‫جَمعها و َرتّبها وطَبعها‬ ‫رحه ال تعال‬ ‫‪7‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بسم ال الرحن الرحيم‬ ‫القدمة‬ ‫المد ل رب العالي وصلى ال وسلم على خات النبياء والرسلي‬ ‫نبينا ممد‪ ،‬وعلى آله‪ ،‬وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫أما بعد‪« :‬فإن أحسن ما أنفقت فيه النفاس هو التفكر ف آيات ال‬ ‫وعجائب صنعه‪ ،‬والنتقال منها إل تعلق القلب والمة به دون شيء من‬ ‫ملوقاته»‪.‬‬ ‫«وآيات الرّب هي دلئله وبراهي نه ال ت ب ا يعر فه العباد‪ ،‬ويَعرفون‬ ‫أساءه‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬وتوحيده‪ ،‬وأمره‪ ،‬ونيه»‪.‬‬ ‫هاتان العبارتان ما جادت به قرية المام العلمة ممد بن أب بكر‬ ‫ا بن ق يم الوز ية‪ -‬رح ه ال (ت ‪751‬ه ـ) و سال به قل مه الذي طال‬‫النفع به اللق الكثي‪.‬‬ ‫وقال ف الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة»‪ :‬إن شئت اقتبست‬ ‫منـه معرفـة الصـانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغيـ اسـتئذان‪،‬‬ ‫ومعرفـة حكمتـه فـ خلقـه وأمره‪ .‬وإن شئت اقتبسـت منـه معرفـة قدر‬ ‫الشريعـة وشدة الاجـة إليهـا؛ ومعرفـة جللتهـا وحكمتهـا‪ ،‬وإن شئت‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها‪،‬‬ ‫وأنـه يسـتحيل مـن أحكـم الاكميـ أن يلي العال منهـا‪ .‬وإن شئت‬ ‫اقتبست منه ما فطر ال عليه العقول من تسي السن وتقبيح القبح‪ ،‬وأن‬ ‫ذلك عقلي وفطري اهـ‪.‬‬ ‫ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيه من مؤلفاته‬ ‫مـا يتعلق بعرفـة ال سبحانه وتعال بطرقـه ودلئله‪ ،‬ومعرفـة حكم ته ف‬ ‫خل قه وأمره‪ ،‬ومعر فة قدر الشري عة من ح يث العموم و ف م سائل معي نة‬ ‫ذكرتاـ‪ ،‬ومعرفـة معجزات النبوة‪ ،‬ومسـائل تتعلق بأعمال القلوب‪ ،‬ومبدأ‬ ‫النسان وميزانه ومصيه‪ ،‬إل غي ذلك ما ستراه مفصلً بصور خطب‪.‬‬ ‫وفيها عدد قليل ليس من كتبه‪.‬‬ ‫وبا أن هذه الطب السبع والثلثي (‪ )37‬ليست من إنشائي‪ ،‬وإنا‬ ‫اخترت ا‪ ،‬وجعت ها‪ ،‬ورتبت ها‪ ،‬واخت صرت ب عض العبارات‪ ،‬ورب طت بين ها‪،‬‬ ‫وعلقت عليها ببعض العبارات الت رأيت الاجة داعية إليها من كلم ابن‬ ‫القيـم وغيه‪ ،‬وبعضهـا مـن عندي‪ ،‬وعزوت كلّ إل صـاحبه‪ ،‬وذكرت‬ ‫مرا جع كل خط بة ب عد نايت ها ف قد سيتها (موضوعات صالة للخ طب‬ ‫والوعظ) ليستعمل منها الطيب والواعظ ما يريدانه‪.‬‬ ‫وكان مـن هيـ قدي ًا التطلع إل مـا يتعلق بإثبات وجود ال جـل‬ ‫جلله وتوح يد ربوبي ته والرد على اللحد ين‪ ،‬ف قد قال الش يخ م مد بن‬ ‫عبدالوهاب ‪-‬رحه ال‪« :-‬فأما توحيد الربوبية فهو الصل‪ ،‬ول يغلط ف‬ ‫اللية إل من ل يعطه حقه»‪ .‬وقد يسر ال ف هذه كثيًا ما أردت‪.‬‬ ‫وقال النـب‬ ‫‪« :‬ل تقوم السفاعة حتف ل يقال فف الرض‪:‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪9‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال‪ ،‬ال»(‪ ،)1‬وقال‪« :‬ول تقوم الساعة حت تعبد فئام من أمت الوثان»‬ ‫وقال أيضًا‪« :‬ل تزال طائفة من أمت على الق منصورة ل يضرهم من‬ ‫خذلم ول من خالفهم حت يأت أمر ال تبارك وتعال»(‪.)2‬‬ ‫وقد كان ما أخب به النب من عبادة الوثان ف فئام من المة‪،‬‬ ‫وجَدّوا ف تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابا للتبك با‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى وجود الزهد ف العبادات ف فئام أخرى من المة‬ ‫ُكّليًا واتذوه وراءهم ظهْريًا أو تيوا فيما‬ ‫هجروا ما جاء به الرسول‬ ‫أنزل ال فعملوا ببعض وتركوا بعضًا‪.‬‬ ‫فأولئك ف طرف‪ .‬وهؤلء ف طرف‪.‬‬ ‫والسلم وسط بي طرفي‪ ،‬وهدى بي ضللتي‪.‬‬ ‫ول تزال طائفة من أمة ممد على الق منصورة‪ .‬فنسأل ال أن‬ ‫يعلنا منهم‪ ،‬وأن ل يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا‪ ،‬وأن يهب لنا من لدنه رحة‬ ‫إنه هو الوهاب‪.‬‬ ‫ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم ال تعال ما اعتاده بعض الناس‬ ‫ف تبادل التحيات بينهم‪ ،‬كقوله‪ :‬صباح النور‪ .‬صباح الفل‪ .‬مساء الي‪.‬‬ ‫م ساء النور‪ .‬ل يقول‪ :‬صبحكم ال بال ي‪ .‬م ساكم ال بال ي‪ .‬وبدلً من‬ ‫أن يقول‪ :‬ف أمان ال‪ .‬ف حفظ ال‪ .‬يقول‪ :‬مع السلمة‪ .‬فهذا يشبه «عِ مْ‬ ‫صبَاحًا»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() أخرجه أحد ف السند ج (‪.)3/107‬‬ ‫() رواه البقان ف صحيحه‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وكان شيخنا‪ -‬رحه ال‪ -‬إذا لقاه أحد ف الطريق فقال‪ :‬صبحك‬ ‫ال بال ي‪ .‬رد عل يه‪« :‬علي كم ال سلم» ليعل مه ال سنة‪ .‬فك يف لو سع‪:‬‬ ‫صباح الفل‪ .‬صباح الياسي‪.‬‬ ‫اللهـم اجعلنـا منـ يقدرك حـق قدرك‪ ،‬وأعنـا على امتثال أمرك‪،‬‬ ‫واج عل أعمال نا خال صة لوج هك‪ ،‬و سببًا للنجاة من الح يم والفوز بدار‬ ‫النعيم‪ ،‬فإنك رحيم كري‪.‬‬ ‫وصلى ال وسلم على نبينا ممد‪ ،‬وعلى آله‪ ،‬وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫ممد بن عبدالرحن بن ممد بن قاسم‬ ‫‪6/1419‬هف‬ ‫‪10‬‬ ‫‪11‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ل تشَ ّككَ ف وجود ال‬ ‫تبارك وتعال‬ ‫المد ل الذي يسر على النسان علم ما هو متاج إليه ف معاشه‬ ‫ومعاده أ ت تي سي‪ ،‬وأهّلَ من شاء لعرف ته ومعر فة أ سائه و صفاته وأ سرار‬ ‫دينه وشرعه‪ ،‬والفضل بيد ال يؤتيه من يشاء وال ذو الفضل العظيم‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬ل ي ستحق العبادة إل‬ ‫هو؛ لحسانه إل عباده‪ ،‬وللله وجاله وكماله‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله بعثه وإخوانه الرسلي‪ ،‬مذكرين بذا‬ ‫ال ق ومعذر ين ومنذر ين‪ .‬الل هم ص ِل و سلم على عبدك ور سولك م مد‬ ‫وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬تأملوا حِك مَ اللّطيف البي أن يسر على‬ ‫النسان طرق ما هو متاج إليه من العلم‪ ،‬وكلما كانت حاجته إليه‬ ‫من العلم أعظم كان تيسيه إياه عليه أت فأعطاه معرفة خالقه وباريه‬ ‫ومبدعه سبحانه والقرار به؛ ولذا قالت الرسل لم هم‪ :‬أَفِي اللّ هِ‬ ‫شَكّ فَاطِرِ ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ يَدْعُوكُ مْ لِيَغْفِرَ لَكُ مْ مِ نْ ذُنُوبِكُ مْ‬ ‫[إبراهيم‪ ]10 :‬فخاطبوهم ماطبة من ل ينبغي أن ي طر له شك‬ ‫مّاـ فـ وجود ال سـبحانه‪ ،‬وإناـ يكون الشـك فيمـا تفـى‬ ‫أدلتـه وتشكـل براهينـه‪ ،‬فأمـا مـن له فـ كـل شيـء مسـوس أو‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫معقول آ ية بل آيات مؤد ية ع نه شاهدة بأ نه ال الذي ل إله إل هو رب‬ ‫العالي فكيف يكون فيه شك؟!‬ ‫فالرسل عليهم الصلة والسلم إنا دعوا أمهم إل عبادته وحده‪ ،‬ل إل‬ ‫القرار به؛ فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء فهو أظهر‬ ‫للبصائر من الشمس للبصار‪ ،‬وأبي للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده‪،‬‬ ‫فما ينكره إل مكابر بلسانه من كل جحود كفور‪ ،‬وقلبه وعقله وفطرته كلها‬ ‫تكذبه‪ .‬فقد نصب سبحانه من الدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله‬ ‫الدلة على اختلف أنواع ها ما ل يط يق ح صرها إل ال‪ ،‬ث ر كز ذلك ف‬ ‫الفطرة‪ ،‬ووضعه ف العقل جلة‪ ،‬فإذا قال الداعي‪ :‬يا ال! قام بقلبه ربا‪ ،‬قيومًا‬ ‫بنفسه‪ ،‬مستويًا على عرشه‪ ،‬مكلمًا‪ ،‬متكلمًا‪ ،‬سامعًا‪ ،‬رائيًا‪ ،‬قديرًا‪ ،‬مريدًا‪ ،‬فعالًا‬ ‫لاـ يشاء‪ ،‬يسـمع دعاء الداعيـ‪ ،‬ويقضـي حوائج السـائلي‪ ،‬ويفرج عـن‬ ‫الكروب ي‪ ،‬ترض يه الطاعات‪ ،‬وتغض به العا صي‪ ،‬تعرج اللئ كة بال مر إل يه‪،‬‬ ‫ك لِلدّي ِن َحنِيفًا ِف ْط َرَة الّل ِه اّلتِي‬ ‫وتنل بالمر من عنده‪ ،‬قال تعال‪َ :‬فَأِق ْم َو ْج َه َ‬ ‫س لَا‬ ‫ك الدّي ُن اْل َقّي ُم َوَلكِنّ َأ ْكَث َر النّا ِ‬ ‫خ ْل ِق الّل ِه َذِل َ‬ ‫س َعَليْهَا لَا َتْبدِي َل ِل َ‬ ‫َف َط َر النّا َ‬ ‫ي ِإَلْي ِه [الروم‪ ]31 ،30 :‬هذه هي الفطرة‪.‬‬ ‫َي ْعَلمُو َن * ُمنِيِب َ‬ ‫واسـعوا عباد ال إل دللة العقـل‪ ،‬قال تعال منكرًا على الشركيـ‬ ‫معـه غيه فـ العبادة‪ :‬أَم ْف خُ ِلقُوا مِن ْف غَ ْي ِر َشيْ ٍء أَم ْف هُمُف الْخَاِلقُونَف‬ ‫ف‬ ‫ف بَفل لَا يُوقِنُون َ‬ ‫فمَاوَاتِ وَاْلأَرْض َ‬ ‫ف خَ َلقُوا الس ّ‬ ‫[الطّور‪ ]35 :‬أَم ْ‬ ‫[الطّور‪ ،]36 :‬يقول تعال‪ :‬هؤلء ملقون ب عد أن ل يكونوا‪ ،‬ف هل خلقوا‬ ‫من غي خالق خلقهم؟ فهذا من الحال المتنع عند كل من له فهم وعقل‬ ‫أن يكون مصنوع من غي صانع‪ ،‬وملوق من غي خالق‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪13‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ولو مر ر جل بأرض ق فر ل بناء في ها ث مر ب ا فرأى في ها بنيانًا‬ ‫وقصورًا وعمارات مكمة ل ياله شك ول ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا‬ ‫ُونف [الطّور‪ ]35 :‬وهذا أيضًا مـن‬ ‫ُمف الْخَالِق َ‬ ‫َمف ه ُ‬ ‫بناهـا‪ .‬ثـ قال‪ :‬أ ْ‬ ‫الستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه‪ ،‬فإن من ل يقدر أن يزيد ف‬ ‫حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الياة ساعة واحدة‪ ،‬ول أصبعًا واحدًا‪،‬‬ ‫ول ظفرًا‪ ،‬ول شعرة‪ ،‬كيف يكون خالقًا لنفسه ف حال عدمه؟ وإذا بطل‬ ‫القسمان تعي أن لم خالقًا خلقهم وفاطرًا فطرهم‪ .‬ث قال‪ :‬أَ ْم خَ َلقُوا‬ ‫ال سّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ضَ [الطّور‪ ]36 :‬وب ي بذا الق سم الثالث أن م ب عد‬ ‫أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غي خالقي‪ ،‬وأن الواحد القهار الذي ل‬ ‫إله غيه ول رب سواه هو الذي خلق هم وخلق ال سموات والرض‪ ،‬فهو‬ ‫التفرد بلق السكن والساكن‪ ،‬بلق العال العلوي والسفلي وما فيه‪ ،‬فهو‬ ‫الله ال ق الذي ي ستحق علي هم العبادة والش كر‪ ،‬فك يف يشركون به إلًا‬ ‫ُونف [الطّور‪ ]36 :‬فعدم‬ ‫غيه وهـو وحده الالق لمـ؟ بَل لَا يُوقِن َ‬ ‫إيقانم هو الذي يملهم على الشرك به ف العبادة‪.‬‬ ‫وهذا إبراهيـم اسـتدل «بأفعال الرب» حيـ حاجـه النمرود‪،‬‬ ‫الكا فر الحود‪ ،‬إذ قال لبراه يم‪ :‬أرأ يت إل ك هذا الذي تع بد وتد عو‬ ‫إل عباد ته وتذ كر من قدر ته ال ت تعظ مه ب ا على غيه ما هو؟ قال‬ ‫إبراه يم‪ :‬رَبّ يَ الّذِي يُحْيِي وَيُمِي تُ [البقرة‪ ]258 :‬قال نرود‪:‬‬ ‫أَنَا أُحْيِي وَأُمِي تُ [البقرة‪ ]258 :‬فقال له إبراه يم‪ :‬ك يف ت يي‬ ‫وتيت؟ قال‪ :‬آخذ الرجلي قد استوجبا القتل ف حكمي فأقتل أحدها‬ ‫فأكون قـد أمتـه‪ ،‬وأعفـو عـن الخـر فأتركـه فأكون قـد أحييتـه‪،‬‬ ‫أوهم الاضرين أنه يفعل مثل ما يفعله ال فيكون ربًا‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫شرِ قِ فَأْ تِ‬ ‫فقال له إبراهيم‪ :‬فَإِنّ اللّ هَ يَأْتِي بِالشّمْ سِ مِ نَ الْ َم ْ‬ ‫ِبهَا مِ نَ الْ َم ْغرِ بِ [البقرة‪ ]258 :‬فإن كنت صادقًا فافعل مثل فعله ف‬ ‫طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها أنت من جهة أخرى‪ .‬استدل‬ ‫إبراهيم بأفعال الرب الشهودة الحسوسة الت تستلزم وجوده وكمال‬ ‫قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الحياء والماتة الشهودين اللذين ل‬ ‫يقدر عليهمـا إل ال وحده‪ ،‬وإتيانـه تعال بالشمـس مـن الشرق فتنصـاع‬ ‫لقدر ته ومشيئ ته ل يقدر أ حد سواه على ذلك‪ .‬فل ما علم عدو ال صحة‬ ‫ذلك وأن من هذا شأنه على كل شيء قدير بت وأمسك وظهر بطلن‬ ‫دعواه وكذ به‪ ،‬وأ نه ل ي صلح للربوب ية وأهل كه ال وجنوده‪ ،‬قال ز يد بن‬ ‫أ سلم(‪ :)1‬ج ع النمرود جي شه وجنوده و قت طلوع الش مس وأر سل ال‬ ‫عليهم بابا من البعوض فأكلت لومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية‪،‬‬ ‫ودخلت واحدة منها ف منخري اللك فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه ال‬ ‫با حت أهلكه با‪.‬‬ ‫واقتدى به فرعون ح ي دعاه مو سى إل ر به وفاطره وخال قه الذي‬ ‫أوجده ورباه بنع مه‪ :‬جنينًا‪ ،‬و صغيًا‪ ،‬و كبيًا‪ ،‬وآتاه ال اللك‪ ،‬فقا بل هذا‬ ‫بغايـة الكفـر والعناد‪ ،‬وادعـى أنـه رب العاليـ‪ ،‬هذا وهـو يعلم أنـه ليـس‬ ‫بالذي خلق فسوى‪ ،‬ول قدر فهدى‪ ،‬فكذب الب‪ ،‬وعصى المر‪ ،‬ث أدبر‬ ‫ي سعى بالدي عة وال كر‪ ،‬فح شر جنوده فأجابوه‪ ،‬ث نادى في هم بأ نه رب م‬ ‫العلى واسـتخفهم فأطاعوه‪ ،‬فبطـش بـه جبار السـموات والرض بطـش‬ ‫عزيز مقتدر‪ ،‬وأخذه نكال الخرة والول ليعتب بذلك من يعتب‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() فيما رواه عنه عبدالرزاق‪ .‬انظر تفسي ابن كثي على الية‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪15‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ول يستنكر الحود يا عباد ال مع ظهور الدلة‪ ،‬فهذا شأن النفوس‬ ‫الاهلة الظال ة‪ ،‬ت د الر جل منغم سًا ف الن عم و قد أحا طت به من كل‬ ‫جانب وهو يشكو حاله ويتسخط ما هو فيه(‪ )1‬وربا أنكر النعمة‪ ،‬فضلل‬ ‫النفوس وغيها ل حد له تنتهي إليه‪.‬‬ ‫ودل الدليـل العقلي والشرعـي على انتهاء الخلوقات والصـنوعات‬ ‫إل خالق وا حد‪ ،‬مو صوف ب صفات يؤ ثر باـ ف الخلوقات ومقادير ها‬ ‫وأشكالاـ وهيئاتاـ عـن أبـ هريرة قال‪ :‬قال رسـول ال ‪« :‬ل‬ ‫عدوى‪ ،‬ول طية‪ ،‬ول ها مة‪ ،‬ول صفر» فقال العرا ب‪ :‬يا ر سول ال‬ ‫فما بال البل تكون ف الرمل كأنا الضباء فيجيء البعي الجرب فيدخل‬ ‫في ها فيجرب ا كل ها‪ .‬قال‪« :‬ف من أجرب الول؟!» و ف ل فظ‪« :‬أفرأ يت‬ ‫الول من أعداه»(‪.)2‬‬ ‫فكل ملوق له أول‪ ،‬والالق سبحانه ل أول له؛ فهو وحده الالق‪،‬‬ ‫وكل ما سواه ملوق كائن بعد أن ل يكن‪.‬‬ ‫و من الدلة العقل ية ما أبقاه ال تعال من آثار عقوبات أ هل الشرك‬ ‫وآثار ديار هم و ما حل ب م‪ ،‬و ما أبقاه من ن صر أ هل التوح يد وإعزاز هم‬ ‫وجعل العاقبة لم‪ ،‬قال تعال‪:‬‬ ‫وَعَادًا َوثَمُودَ َو َقدْ تَبَيّنَ لَكُ ْم مِ ْن مَسَاكِِن ِهمْ [العنكبوت‪]39 :‬‬ ‫ِكف‬ ‫ُمف خَاوَِيةً بِم َا ظَلَمُوا إِن ّ ف ِي َذل َ‬ ‫ْكف بُيُوُته ْ‬ ‫وقال فـ ثود فَتِل َ‬ ‫َلآََيةً ِل َقوْ ٍم َيعْلَمُونَ * وََأنْجَيْنَا اّلذِينَ َآمَنُوا وَكَانُوا يَّتقُو نَ [النمل‪،52 :‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() قلت‪ :‬وإذا سئل بعض هؤلء كيف حالك؟ قال‪« :‬ادعوا ل»‪.‬‬ ‫() بي الدور والتسلسل وقطعهما بأوجز لفظ وأبينه‪ ،‬ففهم السامع من هذا‬ ‫أن إعداء الول إن كان من إعداء غيه له فإ نه ل ين ته إل غا ية ف هو الت سلسل‬ ‫ف الؤثرات‪ ،‬و هو با طل ب صريح الع قل‪ .‬وإن انت هى إل غا ية و قد ا ستفادت‬ ‫الرب من إعداء من جرب به له فهو الدور المتنع‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪ ]53‬وقال عن قوم لوط‪ِ :‬إنّ ا مُ ْن ِزلُو نَ عَلَى َأ ْهلِ َهذِ هِ اْل َق ْريَةِ ِر ْجزًا مِ نَ‬ ‫ال سّمَا ِء بِمَا كَانُوا َيفْ سُقُو َن * َولَ َقدْ تَرَكْنَا مِ ْنهَا َآيَ ًة بَيَّن ًة لِ َقوْ ٍم َي ْعقِلُو نَ‬ ‫[العنكبوت‪.]35 ،34 :‬‬ ‫وقال بعـض العراب وقـد سـئل‪ :‬مـا الدليـل على وجود ال تعال‪:‬‬ ‫فقال‪ :‬يا سبحان ال! إن البعر ليدل على البعي‪ ،‬وإن أثر القدام ليدل على‬ ‫السـي‪ ،‬فسـماء ذات أبراج‪ ،‬وأرض ذات فجاج‪ ،‬وبار ذات أمواج‪ ،‬أل‬ ‫يدل ذلك على وجود اللطيف البي؟! فاستدل العراب بالثر على الؤثر‪،‬‬ ‫ّهف اّلذِي‬ ‫َمف َيرَوْا أَن ّ الل َ‬ ‫َنف َأ َشدّ مِنّاف ُق ّوةً َأ َول ْ‬ ‫كقوله تعال لنـ قالوا‪ :‬م ْ‬ ‫خَلَ َق ُهمْ ُه َو أَ َش ّد مِ ْنهُ ْم ُق ّوةً [ُفصّلَت‪.]15 :‬‬ ‫وحكي عن أب حنيفة رحه ال‪ :‬أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود‬ ‫الباري تعال‪ ،‬فقال لم‪ :‬دعون فإن مفكر ف أمر قد أخبت عنه‪ -‬ذكروا ل‬ ‫أن سفينة ف البحر موقرة فيها أنواع من التاجر‪ ،‬وليس با أحد يرسها ول‬ ‫يسـوقها‪ ،‬وهـي مـع ذلك تذهـب وتيـء وتسـي بنفسـها‪ ،‬وتترق المواج‬ ‫العظام حت تتخلص منها‪ ،‬وتسي حيث شاءت بنفسها من غي أن يسوقها‬ ‫أ حد‪ .‬فقالوا‪ :‬هذا ش يء ل يقوله عا قل‪ .‬فقال‪ :‬وي كم! هذه الوجودات ب ا‬ ‫فيها من العال العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الشياء الحكمة ليس‬ ‫لا صانع؟ فبهت القوم‪ ،‬ورجعوا إل الق وأسلموا على يديه‪.‬‬ ‫فالخلوقات جيعها وما تضمنته من التخصيصات والكم والغايات‬ ‫مسـتلزمة للخالق عين ًا‪ ،‬فانتقال الذهـن منهـا إل العلم بالالق كانتقال‬ ‫الذ هن من رؤ ية الدخ ـان إل أن تت ـه ن ـار‪ ،‬وم ـن رؤ ية ال سم‬ ‫التحرك قسـرًا إل أن له مركًـا‪ ،‬ومـن رؤيـة شعاع الشمـس إل العلم‬ ‫‪16‬‬ ‫‪17‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بطلوعهـا‪ ،‬ونظائر ذلك‪ .‬فعلم العقـل بوجود الالق كجزم السـ باـ‬ ‫يشاهده من آياته الشهودة‪.‬‬ ‫وآياتـه سـبحانه هـي‪ :‬دلئله وبراهينـه التـ باـ يعرفـه العباد‪ ،‬وباـ‬ ‫يعرفون أساءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونيه‪.‬‬ ‫فآيا ته سبحانه وأدلة توحيده و ما أ خب به من العاد و ما ن صبه من‬ ‫الدلة لصـدق ر سله ل تتاج إل مـا يزعمـه كثيـ مـن النظار أنـه دليـل‪،‬‬ ‫كقولم‪ :‬كل مكن مفتقر إل واجب‪ ،‬وكل مدث مفتقر إل مدث‪ .‬فإن‬ ‫هذه القضية الكلية بعد تعبهم ف تقريرها ودفع ما يعارضها ل تدل على‬ ‫مطلوب معي وخالق معي‪ ،‬وإنا تدل على واجب مّا ومُحدِث مّا(‪.)1‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وأحدوه أن علمكــم مــا ل تكونوا تعلمون‪،‬‬ ‫واذكروه يذكركم‪ ،‬وأشكروه يزدكم‪.‬‬ ‫ت وَاْلأَرْ ِ‬ ‫ض‬ ‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم إِنّ فِي خَلْ ِق ال سّمَاوَا ِ‬ ‫ح ِر بِمَا يَ ْنفَ ُع النّا سَ‬ ‫جرِي فِي الْبَ ْ‬ ‫ك الّتِي تَ ْ‬ ‫ف اللّ ْيلِ وَالّنهَا ِر وَالْفُلْ ِ‬ ‫وَاخْتِلَا ِ‬ ‫ض َبعْ َد َموِْتهَا وَبَثّ فِيهَا‬ ‫وَمَا َأْنزَ َل اللّ هُ مِ نَ ال سّمَا ِء مِ ْن مَاءٍ فََأحْيَا بِ ِه الْأَرْ َ‬ ‫خ ِر بَيْنَ السّمَا ِء وَاْلأَرْضِ‬ ‫ب الْمُسَ ّ‬ ‫ف ال ّريَاحِ وَالسّحَا ِ‬ ‫صرِي ِ‬ ‫مِنْ ُك ّل دَابّ ٍة َوتَ ْ‬ ‫ت ِلقَوْ ٍم َي ْعقِلُونَ [البقرة‪.]164 :‬‬ ‫َلآَيَا ٍ‬ ‫‪1‬‬ ‫() رؤي سيبويه‪ -‬رحه ال‪ -‬بعد وفاته فقيل له‪ :‬ما فعل ال بك‪ .‬قال‪ :‬غفر ل‬ ‫وأدخلن النة‪ .‬قيل بأي شيء؟ قال بقول‪ :‬ال أعرف العارف‪( .‬سعت هذا ف‬ ‫صغري على لسان بعض طلبة العلم)‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي علم بالقلم‪ ،‬علم النسان ما ل يعلم‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له يسـر كلًا لاـ خلق‬ ‫له‪ ،‬وربك أعلم وأحكم‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله سيد اللق أجع‪ ،‬صلى ال عليه‬ ‫وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الثر‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال حاجـة العباد إل معرفـة ربمـ وفاطرهـم‬ ‫ومعبودهم جل جلله فوق مراتب الاجات كلها؛ فإنه ل سعادة لم‬ ‫ول فلح ول صـلح ول نعيـم إل بأن يعرفوه ويعبدوه‪ ،‬ويكون هـو‬ ‫وحده غاية مطلوب م وناية مرادهم‪ ،‬وذكره والتقرب إليه قرة عيون م‬ ‫وحياة قلوبمـ‪ .‬فم ت فقدوا ذلك كانوا أ سوأ حالًا من النعام بكث ي‪،‬‬ ‫وكانت النعام أطيب عيشًا منهم ف العاجل وأسلم عاقبة ف الجل‪.‬‬ ‫ث إن ال جل جلله ك ما ي سر على الن سان طرق العر فة بر به‬ ‫تبارك وتعال فقد يسر عليه معرفة ما يب عليه من «أفعاله التكليفية»‬ ‫بيّ ن بكل مه وكلم ر سوله ج يع ما أ مر ال به‪ ،‬وج يع ما ن ى ع نه‪،‬‬ ‫وجيع ما أحله‪ ،‬وجيع ما حرمه‪ ،‬وجيع ما عفا عنه‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪19‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وبذا يكون دينه كاملً‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬الْيَوْ مَ أَكْمَلْ تُ لَكُ مْ‬ ‫دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [الائدة‪.]3 :‬‬ ‫وكذلك أعطاهـم سـبحانه مـن العلوم التعلقـة بصـلح معاشهـم‬ ‫ودنياهـم بقدر حاجتهـم‪ :‬كعلم الطـب‪ ،‬والسـاب‪ ،‬وعلم الزراعـة‪،‬‬ ‫وضروب الصـنائع‪ ،‬واسـتنباط الياه‪ ،‬وعقدة البنيـة‪ ،‬وصـنعة السـفن‪،‬‬ ‫وا ستخراج العادن‪ ،‬وتيئت ها ل ا يراد من ها‪ ،‬وترك يب الدو ية‪ ،‬و صنعة‬ ‫الطعمة‪ ،‬ومعرفة ضروب اليل ف صيد الوحش والطي ودواب الاء‪،‬‬ ‫والت صرف ف وجوه التجارات‪ ،‬ومعر فة وجوه الكا سب‪ ،‬وغ ي ذلك‬ ‫ما فيه قيام معايشهم‪.‬‬ ‫ث منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك ما ليس من شأنم؛ ول فيه‬ ‫مصلحة لم‪ ،‬ول نشأتم قابلة له؛ فجهلهم به ل يضر‪ ،‬وعلمهم به ل‬ ‫ينتفعون به انتفاعًا طائلً‪ :‬كعلم الغيب‪ ،‬وعلم ما كان وكل ما يكون‪،‬‬ ‫والعلم بعدد القطــر‪ ،‬وأمواج البحــر‪ ،‬وذرات الرمال‪ ،‬ومســاقط‬ ‫الوراق‪ ،‬وعدد الكواكـب ومقادير ها‪ ،‬وعلم ما فوق ال سموات و ما‬ ‫ت ت الثرى‪ ،‬و ما ف ل ج البحار‪ ،‬وأقطار العال‪ ،‬و ما يك نه الناس ف‬ ‫صدورهم‪ ،‬و ما ت مل كل أن ثى و ما تغ يض الرحام و ما تزداد‪ ،‬إل‬ ‫سائر ما غرب عنهم علمه‪.‬‬ ‫ومنع هم من العلم علم ال ساعة‪ ،‬ومعر فة آجال م فإن كان ق صي‬ ‫العمر ل يتهنأ بالعيش وخربت الدنيا لن عمارت ا بالمال‪ ،‬وإن تقق‬ ‫طول عمره ل يبال بالنماك فـ الشهوات وأنواع الفسـاد وتأخيـ‬ ‫التو بة‪ ،‬و قد قال تعال‪ :‬وَلَيْ سَتِ التّ وْبَةُ لِلّ ذِي نَ يَعْمَلُو نَ ال سّ يّ ئَاتِ‬ ‫ِينف‬ ‫َنف وَلَا الّ ذ َ‬ ‫ْتف الْآ َ‬ ‫ْتف قَالَ إِنّيف تُب ُ‬ ‫ُمف الْمَو ُ‬ ‫حَتّىف إِذَا حَضَرَ أَحَدَه ُ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫يَمُوتُون َف وَهُم ْف كُفّارٌ أُولَئِك َف أَعْتَدْنَا لَهُم ْف عَذَابًا أَلِيمًا [النسـاء‪:‬‬ ‫‪ )1 (]18‬إن أصدق الكلم كلم ال وخي الدي هدي ممد ( ‪.)2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() الراجـع «مفتاح دار السـعادة» ج (‪« ،)237 ،1/280‬شفاء العليـل» (‬ ‫‪ ،)212 ،211 ،205 ،204 ،156‬التــبيان ص(‪« ،)282 ،159‬إعلم‬ ‫الوقعي» ج (‪« ،)1/332‬بدائع الفوائد» ج (‪« ،)175 ،4/174‬فتاوى ابن‬ ‫تيمية» ج(‪.)16/357‬‬ ‫() قلت‪ :‬ويضيف الطيب‪ -‬ف كل خطبة أخية‪ -‬ما هو مشهور ف الطب‬ ‫الوثوقة من العبارات الامعة الأثورة‪ ،‬والترضي عن الصحابة جيعًا‪ ،‬وتصيص‬ ‫اللفاء الراشد ين بالئ مة الهدي ي الذ ين قضوا بال ق و به كانوا يعدلون‪ :‬أ بو‬ ‫بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ -‬ينص على أسائهم وإمامتهم وخلفت هم‪ -‬وإذا‬ ‫صلى على ال نب ل ي ص الل؛ بل ي مع ب ي ال صلة على آله وأ صحابه؛‬ ‫ليخرج من البدعتي‪ ،‬ول يص الل بالطهارة لن ما ورد فيهم ترغيب وأمر؛‬ ‫ل خب نبه على ذلك ابن تيمية ‪-‬رحه ال‪ -‬قال‪ :‬ونن نعلم أن من بن هاشم‬ ‫من ليس بطهر‪ ،‬وال ل يب أنه طهر جيع أهل البيت‪ ،‬وأذهب عنهم الرجس؛‬ ‫فإن هذا كذب على ال اه ـ‪ .‬أو يترك هذه الملة ‪-‬الط يبي الطاهر ين‪ -‬و هو‬ ‫أول‪ .‬ويوصي بالتقوى‪ ،‬ويصلي على النب ويدعو للمسلمي‪ .‬وإنا نبهت‬ ‫على هذا لن ل أذكره ف آخر الطب‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪21‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال أكب‬ ‫من كل شيء وأعظم‬ ‫المـد ل الذي برت بدائع صـنعه اللباب‪ ،‬وخضعـت لبـوته‬ ‫ال صعاب‪ ،‬ف كل م سوس إل ربوبي ته هاد‪ ،‬و كل موجود إل وحداني ته‬ ‫داع‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول مثـل له‪ ،‬ول‬ ‫ولد له‪ ،‬ول والد له‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله بع ثه ال و سائر‬ ‫ال نبيي قبله إل من شاء من عباده‪ ،‬فجعل هم سفراء بي نه وب ي خل قه‪،‬‬ ‫وأمدهـم بعونـه‪ ،‬وحبـا نبينـا مـن كرامتـه بالقسـم الفضـل‪ ،‬ومـن‬ ‫ال صحاب بال ظ الو فر‪ .‬وال مد ل الذي كرم نا بت صديقه‪ ،‬وشرف نا‬ ‫باتبا عه‪ ،‬وجعل نا من أ هل القرار واليان به وب ا د عا إل يه وجاء به‪.‬‬ ‫صـلى ال عليـه وعلى آله وأصـحابه وسـلم أزكـى صـلواته‪ ،‬وأفضـل‬ ‫سلمه وأت تياته( ‪.)1‬‬ ‫أ ما ب عد ف قد روى المام ا بن خزي ة رح ه ال وغيه‪ ،‬عن عدي‬ ‫بن حات الطائي رضي ال عنه ف قصة إسلمه‪ ،‬قال‪« :‬أتيت النب‬ ‫و هو جالس ف السـجد‪ -‬وك نت ن صرانيًا‪ -‬فقام فلقي ته امرأة و صب‬ ‫معهـا‪ ،‬فقال‪ :‬إن لنـا إليـك حاجـة‪ ،‬فقام معهمـا حتـ قضـى‬ ‫‪1‬‬ ‫() تفسي ابن جرير «القدمة»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حاجتهمـا‪ ،‬ثـ أخـذ بيدي حتـ أتـى داره‪ ،‬فألقيـت له وسـادة فجلس‬ ‫عليها‪ ،‬وجلست بي يديه‪ .‬فحمد ال وأثن عليه‪ ،‬ث قال‪ :‬ما يفرك أن‬ ‫تقول‪ :‬ل إله إل ال‪ -‬أي مـا يملك على الفرار إل التوحيـد‪ -‬فهـل‬ ‫تعلم مـن إله سـوى ال؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ .‬ثـ تكلم سـاعة‪ ،‬ثـ قال‪ :‬يـا‬ ‫عدي مـا يفرك‪ ،‬أيفرك أن يقال‪ :‬ال أكـب‪ ،‬فهـل تعلم شيئًا أكـب مـن‬ ‫ـارى‬ ‫ـم‪ ،‬والنصـ‬ ‫ال؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فإن اليهود مغضوب عليهـ‬ ‫ضُلّل‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬فإنـ حنيـف مسـلم‪ .‬قال فرأيـت وجهـه ينبسـط‬ ‫فر حا» ف في هذا الد يث‪ -‬يا عباد ال‪ -‬أع ظم دللة على عظ مة ال‬ ‫تبارك وتعال‪ ،‬وأنه أكب من كل شيء‪ :‬ذاتًا‪ ،‬وصفة‪ ،‬وأفعالً( ‪.)1‬‬ ‫والعال العلوي والسـفلي بالنسـبة إل الالق سـبحانه فـ غايـة‬ ‫الصغر‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا‬ ‫قَبْضَتُ هُ يَوْ مَ الْقِيَامَةِ وَال سّماوَاتُ مَطْوِيّا تٌ بِيَمِينِ هِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‬ ‫عَمّا يُشْرِكُو نَ [الزّ مَر‪ ]67 :‬فالرض‪ ،‬والسماء الدنيا فوقها ميطة‬ ‫با من كل جانب‪ ،‬وكذا الباقي‪ ،‬والكرسي فوق السموات كلها بي‬ ‫يدي العرش‪ ،‬ونسبة السموات وما فيها إل الكرسي كحلقة ف فلة‪،‬‬ ‫والملة بالنسـبة إل العرش كحلقـة فـ فلة‪ ،‬والعرش فوق جيـع‬ ‫الخلوقات مقبب له قوائم وهو سقف النة‪ ،‬وتته بر‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وأخبنـا بأنـه «الكـبي»‪ ،‬فقال تعال‪ :‬الْكَِبيُ اْلمَُتعَالِ [الرّعـد‪ .]9 :‬وبأنـه‬ ‫«الكب» كما ف اللفاظ الشروعة ف الذان والصلة وغيها‪ ،‬وهي أفعل تفضيل‬ ‫يقتضي كونه أكب من كل شيء بميع العتبارات‪ ،‬فال أكب من كل شيء‪ ،‬ف‬ ‫ذاته‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء‪ ،‬وأعظم من‬ ‫كل شيء‪ ،‬وأجل من كل شيء ف ذاته وصفاته وأفعاله‪ .‬فلله سبحانه العلو الذات‪،‬‬ ‫والعنوي‪ ،‬والعظمة الذاتية والعنوية‪ ،‬واللل والمال الذات والعنوي‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫هذا العرش العظ يم الذي هو أعل الخلوقات خلق من ملوقات‬ ‫ال ل نسبة له إل عظمة ال وكبيائه‪ ،‬كما ف الديث الذي رواه أبو‬ ‫داود‪ ،‬عن جبي بن مط عم قال‪« :‬أ تى ر سول ال أعرا ب فقال‪ :‬يا‬ ‫رسول ال‪ :‬جهدت النفس‪ ،‬وجاع العيال‪ ،‬وذكر الديث إل أن قال‬ ‫رسـول ال ‪« :‬إن ال على عرشـه‪ ،‬وإن عرشـه على سـواته لكذا‪،‬‬ ‫وقال بأ صابعه م ثل الق بة»‪ .‬وروي عن ا بن عباس قال‪ :‬ما ال سموات‬ ‫السبع والرضون السبع ف كف الرحن إل كخردلة ف يد أحدكم‪.‬‬ ‫وروى البخاري عن ا بن م سعود ر ضي ال ع نه قال‪ :‬جاء حب‬ ‫من الحبار إل رسول ال فقال‪ :‬يا ممد! إنا ند أن ال يعل‬ ‫السـموات على أصـبع‪ ،‬والرضيـ على أصـبع‪ ،‬والشجـر على أصـبع‪،‬‬ ‫والاء والثرى على أ صبع‪ ،‬و سائر اللق على أ صبع‪ ،‬فيقول‪ :‬أ نا اللك‪.‬‬ ‫فضحك رسول ال حت بدت نواجذه تصديقًا لقول ال ب ث قرأ‪:‬‬ ‫وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِ هِ [النعَام‪ ]91 :‬ال ية‪ .‬العن ما عظم‬ ‫الشركون ال حق عظم ته ح ي عبدوا م عه غيه ون سبوا له ال صاحبة‬ ‫والولد‪ ،‬وهو العظيم الذي ل أعظم منه‪ ،‬القادر على كل شيء‪ ،‬وكل‬ ‫شيء تت قهره وقدرته‪.‬‬ ‫و من عظم ته سبحانه أن اللق كل هم يرو نه من غ ي خفاء ول‬ ‫ازدحام‪ ،‬روى أ بو داود ف سننه‪ ،‬عن أ ب رز ين العقيلي قال‪ :‬قلت يا‬ ‫رسول ال‪ :‬أكلنا يرى ربه مليًا به يوم القيمة‪ ،‬وما آية ذلك ف خلقه؟‬ ‫قال‪ « :‬يا أ با رز ين‪ :‬أل يس كل كم يرى الق مر ليلة البدر مليًا به؟»‬ ‫قال‪ :‬بلى‪ .‬قال‪« :‬فإنا هو خلق من خلق ال‪ ،‬فال أجل وأعظم»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ف كل من هم يلو به ك ما يلو الر جل بالق مر ليلة البدر‪ ،‬فيقرره‬ ‫بذنوبه‪.‬‬ ‫ومن عظمته سبحانه أنه لا تلى منه ما تلى للجبل ساخ البل‬ ‫فـ الرض وتدكدك لعظمـة مـا رأى‪ ،‬واسـتغفر موسـى مـن ذلك‬ ‫ال سؤال‪ ،‬و سبح ر به تبارك وتعال‪ .‬والبـل أ كب من مو سى وأع ظم‬ ‫خلقًا‪.‬‬ ‫قال ابـن عباس رضـي ال عنهمـا‪ :‬مـا تلى منـه للجبـل إل قدر‬ ‫النصر فجعل البل ترابًا‪ .‬قال ال تعال‪ :‬وَلَمّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا‬ ‫وَكَلّ مَ هُ رَبّ هُ قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْ كَ قَالَ لَ نْ تَرَانِي وَلَكِ نِ انْظُرْ‬ ‫إِلَى الْجَبَلِ فَإِ نِ ا سْتَقَرّ مَكَانَ هُ فَ سَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبّ هُ لِلْجَبَلِ‬ ‫جَعَلَ هُ دَكّا وَخَرّ مُو سَى صَعِقًا فَلَمّا أَفَا قَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْ تُ إِلَيْ كَ‬ ‫وَأَنَا أَوّ لُ الْمُؤْمِنِيَ [العرَاف‪.]143 :‬‬ ‫وفـ الديـث الذي رواه البخاري‪« :‬حجابفه النور‪ ،‬لو كشففه‬ ‫لحر قت سبحات وج هه ما انت هى إل يه ب صره من خل قه»‪ .‬فإذا كا نت‬ ‫سبحات وج هه‪ -‬و هي جلله ونوره‪ -‬ل يقوم ل ا ش يء من خل قه‪ ،‬ف ما‬ ‫الظن بلل ذلك الوجه الكري وعظمته وكبيائه وكماله وجلله وجاله‪.‬‬ ‫وف حديث حذيفة ف رؤية الؤمني رب م ف ال نة‪ « :‬فيكشف‬ ‫ال ال جب فيتجلى ل م فيغشا هم من نوره ما لول أن ال ق ضى أن‬ ‫ل يوتون لحترقوا»( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() فحجابه النور ملوق‪ .‬وأما أنوار الذات الت يجب عن إدراكها فذاك صفة للذات‬ ‫ل تفارق ذات الرب جل جلله‪ .‬ول يس كمثله ش يء من النوار ك ما أن ذا ته لي ست‬ ‫كشيء من الذوات‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪25‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و من عظم ته سبحانه « سعة سعه»‪ :‬ي سمع كلم عباده كله مع‬ ‫اختلف لغات م وتف نن حاجات م؛ ي سمع دعاء هم سع إجا بة‪ ،‬وي سمع‬ ‫كل ما يقولونه سع علم وإحاطة‪ ،‬ل يشغله سع عن سع‪ ،‬ول تغلطه‬ ‫السفمَاوَاتِ‬ ‫َنف ف ِي ّ‬ ‫َسفأَلُهُ م ْ‬ ‫السـائل‪ ،‬ول يتـبم بإلاح اللحيـ ي ْ‬ ‫وَالْأَرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحن‪.]29 :‬‬ ‫وروى ابـن أبـ حاتـ‪ ،‬عـن عائشـة رضـي ال عنهـا أناـ قالت‪:‬‬ ‫تبارك الذي أو عى سعه كل ش يء‪ ،‬إ ن ل سع كلم خولة ب نت ثعل بة‬ ‫ويفـى علي بعضـه وهـي تشتكـي زوجهـا إل رسـول ال ‪ ،‬وهـي‬ ‫تقول‪ :‬يا رسول ال أكل مال‪ ،‬وأفن شباب‪ ،‬ونثرت له بطن‪ ،‬حت إذا‬ ‫كبت سن‪ ،‬وانقطع ولدي ظاهر من‪ ،‬اللهم إن أشكو إليك‪ .‬قالت‬ ‫ف ما بر حت ح ت نزل جب يل بذه ال ية‪ :‬قَدْ سَمِعَ اللّ هُ قَوْلَ الّتِي‬ ‫تُجَادِلُ كَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللّ هِ وَاللّ هُ يَ سْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنّ‬ ‫اللّه َف سَمِيعٌ بَ صِيٌ * الّ ذِي نَ يُظَاهِرُو نَ مِنْكُ مْ مِ نْ نِ سَائِهِمْ مَا هُنّ‬ ‫أُمّ هَاتِهِ مْ إِ نْ أُمّ هَاتُهُ مْ إِلّا اللّائِي وَلَدْنَهُ مْ وَإِنّ هُ مْ لَيَقُولُو نَ مُنْكَرًا مِ نَ‬ ‫الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنّ اللّ هَ لَعَفُوّ غَفُورٌ * وَالّ ذِي نَ يُظَاهِرُو نَ مِ نْ نِ سَائِهِمْ‬ ‫ُمف‬ ‫َنف يَتَمَاسفّا ذَلِك ْ‬ ‫ِنف قَبْلِ أ ْ‬ ‫ُونف لِم َا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ م ْ‬ ‫ثُم ّ يَعُود َ‬ ‫تُوعَظُو نَ بِ هِ وَاللّ هُ بِمَا تَعْمَلُو نَ خَبِيٌ * فَمَ نْ لَ مْ يَجِدْ فَ صِيَامُ شَهْرَيْ نِ‬ ‫مُتَتَابِعَيْ نِ مِ نْ قَبْلِ أَ نْ يَتَمَا سّا فَمَ نْ لَ مْ يَ سْتَطِعْ فَإِطْعَا مُ سِتّ يَ مِ سْكِينًا‬ ‫ذَلِ كَ لِتُؤْمِنُوا بِاللّ هِ وَرَ سُولِهِ وَتِلْ كَ حُدُودُ اللّ هِ وَلِلْكَافِرِي نَ عَذَا بٌ‬ ‫أَلِيمٌ [ال جَادلة‪.]4 -1 :‬‬ ‫وكذلك ما ثبت ف صحيح مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه ‪،‬‬ ‫عـن النـب قال‪« :‬يقول ال‪ :‬قسفمت الصفلة بينف وبيف‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عبدي نصفي فنصفها ل ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل‪ .‬فإذا قال‬ ‫العبفد‪ :‬المفد ل رب العاليف‪ .‬قال ال‪ :‬حدنف عبدي‪ .‬فإذا قال‪:‬‬ ‫الرحنف الرحيفم‪ .‬قال ال‪ :‬أثنف علي عبدي‪ .‬فإذا قال العبفد‪ :‬مالك‬ ‫يوم الدين‪ .‬قال ال ‪ :‬مدن عبدي‪ ،‬فإذا قال العبد‪ :‬إياك نعبد وإياك‬ ‫نستعي‪ .‬قال‪ :‬هذه بين وبي عبدي نصفي‪ ،‬ولعبدي ما سأل‪ .‬فإذا‬ ‫قال‪ :‬إهدنفا الصفراط السفتقيم صفراط الذيفن أنعمفت عليهفم غيف‬ ‫الغضوب عليهفم ول الضاليف‪ .‬قال‪ :‬هؤلء لعبدي‪ ،‬ولعبدي مفا‬ ‫سأل» فهذا يقوله سبحانه وتعال ل كل م صل قرأ الفاتةـ‪ ،‬فلو صلى‬ ‫الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك‪ ،‬وف تلك الساعة يصلي من‬ ‫يقرأ الفاتة من ل يصي عدده إل ال‪ ،‬وكل واحد منهم يقول ال له‬ ‫كما يقول لذا‪.‬‬ ‫«وكرسيه قد وسع السموات والرض‪ ،‬ول يؤده حفظهما» فإذا‬ ‫كان ل يؤوده خلقـه ورزقـه على هذه التفاصـيل؛ فكيـف يؤوده العلم‬ ‫بذلك‪ ،‬أو سع كلمهم‪ ،‬أو رؤية أفعالم‪ ،‬أو إجابة دعائهم؟‬ ‫و من عظم ته سبحانه أ نه يكلم العباد يوم القيا مة ويا سبهم ل‬ ‫يشغله هذا عن هذا‪ .‬وذلك الحا سب ل يرى أ نه يا سب غيه‪ .‬ق يل‬ ‫ل بن عباس‪ :‬ك يف يا سبهم ف ساعة واحدة؟ قال‪ :‬ك ما يرزق هم ف‬ ‫ساعة واحدة‪.‬‬ ‫ومن عظمته سبحانه أن اللق كلهم ل ييطون به روى ابن أب‬ ‫حات بسنده إل أب سعيد الدري‪ ،‬عن النب ف تفسي قوله تعال‪:‬‬ ‫لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [النعَام‪.]103 :‬‬ ‫‪26‬‬ ‫‪27‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫قال‪« :‬لو أن ال ن وال نس والشياط ي واللئ كة م نذ خلقوا إل‬ ‫أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بال أبدا»‪.‬‬ ‫و من صفاته العظي مة‪« :‬غناه التام» فإ نه يُطْعِ مُ وَلَا يُطْعَ مُ‬ ‫[النعَام‪ ،]14 :‬و ف قراءة ول يَطْعَ مُ بف تح الطاء ف هو الغ ن بذا ته عن‬ ‫كـل مـا سـواه‪ .‬ومـن ملوقاتـه اللئكـة وهـم صـمد ل يأكلون ول‬ ‫يشربون كما ذكر ال ذلك عنهم ف قصة ضيف إبراهيم فَلَمّا رَأَى‬ ‫أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هُود‪.]70 :‬‬ ‫عباد ال هذه اليات والحاديث وما ف معناها تدل بداهة على‬ ‫وجود ال تبارك وتعال وعظمتـه‪ ،‬وأنـه مسـوس لبعـض اللق ببعـض‬ ‫الواس ال مس؛ ف قد أدرك مو سى كل مه با سة سعه وَكَلّ مَ اللّ هُ‬ ‫ُمف‬ ‫َمف أَنْبِئْه ْ‬ ‫مُوسفَى تَكْلِيم ًا [النّسـاء‪ ]164 :‬وآدم قَالَ ي َا آَد ُ‬ ‫بِأَ سْمَائِهِمْ [البَقَرَة‪ ]33 :‬وتسمع كلمه اللئكة حَتّى إِذَا فُزّ عَ‬ ‫عَ نْ قُلُوبِهِ مْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبّ كُ مْ قَالُوا الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيُ‬ ‫[سـَبأ‪ ،]23 :‬وأنـه يكـن الحسـاس بـه فيى يوم القيامـة‪ ،‬ويسـمع‬ ‫كلمـه‪ .‬والنسـان يقـر بوجود أشياء ل يسـ باـ هـو كوجود بعـض‬ ‫الماكن والمم وأجداده الذين ل يدركهم؛ بل ومادته الت كُوّن منها‬ ‫ل يس با هو ول ينكرها عاقل( ‪ ، )1‬لكنه يكن أن يس با غيه‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() قلت‪ :‬وهذه الشبهة‪ -‬أن ما ل يس بالواس المس أو بأحدها ل يؤمن به‪ -‬قديه حديثة‪:‬‬ ‫قد ش به ب ا الدهريون على ال هم بن صفوان فتح ي‪ ،‬قالوا له‪ :‬هل رأ يت إل ك هل سعت‬ ‫كل مه؟ إل‪ .‬فقال‪ :‬ل‪ .‬ول يو فق لن يذ كر ساع مو سى وآدم‪ ،‬وتدكدك ال بل‪ ،‬وأن الناس‬ ‫يرون ربم يوم القيامة إل‪.‬‬ ‫وقال‪ :‬أحد الساتذة اللحدين لتلميذه‪ :‬هل رأيتم ال؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬إذًا ما هو موجود‪ .‬فرفع‬ ‫أحد التلميذ أصبعه وقال‪ :‬ألك عقل يا أستاذ؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬هل رأيت عقلك؟ قال‪ :‬ل‪.‬‬ ‫قال‪ :‬إذًا ليس لك عقل‪ .‬فخجل لا خصم «قصة سعتها من بعض أساتذة هناك»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أما ما ل يس ول يكن الحساس به فل يكون موجودًا‪.‬‬ ‫عباد ال ول يكفـي اليان بأن لذا الكون خالقًـا‪ ،‬ول اليان‬ ‫بأن وراء هذا الكون قوة مدبرة( ‪ )1‬بل لبد من اليان بال بالوصاف‬ ‫ال ت و صف ب ا نف سه وو صفه ب ا ر سوله‪ ،‬وأ نه هو خالق هذا الكون‬ ‫وحده‪ ،‬والمـر له وحده‪ ،‬والعبادة له وحده‪ ،‬ولبـد من وجود العبادة‬ ‫له وحده على وفق ما شرعه سبحانه‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬إن العلم والقرار بصـفات ال تعال وعظمتـه يدعـو‬ ‫الن سان إل البادرة بف عل الوا مر‪ ،‬والبتعاد عن النا هي‪ ،‬قال ب عض‬ ‫ال سلف‪ :‬ما ع صى ال إل جا هل‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرج يم‬ ‫يَوْ مَ نَطْوِي ال سّ مَاءَ كَطَيّ ال سّ جِلّ لِلْكُتُ بِ كَمَا بَدَأْنَا أَوّ لَ خَلْ قٍ‬ ‫نُعِيدُ هُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنّ ا كُنّ ا فَاعِلِيَ [ال نبيَاء‪ ] 104 :‬بارك ال ل‬ ‫ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل الذي سبحت الكائنات بمده‪ ،‬هو تعال ك ما و صف‬ ‫نفسه‪ ،‬وفوق ما يصفه به خلقه‪ ،‬العال بالسرار والفيات‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له شهادة مـبأة مـن‬ ‫الشراك ف القوال والعمال والنيات‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫خشَى الّل َه‬ ‫() كما شهد باليان لعلماء الصناعة والفلك من شهد‪ ،‬وادخلوهم ف آية ِإّنمَا َي ْ‬ ‫ِم ْن ِعبَا ِد ِه اْل ُعَلمَا ُء [فَاطِر‪ ]28 :‬وهم ل يصلوا بعد إل إيان أب جهل وأضرابه الذين أقروا‬ ‫بربوبية ال وأنكروا إخلص العبادة له‪.‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪29‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله شهدت برسالته العجزات‪ ،‬فعليه‬ ‫وعلى آله وأصحابه أكمل السلم والصلوات‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال اتقوا ال تعال؛ فتقواه دللة على أن الرء قد‬ ‫عظـم ال‪ ،‬واعبدوه كأنكـم ترونـه‪ ،‬ولو رأيتموه فـ هذه الياة لبطـل‬ ‫التكليف وارتفع الثواب روى الطبان عن أب موسى الشعري رضي ال‬ ‫ع نه‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول ال ‪« :‬إن ال تعال يقول‪ :‬ثلث غيبت هن عن‬ ‫عبادي لو رآ هن ر جل ما ع مل ب سوء أبدًا‪ ،‬لو كش فت غطائي فرآ ن‬ ‫ح ت ا ستيقن ويعلم ك يف أف عل بل قي إذا أتيت هم وقب ضت ال سموات‬ ‫بيدي‪ ،‬ث قب ضت الرض ي‪ ،‬ث قلت أ نا‪ :‬اللك‪ ،‬من ذا الذي له اللك‬ ‫دو ن‪ ،‬فأري هم ال نة و ما أعددت ل م في ها من كل خ ي في ستيقنوها‪،‬‬ ‫وأري هم النار و ما أعددت ل م في ها من كل شر في ستيقنوها‪ ،‬ول كن‬ ‫عمدًا غيبت ذلك عنهم لعلم كيف يعملون‪ ،‬وقد بينته لم»‪.‬‬ ‫واعلموا عباد ال أن صـفات ال تعال ثابتـة له معلومـة العانـ‪،‬‬ ‫السفمِيعُ‬ ‫ِهف شَيْءٌ وَهُوَ ّ‬ ‫ْسف كَمِثْل ِ‬ ‫ول تاثلهـا صـفات الخلوقيـ لَي َ‬ ‫الْبَ صِيُ [الشّورى‪ ] 11 :‬وأكثروا من ال صلة وال سلم على البش ي‬ ‫ّمف‬ ‫ْهف مَا عَنِت ْ‬ ‫ُسفكُمْ عَزِيزٌ عَلَي ِ‬ ‫ِنف أَنْف ِ‬ ‫ُمف رَسفُولٌ م ْ‬ ‫النذيـر لَقَدْ جَاءَك ْ‬ ‫حَرِي صٌ عَلَيْكُ مْ بِالْمُؤْمِنِيَ رَءُو فٌ رَحِي مٌ [التّوبَة‪ ] 128 :‬إن ال‬ ‫وملئكته يصلون على النب ‪.)1 (...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() تفسي ابن جرير‪ ،‬صحيح ابن خزية‪ ،‬بدائع الفوائد ج(‪ ،)175 ،4/174‬إعلم الوقعي‬ ‫ج(‪ ،)282 ،1/332‬الصـواعق ص (‪،432 ،1604 ،1603 ،504 ،431 ،1378‬‬ ‫‪ .)1082‬فتح الباري ج(‪ ،)13/393‬الوابل الصيب ( ‪ ،)113‬فتاوى ابن تيمية ج(‪5/246‬‬ ‫‪ ،)481 -478 ،‬ج(‪.)394 ،6/416‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ماسن ربنا جل جلله‬ ‫(أساؤه‪ ،‬وصفاته)‬ ‫ال مد ل التفرد بالعظ مة واللل‪ ،‬ال كبي التعال‪ ،‬حي قيوم ل‬ ‫ينام‪ ،‬ول ينبغـي له أن ينام‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك‬ ‫له‪ ،‬الكـبياء رداؤه‪ ،‬والعظمـة إزاره‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله‬ ‫القائل‪« :‬اللهـم لك المـد كله‪ ،‬ولك اللك كله‪ ،‬وبيدك اليـ كله‪،‬‬ ‫وإليك يرجع المر كله» اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك ممد‬ ‫وعلى آله وصحبه‪ ،‬العظمي لمر ال ونيه‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا أيهـا الناس اتقوا ال تعال‪ ،‬واحدوه أن عرفكـم‬ ‫بنف سه ف كتا به وعلى ل سان ر سوله لتقدروه حق قدره‪ .‬وتنالوا‬ ‫القرب إليه والفوز بثوابه‪.‬‬ ‫أخبكم سبحانه أنه «الول» بل بداية‪ ،‬فقال (هو الول) روى‬ ‫البخاري والترمذي عـن عمران بـن حصـي رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫دخلت على ال نب وعقلت ناق ت بالباب‪ ،‬فأ تى ناس من ب ن ت يم‪،‬‬ ‫فقال‪« :‬اقبلوا البشرى يـا بنـ تيـم»‪ .‬قالوا‪ :‬بشرتنـا فأعطنـا‪ ،‬مرتيـ‪.‬‬ ‫فتغي وجهه‪ .‬ث دخل عليه ناس من أهل اليمن‪ ،‬فقال‪« :‬اقبلوا البشرى‬ ‫يـا أهـل اليمـن إذ ل يقبلهـا بنـو تيـم»‪ .‬قالوا‪ :‬قبلنـا يـا رسـول‬ ‫ال‪ .‬ثـ قالوا‪ :‬جئنـا لنتفقـه فـ الديـن‪ ،‬ولنسـألك عـن أول هذا‬ ‫‪30‬‬ ‫‪31‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫المر ما كان‪ .‬قال‪« :‬كان ال ول يكن شيء قبله‪ ،‬وكان عرشه على‬ ‫الاء‪ ،‬ث خلق ال سموات والرض‪ ،‬وك تب ف الذ كر كل ش يء»‪ .‬ل ا‬ ‫سألوه عن بدا ية هذا العال الشا هد أ خبهم أ نه تعال كان ق بل كل‬ ‫شيء( ‪.)1‬‬ ‫وفـ الدعاء الشهور الذي رواه مسـلم‪« :‬أنفت الول فليفس‬ ‫قبلك ش يء‪ ،‬وأ نت ال خر فل يس بعدك ش يء‪ ،‬وأ نت الظا هر فل يس‬ ‫فو قك ش يء‪ ،‬وأ نت البا طن فل يس دو نك ش يء » فأولي ته سبحانه‬ ‫سابقة على أول ية ما سواه‪ ،‬وآخري ته بقاؤه ب عد كل ش يء‪ ،‬وظاهري ته‬ ‫سبحانه فوقي ته وعلوه على كل ش يء‪ ،‬وبطو نه سبحانه إحاط ته ب كل‬ ‫شيء بيث يكون أقرب إليه من نفسه فما من أول إل وال قبله‪ ،‬وما‬ ‫من آ خر إل وال بعده‪ .‬و«الظا هر» علوه وعظم ته‪ .‬و«البا طن» قر به‬ ‫ودنوه‪.‬‬ ‫وعن أب رزين العقيلي قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول ال! أين كان ربنا‬ ‫ق بل أن يلق ال سموات والرض؟ قال‪« :‬كان ف عماءٍِ ما فو قه هواء‬ ‫ومفا تتفه هواء‪ ،‬ثف خلق عرشفه على الاء‪ ،‬ثف اسفتوى عليفه» رواه‬ ‫الترمذي وا بن ما جه وغيه ا‪ .‬والعماء هو ال سحاب الكث يف الط بق‬ ‫َامف‬ ‫ِنف الْغَم ِ‬ ‫ّهف فِي ظُلَلٍ م َ‬ ‫ُمف الل ُ‬ ‫َنف يَأْتِيَه ُ‬ ‫ُونف إِلّا أ ْ‬ ‫كقوله‪ :‬هَلْ يَنْظُر َ‬ ‫وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة‪.]210 :‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وأما ما خلقه قبل ذلك شيئًا فشيئًا فهو بنلة ما سيخلقه بعد قيام الساعة ودخول أهل النة‬ ‫والنار منازلما‪ .‬وهذا ما ل سبيل للعباد إل معرفته‪ .‬وأخبت الرسل بتقدم أسائه وصفاته كما‬ ‫صيًا‬ ‫ف قوله‪َ :‬وكَا َن الّل ُه َعزِيزًا َحكِيمًا [الن ساء‪َ ]158 :‬وكَا َن الّل ُه َسمِيعًا َب ِ‬ ‫[النّساء‪ ]134 :‬ونو ذلك قال ابن عباس‪ :‬كان ول يزال‪ .‬ول يقيد كونه بوقت دون وقت‪،‬‬ ‫ويتنع أن يدث له غيه صفة‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ولنسـتمع يـا عباد ال إل ذكـر بعـض ماسـن ربنـا جـل وعل‬ ‫التمثلة ف صفاته العليا وأسائه السن‪ -‬فمنها أنه الْحَيّ الْقَيّو مُ‬ ‫[البَقَرَة‪ ]255 :‬الذي لكمال حيا ته وقيومي ته ل تأخذه سنة ول نوم‪.‬‬ ‫«مالك ال سماوات والرض» الذي لكمال مل كه ل يش فع عنده أ حد‬ ‫إل بإذ نه‪« .‬العال ب كل ش يء» الذي لكمال عل مه يعلم ما ب ي أيدي‬ ‫اللئق و ما خلف هم‪ ،‬فل ت سقط ور قة إل بعل مه‪ ،‬ول تتحرك ذرة إل‬ ‫بإذنـه‪ ،‬يعلم دبيـب الواطـر فـ القلوب حيـث ل يطلع عليهـا اللك‪،‬‬ ‫ويعلم ما سيكون من ها ح يث ل يطلع عل يه القلب‪« .‬الب صي» الذي‬ ‫لكمال بصـره يرى تفاصـيل خلق الذرة الصـغية وأعضاءهـا ولمهـا‬ ‫ودم ها وم ها وعروق ها‪ ،‬ويرى دبيب ها على ال صخرة ال صماء‪ ،‬ف الليلة‬ ‫الظلماء‪ ،‬ويرى ما ت ت الرض ي ال سبع ك ما يرى ما فوق ال سموات‬ ‫السبع‪« .‬السميع» الذي قد استوى ف سعه سر القول وجهره‪ ،‬وسع‬ ‫سعه ال صوات‪ ،‬فل تتلف عليه أ صوات اللق‪ ،‬ول تشتبه عل يه‪ ،‬ول‬ ‫يشغله منهـا سـع عـن سـع‪ ،‬ول تغلطـه السـائل‪ ،‬ول يـبمه كثرة‬ ‫السـائلي‪ .‬قالت عائشـة ر ضي ال عن ها و عن أبيهـا‪ :‬المـد ل الذي‬ ‫و سع سعه ال صوات‪ ،‬ل قد جاءت الجادلة تش كو إل ر سول ال‬ ‫وإن ليخفى علي بعض كلمها‪ ،‬فأنزل ال ‪ :‬قَدْ سَمِعَ اللّ هُ قَوْلَ‬ ‫فمَعُ‬ ‫ف يَس ْ‬ ‫ف وَاللّه ُ‬ ‫ف ف ِي زَوْجِه َا وَتَشْتَك ِي إِلَى اللّه ِ‬ ‫الّت ِي تُجَادِلُك َ‬ ‫تَحَاوُرَكُمَا إِنّ اللّ هَ سَمِيعٌ بَ صِيٌ [ال جَادلة‪« . )1 (]1 :‬القدير» الذي‬ ‫لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء‪ ،‬وي عل الؤمن مؤمنًا‪،‬‬ ‫والكافـــر كافرًا‪ ،‬والب برًا‪ ،‬والفاجـــر فاجرًا‪ ،‬وهـــو الذي‬ ‫‪1‬‬ ‫() وتقدم هذا الديث‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪33‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫جعـل إبراهيـم وآله أئمـة يدعون إليـه ويهدون بأمره‪ ،‬وجعـل فرعون‬ ‫وقو مه أئ مة يدعون إل النار‪ .‬ولكمال قدر ته ل ي يط أ حد بش يء من‬ ‫علمـه إل باـ شاء سـبحانه أن يعلمـه إياه‪ .‬ولكمال قدرتـه خلق‬ ‫ال سموات والرض و ما بينه ما ف ستة أيام و ما م سه من لغوب‪ ،‬ول‬ ‫يعجزه أحـد مـن خلقـه ول يفوتـه‪ .‬ولكمال «غناه» اسـتحال إضافـة‬ ‫الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه‪ .‬ولكمال «عظمته‬ ‫وعلوه» وسع كرسيه السموات والرض‪ ،‬ول تسعه أرضه ول سواته‬ ‫ول ت ط به ملوقا ته‪ ،‬بل هو العال على كل ش يء و هو ب كل ش يء‬ ‫ميـط‪ .‬ول تن فد «كلما ته» ول تبدل‪ ،‬ولو أن الب حر يده سبعة أبرـ‬ ‫مدادًا( ‪ )1‬وأشجار الرض أقلمًا فك تب بذلك الداد وبتلك القام لن فد‬ ‫الداد وفن يت القلم ول تن فد كلما ته‪ ،‬إذ هي غ ي ملو قة‪ ،‬وي ستحيل‬ ‫أن يَفْنَى غيُ الخلوق بالخلوق‪.‬‬ ‫وهو سبحانه ي ب رسله وعباده الؤمني‪ ،‬ويبونه‪ ،‬بل ل شيء‬ ‫أحـب إليهـم منـه‪ ،‬ول أشوق إليهـم مـن لقائه‪ ،‬ول أقـر لعينهـم مـن‬ ‫رؤيته‪ ،‬ول أحظى عندهم من قربه‪ .‬وأنه سبحانه له «الكمة البالغة»‬ ‫ف خل قه وأمره‪ ،‬وله «النع مة ال سابغة» على خل قه‪ ،‬و كل نع مه م نه‬ ‫ف ضل‪ ،‬و كل نق مة م نه عدل‪ .‬وأ نه أَرح مُ بعباده من الوالدة بولد ها‪،‬‬ ‫وأنه أفرح بتو بة عبده من وا جد راحل ته ال ت علي ها طعامه وشرابه ف‬ ‫الرض الهلكة بعد فقدها واليأس منها‪ .‬وأنه سبحانه ل يكلف عباده‬ ‫إل وسعهم وهو دون طاقتهم‪ .‬وأنه سبحانه ل يعاقب أحدًا بغي ذنب‬ ‫فعله‪ ،‬ول يعاقبــه على فعــل غيه‪ ،‬ول يعاقبــه بترك مــا‬ ‫‪1‬‬ ‫() الداد‪ :‬الب‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ل يقدر على فعله‪ ،‬ول على ما ل قدرة له على تركه‪.‬‬ ‫وأ نه حل يم‪ ،‬كر ي‪ ،‬وا جد‪ ،‬م سن‪ ،‬ودود‪ ،‬صبور‪ ،‬شكور‪ ،‬يطاع‬ ‫فيش كر‪ ،‬ويع صى فيغ فر‪ ،‬ل أ حد أ صب على أذى سعه من ال‪ ،‬ول‬ ‫أ حب إل يه الدح م نه‪ ،‬ول أ حب إل يه العذر م نه‪ ،‬ول أ حد أ حب إل يه‬ ‫الح سان م نه‪ ،‬ف هو م سن ي ب الح سني‪ ،‬شكور ي ب الشاكر ين‪،‬‬ ‫جيل يب المال‪ ،‬طيب يب كل طيب‪ ،‬نظيف يب النظافة‪ ،‬عليم‬ ‫يبـ العلماء مـن عباده‪ ،‬كريـ يبـ الكرماء‪ ،‬قوي والؤمـن القوي‬ ‫أحـب إليـه مـن الؤمـن الضعيـف‪ ،‬بر يبـ البرار‪ ،‬عدل يبـ أهـل‬ ‫العدل‪ ،‬حيي ستي يب أهل الياء والستر‪ ،‬عفو غفور يب من يعفو‬ ‫عن عباده ويغفر لم‪.‬‬ ‫صـادق يبـ الصـادقي رفيـق يبـ الرفـق‪ ،‬جواد يبـ الود‬ ‫وأهله‪ .‬رحيم يب الرحاء‪ ،‬وتر يب الوتر‪.‬‬ ‫[وبالملة] ف كل صفة غل يا‪ ،‬وا سم ح سن‪ ،‬وثناء ج يل‪ ،‬و كل‬ ‫ح د ومدح وت سبيح وتن يه وتقد يس وجلل وإكرام ف هو ل على‬ ‫أكمل الوجوه وأتها وأدومها‪.‬‬ ‫وجيع ما يوصف به ويذكر به ويب عنه به فهو مامد له وثناء‬ ‫عليه وتسبيح وتقديس‪ -‬فسبحانه وبمده ل يصى أحد من خلقه ثناءً‬ ‫عليه لكثرة صفاته وكمالا‪ ،‬بل هو كما أثن على نفسه وفوق ما يثن‬ ‫به عل يه خل قه‪ ،‬فله المـد أولً وآخرًا‪ ،‬ح دًا كثيًا طيبًا مباركًا ف يه‬ ‫كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلله‪ ،‬ورفيع مده وعلوّ جَدّه‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال واقدروه حـق قدره‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬ ‫‪34‬‬ ‫‪35‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الرج يم وَمَا قَدَرُوا اللّ هَ حَقّ قَدْرِ هِ وَالْأَرْ ضُ جَمِيعًا قَبْضَتُ هُ يَوْ مَ‬ ‫الْقِيَامَةِ وَال سّماوَاتُ مَطْوِيّا تٌ بِيَمِينِ هِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُو نَ‬ ‫[الزّ مَر‪.]67 :‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل حدًا كثيًا على نعمائه‪ ،‬وكما ينبغي لكرم وجهه وعز‬ ‫جلله له‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له إقرارًا بإليتـه‪،‬‬ ‫واعترافًا ب ا ي ب على اللق من الذعان لربوبي ته‪ .‬وأش هد أن ممدًا‬ ‫عبده ور سوله وخليله أكرم اللق وأزكا هم‪ ،‬وأعرف هم بال وأتقا هم‪،‬‬ ‫صلوات ال و سلمه عل يه وعلى إخوا نه ال نبيي‪ ،‬وال صحابة والتابع ي‪،‬‬ ‫ومن تبعهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال قد ذم ال من ل يقدره حق قدره ف ثلثة‬ ‫مواضـع مـن كتابـه فأخـب أنـه ل يقدره حـق قدره مـن أنكـر إرسـاله‬ ‫للر سل وإنزال كت به علي هم‪ ،‬ول يقدره حق قدره من ع بد م عه إلًا‬ ‫آخر‪ ،‬ول يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلله‪.‬‬ ‫واليان بـه سـبحانه ل يتـم إل بتعظيمـه‪ ،‬ول يتـم تعظيمـه إل‬ ‫بتعظ يم أمره ونيـه فعلى قدر تعظ يم الع بد ل سبحانه يكون تعظي مه‬ ‫لمره ونيه‪ ،‬وتعظيم المر يدل على تعظيم المر‪ .‬وأول مراتب تعظيم‬ ‫المـر التصـديق بـه‪ ،‬ثـ العزم الازم على امتثاله‪ ،‬ثـ السـارعة إليـه‬ ‫والبادرة إليه رغم القواطع والوانع‪ ،‬ث بذل الُهْدِ والنصح ف التيان‬ ‫بـه على أكمـل الوجوه‪ ،‬ثـ فعله لكونـه مأمورًا بـه سـواء ظهرت‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫له حكم ته أو ل تظهر‪ .‬فإن ورد الشرع بذ كر حك مة ال مر أو فقه ها‬ ‫الع قل كا نت زيادة ف الب صية والداع ية إل المتثال وإن ل تظ هر له‬ ‫حكمته ل يوهن ذلك انقياده ول يقدح ف امتثاله‪.‬‬ ‫ول يغتـر السـلم بنـ حذق فـ العلوم الصـناعية والرياضيـة‪،‬‬ ‫وا ستنبطوا بعقول م وجودة قرائح هم و صحة أفكار هم ما ع جز أك ثر‬ ‫الناس عـن تعلمـه واسـتنباطه‪ ،‬فَيَظُنّـ أن معرفتهـم بالعلوم الليـة‬ ‫والعارف الربانيـة كمعرفتهـم بذه العلوم الصـناعية والرياضيـة‪ ،‬فهذا‬ ‫الظـن أو هذه البليـة جرأت كثيًا مـن النفوس على تكذيـب الرسـل‬ ‫واسـتجهالم‪ .‬ومـا عرف أصـحاب هذه الشبهـة أن ال سـبحانه قـد‬ ‫يعطي أجهل الناس به وبأسائه وصفاته من الذق ف العلوم الرياضية‬ ‫والصنائع العجيبة ما تعجز عنه عقول أكثر الناس ومعارفهم‪ ،‬وقد قال‬ ‫ال نب ‪ « :‬أن تم أعلم بأمور دنيا كم» وقال ب عض ال سلف‪ :‬يبلغ من‬ ‫علم أحدهـم بالدنيـا أنـه ينقـر الدرهـم بظفره فيعلم وزنـه ول علم له‬ ‫بش يء من دي نه‪ .‬وقال تعال ف علوم هؤلء واغترار هم باـ فَلَمّاف‬ ‫جَاءَتْهُ مْ رُ سُلُهُمْ بِالْبَيّ نَا تِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُ مْ مِ نَ الْعِلْ مِ وَحَا قَ بِهِ مْ‬ ‫مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( ‪[ )1‬غافر‪ ]83 :‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() طريـق الجرتيـ ص (‪ ،)24 ،127 ،175 ،132 -125‬الصـواعق ص (‪،444‬‬ ‫‪ .)1561 ،1358‬جامع الصول ج(‪ ،)4/15‬مموع الفتاوى ج(‪239 ،238 ،5/55‬‬ ‫) ج(‪.)2/275‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪37‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال الالق‪ ،‬ل الطبيعة‬ ‫تدبي اللئكة‪ ،‬تسبيح الخلوقات‬ ‫ال مد ل الالق البارئ ال صور‪ ،‬ل ي ستحق هذه ال ساء ال سن‬ ‫سواه‪ ،‬برأ الليقة وأوجدها‪ ،‬وأبدعها على غي مثال سبق لا‪ ،‬وأعطى‬ ‫الع بد الت صرف ف ب عض صفات ما أوجده الرب وبراه‪ ،‬يغي ها من‬ ‫حال إل حال على وجه مصوص ل يتعداه‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬رب كـل شيـء‬ ‫ومليكه‪ ،‬ل رب لشيء من الشياء إل هو‪ ،‬وهو إله كل شيء وَهُوَ‬ ‫الّ ذِي فِي السّ مَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزّخرُف‪ ]84 :‬لَوْ كَانَ‬ ‫َسفدَتَا [النـبيَاء‪ ]22 :‬وسـبحان ال عمـا‬ ‫ّهف لَف َ‬ ‫فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلّا الل ُ‬ ‫يقول الظالون علوًا كبيًا‪.‬‬ ‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‪ ،‬الوا سطة بي نه وب ي خل قه ف‬ ‫تبليغ أمره ونيه وخبه فل يعرفون ما يبه ويرضاه‪ ،‬ويبغضه ويسخطه‬ ‫إل بواسـطة هذا الرسـول الذي اصـطفاه ال واجتباه‪ .‬صـلى ال عليـه‬ ‫وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه الذ ين يضيفون جيـع الوادث إل مشيئة‬ ‫ال( ‪ )1‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد ف يا عباد ال‪ -‬اللق أع ظم الفعال‪ ،‬فإ نه ل يقدر عل يه‬ ‫‪1‬‬ ‫() ويقولون‪ :‬شاء ال‪ ،‬أو يشاء ال‪ .‬ول يقولون‪ :‬شاءت إرادة ال؛‪ -‬كما قد كثر إطلق هذه‬ ‫العبارة‪ -‬فإن الشيئة صفة من صفات ال ليست هي ال‪ ،‬بل ال بصفاته هو الذي يشاء ويريد‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫إل ال‪ ،‬فالقدرة عليـه أعظـم مـن كـل قدرة‪ ،‬وليـس له نظيـ فـ قدر‬ ‫الخلوق ي ف ما خل قه ال من أنواع اليوان والنبات والعدن كالن سان‬ ‫ــ آدم ل‬ ‫ــ‪ ،‬واليتان‪ ،‬فإن بنـ‬ ‫والفرس‪ ،‬والمار‪ ،‬والنعام‪ ،‬والطيـ‬ ‫يسـتطيعون أن يصـنعوا مثـل هذه الدواب‪ .‬وكذلك النطـة والشعيـ‬ ‫ـب‪ ،‬وأنواع البوب‬ ‫ـب‪ ،‬والرطـ‬ ‫ـا‪ ،‬والعدس‪ ،‬والعنـ‬ ‫والباقلء‪ ،‬واللوبيـ‬ ‫والثمار ل يستطيع الدميون أن يصنعوا مثلما يلقه ال سبحانه وتعال‪.‬‬ ‫وكذلك العادن كالذهب‪ ،‬والفضة‪ ،‬والديد‪ ،‬والنحاس‪ ،‬والرصاص‪ ،‬ل‬ ‫ي ستطيع ب نو آدم أن ي صنعوا م ثل ما يل قه ال‪ ،‬وإن ا غايتهم أن يشبهوا‬ ‫مـن بعـض الوجوه فيصـغرون وينقلون مـع اختلف القائق؛ فإن ال‬ ‫سبحانه قال ف كتابه‪ :‬أَ مْ جَعَلُوا لِلّ هِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِ هِ فَتَشَابَ هَ‬ ‫ف كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ‬ ‫ف خَالِق ُ‬ ‫ف قُلِ اللّه ُ‬ ‫ف عَلَيْهِم ْ‬ ‫الْخَلْق ُ‬ ‫[الرّ عد‪ ]16 :‬و ف ال صحيح عن ال نب في ما يرو يه عن ر به تبارك‬ ‫وتعال أنه قال‪« :‬ومن أظلم من ذهب يلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو‬ ‫ليخلقوا حبفة أو ليخلقوا شعية»‪ ،‬وقـد ثبـت عـن النـب أنـه لعـن‬ ‫الصورين‪ ،‬وقال‪ « :‬من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس‬ ‫بنافخ»‪ ،‬ولذا يفرق ف هذا التصوير بي اليوان وغي اليوان‪.‬‬ ‫وما يصنعونه فهو ل يلق لم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن‬ ‫يصـنعوا طعامًا مطبوخًا‪ ،‬ولبا سًا منسـوجًا‪ ،‬وبيوتًا مبن ية من الفخار‬ ‫والزجاج ونو ذلك( ‪.)1‬‬ ‫عباد ال‪ :‬وليـس الطبـع خالق ًا لشيـء؛ لن كـل حركـة فـ‬ ‫‪1‬‬ ‫() قاعدة ف الحجة لبن تيمية ص (‪.)28 ،14 ،197 -195 ،31 ،30‬‬ ‫‪38‬‬ ‫‪39‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫( ‪)1‬‬ ‫الوجود ناشئة عن الرادة والختيار‪ ،‬والط بع ل إرادة له ول اختيار‬ ‫فبطـل أن يضاف خلق شيـء مـن الخلوقات‪ -‬العَرَضِيّةـ فضلً عـن‬ ‫الوهريـة‪ )2 (-‬إل الطبـع الذي فـ الجسـام‪ :‬مثـل أن يكون الالق‬ ‫للجنة ف الرحام هو طبع‪ ،‬والالق للنبات هو طبع؛ بل تضاف هذه‬ ‫الوادث حتـ أفعال اليوان إل خلق ال ومشيئتـه وربوبيتـه‪ ،‬وهذه‬ ‫طريقة أهل العلم واليان وهم أصح عقلً ودينًا‪.‬‬ ‫فأمـا كثيـ مـن الناس وأهـل الطبـع التفلسـفة وغيهـم فيعلمون‬ ‫ظاهرًا مـن الياة الدنيـا‪ ،‬ويرون ظاهـر الركات والعمال التـ‬ ‫للموجودات‪ ،‬ويرون بعـض أسـبابا القريبـة وبعـض حكمهـا وغاياتاـ‬ ‫القري بة‪ ،‬ك ما يذكرون ف تشر يح الن سان وأعضائه وحركا ته الباط نة‬ ‫والظاهرة‪ ،‬و ما يذكرو نه من القوى ال ت ف الج سام ال ت تكون ب ا‬ ‫الركة‪ ،‬والقوة الاذبة‪ ،‬والاضمة‪ ،‬والغاذية‪ ،‬والدافعة‪ ،‬والولدة‪ ،‬وغي‬ ‫ذلك‪ ،‬إل غي ذلك من السباب ما هو عبة لول البصار‪ .‬لكن يقع‬ ‫الغلط من إضافة هذه الثار العظيمة إل مرد قوة ف جسم‪.‬‬ ‫وت د هؤلء إذا تكلموا ف الركات ال ت ب ي ال سماء والرض‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() والركات‪ :‬إما إرادية‪ ،‬وإما طبيعية‪ ،‬وإما قسرية؛ لن الفاعل التحرك إن كان له شعور با‬ ‫ف هي الراد ية‪ .‬وإن ل ي كن له شعور فإن كا نت على و فق ط بع التحرك ف هي الطبي عة‪ .‬وإن‬ ‫كا نت على خلف ذلك ف هي الق سرية‪ .‬الط بع بنلة ال سكون وعدم الر كة‪ .‬وان ظر الع قل‬ ‫والنقل جزء ‪ 9‬ص(‪ )325‬قال‪ :‬لن الركة إن كانت قسرية فلها قاسر‪ ،‬وإن كانت طبيعية‬ ‫فالطبيعة ل تكون إل إذا أخرجت بالعي عن ملها فهي مقسورة على الروج‪.‬‬ ‫() الصورة قد تكون عرضًا كالشكل‪ ،‬والصورة الصناعية من هذا الباب‪ .‬وقد يعب بالصورة‬ ‫عن نفس الشيء الصور كالنسان‪ .‬فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه ليس قائمًا بوهر آخر‪.‬‬ ‫والقرآن ذكر خلق ال تعال لا خلقه من الواهر الت هي أعيان قائمة بنفسها مع ما نشهده‬ ‫من إحداث ال صفات والعراض أيضًا‪ ،‬وال ستدلل بذلك على الالق سبحانه (ان ظر الع قل‬ ‫والنقل ج ‪ 7‬ص ‪.)234‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫م ثل حر كة الرياح وال سحاب وال طر وحدوث ال طر من الواء الذي‬ ‫بيـ السـماء والرض تارة‪ ،‬ومـن البخار التصـاعد مـن الرض تارة‬ ‫وكذلك إضافـة الزلزلة إل احتقان البخار‪ ،‬وإضافـة حركـة الرعـد إل‬ ‫مرد ا صطكاك أجرام ال سحاب إل غ ي ذلك من ال سباب ‪-‬فشهدوا‬ ‫بعض اٍلسباب‪ -‬الرئية‪ ،‬وجهلوا أكثر السباب‪ ،‬وأعرضوا عن الالق‬ ‫السبب لذلك كله‪ ،‬فضلوا ف ذلك ضل لً مبينًا؛ فإن خلق ال سبحانه‬ ‫للسـحاب باـ فيـه مـن الطـر مـن هذا البحـر وبار الرض كخلقـه‬ ‫للحيوان من ال ن‪ ،‬وخلق الش جر من ال ب والنوى؛ ومعلوم أن ال ن‬ ‫جسم صغي ل يشبه الذي للحيوان من العضاء الكسوة والتنوعة ف‬ ‫أقدارها وصفاتا وحكمها وغاياتا هل يقول عاقل إن هذا مضاف إل‬ ‫عرض وصـفة حالٍ فـ جسـم صـغي‪ ،‬أو يضاف هذا إل ذلك السـم‬ ‫الصغي؟! هذا من أفسد المور ف بديهة العقل‪.‬‬ ‫ومعلوم أنه ل نسبة إل خلق هذا من هذا وإل ما يصنعه بنو آدم‬ ‫من الصور الت يصنعونا من الداد‪ :‬مثل الكتابة بالداد‪ ،‬ونسيج الثياب‬ ‫مـن الغزل‪ ،‬وصـنع الطعمـة والبنيان مـن موادهـا‪ ،‬وهـم مـع ذلك ل‬ ‫يلقوا الواد‪ ،‬وإنا غايتهم حركة خاصة تعي على تلك الصورة‪ .‬ث لو‬ ‫أضاف مضيـف هذه الكتابـة إل الداد لكان الناس جيعًا يسـتجهلونه‬ ‫وي ستحمقونه فالذي يض يف خلق اليوان والنبات إل مادت ا أو ما ف‬ ‫مادتا من الطبع أليس هو أحق وأجهل وأظلم وأكفر؟!!‬ ‫‪40‬‬ ‫‪41‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ـل الكلم فينكرون طبائع‬ ‫ـن أهـ‬ ‫ـم طوائف مـ‬ ‫ـد يعارضهـ‬ ‫وقـ‬ ‫الوجودات ومـا فيهـا مـن القوى والسـباب‪ ،‬ويدفعون مـا أرى ال‬ ‫عباده من آيا ته ف الفاق و ف أنف سهم م ا ش هد به ف كتا به من أ نه‬ ‫ِنف كُلّ‬ ‫ِهف م ْ‬ ‫ِهف الْمَاءَ فَأَخْرَجْن َا ب ِ‬ ‫خلق هذا بذا‪ ،‬كقوله‪ :‬فَأَنْزَلْن َا ب ِ‬ ‫الثّ مَرَا تِ [العرَاف‪ ،]57 :‬وقوله‪ :‬فَأَحْيَا بِ هِ الْأَرْ ضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‬ ‫[البَقَرَة‪.)1 (]164 :‬‬ ‫عباد ال‪ :‬جيـع الركات الارجـة عـن مقدور بنـ آدم والنـ‬ ‫والبهائم هي من ع مل اللئ كة وتريك ها ل ا ف ال سماء والرض و ما‬ ‫بينهمـا فمـا فـ السـموات والرض ومـا بينهمـا مـن حركـة الفلك‬ ‫والش مس والق مر والنجوم وحر كة الرياح وال سحاب وال طر والنبات‬ ‫وغيـ ذلك فإناـ هـو بلئكـة ال تعال الوكلة بالسـموات والرض‬ ‫الذ ين لَا يَ سْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُ مْ بِأَمْرِ هِ يَعْمَلُو نَ [ال نبيَاء‪]27 :‬‬ ‫كمـــا قال تعال‪ :‬فَالْمُدَبّ رَاتفففِ أَمْرًا [النّازعَات‪]5 :‬‬ ‫فَالْمُقَسّ مَاتِ أَمْرًا [الذّاريَات‪.]4 :‬‬ ‫وكمـا دل الكتاب والسـنة على أصـناف اللئكـة وتوكلهـم‬ ‫بأصناف الخلوقات‪.‬‬ ‫وج يع الخلوقات عابدة لالق ها إل ما كان من مردة الثقل ي‪،‬‬ ‫وليسـت عبادتاـ إياه قبولاـ لتدبيه وتصـريفه وخلقـه فإن هذا عام‬ ‫لميــع الخلوقات حتــ كفار بنــ آدم؛ بــل عبادة الخلوقات‬ ‫وت سبيحها هو من ج هة إلي ته سبحانه وتعال و هي الغا ية الق صودة‬ ‫‪1‬‬ ‫() وكل الطائفتي قد ل يعلمون ما فيها من الكمة الت هي عبادة ربا وتسبيحه والسجود‬ ‫له‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫من ها وب ا قال تعال‪ :‬أَوَلَ مْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَ قَ اللّ هُ مِ نْ شَيْءٍ يَتَفَيّ أُ‬ ‫ّهف‬ ‫ُونف * وَلِل ِ‬ ‫ُمف دَاخِر َ‬ ‫ّهف وَه ْ‬ ‫سفجّ دًا لِل ِ‬ ‫َنف الْيَمِيِ وَالشّ مَائِلِ ُ‬ ‫ُهف ع ِ‬ ‫ظِلَال ُ‬ ‫يَ سْجُدُ مَا فِي ال سّ مَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْ ضِ مِ نْ دَابّ ةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُ مْ‬ ‫لَا يَ سْتَكْبِرُونَ * يَخَافُو نَ رَبّ هُ مْ مِ نْ فَوْقِهِ مْ وَيَفْعَلُو نَ مَا يُؤْمَرُو نَ‬ ‫[الن حل‪ ]50 ،48 :‬تُ سَبّ حُ لَ هُ ال سّ مَوَاتُ ال سّ بْعُ وَالْأَرْ ضُ وَمَ نْ‬ ‫فِيهِنّ وَإِ نْ مِ نْ شَيْءٍ إِلّا يُ سَبّ حُ بِحَمْدِ هِ وَلَكِ نْ لَا تَفْقَهُو نَ تَ سْبِيحَهُمْ‬ ‫إِنّ هُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [السراء‪ ]44 :‬وف الصحيحي من حديث‬ ‫أبـ ذر قال‪ :‬دخلت السـجد ورسـول ال جالس‪ ،‬فلمـا غربـت‬ ‫الشمـس قال‪ « :‬يا أبفا ذر‪ :‬هفل تدري أيفن تذ هب هذه؟ » قلت‪ :‬ال‬ ‫ور سوله أعلم‪ .‬قال‪« :‬فإن ا تذ هب ت ستأذن ف ال سجود فيؤذن ل ا»‬ ‫وكأن ا قد ق يل ل ا ارج عي من ح يث جئت فتطلع من مغرب ا ث قرأ‪:‬‬ ‫(ذلك مُ سْتَقَر لا) ف قراءة عبدال‪ .‬واتقوا ال عباد ال‪ .‬أعوذ بال من‬ ‫الشيطان الرج يم أَلَ مْ تَرَ أَنّ اللّ هَ يُ سَبّ حُ لَ هُ مَ نْ فِي ال سّ مَاوَاتِ‬ ‫وَالْأَرْ ضِ وَالطّ يْرُ صَافّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِ مَ صَلَاتَهُ وَتَ سْبِيحَهُ وَاللّ هُ عَلِي مٌ‬ ‫بِمَا يَفْعَلُونَ [النّور‪.]41 :‬‬ ‫‪42‬‬ ‫‪43‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الواحد القاهر‪ ،‬يفعل ما يشاء ويتار‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له إناـ أمره إذا أراد‬ ‫شيئًا أن يقول له‪ :‬كن‪ ،‬فإذا قال له‪ :‬كن‪ .‬كان‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الختار مـن ولد عدنان‪ .‬اللهـم‬ ‫صلِ وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم‬ ‫بإحسان‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬أيهـا السـلم إن سـعت مـن يقول بأن وجود اليوان‬ ‫والنبات والعادن من فعل الطبيعة‪ ،‬أو حركة الرياح والسحاب والطر‬ ‫أو غي ذلك من فعل الطبيعة‪ .‬فقل له‪ :‬لو أراد ال أن يهديك لسألت‬ ‫نف سك بنف سك‪ ،‬وقلت‪ :‬أ خبين عن هذه الطبي عة‪ :‬أ هي ذات قائ مة‬ ‫بنفسها لا علم وقدرة على هذه الفعال العجيبة‪ ،‬أم ليست كذلك بل‬ ‫عرض و صفة قائ مة بالطبوع تاب عة له ممولة ف يه؟ فإن قالت لك‪ :‬بل‬ ‫هي ذات قائمة بنفسها لا العلم التام والقدرة والرادة والكمة‪ .‬فقل‬ ‫لاـ‪ :‬هذا هـو الالق البارئ الصـورة‪ ،‬فلم تسـمينه طبيعـة؟! فإن هذا‬ ‫الذي وصفت به الطبيعة صفته تعال‪.‬‬ ‫وإن قالت لك‪ :‬بل الطبيعة عرض ممول مفتقر إل حامل‪ ،‬وهذا‬ ‫كله فعلهـا بغيـ علم منهـا ول إرادة ول قدرة ول شعور أصـلًا وقـد‬ ‫شو هد من آثار ها ما شو هد‪ .‬ف قل ل ا‪ :‬هذا ما ل ي صدقه ذو ع قل‬ ‫سـليم‪ ،‬كيـف تصـدر هذه الفعال العجيبـة والكـم الرفيعـة التـ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫تعجز عقول العقلء عن معرفتها وعن القدرة عليها من ل عقل له ول‬ ‫قدرة ول شعور؟ وهـل التصـديق بذا إل دخول فـ سـلك الجانيـ‬ ‫والبسي!!‬ ‫ث قل ل ا ب عد ذلك‪ :‬ولو ث بت لك ما ادع يت فمعلوم أن م ثل‬ ‫هذه الصفة ليست بالقة لنفسها ول مبدعة لذاتا‪ ،‬فمن ربا ومبدعها‬ ‫وخالق ها؟ و من طبع ها وجعل ها تف عل ذلك ف هي إذًا من أدل الدلئل‬ ‫على خالقهـا وبارئهـا وفاطرهـا وكمال علمـه وقدرتـه وحكمتـه‪ ،‬فلم‬ ‫يُجْدِ عليك تعطيل كِ رب العال وجحود كِ لصفاته وأفعاله إل مالفت كِ‬ ‫العقل والفطرة‪.‬‬ ‫فإن رجَعَ تْ إل الع قل وقالت‪ :‬ل يو جد حك مة إل من حك يم‬ ‫قادر عليـم‪ ،‬ول تدبيـ متقـن إل مـن صـانع قادر متار مدبر عليـم باـ‬ ‫أقررتـ ويكـ‬ ‫َ‬ ‫يريـد قادر عليـه ل يعجزه ول يؤوده‪ .‬قيـل لكـَ‪ :‬فإذا‬ ‫باللق العظيم الذي ل إله غيه ول رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو‬ ‫عقلً فعالً أو موجبًا بذا ته‪ ،‬و قل‪ :‬هذا هو الالق البارئ ال صور رب‬ ‫العاليـ وقيوم السـموات والرضيـ‪ ،‬ورب الشارق والغارب‪ ،‬الذي‬ ‫أحسـن كـل شيـء خلقـه وأتقـن مـا صـنع‪ ،‬فمـا لك َـ جحدت أسـاءه‬ ‫و صفاته وذا ته‪ ،‬وأض فت صنيعه إل غيه وخل قه إل سواه‪ ،‬مع أ نك‬ ‫مض طر إل القرار به وإضا فة البداع واللق والربوب ية والتدب ي إل يه‬ ‫ولبد‪ .‬والمد ل رب العالي‪.‬‬ ‫على أنـك لو تأملت معنـ هذه اللفظـة «طبيعـة» لدلك على‬ ‫الالق البارئ لفظُهـا‪ ،‬كمـا دل العقول عليـه معناهـا؛ لن «طبيعـة»‬ ‫فعيلة بعنـ مفعولة أي مطبوعـة؛ لناـ على بناء الغرائز التـ ركبـت‬ ‫‪44‬‬ ‫‪45‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ف السم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة‪ .‬فالطبيعة هي الت‬ ‫ط بع علي ها اليوان وطب عت ف يه‪ ،‬ومعلوم أن طبي عة من غ ي طا بع ل ا‬ ‫مال‪.‬‬ ‫والسـلمون يقولون‪ :‬إن الطبيعـة خلق مـن خلق ال مسـخر‬ ‫مربوب‪ ،‬وهي سنته ف خليقته الت أجراها عليه‪ ،‬ث إنه يتصرف فيها‬ ‫كيف شاء وكما شاء‪ ،‬وأن الطبيعة الت انتهى نظر الفافيش إليها إنا‬ ‫هي خلق من خلقه بنلة سائر ملوقاته‪ ،‬فكيف يسن بن له حظ من‬ ‫إن سانية أو ع قل أن ين سى مَ نْ طبع ها وخلق ها وي يل ال صنع والبداع‬ ‫علي ها‪ ،‬ول يزل سبحانه ي سلبها قدرت ا وييل ها ويقلب ها إل ضد ما‬ ‫جعلت له ح ت يري عباده أن ا خل قه و صنعه م سخرة بأمره أَلَا لَ هُ‬ ‫الْخَلْ قُ وَالْأَمْرُ تَبَارَ كَ اللّ هُ رَبّ الْعَالَمِيَ [العرَاف‪ )1 (]54 :‬فاتقوا‬ ‫ال عباد ال‪ ،‬واعلموا أن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السـعادة ص (‪ )388 ،161‬شفاء العليـل ( ‪ )132 ،131‬قاعدة فـالحجـة‬ ‫ص (‪ ،)28 ،197 -195 ،31 ،30 ،26 ،23 ،14‬فتاوى ج ( ‪ ،)29/368‬وج (‬ ‫‪ )353 /16‬روضة الحبي‪.‬‬ ‫وإذا أردت زيادة أدلة على توح يد الربوب ية ‪-‬إثبات ال صانع‪ -‬وطري قة الر سل وطرق ال صائبة‬ ‫والتفلسفة والتكلمي والصوفية ف إثباته‪ .‬وبيان بطلن القول بقدم العال أو شيء منه‪ .‬وذكر‬ ‫الواد الت خلقت منها السموات وآدم والن‪ ،‬وبيان بطلن جحود الصانع‪ -‬إذا أردت ذلك‪-‬‬ ‫فانظر الجلد ‪ 36‬فهارس مموع فتاوى ابن تيمية ص( ‪ )31 -21‬تطلعك على ملخصها‬ ‫وتدلك على أصولا ف الجموع‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ما اتذ ال من ولد سبحانه‬ ‫الديان المسة‬ ‫المـد ل الذي رضـي لنـا السـلم دينـا‪ ،‬ونصـب الدللة على‬ ‫صحته‪ ،‬وأوضح السبيل إل معرفته‪ ،‬وادخر ل ن وافاه به أجرًا جزيلً‪.‬‬ ‫وفرض علينا النقياد له ولحكامه‪ ،‬والتمسك بدعائمه وأركانه‪ ،‬وأب‬ ‫أن يق بل دينًا سواه‪ ،‬ولو بَذَلَ ف ال سي إل يه جُهْدَه( ‪ )1‬وا ستفرغ قواه‪.‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬ول ضد له‪ ،‬ول صاحبة‬ ‫له‪ ،‬ول ولد له‪ ،‬ول كفو له‪ ،‬تعال عن إفك البطلي‪ ،‬وتنه عن شرك‬ ‫الشركي‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‪ ،‬وصفوته من خلقه‪ ،‬ابتعثه‬ ‫ب ي ملة وأحسن شرعة إل ج يع العال ي‪ .‬بشرت به الكتب السالفة‪،‬‬ ‫وأخبت به الرسل الاضية‪ ،‬من عهد آدم أب البشر‪ ،‬إل عهد ال سيح‬ ‫ا بن الب شر‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى آله‬ ‫وأصحابه الذين اختارهم ال له أعوانًا وأنصارًا‪ ،‬فنشروا ألوية السلم‬ ‫وأعلمه‪ ،‬وحفظوا من التغيي والتبديل حدوده وأحكامه‪.‬‬ ‫أ ما ب عد ف يا عباد ال إن ال ج عل ال سلم ع صمة ل ن ل أ إل يه‪،‬‬ ‫وحصـنا لنـ اسـتمسك بـه وعـض بالنواجـذ عليـه‪ -‬فهـو حرمـه‬ ‫الذي من دخله كان من المني‪ ،‬ومن انقطع دونه كان من الالكي‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() غاية طاقته‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪47‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أظهره على الد ين كله ح ت ط بق مشارق الرض ومغارب ا‪ ،‬وتضاءلت‬ ‫له جيــع الديان‪ ،‬وجرت تتــه المــم منقادة بالضوع والذل‬ ‫والذعان‪ ،‬حتــ بطلت دعوة الشيطان‪ ،‬وتلشــت عبادة الوثان‪،‬‬ ‫واضمحلت عبادة النيان‪ ،‬وذل الثلثـة عباد الصـلبان‪ ،‬وتقطعـت المـة‬ ‫الغضبية ف الرض كتقطع السراب ف القيعان‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال لاـ بعـث ممدًا كان أهـل‬ ‫الرض صـنفي‪ :‬أهـل كتاب‪ ،‬ومـن ل كتاب لمـ‪ .‬وأهـل الكتاب‬ ‫نوعان‪ :‬مغضوب عليهم‪ ،‬وضالون‪.‬‬ ‫فال مة الغضبة هم «اليهود»‪ ،‬يصفون ال بالنقائص والعيوب( ‪، )1‬‬ ‫و هم قتلة ال نبياء‪ ،‬وأكلة الر با والر شا‪ ،‬أخ بث ال مم طو يه‪ ،‬وأردا هم‬ ‫سجيه‪ ،‬وأبعدهم من الرحة‪ ،‬وأقربم من النقمة‪ ،‬ل يرون لن خالفهم‬ ‫حرمة‪ ،‬ول يرقبون ف مؤمن إلّ ول ذمة‪ .‬وهم أهل الكذب‪ ،‬والبهت‪،‬‬ ‫والغدر‪ ،‬والكر‪ ،‬واليل‪ ،‬والسحر‪.‬‬ ‫والنوع الثان «الثلثة» أمة الضلل‪ ،‬وعباد الصليب‪ ،‬الذين سبوا‬ ‫ال مسـبة مـا سـبه إياهـا أحـد مـن البشـر‪ ،‬ول يقروا بأنـه الواحـد‬ ‫الحد الفرد الصمد‪ ،‬الذي ل يلد ول يولد ول يكن له كفوًا أحد؛ بل‬ ‫أصل عقيدتم‪ :‬أن ال ثالث ثلثة‪ ،‬وأن مري صاحبته‪ ،‬وأن السيح ابنه‬ ‫‪1‬‬ ‫() مع علمهم بأنا عيوب ونقائص‪ ،‬كما صرحت به اليهود‪ .‬من قولم‪ :‬وأنه فقي‪ ،‬وأنه تعب‬ ‫لا خلق العال‪ ،‬وأنه بكى على الطوفان حت رمدت عيناه وعادته اللئكة‪ ،‬وأنه ندم على خلق‬ ‫آدم وذريته ندمًا عظيمًا حت عض أنامله‪ ،‬ويقولون ف صلتم‪ :‬يا إلنا انتبه من رقدتك كم‬ ‫تنام‪ ،‬ونو ذلك‪.‬‬ ‫و«التادية» مصرحون بأنه موصوف بكل صفة مذمومة عق ًل وعرفًا وشرعًا‪ .‬ومعلوم أن هذه‬ ‫النقائص هي الت دل العقل الصريح واتفاق الرسلي من أولم إل آخرهم على نفيها عن ال‬ ‫وتنيهه عنها (الصواعق ‪.)1011 ،3/1010‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فدينهم عبادة الصلبان‪ ،‬ودعاء الصور النقوشة ف اليطان‪ ،‬يقولون ف‬ ‫دعائهم‪ :‬يا والدة الله ارزقينا‪ ،‬واغفري لنا وارحينا‪.‬‬ ‫ومن دينهم شرب المور‪ ،‬وأكل النير‪ ،‬وترك التان‪ ،‬والتعبد‬ ‫بالنجاسات‪ ،‬واستباحة كل خبيث من الفيل إل البعوضة‪ ،‬واللل ما‬ ‫حلله ال قس‪ ،‬والرام ما حر مه‪ ،‬والد ين ما شر عه‪ ،‬والذ نب هو الذي‬ ‫غفره‪.‬‬ ‫ويعتقدون أن أرواح النبياء عليهم السلم كانت ف الحيم ف‬ ‫سجن إبل يس من ع هد آدم إل ز من ال سيح ب سبب خيطئة آدم وأكله‬ ‫من الشجرة‪ ،‬وأن كل من مات من ب ن آدم أخذه إبل يس و سجنه ف‬ ‫النار بذنـب أبيـه‪ .‬قالوا‪ :‬ثـ إن ال لاـ أراد رحتهـم وخلصـهم مـن‬ ‫العذاب تيل على إبليس بيلة؛ فنل عن عرشه‪ ،‬ودخل ف رحم مري‪،‬‬ ‫وأقام هناك ت سعة أش هر ب ي ال يض والبول‪ ،‬ث خرج طفلً صغيًا ير ضع‬ ‫ويبكـي‪ ،‬ويأكـل ويشرب‪ ،‬ويبول وينام‪ ،‬ويأل؛ ثـ لاـ كـب وصـار رجلً‬ ‫َمكّ َن أعداءَه اليهودَ من نفسه حت صلبوه وسروا يديه ورجليه وصفعوه‬ ‫ووضعوا الشوك على رأ سه‪ ،‬فخل صهم بذلك من الشيطان‪ ،‬ولذلك سوه‬ ‫(الخلص)‪ .‬قالوا‪ :‬ومن أنكر صلبه‪ ،‬أو شك فيه‪ ،‬أو قال بأن الله يل عن‬ ‫ذلك‪ :‬فهو ف سجن إبليس معذب حت يقر بذلك‪ .‬هذه قصة (الفداء) الت‬ ‫زعموا يرددون ا على رأس سنتهم اليلد ية‪ ،‬ويُدَرّ سونَها؛ و هي أ هم دل يل‬ ‫عند هم ف الدعوة إل التن صي؛ و هي ك ما ت سمعون غا ية الن قص النا ف‬ ‫لكمال ال حتـ عنـد النصـارى‪ ،‬ويسـتحيل فـ العقول السـليمة‬ ‫ل أن‬ ‫التصديق با؛ إذ نسبوا الله الق إل ما يأنف أسقط الناس وأقلهم عق ً‬ ‫يفعله بملوكه أو خادمه‪ ،‬تعال ال عن قولم علوًا كبيًا‪ .‬وآدم تاب من‬ ‫‪48‬‬ ‫‪49‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الذنب فتاب ال عليه‪ .‬وإبليس أحقر ما نسبوه إليه‪.‬‬ ‫وأول من ابتدع ل م شارة ال صليب اللك ق سطنطي‪ ،‬و ف زم نه‬ ‫وضعوا ما ي سمونه (الما نة) و هي عقيدة التثل يث عن عدي بن حا ت‬ ‫قال‪ :‬أت يت ال نب و ف عن قي صليب من ذ هب‪ ،‬فقال‪ « :‬يا عدي‬ ‫اطرح عنك هذا الوثن»‪.‬‬ ‫ول ا كا نت هذه أقوال أعداء ال سيح من اليهود والغال ي ف يه من‬ ‫النصارى أنزل ال تبارك وتعال على نبيه ما أزال الشبهة ف أمره‪،‬‬ ‫وك شف الغ مة‪ ،‬وبرأ ال سيح وأ مه‪ ،‬ونزه رب العال ي ع ما افتراه عل يه‬ ‫عباد الصـليب ‪-‬فآمـن ممـد بأخيـه السـيح‪ ،‬وشهـد له بأنـه عبدال‬ ‫ور سوله‪ ،‬وأن ج سمه خلق من أن ثى بل ذ كر‪ ،‬وأن ال أر سل رو حه‬ ‫جبيل إل مري فنفخ ف جيب درعها ‪-‬وهو الطوق الذي ف العنق‪-‬‬ ‫فو صلت النف خة إل الر حم‪ ،‬ول يك شف بدن ا‪ ،‬وكا نت تلك النف خة‬ ‫بنلة لقاح الب والم‪ ،‬فحملت به مري العذراء الطاهرة الصديقة‪ ،‬ث‬ ‫نف خت ف يه الروح ال ت تكون ب عد م ضي أرب عة أش هر على خلق البدن‬ ‫كغيه‪ .‬وقرر النـب معجزات السـيح وآياتـه‪ ،‬وأخـب بكفـر النصـارى‬ ‫وتليد هم ف النار إن ل يتوبوا وي ستغفروا ربمـ‪ ،‬وأن ال أكرم عبده‬ ‫ورسوله أن ينال إخوان القردة منه ما زع مه النصارى أن م نالوه منه‪،‬‬ ‫بل رفعه إليه وأسكنه السماء‪ ،‬وسيعيده إل الرض ينتقم به من مسيح‬ ‫الضلل وأتبا عه‪ ،‬ويك سر به ال صليب‪ ،‬ويق تل الن ير‪ ،‬وي ضع الز ية‪،‬‬ ‫ويعلو به السلم‪.‬‬ ‫أ ما صلة الن صارى‪ -‬فمفتاح ها النجا سة‪ ،‬وتري ها الت صليب‪،‬‬ ‫وقبلتهـا الشرق‪ ،‬وشعارهـا الشرك‪ -‬يقوم أعبدهـم وأزهدهـم إليهـا‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والبول على سـاقه وأفخاذه فيسـتقبل الشرق ثـ يصـلب على وجهـه‬ ‫(ير سم ب ي عين يه خط ي متخالف ي) وي ستفتح ال صلة بقوله‪ :‬يا أبا نا‬ ‫أنـت الذي فـ السـموات تقدسـك أسـك( ‪ )1‬وليأت ملكـك‪ ،‬ولتكـن‬ ‫إرادتك ف السماء مثلها ف الرض‪ ،‬أعطنا خبزنا اللي لنا‪ ،‬ث يدعو‬ ‫( ‪)2‬‬ ‫تلك الصورة الت هي صنعة يد النسان‪ ،‬وهي الله الصلوب بزعمه‬ ‫ويقرءون ف صـلتم كلمًا قد لنـه لمـ أئمتهـم يري مرى النوح‬ ‫والغان‪.‬‬ ‫أ ما فروع دين هم وشرائ عه ف هم مالفون ف يه للم سيح‪ -‬فال سيح‬ ‫يتط هر ويغت سل من النا بة ويو جب غ سل الائض‪ .‬وال سيح يقرأ ف‬ ‫صلته ما كان ال نبياء وب نو إ سرائيل يقرءو نه ف صلتم من التوراة‬ ‫والزبور‪ .‬والسـيح ي صلي إل ب يت القدس إل أن رف عه ال و هي قبلة‬ ‫داود وال نبياء قبله وقبلة ب ن إسرائيل‪ .‬وال سيح اخت ت وأو جب التان‬ ‫ك ما أوج به ال نبياء قبله‪ .‬وال سيح حرم الن ير ول عن آكله وبالغ ف‬ ‫ذمـه‪ .‬والسـيح ل يشرع لمـ هذا الصـوم الذي يصـمونه ول صـامه‬ ‫ف عمره‪ ،‬ول أ كل ف ال صوم ما يأكلو نه‪ ،‬ول حرم ف يه ما يرمو نه‪،‬‬ ‫ول عطـل السـبت‪ ،‬ول اتذـ الحـد عيدًا‪ .‬والسـيح سـار فـ الذبائح‬ ‫والنا كح والطلق والوار يث والدود ب سية ال نبياء قبله‪ .‬وال سيح ل‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() «النيل لربنا يسوع السيح» هكذا مكتوب على غلفه‪.‬‬ ‫() قلت‪ :‬و من القراء من يك ثر قراءة ق صة مر ي ف « سورة مر ي» من قوله‪ :‬وَا ْذ ُك ْر فِي‬ ‫ث َحّي ا [مريَم‪ ]33 :‬ول يقرأ قوله‬ ‫ب َم ْرَي َم [مريَم‪ ]16 :‬إل قوله َوَي ْو َم ُأْب َع ُ‬ ‫اْل ِكتَا ِ‬ ‫خ َذ ِم ْن َوَل ٍد‬ ‫حقّ اّلذِي فِي ِه َي ْمَترُو َن * مَا كَا َن ِلّل ِه َأ ْن َيّت ِ‬ ‫ك عي سَى اْب ُن َم ْرَي َم َق ْو َل اْل َ‬ ‫تعال‪َ :‬ذِل َ‬ ‫ط‬ ‫صرَا ٌ‬ ‫ُسْبحَاَن ُه ِإذَا َقضَى َأ ْمرًا َفِإّنمَا َيقُو ُل َل ُه ُك ْن َفَيكُو ُن * َوِإنّ الّل َه َربّي َو َرّب ُك ْم فَا ْعُبدُو ُه َهذَا ِ‬ ‫ش َه ِد َي ْو ٍم َعظِي ٍم * َأ ْس ِم ْع ِب ِه ْم‬ ‫ب ِم ْن َبْيِن ِهمِْ َف َوْي ٌل ِلّلذِي َن َك َفرُوا ِم ْن َم ْ‬ ‫ف اْلَأ ْحزَا ُ‬ ‫سَتقِي ٌم * فَا ْخَتَل َ‬ ‫ُم ْ‬ ‫ض َي اْلَأ ْم ُر‬ ‫س َر ِة ِإ ْذ ُق ِ‬ ‫حْ‬ ‫ي * َوَأْن ِذ ْر ُه ْم َي ْو َم اْل َ‬ ‫ضلَا ٍل ُمِب ٍ‬ ‫ص ْر َي ْو َم َيْأتُوَننَا َل ِك ِن الظّاِلمُو َن اْلَي ْو َم فِي َ‬ ‫َوَأْب ِ‬ ‫َو ُه ْم فِي َغ ْفَل ٍة َو ُه ْم لَا ُي ْؤ ِمنُو َن [مريَم‪.]39 -34 :‬‬ ‫‪50‬‬ ‫‪51‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫يفوض ال ساقفة والبطار كة ف التشر يع‪ .‬وكان أ صحاب ال سيح بعده‬ ‫على نجه قريبًا من ثلثائة سنة‪ ،‬وهم الذين أثن ال عليهم ف القرآن‬ ‫وعلى البقايا الصالة منهم‪ .‬ث أخذوا ف التغيي والتبديل والتقريب إل‬ ‫الناس ب ا يهوون‪ ،‬ومكايدة اليهود ومناقضتهم ب ا فيه ترك دين ال سيح‬ ‫والن سلخ م نه جلة‪ .‬فهذا د ين الن صارى ب عد البع ثة وإل اليوم باطله‬ ‫أضعاف أضعاف حقه‪ ،‬وحقه منسوخ‪.‬‬ ‫وأمـا مـن ل كتاب له فهـو بيـ عابـد أوثان‪ ،‬وعابـد نيان‪ ،‬وعابـد‬ ‫شيطان‪ ،‬وصابئي حيان ‪-‬يمعهم الشرك وتكذيب الرسل وتعطيل الشرائع‬ ‫وإنكار العاد وح شر الج ساد‪ ،‬ل يدينون للخالق بد ين‪ ،‬ول يعبدو نه مع‬ ‫العابدين‪ ،‬ول يوحدونه مع الوحدين‪ .‬وأمة الجوس منهم تفترش المهات‬ ‫والبنات والخوات‪ ،‬والعمات والالت‪ ،‬دينهـم الزمـر‪ ،‬وطعامهـم اليتـة‪،‬‬ ‫وشرابم المر‪ ،‬ومعبودهم النار‪ ،‬ووليهم الشيطان‪.‬‬ ‫الل صة‪ :‬يا عباد ال أن ال ل ا بعث ممدًا رسولً إل أهل‬ ‫الرض كانوا «خسـة أصـناف» يهود‪ ،‬ونصـارى‪ ،‬وموس‪ ،‬وصـابئة‪،‬‬ ‫ومشركون‪ ،‬وديــن النفاء ل يعرف فيهــم إل قليلً‪ .‬وهذه الديان‬ ‫المسة كلها للشيطان‪ .‬وهذه الديان المسة مذكورة ف آية الفصل‬ ‫إِنّ الّ ذِي نَ آَمَنُوا وَالّ ذِي نَ هَادُوا وَال صّابِئِيَ وَالنّ صَارَى وَالْمَجُو سَ‬ ‫وَالّ ذِي نَ أَشْرَكُوا إِنّ اللّ هَ يَفْ صِلُ بَيْنَهُ مْ يَوْ مَ الْقِيَامَةِ إِنّ اللّ هَ عَلَى كُلّ‬ ‫شَيْءٍ شَهِيدٌ [الَجّ‪ ]17 :‬ولكل قوم وارث‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وكونوا دائمًا على بصية ف العتقاد ف ال‬ ‫جل جلله وتقدست أساؤه‪ ،‬وف السيح رسول ال‪ ،‬واحذوا وحذِروا‬ ‫مـن دعاة التنصـي الذيـن هذه بضاعتهـم‪ ،‬ومـع ذلك ل يسـتحيوا مـن‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الدعوة إلي ها ونشر ها والنفاق ف سبيلها ح ي ظنوا أن ال و قد خل‬ ‫ل م‪ ،‬و سوا أنف سهم «البشرون» و هم الضللون‪ ،‬وأكثروا من الدعا ية‬ ‫إل التقر يب ب ي السـلم والن صرانية‪ ،‬واندع ب م كث ي من ضعاف‬ ‫اليان فظنوا أن اليهوديـة والنصـرانية فـ هذه الزمان مـن الديان‬ ‫السـماوية‪ ،‬واعتـبوهم مؤمنيـ وإخوان‪ ،‬وهـم أعداء ال وأولياء‬ ‫الشيطان جعوا بي الكفر بال‪ ،‬وتكذيب رسل ال‪ ،‬وعبادة غي ال‪.‬‬ ‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَقَالَ تِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْ نُ اللّ هِ‬ ‫وَقَالَتِ النّ صَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّ هِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ‬ ‫ُونف * اتّ خَذُوا‬ ‫ّهف أَنّىف يُؤْفَك َ‬ ‫ُمف الل ُ‬ ‫ِنف قَبْلُ قَاتَلَه ُ‬ ‫ِينف كَفَرُوا م ْ‬ ‫قَوْلَ الّ ذ َ‬ ‫أَحْبَارَهُ مْ وَرُهْبَانَهُ مْ أَرْبَابًا مِ نْ دُو نِ اللّ هِ وَالْمَ سِيحَ ابْ نَ مَرْيَ مَ وَمَا‬ ‫أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَ هَ إِلّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّ ا يُشْرِكُو نَ‬ ‫* يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّ هِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّ هُ إِلّا أَنْ يُتِمّ نُورَهُ‬ ‫ِينف‬ ‫َسففولَهُ بِالْهُدَى وَد ِ‬ ‫ْسفلَ ر ُ‬ ‫ُونف * هُوَ الّ ذِي أَر َ‬ ‫ِهف الْكَافِر َ‬ ‫وَلَوْ كَر َ‬ ‫الْحَقّ لِيُظْهِرَ هُ عَلَى الدّي نِ كُلّه ِف وَلَوْ كَرِ هَ الْمُشْرِكُو نَ [التو بة‪:‬‬ ‫‪ ]33 -30‬بارك ال‪.‬‬ ‫‪52‬‬ ‫‪53‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي أنقذنا بحمد من تلك الظلمات‪ ،‬وفتح باب‬ ‫الدى فل يغلق إل يوم اليقات‪ .‬وأشهــد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريك له أرانا أهل الضلل وهم ف ضلل م يتخبطون‪ ،‬وف سكرتم‬ ‫يعمهون‪ ،‬وف جهالتهم يتقلبون‪ ،‬وف ريبهم يترددون‪ .‬يؤمنون‪ -‬ولكن‬ ‫بالبت والطاغوت يؤمنون‪ .‬ويعدلون‪ -‬ولكن بربم يعدلون‪ ،‬ويعلمون‬ ‫ظاهرًا من الياة الدنيا وهم عن الخرة هم غافلون‪ ،‬ويسجدون ولكن‬ ‫لل صليب والو ثن ي سجدون‪ ،‬ويكرون و ما يكرون إل بأنف سهم و ما‬ ‫يشعرون‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله بعثـه ال إل الناس كافـة‪،‬‬ ‫وقال‪« :‬والذي نف سي بيده ل ي سمع ب أ حد من هذه ال مة يهودي‬ ‫ول نصفران ثف يوت ول يؤمفن بالذي أرسفلت بفه إل كان مفن‬ ‫أصحاب النار» أخرجه مسلم‪ .‬قال السن البصري رحه ال‪ :‬تصديق‬ ‫ف فَالنّارُ‬ ‫ف الْأَحْزَاب ِ‬ ‫ف مِن َ‬ ‫َنف يَكْفُرْ بِه ِ‬ ‫ذلك فـ كتاب ال تعال‪ :‬وَم ْ‬ ‫ـب فمرض‬ ‫مَوْعِدُه فُ [هُود‪ ]17 :‬وكان غلم يهودي يدم النـ‬ ‫فأتاه النب يعوده فقعد عند رأسه فقال له‪« :‬أسلم» فنظر إل أبيه‬ ‫و هو عنده فقال أ طع أ با القا سم‪ ،‬فأ سلم فخرج ال نب و هو يقول‪:‬‬ ‫ـه البخاري (‪)3/176‬‬ ‫فن النار» أخرجـ‬ ‫فد ل الذي أنقذه مف‬ ‫« المف‬ ‫وأخرجه أبو داود (‪.)3095‬‬ ‫ومر عمر بن الطاب رضي ال عنه بدير راهب فناداه‪ :‬يا راهب‪.‬‬ ‫فأشرف‪ ،‬فج عل ع مر ين ظر إل يه ويب كي‪ .‬فق يل له‪ :‬يا أم ي الؤمن ي ما‬ ‫يبكيـك مـن هذا؟ قال‪ :‬ذكرت قول ال ‪ :‬وُجُوهٌف يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *‬ ‫عَامِلَةٌ نَاصفِبَةٌ * تَصفْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسفْقَى مِنفْ عَيْنفٍ آَنِيَةٍ *‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫لَيْ سَ لَهُ مْ طَعَا مٌ إِلّا مِ نْ ضَرِي عٍ * لَا يُ سْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِ نْ جُو عٍ‬ ‫[الغاش ية‪ ]7 -2 :‬فذاك الذي أبكا ن‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك‬ ‫ورسـولك ممـد الذي اسـتجاب له وللفائه أكثـر الديان طوعًـا‬ ‫واختيارًا‪ ،‬ل كرهًا واضطرارًا‪ ،‬لاـ بيـ لمـ الدى‪ ،‬وأنـه رسـول ال‬ ‫حقًا‪ .‬والسيف إنا جاء منفذًا للحجة‪ ،‬مقومًا للمعاند‪ ،‬وحدّا للجاحد‪.‬‬ ‫أمـا بعـد فيـا عباد ال‪ :‬إن ال تعال قـد نوع خلق آدم وبنيـه‬ ‫إظهارًا لقدرتـه‪ ،‬وأنـه يفعـل مـا يشاء فخلق آدم ل مـن ذكـر ول مـن‬ ‫أنثى‪ ،‬وخلق زوجه حواء من ذكر ل من أنثى‪ ،‬وخلق عبده السيح من‬ ‫أنثى ل من ذكر‪ ،‬وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى إِنّ مَثَلَ عِيسَى‬ ‫عِنْدَ اللّ هِ كَمَثَلِ آَدَ مَ خَلَقَ هُ مِ نْ تُرَا بٍ ثُمّ قَالَ لَ هُ كُ نْ فَيَكُو نُ [آل‬ ‫عِمرَان‪ . )1 (]59 :‬واتقوا ال عباد إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() ‪.‬هدا ية اليارى‪ ،‬ال صواعق ص (‪ )1011 ،1010‬فتاوى ج(‪ ،)17‬ص( ‪،283 ،267‬‬ ‫‪ ،)282‬والواب الصحيح لن بدل دين السيح (‪.)283 ،282 ،262‬‬ ‫‪54‬‬ ‫‪55‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫معجزات النبياء‬ ‫من أعظم الدلة على الالق‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وصدق رسله‪،‬‬ ‫واليوم الخر‪ .‬والقرآن أعظمها‬ ‫المـد ل الذي أرسـل رسـله ودلل على صـدقهم بالعجزات‪،‬‬ ‫والجــج الباهرات‪ ،‬والدلئل القاطعات‪ .‬وأشهــد أن ل إله إل ال‬ ‫وحده ل شر يك له نوّع طرق الدا ية رح ة م نه بعباده ولطفًا‪ ،‬وم بة‬ ‫م نه لقا مة ال جة وعذرًا ونذرًا‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله ميزه‬ ‫بصـائص على جيـع النـبياء والرسـلي‪ ،‬وجعـل له شرعـة ومنهاجًا‬ ‫أفضـل شرعـة وأكمـل منهاج مـبي‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك‬ ‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫سفنُرِيهِمْ آَيَاتِن َا ف ِي‬ ‫َ‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تبارك وتعال‪:‬‬ ‫الْآَفَا قِ وَفِي أَنْفُ سِهِمْ حَتّ ى يَتَبَيّ نَ لَهُ مْ أَنّ هُ الْحَقّ أَوَلَ مْ يَكْ فِ بِرَبّ كَ‬ ‫أَنّ هُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فُصّلَت‪.]53 :‬‬ ‫عباد ال آيات الرب هي دلئله وبراهي نه ال ت باـ يعر فه العباد‪،‬‬ ‫وبا يعرفون أساءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونيه أخب سبحانه‬ ‫أ نه يدل بآيا ته اللق ية (الفق ية) من الفتوحات وظهور ال سلم على‬ ‫القاليـم وسـائر الديان( ‪( )1‬والنفسـية) مـا النسـان مركـب منـه وفيـه‬ ‫وعل يه من الواد والخلط واليئات العجيبـة‪ ،‬وكذلك ما هو مبول‬ ‫‪1‬‬ ‫() قلت‪ :‬وهذا التفسي يبي خطأ من فسر «الفاق» بالنجوم والجرات وما إل ذلك‪ .‬مع أنم‬ ‫أيضًا ينكرون السموات‪ ،‬ول يعرجون على ما فوقها‪ .‬يثبتون النجوم والجرات فقط‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عل يه من الخلق التباي نة‪ ،‬و ما هو مُتَ صَرّف ف يه من القدار ال ت ل‬ ‫يوزهـا ول يتعداهـا‪ -‬يدل بذه اليات على صـدق آياتـه القرآنيـة‬ ‫و صدق رسوله‪ .‬ث ذ كر أع ظم من ذلك وأ جل وهو شهادته سبحانه‬ ‫على كل ش يء ش هد لر سوله بقوله الذي أظ هر الباه ي على صدقه‬ ‫فيـه‪ ،‬وبفعله‪ ،‬وإقراره‪ ،‬وباـ فطـر عليـه عباده مـن القرار له بكماله‬ ‫سبحانه‪ ،‬وف كل وقت يدث من اليات الدالة على صدق رسوله ما‬ ‫يقيم به الجة‪ ،‬ويزيل به العذر‪ ،‬ويكم له ولتباعه با وعدهم به من‬ ‫العز والنجاة والظفر والتأييد‪ ،‬ويكم على أعدائه ومكذبيه با توعدهم‬ ‫ِنف‬ ‫بـه مـن الزي والنكال والعقوبات العجلة‪ .‬وقال تعال‪ :‬تَنْزِيلٌ م ْ‬ ‫رَبّ الْعَالَمِي َ [الواقِعـَ‪ .]80 :‬اسـتدل بكونـه رب العاليـ على‬ ‫ثبوت ر سالة ر سوله و صحة ما جاء به‪ ،‬وهذا أقوى من السـتدلل‬ ‫بالعجزات وخوارق العادات‪.‬‬ ‫وكذلك آيات النـبياء قبله وبراهينهـم وأدلتهـم شهادة مـن ال‬ ‫سـبحانه لمـ بينهـا لعباده غايـة البيان‪ ،‬وأظهرهـا لمـ غايـة الظهار بقوله‬ ‫وفعله‪ ،‬ففي الصحيح عنه أنه قال‪ « :‬ما من نب من النبياء إل وقد‬ ‫أوت من اليات ما آمن على مثله البشر‪ ،‬وإنا كان الذي أوتيته وحيًا‬ ‫ل فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»‪.‬‬ ‫أوحاه ال إ ّ‬ ‫وهذه اليات ال ت ت سمى (العجزات) مأخوذة من طُر قِ ال س‬ ‫لنـ شاهدهـا‪ ،‬ومـن طريـق اسـتفاضه البـ لنـ غاب عنهـا‪.‬‬ ‫فلما ثبتت النبوة صارت أصلً ف قبول ما دعا إليه النب فانقلب عصا‬ ‫تقلهـا اليـد ثعبان ًا عظيم ًا يبتلع مـا بضرتـه مـن حبال وعصـي ل‬ ‫ي صيها إل ال ث تعود ع صا ك ما كا نت من أدل الدل يل على وجود‬ ‫‪56‬‬ ‫‪57‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والزئيات‪ ،‬وعلى رسالة‬ ‫الرسـول‪ ،‬وعلى البدأ والعاد‪ .‬فكـل قواعـد الديـن فـ هذه العصـا‪.‬‬ ‫وكذلك اليد الت أدخلها صاحب هذه العصا إل جيبه ث أخرجها فإذا‬ ‫لاـ شعاع كشعاع الشمـس‪ .‬وكذلك الكثيـب العظيـم الذي ضربـه‬ ‫بع صاه فا ستحال قمّ لً سلط على أ هل بلد عظ يم‪ .‬وفلق ب ر من بار‬ ‫العال لعسكر عظيم اثنا عشر طريقًا ث أرسلت عليه الريح فأيبسته ف‬ ‫سـاعة وقام الاء بيـ تلك الطرق كاليطان‪ ،‬فلمـا جاوزه وسـلكه‬ ‫آخرون ضربه بعصاه فالتئم عليهم فلم يفلت منهم إنسان‪ .‬ونتق البل من‬ ‫موضعـه ورفعـه على قدر العسـكر العظيـم فوق رءوسـهم بيـ السـماء‬ ‫والرض و هم ينظرون إل يه عيانًا وق يل ل م‪ :‬إن ل تقبلوا ما أمر ت به وإل‬ ‫أطبق عليكم‪ ،‬ث رد إل مكانه‪ .‬وضرب حجر مربع يمل مع قوم فينفجر‬ ‫منه اثنا عشر نرًا كل نر لطائفة عظيمة يتصون بشربه ل يشاركهم فيه‬ ‫الخرون‪ .‬وكذلك سائر آيات ال نبياء‪ :‬كأ مة كذ بت نبي ها و سألوه آ ية‬ ‫فانفلقت صخرة بحضر منهم وتخضت عن ناقة قائمة من أعظم النوق‬ ‫ل وهيئة‪ ،‬فل ما تادوا ف تكذي به سعوا صيحة من ال سماء‬ ‫وأح سنها شك ً‬ ‫قطعت أكبادهم وقلوب م ف أجواف هم فماتوا موتة ر جل وا حد‪ .‬وكذلك‬ ‫تصـوير طائر مـن طيـ ثـ ينفـخ فيـه النـب فينقلب طائرًا ذا لمـ وريـش‬ ‫وأجنحة يطي بشهد من الناس‪ ،‬والسح على عي الذي ولد أكمه فإذا‬ ‫به يبصر بعيني كالصحيح‪ ،‬وعلى البرص فيبأ كأن ل يكن به بأس‪.‬‬ ‫وكذلك النار العظيمة الت أوقدت برهة من الزمن حت كان الطي ير‬ ‫عليهـا مـن عال فيقـع مشوي ًا ألقـي فيهـا رجـل مكتوف فلم ترق‬ ‫منـه شيئًا وصـارت عليـه بردًا وسـل مًا وعادت روضـة خضراء وماءً‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫جاريًا‪ .‬وكذلك الدائن الت قلعت من أصولا كما يقلع الشجر ث رفعت‬ ‫ف الواء‪ ،‬ث قل بت ب ن فيها فماتوا مو تة ر جل وا حد‪ .‬ور جل دعا على‬ ‫قو مه أن ل يدع ال من هم على الرض دَيّارًا‪ ،‬فأُر سل الاءُ علي هم وأن بع‬ ‫الاء من تت هم ح ت عل الاء فوق شوا هق البال علوًا عظيمًا ث ابتلع ته‬ ‫الرض شيئًا فشيئًا حت عادت ياب سًا‪ .‬ورجل دعا على قومه وهم أعظم‬ ‫الناس أجسـامًا وأشهدهـم قوة‪ ،‬فأرسـلت عليهـم بدعوتـه ريـح عاصـف‬ ‫جعلت تمل هم ب ي ال سماء والرض ث تدق أعناق هم‪ .‬و نبّ كان يأ مر‬ ‫بع سكره فيق عد على ب ساط ثل ثة أميال ف ثل ثة أميال(‪ )1‬فيأ مر الر يح‬ ‫فترتفع به ب ي السماء والرض فتحمل الع سكر على متنها مسية شهر‬ ‫مقبلة وم سية ش هر مدبرة ف يوم وا حد‪ ،‬وأ نه أ مر ب سرير عظ يم لل كة‬ ‫فشق الرض وصار بي يديه ف أسرع من رَدّ الطرف‪.‬‬ ‫وكذلك إياء الر سول إل الق مر ف ال سماء ل ا سأله قو مه آ ية‬ ‫فانشق فلقتي وهم يشاهدونما‪ ،‬ث عاد والتئم‪ ،‬وقدم السفار فأخبوا‬ ‫برؤية ذلك عيانًا‪ ،‬وحُمِلَ من مكة إل بيت القدس ث رفع حت جاوز‬ ‫السموات السبع ث عاد إل فراشه ف ليلته‪ .‬وقبض قبضة من تراب ث‬ ‫رمى با ف وجوه عسكر ل يلتقي طرفاه فلم يبق منهم أحد إل ملئت‬ ‫علينه‪.‬‬ ‫وكذلك وضعه يده ف ماء ل يغمرها فتفجر الاء من بي أصابعه‬ ‫ْيـ منـه عسـكر عظيـم جَرّار وملئوا‬ ‫وصـار كأمثال العيون حتـ رَو َ‬ ‫منه كل قربة ولك إناء معهم‪ .‬وأن جاعة شبعت من بُرْمَةِ بقدر جسم‬ ‫القطا‪ .‬وأن جِذْعًا حن حني الناقة العشار إل ولدها‪ .‬وأن الصا كان‬ ‫‪1‬‬ ‫() واليل ألف وستمائة وتسعة أمتار وأربعة وثلثي سنتًا (‪.)34/1609‬‬ ‫‪58‬‬ ‫‪59‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫يسبح ف كفه وكف أصحابه تسبيحًا يسمعه الاضرون‪ ،‬وأن ال جر‬ ‫كان يسلم عليه سل مًا يسمعه بأذنه‪ ،‬وأن بطنه شق من ثغرة نره إل‬ ‫أسفله ث استخرج قلبه فغسل ث أعيد وهو حي ينظر‪ ،‬وأن شجرتي‬ ‫دعا بما فأقبلتا تران الرض حت قامتا بي يديه فالتزقتاه‪ ،‬ث رجعت‬ ‫كل واحدة منهما إل مكانا‪.‬‬ ‫إل أمثال ذلك مـن العجزات التـ هـي مـن أعظـم الدلة على‬ ‫الالق سبحانه‪ ،‬وصفاته‪ ،‬وأفعاله‪ ،‬وصدق رسله‪ ،‬واليوم الخر‪.‬‬ ‫هذا وإن القرآن وحده لنـ جعـل ال له نورًا أعظـم آيـة ودليـل‬ ‫وبرهان على هذه الطالب‪ ،‬قال تعال لنـ طلب آيـة تدل على صـدق‬ ‫رسوله‪ :‬أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنّ فِي‬ ‫ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْ مٍ يُؤْمِنُونَ [العَنكبوت‪ ]51 :‬ففيه الجة‬ ‫والدللة على أنه من ال‪ ،‬وعلى أن ال سبحانه أرسل به رسوله‪ ،‬وأن‬ ‫الذي جاء به أصدق خلق ال وأبرهم وأكملهم علمًا وعملً ومعرفة‪،‬‬ ‫فيـه مـا يوجـب لنـ اتبعـه السـعادة وينجيـه مـن العذاب‪ .‬فاتقوا ال‬ ‫واعتبوا يا أول اللباب‪.‬‬ ‫ب ِممّا َن ّزْلنَا َعلَى‬ ‫أعوذ بال من الشيطان الرجيم َوِإ ْن ُكْنُت ْم فِي َرْي ٍ‬ ‫ي‬ ‫َعْب ِدنَا َفْأتُوا ِبسُو َرٍة ِم ْن ِمْثِل ِه وَا ْدعُوا ُش َهدَا َء ُك ْم ِم ْن دُو ِن الّل ِه ِإ ْن ُكْنُت ْم صَا ِدِق َ‬ ‫ت‬ ‫حجَا َرُة ُأ ِع ّد ْ‬ ‫س وَاْل ِ‬ ‫* َفِإ ْن َل ْم َت ْف َعلُوا َوَل ْن َت ْف َعلُوا فَاّتقُوا النّا َر اّلتِي َوقُو ُدهَا النّا ُ‬ ‫جرِي ِم ْن‬ ‫ت َت ْ‬ ‫ت َأنّ َل ُه ْم َجنّا ٍ‬ ‫ش ِر اّلذِي َن َآ َمنُوا َو َع ِملُوا ال صّاِلحَا ِ‬ ‫ِل ْلكَاِفرِي َن * َوَب ّ‬ ‫حتِهَا اْلَأْنهَا ُر ُكلّمَا ُر ِزقُوا ِمنْهَا ِم ْن َث َم َرٍة ِرزْقًا قَالُوا َهذَا اّلذِي ُر ِزقْنَا ِم ْن َقْب ُل‬ ‫َت ْ‬ ‫ج ُم َط ّه َرٌة َو ُه ْم فِيهَا خَاِلدُو َن [البقرة‪:‬‬ ‫َوُأتُوا ِب ِه ُمَتشَابِهًا َوَل ُه ْم فِيهَا َأ ْزوَا ٌ‬ ‫‪ ]25 -23‬بارك ال ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل رب العاليـ‪ ،‬قيوم السـموات والرضيـ‪ ،‬الوصـوف‬ ‫بالكمال كله‪ ،‬النه عن كل عيب ونقص‪ ،‬وعن كل شبيه أو مثيل ف‬ ‫كماله‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له و فق من شاء من‬ ‫عباده نعمـة منـه وفضل‪ ،‬وخذل مـن أعرض عنـه‪ .‬حكمـة وعدل‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الصـطفى‪ ،‬الصـدق باليات التـ ل‬ ‫تصـى‪ ،‬صـلى ال عليـه وعلى آله وجيـع أصـحابه‪ ،‬ومـن سـار على‬ ‫نجهم واقتفى‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬فإن ال جل وعل نَوّع طرق الدا ية رح ة م نه بعباده‬ ‫ولطفًا بمـ لتفاوت عقولمـ وأذهانمـ وبصـائرهم فمنهـم مـن يهتدي‬ ‫بن فس ما جاء به الر سول ود عا إل يه من غ ي أن يَطْلُ بَ م نه برهانًا‬ ‫خارجًا عـن ذلك كحال الكمّل مـن الصـحابة كالصـديق رضـي ال‬ ‫ع نه ‪ ،‬ومن هم من يهتدي بعرف ته باله و ما ف طر عل يه من كمال‬ ‫الخلق والوصاف والفعال‪ ،‬وأن عادة ال أن ل يزي من قامت به‬ ‫تلك الوصاف والفعال‪ ،‬كما قالت أم الؤمني خدية رضي ال عنها‬ ‫له ‪ :‬أب شر فوال لن يز يك ال أبدًا‪ ،‬إ نك لت صل الر حم‪ ،‬وت صدق‬ ‫الديـث‪ ،‬وتمـل الكـل‪ ،‬وتقري الضيـف‪ ،‬وتعيـ على نوائب القـ‪.‬‬ ‫وهذه القامات ف اليان ع جز عن ها أك ثر اللق فاحتاجوا إل اليات‬ ‫وخوارق العادات‪ .‬وأضعــف الناس إيانًــا مــن كان إيانــه‬ ‫صادرًا عن الظهر ورؤية غلبته للناس على صحة الرسالة‪ ،‬وأضعف‬ ‫من هؤلء إيانًا من إيا نه أيان العادة والر بأ والن شأ فإ نه ن شأ ب ي‬ ‫‪60‬‬ ‫‪61‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أبو ين م سلمي وأقارب وجيان وأ صحاب كذلك‪ .‬وال سبحانه قد‬ ‫فاوت ب ي الب شر؛ فبعض هم أف ضل من اللئ كة وبعض هم ل ير ضي به‬ ‫ـم‪،‬‬ ‫ـم بربكـ‬ ‫ـألوا ال عباد ال أن يقوي إيانكـ‬ ‫الشيطان وليًـا‪ .‬فاسـ‬ ‫وتصديقكم برسله؛ فاليان بالرسول هو تصديقه فيما أخب‪ ،‬وطاعته‬ ‫ِينف آَمَنُوا‬ ‫فيمـا أمـر‪ ،‬واجتناب مـا نىـ عنـه وزجـر يَا أَيّه َا الّ ذ َ‬ ‫ا سْتَجِيبُوا لِلّ هِ وَلِلرّ سُولِ إِذَا دَعَاكُ مْ لِمَا يُحْيِيكُ مْ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّ هَ‬ ‫يَحُولُ بَيْ نَ الْمَرْءِ وَقَلْبِ هِ وَأَنّ هُ إِلَيْ هِ تُحْشَرُو نَ [النفَال‪ )1 (]24 :‬إن‬ ‫أصدق الديث كتاب ال ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مدارج ج(‪ ،)426 ،469 ،3/464‬التـبيان ص (‪ ،)145 ،144‬الصـواعق ( ‪،1196‬‬ ‫‪ ،)882 ،1197 ،976 ،977‬مفتاح ص (‪ ،)146 ،14 ،13‬طريـق الجرتيـ( ‪338‬‬ ‫)‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫آيات ال ف الرض‬ ‫ـد ل الذي نصـب الكائنات على وحدانيتـه دليل‪ ،‬رب‬ ‫المـ‬ ‫الشرق والغرب ل إله إل هو فاتذه وكيل‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال‬ ‫وحده ل شريك له حث على التفكر ف آياته السموعة وعلى التفكر‬ ‫فـ آياتـه الشهودة‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله إمام التفكريـن‪،‬‬ ‫وقدوة العامل ي‪ ،‬صلى ال عل يه وعلى آله وأ صحابه صلة دائ مة إل‬ ‫يوم الدين‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال أك ثر ال تعال ف كتا به الكر ي من ذ كر‬ ‫(الرض) ود عا عباده إل الن ظر في ها والتف كر ف خلق ها‪ -‬والن ظر هو‬ ‫التفات القلب إل النظور ف يه‪ -‬فقال سبحانه وَفِي الْأَرْ ضِ آَيَا تٌ‬ ‫لِلْمُوقِنِيَ [الذّاريَات‪.]20 :‬‬ ‫فآيات الرض أنواع كثية جدًا‪ .‬منهـا‪ :‬خلقهـا وحدوثهـا بعـد‬ ‫عدم ها‪ ،‬وشوا هد الدوث والفتقار إل ال صانع علي ها ل ت حد؛ فإن ا‬ ‫شواهد قائ مة ب ا‪ .‬ومنها‪ :‬بروز هذا الانب من الرض فيها عن الاء‬ ‫مع كون مقت ضى الطبي عة أن يكون مغمورًا به‪ .‬ومن ها‪ :‬سعتها و كب‬ ‫ْفف‬ ‫ْضف كَي َ‬ ‫خلقهـا‪ .‬ومنهـا‪ :‬تسـطيحها‪ ،‬كمـا قال تعال وَإِلَى الْأَر ِ‬ ‫سُطِحَتْ [الغَاشِيَة‪ .]20 :‬ول ينا ف ذلك كون ا كرو ية ف هي كرة‬ ‫ف القي قة ل ا سطح ي ستقر عل يه اليوان‪ .‬ومن ها أ نه جعل ها فراشًا‬ ‫لتكون مقرًا للحيوان ومساكنه‪.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪63‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وجعلها مهادًا ذلولً توطأ بالقدام‪ ،‬وتضرب بالعاول والفؤوس‪،‬‬ ‫وت مل على ظهر ها البن ية الثقال ف هي ذلول م سخرة ل ا ير يد الع بد‬ ‫من ها‪ .‬وجعل ها ب ساطًا‪ .‬وجعل ها كفا تا للحياء تضم هم على ظهر ها‪،‬‬ ‫وللموات تضمهـم فـ بطنهـا‪ .‬وطحاهـا فمدهـا وبسـطها ووسـعها‪.‬‬ ‫ودحاها فهيئها لا يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومراعاها وشق فيها‬ ‫النار وجعل فيها السبل والفجاج‪.‬‬ ‫ونبه بعلها مهادًا وفراشًا على حكمته ف جعلها ساكنة واقفة‪،‬‬ ‫وذلك آيـة أخرى‪ ،‬إذ ل دعامـة تتهـا تسـكها‪ ،‬ول علقـة فوقهـا‪،‬‬ ‫ولكنهـا لاـ كانـت على وجـه الاء كانـت تكفـأ كمـا تكفـأ السـفينة‬ ‫فاقتضت العناية الزلية والكمة اللية أن وضع عليها رواسي يثبتها‬ ‫ب ا لئل ت يد ولي ستقر علي ها النام واليوان والنبات والمت عة‪ ،‬وتك ي‬ ‫اليوان والناس من السعي عليها ف مآربم‪ ،‬واللوس لراحاتم والنوم‬ ‫لدوئهم‪ ،‬والتمكن من أعمالم( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() قلت‪ :‬وفرق ب ي القول «بكرو ية الرض» وب ي القول بدوران الرض قال ساحة الش يخ‬ ‫ممد بن إبراهيم‪ -‬رحه ال‪ :-‬أما القول بكروية الرض فهي كروية الشكل‪ ،‬ول يناف كونا‬ ‫«ب ساطا» و« سطحا» وأشباه ذلك‪ .‬و«دوران الرض» قول با طل؛ فإ نه ل يكاد يقوم عل يه‬ ‫دليل يسلمه أحد‪ ،‬لكن أهل هذا الفن اتبعوا الفلسفة ف هذا‪ ،‬وهي أمور ظنية‪ ،‬حت هم ل‬ ‫يزمون‪.‬‬ ‫جرِي‬ ‫س َت ْ‬ ‫ش ْم ُ‬ ‫والقول بأن «الش مس واق فة» من أب طل البا طل‪ ،‬ومناف لل ية الكري ة‪ :‬وَال ّ‬ ‫سَت َق ّر َلهَا [يس‪.]38 :‬‬ ‫ِل ُم ْ‬ ‫وغلط أيض ًا مـن يقول الراد تري حول نفسـها (فتاويـه ورسـائله) انرظ ج ‪-13/107‬‬ ‫‪.110‬‬ ‫ـة والسـية‪ :‬على جريان‬ ‫ـن باز كتاب «الدلة النقليـ‬ ‫ـز بـ‬ ‫ـخ عبدالعزيـ‬ ‫ـماحة الشيـ‬ ‫ولسـ‬ ‫الشمس‪ ،‬وسكون الرض‪ ،‬وإمكان الصعود إل الكواكب» استقصى فيه الدلة‪ ،‬ورد فيه على‬ ‫العترض ( من مطبوعات الام عة ال سلمية ‪1395‬ه ـ)‪ .‬ون قل ف يه عن الكا تب الشه ي‬ ‫م مد فر يد وجدي ب عد ذكره اختلف الفلكي ي ف كتا به «ال سلم ف ع صر العلم» ج(‬ ‫‪ )2/141‬قوله‪« :‬ومن هنا ترى تأكيدهم أن الرض تدور ل معن له؛ لنه ل يوجد ما يثبته‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ولو كانـت رجراجـة متكفئة ل يسـتطعوا على ظهرهـا قرارًا ول‬ ‫هدوءًا ول ثبت لم عليها بناء ول أمكنهم عليها صناعة ول تارة ول‬ ‫حرا ثة ول م صلحة‪ ،‬وك يف كانوا يتهنون بالع يش والرض تر تج من‬ ‫تتهـم‪ ،‬واعتـب ذلك باـ يصـيبهم مـن الزلزل على قلة مكثهـا كيـف‬ ‫بالتجربة» ونقل عنه أيضًا قوْله‪« :‬يرى من تضارب أفكار أكب علماء الرض‪ -‬يعن الفلكيي‬ ‫والطبيعيي التأخرين‪ -‬إن دوران الرض غي حاصل على ما يعله من المور البديهية» إل أن‬ ‫قال‪« :‬ولو كان العلمون ف أثناء تدريسهم للعلوم الطبيعية يسلكون مسلك العلماء ف القرار‬ ‫بال هل لدوا إل تلميذ هم أ كب خد مة»؛ لن م بذا يعودون م على الدب النف سي فتن شأ‬ ‫نفو سهم معتادة على التوا ضع أمام فخا مة الكون وجلل ته وال سجود أمام مبد عه وم صوره‪،‬‬ ‫ولكن أكثرهم يدرسون لم العلوم الشكوك فيها والفروض الطبيعية الظنية بصفة حقائق ثابتة‪،‬‬ ‫فيتذرع با أولئك التلميذ الغرار مت كبوا إل «اللاد‪ ،‬ونفي الروح واللود» ول يدرون‬ ‫أنم يتمسكون بالظنون‪ ،‬وأن الظن ل يغن من الق شيئًا‪.‬اهـ‪ .‬قال ساحة الشيخ عبدالعزيز‪:‬‬ ‫«وما أحسن ما قاله هذا العلمة ف شأن الدرسي‪ ،‬وأن الواجب عليهم أن يوضحوا لتلميذهم‬ ‫حقائق المور على ما هي عليه‪ ،‬ومدى علمهم با‪ ،‬وأن يسلكوا مسلك العلماء ف العتراف‬ ‫بالهل بكثي من المور حت يعتاد الطالب التوقف عما ل يعلم‪ ،‬والتثبت ف المور‪ ،‬والتمييز‬ ‫بي العلومات القطعية والظنية» اهـ‪.‬‬ ‫أقول‪ :‬وما ذكره ممد فريد وجدي من أن هذه النظريات الشكوك فيها عندهم سببت اللاد‬ ‫إل‪ .‬هو كما قال؛ فقد فعلت ف العقائد أكثر ما فعلته كتب النطق والكلم‪ .‬وكذلك قوله‪:‬‬ ‫«ولكن أكثر العلمي يدرسون لم هذه العلوم الشكوك فيها بصفة حقائق ثابتة» هو كما قال‬ ‫أيضًا‪ ،‬حت ول يذكرون ما جاء عن ال ف القرآن من وصف السموات والرض‪ -‬ولو كقول‬ ‫آخر‪ -‬فكأنه يراهم بذه الطريقة مدلسي على التلميذ‪ ..‬فقد ذكر ال سبحانه خلقه للسموات‬ ‫والرض والنجوم بل وآدم أب البشر واللئكة والن وصفاتا والواد الت خلقها ال منها والدة‬ ‫الت خلقها ال فيها؛ بل والعرش والكرسي والنة والنار‪ ،‬وأن ذلك صادر عن علم وحكمة‪،‬‬ ‫وإرادة وقدرة؛ ل عن اتفاق و صدفة‪ .‬وكذلك ل يذكرون ف نظريات م رب العالي وعظم ته‬ ‫و صفاته ال ت و صف ب ا نف سه‪ .‬وأ نه هو «الول» ق بل كل ش يء وأمره الذي افتر ضه على‬ ‫عباده‪ ،‬وأن ما سواه مدث كائن ب عد أن ل ي كن‪ .‬فإهال م هذه الشياء العظي مة وتركيز هم‬ ‫على تلك النظريات ما سبب اللاد الذي ذكره‪.‬‬ ‫والقول بدوران الرض حل قة من سلسلة هذه النظريات‪ .‬و«الل قة الثا ن» قولم‪« :‬إن الكرة‬ ‫الرضية تكونت نتيجة تساقط ذرات دقيقة من الواد الصلبة ف تمع غي منتظم بيث أدى‬ ‫تمع الكثي منها إل تكوين أجزاء يابسة مرتفعة‪ ،‬بينما تعرضت الجزاء الت قل فيها تساقط‬ ‫الكويكبات إل تكوين أحواض الحيطات‪ ،‬ويرجع سبب تكوين الكويكبات إل حدوث تدد‬ ‫‪64‬‬ ‫‪65‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫يضطر هم إل ترك منازل م والرب عن ها‪ ،‬و قد ن به ال تعال على ذلك‬ ‫بقوله‪ :‬وَأَلْقَى فِي الْأَرْ ضِ رَوَا سِيَ أَ نْ تَمِيدَ بِكُ مْ وقوله‪ :‬اللّ هُ‬ ‫الّ ذِي جَعَلَ لَكُ مُ الْأَرْ ضَ قَرَارًا [غَافر‪ ]64 :‬وقوله‪ :‬الّ ذِي جَعَلَ‬ ‫ْضف مَهْدًا [طـه‪ ]53 :‬وفـ جامـع الترمذي وغيه مـن‬ ‫ُمف الْأَر َ‬ ‫لَك ُ‬ ‫انبعاجي ف سطح الشمس بسبب مرور نم آخر أكب بوارها‪ ،‬ونتيجة انفجارات عديدة ف‬ ‫سطح الشمس تولدت التفاعلت الذرية‪ ،‬وظل تأثي النجم الخر حت أثر ف دوران الجزاء‬ ‫النفصلة حول نفسها وحول الشمس إل‪ .‬انظر ف «جغرافية القارات» ص( ‪ )69‬ط( ‪)1417‬‬ ‫نق ًل عن عبدالعزيز طريح شرف ف «الغرافيا الطبيعية» ص(‪.»)53 ،69 ،68‬‬ ‫«اللق الثالثة» «نظرية الغاز الكون الول التفق عليها عندهم»‪ .‬قالوا‪« :‬اتفق العلماء على‬ ‫أ صول هذه النظر ية و هي تقول‪ :‬ن شأ العال الادي من غاز كو ن أول كان شد يد التخل خل‬ ‫و ساخنًا إل حد ّم ا وكان مالئًا للفضاء ومنتشرًا ف يه بانتظام ومؤلفًا من دقائق تكو نت من ها‬ ‫أنواع الادة الثلثة» ث ذكر «نظرية السدم» أو الجرات‪.‬‬ ‫(انظر معجزة القرآن ف وصف الكائنات ص ‪ )80‬وذكر عنهم نظريات مشابة‪.‬‬ ‫قال صاحب النجد‪ -‬وهو أعلم بلغة قومه‪ُ « -‬س ُدمْ» الضباب‪ ،‬أو الرقيق منه‪ ،‬بقع ف الكرة‬ ‫السـماوية ضعيفـة النور‪ :‬منهـا مـا هـو تمـع غازات مضيئة‪ ،‬ومنهـا يضـم العديـد مـن‬ ‫خ َذ‬ ‫ت ُمّت ِ‬ ‫س ِه ْم َومَا ُكْن ُ‬ ‫ض َولَا َخ ْل َق َأْن ُف ِ‬ ‫ت وَاْلَأ ْر ِ‬ ‫سمَاوَا ِ‬ ‫الكواكب‪.‬اهـ‪ .‬مَا َأ ْش َه ْدُت ُه ْم َخ ْل َق ال ّ‬ ‫ضدًا [الكهف‪.]15 :‬‬ ‫ي َع ُ‬ ‫ضّل َ‬ ‫اْل ُم ِ‬ ‫وذكر ف معجزة القرآن قولم‪« :‬فالرض تلف حول نفسها ف أربعة وعشرين ساعة بسرعة‬ ‫ألف ميل ونصف اليل ف الساعة على طول ميطها‪ ،‬وتري ف فلكها حول الشمس بسرعة‬ ‫ثانية عشر ميل ونصف ميل ف الثانية»‪.‬‬ ‫أقول‪ :‬الطائرات تطي ف كل اتاه على مدار الساعة‪ ،‬فأيها الوافق لدورة الرض اليومية‪ ،‬وأيها‬ ‫الخالف لدورت ا‪ ،‬و ما نتي جة التخالف ف ال سرعة بالميل إذا كا نت‪ .‬وإن ق يل‪ :‬الواء تا بع‬ ‫للرض فإن كان بيث يسك من صعد إليه فلم يغادر أحد ول يقدم أحد‪.‬‬ ‫وقولم‪ :‬إن الرض تدور حول الشمس تسعمائة وأربعون مليون كيلو مترًا‪ ،‬بسرعة ‪76/29‬‬ ‫كيلو متر ف الثانية‪.‬‬ ‫أقول‪ :‬ليت صور أحد هم أ نه ف سيارة مكشو فة أو على جناح إحدى الطائرات و هي ت سي‬ ‫بسرعة تسعة وعشرين كيلو متر ف الثانية‪ ،‬كيف يكون حاله وتاسكه؟!‬ ‫وماذا عليهم لو رسوا الرض ف الوضع الذي رسوا فيه الشمس «ف أطلس العلوم الطبيعية»‬ ‫ص(‪ )120‬ورسوا الشمس ف الواضع الت رسوا فيها الرض‪ -‬إذا صحت هذه السافات‪.-‬‬ ‫علمًا بأن النتفاع بالش مس وتغ ي ف صول ال سنة والرض ساكنة هو‪ ،‬هو‪ ،‬وأن معر فة تن قل‬ ‫الشمس ف بروجها الثن عشر‪ ،‬القمر ف منازله الثمانية والعشرين كافية‪ ،‬ول فائدة تتوقف‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حد يث أ نس بن مالك ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب قال‪« :‬ل ا خلق‬ ‫ال الرض جعلت تيفد فخلق البال عليهفا فاسفتقرت‪ ،‬فتعجبفت‬ ‫اللئ كة من شدة البال‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا رب هل من خل قك شيء أ شد‬ ‫من البال؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬الد يد‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رب هل من خل قك ش يء‬ ‫أ شد من الد يد؟ قال‪ :‬ن عم‪ ،‬النار‪ .‬قالوا‪ :‬يا رب ف هل من خل قك‬ ‫شيء أشد من النار؟ قال نعم‪ :‬الريح‪ .‬قالوا‪ :‬يا رب فهل من خلقك‬ ‫أشد من الريح؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يفيها عن‬ ‫شاله»‪.‬‬ ‫ومن آيات ا أن جعلها متلفة الجناس والصفات والنافع مع أن ا‬ ‫ـا‬ ‫ـهلة وهذه حزنـة تاورهـ‬ ‫ـقة‪ :‬فهذه سـ‬ ‫قطـع متجاورات متلصـ‬ ‫وتلصـقها‪ ،‬وهذه طيبـة تنبـت وتلصـقها أرض ل تنبـت‪ ،‬وهذه تربـة‬ ‫وتلصـقها رمال‪ ،‬وهذه صـلبة ويلصـقها أرض رخوة‪ ،‬وهذه سـوداء‬ ‫ويلي ها أرض بيضاء‪ ،‬وهذه ح صا كل ها وياور ها أرض ل يو جد في ها‬ ‫حجـر‪ ،‬وهذه تصـلح لنبات كذا وكذا وهذه ل تصـلح له بـل تصـلح‬ ‫لغيه‪ ،‬وهذه سـبخة مالةـ وهذه بضدهـا‪ ،‬وهذه ليـس فيهـا جبـل ول‬ ‫معلم وهذه مسـجرة بالبال‪ ،‬وهذه ل تصـلح إل على الطـر وهذه ل‬ ‫ينفع ها ال طر بل ل ت صلح إل على سقي النار فيم طر ال سبحانه‬ ‫الاء على الرض البعيدة ويسوق الاء إليها على وجه الرض‪.‬‬ ‫على القول بدوران الرض‪.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫‪67‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وان ظر قطع ها التجاورات‪ ،‬وك يف ينل علي ها ماء وا حد فتن بت‬ ‫الزواج الختل فة التباي نة ف الش كل واللون والرائ حة والط عم والنف عة‬ ‫كما قال سبحانه‪ :‬وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد‪.]4 :‬‬ ‫فكيـف كانـت هذه الجنـة الختلفـة مودعـة فـ بطـن هذه الم‬ ‫وكيف حلها من لقاح واحد صنع ال الذي اتقن كل شيء ل إله إل‬ ‫هو‪ ،‬ولو ل أن هذا من أع ظم آيا ته لاـ ن به عل يه عباده ودعا هم إل‬ ‫التفكي فيه‪.‬‬ ‫ْضف هَامِدَةً ميتـة‪ :‬فَإِذَا أَنْزَلْنَا‬ ‫وقال سـبحانه‪ :‬وَتَرَى الْأَر َ‬ ‫عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّ تْ فتحركت وَرَبَتْ ارتفعت واخضرت‬ ‫وَأَنْبَتَ تْ مِ نْ كُلّ زَوْ جٍ بَهِي جٍ [الَ جّ‪ ]5 :‬فأخرجت عجائب النبات‬ ‫فـ النظـر والخـب «بيـج» للناظريـن «كريـ» للمتناوليـ فأخرجـت‬ ‫القوات على اختلف ها وتبا ين مقادير ها وأشكال ا وألوان ا ومنافع ها‪،‬‬ ‫والفواكه والثمار وأنواع الدوية‪ ،‬ومراعي الدواب والطي‪.‬‬ ‫وجعلهـا ذلولً على الكمـة فـ أن ل تكـن فـ غايـة الصـلبة‬ ‫والشدة كالد يد وال جر فيمت نع حفر ها وشق ها و شق أنار ها والبناء‬ ‫فيها والغرس والزرع‪ ،‬وبعث النوم عليها والشي فيها‪.‬‬ ‫ونبه بكون ا «قرارًا» على الك مة ف أن ا ل تلق ف غاية الل ي‬ ‫والرخاوة والدماثة والطي فل تسك بناء ول يستقر عليها اليوان ول‬ ‫الج سام الثقيلة‪ ،‬وكذلك ل يعل ها شفا فة ل ي ستقر علي ها النور ول‬ ‫تقبل السخونة فتبقى ف غاية البد فل يستقر عليها اليوان ول يتأتى‬ ‫فيـه النبات‪ ،‬وكذلك ل يعلهـا صـقيلة براقـة لئل يترق مـا عليهـا‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ب سبب انعكاس أش عة الش مس بل جعل ها كثي فة غباء ف صلحت أن‬ ‫تكون مستقرًا للحيوان والنام والنبات‪.‬‬ ‫فلو سـألتها‪ :‬مـن نوعهـا هذا التنوع‪ ،‬ومـن فوق أجزاءهـا هذا‬ ‫التفريق‪ ،‬ومن خصص كل قطعة منها با خصها به‪ ،‬ومن ألقى عليها‬ ‫روا سيها وف تح في ها ال سبل وأخرج من ها الاء والر عى‪ ،‬و من أم سكها‬ ‫عـن الزوال‪ ،‬ومـن بارك فيهـا وقدر فيهـا أقواتاـ‪ ،‬وأنشـأ منهـا ماءهـا‬ ‫وحيوان ا ونبات ا‪ ،‬و من و ضع في ها معادن ا وجواهر ها ومنافع ها‪ ،‬و من‬ ‫هيأ ها م ستقرًا للنام‪ ،‬و من يبدأ اللق ث يعيده إلي ها ث يرج من ها‪،‬‬ ‫و من جعل ها ذلولً غ ي م ستعصية ول متنعة‪ ،‬ومن و طأ مناكب ها وذلل‬ ‫مسـالكها ووسـع مارجهـا وشـق أنارهـا وأنبـت أشجارهـا وأخرج‬ ‫ثارهـا‪ ،‬ومـن صـدعها عـن النبات وأودع فيهـا جيـع القوات‪ ،‬ومـن‬ ‫بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة‬ ‫ل ا‪ ،‬و من الذي ي سكها أن تتحرك فتتزلزل في سقط ما علي ها من بناء‬ ‫ومعلم أو يسفها بن عليها فإذا هي تور‪.‬‬ ‫ومن الذي أن شأ من ها النوع الن سان الذي هو أبدع الخلوقات‬ ‫وأحسـن الصـنوعات؛ بـل أنشـأ منهـا آدم ونوحًا وإبراهيـم وموسـى‬ ‫وعيسـى وممدًا وعليهـم أجعيـ‪ ،‬وأنشـأ منهـا أولياءه وأحباءه‬ ‫وعباده الصـالي‪ ،‬ومـن جعلهـا حافظـة لاـ اسـتودع فيهـا مـن الياه‬ ‫والرزاق والعادن واليوان‪ ،‬و من ج عل بين ها وب ي الش مس والق مر‬ ‫هذا القدار مـن السـافة؛ فلو زادت على ذلك لضعـف تأثرهـا برارة‬ ‫الشمـس ونور القمـر فتعطلت النفعـة الواصـلة إل اليوان والنبات‬ ‫بسبب ذلك‪ ،‬ولو زادت ف القرب لشتدت الرارة والسخونة‪ -‬كما‬ ‫‪68‬‬ ‫‪69‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫نشاهده ف الصيف‪ -‬فاحترقت أبدان اليوان والنبات‪.‬‬ ‫وبالملة فكانت تفوت هذه الكمة الت با انتظام العال‪.‬‬ ‫ومـن الذي جعـل فيهـا النات والدائق والعيون‪ ،‬ومـن الذي‬ ‫جعل باطنها بيوتًا للموات وظاهرها بيوتًا للحياء‪.‬‬ ‫و من الذي ييي ها ب عد موت ا فينل علي ها الاء من ال سماء ث ير سل‬ ‫عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ ف البل فإذا كان وقت الولدة‬ ‫مضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بيج فسبحان من جعل الاء‬ ‫كالب والرض كالم والقطـر كالاء الذي ينعقـد منـه الولد فإذا حصـل‬ ‫الب ف الرض ووقع عليه الاء أثرت نداوة الطي فيه وأعانتها السخونة‬ ‫الختفية ف باطن الرض فوصلت النداوة والرارة إل باطن البة فاتسعت‬ ‫البة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقي ساق من فوقها وهي الشجرة‬ ‫وساق من تتها وهو العرق‪ ،‬ث عظم ذلك الولد حت ل يبق لبيه نسبة‬ ‫إل يه‪ ،‬ث و ضع من الولد ب عد أب يه آل فا مؤل فة‪ ،‬كل ذلك صنع الرب‬ ‫الكيم ف حبة واحدة لعلها تبلغ ف الصغر إل الغاية وذلك من البكة الت‬ ‫وضعها ال سبحانه ف هذه الم‪.‬‬ ‫فيـا لاـ مـن آيـة تكفـي وحدهـا فـ الدللة على وجود الالق‬ ‫و صفات كماله وأفعاله و صدق ر سله في ما أ خبوا به بإخراج من ف‬ ‫القبور‪ ،‬ليوم البعث والنشور‪.‬‬ ‫فتأمل اجتماع هذه العناصر الربعة وتاورها وامتزاجها وحاجة‬ ‫بعضها إل بعض وانفعال بعضها ببعض وتأثيه فيه وتأثره به بيث ل‬ ‫يكنـه إل التباع مـن التأثـر والنفعال‪ ،‬ول يسـتقل الخـر بالتأثيـ‪،‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ول يسـتغن عـن صـاحبه وفـ ذلك أظهـر دللة على أناـ ملوقـة‬ ‫مصنوعة‪ ،‬مربوبة‪ ،‬مدبرة‪ ،‬حادثة بعد عدمها‪ ،‬فقي إل موجد غن عنها‬ ‫مؤثر فيها غي متأثر‪ ،‬قدي غي مدث‪ ،‬تنقاد الخلوقات كلها لقدرته‪،‬‬ ‫وت يب دا عي مشيئته‪ ،‬وتل ب داعي وحدانيته وربوبيته‪ ،‬وتشهد بعل مه‬ ‫وحكم ته‪ ،‬وتد عو عباده إل ذكره وشكره وطاع ته وعبودي ته ومب ته‪،‬‬ ‫وتذرهم من بأسه ونقمته‪ ،‬وتثهم على البادرة إل رضوانه وجنته‪.‬‬ ‫فإذا كان يوم الوقـت العلوم وقـد ثقلهـا حلهـا وحان وقـت‬ ‫الولدة ودنو الخاض أوحى إليها ربا وفاطرها أن تضع حلها وترج‬ ‫أثقال ا‪ ،‬فتخرج الناس من بطن ها إل ظهر ها‪ ،‬وتقول‪ :‬يا رب‪ :‬هذا ما‬ ‫اسـتودعتن‪ ،‬وترج كنوزهـا بإذنـه تعال‪ ،‬ثـ تدث أخبارهـا وتشهـد‬ ‫على بنيهـا باـ عملوا على ظهرهـا مـن خيـ وشـر‪ .‬أعوذ بال مـن‬ ‫الشيطان الرج يم ب سم ال الرحنـ الرح يم إِذَا زُلْزِلَ تِ الْأَرْ ضُ‬ ‫[الزّلزَلة‪ ... ]1 :‬إل آخر السورة‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ونستيعنه ونستغفره ونتوب إليه ‪...‬‬ ‫وبعـد‪ :‬فقـد قال سـبحانه‪ :‬وَالْجِبَالَ أَرْسفَاهَا [النّازعَات‪:‬‬ ‫‪ ]32‬وقال بعد ذكر المر بالنظر إل البل والسماء وَإِلَى الْجِبَالِ‬ ‫كَيْفَ نُصِبَتْ [الغَاشِيَة‪.]19 :‬‬ ‫ث انظر كيف أحكم جوانب الرض بالبال الراسيات الشوامخ‬ ‫‪70‬‬ ‫‪71‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الصم الصلب‪ ،‬وكيف نصبها فأحسن نصبها‪ ،‬وكيف رفعها وجعلها‬ ‫ـني وترادف‬ ‫ـل على تطاول السـ‬ ‫ـلب أجزاء الرض لئل تضمحـ‬ ‫أصـ‬ ‫المطار والرياح‪.‬‬ ‫هذه البال ال ت ي سبها الا هل فضلة ف الرض ل حا جة إلي ها‬ ‫وفيها من النافع ما ل يصيه إل خالقها وناصبها‪.‬‬ ‫وفـ حديـث ضمام بـن ثعلبـة قوله للنـب ‪ « :‬بالذي نصفب‬ ‫البال وأودع فيها النافع آل أمرك بكذا وكذا؟ قال‪ :‬اللّهم نعم»‪.‬‬ ‫فمـن فمنافعهـا أن الثلج يسـقط عليهـا فيبقـى فـ قللهـا حاملً‬ ‫لشراب الناس إل حي نفاده( ‪.)1‬‬ ‫ومـن منافعهـا مـا يكون فـ حصـونا وقللهـا مـن الغارات‬ ‫والكهوف والعاقل الت بنلة الصون والقلع أكنان للناس واليوان‪.‬‬ ‫و من منافع ها ما ين حت من أحجار ها للبن ية على اختلف أ صنافعها‬ ‫والرحية وغيها‪.‬‬ ‫ومنافع ها ما يو جد في ها من العادن على اختلف أ صنافعها من‬ ‫الذهـب والفضـة والنحاس والديـد والرصـاص والزبرجـد والزمرد‬ ‫وأضعاف ذلك من أنواع العادن ال ت يع جز الب شر عن معرفت ها على‬ ‫التف صيل‪ ،‬ث هدى تعال الناس إل ا ستخراج تلك العاد من ها وألم هم‬ ‫كيـف يصـنعون منهـا النقود واللي والزينـة واللباس والسـلح‬ ‫وآلة العاش على اختلفها‪ ،‬ولول هدايته سبحانه لم إل ذلك لا كان‬ ‫‪1‬‬ ‫() ج عل في ها ليذوب أو ًل فأو ًل فتج يء م نه ال سيول الغزيرة‪ ،‬وت سيل م نه النار والود ية‪،‬‬ ‫فين بت ف الروج والوهاد والر با ضروب النبات والفوا كه والدو ية ال ت ل يكون مثل ها ف‬ ‫السهل والرمل‪ ،‬فلول البال لسقط الثلج على وجه الرض فانل جلة وساح دفعة فعدم وقت‬ ‫الا جة إل يه‪ ،‬وكا نت ف انلله جل ًة ال سيول ال ت تلك ما مرت عل يه في ضر بالناس ضررًا ل‬ ‫يكن تلفيه ول دفعهم لذيته‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫لم علم شيء منه‪.‬‬ ‫و من منافع ها أيضًا أن ا ترد الرياح العا صفة وتك سر حدت ا فل‬ ‫تدع ها ت صدم ما تت ها‪ .‬و من منافع ها أيضًا أن ا ترد عن هم ال سيول إذا‬ ‫كانت ف ماريها فتصرفها عنهم ذات اليمي وذات الشمال‪ ،‬ولولها‬ ‫خر بت ال سيول ف ماري ها ما مرت به فتكون ل م بنلة ال سد‪ .‬و من‬ ‫منافع ها أن ا أعلم ي ستدل ب ا ف الطرقات‪ ،‬ولذا ساها ال أعلمًا‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬وَمِ نْ آَيَاتِ هِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَا مِ [الشّورى‪]32 :‬‬ ‫فالواري ال سفن‪ ،‬والعلم البال‪ .‬و من منافع ها ما ين بت في ها من‬ ‫العقاقي والدوية الت ل تكون ف السهول والرمال‪ ،‬كما أن ما ينبت‬ ‫ف السهول والرمال ل ينبت مثله ف البال‪.‬‬ ‫وفيها من النافع ما ل يعلمه إل خالقها ومبدعها سبحانه‪.‬‬ ‫وإذا تأملت خلقتهـا العجيبـة البديعـة وجدتاـ فـ غايـة الطابقـة‬ ‫للحكمـة؛ فإناـ لو طالت واسـتدقت كالائط لتعذر الصـعود عليهـا‬ ‫والنتفاع باـ وسـترت عـن الناس الشمـس والواء فلم يتمكنوا مـن‬ ‫النتفاع باـ‪ ،‬ولو بسـطت على وجـه الرض لضيقـت عليهـم الزارع‬ ‫والسـاكن وللئت السـهل‪ ،‬ولو جعلت مسـتديرة شكـل الكرة ل‬ ‫يتمكنوا من صعودها ولا حصل لم با النتفاع التام‪.‬‬ ‫فخلق ها ومنافع ها من أ كب الشوا هد على قدرة بارئ ها وفاطر ها‬ ‫وعلمه وحكمته ووحدانيته‪.‬‬ ‫‪72‬‬ ‫‪73‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫هذا مـع أناـ تسـبح بمده‪ ،‬وتشـع له‪ ،‬وتتشقـق وتبـط مـن‬ ‫خشيته‪ ،‬وهي الت خافت من ربا وفاطرها وخالقها على شدتا وعظم‬ ‫خلقها من المانة الت عرضها عليها وأشفقت من حلها‪.‬‬ ‫هذا وإناـ لتعلم أن لاـ موعدًا ويومًا تنسـف فيـه نسـفًا وتصـي‬ ‫كالع هن من هوله وعظ مه‪ ،‬ف هي مشفقة من هول ذلك الوعد منتظرة‬ ‫له‪ ،‬وكانت أم الدرداء رضي ال عنها إذا سافرت فصعدت على جبل‬ ‫تقول لنـ مع ها‪ :‬أ سعت البال ما وعد ها رباـ؟ فيقال‪ :‬ما أ سعها؟‬ ‫َسففًا * فَيَذَرُهَا‬ ‫ْسففُهَا رَبّيف ن ْ‬ ‫فتقول‪ :‬وَيَس ْفأَلُونَكَ عَن ِف الْجِبَالِ فَقُلْ يَن ِ‬ ‫ففْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَفا عِوَجًفا وَلَا أَمْتًفا ( ‪[ )1‬طـه‪-105 :‬‬ ‫قَاعًفا ص َ‬ ‫‪.]107‬‬ ‫فهذا حال البال و هي الجارة ال صلبة‪ ،‬وهذه رقت ها وخشيت ها‬ ‫وتدكدك ها من جلل رب ا وعظم ته‪ ،‬و قد أ خب عن ها فاطر ها وبارئ ها‬ ‫أنه لو أنزل عليها كلمه لشعت وتصدعت من خشية ال‪.‬‬ ‫فيا عجبًا من مضغة ل م أقسى من هذه البال تسمع آيات ال‬ ‫تتلى علي ها ويذ كر الرب تعال فل تل ي ول ت شع ول تن يب‪ ،‬فل يس‬ ‫بستنكر على ال ول يالف حكمته أن يلق لا نارًا تذيبها إذا ل‬ ‫تلن بكل مه وذكره وزواجره ومواع ظه‪ ،‬ف من ل يلن ال ف هذه الدار‬ ‫قلبه ول ينب إليه ول يذبه ب به والبكاء من خشيته فليتمتع قليلً فإن‬ ‫أمامه اللي العظم‪ ،‬وسيد إل عال الغيب والشهادة فيى ويعلم‪ .‬إن‬ ‫أحسن‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السعادة ص(‪ )218 ،219 ،220 ،221 ،217 ،199‬التبيان ص (‪183‬‬ ‫‪ )16 ،184 ،‬فتاوى ج(‪ )18‬ص( ‪ )215 ،214‬ج(‪.)564 ،544 ،5/543‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫السموات‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬والكواكب‬ ‫ودللتها على خالقها العظيم‬ ‫ـل الظلمات‬ ‫ـموات والرض وجعـ‬ ‫ـد ل الذي خلق السـ‬ ‫المـ‬ ‫والنور‪ ،‬يعلم ما يلج ف الرض و ما يرج من ها و ما ينل من ال سماء‬ ‫و ما يعرج في ها و هو العز يز الغفور‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريك له شهادة أشهد با مع الشاهدين‪ ،‬وأدخرها عند ال عدة ليوم‬ ‫الديـن‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الصـطفى‪ ،‬الصـادق الذي ل‬ ‫ينطق عن الوى‪ .‬صلى ال عليه وعلى آله وأصحابه صلة دائمة بدوام‬ ‫السموات والرضي‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬قد أث ن ال ف كتا به على التفكر ين ف‬ ‫ف‬ ‫خلق السـموات والرض فقال سـبحانه وتعال‪ :‬إِنّف فِفي خَلْق ِ‬ ‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ وَاخْتِلَا فِ اللّ يْلِ وَالنّ هَارِ لَآَيَا تٍ لِأُولِي الْأَلْبَا بِ‬ ‫* الّ ذِي نَ يَذْكُرُو نَ اللّ هَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِ مْ وَيَتَفَكّ رُو نَ فِي‬ ‫خَلْ قِ ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ رَبّ نَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا‬ ‫عَذَا بَ النّارِ * رَبّ نَا إِنّ كَ مَ نْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَ هُ وَمَا لِلظّالِمِيَ‬ ‫مِ نْ أَنْ صَارٍ * رَبّ نَا إِنّ نَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيَا نِ أَ نْ آَمِنُوا بِرَبّ كُ مْ‬ ‫فَآَمَنّا رَبّ نَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّ رْ عَنّا سَيّ ئَاتِنَا وَتَوَفّ نَا مَ عَ الْأَبْرَارِ *‬ ‫رَبّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُ سُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْ مَ الْقِيَامَةِ إِنّ كَ لَا‬ ‫تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران‪.]194 -190 :‬‬ ‫‪74‬‬ ‫‪75‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وذم العرضي عن ذلك فقال‪ :‬وَجَعَلْنَا السّ مَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا‬ ‫وَهُ مْ عَ نْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُو نَ [ال نبيَاء‪ ]32 :‬ذلك أن التف كر في ها‬ ‫يدل على عظمـة خالقهـا وبانيهـا‪ ،‬ويدعـو إل تعظيـم أمره وشرعـه‪،‬‬ ‫ويثمر زيادة اليان ف قلوب ذوي اللباب‪.‬‬ ‫عباد ال لنتأمـل ولنتفكـر فـ صـنعه فـ ملكوت «السفموات»‬ ‫وعلو ها‪ ،‬و سعتها‪ ،‬وا ستدارتا‪ ،‬وع ظم خلق ها‪ ،‬وح سن بنائ ها ولون ا‪.‬‬ ‫وعجائب ش سها وقمر ها وكواكب ها‪ ،‬ومقادير ها وأشكال ا‪ ،‬وتفاوت‬ ‫مشارقها ومغارب ا‪ ،‬فهي أحكم خلقًا‪ ،‬وأتقن صنعًا‪ ،‬وأج ع للعجائب‬ ‫من بدن النسان‪ ،‬قال ال تعال‪ :‬أَأَنْتُ مْ أَشَدّ خَلْقًا أَ مِ ال سّ مَاءُ بَنَاهَا‬ ‫ش لَيْ َلهَا َوأَ ْخرَ جَ ضُحَاهَا [النازعات‪:‬‬ ‫سوّاهَا * وَأَغْ َط َ‬ ‫* َرفَ عَ سَ ْم َكهَا فَ َ‬ ‫‪ ]29 -27‬والرض والبحار والواء وكـل مـا تتـ السـموات‬ ‫بالضا فة إل السموات كقطرة ف ب ر‪ ،‬قال سبحانه‪ :‬إِنّ فِي خَلْ قِ‬ ‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضِ وَاخْتِلَا فِ اللّ يْلِ وَالنّ هَارِ وَالْفُلْ كِ الّتِي تَجْرِي‬ ‫فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَ عُ النّا سَ وَمَا أَنْزَلَ اللّ هُ مِ نَ ال سّ مَاءِ مِ نْ مَاءٍ فَأَحْيَا‬ ‫بِ هِ الْأَرْ ضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِ نْ كُلّ دَابّ ةٍ وَتَ صْرِيفِ الرّ يَا حِ‬ ‫وَال سّ حَابِ الْمُ سَخّ رِ بَيْ نَ ال سّ مَاءِ وَالْأَرْ ضِ لَآَيَا تٍ لِقَوْ مٍ يَعْقِلُو نَ‬ ‫[البَقَرَة‪ ]164 :‬فبدأ بذ كر خلق ال سموات؛ ولذا قل أن ت يء سورة‬ ‫ف القرآن إل وفي ها ذكر ها‪ :‬إ ما إخبارًا عن عظمت ها و سعتها‪ ،‬وإ ما‬ ‫إق سامًا ب ا‪ ،‬وإ ما دعاءً إل الن ظر في ها‪ ،‬وإ ما إرشادًا للعباد أن ي ستدلوا‬ ‫با على عظمة بانيها ورافعها‪ ،‬وإما استدل لً منه سبحانه بلقها على‬ ‫ما أ خب به من العاد والقيا مة‪ ،‬وإ ما ا ستدل لً م نه بربوبي ته ل ا على‬ ‫وحدانيتـه وأنـه ال الذي ل إله إل هـو‪ ،‬وإمـا اسـتدل لً منـه بسـنها‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ـا على تام‬ ‫ـا وعدم الفطور والشقوق فيهـ‬ ‫ـتوائها والتئام أجزائهـ‬ ‫واسـ‬ ‫حكمتـه وقدرتـه‪ .‬وكذلك مـا فيهـا مـن الشمـس والقمـر والكواكـب‬ ‫والعجائب ال ت تتقاصر عقول الب شر عن قليلها‪ ،‬ث هي مع ذلك مقر‬ ‫ملئكتـه الرب‪ ،‬وحـل دار جزائه؛ ومهبـط ملئكتـه ووحيـه‪ ،‬وإليهـا‬ ‫تصعد الرواح وأعمالا وكلماتا الطيبة‪.‬‬ ‫بدأ سـبحانه خلقهـا مـن بار الاء التصـاعد منـه حيـ خلقـت‬ ‫الرض و هو الدخان‪ ،‬قال تعال( ‪ :)1‬ثُمّ ا سْتَوَى إِلَى ال سّ مَاءِ وَهِ يَ‬ ‫دُخَا نٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْ ضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيَ‬ ‫[فُ صّلَت‪ .]11 :‬فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة‬ ‫كيف تراها من أعظم اليات ف ارتفاعها وسعتها‪ ،‬وقرارها بيث ل‬ ‫تصعد علوًا كالنار‪ ،‬ول ت بط نازلة كالجسام الثقيلة‪ ،‬ول عمد تتها‬ ‫تقلهـا أو علقـة ترفعهـا؛ بـل هـي مسـوكة بقدرة ال الذي يسـك‬ ‫السموات والرض أن تزول‪.‬‬ ‫ثـ تأمـل مـا وضعـت عليـه مـن هذا اللون الذي هـو أحسـن‬ ‫‪1‬‬ ‫ك‬ ‫ج َعلُو َن َل ُه َأْندَادًا َذِل َ‬ ‫ض فِي َي ْو َمْي ِن َوَت ْ‬ ‫() قال سبحانه‪ُ :‬ق ْل َأِئّن ُك ْم َلَت ْك ُفرُو َن بِاّلذِي َخَل َق اْلَأ ْر َ‬ ‫ي * َو َج َع َل فِيهَا َروَا ِس َي ِم ْن َف ْوِقهَا َوبَا َر َك فِيهَا َوَق ّد َر فِيهَا َأ ْقوَاَتهَا فِي َأ ْرَب َع ِة َأيّا ٍم َسوَا ًء‬ ‫ب اْلعَاَل ِم َ‬ ‫َر ّ‬ ‫ي [فصلت‪ ]10 ،9 :‬ففصل هنا ما يتص بالرض ما اختص بالسماء؛ فذكر أنه‬ ‫لِل سّاِئِل َ‬ ‫خلق الرض أو ًل لن ا كالساس‪ ،‬والصل أن يبدأ بالساس ث بعده بال سقف‪ ،‬خلق الرض‬ ‫ق بل خلق السماء بالنص‪ ،‬ودحو ها بعد خلق السماء‪ .‬فخلق الرض وما فيها ف أربعة أيام‪.‬‬ ‫وخلق السـموات فـ يوميـ‪ .‬ودحيهـا أن أخرج منهـا الاء والرعـى‪ ،‬وخلق البال والرمال‬ ‫ُصـَت‪ ]12 :‬أي‬ ‫سفمَا ٍء َأ ْمرَهَا [ف ّل‬ ‫والماد والكام على هذه الرض َوَأوْحَى فِي ُك ّل َ‬ ‫ورتب مقرًا ف كل ساء ما تتاج إليه من اللئكة وما فيها من الشياء الت ل يعلمها إل ال‬ ‫صلَت‪ ]12 :‬وهي الكواكب النية الشرقة على أهل‬ ‫ح [ُف ّ‬ ‫سمَا َء ال ّدْنيَا ِب َم صَابِي َ‬ ‫َو َزّينّا ال ّ‬ ‫الرض‪ .‬اهـ ابن كثي‪.‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪77‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫اللوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له( ‪.)1‬‬ ‫وهذه «الشمفس» أكـب مـن الرض بأكثـر مـن مائة مرة إذا‬ ‫فكرت ف طلوعها وغروبا لقامة دولت الليل والنهار‪ ،‬ولول طلوعها‬ ‫لب طل أ مر هذا العال؛ ف كم ف طلوع ها من ال كم وال صال‪ ،‬وك يف‬ ‫كان حال اليوان لو أمسـكت عنهـم وجعـل الليـل عليهـم سـرمدًا‬ ‫والدنيـا مظلمـة عليهـم؛ فبأي نور كانوا يتصـرفون ويتقلبون‪ ،‬وكيـف‬ ‫كانـت تنضـج ثارهـم‪ ،‬وتكمـل أقواتمـ‪ ،‬وتعتدل صـورهم وأبدانمـ‬ ‫فالِكَمُ ف طلوعها أعظم من أن تفى أو تصى‪.‬‬ ‫ولكـن تأمـل الكمـة فـ غروباـ فلول غروباـ ل يكـن‬ ‫للحيوان هدوء ول قرا مـع شدة حاجتهـم إل الدوء لراحـة أبدانمـ‬ ‫وإجام حواسـهم‪ .‬وأيضًا لو دا مت على الرض لش تد حو ها بدوام‬ ‫طلوعهـا عليهـا فأحرق كـل مـا عليهـا مـن حيوان ونبات‪ ،‬فاقتضـت‬ ‫حكمـة اللق العليـم والعزيـز الكيـم أن جعلهـا تطلع عليهـم فـ‬ ‫وقـت وتغيـب فـ وقـت بنلة سـراج يرفـع لهـل الدار مليًا ليقضوا‬ ‫مآربمـ ث يغ يب عن هم م ثل ذلك ليقروا ويهدءوا و صار ضياء النهار‬ ‫وحرارتـه وظلم الليـل وبرده على تضادهاـ ومـا فيهمـا متظاهريـن‬ ‫‪1‬‬ ‫() ح ت أن من أ صابه ش يء أ ضر بب صره يؤ مر بإدمان الن ظر إل الضرة‪ ،‬و ما قرب من ها إل‬ ‫السواد‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬فالسموات الت وصفها ال سبحانه ف القرآن بأنه بناها وأنا سقف مفوظ إل آخر ما‬ ‫ذكر عنها ف القرآن والسنة هي الت نراها بأعيننا خضراء؛ ليست هي النجوم والجرات إل‪.‬‬ ‫ج [ق‪ ]6 :‬فهي‬ ‫ف َبَنْينَاهَا َو َزّينّاهَا َومَا َلهَا ِم ْن ُفرُو ٍ‬ ‫سمَا ِء َف ْوَق ُه ْم َكْي َ‬ ‫َأَفَل ْم َيْن ُظرُوا ِإلَى ال ّ‬ ‫مبنية‪ ،‬والنجوم زينة لا‪ -‬العطف يقتضي الغايرة‪ -‬ولو كانت هي هذه النجوم لكانت كلها‬ ‫فروج‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫متعاوني على ما فيه صلح العال وقوامه ومنافع أهله( ‪.)1‬‬ ‫ث اقت ضت حكم ته سبحانه أن ج عل للش مس ارتفاعًا وانفاضًا‬ ‫لقا مة الف صول الرب عة من ال سنة‪ -‬ف في ز من «الشتاء» تغور الرارة‬ ‫فـ الجواف وبطون الرض والبال والشجـر والنبات فيتولد فيهـا‬ ‫مواد الثمار وغي ها‪ ،‬و تبد الظوا هر‪ ،‬ويغلظ الواء ب سبب البد فين شأ‬ ‫منـه السـحاب وينعقـد فيحدث الطـر والثلج والبَرَد الذي بـه حياة‬ ‫الرض وناء أبدان اليوان والنبات‪ .‬فإذا جاء «الربيففع» تركــت‬ ‫الطبائع وظهرت الواد الكام نة ف الشتاء‪ ،‬فخرج النبات‪ ،‬وأخذت الرض‬ ‫زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بيج‪ ،‬وترك اليوان للتناسل‪ ,‬فإذا‬ ‫جاء «ال صيف» سخن الواء فنض جت الثمار ويب ست البوب ف صلحت‬ ‫للحفـظ والزن‪ ،‬وتللت فضلت البدان‪ .‬فإذا جاء «الريفف» انكسـر‬ ‫ذلك السـموم والرـ وصـفا الواء واعتدل‪ ،‬وأخذت الرض والشجـر فـ‬ ‫الراحـة والموم والسـتعداد للحمـل والنبات مرة ثانيـة‪ .‬ولو كان الزمان‬ ‫كلّه فصلً واحدًا لفاتت مصال الفصول الباقية فيه‪.‬‬ ‫وجعـل سـبحانه «الريفف» برزخ ًا بيـ سـوم الصـيف وبرد‬ ‫الشتاء؛ لئل ينتقـل اليوان وهلة واحدة مـن الرـ الشديـد إل البد‬ ‫الشد يد في جد إذاه ويع ظم ضره‪ .‬وكذلك «الرب يع» برزخ ب ي الشتاء‬ ‫والصيف ينتقل فيه اليوان من برد هذا إل حر هذا بتدريج وترتيب‪،‬‬ ‫حكمة بالغة‪ ،‬وآية قاهرة‪ ،‬فتبارك ال رب العالي وأحسن الالقي‪.‬‬ ‫وجعل سبحانه طلوع الشمس دولً بي أهل الرض لينال نفعها‬ ‫‪1‬‬ ‫() وقد أشار تعال إل هذا العن ونبه عباده عليه بقول‪ُ :‬ق ْل َأ َرَأْيُت ْم ِإ ْن َج َع َل الّل ُه َعَلْي ُك ُم الّلْي َل‬ ‫َس ْر َمدًا [ال َقصَص‪]71 :‬اليات‪.‬‬ ‫‪78‬‬ ‫‪79‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وتأثيها البقاع فل يبقى موضع من الواضع الت يكن أن تطلع عليها‬ ‫إل أخذ بقسطه منها‪.‬‬ ‫واقتضى هذا التدبي الحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة‬ ‫وعشر ين ساعة‪ ،‬ويأ خذ كل منه ما من صاحبه‪ ،‬ومنت هى كل منه ما إذا‬ ‫امتد خسة عشر ساعة‪ ،‬فلو زاد مقدار النهار على ذلك إل خسي ساعة‬ ‫ل أو أكثـر اختـل نظام العال وفسـد أكثـر اليوان والنبات‪ ،‬ولو نقـص‬ ‫مث ً‬ ‫مقداره عـن ذلك لختـل النظام أيضًا وتعطلت الصـال‪ ،‬ولو اسـتويا لاـ‬ ‫اختلفت فصول السنة الت باختلفها مصال العباد واليوان فكان ف هذا‬ ‫التقد ير والتدب ي الح كم من اليات وال صال والنا فع ما ش هد بأن ذلك‬ ‫خ مِنْ ُه النّهَارَ‬ ‫تقدير العزيز العليم‪ ،‬كما قال تعال‪ :‬وَ َآَي ٌة َلهُ ُم اللّ ْيلُ نَ سْلَ ُ‬ ‫ك َت ْقدِيرُ اْل َعزِيزِ‬ ‫جرِي لِمُ سَْت َق ّر لَهَا َذلِ َ‬ ‫س تَ ْ‬ ‫َفإِذَا هُ ْم مُظْلِمُو َن * وَالشّمْ ُ‬ ‫الْعَلِيمِ [يس‪.]38 ،37 :‬‬ ‫وانظـر إل «القمفر» وعجائب آياتـه كيـف يبديـه ال كاليـط‬ ‫الدق يق‪ ،‬ث يتزا يد نوره ويتكا مل شيئًا فشيئًا كل ليلة ح ت ينت هي إل‬ ‫إبداره وكماله وتامـه‪ ،‬ثـ يأخـذ فـ النقصـان حتـ يعود إل حالتـه‬ ‫الول؛ ليظهـر مـن ذلك مواقيـت العباد فـ معاشهـم وعبادتمـ‬ ‫ومناسكهم‪ ،‬مع ما ف ذلك من الكم واليات والعب الت ل يصيها‬ ‫إل ال‪ .‬وأمـا تأثيـ نور القمـر فـ ترطيـب أبدان اليوان والنبات‬ ‫وت صليبها ليقا بل ما ف ضوء الش مس من الت سخي والتحل يل‪ ،‬وتأثيه‬ ‫فـ الياه وجزر البحـر ومده وبرانات المراض وتنقلهـا مـن حال إل‬ ‫حال‪ ،‬وغي ذلك من النافع فأمر ظاهر‪.‬‬ ‫ول ا كان اليوان قد يتاج ف الليل إل حركة ومسي وعمل ل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫يتهيـأ له بالنهار لضيـق النهار أو لشدة الرـ أو لوفـه بالنهار كحال‬ ‫كثي من اليوان‪ -‬جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما‬ ‫يتأتى معه أعمال كثية كالسفر والرث وغي ذلك‪.‬‬ ‫فسل الْجَرِيَا تِ يُ سْرًا من الكواكب والشمس والقمر من‬ ‫الذي خلقهـا وأحسـن خلقهـا‪ ،‬ورفـع مكاناـ‪ ،‬وزيـن باـ قبـة العال‪،‬‬ ‫وفاوت بيـ أشكالاـ ومقاديرهـا وألواناـ وحركاتاـ وأماكنهـا مـن‬ ‫ـه‪،‬‬ ‫ـفات كماله‪ ،‬وربوبيتـ‬ ‫ـماء( ‪ )1‬تدلك على وجود الالق‪ ،‬وصـ‬ ‫السـ‬ ‫وحكمتـه‪ ،‬ووحدانيتـه‪ :‬أعظـم دللة‪ ،‬وكلمـا دل على صـفات جلله‬ ‫ونعوت كماله دل على صدق رسله‪ .‬فكما جعل ال النجوم هداية ف‬ ‫طر يق الب والب حر ف هي هدا ية ف طرق العلم بالالق سبحانه وقدر ته‬ ‫وعلمه وحكمته والبدأ والعاد والنبوة( ‪.)2‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() فمن ها ال كبي‪ ،‬ومن ها ال صغي‪ ،‬والتو سط‪ ،‬والب يض‪ ،‬والح ر‪ ،‬والزجا جي اللون‪ ،‬والدري‬ ‫اللون‪ ،‬والتوسط ف قبة الفلك‪ ،‬والتطرف ف جوانبها‪ ،‬وبي ذلك‪ .‬ومنها ما يقطع الفلك ف‬ ‫شهر‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف عام‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف ثلثي عامًا‪ ،‬ومنها ما يقطعه ف أضعاف‬ ‫ذلك‪ .‬ومنهـا مـا ل يزال ظاهرًا أبدًا‪ ،‬ومنهـا أبدي الفاء‪ ،‬ومنهـا مـا له حالتان حالة ظهور‬ ‫واختفاء‪ ،‬ومنها ما له حركتان حركة عرضية من الشرق إل الغرب وحركة ذاتية من الغرب‬ ‫إل الشرق‪ ،‬فحالا يأخذ كوكب ف الغروب فإذا كوكب آخر ف مقابلته‪ ،‬وكوكب آخر قد‬ ‫طلع و هو آ خذ ف الرتفاع‪ ،‬وكو كب آ خر ف الر بع الشر قي‪ ،‬وكو كب آ خر ف و سط‬ ‫ال سماء‪ ،‬وكو كب آ خر قد مال عن الو سط وآ خر قد د نا من الغروب وكأ نه رقي به ينت ظر‬ ‫بطلوعه غيبته‪.‬‬ ‫() فأذا تأ مل الب صي الق مر ‪-‬مثلً‪ -‬وافتقاره إل م ل يقوم به‪ ،‬و سيه دائمًا ل يف تر‪ ،‬م سي‪،‬‬ ‫مسـخر‪ ،‬مدبر‪ ،‬وهبوطـه تارة‪ ،‬وارتفاعـه تارة‪ ،‬وأفوله تارة‪ ،‬وظهوره تارة‪ ،‬وذاهـب نوره شيئًا‬ ‫فشيئًا‪ ،‬ث عوده إل يه كذلك‪ ،‬وسلب ضوئه جلة واحدة حت يعود قطعة مظلمة بالكسوف‪-‬‬ ‫علم قطعًا أنه خلق مربوب‪ -‬مسخر تت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء‪ ،‬وعلم أن الرب‬ ‫سبحانه ل يلق هذا باطلً‪ ،‬وأن هذه الركة فيه ل بد أن تنتهي على ضده‪ ،‬وأن هذا السلطان‬ ‫ل بد أن ينتهي إل العزل‪ ،‬وسيجمع بينهما جامع التفرقات بعد أن ل يكونا متمعي؛ ويذهب‬ ‫بما حيث شاء‪ ،‬ويري الشركي من عبدتما حال آلتهم الت عبدوها من دونه‪ ،‬كما يري‬ ‫عباد الكوا كب انتثار ها‪ ،‬وعباد ال سماء انفاطار ها‪ ،‬وعباد الش مس تكوير ها‪ ،‬وعباد ال صنام‬ ‫‪80‬‬ ‫‪81‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وتفكروا فـ خلق السـموات والرض يصـل‬ ‫بكم إل ما أوصل أول اللباب؛ فقالوا‪ :‬رَبّ نَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا‬ ‫سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ [آل عِمرَان‪.]191 :‬‬ ‫أعوذ بال من الشيطان الرج يم إِنّ رَبّ كُ مُ اللّه ُف الّ ذِي خَلَ قَ‬ ‫ال سّ مَاوَاتِ وَالْأَرْ ضَ فِي سِتّ ةِ أَيّا مٍ ثُمّ ا سْتَوَى عَلَى الْعَرْ شِ يُغْشِي‬ ‫ُسفخّ رَاتٍ‬ ‫ُومف م َ‬ ‫ْسف وَالْقَمَرَ وَالنّ ج َ‬ ‫ُهف حَثِيثًا وَالشّ م َ‬ ‫اللّ يْلَ النّ هَارَ يَطْلُب ُ‬ ‫بِأَمْرِ هِ أَلَا لَ هُ الْخَلْ قُ وَالْأَمْرُ تَبَارَ كَ اللّ هُ رَبّ الْعَالَمِيَ [العراف‪:‬‬ ‫‪ ]54‬بارك ال ل ولكم ‪...‬‬ ‫إهانت ها وإلقاء ها ف النار أح قر ش يء وأذله وأ صغره‪ ،‬ك ما أرى عباد الع جل ف الدن يا حاله‬ ‫ومبارد عباده تسحقه وتحقه‪ ،‬والريح تزقه وتذروه وتنسقه ف اليم‪ ،‬وكما أرى عباد الصنام‬ ‫ف الدن يا صورها مك سرة مردلة ملقاة بالمك نة القذرة‪ ،‬ومعاول الوحد ين قد هش مت في ها‬ ‫تلك الوجوه‪ ،‬وك سرت تلك الرءوس‪ ،‬وقط عت تلك اليدي والر جل ال ت كا نت ل يو صل‬ ‫إليها بغي التقبيل والستلم‪ .‬وهذه سنة ال الت ل تتبدل وعادته الت ل تتحول أنه يرى عابده‬ ‫حال معبوده ف الدنيا والخرة‪ ،‬ويريه تبيه منه ومعاداته أحوج ما يكون إليه‪ .‬ولو شاء تعال‬ ‫لبقى القمر على حالة واحدة ل يتغي‪ ،‬وجعل التغيي ف الشمس‪ ،‬ولو شاء لغيها جيعًا‪ ،‬ولو‬ ‫شاء لبقاه ا على حالة واحدة‪ ،‬ول كن يري عباده آيا ته ف أنواع ت صاريفها ليدل م على أ نه‬ ‫الذي ل إله إل هو اللك الق البي والفعال لا يريد‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬وم ا قرأت ف ك تب ا بن تيم ية‪ -‬رح ه ال‪ -‬وأظ نه ن قض تأ سيس الهم ية قوله‪ :‬ثلثة‬ ‫أشياء ل نظي لا ف الخلوقات‪ :‬الروح‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ .‬يعن فيعتب با‪ ،‬ول الثل العلى‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف قد قال ال جل وعل‪ :‬أَوَلَ مْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُو تِ‬ ‫السّ مَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّ هُ مِنْ شَيْءٍ [العرَاف‪.]185 :‬‬ ‫عباد ال‪ :‬النظر ف السموات والرض والشمس والقمر والنجوم‬ ‫وأمثال ا نوعان‪ :‬ن ظر إلي ها بالب صر الظا هر‪ -‬فيى مثلً زر قة ال سماء‬ ‫ونوم ها وعلو ها و سعتها‪ -‬وهذا ن ظر يشارك الن سان ف يه غيه من‬ ‫اليوانات‪ ،‬وليس هو القصود بالمر‪ .‬الثان‪ :‬أن يتجاوز هذا إل النظر‬ ‫بالبصية الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول ف أقطارها وملكوت ا‬ ‫وب ي ملئكت ها‪ ،‬ث يف تح له باب ب عد باب ح ت ينت هي به سي القلب‬ ‫إل عرش الرحنـ فينظـر سـعته وعظمتـه وجلله ومده ورفعتـه‪ ،‬ويرى‬ ‫السـموات السـبع والرضيـ السـبع بالنسـبة إليـه كحلقـة ملقاة بأرض‬ ‫فلة(‪ )1‬ويرى اللئ كة حاف ي من حوله لمـ ز جل بالتسـبيح والتحم يد‬ ‫والتقد يس والت كبي‪ ،‬وال مر ينل من فو قه بتدبر المالك والنود ال ت ل‬ ‫يعلمها إل ربا ومليكها ينل المر بإحياء قوم وإماتة آخرين‪ ،‬وإعزاز‬ ‫‪1‬‬ ‫() وهذه المخلوقات بعضها فوق بعض‪ ،‬وليس بعضها محتاجًا لبعض في حمله‬ ‫له‪ .‬وعلو الرض وجهها من كل جانب‪ ،‬وأسفلها ما تحت وجهها‪ ،‬والماء يحيط‬ ‫بأكثرهككا‪ ،‬والهواء يحيككط بالماء‪ ،‬والسككماء فوق الرض محيطككة بهككا مككن كككل‬ ‫جانككب‪ ،‬والثانيككة كذلك‪ ،‬وكذا الباقككي‪ ،‬والكرسككي بيككن يدي العرش‪ ،‬والسككموات‬ ‫السبع والرضون السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلة‪ ،‬والكرسي في‬ ‫العرش كتلك الحلقكة فكي الفلة‪ ،‬يعنكي بالنسكبة إليكه فكي العظكم‪ ،‬وكذلك السكموات‬ ‫والرض بالنسككبة إلى الكرسككي‪ .‬وتحككت العرش بحككر‪ ،‬والعرش فوق جميككع‬ ‫المخلوقات مثكل القبكة‪ ،‬وهكو أوسكعها وأجمعهكا لصكفات الحسكن وبهاء المنظكر‬ ‫وعلو القدر والرتبككة والذات‪ ،‬ول يقدر قدر عظمتككه إل ال‪ .‬ومجده مسككتفاد مككن‬ ‫مجد خالقه ومبدعه‪ ،‬وهو سقف جنة عدن التي هي أعل الجنة‪ ،‬وله قوائم‪ ،‬وال‬ ‫فوق العرش‪.‬‬ ‫‪82‬‬ ‫‪83‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫قوم وإذلل آخريــن‪ ،‬وإســعاد قوم وشقاوة آخريــن‪ ،‬وإنشاء مُلك‬ ‫وسـلب مُلك‪ ،‬وتويـل نعمـة مـن ملـ إل ملـ‪ .‬وقضاء الاجات على‬ ‫اختلفها وتباينها وكثرت ا‪ :‬من جب ك سي‪ ،‬وإغناء فقي‪ ،‬وشفاء مريض‪،‬‬ ‫وتفريـج كرب‪ ،‬ومغفرة ذنـب‪ ،‬وكشـف ضـر‪ ،‬ونصـر مظلوم‪ ،‬وهدايـة‬ ‫حيان‪ ،‬وتعليم جاهل‪ ،‬ورد آبق‪ ،‬وأمان خائف‪ ،‬وغجارة مستجي‪ ،‬ومددٍ‬ ‫لضعيـف‪ ،‬وإغاثـة للهوف‪ ،‬وإعانـة لعاجـز‪ ،‬وانتقام مـن ظال‪ ،‬وكـف‬ ‫لعدوان‪ -‬فهي مراسيم دائرة بي العدل والفضل‪ ،‬والكمة والرحة‪ ،‬تنفذ‬ ‫ف أقطار العوال‪ ،‬ل يشغله سع شيء منها عن سع غيه‪ ،‬ول تغلطه كثرة‬ ‫ـ واتاد وقت ها‪ ،‬ول ي تبم بإلاح‬ ‫ال سائل والوائج على اختلف ها وتباينه ا‬ ‫اللح ي‪ ،‬ول تن قص ذرة من خزائ نه‪ ،‬ل إله إل هو العز يز الك يم فحينئذ‬ ‫يقوم القلب ب ي يدي الرح ن مطرقًا ليب ته خاشعًا لعظم ته‪ ،‬عان لعز ته‪،‬‬ ‫فيسجد بي يدي الق البي سجدة ل يرفع رأسه منها إل يوم القيامة‪.‬‬ ‫فهذا سفر القلب وهو ف وطنه وداره ومل ملكه‪ ،‬وهذا من أعظم‬ ‫آيات ال وعجائب صنعه‪ ،‬فيا له من سفر ما أبركه وأروحه‪ ،‬وأعظم ثرته‬ ‫وأرب ه‪ ،‬وأ جل منفع ته وأح سن عاقب ته‪ ،‬سفر هو حياة الرواح‪ ،‬ومفتاح‬ ‫السعادة‪ ،‬وغنيمة العقول واللباب؛ ل كالسفر الذي هو قطعة من العذاب‬ ‫ت وَالّنذُرُ عَ نْ‬ ‫ض وَمَا ُتغْنِي اْل َآيَا ُ‬ ‫ت وَاْلأَرْ ِ‬ ‫ُقلِ انْ ُظرُوا مَاذَا فِي ال سّمَاوَا ِ‬ ‫َقوْ مٍ لَا ُيؤْمِنُو نَ (‪[ )1‬يُونس‪ .]101 :‬وقال سبحانه‪ :‬اللّ هُ اّلذِي خَلَ قَ‬ ‫ض مِثْ َلهُنّ يَتََن ّزلُ اْلأَ ْم ُر بَيَْنهُنّ لِتَعْلَمُوا أَنّ اللّ هَ‬ ‫سَبْعَ سَ َموَاتٍ َومِ َن اْلأَرْ ِ‬ ‫َاطف بِ ُك ّل شَيْءٍ ِعلْمًا [الطلق‪:‬‬ ‫ّهف َقدْ َأح َ‬ ‫عَلَى ُك ّل شَيْ ٍء َقدِيرٌ َوأَنّ الل َ‬ ‫‪ ]12‬عباد ال إن أحسن الديث كتاب ال ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السكككعادة ص(‪ ،)126 ،125 ،156 ،207 ،198 ،197‬التكككبيان‬ ‫ص(‪ ،)61 ،176 ،175 ،105 ،165‬بدائع الفوائد ج(‪،)115 ،1/116‬‬ ‫الصككككواعق المرسككككلة ص(‪ ،)1567‬مجموع الفتاوى ج(‪ )599 ،6/596‬ج(‬ ‫‪ )150 ،151 ،5/64‬ج(‪.)17/223‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫(وما بينهما) الواء‪ ،‬ومنافعه‪،‬‬ ‫والرياح والريح خيها وشرها‬ ‫المد ل الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججًا‪،‬‬ ‫وأوجب الفوز بالنجاة لن شهد له بالوحدانية شهادة ل يبغ لا عوجًا‪،‬‬ ‫أسـبغ على عباده نعمـه الفرادى والتوائم‪ ،‬وسـخر لمـ الب والبحـر‬ ‫والشمـس والقمـر والواء والطـر والليـل والنهار‪ ،‬والعيون والنار‪،‬‬ ‫والضياء والظلم‪ ،‬وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إل‬ ‫جواره ف دار السلم‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول سـي له‪ ،‬ول‬ ‫كفـو له‪ ،‬ول صـاحبة له‪ ،‬ول ولد له‪ ،‬ول شـبيه له‪ ،‬ول يصـي أحـد‬ ‫ثناءً عليه؛ بل هو كما أثن على نفسه وفوق ما يثن عليه خلقه‪ .‬وأشهد‬ ‫أن ممدًا عبده ور سوله‪ ،‬وخي ته من خل قه‪ ،‬وأمي نه على وح يه‪ ،‬و سفيه‬ ‫بينـه وبيـ عباده‪ .‬أرسـله رحةـ للعاليـ‪ ،‬وقدوة للعامليـ‪ ،‬ومجـة‬ ‫للسـالكي‪ ،‬وحجـة على العباد أجعيـ‪ .‬جاهـد أعداء ال باليـد والقلب‬ ‫والل سان‪ ،‬فد عا إل ال على ب صية‪ ،‬و سار ف ال مة بالعدل والح سان‬ ‫ِهـ العظيـم أحسـن سـية‪ ،‬إل أن أشرقـت برسـالته الرض بعـد‬ ‫وخُلُق ِ‬ ‫ظلمها‪ ،‬وتألفت به القلوب بعد شتاتا‪ ،‬وسارت دعوته سي الشمس‬ ‫‪84‬‬ ‫‪85‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فـــــــــــــــــــــــــ القطار‪،‬‬ ‫وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار‪ .‬فجزاه ال عن أمته أفضل الزاء‪،‬‬ ‫وصلى عليه صلة تبلغ أقطار الرض والسماء‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال «الرياح» من أع ظم آيات ال الدالة على‬ ‫عظمته وربوبيته وقدرته‪ .‬وفيها من العب‪ :‬هبوب ا‪ ،‬وسكونا‪ ،‬ولينها‪،‬‬ ‫وشدتاـ‪ ،‬واختلف طبائعهـا‪ ،‬وصـفاتا‪ ،‬ومهاباـ‪ ،‬وتصـريفها‪ ،‬وتنوع‬ ‫منافع ها‪ ،‬وشدة الا جة إلي ها؛ ولذا أق سم ال سبحانه ب ا ف قوله‬ ‫ـر‪،‬‬ ‫ـي الرياح‪ :‬تذروا الطـ‬ ‫وَالذّارِيَاتفِ ذَرْوًا [الذّاريَات‪ ]1 :‬وهـ‬ ‫وتذروا التراب‪ ،‬وتذروا النبات إذا ت شم‪ ,‬ث ب ا فوق ها و هو ال سحاب‬ ‫فَالْحَامِلَا تِ وِقْرًا [الذّاريَات‪ ] 2 :‬أي ثقلً من الاء ي سوقها ال‬ ‫سبحانه على متون الرياح‪ ،‬فالقسم با دليل على أنا من أعظم آياته‪.‬‬ ‫هذا «الواء» اللطيـف الحبوس بيـ السـماء والرض يدرك‬ ‫ج سمه ب س الل مس ع ند هبو به ول يرى شخ صه‪ ،‬يري ب ي ال سماء‬ ‫والرض‪ ،‬والط ي مل قة ف يه سابة بأجنحت ها ف أموا جه ك ما ت سبح‬ ‫حيوانات البحر ف الاء‪ ،‬وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما‬ ‫تضطرب أمواج البحـر‪ ,‬فإذا شاء ال سـبحانه حركـه بركـة الرحةـ‬ ‫فجعله رخاء‪ ،‬ورح ةً‪ ،‬وبشرى ب ي يدي رح ته‪ ،‬ولقحًا لل سحاب( ‪.)1‬‬ ‫وإن شاء حركـه بركـة عذاب فجعله عقيمًا‪ ،‬وأودعـه عذابًا أليمًا‪،‬‬ ‫وجعله نق مة على من شاء من عباده‪ ،‬فجعله صرصرًا‪ ،‬ون سًا وعاتيًا‬ ‫ومفسدًا لا ير به ومسببًا للفيضان الدمر‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وتسكككككمى رياح الرحمكككككة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسكككككلت‬ ‫والرخاء واللواقكح‪ .‬ورياح العذاب العاصكف والقاصكف وهمكا فكي البحكر والعقيكم‬ ‫والصرصر وهما في البر‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وهـي فـ قوتاـ أشـد مـن الديـد والنار والاء‪ ،‬ومـع ذلك فهـي‬ ‫ألطف شيء وأقبل الخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثي لطيفة‬ ‫السارق بي السماء والرض‪.‬‬ ‫تأمـل هذا الواء ومـا فيـه مـن الصـال؛ فإنـه حياة هذه البدان‪،‬‬ ‫والمسك لا من داخل با تستنشق منه‪ ،‬ومن خارج با تِبَاشَرُ به من‬ ‫رَوْحِه‪ ،‬فتتغذى به ظاهرًا وباطنًا‪.‬‬ ‫فحياة مـا على الرض مـن نبات وحيوان بالرياح؛ فإنـه لول‬ ‫تسخي ال لا لعباده لذوى النبات‪ ،‬ومات اليوان‪ ،‬وفسدت الطاعم‪،‬‬ ‫وأنتـ العال وفسـد‪ .‬فسـبحان مـن جعـل هبوب الرياح تأتـ بروحـه‬ ‫ورحته ولطفه ونعمته‪ ،‬كما قال النب ‪ « :‬الرياح من روح ال تأت‬ ‫بالرحة»‪.‬‬ ‫الرياح تلقـح الشجـر والنبات‪ ،‬ولواهـا لكانـت عقيمًا‪ ،‬وكذلك‬ ‫الرياح تسي السفن ولولها لوقفت على ظهر البحر‪ .‬ومن منافعها أنا‬ ‫تبد الاء‪ ،‬وتضرم النار ال ت يراد إضرام ها‪ ،‬وت فف الشياء ال ت يتاج‬ ‫إل جفافها‪ .‬وهو الامل لذه الروائح على اختلفها ينقلها من موضع‬ ‫إل مو ضع‪ ،‬فيأ ت الع بد الرائ حة من ح يث تبـ الر يح‪ .‬و هو أيضًا‬ ‫الامل للحر والبد اللذين بما صلح اليوان والنبات‪.‬‬ ‫وتأملوا الك مة البال غة ف كون الر يح ف الب حر تأ ت من و جه‬ ‫وا حد ل يعارض ها ش يء؛ فإن ال سفينة ل ت سي إل بر يح واحدة من‬ ‫وجه واحد سيها‪ ،‬فإذا اختلف عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو‬ ‫سبب اللك‪ ،‬فالقصود ب ا ف البحر غي القصود ب ا ف الب؛ ف الب‬ ‫ـ‪،‬‬ ‫ـورتا وحدتاـ‬ ‫ـر سـ‬ ‫ـا وتكسـ‬ ‫ـل لا ـ ريًـا أخرى تقابلهـ‬ ‫جعـ‬ ‫‪86‬‬ ‫‪87‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فيب قى لين ها ورحت ها‪ ،‬فرياح الرح ة متعددة‪ .‬وأ ما ر يح العذاب فإ نه‬ ‫ريح واحدة ترسل من وجه واحد لهلك ما ترسل بإهلكه فل تقوم‬ ‫لا ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتا وتدفع حدتا‪.‬‬ ‫وج عل سبحانه الر يح لل سفن بقدر لو زاد علي ها لغرق ها‪ ،‬ولو‬ ‫نقص عنه لعاقها‪.‬‬ ‫والرياح ت مل ال صوت ع ند ا صطكاك الجرام وتؤد يه إل م سامع‬ ‫الناس فينتفعون بـه فـ حوائجهـم ومعاملتمـ بالليـل والنهار‪ .‬كالبيـد‬ ‫حدُ ثُ الركات العظي مة من‬ ‫والر سول الذي من شأ نه ح ل الخبار‪ .‬وتَ ْ‬ ‫حركاتم فلو كان أثر هذه الركات والصوات يبقى ف الواء كما يبقى‬ ‫الكتاب والقرطاس لمتل العال م نه‪ ،‬ولع ظم الضرر به‪ ،‬واشتدت مؤن ته‪،‬‬ ‫واحتاج الناس إل موه من الواء وال ستبدال به أع ظم من حاجت هم إل‬ ‫استبدال الكتاب الملوء كتابة فاقتضت حكمة العزيز الكيم أن جعل هذا‬ ‫الواء قرطا سًا خفيفًا يمل الكلم بقدر ما ُيبَِلّ ُغ الاجة ث يحى بإذن ربه‬ ‫فيعود جديدًا نقيًا ل شيء فيه فيحمل ما حل كل وقت‪.‬‬ ‫فسـل الرياح مـن أنشأهـا بقدرتـه‪ ،‬و صرفها بكمتـه‪ ،‬وسـخرها‬ ‫بشيئ ته‪ ،‬وأر سلها بشرى ب ي يدي رح ته‪ .‬جعل ها سببًا لتمام نعم ته‪،‬‬ ‫وسلطانًا على من شاء بعقوبته‪ ،‬ومن جعلها رُخَاءً‪ ،‬وذارية‪ ،‬ولقحة‪،‬‬ ‫ومثية‪ ،‬ومؤلفـة‪ ،‬ومغذيـة لبدان اليوان والشجـر والنبات‪ .‬وجعلهـا‬ ‫قاصفًا‪ ،‬وعاصفًا ومهلكة‪ ،‬وعاتية‪ ،‬إل غي ذلك من صفاتا‪ .‬فهل ذلك‬ ‫لاـ مـن نفسـها وذاتاـ‪ ،‬أم بتدبيـ مدبر شهدت الوجودات بربوبيتـه‪،‬‬ ‫وأقرت الصـنوعات بوحدانيتـه‪ ،‬بيده النفـع والضـر‪ ،‬وله اللق والمـر‬ ‫تبارك ال رب العالي‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ول ا كانت الرياح تول ف الرض وتدخل ف تاويفها وتدث‬ ‫فيها البرة وتتنق الرياح ويتعذر عليها النفذ أذن ال سبحانه لا ف‬ ‫الحيان بالتنفس فتحدث ل ا الزلزل العظام‪ ،‬فيحدث من ذلك لعباده‬ ‫الوف والشيـة والنابـة‪ ،‬والقلع عـن معاصـيه‪ ،‬والتضرع إليـه‪،‬‬ ‫والندم؛ كمـا قال بعـض السـلف‪ -‬وقـد زلزلت الرض‪ -‬إن ربكـم‬ ‫يستعتبكم‪ .‬وقال عمر بن الطاب رضي ال عنه ‪ :‬وقد زلزلت الدينة‬ ‫فخطبهم ووعظهم وقال‪ :‬لئن عادت ل أساكنكم فيها‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال واع تبوا بلق الواء والرياح و ما ج عل ال في ها‬ ‫ـ مـن العذاب‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬ ‫مـن النافـع لعباده‪ ،‬ومـا جعـل فيه ا‬ ‫س ِكنِ الرّيحَ‬ ‫حرِ كَالْأَعْلَامِ * إِ ْن َيشَ ْأ يُ ْ‬ ‫جوَا ِر فِي الْبَ ْ‬ ‫الرجيم وَمِنْ َآيَاتِ ِه الْ َ‬ ‫فَيَظْلَلْ نَ َروَاكِدَ عَلَى َظ ْهرِ ِه إِنّ فِي َذلِ كَ َل َآيَا تٍ ِل ُكلّ صَبّا ٍر شَكُورٍ * َأوْ‬ ‫يُوِب ْقهُ ّن بِمَا َكسَبُوا َويَعْفُ َعنْ كَِثيٍ [الشورى‪ ]34 -32 :‬بارك ال‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل ‪...‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فتأملوا عباد ال الكمة البديعة ف تيسيه سبحانه على‬ ‫عباده ما هم أحوج إليه وتوسيعه وبذله‪ -‬فكلما كانوا أحوج إليه كان‬ ‫أك ثر وأو سع‪ ،‬وكل ما ا ستغنوا ع نه كان أ قل‪ ،‬وإذا تو سطت الا جة‬ ‫توسـط وجوده‪ .‬واعتـبوا هذا بالصـول الربعـة‪ :‬التراب‪ ،‬والاء‪،‬‬ ‫والواء‪ ،‬والنار‪ .‬تأملوا سعة ما خلق ال منها وكثرته‪.‬‬ ‫تأملوا سـعة الواء وعمومـه ووجوده بكـل مكان؛ لن اليوان‬ ‫ملوق فـ الب ل يكنـه الياة إل بـه فهـو معـه أينمـا كان وحيـث‬ ‫‪88‬‬ ‫‪89‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫كان؛ ل نه ل يستغن عنه ل ظة واحدة‪ ،‬ولوا سعته وامتداده ف أقطار‬ ‫العال لختنـق العال مـن الدخان والبخار التصـاعد النعقـد‪ .‬فتأمـل‬ ‫حكمة ربك ف أن سخر له الرياح فإذا تصاعد إل الو أحالته سحابًا‬ ‫أو ضبابًا فأذهبت عن العال شره وأذاه‪.‬‬ ‫ف سل الاحد ين مـن الذي دبر هذا التدب ي‪ ،‬وقدر هذا التقديـر‪.‬‬ ‫و هل يقدر العال كل هم لو اجتمعوا أن ييلوا ذلك ويقلبوه سحابًا أو‬ ‫ضبابًا أو يذهبوه عن الناس ويكشفوه عن هم؟! ولو شاء ر به تعال أن‬ ‫يبس عنه الرياح فاختنق على وجه الرض فأهلك ما فيها من اليوان‬ ‫والناس إِنّ رَبّ كُ مْ لَرَءُو فٌ رَحِي مٌ [النّ حل‪ ]7 :‬فاشكروه تعال‪،‬‬ ‫واتقوه‪ ،‬واعتبوا يا أول البصار‪.‬‬ ‫واعلموا عباد ال أن النـب أرشـد إل مـا يقال عنـد شدة‬ ‫هبوب الرياح من الدعاء الذي هو عبودية ل‪ ،‬واعتراف بأنا إنا تب‬ ‫بأمره؛ فهو الذي أوجدها‪ ،‬وأمرها‪ ،‬وصرفها‪ ،‬عن أب بن كعب رضي‬ ‫ال عنـه ‪ ،‬أن رسـول ال قال‪« :‬ل تسفبوا الريفح فإذا رأيتفم مفا‬ ‫تكرهون فقولوا‪ :‬اللهم إنا نسألك من خي هذه الريح وخي ما فيها‬ ‫وخي ما أمرت به‪ ،‬ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر‬ ‫ما أمرت به» فهذه حال أ هل اليان خلفًا لال أ هل ال هل والفاء‬ ‫والعصيان( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() التكككككككبيان ص (‪ ،)175 -173‬مفتاح (‪،218 ،224 – 200 ،216 ،205‬‬ ‫‪.)282 ،206‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫السحاب‪ ،‬والنبات‪ ،‬والثمار‬ ‫ال مد ل الكر ي النان‪ ،‬وا سع العطاء جز يل الح سان‪ .‬وأش هد‬ ‫أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائم بأرزاق خلقـه مـن حيوان‬ ‫وإ نس وجان‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله كان إذ حز به أ مر فزع‬ ‫إل ال صلة‪ ،‬وإذا أجد بت الرض ر فع يد يه إل ال سماء‪ ،‬ف ما تتخلف‬ ‫إجابـة ذلك الدعاء‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد‪،‬‬ ‫وعلى آله وأصحابه البرة نوم الدجا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬من آيات ال «ال سحاب» ال سخر ب ي‬ ‫السـماء والرض كيـف ترونـه يتمـع فـ جـو صـاف ل كدرة فيـه‪،‬‬ ‫وك يف يل قه ال م ت شاء وإذا شاء‪ ،‬و هو مع لي نه ورخاو ته حا مل‬ ‫للماء الثقيل بي السماء والرض إل أن يأذن له ربه وخالقه ف إرسال‬ ‫ما معه من الاء‪ .‬روى الترمذي وغيه عن أب هريرة رضي ال عنه ‪،‬‬ ‫قال‪ :‬بين ما ال نب جالس ف أ صحابه إذ أ تى علي هم سحاب‪ ،‬فقال‬ ‫النـب ‪« :‬هفل تردون مفا هذه؟» قالوا‪ :‬ال ورسـوله أعلم‪ .‬قال‪:‬‬ ‫« هذا العنان‪ ،‬هذه روايفا الرض‪ -‬أي الاملة للماء‪ -‬يسفوقها ال‬ ‫إل قوم ل يشكرو نه ول يدعونه» يع ن ل سعة رح ته وحل مه سبحانه‬ ‫يسقي به من يطيعه ومن يعصيه‪ .‬وكان ال سن البصري رح ه ال إذا‬ ‫رأى السحاب قال‪ :‬ف هذه وال رزقكم‪ ،‬ولكنكم ترمونه بطاياكم‬ ‫وذنوب كم‪ .‬وقال ال تعال‪ :‬وَفِي ال سّ مَاءِ رِزْقُكُ مْ وَمَا تُوعَدُو نَ‬ ‫[الذاريات‪ ] 22 :‬فالرزق ال طر‪ ،‬و ما توعدون به ال نة‪ ،‬وكله ا ف‬ ‫السماء‪.‬‬ ‫‪90‬‬ ‫‪91‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وف الصحيح عن النب قال‪« :‬بينا رجل بفلة من الرض إذ‬ ‫سع صوتًا ف سحابة‪ :‬ا سق حدي قة فلن‪ .‬فتن حى ذلك ال سحاب‬ ‫فأفرغ ماءه فف حرة فإذا بشرجفة مفن تلك الشراج قفد اسفتوعبت‬ ‫ذلك الاء‪ ،‬فتبع الاء فإذا رجل قائم ف حديقته يول الاء بسحاته‪،‬‬ ‫فقال له‪ :‬يفا عبدال مفا اسفك؟ قال‪ :‬فلن‪ .‬للسفم الذي سفع فف‬ ‫ال سحابة‪ .‬فقال له‪ :‬يا عبدال ل سألتن عن ا سي؟ قال‪ :‬إ ن سعت‬ ‫صفوتًا فف السفحاب الذي هذا ماؤه يقول‪ :‬اسفق حديقفة فلن‪-‬‬ ‫ل سك‪ -‬ف ما ت صنع في ها؟ قال‪ :‬أ ما إذ قلت هذا فإ ن أن ظر إل ما‬ ‫يرج من ها فأت صدق بثل ثه‪ ،‬وآ كل أ نا وعيال ثلثًا‪ ،‬وأرد في ها ثل ثه»‬ ‫و ف رواية‪« :‬وأج عل ثل ثه لليتا مى وال ساكي وا بن السبيل» أخر جه‬ ‫مسلم‪.‬‬ ‫فتأملوا كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطي والذر‬ ‫والنحـل يسـوقه رزقًا للحيوان الفلنـ‪ ،‬فـ الرض الفلنيـة‪ ،‬بانـب‬ ‫ال بل الفل ن‪ ،‬في صل إل يه على شدة من الا جة والع طش‪ ،‬ف و قت‬ ‫كذا وكذا‪.‬‬ ‫وتأملوا رح كم ال‪ :‬كم سخر سبحانه للسحاب من ريح حت‬ ‫أمطر‪ :‬فسخرت له الثية أوّ لً فتثيه بي السماء والرض‪ ،‬ث سخرت‬ ‫له الاملة التـ تمله على متنهـا كالمـل الذي يمـل الراويـة‪ ،‬ثـ‬ ‫سخرت له الؤلفة فتؤلف بي كسفه وقطعه ث يتمع بعضها إل بعض‬ ‫فتصـي طبقًا واحدًا‪ ،‬ثـ سـخرت له اللقحـة فتحمـل الاء مـن البحـر‬ ‫وتلقحها به كما يلقح الفحل النثى فيحمل الاء من وقته كما تمل‬ ‫النثى من لقاح الفحل‪ ،‬ولولها لكان جهامًا ل ماء فيه‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فال سبحانه ينشئ الاء من السحاب إنشاء‪ :‬تارة بقلب الواء ما‬ ‫فيلقح به السحاب‪ ،‬وتارة يمله الواء من البحر فيلقح به السحاب‪.‬‬ ‫ولذا تد البلد القريبة من البحر كثية المطار وإذا بعدت من البحر‬ ‫قل مطرها‪.‬‬ ‫ث تأملوا الكمة البالغة ف نزول الطر على الرض من علو ليعم‬ ‫ب سقيه وهاد ها وتلول ا وظراب ا وآكام ها ومنخفض ها ومرتفع ها‪ ،‬ولو‬ ‫كان رباـ يسـقيها مـن ناحيـة مـن نواحيهـا لاـ أتـى الاء على الناحيـة‬ ‫الرتف عة إل إذا اجت مع ف ال سفلى وك ثر و ف ذلك ف ساد‪ ،‬فاقت ضت‬ ‫حكم ته أن سقاها من فوق ها‪ ،‬ث أنزله إل الرض بغا ية من الل طف‬ ‫والك مة ال ت ل اقتراح لم يع عقول الكماء فوق ها‪ ،‬فيش ال سحاب‬ ‫الاء على الرض رش ًا‪ ،‬ويرسـله قطرات مفصـلة ل تتلط منـه قطرة‬ ‫بأخرى‪ ،‬ول يتقدم متأخرهـا‪ ،‬ول يتأخـر متقدمهـا‪ ،‬ول تدرك القطرة‬ ‫صاحبتها فتمتزج با‪ ،‬بل تنل كل واحدة ف الطريق الذي رسم لا ل‬ ‫تعدل ع نه ح ت ت صيب الرض قطرة قطرة‪ ،‬قد عي نت كل قطرة من ها‬ ‫لزء من الرض ل تتعداه إل غيه‪ .‬فلو اجتمع اللق كلهم أن يلقوا‬ ‫منها قطرة واحدة أو ي صوا عدد القطر ف ل ظة واحدة لعجزوا عنه‪.‬‬ ‫أنزله ومعه رحته إل الرض‪.‬‬ ‫ثـ تأمـل الكمـة البالغـة فـ إنزاله بقدر الاجـة‪ ،‬حتـ إذا مـا‬ ‫أخذت الرض حاجت ها م نه وكان تتاب عه علي ها ب عد ذلك يضر ها أقلع‬ ‫عنها وأعقبه بالصحو‪ ،‬فلو توالت المطار لهلكت ما ف الرض‪ ،‬ولو‬ ‫زادت على الاجــة أفســدت البوب والثمار وعفنــت الزرع‬ ‫والضراوات وأرخـت البدان وخثرت الواء فحدثـت ضروب مـن‬ ‫‪92‬‬ ‫‪93‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫المراض وفسـد أكثـر الآكـل وتقطعـت السـالك والسـبل‪ .‬ولو دام‬ ‫الصـحو لفـت البدان وغيـض الاء وانقطـع معيـ العيون والبار‬ ‫والنار والودية‪ ،‬وعظم الضرر‪ ،‬واحتدم الواء فيبس ما على الرض‪،‬‬ ‫وجفـت البدان‪ ،‬وغلب اليبـس‪ ،‬وأحدث ذلك ضروبًا مـن المراض‬ ‫ع سرة الزوال‪ .‬فاقت ضت حك مة اللط يف ال بي أن عا قب ب ي ال صحو‬ ‫والطـر على هذا العال فاعتدل المـر وصـح الواء ودفـع كـل واحـد‬ ‫منهما عادية الخر‪ ،‬وستقام أمر العال وصلح‪.‬‬ ‫ث ك يف أود عه ف الرض‪ ،‬ث أخرج أنواع الغذ ية والدو ية‬ ‫والقوات‪ .‬فهذا النبات يغذي‪ ،‬وهذا ي صلح الغذاء‪ ،‬وهذا ينفذه‪ ،‬وهذا‬ ‫يض عف‪ ،‬وهذا سم قا تل‪ ،‬وهذا الشفاء من ال سم‪ ،‬وهذا يرض‪ ،‬وهذا‬ ‫دواء من الرض‪ ،‬وهذا يبد‪ ،‬وهذا ي سخن‪ ،‬وهذا إذا ح صل ف العدة‬ ‫ق مع ال صفراء من أعماق العروق‪ ،‬وهذا إذا ح صل في ها ولد ال صفراء‬ ‫وا ستحال إلي ها‪ ،‬وهذا يد فع البل غم وال سوداء‪ ،‬وهذا ي ستحيل إليه ما‪،‬‬ ‫وهذا يهيـج الدم‪ ،‬وهذا يسـكنه‪ ،‬وهذا ينوم‪ ،‬وهذا ينـع النوم‪ ،‬وهذا‬ ‫يفرح‪ ،‬وهذا يلب ال غم‪ ،‬وغ ي ذلك من عجائب النبات ال ت ل تكاد‬ ‫تلو ورقـة منـه ول عرق ول ثرة مـن منافـع تعجـز عقول البشـر عـن‬ ‫الحاطة با وتفصيلها‪.‬‬ ‫وانظـر إل ماري الاء فـ تلك العروق الرقيقـة الضئيلة الضعيفـة‬ ‫التـ ل يكاد البصـر يدركهـا إل بعـد تديقـه كيـف يقوي قسـره‬ ‫واجتذابـه مـن مقره ومركزه إل فوق‪ ،‬ثـ ينصـرف فـ تلك الجاري‬ ‫ب سب قبول ا وسعتها وضيقها‪ ،‬ث تتفرق وتتشعب وتدق إل غاية ل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ينالا البصر‪.‬‬ ‫ث انظر إل تكوين حل الشجرة ونقلته من حال إل حال كتنقل‬ ‫أحوال الني الغيب عن البصار ترى العجب العجاب‪.‬‬ ‫فتبارك ال رب العالي‪ ،‬وأحسن الالقي‪ .‬بينا تراها حطبًا قائمًا‬ ‫عاريًا ل كسـوة عليهـا إذ كسـاها رباـ وخالقهـا مـن الزهـر أحسـن‬ ‫ك سوة‪ ،‬ث سلبها تلك الك سوة وك ساها من الورق ك سوة هي أث بت‬ ‫من الول‪ ،‬ث أطلع في ها حل ها ضعيفًا ضئيلً ب عد أن أخرج ورق ها‬ ‫صـيانة وثوب ًا لتلك الثمرة الضعيفـة لتسـتجن بـه مـن الرـ والبد‬ ‫والفات‪ ،‬ثـ سـاق إل تلك الثمار رزقهـا وغذاهـا فـ تلك العروق‬ ‫والجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلب أمه‪ ،‬ث رباها وناها شيئًا‬ ‫فشيئًا حتـ اسـتوت وكملت وتناهـى إدراكهـا‪ ،‬فأخرج ذلك النيـ‬ ‫اللذ يذ الل ي من تلك الط بة ال صماء‪ .‬هذا و كم ل من آ ية في ما ي قع‬ ‫الس عليه ويبصره العباد وما ل يبصرونه‪ .‬تفن العمار دون الحاطة‬ ‫ب ا وبم يع تفا صيلها‪ :‬أَوَلَ مْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْ ضِ كَ مْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِ نْ‬ ‫كُلّ زَوْ جٍ كَرِيٍ * إِنّ فِي ذَلِ كَ لَآَيَةً وَمَا كَا نَ أَكْثَرُهُ مْ مُؤْمِنِيَ‬ ‫[الشعراء‪ ]8 ،7 :‬فاعتبوا يا أول البصار‪ ،‬واتقوا ال‪ .‬أعوذ بال من‬ ‫الشيطان الرجيم هُوَ الّ ذِي أَنْزَلَ مِ نَ ال سّ مَاءِ مَاءً لَكُ مْ مِنْ هُ شَرَا بٌ‬ ‫وَمِنْ هُ شَجَرٌ فِي هِ تُ سِيمُونَ * يُنْبِ تُ لَكُ مْ بِ هِ الزّ رْ عَ وَالزّ يْتُو نَ وَالنّ خِيلَ‬ ‫وَالْأَعْنَا بَ وَمِ نْ كُلّ الثّ مَرَا تِ إِنّ فِي ذَلِ كَ لَآَيَةً لِقَوْ مٍ يَتَفَكّ رُو نَ‬ ‫[النحل‪ ]11 ،10 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬ ‫‪94‬‬ ‫‪95‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل ‪...‬‬ ‫السفمَاءِ‬ ‫ِنف ّ‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تعال‪ :‬وَهُوَ الّ ذِي أَنْزَلَ م َ‬ ‫مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِ هِ نَبَا تَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْ هُ خَضِرًا نُخْرِ جُ مِنْ هُ‬ ‫ِنف‬ ‫ّاتف م ْ‬ ‫َانف دَانِيَةٌ وَجَن ٍ‬ ‫ِنف طَلْعِهَا قِنْو ٌ‬ ‫ِنف النّ خْلِ م ْ‬ ‫حَبّاف مُتَرَاكِبًا وَم َ‬ ‫أَعْنَا بٍ وَالزّ يْتُو نَ وَالرّ مّا نَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِ هٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِ هِ‬ ‫إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النعَام‪.]99:‬‬ ‫أمـر سـبحانه بالنظـر إليـه وقـت خروجـه وإثاره‪ ،‬ووقـت نضجـه‬ ‫وإدراكه؛ لن ف خروجه من بي الطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة‪،‬‬ ‫ث من خرو جه من حد العفو صة واليبو سة والرارة والمو ضة إل ذلك‬ ‫اللون الشرق الناصع والطعم اللو اللذيذ الشهي ليات لقوم يؤمنون‪ .‬قال‬ ‫بعـض السـلف‪ :‬حـق على الناس أن يرجوا وقـت إدراك الثمار وينعهـا‬ ‫ِهف [النعَام‪:‬‬ ‫ِهف ِإذَا َأثْ َم َر وَيَ ْنع ِ‬ ‫فينظروا إليهـا ثـ تل‪ :‬انْظُرُوا ِإلَى ثَ َمر ِ‬ ‫‪.]99‬‬ ‫وتأملوا حك مة ال تعال ف ح بس الغ يث عن عباده وابتلئ هم‬ ‫بالق حط إذا منعوا الزكاة وحرموا ال ساكي كيف جوزوا على منع ما‬ ‫للمسـاكي قِبَلَه ُم مـن القوت بنـع ال ماء القوت والرزق وحبسـه‬ ‫عنهـم‪ .‬فقال لمـ بلسـان الال‪ :‬منعتـم القـ فمنعتـم الغيـث‪ ،‬فهل‬ ‫استنلتموه ببذل ما ل قِبَلَكُم‪ .‬وجاء ف الديث‪ « :‬ما منع قوم زكاة‬ ‫أموالم إل منعوا القطر من السماء»( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح ج (‪ ،)1‬ص( ‪ )253 ،206 ،205 ،217 ،224 ،223 ،202‬ومككككن‬ ‫الصواعق ص(‪.)1110‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫التفكر ف البحر‪ ،‬والعتبار بأمواجه وتنوع ما فيه‪،‬‬ ‫من الواهر واليوانات وما ف الب منها‬ ‫المـد ل الذي نوع أدلة ربوبيتـه وتوحيده وقامـت مـن كـل‬ ‫جانـب‪ ،‬فعرفـه الوفقون مـن عباده وأقروا بتوحيده إيان ًا وإذعان ًا‪،‬‬ ‫وجحده الخذولون من خليقته وأشركوا به ظلمًا وكفرانًا‪ ،‬فهلك من‬ ‫هلك عن بينة وحيي من حيي عن بينة‪ ،‬وال سيع عليم‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له شهادة من يعلم أ نه‬ ‫ل رب له سواه‪ ،‬ول يعبد إل إياه‪.‬‬ ‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله الذي أك مل ال به الد ين‪ ،‬وأ ت‬ ‫به النعمة على عباده الؤمني‪ ،‬ل يفارق المة حت تركها على الحجة‬ ‫البيضاء ال ت ل يز يغ عن ها إل من كان من الالك ي لَقَدْ جَاءَكُ مْ‬ ‫رَ سُولٌ مِ نْ أَنْفُ سِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْ هِ مَا عَنِتّ مْ حَرِي صٌ عَلَيْكُ مْ بِالْمُؤْمِنِيَ‬ ‫رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التّوبَة‪.]128 :‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ -‬أحسن ما أنفقت فيه النفاس هو التفكر‬ ‫فــ آيات ال وعجائب صــنعه‪ ،‬والنتقال منهــا إل تعلق القلب‬ ‫والمـة به دون ش يء من ملوقا ته؛ ولذا يكرر ال تعال ف القرآن‬ ‫‪96‬‬ ‫‪97‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ذكـر آياتـه ويبديهـا‪ ،‬ويأمـر عباده بالنظـر إليهـا مرة بعـد أخرى‪ ،‬قال‬ ‫ف [يُونـس‪:‬‬ ‫فمَاوَاتِ وَالْأَرْض ِ‬ ‫تعال‪ :‬قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِفي الس ّ‬ ‫‪.]101‬‬ ‫عباد ال مـن آيات ال وعجائب مصـنوعاته «البحار» الكتنفـة‬ ‫لقطار الرض‪ ،‬ح ت إن الكشوف من الرض والبال والدن بالن سبة‬ ‫إل الاء كجزيرة صغية ف ب ر عظ يم‪ ،‬وبق ية الرض مغمورة بالاء‪،‬‬ ‫ـهُ الاء‬ ‫ولول إمسـاك الرب تبارك وتعال له بقدرتـه ومشيئتـه وحَبْس ُ‬ ‫لطفـح على الرض وعلهـا كلهـا‪ .‬هذا طبـع الاء‪ .‬ولذا حار عقلء‬ ‫ال طبيعيي ف سبب بروز هذا الزء من الرض مع اقتضاء طبي عة الاء‬ ‫للعلو عليه وإن ل يغمره‪ ،‬ول يدوا ما ييلون عليه ذلك إل العتراف‬ ‫بالعنا ية الزل ية‪ ،‬والك مة الليـة‪ ،‬ال ت اقت ضت ذلك ليع يش اليوان‬ ‫الر ضي ف الرض‪ .‬و ف م سند المام أح د‪ ،‬عن ال نب أ نه قال‪:‬‬ ‫« ما من يوم إل والب حر ي ستأذن ر به أن يغرق ب ن آدم» وهذا أ حد‬ ‫القوال ف قوله ‪ :‬وَالْبَحْرِ الْمَ سْجُورِ [الطّور‪ ] 6 :‬وق يل ف‬ ‫«ال سجور»‪ :‬إنه الوقد‪ ،‬وهذا هو العروف ف اللغة‪ ،‬ويدل عليه قوله‬ ‫ـن‬ ‫ـر‪ ]6 :‬قال علي وابـ‬ ‫تعال‪ :‬وَإِذَا الْبِحَارُ س فُجّ رَتْ [التّكويـ‬ ‫عباس‪ :‬أوقدت‪ ،‬فصـارت نارًا‪ .‬ومـن قال‪ :‬يبسـت وذهـب ماؤهـا فل‬ ‫يناقض كونا نارًا موقدة‪ .‬وكذلك من قال‪ :‬ملئت‪ .‬فإنا تل نارًا‪ ،‬فإن‬ ‫البحر مبوس بقدرة ال‪ ،‬وملوء ماء‪ ،‬ويذهب ماؤه يوم القيامة‪ ،‬ويصي‬ ‫نارًا( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وهذه اللفظككة تدل على ذلك كله فكككل مككن المفسككرين أخككذ معنككى مككن هذه‬ ‫المعاني‪ .‬وال أعلم‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وإذا تأملت عجائب الب حر و ما ف يه من اليوانات على اختلف‬ ‫أجناسها وأشكالا ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانا حت إن فيها‬ ‫حيوانات أمثال البال ل يقوم له شيـء‪ ،‬وحتـ إن فيـه مـن اليوانات‬ ‫ما يرى ظهور ها في ظن أن ا جزيرة فينل الركاب علي ها فت حس بالنار‬ ‫إذا أوقدت فتتحرك فيعلم أنـه حيوان‪ .‬ومـا مـن صـنف مـن أصـناف‬ ‫حيوان الب إل وف البحر أمثاله‪ ،‬وفيه أجناس ل يعهد لا نظي ف الب‬ ‫أصلً‪.‬‬ ‫هذا مع ما فيه من الواهر‪ ،‬واللؤلؤ‪ ،‬والرجان‪ ،‬فترى اللؤلؤة كيف‬ ‫أودعت ف كن كالبيت لا وهي الصدفة تكنها وتفظها‪ .‬ومنه اللّ ْؤلُؤِ‬ ‫الْمَكْنُونِ [الواِقعَة‪ ]23 :‬وهو الذي ف صدفه ل تسه اليدي‪.‬‬ ‫وتأ مل ك يف ن بت (الَرْجَان) ف قعره ف ال صخرة ال صماء ت ت‬ ‫الاء على هيئة الشجر‪.‬‬ ‫هذا مع ما ف يه من الع نب وأ صناف النفائس ال ت يقذف ها الب حر‬ ‫وتستخرج منه‪.‬‬ ‫ث ان ظر إل عجائب ال سفن و سيها ف الب حر تش قه وتخره بل‬ ‫قائد يقودهـا ول سـائق يسـوقها وإناـ قائدهـا وسـائقها الرياح التـ‬ ‫ي سخرها ال لجرائ ها‪ ،‬فإذا ح بس عن ها القائد وال سائق ظلت راكدة‬ ‫ِهف الْجَوَارِ ف ِي الْبَحْرِ‬ ‫ِنف آَيَات ِ‬ ‫على وجـه الاء‪ ،‬كمـا قال تعال‪ :‬وَم ْ‬ ‫كَالْأَعْلَا مِ * إِ نْ يَشَأْ يُ سْكِنِ الرّي حَ فَيَظْلَلْ نَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِ هِ إِنّ‬ ‫فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ ( ‪[ )1‬الشورى‪.]33 :‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() حتى مع وجود محركات للسفن فالبحر هو الحامل لها المسخر لها‪ ،‬ومازال‬ ‫هناك سفن تجري بها الرياح‪ .‬وإذا فقدت الطاقة فالرياح‪.‬‬ ‫‪98‬‬ ‫‪99‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وقال تعال‪ :‬وَهُوَ الّ ذِي سَخّ رَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا‬ ‫وَتَ سْتَخْرِجُوا مِنْ هُ حِلْيَةً تَلْبَ سُونَهَا وَتَرَى الْفُلْ كَ مَوَاخِرَ فِي هِ وَلِتَبْتَغُوا‬ ‫مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلّ كُمْ تَشْكُرُونَ [النّحل‪.]14 :‬‬ ‫فمـا أعظمهـا مـن آيـة ومـا أبينهـا مـن دللة؛ ولذا يكرر ال‬ ‫سبحانه ذكرها ف كتابه كثيًا‪.‬‬ ‫وعجائب البحـر وآياتـه أعظـم وأكثـر مـن أن يصـيها إل ال‬ ‫سبحانه‪ .‬وقال تعال‪ :‬إِنّ ا لَمّ ا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُ مْ فِي الْجَارِيَةِ *‬ ‫لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الاقة‪.]12 :‬‬ ‫ومن آياته سبحانه ف الرض خلق اليوان على اختلف صفاته‬ ‫وأجناسـه‪ ،‬وأشكاله‪ ،‬ومنافعـه‪ ،‬وألوانـه‪ ،‬وعجائبـه الودعـة فيـه فمنـه‬ ‫الا شي على بط نه‪ ،‬وم نه الا شي على رجل ي‪ ،‬وم نه الا شي على أر بع‪.‬‬ ‫وم نه ما ج عل سلحه ف رجل يه‪ -‬و هو ذو الخالب‪ -‬وم نه ما ج عل‬ ‫سلحه الناق ي كالن سر والر خم والغراب‪ ،‬وم نه ما سلحه ال سنان‪،‬‬ ‫ومنه ما سلحه الصياصي وهي القرون يدافع ب ا عن نفسه من يروم‬ ‫أخذه‪ ،‬وم نه ما أُع طي قوة يد فع ب ا عن نف سه فلم ي تج إل سلح‬ ‫كالسد‪ ،‬ومنه ما سلحه ف ذرقه وهو نوع من الطي إذا دنا منه من‬ ‫يريـد أخذه ذرق عليـه فأهلكـه‪ ،‬ومنـه مـا تشبـه أعضاؤه جيـع أعضاء‬ ‫اليوان وهـو «الزرافـة» فرأسـها رأس فرس‪ ،‬وعنقهـا عنـق بعيـ‪،‬‬ ‫وأظلف ها أظلف بقرة‪ ،‬وجلد ها جلد ن ر ف هي خلق عج يب وو ضع‬ ‫بديع من خلق ال الذي أبدعه آية ودللة على قدرته وحكمته الت ل‬ ‫يعجزها شيء؛ ليي عباده أنه خالق أصناف اليوان كلها كما يشاء‪،‬‬ ‫وف أي لون شاء‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫كمـا يري عباده قدرتـه التامـة على خلقـه لنوع النسـان على‬ ‫القسـام الربعـة منـه‪ :‬مـا خلق مـن غيـ أب ول أم‪ ،‬وهـو أبـو النوع‬ ‫النسان‪ .‬ومنه ما خلق من ذكر بل أنثى وهي أمهم الت خلقت من‬ ‫ضلع آدم‪ ،‬ومنهم من خلق من أنثى بل ذكر‪ ،‬وهو ال سيح ابن مري‪،‬‬ ‫ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع النسان‪.‬‬ ‫فيي عباده آياتـه‪ ،‬ويتعرف إليهـم بآلئه وقدرتـه‪ ،‬وأنـه إذا أراد‬ ‫ف [النعَام‪ ]73 :‬فتنوع أفعاله‬ ‫ف فَيَكُون ُ‬ ‫شيئًا فإناـ يقول له كُن ْ‬ ‫ومفعول ته‪ ،‬وفعله الش يء وضده‪ ،‬والش يء وخل فه‪ :‬من أع ظم الدلة‬ ‫على ربوبيته وحكمته وعلمه‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال بفعـل مـا أمـر وترك مـا حظـر‪ .‬فالالق لذه‬ ‫الشياء التنوعة ف هذا الكون العظيم هو ال ستحق للعبادة‪ .‬أعوذ بال‬ ‫من الشيطان الرج يم يَا أَيّهَا النّا سُ اعْبُدُوا رَبّ كُ مُ الّ ذِي خَلَقَكُ مْ‬ ‫وَالّ ذِي نَ مِ نْ قَبْلِكُ مْ لَعَلّ كُ مْ تَتّ قُو نَ * الّ ذِي جَعَلَ لَكُ مُ الْأَرْ ضَ فِرَاشًا‬ ‫وَال سّ مَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِ نَ ال سّ مَاءِ مَاءً فَأَخْرَ جَ بِ هِ مِ نَ الثّ مَرَا تِ رِزْقًا‬ ‫لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلّ هِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة‪.]22 ،21 :‬‬ ‫‪100‬‬ ‫‪101‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الواحد القهار‪ ،‬يفعل ما يريد ويتار‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له ل يعجزه شيـء‪،‬‬ ‫وإذا أراد شيئًا فإناـ يقول له كـن فيكون‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسوله الصادق الأمون‪ .‬اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد‬ ‫وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ .‬إن التف كر ف آيات ال ين به القلب من‬ ‫رقد ته‪ .‬ولن ستمع إل ما رواه أ بو نع يم ف الُلْ ية عن ثل ثة عباد باتوا‬ ‫على ساحل البحر وتفكروا فيه‪.‬‬ ‫روى بسنده عن مسمع بن عاصم‪ ،‬قال‪ :‬بت أنا وعبدالعزيز بن‬ ‫سـلمان وكلب بـن جري وسـلمان العرج على سـاحل مـن بعـض‬ ‫ال سواحل‪ ،‬فب كى كلب ح ت خش يت أن يوت‪ ،‬ث ب كى عبدالعز يز‬ ‫لبكائه‪ ،‬ث ب كى سلمان لبكائه ما‪ ،‬وبك يت أ نا أيضًا لبكائ هم‪ ،‬ث ل‬ ‫أدري ما أبكاهم‪ .‬فلما كان بعدُ سألت عبدالعزيز فقلت‪ :‬أبا ممد ما‬ ‫الذي أبكاك ليلتـك؟ قال‪ :‬إنـ نظرت وال إل أمواج البحـر توج‬ ‫وت يك فذكرت أطباق النيان وزفرات ا فذاك الذي أبكا ن‪ .‬ث سألت‬ ‫كلبًا و سلمان فقال ل ن وًا من ذلك‪ .‬قال‪ :‬ف ما كان ف القوم شر‬ ‫من ما كان بكائي إل لبكائهم رحة لا كانوا يصنعون بأنفسهم( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السكككعادة ص (‪ )263 ،250 ،205 ،214 ،213 ،204‬التكككبيان‬ ‫ص (‪.)165‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫خلق آدم أب البشر‬ ‫وفضله‪ ،‬وما ف إياده وذريته من الكم‬ ‫الحمكد ل كالذي افتتكح خلق هذا العالم بالقلم ليكتكب المقاديكر قبكل كونهكا ثكم خلق الرض‬ ‫والسكموات‪ ،‬مهكد الدار قبكل السكاكن وجعكل آدم آخكر المخلوقات‪ ،‬وأظهكر فضله وشرفكه‬ ‫بأنكه خلقكه بيديكه‪ ،‬وعلمكه أسكماء ككل شيكء‪ ،‬وأباحكه جنتكه يسككن منهكا حيكث شاء‪ ،‬ويأككل‬ ‫منهككا مككا شاء‪ ،‬وأسككجد له الملئكككة المقربككة لديككه‪ .‬وأظهككر مككا فككي قلب عدوه مككن الكككبر‬ ‫والحسد والشر الكامن لديه‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬خلق خل قه أ صنافًا‬ ‫وأطوارًا‪ ،‬وسبق ف حُكْمِ هِ وحِكْمَتِ هِ تفضيل آدم وبنيه على كثي م ن‬ ‫خلق تفضيل‪.‬وجعل عبوديتهم أك مل من عبودية غي هم يشون رب م‬ ‫بالغيب‪ ،‬ويأتون بالطاعات طوعًا واختيارًا‪ ،‬ل كرهًا واضطرارا‪.‬‬ ‫ُبـ نبي ًا وآدم بيـ الروح‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله كُت َ‬ ‫والسـد‪ ،‬ونىـ عـن الرص والسـد‪ .‬اللهـم صـلّ وسـلم على عبدك‬ ‫ور سولك م مد وعلى آله وج يع أ صحابه و كل من اهتدى بد يه إل‬ ‫يوم الدين‪.‬‬ ‫‪102‬‬ ‫‪103‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ك ِل ْل َملَاِئ َك ِة ِإنّي جَا ِع ٌل فِي‬ ‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪َ :‬وِإ ْذ قَا َل َرّب َ‬ ‫ح‬ ‫سّب ُ‬ ‫ح ُن ُن َ‬ ‫ك ال ّدمَا َء َوَن ْ‬ ‫س ِف ُ‬ ‫س ُد فِيهَا َوَي ْ‬ ‫ج َع ُل فِيهَا َم ْن ُي ْف ِ‬ ‫ض َخلِي َف ًة قَالُوا َأَت ْ‬ ‫اْلَأ ْر ِ‬ ‫ك قَا َل ِإنّي َأ ْعَل ُم مَا لَا َت ْعَلمُو َن [الَب َقرَة‪.]30 :‬‬ ‫س َل َ‬ ‫ح ْم ِد َك َوُن َق ّد ُ‬ ‫ِب َ‬ ‫عباد ال ذكـر ال جـل وعل بدايـة خلق «النسـان الول» آدم‬ ‫أ ب الب شر ‪ ،‬وماد ته ال ت خلق من ها‪ ،‬وفضائله‪ ،‬و سكناه ال نة‪ ،‬و ما‬ ‫جرى عليـه وعلى عدوه مـن شؤم العصـية ومالفـة المـر ذكـر ال‬ ‫حالما ومآلما؛ ليكون عظة وعبة لولدها‪.‬‬ ‫ْضف خَلِيفَةً [البَقَرَة‪ ]30 :‬يبـ عـن‬ ‫إِنّيف جَاعِلٌ ف ِي الْأَر ِ‬ ‫امتنانه على ب ن آدم بتنويهه بذكرهم ف الل العلى قبل إيادهم‬ ‫خَلِيفَةً قومًا يلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلً بعد جيل( ‪.)1‬‬ ‫ول ا اعتر ضت اللئ كة على خلق هذا اللي فة و قَالُوا أَتَجْعَلُ‬ ‫فِيهَا مَ نْ يُفْ سِدُ فِيهَا وَيَ سْفِكُ الدّ مَاءَ وَنَحْ نُ نُ سَبّ حُ بِحَمْدِ كَ وَنُقَدّ سُ‬ ‫َكف [البَقَرَة‪ .]30 :‬أجابمـ سـبحانه بأن فـ خلقـه مـن الكـم‬ ‫ل َ‬ ‫والصال ما ل تعلمه اللئكة والالق سبحانه يعلمه‪.‬‬ ‫وأظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على اللئكة من‬ ‫أ مر هذه اللي فة ما ل يكونوا يعلمو نه بأن ج عل من ن سله من أوليائه‬ ‫وأحبابـه ورسـله وأنـبيائه مـن يتقربون إليـه بأنواع القرب‪ ،‬ويبذلون‬ ‫أنفسـهم فـ مبتـه ومرضاتـه يسـبحون بمده آناء الليـل وأطراف‬ ‫النهار‪ ،‬ويذكــرونه قــائمي وقاعــدين وعلى جنوبمـ‪ ،‬ويعبدونـه‬ ‫ويشكرونـه فـ السـراء والضراء‪ ،‬والشدة والرخاء‪ ،‬والعافيـة والبلء‪،‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() ل أنهككم خلفاء ال فككي الرض‪ ،‬فإن الخليفككة ل يصككير خليفككة إل مككع مغيككب‬ ‫المستخلف أو موته وال منزه عن الموت والنوم والغيبة وهو الذي يخلف العبد‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ويعبدونـه مـع معارضـة الشهوة وغلبـة الوى‪ ،‬ومعادات بنـ جنسـهم‬ ‫وغي هم‪ ،‬فل ي صدهم عن عباد ته وشكره وذكره والتقرب إل يه صاد‬ ‫فإن كانت عبادتكم ل بل معارض ول مانع فعبادة هؤلء ل مع هذه‬ ‫العارضات والوانع والشواغل‪.‬‬ ‫وأظ هر ل م سبحانه من عل مه ما ل يكونوا يعلمون من شرف‬ ‫آدم وفضله؛ فإن اللئ كة ل ا رأ ته م صورًا فز عت م نه‪ ،‬وقالت‪ :‬ليخلق‬ ‫رب نا ما شاء فلن يلق خلقًا أكرم عل يه م نا‪ .‬فل ما خلق آدم وأمر هم‬ ‫بال سجود له ظ هر بذلك فضله وشر فه علي هم‪ .‬وذ كر عن ا بن عباس‬ ‫رضـي ال عنهمـا أنـه قال‪ :‬إن ال لاـ أخـذ فـ خلق آدم قالت‬ ‫اللئ كة‪ :‬ما ال خالق خلقًا أكرم عل يه م نا‪ .‬فابتلوا بلق آدم‪ ،‬و كل‬ ‫خلق مبتلى‪ ،‬كما ابتليت السموات والرض بالطاعة‪ ،‬قال ال‪ :‬اِئْتِيَا‬ ‫طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيَ [فُصّلَت‪.]11 :‬‬ ‫ث أظ هر سبحانه ف ضل آدم على اللئ كة بالعلم الذي خص به‬ ‫دونم وَعَلّ مَ آَدَ مَ الْأَ سْمَاءَ كُلّ هَا [البَقَرَة‪ ]31 :‬وكان ذلك بعد‬ ‫سـجودهم له علمـه الِشياء كلهـا‪ :‬ذواتاـ وصـفاتا وأفعالاـ إنسـان‪،‬‬ ‫ودا بة‪ ،‬وأرض‪ ،‬و سهل‪ ،‬وب ر‪ ،‬وج بل‪ ،‬وحار‪ ،‬وأشباه ذلك من ال مم‬ ‫وغيها( ‪ )1‬ث عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ [البَقَرَة‪ ]31 :‬عرض اللق‬ ‫على اللئ كة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَ سْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِ نْ كُنْتُ مْ صَادِقِيَ‬ ‫أن ل أخلق خلقًا إل كنتم أعلم منه وأكرم‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() ولول ذلك لمكا فرق بيكن الغذاء والدواء‪ ،‬ول بيكن السكموم القاتلة والشفاء‪ ،‬ول‬ ‫اهتدى بالنجوم فككي البر والبحككر؛ وكان هككو المدبر لولده مدة حياتككه‪ ،‬ثككم قام‬ ‫بالمر بعده ولده ‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫‪104‬‬ ‫‪105‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْ مَ لَنَا إِلّا مَا عَلّ مْتَنَا إِنّ كَ أَنْ تَ الْعَلِي مُ‬ ‫الْحَكِي مُ * قَالَ يَا آَدَ مُ أَنْبِئْهُ مْ بِأَ سْمَائِهِمْ فَلَمّ ا أَنْبَأَهُ مْ بِأَ سْمَائِهِمْ‬ ‫[البَقَرَة‪ ]33 -31 :‬عرفوا أن ال فضل عليهم آدم بالعلم‪.‬‬ ‫فلما وقع ف الذنب ظنت اللئكة إن ذلك الفضل قد نسخ ول‬ ‫تطلع على عبوديـة التوبـة الكامنـة‪ ،‬فلمـا تاب إل ربـه وأتـى بتلك‬ ‫العبودية علمت اللئكة أن ل ف خلقه سرًا ل يعلمه سواه‪.‬‬ ‫وأظهر لم سبحانه من علمه ما خفي عليهم من شأن من كانوا‬ ‫يعظمونـه وي لّونـه مـا ل يكونوا يعلمون؛ فإن الرب تعال لاـ أمـر‬ ‫اللئ كة بال سجود ظ هر ما ف قلوبمـ من الطا عة والح بة والش ية‬ ‫والنقياد فبادروا إل المتثال‪ ،‬وظهـر مـا فـ قلب عدوه مـن الكـب‬ ‫وال غش وال سد فأ ب وا ستكب وكان من الكافر ين‪ ،‬و قَالَ أَنَا خَيْرٌ‬ ‫مِنْ هُ خَلَقْتَنِي مِ نْ نَارٍ وَخَلَقْتَ هُ مِ نْ طِيٍ [العرَاف‪ ] 12 :‬فاللع ي‬ ‫لقصـور نظره وضعـف بصـيته رأى صـورة الطيـ ترابًا مزوجًا باء‬ ‫فاحتقره‪ ،‬ول يعلم أن الط ي مر كب من الاء الذي ج عل ال م نه كل‬ ‫شيء حي‪ ،‬والتراب الذي هو خزانة النافع والنعم‪ ،‬ث ل يتجاوز نظره‬ ‫مل الادة إل كمال الصورة النسانية التامة الحاسن خَلْقًا وخُلُقًا‪ ،‬ث‬ ‫ل يدر اللعيـ أن الادة التـ خلق منهـا هـو فيهـا الحراق والعلو‬ ‫والف ساد وَالْجَانّ خَلَقْنَا هُ مِ نْ قَبْلُ مِ نْ نَارِ ال سّ مُومِ [الِ جر‪:‬‬ ‫‪.)1 (]27‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() إبليككس عارض النككص بالقياس وقدمككه عليككه‪ ،‬وتأول لنفسككه أن هذا القياس‬ ‫خ ْي ٌر ِمنْهُه [العرَاف‪:‬‬ ‫العقلي مقدم على المكر بالسككجود‪ .‬فإنكه قال‪ :‬قَا َل أَنَا َ‬ ‫‪ ]12‬وأن الفاضكل ل يخضكع للمفضول؛ فكانكت النتيجكة امتناعكه عكن السكجود‪.‬‬ ‫وانظكر الوجوه التكي فيهكا الرد عليكه فكي قوله‪ :‬أنكا خيكر منكه فكي (الصكواعق ص‬ ‫‪.)1002‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عباد ال! ولاـ سـبق فـ حكـم ال وحكمتـه بأن يعـل فـ‬ ‫الرض خليفـة ل يكـن بـد مـن إخراج آدم مـن النـة فكان مـن أسـباب‬ ‫إخراجه النهي عن تلك الشجرة‪ ،‬وتليته بينه وبي عدوه حت وسوس إليه‬ ‫بالكل‪ ،‬وتليته بينه وبي نفسه حت وقع ف العصية‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬ ‫ث ِشْئتُمَا َولَا‬ ‫جّنةَ فَ ُكلَا ِم ْن َحْي ُ‬ ‫ك اْل َ‬ ‫ت َو َزوْ ُج َ‬ ‫وَيَا َآ َد ُم ا ْسكُ ْن َأْن َ‬ ‫ي‬ ‫شْيطَا ُن ِلُيْب ِد َ‬ ‫س َل ُهمَا ال ّ‬ ‫ج َر َة َفَتكُونَا ِم َن الظّاِل ِميَ * َفوَ ْسوَ َ‬ ‫شَ‬ ‫َتقْ َربَا هَ ِذ هِ ال ّ‬ ‫ي َعْنهُمَا ِم ْن سَ ْو َآِت ِهمَا َوقَالَ مَا َنهَاكُمَا َرّبكُمَا َع ْن هَ ِذ ِه‬ ‫َلهُمَا مَا وُو ِر َ‬ ‫ج َر ِة ِإلّا َأ ْن َتكُونَا َمَل َكْي نِ َأ ْو تَكُونَا ِم نَ اْلخَاِلدِي َن * َوقَا َس َم ُهمَا إِّن ي‬ ‫شَ‬ ‫ال ّ‬ ‫ت َلهُمَا‬ ‫ج َر َة َبدَ ْ‬ ‫شَ‬ ‫ي * َف َدلّاهُمَا ِبغُرُو ٍر َفَل ّم ا ذَاقَا ال ّ‬ ‫حَ‬ ‫صِ‬ ‫لَكُمَا َل ِم َن النّا ِ‬ ‫جّن ِة َونَادَاهُمَا َرّبهُمَا َألَ مْ‬ ‫ق اْل َ‬ ‫صفَا ِن َعَلْيهِمَا ِم ْن َو َر ِ‬ ‫خ ِ‬ ‫َس ْو َآُت ُهمَا َو َطفِقَا َي ْ‬ ‫شْيطَانَ لَ ُكمَا َع ُد ّو ُمِبيٌ * قَالَا‬ ‫ج َرةِ َوَأقُ ْل َل ُكمَا ِإنّ ال ّ‬ ‫شَ‬ ‫َأنْ َه ُكمَا َعنْ ِتلْ ُكمَا ال ّ‬ ‫سنَا وَِإ ْن َل ْم تَ ْغ ِفرْ لَنَا َوتَ ْر َحمْنَا َلنَكُونَنّ ِم نَ اْلخَا ِسرِي َن‬ ‫َربّنَا َظَلمْنَا َأْنفُ َ‬ ‫[العراف‪.)1(]23 -19 :‬‬ ‫ومن الكمة ف إخراجه من النة إظها ُر كمال أساء ال السن وإن‬ ‫ل فمن كماله ظهور آثار كماله ف خلقه وأمره‪.‬‬ ‫كان ل يزل كام ً‬ ‫‪1‬‬ ‫() لمكا قاسكمه عدو ال أنكه ناصكح‪ ،‬وأخرج الكلم على أنواع متعددة مكن التأكيكد‬ ‫‪ -1‬القسككم ‪ -2.‬التيان بالجملة السككمية‪ -3 .‬تصككديرها بأداة التأكيككد‪ -4 .‬التيان‬ ‫ل على الحدث‪-6 .‬‬ ‫بلم التأكيكد فكي الخكبر‪ -5 .‬التيان بكه اسكم فاعكل‪ ،‬ل فعل دا ً‬ ‫تقديككم المعمول على العامككل ولم يكككن آدم يظككن أن أحدًا يقسككم بال كاذبًا يميككن‬ ‫غموس يتجرأ فيهككا على ال هذه الجرأة‪ ،‬فغره عدو ال بهذا التأكيككد والمبالغككة‬ ‫فظكن آدم صكدقه‪ ،‬وأنكه إن أككل منهكا لم يخرج مكن الجنكة‪ ،‬ورأى أن الككل وإن‬ ‫كان فيكه مفسكدة فمصكلحة الخلود أرجكح‪ ،‬ولعله يأتكي له اسكتدراك مفسكدة النهكي‬ ‫أثناء ذلك‪ .‬إما باعتذار‪ ،‬وإما بتوبة‪ ،‬أو بغير ذلك (الصواعق ‪.)371‬‬ ‫‪106‬‬ ‫‪107‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فإنـه اللك القـ البـي‪ ،‬واللك هـو الذي يأمـر وينهـي ويكرم‬ ‫ويه ي‪ ،‬ويث يب ويعا قب‪ ،‬ويع طي وي نع‪ ،‬وي عز ويذل كُلّ يَوْ مٍ هُوَ‬ ‫فِي شَأْنٍ [الرّحن‪.]29 :‬‬ ‫فأنزل البوين والذرية إل دار تري عليهم هذه الحكام‪ .‬أنزلوا‬ ‫إل دار يكون إيان م في ها تامًا‪ ،‬فإن اليان قول وع مل وجهاد و صب‬ ‫واحتمال‪ ،‬فكان إخراجهم من ال نة تكميلً ل م وإتامًا لنعمته عليهم‬ ‫ليزدادوا مـن الدار التـ خلقوا منهـا وفيهـا إل الدار التـ خلقوا لاـ‪،‬‬ ‫وليعرفوا قدر تلك الدار الت أخرجوا منها‪.‬‬ ‫فآدم أخرج مـن جنـة اللد التـ فـ السـماء ليعود إليهـا على‬ ‫أح سن أحواله‪ .‬ف ما قدر أحكم الاكم ي ذلك باطلً‪ ،‬ول دبره عبثًا‪،‬‬ ‫ول أخله من حكمته البالغة‪ ،‬وحده التام‪ .‬وخلق بنيه من تام الكمة‬ ‫والرح ة وال صلحة‪ ،‬وإن كان وجودهم مستلزمًا لشر فهو شر مغمور‬ ‫فيما ف إيادهم من الي( ‪.)1‬‬ ‫فاشكروه عباد ال على أن كرّ مَ أباكم‪ ،‬وفضلكم على كثي من‬ ‫خلق تفضيل‪ ،‬واعتـبوا باـ قصـه ال عـن ابتلء أبوي النـ والنـس‬ ‫بالذنب‪ ،‬وجعل هذا الب عبة لن أصر وأقام على ذنبه‪ ،‬وهذا ال بَ‬ ‫ـم‪ ،‬وأطيعوا‬ ‫عــبة لنــ تاب ورجــع إل ربــه‪ .‬فأشبهوا أباكُـ‬ ‫مولكـم‪ ،‬واحذروا عدو أبيكـم‪ ،‬فهـو وذريتـه أعداكـم‪ .‬واحذروا‬ ‫الذنوب كلها فقد هبط آدم بلقمة تناولا‪ ،‬وطرد إبليس ولعن من أجل‬ ‫‪1‬‬ ‫() كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس‪ .‬فكم في طلوع الشمس‬ ‫مكن ألم لمسكافر وحاضكر‪ ،‬وككم فكي نزول الغيكث والثلوج مكن أذى‪ ،‬وككم فكي هذا‬ ‫الحكر والبرد والرياح مكن أذى موجكب لنواع مكن اللم‪ ،‬ومكا فيهكا مكن المنافكع‬ ‫أضعاف أضعاف ذلك‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫سـجدة لبيكـم اسـتكب عنهـا‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‬ ‫إِذْ قَالَ رَبّك َف لِلْمَلَائِكَةِ إِنّيف خَالِ قٌ بَشَرًا مِ نْ طِيٍ * فَإِذَا سَوّ يْتُهُ‬ ‫َسفجَدَ الْمَلَائِكَةُ‬ ‫َهف سفَاجِدِينَ * ف َ‬ ‫ِنف رُوحِي فَقَعُوا ل ُ‬ ‫ِيهف م ْ‬ ‫ْتف ف ِ‬ ‫وَنَفَخ ُ‬ ‫كُلّ هُ مْ أَجْمَعُو نَ * إِلّا إِبْلِي سَ ا سْتَكْبَرَ وَكَا نَ مِ نَ الْكَافِرِي نَ * قَالَ يَا‬ ‫إِبْلِي سُ مَا مَنَعَ كَ أَ نْ تَ سْجُدَ لِمَا خَلَقْ تُ بِيَدَيّ أَ سْتَكْبَرْتَ أَ مْ كُنْ تَ‬ ‫مِ نَ الْعَالِيَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هُ خَلَقْتَنِي مِ نْ نَارٍ وَخَلَقْتَ هُ مِ نْ طِيٍ *‬ ‫قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّ كَ رَجِيمٌ * وَإِنّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْ مِ الدّينِ *‬ ‫قَالَ رَبّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْ مِ يُبْعَثُو نَ * قَالَ فَإِنّ كَ مِ نَ الْمُنْظَرِي نَ *‬ ‫إِلَى يَوْ مِ الْوَقْ تِ الْمَعْلُو مِ * قَالَ فَبِعِزّ تِ كَ لَأُغْوِيَنّ هُ مْ أَجْمَعِيَ [ص‪:‬‬ ‫‪ ]85 -71‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل الذي أحسن كل شيء خلقه‪ ،‬وبدأ خلق النسان من‬ ‫طي‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬ول ضد ول معي‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله سيد البشر أجعي‪ .‬اللهم صل وسلم‬ ‫على عبدك ورسولك ممد‪ ،‬وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان‬ ‫إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال! إن ال سبحانه لا أراد خلق آدم أخذ‬ ‫من ج يع الرض قب ضة من التراب‪ ،‬ث أل قى علي ها الاء ف صارت طينًا‬ ‫أملس‪ ،‬ثـ أرسـل عليهـا الريـح فجففهـا حتـ صـارت ترابًـا‬ ‫يابسـًا‪ ،‬ثـ قدر لاـ العضاء‪ ،‬والنافـذ‪ ،‬والوصـال‪ ،‬والرطوبات‪،‬‬ ‫‪108‬‬ ‫‪109‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و صورها فأبدع ف ت صويرها‪ ،‬وأظهر ها ف أح سن الشكال‪ ،‬وه يأ‬ ‫كل جزء منها لا يراد له‪ ،‬وقدره لا خلق له على أبلغ الوجوه‪ ،‬وألقاها‬ ‫على باب النة أربعي سنة( ‪ )1‬واللئكة تراها ول تعرف ما يراد منها‪،‬‬ ‫وإبليس ير على جسده فيعجب منه ويقول‪ :‬خلق تَ لمر عظيم؛ ولئن‬ ‫سلطت عل يك لهلك نك‪ ،‬ولئن سلطت علي لع صينك‪ .‬ول يعلم أن‬ ‫هلكه على يده‪.‬‬ ‫فلما تكامل تصويرها وصارت جسدًا مصورًا مشكلً كأنه ينطق‬ ‫إل أنه ل روح ف يه ول حياة أر سل ال إليه رو حه (جب يل) فن فخ فيه‬ ‫نف خة‪ ،‬وانقلب ذلك الط ي لمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا و س عًا وب صرًا‬ ‫وشّا ولُمْ سًا وحر كة وكلمًا‪ ،‬فأول ش يء بدأ به أن قال‪ :‬الْحَمْدُ‬ ‫لِلّ هِ رَبّ الْعَالَمِيَ فقال له خال قه وبار يه وم صوره‪ :‬يرح ك ال يا‬ ‫آدم‪ .‬فاستوى جال سًا أجل شيء وأحسنه منظرًا‪ ،‬وأته خلقًا‪ ،‬وأبدعه‬ ‫صورة‪ .‬فقال الرب تعال لميع ملئكته‪ :‬اسْجُدُوا لِآَدَ مَ [البَقَرَة‪:‬‬ ‫‪ ]34‬فبادروا بال سجود‪ ،‬تعظيمًا وطا عة ل مر الوا حد العبود(‪ .)2‬ث قال‬ ‫ل م‪ :‬ل نا ف هذه القب ضة من التراب شرع أبدع م ا ترون‪ ،‬وجال باط نٍ‬ ‫أح سنُ م ا تب صرون‪ ،‬فلن ـزين باط نه أح سن من زي نة ظاهره‪ ،‬ولنجعل نه‬ ‫من أعظم آياتنا‪ ،‬نعلمه أساء كل شيء ما ل تسنه اللئكة‪ .‬ث اشتق منه‬ ‫صورة هي مثله ف ال سن والمال (حواء) لي سكن إلي ها وت قر نف سه‪،‬‬ ‫وليخرج من بينهما من ل يصي عدده سواه من الرجال والنساء‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() لن دأب المحب الوقوف على باب الحبيب (الفوائد ص ‪.)64‬‬ ‫() فالسككجدة لدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسككلمًا‪ ،‬وهككي طاعككة ل‪ ،‬لنهككا‬ ‫امتثال لمره تعالى‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫روى البخاري ومسـلم عـن أبـ هريرة رضـي ال عنـه ‪ ،‬عـن‬ ‫رسـول ال قال‪« :‬خلق ال آدم وطوله سفتون ذراعًا‪ ،‬فكفل‬ ‫من يد خل ال نة على صورة آدم‪ .‬قال‪ :‬فلم يزل اللق ين قص ح ت‬ ‫الن » وروى الترمذي وأ بو داود عن أ ب مو سى الِشعري ر ضي ال‬ ‫عنـه ‪ ،‬قال سـعت رسـول ال يقول‪« :‬إن ال تبارك وتعال خلق‬ ‫آدم مفن قبضفة قبضهفا مفن جيفع الرض فجاء بنفو آدم على قدر‬ ‫الرض‪ :‬منهفم الحرف‪ ،‬والبيفض‪ ،‬والسفود‪ ،‬وبيف ذلك‪ ،‬والسفهل‬ ‫والزن‪ ،‬والبيث والطيب»‪ .‬كما أن الادة الت خلق منها الن فيها‬ ‫الحراق والعلو والفسـاد‪ ،‬وفيهـا الشراق والضاءة والنور‪ ،‬فأخرج‬ ‫من ها سبحانه هذا وهذا‪ ،‬حك مة باهرة‪ ،‬وقدرة قاهرة‪ ،‬وآ ية دالة على‬ ‫أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصي( ‪ . )3‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪3‬‬ ‫() شفاء العليككل ص (‪ )247 ،243 ،236 ،9 ،10 ،242 ،241 ،249‬الفوائد‬ ‫ص (‪ ،)64‬التفسكير القيكم ( ‪ ،)130 ،134‬الوابكل الصكيب ص ( ‪ ،)164‬فتاوى‬ ‫ابن تيمية ج (‪ )251 ،17/267‬بدائع ج (‪.)142 ،4/141‬‬ ‫‪110‬‬ ‫‪111‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وف أنفسكم أفل تبصرون‬ ‫ال مد ل الذي خلق الن سان ف أح سن تقو ي‪ ،‬وج عل وجوده‬ ‫مـن الدلة على موجده ومصـوره العليـم‪ ،‬وأشهـد أن ل إله إل ال‬ ‫وحده ل شريـك له يلق مـا يشاء ويتار‪ ،‬ويصـور خلقـه فـ الرحام‬ ‫ك يف يشاء بأ سباب قدر ها‪ ،‬وح كم دبر ها‪.‬أع طى الذ كر الذكور ية‬ ‫والنثى النوثية والاء واحد‪ ،‬والوهر واحد‪ ،‬والوعاء واحد‪ ،‬واللقاح‬ ‫َهف إِلّا هُوَ‬ ‫ْفف يَشَاءُ لَا إِل َ‬ ‫َامف كَي َ‬ ‫ُصفوّ رُكُمْ فِي الْأَرْح ِ‬ ‫واحـد الّ ذِي ي َ‬ ‫الْعَزِيزُ الْحَكِي مُ [آل عِمرَان‪ .]6 :‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‬ ‫أ خب عن الر سوم الل ي الذي يلق يه إل ملك الت صوير‪ ،‬ح ي يقول‪:‬‬ ‫« يا رب أذَكَر‪ ،‬أم أُن ثى‪ ،‬ش قي‪ ،‬أم سعيد‪ ،‬ف ما الرزق‪ ،‬ف ما ال جل؟‬ ‫فيوحي ربك ما يشاء‪ ،‬ويكتب اللك الكري‪ .‬اللهم صل وسلم على‬ ‫عبدك ور سولك م مد وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه بإح سان إل يوم‬ ‫الدين»‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف قد قال ال تعال‪ :‬وَفِي أَنْفُ سِكُمْ أَفَلَا تُبْ صِرُونَ‬ ‫[الذّاريَات‪.]21 :‬‬ ‫عباد ال لاـ كان أقرب الشياء إل النسـان نفسـُه دعاه خالقـه‬ ‫وبارئه ومصـوره وفاطره مـن قطرة ماءٍ إل التبصـر والتفكـر فـ نفسـه‬ ‫فإذا تفكـر فـ نفسـه اسـتنارت له آيات الربوبيـة‪ ،‬وسـطعت له أنوار‬ ‫اليق ي‪ ،‬واضمحلت ع نه غمرات ال شك والر يب‪ ،‬وانقش عت ع نه ظلمات‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الهـل فإنـه إذا نظـر فـ نفسـه وجـد آثار التدبيـ فيـه قائمات‪ ،‬وأدلة‬ ‫التوح يد على ر به ناطقات‪ ،‬شاهدة لدبره‪ ،‬دالةٌ عل يه‪ ،‬مرشدةٌ إل يه‪ ،‬إذ‬ ‫يده مكونًا من قَطرة ماءٍ‪ :‬لومًا منضده‪ ،‬وعظامًا مرك به‪ ،‬وأو صالً‬ ‫متعددة‪ ،‬مأ سورة مشددة ببال العروق والعصاب ج عت بلد مت ي‪،‬‬ ‫مشتملً على ثلثائة و ستي مف صلً‪ :‬ما ب ي كبي و صغي‪ ،‬وثخ ي‪،‬‬ ‫ودق يق‪ ،‬وم ستطيل وم ستدير وم ستقيم ومن حن‪ ،‬و شد هذه الو صال‬ ‫بثلثائة وسـتي عرق ًا (أعصـاب) للتصـال والنفصـال‪ ،‬والقبـض‬ ‫والب سط‪ ،‬وال د وال ضم‪ ،‬وال صنائع والكتا بة‪ .‬وج عل ف يه عشرة أبواب‪:‬‬ ‫فبابان للسـمع وبابان للبصـر‪ ،‬وبابان للشـم‪ ،‬وبابان للطعام والشراب‬ ‫والتنفس‪ ،‬وبابان لروج الفضلت الت يؤذيه احتباسها‪.‬‬ ‫عباد ال لننظـر فـ هذه العضاء ومنافعهـا بالتفصـيل‪ .‬ابدأ‪:‬‬ ‫« بالرأس»‪ :‬تأ مل هذه الق بة العظي مة ال ت رك بت على الن كبي‪ ،‬و ما‬ ‫أودع في ها من العجائب‪ ،‬و ما ر كب في ها من الزائن‪ ،‬و ما أودع ف‬ ‫تلك الزائن مـن النافـع‪ ،‬ومـا اشتملت عليـه مـن العظام الختلفـة‬ ‫الشكال والصـفات والنافـع‪ ،‬ومـن الرطوبات‪ ،‬والعصـاب‪ ،‬والطرق‬ ‫والجاري‪ ،‬والدماغ‪ ،‬والنافـذ والقوى الباطنـة‪ :‬مـن الذكـر‪ ،‬والفكـر‪،‬‬ ‫والتخيل‪ ،‬وقوة الفظ( ‪.)1‬‬ ‫وذلك من أعظم آيات ال وأدلته وحكمته كيف ترتسم صورة‬ ‫السـموات والرض والبحار والشمـس والقمـر والقاليـم والمالك‬ ‫‪1‬‬ ‫() ففكي مقدمكة محكل الحفكظ والتخيكل‪ ،‬والبطكن الوسكط محكل التأمكل والتفككر‪،‬‬ ‫والبطن الخير محل التذكر والسترجاع لما كان قد نسيه‪ .‬ولكل واحد من هذه‬ ‫المور الثلثكككة أمكككر مهكككم للنسكككان ل بكككد له منكككه؛ لسكككتيعاب المعلومات‪،‬‬ ‫واسترجاعها‪ ،‬والقدرة الذهنية على الفهم والتحليل والربط والستنباط والتخيل‪.‬‬ ‫‪112‬‬ ‫‪113‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وال مم ف هذا ال حل ال صغي‪ ،‬والن سان ي فظ كتبًا كثية‪ ،‬وعلومًا‬ ‫شتـ متعددة‪ ،‬وصـنائع متلفـة مـن غيـ أن يتلط بعـض هذه الصـور‬ ‫ببعض‪.‬‬ ‫ثـ انزل إل « العيف» وتأمـل عجائبهـا وشكلهـا وإيداع النور‬ ‫الباصـر فيهـا‪ ،‬وتركيبهـا مـن عشـر طبقات‪ ،‬ركبهـا سـبحانه فـ أعل‬ ‫مكان من الرأس بنلة طليع ته والكا شف والرائد له‪ ،‬وج عل سبحانه‬ ‫موضع البصار ف قدر العدسة‪ ،‬ث أظهر ف تلك العدسة قدر السماء‬ ‫والرض والبال والبحار والش مس والق مر‪ ،‬وج عل دا خل ماء الع ي‬ ‫مالًا لئل تذيب الرارة الدائمة ما هناك من الشحم‪ ،‬وجعلها مصونة‬ ‫بالجفان لتسترها وتفظها وتصقلها وتدفع القذار عنها‪ ،‬وجعل شعر‬ ‫الجفان أسود ليكون سببًا لجتماع النور الذي به البصار‪ ،‬وأبلغ ف‬ ‫السـن والمال‪ .‬وخلق سـبحانه لتحرك الدقـة سـتة عضلت لو‬ ‫نقصـت واحدة مــنها لختــل أمـر العيـ‪ .‬ومـع ذلك فيسـتدل‬ ‫ب ـأحوال الع ي على أحوال القلب من رضاه وغض به وح به وبغ ضه‬ ‫ونفرته‪.‬‬ ‫ث اعدل إل « الذن ي » وه ا ر سول القلب‪ ،‬وتأ مل شقه ما ف‬ ‫جانب الوجه‪ ،‬وخلقهما‪ ،‬وإيداعهما القوة السمعية‪ ،‬يدركان با العان‬ ‫الغائبة ال ت ترد على العبد من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه‪ ،‬وإيداع‬ ‫الرطوبـة فيهمـا‪ ،‬وجعلهـا مرة لتمتنـع الوام عـن الدخول فيهمـا‪،‬‬ ‫وحوّطه ما سبحانه ب صدفتي يمعان ال صوت ويؤديا نه إل ال صماخ‪،‬‬ ‫وجعـل ف ال صدفتي تعريات لتطول السـافة فتك سر حدة الصـوت‪،‬‬ ‫ولئل يفاجئهما الداخل إليهما من الدواب والشرات‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ثـ أنزل إل «النفف» وتأمـل شكله وخلقـه‪ ،‬وكيـف نصـبه‬ ‫سبحانه ف وسط الوجه قائمًا معتدلً ف أحسن شكل وأوفقه للمنفعة‪،‬‬ ‫وفتـح فيـه بابيـ‪ ،‬وأودع فيهمـا حاسـة الشـم التـ يدرك باـ الروائح‬ ‫وأنواعهـا وكيفياتاـ ومنافعهـا ومضارهـا‪ ،‬ويسـتدل باـ على مضار‬ ‫الغذيـة والدويـة ومنافعهـا‪ ،‬ويعيـ أيض ًا على تقطيـع الروف( ‪.)1‬‬ ‫وجعله مصـبًا للفضلت النازلة مـن الدماغ لتسـتريح منهـا‪ ،‬وسـتره‬ ‫بسـاتر أبدي لئل تبدو تلك الفضلت فـ عيـ الرائي‪ .‬وأيض ًا فإنـه‬ ‫يسـتنشق بالنخريـن الواء البارد والرطـب فيسـتغن بذلك عـن فتـح‬ ‫ال فم( ‪ )2‬والواء الذي ي ستنشقه ينل إل النخر ين فينك سر برده فيه ما‪،‬‬ ‫ث ي صل إل اللق فيعتدل مزا جه هناك‪ ،‬ث ي صل إل الرئة أل طف ما‬ ‫يكون‪ ،‬فإذا أخذت الرئة مـا تتاجـه مـن الواء عاد مـن الرئتيـ إل‬ ‫اللقوم‪ ،‬ث إل النخرين‪.‬‬ ‫ول يض يع أح كم الاكم ي ذلك «النّفَس» بل ج عل إخرا جه‬ ‫سببًا لدوث الصوت‪ ،‬ث جعل سبحانه ف النجرة واللسان وال نك‬ ‫باختلف ال صوت فيحدث الرف‪ ،‬ث أل م الن سان أن ير كب ذلك‬ ‫الرف إل مثله ونظيه فيحدث الكلمة‪ ،‬ث ألمه تركيب تلك الكلمة‬ ‫إل مثلها فيحدث الكلم الدال على أنواع العان‪.‬‬ ‫ثـ إنـه سـبحانه جعـل «الناجفر» متلفـة الشكال فـ الضيـق‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() قلت‪ :‬ولذلك إذا حدث في النف لحمية زائدة ‪ ...‬نقص هذا التقطيع‪.‬‬ ‫() وأعينككت هذه الحواس بمخلوقات أخككر منفصككلة عنهككا تكون واسككطة فككي‬ ‫إحسككاسها‪ :‬فأعينككت حاسككة البصككر بالضياء والشعاع‪ ،‬وحاسككة السككمع بالهواء‪،‬‬ ‫وحاسككة الشككم بالنسككيم اللطيككف يحمككل إليهككا الرائحككة‪ ،‬وحاسككة الذوق بالريككق‪،‬‬ ‫وحاسة اللمس بقوة جعلها ال فيها ولم تحتج إلى شيء خارج‪.‬‬ ‫‪114‬‬ ‫‪115‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والسعة والشونة واللمسة لتختلف الصوات باختلفها‪ ،‬فل يتشابه‬ ‫صـوتان كمـا ل تتشابـه صـورتان‪ .‬فميـز سـبحانه بيـ الِشخاص باـ‬ ‫يدركه السمع والبصر‪ .‬فتأمل هذه الكم الباهرة ف اتصال النّفس إل‬ ‫القلب ل فظ حياته‪ ،‬ث عند الاجة إل إخراجه وال ستغناء عنه جعله‬ ‫سببًا لذه النفعة العظيمة‪.‬‬ ‫وأ ما «ال فم» فم حل العجائب‪ ،‬وباب الطعام والشراب والن فس‬ ‫والكلم‪ ،‬ومَكَنّ الل سان النا طق الذي هو آلة العلوم‪ ،‬وترجان القلب‬ ‫( ‪)1‬‬ ‫ور سوله الؤدي ع نه‪ ،‬وف يه منف عة الذوق والدراك وتر يك الطعام‬ ‫والدليــل على اعتدال مزاج القلب وانرافــه‪ ،‬وعلى اســتقامته‬ ‫واعوجاجه‪ ،‬وعلى أحوال العدة والمعاء‪ ،‬وجعله سبحانه عضوًا لميًا‬ ‫ل عظم فيه ول عصب ليسهل عليه القبض والبسط والركة الكثية‬ ‫ف أقاصي الفم وجوانبه‪.‬‬ ‫وأ ما «ال سنان» فل ما كان الطعام ل ي كن توله إل ب عد طح نه‬ ‫ج عل الرب تبارك وتعال آلة للتقط يع والتف صيل‪ ،‬وآلة الط حن فج عل‬ ‫آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرأس ليسهل با القطع‪ .‬وجعل‬ ‫النوا جذ و ما يلي ها من الضراس م سطحة الرءوس عري ضة ليتأ تى ب ا‬ ‫الطحن‪ ،‬ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ النظم ف سلك‪ ،‬أنبتها سبحانه‬ ‫من نفس اللحم‪ ،‬وترج من خلله كما ينبت الزرع ف الرض( ‪.)2‬‬ ‫وزين «الوجه» أيضًا با أنبت فيه من الشعور الختلفة الشكال‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() وجعل ماءه حلوًا عذبًا ليدرك طعوم الشياء على ما هي عليه‪.‬‬ ‫() ولم تنشأ مع الطفل لستغنائه عنها بالرضاع‪ ،‬ولو نشأت معه من حين يولد‬ ‫لضرت بحلمة الثدي‪ ،‬إذ ل عقل له يحرزه‪ ،‬فكانت الم تمتنع من إرضاعه‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والقادير‪ .‬تأمل حال الشعر ومنبته‪ .‬والغايةَ الت خلق من أجلها‪ ،‬وهي‬ ‫شيئان‪ :‬أحده ا‪ :‬عام و هو‪ :‬تنق ية البدن من الفضول الدخان ية الغلي ظة‬ ‫كشعـر العانـة والبـط والنـف؛ والخـر خاص وهـو‪ :‬إمـا للزينـة‪ ،‬أو‬ ‫للوقا ية ف في ش عر الرأس منا فع وم صال من ها وقاي ته عن ال ر والبد‬ ‫والرض‪ ،‬ومنها الزينة والسن‪ .‬وف شعر الاجبي مع السن والمال‬ ‫والزي نة وقا ية الع ي م ا ينحدر من الرأس‪ .‬ولو ن قص عن هذا القدار‬ ‫لزالت منفعـة المال والوقايـة‪ ،‬ولو زاد عليـه لغطـى العيـ وأضرّ باـ‬ ‫وحال بينها وبي ما تدركه‪ .‬وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة‬ ‫والوقار والي بة‪ ،‬ولذا ل يرى على ال صبيان والن ساء من الي بة والوقار‬ ‫ما يرى على ذوي اللحى‪ ،‬ومنها التمييز بي الرجال والنساء‪ .‬والنساء‬ ‫ل ا كنّ م ل ال ستمتاع والتقب يل كان الح سن والول خلو هن عن‬ ‫اللحـى‪ ،‬وزيـن الشفتيـ باـ أنبـت فوقهمـا مـن الشارب وتتهمـا مـن‬ ‫العنفقة‪ ،‬وزين البهة بالاجبي وقوسهما وأحسن خطهما‪.‬‬ ‫ث انزل إل «ال صدر» ترى معدن الع قل والعلم واللم والر ضا‬ ‫والغضـب والشجاعـة والكرم والصـب والحتمال والبـ والرادة‬ ‫والوقار والسـكينة‪ ،‬والب وسـائر صـفات الكمال‪ ،‬وأضدادهـا فتجـد‬ ‫صـدور العلّيـة تعلو بالب واليـ والعلم والحسـان‪ ،‬وصـدور السـفلة‬ ‫تغلي بالفجور والشرور والساءة والسد والكب‪.‬‬ ‫و ف ال صدر «القلب» الذي هو أشرف ما ف الن سان‪ ،‬و هو‬ ‫قوام الياة‪ ،‬و هو من بع الروح اليوا ن والرارة الغريز ية‪ ،‬و هو ملـ‬ ‫نظـر الرب تعال ومعرفتـه ومبتـه وخشيتـه والتوكـل عليـه والنابـة‬ ‫إل يه والر ضا به وع نه‪ .‬والعبوديةُ عل يه أوّ لً‪ ،‬وعلى رعي ته وجنده تبعًا‪،‬‬ ‫‪116‬‬ ‫‪117‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فالوارح أتباع القلب‪ ،‬والذي يسـري إل الوارح مـن الطاعات أو‬ ‫العاصـي إناـ هـي آثاره‪ ،‬فإن أظلم أظلمـت الوارح‪ ،‬وإن اسـتنار‬ ‫استنارت؛ ومع هذا فهو بي إصبعي من أصابع الرحن ‪ ،‬فسبحان‬ ‫مقلب القلوب‪ ،‬ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب‪ ،‬الذي يول بي‬ ‫الرء وقل به‪ ،‬ويعلم ما ينطوي عل يه من طاع ته ودي نه‪ ،‬م صرف القلوب‬ ‫كيف أراد؛ أوحى إل قلوب الولياء أن أقبلي إل فبادرت وقامت بي‬ ‫يدي رب العال ي‪ ،‬وكره انبعاث آخرين فثبطهم وقيل‪ :‬اقعدوا مع‬ ‫القاعدين‪.‬‬ ‫فاتقوا عباد ال وتفكروا ف أنفسكم وما فيها من العبة والدللة‬ ‫على خالقكم وبارئكم‪ ،‬والزجر عن معصيته‪.‬‬ ‫أعوذ بال من الشيطان الرج يم وَأُزْلِفَ تِ الْجَنّ ةُ لِلْمُتّ قِيَ غَيْرَ‬ ‫بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُو نَ لِكُلّ أَوّا بٍ حَفِي ظٍ * مَ نْ خَشِ يَ الرّ حْمَ نَ‬ ‫بِالْغَيْ بِ وَجَاءَ بِقَلْ بٍ مُنِي بٍ * ادْخُلُوهَا بِ سَلَامٍ ذَلِ كَ يَوْ مُ الْخُلُودِ *‬ ‫لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق‪ ]35 -31 :‬بارك ال‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ونستيعنه ‪ ....‬إل‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬القلب يطلق على معنييـ على العضـو‬ ‫اللحمي الصنوبري الشكل الودع ف الانب اليسر من الصدر‪ ،‬وف‬ ‫بطنه تويف‪ ،‬وف التجويف دم أسود‪ .‬والثان أمر معنوي وهو لطيفة‬ ‫ربانيـة رحان ية روحان ية لاـ بذا العضـو تعلق واختصـاص وتلك هي‬ ‫حقيقة النسانية وهي «الروح»‪.‬‬ ‫عباد ال وللملك لةـ بالقلب‪ ،‬وللشيطان لةـ فإذا أل بـه اللك‬ ‫حدث مـن لتـه والنفسـاح والنشراح والنور والرحةـ والخلص‬ ‫والنابة ومبةُ ال وإيثارُه على ما سواه وقِ صَرُ المل والتجاف عن دار‬ ‫البلء والمتحان والغرور‪ .‬فلو دامـت له تلك الالة لكان فـ أهنـأ‬ ‫ع يش وألذه وأطي به؛ ول كن تأت يه ل ة الشيطان فتحدث له من الض يق‬ ‫والظلمـة والمـ والغـم والوف‪ ،‬والسـخط على القدور‪ ،‬والشـك فـ‬ ‫الق‪ ،‬والرص على الدنيا وعاجلها‪ ،‬والغفلة عن ال ما هو من أعظم‬ ‫عذاب القلب‪.‬‬ ‫ث من الناس من تكون ل ة اللك أغلب من ل ة الشيطان وأقوى‪.‬‬ ‫ومنهـم مـن تكون لةـ الشيطان أغلب عليـه وأقوى‪ .‬والشيطان يلم‬ ‫بالقلب لا كان هناك من جواذب تذبه؛ فإذا كانت الواذب صفات‬ ‫قوي سـلطانه هناك‪ ،‬واسـتفحل أمره‪ ،‬ووجـد موطئًا ومقرًا‪ -‬فتأتـ‬ ‫الذكار والدعوات كحد يث الن فس لتد فع سلطان الشيطان‪ .‬فإذا قلع‬ ‫ـال‬ ‫ـا والغتسـ‬ ‫ـل على التطهيـ منهـ‬ ‫ـفات وعمـ‬ ‫ـد تلك الصـ‬ ‫العبـ‬ ‫‪118‬‬ ‫‪119‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بالتو بة الن صوح ب قي للشيطان بالقلب خطرات وو ساوس ولّات من‬ ‫غيـ اسـتقرار‪ ،‬وذلك يضعفـه ويقوي لةـ اللك‪ ،‬فتأتـ الذكار‬ ‫والدعوات والتعوذات فتدف عه بأ سهل ش يء إِنّهُف لَيْ سَ لَ هُ سُلْطَانٌ‬ ‫عَلَى الّ ذِي نَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبّ هِ مْ يَتَوَكّ لُو نَ * إِنّ مَا سُلْطَانُهُ عَلَى الّ ذِي نَ‬ ‫يَتَوَلّ وْنَهُ وَالّ ذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل‪.]99 ،98 :‬‬ ‫ـا القلب‬ ‫ـان منهـ‬ ‫عباد ال‪ :‬وجاع الطرق والبواب الت ـ يصـ‬ ‫وجنودُه أربعة فمن ضبطها وعدّل ا وأصلح ماريها وصرفها ف مال ا‬ ‫اللئ قة ب ا ا ستفاد من ها قل به وجوار حه ول يش مت به عدوه‪ ،‬و هي‪:‬‬ ‫الرص‪ ،‬والشهوة‪ ،‬والغضب‪ ،‬والسد‪ .‬فمن كان حرصه إنا هو على‬ ‫ما ينفعه‪ ،‬وحسده منافسة ف ال ي‪ :‬وغضبه ل على أعدائه‪ ،‬وشهوته‬ ‫مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به‪ :‬ل تضره هذه الربعة؛‬ ‫بل انتفع با أعظم انتفاع( ‪ . )1‬إن أحسن الديث‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السككعادة ج (‪ )264 ،269 ،268 ،271 ،191 -1/189‬التككبيان‬ ‫ص (‪،127 ،258 -197 ،190 ،256 ،255 ،253 ،251 -249 ،188‬‬ ‫‪.)262 ،259 ،257‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أطوار النسان‬ ‫ودللتا على خالقه العظيم‬ ‫المـد ل الذي تعرف إل خلقـه بأنواع التعرفات‪ ،‬ونصـب لمـ‬ ‫الدللت‪ ،‬وأو ضح ل م اليات البينات لِيَهْلِ كَ مَ نْ هَلَ كَ عَ نْ بَيّ نَةٍ‬ ‫وَيَحْيَا مَنْ حَيّ عَنْ بَيّ نَةٍ وَإِنّ اللّ هَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ‪.‬‬ ‫وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْ سَانَ مِ نْ سُلَالَةٍ مِ نْ طِيٍ * ثُمّ جَعَلْنَا هُ نُطْفَةً‬ ‫ف ِي قَرَارٍ مَكِي ٍ * ثُم ّ خَلَقْن َا النّ طْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْن َا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً‬ ‫فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ‬ ‫فَتَبَارَكَ اللّ هُ أَحْسَنُ الْخَالِقِيَ [الؤمنون‪.]14 -12 :‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له دعـا عباده إل‬ ‫التف كر ف آيا ته وملوقا ته‪ ،‬لي ستدلوا بذلك على وحداني ته‪ ،‬و صفات‬ ‫كماله‪ ،‬ونعوت جلله‪.‬‬ ‫وأشهــد أن ممدًا عبده ورســوله إمام التفكريــن‪ ،‬وقدوة‬ ‫الذاكريـن‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬ ‫وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال! ندب سبحانه ابن آدم ف هذه اليات إل‬ ‫الن ظر والتف كر ف نف سه ف مبدأ خل قه‪ ،‬وو سطه‪ ،‬وآخره؛ إذ نف سه‬ ‫وخلقـه مـن أعظـم الدلئل على فاطره‪ ،‬وفيـه مـن العجائب الدالة‬ ‫‪120‬‬ ‫‪121‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫على عظ مة ال ما تنق ضي العمار ف الوقوف على بع ضه و هو غا فل‬ ‫عنه معرض عن التفكر فيه‪.‬‬ ‫لينظر ابن آدم كيف جع سبحانه بي الذكر والنثى بأن قادها بسلسلة‬ ‫الحبة والشهوة ال ت هي سبب تليق الولد وتكوينه من نط فة‪ .‬ولين ظر بع ي‬ ‫البصية إل «النطفة» وهي قطرة ِم ْن مَا ٍء َم ِهيٍ [السجدة‪ ،]8 :‬ضعيف‬ ‫مستقذر لو مرت با ساعة من الزمان فسدت وأنتنت كيف استخرجها رب‬ ‫الرباب العليـم القديـر مـن بيـالصـلب والترائب(‪ )1‬منقادة لقدرتـه‪ ،‬مطيعـة‬ ‫لشيئتـه‪ ،‬على ضيـق طرقهـا واختلف ماريهـا‪ ،‬إل أن سـاقها إل مسـتقرها‬ ‫ومتمعهـا فـمكان ل يناله هواء يفسـده‪ ،‬ول برد يمده‪ ،‬ول عارض يصـل‬ ‫إليه‪ ،‬ول آفة تتسلط عليه‪ -‬فأقامت النطفة هناك برهة من الدهر‪.‬‬ ‫ث قلب سبحانه تلك النط فة البيضاء الشر قة «عل قة» دمًا أح ر‬ ‫قـد تغيـ لوناـ وشكلهـا وصـفاتا‪ ،‬فأقامـت كذلك مدة‪ .‬ثـ جعلهـا‬ ‫«مض غة» قط عة ل م بقدر ما يضغ ها الا ضغ مال فة للعل قة ف لون ا‬ ‫وحقيقتهـا وشكلهـا‪ .‬ثـ قسـم تلك الجزاء التشابةـ التسـاوية إل‬ ‫«العظام» و «العروق» و «العصاب»‪ ،‬ث ربط بعضها ببعض أقوى‬ ‫رباط وأشده وأبعده عـن النلل‪ .‬ثـ كسـاها «لمًا» ركبـه عليهـا‬ ‫وجعله وعاء لا وغشاء وحافظًا‪ ،‬وجعلها حاملة له مقيمة له‪.‬‬ ‫وانظر كيف صورها فأحسن صورها‪ ،‬وشق ل ا السمع والبصر‬ ‫والفم والنف وسائر النافذ‪ ،‬ومد اليدين والرجلي وبسطهما‪ ،‬وقسم‬ ‫رءوسهما بالصابع‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() فالحيوان ينعقككد مككن ماء الذكككر وماء النثككى‪ ،‬كمككا ينعقككد النبات مككن الماء‬ ‫والتراب والهواء‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ثـ قسـم الصـابع بالنامـل‪ ،‬ثـ ركـب فيهـا الظفار‪ ،‬وركـب‬ ‫العضاء الباطنـة‪ :‬مـن القلب‪ ،‬والعدة‪ ،‬والمعاء‪ ،‬والكبـد‪ ،‬والرارة‪،‬‬ ‫والطحال‪ ،‬والرئة‪ ،‬والثا نة‪ ،‬وغ ي ذلك كل وا حد من ها له قدر ي صه‬ ‫ومنفعة تصه‪.‬‬ ‫ـ للرب والنفعـة الهيأة ل ا‪-‬‬ ‫تأمـل أعضاءك وتقديـر كـل عضـو منه ا‬ ‫ـع‪.‬‬ ‫ـة والدفـ‬ ‫ـذ والعطاء والمايـ‬ ‫ـش والخـ‬ ‫«فاليدان» للعلج(‪ )1‬والبطـ‬ ‫و«الرجلن» لمل البدن والسعي والركوب‪ ،‬وانتصاب القامة‪ .‬و«العينان»‬ ‫للهتداء والمال والزينة واللحة ورؤية ما ف السموات والرض وآياتما‬ ‫وعجائبهما‪« .‬الفم» للغذاء والكلم والمال وغي ذلك‪ .‬و«النف» للتنفس‬ ‫وإخراج فضلت الدماغ وزين ًة للو جه‪ .‬و«الل سان» للبيان والترج ة والتبل يغ‬ ‫عنك و«الذنان» صاحبتا الخبار تؤديا إليك(‪.)2‬‬ ‫وتأمل «الهاز الضمي»‪ -‬تأمل أعضاء هضم غذائك وما أودع‬ ‫ال فيها من القوى الت ت يل أنواع الطعمة من حنطة ول م وفاكهة‬ ‫وماء وغيهـا إل دم يغذي أجزاء جسـمك باـ يناسـب كـل عضـو‬ ‫وحا سة وإل تول إل سم‪« .‬فال فم» مع كو نه يقطّ ع الغذاء ويل طه‬ ‫يقوم بزء مـن الضـم باـ أودع فيـه مـن اللعاب‪ .‬و«الريفء»‬ ‫مـع كونـه منفذًا للمعدة يقوم بزء مـن الضـم باـ فيـه مـن حركات‬ ‫وإفرازات لزجة ينلق با الغذاء إل العدة‪ .‬و«العدة» مع كونا خزانة‬ ‫ـا‬ ‫ـة وتبدأ بضمهـ‬ ‫ـن الطعمـ‬ ‫ـة طحـ‬ ‫ـم عمليـ‬ ‫ـة للغذاء تتـ‬ ‫حافظـ‬ ‫وا ستحلبا‪ ،‬وت ساعد بموضت ها القو ية على تعق يم الطع مة‪ ،‬وتن ظم‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() معالجة العمال‪.‬‬ ‫() هذه السككطر فيهككا نوع تكرار مككع مككا تقدم‪ ،‬لكككن بأسككلوب آخككر وأخصككر‪،‬‬ ‫وسياقها أيضًا لجل ما بعدها «الجهاز الهضمي»‪.‬‬ ‫‪122‬‬ ‫‪123‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حر كة عبور ها إل المعاء‪ .‬و«المعاء » ت تم ه ضم الطعام وتليله إل‬ ‫عناصـره الوليـة ويسـاعدها على ذلك عصـارات الكبـد والعثكلة‬ ‫(البنكرياس)‪ .‬ومـن خلل جدران المعاء يري امتصـاص خلصـة‬ ‫الواد الهضومة ودفعها إل الكبد‪ ،‬ث التخلص من الثفل (الفضلت)‪.‬‬ ‫ث «الك بد» يقوم بأك ثر من خ سي وظي فة‪ :‬من التخز ين‪ ،‬والتأل يف‬ ‫وتعديل السموم‪ .‬ويساعد الكبد «الطحال»( ‪ )1‬و«الكليتان»( ‪.)2‬‬ ‫فإذا تنقى الدم من تلك الفضلت وعملت فيه هذه الدم بقواها‬ ‫ال ت أودع ها ال في ها هذا الع مل وأ صلحته هذا ال صلح اند فع من‬ ‫الكبـد إل «القلب » بواسـطة الوريـد الجوف السـفلي فيصـب فـ‬ ‫الذ ين الي ن من القلب( ‪ ، )3‬وم نه إل البط ي الي ن من القلب‪ ،‬وهذا‬ ‫غليـظ أزرق غيـ مصـفى‪ ،‬فيضخـه البطيـ الينـ إل « الرئتيف»‬ ‫فينبث ف جرمهما‪ ،‬ويالط الواء النقي ويتصفى( ‪.)4‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫() الطحال‪ :‬يعني بتشكيل خليا الدم‪ ،‬ويساعد على استقلب معدن الحديد‪ ،‬وهو‬ ‫مسككتودع للدم‪ ،‬ويقوم بتدميككر الخليككا الحمككر والبيككض القديمككة التككي انعدمككت‬ ‫فائدتها‪ ،‬ويساعد على إبقاء الدورة الدموية خالية من الجراثيم والمواد الغريبة‪.‬‬ ‫() والكليتان‪ :‬تقومان بتصككفية الدم الجاري فككي الجسككم مككن كككل شوائبككه سككتًا‬ ‫وثلثين مرة‪ ،‬في اليوم يتصفى بالرشح قرابة مائتي لتر من الدم يوميًا بواسطة‬ ‫الكبككب التككي تصككل إلى مليون كبككة‪ ،‬ويعود الدم ليمتككص مرة أخرى بواسككطة‬ ‫النابيكب الكلويكة التكي يمكر فيهكا قرابكة مائة وثمانيكة وتسكعين لترًا‪ ،‬ول يسكمحان‬ ‫للعناصكر المولدة للمواد الغذائيكة بالتسكرب‪ ،‬ويطرحان لتريكن فقكط وهكي الفضلة‬ ‫المعروفة بالبول إلى المثانة‪.‬‬ ‫() ويصب معه فيه الوريد الجوف العلوي من بقية الجسم‪.‬‬ ‫() وفككي الرئتيككن سككبعمائة وخمسككون مليون سككنخ رأوي تعمككل لتصككفية الدم‬ ‫باستمرار بمعدل خمس لترات في كل دقيقة‪ .‬في كل يوم يتنفس النسان خمسة‬ ‫وعشرون ألف مرة يسكحب فيهكا مائة وثمانيكن مترًا مكعبًا مكن الهواء‪ ،‬يتسكرب‬ ‫منهكا سكتة أمتار ونصكف متكر مكعكب مكن غاز الكسكجين إلى الدم‪ ،‬فيصكفي الدم‬ ‫بسحب غاز الفحم ومنح غاز الكسجين اللزم للبدن‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ث يعود بوا سطة الوردة الرئو ية إل الذ ين الي سر من القلب‪،‬‬ ‫ومنـه إل البطيـ اليسـر منـه‪ ،‬فيضخـه بواسـطة الشريان (البرـ) إل‬ ‫العروق الضوارب( ‪ )5‬؛ فيوصـل ‪-‬سـبحانه‪ -‬الغذاء بواسـطتها إل كـل‬ ‫جزء جزء مـن البدن على مقداره وصـفته الناسـبة له وإل كـل حاسـة‬ ‫بسـبها‪ -‬فيحيله إل العظـم عظمًا‪ ،‬وإل اللحـم لمًا‪ ،‬وإل العصـب‬ ‫عصـبًا‪ ،‬وإل الشعـر شعرًا‪ ،‬وهكذا ‪...‬؛ فإنـه سـبحانه هـو الذي خلق‬ ‫هذا كله‪ ،‬وهـو الذي يرزق هذا كله رزقًـا ثانيًـا‪ .‬الرزق الول خلق‬ ‫الغذاء‪ ،‬وهذا إيصــاله إل العضاء ‪ ،...‬وكذلك أعوذ بال مــن‬ ‫الشطيان الرجيم يَا أَيّ هَا النّا سُ إِ نْ كُنْتُ مْ فِي رَيْ بٍ مِ نَ الْبَعْ ثِ فَإِنّا‬ ‫خَلَقْنَاكُ مْ مِ نْ تُرَا بٍ ثُمّ مِ نْ نُطْفَةٍ ثُمّ مِ نْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِ نْ مُضْغَةٍ مُخَلّ قَةٍ‬ ‫ف مَفا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ‬ ‫ف وَنُقِرّ فِفي الْأَرْحَام ِ‬ ‫ف لَكُم ْ‬ ‫وَغَيْرِ مُخَلّ قَةٍ لِنُبَيّن َ‬ ‫مُ سَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُ مْ طِفْلًا ثُمّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّ كُ مْ [ال ج‪ ]5 :‬بارك‬ ‫ال ‪....‬‬ ‫‪5‬‬ ‫() والقلب مؤلف مككن مضختيككن ل واحدة‪ .‬الولى‪ :‬لدفككع الدم باتجاه الرئتيككن‪،‬‬ ‫والثانيكة‪ :‬لرسكاله إلى سكائر أنحاء الجسكم‪ .‬يضكخ القلب يوميًا ثمانمائة لتكر مكن‬ ‫الدم‪ .‬وتبلغ ضربات القلب سكتين إلى ثمانيكن فكي الدقيقكة‪ .‬وفكي ككل مرة يدخكل‬ ‫القلب حوالي ربكع لتككر مكن الدم‪ ،‬ويسكتغرق مرور دفعكة واحدة مكن الدم خلل‬ ‫القلب ثانية ونصف‪ .‬والطريق من القلب إلى الرئة وثم مرة أخرى ست ثواني‪.‬‬ ‫وهذه هكي الدورة الدمويكة الصكغرى‪ .‬والدم الذاهكب إلى الدماغ يعود إلى القلب‬ ‫فكي ثمانكي ثوان‪ ،‬بينمكا يعود الدم إلى القلب مكن أصكابع القدم فكي ثمانكي عشرة‬ ‫ثانية‪ ،‬وهذه هي الدورة الدموية الكبرى‬ ‫‪124‬‬ ‫‪125‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطة الثانية‬ ‫المد ل نمده ‪....‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا أي ها الن سان أ عد الن الن ظر ف نف سك مرة ب عد‬ ‫مرة‪ .‬من الذي دبرك بأل طف التدب ي وأ نت جن ي ف ب طن أ مك ف‬ ‫موضـع ل يـد تنالك‪ ،‬ول بصـر يدركـك‪ ،‬ول حيلة لك فـ التماس‬ ‫الغذاء‪ ،‬ول ف دفع الضرر‪ .‬فمن الذي أجرى إليك من دم الم ما يغذوك‬ ‫كمـا يغذو الاء النبات‪ ،‬وقلب ذلك الدم لبن ًا‪ ،‬حتـ إذا كمـل خلقـك‬ ‫وا ستحكم وقوي أدي ك على مباشرة الواء‪ ،‬وب صرك على ملقاة الضياء‪،‬‬ ‫وصـلبت عظامـك على مباشرة اليدي والتقلب على الغـباء‪ ،‬هاج الطلق‬ ‫بأمك فأزعجك إل الروج أيا إزعاج إل عال البتلء‪ ،‬فركضك الرحم‬ ‫رك ضة من مكا نك كأ نه ل يض مك قط‪ .‬و من الذي صرف ذلك الل ب‬ ‫الذي ك نت تتغذى به ف ب طن أ مك إل خزانت ي معلقت ي على صدرها‪،‬‬ ‫و من الذي رق قه لك و صفاه وأطاب طع مه وح سن لو نه وأحكم طب خه‪،‬‬ ‫ومن عطف عليك قلب الم ووضع فيه النان العجيب والرحة الباهرة(‪.)1‬‬ ‫ح ت إذا قوي بد نك وات سعت أمعاؤك وخش نت عظا مك واحت جت إل‬ ‫غذاء أ صلب من غذائك و ضع ف يك آلة الق طع والط حن‪ ،‬وكل ما ازددت‬ ‫قوة وحاجة إل السنان ف أكل الطاعم الختلفة زيد لك ف تلك اللت‬ ‫فمـن الذي سـاعدك باـ ومكنـك مـن ضروب الغذاء إل أحكـم‬ ‫‪1‬‬ ‫() حتى إنها تكون في أهنأ ما تكون من شأنها وراحتها ومقيلها فإذا أحست منك‬ ‫بأدنى صوت أو بكاء قامت إليك وآثرتك على نفسها منقادة إليك بغيكر قائد ول‬ ‫سائق‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الاكمي وأرحم الراحي‪ ،‬فاشكره‪ ،‬واذكره‪ ،‬وأحسن عبادته وحده‪،‬‬ ‫على أن خلقـك ف أحسـن تقويـ‪ ،‬وتغذيتـك بأصـناف النعـم‪ ،‬وأنـت‬ ‫ّهف لَا تُحْصفُوهَا [إبراهيـم‪:‬‬ ‫ِنف تَعُدّوا نِعْمَةَ الل ِ‬ ‫صـغي وكـبي( ‪ )1‬وَإ ْ‬ ‫‪ ]34‬عباد ال إن أحسن الديث‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مراجككككع هذه الخطبككككة كمككككا يلي‪ :‬مفتاح دار السككككعادة ج( ‪ )1‬ص(‪189‬‬ ‫ ‪ .)191‬التكبيان ص ( ‪.)230 ،240 ،235 ،331 ،241 ،228 -226 ،240‬‬‫ومن كتب الطب الحديث‪ -‬الطب محراب اليمان ج( ‪،19 ،47 ،304 ،2/259‬‬ ‫‪ )129 ،124 ،191 ،90 ،114 ،301 ،170 ،15 ،10 ،9 ،297‬والصكككحة‬ ‫والسككلم ص(‪ )60 ،15 ،162‬والصكككحة والوقايكككة ص (‪ .)100 ،60‬ذكرت‬ ‫بعكض هذه التفصكيلت فكي «الجهاز الهضمكي» مكن هذه الكتكب وأكثرهكا بصكفة‬ ‫تعليق‪ .‬وهي دالة على عظمة ال وقدرته وعلمه وحكمته‪.‬‬ ‫‪126‬‬ ‫‪127‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الذي أعطى كل شيء خلقه‪ ،‬ث هدى‬ ‫المـد ل الذي خلق فسـوى‪ ،‬والذي قدر فهدى‪ ،‬أعطـى كـل‬ ‫شيء من اللق والتصوير ما يصلح به لا خلق له‪ ،‬ث هداه لا خلق له‬ ‫و هو الك يم ال بي‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ ،‬له‬ ‫ف كل ملوق حكمة باهرة‪ ،‬وآية ظاهرة‪ ،‬وبرهان قاطع يدل على أنه‬ ‫رب كل شيء ومليكه‪ ،‬وأنه النفرد بكل كمال دون خلقه‪ ،‬وأنه على‬ ‫كل شيء قدير‪ ،‬وبكل شيء عليم‪.‬‬ ‫ـة البيان‬ ‫ـه هدايـ‬ ‫ـوله‪ :‬هدى أمتـ‬ ‫ـد أن ممدًا عبده ورسـ‬ ‫وأشهـ‬ ‫والرشاد‪ ،‬وأما هداية التوفيق واللام فإل اللك العلم‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال ذكر ال تبارك وتعال عن فرعون أنه قال‪:‬‬ ‫فَمَنْ رَبّ كُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبّ نَا الّ ذِي أَعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمّ‬ ‫هَدَى [طه‪ .]50 ،49 :‬أي أعطى لك شيء صورته الت ل يشتبه‬ ‫فيهـا بغيه‪ ،‬وأعطـى كـل عضـو شكله وهيئتـه‪ ،‬وأعطـى كـل موجود‬ ‫ـن العمال‪.‬‬ ‫ـا خلق له مـ‬ ‫ـه‪ ،‬ث ـ هداه إل مـ‬ ‫ـص بـ‬ ‫ـه الختـ‬ ‫خلقـ‬ ‫هذه الدا ية شاملة للحيوان كله ناط قه وبي مه‪ .‬طيه ودوا به‪ ،‬ف صيحه‬ ‫وأعجمـه‪ ،‬هداه لاـ يصـلحه فـ معيشتـه ومطعمـه ومشربـه ومنكحـه‪،‬‬ ‫وتقلبه وتصرفه بإرادته‪ .‬وكذلك كل عضو له هداية تليق به‪ -‬فهدى‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الرجل ي للم شي‪ ،‬واليد ين للب طش والع مل‪ ،‬والل سان للكلم‪ ،‬والذن‬ ‫لل ستماع‪ ،‬والع ي لك شف الرئيات‪ ،‬و كل ع ضو ل ا خلق له‪ .‬وهدى‬ ‫الزوج ي من كل حيوان إل الزدواج والتنا سل وترب ية الولد‪ ،‬وهدى‬ ‫الولد إل التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه‪ ،‬وهداه إل معرفة أمه‬ ‫دون غي ها حت يتبعها أين ذهبت‪ ،‬والقصد إل ما ينفعه من الراعى‬ ‫دون مـا يضره منـه‪ ،‬وهدى الطيـ والوحـش إل الفعال العجيبـة التـ‬ ‫يعجـز عنهـا النسـان‪ .‬ومراتـب هدايتـه سـبحانه ل يصـيها إل هـو‪.‬‬ ‫فتبارك ال رب العالي‪.‬‬ ‫وهدى «الن حل» أن تت خذ من البال بيوتًا و من الش جر و من‬ ‫البن ية ث ت سلك سبل رب ا مذللة ل ا ل ت ستعصي علي ها ث تأوي إل‬ ‫بيوت ا‪ ،‬وهداها إل طاعة يعسوبا واتباعه والئتمام به أين توجه ب ا‪،‬‬ ‫ث هداها إل بناء البيوت العجيبة الصنعة الحكمة البناء‪.‬‬ ‫ومن تأمل بعض هدايته البثوثة ف العال شهد بأ نه ال الذي ل إله‬ ‫إل هو عال الغيب والشهادة العزيز الكيم‪ .‬وانتقل من معرفة هذه الداية‬ ‫إل إثبات «النبوة» و«العاد» بأيسـر نظـر وأول ولةـ‪ ،‬وأحسـن طريـق‬ ‫وأخ صرها وأبعد ها عن كل شب هة‪ ،‬وأن من هدى هذه اليوانات هذه‬ ‫الدايـة التـ تعجـز عقول العقلء عنهـا ل يليـق بـه أن يترك هذا النوع‬ ‫النسان الذي هو خلصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثي من خلقه‬ ‫تفضيلً مهمل وسدى معطل ل يهديه إل أقصى كمالته وأفضل غاياته‪.‬‬ ‫وهذا أحد ما يدل على إثبات العاد بالعقل والشرع‪.‬‬ ‫وهذا الن مل من أهدى اليوانات‪ ،‬وهدايت ها من أع جب ش يء؛‬ ‫فإن النملة الصـغية ترج مـن بيتهـا وتطلب قوتاـ وإن بعدت عليهـا‬ ‫‪128‬‬ ‫‪129‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطريـق‪ ،‬فإذا ظفرت بـه حلتـه وسـاقته فـ طريـق معوجـة بعيدة ذات‬ ‫صعود وهبوط ف غا ية من التو عر ح ت ت صل إل بيوت ا فتخزن في ها‬ ‫أقواتا ف وقت المكان‪ ،‬فإذا خزنتها عمدت إل ما ينبت منها ففلقته‬ ‫فلقت ي لئل ين بت‪ ،‬فإن كان ين بت مع فل قه باثن ي فلق ته بأرب عة‪ ،‬فإذا‬ ‫أصـابه بلل وخافـت عليـه العفـن والفسـاد انتظرت بـه يومًا ذا شسـ‬ ‫فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتا ث أعادته إليها‪ ،‬ول تتغذى منها‬ ‫نلة م ا جعه غيها‪ .‬ويكفي ف هداية النمل ما حكاه ال سبحانه ف‬ ‫القرآن عـن النملة التـ سـع سـليمان عليـه السـلم كلمهـا وخطاباـ‬ ‫ل صحابا بقول ا‪ :‬يَا أَيّهَا النّ مْلُ ادْخُلُوا مَ سَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنّ كُ مْ‬ ‫سُلَيْمَانُ وَجُنُودُ هُ وَهُ مْ لَا يَشْعُرُو نَ [الن مل‪ ] 18 :‬فجم عت ب ي‬ ‫العتذار عـن مضرة اليـش بكونمـ ل يشعرون‪ ،‬وبيـ لو أمـة النمـل‬ ‫ح يث ل يأخذوا حذر هم ويدخلوا م ساكنهم‪ ،‬ولذلك تب سم سليمان‬ ‫ضاحكًا من قول ا‪ ،‬وإ نه لو ضع تع جب وتب سم‪ .‬و من ع جب هدايت ها‬ ‫أنا تعرف ربا بأنه فوق السموات على عرشه‪ ،‬كما رواه المام أحد‬ ‫ف «كتاب الزهد» من حديث أب هريرة يرفعه قال‪ « :‬خرج نب من‬ ‫ال نبياء بالناس ي ستسقون فإذا هم بنملة راف عة قوائم ها إل ال سماء‬ ‫تدعو مستلقية على ظهرها‪ ،‬وهي تقول‪ :‬اللهم إنا خلق من خلقك‬ ‫ليس بنا غن عن سقياك‪ ،‬ورزقك‪ ،‬فإما أن تسقينا وترزقنا وأما أن‬ ‫تلكنا‪ .‬فقال‪ :‬ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيكم»( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وهكي تدرك بالشكم مكن البعكد مكا يدرككه غيرهكا بالبصكر أو السكمع فتأتكي مكن‬ ‫مكان بعيكد إلى موضكع أككل فيكه النسكان وبقكي فيكه فتات مكن الخبكز أو غيره‬ ‫فتحمله وتذهب به وإن كان أكبر منها‪،‬فإن عجزت عن حمله ذهبت وأتت معها‬ ‫بصككف مككن النمككل يتسككاعدون على حمله ونقله‪ .‬ولهككا قصككص مككن ذلك انظككر‬ ‫البدائع ج(‪ )1‬ص(‪.)70‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وهذا «الدهـد» مـن أهدى اليوان وأبصـره بواضـع الاء تتـ‬ ‫الرض ل يراه غيه‪ .‬و من هداي ته ما حكاه ال ع نه ف كتا به أ نه قال‬ ‫لنـبيه سليمان عل يه ال سلم و قد فقده وتوعده فل ما جاء بدره بالعذر‬ ‫ق بل أن ينذره سليمان بالعقو بة‪ ،‬وخاط بة خطابًا هي جه على ال صغاء‬ ‫إليه والقبول منه‪ ،‬فقال‪ :‬أَحَط تُ بِمَا لَ مْ تُحِ طْ بِ هِ [النمل‪]22 :‬‬ ‫ث ك شف عن حقي قة ال ب كشفًا مؤكدًا بأدلة التأك يد فقال‪ :‬إِنّ ي‬ ‫وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُ مْ [النمل‪ ]23 :‬ث أخب عن شأن تلك اللكة‬ ‫وأن ا من أجل اللوك ب يث أوتيت من كل شيء يؤتاه اللوك‪ ،‬ث زاد‬ ‫ف تعظ يم شأن ا بذ كر عرش ها الذي تلس عليه وأنه عرش عظيم‪ ،‬ث‬ ‫أ خبه با يدعوه إل قصدهم وغزوهم ف عقر دارهم بعد دعوتم إل ال‬ ‫س ِمنْ دُونِ الّل ِه [النمل‪24 :‬‬ ‫ش ْم ِ‬ ‫جدُو َن لِل ّ‬ ‫سُ‬ ‫فقال‪ :‬وَ َج ْدتُهَا َوَقوْ َمهَا َي ْ‬ ‫] ث أ خب عن الغوي ل م الا مل ل م على ذلك و هو تزي ي الشيطان ل م‬ ‫أعمالم حت صدهم عن السبيل الستقيم وهو السجود ل وحده‪ ،‬ث أخب‬ ‫أن ذلك الصد حال بينهم وبي الداية والسجود ل الذي ل ينبغي السجود‬ ‫السفمَاوَاتِ‬ ‫ب َء ف ِي ّ‬ ‫خ ْ‬ ‫إل له‪ ،‬ثـ ذكـر مـن أفعاله سـبحانه إخراج اْل َ‬ ‫ض [الن مل‪ ]25 :‬و هو الخبوء فيه ما من ال طر والنبات والعادن‬ ‫وَاْلَأ ْر ِ‬ ‫وأنواع ما ينل من السماء وما يرج من الرض‪.‬‬ ‫وهذا «المام» مـن أعجـب اليوان هدايـة حتـ قال الشافعـي‪:‬‬ ‫أع قل الط ي المام‪ ،‬وبرد المام هي ال ت ت مل الر سائل والك تب ف‬ ‫لزمان ال سابقة‪ ،‬رب ا زادت قي مة الط ي من ها على قي مة الع بد‪ ،‬يذ هب‬ ‫ويرجـع إل مكانـه مـن مسـية ثلثـة آلف ميـل فمـا دوناـ‪ .‬وهدايـة‬ ‫اليوان إل مصال معاشها كالبحر حدث ول حرج‪.‬‬ ‫‪130‬‬ ‫‪131‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و من عجائب أ مر «القرد» ما ذكره البخاري ف صحيحه عن‬ ‫عمرو بـن ميمون الودي قال‪ :‬رأيـت فـ الاهليـة قردًا وقردة زنيـا‬ ‫فاجت مع عليه ما القرود فرجوه ا ح ت ما تا‪ .‬فهؤلء القرود أقاموا حد‬ ‫ال حي عطله بنو آدم‪.‬‬ ‫و«البقرة» يضرب ببلدت ا ال ثل و قد أ خب ال نب ‪ « :‬أن رجلً‬ ‫بينمفا هفو يسفوق بقرة إذ ركبهفا‪ ،‬فقالت‪ :‬إنف ل أخلق لذا‪ ،‬فقال‬ ‫الناس‪ :‬سبحان ال‪ ،‬بقرة تتكلم‪ .‬فقال ال نب ‪ :‬إ ن أو من بذا أ نا‬ ‫وأ بو ب كر وع مر و ما ه ا ث‪ .‬ث قال‪ :‬بين ما ر جل ير عى غنمًا له إذ‬ ‫عدى الذئب على شاة منهفا فاسفتنقذها منفه‪ ،‬فقال الذئب‪ :‬هذه‬ ‫اسفتنقذتا منف فمفن لاف يوم السفبع يوم ل راعفي لاف غيي‪ .‬فقال‬ ‫الناس‪ :‬سفبحان ال‪ ،‬ذئب يتكلم‪ .‬فقال رسفول ال ‪ :‬إنف أومفن‬ ‫باذ أنا وأبو بكر وعمر وما ها ث»‪.‬‬ ‫ومن هداية «المار» الذي هو من أبلد اليوان أن الرجل يسي‬ ‫به ويأت به إل منله من البعد ف ليلة مظلمة فيعرف النل‪ ،‬فإذا خُلّ يَ‬ ‫جاء إليه‪ ،‬ويفرق بي الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يث‬ ‫به على السي‪.‬‬ ‫وهذا «الثعلب» إذا اشتـد بـه الوع انتفـخ ورمـي بنفسـه فـ‬ ‫الصـحراء كأنـه جيفـة فتتداوله الطيـ فل يظهـر حركـة ول نفسـًا فل‬ ‫تشك أنه ميت‪ ،‬حت إذا نقر بنقاره وثب عليها فضمها ضمة الوت‪.‬‬ ‫وهذا «ا بن عرس» و «القن فذ» إذا أكل الفا عي واليات عمدا‬ ‫إل الصعتر النهري فأكل منه كالترياق لذلك‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وكثيـ مـن العقلء يتعلم مـن اليوان البهيـم أمورًا تنفعـه فـ‬ ‫معاشه‪ ،‬وأخلقه‪ ،‬وصناعته‪ ،‬وحربه‪ ،‬وحزمه‪ ،‬وصبه( ‪.)1‬‬ ‫فتفكروا عباد ال ف هداية هذه اليوانات ل ا خلقت له واعرفوا‬ ‫عظمة باريها وتفهموا قوله‪ :‬سَبّ حِ ا سْمَ رَبّ كَ الْأَعْلَى * الّ ذِي خَلَ قَ‬ ‫فَ سَوّى * وَالّ ذِي قَدّ رَ فَهَدَى [العلى‪ ]3 -1 :‬قَالَ رَبّنَا الّ ذِي‬ ‫أَعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَ هُ ثُمّ هَدَى [ طه‪ .]50 :‬بارك ال ل ول كم‬ ‫‪...‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل الذي سـبحت الكائنات بمده‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شريك له‪ ،‬ول مثل له من خلقه‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسوله أكمل خلق ال خلقًا‪ ،‬وأرفعهم عنده منل‪ .‬اللهم صلِ وسلم‬ ‫على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه بإح سان إل‬ ‫يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد فقد قال ال تعال‪ :‬وَمَا مِنْ دَابّ ةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ‬ ‫ُمف [النعام‪ ]38 :‬قال ابـن عباس‪:‬‬ ‫َمف أَمْثَالُك ْ‬ ‫ْهف إِلّا أُم ٌ‬ ‫يَطِيُ بِجَنَاحَي ِ‬ ‫يعرفون ن ويوحدون ن وي سبحونن ويمدون ن‪ .‬وقال ا بن قتي بة‪ :‬إِلّا‬ ‫ف فـ طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقـي الهالك‪.‬‬ ‫ف أَمْثَالُكُم ْ‬ ‫أُمَم ٌ‬ ‫وقال سفيان بن عيينة‪ :‬ما ف الرض آدمي إل وفيه شبه من البهائم‪.‬‬ ‫فمنهـم مـن يهتصـر اهتصـار السـد‪ ،‬ومنهـم مـن يعدو عدو‬ ‫‪1‬‬ ‫() وذكر ابن القيم من أخلق الديك والسود ‪...‬‬ ‫‪132‬‬ ‫‪133‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الذئب‪ ،‬ومنهـم مـن ينبـح نباح الكلب‪ ،‬ومنهـم مـن يتطوس كفعـل‬ ‫الطاووس‪ ،‬ومن هم من يش به الناز ير ال ت لو أل قي إلي ها الطعام الط يب‬ ‫عافته‪ ،‬فإذا قام الرجل عن رجيعة ولغت فيه‪ ،‬فلذلك تد ف الدميي‬ ‫من لو سع خ سي حك مة ل يف ظة واحدة من ها‪ ،‬وإن أخ طأ ر جل‬ ‫تراواه وحفظـه‪ .‬قال الطابـ‪ :‬مـا أحسـن مـا تأول سـفيان هذه اليـة‬ ‫واستنبط منها هذا الكم أن الراد الماثلة ف الطبائع والخلق‪.‬‬ ‫وال سبحانه جعل بعض الدواب كسوبًا متالًا‪ ،‬وبعضها متوكلً‬ ‫غ ي متال‪ ،‬وب عض الشرات يد خر لنف سه قوت سنة‪ ،‬وبعض ها يت كل‬ ‫على الثقة بأن له ف كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا‪.‬‬ ‫وبعضهـا يدخـر وبعضهـا ل كسـب له‪ .‬وبعـض الذكورة يعول ولده‪،‬‬ ‫وبعض ها ل يعرف ولده الب تة‪ .‬وب عض الناث تك فل ولد ها ل تعدوه‪،‬‬ ‫وبعضها تضع ولدها وتكفل ولده غيها‪ .‬وبعضها ل تعرف ولدها إذا‬ ‫استغن عنها‪ ،‬وبعضها ل تزال تعرفه وتعطف عليه وبعضها ل يلتمس‬ ‫الولد‪ ،‬وبعضهـا يسـتفرغ المـ فـ طلبـه‪ .‬وبعضهـا يعرف الحسـان‬ ‫ويشكره‪ ،‬وبعضهـا ليـس ذلك عنده شيئًا‪ .‬وبعضهـا يؤثـر على نفسـه‪،‬‬ ‫وبعض ها إذا ظ فر ب ا يك في أ مه من جن سه ل يدع أحدًا يد نو م نه‪.‬‬ ‫وبعضها ي ب الفساد ويكثر منه‪ ،‬وبعضها ل يفعله إل ف السنة مرة‪.‬‬ ‫وبعضها يقتصر على أنثاه‪ ،‬وبعضها ل يقف على أنثى ولو كانت أمه‬ ‫أو أخته‪ .‬وبعضها ل تكن غي زوجها من نفسها‪ ،‬وبعضها ل ترد يد‬ ‫ل مس‪ .‬وبعض ها يألف ب ن آدم ويأ نس ب م‪ ،‬وبعض ها ي ستوحش من هم‬ ‫وينفر غاية النفار‪ .‬وبعضها ل يأكل إل الطيب‪ ،‬وبعضها ل يأكل إل‬ ‫البائث‪ ،‬وبعضها يمع بي المرين‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وبعض ها ل يؤذي إل من بالغ ف أذا ها‪ ،‬وبعض ها يؤذي من ل‬ ‫يؤذي ها‪ ،‬وبعض ها حقود ل ين سى ال ساءة‪ ،‬وبعض ها ل يذكر ها الب تة‪.‬‬ ‫وبعضهـا ل يغضـب‪ ،‬وبعضهـا يشتـد غضبـه فل يزال يسـترضى حتـ‬ ‫ير ضى‪ .‬وبعض ها عنده علم ومعر فة بأمور دقي قة ل يهتدي إلي ها أك ثر‬ ‫الناس‪ ،‬وبعض ها ل معر فة له بش يء من ذلك الب تة‪ .‬وبعض ها ي ستقبح‬ ‫القب يح وين فر م نه‪ ،‬وبعض ها ال سن والقب يح م نه سواء‪ .‬وبعض ها يق بل‬ ‫التعليم بسرعة‪ ،‬وبعضها مع الطول‪ ،‬وبعضها ل يقبل ذلك بال‪.‬‬ ‫وهذا كله من أدل الدلئل على الالق ل ا سبحانه‪ ،‬وعلى إتقان‬ ‫صـنعته‪ ،‬وعجيـب تدبيه‪ ،‬ولطيـف حكمتـه‪ ،‬فإن فيمـا أودعهـا مـن‬ ‫غرائب العارف وغوا مض ال يل وح سن التدب ي والتأ ن ل ا تريده ما‬ ‫يسـتنطق الفواه بالتسـبيح ويل القلوب مـن معرفتـه ومعرفـة حكمتـه‬ ‫وقدرتـه سـبحانه‪ ،‬ومـا يعلم كـل عاقـل أنـه ل يلق عبث ًا ول يترك‬ ‫سدى( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() شفاء العليككككككككل ص (‪ )74 ،71 ،70 ،77 ،75 ،74 ،68 -66‬البدائع ج(‬ ‫‪.)36 ،1/35‬‬ ‫‪134‬‬ ‫‪135‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫كيف ل يُحَبّ ال‬ ‫السباب الالبة لحبته‪ ،‬وعلمات صدقها‬ ‫المـد ل الذي نصـب طاعتـه والضوع له على صـدق مبتـه‬ ‫دليل‪ ،‬وفَضّلـ أهـل مبتـه ومبـة كتابـه ورسـوله على سـائر الحـبي‬ ‫تفضيل‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له شهادة مقـر‬ ‫بربوبيتـه‪ ،‬شاهـد بوحدانيتـه‪ ،‬منقاد إليـه لحبتـه‪ ،‬مذعـن له بطاعتـه‪،‬‬ ‫معترف بنعم ته‪ ،‬فارّ إل يه من ذن به وخطيئ ته‪ ،‬ل يبت غي سواه ر با‪ ،‬ول‬ ‫يتخـذ مـن دونـه ولي ًا ول وكيل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله‪،‬‬ ‫وخيته من خلقه‪ ،‬وأمينه على وحيه‪ ،‬وسفيه بينه وبي عباده‪ ،‬أحبهم‬ ‫إليه‪ ،‬وأكرمهم عليه‪ .‬فصلى ال وملئكته وأنبياؤه ورسله وجيع عباده‬ ‫الؤمني عليه‪ ،‬وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس مرفوعًا‪« :‬أحبوا‬ ‫ال لا يغذوكم به من نعمة»‪.‬‬ ‫والح بة يا عباد ال تن شأ من الح سان ومطال عة اللء والن عم؛‬ ‫فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها‪،‬‬ ‫ول أ حد أع ظم إح سانًا من ال سبحانه‪ ،‬فإن إح سانه على عبده ف‬ ‫كل نفس ولظة‪ ،‬وهو يتقلب ف إحسانه ف جيع أحواله‪ ،‬ول سبيل‬ ‫له إل ضبط أجناس هذا الحسان‪ ،‬فضلً عن أنواع أو أفراده‪ .‬ويكفي‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أن من بعض أنواعه نعمة النفَس الت ل تكاد تطر ببال العبد‪ ،‬له عليه‬ ‫فـ كـل يوم وليلة أربعـة وعشرون ألف نعمـة‪ ،‬فإنـه يتنفـس فـ اليوم‬ ‫والليلة أربعة وعشرون ألف نفس‪ ،‬فما الظن با فوق ذلك وأعظم منه‬ ‫وَإِنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّ هِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم‪.]34 :‬‬ ‫هذا إل ما يصرف عنه من الضرات وأنواع الذى الت تقصده‪،‬‬ ‫ولعلها توازن النعم ف الكثرة‪ ،‬والعبد ل شعور له بأكثرها قُلْ مَ نْ‬ ‫َنف [النـبيَاء‪ ]42 :‬أي هـو‬ ‫ِنف الرّ حْم ِ‬ ‫ُمف بِاللّ يْلِ وَالنّ هَارِ م َ‬ ‫يَكْلَؤُك ْ‬ ‫سبحانه الن عم علي هم بفظ هم وحرا ستهم م ا يؤذي هم بالل يل والنهار‬ ‫وحده‪ ،‬ل حافظ لم غيه‪.‬‬ ‫هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه سبحانه‪ .‬وف بعض الثار‪:‬‬ ‫«أنـا الواد‪ ،‬ومـن أعظـم منـ جودًا وكرم ًا‪ ،‬أبيـت أكل عبادي فـ‬ ‫مضاجع هم و هم يبارزون ن بالعظائم» و ف الترمذي‪ ،‬أن ال نب ل ا رأى‬ ‫السحاب قال‪« :‬هذه روايا الرض يسقوها ال إل قوم ل يذكرونه ول‬ ‫يعبدو نه» و ف ال صحيحي ع نه أ نه قال‪« :‬ل أ حد أ صب على أذى‬ ‫سعه من ال‪ ،‬إنم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» وف بعض‬ ‫الثار يقول ال تعال‪« :‬ا بن آدم خيي إل يك صاعد‪ ،‬كم أت بب إل يك‬ ‫بالنعت وأنا غن عنك‪ ،‬وكم تتبغض إل بالعاصي وأنت فقي إل‪ ،‬ول‬ ‫يزال اللك الكري يعرج إل منك بعمل قبيح»‪.‬‬ ‫ولو ل يكن من تببه إل عباده وإحسانه إليهم وبره ب م إل أنه‬ ‫خلق ل م ما ف ال سموات والرض و ما ف الدن يا والخرة‪ ،‬ث أهل هم‬ ‫‪136‬‬ ‫‪137‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وكرمهـم‪ ،‬وأرسـل إليهـم رسـله‪ ،‬وأنزل عليهـم كتبـه‪ ،‬وشرع لمـ‬ ‫شرائ عه‪ ،‬وأذن لمـ ف مناجاتـه كل وقـت أرادوا‪ ،‬وكتـب لمـ ب كل‬ ‫ح سنة يعملون ا ع شر أمثال ا إل سبعمائة ض عف إل أضعاف كثية‪،‬‬ ‫وكتب لم بالسيئة واحدة‪ ،‬فإن تابوا منها ماها وأثبت مكانا حسنة‪،‬‬ ‫وإذا بل غت ذنوب أحد هم عنان ال سماء ث ا ستغفره غ فر له‪ ،‬ولو لق يه‬ ‫بقراب الرض خطا يا ث لق يه بالتوح يد ل يشرك به شيئًا لتاه بقراب ا‬ ‫مغفرة‪.‬‬ ‫وشرع ل م ال ج الذي يهدم ما كان قبله‪ ،‬فوفق هم لفعله وك فر‬ ‫عن هم سيئاتم به؛ وكذلك ما شر عه ل م من الطاعات والقرابات هو‬ ‫الذي أمرهم با‪ ،‬وخلقها لم‪ ،‬وأعطاهم إياها‪ ،‬ورتب عليها جزاءها‪،‬‬ ‫فمنه السبب‪ ،‬ومنه الزاء‪ ،‬ومنه التوفيق‪ ،‬ومنه العطاء أولً وآخرًا‪.‬‬ ‫أعطـى عبده ماله وقال‪ :‬تقرب بذا إل أقبله منـك‪ .‬فالعبـد له‪،‬‬ ‫والال له‪ ،‬والثواب منه؛ فهو العطي أوّ لً وآخرًا‪ .‬فكيف ل يُحَبّ من‬ ‫هذا شأنـه‪ ،‬وكيـف ل يسـتحيي العبـد أن يصـرف شيئًا مـن مبتـه إل‬ ‫غيه‪ .‬ومن أول بالمد والثناء والحبة منه؟! ومن أول بالكرم والود‬ ‫والحسان منه؟! فسبحانه وبمده ل إله إل هو العزيز الكيم‪.‬‬ ‫ويفرح سـبحانه وتعال بتوبـة أحدهـم إذا تاب إليـه أعظـم فرح‬ ‫وأكمله‪ ،‬ويكفر عنه ذنوبه‪ ،‬ويوجب له مبته بالتوبة‪ ،‬وهو الذي ألمه‬ ‫إيا ها‪ ،‬ووف قه ل ا‪ ،‬وأعا نه علي ها‪ .‬ومل سبحانه سواته من ملئك ته‬ ‫وا ستعملهم ف ال ستغفار ل هل الرض‪ ،‬وا ستعمل حلة العرش من هم‬ ‫فـ الدعاء لعباده الؤمنيـ‪ ،‬والسـتغفار لذنوبمـ‪ ،‬ووقايتهـم عذاب‬ ‫الحيم‪ ،‬والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فانظروا إل هذه العنايـة وهذا الحسـان وهذا التحنـن والعطـف‬ ‫والتحبب إل العباد واللطف التام بم‪.‬‬ ‫و مع هذا ب عد أن أر سل إلي هم ر سله وأنزل علي هم كت به وتعرف‬ ‫إليهم بأسائه وصفاته وآلئه ينل كل ليلة إل ساء الدنيا يسأل عنهم‬ ‫ويستعرض حوائجهم بنفسه‪ ،‬ويدعوهم إل سؤاله فيدعو مُ سِيئهم إل‬ ‫التوبـة‪ ،‬ومريضهـم إل أن يشفيـه‪ ،‬وفقيهـم إل أن يسـأله غناه‪ ،‬وذا‬ ‫حاجتهم أن يسأله قضاءها كل ليلة‪.‬‬ ‫ويدعوهـم إل التوبـة وقـد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهـم‬ ‫بالنار‪ ،‬قال تعال‪ :‬إِنّ الّ ذِين َف فَتَنُوا الْمُؤْمِنِيَ وَالْمُؤْمِنَاتِف ثُمّ لَم ْف‬ ‫يَتُوبُوا فَلَهُ مْ عَذَا بُ جَهَنّ مَ وَلَهُ مْ عَذَا بُ الْحَرِي قِ [البُرُوج‪]10 :‬‬ ‫وقال ب عض ال سلف‪ :‬انظروا إل كر مه ك يف عذبوا أولياءه وحرقو هم‬ ‫بالنار وهو يدعوهم إل التوبة‪.‬‬ ‫فهذا الباب يد خل م نه كل أ حد إل مب ته سبحانه وتعال؛ فإن‬ ‫نعمته على عباده مشهودة لم يتقلبون فيها عَدَدَ النفاس واللحظات‪.‬‬ ‫فإذا انضم داعي الحسان والنعام إل داعي الكمال والمال ل‬ ‫يتخلف عـن مبـة مـن هذا شأنـه إل أردأ القلوب وأخبثهـا‪ ،‬وأشدهـا‬ ‫نق صًا وأبعد ها من كل خ ي؛ فإن ال ف طر القلوب على م بة الح سن‬ ‫الكا مل ف أوصـافه وأخلقـه‪ ،‬ول أ حد أعظـم إح سانًا منـه سـبحانه‬ ‫وتعال‪ ،‬ول شيء أكمل منه ول أجل فكل كمال وجال ف الخلوق‬ ‫من آثار صنعه سبحانه وتعال ودال على كمال مبد عه‪ ،‬ك ما أن كل‬ ‫علم فـ الوجود فهـو مـن آثار علمـه‪ ،‬وكـل قدرة فمـن آثار‬ ‫‪138‬‬ ‫‪139‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ل بي كمالت العَالَم وكمال ال سبحانه(‪ )1‬فيجب‬ ‫قدرته؛ ول نسبة أص ً‬ ‫أن يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء با ل نسبة بينهما‪ .‬ومن‬ ‫ل يتحقق بحبته علمًا وعملً ل يتحقق بشهادة أن ل إله إل ال؛ فإن الله‬ ‫هو الحبوب العبود الذي تأله القلوب ببها‪ ،‬وتضع له وتذل له‪ ،‬وتافه‬ ‫وترجوه‪ ،‬وتنيب إليه ف شدائدها‪ ،‬وتدعوه ف مهماتا‪ ،‬وتتوكل عليه ف‬ ‫م صالها‪ ،‬وتل جأ إل يه وتطمئن بذكره‪ ،‬وت سكن إل ح به؛ ول يس ذلك إل‬ ‫ال وحده؛ ولذا كانت ل إله إل ال أصدق الكلم‪ ،‬وكان أهلها أهل ال‬ ‫وحزبه‪ ،‬والنكرون لا أعداؤه وأهل غضبه ونقمته‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وأحبوا ال بكل قلوبكم‪ ،‬فهذا شأن الؤمني‬ ‫به‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَمِ نَ النّا سِ مَ نْ يَتّ خِذُ مِ نْ دُو نِ‬ ‫اللّ هِ أَنْدَادًا يُحِبّونَهُ مْ كَحُبّ اللّ هِ وَالّ ذِي نَ آَمَنُوا أَشَدّ حُبّ ا لِلّ هِ وَلَوْ‬ ‫يَرَى الّ ذِي نَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْ نَ الْعَذَا بَ أَنّ الْقُوّ ةَ لِلّ هِ جَمِيعًا وَأَنّ اللّ هَ‬ ‫شَدِيدُ الْعَذَابِ [البَقَرَة‪ .]165 :‬بارك ال ل ولكم ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات‪ ،‬وهو أنك لو فرضت‬ ‫جمال الخلق كلهكم مكن أولهكم إلى آخرهكم اجتمكع لشخكص واحكد منهكم‪ ،‬ثكم كان‬ ‫الخلق كلهككككم على جمال ذلك الشخككككص لكان نسككككبته إلى جمال الرب تبارك‬ ‫وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس‪ ،‬وكذلك قوته سبحانه وعلمه‬ ‫وسمعه وبصره وكلمه وقدرته ورحمته وحكمته ووجوده وسائر صفاته‪ .‬هذا‬ ‫مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت به رسله عنه‪ ،‬كما في الصحيح‬ ‫عنكككه أنكككه قال‪« :‬إن ال ل ينام ‪ »...‬إلى أن قال‪« :‬حجابكككه النور لو كشفكككه‬ ‫لحرقكت سكبحات وجهكه مكا انتهكى إليكه بصكره مكن خلقكه» فإذا كانكت سكبحات‬ ‫وجهكه العلى ل يقوم لهكا شيكء مكن خلقكه‪ ،‬ولو كشكف حجاب النور عكن تلك‬ ‫السكبحات لحرق العالم العلوي والسكفلي‪ ،‬فمكا الظكن بجلل ذلك الوجكه الكريكم‬ ‫وعظمتكه وككبريائه وكماله وجلله‪ .‬وإذا كانكت السكموات مكع عظمتهكا وسكعتها‬ ‫يجعلهكا على إصكبع مكن أصكابعه‪ ،‬والرض على إصكبع‪ ،‬والجبال على إصكبع‪،‬‬ ‫والبحار على إصكبع فمكا الظكن باليكد الكريمكة التكي هكي صكفة مكن صكفات ذاتكه‬ ‫(الصواعق ص ‪.)1082‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل على نعمه وإحسانه‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شر يك له الكا مل ف صفاته وأ سائه‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله‬ ‫أعرف اللق بربه‪ ،‬وأشدهم حبًا له وطلبًا لرضوانه‪ .‬اللهم صل وسلم‬ ‫على عبدك ور سولك م مد وعلى آله وأ صحابه وأتبا عه الذ ين عرفوا‬ ‫أن الغايـة مـن اللق هـي العبادة‪ ،‬والعبادة هـي غايـة الحبـة والذل له‬ ‫سبحانه‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬عباد ال‪ :‬تظهر حقيقة الحبة ف مواطن أربعة‪ :‬أحدها‪:‬‬ ‫عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل‪ ،‬فإنه ل ينام‬ ‫إل على ذكر من يبه وشغل قلبه به‪ .‬الثان‪ :‬عند انتباه من النوم فأول‬ ‫ش يء ي سبق إل قل به ذ كر مبو به الذي كان قد غاب ع نه ف النوم‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬عند دخوله ف الصلة فإن ا م ك الحوال‪ ،‬وميزان اليان ب ا‬ ‫يوزن إيان الر جل ويتح قق حاله ومقا مه ومقدار قر به من ال ون صيبه‬ ‫م نه‪ ،‬فإذا قام إل ال صلة واطمأن بذكره وقرت عي نه بالثول ب ي يد يه‬ ‫ومناجاتـه وانفسـح قلبـه وانشرح واسـتراح دل على حقيقـة الحبـة‪.‬‬ ‫الرابع‪ :‬عند الشدائد والهوال؛ فإن القلب ف هذا الوطن ل يذكر إل‬ ‫أ حب الشياء إل يه‪ ،‬ول يهرب إل إل مبو به الع ظم عنده‪ .‬وال حب‬ ‫يتسلى بحبوبه عن كل مصيبة يصاب با دونه؛ ولذا لا خرجت تلك‬ ‫الرأة النصـارية يوم أُحـد تنظـر مـا فعـل رسـول ال مرت بأبيهـا‬ ‫وأخيها مقتولي فلم تقف عندها‪ ،‬وجاوزتما تقول‪ :‬ما فعل رسول ال؟‬ ‫فقيل لا‪ :‬ها هو ذا حي‪ ،‬فلما نظرت إليه قالت‪ :‬ما أبال إذا سلمت هلك‬ ‫‪140‬‬ ‫‪141‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫مـن هلك‪ .‬وهكذا مصـائب الوت ومـا بعده ومصـائب القيامـة إناـ‬ ‫تسهل وتون بالحبة‪ ،‬وأعظم الصائب مصيبة النار ول يدفعها إل مبة‬ ‫ال وحده ومتابعـة رسـوله ؛ فالحبـة أصـل كـل خيـ فـ الدنيـا‬ ‫والخرة؛ كمـا قال سـحنون‪ :‬ذهـب الحبون بشرف الدنيـا والخرة‪،‬‬ ‫فإن ال نب قال‪« :‬الرء مع من أ حب » ف هم مع ال( ‪ )1‬الل هم اج عل‬ ‫ح بك أ حب إلي نا من أنف سنا و من الاء البارد على الظ مأ‪ .‬إن أح سن‬ ‫الديث ‪....‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() روضككة المحككبين ص(‪ ،)315‬طريككق الهجرتيككن ص ( ‪،306 ،318 -315‬‬ ‫‪ )322‬الصواعق ص (‪ )1082‬والجواب الكافي ص (‪.)42‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطاعة حياة القلوب‬ ‫علمة صحة القلب‪ ،‬ومرضه‬ ‫الحمككد ل كالذي ظهككر لوليائه بنعوت جلله‪ .‬البصككير الذي يرى دبيككب النملة السككوداء‬ ‫على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله وجباله‪ ،‬ويرى تقلب قلب‬ ‫عبده ويشاهد اختلف أحواله‪.‬‬ ‫أحده سبحانه هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها الرفيقة به ف‬ ‫حله ورضا عه وف صاله‪ ،‬إذا تاب إل يه الع بد ف هو تعال أفرح بتوب ته من‬ ‫الفاقد لراحلته الت عليها طعامه وشرابه؛ ف الرض الهلكة إذا وجدها‬ ‫وقد تيأ لوته وانقطاع أوصاله‪.‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬ل مانع ل ا أعطى‪،‬‬ ‫ول معطي ل ا منع‪ ،‬ول راد لكمه ول معقب لمره‪ ،‬وأِهد أن ممدًا‬ ‫عبده ورسوله بلغ الرسالة‪ ،‬وأدى المانة‪ ،‬ونصح المة وجاهد ف ال‬ ‫حق جهاده‪ ،‬وأقام الدين‪ ،‬وترك أمته على البيضاء الواضحة للسالكي‪.‬‬ ‫اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‬ ‫وتابعيهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فإن ال سـبحانه ل يلق خلقـه (هَمَلً) بـل جعلهـم‬ ‫موردًا للتكليف‪ ،‬ومَحَلّ للمر والنهي‪ ،‬وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه‬ ‫مملً ومفصل؛ وقسمهم إل شقي وسعيد‪ ،‬وجعل لكل من الفريقي‬ ‫‪142‬‬ ‫‪143‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫منل‪ ،‬وأعطاهـم موارد العلم والعمـل‪ :‬مـن القلب والسـمع والبصـر‪.‬‬ ‫فمن استعمل ذلك ف طاعته وسلك به طريق معرفته فقد قام بشكر ما‬ ‫أوتيه من ذلك‪ .‬ومن استعمله ف إراداته وشهواته ول يرع حق خالقه‬ ‫فيه يسر إذا سئل عن ذلك ويزن حزنًا طويل‪ ،‬ويقول يَا حَ سْرَتَا‬ ‫عَلَى مَا فَرّ طْتُ فِي جَنْبِ اللّ هِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ [الزّ مَر‪:‬‬ ‫‪.]56‬‬ ‫عباد ال‪ :‬إن عبادة ال وشكره وذكره وأوامره وحقـــه الذي‬ ‫أوجبـه على عباده وشرائعـه التـ شرعـا لمـ هـي قرة العيون‪ ،‬ولذة‬ ‫القلوب‪ ،‬ونعيم الرواح وسرورها‪ ،‬وبا شفاؤها‪ ،‬وسعادتا وفلحها‪،‬‬ ‫وكمال ا ف معاش ها ومعاد ها؛ بل ل سرور ل ا ول فرح ول لذة ول‬ ‫نع يم ف القي قة إل بذلك‪ .‬ل كن ل يدرك هذه القرة وهذه اللذة وهذا‬ ‫النعيم إل من كان قلبه صحيحًا فالقلب الصحيح هو الذي يؤثر النافع‬ ‫الشا ف على الضار الؤذي‪ ،‬قال تعال‪ :‬يَا أَيّهَا النّا سُ قَدْ جَاءَتْكُ مْ‬ ‫مَوْعِظَةٌ مِ نْ رَبّ كُ مْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي ال صّ دُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيَ‬ ‫* قُلْ بِفَضْلِ اللّ هِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِ كَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ‬ ‫[يونس‪.]59 ،58 :‬‬ ‫و من علمات صحة القلب أ نه إذا د خل ف ال صلة ذ هب ع نه‬ ‫ههـ وغمـه بالدنيـا‪ ،‬واشتـد عليـه خروجـه منهـا‪ ،‬ووجـد فيهـا راحتـه‬ ‫ونعي مه و سرور قل به‪ ،‬قال ‪ « :‬يا بلل أرح نا بال صلة» وقال عل يه‬ ‫الصلة والسلم‪« :‬وجعلت قرة عين ف الصلة»‪.‬‬ ‫ومنها أن يشح بوقته أن يذهب ضائعًا‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ومنها أنه ل يزال يضرب على صاحبه حت ينيب إل ربه ويبت‬ ‫إليه ويتعلق به‪.‬‬ ‫ومن ها أن يتر حل عن الدن يا ويقرب من الخرة ح ت ي صي من‬ ‫أهلها‪.‬‬ ‫والقلب قـد يرض فتعتـل صـحته‪ .‬ولرضـه علمات‪ ،‬وله علج‪.‬‬ ‫فمرض القلب أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة ال ومبته والشوق‬ ‫إل لقائه والنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة فلو عرف العبد كل‬ ‫شيـء ول يعرف ربـه فكأنـه ل يعرف شيئًا‪ ،‬ولو نال كـل حـظ مـن‬ ‫حظوظ الدنيـا ولذاتاـ وشهواتاـ ول يظفـر بحبـة ال والشوق إليـه‬ ‫والنس به فكأنه ل يظفر بلذة ول نعيم ول قرة عي؛ بل يصي معذبًا‬ ‫بنفس ما كان يراه منعمًا به‪ :‬من جهة حسرة فوته‪ ،‬ومن جهة فوت‬ ‫ما هو خي له وأنفع وأدوم‪.‬‬ ‫وللقلب مرضان‪ :‬مرض الشهوة‪ ،‬ومرض الشبهـة‪ .‬والقرآن شفاء‬ ‫للنوعي ففيه من البينات والباهي القطعية ما يبي الق من الباطل ف‬ ‫العتقادات والراء الفاسـدة‪ ،‬فتزول أمراض الشبـه الفسـدة للعلم‬ ‫والتصور والدراك‪ ،‬بشرط فهمه ومعرفة الراد منه‪.‬‬ ‫وأما شفاؤه لرض الشهوات فذلك ب ا فيه من الكمة والوعظة‬ ‫ال سنة بالترغ يب والتره يب والتزه يد ف الدن يا والترغ يب ف الخرة‬ ‫والمثال والقصـص التـ فيهـا أنواع العـب والسـتبصار‪ ،‬فيغـب‬ ‫القلب ال سليم إذا أب صر ذلك في ما ينف عه ف معا شه ومعاده‪ ،‬وير هب‬ ‫عما يضره فيصي القلب م بًا للرشد مبغضًا للغي فتصلح إرادته‪ ،‬ويعود‬ ‫إل فطرتــه التــ فطــر عليهــا‪ ،‬فتصــلح أفعاله الختياريــة‬ ‫‪144‬‬ ‫‪145‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الكسـبية‪ ،‬كمـا يعود البدن بصـحته وصـلحه إل الال الطـبيعي فل‬ ‫يقبل إل الق‪ ،‬كما أن الطفل ل يقبل إل اللب‪ ،‬قال تعال‪ :‬وَنُنَزّ لُ‬ ‫مِن َف الْقُرْآَن ِف مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيَ وَلَا يَزِيدُ الظّالِمِيَ إِلّا‬ ‫خَسَارًا [السراء‪.]82 :‬‬ ‫وللقلب أمراض أخـر‪ :‬مـن الرياء‪ ،‬والكـب‪ ،‬والعجـب‪ ،‬والسـد‪،‬‬ ‫والفخـر‪ ،‬واليلء‪ ،‬وحـب الرياسـة‪ ،‬والعلو فـ الرض‪ .‬وهذا الرض‬ ‫مركب من مرض الشهوة والشبهة‬ ‫فأوصـيكم ونفسـي بتقوى ال تعال‪ -‬فتقواه هـي وصـية ال‬ ‫للولي والخرين وليكن نصب أعينكم دائمًا العناية بصحة وسلمه‬ ‫قلوبكم لتصلح إراداتا فتصلح أفعالا‪ .‬وغذوها من اليان والقرآن با‬ ‫يزكيها ويقويها ويفرحها وينشطها‪ .‬واحرصوا دائمًا على حايتها عما‬ ‫يضرها ويؤذيها فالقلب متاج إل ما ي فظ عليه قوته‪ ،‬وذلك باليان‬ ‫وأوراد الطاعات‪ ،‬وإل حيـة عـن الؤذي الضار وذلك باجتناب الثام‬ ‫والعا صي وأنواع الخالفات‪ ،‬وتنقي ته من كل مادة فا سدة تعرض له‪،‬‬ ‫وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الطيئات‪ ،‬لتكمل له السعادة ف‬ ‫الياة وبعد الوفاة‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَلَوْلَا فَضْلُ اللّ هِ‬ ‫عَلَيْكُ مْ وَرَحْمَتُ هُ مَا زَكَا مِنْكُ مْ مِ نْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنّ اللّ هَ يُزَكّي مَ نْ‬ ‫ِيمف [النّور‪ .] 21 :‬بارك ال ل ولكـم فـ‬ ‫سفمِيعٌ عَل ٌ‬ ‫ّهف َ‬ ‫يَشَاءُ وَالل ُ‬ ‫القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل نمده ونسـتعينه ونسـتغفره ونتوب إليـه‪ ،‬ونعوذ بال مـن‬ ‫شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل‬ ‫فل هادي له‪ ،‬من يطع ال ورسوله فقد رشد ومن يعص ال ورسوله فقد‬ ‫غوى‪ ،‬ومن غوى فلن يضر إل نفسه‪ ،‬ولن يضر ال شيئًا‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬ ‫الكري‪ :‬وَمَا عَلّ مْنَا هُ الشّ عْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَ هُ إِ نْ هُوَ إِلّا ذِكْرٌ وَقُرْآَ نٌ‬ ‫مُبِيٌ * لِيُنْذِرَ مَ نْ كَا نَ حَيّ ا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِي نَ [ يس‪:‬‬ ‫‪ ]70 ،69‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله طـبيب القلوب العارف‬ ‫بأدوائها‪ ،‬الناصح الرشد لت صحتها وصلحها‪ ،‬القائل‪« :‬أ ل وإن ف‬ ‫السفد مضغفة إذا صفلحت صلح السفد كله‪ ،‬وإذا فسفدت فسفد‬ ‫السد كله‪ ،‬أل وهي القلب»‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد صـح عـن حذيفـة بـن اليمان رضـي ال عنـه ‪:‬‬ ‫« القلوب أرب عة‪ :‬قلب أجرد ف يه سراج يز هر‪ ،‬فذلك قلب الؤ من‪.‬‬ ‫وقلب أغلف فذلك قلب الكافففففر‪ ،‬وقلب منكوس فذلك قلب‬ ‫الناففق‪ .‬عرف ثف أنكفر وأبصفر ثف عمفي‪ .‬وقلب تده مادتان‪ :‬مادة‬ ‫إيان‪ ،‬ومادة نفاق‪ ،‬وهفو لاف غلب عليفه منهمفا»‪ .‬وقال عثمان بـن‬ ‫عفان رضـي ال عنـه ‪ :‬لو طهرت قلوبنـا لاـ شبعـت مـن كلم ال‪.‬‬ ‫فالقلب الطا هر لكمال حيا ته ونوره وتل صه من الدران والبائث ل‬ ‫يش بع من القرآن‪ ،‬ول يتغذى إل بقائ قه‪ ،‬ول يتداوى إل بأدوي ته؛ بلف‬ ‫القلب الذي ل يطهره ال فإنـه يتغذى مـن الغذيـة التـ تناسـبه بسـب‬ ‫‪146‬‬ ‫‪147‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ما ف يه من النجا سة‪ ،‬كالبدن العل يل الر يض ل تلئ مه الغذ ية ال ت‬ ‫تلئم الصحيح‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال واحر صوا على صحة و سلمة قلوب كم أك ثر‬ ‫من حرصكم على صحة أجسامكم‪ ،‬فقد شخص لكم الداء والدواء‪،‬‬ ‫والمية والغذاء‪ ،‬وقال طبيب القلوب والبدان‪ « :‬ما أنزل من داء إل‬ ‫أنزل له شفاء»( ‪ )1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() إغاثة ج(‪.)7 ،20 ،10 ،10 ،122 ،201 ،70 ،68 ،31 ،44 ،4/43‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الشكر أجل القامات‪،‬‬ ‫ومن أجله خلق اللق‬ ‫ال مد ل كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلله‪ ،‬وأشكره سبحانه‬ ‫على جز يل عطائه وإنعا مه‪ ،‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك‬ ‫له‪ ،‬الكامل ف ذاته وأسائه وصفاته وأفعاله‪.‬‬ ‫ـه وحقوق‬ ‫ـوله القائم بقوق ربـ‬ ‫ـد أن ممدًا عبده ورسـ‬ ‫وأشهـ‬ ‫خلقه‪ ،‬ومع ذلك قال‪ « :‬لن يَدْخل أحدكم النة بأعماله‪ ،‬ول أنا إل‬ ‫أن يتغمدن ال برح ته وإفضاله»‪ ،‬صلى ال عليه وعلى آله وأصحابه‬ ‫الذ ين كملت معرفت هم بربمـ وباـ يقرب من دار كرام ته ورضوا نه‪،‬‬ ‫وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬إن الش كر على الن عم هو الغا ية والدف‬ ‫الذي من أجله خلق ال اللق وأمر هم ب ا أ مر؛ بل هو أ جل القامات‬ ‫ف‬ ‫ف بُطُون ِ‬ ‫ف مِن ْ‬ ‫ف أَخْرَجَكُم ْ‬ ‫وأعلهـا‪ ،‬قال ال تبارك وتعال‪ :‬وَاللّه ُ‬ ‫أُمّ هَاتِكُم ْف لَا تَعْلَمُون َف شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُم ُف السّفمْعَ وَالْأَبْصفَارَ وَالْأَفْئِدَةَ‬ ‫ُونف [النّحـل‪ ]78 :‬وأخـب سـبحانه أناـ يعبده مـن‬ ‫ُمف تَشْكُر َ‬ ‫لَعَلّ ك ْ‬ ‫شكره‪ ،‬ف من ل يشكره ل ي كن من أ هل عباد ته‪ ،‬فقال‪ :‬وَاشْكُرُوا‬ ‫ّهف إِن ْف كُنْتُم ْف إِيّاه ُف تَعْبُدُونَف [البَقَرَة‪ ]172 :‬وأثنـ سـبحانه على‬ ‫لِل ِ‬ ‫خليله إبراه يم بش كر نع مه‪ ،‬فقال‪ :‬إِنّ إِبْرَاهِي مَ كَا نَ أُمّ ةً قَانِتًا لِلّ هِ‬ ‫حَنِيفًا وَلَ مْ يَ كُ مِ نَ الْمُشْرِكِيَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِ هِ اجْتَبَا هُ وَهَدَا هُ إِلَى‬ ‫‪148‬‬ ‫‪149‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ُسفتَقِيمٍ [النحـل‪ ]121 ،120 :‬فأخـب أنـه أُمّ ةً‬ ‫صفرَاطٍ م ْ‬ ‫ِ‬ ‫ّهف‬ ‫[البَقَرَة‪ ]120 :‬أي قدوة يؤتـ بـه فـ اليـ‪ ،‬وأنـه قَانِت ًا لِل ِ‬ ‫[البَقَرَة ‪ ]120‬والقا نت هو الط يع الق يم على طاع ته‪ .‬والن يف هو‬ ‫الق بل على ال العرض ع ما سواه‪ .‬ث خ تم له بذه ال صفات بأ نه‬ ‫شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ فجعل الشكر غاية خليله‪.‬‬ ‫والشكر‪ :‬هو العتراف بالنعم باطنًا‪ ،‬والتحدث با ظاهرًا‪ ،‬وصرفها‬ ‫فيما يب مسديها وموليها(‪ )1‬روى الترمذي من حديث القاسم بن ممد‪،‬‬ ‫عن عائ شة ر ضي ال عن ها‪ ،‬عن ال نب قال‪ « :‬ما أن عم ال على ع بد‬ ‫نع مة فعلم أن ا من ع ند ال إل ك تب ال له شكر ها‪ ،‬و ما علم ال من‬ ‫عبفد ندامفة على ذنفب إل غففر ال له قبفل أن يسفتغفره‪ ،‬وإن الرجفل‬ ‫يشتري الثوب بالدينار ليلب سه فيح مد ال ف ما يبلغ ركبت يه ح ت يغ فر‬ ‫له»‪ .‬وروى الترمذي عن ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬عن النب قال‪:‬‬ ‫«أربع من أعطيهن فقد أعطي خي الدنيا والخرة‪ :‬قلبًا شاكرًا‪ ،‬ولسانًا‬ ‫ذاكرًا‪ ،‬وبدنًا على البلء صابرًا‪ ،‬وزوجة ل تبغيه خونًا ف نفسها ول ف‬ ‫ماله»‪ ،‬وروى المام أحد بإسناده عن ثابت‪ ،‬قال‪ :‬كان داود قد جزأ‬ ‫سـاعات الليـل والنهار على أهله‪ ،‬فلم يكـن سـاعة مـن ليـل أو نار إل‬ ‫وإن سان من آل داود قائم ي صلي في ها‪ ،‬قال‪ :‬فعم هم ال تبارك وتعال ف‬ ‫شكُورُ‬ ‫ِيف ال ّ‬ ‫ِنف عِبَاد َ‬ ‫هذه اليـة‪ :‬ا ْعمَلُوا َآ َل دَاوُودَ ُش ْكرًا َوقَلِيلٌ م ْ‬ ‫[سَبَأ‪.]13 :‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() الشكككر مبنككي على خمككس قواعككد‪ :‬خضوع الشاكككر للمشكور‪ ،‬وحبككه له‪،‬‬ ‫واعترافكه بنعمتكه‪ ،‬وثناؤه عليكه بهكا‪ ،‬وأن ل يسكتعملها فيمكا يكره‪ .‬الشككر يكون‬ ‫بالقلب واللسككان والجوارح فمككن اسككتكملها فهككو الشاكككر‪ .‬والحمككد يقككع بالقلب‬ ‫واللسان‪( .‬المرجع التي)‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ومن الشكر أن تظهر على الرء آثار النعمة‪ ،‬فال يب من عبده‬ ‫أن يرى أثر نعمته عليه‪ ،‬فإن ذلك شكرها بلسان الال‪ ،‬وف صحيفة‬ ‫عمرو بـن شعيـب‪ ،‬عـن أبيـه‪ ،‬عـن جده‪ ،‬عـن النـب قال‪« :‬كلوا‪،‬‬ ‫واشربوا‪ ،‬وت صدقوا ف غ ي ميلة ول سرف‪ ،‬فإن ال ي ب أن يرى‬ ‫أثر نعمته على عبده»‪.‬‬ ‫والشكـر يكون على الحاب‪ :‬مـن الكـل‪ ،‬والشرب‪ ،‬والكسـاء‪،‬‬ ‫والداية‪ ،‬وغي ذلك‪ ،‬وقد بي النب مواطن الشكر ومناسباته‪ ،‬فمنها ما‬ ‫روى سهيل بن أب صال‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه قال‪« :‬دعا‬ ‫رجل من النصار من أهل قبا النب فانطلقنا معه‪ ،‬فلما طعم وغسل‬ ‫يد يه قال‪ :‬ال مد ل الذي يُط عم ول ُيطْعَم‪ ،‬من علي نا فهدا نا‪ ،‬وأطعم نا‬ ‫و سقانا‪ ،‬و كل بلء حسن أبلنا‪ .‬المد ل غ ي مودع ر ب ول مكافٍأ ول‬ ‫مكفور ول م ستغن ع نه‪ .‬ال مد ل الذي أط عم من الطعام‪ ،‬و سقى من‬ ‫الشراب‪ ،‬وكسفى مفن العري‪ ،‬وهدى مفن الضللة‪ ،‬وبصفر مفن العمفى‪،‬‬ ‫وف ضل على كث ي م ن خلق تفضيل‪ .‬ال مد ل رب العال ي» و ف صحيح‬ ‫مسـلم عـن النـب أنـه قال‪« :‬إن ال ليضفى عفن العبفد يأكفل الكلة‬ ‫فيحمده علي ها‪ ،‬ويشرب الشر بة فيحمده علي ها» فكان هذا الزاء العظ يم‬ ‫الذي هو أ كب أنواع الزاء (الرضوان) ف مقابلة شكره بال مد‪ .‬وقال عل يه‬ ‫ال صلة وال سلم‪ « :‬ما أن عم ال على ع بد نع مة ف أ هل ول مال ول ولد‬ ‫فيقول مفا شاء ال ل قوة إل بال فيى فيفه آففة دون الوت» وكان ‪:‬‬ ‫«إذا أخب بأمر يسره خر ساجدًا ل »‪.‬‬ ‫وعلى كل حاسة وجارحة شكر ما أعطيت من النعم قيل ل ب‬ ‫حازم‪ :‬مـا شكـر العينيـ يـا أبـا حازم؟ قال‪ :‬إن رأيـت بمـا خيًا‬ ‫‪150‬‬ ‫‪151‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أعلنته‪ ،‬وإن رأيت ب ما شرًا سترته‪ .‬قال‪ :‬فما شكر الذني؟ قال‪ :‬إن‬ ‫سعت ب ما خيًا وعي ته‪ ،‬وإن سعت ب ما شرًا دفع ته‪ .‬قال‪ :‬ف ما ش كر‬ ‫اليدين؟ قال‪ :‬ل تأخذ بما ما ليس لما‪ ،‬ول تنع حقًا ل هو فيهما‪.‬‬ ‫قال‪ :‬ف ما ش كر الب طن؟ قال‪ :‬أن يكون أ سفله طعامًا‪ ،‬وأعله علمًا‪.‬‬ ‫قال‪ :‬ف ما ش كر الفرج؟ قال‪ :‬قال ال تعال‪ :‬وَالّ ذِي نَ هُ مْ لِفُرُوجِهِ مْ‬ ‫ُمف غَيْرُ‬ ‫ُمف فَإِنّ ه ْ‬ ‫َتف أَيْمَانُه ْ‬ ‫ِمف أَوْ مَا مَلَك ْ‬ ‫ُونف * إِلّا عَلَى أَزْوَاجِه ْ‬ ‫حَافِظ َ‬ ‫مَلُومِيَ * فَمَ نِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِ كَ فَأُولَئِ كَ هُ مُ الْعَادُو نَ [الؤمنون‪:‬‬ ‫‪ ]7 -5‬قال‪ :‬فمـا شكـر الرجليـ؟ قال‪ :‬إن علمـت ميتًـا تغبطـه‬ ‫استعملت بما عمله‪ ،‬وإن مقته رغبت عن عمله وأنت تشكر ال‪.‬‬ ‫والرب تعال يمـد على إعطاء هذه الواس وهذه الوارح مـن‬ ‫السمع والبصر واليدين والرجلي وإن قل ما ف يد صاحبها من الال‬ ‫فهو غن ب ا‪ .‬قال سلمان الفارسي رضي ال عنه ‪ :‬إن رجلً بسط له‬ ‫من الدنيا فانتزع ما ف يده فجعل يمد ال ويثن عليه حت ل يكن له‬ ‫فراش إل بارية‪ .‬وبسط لخر من الدنيا فقال لصاحب البارية‪ :‬أرأيتك‬ ‫أنت على ما تمد ال؟ قال‪ :‬أحده على ما أعطيت به ما أَعْطَى اللقُ‬ ‫ل أعط هم إياه‪ .‬قال‪ :‬و ما ذاك؟ قال‪ :‬أرأ يت ب صرك؟ أرأ يت ل سانك؟‬ ‫أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟‬ ‫وجاء رجـل إل يونـس بـن عبيـد يشكـو ضيـق حاله‪ ،‬فقال له‬ ‫يونـس‪ :‬أيسـرك ببصـرك هذه مائة ألف درهـم؟ قال‪ :‬الرجـل‪ :‬ل‪ .‬قال‬ ‫فبيد يك مائة ألف؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فبجل يك مائة ألف؟ قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪:‬‬ ‫فذكره نعـم ال عليـه‪ .‬فقال يونـس‪ :‬أرى عندك مئيـ اللوف وأنـت‬ ‫تشكو الاجة؟!‬ ‫و قد يزوي ال ب عض الدن يا عن عبده ويكون ذلك نع مة‪ .‬قال‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أ بو حازم‪ :‬نع مة ال في ما زوى ع ن من الدن يا أع ظم من نعم ته في ما‬ ‫أعطان منها‪ ،‬إن رأيته أعطى أقوامًا فهلكوا‪ ،‬وكل نعمة ل تقرب من‬ ‫ال فهي بلية‪ ،‬وإذا رأيت ال يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره‪.‬‬ ‫ُونف‬ ‫ْثف لَا يَعْلَم َ‬ ‫ِنف حَي ُ‬ ‫سفنَسْتَدْرِجُهُمْ م ْ‬ ‫وقال سـفيان فـ قوله‪َ :‬‬ ‫[العرَاف‪ ]182 :‬قال يسبغ عليهم النعم وينعهم الشكر‪.‬‬ ‫وحت الصائب تكون نعمًا باعتبار قال شريح‪ :‬ما أصيب عبد بصيبة‬ ‫إل كان ل عليه فيها ثلث نعم‪ :‬أن ل تكون كانت ف دينه‪ ،‬وأن ل تكون‬ ‫أع ظم م ا كا نت‪ ،‬وان ا ل بد كائ نة ف قد كا نت‪ .‬وقال عبدالعز يز بن ا ب‬ ‫ثابت‪ :‬رأيت ف يد ممد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق علي منها‪.‬‬ ‫فقال‪ :‬أتدري ماذا علي ف هذه القرحة من نعمة حي ل يعلها ف حدقت‪،‬‬ ‫ول طرف لسان‪ ،‬ول على طرف ذكرت‪ .‬فهانت علي قرحته؟‬ ‫والرب تعال يذ كر عبده يوم القيا مة بأنواع نع مه ال ت أن عم ب ا‬ ‫عليه قال حاد بن زيد‪ ،‬حدثنا ليث‪ ،‬عن أب بردة‪ ،‬قال‪ :‬قدمت الدينة‬ ‫فلقيت عبدال بن سلم رضي ال عنه ‪ ،‬فقال ل‪ :‬أل تدخل بيتًا دخله‬ ‫النـب ونطعمـك سـويقًا وت رًا‪ .‬ثـ قال‪ :‬إن ال إذا جعـ الناس غدًا‬ ‫ذكر هم ب ا أن عم علي هم‪ .‬فيقول الع بد‪ :‬ما آ ية ذلك؟ فيقول‪ :‬آ ية ذلك‬ ‫أ نك ك نت ف كر بة كذا وكذا فدعوت ن فكشفت ها‪ ،‬وآ ية ذلك أ نك‬ ‫ك نت ف سفر كذا وكذا فا ستصحبتن ف صبحتك‪ .‬قال‪ :‬يذكره ح ت‬ ‫يذ كر‪ .‬فيقول آ ية ذلك أ نك خط بت فل نة ب نت فلن وخطب ها م عك‬ ‫خطاب فزوج تك ورددت م‪ .‬يَقِ فُ عَبْدَ هُ ب ي يد يه فيعدد عل يه نع مه‪.‬‬ ‫فبكى‪ ،‬ث بكى‪ .‬ث قال إ ن لر جو ال أن ل يقعد ال عبدًا ب ي يديه‬ ‫فيعذبه‪.‬‬ ‫‪152‬‬ ‫‪153‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ولو يتق صّى ربنا ف الحاسبة على النعم لنفدت السنات بأقل نعمة‬ ‫ف البدن؛ فإن أعمال العبد ل تواف نعمة من نعم ال عليه‪ ،‬ولذا ف الديث‬ ‫ـ رسـول ال؟‬ ‫الصـحيح «لن ينجفي أحدًا منكفم عمله» قالوا‪ :‬ول أنـت ي ا‬ ‫قال‪« :‬ول أنا‪ ،‬إل أن يتغمدن ال برحة منه وفضل» وكان أبو الغية إذا‬ ‫قيل له‪ :‬كيف أصبحت يا أبا ممد؟ قال‪ :‬أصبحنا مغرقي بالنعم‪ ،‬عاجزين‬ ‫عن الشكر‪ ،‬يتحبب إلينا ربنا وهو غن عنا‪ ،‬ونتمقت إليه ونن متاجون‪.‬‬ ‫وروى الريري عن معاذ بن جبل رضي ال عنه ‪« :‬أن رسول ال أتى‬ ‫على رجل وهو يقول‪ :‬اللهم إن أسألك تام النعمة‪ .‬فقال‪ :‬ابن آدم! هل‬ ‫تدري ما تام النع مة؟ قال‪ :‬يا ر سول ال دعوة دعوة أر جو ب ا ال ي‪.‬‬ ‫فقال‪ :‬إن تام النعمة فوز من النار ودخول ف النة»‪.‬‬ ‫فأوصـيكم وإياي عباد ال بتقوى ال‪ ،‬والشكـر عنـد النعماء‪.‬‬ ‫وليحذر الؤمن من نسبة النعم إل غي ال‪ ،‬أو يظن أنا حصلت بجرد‬ ‫الصدفة‪ ،‬أو يقول هذا بعملي وأنا مقوق به‪ .‬قال أنس بن مالك رضي‬ ‫ال عنه ‪ :‬ما من عبد توكل بعبادة ال إل عزم ال السموات والرض‬ ‫ت عب رز قه فجعله ف أيدي ب ن آدم يعملو نه ح ت يد فع ع نه إل يه‪ ،‬فإن‬ ‫العبدَ قبله أوجـب عليـه الشكـر‪ ،‬وإن أباه وجـد الغنـ الميـد فقراء‬ ‫يأخذون رزقه ويشكرونه له‪.‬‬ ‫السفمَاوَا ِ‬ ‫ت‬ ‫َقف ّ‬ ‫ّهف اّلذِي َخل َ‬ ‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم الل ُ‬ ‫خ َر‬ ‫ج ِب ِه ِم َن الّث َمرَا تِ ِر ْزقًا َل ُك ْم وَ َس ّ‬ ‫سمَا ِء مَاءً فََأ ْخ َر َ‬ ‫ض َوَأنْ َزلَ مِ نَ ال ّ‬ ‫وَاْلَأ ْر َ‬ ‫خ َر َلكُ ُم‬ ‫خرَ َل ُك مُ اْلأَْنهَارَ * وَ َس ّ‬ ‫ح ِر ِبَأمْ ِر ِه َو َس ّ‬ ‫ي فِي اْلَب ْ‬ ‫ج ِر َ‬ ‫لَ ُك ُم اْل ُف ْل كَ ِلَت ْ‬ ‫خ َر لَ ُك مُ الّلْي َل وَالّنهَارَ * َو َآتَاكُ ْم ِم نْ ُك ّل مَا‬ ‫س وَاْل َق َمرَ دَاِئَبْي نِ َو َس ّ‬ ‫ش ْم َ‬ ‫ال ّ‬ ‫ف‬ ‫ف لَا ُتحْصفُوهَا إِنّف الِْإنْسفَا َن َل َظلُوم ٌ‬ ‫ف َت ُعدّوا ِن ْع َم َة اللّه ِ‬ ‫فَأْلُتمُو ُه َوإِن ْ‬ ‫سَ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫َكفّارٌ‬ ‫[إبراهيم‪ .]34 -32 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل الذي و عد الشاكر ين بالزيادة‪ ،‬فقال‪ :‬لَئِ نْ شَكَرْتُ مْ‬ ‫لَأَزِيدَنّ كُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم‪.]7 :‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال الول الميد‪.‬‬ ‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله القائل‪« :‬إذا أ حب أحد كم أن‬ ‫يرى قدر نعمة ال عليه فلينظر إل من تته ول ينظر إل من فوقه»‬ ‫اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‬ ‫الشاكرين ف السراء والضراء‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬عبدال‪ :‬ل قد كان لل سلف ال صال الن صيب الو فر من‬ ‫الشكر والتقدير للنعم‪ ،‬ومعرفة أنواعها كان ال سن البصري إذا ابتدأ‬ ‫حدي ثه يقول‪ :‬ال مد ل‪ ،‬الل هم رب نا لك ال مد ب ا خلقت نا‪ ،‬ورزقت نا‪،‬‬ ‫وهديتنـا‪ ،‬وعلمتنـا‪ ،‬وأنقذتنـا‪ ،‬وفرجـت عنـا‪ ،‬لك المـد بالسـلم‪،‬‬ ‫والقرآن‪ ،‬ولك ال مد بال هل والال والعافاة‪ ،‬كَبَتّ عدو نا‪ ،‬وب سطت‬ ‫رزق نا‪ ،‬وأظهرت أمن نا‪ ،‬وج عت فرقت نا‪ ،‬وأح سنت معافات نا‪ ،‬و من كل‬ ‫ما سألناك ربنا أعطيتنا؛ فلك المد على ذلك ح دًا كثيًا‪ ،‬لك المد‬ ‫بكل نعمة أنعمت ب ا علينا ف قدي أو حديث‪ ،‬أو سر أو علنية‪ ،‬أو‬ ‫خاصة أو عامة‪ ،‬أو حي أو ميت‪ ،‬أو شاهد أو غائب‪ ،‬لك المد حت‬ ‫ترضى‪ ،‬ولك الشكر إذا رضيت‪.‬‬ ‫‪154‬‬ ‫‪155‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وروى المام أح د بإ سناده عن عبدال بن الارث قال‪ :‬أو حى‬ ‫ال إل داود‪« :‬أحبنـ‪ ،‬وأحِب عبادي‪ ،‬وحببنـ إل عبادي‪ .‬قال‪ :‬يـا‬ ‫رب ح بك‪ ،‬و حب عبادك‪ .‬فك يف أحب بك إل عبادك؟ قال‪ :‬تذكر ن‬ ‫عند هم فإن م ل يذكرون م ن إل ال سن» وث بت ف ال سند والترمذي‬ ‫عن ال نب أ نه قال لعاذ‪« :‬إ ن أح بك فل ت نس أن تقول دبر كل‬ ‫صلة‪ :‬اللهم أعن على ذكرك‪ ،‬وشكرك‪ ،‬وحسن عبادتك»‪.‬‬ ‫فاقتدوا عباد ال بية خلق ال من ال نبياء والصلحاء ف الشكر‬ ‫ع ند النعماء وال صب ع ند البلء‪ ،‬وتدبروا ما ف كتاب ال من ال مر‬ ‫بالش كر والثناء على الشاكر ين( ‪ . )1‬واعلموا أن أح سن الد يث كتاب‬ ‫ال ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() المرجع عدة الصابرين‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الصب‪ ،‬وجوبه‪،‬‬ ‫وأنواعه‪ ،‬ونتائجه‬ ‫المـد ل الصـبور الشكور‪ ،‬شلت قدرتـه كـل ملوق‪ ،‬وجرت‬ ‫مشيئته ف خلقه بتصاريف المور‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬جـل عـن الشـبيه‬ ‫والنظي‪ ،‬وتعال عن الشريك والظهي‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‬ ‫أعرف اللق بربـه‪ ،‬وأقومهـم بشيتـه‪ ،‬وأنصـحهم لمتـه‪ ،‬وأصـبهم‬ ‫لك مه‪ ،‬وأشكر هم لنع مه‪ .‬ف صلى ال وملئك ته وأ نبياؤه عل يه‪ ،‬ك ما‬ ‫وَحّ دَ ال وعَرّف به ود عا إل يه‪ ،‬و سلم ت سليمًا كثيًا‪ .‬ور ضي ال عن‬ ‫ج يع أ صحابه وأتبا عه الامد ين لرب م على ال سراء والضراء‪ ،‬والشدة‬ ‫والرخاء‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال ج عل الصـب آخيـة‬ ‫الؤ من ال ت يول ث ير جع إلي ها‪ ،‬و ساق إيا نه الذي ل اعتماد له إل‬ ‫عليها؛ فل إيان لن ل صب له‪ ،‬وإن كان فإيان قليل ف غاية الضعف‪،‬‬ ‫وصـاحبه منـ يعبـد ال على حرف‪ ،‬فإن أصـابه خيـ اطمأن بـه‪ ،‬وإن‬ ‫أ صابته فت نة انقلب على وج هه خ سر الدن يا والخرة‪ ،‬ول ي ظ منه ما‬ ‫إل بالصفقة الاسرة‪.‬‬ ‫« والصفب» يـا عباد ال خلق فاضـل مـن أخلق النفـس يتنـع‬ ‫به من ف عل ما ل ي سن ول ي مل‪ ،‬و هو قوة من قوى الن فس ال ت‬ ‫‪156‬‬ ‫‪157‬‬ ‫ب ا صلح شأن ا وقوام أمرها‪ ،‬قال النب‬ ‫خيًا وأوسع من الصب»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪ « :‬وما أعطي أحد عطاءً‬ ‫وقال عمـر بـن الطاب رضـي ال عنـه‪ :‬وجدنـا خيـ عيشنـا‬ ‫بالصب‪.‬‬ ‫و«النففس» مطيـة العبـد التـ يسـي عليهـا إل النـة أو النار‪،‬‬ ‫وال صب ل ا بنلة الطام والزمام‪ ،‬فإن ل ي كن للمط ية خطام ول زمام‬ ‫شردت ف كل مذ هب‪ .‬ح فظ من خ طب الجاج أ نه قال‪ :‬اقدعوا‬ ‫هذه النفوس فإناـ طل عة إل كل سوء‪ ،‬فر حم ال امرءًا ج عل لنف سه‬ ‫خطامًا وزمامًا‪ ،‬فقاد ها بطام ها إل طا عة ال‪ ،‬و صرفها بزمام ها عن‬ ‫معاصي ال؛ فإن الصب عن مارم ال أيسر من الصب على عذابه‪.‬‬ ‫« والنفس ل ا قوتان»‪ :‬قوة القدام‪ ،‬وقوة الحجام‪ .‬فحقيقة الصب‬ ‫أن ي عل قوة القدام م صروفة إل ما ينف عه‪ ،‬وقوة الحجام إم ساكًا ع ما‬ ‫يضره‪ .‬ولنسـان فـ معترك الياة بيـ جيشيـ‪ :‬جيـش الديـن‪ ،‬وجيـش‬ ‫الوى فإمـا أن يكون القهـر والغلبـة لداعـي الديـن فيد جيـش الوى‬ ‫مفلولً‪ ،‬وهذا إنا يصل إليه بدوام الصب‪ ،‬والواصلون إل هذه الرتبة هم‬ ‫النصورون ف الدنيا والخرة‪ ،‬وهم الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا‬ ‫ُصـلَت‪ ]30 :‬وهـم الذيـن تقول لمـ اللئكـة عنـد الوت‪ :‬أَلّا‬ ‫[ف ّ‬ ‫ف‬ ‫ف * نَحْن ُ‬ ‫ف تُوعَدُون َ‬ ‫تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِفي كُنْتُم ْ‬ ‫أَوْلِيَاؤُكُ مْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ [ف صلت‪ ]31 ،30 :‬و هم‬ ‫الذين جاهدوا ف ال حق جهاده‪ .‬وإن كانت القوة والغلبة لداعي الوى‬ ‫سقط منازعُه باع ثُ الد ين بالكل ية‪ ،‬وا ستسلم البائس للشيطان وجنده‪،‬‬ ‫فيقودونه حيث شاءوا‪ ،‬ويكون من جندهم وأتباعهم‪ ،‬وهذه حال العاجز‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الضعيـف‪ ،‬أو يصـي الشيطان وجنده مـن أعوانـه‪ .‬وهذه حال الفاجـر‬ ‫القوي التسـلط‪ ،‬والبتدع الداعيـة التبوع‪ ،‬وهؤلء هـم الذيـن غلبـت‬ ‫عليهم شقوت م واشتروا الياة الدنيا بالخرة‪ .‬وإن ا صاروا إل هذا ل ا‬ ‫أفلسوا من الصب‪.‬‬ ‫أو يكون الرب سـجالً ودولً بيـ النديـن فتارة له‪ ،‬وتارة‬ ‫عل يه‪ ،‬وتك ثر نوبات النت صار وت قل‪ ،‬وهذه حال أك ثر الؤمن ي الذ ين‬ ‫خلطوا عملً صالًا وآخر سيئًا‪ .‬وتكون الال يوم القيامة موازنة لذه‬ ‫الحوال الثلث‪ .‬فمن الناس من يدخل ال نة ول يدخل النار‪ ،‬ومنهم‬ ‫من يد خل النار ول يد خل ال نة‪ ،‬ومن هم من يد خل النار ث يد خل‬ ‫النة‪.‬‬ ‫و«الن سان» ل ي ستغن عن ال صب ف حال من الحوال؛ فإ نه‬ ‫ب ي أ مر ي ب عل يه امتثاله وتنفيذه‪ ،‬ون ي ي ب عل يه اجتنا به وتر كه‪،‬‬ ‫وقدر يري عليه بغي اختياره‪ ،‬ونعمة يب عليه شكر النعم با‪.‬‬ ‫فأمـا «المفر» الذي يبـ عليـه امتثاله وتنفيذه فهـو الطاعـة‪،‬‬ ‫والع بد متاج إل ال صب علي ها؛ لن الن فس بطبع ها تن فر عن كث ي من‬ ‫العبود ية‪ -‬أ ما ف «ال صلة» فل ما ف ط بع الن فس من الك سل وإيثار‬ ‫الراحة‪ ،‬ول سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب‪ ،‬ورين الذنب‪ ،‬واليل‬ ‫إل الشهوات‪ ،‬ومالطـة أهـل الغفلة‪ ،‬فل يكاد العبـد مـع هذه المور‬ ‫وغيهـا أن يفعلهـا‪ ،‬وإن فعلهـا مـع ذلك كان متكلف ًا غائب القلب‬ ‫ذاهلً عن ها طالبًا لفراق ها‪ .‬وأ ما «الزكاة» فل ما ف ط بع الن فس من‬ ‫الشح والبخل‪ ،‬وكذلك «الج‪ ،‬والهاد» للمرين جيعًا‪.‬‬ ‫ويتاج الع بد هه نا إل ال صب ق بل الشروع في ها بت صحيح الن ية‬ ‫‪158‬‬ ‫‪159‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والخلص وتنـب دواعـي الرياء والسـمعة‪ ،‬وعقـد العزم على توفيـة‬ ‫العبادة حق ها بالقيام بأدائ ها وأركان ا وواجبات ا و سننها‪ ،‬وعلى ال صب‬ ‫على استصحاب ذكر العبود فيها وأن ل يشتغل عنه بعبادته‪ .‬ث الصب‬ ‫ب عد الفراغ من الع مل عن التيان باـ يبطله‪ ،‬وأن ي صب عن رؤيت ها‬ ‫والع جب ب ا‪ ،‬والت كب والتع ظم ب ا‪ ،‬وأن ي صب عن نقل ها من ديوان‬ ‫السر إل ديوان العلنية‪.‬‬ ‫وأمـا «النهفي» الذي يبـ عليـه اجتنابـه وتركـه فهـو العاصـي‬ ‫كل ها‪ .‬وأع ظم ما يع ي على ترك ها ق طع الألوفات‪ ،‬ومفار قة العوان‬ ‫علي ها ف الجال سة والحاد ثة‪ ،‬وق طع العوائد الفا سدة‪ .‬وم ا يع ي على‬ ‫الصـب إجلل ال تبارك وتعال أن يعصـى وهـو يَرَى ويَس ْـمَع‪ .‬ومنهـا‬ ‫إيثار مبـة ال تعال؛ فإن الحـب لنـ يبـ مطيـع‪ .‬ومنهـا اسـتحضار‬ ‫نعم ته وإح سانه‪ ،‬فإن الكر ي ل يقا بل بإ ساءة من أح سن إل يه‪ .‬ومن ها‬ ‫تذكر الغضب والنتقام؛ فإن الرب إذا تادى العبد ف معصيته غضب‪،‬‬ ‫وإذا غ ضب ل ي قم لغض به ش يء‪ .‬و كل هذه المور ونو ها م ا يع ي‬ ‫على ترك العصية‪.‬‬ ‫وإمـا الصـب على «القدر» الذي يري عليـه بغيـ اختياره‪-‬‬ ‫فكالمراض والفقـر وموت القارب وغيهـا‪ ،‬فيجـب عليـه أن ل‬ ‫يتسخطها‪.‬‬ ‫وهذه الثلثة‪ -‬الصب على الأمور‪ ،‬والصب عن الحظور‪ ،‬والصب‬ ‫على الصائب‪ -‬هي الت أوصى با لقمان لبنه ف قوله‪ :‬يَا بُنَيّ أَقِ مِ‬ ‫ال صّ لَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُو فِ وَانْ هَ عَ نِ الْمُنْكَرِ وَا صْبِرْ عَلَى مَا أَ صَابَكَ‬ ‫إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمَان‪.]17 :‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فالعزيةـ الصـادقة والمـة العاليـة والنخوة والروءة النسـانية‪،‬‬ ‫وإدراك ما ف الأمور من ال ي والنفع واللذة والكمال‪ ،‬وإدراك ما ف‬ ‫الحظور مـن الشـر والضـر والنقـص‪ ،‬فمتـ حصـل له ذلك حصـل له‬ ‫الصب‪ ،‬وهانت عليه مَشاقّ هُ وَحَلَتْ له مَرَارته‪.‬‬ ‫وأ ما «النع مة» ال ت ي ب عل يه ش كر الن عم ب ا عل يه فكال صحة‬ ‫والسلمة والاه والال وأنواع اللذ الباحة‪ ،‬هو متاج إل الصب فيها‬ ‫بأن ل يركـن إليهـا‪ ،‬ول يغتـر باـ‪ ،‬ول تمله على الشـر والبطـر‪،‬‬ ‫والفرح الذموم الذي ل يب ال أهله‪ ،‬وأن ل ينهمك ف نيلها ويبالغ‬ ‫فـ اسـتقصائها فمـن بالغ فـ الكـل والشرب والماع حرمهـا‪ .‬وأن‬ ‫ي صب على أداء حق ال في ها لئل ي سلبها‪ ،‬وأن ي صب عن صرفها ف‬ ‫الرام‪ ،‬فل ي كن نف سه من كل ما تر يد من ها‪ .‬قال ب عض ال سلف‪:‬‬ ‫ابتلينا بالضراء فصبنا‪ ،‬وابتلينا بالسراء فلم نصب‪.‬‬ ‫وهناك صب مرم كالصب عن الطعام والشراب حت يوت‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال ولزموا الصـب على الأمور‪ ،‬والصـب عـن‬ ‫الحظور‪ ،‬والرضا بالقدور‪ ،‬والشكر عند أسباب السرور‪ ،‬فقد ذم ال‬ ‫نوع النسـان التصـف باليأس والكفـر عنـد الصـيبة‪ ،‬والفرح والفخـر‬ ‫عند النعمة‪ ،‬ول خلص من هذا الذم إل بالصب والعمل الصال‪ .‬أعوذ‬ ‫ِنف أَذَقْن َا الْإِنْسفَانَ مِنّاف رَحْمَةً ثُمّ‬ ‫بال مـن الشطيان الرجيـم وَلَئ ْ‬ ‫َاهف نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرّاءَ‬ ‫ِنف أَذَقْن ُ‬ ‫ُوسف كَفُورٌ * وَلَئ ْ‬ ‫ّهف لَيَئ ٌ‬ ‫ْهف إِن ُ‬ ‫نَزَعْنَاهَا مِن ُ‬ ‫مَ سّ تْهُ لَيَقُولَنّ ذَهَ بَ ال سّ يّ ئَاتُ عَنّ ي إِنّ هُ لَفَرِ حٌ فَخُورٌ * إِلّا الّ ذِي نَ‬ ‫صَبَرُوا وَعَمِلُوا ال صّالِحَاتِ أُولَئِ كَ لَهُ مْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيٌ [هو‪:‬‬ ‫‪ .]11 -9‬بارك ال ل ولكم ف القرآن ‪...‬‬ ‫‪160‬‬ ‫‪161‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل العلي الكبي‪ ،‬السميع البصي‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬ ‫وحده ل شريك له يسبح له ما ف السموات وما ف الرض له اللك‬ ‫وله ال مد وهو على كل شيء قدير‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‬ ‫وخيتـه مـن بريتـه‪ ،‬وأعلهـم عنده منلة‪ ،‬بلغ رسـالة ربـه‪ ،‬وصـدع‬ ‫بأمره‪ ،‬وقام ل بال صب والش كر حق القيام ح ت بلغ رضاه‪ ،‬صلى ال‬ ‫عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬اتقوا ال تعال‪ -‬وتقواه‪ :‬فعـل مـا أمـر‪،‬‬ ‫وترك ما ح ظر‪ ،‬وال صب على ما قدّر‪ -‬واعلموا أن الن صر مع ال صب‪،‬‬ ‫والفرج مع الكرب‪ ،‬واليسر مع العسر؛ وأن الصب أنصر لصاحبه من‬ ‫الرجال بل عدة ول عدد‪ ،‬ومله من الظفر كمحل الرأس من ال سد‪،‬‬ ‫و قد ضمن الو ف الصادق لهله ف م كم الكتاب‪ ،‬أن يوفيهم أجرهم‬ ‫بغي حساب‪ ،‬وأخب أنه معهم بنصره فقال وَا صْبِرُوا إِنّ اللّ هَ مَ عَ‬ ‫ال صّابِرِينَ [النفَال‪ ]46 :‬فظ فر ال صابرون بذه الع ية ب ي الدن يا‬ ‫والخرة‪ ،‬وفازوا باـ بنعمـه الباط نة والظاهرة‪ ،‬وخصـهم بالدايـة دون‬ ‫من سواهم أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّ هِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ‬ ‫الْمُهْتَدُونَ [البَقَرَة‪ ]157 :‬فاصبوا وصابروا‪.‬‬ ‫و من ل ي كن ال صب خُلُقًا له ومَلَكَةً فتكلّفـه وا سْتَدْعاه وزَاوَلَه‬ ‫صار سجية له وطبيعة‪ ،‬كما ف الديث عن النب أنه قال‪« :‬ومن‬ ‫يتصففب يصففبه ال» كمــا أنــه ل يزال يتكلف اللم والوقار‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والسـكينة والثبات حتـ تصـي خلقًا له بنلة الطبائع( ‪ . )1‬وصـلوا على‬ ‫خي هاد وبشي؛ فقد أمركم ال بذلك ف كتابه ال بي‪ ،‬وبدأ بالصلة‬ ‫عل يه فقال‪ :‬إِنّ اللّ هَ وَمَلَائِكَتَ هُ يُ صَلّونَ عَلَى النّ بِيّ يَا أَيّهَا الّ ذِي نَ‬ ‫آَمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّ مُوا تَسْلِيمًا [الحزَاب‪.]56 :‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() من عدة الصابرين‪.‬‬ ‫وذكر فيها‪ :‬أن في المراض نحو مائة فائدة‪ .‬ثم قال‪ :‬وأما انتفاع القلب والروح‬ ‫باللم والمراض فل يحككس بككه إل مككن فيككه حياة‪ ،‬فصككحة القلوب والرواح‬ ‫موقوفكة على آلم البدان ومشاقهكا‪ ،‬وأن اللذة والسكرور والخيكر والنعكم والعافيكة‬ ‫والصكحة فكي هذه الدار المملوءة بالمحكن والبلء أكثكر مكن أضدادهكا بأضعاف‬ ‫مضاعفكة‪ ،‬فأيكن إيلم الحيوان مكن لذتكه؟ وأيكن سكقمه مكن صكحته؟ وأيكن جوعكه‬ ‫وعطشكه مكن شبعكه وريكه؟ وتعبكه مكن راحتكه‪ ،‬قال ال تعالى‪َ :‬فإِنّ مَعَه ا ْلعُسْه ِر‬ ‫سرًا [الشرح‪ ،]6 ،5 :‬فآلم الدنيا جميعها نسبتها إلى‬ ‫س ِر ُي ْ‬ ‫سرًا * ِإنّ َم َع ا ْل ُع ْ‬ ‫ُي ْ‬ ‫آلم الخرة أقكل مكن نسكبة ذرة إلى جبال الدنيكا بكثيكر‪ ،‬وكذلك لذات الدنيكا‪ .‬وال‬ ‫سكبحانه لم يخلق اللء واللذات سكدى ‪ ...‬ككل واحدة منهمكا تثمكر الخرى‪ -‬فلو‬ ‫كان النسكان وغيره مكن الحيوان ل يجوع ول يعطكش ول يتألم فكي عالم الكون‬ ‫والفسكاد لم يككن حيوانًا‪ ،‬ولكانكت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقكة كاملة‪ ،‬وال لم‬ ‫يجعلهكا كذلك‪ ،‬وإنمكا جعلهكا دارًا ممتزجًا ألمهكا بلذتهكا‪ ،‬وسكرورها بأحزانهكا‪،‬‬ ‫ونعمها وصحتها بسقمها حكمة بالغة‪( .‬شفاء العليل ص ‪.)250 ،249‬‬ ‫‪162‬‬ ‫‪163‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ل إل إلهه ال هأوّ لً‬ ‫ال مد ل الذي خلق ال نة وج عل مفتاح ها ل إله إل ال‪ .‬أحده‬ ‫سـبحانه‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ :‬شهادة ملص‬ ‫فيها‪ ،‬موقن با‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله الذي جدد مـا اندرس مـن‬ ‫معالها‪ ،‬ومع ذلك قال له ربه فَاعْلَ مْ أَنّ هُ لَا إِلَ هَ إِلّا اللّ هُ [ممد‪:‬‬ ‫‪ .]19‬فصـدع باـ ونادى‪ ،‬ووال عليهـا وعادى‪ ،‬وقال‪« :‬أمرت أن‬ ‫أقاتفل الناس حتف يقولوا ل إله إل ال‪ ،‬فإذا قالوهفا عصفموا منف‬ ‫دماءهم وأموالم إل بقها»‪.‬‬ ‫دعـا إل هذه الكلمـة عشـر سـني ول يدع قبلهـا إل زكاة ول‬ ‫صيام‪ ،‬ول حج‪ ،‬وعمرة إل ب يت ال الرام‪ .‬الل هم صلِ و سلم على‬ ‫عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا من امتنع من‬ ‫قولا‪ ،‬أو صد عنها‪ ،‬أو نقضها‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ‪ :‬اتقوا ال تعال‪ ،‬وجددوا إيان كم ف‬ ‫السـاء والصـباح بتأمـل وتطـبيق معنـ ل إله إل ال ‪ ،‬فهـي كلمـة‬ ‫السـلم‪ ،‬ومفتاح دار السـلم‪ ،‬ومـن أجلهـا أرسـلت الرسـل إل‬ ‫العباد ليعلموهـم العمـل بل إله إل ال ‪ ،‬وهـي الكلمـة التـ ورثهـا‬ ‫إمام النفاء لتبا عه إل يوم القيا مة‪ ،‬و هي الكل مة ال ت قا مت باـ‬ ‫الرض والسـموات‪ ،‬وفطـر ال عليهـا جيـع الخلوقات‪ ،‬وعليهـا‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أســـــــــــــــــــــــــــست‬ ‫اللة‪ ،‬ونصـبت القبلة‪ ،‬وجردت سـيوف الهاد‪ ،‬وهـي مضـ حـق ال‬ ‫على العباد‪ ،‬و هي الكل مة العا صمة للدم والال والذر ية ف هذه الدار‪،‬‬ ‫والنج ية من عذاب ال قب وعذاب النار‪ ،‬و هي النشور الذي ل يد خل‬ ‫أ حد ال نة إل به‪ ،‬وال بل الذي ل ي صل إل ال إل من تعلق ب سببه‪،‬‬ ‫وبا انقسم الناس إل شقي وسعيد‪ ،‬ومقبول وطريد‪ ،‬وبا انفصلت دار‬ ‫الكفـر عـن دار السـلم‪ ،‬وتيزت دار النعيـم مـن دار الشقاء والوان‪،‬‬ ‫و هي العمود الا مل للفرض وال سنة‪« ،‬و من كان آ خر كل مه ل إله‬ ‫إل ال دخل النة»‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬إن روح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه بالحبة‬ ‫والتعظيـم والوف والرجـا وتوابـع ذلك مـن التوكـل والنابـة والرغبـة‬ ‫والرهبة‪ -‬فل يب سواه الحبة القتضية للذل والضوع‪ -‬بل كل ما كان‬ ‫يب فإنا هو تبع لحبته ووسيلة إل مبته‪ -‬ول ياف سواه‪ ،‬ول يتوكل‬ ‫إل عليه‪ ،‬ول يرغب إل إليه‪ ،‬ول يرهب إل منه‪ ،‬ول يلف إل باسه‪ ،‬ول‬ ‫ينذر إل له‪ ،‬ول يتاب إل إليه‪ ،‬ول يطاع إل أمره‪ ،‬ول يتسب إل به‪ ،‬ول‬ ‫يستعان ف الشدائد إل به‪ ،‬ول يلتجأ إل إليه‪ ،‬ول يركع إل له‪ ،‬ول ينحن‬ ‫إل له‪ ،‬ول يذ بح إل له وبا سه‪ -‬ويت مع ذلك ف عبارة واحدة و هي «أن‬ ‫ل يعبد بميع أنواع العبادة إل هو سبحانه»‪.‬‬ ‫واعلموا عباد ال أن ل إله إل ال ل تن فع قائل ها إل ب عد معر فة‬ ‫معنا ها‪ ،‬والع مل بقتضا ها‪ ،‬وال سلمة م ا يناقض ها‪ -‬ل بد ف شهادة ل‬ ‫إله إل ال من اعتقاد بالنان‪ ،‬ون طق بالل سان‪ ،‬وع مل بالركان‪ ،‬فإن‬ ‫اختل واحد من هذه الثل ثة ل يكن الرجل مسلمًا‪ -‬فإذا كان مسلمًا‬ ‫‪164‬‬ ‫‪165‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وعاملً بالركان ثـ حدث منـه قول أو فعـل أو اعتقاد يناقـض‬ ‫ذلك ل ينفعـه قول ل إله إل ال‪ -‬فمـن صـرف لغيـ ال شيئًا مـن‬ ‫العبادات بأن أشرك به أحدًا من الخلوقات ف هو كا فر ولو ن طق ألف‬ ‫مرة بل إله إل ال‪.‬‬ ‫قيل للحسن البصري‪ -‬رح ه ال‪ -‬أن أنا سًا يقولون‪ :‬من قال ل‬ ‫إله إل ال دخـل النـة‪ .‬فقال مـن قالاـ وأدى حقهـا وفرضهـا دخـل‬ ‫النة‪ .‬وقال وهب ابن منبه‪ -‬رحه ال‪ -‬لن قال له‪ :‬أليس مفتاح النة‬ ‫ل إله إل ال؟ قال‪ :‬بلى؛ ولكـن مـا مـن مفتاح إل وله أسـنان‪ ،‬فإن‬ ‫جئت بفتاح له أسنان فتح لك‪ ،‬وإل ل يفتح لك‪.‬‬ ‫فالسـلم له نواقـض عدهـا العلماء عشرة‪ .‬فالشرك مـن نواقـض‬ ‫ال سلم؛ ف من جعل بينه وب ي ال وسائط يدعوهم وي سألم الشفاعة‬ ‫ويتوكل عليهم فقد نقض السلم‪ .‬ومن ل يكفر الشركي أو شك ف‬ ‫كفر هم أو صحح مذهب هم ك فر بالجاع‪ .‬والعراض عن د ين ال ل‬ ‫يتعلمه ول يعمل به كفر بالجاع‪ .‬ومن اعتقد أن غي هدي النب‬ ‫أكمل من هديه أو أن حكم غيه أحسن من حكمه فهو كافر‪ .‬ومن‬ ‫ا ستهزأ بش يء من د ين ال أو ثوا به أو عقا به ك فر وانت قض إ سلمه‪.‬‬ ‫وكلهـا مـن أعظـم مـا يكون خطرًا وأكثره مـا يكون وقوعًا‪ .‬فينبغـي‬ ‫للم سلم أن يذر ها وياف من ها على نف سه‪ .‬نعوذ بال من موجبات‬ ‫غضبه وأليم عقابه‪.‬‬ ‫عباد ال‪ -‬وياف على السـلم أن يأتـ بسـيئة راجحـة فيضعـف‬ ‫إيانه فل يقولا بإخلص ويقي مانع من جيع السيئات‪ ،‬ويشى عليه‬ ‫من الشرك الكب والصغر‪ ،‬فإن سلم من الكب بقي معه من الصغر‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فيضيـف إل ذلك سـيئات فتضـم إل هذا الشرك فيجـح جانـب‬ ‫السيئات؛ فإن السيئات تضعف اليان واليقي فيضعف قول ل إله إل‬ ‫ال‪ ،‬في صي التكلم ب ا كالاذي أو النائم أو من ي سن صوته بآ ية من‬ ‫القرآن مـن غيـ ذوق طعـم وحلوة‪ ،‬فإذا كثرت الذنوب ثقـل على‬ ‫اللسان قولا‪ ،‬وكره العمل الصال‪ ،‬وثقل عليه ساع القرآن‪ ،‬واستبشر‬ ‫بذكـر غيه‪ ،‬واطمأن إل الباطـل‪ ،‬واسـتحلى الرفـث ومالطـة أهـل‬ ‫الباطل‪ ،‬وكره مالطة أهل الق‪ -‬فمثل هذا إذا قال بلسانه ما ليس ف‬ ‫قل به‪ ،‬وبف يه ما ل ي صدقه عمله‪ .‬قال السـن الب صري‪ -‬رحهـ ال‪:-‬‬ ‫ل يس اليان بالتحلي ول بالتم ن ول كن ما و قر ف القلوب و صدقته‬ ‫العمال‪ ،‬ف من قال خيًا ق بل م نه‪ ،‬و من قال خيًا وع مل شرًا ل يق بل‬ ‫منه‪.‬‬ ‫فالذي يدخـل النار منـ يقولاـ‪ :‬إمـا أنمـ ل يقولوهـا بالصـدق‬ ‫واليقيـ التام النافييـ للسـيئات‪ ،‬أو لرجحان السـيئات‪ ،‬أو قالوهـا‬ ‫واكتسبوا بعد ذلك سيئة أو سيئات رجحت على حسناتم‪.‬‬ ‫فقد تواترت الحاديث بأنه يرج من النار من قال ل إله إل ال‬ ‫وكان ف قلبه من ال ي ما يزن شعية وما يزن خردلة‪ ،‬وما يزن ذرة‪.‬‬ ‫وتواترت بأن كثيًا من يقول ل إله إل ال يدخل النار ث يرج منها‪.‬‬ ‫وتواترت بأن ال حرم على النار أن تأ كل أ ثر ال سجود من ا بن آدم‪-‬‬ ‫فهولء كانوا يصلون ويسجدون ل‪ .‬وتواترت بأنه يرم على النار من‬ ‫قال ل إله إل ال وش هد أن ل إله إل ال وأن ممدًا ر سول ال‪ ،‬ل كن‬ ‫جاءت مقيدة بالقيود الثقال‪ :‬بالصــدق واليقيــ والخلص وعدم‬ ‫الشك‪.‬‬ ‫‪166‬‬ ‫‪167‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فاحرص أيهـا السـلم أن تكون منـ يشهـد أن ل إله إل ال‬ ‫حقي قة الشهادة‪ ،‬ب يث ل يب قى ف قل بك ش يء لغ ي ال‪ ،‬ول إرادة ل ا‬ ‫حرم ال‪ ،‬ول كرا هة لاـ أ مر ال‪ ،‬فإن من مات على هذه الالة ف هو‬ ‫مـن أهـل النـة ول يدخـل النار‪ .‬قال ال تعال‪ :‬وَلَا يَمْلِك ُف الّ ذِين َف‬ ‫يَدْعُون َف مِن ْف دُونِه ِف الشّ فَاعَةَ إِلّا مَن ْف شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُم ْف يَعْلَمُون َف‬ ‫[الزخرف‪.]86 :‬‬ ‫لكن من الناس من تكون شهادته ميتة‪ ،‬ومنهم من تكون نائمة‬ ‫إذا نبهت انتبهت‪ .‬ومنهم من تكون مضطجعة‪ .‬ومنهم من تكون إل‬ ‫القيام أقرب‪ .‬و هي ف القلب بنلة الروح ف البدن فروح مي تة وروح‬ ‫ـحيحة‬ ‫ـة إل الوت أقرب‪ ،‬وروح إل الياة أقرب‪ ،‬وروح صـ‬ ‫مريضـ‬ ‫قائمة بصال البدن‪ .‬وف الديث الصحيح «إن لعلم كلمة ل يقولا‬ ‫عبد عند الوت إل وجدت روحه لا روحاة يعن راحةٍ » ‪ ...‬يعن ل‬ ‫إله إل ال‪.‬‬ ‫ف وَإِلَى‬ ‫ف إِلَيْك َ‬ ‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‪ :‬وَلَقَدْ أُوحِي َ‬ ‫ِنف‬ ‫ُكف وَلَتَكُونَنّ م َ‬ ‫ْتف لَيَحْبَطَنّ عَمَل َ‬ ‫ِنف أَشْرَك َ‬ ‫ِكف لَئ ْ‬ ‫ِنف قَبْل َ‬ ‫ِينف م ْ‬ ‫الّ ذ َ‬ ‫الْخَا سِرِينَ * بَلِ اللّ هَ فَاعْبُدْ وَكُ نْ مِ نَ الشّاكِرِي نَ [الز مر‪،65 :‬‬ ‫‪.]66‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال اتقوا ال تعال وسـارعوا إل مغفرة مـن‬ ‫رب كم وج نة عرض ها ال سموات والرض أعدت للمتق ي الذ ين قاموا‬ ‫بواجب ل إله إل ال؛ فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووال عليها‬ ‫وعادى رفعته إل أعلى عليي منازل أَهل ل إله إل ال‪.‬‬ ‫أخرج البخاري ف صحيحه عن قتادة قال‪ :‬حدثنا أنس بن مالك‬ ‫أن النب ومعاذ بن جبل رضي ال عنه رديفه على الرحل قال‪ « :‬يا‬ ‫معاذ» قال‪ :‬لب يك يا ر سول ال و سعديك قال ا ثلثًا‪ .‬قال‪ « :‬ما من‬ ‫أ حد يش هد أن ل إله إل ال وأن ممدًا ر سول ال صدقًا من قل به‬ ‫إل حرم ال تعال عل يه النار»‪ .‬قال‪ :‬يا ر سول ال‪ :‬أفل أ خب الناس‬ ‫فيسـتبشروا؟ قال‪« :‬إذًا يتكلوا» اللهـم اجعلنـا منـ يقوم بأركان‬ ‫السـلم‪ ،‬ول تعل نا منـ يكت في ف السـلم بالن ساب‪ ،‬ونعوذ بك‬ ‫اللهـم مـن الشرك ومـن اللاد‪ ،‬ونسـألك السـتقامة على التوحيـد‬ ‫والطاعة والسداد( ‪.)1‬‬ ‫إن أحسن الديث‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() المرجع‪ :‬الجواب الكافي ص(‪ )174‬ومن خطب أئمة الدعوة‪.‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪169‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الصلة وحِكَمُها وأسرارها‬ ‫وحِكَم الطهارة لا‬ ‫ال مد ل الذي أن عم على عباده بأع ظم الن عم وأجل ها وأفضل ها‬ ‫وأعل ها‪ ،‬ببعثه الرسل وإنزاله الكتب بأز كى الشرائع وأسناها‪ ،‬أحده‬ ‫سبحانه وحدي له من نعمه‪ ،‬وأسأله الزيد من عطائه وكرمه‪ .‬وأشهد‬ ‫أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له‪ -‬أوامره سبحانه رح ة وإح سان‬ ‫وشفاء‪ ،‬وحياة للقلوب وغذاء‪ ،‬وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إل‬ ‫الطعام والشراب والكسـاء‪ ،‬فلول رحتـه بالعلم واليان‪ ،‬وبيان الرام‬ ‫واللل‪ ،‬لكان الناس بنلة البهائم يتهارجون فـــــ الطرقات‪،‬‬ ‫ويتسافدون تسافد اليوانات‪ ،‬ل يعرفون معروفًا‪ ،‬ول ينكرون منكرًا‪،‬‬ ‫ول يتنعون من قبيح‪ ،‬ول يهتدون إل صواب‪ .‬وأشهد أن ممدًا عبده‬ ‫ور سوله أنزل عل يه شري عة مكملة للف طر والعقول‪ ،‬مرشدة إل ما ي به‬ ‫ال ويرضاه‪ ،‬ناه ية ع ما يبغ ضه وي سخطه ويأباه‪ ،‬م ستعملة ل كل قوة‬ ‫وعضـو وحركـة فـ كماله الذي ل كمال له سـواه‪ ،‬آمرة بكارم‬ ‫الخلق ومعاليهـا‪ ،‬ناهيـة عـن دنيئهـا وسـفسافها‪ ،‬دالة على أن الذي‬ ‫جاء با رسول صادق‪ ،‬وأن الذي شرعها أحكم الاكمي‪ .‬اللهم صل‬ ‫و سلم على عبدك ور سولك م مد وعلى آله وج يع أ صحابه والتابع ي‬ ‫لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬الشرائع ضروريـة فـ مصـال اللق‪،‬‬ ‫وضرورتمـ إليهـا فوق كـل ضرورة تقدر‪ -‬فهـي أسـباب موصـلة إل‬ ‫سـعادة الداريـن‪ ،‬ورأس السـباب الوصـلة إل صـحة البدن وقوتـه‬ ‫واستفراغ أخلطه‪ ،‬ومن ل يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من‬ ‫أب عد الناس عن ها‪ -‬انظروا إل المك نة والزم نة ال ت خل يت في ها آثار‬ ‫النبوة كيف حال أهلها‪ ،‬وما دخل عليهم من ال هل والظلم‪ ،‬والكفر‬ ‫ـاد العقائد‬ ‫ـتحسان القبائح‪ ،‬وفسـ‬ ‫بالالق‪ ،‬والشراك بالخلوق‪ ،‬واسـ‬ ‫والعمال‪.‬‬ ‫عباد ال! قـد جعـل الكيـم العليـم لكـل قوة مـن القوى ولكـل‬ ‫حاسـة مـن الواس ولكـل عضـو مـن العضاء كمالً حسـيًا وكمالً‬ ‫معنوي ًا؛ فأعطاه كماله السـي خَلْق ًا وَقَدَرًا‪ ،‬وأعطاه كماله العنوي‬ ‫شرع ًا وأمرًا‪ ،‬فبلغ بذلك غايـة السـعادة والنتفاع بنفسـه‪ -‬ويكفـي‬ ‫العا قل الب صيَ اليّ القلب ِف ْكرُ هُ ف فرع وا حد من فروع ال مر والن هي‬ ‫و هو «ال صلة» و ما اشتملت عل يه من ال كم الباهرة‪ ،‬وال صال الباط نة‬ ‫والظاهرة‪ ،‬والنافع التصلة بالقلب والروح والبدن والقوى‪ ،‬الت لو اجتمع‬ ‫حكماء العال واسـتفرغوا قواهـم وأذهانمـ لاـ أحاطوا بتفاصـيل حكمهـا‬ ‫وأ سرارها وغايات ا الحمودة‪ ،‬و ما ف مقدمات ا وشروطه ما من ال كم‬ ‫العجيبة‪ :‬من تطهي العضاء والثيات والكان‪ ،‬وأخذ الزينة‪ ،‬واستقبال بيته‬ ‫الذي جعله إمام ًا للناس‪ ،‬وتفريـغ القلب ل‪ ،‬وإخلص النيـة‪ ،‬وافتتاحهـا‬ ‫بكلمـة (ال أكـب) الامعـة لعانـ العبوديـة‪ ،‬الدالة على أصـول الثناء‬ ‫وفروعـه‪ ،‬الخرجـة مـن القلب اللتفات إل مـا سـواه‪ -‬فيقوم بقلبـه‬ ‫الوقوف ب ي يدي عظ يم جل يل أ كب من كل ش يء وأع ظم من كل‬ ‫‪170‬‬ ‫‪171‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫شيء‪ ،‬ف كبيائه السموات وما أظلت‪ ،‬والرض وما أقلت‪ ،‬والعوال‬ ‫كلها‪ ،‬عنت له الوجوه‪ ،‬وخضعت له الرقاب‪ ،‬وذلت له البابرة‪ ،‬قاهر‬ ‫فوق عباده‪ ،‬نا ظر إلي هم‪ ،‬عال باـ ت كن صدورهم‪ ،‬ي سمع كلم هم‪،‬‬ ‫ويرى مكانم‪ ،‬ل يفى عليه خافية من أمرهم( ‪.)1‬‬ ‫ثـ أخـذ فـ تسـبيحه وحده وذكره تبارك اسـه وتعال جده‬ ‫وتفرده باللية( ‪.)2‬‬ ‫ث أخذ ف الثناء عليه بأفضل ما يثن عليه به‪ :‬من حده‪ ،‬وذكر‬ ‫ربوبي ته للعال‪ ،‬وإح سانه إلي هم‪ ،‬ورح ته ب م‪ ،‬وتجيده باللك الع ظم‬ ‫ف اليوم الذي ل يكون ف يه مَلِ كٌ سواه ح ي ي مع الول ي والخر ين‬ ‫ف صعيد وا حد ويَدِينُ هم بأعمال م‪ .‬ث أفرده بنو عي التوح يد‪ :‬توح يد‬ ‫ربوبيته استعانة به‪ ،‬وتوحيد إليته عبودية له‪ .‬ث سؤال أفضل مسئول‬ ‫وأعلى مطلوب على الطلق‪ -‬وهـو هدايـة الصـراط السـتقيم الذي‬ ‫نصبه ل نبيائه ورسله وأتباعهم‪ ،‬وجعله صراطًا موصلً ل ن سلكه إليه‬ ‫وإل جنته‪ ،‬وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الق وجعلهم‬ ‫متبعيـ له‪ ،‬دون صـراط أمـة الغضـب الذيـن عرفوا القـ ول يتبعوه‪،‬‬ ‫وأهل الضلل الذين ضلوا عن معرفته واتباعه( ‪.)3‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫() هذا من كلمة ال أكبر‪.‬‬ ‫() هذا في الستفتاح‪.‬‬ ‫() هذا فكي سكورة الفاتحكة كمكا هكو واضكح لكثكر المصكلين‪ .‬فتضمنكت الفاتحكة‪:‬‬ ‫تعريككف الرب‪ ،‬والطريككق الموصككل إليككه‪ ،‬والغايككة بعككد الوصككول‪ .‬وتضمنككت‪:‬‬ ‫الثناء‪ ،‬والدعاء‪ ،‬وأشرف الغايات وهكي العبوديكة؛ وأقرب الوسكائل إليهكا وهكي‬ ‫السكتعانة‪ .‬فككم فكي هذه السكورة مكن أنواع المعارف والعلوم والتوحيكد وحقائق‬ ‫اليمان‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ث يأخذ بعد ذلك ف تلوة ربيع القلوب‪ ،‬وشفاء الصدور‪ ،‬ونور‬ ‫البصائر‪ ،‬وحياة الرواح‪ -‬وهو كلم رب العالي‪ ،‬فَيَحِلّ به فيما شاء‬ ‫مـن روضات مونقات‪ ،‬وحدائق معجبات‪ ،‬زاهيـة أزهارهـا‪ ،‬مونقـة‬ ‫ثارها‪ ،‬قد ذللت قطوفها تذليل‪ ،‬وسهلت لتناولا تسهيل‪ -‬فهو يتن‬ ‫من تلك الثمار خيًا يؤ مر به‪ ،‬وشرًا ين هى ع نه‪ ،‬وحك مة‪ ،‬وموع ظة‪،‬‬ ‫وتبصـرة‪ ،‬وتذكرة‪ ،‬وعِبْرةً‪ ،‬وتقريرًا لقـ‪ ،‬ودحضًـا لباطـل‪ ،‬وإزالة‬ ‫لشبهة‪ ،‬وجوابًا عن مسألة‪ ،‬وإيضاحًا لشكل‪ ،‬وترغيبًا ف أسباب فلح‬ ‫وسعادة‪ ،‬وتذيرًا من أسباب خسران وشقاوة‪ ،‬ودعوة إل هدى‪ ،‬ورد‬ ‫عن ردى‪ -‬فتنل على القلوب نزول الغ يث على الرض ال ت ل حياة‬ ‫لا بدونه‪ ،‬ويل منها مل الرواح لبدانا‪.‬‬ ‫فأي نع يم وقرة ع ي ولذة قلب وابتهاج و سرور ل ي صل له ف‬ ‫هذه الناجاة؟! والرب تعال يسـمع لكلمـه جاريًا على لسـان عبده‪،‬‬ ‫ويقول‪ :‬حدن عبدي‪ ،‬أثن عليّ عبدي‪ ،‬مدن عبدي‪.‬‬ ‫ث يعود إل ت كبي ر به فيجدد به عهدَ التذكرةِ كونَ هُ أ كبَ‬ ‫من كل شيء بق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به‪.‬‬ ‫ثـ يركـع حانيًـا له ظهره خضوعًـا لعظمتـه‪ ،‬وتذللً لعزتـه‪،‬‬ ‫وا ستكانة ل بوته‪ ،‬م سبحًا له بذ كر ا سه العظ يم‪ -‬فنه عظم ته عن‬ ‫حال العبـد وذله وخضوعـه‪ ،‬وقابـل تلك العظمـة بذا الذل والنناء‬ ‫والضوع‪ ،‬قـد تطامـن وطأطـأ رأسـه وبسـط ظهره‪ ،‬وربـه فوقـه يرى‬ ‫خضو عه وذله وي سمع كل مه‪ ،‬ف هو ر كن تعظ يم وإجلل‪ ،‬ك ما قال‬ ‫النب ‪ « :‬أما الركوع فعظموا فيه الرب»‪.‬‬ ‫‪172‬‬ ‫‪173‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ث عاد إل حاله من القيام حامدًا لربه‪ ،‬مثنيًا عليه بأكمل مامده‬ ‫وأجعها وأعمها‪ -‬مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والجد‪ ،‬معترفًا بعبوديته‪،‬‬ ‫شاهدًا بتوحيده‪ ،‬وأ نه ل ما نع ل ا أع طى ول مع طي ل ا م نع‪ ،‬وأ نه ل‬ ‫ينفــع أصــحاب الدود والموال والظوظ جدودُهــم عنده ولو‬ ‫عظمت‪.‬‬ ‫ثـ يعود إل تكـبيه ويرـ له سـاجدًا على أشرف مـا فيـه وهـو‬ ‫الوجه‪ ،‬فيعفره ف التراب ذلً بي يديه ومسكنة وانكسارًا‪ ،‬وقد أخذ‬ ‫كـل عضـو مـن البدن حظـه مـن هذا الضوع حتـ أطراف النامـل‬ ‫ورءوس الصـابع‪ .‬وندب له أن يسـجد معـه ثيابـه وشعره فل يكفـه‪،‬‬ ‫وأن ل يكون بعضـه ممولً على بعـض‪ ،‬وأن يباشـر التراب ببهتـه‪،‬‬ ‫ويكون رأ سه أ سفل ما ف يه تكميلً للخضوع والتذلل ل ن له ال عز كله‬ ‫والعظمة كلها‪ .‬وهذا أيسر اليسي من حقه على عبده‪ ،‬فلو دام كذلك‬ ‫من حي خلق إل أن يوت لا أدى حق ربه عليه‪.‬‬ ‫ث أمر أن يسبح ربه العلى فيذكر علوه سبحانه ف حال سفوله‬ ‫هو‪ ،‬وين هه عن م ثل هذه الال‪ ،‬وأن من هو فوق كل ش يء وعال‬ ‫على كل شيء ينه عن السفول بكل معن‪ ،‬بل هو العلى بكل معن‬ ‫من معا ن العلو‪ .‬ولاـ كان هذا غا ية ذل الع بد وخضو عه وانك ساره‬ ‫كان أقرب مـا يكون الرب منـه فـ هذه الال‪ ،‬فأمـر أن يتهـد فـ‬ ‫الدعاء لقربه من القريب الجيب‪ ،‬وقد قال تعال‪ :‬وَا سْجُدْ وَاقْتَرِ بْ‬ ‫[العَلق‪ ]19 :‬وقال النـب ‪ « :‬وأمفا السفجود فأكثروا فيفه مفن‬ ‫الدعاء فقمن أن يستجاب لكم»‪.‬‬ ‫ولاـ كان أشرف أذكار الصـلة القرآن شرع فـ أشرف أحوال‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الن سان و هي هيئة القيام‪ ،‬ولاـ كان أف ضل أركاناـ الفعل ية ال سجود‬ ‫شرع فيها بوصف التكرار‪.‬‬ ‫وشرع له ب ي هذ ين الضوع ي أن يلس جل سة العب يد‪ ،‬وي سأل‬ ‫ربه أن يغفر له ويرح ه ويرزقه ويهديه ويعافيه‪ ،‬وهذه الدعوات ت مع‬ ‫له خيـ دنياه وآخرتـه‪ .‬ثـ شرع له تكرار هذه الركعـة مرة بعـد مرة‪،‬‬ ‫كمـا شرع تكرار الذكار والدعوات مرة بعـد مرة‪ ،‬ليسـتعد بالول‬ ‫لتكميـل مـا بعده‪ ،‬ويبـ باـ بعده مـا قبله؛ وليشبـع القلب مـن هذا‬ ‫الغذاء‪ ،‬وليأ خذ زاده ون صيبه من هذا الدواء‪ ،‬ليقاوم ما يعرض له من‬ ‫الدواء‪.‬‬ ‫ث لا أكمل صلته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل السكي‬ ‫ل سيده‪ ،‬ويث ن عل يه بأف ضل التحيات‪ ،‬وي سلم على من جاء بذا ال ظ‬ ‫الز يل و من نال ته ال مة على يد يه‪ ،‬ث ي سلم على نف سه وعلى سائر‬ ‫عباد ال الشارك ي له ف هذه العبود ية‪ ،‬ث يتش هد شهادة ال ق‪ ،‬ث‬ ‫يعود فيصلي على من علّم المة هذا الي ودلم عليه‪ ،‬ث شرع له أن‬ ‫يسأل حوائجه ويدعو ب ا أحب ما دام بي يدي ربه مقبلً عليه‪ .‬فإذا‬ ‫قضـى ذلك أذن له فـ الروج منهـا بالتسـليم على الشاركيـ فـ‬ ‫الصلة‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وتفهموا دائم ًا القصـود مـن الصـلة‪ ،‬ومـا‬ ‫شرع فيهـا مـن إحضار القلوب واسـتحضار معانـ ومقاصـد القراءة‬ ‫والذكار والركات ‪ ..‬أعوذ بال مــن الشيطان الرجيــم وَأْمُرْ‬ ‫ُكف‬ ‫ْنف نَرْزُق َ‬ ‫َسفأَلُكَ رِزْقًا نَح ُ‬ ‫َاصفطَبِرْ عَلَيْهَا لَا ن ْ‬ ‫ِالصفلَاةِ و ْ‬ ‫َكف ب ّ‬ ‫أَهْل َ‬ ‫وَالْعَاقِبَةُ لِلتّ قْوَى [طه‪.]132 :‬‬ ‫‪174‬‬ ‫‪175‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل الكيـم العليـم‪ ،‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شر يك له إله الول ي والخر ين‪ ،‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله إمام‬ ‫ال غر الحجل ي‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‪ ،‬وعلى‬ ‫آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ -‬وتأملوا كـم فـ الطهارة مـن حكمـة‬ ‫ومنفعة للقلب والبدن‪ ،‬وتفريح للقلب‪ ،‬وتنشيط للجوارح‪ ،‬وتفيف لا‬ ‫ألقاه عـز النفـس مـن درن الخالفات‪ -‬فهـي منظفـة للقلب والروح‬ ‫والبدن‪ .‬وفـ غسـل النابـة مـن زيادة النعومـة والخلف على البدن‬ ‫نظيـ مـا تلل منـه بالنابـة مـا هـو مـن أنفـع المور‪ .‬وتأملوا كون‬ ‫الوضوء ف الطراف الت هي مل الكسب والعمل‪ -‬فجعل ف الوجه‬ ‫الذي ف يه ال سمع والب صر والكلم وال شم والذوق‪ ،‬وهذه الرب عة هي‬ ‫أبواب العاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها‪ .‬ث جعل ف اليدين‪:‬‬ ‫وها طرفاه وجناحاه اللذان بما يبطش ويأخذ ويعطي‪ .‬ث ف الرجلي‬ ‫اللت ي ب ما ي شي وي سعى‪ .‬ول ا كان غ سل الرأس م ا ف يه أع ظم حرج‬ ‫ومشقـة جعـل مكانـه السـح‪ ،‬وجعـل ذلك مرجًا للخطايـا مـن هذه‬ ‫الواضع حت يرج مع قطر الاء من شعره وبشره‪.‬‬ ‫وف صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي ال عنه قال‪ :‬قال‬ ‫ر سول ال ‪ « :‬من تو ضأ فأح سن الوضوء خر جت خطاياه ح ت‬ ‫ترج من ت ت أظفاره» فهذا من أجلّ ح كم الوضوء وفوائده‪ .‬و هو‬ ‫سيما هذه المـة وعلمت هم ف وجوه هم وأطراف هم يوم القيا مة ب ي‬ ‫المـم‪ .‬ولاـ كا نت الشهوة تري ف جيـع البدن ح ت إن تتـ كل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫شعرة شهوة سرى غ سل النا بة إل ح يث سرت الشهوة‪ ،‬ك ما قال‬ ‫ال نب ‪ « :‬إن ت ت كل شعرة جنا بة» فأ مر أن يو صل الاء إل أ صل‬ ‫كل شعرة‪ ،‬فيبد حرارة الشهوة‪ ،‬فتسكن النفس‪ ،‬وتطمئن إل ذكر ال‬ ‫وتلوة كلمـه والوقوف بيـ يديـه‪ .‬ولو ل يكـن فيـه مـن الصـلحة‬ ‫والكمة إل أن التوضأ يطهر يديه بالاء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول‬ ‫على ربه ومناجاته والوقوف بي يديه طاهر البدن والثوب والقلب‪.‬‬ ‫ث ل ا كان الع بد خارج ال صلة مهملً جوار حه قد أ سأمها ف‬ ‫مراتـع الشهوات والظوظ‪ -‬لاـ كان هذا طبعـه وذاتـه‪ -‬أمـر أن يدد‬ ‫هذا الركوع إليه والقبال عليه وقتًا بعد وقت‪ ،‬لئل يطول عليه المد‬ ‫فين سى ر به‪ ،‬وينق طع ع نه بالكل ية‪ ،‬وكا نت ال صلة من أع ظم ن عم ال‬ ‫عليـه‪ ،‬وأفضـل هداياه التـ سـاقها إليـه‪ ،‬فاحدوه تعال على ذلك‬ ‫وَأَقِيمُوا ال صّ لَاةَ وَآَتُوا الزّ كَاةَ وَأَطِيعُوا الرّ سُولَ لَعَلّ كُ مْ تُرْحَمُو نَ‬ ‫[النّور‪ . )1 (]56 :‬إن أحسن الديث كتاب ال ‪....‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() شفاء العليل ص (‪.)226‬‬ ‫‪176‬‬ ‫‪177‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الصراط الستقيم‬ ‫والاجة الاسة إل سؤاله‬ ‫المـد ل الحمود على ما قدره وقضاه‪ ،‬وأ ستعينه ا ستعانة من‬ ‫يعلم أ نه ل رب له غيه ول إله له سواه‪ ،‬وأ ستهديه سبيل الذ ين أن عم‬ ‫علي هم م ن اختاره لقبول القـ وارتضاه‪ ،‬وأ ستغفره من الذنوب ال ت‬ ‫تول بي القلب وهداه‪.‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له شهادة أشهد با مع‬ ‫الشاهديـن‪ ،‬وأتملهـا عـن الاحديـن‪ ،‬وأدخرهـا عنـد ال عدة ليوم‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده الصـطفى‪ ،‬ونـبيه الرتضـى‪ ،‬ورسـوله‬ ‫ال صادق الذي ل ين طق عن الوى‪ ،‬القائل‪« :‬اليهود مغضوب علي هم‬ ‫والن صارى ضالون» صلى ال عل يه وعلى آله وأ صحابه و من تبع هم‬ ‫بإحسان‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف سنتناول ف هذه الط بة تف سي ثلث آيات هي قوله‬ ‫تعال‪ :‬اهْدِنَا ال صّ رَاطَ الْمُ سْتَقِيمَ * صِرَاطَ الّ ذِي نَ أَنْعَمْ تَ عَلَيْهِ مْ‬ ‫غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضّالّ يَ [الفَاتِحَة‪.]7 -5 :‬‬ ‫ـتقيم أجلّ‬ ‫ـراط السـ‬ ‫ـة إل الصـ‬ ‫ـت الدايـ‬ ‫عباد ال لا ـ كانـ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أشرفـ الواهـب‪ ،‬وحاجةُ العباد إليهـا أعظـم مـن‬ ‫َ‬ ‫الطالب‪ ،‬ونيلُهـا‬ ‫حاجتهم إل الطعام والشراب والواء‪ ،‬والكساء والدواء‪ ،‬أمرنا ال بل‬ ‫فرض علي نا أن ن سأله إيا ها ف أف ضل أحوال نا و هي «ال صلة» مرات‬ ‫متعددة ف اليوم والليلة قائلي‪ :‬اهْدِنَا ال صّ رَاطَ الْمُ سْتَقِيمَ * صِرَاطَ‬ ‫ِمف وَلَا الضّالّي َ‬ ‫ُوبف عَلَيْه ْ‬ ‫ِمف غَيْرِ الْمَغْض ِ‬ ‫ْتف عَلَيْه ْ‬ ‫ِينف أَنْعَم َ‬ ‫الّ ذ َ‬ ‫«والصـراط السـتقيم» هـو الطريـق الواضـح الذي ل اعوجاج فيـه‪.‬‬ ‫والدا ية إل يه هي البيان والدللة‪ ،‬ث التوف يق واللام‪ -‬وبعبارة أب سط‪:‬‬ ‫هي تعريف ما ل نعلمه من الق تفصيلً وإجالً‪ ،‬وإلامنا له‪ ،‬وجعلنا‬ ‫مريد ين لتبا عه ظاهرًا وباطنًا‪ ،‬ث خلق القدرة ل نا على القيام بو جب‬ ‫الدى بالقول والعمـل والعزم‪ ،‬ثـ إدامـة ذلك لنـا وتثبيتنـا عليـه إل‬ ‫الوفاة؛ فإن الجهول لنـا مـن القـ أضعاف العلوم‪ .‬ومـا ل نريـد فعله‬ ‫تاونًا وك سلً م ثل ما نريده أو أك ثر م نه أو دو نه‪ .‬و ما ل نقدر عل يه‬ ‫ماـ نريده كذلك‪ .‬ومـا نعرف جلتـه ول نتدي لتفاصـيله فأمـر يفوت‬ ‫ال صر‪ .‬ون ن متاجون إل الدا ية التا مة‪ .‬ف من كملت له هذه المور‬ ‫كان سؤال الداية له سؤال التثبيت والدوام‪.‬‬ ‫صِرَاطَ الّ ذِي نَ أَنْعَمْ تَ عَلَيْهِ مْ ن به سبحانه على الرف يق ف‬ ‫هذا الطر يق أن م الذ ين أن عم علي هم من ال نبيي وال صديقي والشهداء‬ ‫وال صالي‪ ،‬ليزول عن الطالب للهدا ية و سلوك الطر يق وحشةُ تفرده‬ ‫عن أ هل زمانه وب ن جن سه‪ ،‬فل يكتر ثْ بخال فة النا كبي عنه‪ ،‬فإن م‬ ‫القلون قدرًا‪ ،‬وإن كانوا الكثـر عددًا‪ .‬وتصـيصه لهـل الصـراط‬ ‫الستقيم بالنعمة يدل على أن النعمة التامة الطلقة هي الوجبة للفلح‬ ‫الدائم‪ ،‬وهي نعمة السلم والسنة وهي لهل اليان‪.‬‬ ‫‪178‬‬ ‫‪179‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأما مطلق النعمة فيكون للمؤمن والكافر‪ -‬كنعمة الصحة‪ ،‬والغن‪،‬‬ ‫وبسـط الاه‪ ،‬وكثرة الال والولد‪ ،‬والزوجـة السـنة‪ ،‬وأمثال ذلك‪ ،‬كمـا‬ ‫قال تعال‪َ :‬وإِ ْن َتعُدّوا ِنعْ َمةَ اللّ ِه لَا تُحْ صُوهَا إِنّ اْلإِنْ سَانَ لَظَلُو مٌ َكفّارٌ‬ ‫[إبراه يم‪ ]34 :‬وهذه النع مة ل ا كا نت ا ستدراجًا للكا فر ومآل ا إل‬ ‫العذاب والشقاء فكأنا ل تكن نعمة وإنا كانت بلية‪ ،‬كما ساها ال ف‬ ‫كتا به كذلك فقال جل وعل‪َ :‬فَأمّ ا اْلِإنْ سَانُ ِإذَا مَا ابْتَلَا هُ َربّ هُ َفأَ ْك َرمَ هُ‬ ‫وََنعّ َم ُه فََيقُولُ َربّي أَ ْك َرمَنِ [الفَجر‪.]15 :‬‬ ‫فالنعم عليهم هم من عرف الق واتبعه‪.‬‬ ‫و الْمَغْضُو بِ عَلَيْهِ مْ هم من عر فه وات بع هواه‪ .‬قال ال‬ ‫تعال ف حق اليهود‪ :‬بِئْ سَمَا اشْتَرَوْا بِ هِ أَنْفُ سَهُمْ أَ نْ يَكْفُرُوا بِمَا‬ ‫أَنْزَلَ اللّ هُ بَغْيًا أَ نْ يُنَزّ لَ اللّ هُ مِ نْ فَضْلِ هِ عَلَى مَ نْ يَشَاءُ مِ نْ عِبَادِ هِ‬ ‫فَبَاءُوا بِغَضَ بٍ عَلَى غَضَ بٍ [البَقَرَة‪ ]90 :‬أي بغضب بعد غضب‬ ‫بسـبب تكرر كفرهـم وإفسـادهم وقتلهـم النـبياء وكفرهـم بالسـيح‬ ‫وبح مد ومعادات م لر سل ال إل غ ي ذلك من العمال ال ت كل‬ ‫ع مل من ها يقت ضي غضبًا على حدة‪ -‬فتعطيل هم ما عطلوه من شرائع‬ ‫التوراة وتريفهـم وتبديلهـم يسـتدعي غضبًـا‪ .‬وتكذيبهـم النـبياء‬ ‫ي ستدعي غضبًا آ خر‪ .‬وقتل هم إيا هم ي ستدعي غضبًا آ خر‪ .‬وتكذيب هم‬ ‫السـيح وطلبهـم قتله ورميهـم أمـه بالبهتان العظيـم يسـتدعي غضبًا‪،‬‬ ‫وتكذيب هم ال نب ي ستدعي غضبًا‪ ،‬وماربت هم له ولتبا عه يقت ضي‬ ‫غضبًا‪ .‬و صدهم من أراد الدخول ف دي نه ع نه يقت ضي غضبًا‪ -‬ف هم‬ ‫المة الغضبية‪ -‬أعاذنا ال من غضبه‪ -‬فهي المة الت باءت بالغضب‬ ‫التضاعـف التكرر‪ ،‬وكانوا أحـق بذا الوصـف مـن النصـارى‪ .‬وقال‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫تعال فــــــــــــ شأنمــــــــــــ‪:‬‬ ‫قُلْ هَلْ أُنَبّ ئُكُ مْ بِشَرّ مِ نْ ذَلِ كَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللّ هِ مَ نْ لَعَنَ هُ اللّ هُ وَغَضِ بَ‬ ‫عَلَيْهفِ وَجَعَلَ مِنْهُمفُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتفَ [الَائدة‪:‬‬ ‫‪ .]60‬فهذا غ ضب مشفوع باللع نة وال سخ‪ ،‬و هو أ شد ما يكون من‬ ‫الغضب‪.‬‬ ‫الضّالّيَ هـم النصـارى‪ ،‬وقـد وصـفوا بالضلل التنوع فـ‬ ‫قوله تعال‪ :‬قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُ مْ غَيْرَ الْحَقّ وَلَا‬ ‫ف‬ ‫ف قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيًا وَضَلّوا عَن ْ‬ ‫ف قَدْ ضَلّوا مِن ْ‬ ‫تَتّ بِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم ٍ‬ ‫سَوَاءِ السّ بِيلِ [الَائدة‪ ]77 :‬فوصفهم بثلث صفات‪ .‬أحدها‪ :‬أنم‬ ‫قد ضلوا من قِبَلِهِم‪ .‬والثان‪ :‬أنم أضلوا أتباعهم‪ .‬والثالث‪ :‬أنم ضلوا‬ ‫عن سواء ال سبيل‪ -‬فأ سلف الن صارى الذي ن ي هؤلء عن اتباع هم‬ ‫اجتم عت ل م النواع الثل ثة‪ :‬ضلوا عن مق صودهم ح يث ل ي صيبوه‪،‬‬ ‫وزعموا أن إلهم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع‪.‬‬ ‫فهذا ضلل ف نفس القصود حيث ل يظفروا به‪ ،‬وضلوا عن السبيل‬ ‫الوصـلة إليـه؛ فل اهتدوا إل الطلوب‪ ،‬ول إل الطريـق الوصـلة إليـه‪،‬‬ ‫ودعوا أتباعهـم إل ذلك‪ .‬فضلوا عـن القـ‪ ،‬وعـن طريقـه‪ ،‬وأضلوا‬ ‫كثيًا‪ ،‬فكانوا أدخـل فـ الضلل مـن اليهود فوصـفوا بأخـص‬ ‫الوصفي‪.‬‬ ‫فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الق تارة‪ ،‬ومن عدم إرادته‬ ‫والع مل به أخرى‪ -‬فك فر اليهود ن شأ من عدم إرادة ال ق والع مل به‬ ‫وإيثار غيه بعد معرفته‪ ،‬فلم يكن ضل لً مضًا‪ .‬وكفر النصارى ن شأ‬ ‫مـن جهلهـم بالقـ وضللمـ فيـه‪ ،‬فإذا بيـ لمـ وآثروا الباطـل عليـه‬ ‫‪180‬‬ ‫‪181‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أشبهوا المة الغضبية‪ ،‬وبقوا مغضوبًا عليهم ضالي( ‪.)1‬‬ ‫عباد ال أ ما الذ ين أث ن ال علي هم ف القرآن ف هم الذ ين كانوا‬ ‫متم سكي بالتوراة والن يل ق بل الن سخ والتبد يل‪ ،‬هم العنيون بقوله‬ ‫تعال‪ :‬وَإِنّ مِ نْ أَهْلِ الْكِتَا بِ لَمَ نْ يُؤْمِ نُ بِاللّ هِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُ مْ‬ ‫ّهف ثَمَنًا قَلِيلًا‬ ‫ّهف لَا يَشْتَرُون َف بِآَيَات ِف الل ِ‬ ‫وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم ْف خَاشِعِيَ لِل ِ‬ ‫ّهف سَفرِيعُ الْحِسفَابِ [آل‬ ‫أُولَئِك َف لَهُم ْف أَجْرُهُم ْف عِنْدَ رَبّ هِم ْف إِنّ الل َ‬ ‫عمران‪ .]199 :‬وقوله تعال‪ :‬لَيْ سُوا سَوَاءً مِ نْ أَهْلِ الْكِتَا بِ أُمّ ةٌ‬ ‫قَائِمَةٌ يَتْلُو نَ آَيَا تِ اللّ هِ آَنَاءَ اللّ يْلِ وَهُ مْ يَ سْجُدُونَ [آل عِمرَان‪:‬‬ ‫‪ ]113‬اليات الثلث‪.‬‬ ‫ول يس الراد ب م التم سك باليهود ية والن صرانية ب عد ب عث ال نب‬ ‫؛ فإن هؤلء قد شهد لم بالكفر وأوجب لم النار‪ ،‬قال ال تعال‪:‬‬ ‫قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُ مْ أَلّا نَعْبُدَ‬ ‫إِلّا اللّ هَ وَلَا نُشْرِ كَ بِ هِ شَيْئًا وَلَا يَتّ خِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِ نْ دُو نِ‬ ‫اللّ هِ فَإِ نْ تَوَلّ وْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّ ا مُ سْلِمُونَ [آل عمران‪،]64 :‬‬ ‫يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ لِ مَ تَكْفُرُو نَ بِآَيَا تِ اللّ هِ وَأَنْتُ مْ تَشْهَدُو نَ [آل‬ ‫‪1‬‬ ‫() وكان بعض السلف يقولون‪ :‬من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود‪ ،‬ومن‬ ‫فسككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككد مككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككككن‬ ‫عبادنكا ففيكه شبكه مكن النصكارى‪ .‬وهذا كمكا قالوا؛ مكن فسكد مكن العلماء فاسكتعمل‬ ‫أخلق اليهود مكن تحريكف الكلم عكن مواضعكه وكتمان مكا أنزل ال إذا كان فيكه‬ ‫فوات غرضكه وحسكده مكن آتاه ال مكن فضله وطلب قتله وقتكل الذيكن يأمرون‬ ‫بالقسط‪.‬‬ ‫وأما من فسد من العباد فعبد ال بمقتضى هواه ل بما بعث به رسوله وغل‬ ‫فكي الشيوخ فأنزلهكم منزلة الربوبيكة وجاوز ذلك إلى نوع مكن الحلول والتحاد‬ ‫فشبهه بالنصارى ظاهر (بدائع ج ‪.)2/30‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عِمرَان‪ ]65 :‬فهؤلء من الغضوب عليهم والضالي‪.‬‬ ‫فتفهموا عباد ال معنـ الصـراط السـتقيم‪ -‬أنـه الديـن القويـ‪-‬‬ ‫وا سألوه ف كل و قت الدا ية إل يه؛ فإن الع بد متاج إل معر فة ال ق‬ ‫الذي ير ضي ال ف كل حر كة ظاهرة وباطنة‪ ،‬فإذا عرفها فهو متاج‬ ‫إل من يلهمه قصد الق فيجعل إرادته ف قلبه‪ ،‬ث إل من يقدره على‬ ‫فعله‪ ،‬وأن يصـرف عنـه موانـع الدايـة؛ فيخرج عـن طريـق الغضوب‬ ‫علي هم الذي عدلوا ع نه على ع مد وعلم‪ ،‬والضال ي الذ ين عدلوا ع نه‬ ‫عن جهل وضلل‪.‬‬ ‫ّهف وَالرّسفُولَ‬ ‫ِعف الل َ‬ ‫َنف يُط ِ‬ ‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم‪ :‬وَم ْ‬ ‫َالصفدّيقِيَ‬ ‫ِنف النّ بِيّي َ و ّ‬ ‫ِمف م َ‬ ‫ّهف عَلَيْه ْ‬ ‫َمف الل ُ‬ ‫ِينف أَنْع َ‬ ‫َعف الّ ذ َ‬ ‫ِكف م َ‬ ‫فَأُولَئ َ‬ ‫وَالشّ هَدَاءِ وَالصّالِحِيَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النّساء‪ .]69 :‬بارك‬ ‫ال ل ولكم ف القرآن‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل الذي ب عث ممدًا بالد ين القو ي‪ ،‬وأمر نا أن ن سأله‬ ‫كل يوم ف صلتنا أن يهدينا الصراط الستقيم‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬يهدي مـن يشاء‬ ‫بفضله ورحتـه‪ ،‬وال ذو الفضـل العظيـم‪ .‬ويضـل مـن يشاء بعـد أن‬ ‫هداهم هداية البيان فلم يهتدوا وَمَا كَا نَ اللّ هُ لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ‬ ‫ِيمف‬ ‫ّهف بِكُلّ شَيْءٍ عَل ٌ‬ ‫ُونف إِنّ الل َ‬ ‫ُمف مَا يَتّ ق َ‬ ‫ّنف لَه ْ‬ ‫ُمف حَتّىف يُبَي َ‬ ‫هَدَاه ْ‬ ‫[التّوبَة‪.]115 :‬‬ ‫‪182‬‬ ‫‪183‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأِشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله إمام النعـم عليهـم والقائل‪:‬‬ ‫« اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»‪ .‬اللهم صل وسلم على‬ ‫عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه السـابقي الوليـ مـن‬ ‫الهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬عباد ال‪ :‬اشتملت فاتةـ الكتاب التـ فرض علينـا أن‬ ‫نقرأ ها ف صلتنا‪ :‬على ح د ال وتجيده‪ ،‬والثناء عل يه بذ كر أ سائه‬ ‫السـن السـتلزمة ل صفاته العل يا‪ ،‬وعلى ذ كر العاد و هو يوم الد ين‪،‬‬ ‫وعلى إرشاد العباد إل سؤال رب م والتضرع إل يه وال تبي من حول م‬ ‫وقوتمـ‪ ،‬وإل إخلص العبادة له وحده‪ ،‬وتنيهـه عـن أن يكون له‬ ‫شريـك أو نظيـ أو ماثـل‪ ،‬وإل سـؤالم إياه الدايـة إل الصـراط‬ ‫ال ستقيم‪ ،‬و هو الد ين القو ي‪ ،‬وت ثبيتهم عل يه ح ت يف ضي ب م ذلك إل‬ ‫جواز ال صراط ال سي يوم القيا مة الف ضي ب م إل جنات النع يم‪ ،‬ف‬ ‫جوار النــبيي والصــديقي والشهداء والصــالي‪ .‬واشتملت على‬ ‫الترغيب ف العمال الصالة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة‪ ،‬والتحذير‬ ‫مـن مسـالك الباطـل لئل يشروا مـع سـالكيها يوم القيامـة وهـم‬ ‫الغضوب عليهم والضالون‪.‬‬ ‫روى البخاري وم سلم والن سائي عن أ ب سعيد الدري ر ضي‬ ‫ال عنه قال‪ :‬قلنا يا رسول ال! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول‬ ‫ال ‪ « :‬نعم‪ ،‬فهل تضارّون ف رؤية الشمس بالظهية صحوًا ليس‬ ‫معها سحاب؟ وهل تضارون ف رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس‬ ‫فيها سحاب؟» قالوا‪ :‬ل يا رسول ال‪ .‬قال‪« :‬فما تضارون ف رؤية‬ ‫ال تعال يوم القيامفة إل كمفا تضارّون فف رؤيفة أحدهاف»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتَتّبع كل أمة ما كانت تعبد‪ ،‬فل يبقى‬ ‫أحـد كان يعبـد غيـ ال مـن الصـنام والنصـاب إل يتسـاقطون فـ‬ ‫النار‪ ،‬ح ت إذا ل ي بق إل من كان يع بد ال من بر وفا جر وغُبّ رِ أ هل‬ ‫الكتاب( ‪ )1‬فيدعى اليهود فيقال لم‪ :‬ما كنتم تعبدون؟ قالوا‪ :‬كنا نعبد‬ ‫عزيرًا ا بن ال‪ .‬فيقال‪ :‬كذب تم ما ات ذ ال من صاحبة ول ولد‪ ،‬فماذا‬ ‫تبغون؟ قالوا‪ :‬عطشنـا يـا ربنـا فأسـقنا‪ ،‬فيشار إليهـم أل تردون‬ ‫فيحشرون إل جه نم كأن ا سراب ي طم بعض ها بعضًا فيت ساقطون ف‬ ‫النار‪ .‬ث يدعى النصارى فيقال لم‪ :‬ما كنتم تعبدون؟ قالوا‪ :‬كنا نعبد‬ ‫ال سيح ابن ال‪ .‬فيقال ل م‪ :‬كذبتم‪ ،‬ما ات ذ ال من صاحبة ول ولد‪،‬‬ ‫فماذا تبغون؟ فيقولون‪ :‬عطشنا يا ربنا فأسقنا‪ ،‬فيشار إليهم أل تردون‬ ‫فيحشرون إل جه نم كأن ا سراب ي طم بعض ها بعضًا فيت ساقطون ف‬ ‫النار( ‪.)2‬‬ ‫إِنّ كُ مْ وَمَا تَعْبُدُو نَ مِ نْ دُو نِ اللّ هِ حَ صَبُ جَهَنّ مَ أَنْتُ مْ لَهَا‬ ‫وَارِدُو نَ * لَوْ كَا نَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُو نَ *‬ ‫لَهُ مْ فِيهَا زَفِيٌ وَهُ مْ فِيهَا لَا يَ سْمَعُونَ * إِنّ الّ ذِي نَ سَبَقَتْ لَهُ مْ مِنّ ا‬ ‫الْحُ سْنَى أُولَئِ كَ عَنْهَا مُبْعَدُو نَ * لَا يَ سْمَعُونَ حَ سِيسَهَا وَهُ مْ فِي مَا‬ ‫ُمف‬ ‫َعف الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاه ُ‬ ‫ُمف الْفَز ُ‬ ‫ُونف * لَا يَحْزُنُه ُ‬ ‫ُسفهُمْ خَالِد َ‬ ‫َتف أَنْف ُ‬ ‫اشْتَه ْ‬ ‫ف [النـبياء‪-98 :‬‬ ‫ف تُوعَدُون َ‬ ‫ف الّ ذِي كُنْتُم ْ‬ ‫الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُم ُ‬ ‫‪ ]103‬إن أحسن ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() أي بقايا أهل الكتاب‪.‬‬ ‫() مفتاح دار السككككككعادة ج(‪ ،)2/21‬البدائع ج( ‪ )34 ،32 ،30 ،2/29‬اجتماع‬ ‫الجيوش ص (‪ ،)77‬وتفسير الفاتحة لبن كثير‪.‬‬ ‫‪184‬‬ ‫‪185‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الدعاء وأسباب إجابته‪ ،‬أو رده‬ ‫ال مد ل الذي شرع الدعاء وو عد بالجا بة‪ ،‬العال ب كل ش يء‪،‬‬ ‫الرحيـم بذاتـه‪ -‬فل يتاج إل وسـائط يعرفونـه بأحوال خلقـه‪ ،‬أو‬ ‫ي ستعطفونه بالشفا عة‪ ،‬القادر على كل ش يء‪ ،‬الغ ن عن كل ش يء؛‬ ‫فالضوع لغيه من أقبح الهل وأسفه السفاهة‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له من د عا غيه ف قد‬ ‫ظن بربه ظن السوء ف ربوبيته وأسائه وصفاته‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله كان إذا حـز بـه أمـر فزع إل‬ ‫ال صلة وأك ثر من دعائه وتضرعا ته‪ ،‬فح ضى بالن صر هو وأ صحابه‪،‬‬ ‫وهكذا كا نت طري قة عباد ال وأ نبيائه‪ .‬الل هم صلّ و سلم على عبدك‬ ‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان‪.‬‬ ‫ُمف ادْعُونِي‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد قال ال تبارك وتعال‪ :‬وَقَالَ رَبّ ك ُ‬ ‫أَ سْتَجِبْ لَكُ مْ إِنّ الّ ذِي نَ يَ سْتَكْبِرُونَ عَ نْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّ مَ‬ ‫دَاخِرِينَ [غَافر‪.]60 :‬‬ ‫عباد ال! مـن فضـل ال وكرمـه أنـه ندب عباده إل دعائه‪،‬‬ ‫وتك فل لمـ بالجا بة؛ روى أ بو يعلى عن أ نس بن مالك ر ضي ال‬ ‫عنه‪ ،‬عن النب صلى ال عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال‪:‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫« أربع خصال‪ :‬واحدة منهن ل‪ ،‬وواحدة لك‪ ،‬وواحدة بين وبينك‪،‬‬ ‫وواحدة فيمفا بينفك وبيف عبادي‪ .‬فأمفا التف ل ل تشرك بف شيئًا‪.‬‬ ‫وأ ما ال ت لك علي ف ما عملت من خ ي جزي تك به‪ .‬وأ ما ال ت بي ن‬ ‫وبي نك فم نك الدعاء وعلي الجا بة‪ .‬وأ ما ال ت بي نك وب ي عبادي‬ ‫فارض ل م ما تر ضى لنف سك »‪ .‬وعلوة على ذلك أ نه يغ ضب إذا ل‬ ‫يُ سأل‪ -‬أخرج المام أح د ب سنده عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه قال‪:‬‬ ‫قال رسول ال ‪ « :‬من ل يسأل ال يغضب عليه»‪.‬‬ ‫ولهيـة الدعاء حصـر النـب العبادة فـ الدعاء‪ -‬روى المام‬ ‫أح د ب سنده‪ ،‬عن النعمان بن بش ي ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول‬ ‫ف‬ ‫ال ‪ « :‬إن الدعاء هفو العبادة‪ ،‬وقرأ هذه اليفة وَقَالَ رَبّ كُم ُ‬ ‫ُمف [غَافـر‪ »]60 :‬وفـ الديـث الخـر‪:‬‬ ‫َسفتَجِبْ لَك ْ‬ ‫ادْعُون ِي أ ْ‬ ‫« الدعاء مخ العبادة» يعن خالص العبادة ولبها‪.‬‬ ‫وكـل مـا فيـه ثناء على الرب وتنيـه له‪ ،‬أو طلب حوائج الدنيـا‬ ‫والخرة منه تعال فهو دعاء( ‪.)1‬‬ ‫واللاح ف الدعاء م ا ي به ال‪ -‬ذ كر الوزا عي‪ ،‬عن الزهري‪،‬‬ ‫عن عروة‪ ،‬عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال رسول ال ‪ « :‬إن‬ ‫ال يب اللحي ف الدعاء»‪.‬‬ ‫وإذا دعـا العبـد فل يسـتعجل ول يسـتبطئ الجابـة‪ -‬ل يتعـب‬ ‫وي سأم ويدع الدعاء فيكون بنلة من بذر بذرًا أو غرس غر سًا فج عل‬ ‫يتعاهده ويسـقيه‪ ،‬فلمـا اسـتبطأ كماله وإدراكـه تركـه وأهله‪ .‬وفـ‬ ‫صحيح مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه‪« :‬ل يزال يستجاب للعبد‬ ‫‪1‬‬ ‫() الول يسكككمى دعاء عبادة‪ .‬والثانكككي يسكككمى دعاء مسكككألة والول أفضكككل‬ ‫النوعين‪.‬‬ ‫‪186‬‬ ‫‪187‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ما ل يدع بإث‪ ،‬أو قطيعة رحم‪ ،‬ما ل يستعجل‪ .‬قيل يا رسول ال‪ :‬ما‬ ‫الستعجال؟ قال‪ :‬يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب ل‬ ‫فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء»‪.‬‬ ‫ـر هه ـ على‬ ‫ـع الدعاء حضور القلب‪ ،‬وحصـ‬ ‫ـع مـ‬ ‫وإذا اجتمـ‬ ‫الطلوب‪ ،‬وصـادف وقت ًا مـن أوقات الجابـة السـتة‪ -‬وهـي‪ :‬الثلث‬ ‫الخيـ مـن الليـل‪ ،‬أو عنـد الذان‪ ،‬أو بيـ الذان والقامـة‪ ،‬أو أدبار‬ ‫الصلوات الكتوبات‪ ،‬أو عند صعود المام يوم المعة على النب حت‬ ‫تق ضى ال صلة‪ ،‬أو آ خر ساعة ب عد الع صر من ذلك اليوم‪ -‬و صادف‬ ‫خشوعًا فـ القلب‪ ،‬وانكسـارًا بيـ يدي الرب وذلً وتضرعًا ورقـة‪،‬‬ ‫وا ستقبل الدا عي القبلة‪ ،‬وكان على طهارة‪ ،‬ور فع يد يه إل ال‪ ،‬وبدأ‬ ‫بمـد ال والثناء عل يه‪ ،‬ث ث ن بال صلة على ال نب‪ ،‬ث قدم ب ي يدي‬ ‫حاجتـه التوبـة والسـتغفار‪ ،‬ثـ دخـل على ال وأل عليـه فـ الدعاء‪،‬‬ ‫وتو سل إل يه بأ سائه و صفاته وتوحيده‪ ،‬وقدم ب ي يدي دعائه صدقة؛‬ ‫فإن هذا الدعاء ل يكاد يرد أبدًا‪ ،‬ل سـيما إذا صـادف الدعيـة التـ‬ ‫أخب النب أنا مظنة الجابة أو أنا متضمنة للسم العظم‪.‬‬ ‫ومنها ما ف السنن وصحيح أب حات عن أنس رضي ال عنه ‪،‬‬ ‫أنه كان مع رسول ال جال سًا ورجل يصلي‪ ،‬ث دعا فقال‪ :‬اللهم‬ ‫أن أسألك بأن لك المد ل إله إل أنت‪ ،‬أنت النان‪ ،‬بديع السموات‬ ‫والرض‪ ،‬يا ذا اللل والكرام‪ ،‬يا حي يا قيوم‪.‬‬ ‫فقال ال نب ‪« :‬ل قد د عا ال با سه العظ يم الذي إذا د عي به‬ ‫أجاب وإذا سئل به أعطى»‪ .‬وف الصحيحي من حديث ابن عباس أن‬ ‫رسول ال كان يقول عند الكرب‪« :‬ل إله إل ال العظيم الليم‪،‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ل إله إل ال رب العرش العظيففم‪ ،‬ل إله إل ال رب السففموات‬ ‫ورب الرض رب العرش الكري»‪.‬‬ ‫وذكر ابن أب الدنيا ف كتاب «الجابي ف الدعاء» عن السن‬ ‫البصري‪ ،‬قال‪ :‬كان رجل من أصحاب النب من النصار يدعى أبا‬ ‫معقـل‪ ،‬وكان تاجرًا يتجـر بال له ولغيه يضرب بـه فـ الفاق‪ ،‬وكان‬ ‫نا سكًا ورعًا‪ ،‬فخرج مرة فلق يه لص مق نع ف ال سلح‪ ،‬فقال له‪ :‬ضع ما‬ ‫معك فإن قاتلك‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فما تريد إل دمي؟ فشأنك والال‪ .‬قال‪ :‬أما الال فلي‪ ،‬ولست‬ ‫أريد إل دمك‪ .‬قال أما إذا أبيت فذرن أصلي أربع ركعات‪ .‬قال‪ :‬صل ما‬ ‫بدا لك‪ ،‬فتوضأ ث صلى أربع ركعات‪ ،‬فكان من دعائه ف آخر سجدة أن‬ ‫قال‪ :‬يا ودود‪ ،‬يا ذا العرش الجيد‪ ،‬يا فعا ًل لا تريد‪ ،‬أسألك بعزك الذي ل‬ ‫يرام‪ ،‬وبلكــك الذي ل يضام‪ ،‬وبنورك الذي مل أركان عرشــك أن‬ ‫تكفي ن شر هذا اللص‪ ،‬يا مغيث أغث ن! يا مغيث أغثن! فإذا هو بفارس‬ ‫أقبل بيده حربة قد وضعها بي أذن فرسه‪ ،‬فلما بصر به اللص أقبل نوه‬ ‫فطعنه فقتله‪ .‬ث أقبل إليه فقال‪ :‬قم‪ .‬فقال‪ :‬من أنت بأب أنت وأمي فقد‬ ‫أغاثنـ ال بـك اليوم‪ .‬فقال‪ :‬أنـا ملك مـن أهـل السـماء الرابعـة دعوت‬ ‫بدعائك فسـمعتُ لبواب السـماء قعقعـة‪ ،‬ثـ دعوت بدعائك الثانـ‬ ‫ف سمعت ل هل ال سماء ض جة‪ ،‬ث دعوت بدعائك الثالث فق يل ل‪ :‬دعوة‬ ‫مكروب‪ ،‬فسألت ال أن يولين قتله‪ .‬قال السن‪ :‬فمن توضأ وصلى أربع‬ ‫ركعات‪ ،‬ودعا بذا الدعاء استجيب له مكروبًا كان او غي مكروب‪.‬‬ ‫وروى م مد بن إ سحاق عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫قال رسـول ال ‪ « :‬لاف أراد ال حبفس يونفس فف بطفن الوت‬ ‫‪188‬‬ ‫‪189‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أوحفى ال إل الوت أن خذه‪ ،‬ول تدش له لم ًا‪ ،‬ول تكسفر له‬ ‫عظمًا‪ ،‬فل ما انت هى به إل أ سفل الب حر سع يو نس ح سًا‪ ،‬فقال ف‬ ‫نفسه‪ :‬ما هذا؟ فأوحى ال إليه وهو ف بطن الوت‪ :‬إن هذا تسبيح‬ ‫دواب البحر‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وسبح وهو ف ب طن الوت‪ ،‬فسمعت اللئكة تسبيحه‪،‬‬ ‫فقالوا‪ :‬يفا ربنفا إنفا نسفمع صفوتًا ضعيفًا بأرض غريبفة‪ .‬قال‪ :‬ذلك‬ ‫عبدي يونس عصان فحبسته ف بطن الوت ف البحر‪ .‬قالوا‪ :‬العبد‬ ‫ال صال‪ ،‬الذي كان يصعد إل يك منه ف كل يوم وليلة عمل صال‪.‬‬ ‫قال‪ :‬نعفم‪ .‬قال‪ :‬فشفعوا له عنفد ذلك‪ ،‬فأمفر الوت فقذففه فف‬ ‫الساحل وهو سقيم»‪.‬‬ ‫وروى البيهقي ف الشعب أن دانيال ألقي ف جب( ‪ )1‬وألقيت‬ ‫عليه السباع‪ ،‬فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه‪ ،‬فأتاه ملك فقال‪:‬‬ ‫يا دانيال‪ .‬فقال‪ :‬من أنت؟ قال‪ :‬أنا رسول ربك أرسلن إليك بطعام‪.‬‬ ‫فقال دانيال‪ :‬المد ل الذي ل ينسى من ذكره‪.‬‬ ‫وقصة ح ر الو حش الشهورة ال ت ذكرها غي واحد أن ا انتهت‬ ‫إل الاء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه‪ ،‬فلما جهدها العطش‬ ‫رفعـت رأسـها إل السـماء وجأرت إل ال سـبحانه بصـوت واحـد‪،‬‬ ‫فأرسل ال سبحانه عليها السماء بالطر حت شربت وانصرفت‪.‬‬ ‫والدعاء عدو البلء يدافعه ويعاله وينع نزوله‪ ،‬ويرفعه أو يففه‬ ‫إذا نزل‪ ،‬وهـو سـلح الؤمـن‪ .‬روى الاكـم فـ مسـتدركه مـن‬ ‫‪1‬‬ ‫() ألقاه بختنصر على أسدين ضراهما فيما رواه ابن أبي الدنيا‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حد يث علي بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬قال ر سول ال ‪:‬‬ ‫« الدعاء سلح الؤ من‪ ،‬وعماد الد ين‪ ،‬ونور ال سموات والرض»‪،‬‬ ‫وروى من حد يث عائ شة قالت‪ :‬قال ر سول ال ‪ « :‬ل يغ ن حذر‬ ‫من قدر‪ ،‬والدعاء ينفع ما نزل وما ل ينل‪ ،‬وإن البلء لينل فيلقاه‬ ‫الدعاء فيعتلجان إل يوم القيامفة» وعـن ثوبان رضـي ال عنـه ‪ ،‬عـن‬ ‫النب قال‪« :‬ل يرد القدر إل الدعاء‪ ،‬ول يزيد ف العمر إل الب‪،‬‬ ‫وإن الرجفل ليحرم الرزق بالذنفب يصفيبه»‪ .‬ومـن ألمـ الدعاء فقـد‬ ‫أريد به ال ستجابة‪ -‬كان عمر ر ضي ال عنه يقول‪ :‬إ ن ل أح ل هم‬ ‫الجابـة ولكـن أحلـ هـم الدعاء‪ ،‬فإذا ألمـت الدعاء فإن الجابـة‬ ‫معـه( ‪ . )1‬فالدعاء مـن أقوى السـباب فـ دفـع الكروه وحصـول‬ ‫الحبوب‪.‬‬ ‫ولكن قد يتخلف عنه أثره‪ :‬إما لضعفه ف نفسه بأن يكون دعاءً‬ ‫ل ي به ال ل ا ف يه من العدوان‪ ،‬وإ ما لض عف القلب وعدم إقباله على‬ ‫ال وقت الدعاء‪ ،‬وإما لصول الانع من الجابة من أكل الرام ورين‬ ‫الذنوب على القلوب‪ ،‬واستيلء الغفلة واللهو وغلبتها عليها‪ ،‬كما ف‬ ‫مستدرك الاكم من حديث أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب‬ ‫قال‪« :‬ادعوا ال وأنتفم موقنون بالجابفة‪ ،‬واعلموا أن ال ل يقبفل‬ ‫الدعاء مفن قلب غاففل له» وفـ الديـث الخـر‪ « :‬يدف يديفه إل‬ ‫السفماء يفا رب يفا رب ومطعمفه حرام‪ ،‬وملبسفه حرام‪ ،‬وغذي‬ ‫بالرام‪ ،‬فأن يستجاب لذلك»‪.‬‬ ‫أمــا الذيــن يدعون ال ويدعون معــه غيه‪ ،‬أو يذبون ل‬ ‫‪1‬‬ ‫() وانظر كتاب العظمة لبي الشيخ‪.‬‬ ‫‪190‬‬ ‫‪191‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ولغيه‪ ،‬أو ينذرون ل ولغيه‪ ،‬أو يرجون أو يافون معـه غيه‪ :‬فقـد‬ ‫جاءوا بأع ظم أ سباب م نع إجا بة الدعاء و هو الشرك ال كب‪ ،‬والذ نب‬ ‫الذي ل يغفر‪.‬‬ ‫وأمـا الذيـن منعهـم السـتكبار عـن عبادة ال ودعائه وطاعتـه‬ ‫فيسـجازون بالزاء الفظيـع‪ ،‬وهـو دخول جهنـم صـاغرين‪ ،‬ذليليـ؛‬ ‫حقييـن‪ .‬روى المام أحدـ بسـنده عـن النـب قال‪« :‬يشفر‬ ‫الت كبون يوم القيا مة أمثال الذر ف صور الناس يعلو هم كل ش يء‬ ‫من الصغار حت يدخلوا سجنًا ف جهنم يقال له بولس‪ ،‬تعلوهم نار‬ ‫النيار‪ ،‬يسفقون مفن طينفة البال عصفارة أهفل النار » أعاذنـا ال‬ ‫وإياكم منها بنه وكرمه‪.‬‬ ‫ـم بالتقرب إل رب العالي ـ وطلب‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وعليهـ‬ ‫مرضاته بعبادته ودعائه والبعد عن الشراك به‪ .‬أعوذ بال من الشطيان‬ ‫الرجيم‪ :‬وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِي بٌ أُجِي بُ دَعْوَةَ الدّا عِ‬ ‫إِذَا دَعَا نِ فَلْيَ سْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلّ هُ مْ يَرْشُدُو نَ [البَقَرَة‪:‬‬ ‫‪ ]186‬بارك ال ‪...‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل ميـب دعوة الضطـر إذا دعاه‪ ،‬جابر النكسـر إذا لذ‬ ‫بماه‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له أعبده‪ ،‬ول أعبـد‬ ‫معـه سـواه‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله بصـر اللق بأسـباب‬ ‫ال سعادة والنجاة‪ ،‬وحذر هم من كل ما ي سخط الرب ويأباه‪ .‬الل هم‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد‪ ،‬وعلى آله وأصـحابه الذيـن‬ ‫صدقوا ال ف القول والعمل‪ -‬فكم منهم من دعا فاستجاب ال دعاه‪،‬‬ ‫وما ادخر لم ف الخرة من النعيم ل يعلم عدده وقدره إل ال‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال أوصـيكم وإياي بتقوى ال‪ ،‬والخـذ‬ ‫بأ سباب إجابة الدعاء‪ ،‬والذر من موجبات رده‪ -‬قرأ ب عض الصحابة‬ ‫سورة الفاتة على لديغ فشفي ف الال‪ ،‬وما ذاك إل لكتمال أسباب‬ ‫إجابة الدعاء‪.‬‬ ‫مر إبراهيم بن أدهم الزاهد العروف بسوق البصرة فاجتمع عليه‬ ‫الناس‪ ،‬فقالوا له‪ :‬يا أبا إسحاق‪ :‬ما لنا ندعو فل ي ستجاب لنا؟ قال‪:‬‬ ‫لن قلوب كم ما تت بعشرة أشياء‪ :‬عرف تم ال فلم تؤدوا ح قه‪ ،‬وادعي تم‬ ‫أن كم تبون ر سول ال وترك تم سنته‪ ،‬وقرأ ت القرآن فلم تعملوا به‪،‬‬ ‫وأكلتـم نعمـة ال ول تؤدوا شكرهـا‪ ،‬وقلتـم‪ :‬إن الشيطان عدوكـم‬ ‫ووافقتموه‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن النار حق ول تربوا منها‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن النة حق‬ ‫ول تعملوا لا‪ ،‬وقلتم‪ :‬إن الوت حق ول تستعدوا له‪ ،‬وإذا انتبهتم من‬ ‫النوم اشتغلتـم بعيوب الناس ونسـيتم عيوبكـم‪ ،‬ودفنتـم موتاكـم ول‬ ‫تعتبوا بم( ‪ . )1‬اهـ‪.‬‬ ‫الل هم اجعل نا م ن ي ستمعون القول فيتبعون أح سنه أولئك الذ ين‬ ‫هداهم ال وأولئك هم أولو اللباب‪ .‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() من الجواب الكافي‪.‬‬ ‫‪192‬‬ ‫‪193‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫التفكر ف القرآن‪ ،‬وثاره‬ ‫المــد ل الذي أنزل الكتاب البــي‪ -‬لنقرأه تدبرًا‪ ،‬ونتأمله‬ ‫تبصـرًا‪ ،‬ونسـعد بـه تذكرا‪ ،‬ونمله على أحسـن وجوهـه ومعانيـه‪،‬‬ ‫ونصدق به ونتهد على إقامة أوامره ونواهيه‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له إله الر سلي‪ ،‬وقيوم‬ ‫السموات والرضي‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله البعوث رحةـ للعاليـ‪ ،‬اللهـم‬ ‫صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال‪ :‬التفكـر والتدبر هـو البدأ والفتاح‬ ‫للخيات كلها‪ ،‬وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له‪ ،‬وهو يدعو‬ ‫إل العمل‪ ،‬حت قيل‪« :‬تفكر ساعة خي من عبادة سنة»‪ ،‬وقال عمر‬ ‫بن ع بد العز يز ‪-‬رح ه ال‪ :-‬التف كر ف ن عم ال من أف ضل العبادة‪.‬‬ ‫وقال عبدال بن البارك لب عض أ صحابه و قد رآه متفكرًا‪ :‬أ ين بل غت؟‬ ‫قال‪ :‬الصـراط‪ .‬وقال بشـر‪ :‬لو فكـر الناس فـ عظمـة ال مـا عصـوه‪.‬‬ ‫وقال ابن عباس رضي ال عنهما‪ :‬التفكر ف الي يدعو إل العمل به‪.‬‬ ‫فالف كر هو الذي ين قل من موت الفط نة إل حياة اليق ظة‪ ،‬و من‬ ‫الكاره إل الحاب‪ ،‬ومـن الرغبـة والرص إل الزهـد والقناعـة‪ ،‬ومـن‬ ‫سـجن الدنيـا إل فضاء الخرة‪ ،‬ومـن ضيـق الهـل إل سـعة العلم‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ورحبـه‪ ،‬ومـن مرض الشهوة والخلد إل هذه الدار إل شفاء النابـة‬ ‫إل ال والتجاف عن دار الغرور‪ ،‬ومن مصيبة الع مى والصمم والبكم‬ ‫إل نع مة الب صر وال سمع والف هم عن ال والع قل ع نه‪ ،‬و من أمراض‬ ‫الشبهات إل برد اليقي وثلج الصدور‪ .‬فأصل كل طاعة إنا هو الفكر‬ ‫والتدبر‪.‬‬ ‫و«التدبر» هو الن ظر ف أدبار المور وعواقب ها‪ .‬و«الف كر» هو‬ ‫إحضار معرفت ي ف القلب لي ستثمر منهما معر فة ثالثة‪ -‬مثال ذلك إذا‬ ‫أحضـر قلبـه العاجلة وعيشهـا ونعيمهـا ومـا يقترون بـه مـن الفات‬ ‫وانقطا عه وزواله‪ ،‬ث أح ضر ف قل به الخرة ونعيم ها ولذ ته ودوا مه‬ ‫وَفضْلَ ُه على نعيم الدنيا‪ ،‬وجزم بذين العلمي أثر له ذلك علمًا ثالثًا‪ ،‬وهو‬ ‫أن الخرة ونعيمها الفاضل الدائم أول عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة‬ ‫النقطعة النغصة‪ .‬وكذلك إذا فكر ف عواقب المور وتاوز فكره مبادءها‬ ‫وضعهـا مواضعهـا وعلم مراتبهـا‪ -‬فإذا ورد عليـه وارد الذنـب والشهوة‬ ‫فتجاوز فكره لذّته وفرح النفس به إل سوء عاقبته وما يترتب عليه من‬ ‫الل والزن الذي ل يقاوم تلك اللذة والفر حة‪ -‬من ف كر ف ذلك فل‬ ‫يكاد يقدم عليه‪ .‬وكذلك إذا ورد على قلبه واد الراحة والدعة والكسل‬ ‫والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حت عب بفكره إل ما يترتب عليها‬ ‫مـن اللذات واليات والفراح التـ تغمـر تلك اللم اسـتقبلها بنشاط‬ ‫وقوة وعزي ة‪ .‬وكذلك فإذا ف كر ف منت هى ما ي ستعبده من الاه والال‬ ‫والصـور ونظـر إل غايـة ذلك بعيـ فكره اسـتحيا مـن عقله ونفسـه أن‬ ‫يكون عبدًا لذلك‪ .‬وكذلك إذا فكـر فـ آخـر الطعمـة الفتخرة التـ‬ ‫ـ عنـد خروجهـا‬ ‫تفانـت علهيـا نفوس أشباه النعام ومـا يصـي إليـه أمره ا‬ ‫‪194‬‬ ‫‪195‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ارتفعت هته عن العتناء با وجعلها معبود قلبه الذي إليه يتوجه وله يرضى‪،‬‬ ‫ويغضب ويسعى‪ ،‬ويكدح ويوال ويعادي‪ ،‬كما جاء ف السند عن الضحاك‬ ‫ر ضي ال ع نه أن ر سول ال قال له‪ « :‬يا ضحاك ما طعا مك؟» قال يا‬ ‫رسول ال‪ :‬اللحم واللب‪ .‬قال‪« :‬ث يصي إل ماذا؟» قال‪ :‬إل ما قد علمت‪.‬‬ ‫ل للدنيا»‪ ،‬وف‬ ‫قال‪« :‬فإن ال تبارك وتعال ضرب ما يرج من ابن آدم مث ً‬ ‫السند أيضًا عن أب بن كعب قال‪ :‬قال رسول ال ‪« :‬إن مطعم ابن آدم‬ ‫ح ُه فانظروا إل ما يصي» «وإن قزحه» أي‬ ‫جعل مثل للدنيا وإن َق ّزحَه َو َمّل َ‬ ‫وضع فيه البازير‪.‬‬ ‫وأن فع التف كر يا عباد ال التف كر ف القرآن فل ش يء أن فع للقلب من‬ ‫قراءة القرآن بالتفكـر والتدبر؛ فإنـه جامـع لميـع منازل السـائرين‪ ،‬وأحوال‬ ‫العامليـ‪ ،‬ومقامات العارفيـ‪ ،‬وهـو الذي يورث الحبـة والشوق‪ ،‬والوف‬ ‫والرجاء‪ ،‬والنابة‪ ،‬والتوكل‪ ،‬والرضا‪ ،‬والتفويض‪ ،‬والشكر‪ ،‬والصب‪ ،‬وسائر‬ ‫الحوال التـباـحياة القلب وكماله‪ .‬وكذلك يزجـر عـن جيـع الصـفات‬ ‫والفعال الذمو مة ال ت با ف ساد القلب وهلكه‪ .‬فلو علم الناس ما ف قراءة‬ ‫القرآن بالتدبر لشتغلوا با عن كل ما سواها‪ -‬فإذا قرأه بتفكر حت مر بآية‬ ‫وهـو متاج إليهـا فـشفاء قلبـه كررهـا ولو مائة مرة‪ ،‬ولو ليلة؛ فقراءة آيـة‬ ‫بتفكر وتفهم خي من قراءة ختمة بغي تدبر وتفهم‪ ،‬وأنفع للقلب‪ ،‬وأدعى‬ ‫إل ح صول اليان‪ ،‬وذوق حلوة القرآن‪ .‬وهذه كانـت عادة ال سلف وقـد‬ ‫ث بت عن ال نب «أ نه قام بآ ية يردد ها ح ت ال صباح و هي قوله‪ِ :‬إ ْن‬ ‫حكِي ُم [الَائدة‪:‬‬ ‫ت اْل َعزِي ُز اْل َ‬ ‫ك َأْن َ‬ ‫ُت َع ّذْب ُه ْم َفِإّن ُه ْم ِعبَا ُد َك َوِإ ْن َت ْغ ِف ْر َل ُه ْم َفِإّن َ‬ ‫‪.»]118‬‬ ‫وقال ابـن مسـعود رضـي ال عنـه‪« :‬ل تذوا القرآن هذا الشعـر‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ول تنثروه نثـر الدقـل‪ ،‬وقفوا عنـد عجائبـه‪ ،‬وحركوا بـه القلوب‪ ،‬ل‬ ‫يكن هم أحدكم آخر السورة»‪ .‬وقال ال سن رح ه ال‪ :‬أنزل القرآن‬ ‫ليع مل به فاتذوا تلو ته عملً‪ .‬فالقرآن يد عو إل أن يتف كر الن سان‬ ‫ف صفات نف سه ليتم يز له الحبوب لر به من ها من الكروه له‪ ،‬ويد عو‬ ‫إل التفكر ف صفات معبوده وأفعاله وأحكامه‪.‬‬ ‫عباد ال ك ما أن الف كر هو أ صل كل طا عة فكذلك هو أ صل‬ ‫كل مع صية‪ -‬فالع صية إناـ تدث من جا نب الفكرة‪ -‬فإن الشيطان‬ ‫يصـادف أرض القلب خاليـة فار غة فيبذر في ها حـب الفكار الرد ية‪،‬‬ ‫فيتولد م نه الرادات والعزوم‪ ،‬فيتولد من ها الع مل‪ .‬فإذا صادف أرض‬ ‫القلب مشغولة ببذر الفكار الناف عة في ما خلق له وفي ما أ مر به وفي ما‬ ‫هييـء له وأعدّ له مـن النعيـم القيـم أو العذاب الليـم ل يدـ لبذره‬ ‫موضعًا‪ .‬والكب يا عباد ال من أسباب منع التفكر‪ ،‬قال السن رحه‬ ‫ُونف فِي‬ ‫ِينف يَتَكَبّ ر َ‬ ‫ِيف الّ ذ َ‬ ‫َنف آَيَات َ‬ ‫سفأَصْرِفُ ع ْ‬ ‫ال فـ قول ال ‪َ :‬‬ ‫الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ [العرَاف‪ ]146 :‬قال أمنعهم التفكر فيها‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وعلي كم بالتدبر لكتاب ال والع مل به لتنالوا‬ ‫مبـة ال والقرب منـه والفوز برضاه يوم لقاه‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان‬ ‫الرج يم كِتَا بٌ أَنْزَلْنَا هُ إِلَيْ كَ مُبَارَ كٌ لِيَدّ بّ رُوا آَيَاتِ هِ وَلِيَتَذَكّ رَ أُولُو‬ ‫الْأَلْبَابِ [ص‪ ]29 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي أنزل على عبده الكتاب ول يعل له عوجا‪ ،‬قيمًا‬ ‫لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر الؤمني الذي يعملون الصالات أن‬ ‫لم أجرًا حسنًا‪ ،‬ماكثي فيه أبدًا‪.‬‬ ‫‪196‬‬ ‫‪197‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له كلمـة قامـت باـ‬ ‫السـموات وفطـر ال عليهـا جيـع الخلوقات‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ور سوله وخي ته من خل قه أنزل عل يه كتا به ال بي‪ ،‬الفارق ب ي الدى‬ ‫والضلل والشـك واليقيـ‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك‬ ‫ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬ليس شيء أنفع للقلب ف معاشه ومعاده‬ ‫وأقرب إل نا ته من تدبر القرآن وإطالة التأ مل وج ع الف كر ف يه على‬ ‫معان آياته‪ -‬فإنا تطلع العبد على معال الي والشر بذافيها‪ ،‬وعلى‬ ‫طرقهمـا وأسـبابما‪ ،‬وغاياتمـا‪ ،‬ومآل أهلهمـا‪ ،‬وتتـل ف يده مفاتيـح‬ ‫كنوز ال سعادة والعلوم الناف عة‪ ،‬وتثبّ ت قوا عد اليان ف قل به‪ ،‬وتُشَيّ د‬ ‫بنيا نه‪ ،‬وتوطدَ أركا نه‪ ،‬وتر يه صورة الدن يا والخرة وال نة والنار ف‬ ‫قل به‪ ،‬وتضره ب ي ال مم‪ ،‬وتر يه أيام ال في هم‪ ،‬وتب صره موا قع ال عب‪،‬‬ ‫وتشهده عدل ال وفضله‪ ،‬وتعرفـه ذات ربـه تعال وأسـاءه وصـفاته‪،‬‬ ‫وما يبه وما يبغضه‪ ،‬وصراطه الوصل إليه‪ ،‬وما لسالكه بعد الوصول‬ ‫والقدوم عليـه‪ ،‬وقواطـع الطريـق وآفاتاـ‪ ،‬وتعرفـه النفـس وصـفاتا‪،‬‬ ‫ومفسدات العمال ومصححاتا‪ ،‬وتعرفه طريق أهل النة وأهل النار‬ ‫وأعمالم‪ ،‬وأحوالم وسيماهم‪ ،‬ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة‪،‬‬ ‫وأق سام اللق‪ ،‬واجتماع هم في ما يتمعون ف يه‪ ،‬وتفرق هم في ما يتفرقون‬ ‫فيه( ‪ . )1‬فعليكم عباد ال بتدبر كتابه فإنه أحسن الديث وعليكم بسنة‬ ‫نبيكم وهديه فإن خي الدي ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() مفتاح دار السعادة ص (‪ )197 ،193 ،187 ،184‬مدارج ص (‪.)451‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وساوس الشيطان‪،‬‬ ‫وشروره‪ ،‬وما يعتصم به منها‬ ‫المد ل القائل ف كتابه البي‪ :‬وَإِمّا يَنْزَغَنّ كَ مِ نَ الشّ يْطَا نِ‬ ‫ِيمف [العرَاف‪]200 :‬‬ ‫السفمِيعُ الْعَل ُ‬ ‫ّهف هُوَ ّ‬ ‫ّهف إِن ُ‬ ‫َاسفتَعِذْ بِالل ِ‬ ‫ْغف ف ْ‬ ‫نَز ٌ‬ ‫أحده سـبحانه‪ ،‬مـن أقبـل عليـه تلقاه‪ ،‬ومـن أعرض عنـه ل يكله إل‬ ‫عدوه إذا تاب م ا أتاه‪ ،‬و من أ صر على الع صيان و صال عدوه وقا طع‬ ‫سيده وله ما توله‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له جـل عـن الِشباه‬ ‫والمثال‪ ،‬وتقدس عن الضداد والنداد والشركاء والشكال‪ .‬وأشهد‬ ‫أن ممدًا عبده ورسوله القائل‪ « :‬ما منكم من أحد إل وقد وكل به‬ ‫قري نه من ال ن» قالوا‪ :‬وأ نت يا ر سول ال؟ قال‪ « :‬وأ نا إل أن ال‬ ‫أعاننف عليفه فأسفلم»( ‪ )1‬صـلى ال عليـه وعلى آله وجيـع أصـحابه‬ ‫العارفي بكائد أعدائهم‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪ :‬فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّ هِ‬ ‫مِنَ الشّ يْطَانِ الرّ جِيمِ * إِنّ هُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّ ذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى‬ ‫رَبّ هِ مْ يَتَوَكّ لُو نَ * إِنّ مَا سُلْطَانُهُ عَلَى الّ ذِي نَ يَتَوَلّ وْنَ هُ وَالّ ذِي نَ هُ مْ بِ هِ‬ ‫مُشْرِكُونَ ‪.‬‬ ‫عباد ال قد جعل ال لكل إن سان عدوًا لدودًا‪ ،‬له دخول ونفوذ‬ ‫إل قلب ا بن آدم و صدره‪ ،‬ذلك هو «الشيطان» أعاذ نا ال م نه يري‬ ‫من ابن آدم مرى الدم‪ ،‬قد وكل بالعبد من حي ولدته ل يفارقه إل‬ ‫‪1‬‬ ‫() المسند ج (‪ )1‬ص ‪« )561‬أسلم» استسلم فصار ل يأمره بشر‪.‬‬ ‫‪198‬‬ ‫‪199‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫المات‪ :‬يو سوس إل يه‪ ،‬وي طر الذ نب بباله في صوره له وين يه‪ ،‬ويشهيه‬ ‫في صي «شهوة»‪ .‬ويزين ها له وي سنها وييل ها له ف خيال ت يل نف سه‬ ‫إليه فيصي «إرادة» ث ل يزال يثل وييل وين ويشهي‪ ،‬وينسيه علمه‬ ‫بضررهـا‪ ،‬ويطوي عنـه سـوء عاقبتهـا‪ ،‬فل يرى إل صـورة العصـية‬ ‫والتذاذه ب ا‪ ،‬فت صي الرادة «عزي ة» فيشتد الرص عليها من القلب‪،‬‬ ‫فيب عث النود ف الطلب‪ ،‬فيب عث الشيطان مددًا ل م وعونًا‪ ،‬فإن فتروا‬ ‫حركهـم‪ ،‬وإن ونوا أزعجتهـم‪ ،‬فل تزال بالعبـد تقوده إل الذنـب‪،‬‬ ‫وتن ظم ش ل الجتماع عل يه بأل طف حيلة‪ ،‬وأ ت مكيدة‪ .‬قال عروة بن‬ ‫رو ي‪« :‬إن ال سيح سأل ر به أن ير يه مو ضع الشيطان من ا بن آدم‬ ‫فجلي له‪ ،‬فإذا رأسـه رأس اليـة‪ ،‬واضـع رأسـه على ثرة القلب‪ ،‬فإذا‬ ‫ذ كر الع بد ر به خ نس‪ ،‬وإذا ل يذ كر و ضع رأ سه على ثرة قل به فمناه‬ ‫وحدثه»‪ .‬وف الصحيحي من حديث الزهري‪ ،‬عن صفية بنت حيي‪،‬‬ ‫قالت‪ :‬كان رسول ال معتكفًا فأتيته أزوره ليلً‪ ،‬فحدثته‪ ،‬ث قمت‬ ‫فانقلبت فقام معي ليقلبن‪ ،‬وكان مسكنها ف دار أسامة بن زيد‪ ،‬فمر‬ ‫رجلن من النصار‪ ،‬فلما رأيا النب أسرعا‪ .‬فقال النب «على‬ ‫رسفلكما‪ ،‬إناف صففية بنفت حيفي » فقال‪ :‬سـبحان ال يـا رسـول ال‬ ‫فقال‪« :‬إن الشيطان يري من النسان مرى الدم‪ ،‬وإن خشيت أن‬ ‫يقذف ف قلوبك ما سوءًا»‪ ،‬أو قال‪« :‬شرًا» و ف ال صحيح أيضًا عن‬ ‫فلة أدبر‬ ‫ـول ال ‪ « :‬إذا نودي بالصف‬ ‫أب ـ هريرة‪ ،‬قال‪ :‬قال رسـ‬ ‫الشيطان وله ضراط‪ ،‬فإذا قضفى أقبفل‪ ،‬فإذا ثوب باف أدبر‪ ،‬فإذا‬ ‫قضى أقبل حت ي طر بي النسان وقلبه‪ ،‬فيقول‪ :‬اذكر كذا اذكر‬ ‫كذا ح ت ل يدري أثلثًا صلى أم أربعًا‪ ،‬فإذا ل يدر ثلثًا صلى أم‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أربعًا سجد سجدت السهو»‪.‬‬ ‫ولذلك أمرنا ال بالستعاذة من شره‪ ،‬والوسوسة أعظم شره‪.‬‬ ‫و من شره‪ :‬أ نه لص سارق لموال الناس‪ ،‬ف كل طعام أو شراب‬ ‫ل يذكر اسم ال عليه فله فيه حظ بالسرقة وال طف‪ .‬وكذلك يبيت‬ ‫ف الب يت الذي ل يذ كر ف يه ا سم ال فيأ كل طعام ال نس بغ ي إذن م‪،‬‬ ‫ويبيت ف بيوتم بغي إذنم‪ .‬ذكر ابن أب الدنيا عن بعض السلف‪ :‬أن‬ ‫شيطانًا ل قي شيطانًا فقال‪ :‬مال أراك نيلً؟ فقال‪ :‬إ ن مع ر جل إن‬ ‫أكل ذكر اسم ال فل آكل معه‪ ،‬وإن شرب ذكر اسم ال فل أشرب‬ ‫م عه‪ ،‬وإن د خل بي ته ذ كر ا سم ال فأب يت خارج الدار‪ .‬فقال ال خر‪:‬‬ ‫لك ن مع رجل إن أ كل ل يسم ال فآكل أنا وهو جيعًا‪ ،‬وإن شرب‬ ‫ل يسم ال فأشرب معه‪ ،‬وإن دخل داره ل يسم ال فأدخل معه‪ ،‬وإن‬ ‫جامع امرأته ل يسم ال فأجامعها‪.‬‬ ‫ومن شره أنه يدل على عورات الناس‪ -‬فيأمر العبد بالعصية‪ ،‬ث‬ ‫يوسوس إل الناس با فعل‪ ،‬فيصبح الناس يتحدثون به‪.‬‬ ‫ومـن شره أنـه إذا نام العبـد عقـد على رأسـه عقدًا تنعـه مـن‬ ‫اليقظة‪ ،‬كما ف صحيح البخاري عن سعيد بن السيب‪ ،‬عن أب هريرة‬ ‫ر ضي ال ع نه ‪ ،‬أن ر سول ال قال‪« :‬يع قد الشيطان على قاف ية‬ ‫رأس أحد كم إذا هو نام ثلث عقد‪ ،‬يضرب على كل عقدة مكان ا‬ ‫عل يك ل يل طو يل فار قد‪ .‬فإن ا ستيقظ فذ كر ال انلت عقدة‪ .‬فإن‬ ‫توضفأ انلت عقدة‪ .‬فإن صفلى انلت عقده كلهفا فأصفبح نشيط ًا‬ ‫طيب النفس‪ ،‬وإل أصبح خبيث النفس كسلن»‪.‬‬ ‫ومن شره أنه يبول ف أذن العبد حت ينام إل الصباح‪ ،‬كما ثبت‬ ‫‪200‬‬ ‫‪201‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عـن النـب أنـه ذكـر عنده رجـل نام ليلة حتـ أصـبح‪ ،‬قال‪« :‬ذاك‬ ‫رجل بال الشيطان ف أذنيه‪ ،‬أو قال ف أذنه» رواه البخاري‪.‬‬ ‫ومن شره أنه قعد لبن آدم بطرق الي كلها فما من طريق من‬ ‫طرق اليـ إل والشيطان مرصـد عليـه ينعـه بهده أن يسـلكه‪ ،‬فإن‬ ‫خال فه و سلكه ثب طه ف يه وعو قه وشوش عل يه بالعارضات والقوا طع‪،‬‬ ‫فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته‪.‬‬ ‫ويكفـي مـن شره أنـه أقسـم بال ليقعدن لبنـ آدم صـراطه‬ ‫ال ستقيم‪ ،‬وليأتين هم من ب ي أيدي هم و من خلف هم و عن أيان م و عن‬ ‫شائلهم‪.‬‬ ‫ول قد بلغ شره أن أع مل الكيدة وبالغ ف اليلة ح ت أخرج آدم‬ ‫من النة‪ ،‬ث ل يكفه ذلك حت استقطع من أولده شرطه إل النار من‬ ‫كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعي‪ ،‬ث ل يكفه ذلك حت أعمل اليلة‬ ‫فــ إبطال دعوة ال مــن الرض‪ ،‬وقصــد أن تَكون الدعوة له‪،‬‬ ‫وأن يع بد من دون ال‪ ،‬ف هو ساع بأق صى جهده على إطفاء نور ال‬ ‫وإبطال دعوتـه‪ ،‬وإقامـة دعوة الشرك‪ ،‬وموـ التوحيـد وأعلمـه مـن‬ ‫الرض‪.‬‬ ‫ويك في من شره أ نه ت صدى لبراه يم خل يل الرح ن ح ت رماه‬ ‫قومـه بالنجنيـق فـ النار فرد ال كيده عليـه‪ ،‬وجعـل النار على خليله‬ ‫بردًا و سل مًا‪ .‬وت صدى للم سيح ح ت أراد اليهود قتله و صلبه فرد‬ ‫ال كيده‪ ،‬وصان السيح ورفعه إليه‪ .‬وتصدى لزكريا ويي حت قتل‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وا ستثار فرعون ح ت ز ين له الف ساد العظ يم ف الرض‪ ،‬ودعوى أ نه‬ ‫رب م العلى‪ .‬وت صدى لل نب وظا هر الكفار على قتله بهده‪ ،‬وال‬ ‫تعال يكبته ويرده خاسئًا‪ .‬وتفلت على النب بشهاب من نار يريد‬ ‫أن يرم يه به ف الصـلة فج عل ال نب يقول‪ « :‬ألع نك بلع نة ال»‬ ‫وأعان اليهود على سحرهم للنب ‪.‬‬ ‫ول يكن حصر أجناس شره فضلً عن آحادها إذ كل شر ف العال‬ ‫فهو السبب فيه‪ .‬ولكن ينحصر شره ف ستة أجناس ل يزال بابن آدم حت‬ ‫ينال واحدًا من ها أو أك ثر‪ -‬ال شر الول‪ :‬شر «الك فر‪ ،‬والشرك» ومعاداة‬ ‫ال ور سوله‪ ،‬فإذا ظفر بذلك من ا بن آدم برد أني نه وا ستراح من تع به م عه‪،‬‬ ‫و صيه من جنده وع سكره‪ ،‬وا ستنابه على أمثاله وأشكاله‪ ،‬ف صار من دعاة‬ ‫إبليس ونوابه‪ .‬فإن يئس منه من ذلك وكان من سبق له السلم ف بطن أمه‬ ‫نقله إل الرتبة الثان من الشر‪ ،‬وهو «البدعة» وهي أحب إليه من الفسوق‬ ‫والعاصي؛ لن ضررها ف نفس الدين‪ ،‬وهو ضرر متعد‪ ،‬وهي ذنب ل يتاب‬ ‫م نه‪ ،‬و هي باب الك فر والشرك‪ .‬فإذا نال م نه البد عة وجعله من أهل ها ب قي‬ ‫أيضًا نائ به وداعيًا من دعا ته‪ .‬فإذا أعجزه من هذه الرت بة وكان الع بد م ن‬ ‫سبقت له من ال موهبة السنة‪ ،‬ومعاداة أهل البدع والضلل‪ ،‬نقله إل الرتبة‬ ‫الثال ثة من ال شر و هي «الكبائر» على اختلف أنواع ها‪ ،‬ف هو أ شد حر صًا‬ ‫على أن يوق عه في ها‪ ،‬ل سيما إذا كان عالًا متبوعًا لين فر الناس ع نه‪ ،‬ث‬ ‫يشيـع مـن ذنوبـه ومعاصـيه فـ الناس‪ ،‬ويسـتنيب منهـم مـن يشيعهـا‬ ‫ويذيعهـا تدين ًا وتقرب ًا بزعمـه إل ال تعال وهـو نائب إبليـس ول‬ ‫يش عر فإن الّ ذِي نَ يُحِبّو نَ أَ نْ تَشِي عَ الْفَاحِشَةُ فِي الّ ذِي نَ آَمَنُوا‬ ‫ِيمف [النّور‪ ]19 :‬فكيـف إذا تولوا هـم إشاعتهـا‬ ‫َابف أَل ٌ‬ ‫ُمف عَذ ٌ‬ ‫لَه ْ‬ ‫‪202‬‬ ‫‪203‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وإذاعتهـا‪ .‬فإن عجـز الشيطان عـن هذه الرتبـة نقله إل الرتبـة الرابـع‬ ‫و هي «ال صغائر» ال ت إذا اجتم عت فرب ا أهل كت صاحبها‪ ،‬ك ما قال‬ ‫ال نب ‪ « :‬إيا كم ومقرات الذنوب‪ ،‬فإن م ثل ذلك م ثل قوم نزلوا‬ ‫بفلة من الرض فجاء كل وا حد من هم بعود ح طب ح ت أوقدوا‬ ‫نارًا عظيمفة فطبخوا واشتووا» أو كمـا قال ‪ « :‬ول يزال يسفهل‬ ‫عل يه أ مر ال صغائر ح ت ي ستهي ب ا فيكون صاحب ال كبية الائف‬ ‫منهفا أحْس َفنَ حالً منفه »‪ .‬فإن أعجزه العبـد عـن هذه الرتبـة نقله إل‬ ‫«الرتبة الامسة» وهي إشغاله بالباحات الت ل ثواب فيها ول عقاب بل‬ ‫عاقبت ها فوت الثواب الذي ا ضع عل يه باشتغاله ب ا‪ .‬فإن أعجزه الع بد عن‬ ‫هذه الرت بة وكان حافظًا لوق ته شحيحًا به يعلم مقدر أنفا سه وانقطاع ها‬ ‫وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إل «الرتبة السادسة» وهو أن يشغله‬ ‫بالع مل الفضول ع ما هو أف ضل م نه ليز يح ع نه الفضيلة‪ ،‬ويفو ته ثواب‬ ‫العمل الفاضل‪ .‬فإذا أعجزه العبد من هذه الراتب الست وأعي عليه سلط‬ ‫عل يه حز به من ال نس وال ن بأنواع الذى والتكف ي والتضل يل والتبد يع‬ ‫والتحذ ير م نه وق صد إخاله وإطفائه‪ ،‬ليشوش عل يه قل به‪ ،‬ويش غل بر به‬ ‫فكره‪ ،‬وليم نع الناس من النتفاع به‪ ،‬فحينئذ يل بس الؤ من ل مة الرب‬ ‫ول يضعها عنه إل الوت‪ ،‬ومت وضعها أسر أو أصيب‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬هذه إحدى صفات الشيطان الثلث (الوسواس)‪ .‬وقد‬ ‫و صفه ال بالناس الذي إذا ذ كر الع بد ال اننـس وتمـع وانق بض‪،‬‬ ‫وإذا غ فل عن ذ كر ال الت قم القلب وأل قى إل يه الو ساوس ال ت هي‬ ‫مبادئ الشر كله‪.‬‬ ‫والذي يوسوس نوعان‪ :‬إنس‪ ،‬وجن‪ .‬فالن‪ :‬يوسوس ف صدور‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫النس‪ .‬والنس أيضًا يوسوس إل النس؛ فلذلك أمرنا ال بالستعاذة‬ ‫من شر نوعي شياطي النس والن‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واحذروا من عدو ال وعدو كم‪ ،‬أعوذ بال‬ ‫من الشيطان الرجيم بسم ال الرحن الرحيم قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّا سِ‬ ‫* مَلِكِ النّاسِ * إِلَهِ النّاسِ [الناس‪ ]3 -1 :‬بارك ال ‪...‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل أمر بشكره وذكره‪ ،‬أحده سبحانه ل أحصي ثناء عليه‬ ‫بل هو تعال ك ما أث ن على نف سه‪ ،‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريك له من توكل عليه واستعاذ به كان ف حفظه وحرزه‪ .‬وأشهد‬ ‫أن ممدًا عبده ورسوله أعانه على قرينه حت استسلم له وذلك معجزة‬ ‫وعبة‪.‬‬ ‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‬ ‫وحزبه‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال اتقوا ال تعال‪ ،‬فتقواه هـي وصـيته‬ ‫للوليـ والخريـن‪ ،‬واعرفوا عدوكـم مـن صـديقكم فـ هذه الدار‪،‬‬ ‫واعلموا أن ال تبارك وتعال الذي ابتلى النسـان بذا العدو الذي ل‬ ‫يفارقه طرفة عي‪ ،‬ول يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إل‬ ‫أوصله إليه‪ -‬ويقول لعوانه من الن والنس‪ :‬دونكم عدوكم وعدو‬ ‫أبيكم ل يفوتكم‪ ،‬ل يكون حظه النة وحظكم النار‪ -‬أن ال قد أيد‬ ‫عبده الؤمـن بنـد مـن اللئكـة ل يفارقونـه يثبتونـه ويأمرونـه باليـ‬ ‫‪204‬‬ ‫‪205‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ويضو نه عل يه‪ ،‬ويدعو نه بكرا مة ال‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن ا هو صب ساعة‬ ‫و قد ا سترحت را حة ال بد‪ .‬وأمده مع ذلك بالع قل وزيرًا له ومدبرًا‪،‬‬ ‫وبالعر فة مشية عل يه ونا صحة له‪ ،‬وباليان مثبتًا له ونا صرًا ومؤيدًا‪،‬‬ ‫وباليقي كاشفًا له عن حقيقة المر حت كأنه يعاين ما وعد ال تعال‬ ‫أولياءه وحزبــه على جهاد أعدائه‪ ،‬وأقام ملئكتــه وحلة عرشــه‬ ‫ي ستغفرون له وي سألون له أن يق يه ال ال سيئات ويدخله النات‪ ،‬و هو‬ ‫تعال نا صر حز به وجنده‪ .‬ول يس هذا الت سليط من ب غض الرب لعبده‬ ‫الؤمن‪ ،‬وإنا هو لرفع درجاته‪ ،‬وامتحان صدقه ف إيانه وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ‬ ‫حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [مَمّد‪:‬‬ ‫‪.]31‬‬ ‫عباد ال وقـد جعـل ال بفضله ومنـه للعبـد مـا يعتصـم بـه مـن‬ ‫الشيطان‪ ،‬وي ستدفع به م نه‪ ،‬وذلك عشرة أ سباب (‪ ) 1‬ال ستعاذة بال‬ ‫مـن الشيطان الرجيـم‪ )2( .‬قراءة سـورت الفلق والناس (‪ )3‬قراءة آيـة‬ ‫الكرسـي (‪ )4‬قراءة سـورة البقرة (‪ )5‬قراءة خاتةـ سـورة البقرة (‪)6‬‬ ‫قراءة أول سورة حَم الؤ من إل قوله إل يه الصـي (‪ ) 7‬قول ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شر يك له له اللك وله ال مد و هو على كل ش يء قد ير‬ ‫مائة مرة (‪ )8‬كثرة ذكـر ال فذكـر ال يقمعـه ويؤلهـ ويؤذيـه (‪)9‬‬ ‫الوضوء والصــلة (‪ )10‬إمســاك فضول النظــر‪ ،‬وفضول الكلم‪،‬‬ ‫وفضول الطعام‪ ،‬وفضول مالطة الناس( ‪ . )2 (.)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() وانظر مضار هذه الفضول في «بدائع الفوائد» ج(‪ )2‬ص(‪.)267‬‬ ‫() الغاثة والمدارج‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫غض البصر‬ ‫فوائده‪ ،‬ومضار إطلقه‬ ‫المـد ل الذي جعـل القلوب أوعيـة فخيهـا أوعاهـا للخيـ‬ ‫والرشاد‪ ،‬وشرها أوعاها للشر والفساد‪ ،‬وسلط عليها الوى وامتحنها‬ ‫بخالف ته لتنال بخالف ته ج نة الأوى‪ .‬وحرم علي ها أشياء ل كن عوض ها‬ ‫خيًا ما حرم عليها‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬ ‫الكري‪ :‬قُلْ لِلْمُؤْمِنِيَ يَغُضّوا مِ نْ أَبْ صَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُ مْ‬ ‫[النّور‪ ]30 :‬وأشهــد أن ممدًا عبده ورســوله القائل‪« :‬غضوا‬ ‫أبصفاركم‪ ،‬واحفظوا فروجكفم» صـلى ال وسـلم عليـه وعلى آله‬ ‫وأصحابه وأتباعه بإحسان‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ج عل ال سبحانه الع ي مرآة القلب‪ ،‬فإذا‬ ‫غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته‪ ،‬وإذا أطلق بصره أطلق‬ ‫القلب شهوته‪.‬‬ ‫روى البخاري فـ صـحيحه‪ :‬أن النـب أردف الفضـل بـن‬ ‫العباس رضـي ال عنهمـا يوم النحـر خلفـه‪ -‬وكان الفضـل قـد ناهـز‬ ‫البلوغ‪ ،‬فط فق الف ضل ين ظر إل امرأة وضيئة من خث عم كا نت ت سأل‬ ‫ال نب عن أمور دين ها‪ ،‬فأ خذ ال نب بذ قن الف ضل فحول وج هه عن‬ ‫النظر إليها‪.‬‬ ‫‪206‬‬ ‫‪207‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و ف روا ية للترمذي‪ :‬قال للر سول ‪ :‬لو يت ع نق ا بن ع مك‪.‬‬ ‫قال عليـه الصـلة والسـلم‪« :‬رأيفت شابًا وشابفة فلم آمفن عليهمفا‬ ‫الفت نة»‪ ،‬وهذا م نع وإنكار بالف عل‪ ،‬وتعل يل لذا النكار بوف الفت نة‬ ‫عليهما لو أقرها عليه‪.‬‬ ‫وف الصحيح عنه أنه قال‪« :‬إن ال كتب على ابن آدم حظه‬ ‫من الزنا أدرك ذلك ل مالة؛ فالعي تزن وزناها النظر‪ ،‬واللسان يزن‬ ‫وزناه النطق‪ ،‬والرجل تزن وزناها الطى‪ ،‬واليد تزن وزناها البطش‪،‬‬ ‫والقلب يهوى ويتمن‪ ،‬والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»‪ .‬فبدأ بزنا العي‬ ‫لنه أصل زنا اليد‪ ،‬والرجل‪ ،‬والقلب‪ ،‬والفرج‪ .‬ونبه على زنا اللسان بالكلم‬ ‫على زنا الفم بالقُبل‪ ،‬وجعل الفرج مصدقًا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبًا‬ ‫له إن ل يققـه‪ .‬وهذا الديـث مـن أبيـ الِشياء على أن العيـ تعصـي‬ ‫بالن ظر‪ ،‬وإن ذلك زنا ها‪ .‬فف يه رد على من أباح الن ظر مطلقًا‪ .‬وث بت‬ ‫عنـه أنـه قال‪« :‬يفا علي‪ :‬ل تتبفع النظرة النظرة فإن لك الول‬ ‫ولي ست لك الثان ية»‪ .‬فالن ظر يؤ ثر ف القلب فأمره بداوا ته ب صرف‬ ‫النظـر ل بتكراره‪ .‬وقال جريـر بـن عبدال رضـي ال عنهمـا‪« :‬سـألت‬ ‫ر سول ال عن نظرة الفجأة فأمر ن أن أ صرف ب صري» رواه م سلم‬ ‫وأبو داود والترمذي‪ .‬ونظرة الفجأة هي النظرة الول الت تقع بغي قصد‬ ‫من النا ظر‪ ،‬ف ما ل يتعمده القلب ل يعا قب عل يه‪ .‬فإذا ن ظر الثانية تعمدًا‬ ‫أ ث‪ ،‬فأمره ع ند نظرة الفجأة أن ي صرف ب صره ول ي ستدي الن ظر‪ .‬ففت نة‬ ‫النظر أصل كل فتنة‪ ،‬كما ثبت ف الصحيحي عن النب أنه قال‪:‬‬ ‫« ما تر كت بعدي فت نة أ ضر على الرجال من الن ساء» و ف صحيح‬ ‫مسلم عن النب أنه قال‪« :‬اتقوا الدنيا واتقوا النساء»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و ف م سند م مد بن إ سحاق عن علي ر ضي ال ع نه عن ال نب‬ ‫‪ « :‬أخوف ما أخاف على أمت النساء والمر»( ‪.)1‬‬ ‫وفـ السـند عنـه أنـه قال‪« :‬النظرة سفهم مسفموم مفن سفهام‬ ‫إبليس(‪ )2‬فمن غض بصره عن ماسن امرأة أو أمرد ل أورث ال قلبه‬ ‫حلوة العبادة إل يوم القيامفة» هذا معنـ الديـث‪ .‬وقال‪« :‬إياكفم‬ ‫واللوس على الطرقات»‪ .‬قالوا‪ :‬يا ر سول ال مال سنا ما ل نا بد من ها‬ ‫قال‪« :‬فإن كن تم ل بد فاعل ي فأعطوا الطر يق ح قه‪ .‬قالوا‪ :‬و ما ح قه؟‬ ‫قال‪ :‬غضفن البصفر ‪ ،‬وكفف الذى‪ ،‬ورد السفلم» فإن النظرة تولد‬ ‫الطرة‪ ،‬ثـ تولد الطرة فكرة‪ ،‬ثـ تولد الفكرة شهوة‪ ،‬ثـ تولد الشهوة‬ ‫إرادة‪ ،‬ث تقوى فتصي عزية جازمة‪ ،‬فيقع الفعل ولبد ما ل ينع منه مانع‪.‬‬ ‫ومـن آفاتـه أنـه يورث السـرات والزفرات والرقات فيى‬ ‫النسان ما ليس قادرًا عليه ول صابرًا عنه‪.‬‬ ‫وفـ غـض البصـر عدة فوائد‪ .‬أحدهـا‪ :‬تليـص القلب مـن أل‬ ‫ال سرة؛ فإن من أطلق نظره دا مت ح سرته‪ .‬و من فوائد غض الب صر‪:‬‬ ‫أ نه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظ هر على عين يه ووج هه وجوار حه‪.‬‬ ‫ومنهـا‪ :‬أنـه يورث قوة القلب وشجاعتـه وثباتـه‪ .‬وفـ الثـر «الذي‬ ‫يالف هواه يفرق الشيطان مـن ظله»‪ .‬ومنهـا‪ :‬أنـه يورث القلب‬ ‫سرورًا وفر صة وانشراحًا أع ظم من اللذة وال سرور الا صل بالن ظر‪،‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() ومككن أراد بسككط مككا يتعلق بفتنككة النسككاء التككي خافهككا على أمتككه فككي هذه‬ ‫الحاديكث فليراجكع ج(‪ )261 -224 ،45 -10/18‬مكن فتاوي سكماحته‪ ،‬وذككر‬ ‫فيه ما يتعلق بالسفور والختلط‪ ،‬وآلت اللهو‪ .‬إلخ‪.‬‬ ‫() فإن السككهم شأنككه أن يسككري فككي القلب فيعمككل فيككه عمككل السككم الذي يسككقاه‬ ‫المسموم‪ ،‬فإن بادر واستفرغه وإل قتله ول بد‪.‬‬ ‫‪208‬‬ ‫‪209‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وذلك لقهره عدوه بخالف ته ومال فة نف سه وهواه‪ .‬ومن ها أن غض الب صر‬ ‫يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الاملة على مواقعة‬ ‫الف عل‪ ،‬وتر ي الرب تعال وشر عه حجاب ما نع من الو صول‪ ،‬ف من ه تك‬ ‫الجاب ضري على الحظور ول تقـف نفسـه عنـد غايـة؛ لن لذتاـ فـ‬ ‫الشيـء الديـد‪ .‬ومنهـا‪ :‬أنـه يقوي عقله ويزيده ويثبتـه فإن إطلق البصـر‬ ‫وإر ساله ل ي صل إل من خ فة الع قل وطي شه وعدم ملحظ ته للعوا قب‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أنه يلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة‪ ،‬فإن إطلق البصر‬ ‫يو جب ا ستحكام الغفلة عن ال والدار الخرة‪ ،‬ويو قع ف سكرة الع شق‪،‬‬ ‫كما قال ال تعال َل َع ْم ُركَ ِإّن ُهمْ َلفِي َسكْ َرِت ِهمْ َي ْع َمهُو نَ [الِجر‪72 :‬‬ ‫] وسكران العشق قلما يفيق إل وهو ف عسكر الموات‪.‬‬ ‫ول سيما الن ظر إل «الردان ال سان» فإن إطلق الن ظر إلي هم هو‬ ‫السم الناقع والداء العضال‪.‬‬ ‫روي عن الش عب مر سلً قال‪ :‬قدم و فد عبدالق يس على ال نب‬ ‫وفيهم غلم ظاهر الوضاءة‪ ،‬فأجلسه النب وراء ظهره‪ ،‬وقال‪« :‬كانت‬ ‫خطيئة من مضى من النظر»‪ .‬وقال سعيد بن السيب‪ :‬إذا رأيتم الرجل‬ ‫يد النظر إل الغلم المرد فاتموه‪.‬‬ ‫وال سبحانه إن ا ح كى هذا الرض‪ -‬مرض الع شق عن طائفت ي‬ ‫مـن الناس وهـم «قوم النسـاء» وقوم لوط فأخـب عـن «عشـق امرأة‬ ‫العز يز» ليو سف و ما راود ته وكاد ته به‪ ،‬وأ خب عن الال ال ت صار‬ ‫إليها يوسف بصبه وعفته وتقواه( ‪.)1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() قلت‪ :‬وكثيكر مكن القراء‪ -‬فيمكا يُسْكمَع‪ -‬يكررون قراءة قصكة هذا العشكق مكن‬ ‫غّلقَتِه ا َْل ْبوَابَه َوقَالَتْه َهيْتَه لَكَه قَا َل‬ ‫َورَا َو َدتْهُه الّتِي ُه َو فِي َب ْيتِهَا عَنْه َنفْسِه ِه َو َ‬ ‫ل [يُوسُف‪ ]23 :‬أكثر مما يقرءون أي سورة أو آيات أخرى‪ .‬وقد قال‬ ‫َمعَا َذ ا ِّ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫والطائفة الثانية الذي حكى ال عنهم العشق هم «اللوطية» كما‬ ‫قال تعال‪ :‬جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَ سْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي‬ ‫ف وَلَا تُخْزُون [الجـر‪]69 -67 :‬‬ ‫ف * وَاتّ قُوا اللّه َ‬ ‫فَلَا تَفْضَحُون ِ‬ ‫ف كل من الطائفت ي ع شق ما حرم عل يه من ال صور‪ ،‬ول يبال ب ا ف‬ ‫عشقه من الضرر‪.‬‬ ‫ودواء هذا الداء العضال‪ -‬الع شق الحرم‪ -‬أن يأ ت من العبادات‬ ‫الظاهرة والباط نة ب ا يش غل قل به عن دوام الف كر ف يه‪ ،‬ويك ثر التضرع‬ ‫واللجوء إل ال سبحانه ف صرف ذلك ع نه‪ .‬قال ال تعال ف ق صة‬ ‫عشق ها‪ :‬كَذَلِ كَ لِنَ صْرِفَ عَنْ هُ ال سّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّ هُ مِ نْ عِبَادِنَا‬ ‫فيَ [يُوسـُف‪ ]24 :‬فصـرف عنـه السـوء مـن العشـق‬ ‫الْمُخْلَص ِ‬ ‫والفحشاء مـن الفعـل بإخلصـه؛ فإن القلب إذا أخلص عمله ل ل‬ ‫يتمكن منه عشق الصور‪ ،‬فعشق الصور إنا يتمكن من القلب الفارغ‪.‬‬ ‫وف الصحيح من حديث جابر‪ :‬أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى‬ ‫حاجتـه منهـا‪ .‬وقال‪« :‬إن الرأة تقبفل فف صفورة شيطان‪ ،‬فإذا رأى‬ ‫أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما ف نفسه »‪ ،‬وف‬ ‫سنن ابن ماجه مرفوعًا‪« :‬ل ير للمتحابي مثل النكاح»‪.‬‬ ‫فأوصـيكم وإياي عباد ال بداومـة العراض عمـا ل يلـ مـن‬ ‫بعكض السكلف‪ :‬مكا حصكلناه فكي سكورة يوسكف أنفقناه فكي سكورة النور‪ .‬كمكا أن‬ ‫بعضًا يرككز على آيات الرجكا دون آيات الخوف‪ ،‬وبعكض يرككز على آيات فكي‬ ‫الثناء على بلد أو قوم‪ ،‬ويترك خلف ذلك؛ إلى آخككر مككا يختارونككه‪ .‬ولمككا قالوا‬ ‫للنبي شبت قال‪« :‬شيبتني هود‪ ،‬والواقعة‪ ،‬والمرسلت‪ ،‬وعم يتساءلون‪،‬‬ ‫وإذا الشمهس كورت» وكان شيخنكا‪ -‬رحمكه ال‪ -‬كثيرًا مكا يقرأ آخكر سكورة هود‬ ‫وهذه السور‪.‬‬ ‫‪210‬‬ ‫‪211‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الن ظر‪ ،‬ف قد علم تم ما ف ذلك من الضرر‪ ،‬ك ما عرف تم ما ف غض‬ ‫البصر من الفوائد دنيا وأخرى‪.‬‬ ‫وا سألوا مقلب القلوب والب صار الثبات على الد ين‪ ،‬وت صريف‬ ‫القلوب إل طاعة رب العالي‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم وَأَمّا‬ ‫مَ نْ خَا فَ مَقَا مَ رَبّه ِف وَنَهَى النّ فْ سَ عَ نِ الْهَوَى * فَإِنّ الْجَنّ ةَ هِ يَ‬ ‫الْمَأْوَى [النازعات‪.]41 ،40 :‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل الذي ج عل الح بة إل الظ فر سبيل‪ ،‬و صرّف علي ها‬ ‫القلوب كمـا يشاء‪ ،‬وصـرفها أنواع ًا وأقسـامًا بيـ بريتـه‪ ،‬وفصـلها‬ ‫تفصـيل قسـمها بيـ مبـ الرحنـ‪ ،‬ومبـ الوثان‪ ،‬ومبـ النيان‪،‬‬ ‫ومب الصلبان‪ ،‬ومب الوطان‪ ،‬ومب اليان‪ ،‬ومب اللان‪ ،‬ومب‬ ‫القرآن‪ ،‬وفضل أهل مبته ومبة كتابه على سائر الحبي تفضيل‪ ،‬وهو‬ ‫الك يم صاحب الف ضل على من شاء والمتنان‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شريـك له يلق مـا يشاء ويتار‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسوله أرسله لليان مناديًا‪ ،‬وإل ال نة داعيًا‪ ،‬وبكل معروف آمرًا‪،‬‬ ‫وعن كل منكر ناهيًا‪ .‬صلى ال وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وكل‬ ‫من اتبعه داعيًا‪ ،‬وف مرضاة ربه ومابه ساعيًا‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬وجاء فـ تريـ الفواحـش ووجوب حفـظ الفرج‬ ‫قوله ‪« :‬أكثر ما يدخل الناس النار‪ :‬الفم والفرج» أخرجه الترمذي‬ ‫عن أب هريرة‪ .‬وف الصحيحي عنه ‪ « :‬ل يل دم امرئ مسلم إل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بإحدى ثلث‪ :‬الثيفب الزانف‪ ،‬والنففس بالنففس‪ ،‬والتارك لدينفه‬ ‫الفارق للجماعة» فبدأ بالكثر وقوعًا‪ ،‬ث بالذي يليه‪ .‬فالزنا أكثر‬ ‫وقوعًا من ق تل الن فس‪ ،‬وق تل الن فس أك ثر وقوعًا من الردة نعوذ بال‬ ‫منها‪.‬‬ ‫ومفسدة الزنا مناقضة لصلح العال‪ ،‬فإن الرأة إذا زنت أدخلت‬ ‫العار على أهل ها وزوج ها وأقارب ا ونك ست رءو سهم ب ي الناس‪ .‬وإن‬ ‫حلت من الز نا فإن قتلت ولد ها ج عت ب ي الز نا وق تل الن فس‪ ،‬وإن‬ ‫أبق ته حل ته على الزوج فأدخلت على أهل ها وأهله أجنبيًا ل يس من هم‬ ‫فورثهم وليس منهم‪ ،‬وخل بم‪ ،‬وانتسب إليهم وليس منهم‪ ،‬إل غي‬ ‫ذلك من مفاسد زناها‪ .‬وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلط النساب‬ ‫أيضًا‪ ،‬وإفسـاد الرأة الصـونة وتعريضهـا للتلف والفسـاد؛ ففـي هذه‬ ‫الكبية خراب الدنيا والدين‪ ،‬ومن خاصيته‪ .‬أنه يوجب الفقر‪ ،‬ويقصر‬ ‫الع مر‪ ،‬ويك سو صاحبه سواد الو جه‪ ،‬وثوب ال قت ب ي الناس‪ .‬و من‬ ‫خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب ويرضه إن ل يته‪ ،‬ويلب الم والزن‬ ‫والوف‪ ،‬ويبا عد صاحبه من اللك ويقر به من الشيطان؛ ولذا شرع‬ ‫ف يه الق تل على أب شع الوجوه وأفحش ها وأ صعبها‪ .‬ولو بلغ الر جل أن‬ ‫امرأ ته أو حرم ته قتلت كان أ سهل عل يه من أن يبل غه أن ا ز نت‪ .‬قال‬ ‫سـعد بـن عبادة رضـي ال عنـه ‪ :‬لو رأيـت رجلً مـع امرأتـ لضربتـه‬ ‫بال سيف غ ي م صفح‪ .‬فبلغ ذلك ر سول ال فقال‪« :‬أتعجبون من‬ ‫غية سعد! وال لنا أغي منه‪ ،‬وال أغي من‪ ،‬ومن أجل ذلك حرم‬ ‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن»‪.‬‬ ‫وظهور الزنا من أمارات خراب العال‪ ،‬وهو من أشراط الساعة‪،‬‬ ‫‪212‬‬ ‫‪213‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ك ما ف ال صحيحي من حد يث أ نس بن مالك أ نه قال‪ :‬لحدثن كم‬ ‫حديث ًا ل يدثكموه أحـد بعدي سـعته مـن النـب يقول‪« :‬مفن‬ ‫أشراط السفاعة أن يرففع العلم ويظهفر الهفل‪ ،‬ويشرب المفر‪،‬‬ ‫ويظ هر الز نا‪ ،‬ويقفل الرجال‪ ،‬وتك ثر الن ساء‪ ،‬ح ت يكون لم سي‬ ‫امرأة القيم الواحد»‪.‬‬ ‫وقد جرت سنة ال سبحانه ف خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب‬ ‫ال سبحانه فل بد أن يؤ ثر غض به ف الرض عقو بة‪ .‬قال عبدال بن‬ ‫مسـعود رضـي ال عنـه ‪ :‬مـا ظهـر الربـا والزنـا فـ قريـة إل أذن ال‬ ‫بإهلكها‪.‬‬ ‫وخـص سـبحانه الزنـا مـن بيـ سـائر الدود بثلث خصـائص‬ ‫أحدها‪ :‬القتل فيه بأبشع القتلت‪ ،‬وحيث خففه فجمع فيه بي العقوبة‬ ‫على البدن باللد‪ ،‬وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة‪.‬‬ ‫الثانـ‪ :‬أنـه نىـ عباده أن تأخذهـم بالزناة رأفـة فـ دينـه بيـث‬ ‫تنعهم من إقامة الد عليهم‪ .‬الثالث‪ :‬أنه سبحانه أمر أن يكون حدها‬ ‫بشهد من الؤمني‪.‬‬ ‫وحـد الزانـ الحصـن مشتـق مـن عقوبـة ال لقوم لوط بالقذف‬ ‫بالجارة‪ ،‬وذلك لشتراك الز نا واللواط ف الف حش‪ ،‬و ف كل منه ما‬ ‫فساد يناقض حكمة ال ف خلقه وأمره‪.‬‬ ‫فإن ف «اللواط» من الفا سد ما يفوت ال صر والتعداد‪ ،‬ولن‬ ‫يق تل الفعول به خ ي من أن يؤ تى‪ ،‬فإ نه يف سد ف سادًا ل ير جى له‬ ‫معه صلح أبدًا‪ ،‬يذهب خيه كله‪ ،‬وت تص الرض الياء من وجهه‪،‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فل ي ستحيي ب عد ل من ال ول من الناس‪ ،‬وتع مل ف قل به ورو حه‬ ‫نطفة الفاعل ما يعمل السم ف البدن‪.‬‬ ‫وعقوبتـه أغلظ مـن عقوبـة الزانـ لجاع الصـحابة على ذلك‬ ‫ولغلظ حرمتـه وانتشار فسـاده‪ ،‬ولن ال سـبحانه ل يعاقـب أمـة مـا‬ ‫عاقب اللوطية‪ ،‬وجع ال عليهم من أنواع العقوبات ما ل يمعه على‬ ‫أمـة مـن المـم‪ :‬مـن عمـى البصـار‪ ،‬وخسـف الديار‪ ،‬والقذف‬ ‫بالحجار‪ ،‬ودخول النار‪ ،‬وجعـل ديارهـم وآثارهـم عـبة للمعتـبين‪،‬‬ ‫وموعظة للمتقي‪.‬‬ ‫وروى الترمذي والاكم وابن ماجه عن جابر بن عبدال‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫قال رسول ال ‪ « :‬إن أخوف ما أخاف على أمت من بعدي عمل‬ ‫قوم لوط» و ف ال سند وال سنن عن ا بن عباس ر ضي ال عنه ما قال‪:‬‬ ‫قال رسـول ال ‪« :‬مفن وجدتوه يعمفل عمفل قوم لوط فاقتلوا‬ ‫الفاعفل والفعول بفه» وإسـناده على شرط البخاري‪ .‬وحرق اللوطيـة‬ ‫بالنار أربعـة مـن اللفاء‪ :‬أبـو بكـر الصـديق‪ ،‬وعلي بـن أبـ طالب‪،‬‬ ‫وعبدال بن الزبي‪ ،‬وهشام بن عبداللك‪.‬‬ ‫كتب خالد بن الوليد إل أب بكر الصديق رضي ال عنهما‪ :‬أنه‬ ‫و جد ف ب عض ضوا حي العرب رجلً ين كح ك ما تن كح الرأة‪ .‬فج مع‬ ‫أ بو ب كر ر ضي ال ع نه نا سًا من أ صحاب ر سول ال وفي هم علي‬ ‫بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه فا ستشارهم‪ ،‬فقال علي ر ضي ال ع نه ‪:‬‬ ‫إن هذا ل يع مل به أ مة من المـم إل أ مة واحدة ف صنع ال بمـ ما‬ ‫علمتم أرى أن ترقوه بالنار‪ ،‬فأحرقوه بالنار‪.‬‬ ‫‪214‬‬ ‫‪215‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وقال جاعة من الصحابة والتابع ي‪ :‬ير جم بالجارة حت يوت‬ ‫أحصن أو ل يصن‪.‬‬ ‫وقال ب عض العلماء‪ :‬إذا عل الذ كر الذ كر هر بت اللئ كة وع جت‬ ‫الرض إل ربا‪ ،‬ونزل سخط البار جل جلله عليهم‪ ،‬وغشيتهم اللعنة‪،‬‬ ‫وحفـت بمـ الشياطيـ‪ ،‬واسـتأذنت الرض رباـ أن تسـف بمـ‪ ،‬وثقـل‬ ‫العرش على حلته‪ ،‬وكبت اللئكة‪ ،‬واستعرت جهنم‪ ،‬فإذا قبضت روحه‬ ‫جعلت مـع أرواح الزناة فـ تنور مـن النار‪ .‬نعوذ بال مـن النار‪ ،‬ومـن‬ ‫أٍسباب الزي والعار(‪ .)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() روضكككة المحكككبين (‪،187 ،225 ،185 ،193 ،194 ،190 ،144 ،143‬‬ ‫‪ )101 ،105 ،106 ،116 ،115 ،112 ،189‬الجواب الكافككككككي ص(‪-133‬‬ ‫‪.)135‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫زهرة الدنيا‬ ‫وانقسام الناس بالنسبة إليها‬ ‫المد ل الذي كتب الثار والعمال‪ ،‬وقسم العايش والموال‪،‬‬ ‫خلق الوت والياة ليبلونـا أينـا أحسـن عملً وهـو على كـل شيـء‬ ‫قدير‪.‬‬ ‫ّهف بِمَا‬ ‫ِنف وَالل ُ‬ ‫ُمف مُؤْم ٌ‬ ‫ُمف كَافِرٌ وَمِنْك ْ‬ ‫ُمف فَمِنْك ْ‬ ‫هُوَ الّ ذِي خَلَقَك ْ‬ ‫تَعْمَلُونَ بَصِيٌ [التّغَابُن‪.]2 :‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬جـل عـن الشـبيه‬ ‫والنظي‪ ،‬وتعال عن الشريك والظهي‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله أعرف اللق بربـه‪ ،‬وأقومهـم‬ ‫بأمره‪ ،‬وأنصحهم للقه؛ ل يتركهم حت أوقفهم على الادة البيضاء‪،‬‬ ‫وحذرهـم مـن التاهـة فـ البيداء‪ ،‬وضرب لمـ المثال‪ ،‬وقسـم الناس‬ ‫بالن سبة إل الموال‪ ،‬وكان مع الف قر أ صب الفقراء‪ ،‬و مع الغ ن أش كر‬ ‫الغنياء‪ .‬صـلى ال عليـه وعلى آله وأصـحابه أعلم الناس بسـنة نـبيهم‬ ‫وأتبعهم لا‪ ،‬وسلم تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فقـد روى البخاري ومسـلم عـن أبـ سـعيد الدري‬ ‫رضـي ال عنـه قال‪ :‬قام رسـول ال فخطـب الناس‪ ،‬فقال‪« :‬إن‬ ‫أخوف ما أخاف عليكم ما يرج ال لكم من بركات الرض‪ .‬قيل‪:‬‬ ‫‪216‬‬ ‫‪217‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ما بركات الرض؟ قال‪ :‬زهرة الدنيا »‪ .‬فقال له رجل‪ :‬هل يأت الي‬ ‫بال شر‪ .‬ف صمت ر سول ال ح ت ظن نت أ نه سينل عل يه‪ ،‬ث ج عل‬ ‫يسـح عن جـبينه‪ ،‬قال‪« :‬أيفن السفائل؟» قال‪ :‬أنـا‪ .‬ثـ قال‪« :‬ك يف‬ ‫قلت؟» قال‪ :‬يا رسول ال أو يأت ال ي بالشر‪ ،‬فقال رسول ال ‪:‬‬ ‫« إن ال ي ل يأ ت إل بال ي‪ ،‬إن م ا ين بت الرب يع ما يق تل حبطًا أو‬ ‫يلم إل آكلة ال ضر( ‪ )1‬أكلت ح ت إذا امتلت خا صرتاها ا ستقبلت‬ ‫عي الشمس فاجترت وثلطت وبالت‪ ،‬ث عادت فأكملت‪ .‬وإن هذا‬ ‫الال خضرة حلوة( ‪ )2‬من أخذه بقفه ووض عه ف ح قه فن عم العو نة‬ ‫هو‪ .‬وإن أخذه بغي حقه كان كالذي يأكل ول يشبع»‪.‬‬ ‫عباد ال هذا الد يث هو الَكَ مُ في ما يتلف ف يه الناس من أ مر‬ ‫الال‪ -‬فالناس منهم من يدح الال والثراء ويتمناه‪ ،‬ويسعى إليه جهده‬ ‫بالطرق اللل‪ .‬ومن هم من يتجاوز ذلك ويطل به ح ت بالطرق الرام‪،‬‬ ‫ويسـتوعب عمره ووق ته‪ ،‬وي صده عن طا عة موله‪ ،‬والسـعي لرضاه‪.‬‬ ‫ومـن الناس مـن يذم الثراء ول يهتـم بـه ويزهـد فيـه‪ .‬ومـن الناس مـن‬ ‫رضي با قسم ال له من فقر أو غن‪ ،‬وتوف من زهرة الدنيا‪.‬‬ ‫فهذا الد يث الشر يف ف يه توف ال نب على أم ته من ف تح‬ ‫الدنيـا عليهـم‪ -‬خاف عليهـم الفتتان باـ‪ ،‬وفسـر «بركات الرض»‬ ‫بزهرة الدن يا‪ -‬ومراده ما يف تح على أم ته من ها من ملك فارس والروم‬ ‫وغيهـم مـن الكفار الذيـن ورثـت هذه المـة ديارهـم وأموالمـ‬ ‫وأراضيهـم وزروعهـم وثارهـم وأنارهـم ومعادنمـ وغيـ ذلك ماـ‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() «الخضر» نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها‪.‬‬ ‫() تأخذ العيون بخضرتها‪ ،‬والقلوب بحلوتها‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫خرج ويرج من بركات الرض وكنوزها‪ ،‬وهذا من أعظم معجزات‬ ‫نبينا الدالة على أنه رسول ال حقًا‪ -‬فقد وقع ما أخب به عليه‬ ‫ال صلة وال سلم من ف تح زهرة الدن يا على أم ته‪ ،‬وشبه ها بالز هر ف‬ ‫طيـب رائحتـه‪ ،‬وحسـن منظره‪ ،‬وقلة بقائه‪ ،‬وأن وراءه ث رًا خيًا منـه‬ ‫وأبقى منه‪.‬‬ ‫وقوله‪« :‬إن ما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم » من أحسن‬ ‫التمثيـل التضمـن للتحذيـر مـن الدنيـا والنماك عليهـا والسـرة فيهـا‬ ‫وذلك أن الدابـة يروقهـا نبـت الربيـع فتأكله بأعينهـا‪ ،‬فرباـ هلكـت‬ ‫حبطًا‪ .‬وال بط انتفاخ ب طن الدا بة من المتلء‪ .‬وقوله‪« :‬أو يلم» أي‬ ‫يقارب القتل وهو الرض‪.‬‬ ‫وقوله‪« :‬إل آكلة الضفر» تثيـل بالبـل والبقرة الكلة مـن‬ ‫الع شب بقدر حاجت ها‪ ،‬ف هي ل ا أخذت حاجت ها من الر عى ترك ته‪،‬‬ ‫وأعر ضت ع ما يضر ها من الشره ف الر عى‪ ،‬وأقبلت على ما ينفع ها‬ ‫من استقبال الشمس الت يصل لا برارتا انضاج ما أكلته وإخراجه‪.‬‬ ‫ثـ إناـ اسـتفرغت بالبول والثلط( ‪ )1‬مـا جعتـه مـن الرعـى فـ بطنهـا‬ ‫فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها‪.‬‬ ‫و ف روا ية ل سلم فقال‪« :‬أخ ي هو؟» وفي ها دل يل على أن الال‬ ‫ليس بي على الطلق؛ بل منه خي‪ ،‬ومنه شر‪ .‬فالال ف حق الول‬ ‫خي‪ ،‬وف حق الثان شر‪.‬‬ ‫ـ فـ جعـ الدنيـا الريـص على‬ ‫فأول الديـث مثـل للشّ رِه ِ‬ ‫تصـيلها ي مع الدن يا من غ ي حل ها‪ ،‬ويب سها أو ي صرفها ف غ ي‬ ‫‪1‬‬ ‫() الثلط أكثر ما يقال للبل والبقر (النهاية)‪.‬‬ ‫‪218‬‬ ‫‪219‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حقها‪ ،‬إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه إذا مات من غي توبة‬ ‫م نه وإ صلح حال‪ .‬وإ ما أن يقارب مو ته ث يعا ف و هو من أفاق من‬ ‫هذه السكرة وتاب قبل موته‪.‬‬ ‫فالقتصـد مـن الدنيـا يأخـذ مـن حللاـ وهـو قليـل بالنسـبة إل‬ ‫حرامها قدر بلغته وحاجته‪ ،‬ويتزي من متاعها بأدونه وأخشنه‪ ،‬ث ل‬ ‫يعود إل الخـذ منهـا إل إذا نفـد مـا عنده وخرجـت فضلتـه‪ ،‬فل‬ ‫يوجـب له هذا الخـذ ضررًا ول مرضًا ول هلكًا‪ ،‬بـل يكون ذلك‬ ‫بل غًا له مدة حياته‪ ،‬ويعينه على التزود لخرته‪ ،‬وهذا إشارة إل مدح‬ ‫من أ خذ من حلل الدن يا بقدر بلغ ته وق نع بذلك ك ما قال ‪ « :‬قد‬ ‫أفلح من هداه ال إل ال سلم‪ ،‬وكان عي شه كفافًا‪ ،‬وق نع بذلك»‬ ‫وقال ‪ « :‬من كا نت الخرة ه ه ج عل ال غناه ف قل به‪ ،‬وج ع له‬ ‫شله وأتته الدنيا وهي راغمة‪ ،‬ومن كانت الدنيا هه جعل ال فقره‬ ‫ب ي عين يه وفرق عل يه شله‪ ،‬ول يأ ته من الدن يا إل ما قدر له» رواه‬ ‫الترمذي‪ .‬وروى أيضًا عن أب هريرة رضي ال عنه عن النب قال‪:‬‬ ‫« يقول ال تعال‪ :‬ابفن آدم تفرغ لعبادتف أمل صفدرك غنف وأسفد‬ ‫فقرك‪ ،‬وإن ل تف عل ملت يدك شغلً ول أ سد فقرك» وقال السـن‬ ‫رحهـ ال‪ :‬إن قومًا أكرموا الدن يا ف صلبتهم على الشـب‪ ،‬فأهينو ها‪،‬‬ ‫فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها‪ .‬وقال السيح ‪« :‬ل تتخذوا الدنيا ربا‬ ‫فتتخذكم عبيدًا‪ ،‬واعبوها ول تعمروها‪ ،‬واعلموا أن أصل كل خطيئة‬ ‫حب الدنيا‪ ،‬ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلً‪ ،‬ما سكنت قلب‬ ‫عبــد فــ الدنيــا إل التاط قلبــه منهــا بثلثــة‪ :‬شغــل‬ ‫ل ينفـك عناؤه‪ ،‬وفقـر ل يدرك غناؤه‪ ،‬وأمـل ل يدرك منتهاه‪ .‬الدنيـا‬ ‫طالبـة مطلوبـة؛ فطالب الخرة تطلبـه الدنيـا حتـ يسـتكمل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فيها رزقه‪ ،‬وطالب الدنيا تطلبه الخرة حت ييء الوت فيأخذ بعنقه‪،‬‬ ‫يا مع شر الواري ي ارضوا بدن ء الدنيا مع سلمة الدين‪ ،‬ك ما ر ضي‬ ‫أهل الدنيا بدنء الدين مع سلمة الدنيا»‪.‬‬ ‫ـر ال‬ ‫ـيكم وإياي بتقوى ال تعال‪ ،‬والتقوى امتثال أوامـ‬ ‫فأوصـ‬ ‫واجتناب نواهيه‪ ،‬والعتبار با ضرب الرسول من المثال لزهرة الياة‬ ‫الدنيا‪ ،‬وأصحبوا الغن بالشكر‪ .‬والشكر‪ :‬هو العتراف بالنعم باطنًا‪،‬‬ ‫والتحدث ب ا ظاهرًا‪ ،‬و صرفها ف طا عة م سديها‪ .‬وأع ظم الش كر أداء‬ ‫فرائض ال سلم وب عد ذلك نوا فل ال سلم ل ن قدر علي ها أو بعض ها‪.‬‬ ‫واعلموا أن الثروة أخ طر من الف قر‪ ،‬ولذلك خاف ها ال نب على أم ته‬ ‫ول ي ف علي هم من الف قر‪ ،‬وا ستعاذ من فتنته ما جيعًا‪ .‬وقال ب عض‬ ‫ال سلف‪ :‬ابتلي نا بالضراء ف صبنا‪ ،‬وابتلي نا بال سراء فلم ن صب‪ .‬واع تبوا‬ ‫بالبهيمـة التـ ضرباـ الرسـول مثلً فـ حسـن تصـرفها فـ معيشتهـا‪،‬‬ ‫ونفعها لنفسها‪ ،‬ودفعها الضرر عنها‪ .‬هذا وهي من يسبح ال ويمده‬ ‫وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبّ حُ بِحَمْدِهِ [السرَاء‪.]44 :‬‬ ‫اللهم اجعلنا جيعًا من يستمع القول فيتبع أحسنه‪ ،‬أولئك الذين‬ ‫هدا هم ال وأولئك هم أولو اللباب‪ .‬أعوذ بال من الشيطان الرج يم‬ ‫ِنف النّسفَاءِ وَالْبَنِي َ وَالْقَنَاطِيِ‬ ‫َاتف م َ‬ ‫ّاسف حُب ّ الشّ هَو ِ‬ ‫ّنف لِلن ِ‬ ‫زُي َ‬ ‫الْمُقَنْطَرَةِ مِ نَ الذّ هَ بِ وَالْفِضّ ةِ وَالْخَيْلِ الْمُ سَوّ مَةِ وَالْأَنْعَا مِ وَالْحَرْ ثِ‬ ‫ذَلِ كَ مَتَا عُ الْحَيَاةِ الدّ نْيَا وَاللّ هُ عِنْدَ هُ حُ سْنُ الْمَآَ بِ [آل عِمرَان‪:‬‬ ‫‪ ]14‬بارك ال ‪...‬‬ ‫‪220‬‬ ‫‪221‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل يزيـد الشاكريـن‪ ،‬ويثيـب الصـابرين‪ .‬أحده سـبحانه‬ ‫وحدي له من نعمه‪ ،‬وأسأله الزيد من فضله وكرمه‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬وأشهـد أن ممدًا‬ ‫عبده ورسـوله أشرف اللق أجعيـ‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك‬ ‫ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال من السلف الصال من اختار الال للجهاد‬ ‫بـه وصـرفه فـ وجوه الب كعبدالرحنـ بـن عوف وغيه مـن مياسـي‬ ‫ال صحابة‪ ،‬وكان ق يس بن سعد يقول‪ :‬الل هم إ ن من عبادك الذ ين ل‬ ‫ي صلحهم إل الغ ن‪ .‬ومن هم من اختار الف قر والتقلل كأ ب ذر وجا عة‬ ‫من ال صحابة م عه‪ ،‬وهؤلء نظروا إل آفات الدن يا وخشوا الفت نة ب ا‪.‬‬ ‫والفر قة الثال ثة ل ت تر شيئًا‪ ،‬بل كان اختيار ها ما اختاره ال ل ا ول‬ ‫خي نبينا بي أن يكون مَلِكًا نبيّا وبي أن يكون عبدًا رسولً وعلم‬ ‫أن ربـه يتار له أن يكون عبدًا رسـولً اختار مـا اختاره ال فكان‬ ‫اختياره ف جيع أموره تابعًا لختيار ال له‪.‬‬ ‫وكان يأخـذ الشهـر والشهريـن ل يوقـد فـ بيتـه نار وإناـ‬ ‫طعامهم ال سودان الت مر والاء‪ ،‬وكان صابرًا‪ ،‬ول يضع لبنة على لب نة‬ ‫ول قصبة على قصبة حت فارق الدنيا‪ .‬ث لا فتح ال عليه الفتوح كان‬ ‫ي سك له ولهله قوت سنة واحدة‪ ،‬وينفق ما عدا ذلك ف سبيل ال‪،‬‬ ‫وكان يعطي عطاء من ل يشى الفقر‪ .‬وكل خصلة من خصال الفضل‬ ‫قـد أحـل ال رسـوله فـ أعلهـا‪ ،‬وخصـه بذروة سـنامها‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وليس الفقراء الصابرون بأحق به من الغنياء الشاكرين‪ ،‬بل أحق‬ ‫الناس به منهم أعلمهم بسنته وأتبعهم لا‪.‬‬ ‫فارضوا عباد ال ب ا ق سم ال ل كم‪ ،‬واشكروا نع مة ال علي كم‪.‬‬ ‫ومن ابتلي بفقر فعليه أن يصب‪ ،‬قال عمر رضي ال عنه ‪ :‬وجدنا خي‬ ‫عيش نا بالصـب‪ .‬وروى العمـش عـن خيث مة‪ ،‬عـن عبدال «إن العبفد‬ ‫ليهم بالمر من التجارة حت إذا استيسرت له نظر ال إليه من فوق‬ ‫سبع سوات فيقول للملك‪ :‬اصرفه عنه فيصرفه عنه» فطريق الفقر‬ ‫والتقليل طريق سلمة مع الصب‪ ،‬وطريق الغن والسعة طريق عطب ف‬ ‫الغالب‪ .‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪222‬‬ ‫‪223‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الذنوب‬ ‫عقوباتا‪ ،‬وكيف اللص منها‬ ‫ال مد ل غا فر الذ نب وقا بل التوب شد يد العقاب‪ ،‬ذي الطول‬ ‫ل إله إل هو إليه الصي‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪،‬‬ ‫شهادة معترف بالذ نب والتق صي‪ ،‬سائل الع فو والزل فى وح سن الآب‬ ‫يوم الصـي‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله وأمينـه على وحيـه خيـ‬ ‫بشيـ‪ ،‬وأش فق نذيـر‪ .‬الل هم صل و سلم على عبدك ورسـولك ممـد‬ ‫وعلى آله وأصـحابه‪ ،‬نعـم الصـحب له‪ ،‬ونعـم القدوة لنـ طلب الفوز‬ ‫والنجاة ف يوم عسي‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فقد روى المام أحد رحه ال ف مسنده‪ ،‬من حديث‬ ‫ابن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬أن رسول ال قال‪« :‬إياكم ومقرات‬ ‫الذنوب‪ ،‬فإننف يتمعفن على الرجفل حتف يهلكنفه»‪ ،‬وضرب لنـ‬ ‫رسـول ال مثلً «كمثفل قوم نزلوا أرض فلة فحضفر صفنيع‬ ‫القوم‪ -‬يع ن إعداد طعام هم‪ -‬فج عل الر جل ينطلق فيج يء بالعود‬ ‫والر جل ي يء بالبعرة ح ت جعوا سوادًا‪ -‬يع ن ال طب‪ -‬وأججوا‬ ‫نارًا‪ ،‬وأنضجوا ما قذفوا فيها»‪.‬‬ ‫عباد ال هذا نبينا الصادق الصدوق الريص على هداية أمته‬ ‫وناتم يذر الصحابة الذين هم خيار أمته صغائر الذنوب‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫و يبي ل م عواقب ها الوخي مة‪ ،‬بل ويذر ج يع ال مة على أل سن‬ ‫الصحابة الأمورين بالتبليغ عنه كما ف هذا الديث الليل‪.‬‬ ‫و ف أحاد يث أ خر ب ي عقوبات ذنوب بعين ها‪ ،‬وذ كر ما أطل عه‬ ‫ال عليه من عذاب أصحابا ف قبورهم‪ ،‬أو ما ي صل ل م يوم بعثهم‬ ‫ونشورهم‪ ،‬أو بعد أن يستقر بم القرار‪.‬‬ ‫فمن ذلك‪ :‬الخذ من بيت الال بغي حق‪ ،‬ذكر المام أحد من‬ ‫حديث أب رافع رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬مر رسول ال بالبقيع‪ -‬مقابر‬ ‫فـ الدينـة‪ -‬فقال‪« :‬أف لك أف لك» فظننـت أنـه يردنـ قال‪« :‬ل‪.‬‬ ‫ولكفن هذا قفب فلن بعثتفه سفاعيًا إل آل فلن فَغَلّ نرة فدرع الن‬ ‫مثلها من نار»‪ .‬وروى المام أحد أيضًا عن أب رافع قال‪ :‬قال رسول‬ ‫ال ‪« :‬لا عرج ب مررت على قوم لم أظفار من ناس يمشون با‬ ‫وجوههم وصدورهم‪ .‬فقلت‪ :‬من هؤلء يا جبيل؟ فقال‪ :‬هؤلء الذين‬ ‫يأكلون لوم الناس ويقعون ف أعراضهم» يعن‪ :‬بالغيبة والبهت‪ .‬ومن‬ ‫ذلك شرب ال سكرات‪ ،‬ففي صحيح م سلم من حد يث جابر قال‪ :‬قال‬ ‫رسـول ال ‪« :‬كفل مفا أسفكر حرام‪ ،‬وإن على ال عهدًا لنف‬ ‫شرب السكر أن يسقيه من طينة البال‪ .‬قيل‪ :‬وما طينة البال قال‪:‬‬ ‫عصارة أهل النار» و«السكر» هو المر الكبى‪ ،‬وبابه المر الصغرى‪،‬‬ ‫وهو التنباك(‪ .)1‬ومن ذلك تصوير ذوات الرواح بالرسم أو بالنحت أو‬ ‫بالفتغراف(‪ )2‬فـ الصـحيحي عـن ابـن عمـر رضـي ال عنهمـا‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫() انظككر أحكام شربككه‪ ،‬وشرب الخمككر‪ ،‬والكلونيككا المسكككرة‪ ،‬والشيشككة‪ ،‬وأكككل‬ ‫الحشيش‪ ،‬والفيون‪ ،‬والقات‪ ،‬وشم الشمه‪( .‬ج ‪ 107 -12/68‬من فتاوى سماحة‬ ‫شيخنا)‪.‬‬ ‫() كما حقق ذلك العلماء الثقات‪.‬‬ ‫‪224‬‬ ‫‪225‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫قال رسول ال ‪« :‬إن الصورين يعذبون يوم القيامة‪ ،‬ويقال لم أحيوا‬ ‫مفا خلقتفم»‪ .‬والراضـي بالتصـوير وناصـب الصـور فـ الجالس ونوهـا‬ ‫كالفاعل ف أصل الثواب والعقاب‪ .‬ويستثن من التصوير الفتغراف ما يلزم‬ ‫به النسان من حفيظة نفوس ونوها مع كراهته للتصوير‪.‬‬ ‫ـي ظلمات يوم‬ ‫ومـن ذلك «الظال» فـ الال‪ ،‬والعرض‪ ،‬وهـ‬ ‫القيامـة‪ ،‬وسـبب لنقصـان السـنات‪ ،‬وتمـل السـيئات‪ ،‬وسـخط رب‬ ‫البيات‪ -‬ف صحيح البخاري من حديث أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬عن‬ ‫النب قال‪ « :‬من كانت له عند أخيه مظلمة ف مال أو عرض فليأته‬ ‫فليتحللها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ول درهم‪ ،‬فإن كانت‬ ‫له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا‪ ،‬وإل أخذ من سيئات هذا‬ ‫فطر حت عل يه ث طرح ف النار» و ف ال صحيح من حد يث أ ب هريرة‬ ‫رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب قال‪« :‬من أخذ شبًا من الرض بغي حقه‬ ‫خسف به يوم القيامة إل سبع أرضي» وف السند عن معاذ رضي ال‬ ‫عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬أوصـان رسـول ال فقال‪« :‬ل تشرك بال شيئًا وإن‬ ‫قتلت أو حرقفت‪ ،‬ول تعقفن والديفك وإن أمراك أن ترج مفن مالك‬ ‫وأهلك‪ ،‬ول تتركن صلة مكتوبة متعمدًا فإن من ترك صلة مكتوبة‬ ‫متعمدًا فقفد برأت منفه ذمفة ال‪ ،‬ول تشربفن خرًا فإنفه رأس كفل‬ ‫فاحشة‪ ،‬وإياك والعصية؛ فإن العصية تل سخط ال»‪.‬‬ ‫وذكـر النـب عقوبات عاجلة لذنوب معينـة‪ -‬نسـأل ال‬ ‫السلمة منها ومن كل ما يغضب ال‪ -‬روى ابن أب الدنيا عن أنس‬ ‫بن مالك رضي ال عنه أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لا‬ ‫الرجــل‪ :‬يــا أم الؤمنيــ حدثينــا عــن الزلزلة‪ .‬فقالت‪ :‬إذا‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫اسـتباحوا الزنـا‪ ،‬وشربوا المور‪ ،‬وضربوا بالعازف‪ ،‬غار ال فـ‬ ‫سائه فقال للرض‪ :‬تزلزل بم‪ ،‬فإن تابوا ونزعوا وإل أهدمها عليهم‪.‬‬ ‫وروى ابـن ماجـه‪ ،‬مـن حديـث عبدال بـن عمـر‪ ،‬قال‪ :‬كنـت عاشـر‬ ‫عشرة من الهاجر ين ع ند ر سول ال ‪ ،‬فأق بل علي نا ر سول ال‬ ‫بوجهـه فقال‪« :‬يفا معشفر الهاجريفن‪ :‬خسف خصفال أعوذ بال أن‬ ‫تدركوهفن‪ :‬مفا ظهرت الفاحشفة فف قوم حتف أعلنوا باف إل ابتلوا‬ ‫بالطواعيف والوجاع التف ل تكفن فف أسفلفهم الذيفن مضوا‪-‬‬ ‫والفاح شة الز نا واللواط‪ -‬ول ن قص قوم الكيال إل ابتلوا بال سني‬ ‫وشدة الؤ نة وجور ال سلطان‪ ،‬و ما م نع قوم زكاة أموال م إل منعوا‬ ‫الق طر من ال سماء‪ ،‬ولول البهائم ل يطروا‪ ،‬ول خ فر قوم الع هد إل‬ ‫سلط ال عليهم عدوًا من غيهم فأخذوا بعض ما ف أيديهم‪ ،‬وما ل‬ ‫تعمل أئمتهم با أنزل ال ف كتابه إل جعل ال بأسهم بينهم » وف‬ ‫معجم الطبان عن ابن عباس‪« :‬ول ظهر ف قوم القتل يقتل بعضهم‬ ‫بعضًا إل سفلط ال عليهفم عدوهفم‪ ،‬ومفا ترك قوم المفر بالعروف‬ ‫والنهي عن النكر إل ل ترفع أعمالم ول يسمع دعاؤهم» الديث‪.‬‬ ‫وللمعاصي من الثار القيبحة الذمومة الضرة بالقلب والبدن ف‬ ‫الدنيـا والخرة مـا ل يعلمـه إل ال‪ .‬وقـد ذكـر بعـض العلماء( ‪ )1‬مـن‬ ‫عقوباتا ستًا وأربعي عقوبة‪ -‬منها أنا تضعف ف القلب تعظيم الرب‬ ‫جل جلله‪ ،‬وترج العبد من دائرة اليان إل دائرة اٍلسلم‪ ،‬وتسبب‬ ‫الرعب والوف ف قلب العاصي‪ ،‬وتؤثر نقصان العقل‬ ‫‪1‬‬ ‫() وهو ابن القيم رحمه ال في الجواب الكافي‪.‬‬ ‫‪226‬‬ ‫‪227‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وفسـاده‪ ،‬وتحـق بركـة العمـر‪ ،‬وبركـة الرزق‪ ،‬وبركـة العلم‪،‬‬ ‫وبركـة العمـل‪ ،‬وبركـة الطاعـة‪ ،‬وهـي سـبب لوان العبـد على ال‬ ‫وسـقوطه مـن عينـه‪ ،‬وتطفـئ نار الغية والياء‪ ،‬وتسـلط العداء‪ .‬قال‬ ‫بتن صر لدانيال‪ :‬ما الذي سلطن على قو مك؟ قال‪ :‬ع ظم خطيئ تك‪،‬‬ ‫وظلم قو مي أنف سهم‪ .‬ومن ها‪ :‬أن الع بد ل يزال يرت كب الذنوب ح ت‬ ‫تون عل يه وت صغر ف قل به‪ ،‬قال ب عض ال سلف‪ :‬العا صي بر يد الك فر‪،‬‬ ‫ك ما أن القبلة بر يد الماع‪ ،‬والغناء بر يد الز نا‪ ،‬والن ظر بر يد الع شق‪،‬‬ ‫والرض بريد الوت‪.‬‬ ‫و من عقوبات ا أن ا ت رّئ على الع بد أهله وخد مه وجيا نه ح ت‬ ‫اليوان البه يم‪ ،‬قال ب عض ال سلف‪ :‬إ ن لع صي ال فأعرف ذلك ف‬ ‫خلق امرأت ودابت‪ .‬وترؤ عليه نفسه فتستأسد عليه وتصعب عليه فلو‬ ‫أرادها ل ي ل تطاوعه ول تنقد له‪ ،‬بل تسوقه إل ما فيه هل كه شاء‬ ‫أم أ ب‪ ،‬وتبا عد ع نه اللك الو كل به الذي هو ول يه وأن صح اللق له‪،‬‬ ‫وتد ن منه عدوه وأغش اللق وأعظمهم ضررًا له وهو الشيطان؛ فإن‬ ‫العبـد إذا عصـى ال تباعـد عنـه اللك بقدر تلك العصـية‪ ،‬حتـ إنـه‬ ‫يتبا عد بالكذ بة الواحدة م سافة م يل من ن ت ري ه ك ما جاء ذلك ف‬ ‫بعـض الثار‪ ،‬فكيـف باـ هـو أكـب مـن ذلك وأفحـش‪ .‬وقال بعـض‬ ‫السـلف‪ :‬إذا ركـب الذكـر الذكـر عجـت الرض إل ال‪ ،‬وهربـت‬ ‫اللئكة إل ربا‪ ،‬وشكت إليه عظم ما رأت‪ .‬وقال بعض السلف‪ :‬إذا‬ ‫أصـبح ابـن آدم ابتدره اللك والشيطان‪ ،‬فإن ذكـر ال وكـبه وحده‬ ‫وهلله طرد اللك الشيطان وتوله‪ ،‬وإن افتتـح بغيـ ذلك ذهـب اللك‬ ‫عنه وتوله الشيطان‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ومنهـا أن العبـد إذا وقـع فـ شدة أو كربـة أو بليـة خانـه قلبـه‬ ‫ول سانه وجوار حه‪ -‬فل ينجذب قل به للتو كل على ال تعال والنا بة‬ ‫إل يه والتضرع والنك سار ب ي يد يه‪ ،‬ول يطاو عه ل سانه لذكره‪ ،‬وإن‬ ‫ذكره بلسانه ل يمع بي قلبه ولسانه‪ ،‬ولو أراد من جوارحه أن تعينه‬ ‫بطاعة تدفع عنه ل تنقد له ول تطاوعه‪ .‬وقد يونه قلبه ولسانه عند‬ ‫الحتضار والنتقال إل ال تعال‪ ،‬فرباـ تعذر عليـه النطـق بالشهادة‬ ‫ك ما شا هد الناس كثيًا من الحتضر ين ق يل لحد هم‪ :‬قل ل إله إل‬ ‫ال‪ .‬فج عل يهذي بالغناء والعزف‪ ،‬ث ق ضى ول يقل ها‪ .‬وق يل لب عض‬ ‫لعـب القمار والعشاق العشـق الحرم‪ ،‬فأجابوا بالواب السـيئ الذي‬ ‫اسـتول على مشاعرهـم ول يقولوا ل إله إل ال عنـد آخـر نفـس‪.‬‬ ‫فك يف يو فق ل سن الات ة من أغ فل قل به عن ذ كر ال وات بع هواه‬ ‫وكان أمره فرطًا‪.‬‬ ‫و قد يتأ خر تأث ي الذ نب فين سى ث ين قض ولو ب عد ح ي ك ما‬ ‫ينقـض السـهم وكمـا ينقـض الرح الندمـل على الغـش والدغـل‪ ،‬أو‬ ‫يكون ضرره فـ الديـن‪ .‬وإن أخـر له فـ الخرة فعذاب الخرة أشـد‬ ‫وأبقى‪ .‬ذكر عبدال بن أحد عن ابن سيين أنه لا ركبه الدين اغتم‬ ‫لذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إنـ لعرف هذا الغـم بذنـب أصـبته منـذ أربعيـ سـنة‪.‬‬ ‫ون ظر ب عض العباد إل صب‪ ،‬فتأ مل ما سنه‪ ،‬فأ ت ف منا مه‪ ،‬وق يل له‪:‬‬ ‫لتجدن غبها بعد أربعي سنة‪.‬‬ ‫والؤمـن مـن ل يسـتصغر الذنـب‪ ،‬قال بعـض السـلف ويروى‬ ‫مرفوعًـا‪« :‬ل تنظروا فف صفغر الذنوب‪ ،‬ولكفن انظروا على مفن‬ ‫اجترأت» وقال الفضيل بن عياض‪ :‬بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم‬ ‫‪228‬‬ ‫‪229‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ع ند ال‪ ،‬وبقدر ما يع ظم عندك ي صغر ع ند ال‪ .‬وذ كر البخاري ف‬ ‫صحيحه عن ابن م سعود ر ضي ال عنه قال‪« :‬إن الؤمن يرى ذنو به‬ ‫كأناف فف أصفل جبفل ياف أن يقفع عليفه‪ ،‬وإن الفاجفر يرى ذنوبفه‬ ‫كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار»‪.‬‬ ‫عباد ال!! قد يلم ال سلم بب عض الذنوب ال صغائر أو الكبائر ث‬ ‫ي ن ال عل يه بالتو بة فيقلع عن الذ نب ويندم على فعله ويعزم على أل‬ ‫يعود إليه فينمحي عنه أثر الذنب حت كأنه ل يذنب‪ .‬وقد يكون بعد‬ ‫التوبة خيًا منه قبل الطيئة‪ ،‬كما حصل لدم ‪ ،‬وذلك ب سب قوة‬ ‫التوبة وكمالا‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واحر صوا على سلمة أنف سكم من صغائر‬ ‫الذنوب وكبائر ها‪ ،‬و من أذ نب فليع جل التو بة ليع يش سعيدًا ف هذه‬ ‫الياة‪ ،‬ويفوز بالسـلمة والسـن بعـد المات‪ ،‬وتلك أحسـن الغايات‬ ‫والمنيات‪.‬‬ ‫روى المام أح د والترمذي عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه قال‪:‬‬ ‫قال ر سول ال ‪ « :‬إن الؤ من إذا أذ نب ذنبًا ن كت ف قل به نك تة‬ ‫سفوداء‪ ،‬فإن تاب ونزع واسفتغفر صفقل قلبفه»‪ .‬أعوذ بال مـن‬ ‫الشطيان الرج يم‪ :‬وَإِنّ ي لَغَفّارٌ لِمَ نْ تَا بَ وَآَمَ نَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمّ‬ ‫اهْتَدَى [طه‪ .]82 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل نمده ونسـتعينه ونسـتغفره‪ ،‬ونعوذ بال مـن شرور‬ ‫أنف سنا و من سيئات أعمال نا‪ ،‬من يهده ال فل م ضل له‪ ،‬و من يضلل‬ ‫فل هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ .‬وأشهد أن‬ ‫ممدًا عبده ور سوله‪ .‬من ي طع ال ور سوله ف قد ر شد‪ ،‬من ي عص ال‬ ‫ورسوله فقد غوى‪ ،‬ومن غوى فلن يضر إل نفسه ولن يضر ال شيئًا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال سأل ر جل ال سن الب صري فقال‪ :‬يا أ با‬ ‫سـعيد كيـف نصـنع بجالسـة قوم يوفونـا حتـ تكاد قلوبنـا تنقطـع؟‬ ‫فقال‪ :‬وال لن تصحب أقوامًا يوفونك حت تدرك أمنًا خي لك من‬ ‫أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حت تلحقك الخاوف‪.‬‬ ‫و قد و صف ال أ هل ال سعادة بالح سان مع الوف‪ ،‬وو صف‬ ‫الشقياء بالساءة مع المن‪.‬‬ ‫ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم ف غاية ال د ف العمل‬ ‫مع غا ية الوف‪ ،‬ون ن جع نا ب ي التق صي بل التفر يط وال من‪ .‬ذ كر‬ ‫المام أح د‪ :‬أن أ با ب كر ال صديق ر ضي ال ع نه كان ي سك بل سانه‪،‬‬ ‫ويقول‪ :‬هذا الذي أورد ن الوارد‪ .‬وأتى بطائر فأخذ يقلبه ث قال‪ :‬ما‬ ‫صيد من صيد ول قطعت من شجرة إل با ضعيت من التسبيح‪ .‬وقرأ‬ ‫عمر بن الطاب رضي ال عنه «سورة الطور» إل أن بلغ قوله‪ :‬إِنّ‬ ‫عَذَابَ رَبّ كَ لَوَاقِعٌ [الطور‪.]7 :‬‬ ‫فبكــى واشتــد بكاؤه حتــ مرض وعادوه‪ .‬وقال لبنــه‬ ‫‪230‬‬ ‫‪231‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ف سياق الوت‪ :‬وي ك ضع خدي على الرض ع ساه أن يرح ن‪ .‬ث‬ ‫قال‪ :‬ويل أمي إن ل يغفر ل ثل ثًا‪ ،‬ث قضى‪ .‬وقال له ابن عباس مُ صّر‬ ‫بك المصار‪ ،‬وفتح بك الفتوح‪ ،‬وفعل‪ ،‬وفعل فقال‪« :‬وددت أن أنو‬ ‫ل أجر ول وزر»‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وســيوا إل ال بيــ الوف والرجاء‬ ‫َبف‬ ‫ُمف أَقْر ُ‬ ‫ِمف الْوَسفِيلَةَ أَيّ ه ْ‬ ‫ُونف إِلَى رَبّ ه ُ‬ ‫ُونف يَبْتَغ َ‬ ‫ِينف يَدْع َ‬ ‫ِكف الّ ذ َ‬ ‫أُولَئ َ‬ ‫وَيَرْجُو نَ رَحْمَتَ هُ وَيَخَافُو نَ عَذَابَ هُ إِنّ عَذَا بَ رَبّ كَ كَا نَ مَحْذُورًا‬ ‫[السرَاء‪ . )1 (]57 :‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() من الجواب الكافي‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أبو بكر الصديق‬ ‫أفضليته‪ ،‬وأحقيته باللفة الول‬ ‫( ‪)1‬‬ ‫المـد ل الواحـد القهار‪ ،‬يلق مـا يشاء ويتار‪ ،‬اختار ممدًا‬ ‫واختار له أصحابًا هم الهاجرون والنصار‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له القائل فـ كتابـه‬ ‫الكر ي‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّ لُو نَ مِ نَ الْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْ صَارِ وَالّ ذِي نَ‬ ‫اتّ بَعُوهُ مْ بِإِحْ سَانٍ رَضِ يَ اللّ هُ عَنْهُ مْ وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ‬ ‫تَجْرِي تَحْتَهَفا الْأَنْهَارُ [التّوبَـة‪ ]100 :‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ور سوله القائل‪« :‬أ صحاب كالنجوم» و«ل ت سبوا أ صحاب‪ ،‬فوالذي‬ ‫نف سي بيده لو أن أحد كم أن فق م ثل أ حد ذهبًا ما بلغ مدّ أحد هم‬ ‫ول ن صيفه» «علي كم ب سنت و سنة اللفاء الراشد ين الهدي ي من‬ ‫بعدي» «اقتدوا باللذيففن مففن بعدي أبفف بكففر وعمففر»‪.‬‬ ‫اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه الذين‬ ‫آمنوا بـه ووقروه‪ ،‬ونصـروه واتبعوا النور الذي أنزل معـه أولئك هـم‬ ‫الفلحون‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فإن خيـ اللق ممـد‬ ‫‪1‬‬ ‫‪ ،‬وخيـ أمـة ممـد‬ ‫() قلت‪ :‬وقكد جمعكت فكي فضائله وأحقيتكه بالخلفكة مكن منهاج السكنة كتابًا طبكع‬ ‫بهذا العنوان (أبو بكر الصديق أفضل الصحابة‪ ،‬وأحقهم بالخلفة) وكتابًا آخر‬ ‫منككه بعنوان (آل رسككول ال وأولياؤه) ط ‪1412‬هككك ذكرت فيككه عقائدهككم‬ ‫وفضائلهم وفقههم‪ ،‬وفقهاءهم‪ ،‬ومن خالفهم‪.‬‬ ‫‪232‬‬ ‫‪233‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أ صحابه‪ ،‬وخ ي أ صحابه أ بو ب كر‪ ،‬ث ع مر‪ ،‬ث عثمان‪ ،‬ث علي ر ضي‬ ‫ال عنهم أجعي‪ .‬هذا ترتيبهم ف الفضل ودرجتهم ف اللفة‪.‬‬ ‫وبيان فضائل كل ال صحابة‪ -‬يا عباد ال‪ -‬و ما كانوا عل يه من‬ ‫الحبة والتعاون على الق ودفع الطعن عنهم من الدين‪ ،‬خصوصًا إذا‬ ‫فشـا الطعـن فيهـم مـن البتدعيـ أو عباد القبور أو اللحديـن‪ ،‬لن‬ ‫ال صحابة هم حلة ر سالة ال سلم إل ال مة‪ ،‬فالط عن في هم ط عن ف‬ ‫الرسـول‪ ،‬وسـوء ظـن بالرسـل تعال وتقدس‪ ،‬قال المام مالك رحهـ‬ ‫وال وغيه من أ هل العلم‪ :‬هؤلء طعنوا ف أ صحاب ر سول ال ‪،‬‬ ‫إنا طعنوا ف أصحابه ليقول القائل‪ :‬رجل سوء كان له أصحاب سوء‪،‬‬ ‫ولو كان رجلً صالًا لكان أصحابه صالي‪ .‬اهـ‪.‬‬ ‫و قد قال ال تعال ف الثناء علي هم‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّ لُو نَ مِ نَ‬ ‫ُمف‬ ‫ّهف عَنْه ْ‬ ‫ِيف الل ُ‬ ‫ُمف بِإِحْسفَانٍ رَض َ‬ ‫ِينف اتّبَعُوه ْ‬ ‫ِينف وَالْأَنْصفَارِ وَالّذ َ‬ ‫الْمُهَاجِر َ‬ ‫وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِي نَ فِيهَا أَبَدًا‬ ‫ِيمف [التوبـة‪ ]100 :‬قال الشعـب‪ :‬وَالسفّابِقُونَ‬ ‫ِكف الْفَوْزُ الْعَظ ُ‬ ‫ذَل َ‬ ‫ِينف وَالْأَنْصفَارِ مـن أدرك بيعـة الرضوان عام‬ ‫ِنف الْمُهَاجِر َ‬ ‫ُونف م َ‬ ‫الْأَوّل َ‬ ‫الديبية‪ .‬وقال ممد بن كعب القرظي‪ :‬مر عمر بن الطاب برجل يقرأ‬ ‫هذه ال ية‪ :‬وَال سّابِقُونَ الْأَوّلُو نَ فأ خذ بيده فقال‪ :‬من أقرأك هذا؟‬ ‫فقال‪ :‬أب بن كعب‪ .‬فقال‪ :‬ل تفارقن حت أذهب بك إليه‪ ،‬فلما جاءه‬ ‫قال ع مر‪ :‬أ نت أقرأت هذا هذه اليـة هكذا؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬قال‪ :‬و سعتها‬ ‫من ر سول ال ؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬قال‪ :‬ل قد كن تُ أُرى أ نا رفع نا رف عة ل‬ ‫يبلغها أحد بعدنا‪ .‬فقال أبّ‪ :‬تصديق هذه الية ف أول سورة المعة‬ ‫وَآَخَرِي نَ مِنْهُ مْ لَمّ ا يَلْحَقُوا بِهِ مْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِي مُ [الُمْعَة‪:‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪.]3‬‬ ‫و ف سورة ال شر وَالّ ذِي نَ جَاءُوا مِ نْ بَعْدِهِ مْ يَقُولُو نَ رَبّنَا‬ ‫اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّ ذِي نَ سَبَقُونَا بِالْإِيَا نِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّا‬ ‫لِلّ ذِي نَ آَمَنُوا رَبّنَا إِنّ كَ رَءُو فٌ رَحِي مٌ [ال شر‪ ]10 :‬و ف سورة‬ ‫النفال‪ :‬وَالّ ذِينففَ آَمَنُوا مِنففْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمففْ‬ ‫فَأُولَئِ كَ مِنْكُ مْ [النفال‪ .]75 :‬فقد أخب ال العظيم أنه قد رضي‬ ‫عن السابقي الولي من الهاجي والنصار والذين اتبعوهم بإحسان‪،‬‬ ‫وهـو تبارك وتعال ل يرضـى إل عمـن علم أنـه يوت على السـلم‬ ‫والحسـان‪ .‬فيـا ويـل مـن سـبهم‪ ،‬أو أبغضهـم‪ ،‬أو أبغـض أو سـب‬ ‫بعض هم‪ ،‬ول سيما سيد ال صحابة ب عد الر سول وخي هم وأفضل هم أع ن‬ ‫ال صديق ال كب‪ ،‬واللي فة الع ظم‪ ،‬أ با ب كر ر ضي ال ع نه ؛ ف قد نط قت‬ ‫بفضله اليات والخبار‪ ،‬واجت مع على بيع ته الهاجرون والن صار ثَانِ يَ‬ ‫اثْنَيْ ِن ِإذْ هُمَا فِي اْلغَارِ [التّوبَة‪ُ ]40 :‬دعْ يَ إل السلم فما تلعثم ول‬ ‫أب‪ ،‬وسار على الحجة فما زل ول كبا‪ ،‬وصب من مُدى العدى على وقع‬ ‫الش با‪ ،‬وأك ثر ف النفاق ح ت تلل بالع با‪ ،‬تال ل قد زاد على ال سبك ف‬ ‫كل دينار دينار‪ :‬ثَانِ َي اثْنَيْ نِ ِإ ْذ هُمَا فِي اْلغَارِ من كان قرين النب ف‬ ‫شبا به؟ من الذي سبق إل اليان من أ صحابه؟ من الذي أف ت بضر ته‬ ‫سريعًا ف جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي‬ ‫ضاج عه ب عد الوت ف ترا به؟ فاعرفوا حق الار‪ .‬ن ض يوم الردة بف هم‬ ‫واستيقاظ‪ ،‬وأبان من الكتاب معنّ دق عن حديد اللاظ‪ ،‬فالحب يفرح‬ ‫ح ّمدٌ رَ سُو ُل اللّ هِ وَالّذِي َن َمعَ هُ أَ ِشدّاءُ عَلَى‬ ‫بفضائله‪ ،‬والب غض يغتاظ مُ َ‬ ‫الْ ُكفّارِ [الفَتْح‪ ]29 :‬ف هو ثا ن اثن ي ف ال سلم‪ ،‬و ف الن فس‪ ،‬و ف‬ ‫‪234‬‬ ‫‪235‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الزهد‪ ،‬وف الصحبة‪ ،‬وف اللفة‪ ،‬وف العمر‪ ،‬وف سبب الوت؛ لن‬ ‫الرسول مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات‪ .‬أسلم على يديه‬ ‫من العشرة‪ :‬عثمان‪ ،‬وطل حة‪ ،‬والزب ي‪ ،‬وعبدالرح ن بن عوف‪ ،‬و سعد‬ ‫بن أب وقاص‪ .‬وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما‬ ‫كان السـلم إليهـا‪ ،‬قال النـب ‪« :‬مفا نفعنف مال مفا نفعنف مال أبف‬ ‫بكر»‪ .‬كم وف الرسول بالال والنفس‪ ،‬وكان أخص به ف حياته‪ ،‬وهو‬ ‫ضجي عه ف الر مس‪ ،‬فضائله جليلة و هي خل ية من الل بس‪ ،‬يا عجبًا من‬ ‫يغ طي ضوء الش مس ف ن صف النهار‪ ،‬ل قد دخل غارًا ل ي سكنه ل بث‪،‬‬ ‫فاسـتوحش الصـديق مـن خوف الوادث‪ ،‬فقال الرسـول ‪« :‬مفا نظفر‬ ‫باثنيف وال الثالث» فنلت السـكينة وزال القلق وارتفـع خوف الادث‪،‬‬ ‫فقام مؤذن الن صر ينادي على منابر الم صار‪ :‬ثَانِ يَ اثْنَيْ ِن ِإذْ هُمَا فِي‬ ‫الْغَارِ ح به وال رأس النيف ية‪ ،‬وبغ ضه يدل على خ بث الطو ية‪ ،‬ف هو‬ ‫خيـ الصـحابة والقرابـة‪ ،‬والجـة على ذلك قويـة‪ ،‬قال ابـن النفيـة‬ ‫مؤكدًا صحة إمامته‪« :‬وال ما أحببنا لوانا‪ ،‬ولكن أخذنا بقول علي‬ ‫وكفانا‪ :‬رضيك رسول ال لديننا أفل نرضاك لدنيانا»‪.‬‬ ‫خلفته انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له‪ ،‬والنب أخب‬ ‫بوقوعها على سبيل المد لا والرضا با‪ ،‬وأمر بطاعته وتفويض المر‬ ‫له‪ ،‬ودل المة وأرشدها إل بيعته‪ ،‬قال ‪ « :‬رأيت كأن على قليب‬ ‫أنزع من ها‪ ،‬فأ تى ا بن أ ب قحا فة فنع ذنوبًا أو ذنوب ي» وقال ‪:‬‬ ‫« ادعي ل أباك حت أكتب لب بكر كتابًا ل يتلف عليه الناس من‬ ‫بعدي‪ .‬ث قال‪ :‬يأ ب ال والؤمنون إل أ با ب كر» وقال ‪ « :‬اقتدوا‬ ‫باللذيفن مفن بعدي أبف بكفر وعمفر» وتقديهـ فـ الصـلة‪ ،‬وقوله‪:‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫« سدوا كل خوخة ف السجد إل خوخة أب بكر»‪.‬‬ ‫وغ ي ذلك من الحاد يث‪ .‬والقرآن قد دل على ال ب بوقوع ها‬ ‫ف وَعَمِلُوا الصفّالِحَاتِ‬ ‫ف آَمَنُوا مِنْكُم ْ‬ ‫ف الّ ذِين َ‬ ‫قال تعال‪ :‬وَعَدَ اللّه ُ‬ ‫لَيَ سْتَخْلِفَنّ هُمْ فِي الْأَرْ ضِ [النّور‪ ]55 :‬وأ مر بطاع ته ف قوله‪:‬‬ ‫ُسفلِمُونَ‬ ‫ُمف أَوْ ي ْ‬ ‫ْسف شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَه ْ‬ ‫ْمف أُولِي بَأ ٍ‬ ‫سفتُدْعَوْنَ إِلَى قَو ٍ‬ ‫َ‬ ‫[الفَتْح‪ ]116 :‬وأر شد ال مة إل ذلك فقال‪ :‬وَ سَيُجَنّ بُهَا الْأَتْقَى *‬ ‫الّ ذِي يُؤْتِي مَالَ هُ يَتَزَكّ ى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَ هُ مِ نْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلّا‬ ‫ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّ هِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل‪.]20 -17 :‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وانظروا إل اسـتخلف النـب لبـ بكـر فـ‬ ‫هذه الحاد يث وشواهد ها من اليات القرآن ية‪ ،‬ث وقوع البي عة من‬ ‫الؤمن ي له عن طواع ية واختيار‪ ،‬ل عن إكراه ول بذل مال‪ ،‬وظهور‬ ‫مصداق قول رسول ال ‪ « :‬يأب ال والؤمنون إل أبا بكر » ث هو‬ ‫قد زهد ف اللفة عرضها على عمر وأب عبيدة فأبيا‪ ،‬ث ما كان ف‬ ‫خلف ته من ثبات الناس على الد ين‪ ،‬وانتشاره وق مع الرتد ين‪ ،‬ث إ نه‬ ‫اكتفى بدرهي يتقاضاها كل يوم حي اشتغل باللفة عن التكسب‬ ‫لنفسه وعياله‪.‬‬ ‫فهذا مسـلك أهـل السـنة والماعـة فـ فضله‪ ،‬واعتباره الليفـة‬ ‫الول بعد رسول ال ‪ ،‬وهو السلك السديد‪ ،‬والقول الرشيد‪ ،‬سأل‬ ‫هارون الرش يد مالك بن أ نس رح ه ال‪ :‬ما منلة أ ب ب كر وع مر من‬ ‫رسول ال ؟ فقال‪ :‬أف شك أنت يا أمي الؤمني؟ منلتهما منه ف‬ ‫حيا ته كمنلته ما م نه ب عد وفا ته قبا م عه‪ .‬فقال‪ :‬شفيت ن يا مالك‪،‬‬ ‫شفيتن يا مالك‪ .‬اللهم ارض عن أب بكر وعن سائر أصحاب نبيك‬ ‫‪236‬‬ ‫‪237‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أجعي‪.‬‬ ‫أعوذ بال من الشطيان الرجيم مُحَمّ دٌ رَ سُولُ اللّ هِ وَالّ ذِي نَ مَعَ هُ‬ ‫أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُ مْ تَرَاهُ مْ رُكّ عًا سُجّ دًا يَبْتَغُو نَ فَضْلًا مِ نَ‬ ‫اللّ هِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِ مْ مِ نْ أَثَرِ ال سّ جُودِ ذَلِ كَ مَثَلُهُ مْ فِي‬ ‫َاسفتَغْلَظَ‬ ‫َهف ف ْ‬ ‫َهف فَآَزَر ُ‬ ‫َجف شَطْأ ُ‬ ‫ْعف أَخْر َ‬ ‫ُمف فِي الْإِنْجِيلِ كَزَر ٍ‬ ‫التّ وْرَاةِ وَمَثَلُه ْ‬ ‫فَا سْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِ بُ الزّ رّا عَ لِيَغِي ظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّ هُ الّ ذِي نَ‬ ‫آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح‪.]29 :‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل م عز من أطا عه واتقاه‪ ،‬ومذل من أضاع أمره وع صاه‬ ‫وال مد ل الذي أ يد ال سلم بأ ب ب كر ف حياة ر سوله‪ ،‬وحف ظه به‬ ‫بعد وفاته‪ ،‬فرضي ال عنه وأرضاه‪.‬‬ ‫وأشهــد ان ل إله إل ال وحده ل شريــك له وفــ بوعده؛‬ ‫فاستخلف أبا بكر ف الرض ومكن له دينه ولصحبه‪ ،‬ودعا رضي ال‬ ‫عنـه العراب إل قتال فارس والروم والرتديـن مـن بنـ حنيفـة‬ ‫فاستجابوا لمره‪ .‬وهو الذي وصفه ال بأنه الْأَتْقَى فهذا ترشيح‬ ‫له من ربه للخلفة العظمى‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله اصطفاه ال واجتباه‪ .‬اللهم صلّ‬ ‫وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬لن ستمع إل ع مر بن الطاب ر ضي ال‬ ‫عنه يصف لنا ليلة ويومًا من أيام أب بكر ولياليه‪ -‬روى الطلمنكي من‬ ‫حد يث ميمون بن مهران‪ ،‬قال‪ :‬كان أ بو مو سى الشعري إذا خ طب‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بالبصـرة يوم المعـة وكان واليهـا صـلى على النـب ‪ ،‬ثـ‬ ‫ث ن بع مر بن الطاب يد عو له‪ .‬فقام ض بة بن م صن العني‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫فأين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه‪ -‬يعن أبا بكر رضي ال‬ ‫عنه ما‪ -‬ث ق عد‪ .‬فل ما ف عل ذلك مرارًا أم كه أ بو مو سى فك تب أ بو‬ ‫موسى إل عمر رضي ال عنه ‪ :‬أن ضبة يطعن علينا‪ ،‬ويفعل‪ ،‬فكتب‬ ‫عمر إل ضبة أن يرج إليه‪ ،‬فبعث به أبو موسى‪ ،‬فلما قدم ضبة الدينة‬ ‫على ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬فقال الا جب‪ :‬ض بة العني بالباب‪ .‬فأذن‬ ‫له‪ ،‬فل ما د خل عل يه قال‪ :‬ل مرحبًا بض بة‪ ،‬ول أهلً‪ .‬قال ض بة‪ :‬أ ما‬ ‫الر حب ف من ال تعال‪ .‬وأما ال هل فل أهل ول مال‪ .‬فيم استحللت‬ ‫إشخاصي من بصرى بل ذنب أذنبت‪ ،‬ول شيء أتيت؟ قال‪ :‬ما الذي‬ ‫شجر بينك وبي عاملك؟ قلت‪ :‬الن أخبك يا أمي الؤمني‪ -‬إنه كان‬ ‫إذا خ طب ح د ال وأث ن عل يه‪ ،‬و صلى على ال نب ‪ ،‬ث ث ن يد عو‬ ‫لك‪ ،‬فغاضب ن ذلك م نه‪ ،‬وقلت‪ :‬أ ين أ نت من صاحبه تفضله عل يه؟‬ ‫فك تب إل يك يشكو ن‪ .‬قال فاند فع ع مر ر ضي ال ع نه باكيًا‪ ،‬و هو‬ ‫يقول‪ :‬أنت وال أوفق منه وأرشد منه‪ ،‬فهل أنت غافر ل ذنب يغفر‬ ‫ال لك؟ قلت‪ :‬غ فر ال لك يا أم ي الؤمن ي؛ ث اند فع باكيًا يقول‪:‬‬ ‫وال لليلة من أ ب ب كر ويوم خ ي من ع مر وآل ع مر‪ -‬ف هل لك أن‬ ‫أحد ثك بيو مه وليل ته؟ قلت‪ :‬ن عم يا أم ي الؤمن ي‪ ،‬قال‪ :‬أ ما «ليل ته»‬ ‫فإن ر سول ال ل ا خرج من م كة هاربًا من الشرك ي خرج ليلً‬ ‫فتب عه أ بو ب كر‪ ،‬فج عل ي شي مرة أما مه‪ ،‬ومرة خل فه‪ ،‬ومرة عن يي نه‪،‬‬ ‫ومرة عن يساره‪ .‬فقال رسول ال ‪ « :‬ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف‬ ‫هذا من فعلك»‪ .‬فقال‪ :‬يا ر سول ال‪ :‬أذ كر الر صد فأكون أما مك‪،‬‬ ‫‪238‬‬ ‫‪239‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأذكر الطلب فأكون خلفك‪ ،‬ومرة عن يينك‪ ،‬ومرة عن يسارك‪ ،‬ل‬ ‫آ من عليك‪ .‬فم ضى ر سول ال على أطراف أ صابعه ح ت حف يت‪،‬‬ ‫فلما رأى أبو بكر رضي ال عنه أنا حفيت حله على عاتقه حت أتى‬ ‫بـه فـم الغار( ‪ )1‬فأنزله‪ .‬ثـ قال‪ :‬والذي بعثـك بالقـ ل تدخله حتـ‬ ‫أدخله‪ ،‬فل ما دخل وجد الصديق أجحار الفاعي‪ ،‬فلما رأى أبو بكر‬ ‫ذلك ألقمـه عقبـه‪ ،‬فجعلن يلسـعنه ويضربنـه‪ ،‬وجعلت دموعـه تتحادر‬ ‫على خده من أل ما يد‪ ،‬ورسول ال يقول‪ :‬لَا تَحْزَ نْ إِنّ اللّ هَ‬ ‫مَعَنَا فأنزل ال سكينته وطمأنينته على أب بكر‪ .‬فهذه ليلته‪.‬‬ ‫وأ ما «يو مه»‪ -‬فل ما تو ف ر سول ال وارتدت العرب‪ ،‬فقال‬ ‫بعضهم‪ :‬نصلي ول نزكي‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬نزكي‪ ،‬ول نصلي‪ .‬فأتيته ل‬ ‫آلوه نصحًا‪ ،‬فقلت‪ :‬يا خليفة رسول ال تألف الناس وارفق بم‪ .‬فقال‬ ‫ل‪ :‬أجبار فـ الاهليـة‪ ،‬وخوار فـ السـلم؟! قبـض رسـول ال‬ ‫وارتفـع الوحـي‪ ،‬وال لو منعونـ عقالًا كانوا يؤدونـه إل رسـول ال‬ ‫لقاتلت هم عل يه‪ .‬فكان وال رش يد ال مر‪ .‬فهذا يو مه‪ .‬ث ك تب إل أ ب‬ ‫موسى يلومه( ‪.)2‬‬ ‫و عن جابر ر ضي ال ع نه قال‪ :‬ق يل لعائ شة ر ضي ال عن ها‪ :‬إن‬ ‫نا سًا يتناولون أ صحاب ر سول ال ح ت أ با ب كر وع مر‪ .‬فقالت‪:‬‬ ‫وما تعجبون من هذا‪ ،‬انقطع عنهم العمل فأحب ال أن ل يقطع عنهم‬ ‫الجر( ‪ . )3‬إن أحسن الديث‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫() غار ثور‪.‬‬ ‫() وحديث ضبة هذا من أشهر الحاديث منهاج ج(‪ ،)2‬ص(‪.)286 ،185‬‬ ‫() بدائع ج(‪ )4/217‬البداية والنهاية ج(‪.)3/187‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عمر بن الطاب‬ ‫فضائله‪ ،‬وعز السلم به‬ ‫المـد ل اللك الوهاب‪ ،‬هـو أعلم حيـث يعـل رسـالته ويتار‬ ‫لكـل نـب حوارييـ وأصـحاب‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريـك له أعـز السـلم بعمـر بـن الطاب‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسـوله أوصـى بالتمسـك بسـنته وسـنة اللفاء الراشديـن مـن بعده‪،‬‬ ‫صلى ال و سلم وبارك على عبده ور سوله ممـد‪ ،‬وعلى آله و صحبه‬ ‫الذين رضي ال عنهم ورضوا عنه‪ ،‬ومنهم أبو بكر وعمر‪ ،‬وكانا أول‬ ‫ال صحابة بالل فة بعده‪ ،‬وحازا ق صب ال سبق إل ق مم الفضائل‪ ،‬وقال‬ ‫النب ‪ « :‬لو كان نب بعدي لكان عمر»‪.‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـا عباد ال أوصـيكم وإياي بتقوى ال تعال وأداء‬ ‫حقـه‪ ،‬وامتثال أمـر نـبيه ‪ ،‬والتصـديق بأخباره‪ ،‬ومعرفـة فضائل‬ ‫أصحابه‪ ،‬والجتهاد ف القتداء بم ومبتهم فالرء مع من أحب‪ ،‬وإن‬ ‫ل يلحق به‪.‬‬ ‫وإن أجل أصحاب رسول ال هو أبو بكر‪ ،‬وبعد أب بكر ف‬ ‫الفضل واللفة عمر‪ .‬ومعرفة فضائلهما من السنة‪ ،‬بل هي عند بعض‬ ‫العلماء‪ ،‬من الواجب‪ .‬وقال بعض العلماء‪ :‬إذ أردت أن يطيب الجلس‬ ‫فأفيضوا ف ذكر عمر‪.‬‬ ‫‪240‬‬ ‫‪241‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عباد ال لقد دعا النب ربه أن يهدي عمر بن الطاب ويعز‬ ‫السـلم به فأجاب ال دعو ته‪ ،‬ورأى ال صحابة م صداق هذه الدعوة‬ ‫منذ أسلم عمر إل أن استشهد رضي ال عنه ؛ فعن نافع عن ابن عمر‬ ‫رضـي ال عنهمـا‪ ،‬أن النـب قال‪« :‬اللهفم أعفز السفلم بأحفب‬ ‫الرجل ي إل يك‪ :‬بع مر بن الطاب‪ ،‬أو بأ ب ج هل بن هشام‪ ،‬وكان‬ ‫أحبه ما إل يه ع مر» و عن صهيب بن سنان ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬ل ا‬ ‫أسلم عمر رضوان ال عنه ظهر السلم‪ ،‬ودعي إليه علنية‪ ،‬وجلسنا‬ ‫حول الب يت حلقًا‪ ،‬وطف نا بالب يت‪ ،‬وانت صفنا م ن غلظ علي نا‪ ،‬وردد نا‬ ‫عليه بعض ما يأت به‪ .‬وقال ابن مسعود رضي ال عنه ‪ :‬ما زلنا أعز‬ ‫منذ أسلم عمر‪.‬‬ ‫واسعوا عباد ال الثناء العطر من رسول ال على صاحبيه أب‬ ‫ب كر وع مر‪ ،‬وتقديره التام ل ما‪ ،‬وأمره بالقتداء ب ما‪ ،‬والشهادة ل ما‬ ‫أن ما من أ هل ال نة‪ ،‬بل من سادات أ هل ال نة و هو ل ين طق عن‬ ‫الوى عن علي بن أ ب طالب ر ضي ال ع نه ‪ ،‬قال‪ :‬بي نا ر سول ال‬ ‫وأنا معه ف السجد ليس معنا ثالث إذ أقبل أبو بكر وعمر كل واحد‬ ‫منهما آخذ بيد صاحبه‪ ،‬فقال‪ « :‬يا علي هذان سيدا كهول أهل النة‬ ‫من مضى من الولي والخرين ما خل النبيي والرسلي‪ ،‬يا علي ل‬ ‫تبها بذلك‪ ،‬فما أخبت بذا الديث حت ماتا»‪ .‬وعن حذيفة رضي‬ ‫ال عنه قال‪ :‬كنا جلوسًا عند رسول ال فقال‪« :‬إن لست أدري ما‬ ‫بقائي فيكم‪ ،‬فاقتدوا باللذين من بعدي أب بكر وعمر‪ ،‬واهتدوا بدي‬ ‫عمار‪ ،‬وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» أخرجه الترمذي‪.‬‬ ‫والصـحابة والتابعون يعرفون تلك النلة الرفيعـة لمـا رضـي ال‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عنهما‪ ،‬عن أب حازم عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬قيل لعلي بن السي رضوان ال‬ ‫عليه ما‪ :‬ك يف كا نت منلة أ ب ب كر وع مر من ر سول ال ؟ قال‪:‬‬ ‫كمنلتهمـا اليوم وهاـ ضجيعاه‪ .‬وعـن العتكـي‪ ،‬قال‪ :‬قال هارون‬ ‫الرشيد لالك‪ :‬كيف كانت منلة أب بكر وعمر من رسول ال ؟‬ ‫قال كقرب قبه ا من قبه‪ .‬قال‪ :‬شفيت ن يا مالك‪ .‬و عن جع فر بن‬ ‫ممد عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬قال رجل من قريش لعلي بن أب طالب رضي ال‬ ‫عنه ‪ :‬يا أمي الؤمني سعتك تقول ف الطبة آنفًا‪ :‬اللهم أصلحنا با‬ ‫أ صلحت به اللفاء الراشد ين الهدي ي‪ ،‬ف من هم؟ فاغرور قت عيناه‪ ،‬ث‬ ‫أهلهمـا‪ ،‬ثـ قال‪ :‬هاـ حـبيباي وعماك أبـو بكـر وعمـر‪ ،‬إمامـا الدى‪،‬‬ ‫وشيخا ال سلم‪ ،‬ورجل قريش‪ ،‬والقتدى ب ما بعد رسول ال ‪ ،‬من‬ ‫اقتدى بما عصم‪ ،‬ومن اتبع آثارها هدي الصراط الستقيم‪ ،‬ومن تسك‬ ‫بمـا فهـو مـن حزب ال‪ ،‬وحزب ال هـم الفلحون‪ .‬وعـن أبـ سـعيد‬ ‫الدري ر ضي ال عنه ‪ ،‬عن النب قال‪« :‬إن أ هل ال نة ليون أ هل‬ ‫عليي كما ترون الكوكب الدري ف أفق السماء‪ ،‬وإن أبا بكر وعمر‬ ‫منهم وأنعما» قيل‪ :‬يا أبا سعيد وما «أنعما» قال‪ :‬أهل ذلك ها‪ .‬وعن‬ ‫ممـد بـن النكدر‪ ،‬قال‪ :‬سـعت جابر بـن عبدال يقول‪ :‬قال رسـول ال‬ ‫‪« :‬أدخلت النة فرأيت فيها دارًا وقصرًا فسمعت فيه ضوضاء أو‬ ‫صوتًا فقلت‪ ،‬لن هذا؟ فقيل‪ :‬لعمر فأردت أن أدخله فذكرت غيتك؛‬ ‫فب كى ع مر» وقال يا ر سول ال‪ :‬أو يغار عل يك و ف حد يث أ ب أما مة‬ ‫قال‪« :‬فمضيفت فإذا أكثفر أهفل النفة فقراء الهاجريفن وذراري‬ ‫السفلمي‪ ،‬ول أر فيهفا أحدًا أقفل مفن الغنياء والنسفاء‪ .‬قيفل‪ :‬أمفا‬ ‫الغنياء ف هم هه نا بالباب يا سبون وي صون‪ .‬وأ ما الن ساء فألا هن‬ ‫‪242‬‬ ‫‪243‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الحران الذهب والرير‪ ،‬ث خرجنا من أحد أبواب النة الثمانية‪،‬‬ ‫فل ما ك نت ع ند الباب أت يت بك فة فوض عت في ها ووض عت أم ت ف‬ ‫كفة فرجحت با‪ ،‬ث أت بأب بكر فوضع ف كفة وجيء بميع أمت‬ ‫فوضعوا فرجح أبو بكر‪ ،‬ث أتى بعمر فوضع ف كفة وجيء بميع‬ ‫أمت فوضعوا فرجح عمر»‪.‬‬ ‫واسعوا رحكم ال إل قصة استخلف أب بكر وبيعته له وهي‬ ‫ت كي النا هة التا مة من أ ب ب كر و من ع مر و من ال صحابة ر ضي ال‬ ‫عنهم أجعي‪ ،‬ونصحهم لنفسهم‪ ،‬وللسلم‪ ،‬ولمة السلم‪.‬‬ ‫عن عاصم بن عدي قال‪ :‬جع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر‬ ‫من يمله إل النـب‪ ،‬فكان آ خر خط بة خ طب باـ‪ ،‬فح مد ال وأث ن‬ ‫عليـه‪ ،‬ثـ قال‪ :‬أيهـا الناس احذروا الدنيـا ول تثقوا باـ فإناـ غدارة‪،‬‬ ‫وآثروا الخرة على الدن يا وأحبو ها فب حب كل واحدة منه ما تب غض‬ ‫الخرى‪ .‬وإن هذا المـر الذي هـو أملك بنـا ل يصـلح آخره إل باـ‬ ‫صـلح بـه أوله‪ ،‬ول يتمله إل أفضلكـم مقدرة‪ ،‬وأملككـم لنفسـه‪،‬‬ ‫أشدكـم فـ حال الشدة‪ ،‬وأسـلسكم فـ حال الليـ‪ ،‬وأعلمكـم برأي‬ ‫ذوي الرأي‪ ،‬ل يتشاغـل باـ ل يعنيـه‪ ،‬ول يزن لاـ ينل بـه‪ ،‬ول‬ ‫يستحيي من التعلم‪ ،‬ول يتحي عند البديهة‪ ،‬قوي على المور ل يور‬ ‫لشيـء منهـا حده بعدوان ول تقصـي‪ ،‬يرصـد لاـ هـو آت عتاده مـن‬ ‫الذر والطاعة‪ ،‬وهو عمر بن الطاب‪ .‬ث نزل‪.‬‬ ‫وسع بعض الصحابة خب استخلف عمر فدخلوا على أب بكر‬ ‫فقال له قائل من هم‪ :‬ما أ نت قائل لر بك إذا سألك عن ا ستخلفك‬ ‫عمـر علينـا وقـد ترى غلظتـه؟ فقال أبـو بكـر‪ :‬أجلسـون‪،‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫أبــ ال توفونـ‪ ،‬خاب مـن تزود مـن أمركـم بظلم‪ .‬أقول‪ :‬اللهـم‬ ‫استخلفت عليهم خي أهلك‪ ،‬أبلغ عن ما قلت من وراءك‪ .‬ث اضطجع‬ ‫ودعا عثمان بن عفان فقال‪ :‬اكتب‪« :‬بسم ال الرحن الرحيم‪ .‬هذا هو ما‬ ‫عهد أبو ب كر ال صديق بن أ ب قحا فة ف آ خر عهده بالدنيا خارجًا منها‬ ‫وعند أول عهده بالخرة داخلً فيها‪ ،‬حيث يؤمن الكافر‪ ،‬ويوقن الفاجر‪،‬‬ ‫وي صدق الكاذب‪ :‬إ ن ا ستخلفت علي كم ع مر بن الطاب‪ ،‬فا سعوا له‬ ‫وأطيعوا‪ ،‬وإ ن ل آل ال ور سوله ودي ن ونف سي وإيا كم خيًا‪ ،‬فإن عدل‬ ‫فذاك ظنـ بـه وعلمـي فيـه‪ ،‬وإن بدل فلكـل امرئ مـا اكتسـب‪ ،‬واليـ‬ ‫أردت‪ ،‬ول أعلم الغيب‪ ،‬وَسََيعْ َلمُ اّلذِينَ ظَ َلمُوا أَيّ مُ ْنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‬ ‫شعَرَاء‪ »]227 :‬والسلم عليكم ورحة ال‪ .‬ث أمر بالكتاب فختمه‪ .‬ث‬ ‫[ال ّ‬ ‫دعـا أبـو بكـر ورفـع يديـه وقال‪ :‬اللهـم إنـ ل أرد بذلك إل صـلحهم‬ ‫وخ فت علي هم الفت نة‪ ،‬فاجتهدت لمـ رأيـي‪ ،‬فوليـت عليهـم خيهـم‪،‬‬ ‫وأحرصهم على ما أرشدهم‪ ،‬وقد حضرن من أمرك ما حضر فأخلفن‬ ‫فيهـم فهـم عبادك‪ .‬وبعـث إل عمـر فقال‪ :‬ل حاجـة ل فيهـا‪ .‬قال‪:‬‬ ‫ول كن ل ا بك حا جة‪ ،‬و قد رأ يت ر سول ال و صحبته‪ ،‬ورأ يت‬ ‫أثر ته أنف سنا على نف سه‪ ،‬ح ت إن ك نا لنهدي إل أهله ف ضل ما يأتي نا‬ ‫منه‪ ،‬ورأيتن وصحبتن وإنا اتبعت أثر من كان قبلي‪.‬‬ ‫هذه البـرات العظيمـة لسـتخلفه لعمـر رضـي ال عنهمـا‬ ‫وأرضاها‪.‬‬ ‫فال ال عباد ال‪ :‬أوصيكم ب ب الصحابة عامة وحب صاحبيه‬ ‫خا صة‪ ،‬والكثار من التر ضي عنه ما‪ ،‬ومعر فة فضائله ما‪ ،‬والقتداء‬ ‫ب ما ف ف عل كل وا جب واجتناب كل مرم‪ ،‬و ما ا ستطعتم من ف عل‬ ‫‪244‬‬ ‫‪245‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫مندوب وترك مكروه؛ فمن عرف سيتما‪ -‬رضي ال عنهما‪ -‬استقل‬ ‫ما ع مل من خيات‪ ،‬و من كان من الطائ ي كان إل التو بة والنا بة‬ ‫والسـتغفار والرجوع إل ال مـن السـارعي بتوفيـق ال‪ ،‬واتقوا ال‬ ‫لعلكم تفلحون‪.‬‬ ‫ِنف‬ ‫ُونف م َ‬ ‫أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم وَالسفّابِقُونَ الْأَوّ ل َ‬ ‫الْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْ صَارِ وَالّ ذِي نَ اتّ بَعُوهُ مْ بِإِحْ سَانٍ رَضِ يَ اللّ هُ عَنْهُ مْ‬ ‫وَرَضُوا عَنْ هُ وَأَعَدّ لَهُ مْ جَنّا تٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِي نَ فِيهَا‬ ‫أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التّوبَة‪.]100 :‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل حدًا كثيًا ك ما أ مر‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده‬ ‫ل شر يك له وأبرأ إل يه منـ أشرك به وك فر‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسوله نصر بالرعب من مسية شهر حت أنه ليخافه ملك الروم (بن‬ ‫الصـفر) اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬ ‫وأصحابه السادة الغرر‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال‪ :‬إن الليفت ي الراشد ين ر ضي ال عنه ما‬ ‫ورضـي عـن جيـع الصـحابة مـع تلك الفتوحات العظيمـة والفضائل‬ ‫الكثية كانـا أزهـد الناس فـ الدنيـا‪ ،‬مقتدييـ بثلهمـا العلى‬ ‫ممد ‪ ،‬خائفي من ربم‪ ،‬راجيي أرفع ثواب لديه بعد النبيي‪ -‬عن‬ ‫ممـد بـن قيـس قال‪ :‬دخـل ناس على حفصـة بنـت عمـر رضـي ال‬ ‫عنهمـا‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن أميـ الؤمنيـ قـد بدا علباء رقبتـه مـن الزال‪ ،‬فلو‬ ‫كلمتيه أن يأكل طعامًا هو ألي من طعامه‪ ،‬ويلبس ثيابًا ألي من ثيابه‪،‬‬ ‫فقـد رأينـا إزاره مرقعًا برقـع غيـ لون ثوبـه‪ .‬ويتخـذ فراش ًا أليـ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫مـن فراشـه‪ ،‬فقـد أوسـع ال على السـلمي‪ ،‬فيكون ذلك أقوى على‬ ‫أمرهـم‪ .‬فبعثوا إليـه حفصـة‪ ،‬فذكرت ذلك له‪ ،‬فقال‪ :‬أخـبين بأليـ‬ ‫فراش فرشت يه لر سول ال قط؟ قالت‪ :‬عباءة ك نا نثني ها له باثن ي‪،‬‬ ‫فل ما غل ظت عل يه جعلت ها بأرب عة‪ .‬قال‪ :‬فأ خبين بأجود ثوب لب سه؟‬ ‫قالت نرة صـبغناها له‪ ،‬فرآهـا إنسـان فقال‪ :‬اكسـنيها يـا رسـول ال‪،‬‬ ‫فأعطاها إياه‪ .‬قال عمر‪ :‬ائتون بقناع من تر( ‪ )1‬فأمرهم فنعوا نواه ث‬ ‫أكله كله‪ .‬ث قال‪ :‬ترون ل أشتهي الطعام‪ ،‬إن لكل السمن وعندي‬ ‫اللحـم‪ ،‬وآكـل الزيـت وعندي السـمن‪ ،‬وآكـل اللح وعندي الزيـت‪،‬‬ ‫وآ كل الب حت وعندي ملح‪ ،‬ول كن صاحب سلكا طريقًا فأخاف أن‬ ‫أخالفهما فيخالف ب‪.‬‬ ‫و عن إ ساعيل بن ق يس قال‪ :‬ل ا قدم ع مر الشام ا ستقبله الناس‬ ‫وهـو على بعيه‪ ،‬فقالوا‪ :‬يـا أميـ الؤمنيـ لو ركبـت برذون ًا يلقاك‬ ‫عظماء الناس ووجوه هم‪ .‬فقال‪ :‬ل أرا كم هه نا‪ .‬إن ا ال مر من هه نا‬ ‫وأشار بيده إل السماء‪ ،‬خلوا جلي‪ .‬وكان رضي ال عنه ربا توقد له‬ ‫النار ث يدن يده منها ث يقول‪ :‬ابن الطاب‪ :‬هل لك على هذا صب؟‬ ‫وقال رضي ال عنه ‪ :‬ليتن كنت كبش أهلي سنون ما بدا لم‪،‬‬ ‫حت إذا كنت أسن ما أكون زارهم بعض من يبون‪ ،‬فجعلوا بعضي‬ ‫شواء وبعضي قديدًا‪ ،‬ث أكلون فأخرجون عذرة ول أكُ بشرًا‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() «المقناع» الطبق من عسب النخل يوضع فيه الطعام‪ .‬وقوله «كله» يفيد أنه‬ ‫كبير وأنه فيه تمرًا كثيرًا‪.‬‬ ‫‪246‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪247‬‬ ‫وج يء بتاج ك سرى إل ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬فقال‪ :‬إن الذ ين‬ ‫أدوا هذا لمناء‪ .‬فقال له علي ر ضي ال ع نه ‪ :‬إن القوم رأوك عف فت‬ ‫فعفوا‪ ،‬ولو رتعت لرتعوا‪.‬‬ ‫وفضائله ر ضي ال ع نه كثية‪ .‬من ها‪ :‬تعبده واجتهاده‪ ،‬وبكاؤه‪،‬‬ ‫وحذره مـن البتداع فـ الديـن‪ ،‬وإشارتـه بمـع القرآن‪ ،‬وهيبتـه فـ‬ ‫القلوب‪ ،‬وزهده‪ ،‬وتواض عه‪ ،‬ونزول القرآن بوافق ته ف موا ضع‪ ،‬وفرار‬ ‫الشيطان منه( ‪ )1‬واهتمامه برعيته وملحظته ل م‪ ،‬وغزواته‪ ،‬وفتوحاته‪،‬‬ ‫وحجاتـه‪ ،‬وعدله فـ رعيتـه‪ ،‬وقوله وفعله فـ بيـت الال‪ ،‬وحذره مـن‬ ‫الظال‪ ،‬وغي ذلك كثي‪.‬‬ ‫عن علي ر ضي ال ع نه قال‪ :‬رأ يت ع مر بن الطاب على ق تب‬ ‫يعدو فقلت‪ :‬يـا أميـ الؤمنيـ أيـن تذهـب؟ فقال‪ :‬بعيـ نـد مـن إبـل‬ ‫ال صدقة أطل به‪ .‬فقلت‪ :‬ل قد أذللت اللفاء بعدك‪ .‬فقال‪ :‬يا أ با ال سن‬ ‫ل تلمنـ‪ ،‬فوالذي بعـث ممدًا بالنبوة لو أن عناق ًا ذهبـت بشاطـئ‬ ‫الفرات لخــذ باــ عمــر يوم القيامــة( ‪ . )2‬فرضــي ال عنــه‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪.‬‬ ‫() وكلمه في الزهد والرقاق‪ .‬ومع ذلك طلب الشهادة وقتل شهيدًا‬ ‫() ملخصة من مناقب عمر لبن الجوزي‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬ولمكا ذككر هنكا مكا يتعلق بفضائل أبكي بككر وعمكر وخلفتهمكا ‪-‬رضكي ال‬ ‫عنهما‪ -‬فيحسن أن أذكر طريقة أهل السنة والجماعة باختصار شديد‪.‬‬ ‫قال ابكن تيتيمكة ‪-‬رحمكه ال‪ -‬فكي «العقيدة الواسكطية» المعكبرة عمكا أجمكع عليكه‬ ‫السلف الصالح أهل السنة والجماعة حيال البدع التي حدثت بعد الرسول ‪.‬‬ ‫«فهم في وسط في (باب صفات ال تعالى) بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل‬ ‫التمثيكل المشبهكة‪ .‬وهكم وسكط فكي (باب أفعال ال) بيكن القدريكة والجبريكة‪ .‬وفكي‬ ‫(باب وعيد ال) بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم‪ .‬وفي (باب أسماء‬ ‫اليمان والدين) بين الحرورية والمعتزلة‪ ،‬وبين المرجئة والجهمية‪ .‬وفي (باب‬ ‫أصكحاب رسكول ال ) بيكن الروافكض والخوارج‪ .‬ثكم شرح هذه البواب فكي‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وأرضاه‪ ،‬ورزقنـا حبـه وحـب صـاحبه‪ ،‬وفـ الديـث «الرء مفع مفن‬ ‫أحب»‪ .‬إن أحسن الديث كتاب ال ‪...‬‬ ‫تلك العقيدة المختصرة جدًا وفي غيرها من مؤلفاته‪.‬‬ ‫فذكر عن أهل السنة أنهم يصفون ال بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان‬ ‫رسوله من غير تحريف ول تعطيل ومن غير تكييف ول تمثيل‪ .‬وذكر أن‬ ‫مكن ينفكي السكماء والصكفات أو ينفكي الصكفات فقكط أو يثبكت السكبع الصكفات‬ ‫وينفككي البقيككة ويحرف نصككوصها‪ -‬بمككا يسككميه التأويككل‪ ،‬وكذلك بقيككة البواب‬ ‫الخمسة من سلك مسلكهم فيها فهو منهم‪ ،‬ومن خالفهم في شيء منها لم يطلق‬ ‫عليكه هذا السكم‪( .‬أهكل السكنة والجماعكة) لمكا سكئل النكبي عكن الفرقكة الناجيكة‬ ‫مككن الفرق الثلث والسككبعين قال‪« :‬هككم مككن كان على مثككل مككا أنككا عليككه اليوم‬ ‫وأصحابي»‪.‬‬ ‫وهذا الحديث في الفتراق بالبدع والهواء في هذه البواب؛ ل في أصل الدين؛‬ ‫لنه قال «أمتي» فأضافها إلى نفسه؛ ل أمة الدعوة أمة الدعوة كل الناس ُق ْل‬ ‫جمِيعًا [العراف‪ .]158 :‬وإنما نبهت على‬ ‫ل ِإَل ْي ُك ْم َ‬ ‫س ِإنّي َرسُو ُل ا ِّ‬ ‫يَا َأّيهَا النّا ُ‬ ‫هذا لكثرة مكككن يغلط فيكككه‪ ،‬فل يفرق بيكككن الختلف فكككي توحيكككد اللوهيكككة‬ ‫والختلف في فروع العقائد‪( .‬وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ج ‪.)8 -3‬‬ ‫‪248‬‬ ‫‪249‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫البادرة إل التوبة‬ ‫وأقسام الناس فيها‬ ‫المد ل يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات‪ ،‬ويزيد نعم‬ ‫الحسني من فضله ويرفعهم درجات‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له بيده خزائن الرض‬ ‫والسموات‪.‬‬ ‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله كان ف آ خر عمره ل يقوم ول‬ ‫يق عد إل ا ستغفر وتاب‪ ،‬و هو أقرب اللق إل ال منلة ومآب‪ .‬الل هم‬ ‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه‪ ،‬ومـن‬ ‫اهتدى بديهم إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فقد خرج الترمذي عن النب أنه قال‪ « :‬ما من أحد‬ ‫يوت إل ندم» قالوا‪ :‬ومـا ندامتـه؟ قال‪ « :‬إن كان مسفنًا ندم أن ل‬ ‫يكون ازداد‪ ،‬وإن كان مسففيئًا ندم أن ل يكون اسففتعتب» وقال‬ ‫الوزاعي رح ه ال‪ :‬ليس ساعة من ساعات الدنيا إل وهي معروضة‬ ‫على الع بد يوم القيا مة‪ .‬يومًا فيومًا و ساعة ف ساعة‪ ،‬ول ت ر ساعة ل‬ ‫يذكـر ال تعال فيهـا إل تقطعـت نفسـه عليهـا حسـرات‪ ،‬فكيـف إذا‬ ‫مرت به ساعة مع ساعة‪ ،‬ويوم مع يوم‪ ،‬وليلة مع ليلة؟!‬ ‫عباد ال‪ :‬النسـان مـا دام يأمـل الياة فإنـه ل يقطـع أمله مـن‬ ‫الدنيـا‪ ،‬وقـد ل تسـمح نفسـه بالقلع عـن لذاتاـ وشهواتاـ مـن‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫العا صي وغي ها‪ ،‬ويرج يه الشيطان بالتو بة ف آ خر عمره‪ ،‬فإذا تي قن‬ ‫الوت وأ يس من الياة أفاق من سكرته بشهوات الدن يا‪ ،‬فندم حينئذ‬ ‫على تفري طه ندا مة يكاد يق تل نف سه‪ ،‬وطلب الرج عة إل الدن يا ليتوب‬ ‫ويع مل عملً صالًا فل ياب إل ذلك‪ ،‬فتجت مع عل يه سكرة الوت‬ ‫مـع حسـرة الفوت‪ .‬هذا حال الكثيـ مـن الناس‪ .‬وقـد حذر ال عباده‬ ‫من ذلك لي ستعدوا للموت ق بل نزوله بالتو بة والع مل ال صال‪ ،‬قال ال‬ ‫تعال‪ :‬أَنِيبُوا إِلَى رَبّ كُ مْ وَأَ سْلِمُوا لَ هُ مِ نْ قَبْلِ أَ نْ يَأْتِيَكُ مُ الْعَذَا بُ‬ ‫ْصفرُونَ [الزّم َر‪ ]54 :‬قال ابـن البارك‪ :‬احذر السـكرة‬ ‫ثُم ّ لَا تُن َ‬ ‫وال سرة‪ ،‬أن يفجأك الوت وأ نت على الغرة‪ ،‬فل ي صف وا صف قدر‬ ‫ما تلقى‪ ،‬ول قدر ما ترى‪.‬‬ ‫عباد ال‪ -‬والناس ف التوبة والعمل الصال على أقسام‪ .‬فمنهم من‬ ‫ل يو فق لتو بة ن صوح؛ بل يي سر له ع مل ال سيئات من أول عمره إل‬ ‫آخره حتـ يوت مصـرًا عليهـا‪ .‬وهذه حالة الِشقياء‪ ،‬نعوذ بال مـن‬ ‫حالم‪.‬‬ ‫وأقبح من ذلك من يسر له ف أول عمره عمل الطاعات ث ختم‬ ‫له بع مل سيء ح ت مات عل يه‪ ،‬ف في الد يث ال صحيح‪« :‬إن أحد كم‬ ‫ليعمل عمل أهل النة حت ما يكون بينه وبينها إل ذراع ث يسبق‬ ‫عل يه الكتاب فيع مل بع مل أ هل النار فيدخل ها»‪ .‬و ف ب عض روايا ته‬ ‫« فيما يبدو للناس» يعن أن نيته بلف ذلك‪.‬‬ ‫وقسم يفن عمره ف الغفلة والبطالة ث يوفق لعلم صال فيموت‬ ‫عليـه‪ ،‬وهذه حالة مـن «يع مل بع مل أهفل النار ح ت مفا يكون بينفه‬ ‫وبينهفا إل ذراع فيسفبق عليفه الكتاب فيعمفل بعمفل أهفل النفة‬ ‫‪250‬‬ ‫‪251‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فيدخلها»‪.‬‬ ‫وأخرج البزار عـن عائشـة رضـي ال عنهـا مرفوعًا‪« :‬إذا أراد ال‬ ‫بعبد خيًا بعث إليه ملكًا من عامة الذين يوت فيه فيسدده وييسره‪،‬‬ ‫فإذا كان عند موته أتاه ملك الوت فقعد عند رأسه فقال‪ :‬أيتها النفس‬ ‫الطمئنة‪ ،‬أخرجي إل مغفرة من ال ورضوان‪ ،‬فذلك حي يب لقاء ال‬ ‫ويب ال لقاءه‪ .‬وإذا أراد بعبده شرًا بعث إليه شيطانًا من عامة الذين‬ ‫يوت فيه‪ ،‬فأغواه‪ ،‬فإذا كان عند موته أتاه ملك الوت فقعد عند رأسه‬ ‫فقال‪ :‬أيتها النفس البيثة أخرجي إل سخط من ال وغضب‪ ،‬فتتفرق‬ ‫ف جسده فذلك حي يبغض لقاء ال ويبغض ال لقاءه» وف السند عن‬ ‫عبدال بن عمرو بن العاص ر ضي ال عنه ما قال‪ « :‬من تاب ق بل مو ته‬ ‫عامًا تيب عليه‪ ،‬ومن تاب قبل موته شهرًا تيب عليه‪ ،‬حت قال يومًا‪،‬‬ ‫حت قال ساعة‪ ،‬حت قال فواقًا‪ .‬قال له إنسان‪ :‬أرأيت إن كان مشركًا‬ ‫فأسلم؟ فقال‪ :‬إن أحدثكم ما سعت من رسول ال »‪.‬‬ ‫وف السند عن أب سعيد الدري رضي ال عنه ‪ ،‬عن النب‬ ‫قال‪« :‬إن الشطيان قال‪ :‬وعزتفك يفا رب ل أبرح أغوي عبادك مفا‬ ‫دا مت أرواح هم ف أج سادهم‪ .‬فقال الرب ‪ :‬وعز ت وجلل ل‬ ‫أزال أغ فر ل م ما ا ستغفرون»‪ .‬و ف الد يث ال صحيح‪« :‬أن ال‬ ‫يقبفل توبفة العبفد مفا ل يغرغفر»‪ .‬وقـد دل القرآن على مثـل هذا قال‬ ‫فا التّ وْبَةُ عَلَى اللّهففِ لِلّ ذِينففَ يَعْمَلُونففَ السففّوءَ‬ ‫تعال‪ :‬إِنّمَف‬ ‫ف‬ ‫ف عَلَيْهِم ْ‬ ‫ف اللّه ُ‬ ‫ف يَتُوب ُ‬ ‫ف فَأُولَئِك َ‬ ‫ف قَرِيب ٍ‬ ‫ف مِن ْ‬ ‫بِجَهَالَةٍ ثُم ّ يَتُوبُون َ‬ ‫وَكَا نَ اللّ هُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النّ ساء‪ ]17 :‬وع مل ال سوء إذا أفرد‬ ‫يد خل ف يه جيـع السـيئات صغيها وكبيهـا‪ .‬والراد بالهالة القدام‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫على السـوء وإن علم صـاحبه أنـه سـوء؛ فإن كـل مـن عصـى ال‬ ‫فهو جاهل‪ ،‬و كل من أطاعه فهو عال‪ .‬فمن كان عالًا بال وعظمته‬ ‫و كبيائه وجلله فإ نه يها به ويشاه فل ي قع م نه مع ا ستحضار ذلك‬ ‫عصيانه‪ .‬ومن آثر العصية على الطاعة فإنا حله على ذلك جهله وظنه‬ ‫أناـ تنفعـه عاجلً باسـتعجال لذتاـ‪ ،‬وإن كان عنده إيان فهـو يرجـو‬ ‫التخلص من سوء عاقبت ها بالتو بة ف آ خر عمره‪ ،‬وهذا ج هل م ض؛‬ ‫فإ نه تع جل الثـ والزي‪ ،‬ويفو ته عز التقوى‪ ،‬وثواب الخرة‪ ،‬وعلو‬ ‫درجات ا‪ ،‬ولذة الطا عة؛ و قد يتم كن من التو بة ب عد ذلك و قد يعاجله‬ ‫الوت‪ ،‬فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الاضر ورجا أن‬ ‫يتخلص من ضرره بشرب دواء‪.‬‬ ‫وم ن أف ن عمره ف الغفلة والبطالة ما روى الواحدي ف كتاب‬ ‫«قتلى القرآن» أن رجلً من أشراف أ هل الب صرة كان منحدرًا إلي ها‬ ‫ف سفينة‪ ،‬ومعه جارية له‪ ،‬فشرب يومًا وغنته جاريته بعود لا‪ ،‬وكان‬ ‫معهم ف ال سفينة فقي صال‪ ،‬فقال له‪ :‬يا ف ت‪ :‬ت سن مثل هذا؟ قال‪:‬‬ ‫أح سن ما هو أح سن م نه‪ -‬وكان الفق ي ح سن ال صوت‪ -‬فا ستفتح‬ ‫ُونف‬ ‫َنف اتّقَى وَلَا تُظْلَم َ‬ ‫َاعف الدّ نْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِم ِ‬ ‫وقرأ‪ :‬قُلْ مَت ُ‬ ‫فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُ مُ الْمَوْ تُ وَلَوْ كُنْتُ مْ فِي بُرُو جٍ مُشَيّ دَةٍ‬ ‫[النساء‪ ]78 ،77 :‬فرمى الرجل ما بيده من الشراب ف الاء‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫أش هد أن هذا أح سن م ا سعت‪ ،‬ف هل غ ي هذا؟ قال‪ :‬ن عم فتل عل يه‪:‬‬ ‫وَقُلِ الْحَقّ مِ نْ رَبّ كُ مْ فَمَ نْ شَاءَ فَلْيُؤْمِ نْ وَمَ نْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّاف‬ ‫أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِيَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ‬ ‫كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشّ رَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف‪:‬‬ ‫‪ ]27‬فوقعـت فـ قلبـه‪ ،‬فرمـى ببقيـة الشراب فـ الاء وكسـر العود‪.‬‬ ‫‪252‬‬ ‫‪253‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ف‬ ‫ثـ قال‪ :‬يـا فتـ‪ :‬هـل ههنـا فرج؟ قال‪ :‬نعـم قُلْ ي َا عِبَادِي َ‬ ‫الّ ذِي نَ أَ سْرَفُوا عَلَى أَنْفُ سِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِ نْ رَحْمَةِ اللّ هِ إِنّ اللّ هَ يَغْفِرُ‬ ‫ِيمف [الزّم َر‪ ]53 :‬فصـاح‬ ‫ّهف هُوَ الْغَفُورُ الرّ ح ُ‬ ‫ُوبف جَمِيع ًا إِن ُ‬ ‫الذّ ن َ‬ ‫صيحة عظيمة‪ ،‬فنظروا إليه فإذا هو قد مات‪ -‬رحه ال‪.‬‬ ‫وخرج أبو نعيم بسنده عن سعيد الريري‪ ،‬قال‪ :‬قلت للحسن‪:‬‬ ‫يا أ با سعيد‪ :‬الر جل يذ نب ث يتوب‪ ،‬ث يذ نب ث يتوب‪ ،‬ح ت م ت؟‬ ‫قال‪ :‬ما أعلم هذا إل أخلق الؤمني‪.‬‬ ‫وبقي هنا قسم آخر وهو أشرف القسام وأرفعها‪ ،‬وهو من يفن‬ ‫عمره فـ الطاعـة ثـ ينبـه على قرب الجـل ليجدّ فـ التزود‪ .‬ويتهيـأ‬ ‫للرح يل بع مل صال للقاء‪ ،‬ويكون خاتةـ للع مل‪ .‬قال ا بن عباس لاـ‬ ‫نزلت على ال نب ‪ :‬إِذَا جَاءَ نَص ْفرُ اللّه ِف وَالْفَتْ حُ * وَرَأَيْت َف النّاس َف‬ ‫يَدْخُلُو نَ فِي دِي نِ اللّ هِ أَفْوَاجًا * فَ سَبّ حْ بِحَمْدِ رَبّ كَ وَا سْتَغْفِرْهُ إِنّ هُ كَا نَ‬ ‫تَوّابًا [النّصر‪ .]3 -1 :‬نعيت لرسول ال نفسه‪ ،‬فأخذ ف أشد‬ ‫ف‬ ‫ما كان اجتهادًا ف أ مر الخرة‪ .‬وقالت أم سلمة‪ :‬كان ال نب‬ ‫آ خر أمره ل يقوم ول يق عد ول يذ هب ول ي يء إل قال‪ « :‬سبحان‬ ‫فف أمرت بذلك »‪ ،‬وتل‬ ‫ال وبمده»‪ .‬فذكرت ذلك له‪ .‬فقال‪« :‬إنف‬ ‫هذه السـورة‪ ،‬وكان مـن عادتـه أن يعتكـف فـ كـل عام فـ رمضان‬ ‫ـف فـ ذلك العام‬ ‫ـل مرة؛ فاعتكـ‬ ‫عشرًا‪ ،‬ويعرض القرآن على جبيـ‬ ‫عشر ين يو ما وعرض القرآن مرت ي‪ ،‬وكان يقول‪ « :‬ما أرى ذلك إل‬ ‫لقتراب أجلي» ثـ حـج حجـة الوداع‪ ،‬وقال‪« :‬أيهفا الناس إناف أنفا‬ ‫بشر يوشك أن يأتين رسول رب‪ ،‬فأجيب» ث أمر بالتمسك بكتاب‬ ‫ال‪ ،‬ث توف بعد وصوله إل الدينة بيسي ‪.‬‬ ‫إذا كان سيد الحسني يؤمر أن ي تم عمره بالزيادة‪ ،‬والحسان‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فك يف يكون حال السـيء؟ و ف الدعاء الأثور‪ « :‬الل هم اج عل خ ي‬ ‫عملي خواته‪ ،‬واجعل خي عمري آخره‪ ،‬وخي أيامي يوم لقاك»‪.‬‬ ‫وكان السـلف الصـال مـع اجتهادهـم فـ الصـحة فـ العمال‬ ‫يددون التوبـة والسـتغفار‪ ،‬ويتمون أعمالمـ بالسـتغفار وكلمـة‬ ‫التوحيد‪.‬‬ ‫وقال عمـر بـن عبدالعزيـز ‪-‬رحهـ ال‪ -‬عنـد موتـه‪ :‬أجلسـون‪،‬‬ ‫فأجلسوه‪ ،‬فقال‪ :‬أنا الذي أمرتن فقصرت‪ ،‬ونيتن فعصيت؛ ولكن ل‬ ‫إله إل ال‪ ،‬ث ر فع رأ سه فأ حد الن ظر‪ ،‬فقالوا‪ :‬إ نك تن ظر نظرًا شديدًا‬ ‫يا أم ي الؤمن ي‪ .‬فقال‪ :‬أتا ن حضرة ما هم بإ نس ول جن‪ ،‬ث ق بض‬ ‫رح ه ال‪ ،‬و سع تاليًا يتلوا‪ :‬تِلْ كَ الدّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّ ذِي نَ لَا‬ ‫يُرِيدُو نَ عُلُوّا فِي الْأَرْ ضِ وَلَا فَ سَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّ قِيَ [القَ صَص‪:‬‬ ‫‪.]83‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬والتوبـة التوبـة‪ ،‬قبـل أن يصـلنا مـن الوت‬ ‫النو بة‪ ،‬فيح صل الفرط على الندم والي بة‪ ،‬والنا بة النا بة‪ ،‬ق بل غلق‬ ‫باب الجابة‪ ،‬والفاقة الفاقة قبل وقت الفاقة‪ .‬أعوذ بال من الشيطان‬ ‫الرج يم يَا أَيّهَا الّ ذِي نَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّ هِ تَوْبَةً نَ صُوحًا عَ سَى‬ ‫رَبّ كُمْ أَنْ يُكَفّ رَ عَنْكُمْ سَيّ ئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا‬ ‫الْأَنْهَارُ يَوْ مَ لَا يُخْزِي اللّ هُ النّ بِيّ وَالّ ذِي نَ آَمَنُوا مَعَ هُ نُورُهُ مْ يَ سْعَى‬ ‫بَيْ نَ أَيْدِيهِ مْ وَبِأَيْمَانِهِ مْ يَقُولُو نَ رَبّ نَا أَتْمِ مْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنّ كَ‬ ‫عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحري‪ ]8 :‬بارك ال ‪...‬‬ ‫‪254‬‬ ‫‪255‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ونستعينه ‪...‬‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬عباد ال مبادرة النسـان بالتوبـة فـ حال صـحته قبـل‬ ‫نزول الرض به هي أفضل أنواع التوبة‪ ،‬حت يتمكن حينئذ من العمل‬ ‫الصـال‪ ،‬ولذلك قرن ال التوبـة بالعمـل الصـال فـ مواضـع كثية مـن‬ ‫القرآن‪ .‬فالتوبة ف الصحة ورجاء الياة تشبه الصدقة بالال ف الصحة‬ ‫ورجاء البقاء‪ .‬والتوبـة فـ الرض عنـد حضور أمارات الوت تشبـه‬ ‫الصدقة بالال عند الوت‪ .‬خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النب‬ ‫خ طب فقال ف خطب ته‪« :‬أي ها الناس توبوا إل رب كم ق بل أن توتوا‪،‬‬ ‫وبادروا بالعمال الصالة قبل أن تشغلوا» فأمر بالباردة قبل الوت‪،‬‬ ‫وكل ساعة تر على ابن آدم فإنه يكن أن تكون ساعة موته‪ ،‬بل كل َنفَس‪.‬‬ ‫وقال لقمان لبنه‪ :‬يا بن ل تؤخر التوبة فإن الوت يأت بغتة‪ .‬وقال بعض‬ ‫الكماء‪ :‬ل تكن من يرجو الخرة بغي عمل‪ ،‬ويؤخر التوبة لطول المل‪.‬‬ ‫وقال بعض ال سلف‪ :‬أصبحوا تائب ي وأمسوا تائبي‪ .‬فمن أ صبح أو أم سى‬ ‫على غي توبة فهو على خطر؛ لنه ُيخْشى أن يلقى ال غي تائب فيحشر‬ ‫ب َفأُوَلِئ كَ ُه مُ الظّاِلمُو نَ‬ ‫ف زمرة الظال ي‪ ،‬قال تعال‪َ :‬و َم نْ َل ْم َيُت ْ‬ ‫[الُجرَات‪ ]11 :‬تأخ ي التو بة ف حال الشباب قب يح‪ ،‬ف في حال الش يب‬ ‫ل ومرحبًا‪ .‬وتقول‬ ‫أقبح وأقبح‪ .‬قال عمر بن هانئ‪ :‬تقول التوبة للشاب‪ :‬أه ً‬ ‫للشيخ‪ :‬نقبلك على ما كان منك‪ .‬فاختموا عباد ال أعمالكم اليومية بالتوبة‬ ‫وال ستغفار‪ ،‬فإن كان الع مل سيئًا كان كفارة له‪ ،‬وإن كان ح سنًا كان‬ ‫كالطابع عليه(‪ .)1‬إن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() من لطائف المعارف‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ميزان الناس‬ ‫المـد ل الذي أوجـب الفوز بالنجاة لنـ شهـد له بالوحدانيـة‬ ‫شهادة ل يبـغ لاـ عوجـا‪ ،‬وفاوت بيـ عباده فـ منازل العبوديـة مـن‬ ‫النابـة والحبـة والوف والرجاء‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريك له شهادة من أصبح قلبه باليان بال وأسائه وصفاته مبتهجًا‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله هدى بـه مـن الضللة‪ ،‬وعلم بـه مـن‬ ‫الهالة‪ .‬اللهـم صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله‬ ‫وأ صحابه ال سابقي الول ي من الهاجر ين والن صار‪ ،‬والتابع ي لمـ‬ ‫بإحسان‪.‬‬ ‫أما بعد عباد ال‪ :‬إذا أراد السلم أن يُقَيّ مَ نفسه ويزنا‪ ،‬ويعرف‬ ‫خسرانا من ربها‪ ،‬ويطمئن عليها ف سيها إل ربا‪ ،‬فليعرضها على‬ ‫القرآن الكر ي‪ ،‬قال ا بن م سعود ر ضي ال ع نه ‪ :‬ل ي سأل أحدٌ عن‬ ‫نف سه غ ي القرآن‪ .‬وهذه يا عباد ال آ ية م نه‪ ،‬و هي قوله تعال‪ :‬ثُمّ‬ ‫أَوْرَثْنَا الْكِتَابَف الّ ذِينَف اص ْفطَفَيْنَا مِن ْف عِبَادِنَا فَمِنْهُم ْف ظَالِمٌف لِنَفْسِفهِ‬ ‫وَمِنْهُ مْ مُقْتَ صِدٌ وَمِنْهُ مْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَا تِ بِإِذْ نِ اللّ هِ ذَلِ كَ هُوَ الْفَضْلُ‬ ‫الْكَبِيُ [فاطر‪.]32 :‬‬ ‫جعـل سـبحانه القائميـ بذا القرآن علمًا وعملً ثلثـة أنواع‪:‬‬ ‫«ظال لنف سه» و هو الفرط ف ب عض الواجبات‪ ،‬أو الرت كب لب عض‬ ‫الحرمات‪.‬‬ ‫الثانـ‪« :‬القتصـد» وهـو الؤدي للواجبات‪ ،‬التارك للمحرمات‪،‬‬ ‫وقد يترك بعض الستحبات‪ ،‬ويفعل بعض الكروهات‪.‬‬ ‫‪256‬‬ ‫‪257‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الثالث‪« :‬السابق باليات» وهو الفاعل للوجابات‬ ‫والستحبات‪ ،‬التارك للمحرمات‪ ،‬والكروهات‪ ،‬وبعض الباحات‪.‬‬ ‫و كل من هؤلء الثل ثة م سافر إل ر به‪ ،‬ومدة سفره هو عمره‬ ‫الذي كتـب له‪ ،‬ثـ جعلت اليام والليال مراحـل لسـفره‪ ،‬فل يزال‬ ‫يطويها مرحلة بعد مرحلة حت ينتهي السفر‪.‬‬ ‫«فالظال لنفسـه» إذا اسـتقبل مرحلة يومـه اسـتقبلها وقـد سـبقت‬ ‫حظوظـه وشهواتـه إل قلبـه فحركـت جوارحـه طالبـة لاـ‪ ،‬فإذا زاحهمـا‬ ‫حقوق ر به فتارة وتارة فمرة يأ خذ بالرخصـة‪ ،‬ومرة بالعزيةـ‪ ،‬ومرة يقدم‬ ‫على الذنب وترك الق تاونًا ووعدًا بالتوبة؛ فهذا حال الظال لنف سه مع‬ ‫ح فظ التوح يد‪ ،‬واليان بال ور سوله‪ ،‬واليوم ال خر‪ ،‬والت صديق بالثواب‬ ‫والعقاب فمرحلة هذا مقطو عة بالر بح وال سران‪ ،‬و هو للغلب منه ما؛‬ ‫فإذا ورد القيا مة م يز رب ه من خ سرانه‪ ،‬وح صر رب ه وحده‪ ،‬وخ سرانه‬ ‫وحده‪ ،‬وكان ال كم للرا جح منه ما‪ ،‬وح كم ال من وراء ذلك ل يعدم‬ ‫منه فضله أو عدله‪ .‬هذا هو عمل الظال لنفسه ومصيه‪.‬‬ ‫أمـا «القتصـدون» فأدوا وظيفـة تلك الرحلة ول يزيدوا عليهـا‬ ‫ول نقصـوا منهـا‪ ،‬فل حصـلوا على أرباح التجار‪ ،‬ول بسـوا القـ‬ ‫الذي عليهم فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام‪،‬‬ ‫وال صلة التا مة ف وقت ها بأركان ا وواجبات ا وشرائط ها‪ ،‬ث ين صرف‬ ‫منها إل مباحاته ومعيشته وتصرفاته الت أذن ال فيها‪ ،‬مؤديًا واجب‬ ‫الرب فيها‪ ،‬غي متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الذكار‪ .‬فإذا حضرت‬ ‫الفريضـة الخرى بادر إليهـا كذلك‪ ،‬فإذا أكملهـا انصـرف إل حاله‬ ‫الول‪ ،‬فهـو كذلك سـائر يومـه‪ ،‬فإذا جاء الليـل فكذلك إل حيـ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫النوم يأ خذ مضج عه ح ت ين شق ال ر فيقوم إل صلته ووظيف ته‪ .‬فإذا‬ ‫جاء الصـوم الواجـب قام بقـه‪ .‬وكذلك الزكاة الواجبـة‪ ،‬والجـ‬ ‫الواجـب‪ .‬وكذلك العاملة مـع اللق يقوم فيهـا بالقسـط ل يظلمهـم‪،‬‬ ‫ول يترك حقه لم‪ .‬هذه حال القتصد‪.‬‬ ‫وأمـا «السـابقون باليات» فهـم نوعان‪ :‬أبرار‪ ،‬ومقربون‪ .‬أمـا‬ ‫«البرار»‪ :‬فقطعوا مراحـل سـفرهم بالهتمام بإقامـة أمـر ال‪ ،‬وعقـد‬ ‫القلب على ترك مالفتـه ومعاصـيه؛ فهممهـم مصـروفة إل القيام‬ ‫بالعمال الصـالة‪ ،‬واجتناب العمال القبيحـة فأول مـا يسـتيقظ‬ ‫أحدهم من منامه يسبق إل قلبه القيام إل الوضوء التام والصلة كما‬ ‫أمره ال ف أول وقت ها فإذا أدى فرض وق ته اشت غل بالتلوة والذكار‬ ‫إل حي تطلع الشمس‪ ،‬فيكع الضحى‪ .‬ث يذهب إل ما أقامه ال فيه‬ ‫مـن السـباب‪ ،‬فإذا حضـر فرض الظهـر بادر إل التطهـر والسـعي إل‬ ‫ال صف الول من ال سجد عن ي ي المام أو خلف ظهره فأدى فريض ته‬ ‫ل لا بشرائطها‪ ،‬وأركانا‪ ،‬وسننها‪ ،‬وحقائقها الباطنة من‬ ‫كما أمر‪ ،‬مكم ً‬ ‫الشوع والراقبـة والضور بيـ يدي الرب‪ ،‬فينصـرف مـن الصـلة وقـد‬ ‫أثرت فـ قلبـه وبدنـه وسـائر أحواله آثارًا تبدو على صـفحاته ولسـانه‬ ‫وجوارحه‪ ،‬ويد ثرتا ف قلبه من النابة على دار اللود‪ ،‬والتجاف عن‬ ‫دار الغرور‪ ،‬وقلة التكالب والرص على الدن يا وعاجل ها‪ ،‬قد ن ته صلته‬ ‫عن الفحشاء والنكر‪ ،‬وحببت إليه لقاء ال‪ ،‬ونفرته عن كل قاطع يقطعه‬ ‫عن ال‪ ،‬وهو مع ذلك مراع لفظ السنن ل يل منها بشيء؛ ويأت بعد‬ ‫الفريضـة بالذكار الشروعـة مـن التسـبيح والتحميـد والتهليـل ثلث ًا‬ ‫ـك له اللك وله‬ ‫ـم الائة بل إله إل ال وحده ل شريـ‬ ‫ـ‪ ،‬ويتـ‬ ‫وثلثيـ‬ ‫‪258‬‬ ‫‪259‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال مد و هو على كل ش يء قد ير‪ .‬و من أراد الز يد قرأ آ ية الكر سي‬ ‫والعوذتيـ‪ .‬فإذا كان قبـل غروب الشمـس توفـر على أذكار السـاء‬ ‫الواردة ف ال سنة نظ ي أذكار ال صباح الواردة ف أول النهار‪ ،‬ل ي ل‬ ‫ـم أخذوا بأذكار النوم الواردة ف ـ‬ ‫بذلك أبدًا‪ .‬فإذا أخذوا مضاجعهـ‬ ‫السـنة مـن قراءة سـورة الخلص والعوذتيـ ثلثًا ثـ يسـحون باـ‬ ‫رءوسهم ووجوههم وأجسادهم ثل ثًا‪ ،‬ويقرءون آية الكرسي وخواتيم‬ ‫سـورة البقرة‪ ،‬ويسـبحون ويمدون ثلثًا وثلثيـ‪ ،‬ويكـبون أربعًا‬ ‫وثلث ي‪ ،‬ث يقول أحدهم‪ :‬اللهم إ ن أسلمت نف سي إليك‪ ،‬ووجهت‬ ‫وجهـي إليـك‪ ،‬وفوضـت أمري إليـك‪ ،‬وألأت ظهري إليـك‪ ،‬رغبـة‬ ‫ورهبة إليك‪ ،‬آمنت بكتابك الذي أنزلت‪ ،‬وبنبيك الذي أرسلت‪ .‬فل‬ ‫يزالون يذكرون ال على فراشهـم ح ت يأخذ هم النوم‪ .‬وهـم مع هذا‬ ‫قائمون بقوق العباد‪ :‬مـن عيادة الرضـى‪ ،‬وتشييـع النائز‪ ،‬وإجابـة‬ ‫ـ‪،‬‬ ‫الدعوة‪ ،‬والعاونـة لمـ بالاه والبدن والنفـس والال‪ ،‬وزيارتمـ‬ ‫وتفقدهـم‪ ،‬وقائمون بقوق أهلهـم وعيالمـ‪ .‬فإذا وقـع مـن أحدهـم‬ ‫تفريـط ف حق من حقوق ال بادر إل العتذار والتوبـة والسـتغفار‬ ‫وموه ومداواته بعمل صال يزيل أثره‪ .‬هؤلء هم البرار‪.‬‬ ‫وأمـا «السـابقون القربون» فهـم قوم امتلت قلوبمـ مـن معرفـة ال‪،‬‬ ‫وغُمرَت بحب ته وخشي ته وإجلله ومراقب ته ‪ ...‬فإذا ا ستيقظ أحد كم فأول ما‬ ‫يبدأ به‪ :‬المد ل الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور‪ ،‬ث يقول بعدها‪ :‬ل‬ ‫إله إل ال وحده ل شريـك له اللك وله ال مد وهـو على كـل شيـء قديـر‪.‬‬ ‫سبحان ال‪ ،‬والمد ل‪ ،‬ول إله إل ال‪ ،‬وال أكب‪ ،‬ول حول ول قوة إل بال‪.‬‬ ‫ث يدعو ويتضرع‪ .‬ث يقوم إل الوضوء بقلب حاضر مستصحب لا فيه‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ث يصلي ما كتب ال له صلة مب ناصح لربه‪ ،‬متذلل منكسر‬ ‫ب ي يد يه‪ ،‬ل صلة مدل ب ا عل يه‪ ،‬يرى من أع ظم ن عم ال عل يه أن‬ ‫أقامـه وأنام غيه‪ ،‬واسـتزاره وطرد غيه‪ ،‬وأهلّه وحرم غيه‪ ،‬يرى أن‬ ‫قرة عينـه وحياة قلبـه وجنـة روحـه ونعمتـه ولذتـه وسـروره فـ تلك‬ ‫الصلة‪ ،‬فهو يتمن طول ليله‪ ،‬ويناجيه بكلمه معطيًا لكل آية حظها‬ ‫من العبودية؛ فتجذب قَلْبَه وروحه إليه آيا تُ الحبة والوداد‪ ،‬واليات‬ ‫ال ت في ها ال ساء وال صفات‪ ،‬واليات ال ت تعرف ب ا إل عباده بآلئه‬ ‫وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم‪ .‬وتُطَيّ بُ له ال سّي آيات الرجاء والرحة‬ ‫وسـعة الب والغفرة‪ .‬وتقلقـه آيات الوف والعدل والنتقام‪ ،‬وإحلل‬ ‫غضبه بالعرضي عنه العادلي به غيه الائلي إل سواه‪ .‬فإذا صلى ما‬ ‫كتـب له جلس مطرق ًا بيـ يدي ربـه هيبـة له وإجل لً‪ ،‬واسـتغفره‬ ‫ا ستغفار من يتي قن أ نه هالك إن ل يغ فر له ويرحهـ‪ .‬فإذا ق ضى من‬ ‫ال ستغفار وطرًا وكان عل يه ب عد ل يل اضط جع على ش قه الي ن ممًا‬ ‫نف سه‪ ،‬مريًا ل ا‪ ،‬مقويًا ل ا على أداء وظي فة الفرض‪ ،‬فإذا طلع الف جر‬ ‫صلى ال سنة وابت هل إل ال بين ها وب ي الفري ضة‪ ،‬ويك ثر من قول‪ :‬يا‬ ‫حي يا قيوم ل إله إل أنت‪ .‬ث ينهض إل صلة الصبح قاصدًا الصف‬ ‫الول عن ي ي المام أو خلف قفاه‪ ،‬فإن فا ته ذلك ق صد القرب م نه‬ ‫مهمـا أمكـن؛ فإن صـلة الفجـر يشهدهـا ال وملئكتـه شهادة‬ ‫خا صة‪ ،‬و هي شهادة حضور ود نو مت صل بد نو الرب ونزوله إل ساء‬ ‫الدن يا ف الش طر الخ ي من الل يل‪ .‬فإذا فرغ من صلة ال صبح أق بل‬ ‫بكلي ته على ذ كر ال والتو جه إل يه بالذكار ال ت شر عت أول النهار‬ ‫فيجعلهـا وردًا له ل يلـ باـ أبدًا‪ ،‬ثـ يزيـد عليهـا مـا شاء ال مـن‬ ‫الذكار الفاضلة وتلوة القرآن حت تطلع الشمس‪.‬‬ ‫‪260‬‬ ‫‪261‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فإذا طل عت فإن شاء ر كع ركع ت الض حى وزاد ما شاء ال وإن‬ ‫شاء قام من غ ي ركوع‪ .‬ث يذ هب متضرًا إل ر به سائلً له أن يكون‬ ‫ضامنًا عل يه مت صرفًا ف مرضا ته بق ية يو مه‪ ،‬فل ينقلب إل ف ش يء‬ ‫يظ هر له ف يه مرضاة ر به‪ ،‬وإن كان من الفعال العاد ية الطبيع ية قل به‬ ‫عبادة بالنيـة وقصـد السـتعانة بـه على مرضاة الرب‪ .‬فإذا جاء فرض‬ ‫الظ هر بادر إل يه مكملً له نا صحًا ف يه لعبوده‪ ،‬باذلً مقدروه كله ف‬ ‫تسينه وتزيينه وإصلحه وإكماله ليقع موقعًا حسنًا من مبوبه‪ ،‬فينال‬ ‫بـه رضاه وقربـه منـه‪ .‬وهكذا صـلة العصـر والغرب‪ ،‬والعشاء‪ .‬فهذا‬ ‫سلوك أ هل النبا هة والزم‪ ،‬و هم أفراد من العال‪ ،‬و هو طر يق سهل‬ ‫قريب موصل طريق آمن‪ ،‬أكثر السالكي ف غفلة عنه‪.‬‬ ‫أمـا «الشقياء» فقطعوا تلك الراحـل سـائرين إل دار الشقاء‪،‬‬ ‫متزوديـن غضـب الرب مصـحوبون بالشياطيـ تسـوقهم إل منازلمـ‬ ‫سوقًا حثيثًا‪ ،‬وتزعج هم إل العا صي والك فر إزعاجًا‪ .‬نعوذ بال من‬ ‫حالم ومصيهم‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال فتقواه هي النجاة‪ ،‬وأ هل التقوى هم أ هل ل‬ ‫إله إل ال‪ ،‬روى الطبان بسنده عن ابن عمر رضي ال عنهما‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫قال رسول ال ‪ « :‬ليس على أهل ل إله إل ال وحشة ف الوت‪،‬‬ ‫ول فف القبور‪ ،‬ول فف النشور‪ ،‬وكأنف أنظفر إليهفم عنفد الصفيحة‬ ‫َبف‬ ‫ّهف الّ ذِي أَذْه َ‬ ‫ينفضون رءوسفهم مفن التراب يقولون الْحَمْدُ لِل ِ‬ ‫َنف إِنّ رَبّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطـر‪ .»] 34 :‬بارك ال ل‬ ‫عَنّاف الْحَز َ‬ ‫ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي أفاض على خلقه النعمة‪ ،‬وكتب على نفسه الرحة‪،‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬من يرد هدايته يشرح صدره‬ ‫لل سلم‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله أر سله ك ما أر سل الر سل من‬ ‫قبله يدعون إل دار السـلم‪ ،‬ويذرون مـن العاصـي والثام‪ .‬اللهـم صـل‬ ‫وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬السائر إل ال والدار الخرة ل يتم سيه ول‬ ‫ي صل إل مق صوده إل بعلم وع مل فبالعلم يب صر منازل الطر يق‪ ،‬وبالع مل‬ ‫يسي حقيقة‪ ،‬فكلما قطع منلة استعد لقطع الخرى واستشعر القرب من‬ ‫النل فهان عليه مشقة السفر‪ .‬وكلما كلت نفسه من السي وعدها قرب‬ ‫التل قي وبرد الع يش‪ .‬والدن يا كل ها ك ساعة من ساعات الخرة‪ ،‬وع مر‬ ‫الن سان دقائق من دقائق تلك ال ساعة أو أ قل‪ ،‬قال ال نب ‪ « :‬ما الدن يا‬ ‫ف الخرة إل ك ما ي ضع أحد كم أ صبعه ف ال يم (يع ن ف الب حر)‬ ‫فينظر ب يرج»‪.‬‬ ‫فال ال عباد ال ل ننقطع ف الفازة‪ ،‬ولنذكّر أنفسنا ما أمامها من‬ ‫الحباب‪ ،‬و ما لدي هم من الكرام والنعام‪ ،‬و ما خلف نا من العداء‪ ،‬و ما‬ ‫لديهم من الهانة والعذاب‪.‬‬ ‫ف فِفي رَوْضَةٍ‬ ‫ف آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصفّالِحَاتِ فَهُم ْ‬ ‫فَأَمّاف الّ ذِين َ‬ ‫يُحْبَرُونَ * وَأَمّا الّ ذِينَ كَفَرُوا وَكَذّ بُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ‬ ‫فِي الْعَذَا بِ مُحْضَرُو نَ [الروم‪ ]11 :‬إن أح سن الد يث كتاب‬ ‫ال ‪.)1 ( ...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() التبيان ص (‪.)273 -271 ،269 ،266 ،262 ،236 ،235‬‬ ‫‪262‬‬ ‫‪263‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫اختلف فصول السنة‬ ‫تذكر بال والدار الخرة‬ ‫المد ل الذي جعل ف اختلف فصول السنة دليلً على عظمته‬ ‫الباهرة‪ ،‬ومذكرًا بالدار الخرة‪.‬‬ ‫أحده سبحانه على رح ته الوا سعة‪ ،‬وأ سأله العا نة على ح سن‬ ‫طاع ته وال ستقامة على أمره والتزود من العمال ال صالة‪ .‬ونعوذ به‬ ‫من شرور أنف سنا و من سيئات أعمال نا‪ ،‬ف هو العاذ واللذ وحده‪ ،‬ل‬ ‫مل جأ م نه إل إل يه ف اللمات والعظائم القاهرة‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شر يك له كل ما ف الكون يذ كر بعظم ته‪ ،‬ويشوق إل‬ ‫دار كرامتـه‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله القائل‪« :‬اشتكفت النار‬ ‫إل رباف فقالت‪ :‬أكفل بعضفي بعضًا‪ .‬فأذن لاف بنفسفي‪ :‬نففس فف‬ ‫الشتاء‪ ،‬ون فس ف ال صيف‪ ،‬ف هو أ شد ما تدون من ال ر وأ شد ما‬ ‫تدون من الزمهرير»‪.‬‬ ‫أخرجه البخاري ومسلم‪ .‬اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك‬ ‫ممـد وعلى آله وأصـحابه الذيـن روضوا أنفسـهم وطوعوهـا حتـ‬ ‫استقامت على المر‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال ما رأى العارفون بال شيئًا من الدن يا إل‬ ‫تذكروا بـه مـا وعـد ال بنسـه فـ الخرة‪ ،‬وعلموا أن ذلك دليلً‬ ‫يعرفهـم بالقهـم جـل جلله وتقدسـت أسـاؤه قال السـن البصـري‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫رحه ال‪ :‬كان الصحابة يقولون‪ :‬المد ل الرفيق الذي لو جعل هذا اللق‬ ‫خلقًا دائمًا ل ينصرف لقال الشاك ف ال‪ :‬لو كان لذا اللق رب لادثه‪،‬‬ ‫وإن ال قـد حادث باـ ترون مـن اليات‪ :‬إنـه جاء بضوء طبـق مـا بيـ‬ ‫الافق ي‪ ،‬وج عل في ها (معاشًا و سراجًا وهاجًا)‪ .‬ث إذا شاء ذ هب بذلك‬ ‫اللق وجاء بظلمة طبقت ما بي الافقي‪ ،‬وجعل فيها سكنًا ونومًا وقمرًا‬ ‫منيًا‪ ،‬وإذا شاء بن بناء جعل فيه الطر والرعد والبق والصواعق ما شاء‪،‬‬ ‫وإن شاء صرف ذلك اللق‪.‬‬ ‫وإذا شاء جاء ببد يقر قف الناس‪ ،‬وإذا شاء ذ هب بذلك وجاء ب ر‬ ‫يأ خذ بالنفاس‪ ،‬ليعلم الناس أن لذا اللق ربًا ياد ثه ب ا ترون من اليات‪،‬‬ ‫كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالخرة‪.‬‬ ‫وقال خليفـة العبدي‪ :‬مـا زال الؤمنون يتفكرون فيمـا خلق لمـ‬ ‫رب م ح ت أيق نت قلوب م‪ ،‬وح ت كأن ا عبدوا ال عن رؤي ته‪ ،‬ما رأى‬ ‫العرافون شيئًا من الدن يا إل تذكروا به ما و عد ال به من جن سه ف‬ ‫الخرة من كل خي وعافية أو خلف ذلك‪.‬‬ ‫فكل ما ف الدنيا يدل على خالقه ويذكر به‪ ،‬ويدل على صفاته‬ ‫فمـا فيهـا مـن نعيـم وراحـة يدل على كرم خالقـه وفضله وإحسـانه‬ ‫وجوده ولط فه بأ هل طاع ته‪ .‬و ما في ها من نق مة وشدة وعذاب يدل‬ ‫على شدة بأسـه وبطشـه وقهره وانتقامـه منـ عصـاه فنبات الرض‬ ‫واخضرار ها ف الرب يع ب عد مول ا ويب سها ف الشتاء وإيناع الشجار‬ ‫واخضرارهـا بعـد كوناـ خشبًـا يابسـًا يدل على بعـث الوتـى‬ ‫من الرض‪ .‬قال أ بو رز ين العقيلي لل نب ‪ :‬ك يف ي يي ال الو تى؟‬ ‫ومـا آيـة ذلك فـ خلقـه؟ قال‪« :‬هفل مررت بواد أُهلك م لً‪،‬‬ ‫‪264‬‬ ‫‪265‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ث مررت به يهتز خضرًا؟» قال نعم‪ .‬قال‪« :‬كذلك يرج ال الوتى‪،‬‬ ‫وذلك آيته ف خلقه» أخرجه المام أحد‪ .‬وقِ صَرُ مدة الزرع والثمار‬ ‫وعود الرض بعد ذلك إل يبسها والشجر إل حال ا الول كعود ابن‬ ‫آدم بعد كونه حيًا إل التراب الذي خلق منه‪.‬‬ ‫و«ف صول ال سنة» تذ كر بالخرة فشدة حر ال صيف يذ كر ب ر‬ ‫جه نم وهو من سومها‪ ،‬وشدة برد الشتاء يذ كر بزمهرير جهنم و هو‬ ‫مـن زمهريرهـا‪ .‬و«الريـف» يكمـل فيـه اجتناء الثمرات‪ .‬وكذلك‬ ‫اجتناء ثرات العمال ف الخرة‪ .‬وأ ما «الرب يع» ف هو أط يب ف صول‬ ‫السنة‪ ،‬وهو يذكر بنعيم النة وطيب عيشها‪ .‬وينبغي أن يث الؤمن‬ ‫على مواصـلة الجتهاد يطلب النـة بالعمال الصـالة‪ .‬وكذلك خلق‬ ‫بعـض البلدان الباردة والطاعـم والشارب اللذيذة واللبـس الفاخرة‬ ‫وغي ذلك من نعيم الدنيا يذكر بنعيم النة‪.‬‬ ‫كان ب عض ال سلف يرج ف أيام الرياح ي والفوا كه إل ال سوق‬ ‫فيقف وينظر ويعتب ويسأل ال النة‪ .‬ومر سعيد بن جبي بشباب من‬ ‫أبناء اللوك جلوس ف مال سهم ف زينت هم ف سلموا عل يه‪ ،‬فل ما ب عد‬ ‫عنهـم بكـى واشتـد بكاؤه‪ ،‬وقال‪ :‬ذكرنـ هؤلء شباب أهـل النـة‪.‬‬ ‫تزوج صلة بن أشيم بعاذة العدوية وكان من كبار الصالي‪ ،‬فأدخله‬ ‫ابن أخيه المام السخن بالنار‪ ،‬ث أدخله على زوجته ف بيت مطيب‬ ‫من جد‪ ،‬فقا ما ي صليان إل ال صباح‪ .‬ف سأله ا بن أخ يه عن حاله؟ فقال‪:‬‬ ‫أدخلت ن بال مس بيتًا أذكرت ن به النار‪ -‬يع ن المام‪ -‬وأدخلت ن الليلة‬ ‫بيتًا أذكرتن به النة‪ ،‬فلم يزل فكري ف النة والنار إل الصباح‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫خرج ال طبان بإ سناده أن رجلً ف ع هد ال نب نزع ثيا به ث‬ ‫ّمف أَشَدّ حَرّا‬ ‫ترغ فـ الرمضاء وهـو يقول لنفسـه‪ :‬ذوقـي نَارُ جَهَن َ‬ ‫[التّوبَة‪ ]81 :‬جيفـة بالليـل‪ ،‬بطال بالنهار(‪ ،)1‬فرآه النـب ‪ ،‬فقال‪ :‬يـا‬ ‫رسـول ال غلبتنـ نفسـي‪ .‬فقال النـب ‪« :‬لقفد فتحفت لك أبواب‬ ‫السماء وباهى ال بك اللئكة»‪ .‬وكان كثي من السلف يرجون إل‬ ‫الداد ين ينظرون إل ما ي صنعون بالد يد فيبكون‪ ،‬ويتعوذون بال من‬ ‫النار‪ .‬وكان بعضهم إذا رجع من المعة ف حر الظهية يذكر انصراف‬ ‫الناس من مو قف ال ساب إل النـة أو النار؛ فإن ال ساعة تقوم ف يوم‬ ‫المعة‪ ،‬ول ينتصف النهار حت يقيل أهل النة ف النة وأهل النار ف‬ ‫َصفحَابُ الْجَنّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ‬ ‫النار‪ .‬قاله ابـن مسـعود وتل قوله تعال‪ :‬أ ْ‬ ‫ْسفنُ مَقِيلًا [الفُرقان‪ ]24 :‬فينبغـي لنـ كان فـ حـر‬ ‫ُسفتَقَرّا وَأَح َ‬ ‫م ْ‬ ‫الشمس أن يتذكر حرها ف الوقف؛ فإن الشمس تدنو من رءوس الناس‬ ‫يوم القيامة ويزاد ف حرها‪ ،‬وليس هناك ظل إل بالعمال الصالة‪.‬‬ ‫وم ا يدل على ال نة والنار أيضًا ما يع جل ال ف الدن يا ل هل‬ ‫طاعته وأهل معصيته‪.‬‬ ‫فإن ال تعال يعجل لوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم النة‬ ‫وروحهـا مـا يدونـه ويشهدونـه بقلوبمـ ماـ ل تيـط بـه عبارة‪ ،‬ول‬ ‫ت صره إشارة‪ ،‬ح ت قال بعض هم‪ :‬إ نه لت مر ب أوقات أقول‪ :‬إن كان‬ ‫أهل ال نة ف مثل ما أنا فيه فإن م ف عيش طيب‪ .‬قال أبو سليمان‪:‬‬ ‫أهل الليل ف ليلهم ألذ من أهل اللهو ف لوهم‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() يلوم نفسه على عدم قيامها بالليل وعلى ترك النوافل في النهار‪.‬‬ ‫‪266‬‬ ‫‪267‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ِنف ذَكَرٍ أَوْ أُنْث َى وَهُوَ‬ ‫َنف عَمِلَ صفَالِحًا م ْ‬ ‫وقال ال تعال‪ :‬م ْ‬ ‫ّهف حَيَاةً طَيّ بَةً [النّحـل‪ .]97 :‬قال السـن‪ :‬نرزقـه‬ ‫ِنف فَلَنُحْيِيَن ُ‬ ‫مُؤْم ٌ‬ ‫طاعة يد لذته ف قلبه‪ .‬أهل التقوى ف نعيم حيث كانوا‪ :‬ف الدنيا‪،‬‬ ‫وف البزخ‪ ،‬وف الخرة‪.‬‬ ‫وأما أهل العاصي والعراض عن ال فإن ال يعجل لم ف الدنيا‬ ‫مـن انوذج عقوبات جهنـم مـا يعرف أيض ًا بالتجربـة والذوق‪ ،‬فل‬ ‫ت سأل ع ما هم ف يه من ض يق ال صدر وحر جه ونكده‪ ،‬ث ينتقلون ب عد‬ ‫هذه الدار إل أشد من ذلك وأضيق‪ ،‬ولذلك يضيق على أحدهم قبه‬ ‫حتـ تتلف أضلعـه‪ ،‬ويفتـح له باب إل النار فيأتيـه سـومها قال ال‬ ‫تعال‪ :‬وَمَن ْف أَعْرَضَف عَن ْف ذِكْرِي فَإِنّ لَهُف مَعِيشَةً ضَنْكًا [طـه‪:‬‬ ‫‪ ]124‬ث بعد ذلك إل جهنم وضيقها‪ ،‬قال تعال‪ :‬وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا‬ ‫مَكَانًا ضَيّ قًا مُقَرّ نِيَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفُرقان‪.]13 :‬‬ ‫افتقوا ال عباد ال‪ ،‬واع تبوا ب ا تشاهدو نه على ما غاب عن كم‬ ‫من نعيم أو عذاب‪ ،‬وف ذلك آية على وجود الالق وعظمته‪ ،‬وباعث‬ ‫على السـتمرار على القيام بقـه مـن مفروض ومندوب‪ .‬واعلموا أن‬ ‫الن فس ف كث ي من الحيان تتاج إل ترب ية‪ .‬أعوذ بال من الشيطان‬ ‫الرج يم‪ :‬وَجَعَلْنَا اللّ يْلَ وَالنّ هَارَ آَيَتَيْ نِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللّ يْلِ وَجَعَلْنَا‬ ‫السفنِيَ‬ ‫ُمف وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ ّ‬ ‫ِنف رَبّ ك ْ‬ ‫ْصفرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا م ْ‬ ‫آَيَةَ النّ هَارِ مُب ِ‬ ‫وَالْحِ سَابَ وَكُلّ شَيْءٍ فَ صّ لْنَاهُ تَفْ صِيلًا [ال سرَاء‪ ] 12 :‬بارك ال‬ ‫ل ولكم‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي يرجى من كرمه أن ييي القلوب اليتة بالذنوب‬ ‫وطول الغفلة ب سماع الذ كر النازل من ال سماء‪ .‬وأش هد أن ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شريك له ف عبادته ل من ال نبياء ول من الصلحاء ول‬ ‫من ي سمونم بالولياء‪ .‬وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله خ ي خلق ال‬ ‫من الول ي والخر ين‪ ،‬الل هم صل و سلم على عبدك ور سولك م مد‬ ‫وعلى آله وأصحابه والتابعي لم بإحسان إل يوم الدين‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬ل شك أن ال سبحانه خلق لعباده دارين‬ ‫يزيهم فيها بأعمالم مع البقاء ف الدارين من غي موت‪ ،‬وخلق دارًا‬ ‫معجلة للعمال‪ ،‬وجعل فيها موتًا وحياة‪ ،‬وابتلى عباده فيها با أمرهم‬ ‫بـه وناهـم عنـه‪ ،‬وجعـل إحدى الداريـن الخلوقتيـ للجزاء دار نعيـم‬ ‫مض ل يشوبه أل‪ ،‬والخرى دار عذاب مض ل يشوبه راحة‪ ،‬وهذه‬ ‫الدار الفان ية مزو جة بالنع يم والل؛ ف ما في ها من نع يم يذ كر بنع يم‬ ‫ال نة‪ ،‬و ما في ها من أل يذ كر بأل النار فا سألوه‪ -‬يا عباد ال‪ -‬ال نة‬ ‫واستعيذوا به من النار‪ .‬قال النب ‪ « :‬إذا كان يوم شديد الر فقال‬ ‫الع بد‪ :‬ل إله إل ال ما أ شد حر هذا اليوم‪ ،‬الل هم أجر ن من حر‬ ‫جهنم‪ .‬قال ال لهنم‪ :‬إن عبدًا من عبادي قد استجار ب منك وقد‬ ‫أجرته‪ .‬وإذا كان يوم شديد البد فقال العبد‪ :‬ل إله إل ال ما أشد‬ ‫برد هذا اليوم‪ .‬الل هم أجر ن من زمهرير جه نم‪ .‬قال ال له نم‪ :‬إن‬ ‫عبدًا من عبادي قد استجار ب منك فأجرته»‪.‬‬ ‫‪268‬‬ ‫‪269‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫روى ابن أب الدنيا بإسناده عن ابن مسعود رضي ال عنه قال‪:‬‬ ‫« يشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط‪ ،‬وأجوع ما كانوا قط‪،‬‬ ‫وأظ مأ ما كانوا قط‪ ،‬ف من ك سا ل ك ساه ال‪ ،‬و من أط عم ل‬ ‫أطع مه ال‪ ،‬و من سقى ل سقاه ال‪ ،‬و من ع فا ل أعفاه ال»‪ .‬وق يل‬ ‫ل ب حازم الزا هد‪ :‬إ نك لتَشَدّ وُ ‪-‬يع ن‪ :‬ف العبادة‪ -‬فقال‪ :‬وك يف ل‬ ‫أتشدد وقد ترصد ل أربعة عشر عدوًا‪ .‬قيل له‪ :‬لك خاصة؟ قال‪ :‬بل‬ ‫لم يع من يع قل‪ .‬ق يل له‪ :‬و ما هذه العداء؟ قال‪ :‬أ ما أرب عة فمؤ من‬ ‫ي سدون‪ ،‬ومنا فق يبغض ن‪ ،‬وكا فر يقاتل ن‪ ،‬وشيطان يغوي ن ويضل ن‪.‬‬ ‫وأمـا العشرة‪ :‬فالوع‪ ،‬والعطـش‪ ،‬والرـ‪ ،‬والبد‪ ،‬والعري‪ ،‬والرض‪،‬‬ ‫والفاقة‪ ،‬والرم‪ ،‬والوت‪ ،‬والنار‪ .‬ول أطبقهن إل بسلح تام‪ ،‬ول أجد‬ ‫لن سل حًا أفضل من التقوى‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال وحافظوا على أنفســكم مــن أعدائكــم‪،‬‬ ‫وجودوا على فقراء الؤمنيـ‪ ,.‬وعليكـم بالقدوة السـنة الصـحابة‬ ‫والتابعي لم بإحسان خي خلق ال بعد النبيي والرسلي‪ .‬إن أحسن‬ ‫الديث ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫حال الناس‬ ‫ف موقف القيامة‬ ‫المـد ل الذي خلق السـموات والرض بالقـ‪ ،‬ولتجزى كـل‬ ‫ن فس ب ا ك سبت و هم ل يظلمون‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل‬ ‫شريـك له خلق الثقليـ النـ والنـس «لغايـة تراد منهـم» وهـي أن‬ ‫يعرفوه ويعبدوه وحده‪ :‬وَمَا خَلَقْ تُ الْجِنّ وَالْإِنْ سَ إِلّا لِيَعْبُدُو نِ‬ ‫[الذّاريَات‪ ]56 :‬و«غا ية تراد ب م» و هي الزاء بالعدل والف ضل‬ ‫لِيَجْزِ يَ الّ ذِي نَ أَ سَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِ يَ الّ ذِي نَ أَحْ سَنُوا بِالْحُ سْنَى‬ ‫[النّجْم‪.]31 :‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله وخليله‪ ،‬ل خيـ إل دل المـة‬ ‫عليه‪ ،‬ول شر إل حذرها عنه‪ .‬فصلى ال وسلم وبارك عليه وعلى آله‬ ‫وأصحابه‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬روى النسائي‪ ،‬عن عوف بن مالك رضي‬ ‫ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬خرج رسول ال وبيده عصى‪ ،‬وقد علق رجل قنوًا‬ ‫من ح شف‪ ،‬فج عل يط عن ف ذلك الق نو‪ ،‬فقال‪« :‬لو شاء رب هذه‬ ‫ال صدقة ت صدق بأط يب من هذا‪ ،‬إن رب هذه ال صدقة يأ كل حشفًا‬ ‫يوم القيامففة» أخــب أن جزاءه يكون مــن جنــس عمله‪،‬‬ ‫فيجزى على تلك الصدقة ب شف من جن سها؛ ولذا سي يو مُ القيامة‬ ‫يومـــَ الزاء ويوم العاد؛ فإن العبـــد يوت على مـــا عاش‬ ‫‪270‬‬ ‫‪271‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عل يه‪ ،‬ويبعـث على ما مات عل يه‪ ،‬ويعود عل يه عمله بعي نه فين عم به‬ ‫ظاهرًا وباطنًا‪ ،‬أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا‪ :‬فيور ثه عل مه ال صال من‬ ‫الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العي والنعيم ف قلبه‪ ،‬وينشأ له‬ ‫من أعماله ما تشته يه نف سه وتلذه عي نه من سائر الشتهيات‪ ،‬ويكون‬ ‫تنوع تلك الشتهيات وكمال ا وبلوغها مرتبة ال سن والوافقة ب سب‬ ‫كمال عمله ومتابعته فيه وإخل صه وبلوغه مرتبة الحسان فيه؛ فمن‬ ‫تنو عت أعماله الرض ية ل الحبو بة له ف هذه الدار تنو عت الق سام‬ ‫التـ يتلذذ باـ فـ تلك الدار‪ ،‬وتكثرت له بسـب تكثـر أعماله هنـا‪،‬‬ ‫وكان مزيده مـن تنوعهـا والبتهاج باـ واللتزاز نبيلهـا هناك على‬ ‫حسب مزيده من العمال وتنوعه فيها ف هذه الدار فليست لذة من‬ ‫ضرب ف كل مرضاة ل ب سهم وأ خذ من ها بن صيب كلذة من أن ى‬ ‫سهمه ون صيبه ف نوع وا حد من ها؛ فلذات أ هل ال نة و ما في ها من‬ ‫الطيبات أنواع‪ .‬وكذلك تنوعت آلم أهل النار‪ -‬فليس أل من ضرب‬ ‫فـ كـل مسـخوط ل بنصـيب وعقوبتـه كأل مـن ضرب بسـهم فـ‬ ‫مساخطه‪.‬‬ ‫فالناس يتفاوتون فـ أحوال العاد ومـا يري فيـه مـن المور‬ ‫التنوعة‪ -‬فمنها خفة حل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبه؛ فإنه‬ ‫بسـب خفـة وزره وثقله إن خـف خـف‪ ،‬وإن ثقـل ثقـل‪ .‬ومنهـا‬ ‫اسـتظلله بظـل العرش أو ضحاؤه للشمـس والرـ إن كان له مـن‬ ‫العمال الصـالة والالصـة واليان مـا يظله فـ هذه الدار مـن حـر‬ ‫الشرك والعاصـي والظلم اسـتظل هناك فـ ظـل أعماله تتـ عرش‬ ‫الرحنـ‪ .‬وإن كان ضاحيًا ه نا للمنا هي والخالفات والبدع والفجور‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ضحى هناك للحر الشديد‪.‬‬ ‫ومن ها طول وقو فه ف الو قف‪ ،‬ومشقّ ته عل يه‪ ،‬وتوي نه عل يه‪ .‬إن‬ ‫طال وقوفه ف الصلة ليلً ونارًا ل وت مل لجله الشاق ف مرضاته‬ ‫وطاعته خف عليه الوقوف ف ذلك اليوم وسهل عليه‪ .‬وإن آثر الراحة‬ ‫هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته‬ ‫ْكف‬ ‫ْنف نَزّ لْنَا عَلَي َ‬ ‫عليـه‪ ،‬وقـد أشار تعال إل ذلك فـ قوله‪ :‬إِنّاف نَح ُ‬ ‫الْقُرْآَ نَ تَنْزِيلًا * فَا صْبِرْ لِحُكْ مِ رَبّ كَ وَلَا تُطِ عْ مِنْهُ مْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا‬ ‫* وَاذْكُرِ ا سْمَ رَبّ كَ بُكْرَةً وَأَ صِيلًا * وَمِ نَ اللّ يْلِ فَا سْجُدْ لَ هُ وَ سَبّ حْهُ‬ ‫لَيْلًا طَوِيلًا * إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبّو نَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُو نَ وَرَاءَهُ مْ يَوْمًا ثَقِيلًا‬ ‫[النسـان‪ .]27 -23 :‬فمـن سـبح ال ليلً طويلً ل يكـن ذلك‬ ‫اليوم ثقيلً عليه؛ بل كان أخف شيء عليه‪.‬‬ ‫ومنها ثقل ميزانه هناك بسب تمله ثقل الق ف هذه الدار‪ ،‬ل‬ ‫بسب مرد كثرة العمال؛ وإنا يثقل اليزان باتباع الق والصب عليه‬ ‫وبذله إذا سـئل وأخذه إذا بذل‪ ،‬كمـا قال الصـديق لعمـر رضـي ال‬ ‫عنه ما‪ :‬واعلم أن ل حقًا بالل يل ل يقبله بالنهار‪ ،‬وله حق بالنهار ل‬ ‫يقبله بالل يل‪ ،‬واعلم أ نه إن ا ثقلت مواز ين من ثقلت موازي نه باتباع هم‬ ‫الق وثقل ذلك عليهم ف دار الدنيا‪ ،‬وحق ليزان يوضع فيه الق أن‬ ‫يكون ثقيلً‪ .‬وإناـ خفـت موازيـن مـن خفـت موازينـه يوم القيامـة‬ ‫باتباعهم الباطل ف دار الدنيا وخفته عليهم‪ ،‬وحق ليزان ل يوضع فيه‬ ‫إل باطل أن يكون خفيفًا‪.‬‬ ‫ومنهـا أن ورود الناس الوض وشربمـ منـه يوم العطـش الكـب‬ ‫ب سب ورود هم سنة ر سول ال وشرب م من ها‪ -‬ف من ورد ها ف‬ ‫‪272‬‬ ‫‪273‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫هذه الدار وشرب منها وتضلع ورَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلع؛‬ ‫فله حوضان عظيمان‪ :‬حوض ف الدن يا‪ ،‬و هو سنته و ما جاء به‪.‬‬ ‫وحوض ف الخرة فالشاربون من هذا الوض ف الدنيا هم الشاربون‬ ‫من حوضه يوم القيامة‪ ،‬فشارب ومروم‪ ،‬ومستقل ومستكثر‪.‬‬ ‫والذين يذودهم هو واللئكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين‬ ‫كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيها فمن‬ ‫ظ مأ من سنته ف هذه الدن يا ول ي كن له من ها شرب ف هو ف الخرة‬ ‫ـل فيقول‪:‬‬ ‫ـى الرجـ‬ ‫ـل ليلقـ‬ ‫ـر كبدًا‪ ،‬وإن الرجـ‬ ‫ـأ وأحـ‬ ‫ـد ظمـ‬ ‫أشـ‬ ‫يا فلن أشر بت؟ فيقول‪ :‬ن عم وال‪ .‬فيقول‪ :‬لك ن وال ما شر بت‪ ،‬وا‬ ‫عطشاه‪.‬‬ ‫ومنها قسمة النوار ف الظلمة دون ال سر فإن العبد يعطى من‬ ‫النور هناك بسب قوة نور إيانه ويقينه وإخلصه ومتابعته للرسول ف‬ ‫دار الدنيـا فمنهـم مـن يكون نوره كالشمـس‪ ،‬ودون ذلك كالقمـر‪،‬‬ ‫ودونـه كأشـد كوكـب فـ السـماء إضاءةً‪ ،‬ومنهـم مـن يكون نوره‬ ‫كالسراج ف قوته وضعفه‪ ،‬وما بي ذلك‪.‬‬ ‫ومنهم من يعطى نورًا على إبام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى‬ ‫بسب ما كان معه من نور اليان ف دار الدنيا( ‪ )1‬ولا كان النافق ف‬ ‫الدن يا قد ح صل له نور ظا هر غ ي م ستمر ول مت صل بباط نه ول له‬ ‫‪1‬‬ ‫() فهو هذا النور بعينه أبرزه ال لعبده في الخرة ظاهرًا يرى عيانًا بالبصار‪،‬‬ ‫ول يستضيء به غيره‪ ،‬ول يمشي أحد إل في نور نفسه‪ ،‬إن كان له نور مشى‬ ‫في نوره‪ ،‬وإن لم يكن له نور لم ينفعه نور غيره‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫مادة من اليان أع طى ف الخرة نورًا ظاهرًا ل مادة له ث يطفئ عنه‬ ‫أحوج ما كان إليه‪.‬‬ ‫ومنها أن مشيهم على الصراط ف السرعة والبطء بسب سرعة‬ ‫سيهم وبطئه على صراط ال ال ستقيم ف الدن يا فأ سرعهم سيًا ه نا‬ ‫أسـرعهم هناك‪ ،‬وأبطأُهـم هنـا أبطأهـم هناك‪ ،‬وأشهدهـم ثبات ًا على‬ ‫ال صراط ال ستقيم ه نا أثبت هم هناك‪.‬؟ و من خطف ته كلل يب الشهوات‬ ‫والشبهات والبدع الضلة هنـا خطفتـه الكلليـب التـ كأناـ شوك‬ ‫السـعدان هناك‪ ،‬ويكون تأثيـ الكلليـب فيـه هناك على حسـب تأثيـ‬ ‫كلليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هنا فناج مسلم‪ ،‬ومزول أي‬ ‫مقطع بالكلليب مكردس ف النار‪ ،‬كما أثرت فيهم تلك الكلليب ف‬ ‫ُصـلَت‪:‬‬ ‫ّامف لِلْعَبِيدِ [ف ّ‬ ‫ّكف بِظَل ٍ‬ ‫الدنيـا جَزَاءً وِفَاقًا ‪ ،‬وَمَا رَب َ‬ ‫‪.]146‬‬ ‫ومن كان مستوحشًا مع ال بعصيته إياه ف هذه الدار فوحشته‬ ‫معه ف البزخ ويوم العاد أعظم وأشد وَمَ نْ كَا نَ فِي هَذِ هِ أَعْمَى‬ ‫فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلًا [السرَاء‪ ]72 :‬وَيَزِيدُ اللّ هُ‬ ‫الّ ذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريَم‪.]76 :‬‬ ‫فأو صيكم وإياي عباد ال بالتقوى‪ ،‬وأن نا سب أنف سنا ق بل أن‬ ‫ناسـب‪ ،‬ونزناـ قبـل أن نوزن‪ ،‬وأن نتأهـب للعرض الكـب على ال‬ ‫ِنف‬ ‫الذي ل تفـى عليـه خافيـة‪ .‬أعوذ بال مـن الشيطان الرجيـم وَإ ْ‬ ‫مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا كَا نَ عَلَى رَبّ كَ حَتْمًا مَقْضِيّ ا * ثُمّ نُنَجّ ي الّ ذِي نَ‬ ‫اتّ قَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِيَ فِيهَا جِثِيّاف [مر ي‪ .] 72 ،71 :‬بارك ال ل‬ ‫ولكم ف القرآن العظيم ‪...‬‬ ‫‪274‬‬ ‫‪275‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المـد ل رب العاليـ‪ ،‬مالك يوم الديـن‪ .‬وأشهـد أن ل إله إل‬ ‫ال وحده ل شريك له إله الولي والخرين‪.‬‬ ‫وأش هد أن ممدًا عبده ور سوله الشا فع الش فع ف يوم الح شر‪.‬‬ ‫اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه ومن‬ ‫تبعهم على الثر‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬روى مسلم ففي صحيحه‪ ،‬عن أب الزبي‪،‬‬ ‫أنه سع جابر بن عبدال رضي ال عنه يسأل عن الورود ف قوله‪:‬‬ ‫وَإِ نْ مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا [مريَم‪ ]71 :‬فقال‪« :‬نيء نن يوم القيامة‬ ‫على كُوْم فوق الناس‪ ،‬قال‪ :‬فتد عى ال مم بأوثان ا و ما كا نت تع بد‪:‬‬ ‫الول‪ ،‬فالول؛ ث يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول‪ :‬من تنتظرون؟ فيقولن‪:‬‬ ‫ننت ظر رب نا‪ .‬فيقول‪ :‬أ نا رب كم‪ ،‬فيقولون ح ت نن ظر إل يك فيتجلى ل م‬ ‫يضحك‪ ،‬قال‪ :‬فينطلق بم فيتبعونه‪ ،‬ويعطى كل إنسان منهم منافق أو‬ ‫مؤمن نورًا ث يتبعونه‪ ،‬وعلى جسر جهنم كلليب وحسك تأخذ من‬ ‫شاء ال‪ ،‬ث يط فأ نور النافق ي‪ ،‬ث ين جو الؤمنون‪ ،‬فتن جو أول زمرة‬ ‫وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألف ل ياسبون‪ ،‬ث الذين يلونم‬ ‫كأضوء ن م ف ال سماء‪ ،‬ث كذلك‪ ،‬ث ت ل الشفا عة‪ ،‬ويشفعون ح ت‬ ‫يرج من النار من قال ل إله إل ال وكان ف قل به من ال ي ما يزن‬ ‫شعية‪ ،‬فيجعلون بفناء النـة‪ ،‬ويَجْعَلُ أهـل النـة يرشون عليهـم الاء‬ ‫ح ت ينبتوا نبات الشيـء ف السـيل ويذهـب حُرَاقُهـُ‪ ،‬ثـ يَس ْـأَل حتـ‬ ‫يَجْعَل لَه الدنيا وعشرة أمثالا معها»‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فتنبهوا عباد ال ل ا أمام نا‪ :‬ف البزخ‪ ،‬و ف القيا مة‪ ،‬و ف داري‬ ‫الزاء‪ ،‬وتفكروا فـ معانـ هذا الديـث‪ ،‬وانظروا معاملة ال سـبحانه‬ ‫وتعال لهـل توحيده الذيـن عبدوه وحده ول يشركوا بـه شيئًا هذه‬ ‫العاملة‪ ،‬ومعامل ته أ هل الشرك به ح يث ذه بت كل أ مة مع معبود ها‬ ‫فانطلق باـ واتبعتـه إل النار‪ ،‬وانطلق العبود القـ واتبعـه أولياؤه‬ ‫وعابدوه ف سبحان ال رب العال ي الذي قرت عيون أ هل التوح يد به‬ ‫فـ الدنيـا والخرة‪ ،‬وفارقوا الناس فيـه أحوج مـا كانوا إليهـم( ‪ . )1‬إن‬ ‫أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() البدائع ج (‪ .)83 ،82 ،4/162‬اجتماع الجيوش ص(‪ )4‬وقبلهككككا وبعدهككككا‬ ‫صحائف‪.‬‬ ‫‪276‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪277‬‬ ‫أحوال النسان من حي يأتيه الجل الحتوم‬ ‫إل أن يستقر ف إحدى الدارين‬ ‫( ‪)1‬‬ ‫المـد ل الذي أحسـن كـل شيـء خلقـه‪ ،‬وخلق النسـان فـ‬ ‫أح سن تقو ي‪ .‬أوجده ورباه بنع مه‪،‬وهداه إل الطر يق القو ي‪ .‬وأِش هد‬ ‫أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ل تول مـن حال إل حال ول‬ ‫قوة على ذلك إل بال وهـو حسـب ونعـم الوكيـل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا‬ ‫عبده ور سوله نقله ر به در جة ب عد در جة‪ ،‬ومرت بة ب عد مرت بة‪ ،‬ح ت‬ ‫انتهى إل مل القرب والزلفى من ربه الكري‪ .‬اللهم صلّ وسلم على‬ ‫عبدك ورسولك ممد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعبادة والجرة‬ ‫والهاد‪ ،‬ومن تبعهم بإحسان إل يوم العاد‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فقد قال ال تعال‪ :‬فَلَا أُقْ سِمُ بِالشّ فَ قِ * وَاللّ يْلِ وَمَا‬ ‫وَ سَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتّ سَقَ * لَتَرْكَبُنّ طَبَقًا عَ نْ طَبَ قٍ [النشقاق‪:‬‬ ‫‪ ]19 -16‬أقسـم سـبحانه بالشفـق الذي يتضمـن إدبار النهار وإقبال‬ ‫الليل‪ ،‬وه ا آيتان من آيات ال‪ .‬وأقسم بالقمر واتساقه؛ فاللل آية‪،‬‬ ‫واتساقه‪ -‬وهو امتلؤه نورًا‪ -‬آية‪ ،‬ث أخذه ف النقص آية لَتَرْكَبُنّ‬ ‫َقف [النشقاق‪ ]19 :‬يعنـ تنقـل النسـان حالً بعـد‬ ‫َنف طَب ٍ‬ ‫طَبَقًا ع ْ‬ ‫حال‪ ،‬ومن لً بعد منل‪ ،‬وأمرًا بعد أمر‪.‬‬ ‫عباد ال هذه اليات التـ حلف ال باـ والحلوف عليـه وهـو‬ ‫‪1‬‬ ‫() قلت‪ :‬وهذه أشمل من كل ما تقدم في هذا الموضوع ومتصلة الحلقات‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫النسان أدلة على عظمة ربنا‪ ،‬وتغييه للعال وتصريفه إياه كيف أراد‪،‬‬ ‫ونقله من حال إل حال‪ ،‬وهي من أعظم الدلة على توحيده وصفات‬ ‫كماله‪ ،‬و صدقه‪ ،‬و صدق ر سله‪ ،‬وعلى العاد ولذلك قال عق به بقوله‪:‬‬ ‫فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [النشقاق‪.]20 :‬‬ ‫فأول أطباق النسـان «نطفـة»‪ .‬ثـ «علقـة»‪ .‬ثـ «مضغـة»‪ .‬ثـ‬ ‫«جنينًا»‪ .‬ث «مولودًا»‪ .‬ث «رضيعًا»‪ .‬ث «فطيمًا»‪ .‬ث «ميزًا»‪ .‬ث‬ ‫يأخذ ف بلوغ الِشد والشباب إل الربعي‪ .‬ث بعد الربعي يأخذ ف‬ ‫الكهولة إل ال ستي‪ .‬ث يأ خذ ف الشيخو خة‪ .‬فإذا انط مت قواه ف هو‬ ‫هرم‪ .‬فإذا تغيت أحواله وظ هر نق صه ف قد رد إل أرذل الع مر‪ .‬و هي‬ ‫ف جيع أطواره‪ :‬إما صحيح أو مريض‪ ،‬غن أو فقي‪ ،‬معاف أو مبتلى‬ ‫إل جيع أحوال النسان الختلفة عليه‪.‬‬ ‫فإذا بلغ الجـل الذي قدر له واسـتوفاه جاءتـه رسـل ربـه ‪-‬‬ ‫ينقلونه من دار الفناء إل دار البقاء‪ ،‬فجلسوا منه مد البصر‪ ،‬ث دنا منه‬ ‫اللك الوكل بقبض الرواح فاستدعى بالروح‪ ،‬فإن كانت روحًا طيبة‬ ‫قال‪ :‬اخر جي أيت ها الن فس الطي بة كا نت ف ال سد الط يب‪ ،‬اخر جي‬ ‫حيدة وأبشري بروح وريان‪ ،‬ورب غيـ غضبان‪ ،‬فتخرج مـن بدنـه‬ ‫كما ترج القطرة من ف السقاء‪ ،‬فإذا أخذها ل يدعوها ف يديه طرفة‬ ‫عيــ‪ ،‬فيحنطوناــ ويكفنوناــ بنوط وكفــن مــن النــة‪،‬‬ ‫ثـ يصـلون عليهـا‪ ،‬ويوجـد لاـ كأطيـب نفحـة مسـك وجدت على‬ ‫الرض‪ ،‬ث ي صعد ب ا للعرض الول على أ سرع الا سبي فينت هى ب ا‬ ‫إل السماء الدنيا فيستأذن لا‪ ،‬فتفتح لا أبواب السماء‪ ،‬ويصلي عليها‬ ‫ـل‬ ‫ـة‪ ،‬فيفعـ‬ ‫ـماء الثانيـ‬ ‫ـا إل السـ‬ ‫ـا مقربوهـ‬ ‫ـا‪ ،‬ويشيعهـ‬ ‫ملئكتهـ‬ ‫با كذلك‪ ،‬ث الثالثة‪ ،‬ث الرابعة إل أن ينتهي با إل السماء الت فيها‬ ‫‪278‬‬ ‫‪279‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ال ؛ فتح يي رب ا تبارك وتعال بتح ية الربوب ية‪ :‬الل هم أ نت ال سلم‬ ‫ـا ذا اللل والكرام‪ .‬فإن شاء أذن لاـ‬ ‫ـلم‪ ،‬تبارك يـ‬ ‫ـك السـ‬ ‫ومنـ‬ ‫بالسجود‪ ،‬ث يرج لا التوقيع بالنة‪ ،‬فيقول الرب جل جلله‪ :‬اكتبوا‬ ‫كتاب عبدي فـ علييـ‪ ،‬ثـ أعيدوه إل الرض‪ ،‬فإنـ منهـا خلقتهـم‪،‬‬ ‫وفيها أعيدهم‪ ،‬ومنها أخرجهم تارة أخرى‪.‬‬ ‫ثـ ترجـع روحـه إل الرض‪ ،‬فتشهـد غسـله وتكفينـه وحله‬ ‫وتهيزه وتقول‪ :‬قدمون قدمون‪.‬‬ ‫فإذا وضع ف لده وتول عنه أصحابه دخلت الروح معه‪ ،‬حت‬ ‫إ نه ي سمع قرع نعال م على الرض‪ ،‬فأتاه حينئذ فتانا ال قب‪ ،‬فيجل سانه‬ ‫ويسألنه‪ :‬من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول‪ :‬رب ال‪ ،‬ودين‬ ‫السلم‪ ،‬ونبيي ممد‪ .‬فيصدقانه‪ ،‬ويبشرانه بأن هذا الذي عاش عليه‪،‬‬ ‫ومات عليه‪ ،‬وعل يه يب عث‪ .‬ث يف سح له ف قبه مدّ ب صره‪ ،‬ويفرش له‬ ‫خَضِرًا‪ ،‬ويق يض له شاب ح سن الو جه والرائ حة‪ ،‬فيقول‪ :‬أب شر بالذي‬ ‫ي سرك‪ .‬فيقول‪ :‬من أ نت؟ فوج هك الو جه الذي ي يء بال ي‪ .‬فيقول‪:‬‬ ‫أنا عملك الصال‪ .‬ث يَفْتَ حُ له طاقةً إل النار‪ ،‬ويقول‪ :‬انظر ما صرف‬ ‫ال ع نك‪ .‬ث يَفْتَح له طا قة إل ال نة‪ ،‬ويقول‪ :‬ان ظر ما و عد ال لك‪،‬‬ ‫فياها جيعًا‪.‬‬ ‫وأ ما الن فس الفاجرة فبال ضد من ذلك كله‪ :‬إذا أذ نت بالرح يل‬ ‫نزل عليهـا ملئكـة سـود الوجوه‪ ،‬معهـم حنوط مـن نار وكفـن مـن‬ ‫نار‪ ،‬فجلسـوا منهـا مدّ البصـر‪ ،‬ثـ دنـا اللك الوكـل بقبـض النفوس‬ ‫فا ستدعى ب ا وقال‪ :‬أخر جي أيت ها الن فس البي ثة كا نت ف ال سد‬ ‫ال بيث أبشري بم يم وغ ساق‪ ،‬وآ خر من شكله أزواج‪ ،‬فتطا ير ف‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫بد نه‪ ،‬فيجتذب ا من أعماق البدن فتن قع مع ها العروق والع صب ك ما‬ ‫ينتزع الشوك من الصوف؛ فإذا أخذها ل يدعوها ف يده طرفة عي‪،‬‬ ‫ويوجـد لاـ كأنتـ رائحـة جيفـة على وجـه الرض‪ ،‬فتحنـط بذلك‬ ‫النوط‪ ،‬وتلف فـ ذلك الكفـن‪ ،‬ويلعنهـا كـل ملك بيـ السـماء‬ ‫والرض‪ ،‬ث ي صعد باـ إل ال سماء ف ستفتح لاـ فل تف تح لاـ أبواب‬ ‫السـماء‪ ،‬ثـ ييـء النداء مـن رب العاليـ‪ :‬اكتبوا كتابـه فـ سـجي‪،‬‬ ‫وأعيدوه إل الرض‪ .‬فتطرح روحه طرحًا‪ ،‬فتشهد تهيزه وتكفينه وحله‪،‬‬ ‫وتقول وهي على السرير‪ :‬يا ويلها إل أين يذهبوا با؟ فإذا وضع ف اللحد‬ ‫أعيدت عليه‪ ،‬وجاء اللكان فسأله عن ربه ودينه ونبيه‪ ،‬فيتلجلج ويقول‪:‬‬ ‫ل أدري‪ .‬فيقولن له‪ :‬ل دريـت‪ ،‬ول تليـت‪ ،‬ثـ يضربانـه ضربـة يصـيح‬ ‫صيحة ي سمعه كل ش يء إل الثقل ي‪ .‬ث يض يق عل يه قبه ح ت تتلف‬ ‫أضل عه‪ ،‬ث يفرش له نار‪ ،‬ويف تح له طا قة إل ال نة فيقال‪ :‬ان ظر إل ما‬ ‫صرف ال ع نك‪ .‬ث يف تح له طا قة إل النار‪ ،‬فيقال‪ :‬ان ظر إل مقعدك من‬ ‫النار‪ ،‬فياهاـ جيعًا؛ ثـ يقيـض له أعمـى أصـم أبكـم فيقول‪ :‬مـن أنـت‬ ‫فوجهك الذي ييء بالشر‪ .‬فيقول‪ :‬أنا عملك السيئ‪.‬‬ ‫ث ينعم الؤمن ف البزخ على حسب أعماله‪ ،‬ويعذب الفاجر‬ ‫فيه على حسب أعماله‪ ،‬ويتص كل عضو بعذاب يليق بناية ذلك‬ ‫العضو فتقرض شفاه الغتابي الذين يزقون لوم الناس‬ ‫ويقعون ف أعراضهم بقاريض من نار‪ ،‬وتسجر بطون أكلة أموال‬ ‫اليتامى بالنار‪ ،‬وتلقم أكلة الربا بالجارة‪ ،‬ويسبحون ف أنار الدم‬ ‫كما يسبحون ف الكسب البث‪ .‬وترضح رءوس النائمي عن‬ ‫الصلة الكتوبة بالجر العظيم‪ ،‬ويشق شدق الكذاب الكذبة العظيمة‬ ‫‪280‬‬ ‫‪281‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫خرُه إل قفاه‪ ،‬وعينيه إل قفاه‪ ،‬كما شقت‬ ‫بكلليب الديد إل قفاه‪ ،‬و ِمْن ُ‬ ‫كلمته النواحي‪ .‬ويعلق النساء الزوان بثديهن‪ ،‬وتبس الزناة والزوان ف‬ ‫التنور الحمى عليه‪ ،‬فيعذب مل العصية منهم ومن هو إل سافل‪ .‬وتسلط‬ ‫الموم والحزان واللم النفسانية على النفوس البطالة الت كانت مشغولة‬ ‫باللهو واللعب والبطالة‪ ،‬فتصنع اللم ف نفوسهم كما تصنع الوام والديدان‬ ‫ف جسومهم‪ ،‬حت يأذن ال تعال بانقضاء أجل العال وطي الدنيا‪.‬‬ ‫فتمطر الرض مطرًا غليظًا أبيض كمن الرجال أربعي صباحًا‪،‬‬ ‫فينبتون من قبورهم كما تنبت الشجرة والعشب‪ ،‬فإذا تكاملت الجنة‬ ‫واقر بت الم وكان و قت الولدة أ مر ال سبحانه إ سرافيل فن فخ ف‬ ‫ال صور نف خة الب عث و هي الثال ثة وقبل ها نف خة الوت‪ ،‬وقبل ها نف خة‬ ‫الب عث و هي الثال ثة وقبل ها وقبل ها نف خة الوت‪ ،‬وقبل ها نف خة الفزع‬ ‫فتشققت الرض عنهم‪ ،‬فإذا هم قيام ينظرون‪ ،‬يقول الؤمن‪ :‬المد ل‬ ‫الذي أحيانًا ب عد ما أمات نا وإل يه النشور‪ .‬ويقول الكا فر‪ :‬يا ويل نا من‬ ‫بعث نا من مرقد نا‪ .‬في ساقون إل الح شر حفاة‪ ،‬عراة‪ ،‬غرلً‪ ،‬ب ما‪ ،‬مع‬ ‫كل ن فس سائق ي سوقها‪ ،‬وشه يد علي ها‪ .‬و هم ب ي م سرور ومثبور‪،‬‬ ‫وضا حك وبا كٍ‪ ،‬ح ت إذا تكاملت عدتمـ و صاروا جيعًا على و جه‬ ‫الرض تشق قت ال سماء‪ ،‬وانتثرت الكوا كب‪ ،‬ونزلت ملئ كة ال سماء‬ ‫الثانية فأحاطت بلئكة السماء الدنيا‪ ،‬ث كل ساء كذلك؛ فبينما هم‬ ‫ـت الرض‬ ‫ـل القضاء‪ ،‬فأشرقـ‬ ‫كذلك إذ جاء ال رب العالي ـ لفصـ‬ ‫بنوره‪ ،‬وت يز الجرمون من الؤمني‪ ،‬ونصب اليزان‪ ،‬وأحضر الديوان‪،‬‬ ‫ـل‬ ‫ـن والرجـ‬ ‫ـتدعي بالشهود‪ ،‬وشهدت يومئذ اليدي واللسـ‬ ‫واسـ‬ ‫واللود‪ ،‬ول تزال الصــومة بيــ يدي ال ســبحانه حتــ‬ ‫يت صم الروح والسـد‪ ،‬فيقول السـد‪ :‬إناـ كنـت ميتًا ل أعقـل ول‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ـ‬ ‫وأنتـ كنـت السـميعة البصـرة العاقلة‪ ،‬وكنت ِ‬ ‫ِ‬ ‫أسـع ول أبصـر‪،‬‬ ‫تصـرفينن حيـث أردت‪ .‬فتقول الروح‪ :‬وأنـت الذي فعلت‪ ،‬وباشرت‬ ‫العصـية‪ ،‬وبطشـت‪ .‬فيسـل ال إليهمـا ملكًا يكـم بينهمـا فيقول‪:‬‬ ‫مثلك ما م ثل ب صي مق عد‪ ،‬وأع مى صحيح دخل ب ستانًا‪ ،‬فقال الق عد‪:‬‬ ‫أ نا أرى الثمار ول أ ستطيع أن أقوم إلي ها‪ ،‬وقال الع مى‪ :‬أ نا أ ستطيع‬ ‫القيام‪ ،‬ول كن ل أرى شيئًا‪ ،‬فقال الق عد‪ :‬احل ن ح ت أتناول ل ولك‬ ‫ففعل‪ ،‬فعلى مـن تكون العقوبـة؟ فيقولن‪ :‬عليهمـا‪ .‬فيقول‪ :‬فذلك‬ ‫أنت ما‪ .‬فيح كم ال سبحانه ب ي عباده بك مه الذي يمده عل يه ج يع‬ ‫أهـل السـموات والرض وكـل بر وفاجـر ومؤمـن وكافـر‪ .‬ثـ ينادي‬ ‫مناد‪ :‬لتتبع كل أمة ما كانت تعبد‪ .‬فيذهب أهل الوثان مع أوثانم‪،‬‬ ‫وأ هل ال صليب من صليبهم‪ ،‬و كل مشرك مع إل ه الذي كان يع بد ل‬ ‫يسـتطيع التخلف عنـه فيتسـاقطون فـ النار‪ .‬ويبقـى الوحدون‪ ،‬فيقال‬ ‫لم‪ :‬أل تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون‪ :‬فارقنا الناس أحوج ما‬ ‫كنـــــــــــــا إليهـــــــــــــم‪،‬‬ ‫وإن لنـا ربًا ننتظره‪ ،‬فيقال‪ :‬وهـل بينكـم وبينـه علمـة تعرفونـه باـ؟‬ ‫فيقولون نعم‪ :‬إنه ل مثل له‪ ،‬فيتجلى لم سبحانه ف غي الصورة الت‬ ‫يعرفونــه‪ ،‬فيقول‪ :‬أنــا ربكــم‪ ،‬فيقولون‪ :‬نعوذ بال منــك‪ ،‬هذا‬ ‫مكان نا ح ت يأتي نا رب نا فإذا جاء رب نا عرفناه‪ ،‬فيتجلى ل م سبحانه ف‬ ‫صورته الت رويء فيها أول مرة ضاحكًا‪ ،‬فيقول‪ :‬أنا ربكم‪ ،‬فيقولون‪:‬‬ ‫ن عم أ نت رب نا‪ ،‬ويرون ل سجدًا أل من كان ل ي صلي ف الدن يا أو‬ ‫يصـلي رياء فإنـه يال بينـه وبيـ السـجود‪ .‬ثـ ينطلق سـبحانه‬ ‫ويتبعونه‪ ،‬ويضرب السر على وسط جهنم‪ ،‬ويساق اللق عليه‪ ،‬وهو‬ ‫ـــن عبوره إل بنور‪ .‬فإذا انتهوا‬ ‫ـــض مزلة‪ ،‬مظلم ل يكـ‬ ‫دحـ‬ ‫‪282‬‬ ‫‪283‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫إليه قسمت بينهم النوار على حسب نور إيانم وإخلصهم وأعمالم‬ ‫ف الدن يا؛ فنور كالش مس‪ ،‬ونور كالن جم‪ ،‬ونور كال سراج ف قو ته‬ ‫وضع فه‪ .‬وتر سل الما نة والر حم على ج نب ال صراط فل يوزه خائن ول‬ ‫قا طع‪ .‬ويتلف مرور هم عل يه ب سب اختلف ا ستقامتهم على ال صراط‬ ‫ال ستقيم ف الدن يا فمارّ كالبق‪ ،‬وكالر يح‪ ،‬وكالط ي وكأجاو يد ال يل‪،‬‬ ‫و ساع‪ ،‬وماش‪ ،‬وزا حف‪ ،‬وحاب حبوًا‪ .‬وين صب على جن به كلل يب ل‬ ‫يعلم قد عظمها إل ال تعوق من علقت به عن العبور على حسب ما‬ ‫كانـت تعوقـه الدنيـا عـن طاعـة ال ومرضاتـه وعبوديتـه‪ ،‬فناج مسـلم‪،‬‬ ‫ومدوش م سلم‪ ،‬ومق طع بتلك الكلل يب ومكردس ف النار‪ .‬و قد ط فأ‬ ‫نور النافقي على السر أحوج ما كانوا إليه‪.‬‬ ‫فإذ جاوز الؤمنون الصـراط ‪-‬ول يوزه إل مؤمـن‪ -‬أمنوا مـن‬ ‫دخول النار‪ ،‬فيحبسـون هناك على قنطرة بيـ النـة والنار فيقتـص‬ ‫لبعض هم من ب عض مظال كا نت بين هم ف دار الدن يا‪ ،‬ح ت إذا هذبوا‬ ‫إذن لم ف دخول النة‪ .‬فإذا استقر أهل النة ف النة وأهل النار ف‬ ‫النار أ ت بالوت ف صورة ك بش أملح‪ ،‬فيو قف ب ي ال نة والنار‪ ،‬ث‬ ‫يقال‪ :‬يا أهل النة‪ ،‬فيطلعون وجلي‪ .‬ث يقال‪ :‬يا أهل النار‪ ،‬فيطلعون‬ ‫مستبشرين‪ ،‬فيقال‪ :‬هل تعرفون هذا؟ فيقولون‪ :‬نعم‪ ،‬وكلهم قد عرفه‪.‬‬ ‫فيقال‪ :‬هذا الوت‪ ،‬فيذبـح بيـ النـة والنار‪ ،‬ثـ يقال‪ :‬يـا أهـل النـة‬ ‫خلود ول موت‪ ،‬ويا أهل النار خلود ول موت‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬واتقوا يومًا ترجعون فيه إل ال ثُمّ تُوَفّى‬ ‫ُونف [البَقَرَة‪ ]281 :‬بارك‬ ‫ُمف لَا يُظْلَم َ‬ ‫َسفبَتْ وَه ْ‬ ‫ْسف مَا ك َ‬ ‫كُلّ نَف ٍ‬ ‫ال ‪...‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل نمده ‪...‬‬ ‫أما بعد‪ :‬فيا عباد ال‪ :‬هذه أحوال النطفة الت هي مبدأ النسان‪،‬‬ ‫وما بي هذا البدأ وهذه الغاية أحوال وأطباق قدر العزيز العليم تنقل‬ ‫الن سان في ها وركو به ل ا طبقًا ب عد ط بق ح ت ي صل إل غاي ته من‬ ‫ال سعادة والشقاوة‪ ،‬و هي نتي جة البتلء والختبار ف هذه الدار‪ .‬هذا‬ ‫الختبار العظ يم‪ ،‬والنتي جة الع ظم إِنّ ا خَلَقْنَا الْإِنْ سَانَ مِ نْ نُطْفَةٍ‬ ‫أَمْشَاج ٍف نَبْتَلِيه ِف فَجَعَلْنَاه ُف س َفمِيعًا بَص ِفيًا * إِنّاف هَدَيْنَاه ُف الس ّفبِيلَ إِمّاف‬ ‫شَاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا [النسان‪ .]3-1 :‬فَأَمّا مَ نْ ثَقُلَ تْ مَوَازِينُ هُ‬ ‫* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمّ ا مَ نْ خَفّ تْ مَوَازِينُ هُ * فَأُمّ هُ هَاوِيَةٌ *‬ ‫وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة‪.]11 -6 :‬‬ ‫فنسأل ال العظيم الليل الرحيم أن يعلنا من الذين سبقت لم‬ ‫منه السن‪ ،‬ول يعلنا من الذين غلبت عليهم الشقاوة فخسروا الدنيا‬ ‫والخرة‪ ،‬إنـه سـيع الدعاء‪ ،‬وهـو حسـبنا ونعـم الوكيـل‪ .‬إن أحسـن‬ ‫الديث ‪...‬‬ ‫‪284‬‬ ‫‪285‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫التحذير من النار‬ ‫المد ل ذي العز الجيد‪ ،‬البدئ العيد‪ ،‬الكرم لن خافه واتقاه‬ ‫بدار ل يفن نعيمها ول يبيد‪ ،‬النتقم م ن عصاه بالنار بعد النذار ب ا‬ ‫والوع يد مَ نْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْ سِهِ وَمَ نْ أَ سَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّ كَ‬ ‫بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصّلَت‪.]46 :‬‬ ‫وأشهـد أن ل إله إل ال وحده ل شريـك له‪ ،‬ول كفـو‪ ،‬ول‬ ‫ضد‪ ،‬ول نديد‪.‬‬ ‫وأشهـد أن ممدًا عبده ورسـوله السـاعي بالنصـح للقريـب‬ ‫والبع يد‪ ،‬الحذر للع صاة من نار تل ظى بدوام الوق يد‪ .‬صلى ال عل يه‬ ‫وعلى آله وأصحابه صلة ل تزال على كر الديدين ف تديد‪ ،‬وسلم‬ ‫تسليمًا كثيًا‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬فإن ال سبحانه خلق اللق ليعرفوه ويعبدوه‪ ،‬ويبوه‪،‬‬ ‫ويافوه خوف إجلل‪ ،‬ونصـب لمـ الدلة على عظمتـه وكـبيائه‬ ‫ليهابوه‪ ،‬وو صف ل م شدة عذا به ودار عقا به ال ت أعد ها ل ن ع صاه‬ ‫ليتقوه بصال العمال؛ ولذا كرر سبحانه وتعال ف كتابه ذكر النار‪،‬‬ ‫ومـا أعده فيهـا لعدائه مـن العذاب والنكال‪ ،‬ومـا احتوت عليـه مـن‬ ‫الزقوم والضر يع والم يم وال سلسل والغلل‪ ،‬إل غ ي ذلك م ا في ها‬ ‫مــن العظائم والهوال‪ ،‬ودعــا عباده بذلك إل خشيتــه وتقواه‪،‬‬ ‫وال سارعة إل امتثال ما يأمر به به وي به ويرضاه‪ ،‬واجتناب ما ين هى‬ ‫عنه ويكرهه ويأباه‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عباد ال‪ :‬مـن تأمـل القرآن الكريـ وأدار فكره فيـه‪ ،‬وكذلك‬ ‫الحاديث الصحيحة الت هي مفسرة للكتاب وجد من ذلك العجب‬ ‫العجاب‪ ،‬وكذلك سـي السـلف الصـال مـن أهـل العلم واليان‪ ،‬مـن‬ ‫ال صحابة والتابع ي ل م بإح سان‪ -‬من تأمل هم علم أحوال القوم و ما‬ ‫كانوا عليه من الشية والوف والخبات‪ ،‬وأن ذلك هو الذي رقّاهم‬ ‫القامات السـنيات‪ ،‬مـن شدة الجتهاد فـ الطاعات‪ ،‬والنكفاف عـن‬ ‫ـض‬ ‫ـن الحرمات‪ .‬ولذا قال بعـ‬ ‫دقائق العمال الكروهات‪ ،‬فضلً عـ‬ ‫ال سلف‪ :‬خوف ال ح جب قلوب الائف ي عن زهرة الدن يا وعوارض‬ ‫الشهوات‪.‬‬ ‫عباد ال ذكـر العلماء أن النفوس ول سـيما فـ هذه الزمان‬ ‫وقبل ها بأزمان قد غلب على كث ي من ها الك سل والتوا ن‪ ،‬وا سترسلت‬ ‫ف شهوات ا وأهوائ ها وت نت على ال الما ن‪ .‬والشهوات الحر مة ل‬ ‫يذهبها من القلوب إل أحد أمرين‪ :‬إما خوف مزعج مرق‪ ،‬أو شوق‬ ‫مب هج مقلق‪ ،‬فذلك بشيئة ال هو القا مع للنفوس عن غي ها وف سادها‪،‬‬ ‫والبا عث ل ا على ال سارعة إل فلحها ورشادها‪ .‬والوف أفضل من‬ ‫الرجاء ما كان العبد صحيحًا‪ ،‬فإذا نزل الوت فالرجاء أفضل‪ .‬والقَدْرُ‬ ‫الواجب من الوف ما حل على أداء الفرائض واجتناب الحارم‪ ،‬فإذا‬ ‫زاد على ذلك بيـث صـار باعث ًا للنفوس على التشميـ فـ نوافـل‬ ‫الطاعات‪ ،‬والنكفاف عـن دقائق الكروهات والتبسـط فـ فضول‬ ‫الباحات‪ :‬كان ذلك فضلً ممودًا‪.‬‬ ‫وقـد ضمـن ال سـبحانه النـة لنـ خافـه مـن أهـل اليان‪ ،‬قال‬ ‫َانف [الرّحنـ‪ ]46 :‬قال‬ ‫ّهف جَنّ ت ِ‬ ‫َامف رَب ِ‬ ‫َافف مَق َ‬ ‫َنف خ َ‬ ‫تعال‪ :‬وَلِم ْ‬ ‫‪286‬‬ ‫‪287‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ما هد‪ :‬هو الر جل ي هم بالع صية فيذ كر ال فيترك ها‪ .‬و عن السـن‬ ‫الب صري قال‪ :‬قالت ال نة‪ :‬يا رب ل ن خلقت ن؟ قال‪ :‬ل ن يعبد ن و هو‬ ‫ياف ن‪ .‬وقال أ بو سليمان الدارا ن‪ :‬أ صل كل خ ي ف الدن يا والخرة‬ ‫الوف من ال‪ ،‬وكل قلب ليس فيه خوف ال فهو قلب خرب‪.‬‬ ‫عباد ال‪ :‬وقـد دل القرآن الكريـ والحاديـث والجاع على‬ ‫وجود النار وأناـ ملوقـة الن‪ ،‬قال ال تعال عـن آل فرعون‪ :‬النّارُ‬ ‫يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّا وَعَشِيّا [غَافر‪.]46 :‬‬ ‫وقال‪ :‬كَلّا إِنّ كِتَا بَ الْفُجّارِ لَفِي سِجّ يٍ‬ ‫وسجي أسفل الرض‪.‬‬ ‫[الطفّفِ ي‪]7 :‬‬ ‫وجاءت أحاديـث مبينـة شدة حرهـا‪ ،‬وبعـد قعرهـا‪ ،‬وسـعتها‪،‬‬ ‫وتعظيم الكافر فيها‪ ،‬وأهون م عذابًا‪ -‬أجارنا ال وإياكم منها برحته‬ ‫وكرمه‪.‬‬ ‫من ها ما رواه أ نس ر ضي ال ع نه‪ ،‬عن ال نب قال‪« :‬نار كم‬ ‫هذه ال ت توقدون جزءً من سبعي جزءً من نار جه نم »‪ .‬قال‪ :‬وال‬ ‫إن كانـت لكافيـة يـا رسـول ال‪ .‬قال‪« :‬فإناف فضلت عليهفا بتسفعة‬ ‫وستي جزءً كلها مثل حرها» متفق عليه‪ :‬وأخرج مسلم من حديث‬ ‫أ ب هريرة‪ ،‬قال‪ :‬ك نا ع ند ال نب يومًا ف سمع وج بة‪ -‬يع ن صوتًا‪-‬‬ ‫فقال ‪ « :‬أتدرون مفا هذا؟» قلنـا‪ :‬ال ورسـوله أعلم‪ .‬قال‪« :‬هذا‬ ‫حجر أرسل ف جهنم منذ سبعي خريفًا ‪-‬يعن سنة‪ -‬فالن انتهى إل‬ ‫قعرها»‪ .‬وروى مسلم عن أب هريرة رضي ال عنه مرفوعًا‪« :‬ضرس‬ ‫فية‬ ‫فد‪ ،‬وغلظ جلده مسف‬ ‫فل أحف‬ ‫ـر‪ -‬مثف‬ ‫فر ‪-‬أو ناب الكافـ‬ ‫الكافف‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ثلث» وروى مسلم أيضًا عنه‪ ،‬عن النب أنه قال‪ « :‬ما بي منكب‬ ‫الكاففر فف النار مسفية ثلثفة أيام للراكفب السفرع»( ‪ )1‬وروى‬ ‫البخاري ومسـلم عـن النعمان بـن بشيـ‪ ،‬قال‪ :‬سـعت رسـول ال‬ ‫قول‪« :‬إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع ف أخس‬ ‫قدميه جرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي الرجل‪ ،‬ما يرى أن أحدًا‬ ‫أشدّ منه عذابًا وإنه لهونم عذابًا»‪.‬‬ ‫و قد حذر ال نب أم ته النار‪ ،‬وبالغ ف التحذ ير‪ ،‬وأك ثر التعوذ‬ ‫منها‪ ،‬وأمر به فمن ذلك ما روى عدي بن حات قال‪ :‬قال رسول ال ‪:‬‬ ‫«اتقوا النار‪ ،‬وأشاح‪ .‬ث قال‪ :‬اتقوا النار‪ ،‬ث أغرض وأشاح ثلثًا ح ت‬ ‫ظننفا أنفه ينظفر إليهفا‪ ،‬ثف قال‪ :‬اتقوا النار ولو بشفق ترة‪ ،‬فمفن ل يدف‬ ‫فبكل مة طي بة» أخرجاه ف ال صحيحي‪ .‬و ف سنن أ ب داود وا بن ما جه‬ ‫والبزار عن جابر‪« :‬أن ال نب قال لر جل‪ :‬ك يف تقول ف ال صلة؟»‬ ‫قال‪ :‬أتشهد‪ ،‬ث أقول‪ :‬اللّهم إن أسألك النة‪ ،‬وأعوذ بك من النار‪ ،‬أما‬ ‫إن ل أحسن دندنتك ول دندنة معاذ‪ .‬فقال النب ‪ « :‬وهل أدندن أنا‬ ‫ومعاذ إل أن نسأل ال النة ونعوذ به من النار»‪.‬‬ ‫و ف صحيح م سلم عن أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب‬ ‫قال‪« :‬إنا مثلي ومثل أمت كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما‬ ‫حولا جعل الفراش وهذا الدواب يقعن فيها‪ ،‬وجعل يجزهن ويغلبنه‬ ‫فيقتحمن فيها‪ ،‬قال‪ :‬فذلك مثلي ومثلكم‪ ،‬أنا آخذ بجزكم هَلُمّ عن‬ ‫النار‪ ،‬هَلُمّف عفن النار فتغلبونف وتقتحمون فيهفا» وأخرج البزار‬ ‫وأ بو يعلى من حد يث أ ب هريرة ر ضي ال ع نه ‪ ،‬عن ال نب قال‪:‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وبقدر تعظيم جسم الكافر وكفره يعظم عذابه‪ .‬والعياذ بال‪.‬‬ ‫‪288‬‬ ‫‪289‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫«مفا اسفتجار عبفد مفن النار سفبع مرات إل قالت النار‪ :‬يفا رب إن‬ ‫عبدك فل نًا استجار من فأجره‪ ،‬ول سأل عبد النة سبع مرات إل‬ ‫قالت النة‪ :‬يا رب إن عبدك فل نًا سألن فأدخله النة»‪.‬‬ ‫والصـحابة رضـي ال عنهـم مـع فضلهـم وكذا التابعون لمـ‬ ‫بإح سان يافون من النار‪ ،‬والوف من ها سبب النجاة‪ ،‬وكانوا يربون‬ ‫أنفسهم على الوف منها؛ روى ابن البارك بسنده قال‪ :‬لا نزلت هذه‬ ‫الية‪ :‬وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا [مريَم‪.]71 :‬‬ ‫ذهب الصحاب عبدال بن رواحة إل بيته فبكى‪ ،‬وجاءت الرأة‬ ‫فب كت‪ ،‬وجاءت الاد مة فب كت‪ ،‬ث جاء أ هل البيـت فجعلوا يبكون‬ ‫كلهـم‪ ،‬فلمـا انقضـت عـبته قال‪ :‬يـا أهله! مـا يبكيكـم؟ قالوا‪ :‬ل‬ ‫ندري‪ ،‬ولكنا رأيناك تبكي فبكينا‪ .‬قال‪ :‬آية نزلت على رسول ال‬ ‫ينبؤنـ فيهـا ر ب أنـ وارد النار‪ ،‬ول ينبئنـ أنـ صـادر عنهـا‪ ،‬وروى‬ ‫المام أح د ب سنده عن ال سن قال‪ :‬قال ر جل لخ يه‪ :‬قد جاءك عن‬ ‫ال أنـك وارد جهنـم؟ قال‪ :‬نعـم‪ .‬قال‪ :‬فأيقنـت بالورود؟ قال‪ :‬نعـم‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فأيق نت و صدقت بذلك؟ قال‪ :‬ن عم‪ .‬وك يف ل أ صدق و قد قال‬ ‫ال ‪ :‬وَإِ نْ مِنْكُ مْ إِلّا وَارِدُهَا كَا نَ عَلَى رَبّ كَ حَتْمًا مَقْضِيّ ا‬ ‫[مريَم‪ ]71 :‬قال‪ :‬فأيقنـت أنـك صـادر عنهـا؟ قال‪ :‬وال مـا أدري‬ ‫أأصدر عنها‪ ،‬أم ل؟ قال‪ :‬ففيم التثاقل‪ ،‬وفيم الضحك‪ ،‬وفيم اللعب‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فما رؤي ضاحكًا حت لق بال‪.‬‬ ‫وعوتـب يزيـد الرقاشـي على كثرة بكائه‪ ،‬وقيـل له‪ :‬لو كانـت‬ ‫النار خلقـت لك مـا زدت على هذا فقال‪ :‬وهـل خلقـت النار إل ل‬ ‫ولصحاب ولخواننا من الن والنس‪ ،‬أما تقرأ سَنَفْرُغُ لَكُ مْ أَيّ هَا‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الثّ قَلَا نِ [الرّحن‪ ]31 :‬أما تقرأ‪ :‬يُرْ سَلُ عَلَيْكُمَا شُوَا ظٌ مِ نْ نَارٍ‬ ‫ُونف‬ ‫َصفرَانِ [الرّحنـ‪ ]35 :‬فقرأ إل قوله‪ :‬يَطُوف َ‬ ‫َاسف فَلَا تَنْت ِ‬ ‫وَنُح ٌ‬ ‫بَيْنَهَا وَبَيْ نَ حَمِي مٍ آَ نٍ [الرّحن‪ .]44 :‬وقال السن‪ :‬كان عمر بن‬ ‫الطاب رضي ال عنه ربا توقد له النار ث يدن يديه منها‪ ،‬ث يقول‪:‬‬ ‫يا ابن الطاب هل لك على هذا صب؟! وكان الحنف بن قيس ييء‬ ‫إل الصباح بالليل فيضع أصبعه فيه‪ ،‬ث يقول‪ :‬حِ سْ‪ ،‬حِ سْ‪ .‬ث يقول‪:‬‬ ‫يا حنيف ما حلك على ما صنعت يوم كذا‪ ،‬ما حلك على ما صنعت‬ ‫يوم كذا‪ .‬وخرج ابن أب الدنيا من رواية سعد بن الخرم‪ ،‬قال‪ :‬كنت‬ ‫أم شي مع ا بن م سعود ف مر بالداد ين و قد أخرجوا حديدًا من النار‬ ‫فقام ينظر إليه ويبكي‪.‬‬ ‫هذا تفكيـ أولئك القوم‪ ،‬ومدى خوفهـم مـن النار التـ تقدم‬ ‫وصفها‪ ،‬وإنذار النب عنها‪ ،‬وتأثرهم الشديد عند ذكرها‪.‬‬ ‫اللهـم أجرنـا مـن النار‪ ،‬واغفـر لنـا ذنوبنـا يـا غفار‪ ،‬وأدخلنـا‬ ‫برح تك دار النع يم‪ ،‬يا بر‪ ،‬يا رءوف‪ ،‬يا رح يم‪ .‬واتقوا ال عباد ال‬ ‫واتقوا يومًا ترجعون فيـه إل ال‪ .‬أعوذ بال مـن الشطيان الرجيـم‬ ‫فَذَكّ رْ إِنْ نَفَعَتِ الذّ كْرَى [العلى‪ ... ]9 :‬إل آخر السورة‪.‬‬ ‫‪290‬‬ ‫‪291‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫المد ل الذي أعد النة لعباده الؤمني نزل‪.‬‬ ‫وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له ن ى عن طا عة من‬ ‫أغفل قلبه عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله القائل‪« :‬عجبت من النة كيف‬ ‫نام طالبها؟‪ ،‬وعجبت من النار كيف نام هاربا؟» اللهم صل وسلم‬ ‫على عبدك ورسولك ممد‪ ،‬وعلى آله وأصحاب الذين عرفوا ال حق‬ ‫معرفتـه‪ ،‬وقدروه حـق قدره‪ ،‬وجعلوا النـة والنار نصـب أعينهـم‬ ‫فاستقامت أعمالم‪ ،‬فرضي ال عنهم ورضوا عنه‪.‬‬ ‫أ ما ب عد‪ :‬ف يا عباد ال روى البخاري وم سلم عن ال نب أ نه‬ ‫قال‪ « :‬اشتكت النار إل رب ا فأذن ل ا بنفسي ف كل عام‪ :‬نفس ف‬ ‫الشتاء‪ ،‬ونفس ف ال صيف‪ .‬فأ شد ما تدون من ال ر من سَمُومها‪،‬‬ ‫وأ شد ما تدون من الب من زمهرير ها» و ف روا ية ل سلم‪« ::‬ف ما‬ ‫وجدت من برد أو زمهرير فمن نَفَس جنهم‪ ،‬وما وجدت من حر أو‬ ‫حرور فمفن نففس جهنفم» فشدة الرـ وشدة الب يذكران برـ النار‬ ‫ْنف‬ ‫وزمهريرهـا لنتقيهـا عنـد كـل عمـل وقول مفروض أو مرم نَح ُ‬ ‫جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً [الواقِعَة‪ ]73 :‬وأكثروا عباد ال مـن السـتعاذة‬ ‫بال من النار‪ ،‬قال عطاء الرا سان‪ :‬من ا ستجار بال من جه نم سبع‬ ‫مرات قالت جهنم‪ :‬ل حاجة ل فيك‪.‬‬ ‫ُونف رَبّنَا‬ ‫ِينف يَقُول َ‬ ‫وقال تعال فـ وصـف عباد الرحنـ وَالّ ذ َ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ا صْرِفْ عَنّ ا عَذَا بَ جَهَنّ مَ إِنّ عَذَابَهَا كَا نَ غَرَامًا * إِنّهَا سَاءَتْ‬ ‫مُسْتَقَرّا وَمُقَامًا [الفرقان‪.]66 ،65 :‬‬ ‫وأ خب أن من دعائ هم رَبّنَا مَا خَلَقْ تَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ‬ ‫َهف وَمَا‬ ‫َنف تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْت ُ‬ ‫ّكف م ْ‬ ‫َابف النّارِ * رَبّنَا إِن َ‬ ‫فَقِنَا عَذ َ‬ ‫لِلظّالِمِيَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران‪.]192 ،191 :‬‬ ‫وعـن معاذ بـن جبـل رضـي ال عنـه مرفوع ًا‪ « :‬إن الؤمفن ل‬ ‫تسفكن روعتفه ول يأمفن اضطرابفه حتف يلف جسفر جهنفم خلف‬ ‫ظهره»( ‪.)1‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال واعلموا أن أحسن الديث ‪...‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() ملخصكة مكن كتاب التخويكف مكن النار لبكن رجكب وطريكق الهجرتيكن ص(‬ ‫‪ )68‬والتبيان ص (‪.)31‬‬ ‫‪292‬‬ ‫‪293‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وصف النة‬ ‫ومن يستحق البشرى با‬ ‫المـد ل الذي جعـل جنـة الفردوس لعباده الؤمنيـ نُزُل‪،‬‬ ‫ويسـرهم للعمال الصـالة الوصـلة إليهـا فلم يتخذوا سـواها شُغُل‪،‬‬ ‫وسهل ل م طرقها ف سلكوا ال سبل الو صلة إليها ذُلُلَ‪ ،‬خلقها ل م قبل‬ ‫أن يلقهم‪ ،‬وحفها بالكاره وأخرجهم إل دار المتحان ليبلوهم أيهم‬ ‫أحسـن عملً‪ ،‬وجعـل ميعاد دخولاـ يوم القدوم عليـه‪ ،‬وضرب مدة‬ ‫الياة الفانيـة دونـه أجل‪ .‬وبشرهـم بأصـناف النعيـم التـ أعـد فيهـا‪،‬‬ ‫وكمل لم البشرى بكونم خالدين فيها‪.‬‬ ‫أحده سبحانه بعث الرسل مبشرين ومنذرين‪ ،‬وعمر دارين فهذه‬ ‫لن أجاب الداعي‪ ،‬ول يبغ سوى ربه الكري بدل‪ ،‬وتلك لن ل يب‬ ‫دعوته‪ ،‬ول يرفع با رأسًا‪ ،‬ول يعلق با أمل‪.‬‬ ‫وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له شهادة من ل مطمع‬ ‫له ف الفوز بالنة والنجاة من النار إل بعفوه ومغفرته‪.‬‬ ‫وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله الداعي إل ال وإل جنته‪ .‬اللهم‬ ‫صـل وسـلم على عبدك ورسـولك ممـد وعلى آله وأصـحابه وأتباعـه‬ ‫السالكي على أثره‪.‬‬ ‫ـا عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال ل يلق اللق‬ ‫أمـا بعـد‪ :‬فيـ‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫عبثًا‪ ،‬ول يترك هم سدى؛ بل خلق هم ل مر عظ يم‪ ،‬وخ طب ج سيم‪،‬‬ ‫عرض على السموات والرض والبال فأبي وأشفقن منه‪ ،‬وقلن‪ :‬ربنا‬ ‫إن أمرتنا فسمعًا وطاعة‪ ،‬وإن خيتنا فعافيتك ل نبغي با بدل‪ .‬وحله‬ ‫النسـان على ضعفـه وعجزه عـن حله‪ ،‬وباء بـه على جهله وظلمـه‪،‬‬ ‫فأل قى أك ثر الناس ال مل عن ظهور هم لثقله‪ ،‬ولشدة مؤن ته علي هم؛‬ ‫ف صحبوا الدن يا صحبة النعام ال سائمة ل ينظرون ف معر فة موجد هم‬ ‫وحقه عليهم‪ ،‬ول ف الراد من إيادهم وإخراجهم إل هذه الدار‪ ،‬الت‬ ‫هي معب وطريق إل دار القرار‪ ،‬ول يتفكرون ف قلة مقامهم ف الدنيا‬ ‫الفانية‪ ،‬وسرعة رحيلهم إل الدار الباقية‪.‬‬ ‫أ ما الوفقون‪ -‬يا عباد ال‪ -‬فل ما علموا ما خلقوا له و ما أر يد‬ ‫بإيادهم رفعوا رءوسهم فإذا علم النة قد رفع لم فشمروا إليه‪ ،‬وإذا‬ ‫صراطها ال ستقيم قد و ضح ل م فا ستقاموا عل يه‪ ،‬ورأوا بع ي الب صية‬ ‫مُلْكًا كـبيًا ل تعتريـه الفات ول يلحقـه الزوال‪ ،‬ونعيمًا مقيمًا فـ‬ ‫ـرتا‬ ‫ـبي التعال‪ ،‬ف ـ روضات النات يتقلبون‪ ،‬وعلى أسـ‬ ‫جوار الكـ‬ ‫يلسون‪ ،‬وعلى الفرش الت بطائنها من استبق يتكئون‪ ،‬وبالور العي‬ ‫يتنعمون‪ ،‬وبأنواع الثمار يتفكهون؛ و سعوا الرب الكر ي تبارك وتعال‬ ‫يدعـو إل دار السـلم التـ سـلمت مـن كـل بليـة ومكروه فأجابوه‪،‬‬ ‫والرسـول يقول‪« :‬اطلبوا النفة جَهْدَكفم‪ ،‬واهربوا مفن النار‬ ‫جَهْدَكم؛ فإن النة ل ينام طالبها‪ ،‬وإن النار ل ينام هاربا» ويقول‪:‬‬ ‫« ل تنسوا العظيمتي‪ .‬قلنا‪ :‬وما العظيمتان يا رسول ال؟ قال‪ :‬النة‬ ‫والنار»‪.‬‬ ‫عباد ال وال نة ذات ا ت سأل ال تعال أن يع جل إلي ها ب سكانا‪،‬‬ ‫‪294‬‬ ‫‪295‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وتذ كر شوق ها إلي هم‪ ،‬وتش فع في هم إل رب م؛ ف في الد يث الرفوع‪:‬‬ ‫«مفا مفن يوم إل والنفة والنار يسفألن‪ ،‬تقول النفة‪ :‬يفا رب قفد طاب‬ ‫ثري‪ ،‬واطردت أناري‪ ،‬واشت قت إل أوليائي‪ ،‬فع جل إل بأهلي‪ .‬وتقول‬ ‫النار‪ :‬اشتد حري‪ ،‬وبعد قعري‪ ،‬وعظم جري‪ ،‬فعجل إل بأهلي»‪ .‬وروى‬ ‫السن بن سفيان بسنده‪ ،‬عن أب هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‬ ‫ال ‪« :‬كثروا مفن مسفألة ال النفة‪ ،‬واسفتعيذوا بفه مفن النار‪ ،‬فإنمفا‬ ‫شافعتان مشفعتان‪ ،‬وإن الع بد إذا أك ثر م سألة ال ال نة قالت ال نة‪ :‬يا‬ ‫رب عبدك هذا سفألنيك فأسفكنه إياي‪ ،‬وتقول النار‪ :‬يفا رب عبدك هذا‬ ‫استعاذ بك من فأعذه»‪.‬‬ ‫وال نة ‪ -‬يا عباد ال‪ -‬ا سم شا مل لم يع ما حو ته من الب ساتي‪،‬‬ ‫وال ساكن‪ ،‬والق صور‪ ،‬وج يع ما تشته يه الن فس‪ ،‬وتلذ الع ي‪ ،‬ويش نف‬ ‫الساع‪ ،‬ويطيب الشام‪ ،‬وهي جنات كثية؛ ففي السند عن النب قال‪:‬‬ ‫« النفة مائة درجفة مفا بيف كفل درجتيف مسفية مائة عام»‪ .‬وقال‬ ‫عفان‪ :‬كما بي السماء والرض‪ ،‬والفردوس‪ ،‬أعلها درجة وف لفظ‬ ‫« إن فف النفة مائة درجفة مفا بيف كفل درجتيف كمفا بيف السفماء‬ ‫والرض أعدهفا ال للمجاهديفن فف سفبيله»( ‪ . )1‬وروى البخاري فـ‬ ‫صحيحه عن أ نس بن مالك ر ضي ال ع نه ‪ ،‬أن أم حار ثة بن سراقة‬ ‫أتت رسول ال ‪ ،‬فقالت‪ :‬يا نب ال أل تدثْن عن حارثة‪ -‬وكان‬ ‫ق تل يوم بدر‪ -‬فإن كان ف ال نة صبت‪ ،‬وإن كان غ ي ذلك اجت هد‬ ‫ف البكاء؟ قال‪ « :‬يا أم حارثة إن ا جنان ف ال نة‪ ،‬وإن ابنك أصاب‬ ‫الفردوس العلى»‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫() وشيخ السلم‪ -‬رحمه ال‪ -‬يرجح هذا اللفظ‪.‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وال نة نوعان ‪ -‬ف ال صحيحي من حد يث أ ب مو سى الِشعري‬ ‫ر ضي ال ع نه‪ ،‬عن ر سول ال قال‪« :‬جنتان من ذ هب آنيته ما‬ ‫وحليهما وما فيهما‪ ،‬وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما‪،‬‬ ‫وما بي القوم وبي أن ينظروا إل ربم إل رداء الكبياء على وجهه‬ ‫ف جنة عدن» وروى ابن ماجه ف سننه عن أسامة بن زيد‪ ،‬قال‪ :‬قال‬ ‫ر سول ال ‪« :‬أل هل من مش مر إل ال نة؟ فإن ال نة ل خ طر ل ا‬ ‫أي ل عوض لا ول مثل‪ -‬هي ورب الكعبة نور يتلل‪ ،‬وريانة تتز‪،‬‬‫وقصر مشيد‪ ،‬ونر مطرد‪ ،‬وثرة نضيجة‪ ،‬وزوجة حسناء جيلة‪ ،‬وحلل‬ ‫كثية‪ ،‬ومقام فف أبفد‪ ،‬فف درا سفليمة‪ ،‬وفاكهفة‪ ،‬وخضرة‪ ،‬وحفبة‪،‬‬ ‫ونعمة‪ ،‬ف ملة عالية بية‪ .‬قالوا‪ :‬نعم يا رسول ال‪ ،‬نن الشمرون لا‪.‬‬ ‫قال‪ :‬قولوا‪ :‬إن شاء ال‪ .‬قال القوم‪ :‬إن شاء ال»‪.‬‬ ‫ومن سعة النة أن عرض الباب الواحد من أبوابا كما بي مكة‬ ‫والح ساء‪ ،‬قال ‪ « :‬والذي نف سي بيده إن ما ب ي ال صراعي من‬ ‫م صاريع ال نة لكما ب ي مكة وهجر» متفق عليه‪ ،‬وف حديث آخر‬ ‫« وليأتي عليه يوم وهو كظيظ من الزحام»‪.‬‬ ‫وريها يوجد من مسية مائة عام‪.‬‬ ‫وال نة بعض ها أعلى من ب عض‪ ،‬ف ال صحيحي من حد يث أ ب‬ ‫سعيد‪ ،‬أن ر سول ال قال‪« :‬إن أ هل ال نة ليتراءون الغرف من‬ ‫فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر ف الفق من الشرق أو‬ ‫الغرب لتفاضل ما بينهم‪ .‬قالوا يا رسول ال‪ :‬تلك منازل النبياء ل‬ ‫في بيده رجال آمنوا بال‬ ‫فم‪ .‬قال‪ :‬بلى والذي نفسف‬ ‫فا غيهف‬ ‫يبلغهف‬ ‫وصدقوا الرسلي»‪.‬‬ ‫‪296‬‬ ‫‪297‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫وبعـض النان غرسـها ال بيده زيادة فـ كرامتهـا وتفضيـل‬ ‫أهلها‪ ،‬روى ابن أب الدنيا بسنده‪ ،‬عن أنس رضي ال عنه ‪ ،‬قال‪ :‬قال‬ ‫رسول ال ‪ « :‬خلق ال جنة عدن بيده‪ :‬لبنة من درة بيضاء‪ ،‬ولبنة‬ ‫مفن ياقوتفة حراء‪ ،‬ولبنفة مفن زبرجدة خضراء‪ ،‬بلطهفا السفك‬ ‫وحصفباؤها اللؤلؤ‪ ،‬وحشيشهفا الزعفران»‪ ،‬ثـ قال لاـ‪« :‬انطقفي‬ ‫قالت‪ :‬قَدْ أَفْلَ حَ الْمُؤْمِنُو نَ [الؤمنون‪ ]1 :‬فقال ال ‪ :‬وعزت‬ ‫وَمَ نْ يُو قَ‬ ‫وجلل ل ياور ن ف يك ب يل» ث تل ر سول ال‬ ‫شُحّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الَشر‪.]9 :‬‬ ‫أما أدن أهل النة منلة‪ ،‬فروى مسلم ف صحيحه عن النب‬ ‫قال‪ « :‬سأل مو سى ربه‪ :‬ما أد ن أ هل ال نة منلة؟ » و ف رواية‪:‬‬ ‫« عن أخس أهل النة منها حظّا‪ .‬قال‪ :‬رجل ييء بعد ما دخل أهل‬ ‫النفة النفة‪ ،‬فيقال له‪ :‬ادخفل النفة‪ .‬فيقول‪ :‬رب كيفف وقفد نزل‬ ‫الناس منازل م وأخذوا أخذَات م؟ فيقال له‪ :‬أل تر ضى أن يكون لك‬ ‫مثفل مُلْكِف مَلِكٍف مفن ملوك الدنيفا؟ فيقول‪ :‬رضيفت رب‪ .‬فيقول‪ :‬لك‬ ‫ذلك‪ ،‬ومثله‪ ،‬ومثله‪ ،‬ومثله‪ .‬فقال فف الامسفة‪ :‬رضيفت رب‪ .‬فيقول‪:‬‬ ‫لك هذا وعشرة أمثاله‪ ،‬ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك‪ .‬فيقول‪:‬‬ ‫رضيت رب» الديث‪ ،‬وروى الطبان عن ابن عمر مرفوعًا‪« :‬إن أدن‬ ‫أهل النة منلة لرجل ينظر ف ملكه ألفي سنة‪ ،‬يرى أقصاه كما يرى‬ ‫أدناه‪ ،‬ينظر إل أزواجه وسرره وخدمه» الديث‪ ،‬وف الصحيحي عن‬ ‫حد يث ا بن م سعود ر ضي ال ع نه قال‪ :‬قال ر سول ال ‪« :‬إن لعلم‬ ‫آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل النة دخولً النة رجل يرج‬ ‫من النار حبوًا‪ ،‬فيقول ال له‪ :‬اذهب فادخل النة‪ .‬قال‪ :‬فيأتيها فيخيل‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫إليفه أناف مل‪ ،‬فيجفع فيقول‪ :‬يفا رب وجدتاف مل‪ .‬فيقول ال‬ ‫له‪ :‬اذ هب فاد خل ال نة‪ .‬قال‪ :‬فيأتي ها فيخ يل إل يه أن ا مل‪ ،‬في جع‬ ‫فيقول‪ :‬يا رب وجدتا مل‪ .‬فيقول له‪ :‬اذهب فادخل النة فإن لك‬ ‫مثفل الدنيفا وعشفر أمثالاف‪ .‬قال‪ :‬فيقول‪ :‬أتسفخر بف وتضحفك بف‬ ‫وأنفت اللك؟ قال‪ :‬لقفد رأيفت رسفول ال يضحفك حتف بدت‬ ‫نواجذه‪ .‬قال‪ :‬فكان يقول‪ :‬ذلك أدن أهل النة منلة»‪.‬‬ ‫وأهـل النـة يسـتوعبون كثيًا ماـ أعـد لمـ مـن النعيـم لكمال‬ ‫حيات م وضخا مة أج سامهم‪ ،‬وتوا فر قوا هم و مع ذلك ل يبلون‪ ،‬ول‬ ‫يتغوطون‪ ،‬ول يتخطون‪ ،‬ول ينون روى الا كم ب سنده ف صحيحه‬ ‫قال‪ :‬أتى النب رجل من اليهود‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا القاسم ألست تزعم أن‬ ‫أهـل النـة يأكلون فيهـا ويشربون‪ -‬ويقول لصـحابه إن أقـر ل بذا‬ ‫خصـمته‪ -‬فقال رسـول ال ‪« :‬بلى والذي نففس ممفد بيده‪ ،‬إن‬ ‫أحدهم ليعطى قوة مائة رجل ف الطعم والشرب والشهوة والماع»‪.‬‬ ‫فقال له اليهودي‪ :‬فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الاجة‪ .‬فقال رسول‬ ‫ق يفيض من جلودهم مثل السك‪ ،‬فإذا البطن قد‬ ‫ال ‪« :‬حاجتهم َعرَ ٌ‬ ‫ضمفر»‪ ،‬وروى المام أحدـ عـن أبـ هريرة رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬قال‬ ‫ر سول ال ‪« :‬يد خل أ هل ال نة ال نة جردًا‪ ،‬مردًا‪ ،‬مكحل ي‪ ،‬أبناء‬ ‫ثلث وثلثي‪ ،‬وهم على خلق آدم ستون ذراعًا»( ‪.)1‬‬ ‫ولهـل النـة طرب ولذة حيـ يسـمعون غناء الور العيـ‬ ‫بالتسـبيح والتمجيـد والتقديـس والثناء على الرب ‪ ،‬وأكملهـم فيـه‬ ‫أصـونم لنفسـه فـ هذه الدار عـن الرام‪ ،‬روى الترمذي عـن علي‬ ‫‪1‬‬ ‫() هذا الطول‪ .‬وجاء أن العرض سبعة أذرع‪.‬‬ ‫‪298‬‬ ‫‪299‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫رضـي ال عنـه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسـول ال ‪ « :‬إن فف النفة لجتمع ًا‬ ‫للحور العيف يرفعفن بأصفوات ل تسفمع اللئق بثلهفا‪ ،‬يقلن‪ :‬ننف‬ ‫الالدات فل نب يد‪ ،‬ون ن الناعمات فل نبأس‪ ،‬ون ن الراضيات فل‬ ‫نسخط‪ ،‬طوب ل ن كان لنا وكنا له» وروى ابن البارك عن ي ي بن‬ ‫أب كثي‪« :‬إن الور العي يتلقي أزواجهن عند أبواب النة فيقلن‪:‬‬ ‫طال مفا انتظرناكفم‪ ،‬فنحفن الراضيات فل نسفخط‪ ،‬والقيمات فل‬ ‫نضعن‪ ،‬والالدات فل نوت‪ ،‬بأحسن أصوات سعت‪ .‬وتقول‪ :‬أنت‬ ‫ْصفرْ‪ ،‬ول وراءك معدل»‪ ،‬وفـ‬ ‫حفب وأنفا حبفك‪ ،‬ليفس دونفك مَق َ‬ ‫حد يث أ ب أما مة عن ر سول ال قال‪ « :‬ما من ع بد يد خل ال نة‬ ‫إل ويلس عنفد رأسفه وعنفد رجليفه ثنتان مفن الور العيف يغنيانفه‬ ‫بأحسفن صفوت سفعته النفس والنف‪ ،‬وليفس بزاميف الشيطان»‪،‬‬ ‫وروى ابن أب الدنيا بسنده‪ ،‬عن ممد بن النكدر‪ ،‬قال‪ :‬إذا كان يوم‬ ‫القيامـة نادى مناد‪ :‬أيـن الذيـن كانوا ينهون أسـاعهم وأنفسـهم عـن‬ ‫مالس اللهـو ومزاميـ الشيطان‪ ،‬أسـكنوهم رياض السـك‪ ،‬ثـ يقول‬ ‫للملئكة‪ :‬أسعوهم تجيدي وتميدي‪.‬‬ ‫ول م ساع أعلى من هذا يضم حل دو نه كل ساع وذلك ح ي‬ ‫ي سمعون كلم الرب جل جلله‪ ،‬وخطا به‪ ،‬و سلمه علي هم‪،‬وماضر ته‬ ‫لم‪ ،‬ويقرأ عليهم كلمه‪ ،‬فإذا سعوه منه فكأنم ل يسمعوه من قبل‪.‬‬ ‫وأ هل ال نة يتزاورون في ها وي ستزير بعض هم بعضًا‪ ،‬وبذلك ت تم‬ ‫لذتمـ وسـرورهم؛ ولذا قال حارثـة للنـب وقـد سـأله‪« :‬كيفف‬ ‫أصبحت يا حارثة؟» قال‪ :‬أصبحت مؤمنًا حقًا‪ .‬قال‪« :‬إن لكل قول‬ ‫حقيقة‪ ،‬فما حقيقة إيانك؟» قال‪ :‬عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫ليلي وأظمأت ناري‪ ،‬وكأنـ أنظـر إل عرش ربـ بارزًا‪ ،‬وإل أهـل‬ ‫ال نة يتزاورون في ها‪ ،‬وإل أ هل النار يعذبون في ها‪ .‬فقال‪« :‬ع بد نوّر‬ ‫ال قلبه» وف حديث أب أيوب‪« :‬أنم يتزاورون على النجائب»‪.‬‬ ‫ومنتدى أهـل النـة ومتحدثهـم تتـ شجرة يسـي الراكـب فـ‬ ‫ظلها مائة عام ل يقطعها‪.‬‬ ‫ول م زيارة أخرى أعل من هذه وأ جل‪ ،‬وذلك ح ي يزورون رب م‬ ‫تبارك وتعال فييهم وجهه‪ ،‬ويسمعهم كلمه‪ ،‬ويل عليهم رضوانه‪.‬‬ ‫والنـة فوق السـموات تتـ العرش‪ ،‬عرضهـا كعرض السـماء‬ ‫والرض لو وصلت إحداها بالخرى‪.‬‬ ‫عباد ال هذا وصف ال نة الت جعلها ال مقرًا لحبابه‪ ،‬ومل ها‬ ‫من رحته وكرامته ورضوانه‪ ،‬ووصف نعيمها بالفوز العظيم‪ ،‬وملكها‬ ‫باللك ال كبي‪ ،‬وأودع ها ج يع ال ي بذافيه‪ ،‬وطهر ها من كل ع يب‬ ‫وآفـة ونقـص‪ .‬وأهـل البشرى باـ هـم أهـل اليان والتقوى والعمـل‬ ‫الالص ل الوا فق لل سنة إخلص ف طا عة ال‪ ،‬وإح سان إل خل قه‪،‬‬ ‫و هم أرب عة أ صناف من الرجاء والن ساء‪ ،‬ذكر هم ال تعال ف كتا به‬ ‫العز يز فقال‪ :‬وَمَ نْ يُطِ عِ اللّ هَ وَالرّ سُولَ فَأُولَئِ كَ مَ عَ الّ ذِي نَ أَنْعَ مَ‬ ‫اللّ هُ عَلَيْهِ مْ مِ نَ النّ بِيّيَ وَال صّ دّيقِيَ وَالشّ هَدَاءِ وَال صّالِحِيَ وَحَ سُنَ‬ ‫أُولَئِ كَ رَفِيقًا [النّساء‪ .]69 :‬وعن ابن عباس رضي ال عنهما قال‬ ‫قال رسول ال ‪ « :‬أل أخبكم برجال كم من أهل ال نة‪ :‬ال نب ف‬ ‫النة‪ ،‬والصديق ف النة‪ ،‬والشهيد ف النة‪ ،‬والرجل يزور أخاه ف‬ ‫ناحيفة الصفر ل يزوره إل ل فف النفة‪ .‬ونسفاؤكم مفن أهفل النفة‬ ‫‪300‬‬ ‫‪301‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫الودود الولود‪ ،‬ال ت إذا غ ضب أو غض بت جاءت ح ت ت ضع يد ها‬ ‫فف يفد زوجهفا‪ ،‬ثف تقول‪ :‬ل أذوق غَمْضًا حتف ترضفى» أخرجـه‬ ‫النسائي وباقيه على شرطه‪.‬‬ ‫فاتقوا ال عباد ال‪ ،‬وأكثروا مـن سـؤال ال النـة‪ ،‬واعملوا لاـ‬ ‫أعمالا من واجب واجتناب مرم‪ ،‬واسألوه الفردوس منها‪ ،‬فإنه أعدل‬ ‫النـة‪ ،‬وأعل النـة‪ ،‬وفوقـه عرش الرحنـ‪ ،‬ومنـه تفجـر أنار النـة‪.‬‬ ‫واسألوه تعال العون على أعمال أهل النة‪.‬‬ ‫أعوذ بال من الشطيان الرجيم‪ :‬سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِ نْ رَبّ كُ مْ‬ ‫وَجَنّ ةٍ عَرْضُهَا كَعَرْ ضِ ال سّ مَاءِ وَالْأَرْ ضِ أُعِدّ تْ لِلّ ذِي نَ آَمَنُوا بِاللّ هِ‬ ‫وَرُ سُلِهِ ذَلِ كَ فَضْلُ اللّ هِ يُؤْتِي هِ مَ نْ يَشَاءُ وَاللّ هُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِي مِ‬ ‫[الديد‪ .]37 :‬بارك ال ل ولكم ف القرآن العظيم‪.‬‬ ‫الطبة الثانية‬ ‫ال مد ل الذي ر ضي من عباده بالي سي من الع مل‪ ،‬وتاوز ل م‬ ‫عن الكثي من الزلل‪ ،‬أحده سبحانه أفاض عليهم النعمة‪ ،‬وكتب على‬ ‫نف سه الرح ة‪ .‬وأش هد أن ل إله إل ال وحده ل شر يك له د عا عباده‬ ‫إل دار السـلم‪ ،‬فعمهـم بالدعوة حجـة منـه عليهـم وعدل‪ ،‬وخـص‬ ‫بالدايـة والتوفيـق مـن شاء نعمـة منـه وفضل‪ .‬وأشهـد أن ممدًا عبده‬ ‫ورسـوله بشـر وأنذر‪ ،‬ودعـا وحذر اللهـم صـلّ وسـلم على عبدك‬ ‫ورسولك ممد وعلى آله وصحبه‪.‬‬ ‫أما بعد‪ :‬عباد ال‪ :‬إن ال تبارك وتعال الذي أخب عما ف النة‬ ‫مـن أنواع الطعمـة‪ ،‬والشربـة‪ ،‬واللذ التنوعـة قـد أِشهـد عباده‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فـ هذه الدار مـن آثار النـة وأنوذجًا منهـا‪ :‬مـن الرائحـة الطيبـة‪،‬‬ ‫واللذات الشتهاة‪ ،‬والناظـر البهيـة‪ ،‬والفاكهـة السـنة‪ ،‬والنعيـم‪،‬‬ ‫والسرور‪ ،‬وقوة العي‪ .‬وقد روى أبو نعيم عن جابر‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‬ ‫ال ‪ « :‬يقول ال للجنفة‪ :‬طيفب لهلك‪ ،‬فتزداد طيب ًا‪ ،‬فذلك‬ ‫البد الذي يده الناس بالسفحر مفن ذلك» كمـا جعـل سـبحانه نار‬ ‫الدنيا وآلمها وغمومها وأحزانا تذكر بنار الخرة‪ .‬وأخب النب ‪:‬‬ ‫« أن شدة الرف والبد مفن أنفاس جهنفم» فل بـد أن يشهـد عباده‬ ‫أنفاس جنته‪ ،‬وما يذكرهم با‪ ،‬مع أنه ليس ف الدنيا ما ف الخرة إل‬ ‫الساء‪ ،‬وأما السميات فبينها من التفاوت ما ل يعلمه البشر‪.‬‬ ‫فاشكروه تعال أن أوضح لكم النة وجَلَهَا‪ ،‬حت كأنكم ترون‬ ‫نعيم ها وحل ها‪ ،‬واجتهدوا ف الع مل ل ا رجاء أن تكونوا من أهل ها‪،‬‬ ‫واعلموا أ نه ل يس ب عد الوت من دار إل ال نة أو النار( ‪ ، )1‬إن أح سن‬ ‫الديث كتاب ال ‪...‬‬ ‫والمـد ل رب العاليـ وصـلى ال وسـلم على عبده ورسـوله‬ ‫ممد وعلى آله وأصحابه أجعي (‪1/7/1419‬هـ)‪.‬‬ ‫وكتبه بطه ممد بن عبدالرحن بن قاسم‬ ‫‪1‬‬ ‫() ملخصة من حادي الرواح إلى بلد الفراح لبن القيم‪ -‬رحمه ال‪.‬‬ ‫‪302‬‬ ‫‪303‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫فهرس‬ ‫الطب والواعظ‬ ‫الصفحة‬ ‫الوضفففففوع‬ ‫القدمة‪7 ...........................................................‬‬ ‫‪ -1‬ل تشكـــــــك فـــــــ وجود ال تبارك‬ ‫‪11‬‬ ‫وتعالى‪.........................‬‬ ‫‪ -2‬ال أكب من كل شيء‪ ،‬وأعظم‪21 ............................. .‬‬ ‫‪ -3‬ماسن ربنا جل جلله (أساؤه وصفاته)‪30 ..................... .‬‬ ‫‪ -4‬ال الالق ل الطبيعة‪37 ........................................ .‬‬ ‫‪ -5‬ل يتخذ ولدًا سبحانه‪46 ...................................... .‬‬ ‫‪ -6‬معجزات النـبياء مـن أعظـم الدلة على الالق‪ ،‬وصـفاته‪،‬‬ ‫وصــــــدق رســــــله‪ ،‬واليوم الخــــــر‪55 .‬‬ ‫‪............................................‬‬ ‫‪ -7‬آيات ال ف الرض‪( .‬وهي كروية‪ ،‬ول تدور)‪62 ...............‬‬ ‫‪ -8‬السـموات‪ ،‬والشمـس‪ ،‬والقمـر‪ ،‬والكواكـب‪ ،‬ودللتهـا على‬ ‫‪74‬‬ ‫خالقها العظيم‪.................................................. .‬‬ ‫‪( -9‬وما بينهما) الواء ومنافعه‪ ،‬والرياح‪ ،‬والريح خيها وشرها‪84 ...‬‬ ‫‪ -10‬السحاب‪ ،‬والنبات والثمار‪90 ............................... .‬‬ ‫‪ -11‬البحـر‪ ،‬والعتبار بأمواجـه وتنوع مـا فيـه مـن الواهـر‪،‬‬ ‫‪96‬‬ ‫واليوانات‪ ،‬وما ف الب منها‪.................................... .‬‬ ‫‪ -12‬خلق آدم أب البشر‪ ،‬وفضله‪ ،‬وما ف إياده وذريته من الكم‬ ‫‪102‬‬ ‫العظيمة‪....................................................... ..‬‬ ‫‪( -13‬وفـــــ أنفســـــكم أفل تبصـــــرون)‬ ‫‪111‬‬ ‫آيات‪.........................‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪ -14‬أطوار النسان‪ ،‬ودللتها على موجدها‪120 .....................‬‬ ‫‪( -15‬الذي أعطى كل شيء خلقه ث هدى‪127 .....................‬‬ ‫‪ -16‬كيــف ل يبــ ال؟! الســباب الالبــة لحبتــه‪،‬‬ ‫‪135‬‬ ‫وعلمتها‪........‬‬ ‫‪ -17‬الطاعة حياة القلوب‪ .‬علمة صحة القلب ومرضه‪142 ...........‬‬ ‫‪ -18‬الشكــــر أجــــل القامات ومــــن أجله خلق‬ ‫‪148‬‬ ‫اللق‪.................‬‬ ‫‪ -19‬الصب‪ :‬وجوبه‪ ،‬وأنواعه‪ ،‬ونتائجه‪156 ..........................‬‬ ‫‪ -20‬ل إله إل ال أوّلً‪163 ........................................‬‬ ‫‪ -21‬الصلة‪ِ :‬حكَمُها‪ ،‬وأسرارها‪ ،‬و ِحكَمُ الطهارة لا‪169 ............‬‬ ‫‪ -22‬الصـــــراط الســـــتقيم‪ ،‬والاجـــــة إل‬ ‫‪177‬‬ ‫سؤاله‪.......................‬‬ ‫‪ -23‬الدعاء‪ ،‬وأسباب إجابته ورده‪185 .............................‬‬ ‫‪ -24‬التفكر ف القرآن‪ ،‬ونتائجه‪193 ................................‬‬ ‫‪ -25‬وساوس الشيطان وشروره‪ ،‬وما يتحصن به منها‪198 ............‬‬ ‫‪ -26‬غـض البصـر‪ ،‬وفوائده‪ ،‬ومضار إطلقـه‪ ،‬ومفاسـد الزنـا‬ ‫‪206‬‬ ‫واللواط‪.‬‬ ‫‪ -27‬زهرة الدنيا‪ ،‬وانقسام الناس بالنسبة إليها‪216 ...................‬‬ ‫‪ -28‬الذنوب‪ :‬عقوباتا‪ ،‬وكيفية اللص منها‪223 ...................‬‬ ‫‪ -29‬أبو بكر الصديق‪ ،‬أفضليته‪ ،‬وأحقيته باللف الول‪232 .........‬‬ ‫‪ -30‬عمر بن الطاب‪ ،‬فضائله‪ ،‬وعز السلم به‪240 .................‬‬ ‫‪ -31‬البادرة إل التوبة‪ ،‬وانقسام الناس فيها‪249 ......................‬‬ ‫‪ -32‬ميزان الناس‪256 .............................................‬‬ ‫‪ -33‬اختلف فصول السنة يذكر بال والدار الخرة‪263 .............‬‬ ‫‪ -34‬حال الناس ف موقف القيامة‪270 ..............................‬‬ ‫‪304‬‬ ‫‪305‬‬ ‫موضوعات صالة للخطب والوعظ‬ ‫‪ -35‬أحوال كـل شخـص من ح ي يوافيـه ال جل الحتوم إل أن‬ ‫يستقر ف إحدى الدارين‪........................................‬‬ ‫‪ -36‬التخويــــــــــف مــــــــــن‬ ‫‪285‬‬ ‫النار‪........................................‬‬ ‫‪ -37‬النة دار الفراح‪ ،‬ومن يستحق البشرى با‪293 .................‬‬ ‫‪277‬‬
Sign up to vote on this title
UsefulNot useful