :‬هيآته‪ .‬و ما أثبتناه يؤيده مط الطبي‪.‬‬
‫[‪ .]2‬كذا ف مط و الطبي (‪ ،)2557 :5‬و الصل مطموس‪.‬‬
‫[‪ .]3‬مط‪ :‬ما تلدّدهم‪ ،‬و الطبي‪ :‬ما تلدّدكم‪ .‬و الصل غي واضح‪ ،‬و ما أثبتناه عن الطبي‪ :‬تلدّد‪ :‬تلفّت يينا و شال‪.‬‬
‫[‪ .]4‬قلنسوة طويلة كانت تلبس ف صدر السلم‪ .‬ك ّل ثوب يكون غطاء الرأس جزءا منه متّصل به‪.‬‬
‫[‪ .]5‬كذا ف الصل و مط‪ .‬و ف الطبي‪ :‬و الدّرة ف يده معلّقة‪ .‬و الدرّة‪ :‬السوط يضرب به‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪373 :‬‬
‫قال‪« :‬فينبغي أن يكون نبيّا‪ ».‬فقالوا‪« :‬ل‪ ،‬و لكنّه يعمل عمل النبياء‪ ».‬و كثر الناس و كلمهم‪ ،‬فاستيقظ عمر باللبة [‪،]1‬‬
‫فاستوى جالسا‪ .‬ث نظر إل الرمزان‪ ،‬فقال‪« :‬الرمزان؟» فقالوا‪« :‬نعم!» فتأمله‪ ،‬و تأمّل ما عليه‪ ،‬ث قال‪:‬‬
‫ «أعوذ باللّه من النار‪ ،‬المد للّه الذي أذلّ بالسلم هذا و أشياعه‪ .‬يا معشر السلمي! تسّكوا بذا الدين‪ ،‬و اهتدوا [‪]409‬‬‫بدى نبيّكم‪ ،‬و ل تبطرنّكم الدنيا‪ ،‬فإنّها غرّارة‪ ».‬فقال الوفد‪« :‬هذا ملك الهواز‪ ،‬فكلّمه!» قال‪« :‬ل‪ ،‬حت ل يبقى عليه من‬
‫حليته شيء‪ ».‬فرمى عنه بكلّ شيء إلّا ما يستره‪ ،‬فألبسوه ثوبا صفيقا‪.‬‬
‫فقال عمر‪« :‬هي يا هرمزان! كيف رأيت و بال الغدر و عاقبة أمر ال؟» فقال‪« :‬يا عمر! إنّا و إيّاكم ف الاهلية كان ال خلّى‬
‫بيننا و بينكم‪ ،‬فغلبناكم‪ ،‬إذ ل يكن معنا و ل معكم‪ ،‬فلمّا صار معكم غلبتمونا‪ ».‬فقال عمر‪« :‬إنّما غلبتمونا ف الاهلية‬
‫باجتماعكم و تفرّقنا‪».‬‬

‫ذكر خديعة للهرمزان و حيلة له حت آمنه عمر‬
‫ث قال عمر‪« :‬ما عذرك و ما حجّتك ف انتقاضك مرّة بعد مرّة؟» فقال‪« :‬أخاف أن تقتلن قبل أن أخبك‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫[‪ .]1‬كذا ف الطبي‪ .‬و ف الصل و مط غموض‪ .‬اللبة‪ :‬اختلط الصوات و الصياح‪.‬‬

‫ج‪ ،1‬ص‪374 :‬‬
‫قال‪« :‬ل تف ذلك‪ ».‬و استسقى ماء‪ ،‬فأتى به ف قدح‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ت عطشا ل أستطع الشرب ف مثل هذا‪ ».‬فأتى به ف إناء يرضاه‪ .‬فجعلت يده ترعد‪ ،‬و قال‪:‬‬
‫ «لو م ّ‬‫ «إنّى أخاف أن أقتل و أنا أشرب‪ ».‬فقال له عمر‪« :‬ل تف‪ ،‬فل بأس عليك حت تشربه‪ ».‬فألقاه‪ .‬فقال عمر‪:‬‬‫ «أعيدوا عليه‪ ،‬و ل [‪ ]410‬تمعوا عليه القتل و العطش‪ ».‬فقال‪« :‬ل حاجة ل ف الاء‪ ،‬إنّما أردت أن أستأمن به‪ !».‬فقال له‬‫عمر‪« :‬إنّى قاتلك‪ ».‬قال‪« :‬قد آمنتن‪ ».‬فقال‪« :‬كذبت‪ ».‬فقال أنس‪« :‬صدق يا أمي الؤمني»! فقال‪« :‬ويك! أنا أومن قاتل‬
‫مزأة و الباء؟ لتأتينّى [‪ ]1‬بخرج ما قتلت!» قال‪« :‬قلت له‪ :‬ل بأس عليك حت تبن‪ .‬و قلت‪ :‬ل بأس عليك حت تشربه‪ ».‬و‬
‫قال جلّة الصحابة من حوله مثل ذلك‪.‬‬
‫فأقبل على الرمزان و قال‪« :‬تكلّم بجّتك‪ ».‬قال‪« :‬كلم حىّ أم كلم ميّت؟» قال‪« :‬بل كلم حىّ‪ ».‬قال‪« :‬قد آمنتن ثالثة‪».‬‬
‫__________________________________________________‬
‫ي بخرج‪ ،‬أو لعاقبنّك‪ ،‬قال‪ :‬قلت له ‪.)2559 :5( »..‬‬
‫[‪ .]1‬و ف الطبي‪« :‬و ال لتأت ّ‬

‫ج‪ ،1‬ص‪375 :‬‬
‫قال عمر‪« :‬خدعتن! ل و ال‪ ،‬ل أومنك إلّا أن تسلم‪ ».‬فقيل له‪« :‬أسلم! و إلّا قتلت‪ ».‬فأسلم‪ ،‬ففرض له على ألفي‪ ،‬و أنزله‬
‫الدينة‪.‬‬

‫عمر و اللغة الفارسية‬
‫و كان الغية بن شعبة يترجم بينهما إل أن حضر الترجان‪.‬‬