‫جَمعها و َرتّبها وطَبعها‬

‫رحه ال تعال‬

‫‪7‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫القدمة‬
‫المد ل رب العالي وصلى ال وسلم على خات النبياء والرسلي‬
‫نبينا ممد‪ ،‬وعلى آله‪ ،‬وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أما بعد‪« :‬فإن أحسن ما أنفقت فيه النفاس هو التفكر ف آيات ال‬
‫وعجائب صنعه‪ ،‬والنتقال منها إل تعلق القلب والمة به دون شيء من‬
‫ملوقاته»‪.‬‬
‫«وآيات الرّب هي دلئله وبراهي نه ال ت ب ا يعر فه العباد‪ ،‬ويَعرفون‬
‫أساءه‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬وتوحيده‪ ،‬وأمره‪ ،‬ونيه»‪.‬‬
‫هاتان العبارتان ما جادت به قرية المام العلمة ممد بن أب بكر‬
‫ا بن ق يم الوز ية‪ -‬رح ه ال (ت ‪751‬ه ـ) و سال به قل مه الذي طال‬‫النفع به اللق الكثي‪.‬‬
‫وقال ف الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة»‪ :‬إن شئت اقتبست‬
‫منـه معرفـة الصـانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغيـ اسـتئذان‪،‬‬
‫ومعرفـة حكمتـه فـ خلقـه وأمره‪ .‬وإن شئت اقتبسـت منـه معرفـة قدر‬
‫الشريعـة وشدة الاجـة إليهـا؛ ومعرفـة جللتهـا وحكمتهـا‪ ،‬وإن شئت‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها‪،‬‬
‫وأنـه يسـتحيل مـن أحكـم الاكميـ أن يلي العال منهـا‪ .‬وإن شئت‬
‫اقتبست منه ما فطر ال عليه العقول من تسي السن وتقبيح القبح‪ ،‬وأن‬
‫ذلك عقلي وفطري اهـ‪.‬‬
‫ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيه من مؤلفاته‬
‫مـا يتعلق بعرفـة ال سبحانه وتعال بطرقـه ودلئله‪ ،‬ومعرفـة حكم ته ف‬
‫خل قه وأمره‪ ،‬ومعر فة قدر الشري عة من ح يث العموم و ف م سائل معي نة‬
‫ذكرتاـ‪ ،‬ومعرفـة معجزات النبوة‪ ،‬ومسـائل تتعلق بأعمال القلوب‪ ،‬ومبدأ‬
‫النسان وميزانه ومصيه‪ ،‬إل غي ذلك ما ستراه مفصلً بصور خطب‪.‬‬
‫وفيها عدد قليل ليس من كتبه‪.‬‬
‫وبا أن هذه الطب السبع والثلثي (‪ )37‬ليست من إنشائي‪ ،‬وإنا‬
‫اخترت ا‪ ،‬وجعت ها‪ ،‬ورتبت ها‪ ،‬واخت صرت ب عض العبارات‪ ،‬ورب طت بين ها‪،‬‬
‫وعلقت عليها ببعض العبارات الت رأيت الاجة داعية إليها من كلم ابن‬
‫القيـم وغيه‪ ،‬وبعضهـا مـن عندي‪ ،‬وعزوت كلّ إل صـاحبه‪ ،‬وذكرت‬
‫مرا جع كل خط بة ب عد نايت ها ف قد سيتها (موضوعات صالة للخ طب‬
‫والوعظ) ليستعمل منها الطيب والواعظ ما يريدانه‪.‬‬
‫وكان مـن هيـ قدي ًا التطلع إل مـا يتعلق بإثبات وجود ال جـل‬
‫جلله وتوح يد ربوبي ته والرد على اللحد ين‪ ،‬ف قد قال الش يخ م مد بن‬
‫عبدالوهاب ‪-‬رحه ال‪« :-‬فأما توحيد الربوبية فهو الصل‪ ،‬ول يغلط ف‬
‫اللية إل من ل يعطه حقه»‪ .‬وقد يسر ال ف هذه كثيًا ما أردت‪.‬‬
‫وقال النـب‬

‫‪« :‬ل تقوم السفاعة حتف ل يقال فف الرض‪:‬‬

‫‪8‬‬

‫‪9‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال‪ ،‬ال»(‪ ،)1‬وقال‪« :‬ول تقوم الساعة حت تعبد فئام من أمت الوثان»‬
‫وقال أيضًا‪« :‬ل تزال طائفة من أمت على الق منصورة ل يضرهم من‬
‫خذلم ول من خالفهم حت يأت أمر ال تبارك وتعال»(‪.)2‬‬
‫وقد كان ما أخب به النب من عبادة الوثان ف فئام من المة‪،‬‬
‫وجَدّوا ف تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابا للتبك با‪.‬‬
‫ومن ناحية أخرى وجود الزهد ف العبادات ف فئام أخرى من المة‬
‫ُكّليًا واتذوه وراءهم ظهْريًا أو تيوا فيما‬
‫هجروا ما جاء به الرسول‬
‫أنزل ال فعملوا ببعض وتركوا بعضًا‪.‬‬
‫فأولئك ف طرف‪ .‬وهؤلء ف طرف‪.‬‬
‫والسلم وسط بي طرفي‪ ،‬وهدى بي ضللتي‪.‬‬
‫ول تزال طائفة من أمة ممد على الق منصورة‪ .‬فنسأل ال أن‬
‫يعلنا منهم‪ ،‬وأن ل يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا‪ ،‬وأن يهب لنا من لدنه رحة‬
‫إنه هو الوهاب‪.‬‬
‫ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم ال تعال ما اعتاده بعض الناس‬
‫ف تبادل التحيات بينهم‪ ،‬كقوله‪ :‬صباح النور‪ .‬صباح الفل‪ .‬مساء الي‪.‬‬
‫م ساء النور‪ .‬ل يقول‪ :‬صبحكم ال بال ي‪ .‬م ساكم ال بال ي‪ .‬وبدلً من‬
‫أن يقول‪ :‬ف أمان ال‪ .‬ف حفظ ال‪ .‬يقول‪ :‬مع السلمة‪ .‬فهذا يشبه «عِ مْ‬
‫صبَاحًا»‪.‬‬
‫َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أخرجه أحد ف السند ج (‪.)3/107‬‬
‫() رواه البقان ف صحيحه‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وكان شيخنا‪ -‬رحه ال‪ -‬إذا لقاه أحد ف الطريق فقال‪ :‬صبحك‬
‫ال بال ي‪ .‬رد عل يه‪« :‬علي كم ال سلم» ليعل مه ال سنة‪ .‬فك يف لو سع‪:‬‬
‫صباح الفل‪ .‬صباح الياسي‪.‬‬
‫اللهـم اجعلنـا منـ يقدرك حـق قدرك‪ ،‬وأعنـا على امتثال أمرك‪،‬‬
‫واج عل أعمال نا خال صة لوج هك‪ ،‬و سببًا للنجاة من الح يم والفوز بدار‬
‫النعيم‪ ،‬فإنك رحيم كري‪.‬‬
‫وصلى ال وسلم على نبينا ممد‪ ،‬وعلى آله‪ ،‬وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫ممد بن عبدالرحن بن ممد بن قاسم‬
‫‪6/1419‬هف‬

‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ل تشَ ّككَ ف وجود ال‬
‫تبارك وتعال‬
‫المد ل الذي يسر على النسان علم ما هو متاج إليه ف معاشه‬
‫ومعاده أ ت تي سي‪ ،‬وأهّلَ من شاء لعرف ته ومعر فة أ سائه و صفاته وأ سرار‬
‫دينه وشرعه‪ ،‬والفضل بيد ال يؤتيه من يشاء وال ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬ل ي ستحق العبادة إل‬
‫هو؛ لحسانه إل عباده‪ ،‬وللله وجاله وكماله‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله بعثه وإخوانه الرسلي‪ ،‬مذكرين بذا‬
‫ال ق ومعذر ين ومنذر ين‪ .‬الل هم ص ِل و سلم على عبدك ور سولك م مد‬
‫وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬تأملوا حِك مَ اللّطيف البي أن يسر على‬
‫النسان طرق ما هو متاج إليه من العلم‪ ،‬وكلما كانت حاجته إليه‬
‫من العلم أعظم كان تيسيه إياه عليه أت فأعطاه معرفة خالقه وباريه‬
‫ومبدعه سبحانه والقرار به؛ ولذا قالت الرسل لم هم‪ :‬أَفِي اللّ هِ‬
‫شَكّ فَاطِرِ ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ يَدْعُوكُ مْ لِيَغْفِرَ لَكُ مْ مِ نْ ذُنُوبِكُ مْ‬
‫[إبراهيم‪ ]10 :‬فخاطبوهم ماطبة من ل ينبغي أن ي طر له شك‬
‫مّاـ فـ وجود ال سـبحانه‪ ،‬وإناـ يكون الشـك فيمـا تفـى‬
‫أدلتـه وتشكـل براهينـه‪ ،‬فأمـا مـن له فـ كـل شيـء مسـوس أو‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫معقول آ ية بل آيات مؤد ية ع نه شاهدة بأ نه ال الذي ل إله إل هو رب‬
‫العالي فكيف يكون فيه شك؟!‬
‫فالرسل عليهم الصلة والسلم إنا دعوا أمهم إل عبادته وحده‪ ،‬ل إل‬
‫القرار به؛ فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء فهو أظهر‬
‫للبصائر من الشمس للبصار‪ ،‬وأبي للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده‪،‬‬
‫فما ينكره إل مكابر بلسانه من كل جحود كفور‪ ،‬وقلبه وعقله وفطرته كلها‬
‫تكذبه‪ .‬فقد نصب سبحانه من الدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله‬
‫الدلة على اختلف أنواع ها ما ل يط يق ح صرها إل ال‪ ،‬ث ر كز ذلك ف‬
‫الفطرة‪ ،‬ووضعه ف العقل جلة‪ ،‬فإذا قال الداعي‪ :‬يا ال! قام بقلبه ربا‪ ،‬قيومًا‬
‫بنفسه‪ ،‬مستويًا على عرشه‪ ،‬مكلمًا‪ ،‬متكلمًا‪ ،‬سامعًا‪ ،‬رائيًا‪ ،‬قديرًا‪ ،‬مريدًا‪ ،‬فعالًا‬
‫لاـ يشاء‪ ،‬يسـمع دعاء الداعيـ‪ ،‬ويقضـي حوائج السـائلي‪ ،‬ويفرج عـن‬
‫الكروب ي‪ ،‬ترض يه الطاعات‪ ،‬وتغض به العا صي‪ ،‬تعرج اللئ كة بال مر إل يه‪،‬‬
‫ك لِلدّي ِن َحنِيفًا ِف ْط َرَة الّل ِه اّلتِي‬
‫وتنل بالمر من عنده‪ ،‬قال تعال‪َ :‬فَأِق ْم َو ْج َه َ‬
‫س لَا‬
‫ك الدّي ُن اْل َقّي ُم َوَلكِنّ َأ ْكَث َر النّا ِ‬
‫خ ْل ِق الّل ِه َذِل َ‬
‫س َعَليْهَا لَا َتْبدِي َل ِل َ‬
‫َف َط َر النّا َ‬
‫ي ِإَلْي ِه [الروم‪ ]31 ،30 :‬هذه هي الفطرة‪.‬‬
‫َي ْعَلمُو َن * ُمنِيِب َ‬
‫واسـعوا عباد ال إل دللة العقـل‪ ،‬قال تعال منكرًا على الشركيـ‬
‫معـه غيه فـ العبادة‪ :‬أَم ْف خُ ِلقُوا مِن ْف غَ ْي ِر َشيْ ٍء أَم ْف هُمُف الْخَاِلقُونَف‬
‫ف‬
‫ف بَفل لَا يُوقِنُون َ‬
‫فمَاوَاتِ وَاْلأَرْض َ‬
‫ف خَ َلقُوا الس ّ‬
‫[الطّور‪ ]35 :‬أَم ْ‬
‫[الطّور‪ ،]36 :‬يقول تعال‪ :‬هؤلء ملقون ب عد أن ل يكونوا‪ ،‬ف هل خلقوا‬
‫من غي خالق خلقهم؟ فهذا من الحال المتنع عند كل من له فهم وعقل‬
‫أن يكون مصنوع من غي صانع‪ ،‬وملوق من غي خالق‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫‪13‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ولو مر ر جل بأرض ق فر ل بناء في ها ث مر ب ا فرأى في ها بنيانًا‬
‫وقصورًا وعمارات مكمة ل ياله شك ول ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا‬
‫ُونف [الطّور‪ ]35 :‬وهذا أيضًا مـن‬
‫ُمف الْخَالِق َ‬
‫َمف ه ُ‬
‫بناهـا‪ .‬ثـ قال‪ :‬أ ْ‬
‫الستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه‪ ،‬فإن من ل يقدر أن يزيد ف‬
‫حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الياة ساعة واحدة‪ ،‬ول أصبعًا واحدًا‪،‬‬
‫ول ظفرًا‪ ،‬ول شعرة‪ ،‬كيف يكون خالقًا لنفسه ف حال عدمه؟ وإذا بطل‬
‫القسمان تعي أن لم خالقًا خلقهم وفاطرًا فطرهم‪ .‬ث قال‪ :‬أَ ْم خَ َلقُوا‬
‫ال سّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ضَ [الطّور‪ ]36 :‬وب ي بذا الق سم الثالث أن م ب عد‬
‫أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غي خالقي‪ ،‬وأن الواحد القهار الذي ل‬
‫إله غيه ول رب سواه هو الذي خلق هم وخلق ال سموات والرض‪ ،‬فهو‬
‫التفرد بلق السكن والساكن‪ ،‬بلق العال العلوي والسفلي وما فيه‪ ،‬فهو‬
‫الله ال ق الذي ي ستحق علي هم العبادة والش كر‪ ،‬فك يف يشركون به إلًا‬
‫ُونف [الطّور‪ ]36 :‬فعدم‬
‫غيه وهـو وحده الالق لمـ؟ بَل لَا يُوقِن َ‬
‫إيقانم هو الذي يملهم على الشرك به ف العبادة‪.‬‬
‫وهذا إبراهيـم اسـتدل «بأفعال الرب» حيـ حاجـه النمرود‪،‬‬
‫الكا فر الحود‪ ،‬إذ قال لبراه يم‪ :‬أرأ يت إل ك هذا الذي تع بد وتد عو‬
‫إل عباد ته وتذ كر من قدر ته ال ت تعظ مه ب ا على غيه ما هو؟ قال‬
‫إبراه يم‪ :‬رَبّ يَ الّذِي يُحْيِي وَيُمِي تُ [البقرة‪ ]258 :‬قال نرود‪:‬‬
‫أَنَا أُحْيِي وَأُمِي تُ [البقرة‪ ]258 :‬فقال له إبراه يم‪ :‬ك يف ت يي‬
‫وتيت؟ قال‪ :‬آخذ الرجلي قد استوجبا القتل ف حكمي فأقتل أحدها‬
‫فأكون قـد أمتـه‪ ،‬وأعفـو عـن الخـر فأتركـه فأكون قـد أحييتـه‪،‬‬
‫أوهم الاضرين أنه يفعل مثل ما يفعله ال فيكون ربًا‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫شرِ قِ فَأْ تِ‬
‫فقال له إبراهيم‪ :‬فَإِنّ اللّ هَ يَأْتِي بِالشّمْ سِ مِ نَ الْ َم ْ‬
‫ِبهَا مِ نَ الْ َم ْغرِ بِ [البقرة‪ ]258 :‬فإن كنت صادقًا فافعل مثل فعله ف‬
‫طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها أنت من جهة أخرى‪ .‬استدل‬
‫إبراهيم بأفعال الرب الشهودة الحسوسة الت تستلزم وجوده وكمال‬
‫قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الحياء والماتة الشهودين اللذين ل‬
‫يقدر عليهمـا إل ال وحده‪ ،‬وإتيانـه تعال بالشمـس مـن الشرق فتنصـاع‬
‫لقدر ته ومشيئ ته ل يقدر أ حد سواه على ذلك‪ .‬فل ما علم عدو ال صحة‬
‫ذلك وأن من هذا شأنه على كل شيء قدير بت وأمسك وظهر بطلن‬
‫دعواه وكذ به‪ ،‬وأ نه ل ي صلح للربوب ية وأهل كه ال وجنوده‪ ،‬قال ز يد بن‬
‫أ سلم(‪ :)1‬ج ع النمرود جي شه وجنوده و قت طلوع الش مس وأر سل ال‬
‫عليهم بابا من البعوض فأكلت لومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية‪،‬‬
‫ودخلت واحدة منها ف منخري اللك فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه ال‬
‫با حت أهلكه با‪.‬‬
‫واقتدى به فرعون ح ي دعاه مو سى إل ر به وفاطره وخال قه الذي‬
‫أوجده ورباه بنع مه‪ :‬جنينًا‪ ،‬و صغيًا‪ ،‬و كبيًا‪ ،‬وآتاه ال اللك‪ ،‬فقا بل هذا‬
‫بغايـة الكفـر والعناد‪ ،‬وادعـى أنـه رب العاليـ‪ ،‬هذا وهـو يعلم أنـه ليـس‬
‫بالذي خلق فسوى‪ ،‬ول قدر فهدى‪ ،‬فكذب الب‪ ،‬وعصى المر‪ ،‬ث أدبر‬
‫ي سعى بالدي عة وال كر‪ ،‬فح شر جنوده فأجابوه‪ ،‬ث نادى في هم بأ نه رب م‬
‫العلى واسـتخفهم فأطاعوه‪ ،‬فبطـش بـه جبار السـموات والرض بطـش‬
‫عزيز مقتدر‪ ،‬وأخذه نكال الخرة والول ليعتب بذلك من يعتب‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() فيما رواه عنه عبدالرزاق‪ .‬انظر تفسي ابن كثي على الية‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪15‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ول يستنكر الحود يا عباد ال مع ظهور الدلة‪ ،‬فهذا شأن النفوس‬
‫الاهلة الظال ة‪ ،‬ت د الر جل منغم سًا ف الن عم و قد أحا طت به من كل‬
‫جانب وهو يشكو حاله ويتسخط ما هو فيه(‪ )1‬وربا أنكر النعمة‪ ،‬فضلل‬
‫النفوس وغيها ل حد له تنتهي إليه‪.‬‬
‫ودل الدليـل العقلي والشرعـي على انتهاء الخلوقات والصـنوعات‬
‫إل خالق وا حد‪ ،‬مو صوف ب صفات يؤ ثر باـ ف الخلوقات ومقادير ها‬
‫وأشكالاـ وهيئاتاـ عـن أبـ هريرة قال‪ :‬قال رسـول ال ‪« :‬ل‬
‫عدوى‪ ،‬ول طية‪ ،‬ول ها مة‪ ،‬ول صفر» فقال العرا ب‪ :‬يا ر سول ال‬
‫فما بال البل تكون ف الرمل كأنا الضباء فيجيء البعي الجرب فيدخل‬
‫في ها فيجرب ا كل ها‪ .‬قال‪« :‬ف من أجرب الول؟!» و ف ل فظ‪« :‬أفرأ يت‬
‫الول من أعداه»(‪.)2‬‬
‫فكل ملوق له أول‪ ،‬والالق سبحانه ل أول له؛ فهو وحده الالق‪،‬‬
‫وكل ما سواه ملوق كائن بعد أن ل يكن‪.‬‬
‫و من الدلة العقل ية ما أبقاه ال تعال من آثار عقوبات أ هل الشرك‬
‫وآثار ديار هم و ما حل ب م‪ ،‬و ما أبقاه من ن صر أ هل التوح يد وإعزاز هم‬
‫وجعل العاقبة لم‪ ،‬قال تعال‪:‬‬
‫وَعَادًا َوثَمُودَ َو َقدْ تَبَيّنَ لَكُ ْم مِ ْن مَسَاكِِن ِهمْ [العنكبوت‪]39 :‬‬
‫ِكف‬
‫ُمف خَاوَِيةً بِم َا ظَلَمُوا إِن ّ ف ِي َذل َ‬
‫ْكف بُيُوُته ْ‬
‫وقال فـ ثود فَتِل َ‬
‫َلآََيةً ِل َقوْ ٍم َيعْلَمُونَ * وََأنْجَيْنَا اّلذِينَ َآمَنُوا وَكَانُوا يَّتقُو نَ [النمل‪،52 :‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() قلت‪ :‬وإذا سئل بعض هؤلء كيف حالك؟ قال‪« :‬ادعوا ل»‪.‬‬
‫() بي الدور والتسلسل وقطعهما بأوجز لفظ وأبينه‪ ،‬ففهم السامع من هذا‬
‫أن إعداء الول إن كان من إعداء غيه له فإ نه ل ين ته إل غا ية ف هو الت سلسل‬
‫ف الؤثرات‪ ،‬و هو با طل ب صريح الع قل‪ .‬وإن انت هى إل غا ية و قد ا ستفادت‬
‫الرب من إعداء من جرب به له فهو الدور المتنع‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪ ]53‬وقال عن قوم لوط‪ِ :‬إنّ ا مُ ْن ِزلُو نَ عَلَى َأ ْهلِ َهذِ هِ اْل َق ْريَةِ ِر ْجزًا مِ نَ‬
‫ال سّمَا ِء بِمَا كَانُوا َيفْ سُقُو َن * َولَ َقدْ تَرَكْنَا مِ ْنهَا َآيَ ًة بَيَّن ًة لِ َقوْ ٍم َي ْعقِلُو نَ‬
‫[العنكبوت‪.]35 ،34 :‬‬
‫وقال بعـض العراب وقـد سـئل‪ :‬مـا الدليـل على وجود ال تعال‪:‬‬
‫فقال‪ :‬يا سبحان ال! إن البعر ليدل على البعي‪ ،‬وإن أثر القدام ليدل على‬
‫السـي‪ ،‬فسـماء ذات أبراج‪ ،‬وأرض ذات فجاج‪ ،‬وبار ذات أمواج‪ ،‬أل‬
‫يدل ذلك على وجود اللطيف البي؟! فاستدل العراب بالثر على الؤثر‪،‬‬
‫ّهف اّلذِي‬
‫َمف َيرَوْا أَن ّ الل َ‬
‫َنف َأ َشدّ مِنّاف ُق ّوةً َأ َول ْ‬
‫كقوله تعال لنـ قالوا‪ :‬م ْ‬
‫خَلَ َق ُهمْ ُه َو أَ َش ّد مِ ْنهُ ْم ُق ّوةً [ُفصّلَت‪.]15 :‬‬
‫وحكي عن أب حنيفة رحه ال‪ :‬أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود‬
‫الباري تعال‪ ،‬فقال لم‪ :‬دعون فإن مفكر ف أمر قد أخبت عنه‪ -‬ذكروا ل‬
‫أن سفينة ف البحر موقرة فيها أنواع من التاجر‪ ،‬وليس با أحد يرسها ول‬
‫يسـوقها‪ ،‬وهـي مـع ذلك تذهـب وتيـء وتسـي بنفسـها‪ ،‬وتترق المواج‬
‫العظام حت تتخلص منها‪ ،‬وتسي حيث شاءت بنفسها من غي أن يسوقها‬
‫أ حد‪ .‬فقالوا‪ :‬هذا ش يء ل يقوله عا قل‪ .‬فقال‪ :‬وي كم! هذه الوجودات ب ا‬
‫فيها من العال العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الشياء الحكمة ليس‬
‫لا صانع؟ فبهت القوم‪ ،‬ورجعوا إل الق وأسلموا على يديه‪.‬‬
‫فالخلوقات جيعها وما تضمنته من التخصيصات والكم والغايات‬
‫مسـتلزمة للخالق عين ًا‪ ،‬فانتقال الذهـن منهـا إل العلم بالالق كانتقال‬
‫الذ هن من رؤ ية الدخ ـان إل أن تت ـه ن ـار‪ ،‬وم ـن رؤ ية ال سم‬
‫التحرك قسـرًا إل أن له مركًـا‪ ،‬ومـن رؤيـة شعاع الشمـس إل العلم‬

‫‪16‬‬

‫‪17‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بطلوعهـا‪ ،‬ونظائر ذلك‪ .‬فعلم العقـل بوجود الالق كجزم السـ باـ‬
‫يشاهده من آياته الشهودة‪.‬‬
‫وآياتـه سـبحانه هـي‪ :‬دلئله وبراهينـه التـ باـ يعرفـه العباد‪ ،‬وباـ‬
‫يعرفون أساءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونيه‪.‬‬
‫فآيا ته سبحانه وأدلة توحيده و ما أ خب به من العاد و ما ن صبه من‬
‫الدلة لصـدق ر سله ل تتاج إل مـا يزعمـه كثيـ مـن النظار أنـه دليـل‪،‬‬
‫كقولم‪ :‬كل مكن مفتقر إل واجب‪ ،‬وكل مدث مفتقر إل مدث‪ .‬فإن‬
‫هذه القضية الكلية بعد تعبهم ف تقريرها ودفع ما يعارضها ل تدل على‬
‫مطلوب معي وخالق معي‪ ،‬وإنا تدل على واجب مّا ومُحدِث مّا(‪.)1‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وأحدوه أن علمكــم مــا ل تكونوا تعلمون‪،‬‬
‫واذكروه يذكركم‪ ،‬وأشكروه يزدكم‪.‬‬
‫ت وَاْلأَرْ ِ‬
‫ض‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم إِنّ فِي خَلْ ِق ال سّمَاوَا ِ‬
‫ح ِر بِمَا يَ ْنفَ ُع النّا سَ‬
‫جرِي فِي الْبَ ْ‬
‫ك الّتِي تَ ْ‬
‫ف اللّ ْيلِ وَالّنهَا ِر وَالْفُلْ ِ‬
‫وَاخْتِلَا ِ‬
‫ض َبعْ َد َموِْتهَا وَبَثّ فِيهَا‬
‫وَمَا َأْنزَ َل اللّ هُ مِ نَ ال سّمَا ِء مِ ْن مَاءٍ فََأحْيَا بِ ِه الْأَرْ َ‬
‫خ ِر بَيْنَ السّمَا ِء وَاْلأَرْضِ‬
‫ب الْمُسَ ّ‬
‫ف ال ّريَاحِ وَالسّحَا ِ‬
‫صرِي ِ‬
‫مِنْ ُك ّل دَابّ ٍة َوتَ ْ‬
‫ت ِلقَوْ ٍم َي ْعقِلُونَ [البقرة‪.]164 :‬‬
‫َلآَيَا ٍ‬

‫‪1‬‬

‫() رؤي سيبويه‪ -‬رحه ال‪ -‬بعد وفاته فقيل له‪ :‬ما فعل ال بك‪ .‬قال‪ :‬غفر ل‬
‫وأدخلن النة‪ .‬قيل بأي شيء؟ قال بقول‪ :‬ال أعرف العارف‪( .‬سعت هذا ف‬
‫صغري على لسان بعض طلبة العلم)‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي علم بالقلم‪ ،‬علم النسان ما ل يعلم‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له يسـر كلًا لاـ خلق‬
‫له‪ ،‬وربك أعلم وأحكم‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله سيد اللق أجع‪ ،‬صلى ال عليه‬
‫وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الثر‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال حاجـة العباد إل معرفـة ربمـ وفاطرهـم‬
‫ومعبودهم جل جلله فوق مراتب الاجات كلها؛ فإنه ل سعادة لم‬
‫ول فلح ول صـلح ول نعيـم إل بأن يعرفوه ويعبدوه‪ ،‬ويكون هـو‬
‫وحده غاية مطلوب م وناية مرادهم‪ ،‬وذكره والتقرب إليه قرة عيون م‬
‫وحياة قلوبمـ‪ .‬فم ت فقدوا ذلك كانوا أ سوأ حالًا من النعام بكث ي‪،‬‬
‫وكانت النعام أطيب عيشًا منهم ف العاجل وأسلم عاقبة ف الجل‪.‬‬
‫ث إن ال جل جلله ك ما ي سر على الن سان طرق العر فة بر به‬
‫تبارك وتعال فقد يسر عليه معرفة ما يب عليه من «أفعاله التكليفية»‬
‫بيّ ن بكل مه وكلم ر سوله ج يع ما أ مر ال به‪ ،‬وج يع ما ن ى ع نه‪،‬‬
‫وجيع ما أحله‪ ،‬وجيع ما حرمه‪ ،‬وجيع ما عفا عنه‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫‪19‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وبذا يكون دينه كاملً‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬الْيَوْ مَ أَكْمَلْ تُ لَكُ مْ‬
‫دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [الائدة‪.]3 :‬‬
‫وكذلك أعطاهـم سـبحانه مـن العلوم التعلقـة بصـلح معاشهـم‬
‫ودنياهـم بقدر حاجتهـم‪ :‬كعلم الطـب‪ ،‬والسـاب‪ ،‬وعلم الزراعـة‪،‬‬
‫وضروب الصـنائع‪ ،‬واسـتنباط الياه‪ ،‬وعقدة البنيـة‪ ،‬وصـنعة السـفن‪،‬‬
‫وا ستخراج العادن‪ ،‬وتيئت ها ل ا يراد من ها‪ ،‬وترك يب الدو ية‪ ،‬و صنعة‬
‫الطعمة‪ ،‬ومعرفة ضروب اليل ف صيد الوحش والطي ودواب الاء‪،‬‬
‫والت صرف ف وجوه التجارات‪ ،‬ومعر فة وجوه الكا سب‪ ،‬وغ ي ذلك‬
‫ما فيه قيام معايشهم‪.‬‬
‫ث منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك ما ليس من شأنم؛ ول فيه‬
‫مصلحة لم‪ ،‬ول نشأتم قابلة له؛ فجهلهم به ل يضر‪ ،‬وعلمهم به ل‬
‫ينتفعون به انتفاعًا طائلً‪ :‬كعلم الغيب‪ ،‬وعلم ما كان وكل ما يكون‪،‬‬
‫والعلم بعدد القطــر‪ ،‬وأمواج البحــر‪ ،‬وذرات الرمال‪ ،‬ومســاقط‬
‫الوراق‪ ،‬وعدد الكواكـب ومقادير ها‪ ،‬وعلم ما فوق ال سموات و ما‬
‫ت ت الثرى‪ ،‬و ما ف ل ج البحار‪ ،‬وأقطار العال‪ ،‬و ما يك نه الناس ف‬
‫صدورهم‪ ،‬و ما ت مل كل أن ثى و ما تغ يض الرحام و ما تزداد‪ ،‬إل‬
‫سائر ما غرب عنهم علمه‪.‬‬
‫ومنع هم من العلم علم ال ساعة‪ ،‬ومعر فة آجال م فإن كان ق صي‬
‫العمر ل يتهنأ بالعيش وخربت الدنيا لن عمارت ا بالمال‪ ،‬وإن تقق‬
‫طول عمره ل يبال بالنماك فـ الشهوات وأنواع الفسـاد وتأخيـ‬
‫التو بة‪ ،‬و قد قال تعال‪ :‬وَلَيْ سَتِ التّ وْبَةُ لِلّ ذِي نَ يَعْمَلُو نَ ال سّ يّ ئَاتِ‬
‫ِينف‬
‫َنف وَلَا الّ ذ َ‬
‫ْتف الْآ َ‬
‫ْتف قَالَ إِنّيف تُب ُ‬
‫ُمف الْمَو ُ‬
‫حَتّىف إِذَا حَضَرَ أَحَدَه ُ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫يَمُوتُون َف وَهُم ْف كُفّارٌ أُولَئِك َف أَعْتَدْنَا لَهُم ْف عَذَابًا أَلِيمًا [النسـاء‪:‬‬
‫‪ )1 (]18‬إن أصدق الكلم كلم ال وخي الدي هدي ممد ( ‪.)2‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() الراجـع «مفتاح دار السـعادة» ج (‪« ،)237 ،1/280‬شفاء العليـل» (‬
‫‪ ،)212 ،211 ،205 ،204 ،156‬التــبيان ص(‪« ،)282 ،159‬إعلم‬
‫الوقعي» ج (‪« ،)1/332‬بدائع الفوائد» ج (‪« ،)175 ،4/174‬فتاوى ابن‬
‫تيمية» ج(‪.)16/357‬‬
‫() قلت‪ :‬ويضيف الطيب‪ -‬ف كل خطبة أخية‪ -‬ما هو مشهور ف الطب‬
‫الوثوقة من العبارات الامعة الأثورة‪ ،‬والترضي عن الصحابة جيعًا‪ ،‬وتصيص‬
‫اللفاء الراشد ين بالئ مة الهدي ي الذ ين قضوا بال ق و به كانوا يعدلون‪ :‬أ بو‬
‫بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ -‬ينص على أسائهم وإمامتهم وخلفت هم‪ -‬وإذا‬
‫صلى على ال نب ل ي ص الل؛ بل ي مع ب ي ال صلة على آله وأ صحابه؛‬
‫ليخرج من البدعتي‪ ،‬ول يص الل بالطهارة لن ما ورد فيهم ترغيب وأمر؛‬
‫ل خب نبه على ذلك ابن تيمية ‪-‬رحه ال‪ -‬قال‪ :‬ونن نعلم أن من بن هاشم‬
‫من ليس بطهر‪ ،‬وال ل يب أنه طهر جيع أهل البيت‪ ،‬وأذهب عنهم الرجس؛‬
‫فإن هذا كذب على ال اه ـ‪ .‬أو يترك هذه الملة ‪-‬الط يبي الطاهر ين‪ -‬و هو‬
‫أول‪ .‬ويوصي بالتقوى‪ ،‬ويصلي على النب ويدعو للمسلمي‪ .‬وإنا نبهت‬
‫على هذا لن ل أذكره ف آخر الطب‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫‪21‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال أكب‬
‫من كل شيء وأعظم‬
‫المـد ل الذي برت بدائع صـنعه اللباب‪ ،‬وخضعـت لبـوته‬
‫ال صعاب‪ ،‬ف كل م سوس إل ربوبي ته هاد‪ ،‬و كل موجود إل وحداني ته‬
‫داع‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول مثـل له‪ ،‬ول‬
‫ولد له‪ ،‬ول والد له‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله بع ثه ال و سائر‬
‫ال نبيي قبله إل من شاء من عباده‪ ،‬فجعل هم سفراء بي نه وب ي خل قه‪،‬‬
‫وأمدهـم بعونـه‪ ،‬وحبـا نبينـا مـن كرامتـه بالقسـم الفضـل‪ ،‬ومـن‬
‫ال صحاب بال ظ الو فر‪ .‬وال مد ل الذي كرم نا بت صديقه‪ ،‬وشرف نا‬
‫باتبا عه‪ ،‬وجعل نا من أ هل القرار واليان به وب ا د عا إل يه وجاء به‪.‬‬
‫صـلى ال عليـه وعلى آله وأصـحابه وسـلم أزكـى صـلواته‪ ،‬وأفضـل‬
‫سلمه وأت تياته( ‪.)1‬‬
‫أ ما ب عد ف قد روى المام ا بن خزي ة رح ه ال وغيه‪ ،‬عن عدي‬
‫بن حات الطائي رضي ال عنه ف قصة إسلمه‪ ،‬قال‪« :‬أتيت النب‬
‫و هو جالس ف السـجد‪ -‬وك نت ن صرانيًا‪ -‬فقام فلقي ته امرأة و صب‬
‫معهـا‪ ،‬فقال‪ :‬إن لنـا إليـك حاجـة‪ ،‬فقام معهمـا حتـ قضـى‬
‫‪1‬‬

‫() تفسي ابن جرير «القدمة»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حاجتهمـا‪ ،‬ثـ أخـذ بيدي حتـ أتـى داره‪ ،‬فألقيـت له وسـادة فجلس‬
‫عليها‪ ،‬وجلست بي يديه‪ .‬فحمد ال وأثن عليه‪ ،‬ث قال‪ :‬ما يفرك أن‬
‫تقول‪ :‬ل إله إل ال‪ -‬أي مـا يملك على الفرار إل التوحيـد‪ -‬فهـل‬
‫تعلم مـن إله سـوى ال؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ .‬ثـ تكلم سـاعة‪ ،‬ثـ قال‪ :‬يـا‬
‫عدي مـا يفرك‪ ،‬أيفرك أن يقال‪ :‬ال أكـب‪ ،‬فهـل تعلم شيئًا أكـب مـن‬
‫ـارى‬
‫ـم‪ ،‬والنصـ‬
‫ال؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فإن اليهود مغضوب عليهـ‬
‫ضُلّل‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬فإنـ حنيـف مسـلم‪ .‬قال فرأيـت وجهـه ينبسـط‬
‫فر حا» ف في هذا الد يث‪ -‬يا عباد ال‪ -‬أع ظم دللة على عظ مة ال‬
‫تبارك وتعال‪ ،‬وأنه أكب من كل شيء‪ :‬ذاتًا‪ ،‬وصفة‪ ،‬وأفعالً( ‪.)1‬‬
‫والعال العلوي والسـفلي بالنسـبة إل الالق سـبحانه فـ غايـة‬
‫الصغر‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا‬
‫قَبْضَتُ هُ يَوْ مَ الْقِيَامَةِ وَال سّماوَاتُ مَطْوِيّا تٌ بِيَمِينِ هِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‬
‫عَمّا يُشْرِكُو نَ [الزّ مَر‪ ]67 :‬فالرض‪ ،‬والسماء الدنيا فوقها ميطة‬
‫با من كل جانب‪ ،‬وكذا الباقي‪ ،‬والكرسي فوق السموات كلها بي‬
‫يدي العرش‪ ،‬ونسبة السموات وما فيها إل الكرسي كحلقة ف فلة‪،‬‬
‫والملة بالنسـبة إل العرش كحلقـة فـ فلة‪ ،‬والعرش فوق جيـع‬
‫الخلوقات مقبب له قوائم وهو سقف النة‪ ،‬وتته بر‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() وأخبنـا بأنـه «الكـبي»‪ ،‬فقال تعال‪ :‬الْكَِبيُ اْلمَُتعَالِ [الرّعـد‪ .]9 :‬وبأنـه‬
‫«الكب» كما ف اللفاظ الشروعة ف الذان والصلة وغيها‪ ،‬وهي أفعل تفضيل‬
‫يقتضي كونه أكب من كل شيء بميع العتبارات‪ ،‬فال أكب من كل شيء‪ ،‬ف‬
‫ذاته‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء‪ ،‬وأعظم من‬
‫كل شيء‪ ،‬وأجل من كل شيء ف ذاته وصفاته وأفعاله‪ .‬فلله سبحانه العلو الذات‪،‬‬
‫والعنوي‪ ،‬والعظمة الذاتية والعنوية‪ ،‬واللل والمال الذات والعنوي‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫‪23‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫هذا العرش العظ يم الذي هو أعل الخلوقات خلق من ملوقات‬
‫ال ل نسبة له إل عظمة ال وكبيائه‪ ،‬كما ف الديث الذي رواه أبو‬
‫داود‪ ،‬عن جبي بن مط عم قال‪« :‬أ تى ر سول ال أعرا ب فقال‪ :‬يا‬
‫رسول ال‪ :‬جهدت النفس‪ ،‬وجاع العيال‪ ،‬وذكر الديث إل أن قال‬
‫رسـول ال ‪« :‬إن ال على عرشـه‪ ،‬وإن عرشـه على سـواته لكذا‪،‬‬
‫وقال بأ صابعه م ثل الق بة»‪ .‬وروي عن ا بن عباس قال‪ :‬ما ال سموات‬
‫السبع والرضون السبع ف كف الرحن إل كخردلة ف يد أحدكم‪.‬‬
‫وروى البخاري عن ا بن م سعود ر ضي ال ع نه قال‪ :‬جاء حب‬
‫من الحبار إل رسول ال فقال‪ :‬يا ممد! إنا ند أن ال يعل‬
‫السـموات على أصـبع‪ ،‬والرضيـ على أصـبع‪ ،‬والشجـر على أصـبع‪،‬‬
‫والاء والثرى على أ صبع‪ ،‬و سائر اللق على أ صبع‪ ،‬فيقول‪ :‬أ نا اللك‪.‬‬
‫فضحك رسول ال حت بدت نواجذه تصديقًا لقول ال ب ث قرأ‪:‬‬
‫وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِ هِ [النعَام‪ ]91 :‬ال ية‪ .‬العن ما عظم‬
‫الشركون ال حق عظم ته ح ي عبدوا م عه غيه ون سبوا له ال صاحبة‬
‫والولد‪ ،‬وهو العظيم الذي ل أعظم منه‪ ،‬القادر على كل شيء‪ ،‬وكل‬
‫شيء تت قهره وقدرته‪.‬‬
‫و من عظم ته سبحانه أن اللق كل هم يرو نه من غ ي خفاء ول‬
‫ازدحام‪ ،‬روى أ بو داود ف سننه‪ ،‬عن أ ب رز ين العقيلي قال‪ :‬قلت يا‬
‫رسول ال‪ :‬أكلنا يرى ربه مليًا به يوم القيمة‪ ،‬وما آية ذلك ف خلقه؟‬
‫قال‪ « :‬يا أ با رز ين‪ :‬أل يس كل كم يرى الق مر ليلة البدر مليًا به؟»‬
‫قال‪ :‬بلى‪ .‬قال‪« :‬فإنا هو خلق من خلق ال‪ ،‬فال أجل وأعظم»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ف كل من هم يلو به ك ما يلو الر جل بالق مر ليلة البدر‪ ،‬فيقرره‬
‫بذنوبه‪.‬‬
‫ومن عظمته سبحانه أنه لا تلى منه ما تلى للجبل ساخ البل‬
‫فـ الرض وتدكدك لعظمـة مـا رأى‪ ،‬واسـتغفر موسـى مـن ذلك‬
‫ال سؤال‪ ،‬و سبح ر به تبارك وتعال‪ .‬والبـل أ كب من مو سى وأع ظم‬
‫خلقًا‪.‬‬
‫قال ابـن عباس رضـي ال عنهمـا‪ :‬مـا تلى منـه للجبـل إل قدر‬
‫النصر فجعل البل ترابًا‪ .‬قال ال تعال‪ :‬وَلَمّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا‬
‫وَكَلّ مَ هُ رَبّ هُ قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْ كَ قَالَ لَ نْ تَرَانِي وَلَكِ نِ انْظُرْ‬
‫إِلَى الْجَبَلِ فَإِ نِ ا سْتَقَرّ مَكَانَ هُ فَ سَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبّ هُ لِلْجَبَلِ‬
‫جَعَلَ هُ دَكّا وَخَرّ مُو سَى صَعِقًا فَلَمّا أَفَا قَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْ تُ إِلَيْ كَ‬
‫وَأَنَا أَوّ لُ الْمُؤْمِنِيَ [العرَاف‪.]143 :‬‬
‫وفـ الديـث الذي رواه البخاري‪« :‬حجابفه النور‪ ،‬لو كشففه‬
‫لحر قت سبحات وج هه ما انت هى إل يه ب صره من خل قه»‪ .‬فإذا كا نت‬
‫سبحات وج هه‪ -‬و هي جلله ونوره‪ -‬ل يقوم ل ا ش يء من خل قه‪ ،‬ف ما‬
‫الظن بلل ذلك الوجه الكري وعظمته وكبيائه وكماله وجلله وجاله‪.‬‬
‫وف حديث حذيفة ف رؤية الؤمني رب م ف ال نة‪ « :‬فيكشف‬
‫ال ال جب فيتجلى ل م فيغشا هم من نوره ما لول أن ال ق ضى أن‬
‫ل يوتون لحترقوا»( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() فحجابه النور ملوق‪ .‬وأما أنوار الذات الت يجب عن إدراكها فذاك صفة للذات‬
‫ل تفارق ذات الرب جل جلله‪ .‬ول يس كمثله ش يء من النوار ك ما أن ذا ته لي ست‬
‫كشيء من الذوات‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪25‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و من عظم ته سبحانه « سعة سعه»‪ :‬ي سمع كلم عباده كله مع‬
‫اختلف لغات م وتف نن حاجات م؛ ي سمع دعاء هم سع إجا بة‪ ،‬وي سمع‬
‫كل ما يقولونه سع علم وإحاطة‪ ،‬ل يشغله سع عن سع‪ ،‬ول تغلطه‬
‫السفمَاوَاتِ‬
‫َنف ف ِي ّ‬
‫َسفأَلُهُ م ْ‬
‫السـائل‪ ،‬ول يتـبم بإلاح اللحيـ ي ْ‬
‫وَالْأَرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحن‪.]29 :‬‬
‫وروى ابـن أبـ حاتـ‪ ،‬عـن عائشـة رضـي ال عنهـا أناـ قالت‪:‬‬
‫تبارك الذي أو عى سعه كل ش يء‪ ،‬إ ن ل سع كلم خولة ب نت ثعل بة‬
‫ويفـى علي بعضـه وهـي تشتكـي زوجهـا إل رسـول ال ‪ ،‬وهـي‬
‫تقول‪ :‬يا رسول ال أكل مال‪ ،‬وأفن شباب‪ ،‬ونثرت له بطن‪ ،‬حت إذا‬
‫كبت سن‪ ،‬وانقطع ولدي ظاهر من‪ ،‬اللهم إن أشكو إليك‪ .‬قالت‬
‫ف ما بر حت ح ت نزل جب يل بذه ال ية‪ :‬قَدْ سَمِعَ اللّ هُ قَوْلَ الّتِي‬
‫تُجَادِلُ كَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللّ هِ وَاللّ هُ يَ سْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنّ‬
‫اللّه َف سَمِيعٌ بَ صِيٌ * الّ ذِي نَ يُظَاهِرُو نَ مِنْكُ مْ مِ نْ نِ سَائِهِمْ مَا هُنّ‬
‫أُمّ هَاتِهِ مْ إِ نْ أُمّ هَاتُهُ مْ إِلّا اللّائِي وَلَدْنَهُ مْ وَإِنّ هُ مْ لَيَقُولُو نَ مُنْكَرًا مِ نَ‬
‫الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنّ اللّ هَ لَعَفُوّ غَفُورٌ * وَالّ ذِي نَ يُظَاهِرُو نَ مِ نْ نِ سَائِهِمْ‬
‫ُمف‬
‫َنف يَتَمَاسفّا ذَلِك ْ‬
‫ِنف قَبْلِ أ ْ‬
‫ُونف لِم َا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ م ْ‬
‫ثُم ّ يَعُود َ‬
‫تُوعَظُو نَ بِ هِ وَاللّ هُ بِمَا تَعْمَلُو نَ خَبِيٌ * فَمَ نْ لَ مْ يَجِدْ فَ صِيَامُ شَهْرَيْ نِ‬
‫مُتَتَابِعَيْ نِ مِ نْ قَبْلِ أَ نْ يَتَمَا سّا فَمَ نْ لَ مْ يَ سْتَطِعْ فَإِطْعَا مُ سِتّ يَ مِ سْكِينًا‬
‫ذَلِ كَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّ هِ وَرَ سُولِهِ وَتِلْ كَ حُدُودُ اللّ هِ وَلِلْكَافِرِي نَ عَذَا بٌ‬
‫أَلِيمٌ [ال جَادلة‪.]4 -1 :‬‬
‫وكذلك ما ثبت ف صحيح مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه ‪،‬‬
‫عـن النـب قال‪« :‬يقول ال‪ :‬قسفمت الصفلة بينف وبيف‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عبدي نصفي فنصفها ل ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل‪ .‬فإذا قال‬
‫العبفد‪ :‬المفد ل رب العاليف‪ .‬قال ال‪ :‬حدنف عبدي‪ .‬فإذا قال‪:‬‬
‫الرحنف الرحيفم‪ .‬قال ال‪ :‬أثنف علي عبدي‪ .‬فإذا قال العبفد‪ :‬مالك‬
‫يوم الدين‪ .‬قال ال ‪ :‬مدن عبدي‪ ،‬فإذا قال العبد‪ :‬إياك نعبد وإياك‬
‫نستعي‪ .‬قال‪ :‬هذه بين وبي عبدي نصفي‪ ،‬ولعبدي ما سأل‪ .‬فإذا‬
‫قال‪ :‬إهدنفا الصفراط السفتقيم صفراط الذيفن أنعمفت عليهفم غيف‬
‫الغضوب عليهفم ول الضاليف‪ .‬قال‪ :‬هؤلء لعبدي‪ ،‬ولعبدي مفا‬
‫سأل» فهذا يقوله سبحانه وتعال ل كل م صل قرأ الفاتةـ‪ ،‬فلو صلى‬
‫الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك‪ ،‬وف تلك الساعة يصلي من‬
‫يقرأ الفاتة من ل يصي عدده إل ال‪ ،‬وكل واحد منهم يقول ال له‬
‫كما يقول لذا‪.‬‬
‫«وكرسيه قد وسع السموات والرض‪ ،‬ول يؤده حفظهما» فإذا‬
‫كان ل يؤوده خلقـه ورزقـه على هذه التفاصـيل؛ فكيـف يؤوده العلم‬
‫بذلك‪ ،‬أو سع كلمهم‪ ،‬أو رؤية أفعالم‪ ،‬أو إجابة دعائهم؟‬
‫و من عظم ته سبحانه أ نه يكلم العباد يوم القيا مة ويا سبهم ل‬
‫يشغله هذا عن هذا‪ .‬وذلك الحا سب ل يرى أ نه يا سب غيه‪ .‬ق يل‬
‫ل بن عباس‪ :‬ك يف يا سبهم ف ساعة واحدة؟ قال‪ :‬ك ما يرزق هم ف‬
‫ساعة واحدة‪.‬‬
‫ومن عظمته سبحانه أن اللق كلهم ل ييطون به روى ابن أب‬
‫حات بسنده إل أب سعيد الدري‪ ،‬عن النب ف تفسي قوله تعال‪:‬‬
‫لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [النعَام‪.]103 :‬‬

‫‪26‬‬

‫‪27‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫قال‪« :‬لو أن ال ن وال نس والشياط ي واللئ كة م نذ خلقوا إل‬
‫أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بال أبدا»‪.‬‬
‫و من صفاته العظي مة‪« :‬غناه التام» فإ نه يُطْعِ مُ وَلَا يُطْعَ مُ‬
‫[النعَام‪ ،]14 :‬و ف قراءة ول يَطْعَ مُ بف تح الطاء ف هو الغ ن بذا ته عن‬
‫كـل مـا سـواه‪ .‬ومـن ملوقاتـه اللئكـة وهـم صـمد ل يأكلون ول‬
‫يشربون كما ذكر ال ذلك عنهم ف قصة ضيف إبراهيم فَلَمّا رَأَى‬
‫أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هُود‪.]70 :‬‬
‫عباد ال هذه اليات والحاديث وما ف معناها تدل بداهة على‬
‫وجود ال تبارك وتعال وعظمتـه‪ ،‬وأنـه مسـوس لبعـض اللق ببعـض‬
‫الواس ال مس؛ ف قد أدرك مو سى كل مه با سة سعه وَكَلّ مَ اللّ هُ‬
‫ُمف‬
‫َمف أَنْبِئْه ْ‬
‫مُوسفَى تَكْلِيم ًا [النّسـاء‪ ]164 :‬وآدم قَالَ ي َا آَد ُ‬
‫بِأَ سْمَائِهِمْ [البَقَرَة‪ ]33 :‬وتسمع كلمه اللئكة حَتّى إِذَا فُزّ عَ‬
‫عَ نْ قُلُوبِهِ مْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبّ كُ مْ قَالُوا الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيُ‬
‫[سـَبأ‪ ،]23 :‬وأنـه يكـن الحسـاس بـه فيى يوم القيامـة‪ ،‬ويسـمع‬
‫كلمـه‪ .‬والنسـان يقـر بوجود أشياء ل يسـ باـ هـو كوجود بعـض‬
‫الماكن والمم وأجداده الذين ل يدركهم؛ بل ومادته الت كُوّن منها‬
‫ل يس با هو ول ينكرها عاقل( ‪ ، )1‬لكنه يكن أن يس با غيه‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() قلت‪ :‬وهذه الشبهة‪ -‬أن ما ل يس بالواس المس أو بأحدها ل يؤمن به‪ -‬قديه حديثة‪:‬‬
‫قد ش به ب ا الدهريون على ال هم بن صفوان فتح ي‪ ،‬قالوا له‪ :‬هل رأ يت إل ك هل سعت‬
‫كل مه؟ إل‪ .‬فقال‪ :‬ل‪ .‬ول يو فق لن يذ كر ساع مو سى وآدم‪ ،‬وتدكدك ال بل‪ ،‬وأن الناس‬
‫يرون ربم يوم القيامة إل‪.‬‬
‫وقال‪ :‬أحد الساتذة اللحدين لتلميذه‪ :‬هل رأيتم ال؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬إذًا ما هو موجود‪ .‬فرفع‬
‫أحد التلميذ أصبعه وقال‪ :‬ألك عقل يا أستاذ؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬هل رأيت عقلك؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال‪ :‬إذًا ليس لك عقل‪ .‬فخجل لا خصم «قصة سعتها من بعض أساتذة هناك»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أما ما ل يس ول يكن الحساس به فل يكون موجودًا‪.‬‬
‫عباد ال ول يكفـي اليان بأن لذا الكون خالقًـا‪ ،‬ول اليان‬
‫بأن وراء هذا الكون قوة مدبرة( ‪ )1‬بل لبد من اليان بال بالوصاف‬
‫ال ت و صف ب ا نف سه وو صفه ب ا ر سوله‪ ،‬وأ نه هو خالق هذا الكون‬
‫وحده‪ ،‬والمـر له وحده‪ ،‬والعبادة له وحده‪ ،‬ولبـد من وجود العبادة‬
‫له وحده على وفق ما شرعه سبحانه‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬إن العلم والقرار بصـفات ال تعال وعظمتـه يدعـو‬
‫الن سان إل البادرة بف عل الوا مر‪ ،‬والبتعاد عن النا هي‪ ،‬قال ب عض‬
‫ال سلف‪ :‬ما ع صى ال إل جا هل‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرج يم‬
‫يَوْ مَ نَطْوِي ال سّ مَاءَ كَطَيّ ال سّ جِلّ لِلْكُتُ بِ كَمَا بَدَأْنَا أَوّ لَ خَلْ قٍ‬
‫نُعِيدُ هُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنّ ا كُنّ ا فَاعِلِيَ [ال نبيَاء‪ ] 104 :‬بارك ال ل‬
‫ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل الذي سبحت الكائنات بمده‪ ،‬هو تعال ك ما و صف‬
‫نفسه‪ ،‬وفوق ما يصفه به خلقه‪ ،‬العال بالسرار والفيات‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له شهادة مـبأة مـن‬
‫الشراك ف القوال والعمال والنيات‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫خشَى الّل َه‬
‫() كما شهد باليان لعلماء الصناعة والفلك من شهد‪ ،‬وادخلوهم ف آية ِإّنمَا َي ْ‬
‫ِم ْن ِعبَا ِد ِه اْل ُعَلمَا ُء [فَاطِر‪ ]28 :‬وهم ل يصلوا بعد إل إيان أب جهل وأضرابه الذين أقروا‬
‫بربوبية ال وأنكروا إخلص العبادة له‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫‪29‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله شهدت برسالته العجزات‪ ،‬فعليه‬
‫وعلى آله وأصحابه أكمل السلم والصلوات‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال اتقوا ال تعال؛ فتقواه دللة على أن الرء قد‬
‫عظـم ال‪ ،‬واعبدوه كأنكـم ترونـه‪ ،‬ولو رأيتموه فـ هذه الياة لبطـل‬
‫التكليف وارتفع الثواب روى الطبان عن أب موسى الشعري رضي ال‬
‫ع نه‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول ال ‪« :‬إن ال تعال يقول‪ :‬ثلث غيبت هن عن‬
‫عبادي لو رآ هن ر جل ما ع مل ب سوء أبدًا‪ ،‬لو كش فت غطائي فرآ ن‬
‫ح ت ا ستيقن ويعلم ك يف أف عل بل قي إذا أتيت هم وقب ضت ال سموات‬
‫بيدي‪ ،‬ث قب ضت الرض ي‪ ،‬ث قلت أ نا‪ :‬اللك‪ ،‬من ذا الذي له اللك‬
‫دو ن‪ ،‬فأري هم ال نة و ما أعددت ل م في ها من كل خ ي في ستيقنوها‪،‬‬
‫وأري هم النار و ما أعددت ل م في ها من كل شر في ستيقنوها‪ ،‬ول كن‬
‫عمدًا غيبت ذلك عنهم لعلم كيف يعملون‪ ،‬وقد بينته لم»‪.‬‬
‫واعلموا عباد ال أن صـفات ال تعال ثابتـة له معلومـة العانـ‪،‬‬
‫السفمِيعُ‬
‫ِهف شَيْءٌ وَهُوَ ّ‬
‫ْسف كَمِثْل ِ‬
‫ول تاثلهـا صـفات الخلوقيـ لَي َ‬
‫الْبَ صِيُ [الشّورى‪ ] 11 :‬وأكثروا من ال صلة وال سلم على البش ي‬
‫ّمف‬
‫ْهف مَا عَنِت ْ‬
‫ُسفكُمْ عَزِيزٌ عَلَي ِ‬
‫ِنف أَنْف ِ‬
‫ُمف رَسفُولٌ م ْ‬
‫النذيـر لَقَدْ جَاءَك ْ‬
‫حَرِي صٌ عَلَيْكُ مْ بِالْمُؤْمِنِيَ رَءُو فٌ رَحِي مٌ [التّوبَة‪ ] 128 :‬إن ال‬
‫وملئكته يصلون على النب ‪.)1 (...‬‬
‫‪1‬‬

‫() تفسي ابن جرير‪ ،‬صحيح ابن خزية‪ ،‬بدائع الفوائد ج(‪ ،)175 ،4/174‬إعلم الوقعي‬
‫ج(‪ ،)282 ،1/332‬الصـواعق ص (‪،432 ،1604 ،1603 ،504 ،431 ،1378‬‬
‫‪ .)1082‬فتح الباري ج(‪ ،)13/393‬الوابل الصيب ( ‪ ،)113‬فتاوى ابن تيمية ج(‪5/246‬‬
‫‪ ،)481 -478 ،‬ج(‪.)394 ،6/416‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ماسن ربنا جل جلله‬
‫(أساؤه‪ ،‬وصفاته)‬
‫ال مد ل التفرد بالعظ مة واللل‪ ،‬ال كبي التعال‪ ،‬حي قيوم ل‬
‫ينام‪ ،‬ول ينبغـي له أن ينام‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك‬
‫له‪ ،‬الكـبياء رداؤه‪ ،‬والعظمـة إزاره‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله‬
‫القائل‪« :‬اللهـم لك المـد كله‪ ،‬ولك اللك كله‪ ،‬وبيدك اليـ كله‪،‬‬
‫وإليك يرجع المر كله» اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك ممد‬
‫وعلى آله وصحبه‪ ،‬العظمي لمر ال ونيه‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا أيهـا الناس اتقوا ال تعال‪ ،‬واحدوه أن عرفكـم‬
‫بنف سه ف كتا به وعلى ل سان ر سوله لتقدروه حق قدره‪ .‬وتنالوا‬
‫القرب إليه والفوز بثوابه‪.‬‬
‫أخبكم سبحانه أنه «الول» بل بداية‪ ،‬فقال (هو الول) روى‬
‫البخاري والترمذي عـن عمران بـن حصـي رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫دخلت على ال نب وعقلت ناق ت بالباب‪ ،‬فأ تى ناس من ب ن ت يم‪،‬‬
‫فقال‪« :‬اقبلوا البشرى يـا بنـ تيـم»‪ .‬قالوا‪ :‬بشرتنـا فأعطنـا‪ ،‬مرتيـ‪.‬‬
‫فتغي وجهه‪ .‬ث دخل عليه ناس من أهل اليمن‪ ،‬فقال‪« :‬اقبلوا البشرى‬
‫يـا أهـل اليمـن إذ ل يقبلهـا بنـو تيـم»‪ .‬قالوا‪ :‬قبلنـا يـا رسـول‬
‫ال‪ .‬ثـ قالوا‪ :‬جئنـا لنتفقـه فـ الديـن‪ ،‬ولنسـألك عـن أول هذا‬

‫‪30‬‬

‫‪31‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫المر ما كان‪ .‬قال‪« :‬كان ال ول يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه على‬
‫الاء‪ ،‬ث خلق ال سموات والرض‪ ،‬وك تب ف الذ كر كل ش يء»‪ .‬ل ا‬
‫سألوه عن بدا ية هذا العال الشا هد أ خبهم أ نه تعال كان ق بل كل‬
‫شيء( ‪.)1‬‬
‫وفـ الدعاء الشهور الذي رواه مسـلم‪« :‬أنفت الول فليفس‬
‫قبلك ش يء‪ ،‬وأ نت ال خر فل يس بعدك ش يء‪ ،‬وأ نت الظا هر فل يس‬
‫فو قك ش يء‪ ،‬وأ نت البا طن فل يس دو نك ش يء » فأولي ته سبحانه‬
‫سابقة على أول ية ما سواه‪ ،‬وآخري ته بقاؤه ب عد كل ش يء‪ ،‬وظاهري ته‬
‫سبحانه فوقي ته وعلوه على كل ش يء‪ ،‬وبطو نه سبحانه إحاط ته ب كل‬
‫شيء بيث يكون أقرب إليه من نفسه فما من أول إل وال قبله‪ ،‬وما‬
‫من آ خر إل وال بعده‪ .‬و«الظا هر» علوه وعظم ته‪ .‬و«البا طن» قر به‬
‫ودنوه‪.‬‬
‫وعن أب رزين العقيلي قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال! أين كان ربنا‬
‫ق بل أن يلق ال سموات والرض؟ قال‪« :‬كان ف عماءٍِ ما فو قه هواء‬
‫ومفا تتفه هواء‪ ،‬ثف خلق عرشفه على الاء‪ ،‬ثف اسفتوى عليفه» رواه‬
‫الترمذي وا بن ما جه وغيه ا‪ .‬والعماء هو ال سحاب الكث يف الط بق‬
‫َامف‬
‫ِنف الْغَم ِ‬
‫ّهف فِي ظُلَلٍ م َ‬
‫ُمف الل ُ‬
‫َنف يَأْتِيَه ُ‬
‫ُونف إِلّا أ ْ‬
‫كقوله‪ :‬هَلْ يَنْظُر َ‬
‫وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة‪.]210 :‬‬
‫‪1‬‬

‫() وأما ما خلقه قبل ذلك شيئًا فشيئًا فهو بنلة ما سيخلقه بعد قيام الساعة ودخول أهل النة‬
‫والنار منازلما‪ .‬وهذا ما ل سبيل للعباد إل معرفته‪ .‬وأخبت الرسل بتقدم أسائه وصفاته كما‬
‫صيًا‬
‫ف قوله‪َ :‬وكَا َن الّل ُه َعزِيزًا َحكِيمًا [الن ساء‪َ ]158 :‬وكَا َن الّل ُه َسمِيعًا َب ِ‬
‫[النّساء‪ ]134 :‬ونو ذلك قال ابن عباس‪ :‬كان ول يزال‪ .‬ول يقيد كونه بوقت دون وقت‪،‬‬
‫ويتنع أن يدث له غيه صفة‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ولنسـتمع يـا عباد ال إل ذكـر بعـض ماسـن ربنـا جـل وعل‬
‫التمثلة ف صفاته العليا وأسائه السن‪ -‬فمنها أنه الْحَيّ الْقَيّو مُ‬
‫[البَقَرَة‪ ]255 :‬الذي لكمال حيا ته وقيومي ته ل تأخذه سنة ول نوم‪.‬‬
‫«مالك ال سماوات والرض» الذي لكمال مل كه ل يش فع عنده أ حد‬
‫إل بإذ نه‪« .‬العال ب كل ش يء» الذي لكمال عل مه يعلم ما ب ي أيدي‬
‫اللئق و ما خلف هم‪ ،‬فل ت سقط ور قة إل بعل مه‪ ،‬ول تتحرك ذرة إل‬
‫بإذنـه‪ ،‬يعلم دبيـب الواطـر فـ القلوب حيـث ل يطلع عليهـا اللك‪،‬‬
‫ويعلم ما سيكون من ها ح يث ل يطلع عل يه القلب‪« .‬الب صي» الذي‬
‫لكمال بصـره يرى تفاصـيل خلق الذرة الصـغية وأعضاءهـا ولمهـا‬
‫ودم ها وم ها وعروق ها‪ ،‬ويرى دبيب ها على ال صخرة ال صماء‪ ،‬ف الليلة‬
‫الظلماء‪ ،‬ويرى ما ت ت الرض ي ال سبع ك ما يرى ما فوق ال سموات‬
‫السبع‪« .‬السميع» الذي قد استوى ف سعه سر القول وجهره‪ ،‬وسع‬
‫سعه ال صوات‪ ،‬فل تتلف عليه أ صوات اللق‪ ،‬ول تشتبه عل يه‪ ،‬ول‬
‫يشغله منهـا سـع عـن سـع‪ ،‬ول تغلطـه السـائل‪ ،‬ول يـبمه كثرة‬
‫السـائلي‪ .‬قالت عائشـة ر ضي ال عن ها و عن أبيهـا‪ :‬المـد ل الذي‬
‫و سع سعه ال صوات‪ ،‬ل قد جاءت الجادلة تش كو إل ر سول ال‬
‫وإن ليخفى علي بعض كلمها‪ ،‬فأنزل ال ‪ :‬قَدْ سَمِعَ اللّ هُ قَوْلَ‬
‫فمَعُ‬
‫ف يَس ْ‬
‫ف وَاللّه ُ‬
‫ف ف ِي زَوْجِه َا وَتَشْتَك ِي إِلَى اللّه ِ‬
‫الّت ِي تُجَادِلُك َ‬
‫تَحَاوُرَكُمَا إِنّ اللّ هَ سَمِيعٌ بَ صِيٌ [ال جَادلة‪« . )1 (]1 :‬القدير» الذي‬
‫لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء‪ ،‬وي عل الؤمن مؤمنًا‪،‬‬
‫والكافـــر كافرًا‪ ،‬والب برًا‪ ،‬والفاجـــر فاجرًا‪ ،‬وهـــو الذي‬
‫‪1‬‬

‫() وتقدم هذا الديث‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫‪33‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫جعـل إبراهيـم وآله أئمـة يدعون إليـه ويهدون بأمره‪ ،‬وجعـل فرعون‬
‫وقو مه أئ مة يدعون إل النار‪ .‬ولكمال قدر ته ل ي يط أ حد بش يء من‬
‫علمـه إل باـ شاء سـبحانه أن يعلمـه إياه‪ .‬ولكمال قدرتـه خلق‬
‫ال سموات والرض و ما بينه ما ف ستة أيام و ما م سه من لغوب‪ ،‬ول‬
‫يعجزه أحـد مـن خلقـه ول يفوتـه‪ .‬ولكمال «غناه» اسـتحال إضافـة‬
‫الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه‪ .‬ولكمال «عظمته‬
‫وعلوه» وسع كرسيه السموات والرض‪ ،‬ول تسعه أرضه ول سواته‬
‫ول ت ط به ملوقا ته‪ ،‬بل هو العال على كل ش يء و هو ب كل ش يء‬
‫ميـط‪ .‬ول تن فد «كلما ته» ول تبدل‪ ،‬ولو أن الب حر يده سبعة أبرـ‬
‫مدادًا( ‪ )1‬وأشجار الرض أقلمًا فك تب بذلك الداد وبتلك القام لن فد‬
‫الداد وفن يت القلم ول تن فد كلما ته‪ ،‬إذ هي غ ي ملو قة‪ ،‬وي ستحيل‬
‫أن يَفْنَى غيُ الخلوق بالخلوق‪.‬‬
‫وهو سبحانه ي ب رسله وعباده الؤمني‪ ،‬ويبونه‪ ،‬بل ل شيء‬
‫أحـب إليهـم منـه‪ ،‬ول أشوق إليهـم مـن لقائه‪ ،‬ول أقـر لعينهـم مـن‬
‫رؤيته‪ ،‬ول أحظى عندهم من قربه‪ .‬وأنه سبحانه له «الكمة البالغة»‬
‫ف خل قه وأمره‪ ،‬وله «النع مة ال سابغة» على خل قه‪ ،‬و كل نع مه م نه‬
‫ف ضل‪ ،‬و كل نق مة م نه عدل‪ .‬وأ نه أَرح مُ بعباده من الوالدة بولد ها‪،‬‬
‫وأنه أفرح بتو بة عبده من وا جد راحل ته ال ت علي ها طعامه وشرابه ف‬
‫الرض الهلكة بعد فقدها واليأس منها‪ .‬وأنه سبحانه ل يكلف عباده‬
‫إل وسعهم وهو دون طاقتهم‪ .‬وأنه سبحانه ل يعاقب أحدًا بغي ذنب‬
‫فعله‪ ،‬ول يعاقبــه على فعــل غيه‪ ،‬ول يعاقبــه بترك مــا‬
‫‪1‬‬

‫() الداد‪ :‬الب‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ل يقدر على فعله‪ ،‬ول على ما ل قدرة له على تركه‪.‬‬
‫وأ نه حل يم‪ ،‬كر ي‪ ،‬وا جد‪ ،‬م سن‪ ،‬ودود‪ ،‬صبور‪ ،‬شكور‪ ،‬يطاع‬
‫فيش كر‪ ،‬ويع صى فيغ فر‪ ،‬ل أ حد أ صب على أذى سعه من ال‪ ،‬ول‬
‫أ حب إل يه الدح م نه‪ ،‬ول أ حب إل يه العذر م نه‪ ،‬ول أ حد أ حب إل يه‬
‫الح سان م نه‪ ،‬ف هو م سن ي ب الح سني‪ ،‬شكور ي ب الشاكر ين‪،‬‬
‫جيل يب المال‪ ،‬طيب يب كل طيب‪ ،‬نظيف يب النظافة‪ ،‬عليم‬
‫يبـ العلماء مـن عباده‪ ،‬كريـ يبـ الكرماء‪ ،‬قوي والؤمـن القوي‬
‫أحـب إليـه مـن الؤمـن الضعيـف‪ ،‬بر يبـ البرار‪ ،‬عدل يبـ أهـل‬
‫العدل‪ ،‬حيي ستي يب أهل الياء والستر‪ ،‬عفو غفور يب من يعفو‬
‫عن عباده ويغفر لم‪.‬‬
‫صـادق يبـ الصـادقي رفيـق يبـ الرفـق‪ ،‬جواد يبـ الود‬
‫وأهله‪ .‬رحيم يب الرحاء‪ ،‬وتر يب الوتر‪.‬‬
‫[وبالملة] ف كل صفة غل يا‪ ،‬وا سم ح سن‪ ،‬وثناء ج يل‪ ،‬و كل‬
‫ح د ومدح وت سبيح وتن يه وتقد يس وجلل وإكرام ف هو ل على‬
‫أكمل الوجوه وأتها وأدومها‪.‬‬
‫وجيع ما يوصف به ويذكر به ويب عنه به فهو مامد له وثناء‬
‫عليه وتسبيح وتقديس‪ -‬فسبحانه وبمده ل يصى أحد من خلقه ثناءً‬
‫عليه لكثرة صفاته وكمالا‪ ،‬بل هو كما أثن على نفسه وفوق ما يثن‬
‫به عل يه خل قه‪ ،‬فله المـد أولً وآخرًا‪ ،‬ح دًا كثيًا طيبًا مباركًا ف يه‬
‫كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلله‪ ،‬ورفيع مده وعلوّ جَدّه‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال واقدروه حـق قدره‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬

‫‪34‬‬

‫‪35‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الرج يم وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِ هِ وَالْأَرْ ضُ جَمِيعًا قَبْضَتُ هُ يَوْ مَ‬
‫الْقِيَامَةِ وَال سّماوَاتُ مَطْوِيّا تٌ بِيَمِينِ هِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُو نَ‬
‫[الزّ مَر‪.]67 :‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المد ل حدًا كثيًا على نعمائه‪ ،‬وكما ينبغي لكرم وجهه وعز‬
‫جلله له‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له إقرارًا بإليتـه‪،‬‬
‫واعترافًا ب ا ي ب على اللق من الذعان لربوبي ته‪ .‬وأش هد أن ممدًا‬
‫عبده ور سوله وخليله أكرم اللق وأزكا هم‪ ،‬وأعرف هم بال وأتقا هم‪،‬‬
‫صلوات ال و سلمه عل يه وعلى إخوا نه ال نبيي‪ ،‬وال صحابة والتابع ي‪،‬‬
‫ومن تبعهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال قد ذم ال من ل يقدره حق قدره ف ثلثة‬
‫مواضـع مـن كتابـه فأخـب أنـه ل يقدره حـق قدره مـن أنكـر إرسـاله‬
‫للر سل وإنزال كت به علي هم‪ ،‬ول يقدره حق قدره من ع بد م عه إلًا‬
‫آخر‪ ،‬ول يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلله‪.‬‬
‫واليان بـه سـبحانه ل يتـم إل بتعظيمـه‪ ،‬ول يتـم تعظيمـه إل‬
‫بتعظ يم أمره ونيـه فعلى قدر تعظ يم الع بد ل سبحانه يكون تعظي مه‬
‫لمره ونيه‪ ،‬وتعظيم المر يدل على تعظيم المر‪ .‬وأول مراتب تعظيم‬
‫المـر التصـديق بـه‪ ،‬ثـ العزم الازم على امتثاله‪ ،‬ثـ السـارعة إليـه‬
‫والبادرة إليه رغم القواطع والوانع‪ ،‬ث بذل الُهْدِ والنصح ف التيان‬
‫بـه على أكمـل الوجوه‪ ،‬ثـ فعله لكونـه مأمورًا بـه سـواء ظهرت‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫له حكم ته أو ل تظهر‪ .‬فإن ورد الشرع بذ كر حك مة ال مر أو فقه ها‬
‫الع قل كا نت زيادة ف الب صية والداع ية إل المتثال وإن ل تظ هر له‬
‫حكمته ل يوهن ذلك انقياده ول يقدح ف امتثاله‪.‬‬
‫ول يغتـر السـلم بنـ حذق فـ العلوم الصـناعية والرياضيـة‪،‬‬
‫وا ستنبطوا بعقول م وجودة قرائح هم و صحة أفكار هم ما ع جز أك ثر‬
‫الناس عـن تعلمـه واسـتنباطه‪ ،‬فَيَظُنّـ أن معرفتهـم بالعلوم الليـة‬
‫والعارف الربانيـة كمعرفتهـم بذه العلوم الصـناعية والرياضيـة‪ ،‬فهذا‬
‫الظـن أو هذه البليـة جرأت كثيًا مـن النفوس على تكذيـب الرسـل‬
‫واسـتجهالم‪ .‬ومـا عرف أصـحاب هذه الشبهـة أن ال سـبحانه قـد‬
‫يعطي أجهل الناس به وبأسائه وصفاته من الذق ف العلوم الرياضية‬
‫والصنائع العجيبة ما تعجز عنه عقول أكثر الناس ومعارفهم‪ ،‬وقد قال‬
‫ال نب ‪ « :‬أن تم أعلم بأمور دنيا كم» وقال ب عض ال سلف‪ :‬يبلغ من‬
‫علم أحدهـم بالدنيـا أنـه ينقـر الدرهـم بظفره فيعلم وزنـه ول علم له‬
‫بش يء من دي نه‪ .‬وقال تعال ف علوم هؤلء واغترار هم باـ فَلَمّاف‬
‫جَاءَتْهُ مْ رُ سُلُهُمْ بِالْبَيّ نَا تِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُ مْ مِ نَ الْعِلْ مِ وَحَا قَ بِهِ مْ‬
‫مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( ‪[ )1‬غافر‪ ]83 :‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() طريـق الجرتيـ ص (‪ ،)24 ،127 ،175 ،132 -125‬الصـواعق ص (‪،444‬‬
‫‪ .)1561 ،1358‬جامع الصول ج(‪ ،)4/15‬مموع الفتاوى ج(‪239 ،238 ،5/55‬‬
‫) ج(‪.)2/275‬‬

‫‪36‬‬

‫‪37‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال الالق‪ ،‬ل الطبيعة‬
‫تدبي اللئكة‪ ،‬تسبيح الخلوقات‬
‫ال مد ل الالق البارئ ال صور‪ ،‬ل ي ستحق هذه ال ساء ال سن‬
‫سواه‪ ،‬برأ الليقة وأوجدها‪ ،‬وأبدعها على غي مثال سبق لا‪ ،‬وأعطى‬
‫الع بد الت صرف ف ب عض صفات ما أوجده الرب وبراه‪ ،‬يغي ها من‬
‫حال إل حال على وجه مصوص ل يتعداه‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬رب كـل شيـء‬
‫ومليكه‪ ،‬ل رب لشيء من الشياء إل هو‪ ،‬وهو إله كل شيء وَهُوَ‬
‫الّ ذِي فِي السّ مَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزّخرُف‪ ]84 :‬لَوْ كَانَ‬
‫َسفدَتَا [النـبيَاء‪ ]22 :‬وسـبحان ال عمـا‬
‫ّهف لَف َ‬
‫فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلّا الل ُ‬
‫يقول الظالون علوًا كبيًا‪.‬‬
‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‪ ،‬الوا سطة بي نه وب ي خل قه ف‬
‫تبليغ أمره ونيه وخبه فل يعرفون ما يبه ويرضاه‪ ،‬ويبغضه ويسخطه‬
‫إل بواسـطة هذا الرسـول الذي اصـطفاه ال واجتباه‪ .‬صـلى ال عليـه‬
‫وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه الذ ين يضيفون جيـع الوادث إل مشيئة‬
‫ال( ‪ )1‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أ ما ب عد ف يا عباد ال‪ -‬اللق أع ظم الفعال‪ ،‬فإ نه ل يقدر عل يه‬
‫‪1‬‬

‫() ويقولون‪ :‬شاء ال‪ ،‬أو يشاء ال‪ .‬ول يقولون‪ :‬شاءت إرادة ال؛‪ -‬كما قد كثر إطلق هذه‬
‫العبارة‪ -‬فإن الشيئة صفة من صفات ال ليست هي ال‪ ،‬بل ال بصفاته هو الذي يشاء ويريد‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫إل ال‪ ،‬فالقدرة عليـه أعظـم مـن كـل قدرة‪ ،‬وليـس له نظيـ فـ قدر‬
‫الخلوق ي ف ما خل قه ال من أنواع اليوان والنبات والعدن كالن سان‬
‫ــ آدم ل‬
‫ــ‪ ،‬واليتان‪ ،‬فإن بنـ‬
‫والفرس‪ ،‬والمار‪ ،‬والنعام‪ ،‬والطيـ‬
‫يسـتطيعون أن يصـنعوا مثـل هذه الدواب‪ .‬وكذلك النطـة والشعيـ‬
‫ـب‪ ،‬وأنواع البوب‬
‫ـب‪ ،‬والرطـ‬
‫ـا‪ ،‬والعدس‪ ،‬والعنـ‬
‫والباقلء‪ ،‬واللوبيـ‬
‫والثمار ل يستطيع الدميون أن يصنعوا مثلما يلقه ال سبحانه وتعال‪.‬‬
‫وكذلك العادن كالذهب‪ ،‬والفضة‪ ،‬والديد‪ ،‬والنحاس‪ ،‬والرصاص‪ ،‬ل‬
‫ي ستطيع ب نو آدم أن ي صنعوا م ثل ما يل قه ال‪ ،‬وإن ا غايتهم أن يشبهوا‬
‫مـن بعـض الوجوه فيصـغرون وينقلون مـع اختلف القائق؛ فإن ال‬
‫سبحانه قال ف كتابه‪ :‬أَ مْ جَعَلُوا لِلّ هِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِ هِ فَتَشَابَ هَ‬
‫ف كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ‬
‫ف خَالِق ُ‬
‫ف قُلِ اللّه ُ‬
‫ف عَلَيْهِم ْ‬
‫الْخَلْق ُ‬
‫[الرّ عد‪ ]16 :‬و ف ال صحيح عن ال نب في ما يرو يه عن ر به تبارك‬
‫وتعال أنه قال‪« :‬ومن أظلم من ذهب يلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو‬
‫ليخلقوا حبفة أو ليخلقوا شعية»‪ ،‬وقـد ثبـت عـن النـب أنـه لعـن‬
‫الصورين‪ ،‬وقال‪ « :‬من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس‬
‫بنافخ»‪ ،‬ولذا يفرق ف هذا التصوير بي اليوان وغي اليوان‪.‬‬
‫وما يصنعونه فهو ل يلق لم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن‬
‫يصـنعوا طعامًا مطبوخًا‪ ،‬ولبا سًا منسـوجًا‪ ،‬وبيوتًا مبن ية من الفخار‬
‫والزجاج ونو ذلك( ‪.)1‬‬
‫عباد ال‪ :‬وليـس الطبـع خالق ًا لشيـء؛ لن كـل حركـة فـ‬
‫‪1‬‬

‫() قاعدة ف الحجة لبن تيمية ص (‪.)28 ،14 ،197 -195 ،31 ،30‬‬

‫‪38‬‬

‫‪39‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬
‫( ‪)1‬‬

‫الوجود ناشئة عن الرادة والختيار‪ ،‬والط بع ل إرادة له ول اختيار‬
‫فبطـل أن يضاف خلق شيـء مـن الخلوقات‪ -‬العَرَضِيّةـ فضلً عـن‬
‫الوهريـة‪ )2 (-‬إل الطبـع الذي فـ الجسـام‪ :‬مثـل أن يكون الالق‬
‫للجنة ف الرحام هو طبع‪ ،‬والالق للنبات هو طبع؛ بل تضاف هذه‬
‫الوادث حتـ أفعال اليوان إل خلق ال ومشيئتـه وربوبيتـه‪ ،‬وهذه‬
‫طريقة أهل العلم واليان وهم أصح عقلً ودينًا‪.‬‬
‫فأمـا كثيـ مـن الناس وأهـل الطبـع التفلسـفة وغيهـم فيعلمون‬
‫ظاهرًا مـن الياة الدنيـا‪ ،‬ويرون ظاهـر الركات والعمال التـ‬
‫للموجودات‪ ،‬ويرون بعـض أسـبابا القريبـة وبعـض حكمهـا وغاياتاـ‬
‫القري بة‪ ،‬ك ما يذكرون ف تشر يح الن سان وأعضائه وحركا ته الباط نة‬
‫والظاهرة‪ ،‬و ما يذكرو نه من القوى ال ت ف الج سام ال ت تكون ب ا‬
‫الركة‪ ،‬والقوة الاذبة‪ ،‬والاضمة‪ ،‬والغاذية‪ ،‬والدافعة‪ ،‬والولدة‪ ،‬وغي‬
‫ذلك‪ ،‬إل غي ذلك من السباب ما هو عبة لول البصار‪ .‬لكن يقع‬
‫الغلط من إضافة هذه الثار العظيمة إل مرد قوة ف جسم‪.‬‬
‫وت د هؤلء إذا تكلموا ف الركات ال ت ب ي ال سماء والرض‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() والركات‪ :‬إما إرادية‪ ،‬وإما طبيعية‪ ،‬وإما قسرية؛ لن الفاعل التحرك إن كان له شعور با‬
‫ف هي الراد ية‪ .‬وإن ل ي كن له شعور فإن كا نت على و فق ط بع التحرك ف هي الطبي عة‪ .‬وإن‬
‫كا نت على خلف ذلك ف هي الق سرية‪ .‬الط بع بنلة ال سكون وعدم الر كة‪ .‬وان ظر الع قل‬
‫والنقل جزء ‪ 9‬ص(‪ )325‬قال‪ :‬لن الركة إن كانت قسرية فلها قاسر‪ ،‬وإن كانت طبيعية‬
‫فالطبيعة ل تكون إل إذا أخرجت بالعي عن ملها فهي مقسورة على الروج‪.‬‬
‫() الصورة قد تكون عرضًا كالشكل‪ ،‬والصورة الصناعية من هذا الباب‪ .‬وقد يعب بالصورة‬
‫عن نفس الشيء الصور كالنسان‪ .‬فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه ليس قائمًا بوهر آخر‪.‬‬
‫والقرآن ذكر خلق ال تعال لا خلقه من الواهر الت هي أعيان قائمة بنفسها مع ما نشهده‬
‫من إحداث ال صفات والعراض أيضًا‪ ،‬وال ستدلل بذلك على الالق سبحانه (ان ظر الع قل‬
‫والنقل ج ‪ 7‬ص ‪.)234‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫م ثل حر كة الرياح وال سحاب وال طر وحدوث ال طر من الواء الذي‬
‫بيـ السـماء والرض تارة‪ ،‬ومـن البخار التصـاعد مـن الرض تارة‬
‫وكذلك إضافـة الزلزلة إل احتقان البخار‪ ،‬وإضافـة حركـة الرعـد إل‬
‫مرد ا صطكاك أجرام ال سحاب إل غ ي ذلك من ال سباب ‪-‬فشهدوا‬
‫بعض اٍلسباب‪ -‬الرئية‪ ،‬وجهلوا أكثر السباب‪ ،‬وأعرضوا عن الالق‬
‫السبب لذلك كله‪ ،‬فضلوا ف ذلك ضل لً مبينًا؛ فإن خلق ال سبحانه‬
‫للسـحاب باـ فيـه مـن الطـر مـن هذا البحـر وبار الرض كخلقـه‬
‫للحيوان من ال ن‪ ،‬وخلق الش جر من ال ب والنوى؛ ومعلوم أن ال ن‬
‫جسم صغي ل يشبه الذي للحيوان من العضاء الكسوة والتنوعة ف‬
‫أقدارها وصفاتا وحكمها وغاياتا هل يقول عاقل إن هذا مضاف إل‬
‫عرض وصـفة حالٍ فـ جسـم صـغي‪ ،‬أو يضاف هذا إل ذلك السـم‬
‫الصغي؟! هذا من أفسد المور ف بديهة العقل‪.‬‬
‫ومعلوم أنه ل نسبة إل خلق هذا من هذا وإل ما يصنعه بنو آدم‬
‫من الصور الت يصنعونا من الداد‪ :‬مثل الكتابة بالداد‪ ،‬ونسيج الثياب‬
‫مـن الغزل‪ ،‬وصـنع الطعمـة والبنيان مـن موادهـا‪ ،‬وهـم مـع ذلك ل‬
‫يلقوا الواد‪ ،‬وإنا غايتهم حركة خاصة تعي على تلك الصورة‪ .‬ث لو‬
‫أضاف مضيـف هذه الكتابـة إل الداد لكان الناس جيعًا يسـتجهلونه‬
‫وي ستحمقونه فالذي يض يف خلق اليوان والنبات إل مادت ا أو ما ف‬
‫مادتا من الطبع أليس هو أحق وأجهل وأظلم وأكفر؟!!‬

‫‪40‬‬

‫‪41‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ـل الكلم فينكرون طبائع‬
‫ـن أهـ‬
‫ـم طوائف مـ‬
‫ـد يعارضهـ‬
‫وقـ‬
‫الوجودات ومـا فيهـا مـن القوى والسـباب‪ ،‬ويدفعون مـا أرى ال‬
‫عباده من آيا ته ف الفاق و ف أنف سهم م ا ش هد به ف كتا به من أ نه‬
‫ِنف كُلّ‬
‫ِهف م ْ‬
‫ِهف الْمَاءَ فَأَخْرَجْن َا ب ِ‬
‫خلق هذا بذا‪ ،‬كقوله‪ :‬فَأَنْزَلْن َا ب ِ‬
‫الثّ مَرَا تِ [العرَاف‪ ،]57 :‬وقوله‪ :‬فَأَحْيَا بِ هِ الْأَرْ ضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‬
‫[البَقَرَة‪.)1 (]164 :‬‬
‫عباد ال‪ :‬جيـع الركات الارجـة عـن مقدور بنـ آدم والنـ‬
‫والبهائم هي من ع مل اللئ كة وتريك ها ل ا ف ال سماء والرض و ما‬
‫بينهمـا فمـا فـ السـموات والرض ومـا بينهمـا مـن حركـة الفلك‬
‫والش مس والق مر والنجوم وحر كة الرياح وال سحاب وال طر والنبات‬
‫وغيـ ذلك فإناـ هـو بلئكـة ال تعال الوكلة بالسـموات والرض‬
‫الذ ين لَا يَ سْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُ مْ بِأَمْرِ هِ يَعْمَلُو نَ [ال نبيَاء‪]27 :‬‬
‫كمـــا قال تعال‪ :‬فَالْمُدَبّ رَاتفففِ أَمْرًا [النّازعَات‪]5 :‬‬
‫فَالْمُقَسّ مَاتِ أَمْرًا [الذّاريَات‪.]4 :‬‬
‫وكمـا دل الكتاب والسـنة على أصـناف اللئكـة وتوكلهـم‬
‫بأصناف الخلوقات‪.‬‬
‫وج يع الخلوقات عابدة لالق ها إل ما كان من مردة الثقل ي‪،‬‬
‫وليسـت عبادتاـ إياه قبولاـ لتدبيه وتصـريفه وخلقـه فإن هذا عام‬
‫لميــع الخلوقات حتــ كفار بنــ آدم؛ بــل عبادة الخلوقات‬
‫وت سبيحها هو من ج هة إلي ته سبحانه وتعال و هي الغا ية الق صودة‬
‫‪1‬‬

‫() وكل الطائفتي قد ل يعلمون ما فيها من الكمة الت هي عبادة ربا وتسبيحه والسجود‬
‫له‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫من ها وب ا قال تعال‪ :‬أَوَلَ مْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَ قَ اللّ هُ مِ نْ شَيْءٍ يَتَفَيّ أُ‬
‫ّهف‬
‫ُونف * وَلِل ِ‬
‫ُمف دَاخِر َ‬
‫ّهف وَه ْ‬
‫سفجّ دًا لِل ِ‬
‫َنف الْيَمِيِ وَالشّ مَائِلِ ُ‬
‫ُهف ع ِ‬
‫ظِلَال ُ‬
‫يَ سْجُدُ مَا فِي ال سّ مَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْ ضِ مِ نْ دَابّ ةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُ مْ‬
‫لَا يَ سْتَكْبِرُونَ * يَخَافُو نَ رَبّ هُ مْ مِ نْ فَوْقِهِ مْ وَيَفْعَلُو نَ مَا يُؤْمَرُو نَ‬
‫[الن حل‪ ]50 ،48 :‬تُ سَبّ حُ لَ هُ ال سّ مَوَاتُ ال سّ بْعُ وَالْأَرْ ضُ وَمَ نْ‬
‫فِيهِنّ وَإِ نْ مِ نْ شَيْءٍ إِلّا يُ سَبّ حُ بِحَمْدِ هِ وَلَكِ نْ لَا تَفْقَهُو نَ تَ سْبِيحَهُمْ‬
‫إِنّ هُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [السراء‪ ]44 :‬وف الصحيحي من حديث‬
‫أبـ ذر قال‪ :‬دخلت السـجد ورسـول ال جالس‪ ،‬فلمـا غربـت‬
‫الشمـس قال‪ « :‬يا أبفا ذر‪ :‬هفل تدري أيفن تذ هب هذه؟ » قلت‪ :‬ال‬
‫ور سوله أعلم‪ .‬قال‪« :‬فإن ا تذ هب ت ستأذن ف ال سجود فيؤذن ل ا»‬
‫وكأن ا قد ق يل ل ا ارج عي من ح يث جئت فتطلع من مغرب ا ث قرأ‪:‬‬
‫(ذلك مُ سْتَقَر لا) ف قراءة عبدال‪ .‬واتقوا ال عباد ال‪ .‬أعوذ بال من‬
‫الشيطان الرج يم أَلَ مْ تَرَ أَنّ اللّ هَ يُ سَبّ حُ لَ هُ مَ نْ فِي ال سّ مَاوَاتِ‬
‫وَالْأَرْ ضِ وَالطّ يْرُ صَافّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِ مَ صَلَاتَهُ وَتَ سْبِيحَهُ وَاللّ هُ عَلِي مٌ‬
‫بِمَا يَفْعَلُونَ [النّور‪.]41 :‬‬

‫‪42‬‬

‫‪43‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الواحد القاهر‪ ،‬يفعل ما يشاء ويتار‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له إناـ أمره إذا أراد‬
‫شيئًا أن يقول له‪ :‬كن‪ ،‬فإذا قال له‪ :‬كن‪ .‬كان‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الختار مـن ولد عدنان‪ .‬اللهـم‬
‫صلِ وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم‬
‫بإحسان‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬أيهـا السـلم إن سـعت مـن يقول بأن وجود اليوان‬
‫والنبات والعادن من فعل الطبيعة‪ ،‬أو حركة الرياح والسحاب والطر‬
‫أو غي ذلك من فعل الطبيعة‪ .‬فقل له‪ :‬لو أراد ال أن يهديك لسألت‬
‫نف سك بنف سك‪ ،‬وقلت‪ :‬أ خبين عن هذه الطبي عة‪ :‬أ هي ذات قائ مة‬
‫بنفسها لا علم وقدرة على هذه الفعال العجيبة‪ ،‬أم ليست كذلك بل‬
‫عرض و صفة قائ مة بالطبوع تاب عة له ممولة ف يه؟ فإن قالت لك‪ :‬بل‬
‫هي ذات قائمة بنفسها لا العلم التام والقدرة والرادة والكمة‪ .‬فقل‬
‫لاـ‪ :‬هذا هـو الالق البارئ الصـورة‪ ،‬فلم تسـمينه طبيعـة؟! فإن هذا‬
‫الذي وصفت به الطبيعة صفته تعال‪.‬‬
‫وإن قالت لك‪ :‬بل الطبيعة عرض ممول مفتقر إل حامل‪ ،‬وهذا‬
‫كله فعلهـا بغيـ علم منهـا ول إرادة ول قدرة ول شعور أصـلًا وقـد‬
‫شو هد من آثار ها ما شو هد‪ .‬ف قل ل ا‪ :‬هذا ما ل ي صدقه ذو ع قل‬
‫سـليم‪ ،‬كيـف تصـدر هذه الفعال العجيبـة والكـم الرفيعـة التـ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫تعجز عقول العقلء عن معرفتها وعن القدرة عليها من ل عقل له ول‬
‫قدرة ول شعور؟ وهـل التصـديق بذا إل دخول فـ سـلك الجانيـ‬
‫والبسي!!‬
‫ث قل ل ا ب عد ذلك‪ :‬ولو ث بت لك ما ادع يت فمعلوم أن م ثل‬
‫هذه الصفة ليست بالقة لنفسها ول مبدعة لذاتا‪ ،‬فمن ربا ومبدعها‬
‫وخالق ها؟ و من طبع ها وجعل ها تف عل ذلك ف هي إذًا من أدل الدلئل‬
‫على خالقهـا وبارئهـا وفاطرهـا وكمال علمـه وقدرتـه وحكمتـه‪ ،‬فلم‬
‫يُجْدِ عليك تعطيل كِ رب العال وجحود كِ لصفاته وأفعاله إل مالفت كِ‬
‫العقل والفطرة‪.‬‬
‫فإن رجَعَ تْ إل الع قل وقالت‪ :‬ل يو جد حك مة إل من حك يم‬
‫قادر عليـم‪ ،‬ول تدبيـ متقـن إل مـن صـانع قادر متار مدبر عليـم باـ‬
‫أقررتـ ويكـ‬
‫َ‬
‫يريـد قادر عليـه ل يعجزه ول يؤوده‪ .‬قيـل لكـَ‪ :‬فإذا‬
‫باللق العظيم الذي ل إله غيه ول رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو‬
‫عقلً فعالً أو موجبًا بذا ته‪ ،‬و قل‪ :‬هذا هو الالق البارئ ال صور رب‬
‫العاليـ وقيوم السـموات والرضيـ‪ ،‬ورب الشارق والغارب‪ ،‬الذي‬
‫أحسـن كـل شيـء خلقـه وأتقـن مـا صـنع‪ ،‬فمـا لك َـ جحدت أسـاءه‬
‫و صفاته وذا ته‪ ،‬وأض فت صنيعه إل غيه وخل قه إل سواه‪ ،‬مع أ نك‬
‫مض طر إل القرار به وإضا فة البداع واللق والربوب ية والتدب ي إل يه‬
‫ولبد‪ .‬والمد ل رب العالي‪.‬‬
‫على أنـك لو تأملت معنـ هذه اللفظـة «طبيعـة» لدلك على‬
‫الالق البارئ لفظُهـا‪ ،‬كمـا دل العقول عليـه معناهـا؛ لن «طبيعـة»‬
‫فعيلة بعنـ مفعولة أي مطبوعـة؛ لناـ على بناء الغرائز التـ ركبـت‬

‫‪44‬‬

‫‪45‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ف السم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة‪ .‬فالطبيعة هي الت‬
‫ط بع علي ها اليوان وطب عت ف يه‪ ،‬ومعلوم أن طبي عة من غ ي طا بع ل ا‬
‫مال‪.‬‬
‫والسـلمون يقولون‪ :‬إن الطبيعـة خلق مـن خلق ال مسـخر‬
‫مربوب‪ ،‬وهي سنته ف خليقته الت أجراها عليه‪ ،‬ث إنه يتصرف فيها‬
‫كيف شاء وكما شاء‪ ،‬وأن الطبيعة الت انتهى نظر الفافيش إليها إنا‬
‫هي خلق من خلقه بنلة سائر ملوقاته‪ ،‬فكيف يسن بن له حظ من‬
‫إن سانية أو ع قل أن ين سى مَ نْ طبع ها وخلق ها وي يل ال صنع والبداع‬
‫علي ها‪ ،‬ول يزل سبحانه ي سلبها قدرت ا وييل ها ويقلب ها إل ضد ما‬
‫جعلت له ح ت يري عباده أن ا خل قه و صنعه م سخرة بأمره أَلَا لَ هُ‬
‫الْخَلْ قُ وَالْأَمْرُ تَبَارَ كَ اللّ هُ رَبّ الْعَالَمِيَ [العرَاف‪ )1 (]54 :‬فاتقوا‬
‫ال عباد ال‪ ،‬واعلموا أن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السـعادة ص (‪ )388 ،161‬شفاء العليـل ( ‪ )132 ،131‬قاعدة فـالحجـة‬
‫ص (‪ ،)28 ،197 -195 ،31 ،30 ،26 ،23 ،14‬فتاوى ج ( ‪ ،)29/368‬وج (‬
‫‪ )353 /16‬روضة الحبي‪.‬‬
‫وإذا أردت زيادة أدلة على توح يد الربوب ية ‪-‬إثبات ال صانع‪ -‬وطري قة الر سل وطرق ال صائبة‬
‫والتفلسفة والتكلمي والصوفية ف إثباته‪ .‬وبيان بطلن القول بقدم العال أو شيء منه‪ .‬وذكر‬
‫الواد الت خلقت منها السموات وآدم والن‪ ،‬وبيان بطلن جحود الصانع‪ -‬إذا أردت ذلك‪-‬‬
‫فانظر الجلد ‪ 36‬فهارس مموع فتاوى ابن تيمية ص( ‪ )31 -21‬تطلعك على ملخصها‬
‫وتدلك على أصولا ف الجموع‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ما اتذ ال من ولد سبحانه‬
‫الديان المسة‬
‫المـد ل الذي رضـي لنـا السـلم دينـا‪ ،‬ونصـب الدللة على‬
‫صحته‪ ،‬وأوضح السبيل إل معرفته‪ ،‬وادخر ل ن وافاه به أجرًا جزيلً‪.‬‬
‫وفرض علينا النقياد له ولحكامه‪ ،‬والتمسك بدعائمه وأركانه‪ ،‬وأب‬
‫أن يق بل دينًا سواه‪ ،‬ولو بَذَلَ ف ال سي إل يه جُهْدَه( ‪ )1‬وا ستفرغ قواه‪.‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬ول ضد له‪ ،‬ول صاحبة‬
‫له‪ ،‬ول ولد له‪ ،‬ول كفو له‪ ،‬تعال عن إفك البطلي‪ ،‬وتنه عن شرك‬
‫الشركي‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‪ ،‬وصفوته من خلقه‪ ،‬ابتعثه‬
‫ب ي ملة وأحسن شرعة إل ج يع العال ي‪ .‬بشرت به الكتب السالفة‪،‬‬
‫وأخبت به الرسل الاضية‪ ،‬من عهد آدم أب البشر‪ ،‬إل عهد ال سيح‬
‫ا بن الب شر‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى آله‬
‫وأصحابه الذين اختارهم ال له أعوانًا وأنصارًا‪ ،‬فنشروا ألوية السلم‬
‫وأعلمه‪ ،‬وحفظوا من التغيي والتبديل حدوده وأحكامه‪.‬‬
‫أ ما ب عد ف يا عباد ال إن ال ج عل ال سلم ع صمة ل ن ل أ إل يه‪،‬‬
‫وحصـنا لنـ اسـتمسك بـه وعـض بالنواجـذ عليـه‪ -‬فهـو حرمـه‬
‫الذي من دخله كان من المني‪ ،‬ومن انقطع دونه كان من الالكي‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() غاية طاقته‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫‪47‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أظهره على الد ين كله ح ت ط بق مشارق الرض ومغارب ا‪ ،‬وتضاءلت‬
‫له جيــع الديان‪ ،‬وجرت تتــه المــم منقادة بالضوع والذل‬
‫والذعان‪ ،‬حتــ بطلت دعوة الشيطان‪ ،‬وتلشــت عبادة الوثان‪،‬‬
‫واضمحلت عبادة النيان‪ ،‬وذل الثلثـة عباد الصـلبان‪ ،‬وتقطعـت المـة‬
‫الغضبية ف الرض كتقطع السراب ف القيعان‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال لاـ بعـث ممدًا كان أهـل‬
‫الرض صـنفي‪ :‬أهـل كتاب‪ ،‬ومـن ل كتاب لمـ‪ .‬وأهـل الكتاب‬
‫نوعان‪ :‬مغضوب عليهم‪ ،‬وضالون‪.‬‬
‫فال مة الغضبة هم «اليهود»‪ ،‬يصفون ال بالنقائص والعيوب( ‪، )1‬‬
‫و هم قتلة ال نبياء‪ ،‬وأكلة الر با والر شا‪ ،‬أخ بث ال مم طو يه‪ ،‬وأردا هم‬
‫سجيه‪ ،‬وأبعدهم من الرحة‪ ،‬وأقربم من النقمة‪ ،‬ل يرون لن خالفهم‬
‫حرمة‪ ،‬ول يرقبون ف مؤمن إلّ ول ذمة‪ .‬وهم أهل الكذب‪ ،‬والبهت‪،‬‬
‫والغدر‪ ،‬والكر‪ ،‬واليل‪ ،‬والسحر‪.‬‬
‫والنوع الثان «الثلثة» أمة الضلل‪ ،‬وعباد الصليب‪ ،‬الذين سبوا‬
‫ال مسـبة مـا سـبه إياهـا أحـد مـن البشـر‪ ،‬ول يقروا بأنـه الواحـد‬
‫الحد الفرد الصمد‪ ،‬الذي ل يلد ول يولد ول يكن له كفوًا أحد؛ بل‬
‫أصل عقيدتم‪ :‬أن ال ثالث ثلثة‪ ،‬وأن مري صاحبته‪ ،‬وأن السيح ابنه‬
‫‪1‬‬

‫() مع علمهم بأنا عيوب ونقائص‪ ،‬كما صرحت به اليهود‪ .‬من قولم‪ :‬وأنه فقي‪ ،‬وأنه تعب‬
‫لا خلق العال‪ ،‬وأنه بكى على الطوفان حت رمدت عيناه وعادته اللئكة‪ ،‬وأنه ندم على خلق‬
‫آدم وذريته ندمًا عظيمًا حت عض أنامله‪ ،‬ويقولون ف صلتم‪ :‬يا إلنا انتبه من رقدتك كم‬
‫تنام‪ ،‬ونو ذلك‪.‬‬
‫و«التادية» مصرحون بأنه موصوف بكل صفة مذمومة عق ًل وعرفًا وشرعًا‪ .‬ومعلوم أن هذه‬
‫النقائص هي الت دل العقل الصريح واتفاق الرسلي من أولم إل آخرهم على نفيها عن ال‬
‫وتنيهه عنها (الصواعق ‪.)1011 ،3/1010‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فدينهم عبادة الصلبان‪ ،‬ودعاء الصور النقوشة ف اليطان‪ ،‬يقولون ف‬
‫دعائهم‪ :‬يا والدة الله ارزقينا‪ ،‬واغفري لنا وارحينا‪.‬‬
‫ومن دينهم شرب المور‪ ،‬وأكل النير‪ ،‬وترك التان‪ ،‬والتعبد‬
‫بالنجاسات‪ ،‬واستباحة كل خبيث من الفيل إل البعوضة‪ ،‬واللل ما‬
‫حلله ال قس‪ ،‬والرام ما حر مه‪ ،‬والد ين ما شر عه‪ ،‬والذ نب هو الذي‬
‫غفره‪.‬‬
‫ويعتقدون أن أرواح النبياء عليهم السلم كانت ف الحيم ف‬
‫سجن إبل يس من ع هد آدم إل ز من ال سيح ب سبب خيطئة آدم وأكله‬
‫من الشجرة‪ ،‬وأن كل من مات من ب ن آدم أخذه إبل يس و سجنه ف‬
‫النار بذنـب أبيـه‪ .‬قالوا‪ :‬ثـ إن ال لاـ أراد رحتهـم وخلصـهم مـن‬
‫العذاب تيل على إبليس بيلة؛ فنل عن عرشه‪ ،‬ودخل ف رحم مري‪،‬‬
‫وأقام هناك ت سعة أش هر ب ي ال يض والبول‪ ،‬ث خرج طفلً صغيًا ير ضع‬
‫ويبكـي‪ ،‬ويأكـل ويشرب‪ ،‬ويبول وينام‪ ،‬ويأل؛ ثـ لاـ كـب وصـار رجلً‬
‫َمكّ َن أعداءَه اليهودَ من نفسه حت صلبوه وسروا يديه ورجليه وصفعوه‬
‫ووضعوا الشوك على رأ سه‪ ،‬فخل صهم بذلك من الشيطان‪ ،‬ولذلك سوه‬
‫(الخلص)‪ .‬قالوا‪ :‬ومن أنكر صلبه‪ ،‬أو شك فيه‪ ،‬أو قال بأن الله يل عن‬
‫ذلك‪ :‬فهو ف سجن إبليس معذب حت يقر بذلك‪ .‬هذه قصة (الفداء) الت‬
‫زعموا يرددون ا على رأس سنتهم اليلد ية‪ ،‬ويُدَرّ سونَها؛ و هي أ هم دل يل‬
‫عند هم ف الدعوة إل التن صي؛ و هي ك ما ت سمعون غا ية الن قص النا ف‬
‫لكمال ال حتـ عنـد النصـارى‪ ،‬ويسـتحيل فـ العقول السـليمة‬
‫ل أن‬
‫التصديق با؛ إذ نسبوا الله الق إل ما يأنف أسقط الناس وأقلهم عق ً‬
‫يفعله بملوكه أو خادمه‪ ،‬تعال ال عن قولم علوًا كبيًا‪ .‬وآدم تاب من‬

‫‪48‬‬

‫‪49‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الذنب فتاب ال عليه‪ .‬وإبليس أحقر ما نسبوه إليه‪.‬‬
‫وأول من ابتدع ل م شارة ال صليب اللك ق سطنطي‪ ،‬و ف زم نه‬
‫وضعوا ما ي سمونه (الما نة) و هي عقيدة التثل يث عن عدي بن حا ت‬
‫قال‪ :‬أت يت ال نب و ف عن قي صليب من ذ هب‪ ،‬فقال‪ « :‬يا عدي‬
‫اطرح عنك هذا الوثن»‪.‬‬
‫ول ا كا نت هذه أقوال أعداء ال سيح من اليهود والغال ي ف يه من‬
‫النصارى أنزل ال تبارك وتعال على نبيه ما أزال الشبهة ف أمره‪،‬‬
‫وك شف الغ مة‪ ،‬وبرأ ال سيح وأ مه‪ ،‬ونزه رب العال ي ع ما افتراه عل يه‬
‫عباد الصـليب ‪-‬فآمـن ممـد بأخيـه السـيح‪ ،‬وشهـد له بأنـه عبدال‬
‫ور سوله‪ ،‬وأن ج سمه خلق من أن ثى بل ذ كر‪ ،‬وأن ال أر سل رو حه‬
‫جبيل إل مري فنفخ ف جيب درعها ‪-‬وهو الطوق الذي ف العنق‪-‬‬
‫فو صلت النف خة إل الر حم‪ ،‬ول يك شف بدن ا‪ ،‬وكا نت تلك النف خة‬
‫بنلة لقاح الب والم‪ ،‬فحملت به مري العذراء الطاهرة الصديقة‪ ،‬ث‬
‫نف خت ف يه الروح ال ت تكون ب عد م ضي أرب عة أش هر على خلق البدن‬
‫كغيه‪ .‬وقرر النـب معجزات السـيح وآياتـه‪ ،‬وأخـب بكفـر النصـارى‬
‫وتليد هم ف النار إن ل يتوبوا وي ستغفروا ربمـ‪ ،‬وأن ال أكرم عبده‬
‫ورسوله أن ينال إخوان القردة منه ما زع مه النصارى أن م نالوه منه‪،‬‬
‫بل رفعه إليه وأسكنه السماء‪ ،‬وسيعيده إل الرض ينتقم به من مسيح‬
‫الضلل وأتبا عه‪ ،‬ويك سر به ال صليب‪ ،‬ويق تل الن ير‪ ،‬وي ضع الز ية‪،‬‬
‫ويعلو به السلم‪.‬‬
‫أ ما صلة الن صارى‪ -‬فمفتاح ها النجا سة‪ ،‬وتري ها الت صليب‪،‬‬
‫وقبلتهـا الشرق‪ ،‬وشعارهـا الشرك‪ -‬يقوم أعبدهـم وأزهدهـم إليهـا‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والبول على سـاقه وأفخاذه فيسـتقبل الشرق ثـ يصـلب على وجهـه‬
‫(ير سم ب ي عين يه خط ي متخالف ي) وي ستفتح ال صلة بقوله‪ :‬يا أبا نا‬
‫أنـت الذي فـ السـموات تقدسـك أسـك( ‪ )1‬وليأت ملكـك‪ ،‬ولتكـن‬
‫إرادتك ف السماء مثلها ف الرض‪ ،‬أعطنا خبزنا اللي لنا‪ ،‬ث يدعو‬
‫( ‪)2‬‬
‫تلك الصورة الت هي صنعة يد النسان‪ ،‬وهي الله الصلوب بزعمه‬
‫ويقرءون ف صـلتم كلمًا قد لنـه لمـ أئمتهـم يري مرى النوح‬
‫والغان‪.‬‬
‫أ ما فروع دين هم وشرائ عه ف هم مالفون ف يه للم سيح‪ -‬فال سيح‬
‫يتط هر ويغت سل من النا بة ويو جب غ سل الائض‪ .‬وال سيح يقرأ ف‬
‫صلته ما كان ال نبياء وب نو إ سرائيل يقرءو نه ف صلتم من التوراة‬
‫والزبور‪ .‬والسـيح ي صلي إل ب يت القدس إل أن رف عه ال و هي قبلة‬
‫داود وال نبياء قبله وقبلة ب ن إسرائيل‪ .‬وال سيح اخت ت وأو جب التان‬
‫ك ما أوج به ال نبياء قبله‪ .‬وال سيح حرم الن ير ول عن آكله وبالغ ف‬
‫ذمـه‪ .‬والسـيح ل يشرع لمـ هذا الصـوم الذي يصـمونه ول صـامه‬
‫ف عمره‪ ،‬ول أ كل ف ال صوم ما يأكلو نه‪ ،‬ول حرم ف يه ما يرمو نه‪،‬‬
‫ول عطـل السـبت‪ ،‬ول اتذـ الحـد عيدًا‪ .‬والسـيح سـار فـ الذبائح‬
‫والنا كح والطلق والوار يث والدود ب سية ال نبياء قبله‪ .‬وال سيح ل‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() «النيل لربنا يسوع السيح» هكذا مكتوب على غلفه‪.‬‬
‫() قلت‪ :‬و من القراء من يك ثر قراءة ق صة مر ي ف « سورة مر ي» من قوله‪ :‬وَا ْذ ُك ْر فِي‬
‫ث َحّي ا [مريَم‪ ]33 :‬ول يقرأ قوله‬
‫ب َم ْرَي َم [مريَم‪ ]16 :‬إل قوله َوَي ْو َم ُأْب َع ُ‬
‫اْل ِكتَا ِ‬
‫خ َذ ِم ْن َوَل ٍد‬
‫حقّ اّلذِي فِي ِه َي ْمَترُو َن * مَا كَا َن ِلّل ِه َأ ْن َيّت ِ‬
‫ك عي سَى اْب ُن َم ْرَي َم َق ْو َل اْل َ‬
‫تعال‪َ :‬ذِل َ‬
‫ط‬
‫صرَا ٌ‬
‫ُسْبحَاَن ُه ِإذَا َقضَى َأ ْمرًا َفِإّنمَا َيقُو ُل َل ُه ُك ْن َفَيكُو ُن * َوِإنّ الّل َه َربّي َو َرّب ُك ْم فَا ْعُبدُو ُه َهذَا ِ‬
‫ش َه ِد َي ْو ٍم َعظِي ٍم * َأ ْس ِم ْع ِب ِه ْم‬
‫ب ِم ْن َبْيِن ِهمِْ َف َوْي ٌل ِلّلذِي َن َك َفرُوا ِم ْن َم ْ‬
‫ف اْلَأ ْحزَا ُ‬
‫سَتقِي ٌم * فَا ْخَتَل َ‬
‫ُم ْ‬
‫ض َي اْلَأ ْم ُر‬
‫س َر ِة ِإ ْذ ُق ِ‬
‫حْ‬
‫ي * َوَأْن ِذ ْر ُه ْم َي ْو َم اْل َ‬
‫ضلَا ٍل ُمِب ٍ‬
‫ص ْر َي ْو َم َيْأتُوَننَا َل ِك ِن الظّاِلمُو َن اْلَي ْو َم فِي َ‬
‫َوَأْب ِ‬
‫َو ُه ْم فِي َغ ْفَل ٍة َو ُه ْم لَا ُي ْؤ ِمنُو َن [مريَم‪.]39 -34 :‬‬

‫‪50‬‬

‫‪51‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫يفوض ال ساقفة والبطار كة ف التشر يع‪ .‬وكان أ صحاب ال سيح بعده‬
‫على نجه قريبًا من ثلثائة سنة‪ ،‬وهم الذين أثن ال عليهم ف القرآن‬
‫وعلى البقايا الصالة منهم‪ .‬ث أخذوا ف التغيي والتبديل والتقريب إل‬
‫الناس ب ا يهوون‪ ،‬ومكايدة اليهود ومناقضتهم ب ا فيه ترك دين ال سيح‬
‫والن سلخ م نه جلة‪ .‬فهذا د ين الن صارى ب عد البع ثة وإل اليوم باطله‬
‫أضعاف أضعاف حقه‪ ،‬وحقه منسوخ‪.‬‬
‫وأمـا مـن ل كتاب له فهـو بيـ عابـد أوثان‪ ،‬وعابـد نيان‪ ،‬وعابـد‬
‫شيطان‪ ،‬وصابئي حيان ‪-‬يمعهم الشرك وتكذيب الرسل وتعطيل الشرائع‬
‫وإنكار العاد وح شر الج ساد‪ ،‬ل يدينون للخالق بد ين‪ ،‬ول يعبدو نه مع‬
‫العابدين‪ ،‬ول يوحدونه مع الوحدين‪ .‬وأمة الجوس منهم تفترش المهات‬
‫والبنات والخوات‪ ،‬والعمات والالت‪ ،‬دينهـم الزمـر‪ ،‬وطعامهـم اليتـة‪،‬‬
‫وشرابم المر‪ ،‬ومعبودهم النار‪ ،‬ووليهم الشيطان‪.‬‬
‫الل صة‪ :‬يا عباد ال أن ال ل ا بعث ممدًا رسولً إل أهل‬
‫الرض كانوا «خسـة أصـناف» يهود‪ ،‬ونصـارى‪ ،‬وموس‪ ،‬وصـابئة‪،‬‬
‫ومشركون‪ ،‬وديــن النفاء ل يعرف فيهــم إل قليلً‪ .‬وهذه الديان‬
‫المسة كلها للشيطان‪ .‬وهذه الديان المسة مذكورة ف آية الفصل‬
‫إِنّ الّ ذِي نَ آَمَنُوا وَالّ ذِي نَ هَادُوا وَال صّابِئِيَ وَالنّ صَارَى وَالْمَجُو سَ‬
‫وَالّ ذِي نَ أَشْرَكُوا إِنّ اللّ هَ يَفْ صِلُ بَيْنَهُ مْ يَوْ مَ الْقِيَامَةِ إِنّ اللّ هَ عَلَى كُلّ‬
‫شَيْءٍ شَهِيدٌ [الَجّ‪ ]17 :‬ولكل قوم وارث‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وكونوا دائمًا على بصية ف العتقاد ف ال‬
‫جل جلله وتقدست أساؤه‪ ،‬وف السيح رسول ال‪ ،‬واحذوا وحذِروا‬
‫مـن دعاة التنصـي الذيـن هذه بضاعتهـم‪ ،‬ومـع ذلك ل يسـتحيوا مـن‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الدعوة إلي ها ونشر ها والنفاق ف سبيلها ح ي ظنوا أن ال و قد خل‬
‫ل م‪ ،‬و سوا أنف سهم «البشرون» و هم الضللون‪ ،‬وأكثروا من الدعا ية‬
‫إل التقر يب ب ي السـلم والن صرانية‪ ،‬واندع ب م كث ي من ضعاف‬
‫اليان فظنوا أن اليهوديـة والنصـرانية فـ هذه الزمان مـن الديان‬
‫السـماوية‪ ،‬واعتـبوهم مؤمنيـ وإخوان‪ ،‬وهـم أعداء ال وأولياء‬
‫الشيطان جعوا بي الكفر بال‪ ،‬وتكذيب رسل ال‪ ،‬وعبادة غي ال‪.‬‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَقَالَ تِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْ نُ اللّ هِ‬
‫وَقَالَتِ النّ صَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّ هِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ‬
‫ُونف * اتّ خَذُوا‬
‫ّهف أَنّىف يُؤْفَك َ‬
‫ُمف الل ُ‬
‫ِنف قَبْلُ قَاتَلَه ُ‬
‫ِينف كَفَرُوا م ْ‬
‫قَوْلَ الّ ذ َ‬
‫أَحْبَارَهُ مْ وَرُهْبَانَهُ مْ أَرْبَابًا مِ نْ دُو نِ اللّ هِ وَالْمَ سِيحَ ابْ نَ مَرْيَ مَ وَمَا‬
‫أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَ هَ إِلّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّ ا يُشْرِكُو نَ‬
‫* يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّ هِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّ هُ إِلّا أَنْ يُتِمّ نُورَهُ‬
‫ِينف‬
‫َسففولَهُ بِالْهُدَى وَد ِ‬
‫ْسفلَ ر ُ‬
‫ُونف * هُوَ الّ ذِي أَر َ‬
‫ِهف الْكَافِر َ‬
‫وَلَوْ كَر َ‬
‫الْحَقّ لِيُظْهِرَ هُ عَلَى الدّي نِ كُلّه ِف وَلَوْ كَرِ هَ الْمُشْرِكُو نَ [التو بة‪:‬‬
‫‪ ]33 -30‬بارك ال‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫‪53‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي أنقذنا بحمد من تلك الظلمات‪ ،‬وفتح باب‬
‫الدى فل يغلق إل يوم اليقات‪ .‬وأشهــد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له أرانا أهل الضلل وهم ف ضلل م يتخبطون‪ ،‬وف سكرتم‬
‫يعمهون‪ ،‬وف جهالتهم يتقلبون‪ ،‬وف ريبهم يترددون‪ .‬يؤمنون‪ -‬ولكن‬
‫بالبت والطاغوت يؤمنون‪ .‬ويعدلون‪ -‬ولكن بربم يعدلون‪ ،‬ويعلمون‬
‫ظاهرًا من الياة الدنيا وهم عن الخرة هم غافلون‪ ،‬ويسجدون ولكن‬
‫لل صليب والو ثن ي سجدون‪ ،‬ويكرون و ما يكرون إل بأنف سهم و ما‬
‫يشعرون‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله بعثـه ال إل الناس كافـة‪،‬‬
‫وقال‪« :‬والذي نف سي بيده ل ي سمع ب أ حد من هذه ال مة يهودي‬
‫ول نصفران ثف يوت ول يؤمفن بالذي أرسفلت بفه إل كان مفن‬
‫أصحاب النار» أخرجه مسلم‪ .‬قال السن البصري رحه ال‪ :‬تصديق‬
‫ف فَالنّارُ‬
‫ف الْأَحْزَاب ِ‬
‫ف مِن َ‬
‫َنف يَكْفُرْ بِه ِ‬
‫ذلك فـ كتاب ال تعال‪ :‬وَم ْ‬
‫ـب فمرض‬
‫مَوْعِدُه فُ [هُود‪ ]17 :‬وكان غلم يهودي يدم النـ‬
‫فأتاه النب يعوده فقعد عند رأسه فقال له‪« :‬أسلم» فنظر إل أبيه‬
‫و هو عنده فقال أ طع أ با القا سم‪ ،‬فأ سلم فخرج ال نب و هو يقول‪:‬‬
‫ـه البخاري (‪)3/176‬‬
‫فن النار» أخرجـ‬
‫فد ل الذي أنقذه مف‬
‫« المف‬
‫وأخرجه أبو داود (‪.)3095‬‬
‫ومر عمر بن الطاب رضي ال عنه بدير راهب فناداه‪ :‬يا راهب‪.‬‬
‫فأشرف‪ ،‬فج عل ع مر ين ظر إل يه ويب كي‪ .‬فق يل له‪ :‬يا أم ي الؤمن ي ما‬
‫يبكيـك مـن هذا؟ قال‪ :‬ذكرت قول ال ‪ :‬وُجُوهٌف يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *‬
‫عَامِلَةٌ نَاصفِبَةٌ * تَصفْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسفْقَى مِنفْ عَيْنفٍ آَنِيَةٍ *‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫لَيْ سَ لَهُ مْ طَعَا مٌ إِلّا مِ نْ ضَرِي عٍ * لَا يُ سْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِ نْ جُو عٍ‬
‫[الغاش ية‪ ]7 -2 :‬فذاك الذي أبكا ن‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك‬
‫ورسـولك ممـد الذي اسـتجاب له وللفائه أكثـر الديان طوعًـا‬
‫واختيارًا‪ ،‬ل كرهًا واضطرارًا‪ ،‬لاـ بيـ لمـ الدى‪ ،‬وأنـه رسـول ال‬
‫حقًا‪ .‬والسيف إنا جاء منفذًا للحجة‪ ،‬مقومًا للمعاند‪ ،‬وحدّا للجاحد‪.‬‬
‫أمـا بعـد فيـا عباد ال‪ :‬إن ال تعال قـد نوع خلق آدم وبنيـه‬
‫إظهارًا لقدرتـه‪ ،‬وأنـه يفعـل مـا يشاء فخلق آدم ل مـن ذكـر ول مـن‬
‫أنثى‪ ،‬وخلق زوجه حواء من ذكر ل من أنثى‪ ،‬وخلق عبده السيح من‬
‫أنثى ل من ذكر‪ ،‬وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى إِنّ مَثَلَ عِيسَى‬
‫عِنْدَ اللّ هِ كَمَثَلِ آَدَ مَ خَلَقَ هُ مِ نْ تُرَا بٍ ثُمّ قَالَ لَ هُ كُ نْ فَيَكُو نُ [آل‬
‫عِمرَان‪ . )1 (]59 :‬واتقوا ال عباد إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() ‪.‬هدا ية اليارى‪ ،‬ال صواعق ص (‪ )1011 ،1010‬فتاوى ج(‪ ،)17‬ص( ‪،283 ،267‬‬
‫‪ ،)282‬والواب الصحيح لن بدل دين السيح (‪.)283 ،282 ،262‬‬

‫‪54‬‬

‫‪55‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫معجزات النبياء‬
‫من أعظم الدلة على الالق‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وصدق رسله‪،‬‬
‫واليوم الخر‪ .‬والقرآن أعظمها‬
‫المـد ل الذي أرسـل رسـله ودلل على صـدقهم بالعجزات‪،‬‬
‫والجــج الباهرات‪ ،‬والدلئل القاطعات‪ .‬وأشهــد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شر يك له نوّع طرق الدا ية رح ة م نه بعباده ولطفًا‪ ،‬وم بة‬
‫م نه لقا مة ال جة وعذرًا ونذرًا‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله ميزه‬
‫بصـائص على جيـع النـبياء والرسـلي‪ ،‬وجعـل له شرعـة ومنهاجًا‬
‫أفضـل شرعـة وأكمـل منهاج مـبي‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك‬
‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫سفنُرِيهِمْ آَيَاتِن َا ف ِي‬
‫َ‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تبارك وتعال‪:‬‬
‫الْآَفَا قِ وَفِي أَنْفُ سِهِمْ حَتّ ى يَتَبَيّ نَ لَهُ مْ أَنّ هُ الْحَقّ أَوَلَ مْ يَكْ فِ بِرَبّ كَ‬
‫أَنّ هُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فُصّلَت‪.]53 :‬‬
‫عباد ال آيات الرب هي دلئله وبراهي نه ال ت باـ يعر فه العباد‪،‬‬
‫وبا يعرفون أساءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونيه أخب سبحانه‬
‫أ نه يدل بآيا ته اللق ية (الفق ية) من الفتوحات وظهور ال سلم على‬
‫القاليـم وسـائر الديان( ‪( )1‬والنفسـية) مـا النسـان مركـب منـه وفيـه‬
‫وعل يه من الواد والخلط واليئات العجيبـة‪ ،‬وكذلك ما هو مبول‬
‫‪1‬‬

‫() قلت‪ :‬وهذا التفسي يبي خطأ من فسر «الفاق» بالنجوم والجرات وما إل ذلك‪ .‬مع أنم‬
‫أيضًا ينكرون السموات‪ ،‬ول يعرجون على ما فوقها‪ .‬يثبتون النجوم والجرات فقط‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عل يه من الخلق التباي نة‪ ،‬و ما هو مُتَ صَرّف ف يه من القدار ال ت ل‬
‫يوزهـا ول يتعداهـا‪ -‬يدل بذه اليات على صـدق آياتـه القرآنيـة‬
‫و صدق رسوله‪ .‬ث ذ كر أع ظم من ذلك وأ جل وهو شهادته سبحانه‬
‫على كل ش يء ش هد لر سوله بقوله الذي أظ هر الباه ي على صدقه‬
‫فيـه‪ ،‬وبفعله‪ ،‬وإقراره‪ ،‬وباـ فطـر عليـه عباده مـن القرار له بكماله‬
‫سبحانه‪ ،‬وف كل وقت يدث من اليات الدالة على صدق رسوله ما‬
‫يقيم به الجة‪ ،‬ويزيل به العذر‪ ،‬ويكم له ولتباعه با وعدهم به من‬
‫العز والنجاة والظفر والتأييد‪ ،‬ويكم على أعدائه ومكذبيه با توعدهم‬
‫ِنف‬
‫بـه مـن الزي والنكال والعقوبات العجلة‪ .‬وقال تعال‪ :‬تَنْزِيلٌ م ْ‬
‫رَبّ الْعَالَمِي َ [الواقِعـَ‪ .]80 :‬اسـتدل بكونـه رب العاليـ على‬
‫ثبوت ر سالة ر سوله و صحة ما جاء به‪ ،‬وهذا أقوى من السـتدلل‬
‫بالعجزات وخوارق العادات‪.‬‬
‫وكذلك آيات النـبياء قبله وبراهينهـم وأدلتهـم شهادة مـن ال‬
‫سـبحانه لمـ بينهـا لعباده غايـة البيان‪ ،‬وأظهرهـا لمـ غايـة الظهار بقوله‬
‫وفعله‪ ،‬ففي الصحيح عنه أنه قال‪ « :‬ما من نب من النبياء إل وقد‬
‫أوت من اليات ما آمن على مثله البشر‪ ،‬وإنا كان الذي أوتيته وحيًا‬
‫ل فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»‪.‬‬
‫أوحاه ال إ ّ‬
‫وهذه اليات ال ت ت سمى (العجزات) مأخوذة من طُر قِ ال س‬
‫لنـ شاهدهـا‪ ،‬ومـن طريـق اسـتفاضه البـ لنـ غاب عنهـا‪.‬‬
‫فلما ثبتت النبوة صارت أصلً ف قبول ما دعا إليه النب فانقلب عصا‬
‫تقلهـا اليـد ثعبان ًا عظيم ًا يبتلع مـا بضرتـه مـن حبال وعصـي ل‬
‫ي صيها إل ال ث تعود ع صا ك ما كا نت من أدل الدل يل على وجود‬

‫‪56‬‬

‫‪57‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والزئيات‪ ،‬وعلى رسالة‬
‫الرسـول‪ ،‬وعلى البدأ والعاد‪ .‬فكـل قواعـد الديـن فـ هذه العصـا‪.‬‬
‫وكذلك اليد الت أدخلها صاحب هذه العصا إل جيبه ث أخرجها فإذا‬
‫لاـ شعاع كشعاع الشمـس‪ .‬وكذلك الكثيـب العظيـم الذي ضربـه‬
‫بع صاه فا ستحال قمّ لً سلط على أ هل بلد عظ يم‪ .‬وفلق ب ر من بار‬
‫العال لعسكر عظيم اثنا عشر طريقًا ث أرسلت عليه الريح فأيبسته ف‬
‫سـاعة وقام الاء بيـ تلك الطرق كاليطان‪ ،‬فلمـا جاوزه وسـلكه‬
‫آخرون ضربه بعصاه فالتئم عليهم فلم يفلت منهم إنسان‪ .‬ونتق البل من‬
‫موضعـه ورفعـه على قدر العسـكر العظيـم فوق رءوسـهم بيـ السـماء‬
‫والرض و هم ينظرون إل يه عيانًا وق يل ل م‪ :‬إن ل تقبلوا ما أمر ت به وإل‬
‫أطبق عليكم‪ ،‬ث رد إل مكانه‪ .‬وضرب حجر مربع يمل مع قوم فينفجر‬
‫منه اثنا عشر نرًا كل نر لطائفة عظيمة يتصون بشربه ل يشاركهم فيه‬
‫الخرون‪ .‬وكذلك سائر آيات ال نبياء‪ :‬كأ مة كذ بت نبي ها و سألوه آ ية‬
‫فانفلقت صخرة بحضر منهم وتخضت عن ناقة قائمة من أعظم النوق‬
‫ل وهيئة‪ ،‬فل ما تادوا ف تكذي به سعوا صيحة من ال سماء‬
‫وأح سنها شك ً‬
‫قطعت أكبادهم وقلوب م ف أجواف هم فماتوا موتة ر جل وا حد‪ .‬وكذلك‬
‫تصـوير طائر مـن طيـ ثـ ينفـخ فيـه النـب فينقلب طائرًا ذا لمـ وريـش‬
‫وأجنحة يطي بشهد من الناس‪ ،‬والسح على عي الذي ولد أكمه فإذا‬
‫به يبصر بعيني كالصحيح‪ ،‬وعلى البرص فيبأ كأن ل يكن به بأس‪.‬‬
‫وكذلك النار العظيمة الت أوقدت برهة من الزمن حت كان الطي ير‬
‫عليهـا مـن عال فيقـع مشوي ًا ألقـي فيهـا رجـل مكتوف فلم ترق‬
‫منـه شيئًا وصـارت عليـه بردًا وسـل مًا وعادت روضـة خضراء وماءً‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫جاريًا‪ .‬وكذلك الدائن الت قلعت من أصولا كما يقلع الشجر ث رفعت‬
‫ف الواء‪ ،‬ث قل بت ب ن فيها فماتوا مو تة ر جل وا حد‪ .‬ور جل دعا على‬
‫قو مه أن ل يدع ال من هم على الرض دَيّارًا‪ ،‬فأُر سل الاءُ علي هم وأن بع‬
‫الاء من تت هم ح ت عل الاء فوق شوا هق البال علوًا عظيمًا ث ابتلع ته‬
‫الرض شيئًا فشيئًا حت عادت ياب سًا‪ .‬ورجل دعا على قومه وهم أعظم‬
‫الناس أجسـامًا وأشهدهـم قوة‪ ،‬فأرسـلت عليهـم بدعوتـه ريـح عاصـف‬
‫جعلت تمل هم ب ي ال سماء والرض ث تدق أعناق هم‪ .‬و نبّ كان يأ مر‬
‫بع سكره فيق عد على ب ساط ثل ثة أميال ف ثل ثة أميال(‪ )1‬فيأ مر الر يح‬
‫فترتفع به ب ي السماء والرض فتحمل الع سكر على متنها مسية شهر‬
‫مقبلة وم سية ش هر مدبرة ف يوم وا حد‪ ،‬وأ نه أ مر ب سرير عظ يم لل كة‬
‫فشق الرض وصار بي يديه ف أسرع من رَدّ الطرف‪.‬‬
‫وكذلك إياء الر سول إل الق مر ف ال سماء ل ا سأله قو مه آ ية‬
‫فانشق فلقتي وهم يشاهدونما‪ ،‬ث عاد والتئم‪ ،‬وقدم السفار فأخبوا‬
‫برؤية ذلك عيانًا‪ ،‬وحُمِلَ من مكة إل بيت القدس ث رفع حت جاوز‬
‫السموات السبع ث عاد إل فراشه ف ليلته‪ .‬وقبض قبضة من تراب ث‬
‫رمى با ف وجوه عسكر ل يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحد إل ملئت‬
‫علينه‪.‬‬
‫وكذلك وضعه يده ف ماء ل يغمرها فتفجر الاء من بي أصابعه‬
‫ْيـ منـه عسـكر عظيـم جَرّار وملئوا‬
‫وصـار كأمثال العيون حتـ رَو َ‬
‫منه كل قربة ولك إناء معهم‪ .‬وأن جاعة شبعت من بُرْمَةِ بقدر جسم‬
‫القطا‪ .‬وأن جِذْعًا حن حني الناقة العشار إل ولدها‪ .‬وأن الصا كان‬
‫‪1‬‬

‫() واليل ألف وستمائة وتسعة أمتار وأربعة وثلثي سنتًا (‪.)34/1609‬‬

‫‪58‬‬

‫‪59‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫يسبح ف كفه وكف أصحابه تسبيحًا يسمعه الاضرون‪ ،‬وأن ال جر‬
‫كان يسلم عليه سل مًا يسمعه بأذنه‪ ،‬وأن بطنه شق من ثغرة نره إل‬
‫أسفله ث استخرج قلبه فغسل ث أعيد وهو حي ينظر‪ ،‬وأن شجرتي‬
‫دعا بما فأقبلتا تران الرض حت قامتا بي يديه فالتزقتاه‪ ،‬ث رجعت‬
‫كل واحدة منهما إل مكانا‪.‬‬
‫إل أمثال ذلك مـن العجزات التـ هـي مـن أعظـم الدلة على‬
‫الالق سبحانه‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬وصدق رسله‪ ،‬واليوم الخر‪.‬‬
‫هذا وإن القرآن وحده لنـ جعـل ال له نورًا أعظـم آيـة ودليـل‬
‫وبرهان على هذه الطالب‪ ،‬قال تعال لنـ طلب آيـة تدل على صـدق‬
‫رسوله‪ :‬أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنّ فِي‬
‫ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْ مٍ يُؤْمِنُونَ [العَنكبوت‪ ]51 :‬ففيه الجة‬
‫والدللة على أنه من ال‪ ،‬وعلى أن ال سبحانه أرسل به رسوله‪ ،‬وأن‬
‫الذي جاء به أصدق خلق ال وأبرهم وأكملهم علمًا وعملً ومعرفة‪،‬‬
‫فيـه مـا يوجـب لنـ اتبعـه السـعادة وينجيـه مـن العذاب‪ .‬فاتقوا ال‬
‫واعتبوا يا أول اللباب‪.‬‬
‫ب ِممّا َن ّزْلنَا َعلَى‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم َوِإ ْن ُكْنُت ْم فِي َرْي ٍ‬
‫ي‬
‫َعْب ِدنَا َفْأتُوا ِبسُو َرٍة ِم ْن ِمْثِل ِه وَا ْدعُوا ُش َهدَا َء ُك ْم ِم ْن دُو ِن الّل ِه ِإ ْن ُكْنُت ْم صَا ِدِق َ‬
‫ت‬
‫حجَا َرُة ُأ ِع ّد ْ‬
‫س وَاْل ِ‬
‫* َفِإ ْن َل ْم َت ْف َعلُوا َوَل ْن َت ْف َعلُوا فَاّتقُوا النّا َر اّلتِي َوقُو ُدهَا النّا ُ‬
‫جرِي ِم ْن‬
‫ت َت ْ‬
‫ت َأنّ َل ُه ْم َجنّا ٍ‬
‫ش ِر اّلذِي َن َآ َمنُوا َو َع ِملُوا ال صّاِلحَا ِ‬
‫ِل ْلكَاِفرِي َن * َوَب ّ‬
‫حتِهَا اْلَأْنهَا ُر ُكلّمَا ُر ِزقُوا ِمنْهَا ِم ْن َث َم َرٍة ِرزْقًا قَالُوا َهذَا اّلذِي ُر ِزقْنَا ِم ْن َقْب ُل‬
‫َت ْ‬
‫ج ُم َط ّه َرٌة َو ُه ْم فِيهَا خَاِلدُو َن [البقرة‪:‬‬
‫َوُأتُوا ِب ِه ُمَتشَابِهًا َوَل ُه ْم فِيهَا َأ ْزوَا ٌ‬
‫‪ ]25 -23‬بارك ال ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل رب العاليـ‪ ،‬قيوم السـموات والرضيـ‪ ،‬الوصـوف‬
‫بالكمال كله‪ ،‬النه عن كل عيب ونقص‪ ،‬وعن كل شبيه أو مثيل ف‬
‫كماله‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له و فق من شاء من‬
‫عباده نعمـة منـه وفضل‪ ،‬وخذل مـن أعرض عنـه‪ .‬حكمـة وعدل‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الصـطفى‪ ،‬الصـدق باليات التـ ل‬
‫تصـى‪ ،‬صـلى ال عليـه وعلى آله وجيـع أصـحابه‪ ،‬ومـن سـار على‬
‫نجهم واقتفى‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬فإن ال جل وعل نَوّع طرق الدا ية رح ة م نه بعباده‬
‫ولطفًا بمـ لتفاوت عقولمـ وأذهانمـ وبصـائرهم فمنهـم مـن يهتدي‬
‫بن فس ما جاء به الر سول ود عا إل يه من غ ي أن يَطْلُ بَ م نه برهانًا‬
‫خارجًا عـن ذلك كحال الكمّل مـن الصـحابة كالصـديق رضـي ال‬
‫ع نه ‪ ،‬ومن هم من يهتدي بعرف ته باله و ما ف طر عل يه من كمال‬
‫الخلق والوصاف والفعال‪ ،‬وأن عادة ال أن ل يزي من قامت به‬
‫تلك الوصاف والفعال‪ ،‬كما قالت أم الؤمني خدية رضي ال عنها‬
‫له ‪ :‬أب شر فوال لن يز يك ال أبدًا‪ ،‬إ نك لت صل الر حم‪ ،‬وت صدق‬
‫الديـث‪ ،‬وتمـل الكـل‪ ،‬وتقري الضيـف‪ ،‬وتعيـ على نوائب القـ‪.‬‬
‫وهذه القامات ف اليان ع جز عن ها أك ثر اللق فاحتاجوا إل اليات‬
‫وخوارق العادات‪ .‬وأضعــف الناس إيانًــا مــن كان إيانــه‬
‫صادرًا عن الظهر ورؤية غلبته للناس على صحة الرسالة‪ ،‬وأضعف‬
‫من هؤلء إيانًا من إيا نه أيان العادة والر بأ والن شأ فإ نه ن شأ ب ي‬

‫‪60‬‬

‫‪61‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أبو ين م سلمي وأقارب وجيان وأ صحاب كذلك‪ .‬وال سبحانه قد‬
‫فاوت ب ي الب شر؛ فبعض هم أف ضل من اللئ كة وبعض هم ل ير ضي به‬
‫ـم‪،‬‬
‫ـم بربكـ‬
‫ـألوا ال عباد ال أن يقوي إيانكـ‬
‫الشيطان وليًـا‪ .‬فاسـ‬
‫وتصديقكم برسله؛ فاليان بالرسول هو تصديقه فيما أخب‪ ،‬وطاعته‬
‫ِينف آَمَنُوا‬
‫فيمـا أمـر‪ ،‬واجتناب مـا نىـ عنـه وزجـر يَا أَيّه َا الّ ذ َ‬
‫ا سْتَجِيبُوا لِلّ هِ وَلِلرّ سُولِ إِذَا دَعَاكُ مْ لِمَا يُحْيِيكُ مْ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّ هَ‬
‫يَحُولُ بَيْ نَ الْمَرْءِ وَقَلْبِ هِ وَأَنّ هُ إِلَيْ هِ تُحْشَرُو نَ [النفَال‪ )1 (]24 :‬إن‬
‫أصدق الديث كتاب ال ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() مدارج ج(‪ ،)426 ،469 ،3/464‬التـبيان ص (‪ ،)145 ،144‬الصـواعق ( ‪،1196‬‬
‫‪ ،)882 ،1197 ،976 ،977‬مفتاح ص (‪ ،)146 ،14 ،13‬طريـق الجرتيـ( ‪338‬‬
‫)‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫آيات ال ف الرض‬
‫ـد ل الذي نصـب الكائنات على وحدانيتـه دليل‪ ،‬رب‬
‫المـ‬
‫الشرق والغرب ل إله إل هو فاتذه وكيل‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريك له حث على التفكر ف آياته السموعة وعلى التفكر‬
‫فـ آياتـه الشهودة‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله إمام التفكريـن‪،‬‬
‫وقدوة العامل ي‪ ،‬صلى ال عل يه وعلى آله وأ صحابه صلة دائ مة إل‬
‫يوم الدين‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال أك ثر ال تعال ف كتا به الكر ي من ذ كر‬
‫(الرض) ود عا عباده إل الن ظر في ها والتف كر ف خلق ها‪ -‬والن ظر هو‬
‫التفات القلب إل النظور ف يه‪ -‬فقال سبحانه وَفِي الْأَرْ ضِ آَيَا تٌ‬
‫لِلْمُوقِنِيَ [الذّاريَات‪.]20 :‬‬
‫فآيات الرض أنواع كثية جدًا‪ .‬منهـا‪ :‬خلقهـا وحدوثهـا بعـد‬
‫عدم ها‪ ،‬وشوا هد الدوث والفتقار إل ال صانع علي ها ل ت حد؛ فإن ا‬
‫شواهد قائ مة ب ا‪ .‬ومنها‪ :‬بروز هذا الانب من الرض فيها عن الاء‬
‫مع كون مقت ضى الطبي عة أن يكون مغمورًا به‪ .‬ومن ها‪ :‬سعتها و كب‬
‫ْفف‬
‫ْضف كَي َ‬
‫خلقهـا‪ .‬ومنهـا‪ :‬تسـطيحها‪ ،‬كمـا قال تعال وَإِلَى الْأَر ِ‬
‫سُطِحَتْ [الغَاشِيَة‪ .]20 :‬ول ينا ف ذلك كون ا كرو ية ف هي كرة‬
‫ف القي قة ل ا سطح ي ستقر عل يه اليوان‪ .‬ومن ها أ نه جعل ها فراشًا‬
‫لتكون مقرًا للحيوان ومساكنه‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪63‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وجعلها مهادًا ذلولً توطأ بالقدام‪ ،‬وتضرب بالعاول والفؤوس‪،‬‬
‫وت مل على ظهر ها البن ية الثقال ف هي ذلول م سخرة ل ا ير يد الع بد‬
‫من ها‪ .‬وجعل ها ب ساطًا‪ .‬وجعل ها كفا تا للحياء تضم هم على ظهر ها‪،‬‬
‫وللموات تضمهـم فـ بطنهـا‪ .‬وطحاهـا فمدهـا وبسـطها ووسـعها‪.‬‬
‫ودحاها فهيئها لا يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومراعاها وشق فيها‬
‫النار وجعل فيها السبل والفجاج‪.‬‬
‫ونبه بعلها مهادًا وفراشًا على حكمته ف جعلها ساكنة واقفة‪،‬‬
‫وذلك آيـة أخرى‪ ،‬إذ ل دعامـة تتهـا تسـكها‪ ،‬ول علقـة فوقهـا‪،‬‬
‫ولكنهـا لاـ كانـت على وجـه الاء كانـت تكفـأ كمـا تكفـأ السـفينة‬
‫فاقتضت العناية الزلية والكمة اللية أن وضع عليها رواسي يثبتها‬
‫ب ا لئل ت يد ولي ستقر علي ها النام واليوان والنبات والمت عة‪ ،‬وتك ي‬
‫اليوان والناس من السعي عليها ف مآربم‪ ،‬واللوس لراحاتم والنوم‬
‫لدوئهم‪ ،‬والتمكن من أعمالم( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() قلت‪ :‬وفرق ب ي القول «بكرو ية الرض» وب ي القول بدوران الرض قال ساحة الش يخ‬
‫ممد بن إبراهيم‪ -‬رحه ال‪ :-‬أما القول بكروية الرض فهي كروية الشكل‪ ،‬ول يناف كونا‬
‫«ب ساطا» و« سطحا» وأشباه ذلك‪ .‬و«دوران الرض» قول با طل؛ فإ نه ل يكاد يقوم عل يه‬
‫دليل يسلمه أحد‪ ،‬لكن أهل هذا الفن اتبعوا الفلسفة ف هذا‪ ،‬وهي أمور ظنية‪ ،‬حت هم ل‬
‫يزمون‪.‬‬
‫جرِي‬
‫س َت ْ‬
‫ش ْم ُ‬
‫والقول بأن «الش مس واق فة» من أب طل البا طل‪ ،‬ومناف لل ية الكري ة‪ :‬وَال ّ‬
‫سَت َق ّر َلهَا [يس‪.]38 :‬‬
‫ِل ُم ْ‬
‫وغلط أيض ًا مـن يقول الراد تري حول نفسـها (فتاويـه ورسـائله) انرظ ج ‪-13/107‬‬
‫‪.110‬‬
‫ـة والسـية‪ :‬على جريان‬
‫ـن باز كتاب «الدلة النقليـ‬
‫ـز بـ‬
‫ـخ عبدالعزيـ‬
‫ـماحة الشيـ‬
‫ولسـ‬
‫الشمس‪ ،‬وسكون الرض‪ ،‬وإمكان الصعود إل الكواكب» استقصى فيه الدلة‪ ،‬ورد فيه على‬
‫العترض ( من مطبوعات الام عة ال سلمية ‪1395‬ه ـ)‪ .‬ون قل ف يه عن الكا تب الشه ي‬
‫م مد فر يد وجدي ب عد ذكره اختلف الفلكي ي ف كتا به «ال سلم ف ع صر العلم» ج(‬
‫‪ )2/141‬قوله‪« :‬ومن هنا ترى تأكيدهم أن الرض تدور ل معن له؛ لنه ل يوجد ما يثبته‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ولو كانـت رجراجـة متكفئة ل يسـتطعوا على ظهرهـا قرارًا ول‬
‫هدوءًا ول ثبت لم عليها بناء ول أمكنهم عليها صناعة ول تارة ول‬
‫حرا ثة ول م صلحة‪ ،‬وك يف كانوا يتهنون بالع يش والرض تر تج من‬
‫تتهـم‪ ،‬واعتـب ذلك باـ يصـيبهم مـن الزلزل على قلة مكثهـا كيـف‬
‫بالتجربة» ونقل عنه أيضًا قوْله‪« :‬يرى من تضارب أفكار أكب علماء الرض‪ -‬يعن الفلكيي‬
‫والطبيعيي التأخرين‪ -‬إن دوران الرض غي حاصل على ما يعله من المور البديهية» إل أن‬
‫قال‪« :‬ولو كان العلمون ف أثناء تدريسهم للعلوم الطبيعية يسلكون مسلك العلماء ف القرار‬
‫بال هل لدوا إل تلميذ هم أ كب خد مة»؛ لن م بذا يعودون م على الدب النف سي فتن شأ‬
‫نفو سهم معتادة على التوا ضع أمام فخا مة الكون وجلل ته وال سجود أمام مبد عه وم صوره‪،‬‬
‫ولكن أكثرهم يدرسون لم العلوم الشكوك فيها والفروض الطبيعية الظنية بصفة حقائق ثابتة‪،‬‬
‫فيتذرع با أولئك التلميذ الغرار مت كبوا إل «اللاد‪ ،‬ونفي الروح واللود» ول يدرون‬
‫أنم يتمسكون بالظنون‪ ،‬وأن الظن ل يغن من الق شيئًا‪.‬اهـ‪ .‬قال ساحة الشيخ عبدالعزيز‪:‬‬
‫«وما أحسن ما قاله هذا العلمة ف شأن الدرسي‪ ،‬وأن الواجب عليهم أن يوضحوا لتلميذهم‬
‫حقائق المور على ما هي عليه‪ ،‬ومدى علمهم با‪ ،‬وأن يسلكوا مسلك العلماء ف العتراف‬
‫بالهل بكثي من المور حت يعتاد الطالب التوقف عما ل يعلم‪ ،‬والتثبت ف المور‪ ،‬والتمييز‬
‫بي العلومات القطعية والظنية» اهـ‪.‬‬
‫أقول‪ :‬وما ذكره ممد فريد وجدي من أن هذه النظريات الشكوك فيها عندهم سببت اللاد‬
‫إل‪ .‬هو كما قال؛ فقد فعلت ف العقائد أكثر ما فعلته كتب النطق والكلم‪ .‬وكذلك قوله‪:‬‬
‫«ولكن أكثر العلمي يدرسون لم هذه العلوم الشكوك فيها بصفة حقائق ثابتة» هو كما قال‬
‫أيضًا‪ ،‬حت ول يذكرون ما جاء عن ال ف القرآن من وصف السموات والرض‪ -‬ولو كقول‬
‫آخر‪ -‬فكأنه يراهم بذه الطريقة مدلسي على التلميذ‪ ..‬فقد ذكر ال سبحانه خلقه للسموات‬
‫والرض والنجوم بل وآدم أب البشر واللئكة والن وصفاتا والواد الت خلقها ال منها والدة‬
‫الت خلقها ال فيها؛ بل والعرش والكرسي والنة والنار‪ ،‬وأن ذلك صادر عن علم وحكمة‪،‬‬
‫وإرادة وقدرة؛ ل عن اتفاق و صدفة‪ .‬وكذلك ل يذكرون ف نظريات م رب العالي وعظم ته‬
‫و صفاته ال ت و صف ب ا نف سه‪ .‬وأ نه هو «الول» ق بل كل ش يء وأمره الذي افتر ضه على‬
‫عباده‪ ،‬وأن ما سواه مدث كائن ب عد أن ل ي كن‪ .‬فإهال م هذه الشياء العظي مة وتركيز هم‬
‫على تلك النظريات ما سبب اللاد الذي ذكره‪.‬‬
‫والقول بدوران الرض حل قة من سلسلة هذه النظريات‪ .‬و«الل قة الثا ن» قولم‪« :‬إن الكرة‬
‫الرضية تكونت نتيجة تساقط ذرات دقيقة من الواد الصلبة ف تمع غي منتظم بيث أدى‬
‫تمع الكثي منها إل تكوين أجزاء يابسة مرتفعة‪ ،‬بينما تعرضت الجزاء الت قل فيها تساقط‬
‫الكويكبات إل تكوين أحواض الحيطات‪ ،‬ويرجع سبب تكوين الكويكبات إل حدوث تدد‬

‫‪64‬‬

‫‪65‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫يضطر هم إل ترك منازل م والرب عن ها‪ ،‬و قد ن به ال تعال على ذلك‬
‫بقوله‪ :‬وَأَلْقَى فِي الْأَرْ ضِ رَوَا سِيَ أَ نْ تَمِيدَ بِكُ مْ وقوله‪ :‬اللّ هُ‬
‫الّ ذِي جَعَلَ لَكُ مُ الْأَرْ ضَ قَرَارًا [غَافر‪ ]64 :‬وقوله‪ :‬الّ ذِي جَعَلَ‬
‫ْضف مَهْدًا [طـه‪ ]53 :‬وفـ جامـع الترمذي وغيه مـن‬
‫ُمف الْأَر َ‬
‫لَك ُ‬
‫انبعاجي ف سطح الشمس بسبب مرور نم آخر أكب بوارها‪ ،‬ونتيجة انفجارات عديدة ف‬
‫سطح الشمس تولدت التفاعلت الذرية‪ ،‬وظل تأثي النجم الخر حت أثر ف دوران الجزاء‬
‫النفصلة حول نفسها وحول الشمس إل‪ .‬انظر ف «جغرافية القارات» ص( ‪ )69‬ط( ‪)1417‬‬
‫نق ًل عن عبدالعزيز طريح شرف ف «الغرافيا الطبيعية» ص(‪.»)53 ،69 ،68‬‬
‫«اللق الثالثة» «نظرية الغاز الكون الول التفق عليها عندهم»‪ .‬قالوا‪« :‬اتفق العلماء على‬
‫أ صول هذه النظر ية و هي تقول‪ :‬ن شأ العال الادي من غاز كو ن أول كان شد يد التخل خل‬
‫و ساخنًا إل حد ّم ا وكان مالئًا للفضاء ومنتشرًا ف يه بانتظام ومؤلفًا من دقائق تكو نت من ها‬
‫أنواع الادة الثلثة» ث ذكر «نظرية السدم» أو الجرات‪.‬‬
‫(انظر معجزة القرآن ف وصف الكائنات ص ‪ )80‬وذكر عنهم نظريات مشابة‪.‬‬
‫قال صاحب النجد‪ -‬وهو أعلم بلغة قومه‪ُ « -‬س ُدمْ» الضباب‪ ،‬أو الرقيق منه‪ ،‬بقع ف الكرة‬
‫السـماوية ضعيفـة النور‪ :‬منهـا مـا هـو تمـع غازات مضيئة‪ ،‬ومنهـا يضـم العديـد مـن‬
‫خ َذ‬
‫ت ُمّت ِ‬
‫س ِه ْم َومَا ُكْن ُ‬
‫ض َولَا َخ ْل َق َأْن ُف ِ‬
‫ت وَاْلَأ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫الكواكب‪.‬اهـ‪ .‬مَا َأ ْش َه ْدُت ُه ْم َخ ْل َق ال ّ‬
‫ضدًا [الكهف‪.]15 :‬‬
‫ي َع ُ‬
‫ضّل َ‬
‫اْل ُم ِ‬
‫وذكر ف معجزة القرآن قولم‪« :‬فالرض تلف حول نفسها ف أربعة وعشرين ساعة بسرعة‬
‫ألف ميل ونصف اليل ف الساعة على طول ميطها‪ ،‬وتري ف فلكها حول الشمس بسرعة‬
‫ثانية عشر ميل ونصف ميل ف الثانية»‪.‬‬
‫أقول‪ :‬الطائرات تطي ف كل اتاه على مدار الساعة‪ ،‬فأيها الوافق لدورة الرض اليومية‪ ،‬وأيها‬
‫الخالف لدورت ا‪ ،‬و ما نتي جة التخالف ف ال سرعة بالميل إذا كا نت‪ .‬وإن ق يل‪ :‬الواء تا بع‬
‫للرض فإن كان بيث يسك من صعد إليه فلم يغادر أحد ول يقدم أحد‪.‬‬
‫وقولم‪ :‬إن الرض تدور حول الشمس تسعمائة وأربعون مليون كيلو مترًا‪ ،‬بسرعة ‪76/29‬‬
‫كيلو متر ف الثانية‪.‬‬
‫أقول‪ :‬ليت صور أحد هم أ نه ف سيارة مكشو فة أو على جناح إحدى الطائرات و هي ت سي‬
‫بسرعة تسعة وعشرين كيلو متر ف الثانية‪ ،‬كيف يكون حاله وتاسكه؟!‬
‫وماذا عليهم لو رسوا الرض ف الوضع الذي رسوا فيه الشمس «ف أطلس العلوم الطبيعية»‬
‫ص(‪ )120‬ورسوا الشمس ف الواضع الت رسوا فيها الرض‪ -‬إذا صحت هذه السافات‪.-‬‬
‫علمًا بأن النتفاع بالش مس وتغ ي ف صول ال سنة والرض ساكنة هو‪ ،‬هو‪ ،‬وأن معر فة تن قل‬
‫الشمس ف بروجها الثن عشر‪ ،‬القمر ف منازله الثمانية والعشرين كافية‪ ،‬ول فائدة تتوقف‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حد يث أ نس بن مالك ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب قال‪« :‬ل ا خلق‬
‫ال الرض جعلت تيفد فخلق البال عليهفا فاسفتقرت‪ ،‬فتعجبفت‬
‫اللئ كة من شدة البال‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رب هل من خل قك شيء أ شد‬
‫من البال؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬الد يد‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رب هل من خل قك ش يء‬
‫أ شد من الد يد؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬النار‪ .‬قالوا‪ :‬يا رب ف هل من خل قك‬
‫شيء أشد من النار؟ قال نعم‪ :‬الريح‪ .‬قالوا‪ :‬يا رب فهل من خلقك‬
‫أشد من الريح؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يفيها عن‬
‫شاله»‪.‬‬
‫ومن آيات ا أن جعلها متلفة الجناس والصفات والنافع مع أن ا‬
‫ـا‬
‫ـهلة وهذه حزنـة تاورهـ‬
‫ـقة‪ :‬فهذه سـ‬
‫قطـع متجاورات متلصـ‬
‫وتلصـقها‪ ،‬وهذه طيبـة تنبـت وتلصـقها أرض ل تنبـت‪ ،‬وهذه تربـة‬
‫وتلصـقها رمال‪ ،‬وهذه صـلبة ويلصـقها أرض رخوة‪ ،‬وهذه سـوداء‬
‫ويلي ها أرض بيضاء‪ ،‬وهذه ح صا كل ها وياور ها أرض ل يو جد في ها‬
‫حجـر‪ ،‬وهذه تصـلح لنبات كذا وكذا وهذه ل تصـلح له بـل تصـلح‬
‫لغيه‪ ،‬وهذه سـبخة مالةـ وهذه بضدهـا‪ ،‬وهذه ليـس فيهـا جبـل ول‬
‫معلم وهذه مسـجرة بالبال‪ ،‬وهذه ل تصـلح إل على الطـر وهذه ل‬
‫ينفع ها ال طر بل ل ت صلح إل على سقي النار فيم طر ال سبحانه‬
‫الاء على الرض البعيدة ويسوق الاء إليها على وجه الرض‪.‬‬

‫على القول بدوران الرض‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫‪67‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وان ظر قطع ها التجاورات‪ ،‬وك يف ينل علي ها ماء وا حد فتن بت‬
‫الزواج الختل فة التباي نة ف الش كل واللون والرائ حة والط عم والنف عة‬
‫كما قال سبحانه‪ :‬وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد‪.]4 :‬‬
‫فكيـف كانـت هذه الجنـة الختلفـة مودعـة فـ بطـن هذه الم‬
‫وكيف حلها من لقاح واحد صنع ال الذي اتقن كل شيء ل إله إل‬
‫هو‪ ،‬ولو ل أن هذا من أع ظم آيا ته لاـ ن به عل يه عباده ودعا هم إل‬
‫التفكي فيه‪.‬‬
‫ْضف هَامِدَةً ميتـة‪ :‬فَإِذَا أَنْزَلْنَا‬
‫وقال سـبحانه‪ :‬وَتَرَى الْأَر َ‬
‫عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّ تْ فتحركت وَرَبَتْ ارتفعت واخضرت‬
‫وَأَنْبَتَ تْ مِ نْ كُلّ زَوْ جٍ بَهِي جٍ [الَ جّ‪ ]5 :‬فأخرجت عجائب النبات‬
‫فـ النظـر والخـب «بيـج» للناظريـن «كريـ» للمتناوليـ فأخرجـت‬
‫القوات على اختلف ها وتبا ين مقادير ها وأشكال ا وألوان ا ومنافع ها‪،‬‬
‫والفواكه والثمار وأنواع الدوية‪ ،‬ومراعي الدواب والطي‪.‬‬
‫وجعلهـا ذلولً على الكمـة فـ أن ل تكـن فـ غايـة الصـلبة‬
‫والشدة كالد يد وال جر فيمت نع حفر ها وشق ها و شق أنار ها والبناء‬
‫فيها والغرس والزرع‪ ،‬وبعث النوم عليها والشي فيها‪.‬‬
‫ونبه بكون ا «قرارًا» على الك مة ف أن ا ل تلق ف غاية الل ي‬
‫والرخاوة والدماثة والطي فل تسك بناء ول يستقر عليها اليوان ول‬
‫الج سام الثقيلة‪ ،‬وكذلك ل يعل ها شفا فة ل ي ستقر علي ها النور ول‬
‫تقبل السخونة فتبقى ف غاية البد فل يستقر عليها اليوان ول يتأتى‬
‫فيـه النبات‪ ،‬وكذلك ل يعلهـا صـقيلة براقـة لئل يترق مـا عليهـا‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ب سبب انعكاس أش عة الش مس بل جعل ها كثي فة غباء ف صلحت أن‬
‫تكون مستقرًا للحيوان والنام والنبات‪.‬‬
‫فلو سـألتها‪ :‬مـن نوعهـا هذا التنوع‪ ،‬ومـن فوق أجزاءهـا هذا‬
‫التفريق‪ ،‬ومن خصص كل قطعة منها با خصها به‪ ،‬ومن ألقى عليها‬
‫روا سيها وف تح في ها ال سبل وأخرج من ها الاء والر عى‪ ،‬و من أم سكها‬
‫عـن الزوال‪ ،‬ومـن بارك فيهـا وقدر فيهـا أقواتاـ‪ ،‬وأنشـأ منهـا ماءهـا‬
‫وحيوان ا ونبات ا‪ ،‬و من و ضع في ها معادن ا وجواهر ها ومنافع ها‪ ،‬و من‬
‫هيأ ها م ستقرًا للنام‪ ،‬و من يبدأ اللق ث يعيده إلي ها ث يرج من ها‪،‬‬
‫و من جعل ها ذلولً غ ي م ستعصية ول متنعة‪ ،‬ومن و طأ مناكب ها وذلل‬
‫مسـالكها ووسـع مارجهـا وشـق أنارهـا وأنبـت أشجارهـا وأخرج‬
‫ثارهـا‪ ،‬ومـن صـدعها عـن النبات وأودع فيهـا جيـع القوات‪ ،‬ومـن‬
‫بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة‬
‫ل ا‪ ،‬و من الذي ي سكها أن تتحرك فتتزلزل في سقط ما علي ها من بناء‬
‫ومعلم أو يسفها بن عليها فإذا هي تور‪.‬‬
‫ومن الذي أن شأ من ها النوع الن سان الذي هو أبدع الخلوقات‬
‫وأحسـن الصـنوعات؛ بـل أنشـأ منهـا آدم ونوحًا وإبراهيـم وموسـى‬
‫وعيسـى وممدًا وعليهـم أجعيـ‪ ،‬وأنشـأ منهـا أولياءه وأحباءه‬
‫وعباده الصـالي‪ ،‬ومـن جعلهـا حافظـة لاـ اسـتودع فيهـا مـن الياه‬
‫والرزاق والعادن واليوان‪ ،‬و من ج عل بين ها وب ي الش مس والق مر‬
‫هذا القدار مـن السـافة؛ فلو زادت على ذلك لضعـف تأثرهـا برارة‬
‫الشمـس ونور القمـر فتعطلت النفعـة الواصـلة إل اليوان والنبات‬
‫بسبب ذلك‪ ،‬ولو زادت ف القرب لشتدت الرارة والسخونة‪ -‬كما‬

‫‪68‬‬

‫‪69‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫نشاهده ف الصيف‪ -‬فاحترقت أبدان اليوان والنبات‪.‬‬
‫وبالملة فكانت تفوت هذه الكمة الت با انتظام العال‪.‬‬
‫ومـن الذي جعـل فيهـا النات والدائق والعيون‪ ،‬ومـن الذي‬
‫جعل باطنها بيوتًا للموات وظاهرها بيوتًا للحياء‪.‬‬
‫و من الذي ييي ها ب عد موت ا فينل علي ها الاء من ال سماء ث ير سل‬
‫عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ ف البل فإذا كان وقت الولدة‬
‫مضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بيج فسبحان من جعل الاء‬
‫كالب والرض كالم والقطـر كالاء الذي ينعقـد منـه الولد فإذا حصـل‬
‫الب ف الرض ووقع عليه الاء أثرت نداوة الطي فيه وأعانتها السخونة‬
‫الختفية ف باطن الرض فوصلت النداوة والرارة إل باطن البة فاتسعت‬
‫البة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقي ساق من فوقها وهي الشجرة‬
‫وساق من تتها وهو العرق‪ ،‬ث عظم ذلك الولد حت ل يبق لبيه نسبة‬
‫إل يه‪ ،‬ث و ضع من الولد ب عد أب يه آل فا مؤل فة‪ ،‬كل ذلك صنع الرب‬
‫الكيم ف حبة واحدة لعلها تبلغ ف الصغر إل الغاية وذلك من البكة الت‬
‫وضعها ال سبحانه ف هذه الم‪.‬‬
‫فيـا لاـ مـن آيـة تكفـي وحدهـا فـ الدللة على وجود الالق‬
‫و صفات كماله وأفعاله و صدق ر سله في ما أ خبوا به بإخراج من ف‬
‫القبور‪ ،‬ليوم البعث والنشور‪.‬‬
‫فتأمل اجتماع هذه العناصر الربعة وتاورها وامتزاجها وحاجة‬
‫بعضها إل بعض وانفعال بعضها ببعض وتأثيه فيه وتأثره به بيث ل‬
‫يكنـه إل التباع مـن التأثـر والنفعال‪ ،‬ول يسـتقل الخـر بالتأثيـ‪،‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ول يسـتغن عـن صـاحبه وفـ ذلك أظهـر دللة على أناـ ملوقـة‬
‫مصنوعة‪ ،‬مربوبة‪ ،‬مدبرة‪ ،‬حادثة بعد عدمها‪ ،‬فقي إل موجد غن عنها‬
‫مؤثر فيها غي متأثر‪ ،‬قدي غي مدث‪ ،‬تنقاد الخلوقات كلها لقدرته‪،‬‬
‫وت يب دا عي مشيئته‪ ،‬وتل ب داعي وحدانيته وربوبيته‪ ،‬وتشهد بعل مه‬
‫وحكم ته‪ ،‬وتد عو عباده إل ذكره وشكره وطاع ته وعبودي ته ومب ته‪،‬‬
‫وتذرهم من بأسه ونقمته‪ ،‬وتثهم على البادرة إل رضوانه وجنته‪.‬‬
‫فإذا كان يوم الوقـت العلوم وقـد ثقلهـا حلهـا وحان وقـت‬
‫الولدة ودنو الخاض أوحى إليها ربا وفاطرها أن تضع حلها وترج‬
‫أثقال ا‪ ،‬فتخرج الناس من بطن ها إل ظهر ها‪ ،‬وتقول‪ :‬يا رب‪ :‬هذا ما‬
‫اسـتودعتن‪ ،‬وترج كنوزهـا بإذنـه تعال‪ ،‬ثـ تدث أخبارهـا وتشهـد‬
‫على بنيهـا باـ عملوا على ظهرهـا مـن خيـ وشـر‪ .‬أعوذ بال مـن‬
‫الشيطان الرج يم ب سم ال الرحنـ الرح يم إِذَا زُلْزِلَ تِ الْأَرْ ضُ‬
‫[الزّلزَلة‪ ... ]1 :‬إل آخر السورة‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ونستيعنه ونستغفره ونتوب إليه ‪...‬‬
‫وبعـد‪ :‬فقـد قال سـبحانه‪ :‬وَالْجِبَالَ أَرْسفَاهَا [النّازعَات‪:‬‬
‫‪ ]32‬وقال بعد ذكر المر بالنظر إل البل والسماء وَإِلَى الْجِبَالِ‬
‫كَيْفَ نُصِبَتْ [الغَاشِيَة‪.]19 :‬‬
‫ث انظر كيف أحكم جوانب الرض بالبال الراسيات الشوامخ‬

‫‪70‬‬

‫‪71‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الصم الصلب‪ ،‬وكيف نصبها فأحسن نصبها‪ ،‬وكيف رفعها وجعلها‬
‫ـني وترادف‬
‫ـل على تطاول السـ‬
‫ـلب أجزاء الرض لئل تضمحـ‬
‫أصـ‬
‫المطار والرياح‪.‬‬
‫هذه البال ال ت ي سبها الا هل فضلة ف الرض ل حا جة إلي ها‬
‫وفيها من النافع ما ل يصيه إل خالقها وناصبها‪.‬‬
‫وفـ حديـث ضمام بـن ثعلبـة قوله للنـب ‪ « :‬بالذي نصفب‬
‫البال وأودع فيها النافع آل أمرك بكذا وكذا؟ قال‪ :‬اللّهم نعم»‪.‬‬
‫فمـن فمنافعهـا أن الثلج يسـقط عليهـا فيبقـى فـ قللهـا حاملً‬
‫لشراب الناس إل حي نفاده( ‪.)1‬‬
‫ومـن منافعهـا مـا يكون فـ حصـونا وقللهـا مـن الغارات‬
‫والكهوف والعاقل الت بنلة الصون والقلع أكنان للناس واليوان‪.‬‬
‫و من منافع ها ما ين حت من أحجار ها للبن ية على اختلف أ صنافعها‬
‫والرحية وغيها‪.‬‬
‫ومنافع ها ما يو جد في ها من العادن على اختلف أ صنافعها من‬
‫الذهـب والفضـة والنحاس والديـد والرصـاص والزبرجـد والزمرد‬
‫وأضعاف ذلك من أنواع العادن ال ت يع جز الب شر عن معرفت ها على‬
‫التف صيل‪ ،‬ث هدى تعال الناس إل ا ستخراج تلك العاد من ها وألم هم‬
‫كيـف يصـنعون منهـا النقود واللي والزينـة واللباس والسـلح‬
‫وآلة العاش على اختلفها‪ ،‬ولول هدايته سبحانه لم إل ذلك لا كان‬
‫‪1‬‬

‫() ج عل في ها ليذوب أو ًل فأو ًل فتج يء م نه ال سيول الغزيرة‪ ،‬وت سيل م نه النار والود ية‪،‬‬
‫فين بت ف الروج والوهاد والر با ضروب النبات والفوا كه والدو ية ال ت ل يكون مثل ها ف‬
‫السهل والرمل‪ ،‬فلول البال لسقط الثلج على وجه الرض فانل جلة وساح دفعة فعدم وقت‬
‫الا جة إل يه‪ ،‬وكا نت ف انلله جل ًة ال سيول ال ت تلك ما مرت عل يه في ضر بالناس ضررًا ل‬
‫يكن تلفيه ول دفعهم لذيته‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫لم علم شيء منه‪.‬‬
‫و من منافع ها أيضًا أن ا ترد الرياح العا صفة وتك سر حدت ا فل‬
‫تدع ها ت صدم ما تت ها‪ .‬و من منافع ها أيضًا أن ا ترد عن هم ال سيول إذا‬
‫كانت ف ماريها فتصرفها عنهم ذات اليمي وذات الشمال‪ ،‬ولولها‬
‫خر بت ال سيول ف ماري ها ما مرت به فتكون ل م بنلة ال سد‪ .‬و من‬
‫منافع ها أن ا أعلم ي ستدل ب ا ف الطرقات‪ ،‬ولذا ساها ال أعلمًا‪،‬‬
‫فقال‪ :‬وَمِ نْ آَيَاتِ هِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَا مِ [الشّورى‪]32 :‬‬
‫فالواري ال سفن‪ ،‬والعلم البال‪ .‬و من منافع ها ما ين بت في ها من‬
‫العقاقي والدوية الت ل تكون ف السهول والرمال‪ ،‬كما أن ما ينبت‬
‫ف السهول والرمال ل ينبت مثله ف البال‪.‬‬
‫وفيها من النافع ما ل يعلمه إل خالقها ومبدعها سبحانه‪.‬‬
‫وإذا تأملت خلقتهـا العجيبـة البديعـة وجدتاـ فـ غايـة الطابقـة‬
‫للحكمـة؛ فإناـ لو طالت واسـتدقت كالائط لتعذر الصـعود عليهـا‬
‫والنتفاع باـ وسـترت عـن الناس الشمـس والواء فلم يتمكنوا مـن‬
‫النتفاع باـ‪ ،‬ولو بسـطت على وجـه الرض لضيقـت عليهـم الزارع‬
‫والسـاكن وللئت السـهل‪ ،‬ولو جعلت مسـتديرة شكـل الكرة ل‬
‫يتمكنوا من صعودها ولا حصل لم با النتفاع التام‪.‬‬
‫فخلق ها ومنافع ها من أ كب الشوا هد على قدرة بارئ ها وفاطر ها‬
‫وعلمه وحكمته ووحدانيته‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫‪73‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫هذا مـع أناـ تسـبح بمده‪ ،‬وتشـع له‪ ،‬وتتشقـق وتبـط مـن‬
‫خشيته‪ ،‬وهي الت خافت من ربا وفاطرها وخالقها على شدتا وعظم‬
‫خلقها من المانة الت عرضها عليها وأشفقت من حلها‪.‬‬
‫هذا وإناـ لتعلم أن لاـ موعدًا ويومًا تنسـف فيـه نسـفًا وتصـي‬
‫كالع هن من هوله وعظ مه‪ ،‬ف هي مشفقة من هول ذلك الوعد منتظرة‬
‫له‪ ،‬وكانت أم الدرداء رضي ال عنها إذا سافرت فصعدت على جبل‬
‫تقول لنـ مع ها‪ :‬أ سعت البال ما وعد ها رباـ؟ فيقال‪ :‬ما أ سعها؟‬
‫َسففًا * فَيَذَرُهَا‬
‫ْسففُهَا رَبّيف ن ْ‬
‫فتقول‪ :‬وَيَس ْفأَلُونَكَ عَن ِف الْجِبَالِ فَقُلْ يَن ِ‬
‫ففْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَفا عِوَجًفا وَلَا أَمْتًفا ( ‪[ )1‬طـه‪-105 :‬‬
‫قَاعًفا ص َ‬
‫‪.]107‬‬
‫فهذا حال البال و هي الجارة ال صلبة‪ ،‬وهذه رقت ها وخشيت ها‬
‫وتدكدك ها من جلل رب ا وعظم ته‪ ،‬و قد أ خب عن ها فاطر ها وبارئ ها‬
‫أنه لو أنزل عليها كلمه لشعت وتصدعت من خشية ال‪.‬‬
‫فيا عجبًا من مضغة ل م أقسى من هذه البال تسمع آيات ال‬
‫تتلى علي ها ويذ كر الرب تعال فل تل ي ول ت شع ول تن يب‪ ،‬فل يس‬
‫بستنكر على ال ول يالف حكمته أن يلق لا نارًا تذيبها إذا ل‬
‫تلن بكل مه وذكره وزواجره ومواع ظه‪ ،‬ف من ل يلن ال ف هذه الدار‬
‫قلبه ول ينب إليه ول يذبه ب به والبكاء من خشيته فليتمتع قليلً فإن‬
‫أمامه اللي العظم‪ ،‬وسيد إل عال الغيب والشهادة فيى ويعلم‪ .‬إن‬
‫أحسن‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السعادة ص(‪ )218 ،219 ،220 ،221 ،217 ،199‬التبيان ص (‪183‬‬
‫‪ )16 ،184 ،‬فتاوى ج(‪ )18‬ص( ‪ )215 ،214‬ج(‪.)564 ،544 ،5/543‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫السموات‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬والكواكب‬
‫ودللتها على خالقها العظيم‬
‫ـل الظلمات‬
‫ـموات والرض وجعـ‬
‫ـد ل الذي خلق السـ‬
‫المـ‬
‫والنور‪ ،‬يعلم ما يلج ف الرض و ما يرج من ها و ما ينل من ال سماء‬
‫و ما يعرج في ها و هو العز يز الغفور‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له شهادة أشهد با مع الشاهدين‪ ،‬وأدخرها عند ال عدة ليوم‬
‫الديـن‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الصـطفى‪ ،‬الصـادق الذي ل‬
‫ينطق عن الوى‪ .‬صلى ال عليه وعلى آله وأصحابه صلة دائمة بدوام‬
‫السموات والرضي‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬قد أث ن ال ف كتا به على التفكر ين ف‬
‫ف‬
‫خلق السـموات والرض فقال سـبحانه وتعال‪ :‬إِنّف فِفي خَلْق ِ‬
‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ وَاخْتِلَا فِ اللّ يْلِ وَالنّ هَارِ لَآَيَا تٍ لِأُولِي الْأَلْبَا بِ‬
‫* الّ ذِي نَ يَذْكُرُو نَ اللّ هَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِ مْ وَيَتَفَكّ رُو نَ فِي‬
‫خَلْ قِ ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ رَبّ نَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا‬
‫عَذَا بَ النّارِ * رَبّ نَا إِنّ كَ مَ نْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَ هُ وَمَا لِلظّالِمِيَ‬
‫مِ نْ أَنْ صَارٍ * رَبّ نَا إِنّ نَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيَا نِ أَ نْ آَمِنُوا بِرَبّ كُ مْ‬
‫فَآَمَنّا رَبّ نَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّ رْ عَنّا سَيّ ئَاتِنَا وَتَوَفّ نَا مَ عَ الْأَبْرَارِ *‬
‫رَبّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُ سُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْ مَ الْقِيَامَةِ إِنّ كَ لَا‬
‫تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران‪.]194 -190 :‬‬

‫‪74‬‬

‫‪75‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وذم العرضي عن ذلك فقال‪ :‬وَجَعَلْنَا السّ مَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا‬
‫وَهُ مْ عَ نْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُو نَ [ال نبيَاء‪ ]32 :‬ذلك أن التف كر في ها‬
‫يدل على عظمـة خالقهـا وبانيهـا‪ ،‬ويدعـو إل تعظيـم أمره وشرعـه‪،‬‬
‫ويثمر زيادة اليان ف قلوب ذوي اللباب‪.‬‬
‫عباد ال لنتأمـل ولنتفكـر فـ صـنعه فـ ملكوت «السفموات»‬
‫وعلو ها‪ ،‬و سعتها‪ ،‬وا ستدارتا‪ ،‬وع ظم خلق ها‪ ،‬وح سن بنائ ها ولون ا‪.‬‬
‫وعجائب ش سها وقمر ها وكواكب ها‪ ،‬ومقادير ها وأشكال ا‪ ،‬وتفاوت‬
‫مشارقها ومغارب ا‪ ،‬فهي أحكم خلقًا‪ ،‬وأتقن صنعًا‪ ،‬وأج ع للعجائب‬
‫من بدن النسان‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬أَأَنْتُ مْ أَشَدّ خَلْقًا أَ مِ ال سّ مَاءُ بَنَاهَا‬
‫ش لَيْ َلهَا َوأَ ْخرَ جَ ضُحَاهَا [النازعات‪:‬‬
‫سوّاهَا * وَأَغْ َط َ‬
‫* َرفَ عَ سَ ْم َكهَا فَ َ‬
‫‪ ]29 -27‬والرض والبحار والواء وكـل مـا تتـ السـموات‬
‫بالضا فة إل السموات كقطرة ف ب ر‪ ،‬قال سبحانه‪ :‬إِنّ فِي خَلْ قِ‬
‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ وَاخْتِلَا فِ اللّ يْلِ وَالنّ هَارِ وَالْفُلْ كِ الّتِي تَجْرِي‬
‫فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَ عُ النّا سَ وَمَا أَنْزَلَ اللّ هُ مِ نَ ال سّ مَاءِ مِ نْ مَاءٍ فَأَحْيَا‬
‫بِ هِ الْأَرْ ضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِ نْ كُلّ دَابّ ةٍ وَتَ صْرِيفِ الرّ يَا حِ‬
‫وَال سّ حَابِ الْمُ سَخّ رِ بَيْ نَ ال سّ مَاءِ وَالْأَرْ ضِ لَآَيَا تٍ لِقَوْ مٍ يَعْقِلُو نَ‬
‫[البَقَرَة‪ ]164 :‬فبدأ بذ كر خلق ال سموات؛ ولذا قل أن ت يء سورة‬
‫ف القرآن إل وفي ها ذكر ها‪ :‬إ ما إخبارًا عن عظمت ها و سعتها‪ ،‬وإ ما‬
‫إق سامًا ب ا‪ ،‬وإ ما دعاءً إل الن ظر في ها‪ ،‬وإ ما إرشادًا للعباد أن ي ستدلوا‬
‫با على عظمة بانيها ورافعها‪ ،‬وإما استدل لً منه سبحانه بلقها على‬
‫ما أ خب به من العاد والقيا مة‪ ،‬وإ ما ا ستدل لً م نه بربوبي ته ل ا على‬
‫وحدانيتـه وأنـه ال الذي ل إله إل هـو‪ ،‬وإمـا اسـتدل لً منـه بسـنها‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ـا على تام‬
‫ـا وعدم الفطور والشقوق فيهـ‬
‫ـتوائها والتئام أجزائهـ‬
‫واسـ‬
‫حكمتـه وقدرتـه‪ .‬وكذلك مـا فيهـا مـن الشمـس والقمـر والكواكـب‬
‫والعجائب ال ت تتقاصر عقول الب شر عن قليلها‪ ،‬ث هي مع ذلك مقر‬
‫ملئكتـه الرب‪ ،‬وحـل دار جزائه؛ ومهبـط ملئكتـه ووحيـه‪ ،‬وإليهـا‬
‫تصعد الرواح وأعمالا وكلماتا الطيبة‪.‬‬
‫بدأ سـبحانه خلقهـا مـن بار الاء التصـاعد منـه حيـ خلقـت‬
‫الرض و هو الدخان‪ ،‬قال تعال( ‪ :)1‬ثُمّ ا سْتَوَى إِلَى ال سّ مَاءِ وَهِ يَ‬
‫دُخَا نٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْ ضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيَ‬
‫[فُ صّلَت‪ .]11 :‬فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة‬
‫كيف تراها من أعظم اليات ف ارتفاعها وسعتها‪ ،‬وقرارها بيث ل‬
‫تصعد علوًا كالنار‪ ،‬ول ت بط نازلة كالجسام الثقيلة‪ ،‬ول عمد تتها‬
‫تقلهـا أو علقـة ترفعهـا؛ بـل هـي مسـوكة بقدرة ال الذي يسـك‬
‫السموات والرض أن تزول‪.‬‬
‫ثـ تأمـل مـا وضعـت عليـه مـن هذا اللون الذي هـو أحسـن‬
‫‪1‬‬

‫ك‬
‫ج َعلُو َن َل ُه َأْندَادًا َذِل َ‬
‫ض فِي َي ْو َمْي ِن َوَت ْ‬
‫() قال سبحانه‪ُ :‬ق ْل َأِئّن ُك ْم َلَت ْك ُفرُو َن بِاّلذِي َخَل َق اْلَأ ْر َ‬
‫ي * َو َج َع َل فِيهَا َروَا ِس َي ِم ْن َف ْوِقهَا َوبَا َر َك فِيهَا َوَق ّد َر فِيهَا َأ ْقوَاَتهَا فِي َأ ْرَب َع ِة َأيّا ٍم َسوَا ًء‬
‫ب اْلعَاَل ِم َ‬
‫َر ّ‬
‫ي [فصلت‪ ]10 ،9 :‬ففصل هنا ما يتص بالرض ما اختص بالسماء؛ فذكر أنه‬
‫لِل سّاِئِل َ‬
‫خلق الرض أو ًل لن ا كالساس‪ ،‬والصل أن يبدأ بالساس ث بعده بال سقف‪ ،‬خلق الرض‬
‫ق بل خلق السماء بالنص‪ ،‬ودحو ها بعد خلق السماء‪ .‬فخلق الرض وما فيها ف أربعة أيام‪.‬‬
‫وخلق السـموات فـ يوميـ‪ .‬ودحيهـا أن أخرج منهـا الاء والرعـى‪ ،‬وخلق البال والرمال‬
‫ُصـَت‪ ]12 :‬أي‬
‫سفمَا ٍء َأ ْمرَهَا [ف ّل‬
‫والماد والكام على هذه الرض َوَأوْحَى فِي ُك ّل َ‬
‫ورتب مقرًا ف كل ساء ما تتاج إليه من اللئكة وما فيها من الشياء الت ل يعلمها إل ال‬
‫صلَت‪ ]12 :‬وهي الكواكب النية الشرقة على أهل‬
‫ح [ُف ّ‬
‫سمَا َء ال ّدْنيَا ِب َم صَابِي َ‬
‫َو َزّينّا ال ّ‬
‫الرض‪ .‬اهـ ابن كثي‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫‪77‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫اللوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له( ‪.)1‬‬
‫وهذه «الشمفس» أكـب مـن الرض بأكثـر مـن مائة مرة إذا‬
‫فكرت ف طلوعها وغروبا لقامة دولت الليل والنهار‪ ،‬ولول طلوعها‬
‫لب طل أ مر هذا العال؛ ف كم ف طلوع ها من ال كم وال صال‪ ،‬وك يف‬
‫كان حال اليوان لو أمسـكت عنهـم وجعـل الليـل عليهـم سـرمدًا‬
‫والدنيـا مظلمـة عليهـم؛ فبأي نور كانوا يتصـرفون ويتقلبون‪ ،‬وكيـف‬
‫كانـت تنضـج ثارهـم‪ ،‬وتكمـل أقواتمـ‪ ،‬وتعتدل صـورهم وأبدانمـ‬
‫فالِكَمُ ف طلوعها أعظم من أن تفى أو تصى‪.‬‬
‫ولكـن تأمـل الكمـة فـ غروباـ فلول غروباـ ل يكـن‬
‫للحيوان هدوء ول قرا مـع شدة حاجتهـم إل الدوء لراحـة أبدانمـ‬
‫وإجام حواسـهم‪ .‬وأيضًا لو دا مت على الرض لش تد حو ها بدوام‬
‫طلوعهـا عليهـا فأحرق كـل مـا عليهـا مـن حيوان ونبات‪ ،‬فاقتضـت‬
‫حكمـة اللق العليـم والعزيـز الكيـم أن جعلهـا تطلع عليهـم فـ‬
‫وقـت وتغيـب فـ وقـت بنلة سـراج يرفـع لهـل الدار مليًا ليقضوا‬
‫مآربمـ ث يغ يب عن هم م ثل ذلك ليقروا ويهدءوا و صار ضياء النهار‬
‫وحرارتـه وظلم الليـل وبرده على تضادهاـ ومـا فيهمـا متظاهريـن‬
‫‪1‬‬

‫() ح ت أن من أ صابه ش يء أ ضر بب صره يؤ مر بإدمان الن ظر إل الضرة‪ ،‬و ما قرب من ها إل‬
‫السواد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬فالسموات الت وصفها ال سبحانه ف القرآن بأنه بناها وأنا سقف مفوظ إل آخر ما‬
‫ذكر عنها ف القرآن والسنة هي الت نراها بأعيننا خضراء؛ ليست هي النجوم والجرات إل‪.‬‬
‫ج [ق‪ ]6 :‬فهي‬
‫ف َبَنْينَاهَا َو َزّينّاهَا َومَا َلهَا ِم ْن ُفرُو ٍ‬
‫سمَا ِء َف ْوَق ُه ْم َكْي َ‬
‫َأَفَل ْم َيْن ُظرُوا ِإلَى ال ّ‬
‫مبنية‪ ،‬والنجوم زينة لا‪ -‬العطف يقتضي الغايرة‪ -‬ولو كانت هي هذه النجوم لكانت كلها‬
‫فروج‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫متعاوني على ما فيه صلح العال وقوامه ومنافع أهله( ‪.)1‬‬
‫ث اقت ضت حكم ته سبحانه أن ج عل للش مس ارتفاعًا وانفاضًا‬
‫لقا مة الف صول الرب عة من ال سنة‪ -‬ف في ز من «الشتاء» تغور الرارة‬
‫فـ الجواف وبطون الرض والبال والشجـر والنبات فيتولد فيهـا‬
‫مواد الثمار وغي ها‪ ،‬و تبد الظوا هر‪ ،‬ويغلظ الواء ب سبب البد فين شأ‬
‫منـه السـحاب وينعقـد فيحدث الطـر والثلج والبَرَد الذي بـه حياة‬
‫الرض وناء أبدان اليوان والنبات‪ .‬فإذا جاء «الربيففع» تركــت‬
‫الطبائع وظهرت الواد الكام نة ف الشتاء‪ ،‬فخرج النبات‪ ،‬وأخذت الرض‬
‫زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بيج‪ ،‬وترك اليوان للتناسل‪ ,‬فإذا‬
‫جاء «ال صيف» سخن الواء فنض جت الثمار ويب ست البوب ف صلحت‬
‫للحفـظ والزن‪ ،‬وتللت فضلت البدان‪ .‬فإذا جاء «الريفف» انكسـر‬
‫ذلك السـموم والرـ وصـفا الواء واعتدل‪ ،‬وأخذت الرض والشجـر فـ‬
‫الراحـة والموم والسـتعداد للحمـل والنبات مرة ثانيـة‪ .‬ولو كان الزمان‬
‫كلّه فصلً واحدًا لفاتت مصال الفصول الباقية فيه‪.‬‬
‫وجعـل سـبحانه «الريفف» برزخ ًا بيـ سـوم الصـيف وبرد‬
‫الشتاء؛ لئل ينتقـل اليوان وهلة واحدة مـن الرـ الشديـد إل البد‬
‫الشد يد في جد إذاه ويع ظم ضره‪ .‬وكذلك «الرب يع» برزخ ب ي الشتاء‬
‫والصيف ينتقل فيه اليوان من برد هذا إل حر هذا بتدريج وترتيب‪،‬‬
‫حكمة بالغة‪ ،‬وآية قاهرة‪ ،‬فتبارك ال رب العالي وأحسن الالقي‪.‬‬
‫وجعل سبحانه طلوع الشمس دولً بي أهل الرض لينال نفعها‬
‫‪1‬‬

‫() وقد أشار تعال إل هذا العن ونبه عباده عليه بقول‪ُ :‬ق ْل َأ َرَأْيُت ْم ِإ ْن َج َع َل الّل ُه َعَلْي ُك ُم الّلْي َل‬
‫َس ْر َمدًا [ال َقصَص‪]71 :‬اليات‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪79‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وتأثيها البقاع فل يبقى موضع من الواضع الت يكن أن تطلع عليها‬
‫إل أخذ بقسطه منها‪.‬‬
‫واقتضى هذا التدبي الحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة‬
‫وعشر ين ساعة‪ ،‬ويأ خذ كل منه ما من صاحبه‪ ،‬ومنت هى كل منه ما إذا‬
‫امتد خسة عشر ساعة‪ ،‬فلو زاد مقدار النهار على ذلك إل خسي ساعة‬
‫ل أو أكثـر اختـل نظام العال وفسـد أكثـر اليوان والنبات‪ ،‬ولو نقـص‬
‫مث ً‬
‫مقداره عـن ذلك لختـل النظام أيضًا وتعطلت الصـال‪ ،‬ولو اسـتويا لاـ‬
‫اختلفت فصول السنة الت باختلفها مصال العباد واليوان فكان ف هذا‬
‫التقد ير والتدب ي الح كم من اليات وال صال والنا فع ما ش هد بأن ذلك‬
‫خ مِنْ ُه النّهَارَ‬
‫تقدير العزيز العليم‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬وَ َآَي ٌة َلهُ ُم اللّ ْيلُ نَ سْلَ ُ‬
‫ك َت ْقدِيرُ اْل َعزِيزِ‬
‫جرِي لِمُ سَْت َق ّر لَهَا َذلِ َ‬
‫س تَ ْ‬
‫َفإِذَا هُ ْم مُظْلِمُو َن * وَالشّمْ ُ‬
‫الْعَلِيمِ [يس‪.]38 ،37 :‬‬
‫وانظـر إل «القمفر» وعجائب آياتـه كيـف يبديـه ال كاليـط‬
‫الدق يق‪ ،‬ث يتزا يد نوره ويتكا مل شيئًا فشيئًا كل ليلة ح ت ينت هي إل‬
‫إبداره وكماله وتامـه‪ ،‬ثـ يأخـذ فـ النقصـان حتـ يعود إل حالتـه‬
‫الول؛ ليظهـر مـن ذلك مواقيـت العباد فـ معاشهـم وعبادتمـ‬
‫ومناسكهم‪ ،‬مع ما ف ذلك من الكم واليات والعب الت ل يصيها‬
‫إل ال‪ .‬وأمـا تأثيـ نور القمـر فـ ترطيـب أبدان اليوان والنبات‬
‫وت صليبها ليقا بل ما ف ضوء الش مس من الت سخي والتحل يل‪ ،‬وتأثيه‬
‫فـ الياه وجزر البحـر ومده وبرانات المراض وتنقلهـا مـن حال إل‬
‫حال‪ ،‬وغي ذلك من النافع فأمر ظاهر‪.‬‬
‫ول ا كان اليوان قد يتاج ف الليل إل حركة ومسي وعمل ل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫يتهيـأ له بالنهار لضيـق النهار أو لشدة الرـ أو لوفـه بالنهار كحال‬
‫كثي من اليوان‪ -‬جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما‬
‫يتأتى معه أعمال كثية كالسفر والرث وغي ذلك‪.‬‬
‫فسل الْجَرِيَا تِ يُ سْرًا من الكواكب والشمس والقمر من‬
‫الذي خلقهـا وأحسـن خلقهـا‪ ،‬ورفـع مكاناـ‪ ،‬وزيـن باـ قبـة العال‪،‬‬
‫وفاوت بيـ أشكالاـ ومقاديرهـا وألواناـ وحركاتاـ وأماكنهـا مـن‬
‫ـه‪،‬‬
‫ـفات كماله‪ ،‬وربوبيتـ‬
‫ـماء( ‪ )1‬تدلك على وجود الالق‪ ،‬وصـ‬
‫السـ‬
‫وحكمتـه‪ ،‬ووحدانيتـه‪ :‬أعظـم دللة‪ ،‬وكلمـا دل على صـفات جلله‬
‫ونعوت كماله دل على صدق رسله‪ .‬فكما جعل ال النجوم هداية ف‬
‫طر يق الب والب حر ف هي هدا ية ف طرق العلم بالالق سبحانه وقدر ته‬
‫وعلمه وحكمته والبدأ والعاد والنبوة( ‪.)2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() فمن ها ال كبي‪ ،‬ومن ها ال صغي‪ ،‬والتو سط‪ ،‬والب يض‪ ،‬والح ر‪ ،‬والزجا جي اللون‪ ،‬والدري‬
‫اللون‪ ،‬والتوسط ف قبة الفلك‪ ،‬والتطرف ف جوانبها‪ ،‬وبي ذلك‪ .‬ومنها ما يقطع الفلك ف‬
‫شهر‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف عام‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف ثلثي عامًا‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف أضعاف‬
‫ذلك‪ .‬ومنهـا مـا ل يزال ظاهرًا أبدًا‪ ،‬ومنهـا أبدي الفاء‪ ،‬ومنهـا مـا له حالتان حالة ظهور‬
‫واختفاء‪ ،‬ومنها ما له حركتان حركة عرضية من الشرق إل الغرب وحركة ذاتية من الغرب‬
‫إل الشرق‪ ،‬فحالا يأخذ كوكب ف الغروب فإذا كوكب آخر ف مقابلته‪ ،‬وكوكب آخر قد‬
‫طلع و هو آ خذ ف الرتفاع‪ ،‬وكو كب آ خر ف الر بع الشر قي‪ ،‬وكو كب آ خر ف و سط‬
‫ال سماء‪ ،‬وكو كب آ خر قد مال عن الو سط وآ خر قد د نا من الغروب وكأ نه رقي به ينت ظر‬
‫بطلوعه غيبته‪.‬‬
‫() فأذا تأ مل الب صي الق مر ‪-‬مثلً‪ -‬وافتقاره إل م ل يقوم به‪ ،‬و سيه دائمًا ل يف تر‪ ،‬م سي‪،‬‬
‫مسـخر‪ ،‬مدبر‪ ،‬وهبوطـه تارة‪ ،‬وارتفاعـه تارة‪ ،‬وأفوله تارة‪ ،‬وظهوره تارة‪ ،‬وذاهـب نوره شيئًا‬
‫فشيئًا‪ ،‬ث عوده إل يه كذلك‪ ،‬وسلب ضوئه جلة واحدة حت يعود قطعة مظلمة بالكسوف‪-‬‬
‫علم قطعًا أنه خلق مربوب‪ -‬مسخر تت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء‪ ،‬وعلم أن الرب‬
‫سبحانه ل يلق هذا باطلً‪ ،‬وأن هذه الركة فيه ل بد أن تنتهي على ضده‪ ،‬وأن هذا السلطان‬
‫ل بد أن ينتهي إل العزل‪ ،‬وسيجمع بينهما جامع التفرقات بعد أن ل يكونا متمعي؛ ويذهب‬
‫بما حيث شاء‪ ،‬ويري الشركي من عبدتما حال آلتهم الت عبدوها من دونه‪ ،‬كما يري‬
‫عباد الكوا كب انتثار ها‪ ،‬وعباد ال سماء انفاطار ها‪ ،‬وعباد الش مس تكوير ها‪ ،‬وعباد ال صنام‬

‫‪80‬‬

‫‪81‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فاتقوا ال عباد ال وتفكروا فـ خلق السـموات والرض يصـل‬
‫بكم إل ما أوصل أول اللباب؛ فقالوا‪ :‬رَبّ نَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا‬
‫سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ [آل عِمرَان‪.]191 :‬‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرج يم إِنّ رَبّ كُ مُ اللّه ُف الّ ذِي خَلَ قَ‬
‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضَ فِي سِتّ ةِ أَيّا مٍ ثُمّ ا سْتَوَى عَلَى الْعَرْ شِ يُغْشِي‬
‫ُسفخّ رَاتٍ‬
‫ُومف م َ‬
‫ْسف وَالْقَمَرَ وَالنّ ج َ‬
‫ُهف حَثِيثًا وَالشّ م َ‬
‫اللّ يْلَ النّ هَارَ يَطْلُب ُ‬
‫بِأَمْرِ هِ أَلَا لَ هُ الْخَلْ قُ وَالْأَمْرُ تَبَارَ كَ اللّ هُ رَبّ الْعَالَمِيَ [العراف‪:‬‬
‫‪ ]54‬بارك ال ل ولكم ‪...‬‬

‫إهانت ها وإلقاء ها ف النار أح قر ش يء وأذله وأ صغره‪ ،‬ك ما أرى عباد الع جل ف الدن يا حاله‬
‫ومبارد عباده تسحقه وتحقه‪ ،‬والريح تزقه وتذروه وتنسقه ف اليم‪ ،‬وكما أرى عباد الصنام‬
‫ف الدن يا صورها مك سرة مردلة ملقاة بالمك نة القذرة‪ ،‬ومعاول الوحد ين قد هش مت في ها‬
‫تلك الوجوه‪ ،‬وك سرت تلك الرءوس‪ ،‬وقط عت تلك اليدي والر جل ال ت كا نت ل يو صل‬
‫إليها بغي التقبيل والستلم‪ .‬وهذه سنة ال الت ل تتبدل وعادته الت ل تتحول أنه يرى عابده‬
‫حال معبوده ف الدنيا والخرة‪ ،‬ويريه تبيه منه ومعاداته أحوج ما يكون إليه‪ .‬ولو شاء تعال‬
‫لبقى القمر على حالة واحدة ل يتغي‪ ،‬وجعل التغيي ف الشمس‪ ،‬ولو شاء لغيها جيعًا‪ ،‬ولو‬
‫شاء لبقاه ا على حالة واحدة‪ ،‬ول كن يري عباده آيا ته ف أنواع ت صاريفها ليدل م على أ نه‬
‫الذي ل إله إل هو اللك الق البي والفعال لا يريد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وم ا قرأت ف ك تب ا بن تيم ية‪ -‬رح ه ال‪ -‬وأظ نه ن قض تأ سيس الهم ية قوله‪ :‬ثلثة‬
‫أشياء ل نظي لا ف الخلوقات‪ :‬الروح‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ .‬يعن فيعتب با‪ ،‬ول الثل العلى‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف قد قال ال جل وعل‪ :‬أَوَلَ مْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُو تِ‬
‫السّ مَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّ هُ مِنْ شَيْءٍ [العرَاف‪.]185 :‬‬
‫عباد ال‪ :‬النظر ف السموات والرض والشمس والقمر والنجوم‬
‫وأمثال ا نوعان‪ :‬ن ظر إلي ها بالب صر الظا هر‪ -‬فيى مثلً زر قة ال سماء‬
‫ونوم ها وعلو ها و سعتها‪ -‬وهذا ن ظر يشارك الن سان ف يه غيه من‬
‫اليوانات‪ ،‬وليس هو القصود بالمر‪ .‬الثان‪ :‬أن يتجاوز هذا إل النظر‬
‫بالبصية الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول ف أقطارها وملكوت ا‬
‫وب ي ملئكت ها‪ ،‬ث يف تح له باب ب عد باب ح ت ينت هي به سي القلب‬
‫إل عرش الرحنـ فينظـر سـعته وعظمتـه وجلله ومده ورفعتـه‪ ،‬ويرى‬
‫السـموات السـبع والرضيـ السـبع بالنسـبة إليـه كحلقـة ملقاة بأرض‬
‫فلة(‪ )1‬ويرى اللئ كة حاف ي من حوله لمـ ز جل بالتسـبيح والتحم يد‬
‫والتقد يس والت كبي‪ ،‬وال مر ينل من فو قه بتدبر المالك والنود ال ت ل‬
‫يعلمها إل ربا ومليكها ينل المر بإحياء قوم وإماتة آخرين‪ ،‬وإعزاز‬
‫‪1‬‬

‫() وهذه المخلوقات بعضها فوق بعض‪ ،‬وليس بعضها محتاجًا لبعض في حمله‬
‫له‪ .‬وعلو الرض وجهها من كل جانب‪ ،‬وأسفلها ما تحت وجهها‪ ،‬والماء يحيط‬
‫بأكثرهككا‪ ،‬والهواء يحيككط بالماء‪ ،‬والسككماء فوق الرض محيطككة بهككا مككن كككل‬
‫جانككب‪ ،‬والثانيككة كذلك‪ ،‬وكذا الباقككي‪ ،‬والكرسككي بيككن يدي العرش‪ ،‬والسككموات‬
‫السبع والرضون السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلة‪ ،‬والكرسي في‬
‫العرش كتلك الحلقكة فكي الفلة‪ ،‬يعنكي بالنسكبة إليكه فكي العظكم‪ ،‬وكذلك السكموات‬
‫والرض بالنسككبة إلى الكرسككي‪ .‬وتحككت العرش بحككر‪ ،‬والعرش فوق جميككع‬
‫المخلوقات مثكل القبكة‪ ،‬وهكو أوسكعها وأجمعهكا لصكفات الحسكن وبهاء المنظكر‬
‫وعلو القدر والرتبككة والذات‪ ،‬ول يقدر قدر عظمتككه إل ال‪ .‬ومجده مسككتفاد مككن‬
‫مجد خالقه ومبدعه‪ ،‬وهو سقف جنة عدن التي هي أعل الجنة‪ ،‬وله قوائم‪ ،‬وال‬
‫فوق العرش‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫‪83‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫قوم وإذلل آخريــن‪ ،‬وإســعاد قوم وشقاوة آخريــن‪ ،‬وإنشاء مُلك‬
‫وسـلب مُلك‪ ،‬وتويـل نعمـة مـن ملـ إل ملـ‪ .‬وقضاء الاجات على‬
‫اختلفها وتباينها وكثرت ا‪ :‬من جب ك سي‪ ،‬وإغناء فقي‪ ،‬وشفاء مريض‪،‬‬
‫وتفريـج كرب‪ ،‬ومغفرة ذنـب‪ ،‬وكشـف ضـر‪ ،‬ونصـر مظلوم‪ ،‬وهدايـة‬
‫حيان‪ ،‬وتعليم جاهل‪ ،‬ورد آبق‪ ،‬وأمان خائف‪ ،‬وغجارة مستجي‪ ،‬ومددٍ‬
‫لضعيـف‪ ،‬وإغاثـة للهوف‪ ،‬وإعانـة لعاجـز‪ ،‬وانتقام مـن ظال‪ ،‬وكـف‬
‫لعدوان‪ -‬فهي مراسيم دائرة بي العدل والفضل‪ ،‬والكمة والرحة‪ ،‬تنفذ‬
‫ف أقطار العوال‪ ،‬ل يشغله سع شيء منها عن سع غيه‪ ،‬ول تغلطه كثرة‬
‫ـ واتاد وقت ها‪ ،‬ول ي تبم بإلاح‬
‫ال سائل والوائج على اختلف ها وتباينه ا‬
‫اللح ي‪ ،‬ول تن قص ذرة من خزائ نه‪ ،‬ل إله إل هو العز يز الك يم فحينئذ‬
‫يقوم القلب ب ي يدي الرح ن مطرقًا ليب ته خاشعًا لعظم ته‪ ،‬عان لعز ته‪،‬‬
‫فيسجد بي يدي الق البي سجدة ل يرفع رأسه منها إل يوم القيامة‪.‬‬
‫فهذا سفر القلب وهو ف وطنه وداره ومل ملكه‪ ،‬وهذا من أعظم‬
‫آيات ال وعجائب صنعه‪ ،‬فيا له من سفر ما أبركه وأروحه‪ ،‬وأعظم ثرته‬
‫وأرب ه‪ ،‬وأ جل منفع ته وأح سن عاقب ته‪ ،‬سفر هو حياة الرواح‪ ،‬ومفتاح‬
‫السعادة‪ ،‬وغنيمة العقول واللباب؛ ل كالسفر الذي هو قطعة من العذاب‬
‫ت وَالّنذُرُ عَ نْ‬
‫ض وَمَا ُتغْنِي اْل َآيَا ُ‬
‫ت وَاْلأَرْ ِ‬
‫ُقلِ انْ ُظرُوا مَاذَا فِي ال سّمَاوَا ِ‬
‫َقوْ مٍ لَا ُيؤْمِنُو نَ (‪[ )1‬يُونس‪ .]101 :‬وقال سبحانه‪ :‬اللّ هُ اّلذِي خَلَ قَ‬
‫ض مِثْ َلهُنّ يَتََن ّزلُ اْلأَ ْم ُر بَيَْنهُنّ لِتَعْلَمُوا أَنّ اللّ هَ‬
‫سَبْعَ سَ َموَاتٍ َومِ َن اْلأَرْ ِ‬
‫َاطف بِ ُك ّل شَيْءٍ ِعلْمًا [الطلق‪:‬‬
‫ّهف َقدْ َأح َ‬
‫عَلَى ُك ّل شَيْ ٍء َقدِيرٌ َوأَنّ الل َ‬
‫‪ ]12‬عباد ال إن أحسن الديث كتاب ال ‪...‬‬
‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السكككعادة ص(‪ ،)126 ،125 ،156 ،207 ،198 ،197‬التكككبيان‬
‫ص(‪ ،)61 ،176 ،175 ،105 ،165‬بدائع الفوائد ج(‪،)115 ،1/116‬‬
‫الصككككواعق المرسككككلة ص(‪ ،)1567‬مجموع الفتاوى ج(‪ )599 ،6/596‬ج(‬
‫‪ )150 ،151 ،5/64‬ج(‪.)17/223‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫(وما بينهما) الواء‪ ،‬ومنافعه‪،‬‬
‫والرياح والريح خيها وشرها‬
‫المد ل الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججًا‪،‬‬
‫وأوجب الفوز بالنجاة لن شهد له بالوحدانية شهادة ل يبغ لا عوجًا‪،‬‬
‫أسـبغ على عباده نعمـه الفرادى والتوائم‪ ،‬وسـخر لمـ الب والبحـر‬
‫والشمـس والقمـر والواء والطـر والليـل والنهار‪ ،‬والعيون والنار‪،‬‬
‫والضياء والظلم‪ ،‬وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إل‬
‫جواره ف دار السلم‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول سـي له‪ ،‬ول‬
‫كفـو له‪ ،‬ول صـاحبة له‪ ،‬ول ولد له‪ ،‬ول شـبيه له‪ ،‬ول يصـي أحـد‬
‫ثناءً عليه؛ بل هو كما أثن على نفسه وفوق ما يثن عليه خلقه‪ .‬وأشهد‬
‫أن ممدًا عبده ور سوله‪ ،‬وخي ته من خل قه‪ ،‬وأمي نه على وح يه‪ ،‬و سفيه‬
‫بينـه وبيـ عباده‪ .‬أرسـله رحةـ للعاليـ‪ ،‬وقدوة للعامليـ‪ ،‬ومجـة‬
‫للسـالكي‪ ،‬وحجـة على العباد أجعيـ‪ .‬جاهـد أعداء ال باليـد والقلب‬
‫والل سان‪ ،‬فد عا إل ال على ب صية‪ ،‬و سار ف ال مة بالعدل والح سان‬
‫ِهـ العظيـم أحسـن سـية‪ ،‬إل أن أشرقـت برسـالته الرض بعـد‬
‫وخُلُق ِ‬
‫ظلمها‪ ،‬وتألفت به القلوب بعد شتاتا‪ ،‬وسارت دعوته سي الشمس‬

‫‪84‬‬

‫‪85‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فـــــــــــــــــــــــــ القطار‪،‬‬
‫وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار‪ .‬فجزاه ال عن أمته أفضل الزاء‪،‬‬
‫وصلى عليه صلة تبلغ أقطار الرض والسماء‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال «الرياح» من أع ظم آيات ال الدالة على‬
‫عظمته وربوبيته وقدرته‪ .‬وفيها من العب‪ :‬هبوب ا‪ ،‬وسكونا‪ ،‬ولينها‪،‬‬
‫وشدتاـ‪ ،‬واختلف طبائعهـا‪ ،‬وصـفاتا‪ ،‬ومهاباـ‪ ،‬وتصـريفها‪ ،‬وتنوع‬
‫منافع ها‪ ،‬وشدة الا جة إلي ها؛ ولذا أق سم ال سبحانه ب ا ف قوله‬
‫ـر‪،‬‬
‫ـي الرياح‪ :‬تذروا الطـ‬
‫وَالذّارِيَاتفِ ذَرْوًا [الذّاريَات‪ ]1 :‬وهـ‬
‫وتذروا التراب‪ ،‬وتذروا النبات إذا ت شم‪ ,‬ث ب ا فوق ها و هو ال سحاب‬
‫فَالْحَامِلَا تِ وِقْرًا [الذّاريَات‪ ] 2 :‬أي ثقلً من الاء ي سوقها ال‬
‫سبحانه على متون الرياح‪ ،‬فالقسم با دليل على أنا من أعظم آياته‪.‬‬
‫هذا «الواء» اللطيـف الحبوس بيـ السـماء والرض يدرك‬
‫ج سمه ب س الل مس ع ند هبو به ول يرى شخ صه‪ ،‬يري ب ي ال سماء‬
‫والرض‪ ،‬والط ي مل قة ف يه سابة بأجنحت ها ف أموا جه ك ما ت سبح‬
‫حيوانات البحر ف الاء‪ ،‬وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما‬
‫تضطرب أمواج البحـر‪ ,‬فإذا شاء ال سـبحانه حركـه بركـة الرحةـ‬
‫فجعله رخاء‪ ،‬ورح ةً‪ ،‬وبشرى ب ي يدي رح ته‪ ،‬ولقحًا لل سحاب( ‪.)1‬‬
‫وإن شاء حركـه بركـة عذاب فجعله عقيمًا‪ ،‬وأودعـه عذابًا أليمًا‪،‬‬
‫وجعله نق مة على من شاء من عباده‪ ،‬فجعله صرصرًا‪ ،‬ون سًا وعاتيًا‬
‫ومفسدًا لا ير به ومسببًا للفيضان الدمر‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() وتسكككككمى رياح الرحمكككككة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسكككككلت‬
‫والرخاء واللواقكح‪ .‬ورياح العذاب العاصكف والقاصكف وهمكا فكي البحكر والعقيكم‬
‫والصرصر وهما في البر‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وهـي فـ قوتاـ أشـد مـن الديـد والنار والاء‪ ،‬ومـع ذلك فهـي‬
‫ألطف شيء وأقبل الخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثي لطيفة‬
‫السارق بي السماء والرض‪.‬‬
‫تأمـل هذا الواء ومـا فيـه مـن الصـال؛ فإنـه حياة هذه البدان‪،‬‬
‫والمسك لا من داخل با تستنشق منه‪ ،‬ومن خارج با تِبَاشَرُ به من‬
‫رَوْحِه‪ ،‬فتتغذى به ظاهرًا وباطنًا‪.‬‬
‫فحياة مـا على الرض مـن نبات وحيوان بالرياح؛ فإنـه لول‬
‫تسخي ال لا لعباده لذوى النبات‪ ،‬ومات اليوان‪ ،‬وفسدت الطاعم‪،‬‬
‫وأنتـ العال وفسـد‪ .‬فسـبحان مـن جعـل هبوب الرياح تأتـ بروحـه‬
‫ورحته ولطفه ونعمته‪ ،‬كما قال النب ‪ « :‬الرياح من روح ال تأت‬
‫بالرحة»‪.‬‬
‫الرياح تلقـح الشجـر والنبات‪ ،‬ولواهـا لكانـت عقيمًا‪ ،‬وكذلك‬
‫الرياح تسي السفن ولولها لوقفت على ظهر البحر‪ .‬ومن منافعها أنا‬
‫تبد الاء‪ ،‬وتضرم النار ال ت يراد إضرام ها‪ ،‬وت فف الشياء ال ت يتاج‬
‫إل جفافها‪ .‬وهو الامل لذه الروائح على اختلفها ينقلها من موضع‬
‫إل مو ضع‪ ،‬فيأ ت الع بد الرائ حة من ح يث تبـ الر يح‪ .‬و هو أيضًا‬
‫الامل للحر والبد اللذين بما صلح اليوان والنبات‪.‬‬
‫وتأملوا الك مة البال غة ف كون الر يح ف الب حر تأ ت من و جه‬
‫وا حد ل يعارض ها ش يء؛ فإن ال سفينة ل ت سي إل بر يح واحدة من‬
‫وجه واحد سيها‪ ،‬فإذا اختلف عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو‬
‫سبب اللك‪ ،‬فالقصود ب ا ف البحر غي القصود ب ا ف الب؛ ف الب‬
‫ـ‪،‬‬
‫ـورتا وحدتاـ‬
‫ـر سـ‬
‫ـا وتكسـ‬
‫ـل لا ـ ريًـا أخرى تقابلهـ‬
‫جعـ‬

‫‪86‬‬

‫‪87‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فيب قى لين ها ورحت ها‪ ،‬فرياح الرح ة متعددة‪ .‬وأ ما ر يح العذاب فإ نه‬
‫ريح واحدة ترسل من وجه واحد لهلك ما ترسل بإهلكه فل تقوم‬
‫لا ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتا وتدفع حدتا‪.‬‬
‫وج عل سبحانه الر يح لل سفن بقدر لو زاد علي ها لغرق ها‪ ،‬ولو‬
‫نقص عنه لعاقها‪.‬‬
‫والرياح ت مل ال صوت ع ند ا صطكاك الجرام وتؤد يه إل م سامع‬
‫الناس فينتفعون بـه فـ حوائجهـم ومعاملتمـ بالليـل والنهار‪ .‬كالبيـد‬
‫حدُ ثُ الركات العظي مة من‬
‫والر سول الذي من شأ نه ح ل الخبار‪ .‬وتَ ْ‬
‫حركاتم فلو كان أثر هذه الركات والصوات يبقى ف الواء كما يبقى‬
‫الكتاب والقرطاس لمتل العال م نه‪ ،‬ولع ظم الضرر به‪ ،‬واشتدت مؤن ته‪،‬‬
‫واحتاج الناس إل موه من الواء وال ستبدال به أع ظم من حاجت هم إل‬
‫استبدال الكتاب الملوء كتابة فاقتضت حكمة العزيز الكيم أن جعل هذا‬
‫الواء قرطا سًا خفيفًا يمل الكلم بقدر ما ُيبَِلّ ُغ الاجة ث يحى بإذن ربه‬
‫فيعود جديدًا نقيًا ل شيء فيه فيحمل ما حل كل وقت‪.‬‬
‫فسـل الرياح مـن أنشأهـا بقدرتـه‪ ،‬و صرفها بكمتـه‪ ،‬وسـخرها‬
‫بشيئ ته‪ ،‬وأر سلها بشرى ب ي يدي رح ته‪ .‬جعل ها سببًا لتمام نعم ته‪،‬‬
‫وسلطانًا على من شاء بعقوبته‪ ،‬ومن جعلها رُخَاءً‪ ،‬وذارية‪ ،‬ولقحة‪،‬‬
‫ومثية‪ ،‬ومؤلفـة‪ ،‬ومغذيـة لبدان اليوان والشجـر والنبات‪ .‬وجعلهـا‬
‫قاصفًا‪ ،‬وعاصفًا ومهلكة‪ ،‬وعاتية‪ ،‬إل غي ذلك من صفاتا‪ .‬فهل ذلك‬
‫لاـ مـن نفسـها وذاتاـ‪ ،‬أم بتدبيـ مدبر شهدت الوجودات بربوبيتـه‪،‬‬
‫وأقرت الصـنوعات بوحدانيتـه‪ ،‬بيده النفـع والضـر‪ ،‬وله اللق والمـر‬
‫تبارك ال رب العالي‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ول ا كانت الرياح تول ف الرض وتدخل ف تاويفها وتدث‬
‫فيها البرة وتتنق الرياح ويتعذر عليها النفذ أذن ال سبحانه لا ف‬
‫الحيان بالتنفس فتحدث ل ا الزلزل العظام‪ ،‬فيحدث من ذلك لعباده‬
‫الوف والشيـة والنابـة‪ ،‬والقلع عـن معاصـيه‪ ،‬والتضرع إليـه‪،‬‬
‫والندم؛ كمـا قال بعـض السـلف‪ -‬وقـد زلزلت الرض‪ -‬إن ربكـم‬
‫يستعتبكم‪ .‬وقال عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ :‬وقد زلزلت الدينة‬
‫فخطبهم ووعظهم وقال‪ :‬لئن عادت ل أساكنكم فيها‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال واع تبوا بلق الواء والرياح و ما ج عل ال في ها‬
‫ـ مـن العذاب‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬
‫مـن النافـع لعباده‪ ،‬ومـا جعـل فيه ا‬
‫س ِكنِ الرّيحَ‬
‫حرِ كَالْأَعْلَامِ * إِ ْن َيشَ ْأ يُ ْ‬
‫جوَا ِر فِي الْبَ ْ‬
‫الرجيم وَمِنْ َآيَاتِ ِه الْ َ‬
‫فَيَظْلَلْ نَ َروَاكِدَ عَلَى َظ ْهرِ ِه إِنّ فِي َذلِ كَ َل َآيَا تٍ ِل ُكلّ صَبّا ٍر شَكُورٍ * َأوْ‬
‫يُوِب ْقهُ ّن بِمَا َكسَبُوا َويَعْفُ َعنْ كَِثيٍ [الشورى‪ ]34 -32 :‬بارك ال‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المد ل ‪...‬‬
‫أما بعد‪ :‬فتأملوا عباد ال الكمة البديعة ف تيسيه سبحانه على‬
‫عباده ما هم أحوج إليه وتوسيعه وبذله‪ -‬فكلما كانوا أحوج إليه كان‬
‫أك ثر وأو سع‪ ،‬وكل ما ا ستغنوا ع نه كان أ قل‪ ،‬وإذا تو سطت الا جة‬
‫توسـط وجوده‪ .‬واعتـبوا هذا بالصـول الربعـة‪ :‬التراب‪ ،‬والاء‪،‬‬
‫والواء‪ ،‬والنار‪ .‬تأملوا سعة ما خلق ال منها وكثرته‪.‬‬
‫تأملوا سـعة الواء وعمومـه ووجوده بكـل مكان؛ لن اليوان‬
‫ملوق فـ الب ل يكنـه الياة إل بـه فهـو معـه أينمـا كان وحيـث‬

‫‪88‬‬

‫‪89‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫كان؛ ل نه ل يستغن عنه ل ظة واحدة‪ ،‬ولوا سعته وامتداده ف أقطار‬
‫العال لختنـق العال مـن الدخان والبخار التصـاعد النعقـد‪ .‬فتأمـل‬
‫حكمة ربك ف أن سخر له الرياح فإذا تصاعد إل الو أحالته سحابًا‬
‫أو ضبابًا فأذهبت عن العال شره وأذاه‪.‬‬
‫ف سل الاحد ين مـن الذي دبر هذا التدب ي‪ ،‬وقدر هذا التقديـر‪.‬‬
‫و هل يقدر العال كل هم لو اجتمعوا أن ييلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو‬
‫ضبابًا أو يذهبوه عن الناس ويكشفوه عن هم؟! ولو شاء ر به تعال أن‬
‫يبس عنه الرياح فاختنق على وجه الرض فأهلك ما فيها من اليوان‬
‫والناس إِنّ رَبّ كُ مْ لَرَءُو فٌ رَحِي مٌ [النّ حل‪ ]7 :‬فاشكروه تعال‪،‬‬
‫واتقوه‪ ،‬واعتبوا يا أول البصار‪.‬‬
‫واعلموا عباد ال أن النـب أرشـد إل مـا يقال عنـد شدة‬
‫هبوب الرياح من الدعاء الذي هو عبودية ل‪ ،‬واعتراف بأنا إنا تب‬
‫بأمره؛ فهو الذي أوجدها‪ ،‬وأمرها‪ ،‬وصرفها‪ ،‬عن أب بن كعب رضي‬
‫ال عنـه ‪ ،‬أن رسـول ال قال‪« :‬ل تسفبوا الريفح فإذا رأيتفم مفا‬
‫تكرهون فقولوا‪ :‬اللهم إنا نسألك من خي هذه الريح وخي ما فيها‬
‫وخي ما أمرت به‪ ،‬ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر‬
‫ما أمرت به» فهذه حال أ هل اليان خلفًا لال أ هل ال هل والفاء‬
‫والعصيان( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() التكككككككبيان ص (‪ ،)175 -173‬مفتاح (‪،218 ،224 – 200 ،216 ،205‬‬
‫‪.)282 ،206‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫السحاب‪ ،‬والنبات‪ ،‬والثمار‬
‫ال مد ل الكر ي النان‪ ،‬وا سع العطاء جز يل الح سان‪ .‬وأش هد‬
‫أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائم بأرزاق خلقـه مـن حيوان‬
‫وإ نس وجان‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله كان إذ حز به أ مر فزع‬
‫إل ال صلة‪ ،‬وإذا أجد بت الرض ر فع يد يه إل ال سماء‪ ،‬ف ما تتخلف‬
‫إجابـة ذلك الدعاء‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد‪،‬‬
‫وعلى آله وأصحابه البرة نوم الدجا‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬من آيات ال «ال سحاب» ال سخر ب ي‬
‫السـماء والرض كيـف ترونـه يتمـع فـ جـو صـاف ل كدرة فيـه‪،‬‬
‫وك يف يل قه ال م ت شاء وإذا شاء‪ ،‬و هو مع لي نه ورخاو ته حا مل‬
‫للماء الثقيل بي السماء والرض إل أن يأذن له ربه وخالقه ف إرسال‬
‫ما معه من الاء‪ .‬روى الترمذي وغيه عن أب هريرة رضي ال عنه ‪،‬‬
‫قال‪ :‬بين ما ال نب جالس ف أ صحابه إذ أ تى علي هم سحاب‪ ،‬فقال‬
‫النـب ‪« :‬هفل تردون مفا هذه؟» قالوا‪ :‬ال ورسـوله أعلم‪ .‬قال‪:‬‬
‫« هذا العنان‪ ،‬هذه روايفا الرض‪ -‬أي الاملة للماء‪ -‬يسفوقها ال‬
‫إل قوم ل يشكرو نه ول يدعونه» يع ن ل سعة رح ته وحل مه سبحانه‬
‫يسقي به من يطيعه ومن يعصيه‪ .‬وكان ال سن البصري رح ه ال إذا‬
‫رأى السحاب قال‪ :‬ف هذه وال رزقكم‪ ،‬ولكنكم ترمونه بطاياكم‬
‫وذنوب كم‪ .‬وقال ال تعال‪ :‬وَفِي ال سّ مَاءِ رِزْقُكُ مْ وَمَا تُوعَدُو نَ‬
‫[الذاريات‪ ] 22 :‬فالرزق ال طر‪ ،‬و ما توعدون به ال نة‪ ،‬وكله ا ف‬
‫السماء‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫‪91‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وف الصحيح عن النب قال‪« :‬بينا رجل بفلة من الرض إذ‬
‫سع صوتًا ف سحابة‪ :‬ا سق حدي قة فلن‪ .‬فتن حى ذلك ال سحاب‬
‫فأفرغ ماءه فف حرة فإذا بشرجفة مفن تلك الشراج قفد اسفتوعبت‬
‫ذلك الاء‪ ،‬فتبع الاء فإذا رجل قائم ف حديقته يول الاء بسحاته‪،‬‬
‫فقال له‪ :‬يفا عبدال مفا اسفك؟ قال‪ :‬فلن‪ .‬للسفم الذي سفع فف‬
‫ال سحابة‪ .‬فقال له‪ :‬يا عبدال ل سألتن عن ا سي؟ قال‪ :‬إ ن سعت‬
‫صفوتًا فف السفحاب الذي هذا ماؤه يقول‪ :‬اسفق حديقفة فلن‪-‬‬
‫ل سك‪ -‬ف ما ت صنع في ها؟ قال‪ :‬أ ما إذ قلت هذا فإ ن أن ظر إل ما‬
‫يرج من ها فأت صدق بثل ثه‪ ،‬وآ كل أ نا وعيال ثلثًا‪ ،‬وأرد في ها ثل ثه»‬
‫و ف رواية‪« :‬وأج عل ثل ثه لليتا مى وال ساكي وا بن السبيل» أخر جه‬
‫مسلم‪.‬‬
‫فتأملوا كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطي والذر‬
‫والنحـل يسـوقه رزقًا للحيوان الفلنـ‪ ،‬فـ الرض الفلنيـة‪ ،‬بانـب‬
‫ال بل الفل ن‪ ،‬في صل إل يه على شدة من الا جة والع طش‪ ،‬ف و قت‬
‫كذا وكذا‪.‬‬
‫وتأملوا رح كم ال‪ :‬كم سخر سبحانه للسحاب من ريح حت‬
‫أمطر‪ :‬فسخرت له الثية أوّ لً فتثيه بي السماء والرض‪ ،‬ث سخرت‬
‫له الاملة التـ تمله على متنهـا كالمـل الذي يمـل الراويـة‪ ،‬ثـ‬
‫سخرت له الؤلفة فتؤلف بي كسفه وقطعه ث يتمع بعضها إل بعض‬
‫فتصـي طبقًا واحدًا‪ ،‬ثـ سـخرت له اللقحـة فتحمـل الاء مـن البحـر‬
‫وتلقحها به كما يلقح الفحل النثى فيحمل الاء من وقته كما تمل‬
‫النثى من لقاح الفحل‪ ،‬ولولها لكان جهامًا ل ماء فيه‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فال سبحانه ينشئ الاء من السحاب إنشاء‪ :‬تارة بقلب الواء ما‬
‫فيلقح به السحاب‪ ،‬وتارة يمله الواء من البحر فيلقح به السحاب‪.‬‬
‫ولذا تد البلد القريبة من البحر كثية المطار وإذا بعدت من البحر‬
‫قل مطرها‪.‬‬
‫ث تأملوا الكمة البالغة ف نزول الطر على الرض من علو ليعم‬
‫ب سقيه وهاد ها وتلول ا وظراب ا وآكام ها ومنخفض ها ومرتفع ها‪ ،‬ولو‬
‫كان رباـ يسـقيها مـن ناحيـة مـن نواحيهـا لاـ أتـى الاء على الناحيـة‬
‫الرتف عة إل إذا اجت مع ف ال سفلى وك ثر و ف ذلك ف ساد‪ ،‬فاقت ضت‬
‫حكم ته أن سقاها من فوق ها‪ ،‬ث أنزله إل الرض بغا ية من الل طف‬
‫والك مة ال ت ل اقتراح لم يع عقول الكماء فوق ها‪ ،‬فيش ال سحاب‬
‫الاء على الرض رش ًا‪ ،‬ويرسـله قطرات مفصـلة ل تتلط منـه قطرة‬
‫بأخرى‪ ،‬ول يتقدم متأخرهـا‪ ،‬ول يتأخـر متقدمهـا‪ ،‬ول تدرك القطرة‬
‫صاحبتها فتمتزج با‪ ،‬بل تنل كل واحدة ف الطريق الذي رسم لا ل‬
‫تعدل ع نه ح ت ت صيب الرض قطرة قطرة‪ ،‬قد عي نت كل قطرة من ها‬
‫لزء من الرض ل تتعداه إل غيه‪ .‬فلو اجتمع اللق كلهم أن يلقوا‬
‫منها قطرة واحدة أو ي صوا عدد القطر ف ل ظة واحدة لعجزوا عنه‪.‬‬
‫أنزله ومعه رحته إل الرض‪.‬‬
‫ثـ تأمـل الكمـة البالغـة فـ إنزاله بقدر الاجـة‪ ،‬حتـ إذا مـا‬
‫أخذت الرض حاجت ها م نه وكان تتاب عه علي ها ب عد ذلك يضر ها أقلع‬
‫عنها وأعقبه بالصحو‪ ،‬فلو توالت المطار لهلكت ما ف الرض‪ ،‬ولو‬
‫زادت على الاجــة أفســدت البوب والثمار وعفنــت الزرع‬
‫والضراوات وأرخـت البدان وخثرت الواء فحدثـت ضروب مـن‬

‫‪92‬‬

‫‪93‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫المراض وفسـد أكثـر الآكـل وتقطعـت السـالك والسـبل‪ .‬ولو دام‬
‫الصـحو لفـت البدان وغيـض الاء وانقطـع معيـ العيون والبار‬
‫والنار والودية‪ ،‬وعظم الضرر‪ ،‬واحتدم الواء فيبس ما على الرض‪،‬‬
‫وجفـت البدان‪ ،‬وغلب اليبـس‪ ،‬وأحدث ذلك ضروبًا مـن المراض‬
‫ع سرة الزوال‪ .‬فاقت ضت حك مة اللط يف ال بي أن عا قب ب ي ال صحو‬
‫والطـر على هذا العال فاعتدل المـر وصـح الواء ودفـع كـل واحـد‬
‫منهما عادية الخر‪ ،‬وستقام أمر العال وصلح‪.‬‬
‫ث ك يف أود عه ف الرض‪ ،‬ث أخرج أنواع الغذ ية والدو ية‬
‫والقوات‪ .‬فهذا النبات يغذي‪ ،‬وهذا ي صلح الغذاء‪ ،‬وهذا ينفذه‪ ،‬وهذا‬
‫يض عف‪ ،‬وهذا سم قا تل‪ ،‬وهذا الشفاء من ال سم‪ ،‬وهذا يرض‪ ،‬وهذا‬
‫دواء من الرض‪ ،‬وهذا يبد‪ ،‬وهذا ي سخن‪ ،‬وهذا إذا ح صل ف العدة‬
‫ق مع ال صفراء من أعماق العروق‪ ،‬وهذا إذا ح صل في ها ولد ال صفراء‬
‫وا ستحال إلي ها‪ ،‬وهذا يد فع البل غم وال سوداء‪ ،‬وهذا ي ستحيل إليه ما‪،‬‬
‫وهذا يهيـج الدم‪ ،‬وهذا يسـكنه‪ ،‬وهذا ينوم‪ ،‬وهذا ينـع النوم‪ ،‬وهذا‬
‫يفرح‪ ،‬وهذا يلب ال غم‪ ،‬وغ ي ذلك من عجائب النبات ال ت ل تكاد‬
‫تلو ورقـة منـه ول عرق ول ثرة مـن منافـع تعجـز عقول البشـر عـن‬
‫الحاطة با وتفصيلها‪.‬‬
‫وانظـر إل ماري الاء فـ تلك العروق الرقيقـة الضئيلة الضعيفـة‬
‫التـ ل يكاد البصـر يدركهـا إل بعـد تديقـه كيـف يقوي قسـره‬
‫واجتذابـه مـن مقره ومركزه إل فوق‪ ،‬ثـ ينصـرف فـ تلك الجاري‬
‫ب سب قبول ا وسعتها وضيقها‪ ،‬ث تتفرق وتتشعب وتدق إل غاية ل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ينالا البصر‪.‬‬
‫ث انظر إل تكوين حل الشجرة ونقلته من حال إل حال كتنقل‬
‫أحوال الني الغيب عن البصار ترى العجب العجاب‪.‬‬
‫فتبارك ال رب العالي‪ ،‬وأحسن الالقي‪ .‬بينا تراها حطبًا قائمًا‬
‫عاريًا ل كسـوة عليهـا إذ كسـاها رباـ وخالقهـا مـن الزهـر أحسـن‬
‫ك سوة‪ ،‬ث سلبها تلك الك سوة وك ساها من الورق ك سوة هي أث بت‬
‫من الول‪ ،‬ث أطلع في ها حل ها ضعيفًا ضئيلً ب عد أن أخرج ورق ها‬
‫صـيانة وثوب ًا لتلك الثمرة الضعيفـة لتسـتجن بـه مـن الرـ والبد‬
‫والفات‪ ،‬ثـ سـاق إل تلك الثمار رزقهـا وغذاهـا فـ تلك العروق‬
‫والجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلب أمه‪ ،‬ث رباها وناها شيئًا‬
‫فشيئًا حتـ اسـتوت وكملت وتناهـى إدراكهـا‪ ،‬فأخرج ذلك النيـ‬
‫اللذ يذ الل ي من تلك الط بة ال صماء‪ .‬هذا و كم ل من آ ية في ما ي قع‬
‫الس عليه ويبصره العباد وما ل يبصرونه‪ .‬تفن العمار دون الحاطة‬
‫ب ا وبم يع تفا صيلها‪ :‬أَوَلَ مْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْ ضِ كَ مْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِ نْ‬
‫كُلّ زَوْ جٍ كَرِيٍ * إِنّ فِي ذَلِ كَ لَآَيَةً وَمَا كَا نَ أَكْثَرُهُ مْ مُؤْمِنِيَ‬
‫[الشعراء‪ ]8 ،7 :‬فاعتبوا يا أول البصار‪ ،‬واتقوا ال‪ .‬أعوذ بال من‬
‫الشيطان الرجيم هُوَ الّ ذِي أَنْزَلَ مِ نَ ال سّ مَاءِ مَاءً لَكُ مْ مِنْ هُ شَرَا بٌ‬
‫وَمِنْ هُ شَجَرٌ فِي هِ تُ سِيمُونَ * يُنْبِ تُ لَكُ مْ بِ هِ الزّ رْ عَ وَالزّ يْتُو نَ وَالنّ خِيلَ‬
‫وَالْأَعْنَا بَ وَمِ نْ كُلّ الثّ مَرَا تِ إِنّ فِي ذَلِ كَ لَآَيَةً لِقَوْ مٍ يَتَفَكّ رُو نَ‬
‫[النحل‪ ]11 ،10 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫‪95‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل ‪...‬‬
‫السفمَاءِ‬
‫ِنف ّ‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تعال‪ :‬وَهُوَ الّ ذِي أَنْزَلَ م َ‬
‫مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِ هِ نَبَا تَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْ هُ خَضِرًا نُخْرِ جُ مِنْ هُ‬
‫ِنف‬
‫ّاتف م ْ‬
‫َانف دَانِيَةٌ وَجَن ٍ‬
‫ِنف طَلْعِهَا قِنْو ٌ‬
‫ِنف النّ خْلِ م ْ‬
‫حَبّاف مُتَرَاكِبًا وَم َ‬
‫أَعْنَا بٍ وَالزّ يْتُو نَ وَالرّ مّا نَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِ هٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِ هِ‬
‫إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النعَام‪.]99:‬‬
‫أمـر سـبحانه بالنظـر إليـه وقـت خروجـه وإثاره‪ ،‬ووقـت نضجـه‬
‫وإدراكه؛ لن ف خروجه من بي الطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة‪،‬‬
‫ث من خرو جه من حد العفو صة واليبو سة والرارة والمو ضة إل ذلك‬
‫اللون الشرق الناصع والطعم اللو اللذيذ الشهي ليات لقوم يؤمنون‪ .‬قال‬
‫بعـض السـلف‪ :‬حـق على الناس أن يرجوا وقـت إدراك الثمار وينعهـا‬
‫ِهف [النعَام‪:‬‬
‫ِهف ِإذَا َأثْ َم َر وَيَ ْنع ِ‬
‫فينظروا إليهـا ثـ تل‪ :‬انْظُرُوا ِإلَى ثَ َمر ِ‬
‫‪.]99‬‬
‫وتأملوا حك مة ال تعال ف ح بس الغ يث عن عباده وابتلئ هم‬
‫بالق حط إذا منعوا الزكاة وحرموا ال ساكي كيف جوزوا على منع ما‬
‫للمسـاكي قِبَلَه ُم مـن القوت بنـع ال ماء القوت والرزق وحبسـه‬
‫عنهـم‪ .‬فقال لمـ بلسـان الال‪ :‬منعتـم القـ فمنعتـم الغيـث‪ ،‬فهل‬
‫استنلتموه ببذل ما ل قِبَلَكُم‪ .‬وجاء ف الديث‪ « :‬ما منع قوم زكاة‬
‫أموالم إل منعوا القطر من السماء»( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬
‫‪1‬‬

‫() مفتاح ج (‪ ،)1‬ص( ‪ )253 ،206 ،205 ،217 ،224 ،223 ،202‬ومككككن‬
‫الصواعق ص(‪.)1110‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫التفكر ف البحر‪ ،‬والعتبار بأمواجه وتنوع ما فيه‪،‬‬
‫من الواهر واليوانات وما ف الب منها‬

‫المـد ل الذي نوع أدلة ربوبيتـه وتوحيده وقامـت مـن كـل‬
‫جانـب‪ ،‬فعرفـه الوفقون مـن عباده وأقروا بتوحيده إيان ًا وإذعان ًا‪،‬‬
‫وجحده الخذولون من خليقته وأشركوا به ظلمًا وكفرانًا‪ ،‬فهلك من‬
‫هلك عن بينة وحيي من حيي عن بينة‪ ،‬وال سيع عليم‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له شهادة من يعلم أ نه‬
‫ل رب له سواه‪ ،‬ول يعبد إل إياه‪.‬‬
‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله الذي أك مل ال به الد ين‪ ،‬وأ ت‬
‫به النعمة على عباده الؤمني‪ ،‬ل يفارق المة حت تركها على الحجة‬
‫البيضاء ال ت ل يز يغ عن ها إل من كان من الالك ي لَقَدْ جَاءَكُ مْ‬
‫رَ سُولٌ مِ نْ أَنْفُ سِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْ هِ مَا عَنِتّ مْ حَرِي صٌ عَلَيْكُ مْ بِالْمُؤْمِنِيَ‬
‫رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التّوبَة‪.]128 :‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ -‬أحسن ما أنفقت فيه النفاس هو التفكر‬
‫فــ آيات ال وعجائب صــنعه‪ ،‬والنتقال منهــا إل تعلق القلب‬
‫والمـة به دون ش يء من ملوقا ته؛ ولذا يكرر ال تعال ف القرآن‬

‫‪96‬‬

‫‪97‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ذكـر آياتـه ويبديهـا‪ ،‬ويأمـر عباده بالنظـر إليهـا مرة بعـد أخرى‪ ،‬قال‬
‫ف [يُونـس‪:‬‬
‫فمَاوَاتِ وَالْأَرْض ِ‬
‫تعال‪ :‬قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِفي الس ّ‬
‫‪.]101‬‬
‫عباد ال مـن آيات ال وعجائب مصـنوعاته «البحار» الكتنفـة‬
‫لقطار الرض‪ ،‬ح ت إن الكشوف من الرض والبال والدن بالن سبة‬
‫إل الاء كجزيرة صغية ف ب ر عظ يم‪ ،‬وبق ية الرض مغمورة بالاء‪،‬‬
‫ـهُ الاء‬
‫ولول إمسـاك الرب تبارك وتعال له بقدرتـه ومشيئتـه وحَبْس ُ‬
‫لطفـح على الرض وعلهـا كلهـا‪ .‬هذا طبـع الاء‪ .‬ولذا حار عقلء‬
‫ال طبيعيي ف سبب بروز هذا الزء من الرض مع اقتضاء طبي عة الاء‬
‫للعلو عليه وإن ل يغمره‪ ،‬ول يدوا ما ييلون عليه ذلك إل العتراف‬
‫بالعنا ية الزل ية‪ ،‬والك مة الليـة‪ ،‬ال ت اقت ضت ذلك ليع يش اليوان‬
‫الر ضي ف الرض‪ .‬و ف م سند المام أح د‪ ،‬عن ال نب أ نه قال‪:‬‬
‫« ما من يوم إل والب حر ي ستأذن ر به أن يغرق ب ن آدم» وهذا أ حد‬
‫القوال ف قوله ‪ :‬وَالْبَحْرِ الْمَ سْجُورِ [الطّور‪ ] 6 :‬وق يل ف‬
‫«ال سجور»‪ :‬إنه الوقد‪ ،‬وهذا هو العروف ف اللغة‪ ،‬ويدل عليه قوله‬
‫ـن‬
‫ـر‪ ]6 :‬قال علي وابـ‬
‫تعال‪ :‬وَإِذَا الْبِحَارُ س فُجّ رَتْ [التّكويـ‬
‫عباس‪ :‬أوقدت‪ ،‬فصـارت نارًا‪ .‬ومـن قال‪ :‬يبسـت وذهـب ماؤهـا فل‬
‫يناقض كونا نارًا موقدة‪ .‬وكذلك من قال‪ :‬ملئت‪ .‬فإنا تل نارًا‪ ،‬فإن‬
‫البحر مبوس بقدرة ال‪ ،‬وملوء ماء‪ ،‬ويذهب ماؤه يوم القيامة‪ ،‬ويصي‬
‫نارًا( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() وهذه اللفظككة تدل على ذلك كله فكككل مككن المفسككرين أخككذ معنككى مككن هذه‬
‫المعاني‪ .‬وال أعلم‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وإذا تأملت عجائب الب حر و ما ف يه من اليوانات على اختلف‬
‫أجناسها وأشكالا ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانا حت إن فيها‬
‫حيوانات أمثال البال ل يقوم له شيـء‪ ،‬وحتـ إن فيـه مـن اليوانات‬
‫ما يرى ظهور ها في ظن أن ا جزيرة فينل الركاب علي ها فت حس بالنار‬
‫إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنـه حيوان‪ .‬ومـا مـن صـنف مـن أصـناف‬
‫حيوان الب إل وف البحر أمثاله‪ ،‬وفيه أجناس ل يعهد لا نظي ف الب‬
‫أصلً‪.‬‬
‫هذا مع ما فيه من الواهر‪ ،‬واللؤلؤ‪ ،‬والرجان‪ ،‬فترى اللؤلؤة كيف‬
‫أودعت ف كن كالبيت لا وهي الصدفة تكنها وتفظها‪ .‬ومنه اللّ ْؤلُؤِ‬
‫الْمَكْنُونِ [الواِقعَة‪ ]23 :‬وهو الذي ف صدفه ل تسه اليدي‪.‬‬
‫وتأ مل ك يف ن بت (الَرْجَان) ف قعره ف ال صخرة ال صماء ت ت‬
‫الاء على هيئة الشجر‪.‬‬
‫هذا مع ما ف يه من الع نب وأ صناف النفائس ال ت يقذف ها الب حر‬
‫وتستخرج منه‪.‬‬
‫ث ان ظر إل عجائب ال سفن و سيها ف الب حر تش قه وتخره بل‬
‫قائد يقودهـا ول سـائق يسـوقها وإناـ قائدهـا وسـائقها الرياح التـ‬
‫ي سخرها ال لجرائ ها‪ ،‬فإذا ح بس عن ها القائد وال سائق ظلت راكدة‬
‫ِهف الْجَوَارِ ف ِي الْبَحْرِ‬
‫ِنف آَيَات ِ‬
‫على وجـه الاء‪ ،‬كمـا قال تعال‪ :‬وَم ْ‬
‫كَالْأَعْلَا مِ * إِ نْ يَشَأْ يُ سْكِنِ الرّي حَ فَيَظْلَلْ نَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِ هِ إِنّ‬
‫فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ ( ‪[ )1‬الشورى‪.]33 :‬‬
‫‪1‬‬

‫() حتى مع وجود محركات للسفن فالبحر هو الحامل لها المسخر لها‪ ،‬ومازال‬
‫هناك سفن تجري بها الرياح‪ .‬وإذا فقدت الطاقة فالرياح‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫‪99‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وقال تعال‪ :‬وَهُوَ الّ ذِي سَخّ رَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا‬
‫وَتَ سْتَخْرِجُوا مِنْ هُ حِلْيَةً تَلْبَ سُونَهَا وَتَرَى الْفُلْ كَ مَوَاخِرَ فِي هِ وَلِتَبْتَغُوا‬
‫مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلّ كُمْ تَشْكُرُونَ [النّحل‪.]14 :‬‬
‫فمـا أعظمهـا مـن آيـة ومـا أبينهـا مـن دللة؛ ولذا يكرر ال‬
‫سبحانه ذكرها ف كتابه كثيًا‪.‬‬
‫وعجائب البحـر وآياتـه أعظـم وأكثـر مـن أن يصـيها إل ال‬
‫سبحانه‪ .‬وقال تعال‪ :‬إِنّ ا لَمّ ا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُ مْ فِي الْجَارِيَةِ *‬
‫لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الاقة‪.]12 :‬‬
‫ومن آياته سبحانه ف الرض خلق اليوان على اختلف صفاته‬
‫وأجناسـه‪ ،‬وأشكاله‪ ،‬ومنافعـه‪ ،‬وألوانـه‪ ،‬وعجائبـه الودعـة فيـه فمنـه‬
‫الا شي على بط نه‪ ،‬وم نه الا شي على رجل ي‪ ،‬وم نه الا شي على أر بع‪.‬‬
‫وم نه ما ج عل سلحه ف رجل يه‪ -‬و هو ذو الخالب‪ -‬وم نه ما ج عل‬
‫سلحه الناق ي كالن سر والر خم والغراب‪ ،‬وم نه ما سلحه ال سنان‪،‬‬
‫ومنه ما سلحه الصياصي وهي القرون يدافع ب ا عن نفسه من يروم‬
‫أخذه‪ ،‬وم نه ما أُع طي قوة يد فع ب ا عن نف سه فلم ي تج إل سلح‬
‫كالسد‪ ،‬ومنه ما سلحه ف ذرقه وهو نوع من الطي إذا دنا منه من‬
‫يريـد أخذه ذرق عليـه فأهلكـه‪ ،‬ومنـه مـا تشبـه أعضاؤه جيـع أعضاء‬
‫اليوان وهـو «الزرافـة» فرأسـها رأس فرس‪ ،‬وعنقهـا عنـق بعيـ‪،‬‬
‫وأظلف ها أظلف بقرة‪ ،‬وجلد ها جلد ن ر ف هي خلق عج يب وو ضع‬
‫بديع من خلق ال الذي أبدعه آية ودللة على قدرته وحكمته الت ل‬
‫يعجزها شيء؛ ليي عباده أنه خالق أصناف اليوان كلها كما يشاء‪،‬‬
‫وف أي لون شاء‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫كمـا يري عباده قدرتـه التامـة على خلقـه لنوع النسـان على‬
‫القسـام الربعـة منـه‪ :‬مـا خلق مـن غيـ أب ول أم‪ ،‬وهـو أبـو النوع‬
‫النسان‪ .‬ومنه ما خلق من ذكر بل أنثى وهي أمهم الت خلقت من‬
‫ضلع آدم‪ ،‬ومنهم من خلق من أنثى بل ذكر‪ ،‬وهو ال سيح ابن مري‪،‬‬
‫ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع النسان‪.‬‬
‫فيي عباده آياتـه‪ ،‬ويتعرف إليهـم بآلئه وقدرتـه‪ ،‬وأنـه إذا أراد‬
‫ف [النعَام‪ ]73 :‬فتنوع أفعاله‬
‫ف فَيَكُون ُ‬
‫شيئًا فإناـ يقول له كُن ْ‬
‫ومفعول ته‪ ،‬وفعله الش يء وضده‪ ،‬والش يء وخل فه‪ :‬من أع ظم الدلة‬
‫على ربوبيته وحكمته وعلمه‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال بفعـل مـا أمـر وترك مـا حظـر‪ .‬فالالق لذه‬
‫الشياء التنوعة ف هذا الكون العظيم هو ال ستحق للعبادة‪ .‬أعوذ بال‬
‫من الشيطان الرج يم يَا أَيّهَا النّا سُ اعْبُدُوا رَبّ كُ مُ الّ ذِي خَلَقَكُ مْ‬
‫وَالّ ذِي نَ مِ نْ قَبْلِكُ مْ لَعَلّ كُ مْ تَتّ قُو نَ * الّ ذِي جَعَلَ لَكُ مُ الْأَرْ ضَ فِرَاشًا‬
‫وَال سّ مَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِ نَ ال سّ مَاءِ مَاءً فَأَخْرَ جَ بِ هِ مِ نَ الثّ مَرَا تِ رِزْقًا‬
‫لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلّ هِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة‪.]22 ،21 :‬‬

‫‪100‬‬

‫‪101‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الواحد القهار‪ ،‬يفعل ما يريد ويتار‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له ل يعجزه شيـء‪،‬‬
‫وإذا أراد شيئًا فإناـ يقول له كـن فيكون‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ورسوله الصادق الأمون‪ .‬اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد‬
‫وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ .‬إن التف كر ف آيات ال ين به القلب من‬
‫رقد ته‪ .‬ولن ستمع إل ما رواه أ بو نع يم ف الُلْ ية عن ثل ثة عباد باتوا‬
‫على ساحل البحر وتفكروا فيه‪.‬‬
‫روى بسنده عن مسمع بن عاصم‪ ،‬قال‪ :‬بت أنا وعبدالعزيز بن‬
‫سـلمان وكلب بـن جري وسـلمان العرج على سـاحل مـن بعـض‬
‫ال سواحل‪ ،‬فب كى كلب ح ت خش يت أن يوت‪ ،‬ث ب كى عبدالعز يز‬
‫لبكائه‪ ،‬ث ب كى سلمان لبكائه ما‪ ،‬وبك يت أ نا أيضًا لبكائ هم‪ ،‬ث ل‬
‫أدري ما أبكاهم‪ .‬فلما كان بعدُ سألت عبدالعزيز فقلت‪ :‬أبا ممد ما‬
‫الذي أبكاك ليلتـك؟ قال‪ :‬إنـ نظرت وال إل أمواج البحـر توج‬
‫وت يك فذكرت أطباق النيان وزفرات ا فذاك الذي أبكا ن‪ .‬ث سألت‬
‫كلبًا و سلمان فقال ل ن وًا من ذلك‪ .‬قال‪ :‬ف ما كان ف القوم شر‬
‫من ما كان بكائي إل لبكائهم رحة لا كانوا يصنعون بأنفسهم( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السكككعادة ص (‪ )263 ،250 ،205 ،214 ،213 ،204‬التكككبيان‬
‫ص (‪.)165‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫خلق آدم أب البشر‬
‫وفضله‪ ،‬وما ف إياده وذريته من الكم‬

‫الحمكد ل كالذي افتتكح خلق هذا العالم بالقلم ليكتكب المقاديكر قبكل كونهكا ثكم خلق الرض‬
‫والسكموات‪ ،‬مهكد الدار قبكل السكاكن وجعكل آدم آخكر المخلوقات‪ ،‬وأظهكر فضله وشرفكه‬
‫بأنكه خلقكه بيديكه‪ ،‬وعلمكه أسكماء ككل شيكء‪ ،‬وأباحكه جنتكه يسككن منهكا حيكث شاء‪ ،‬ويأككل‬
‫منهككا مككا شاء‪ ،‬وأسككجد له الملئكككة المقربككة لديككه‪ .‬وأظهككر مككا فككي قلب عدوه مككن الكككبر‬
‫والحسد والشر الكامن لديه‪.‬‬

‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬خلق خل قه أ صنافًا‬
‫وأطوارًا‪ ،‬وسبق ف حُكْمِ هِ وحِكْمَتِ هِ تفضيل آدم وبنيه على كثي م ن‬
‫خلق تفضيل‪.‬وجعل عبوديتهم أك مل من عبودية غي هم يشون رب م‬
‫بالغيب‪ ،‬ويأتون بالطاعات طوعًا واختيارًا‪ ،‬ل كرهًا واضطرارا‪.‬‬
‫ُبـ نبي ًا وآدم بيـ الروح‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله كُت َ‬
‫والسـد‪ ،‬ونىـ عـن الرص والسـد‪ .‬اللهـم صـلّ وسـلم على عبدك‬
‫ور سولك م مد وعلى آله وج يع أ صحابه و كل من اهتدى بد يه إل‬
‫يوم الدين‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫‪103‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ك ِل ْل َملَاِئ َك ِة ِإنّي جَا ِع ٌل فِي‬
‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪َ :‬وِإ ْذ قَا َل َرّب َ‬
‫ح‬
‫سّب ُ‬
‫ح ُن ُن َ‬
‫ك ال ّدمَا َء َوَن ْ‬
‫س ِف ُ‬
‫س ُد فِيهَا َوَي ْ‬
‫ج َع ُل فِيهَا َم ْن ُي ْف ِ‬
‫ض َخلِي َف ًة قَالُوا َأَت ْ‬
‫اْلَأ ْر ِ‬
‫ك قَا َل ِإنّي َأ ْعَل ُم مَا لَا َت ْعَلمُو َن [الَب َقرَة‪.]30 :‬‬
‫س َل َ‬
‫ح ْم ِد َك َوُن َق ّد ُ‬
‫ِب َ‬
‫عباد ال ذكـر ال جـل وعل بدايـة خلق «النسـان الول» آدم‬
‫أ ب الب شر ‪ ،‬وماد ته ال ت خلق من ها‪ ،‬وفضائله‪ ،‬و سكناه ال نة‪ ،‬و ما‬
‫جرى عليـه وعلى عدوه مـن شؤم العصـية ومالفـة المـر ذكـر ال‬
‫حالما ومآلما؛ ليكون عظة وعبة لولدها‪.‬‬
‫ْضف خَلِيفَةً [البَقَرَة‪ ]30 :‬يبـ عـن‬
‫إِنّيف جَاعِلٌ ف ِي الْأَر ِ‬
‫امتنانه على ب ن آدم بتنويهه بذكرهم ف الل العلى قبل إيادهم‬
‫خَلِيفَةً قومًا يلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلً بعد جيل( ‪.)1‬‬
‫ول ا اعتر ضت اللئ كة على خلق هذا اللي فة و قَالُوا أَتَجْعَلُ‬
‫فِيهَا مَ نْ يُفْ سِدُ فِيهَا وَيَ سْفِكُ الدّ مَاءَ وَنَحْ نُ نُ سَبّ حُ بِحَمْدِ كَ وَنُقَدّ سُ‬
‫َكف [البَقَرَة‪ .]30 :‬أجابمـ سـبحانه بأن فـ خلقـه مـن الكـم‬
‫ل َ‬
‫والصال ما ل تعلمه اللئكة والالق سبحانه يعلمه‪.‬‬
‫وأظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على اللئكة من‬
‫أ مر هذه اللي فة ما ل يكونوا يعلمو نه بأن ج عل من ن سله من أوليائه‬
‫وأحبابـه ورسـله وأنـبيائه مـن يتقربون إليـه بأنواع القرب‪ ،‬ويبذلون‬
‫أنفسـهم فـ مبتـه ومرضاتـه يسـبحون بمده آناء الليـل وأطراف‬
‫النهار‪ ،‬ويذكــرونه قــائمي وقاعــدين وعلى جنوبمـ‪ ،‬ويعبدونـه‬
‫ويشكرونـه فـ السـراء والضراء‪ ،‬والشدة والرخاء‪ ،‬والعافيـة والبلء‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫() ل أنهككم خلفاء ال فككي الرض‪ ،‬فإن الخليفككة ل يصككير خليفككة إل مككع مغيككب‬
‫المستخلف أو موته وال منزه عن الموت والنوم والغيبة وهو الذي يخلف العبد‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ويعبدونـه مـع معارضـة الشهوة وغلبـة الوى‪ ،‬ومعادات بنـ جنسـهم‬
‫وغي هم‪ ،‬فل ي صدهم عن عباد ته وشكره وذكره والتقرب إل يه صاد‬
‫فإن كانت عبادتكم ل بل معارض ول مانع فعبادة هؤلء ل مع هذه‬
‫العارضات والوانع والشواغل‪.‬‬
‫وأظ هر ل م سبحانه من عل مه ما ل يكونوا يعلمون من شرف‬
‫آدم وفضله؛ فإن اللئ كة ل ا رأ ته م صورًا فز عت م نه‪ ،‬وقالت‪ :‬ليخلق‬
‫رب نا ما شاء فلن يلق خلقًا أكرم عل يه م نا‪ .‬فل ما خلق آدم وأمر هم‬
‫بال سجود له ظ هر بذلك فضله وشر فه علي هم‪ .‬وذ كر عن ا بن عباس‬
‫رضـي ال عنهمـا أنـه قال‪ :‬إن ال لاـ أخـذ فـ خلق آدم قالت‬
‫اللئ كة‪ :‬ما ال خالق خلقًا أكرم عل يه م نا‪ .‬فابتلوا بلق آدم‪ ،‬و كل‬
‫خلق مبتلى‪ ،‬كما ابتليت السموات والرض بالطاعة‪ ،‬قال ال‪ :‬اِئْتِيَا‬
‫طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيَ [فُصّلَت‪.]11 :‬‬
‫ث أظ هر سبحانه ف ضل آدم على اللئ كة بالعلم الذي خص به‬
‫دونم وَعَلّ مَ آَدَ مَ الْأَ سْمَاءَ كُلّ هَا [البَقَرَة‪ ]31 :‬وكان ذلك بعد‬
‫سـجودهم له علمـه الِشياء كلهـا‪ :‬ذواتاـ وصـفاتا وأفعالاـ إنسـان‪،‬‬
‫ودا بة‪ ،‬وأرض‪ ،‬و سهل‪ ،‬وب ر‪ ،‬وج بل‪ ،‬وحار‪ ،‬وأشباه ذلك من ال مم‬
‫وغيها( ‪ )1‬ث عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ [البَقَرَة‪ ]31 :‬عرض اللق‬
‫على اللئ كة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَ سْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِ نْ كُنْتُ مْ صَادِقِيَ‬
‫أن ل أخلق خلقًا إل كنتم أعلم منه وأكرم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() ولول ذلك لمكا فرق بيكن الغذاء والدواء‪ ،‬ول بيكن السكموم القاتلة والشفاء‪ ،‬ول‬
‫اهتدى بالنجوم فككي البر والبحككر؛ وكان هككو المدبر لولده مدة حياتككه‪ ،‬ثككم قام‬
‫بالمر بعده ولده ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫‪105‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْ مَ لَنَا إِلّا مَا عَلّ مْتَنَا إِنّ كَ أَنْ تَ الْعَلِي مُ‬
‫الْحَكِي مُ * قَالَ يَا آَدَ مُ أَنْبِئْهُ مْ بِأَ سْمَائِهِمْ فَلَمّ ا أَنْبَأَهُ مْ بِأَ سْمَائِهِمْ‬
‫[البَقَرَة‪ ]33 -31 :‬عرفوا أن ال فضل عليهم آدم بالعلم‪.‬‬
‫فلما وقع ف الذنب ظنت اللئكة إن ذلك الفضل قد نسخ ول‬
‫تطلع على عبوديـة التوبـة الكامنـة‪ ،‬فلمـا تاب إل ربـه وأتـى بتلك‬
‫العبودية علمت اللئكة أن ل ف خلقه سرًا ل يعلمه سواه‪.‬‬
‫وأظهر لم سبحانه من علمه ما خفي عليهم من شأن من كانوا‬
‫يعظمونـه وي لّونـه مـا ل يكونوا يعلمون؛ فإن الرب تعال لاـ أمـر‬
‫اللئ كة بال سجود ظ هر ما ف قلوبمـ من الطا عة والح بة والش ية‬
‫والنقياد فبادروا إل المتثال‪ ،‬وظهـر مـا فـ قلب عدوه مـن الكـب‬
‫وال غش وال سد فأ ب وا ستكب وكان من الكافر ين‪ ،‬و قَالَ أَنَا خَيْرٌ‬
‫مِنْ هُ خَلَقْتَنِي مِ نْ نَارٍ وَخَلَقْتَ هُ مِ نْ طِيٍ [العرَاف‪ ] 12 :‬فاللع ي‬
‫لقصـور نظره وضعـف بصـيته رأى صـورة الطيـ ترابًا مزوجًا باء‬
‫فاحتقره‪ ،‬ول يعلم أن الط ي مر كب من الاء الذي ج عل ال م نه كل‬
‫شيء حي‪ ،‬والتراب الذي هو خزانة النافع والنعم‪ ،‬ث ل يتجاوز نظره‬
‫مل الادة إل كمال الصورة النسانية التامة الحاسن خَلْقًا وخُلُقًا‪ ،‬ث‬
‫ل يدر اللعيـ أن الادة التـ خلق منهـا هـو فيهـا الحراق والعلو‬
‫والف ساد وَالْجَانّ خَلَقْنَا هُ مِ نْ قَبْلُ مِ نْ نَارِ ال سّ مُومِ [الِ جر‪:‬‬
‫‪.)1 (]27‬‬
‫‪1‬‬

‫() إبليككس عارض النككص بالقياس وقدمككه عليككه‪ ،‬وتأول لنفسككه أن هذا القياس‬
‫خ ْي ٌر ِمنْهُه [العرَاف‪:‬‬
‫العقلي مقدم على المكر بالسككجود‪ .‬فإنكه قال‪ :‬قَا َل أَنَا َ‬
‫‪ ]12‬وأن الفاضكل ل يخضكع للمفضول؛ فكانكت النتيجكة امتناعكه عكن السكجود‪.‬‬
‫وانظكر الوجوه التكي فيهكا الرد عليكه فكي قوله‪ :‬أنكا خيكر منكه فكي (الصكواعق ص‬
‫‪.)1002‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عباد ال! ولاـ سـبق فـ حكـم ال وحكمتـه بأن يعـل فـ‬
‫الرض خليفـة ل يكـن بـد مـن إخراج آدم مـن النـة فكان مـن أسـباب‬
‫إخراجه النهي عن تلك الشجرة‪ ،‬وتليته بينه وبي عدوه حت وسوس إليه‬
‫بالكل‪ ،‬وتليته بينه وبي نفسه حت وقع ف العصية‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬
‫ث ِشْئتُمَا َولَا‬
‫جّنةَ فَ ُكلَا ِم ْن َحْي ُ‬
‫ك اْل َ‬
‫ت َو َزوْ ُج َ‬
‫وَيَا َآ َد ُم ا ْسكُ ْن َأْن َ‬
‫ي‬
‫شْيطَا ُن ِلُيْب ِد َ‬
‫س َل ُهمَا ال ّ‬
‫ج َر َة َفَتكُونَا ِم َن الظّاِل ِميَ * َفوَ ْسوَ َ‬
‫شَ‬
‫َتقْ َربَا هَ ِذ هِ ال ّ‬
‫ي َعْنهُمَا ِم ْن سَ ْو َآِت ِهمَا َوقَالَ مَا َنهَاكُمَا َرّبكُمَا َع ْن هَ ِذ ِه‬
‫َلهُمَا مَا وُو ِر َ‬
‫ج َر ِة ِإلّا َأ ْن َتكُونَا َمَل َكْي نِ َأ ْو تَكُونَا ِم نَ اْلخَاِلدِي َن * َوقَا َس َم ُهمَا إِّن ي‬
‫شَ‬
‫ال ّ‬
‫ت َلهُمَا‬
‫ج َر َة َبدَ ْ‬
‫شَ‬
‫ي * َف َدلّاهُمَا ِبغُرُو ٍر َفَل ّم ا ذَاقَا ال ّ‬
‫حَ‬
‫صِ‬
‫لَكُمَا َل ِم َن النّا ِ‬
‫جّن ِة َونَادَاهُمَا َرّبهُمَا َألَ مْ‬
‫ق اْل َ‬
‫صفَا ِن َعَلْيهِمَا ِم ْن َو َر ِ‬
‫خ ِ‬
‫َس ْو َآُت ُهمَا َو َطفِقَا َي ْ‬
‫شْيطَانَ لَ ُكمَا َع ُد ّو ُمِبيٌ * قَالَا‬
‫ج َرةِ َوَأقُ ْل َل ُكمَا ِإنّ ال ّ‬
‫شَ‬
‫َأنْ َه ُكمَا َعنْ ِتلْ ُكمَا ال ّ‬
‫سنَا وَِإ ْن َل ْم تَ ْغ ِفرْ لَنَا َوتَ ْر َحمْنَا َلنَكُونَنّ ِم نَ اْلخَا ِسرِي َن‬
‫َربّنَا َظَلمْنَا َأْنفُ َ‬
‫[العراف‪.)1(]23 -19 :‬‬
‫ومن الكمة ف إخراجه من النة إظها ُر كمال أساء ال السن وإن‬
‫ل فمن كماله ظهور آثار كماله ف خلقه وأمره‪.‬‬
‫كان ل يزل كام ً‬
‫‪1‬‬

‫() لمكا قاسكمه عدو ال أنكه ناصكح‪ ،‬وأخرج الكلم على أنواع متعددة مكن التأكيكد‬
‫‪ -1‬القسككم ‪ -2.‬التيان بالجملة السككمية‪ -3 .‬تصككديرها بأداة التأكيككد‪ -4 .‬التيان‬
‫ل على الحدث‪-6 .‬‬
‫بلم التأكيكد فكي الخكبر‪ -5 .‬التيان بكه اسكم فاعكل‪ ،‬ل فعل دا ً‬
‫تقديككم المعمول على العامككل ولم يكككن آدم يظككن أن أحدًا يقسككم بال كاذبًا يميككن‬
‫غموس يتجرأ فيهككا على ال هذه الجرأة‪ ،‬فغره عدو ال بهذا التأكيككد والمبالغككة‬
‫فظكن آدم صكدقه‪ ،‬وأنكه إن أككل منهكا لم يخرج مكن الجنكة‪ ،‬ورأى أن الككل وإن‬
‫كان فيكه مفسكدة فمصكلحة الخلود أرجكح‪ ،‬ولعله يأتكي له اسكتدراك مفسكدة النهكي‬
‫أثناء ذلك‪ .‬إما باعتذار‪ ،‬وإما بتوبة‪ ،‬أو بغير ذلك (الصواعق ‪.)371‬‬

‫‪106‬‬

‫‪107‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فإنـه اللك القـ البـي‪ ،‬واللك هـو الذي يأمـر وينهـي ويكرم‬
‫ويه ي‪ ،‬ويث يب ويعا قب‪ ،‬ويع طي وي نع‪ ،‬وي عز ويذل كُلّ يَوْ مٍ هُوَ‬
‫فِي شَأْنٍ [الرّحن‪.]29 :‬‬
‫فأنزل البوين والذرية إل دار تري عليهم هذه الحكام‪ .‬أنزلوا‬
‫إل دار يكون إيان م في ها تامًا‪ ،‬فإن اليان قول وع مل وجهاد و صب‬
‫واحتمال‪ ،‬فكان إخراجهم من ال نة تكميلً ل م وإتامًا لنعمته عليهم‬
‫ليزدادوا مـن الدار التـ خلقوا منهـا وفيهـا إل الدار التـ خلقوا لاـ‪،‬‬
‫وليعرفوا قدر تلك الدار الت أخرجوا منها‪.‬‬
‫فآدم أخرج مـن جنـة اللد التـ فـ السـماء ليعود إليهـا على‬
‫أح سن أحواله‪ .‬ف ما قدر أحكم الاكم ي ذلك باطلً‪ ،‬ول دبره عبثًا‪،‬‬
‫ول أخله من حكمته البالغة‪ ،‬وحده التام‪ .‬وخلق بنيه من تام الكمة‬
‫والرح ة وال صلحة‪ ،‬وإن كان وجودهم مستلزمًا لشر فهو شر مغمور‬
‫فيما ف إيادهم من الي( ‪.)1‬‬
‫فاشكروه عباد ال على أن كرّ مَ أباكم‪ ،‬وفضلكم على كثي من‬
‫خلق تفضيل‪ ،‬واعتـبوا باـ قصـه ال عـن ابتلء أبوي النـ والنـس‬
‫بالذنب‪ ،‬وجعل هذا الب عبة لن أصر وأقام على ذنبه‪ ،‬وهذا ال بَ‬
‫ـم‪ ،‬وأطيعوا‬
‫عــبة لنــ تاب ورجــع إل ربــه‪ .‬فأشبهوا أباكُـ‬
‫مولكـم‪ ،‬واحذروا عدو أبيكـم‪ ،‬فهـو وذريتـه أعداكـم‪ .‬واحذروا‬
‫الذنوب كلها فقد هبط آدم بلقمة تناولا‪ ،‬وطرد إبليس ولعن من أجل‬
‫‪1‬‬

‫() كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس‪ .‬فكم في طلوع الشمس‬
‫مكن ألم لمسكافر وحاضكر‪ ،‬وككم فكي نزول الغيكث والثلوج مكن أذى‪ ،‬وككم فكي هذا‬
‫الحكر والبرد والرياح مكن أذى موجكب لنواع مكن اللم‪ ،‬ومكا فيهكا مكن المنافكع‬
‫أضعاف أضعاف ذلك‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫سـجدة لبيكـم اسـتكب عنهـا‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‬
‫إِذْ قَالَ رَبّك َف لِلْمَلَائِكَةِ إِنّيف خَالِ قٌ بَشَرًا مِ نْ طِيٍ * فَإِذَا سَوّ يْتُهُ‬
‫َسفجَدَ الْمَلَائِكَةُ‬
‫َهف سفَاجِدِينَ * ف َ‬
‫ِنف رُوحِي فَقَعُوا ل ُ‬
‫ِيهف م ْ‬
‫ْتف ف ِ‬
‫وَنَفَخ ُ‬
‫كُلّ هُ مْ أَجْمَعُو نَ * إِلّا إِبْلِي سَ ا سْتَكْبَرَ وَكَا نَ مِ نَ الْكَافِرِي نَ * قَالَ يَا‬
‫إِبْلِي سُ مَا مَنَعَ كَ أَ نْ تَ سْجُدَ لِمَا خَلَقْ تُ بِيَدَيّ أَ سْتَكْبَرْتَ أَ مْ كُنْ تَ‬
‫مِ نَ الْعَالِيَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هُ خَلَقْتَنِي مِ نْ نَارٍ وَخَلَقْتَ هُ مِ نْ طِيٍ *‬
‫قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّ كَ رَجِيمٌ * وَإِنّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْ مِ الدّينِ *‬
‫قَالَ رَبّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْ مِ يُبْعَثُو نَ * قَالَ فَإِنّ كَ مِ نَ الْمُنْظَرِي نَ *‬
‫إِلَى يَوْ مِ الْوَقْ تِ الْمَعْلُو مِ * قَالَ فَبِعِزّ تِ كَ لَأُغْوِيَنّ هُ مْ أَجْمَعِيَ [ص‪:‬‬
‫‪ ]85 -71‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل الذي أحسن كل شيء خلقه‪ ،‬وبدأ خلق النسان من‬
‫طي‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬ول ضد ول معي‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله سيد البشر أجعي‪ .‬اللهم صل وسلم‬
‫على عبدك ورسولك ممد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان‬
‫إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال! إن ال سبحانه لا أراد خلق آدم أخذ‬
‫من ج يع الرض قب ضة من التراب‪ ،‬ث أل قى علي ها الاء ف صارت طينًا‬
‫أملس‪ ،‬ثـ أرسـل عليهـا الريـح فجففهـا حتـ صـارت ترابًـا‬
‫يابسـًا‪ ،‬ثـ قدر لاـ العضاء‪ ،‬والنافـذ‪ ،‬والوصـال‪ ،‬والرطوبات‪،‬‬

‫‪108‬‬

‫‪109‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و صورها فأبدع ف ت صويرها‪ ،‬وأظهر ها ف أح سن الشكال‪ ،‬وه يأ‬
‫كل جزء منها لا يراد له‪ ،‬وقدره لا خلق له على أبلغ الوجوه‪ ،‬وألقاها‬
‫على باب النة أربعي سنة( ‪ )1‬واللئكة تراها ول تعرف ما يراد منها‪،‬‬
‫وإبليس ير على جسده فيعجب منه ويقول‪ :‬خلق تَ لمر عظيم؛ ولئن‬
‫سلطت عل يك لهلك نك‪ ،‬ولئن سلطت علي لع صينك‪ .‬ول يعلم أن‬
‫هلكه على يده‪.‬‬
‫فلما تكامل تصويرها وصارت جسدًا مصورًا مشكلً كأنه ينطق‬
‫إل أنه ل روح ف يه ول حياة أر سل ال إليه رو حه (جب يل) فن فخ فيه‬
‫نف خة‪ ،‬وانقلب ذلك الط ي لمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا و س عًا وب صرًا‬
‫وشّا ولُمْ سًا وحر كة وكلمًا‪ ،‬فأول ش يء بدأ به أن قال‪ :‬الْحَمْدُ‬
‫لِلّ هِ رَبّ الْعَالَمِيَ فقال له خال قه وبار يه وم صوره‪ :‬يرح ك ال يا‬
‫آدم‪ .‬فاستوى جال سًا أجل شيء وأحسنه منظرًا‪ ،‬وأته خلقًا‪ ،‬وأبدعه‬
‫صورة‪ .‬فقال الرب تعال لميع ملئكته‪ :‬اسْجُدُوا لِآَدَ مَ [البَقَرَة‪:‬‬
‫‪ ]34‬فبادروا بال سجود‪ ،‬تعظيمًا وطا عة ل مر الوا حد العبود(‪ .)2‬ث قال‬
‫ل م‪ :‬ل نا ف هذه القب ضة من التراب شرع أبدع م ا ترون‪ ،‬وجال باط نٍ‬
‫أح سنُ م ا تب صرون‪ ،‬فلن ـزين باط نه أح سن من زي نة ظاهره‪ ،‬ولنجعل نه‬
‫من أعظم آياتنا‪ ،‬نعلمه أساء كل شيء ما ل تسنه اللئكة‪ .‬ث اشتق منه‬
‫صورة هي مثله ف ال سن والمال (حواء) لي سكن إلي ها وت قر نف سه‪،‬‬
‫وليخرج من بينهما من ل يصي عدده سواه من الرجال والنساء‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() لن دأب المحب الوقوف على باب الحبيب (الفوائد ص ‪.)64‬‬
‫() فالسككجدة لدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسككلمًا‪ ،‬وهككي طاعككة ل‪ ،‬لنهككا‬
‫امتثال لمره تعالى‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫روى البخاري ومسـلم عـن أبـ هريرة رضـي ال عنـه ‪ ،‬عـن‬
‫رسـول ال قال‪« :‬خلق ال آدم وطوله سفتون ذراعًا‪ ،‬فكفل‬
‫من يد خل ال نة على صورة آدم‪ .‬قال‪ :‬فلم يزل اللق ين قص ح ت‬
‫الن » وروى الترمذي وأ بو داود عن أ ب مو سى الِشعري ر ضي ال‬
‫عنـه ‪ ،‬قال سـعت رسـول ال يقول‪« :‬إن ال تبارك وتعال خلق‬
‫آدم مفن قبضفة قبضهفا مفن جيفع الرض فجاء بنفو آدم على قدر‬
‫الرض‪ :‬منهفم الحرف‪ ،‬والبيفض‪ ،‬والسفود‪ ،‬وبيف ذلك‪ ،‬والسفهل‬
‫والزن‪ ،‬والبيث والطيب»‪ .‬كما أن الادة الت خلق منها الن فيها‬
‫الحراق والعلو والفسـاد‪ ،‬وفيهـا الشراق والضاءة والنور‪ ،‬فأخرج‬
‫من ها سبحانه هذا وهذا‪ ،‬حك مة باهرة‪ ،‬وقدرة قاهرة‪ ،‬وآ ية دالة على‬
‫أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصي( ‪ . )3‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪3‬‬

‫() شفاء العليككل ص (‪ )247 ،243 ،236 ،9 ،10 ،242 ،241 ،249‬الفوائد‬
‫ص (‪ ،)64‬التفسكير القيكم ( ‪ ،)130 ،134‬الوابكل الصكيب ص ( ‪ ،)164‬فتاوى‬
‫ابن تيمية ج (‪ )251 ،17/267‬بدائع ج (‪.)142 ،4/141‬‬

‫‪110‬‬

‫‪111‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وف أنفسكم أفل تبصرون‬
‫ال مد ل الذي خلق الن سان ف أح سن تقو ي‪ ،‬وج عل وجوده‬
‫مـن الدلة على موجده ومصـوره العليـم‪ ،‬وأشهـد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريـك له يلق مـا يشاء ويتار‪ ،‬ويصـور خلقـه فـ الرحام‬
‫ك يف يشاء بأ سباب قدر ها‪ ،‬وح كم دبر ها‪.‬أع طى الذ كر الذكور ية‬
‫والنثى النوثية والاء واحد‪ ،‬والوهر واحد‪ ،‬والوعاء واحد‪ ،‬واللقاح‬
‫َهف إِلّا هُوَ‬
‫ْفف يَشَاءُ لَا إِل َ‬
‫َامف كَي َ‬
‫ُصفوّ رُكُمْ فِي الْأَرْح ِ‬
‫واحـد الّ ذِي ي َ‬
‫الْعَزِيزُ الْحَكِي مُ [آل عِمرَان‪ .]6 :‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‬
‫أ خب عن الر سوم الل ي الذي يلق يه إل ملك الت صوير‪ ،‬ح ي يقول‪:‬‬
‫« يا رب أذَكَر‪ ،‬أم أُن ثى‪ ،‬ش قي‪ ،‬أم سعيد‪ ،‬ف ما الرزق‪ ،‬ف ما ال جل؟‬
‫فيوحي ربك ما يشاء‪ ،‬ويكتب اللك الكري‪ .‬اللهم صل وسلم على‬
‫عبدك ور سولك م مد وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه بإح سان إل يوم‬
‫الدين»‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف قد قال ال تعال‪ :‬وَفِي أَنْفُ سِكُمْ أَفَلَا تُبْ صِرُونَ‬
‫[الذّاريَات‪.]21 :‬‬
‫عباد ال لاـ كان أقرب الشياء إل النسـان نفسـُه دعاه خالقـه‬
‫وبارئه ومصـوره وفاطره مـن قطرة ماءٍ إل التبصـر والتفكـر فـ نفسـه‬
‫فإذا تفكـر فـ نفسـه اسـتنارت له آيات الربوبيـة‪ ،‬وسـطعت له أنوار‬
‫اليق ي‪ ،‬واضمحلت ع نه غمرات ال شك والر يب‪ ،‬وانقش عت ع نه ظلمات‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الهـل فإنـه إذا نظـر فـ نفسـه وجـد آثار التدبيـ فيـه قائمات‪ ،‬وأدلة‬
‫التوح يد على ر به ناطقات‪ ،‬شاهدة لدبره‪ ،‬دالةٌ عل يه‪ ،‬مرشدةٌ إل يه‪ ،‬إذ‬
‫يده مكونًا من قَطرة ماءٍ‪ :‬لومًا منضده‪ ،‬وعظامًا مرك به‪ ،‬وأو صالً‬
‫متعددة‪ ،‬مأ سورة مشددة ببال العروق والعصاب ج عت بلد مت ي‪،‬‬
‫مشتملً على ثلثائة و ستي مف صلً‪ :‬ما ب ي كبي و صغي‪ ،‬وثخ ي‪،‬‬
‫ودق يق‪ ،‬وم ستطيل وم ستدير وم ستقيم ومن حن‪ ،‬و شد هذه الو صال‬
‫بثلثائة وسـتي عرق ًا (أعصـاب) للتصـال والنفصـال‪ ،‬والقبـض‬
‫والب سط‪ ،‬وال د وال ضم‪ ،‬وال صنائع والكتا بة‪ .‬وج عل ف يه عشرة أبواب‪:‬‬
‫فبابان للسـمع وبابان للبصـر‪ ،‬وبابان للشـم‪ ،‬وبابان للطعام والشراب‬
‫والتنفس‪ ،‬وبابان لروج الفضلت الت يؤذيه احتباسها‪.‬‬
‫عباد ال لننظـر فـ هذه العضاء ومنافعهـا بالتفصـيل‪ .‬ابدأ‪:‬‬
‫« بالرأس»‪ :‬تأ مل هذه الق بة العظي مة ال ت رك بت على الن كبي‪ ،‬و ما‬
‫أودع في ها من العجائب‪ ،‬و ما ر كب في ها من الزائن‪ ،‬و ما أودع ف‬
‫تلك الزائن مـن النافـع‪ ،‬ومـا اشتملت عليـه مـن العظام الختلفـة‬
‫الشكال والصـفات والنافـع‪ ،‬ومـن الرطوبات‪ ،‬والعصـاب‪ ،‬والطرق‬
‫والجاري‪ ،‬والدماغ‪ ،‬والنافـذ والقوى الباطنـة‪ :‬مـن الذكـر‪ ،‬والفكـر‪،‬‬
‫والتخيل‪ ،‬وقوة الفظ( ‪.)1‬‬
‫وذلك من أعظم آيات ال وأدلته وحكمته كيف ترتسم صورة‬
‫السـموات والرض والبحار والشمـس والقمـر والقاليـم والمالك‬
‫‪1‬‬

‫() ففكي مقدمكة محكل الحفكظ والتخيكل‪ ،‬والبطكن الوسكط محكل التأمكل والتفككر‪،‬‬
‫والبطن الخير محل التذكر والسترجاع لما كان قد نسيه‪ .‬ولكل واحد من هذه‬
‫المور الثلثكككة أمكككر مهكككم للنسكككان ل بكككد له منكككه؛ لسكككتيعاب المعلومات‪،‬‬
‫واسترجاعها‪ ،‬والقدرة الذهنية على الفهم والتحليل والربط والستنباط والتخيل‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫‪113‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وال مم ف هذا ال حل ال صغي‪ ،‬والن سان ي فظ كتبًا كثية‪ ،‬وعلومًا‬
‫شتـ متعددة‪ ،‬وصـنائع متلفـة مـن غيـ أن يتلط بعـض هذه الصـور‬
‫ببعض‪.‬‬
‫ثـ انزل إل « العيف» وتأمـل عجائبهـا وشكلهـا وإيداع النور‬
‫الباصـر فيهـا‪ ،‬وتركيبهـا مـن عشـر طبقات‪ ،‬ركبهـا سـبحانه فـ أعل‬
‫مكان من الرأس بنلة طليع ته والكا شف والرائد له‪ ،‬وج عل سبحانه‬
‫موضع البصار ف قدر العدسة‪ ،‬ث أظهر ف تلك العدسة قدر السماء‬
‫والرض والبال والبحار والش مس والق مر‪ ،‬وج عل دا خل ماء الع ي‬
‫مالًا لئل تذيب الرارة الدائمة ما هناك من الشحم‪ ،‬وجعلها مصونة‬
‫بالجفان لتسترها وتفظها وتصقلها وتدفع القذار عنها‪ ،‬وجعل شعر‬
‫الجفان أسود ليكون سببًا لجتماع النور الذي به البصار‪ ،‬وأبلغ ف‬
‫السـن والمال‪ .‬وخلق سـبحانه لتحرك الدقـة سـتة عضلت لو‬
‫نقصـت واحدة مــنها لختــل أمـر العيـ‪ .‬ومـع ذلك فيسـتدل‬
‫ب ـأحوال الع ي على أحوال القلب من رضاه وغض به وح به وبغ ضه‬
‫ونفرته‪.‬‬
‫ث اعدل إل « الذن ي » وه ا ر سول القلب‪ ،‬وتأ مل شقه ما ف‬
‫جانب الوجه‪ ،‬وخلقهما‪ ،‬وإيداعهما القوة السمعية‪ ،‬يدركان با العان‬
‫الغائبة ال ت ترد على العبد من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه‪ ،‬وإيداع‬
‫الرطوبـة فيهمـا‪ ،‬وجعلهـا مرة لتمتنـع الوام عـن الدخول فيهمـا‪،‬‬
‫وحوّطه ما سبحانه ب صدفتي يمعان ال صوت ويؤديا نه إل ال صماخ‪،‬‬
‫وجعـل ف ال صدفتي تعريات لتطول السـافة فتك سر حدة الصـوت‪،‬‬
‫ولئل يفاجئهما الداخل إليهما من الدواب والشرات‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ثـ أنزل إل «النفف» وتأمـل شكله وخلقـه‪ ،‬وكيـف نصـبه‬
‫سبحانه ف وسط الوجه قائمًا معتدلً ف أحسن شكل وأوفقه للمنفعة‪،‬‬
‫وفتـح فيـه بابيـ‪ ،‬وأودع فيهمـا حاسـة الشـم التـ يدرك باـ الروائح‬
‫وأنواعهـا وكيفياتاـ ومنافعهـا ومضارهـا‪ ،‬ويسـتدل باـ على مضار‬
‫الغذيـة والدويـة ومنافعهـا‪ ،‬ويعيـ أيض ًا على تقطيـع الروف( ‪.)1‬‬
‫وجعله مصـبًا للفضلت النازلة مـن الدماغ لتسـتريح منهـا‪ ،‬وسـتره‬
‫بسـاتر أبدي لئل تبدو تلك الفضلت فـ عيـ الرائي‪ .‬وأيض ًا فإنـه‬
‫يسـتنشق بالنخريـن الواء البارد والرطـب فيسـتغن بذلك عـن فتـح‬
‫ال فم( ‪ )2‬والواء الذي ي ستنشقه ينل إل النخر ين فينك سر برده فيه ما‪،‬‬
‫ث ي صل إل اللق فيعتدل مزا جه هناك‪ ،‬ث ي صل إل الرئة أل طف ما‬
‫يكون‪ ،‬فإذا أخذت الرئة مـا تتاجـه مـن الواء عاد مـن الرئتيـ إل‬
‫اللقوم‪ ،‬ث إل النخرين‪.‬‬
‫ول يض يع أح كم الاكم ي ذلك «النّفَس» بل ج عل إخرا جه‬
‫سببًا لدوث الصوت‪ ،‬ث جعل سبحانه ف النجرة واللسان وال نك‬
‫باختلف ال صوت فيحدث الرف‪ ،‬ث أل م الن سان أن ير كب ذلك‬
‫الرف إل مثله ونظيه فيحدث الكلمة‪ ،‬ث ألمه تركيب تلك الكلمة‬
‫إل مثلها فيحدث الكلم الدال على أنواع العان‪.‬‬
‫ثـ إنـه سـبحانه جعـل «الناجفر» متلفـة الشكال فـ الضيـق‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() قلت‪ :‬ولذلك إذا حدث في النف لحمية زائدة ‪ ...‬نقص هذا التقطيع‪.‬‬
‫() وأعينككت هذه الحواس بمخلوقات أخككر منفصككلة عنهككا تكون واسككطة فككي‬
‫إحسككاسها‪ :‬فأعينككت حاسككة البصككر بالضياء والشعاع‪ ،‬وحاسككة السككمع بالهواء‪،‬‬
‫وحاسككة الشككم بالنسككيم اللطيككف يحمككل إليهككا الرائحككة‪ ،‬وحاسككة الذوق بالريككق‪،‬‬
‫وحاسة اللمس بقوة جعلها ال فيها ولم تحتج إلى شيء خارج‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫‪115‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والسعة والشونة واللمسة لتختلف الصوات باختلفها‪ ،‬فل يتشابه‬
‫صـوتان كمـا ل تتشابـه صـورتان‪ .‬فميـز سـبحانه بيـ الِشخاص باـ‬
‫يدركه السمع والبصر‪ .‬فتأمل هذه الكم الباهرة ف اتصال النّفس إل‬
‫القلب ل فظ حياته‪ ،‬ث عند الاجة إل إخراجه وال ستغناء عنه جعله‬
‫سببًا لذه النفعة العظيمة‪.‬‬
‫وأ ما «ال فم» فم حل العجائب‪ ،‬وباب الطعام والشراب والن فس‬
‫والكلم‪ ،‬ومَكَنّ الل سان النا طق الذي هو آلة العلوم‪ ،‬وترجان القلب‬
‫( ‪)1‬‬
‫ور سوله الؤدي ع نه‪ ،‬وف يه منف عة الذوق والدراك وتر يك الطعام‬
‫والدليــل على اعتدال مزاج القلب وانرافــه‪ ،‬وعلى اســتقامته‬
‫واعوجاجه‪ ،‬وعلى أحوال العدة والمعاء‪ ،‬وجعله سبحانه عضوًا لميًا‬
‫ل عظم فيه ول عصب ليسهل عليه القبض والبسط والركة الكثية‬
‫ف أقاصي الفم وجوانبه‪.‬‬
‫وأ ما «ال سنان» فل ما كان الطعام ل ي كن توله إل ب عد طح نه‬
‫ج عل الرب تبارك وتعال آلة للتقط يع والتف صيل‪ ،‬وآلة الط حن فج عل‬
‫آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرأس ليسهل با القطع‪ .‬وجعل‬
‫النوا جذ و ما يلي ها من الضراس م سطحة الرءوس عري ضة ليتأ تى ب ا‬
‫الطحن‪ ،‬ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ النظم ف سلك‪ ،‬أنبتها سبحانه‬
‫من نفس اللحم‪ ،‬وترج من خلله كما ينبت الزرع ف الرض( ‪.)2‬‬
‫وزين «الوجه» أيضًا با أنبت فيه من الشعور الختلفة الشكال‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() وجعل ماءه حلوًا عذبًا ليدرك طعوم الشياء على ما هي عليه‪.‬‬
‫() ولم تنشأ مع الطفل لستغنائه عنها بالرضاع‪ ،‬ولو نشأت معه من حين يولد‬
‫لضرت بحلمة الثدي‪ ،‬إذ ل عقل له يحرزه‪ ،‬فكانت الم تمتنع من إرضاعه‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والقادير‪ .‬تأمل حال الشعر ومنبته‪ .‬والغايةَ الت خلق من أجلها‪ ،‬وهي‬
‫شيئان‪ :‬أحده ا‪ :‬عام و هو‪ :‬تنق ية البدن من الفضول الدخان ية الغلي ظة‬
‫كشعـر العانـة والبـط والنـف؛ والخـر خاص وهـو‪ :‬إمـا للزينـة‪ ،‬أو‬
‫للوقا ية ف في ش عر الرأس منا فع وم صال من ها وقاي ته عن ال ر والبد‬
‫والرض‪ ،‬ومنها الزينة والسن‪ .‬وف شعر الاجبي مع السن والمال‬
‫والزي نة وقا ية الع ي م ا ينحدر من الرأس‪ .‬ولو ن قص عن هذا القدار‬
‫لزالت منفعـة المال والوقايـة‪ ،‬ولو زاد عليـه لغطـى العيـ وأضرّ باـ‬
‫وحال بينها وبي ما تدركه‪ .‬وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة‬
‫والوقار والي بة‪ ،‬ولذا ل يرى على ال صبيان والن ساء من الي بة والوقار‬
‫ما يرى على ذوي اللحى‪ ،‬ومنها التمييز بي الرجال والنساء‪ .‬والنساء‬
‫ل ا كنّ م ل ال ستمتاع والتقب يل كان الح سن والول خلو هن عن‬
‫اللحـى‪ ،‬وزيـن الشفتيـ باـ أنبـت فوقهمـا مـن الشارب وتتهمـا مـن‬
‫العنفقة‪ ،‬وزين البهة بالاجبي وقوسهما وأحسن خطهما‪.‬‬
‫ث انزل إل «ال صدر» ترى معدن الع قل والعلم واللم والر ضا‬
‫والغضـب والشجاعـة والكرم والصـب والحتمال والبـ والرادة‬
‫والوقار والسـكينة‪ ،‬والب وسـائر صـفات الكمال‪ ،‬وأضدادهـا فتجـد‬
‫صـدور العلّيـة تعلو بالب واليـ والعلم والحسـان‪ ،‬وصـدور السـفلة‬
‫تغلي بالفجور والشرور والساءة والسد والكب‪.‬‬
‫و ف ال صدر «القلب» الذي هو أشرف ما ف الن سان‪ ،‬و هو‬
‫قوام الياة‪ ،‬و هو من بع الروح اليوا ن والرارة الغريز ية‪ ،‬و هو ملـ‬
‫نظـر الرب تعال ومعرفتـه ومبتـه وخشيتـه والتوكـل عليـه والنابـة‬
‫إل يه والر ضا به وع نه‪ .‬والعبوديةُ عل يه أوّ لً‪ ،‬وعلى رعي ته وجنده تبعًا‪،‬‬

‫‪116‬‬

‫‪117‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فالوارح أتباع القلب‪ ،‬والذي يسـري إل الوارح مـن الطاعات أو‬
‫العاصـي إناـ هـي آثاره‪ ،‬فإن أظلم أظلمـت الوارح‪ ،‬وإن اسـتنار‬
‫استنارت؛ ومع هذا فهو بي إصبعي من أصابع الرحن ‪ ،‬فسبحان‬
‫مقلب القلوب‪ ،‬ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب‪ ،‬الذي يول بي‬
‫الرء وقل به‪ ،‬ويعلم ما ينطوي عل يه من طاع ته ودي نه‪ ،‬م صرف القلوب‬
‫كيف أراد؛ أوحى إل قلوب الولياء أن أقبلي إل فبادرت وقامت بي‬
‫يدي رب العال ي‪ ،‬وكره انبعاث آخرين فثبطهم وقيل‪ :‬اقعدوا مع‬
‫القاعدين‪.‬‬
‫فاتقوا عباد ال وتفكروا ف أنفسكم وما فيها من العبة والدللة‬
‫على خالقكم وبارئكم‪ ،‬والزجر عن معصيته‪.‬‬
‫أعوذ بال من الشيطان الرج يم وَأُزْلِفَ تِ الْجَنّ ةُ لِلْمُتّ قِيَ غَيْرَ‬
‫بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُو نَ لِكُلّ أَوّا بٍ حَفِي ظٍ * مَ نْ خَشِ يَ الرّ حْمَ نَ‬
‫بِالْغَيْ بِ وَجَاءَ بِقَلْ بٍ مُنِي بٍ * ادْخُلُوهَا بِ سَلَامٍ ذَلِ كَ يَوْ مُ الْخُلُودِ *‬
‫لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق‪ ]35 -31 :‬بارك ال‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ونستيعنه ‪ ....‬إل‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬القلب يطلق على معنييـ على العضـو‬
‫اللحمي الصنوبري الشكل الودع ف الانب اليسر من الصدر‪ ،‬وف‬
‫بطنه تويف‪ ،‬وف التجويف دم أسود‪ .‬والثان أمر معنوي وهو لطيفة‬
‫ربانيـة رحان ية روحان ية لاـ بذا العضـو تعلق واختصـاص وتلك هي‬
‫حقيقة النسانية وهي «الروح»‪.‬‬
‫عباد ال وللملك لةـ بالقلب‪ ،‬وللشيطان لةـ فإذا أل بـه اللك‬
‫حدث مـن لتـه والنفسـاح والنشراح والنور والرحةـ والخلص‬
‫والنابة ومبةُ ال وإيثارُه على ما سواه وقِ صَرُ المل والتجاف عن دار‬
‫البلء والمتحان والغرور‪ .‬فلو دامـت له تلك الالة لكان فـ أهنـأ‬
‫ع يش وألذه وأطي به؛ ول كن تأت يه ل ة الشيطان فتحدث له من الض يق‬
‫والظلمـة والمـ والغـم والوف‪ ،‬والسـخط على القدور‪ ،‬والشـك فـ‬
‫الق‪ ،‬والرص على الدنيا وعاجلها‪ ،‬والغفلة عن ال ما هو من أعظم‬
‫عذاب القلب‪.‬‬
‫ث من الناس من تكون ل ة اللك أغلب من ل ة الشيطان وأقوى‪.‬‬
‫ومنهـم مـن تكون لةـ الشيطان أغلب عليـه وأقوى‪ .‬والشيطان يلم‬
‫بالقلب لا كان هناك من جواذب تذبه؛ فإذا كانت الواذب صفات‬
‫قوي سـلطانه هناك‪ ،‬واسـتفحل أمره‪ ،‬ووجـد موطئًا ومقرًا‪ -‬فتأتـ‬
‫الذكار والدعوات كحد يث الن فس لتد فع سلطان الشيطان‪ .‬فإذا قلع‬
‫ـال‬
‫ـا والغتسـ‬
‫ـل على التطهيـ منهـ‬
‫ـفات وعمـ‬
‫ـد تلك الصـ‬
‫العبـ‬

‫‪118‬‬

‫‪119‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بالتو بة الن صوح ب قي للشيطان بالقلب خطرات وو ساوس ولّات من‬
‫غيـ اسـتقرار‪ ،‬وذلك يضعفـه ويقوي لةـ اللك‪ ،‬فتأتـ الذكار‬
‫والدعوات والتعوذات فتدف عه بأ سهل ش يء إِنّهُف لَيْ سَ لَ هُ سُلْطَانٌ‬
‫عَلَى الّ ذِي نَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبّ هِ مْ يَتَوَكّ لُو نَ * إِنّ مَا سُلْطَانُهُ عَلَى الّ ذِي نَ‬
‫يَتَوَلّ وْنَهُ وَالّ ذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل‪.]99 ،98 :‬‬
‫ـا القلب‬
‫ـان منهـ‬
‫عباد ال‪ :‬وجاع الطرق والبواب الت ـ يصـ‬
‫وجنودُه أربعة فمن ضبطها وعدّل ا وأصلح ماريها وصرفها ف مال ا‬
‫اللئ قة ب ا ا ستفاد من ها قل به وجوار حه ول يش مت به عدوه‪ ،‬و هي‪:‬‬
‫الرص‪ ،‬والشهوة‪ ،‬والغضب‪ ،‬والسد‪ .‬فمن كان حرصه إنا هو على‬
‫ما ينفعه‪ ،‬وحسده منافسة ف ال ي‪ :‬وغضبه ل على أعدائه‪ ،‬وشهوته‬
‫مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به‪ :‬ل تضره هذه الربعة؛‬
‫بل انتفع با أعظم انتفاع( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السككعادة ج (‪ )264 ،269 ،268 ،271 ،191 -1/189‬التككبيان‬
‫ص (‪،127 ،258 -197 ،190 ،256 ،255 ،253 ،251 -249 ،188‬‬
‫‪.)262 ،259 ،257‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أطوار النسان‬
‫ودللتا على خالقه العظيم‬
‫المـد ل الذي تعرف إل خلقـه بأنواع التعرفات‪ ،‬ونصـب لمـ‬
‫الدللت‪ ،‬وأو ضح ل م اليات البينات لِيَهْلِ كَ مَ نْ هَلَ كَ عَ نْ بَيّ نَةٍ‬
‫وَيَحْيَا مَنْ حَيّ عَنْ بَيّ نَةٍ وَإِنّ اللّ هَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ‪.‬‬
‫وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْ سَانَ مِ نْ سُلَالَةٍ مِ نْ طِيٍ * ثُمّ جَعَلْنَا هُ نُطْفَةً‬
‫ف ِي قَرَارٍ مَكِي ٍ * ثُم ّ خَلَقْن َا النّ طْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْن َا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً‬
‫فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ‬
‫فَتَبَارَكَ اللّ هُ أَحْسَنُ الْخَالِقِيَ [الؤمنون‪.]14 -12 :‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له دعـا عباده إل‬
‫التف كر ف آيا ته وملوقا ته‪ ،‬لي ستدلوا بذلك على وحداني ته‪ ،‬و صفات‬
‫كماله‪ ،‬ونعوت جلله‪.‬‬
‫وأشهــد أن ممدًا عبده ورســوله إمام التفكريــن‪ ،‬وقدوة‬
‫الذاكريـن‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬
‫وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال! ندب سبحانه ابن آدم ف هذه اليات إل‬
‫الن ظر والتف كر ف نف سه ف مبدأ خل قه‪ ،‬وو سطه‪ ،‬وآخره؛ إذ نف سه‬
‫وخلقـه مـن أعظـم الدلئل على فاطره‪ ،‬وفيـه مـن العجائب الدالة‬

‫‪120‬‬

‫‪121‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫على عظ مة ال ما تنق ضي العمار ف الوقوف على بع ضه و هو غا فل‬
‫عنه معرض عن التفكر فيه‪.‬‬
‫لينظر ابن آدم كيف جع سبحانه بي الذكر والنثى بأن قادها بسلسلة‬
‫الحبة والشهوة ال ت هي سبب تليق الولد وتكوينه من نط فة‪ .‬ولين ظر بع ي‬
‫البصية إل «النطفة» وهي قطرة ِم ْن مَا ٍء َم ِهيٍ [السجدة‪ ،]8 :‬ضعيف‬
‫مستقذر لو مرت با ساعة من الزمان فسدت وأنتنت كيف استخرجها رب‬
‫الرباب العليـم القديـر مـن بيـالصـلب والترائب(‪ )1‬منقادة لقدرتـه‪ ،‬مطيعـة‬
‫لشيئتـه‪ ،‬على ضيـق طرقهـا واختلف ماريهـا‪ ،‬إل أن سـاقها إل مسـتقرها‬
‫ومتمعهـا فـمكان ل يناله هواء يفسـده‪ ،‬ول برد يمده‪ ،‬ول عارض يصـل‬
‫إليه‪ ،‬ول آفة تتسلط عليه‪ -‬فأقامت النطفة هناك برهة من الدهر‪.‬‬
‫ث قلب سبحانه تلك النط فة البيضاء الشر قة «عل قة» دمًا أح ر‬
‫قـد تغيـ لوناـ وشكلهـا وصـفاتا‪ ،‬فأقامـت كذلك مدة‪ .‬ثـ جعلهـا‬
‫«مض غة» قط عة ل م بقدر ما يضغ ها الا ضغ مال فة للعل قة ف لون ا‬
‫وحقيقتهـا وشكلهـا‪ .‬ثـ قسـم تلك الجزاء التشابةـ التسـاوية إل‬
‫«العظام» و «العروق» و «العصاب»‪ ،‬ث ربط بعضها ببعض أقوى‬
‫رباط وأشده وأبعده عـن النلل‪ .‬ثـ كسـاها «لمًا» ركبـه عليهـا‬
‫وجعله وعاء لا وغشاء وحافظًا‪ ،‬وجعلها حاملة له مقيمة له‪.‬‬
‫وانظر كيف صورها فأحسن صورها‪ ،‬وشق ل ا السمع والبصر‬
‫والفم والنف وسائر النافذ‪ ،‬ومد اليدين والرجلي وبسطهما‪ ،‬وقسم‬
‫رءوسهما بالصابع‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() فالحيوان ينعقككد مككن ماء الذكككر وماء النثككى‪ ،‬كمككا ينعقككد النبات مككن الماء‬
‫والتراب والهواء‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ثـ قسـم الصـابع بالنامـل‪ ،‬ثـ ركـب فيهـا الظفار‪ ،‬وركـب‬
‫العضاء الباطنـة‪ :‬مـن القلب‪ ،‬والعدة‪ ،‬والمعاء‪ ،‬والكبـد‪ ،‬والرارة‪،‬‬
‫والطحال‪ ،‬والرئة‪ ،‬والثا نة‪ ،‬وغ ي ذلك كل وا حد من ها له قدر ي صه‬
‫ومنفعة تصه‪.‬‬
‫ـ للرب والنفعـة الهيأة ل ا‪-‬‬
‫تأمـل أعضاءك وتقديـر كـل عضـو منه ا‬
‫ـع‪.‬‬
‫ـة والدفـ‬
‫ـذ والعطاء والمايـ‬
‫ـش والخـ‬
‫«فاليدان» للعلج(‪ )1‬والبطـ‬
‫و«الرجلن» لمل البدن والسعي والركوب‪ ،‬وانتصاب القامة‪ .‬و«العينان»‬
‫للهتداء والمال والزينة واللحة ورؤية ما ف السموات والرض وآياتما‬
‫وعجائبهما‪« .‬الفم» للغذاء والكلم والمال وغي ذلك‪ .‬و«النف» للتنفس‬
‫وإخراج فضلت الدماغ وزين ًة للو جه‪ .‬و«الل سان» للبيان والترج ة والتبل يغ‬
‫عنك و«الذنان» صاحبتا الخبار تؤديا إليك(‪.)2‬‬
‫وتأمل «الهاز الضمي»‪ -‬تأمل أعضاء هضم غذائك وما أودع‬
‫ال فيها من القوى الت ت يل أنواع الطعمة من حنطة ول م وفاكهة‬
‫وماء وغيهـا إل دم يغذي أجزاء جسـمك باـ يناسـب كـل عضـو‬
‫وحا سة وإل تول إل سم‪« .‬فال فم» مع كو نه يقطّ ع الغذاء ويل طه‬
‫يقوم بزء مـن الضـم باـ أودع فيـه مـن اللعاب‪ .‬و«الريفء»‬
‫مـع كونـه منفذًا للمعدة يقوم بزء مـن الضـم باـ فيـه مـن حركات‬
‫وإفرازات لزجة ينلق با الغذاء إل العدة‪ .‬و«العدة» مع كونا خزانة‬
‫ـا‬
‫ـة وتبدأ بضمهـ‬
‫ـن الطعمـ‬
‫ـة طحـ‬
‫ـم عمليـ‬
‫ـة للغذاء تتـ‬
‫حافظـ‬
‫وا ستحلبا‪ ،‬وت ساعد بموضت ها القو ية على تعق يم الطع مة‪ ،‬وتن ظم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() معالجة العمال‪.‬‬
‫() هذه السككطر فيهككا نوع تكرار مككع مككا تقدم‪ ،‬لكككن بأسككلوب آخككر وأخصككر‪،‬‬
‫وسياقها أيضًا لجل ما بعدها «الجهاز الهضمي»‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫‪123‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حر كة عبور ها إل المعاء‪ .‬و«المعاء » ت تم ه ضم الطعام وتليله إل‬
‫عناصـره الوليـة ويسـاعدها على ذلك عصـارات الكبـد والعثكلة‬
‫(البنكرياس)‪ .‬ومـن خلل جدران المعاء يري امتصـاص خلصـة‬
‫الواد الهضومة ودفعها إل الكبد‪ ،‬ث التخلص من الثفل (الفضلت)‪.‬‬
‫ث «الك بد» يقوم بأك ثر من خ سي وظي فة‪ :‬من التخز ين‪ ،‬والتأل يف‬
‫وتعديل السموم‪ .‬ويساعد الكبد «الطحال»( ‪ )1‬و«الكليتان»( ‪.)2‬‬
‫فإذا تنقى الدم من تلك الفضلت وعملت فيه هذه الدم بقواها‬
‫ال ت أودع ها ال في ها هذا الع مل وأ صلحته هذا ال صلح اند فع من‬
‫الكبـد إل «القلب » بواسـطة الوريـد الجوف السـفلي فيصـب فـ‬
‫الذ ين الي ن من القلب( ‪ ، )3‬وم نه إل البط ي الي ن من القلب‪ ،‬وهذا‬
‫غليـظ أزرق غيـ مصـفى‪ ،‬فيضخـه البطيـ الينـ إل « الرئتيف»‬
‫فينبث ف جرمهما‪ ،‬ويالط الواء النقي ويتصفى( ‪.)4‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫() الطحال‪ :‬يعني بتشكيل خليا الدم‪ ،‬ويساعد على استقلب معدن الحديد‪ ،‬وهو‬
‫مسككتودع للدم‪ ،‬ويقوم بتدميككر الخليككا الحمككر والبيككض القديمككة التككي انعدمككت‬
‫فائدتها‪ ،‬ويساعد على إبقاء الدورة الدموية خالية من الجراثيم والمواد الغريبة‪.‬‬
‫() والكليتان‪ :‬تقومان بتصككفية الدم الجاري فككي الجسككم مككن كككل شوائبككه سككتًا‬
‫وثلثين مرة‪ ،‬في اليوم يتصفى بالرشح قرابة مائتي لتر من الدم يوميًا بواسطة‬
‫الكبككب التككي تصككل إلى مليون كبككة‪ ،‬ويعود الدم ليمتككص مرة أخرى بواسككطة‬
‫النابيكب الكلويكة التكي يمكر فيهكا قرابكة مائة وثمانيكة وتسكعين لترًا‪ ،‬ول يسكمحان‬
‫للعناصكر المولدة للمواد الغذائيكة بالتسكرب‪ ،‬ويطرحان لتريكن فقكط وهكي الفضلة‬
‫المعروفة بالبول إلى المثانة‪.‬‬
‫() ويصب معه فيه الوريد الجوف العلوي من بقية الجسم‪.‬‬
‫() وفككي الرئتيككن سككبعمائة وخمسككون مليون سككنخ رأوي تعمككل لتصككفية الدم‬
‫باستمرار بمعدل خمس لترات في كل دقيقة‪ .‬في كل يوم يتنفس النسان خمسة‬
‫وعشرون ألف مرة يسكحب فيهكا مائة وثمانيكن مترًا مكعبًا مكن الهواء‪ ،‬يتسكرب‬
‫منهكا سكتة أمتار ونصكف متكر مكعكب مكن غاز الكسكجين إلى الدم‪ ،‬فيصكفي الدم‬
‫بسحب غاز الفحم ومنح غاز الكسجين اللزم للبدن‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ث يعود بوا سطة الوردة الرئو ية إل الذ ين الي سر من القلب‪،‬‬
‫ومنـه إل البطيـ اليسـر منـه‪ ،‬فيضخـه بواسـطة الشريان (البرـ) إل‬
‫العروق الضوارب( ‪ )5‬؛ فيوصـل ‪-‬سـبحانه‪ -‬الغذاء بواسـطتها إل كـل‬
‫جزء جزء مـن البدن على مقداره وصـفته الناسـبة له وإل كـل حاسـة‬
‫بسـبها‪ -‬فيحيله إل العظـم عظمًا‪ ،‬وإل اللحـم لمًا‪ ،‬وإل العصـب‬
‫عصـبًا‪ ،‬وإل الشعـر شعرًا‪ ،‬وهكذا ‪...‬؛ فإنـه سـبحانه هـو الذي خلق‬
‫هذا كله‪ ،‬وهـو الذي يرزق هذا كله رزقًـا ثانيًـا‪ .‬الرزق الول خلق‬
‫الغذاء‪ ،‬وهذا إيصــاله إل العضاء ‪ ،...‬وكذلك أعوذ بال مــن‬
‫الشطيان الرجيم يَا أَيّ هَا النّا سُ إِ نْ كُنْتُ مْ فِي رَيْ بٍ مِ نَ الْبَعْ ثِ فَإِنّا‬
‫خَلَقْنَاكُ مْ مِ نْ تُرَا بٍ ثُمّ مِ نْ نُطْفَةٍ ثُمّ مِ نْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِ نْ مُضْغَةٍ مُخَلّ قَةٍ‬
‫ف مَفا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ‬
‫ف وَنُقِرّ فِفي الْأَرْحَام ِ‬
‫ف لَكُم ْ‬
‫وَغَيْرِ مُخَلّ قَةٍ لِنُبَيّن َ‬
‫مُ سَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُ مْ طِفْلًا ثُمّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّ كُ مْ [ال ج‪ ]5 :‬بارك‬
‫ال ‪....‬‬

‫‪5‬‬

‫() والقلب مؤلف مككن مضختيككن ل واحدة‪ .‬الولى‪ :‬لدفككع الدم باتجاه الرئتيككن‪،‬‬
‫والثانيكة‪ :‬لرسكاله إلى سكائر أنحاء الجسكم‪ .‬يضكخ القلب يوميًا ثمانمائة لتكر مكن‬
‫الدم‪ .‬وتبلغ ضربات القلب سكتين إلى ثمانيكن فكي الدقيقكة‪ .‬وفكي ككل مرة يدخكل‬
‫القلب حوالي ربكع لتككر مكن الدم‪ ،‬ويسكتغرق مرور دفعكة واحدة مكن الدم خلل‬
‫القلب ثانية ونصف‪ .‬والطريق من القلب إلى الرئة وثم مرة أخرى ست ثواني‪.‬‬
‫وهذه هكي الدورة الدمويكة الصكغرى‪ .‬والدم الذاهكب إلى الدماغ يعود إلى القلب‬
‫فكي ثمانكي ثوان‪ ،‬بينمكا يعود الدم إلى القلب مكن أصكابع القدم فكي ثمانكي عشرة‬
‫ثانية‪ ،‬وهذه هي الدورة الدموية الكبرى‬

‫‪124‬‬

‫‪125‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطة الثانية‬
‫المد ل نمده ‪....‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا أي ها الن سان أ عد الن الن ظر ف نف سك مرة ب عد‬
‫مرة‪ .‬من الذي دبرك بأل طف التدب ي وأ نت جن ي ف ب طن أ مك ف‬
‫موضـع ل يـد تنالك‪ ،‬ول بصـر يدركـك‪ ،‬ول حيلة لك فـ التماس‬
‫الغذاء‪ ،‬ول ف دفع الضرر‪ .‬فمن الذي أجرى إليك من دم الم ما يغذوك‬
‫كمـا يغذو الاء النبات‪ ،‬وقلب ذلك الدم لبن ًا‪ ،‬حتـ إذا كمـل خلقـك‬
‫وا ستحكم وقوي أدي ك على مباشرة الواء‪ ،‬وب صرك على ملقاة الضياء‪،‬‬
‫وصـلبت عظامـك على مباشرة اليدي والتقلب على الغـباء‪ ،‬هاج الطلق‬
‫بأمك فأزعجك إل الروج أيا إزعاج إل عال البتلء‪ ،‬فركضك الرحم‬
‫رك ضة من مكا نك كأ نه ل يض مك قط‪ .‬و من الذي صرف ذلك الل ب‬
‫الذي ك نت تتغذى به ف ب طن أ مك إل خزانت ي معلقت ي على صدرها‪،‬‬
‫و من الذي رق قه لك و صفاه وأطاب طع مه وح سن لو نه وأحكم طب خه‪،‬‬
‫ومن عطف عليك قلب الم ووضع فيه النان العجيب والرحة الباهرة(‪.)1‬‬
‫ح ت إذا قوي بد نك وات سعت أمعاؤك وخش نت عظا مك واحت جت إل‬
‫غذاء أ صلب من غذائك و ضع ف يك آلة الق طع والط حن‪ ،‬وكل ما ازددت‬
‫قوة وحاجة إل السنان ف أكل الطاعم الختلفة زيد لك ف تلك اللت‬
‫فمـن الذي سـاعدك باـ ومكنـك مـن ضروب الغذاء إل أحكـم‬
‫‪1‬‬

‫() حتى إنها تكون في أهنأ ما تكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا أحست منك‬
‫بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها منقادة إليك بغيكر قائد ول‬
‫سائق‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الاكمي وأرحم الراحي‪ ،‬فاشكره‪ ،‬واذكره‪ ،‬وأحسن عبادته وحده‪،‬‬
‫على أن خلقـك ف أحسـن تقويـ‪ ،‬وتغذيتـك بأصـناف النعـم‪ ،‬وأنـت‬
‫ّهف لَا تُحْصفُوهَا [إبراهيـم‪:‬‬
‫ِنف تَعُدّوا نِعْمَةَ الل ِ‬
‫صـغي وكـبي( ‪ )1‬وَإ ْ‬
‫‪ ]34‬عباد ال إن أحسن الديث‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫() مراجككككع هذه الخطبككككة كمككككا يلي‪ :‬مفتاح دار السككككعادة ج( ‪ )1‬ص(‪189‬‬
‫ ‪ .)191‬التكبيان ص ( ‪.)230 ،240 ،235 ،331 ،241 ،228 -226 ،240‬‬‫ومن كتب الطب الحديث‪ -‬الطب محراب اليمان ج( ‪،19 ،47 ،304 ،2/259‬‬
‫‪ )129 ،124 ،191 ،90 ،114 ،301 ،170 ،15 ،10 ،9 ،297‬والصكككحة‬
‫والسككلم ص(‪ )60 ،15 ،162‬والصكككحة والوقايكككة ص (‪ .)100 ،60‬ذكرت‬
‫بعكض هذه التفصكيلت فكي «الجهاز الهضمكي» مكن هذه الكتكب وأكثرهكا بصكفة‬
‫تعليق‪ .‬وهي دالة على عظمة ال وقدرته وعلمه وحكمته‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫‪127‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الذي أعطى كل شيء خلقه‪ ،‬ث هدى‬
‫المـد ل الذي خلق فسـوى‪ ،‬والذي قدر فهدى‪ ،‬أعطـى كـل‬
‫شيء من اللق والتصوير ما يصلح به لا خلق له‪ ،‬ث هداه لا خلق له‬
‫و هو الك يم ال بي‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬له‬
‫ف كل ملوق حكمة باهرة‪ ،‬وآية ظاهرة‪ ،‬وبرهان قاطع يدل على أنه‬
‫رب كل شيء ومليكه‪ ،‬وأنه النفرد بكل كمال دون خلقه‪ ،‬وأنه على‬
‫كل شيء قدير‪ ،‬وبكل شيء عليم‪.‬‬
‫ـة البيان‬
‫ـه هدايـ‬
‫ـوله‪ :‬هدى أمتـ‬
‫ـد أن ممدًا عبده ورسـ‬
‫وأشهـ‬
‫والرشاد‪ ،‬وأما هداية التوفيق واللام فإل اللك العلم‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال ذكر ال تبارك وتعال عن فرعون أنه قال‪:‬‬
‫فَمَنْ رَبّ كُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبّ نَا الّ ذِي أَعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمّ‬
‫هَدَى [طه‪ .]50 ،49 :‬أي أعطى لك شيء صورته الت ل يشتبه‬
‫فيهـا بغيه‪ ،‬وأعطـى كـل عضـو شكله وهيئتـه‪ ،‬وأعطـى كـل موجود‬
‫ـن العمال‪.‬‬
‫ـا خلق له مـ‬
‫ـه‪ ،‬ث ـ هداه إل مـ‬
‫ـص بـ‬
‫ـه الختـ‬
‫خلقـ‬
‫هذه الدا ية شاملة للحيوان كله ناط قه وبي مه‪ .‬طيه ودوا به‪ ،‬ف صيحه‬
‫وأعجمـه‪ ،‬هداه لاـ يصـلحه فـ معيشتـه ومطعمـه ومشربـه ومنكحـه‪،‬‬
‫وتقلبه وتصرفه بإرادته‪ .‬وكذلك كل عضو له هداية تليق به‪ -‬فهدى‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الرجل ي للم شي‪ ،‬واليد ين للب طش والع مل‪ ،‬والل سان للكلم‪ ،‬والذن‬
‫لل ستماع‪ ،‬والع ي لك شف الرئيات‪ ،‬و كل ع ضو ل ا خلق له‪ .‬وهدى‬
‫الزوج ي من كل حيوان إل الزدواج والتنا سل وترب ية الولد‪ ،‬وهدى‬
‫الولد إل التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه‪ ،‬وهداه إل معرفة أمه‬
‫دون غي ها حت يتبعها أين ذهبت‪ ،‬والقصد إل ما ينفعه من الراعى‬
‫دون مـا يضره منـه‪ ،‬وهدى الطيـ والوحـش إل الفعال العجيبـة التـ‬
‫يعجـز عنهـا النسـان‪ .‬ومراتـب هدايتـه سـبحانه ل يصـيها إل هـو‪.‬‬
‫فتبارك ال رب العالي‪.‬‬
‫وهدى «الن حل» أن تت خذ من البال بيوتًا و من الش جر و من‬
‫البن ية ث ت سلك سبل رب ا مذللة ل ا ل ت ستعصي علي ها ث تأوي إل‬
‫بيوت ا‪ ،‬وهداها إل طاعة يعسوبا واتباعه والئتمام به أين توجه ب ا‪،‬‬
‫ث هداها إل بناء البيوت العجيبة الصنعة الحكمة البناء‪.‬‬
‫ومن تأمل بعض هدايته البثوثة ف العال شهد بأ نه ال الذي ل إله‬
‫إل هو عال الغيب والشهادة العزيز الكيم‪ .‬وانتقل من معرفة هذه الداية‬
‫إل إثبات «النبوة» و«العاد» بأيسـر نظـر وأول ولةـ‪ ،‬وأحسـن طريـق‬
‫وأخ صرها وأبعد ها عن كل شب هة‪ ،‬وأن من هدى هذه اليوانات هذه‬
‫الدايـة التـ تعجـز عقول العقلء عنهـا ل يليـق بـه أن يترك هذا النوع‬
‫النسان الذي هو خلصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثي من خلقه‬
‫تفضيلً مهمل وسدى معطل ل يهديه إل أقصى كمالته وأفضل غاياته‪.‬‬
‫وهذا أحد ما يدل على إثبات العاد بالعقل والشرع‪.‬‬
‫وهذا الن مل من أهدى اليوانات‪ ،‬وهدايت ها من أع جب ش يء؛‬
‫فإن النملة الصـغية ترج مـن بيتهـا وتطلب قوتاـ وإن بعدت عليهـا‬

‫‪128‬‬

‫‪129‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطريـق‪ ،‬فإذا ظفرت بـه حلتـه وسـاقته فـ طريـق معوجـة بعيدة ذات‬
‫صعود وهبوط ف غا ية من التو عر ح ت ت صل إل بيوت ا فتخزن في ها‬
‫أقواتا ف وقت المكان‪ ،‬فإذا خزنتها عمدت إل ما ينبت منها ففلقته‬
‫فلقت ي لئل ين بت‪ ،‬فإن كان ين بت مع فل قه باثن ي فلق ته بأرب عة‪ ،‬فإذا‬
‫أصـابه بلل وخافـت عليـه العفـن والفسـاد انتظرت بـه يومًا ذا شسـ‬
‫فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتا ث أعادته إليها‪ ،‬ول تتغذى منها‬
‫نلة م ا جعه غيها‪ .‬ويكفي ف هداية النمل ما حكاه ال سبحانه ف‬
‫القرآن عـن النملة التـ سـع سـليمان عليـه السـلم كلمهـا وخطاباـ‬
‫ل صحابا بقول ا‪ :‬يَا أَيّهَا النّ مْلُ ادْخُلُوا مَ سَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنّ كُ مْ‬
‫سُلَيْمَانُ وَجُنُودُ هُ وَهُ مْ لَا يَشْعُرُو نَ [الن مل‪ ] 18 :‬فجم عت ب ي‬
‫العتذار عـن مضرة اليـش بكونمـ ل يشعرون‪ ،‬وبيـ لو أمـة النمـل‬
‫ح يث ل يأخذوا حذر هم ويدخلوا م ساكنهم‪ ،‬ولذلك تب سم سليمان‬
‫ضاحكًا من قول ا‪ ،‬وإ نه لو ضع تع جب وتب سم‪ .‬و من ع جب هدايت ها‬
‫أنا تعرف ربا بأنه فوق السموات على عرشه‪ ،‬كما رواه المام أحد‬
‫ف «كتاب الزهد» من حديث أب هريرة يرفعه قال‪ « :‬خرج نب من‬
‫ال نبياء بالناس ي ستسقون فإذا هم بنملة راف عة قوائم ها إل ال سماء‬
‫تدعو مستلقية على ظهرها‪ ،‬وهي تقول‪ :‬اللهم إنا خلق من خلقك‬
‫ليس بنا غن عن سقياك‪ ،‬ورزقك‪ ،‬فإما أن تسقينا وترزقنا وأما أن‬
‫تلكنا‪ .‬فقال‪ :‬ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيكم»( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() وهكي تدرك بالشكم مكن البعكد مكا يدرككه غيرهكا بالبصكر أو السكمع فتأتكي مكن‬
‫مكان بعيكد إلى موضكع أككل فيكه النسكان وبقكي فيكه فتات مكن الخبكز أو غيره‬
‫فتحمله وتذهب به وإن كان أكبر منها‪،‬فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها‬
‫بصككف مككن النمككل يتسككاعدون على حمله ونقله‪ .‬ولهككا قصككص مككن ذلك انظككر‬
‫البدائع ج(‪ )1‬ص(‪.)70‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وهذا «الدهـد» مـن أهدى اليوان وأبصـره بواضـع الاء تتـ‬
‫الرض ل يراه غيه‪ .‬و من هداي ته ما حكاه ال ع نه ف كتا به أ نه قال‬
‫لنـبيه سليمان عل يه ال سلم و قد فقده وتوعده فل ما جاء بدره بالعذر‬
‫ق بل أن ينذره سليمان بالعقو بة‪ ،‬وخاط بة خطابًا هي جه على ال صغاء‬
‫إليه والقبول منه‪ ،‬فقال‪ :‬أَحَط تُ بِمَا لَ مْ تُحِ طْ بِ هِ [النمل‪]22 :‬‬
‫ث ك شف عن حقي قة ال ب كشفًا مؤكدًا بأدلة التأك يد فقال‪ :‬إِنّ ي‬
‫وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُ مْ [النمل‪ ]23 :‬ث أخب عن شأن تلك اللكة‬
‫وأن ا من أجل اللوك ب يث أوتيت من كل شيء يؤتاه اللوك‪ ،‬ث زاد‬
‫ف تعظ يم شأن ا بذ كر عرش ها الذي تلس عليه وأنه عرش عظيم‪ ،‬ث‬
‫أ خبه با يدعوه إل قصدهم وغزوهم ف عقر دارهم بعد دعوتم إل ال‬
‫س ِمنْ دُونِ الّل ِه [النمل‪24 :‬‬
‫ش ْم ِ‬
‫جدُو َن لِل ّ‬
‫سُ‬
‫فقال‪ :‬وَ َج ْدتُهَا َوَقوْ َمهَا َي ْ‬
‫] ث أ خب عن الغوي ل م الا مل ل م على ذلك و هو تزي ي الشيطان ل م‬
‫أعمالم حت صدهم عن السبيل الستقيم وهو السجود ل وحده‪ ،‬ث أخب‬
‫أن ذلك الصد حال بينهم وبي الداية والسجود ل الذي ل ينبغي السجود‬
‫السفمَاوَاتِ‬
‫ب َء ف ِي ّ‬
‫خ ْ‬
‫إل له‪ ،‬ثـ ذكـر مـن أفعاله سـبحانه إخراج اْل َ‬
‫ض [الن مل‪ ]25 :‬و هو الخبوء فيه ما من ال طر والنبات والعادن‬
‫وَاْلَأ ْر ِ‬
‫وأنواع ما ينل من السماء وما يرج من الرض‪.‬‬
‫وهذا «المام» مـن أعجـب اليوان هدايـة حتـ قال الشافعـي‪:‬‬
‫أع قل الط ي المام‪ ،‬وبرد المام هي ال ت ت مل الر سائل والك تب ف‬
‫لزمان ال سابقة‪ ،‬رب ا زادت قي مة الط ي من ها على قي مة الع بد‪ ،‬يذ هب‬
‫ويرجـع إل مكانـه مـن مسـية ثلثـة آلف ميـل فمـا دوناـ‪ .‬وهدايـة‬
‫اليوان إل مصال معاشها كالبحر حدث ول حرج‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫‪131‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و من عجائب أ مر «القرد» ما ذكره البخاري ف صحيحه عن‬
‫عمرو بـن ميمون الودي قال‪ :‬رأيـت فـ الاهليـة قردًا وقردة زنيـا‬
‫فاجت مع عليه ما القرود فرجوه ا ح ت ما تا‪ .‬فهؤلء القرود أقاموا حد‬
‫ال حي عطله بنو آدم‪.‬‬
‫و«البقرة» يضرب ببلدت ا ال ثل و قد أ خب ال نب ‪ « :‬أن رجلً‬
‫بينمفا هفو يسفوق بقرة إذ ركبهفا‪ ،‬فقالت‪ :‬إنف ل أخلق لذا‪ ،‬فقال‬
‫الناس‪ :‬سبحان ال‪ ،‬بقرة تتكلم‪ .‬فقال ال نب ‪ :‬إ ن أو من بذا أ نا‬
‫وأ بو ب كر وع مر و ما ه ا ث‪ .‬ث قال‪ :‬بين ما ر جل ير عى غنمًا له إذ‬
‫عدى الذئب على شاة منهفا فاسفتنقذها منفه‪ ،‬فقال الذئب‪ :‬هذه‬
‫اسفتنقذتا منف فمفن لاف يوم السفبع يوم ل راعفي لاف غيي‪ .‬فقال‬
‫الناس‪ :‬سفبحان ال‪ ،‬ذئب يتكلم‪ .‬فقال رسفول ال ‪ :‬إنف أومفن‬
‫باذ أنا وأبو بكر وعمر وما ها ث»‪.‬‬
‫ومن هداية «المار» الذي هو من أبلد اليوان أن الرجل يسي‬
‫به ويأت به إل منله من البعد ف ليلة مظلمة فيعرف النل‪ ،‬فإذا خُلّ يَ‬
‫جاء إليه‪ ،‬ويفرق بي الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يث‬
‫به على السي‪.‬‬
‫وهذا «الثعلب» إذا اشتـد بـه الوع انتفـخ ورمـي بنفسـه فـ‬
‫الصـحراء كأنـه جيفـة فتتداوله الطيـ فل يظهـر حركـة ول نفسـًا فل‬
‫تشك أنه ميت‪ ،‬حت إذا نقر بنقاره وثب عليها فضمها ضمة الوت‪.‬‬
‫وهذا «ا بن عرس» و «القن فذ» إذا أكل الفا عي واليات عمدا‬
‫إل الصعتر النهري فأكل منه كالترياق لذلك‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وكثيـ مـن العقلء يتعلم مـن اليوان البهيـم أمورًا تنفعـه فـ‬
‫معاشه‪ ،‬وأخلقه‪ ،‬وصناعته‪ ،‬وحربه‪ ،‬وحزمه‪ ،‬وصبه( ‪.)1‬‬
‫فتفكروا عباد ال ف هداية هذه اليوانات ل ا خلقت له واعرفوا‬
‫عظمة باريها وتفهموا قوله‪ :‬سَبّ حِ ا سْمَ رَبّ كَ الْأَعْلَى * الّ ذِي خَلَ قَ‬
‫فَ سَوّى * وَالّ ذِي قَدّ رَ فَهَدَى [العلى‪ ]3 -1 :‬قَالَ رَبّنَا الّ ذِي‬
‫أَعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَ هُ ثُمّ هَدَى [ طه‪ .]50 :‬بارك ال ل ول كم‬
‫‪...‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل الذي سـبحت الكائنات بمده‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل‬
‫ال وحده ل شريك له‪ ،‬ول مثل له من خلقه‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده‬
‫ورسوله أكمل خلق ال خلقًا‪ ،‬وأرفعهم عنده منل‪ .‬اللهم صلِ وسلم‬
‫على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه بإح سان إل‬
‫يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد فقد قال ال تعال‪ :‬وَمَا مِنْ دَابّ ةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ‬
‫ُمف [النعام‪ ]38 :‬قال ابـن عباس‪:‬‬
‫َمف أَمْثَالُك ْ‬
‫ْهف إِلّا أُم ٌ‬
‫يَطِيُ بِجَنَاحَي ِ‬
‫يعرفون ن ويوحدون ن وي سبحونن ويمدون ن‪ .‬وقال ا بن قتي بة‪ :‬إِلّا‬
‫ف فـ طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقـي الهالك‪.‬‬
‫ف أَمْثَالُكُم ْ‬
‫أُمَم ٌ‬
‫وقال سفيان بن عيينة‪ :‬ما ف الرض آدمي إل وفيه شبه من البهائم‪.‬‬
‫فمنهـم مـن يهتصـر اهتصـار السـد‪ ،‬ومنهـم مـن يعدو عدو‬
‫‪1‬‬

‫() وذكر ابن القيم من أخلق الديك والسود ‪...‬‬

‫‪132‬‬

‫‪133‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الذئب‪ ،‬ومنهـم مـن ينبـح نباح الكلب‪ ،‬ومنهـم مـن يتطوس كفعـل‬
‫الطاووس‪ ،‬ومن هم من يش به الناز ير ال ت لو أل قي إلي ها الطعام الط يب‬
‫عافته‪ ،‬فإذا قام الرجل عن رجيعة ولغت فيه‪ ،‬فلذلك تد ف الدميي‬
‫من لو سع خ سي حك مة ل يف ظة واحدة من ها‪ ،‬وإن أخ طأ ر جل‬
‫تراواه وحفظـه‪ .‬قال الطابـ‪ :‬مـا أحسـن مـا تأول سـفيان هذه اليـة‬
‫واستنبط منها هذا الكم أن الراد الماثلة ف الطبائع والخلق‪.‬‬
‫وال سبحانه جعل بعض الدواب كسوبًا متالًا‪ ،‬وبعضها متوكلً‬
‫غ ي متال‪ ،‬وب عض الشرات يد خر لنف سه قوت سنة‪ ،‬وبعض ها يت كل‬
‫على الثقة بأن له ف كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا‪.‬‬
‫وبعضهـا يدخـر وبعضهـا ل كسـب له‪ .‬وبعـض الذكورة يعول ولده‪،‬‬
‫وبعض ها ل يعرف ولده الب تة‪ .‬وب عض الناث تك فل ولد ها ل تعدوه‪،‬‬
‫وبعضها تضع ولدها وتكفل ولده غيها‪ .‬وبعضها ل تعرف ولدها إذا‬
‫استغن عنها‪ ،‬وبعضها ل تزال تعرفه وتعطف عليه وبعضها ل يلتمس‬
‫الولد‪ ،‬وبعضهـا يسـتفرغ المـ فـ طلبـه‪ .‬وبعضهـا يعرف الحسـان‬
‫ويشكره‪ ،‬وبعضهـا ليـس ذلك عنده شيئًا‪ .‬وبعضهـا يؤثـر على نفسـه‪،‬‬
‫وبعض ها إذا ظ فر ب ا يك في أ مه من جن سه ل يدع أحدًا يد نو م نه‪.‬‬
‫وبعضها ي ب الفساد ويكثر منه‪ ،‬وبعضها ل يفعله إل ف السنة مرة‪.‬‬
‫وبعضها يقتصر على أنثاه‪ ،‬وبعضها ل يقف على أنثى ولو كانت أمه‬
‫أو أخته‪ .‬وبعضها ل تكن غي زوجها من نفسها‪ ،‬وبعضها ل ترد يد‬
‫ل مس‪ .‬وبعض ها يألف ب ن آدم ويأ نس ب م‪ ،‬وبعض ها ي ستوحش من هم‬
‫وينفر غاية النفار‪ .‬وبعضها ل يأكل إل الطيب‪ ،‬وبعضها ل يأكل إل‬
‫البائث‪ ،‬وبعضها يمع بي المرين‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وبعض ها ل يؤذي إل من بالغ ف أذا ها‪ ،‬وبعض ها يؤذي من ل‬
‫يؤذي ها‪ ،‬وبعض ها حقود ل ين سى ال ساءة‪ ،‬وبعض ها ل يذكر ها الب تة‪.‬‬
‫وبعضهـا ل يغضـب‪ ،‬وبعضهـا يشتـد غضبـه فل يزال يسـترضى حتـ‬
‫ير ضى‪ .‬وبعض ها عنده علم ومعر فة بأمور دقي قة ل يهتدي إلي ها أك ثر‬
‫الناس‪ ،‬وبعض ها ل معر فة له بش يء من ذلك الب تة‪ .‬وبعض ها ي ستقبح‬
‫القب يح وين فر م نه‪ ،‬وبعض ها ال سن والقب يح م نه سواء‪ .‬وبعض ها يق بل‬
‫التعليم بسرعة‪ ،‬وبعضها مع الطول‪ ،‬وبعضها ل يقبل ذلك بال‪.‬‬
‫وهذا كله من أدل الدلئل على الالق ل ا سبحانه‪ ،‬وعلى إتقان‬
‫صـنعته‪ ،‬وعجيـب تدبيه‪ ،‬ولطيـف حكمتـه‪ ،‬فإن فيمـا أودعهـا مـن‬
‫غرائب العارف وغوا مض ال يل وح سن التدب ي والتأ ن ل ا تريده ما‬
‫يسـتنطق الفواه بالتسـبيح ويل القلوب مـن معرفتـه ومعرفـة حكمتـه‬
‫وقدرتـه سـبحانه‪ ،‬ومـا يعلم كـل عاقـل أنـه ل يلق عبث ًا ول يترك‬
‫سدى( ‪.)1‬‬

‫‪1‬‬

‫() شفاء العليككككككككل ص (‪ )74 ،71 ،70 ،77 ،75 ،74 ،68 -66‬البدائع ج(‬
‫‪.)36 ،1/35‬‬

‫‪134‬‬

‫‪135‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫كيف ل يُحَبّ ال‬
‫السباب الالبة لحبته‪ ،‬وعلمات صدقها‬
‫المـد ل الذي نصـب طاعتـه والضوع له على صـدق مبتـه‬
‫دليل‪ ،‬وفَضّلـ أهـل مبتـه ومبـة كتابـه ورسـوله على سـائر الحـبي‬
‫تفضيل‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له شهادة مقـر‬
‫بربوبيتـه‪ ،‬شاهـد بوحدانيتـه‪ ،‬منقاد إليـه لحبتـه‪ ،‬مذعـن له بطاعتـه‪،‬‬
‫معترف بنعم ته‪ ،‬فارّ إل يه من ذن به وخطيئ ته‪ ،‬ل يبت غي سواه ر با‪ ،‬ول‬
‫يتخـذ مـن دونـه ولي ًا ول وكيل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله‪،‬‬
‫وخيته من خلقه‪ ،‬وأمينه على وحيه‪ ،‬وسفيه بينه وبي عباده‪ ،‬أحبهم‬
‫إليه‪ ،‬وأكرمهم عليه‪ .‬فصلى ال وملئكته وأنبياؤه ورسله وجيع عباده‬
‫الؤمني عليه‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس مرفوعًا‪« :‬أحبوا‬
‫ال لا يغذوكم به من نعمة»‪.‬‬
‫والح بة يا عباد ال تن شأ من الح سان ومطال عة اللء والن عم؛‬
‫فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها‪،‬‬
‫ول أ حد أع ظم إح سانًا من ال سبحانه‪ ،‬فإن إح سانه على عبده ف‬
‫كل نفس ولظة‪ ،‬وهو يتقلب ف إحسانه ف جيع أحواله‪ ،‬ول سبيل‬
‫له إل ضبط أجناس هذا الحسان‪ ،‬فضلً عن أنواع أو أفراده‪ .‬ويكفي‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أن من بعض أنواعه نعمة النفَس الت ل تكاد تطر ببال العبد‪ ،‬له عليه‬
‫فـ كـل يوم وليلة أربعـة وعشرون ألف نعمـة‪ ،‬فإنـه يتنفـس فـ اليوم‬
‫والليلة أربعة وعشرون ألف نفس‪ ،‬فما الظن با فوق ذلك وأعظم منه‬
‫وَإِنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّ هِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫هذا إل ما يصرف عنه من الضرات وأنواع الذى الت تقصده‪،‬‬
‫ولعلها توازن النعم ف الكثرة‪ ،‬والعبد ل شعور له بأكثرها قُلْ مَ نْ‬
‫َنف [النـبيَاء‪ ]42 :‬أي هـو‬
‫ِنف الرّ حْم ِ‬
‫ُمف بِاللّ يْلِ وَالنّ هَارِ م َ‬
‫يَكْلَؤُك ْ‬
‫سبحانه الن عم علي هم بفظ هم وحرا ستهم م ا يؤذي هم بالل يل والنهار‬
‫وحده‪ ،‬ل حافظ لم غيه‪.‬‬
‫هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه سبحانه‪ .‬وف بعض الثار‪:‬‬
‫«أنـا الواد‪ ،‬ومـن أعظـم منـ جودًا وكرم ًا‪ ،‬أبيـت أكل عبادي فـ‬
‫مضاجع هم و هم يبارزون ن بالعظائم» و ف الترمذي‪ ،‬أن ال نب ل ا رأى‬
‫السحاب قال‪« :‬هذه روايا الرض يسقوها ال إل قوم ل يذكرونه ول‬
‫يعبدو نه» و ف ال صحيحي ع نه أ نه قال‪« :‬ل أ حد أ صب على أذى‬
‫سعه من ال‪ ،‬إنم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» وف بعض‬
‫الثار يقول ال تعال‪« :‬ا بن آدم خيي إل يك صاعد‪ ،‬كم أت بب إل يك‬
‫بالنعت وأنا غن عنك‪ ،‬وكم تتبغض إل بالعاصي وأنت فقي إل‪ ،‬ول‬
‫يزال اللك الكري يعرج إل منك بعمل قبيح»‪.‬‬
‫ولو ل يكن من تببه إل عباده وإحسانه إليهم وبره ب م إل أنه‬
‫خلق ل م ما ف ال سموات والرض و ما ف الدن يا والخرة‪ ،‬ث أهل هم‬

‫‪136‬‬

‫‪137‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وكرمهـم‪ ،‬وأرسـل إليهـم رسـله‪ ،‬وأنزل عليهـم كتبـه‪ ،‬وشرع لمـ‬
‫شرائ عه‪ ،‬وأذن لمـ ف مناجاتـه كل وقـت أرادوا‪ ،‬وكتـب لمـ ب كل‬
‫ح سنة يعملون ا ع شر أمثال ا إل سبعمائة ض عف إل أضعاف كثية‪،‬‬
‫وكتب لم بالسيئة واحدة‪ ،‬فإن تابوا منها ماها وأثبت مكانا حسنة‪،‬‬
‫وإذا بل غت ذنوب أحد هم عنان ال سماء ث ا ستغفره غ فر له‪ ،‬ولو لق يه‬
‫بقراب الرض خطا يا ث لق يه بالتوح يد ل يشرك به شيئًا لتاه بقراب ا‬
‫مغفرة‪.‬‬
‫وشرع ل م ال ج الذي يهدم ما كان قبله‪ ،‬فوفق هم لفعله وك فر‬
‫عن هم سيئاتم به؛ وكذلك ما شر عه ل م من الطاعات والقرابات هو‬
‫الذي أمرهم با‪ ،‬وخلقها لم‪ ،‬وأعطاهم إياها‪ ،‬ورتب عليها جزاءها‪،‬‬
‫فمنه السبب‪ ،‬ومنه الزاء‪ ،‬ومنه التوفيق‪ ،‬ومنه العطاء أولً وآخرًا‪.‬‬
‫أعطـى عبده ماله وقال‪ :‬تقرب بذا إل أقبله منـك‪ .‬فالعبـد له‪،‬‬
‫والال له‪ ،‬والثواب منه؛ فهو العطي أوّ لً وآخرًا‪ .‬فكيف ل يُحَبّ من‬
‫هذا شأنـه‪ ،‬وكيـف ل يسـتحيي العبـد أن يصـرف شيئًا مـن مبتـه إل‬
‫غيه‪ .‬ومن أول بالمد والثناء والحبة منه؟! ومن أول بالكرم والود‬
‫والحسان منه؟! فسبحانه وبمده ل إله إل هو العزيز الكيم‪.‬‬
‫ويفرح سـبحانه وتعال بتوبـة أحدهـم إذا تاب إليـه أعظـم فرح‬
‫وأكمله‪ ،‬ويكفر عنه ذنوبه‪ ،‬ويوجب له مبته بالتوبة‪ ،‬وهو الذي ألمه‬
‫إيا ها‪ ،‬ووف قه ل ا‪ ،‬وأعا نه علي ها‪ .‬ومل سبحانه سواته من ملئك ته‬
‫وا ستعملهم ف ال ستغفار ل هل الرض‪ ،‬وا ستعمل حلة العرش من هم‬
‫فـ الدعاء لعباده الؤمنيـ‪ ،‬والسـتغفار لذنوبمـ‪ ،‬ووقايتهـم عذاب‬
‫الحيم‪ ،‬والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فانظروا إل هذه العنايـة وهذا الحسـان وهذا التحنـن والعطـف‬
‫والتحبب إل العباد واللطف التام بم‪.‬‬
‫و مع هذا ب عد أن أر سل إلي هم ر سله وأنزل علي هم كت به وتعرف‬
‫إليهم بأسائه وصفاته وآلئه ينل كل ليلة إل ساء الدنيا يسأل عنهم‬
‫ويستعرض حوائجهم بنفسه‪ ،‬ويدعوهم إل سؤاله فيدعو مُ سِيئهم إل‬
‫التوبـة‪ ،‬ومريضهـم إل أن يشفيـه‪ ،‬وفقيهـم إل أن يسـأله غناه‪ ،‬وذا‬
‫حاجتهم أن يسأله قضاءها كل ليلة‪.‬‬
‫ويدعوهـم إل التوبـة وقـد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهـم‬
‫بالنار‪ ،‬قال تعال‪ :‬إِنّ الّ ذِين َف فَتَنُوا الْمُؤْمِنِيَ وَالْمُؤْمِنَاتِف ثُمّ لَم ْف‬
‫يَتُوبُوا فَلَهُ مْ عَذَا بُ جَهَنّ مَ وَلَهُ مْ عَذَا بُ الْحَرِي قِ [البُرُوج‪]10 :‬‬
‫وقال ب عض ال سلف‪ :‬انظروا إل كر مه ك يف عذبوا أولياءه وحرقو هم‬
‫بالنار وهو يدعوهم إل التوبة‪.‬‬
‫فهذا الباب يد خل م نه كل أ حد إل مب ته سبحانه وتعال؛ فإن‬
‫نعمته على عباده مشهودة لم يتقلبون فيها عَدَدَ النفاس واللحظات‪.‬‬
‫فإذا انضم داعي الحسان والنعام إل داعي الكمال والمال ل‬
‫يتخلف عـن مبـة مـن هذا شأنـه إل أردأ القلوب وأخبثهـا‪ ،‬وأشدهـا‬
‫نق صًا وأبعد ها من كل خ ي؛ فإن ال ف طر القلوب على م بة الح سن‬
‫الكا مل ف أوصـافه وأخلقـه‪ ،‬ول أ حد أعظـم إح سانًا منـه سـبحانه‬
‫وتعال‪ ،‬ول شيء أكمل منه ول أجل فكل كمال وجال ف الخلوق‬
‫من آثار صنعه سبحانه وتعال ودال على كمال مبد عه‪ ،‬ك ما أن كل‬
‫علم فـ الوجود فهـو مـن آثار علمـه‪ ،‬وكـل قدرة فمـن آثار‬

‫‪138‬‬

‫‪139‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ل بي كمالت العَالَم وكمال ال سبحانه(‪ )1‬فيجب‬
‫قدرته؛ ول نسبة أص ً‬
‫أن يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء با ل نسبة بينهما‪ .‬ومن‬
‫ل يتحقق بحبته علمًا وعملً ل يتحقق بشهادة أن ل إله إل ال؛ فإن الله‬
‫هو الحبوب العبود الذي تأله القلوب ببها‪ ،‬وتضع له وتذل له‪ ،‬وتافه‬
‫وترجوه‪ ،‬وتنيب إليه ف شدائدها‪ ،‬وتدعوه ف مهماتا‪ ،‬وتتوكل عليه ف‬
‫م صالها‪ ،‬وتل جأ إل يه وتطمئن بذكره‪ ،‬وت سكن إل ح به؛ ول يس ذلك إل‬
‫ال وحده؛ ولذا كانت ل إله إل ال أصدق الكلم‪ ،‬وكان أهلها أهل ال‬
‫وحزبه‪ ،‬والنكرون لا أعداؤه وأهل غضبه ونقمته‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وأحبوا ال بكل قلوبكم‪ ،‬فهذا شأن الؤمني‬
‫به‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَمِ نَ النّا سِ مَ نْ يَتّ خِذُ مِ نْ دُو نِ‬
‫اللّ هِ أَنْدَادًا يُحِبّونَهُ مْ كَحُبّ اللّ هِ وَالّ ذِي نَ آَمَنُوا أَشَدّ حُبّ ا لِلّ هِ وَلَوْ‬
‫يَرَى الّ ذِي نَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْ نَ الْعَذَا بَ أَنّ الْقُوّ ةَ لِلّ هِ جَمِيعًا وَأَنّ اللّ هَ‬
‫شَدِيدُ الْعَذَابِ [البَقَرَة‪ .]165 :‬بارك ال ل ولكم ‪...‬‬
‫‪1‬‬

‫() ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات‪ ،‬وهو أنك لو فرضت‬
‫جمال الخلق كلهكم مكن أولهكم إلى آخرهكم اجتمكع لشخكص واحكد منهكم‪ ،‬ثكم كان‬
‫الخلق كلهككككم على جمال ذلك الشخككككص لكان نسككككبته إلى جمال الرب تبارك‬
‫وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس‪ ،‬وكذلك قوته سبحانه وعلمه‬
‫وسمعه وبصره وكلمه وقدرته ورحمته وحكمته ووجوده وسائر صفاته‪ .‬هذا‬
‫مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت به رسله عنه‪ ،‬كما في الصحيح‬
‫عنكككه أنكككه قال‪« :‬إن ال ل ينام ‪ »...‬إلى أن قال‪« :‬حجابكككه النور لو كشفكككه‬
‫لحرقكت سكبحات وجهكه مكا انتهكى إليكه بصكره مكن خلقكه» فإذا كانكت سكبحات‬
‫وجهكه العلى ل يقوم لهكا شيكء مكن خلقكه‪ ،‬ولو كشكف حجاب النور عكن تلك‬
‫السكبحات لحرق العالم العلوي والسكفلي‪ ،‬فمكا الظكن بجلل ذلك الوجكه الكريكم‬
‫وعظمتكه وككبريائه وكماله وجلله‪ .‬وإذا كانكت السكموات مكع عظمتهكا وسكعتها‬
‫يجعلهكا على إصكبع مكن أصكابعه‪ ،‬والرض على إصكبع‪ ،‬والجبال على إصكبع‪،‬‬
‫والبحار على إصكبع فمكا الظكن باليكد الكريمكة التكي هكي صكفة مكن صكفات ذاتكه‬
‫(الصواعق ص ‪.)1082‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل على نعمه وإحسانه‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شر يك له الكا مل ف صفاته وأ سائه‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‬
‫أعرف اللق بربه‪ ،‬وأشدهم حبًا له وطلبًا لرضوانه‪ .‬اللهم صل وسلم‬
‫على عبدك ور سولك م مد وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه الذ ين عرفوا‬
‫أن الغايـة مـن اللق هـي العبادة‪ ،‬والعبادة هـي غايـة الحبـة والذل له‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬عباد ال‪ :‬تظهر حقيقة الحبة ف مواطن أربعة‪ :‬أحدها‪:‬‬
‫عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل‪ ،‬فإنه ل ينام‬
‫إل على ذكر من يبه وشغل قلبه به‪ .‬الثان‪ :‬عند انتباه من النوم فأول‬
‫ش يء ي سبق إل قل به ذ كر مبو به الذي كان قد غاب ع نه ف النوم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬عند دخوله ف الصلة فإن ا م ك الحوال‪ ،‬وميزان اليان ب ا‬
‫يوزن إيان الر جل ويتح قق حاله ومقا مه ومقدار قر به من ال ون صيبه‬
‫م نه‪ ،‬فإذا قام إل ال صلة واطمأن بذكره وقرت عي نه بالثول ب ي يد يه‬
‫ومناجاتـه وانفسـح قلبـه وانشرح واسـتراح دل على حقيقـة الحبـة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬عند الشدائد والهوال؛ فإن القلب ف هذا الوطن ل يذكر إل‬
‫أ حب الشياء إل يه‪ ،‬ول يهرب إل إل مبو به الع ظم عنده‪ .‬وال حب‬
‫يتسلى بحبوبه عن كل مصيبة يصاب با دونه؛ ولذا لا خرجت تلك‬
‫الرأة النصـارية يوم أُحـد تنظـر مـا فعـل رسـول ال مرت بأبيهـا‬
‫وأخيها مقتولي فلم تقف عندها‪ ،‬وجاوزتما تقول‪ :‬ما فعل رسول ال؟‬
‫فقيل لا‪ :‬ها هو ذا حي‪ ،‬فلما نظرت إليه قالت‪ :‬ما أبال إذا سلمت هلك‬

‫‪140‬‬

‫‪141‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫مـن هلك‪ .‬وهكذا مصـائب الوت ومـا بعده ومصـائب القيامـة إناـ‬
‫تسهل وتون بالحبة‪ ،‬وأعظم الصائب مصيبة النار ول يدفعها إل مبة‬
‫ال وحده ومتابعـة رسـوله ؛ فالحبـة أصـل كـل خيـ فـ الدنيـا‬
‫والخرة؛ كمـا قال سـحنون‪ :‬ذهـب الحبون بشرف الدنيـا والخرة‪،‬‬
‫فإن ال نب قال‪« :‬الرء مع من أ حب » ف هم مع ال( ‪ )1‬الل هم اج عل‬
‫ح بك أ حب إلي نا من أنف سنا و من الاء البارد على الظ مأ‪ .‬إن أح سن‬
‫الديث ‪....‬‬

‫‪1‬‬

‫() روضككة المحككبين ص(‪ ،)315‬طريككق الهجرتيككن ص ( ‪،306 ،318 -315‬‬
‫‪ )322‬الصواعق ص (‪ )1082‬والجواب الكافي ص (‪.)42‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطاعة حياة القلوب‬
‫علمة صحة القلب‪ ،‬ومرضه‬
‫الحمككد ل كالذي ظهككر لوليائه بنعوت جلله‪ .‬البصككير الذي يرى دبيككب النملة السككوداء‬
‫على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله وجباله‪ ،‬ويرى تقلب قلب‬
‫عبده ويشاهد اختلف أحواله‪.‬‬

‫أحده سبحانه هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها الرفيقة به ف‬
‫حله ورضا عه وف صاله‪ ،‬إذا تاب إل يه الع بد ف هو تعال أفرح بتوب ته من‬
‫الفاقد لراحلته الت عليها طعامه وشرابه؛ ف الرض الهلكة إذا وجدها‬
‫وقد تيأ لوته وانقطاع أوصاله‪.‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬ل مانع ل ا أعطى‪،‬‬
‫ول معطي ل ا منع‪ ،‬ول راد لكمه ول معقب لمره‪ ،‬وأِهد أن ممدًا‬
‫عبده ورسوله بلغ الرسالة‪ ،‬وأدى المانة‪ ،‬ونصح المة وجاهد ف ال‬
‫حق جهاده‪ ،‬وأقام الدين‪ ،‬وترك أمته على البيضاء الواضحة للسالكي‪.‬‬
‫اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‬
‫وتابعيهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فإن ال سـبحانه ل يلق خلقـه (هَمَلً) بـل جعلهـم‬
‫موردًا للتكليف‪ ،‬ومَحَلّ للمر والنهي‪ ،‬وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه‬
‫مملً ومفصل؛ وقسمهم إل شقي وسعيد‪ ،‬وجعل لكل من الفريقي‬

‫‪142‬‬

‫‪143‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫منل‪ ،‬وأعطاهـم موارد العلم والعمـل‪ :‬مـن القلب والسـمع والبصـر‪.‬‬
‫فمن استعمل ذلك ف طاعته وسلك به طريق معرفته فقد قام بشكر ما‬
‫أوتيه من ذلك‪ .‬ومن استعمله ف إراداته وشهواته ول يرع حق خالقه‬
‫فيه يسر إذا سئل عن ذلك ويزن حزنًا طويل‪ ،‬ويقول يَا حَ سْرَتَا‬
‫عَلَى مَا فَرّ طْتُ فِي جَنْبِ اللّ هِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ [الزّ مَر‪:‬‬
‫‪.]56‬‬
‫عباد ال‪ :‬إن عبادة ال وشكره وذكره وأوامره وحقـــه الذي‬
‫أوجبـه على عباده وشرائعـه التـ شرعـا لمـ هـي قرة العيون‪ ،‬ولذة‬
‫القلوب‪ ،‬ونعيم الرواح وسرورها‪ ،‬وبا شفاؤها‪ ،‬وسعادتا وفلحها‪،‬‬
‫وكمال ا ف معاش ها ومعاد ها؛ بل ل سرور ل ا ول فرح ول لذة ول‬
‫نع يم ف القي قة إل بذلك‪ .‬ل كن ل يدرك هذه القرة وهذه اللذة وهذا‬
‫النعيم إل من كان قلبه صحيحًا فالقلب الصحيح هو الذي يؤثر النافع‬
‫الشا ف على الضار الؤذي‪ ،‬قال تعال‪ :‬يَا أَيّهَا النّا سُ قَدْ جَاءَتْكُ مْ‬
‫مَوْعِظَةٌ مِ نْ رَبّ كُ مْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي ال صّ دُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيَ‬
‫* قُلْ بِفَضْلِ اللّ هِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِ كَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ‬
‫[يونس‪.]59 ،58 :‬‬
‫و من علمات صحة القلب أ نه إذا د خل ف ال صلة ذ هب ع نه‬
‫ههـ وغمـه بالدنيـا‪ ،‬واشتـد عليـه خروجـه منهـا‪ ،‬ووجـد فيهـا راحتـه‬
‫ونعي مه و سرور قل به‪ ،‬قال ‪ « :‬يا بلل أرح نا بال صلة» وقال عل يه‬
‫الصلة والسلم‪« :‬وجعلت قرة عين ف الصلة»‪.‬‬
‫ومنها أن يشح بوقته أن يذهب ضائعًا‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ومنها أنه ل يزال يضرب على صاحبه حت ينيب إل ربه ويبت‬
‫إليه ويتعلق به‪.‬‬
‫ومن ها أن يتر حل عن الدن يا ويقرب من الخرة ح ت ي صي من‬
‫أهلها‪.‬‬
‫والقلب قـد يرض فتعتـل صـحته‪ .‬ولرضـه علمات‪ ،‬وله علج‪.‬‬
‫فمرض القلب أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة ال ومبته والشوق‬
‫إل لقائه والنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة فلو عرف العبد كل‬
‫شيـء ول يعرف ربـه فكأنـه ل يعرف شيئًا‪ ،‬ولو نال كـل حـظ مـن‬
‫حظوظ الدنيـا ولذاتاـ وشهواتاـ ول يظفـر بحبـة ال والشوق إليـه‬
‫والنس به فكأنه ل يظفر بلذة ول نعيم ول قرة عي؛ بل يصي معذبًا‬
‫بنفس ما كان يراه منعمًا به‪ :‬من جهة حسرة فوته‪ ،‬ومن جهة فوت‬
‫ما هو خي له وأنفع وأدوم‪.‬‬
‫وللقلب مرضان‪ :‬مرض الشهوة‪ ،‬ومرض الشبهـة‪ .‬والقرآن شفاء‬
‫للنوعي ففيه من البينات والباهي القطعية ما يبي الق من الباطل ف‬
‫العتقادات والراء الفاسـدة‪ ،‬فتزول أمراض الشبـه الفسـدة للعلم‬
‫والتصور والدراك‪ ،‬بشرط فهمه ومعرفة الراد منه‪.‬‬
‫وأما شفاؤه لرض الشهوات فذلك ب ا فيه من الكمة والوعظة‬
‫ال سنة بالترغ يب والتره يب والتزه يد ف الدن يا والترغ يب ف الخرة‬
‫والمثال والقصـص التـ فيهـا أنواع العـب والسـتبصار‪ ،‬فيغـب‬
‫القلب ال سليم إذا أب صر ذلك في ما ينف عه ف معا شه ومعاده‪ ،‬وير هب‬
‫عما يضره فيصي القلب م بًا للرشد مبغضًا للغي فتصلح إرادته‪ ،‬ويعود‬
‫إل فطرتــه التــ فطــر عليهــا‪ ،‬فتصــلح أفعاله الختياريــة‬

‫‪144‬‬

‫‪145‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الكسـبية‪ ،‬كمـا يعود البدن بصـحته وصـلحه إل الال الطـبيعي فل‬
‫يقبل إل الق‪ ،‬كما أن الطفل ل يقبل إل اللب‪ ،‬قال تعال‪ :‬وَنُنَزّ لُ‬
‫مِن َف الْقُرْآَن ِف مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيَ وَلَا يَزِيدُ الظّالِمِيَ إِلّا‬
‫خَسَارًا [السراء‪.]82 :‬‬
‫وللقلب أمراض أخـر‪ :‬مـن الرياء‪ ،‬والكـب‪ ،‬والعجـب‪ ،‬والسـد‪،‬‬
‫والفخـر‪ ،‬واليلء‪ ،‬وحـب الرياسـة‪ ،‬والعلو فـ الرض‪ .‬وهذا الرض‬
‫مركب من مرض الشهوة والشبهة‬
‫فأوصـيكم ونفسـي بتقوى ال تعال‪ -‬فتقواه هـي وصـية ال‬
‫للولي والخرين وليكن نصب أعينكم دائمًا العناية بصحة وسلمه‬
‫قلوبكم لتصلح إراداتا فتصلح أفعالا‪ .‬وغذوها من اليان والقرآن با‬
‫يزكيها ويقويها ويفرحها وينشطها‪ .‬واحرصوا دائمًا على حايتها عما‬
‫يضرها ويؤذيها فالقلب متاج إل ما ي فظ عليه قوته‪ ،‬وذلك باليان‬
‫وأوراد الطاعات‪ ،‬وإل حيـة عـن الؤذي الضار وذلك باجتناب الثام‬
‫والعا صي وأنواع الخالفات‪ ،‬وتنقي ته من كل مادة فا سدة تعرض له‪،‬‬
‫وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الطيئات‪ ،‬لتكمل له السعادة ف‬
‫الياة وبعد الوفاة‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَلَوْلَا فَضْلُ اللّ هِ‬
‫عَلَيْكُ مْ وَرَحْمَتُ هُ مَا زَكَا مِنْكُ مْ مِ نْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنّ اللّ هَ يُزَكّي مَ نْ‬
‫ِيمف [النّور‪ .] 21 :‬بارك ال ل ولكـم فـ‬
‫سفمِيعٌ عَل ٌ‬
‫ّهف َ‬
‫يَشَاءُ وَالل ُ‬
‫القرآن العظيم ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل نمده ونسـتعينه ونسـتغفره ونتوب إليـه‪ ،‬ونعوذ بال مـن‬
‫شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل‬
‫فل هادي له‪ ،‬من يطع ال ورسوله فقد رشد ومن يعص ال ورسوله فقد‬
‫غوى‪ ،‬ومن غوى فلن يضر إل نفسه‪ ،‬ولن يضر ال شيئًا‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬
‫الكري‪ :‬وَمَا عَلّ مْنَا هُ الشّ عْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَ هُ إِ نْ هُوَ إِلّا ذِكْرٌ وَقُرْآَ نٌ‬
‫مُبِيٌ * لِيُنْذِرَ مَ نْ كَا نَ حَيّ ا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِي نَ [ يس‪:‬‬
‫‪ ]70 ،69‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله طـبيب القلوب العارف‬
‫بأدوائها‪ ،‬الناصح الرشد لت صحتها وصلحها‪ ،‬القائل‪« :‬أ ل وإن ف‬
‫السفد مضغفة إذا صفلحت صلح السفد كله‪ ،‬وإذا فسفدت فسفد‬
‫السد كله‪ ،‬أل وهي القلب»‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد صـح عـن حذيفـة بـن اليمان رضـي ال عنـه ‪:‬‬
‫« القلوب أرب عة‪ :‬قلب أجرد ف يه سراج يز هر‪ ،‬فذلك قلب الؤ من‪.‬‬
‫وقلب أغلف فذلك قلب الكافففففر‪ ،‬وقلب منكوس فذلك قلب‬
‫الناففق‪ .‬عرف ثف أنكفر وأبصفر ثف عمفي‪ .‬وقلب تده مادتان‪ :‬مادة‬
‫إيان‪ ،‬ومادة نفاق‪ ،‬وهفو لاف غلب عليفه منهمفا»‪ .‬وقال عثمان بـن‬
‫عفان رضـي ال عنـه ‪ :‬لو طهرت قلوبنـا لاـ شبعـت مـن كلم ال‪.‬‬
‫فالقلب الطا هر لكمال حيا ته ونوره وتل صه من الدران والبائث ل‬
‫يش بع من القرآن‪ ،‬ول يتغذى إل بقائ قه‪ ،‬ول يتداوى إل بأدوي ته؛ بلف‬
‫القلب الذي ل يطهره ال فإنـه يتغذى مـن الغذيـة التـ تناسـبه بسـب‬

‫‪146‬‬

‫‪147‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ما ف يه من النجا سة‪ ،‬كالبدن العل يل الر يض ل تلئ مه الغذ ية ال ت‬
‫تلئم الصحيح‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال واحر صوا على صحة و سلمة قلوب كم أك ثر‬
‫من حرصكم على صحة أجسامكم‪ ،‬فقد شخص لكم الداء والدواء‪،‬‬
‫والمية والغذاء‪ ،‬وقال طبيب القلوب والبدان‪ « :‬ما أنزل من داء إل‬
‫أنزل له شفاء»( ‪ )1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() إغاثة ج(‪.)7 ،20 ،10 ،10 ،122 ،201 ،70 ،68 ،31 ،44 ،4/43‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الشكر أجل القامات‪،‬‬
‫ومن أجله خلق اللق‬
‫ال مد ل كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلله‪ ،‬وأشكره سبحانه‬
‫على جز يل عطائه وإنعا مه‪ ،‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك‬
‫له‪ ،‬الكامل ف ذاته وأسائه وصفاته وأفعاله‪.‬‬
‫ـه وحقوق‬
‫ـوله القائم بقوق ربـ‬
‫ـد أن ممدًا عبده ورسـ‬
‫وأشهـ‬
‫خلقه‪ ،‬ومع ذلك قال‪ « :‬لن يَدْخل أحدكم النة بأعماله‪ ،‬ول أنا إل‬
‫أن يتغمدن ال برح ته وإفضاله»‪ ،‬صلى ال عليه وعلى آله وأصحابه‬
‫الذ ين كملت معرفت هم بربمـ وباـ يقرب من دار كرام ته ورضوا نه‪،‬‬
‫وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬إن الش كر على الن عم هو الغا ية والدف‬
‫الذي من أجله خلق ال اللق وأمر هم ب ا أ مر؛ بل هو أ جل القامات‬
‫ف‬
‫ف بُطُون ِ‬
‫ف مِن ْ‬
‫ف أَخْرَجَكُم ْ‬
‫وأعلهـا‪ ،‬قال ال تبارك وتعال‪ :‬وَاللّه ُ‬
‫أُمّ هَاتِكُم ْف لَا تَعْلَمُون َف شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُم ُف السّفمْعَ وَالْأَبْصفَارَ وَالْأَفْئِدَةَ‬
‫ُونف [النّحـل‪ ]78 :‬وأخـب سـبحانه أناـ يعبده مـن‬
‫ُمف تَشْكُر َ‬
‫لَعَلّ ك ْ‬
‫شكره‪ ،‬ف من ل يشكره ل ي كن من أ هل عباد ته‪ ،‬فقال‪ :‬وَاشْكُرُوا‬
‫ّهف إِن ْف كُنْتُم ْف إِيّاه ُف تَعْبُدُونَف [البَقَرَة‪ ]172 :‬وأثنـ سـبحانه على‬
‫لِل ِ‬
‫خليله إبراه يم بش كر نع مه‪ ،‬فقال‪ :‬إِنّ إِبْرَاهِي مَ كَا نَ أُمّ ةً قَانِتًا لِلّ هِ‬
‫حَنِيفًا وَلَ مْ يَ كُ مِ نَ الْمُشْرِكِيَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِ هِ اجْتَبَا هُ وَهَدَا هُ إِلَى‬

‫‪148‬‬

‫‪149‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ُسفتَقِيمٍ [النحـل‪ ]121 ،120 :‬فأخـب أنـه أُمّ ةً‬
‫صفرَاطٍ م ْ‬
‫ِ‬
‫ّهف‬
‫[البَقَرَة‪ ]120 :‬أي قدوة يؤتـ بـه فـ اليـ‪ ،‬وأنـه قَانِت ًا لِل ِ‬
‫[البَقَرَة ‪ ]120‬والقا نت هو الط يع الق يم على طاع ته‪ .‬والن يف هو‬
‫الق بل على ال العرض ع ما سواه‪ .‬ث خ تم له بذه ال صفات بأ نه‬
‫شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ فجعل الشكر غاية خليله‪.‬‬
‫والشكر‪ :‬هو العتراف بالنعم باطنًا‪ ،‬والتحدث با ظاهرًا‪ ،‬وصرفها‬
‫فيما يب مسديها وموليها(‪ )1‬روى الترمذي من حديث القاسم بن ممد‪،‬‬
‫عن عائ شة ر ضي ال عن ها‪ ،‬عن ال نب قال‪ « :‬ما أن عم ال على ع بد‬
‫نع مة فعلم أن ا من ع ند ال إل ك تب ال له شكر ها‪ ،‬و ما علم ال من‬
‫عبفد ندامفة على ذنفب إل غففر ال له قبفل أن يسفتغفره‪ ،‬وإن الرجفل‬
‫يشتري الثوب بالدينار ليلب سه فيح مد ال ف ما يبلغ ركبت يه ح ت يغ فر‬
‫له»‪ .‬وروى الترمذي عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬عن النب قال‪:‬‬
‫«أربع من أعطيهن فقد أعطي خي الدنيا والخرة‪ :‬قلبًا شاكرًا‪ ،‬ولسانًا‬
‫ذاكرًا‪ ،‬وبدنًا على البلء صابرًا‪ ،‬وزوجة ل تبغيه خونًا ف نفسها ول ف‬
‫ماله»‪ ،‬وروى المام أحد بإسناده عن ثابت‪ ،‬قال‪ :‬كان داود قد جزأ‬
‫سـاعات الليـل والنهار على أهله‪ ،‬فلم يكـن سـاعة مـن ليـل أو نار إل‬
‫وإن سان من آل داود قائم ي صلي في ها‪ ،‬قال‪ :‬فعم هم ال تبارك وتعال ف‬
‫شكُورُ‬
‫ِيف ال ّ‬
‫ِنف عِبَاد َ‬
‫هذه اليـة‪ :‬ا ْعمَلُوا َآ َل دَاوُودَ ُش ْكرًا َوقَلِيلٌ م ْ‬
‫[سَبَأ‪.]13 :‬‬
‫‪1‬‬

‫() الشكككر مبنككي على خمككس قواعككد‪ :‬خضوع الشاكككر للمشكور‪ ،‬وحبككه له‪،‬‬
‫واعترافكه بنعمتكه‪ ،‬وثناؤه عليكه بهكا‪ ،‬وأن ل يسكتعملها فيمكا يكره‪ .‬الشككر يكون‬
‫بالقلب واللسككان والجوارح فمككن اسككتكملها فهككو الشاكككر‪ .‬والحمككد يقككع بالقلب‬
‫واللسان‪( .‬المرجع التي)‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ومن الشكر أن تظهر على الرء آثار النعمة‪ ،‬فال يب من عبده‬
‫أن يرى أثر نعمته عليه‪ ،‬فإن ذلك شكرها بلسان الال‪ ،‬وف صحيفة‬
‫عمرو بـن شعيـب‪ ،‬عـن أبيـه‪ ،‬عـن جده‪ ،‬عـن النـب قال‪« :‬كلوا‪،‬‬
‫واشربوا‪ ،‬وت صدقوا ف غ ي ميلة ول سرف‪ ،‬فإن ال ي ب أن يرى‬
‫أثر نعمته على عبده»‪.‬‬
‫والشكـر يكون على الحاب‪ :‬مـن الكـل‪ ،‬والشرب‪ ،‬والكسـاء‪،‬‬
‫والداية‪ ،‬وغي ذلك‪ ،‬وقد بي النب مواطن الشكر ومناسباته‪ ،‬فمنها ما‬
‫روى سهيل بن أب صال‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه قال‪« :‬دعا‬
‫رجل من النصار من أهل قبا النب فانطلقنا معه‪ ،‬فلما طعم وغسل‬
‫يد يه قال‪ :‬ال مد ل الذي يُط عم ول ُيطْعَم‪ ،‬من علي نا فهدا نا‪ ،‬وأطعم نا‬
‫و سقانا‪ ،‬و كل بلء حسن أبلنا‪ .‬المد ل غ ي مودع ر ب ول مكافٍأ ول‬
‫مكفور ول م ستغن ع نه‪ .‬ال مد ل الذي أط عم من الطعام‪ ،‬و سقى من‬
‫الشراب‪ ،‬وكسفى مفن العري‪ ،‬وهدى مفن الضللة‪ ،‬وبصفر مفن العمفى‪،‬‬
‫وف ضل على كث ي م ن خلق تفضيل‪ .‬ال مد ل رب العال ي» و ف صحيح‬
‫مسـلم عـن النـب أنـه قال‪« :‬إن ال ليضفى عفن العبفد يأكفل الكلة‬
‫فيحمده علي ها‪ ،‬ويشرب الشر بة فيحمده علي ها» فكان هذا الزاء العظ يم‬
‫الذي هو أ كب أنواع الزاء (الرضوان) ف مقابلة شكره بال مد‪ .‬وقال عل يه‬
‫ال صلة وال سلم‪ « :‬ما أن عم ال على ع بد نع مة ف أ هل ول مال ول ولد‬
‫فيقول مفا شاء ال ل قوة إل بال فيى فيفه آففة دون الوت» وكان ‪:‬‬
‫«إذا أخب بأمر يسره خر ساجدًا ل »‪.‬‬
‫وعلى كل حاسة وجارحة شكر ما أعطيت من النعم قيل ل ب‬
‫حازم‪ :‬مـا شكـر العينيـ يـا أبـا حازم؟ قال‪ :‬إن رأيـت بمـا خيًا‬

‫‪150‬‬

‫‪151‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أعلنته‪ ،‬وإن رأيت ب ما شرًا سترته‪ .‬قال‪ :‬فما شكر الذني؟ قال‪ :‬إن‬
‫سعت ب ما خيًا وعي ته‪ ،‬وإن سعت ب ما شرًا دفع ته‪ .‬قال‪ :‬ف ما ش كر‬
‫اليدين؟ قال‪ :‬ل تأخذ بما ما ليس لما‪ ،‬ول تنع حقًا ل هو فيهما‪.‬‬
‫قال‪ :‬ف ما ش كر الب طن؟ قال‪ :‬أن يكون أ سفله طعامًا‪ ،‬وأعله علمًا‪.‬‬
‫قال‪ :‬ف ما ش كر الفرج؟ قال‪ :‬قال ال تعال‪ :‬وَالّ ذِي نَ هُ مْ لِفُرُوجِهِ مْ‬
‫ُمف غَيْرُ‬
‫ُمف فَإِنّ ه ْ‬
‫َتف أَيْمَانُه ْ‬
‫ِمف أَوْ مَا مَلَك ْ‬
‫ُونف * إِلّا عَلَى أَزْوَاجِه ْ‬
‫حَافِظ َ‬
‫مَلُومِيَ * فَمَ نِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِ كَ فَأُولَئِ كَ هُ مُ الْعَادُو نَ [الؤمنون‪:‬‬
‫‪ ]7 -5‬قال‪ :‬فمـا شكـر الرجليـ؟ قال‪ :‬إن علمـت ميتًـا تغبطـه‬
‫استعملت بما عمله‪ ،‬وإن مقته رغبت عن عمله وأنت تشكر ال‪.‬‬
‫والرب تعال يمـد على إعطاء هذه الواس وهذه الوارح مـن‬
‫السمع والبصر واليدين والرجلي وإن قل ما ف يد صاحبها من الال‬
‫فهو غن ب ا‪ .‬قال سلمان الفارسي رضي ال عنه ‪ :‬إن رجلً بسط له‬
‫من الدنيا فانتزع ما ف يده فجعل يمد ال ويثن عليه حت ل يكن له‬
‫فراش إل بارية‪ .‬وبسط لخر من الدنيا فقال لصاحب البارية‪ :‬أرأيتك‬
‫أنت على ما تمد ال؟ قال‪ :‬أحده على ما أعطيت به ما أَعْطَى اللقُ‬
‫ل أعط هم إياه‪ .‬قال‪ :‬و ما ذاك؟ قال‪ :‬أرأ يت ب صرك؟ أرأ يت ل سانك؟‬
‫أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟‬
‫وجاء رجـل إل يونـس بـن عبيـد يشكـو ضيـق حاله‪ ،‬فقال له‬
‫يونـس‪ :‬أيسـرك ببصـرك هذه مائة ألف درهـم؟ قال‪ :‬الرجـل‪ :‬ل‪ .‬قال‬
‫فبيد يك مائة ألف؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فبجل يك مائة ألف؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬
‫فذكره نعـم ال عليـه‪ .‬فقال يونـس‪ :‬أرى عندك مئيـ اللوف وأنـت‬
‫تشكو الاجة؟!‬
‫و قد يزوي ال ب عض الدن يا عن عبده ويكون ذلك نع مة‪ .‬قال‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أ بو حازم‪ :‬نع مة ال في ما زوى ع ن من الدن يا أع ظم من نعم ته في ما‬
‫أعطان منها‪ ،‬إن رأيته أعطى أقوامًا فهلكوا‪ ،‬وكل نعمة ل تقرب من‬
‫ال فهي بلية‪ ،‬وإذا رأيت ال يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره‪.‬‬
‫ُونف‬
‫ْثف لَا يَعْلَم َ‬
‫ِنف حَي ُ‬
‫سفنَسْتَدْرِجُهُمْ م ْ‬
‫وقال سـفيان فـ قوله‪َ :‬‬
‫[العرَاف‪ ]182 :‬قال يسبغ عليهم النعم وينعهم الشكر‪.‬‬
‫وحت الصائب تكون نعمًا باعتبار قال شريح‪ :‬ما أصيب عبد بصيبة‬
‫إل كان ل عليه فيها ثلث نعم‪ :‬أن ل تكون كانت ف دينه‪ ،‬وأن ل تكون‬
‫أع ظم م ا كا نت‪ ،‬وان ا ل بد كائ نة ف قد كا نت‪ .‬وقال عبدالعز يز بن ا ب‬
‫ثابت‪ :‬رأيت ف يد ممد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق علي منها‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أتدري ماذا علي ف هذه القرحة من نعمة حي ل يعلها ف حدقت‪،‬‬
‫ول طرف لسان‪ ،‬ول على طرف ذكرت‪ .‬فهانت علي قرحته؟‬
‫والرب تعال يذ كر عبده يوم القيا مة بأنواع نع مه ال ت أن عم ب ا‬
‫عليه قال حاد بن زيد‪ ،‬حدثنا ليث‪ ،‬عن أب بردة‪ ،‬قال‪ :‬قدمت الدينة‬
‫فلقيت عبدال بن سلم رضي ال عنه ‪ ،‬فقال ل‪ :‬أل تدخل بيتًا دخله‬
‫النـب ونطعمـك سـويقًا وت رًا‪ .‬ثـ قال‪ :‬إن ال إذا جعـ الناس غدًا‬
‫ذكر هم ب ا أن عم علي هم‪ .‬فيقول الع بد‪ :‬ما آ ية ذلك؟ فيقول‪ :‬آ ية ذلك‬
‫أ نك ك نت ف كر بة كذا وكذا فدعوت ن فكشفت ها‪ ،‬وآ ية ذلك أ نك‬
‫ك نت ف سفر كذا وكذا فا ستصحبتن ف صبحتك‪ .‬قال‪ :‬يذكره ح ت‬
‫يذ كر‪ .‬فيقول آ ية ذلك أ نك خط بت فل نة ب نت فلن وخطب ها م عك‬
‫خطاب فزوج تك ورددت م‪ .‬يَقِ فُ عَبْدَ هُ ب ي يد يه فيعدد عل يه نع مه‪.‬‬
‫فبكى‪ ،‬ث بكى‪ .‬ث قال إ ن لر جو ال أن ل يقعد ال عبدًا ب ي يديه‬
‫فيعذبه‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫‪153‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ولو يتق صّى ربنا ف الحاسبة على النعم لنفدت السنات بأقل نعمة‬
‫ف البدن؛ فإن أعمال العبد ل تواف نعمة من نعم ال عليه‪ ،‬ولذا ف الديث‬
‫ـ رسـول ال؟‬
‫الصـحيح «لن ينجفي أحدًا منكفم عمله» قالوا‪ :‬ول أنـت ي ا‬
‫قال‪« :‬ول أنا‪ ،‬إل أن يتغمدن ال برحة منه وفضل» وكان أبو الغية إذا‬
‫قيل له‪ :‬كيف أصبحت يا أبا ممد؟ قال‪ :‬أصبحنا مغرقي بالنعم‪ ،‬عاجزين‬
‫عن الشكر‪ ،‬يتحبب إلينا ربنا وهو غن عنا‪ ،‬ونتمقت إليه ونن متاجون‪.‬‬
‫وروى الريري عن معاذ بن جبل رضي ال عنه ‪« :‬أن رسول ال أتى‬
‫على رجل وهو يقول‪ :‬اللهم إن أسألك تام النعمة‪ .‬فقال‪ :‬ابن آدم! هل‬
‫تدري ما تام النع مة؟ قال‪ :‬يا ر سول ال دعوة دعوة أر جو ب ا ال ي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن تام النعمة فوز من النار ودخول ف النة»‪.‬‬
‫فأوصـيكم وإياي عباد ال بتقوى ال‪ ،‬والشكـر عنـد النعماء‪.‬‬
‫وليحذر الؤمن من نسبة النعم إل غي ال‪ ،‬أو يظن أنا حصلت بجرد‬
‫الصدفة‪ ،‬أو يقول هذا بعملي وأنا مقوق به‪ .‬قال أنس بن مالك رضي‬
‫ال عنه ‪ :‬ما من عبد توكل بعبادة ال إل عزم ال السموات والرض‬
‫ت عب رز قه فجعله ف أيدي ب ن آدم يعملو نه ح ت يد فع ع نه إل يه‪ ،‬فإن‬
‫العبدَ قبله أوجـب عليـه الشكـر‪ ،‬وإن أباه وجـد الغنـ الميـد فقراء‬
‫يأخذون رزقه ويشكرونه له‪.‬‬
‫السفمَاوَا ِ‬
‫ت‬
‫َقف ّ‬
‫ّهف اّلذِي َخل َ‬
‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم الل ُ‬
‫خ َر‬
‫ج ِب ِه ِم َن الّث َمرَا تِ ِر ْزقًا َل ُك ْم وَ َس ّ‬
‫سمَا ِء مَاءً فََأ ْخ َر َ‬
‫ض َوَأنْ َزلَ مِ نَ ال ّ‬
‫وَاْلَأ ْر َ‬
‫خ َر َلكُ ُم‬
‫خرَ َل ُك مُ اْلأَْنهَارَ * وَ َس ّ‬
‫ح ِر ِبَأمْ ِر ِه َو َس ّ‬
‫ي فِي اْلَب ْ‬
‫ج ِر َ‬
‫لَ ُك ُم اْل ُف ْل كَ ِلَت ْ‬
‫خ َر لَ ُك مُ الّلْي َل وَالّنهَارَ * َو َآتَاكُ ْم ِم نْ ُك ّل مَا‬
‫س وَاْل َق َمرَ دَاِئَبْي نِ َو َس ّ‬
‫ش ْم َ‬
‫ال ّ‬
‫ف‬
‫ف لَا ُتحْصفُوهَا إِنّف الِْإنْسفَا َن َل َظلُوم ٌ‬
‫ف َت ُعدّوا ِن ْع َم َة اللّه ِ‬
‫فَأْلُتمُو ُه َوإِن ْ‬
‫سَ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫َكفّارٌ‬

‫[إبراهيم‪ .]34 -32 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬
‫الطبة الثانية‬

‫ال مد ل الذي و عد الشاكر ين بالزيادة‪ ،‬فقال‪ :‬لَئِ نْ شَكَرْتُ مْ‬
‫لَأَزِيدَنّ كُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم‪.]7 :‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال الول الميد‪.‬‬
‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله القائل‪« :‬إذا أ حب أحد كم أن‬
‫يرى قدر نعمة ال عليه فلينظر إل من تته ول ينظر إل من فوقه»‬
‫اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‬
‫الشاكرين ف السراء والضراء‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬عبدال‪ :‬ل قد كان لل سلف ال صال الن صيب الو فر من‬
‫الشكر والتقدير للنعم‪ ،‬ومعرفة أنواعها كان ال سن البصري إذا ابتدأ‬
‫حدي ثه يقول‪ :‬ال مد ل‪ ،‬الل هم رب نا لك ال مد ب ا خلقت نا‪ ،‬ورزقت نا‪،‬‬
‫وهديتنـا‪ ،‬وعلمتنـا‪ ،‬وأنقذتنـا‪ ،‬وفرجـت عنـا‪ ،‬لك المـد بالسـلم‪،‬‬
‫والقرآن‪ ،‬ولك ال مد بال هل والال والعافاة‪ ،‬كَبَتّ عدو نا‪ ،‬وب سطت‬
‫رزق نا‪ ،‬وأظهرت أمن نا‪ ،‬وج عت فرقت نا‪ ،‬وأح سنت معافات نا‪ ،‬و من كل‬
‫ما سألناك ربنا أعطيتنا؛ فلك المد على ذلك ح دًا كثيًا‪ ،‬لك المد‬
‫بكل نعمة أنعمت ب ا علينا ف قدي أو حديث‪ ،‬أو سر أو علنية‪ ،‬أو‬
‫خاصة أو عامة‪ ،‬أو حي أو ميت‪ ،‬أو شاهد أو غائب‪ ،‬لك المد حت‬
‫ترضى‪ ،‬ولك الشكر إذا رضيت‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫‪155‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وروى المام أح د بإ سناده عن عبدال بن الارث قال‪ :‬أو حى‬
‫ال إل داود‪« :‬أحبنـ‪ ،‬وأحِب عبادي‪ ،‬وحببنـ إل عبادي‪ .‬قال‪ :‬يـا‬
‫رب ح بك‪ ،‬و حب عبادك‪ .‬فك يف أحب بك إل عبادك؟ قال‪ :‬تذكر ن‬
‫عند هم فإن م ل يذكرون م ن إل ال سن» وث بت ف ال سند والترمذي‬
‫عن ال نب أ نه قال لعاذ‪« :‬إ ن أح بك فل ت نس أن تقول دبر كل‬
‫صلة‪ :‬اللهم أعن على ذكرك‪ ،‬وشكرك‪ ،‬وحسن عبادتك»‪.‬‬
‫فاقتدوا عباد ال بية خلق ال من ال نبياء والصلحاء ف الشكر‬
‫ع ند النعماء وال صب ع ند البلء‪ ،‬وتدبروا ما ف كتاب ال من ال مر‬
‫بالش كر والثناء على الشاكر ين( ‪ . )1‬واعلموا أن أح سن الد يث كتاب‬
‫ال ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() المرجع عدة الصابرين‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الصب‪ ،‬وجوبه‪،‬‬
‫وأنواعه‪ ،‬ونتائجه‬
‫المـد ل الصـبور الشكور‪ ،‬شلت قدرتـه كـل ملوق‪ ،‬وجرت‬
‫مشيئته ف خلقه بتصاريف المور‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬جـل عـن الشـبيه‬
‫والنظي‪ ،‬وتعال عن الشريك والظهي‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‬
‫أعرف اللق بربـه‪ ،‬وأقومهـم بشيتـه‪ ،‬وأنصـحهم لمتـه‪ ،‬وأصـبهم‬
‫لك مه‪ ،‬وأشكر هم لنع مه‪ .‬ف صلى ال وملئك ته وأ نبياؤه عل يه‪ ،‬ك ما‬
‫وَحّ دَ ال وعَرّف به ود عا إل يه‪ ،‬و سلم ت سليمًا كثيًا‪ .‬ور ضي ال عن‬
‫ج يع أ صحابه وأتبا عه الامد ين لرب م على ال سراء والضراء‪ ،‬والشدة‬
‫والرخاء‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال ج عل الصـب آخيـة‬
‫الؤ من ال ت يول ث ير جع إلي ها‪ ،‬و ساق إيا نه الذي ل اعتماد له إل‬
‫عليها؛ فل إيان لن ل صب له‪ ،‬وإن كان فإيان قليل ف غاية الضعف‪،‬‬
‫وصـاحبه منـ يعبـد ال على حرف‪ ،‬فإن أصـابه خيـ اطمأن بـه‪ ،‬وإن‬
‫أ صابته فت نة انقلب على وج هه خ سر الدن يا والخرة‪ ،‬ول ي ظ منه ما‬
‫إل بالصفقة الاسرة‪.‬‬
‫« والصفب» يـا عباد ال خلق فاضـل مـن أخلق النفـس يتنـع‬
‫به من ف عل ما ل ي سن ول ي مل‪ ،‬و هو قوة من قوى الن فس ال ت‬

‫‪156‬‬

‫‪157‬‬

‫ب ا صلح شأن ا وقوام أمرها‪ ،‬قال النب‬
‫خيًا وأوسع من الصب»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪ « :‬وما أعطي أحد عطاءً‬

‫وقال عمـر بـن الطاب رضـي ال عنـه‪ :‬وجدنـا خيـ عيشنـا‬
‫بالصب‪.‬‬
‫و«النففس» مطيـة العبـد التـ يسـي عليهـا إل النـة أو النار‪،‬‬
‫وال صب ل ا بنلة الطام والزمام‪ ،‬فإن ل ي كن للمط ية خطام ول زمام‬
‫شردت ف كل مذ هب‪ .‬ح فظ من خ طب الجاج أ نه قال‪ :‬اقدعوا‬
‫هذه النفوس فإناـ طل عة إل كل سوء‪ ،‬فر حم ال امرءًا ج عل لنف سه‬
‫خطامًا وزمامًا‪ ،‬فقاد ها بطام ها إل طا عة ال‪ ،‬و صرفها بزمام ها عن‬
‫معاصي ال؛ فإن الصب عن مارم ال أيسر من الصب على عذابه‪.‬‬
‫« والنفس ل ا قوتان»‪ :‬قوة القدام‪ ،‬وقوة الحجام‪ .‬فحقيقة الصب‬
‫أن ي عل قوة القدام م صروفة إل ما ينف عه‪ ،‬وقوة الحجام إم ساكًا ع ما‬
‫يضره‪ .‬ولنسـان فـ معترك الياة بيـ جيشيـ‪ :‬جيـش الديـن‪ ،‬وجيـش‬
‫الوى فإمـا أن يكون القهـر والغلبـة لداعـي الديـن فيد جيـش الوى‬
‫مفلولً‪ ،‬وهذا إنا يصل إليه بدوام الصب‪ ،‬والواصلون إل هذه الرتبة هم‬
‫النصورون ف الدنيا والخرة‪ ،‬وهم الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا‬
‫ُصـلَت‪ ]30 :‬وهـم الذيـن تقول لمـ اللئكـة عنـد الوت‪ :‬أَلّا‬
‫[ف ّ‬
‫ف‬
‫ف * نَحْن ُ‬
‫ف تُوعَدُون َ‬
‫تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِفي كُنْتُم ْ‬
‫أَوْلِيَاؤُكُ مْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [ف صلت‪ ]31 ،30 :‬و هم‬
‫الذين جاهدوا ف ال حق جهاده‪ .‬وإن كانت القوة والغلبة لداعي الوى‬
‫سقط منازعُه باع ثُ الد ين بالكل ية‪ ،‬وا ستسلم البائس للشيطان وجنده‪،‬‬
‫فيقودونه حيث شاءوا‪ ،‬ويكون من جندهم وأتباعهم‪ ،‬وهذه حال العاجز‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الضعيـف‪ ،‬أو يصـي الشيطان وجنده مـن أعوانـه‪ .‬وهذه حال الفاجـر‬
‫القوي التسـلط‪ ،‬والبتدع الداعيـة التبوع‪ ،‬وهؤلء هـم الذيـن غلبـت‬
‫عليهم شقوت م واشتروا الياة الدنيا بالخرة‪ .‬وإن ا صاروا إل هذا ل ا‬
‫أفلسوا من الصب‪.‬‬
‫أو يكون الرب سـجالً ودولً بيـ النديـن فتارة له‪ ،‬وتارة‬
‫عل يه‪ ،‬وتك ثر نوبات النت صار وت قل‪ ،‬وهذه حال أك ثر الؤمن ي الذ ين‬
‫خلطوا عملً صالًا وآخر سيئًا‪ .‬وتكون الال يوم القيامة موازنة لذه‬
‫الحوال الثلث‪ .‬فمن الناس من يدخل ال نة ول يدخل النار‪ ،‬ومنهم‬
‫من يد خل النار ول يد خل ال نة‪ ،‬ومن هم من يد خل النار ث يد خل‬
‫النة‪.‬‬
‫و«الن سان» ل ي ستغن عن ال صب ف حال من الحوال؛ فإ نه‬
‫ب ي أ مر ي ب عل يه امتثاله وتنفيذه‪ ،‬ون ي ي ب عل يه اجتنا به وتر كه‪،‬‬
‫وقدر يري عليه بغي اختياره‪ ،‬ونعمة يب عليه شكر النعم با‪.‬‬
‫فأمـا «المفر» الذي يبـ عليـه امتثاله وتنفيذه فهـو الطاعـة‪،‬‬
‫والع بد متاج إل ال صب علي ها؛ لن الن فس بطبع ها تن فر عن كث ي من‬
‫العبود ية‪ -‬أ ما ف «ال صلة» فل ما ف ط بع الن فس من الك سل وإيثار‬
‫الراحة‪ ،‬ول سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب‪ ،‬ورين الذنب‪ ،‬واليل‬
‫إل الشهوات‪ ،‬ومالطـة أهـل الغفلة‪ ،‬فل يكاد العبـد مـع هذه المور‬
‫وغيهـا أن يفعلهـا‪ ،‬وإن فعلهـا مـع ذلك كان متكلف ًا غائب القلب‬
‫ذاهلً عن ها طالبًا لفراق ها‪ .‬وأ ما «الزكاة» فل ما ف ط بع الن فس من‬
‫الشح والبخل‪ ،‬وكذلك «الج‪ ،‬والهاد» للمرين جيعًا‪.‬‬
‫ويتاج الع بد هه نا إل ال صب ق بل الشروع في ها بت صحيح الن ية‬

‫‪158‬‬

‫‪159‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والخلص وتنـب دواعـي الرياء والسـمعة‪ ،‬وعقـد العزم على توفيـة‬
‫العبادة حق ها بالقيام بأدائ ها وأركان ا وواجبات ا و سننها‪ ،‬وعلى ال صب‬
‫على استصحاب ذكر العبود فيها وأن ل يشتغل عنه بعبادته‪ .‬ث الصب‬
‫ب عد الفراغ من الع مل عن التيان باـ يبطله‪ ،‬وأن ي صب عن رؤيت ها‬
‫والع جب ب ا‪ ،‬والت كب والتع ظم ب ا‪ ،‬وأن ي صب عن نقل ها من ديوان‬
‫السر إل ديوان العلنية‪.‬‬
‫وأمـا «النهفي» الذي يبـ عليـه اجتنابـه وتركـه فهـو العاصـي‬
‫كل ها‪ .‬وأع ظم ما يع ي على ترك ها ق طع الألوفات‪ ،‬ومفار قة العوان‬
‫علي ها ف الجال سة والحاد ثة‪ ،‬وق طع العوائد الفا سدة‪ .‬وم ا يع ي على‬
‫الصـب إجلل ال تبارك وتعال أن يعصـى وهـو يَرَى ويَس ْـمَع‪ .‬ومنهـا‬
‫إيثار مبـة ال تعال؛ فإن الحـب لنـ يبـ مطيـع‪ .‬ومنهـا اسـتحضار‬
‫نعم ته وإح سانه‪ ،‬فإن الكر ي ل يقا بل بإ ساءة من أح سن إل يه‪ .‬ومن ها‬
‫تذكر الغضب والنتقام؛ فإن الرب إذا تادى العبد ف معصيته غضب‪،‬‬
‫وإذا غ ضب ل ي قم لغض به ش يء‪ .‬و كل هذه المور ونو ها م ا يع ي‬
‫على ترك العصية‪.‬‬
‫وإمـا الصـب على «القدر» الذي يري عليـه بغيـ اختياره‪-‬‬
‫فكالمراض والفقـر وموت القارب وغيهـا‪ ،‬فيجـب عليـه أن ل‬
‫يتسخطها‪.‬‬
‫وهذه الثلثة‪ -‬الصب على الأمور‪ ،‬والصب عن الحظور‪ ،‬والصب‬
‫على الصائب‪ -‬هي الت أوصى با لقمان لبنه ف قوله‪ :‬يَا بُنَيّ أَقِ مِ‬
‫ال صّ لَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُو فِ وَانْ هَ عَ نِ الْمُنْكَرِ وَا صْبِرْ عَلَى مَا أَ صَابَكَ‬
‫إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمَان‪.]17 :‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فالعزيةـ الصـادقة والمـة العاليـة والنخوة والروءة النسـانية‪،‬‬
‫وإدراك ما ف الأمور من ال ي والنفع واللذة والكمال‪ ،‬وإدراك ما ف‬
‫الحظور مـن الشـر والضـر والنقـص‪ ،‬فمتـ حصـل له ذلك حصـل له‬
‫الصب‪ ،‬وهانت عليه مَشاقّ هُ وَحَلَتْ له مَرَارته‪.‬‬
‫وأ ما «النع مة» ال ت ي ب عل يه ش كر الن عم ب ا عل يه فكال صحة‬
‫والسلمة والاه والال وأنواع اللذ الباحة‪ ،‬هو متاج إل الصب فيها‬
‫بأن ل يركـن إليهـا‪ ،‬ول يغتـر باـ‪ ،‬ول تمله على الشـر والبطـر‪،‬‬
‫والفرح الذموم الذي ل يب ال أهله‪ ،‬وأن ل ينهمك ف نيلها ويبالغ‬
‫فـ اسـتقصائها فمـن بالغ فـ الكـل والشرب والماع حرمهـا‪ .‬وأن‬
‫ي صب على أداء حق ال في ها لئل ي سلبها‪ ،‬وأن ي صب عن صرفها ف‬
‫الرام‪ ،‬فل ي كن نف سه من كل ما تر يد من ها‪ .‬قال ب عض ال سلف‪:‬‬
‫ابتلينا بالضراء فصبنا‪ ،‬وابتلينا بالسراء فلم نصب‪.‬‬
‫وهناك صب مرم كالصب عن الطعام والشراب حت يوت‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال ولزموا الصـب على الأمور‪ ،‬والصـب عـن‬
‫الحظور‪ ،‬والرضا بالقدور‪ ،‬والشكر عند أسباب السرور‪ ،‬فقد ذم ال‬
‫نوع النسـان التصـف باليأس والكفـر عنـد الصـيبة‪ ،‬والفرح والفخـر‬
‫عند النعمة‪ ،‬ول خلص من هذا الذم إل بالصب والعمل الصال‪ .‬أعوذ‬
‫ِنف أَذَقْن َا الْإِنْسفَانَ مِنّاف رَحْمَةً ثُمّ‬
‫بال مـن الشطيان الرجيـم وَلَئ ْ‬
‫َاهف نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرّاءَ‬
‫ِنف أَذَقْن ُ‬
‫ُوسف كَفُورٌ * وَلَئ ْ‬
‫ّهف لَيَئ ٌ‬
‫ْهف إِن ُ‬
‫نَزَعْنَاهَا مِن ُ‬
‫مَ سّ تْهُ لَيَقُولَنّ ذَهَ بَ ال سّ يّ ئَاتُ عَنّ ي إِنّ هُ لَفَرِ حٌ فَخُورٌ * إِلّا الّ ذِي نَ‬
‫صَبَرُوا وَعَمِلُوا ال صّالِحَاتِ أُولَئِ كَ لَهُ مْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيٌ [هو‪:‬‬
‫‪ .]11 -9‬بارك ال ل ولكم ف القرآن ‪...‬‬

‫‪160‬‬

‫‪161‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل العلي الكبي‪ ،‬السميع البصي‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريك له يسبح له ما ف السموات وما ف الرض له اللك‬
‫وله ال مد وهو على كل شيء قدير‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‬
‫وخيتـه مـن بريتـه‪ ،‬وأعلهـم عنده منلة‪ ،‬بلغ رسـالة ربـه‪ ،‬وصـدع‬
‫بأمره‪ ،‬وقام ل بال صب والش كر حق القيام ح ت بلغ رضاه‪ ،‬صلى ال‬
‫عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬اتقوا ال تعال‪ -‬وتقواه‪ :‬فعـل مـا أمـر‪،‬‬
‫وترك ما ح ظر‪ ،‬وال صب على ما قدّر‪ -‬واعلموا أن الن صر مع ال صب‪،‬‬
‫والفرج مع الكرب‪ ،‬واليسر مع العسر؛ وأن الصب أنصر لصاحبه من‬
‫الرجال بل عدة ول عدد‪ ،‬ومله من الظفر كمحل الرأس من ال سد‪،‬‬
‫و قد ضمن الو ف الصادق لهله ف م كم الكتاب‪ ،‬أن يوفيهم أجرهم‬
‫بغي حساب‪ ،‬وأخب أنه معهم بنصره فقال وَا صْبِرُوا إِنّ اللّ هَ مَ عَ‬
‫ال صّابِرِينَ [النفَال‪ ]46 :‬فظ فر ال صابرون بذه الع ية ب ي الدن يا‬
‫والخرة‪ ،‬وفازوا باـ بنعمـه الباط نة والظاهرة‪ ،‬وخصـهم بالدايـة دون‬
‫من سواهم أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّ هِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ‬
‫الْمُهْتَدُونَ [البَقَرَة‪ ]157 :‬فاصبوا وصابروا‪.‬‬
‫و من ل ي كن ال صب خُلُقًا له ومَلَكَةً فتكلّفـه وا سْتَدْعاه وزَاوَلَه‬
‫صار سجية له وطبيعة‪ ،‬كما ف الديث عن النب أنه قال‪« :‬ومن‬
‫يتصففب يصففبه ال» كمــا أنــه ل يزال يتكلف اللم والوقار‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والسـكينة والثبات حتـ تصـي خلقًا له بنلة الطبائع( ‪ . )1‬وصـلوا على‬
‫خي هاد وبشي؛ فقد أمركم ال بذلك ف كتابه ال بي‪ ،‬وبدأ بالصلة‬
‫عل يه فقال‪ :‬إِنّ اللّ هَ وَمَلَائِكَتَ هُ يُ صَلّونَ عَلَى النّ بِيّ يَا أَيّهَا الّ ذِي نَ‬
‫آَمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّ مُوا تَسْلِيمًا [الحزَاب‪.]56 :‬‬

‫‪1‬‬

‫() من عدة الصابرين‪.‬‬
‫وذكر فيها‪ :‬أن في المراض نحو مائة فائدة‪ .‬ثم قال‪ :‬وأما انتفاع القلب والروح‬
‫باللم والمراض فل يحككس بككه إل مككن فيككه حياة‪ ،‬فصككحة القلوب والرواح‬
‫موقوفكة على آلم البدان ومشاقهكا‪ ،‬وأن اللذة والسكرور والخيكر والنعكم والعافيكة‬
‫والصكحة فكي هذه الدار المملوءة بالمحكن والبلء أكثكر مكن أضدادهكا بأضعاف‬
‫مضاعفكة‪ ،‬فأيكن إيلم الحيوان مكن لذتكه؟ وأيكن سكقمه مكن صكحته؟ وأيكن جوعكه‬
‫وعطشكه مكن شبعكه وريكه؟ وتعبكه مكن راحتكه‪ ،‬قال ال تعالى‪َ :‬فإِنّ مَعَه ا ْلعُسْه ِر‬
‫سرًا [الشرح‪ ،]6 ،5 :‬فآلم الدنيا جميعها نسبتها إلى‬
‫س ِر ُي ْ‬
‫سرًا * ِإنّ َم َع ا ْل ُع ْ‬
‫ُي ْ‬
‫آلم الخرة أقكل مكن نسكبة ذرة إلى جبال الدنيكا بكثيكر‪ ،‬وكذلك لذات الدنيكا‪ .‬وال‬
‫سكبحانه لم يخلق اللء واللذات سكدى ‪ ...‬ككل واحدة منهمكا تثمكر الخرى‪ -‬فلو‬
‫كان النسكان وغيره مكن الحيوان ل يجوع ول يعطكش ول يتألم فكي عالم الكون‬
‫والفسكاد لم يككن حيوانًا‪ ،‬ولكانكت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقكة كاملة‪ ،‬وال لم‬
‫يجعلهكا كذلك‪ ،‬وإنمكا جعلهكا دارًا ممتزجًا ألمهكا بلذتهكا‪ ،‬وسكرورها بأحزانهكا‪،‬‬
‫ونعمها وصحتها بسقمها حكمة بالغة‪( .‬شفاء العليل ص ‪.)250 ،249‬‬

‫‪162‬‬

‫‪163‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ل إل إلهه ال هأوّ لً‬

‫ال مد ل الذي خلق ال نة وج عل مفتاح ها ل إله إل ال‪ .‬أحده‬
‫سـبحانه‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ :‬شهادة ملص‬
‫فيها‪ ،‬موقن با‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الذي جدد مـا اندرس مـن‬
‫معالها‪ ،‬ومع ذلك قال له ربه فَاعْلَ مْ أَنّ هُ لَا إِلَ هَ إِلّا اللّ هُ [ممد‪:‬‬
‫‪ .]19‬فصـدع باـ ونادى‪ ،‬ووال عليهـا وعادى‪ ،‬وقال‪« :‬أمرت أن‬
‫أقاتفل الناس حتف يقولوا ل إله إل ال‪ ،‬فإذا قالوهفا عصفموا منف‬
‫دماءهم وأموالم إل بقها»‪.‬‬
‫دعـا إل هذه الكلمـة عشـر سـني ول يدع قبلهـا إل زكاة ول‬
‫صيام‪ ،‬ول حج‪ ،‬وعمرة إل ب يت ال الرام‪ .‬الل هم صلِ و سلم على‬
‫عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا من امتنع من‬
‫قولا‪ ،‬أو صد عنها‪ ،‬أو نقضها‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ‪ :‬اتقوا ال تعال‪ ،‬وجددوا إيان كم ف‬
‫السـاء والصـباح بتأمـل وتطـبيق معنـ ل إله إل ال ‪ ،‬فهـي كلمـة‬
‫السـلم‪ ،‬ومفتاح دار السـلم‪ ،‬ومـن أجلهـا أرسـلت الرسـل إل‬
‫العباد ليعلموهـم العمـل بل إله إل ال ‪ ،‬وهـي الكلمـة التـ ورثهـا‬
‫إمام النفاء لتبا عه إل يوم القيا مة‪ ،‬و هي الكل مة ال ت قا مت باـ‬
‫الرض والسـموات‪ ،‬وفطـر ال عليهـا جيـع الخلوقات‪ ،‬وعليهـا‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أســـــــــــــــــــــــــــست‬
‫اللة‪ ،‬ونصـبت القبلة‪ ،‬وجردت سـيوف الهاد‪ ،‬وهـي مضـ حـق ال‬
‫على العباد‪ ،‬و هي الكل مة العا صمة للدم والال والذر ية ف هذه الدار‪،‬‬
‫والنج ية من عذاب ال قب وعذاب النار‪ ،‬و هي النشور الذي ل يد خل‬
‫أ حد ال نة إل به‪ ،‬وال بل الذي ل ي صل إل ال إل من تعلق ب سببه‪،‬‬
‫وبا انقسم الناس إل شقي وسعيد‪ ،‬ومقبول وطريد‪ ،‬وبا انفصلت دار‬
‫الكفـر عـن دار السـلم‪ ،‬وتيزت دار النعيـم مـن دار الشقاء والوان‪،‬‬
‫و هي العمود الا مل للفرض وال سنة‪« ،‬و من كان آ خر كل مه ل إله‬
‫إل ال دخل النة»‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬إن روح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه بالحبة‬
‫والتعظيـم والوف والرجـا وتوابـع ذلك مـن التوكـل والنابـة والرغبـة‬
‫والرهبة‪ -‬فل يب سواه الحبة القتضية للذل والضوع‪ -‬بل كل ما كان‬
‫يب فإنا هو تبع لحبته ووسيلة إل مبته‪ -‬ول ياف سواه‪ ،‬ول يتوكل‬
‫إل عليه‪ ،‬ول يرغب إل إليه‪ ،‬ول يرهب إل منه‪ ،‬ول يلف إل باسه‪ ،‬ول‬
‫ينذر إل له‪ ،‬ول يتاب إل إليه‪ ،‬ول يطاع إل أمره‪ ،‬ول يتسب إل به‪ ،‬ول‬
‫يستعان ف الشدائد إل به‪ ،‬ول يلتجأ إل إليه‪ ،‬ول يركع إل له‪ ،‬ول ينحن‬
‫إل له‪ ،‬ول يذ بح إل له وبا سه‪ -‬ويت مع ذلك ف عبارة واحدة و هي «أن‬
‫ل يعبد بميع أنواع العبادة إل هو سبحانه»‪.‬‬
‫واعلموا عباد ال أن ل إله إل ال ل تن فع قائل ها إل ب عد معر فة‬
‫معنا ها‪ ،‬والع مل بقتضا ها‪ ،‬وال سلمة م ا يناقض ها‪ -‬ل بد ف شهادة ل‬
‫إله إل ال من اعتقاد بالنان‪ ،‬ون طق بالل سان‪ ،‬وع مل بالركان‪ ،‬فإن‬
‫اختل واحد من هذه الثل ثة ل يكن الرجل مسلمًا‪ -‬فإذا كان مسلمًا‬

‫‪164‬‬

‫‪165‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وعاملً بالركان ثـ حدث منـه قول أو فعـل أو اعتقاد يناقـض‬
‫ذلك ل ينفعـه قول ل إله إل ال‪ -‬فمـن صـرف لغيـ ال شيئًا مـن‬
‫العبادات بأن أشرك به أحدًا من الخلوقات ف هو كا فر ولو ن طق ألف‬
‫مرة بل إله إل ال‪.‬‬
‫قيل للحسن البصري‪ -‬رح ه ال‪ -‬أن أنا سًا يقولون‪ :‬من قال ل‬
‫إله إل ال دخـل النـة‪ .‬فقال مـن قالاـ وأدى حقهـا وفرضهـا دخـل‬
‫النة‪ .‬وقال وهب ابن منبه‪ -‬رحه ال‪ -‬لن قال له‪ :‬أليس مفتاح النة‬
‫ل إله إل ال؟ قال‪ :‬بلى؛ ولكـن مـا مـن مفتاح إل وله أسـنان‪ ،‬فإن‬
‫جئت بفتاح له أسنان فتح لك‪ ،‬وإل ل يفتح لك‪.‬‬
‫فالسـلم له نواقـض عدهـا العلماء عشرة‪ .‬فالشرك مـن نواقـض‬
‫ال سلم؛ ف من جعل بينه وب ي ال وسائط يدعوهم وي سألم الشفاعة‬
‫ويتوكل عليهم فقد نقض السلم‪ .‬ومن ل يكفر الشركي أو شك ف‬
‫كفر هم أو صحح مذهب هم ك فر بالجاع‪ .‬والعراض عن د ين ال ل‬
‫يتعلمه ول يعمل به كفر بالجاع‪ .‬ومن اعتقد أن غي هدي النب‬
‫أكمل من هديه أو أن حكم غيه أحسن من حكمه فهو كافر‪ .‬ومن‬
‫ا ستهزأ بش يء من د ين ال أو ثوا به أو عقا به ك فر وانت قض إ سلمه‪.‬‬
‫وكلهـا مـن أعظـم مـا يكون خطرًا وأكثره مـا يكون وقوعًا‪ .‬فينبغـي‬
‫للم سلم أن يذر ها وياف من ها على نف سه‪ .‬نعوذ بال من موجبات‬
‫غضبه وأليم عقابه‪.‬‬
‫عباد ال‪ -‬وياف على السـلم أن يأتـ بسـيئة راجحـة فيضعـف‬
‫إيانه فل يقولا بإخلص ويقي مانع من جيع السيئات‪ ،‬ويشى عليه‬
‫من الشرك الكب والصغر‪ ،‬فإن سلم من الكب بقي معه من الصغر‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فيضيـف إل ذلك سـيئات فتضـم إل هذا الشرك فيجـح جانـب‬
‫السيئات؛ فإن السيئات تضعف اليان واليقي فيضعف قول ل إله إل‬
‫ال‪ ،‬في صي التكلم ب ا كالاذي أو النائم أو من ي سن صوته بآ ية من‬
‫القرآن مـن غيـ ذوق طعـم وحلوة‪ ،‬فإذا كثرت الذنوب ثقـل على‬
‫اللسان قولا‪ ،‬وكره العمل الصال‪ ،‬وثقل عليه ساع القرآن‪ ،‬واستبشر‬
‫بذكـر غيه‪ ،‬واطمأن إل الباطـل‪ ،‬واسـتحلى الرفـث ومالطـة أهـل‬
‫الباطل‪ ،‬وكره مالطة أهل الق‪ -‬فمثل هذا إذا قال بلسانه ما ليس ف‬
‫قل به‪ ،‬وبف يه ما ل ي صدقه عمله‪ .‬قال السـن الب صري‪ -‬رحهـ ال‪:-‬‬
‫ل يس اليان بالتحلي ول بالتم ن ول كن ما و قر ف القلوب و صدقته‬
‫العمال‪ ،‬ف من قال خيًا ق بل م نه‪ ،‬و من قال خيًا وع مل شرًا ل يق بل‬
‫منه‪.‬‬
‫فالذي يدخـل النار منـ يقولاـ‪ :‬إمـا أنمـ ل يقولوهـا بالصـدق‬
‫واليقيـ التام النافييـ للسـيئات‪ ،‬أو لرجحان السـيئات‪ ،‬أو قالوهـا‬
‫واكتسبوا بعد ذلك سيئة أو سيئات رجحت على حسناتم‪.‬‬
‫فقد تواترت الحاديث بأنه يرج من النار من قال ل إله إل ال‬
‫وكان ف قلبه من ال ي ما يزن شعية وما يزن خردلة‪ ،‬وما يزن ذرة‪.‬‬
‫وتواترت بأن كثيًا من يقول ل إله إل ال يدخل النار ث يرج منها‪.‬‬
‫وتواترت بأن ال حرم على النار أن تأ كل أ ثر ال سجود من ا بن آدم‪-‬‬
‫فهولء كانوا يصلون ويسجدون ل‪ .‬وتواترت بأنه يرم على النار من‬
‫قال ل إله إل ال وش هد أن ل إله إل ال وأن ممدًا ر سول ال‪ ،‬ل كن‬
‫جاءت مقيدة بالقيود الثقال‪ :‬بالصــدق واليقيــ والخلص وعدم‬
‫الشك‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫‪167‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فاحرص أيهـا السـلم أن تكون منـ يشهـد أن ل إله إل ال‬
‫حقي قة الشهادة‪ ،‬ب يث ل يب قى ف قل بك ش يء لغ ي ال‪ ،‬ول إرادة ل ا‬
‫حرم ال‪ ،‬ول كرا هة لاـ أ مر ال‪ ،‬فإن من مات على هذه الالة ف هو‬
‫مـن أهـل النـة ول يدخـل النار‪ .‬قال ال تعال‪ :‬وَلَا يَمْلِك ُف الّ ذِين َف‬
‫يَدْعُون َف مِن ْف دُونِه ِف الشّ فَاعَةَ إِلّا مَن ْف شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُم ْف يَعْلَمُون َف‬
‫[الزخرف‪.]86 :‬‬
‫لكن من الناس من تكون شهادته ميتة‪ ،‬ومنهم من تكون نائمة‬
‫إذا نبهت انتبهت‪ .‬ومنهم من تكون مضطجعة‪ .‬ومنهم من تكون إل‬
‫القيام أقرب‪ .‬و هي ف القلب بنلة الروح ف البدن فروح مي تة وروح‬
‫ـحيحة‬
‫ـة إل الوت أقرب‪ ،‬وروح إل الياة أقرب‪ ،‬وروح صـ‬
‫مريضـ‬
‫قائمة بصال البدن‪ .‬وف الديث الصحيح «إن لعلم كلمة ل يقولا‬
‫عبد عند الوت إل وجدت روحه لا روحاة يعن راحةٍ » ‪ ...‬يعن ل‬
‫إله إل ال‪.‬‬
‫ف وَإِلَى‬
‫ف إِلَيْك َ‬
‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‪ :‬وَلَقَدْ أُوحِي َ‬
‫ِنف‬
‫ُكف وَلَتَكُونَنّ م َ‬
‫ْتف لَيَحْبَطَنّ عَمَل َ‬
‫ِنف أَشْرَك َ‬
‫ِكف لَئ ْ‬
‫ِنف قَبْل َ‬
‫ِينف م ْ‬
‫الّ ذ َ‬
‫الْخَا سِرِينَ * بَلِ اللّ هَ فَاعْبُدْ وَكُ نْ مِ نَ الشّاكِرِي نَ [الز مر‪،65 :‬‬
‫‪.]66‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال اتقوا ال تعال وسـارعوا إل مغفرة مـن‬
‫رب كم وج نة عرض ها ال سموات والرض أعدت للمتق ي الذ ين قاموا‬
‫بواجب ل إله إل ال؛ فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووال عليها‬
‫وعادى رفعته إل أعلى عليي منازل أَهل ل إله إل ال‪.‬‬
‫أخرج البخاري ف صحيحه عن قتادة قال‪ :‬حدثنا أنس بن مالك‬
‫أن النب ومعاذ بن جبل رضي ال عنه رديفه على الرحل قال‪ « :‬يا‬
‫معاذ» قال‪ :‬لب يك يا ر سول ال و سعديك قال ا ثلثًا‪ .‬قال‪ « :‬ما من‬
‫أ حد يش هد أن ل إله إل ال وأن ممدًا ر سول ال صدقًا من قل به‬
‫إل حرم ال تعال عل يه النار»‪ .‬قال‪ :‬يا ر سول ال‪ :‬أفل أ خب الناس‬
‫فيسـتبشروا؟ قال‪« :‬إذًا يتكلوا» اللهـم اجعلنـا منـ يقوم بأركان‬
‫السـلم‪ ،‬ول تعل نا منـ يكت في ف السـلم بالن ساب‪ ،‬ونعوذ بك‬
‫اللهـم مـن الشرك ومـن اللاد‪ ،‬ونسـألك السـتقامة على التوحيـد‬
‫والطاعة والسداد( ‪.)1‬‬
‫إن أحسن الديث‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() المرجع‪ :‬الجواب الكافي ص(‪ )174‬ومن خطب أئمة الدعوة‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪169‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الصلة وحِكَمُها وأسرارها‬
‫وحِكَم الطهارة لا‬

‫ال مد ل الذي أن عم على عباده بأع ظم الن عم وأجل ها وأفضل ها‬
‫وأعل ها‪ ،‬ببعثه الرسل وإنزاله الكتب بأز كى الشرائع وأسناها‪ ،‬أحده‬
‫سبحانه وحدي له من نعمه‪ ،‬وأسأله الزيد من عطائه وكرمه‪ .‬وأشهد‬
‫أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ -‬أوامره سبحانه رح ة وإح سان‬
‫وشفاء‪ ،‬وحياة للقلوب وغذاء‪ ،‬وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إل‬
‫الطعام والشراب والكسـاء‪ ،‬فلول رحتـه بالعلم واليان‪ ،‬وبيان الرام‬
‫واللل‪ ،‬لكان الناس بنلة البهائم يتهارجون فـــــ الطرقات‪،‬‬
‫ويتسافدون تسافد اليوانات‪ ،‬ل يعرفون معروفًا‪ ،‬ول ينكرون منكرًا‪،‬‬
‫ول يتنعون من قبيح‪ ،‬ول يهتدون إل صواب‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده‬
‫ور سوله أنزل عل يه شري عة مكملة للف طر والعقول‪ ،‬مرشدة إل ما ي به‬
‫ال ويرضاه‪ ،‬ناه ية ع ما يبغ ضه وي سخطه ويأباه‪ ،‬م ستعملة ل كل قوة‬
‫وعضـو وحركـة فـ كماله الذي ل كمال له سـواه‪ ،‬آمرة بكارم‬
‫الخلق ومعاليهـا‪ ،‬ناهيـة عـن دنيئهـا وسـفسافها‪ ،‬دالة على أن الذي‬
‫جاء با رسول صادق‪ ،‬وأن الذي شرعها أحكم الاكمي‪ .‬اللهم صل‬
‫و سلم على عبدك ور سولك م مد وعلى آله وج يع أ صحابه والتابع ي‬
‫لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬الشرائع ضروريـة فـ مصـال اللق‪،‬‬
‫وضرورتمـ إليهـا فوق كـل ضرورة تقدر‪ -‬فهـي أسـباب موصـلة إل‬
‫سـعادة الداريـن‪ ،‬ورأس السـباب الوصـلة إل صـحة البدن وقوتـه‬
‫واستفراغ أخلطه‪ ،‬ومن ل يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من‬
‫أب عد الناس عن ها‪ -‬انظروا إل المك نة والزم نة ال ت خل يت في ها آثار‬
‫النبوة كيف حال أهلها‪ ،‬وما دخل عليهم من ال هل والظلم‪ ،‬والكفر‬
‫ـاد العقائد‬
‫ـتحسان القبائح‪ ،‬وفسـ‬
‫بالالق‪ ،‬والشراك بالخلوق‪ ،‬واسـ‬
‫والعمال‪.‬‬
‫عباد ال! قـد جعـل الكيـم العليـم لكـل قوة مـن القوى ولكـل‬
‫حاسـة مـن الواس ولكـل عضـو مـن العضاء كمالً حسـيًا وكمالً‬
‫معنوي ًا؛ فأعطاه كماله السـي خَلْق ًا وَقَدَرًا‪ ،‬وأعطاه كماله العنوي‬
‫شرع ًا وأمرًا‪ ،‬فبلغ بذلك غايـة السـعادة والنتفاع بنفسـه‪ -‬ويكفـي‬
‫العا قل الب صيَ اليّ القلب ِف ْكرُ هُ ف فرع وا حد من فروع ال مر والن هي‬
‫و هو «ال صلة» و ما اشتملت عل يه من ال كم الباهرة‪ ،‬وال صال الباط نة‬
‫والظاهرة‪ ،‬والنافع التصلة بالقلب والروح والبدن والقوى‪ ،‬الت لو اجتمع‬
‫حكماء العال واسـتفرغوا قواهـم وأذهانمـ لاـ أحاطوا بتفاصـيل حكمهـا‬
‫وأ سرارها وغايات ا الحمودة‪ ،‬و ما ف مقدمات ا وشروطه ما من ال كم‬
‫العجيبة‪ :‬من تطهي العضاء والثيات والكان‪ ،‬وأخذ الزينة‪ ،‬واستقبال بيته‬
‫الذي جعله إمام ًا للناس‪ ،‬وتفريـغ القلب ل‪ ،‬وإخلص النيـة‪ ،‬وافتتاحهـا‬
‫بكلمـة (ال أكـب) الامعـة لعانـ العبوديـة‪ ،‬الدالة على أصـول الثناء‬
‫وفروعـه‪ ،‬الخرجـة مـن القلب اللتفات إل مـا سـواه‪ -‬فيقوم بقلبـه‬
‫الوقوف ب ي يدي عظ يم جل يل أ كب من كل ش يء وأع ظم من كل‬

‫‪170‬‬

‫‪171‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫شيء‪ ،‬ف كبيائه السموات وما أظلت‪ ،‬والرض وما أقلت‪ ،‬والعوال‬
‫كلها‪ ،‬عنت له الوجوه‪ ،‬وخضعت له الرقاب‪ ،‬وذلت له البابرة‪ ،‬قاهر‬
‫فوق عباده‪ ،‬نا ظر إلي هم‪ ،‬عال باـ ت كن صدورهم‪ ،‬ي سمع كلم هم‪،‬‬
‫ويرى مكانم‪ ،‬ل يفى عليه خافية من أمرهم( ‪.)1‬‬
‫ثـ أخـذ فـ تسـبيحه وحده وذكره تبارك اسـه وتعال جده‬
‫وتفرده باللية( ‪.)2‬‬
‫ث أخذ ف الثناء عليه بأفضل ما يثن عليه به‪ :‬من حده‪ ،‬وذكر‬
‫ربوبي ته للعال‪ ،‬وإح سانه إلي هم‪ ،‬ورح ته ب م‪ ،‬وتجيده باللك الع ظم‬
‫ف اليوم الذي ل يكون ف يه مَلِ كٌ سواه ح ي ي مع الول ي والخر ين‬
‫ف صعيد وا حد ويَدِينُ هم بأعمال م‪ .‬ث أفرده بنو عي التوح يد‪ :‬توح يد‬
‫ربوبيته استعانة به‪ ،‬وتوحيد إليته عبودية له‪ .‬ث سؤال أفضل مسئول‬
‫وأعلى مطلوب على الطلق‪ -‬وهـو هدايـة الصـراط السـتقيم الذي‬
‫نصبه ل نبيائه ورسله وأتباعهم‪ ،‬وجعله صراطًا موصلً ل ن سلكه إليه‬
‫وإل جنته‪ ،‬وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الق وجعلهم‬
‫متبعيـ له‪ ،‬دون صـراط أمـة الغضـب الذيـن عرفوا القـ ول يتبعوه‪،‬‬
‫وأهل الضلل الذين ضلوا عن معرفته واتباعه( ‪.)3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() هذا من كلمة ال أكبر‪.‬‬
‫() هذا في الستفتاح‪.‬‬
‫() هذا فكي سكورة الفاتحكة كمكا هكو واضكح لكثكر المصكلين‪ .‬فتضمنكت الفاتحكة‪:‬‬
‫تعريككف الرب‪ ،‬والطريككق الموصككل إليككه‪ ،‬والغايككة بعككد الوصككول‪ .‬وتضمنككت‪:‬‬
‫الثناء‪ ،‬والدعاء‪ ،‬وأشرف الغايات وهكي العبوديكة؛ وأقرب الوسكائل إليهكا وهكي‬
‫السكتعانة‪ .‬فككم فكي هذه السكورة مكن أنواع المعارف والعلوم والتوحيكد وحقائق‬
‫اليمان‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ث يأخذ بعد ذلك ف تلوة ربيع القلوب‪ ،‬وشفاء الصدور‪ ،‬ونور‬
‫البصائر‪ ،‬وحياة الرواح‪ -‬وهو كلم رب العالي‪ ،‬فَيَحِلّ به فيما شاء‬
‫مـن روضات مونقات‪ ،‬وحدائق معجبات‪ ،‬زاهيـة أزهارهـا‪ ،‬مونقـة‬
‫ثارها‪ ،‬قد ذللت قطوفها تذليل‪ ،‬وسهلت لتناولا تسهيل‪ -‬فهو يتن‬
‫من تلك الثمار خيًا يؤ مر به‪ ،‬وشرًا ين هى ع نه‪ ،‬وحك مة‪ ،‬وموع ظة‪،‬‬
‫وتبصـرة‪ ،‬وتذكرة‪ ،‬وعِبْرةً‪ ،‬وتقريرًا لقـ‪ ،‬ودحضًـا لباطـل‪ ،‬وإزالة‬
‫لشبهة‪ ،‬وجوابًا عن مسألة‪ ،‬وإيضاحًا لشكل‪ ،‬وترغيبًا ف أسباب فلح‬
‫وسعادة‪ ،‬وتذيرًا من أسباب خسران وشقاوة‪ ،‬ودعوة إل هدى‪ ،‬ورد‬
‫عن ردى‪ -‬فتنل على القلوب نزول الغ يث على الرض ال ت ل حياة‬
‫لا بدونه‪ ،‬ويل منها مل الرواح لبدانا‪.‬‬
‫فأي نع يم وقرة ع ي ولذة قلب وابتهاج و سرور ل ي صل له ف‬
‫هذه الناجاة؟! والرب تعال يسـمع لكلمـه جاريًا على لسـان عبده‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬حدن عبدي‪ ،‬أثن عليّ عبدي‪ ،‬مدن عبدي‪.‬‬
‫ث يعود إل ت كبي ر به فيجدد به عهدَ التذكرةِ كونَ هُ أ كبَ‬
‫من كل شيء بق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به‪.‬‬
‫ثـ يركـع حانيًـا له ظهره خضوعًـا لعظمتـه‪ ،‬وتذللً لعزتـه‪،‬‬
‫وا ستكانة ل بوته‪ ،‬م سبحًا له بذ كر ا سه العظ يم‪ -‬فنه عظم ته عن‬
‫حال العبـد وذله وخضوعـه‪ ،‬وقابـل تلك العظمـة بذا الذل والنناء‬
‫والضوع‪ ،‬قـد تطامـن وطأطـأ رأسـه وبسـط ظهره‪ ،‬وربـه فوقـه يرى‬
‫خضو عه وذله وي سمع كل مه‪ ،‬ف هو ر كن تعظ يم وإجلل‪ ،‬ك ما قال‬
‫النب ‪ « :‬أما الركوع فعظموا فيه الرب»‪.‬‬

‫‪172‬‬

‫‪173‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ث عاد إل حاله من القيام حامدًا لربه‪ ،‬مثنيًا عليه بأكمل مامده‬
‫وأجعها وأعمها‪ -‬مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والجد‪ ،‬معترفًا بعبوديته‪،‬‬
‫شاهدًا بتوحيده‪ ،‬وأ نه ل ما نع ل ا أع طى ول مع طي ل ا م نع‪ ،‬وأ نه ل‬
‫ينفــع أصــحاب الدود والموال والظوظ جدودُهــم عنده ولو‬
‫عظمت‪.‬‬
‫ثـ يعود إل تكـبيه ويرـ له سـاجدًا على أشرف مـا فيـه وهـو‬
‫الوجه‪ ،‬فيعفره ف التراب ذلً بي يديه ومسكنة وانكسارًا‪ ،‬وقد أخذ‬
‫كـل عضـو مـن البدن حظـه مـن هذا الضوع حتـ أطراف النامـل‬
‫ورءوس الصـابع‪ .‬وندب له أن يسـجد معـه ثيابـه وشعره فل يكفـه‪،‬‬
‫وأن ل يكون بعضـه ممولً على بعـض‪ ،‬وأن يباشـر التراب ببهتـه‪،‬‬
‫ويكون رأ سه أ سفل ما ف يه تكميلً للخضوع والتذلل ل ن له ال عز كله‬
‫والعظمة كلها‪ .‬وهذا أيسر اليسي من حقه على عبده‪ ،‬فلو دام كذلك‬
‫من حي خلق إل أن يوت لا أدى حق ربه عليه‪.‬‬
‫ث أمر أن يسبح ربه العلى فيذكر علوه سبحانه ف حال سفوله‬
‫هو‪ ،‬وين هه عن م ثل هذه الال‪ ،‬وأن من هو فوق كل ش يء وعال‬
‫على كل شيء ينه عن السفول بكل معن‪ ،‬بل هو العلى بكل معن‬
‫من معا ن العلو‪ .‬ولاـ كان هذا غا ية ذل الع بد وخضو عه وانك ساره‬
‫كان أقرب مـا يكون الرب منـه فـ هذه الال‪ ،‬فأمـر أن يتهـد فـ‬
‫الدعاء لقربه من القريب الجيب‪ ،‬وقد قال تعال‪ :‬وَا سْجُدْ وَاقْتَرِ بْ‬
‫[العَلق‪ ]19 :‬وقال النـب ‪ « :‬وأمفا السفجود فأكثروا فيفه مفن‬
‫الدعاء فقمن أن يستجاب لكم»‪.‬‬
‫ولاـ كان أشرف أذكار الصـلة القرآن شرع فـ أشرف أحوال‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الن سان و هي هيئة القيام‪ ،‬ولاـ كان أف ضل أركاناـ الفعل ية ال سجود‬
‫شرع فيها بوصف التكرار‪.‬‬
‫وشرع له ب ي هذ ين الضوع ي أن يلس جل سة العب يد‪ ،‬وي سأل‬
‫ربه أن يغفر له ويرح ه ويرزقه ويهديه ويعافيه‪ ،‬وهذه الدعوات ت مع‬
‫له خيـ دنياه وآخرتـه‪ .‬ثـ شرع له تكرار هذه الركعـة مرة بعـد مرة‪،‬‬
‫كمـا شرع تكرار الذكار والدعوات مرة بعـد مرة‪ ،‬ليسـتعد بالول‬
‫لتكميـل مـا بعده‪ ،‬ويبـ باـ بعده مـا قبله؛ وليشبـع القلب مـن هذا‬
‫الغذاء‪ ،‬وليأ خذ زاده ون صيبه من هذا الدواء‪ ،‬ليقاوم ما يعرض له من‬
‫الدواء‪.‬‬
‫ث لا أكمل صلته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل السكي‬
‫ل سيده‪ ،‬ويث ن عل يه بأف ضل التحيات‪ ،‬وي سلم على من جاء بذا ال ظ‬
‫الز يل و من نال ته ال مة على يد يه‪ ،‬ث ي سلم على نف سه وعلى سائر‬
‫عباد ال الشارك ي له ف هذه العبود ية‪ ،‬ث يتش هد شهادة ال ق‪ ،‬ث‬
‫يعود فيصلي على من علّم المة هذا الي ودلم عليه‪ ،‬ث شرع له أن‬
‫يسأل حوائجه ويدعو ب ا أحب ما دام بي يدي ربه مقبلً عليه‪ .‬فإذا‬
‫قضـى ذلك أذن له فـ الروج منهـا بالتسـليم على الشاركيـ فـ‬
‫الصلة‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وتفهموا دائم ًا القصـود مـن الصـلة‪ ،‬ومـا‬
‫شرع فيهـا مـن إحضار القلوب واسـتحضار معانـ ومقاصـد القراءة‬
‫والذكار والركات ‪ ..‬أعوذ بال مــن الشيطان الرجيــم وَأْمُرْ‬
‫ُكف‬
‫ْنف نَرْزُق َ‬
‫َسفأَلُكَ رِزْقًا نَح ُ‬
‫َاصفطَبِرْ عَلَيْهَا لَا ن ْ‬
‫ِالصفلَاةِ و ْ‬
‫َكف ب ّ‬
‫أَهْل َ‬
‫وَالْعَاقِبَةُ لِلتّ قْوَى [طه‪.]132 :‬‬

‫‪174‬‬

‫‪175‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل الكيـم العليـم‪ ،‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شر يك له إله الول ي والخر ين‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله إمام‬
‫ال غر الحجل ي‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى‬
‫آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ -‬وتأملوا كـم فـ الطهارة مـن حكمـة‬
‫ومنفعة للقلب والبدن‪ ،‬وتفريح للقلب‪ ،‬وتنشيط للجوارح‪ ،‬وتفيف لا‬
‫ألقاه عـز النفـس مـن درن الخالفات‪ -‬فهـي منظفـة للقلب والروح‬
‫والبدن‪ .‬وفـ غسـل النابـة مـن زيادة النعومـة والخلف على البدن‬
‫نظيـ مـا تلل منـه بالنابـة مـا هـو مـن أنفـع المور‪ .‬وتأملوا كون‬
‫الوضوء ف الطراف الت هي مل الكسب والعمل‪ -‬فجعل ف الوجه‬
‫الذي ف يه ال سمع والب صر والكلم وال شم والذوق‪ ،‬وهذه الرب عة هي‬
‫أبواب العاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها‪ .‬ث جعل ف اليدين‪:‬‬
‫وها طرفاه وجناحاه اللذان بما يبطش ويأخذ ويعطي‪ .‬ث ف الرجلي‬
‫اللت ي ب ما ي شي وي سعى‪ .‬ول ا كان غ سل الرأس م ا ف يه أع ظم حرج‬
‫ومشقـة جعـل مكانـه السـح‪ ،‬وجعـل ذلك مرجًا للخطايـا مـن هذه‬
‫الواضع حت يرج مع قطر الاء من شعره وبشره‪.‬‬
‫وف صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي ال عنه قال‪ :‬قال‬
‫ر سول ال ‪ « :‬من تو ضأ فأح سن الوضوء خر جت خطاياه ح ت‬
‫ترج من ت ت أظفاره» فهذا من أجلّ ح كم الوضوء وفوائده‪ .‬و هو‬
‫سيما هذه المـة وعلمت هم ف وجوه هم وأطراف هم يوم القيا مة ب ي‬
‫المـم‪ .‬ولاـ كا نت الشهوة تري ف جيـع البدن ح ت إن تتـ كل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫شعرة شهوة سرى غ سل النا بة إل ح يث سرت الشهوة‪ ،‬ك ما قال‬
‫ال نب ‪ « :‬إن ت ت كل شعرة جنا بة» فأ مر أن يو صل الاء إل أ صل‬
‫كل شعرة‪ ،‬فيبد حرارة الشهوة‪ ،‬فتسكن النفس‪ ،‬وتطمئن إل ذكر ال‬
‫وتلوة كلمـه والوقوف بيـ يديـه‪ .‬ولو ل يكـن فيـه مـن الصـلحة‬
‫والكمة إل أن التوضأ يطهر يديه بالاء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول‬
‫على ربه ومناجاته والوقوف بي يديه طاهر البدن والثوب والقلب‪.‬‬
‫ث ل ا كان الع بد خارج ال صلة مهملً جوار حه قد أ سأمها ف‬
‫مراتـع الشهوات والظوظ‪ -‬لاـ كان هذا طبعـه وذاتـه‪ -‬أمـر أن يدد‬
‫هذا الركوع إليه والقبال عليه وقتًا بعد وقت‪ ،‬لئل يطول عليه المد‬
‫فين سى ر به‪ ،‬وينق طع ع نه بالكل ية‪ ،‬وكا نت ال صلة من أع ظم ن عم ال‬
‫عليـه‪ ،‬وأفضـل هداياه التـ سـاقها إليـه‪ ،‬فاحدوه تعال على ذلك‬
‫وَأَقِيمُوا ال صّ لَاةَ وَآَتُوا الزّ كَاةَ وَأَطِيعُوا الرّ سُولَ لَعَلّ كُ مْ تُرْحَمُو نَ‬
‫[النّور‪ . )1 (]56 :‬إن أحسن الديث كتاب ال ‪....‬‬

‫‪1‬‬

‫() شفاء العليل ص (‪.)226‬‬

‫‪176‬‬

‫‪177‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الصراط الستقيم‬
‫والاجة الاسة إل سؤاله‬
‫المـد ل الحمود على ما قدره وقضاه‪ ،‬وأ ستعينه ا ستعانة من‬
‫يعلم أ نه ل رب له غيه ول إله له سواه‪ ،‬وأ ستهديه سبيل الذ ين أن عم‬
‫علي هم م ن اختاره لقبول القـ وارتضاه‪ ،‬وأ ستغفره من الذنوب ال ت‬
‫تول بي القلب وهداه‪.‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له شهادة أشهد با مع‬
‫الشاهديـن‪ ،‬وأتملهـا عـن الاحديـن‪ ،‬وأدخرهـا عنـد ال عدة ليوم‬
‫الدين‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده الصـطفى‪ ،‬ونـبيه الرتضـى‪ ،‬ورسـوله‬
‫ال صادق الذي ل ين طق عن الوى‪ ،‬القائل‪« :‬اليهود مغضوب علي هم‬
‫والن صارى ضالون» صلى ال عل يه وعلى آله وأ صحابه و من تبع هم‬
‫بإحسان‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف سنتناول ف هذه الط بة تف سي ثلث آيات هي قوله‬
‫تعال‪ :‬اهْدِنَا ال صّ رَاطَ الْمُ سْتَقِيمَ * صِرَاطَ الّ ذِي نَ أَنْعَمْ تَ عَلَيْهِ مْ‬
‫غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضّالّ يَ [الفَاتِحَة‪.]7 -5 :‬‬
‫ـتقيم أجلّ‬
‫ـراط السـ‬
‫ـة إل الصـ‬
‫ـت الدايـ‬
‫عباد ال لا ـ كانـ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أشرفـ الواهـب‪ ،‬وحاجةُ العباد إليهـا أعظـم مـن‬
‫َ‬
‫الطالب‪ ،‬ونيلُهـا‬
‫حاجتهم إل الطعام والشراب والواء‪ ،‬والكساء والدواء‪ ،‬أمرنا ال بل‬
‫فرض علي نا أن ن سأله إيا ها ف أف ضل أحوال نا و هي «ال صلة» مرات‬
‫متعددة ف اليوم والليلة قائلي‪ :‬اهْدِنَا ال صّ رَاطَ الْمُ سْتَقِيمَ * صِرَاطَ‬
‫ِمف وَلَا الضّالّي َ‬
‫ُوبف عَلَيْه ْ‬
‫ِمف غَيْرِ الْمَغْض ِ‬
‫ْتف عَلَيْه ْ‬
‫ِينف أَنْعَم َ‬
‫الّ ذ َ‬
‫«والصـراط السـتقيم» هـو الطريـق الواضـح الذي ل اعوجاج فيـه‪.‬‬
‫والدا ية إل يه هي البيان والدللة‪ ،‬ث التوف يق واللام‪ -‬وبعبارة أب سط‪:‬‬
‫هي تعريف ما ل نعلمه من الق تفصيلً وإجالً‪ ،‬وإلامنا له‪ ،‬وجعلنا‬
‫مريد ين لتبا عه ظاهرًا وباطنًا‪ ،‬ث خلق القدرة ل نا على القيام بو جب‬
‫الدى بالقول والعمـل والعزم‪ ،‬ثـ إدامـة ذلك لنـا وتثبيتنـا عليـه إل‬
‫الوفاة؛ فإن الجهول لنـا مـن القـ أضعاف العلوم‪ .‬ومـا ل نريـد فعله‬
‫تاونًا وك سلً م ثل ما نريده أو أك ثر م نه أو دو نه‪ .‬و ما ل نقدر عل يه‬
‫ماـ نريده كذلك‪ .‬ومـا نعرف جلتـه ول نتدي لتفاصـيله فأمـر يفوت‬
‫ال صر‪ .‬ون ن متاجون إل الدا ية التا مة‪ .‬ف من كملت له هذه المور‬
‫كان سؤال الداية له سؤال التثبيت والدوام‪.‬‬
‫صِرَاطَ الّ ذِي نَ أَنْعَمْ تَ عَلَيْهِ مْ ن به سبحانه على الرف يق ف‬
‫هذا الطر يق أن م الذ ين أن عم علي هم من ال نبيي وال صديقي والشهداء‬
‫وال صالي‪ ،‬ليزول عن الطالب للهدا ية و سلوك الطر يق وحشةُ تفرده‬
‫عن أ هل زمانه وب ن جن سه‪ ،‬فل يكتر ثْ بخال فة النا كبي عنه‪ ،‬فإن م‬
‫القلون قدرًا‪ ،‬وإن كانوا الكثـر عددًا‪ .‬وتصـيصه لهـل الصـراط‬
‫الستقيم بالنعمة يدل على أن النعمة التامة الطلقة هي الوجبة للفلح‬
‫الدائم‪ ،‬وهي نعمة السلم والسنة وهي لهل اليان‪.‬‬

‫‪178‬‬

‫‪179‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأما مطلق النعمة فيكون للمؤمن والكافر‪ -‬كنعمة الصحة‪ ،‬والغن‪،‬‬
‫وبسـط الاه‪ ،‬وكثرة الال والولد‪ ،‬والزوجـة السـنة‪ ،‬وأمثال ذلك‪ ،‬كمـا‬
‫قال تعال‪َ :‬وإِ ْن َتعُدّوا ِنعْ َمةَ اللّ ِه لَا تُحْ صُوهَا إِنّ اْلإِنْ سَانَ لَظَلُو مٌ َكفّارٌ‬
‫[إبراه يم‪ ]34 :‬وهذه النع مة ل ا كا نت ا ستدراجًا للكا فر ومآل ا إل‬
‫العذاب والشقاء فكأنا ل تكن نعمة وإنا كانت بلية‪ ،‬كما ساها ال ف‬
‫كتا به كذلك فقال جل وعل‪َ :‬فَأمّ ا اْلِإنْ سَانُ ِإذَا مَا ابْتَلَا هُ َربّ هُ َفأَ ْك َرمَ هُ‬
‫وََنعّ َم ُه فََيقُولُ َربّي أَ ْك َرمَنِ [الفَجر‪.]15 :‬‬
‫فالنعم عليهم هم من عرف الق واتبعه‪.‬‬
‫و الْمَغْضُو بِ عَلَيْهِ مْ هم من عر فه وات بع هواه‪ .‬قال ال‬
‫تعال ف حق اليهود‪ :‬بِئْ سَمَا اشْتَرَوْا بِ هِ أَنْفُ سَهُمْ أَ نْ يَكْفُرُوا بِمَا‬
‫أَنْزَلَ اللّ هُ بَغْيًا أَ نْ يُنَزّ لَ اللّ هُ مِ نْ فَضْلِ هِ عَلَى مَ نْ يَشَاءُ مِ نْ عِبَادِ هِ‬
‫فَبَاءُوا بِغَضَ بٍ عَلَى غَضَ بٍ [البَقَرَة‪ ]90 :‬أي بغضب بعد غضب‬
‫بسـبب تكرر كفرهـم وإفسـادهم وقتلهـم النـبياء وكفرهـم بالسـيح‬
‫وبح مد ومعادات م لر سل ال إل غ ي ذلك من العمال ال ت كل‬
‫ع مل من ها يقت ضي غضبًا على حدة‪ -‬فتعطيل هم ما عطلوه من شرائع‬
‫التوراة وتريفهـم وتبديلهـم يسـتدعي غضبًـا‪ .‬وتكذيبهـم النـبياء‬
‫ي ستدعي غضبًا آ خر‪ .‬وقتل هم إيا هم ي ستدعي غضبًا آ خر‪ .‬وتكذيب هم‬
‫السـيح وطلبهـم قتله ورميهـم أمـه بالبهتان العظيـم يسـتدعي غضبًا‪،‬‬
‫وتكذيب هم ال نب ي ستدعي غضبًا‪ ،‬وماربت هم له ولتبا عه يقت ضي‬
‫غضبًا‪ .‬و صدهم من أراد الدخول ف دي نه ع نه يقت ضي غضبًا‪ -‬ف هم‬
‫المة الغضبية‪ -‬أعاذنا ال من غضبه‪ -‬فهي المة الت باءت بالغضب‬
‫التضاعـف التكرر‪ ،‬وكانوا أحـق بذا الوصـف مـن النصـارى‪ .‬وقال‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫تعال فــــــــــــ شأنمــــــــــــ‪:‬‬

‫قُلْ هَلْ أُنَبّ ئُكُ مْ بِشَرّ مِ نْ ذَلِ كَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللّ هِ مَ نْ لَعَنَ هُ اللّ هُ وَغَضِ بَ‬
‫عَلَيْهفِ وَجَعَلَ مِنْهُمفُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتفَ [الَائدة‪:‬‬

‫‪ .]60‬فهذا غ ضب مشفوع باللع نة وال سخ‪ ،‬و هو أ شد ما يكون من‬
‫الغضب‪.‬‬
‫الضّالّيَ هـم النصـارى‪ ،‬وقـد وصـفوا بالضلل التنوع فـ‬
‫قوله تعال‪ :‬قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُ مْ غَيْرَ الْحَقّ وَلَا‬
‫ف‬
‫ف قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيًا وَضَلّوا عَن ْ‬
‫ف قَدْ ضَلّوا مِن ْ‬
‫تَتّ بِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم ٍ‬
‫سَوَاءِ السّ بِيلِ [الَائدة‪ ]77 :‬فوصفهم بثلث صفات‪ .‬أحدها‪ :‬أنم‬
‫قد ضلوا من قِبَلِهِم‪ .‬والثان‪ :‬أنم أضلوا أتباعهم‪ .‬والثالث‪ :‬أنم ضلوا‬
‫عن سواء ال سبيل‪ -‬فأ سلف الن صارى الذي ن ي هؤلء عن اتباع هم‬
‫اجتم عت ل م النواع الثل ثة‪ :‬ضلوا عن مق صودهم ح يث ل ي صيبوه‪،‬‬
‫وزعموا أن إلهم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع‪.‬‬
‫فهذا ضلل ف نفس القصود حيث ل يظفروا به‪ ،‬وضلوا عن السبيل‬
‫الوصـلة إليـه؛ فل اهتدوا إل الطلوب‪ ،‬ول إل الطريـق الوصـلة إليـه‪،‬‬
‫ودعوا أتباعهـم إل ذلك‪ .‬فضلوا عـن القـ‪ ،‬وعـن طريقـه‪ ،‬وأضلوا‬
‫كثيًا‪ ،‬فكانوا أدخـل فـ الضلل مـن اليهود فوصـفوا بأخـص‬
‫الوصفي‪.‬‬
‫فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الق تارة‪ ،‬ومن عدم إرادته‬
‫والع مل به أخرى‪ -‬فك فر اليهود ن شأ من عدم إرادة ال ق والع مل به‬
‫وإيثار غيه بعد معرفته‪ ،‬فلم يكن ضل لً مضًا‪ .‬وكفر النصارى ن شأ‬
‫مـن جهلهـم بالقـ وضللمـ فيـه‪ ،‬فإذا بيـ لمـ وآثروا الباطـل عليـه‬

‫‪180‬‬

‫‪181‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أشبهوا المة الغضبية‪ ،‬وبقوا مغضوبًا عليهم ضالي( ‪.)1‬‬
‫عباد ال أ ما الذ ين أث ن ال علي هم ف القرآن ف هم الذ ين كانوا‬
‫متم سكي بالتوراة والن يل ق بل الن سخ والتبد يل‪ ،‬هم العنيون بقوله‬
‫تعال‪ :‬وَإِنّ مِ نْ أَهْلِ الْكِتَا بِ لَمَ نْ يُؤْمِ نُ بِاللّ هِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُ مْ‬
‫ّهف ثَمَنًا قَلِيلًا‬
‫ّهف لَا يَشْتَرُون َف بِآَيَات ِف الل ِ‬
‫وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم ْف خَاشِعِيَ لِل ِ‬
‫ّهف سَفرِيعُ الْحِسفَابِ [آل‬
‫أُولَئِك َف لَهُم ْف أَجْرُهُم ْف عِنْدَ رَبّ هِم ْف إِنّ الل َ‬
‫عمران‪ .]199 :‬وقوله تعال‪ :‬لَيْ سُوا سَوَاءً مِ نْ أَهْلِ الْكِتَا بِ أُمّ ةٌ‬
‫قَائِمَةٌ يَتْلُو نَ آَيَا تِ اللّ هِ آَنَاءَ اللّ يْلِ وَهُ مْ يَ سْجُدُونَ [آل عِمرَان‪:‬‬
‫‪ ]113‬اليات الثلث‪.‬‬
‫ول يس الراد ب م التم سك باليهود ية والن صرانية ب عد ب عث ال نب‬
‫؛ فإن هؤلء قد شهد لم بالكفر وأوجب لم النار‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬
‫قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُ مْ أَلّا نَعْبُدَ‬
‫إِلّا اللّ هَ وَلَا نُشْرِ كَ بِ هِ شَيْئًا وَلَا يَتّ خِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِ نْ دُو نِ‬
‫اللّ هِ فَإِ نْ تَوَلّ وْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّ ا مُ سْلِمُونَ [آل عمران‪،]64 :‬‬
‫يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ لِ مَ تَكْفُرُو نَ بِآَيَا تِ اللّ هِ وَأَنْتُ مْ تَشْهَدُو نَ [آل‬
‫‪1‬‬

‫() وكان بعض السلف يقولون‪ :‬من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود‪ ،‬ومن‬
‫فسككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككد مككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككن‬
‫عبادنكا ففيكه شبكه مكن النصكارى‪ .‬وهذا كمكا قالوا؛ مكن فسكد مكن العلماء فاسكتعمل‬
‫أخلق اليهود مكن تحريكف الكلم عكن مواضعكه وكتمان مكا أنزل ال إذا كان فيكه‬
‫فوات غرضكه وحسكده مكن آتاه ال مكن فضله وطلب قتله وقتكل الذيكن يأمرون‬
‫بالقسط‪.‬‬
‫وأما من فسد من العباد فعبد ال بمقتضى هواه ل بما بعث به رسوله وغل‬
‫فكي الشيوخ فأنزلهكم منزلة الربوبيكة وجاوز ذلك إلى نوع مكن الحلول والتحاد‬
‫فشبهه بالنصارى ظاهر (بدائع ج ‪.)2/30‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عِمرَان‪ ]65 :‬فهؤلء من الغضوب عليهم والضالي‪.‬‬
‫فتفهموا عباد ال معنـ الصـراط السـتقيم‪ -‬أنـه الديـن القويـ‪-‬‬
‫وا سألوه ف كل و قت الدا ية إل يه؛ فإن الع بد متاج إل معر فة ال ق‬
‫الذي ير ضي ال ف كل حر كة ظاهرة وباطنة‪ ،‬فإذا عرفها فهو متاج‬
‫إل من يلهمه قصد الق فيجعل إرادته ف قلبه‪ ،‬ث إل من يقدره على‬
‫فعله‪ ،‬وأن يصـرف عنـه موانـع الدايـة؛ فيخرج عـن طريـق الغضوب‬
‫علي هم الذي عدلوا ع نه على ع مد وعلم‪ ،‬والضال ي الذ ين عدلوا ع نه‬
‫عن جهل وضلل‪.‬‬
‫ّهف وَالرّسفُولَ‬
‫ِعف الل َ‬
‫َنف يُط ِ‬
‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‪ :‬وَم ْ‬
‫َالصفدّيقِيَ‬
‫ِنف النّ بِيّي َ و ّ‬
‫ِمف م َ‬
‫ّهف عَلَيْه ْ‬
‫َمف الل ُ‬
‫ِينف أَنْع َ‬
‫َعف الّ ذ َ‬
‫ِكف م َ‬
‫فَأُولَئ َ‬
‫وَالشّ هَدَاءِ وَالصّالِحِيَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النّساء‪ .]69 :‬بارك‬
‫ال ل ولكم ف القرآن‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل الذي ب عث ممدًا بالد ين القو ي‪ ،‬وأمر نا أن ن سأله‬
‫كل يوم ف صلتنا أن يهدينا الصراط الستقيم‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬يهدي مـن يشاء‬
‫بفضله ورحتـه‪ ،‬وال ذو الفضـل العظيـم‪ .‬ويضـل مـن يشاء بعـد أن‬
‫هداهم هداية البيان فلم يهتدوا وَمَا كَا نَ اللّ هُ لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ‬
‫ِيمف‬
‫ّهف بِكُلّ شَيْءٍ عَل ٌ‬
‫ُونف إِنّ الل َ‬
‫ُمف مَا يَتّ ق َ‬
‫ّنف لَه ْ‬
‫ُمف حَتّىف يُبَي َ‬
‫هَدَاه ْ‬
‫[التّوبَة‪.]115 :‬‬

‫‪182‬‬

‫‪183‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأِشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله إمام النعـم عليهـم والقائل‪:‬‬
‫« اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»‪ .‬اللهم صل وسلم على‬
‫عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه السـابقي الوليـ مـن‬
‫الهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬عباد ال‪ :‬اشتملت فاتةـ الكتاب التـ فرض علينـا أن‬
‫نقرأ ها ف صلتنا‪ :‬على ح د ال وتجيده‪ ،‬والثناء عل يه بذ كر أ سائه‬
‫السـن السـتلزمة ل صفاته العل يا‪ ،‬وعلى ذ كر العاد و هو يوم الد ين‪،‬‬
‫وعلى إرشاد العباد إل سؤال رب م والتضرع إل يه وال تبي من حول م‬
‫وقوتمـ‪ ،‬وإل إخلص العبادة له وحده‪ ،‬وتنيهـه عـن أن يكون له‬
‫شريـك أو نظيـ أو ماثـل‪ ،‬وإل سـؤالم إياه الدايـة إل الصـراط‬
‫ال ستقيم‪ ،‬و هو الد ين القو ي‪ ،‬وت ثبيتهم عل يه ح ت يف ضي ب م ذلك إل‬
‫جواز ال صراط ال سي يوم القيا مة الف ضي ب م إل جنات النع يم‪ ،‬ف‬
‫جوار النــبيي والصــديقي والشهداء والصــالي‪ .‬واشتملت على‬
‫الترغيب ف العمال الصالة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة‪ ،‬والتحذير‬
‫مـن مسـالك الباطـل لئل يشروا مـع سـالكيها يوم القيامـة وهـم‬
‫الغضوب عليهم والضالون‪.‬‬
‫روى البخاري وم سلم والن سائي عن أ ب سعيد الدري ر ضي‬
‫ال عنه قال‪ :‬قلنا يا رسول ال! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول‬
‫ال ‪ « :‬نعم‪ ،‬فهل تضارّون ف رؤية الشمس بالظهية صحوًا ليس‬
‫معها سحاب؟ وهل تضارون ف رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس‬
‫فيها سحاب؟» قالوا‪ :‬ل يا رسول ال‪ .‬قال‪« :‬فما تضارون ف رؤية‬
‫ال تعال يوم القيامفة إل كمفا تضارّون فف رؤيفة أحدهاف»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتَتّبع كل أمة ما كانت تعبد‪ ،‬فل يبقى‬
‫أحـد كان يعبـد غيـ ال مـن الصـنام والنصـاب إل يتسـاقطون فـ‬
‫النار‪ ،‬ح ت إذا ل ي بق إل من كان يع بد ال من بر وفا جر وغُبّ رِ أ هل‬
‫الكتاب( ‪ )1‬فيدعى اليهود فيقال لم‪ :‬ما كنتم تعبدون؟ قالوا‪ :‬كنا نعبد‬
‫عزيرًا ا بن ال‪ .‬فيقال‪ :‬كذب تم ما ات ذ ال من صاحبة ول ولد‪ ،‬فماذا‬
‫تبغون؟ قالوا‪ :‬عطشنـا يـا ربنـا فأسـقنا‪ ،‬فيشار إليهـم أل تردون‬
‫فيحشرون إل جه نم كأن ا سراب ي طم بعض ها بعضًا فيت ساقطون ف‬
‫النار‪ .‬ث يدعى النصارى فيقال لم‪ :‬ما كنتم تعبدون؟ قالوا‪ :‬كنا نعبد‬
‫ال سيح ابن ال‪ .‬فيقال ل م‪ :‬كذبتم‪ ،‬ما ات ذ ال من صاحبة ول ولد‪،‬‬
‫فماذا تبغون؟ فيقولون‪ :‬عطشنا يا ربنا فأسقنا‪ ،‬فيشار إليهم أل تردون‬
‫فيحشرون إل جه نم كأن ا سراب ي طم بعض ها بعضًا فيت ساقطون ف‬
‫النار( ‪.)2‬‬
‫إِنّ كُ مْ وَمَا تَعْبُدُو نَ مِ نْ دُو نِ اللّ هِ حَ صَبُ جَهَنّ مَ أَنْتُ مْ لَهَا‬
‫وَارِدُو نَ * لَوْ كَا نَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُو نَ *‬
‫لَهُ مْ فِيهَا زَفِيٌ وَهُ مْ فِيهَا لَا يَ سْمَعُونَ * إِنّ الّ ذِي نَ سَبَقَتْ لَهُ مْ مِنّ ا‬
‫الْحُ سْنَى أُولَئِ كَ عَنْهَا مُبْعَدُو نَ * لَا يَ سْمَعُونَ حَ سِيسَهَا وَهُ مْ فِي مَا‬
‫ُمف‬
‫َعف الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاه ُ‬
‫ُمف الْفَز ُ‬
‫ُونف * لَا يَحْزُنُه ُ‬
‫ُسفهُمْ خَالِد َ‬
‫َتف أَنْف ُ‬
‫اشْتَه ْ‬
‫ف [النـبياء‪-98 :‬‬
‫ف تُوعَدُون َ‬
‫ف الّ ذِي كُنْتُم ْ‬
‫الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُم ُ‬
‫‪ ]103‬إن أحسن ‪...‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() أي بقايا أهل الكتاب‪.‬‬
‫() مفتاح دار السككككككعادة ج(‪ ،)2/21‬البدائع ج( ‪ )34 ،32 ،30 ،2/29‬اجتماع‬
‫الجيوش ص (‪ ،)77‬وتفسير الفاتحة لبن كثير‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫‪185‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الدعاء وأسباب إجابته‪ ،‬أو رده‬
‫ال مد ل الذي شرع الدعاء وو عد بالجا بة‪ ،‬العال ب كل ش يء‪،‬‬
‫الرحيـم بذاتـه‪ -‬فل يتاج إل وسـائط يعرفونـه بأحوال خلقـه‪ ،‬أو‬
‫ي ستعطفونه بالشفا عة‪ ،‬القادر على كل ش يء‪ ،‬الغ ن عن كل ش يء؛‬
‫فالضوع لغيه من أقبح الهل وأسفه السفاهة‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له من د عا غيه ف قد‬
‫ظن بربه ظن السوء ف ربوبيته وأسائه وصفاته‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله كان إذا حـز بـه أمـر فزع إل‬
‫ال صلة وأك ثر من دعائه وتضرعا ته‪ ،‬فح ضى بالن صر هو وأ صحابه‪،‬‬
‫وهكذا كا نت طري قة عباد ال وأ نبيائه‪ .‬الل هم صلّ و سلم على عبدك‬
‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان‪.‬‬
‫ُمف ادْعُونِي‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تبارك وتعال‪ :‬وَقَالَ رَبّ ك ُ‬
‫أَ سْتَجِبْ لَكُ مْ إِنّ الّ ذِي نَ يَ سْتَكْبِرُونَ عَ نْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّ مَ‬
‫دَاخِرِينَ [غَافر‪.]60 :‬‬
‫عباد ال! مـن فضـل ال وكرمـه أنـه ندب عباده إل دعائه‪،‬‬
‫وتك فل لمـ بالجا بة؛ روى أ بو يعلى عن أ نس بن مالك ر ضي ال‬
‫عنه‪ ،‬عن النب صلى ال عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال‪:‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫« أربع خصال‪ :‬واحدة منهن ل‪ ،‬وواحدة لك‪ ،‬وواحدة بين وبينك‪،‬‬
‫وواحدة فيمفا بينفك وبيف عبادي‪ .‬فأمفا التف ل ل تشرك بف شيئًا‪.‬‬
‫وأ ما ال ت لك علي ف ما عملت من خ ي جزي تك به‪ .‬وأ ما ال ت بي ن‬
‫وبي نك فم نك الدعاء وعلي الجا بة‪ .‬وأ ما ال ت بي نك وب ي عبادي‬
‫فارض ل م ما تر ضى لنف سك »‪ .‬وعلوة على ذلك أ نه يغ ضب إذا ل‬
‫يُ سأل‪ -‬أخرج المام أح د ب سنده عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه قال‪:‬‬
‫قال رسول ال ‪ « :‬من ل يسأل ال يغضب عليه»‪.‬‬
‫ولهيـة الدعاء حصـر النـب العبادة فـ الدعاء‪ -‬روى المام‬
‫أح د ب سنده‪ ،‬عن النعمان بن بش ي ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول‬
‫ف‬
‫ال ‪ « :‬إن الدعاء هفو العبادة‪ ،‬وقرأ هذه اليفة وَقَالَ رَبّ كُم ُ‬
‫ُمف [غَافـر‪ »]60 :‬وفـ الديـث الخـر‪:‬‬
‫َسفتَجِبْ لَك ْ‬
‫ادْعُون ِي أ ْ‬
‫« الدعاء مخ العبادة» يعن خالص العبادة ولبها‪.‬‬
‫وكـل مـا فيـه ثناء على الرب وتنيـه له‪ ،‬أو طلب حوائج الدنيـا‬
‫والخرة منه تعال فهو دعاء( ‪.)1‬‬
‫واللاح ف الدعاء م ا ي به ال‪ -‬ذ كر الوزا عي‪ ،‬عن الزهري‪،‬‬
‫عن عروة‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال رسول ال ‪ « :‬إن‬
‫ال يب اللحي ف الدعاء»‪.‬‬
‫وإذا دعـا العبـد فل يسـتعجل ول يسـتبطئ الجابـة‪ -‬ل يتعـب‬
‫وي سأم ويدع الدعاء فيكون بنلة من بذر بذرًا أو غرس غر سًا فج عل‬
‫يتعاهده ويسـقيه‪ ،‬فلمـا اسـتبطأ كماله وإدراكـه تركـه وأهله‪ .‬وفـ‬
‫صحيح مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه‪« :‬ل يزال يستجاب للعبد‬
‫‪1‬‬

‫() الول يسكككمى دعاء عبادة‪ .‬والثانكككي يسكككمى دعاء مسكككألة والول أفضكككل‬
‫النوعين‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫‪187‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ما ل يدع بإث‪ ،‬أو قطيعة رحم‪ ،‬ما ل يستعجل‪ .‬قيل يا رسول ال‪ :‬ما‬
‫الستعجال؟ قال‪ :‬يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب ل‬
‫فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء»‪.‬‬
‫ـر هه ـ على‬
‫ـع الدعاء حضور القلب‪ ،‬وحصـ‬
‫ـع مـ‬
‫وإذا اجتمـ‬
‫الطلوب‪ ،‬وصـادف وقت ًا مـن أوقات الجابـة السـتة‪ -‬وهـي‪ :‬الثلث‬
‫الخيـ مـن الليـل‪ ،‬أو عنـد الذان‪ ،‬أو بيـ الذان والقامـة‪ ،‬أو أدبار‬
‫الصلوات الكتوبات‪ ،‬أو عند صعود المام يوم المعة على النب حت‬
‫تق ضى ال صلة‪ ،‬أو آ خر ساعة ب عد الع صر من ذلك اليوم‪ -‬و صادف‬
‫خشوعًا فـ القلب‪ ،‬وانكسـارًا بيـ يدي الرب وذلً وتضرعًا ورقـة‪،‬‬
‫وا ستقبل الدا عي القبلة‪ ،‬وكان على طهارة‪ ،‬ور فع يد يه إل ال‪ ،‬وبدأ‬
‫بمـد ال والثناء عل يه‪ ،‬ث ث ن بال صلة على ال نب‪ ،‬ث قدم ب ي يدي‬
‫حاجتـه التوبـة والسـتغفار‪ ،‬ثـ دخـل على ال وأل عليـه فـ الدعاء‪،‬‬
‫وتو سل إل يه بأ سائه و صفاته وتوحيده‪ ،‬وقدم ب ي يدي دعائه صدقة؛‬
‫فإن هذا الدعاء ل يكاد يرد أبدًا‪ ،‬ل سـيما إذا صـادف الدعيـة التـ‬
‫أخب النب أنا مظنة الجابة أو أنا متضمنة للسم العظم‪.‬‬
‫ومنها ما ف السنن وصحيح أب حات عن أنس رضي ال عنه ‪،‬‬
‫أنه كان مع رسول ال جال سًا ورجل يصلي‪ ،‬ث دعا فقال‪ :‬اللهم‬
‫أن أسألك بأن لك المد ل إله إل أنت‪ ،‬أنت النان‪ ،‬بديع السموات‬
‫والرض‪ ،‬يا ذا اللل والكرام‪ ،‬يا حي يا قيوم‪.‬‬
‫فقال ال نب ‪« :‬ل قد د عا ال با سه العظ يم الذي إذا د عي به‬
‫أجاب وإذا سئل به أعطى»‪ .‬وف الصحيحي من حديث ابن عباس أن‬
‫رسول ال كان يقول عند الكرب‪« :‬ل إله إل ال العظيم الليم‪،‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ل إله إل ال رب العرش العظيففم‪ ،‬ل إله إل ال رب السففموات‬
‫ورب الرض رب العرش الكري»‪.‬‬
‫وذكر ابن أب الدنيا ف كتاب «الجابي ف الدعاء» عن السن‬
‫البصري‪ ،‬قال‪ :‬كان رجل من أصحاب النب من النصار يدعى أبا‬
‫معقـل‪ ،‬وكان تاجرًا يتجـر بال له ولغيه يضرب بـه فـ الفاق‪ ،‬وكان‬
‫نا سكًا ورعًا‪ ،‬فخرج مرة فلق يه لص مق نع ف ال سلح‪ ،‬فقال له‪ :‬ضع ما‬
‫معك فإن قاتلك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما تريد إل دمي؟ فشأنك والال‪ .‬قال‪ :‬أما الال فلي‪ ،‬ولست‬
‫أريد إل دمك‪ .‬قال أما إذا أبيت فذرن أصلي أربع ركعات‪ .‬قال‪ :‬صل ما‬
‫بدا لك‪ ،‬فتوضأ ث صلى أربع ركعات‪ ،‬فكان من دعائه ف آخر سجدة أن‬
‫قال‪ :‬يا ودود‪ ،‬يا ذا العرش الجيد‪ ،‬يا فعا ًل لا تريد‪ ،‬أسألك بعزك الذي ل‬
‫يرام‪ ،‬وبلكــك الذي ل يضام‪ ،‬وبنورك الذي مل أركان عرشــك أن‬
‫تكفي ن شر هذا اللص‪ ،‬يا مغيث أغث ن! يا مغيث أغثن! فإذا هو بفارس‬
‫أقبل بيده حربة قد وضعها بي أذن فرسه‪ ،‬فلما بصر به اللص أقبل نوه‬
‫فطعنه فقتله‪ .‬ث أقبل إليه فقال‪ :‬قم‪ .‬فقال‪ :‬من أنت بأب أنت وأمي فقد‬
‫أغاثنـ ال بـك اليوم‪ .‬فقال‪ :‬أنـا ملك مـن أهـل السـماء الرابعـة دعوت‬
‫بدعائك فسـمعتُ لبواب السـماء قعقعـة‪ ،‬ثـ دعوت بدعائك الثانـ‬
‫ف سمعت ل هل ال سماء ض جة‪ ،‬ث دعوت بدعائك الثالث فق يل ل‪ :‬دعوة‬
‫مكروب‪ ،‬فسألت ال أن يولين قتله‪ .‬قال السن‪ :‬فمن توضأ وصلى أربع‬
‫ركعات‪ ،‬ودعا بذا الدعاء استجيب له مكروبًا كان او غي مكروب‪.‬‬
‫وروى م مد بن إ سحاق عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قال رسـول ال ‪ « :‬لاف أراد ال حبفس يونفس فف بطفن الوت‬

‫‪188‬‬

‫‪189‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أوحفى ال إل الوت أن خذه‪ ،‬ول تدش له لم ًا‪ ،‬ول تكسفر له‬
‫عظمًا‪ ،‬فل ما انت هى به إل أ سفل الب حر سع يو نس ح سًا‪ ،‬فقال ف‬
‫نفسه‪ :‬ما هذا؟ فأوحى ال إليه وهو ف بطن الوت‪ :‬إن هذا تسبيح‬
‫دواب البحر‪.‬‬
‫قال‪ :‬وسبح وهو ف ب طن الوت‪ ،‬فسمعت اللئكة تسبيحه‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬يفا ربنفا إنفا نسفمع صفوتًا ضعيفًا بأرض غريبفة‪ .‬قال‪ :‬ذلك‬
‫عبدي يونس عصان فحبسته ف بطن الوت ف البحر‪ .‬قالوا‪ :‬العبد‬
‫ال صال‪ ،‬الذي كان يصعد إل يك منه ف كل يوم وليلة عمل صال‪.‬‬
‫قال‪ :‬نعفم‪ .‬قال‪ :‬فشفعوا له عنفد ذلك‪ ،‬فأمفر الوت فقذففه فف‬
‫الساحل وهو سقيم»‪.‬‬
‫وروى البيهقي ف الشعب أن دانيال ألقي ف جب( ‪ )1‬وألقيت‬
‫عليه السباع‪ ،‬فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه‪ ،‬فأتاه ملك فقال‪:‬‬
‫يا دانيال‪ .‬فقال‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬أنا رسول ربك أرسلن إليك بطعام‪.‬‬
‫فقال دانيال‪ :‬المد ل الذي ل ينسى من ذكره‪.‬‬
‫وقصة ح ر الو حش الشهورة ال ت ذكرها غي واحد أن ا انتهت‬
‫إل الاء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه‪ ،‬فلما جهدها العطش‬
‫رفعـت رأسـها إل السـماء وجأرت إل ال سـبحانه بصـوت واحـد‪،‬‬
‫فأرسل ال سبحانه عليها السماء بالطر حت شربت وانصرفت‪.‬‬
‫والدعاء عدو البلء يدافعه ويعاله وينع نزوله‪ ،‬ويرفعه أو يففه‬
‫إذا نزل‪ ،‬وهـو سـلح الؤمـن‪ .‬روى الاكـم فـ مسـتدركه مـن‬
‫‪1‬‬

‫() ألقاه بختنصر على أسدين ضراهما فيما رواه ابن أبي الدنيا‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حد يث علي بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول ال ‪:‬‬
‫« الدعاء سلح الؤ من‪ ،‬وعماد الد ين‪ ،‬ونور ال سموات والرض»‪،‬‬
‫وروى من حد يث عائ شة قالت‪ :‬قال ر سول ال ‪ « :‬ل يغ ن حذر‬
‫من قدر‪ ،‬والدعاء ينفع ما نزل وما ل ينل‪ ،‬وإن البلء لينل فيلقاه‬
‫الدعاء فيعتلجان إل يوم القيامفة» وعـن ثوبان رضـي ال عنـه ‪ ،‬عـن‬
‫النب قال‪« :‬ل يرد القدر إل الدعاء‪ ،‬ول يزيد ف العمر إل الب‪،‬‬
‫وإن الرجفل ليحرم الرزق بالذنفب يصفيبه»‪ .‬ومـن ألمـ الدعاء فقـد‬
‫أريد به ال ستجابة‪ -‬كان عمر ر ضي ال عنه يقول‪ :‬إ ن ل أح ل هم‬
‫الجابـة ولكـن أحلـ هـم الدعاء‪ ،‬فإذا ألمـت الدعاء فإن الجابـة‬
‫معـه( ‪ . )1‬فالدعاء مـن أقوى السـباب فـ دفـع الكروه وحصـول‬
‫الحبوب‪.‬‬
‫ولكن قد يتخلف عنه أثره‪ :‬إما لضعفه ف نفسه بأن يكون دعاءً‬
‫ل ي به ال ل ا ف يه من العدوان‪ ،‬وإ ما لض عف القلب وعدم إقباله على‬
‫ال وقت الدعاء‪ ،‬وإما لصول الانع من الجابة من أكل الرام ورين‬
‫الذنوب على القلوب‪ ،‬واستيلء الغفلة واللهو وغلبتها عليها‪ ،‬كما ف‬
‫مستدرك الاكم من حديث أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب‬
‫قال‪« :‬ادعوا ال وأنتفم موقنون بالجابفة‪ ،‬واعلموا أن ال ل يقبفل‬
‫الدعاء مفن قلب غاففل له» وفـ الديـث الخـر‪ « :‬يدف يديفه إل‬
‫السفماء يفا رب يفا رب ومطعمفه حرام‪ ،‬وملبسفه حرام‪ ،‬وغذي‬
‫بالرام‪ ،‬فأن يستجاب لذلك»‪.‬‬
‫أمــا الذيــن يدعون ال ويدعون معــه غيه‪ ،‬أو يذبون ل‬
‫‪1‬‬

‫() وانظر كتاب العظمة لبي الشيخ‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫‪191‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ولغيه‪ ،‬أو ينذرون ل ولغيه‪ ،‬أو يرجون أو يافون معـه غيه‪ :‬فقـد‬
‫جاءوا بأع ظم أ سباب م نع إجا بة الدعاء و هو الشرك ال كب‪ ،‬والذ نب‬
‫الذي ل يغفر‪.‬‬
‫وأمـا الذيـن منعهـم السـتكبار عـن عبادة ال ودعائه وطاعتـه‬
‫فيسـجازون بالزاء الفظيـع‪ ،‬وهـو دخول جهنـم صـاغرين‪ ،‬ذليليـ؛‬
‫حقييـن‪ .‬روى المام أحدـ بسـنده عـن النـب قال‪« :‬يشفر‬
‫الت كبون يوم القيا مة أمثال الذر ف صور الناس يعلو هم كل ش يء‬
‫من الصغار حت يدخلوا سجنًا ف جهنم يقال له بولس‪ ،‬تعلوهم نار‬
‫النيار‪ ،‬يسفقون مفن طينفة البال عصفارة أهفل النار » أعاذنـا ال‬
‫وإياكم منها بنه وكرمه‪.‬‬
‫ـم بالتقرب إل رب العالي ـ وطلب‬
‫فاتقوا ال عباد ال وعليهـ‬
‫مرضاته بعبادته ودعائه والبعد عن الشراك به‪ .‬أعوذ بال من الشطيان‬
‫الرجيم‪ :‬وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِي بٌ أُجِي بُ دَعْوَةَ الدّا عِ‬
‫إِذَا دَعَا نِ فَلْيَ سْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلّ هُ مْ يَرْشُدُو نَ [البَقَرَة‪:‬‬
‫‪ ]186‬بارك ال ‪...‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل ميـب دعوة الضطـر إذا دعاه‪ ،‬جابر النكسـر إذا لذ‬
‫بماه‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له أعبده‪ ،‬ول أعبـد‬
‫معـه سـواه‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله بصـر اللق بأسـباب‬
‫ال سعادة والنجاة‪ ،‬وحذر هم من كل ما ي سخط الرب ويأباه‪ .‬الل هم‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد‪ ،‬وعلى آله وأصـحابه الذيـن‬
‫صدقوا ال ف القول والعمل‪ -‬فكم منهم من دعا فاستجاب ال دعاه‪،‬‬
‫وما ادخر لم ف الخرة من النعيم ل يعلم عدده وقدره إل ال‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال أوصـيكم وإياي بتقوى ال‪ ،‬والخـذ‬
‫بأ سباب إجابة الدعاء‪ ،‬والذر من موجبات رده‪ -‬قرأ ب عض الصحابة‬
‫سورة الفاتة على لديغ فشفي ف الال‪ ،‬وما ذاك إل لكتمال أسباب‬
‫إجابة الدعاء‪.‬‬
‫مر إبراهيم بن أدهم الزاهد العروف بسوق البصرة فاجتمع عليه‬
‫الناس‪ ،‬فقالوا له‪ :‬يا أبا إسحاق‪ :‬ما لنا ندعو فل ي ستجاب لنا؟ قال‪:‬‬
‫لن قلوب كم ما تت بعشرة أشياء‪ :‬عرف تم ال فلم تؤدوا ح قه‪ ،‬وادعي تم‬
‫أن كم تبون ر سول ال وترك تم سنته‪ ،‬وقرأ ت القرآن فلم تعملوا به‪،‬‬
‫وأكلتـم نعمـة ال ول تؤدوا شكرهـا‪ ،‬وقلتـم‪ :‬إن الشيطان عدوكـم‬
‫ووافقتموه‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن النار حق ول تربوا منها‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن النة حق‬
‫ول تعملوا لا‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن الوت حق ول تستعدوا له‪ ،‬وإذا انتبهتم من‬
‫النوم اشتغلتـم بعيوب الناس ونسـيتم عيوبكـم‪ ،‬ودفنتـم موتاكـم ول‬
‫تعتبوا بم( ‪ . )1‬اهـ‪.‬‬
‫الل هم اجعل نا م ن ي ستمعون القول فيتبعون أح سنه أولئك الذ ين‬
‫هداهم ال وأولئك هم أولو اللباب‪ .‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() من الجواب الكافي‪.‬‬

‫‪192‬‬

‫‪193‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫التفكر ف القرآن‪ ،‬وثاره‬
‫المــد ل الذي أنزل الكتاب البــي‪ -‬لنقرأه تدبرًا‪ ،‬ونتأمله‬
‫تبصـرًا‪ ،‬ونسـعد بـه تذكرا‪ ،‬ونمله على أحسـن وجوهـه ومعانيـه‪،‬‬
‫ونصدق به ونتهد على إقامة أوامره ونواهيه‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له إله الر سلي‪ ،‬وقيوم‬
‫السموات والرضي‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله البعوث رحةـ للعاليـ‪ ،‬اللهـم‬
‫صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬التفكـر والتدبر هـو البدأ والفتاح‬
‫للخيات كلها‪ ،‬وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له‪ ،‬وهو يدعو‬
‫إل العمل‪ ،‬حت قيل‪« :‬تفكر ساعة خي من عبادة سنة»‪ ،‬وقال عمر‬
‫بن ع بد العز يز ‪-‬رح ه ال‪ :-‬التف كر ف ن عم ال من أف ضل العبادة‪.‬‬
‫وقال عبدال بن البارك لب عض أ صحابه و قد رآه متفكرًا‪ :‬أ ين بل غت؟‬
‫قال‪ :‬الصـراط‪ .‬وقال بشـر‪ :‬لو فكـر الناس فـ عظمـة ال مـا عصـوه‪.‬‬
‫وقال ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬التفكر ف الي يدعو إل العمل به‪.‬‬
‫فالف كر هو الذي ين قل من موت الفط نة إل حياة اليق ظة‪ ،‬و من‬
‫الكاره إل الحاب‪ ،‬ومـن الرغبـة والرص إل الزهـد والقناعـة‪ ،‬ومـن‬
‫سـجن الدنيـا إل فضاء الخرة‪ ،‬ومـن ضيـق الهـل إل سـعة العلم‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ورحبـه‪ ،‬ومـن مرض الشهوة والخلد إل هذه الدار إل شفاء النابـة‬
‫إل ال والتجاف عن دار الغرور‪ ،‬ومن مصيبة الع مى والصمم والبكم‬
‫إل نع مة الب صر وال سمع والف هم عن ال والع قل ع نه‪ ،‬و من أمراض‬
‫الشبهات إل برد اليقي وثلج الصدور‪ .‬فأصل كل طاعة إنا هو الفكر‬
‫والتدبر‪.‬‬
‫و«التدبر» هو الن ظر ف أدبار المور وعواقب ها‪ .‬و«الف كر» هو‬
‫إحضار معرفت ي ف القلب لي ستثمر منهما معر فة ثالثة‪ -‬مثال ذلك إذا‬
‫أحضـر قلبـه العاجلة وعيشهـا ونعيمهـا ومـا يقترون بـه مـن الفات‬
‫وانقطا عه وزواله‪ ،‬ث أح ضر ف قل به الخرة ونعيم ها ولذ ته ودوا مه‬
‫وَفضْلَ ُه على نعيم الدنيا‪ ،‬وجزم بذين العلمي أثر له ذلك علمًا ثالثًا‪ ،‬وهو‬
‫أن الخرة ونعيمها الفاضل الدائم أول عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة‬
‫النقطعة النغصة‪ .‬وكذلك إذا فكر ف عواقب المور وتاوز فكره مبادءها‬
‫وضعهـا مواضعهـا وعلم مراتبهـا‪ -‬فإذا ورد عليـه وارد الذنـب والشهوة‬
‫فتجاوز فكره لذّته وفرح النفس به إل سوء عاقبته وما يترتب عليه من‬
‫الل والزن الذي ل يقاوم تلك اللذة والفر حة‪ -‬من ف كر ف ذلك فل‬
‫يكاد يقدم عليه‪ .‬وكذلك إذا ورد على قلبه واد الراحة والدعة والكسل‬
‫والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حت عب بفكره إل ما يترتب عليها‬
‫مـن اللذات واليات والفراح التـ تغمـر تلك اللم اسـتقبلها بنشاط‬
‫وقوة وعزي ة‪ .‬وكذلك فإذا ف كر ف منت هى ما ي ستعبده من الاه والال‬
‫والصـور ونظـر إل غايـة ذلك بعيـ فكره اسـتحيا مـن عقله ونفسـه أن‬
‫يكون عبدًا لذلك‪ .‬وكذلك إذا فكـر فـ آخـر الطعمـة الفتخرة التـ‬
‫ـ عنـد خروجهـا‬
‫تفانـت علهيـا نفوس أشباه النعام ومـا يصـي إليـه أمره ا‬

‫‪194‬‬

‫‪195‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ارتفعت هته عن العتناء با وجعلها معبود قلبه الذي إليه يتوجه وله يرضى‪،‬‬
‫ويغضب ويسعى‪ ،‬ويكدح ويوال ويعادي‪ ،‬كما جاء ف السند عن الضحاك‬
‫ر ضي ال ع نه أن ر سول ال قال له‪ « :‬يا ضحاك ما طعا مك؟» قال يا‬
‫رسول ال‪ :‬اللحم واللب‪ .‬قال‪« :‬ث يصي إل ماذا؟» قال‪ :‬إل ما قد علمت‪.‬‬
‫ل للدنيا»‪ ،‬وف‬
‫قال‪« :‬فإن ال تبارك وتعال ضرب ما يرج من ابن آدم مث ً‬
‫السند أيضًا عن أب بن كعب قال‪ :‬قال رسول ال ‪« :‬إن مطعم ابن آدم‬
‫ح ُه فانظروا إل ما يصي» «وإن قزحه» أي‬
‫جعل مثل للدنيا وإن َق ّزحَه َو َمّل َ‬
‫وضع فيه البازير‪.‬‬
‫وأن فع التف كر يا عباد ال التف كر ف القرآن فل ش يء أن فع للقلب من‬
‫قراءة القرآن بالتفكـر والتدبر؛ فإنـه جامـع لميـع منازل السـائرين‪ ،‬وأحوال‬
‫العامليـ‪ ،‬ومقامات العارفيـ‪ ،‬وهـو الذي يورث الحبـة والشوق‪ ،‬والوف‬
‫والرجاء‪ ،‬والنابة‪ ،‬والتوكل‪ ،‬والرضا‪ ،‬والتفويض‪ ،‬والشكر‪ ،‬والصب‪ ،‬وسائر‬
‫الحوال التـباـحياة القلب وكماله‪ .‬وكذلك يزجـر عـن جيـع الصـفات‬
‫والفعال الذمو مة ال ت با ف ساد القلب وهلكه‪ .‬فلو علم الناس ما ف قراءة‬
‫القرآن بالتدبر لشتغلوا با عن كل ما سواها‪ -‬فإذا قرأه بتفكر حت مر بآية‬
‫وهـو متاج إليهـا فـشفاء قلبـه كررهـا ولو مائة مرة‪ ،‬ولو ليلة؛ فقراءة آيـة‬
‫بتفكر وتفهم خي من قراءة ختمة بغي تدبر وتفهم‪ ،‬وأنفع للقلب‪ ،‬وأدعى‬
‫إل ح صول اليان‪ ،‬وذوق حلوة القرآن‪ .‬وهذه كانـت عادة ال سلف وقـد‬
‫ث بت عن ال نب «أ نه قام بآ ية يردد ها ح ت ال صباح و هي قوله‪ِ :‬إ ْن‬
‫حكِي ُم [الَائدة‪:‬‬
‫ت اْل َعزِي ُز اْل َ‬
‫ك َأْن َ‬
‫ُت َع ّذْب ُه ْم َفِإّن ُه ْم ِعبَا ُد َك َوِإ ْن َت ْغ ِف ْر َل ُه ْم َفِإّن َ‬
‫‪.»]118‬‬
‫وقال ابـن مسـعود رضـي ال عنـه‪« :‬ل تذوا القرآن هذا الشعـر‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ول تنثروه نثـر الدقـل‪ ،‬وقفوا عنـد عجائبـه‪ ،‬وحركوا بـه القلوب‪ ،‬ل‬
‫يكن هم أحدكم آخر السورة»‪ .‬وقال ال سن رح ه ال‪ :‬أنزل القرآن‬
‫ليع مل به فاتذوا تلو ته عملً‪ .‬فالقرآن يد عو إل أن يتف كر الن سان‬
‫ف صفات نف سه ليتم يز له الحبوب لر به من ها من الكروه له‪ ،‬ويد عو‬
‫إل التفكر ف صفات معبوده وأفعاله وأحكامه‪.‬‬
‫عباد ال ك ما أن الف كر هو أ صل كل طا عة فكذلك هو أ صل‬
‫كل مع صية‪ -‬فالع صية إناـ تدث من جا نب الفكرة‪ -‬فإن الشيطان‬
‫يصـادف أرض القلب خاليـة فار غة فيبذر في ها حـب الفكار الرد ية‪،‬‬
‫فيتولد م نه الرادات والعزوم‪ ،‬فيتولد من ها الع مل‪ .‬فإذا صادف أرض‬
‫القلب مشغولة ببذر الفكار الناف عة في ما خلق له وفي ما أ مر به وفي ما‬
‫هييـء له وأعدّ له مـن النعيـم القيـم أو العذاب الليـم ل يدـ لبذره‬
‫موضعًا‪ .‬والكب يا عباد ال من أسباب منع التفكر‪ ،‬قال السن رحه‬
‫ُونف فِي‬
‫ِينف يَتَكَبّ ر َ‬
‫ِيف الّ ذ َ‬
‫َنف آَيَات َ‬
‫سفأَصْرِفُ ع ْ‬
‫ال فـ قول ال ‪َ :‬‬
‫الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ [العرَاف‪ ]146 :‬قال أمنعهم التفكر فيها‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وعلي كم بالتدبر لكتاب ال والع مل به لتنالوا‬
‫مبـة ال والقرب منـه والفوز برضاه يوم لقاه‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬
‫الرج يم كِتَا بٌ أَنْزَلْنَا هُ إِلَيْ كَ مُبَارَ كٌ لِيَدّ بّ رُوا آَيَاتِ هِ وَلِيَتَذَكّ رَ أُولُو‬
‫الْأَلْبَابِ [ص‪ ]29 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي أنزل على عبده الكتاب ول يعل له عوجا‪ ،‬قيمًا‬
‫لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر الؤمني الذي يعملون الصالات أن‬
‫لم أجرًا حسنًا‪ ،‬ماكثي فيه أبدًا‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫‪197‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له كلمـة قامـت باـ‬
‫السـموات وفطـر ال عليهـا جيـع الخلوقات‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ور سوله وخي ته من خل قه أنزل عل يه كتا به ال بي‪ ،‬الفارق ب ي الدى‬
‫والضلل والشـك واليقيـ‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك‬
‫ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬ليس شيء أنفع للقلب ف معاشه ومعاده‬
‫وأقرب إل نا ته من تدبر القرآن وإطالة التأ مل وج ع الف كر ف يه على‬
‫معان آياته‪ -‬فإنا تطلع العبد على معال الي والشر بذافيها‪ ،‬وعلى‬
‫طرقهمـا وأسـبابما‪ ،‬وغاياتمـا‪ ،‬ومآل أهلهمـا‪ ،‬وتتـل ف يده مفاتيـح‬
‫كنوز ال سعادة والعلوم الناف عة‪ ،‬وتثبّ ت قوا عد اليان ف قل به‪ ،‬وتُشَيّ د‬
‫بنيا نه‪ ،‬وتوطدَ أركا نه‪ ،‬وتر يه صورة الدن يا والخرة وال نة والنار ف‬
‫قل به‪ ،‬وتضره ب ي ال مم‪ ،‬وتر يه أيام ال في هم‪ ،‬وتب صره موا قع ال عب‪،‬‬
‫وتشهده عدل ال وفضله‪ ،‬وتعرفـه ذات ربـه تعال وأسـاءه وصـفاته‪،‬‬
‫وما يبه وما يبغضه‪ ،‬وصراطه الوصل إليه‪ ،‬وما لسالكه بعد الوصول‬
‫والقدوم عليـه‪ ،‬وقواطـع الطريـق وآفاتاـ‪ ،‬وتعرفـه النفـس وصـفاتا‪،‬‬
‫ومفسدات العمال ومصححاتا‪ ،‬وتعرفه طريق أهل النة وأهل النار‬
‫وأعمالم‪ ،‬وأحوالم وسيماهم‪ ،‬ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة‪،‬‬
‫وأق سام اللق‪ ،‬واجتماع هم في ما يتمعون ف يه‪ ،‬وتفرق هم في ما يتفرقون‬
‫فيه( ‪ . )1‬فعليكم عباد ال بتدبر كتابه فإنه أحسن الديث وعليكم بسنة‬
‫نبيكم وهديه فإن خي الدي ‪...‬‬
‫‪1‬‬

‫() مفتاح دار السعادة ص (‪ )197 ،193 ،187 ،184‬مدارج ص (‪.)451‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وساوس الشيطان‪،‬‬
‫وشروره‪ ،‬وما يعتصم به منها‬
‫المد ل القائل ف كتابه البي‪ :‬وَإِمّا يَنْزَغَنّ كَ مِ نَ الشّ يْطَا نِ‬
‫ِيمف [العرَاف‪]200 :‬‬
‫السفمِيعُ الْعَل ُ‬
‫ّهف هُوَ ّ‬
‫ّهف إِن ُ‬
‫َاسفتَعِذْ بِالل ِ‬
‫ْغف ف ْ‬
‫نَز ٌ‬
‫أحده سـبحانه‪ ،‬مـن أقبـل عليـه تلقاه‪ ،‬ومـن أعرض عنـه ل يكله إل‬
‫عدوه إذا تاب م ا أتاه‪ ،‬و من أ صر على الع صيان و صال عدوه وقا طع‬
‫سيده وله ما توله‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له جـل عـن الِشباه‬
‫والمثال‪ ،‬وتقدس عن الضداد والنداد والشركاء والشكال‪ .‬وأشهد‬
‫أن ممدًا عبده ورسوله القائل‪ « :‬ما منكم من أحد إل وقد وكل به‬
‫قري نه من ال ن» قالوا‪ :‬وأ نت يا ر سول ال؟ قال‪ « :‬وأ نا إل أن ال‬
‫أعاننف عليفه فأسفلم»( ‪ )1‬صـلى ال عليـه وعلى آله وجيـع أصـحابه‬
‫العارفي بكائد أعدائهم‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪ :‬فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّ هِ‬
‫مِنَ الشّ يْطَانِ الرّ جِيمِ * إِنّ هُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّ ذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى‬
‫رَبّ هِ مْ يَتَوَكّ لُو نَ * إِنّ مَا سُلْطَانُهُ عَلَى الّ ذِي نَ يَتَوَلّ وْنَ هُ وَالّ ذِي نَ هُ مْ بِ هِ‬
‫مُشْرِكُونَ ‪.‬‬
‫عباد ال قد جعل ال لكل إن سان عدوًا لدودًا‪ ،‬له دخول ونفوذ‬
‫إل قلب ا بن آدم و صدره‪ ،‬ذلك هو «الشيطان» أعاذ نا ال م نه يري‬
‫من ابن آدم مرى الدم‪ ،‬قد وكل بالعبد من حي ولدته ل يفارقه إل‬
‫‪1‬‬

‫() المسند ج (‪ )1‬ص ‪« )561‬أسلم» استسلم فصار ل يأمره بشر‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫‪199‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫المات‪ :‬يو سوس إل يه‪ ،‬وي طر الذ نب بباله في صوره له وين يه‪ ،‬ويشهيه‬
‫في صي «شهوة»‪ .‬ويزين ها له وي سنها وييل ها له ف خيال ت يل نف سه‬
‫إليه فيصي «إرادة» ث ل يزال يثل وييل وين ويشهي‪ ،‬وينسيه علمه‬
‫بضررهـا‪ ،‬ويطوي عنـه سـوء عاقبتهـا‪ ،‬فل يرى إل صـورة العصـية‬
‫والتذاذه ب ا‪ ،‬فت صي الرادة «عزي ة» فيشتد الرص عليها من القلب‪،‬‬
‫فيب عث النود ف الطلب‪ ،‬فيب عث الشيطان مددًا ل م وعونًا‪ ،‬فإن فتروا‬
‫حركهـم‪ ،‬وإن ونوا أزعجتهـم‪ ،‬فل تزال بالعبـد تقوده إل الذنـب‪،‬‬
‫وتن ظم ش ل الجتماع عل يه بأل طف حيلة‪ ،‬وأ ت مكيدة‪ .‬قال عروة بن‬
‫رو ي‪« :‬إن ال سيح سأل ر به أن ير يه مو ضع الشيطان من ا بن آدم‬
‫فجلي له‪ ،‬فإذا رأسـه رأس اليـة‪ ،‬واضـع رأسـه على ثرة القلب‪ ،‬فإذا‬
‫ذ كر الع بد ر به خ نس‪ ،‬وإذا ل يذ كر و ضع رأ سه على ثرة قل به فمناه‬
‫وحدثه»‪ .‬وف الصحيحي من حديث الزهري‪ ،‬عن صفية بنت حيي‪،‬‬
‫قالت‪ :‬كان رسول ال معتكفًا فأتيته أزوره ليلً‪ ،‬فحدثته‪ ،‬ث قمت‬
‫فانقلبت فقام معي ليقلبن‪ ،‬وكان مسكنها ف دار أسامة بن زيد‪ ،‬فمر‬
‫رجلن من النصار‪ ،‬فلما رأيا النب أسرعا‪ .‬فقال النب «على‬
‫رسفلكما‪ ،‬إناف صففية بنفت حيفي » فقال‪ :‬سـبحان ال يـا رسـول ال‬
‫فقال‪« :‬إن الشيطان يري من النسان مرى الدم‪ ،‬وإن خشيت أن‬
‫يقذف ف قلوبك ما سوءًا»‪ ،‬أو قال‪« :‬شرًا» و ف ال صحيح أيضًا عن‬
‫فلة أدبر‬
‫ـول ال ‪ « :‬إذا نودي بالصف‬
‫أب ـ هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قال رسـ‬
‫الشيطان وله ضراط‪ ،‬فإذا قضفى أقبفل‪ ،‬فإذا ثوب باف أدبر‪ ،‬فإذا‬
‫قضى أقبل حت ي طر بي النسان وقلبه‪ ،‬فيقول‪ :‬اذكر كذا اذكر‬
‫كذا ح ت ل يدري أثلثًا صلى أم أربعًا‪ ،‬فإذا ل يدر ثلثًا صلى أم‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أربعًا سجد سجدت السهو»‪.‬‬
‫ولذلك أمرنا ال بالستعاذة من شره‪ ،‬والوسوسة أعظم شره‪.‬‬
‫و من شره‪ :‬أ نه لص سارق لموال الناس‪ ،‬ف كل طعام أو شراب‬
‫ل يذكر اسم ال عليه فله فيه حظ بالسرقة وال طف‪ .‬وكذلك يبيت‬
‫ف الب يت الذي ل يذ كر ف يه ا سم ال فيأ كل طعام ال نس بغ ي إذن م‪،‬‬
‫ويبيت ف بيوتم بغي إذنم‪ .‬ذكر ابن أب الدنيا عن بعض السلف‪ :‬أن‬
‫شيطانًا ل قي شيطانًا فقال‪ :‬مال أراك نيلً؟ فقال‪ :‬إ ن مع ر جل إن‬
‫أكل ذكر اسم ال فل آكل معه‪ ،‬وإن شرب ذكر اسم ال فل أشرب‬
‫م عه‪ ،‬وإن د خل بي ته ذ كر ا سم ال فأب يت خارج الدار‪ .‬فقال ال خر‪:‬‬
‫لك ن مع رجل إن أ كل ل يسم ال فآكل أنا وهو جيعًا‪ ،‬وإن شرب‬
‫ل يسم ال فأشرب معه‪ ،‬وإن دخل داره ل يسم ال فأدخل معه‪ ،‬وإن‬
‫جامع امرأته ل يسم ال فأجامعها‪.‬‬
‫ومن شره أنه يدل على عورات الناس‪ -‬فيأمر العبد بالعصية‪ ،‬ث‬
‫يوسوس إل الناس با فعل‪ ،‬فيصبح الناس يتحدثون به‪.‬‬
‫ومـن شره أنـه إذا نام العبـد عقـد على رأسـه عقدًا تنعـه مـن‬
‫اليقظة‪ ،‬كما ف صحيح البخاري عن سعيد بن السيب‪ ،‬عن أب هريرة‬
‫ر ضي ال ع نه ‪ ،‬أن ر سول ال قال‪« :‬يع قد الشيطان على قاف ية‬
‫رأس أحد كم إذا هو نام ثلث عقد‪ ،‬يضرب على كل عقدة مكان ا‬
‫عل يك ل يل طو يل فار قد‪ .‬فإن ا ستيقظ فذ كر ال انلت عقدة‪ .‬فإن‬
‫توضفأ انلت عقدة‪ .‬فإن صفلى انلت عقده كلهفا فأصفبح نشيط ًا‬
‫طيب النفس‪ ،‬وإل أصبح خبيث النفس كسلن»‪.‬‬
‫ومن شره أنه يبول ف أذن العبد حت ينام إل الصباح‪ ،‬كما ثبت‬

‫‪200‬‬

‫‪201‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عـن النـب أنـه ذكـر عنده رجـل نام ليلة حتـ أصـبح‪ ،‬قال‪« :‬ذاك‬
‫رجل بال الشيطان ف أذنيه‪ ،‬أو قال ف أذنه» رواه البخاري‪.‬‬
‫ومن شره أنه قعد لبن آدم بطرق الي كلها فما من طريق من‬
‫طرق اليـ إل والشيطان مرصـد عليـه ينعـه بهده أن يسـلكه‪ ،‬فإن‬
‫خال فه و سلكه ثب طه ف يه وعو قه وشوش عل يه بالعارضات والقوا طع‪،‬‬
‫فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته‪.‬‬
‫ويكفـي مـن شره أنـه أقسـم بال ليقعدن لبنـ آدم صـراطه‬
‫ال ستقيم‪ ،‬وليأتين هم من ب ي أيدي هم و من خلف هم و عن أيان م و عن‬
‫شائلهم‪.‬‬
‫ول قد بلغ شره أن أع مل الكيدة وبالغ ف اليلة ح ت أخرج آدم‬
‫من النة‪ ،‬ث ل يكفه ذلك حت استقطع من أولده شرطه إل النار من‬
‫كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعي‪ ،‬ث ل يكفه ذلك حت أعمل اليلة‬
‫فــ إبطال دعوة ال مــن الرض‪ ،‬وقصــد أن تَكون الدعوة له‪،‬‬
‫وأن يع بد من دون ال‪ ،‬ف هو ساع بأق صى جهده على إطفاء نور ال‬
‫وإبطال دعوتـه‪ ،‬وإقامـة دعوة الشرك‪ ،‬وموـ التوحيـد وأعلمـه مـن‬
‫الرض‪.‬‬
‫ويك في من شره أ نه ت صدى لبراه يم خل يل الرح ن ح ت رماه‬
‫قومـه بالنجنيـق فـ النار فرد ال كيده عليـه‪ ،‬وجعـل النار على خليله‬
‫بردًا و سل مًا‪ .‬وت صدى للم سيح ح ت أراد اليهود قتله و صلبه فرد‬
‫ال كيده‪ ،‬وصان السيح ورفعه إليه‪ .‬وتصدى لزكريا ويي حت قتل‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وا ستثار فرعون ح ت ز ين له الف ساد العظ يم ف الرض‪ ،‬ودعوى أ نه‬
‫رب م العلى‪ .‬وت صدى لل نب وظا هر الكفار على قتله بهده‪ ،‬وال‬
‫تعال يكبته ويرده خاسئًا‪ .‬وتفلت على النب بشهاب من نار يريد‬
‫أن يرم يه به ف الصـلة فج عل ال نب يقول‪ « :‬ألع نك بلع نة ال»‬
‫وأعان اليهود على سحرهم للنب ‪.‬‬
‫ول يكن حصر أجناس شره فضلً عن آحادها إذ كل شر ف العال‬
‫فهو السبب فيه‪ .‬ولكن ينحصر شره ف ستة أجناس ل يزال بابن آدم حت‬
‫ينال واحدًا من ها أو أك ثر‪ -‬ال شر الول‪ :‬شر «الك فر‪ ،‬والشرك» ومعاداة‬
‫ال ور سوله‪ ،‬فإذا ظفر بذلك من ا بن آدم برد أني نه وا ستراح من تع به م عه‪،‬‬
‫و صيه من جنده وع سكره‪ ،‬وا ستنابه على أمثاله وأشكاله‪ ،‬ف صار من دعاة‬
‫إبليس ونوابه‪ .‬فإن يئس منه من ذلك وكان من سبق له السلم ف بطن أمه‬
‫نقله إل الرتبة الثان من الشر‪ ،‬وهو «البدعة» وهي أحب إليه من الفسوق‬
‫والعاصي؛ لن ضررها ف نفس الدين‪ ،‬وهو ضرر متعد‪ ،‬وهي ذنب ل يتاب‬
‫م نه‪ ،‬و هي باب الك فر والشرك‪ .‬فإذا نال م نه البد عة وجعله من أهل ها ب قي‬
‫أيضًا نائ به وداعيًا من دعا ته‪ .‬فإذا أعجزه من هذه الرت بة وكان الع بد م ن‬
‫سبقت له من ال موهبة السنة‪ ،‬ومعاداة أهل البدع والضلل‪ ،‬نقله إل الرتبة‬
‫الثال ثة من ال شر و هي «الكبائر» على اختلف أنواع ها‪ ،‬ف هو أ شد حر صًا‬
‫على أن يوق عه في ها‪ ،‬ل سيما إذا كان عالًا متبوعًا لين فر الناس ع نه‪ ،‬ث‬
‫يشيـع مـن ذنوبـه ومعاصـيه فـ الناس‪ ،‬ويسـتنيب منهـم مـن يشيعهـا‬
‫ويذيعهـا تدين ًا وتقرب ًا بزعمـه إل ال تعال وهـو نائب إبليـس ول‬
‫يش عر فإن الّ ذِي نَ يُحِبّو نَ أَ نْ تَشِي عَ الْفَاحِشَةُ فِي الّ ذِي نَ آَمَنُوا‬
‫ِيمف [النّور‪ ]19 :‬فكيـف إذا تولوا هـم إشاعتهـا‬
‫َابف أَل ٌ‬
‫ُمف عَذ ٌ‬
‫لَه ْ‬

‫‪202‬‬

‫‪203‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وإذاعتهـا‪ .‬فإن عجـز الشيطان عـن هذه الرتبـة نقله إل الرتبـة الرابـع‬
‫و هي «ال صغائر» ال ت إذا اجتم عت فرب ا أهل كت صاحبها‪ ،‬ك ما قال‬
‫ال نب ‪ « :‬إيا كم ومقرات الذنوب‪ ،‬فإن م ثل ذلك م ثل قوم نزلوا‬
‫بفلة من الرض فجاء كل وا حد من هم بعود ح طب ح ت أوقدوا‬
‫نارًا عظيمفة فطبخوا واشتووا» أو كمـا قال ‪ « :‬ول يزال يسفهل‬
‫عل يه أ مر ال صغائر ح ت ي ستهي ب ا فيكون صاحب ال كبية الائف‬
‫منهفا أحْس َفنَ حالً منفه »‪ .‬فإن أعجزه العبـد عـن هذه الرتبـة نقله إل‬
‫«الرتبة الامسة» وهي إشغاله بالباحات الت ل ثواب فيها ول عقاب بل‬
‫عاقبت ها فوت الثواب الذي ا ضع عل يه باشتغاله ب ا‪ .‬فإن أعجزه الع بد عن‬
‫هذه الرت بة وكان حافظًا لوق ته شحيحًا به يعلم مقدر أنفا سه وانقطاع ها‬
‫وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إل «الرتبة السادسة» وهو أن يشغله‬
‫بالع مل الفضول ع ما هو أف ضل م نه ليز يح ع نه الفضيلة‪ ،‬ويفو ته ثواب‬
‫العمل الفاضل‪ .‬فإذا أعجزه العبد من هذه الراتب الست وأعي عليه سلط‬
‫عل يه حز به من ال نس وال ن بأنواع الذى والتكف ي والتضل يل والتبد يع‬
‫والتحذ ير م نه وق صد إخاله وإطفائه‪ ،‬ليشوش عل يه قل به‪ ،‬ويش غل بر به‬
‫فكره‪ ،‬وليم نع الناس من النتفاع به‪ ،‬فحينئذ يل بس الؤ من ل مة الرب‬
‫ول يضعها عنه إل الوت‪ ،‬ومت وضعها أسر أو أصيب‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬هذه إحدى صفات الشيطان الثلث (الوسواس)‪ .‬وقد‬
‫و صفه ال بالناس الذي إذا ذ كر الع بد ال اننـس وتمـع وانق بض‪،‬‬
‫وإذا غ فل عن ذ كر ال الت قم القلب وأل قى إل يه الو ساوس ال ت هي‬
‫مبادئ الشر كله‪.‬‬
‫والذي يوسوس نوعان‪ :‬إنس‪ ،‬وجن‪ .‬فالن‪ :‬يوسوس ف صدور‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫النس‪ .‬والنس أيضًا يوسوس إل النس؛ فلذلك أمرنا ال بالستعاذة‬
‫من شر نوعي شياطي النس والن‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واحذروا من عدو ال وعدو كم‪ ،‬أعوذ بال‬
‫من الشيطان الرجيم بسم ال الرحن الرحيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّا سِ‬
‫* مَلِكِ النّاسِ * إِلَهِ النّاسِ [الناس‪ ]3 -1 :‬بارك ال ‪...‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المد ل أمر بشكره وذكره‪ ،‬أحده سبحانه ل أحصي ثناء عليه‬
‫بل هو تعال ك ما أث ن على نف سه‪ ،‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له من توكل عليه واستعاذ به كان ف حفظه وحرزه‪ .‬وأشهد‬
‫أن ممدًا عبده ورسوله أعانه على قرينه حت استسلم له وذلك معجزة‬
‫وعبة‪.‬‬
‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‬
‫وحزبه‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال اتقوا ال تعال‪ ،‬فتقواه هـي وصـيته‬
‫للوليـ والخريـن‪ ،‬واعرفوا عدوكـم مـن صـديقكم فـ هذه الدار‪،‬‬
‫واعلموا أن ال تبارك وتعال الذي ابتلى النسـان بذا العدو الذي ل‬
‫يفارقه طرفة عي‪ ،‬ول يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إل‬
‫أوصله إليه‪ -‬ويقول لعوانه من الن والنس‪ :‬دونكم عدوكم وعدو‬
‫أبيكم ل يفوتكم‪ ،‬ل يكون حظه النة وحظكم النار‪ -‬أن ال قد أيد‬
‫عبده الؤمـن بنـد مـن اللئكـة ل يفارقونـه يثبتونـه ويأمرونـه باليـ‬

‫‪204‬‬

‫‪205‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ويضو نه عل يه‪ ،‬ويدعو نه بكرا مة ال‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن ا هو صب ساعة‬
‫و قد ا سترحت را حة ال بد‪ .‬وأمده مع ذلك بالع قل وزيرًا له ومدبرًا‪،‬‬
‫وبالعر فة مشية عل يه ونا صحة له‪ ،‬وباليان مثبتًا له ونا صرًا ومؤيدًا‪،‬‬
‫وباليقي كاشفًا له عن حقيقة المر حت كأنه يعاين ما وعد ال تعال‬
‫أولياءه وحزبــه على جهاد أعدائه‪ ،‬وأقام ملئكتــه وحلة عرشــه‬
‫ي ستغفرون له وي سألون له أن يق يه ال ال سيئات ويدخله النات‪ ،‬و هو‬
‫تعال نا صر حز به وجنده‪ .‬ول يس هذا الت سليط من ب غض الرب لعبده‬
‫الؤمن‪ ،‬وإنا هو لرفع درجاته‪ ،‬وامتحان صدقه ف إيانه وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ‬
‫حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [مَمّد‪:‬‬
‫‪.]31‬‬
‫عباد ال وقـد جعـل ال بفضله ومنـه للعبـد مـا يعتصـم بـه مـن‬
‫الشيطان‪ ،‬وي ستدفع به م نه‪ ،‬وذلك عشرة أ سباب (‪ ) 1‬ال ستعاذة بال‬
‫مـن الشيطان الرجيـم‪ )2( .‬قراءة سـورت الفلق والناس (‪ )3‬قراءة آيـة‬
‫الكرسـي (‪ )4‬قراءة سـورة البقرة (‪ )5‬قراءة خاتةـ سـورة البقرة (‪)6‬‬
‫قراءة أول سورة حَم الؤ من إل قوله إل يه الصـي (‪ ) 7‬قول ل إله إل‬
‫ال وحده ل شر يك له له اللك وله ال مد و هو على كل ش يء قد ير‬
‫مائة مرة (‪ )8‬كثرة ذكـر ال فذكـر ال يقمعـه ويؤلهـ ويؤذيـه (‪)9‬‬
‫الوضوء والصــلة (‪ )10‬إمســاك فضول النظــر‪ ،‬وفضول الكلم‪،‬‬
‫وفضول الطعام‪ ،‬وفضول مالطة الناس( ‪ . )2 (.)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() وانظر مضار هذه الفضول في «بدائع الفوائد» ج(‪ )2‬ص(‪.)267‬‬
‫() الغاثة والمدارج‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫غض البصر‬
‫فوائده‪ ،‬ومضار إطلقه‬
‫المـد ل الذي جعـل القلوب أوعيـة فخيهـا أوعاهـا للخيـ‬
‫والرشاد‪ ،‬وشرها أوعاها للشر والفساد‪ ،‬وسلط عليها الوى وامتحنها‬
‫بخالف ته لتنال بخالف ته ج نة الأوى‪ .‬وحرم علي ها أشياء ل كن عوض ها‬
‫خيًا ما حرم عليها‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬
‫الكري‪ :‬قُلْ لِلْمُؤْمِنِيَ يَغُضّوا مِ نْ أَبْ صَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُ مْ‬
‫[النّور‪ ]30 :‬وأشهــد أن ممدًا عبده ورســوله القائل‪« :‬غضوا‬
‫أبصفاركم‪ ،‬واحفظوا فروجكفم» صـلى ال وسـلم عليـه وعلى آله‬
‫وأصحابه وأتباعه بإحسان‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ج عل ال سبحانه الع ي مرآة القلب‪ ،‬فإذا‬
‫غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته‪ ،‬وإذا أطلق بصره أطلق‬
‫القلب شهوته‪.‬‬
‫روى البخاري فـ صـحيحه‪ :‬أن النـب أردف الفضـل بـن‬
‫العباس رضـي ال عنهمـا يوم النحـر خلفـه‪ -‬وكان الفضـل قـد ناهـز‬
‫البلوغ‪ ،‬فط فق الف ضل ين ظر إل امرأة وضيئة من خث عم كا نت ت سأل‬
‫ال نب عن أمور دين ها‪ ،‬فأ خذ ال نب بذ قن الف ضل فحول وج هه عن‬
‫النظر إليها‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫‪207‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و ف روا ية للترمذي‪ :‬قال للر سول ‪ :‬لو يت ع نق ا بن ع مك‪.‬‬
‫قال عليـه الصـلة والسـلم‪« :‬رأيفت شابًا وشابفة فلم آمفن عليهمفا‬
‫الفت نة»‪ ،‬وهذا م نع وإنكار بالف عل‪ ،‬وتعل يل لذا النكار بوف الفت نة‬
‫عليهما لو أقرها عليه‪.‬‬
‫وف الصحيح عنه أنه قال‪« :‬إن ال كتب على ابن آدم حظه‬
‫من الزنا أدرك ذلك ل مالة؛ فالعي تزن وزناها النظر‪ ،‬واللسان يزن‬
‫وزناه النطق‪ ،‬والرجل تزن وزناها الطى‪ ،‬واليد تزن وزناها البطش‪،‬‬
‫والقلب يهوى ويتمن‪ ،‬والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»‪ .‬فبدأ بزنا العي‬
‫لنه أصل زنا اليد‪ ،‬والرجل‪ ،‬والقلب‪ ،‬والفرج‪ .‬ونبه على زنا اللسان بالكلم‬
‫على زنا الفم بالقُبل‪ ،‬وجعل الفرج مصدقًا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبًا‬
‫له إن ل يققـه‪ .‬وهذا الديـث مـن أبيـ الِشياء على أن العيـ تعصـي‬
‫بالن ظر‪ ،‬وإن ذلك زنا ها‪ .‬فف يه رد على من أباح الن ظر مطلقًا‪ .‬وث بت‬
‫عنـه أنـه قال‪« :‬يفا علي‪ :‬ل تتبفع النظرة النظرة فإن لك الول‬
‫ولي ست لك الثان ية»‪ .‬فالن ظر يؤ ثر ف القلب فأمره بداوا ته ب صرف‬
‫النظـر ل بتكراره‪ .‬وقال جريـر بـن عبدال رضـي ال عنهمـا‪« :‬سـألت‬
‫ر سول ال عن نظرة الفجأة فأمر ن أن أ صرف ب صري» رواه م سلم‬
‫وأبو داود والترمذي‪ .‬ونظرة الفجأة هي النظرة الول الت تقع بغي قصد‬
‫من النا ظر‪ ،‬ف ما ل يتعمده القلب ل يعا قب عل يه‪ .‬فإذا ن ظر الثانية تعمدًا‬
‫أ ث‪ ،‬فأمره ع ند نظرة الفجأة أن ي صرف ب صره ول ي ستدي الن ظر‪ .‬ففت نة‬
‫النظر أصل كل فتنة‪ ،‬كما ثبت ف الصحيحي عن النب أنه قال‪:‬‬
‫« ما تر كت بعدي فت نة أ ضر على الرجال من الن ساء» و ف صحيح‬
‫مسلم عن النب أنه قال‪« :‬اتقوا الدنيا واتقوا النساء»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و ف م سند م مد بن إ سحاق عن علي ر ضي ال ع نه عن ال نب‬
‫‪ « :‬أخوف ما أخاف على أمت النساء والمر»( ‪.)1‬‬
‫وفـ السـند عنـه أنـه قال‪« :‬النظرة سفهم مسفموم مفن سفهام‬
‫إبليس(‪ )2‬فمن غض بصره عن ماسن امرأة أو أمرد ل أورث ال قلبه‬
‫حلوة العبادة إل يوم القيامفة» هذا معنـ الديـث‪ .‬وقال‪« :‬إياكفم‬
‫واللوس على الطرقات»‪ .‬قالوا‪ :‬يا ر سول ال مال سنا ما ل نا بد من ها‬
‫قال‪« :‬فإن كن تم ل بد فاعل ي فأعطوا الطر يق ح قه‪ .‬قالوا‪ :‬و ما ح قه؟‬
‫قال‪ :‬غضفن البصفر ‪ ،‬وكفف الذى‪ ،‬ورد السفلم» فإن النظرة تولد‬
‫الطرة‪ ،‬ثـ تولد الطرة فكرة‪ ،‬ثـ تولد الفكرة شهوة‪ ،‬ثـ تولد الشهوة‬
‫إرادة‪ ،‬ث تقوى فتصي عزية جازمة‪ ،‬فيقع الفعل ولبد ما ل ينع منه مانع‪.‬‬
‫ومـن آفاتـه أنـه يورث السـرات والزفرات والرقات فيى‬
‫النسان ما ليس قادرًا عليه ول صابرًا عنه‪.‬‬
‫وفـ غـض البصـر عدة فوائد‪ .‬أحدهـا‪ :‬تليـص القلب مـن أل‬
‫ال سرة؛ فإن من أطلق نظره دا مت ح سرته‪ .‬و من فوائد غض الب صر‪:‬‬
‫أ نه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظ هر على عين يه ووج هه وجوار حه‪.‬‬
‫ومنهـا‪ :‬أنـه يورث قوة القلب وشجاعتـه وثباتـه‪ .‬وفـ الثـر «الذي‬
‫يالف هواه يفرق الشيطان مـن ظله»‪ .‬ومنهـا‪ :‬أنـه يورث القلب‬
‫سرورًا وفر صة وانشراحًا أع ظم من اللذة وال سرور الا صل بالن ظر‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() ومككن أراد بسككط مككا يتعلق بفتنككة النسككاء التككي خافهككا على أمتككه فككي هذه‬
‫الحاديكث فليراجكع ج(‪ )261 -224 ،45 -10/18‬مكن فتاوي سكماحته‪ ،‬وذككر‬
‫فيه ما يتعلق بالسفور والختلط‪ ،‬وآلت اللهو‪ .‬إلخ‪.‬‬
‫() فإن السككهم شأنككه أن يسككري فككي القلب فيعمككل فيككه عمككل السككم الذي يسككقاه‬
‫المسموم‪ ،‬فإن بادر واستفرغه وإل قتله ول بد‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫‪209‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وذلك لقهره عدوه بخالف ته ومال فة نف سه وهواه‪ .‬ومن ها أن غض الب صر‬
‫يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الاملة على مواقعة‬
‫الف عل‪ ،‬وتر ي الرب تعال وشر عه حجاب ما نع من الو صول‪ ،‬ف من ه تك‬
‫الجاب ضري على الحظور ول تقـف نفسـه عنـد غايـة؛ لن لذتاـ فـ‬
‫الشيـء الديـد‪ .‬ومنهـا‪ :‬أنـه يقوي عقله ويزيده ويثبتـه فإن إطلق البصـر‬
‫وإر ساله ل ي صل إل من خ فة الع قل وطي شه وعدم ملحظ ته للعوا قب‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه يلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة‪ ،‬فإن إطلق البصر‬
‫يو جب ا ستحكام الغفلة عن ال والدار الخرة‪ ،‬ويو قع ف سكرة الع شق‪،‬‬
‫كما قال ال تعال َل َع ْم ُركَ ِإّن ُهمْ َلفِي َسكْ َرِت ِهمْ َي ْع َمهُو نَ [الِجر‪72 :‬‬
‫] وسكران العشق قلما يفيق إل وهو ف عسكر الموات‪.‬‬
‫ول سيما الن ظر إل «الردان ال سان» فإن إطلق الن ظر إلي هم هو‬
‫السم الناقع والداء العضال‪.‬‬
‫روي عن الش عب مر سلً قال‪ :‬قدم و فد عبدالق يس على ال نب‬
‫وفيهم غلم ظاهر الوضاءة‪ ،‬فأجلسه النب وراء ظهره‪ ،‬وقال‪« :‬كانت‬
‫خطيئة من مضى من النظر»‪ .‬وقال سعيد بن السيب‪ :‬إذا رأيتم الرجل‬
‫يد النظر إل الغلم المرد فاتموه‪.‬‬
‫وال سبحانه إن ا ح كى هذا الرض‪ -‬مرض الع شق عن طائفت ي‬
‫مـن الناس وهـم «قوم النسـاء» وقوم لوط فأخـب عـن «عشـق امرأة‬
‫العز يز» ليو سف و ما راود ته وكاد ته به‪ ،‬وأ خب عن الال ال ت صار‬
‫إليها يوسف بصبه وعفته وتقواه( ‪.)1‬‬
‫‪1‬‬

‫() قلت‪ :‬وكثيكر مكن القراء‪ -‬فيمكا يُسْكمَع‪ -‬يكررون قراءة قصكة هذا العشكق مكن‬
‫غّلقَتِه ا َْل ْبوَابَه َوقَالَتْه َهيْتَه لَكَه قَا َل‬
‫َورَا َو َدتْهُه الّتِي ُه َو فِي َب ْيتِهَا عَنْه َنفْسِه ِه َو َ‬
‫ل [يُوسُف‪ ]23 :‬أكثر مما يقرءون أي سورة أو آيات أخرى‪ .‬وقد قال‬
‫َمعَا َذ ا ِّ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫والطائفة الثانية الذي حكى ال عنهم العشق هم «اللوطية» كما‬
‫قال تعال‪ :‬جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَ سْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي‬
‫ف وَلَا تُخْزُون [الجـر‪]69 -67 :‬‬
‫ف * وَاتّ قُوا اللّه َ‬
‫فَلَا تَفْضَحُون ِ‬
‫ف كل من الطائفت ي ع شق ما حرم عل يه من ال صور‪ ،‬ول يبال ب ا ف‬
‫عشقه من الضرر‪.‬‬
‫ودواء هذا الداء العضال‪ -‬الع شق الحرم‪ -‬أن يأ ت من العبادات‬
‫الظاهرة والباط نة ب ا يش غل قل به عن دوام الف كر ف يه‪ ،‬ويك ثر التضرع‬
‫واللجوء إل ال سبحانه ف صرف ذلك ع نه‪ .‬قال ال تعال ف ق صة‬
‫عشق ها‪ :‬كَذَلِ كَ لِنَ صْرِفَ عَنْ هُ ال سّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّ هُ مِ نْ عِبَادِنَا‬
‫فيَ [يُوسـُف‪ ]24 :‬فصـرف عنـه السـوء مـن العشـق‬
‫الْمُخْلَص ِ‬
‫والفحشاء مـن الفعـل بإخلصـه؛ فإن القلب إذا أخلص عمله ل ل‬
‫يتمكن منه عشق الصور‪ ،‬فعشق الصور إنا يتمكن من القلب الفارغ‪.‬‬
‫وف الصحيح من حديث جابر‪ :‬أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى‬
‫حاجتـه منهـا‪ .‬وقال‪« :‬إن الرأة تقبفل فف صفورة شيطان‪ ،‬فإذا رأى‬
‫أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما ف نفسه »‪ ،‬وف‬
‫سنن ابن ماجه مرفوعًا‪« :‬ل ير للمتحابي مثل النكاح»‪.‬‬
‫فأوصـيكم وإياي عباد ال بداومـة العراض عمـا ل يلـ مـن‬
‫بعكض السكلف‪ :‬مكا حصكلناه فكي سكورة يوسكف أنفقناه فكي سكورة النور‪ .‬كمكا أن‬
‫بعضًا يرككز على آيات الرجكا دون آيات الخوف‪ ،‬وبعكض يرككز على آيات فكي‬
‫الثناء على بلد أو قوم‪ ،‬ويترك خلف ذلك؛ إلى آخككر مككا يختارونككه‪ .‬ولمككا قالوا‬
‫للنبي شبت قال‪« :‬شيبتني هود‪ ،‬والواقعة‪ ،‬والمرسلت‪ ،‬وعم يتساءلون‪،‬‬
‫وإذا الشمهس كورت» وكان شيخنكا‪ -‬رحمكه ال‪ -‬كثيرًا مكا يقرأ آخكر سكورة هود‬
‫وهذه السور‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫‪211‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الن ظر‪ ،‬ف قد علم تم ما ف ذلك من الضرر‪ ،‬ك ما عرف تم ما ف غض‬
‫البصر من الفوائد دنيا وأخرى‪.‬‬
‫وا سألوا مقلب القلوب والب صار الثبات على الد ين‪ ،‬وت صريف‬
‫القلوب إل طاعة رب العالي‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَأَمّا‬
‫مَ نْ خَا فَ مَقَا مَ رَبّه ِف وَنَهَى النّ فْ سَ عَ نِ الْهَوَى * فَإِنّ الْجَنّ ةَ هِ يَ‬
‫الْمَأْوَى [النازعات‪.]41 ،40 :‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل الذي ج عل الح بة إل الظ فر سبيل‪ ،‬و صرّف علي ها‬
‫القلوب كمـا يشاء‪ ،‬وصـرفها أنواع ًا وأقسـامًا بيـ بريتـه‪ ،‬وفصـلها‬
‫تفصـيل قسـمها بيـ مبـ الرحنـ‪ ،‬ومبـ الوثان‪ ،‬ومبـ النيان‪،‬‬
‫ومب الصلبان‪ ،‬ومب الوطان‪ ،‬ومب اليان‪ ،‬ومب اللان‪ ،‬ومب‬
‫القرآن‪ ،‬وفضل أهل مبته ومبة كتابه على سائر الحبي تفضيل‪ ،‬وهو‬
‫الك يم صاحب الف ضل على من شاء والمتنان‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬
‫ال وحده ل شريـك له يلق مـا يشاء ويتار‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ورسوله أرسله لليان مناديًا‪ ،‬وإل ال نة داعيًا‪ ،‬وبكل معروف آمرًا‪،‬‬
‫وعن كل منكر ناهيًا‪ .‬صلى ال وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وكل‬
‫من اتبعه داعيًا‪ ،‬وف مرضاة ربه ومابه ساعيًا‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬وجاء فـ تريـ الفواحـش ووجوب حفـظ الفرج‬
‫قوله ‪« :‬أكثر ما يدخل الناس النار‪ :‬الفم والفرج» أخرجه الترمذي‬
‫عن أب هريرة‪ .‬وف الصحيحي عنه ‪ « :‬ل يل دم امرئ مسلم إل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بإحدى ثلث‪ :‬الثيفب الزانف‪ ،‬والنففس بالنففس‪ ،‬والتارك لدينفه‬
‫الفارق للجماعة» فبدأ بالكثر وقوعًا‪ ،‬ث بالذي يليه‪ .‬فالزنا أكثر‬
‫وقوعًا من ق تل الن فس‪ ،‬وق تل الن فس أك ثر وقوعًا من الردة نعوذ بال‬
‫منها‪.‬‬
‫ومفسدة الزنا مناقضة لصلح العال‪ ،‬فإن الرأة إذا زنت أدخلت‬
‫العار على أهل ها وزوج ها وأقارب ا ونك ست رءو سهم ب ي الناس‪ .‬وإن‬
‫حلت من الز نا فإن قتلت ولد ها ج عت ب ي الز نا وق تل الن فس‪ ،‬وإن‬
‫أبق ته حل ته على الزوج فأدخلت على أهل ها وأهله أجنبيًا ل يس من هم‬
‫فورثهم وليس منهم‪ ،‬وخل بم‪ ،‬وانتسب إليهم وليس منهم‪ ،‬إل غي‬
‫ذلك من مفاسد زناها‪ .‬وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلط النساب‬
‫أيضًا‪ ،‬وإفسـاد الرأة الصـونة وتعريضهـا للتلف والفسـاد؛ ففـي هذه‬
‫الكبية خراب الدنيا والدين‪ ،‬ومن خاصيته‪ .‬أنه يوجب الفقر‪ ،‬ويقصر‬
‫الع مر‪ ،‬ويك سو صاحبه سواد الو جه‪ ،‬وثوب ال قت ب ي الناس‪ .‬و من‬
‫خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب ويرضه إن ل يته‪ ،‬ويلب الم والزن‬
‫والوف‪ ،‬ويبا عد صاحبه من اللك ويقر به من الشيطان؛ ولذا شرع‬
‫ف يه الق تل على أب شع الوجوه وأفحش ها وأ صعبها‪ .‬ولو بلغ الر جل أن‬
‫امرأ ته أو حرم ته قتلت كان أ سهل عل يه من أن يبل غه أن ا ز نت‪ .‬قال‬
‫سـعد بـن عبادة رضـي ال عنـه ‪ :‬لو رأيـت رجلً مـع امرأتـ لضربتـه‬
‫بال سيف غ ي م صفح‪ .‬فبلغ ذلك ر سول ال فقال‪« :‬أتعجبون من‬
‫غية سعد! وال لنا أغي منه‪ ،‬وال أغي من‪ ،‬ومن أجل ذلك حرم‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن»‪.‬‬
‫وظهور الزنا من أمارات خراب العال‪ ،‬وهو من أشراط الساعة‪،‬‬

‫‪212‬‬

‫‪213‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ك ما ف ال صحيحي من حد يث أ نس بن مالك أ نه قال‪ :‬لحدثن كم‬
‫حديث ًا ل يدثكموه أحـد بعدي سـعته مـن النـب يقول‪« :‬مفن‬
‫أشراط السفاعة أن يرففع العلم ويظهفر الهفل‪ ،‬ويشرب المفر‪،‬‬
‫ويظ هر الز نا‪ ،‬ويقفل الرجال‪ ،‬وتك ثر الن ساء‪ ،‬ح ت يكون لم سي‬
‫امرأة القيم الواحد»‪.‬‬
‫وقد جرت سنة ال سبحانه ف خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب‬
‫ال سبحانه فل بد أن يؤ ثر غض به ف الرض عقو بة‪ .‬قال عبدال بن‬
‫مسـعود رضـي ال عنـه ‪ :‬مـا ظهـر الربـا والزنـا فـ قريـة إل أذن ال‬
‫بإهلكها‪.‬‬
‫وخـص سـبحانه الزنـا مـن بيـ سـائر الدود بثلث خصـائص‬
‫أحدها‪ :‬القتل فيه بأبشع القتلت‪ ،‬وحيث خففه فجمع فيه بي العقوبة‬
‫على البدن باللد‪ ،‬وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة‪.‬‬
‫الثانـ‪ :‬أنـه نىـ عباده أن تأخذهـم بالزناة رأفـة فـ دينـه بيـث‬
‫تنعهم من إقامة الد عليهم‪ .‬الثالث‪ :‬أنه سبحانه أمر أن يكون حدها‬
‫بشهد من الؤمني‪.‬‬
‫وحـد الزانـ الحصـن مشتـق مـن عقوبـة ال لقوم لوط بالقذف‬
‫بالجارة‪ ،‬وذلك لشتراك الز نا واللواط ف الف حش‪ ،‬و ف كل منه ما‬
‫فساد يناقض حكمة ال ف خلقه وأمره‪.‬‬
‫فإن ف «اللواط» من الفا سد ما يفوت ال صر والتعداد‪ ،‬ولن‬
‫يق تل الفعول به خ ي من أن يؤ تى‪ ،‬فإ نه يف سد ف سادًا ل ير جى له‬
‫معه صلح أبدًا‪ ،‬يذهب خيه كله‪ ،‬وت تص الرض الياء من وجهه‪،‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فل ي ستحيي ب عد ل من ال ول من الناس‪ ،‬وتع مل ف قل به ورو حه‬
‫نطفة الفاعل ما يعمل السم ف البدن‪.‬‬
‫وعقوبتـه أغلظ مـن عقوبـة الزانـ لجاع الصـحابة على ذلك‬
‫ولغلظ حرمتـه وانتشار فسـاده‪ ،‬ولن ال سـبحانه ل يعاقـب أمـة مـا‬
‫عاقب اللوطية‪ ،‬وجع ال عليهم من أنواع العقوبات ما ل يمعه على‬
‫أمـة مـن المـم‪ :‬مـن عمـى البصـار‪ ،‬وخسـف الديار‪ ،‬والقذف‬
‫بالحجار‪ ،‬ودخول النار‪ ،‬وجعـل ديارهـم وآثارهـم عـبة للمعتـبين‪،‬‬
‫وموعظة للمتقي‪.‬‬
‫وروى الترمذي والاكم وابن ماجه عن جابر بن عبدال‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قال رسول ال ‪ « :‬إن أخوف ما أخاف على أمت من بعدي عمل‬
‫قوم لوط» و ف ال سند وال سنن عن ا بن عباس ر ضي ال عنه ما قال‪:‬‬
‫قال رسـول ال ‪« :‬مفن وجدتوه يعمفل عمفل قوم لوط فاقتلوا‬
‫الفاعفل والفعول بفه» وإسـناده على شرط البخاري‪ .‬وحرق اللوطيـة‬
‫بالنار أربعـة مـن اللفاء‪ :‬أبـو بكـر الصـديق‪ ،‬وعلي بـن أبـ طالب‪،‬‬
‫وعبدال بن الزبي‪ ،‬وهشام بن عبداللك‪.‬‬
‫كتب خالد بن الوليد إل أب بكر الصديق رضي ال عنهما‪ :‬أنه‬
‫و جد ف ب عض ضوا حي العرب رجلً ين كح ك ما تن كح الرأة‪ .‬فج مع‬
‫أ بو ب كر ر ضي ال ع نه نا سًا من أ صحاب ر سول ال وفي هم علي‬
‫بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه فا ستشارهم‪ ،‬فقال علي ر ضي ال ع نه ‪:‬‬
‫إن هذا ل يع مل به أ مة من المـم إل أ مة واحدة ف صنع ال بمـ ما‬
‫علمتم أرى أن ترقوه بالنار‪ ،‬فأحرقوه بالنار‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫‪215‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وقال جاعة من الصحابة والتابع ي‪ :‬ير جم بالجارة حت يوت‬
‫أحصن أو ل يصن‪.‬‬
‫وقال ب عض العلماء‪ :‬إذا عل الذ كر الذ كر هر بت اللئ كة وع جت‬
‫الرض إل ربا‪ ،‬ونزل سخط البار جل جلله عليهم‪ ،‬وغشيتهم اللعنة‪،‬‬
‫وحفـت بمـ الشياطيـ‪ ،‬واسـتأذنت الرض رباـ أن تسـف بمـ‪ ،‬وثقـل‬
‫العرش على حلته‪ ،‬وكبت اللئكة‪ ،‬واستعرت جهنم‪ ،‬فإذا قبضت روحه‬
‫جعلت مـع أرواح الزناة فـ تنور مـن النار‪ .‬نعوذ بال مـن النار‪ ،‬ومـن‬
‫أٍسباب الزي والعار(‪ .)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() روضكككة المحكككبين (‪،187 ،225 ،185 ،193 ،194 ،190 ،144 ،143‬‬
‫‪ )101 ،105 ،106 ،116 ،115 ،112 ،189‬الجواب الكافككككككي ص(‪-133‬‬
‫‪.)135‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫زهرة الدنيا‬
‫وانقسام الناس بالنسبة إليها‬
‫المد ل الذي كتب الثار والعمال‪ ،‬وقسم العايش والموال‪،‬‬
‫خلق الوت والياة ليبلونـا أينـا أحسـن عملً وهـو على كـل شيـء‬
‫قدير‪.‬‬
‫ّهف بِمَا‬
‫ِنف وَالل ُ‬
‫ُمف مُؤْم ٌ‬
‫ُمف كَافِرٌ وَمِنْك ْ‬
‫ُمف فَمِنْك ْ‬
‫هُوَ الّ ذِي خَلَقَك ْ‬
‫تَعْمَلُونَ بَصِيٌ [التّغَابُن‪.]2 :‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬جـل عـن الشـبيه‬
‫والنظي‪ ،‬وتعال عن الشريك والظهي‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله أعرف اللق بربـه‪ ،‬وأقومهـم‬
‫بأمره‪ ،‬وأنصحهم للقه؛ ل يتركهم حت أوقفهم على الادة البيضاء‪،‬‬
‫وحذرهـم مـن التاهـة فـ البيداء‪ ،‬وضرب لمـ المثال‪ ،‬وقسـم الناس‬
‫بالن سبة إل الموال‪ ،‬وكان مع الف قر أ صب الفقراء‪ ،‬و مع الغ ن أش كر‬
‫الغنياء‪ .‬صـلى ال عليـه وعلى آله وأصـحابه أعلم الناس بسـنة نـبيهم‬
‫وأتبعهم لا‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد روى البخاري ومسـلم عـن أبـ سـعيد الدري‬
‫رضـي ال عنـه قال‪ :‬قام رسـول ال فخطـب الناس‪ ،‬فقال‪« :‬إن‬
‫أخوف ما أخاف عليكم ما يرج ال لكم من بركات الرض‪ .‬قيل‪:‬‬

‫‪216‬‬

‫‪217‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ما بركات الرض؟ قال‪ :‬زهرة الدنيا »‪ .‬فقال له رجل‪ :‬هل يأت الي‬
‫بال شر‪ .‬ف صمت ر سول ال ح ت ظن نت أ نه سينل عل يه‪ ،‬ث ج عل‬
‫يسـح عن جـبينه‪ ،‬قال‪« :‬أيفن السفائل؟» قال‪ :‬أنـا‪ .‬ثـ قال‪« :‬ك يف‬
‫قلت؟» قال‪ :‬يا رسول ال أو يأت ال ي بالشر‪ ،‬فقال رسول ال ‪:‬‬
‫« إن ال ي ل يأ ت إل بال ي‪ ،‬إن م ا ين بت الرب يع ما يق تل حبطًا أو‬
‫يلم إل آكلة ال ضر( ‪ )1‬أكلت ح ت إذا امتلت خا صرتاها ا ستقبلت‬
‫عي الشمس فاجترت وثلطت وبالت‪ ،‬ث عادت فأكملت‪ .‬وإن هذا‬
‫الال خضرة حلوة( ‪ )2‬من أخذه بقفه ووض عه ف ح قه فن عم العو نة‬
‫هو‪ .‬وإن أخذه بغي حقه كان كالذي يأكل ول يشبع»‪.‬‬
‫عباد ال هذا الد يث هو الَكَ مُ في ما يتلف ف يه الناس من أ مر‬
‫الال‪ -‬فالناس منهم من يدح الال والثراء ويتمناه‪ ،‬ويسعى إليه جهده‬
‫بالطرق اللل‪ .‬ومن هم من يتجاوز ذلك ويطل به ح ت بالطرق الرام‪،‬‬
‫ويسـتوعب عمره ووق ته‪ ،‬وي صده عن طا عة موله‪ ،‬والسـعي لرضاه‪.‬‬
‫ومـن الناس مـن يذم الثراء ول يهتـم بـه ويزهـد فيـه‪ .‬ومـن الناس مـن‬
‫رضي با قسم ال له من فقر أو غن‪ ،‬وتوف من زهرة الدنيا‪.‬‬
‫فهذا الد يث الشر يف ف يه توف ال نب على أم ته من ف تح‬
‫الدنيـا عليهـم‪ -‬خاف عليهـم الفتتان باـ‪ ،‬وفسـر «بركات الرض»‬
‫بزهرة الدن يا‪ -‬ومراده ما يف تح على أم ته من ها من ملك فارس والروم‬
‫وغيهـم مـن الكفار الذيـن ورثـت هذه المـة ديارهـم وأموالمـ‬
‫وأراضيهـم وزروعهـم وثارهـم وأنارهـم ومعادنمـ وغيـ ذلك ماـ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫() «الخضر» نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها‪.‬‬
‫() تأخذ العيون بخضرتها‪ ،‬والقلوب بحلوتها‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫خرج ويرج من بركات الرض وكنوزها‪ ،‬وهذا من أعظم معجزات‬
‫نبينا الدالة على أنه رسول ال حقًا‪ -‬فقد وقع ما أخب به عليه‬
‫ال صلة وال سلم من ف تح زهرة الدن يا على أم ته‪ ،‬وشبه ها بالز هر ف‬
‫طيـب رائحتـه‪ ،‬وحسـن منظره‪ ،‬وقلة بقائه‪ ،‬وأن وراءه ث رًا خيًا منـه‬
‫وأبقى منه‪.‬‬
‫وقوله‪« :‬إن ما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم » من أحسن‬
‫التمثيـل التضمـن للتحذيـر مـن الدنيـا والنماك عليهـا والسـرة فيهـا‬
‫وذلك أن الدابـة يروقهـا نبـت الربيـع فتأكله بأعينهـا‪ ،‬فرباـ هلكـت‬
‫حبطًا‪ .‬وال بط انتفاخ ب طن الدا بة من المتلء‪ .‬وقوله‪« :‬أو يلم» أي‬
‫يقارب القتل وهو الرض‪.‬‬
‫وقوله‪« :‬إل آكلة الضفر» تثيـل بالبـل والبقرة الكلة مـن‬
‫الع شب بقدر حاجت ها‪ ،‬ف هي ل ا أخذت حاجت ها من الر عى ترك ته‪،‬‬
‫وأعر ضت ع ما يضر ها من الشره ف الر عى‪ ،‬وأقبلت على ما ينفع ها‬
‫من استقبال الشمس الت يصل لا برارتا انضاج ما أكلته وإخراجه‪.‬‬
‫ثـ إناـ اسـتفرغت بالبول والثلط( ‪ )1‬مـا جعتـه مـن الرعـى فـ بطنهـا‬
‫فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها‪.‬‬
‫و ف روا ية ل سلم فقال‪« :‬أخ ي هو؟» وفي ها دل يل على أن الال‬
‫ليس بي على الطلق؛ بل منه خي‪ ،‬ومنه شر‪ .‬فالال ف حق الول‬
‫خي‪ ،‬وف حق الثان شر‪.‬‬
‫ـ فـ جعـ الدنيـا الريـص على‬
‫فأول الديـث مثـل للشّ رِه ِ‬
‫تصـيلها ي مع الدن يا من غ ي حل ها‪ ،‬ويب سها أو ي صرفها ف غ ي‬
‫‪1‬‬

‫() الثلط أكثر ما يقال للبل والبقر (النهاية)‪.‬‬

‫‪218‬‬

‫‪219‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حقها‪ ،‬إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه إذا مات من غي توبة‬
‫م نه وإ صلح حال‪ .‬وإ ما أن يقارب مو ته ث يعا ف و هو من أفاق من‬
‫هذه السكرة وتاب قبل موته‪.‬‬
‫فالقتصـد مـن الدنيـا يأخـذ مـن حللاـ وهـو قليـل بالنسـبة إل‬
‫حرامها قدر بلغته وحاجته‪ ،‬ويتزي من متاعها بأدونه وأخشنه‪ ،‬ث ل‬
‫يعود إل الخـذ منهـا إل إذا نفـد مـا عنده وخرجـت فضلتـه‪ ،‬فل‬
‫يوجـب له هذا الخـذ ضررًا ول مرضًا ول هلكًا‪ ،‬بـل يكون ذلك‬
‫بل غًا له مدة حياته‪ ،‬ويعينه على التزود لخرته‪ ،‬وهذا إشارة إل مدح‬
‫من أ خذ من حلل الدن يا بقدر بلغ ته وق نع بذلك ك ما قال ‪ « :‬قد‬
‫أفلح من هداه ال إل ال سلم‪ ،‬وكان عي شه كفافًا‪ ،‬وق نع بذلك»‬
‫وقال ‪ « :‬من كا نت الخرة ه ه ج عل ال غناه ف قل به‪ ،‬وج ع له‬
‫شله وأتته الدنيا وهي راغمة‪ ،‬ومن كانت الدنيا هه جعل ال فقره‬
‫ب ي عين يه وفرق عل يه شله‪ ،‬ول يأ ته من الدن يا إل ما قدر له» رواه‬
‫الترمذي‪ .‬وروى أيضًا عن أب هريرة رضي ال عنه عن النب قال‪:‬‬
‫« يقول ال تعال‪ :‬ابفن آدم تفرغ لعبادتف أمل صفدرك غنف وأسفد‬
‫فقرك‪ ،‬وإن ل تف عل ملت يدك شغلً ول أ سد فقرك» وقال السـن‬
‫رحهـ ال‪ :‬إن قومًا أكرموا الدن يا ف صلبتهم على الشـب‪ ،‬فأهينو ها‪،‬‬
‫فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها‪ .‬وقال السيح ‪« :‬ل تتخذوا الدنيا ربا‬
‫فتتخذكم عبيدًا‪ ،‬واعبوها ول تعمروها‪ ،‬واعلموا أن أصل كل خطيئة‬
‫حب الدنيا‪ ،‬ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلً‪ ،‬ما سكنت قلب‬
‫عبــد فــ الدنيــا إل التاط قلبــه منهــا بثلثــة‪ :‬شغــل‬
‫ل ينفـك عناؤه‪ ،‬وفقـر ل يدرك غناؤه‪ ،‬وأمـل ل يدرك منتهاه‪ .‬الدنيـا‬
‫طالبـة مطلوبـة؛ فطالب الخرة تطلبـه الدنيـا حتـ يسـتكمل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فيها رزقه‪ ،‬وطالب الدنيا تطلبه الخرة حت ييء الوت فيأخذ بعنقه‪،‬‬
‫يا مع شر الواري ي ارضوا بدن ء الدنيا مع سلمة الدين‪ ،‬ك ما ر ضي‬
‫أهل الدنيا بدنء الدين مع سلمة الدنيا»‪.‬‬
‫ـر ال‬
‫ـيكم وإياي بتقوى ال تعال‪ ،‬والتقوى امتثال أوامـ‬
‫فأوصـ‬
‫واجتناب نواهيه‪ ،‬والعتبار با ضرب الرسول من المثال لزهرة الياة‬
‫الدنيا‪ ،‬وأصحبوا الغن بالشكر‪ .‬والشكر‪ :‬هو العتراف بالنعم باطنًا‪،‬‬
‫والتحدث ب ا ظاهرًا‪ ،‬و صرفها ف طا عة م سديها‪ .‬وأع ظم الش كر أداء‬
‫فرائض ال سلم وب عد ذلك نوا فل ال سلم ل ن قدر علي ها أو بعض ها‪.‬‬
‫واعلموا أن الثروة أخ طر من الف قر‪ ،‬ولذلك خاف ها ال نب على أم ته‬
‫ول ي ف علي هم من الف قر‪ ،‬وا ستعاذ من فتنته ما جيعًا‪ .‬وقال ب عض‬
‫ال سلف‪ :‬ابتلي نا بالضراء ف صبنا‪ ،‬وابتلي نا بال سراء فلم ن صب‪ .‬واع تبوا‬
‫بالبهيمـة التـ ضرباـ الرسـول مثلً فـ حسـن تصـرفها فـ معيشتهـا‪،‬‬
‫ونفعها لنفسها‪ ،‬ودفعها الضرر عنها‪ .‬هذا وهي من يسبح ال ويمده‬
‫وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبّ حُ بِحَمْدِهِ [السرَاء‪.]44 :‬‬
‫اللهم اجعلنا جيعًا من يستمع القول فيتبع أحسنه‪ ،‬أولئك الذين‬
‫هدا هم ال وأولئك هم أولو اللباب‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرج يم‬
‫ِنف النّسفَاءِ وَالْبَنِي َ وَالْقَنَاطِيِ‬
‫َاتف م َ‬
‫ّاسف حُب ّ الشّ هَو ِ‬
‫ّنف لِلن ِ‬
‫زُي َ‬
‫الْمُقَنْطَرَةِ مِ نَ الذّ هَ بِ وَالْفِضّ ةِ وَالْخَيْلِ الْمُ سَوّ مَةِ وَالْأَنْعَا مِ وَالْحَرْ ثِ‬
‫ذَلِ كَ مَتَا عُ الْحَيَاةِ الدّ نْيَا وَاللّ هُ عِنْدَ هُ حُ سْنُ الْمَآَ بِ [آل عِمرَان‪:‬‬
‫‪ ]14‬بارك ال ‪...‬‬

‫‪220‬‬

‫‪221‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل يزيـد الشاكريـن‪ ،‬ويثيـب الصـابرين‪ .‬أحده سـبحانه‬
‫وحدي له من نعمه‪ ،‬وأسأله الزيد من فضله وكرمه‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬وأشهـد أن ممدًا‬
‫عبده ورسـوله أشرف اللق أجعيـ‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك‬
‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال من السلف الصال من اختار الال للجهاد‬
‫بـه وصـرفه فـ وجوه الب كعبدالرحنـ بـن عوف وغيه مـن مياسـي‬
‫ال صحابة‪ ،‬وكان ق يس بن سعد يقول‪ :‬الل هم إ ن من عبادك الذ ين ل‬
‫ي صلحهم إل الغ ن‪ .‬ومن هم من اختار الف قر والتقلل كأ ب ذر وجا عة‬
‫من ال صحابة م عه‪ ،‬وهؤلء نظروا إل آفات الدن يا وخشوا الفت نة ب ا‪.‬‬
‫والفر قة الثال ثة ل ت تر شيئًا‪ ،‬بل كان اختيار ها ما اختاره ال ل ا ول‬
‫خي نبينا بي أن يكون مَلِكًا نبيّا وبي أن يكون عبدًا رسولً وعلم‬
‫أن ربـه يتار له أن يكون عبدًا رسـولً اختار مـا اختاره ال فكان‬
‫اختياره ف جيع أموره تابعًا لختيار ال له‪.‬‬
‫وكان يأخـذ الشهـر والشهريـن ل يوقـد فـ بيتـه نار وإناـ‬
‫طعامهم ال سودان الت مر والاء‪ ،‬وكان صابرًا‪ ،‬ول يضع لبنة على لب نة‬
‫ول قصبة على قصبة حت فارق الدنيا‪ .‬ث لا فتح ال عليه الفتوح كان‬
‫ي سك له ولهله قوت سنة واحدة‪ ،‬وينفق ما عدا ذلك ف سبيل ال‪،‬‬
‫وكان يعطي عطاء من ل يشى الفقر‪ .‬وكل خصلة من خصال الفضل‬
‫قـد أحـل ال رسـوله فـ أعلهـا‪ ،‬وخصـه بذروة سـنامها‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وليس الفقراء الصابرون بأحق به من الغنياء الشاكرين‪ ،‬بل أحق‬
‫الناس به منهم أعلمهم بسنته وأتبعهم لا‪.‬‬
‫فارضوا عباد ال ب ا ق سم ال ل كم‪ ،‬واشكروا نع مة ال علي كم‪.‬‬
‫ومن ابتلي بفقر فعليه أن يصب‪ ،‬قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬وجدنا خي‬
‫عيش نا بالصـب‪ .‬وروى العمـش عـن خيث مة‪ ،‬عـن عبدال «إن العبفد‬
‫ليهم بالمر من التجارة حت إذا استيسرت له نظر ال إليه من فوق‬
‫سبع سوات فيقول للملك‪ :‬اصرفه عنه فيصرفه عنه» فطريق الفقر‬
‫والتقليل طريق سلمة مع الصب‪ ،‬وطريق الغن والسعة طريق عطب ف‬
‫الغالب‪ .‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪222‬‬

‫‪223‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الذنوب‬
‫عقوباتا‪ ،‬وكيف اللص منها‬
‫ال مد ل غا فر الذ نب وقا بل التوب شد يد العقاب‪ ،‬ذي الطول‬
‫ل إله إل هو إليه الصي‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪،‬‬
‫شهادة معترف بالذ نب والتق صي‪ ،‬سائل الع فو والزل فى وح سن الآب‬
‫يوم الصـي‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله وأمينـه على وحيـه خيـ‬
‫بشيـ‪ ،‬وأش فق نذيـر‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ورسـولك ممـد‬
‫وعلى آله وأصـحابه‪ ،‬نعـم الصـحب له‪ ،‬ونعـم القدوة لنـ طلب الفوز‬
‫والنجاة ف يوم عسي‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فقد روى المام أحد رحه ال ف مسنده‪ ،‬من حديث‬
‫ابن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬أن رسول ال قال‪« :‬إياكم ومقرات‬
‫الذنوب‪ ،‬فإننف يتمعفن على الرجفل حتف يهلكنفه»‪ ،‬وضرب لنـ‬
‫رسـول ال مثلً «كمثفل قوم نزلوا أرض فلة فحضفر صفنيع‬
‫القوم‪ -‬يع ن إعداد طعام هم‪ -‬فج عل الر جل ينطلق فيج يء بالعود‬
‫والر جل ي يء بالبعرة ح ت جعوا سوادًا‪ -‬يع ن ال طب‪ -‬وأججوا‬
‫نارًا‪ ،‬وأنضجوا ما قذفوا فيها»‪.‬‬
‫عباد ال هذا نبينا الصادق الصدوق الريص على هداية أمته‬
‫وناتم يذر الصحابة الذين هم خيار أمته صغائر الذنوب‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫و يبي ل م عواقب ها الوخي مة‪ ،‬بل ويذر ج يع ال مة على أل سن‬
‫الصحابة الأمورين بالتبليغ عنه كما ف هذا الديث الليل‪.‬‬
‫و ف أحاد يث أ خر ب ي عقوبات ذنوب بعين ها‪ ،‬وذ كر ما أطل عه‬
‫ال عليه من عذاب أصحابا ف قبورهم‪ ،‬أو ما ي صل ل م يوم بعثهم‬
‫ونشورهم‪ ،‬أو بعد أن يستقر بم القرار‪.‬‬
‫فمن ذلك‪ :‬الخذ من بيت الال بغي حق‪ ،‬ذكر المام أحد من‬
‫حديث أب رافع رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬مر رسول ال بالبقيع‪ -‬مقابر‬
‫فـ الدينـة‪ -‬فقال‪« :‬أف لك أف لك» فظننـت أنـه يردنـ قال‪« :‬ل‪.‬‬
‫ولكفن هذا قفب فلن بعثتفه سفاعيًا إل آل فلن فَغَلّ نرة فدرع الن‬
‫مثلها من نار»‪ .‬وروى المام أحد أيضًا عن أب رافع قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال ‪« :‬لا عرج ب مررت على قوم لم أظفار من ناس يمشون با‬
‫وجوههم وصدورهم‪ .‬فقلت‪ :‬من هؤلء يا جبيل؟ فقال‪ :‬هؤلء الذين‬
‫يأكلون لوم الناس ويقعون ف أعراضهم» يعن‪ :‬بالغيبة والبهت‪ .‬ومن‬
‫ذلك شرب ال سكرات‪ ،‬ففي صحيح م سلم من حد يث جابر قال‪ :‬قال‬
‫رسـول ال ‪« :‬كفل مفا أسفكر حرام‪ ،‬وإن على ال عهدًا لنف‬
‫شرب السكر أن يسقيه من طينة البال‪ .‬قيل‪ :‬وما طينة البال قال‪:‬‬
‫عصارة أهل النار» و«السكر» هو المر الكبى‪ ،‬وبابه المر الصغرى‪،‬‬
‫وهو التنباك(‪ .)1‬ومن ذلك تصوير ذوات الرواح بالرسم أو بالنحت أو‬
‫بالفتغراف(‪ )2‬فـ الصـحيحي عـن ابـن عمـر رضـي ال عنهمـا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫() انظككر أحكام شربككه‪ ،‬وشرب الخمككر‪ ،‬والكلونيككا المسكككرة‪ ،‬والشيشككة‪ ،‬وأكككل‬
‫الحشيش‪ ،‬والفيون‪ ،‬والقات‪ ،‬وشم الشمه‪( .‬ج ‪ 107 -12/68‬من فتاوى سماحة‬
‫شيخنا)‪.‬‬
‫() كما حقق ذلك العلماء الثقات‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫‪225‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫قال رسول ال ‪« :‬إن الصورين يعذبون يوم القيامة‪ ،‬ويقال لم أحيوا‬
‫مفا خلقتفم»‪ .‬والراضـي بالتصـوير وناصـب الصـور فـ الجالس ونوهـا‬
‫كالفاعل ف أصل الثواب والعقاب‪ .‬ويستثن من التصوير الفتغراف ما يلزم‬
‫به النسان من حفيظة نفوس ونوها مع كراهته للتصوير‪.‬‬
‫ـي ظلمات يوم‬
‫ومـن ذلك «الظال» فـ الال‪ ،‬والعرض‪ ،‬وهـ‬
‫القيامـة‪ ،‬وسـبب لنقصـان السـنات‪ ،‬وتمـل السـيئات‪ ،‬وسـخط رب‬
‫البيات‪ -‬ف صحيح البخاري من حديث أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬عن‬
‫النب قال‪ « :‬من كانت له عند أخيه مظلمة ف مال أو عرض فليأته‬
‫فليتحللها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ول درهم‪ ،‬فإن كانت‬
‫له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا‪ ،‬وإل أخذ من سيئات هذا‬
‫فطر حت عل يه ث طرح ف النار» و ف ال صحيح من حد يث أ ب هريرة‬
‫رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب قال‪« :‬من أخذ شبًا من الرض بغي حقه‬
‫خسف به يوم القيامة إل سبع أرضي» وف السند عن معاذ رضي ال‬
‫عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬أوصـان رسـول ال فقال‪« :‬ل تشرك بال شيئًا وإن‬
‫قتلت أو حرقفت‪ ،‬ول تعقفن والديفك وإن أمراك أن ترج مفن مالك‬
‫وأهلك‪ ،‬ول تتركن صلة مكتوبة متعمدًا فإن من ترك صلة مكتوبة‬
‫متعمدًا فقفد برأت منفه ذمفة ال‪ ،‬ول تشربفن خرًا فإنفه رأس كفل‬
‫فاحشة‪ ،‬وإياك والعصية؛ فإن العصية تل سخط ال»‪.‬‬
‫وذكـر النـب عقوبات عاجلة لذنوب معينـة‪ -‬نسـأل ال‬
‫السلمة منها ومن كل ما يغضب ال‪ -‬روى ابن أب الدنيا عن أنس‬
‫بن مالك رضي ال عنه أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لا‬
‫الرجــل‪ :‬يــا أم الؤمنيــ حدثينــا عــن الزلزلة‪ .‬فقالت‪ :‬إذا‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫اسـتباحوا الزنـا‪ ،‬وشربوا المور‪ ،‬وضربوا بالعازف‪ ،‬غار ال فـ‬
‫سائه فقال للرض‪ :‬تزلزل بم‪ ،‬فإن تابوا ونزعوا وإل أهدمها عليهم‪.‬‬
‫وروى ابـن ماجـه‪ ،‬مـن حديـث عبدال بـن عمـر‪ ،‬قال‪ :‬كنـت عاشـر‬
‫عشرة من الهاجر ين ع ند ر سول ال ‪ ،‬فأق بل علي نا ر سول ال‬
‫بوجهـه فقال‪« :‬يفا معشفر الهاجريفن‪ :‬خسف خصفال أعوذ بال أن‬
‫تدركوهفن‪ :‬مفا ظهرت الفاحشفة فف قوم حتف أعلنوا باف إل ابتلوا‬
‫بالطواعيف والوجاع التف ل تكفن فف أسفلفهم الذيفن مضوا‪-‬‬
‫والفاح شة الز نا واللواط‪ -‬ول ن قص قوم الكيال إل ابتلوا بال سني‬
‫وشدة الؤ نة وجور ال سلطان‪ ،‬و ما م نع قوم زكاة أموال م إل منعوا‬
‫الق طر من ال سماء‪ ،‬ولول البهائم ل يطروا‪ ،‬ول خ فر قوم الع هد إل‬
‫سلط ال عليهم عدوًا من غيهم فأخذوا بعض ما ف أيديهم‪ ،‬وما ل‬
‫تعمل أئمتهم با أنزل ال ف كتابه إل جعل ال بأسهم بينهم » وف‬
‫معجم الطبان عن ابن عباس‪« :‬ول ظهر ف قوم القتل يقتل بعضهم‬
‫بعضًا إل سفلط ال عليهفم عدوهفم‪ ،‬ومفا ترك قوم المفر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر إل ل ترفع أعمالم ول يسمع دعاؤهم» الديث‪.‬‬
‫وللمعاصي من الثار القيبحة الذمومة الضرة بالقلب والبدن ف‬
‫الدنيـا والخرة مـا ل يعلمـه إل ال‪ .‬وقـد ذكـر بعـض العلماء( ‪ )1‬مـن‬
‫عقوباتا ستًا وأربعي عقوبة‪ -‬منها أنا تضعف ف القلب تعظيم الرب‬
‫جل جلله‪ ،‬وترج العبد من دائرة اليان إل دائرة اٍلسلم‪ ،‬وتسبب‬
‫الرعب والوف ف قلب العاصي‪ ،‬وتؤثر نقصان العقل‬
‫‪1‬‬

‫() وهو ابن القيم رحمه ال في الجواب الكافي‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫‪227‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وفسـاده‪ ،‬وتحـق بركـة العمـر‪ ،‬وبركـة الرزق‪ ،‬وبركـة العلم‪،‬‬
‫وبركـة العمـل‪ ،‬وبركـة الطاعـة‪ ،‬وهـي سـبب لوان العبـد على ال‬
‫وسـقوطه مـن عينـه‪ ،‬وتطفـئ نار الغية والياء‪ ،‬وتسـلط العداء‪ .‬قال‬
‫بتن صر لدانيال‪ :‬ما الذي سلطن على قو مك؟ قال‪ :‬ع ظم خطيئ تك‪،‬‬
‫وظلم قو مي أنف سهم‪ .‬ومن ها‪ :‬أن الع بد ل يزال يرت كب الذنوب ح ت‬
‫تون عل يه وت صغر ف قل به‪ ،‬قال ب عض ال سلف‪ :‬العا صي بر يد الك فر‪،‬‬
‫ك ما أن القبلة بر يد الماع‪ ،‬والغناء بر يد الز نا‪ ،‬والن ظر بر يد الع شق‪،‬‬
‫والرض بريد الوت‪.‬‬
‫و من عقوبات ا أن ا ت رّئ على الع بد أهله وخد مه وجيا نه ح ت‬
‫اليوان البه يم‪ ،‬قال ب عض ال سلف‪ :‬إ ن لع صي ال فأعرف ذلك ف‬
‫خلق امرأت ودابت‪ .‬وترؤ عليه نفسه فتستأسد عليه وتصعب عليه فلو‬
‫أرادها ل ي ل تطاوعه ول تنقد له‪ ،‬بل تسوقه إل ما فيه هل كه شاء‬
‫أم أ ب‪ ،‬وتبا عد ع نه اللك الو كل به الذي هو ول يه وأن صح اللق له‪،‬‬
‫وتد ن منه عدوه وأغش اللق وأعظمهم ضررًا له وهو الشيطان؛ فإن‬
‫العبـد إذا عصـى ال تباعـد عنـه اللك بقدر تلك العصـية‪ ،‬حتـ إنـه‬
‫يتبا عد بالكذ بة الواحدة م سافة م يل من ن ت ري ه ك ما جاء ذلك ف‬
‫بعـض الثار‪ ،‬فكيـف باـ هـو أكـب مـن ذلك وأفحـش‪ .‬وقال بعـض‬
‫السـلف‪ :‬إذا ركـب الذكـر الذكـر عجـت الرض إل ال‪ ،‬وهربـت‬
‫اللئكة إل ربا‪ ،‬وشكت إليه عظم ما رأت‪ .‬وقال بعض السلف‪ :‬إذا‬
‫أصـبح ابـن آدم ابتدره اللك والشيطان‪ ،‬فإن ذكـر ال وكـبه وحده‬
‫وهلله طرد اللك الشيطان وتوله‪ ،‬وإن افتتـح بغيـ ذلك ذهـب اللك‬
‫عنه وتوله الشيطان‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ومنهـا أن العبـد إذا وقـع فـ شدة أو كربـة أو بليـة خانـه قلبـه‬
‫ول سانه وجوار حه‪ -‬فل ينجذب قل به للتو كل على ال تعال والنا بة‬
‫إل يه والتضرع والنك سار ب ي يد يه‪ ،‬ول يطاو عه ل سانه لذكره‪ ،‬وإن‬
‫ذكره بلسانه ل يمع بي قلبه ولسانه‪ ،‬ولو أراد من جوارحه أن تعينه‬
‫بطاعة تدفع عنه ل تنقد له ول تطاوعه‪ .‬وقد يونه قلبه ولسانه عند‬
‫الحتضار والنتقال إل ال تعال‪ ،‬فرباـ تعذر عليـه النطـق بالشهادة‬
‫ك ما شا هد الناس كثيًا من الحتضر ين ق يل لحد هم‪ :‬قل ل إله إل‬
‫ال‪ .‬فج عل يهذي بالغناء والعزف‪ ،‬ث ق ضى ول يقل ها‪ .‬وق يل لب عض‬
‫لعـب القمار والعشاق العشـق الحرم‪ ،‬فأجابوا بالواب السـيئ الذي‬
‫اسـتول على مشاعرهـم ول يقولوا ل إله إل ال عنـد آخـر نفـس‪.‬‬
‫فك يف يو فق ل سن الات ة من أغ فل قل به عن ذ كر ال وات بع هواه‬
‫وكان أمره فرطًا‪.‬‬
‫و قد يتأ خر تأث ي الذ نب فين سى ث ين قض ولو ب عد ح ي ك ما‬
‫ينقـض السـهم وكمـا ينقـض الرح الندمـل على الغـش والدغـل‪ ،‬أو‬
‫يكون ضرره فـ الديـن‪ .‬وإن أخـر له فـ الخرة فعذاب الخرة أشـد‬
‫وأبقى‪ .‬ذكر عبدال بن أحد عن ابن سيين أنه لا ركبه الدين اغتم‬
‫لذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إنـ لعرف هذا الغـم بذنـب أصـبته منـذ أربعيـ سـنة‪.‬‬
‫ون ظر ب عض العباد إل صب‪ ،‬فتأ مل ما سنه‪ ،‬فأ ت ف منا مه‪ ،‬وق يل له‪:‬‬
‫لتجدن غبها بعد أربعي سنة‪.‬‬
‫والؤمـن مـن ل يسـتصغر الذنـب‪ ،‬قال بعـض السـلف ويروى‬
‫مرفوعًـا‪« :‬ل تنظروا فف صفغر الذنوب‪ ،‬ولكفن انظروا على مفن‬
‫اجترأت» وقال الفضيل بن عياض‪ :‬بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم‬

‫‪228‬‬

‫‪229‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ع ند ال‪ ،‬وبقدر ما يع ظم عندك ي صغر ع ند ال‪ .‬وذ كر البخاري ف‬
‫صحيحه عن ابن م سعود ر ضي ال عنه قال‪« :‬إن الؤمن يرى ذنو به‬
‫كأناف فف أصفل جبفل ياف أن يقفع عليفه‪ ،‬وإن الفاجفر يرى ذنوبفه‬
‫كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار»‪.‬‬
‫عباد ال!! قد يلم ال سلم بب عض الذنوب ال صغائر أو الكبائر ث‬
‫ي ن ال عل يه بالتو بة فيقلع عن الذ نب ويندم على فعله ويعزم على أل‬
‫يعود إليه فينمحي عنه أثر الذنب حت كأنه ل يذنب‪ .‬وقد يكون بعد‬
‫التوبة خيًا منه قبل الطيئة‪ ،‬كما حصل لدم ‪ ،‬وذلك ب سب قوة‬
‫التوبة وكمالا‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واحر صوا على سلمة أنف سكم من صغائر‬
‫الذنوب وكبائر ها‪ ،‬و من أذ نب فليع جل التو بة ليع يش سعيدًا ف هذه‬
‫الياة‪ ،‬ويفوز بالسـلمة والسـن بعـد المات‪ ،‬وتلك أحسـن الغايات‬
‫والمنيات‪.‬‬
‫روى المام أح د والترمذي عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه قال‪:‬‬
‫قال ر سول ال ‪ « :‬إن الؤ من إذا أذ نب ذنبًا ن كت ف قل به نك تة‬
‫سفوداء‪ ،‬فإن تاب ونزع واسفتغفر صفقل قلبفه»‪ .‬أعوذ بال مـن‬
‫الشطيان الرج يم‪ :‬وَإِنّ ي لَغَفّارٌ لِمَ نْ تَا بَ وَآَمَ نَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمّ‬
‫اهْتَدَى [طه‪ .]82 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل نمده ونسـتعينه ونسـتغفره‪ ،‬ونعوذ بال مـن شرور‬
‫أنف سنا و من سيئات أعمال نا‪ ،‬من يهده ال فل م ضل له‪ ،‬و من يضلل‬
‫فل هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ .‬وأشهد أن‬
‫ممدًا عبده ور سوله‪ .‬من ي طع ال ور سوله ف قد ر شد‪ ،‬من ي عص ال‬
‫ورسوله فقد غوى‪ ،‬ومن غوى فلن يضر إل نفسه ولن يضر ال شيئًا‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال سأل ر جل ال سن الب صري فقال‪ :‬يا أ با‬
‫سـعيد كيـف نصـنع بجالسـة قوم يوفونـا حتـ تكاد قلوبنـا تنقطـع؟‬
‫فقال‪ :‬وال لن تصحب أقوامًا يوفونك حت تدرك أمنًا خي لك من‬
‫أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حت تلحقك الخاوف‪.‬‬
‫و قد و صف ال أ هل ال سعادة بالح سان مع الوف‪ ،‬وو صف‬
‫الشقياء بالساءة مع المن‪.‬‬
‫ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم ف غاية ال د ف العمل‬
‫مع غا ية الوف‪ ،‬ون ن جع نا ب ي التق صي بل التفر يط وال من‪ .‬ذ كر‬
‫المام أح د‪ :‬أن أ با ب كر ال صديق ر ضي ال ع نه كان ي سك بل سانه‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬هذا الذي أورد ن الوارد‪ .‬وأتى بطائر فأخذ يقلبه ث قال‪ :‬ما‬
‫صيد من صيد ول قطعت من شجرة إل با ضعيت من التسبيح‪ .‬وقرأ‬
‫عمر بن الطاب رضي ال عنه «سورة الطور» إل أن بلغ قوله‪ :‬إِنّ‬
‫عَذَابَ رَبّ كَ لَوَاقِعٌ [الطور‪.]7 :‬‬
‫فبكــى واشتــد بكاؤه حتــ مرض وعادوه‪ .‬وقال لبنــه‬

‫‪230‬‬

‫‪231‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ف سياق الوت‪ :‬وي ك ضع خدي على الرض ع ساه أن يرح ن‪ .‬ث‬
‫قال‪ :‬ويل أمي إن ل يغفر ل ثل ثًا‪ ،‬ث قضى‪ .‬وقال له ابن عباس مُ صّر‬
‫بك المصار‪ ،‬وفتح بك الفتوح‪ ،‬وفعل‪ ،‬وفعل فقال‪« :‬وددت أن أنو‬
‫ل أجر ول وزر»‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وســيوا إل ال بيــ الوف والرجاء‬
‫َبف‬
‫ُمف أَقْر ُ‬
‫ِمف الْوَسفِيلَةَ أَيّ ه ْ‬
‫ُونف إِلَى رَبّ ه ُ‬
‫ُونف يَبْتَغ َ‬
‫ِينف يَدْع َ‬
‫ِكف الّ ذ َ‬
‫أُولَئ َ‬
‫وَيَرْجُو نَ رَحْمَتَ هُ وَيَخَافُو نَ عَذَابَ هُ إِنّ عَذَا بَ رَبّ كَ كَا نَ مَحْذُورًا‬
‫[السرَاء‪ . )1 (]57 :‬إن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() من الجواب الكافي‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أبو بكر الصديق‬
‫أفضليته‪ ،‬وأحقيته باللفة الول‬

‫( ‪)1‬‬

‫المـد ل الواحـد القهار‪ ،‬يلق مـا يشاء ويتار‪ ،‬اختار ممدًا‬
‫واختار له أصحابًا هم الهاجرون والنصار‪.‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬
‫الكر ي‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّ لُو نَ مِ نَ الْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْ صَارِ وَالّ ذِي نَ‬
‫اتّ بَعُوهُ مْ بِإِحْ سَانٍ رَضِ يَ اللّ هُ عَنْهُ مْ وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ‬
‫تَجْرِي تَحْتَهَفا الْأَنْهَارُ [التّوبَـة‪ ]100 :‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ور سوله القائل‪« :‬أ صحاب كالنجوم» و«ل ت سبوا أ صحاب‪ ،‬فوالذي‬
‫نف سي بيده لو أن أحد كم أن فق م ثل أ حد ذهبًا ما بلغ مدّ أحد هم‬
‫ول ن صيفه» «علي كم ب سنت و سنة اللفاء الراشد ين الهدي ي من‬
‫بعدي» «اقتدوا باللذيففن مففن بعدي أبفف بكففر وعمففر»‪.‬‬
‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه الذين‬
‫آمنوا بـه ووقروه‪ ،‬ونصـروه واتبعوا النور الذي أنزل معـه أولئك هـم‬
‫الفلحون‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فإن خيـ اللق ممـد‬
‫‪1‬‬

‫‪ ،‬وخيـ أمـة ممـد‬

‫() قلت‪ :‬وقكد جمعكت فكي فضائله وأحقيتكه بالخلفكة مكن منهاج السكنة كتابًا طبكع‬
‫بهذا العنوان (أبو بكر الصديق أفضل الصحابة‪ ،‬وأحقهم بالخلفة) وكتابًا آخر‬
‫منككه بعنوان (آل رسككول ال وأولياؤه) ط ‪1412‬هككك ذكرت فيككه عقائدهككم‬
‫وفضائلهم وفقههم‪ ،‬وفقهاءهم‪ ،‬ومن خالفهم‪.‬‬

‫‪232‬‬

‫‪233‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أ صحابه‪ ،‬وخ ي أ صحابه أ بو ب كر‪ ،‬ث ع مر‪ ،‬ث عثمان‪ ،‬ث علي ر ضي‬
‫ال عنهم أجعي‪ .‬هذا ترتيبهم ف الفضل ودرجتهم ف اللفة‪.‬‬
‫وبيان فضائل كل ال صحابة‪ -‬يا عباد ال‪ -‬و ما كانوا عل يه من‬
‫الحبة والتعاون على الق ودفع الطعن عنهم من الدين‪ ،‬خصوصًا إذا‬
‫فشـا الطعـن فيهـم مـن البتدعيـ أو عباد القبور أو اللحديـن‪ ،‬لن‬
‫ال صحابة هم حلة ر سالة ال سلم إل ال مة‪ ،‬فالط عن في هم ط عن ف‬
‫الرسـول‪ ،‬وسـوء ظـن بالرسـل تعال وتقدس‪ ،‬قال المام مالك رحهـ‬
‫وال وغيه من أ هل العلم‪ :‬هؤلء طعنوا ف أ صحاب ر سول ال ‪،‬‬
‫إنا طعنوا ف أصحابه ليقول القائل‪ :‬رجل سوء كان له أصحاب سوء‪،‬‬
‫ولو كان رجلً صالًا لكان أصحابه صالي‪ .‬اهـ‪.‬‬
‫و قد قال ال تعال ف الثناء علي هم‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّ لُو نَ مِ نَ‬
‫ُمف‬
‫ّهف عَنْه ْ‬
‫ِيف الل ُ‬
‫ُمف بِإِحْسفَانٍ رَض َ‬
‫ِينف اتّبَعُوه ْ‬
‫ِينف وَالْأَنْصفَارِ وَالّذ َ‬
‫الْمُهَاجِر َ‬
‫وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِي نَ فِيهَا أَبَدًا‬
‫ِيمف [التوبـة‪ ]100 :‬قال الشعـب‪ :‬وَالسفّابِقُونَ‬
‫ِكف الْفَوْزُ الْعَظ ُ‬
‫ذَل َ‬
‫ِينف وَالْأَنْصفَارِ مـن أدرك بيعـة الرضوان عام‬
‫ِنف الْمُهَاجِر َ‬
‫ُونف م َ‬
‫الْأَوّل َ‬
‫الديبية‪ .‬وقال ممد بن كعب القرظي‪ :‬مر عمر بن الطاب برجل يقرأ‬
‫هذه ال ية‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّلُو نَ فأ خذ بيده فقال‪ :‬من أقرأك هذا؟‬
‫فقال‪ :‬أب بن كعب‪ .‬فقال‪ :‬ل تفارقن حت أذهب بك إليه‪ ،‬فلما جاءه‬
‫قال ع مر‪ :‬أ نت أقرأت هذا هذه اليـة هكذا؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬قال‪ :‬و سعتها‬
‫من ر سول ال ؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬قال‪ :‬ل قد كن تُ أُرى أ نا رفع نا رف عة ل‬
‫يبلغها أحد بعدنا‪ .‬فقال أبّ‪ :‬تصديق هذه الية ف أول سورة المعة‬
‫وَآَخَرِي نَ مِنْهُ مْ لَمّ ا يَلْحَقُوا بِهِ مْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِي مُ [الُمْعَة‪:‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪.]3‬‬
‫و ف سورة ال شر وَالّ ذِي نَ جَاءُوا مِ نْ بَعْدِهِ مْ يَقُولُو نَ رَبّنَا‬
‫اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّ ذِي نَ سَبَقُونَا بِالْإِيَا نِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّا‬
‫لِلّ ذِي نَ آَمَنُوا رَبّنَا إِنّ كَ رَءُو فٌ رَحِي مٌ [ال شر‪ ]10 :‬و ف سورة‬
‫النفال‪ :‬وَالّ ذِينففَ آَمَنُوا مِنففْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمففْ‬
‫فَأُولَئِ كَ مِنْكُ مْ [النفال‪ .]75 :‬فقد أخب ال العظيم أنه قد رضي‬
‫عن السابقي الولي من الهاجي والنصار والذين اتبعوهم بإحسان‪،‬‬
‫وهـو تبارك وتعال ل يرضـى إل عمـن علم أنـه يوت على السـلم‬
‫والحسـان‪ .‬فيـا ويـل مـن سـبهم‪ ،‬أو أبغضهـم‪ ،‬أو أبغـض أو سـب‬
‫بعض هم‪ ،‬ول سيما سيد ال صحابة ب عد الر سول وخي هم وأفضل هم أع ن‬
‫ال صديق ال كب‪ ،‬واللي فة الع ظم‪ ،‬أ با ب كر ر ضي ال ع نه ؛ ف قد نط قت‬
‫بفضله اليات والخبار‪ ،‬واجت مع على بيع ته الهاجرون والن صار ثَانِ يَ‬
‫اثْنَيْ ِن ِإذْ هُمَا فِي اْلغَارِ [التّوبَة‪ُ ]40 :‬دعْ يَ إل السلم فما تلعثم ول‬
‫أب‪ ،‬وسار على الحجة فما زل ول كبا‪ ،‬وصب من مُدى العدى على وقع‬
‫الش با‪ ،‬وأك ثر ف النفاق ح ت تلل بالع با‪ ،‬تال ل قد زاد على ال سبك ف‬
‫كل دينار دينار‪ :‬ثَانِ َي اثْنَيْ نِ ِإ ْذ هُمَا فِي اْلغَارِ من كان قرين النب ف‬
‫شبا به؟ من الذي سبق إل اليان من أ صحابه؟ من الذي أف ت بضر ته‬
‫سريعًا ف جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي‬
‫ضاج عه ب عد الوت ف ترا به؟ فاعرفوا حق الار‪ .‬ن ض يوم الردة بف هم‬
‫واستيقاظ‪ ،‬وأبان من الكتاب معنّ دق عن حديد اللاظ‪ ،‬فالحب يفرح‬
‫ح ّمدٌ رَ سُو ُل اللّ هِ وَالّذِي َن َمعَ هُ أَ ِشدّاءُ عَلَى‬
‫بفضائله‪ ،‬والب غض يغتاظ مُ َ‬
‫الْ ُكفّارِ [الفَتْح‪ ]29 :‬ف هو ثا ن اثن ي ف ال سلم‪ ،‬و ف الن فس‪ ،‬و ف‬

‫‪234‬‬

‫‪235‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الزهد‪ ،‬وف الصحبة‪ ،‬وف اللفة‪ ،‬وف العمر‪ ،‬وف سبب الوت؛ لن‬
‫الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات‪ .‬أسلم على يديه‬
‫من العشرة‪ :‬عثمان‪ ،‬وطل حة‪ ،‬والزب ي‪ ،‬وعبدالرح ن بن عوف‪ ،‬و سعد‬
‫بن أب وقاص‪ .‬وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما‬
‫كان السـلم إليهـا‪ ،‬قال النـب ‪« :‬مفا نفعنف مال مفا نفعنف مال أبف‬
‫بكر»‪ .‬كم وف الرسول بالال والنفس‪ ،‬وكان أخص به ف حياته‪ ،‬وهو‬
‫ضجي عه ف الر مس‪ ،‬فضائله جليلة و هي خل ية من الل بس‪ ،‬يا عجبًا من‬
‫يغ طي ضوء الش مس ف ن صف النهار‪ ،‬ل قد دخل غارًا ل ي سكنه ل بث‪،‬‬
‫فاسـتوحش الصـديق مـن خوف الوادث‪ ،‬فقال الرسـول ‪« :‬مفا نظفر‬
‫باثنيف وال الثالث» فنلت السـكينة وزال القلق وارتفـع خوف الادث‪،‬‬
‫فقام مؤذن الن صر ينادي على منابر الم صار‪ :‬ثَانِ يَ اثْنَيْ ِن ِإذْ هُمَا فِي‬
‫الْغَارِ ح به وال رأس النيف ية‪ ،‬وبغ ضه يدل على خ بث الطو ية‪ ،‬ف هو‬
‫خيـ الصـحابة والقرابـة‪ ،‬والجـة على ذلك قويـة‪ ،‬قال ابـن النفيـة‬
‫مؤكدًا صحة إمامته‪« :‬وال ما أحببنا لوانا‪ ،‬ولكن أخذنا بقول علي‬
‫وكفانا‪ :‬رضيك رسول ال لديننا أفل نرضاك لدنيانا»‪.‬‬
‫خلفته انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له‪ ،‬والنب أخب‬
‫بوقوعها على سبيل المد لا والرضا با‪ ،‬وأمر بطاعته وتفويض المر‬
‫له‪ ،‬ودل المة وأرشدها إل بيعته‪ ،‬قال ‪ « :‬رأيت كأن على قليب‬
‫أنزع من ها‪ ،‬فأ تى ا بن أ ب قحا فة فنع ذنوبًا أو ذنوب ي» وقال ‪:‬‬
‫« ادعي ل أباك حت أكتب لب بكر كتابًا ل يتلف عليه الناس من‬
‫بعدي‪ .‬ث قال‪ :‬يأ ب ال والؤمنون إل أ با ب كر» وقال ‪ « :‬اقتدوا‬
‫باللذيفن مفن بعدي أبف بكفر وعمفر» وتقديهـ فـ الصـلة‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫« سدوا كل خوخة ف السجد إل خوخة أب بكر»‪.‬‬
‫وغ ي ذلك من الحاد يث‪ .‬والقرآن قد دل على ال ب بوقوع ها‬
‫ف وَعَمِلُوا الصفّالِحَاتِ‬
‫ف آَمَنُوا مِنْكُم ْ‬
‫ف الّ ذِين َ‬
‫قال تعال‪ :‬وَعَدَ اللّه ُ‬
‫لَيَ سْتَخْلِفَنّ هُمْ فِي الْأَرْ ضِ [النّور‪ ]55 :‬وأ مر بطاع ته ف قوله‪:‬‬
‫ُسفلِمُونَ‬
‫ُمف أَوْ ي ْ‬
‫ْسف شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَه ْ‬
‫ْمف أُولِي بَأ ٍ‬
‫سفتُدْعَوْنَ إِلَى قَو ٍ‬
‫َ‬
‫[الفَتْح‪ ]116 :‬وأر شد ال مة إل ذلك فقال‪ :‬وَ سَيُجَنّ بُهَا الْأَتْقَى *‬
‫الّ ذِي يُؤْتِي مَالَ هُ يَتَزَكّ ى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَ هُ مِ نْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلّا‬
‫ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّ هِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل‪.]20 -17 :‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وانظروا إل اسـتخلف النـب لبـ بكـر فـ‬
‫هذه الحاد يث وشواهد ها من اليات القرآن ية‪ ،‬ث وقوع البي عة من‬
‫الؤمن ي له عن طواع ية واختيار‪ ،‬ل عن إكراه ول بذل مال‪ ،‬وظهور‬
‫مصداق قول رسول ال ‪ « :‬يأب ال والؤمنون إل أبا بكر » ث هو‬
‫قد زهد ف اللفة عرضها على عمر وأب عبيدة فأبيا‪ ،‬ث ما كان ف‬
‫خلف ته من ثبات الناس على الد ين‪ ،‬وانتشاره وق مع الرتد ين‪ ،‬ث إ نه‬
‫اكتفى بدرهي يتقاضاها كل يوم حي اشتغل باللفة عن التكسب‬
‫لنفسه وعياله‪.‬‬
‫فهذا مسـلك أهـل السـنة والماعـة فـ فضله‪ ،‬واعتباره الليفـة‬
‫الول بعد رسول ال ‪ ،‬وهو السلك السديد‪ ،‬والقول الرشيد‪ ،‬سأل‬
‫هارون الرش يد مالك بن أ نس رح ه ال‪ :‬ما منلة أ ب ب كر وع مر من‬
‫رسول ال ؟ فقال‪ :‬أف شك أنت يا أمي الؤمني؟ منلتهما منه ف‬
‫حيا ته كمنلته ما م نه ب عد وفا ته قبا م عه‪ .‬فقال‪ :‬شفيت ن يا مالك‪،‬‬
‫شفيتن يا مالك‪ .‬اللهم ارض عن أب بكر وعن سائر أصحاب نبيك‬

‫‪236‬‬

‫‪237‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أجعي‪.‬‬
‫أعوذ بال من الشطيان الرجيم مُحَمّ دٌ رَ سُولُ اللّ هِ وَالّ ذِي نَ مَعَ هُ‬
‫أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُ مْ تَرَاهُ مْ رُكّ عًا سُجّ دًا يَبْتَغُو نَ فَضْلًا مِ نَ‬
‫اللّ هِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِ مْ مِ نْ أَثَرِ ال سّ جُودِ ذَلِ كَ مَثَلُهُ مْ فِي‬
‫َاسفتَغْلَظَ‬
‫َهف ف ْ‬
‫َهف فَآَزَر ُ‬
‫َجف شَطْأ ُ‬
‫ْعف أَخْر َ‬
‫ُمف فِي الْإِنْجِيلِ كَزَر ٍ‬
‫التّ وْرَاةِ وَمَثَلُه ْ‬
‫فَا سْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِ بُ الزّ رّا عَ لِيَغِي ظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّ هُ الّ ذِي نَ‬
‫آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح‪.]29 :‬‬

‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل م عز من أطا عه واتقاه‪ ،‬ومذل من أضاع أمره وع صاه‬
‫وال مد ل الذي أ يد ال سلم بأ ب ب كر ف حياة ر سوله‪ ،‬وحف ظه به‬
‫بعد وفاته‪ ،‬فرضي ال عنه وأرضاه‪.‬‬
‫وأشهــد ان ل إله إل ال وحده ل شريــك له وفــ بوعده؛‬
‫فاستخلف أبا بكر ف الرض ومكن له دينه ولصحبه‪ ،‬ودعا رضي ال‬
‫عنـه العراب إل قتال فارس والروم والرتديـن مـن بنـ حنيفـة‬
‫فاستجابوا لمره‪ .‬وهو الذي وصفه ال بأنه الْأَتْقَى فهذا ترشيح‬
‫له من ربه للخلفة العظمى‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله اصطفاه ال واجتباه‪ .‬اللهم صلّ‬
‫وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬لن ستمع إل ع مر بن الطاب ر ضي ال‬
‫عنه يصف لنا ليلة ويومًا من أيام أب بكر ولياليه‪ -‬روى الطلمنكي من‬
‫حد يث ميمون بن مهران‪ ،‬قال‪ :‬كان أ بو مو سى الشعري إذا خ طب‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بالبصـرة يوم المعـة وكان واليهـا صـلى على النـب ‪ ،‬ثـ‬
‫ث ن بع مر بن الطاب يد عو له‪ .‬فقام ض بة بن م صن العني‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فأين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه‪ -‬يعن أبا بكر رضي ال‬
‫عنه ما‪ -‬ث ق عد‪ .‬فل ما ف عل ذلك مرارًا أم كه أ بو مو سى فك تب أ بو‬
‫موسى إل عمر رضي ال عنه ‪ :‬أن ضبة يطعن علينا‪ ،‬ويفعل‪ ،‬فكتب‬
‫عمر إل ضبة أن يرج إليه‪ ،‬فبعث به أبو موسى‪ ،‬فلما قدم ضبة الدينة‬
‫على ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬فقال الا جب‪ :‬ض بة العني بالباب‪ .‬فأذن‬
‫له‪ ،‬فل ما د خل عل يه قال‪ :‬ل مرحبًا بض بة‪ ،‬ول أهلً‪ .‬قال ض بة‪ :‬أ ما‬
‫الر حب ف من ال تعال‪ .‬وأما ال هل فل أهل ول مال‪ .‬فيم استحللت‬
‫إشخاصي من بصرى بل ذنب أذنبت‪ ،‬ول شيء أتيت؟ قال‪ :‬ما الذي‬
‫شجر بينك وبي عاملك؟ قلت‪ :‬الن أخبك يا أمي الؤمني‪ -‬إنه كان‬
‫إذا خ طب ح د ال وأث ن عل يه‪ ،‬و صلى على ال نب ‪ ،‬ث ث ن يد عو‬
‫لك‪ ،‬فغاضب ن ذلك م نه‪ ،‬وقلت‪ :‬أ ين أ نت من صاحبه تفضله عل يه؟‬
‫فك تب إل يك يشكو ن‪ .‬قال فاند فع ع مر ر ضي ال ع نه باكيًا‪ ،‬و هو‬
‫يقول‪ :‬أنت وال أوفق منه وأرشد منه‪ ،‬فهل أنت غافر ل ذنب يغفر‬
‫ال لك؟ قلت‪ :‬غ فر ال لك يا أم ي الؤمن ي؛ ث اند فع باكيًا يقول‪:‬‬
‫وال لليلة من أ ب ب كر ويوم خ ي من ع مر وآل ع مر‪ -‬ف هل لك أن‬
‫أحد ثك بيو مه وليل ته؟ قلت‪ :‬ن عم يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬قال‪ :‬أ ما «ليل ته»‬
‫فإن ر سول ال ل ا خرج من م كة هاربًا من الشرك ي خرج ليلً‬
‫فتب عه أ بو ب كر‪ ،‬فج عل ي شي مرة أما مه‪ ،‬ومرة خل فه‪ ،‬ومرة عن يي نه‪،‬‬
‫ومرة عن يساره‪ .‬فقال رسول ال ‪ « :‬ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف‬
‫هذا من فعلك»‪ .‬فقال‪ :‬يا ر سول ال‪ :‬أذ كر الر صد فأكون أما مك‪،‬‬

‫‪238‬‬

‫‪239‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأذكر الطلب فأكون خلفك‪ ،‬ومرة عن يينك‪ ،‬ومرة عن يسارك‪ ،‬ل‬
‫آ من عليك‪ .‬فم ضى ر سول ال على أطراف أ صابعه ح ت حف يت‪،‬‬
‫فلما رأى أبو بكر رضي ال عنه أنا حفيت حله على عاتقه حت أتى‬
‫بـه فـم الغار( ‪ )1‬فأنزله‪ .‬ثـ قال‪ :‬والذي بعثـك بالقـ ل تدخله حتـ‬
‫أدخله‪ ،‬فل ما دخل وجد الصديق أجحار الفاعي‪ ،‬فلما رأى أبو بكر‬
‫ذلك ألقمـه عقبـه‪ ،‬فجعلن يلسـعنه ويضربنـه‪ ،‬وجعلت دموعـه تتحادر‬
‫على خده من أل ما يد‪ ،‬ورسول ال يقول‪ :‬لَا تَحْزَ نْ إِنّ اللّ هَ‬
‫مَعَنَا فأنزل ال سكينته وطمأنينته على أب بكر‪ .‬فهذه ليلته‪.‬‬
‫وأ ما «يو مه»‪ -‬فل ما تو ف ر سول ال وارتدت العرب‪ ،‬فقال‬
‫بعضهم‪ :‬نصلي ول نزكي‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬نزكي‪ ،‬ول نصلي‪ .‬فأتيته ل‬
‫آلوه نصحًا‪ ،‬فقلت‪ :‬يا خليفة رسول ال تألف الناس وارفق بم‪ .‬فقال‬
‫ل‪ :‬أجبار فـ الاهليـة‪ ،‬وخوار فـ السـلم؟! قبـض رسـول ال‬
‫وارتفـع الوحـي‪ ،‬وال لو منعونـ عقالًا كانوا يؤدونـه إل رسـول ال‬
‫لقاتلت هم عل يه‪ .‬فكان وال رش يد ال مر‪ .‬فهذا يو مه‪ .‬ث ك تب إل أ ب‬
‫موسى يلومه( ‪.)2‬‬
‫و عن جابر ر ضي ال ع نه قال‪ :‬ق يل لعائ شة ر ضي ال عن ها‪ :‬إن‬
‫نا سًا يتناولون أ صحاب ر سول ال ح ت أ با ب كر وع مر‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫وما تعجبون من هذا‪ ،‬انقطع عنهم العمل فأحب ال أن ل يقطع عنهم‬
‫الجر( ‪ . )3‬إن أحسن الديث‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫() غار ثور‪.‬‬
‫() وحديث ضبة هذا من أشهر الحاديث منهاج ج(‪ ،)2‬ص(‪.)286 ،185‬‬
‫() بدائع ج(‪ )4/217‬البداية والنهاية ج(‪.)3/187‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عمر بن الطاب‬
‫فضائله‪ ،‬وعز السلم به‬
‫المـد ل اللك الوهاب‪ ،‬هـو أعلم حيـث يعـل رسـالته ويتار‬
‫لكـل نـب حوارييـ وأصـحاب‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريـك له أعـز السـلم بعمـر بـن الطاب‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ورسـوله أوصـى بالتمسـك بسـنته وسـنة اللفاء الراشديـن مـن بعده‪،‬‬
‫صلى ال و سلم وبارك على عبده ور سوله ممـد‪ ،‬وعلى آله و صحبه‬
‫الذين رضي ال عنهم ورضوا عنه‪ ،‬ومنهم أبو بكر وعمر‪ ،‬وكانا أول‬
‫ال صحابة بالل فة بعده‪ ،‬وحازا ق صب ال سبق إل ق مم الفضائل‪ ،‬وقال‬
‫النب ‪ « :‬لو كان نب بعدي لكان عمر»‪.‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال أوصـيكم وإياي بتقوى ال تعال وأداء‬
‫حقـه‪ ،‬وامتثال أمـر نـبيه ‪ ،‬والتصـديق بأخباره‪ ،‬ومعرفـة فضائل‬
‫أصحابه‪ ،‬والجتهاد ف القتداء بم ومبتهم فالرء مع من أحب‪ ،‬وإن‬
‫ل يلحق به‪.‬‬
‫وإن أجل أصحاب رسول ال هو أبو بكر‪ ،‬وبعد أب بكر ف‬
‫الفضل واللفة عمر‪ .‬ومعرفة فضائلهما من السنة‪ ،‬بل هي عند بعض‬
‫العلماء‪ ،‬من الواجب‪ .‬وقال بعض العلماء‪ :‬إذ أردت أن يطيب الجلس‬
‫فأفيضوا ف ذكر عمر‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫‪241‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عباد ال لقد دعا النب ربه أن يهدي عمر بن الطاب ويعز‬
‫السـلم به فأجاب ال دعو ته‪ ،‬ورأى ال صحابة م صداق هذه الدعوة‬
‫منذ أسلم عمر إل أن استشهد رضي ال عنه ؛ فعن نافع عن ابن عمر‬
‫رضـي ال عنهمـا‪ ،‬أن النـب قال‪« :‬اللهفم أعفز السفلم بأحفب‬
‫الرجل ي إل يك‪ :‬بع مر بن الطاب‪ ،‬أو بأ ب ج هل بن هشام‪ ،‬وكان‬
‫أحبه ما إل يه ع مر» و عن صهيب بن سنان ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬ل ا‬
‫أسلم عمر رضوان ال عنه ظهر السلم‪ ،‬ودعي إليه علنية‪ ،‬وجلسنا‬
‫حول الب يت حلقًا‪ ،‬وطف نا بالب يت‪ ،‬وانت صفنا م ن غلظ علي نا‪ ،‬وردد نا‬
‫عليه بعض ما يأت به‪ .‬وقال ابن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬ما زلنا أعز‬
‫منذ أسلم عمر‪.‬‬
‫واسعوا عباد ال الثناء العطر من رسول ال على صاحبيه أب‬
‫ب كر وع مر‪ ،‬وتقديره التام ل ما‪ ،‬وأمره بالقتداء ب ما‪ ،‬والشهادة ل ما‬
‫أن ما من أ هل ال نة‪ ،‬بل من سادات أ هل ال نة و هو ل ين طق عن‬
‫الوى عن علي بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬بي نا ر سول ال‬
‫وأنا معه ف السجد ليس معنا ثالث إذ أقبل أبو بكر وعمر كل واحد‬
‫منهما آخذ بيد صاحبه‪ ،‬فقال‪ « :‬يا علي هذان سيدا كهول أهل النة‬
‫من مضى من الولي والخرين ما خل النبيي والرسلي‪ ،‬يا علي ل‬
‫تبها بذلك‪ ،‬فما أخبت بذا الديث حت ماتا»‪ .‬وعن حذيفة رضي‬
‫ال عنه قال‪ :‬كنا جلوسًا عند رسول ال فقال‪« :‬إن لست أدري ما‬
‫بقائي فيكم‪ ،‬فاقتدوا باللذين من بعدي أب بكر وعمر‪ ،‬واهتدوا بدي‬
‫عمار‪ ،‬وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫والصـحابة والتابعون يعرفون تلك النلة الرفيعـة لمـا رضـي ال‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عنهما‪ ،‬عن أب حازم عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬قيل لعلي بن السي رضوان ال‬
‫عليه ما‪ :‬ك يف كا نت منلة أ ب ب كر وع مر من ر سول ال ؟ قال‪:‬‬
‫كمنلتهمـا اليوم وهاـ ضجيعاه‪ .‬وعـن العتكـي‪ ،‬قال‪ :‬قال هارون‬
‫الرشيد لالك‪ :‬كيف كانت منلة أب بكر وعمر من رسول ال ؟‬
‫قال كقرب قبه ا من قبه‪ .‬قال‪ :‬شفيت ن يا مالك‪ .‬و عن جع فر بن‬
‫ممد عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬قال رجل من قريش لعلي بن أب طالب رضي ال‬
‫عنه ‪ :‬يا أمي الؤمني سعتك تقول ف الطبة آنفًا‪ :‬اللهم أصلحنا با‬
‫أ صلحت به اللفاء الراشد ين الهدي ي‪ ،‬ف من هم؟ فاغرور قت عيناه‪ ،‬ث‬
‫أهلهمـا‪ ،‬ثـ قال‪ :‬هاـ حـبيباي وعماك أبـو بكـر وعمـر‪ ،‬إمامـا الدى‪،‬‬
‫وشيخا ال سلم‪ ،‬ورجل قريش‪ ،‬والقتدى ب ما بعد رسول ال ‪ ،‬من‬
‫اقتدى بما عصم‪ ،‬ومن اتبع آثارها هدي الصراط الستقيم‪ ،‬ومن تسك‬
‫بمـا فهـو مـن حزب ال‪ ،‬وحزب ال هـم الفلحون‪ .‬وعـن أبـ سـعيد‬
‫الدري ر ضي ال عنه ‪ ،‬عن النب قال‪« :‬إن أ هل ال نة ليون أ هل‬
‫عليي كما ترون الكوكب الدري ف أفق السماء‪ ،‬وإن أبا بكر وعمر‬
‫منهم وأنعما» قيل‪ :‬يا أبا سعيد وما «أنعما» قال‪ :‬أهل ذلك ها‪ .‬وعن‬
‫ممـد بـن النكدر‪ ،‬قال‪ :‬سـعت جابر بـن عبدال يقول‪ :‬قال رسـول ال‬
‫‪« :‬أدخلت النة فرأيت فيها دارًا وقصرًا فسمعت فيه ضوضاء أو‬
‫صوتًا فقلت‪ ،‬لن هذا؟ فقيل‪ :‬لعمر فأردت أن أدخله فذكرت غيتك؛‬
‫فب كى ع مر» وقال يا ر سول ال‪ :‬أو يغار عل يك و ف حد يث أ ب أما مة‬
‫قال‪« :‬فمضيفت فإذا أكثفر أهفل النفة فقراء الهاجريفن وذراري‬
‫السفلمي‪ ،‬ول أر فيهفا أحدًا أقفل مفن الغنياء والنسفاء‪ .‬قيفل‪ :‬أمفا‬
‫الغنياء ف هم هه نا بالباب يا سبون وي صون‪ .‬وأ ما الن ساء فألا هن‬

‫‪242‬‬

‫‪243‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الحران الذهب والرير‪ ،‬ث خرجنا من أحد أبواب النة الثمانية‪،‬‬
‫فل ما ك نت ع ند الباب أت يت بك فة فوض عت في ها ووض عت أم ت ف‬
‫كفة فرجحت با‪ ،‬ث أت بأب بكر فوضع ف كفة وجيء بميع أمت‬
‫فوضعوا فرجح أبو بكر‪ ،‬ث أتى بعمر فوضع ف كفة وجيء بميع‬
‫أمت فوضعوا فرجح عمر»‪.‬‬
‫واسعوا رحكم ال إل قصة استخلف أب بكر وبيعته له وهي‬
‫ت كي النا هة التا مة من أ ب ب كر و من ع مر و من ال صحابة ر ضي ال‬
‫عنهم أجعي‪ ،‬ونصحهم لنفسهم‪ ،‬وللسلم‪ ،‬ولمة السلم‪.‬‬
‫عن عاصم بن عدي قال‪ :‬جع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر‬
‫من يمله إل النـب‪ ،‬فكان آ خر خط بة خ طب باـ‪ ،‬فح مد ال وأث ن‬
‫عليـه‪ ،‬ثـ قال‪ :‬أيهـا الناس احذروا الدنيـا ول تثقوا باـ فإناـ غدارة‪،‬‬
‫وآثروا الخرة على الدن يا وأحبو ها فب حب كل واحدة منه ما تب غض‬
‫الخرى‪ .‬وإن هذا المـر الذي هـو أملك بنـا ل يصـلح آخره إل باـ‬
‫صـلح بـه أوله‪ ،‬ول يتمله إل أفضلكـم مقدرة‪ ،‬وأملككـم لنفسـه‪،‬‬
‫أشدكـم فـ حال الشدة‪ ،‬وأسـلسكم فـ حال الليـ‪ ،‬وأعلمكـم برأي‬
‫ذوي الرأي‪ ،‬ل يتشاغـل باـ ل يعنيـه‪ ،‬ول يزن لاـ ينل بـه‪ ،‬ول‬
‫يستحيي من التعلم‪ ،‬ول يتحي عند البديهة‪ ،‬قوي على المور ل يور‬
‫لشيـء منهـا حده بعدوان ول تقصـي‪ ،‬يرصـد لاـ هـو آت عتاده مـن‬
‫الذر والطاعة‪ ،‬وهو عمر بن الطاب‪ .‬ث نزل‪.‬‬
‫وسع بعض الصحابة خب استخلف عمر فدخلوا على أب بكر‬
‫فقال له قائل من هم‪ :‬ما أ نت قائل لر بك إذا سألك عن ا ستخلفك‬
‫عمـر علينـا وقـد ترى غلظتـه؟ فقال أبـو بكـر‪ :‬أجلسـون‪،‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫أبــ ال توفونـ‪ ،‬خاب مـن تزود مـن أمركـم بظلم‪ .‬أقول‪ :‬اللهـم‬
‫استخلفت عليهم خي أهلك‪ ،‬أبلغ عن ما قلت من وراءك‪ .‬ث اضطجع‬
‫ودعا عثمان بن عفان فقال‪ :‬اكتب‪« :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ .‬هذا هو ما‬
‫عهد أبو ب كر ال صديق بن أ ب قحا فة ف آ خر عهده بالدنيا خارجًا منها‬
‫وعند أول عهده بالخرة داخلً فيها‪ ،‬حيث يؤمن الكافر‪ ،‬ويوقن الفاجر‪،‬‬
‫وي صدق الكاذب‪ :‬إ ن ا ستخلفت علي كم ع مر بن الطاب‪ ،‬فا سعوا له‬
‫وأطيعوا‪ ،‬وإ ن ل آل ال ور سوله ودي ن ونف سي وإيا كم خيًا‪ ،‬فإن عدل‬
‫فذاك ظنـ بـه وعلمـي فيـه‪ ،‬وإن بدل فلكـل امرئ مـا اكتسـب‪ ،‬واليـ‬
‫أردت‪ ،‬ول أعلم الغيب‪ ،‬وَسََيعْ َلمُ اّلذِينَ ظَ َلمُوا أَيّ مُ ْنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‬
‫شعَرَاء‪ »]227 :‬والسلم عليكم ورحة ال‪ .‬ث أمر بالكتاب فختمه‪ .‬ث‬
‫[ال ّ‬
‫دعـا أبـو بكـر ورفـع يديـه وقال‪ :‬اللهـم إنـ ل أرد بذلك إل صـلحهم‬
‫وخ فت علي هم الفت نة‪ ،‬فاجتهدت لمـ رأيـي‪ ،‬فوليـت عليهـم خيهـم‪،‬‬
‫وأحرصهم على ما أرشدهم‪ ،‬وقد حضرن من أمرك ما حضر فأخلفن‬
‫فيهـم فهـم عبادك‪ .‬وبعـث إل عمـر فقال‪ :‬ل حاجـة ل فيهـا‪ .‬قال‪:‬‬
‫ول كن ل ا بك حا جة‪ ،‬و قد رأ يت ر سول ال و صحبته‪ ،‬ورأ يت‬
‫أثر ته أنف سنا على نف سه‪ ،‬ح ت إن ك نا لنهدي إل أهله ف ضل ما يأتي نا‬
‫منه‪ ،‬ورأيتن وصحبتن وإنا اتبعت أثر من كان قبلي‪.‬‬
‫هذه البـرات العظيمـة لسـتخلفه لعمـر رضـي ال عنهمـا‬
‫وأرضاها‪.‬‬
‫فال ال عباد ال‪ :‬أوصيكم ب ب الصحابة عامة وحب صاحبيه‬
‫خا صة‪ ،‬والكثار من التر ضي عنه ما‪ ،‬ومعر فة فضائله ما‪ ،‬والقتداء‬
‫ب ما ف ف عل كل وا جب واجتناب كل مرم‪ ،‬و ما ا ستطعتم من ف عل‬

‫‪244‬‬

‫‪245‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫مندوب وترك مكروه؛ فمن عرف سيتما‪ -‬رضي ال عنهما‪ -‬استقل‬
‫ما ع مل من خيات‪ ،‬و من كان من الطائ ي كان إل التو بة والنا بة‬
‫والسـتغفار والرجوع إل ال مـن السـارعي بتوفيـق ال‪ ،‬واتقوا ال‬
‫لعلكم تفلحون‪.‬‬
‫ِنف‬
‫ُونف م َ‬
‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم وَالسفّابِقُونَ الْأَوّ ل َ‬
‫الْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْ صَارِ وَالّ ذِي نَ اتّ بَعُوهُ مْ بِإِحْ سَانٍ رَضِ يَ اللّ هُ عَنْهُ مْ‬
‫وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِي نَ فِيهَا‬
‫أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التّوبَة‪.]100 :‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل حدًا كثيًا ك ما أ مر‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده‬
‫ل شر يك له وأبرأ إل يه منـ أشرك به وك فر‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده‬
‫ورسوله نصر بالرعب من مسية شهر حت أنه ليخافه ملك الروم (بن‬
‫الصـفر) اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬
‫وأصحابه السادة الغرر‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬إن الليفت ي الراشد ين ر ضي ال عنه ما‬
‫ورضـي عـن جيـع الصـحابة مـع تلك الفتوحات العظيمـة والفضائل‬
‫الكثية كانـا أزهـد الناس فـ الدنيـا‪ ،‬مقتدييـ بثلهمـا العلى‬
‫ممد ‪ ،‬خائفي من ربم‪ ،‬راجيي أرفع ثواب لديه بعد النبيي‪ -‬عن‬
‫ممـد بـن قيـس قال‪ :‬دخـل ناس على حفصـة بنـت عمـر رضـي ال‬
‫عنهمـا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن أميـ الؤمنيـ قـد بدا علباء رقبتـه مـن الزال‪ ،‬فلو‬
‫كلمتيه أن يأكل طعامًا هو ألي من طعامه‪ ،‬ويلبس ثيابًا ألي من ثيابه‪،‬‬
‫فقـد رأينـا إزاره مرقعًا برقـع غيـ لون ثوبـه‪ .‬ويتخـذ فراش ًا أليـ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫مـن فراشـه‪ ،‬فقـد أوسـع ال على السـلمي‪ ،‬فيكون ذلك أقوى على‬
‫أمرهـم‪ .‬فبعثوا إليـه حفصـة‪ ،‬فذكرت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬أخـبين بأليـ‬
‫فراش فرشت يه لر سول ال قط؟ قالت‪ :‬عباءة ك نا نثني ها له باثن ي‪،‬‬
‫فل ما غل ظت عل يه جعلت ها بأرب عة‪ .‬قال‪ :‬فأ خبين بأجود ثوب لب سه؟‬
‫قالت نرة صـبغناها له‪ ،‬فرآهـا إنسـان فقال‪ :‬اكسـنيها يـا رسـول ال‪،‬‬
‫فأعطاها إياه‪ .‬قال عمر‪ :‬ائتون بقناع من تر( ‪ )1‬فأمرهم فنعوا نواه ث‬
‫أكله كله‪ .‬ث قال‪ :‬ترون ل أشتهي الطعام‪ ،‬إن لكل السمن وعندي‬
‫اللحـم‪ ،‬وآكـل الزيـت وعندي السـمن‪ ،‬وآكـل اللح وعندي الزيـت‪،‬‬
‫وآ كل الب حت وعندي ملح‪ ،‬ول كن صاحب سلكا طريقًا فأخاف أن‬
‫أخالفهما فيخالف ب‪.‬‬
‫و عن إ ساعيل بن ق يس قال‪ :‬ل ا قدم ع مر الشام ا ستقبله الناس‬
‫وهـو على بعيه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يـا أميـ الؤمنيـ لو ركبـت برذون ًا يلقاك‬
‫عظماء الناس ووجوه هم‪ .‬فقال‪ :‬ل أرا كم هه نا‪ .‬إن ا ال مر من هه نا‬
‫وأشار بيده إل السماء‪ ،‬خلوا جلي‪ .‬وكان رضي ال عنه ربا توقد له‬
‫النار ث يدن يده منها ث يقول‪ :‬ابن الطاب‪ :‬هل لك على هذا صب؟‬
‫وقال رضي ال عنه ‪ :‬ليتن كنت كبش أهلي سنون ما بدا لم‪،‬‬
‫حت إذا كنت أسن ما أكون زارهم بعض من يبون‪ ،‬فجعلوا بعضي‬
‫شواء وبعضي قديدًا‪ ،‬ث أكلون فأخرجون عذرة ول أكُ بشرًا‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫() «المقناع» الطبق من عسب النخل يوضع فيه الطعام‪ .‬وقوله «كله» يفيد أنه‬
‫كبير وأنه فيه تمرًا كثيرًا‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪247‬‬

‫وج يء بتاج ك سرى إل ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬فقال‪ :‬إن الذ ين‬
‫أدوا هذا لمناء‪ .‬فقال له علي ر ضي ال ع نه ‪ :‬إن القوم رأوك عف فت‬
‫فعفوا‪ ،‬ولو رتعت لرتعوا‪.‬‬
‫وفضائله ر ضي ال ع نه كثية‪ .‬من ها‪ :‬تعبده واجتهاده‪ ،‬وبكاؤه‪،‬‬
‫وحذره مـن البتداع فـ الديـن‪ ،‬وإشارتـه بمـع القرآن‪ ،‬وهيبتـه فـ‬
‫القلوب‪ ،‬وزهده‪ ،‬وتواض عه‪ ،‬ونزول القرآن بوافق ته ف موا ضع‪ ،‬وفرار‬
‫الشيطان منه( ‪ )1‬واهتمامه برعيته وملحظته ل م‪ ،‬وغزواته‪ ،‬وفتوحاته‪،‬‬
‫وحجاتـه‪ ،‬وعدله فـ رعيتـه‪ ،‬وقوله وفعله فـ بيـت الال‪ ،‬وحذره مـن‬
‫الظال‪ ،‬وغي ذلك كثي‪.‬‬
‫عن علي ر ضي ال ع نه قال‪ :‬رأ يت ع مر بن الطاب على ق تب‬
‫يعدو فقلت‪ :‬يـا أميـ الؤمنيـ أيـن تذهـب؟ فقال‪ :‬بعيـ نـد مـن إبـل‬
‫ال صدقة أطل به‪ .‬فقلت‪ :‬ل قد أذللت اللفاء بعدك‪ .‬فقال‪ :‬يا أ با ال سن‬
‫ل تلمنـ‪ ،‬فوالذي بعـث ممدًا بالنبوة لو أن عناق ًا ذهبـت بشاطـئ‬
‫الفرات لخــذ باــ عمــر يوم القيامــة( ‪ . )2‬فرضــي ال عنــه‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪.‬‬

‫() وكلمه في الزهد والرقاق‪ .‬ومع ذلك طلب الشهادة وقتل شهيدًا‬
‫() ملخصة من مناقب عمر لبن الجوزي‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ولمكا ذككر هنكا مكا يتعلق بفضائل أبكي بككر وعمكر وخلفتهمكا ‪-‬رضكي ال‬
‫عنهما‪ -‬فيحسن أن أذكر طريقة أهل السنة والجماعة باختصار شديد‪.‬‬
‫قال ابكن تيتيمكة ‪-‬رحمكه ال‪ -‬فكي «العقيدة الواسكطية» المعكبرة عمكا أجمكع عليكه‬
‫السلف الصالح أهل السنة والجماعة حيال البدع التي حدثت بعد الرسول ‪.‬‬
‫«فهم في وسط في (باب صفات ال تعالى) بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل‬
‫التمثيكل المشبهكة‪ .‬وهكم وسكط فكي (باب أفعال ال) بيكن القدريكة والجبريكة‪ .‬وفكي‬
‫(باب وعيد ال) بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم‪ .‬وفي (باب أسماء‬
‫اليمان والدين) بين الحرورية والمعتزلة‪ ،‬وبين المرجئة والجهمية‪ .‬وفي (باب‬
‫أصكحاب رسكول ال ) بيكن الروافكض والخوارج‪ .‬ثكم شرح هذه البواب فكي‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وأرضاه‪ ،‬ورزقنـا حبـه وحـب صـاحبه‪ ،‬وفـ الديـث «الرء مفع مفن‬
‫أحب»‪ .‬إن أحسن الديث كتاب ال ‪...‬‬

‫تلك العقيدة المختصرة جدًا وفي غيرها من مؤلفاته‪.‬‬
‫فذكر عن أهل السنة أنهم يصفون ال بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان‬
‫رسوله من غير تحريف ول تعطيل ومن غير تكييف ول تمثيل‪ .‬وذكر أن‬
‫مكن ينفكي السكماء والصكفات أو ينفكي الصكفات فقكط أو يثبكت السكبع الصكفات‬
‫وينفككي البقيككة ويحرف نصككوصها‪ -‬بمككا يسككميه التأويككل‪ ،‬وكذلك بقيككة البواب‬
‫الخمسة من سلك مسلكهم فيها فهو منهم‪ ،‬ومن خالفهم في شيء منها لم يطلق‬
‫عليكه هذا السكم‪( .‬أهكل السكنة والجماعكة) لمكا سكئل النكبي عكن الفرقكة الناجيكة‬
‫مككن الفرق الثلث والسككبعين قال‪« :‬هككم مككن كان على مثككل مككا أنككا عليككه اليوم‬
‫وأصحابي»‪.‬‬
‫وهذا الحديث في الفتراق بالبدع والهواء في هذه البواب؛ ل في أصل الدين؛‬
‫لنه قال «أمتي» فأضافها إلى نفسه؛ ل أمة الدعوة أمة الدعوة كل الناس ُق ْل‬
‫جمِيعًا [العراف‪ .]158 :‬وإنما نبهت على‬
‫ل ِإَل ْي ُك ْم َ‬
‫س ِإنّي َرسُو ُل ا ِّ‬
‫يَا َأّيهَا النّا ُ‬
‫هذا لكثرة مكككن يغلط فيكككه‪ ،‬فل يفرق بيكككن الختلف فكككي توحيكككد اللوهيكككة‬
‫والختلف في فروع العقائد‪( .‬وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ج ‪.)8 -3‬‬

‫‪248‬‬

‫‪249‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫البادرة إل التوبة‬
‫وأقسام الناس فيها‬
‫المد ل يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات‪ ،‬ويزيد نعم‬
‫الحسني من فضله ويرفعهم درجات‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له بيده خزائن الرض‬
‫والسموات‪.‬‬
‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله كان ف آ خر عمره ل يقوم ول‬
‫يق عد إل ا ستغفر وتاب‪ ،‬و هو أقرب اللق إل ال منلة ومآب‪ .‬الل هم‬
‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‪ ،‬ومـن‬
‫اهتدى بديهم إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فقد خرج الترمذي عن النب أنه قال‪ « :‬ما من أحد‬
‫يوت إل ندم» قالوا‪ :‬ومـا ندامتـه؟ قال‪ « :‬إن كان مسفنًا ندم أن ل‬
‫يكون ازداد‪ ،‬وإن كان مسففيئًا ندم أن ل يكون اسففتعتب» وقال‬
‫الوزاعي رح ه ال‪ :‬ليس ساعة من ساعات الدنيا إل وهي معروضة‬
‫على الع بد يوم القيا مة‪ .‬يومًا فيومًا و ساعة ف ساعة‪ ،‬ول ت ر ساعة ل‬
‫يذكـر ال تعال فيهـا إل تقطعـت نفسـه عليهـا حسـرات‪ ،‬فكيـف إذا‬
‫مرت به ساعة مع ساعة‪ ،‬ويوم مع يوم‪ ،‬وليلة مع ليلة؟!‬
‫عباد ال‪ :‬النسـان مـا دام يأمـل الياة فإنـه ل يقطـع أمله مـن‬
‫الدنيـا‪ ،‬وقـد ل تسـمح نفسـه بالقلع عـن لذاتاـ وشهواتاـ مـن‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫العا صي وغي ها‪ ،‬ويرج يه الشيطان بالتو بة ف آ خر عمره‪ ،‬فإذا تي قن‬
‫الوت وأ يس من الياة أفاق من سكرته بشهوات الدن يا‪ ،‬فندم حينئذ‬
‫على تفري طه ندا مة يكاد يق تل نف سه‪ ،‬وطلب الرج عة إل الدن يا ليتوب‬
‫ويع مل عملً صالًا فل ياب إل ذلك‪ ،‬فتجت مع عل يه سكرة الوت‬
‫مـع حسـرة الفوت‪ .‬هذا حال الكثيـ مـن الناس‪ .‬وقـد حذر ال عباده‬
‫من ذلك لي ستعدوا للموت ق بل نزوله بالتو بة والع مل ال صال‪ ،‬قال ال‬
‫تعال‪ :‬أَنِيبُوا إِلَى رَبّ كُ مْ وَأَ سْلِمُوا لَ هُ مِ نْ قَبْلِ أَ نْ يَأْتِيَكُ مُ الْعَذَا بُ‬
‫ْصفرُونَ [الزّم َر‪ ]54 :‬قال ابـن البارك‪ :‬احذر السـكرة‬
‫ثُم ّ لَا تُن َ‬
‫وال سرة‪ ،‬أن يفجأك الوت وأ نت على الغرة‪ ،‬فل ي صف وا صف قدر‬
‫ما تلقى‪ ،‬ول قدر ما ترى‪.‬‬
‫عباد ال‪ -‬والناس ف التوبة والعمل الصال على أقسام‪ .‬فمنهم من‬
‫ل يو فق لتو بة ن صوح؛ بل يي سر له ع مل ال سيئات من أول عمره إل‬
‫آخره حتـ يوت مصـرًا عليهـا‪ .‬وهذه حالة الِشقياء‪ ،‬نعوذ بال مـن‬
‫حالم‪.‬‬
‫وأقبح من ذلك من يسر له ف أول عمره عمل الطاعات ث ختم‬
‫له بع مل سيء ح ت مات عل يه‪ ،‬ف في الد يث ال صحيح‪« :‬إن أحد كم‬
‫ليعمل عمل أهل النة حت ما يكون بينه وبينها إل ذراع ث يسبق‬
‫عل يه الكتاب فيع مل بع مل أ هل النار فيدخل ها»‪ .‬و ف ب عض روايا ته‬
‫« فيما يبدو للناس» يعن أن نيته بلف ذلك‪.‬‬
‫وقسم يفن عمره ف الغفلة والبطالة ث يوفق لعلم صال فيموت‬
‫عليـه‪ ،‬وهذه حالة مـن «يع مل بع مل أهفل النار ح ت مفا يكون بينفه‬
‫وبينهفا إل ذراع فيسفبق عليفه الكتاب فيعمفل بعمفل أهفل النفة‬

‫‪250‬‬

‫‪251‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فيدخلها»‪.‬‬
‫وأخرج البزار عـن عائشـة رضـي ال عنهـا مرفوعًا‪« :‬إذا أراد ال‬
‫بعبد خيًا بعث إليه ملكًا من عامة الذين يوت فيه فيسدده وييسره‪،‬‬
‫فإذا كان عند موته أتاه ملك الوت فقعد عند رأسه فقال‪ :‬أيتها النفس‬
‫الطمئنة‪ ،‬أخرجي إل مغفرة من ال ورضوان‪ ،‬فذلك حي يب لقاء ال‬
‫ويب ال لقاءه‪ .‬وإذا أراد بعبده شرًا بعث إليه شيطانًا من عامة الذين‬
‫يوت فيه‪ ،‬فأغواه‪ ،‬فإذا كان عند موته أتاه ملك الوت فقعد عند رأسه‬
‫فقال‪ :‬أيتها النفس البيثة أخرجي إل سخط من ال وغضب‪ ،‬فتتفرق‬
‫ف جسده فذلك حي يبغض لقاء ال ويبغض ال لقاءه» وف السند عن‬
‫عبدال بن عمرو بن العاص ر ضي ال عنه ما قال‪ « :‬من تاب ق بل مو ته‬
‫عامًا تيب عليه‪ ،‬ومن تاب قبل موته شهرًا تيب عليه‪ ،‬حت قال يومًا‪،‬‬
‫حت قال ساعة‪ ،‬حت قال فواقًا‪ .‬قال له إنسان‪ :‬أرأيت إن كان مشركًا‬
‫فأسلم؟ فقال‪ :‬إن أحدثكم ما سعت من رسول ال »‪.‬‬
‫وف السند عن أب سعيد الدري رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب‬
‫قال‪« :‬إن الشطيان قال‪ :‬وعزتفك يفا رب ل أبرح أغوي عبادك مفا‬
‫دا مت أرواح هم ف أج سادهم‪ .‬فقال الرب ‪ :‬وعز ت وجلل ل‬
‫أزال أغ فر ل م ما ا ستغفرون»‪ .‬و ف الد يث ال صحيح‪« :‬أن ال‬
‫يقبفل توبفة العبفد مفا ل يغرغفر»‪ .‬وقـد دل القرآن على مثـل هذا قال‬
‫فا التّ وْبَةُ عَلَى اللّهففِ لِلّ ذِينففَ يَعْمَلُونففَ السففّوءَ‬
‫تعال‪ :‬إِنّمَف‬
‫ف‬
‫ف عَلَيْهِم ْ‬
‫ف اللّه ُ‬
‫ف يَتُوب ُ‬
‫ف فَأُولَئِك َ‬
‫ف قَرِيب ٍ‬
‫ف مِن ْ‬
‫بِجَهَالَةٍ ثُم ّ يَتُوبُون َ‬
‫وَكَا نَ اللّ هُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النّ ساء‪ ]17 :‬وع مل ال سوء إذا أفرد‬
‫يد خل ف يه جيـع السـيئات صغيها وكبيهـا‪ .‬والراد بالهالة القدام‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫على السـوء وإن علم صـاحبه أنـه سـوء؛ فإن كـل مـن عصـى ال‬
‫فهو جاهل‪ ،‬و كل من أطاعه فهو عال‪ .‬فمن كان عالًا بال وعظمته‬
‫و كبيائه وجلله فإ نه يها به ويشاه فل ي قع م نه مع ا ستحضار ذلك‬
‫عصيانه‪ .‬ومن آثر العصية على الطاعة فإنا حله على ذلك جهله وظنه‬
‫أناـ تنفعـه عاجلً باسـتعجال لذتاـ‪ ،‬وإن كان عنده إيان فهـو يرجـو‬
‫التخلص من سوء عاقبت ها بالتو بة ف آ خر عمره‪ ،‬وهذا ج هل م ض؛‬
‫فإ نه تع جل الثـ والزي‪ ،‬ويفو ته عز التقوى‪ ،‬وثواب الخرة‪ ،‬وعلو‬
‫درجات ا‪ ،‬ولذة الطا عة؛ و قد يتم كن من التو بة ب عد ذلك و قد يعاجله‬
‫الوت‪ ،‬فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الاضر ورجا أن‬
‫يتخلص من ضرره بشرب دواء‪.‬‬
‫وم ن أف ن عمره ف الغفلة والبطالة ما روى الواحدي ف كتاب‬
‫«قتلى القرآن» أن رجلً من أشراف أ هل الب صرة كان منحدرًا إلي ها‬
‫ف سفينة‪ ،‬ومعه جارية له‪ ،‬فشرب يومًا وغنته جاريته بعود لا‪ ،‬وكان‬
‫معهم ف ال سفينة فقي صال‪ ،‬فقال له‪ :‬يا ف ت‪ :‬ت سن مثل هذا؟ قال‪:‬‬
‫أح سن ما هو أح سن م نه‪ -‬وكان الفق ي ح سن ال صوت‪ -‬فا ستفتح‬
‫ُونف‬
‫َنف اتّقَى وَلَا تُظْلَم َ‬
‫َاعف الدّ نْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِم ِ‬
‫وقرأ‪ :‬قُلْ مَت ُ‬
‫فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُ مُ الْمَوْ تُ وَلَوْ كُنْتُ مْ فِي بُرُو جٍ مُشَيّ دَةٍ‬

‫[النساء‪ ]78 ،77 :‬فرمى الرجل ما بيده من الشراب ف الاء‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أش هد أن هذا أح سن م ا سعت‪ ،‬ف هل غ ي هذا؟ قال‪ :‬ن عم فتل عل يه‪:‬‬
‫وَقُلِ الْحَقّ مِ نْ رَبّ كُ مْ فَمَ نْ شَاءَ فَلْيُؤْمِ نْ وَمَ نْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّاف‬
‫أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِيَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ‬
‫كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشّ رَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف‪:‬‬
‫‪ ]27‬فوقعـت فـ قلبـه‪ ،‬فرمـى ببقيـة الشراب فـ الاء وكسـر العود‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫‪253‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ف‬
‫ثـ قال‪ :‬يـا فتـ‪ :‬هـل ههنـا فرج؟ قال‪ :‬نعـم قُلْ ي َا عِبَادِي َ‬
‫الّ ذِي نَ أَ سْرَفُوا عَلَى أَنْفُ سِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِ نْ رَحْمَةِ اللّ هِ إِنّ اللّ هَ يَغْفِرُ‬
‫ِيمف [الزّم َر‪ ]53 :‬فصـاح‬
‫ّهف هُوَ الْغَفُورُ الرّ ح ُ‬
‫ُوبف جَمِيع ًا إِن ُ‬
‫الذّ ن َ‬
‫صيحة عظيمة‪ ،‬فنظروا إليه فإذا هو قد مات‪ -‬رحه ال‪.‬‬
‫وخرج أبو نعيم بسنده عن سعيد الريري‪ ،‬قال‪ :‬قلت للحسن‪:‬‬
‫يا أ با سعيد‪ :‬الر جل يذ نب ث يتوب‪ ،‬ث يذ نب ث يتوب‪ ،‬ح ت م ت؟‬
‫قال‪ :‬ما أعلم هذا إل أخلق الؤمني‪.‬‬
‫وبقي هنا قسم آخر وهو أشرف القسام وأرفعها‪ ،‬وهو من يفن‬
‫عمره فـ الطاعـة ثـ ينبـه على قرب الجـل ليجدّ فـ التزود‪ .‬ويتهيـأ‬
‫للرح يل بع مل صال للقاء‪ ،‬ويكون خاتةـ للع مل‪ .‬قال ا بن عباس لاـ‬
‫نزلت على ال نب ‪ :‬إِذَا جَاءَ نَص ْفرُ اللّه ِف وَالْفَتْ حُ * وَرَأَيْت َف النّاس َف‬
‫يَدْخُلُو نَ فِي دِي نِ اللّ هِ أَفْوَاجًا * فَ سَبّ حْ بِحَمْدِ رَبّ كَ وَا سْتَغْفِرْهُ إِنّ هُ كَا نَ‬
‫تَوّابًا [النّصر‪ .]3 -1 :‬نعيت لرسول ال نفسه‪ ،‬فأخذ ف أشد‬

‫ف‬
‫ما كان اجتهادًا ف أ مر الخرة‪ .‬وقالت أم سلمة‪ :‬كان ال نب‬
‫آ خر أمره ل يقوم ول يق عد ول يذ هب ول ي يء إل قال‪ « :‬سبحان‬
‫فف أمرت بذلك »‪ ،‬وتل‬
‫ال وبمده»‪ .‬فذكرت ذلك له‪ .‬فقال‪« :‬إنف‬
‫هذه السـورة‪ ،‬وكان مـن عادتـه أن يعتكـف فـ كـل عام فـ رمضان‬
‫ـف فـ ذلك العام‬
‫ـل مرة؛ فاعتكـ‬
‫عشرًا‪ ،‬ويعرض القرآن على جبيـ‬
‫عشر ين يو ما وعرض القرآن مرت ي‪ ،‬وكان يقول‪ « :‬ما أرى ذلك إل‬
‫لقتراب أجلي» ثـ حـج حجـة الوداع‪ ،‬وقال‪« :‬أيهفا الناس إناف أنفا‬
‫بشر يوشك أن يأتين رسول رب‪ ،‬فأجيب» ث أمر بالتمسك بكتاب‬
‫ال‪ ،‬ث توف بعد وصوله إل الدينة بيسي ‪.‬‬
‫إذا كان سيد الحسني يؤمر أن ي تم عمره بالزيادة‪ ،‬والحسان‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فك يف يكون حال السـيء؟ و ف الدعاء الأثور‪ « :‬الل هم اج عل خ ي‬
‫عملي خواته‪ ،‬واجعل خي عمري آخره‪ ،‬وخي أيامي يوم لقاك»‪.‬‬
‫وكان السـلف الصـال مـع اجتهادهـم فـ الصـحة فـ العمال‬
‫يددون التوبـة والسـتغفار‪ ،‬ويتمون أعمالمـ بالسـتغفار وكلمـة‬
‫التوحيد‪.‬‬
‫وقال عمـر بـن عبدالعزيـز ‪-‬رحهـ ال‪ -‬عنـد موتـه‪ :‬أجلسـون‪،‬‬
‫فأجلسوه‪ ،‬فقال‪ :‬أنا الذي أمرتن فقصرت‪ ،‬ونيتن فعصيت؛ ولكن ل‬
‫إله إل ال‪ ،‬ث ر فع رأ سه فأ حد الن ظر‪ ،‬فقالوا‪ :‬إ نك تن ظر نظرًا شديدًا‬
‫يا أم ي الؤمن ي‪ .‬فقال‪ :‬أتا ن حضرة ما هم بإ نس ول جن‪ ،‬ث ق بض‬
‫رح ه ال‪ ،‬و سع تاليًا يتلوا‪ :‬تِلْ كَ الدّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّ ذِي نَ لَا‬
‫يُرِيدُو نَ عُلُوّا فِي الْأَرْ ضِ وَلَا فَ سَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّ قِيَ [القَ صَص‪:‬‬
‫‪.]83‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬والتوبـة التوبـة‪ ،‬قبـل أن يصـلنا مـن الوت‬
‫النو بة‪ ،‬فيح صل الفرط على الندم والي بة‪ ،‬والنا بة النا بة‪ ،‬ق بل غلق‬
‫باب الجابة‪ ،‬والفاقة الفاقة قبل وقت الفاقة‪ .‬أعوذ بال من الشيطان‬
‫الرج يم يَا أَيّهَا الّ ذِي نَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّ هِ تَوْبَةً نَ صُوحًا عَ سَى‬
‫رَبّ كُمْ أَنْ يُكَفّ رَ عَنْكُمْ سَيّ ئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا‬
‫الْأَنْهَارُ يَوْ مَ لَا يُخْزِي اللّ هُ النّ بِيّ وَالّ ذِي نَ آَمَنُوا مَعَ هُ نُورُهُ مْ يَ سْعَى‬
‫بَيْ نَ أَيْدِيهِ مْ وَبِأَيْمَانِهِ مْ يَقُولُو نَ رَبّ نَا أَتْمِ مْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنّ كَ‬
‫عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحري‪ ]8 :‬بارك ال ‪...‬‬

‫‪254‬‬

‫‪255‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬
‫أمـا بعـد‪ :‬عباد ال مبادرة النسـان بالتوبـة فـ حال صـحته قبـل‬
‫نزول الرض به هي أفضل أنواع التوبة‪ ،‬حت يتمكن حينئذ من العمل‬
‫الصـال‪ ،‬ولذلك قرن ال التوبـة بالعمـل الصـال فـ مواضـع كثية مـن‬
‫القرآن‪ .‬فالتوبة ف الصحة ورجاء الياة تشبه الصدقة بالال ف الصحة‬
‫ورجاء البقاء‪ .‬والتوبـة فـ الرض عنـد حضور أمارات الوت تشبـه‬
‫الصدقة بالال عند الوت‪ .‬خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النب‬
‫خ طب فقال ف خطب ته‪« :‬أي ها الناس توبوا إل رب كم ق بل أن توتوا‪،‬‬
‫وبادروا بالعمال الصالة قبل أن تشغلوا» فأمر بالباردة قبل الوت‪،‬‬
‫وكل ساعة تر على ابن آدم فإنه يكن أن تكون ساعة موته‪ ،‬بل كل َنفَس‪.‬‬
‫وقال لقمان لبنه‪ :‬يا بن ل تؤخر التوبة فإن الوت يأت بغتة‪ .‬وقال بعض‬
‫الكماء‪ :‬ل تكن من يرجو الخرة بغي عمل‪ ،‬ويؤخر التوبة لطول المل‪.‬‬
‫وقال بعض ال سلف‪ :‬أصبحوا تائب ي وأمسوا تائبي‪ .‬فمن أ صبح أو أم سى‬
‫على غي توبة فهو على خطر؛ لنه ُيخْشى أن يلقى ال غي تائب فيحشر‬
‫ب َفأُوَلِئ كَ ُه مُ الظّاِلمُو نَ‬
‫ف زمرة الظال ي‪ ،‬قال تعال‪َ :‬و َم نْ َل ْم َيُت ْ‬
‫[الُجرَات‪ ]11 :‬تأخ ي التو بة ف حال الشباب قب يح‪ ،‬ف في حال الش يب‬
‫ل ومرحبًا‪ .‬وتقول‬
‫أقبح وأقبح‪ .‬قال عمر بن هانئ‪ :‬تقول التوبة للشاب‪ :‬أه ً‬
‫للشيخ‪ :‬نقبلك على ما كان منك‪ .‬فاختموا عباد ال أعمالكم اليومية بالتوبة‬
‫وال ستغفار‪ ،‬فإن كان الع مل سيئًا كان كفارة له‪ ،‬وإن كان ح سنًا كان‬
‫كالطابع عليه(‪ .)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬
‫‪1‬‬

‫() من لطائف المعارف‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ميزان الناس‬
‫المـد ل الذي أوجـب الفوز بالنجاة لنـ شهـد له بالوحدانيـة‬
‫شهادة ل يبـغ لاـ عوجـا‪ ،‬وفاوت بيـ عباده فـ منازل العبوديـة مـن‬
‫النابـة والحبـة والوف والرجاء‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له شهادة من أصبح قلبه باليان بال وأسائه وصفاته مبتهجًا‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله هدى بـه مـن الضللة‪ ،‬وعلم بـه مـن‬
‫الهالة‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬
‫وأ صحابه ال سابقي الول ي من الهاجر ين والن صار‪ ،‬والتابع ي لمـ‬
‫بإحسان‪.‬‬
‫أما بعد عباد ال‪ :‬إذا أراد السلم أن يُقَيّ مَ نفسه ويزنا‪ ،‬ويعرف‬
‫خسرانا من ربها‪ ،‬ويطمئن عليها ف سيها إل ربا‪ ،‬فليعرضها على‬
‫القرآن الكر ي‪ ،‬قال ا بن م سعود ر ضي ال ع نه ‪ :‬ل ي سأل أحدٌ عن‬
‫نف سه غ ي القرآن‪ .‬وهذه يا عباد ال آ ية م نه‪ ،‬و هي قوله تعال‪ :‬ثُمّ‬
‫أَوْرَثْنَا الْكِتَابَف الّ ذِينَف اص ْفطَفَيْنَا مِن ْف عِبَادِنَا فَمِنْهُم ْف ظَالِمٌف لِنَفْسِفهِ‬
‫وَمِنْهُ مْ مُقْتَ صِدٌ وَمِنْهُ مْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَا تِ بِإِذْ نِ اللّ هِ ذَلِ كَ هُوَ الْفَضْلُ‬
‫الْكَبِيُ [فاطر‪.]32 :‬‬
‫جعـل سـبحانه القائميـ بذا القرآن علمًا وعملً ثلثـة أنواع‪:‬‬
‫«ظال لنف سه» و هو الفرط ف ب عض الواجبات‪ ،‬أو الرت كب لب عض‬
‫الحرمات‪.‬‬
‫الثانـ‪« :‬القتصـد» وهـو الؤدي للواجبات‪ ،‬التارك للمحرمات‪،‬‬
‫وقد يترك بعض الستحبات‪ ،‬ويفعل بعض الكروهات‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫‪257‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الثالث‪« :‬السابق باليات» وهو الفاعل للوجابات‬
‫والستحبات‪ ،‬التارك للمحرمات‪ ،‬والكروهات‪ ،‬وبعض الباحات‪.‬‬
‫و كل من هؤلء الثل ثة م سافر إل ر به‪ ،‬ومدة سفره هو عمره‬
‫الذي كتـب له‪ ،‬ثـ جعلت اليام والليال مراحـل لسـفره‪ ،‬فل يزال‬
‫يطويها مرحلة بعد مرحلة حت ينتهي السفر‪.‬‬
‫«فالظال لنفسـه» إذا اسـتقبل مرحلة يومـه اسـتقبلها وقـد سـبقت‬
‫حظوظـه وشهواتـه إل قلبـه فحركـت جوارحـه طالبـة لاـ‪ ،‬فإذا زاحهمـا‬
‫حقوق ر به فتارة وتارة فمرة يأ خذ بالرخصـة‪ ،‬ومرة بالعزيةـ‪ ،‬ومرة يقدم‬
‫على الذنب وترك الق تاونًا ووعدًا بالتوبة؛ فهذا حال الظال لنف سه مع‬
‫ح فظ التوح يد‪ ،‬واليان بال ور سوله‪ ،‬واليوم ال خر‪ ،‬والت صديق بالثواب‬
‫والعقاب فمرحلة هذا مقطو عة بالر بح وال سران‪ ،‬و هو للغلب منه ما؛‬
‫فإذا ورد القيا مة م يز رب ه من خ سرانه‪ ،‬وح صر رب ه وحده‪ ،‬وخ سرانه‬
‫وحده‪ ،‬وكان ال كم للرا جح منه ما‪ ،‬وح كم ال من وراء ذلك ل يعدم‬
‫منه فضله أو عدله‪ .‬هذا هو عمل الظال لنفسه ومصيه‪.‬‬
‫أمـا «القتصـدون» فأدوا وظيفـة تلك الرحلة ول يزيدوا عليهـا‬
‫ول نقصـوا منهـا‪ ،‬فل حصـلوا على أرباح التجار‪ ،‬ول بسـوا القـ‬
‫الذي عليهم فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام‪،‬‬
‫وال صلة التا مة ف وقت ها بأركان ا وواجبات ا وشرائط ها‪ ،‬ث ين صرف‬
‫منها إل مباحاته ومعيشته وتصرفاته الت أذن ال فيها‪ ،‬مؤديًا واجب‬
‫الرب فيها‪ ،‬غي متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الذكار‪ .‬فإذا حضرت‬
‫الفريضـة الخرى بادر إليهـا كذلك‪ ،‬فإذا أكملهـا انصـرف إل حاله‬
‫الول‪ ،‬فهـو كذلك سـائر يومـه‪ ،‬فإذا جاء الليـل فكذلك إل حيـ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫النوم يأ خذ مضج عه ح ت ين شق ال ر فيقوم إل صلته ووظيف ته‪ .‬فإذا‬
‫جاء الصـوم الواجـب قام بقـه‪ .‬وكذلك الزكاة الواجبـة‪ ،‬والجـ‬
‫الواجـب‪ .‬وكذلك العاملة مـع اللق يقوم فيهـا بالقسـط ل يظلمهـم‪،‬‬
‫ول يترك حقه لم‪ .‬هذه حال القتصد‪.‬‬
‫وأمـا «السـابقون باليات» فهـم نوعان‪ :‬أبرار‪ ،‬ومقربون‪ .‬أمـا‬
‫«البرار»‪ :‬فقطعوا مراحـل سـفرهم بالهتمام بإقامـة أمـر ال‪ ،‬وعقـد‬
‫القلب على ترك مالفتـه ومعاصـيه؛ فهممهـم مصـروفة إل القيام‬
‫بالعمال الصـالة‪ ،‬واجتناب العمال القبيحـة فأول مـا يسـتيقظ‬
‫أحدهم من منامه يسبق إل قلبه القيام إل الوضوء التام والصلة كما‬
‫أمره ال ف أول وقت ها فإذا أدى فرض وق ته اشت غل بالتلوة والذكار‬
‫إل حي تطلع الشمس‪ ،‬فيكع الضحى‪ .‬ث يذهب إل ما أقامه ال فيه‬
‫مـن السـباب‪ ،‬فإذا حضـر فرض الظهـر بادر إل التطهـر والسـعي إل‬
‫ال صف الول من ال سجد عن ي ي المام أو خلف ظهره فأدى فريض ته‬
‫ل لا بشرائطها‪ ،‬وأركانا‪ ،‬وسننها‪ ،‬وحقائقها الباطنة من‬
‫كما أمر‪ ،‬مكم ً‬
‫الشوع والراقبـة والضور بيـ يدي الرب‪ ،‬فينصـرف مـن الصـلة وقـد‬
‫أثرت فـ قلبـه وبدنـه وسـائر أحواله آثارًا تبدو على صـفحاته ولسـانه‬
‫وجوارحه‪ ،‬ويد ثرتا ف قلبه من النابة على دار اللود‪ ،‬والتجاف عن‬
‫دار الغرور‪ ،‬وقلة التكالب والرص على الدن يا وعاجل ها‪ ،‬قد ن ته صلته‬
‫عن الفحشاء والنكر‪ ،‬وحببت إليه لقاء ال‪ ،‬ونفرته عن كل قاطع يقطعه‬
‫عن ال‪ ،‬وهو مع ذلك مراع لفظ السنن ل يل منها بشيء؛ ويأت بعد‬
‫الفريضـة بالذكار الشروعـة مـن التسـبيح والتحميـد والتهليـل ثلث ًا‬
‫ـك له اللك وله‬
‫ـم الائة بل إله إل ال وحده ل شريـ‬
‫ـ‪ ،‬ويتـ‬
‫وثلثيـ‬

‫‪258‬‬

‫‪259‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال مد و هو على كل ش يء قد ير‪ .‬و من أراد الز يد قرأ آ ية الكر سي‬
‫والعوذتيـ‪ .‬فإذا كان قبـل غروب الشمـس توفـر على أذكار السـاء‬
‫الواردة ف ال سنة نظ ي أذكار ال صباح الواردة ف أول النهار‪ ،‬ل ي ل‬
‫ـم أخذوا بأذكار النوم الواردة ف ـ‬
‫بذلك أبدًا‪ .‬فإذا أخذوا مضاجعهـ‬
‫السـنة مـن قراءة سـورة الخلص والعوذتيـ ثلثًا ثـ يسـحون باـ‬
‫رءوسهم ووجوههم وأجسادهم ثل ثًا‪ ،‬ويقرءون آية الكرسي وخواتيم‬
‫سـورة البقرة‪ ،‬ويسـبحون ويمدون ثلثًا وثلثيـ‪ ،‬ويكـبون أربعًا‬
‫وثلث ي‪ ،‬ث يقول أحدهم‪ :‬اللهم إ ن أسلمت نف سي إليك‪ ،‬ووجهت‬
‫وجهـي إليـك‪ ،‬وفوضـت أمري إليـك‪ ،‬وألأت ظهري إليـك‪ ،‬رغبـة‬
‫ورهبة إليك‪ ،‬آمنت بكتابك الذي أنزلت‪ ،‬وبنبيك الذي أرسلت‪ .‬فل‬
‫يزالون يذكرون ال على فراشهـم ح ت يأخذ هم النوم‪ .‬وهـم مع هذا‬
‫قائمون بقوق العباد‪ :‬مـن عيادة الرضـى‪ ،‬وتشييـع النائز‪ ،‬وإجابـة‬
‫ـ‪،‬‬
‫الدعوة‪ ،‬والعاونـة لمـ بالاه والبدن والنفـس والال‪ ،‬وزيارتمـ‬
‫وتفقدهـم‪ ،‬وقائمون بقوق أهلهـم وعيالمـ‪ .‬فإذا وقـع مـن أحدهـم‬
‫تفريـط ف حق من حقوق ال بادر إل العتذار والتوبـة والسـتغفار‬
‫وموه ومداواته بعمل صال يزيل أثره‪ .‬هؤلء هم البرار‪.‬‬
‫وأمـا «السـابقون القربون» فهـم قوم امتلت قلوبمـ مـن معرفـة ال‪،‬‬
‫وغُمرَت بحب ته وخشي ته وإجلله ومراقب ته ‪ ...‬فإذا ا ستيقظ أحد كم فأول ما‬
‫يبدأ به‪ :‬المد ل الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور‪ ،‬ث يقول بعدها‪ :‬ل‬
‫إله إل ال وحده ل شريـك له اللك وله ال مد وهـو على كـل شيـء قديـر‪.‬‬
‫سبحان ال‪ ،‬والمد ل‪ ،‬ول إله إل ال‪ ،‬وال أكب‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‪.‬‬
‫ث يدعو ويتضرع‪ .‬ث يقوم إل الوضوء بقلب حاضر مستصحب لا فيه‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ث يصلي ما كتب ال له صلة مب ناصح لربه‪ ،‬متذلل منكسر‬
‫ب ي يد يه‪ ،‬ل صلة مدل ب ا عل يه‪ ،‬يرى من أع ظم ن عم ال عل يه أن‬
‫أقامـه وأنام غيه‪ ،‬واسـتزاره وطرد غيه‪ ،‬وأهلّه وحرم غيه‪ ،‬يرى أن‬
‫قرة عينـه وحياة قلبـه وجنـة روحـه ونعمتـه ولذتـه وسـروره فـ تلك‬
‫الصلة‪ ،‬فهو يتمن طول ليله‪ ،‬ويناجيه بكلمه معطيًا لكل آية حظها‬
‫من العبودية؛ فتجذب قَلْبَه وروحه إليه آيا تُ الحبة والوداد‪ ،‬واليات‬
‫ال ت في ها ال ساء وال صفات‪ ،‬واليات ال ت تعرف ب ا إل عباده بآلئه‬
‫وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم‪ .‬وتُطَيّ بُ له ال سّي آيات الرجاء والرحة‬
‫وسـعة الب والغفرة‪ .‬وتقلقـه آيات الوف والعدل والنتقام‪ ،‬وإحلل‬
‫غضبه بالعرضي عنه العادلي به غيه الائلي إل سواه‪ .‬فإذا صلى ما‬
‫كتـب له جلس مطرق ًا بيـ يدي ربـه هيبـة له وإجل لً‪ ،‬واسـتغفره‬
‫ا ستغفار من يتي قن أ نه هالك إن ل يغ فر له ويرحهـ‪ .‬فإذا ق ضى من‬
‫ال ستغفار وطرًا وكان عل يه ب عد ل يل اضط جع على ش قه الي ن ممًا‬
‫نف سه‪ ،‬مريًا ل ا‪ ،‬مقويًا ل ا على أداء وظي فة الفرض‪ ،‬فإذا طلع الف جر‬
‫صلى ال سنة وابت هل إل ال بين ها وب ي الفري ضة‪ ،‬ويك ثر من قول‪ :‬يا‬
‫حي يا قيوم ل إله إل أنت‪ .‬ث ينهض إل صلة الصبح قاصدًا الصف‬
‫الول عن ي ي المام أو خلف قفاه‪ ،‬فإن فا ته ذلك ق صد القرب م نه‬
‫مهمـا أمكـن؛ فإن صـلة الفجـر يشهدهـا ال وملئكتـه شهادة‬
‫خا صة‪ ،‬و هي شهادة حضور ود نو مت صل بد نو الرب ونزوله إل ساء‬
‫الدن يا ف الش طر الخ ي من الل يل‪ .‬فإذا فرغ من صلة ال صبح أق بل‬
‫بكلي ته على ذ كر ال والتو جه إل يه بالذكار ال ت شر عت أول النهار‬
‫فيجعلهـا وردًا له ل يلـ باـ أبدًا‪ ،‬ثـ يزيـد عليهـا مـا شاء ال مـن‬
‫الذكار الفاضلة وتلوة القرآن حت تطلع الشمس‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫‪261‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فإذا طل عت فإن شاء ر كع ركع ت الض حى وزاد ما شاء ال وإن‬
‫شاء قام من غ ي ركوع‪ .‬ث يذ هب متضرًا إل ر به سائلً له أن يكون‬
‫ضامنًا عل يه مت صرفًا ف مرضا ته بق ية يو مه‪ ،‬فل ينقلب إل ف ش يء‬
‫يظ هر له ف يه مرضاة ر به‪ ،‬وإن كان من الفعال العاد ية الطبيع ية قل به‬
‫عبادة بالنيـة وقصـد السـتعانة بـه على مرضاة الرب‪ .‬فإذا جاء فرض‬
‫الظ هر بادر إل يه مكملً له نا صحًا ف يه لعبوده‪ ،‬باذلً مقدروه كله ف‬
‫تسينه وتزيينه وإصلحه وإكماله ليقع موقعًا حسنًا من مبوبه‪ ،‬فينال‬
‫بـه رضاه وقربـه منـه‪ .‬وهكذا صـلة العصـر والغرب‪ ،‬والعشاء‪ .‬فهذا‬
‫سلوك أ هل النبا هة والزم‪ ،‬و هم أفراد من العال‪ ،‬و هو طر يق سهل‬
‫قريب موصل طريق آمن‪ ،‬أكثر السالكي ف غفلة عنه‪.‬‬
‫أمـا «الشقياء» فقطعوا تلك الراحـل سـائرين إل دار الشقاء‪،‬‬
‫متزوديـن غضـب الرب مصـحوبون بالشياطيـ تسـوقهم إل منازلمـ‬
‫سوقًا حثيثًا‪ ،‬وتزعج هم إل العا صي والك فر إزعاجًا‪ .‬نعوذ بال من‬
‫حالم ومصيهم‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال فتقواه هي النجاة‪ ،‬وأ هل التقوى هم أ هل ل‬
‫إله إل ال‪ ،‬روى الطبان بسنده عن ابن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قال رسول ال ‪ « :‬ليس على أهل ل إله إل ال وحشة ف الوت‪،‬‬
‫ول فف القبور‪ ،‬ول فف النشور‪ ،‬وكأنف أنظفر إليهفم عنفد الصفيحة‬
‫َبف‬
‫ّهف الّ ذِي أَذْه َ‬
‫ينفضون رءوسفهم مفن التراب يقولون الْحَمْدُ لِل ِ‬
‫َنف إِنّ رَبّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطـر‪ .»] 34 :‬بارك ال ل‬
‫عَنّاف الْحَز َ‬
‫ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي أفاض على خلقه النعمة‪ ،‬وكتب على نفسه الرحة‪،‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬من يرد هدايته يشرح صدره‬
‫لل سلم‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله أر سله ك ما أر سل الر سل من‬
‫قبله يدعون إل دار السـلم‪ ،‬ويذرون مـن العاصـي والثام‪ .‬اللهـم صـل‬
‫وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬السائر إل ال والدار الخرة ل يتم سيه ول‬
‫ي صل إل مق صوده إل بعلم وع مل فبالعلم يب صر منازل الطر يق‪ ،‬وبالع مل‬
‫يسي حقيقة‪ ،‬فكلما قطع منلة استعد لقطع الخرى واستشعر القرب من‬
‫النل فهان عليه مشقة السفر‪ .‬وكلما كلت نفسه من السي وعدها قرب‬
‫التل قي وبرد الع يش‪ .‬والدن يا كل ها ك ساعة من ساعات الخرة‪ ،‬وع مر‬
‫الن سان دقائق من دقائق تلك ال ساعة أو أ قل‪ ،‬قال ال نب ‪ « :‬ما الدن يا‬
‫ف الخرة إل ك ما ي ضع أحد كم أ صبعه ف ال يم (يع ن ف الب حر)‬
‫فينظر ب يرج»‪.‬‬
‫فال ال عباد ال ل ننقطع ف الفازة‪ ،‬ولنذكّر أنفسنا ما أمامها من‬
‫الحباب‪ ،‬و ما لدي هم من الكرام والنعام‪ ،‬و ما خلف نا من العداء‪ ،‬و ما‬
‫لديهم من الهانة والعذاب‪.‬‬
‫ف فِفي رَوْضَةٍ‬
‫ف آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصفّالِحَاتِ فَهُم ْ‬
‫فَأَمّاف الّ ذِين َ‬
‫يُحْبَرُونَ * وَأَمّا الّ ذِينَ كَفَرُوا وَكَذّ بُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ‬
‫فِي الْعَذَا بِ مُحْضَرُو نَ [الروم‪ ]11 :‬إن أح سن الد يث كتاب‬
‫ال ‪.)1 ( ...‬‬
‫‪1‬‬

‫() التبيان ص (‪.)273 -271 ،269 ،266 ،262 ،236 ،235‬‬

‫‪262‬‬

‫‪263‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫اختلف فصول السنة‬
‫تذكر بال والدار الخرة‬
‫المد ل الذي جعل ف اختلف فصول السنة دليلً على عظمته‬
‫الباهرة‪ ،‬ومذكرًا بالدار الخرة‪.‬‬
‫أحده سبحانه على رح ته الوا سعة‪ ،‬وأ سأله العا نة على ح سن‬
‫طاع ته وال ستقامة على أمره والتزود من العمال ال صالة‪ .‬ونعوذ به‬
‫من شرور أنف سنا و من سيئات أعمال نا‪ ،‬ف هو العاذ واللذ وحده‪ ،‬ل‬
‫مل جأ م نه إل إل يه ف اللمات والعظائم القاهرة‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬
‫ال وحده ل شر يك له كل ما ف الكون يذ كر بعظم ته‪ ،‬ويشوق إل‬
‫دار كرامتـه‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله القائل‪« :‬اشتكفت النار‬
‫إل رباف فقالت‪ :‬أكفل بعضفي بعضًا‪ .‬فأذن لاف بنفسفي‪ :‬نففس فف‬
‫الشتاء‪ ،‬ون فس ف ال صيف‪ ،‬ف هو أ شد ما تدون من ال ر وأ شد ما‬
‫تدون من الزمهرير»‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم‪ .‬اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك‬
‫ممـد وعلى آله وأصـحابه الذيـن روضوا أنفسـهم وطوعوهـا حتـ‬
‫استقامت على المر‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ما رأى العارفون بال شيئًا من الدن يا إل‬
‫تذكروا بـه مـا وعـد ال بنسـه فـ الخرة‪ ،‬وعلموا أن ذلك دليلً‬
‫يعرفهـم بالقهـم جـل جلله وتقدسـت أسـاؤه قال السـن البصـري‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫رحه ال‪ :‬كان الصحابة يقولون‪ :‬المد ل الرفيق الذي لو جعل هذا اللق‬
‫خلقًا دائمًا ل ينصرف لقال الشاك ف ال‪ :‬لو كان لذا اللق رب لادثه‪،‬‬
‫وإن ال قـد حادث باـ ترون مـن اليات‪ :‬إنـه جاء بضوء طبـق مـا بيـ‬
‫الافق ي‪ ،‬وج عل في ها (معاشًا و سراجًا وهاجًا)‪ .‬ث إذا شاء ذ هب بذلك‬
‫اللق وجاء بظلمة طبقت ما بي الافقي‪ ،‬وجعل فيها سكنًا ونومًا وقمرًا‬
‫منيًا‪ ،‬وإذا شاء بن بناء جعل فيه الطر والرعد والبق والصواعق ما شاء‪،‬‬
‫وإن شاء صرف ذلك اللق‪.‬‬
‫وإذا شاء جاء ببد يقر قف الناس‪ ،‬وإذا شاء ذ هب بذلك وجاء ب ر‬
‫يأ خذ بالنفاس‪ ،‬ليعلم الناس أن لذا اللق ربًا ياد ثه ب ا ترون من اليات‪،‬‬
‫كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالخرة‪.‬‬
‫وقال خليفـة العبدي‪ :‬مـا زال الؤمنون يتفكرون فيمـا خلق لمـ‬
‫رب م ح ت أيق نت قلوب م‪ ،‬وح ت كأن ا عبدوا ال عن رؤي ته‪ ،‬ما رأى‬
‫العرافون شيئًا من الدن يا إل تذكروا به ما و عد ال به من جن سه ف‬
‫الخرة من كل خي وعافية أو خلف ذلك‪.‬‬
‫فكل ما ف الدنيا يدل على خالقه ويذكر به‪ ،‬ويدل على صفاته‬
‫فمـا فيهـا مـن نعيـم وراحـة يدل على كرم خالقـه وفضله وإحسـانه‬
‫وجوده ولط فه بأ هل طاع ته‪ .‬و ما في ها من نق مة وشدة وعذاب يدل‬
‫على شدة بأسـه وبطشـه وقهره وانتقامـه منـ عصـاه فنبات الرض‬
‫واخضرار ها ف الرب يع ب عد مول ا ويب سها ف الشتاء وإيناع الشجار‬
‫واخضرارهـا بعـد كوناـ خشبًـا يابسـًا يدل على بعـث الوتـى‬
‫من الرض‪ .‬قال أ بو رز ين العقيلي لل نب ‪ :‬ك يف ي يي ال الو تى؟‬
‫ومـا آيـة ذلك فـ خلقـه؟ قال‪« :‬هفل مررت بواد أُهلك م لً‪،‬‬

‫‪264‬‬

‫‪265‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ث مررت به يهتز خضرًا؟» قال نعم‪ .‬قال‪« :‬كذلك يرج ال الوتى‪،‬‬
‫وذلك آيته ف خلقه» أخرجه المام أحد‪ .‬وقِ صَرُ مدة الزرع والثمار‬
‫وعود الرض بعد ذلك إل يبسها والشجر إل حال ا الول كعود ابن‬
‫آدم بعد كونه حيًا إل التراب الذي خلق منه‪.‬‬
‫و«ف صول ال سنة» تذ كر بالخرة فشدة حر ال صيف يذ كر ب ر‬
‫جه نم وهو من سومها‪ ،‬وشدة برد الشتاء يذ كر بزمهرير جهنم و هو‬
‫مـن زمهريرهـا‪ .‬و«الريـف» يكمـل فيـه اجتناء الثمرات‪ .‬وكذلك‬
‫اجتناء ثرات العمال ف الخرة‪ .‬وأ ما «الرب يع» ف هو أط يب ف صول‬
‫السنة‪ ،‬وهو يذكر بنعيم النة وطيب عيشها‪ .‬وينبغي أن يث الؤمن‬
‫على مواصـلة الجتهاد يطلب النـة بالعمال الصـالة‪ .‬وكذلك خلق‬
‫بعـض البلدان الباردة والطاعـم والشارب اللذيذة واللبـس الفاخرة‬
‫وغي ذلك من نعيم الدنيا يذكر بنعيم النة‪.‬‬
‫كان ب عض ال سلف يرج ف أيام الرياح ي والفوا كه إل ال سوق‬
‫فيقف وينظر ويعتب ويسأل ال النة‪ .‬ومر سعيد بن جبي بشباب من‬
‫أبناء اللوك جلوس ف مال سهم ف زينت هم ف سلموا عل يه‪ ،‬فل ما ب عد‬
‫عنهـم بكـى واشتـد بكاؤه‪ ،‬وقال‪ :‬ذكرنـ هؤلء شباب أهـل النـة‪.‬‬
‫تزوج صلة بن أشيم بعاذة العدوية وكان من كبار الصالي‪ ،‬فأدخله‬
‫ابن أخيه المام السخن بالنار‪ ،‬ث أدخله على زوجته ف بيت مطيب‬
‫من جد‪ ،‬فقا ما ي صليان إل ال صباح‪ .‬ف سأله ا بن أخ يه عن حاله؟ فقال‪:‬‬
‫أدخلت ن بال مس بيتًا أذكرت ن به النار‪ -‬يع ن المام‪ -‬وأدخلت ن الليلة‬
‫بيتًا أذكرتن به النة‪ ،‬فلم يزل فكري ف النة والنار إل الصباح‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫خرج ال طبان بإ سناده أن رجلً ف ع هد ال نب نزع ثيا به ث‬
‫ّمف أَشَدّ حَرّا‬
‫ترغ فـ الرمضاء وهـو يقول لنفسـه‪ :‬ذوقـي نَارُ جَهَن َ‬
‫[التّوبَة‪ ]81 :‬جيفـة بالليـل‪ ،‬بطال بالنهار(‪ ،)1‬فرآه النـب ‪ ،‬فقال‪ :‬يـا‬
‫رسـول ال غلبتنـ نفسـي‪ .‬فقال النـب ‪« :‬لقفد فتحفت لك أبواب‬
‫السماء وباهى ال بك اللئكة»‪ .‬وكان كثي من السلف يرجون إل‬
‫الداد ين ينظرون إل ما ي صنعون بالد يد فيبكون‪ ،‬ويتعوذون بال من‬
‫النار‪ .‬وكان بعضهم إذا رجع من المعة ف حر الظهية يذكر انصراف‬
‫الناس من مو قف ال ساب إل النـة أو النار؛ فإن ال ساعة تقوم ف يوم‬
‫المعة‪ ،‬ول ينتصف النهار حت يقيل أهل النة ف النة وأهل النار ف‬
‫َصفحَابُ الْجَنّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ‬
‫النار‪ .‬قاله ابـن مسـعود وتل قوله تعال‪ :‬أ ْ‬
‫ْسفنُ مَقِيلًا [الفُرقان‪ ]24 :‬فينبغـي لنـ كان فـ حـر‬
‫ُسفتَقَرّا وَأَح َ‬
‫م ْ‬
‫الشمس أن يتذكر حرها ف الوقف؛ فإن الشمس تدنو من رءوس الناس‬
‫يوم القيامة ويزاد ف حرها‪ ،‬وليس هناك ظل إل بالعمال الصالة‪.‬‬
‫وم ا يدل على ال نة والنار أيضًا ما يع جل ال ف الدن يا ل هل‬
‫طاعته وأهل معصيته‪.‬‬
‫فإن ال تعال يعجل لوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم النة‬
‫وروحهـا مـا يدونـه ويشهدونـه بقلوبمـ ماـ ل تيـط بـه عبارة‪ ،‬ول‬
‫ت صره إشارة‪ ،‬ح ت قال بعض هم‪ :‬إ نه لت مر ب أوقات أقول‪ :‬إن كان‬
‫أهل ال نة ف مثل ما أنا فيه فإن م ف عيش طيب‪ .‬قال أبو سليمان‪:‬‬
‫أهل الليل ف ليلهم ألذ من أهل اللهو ف لوهم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() يلوم نفسه على عدم قيامها بالليل وعلى ترك النوافل في النهار‪.‬‬

‫‪266‬‬

‫‪267‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ِنف ذَكَرٍ أَوْ أُنْث َى وَهُوَ‬
‫َنف عَمِلَ صفَالِحًا م ْ‬
‫وقال ال تعال‪ :‬م ْ‬
‫ّهف حَيَاةً طَيّ بَةً [النّحـل‪ .]97 :‬قال السـن‪ :‬نرزقـه‬
‫ِنف فَلَنُحْيِيَن ُ‬
‫مُؤْم ٌ‬
‫طاعة يد لذته ف قلبه‪ .‬أهل التقوى ف نعيم حيث كانوا‪ :‬ف الدنيا‪،‬‬
‫وف البزخ‪ ،‬وف الخرة‪.‬‬
‫وأما أهل العاصي والعراض عن ال فإن ال يعجل لم ف الدنيا‬
‫مـن انوذج عقوبات جهنـم مـا يعرف أيض ًا بالتجربـة والذوق‪ ،‬فل‬
‫ت سأل ع ما هم ف يه من ض يق ال صدر وحر جه ونكده‪ ،‬ث ينتقلون ب عد‬
‫هذه الدار إل أشد من ذلك وأضيق‪ ،‬ولذلك يضيق على أحدهم قبه‬
‫حتـ تتلف أضلعـه‪ ،‬ويفتـح له باب إل النار فيأتيـه سـومها قال ال‬
‫تعال‪ :‬وَمَن ْف أَعْرَضَف عَن ْف ذِكْرِي فَإِنّ لَهُف مَعِيشَةً ضَنْكًا [طـه‪:‬‬
‫‪ ]124‬ث بعد ذلك إل جهنم وضيقها‪ ،‬قال تعال‪ :‬وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا‬
‫مَكَانًا ضَيّ قًا مُقَرّ نِيَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفُرقان‪.]13 :‬‬
‫افتقوا ال عباد ال‪ ،‬واع تبوا ب ا تشاهدو نه على ما غاب عن كم‬
‫من نعيم أو عذاب‪ ،‬وف ذلك آية على وجود الالق وعظمته‪ ،‬وباعث‬
‫على السـتمرار على القيام بقـه مـن مفروض ومندوب‪ .‬واعلموا أن‬
‫الن فس ف كث ي من الحيان تتاج إل ترب ية‪ .‬أعوذ بال من الشيطان‬
‫الرج يم‪ :‬وَجَعَلْنَا اللّ يْلَ وَالنّ هَارَ آَيَتَيْ نِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللّ يْلِ وَجَعَلْنَا‬
‫السفنِيَ‬
‫ُمف وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ ّ‬
‫ِنف رَبّ ك ْ‬
‫ْصفرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا م ْ‬
‫آَيَةَ النّ هَارِ مُب ِ‬
‫وَالْحِ سَابَ وَكُلّ شَيْءٍ فَ صّ لْنَاهُ تَفْ صِيلًا [ال سرَاء‪ ] 12 :‬بارك ال‬
‫ل ولكم‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي يرجى من كرمه أن ييي القلوب اليتة بالذنوب‬
‫وطول الغفلة ب سماع الذ كر النازل من ال سماء‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬
‫ال وحده ل شريك له ف عبادته ل من ال نبياء ول من الصلحاء ول‬
‫من ي سمونم بالولياء‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله خ ي خلق ال‬
‫من الول ي والخر ين‪ ،‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‬
‫وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬ل شك أن ال سبحانه خلق لعباده دارين‬
‫يزيهم فيها بأعمالم مع البقاء ف الدارين من غي موت‪ ،‬وخلق دارًا‬
‫معجلة للعمال‪ ،‬وجعل فيها موتًا وحياة‪ ،‬وابتلى عباده فيها با أمرهم‬
‫بـه وناهـم عنـه‪ ،‬وجعـل إحدى الداريـن الخلوقتيـ للجزاء دار نعيـم‬
‫مض ل يشوبه أل‪ ،‬والخرى دار عذاب مض ل يشوبه راحة‪ ،‬وهذه‬
‫الدار الفان ية مزو جة بالنع يم والل؛ ف ما في ها من نع يم يذ كر بنع يم‬
‫ال نة‪ ،‬و ما في ها من أل يذ كر بأل النار فا سألوه‪ -‬يا عباد ال‪ -‬ال نة‬
‫واستعيذوا به من النار‪ .‬قال النب ‪ « :‬إذا كان يوم شديد الر فقال‬
‫الع بد‪ :‬ل إله إل ال ما أ شد حر هذا اليوم‪ ،‬الل هم أجر ن من حر‬
‫جهنم‪ .‬قال ال لهنم‪ :‬إن عبدًا من عبادي قد استجار ب منك وقد‬
‫أجرته‪ .‬وإذا كان يوم شديد البد فقال العبد‪ :‬ل إله إل ال ما أشد‬
‫برد هذا اليوم‪ .‬الل هم أجر ن من زمهرير جه نم‪ .‬قال ال له نم‪ :‬إن‬
‫عبدًا من عبادي قد استجار ب منك فأجرته»‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫‪269‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫روى ابن أب الدنيا بإسناده عن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪:‬‬
‫« يشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط‪ ،‬وأجوع ما كانوا قط‪،‬‬
‫وأظ مأ ما كانوا قط‪ ،‬ف من ك سا ل ك ساه ال‪ ،‬و من أط عم ل‬
‫أطع مه ال‪ ،‬و من سقى ل سقاه ال‪ ،‬و من ع فا ل أعفاه ال»‪ .‬وق يل‬
‫ل ب حازم الزا هد‪ :‬إ نك لتَشَدّ وُ ‪-‬يع ن‪ :‬ف العبادة‪ -‬فقال‪ :‬وك يف ل‬
‫أتشدد وقد ترصد ل أربعة عشر عدوًا‪ .‬قيل له‪ :‬لك خاصة؟ قال‪ :‬بل‬
‫لم يع من يع قل‪ .‬ق يل له‪ :‬و ما هذه العداء؟ قال‪ :‬أ ما أرب عة فمؤ من‬
‫ي سدون‪ ،‬ومنا فق يبغض ن‪ ،‬وكا فر يقاتل ن‪ ،‬وشيطان يغوي ن ويضل ن‪.‬‬
‫وأمـا العشرة‪ :‬فالوع‪ ،‬والعطـش‪ ،‬والرـ‪ ،‬والبد‪ ،‬والعري‪ ،‬والرض‪،‬‬
‫والفاقة‪ ،‬والرم‪ ،‬والوت‪ ،‬والنار‪ .‬ول أطبقهن إل بسلح تام‪ ،‬ول أجد‬
‫لن سل حًا أفضل من التقوى‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال وحافظوا على أنفســكم مــن أعدائكــم‪،‬‬
‫وجودوا على فقراء الؤمنيـ‪ ,.‬وعليكـم بالقدوة السـنة الصـحابة‬
‫والتابعي لم بإحسان خي خلق ال بعد النبيي والرسلي‪ .‬إن أحسن‬
‫الديث ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫حال الناس‬
‫ف موقف القيامة‬
‫المـد ل الذي خلق السـموات والرض بالقـ‪ ،‬ولتجزى كـل‬
‫ن فس ب ا ك سبت و هم ل يظلمون‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريـك له خلق الثقليـ النـ والنـس «لغايـة تراد منهـم» وهـي أن‬
‫يعرفوه ويعبدوه وحده‪ :‬وَمَا خَلَقْ تُ الْجِنّ وَالْإِنْ سَ إِلّا لِيَعْبُدُو نِ‬
‫[الذّاريَات‪ ]56 :‬و«غا ية تراد ب م» و هي الزاء بالعدل والف ضل‬
‫لِيَجْزِ يَ الّ ذِي نَ أَ سَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِ يَ الّ ذِي نَ أَحْ سَنُوا بِالْحُ سْنَى‬
‫[النّجْم‪.]31 :‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله وخليله‪ ،‬ل خيـ إل دل المـة‬
‫عليه‪ ،‬ول شر إل حذرها عنه‪ .‬فصلى ال وسلم وبارك عليه وعلى آله‬
‫وأصحابه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬روى النسائي‪ ،‬عن عوف بن مالك رضي‬
‫ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬خرج رسول ال وبيده عصى‪ ،‬وقد علق رجل قنوًا‬
‫من ح شف‪ ،‬فج عل يط عن ف ذلك الق نو‪ ،‬فقال‪« :‬لو شاء رب هذه‬
‫ال صدقة ت صدق بأط يب من هذا‪ ،‬إن رب هذه ال صدقة يأ كل حشفًا‬
‫يوم القيامففة» أخــب أن جزاءه يكون مــن جنــس عمله‪،‬‬
‫فيجزى على تلك الصدقة ب شف من جن سها؛ ولذا سي يو مُ القيامة‬
‫يومـــَ الزاء ويوم العاد؛ فإن العبـــد يوت على مـــا عاش‬

‫‪270‬‬

‫‪271‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عل يه‪ ،‬ويبعـث على ما مات عل يه‪ ،‬ويعود عل يه عمله بعي نه فين عم به‬
‫ظاهرًا وباطنًا‪ ،‬أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا‪ :‬فيور ثه عل مه ال صال من‬
‫الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العي والنعيم ف قلبه‪ ،‬وينشأ له‬
‫من أعماله ما تشته يه نف سه وتلذه عي نه من سائر الشتهيات‪ ،‬ويكون‬
‫تنوع تلك الشتهيات وكمال ا وبلوغها مرتبة ال سن والوافقة ب سب‬
‫كمال عمله ومتابعته فيه وإخل صه وبلوغه مرتبة الحسان فيه؛ فمن‬
‫تنو عت أعماله الرض ية ل الحبو بة له ف هذه الدار تنو عت الق سام‬
‫التـ يتلذذ باـ فـ تلك الدار‪ ،‬وتكثرت له بسـب تكثـر أعماله هنـا‪،‬‬
‫وكان مزيده مـن تنوعهـا والبتهاج باـ واللتزاز نبيلهـا هناك على‬
‫حسب مزيده من العمال وتنوعه فيها ف هذه الدار فليست لذة من‬
‫ضرب ف كل مرضاة ل ب سهم وأ خذ من ها بن صيب كلذة من أن ى‬
‫سهمه ون صيبه ف نوع وا حد من ها؛ فلذات أ هل ال نة و ما في ها من‬
‫الطيبات أنواع‪ .‬وكذلك تنوعت آلم أهل النار‪ -‬فليس أل من ضرب‬
‫فـ كـل مسـخوط ل بنصـيب وعقوبتـه كأل مـن ضرب بسـهم فـ‬
‫مساخطه‪.‬‬
‫فالناس يتفاوتون فـ أحوال العاد ومـا يري فيـه مـن المور‬
‫التنوعة‪ -‬فمنها خفة حل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبه؛ فإنه‬
‫بسـب خفـة وزره وثقله إن خـف خـف‪ ،‬وإن ثقـل ثقـل‪ .‬ومنهـا‬
‫اسـتظلله بظـل العرش أو ضحاؤه للشمـس والرـ إن كان له مـن‬
‫العمال الصـالة والالصـة واليان مـا يظله فـ هذه الدار مـن حـر‬
‫الشرك والعاصـي والظلم اسـتظل هناك فـ ظـل أعماله تتـ عرش‬
‫الرحنـ‪ .‬وإن كان ضاحيًا ه نا للمنا هي والخالفات والبدع والفجور‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ضحى هناك للحر الشديد‪.‬‬
‫ومن ها طول وقو فه ف الو قف‪ ،‬ومشقّ ته عل يه‪ ،‬وتوي نه عل يه‪ .‬إن‬
‫طال وقوفه ف الصلة ليلً ونارًا ل وت مل لجله الشاق ف مرضاته‬
‫وطاعته خف عليه الوقوف ف ذلك اليوم وسهل عليه‪ .‬وإن آثر الراحة‬
‫هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته‬
‫ْكف‬
‫ْنف نَزّ لْنَا عَلَي َ‬
‫عليـه‪ ،‬وقـد أشار تعال إل ذلك فـ قوله‪ :‬إِنّاف نَح ُ‬
‫الْقُرْآَ نَ تَنْزِيلًا * فَا صْبِرْ لِحُكْ مِ رَبّ كَ وَلَا تُطِ عْ مِنْهُ مْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا‬
‫* وَاذْكُرِ ا سْمَ رَبّ كَ بُكْرَةً وَأَ صِيلًا * وَمِ نَ اللّ يْلِ فَا سْجُدْ لَ هُ وَ سَبّ حْهُ‬
‫لَيْلًا طَوِيلًا * إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبّو نَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُو نَ وَرَاءَهُ مْ يَوْمًا ثَقِيلًا‬
‫[النسـان‪ .]27 -23 :‬فمـن سـبح ال ليلً طويلً ل يكـن ذلك‬
‫اليوم ثقيلً عليه؛ بل كان أخف شيء عليه‪.‬‬
‫ومنها ثقل ميزانه هناك بسب تمله ثقل الق ف هذه الدار‪ ،‬ل‬
‫بسب مرد كثرة العمال؛ وإنا يثقل اليزان باتباع الق والصب عليه‬
‫وبذله إذا سـئل وأخذه إذا بذل‪ ،‬كمـا قال الصـديق لعمـر رضـي ال‬
‫عنه ما‪ :‬واعلم أن ل حقًا بالل يل ل يقبله بالنهار‪ ،‬وله حق بالنهار ل‬
‫يقبله بالل يل‪ ،‬واعلم أ نه إن ا ثقلت مواز ين من ثقلت موازي نه باتباع هم‬
‫الق وثقل ذلك عليهم ف دار الدنيا‪ ،‬وحق ليزان يوضع فيه الق أن‬
‫يكون ثقيلً‪ .‬وإناـ خفـت موازيـن مـن خفـت موازينـه يوم القيامـة‬
‫باتباعهم الباطل ف دار الدنيا وخفته عليهم‪ ،‬وحق ليزان ل يوضع فيه‬
‫إل باطل أن يكون خفيفًا‪.‬‬
‫ومنهـا أن ورود الناس الوض وشربمـ منـه يوم العطـش الكـب‬
‫ب سب ورود هم سنة ر سول ال وشرب م من ها‪ -‬ف من ورد ها ف‬

‫‪272‬‬

‫‪273‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫هذه الدار وشرب منها وتضلع ورَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلع؛‬
‫فله حوضان عظيمان‪ :‬حوض ف الدن يا‪ ،‬و هو سنته و ما جاء به‪.‬‬
‫وحوض ف الخرة فالشاربون من هذا الوض ف الدنيا هم الشاربون‬
‫من حوضه يوم القيامة‪ ،‬فشارب ومروم‪ ،‬ومستقل ومستكثر‪.‬‬
‫والذين يذودهم هو واللئكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين‬
‫كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيها فمن‬
‫ظ مأ من سنته ف هذه الدن يا ول ي كن له من ها شرب ف هو ف الخرة‬
‫ـل فيقول‪:‬‬
‫ـى الرجـ‬
‫ـل ليلقـ‬
‫ـر كبدًا‪ ،‬وإن الرجـ‬
‫ـأ وأحـ‬
‫ـد ظمـ‬
‫أشـ‬
‫يا فلن أشر بت؟ فيقول‪ :‬ن عم وال‪ .‬فيقول‪ :‬لك ن وال ما شر بت‪ ،‬وا‬
‫عطشاه‪.‬‬
‫ومنها قسمة النوار ف الظلمة دون ال سر فإن العبد يعطى من‬
‫النور هناك بسب قوة نور إيانه ويقينه وإخلصه ومتابعته للرسول ف‬
‫دار الدنيـا فمنهـم مـن يكون نوره كالشمـس‪ ،‬ودون ذلك كالقمـر‪،‬‬
‫ودونـه كأشـد كوكـب فـ السـماء إضاءةً‪ ،‬ومنهـم مـن يكون نوره‬
‫كالسراج ف قوته وضعفه‪ ،‬وما بي ذلك‪.‬‬
‫ومنهم من يعطى نورًا على إبام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى‬
‫بسب ما كان معه من نور اليان ف دار الدنيا( ‪ )1‬ولا كان النافق ف‬
‫الدن يا قد ح صل له نور ظا هر غ ي م ستمر ول مت صل بباط نه ول له‬
‫‪1‬‬

‫() فهو هذا النور بعينه أبرزه ال لعبده في الخرة ظاهرًا يرى عيانًا بالبصار‪،‬‬
‫ول يستضيء به غيره‪ ،‬ول يمشي أحد إل في نور نفسه‪ ،‬إن كان له نور مشى‬
‫في نوره‪ ،‬وإن لم يكن له نور لم ينفعه نور غيره‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫مادة من اليان أع طى ف الخرة نورًا ظاهرًا ل مادة له ث يطفئ عنه‬
‫أحوج ما كان إليه‪.‬‬
‫ومنها أن مشيهم على الصراط ف السرعة والبطء بسب سرعة‬
‫سيهم وبطئه على صراط ال ال ستقيم ف الدن يا فأ سرعهم سيًا ه نا‬
‫أسـرعهم هناك‪ ،‬وأبطأُهـم هنـا أبطأهـم هناك‪ ،‬وأشهدهـم ثبات ًا على‬
‫ال صراط ال ستقيم ه نا أثبت هم هناك‪.‬؟ و من خطف ته كلل يب الشهوات‬
‫والشبهات والبدع الضلة هنـا خطفتـه الكلليـب التـ كأناـ شوك‬
‫السـعدان هناك‪ ،‬ويكون تأثيـ الكلليـب فيـه هناك على حسـب تأثيـ‬
‫كلليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هنا فناج مسلم‪ ،‬ومزول أي‬
‫مقطع بالكلليب مكردس ف النار‪ ،‬كما أثرت فيهم تلك الكلليب ف‬
‫ُصـلَت‪:‬‬
‫ّامف لِلْعَبِيدِ [ف ّ‬
‫ّكف بِظَل ٍ‬
‫الدنيـا جَزَاءً وِفَاقًا ‪ ،‬وَمَا رَب َ‬
‫‪.]146‬‬
‫ومن كان مستوحشًا مع ال بعصيته إياه ف هذه الدار فوحشته‬
‫معه ف البزخ ويوم العاد أعظم وأشد وَمَ نْ كَا نَ فِي هَذِ هِ أَعْمَى‬
‫فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلًا [السرَاء‪ ]72 :‬وَيَزِيدُ اللّ هُ‬
‫الّ ذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريَم‪.]76 :‬‬
‫فأو صيكم وإياي عباد ال بالتقوى‪ ،‬وأن نا سب أنف سنا ق بل أن‬
‫ناسـب‪ ،‬ونزناـ قبـل أن نوزن‪ ،‬وأن نتأهـب للعرض الكـب على ال‬
‫ِنف‬
‫الذي ل تفـى عليـه خافيـة‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم وَإ ْ‬
‫مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا كَا نَ عَلَى رَبّ كَ حَتْمًا مَقْضِيّ ا * ثُمّ نُنَجّ ي الّ ذِي نَ‬
‫اتّ قَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِيَ فِيهَا جِثِيّاف [مر ي‪ .] 72 ،71 :‬بارك ال ل‬
‫ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬

‫‪274‬‬

‫‪275‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المـد ل رب العاليـ‪ ،‬مالك يوم الديـن‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل‬
‫ال وحده ل شريك له إله الولي والخرين‪.‬‬
‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله الشا فع الش فع ف يوم الح شر‪.‬‬
‫اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن‬
‫تبعهم على الثر‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬روى مسلم ففي صحيحه‪ ،‬عن أب الزبي‪،‬‬
‫أنه سع جابر بن عبدال رضي ال عنه يسأل عن الورود ف قوله‪:‬‬
‫وَإِ نْ مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا [مريَم‪ ]71 :‬فقال‪« :‬نيء نن يوم القيامة‬
‫على كُوْم فوق الناس‪ ،‬قال‪ :‬فتد عى ال مم بأوثان ا و ما كا نت تع بد‪:‬‬
‫الول‪ ،‬فالول؛ ث يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول‪ :‬من تنتظرون؟ فيقولن‪:‬‬
‫ننت ظر رب نا‪ .‬فيقول‪ :‬أ نا رب كم‪ ،‬فيقولون ح ت نن ظر إل يك فيتجلى ل م‬
‫يضحك‪ ،‬قال‪ :‬فينطلق بم فيتبعونه‪ ،‬ويعطى كل إنسان منهم منافق أو‬
‫مؤمن نورًا ث يتبعونه‪ ،‬وعلى جسر جهنم كلليب وحسك تأخذ من‬
‫شاء ال‪ ،‬ث يط فأ نور النافق ي‪ ،‬ث ين جو الؤمنون‪ ،‬فتن جو أول زمرة‬
‫وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألف ل ياسبون‪ ،‬ث الذين يلونم‬
‫كأضوء ن م ف ال سماء‪ ،‬ث كذلك‪ ،‬ث ت ل الشفا عة‪ ،‬ويشفعون ح ت‬
‫يرج من النار من قال ل إله إل ال وكان ف قل به من ال ي ما يزن‬
‫شعية‪ ،‬فيجعلون بفناء النـة‪ ،‬ويَجْعَلُ أهـل النـة يرشون عليهـم الاء‬
‫ح ت ينبتوا نبات الشيـء ف السـيل ويذهـب حُرَاقُهـُ‪ ،‬ثـ يَس ْـأَل حتـ‬
‫يَجْعَل لَه الدنيا وعشرة أمثالا معها»‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فتنبهوا عباد ال ل ا أمام نا‪ :‬ف البزخ‪ ،‬و ف القيا مة‪ ،‬و ف داري‬
‫الزاء‪ ،‬وتفكروا فـ معانـ هذا الديـث‪ ،‬وانظروا معاملة ال سـبحانه‬
‫وتعال لهـل توحيده الذيـن عبدوه وحده ول يشركوا بـه شيئًا هذه‬
‫العاملة‪ ،‬ومعامل ته أ هل الشرك به ح يث ذه بت كل أ مة مع معبود ها‬
‫فانطلق باـ واتبعتـه إل النار‪ ،‬وانطلق العبود القـ واتبعـه أولياؤه‬
‫وعابدوه ف سبحان ال رب العال ي الذي قرت عيون أ هل التوح يد به‬
‫فـ الدنيـا والخرة‪ ،‬وفارقوا الناس فيـه أحوج مـا كانوا إليهـم( ‪ . )1‬إن‬
‫أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() البدائع ج (‪ .)83 ،82 ،4/162‬اجتماع الجيوش ص(‪ )4‬وقبلهككككا وبعدهككككا‬
‫صحائف‪.‬‬

‫‪276‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪277‬‬

‫أحوال النسان من حي يأتيه الجل الحتوم‬
‫إل أن يستقر ف إحدى الدارين‬

‫( ‪)1‬‬

‫المـد ل الذي أحسـن كـل شيـء خلقـه‪ ،‬وخلق النسـان فـ‬
‫أح سن تقو ي‪ .‬أوجده ورباه بنع مه‪،‬وهداه إل الطر يق القو ي‪ .‬وأِش هد‬
‫أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ل تول مـن حال إل حال ول‬
‫قوة على ذلك إل بال وهـو حسـب ونعـم الوكيـل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا‬
‫عبده ور سوله نقله ر به در جة ب عد در جة‪ ،‬ومرت بة ب عد مرت بة‪ ،‬ح ت‬
‫انتهى إل مل القرب والزلفى من ربه الكري‪ .‬اللهم صلّ وسلم على‬
‫عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعبادة والجرة‬
‫والهاد‪ ،‬ومن تبعهم بإحسان إل يوم العاد‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪ :‬فَلَا أُقْ سِمُ بِالشّ فَ قِ * وَاللّ يْلِ وَمَا‬
‫وَ سَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتّ سَقَ * لَتَرْكَبُنّ طَبَقًا عَ نْ طَبَ قٍ [النشقاق‪:‬‬
‫‪ ]19 -16‬أقسـم سـبحانه بالشفـق الذي يتضمـن إدبار النهار وإقبال‬
‫الليل‪ ،‬وه ا آيتان من آيات ال‪ .‬وأقسم بالقمر واتساقه؛ فاللل آية‪،‬‬
‫واتساقه‪ -‬وهو امتلؤه نورًا‪ -‬آية‪ ،‬ث أخذه ف النقص آية لَتَرْكَبُنّ‬
‫َقف [النشقاق‪ ]19 :‬يعنـ تنقـل النسـان حالً بعـد‬
‫َنف طَب ٍ‬
‫طَبَقًا ع ْ‬
‫حال‪ ،‬ومن لً بعد منل‪ ،‬وأمرًا بعد أمر‪.‬‬
‫عباد ال هذه اليات التـ حلف ال باـ والحلوف عليـه وهـو‬
‫‪1‬‬

‫() قلت‪ :‬وهذه أشمل من كل ما تقدم في هذا الموضوع ومتصلة الحلقات‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫النسان أدلة على عظمة ربنا‪ ،‬وتغييه للعال وتصريفه إياه كيف أراد‪،‬‬
‫ونقله من حال إل حال‪ ،‬وهي من أعظم الدلة على توحيده وصفات‬
‫كماله‪ ،‬و صدقه‪ ،‬و صدق ر سله‪ ،‬وعلى العاد ولذلك قال عق به بقوله‪:‬‬
‫فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [النشقاق‪.]20 :‬‬
‫فأول أطباق النسـان «نطفـة»‪ .‬ثـ «علقـة»‪ .‬ثـ «مضغـة»‪ .‬ثـ‬
‫«جنينًا»‪ .‬ث «مولودًا»‪ .‬ث «رضيعًا»‪ .‬ث «فطيمًا»‪ .‬ث «ميزًا»‪ .‬ث‬
‫يأخذ ف بلوغ الِشد والشباب إل الربعي‪ .‬ث بعد الربعي يأخذ ف‬
‫الكهولة إل ال ستي‪ .‬ث يأ خذ ف الشيخو خة‪ .‬فإذا انط مت قواه ف هو‬
‫هرم‪ .‬فإذا تغيت أحواله وظ هر نق صه ف قد رد إل أرذل الع مر‪ .‬و هي‬
‫ف جيع أطواره‪ :‬إما صحيح أو مريض‪ ،‬غن أو فقي‪ ،‬معاف أو مبتلى‬
‫إل جيع أحوال النسان الختلفة عليه‪.‬‬
‫فإذا بلغ الجـل الذي قدر له واسـتوفاه جاءتـه رسـل ربـه ‪-‬‬
‫ينقلونه من دار الفناء إل دار البقاء‪ ،‬فجلسوا منه مد البصر‪ ،‬ث دنا منه‬
‫اللك الوكل بقبض الرواح فاستدعى بالروح‪ ،‬فإن كانت روحًا طيبة‬
‫قال‪ :‬اخر جي أيت ها الن فس الطي بة كا نت ف ال سد الط يب‪ ،‬اخر جي‬
‫حيدة وأبشري بروح وريان‪ ،‬ورب غيـ غضبان‪ ،‬فتخرج مـن بدنـه‬
‫كما ترج القطرة من ف السقاء‪ ،‬فإذا أخذها ل يدعوها ف يديه طرفة‬
‫عيــ‪ ،‬فيحنطوناــ ويكفنوناــ بنوط وكفــن مــن النــة‪،‬‬
‫ثـ يصـلون عليهـا‪ ،‬ويوجـد لاـ كأطيـب نفحـة مسـك وجدت على‬
‫الرض‪ ،‬ث ي صعد ب ا للعرض الول على أ سرع الا سبي فينت هى ب ا‬
‫إل السماء الدنيا فيستأذن لا‪ ،‬فتفتح لا أبواب السماء‪ ،‬ويصلي عليها‬
‫ـل‬
‫ـة‪ ،‬فيفعـ‬
‫ـماء الثانيـ‬
‫ـا إل السـ‬
‫ـا مقربوهـ‬
‫ـا‪ ،‬ويشيعهـ‬
‫ملئكتهـ‬
‫با كذلك‪ ،‬ث الثالثة‪ ،‬ث الرابعة إل أن ينتهي با إل السماء الت فيها‬

‫‪278‬‬

‫‪279‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ال ؛ فتح يي رب ا تبارك وتعال بتح ية الربوب ية‪ :‬الل هم أ نت ال سلم‬
‫ـا ذا اللل والكرام‪ .‬فإن شاء أذن لاـ‬
‫ـلم‪ ،‬تبارك يـ‬
‫ـك السـ‬
‫ومنـ‬
‫بالسجود‪ ،‬ث يرج لا التوقيع بالنة‪ ،‬فيقول الرب جل جلله‪ :‬اكتبوا‬
‫كتاب عبدي فـ علييـ‪ ،‬ثـ أعيدوه إل الرض‪ ،‬فإنـ منهـا خلقتهـم‪،‬‬
‫وفيها أعيدهم‪ ،‬ومنها أخرجهم تارة أخرى‪.‬‬
‫ثـ ترجـع روحـه إل الرض‪ ،‬فتشهـد غسـله وتكفينـه وحله‬
‫وتهيزه وتقول‪ :‬قدمون قدمون‪.‬‬
‫فإذا وضع ف لده وتول عنه أصحابه دخلت الروح معه‪ ،‬حت‬
‫إ نه ي سمع قرع نعال م على الرض‪ ،‬فأتاه حينئذ فتانا ال قب‪ ،‬فيجل سانه‬
‫ويسألنه‪ :‬من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول‪ :‬رب ال‪ ،‬ودين‬
‫السلم‪ ،‬ونبيي ممد‪ .‬فيصدقانه‪ ،‬ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه‪،‬‬
‫ومات عليه‪ ،‬وعل يه يب عث‪ .‬ث يف سح له ف قبه مدّ ب صره‪ ،‬ويفرش له‬
‫خَضِرًا‪ ،‬ويق يض له شاب ح سن الو جه والرائ حة‪ ،‬فيقول‪ :‬أب شر بالذي‬
‫ي سرك‪ .‬فيقول‪ :‬من أ نت؟ فوج هك الو جه الذي ي يء بال ي‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫أنا عملك الصال‪ .‬ث يَفْتَ حُ له طاقةً إل النار‪ ،‬ويقول‪ :‬انظر ما صرف‬
‫ال ع نك‪ .‬ث يَفْتَح له طا قة إل ال نة‪ ،‬ويقول‪ :‬ان ظر ما و عد ال لك‪،‬‬
‫فياها جيعًا‪.‬‬
‫وأ ما الن فس الفاجرة فبال ضد من ذلك كله‪ :‬إذا أذ نت بالرح يل‬
‫نزل عليهـا ملئكـة سـود الوجوه‪ ،‬معهـم حنوط مـن نار وكفـن مـن‬
‫نار‪ ،‬فجلسـوا منهـا مدّ البصـر‪ ،‬ثـ دنـا اللك الوكـل بقبـض النفوس‬
‫فا ستدعى ب ا وقال‪ :‬أخر جي أيت ها الن فس البي ثة كا نت ف ال سد‬
‫ال بيث أبشري بم يم وغ ساق‪ ،‬وآ خر من شكله أزواج‪ ،‬فتطا ير ف‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫بد نه‪ ،‬فيجتذب ا من أعماق البدن فتن قع مع ها العروق والع صب ك ما‬
‫ينتزع الشوك من الصوف؛ فإذا أخذها ل يدعوها ف يده طرفة عي‪،‬‬
‫ويوجـد لاـ كأنتـ رائحـة جيفـة على وجـه الرض‪ ،‬فتحنـط بذلك‬
‫النوط‪ ،‬وتلف فـ ذلك الكفـن‪ ،‬ويلعنهـا كـل ملك بيـ السـماء‬
‫والرض‪ ،‬ث ي صعد باـ إل ال سماء ف ستفتح لاـ فل تف تح لاـ أبواب‬
‫السـماء‪ ،‬ثـ ييـء النداء مـن رب العاليـ‪ :‬اكتبوا كتابـه فـ سـجي‪،‬‬
‫وأعيدوه إل الرض‪ .‬فتطرح روحه طرحًا‪ ،‬فتشهد تهيزه وتكفينه وحله‪،‬‬
‫وتقول وهي على السرير‪ :‬يا ويلها إل أين يذهبوا با؟ فإذا وضع ف اللحد‬
‫أعيدت عليه‪ ،‬وجاء اللكان فسأله عن ربه ودينه ونبيه‪ ،‬فيتلجلج ويقول‪:‬‬
‫ل أدري‪ .‬فيقولن له‪ :‬ل دريـت‪ ،‬ول تليـت‪ ،‬ثـ يضربانـه ضربـة يصـيح‬
‫صيحة ي سمعه كل ش يء إل الثقل ي‪ .‬ث يض يق عل يه قبه ح ت تتلف‬
‫أضل عه‪ ،‬ث يفرش له نار‪ ،‬ويف تح له طا قة إل ال نة فيقال‪ :‬ان ظر إل ما‬
‫صرف ال ع نك‪ .‬ث يف تح له طا قة إل النار‪ ،‬فيقال‪ :‬ان ظر إل مقعدك من‬
‫النار‪ ،‬فياهاـ جيعًا؛ ثـ يقيـض له أعمـى أصـم أبكـم فيقول‪ :‬مـن أنـت‬
‫فوجهك الذي ييء بالشر‪ .‬فيقول‪ :‬أنا عملك السيئ‪.‬‬
‫ث ينعم الؤمن ف البزخ على حسب أعماله‪ ،‬ويعذب الفاجر‬
‫فيه على حسب أعماله‪ ،‬ويتص كل عضو بعذاب يليق بناية ذلك‬
‫العضو فتقرض شفاه الغتابي الذين يزقون لوم الناس‬
‫ويقعون ف أعراضهم بقاريض من نار‪ ،‬وتسجر بطون أكلة أموال‬
‫اليتامى بالنار‪ ،‬وتلقم أكلة الربا بالجارة‪ ،‬ويسبحون ف أنار الدم‬
‫كما يسبحون ف الكسب البث‪ .‬وترضح رءوس النائمي عن‬
‫الصلة الكتوبة بالجر العظيم‪ ،‬ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة‬

‫‪280‬‬

‫‪281‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫خرُه إل قفاه‪ ،‬وعينيه إل قفاه‪ ،‬كما شقت‬
‫بكلليب الديد إل قفاه‪ ،‬و ِمْن ُ‬
‫كلمته النواحي‪ .‬ويعلق النساء الزوان بثديهن‪ ،‬وتبس الزناة والزوان ف‬
‫التنور الحمى عليه‪ ،‬فيعذب مل العصية منهم ومن هو إل سافل‪ .‬وتسلط‬
‫الموم والحزان واللم النفسانية على النفوس البطالة الت كانت مشغولة‬
‫باللهو واللعب والبطالة‪ ،‬فتصنع اللم ف نفوسهم كما تصنع الوام والديدان‬
‫ف جسومهم‪ ،‬حت يأذن ال تعال بانقضاء أجل العال وطي الدنيا‪.‬‬
‫فتمطر الرض مطرًا غليظًا أبيض كمن الرجال أربعي صباحًا‪،‬‬
‫فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب‪ ،‬فإذا تكاملت الجنة‬
‫واقر بت الم وكان و قت الولدة أ مر ال سبحانه إ سرافيل فن فخ ف‬
‫ال صور نف خة الب عث و هي الثال ثة وقبل ها نف خة الوت‪ ،‬وقبل ها نف خة‬
‫الب عث و هي الثال ثة وقبل ها وقبل ها نف خة الوت‪ ،‬وقبل ها نف خة الفزع‬
‫فتشققت الرض عنهم‪ ،‬فإذا هم قيام ينظرون‪ ،‬يقول الؤمن‪ :‬المد ل‬
‫الذي أحيانًا ب عد ما أمات نا وإل يه النشور‪ .‬ويقول الكا فر‪ :‬يا ويل نا من‬
‫بعث نا من مرقد نا‪ .‬في ساقون إل الح شر حفاة‪ ،‬عراة‪ ،‬غرلً‪ ،‬ب ما‪ ،‬مع‬
‫كل ن فس سائق ي سوقها‪ ،‬وشه يد علي ها‪ .‬و هم ب ي م سرور ومثبور‪،‬‬
‫وضا حك وبا كٍ‪ ،‬ح ت إذا تكاملت عدتمـ و صاروا جيعًا على و جه‬
‫الرض تشق قت ال سماء‪ ،‬وانتثرت الكوا كب‪ ،‬ونزلت ملئ كة ال سماء‬
‫الثانية فأحاطت بلئكة السماء الدنيا‪ ،‬ث كل ساء كذلك؛ فبينما هم‬
‫ـت الرض‬
‫ـل القضاء‪ ،‬فأشرقـ‬
‫كذلك إذ جاء ال رب العالي ـ لفصـ‬
‫بنوره‪ ،‬وت يز الجرمون من الؤمني‪ ،‬ونصب اليزان‪ ،‬وأحضر الديوان‪،‬‬
‫ـل‬
‫ـن والرجـ‬
‫ـتدعي بالشهود‪ ،‬وشهدت يومئذ اليدي واللسـ‬
‫واسـ‬
‫واللود‪ ،‬ول تزال الصــومة بيــ يدي ال ســبحانه حتــ‬
‫يت صم الروح والسـد‪ ،‬فيقول السـد‪ :‬إناـ كنـت ميتًا ل أعقـل ول‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ـ‬
‫وأنتـ كنـت السـميعة البصـرة العاقلة‪ ،‬وكنت ِ‬
‫ِ‬
‫أسـع ول أبصـر‪،‬‬
‫تصـرفينن حيـث أردت‪ .‬فتقول الروح‪ :‬وأنـت الذي فعلت‪ ،‬وباشرت‬
‫العصـية‪ ،‬وبطشـت‪ .‬فيسـل ال إليهمـا ملكًا يكـم بينهمـا فيقول‪:‬‬
‫مثلك ما م ثل ب صي مق عد‪ ،‬وأع مى صحيح دخل ب ستانًا‪ ،‬فقال الق عد‪:‬‬
‫أ نا أرى الثمار ول أ ستطيع أن أقوم إلي ها‪ ،‬وقال الع مى‪ :‬أ نا أ ستطيع‬
‫القيام‪ ،‬ول كن ل أرى شيئًا‪ ،‬فقال الق عد‪ :‬احل ن ح ت أتناول ل ولك‬
‫ففعل‪ ،‬فعلى مـن تكون العقوبـة؟ فيقولن‪ :‬عليهمـا‪ .‬فيقول‪ :‬فذلك‬
‫أنت ما‪ .‬فيح كم ال سبحانه ب ي عباده بك مه الذي يمده عل يه ج يع‬
‫أهـل السـموات والرض وكـل بر وفاجـر ومؤمـن وكافـر‪ .‬ثـ ينادي‬
‫مناد‪ :‬لتتبع كل أمة ما كانت تعبد‪ .‬فيذهب أهل الوثان مع أوثانم‪،‬‬
‫وأ هل ال صليب من صليبهم‪ ،‬و كل مشرك مع إل ه الذي كان يع بد ل‬
‫يسـتطيع التخلف عنـه فيتسـاقطون فـ النار‪ .‬ويبقـى الوحدون‪ ،‬فيقال‬
‫لم‪ :‬أل تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون‪ :‬فارقنا الناس أحوج ما‬
‫كنـــــــــــــا إليهـــــــــــــم‪،‬‬
‫وإن لنـا ربًا ننتظره‪ ،‬فيقال‪ :‬وهـل بينكـم وبينـه علمـة تعرفونـه باـ؟‬
‫فيقولون نعم‪ :‬إنه ل مثل له‪ ،‬فيتجلى لم سبحانه ف غي الصورة الت‬
‫يعرفونــه‪ ،‬فيقول‪ :‬أنــا ربكــم‪ ،‬فيقولون‪ :‬نعوذ بال منــك‪ ،‬هذا‬
‫مكان نا ح ت يأتي نا رب نا فإذا جاء رب نا عرفناه‪ ،‬فيتجلى ل م سبحانه ف‬
‫صورته الت رويء فيها أول مرة ضاحكًا‪ ،‬فيقول‪ :‬أنا ربكم‪ ،‬فيقولون‪:‬‬
‫ن عم أ نت رب نا‪ ،‬ويرون ل سجدًا أل من كان ل ي صلي ف الدن يا أو‬
‫يصـلي رياء فإنـه يال بينـه وبيـ السـجود‪ .‬ثـ ينطلق سـبحانه‬
‫ويتبعونه‪ ،‬ويضرب السر على وسط جهنم‪ ،‬ويساق اللق عليه‪ ،‬وهو‬
‫ـــن عبوره إل بنور‪ .‬فإذا انتهوا‬
‫ـــض مزلة‪ ،‬مظلم ل يكـ‬
‫دحـ‬

‫‪282‬‬

‫‪283‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫إليه قسمت بينهم النوار على حسب نور إيانم وإخلصهم وأعمالم‬
‫ف الدن يا؛ فنور كالش مس‪ ،‬ونور كالن جم‪ ،‬ونور كال سراج ف قو ته‬
‫وضع فه‪ .‬وتر سل الما نة والر حم على ج نب ال صراط فل يوزه خائن ول‬
‫قا طع‪ .‬ويتلف مرور هم عل يه ب سب اختلف ا ستقامتهم على ال صراط‬
‫ال ستقيم ف الدن يا فمارّ كالبق‪ ،‬وكالر يح‪ ،‬وكالط ي وكأجاو يد ال يل‪،‬‬
‫و ساع‪ ،‬وماش‪ ،‬وزا حف‪ ،‬وحاب حبوًا‪ .‬وين صب على جن به كلل يب ل‬
‫يعلم قد عظمها إل ال تعوق من علقت به عن العبور على حسب ما‬
‫كانـت تعوقـه الدنيـا عـن طاعـة ال ومرضاتـه وعبوديتـه‪ ،‬فناج مسـلم‪،‬‬
‫ومدوش م سلم‪ ،‬ومق طع بتلك الكلل يب ومكردس ف النار‪ .‬و قد ط فأ‬
‫نور النافقي على السر أحوج ما كانوا إليه‪.‬‬
‫فإذ جاوز الؤمنون الصـراط ‪-‬ول يوزه إل مؤمـن‪ -‬أمنوا مـن‬
‫دخول النار‪ ،‬فيحبسـون هناك على قنطرة بيـ النـة والنار فيقتـص‬
‫لبعض هم من ب عض مظال كا نت بين هم ف دار الدن يا‪ ،‬ح ت إذا هذبوا‬
‫إذن لم ف دخول النة‪ .‬فإذا استقر أهل النة ف النة وأهل النار ف‬
‫النار أ ت بالوت ف صورة ك بش أملح‪ ،‬فيو قف ب ي ال نة والنار‪ ،‬ث‬
‫يقال‪ :‬يا أهل النة‪ ،‬فيطلعون وجلي‪ .‬ث يقال‪ :‬يا أهل النار‪ ،‬فيطلعون‬
‫مستبشرين‪ ،‬فيقال‪ :‬هل تعرفون هذا؟ فيقولون‪ :‬نعم‪ ،‬وكلهم قد عرفه‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬هذا الوت‪ ،‬فيذبـح بيـ النـة والنار‪ ،‬ثـ يقال‪ :‬يـا أهـل النـة‬
‫خلود ول موت‪ ،‬ويا أهل النار خلود ول موت‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واتقوا يومًا ترجعون فيه إل ال ثُمّ تُوَفّى‬
‫ُونف [البَقَرَة‪ ]281 :‬بارك‬
‫ُمف لَا يُظْلَم َ‬
‫َسفبَتْ وَه ْ‬
‫ْسف مَا ك َ‬
‫كُلّ نَف ٍ‬
‫ال ‪...‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل نمده ‪...‬‬
‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬هذه أحوال النطفة الت هي مبدأ النسان‪،‬‬
‫وما بي هذا البدأ وهذه الغاية أحوال وأطباق قدر العزيز العليم تنقل‬
‫الن سان في ها وركو به ل ا طبقًا ب عد ط بق ح ت ي صل إل غاي ته من‬
‫ال سعادة والشقاوة‪ ،‬و هي نتي جة البتلء والختبار ف هذه الدار‪ .‬هذا‬
‫الختبار العظ يم‪ ،‬والنتي جة الع ظم إِنّ ا خَلَقْنَا الْإِنْ سَانَ مِ نْ نُطْفَةٍ‬
‫أَمْشَاج ٍف نَبْتَلِيه ِف فَجَعَلْنَاه ُف س َفمِيعًا بَص ِفيًا * إِنّاف هَدَيْنَاه ُف الس ّفبِيلَ إِمّاف‬
‫شَاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا [النسان‪ .]3-1 :‬فَأَمّا مَ نْ ثَقُلَ تْ مَوَازِينُ هُ‬
‫* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمّ ا مَ نْ خَفّ تْ مَوَازِينُ هُ * فَأُمّ هُ هَاوِيَةٌ *‬
‫وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة‪.]11 -6 :‬‬
‫فنسأل ال العظيم الليل الرحيم أن يعلنا من الذين سبقت لم‬
‫منه السن‪ ،‬ول يعلنا من الذين غلبت عليهم الشقاوة فخسروا الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬إنـه سـيع الدعاء‪ ،‬وهـو حسـبنا ونعـم الوكيـل‪ .‬إن أحسـن‬
‫الديث ‪...‬‬

‫‪284‬‬

‫‪285‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫التحذير من النار‬
‫المد ل ذي العز الجيد‪ ،‬البدئ العيد‪ ،‬الكرم لن خافه واتقاه‬
‫بدار ل يفن نعيمها ول يبيد‪ ،‬النتقم م ن عصاه بالنار بعد النذار ب ا‬
‫والوع يد مَ نْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْ سِهِ وَمَ نْ أَ سَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّ كَ‬
‫بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصّلَت‪.]46 :‬‬
‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول كفـو‪ ،‬ول‬
‫ضد‪ ،‬ول نديد‪.‬‬
‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله السـاعي بالنصـح للقريـب‬
‫والبع يد‪ ،‬الحذر للع صاة من نار تل ظى بدوام الوق يد‪ .‬صلى ال عل يه‬
‫وعلى آله وأصحابه صلة ل تزال على كر الديدين ف تديد‪ ،‬وسلم‬
‫تسليمًا كثيًا‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬فإن ال سبحانه خلق اللق ليعرفوه ويعبدوه‪ ،‬ويبوه‪،‬‬
‫ويافوه خوف إجلل‪ ،‬ونصـب لمـ الدلة على عظمتـه وكـبيائه‬
‫ليهابوه‪ ،‬وو صف ل م شدة عذا به ودار عقا به ال ت أعد ها ل ن ع صاه‬
‫ليتقوه بصال العمال؛ ولذا كرر سبحانه وتعال ف كتابه ذكر النار‪،‬‬
‫ومـا أعده فيهـا لعدائه مـن العذاب والنكال‪ ،‬ومـا احتوت عليـه مـن‬
‫الزقوم والضر يع والم يم وال سلسل والغلل‪ ،‬إل غ ي ذلك م ا في ها‬
‫مــن العظائم والهوال‪ ،‬ودعــا عباده بذلك إل خشيتــه وتقواه‪،‬‬
‫وال سارعة إل امتثال ما يأمر به به وي به ويرضاه‪ ،‬واجتناب ما ين هى‬
‫عنه ويكرهه ويأباه‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عباد ال‪ :‬مـن تأمـل القرآن الكريـ وأدار فكره فيـه‪ ،‬وكذلك‬
‫الحاديث الصحيحة الت هي مفسرة للكتاب وجد من ذلك العجب‬
‫العجاب‪ ،‬وكذلك سـي السـلف الصـال مـن أهـل العلم واليان‪ ،‬مـن‬
‫ال صحابة والتابع ي ل م بإح سان‪ -‬من تأمل هم علم أحوال القوم و ما‬
‫كانوا عليه من الشية والوف والخبات‪ ،‬وأن ذلك هو الذي رقّاهم‬
‫القامات السـنيات‪ ،‬مـن شدة الجتهاد فـ الطاعات‪ ،‬والنكفاف عـن‬
‫ـض‬
‫ـن الحرمات‪ .‬ولذا قال بعـ‬
‫دقائق العمال الكروهات‪ ،‬فضلً عـ‬
‫ال سلف‪ :‬خوف ال ح جب قلوب الائف ي عن زهرة الدن يا وعوارض‬
‫الشهوات‪.‬‬
‫عباد ال ذكـر العلماء أن النفوس ول سـيما فـ هذه الزمان‬
‫وقبل ها بأزمان قد غلب على كث ي من ها الك سل والتوا ن‪ ،‬وا سترسلت‬
‫ف شهوات ا وأهوائ ها وت نت على ال الما ن‪ .‬والشهوات الحر مة ل‬
‫يذهبها من القلوب إل أحد أمرين‪ :‬إما خوف مزعج مرق‪ ،‬أو شوق‬
‫مب هج مقلق‪ ،‬فذلك بشيئة ال هو القا مع للنفوس عن غي ها وف سادها‪،‬‬
‫والبا عث ل ا على ال سارعة إل فلحها ورشادها‪ .‬والوف أفضل من‬
‫الرجاء ما كان العبد صحيحًا‪ ،‬فإذا نزل الوت فالرجاء أفضل‪ .‬والقَدْرُ‬
‫الواجب من الوف ما حل على أداء الفرائض واجتناب الحارم‪ ،‬فإذا‬
‫زاد على ذلك بيـث صـار باعث ًا للنفوس على التشميـ فـ نوافـل‬
‫الطاعات‪ ،‬والنكفاف عـن دقائق الكروهات والتبسـط فـ فضول‬
‫الباحات‪ :‬كان ذلك فضلً ممودًا‪.‬‬
‫وقـد ضمـن ال سـبحانه النـة لنـ خافـه مـن أهـل اليان‪ ،‬قال‬
‫َانف [الرّحنـ‪ ]46 :‬قال‬
‫ّهف جَنّ ت ِ‬
‫َامف رَب ِ‬
‫َافف مَق َ‬
‫َنف خ َ‬
‫تعال‪ :‬وَلِم ْ‬

‫‪286‬‬

‫‪287‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ما هد‪ :‬هو الر جل ي هم بالع صية فيذ كر ال فيترك ها‪ .‬و عن السـن‬
‫الب صري قال‪ :‬قالت ال نة‪ :‬يا رب ل ن خلقت ن؟ قال‪ :‬ل ن يعبد ن و هو‬
‫ياف ن‪ .‬وقال أ بو سليمان الدارا ن‪ :‬أ صل كل خ ي ف الدن يا والخرة‬
‫الوف من ال‪ ،‬وكل قلب ليس فيه خوف ال فهو قلب خرب‪.‬‬
‫عباد ال‪ :‬وقـد دل القرآن الكريـ والحاديـث والجاع على‬
‫وجود النار وأناـ ملوقـة الن‪ ،‬قال ال تعال عـن آل فرعون‪ :‬النّارُ‬
‫يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّا وَعَشِيّا [غَافر‪.]46 :‬‬
‫وقال‪ :‬كَلّا إِنّ كِتَا بَ الْفُجّارِ لَفِي سِجّ يٍ‬
‫وسجي أسفل الرض‪.‬‬

‫[الطفّفِ ي‪]7 :‬‬

‫وجاءت أحاديـث مبينـة شدة حرهـا‪ ،‬وبعـد قعرهـا‪ ،‬وسـعتها‪،‬‬
‫وتعظيم الكافر فيها‪ ،‬وأهون م عذابًا‪ -‬أجارنا ال وإياكم منها برحته‬
‫وكرمه‪.‬‬
‫من ها ما رواه أ نس ر ضي ال ع نه‪ ،‬عن ال نب قال‪« :‬نار كم‬
‫هذه ال ت توقدون جزءً من سبعي جزءً من نار جه نم »‪ .‬قال‪ :‬وال‬
‫إن كانـت لكافيـة يـا رسـول ال‪ .‬قال‪« :‬فإناف فضلت عليهفا بتسفعة‬
‫وستي جزءً كلها مثل حرها» متفق عليه‪ :‬وأخرج مسلم من حديث‬
‫أ ب هريرة‪ ،‬قال‪ :‬ك نا ع ند ال نب يومًا ف سمع وج بة‪ -‬يع ن صوتًا‪-‬‬
‫فقال ‪ « :‬أتدرون مفا هذا؟» قلنـا‪ :‬ال ورسـوله أعلم‪ .‬قال‪« :‬هذا‬
‫حجر أرسل ف جهنم منذ سبعي خريفًا ‪-‬يعن سنة‪ -‬فالن انتهى إل‬
‫قعرها»‪ .‬وروى مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه مرفوعًا‪« :‬ضرس‬
‫فية‬
‫فد‪ ،‬وغلظ جلده مسف‬
‫فل أحف‬
‫ـر‪ -‬مثف‬
‫فر ‪-‬أو ناب الكافـ‬
‫الكافف‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ثلث» وروى مسلم أيضًا عنه‪ ،‬عن النب أنه قال‪ « :‬ما بي منكب‬
‫الكاففر فف النار مسفية ثلثفة أيام للراكفب السفرع»( ‪ )1‬وروى‬
‫البخاري ومسـلم عـن النعمان بـن بشيـ‪ ،‬قال‪ :‬سـعت رسـول ال‬
‫قول‪« :‬إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع ف أخس‬
‫قدميه جرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي الرجل‪ ،‬ما يرى أن أحدًا‬
‫أشدّ منه عذابًا وإنه لهونم عذابًا»‪.‬‬
‫و قد حذر ال نب أم ته النار‪ ،‬وبالغ ف التحذ ير‪ ،‬وأك ثر التعوذ‬
‫منها‪ ،‬وأمر به فمن ذلك ما روى عدي بن حات قال‪ :‬قال رسول ال ‪:‬‬
‫«اتقوا النار‪ ،‬وأشاح‪ .‬ث قال‪ :‬اتقوا النار‪ ،‬ث أغرض وأشاح ثلثًا ح ت‬
‫ظننفا أنفه ينظفر إليهفا‪ ،‬ثف قال‪ :‬اتقوا النار ولو بشفق ترة‪ ،‬فمفن ل يدف‬
‫فبكل مة طي بة» أخرجاه ف ال صحيحي‪ .‬و ف سنن أ ب داود وا بن ما جه‬
‫والبزار عن جابر‪« :‬أن ال نب قال لر جل‪ :‬ك يف تقول ف ال صلة؟»‬
‫قال‪ :‬أتشهد‪ ،‬ث أقول‪ :‬اللّهم إن أسألك النة‪ ،‬وأعوذ بك من النار‪ ،‬أما‬
‫إن ل أحسن دندنتك ول دندنة معاذ‪ .‬فقال النب ‪ « :‬وهل أدندن أنا‬
‫ومعاذ إل أن نسأل ال النة ونعوذ به من النار»‪.‬‬
‫و ف صحيح م سلم عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب‬
‫قال‪« :‬إنا مثلي ومثل أمت كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما‬
‫حولا جعل الفراش وهذا الدواب يقعن فيها‪ ،‬وجعل يجزهن ويغلبنه‬
‫فيقتحمن فيها‪ ،‬قال‪ :‬فذلك مثلي ومثلكم‪ ،‬أنا آخذ بجزكم هَلُمّ عن‬
‫النار‪ ،‬هَلُمّف عفن النار فتغلبونف وتقتحمون فيهفا» وأخرج البزار‬
‫وأ بو يعلى من حد يث أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب قال‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫() وبقدر تعظيم جسم الكافر وكفره يعظم عذابه‪ .‬والعياذ بال‪.‬‬

‫‪288‬‬

‫‪289‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫«مفا اسفتجار عبفد مفن النار سفبع مرات إل قالت النار‪ :‬يفا رب إن‬
‫عبدك فل نًا استجار من فأجره‪ ،‬ول سأل عبد النة سبع مرات إل‬
‫قالت النة‪ :‬يا رب إن عبدك فل نًا سألن فأدخله النة»‪.‬‬
‫والصـحابة رضـي ال عنهـم مـع فضلهـم وكذا التابعون لمـ‬
‫بإح سان يافون من النار‪ ،‬والوف من ها سبب النجاة‪ ،‬وكانوا يربون‬
‫أنفسهم على الوف منها؛ روى ابن البارك بسنده قال‪ :‬لا نزلت هذه‬
‫الية‪ :‬وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا [مريَم‪.]71 :‬‬
‫ذهب الصحاب عبدال بن رواحة إل بيته فبكى‪ ،‬وجاءت الرأة‬
‫فب كت‪ ،‬وجاءت الاد مة فب كت‪ ،‬ث جاء أ هل البيـت فجعلوا يبكون‬
‫كلهـم‪ ،‬فلمـا انقضـت عـبته قال‪ :‬يـا أهله! مـا يبكيكـم؟ قالوا‪ :‬ل‬
‫ندري‪ ،‬ولكنا رأيناك تبكي فبكينا‪ .‬قال‪ :‬آية نزلت على رسول ال‬
‫ينبؤنـ فيهـا ر ب أنـ وارد النار‪ ،‬ول ينبئنـ أنـ صـادر عنهـا‪ ،‬وروى‬
‫المام أح د ب سنده عن ال سن قال‪ :‬قال ر جل لخ يه‪ :‬قد جاءك عن‬
‫ال أنـك وارد جهنـم؟ قال‪ :‬نعـم‪ .‬قال‪ :‬فأيقنـت بالورود؟ قال‪ :‬نعـم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأيق نت و صدقت بذلك؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬وك يف ل أ صدق و قد قال‬
‫ال ‪ :‬وَإِ نْ مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا كَا نَ عَلَى رَبّ كَ حَتْمًا مَقْضِيّ ا‬
‫[مريَم‪ ]71 :‬قال‪ :‬فأيقنـت أنـك صـادر عنهـا؟ قال‪ :‬وال مـا أدري‬
‫أأصدر عنها‪ ،‬أم ل؟ قال‪ :‬ففيم التثاقل‪ ،‬وفيم الضحك‪ ،‬وفيم اللعب‪.‬‬
‫قال‪ :‬فما رؤي ضاحكًا حت لق بال‪.‬‬
‫وعوتـب يزيـد الرقاشـي على كثرة بكائه‪ ،‬وقيـل له‪ :‬لو كانـت‬
‫النار خلقـت لك مـا زدت على هذا فقال‪ :‬وهـل خلقـت النار إل ل‬
‫ولصحاب ولخواننا من الن والنس‪ ،‬أما تقرأ سَنَفْرُغُ لَكُ مْ أَيّ هَا‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الثّ قَلَا نِ [الرّحن‪ ]31 :‬أما تقرأ‪ :‬يُرْ سَلُ عَلَيْكُمَا شُوَا ظٌ مِ نْ نَارٍ‬
‫ُونف‬
‫َصفرَانِ [الرّحنـ‪ ]35 :‬فقرأ إل قوله‪ :‬يَطُوف َ‬
‫َاسف فَلَا تَنْت ِ‬
‫وَنُح ٌ‬
‫بَيْنَهَا وَبَيْ نَ حَمِي مٍ آَ نٍ [الرّحن‪ .]44 :‬وقال السن‪ :‬كان عمر بن‬
‫الطاب رضي ال عنه ربا توقد له النار ث يدن يديه منها‪ ،‬ث يقول‪:‬‬
‫يا ابن الطاب هل لك على هذا صب؟! وكان الحنف بن قيس ييء‬
‫إل الصباح بالليل فيضع أصبعه فيه‪ ،‬ث يقول‪ :‬حِ سْ‪ ،‬حِ سْ‪ .‬ث يقول‪:‬‬
‫يا حنيف ما حلك على ما صنعت يوم كذا‪ ،‬ما حلك على ما صنعت‬
‫يوم كذا‪ .‬وخرج ابن أب الدنيا من رواية سعد بن الخرم‪ ،‬قال‪ :‬كنت‬
‫أم شي مع ا بن م سعود ف مر بالداد ين و قد أخرجوا حديدًا من النار‬
‫فقام ينظر إليه ويبكي‪.‬‬
‫هذا تفكيـ أولئك القوم‪ ،‬ومدى خوفهـم مـن النار التـ تقدم‬
‫وصفها‪ ،‬وإنذار النب عنها‪ ،‬وتأثرهم الشديد عند ذكرها‪.‬‬
‫اللهـم أجرنـا مـن النار‪ ،‬واغفـر لنـا ذنوبنـا يـا غفار‪ ،‬وأدخلنـا‬
‫برح تك دار النع يم‪ ،‬يا بر‪ ،‬يا رءوف‪ ،‬يا رح يم‪ .‬واتقوا ال عباد ال‬
‫واتقوا يومًا ترجعون فيـه إل ال‪ .‬أعوذ بال مـن الشطيان الرجيـم‬
‫فَذَكّ رْ إِنْ نَفَعَتِ الذّ كْرَى [العلى‪ ... ]9 :‬إل آخر السورة‪.‬‬

‫‪290‬‬

‫‪291‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الطبة الثانية‬
‫المد ل الذي أعد النة لعباده الؤمني نزل‪.‬‬
‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له ن ى عن طا عة من‬
‫أغفل قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله القائل‪« :‬عجبت من النة كيف‬
‫نام طالبها؟‪ ،‬وعجبت من النار كيف نام هاربا؟» اللهم صل وسلم‬
‫على عبدك ورسولك ممد‪ ،‬وعلى آله وأصحاب الذين عرفوا ال حق‬
‫معرفتـه‪ ،‬وقدروه حـق قدره‪ ،‬وجعلوا النـة والنار نصـب أعينهـم‬
‫فاستقامت أعمالم‪ ،‬فرضي ال عنهم ورضوا عنه‪.‬‬
‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال روى البخاري وم سلم عن ال نب أ نه‬
‫قال‪ « :‬اشتكت النار إل رب ا فأذن ل ا بنفسي ف كل عام‪ :‬نفس ف‬
‫الشتاء‪ ،‬ونفس ف ال صيف‪ .‬فأ شد ما تدون من ال ر من سَمُومها‪،‬‬
‫وأ شد ما تدون من الب من زمهرير ها» و ف روا ية ل سلم‪« ::‬ف ما‬
‫وجدت من برد أو زمهرير فمن نَفَس جنهم‪ ،‬وما وجدت من حر أو‬
‫حرور فمفن نففس جهنفم» فشدة الرـ وشدة الب يذكران برـ النار‬
‫ْنف‬
‫وزمهريرهـا لنتقيهـا عنـد كـل عمـل وقول مفروض أو مرم نَح ُ‬
‫جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً [الواقِعَة‪ ]73 :‬وأكثروا عباد ال مـن السـتعاذة‬
‫بال من النار‪ ،‬قال عطاء الرا سان‪ :‬من ا ستجار بال من جه نم سبع‬
‫مرات قالت جهنم‪ :‬ل حاجة ل فيك‪.‬‬
‫ُونف رَبّنَا‬
‫ِينف يَقُول َ‬
‫وقال تعال فـ وصـف عباد الرحنـ وَالّ ذ َ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ا صْرِفْ عَنّ ا عَذَا بَ جَهَنّ مَ إِنّ عَذَابَهَا كَا نَ غَرَامًا * إِنّهَا سَاءَتْ‬
‫مُسْتَقَرّا وَمُقَامًا [الفرقان‪.]66 ،65 :‬‬
‫وأ خب أن من دعائ هم رَبّنَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ‬
‫َهف وَمَا‬
‫َنف تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْت ُ‬
‫ّكف م ْ‬
‫َابف النّارِ * رَبّنَا إِن َ‬
‫فَقِنَا عَذ َ‬
‫لِلظّالِمِيَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران‪.]192 ،191 :‬‬
‫وعـن معاذ بـن جبـل رضـي ال عنـه مرفوع ًا‪ « :‬إن الؤمفن ل‬
‫تسفكن روعتفه ول يأمفن اضطرابفه حتف يلف جسفر جهنفم خلف‬
‫ظهره»( ‪.)1‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال واعلموا أن أحسن الديث ‪...‬‬

‫‪1‬‬

‫() ملخصكة مكن كتاب التخويكف مكن النار لبكن رجكب وطريكق الهجرتيكن ص(‬
‫‪ )68‬والتبيان ص (‪.)31‬‬

‫‪292‬‬

‫‪293‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وصف النة‬
‫ومن يستحق البشرى با‬
‫المـد ل الذي جعـل جنـة الفردوس لعباده الؤمنيـ نُزُل‪،‬‬
‫ويسـرهم للعمال الصـالة الوصـلة إليهـا فلم يتخذوا سـواها شُغُل‪،‬‬
‫وسهل ل م طرقها ف سلكوا ال سبل الو صلة إليها ذُلُلَ‪ ،‬خلقها ل م قبل‬
‫أن يلقهم‪ ،‬وحفها بالكاره وأخرجهم إل دار المتحان ليبلوهم أيهم‬
‫أحسـن عملً‪ ،‬وجعـل ميعاد دخولاـ يوم القدوم عليـه‪ ،‬وضرب مدة‬
‫الياة الفانيـة دونـه أجل‪ .‬وبشرهـم بأصـناف النعيـم التـ أعـد فيهـا‪،‬‬
‫وكمل لم البشرى بكونم خالدين فيها‪.‬‬
‫أحده سبحانه بعث الرسل مبشرين ومنذرين‪ ،‬وعمر دارين فهذه‬
‫لن أجاب الداعي‪ ،‬ول يبغ سوى ربه الكري بدل‪ ،‬وتلك لن ل يب‬
‫دعوته‪ ،‬ول يرفع با رأسًا‪ ،‬ول يعلق با أمل‪.‬‬
‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له شهادة من ل مطمع‬
‫له ف الفوز بالنة والنجاة من النار إل بعفوه ومغفرته‪.‬‬
‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله الداعي إل ال وإل جنته‪ .‬اللهم‬
‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه وأتباعـه‬
‫السالكي على أثره‪.‬‬
‫ـا عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال ل يلق اللق‬
‫أمـا بعـد‪ :‬فيـ‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫عبثًا‪ ،‬ول يترك هم سدى؛ بل خلق هم ل مر عظ يم‪ ،‬وخ طب ج سيم‪،‬‬
‫عرض على السموات والرض والبال فأبي وأشفقن منه‪ ،‬وقلن‪ :‬ربنا‬
‫إن أمرتنا فسمعًا وطاعة‪ ،‬وإن خيتنا فعافيتك ل نبغي با بدل‪ .‬وحله‬
‫النسـان على ضعفـه وعجزه عـن حله‪ ،‬وباء بـه على جهله وظلمـه‪،‬‬
‫فأل قى أك ثر الناس ال مل عن ظهور هم لثقله‪ ،‬ولشدة مؤن ته علي هم؛‬
‫ف صحبوا الدن يا صحبة النعام ال سائمة ل ينظرون ف معر فة موجد هم‬
‫وحقه عليهم‪ ،‬ول ف الراد من إيادهم وإخراجهم إل هذه الدار‪ ،‬الت‬
‫هي معب وطريق إل دار القرار‪ ،‬ول يتفكرون ف قلة مقامهم ف الدنيا‬
‫الفانية‪ ،‬وسرعة رحيلهم إل الدار الباقية‪.‬‬
‫أ ما الوفقون‪ -‬يا عباد ال‪ -‬فل ما علموا ما خلقوا له و ما أر يد‬
‫بإيادهم رفعوا رءوسهم فإذا علم النة قد رفع لم فشمروا إليه‪ ،‬وإذا‬
‫صراطها ال ستقيم قد و ضح ل م فا ستقاموا عل يه‪ ،‬ورأوا بع ي الب صية‬
‫مُلْكًا كـبيًا ل تعتريـه الفات ول يلحقـه الزوال‪ ،‬ونعيمًا مقيمًا فـ‬
‫ـرتا‬
‫ـبي التعال‪ ،‬ف ـ روضات النات يتقلبون‪ ،‬وعلى أسـ‬
‫جوار الكـ‬
‫يلسون‪ ،‬وعلى الفرش الت بطائنها من استبق يتكئون‪ ،‬وبالور العي‬
‫يتنعمون‪ ،‬وبأنواع الثمار يتفكهون؛ و سعوا الرب الكر ي تبارك وتعال‬
‫يدعـو إل دار السـلم التـ سـلمت مـن كـل بليـة ومكروه فأجابوه‪،‬‬
‫والرسـول يقول‪« :‬اطلبوا النفة جَهْدَكفم‪ ،‬واهربوا مفن النار‬
‫جَهْدَكم؛ فإن النة ل ينام طالبها‪ ،‬وإن النار ل ينام هاربا» ويقول‪:‬‬
‫« ل تنسوا العظيمتي‪ .‬قلنا‪ :‬وما العظيمتان يا رسول ال؟ قال‪ :‬النة‬
‫والنار»‪.‬‬
‫عباد ال وال نة ذات ا ت سأل ال تعال أن يع جل إلي ها ب سكانا‪،‬‬

‫‪294‬‬

‫‪295‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وتذ كر شوق ها إلي هم‪ ،‬وتش فع في هم إل رب م؛ ف في الد يث الرفوع‪:‬‬
‫«مفا مفن يوم إل والنفة والنار يسفألن‪ ،‬تقول النفة‪ :‬يفا رب قفد طاب‬
‫ثري‪ ،‬واطردت أناري‪ ،‬واشت قت إل أوليائي‪ ،‬فع جل إل بأهلي‪ .‬وتقول‬
‫النار‪ :‬اشتد حري‪ ،‬وبعد قعري‪ ،‬وعظم جري‪ ،‬فعجل إل بأهلي»‪ .‬وروى‬
‫السن بن سفيان بسنده‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال ‪« :‬كثروا مفن مسفألة ال النفة‪ ،‬واسفتعيذوا بفه مفن النار‪ ،‬فإنمفا‬
‫شافعتان مشفعتان‪ ،‬وإن الع بد إذا أك ثر م سألة ال ال نة قالت ال نة‪ :‬يا‬
‫رب عبدك هذا سفألنيك فأسفكنه إياي‪ ،‬وتقول النار‪ :‬يفا رب عبدك هذا‬
‫استعاذ بك من فأعذه»‪.‬‬
‫وال نة ‪ -‬يا عباد ال‪ -‬ا سم شا مل لم يع ما حو ته من الب ساتي‪،‬‬
‫وال ساكن‪ ،‬والق صور‪ ،‬وج يع ما تشته يه الن فس‪ ،‬وتلذ الع ي‪ ،‬ويش نف‬
‫الساع‪ ،‬ويطيب الشام‪ ،‬وهي جنات كثية؛ ففي السند عن النب قال‪:‬‬
‫« النفة مائة درجفة مفا بيف كفل درجتيف مسفية مائة عام»‪ .‬وقال‬
‫عفان‪ :‬كما بي السماء والرض‪ ،‬والفردوس‪ ،‬أعلها درجة وف لفظ‬
‫« إن فف النفة مائة درجفة مفا بيف كفل درجتيف كمفا بيف السفماء‬
‫والرض أعدهفا ال للمجاهديفن فف سفبيله»( ‪ . )1‬وروى البخاري فـ‬
‫صحيحه عن أ نس بن مالك ر ضي ال ع نه ‪ ،‬أن أم حار ثة بن سراقة‬
‫أتت رسول ال ‪ ،‬فقالت‪ :‬يا نب ال أل تدثْن عن حارثة‪ -‬وكان‬
‫ق تل يوم بدر‪ -‬فإن كان ف ال نة صبت‪ ،‬وإن كان غ ي ذلك اجت هد‬
‫ف البكاء؟ قال‪ « :‬يا أم حارثة إن ا جنان ف ال نة‪ ،‬وإن ابنك أصاب‬
‫الفردوس العلى»‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫() وشيخ السلم‪ -‬رحمه ال‪ -‬يرجح هذا اللفظ‪.‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وال نة نوعان ‪ -‬ف ال صحيحي من حد يث أ ب مو سى الِشعري‬
‫ر ضي ال ع نه‪ ،‬عن ر سول ال قال‪« :‬جنتان من ذ هب آنيته ما‬
‫وحليهما وما فيهما‪ ،‬وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما‪،‬‬
‫وما بي القوم وبي أن ينظروا إل ربم إل رداء الكبياء على وجهه‬
‫ف جنة عدن» وروى ابن ماجه ف سننه عن أسامة بن زيد‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫ر سول ال ‪« :‬أل هل من مش مر إل ال نة؟ فإن ال نة ل خ طر ل ا‬
‫أي ل عوض لا ول مثل‪ -‬هي ورب الكعبة نور يتلل‪ ،‬وريانة تتز‪،‬‬‫وقصر مشيد‪ ،‬ونر مطرد‪ ،‬وثرة نضيجة‪ ،‬وزوجة حسناء جيلة‪ ،‬وحلل‬
‫كثية‪ ،‬ومقام فف أبفد‪ ،‬فف درا سفليمة‪ ،‬وفاكهفة‪ ،‬وخضرة‪ ،‬وحفبة‪،‬‬
‫ونعمة‪ ،‬ف ملة عالية بية‪ .‬قالوا‪ :‬نعم يا رسول ال‪ ،‬نن الشمرون لا‪.‬‬
‫قال‪ :‬قولوا‪ :‬إن شاء ال‪ .‬قال القوم‪ :‬إن شاء ال»‪.‬‬
‫ومن سعة النة أن عرض الباب الواحد من أبوابا كما بي مكة‬
‫والح ساء‪ ،‬قال ‪ « :‬والذي نف سي بيده إن ما ب ي ال صراعي من‬
‫م صاريع ال نة لكما ب ي مكة وهجر» متفق عليه‪ ،‬وف حديث آخر‬
‫« وليأتي عليه يوم وهو كظيظ من الزحام»‪.‬‬
‫وريها يوجد من مسية مائة عام‪.‬‬
‫وال نة بعض ها أعلى من ب عض‪ ،‬ف ال صحيحي من حد يث أ ب‬
‫سعيد‪ ،‬أن ر سول ال قال‪« :‬إن أ هل ال نة ليتراءون الغرف من‬
‫فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر ف الفق من الشرق أو‬
‫الغرب لتفاضل ما بينهم‪ .‬قالوا يا رسول ال‪ :‬تلك منازل النبياء ل‬
‫في بيده رجال آمنوا بال‬
‫فم‪ .‬قال‪ :‬بلى والذي نفسف‬
‫فا غيهف‬
‫يبلغهف‬
‫وصدقوا الرسلي»‪.‬‬

‫‪296‬‬

‫‪297‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫وبعـض النان غرسـها ال بيده زيادة فـ كرامتهـا وتفضيـل‬
‫أهلها‪ ،‬روى ابن أب الدنيا بسنده‪ ،‬عن أنس رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫رسول ال ‪ « :‬خلق ال جنة عدن بيده‪ :‬لبنة من درة بيضاء‪ ،‬ولبنة‬
‫مفن ياقوتفة حراء‪ ،‬ولبنفة مفن زبرجدة خضراء‪ ،‬بلطهفا السفك‬
‫وحصفباؤها اللؤلؤ‪ ،‬وحشيشهفا الزعفران»‪ ،‬ثـ قال لاـ‪« :‬انطقفي‬
‫قالت‪ :‬قَدْ أَفْلَ حَ الْمُؤْمِنُو نَ [الؤمنون‪ ]1 :‬فقال ال ‪ :‬وعزت‬
‫وَمَ نْ يُو قَ‬
‫وجلل ل ياور ن ف يك ب يل» ث تل ر سول ال‬
‫شُحّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الَشر‪.]9 :‬‬
‫أما أدن أهل النة منلة‪ ،‬فروى مسلم ف صحيحه عن النب‬
‫قال‪ « :‬سأل مو سى ربه‪ :‬ما أد ن أ هل ال نة منلة؟ » و ف رواية‪:‬‬
‫« عن أخس أهل النة منها حظّا‪ .‬قال‪ :‬رجل ييء بعد ما دخل أهل‬
‫النفة النفة‪ ،‬فيقال له‪ :‬ادخفل النفة‪ .‬فيقول‪ :‬رب كيفف وقفد نزل‬
‫الناس منازل م وأخذوا أخذَات م؟ فيقال له‪ :‬أل تر ضى أن يكون لك‬
‫مثفل مُلْكِف مَلِكٍف مفن ملوك الدنيفا؟ فيقول‪ :‬رضيفت رب‪ .‬فيقول‪ :‬لك‬
‫ذلك‪ ،‬ومثله‪ ،‬ومثله‪ ،‬ومثله‪ .‬فقال فف الامسفة‪ :‬رضيفت رب‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫لك هذا وعشرة أمثاله‪ ،‬ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫رضيت رب» الديث‪ ،‬وروى الطبان عن ابن عمر مرفوعًا‪« :‬إن أدن‬
‫أهل النة منلة لرجل ينظر ف ملكه ألفي سنة‪ ،‬يرى أقصاه كما يرى‬
‫أدناه‪ ،‬ينظر إل أزواجه وسرره وخدمه» الديث‪ ،‬وف الصحيحي عن‬
‫حد يث ا بن م سعود ر ضي ال ع نه قال‪ :‬قال ر سول ال ‪« :‬إن لعلم‬
‫آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل النة دخولً النة رجل يرج‬
‫من النار حبوًا‪ ،‬فيقول ال له‪ :‬اذهب فادخل النة‪ .‬قال‪ :‬فيأتيها فيخيل‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫إليفه أناف مل‪ ،‬فيجفع فيقول‪ :‬يفا رب وجدتاف مل‪ .‬فيقول ال‬
‫له‪ :‬اذ هب فاد خل ال نة‪ .‬قال‪ :‬فيأتي ها فيخ يل إل يه أن ا مل‪ ،‬في جع‬
‫فيقول‪ :‬يا رب وجدتا مل‪ .‬فيقول له‪ :‬اذهب فادخل النة فإن لك‬
‫مثفل الدنيفا وعشفر أمثالاف‪ .‬قال‪ :‬فيقول‪ :‬أتسفخر بف وتضحفك بف‬
‫وأنفت اللك؟ قال‪ :‬لقفد رأيفت رسفول ال يضحفك حتف بدت‬
‫نواجذه‪ .‬قال‪ :‬فكان يقول‪ :‬ذلك أدن أهل النة منلة»‪.‬‬
‫وأهـل النـة يسـتوعبون كثيًا ماـ أعـد لمـ مـن النعيـم لكمال‬
‫حيات م وضخا مة أج سامهم‪ ،‬وتوا فر قوا هم و مع ذلك ل يبلون‪ ،‬ول‬
‫يتغوطون‪ ،‬ول يتخطون‪ ،‬ول ينون روى الا كم ب سنده ف صحيحه‬
‫قال‪ :‬أتى النب رجل من اليهود‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا القاسم ألست تزعم أن‬
‫أهـل النـة يأكلون فيهـا ويشربون‪ -‬ويقول لصـحابه إن أقـر ل بذا‬
‫خصـمته‪ -‬فقال رسـول ال ‪« :‬بلى والذي نففس ممفد بيده‪ ،‬إن‬
‫أحدهم ليعطى قوة مائة رجل ف الطعم والشرب والشهوة والماع»‪.‬‬
‫فقال له اليهودي‪ :‬فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الاجة‪ .‬فقال رسول‬
‫ق يفيض من جلودهم مثل السك‪ ،‬فإذا البطن قد‬
‫ال ‪« :‬حاجتهم َعرَ ٌ‬
‫ضمفر»‪ ،‬وروى المام أحدـ عـن أبـ هريرة رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬قال‬
‫ر سول ال ‪« :‬يد خل أ هل ال نة ال نة جردًا‪ ،‬مردًا‪ ،‬مكحل ي‪ ،‬أبناء‬
‫ثلث وثلثي‪ ،‬وهم على خلق آدم ستون ذراعًا»( ‪.)1‬‬
‫ولهـل النـة طرب ولذة حيـ يسـمعون غناء الور العيـ‬
‫بالتسـبيح والتمجيـد والتقديـس والثناء على الرب ‪ ،‬وأكملهـم فيـه‬
‫أصـونم لنفسـه فـ هذه الدار عـن الرام‪ ،‬روى الترمذي عـن علي‬
‫‪1‬‬

‫() هذا الطول‪ .‬وجاء أن العرض سبعة أذرع‪.‬‬

‫‪298‬‬

‫‪299‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسـول ال ‪ « :‬إن فف النفة لجتمع ًا‬
‫للحور العيف يرفعفن بأصفوات ل تسفمع اللئق بثلهفا‪ ،‬يقلن‪ :‬ننف‬
‫الالدات فل نب يد‪ ،‬ون ن الناعمات فل نبأس‪ ،‬ون ن الراضيات فل‬
‫نسخط‪ ،‬طوب ل ن كان لنا وكنا له» وروى ابن البارك عن ي ي بن‬
‫أب كثي‪« :‬إن الور العي يتلقي أزواجهن عند أبواب النة فيقلن‪:‬‬
‫طال مفا انتظرناكفم‪ ،‬فنحفن الراضيات فل نسفخط‪ ،‬والقيمات فل‬
‫نضعن‪ ،‬والالدات فل نوت‪ ،‬بأحسن أصوات سعت‪ .‬وتقول‪ :‬أنت‬
‫ْصفرْ‪ ،‬ول وراءك معدل»‪ ،‬وفـ‬
‫حفب وأنفا حبفك‪ ،‬ليفس دونفك مَق َ‬
‫حد يث أ ب أما مة عن ر سول ال قال‪ « :‬ما من ع بد يد خل ال نة‬
‫إل ويلس عنفد رأسفه وعنفد رجليفه ثنتان مفن الور العيف يغنيانفه‬
‫بأحسفن صفوت سفعته النفس والنف‪ ،‬وليفس بزاميف الشيطان»‪،‬‬
‫وروى ابن أب الدنيا بسنده‪ ،‬عن ممد بن النكدر‪ ،‬قال‪ :‬إذا كان يوم‬
‫القيامـة نادى مناد‪ :‬أيـن الذيـن كانوا ينهون أسـاعهم وأنفسـهم عـن‬
‫مالس اللهـو ومزاميـ الشيطان‪ ،‬أسـكنوهم رياض السـك‪ ،‬ثـ يقول‬
‫للملئكة‪ :‬أسعوهم تجيدي وتميدي‪.‬‬
‫ول م ساع أعلى من هذا يضم حل دو نه كل ساع وذلك ح ي‬
‫ي سمعون كلم الرب جل جلله‪ ،‬وخطا به‪ ،‬و سلمه علي هم‪،‬وماضر ته‬
‫لم‪ ،‬ويقرأ عليهم كلمه‪ ،‬فإذا سعوه منه فكأنم ل يسمعوه من قبل‪.‬‬
‫وأ هل ال نة يتزاورون في ها وي ستزير بعض هم بعضًا‪ ،‬وبذلك ت تم‬
‫لذتمـ وسـرورهم؛ ولذا قال حارثـة للنـب وقـد سـأله‪« :‬كيفف‬
‫أصبحت يا حارثة؟» قال‪ :‬أصبحت مؤمنًا حقًا‪ .‬قال‪« :‬إن لكل قول‬
‫حقيقة‪ ،‬فما حقيقة إيانك؟» قال‪ :‬عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫ليلي وأظمأت ناري‪ ،‬وكأنـ أنظـر إل عرش ربـ بارزًا‪ ،‬وإل أهـل‬
‫ال نة يتزاورون في ها‪ ،‬وإل أ هل النار يعذبون في ها‪ .‬فقال‪« :‬ع بد نوّر‬
‫ال قلبه» وف حديث أب أيوب‪« :‬أنم يتزاورون على النجائب»‪.‬‬
‫ومنتدى أهـل النـة ومتحدثهـم تتـ شجرة يسـي الراكـب فـ‬
‫ظلها مائة عام ل يقطعها‪.‬‬
‫ول م زيارة أخرى أعل من هذه وأ جل‪ ،‬وذلك ح ي يزورون رب م‬
‫تبارك وتعال فييهم وجهه‪ ،‬ويسمعهم كلمه‪ ،‬ويل عليهم رضوانه‪.‬‬
‫والنـة فوق السـموات تتـ العرش‪ ،‬عرضهـا كعرض السـماء‬
‫والرض لو وصلت إحداها بالخرى‪.‬‬
‫عباد ال هذا وصف ال نة الت جعلها ال مقرًا لحبابه‪ ،‬ومل ها‬
‫من رحته وكرامته ورضوانه‪ ،‬ووصف نعيمها بالفوز العظيم‪ ،‬وملكها‬
‫باللك ال كبي‪ ،‬وأودع ها ج يع ال ي بذافيه‪ ،‬وطهر ها من كل ع يب‬
‫وآفـة ونقـص‪ .‬وأهـل البشرى باـ هـم أهـل اليان والتقوى والعمـل‬
‫الالص ل الوا فق لل سنة إخلص ف طا عة ال‪ ،‬وإح سان إل خل قه‪،‬‬
‫و هم أرب عة أ صناف من الرجاء والن ساء‪ ،‬ذكر هم ال تعال ف كتا به‬
‫العز يز فقال‪ :‬وَمَ نْ يُطِ عِ اللّ هَ وَالرّ سُولَ فَأُولَئِ كَ مَ عَ الّ ذِي نَ أَنْعَ مَ‬
‫اللّ هُ عَلَيْهِ مْ مِ نَ النّ بِيّيَ وَال صّ دّيقِيَ وَالشّ هَدَاءِ وَال صّالِحِيَ وَحَ سُنَ‬
‫أُولَئِ كَ رَفِيقًا [النّساء‪ .]69 :‬وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال‬
‫قال رسول ال ‪ « :‬أل أخبكم برجال كم من أهل ال نة‪ :‬ال نب ف‬
‫النة‪ ،‬والصديق ف النة‪ ،‬والشهيد ف النة‪ ،‬والرجل يزور أخاه ف‬
‫ناحيفة الصفر ل يزوره إل ل فف النفة‪ .‬ونسفاؤكم مفن أهفل النفة‬

‫‪300‬‬

‫‪301‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫الودود الولود‪ ،‬ال ت إذا غ ضب أو غض بت جاءت ح ت ت ضع يد ها‬
‫فف يفد زوجهفا‪ ،‬ثف تقول‪ :‬ل أذوق غَمْضًا حتف ترضفى» أخرجـه‬
‫النسائي وباقيه على شرطه‪.‬‬
‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وأكثروا مـن سـؤال ال النـة‪ ،‬واعملوا لاـ‬
‫أعمالا من واجب واجتناب مرم‪ ،‬واسألوه الفردوس منها‪ ،‬فإنه أعدل‬
‫النـة‪ ،‬وأعل النـة‪ ،‬وفوقـه عرش الرحنـ‪ ،‬ومنـه تفجـر أنار النـة‪.‬‬
‫واسألوه تعال العون على أعمال أهل النة‪.‬‬
‫أعوذ بال من الشطيان الرجيم‪ :‬سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِ نْ رَبّ كُ مْ‬
‫وَجَنّ ةٍ عَرْضُهَا كَعَرْ ضِ ال سّ مَاءِ وَالْأَرْ ضِ أُعِدّ تْ لِلّ ذِي نَ آَمَنُوا بِاللّ هِ‬
‫وَرُ سُلِهِ ذَلِ كَ فَضْلُ اللّ هِ يُؤْتِي هِ مَ نْ يَشَاءُ وَاللّ هُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِي مِ‬
‫[الديد‪ .]37 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬
‫الطبة الثانية‬
‫ال مد ل الذي ر ضي من عباده بالي سي من الع مل‪ ،‬وتاوز ل م‬
‫عن الكثي من الزلل‪ ،‬أحده سبحانه أفاض عليهم النعمة‪ ،‬وكتب على‬
‫نف سه الرح ة‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له د عا عباده‬
‫إل دار السـلم‪ ،‬فعمهـم بالدعوة حجـة منـه عليهـم وعدل‪ ،‬وخـص‬
‫بالدايـة والتوفيـق مـن شاء نعمـة منـه وفضل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬
‫ورسـوله بشـر وأنذر‪ ،‬ودعـا وحذر اللهـم صـلّ وسـلم على عبدك‬
‫ورسولك ممد وعلى آله وصحبه‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال الذي أخب عما ف النة‬
‫مـن أنواع الطعمـة‪ ،‬والشربـة‪ ،‬واللذ التنوعـة قـد أِشهـد عباده‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فـ هذه الدار مـن آثار النـة وأنوذجًا منهـا‪ :‬مـن الرائحـة الطيبـة‪،‬‬
‫واللذات الشتهاة‪ ،‬والناظـر البهيـة‪ ،‬والفاكهـة السـنة‪ ،‬والنعيـم‪،‬‬
‫والسرور‪ ،‬وقوة العي‪ .‬وقد روى أبو نعيم عن جابر‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫ال ‪ « :‬يقول ال للجنفة‪ :‬طيفب لهلك‪ ،‬فتزداد طيب ًا‪ ،‬فذلك‬
‫البد الذي يده الناس بالسفحر مفن ذلك» كمـا جعـل سـبحانه نار‬
‫الدنيا وآلمها وغمومها وأحزانا تذكر بنار الخرة‪ .‬وأخب النب ‪:‬‬
‫« أن شدة الرف والبد مفن أنفاس جهنفم» فل بـد أن يشهـد عباده‬
‫أنفاس جنته‪ ،‬وما يذكرهم با‪ ،‬مع أنه ليس ف الدنيا ما ف الخرة إل‬
‫الساء‪ ،‬وأما السميات فبينها من التفاوت ما ل يعلمه البشر‪.‬‬
‫فاشكروه تعال أن أوضح لكم النة وجَلَهَا‪ ،‬حت كأنكم ترون‬
‫نعيم ها وحل ها‪ ،‬واجتهدوا ف الع مل ل ا رجاء أن تكونوا من أهل ها‪،‬‬
‫واعلموا أ نه ل يس ب عد الوت من دار إل ال نة أو النار( ‪ ، )1‬إن أح سن‬
‫الديث كتاب ال ‪...‬‬
‫والمـد ل رب العاليـ وصـلى ال وسـلم على عبده ورسـوله‬
‫ممد وعلى آله وأصحابه أجعي (‪1/7/1419‬هـ)‪.‬‬
‫وكتبه بطه ممد بن عبدالرحن بن قاسم‬

‫‪1‬‬

‫() ملخصة من حادي الرواح إلى بلد الفراح لبن القيم‪ -‬رحمه ال‪.‬‬

‫‪302‬‬

‫‪303‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫فهرس‬
‫الطب والواعظ‬
‫الصفحة‬
‫الوضفففففوع‬
‫القدمة‪7 ...........................................................‬‬
‫‪ -1‬ل تشكـــــــك فـــــــ وجود ال تبارك‬
‫‪11‬‬
‫وتعالى‪.........................‬‬
‫‪ -2‬ال أكب من كل شيء‪ ،‬وأعظم‪21 ............................. .‬‬
‫‪ -3‬ماسن ربنا جل جلله (أساؤه وصفاته)‪30 ..................... .‬‬
‫‪ -4‬ال الالق ل الطبيعة‪37 ........................................ .‬‬
‫‪ -5‬ل يتخذ ولدًا سبحانه‪46 ...................................... .‬‬
‫‪ -6‬معجزات النـبياء مـن أعظـم الدلة على الالق‪ ،‬وصـفاته‪،‬‬
‫وصــــــدق رســــــله‪ ،‬واليوم الخــــــر‪55 .‬‬

‫‪............................................‬‬

‫‪ -7‬آيات ال ف الرض‪( .‬وهي كروية‪ ،‬ول تدور)‪62 ...............‬‬
‫‪ -8‬السـموات‪ ،‬والشمـس‪ ،‬والقمـر‪ ،‬والكواكـب‪ ،‬ودللتهـا على‬
‫‪74‬‬
‫خالقها العظيم‪.................................................. .‬‬
‫‪( -9‬وما بينهما) الواء ومنافعه‪ ،‬والرياح‪ ،‬والريح خيها وشرها‪84 ...‬‬
‫‪ -10‬السحاب‪ ،‬والنبات والثمار‪90 ............................... .‬‬
‫‪ -11‬البحـر‪ ،‬والعتبار بأمواجـه وتنوع مـا فيـه مـن الواهـر‪،‬‬
‫‪96‬‬
‫واليوانات‪ ،‬وما ف الب منها‪.................................... .‬‬
‫‪ -12‬خلق آدم أب البشر‪ ،‬وفضله‪ ،‬وما ف إياده وذريته من الكم‬
‫‪102‬‬
‫العظيمة‪....................................................... ..‬‬
‫‪( -13‬وفـــــ أنفســـــكم أفل تبصـــــرون)‬
‫‪111‬‬
‫آيات‪.........................‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪ -14‬أطوار النسان‪ ،‬ودللتها على موجدها‪120 .....................‬‬
‫‪( -15‬الذي أعطى كل شيء خلقه ث هدى‪127 .....................‬‬
‫‪ -16‬كيــف ل يبــ ال؟! الســباب الالبــة لحبتــه‪،‬‬
‫‪135‬‬
‫وعلمتها‪........‬‬
‫‪ -17‬الطاعة حياة القلوب‪ .‬علمة صحة القلب ومرضه‪142 ...........‬‬
‫‪ -18‬الشكــــر أجــــل القامات ومــــن أجله خلق‬
‫‪148‬‬
‫اللق‪.................‬‬
‫‪ -19‬الصب‪ :‬وجوبه‪ ،‬وأنواعه‪ ،‬ونتائجه‪156 ..........................‬‬
‫‪ -20‬ل إله إل ال أوّلً‪163 ........................................‬‬
‫‪ -21‬الصلة‪ِ :‬حكَمُها‪ ،‬وأسرارها‪ ،‬و ِحكَمُ الطهارة لا‪169 ............‬‬
‫‪ -22‬الصـــــراط الســـــتقيم‪ ،‬والاجـــــة إل‬
‫‪177‬‬
‫سؤاله‪.......................‬‬
‫‪ -23‬الدعاء‪ ،‬وأسباب إجابته ورده‪185 .............................‬‬
‫‪ -24‬التفكر ف القرآن‪ ،‬ونتائجه‪193 ................................‬‬
‫‪ -25‬وساوس الشيطان وشروره‪ ،‬وما يتحصن به منها‪198 ............‬‬
‫‪ -26‬غـض البصـر‪ ،‬وفوائده‪ ،‬ومضار إطلقـه‪ ،‬ومفاسـد الزنـا‬
‫‪206‬‬
‫واللواط‪.‬‬
‫‪ -27‬زهرة الدنيا‪ ،‬وانقسام الناس بالنسبة إليها‪216 ...................‬‬
‫‪ -28‬الذنوب‪ :‬عقوباتا‪ ،‬وكيفية اللص منها‪223 ...................‬‬
‫‪ -29‬أبو بكر الصديق‪ ،‬أفضليته‪ ،‬وأحقيته باللف الول‪232 .........‬‬
‫‪ -30‬عمر بن الطاب‪ ،‬فضائله‪ ،‬وعز السلم به‪240 .................‬‬
‫‪ -31‬البادرة إل التوبة‪ ،‬وانقسام الناس فيها‪249 ......................‬‬
‫‪ -32‬ميزان الناس‪256 .............................................‬‬
‫‪ -33‬اختلف فصول السنة يذكر بال والدار الخرة‪263 .............‬‬
‫‪ -34‬حال الناس ف موقف القيامة‪270 ..............................‬‬

‫‪304‬‬

‫‪305‬‬

‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬

‫‪ -35‬أحوال كـل شخـص من ح ي يوافيـه ال جل الحتوم إل أن‬
‫يستقر ف إحدى الدارين‪........................................‬‬
‫‪ -36‬التخويــــــــــف مــــــــــن‬
‫‪285‬‬
‫النار‪........................................‬‬
‫‪ -37‬النة دار الفراح‪ ،‬ومن يستحق البشرى با‪293 .................‬‬
‫‪277‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful