‫السباق إلى‬

‫العقول‬
‫تأليف‬
‫الدكتور‪/‬عبدالله قادري الهدل‬

‫‪1‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫مقدمة‬
‫إن الحمسد ل نحمده ونسستعينه ونسستغفره‪ ،‬ونعوذ بال مسن شرور أنفسسنا‪ ،‬ومسن سسيئات‬
‫أعمالنا من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده‬
‫ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪.‬‬
‫((يسسا أيهسسا الذيسسن آمنوا اتقوا ال حسسق تقاتسسه‪ ،‬ول تموتسسن إل وأنتسسم مسسسلمون))‪[ .‬آل‬
‫عمران‪]102 :‬‬
‫((يسا أيهسا الناس اتقوا ربكسم الذي خلقكسم مسن نفسس واحدة‪ ،‬وخلق منهسا زوجهسا‪ ،‬وبسث‬
‫منهمسسا رجال كثيرا ونسسساء‪ ،‬واتقوا ال الذي تسسساءلون بسسه والرحام‪ ،‬إن ال كان عليكسسم‬
‫رقيبا)) [النساء‪]1 :‬‬
‫((يسا أيهسا الذيسن آمنوا اتقوا ال وقولوا قول سسديدا‪ ،‬يصسلح لكسم أعمالكسم ويغفسر لكسم‬
‫ذنوبكم‪ ،‬ومن يطع ال ورسوله فقد فاز فوزا عظيما))‪[ .‬الحزاب‪]71-70 :‬‬

‫ما يراد السباق به إلى العقول‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن ما يراد السباق به إلى العقول هو الحق أو الباطل‪ ،‬فأهل الحق يسابقون‬
‫بالحق إلى العقول‪ ،‬و أهل الباطل يسابقون بالباطل إلى العقول‪.‬‬

‫الله هو الحق‪.‬‬
‫وال سسبحانه وتعالى هسو الحسق‪ ،‬كمسا قال سسبحانه وتعالى‪(( :‬ذلك بأن ال هسو الحسق‪،‬‬
‫وأنه يحيي الموتى‪ ،‬وأنه على كل شيء قدير‪[ ))..‬الحج‪]6[ :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ذلك بأن ال هسو الحسق‪ ،‬وأن مسا يدعون مسن دونسه الباطسل وأن ال هسو‬
‫العلي الكبير‪[ ))..‬الحج‪-62 :‬لقمان‪]30 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فتعالى ال الملك الحسسسسسق‪ ،‬ل إله إل هسسسسسو رب العرش الكريسسسسسم ))‬
‫[المؤمنون‪.]116 :‬‬
‫وجزاء ال لعباده يوم القيامة على مواقفهم من دين السلم في الدنيا‪ ،‬هو الحق‪ ،‬كما‬
‫قال تعالى‪(( :‬يومئذٍ يوفيهسم ال دينهسم الحسق ويعملون أن ال هسو الحسق المسبين‪[ ))..‬النور‪:‬‬
‫‪]25‬‬

‫خلق الله الكون كله بالحق‪.‬‬
‫والحسق جسل وعل خلق الكون كله‪ :‬السسماوات والرض‪ ،‬ومسا بينهمسا ومسا فيهمسا ومسا‬
‫فوق ذلك بالحسسق‪ ،‬وقوله تعالى هسسو الحسسق‪ ،‬كمسسا قال تعالى‪(( :‬وهسسو الذي خلق السسسماوات‬
‫والرض بالحق‪ ،‬ويوم يقول كن فيكون‪ ،‬قوله الحق وله الملك‪[ ))...‬النعام‪]73 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ألم تر أن ال خلق السماوات والرض بالحق‪[ ))..‬إبراهيم‪]19 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وما خلقنا السماوات والرض وما بينهما إل بالحق‪[ ))..‬الحجر‪]85 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وما خلقنا السماوات والرض وما بينهما إل بالحق‪[ ))..‬الحقاف‪]3 :‬‬
‫‪2‬‬

‫وقال تعالى‪(( :‬خلق السماوات والرض بالحق تعالى عمّا يشركون‪[ ))..‬النحل‪]3 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬خلق السسسسماوات والرض بالحسسسق إن فسسسي ذلك ليسسسة للمؤمنيسسسن))‬
‫[العنكبوت‪]44 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬أو لم يتفكروا فسي أنفسسهم مسا خلق ال السسماوات والرض ومسا بينهمسا‬
‫إل بالحق‪[ ))..‬الروم‪]8 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬خلق السسسماوات والرض بالحسسق وصسسوركم فأحسسسن صسسوركم وإليسسه‬
‫المصير)) [التغابن‪]3 :‬‬

‫أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالحق‪.‬‬
‫وأرسسل الحسق جسل وعل رسسله‪ ،‬وأنزل كتبسه بالحسق‪ .‬كمسا قال تعالى‪(( :‬إنسا أرسسلناك‬
‫بالحق بشيرا ونذيرا)) [البقرة‪]119 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬نزّل عليسسك الكتاب بالحسسق‪ ،‬مصسسدقا لمسسا بيسسن يديسسه‪ ،‬وأنزل التوراة‬
‫والنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان)) [آل عمران‪]3 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬إنسا أنزلنسا إليسك الكتاب بالحسق لتحكسم بيسن الناس بمسا أراك ال ول تكسن‬
‫للخائنين خصيما)) [النساء‪]105 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬يسسا أيهسسا الناس قسسد جاءكسسم الرسسسول بالحسسق مسسن ربكسسم فآمنوا خيرٌ‬
‫لكم))‪[.‬النساء‪]170 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وأنزلنسا إليسك الكتاب بالحسق مصسدقا لمسا بيسن يديسه مسن الكتاب ومهيمنسا‬
‫عليه)) [المائدة‪]48 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق))[الفتح‪ ،28 :‬والصف‪]9 :‬‬

‫‪3‬‬

‫سححعادة أهححل الحححق بقبول الحححق وشقاوة‬
‫أهل الباطل برفضه‪.‬‬
‫وقسد سسعد قوم بهذه الكتسب التسي أنزلهسا ال تعالى على رسسله بالحسق ليمانهسم بهسا‪ ،‬كمسا‬
‫سسعدوا بأولئك الرسسل الذيسن أرسسلهم بالحسق لطاعتهسم لهسم واتباع منهجهسم‪ ،‬ففازوا بالفلح‬
‫فسي الدنيسا والخرة‪ .‬كمسا قال تعالى‪(( :‬ألم‪ ،‬ذلك الكتاب ل ريسب فيسه هدى للمتقيسن‪ ،‬الذيسن‬
‫يؤمنون بالغيسب ويقيمون الصسلة وممسا رزقناهسم ينفقون‪ ،‬والذيسن يؤمنون بمسا أنزل إليسك‬
‫ومسسسا أنزل مسسسن قبلك وبالخرة هسسسم يوقنون‪ ،‬أولئك على هدى مسسسن ربهسسسم وأولئك هسسسم‬
‫المفلحون)) [البقرة‪]5-1 :‬‬
‫وشقسي آخرون بإنزال تلك الكتسب وإرسسال أولئك الرسسل‪ ،‬لعدم إيمانهسم بالحسق الذي‬
‫نزلت بسه تلك الكتسب‪ ،‬وعدم طاعتهسم لولئك لرسسل الذيسن جاءوهسم بالحسق مسن ربهسم‪ .‬كمسا‬
‫قال تعالى‪(( :‬وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إل سحر مبين‪[ ))..‬سبأ‪]43 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومسسا نرسسسل المرسسسلين إل مبشريسسن ومنذريسسن‪ ،‬ويجادل الذيسسن كفروا‬
‫بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا‪[))..‬الكهف‪]56 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬واسسستكبر هسسو وجنوده فسسي الرض بغيسسر الحسسق وظنوا أنهسسم إلينسسا ل‬
‫يُرجعون‪[))..‬القصص‪39 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وقال الشيطان لمسا قضسي المسر إن ال وعدكسم وعسد الحسق ووعدتكسم‬
‫فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إل أن دعوتكم فاستجبتم لي فل تلوموني ولوموا‬
‫أنفسسكم‪ ،‬مسا أنسا بمصسرخكم ومسا أنتسم بمصسرخي إنسي كفرت بمسا أشركتمونسي مسن قبسل إن‬
‫الظالمين لهم عذاب أليم‪[ ))..‬إبراهيم‪]22 :‬‬
‫والحق ضد الباطل والضلل‪ .‬جاء الرسل بالحق ودعوا إليه وجاء الشيطان وأتباعه‬
‫بالباطل والضلل ودعوا إليه‪ ،‬والحق تعالى يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪(( :‬فماذا بعد الحق إل الضلل فأنى تصرفون‪[ ))...‬يونس‪]32 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون‪[ ))...‬النفال‪]8 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‪[ ))..‬النبياء‪]18 :‬‬
‫ويعترف أهل الحق بالحق عندما ينالون رضا ال اعتراف شكر وغبطة وسرور في‬
‫جنات عدن‪ .‬كمسا قال تعالى‪(( :‬والذيسن آمنوا وعملوا الصسالحات ل نكلف نفسسا إل وسسعها‬
‫أولئك أصسحاب الجنسة هسم فيهسا خالدون‪ ،‬ونزعنسا مسا فسي صسدورهم مسن غسل تجري مسن‬
‫تحتهسسم النهار وقالوا الحمسسد ل الذي هدانسسا لهذا ومسسا كنسسا لنهتدي لول أن هدانسسا ال لقسسد‬
‫جاءت رسسسسسسل ربنسسسسسا بالحسسسسسق ونودوا أن تلكسسسسسم الجنسسسسسة أورثتموهسسسسسا بمسسسسسا كنتسسسسسم‬
‫تعملون‪[))...‬العراف‪]43 :‬‬
‫ويعترف أهل الباطل بالحق‪ ،‬عندما ينالون جزاء إنكارهم له في الدنيا‪ ،‬وهم في نار‬
‫جهنسم يتمنون أن يجدوا شفيعسا ينفعهسم أو إذنسا لهسم بالرجوع إلى الدنيسا ليعملوا عمل يكون‬
‫أساسه الحق وليس الباطل‪ .‬كما قال تعالى‪(( :‬يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد‬
‫جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل‬
‫‪4‬‬

‫قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون‪[ ))...‬العراف‪]53 :‬‬
‫والذي كانوا يفتر ونه‪ ،‬هو الباطل الذي آمنوا به في الدنيا‪ ،‬والكفر بالحق الذي أقروا‬
‫بسسه بعسسد دخولهسسم النار كمسسا قال تعالى‪(( :‬والذيسسن أمنوا بالباطسسل وكفروا بال أولئك هسسم‬
‫الخاسرون‪[ ))..‬العنكبوت‪]52 :‬‬
‫والباطل هو الضلل الذي يقابل الحق والهدى‪ ،‬وكل ما عدا الحق والهدى فهو باطل‬
‫وضلل‪ .‬كمسسا قال تعالى‪(( :‬فذلكسسم ال ربكسسم الحسسق‪ ،‬فماذا بعسسد الحسسق إل الضلل فأنسسى‬
‫تصرفون‪[))..‬يونس‪]32 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومسن أضسسل ممسن اتبسسع هواه بغيسسر هدى مسن ال إن ال ل يهدي القوم‬
‫الظالمين‪[ ))...‬القصص‪]50 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬أولئك الذيسن اشتروا الضللة بالهدى فمسا ربحست تجارتهسم‪[))...‬البقرة‪:‬‬
‫‪]16‬‬
‫والحسق يطلق على الثابست المسستقر‪ ،‬والباطسل يطلق على نقيسض الحسق‪ ،‬وهسو مسا ل‬
‫ثبات له عنسد الفحسص عنسه [المفردات فسي غريسب القرآن‪ ،‬للراغسب الصسفهاني‪ .‬الطبعسة‬
‫الهندية ص ‪]50‬‬
‫والضلل أيضا ضد الهداية‪ ،‬وهو العدول عن الصراط المستقيم والزائل المضمحل‪.‬‬
‫[المرجع السابق‪ ،‬ص ‪ ،299‬وكتب اللغة مادة (ض ل ل]‬
‫وحيسسث إن الباطسسل هسسو ضسسد الحسسق‪-‬وكذلك الضلل‪-‬فإن بيان الحسسق يوضسسح معنسسى‬
‫الباطل‪-‬وكذلك الضلل‪.-‬‬
‫وقد فصل المام [العلمة الحسين بن محمد بن المفضل الملقب بالراغب الصفهاني‬
‫المفسر اللغوي‪ ،‬المتوفى سنة ‪502‬هس‪ ] .-‬رحمه ال معاني الحق في القرآن الكريم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(أصسل الحسق المطابقسة والموافقسة‪ ،‬كمطابقسة رجسل الباب فسي حقسه لدورانسه على اسستقامة‪.‬‬
‫والحق يقال على أوجه‪:‬‬
‫الول‪ :‬يقال لموجِد الشيسء‪ ،‬بسسبب مسا تقتضيسه الحكمسة‪ ،‬ولهذا قيسل فسي ال تعالى‪ :‬هسو‬
‫الحسق‪ ،‬قال ال تعالى‪(( :‬و ردوا إلى ال مولهسم الحسق‪ ))...‬وقيسل بعيسد ذلك‪(( :‬فذلكسم ال‬
‫ربكم الحق‪ ،‬فماذا بعد الحق إل الضلل فأنى تصرفون‪[ ))..‬يونس‪]32-30 :‬‬
‫والثانسي‪ :‬يقال‪ :‬للموجَد‪ ،‬بحسسب مسا تقتضيسه الحكمسة‪ ،‬ولهذا يقال‪ :‬فعسل ال تعالى كله‬
‫حسسق‪ .‬وقال تعالى‪(( :‬هسسو الذي جعسسل الشمسسس ضياءً ا والقمسسر نورا‪ ))...‬إلى قوله تعالى‪:‬‬
‫((ما خلق ال ذلك إل بالحق‪[ ))...‬يونس‪]5 :‬‬
‫وقال في القيامة‪(( :‬ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق‪[ ))..‬يونس‪]53 :‬‬
‫وقوله عز وجل‪(( :‬الحق من ربك‪[ ))..‬البقرة‪ ،147 :‬آل عمران‪(( ]60 :‬وإنه للحق من‬
‫ربك‪[ ))..‬البقرة‪]149 :‬‬
‫والثالث‪ :‬فسي العتقاد للشيسء المطابسق لمسا عليسه ذلك الشيسء فسي نفسسه كقولنسا‪ :‬اعتقاد‬
‫فلن في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق‪ ،‬قال ال تعالى‪(( :‬فهدى الذين آمنوا‬
‫لما اختلفوا فيه من الحق‪[ ))...‬البقرة‪]213 :‬‬
‫والرابسع‪ :‬للفعسل والقول‪ ،‬بحسسب مسا يجسب‪ ،‬وبقدر مسا يجسب وفسي الوقست الذي يجسب‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫كقولنا‪ :‬فعلك حق‪ ،‬وقولك حق‪.‬‬
‫قال ال تعالى‪(( :‬كذلك حقسست كلمسسة ربسسك‪[ ))..‬غافسسر‪(( ]6 :‬حسسق القول منسسي لملن‬
‫جهنم‪[ ))..‬السجدة‪]13 :‬‬
‫وقوله عسسز وجسسل‪(( :‬ولو اتبسسع الحسسق أهواءهسسم‪[ ))...‬المؤمنون‪ ]71 :‬يصسسح أن يكون‬
‫المراد به ال تعالى‪ ،‬ويصح أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬أحققت كذا‪ ،‬أي أثبته حقا‪ ،‬أو حكمت بكونه حقا‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬ليحسسق الحسسق‪[ ))..‬النفال‪ ]8 :‬فإحقاق الحسسق على ضربيسسن‪ :‬أحدهمسسا‬
‫بإظهار الدلة واليات‪ ،‬كمسسا قال تعالى‪(( :‬وأولئكسسم جعلنسسا لكسسم عليهسسم سسسلطانا مبينسسا))‬
‫[النسسساء‪ ]91 :‬أي حجسسة قويسسة‪ .‬والثانسسي‪ :‬بإكمال الشريعسسة وبثهسسا فسسي الكافسسة‪ ،‬كقوله تعالى‪:‬‬
‫((وال متسسم نوره ولو كره الكافرون‪[ ))..‬الصسسف‪(( ]8 :‬هسسو الذي أرسسسل رسسسوله بالهدى‬
‫وديسن الحسق ليظهره على الديسن كله‪[ ))..‬التوبسة‪ ، 33 :‬الفتسح‪ ، 28 :‬الصسف‪ ]9 :‬انتهسى كلم‬
‫الصفهاني‬
‫ومما ذكره المام الصفهاني رحمه ال يتبين أن ال تعالى هو الحق‪ ،‬كما أطلق ذلك‬
‫على نفسه في كتابه‪ ،‬وهو تعالى الموجد للكون كله بحسب ما تقتضيه الحكمة‪ ،‬أي جميع‬
‫مخلوقاته تعالى قد أوجدها وفق الحكمة الكاملة التامة‪ .‬وأن فعله تعالى حق لن كل شيء‬
‫أوجده إنمسا أوجده بالحسق‪ ،‬وأن كسل مسا جاء بسه الرسسل مسن عنسد ال تعالى حسق‪ ،‬مسن عقيدة‬
‫وشريعة وخلق‪....‬‬
‫وأن قوله تعالى وكلماته كلها حق‪.‬‬

‫المعنى الشرعي للحق والمعنى الشرعي للباطل‪.‬‬
‫فالمعنسى الشرعسي‪-‬وأقصسد هنسا‪ :‬المعنسى الشرعسي العام للحسق‪ ،‬كمسا يتضسح ممسا مضسى‬
‫ومسن الرسسالة الربانيسة‪ ،‬منسذ خلق ال تعالى الخلق وشرع لهسم منهاجسه الذي فرض عليهسم‬
‫السير عليه‪ -‬هو اليمان به وبكل ما أخبر به من الغيب‪ ،‬وطاعته المطلقة وعبادته واتباع‬
‫رسسله‪ ،‬وعدم معصسيته‪ ،‬والكفسر بكسل مسن يخالف منهجسه‪ ،‬وتطسبيق شرعسه‪ ،‬والسستسلم‬
‫لذلك والرضا به‪.‬‬
‫أما الباطل‪ ،‬فمعناه الشرعي‪-‬وأقصد أيضا المعنى الشرعي العام الشامل لكل ما هو‬
‫باطسل عنسد ال‪ -‬فهسو الكفسر بال تعالى‪ ،‬أو بمسا أخسبر بسه فسي وحيسه المنزل المحفوظ‪ ،‬ومسا‬
‫جاء بسه رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم مسن عنده‪ ،‬والسستكبار عسن طاعتسه وطاعسة رسسوله‬
‫صسسلى ال عليسسه وسسسلم وعدم اتباعسسه ومحاربسسة شرعسسه‪ ،‬وعدم السسستسلم لحكمسسه وعدم‬
‫الرضا به‪ ،‬فكل ذلك باطل‪.‬‬
‫وقد أجمل الحق عز وجل المعنى الشرعي للحق وللباطل في هذه السورة القصيرة‪،‬‬
‫وهسسي‪(( :‬بسسسم ال الرحمسسن الرحيسسم‪ ،‬والعصسسر‪ ،‬إن النسسسان لفسسي خسسسر‪ ،‬إل الذيسسن آمنوا‬
‫وعملوا الصسالحات وتواصسوا بالحسق وتواصسوا بالصسبر)) [رقسم السسورة فسي المصسحف‪:‬‬
‫‪]103‬‬
‫فاليمان والعمسسل الصسسالح يدخسسل تحتهمسسا كسسل مفردات الحسسق‪ ،‬وإنمسسا أفرد التواصسسي‬
‫‪6‬‬

‫بالحق والتواصي بالصبر لمزيد الهتمام بهما‪ ،‬لن الحق ل يثبت ويقوى إل بهما‪ ،‬فهما‬
‫مسسن ذكسسر الخاص بعسسد العام‪-‬والعام هنسسا هسسو اليمان الدال عليسسه الفعسسل "آمسسن" والعمسسل‬
‫الصسالح‪ .‬والباطسل هسو مسا كان نقيسض ذلك‪ ،‬ولهذا أثبست سسبحانه وتعالى لمسن لم يكسن عنده‬
‫هذا الحسق الخسسران المؤكسد‪ ،‬وبهذا يعلم عظسم هذه السسورة القصسيرة التسي قال عنهسا المام‬
‫الشافعي رحمه ال‪" :‬لو لم ينزل ال على خلقه إل هذه السورة لكفتهم"‪.‬‬
‫ومسسن اليات التسسي أجمسسل فيهسسا معنسسى الباطسسل قول ال تعالى‪(( :‬قسسل إنمسسا حرم ربسسي‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن والثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بال ما لم ينزل‬
‫به سلطانا وأن تقولوا على ال ما ل تعلمون‪[ ))..‬العراف‪33 :‬‬

‫أيهما أسبق وجودا الحق أم الباطل؟‬
‫وما دام ال سبحانه وتعالى هو الحق‪ -‬و ((هو الول والخر والظاهر والباطن وهو‬
‫بكسل شيسء عليسم‪[ ))..‬الحديسد‪ ]3 :‬وهسو الذي خلق الكون كله بالحسق‪ ،‬ولم يعرف مسن يؤمسن‬
‫بالباطل ويصر عليه وعلى نشره إل إبليس لعنه ال ثم من تبعه بعد ذلك‪ -‬فإن الباطل أمر‬
‫طارئ والحق هو الصل الثابت‪ ،‬فالحق هو الكلمة الطيبة‪ ،‬والباطل هو الكلمة الخبيثة‪.‬‬
‫والكلمة الطيبة هي كلمة ال ومنهاج رسله‪ ،‬والكلمة الخبيثة هي كلمة الشيطان وسبل‬
‫اتباعسه‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬ألم تسر كيسف ضرب ال مثل كلمسة طيبسة كشجرة طيبسة أصسلها‬
‫ثابست وفرعهسا فسي السسماء تؤتسي أكلهسا كسل حيسن بإذن ربهسا ويضرب ال المثال للناس‬
‫لعلهسم يتذكرون‪ ،‬ومثسل كلمسة خبيثسة كشجرة خبيثسة اجتثست مسن فوق الرض مسا لهسا مسن‬
‫قرار‪ ،‬يثبسست ال الذيسسن آمنوا بالقول الثابسست فسسي الحياة الدنيسسا وفسسي الخرة ويضسسل ال‬
‫الظالمين ويفعل ال ما يشاء)) [إبراهيم‪]27-25 :‬‬
‫تأمل هذه اليات من سورة إبراهيم الواضحة غاية الوضوح‪ ،‬في ثبات الحق وطيبته‬
‫ورسسوخه وسسمو قسه وعلوه وامتداده ودوام آثاره التسي ل يخلو زمان مسن قطوفهسا الدانيسة‬
‫ومنحها السابغة‪ ،‬ومع ثبات الحق ثبات أهله في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫أما الباطل‪ ،‬فهو خبيث مقطوع الجذور ل ثبات له ول قرار‪ ،‬وهكذا أهله مضمحلون‬
‫((ويضل ال الظالمين‪.))..‬‬
‫وقبسل هذه اليات صسور سسبحانه وتعالى اضمحلل أهسل الباطسل وأعمالهسم و باطلهسم‬
‫أبلغ تصوير‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في‬
‫يوم عاصف ل يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلل البعيد)) [إبراهيم‪]19-18 :‬‬
‫ثسم اتبعهسا بقوله تعالى مبينسا أن الباطسل وأهله فسي شذوذ عسن الكون كله‪(( :‬ألم تسر أن ال‬
‫خلق السماوات والرض بالحق‪))..‬‬
‫قلت‪ :‬إنسه لم يُعرَف مسن يؤمسن بالباطسل ويصسر عليسه وعلى نشره إل إبليسس لعنسه ال‪،‬‬
‫فالباطل إذًا طارئ طروء إبليس‪.‬‬
‫وقبسل أن يغري إبليسُس آدمَس وزوجسه حواء عليسه السسلم‪ ،‬بأكسل الشجرة التسي حرم ال‬
‫عليهما الكل منها‪ ،‬نهاهما ال تعالى عن الكل منها وحذرهما منه‪ ،‬أي إن حفظ العقول‬
‫من الباطل كان أسبق من إيصاله إليها‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك‬
‫‪7‬‬

‫الجنسة وكل منهسا رغدا حيسث شئتمسا ول تأكل مسن هذه الشجرة فتكونسا مسن الظالميسن))‪.‬‬
‫[البقرة‪]35:‬‬
‫وكان آدم عليسسه السسسلم عندمسسا أهبطسسه ال هسسو وزوجسسه وإبليسسس إلى الرض‪ ،‬على‬
‫الفطرة والديسن والتوحيسد الخالص‪ ،‬وكان قائمسا بالخلفسة التسي ناطهسا ال بسه وأخسبر بهسا‬
‫ملئكتسه‪ ،‬وكان إبليسس وحده على الشرك والمعصسية‪ ،‬كمسا سسيأتي‪ ،‬وهذا يدل على بطلن‬
‫مسا يزعسم المتخرصسون مسن المؤرخيسن الذيسن يفترون على ال بدون علم ول برهان‪ ،‬أن‬
‫الصل كان عبادة غير ال وأن العقيدة قد تطورت من الشرك والوثنية حتى وصلت إلى‬
‫التوحيد‪ ،‬فهذا افتراء وتقوّل على التاريخ وجهل بال وبكتبه ورسله ووحيه الذي ل مستند‬
‫سواه لحد في هذا الباب‪ ،‬الذي هو من الغيب‪ ،‬ول سبيل إليه إل بوحي من الخالق‪ ،‬وقد‬
‫أخبرنسسا الخالق سسسبحانه وتعالى أنسسه جعسسل آدم خليفسسة فسسي الرض‪ ،‬والخليفسسة الذي يمنحسسه‬
‫الحسق تبارك وتعالى الخلفسة‪ ،‬ل بسد أن يزوده الحسق عسز وجسل بالمنهاج الحسق الذي يقوم‬
‫بالخلفة على أساسه ((قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فل‬
‫خوف عليهسم ول هسم يحزنون‪ ،‬والذيسن كفروا وكذبوا بآياتنسا أولئك أصسحاب النار هسم فيهسا‬
‫خالدون‪[.))..‬البقرة‪]39-38 :‬‬
‫وممسا يدل على أن آدم وذريتسه كانوا على هدى مسن عنسد ال‪ ،‬مسا تضمنتسه قصسة ابنسي‬
‫آدم الذي قتل أحدهما أخاه‪ ،‬فقد دلت القصة على أنهم كانوا يتقربون إلى ال بقرابين‪ ،‬وأن‬
‫ال يتقبل من المتقي ول يتقبل من الظالم‪ ،‬وأن المتقين كانوا يخافون ال ويتورعون عن‬
‫معصسيته‪ ،‬وأنهسم كانوا يؤمنون بالجنسة والنار والجزاء‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬واتسل عليهسم نبسأ‬
‫ابنسي آدم بالحسق إذ قرّبسا قربانسا فتقبسل مسن أحدهمسا ولم يتقبسل مسن الخسر‪ ،‬قال لقتلنسك‪ ،‬قال‬
‫ي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لقتلك إني‬
‫إنما يتقبل ال من المتقين‪ ،‬لئن بسطت إل ّ‬
‫أخاف ال رب العالميسن‪ ،‬إنسي أريسد أن تبوء بإثمسي وإثمسك فتكون مسن أصسحاب النار وذلك‬
‫جزاء الظالميسسن‪ ،‬فطوعسست له نفسسسه قتسسل أخيسسه فقتله فأصسسبح مسسن الخاسسسرين)) إلى قوله‬
‫تعالى‪(( :‬فأصبح من النادمين))‪[ .‬المائدة‪]31-27 :‬‬
‫فآدم وذريته كانوا على التوحيد والطاعة‪ ،‬وكان لهم منهج من عند ال يسيرون عليه‬
‫ويتقربون إليسسسه‪ ،‬وكانوا يعرفون الحلل والحرام والجنسسسة والنار والثسسسم والجزاء‪ ،‬وكان‬
‫إبليسسس نفسسسه الذي أغوى آدم وزوجسسه فسسي الجنسسة أول وأقسسسم على ضلل ذريسسة آدم بعسسد‬
‫طرده مسن رحمسة ال ثانيسا‪ ،‬كان يعلم الحسق والباطسل‪ ،‬وارتكسب الباطسل وعصسى أمسر ال‬
‫متعمدا متكبرا‪.‬‬
‫ولسنا في حاجة إلى مناقشة شبهات جهلة التاريخ الغابر‪ ،‬فل توجد وثيقة أصدق من‬
‫كتاب ال ول أصسسح منسسه حتسسى نحتاج إلى مناقشتهسسم على ضوئهسسا ((إن هذا القرآن يهدي‬
‫للتي هي أقوم)) [السراء‪]9 :‬‬

‫‪8‬‬

‫من هم أهل الحق؟‬
‫تنبيهات ثلثة مهمة‪:‬‬
‫الول‪ :‬يجب أن يعلم أن مرادي بأهل الحق في هذا الكتاب أن صاحب الحق‪-‬بل‬
‫هسسو الحسسق‪ :-‬ال جسسل جلله‪ ،‬ثسسم أنسسبياؤه ورسسسله وكسسل مسسن تبعهسسم واهتدى بهديهسسم‪،‬‬
‫ل إله إل‬
‫والمسلمون الذين يقرون ويعترفون بأن السلم حق ويدخلون فيه بشهادة أ ّ‬
‫ال محمسد رسسول ال‪ ،‬وأنسه يجسب العمسل بسه وتطسبيقه فسي الرض‪ ،‬وأنسه لم يبسق فسي‬
‫الرض بعسد بعثسة الرسسول أي ديسن حسق يقبله ال مسن أهله‪ ،‬ويدخسل فسي زمرة أهسل‬
‫الحسق مسن المسسلمين الذيسن تلك صسفتهم مسن حصسل منهسم نوع تقصسير مسن ارتكاب‬
‫بعض المعاصي أو ترك بعض الطاعات‪-‬ما عدا الشرك بال‪-‬التي هي تحت مشيئة‬
‫ال إن شاء غفرها لهم‪ ،‬وإن شاء عذبهم بها‪ ،‬ثم أدخلهم الجنة‪ ،‬وقد يكون عند بعض‬
‫هؤلء شيسء مسن الباطسل الذي يجسب الرد عليسه‪ ،‬ولكنهسم ل يخرجون مسن صسف أهسل‬
‫الحق‪-‬إل عند الخوارج ومن تبعهم في مذهبهم عالما أو جاهل‪.‬‬
‫وأن مرادي بأهسل الباطسل‪ :‬كسل مسن لم يدخسل فسي السسلم‪ ،‬أو انتسسب إليسه ولكنسه‬
‫ارتد عنه‪ ،‬أو زعم أنه مسلم وحارب تطبيق شريعة ال في حياة المسلمين وكلّ من‬
‫دعا إلى ذلك التطبيق‪.‬‬
‫ول يدخسل فسي أهسل الباطسل مسن اجتهسد مسن العلماء فأخطسأ فسي نظسر غيره مسن‬
‫المجتهديسن‪ ،‬فإن للمجتهسد أجريسن إذا أصساب وأجرا إذا أخطسأ‪ ،‬وقسد يكون الخطسأ عنسد‬
‫من خطّأه‪.‬‬
‫التنسبيه الثانسي‪ :‬أنسي لم أقصسد بأهسل الحسق فئة معينسة مسن المسسلمين‪ ،‬ول أهسل بلد‬
‫معين‪ ،‬كما ل أقصد من أهل الباطل فئة معينة ول أهل بلد معين‪ ،‬وإنما قصدت أهل‬
‫الحق من حيث هم من أي فئة كانوا‪ ،‬وفي أي أرض من أرض ال حلوا‪ ،‬وقصدت‬
‫أهل الباطل من حيث هم من أي فئة كانوا‪ ،‬وفي أي أرض حلوا‪.‬‬
‫التنسبيه الثالث‪ :‬أن قصسدي بالحسق هسو الحسق الربانسي الذي كلف ال عباده التسسليم‬
‫له بسه‪ ،‬والهدى اللهسي الذي أنزل بسه وحيسه وبعسث بسه رسسله ليخرج بسه الناس مسن‬
‫الظلمات إلى النور‪ ،‬والذي ل يقبل ال من أحد دينا سواه‪ ،‬وهو السلم‪.‬‬
‫وليسس مرادي مسا وصسلت إليسه المسم مسن التجارب القانونيسة والداريسة والكونيسة‬
‫التسسي قسسد يوجسسد فيهسسا الحسسق والباطسسل‪ ،‬وهسسي أمور تشترك فيهسسا كسسل المسسم فسسي كسسل‬
‫الزمان‪ ،‬فلست أنفي وجود حقّ مّا عن أهل الباطل‪ ،‬وإنما أنفي عنهم الحق اللهي‬
‫الذي جحدوه وكفروا به وحاربوه‪.‬‬
‫وبناء على هذا فصساحب الحسق الول هسو الحسق جسل جلله‪ ،‬فمسن أسسمائه الحسق‪ ،‬كمسا‬
‫سسبق وخلق السسماوات والرض ومسا بينهمسا بالحسق وأنزل كتبسه ووحيسه بالحسق‪ ،‬وبعسث‬
‫‪9‬‬

‫رسله بالحق‪ ،‬وكلماته كلها حق و أفعاله كلها حق‪.‬‬
‫ثسم أنسبياء ال ورسسله الذيسن كلفهسم تبليسغ رسسالته إلى الناس‪ ،‬ومسن اسستجاب لهسم مسن‬
‫أقوامهسم فآمن بمسا جاءوا به وعمسل به ودعسا إليه‪ ،‬وبخاصة من ناصرهم وصسار حواريسا‬
‫لهسسم‪ ،‬يظهسسر ذلك مسسن قصسسص النسسبياء والرسسسل مسسع أقوامهسسم‪ ،‬وقسسد أمسسر ال تعالى نسسبيه‬
‫ورسسوله الخاتسم أن يقتدي بمسن سسبقه مسن الرسسل‪-‬بعسد أن ذكسر طائفسة منهسم بأسسمائهم‪-‬فقال‪:‬‬
‫((أولئك الذين هدى ال فبهداهم اقتده‪[ ))..‬النعام‪]90 :‬‬
‫وهسم أهسل طاعتسه الذيسن أنعسم عليهسم‪ ،‬ذلك الموكسب العظيسم الذي قال ال تعالى فيهسم‪:‬‬
‫((ومسسن يطسسع ال والرسسسول فأولئك مسسع الذيسسن أنعسسم ال عليهسسم مسسن النسسبيين والصسسديقين‬
‫والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا‪[ ))..‬النساء‪]69 :‬‬
‫وخير أمم الحق أمة محمد صلى ال عليه وسلم التي شهد ال لها بالخيرية التي نالتها‬
‫بمسا منحهسا ال تعالى مسن المؤهلت ((كنتسم خيسر أمسة أخرجست للناس تأمرون بالمعروف‬
‫وتنهون عن المنكر وتؤمنون بال))‪[.‬آل عمران‪]110 :‬‬
‫وهسسم حزب ال وأولياؤه الذيسسن يجاهدون فسسي سسسبيله ويحبهسسم ويحبونسسه‪ ،‬ول يخافون‬
‫لومة لئم ويتولونه ويتولون أولياءه‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم‬
‫عسن دينسه فسسوف يأتسي ال بقوم يحبهسم ويحبونسه أذلة على المؤمنيسن أعزة على الكافريسن‬
‫يجاهدون فسي سسبيل ال ول يخافون لومسة لئم‪ ،‬ذلك فضسل ال يؤتيسه مسن يشاء وال واسسع‬
‫عليسم‪ ،‬إنمسا وليكسم ال ورسسوله والذيسن آمنوا الذيسن يقيمون الصسلة ويؤتون الزكاة وهسم‬
‫راكعون‪ ،‬ومسسن يتول ال ورسسسوله والذيسسن أمنوا فإن حزب ال هسسم الغالبون‪[.))..‬المائدة‪:‬‬
‫‪(( ]56-54‬والمؤمنون والمؤمنات بعضهسسم أولياء بعسسض يأمرون بالمعروف وينهون عسسن‬
‫المنكسر ويقيمون الصسلة ويؤتون الزكاة ويطيعون ال ورسسوله‪ ،‬أولئك سسيرحمهم ال إن‬
‫ال عزيسسسسسسسز حكيسسسسسسسم‪[.))..‬التوبسسسسسسسة‪(( ]71 :‬أولئك حزب ال أل إن حزب ال هسسسسسسسم‬
‫المفلحون‪[.))..‬المجادلة‪ ]22 :‬هؤلء هم أهل الحق‪.‬‬

‫فمن هم أهل الباطل؟‬
‫وأهل الباطل‪-‬على عكس أهل الحق‪-‬فقائد هم وقدوتهم في الباطل هو إبليس‪ ،‬أول من‬
‫عصى ال واستكبر عن طاعته وكفر به‪ ،‬وأغوى من أطاع ربه‪ ،‬وحسده وكان سببا في‬
‫إخراجسسه مسسن الجنسسة‪ ،‬وأقسسسم على السسستمرار فسسي إضلل ذريتسسه إلى يوم البعسسث‪ ،‬وهكذا‬
‫اتباعسسه الذيسسن يتبعون خطواتسسه ويسسسيرون فسسي شعاب كفره ل ينفعهسسم إنذار‪ ،‬ول تفيدهسسم‬
‫اليات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وإذ قلنسا للملئكسة اسسجدوا لدم فسسجدوا إل إبليسس أبسى واسستكبر وكان‬
‫من الكافرين‪[.))..‬البقرة‪]34 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ثم قلنا للملئكة اسجدوا لدم فسجدوا إل إبليس لم يكن من الساجدين‪،‬‬
‫قال ما منعك ألّ تسجد قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين))‪[.‬العراف‪-11 :‬‬
‫‪]12‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬تال لقسسد أرسسسلنا إلى أمسسم مسسن قبلك فزيسسن لهسسم الشيطان أعمالهسسم فهسسو‬
‫وليهم اليوم ولهم عذاب أليم))‪[.‬النحل‪]63 :‬‬
‫‪10‬‬

‫وقال تعالى‪(( :‬والذيسن ينفقون أموالهسم رئاء الناس ول يؤمنون بال ول باليوم الخسر‬
‫ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا))‪[.‬النساء‪]38 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء))‪[.‬البقرة‪]268 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬يسسا أيهسسا الذيسسن أمنوا ل تتبعوا خطوات الشيطان ومسسن يتبسسع خطوات‬
‫الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر))‪[.‬النور‪]21 :‬‬
‫وقال ال تعالى عسن إبليسس نفسسه‪(( :‬قال فبمسا أغويتنسي لقعدن لهسم صسراطك المسستقيم‬
‫ثسم لتينهسم مسن بيسن أيديهسم ومسن خلفهسم وعسن أيمانهسم وعسن شمائلهسم ول تجسد أكثرهسم‬
‫شاكرين))‪[.‬العراف‪]17-16 :‬‬
‫وقال تعالى عن اتباع إبليس‪(( :‬إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ل‬
‫يؤمنون))‪[.‬البقرة‪]6 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وما تأتيهم من أية من آيات ربهم إل كانوا عنها معرضين‪ ،‬فقد كذبوا‬
‫بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون))‪[.‬النعام‪]5-4 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ال أولئك حزب الشيطان أل إن‬
‫حزب الشيطان هم الخاسرون))‪[.‬المجادلة‪]19 :‬‬

‫هل يعد متبع الباطل عاقل؟‬
‫خلق ال تعالى النسان مزودا بآلت حسية ظاهرة للعيان‪ ،‬أو خفية في داخل جسمه‪،‬‬
‫لتقوم تلك اللت بمسسا هيأهسسا ال سسسبحانه وتعالى مسن عمسسل‪ :‬أسسسنان تطحسسن ولسسسان يخلط‬
‫ويتذوق وينظسسف‪ ،‬وجلد يحسسس ويتألم‪ ،‬ويسسد تبطسسش وتأخسسذ‪ ،‬وجسسل تمشسسي وتسسسير‪ ،‬وأذن‬
‫تسسمع‪ ،‬وعيسن تبصسر‪ ،‬وأنسف تشسم وتسستنشق الهواء النافسع للجسسم مسن الخارج ويعسبر منهسا‬
‫الهواء الفاسد من الداخل‪ ،‬وحلق يدخل منه الطعام والماء والهواء‪ ،‬ومعدة تهضم الطعام‪،‬‬
‫وقلب يضخ الدماء وينقيها‪ ،‬وهكذا‪ :‬الرئة‪ ،‬والكلى‪ ،‬والجهاز الخراجي والجهاز الدوري‬
‫وغيرهسا‪ ،‬كسل هذه اللت وأجزائهسا تقوم بعمسل قسد هيأهسا ال له‪ ،‬فإذا فقسد أي منهسا تعطسل‬
‫عملها الذي هيئت له‪.‬‬
‫فإذا فقسد البصسر قيسل لصساحبه أعمسى‪ ،‬وإذا فقسد السسمع‪ ،‬قيسل لصساحبه أصسم‪ ،‬وإذا فقسد‬
‫النطسق قيسل لصساحبه أبكسم‪ ،‬والبصسر قسد يفقسد والعينان فسي ظاهرهمسا سسليمتان‪ ،‬والسسمع قسد‬
‫يفقد والذنان في ظاهرهما كذلك وهكذا‪....‬‬
‫وهناك آلة معنويسة زود ال بهسا النسسان‪ ،‬ل يسستفيد مسن كثيسر مسن آلتسه الحسسية‪ ،‬إذا لم‬
‫تكسن هذه اللة موجودةً‪ ،‬وهسي العقسل الذي جعله ال سسبحانه وتعالى ميزانسا لدراك الحسق‬
‫من الباطل‪ ،‬في حدود مجاله الذي خلقه ال للعمل فيه‪.‬‬
‫وكسل هذه اللت إذا لم يسستعملها النسسان فيمسا خلقست له‪ ،‬أو لم يسستعملها فسي أهسم مسا‬
‫خلقست له‪ ،‬فإنهسا تعتسبر بمنزلة اللة المفقودة‪ ،‬ولذلك يصسح نفيهسا مسع وجودهسا فيقال‪ :‬فلن‬
‫ل يسسسمع‪ ،‬إذا سسسمع صسسوتا بدون أن يصسسغي لذلك الصسسوت ليفهسسم معناه‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن ل‬
‫يبصسسر‪ ،‬إذا رأى شيئا دون أن تحصسل فائدة مسن رؤيتسه‪ ،‬كمسا يقال‪ :‬فلن ل يعقسل‪ ،‬إذا لم‬
‫يستعمل عقله فيما يعود عليه بالفائدة‪.‬‬
‫ولهذا امتسن ال تعالى على النسسان بتزويده بهذه اللت النافعسة التسي تسستوجب مسن‬
‫‪11‬‬

‫النسسان شكسر ربسه تعالى عليهسا‪ ،‬فإذا لم يشكره بهسا وعليهسا فقسد أصسبح كفاقدهسا‪ ،‬لن شكسر‬
‫ال تعالى هو أهم ما خلقت من أجله‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وال أخرجكسسم مسسن بطون أمهاتكسسم ل تعلمون شيئا وجعسسل لكسسم السسسمع‬
‫والبصار والفئدة لعلكم تشكرون))‪[.‬النحل‪]78 :‬‬
‫ونفى سبحانه عمن لم يشكره بهذا اللت منافعها‪ ،‬وهي‪ :‬البصار والسمع والفقه‪-‬أو‬
‫العقل‪-‬فقال تعالى‪(( :‬ولقد ذر أنا لجهنم كثيرا من الجن والنس‪ ،‬لهم قلوب ل يفقهون بها‪،‬‬
‫ولهسم أعيسن ل يبصسرون بهسا‪ ،‬ولهسم آذان ل يسسمعون بهسا‪ ،‬أولئك كالنعام بسل هسم أضسل‬
‫أولئك هم الغافلون))‪[.‬النعام‪]179[ :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وإن تدعهسسم إلى الهدى ل يسسسمعوا‪ ،‬وتراهسسم ينظرون إليسسك وهسسم ل‬
‫يبصرون))‪[ .‬العراف‪]198 :‬‬
‫بل إن الذين ل ينتفعون بهذه اللت في الدنيا ينفونها هم عن أنفسهم‪ ،‬عندما يعاينون‬
‫جزاء ال لهم في الخرة على غفلتهم وعدم استعمالهم لها فيما خلقت له‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫((كلمسا أُلقوا فيهسا سسمعوا لهسا شهيقسا وهسي تفور‪ ،‬تكاد تميسز مسن الغيسظ كلمسا أُلقيَس فيهسا فوج‬
‫سسألهم خزنتهسا ألم يأتكسم نذيسر‪ ،‬قالوا بلى قسد جاءنسا نذيسر فكذبنسا وقلنسا مسا نزل ال مسن شيسء‬
‫إن أنتسسسم إل فسسسي ضلل كسسسبير‪ ،‬وقالوا لو كنسسسا نسسسسمع أو نعقسسسل مسسسا كنسسسا فسسسي أصسسسحاب‬
‫السعير))[الملك‪]10-7 :‬‬
‫ولهذا خسسص مسسن يعقسسل النتفاع بآياتسسه الكونيسسة والشرعيسسة‪ ،‬مسسع أن تلك اليات قابلة‬
‫لينتفسع بهسا كسل الناس‪ ،‬ولكسن الذي ل ينتفسع بعقله مسن تلك اليات ينزل منزلة مسن لم تكسن‬
‫تلك اليات قابلة لنتفاعه منها‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬إن فسسي خلق السسسماوات والرض واختلف الليسسل والنهار والفلك التسسي‬
‫تجري فسي البحسر بمسا ينفسع الناس ومسا أنزل ال مسن السسماء مسن ماء فأحيسا بسه الرض بعسد‬
‫موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والرض‬
‫ليات لقوم يعقلون))‪[.‬البقرة‪]164 :‬‬
‫وليسسسسسسسس المراد هنسسسسسسسا مجرد وجود عقسسسسسسسل لهؤلء القوم‪ ،‬وهسسسسسسسو الذي يقابله‬
‫الجنون‪ ،‬وإنمسا المراد عقسل يهدي صساحبه إلى النتفاع بتلك اليات‪ ،‬بدليسل نفسي ال تعالى‬
‫السمع والعقل عن المكلفين بتصديق الرسالة الذين أنكروها‪ .‬كما قال تعالى‪(( :‬أرأيت من‬
‫اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيل‪ ،‬أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم‬
‫إل كالنعام بل هم أضل سبيل))‪[.‬الفرقان‪]44-43 :‬‬
‫ومثله قوله تعالى‪(( :‬أفلم يسسسيروا فسسي الرض فتكون لهسسم قلوب يعقلون بهسسا أو آذان‬
‫يسمعون بها‪ ،‬فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور))‪[.‬الحج‪]46 :‬‬
‫فكسل مسن ُكلّفَس خطابَس ال تعالى‪ ،‬فلم يسستجب لذلك الخطاب الحسق بسل اتبسع الباطسل‪،‬‬
‫يصح أن ينفى عنه العقل باعتبار أنه لم ينتفع بعقله في أهم ما خلق من أجله‪.‬‬
‫ولهذا نَفَى عسن الكافريسن بالحسق المؤمنيسن بالباطسل العقلَ‪ ،‬فقال جسل وعل‪(( :‬ومثسل‬
‫الذيسسن كفروا كمثسسل الذي ينعسسق بمسسا ل يسسسمع إل دعاء ونداء صسسم بكسسم عمسسي فهسسم ل‬
‫يعقلون))‪[.‬البقرة‪]71 :‬‬
‫وقال عسن أهسل الكتاب الذيسن يسستهزئون بديسن ال‪(( :‬وإذا ناديتسم إلى الصسلة اتخذوهسا‬
‫‪12‬‬

‫هزوا ولعبا‪ ،‬ذلك بأنهم قوم ل يعقلون)) [المائدة‪]58 :‬‬
‫وقال فيمسسسن افترى على ال الكذب‪ ،‬فأحسسسل مسسسا حرم ال أو حرم مسسسا أحسسسل ال مسسسن‬
‫المشركين‪-‬وغيرهم مثلهم‪((-‬ما جعل ال من بحيرة ول سائبة ول وصيلة ول حام‪ ،‬ولكن‬
‫الذين كفروا يفترون على ال الكذب وأكثرهم ل يعقلون))‪[.‬المائدة‪]103 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ول تكونوا كالذيسن قالوا سسمعنا وهسم ل يسسمعون إن شسر الدواب عنسد‬
‫ال الصم البكم الذين ل يعقلون))‪[ .‬النفال‪]22-21 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومنهسم مسن يسستمعون إليسك أفأنست تسسمع الصسم ولو كانوا ل يعقلون‪،‬‬
‫ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا ل يبصرون))‪[.‬يونس‪]43-42 :‬‬
‫وهكذا يصح نفي العلم عمن لم يعمل به‪.‬‬
‫وبهذا يعلم أن الذي يتبع الباطل ويترك الحق غير عاقل‪ ،‬وإن توقّد عقله في كثير من‬
‫ظاهسر الحياة الدنيسا‪ .‬ولكنسه –مسع ذلك‪ -‬مكلف بأمسر ال ونهيسه‪ ،‬محاسسب على ذنبسه‪ ،‬لنسه لم‬
‫يستعمل عقله الذي منحه ال فيما خلق له‪.‬‬
‫وبهذا أيضا تعلم منزلة العقل المهتدي إلى الحق التارك للباطل عند ال تعالى‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫منزلة العقل عند الله وأثره في الحياة‪.‬‬
‫وظاهسر مسن اليات القرآنيسة‪-‬كمسا هسو الواقسع‪-‬أن النسسان لو لم يمنحسه ال العقسل‪ ،‬لكان‬
‫أضل من الحيوان‪ ،‬ولما كان خليفة وسيدا في الرض‪.‬‬
‫ولو أن أهل العقول أعملوها وفكروا بها في المجالت التي وجدت من أجل إعمالها‬
‫والتفكيسر بعقولهسم فيهسا‪ ،‬وعملوا بمقتضسى النتائج التسي تتوصسل إليهسا على أسساس سسليم‪،‬‬
‫لسعد الناس بذلك في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ومسن تلك المياديسن‪ :‬الكون الذي أبدعسه ال فسي السسماوات والرض ومسا بينهمسا‪ ،‬ممسا‬
‫يمكسن للعاقسل أن يتناوله بالتفكيسر فيسه بعقله‪ ،‬وهسو كتاب ال المفتوح الذي فيسه مسن الدقسة‬
‫والحكام والتقان‪ ،‬مسا يذهسل العقول ويجعلهسا تسستسلم للخالق وتسستفيد مسن مخلوقاتسه فسي‬
‫تسخيرها لصالح المم‪ ،‬بقوانينها ونواميسها التي أودعها ال تعالى فيها‪.‬‬
‫ومسن أمثلة ذلك فسي القرآن الكريسم قول ال تعالى‪(( :‬هسو الذي أنزل مسن السسماء ماء‬
‫لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون‪ ،‬ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والعناب‬
‫ومسسن كسسل الثمرات إن فسسي ذلك ليسسة لقوم يتفكرون وسسخّر لكسسم الليسسل والنهار والشمسسس‬
‫والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ليات لقوم يعقلون‪ ،‬وما ذرأ لكم في الرض‬
‫مختلفسا ألوانسه إن فسي ذلك ليسة لقوم يذّكرون وهسو الذي سسخر البحسر لتأكلوا منسه لحمسا‬
‫طريا وتستخرجوا منه حلي ًة تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم‬
‫تشكرون‪ ..‬وألقسسى فسسي الرض رواسسسي أن تميسسد بكسسم وأنهارا وسسسبل لعلكسسم تهتدون‪..‬‬
‫وعلمات وبالنجم هم يهتدون‪ ...‬أفمن يخلق كمن ل يخلق أفل تذكرون‪ ..‬وإن تعدوا نعمة‬
‫ال ل تحصوها إن ال لغفور رحيم))‪[.‬النحل‪181-10 :‬ول تفكير‪ ،‬ول تذكر‪ ،‬ول شكر لمن‬
‫ل عقل له] ؟؟؟‬
‫فترى القرآن الكريسم يجول بالعقسل فسي السسماء‪-‬شمسسها وقمرهسا ونجومهسا وكواكبهسا‬
‫ومائهسا‪-‬وفسي الرض‪-‬بخيراتهسا‪ ،‬مسن زروعهسا و أشجارهسا وبحارهسا وأنهارهسا وجبالهسا‬
‫وسسهولها‪ ،‬ويجعسل ذلك كله مجال للعقسل ليتفكسر فيسه ويتذكسر ويهتدي ويشكسر‪ ،‬ومسن شُكْر‬
‫ذلك استغللُ هذا الكون في مصالح العباد على أساس هدي ال تعالى‪.‬‬
‫ومسن تلك المياديسن‪ :‬فقسه نصسوص القرآن والسسنة‪ ،‬والتعمسق فسي فهمهسا واسستنباط مسا‬
‫تحتاج إليه البشرية منها‪ ،‬لتتقي ربها وتسير في تصرفاتها على منهجه‪ ،‬مع فهم أسراره‬
‫وحكمسسه حيسسث أمكسسن ذلك‪ ،‬وإل فالتسسسليم المطلق لشرع ال تعالى‪ ،‬فإن التسسسليم لشرع ال‬
‫هو عين الفقه والعقل‪ ،‬وعدم التسليم لذلك هو عين الجهل والخطل‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬قسل تعالوا أتسل مسا حرم ربكسم عليكسم أن ل تشركوا بسه شيئا‪ ،‬وبالوالديسن‬
‫إحسانا‪ ،‬ول تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم‪ ،‬ول تقربوا الفواحش ما ظهر‬
‫منها وما بطن‪ ،‬ول تقتلوا النفس التي حرم ال إل بالحق‪ ،‬ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون‪،‬‬
‫ول تقربوا مال اليتيسسسم إل بالتسسسي هسسسي أحسسسسن حتسسسى يبلغ أشده‪ ،‬وأوفوا الكيسسسل والميزان‬
‫بالقسط‪ ،‬ل نكلف نفسا إل وسعها‪ ،‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قرب‪،‬ى وبعهد ال أوفوا‪،‬‬
‫ذلكسسم وصساكم بسه لعلكسسم تذّكرون‪ ..‬وأن هذا صسسراطي مسستقيما فاتبعوه ول تتبعوا السسبل‬
‫فتفرق بكم عن سبيله‪ ،‬ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون))‪[.‬التقوى تكليف بدون عقل]‬
‫‪14‬‬

‫فهذه الوصسايا العشسر الجامعسة‪ ،‬لو تأملهسا الناس وفكروا فسي مصسالحها التسي ل سسعادة‬
‫لهسم بدونهسا‪ ،‬وفهموا معانيهسا والثار المترتبسة على تطبيقهسا والعمسل بهسا‪ ،‬لعاشوا عيشسة‬
‫هنيئة في ظلل شرع ال العظيم‪.‬‬
‫وقسد ختسم ال الخمسس الولى منهسا بقوله تعالى‪(( :‬لعلكسم تعقلون‪ ))..‬إشارة إلى أن هذه‬
‫المور ل بسسد أن يسسسلم العقسسل بضرورة مراعاتهسسا‪ ،‬و أن مسسن لم يفقسسه الحكمسسة مسسن هذه‬
‫التكاليسف ول يسستسلم لشرع ال ويطبقسه‪ ،‬ليسس مسن العقلء السسوياء بسل هسو أضسل مسن‬
‫الحيوان‪.‬‬
‫وختم الربع الوصايا الخرى بقوله تعالى‪(( :‬لعلكم تذكرون‪ ))..‬والتذكر ل يكون إل‬
‫من عاقل يفهم خطاب ال ويعلم أنه ل يأمر إل بخير ول ينهى إل عن شر‪.‬‬
‫وختسسسم الوصسسسية العاشرة‪-‬وهسسسي أشمسسسل الوصسسسايا وأعظمهسسسا‪-‬بقوله تعالى‪(( :‬لعلكسسسم‬
‫تتقون‪ ))..‬والتقوى هسي المقصسودة‪ ،‬لن صساحبها يتورع عسن ترك المسر وفعسل النهسي‪،‬‬
‫تعظيما ل ورغبةً فيما عنده وخشية من عذابه‪.‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فلول نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم‬
‫إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))‪[.‬التوبة‪]122 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وإذا جاءهسسسم أمسسسر مسسسن المسسسن أو الخوف أذاعوا بسسسه ولو ردوه إلى‬
‫الرسول وإلى أولى المر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‪[.))..‬النساء‪]13 :‬‬
‫والستنباط‪ :‬الستخراج والبحث‪.‬‬
‫والبحث والستنباط هنا يعنيان الجتهاد من أهله للوصول إلى الحكم الواجب تطبيقه‬
‫العائد بالخيسسر على المسسة‪ ،‬الْمُرضسسي ل تعالى‪ ،‬وهذا ل يكون إل مسسن ذوي العقول النيرة‬
‫التي صاغها شرع ال‪.‬‬
‫ولول أن ال تعالى هيسسأ للمسسة السسسلمية أمثال هؤلء العقلء الذيسسن يسسستنبطون لهسسا‬
‫أحكام ال مسن شريعتسه‪ ،‬لكان الشيطان قائد هسم إلى كسل سسوء‪ ،‬ولعسل ذلك مسن حكمسة هذا‬
‫التعقيسب الربانسي فسي هذه اليسة‪(( :‬ولول فضسل ال عليكسم ورحمتسه لتبعتسم الشيطان إل‬
‫قليل))‪.‬‬
‫فالعقسل السسليم له أثره العظيسم فسي حياة الناس‪ ،‬لن أهسل العقول السسليمة يفكرون فسي‬
‫مصسالح المسة ويدعونهسا إليهسا‪ ،‬كمسا يفكرون فسي المفاسسد التسي يجسب اجتنابهسا وينهونهسم‬
‫عنها‪.‬‬
‫ويجسسب التنسسبيه هنسسا على عبارة شائعسسة متداولة بيسسن عامسسة الناس‪ ،‬وأصسسبحت لكثرة‬
‫تردادها وتكرارها كأنها قضية مسلمة‪ ،‬وأكثر من يرددها الرياضيون ومشجعوهم وهي‪:‬‬
‫(العقسل السسليم فسي الجسسم السسليم)‪ .‬ول شسك أن فسي اجتماع سسلمة الجسسم وسسلمة العقسل‬
‫نعمسسة عظيمسسة على صسساحبهما‪ ،‬وإذا أريسسد بسسسلمة العقسسل السسسلمة مسسن الفات المعنويسسة‬
‫والماديسسة فالنعمسسة بذلك أعظسسم‪ .‬و لكسسن هذه العبارة غيسسر مطردة‪ ،‬لوجود كثيسسر مسسن ذوي‬
‫الفات الجسسمية‪-‬كالعمسى‪ ،‬والصسمم‪ ،‬والعرج‪ ،‬والشلل‪-‬ممسن منحهسم ال عقول سسليمة قويسة‬
‫مخترعسسة مبدعسة فسسي العلوم السسلمية ومسسا يخدمهسسا كاللغسسة والدب والبلغسسة والتاريسسخ‬
‫وغيرهسا مسن العلوم المسسماة ب‪(-‬النسسانية)‪ ،‬والعلوم الكونيسة المتعددة التسي نفسع ال بهسا‬
‫العالم قديمسا وحديثسا‪ ،‬ولوجود كثيسر مسن ذوي الجسسام السسليمة القويسة‪-‬كمصسارعي الثيران‬
‫‪15‬‬

‫والقران مسسن أبناء جنسسسهم‪ ،‬وبعسسض أفراد الفرق الرياضيسسة الذيسسن لم تتجاوز عقولهسسم‬
‫التفكير في تقوية عضلتهم وإشباع غرائزهم بما حل وحرم!‬
‫وكفى بالعقل منزلة عند ال معرفة المور الثلثة التية‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أنه مناط التكليف وأن غير العاقل ل ينال شرف التكليف من ال تعالى‪،‬‬
‫ذلك أن التكليسف ل يكون إل لمسن أمكنسه علم الحسق والعمسل بسه ومعرفسة الباطسل وتركسه‪،‬‬
‫وهذا ل يمكن إل من أهل العقول‪.‬‬
‫ولهذا تجسد علماء السسلم يذكرون فسي كتبهسم أصسول كانست أو فروعسا أن مسن أهسم‬
‫شروط التكليف‪ :‬العقل‪ ،‬فل يكلف غير العاقل …‬
‫المسسر الثانسسي‪ :‬أن العقسسل هسسو إحدى الضرورات الخمسسس التسسي ل تكون الحياة فسسي‬
‫الرض مستقرة ول قائمة بدون حفظها‪ .‬وهي‪ :‬الدين‪ ،‬والنفس‪ ،‬والعقل‪ ،‬والنسل‪ ،‬والمال‬
‫[راجسسع كتابنسسا‪ :‬السسسلم وضرورات الحياة ص ‪ 105‬الطبعسسة الثانيسسة‪ .‬نشسسر وتوزيسسع دار‬
‫المجتمع‪ .‬جدة‪].‬‬
‫المسر الثالث‪ :‬أن ال تعالى أرسسل رسسله وأنزل كتبسه لبلغ الناس دينسه الحسق‪ ،‬مبينسا‬
‫لهسسم بحججسسه وبراهينسسه أن ذلك الديسسن حسسق وأن مسسا خالفسسه باطسسل‪ ،‬ملجئا تلك العقول بتلك‬
‫الجسسج والبراهيسسن‪ ،‬إلى التسسسليم الختياري بأن ديسسن ال حسسق وأنسسه الهدى والرشاد‪ ،‬وأنسسه‬
‫جالب لمصالحهم في الدارين‪ ،‬واق لهم من المفاسد فيهما‪.‬‬
‫ومسسسن هنسسسا لم يأذن ال تعالى بإكراه الناس على اليمان بسسسه‪ ،‬مكتفيسسسا بسسسبيان أن ذلك‬
‫اليمان حق‪ ،‬بيانا قائما على الحجة والبينة التي يقر بها عقل المخاطب‪-‬وإن كابر وعاند‪-‬‬
‫ن َقدْ تَبَيّ نَ‬
‫ويتبين بها الرشد من الغي‪ ،‬كما قال تعالى في كتابه الكريم‪((:‬ل إِكْرَا هَ فِي الدّي ِ‬
‫سكَ بِالْعُرْوَ ِة الْوُ ْثقَى ل انفِ صَامَ‬
‫ن الغَيّ فَمَ نْ يَ ْكفُرْ بِالطّاغُو تِ وَيُ ْؤمِ نْ بِالِّ َفقَ ْد ا سْتَمْ َ‬
‫الرّشْدُ مِ ْ‬
‫علِيمٌ)) [البقرة‪]256 :‬‬
‫لَهَا وَالُّ سَمِيعٌ َ‬
‫وقال تعالى‪َ (( :‬ولَوْ شَاءَ رَبّكَس لمَنَس مَنْس فِي الَْرْضِس ُكلّهُمْس جَمِيعًا َأ َفأَنْتَس تُكْرِهُس النّاسَس‬
‫حَتّى يَكُونُوا مُؤْ ِمنِينَ)) [يونس‪]99 :‬‬
‫وقسسد امتل كتاب ال باليات الدالة على هذا المعنسسى العظيسسم الذي يسسبين عِظَم سَ منزلة‬
‫ن له إلى معرفسسة الحسسق‬
‫حفْزَه على التأمسسل والتفكسسر الموصسسلَي ِ‬
‫العقسسل عنسسد ال تعالى‪ ،‬و َ‬
‫والباطل‪.‬‬
‫وإن أي إنسان عاقل يستغل طاقته العقلية في تأمل بعض تلك اليات‪ ،‬ل بد أن يوقن‬
‫بأن ما جاءت به رسل ال ونزلت به كتبه حق‪.‬‬
‫و لنذكر بعضا من تلك اليات بدون تعليق‪ ،‬ليتأملها طالب الحق‪ ،‬ثم يسأل عقله بعد‬
‫ذلك‪ :‬هسل تسبين له أن ال تعالى حسق وأن عبادتسه حسق‪ ،‬وأن الكون كله دال على ذلك‪ ،‬وأن‬
‫ال تعالى قسد أنزل عقله منزلة عظيمسة يجسب عليسه أن يشكرهسا ويصسون ذلك العقسل مسن‬
‫عبث المتلعبين به أو ل؟‬
‫خلْق ِس الس سّمَاوَاتِ وَالرْض سِ وَاخْتِلف سِ اللّ ْيلِ وَالنّهَارِ‬
‫مسسن ذلك قوله تعالى‪(( :‬إِنّ فِي َ‬
‫وَالفلك الّتِي َتجْرِي فِي الْ َبحْرِ بِمَا يَنفَعُس النّاسَس َومَا أَن َزلَ الُّ مِنْس السّسمَاءِ مِنْس مَاءٍ َفَأحْيَا بِهِس‬
‫ن السّمَاءِ‬
‫سخّرِ بَيْ َ‬
‫سحَابِ الْ ُم َ‬
‫لرْضَ بَعْدَ مَوْ ِتهَا وَ َبثّ فِيهَا ِمنْ ُكلّ دَابّةٍ وَ َتصْرِيفِ الرّيَاحِ وَال ّ‬
‫‪16‬‬

‫ت ِلقَوْمٍ يَ ْع ِقلُونَ)) [البقرة‪]164 :‬‬
‫وَلَرْضِ ليَا ٍ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬المسر ِتلْكَس آيَاتُس الْكِتَابِس وَالّذِي أُن ِزلَ ِإلَيْكَس مِنْس رَبّكَس الحسق َولَكِنّ أَكْثَرَ‬
‫علَى الْعَرْشِس‬
‫النّاسِس لَ يُؤْمِنُونَس (‪ )1‬الُّ الّذِي َرفَعَس السّسمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَ َمدٍ تَرَوْنَهَا ُثمّ اسْستَوَى َ‬
‫جلٍ مُس سَمّى يُ َدبّرُ الَمْرَ ُيفَص ّسلُ اليَات ِس لَ َعلّكُم سْ ِبِلقَاءِ‬
‫لِ َ‬
‫وَس َسخّرَ الشّمْس سَ وَالْقَمَرَ ُكلّ َيجْرِي َ‬
‫ل فِيهَا رَوَاسِسيَ َوأَنْهَارًا وَمِنْس ُكلّ الثّمَرَاتِس‬
‫رَبّكُمْس تُوقِنُونَس (‪ )2‬وَهُ َو الّذِي مَدّ الَرْضَس َوجَ َع َ‬
‫ل النّهَا َر إِنّ فِي َذلِكَس ليَاتٍس ِلقَوْمٍس يَ َتفَكّرُونَس (‪ )3‬وَفِي‬
‫جَ َعلَ فِيهَا زَ ْوجَيْنِس اثْنَيْنِس يُغْشِي اللّ ْي َ‬
‫سقَى‬
‫ن أَعْنَا بٍ وَزَ ْر عٌ وَ َنخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُ ْ‬
‫ض ِقطَ عٌ مُ َتجَاوِرَا تٌ َوجَنّا تٌ ِم ْ‬
‫الَرْ ِ‬
‫ل إِنّ فِي َذلِكَس ليَاتٍس ِلقَوْمٍس يَ ْع ِقلُونسَ)) (‪)4‬‬
‫علَى بَعْضٍس فِي الُ ُك ِ‬
‫ضلُ بَ ْعضَهَا َ‬
‫بِمَاءٍ وَاحِدٍ َوُنفَ ّ‬
‫[الرعد]‬
‫س ْبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ(‪)1‬يُنَ ّزلُ‬
‫جلُوهُ ُ‬
‫ومنها قوله تعالى‪(( :‬أَتَى أَمْ ُر الِّ فَل َتسْتَ ْع ِ‬
‫ل ِإلَ َه إِل أَنَا فَا ّتقُونِي (‬
‫ن أَنذِرُوا أَنّ هُ َ‬
‫علَى َم نْ َيشَاءُ ِم نْ عِبَادِ ِه أَ ْ‬
‫ن أَمْرِ هِ َ‬
‫الْمَلئِكَةَ بِالرّو حِ مِ ْ‬
‫ط َف ٍة َفإِذَا‬
‫خلَقَس الِنسسَانَ مِنْس نُ ْ‬
‫خلَقَس السّسمَاوَاتِ وَالرْضَس بِالحسق تَعَالَى عَمّاس يُشْرِكُونَس (‪َ )3‬‬
‫‪َ )2‬‬
‫فءٌ وَمَنَافِعُس وَمِنْهَا َتأْ ُكلُونسَ(‪َ )5‬ولَكُمْس فِيهَا‬
‫خَلقَهَا لَكُمْس فِيهَا دِ ْ‬
‫هُ َو خَصسِيمٌ مُبِينٌس (‪)4‬وَالنْعَامَس َ‬
‫ل حِينَس تُرِيحُونَس َوحِينَس تَسْس َرحُونَ (‪)6‬وَ َتحْ ِملُ أَ ْثقَالَكُمْس ِإلَى َبلَ ٍد لَمْس تَكُونُوا بَالِغِيهِس إِلّ بِشِقّ‬
‫جَمَا ٌ‬
‫خلُقُ مَا ل‬
‫س إِنّ رَبّكُ ْم لَ َرءُوفٌ َرحِيمٌ (‪)7‬وَالْخَ ْيلَ وَالْبِغَالَ وَا ْلحَمِي َر لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَ َي ْ‬
‫النفُ ِ‬
‫علَى الِّ قَصْ ُد السّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ َولَوْ شَا َء لَهَدَاكُ ْم َأجْمَعِينَ(‪ُ )9‬ه َو الّذِي أَن َزلَ‬
‫تَ ْعلَمُونَ (‪)8‬وَ َ‬
‫ت لَكُمْ بِ ِه الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ‬
‫شجَ ٌر فِيهِ ُتسِيمُونَ (‪ )10‬يُنْ ِب ُ‬
‫مِنْ السّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِ ْنهُ شَرَابٌ وَمِ ْنهُ َ‬
‫سخّ َر لَكُ ْم اللّ ْيلَ‬
‫لعْنَابَ وَ ِمنْ ُكلّ الثّمَرَاتِ ِإنّ فِي َذلِكَ ل َي ًة ِلقَوْمٍ يَ َتفَكّرُونَ (‪ )11‬وَ َ‬
‫وَال ّنخِيلَ وَا َ‬
‫سخّرَاتٌ ِبأَمْرِ ِه إِنّ فِي َذِلكَ ليَاتٍ ِلقَوْمٍ يَ ْع ِقلُونَ (‪)12‬وَمَا‬
‫وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَال ّنجُومُ ُم َ‬
‫ذَ َرَأ لَكُمْس فِي الرْضِس ُمخْ َتلِفًا َألْوَانُهُس إِنّ فِي َذلِكَس ليَ ًة ِلقَوْمٍس يَذّكّرُونَس (‪)13‬وَهُ َو الّذِي سَسخّرَ‬
‫حلْيَةً َتلْبَس سُونَهَا وَتَس ْس َتخْرِجُوا مِنْه ُس حِلْ َيةً‬
‫الْبَحْ َر لِ َتأْ ُكلُوا مِنْه ُس َلحْمًا طَ ِريّا س َوتَس سْ َتخْ ِرجُوا مِنْه ُس ِ‬
‫ضلِه سِ َولَ َعلّكُمسْ تَشْكُرُون سَ (‪َ )14‬وَألْقَى فِي‬
‫َتلْبَسسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِ َر فِيهسِ َولِتَبْتَغُوا مِن ْس َف ْ‬
‫ي أَنْس تَمِيدَ بِكُمْس َوأَنْهَارًا وَسُسبُل لّ َعلّكُمْس تَهْ َتدُونَس (‪)15‬وَعَلمَاتٍس وَبِال ّنجْمِس هُمْس‬
‫لَرْضِس رَوَاسِس َ‬
‫ق أَفل تَذَكّرُونَ (‪[ )))17‬النحل]‬
‫خلُ ُ‬
‫خلُقُ كَمَنْ ل َي ْ‬
‫يَهْتَدُونَ(‪َ )16‬أفَمَنْ َي ْ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬وَالُّ أَن َزلَ مِنْس السّسمَاءِ مَاءً َفَأحْيَا بِهِس لرْضَس بَ ْعدَ مَوْتِهَا إِنّ فِي َذلِكَس‬
‫ن فَرْثٍ وَ َدمٍ‬
‫سقِيكُمْ مِمّا فِي ُبطُو ِنهِ ِمنْ بَ ْي ِ‬
‫ليَ ًة ِلقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(‪َ )65‬وإِنّ لَكُ ْم فِي الَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُ ْ‬
‫لَبَنًا خَالِ صًا سَائِغًا لِلشّارِبِي نَ(‪ )66‬وَمِ نْ ثَمَرَا تِ ال ّنخِيلِ وَالعْنَا بِ َتّتخِذُو نَ مِ ْن هُ سَكَرًا وَرِ ْزقًا‬
‫حلِ أَنْس ا ّتخِذِي مِنْس الْجِبَالِ‬
‫حَسَسنًا إِنّ فِي َذلِكَس ليَ ًة ِلقَوْمٍس يَ ْع ِقلُونَس (‪َ )67‬وأَوْحَى رَبّكَس ِإلَى ال ّن ْ‬
‫ل الثّمَرَاتِس فَاسْسلُكِي سُسُبلَ رَبّكِس ذُلل‬
‫شجَرِ َومِمّاس يَعْ ِرشُونَس (‪ )68‬ثُمّ ُكلِي مِنْس ُك ّ‬
‫بُيُوتًا وَمِنْس ال ّ‬
‫س إِنّ فِي َذلِكَ ليَ ًة ِلقَوْمٍ يَ َتفَكّرُونَ (‬
‫شفَاءٌ لِلنّا ِ‬
‫ف َألْوَانُ ُه فِيهِ ِ‬
‫َيخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ ُمخْ َتلِ ٌ‬
‫شيْئًا إِنّ‬
‫علْمٍس َ‬
‫ل الْعُمُرِ لِكَيْس ل يَ ْعلَمَس بَ ْعدَ ِ‬
‫خَلقَكُمْس ُثمّ يَتَ َوفّاكُمْس وَمِنْكُمْس مَنْس يُرَ ّد ِإلَى أَرْ َذ ِ‬
‫‪ )69‬وَالُّ َ‬
‫علِي ٌم قَدِيرٌ (‪[ )))70‬النحل]‬
‫الَّ َ‬
‫وقوله تعالى‪َ(( :‬أ َفلَم سْ يَس سِيرُوا فِي الَْرْض ِس فَتَكُون َس لَهُم ْس ُقلُوبسٌ يَ ْع ِقلُون سَ بِهَا أَوْ آذَانسٌ‬
‫يَسْمَعُونَ بِهَا َفإِنّهَا ل تَ ْعمَى الَ ْبصَارُ َولَكِنْ تَ ْعمَى الْ ُقلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ (‪ [)46‬الحج]‬
‫ن السّمَاءِ مَا ًء فَ ُيحْيِ بِهِ‬
‫ق خَ ْوفًا َوطَمَعًا وَيُنَ ّزلُ ِم ْ‬
‫ن آيَاتِهِ يُرِيكُ ْم الْبَرْ َ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬وَ ِم ْ‬
‫ت ِلقَوْمٍ يَ ْع ِقلُونَ (‪[ )24‬الروم]‬
‫ن فِي َذِلكَ ليَا ٍ‬
‫الرْضَ بَعْدَ َموْتِهَا ِإ ّ‬
‫‪17‬‬

‫ت إيمانكُ مْ مِ نْ شُرَكَاءَ‬
‫ل لَكُ مْ مِ نْ مَا َملَكَ ْ‬
‫ن أَ ْنفُ سِكُمْ َه ْ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬ضَرَ بَ لَكُ مْ مَثل مِ ْ‬
‫صلُ اليَاتِ ِلقَوْمٍ يَ ْع ِقلُونَ‬
‫فِي مَا رَ َزقْنَاكُ ْم َفأَنْتُ ْم فِيهِ سَوَاءٌ َتخَافُونَ ُهمْ َكخِيفَتِكُمْ أَن ُفسَكُمْ كَ َذلِكَ ُنفَ ّ‬
‫(‪[ )28‬الروم]‬
‫خ ْلقِكُمْس وَمَا َيُبثّ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬إِنّ فِي السّسمَاوَاتِ وَالَرْضِس ليَاتٍس ِللْمُؤْمِنِينسَ(‪َ )3‬وفِي َ‬
‫ن ال سّمَاءِ ِم نْ رِزْ قٍ‬
‫ف اللّ ْيلِ وَالنّهَارِ وَمَا أَن َزلَ الُّ ِم ْ‬
‫ت ِلقَوْ مٍ يُوقِنُو نَ(‪)4‬وَاخْتِلَ ِ‬
‫مِ نْ دَابّ ٍة آيَا ٌ‬
‫ف الرّيَاحِ آيَاتٌ ِلقَوْمٍ يَ ْع ِقلُونَ (‪[ )5‬الجاثية]‬
‫َفأَحْيَا بِهِ الَرْضَ َبعْدَ مَوْتِهَا وَ َتصْرِي ِ‬
‫ن الْكِتَابَ َأفَل تَ ْع ِقلُونَ‬
‫ن أَنفُسَكُمْ َوأَنْتُمْ تَ ْتلُو َ‬
‫ن النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنسَوْ َ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬أَ َتأْمُرُو َ‬
‫(‪[ )44‬البقرة]‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬إِنّا أَن َزلْنَا ُه قُرْآنًا عَرَبِيّا لَ َعلّكُمْ تَ ْع ِقلُونَ (‪[ )2‬يوسف]‬
‫وقوله تعالى‪َ(( :‬لقَ ْد أَن َزلْنَا ِإلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ ُك ْم َأفَلَ تَ ْع ِقلُونَ(‪[ )10‬النبياء]‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬وَ ُه َو الّذِي ُيحْيِس وَيُمِيتُس َولَهُس اخْتِلَفُس اللّ ْيلِ وَالنّهَارِ َأفَلَ تَ ْع ِقلُونَس (‪)80‬‬
‫[المؤمنون]‬
‫طفْلً‬
‫عَلقَةٍ ُثمّ ُيخْ ِرجُكُمْ ِ‬
‫طفَةٍ ُثمّ ِمنْ َ‬
‫خَلقَكُمْ ِمنْ تُرَابٍ ثُمّ مِنْ نُ ْ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬هُ َو الّذِي َ‬
‫ن قَ ْبلُ َولِتَ ْبلُغُوا َأجَل ُمسَمّى َولَ َعلّكُمْ‬
‫شيُوخًا وَ ِمنْكُمْ مَنْ يُ َت َوفّى مِ ْ‬
‫ثُمّ لِتَ ْبلُغُوا أَشُدّكُمْ ثُمّ لِتَكُونُوا ُ‬
‫تَ ْع ِقلُونَ (‪[ )67‬غافر]‬
‫علَمُوا أَنّ الَّ ُيحْيسِ الَرْضسَ بَعْدَ َموْتِهَا قَدْ بَيّنّاس لَكُمسْ اليَاتِس لَ َعلّكُمسْ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬ا ْ‬
‫تَ ْع ِقلُونَ (‪[ )17‬الحديد]‬
‫وبهذا يعلم إجرام قادة الباطسل وجنايتهسم على أنفسسهم وعلى غيرهسم‪ ،‬وتمسسكهم بتقليسد‬
‫الباء والمتبوعيسن الذيسن عطلوا نعمسة ال عليهم بتلك العقول‪ ،‬ليميزوا بهسا الحسق ويتبعوه‪،‬‬
‫ويعرفوا بهسا الباطسل ويجتنبوه‪ ،‬فحرموا أنفسسهم وأتباعهسم مسن هدى ال الذي ل ُيحْرمسه إل‬
‫مسن ل عقسل له‪ ،‬بسل عطلوا بذلك كسل المنافسذ المحسسوسة‪ ،‬كالسسمع والبصسر التسي تعرض‬
‫على عقولهسم مسا تسسمع ومسا تبصسر مسن آيات ال فسي أنفسسهم وفسي الكون الكسبير‪ ،‬وأنزلوا‬
‫أنفسهم منزلة أحط من منزلة الحيوان!‬
‫علَيْهِس آبَاءَنَا أَ َولَوْ‬
‫ل الُّ قَالُوا َبلْ نَتّبِعُس مَا َألْفَيْنَا َ‬
‫ل لَهُمْس اتّبِعُوا مَا أَن َز َ‬
‫قال تعالى‪َ (( :‬وإِذَا قِي َ‬
‫ن آبَاؤُهُمْ لَ يَ ْع ِقلُونَ شَيْئًا وَلَ يَهْتَدُونَ (‪[ )170‬البقرة]‬
‫كَا َ‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وَ َم َثلُ الّذِينَس َكفَرُوا َكمَ َثلِ الّذِي َينْعِقُس بِمَا لَ يَسْسمَعُ إل دُعَاءً وَنِدَاءً صُسمّ‬
‫ي فَهُمْ لَ يَ ْع ِقلُونَ(‪[ )171‬البقرة]‬
‫بُكْمٌ عُ ْم ٌ‬
‫لّ الصّ ّم الْبُكْ ُم الّذِينَ ل يَ ْع ِقلُونَ(‪[ )22‬النفال]‬
‫وقال تعالى‪(( :‬إِنّ شَ ّر الدّوَابّ عِ ْن َد ا ِ‬
‫َوَلقَدْ ذَ َرأْنَا ِلجَهَنّمَس كَثِيرًا مِنْس ا ْلجِنّ وَالِْنسِس لَهُمْس ُقلُوبٌس ل َي ْفقَهُونَس بِهَا َولَهُمْس أَعْيُنٌس ل‬
‫ضلّ أُ ْولَئِ كَ هُ ْم الْغَا ِفلُو نَ(‬
‫يُبْ صِرُونَ بِهَا َولَهُ مْ آذَا نٌ ل َي سْمَعُونَ بِهَا أُ ْولَئِ كَ كَالنْعَا مِ َبلْ هُ ْم َأ َ‬
‫‪[ )179‬العراف]‬
‫ن ِإلَيْكَ َأ َفأَنْتَ ُتسْمِ ُع الصّمّ َولَوْ كَانُوا لَ يَ ْع ِقلُونَ (‪)42‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وَ ِمنْهُمْ مَنْ َيسْتَمِعُو َ‬
‫[يونس]‬
‫ن ال سّمَاءِ مَا ًء َفأَحْيَا بِ هِ لرْ ضَ مِ نْ بَعْدِ َموْتِهَا‬
‫سَألْتَهُمْ مَ نْ نَ ّزلَ ِم ْ‬
‫وقال تعالى‪َ (( :‬ولَ ِئ نْ َ‬
‫ل أَكْثَرُهُمْ ل يَ ْع ِقلُونَ (‪[ )63‬العنكبوت]‬
‫ل ا ْلحَمْدُ لِّ َب ْ‬
‫ن الُّ ُق ْ‬
‫لَ َيقُولُ ّ‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ل ُيقَا ِتلُونَكُ ْم جَمِيعًا إِل فِي قُرًى ُمحَصّنَ ٍة أَوْ ِمنْ وَرَا ِء جُدُرٍ َبأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ‬
‫‪18‬‬

‫شَدِيدٌ َتحْسَبُهُ ْم جَمِيعًا َو ُقلُوبُهُمْ شَتّى َذِلكَ ِبأَنّهُ ْم قَوْمٌ ل يَ ْع ِقلُونَ(‪[ )14‬الحشر]‬
‫ولمسسا كانسست العقول والفطسسر السسسليمة‪ ،‬ترفسسض الباطسسل لفسسساده ومجافاتسسه للحجسسج‬
‫والبراهين التي تسند الحق وتظاهره‪ ،‬لجأ أهل الباطل إلى إسناده وتأييده بالقوة والكراه‬
‫والتضليل والستخفاف‪.‬‬
‫وقسسد دلت على ذلك أدلة كثيرة‪ ،‬ل تخفسسى على مسسن تأملهسسا فسسي جميسسع حقسسب التاريسسخ‬
‫الممتدة منسسذ أوجسسد ال الخليقسسة إلى يومنسسا هذا‪ ،‬وسسستبقى كذلك إلى قيام السسساعة‪ .‬كمسسا دلت‬
‫على ذلك سسسسير قادة الباطسسسل وأسسسساليبهم‪ ،‬منسسسذ أن خلق ال آدم السسسسلم وابتله بقائد قادة‬
‫الباطل‪ :‬إبليس لعنه ال‪.‬‬
‫وبهذا يظهسر السسبب الذي جعسل أهسل الحسق وأهسل الباطسل يتسسابقون إلى العقول‪ :‬أهسل‬
‫الحسسق بحقهسسم‪ ،‬وأهسسل الباطسسل بباطلهسسم‪ ،‬لن مسسن سسسبق إلى العقول بمسسا عنده ملك زمام‬
‫أصحابها‪ ،‬وقادهم إلى غايته بوسائله المتاحة واستثمرها وحظي بنتائجها‪ ،‬ومن كان أكثر‬
‫سسسبقا إلى العقول كان‪-‬فسسي الغالب‪-‬أكثسسر أنصسسارا وأعوانسسا‪ ،‬فإن كثسسر أهسسل الحسسق وقويسست‬
‫شوكتهسم‪ ،‬أقاموا الحسق فسي الرض ونشروه وحموه مسن اعتداء أهسل الباطسل عليسه‪ ،‬وإن‬
‫كثر أهل الباطل وقويت شوكتهم‪ ،‬أقاموا الباطل في الرض ونشروه وحموه وحاربوا به‬
‫وبأعوانسه الحسق‪ ،‬وأحاطوا باطلهسم ِبجُدُرٍ مسن الحواجسز الحسسية والمعنويسة ضسد هجمات‬
‫الحق عليه ودحضه وكشف عواره للناس‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫أسباب تأليف هذا الكتاب‬
‫لتأليف هذا الكتاب ثلثة أسباب‪:‬‬
‫السسبب الول‪ :‬مسا حكاه القرآن الكريسم‪ ،‬مسن الصسراع الذي دار بيسن أهسل الحسق مسن‬
‫النبياء والرسل وأتباعهم‪ ،‬وبين أهل الباطل من المم السابقة‪.‬‬
‫إن المتأمسل فسي ذلك الصسراع يجسد أن أهسل الحسق يسسابقون أهسل الباطسل إلى عقول‬
‫الناس بما عندهم من الحق‪ ،‬ويسابقونهم إلى تفريغ تلك العقول من الباطل الذي تمكن من‬
‫الوصول إليها‪ ،‬ويسابقونهم إلى حمايتها من أن يصل إليها باطل جديد‪.‬‬
‫وأن أهسسل الباطسسل‪-‬كذلك‪-‬يسسسابقون أهسسل الحسسق إلى عقول الناس بمسسا عندهسسم مسسن‬
‫الباطل‪ ،‬ويسابقونهم إلى تثبيت ما استقر منه في تلك العقول‪ ،‬ويسابقونهم إلى حمايتها من‬
‫الحق الذي لم يصل إليها بعد‪.‬‬
‫وفي قصص النبياء مع أممهم بيان واضح لهذه المعاني‪ ،‬كما سيأتي في فصول‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫و في سيرة الرسول صلى ال عليه وسلم وما قام به من تبليغ رسالة ال‪ ،‬وموقف‬
‫قادة الباطسسل مسسن ذلك التبليسسغ أمثلة كثيرة على هذه المعانسسي لمسسن تأملهسسا‪ .‬وكذلك تاريسسخ‬
‫أصسحابه رضسي ال عنهسم ومسا قاموا بسه مسن دعوة إلى ال وجهاد فسي سسبيله‪ ،‬وكسل مسن‬
‫تبعهم على ذلك من أهل الحق‪ ،‬ومواقف طغاة الباطل منهم في جميع العصور‪.‬‬
‫السسبب الثانسي‪ :‬مسا حصسل فسي هذا العصسر مسن الوسسائل الكثيرة المؤثرة للسسباق إلى‬
‫العقول‪ ،‬ومسن اهتمام أهسل الباطسل باختراع كثيسر منهسا واسستغللها فسي سسبقهم بباطلهسم إلى‬
‫عقول الناس‪ ،‬وتفريغ تلك العقول من الحق الذي وصل إليها وحمايتها من أن يصل إليها‬
‫الحسق‪ ،‬وتفريسط أهسل الحسق وتقصسيرهم الشديديسن فسي اسستغلل تلك الوسسائل للسسبق بحقهسم‬
‫إلى تلك العقول‪ ،‬وتفريغها من الباطل الذي وصل إليها وحمايتها مما لم يصل إليها منه‪.‬‬
‫السسسبب الثالث‪ :‬خطاب وجهسسه إلي عميسسد شؤون الطلب فسسي الجامعسسة السسسلمية‬
‫بالمدينسسة المنورة‪ ،‬طلب منسسي فيسسه إلقاء محاضرة فسسي قاعسسة المحاضرات الكسسبرى فسسي‬
‫الموسسم الثقافسي المعتاد كسل عام ‪ ،‬وطلب ذكسر عنوان المحاضرة‪ ،‬فلبيست الطلب‪ ،‬وذكرت‬
‫له هذا العنوان‪( :‬السسباق إلى العقول‪-‬الغايات‪-‬الوسسائل والنتائج)‪-[ .‬وقسد بعسث إلى بخطاب‬
‫الموافقسسة على العنوان المذكور برقسسم‪ )19 /413 /10( ::‬وتاريسسخ‪23/4/1413( :‬هسسس‪.)-‬‬
‫وألقيسست المحاضرة بتاريسسخ‪10/5/1413 :‬هسسس‪-‬بعسسد صسسلة المغرب حضرهسسا كثيسسر مسسن‬
‫أعضاء هيئة التدريسسس والطلب بالجامعسسة‪ .‬وكانسست المحاضرة ل تزيسسد عسسن أربعيسسن‬
‫صسفحة بخسط اليسد‪ .‬وهاهسي اليوم كتاب بيسن يدي القارئ يزيسد عسن أربعمائة صسفحة‪ ،‬وذلك‬
‫من فضل ال وعونه‪].‬‬

‫‪20‬‬

‫غايات أهل الحق‬
‫لهسل الحسق غايات يسسابقون بهسا أهسل الباطسل‪ ،‬لبلغ تلك الغايات إلى عقول الناس‬
‫لتستقر فيها وتؤمن بها‪ ،‬وتصبح بذلك عقول حق‪.‬‬
‫ولهل الباطل غايات يسابقون بها أهل الحق لبلغها إلى عقول الناس لتستقر فيها‬
‫وتستسلم لها‪ ،‬وتصبح بذلك عقول باطل‪.‬‬

‫غاية أهل الحق العليا في السباق إلى العقول‪.‬‬
‫هنالك غاية عليا لهل الحق تتفرع عنها كل الغايات التي يسابقون بها أهل الباطل‬
‫إلى العقول‪ ،‬وهذه الغاية هي‪ :‬رضا ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫فهم‪-‬أي أهل الحق‪-‬يتحرون هذه الغاية العليا الشاملة لكل الغايات‪ .‬أليس ال تعالى هو‬
‫الحق؟ أليسوا يسابقون بالحق ومن أجل الحق؟ فماذا يريدون غير رضا الحق؟‬
‫فهذا نسبي ال موسسى عليسه السسلم يقول ال تعالى عنسه‪(( :‬ومسا أعجلك عسن قومسك يسا‬
‫موسى‪ ،‬قال هم أولء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى))‪[ .‬طه‪]84-83 :‬‬
‫وقال تعالى عسسن سسسليمان بسسن داود عليهمسسا السسسلم‪(( :‬وقال رب أوزعنسسي أن أشكسسر‬
‫نعمتسك التسي أنعمست عليّس وعلى والدي وأن أعمسل صسالحا ترضاه وأدخلنسي برحمتسك فسي‬
‫عبادك الصالحين‪[ .))..‬النمل‪]19 :‬‬
‫وختسم تعالى حواره مسع عيسسى عليسه السسلم بقوله‪(( :‬هذا يوم ينفسع الصسادقين صسدقهم‬
‫لهسم جنات تجري مسن تحتهسا النهار خالديسن فيهسا أبدا رضسي ال عنهسم ورضوا عنسه ذلك‬
‫الفوز العظيم))‪[ .‬المائدة‪]119 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومسسسسسسن الناس مسسسسسسن يشري نفسسسسسسسه ابتغاء مرضاة ال وال رؤوف‬
‫بالعباد))‪[.‬البقرة‪]207 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة ال وتثبيتا من أنفسهم كمثل‬
‫جنسة بربوة أصسابها وابسل فآتست أكلهسا ضعفيسن فإن لم يصسبها وابسل فطسل وال بمسا تعملون‬
‫بصير))‪[.‬البقرة‪]265 :‬‬
‫وقال تعالى عن أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم من المهاجرين والنصار‬
‫ومسن اتبعهسم بإحسسان‪(( :‬والسسابقون الولون مسن المهاجريسن والنصسار والذيسن اتبعوهسم‬
‫بإحسان رضي ال عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها النهار خالدين فيها‬
‫أبدا‪ ،‬ذلك الفوز العظيم))‪[.‬التوبة‪]100 :‬‬
‫وقال تعالى عنهسم‪(( :‬محمسد رسسول ال والذيسن معسه أشداء على الكفار رحماء بينهسم‬
‫تراهم ركعا سجدا يبتغون فضل من ال ورضوانا)) [الفتح‪]29 :‬‬
‫وقال عسن أهسل بيعسة الشجرة منهسم‪(( :‬لقسد رضسي ال عسن المؤمنيسن إذ يبايعونسك تحست‬
‫الشجرة)) [الفتح‪]18 :‬‬
‫وقال تعالى بعد أن ذكر ما زين للناس من متاع الحياة الدنيا‪(( :‬قل أؤنبئكم بخير من‬
‫ذلكسم للذيسن اتقوا عنسد ربهسم جنات عدن تجري مسن تحتهسا النهار خالديسن فيهسا وأزواج‬
‫مهرة ورضوان من ال وال بصير بالعباد)) [آل عمران‪]15 :‬‬
‫‪21‬‬

‫وقال تعالى‪(( :‬أفمن اتبع رضوان ال كمن باء بسخط من ال)) [آل عمران‪]162 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فانقلبوا بنعمسة مسن ال وفضسل لم يمسسسهم سسوء واتبعوا رضوان ال))‬
‫[آل عمران‪]174 :‬‬
‫وقال تعالى عن حزبه‪(( :‬رضي ال عنهم ورضوا عنه أولئك حزب ال أل إن حزب‬
‫ال هم المفلحون‪[ ))...‬المجادلة‪]22 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬يسسسا أيهسسسا الذيسسسن آمنوا ل تتخذوا عدوي وعدوكسسسم أولياء تلقون إليهسسسم‬
‫بالمودة وقسد كفروا بمسا جاءكسم مسن الحسق يخرجون الرسسول وإياكسم‪ ،‬أن تؤمنوا بال ربكسم‬
‫إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي)) [الممتحنة‪]1 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ل خيسسر فسسي كثيسسر مسسن نجواهسسم إل مسسن أمسسر بصسسدقة أو معروف أو‬
‫إصسسلح بيسسن الناس ومسسن يفعسسل ذلك ابتغاء مرضاة ال فسسسوف نؤتيسسه أجرا عظيمسسا))‬
‫[النساء‪]114 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬يهدي به ال من اتبع رضوانه سبل السلم)) [المائدة‪]16 :‬‬
‫فأهسسل الحسسق يرجون مسسن كسسل أعمالهسسم الصسسالحة رضسسا ال سسسبحانه وتعالى ويتبعون‬
‫رضوانه‪ ،‬ورضاه تعالى هو غاية كل غاية‪ ،‬وهو تعالى ل يرضى إل عن أهل الحق‪.‬‬
‫ومن أجل أن رضا ال تعالى هو غاية أهل الحق‪ ،‬يأتي خطاب ال تعالى لهم‪-‬بعد أن‬
‫يسسكنهم جنتسه ويعطيهسم فيهسا مسا ل عيسن رأت ول أذن سسمعت ول خطسر على قلب بشسر‪-‬‬
‫مخسبرا لهسم بإحلله هذه الغايسة العظيمة عليهسم‪ ،‬كمسا فسي حديسث أبسي سسعيد الخدري رضسي‬
‫ال عنسه أن النسبي صسلى ال عليسه وسسلم قال‪( :‬إن ال يقول لهسل الجنسة‪ :‬يسا أهسل الجنسة‪،‬‬
‫فيقولون‪ :‬لبيسك ربنسا وسسعديك والخيسر فسي يديسك‪ ،‬فيقول‪ :‬هسل رضيتسم؟ فيقولون‪ :‬ومسا لنسا ل‬
‫نرضسى يسا رب فقسد أعطيتنسا مسا لم تعسط أحدا مسن خلقسك؟ فيقول‪ :‬أل أعطيكسم أفضسل مسن‬
‫ذلك؟ فيقولون‪ :‬يسسا رب وأي شيسسء أفضسسل مسسن ذلك؟ فيقول‪ :‬أحسسل عليكسسم رضوانسسي‪ ،‬فل‬
‫أسخط عليكم بعده أبدا‪[ ).‬صحيح مسلم (‪])4/1276‬‬
‫فهذا الحديث يفسر أن رضوان ال عن عباده هو غاية الغايات‪ ،‬لنه أفضل ما يعطى‬
‫أهل الجنة التي ل يدخلها إل من رضي ال تعالى عنه‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫حصول رضا النفس وطمأنينتها في الدنيا لمن‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫ويجسب أن يعلم أن هذه الغايسة –رضسا ال‪-‬التسي جعلهسا أهسل الحسق نصسب أعينهسم‪-‬بسل‬
‫جعلوهسا أم الغايات‪-‬للسسباق إلى العقول بالحسق هسي التسي يتحقسق بهسا الطمئنان والسسعادة‬
‫والرضا لمن حققها‪ ،‬ويدل على ذلك أمران‪:‬‬
‫المسر الول‪ :‬نصسوص الكتاب والسسنة‪ ،‬مسا ذكسر هنسا منهسا ومسا لم يذكسر‪ ،‬وبخاصسةٍ‬
‫قوله تعالى‪(( :‬رضي ال عنهم ورضوا عنه‪ [.))..‬المجادلة‪ 22 :‬والبينة‪]8 :‬‬
‫وإن صسساحب هذه الغايسسة ليجسسد الرضسسا فسسي نفسسسه والطمأنينسسة والسسسعادة فسسي أشسسد‬
‫الظروف امتحانسسا وابتلء‪ ،‬يتضسسح ذلك بتأمسسل قوله تعالى‪-‬مخاطبسسا نسسبيه صسسلى ال عليسسه‬
‫وسسلم‪ ،‬ويدخسل فيسه مسن اقتدى بسه مسن أمتسه‪(( :-‬فاصسبر على مسا يقولون وسسبح بحمسد ربسك‬
‫قبسسسل طلوع الشمسسسس وقبسسسل غروبهسسسا ومسسسن آناء الليسسسل فسسسسبح وأطراف النهار لعلك‬
‫ترضسى))‪[.‬طسه‪ ]13 :‬وفسي معنسى ذلك قوله تعالى‪(( :‬أل بذكسر تطمئن القلوب))‪[ .‬الرعسد‪:‬‬
‫‪]28‬‬
‫المر الثاني‪ :‬شهادة الواقع فما من أحد سعى للوصول إلى هذه الغاية‪-‬سواء كان‬
‫فردا أو أسسرة أو أمسة‪-‬إل وجسد فسي نفسسه الرضسا الطمأنينسة والسسعادة‪ ،‬وإن الذيسن ينأون‬
‫بأنفسسهم عسن هذه الغايسة ليحرمون أنفسسهم مسن الرضسا والطمأنينسة والسسعادة‪ ،‬مسع كدهسم‬
‫واجتهادهم في الحصول على الرضا والطمأنينة والسعادة‪ ،‬عن غير هذه السبيل العظيم‪.‬‬
‫وبهذا يعلم أن أهسل الحسق عندمسا يسسابقون بالحسق إلى عقول الناس إنمسا يبتغون للناس‬
‫الوصسول إلى هذه الغايسة ليتحقسق لهسم الرضسا والطمئنان والسسعادة‪ ،‬إذ كلمسا كثسر أهسل هذه‬
‫الغاية زادت في الرض هذه المعاني التي ينشدها كل الناس‪.‬‬
‫وإذا كان رضا ال هو الغاية العليا الشاملة لكل غايات أهل الحق من سباقهم إلى‬
‫العقول‪ ،‬فمسا الغايات التسي تتفرع عسن هذه الغايسة وتعتسبر وسسائل لتحقيقهسا‪-‬وإن كانست كسل‬
‫واحدة منهسسسا غايسسسة بذاتهسسسا‪-‬؟[ كون بعسسسض الغايات تعتسسسبر وسسسسائل لغايات أخرى أمسسسر‬
‫معروف‪].‬‬

‫‪23‬‬

‫الغايات المتفرعة عن الغاية العليا‪:‬‬
‫من أهم الغايات المتفرعة عن تلك الغاية ما يأتي‪:‬‬
‫أول‪ :‬تبليغ رسالت ال إلى الناس‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬إقامة الحجة على الخلق‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬إخراج الناس من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫رابعا‪ :‬تحقيق توحيد ال في الرض‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬غرس اليمان بالغيب في النفوس‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬تحكيم شرع ال في حياة الناس‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬تثبيت الولء ل ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين‪.‬‬
‫ثامنا‪ :‬غرس الخلق الفاضلة ومطاردة الخلق الفاسدة‪.‬‬
‫تاسعا‪ :‬طلب العزة من ال وحده‪..‬‬
‫عاشرا‪ :‬القيام بالخلفة في الرض على أساس هدى ال‪.‬‬

‫أول‪ :‬تبليغ رسالت الله إلى الناس‪.‬‬
‫والمراد إيصسال تلك الرسسالت ببراهينهسا وحججهسا‪ ،‬حتسى تكون واضحسة بينسة تفهمهسا‬
‫العقول فهمسسا تقوم بسسه الحجسسة على أصسسحابها‪ ،‬وهذا هسسو البلغ المسسبين الذي هسسو وظيفسسة‬
‫الرسل عليهم السلم ووظيفة أتباعهم‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬الذين يبلغون رسالت ال ويخشونه ول يخشون أحدا إل ال وكفى بال‬
‫حسيبا))‪[ .‬الحزاب‪]38 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ليعلم أن قد أبلغوا رسالت ربهم))‪[.‬الجن‪] 28 :‬‬
‫وكان الرسل عليهم الصلة والسلم يعلنون لقوامهم أنهم جاءوهم لتبليغهم رسالت‬
‫ال إليهم‪.‬‬
‫قال تعالى عسن نوح عليسه السسلم‪(( :‬أبلغكسم رسسالت ربسي وأنصسح لكسم))‪[.‬العراف‪:‬‬
‫‪]62‬‬
‫وقال تعالى عسن هود عليسه السسلم‪(( :‬أبلغكسم رسسالت ربسي وأنسا لكسم ناصسح أميسن))‪.‬‬
‫[العراف‪]68 :‬‬
‫وقال تعالى عسن صسالح عليسه السسلم‪(( :‬يسا قوم لقسد أبلغتكسم رسسالة ربسي ونصسحت لكسم‬
‫ولكن ل تحبون الناصحين))‪.‬العراف‪]79 :‬‬
‫وقال تعالى عن شعيب عليه السلم‪(( :‬يا قوم لقد أبلغتكم رسالت ربي ونصحت لكم‬
‫فكيف آسى على قوم كافرين))‪[.‬العراف‪]93 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فهل على الرسل إل البلغ المبين))‪[ .‬النحل‪]35 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وما على الرسول إل البلغ المبين)) [النور‪ ،54 :‬والعنكبوت‪]18 :‬‬
‫وإذا كانت هذه الوظيفة هي‪-‬في الصل‪-‬وظيفة الرسل‪ ،‬فإنها وظيفة أتباعهم بعدهم‪،‬‬
‫وبخاصة أمة محمد صلى ال عليه وسلم الذين لم يبق دين حق في الرض غير دينهم‪،‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬قسل هذه سسبيلي أدعسو إلى ال على بصسيرة أنسا ومسن اتبعنسي‪[ .))..‬يوسسف‪:‬‬
‫‪24‬‬

‫‪]108‬‬
‫وإذا ما حصل تقصير أو توان في هذه الوظيفة ممن كلفهم ال القيام بها‪-‬وحاشا رسل‬
‫ال أن يقصسسروا ويتوانوا فسسي ذلك‪-‬فإن ذلك إخلل بالوظيفسسة‪ ،‬كمسسا قال تعالى‪(( :‬يسسا أيهسسا‬
‫الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته))‪ [.‬المائدة‪]67 :‬‬

‫ثانيا‪ :‬إقامة الحجة على الناس‪.‬‬
‫حتسى ل يكون لهسم عذر يحتجون بسه على ربهسم‪ ،‬وهذه الغايسة ملزمسة لمسا قبلهسا‪ ،‬لن‬
‫في تبليغ الرسالت إقامة للحجة‪ ،‬ولكن كل منهما غاية من غايات أهل الحق في السباق‬
‫إلى العقول‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬رسسل مبشريسن ومنذريسن لئل يكون للناس على ال حجسة بعسد الرسسل‪،‬‬
‫وكان ال عزيزا حكيما))‪ [.‬النساء‪]165 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكسسسسسسسسسسم ترحمون‪ ،‬أن‬
‫تقولوا إنمسا أنزل الكتاب على طائفتيسن مسن قبلنسا وإن كنسا عسن دراسستهم لغافليسن‪ ،‬أو تقولوا‬
‫لو أنسا أنزل علينسا الكتاب لكنسا أهدى منهسم فقسد جاءكسم بينسة مسن ربكسم وهدى ورحمسة فمسن‬
‫أظلم ممسن كذب بآيات ال وصسدف عنهسا سنجزي الذيسن يصسدفون عن آياتنسا سوء العذاب‬
‫بما كانوا يصدفون))‪ [.‬النعام‪]157 ،155 :‬‬

‫ثالثا‪ :‬إخراج الناس من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫إن أهسل الباطسل عندهسم بصسر مادي‪-‬ينظرون بسه فيرون مسا تمكسن رؤيتسه مسن الكون‬
‫العلوي والسفلي‪ ،‬بل وصلوا إلى رؤية ما لم يكن في الحسبان رؤيته من دقائق المور‪،‬‬
‫ومسا بَعُ َد فسي هذا الكون‪ ،‬عسن طريسق مسا صسنعوا مسن آلت مكسبرة ومقربسة‪ ،‬وعسن طريسق‬
‫الصواريخ والقمار الصناعية التي غزوا بها‪-‬كما يقولون‪-‬الفضاء‪ ،‬ول زالوا يطورونها‪.‬‬
‫وأمسا الرض وبعسض طبقاتهسا فقسد مسسحوا كثيرا منهسا ول زالوا يمسسحون ويطلعون‬
‫فيها على أسرار خطيرة‪-‬غير السرار الطبيعية‪ [-‬ومنها السرار العسكرية‪ ].‬ل يعرفها‬
‫كثير من مسئولي البلدان التي هي فيها‪.‬‬
‫ومع هذا كله فإن أهل الباطل عم يٌ يتخبطون في دياجير ظلمات الكفر والجهل‪-‬‬
‫وإن سسموا علماء‪ ،‬وأصسبح هذا المصسطلح "علماء" يغلب عليهسم عنسد عامسة المثقفيسن فسي‬
‫الرض‪.-‬‬
‫وهم علماء فعل في تخصصاتهم التي مكنتهم من علم بعض ظواهر الحياة الدنيا‪،‬‬
‫كما قال تعالى نافيا عنهم حقيقة العلم الذي ينفعهم وينفع أممهم في الحياة الدنيا والخرة‪،‬‬
‫ومثبتا لهم ما حازوه من علم بعض من ظاهر الحياة الدنيا‪(( :‬وعد ال ل يخلف ال وعده‬
‫ولكسسن أكثسسر الناس ل يعلمون‪ ،‬يعلمون ظاهرا مسسن الحياة الدنيسسا وهسسم عسسن الخرة هسسم‬
‫غافلون))‪[ .‬الروم‪]7 ،6 :‬‬
‫فأهسل الباطسل هؤلء‪-‬وغيرهسم‪-‬يعيشون فسي ظلمات‪-‬وإن مل الغرور أدمغتهسم والكسبرُ‬
‫قلوبَهسسم بمسسا وصسسلوا إليسسه مسسن العلم المادي‪-‬وهسسم فسسي حاجسسة إلى مسسن ينبههسسم مسسن غفلتهسسم‬
‫‪25‬‬

‫ويخرجهسم مسن الظلمات‪ :‬ظلمات الكفسر والجهسل بالخالق وبالغيسب الذي يجسب اليمان بسه‪،‬‬
‫وبشرع ال ووحيسسه ورسسسله‪ ،‬ومنهسسج الحياة الذي يسسسعدهم فسسي دنياهسسم وأخراهسسم‪ ،‬إذا مسسا‬
‫طبقوه في حياتهم‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬ال ولي الذيسسن آمنوا يخرجهسسم مسسن الظلمات إلى النور‪ ،‬والذيسسن كفروا‬
‫أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات))‪[ .‬البقرة‪]257 :‬‬
‫وال تعالى يخرج الناس مسن الظلمات إلى النور بوحيسه‪ ،‬عسن طريسق رسسله واتباعهسم‬
‫الذيسن يسبينون للناس الحسق والباطسل ويدعونهسم إلى الحسق وينهونهسم عسن الباطسل‪ ،‬كمسا قال‬
‫تعالى‪(( :‬الر‪ .‬كتاب أنزلناه إليسسسك لتخرج الناس مسسسن الظلمات إلى النور بإذن ربهسسسم إلى‬
‫صراط العزيز الحميد))‪[ .‬إبراهيم‪]1:‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ولقسسسد أرسسسسلنا موسسسسى بآياتنسسسا أن أخرج قومسسسك مسسسن الظلمات إلى‬
‫النور‪ [.))..‬إبراهيم‪]5 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬رسسسسول يتلو عليكسسم آيات ال مسسبينات ليخرج الذيسسسن آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات من الظلمات إلى النور))‪[ .‬الطلق‪]11 :‬‬
‫وتخصسسسيص المؤمنيسسسن بالخراج مسسسن الظلمات إلى النور مبنسسسي على كونهسسسم هسسسم‬
‫المنتفعيسسن الذيسسن يسسستجيبون لمسسر ال ودعوة رسسسله‪ ،‬فيخرجون فعل مسسن الظلمات إلى‬
‫النور‪ ،‬كتخصيص كون القرآن هدى للمتقيسن في مثسل قوله تعالى في كتابه العزيسز‪(( :‬ألم‬
‫ذلك الكتاب ل ريب فيه هدى للمتقين‪ [.))...‬البقرة‪]2 :‬‬
‫مسع أن كتاب ال هدى لجميسع الناس لو أرادوا الهدايسة‪ ،‬ولكنسه خصّس المتقيسن لكونهسم‬
‫المنتفعين به‪ ،‬والرسالت جاءت لخراج الناس كلهم من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫وقسسسد يقول قائل مبهور بالكتشافات العلميسسسة المعاصسسسرة‪ ،‬ومسسسا وصسسسل إليسسسه رواد‬
‫الحضارة الغربيسة الماديسة‪ :‬كيسف يكون الناس فسي ظلمات‪ ،‬وبخاصسة أهسل الغرب الذيسن‬
‫ذللوا بعلمهسسم واكتشافاتهسسم الصسسعاب فحولوا الظلم الدامسسس إلى أنوار تتلل فسسي المدن‬
‫والقرى والرياف‪ ،‬وقربوا البعيسسد فسسي السسسفار وحمسسل الثقال‪ ،‬والتخاطسسب بالصسسوات‬
‫والرسائل المكتوبة (بالفاكس والتلكس وغيرها‪ )..‬والصورة عن طريق التلفاز والقمار‬
‫الصسسناعية‪ ،‬وحولوا وجسسه القمسسر الجميسسل ‪-‬الذي كان الشعراء والدباء يتغزلون بوجهسسه‬
‫الصبيح‪ ،‬مشبهين به الغانيات من النساء ‪-‬إلى مطار يهبطون فيه ويصعدون‪ ،‬وأصبحت‬
‫الكواكب البعيدة هدفا لكتشافاتهم تتوالى صورها المنقولة بوساطة اللت الفضائية التي‬
‫تسير من الرض‪ ،‬بحيث تُؤمَر وتُنهَى‪-‬على بعد المسافة بينها وبين من يأمرها وينهاها‪-‬‬
‫فتسسستجيب للمسسر والنهسسي‪ ،‬وامتلت الرض بآثار حضارتهسسم‪ ،‬مسسن طائرات وسسسيارات‬
‫وقطارات وسسسفن بحريسسة‪ ،‬أصسسبحت مدنسسا متنقلة فيهسسا كسسل مسسا يبتغيسسه النسسسان فسسي المدن‬
‫الكسبرى‪ ،‬وأصسبحت الرض بالمواصسلت الحديثسة شبيهسة بقريسة صسغير يتواصسل الناس‬
‫فيهسا فسي كسل لحظسة مسن لحظات الزمسن‪-‬وبخاصسة بتلك الوسسيلة المدهشسة‪ :‬الشبكسة العالميسة‬
‫"النترنست" وشيدت ناطحات السسحاب ذات المرافسق المريحسة المدهشسة‪ ،‬ووجسد النسسان‬
‫اللي الذي أصسسبح يجري العمليات الجراحيسسة‪ ،‬والكمسسبيوتر الذي عجسسز العقسسل النسسساني‬
‫الذي صسسنعه عسسن مجاراتسسه‪ ،‬ووجدت صسسواريخ تعسسبر القارات وأسسسلحة حرب النجوم‪،‬‬
‫وأصسبحت طبقات الرض عاجزة عسن سستر مسا فسي طبقاتسه عسن أقمار التجسسس‪ ،‬وأصسبح‬
‫‪26‬‬

‫النسسان يُصسنَع فسي أنابيسب‪ ،‬وتمكسن الطباء مسن زرع العضاء فسي الجسسام لتحسل محسل‬
‫أعضاء أخرى‪[ ..‬وأخيرا وصلوا إلى الستنساخ الحيواني وغيره‪]...‬الخ‪.‬؟؟!!‬
‫أهذا النسان العصري الذي وصل إلى هذه الدرجة من العلم‪ ،‬هو في ظلمات يحتاج‬
‫إلى إخراج منها إلى نور؟!‬
‫ما الظلمات التي هو فيها الن؟ وهو بهذه الحال؟‬
‫وما النور الذي سيخرج إليه؟‬
‫أهو الرجوع إلى سراج الزيت؟ والسفر على البغال والحمير والجمال؟ والسكنى في‬
‫الكهوف‪ ،‬وبيوت القسسش وجلود النعام والخيام؟ وبصسسفة عامسسة إحياء الرجعيسسة والتأخسسر‬
‫والجمود وكبست الحريات ونسسف الديمقراطيات التسي نعسم بهسا الغرب بعسد جهسد ونضال‬
‫مريرين‪ ،‬وإعادة المرأة إلى مخدعها ل ترى أحدا ول يراها أحد؟!‬
‫والجابسسة عسسن هذا السسسؤال تطول‪ ،‬ولكسسن تعال معسسي أيهسسا القارئ! لنتأمسسل قليل فسسي‬
‫أحوال الناس فسي هذا العصسر الذي وصسف السسؤال قدرا ضئيل مسن تقدمسه المادي‪ ،‬لنرى‬
‫إن كان أولئك الناس الذيسن هذه صسفتهم فسي ظلمات محتاجيسن إلى مسن يخرجهسم منهسا إلى‬
‫نور أو ل؟!‬

‫‪27‬‬

‫أمثلة لحياة القوم‪-‬المتحضريححن‪-‬فححي بعححض‬
‫المجالت‪:‬‬
‫المجال الول‪ :‬الحياة اليمانية‪:‬‬
‫قلت فسي آخسر الحلقسة السسابقة‪ ،‬إجابسة على تسساؤلت قسد تدور فسي ذهسن القارئ‪ :‬كيسف‬
‫يكون النسان المتحضر في هذا العصر في ظلمات‪ ،‬يحتاج إلى من يخرجه من الظلمات‬
‫إلى النور؟‪ :‬والجابسة عسن هذا السسؤال تطول‪ ،‬ولكسن تعال معسي أيهسا القارئ! لنتأمسل قليل‬
‫فسي أحوال الناس فسي هذا العصسر الذي وصسف السسؤال قدرا ضئيل مسن تقدمسه المادي‪،‬‬
‫لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها‬
‫إلى نور أو ل؟!‬
‫إن المتأمسل فسي الحياة اليمانيسة لولئك المتحضريسن يجدهسم يؤمنون بكسل شيسء مادي‬
‫يدخسسل فسسي نطاق علمهسسم الدنيوي الظاهسسر‪ ،‬وكثيسسر منهسسم ل يؤمنون اليمان الحسسق‪ ،‬وهسسو‬
‫اليمان بالغيب‪ ،‬ومنه اليمان بالخالق الله المعبود‪.‬‬
‫فالذين يسمون بأهل الكتاب‪ ،‬من يدعي منهم أنه يؤمن بال ل يؤمن به في الحقيقة‪،‬‬
‫وإنما يؤمن بآلهة متعددة‪ :‬ال‪ ،‬البن‪ ،‬روح القدس‪ ،‬ويسمون الثلثة إلها واحدا‪ ،‬مما جعل‬
‫بعض الطفال في مدارس الغرب يتساءلون‪ :‬كيف يكون الثلثة‪ ،‬واحدا ونحن ندرس في‬
‫الرياضيات أن ضرب الثلثة في واحد يساوي ثلثة؟! فل يجدون من القسس والرهبان‬
‫جوابسسا‪ ،‬فينصسسرفون عسسن الديسسن إلى اللحاد‪ ،‬ولهذا تجسسد كثيرا ممسسن يسسسمون بالنصسسارى‬
‫ملحدين ل يؤمنون بإله‪.‬‬
‫وتجسد دول كسبيرة قامست فسي الرض على اللحاد الصسريح الذي ينكسر وجود الخالق‪-‬‬
‫أصسسل‪-‬مسسع أن كسسل ذرة فسسي الكون تصسسرخ فسسي وجوههسسم وتحتسسج وتثبسست أن ال الخالق‬
‫موجود‪ ،‬بل وتدل على أنه المعبود الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وإن العقل الذي ل يقر صاحبه بذلك إنما يشهد عليه بأنه أحط من أحقر الحيوانات‪.‬‬
‫وتجسد وثنييسن قسد ملئوا جوانسب كثيرة مسن الرض يقدسسون كسل مخلوق ويعبدونسه مسن‬
‫دون ال‪ ،‬كالبقسر والنار والشجسر والحيوان والنهسر‪ ،‬بسل حتسى الفرج‪ ،‬وتجسد كبار فلسسفتهم‬
‫يعيشون مسسع الكلب والقطسسط والدجاج‪ ،‬فسسي الغابات يعبدون غيسسر ال‪ ،‬ويُعبَدون هسسم مسسن‬
‫دون ال‪.‬‬
‫وكنت أظن أن هؤلء الوثنيين مثل وثنيي العرب الذين كانوا يعبدون الوثان لتقربهم‬
‫إلى ال‪ ،‬ولكنسي وجدتهسم ينكرون إنكارا شديدا أن يكون هناك رب خلق هذا الكون‪ ،‬وهسم‬
‫فسسي ذلك كالشيوعييسسن الملحديسسن ول يختلفون عنهسسم إل بأنهسسم يعبدون المخلوقات عبادة‬
‫صريحة واضحة‪.‬‬
‫بسل إنسك لتجسد جمهرة مسن المسسلمين يعبدون القبور ويطوفون بهسا ويتمسسحون بترابهسا‬
‫ويدعون أهلها من دون ال!‬
‫وتجسسد كثيرا مسسن أبناء المسسسلمين ملحديسسن ل يؤمنون بال ورسسسوله واليوم الخسسر‪،‬‬
‫متبعين في ذلك ماركس ولينين وغيرهما‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫نعم انهارت الدول اللحادية ولكن اللحاد ما زال موجودا‪.‬‬
‫والذي ل يؤمسن بال ل يؤمسن بالغيسب الذي جاءت بسه الرسسل ونزلت بسه الكتسب‪ ،‬فل‬
‫يؤمسن بوحسي ول رسسالة ول كتسب‪-‬وآخسر تلك الكتسب والمهيمسن عليهسا القرآن الكريسم‪،-‬ول‬
‫برزخ ول بعسسسث ول حشسسسر ول حسسسساب ول صسسسراط ول ميزان ول جنسسسة ول نار ول‬
‫ملئكة‪ ،‬ل شيء غير عالم الشهود‪.‬‬
‫فهسسسل ترى أمثال هؤلء الذي هذه حياتهسسسم فسسسي مجال اليمان يعيشون فسسسي نور أو‬
‫ظلمات؟!‬
‫وفقد اليان بالغيب يكفي وحده للدللة على أن صاحبه ف ظلمات‪ ،‬وكل خي مفقود هو أثر لفقد هذا‬
‫الجال‪.‬‬

‫المجال الثاني‪ :‬الحياة الجتماعية‪.‬‬
‫الحياة السرية هي نواة الحياة الجتماعية في كل المم‪ ،‬فإذا ما قامت الحياة السرية‬
‫على أسساس متيسن فسي علقات بعسض أفرادهسا ببعسض‪ ،‬ابتداء مسن الزوجيسن الذيسن يكون‬
‫الزواج سسكنا لهمسا وراحسة وطمأنينسة‪ ،‬بحيسث يختار كسل منهمسا صساحبه على أسساس الديسن‬
‫الذي ل تسستقيم الحياة الزوجيسة‪ ،‬ول يحصسل السسكن لكسل مسن الزوجيسن وثقسة كسل منهمسا‬
‫بصسساحبه إل بسسه‪ ،‬وقسسد يكون فسسي بعسسض الديان الباطلة شيسسء مسسن الوصسسايا والداب‬
‫الزوجية‪ ،‬ولكنها ل تقوم على تقوى ال والخوف منه والرغبة في ثوابه‪ ،‬ول تكون بذلك‬
‫مطبقسة فسي الواقسع‪ ،‬وبخاصسة عندمسا يكون الهدف مسن الزواج لكسل مسن الزوجيسن المتعسة‬
‫المادية فحسب أو الكسب المادي‪ ،‬كطمع كل منهما في مال الخر ونحو ذلك‪-‬أي عندما‬
‫تطغى النانية والثرة‪.‬‬
‫وهذا ما هو حاصل اليوم في خضم الحضارة المادية‪.‬‬
‫لذلك تجسسسد الصسسسراع والشقاق بيسسسن الزواج وكثرة الطلق وتشرد الولد‪ ،‬وانتشار‬
‫المراض النفسية‪ ،‬وتعاطي الكحول والمخدرات والدمان عليها‪ ،‬وفقد كل من الزوجين‬
‫ثقته في الخر‪ ،‬وانبنى على ذلك ما ل يحصى من الثار الخطيرة‪.‬‬
‫مسسن ذلك العزوف عسسن الزواج للتخلص مسسن الرتباطات القانونيسسة وتحمسسل مشقات‬
‫تربية الولد‪-‬ماديا‪-‬وأصبح الدميون يعيشون كما تعيش البهائم‪.‬‬
‫بسسل إن الزوج يرى امرأتسسه وهسسي ترافسسق غيره‪ ،‬والمرأة ترى زوجهسسا وهسسو يرافسسق‬
‫غيرهسا‪ ،‬وقسد يتآمسر أحسد الزوجيسن وعشيقسه على الخسر‪ ،‬فيقتلنسه ليتخلصسا منسه ويعيشسا‬
‫عيشة الحيوان برهة من الزمن‪ ،‬ثم يستبدل كل منهما بقرينه قرينا آخر‪.‬‬
‫وقسد تنجسب هذه المرأة أولدا فينسسبون إلى زوجهسا وهسو يعلم أنهسم ليسسوا بأولده‪ ،‬كمسا‬
‫ل توجد ثقة عند البناء بأن هذا هو أبوهم‪.‬‬
‫ولهذا يحاول كل من الباء والبناء تخلص بعضهم من بعض إما بالقانون‪-‬إذا أمكن‪-‬‬
‫أو بالعتداء على الحياة فإذا مسا بلغ الولد‪-‬ذكرا أو أنثسى‪-‬السسن القانونيسة وكان والده يكره‬
‫حياتسه معسه‪ ،‬طرده مسن بيتسه إلى غيسر رجعسة وليصسادف فسي حياتسه مسا يصسادف‪ ،‬وإذا كان‬
‫الولد يكره الحياة مسسع والديسسه أو أحدهمسسا غادر المنزل وقسسد ل يلتقيهسسم بعسسد ذلك فسسي هذه‬
‫‪29‬‬

‫الحياة‪ ،‬وقد يقتل أحدهما الخر‪ ،‬وكم من شيخ فان مات في منزله فلم يعلم بموته أولده‪،‬‬
‫وهم في مدينته أو حارته أو عمارته أو في مكان آخر؟! فل يُعرف موته إل برائحة جثته‬
‫عندمسا تتخلل شقوق البواب والنوافسذ فتنبسه الجيران ليسستدعوا الشرطسة لتريحهسم مسن تلك‬
‫الرائحة‪.‬‬
‫ولعدم ثقة كل من الزوجين في صاحبه وعدم ثقة الباء في نسبة الولد إليهم‪ ،‬وعدم‬
‫ثقة البناء في أن أولئك آباؤهم‪ ،‬ترى الغني الثري يقف ماله بعد موته على حيوانات أو‬
‫غيرها‪ ،‬فرارا من أن يحوزها من ل يثق بنسبته إليه‪.‬‬
‫هذه بعسسض أحوال السسسرة التسسي هسسي نواة المجتمسسع‪ ،‬فكيسسف يسسا ترى يكون المجتمسسع‬
‫المكون من هذه السر؟‬
‫كيسف تكون الروابسط بيسن أسسرة الزوج وأسسرة الزوجسة؟ وكيسف تكون الروابسط بيسن‬
‫الجيران؟ وكيسسسف تكون الروابسسسط بيسسسن الخوان والعمام والعمات والخوال والخالت‬
‫والقارب الخرين‪ ،‬إذا كانت تلك هي الروابط بين الزواج والبناء؟‬
‫هذا في القارب فما شأن الباعد؟‬
‫إنه الدمار الذي يحطم الروابط المادية التي ل أساس لها من دين أو خلق‪ ،‬فل يرحم‬
‫قوي ضعيفا ول يحترم صغير كبيرا‪.‬‬
‫فهسل ترى أمثال هؤلء الذيسن هذه حياتهسم فسي المجال الجتماعسي يعيشون فسي نور أو‬
‫ظلمات؟!‬

‫المجال الثالث‪ :‬الحياة القتصادية‪.‬‬
‫والقتصساد عنسد المتحضريسن هسو محور التنافسس وميدان الصسراع‪ ،‬يحطسم القوي فيسه‬
‫الضعيف‪ ،‬وتقف وراءه حفنة قليلة من البشر تمتص به عرق العالم ودماءه‪ :‬عصابة يقبع‬
‫أفرادهسا فسي مكاتبهسم ويقعدون على كراسسيهم‪ ،‬ويديرون القتصساد العالمسي كله بمكالمات‬
‫هاتفيسة أو رسسائل تلكسس أو فاكسس‪ ،‬أو بريسد إلكترونسي‪ ،‬يتلعبون بأسسعار النقسد وأسسعار‬
‫السسسسلع ويحطمون اقتصسسساد دول وشعوب‪ ،‬وتبتلع شركاتسسٌ كسسسبرى شركاتسٍس صسسسغرى‪،‬‬
‫سلحهم الساسي في كل ذلك الربا الذي دمر العالم وحطمه‪.‬‬
‫ينبني على هذا الجشع والستغلل والتلعب‪ ،‬أن يكدح البشر في العالم ويبذل غاية‬
‫طاقتسسه فسسي العمسسل مسسن أجسسل أن تقطسسف ثمار عمله تلك العصسسابة المرابيسسة‪ ،‬فتكون الدول‬
‫والشعوب أسيرة لتلك العصابة‪ ،‬تأخذ منها أقصى جهدها‪ ،‬وتعطيها ما ل يقيم ضرورتها‬
‫من المعيشة‪.‬‬
‫وبتمكسن تلك العصسابة الشريرة مسن السسيطرة القتصسادية واحتوائهسا للمال ومرافقسه‪،‬‬
‫أصسبحت تسسيطر على مرافسق العالم مسن العلم بكسل وسسائله مسن الصسحيفة إلى القمسر‬
‫الصسناعي ومسا يتصسل بسه‪ ،‬تخدمهسا الوكالت العلميسة الكسبرى التسي تنشئهسا أو تشتريهسا‬
‫بالمال والجاه والمنصب وإشباع الغرائز‪.‬‬
‫وبذلك تحتكسر المعلومات وتسسرب منهسا مسا تريسد وتحتفسظ بمسا تريسد‪ ،‬وتأتسي التحليلت‬
‫والتحقيقات متمشيسسة مسسع مقاصسسدها‪ ،‬و كثيرا مسسا تُقلب فيهسسا الحقائق وتُضلل بذلك المسسم‬
‫والشعوب‪ ،‬و تخدمها أجهزة العلم في الدول المستضعفة‪ ،‬لنها تتلقى مادتها العلمية‬
‫‪30‬‬

‫مسن و كالتهسا‪ ،‬فتنتشسر بيسن الناس معلومات مضللة فسي كسل المجالت‪ ،‬ول يتنبسه لذلك إل‬
‫قلة مسن الناس ل حيلة عندهسم فسسي كشسف ذلك وفضحسسه‪ ،‬بدون وسسيلة إعلميسة أمام تيار‬
‫الوكالت المسسيرة بذلك القتصساد‪ ،‬وسسيأتي الكلم على مجالت أخرى للقتصساد ودوره‬
‫الفعال في التأثير عليها‪.‬‬
‫ومسع الثراء الفاحسش الذي تجمسع فسي أيدي تلك العصسابة‪ ،‬تجسد الفقسر المدقسع قسد أنهسك‬
‫مجموعات مسسن البشسسر فسسي جميسسع الدول بمسسا فيهسسا الدول المتحضرة (ماديسسا) يفترشون‬
‫الرض ويلتحفون السسسماء‪ ،‬يتسسسكعون فسسي الشوارع‪ ،‬ل يجدون مسسن يشفسسق عليهسسم أو‬
‫يرحمهم من أولئك الثرياء‪ ،‬ل بصدقة ول بوظيفة ول بقرض حسن‪ ،‬فكثرت بسبب ذلك‬
‫البطالة‪ ،‬لتسسسريح أولئك الثرياء أعدادا هائلة مسسن العمال‪ ،‬وبخاصسسة بعسسد أن حلت اللة‬
‫محسل البشسر‪ ،‬والذي يبقسى فسي عمله مسن الضعفاء‪ ،‬ل ينال مسن أجره إل مسا يجود عليسه بسه‬
‫الثري الذي يسستغل أقصسى جهده فسي العمسل‪ ،‬ول يعطيسه مسن الجسر إل أقسل القليسل ممسا‬
‫يستحق‪.‬‬
‫وهنا يأتي دور نقابات العمال التي تقوم بالمظاهرات وتلجأ إلى العتصام‪ ،‬وتتوقف‬
‫فسي بعسض المؤسسسات العمال‪ ،‬حتسى يتسم التفاهسم مسع رب العمسل والعمال فيعود العمسل‬
‫لفترة زمنية‪ ،‬و يتكرر النزاع بعدها من جديد‪.‬‬
‫وحدّث سْ عسسن الجوع الذي يقتسسل شعوبسسا بأكملهسسا‪ ،‬والكوارث التسسي تقضسسي على بلدان‬
‫كثيرة‪ ،‬فل تجسد مسن عصسابات الثراء عونسا ول إسسعافا‪ ،‬وبخاصسة إذا كانست تلك الشعوب‬
‫غير مرضي عنها لمر من المور‪.‬‬
‫واليوم ظهسسر خوف الشعوب ذات الحضارة الماديسسة المتقدمسسة‪-‬وكيسسف بغيرهسسا؟‪ -‬ممسسا‬
‫سسسمي بالعسسو لمسسة‪ ،‬التسسي حقيقتهسسا سسسيطرة القوياء على الضعفاء فسسي كسسل المجالت‪:‬‬
‫القتصسسادية‪ ،‬والسسسياسية‪ ،‬والجتماعيسسة‪ ،‬والثقافيسسة‪ ،‬والعسسسكرية‪ ،‬والعلميسسة‪ ،‬وجعسسل‬
‫الشعوب الضعيفسة أشسد ضعفسا‪ ،‬تقضسي فيهسا الدول القويسة على كسل مقوماتهسا‪ ،‬بسل تقضسي‬
‫على سيادتها‪ ،‬وتصبح الدول القوية تتحكم في كل شأن من شؤون حياتها‪.‬‬
‫فهسل ترى أمثال هؤلء الذيسن هذه حياتهسم فسي المجال القتصسادي يعيشون فسي نور أو‬
‫ظلمات؟!‬
‫وإنمسسا أغفلت ذكسسر المعسسسكر الشيوعسسي والشتراكسسي‪-‬وإن كان موجودا فسسي الصسسين‬
‫الشعبيسة بصسفة خاصسة‪ ،‬ومحافظسا على فلسسفته الشيوعيسة التسي تجعسل الشعسب كله خادمسا‬
‫بلقمة عيشه ومسكنه الجماعي ل يملك لنفسه شيئا‪-‬لن هذا المعسكر قد قضي بنفسه على‬
‫نفسسه لمخالفسة نهجسه الفطرة والناموس مخالفسة واضحسة‪ ،‬وهسو فسي طريقسه إلى الزوال كمسا‬
‫حصسل لمسا كان يسسمى بالتحاد السسوفيتي‪ .‬وهاهسي الصسين اليوم تعلن تخليهسا عسن نهجهسا‬
‫القتصسسسادي الشيوعسسسي‪ ،‬وتأخسسسذ بالنهسسسج الرأسسسسمالي‪ ،‬وإن زعمسسست أنهسسسا ل تزال على‬
‫شيوعيتها‪...‬‬

‫المجال الرابع‪ :‬الحياة السياسية‪.‬‬
‫الحياة السياسية في العالم الذي يقال عنه‪ :‬إنه متحضر‪-‬تقوم كغيرها على أساس إبعاد‬
‫‪31‬‬

‫منهسج ال تعالى عسن تسسيير حياة البشسر‪ ،‬وإحلل المناهسج البشريسة محله‪ ،‬وهسو مسا اشتهسر‬
‫بالعلمانية‪ ،‬والعالم الغربي منطقي مع نفسه في ذلك‪ ،‬بالنسبة للديانة النصرانية المحرفة‪.‬‬
‫فالنجيسسل الذي بأيديهسسم ليسسس فيسسه مسسا يمكسسن أن يسسستند عليسسه فسسي التشريسسع والسسسياسة‬
‫والقتصسساد والجتماع والقضاء وغيرهسسا‪ ،‬حتسسى يقال للنصسسارى‪ :‬احكموا بالنجيسسل فسسي‬
‫سياستكم ‪.‬‬
‫وأمر ال أهل النجيل أن يحكموا بما فيه‪ ،‬وكذا أمر أهل التوراة أن يحكموا بما فيها‪،‬‬
‫المراد منسه العتراف والقرار برسسالة الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم التسي وردت فسي‬
‫الكتابيسن‪ ،‬وأنكرهسا اليهود والنصسارى وكتموهسا‪ ،‬وليسس المراد الحكسم بكسل مسا فيهمسا بعسد‬
‫نزول القرآن الذي هو المهيمن على جميع الكتب السماوية‪ ،‬وقد بين ذلك المفسرون‪...‬‬
‫وأهل الغرب ليس عندهم‪-‬وخاصة ساستهم‪-‬استعداد لقبول تحكيم السلم حتى يبنوا‬
‫حياتهسم السسياسية على مبادئه‪-‬ل سسيما أن المسسلمين أنفسسهم ل يحكمون السسلم فسي أغلب‬
‫بلدانهم‪ ،‬فكيف يرجى من غيرهم أن يحكم به وهم بعيدون منه؟!‪.‬‬
‫لذلك قامت الحياة السياسية في الغرب‪-‬أوربا وأمريكا الشمالية وما دار في فلكها من‬
‫البلدان‪ ،‬كاستراليا واليابان‪-‬على مبدأ الديمقراطية التي يقال عنها‪ :‬إن الشعب يحكم نفسه‬
‫بنفسسسه إمسسا بصسسفة مباشرة‪-‬وهذه حلم لم يتحقسسق إلى الن‪-‬أو عسسن طريسسق نوابسسه الذيسسن‬
‫يختارهسسم‪ ،‬والسسسلوب الذي تدار بسسه السسسياسة فسسي الغرب أسسسلوب جذاب فسسي ظاهره‬
‫وبخاصة إذا قورن بالسياسة الستبدادية " الدكتاتورية " التي اتبعها المعسكر الشتراكي‬
‫والدول المسسسماة بالعالم الثالث‪ .‬فإن الشعسسب فسسي الغرب يختار نوابسسه ويختار قادتسسه بدون‬
‫شراء الصسسوات مباشرة وبدون تزويسسر واضسسح‪ ،‬وبدون مضايقسسة شرطيسسة "بوليسسسية"‬
‫يتنافسسس الزعماء الذيسسن يرشحون أنفسسسهم لقيادة بلدانهسسم‪ ،‬فإذا اختيسسر أحدهسسم سسسلم السسسابق‬
‫الحكسسم للحسسق بدون أي عناء أو مشقسسة‪ ،‬وهكذا تتداول الحزاب الحكسسم بطريقسسة سسسلمية‪-‬‬
‫بخلف الزعماء الستبداديين وأحزابهم‪ ،‬فإنهم ل يسلمون الحكم لخصومهم إل بالسلح‪.‬‬
‫ولكسسن هسسل هذه الصسسورة الظاهرة المفضلة على السسستبداد كمسسا يراهسسا الناس فسسي‬
‫ظاهرها حرة ليس فيها إكراه‪ ،‬ونزيهة ليس فيها خداع؟؟‬
‫والجواب‪ :‬ل‪ ،‬فحريتهسسا ظاهريسسة سسسطحية‪ ،‬ونزاهتهسسا وهميسسة‪ ،‬فالحزاب الغربيسسة‬
‫المسسسماة بالديمقراطيسسة تضلل عقول الشعوب التسسي تنتخسسب الزعماء‪ ،‬عسسن طريسسق أجهزة‬
‫العلم بتخطيسط وتنظيسم وتنفيسذ معدة إعدادا محكمسا‪ ،‬مسن قبسل مختصسين فسي كسل شأن مسن‬
‫الشؤون التسسسي تهسسسم تلك الشعوب‪ ،‬وأجهزة العلم هسسسي التسسسي تُشتَرى بدل مسسسن شراء‬
‫الصسسوات مباشرة‪ ،‬وهسسي تكذب وتجعسسل الكذب فسسي صسسورة صسسدق‪ ،‬والزعماء يكذبون‬
‫ويظهر كذبهم في صورة صدق‪ ،‬إضافة إلى القذارة الخلقية التي يتبعونها في اتهاماتهم‬
‫لخصسومهم بالحسق والباطسل‪ ،‬مسع مسا يعسد بسه الزعيسم الشعوب مسن النجازات التسي يتبخسر‬
‫كثير منها بعد وصوله إلى كرسي الحكم‪.‬‬
‫وإذا علمنا أن أغلب جماهير الشعوب غوغائية‪ ،‬ل تفكر ول تحلل ول تشغل عقولها‬
‫بمصسسالحها‪ ،‬وإنمسسا تَسسسمع وتُسسس َتخَف وتُقلّد‪ ،‬وأن الذيسسن يقودون تلك الشعوب هسسم أفراد‬
‫قلئل‪ ،‬أدركنسسسا أن تلك الجماهيسسسر شبسسسه مكرهسسسة على انتخاب أولئك الزعماء‪ ،‬بسسسسبب‬
‫التضليسل الذي تفعله أجهزة العلم وشياطينهسا‪ ،‬وبسسبب الكاذيسب والشتائم التسي يكيلهسا‬
‫‪32‬‬

‫كل مرشح لخصمه‪ ،‬والوعود التي يقطعها على نفسه‪.‬‬
‫ويترتسب على ذلك أن الحزب الحاكسم له مناهسج وخطسط وأهداف‪ ،‬كثيسر منهسا ليسست‬
‫هسسي التسسي يطمسسع فيهسسا الشعسسب الذي انتخبسسه‪ ،‬فيمنسسي الشعسسب بخسسسائر لم تكسسن بحسسسبانه‪،‬‬
‫وبخاصة ما يتعلق بالقتصاد الذي ل يكون الرفاه إل بازدهاره‪.‬‬
‫كمسسسا أن أولئك الزعماء تكون لهسسسم طموحات اسسسستعمارية وسسسسياسية وعسسسسكرية‪،‬‬
‫فيجمعون بين أمرين‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬التعالي على الشعوب الضعيفة وقهرها وأخذ خيراتها وجعلها مصدرا‬
‫رخيصسا للخامات التسي يصسنعها وسسوقا يشعسل فيسه غلء بضائعسه وصسناعاته‪ ،‬فيدمسر بذلك‬
‫اقتصادها‪ ،‬وقد يدمر جيشها وسلحها‪.‬‬
‫المسسر الثانسسي‪ :‬توريسسط شعوبهسسم‪-‬ليحققوا طموحاتهسسم‪-‬فسسي حروب وعجسسز ميزانياتهسسا‬
‫بسسسبب إنفاق الموال على وسسسائل تخفيسسف تلك الطموحات‪ :‬مسسن إنفاق مبالغ هائلة على‬
‫السلح وما يتبعه وعلى تنفيذ خطط إعلمية وسياسية وغيرها‪ ،‬وبذلك ترتفع الضرائب‬
‫التي ترهق شعوبهم‪ ،‬بدل من الرفاهية التي وعدوها بها‪.‬‬
‫والسسسبب فسسي ذلك كله أن أولئك الزعماء يتصسسرفون بدون رقيسسب داخلي‪ ،‬والرقيسسب‬
‫الداخلي ل يكون إل بتقوى ال وهي معدومة عندهم‪.‬‬
‫نعسسم توجسسد رقابسسة مسسن البرلمانات والحزاب المعارضسسة‪ ،‬وتعلن فضائح ولكسسن بعسسد‬
‫فوات الوان‪ ،‬ثسم إن الرقباء الذيسن يعارضون الحزب الحاكسم‪ ،‬إذا تولوا المور فعلوا كمسا‬
‫فعل من سبقهم وهكذا‪....‬‬
‫فهسل ترى أمثال هؤلء الذيسن هذه هسي حياتهسم فسي المجال السسياسي يعيشون فسي نور‬
‫أو في ظلم؟!‬
‫وهذا مسع اعترافنسا أن أسساليب سسياسة الدول الغربيسة الديمقراطيسة‪ ،‬أفضسل بكثيسر مسن‬
‫أساليب الحكم المستبدة في الدول المسماة بدول الشمال‪ ،‬أو دول العالم الثالث‪.‬‬

‫المجال الخامحححححس‪ :‬حياة تطحححححبيق حقوق‬
‫النسان‪.‬‬
‫عندمسا يتابسع المرء مسا يصسدر عسن زعماء الغرب ومفكسر يهسم وأجهزة إعلمهسم‪ ،‬عمسا‬
‫يتعلق بحقوق النسان ينقدح في ذهنه‪-‬إذا كان خالي الذهن‪-‬ثلثة أمور رئيسة‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أن حقوق النسان هذه مصدرها الغرب‪ ،‬فهو الذي ابتكرها‪ ،‬وهو الذي‬
‫صاغها ووضعها‪ ،‬وهو حامل لوائها وناشرها والداعي إليها‪.‬‬
‫المر الثاني‪ :‬أن المقصود بالنسان جنسه‪ ،‬بصرف النظر عن لونه أو دينه أو نوعه‬
‫أو أرضه‪.‬‬
‫فكسل إنسسان فسي الرض يجسب أن يتمتسع بهذه الحقوق المنصسوص عليهسا "بصسرف‬
‫النظر عن موافقة بعضها للسلم أو مخالفته‪ "..‬فهذا أمر آخر له موضوعه‪.‬‬
‫المسر الثالث‪ :‬أن حقوق النسسان التسي يدعون إلى تطبيقهسا‪ ،‬بلغست من الكمال والسسمو‬
‫والدوام ما يجعلها جديرة وحدها بالتباع‪ ،‬وكل ما عداها من التشريعات ل تدانيها!‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫إن العلن العالمي لحقوق النسان أقرته المم المتحدة‪ ،‬بعد انتهاء الحرب العالمية‬
‫الثانيسسة التسسي دمرت العالم فسسي مشارق الرض ومغاربهسسا‪ ،‬بسسسبب الطماع السسستعمارية‬
‫الغربية "المتحضرة!" وقد سبقتها الحرب العالمية الولى‪.‬‬
‫وهذا العلن يؤكسسسد على احترام حريات الشعوب والجماعات والفراد دون تمييسسسز‬
‫(بسسبب العنصسر أو اللون أو الجنسس أو اللغسة أو الديسن أو الرأي السسياسي أو أي رأي‬
‫آخسر‪ ،‬أو الصسل الوطنسي أو الجتماعسي أو الثروة أو الميلد أو أي وضسع آخسر‪ ،‬دون أي‬
‫تفرقة بين الرجال والنساء‪.)..‬‬
‫وكان صدور هذا العلن سنة ‪1948‬م أي أن المدة التي مضت لصدور هذا القانون‬
‫‪ 53‬سنة فقط‪ ،‬وقد مضى على نزول القرآن الكريم أكثر من ‪1422‬هس‪ .‬والقرآن والسنة‬
‫والفقه السلمي المستنبط منهما قد تضمنت من حقوق النسان ما لم يخطر ببال أحد من‬
‫الناس‪ ،‬بالتفصسيل الوارد فسي السسلم‪ ،‬ليسس فسي الكليات فقسط وإنمسا فسي أدق الجزيئات‪،‬‬
‫ابتداء مسسن وجود الجنيسسن فسسي بطسسن أمسسه إلى أن يوافيسسه الجسسل الفرد والسسسرة والشعسسب‬
‫والدولة‪ ،‬وليسس المقام مقام اسستعراض لذلك‪ ،‬ل لكلياتسه ول لجزيئاتسه‪ ،‬وقسد كتسب بعسض‬
‫علماء العصسسر فسسي هذا الموضوع [أي فسسي حقوق النسسسان‪ ،‬ومنهسسم الدكتور علي عبسسد‬
‫الواحسد وافسي والشيسخ محمسد الغزالي وغيرهسم‪ ].‬وهسو مفتوح للكتابسة فيسه والمقارنسة التسي‬
‫تخجسسل تلك المواد غيسسر الوافيسسة فسسي العلن العالمسسي لحقوق النسسسان‪ ،‬بتفاصسسيل حقوق‬
‫النسان الواردة في السلم‪.‬‬
‫يضاف إلى ذلك أن حقوق النسسسان المفصسسلة الربانيسسة التسسي ل يعتريهسسا النقسسص قسسد‬
‫طبقست فترة طويلة مسن الزمسن‪ ،‬فأسسعدت العالم الذي اسستظل بظلهسا‪ :‬مسسلمه وكافره‪ ،‬ول‬
‫تزال تنتظر من يطبقها بصدق لتنعم المم بها كذلك‪.‬‬
‫ولكن ما مدى تطبيق الدول المتحضرة لحقوق النسان التي أقرتها وتعاقدت عليها؟‬
‫إن نظرة خاطفسسة إلى تصسسرفات الدول المتحضرة! فسسي هذا المجال تظهسسر للناظسسر‬
‫المور التية‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أن الجنس البيض الغربي‪ ،‬ل يرى أي جنس آخر يقترب من مرتبته‪،‬‬
‫وأنه هو وحده الذي يجب أن يسود‪ ،‬يتضح هذا عمليا‪ ،‬فصاحب اللون السود مكث فترة‬
‫مسسن الزمسسن بعسسد إعلن حقوق النسسسان‪ ،‬ل يحسسق له أن يختلط بالبيسسض فسسي المدارس‬
‫والجامعات والفنادق والمطاعسم‪ ،‬ولم َيخِفْس هذا التمييسز إل بعسد كفاح مريسر مسن السسود فسي‬
‫أمريكسا‪ ،‬وإذا مسا وصسل السود إلى وظيفسة حاكسم المدينة بسبب كثرة أنصساره مسن السسود‪،‬‬
‫أخذت أجهزة العلم تمن على السود بما وصلوا إليه‪ ،‬وقبل سنوات فازت امرأة سوداء‬
‫فسي النتخابات النيابيسة لتكون عضوا فسي الكونجرس المريكسي‪ ،‬فأحدثست أجهزة العلم‬
‫ضجسة كسبيرة لتمسن على تلك المرأة السسوداء التسي هسي أول امرأة سسوداء تدخسل البرلمان‬
‫المريكي‪.‬‬
‫وقبسل سسنوات رشسح القسس السسود "جاكسسون" نفسسه فسي أول المسر‪ ،‬ليكون رئيسسا‬
‫للوليات المتحدة المريكية‪ ،‬ولكنه شعر من أول وهلة أنه ل يساوي صفرا على اليسار‬
‫فانسحب مبكرا‪.‬‬
‫ول زال حسي "هارلم" فسي نيويورك سسبة فسي جسبين الغرب‪ ،‬وهسو حسي يسسكنه السسود‬
‫‪34‬‬

‫الذيسسسن يراهسسسم الزائر كأنهسسسم فسسسي كوكسسسب غيسسسر كوكسسسب الرض‪ ،‬مسسسن البؤس والشقاء‬
‫والحرمان‪ ،‬ويجوز أن يكونوا هسسم غيسسر طامحيسسن إلى مسسستوى معيشسسي أفضسسل‪ ،‬ولكسسن‬
‫الهمال المتعمسد مسن قبسل الحاكسم البيسض‪ ،‬له دور كسبير فسي ذلك الشقاء‪ ،‬وهسم على بعسد‬
‫أمتار من مبنى هيئة المم المتحدة ومجلس المن الراعي لحقوق النسان!‬
‫وفسي الدول الوربيسة "المتحضرة!" تفرقسة واضحسة بيسن النسسان المسسلم والنسسان‬
‫اليهودي‪ ،‬فالمجموعة الصغيرة من اليهود معترف بدينها في البلدان وتنال كامل الحقوق‬
‫التي ينالها أهل البلد نفسه‪ ،‬والعدد الهائل من المسلمين ل تعترف أكثر تلك الدول بدينهم‬
‫السلمي ولذلك حرم المسلمون من الحقوق التي حصلت عليها الطوائف اليهودية!‬
‫بل إن الهجمة الشرسة على المسلمين الن في بعض الدول الوربية تنذر بالخطر‪،‬‬
‫فالقتسسل والغتيال اللذان يتعرض لهمسسا المسسسلمون فسسي بعسسض الدول الوربيسسة‪-‬كفرنسسسا‬
‫وألمانيسا‪-‬وكذلك العتداء على بعسض المراكسز السسلمية والمسساجد‪ ،‬على مرأى ومسسمع‬
‫من الحكومات الوربية‪ ،‬يدل على أن حقوق النسان المسلم في أوربا غير مرغوب في‬
‫حمايتها‪ ،‬والحملت العنصرية تتصاعد ضد المسلمين كل يوم‪.‬‬
‫هذا على مستوى كل دولة على حدة‪.‬‬
‫فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حقوق النسان في خارج الدول المتحضرة‪ ،‬رأينا من التحيز‬
‫والتفرقسة بيسن إنسسان وآخسر وشعسب وآخسر وجماعسة وأخرى‪ ،‬مسا يكذب دعوى الغربييسن‬
‫بأنهم حماة حقوق النسان‪.‬‬

‫دعاة حقوق النسححححان يكرهون النسححححان‬
‫على التخلي عن عقيدته!‬
‫مسن حقوق النسسان لدى الدول الغربيسة‪-‬وبخاصسة أمريكسا التسي تزعسم أنهسا حاملة لواء‬
‫هذه الحقوق وحاميتهسسسا‪-‬عدم إكراه النسسسسان على عقيدة معينسسة‪ .‬فهسسل وفّىسسس حماة حقوق‬
‫النسان بهذا الحق؟!‬
‫هذه أمريكسا اليوم تسسعى‪-‬وهسي زعيمسة الغرب‪-‬لكراه أي دولة أو أي جماعسة أو أي‬
‫حزب فسي أي مكان فسي العالم‪ ،‬لقامسة منهاجهسا و نظامهسا ونشاطهسا على أسساس علمانسي‪-‬‬
‫بمعنسسى وجوب إبعاد أي تشريسسع مبنسسي على أسسساس دينسسي عسسن حياة الشعوب‪-‬ومعلوم أن‬
‫حياة المسلمين كلها يجب أن تبنى على أساس دينهم الذي نزل به كتابهم وجاءت به سنة‬
‫نبيهم صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهسم‪-‬المسسلمون‪-‬يعتقدون جازميسن أن ال قسد فرض تطسبيق أحكام القرآن والسسنة فسي‬
‫حياتهسم‪ ،‬وأنهسم إن جحدوا هذا الفرض فقسد خرجوا مسن ملة السسلم‪ ،‬وأصسبحوا أشسد بعدا‬
‫عن ال من جميع كفار الرض‪ ،‬وإن خالفوا ذلك مع اعتقادهم بأنهم عاصون لربهم‪ ،‬فقد‬
‫ارتكبوا كبائر الذنوب‪ ،‬ومسع ذلك أصسبح تطسبيق الشريعسة السسلمية لدى أمريكسا وحزبهسا‬
‫(الغرب) جريمسة وتطرفسا وإرهابسا‪ ،‬وانتهاكسا لحقوق النسسان‪ ،‬تُحارِب –أمريكسا‪-‬أيّ دولة‬
‫تتجسه لتطسسبيق شرع ال الذي تعتقسد أنسه مفروض عليهسا وعلى شعبهسسا‪ ،‬تحاربهسا سسياسيا‬
‫واقتصاديا وتعليميا وإعلميا ودبلوماسيا وعسكريا‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫ومعنسى هذا أن أمريكسا وحزبهسا يفرضون على المسسلمين فرضسا ويكرهونهسم إكراهسا‪،‬‬
‫أن يعتقدوا أن حقوق النسسان‪-‬المبنيسة على الكفسر بشريعسة ال وكتابسه وسسنة رسسوله‪-‬هسي‬
‫الحسق الذي يجسب اليمان بسه وتطسبيقه‪ ،‬وأن يعتقدوا أن شريعسة ال التسي جاء بهسا القرآن‬
‫والسنة باطل‪ ،‬ل يجوز أن تكون أساسا لنظمتهم وحكمهم‪.‬‬
‫والدولة التي تطبق بعض أحكام الشريعة السلمية‪ ،‬يسلطون عليها وسائل إعلمهم‬
‫ومنظماتهسم الرسسمية وغيسر الرسسمية‪ ،‬فتوصسف بأنهسا دولة وحشيسة وإرهابيسة ومنتهكسة‬
‫لحقوق النسسان‪ !....‬فأيسن تطسبيقهم لمادة حقوق النسسان التسي تنسص على حريسة العتقاد؟‬
‫لمسا ذا ل يتركون المسسلمين‪-‬وهسم أهسل الديسن الحسق الذي لم يبسق ديسن فسي الرض محتفظسا‬
‫بمرجعسه اللهسي الصسادق غيره‪-‬أحرارا فسي اعتقادهسم وإيمانهسم و تطسبيق أحكام قرآنهسم‬
‫وسسنتهم وشريعتهسم ونظامهسم الذي يختارونسه؟ أليسس هذا إكراهسا لدول وشعوب؟!! أليسس‬
‫إكراه الدول والشعوب أشد من إكراه الفراد؟؟!!‬

‫دعاة حقوق النسممممان يحرمون النسممممان مممممن‬
‫المساواة التي منحه الله‪.‬‬
‫والتفرقسسة العنصسسرية فسسي جنوب أفريقيسسا اسسستمرت عشرات السسسنين‪ ،‬والوربيون‬
‫يدوسون كرامة السود وهم أهل البلد‪ :‬قتلوهم وعذبوهم وسجنوهم واعتقلوهم وشردوهم‪،‬‬
‫ودعاة التحضسسسر وحماة حقوق النسسسسان ينكرون ذلك فسسسي أجهزة العلم‪ ،‬ويمدون أبناء‬
‫جنسسسهم الوربييسسن بكسسل مسسا يريدون مسسن مال وسسسلح وغيرهمسسا‪ ،‬بطرق خبيثسسة ماكرة‪،‬‬
‫وبخاصسسة عسسن طريسسق ربيبتهسسم المشابهسسة لدولة جنوب أفريقيسسا‪ :‬دولة اليهود‪ ،‬ول زالت‬
‫الغلبيسة السسوداء صساحبة البلد تناضسل مسن أجسل حقوقهسا إلى الن ولم تنلهسا‪ [.‬كانست كتابسة‬
‫هذه السطور قبل تحرر جنوب إفريقيا من حكم البيض‪].‬‬
‫والتفرقة العنصرية اليهودية في فلسطين‪ ،‬ل زالت جاثمة على صدور أهل البلد‪ ،‬من‬
‫الفلسسسطينيين الذيسسن تداس كرامتهسسم‪ ،‬فسسي منازلهسسم وشوارعهسسم ومسسساجدهم ومعتقل تهسسم‬
‫ومخيماتهسسسم بكسسسل وحشيسسسة‪ ،‬والدول الغربيسسسة المتحضرة تمسسسد اليهود بالسسسسلح والمال‬
‫والقتصسساد والدعسسم الكامسسل‪ ،‬سسسياسيا وعسسسكريا إذا اقتضسسى المسسر ذلك‪ ،‬أي إن حقوق‬
‫النسان الفلسطيني مهدرة كحقوق النسان الفريقي‪.‬‬
‫وتلك الهنسد تحتسل أرض المسسلمين فسي كشميسر برغسم قرارات "مجلس المسن!" التسي‬
‫أعطسست الحسسق للكشميرييسسن فسسي تقريسسر مصسسيرهم باسسستفتاء يجري بينهسسم‪ ،‬تقتلهسسم الهنسسد‬
‫وتسسجنهم وتشردهسم‪ ،‬والدول الغربيسة المتحضرة الحاميسة لحقوق النسسان‪ ،‬تسسمع وترى‬
‫وتهز كتفيها غير عابئة بما يجري‪.‬‬
‫والمسسسلمون فسسي بورمسسا يقتلون ويشردون ويعذبون ويموتون جوعسسا‪ ،‬ودول الغرب‬
‫المتحضرة حامية حقوق النسان تتفرج وكأن المر ل يعنيها‪.‬‬
‫والغلبيسة المسسلمة فسي الحبشسة وإريتريسا تحكمهسا أقليسة تتصسرف فسي أنفسسهم وأموالهسم‬
‫وأعراضهم‪ ،‬والدول المتحضرة حامية حقوق النسان تتفرج ول تحرك ساكنا‪.‬‬
‫والغلبيسسة المسسسلمة فسسي جنوب الفلبيسسن تطالب بحقوقهسسا‪ ،‬والدولة الصسسليبية تدوس‬
‫‪36‬‬

‫كرامتها وتقتل وتشرد المسلمين‪ ،‬أمام أعين حماة حقوق النسان فل تتحرك ضمائرهم‪.‬‬
‫والغلبيسة المسسلمة فسي جنوب تايلنسد تضطهسد وتحرم مسن حقوقهسا‪ ،‬أمام أعيسن حماة‬
‫حقوق النسان!‬
‫والغلبيسة المسسلمة فسي البوسسنة والهرسسك تسستأصل فسي بلدهسا‪ ،‬مسن قبسل الصسليبيين‬
‫الصرب والدول الغربية تنذر وتتوعد ول تحرك ساكنا‪.‬‬
‫والمسسسلمون فسسي ليبريسسا يذبحون وتقطسسع السسسنة أئمتهسسم وتهدم مسسساجدهم وتنتهسسك‬
‫أعراضهم‪ ،‬وحماة حقوق النسان يشاهدون دون أن يفعلوا شيئا!‬
‫لماذا كسل هذا السسكوت ولماذا يغسض حماة حقوق النسسان الطرف عسن هذه المآسسي‪،‬‬
‫ولماذا ل يتدخل مجلس المن الظالم لنصر حقوق النسان المسلم‪.‬‬
‫ل سسسبب أمامنسسا نراه إل شىء واحسسد‪ ،‬وهسسو أن هذا النسسسان مسسسلم‪ ،‬ل قيمسسة له لن‬
‫المسلمين أذلوا أنفسهم لغير ال فزادوهم ذل‪.‬‬
‫لكسسن حماة حقوق النسسسان ل ينامون ول يهدؤون إذا مسسا انتهكسست حقوق إنسسسان آخسسر‬
‫غير مسلم أو انتهكت حقوق مسلم ولهم في التدخل لحماية حقوقه‪-‬في الظاهر‪-‬مصلحة‪،‬‬
‫ومصلحة حماة حقوق النسان هي المحور الساس‪.‬‬
‫وإليك بعض المثلة‪:‬‬
‫عندمسا أعلنست كرواتيسا فسي هذه اليام ‪-‬كان هذا وقست اشتداد العتداء على المسسلمين‬
‫في البوسنة والهرسك‪ -‬استقللها عن صربيا‪ ،‬وأعلن الصرب الحرب ضدها قامت دول‬
‫التحضسسر الحاميسسة لحقوق النسسسان بحملة سسسريعة ضسسد صسسربيا‪ ،‬وأعلن مجلس المسسن‬
‫"اللعبسسة" بعسسث قوة تفصسسل بيسسن الدولتيسسن وتسسم ذلك‪ ،‬ولكنهسسا لم تفعسسل ذلك مسسع البوسسسنة‬
‫والهرسسك‪ ،‬وكلهمسا دولتان اعترف بهمسا‪ ،‬وهمسا مسن دول يوغوسسلفيا السسابقة ويجاور‬
‫بعضهما بعضا‪ ،‬فلماذا!؟‬
‫أعلنست دول الغرب المتحضسر الحامسي لحقوق النسسان حربسا إعلميسة ضسد حكومسة‬
‫السسسودان‪ ،‬بسسسبب قتلهسسا موظفَيْن سِ سسسودانيين لدى الدارة المريكيسسة‪ ،‬لنهمسسا نصسسرانيان‬
‫والغالب أنهمسسا جاسسسوسان لمريكسسا‪ ،‬لن الحكومسسة السسسودانية سسسوغت قتلهمسسا بالخيانسسة‬
‫العظمى‪.‬‬
‫وأعلنت الحرب العلمية ضد ليبيا بتهمة أن اثنين من الرعايا الليبيين فجرا طائرة‬
‫لوكوربي‪ ،‬وهددوا ليبيا بحرب عسكرية ول زالوا‪.‬‬
‫أعلنوا حمايتهسسم لحقوق النسسسان الشيعسسي‪-‬الذي يظهرون كراهتسسه‪-‬فسسي جنوب العراق‬
‫من أجل أغراض خاصة لهم في العراق‪.‬‬
‫أعلنوا حمايتهسم لحقوق النسسان الكردي فسي شمال العراق وأدخلوا قواتهسم لجله‪-‬فسي‬
‫زعمهم‪-‬ولكنهم (يحمونه من العراق ويسمحون لتركيا أن تطارده وتقتله وتشرده وتتابعه‬
‫حتى في الرض العراقية)‪.‬‬
‫عجسب وال لحماة حقوق النسسان الكردي مسن صسدام حسسين‪ ،‬وإهدار حقوقسه للتراك‬
‫ما هذا المكيال الذي يكيل به حماة حقوق النسان؟!‬

‫‪37‬‬

‫دعاة الديمقراطيممممممة يحرمون النسممممممان مممممممن‬
‫الديمقراطية!‬
‫وحدث عن حقوق النسان المسلم السياسية والديمقراطية ول حرج‪.‬‬
‫لو تتبعست أجهزة إعلم الغرب وأحصسيت منهسا يومسا واحدا كلمسة الديمقراطيسة وحدهسا‬
‫لملتَ بها كراريس‪.‬‬
‫إن الديمقراطيسسة أحسسد المحاور الرئيسسسة التسسي يدندن حولهسسا الغرب المتحضسسر‪ ،‬ويلح‬
‫على دول مسا يسسمى بالعالم الثالث على أن تطبسق المنهسج الديمقراطسي الذي أسساسه إعطاء‬
‫الشعوب حرية اختيار حكامها‪.‬‬
‫ويحترم الغرب المتحضسسسر فوز أي حزب يختار فسسسي النتخابات‪-‬حتسسسى ولو كانسسست‬
‫مزورة مسع انتقاده للتزويسر‪-‬ولكسن الغرب المتحضسر يحظسر حظرا باتسا‪ ،‬بأسساليبه الخاصسة‬
‫وصسسسلته بحكام الشعوب السسسسلمية النابذيسسسن لشرع ال‪ ،‬قيام سَس أي حزب على أسسسساس‬
‫السسلم‪ ،‬وإذا مسا سسبق السسيف العذل فقامست جماعسة إسسلمية واختارهسا الشعسب‪ ،‬حاربوا‬
‫تلك الديمقراطيسسة التسسي أهلت الجماعسسة المسسسلمة إلى أن تكون هسسي الحاكمسسة‪ ،‬وفسسسروا‬
‫الديمقراطيسسة التسسي ينادون بهسسا بأنهسسا ليسسست الديمقراطيسسة التسسي تكون وسسسيلة لوصسسول‬
‫الصسسسسوليين إلى الحكسسسسم‪ ،‬لن وصسسسسول الصسسسسوليين إلى الحكسسسسم يعود بالنقسسسسض على‬
‫الديمقراطية‪ ،‬وأوعزوا إلى أذنابهم بحماية الديمقراطية الصيلة‪ ،‬بالجيش وأجهزة المن‬
‫وفتسح المعتقلت والسسجون لمسن اختارهسم الشعسب[ول يخفسى مسا قام بسه تلميسذ أتاتورك‬
‫العسسكريون والمدنيون التراك بضغسط حماة الديمقراطيسة وحقوق النسسان مسن محاربسة‬
‫حزب الرفاه السلمي الذي وصل إلى الحكم عن طريق النتخابات الديمقراطية ‍‪].‬‬
‫الشعسب مسسلم اختار مسن يحكمسه بالسسلم‪ ،‬فأيسن وضعتسم حسق هذا الشعسب فسي حريسة‬
‫اختياره لحكامه يا دعاة حقوق النسان؟!‬
‫لقسد اتخسذ الغرب المتحضسر لفتسة حقوق النسسان والديمقراطيسة والحريسة وغيرهسا‪،‬‬
‫سلحا لحماية حقوق النسان الغربي أو من له مصلحة في حمايته‪.‬‬
‫وإذا كانسست أمريكسسا هسسي الدولة التسسي تقود الغرب فسسي هذه الفترة‪ ،‬وتدعسسي أنهسسا دولة‬
‫حقوق النسسسان‪ ،‬فإن بعسسض قادتهسسا يصسسرحون بأن مصسسالحهم هسسي التسسي تحدد مواقفهسسم‪،‬‬
‫فبمقدار المصلحة يكون الموقف‪.‬‬
‫قال الرئيسسس السسسبق للوليات المتحدة المريكيسسة ريتشارد نكسسسون‪( :‬وأول واجسسب‬
‫علينسسا أن نفعله هسسو أن نفرق بيسسن مصسسالحنا الحيويسسة‪ ،‬ومصسسالحنا الحسسساسة‪ ،‬ومصسسالحنا‬
‫الهامشيسسة‪ ،‬ول توجسسد دولة فسسي العالم تسسستطيع أن تدافسسع عسن جميسسع هذه المصسسالح طوال‬
‫الوقت‪....‬‬
‫وتكون المصسسسلحة حيويسسسة إذا كان فقدانهسسسا يهدد أمسسسن الوليات المتحدة‪ ،‬فاسسسستمرار‬
‫استقلل أوربا الغربية واليابان وكندا والمكسيك ودول الخليج مسألة حيوية لمن بلدنا‪.‬‬
‫وكذلك لدينسا مصسلحة حيويسة فسي أن ل تحصسل الدول المتخلفسة على السسلح الذري‪،‬‬
‫وليس للوليات المتحدة الخيار إل القوة المسلحة لتمنع تهديد مصالحها‪.‬‬
‫والمصسلحة الحسساسة هسي التسي تشكسل تهديدا مباشرا لحدى النقاط الحيويسة‪ ...‬ولذلك‬
‫‪38‬‬

‫تعتبر أمريكا الوسطى وكوريا من المصالح الحساسة للوليات المتحدة‪ ،‬ومن الممكن أن‬
‫تلجسسأ الوليات المتحدة أحيانسسا فسسي معالجسسة المصسسالح الحسسساسة‪ ،‬وكأنهسسا مصسسالح حيويسسة‬
‫وكنوع من الستراتيجية الدفاعية‪.‬‬
‫أمسا المصسالح الهامشيسة فهسي المور التسي لو سسيطرت عليهسا قوى معاديسة فإنهسا تشكسل‬
‫تهديدا غير قريب لمصلحة حيوية أو مصلحة حساسة‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال فإننا ل نحب أن تحتل إحدى الدول المعادية دولة مالي‪ ،‬ولكننا ل‬
‫نعتقسد أن احتلل مالي سسوف يكون له تأثيسر على مصسالح الوليات المتحدة المهمسة‪ ،‬ومسن‬
‫هذا فل نفكر في استعمال القوة العسكرية لرد هذا العتداء‪.‬‬
‫إن اسستراتيجيتنا المنيسة يجسب أن تقيّمس كسل مسا يمكسن عمله‪ ،‬طبقسا لمسستوى الهميسة‬
‫لمصالحنا وإمكاناتنا وما نواجه من أخطار‪.‬‬
‫فعلى سسسبيل المثال ل نرسسسل الوحدة‪ 82 :‬المحمولة جوا للدفاع عسسن إحدى مصسسالحنا‬
‫الهامشية في موريتانيا‪ ،‬ولكننا نفعل ذلك بدون تردد للدفاع عن مصلحتنا في الخليج ‪)...1‬‬
‫[ كتاب الفرصة السانحة‪ .‬ترجمة أحمد صدقي‪ .‬دار الهلل‪ ].‬وقد فعلوا!‪.‬‬
‫من هذا النص تعرف السبب في عدم التدخل في البوسنة والهرسك‪ ،‬لن هذا التدخل‬
‫ليس لمريكا فيه مصلحة ل حيوية ول حساسة ول هامشية‪ ،‬لن المظلوم مسلم والظالم‬
‫نصسراني‪ .‬اللهسم إل أن يقال‪ :‬إن لهسا مصسلحة هامشيسة‪ ،‬وهسي أن سسكوتها عسن هذا الظلم‬
‫يشوه سسسمعتها أمام العالم الذي تعلن له أنهسسا حاميسسة حقوق النسسسان‪ ،‬ولهذا تسسستنكر فسسي‬
‫أجهزة إعلمهسسا هذا الظلم وتهدد‪-‬كذبسسا وزورا‪-‬صسسربيا‪ ،‬وتحسسث على إغاثسسة المسسسلمين‪،‬‬
‫فمصسسلحة الغرب هسسي السسساس‪-[ .‬تدخلت أمريكسسا وأوربسسا عسسن بجيوشهسسا فسسي البوسسسنة‬
‫والهرسسسك‪ ،‬بعسسد أن قتسسل مئات اللف مسسن المسسسلمين وشردوا مسسن ديارهسسم‪ ،‬واغتصسسبت‬
‫غالبَس أراضيسه الصسرب‪ ،‬ول زال الصسرب يحظرون على المسسلمين عودتهسم إلى مدنهسم‬
‫وقراهسم التسي تسم التفاق على عودتهسم إليهسا بموجسب اتفاقيسة "دايتون" أمام سسمع وبصسر‬
‫أوربا وأمريكا‪].‬‬
‫هذه هسي يسا أخسي إشارة عابرة إلى صسورة مجال تطسبيق حقوق النسسان‪ ،‬فهسل ترى‬
‫أمثال هؤلء المتحضرين الذي هذه صفتهم يعيشون في نور أو في ظلم؟!‬
‫ولو أطلقت لليراع الزمام لطال في هذا الباب‪ ،‬ليظهر للجاهل أن العالم المتحضر!‪-‬‬
‫المتخلف في ميزان ال ومنهجه الرباني‪-‬يعيش في ظلمات‪ ،‬وأنه في أمس الضرورة إلى‬
‫أهسل الحسق ليخرجوه مسن الظلمات إلى النور‪ .‬وإخراج الناس مسن الظلمات إحدى غايات‬
‫أهل الحق التي يسابقون بها أهل الباطل إلى العقول‪.‬‬
‫واكتفسى بهذه المجالت الخمسسة‪ ،‬للتدليسل على أن العالم المتحضسر محروم مسن النور‬
‫الربانسي تحيسط بسه الظلمات الشيطانيسة مسن كسل جانسب‪ ،‬وأنسه يجسب على أهسل الحسق السسعي‬
‫الجاد لخراجه من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫وكمسسا أن الكفسسر كله ظلمات‪ ،‬فإن السسسلم كله نور‪ ،‬قال تعالى‪(( :‬أوَمسسن كان ميتسسا‬
‫فأحييناه وجعلنسا له نورا يمشسي بسه فسي الناس كمسن مثله فسي الظلمات ليسس بخارج منهسا‬
‫كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون))[النعام‪]122 :‬‬
‫‪1‬‬

‫‪39‬‬

‫وقد قارن القرآن الكريم بين ذوي العقول التي صاغها النور الرباني وأشرقت عليها‬
‫أنوار وحيسه‪ ،‬وبيسن ذوي العقول المظلمسة التسي أحاطست بهسا الظلمات مسن كسل جانسب‪ ،‬فقال‬
‫ال تعالى فسي الفريقيسن‪(( :‬ال نور السسماوات والرض مثسل نوره كمشكاة فيهسا مصسباح‪،‬‬
‫المصسباح فسي زجاجسة‪ ،‬الزجاجسة كأنهسا كوكسب دري‪ ،‬يوقسد مسن شجرة مباركسة‪ ،‬زيتونسة ل‬
‫شرقيسة ول غربيسة‪ ،‬يكاد زيتهسا يضسئ ولو لم تمسسسه نار‪ ،‬نور على نور‪ ،‬يهدي ال لنوره‬
‫مسسن يشاء‪ ،‬ويضرب ال المثال للناس وال بكسسل شيسسء عليسسم)) إلى أن قال جسسل وعل‪:‬‬
‫((والذيسن كفروا أعمالهسم كسسراب بقيعسة يحسسبه الظمآن ماء حتسى إذا جاءه لم يجده شيئا‬
‫ووجد ال عنده فوفاه حسابه وال سريع الحساب‪ ..‬أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج‬
‫مسن فوقسه موج‪ ،‬مسن فوقسه سسحاب ظلمات بعضهسا فوق بعسض إذا أخرج يده لم يكسد يراهسا‬
‫ومن لم يجعل ال له نورا فما له من نور))‪ [.‬النور‪]40 ،35 :‬‬

‫رابعمما‪:‬تحقيممق توحيممد الله تعالى فممي الرض وعدم‬
‫الشراك به‪.‬‬
‫وإذا كان رضسسا ال تعالى هسسو غايسسة الغايات‪ ،‬فإن توحيسسد ال هسسو قائد جميسسع الغايات‬
‫والوسائل إلى رضا ال‪ ،‬ومهما عمل النسان من أعمال ظاهرها الخير والصلح والنفع‬
‫العام أو الخاص للبشسسر‪ ،‬فإن ذلك كله ل يوصسسل إلى رضسسا ال بدون التوحيسسد‪ ،‬وهسسو مسسا‬
‫تضمنتسه قاعدة القواعسد السسلمية‪[:‬ل إله إل ال] التسي يطلق عليهسا كلمسة التوحيسد‪ ،‬وكلمسة‬
‫الخلص‪.‬‬
‫وهذه الغاية هي التي أوجد ال من أجلها الكون الذي خلقه بالحق‪ ،‬وهي الحق‪ ،‬ومن‬
‫أجلهسا خلق الملئكسة والجسن والنسس‪ ،‬ومسن أجلهسا أنزل الكتسب وأوحسى الوحسي وأرسسل‬
‫الرسسل الذيسن قاعدة دعوتهسم هسي التوحيسد‪ ،‬ومسا مسن رسسول بعثسه ال تعالى إلى الخلق‪ ،‬إل‬
‫كانت كلمة التوحيد هي أول ما يدعو إليه قومه‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬ولقسسسسسد بعثنسسسسسا فسسسسسي كسسسسسل أمسسسسسة رسسسسسسول أن اعبدوا ال واجتنبوا‬
‫الطاغوت))‪[.‬النحل‪]36 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم‬
‫الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أن ل تعبدوا إل ال))‪[.‬فصلت‪)14-13 :‬‬
‫فسباق أهل الحق‪-‬وعلى رأسهم رسل ال‪-‬إلى عقول الناس‪ ،‬أهم غاياته أن يصوغوا‬
‫بسسسباقهم عقول موحّدة ل تشرك بال شيئا‪ ،‬وتلك هسسي عبادة ال التسسي لم يخلق ال الجسسن‬
‫والنس والملئكة‪-‬كذلك‪-‬إل من أجلها‪.‬‬
‫كما قال تعالى‪(( :‬وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون))‪[.‬الذاريات‪]56 :‬‬
‫وبتحقيسق هذه الغايسة تسسعد البشرية كلهسا فسي الدنيسا والخرة‪ ،‬ويكون الناس كلهسم عسبيدَ‬
‫ال‪ ،‬ل يستعبد بعضهم بعضا‪ ،‬فل يكون هناك سادة يظلمون ويتكبرون ويستبدون بالمر‬
‫كما يشاؤون‪ ،‬ول عبيد يُظلَمون و ُي َذلّون لمخلوقين أمثالهم‪ ،‬وإنما يستوي الناس كلهم في‬
‫أنهسسم مخلوقون مربوبون عسسبيدٌ ل‪ ،‬ل فضسسل لحسسد منهسسم على أحسسد إل بالتقوى‪ ،‬كمسسا قال‬
‫تعالى‪(( :‬يسا أيهسا الناس إنسا خلقناكسم مسن ذكسر وأنثسى وجعلناكسم شعوبسا وقبائل لتعارفوا إن‬
‫‪40‬‬

‫أكرمكم عند ال أتقاكم))‪[.‬الحجرات‪]13 :‬‬

‫ل حرية للنسان إل بتوحيد الله‪.‬‬
‫وبتوحيسسد ال تعالى يتحرر الناس مسسن عبوديسسة الشيطان والنفسسس والهوى‪ ،‬ومسسن كسسل‬
‫العبوديات (الْمُ ِذلّة) لغير ال تعالى‪ ،‬سواء كانت تلك العبوديات لمال أو جاه أو منصب أو‬
‫امرأة‪ ،‬أو لشخاص‪-‬أحياءً كانوا أو أمواتسسا‪-‬وتتمحسسض عبوديتهسسم ل تعالى وحده‪ ،‬وتلك‬
‫هي الحرية الحقة التي يبحث عنها الفراد والسر والمم في كل الزمان‪ ،‬وبخاصة في‬
‫هذا الزمسن الذي أصسبح غالب الناس فيسه يدعون أنهسم أحرار‪ ،‬وهسم مسستعبدون اسستعبادا‬
‫مذل لغير ال تعالى‪.‬‬
‫وهسل يكون حرا مسن تسستعبده شهوات نفسسه فتجعله أسسيرا لهسا‪ ،‬سسابحا فسي مسستنقع‬
‫ملذاتهسا الماديسة العاجلة‪ ،‬التسي تحطسم السسدود الحاميسة لحفسظ الديسن والعقسل والنفسس والنسسل‬
‫والعرض والمال؟!‬
‫هسل يكون حرا مسن يفقسد دينسه باللحاد والكفسر الصسريح والردة عسن السسلم؟ وهسل‬
‫يكون حرا مسن ينسسى ال عنسد الشدائد ويلجسأ إلى الموتسى فسي قبورهسم يدعوهسم ويسستغيث‬
‫بهسم؟ وهسل يكون حرا مسن يُذهسب عقلَه بتناول المسسكرات والمخدرات؟ وهسل يكون حرا‬
‫من يعتدي على النفس والدماء‪ ،‬ول يأمن هو من أن يَعتدِي على نفسه ودمه غَيْرُه دون‬
‫قصساص أو رَدْع؟ وهسل يكون حرا مسن ينفسق ماله فيمسا يعود عليسه وعلى أمتسه بالضرر‬
‫ومسسن ل يأمسسن مسسن العتداء على ماله؟ وهسسل يكون حرا مسسن يُهلَك نسسسلُه ويُعتدى على‬
‫عرضسه؟ وهسسل يكون حرا مسن يضسع له غيُره مسن البشسر مناهجسَ متناقضسة لحياتسسه‪ ،‬فسسي‬
‫العتقاد والتشريسسع والحكسسم و اُلخُلق و القتصسساد والسسسياسة والعلم والحرب والسسسلم‬
‫ونظام السسسرة والدب والفسسن والرياضسسة‪ ...‬فيخضسسع لذلك كله‪ ،‬دون أن يكون له اختيار‬
‫أو انتقاد أو تظلم؟؟!!‬
‫إن الحرية الحقيقية هي أن يكون قلب النسان عبدا ل وحده‪ ،‬ل يتلقى أمره ونهيه إل‬
‫من ال فيتجه بنشاطه وجهة واحدة‪ ،‬من غير تناقض ول قلق أو اضطراب‪ ،‬متحررا من‬
‫عبوديسة كسل مسن سسواه‪ ،‬فل يكون عبدا للشيطان ول للنفسس ول للهوى‪ ،‬ول تتنازعسه آلهسة‬
‫الشهوات المتشاكسة تنازعا يجعله في حيرة وريب‪.‬‬
‫ولقد ضرب ال مثل لمن هو حر حقيقة بعبوديته ل تعالى وحده‪ ،‬ومن استعبده غيره‬
‫مسن اللهسة المتعددة‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬ضرب ال مثل رجل فيسه شركاء متشاكسسون ورجل‬
‫سلما لرجل هل يستويان مثل بل أكثرهم ل يعلمون))‪[.‬الزمر‪]29 :‬‬
‫إن الية تصور لنا رجلين‪:‬‬
‫أحدهمسا عبسد مشترك لمالكيسن متعدديسن بينهسم خلف ونزاع شديسد‪ ،‬كسل شريسك منهسم‬
‫يأمسر ذلك العبسد بأمسر يخالف أوامسر شركائه الخريسن ويصسر على أن يطيعسه فسي أمره‪،‬‬
‫وطاعتسه لحدهسم معصسية لمسر كسل واحسد مسن شركائه الخريسن‪ ،‬فل يسستطيع أن يرضسي‬
‫كسل واحسد مسن هؤلء الشركاء‪ ،‬بسل سسيكونون كلهسم سساخطين عليسه‪ ،‬وسسيعيش فسي حيرة‬
‫وضنك وشقاء‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫وثانيهما‪ :‬عبد لرجل واحد ل يأمره ول ينهاه إل هو‪.‬‬
‫فأي العبدين أقرب إلى الحرية‪ :‬الول الذي فيه شركاء متشاكون‪ ،‬أم الثاني الذي هو‬
‫عبد لرجل واحد؟!‬
‫المثسل الول لمسن اسستعبده غيسر ال‪-‬أيسا كان هذا الغيسر‪-‬والمثسل الثانسي لمسن تمحضست‬
‫عبوديته ل وحده‪ ،‬ول المثل العلى‪.‬‬
‫وإنسسك لترى الرجسسل الضعيسسف المغلوب على أمره‪ ،‬الذي اعْتُدِيسَ على نفسسه وماله‬
‫وعرضسه وحرم مسن التمتسع بحقسه فسي الحياة فسسجن أو أسسر‪ ،‬وقسد تمحضست عبوديتسه ل‬
‫وحده‪ ،‬ولكنه حسر قلبه مطمئن باله‪ ،‬وهو واقف مثسل الجبسل الراسي أمام الطغاة المعتدين‬
‫القوياء غيسر مبال‪ ،‬وعنده إرادة قويسة على تحريسر جسسمه مسن السسر كمسا تحرر قلبسه‪،‬‬
‫لنه يأوي إلى ركن شديد‪.‬‬
‫وترى الرجل الغني ذا السلطة والجند والجبروت‪ ،‬قد خضعت له الرقاب‪ ،‬ودانت له‬
‫المراء ووقسسف بأبوابسسه الحجّاب‪ ،‬فإذا سسسبرت أمره واختسسبرت سسسره‪ ،‬وجدتسسه عبدا ذليل‬
‫لنفسه وشهوته وهواه‪ ،‬بل وجدته مستعبدا لبعض من هم في الظاهر عبيده‪ ،‬وهم أعوانه‬
‫الذين يستند في طغيانه على عونهم‪ ،‬ويستنجد في ملماته بهم‪ ،‬فهو في ظاهره سيد‪ ،‬وفي‬
‫حقيقته عبد كالعبيد‪.‬‬
‫وفسي معنسى الحريسة الحقسة والعبوديسة المذلة قال ابسن تيميسة رحمسه ال‪ ..( :‬فإن أسسر‬
‫القلب أعظم من أسر البدن‪ ،‬واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن‪ ،‬فإن من استُعبِد بدنه‬
‫واسسستُرِق‪ ،‬ل يبالي إذا كان قلبسسه مسسستريحا مسسن ذلك مطمئنسسا‪ ،‬بسسل يمكنسسه الحتيال فسسي‬
‫الخلص‪ ،‬وأمسسا إذا كان القلب‪-‬الذي هسسو الملك‪-‬رقيقسسا مسسستعبدا لغيسسر ال‪ ،‬فهذا هسسو الذل‬
‫والسر المحض‪ ..‬فالحرية حرية القلب‪ ،‬والعبودية عبودية القلب‪-...‬إلى أن قال‪ :-‬وكذلك‬
‫طالب الرئاسسة والعلو فسي الرض‪ ،‬قلبسه رقيسق لمسن يعينسه عليهسا‪ ،‬ولو كان فسي الظاهسر‬
‫مقدمهسم والمطاع فيهسم‪ ...‬فهسو فسي الظاهسر رئيسس مطاع‪ ،‬وفسي الحقيقسة عبسد مطيسع لهسم‪)..‬‬
‫[مجموع الفتاوى‪].)189-186 / 10( :‬‬
‫وبهذا يعلم أن الحرية التي يزعم ساسة الغرب ومفكروه‪-‬ومن انخدع بهم من ذراري‬
‫المسسلمين‪-‬أنهسم أهلهسا وحماتهسا والداعون إلى تطبيقهسا‪ ،‬ليسست هسي الحريسة الصسحيحة التسي‬
‫ينشدها العالم اليوم‪ ،‬بل هي في حقيقتها عبودية مذلة للهة شتى يصعب حصرها‪ .‬فهي‬
‫مسن إطلق السسماء على غيسر مسسمياتها‪ ،‬كإطلق (المشروبات الروحيسة) على (الخمسر)‬
‫شبّهس بهسا‬
‫التسي تذهسب العقول وتسسلب الرواح والقلوب حياتهسا‪ ،‬وكإطلق (النجوم) التسي يُ َ‬
‫دعا ُة الخيسر وهدا ُة العالمسَ[كقول الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم‪( :‬أصسحابي كالنجوم‪ ،‬بأيهسم‬
‫اقتديتسم اهتديتسم)‪ ].‬على مسن مسسخوا الفطسر ونشروا المنكسر والخنسا مسن المغنيسن والمغنيات‬
‫والراقصسسين والراقصسسات‪ ..‬وكإطلق لفسسظ (الملهميسسن) و (الرواد) على رجال السسسياسة‬
‫الخرقاء الذين باعوا العباد والبلد لعداء المة السلمية‪....‬‬
‫تنبيه مهم‪:‬‬
‫ومع أن العبودية ل هي الحرية الحقة‪ ،‬وعبودية ما سواه عبودية مذلة‪ ،‬فإن الكافر‬
‫بال المتصف بالعبودية المذلة ل يُكرَه على الدخول في السلم ليتحرر من تلك العبودية‬
‫المذلة‪ ،‬وإنمسا يسبين له الحسق وتقام عليسه الحجسة‪ ،‬ثسم يترك له الخيار بيسن الحريتيسن‪ ،‬لن‬
‫‪42‬‬

‫إكراهسه على الدخول فسي السسلم‪-‬بسل فسي أي ديسن مسن الديان‪-‬غيسر ممكسن فسي الواقسع لن‬
‫أصل اليمان في القلب‪ ،‬و ل سلطان لغير الخالق على قلوب العباد‪ ،‬والذي يظهر دخوله‬
‫فسي أي ديسن تحست الكراه ل يكون مؤمنسا فسي الحقيقسة بذلك الديسن‪ ،‬ولهذا قال تعالى‪(( :‬ل‬
‫إكراه في الدين)) و (ل) هنا نافية للجنس أي ل إكراه مشروع ول إكراه واقع‪ ،‬بمعنى أن‬
‫الكراه على اعتقاد الديسسن غيسسر مشروع‪ ،‬ولو حصسسل إظهار الْمُكرَه دخوله فسسي الديسسن‬
‫المكره على الدخول فيه فدخوله غيسر واقع فسي حقيقسة المر‪ ،‬لن العتقاد يكون بالقلب‪،‬‬
‫ومسن ذا الذي يقدر على إدخال أي ديسن إلى قلب أي إنسسان ل يريده؟‪ .‬ولهذا يطلق بعسض‬
‫الكتاب عبارة‪( :‬إن حريسة العتقاد هسي أول ‪ ,,‬حقوق النسسان)‪ .‬ومرادهسم بالحريسة هنسا أن‬
‫النسسان يدخسل فسي الديسن باختياره ول يمكسن إكراهسه على ذلك وليسس مرادهسم أنسه حسر‬
‫القلب والعقيدة بالمعنسسى الذي شرحناه‪ ،‬ولهذا عذر تعالى مسن أظهسسر الكفسسر مكرهسسا وقلبسسه‬
‫مطمئن باليمان‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬من كفر بال من بعد إيمانه إل من أكره وقلبه مطمئن‬
‫باليمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ال ولهم عذاب عظيم))‪.‬‬

‫خامسحححححا‪ :‬غرس اليمان بالغيحححححب فحححححي‬
‫النفوس‪.‬‬
‫إن النسان الذي ل يؤمن إل بما تدركه حواسه‪ ،‬مباشرة أو باللت التي يصنعها‪ ،‬ل‬
‫فرق بينه وبين الحيوان إل بسعة أفقه‪ ،‬لما ركبه ال فيه من عقل وتصرف بأدوات تعينه‬
‫على ذلك‪ .‬وسعة أفقه هذه التي فرقت بينه وبين الحيوان‪ ،‬هي التي أهلته لمعرفة ما ظهر‬
‫له من الكون القريب‪.‬‬
‫والذي ل يؤمسن بالغيسب ل يمكسن أن يعبسد ال‪ ،‬لن ال تعالى مسن الغيسب‪ ،‬ول يعرف‬
‫تعالى إل بآثار خلقه المشهودة ووحيه‪.‬‬
‫والذي ل يؤمسن بالغيسب ل يمكسن أن يؤمسن بالوحسي اللهسي والكتسب المنزلة والرسسالة‪،‬‬
‫ول باليوم الخر‪ ،‬ول بالملئكة المقربين‪ ،‬لن ذلك كله من الغيب‪.‬‬
‫وعدم اليمان بالغيسب يفضسي إلى تسسيب النسسان وعدم التزامسه بمنهسج ال‪ ،‬واتباعسه‬
‫لهواه‪ ،‬فيتصرف في حياته كما يشاء ل يرده عن هواه إل القوة المادية القاهرة‪ ،‬فإذا ظن‬
‫أن تلك القوة‪-‬كالشرطة والقضاء والعقوبات الرادعة‪-‬ل تناله‪ ،‬أتى على كل ما يقدر عليه‬
‫دون مراعاة لحقوق غيره‪ ،‬لنسه ل يؤمسن بال حتسى يطمسع فسي ثوابسه ويخاف مسن عقابسه‪،‬‬
‫وهكذا يدمر ويفسد ول يبالي شيئا‪.‬‬
‫ولهذا كان مسن أهسم غايات أهسل الحسق فسي سسباقهم إلى العقول غرس اليمان بالغيسب‬
‫فسسي نفوس الناس لتكون عقولهسسم مؤمنسة‪ ،‬فيسسستجيبون لمراد ال منهسسم‪ ،‬فيأتون مسا يرضاه‬
‫ويتركون ما يسخطه‪ ،‬سائرين على منهج الوحي والرسالة والشريعة الربانية‪.‬‬
‫ولهذا كانست أول صسفات المتقيسن الذيسن يهتدون بهذا الكتاب "القرآن الكريسم" اليمان‬
‫بالغيسب‪ ،‬ول يهتدي بسه مسن لم يؤمسن بالغيسب‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬الم‪ ،‬ذلك الكتاب ل ريسب‬
‫فيه هدى للمتقين‪ ،‬الذين يؤمنون بالغيب))‪[.‬البقرة‪]3-1 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ليسسس البر أن تولوا وجوهكسسم قبسسل المشرق والمغرب ولكسسن البر مسسن‬
‫‪43‬‬

‫آمسن بال واليوم الخسر والملئكسة والكتاب والنسبيين وآتسى المال على حبسه ذوي القربسى‬
‫واليتامسسى والمسسساكين وابسسن السسسبيل والسسسائلين وفسسي الرقاب وأقام الصسسلة وآتسسى الزكاة‬
‫والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين‬
‫صدقوا وأولئك هم المتقون))‪[ .‬البقرة‪]177 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومن يكفر بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر فقد ضل ضلل‬
‫بعيدا))‪[.‬النساء‪]36 :‬‬

‫سادسا‪ :‬تحكيم شرع الله في حياة الناس‪.‬‬
‫ومسن أهسم غايات أهسل الحسق فسي سسباقهم إلى العقول إقناعهسا أو إقامسة الحجسة عليهسا‪،‬‬
‫بوجوب تحكيسم شرع ال تعالى فسي حياتهسم لحفسظ دينهسم‪ ،‬ونفوسسهم‪ ،‬وعقولهسم‪ ،‬ونسسلهم‪،‬‬
‫وعرضهم‪ ،‬ومالهم‪ ،‬لنه ل تُحفظ هذه الضرورات التي ل حياة للمم بدون حفظها‪ ،‬ول‬
‫يوقى الناس شر العتداء عليها‪ ،‬ول ينفى عنهم الظلم ويقر العدل‪ ،‬إل بتحكيم شرع ال‪.‬‬
‫وكلمسا ابتعسد الناس عسن شرع ال اقتربوا مسن العتداء على هذه الضرورات‪ ،‬فضل‬
‫عن غيرها من الحاجيات والتكميليات‪ ،‬وهذا أمر مشاهد في حياة الناس في كل زمان‪.‬‬
‫ولهذا كان أهسل الحسق فسي سسباق شديسد مسع أهسل الباطسل إلى عقول الناس بهذه الغايسة‪،‬‬
‫ليسستقر فسي تلك العقول ضرورة تحكيسم شرع ال‪ ،‬ونبسذ حكسم الطاغوت‪ ،‬لن حكسم ال ل‬
‫يحابي أحدا‪ :‬الغني والفقير‪ ،‬والرجل المرأة‪ ،‬والفرد والجماعة‪ ،‬والحاكم والمحكوم‪ ،‬كلهم‬
‫ق صاحبَه و َيقِف صاحبَ الباطل ويمنعه من باطله‪.‬‬
‫أمام شرع ال سواء‪ ،‬يُعطِي الح ّ‬
‫ولهذا كان تحكيسم شرع ال والرضسا بسه مسن اليمان بال وتوحيده‪ ،‬وهسو مسن صسميم‬
‫دعوة الرسل عليهم الصلة والسلم‪ ،‬ومن اعتقد غير ذلك لم يفقه معنى القرآن ول السنة‬
‫ول دعوة الرسل‪.‬‬
‫والذي يزعسسم أنسسه يدعسسو إلى التوحيسسد ويهمسسل دعوة الناس إلى تحكيسسم شرع ال‪ ،‬أو‬
‫يجعسل ذلك مسن الموضوعات التسي يمكسن تأخيرهسا وتأخيسر بيان حكمهسا‪ ،‬لم يفهسم معنسى ل‬
‫إله إل ال‪ ،‬لن تحكيم شرع ال من توحيد اللوهية‪ ،‬ومن جوهر ل إله إل ال‪.‬‬
‫والنسبياء عندمسا يدعون الناس إلى التوحيسد والقرار بمعنسى‪" :‬ل إله إل ال" يعلمون‬
‫ويعلم أقوامهسم أن ذلك يعنسي تحكيسم شرع ال والتسسليم المطلق لحكمسه‪ ،‬وأنسه ل خيار لهسم‬
‫فسي ذلك أبدا‪ ،‬لن معنسى "ل إله إل ال" ل يقسر حاكمسا غيسر ال‪-‬إل مسن حكسم بحكسم ال‪-‬‬
‫فالحاكم المطلق الذي ل معقب لحكمه هو ال‪.‬‬
‫فهذه الكلمسة‪" :‬ل إله إل ال" تشمسل السستسلم ل فسي كسل شيسء‪ :‬فسي النفسس والعقول‬
‫والنسسال والعراض والموال وغيرهسا‪ ،‬ل يحكسم فسي ذلك كله إل ال‪ ،‬وأي حكسم صسدر‬
‫من غير ال يخالف حكم ال فهو حكم طاغوت ل بد من الكفر به‪ ،‬ومن أطاع حكم غير‬
‫ال ورضي به بدل من حكم ال‪ ،‬لم يؤمن بمعنى ل إله إل ال‪.‬‬
‫فاليمان حكسم ال ول بسد مسن الرضسا بسه‪ ،‬والعبادة حكسم ال ول بسد مسن الرضسا بهسا‪،‬‬
‫والمعاملت السسلمية الثابتسة بنسص من ال أو من رسوله صسلى ال عليه وسسلم حكسم ال‬
‫ول بد من الرضا بها‪ ،‬والخلق حكم ال ول بد من الرضا بها‪ ،‬والحدود حكم ال ول بد‬
‫من الرضا بها‪ ،‬ل بد من التسليم المطلق ل تعالى في كل حكم يحكم به‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫ومخطسئ مسن يظسن أن الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم لم يدع إلى تحكيسم شرع ال فسي‬
‫العهسد المكسي‪ ،‬ويخلط هذه المخطسئ بيسن معنسى الدعوة إلى تحكيسم شرع ال الذي هسو مسن‬
‫صميم توحيد ال‪ ،‬وبين معنى إقامة دولة تحكم بشرع ال‪.‬‬
‫فالدعوة إلى تحكيسسسسم شرع ال والسسسسستسلم له دعوة إلى اليمان بال وإلى القرار‬
‫بمعنسى "ل إله إل ال" وقسد قام بهسا الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم عندمسا دعسا الناس إلى‬
‫القرار بل إله إل ال‪.‬‬
‫وأما إقامة الدولة التي تحكم بالسلم وتنفذه على رعاياها‪ ،‬فقد أخرها الرسول صلى‬
‫ال عليسسه وسسسلم‪-‬ومسسا كان له إل أن يؤخرهسسا‪-‬إلى العهسسد المدنسسي‪ ،‬حيسسث قويسست شوكسسة‬
‫المسسلمين‪ ،‬وأصسبح الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم هسو إمامهسم فسي الصسلة‪ ،‬وقائدهسم فسي‬
‫الجهاد‪ ،‬وقاضيهم في الخصومات‪ ،‬والمر الناهي في الدولة‪.‬‬
‫وإنمسا لم يسسع لقامسة الدولة السسلمية فسي مكسة‪ ،‬لن أهلهسا كانوا أهسل القوة الماديسة‬
‫والنفوذ‪ ،‬وكان المسلمون ضعافا‪-‬ماديا‪-‬مضطهدين‪ ،‬يفتنون ويعذبون‪ ،‬ولم يكونوا قادرين‬
‫على رد العدوان بمثله‪-‬وإن كانوا يرغبون رغبسة شديدة فسي ذلك‪-‬بسل نهاهسم ال عسن قتال‬
‫المشركين وأمرهم بالكف عن القتال‪.‬‬
‫وإذا كان كثيسر مسن العبادات والمعاملت والحدود وغيرهسا مسن الحكام الشرعيسة‪ ،‬قسد‬
‫تأخسسر نزول الوحسسي بهسسا إلى العهسسد المدنسسي‪ ،‬وكان الهتمام فسسي العهسسد المكسسي بالنواحسسي‬
‫اليمانيسة والسسلوكية وبعسض العبادات كالصسلة ونحوهسا‪ ،‬فإن الدعوة فسي العهسد المكسي‬
‫اهتمست بجانسب السستسلم ل فسي كسل شيسء وهسو معنسى السسلم ومعنسى كلمسة التوحيسد‪،‬‬
‫وذلك أصل التشريع اللهي‪.‬‬
‫ومسع ذلك فإن بعسض اليات المكيسة قسد نزلت تنعسى على المشركيسن وتنكسر عليهسم‪ ،‬مسا‬
‫شرعوه لنفسهم من تحليل ما حرم ال أو تحريم ما أحل ال‪.‬‬
‫كمسا قال تعالى‪(( :‬فكلوا ممسا ذكسر اسسم ال عليسه إن كنتسم بآياتسه مؤمنيسن‪ ،‬ومالكسم ألّ‬
‫تأكلوا ممسا ذكسر اسسم ال عليسه وقسد فصسل لكسم مسا حرم عليكسم إل مسا اضطررتسم إليسه وإن‬
‫كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين‪ ،‬وذروا ظاهر الثم وباطنه‬
‫إن الذين يكسبون الثم سيجزون بما كانوا يقترفون‪ ،‬ول تأكلوا مما لم يذكر اسم ال عليه‬
‫وإنسسسه لفسسسسق وإن الشياطيسسسن ليوحون إلى أوليائهسسسم ليجادلوكسسسم وإن أطعتموهسسسم إنكسسسم‬
‫لمشركون‪[.))..‬النعام‪]121-118 :‬‬
‫يدور كلم المفسرين لهذا اليات على أمرين‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أن ما ذكر اسم ال عليه‪ ،‬هو ما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب وما لم‬
‫يذكر اسم ال عليه هو ما مات حتف نفسه‪.‬‬
‫وكان المشركون من قريش يحرمون ما ذبح بالسكين ويحلون الميتة‪ ،‬ويرون أن ما‬
‫ذبح قتله النسان‪ ،‬وما مات قتله ال‪ ،‬وأكل ما قتله ال أولى مما قتله النسان‪ ،‬سيرا على‬
‫قياسات الشيطان الذي عصا ربه بها‪.‬‬
‫المسر الثانسي‪ :‬أن المراد بمسا ذكسر اسسم ال عليه مسا سسمى الَ عليه حيسن ذبحسه‪ ،‬ومسا لم‬
‫يذكر اسم ال عليه ما ذُكر عليه اسم الوثن ونحوه‪ ،‬وفي ذلك تفاصيل ل يتسع لها المقام‪[.‬‬
‫راجع كتب التفسير‪ ،‬ومنها‪ :‬تفسير القرآن العظيم لبن كثير (‪ )2/188‬وما بعدها‪ ،‬طبع‬
‫‪45‬‬

‫دار الخير‪ ،‬والجامع لحكام القرآن (‪ )7/72‬وما بعدها للقرطبي‪].‬‬
‫والشاهسد منهسا هسو كونهسم يحلون مسا يريدون ويحرمون مسا يريدون مسن عنسد أنفسسهم‪،‬‬
‫بدون هدي ول بينسسة مسسن ال‪ ،‬وهسسو تشريسسع يعارض تشريسسع ال‪ ،‬وتحكيسسم لهواهسسم الذي‬
‫يخالف تحكيم شرع ال‪.‬‬
‫وإذا عرفنسسا أن سسسورة النعام مسسن السسسور المكيسسة‪ ،‬ومنهسسا هذه اليات تسسبين لنسسا أن‬
‫الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم أُمسر بالدعوة إلى تحكيسم شرع ال فسي العهسد المكسي‪ ،‬وأن‬
‫تحكيم شرع ال من اليمان الذي ل تصح شهادة أن ل أله إل ال إل به‪.‬‬
‫ومثسسسل ذلك قوله تعالى‪(( :‬وقالوا هذه أنعام وحرث حجسسسر ل يطعمهسسسا إل مسسسن نشاء‬
‫بزعمهسسسم‪ ،‬وأنعام حرّمسسست ظهورهسسسا‪ ،‬وأنعام ل يذكرون اسسسسم ال عليهسسسا افتراء عليسسسه‪،‬‬
‫سسيجزيهم وصسفهم بمسا كانوا يفترون‪ ،‬وقالوا مسا فسي بطون هذه النعام خالصسة لذ كورنسا‬
‫ومحرم على أزواجنسسا‪ ،‬وإن يكسسن ميتسسة فهسسم فيسسه شركاء‪ ،‬سسسيجزيهم وصسسفهم إنسسه حكيسسم‬
‫عليم‪ [.))...‬النعام‪]139-138 :‬‬
‫وقسد بيسن المام الصسولي العلمسة أبسو إسسحاق إبراهيسم بسن موسسى اللخمسي الغرناطسي‬
‫المالكي‪ ،‬المشهور بالشاطبي‪ ،‬في كتابه العظيم "الموافقات" أن الصول الكلية للشريعة‬
‫قسد تضمنهسا القرآن الكريسم فسي العهسد المكسي‪ ،‬وأن مسا نزل بعسد ذلك فسي العهسد المدنسي مسن‬
‫التشريع‪ ،‬إنما هو مكمل لتلك الصول المكية‪ ،‬وأن ما قد يبدو من التشريع المدني كليا إذا‬
‫ما تؤمل حق التأمل وجد جزئيا بالنسبة إلى ما هو أعم منه‪ ،‬أو تكميل لصل مكي‪.‬‬
‫قال رحمه ال‪( :‬المسألة الثامنة‪ .‬فنقول‪ :‬إذا رأيت في المدنيات أصل كليا فتأمله تجده‬
‫جزئيسا [قال السستاذ محمسد عبسد ال دراز فسي الحاشيسة‪ " :‬كالجهاد فهسو جزئي مسن المسر‬
‫بالمعروف والنهسي عسن المنكسر‪ ،‬كمسا سسيقرره قريبسا‪ ]...‬بالنسسبة إلى مسا هسو أعسم منسه‪ ،‬أو‬
‫تكميل لصسسسل كلي‪ [.‬قال دراز‪ " :‬كالنهسسسي عسسسن شرب الخمسسسر تكميل لجتناب الثسسسم‬
‫والعدوان كمسا سسيقول‪ ]....‬وبيان ذلك أن الصسول الكليسة التسي جاءت الشريعسة بحفظهسا‬
‫خمسة وهي‪ :‬الدين والنفس‪ ،‬والعقل‪ ،‬والنسل‪ ،‬والمال‪.‬‬
‫أمسا الديسن فهسو أصسل مسا دعسا إليسه القرآن والسسنة ومسا نشسأ عنهمسا‪ ،‬وهسو أول مسا نزل‬
‫بمكة‪.‬‬
‫وأمسا النفسس فظاهسر إنزال حفظهسا بمكسة‪ ،‬كقوله تعالى‪(( :‬ول تقتلوا النفسس التسي حرم‬
‫ال إل بالحسق‪[ .))..‬النعام‪(( ]151 :‬وإذا الموءودة سسئلت‪ ،‬بأي ذنسب قتلت‪[.))..‬التكويسر‪:‬‬
‫‪(( ]9‬وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إل ما اضطررتم إليه‪[.)).‬النعام‪ ]119 :‬وأشباه ذلك‪.‬‬
‫وأمسا العقسل فهسو‪ ،‬وإن لم يرد تحريسم مسا يفسسده وهسو الخمسر‪ ،‬فقسد ورد فسي المكيات‬
‫مجمل‪ ،‬إذ هسو داخسل فسي حفسظ النفسس‪ ،‬كسسائر العضاء ومنافعهسا‪ ،‬مسن السسمع والبصسر‬
‫وغيرهما‪ ،‬وكذلك منافعها‪.‬‬
‫فالعقل محفوظ شرعا في الصول المكية عما يزيله كسائر العضاء ساعة أو لحظة‬
‫[قال في الحاشية‪ " :‬لعل الصل‪( :‬ل ساعة أو لحظة) ومعناه أن ما يزيل العقل رأسا هو‬
‫من الضروري الداخل في حفظ النفس إجمال‪ ،‬وأما حفظه على أنه يزول ساعة ثم يعود‬
‫فيكون من المكملت‪ ]....‬ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه‪ ،‬وأيضا فإن حفظه على هذا‬
‫الوجسه مسن المكملت‪ ،‬لن شرب الخمسر قسد بيسن ال مثالبهسا فسي القرآن‪ ،‬حيسث قال‪(( :‬إنمسا‬
‫‪46‬‬

‫يريسد الشيطان أن يوقسع بينكسم العداوة والبغضاء فسي الخمسر والميسسر‪[ ))...‬المائدة‪]91 :‬‬
‫فظهر أنها من العون على الثم والعدوان‪.‬‬
‫وأمسا النسسل‪ ،‬فقسد ورد المكسي مسن القرآن بتحريسم الزنسا والمسر بحفسظ الفروج إل على‬
‫الزواج أو ملك اليمين‪.‬‬
‫وأمسسا المال‪ ،‬فورد فيسسه تحريسسم الظلم وأكسسل مال اليتيسسم والسسسراف والبغسسي ونقسسص‬
‫المكيال أو الميزان‪ ،‬والفساد في الرض وما دار بهذا المعنى‪.‬‬
‫وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن إذايات النفوس‪.‬‬
‫ولم ترد هذه المور فسسي الحفسسظ مسسن جانسسب العدم إل وحفظهسسا مسسن جانسسب الوجود‬
‫حاصل‪ ،‬ففي الربعة الواخر ظاهر‪.‬‬
‫وأمسا الديسن فراجسع إلى التصسديق بالقلب‪ ،‬والنقياد بالجوارح‪ ،‬والتصسديق بالقلب آت‬
‫بالمقصسود فسي اليمان بال ورسسوله واليوم الخسر‪ ،‬ليفرع على ذلك مسا جاء مفصسل فسي‬
‫المدنسي فالصسل وارد فسي المكسي‪ .‬والنقياد بالجوارح حاصسل بوجسه واحسد [قال السستاذ‬
‫دراز‪ :‬أي متى وجد تكليف واحد بدني فإنه يتحقق به معنى كلي النقياد بالجوارح الذي‬
‫هسسو أحسسد ركنسسي الديسسن‪ ].‬ويكون مسسا زاد على ذلك تكميل‪ ،‬وقسسد جاء فسسي المكسسي مسسن ذلك‬
‫النطق بالشهادتين والصلة والزكاة‪ ،‬وذلك يحصل به معنى النقياد‪.‬‬
‫وأمسا الصسوم والحسج فمدنيان مسن باب التكميسل‪ ،‬على أن الحسج كان مسن فعسل العرب‬
‫أول‪ ،‬وراثسة عسن أبيهسم إبراهيسم‪ ،‬فجاء السسلم فأصسلح منسه مسا أفسسدوا‪ ،‬وردهسم فيسه إلى‬
‫مشارعهسم‪ ،‬وكذلك الصسيام أيضسا فقسد كانست الجاهليسة تصسوم يوم عاشوراء‪ ،‬وكان النسبي‬
‫صسلى ال عليسه وسسلم يصسومه أيضسا حيسن قدم المدينسة صسامه وأمسر بصسيامه حتسى نسسخه‬
‫رمضان‪ ،‬وانظسسر حديسسث عائشسسة فسسي صسسيام يوم عاشوراء [مسسسلم (‪ ].)2/792‬فأحكمهمسسا‬
‫التشريسع المدنسي‪ ،‬وأقرهمسا على مسا أقسر ال تعالى مسن التمام الذي بينسه فسي اليوم الذي هسو‬
‫أعظسم أيامسه حيسن قال تعالى‪(( :‬اليوم أكملت لكسم دينكسم‪ ))..‬اليسة‪ ،‬فلهمسا أصسل فسي المكسي‬
‫على الجملة‪.‬‬
‫والجهاد الذي شرع بالمدينسسة فرع مسسن المسسر بالمعروف والنهسسي عسسن المنكسسر وهسسو‬
‫مقرر في مكة‪ ،‬كقوله تعالى‪(( :‬يا بني أقم الصلة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر‪))..‬‬
‫وما أشبه ذلك)‪ [.‬الموافقات (‪ )50-46 /3‬بتحقيق الستاذ عبد ال دراز‪ ،‬والية في سورة‬
‫لقمان‪]:‬‬
‫وإذا علم أن أصسول الشريعسة الكليسة قسد نزلت فسي العهسد المكسي‪ ،‬ومسا نزل فسي العهسد‬
‫المدنسسي فهسسو متمسسم أو مفص سّل لهسسا‪ ،‬علم أن الدعوة إلى التشريسسع السسسلمي والدعوة إلى‬
‫تحكيم شرع ال‪ ،‬من صميم الرسالة وأنها من اليمان بال تعالى وأن من اعتقد أن تحكيم‬
‫شرع ال ليس من صميم التوحيد واليمان فهو ضال جاهل ل يعلم دين ال حق العلم ول‬
‫يفقه حق الفقه‪ ،‬وفيما مضى كفاية لطالب الحق‪.‬‬
‫وهكذا كان أنسسبياء ال السسسابقون يدعون أقوامهسسم إلى تحكيسسم شرع ال تعالى‪ ،‬تطبيقسسا‬
‫لمعنسى ل إله إل ال‪ ،‬فشعيسب عليسه السسلم‪ ،‬دعسا قومسه إلى توحيسد ال وإلى تحكيسم شرعسه‬
‫الذي هو من التوحيد في الكيل والوزن وغير ذلك من الحقوق المالية‪ ،‬فأنكر عليه قومه‬
‫تدخله فسي شؤون حياتهسم وبخاصسة الماليسة‪-‬وهسو نهسج العلمانييسن فسي كسل زمان‪ ،‬ل يسستقر‬
‫‪47‬‬

‫لهسم قرار بوجود مسن يدعسو إلى تحكيسم شرع ال فسي حياة البشسر‪ ،‬لن ذلك يحرمهسم مسن‬
‫اتباع أهوائهسسم وتحقيسسق شهواتهسسم‪ ،‬عسسن طريسسق تشريعهسسم لنفسسسهم مسسا يحقسسق لهسسم تلك‬
‫الشهوات‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وإلى مدين أخاهسم شعيبا قال يسا قوم اعبدوا ال مالكسم من إله غيره‪ ،‬ول‬
‫تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط‪ ،‬ويا قوم‬
‫أوفوا المكيال والميزان بالقسسسسسط ول تبخسسسسسوا الناس أشياءهسسسسم ول تعثوا فسسسسي الرض‬
‫مفسسسدين‪ ،‬بقيسست ال خيسسر لكسسم إن كنتسسم مؤمنيسسن ومسسا أنسسا عليكسسم بحفيسسظ‪ ،‬قالوا يسسا شعيسسب‬
‫أصلتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لنت الحليم‬
‫الرشيد))‪[.‬هود‪]]89-84 :‬‬
‫تأمسسل مسسا أمرهسسم بسسه شعيسسب‪(( :‬اعبدوا ال‪ ...‬ول تنقصسسوا المكيال والميزان‪ ..‬أوفوا‬
‫الكيل والميزان))‪.‬‬
‫وتأمسل رد قومسه عليسه‪(( :‬أصسلتك تأمرك أن نترك مسا يعبسد آباؤنسا أو أن نفعسل فسي‬
‫أموالنا ما نشاء‪.))..‬‬
‫أمرهسم نسبيهم بالسستسلم الكامسل ل فسي اليمان والتصسرف فسي الموال‪ ،‬وكانوا عنسد‬
‫ذلك كفارا‪ ،‬ولو كان التشريع من عند أنفسهم في الموال ل يدخل في اليمان بل إله إل‬
‫ال‪ ،‬لخر الدعوة إليه حتى يؤمنوا بال وحده‪ ،‬ولكن التشريع من اليمان ولذلك جعله في‬
‫دعوته قومه إلى ال من أولويات تلك الدعوة‪ ،‬وفهموا منها أن التسليم المطلق ل يقتضي‬
‫ترك عبادة غير ال والتقيد بشرع ال في تصرفاتهم‪.‬‬
‫فالتسليم لشرع ال إيمان‪ ،‬ول إيمان بدون تحكيم شرع ال‪.‬‬
‫وتأتي بعد ذلك اليات المدنية‪ ،‬لتوضح توضيحا وافيا شافيا قضايا عملية تقرر فيها‬
‫أن أعداء السسسلم مسسن المنافقيسسن‪-‬وهسسم الذيسسن يمثلهسسم اليوم العلمانيون الذيسسن يحاربون‬
‫السسسسلم‪-‬لمسسسا لم يرضوا بتحكيسسسم شرع ال ورضوا بحكسسسم الطاغوت‪ ،‬حكسسسم ال عليهسسسم‬
‫بالضلل البعيسد مسع ادعائهسم أنهسم مؤمنون‪ ،‬ووصسف الضلل بالبعيسد يدل على أنسه ليسس‬
‫ضلل مؤمسن يغفره ال له‪ ،‬كمسا نسص تعالى على أنهسم منافقون‪ ،‬ونفسى عنهسم اليمان نفيسا‬
‫مؤكدا حتى يستسلموا لشرعه ويرضوا به‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬الم تسر إلى الذيسن يزعمون أنهسم آمنوا بمسا أنزل إليسك ومسا أنزل مسن قبلك‬
‫يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقسد أمروا أن يكفروا بسه ويريسد الشيطان أن يضلهسم‬
‫ضلل بعيدا‪ ،‬وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ال وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون‬
‫عنسك صسدودا‪ ،‬فكيسف إذا أصسابتهم مصسيبة بمسا قدمست أيديهسم ثسم جاءوك يحلفون بال إن‬
‫أردنا إل إحسانا وتوفيقا‪ ،‬أولئك الذين يعلم ال ما في قلوبهم‪-‬إلى قوله تعالى‪-‬فل وربك ل‬
‫يؤمنون حتسسى يحكموك فيمسسا شجسسر بينهسسم ثسسم ل يجدوا فسسي أنفسسسهم حرجسسا ممسسا قضيسست‬
‫ويسلموا تسليما‪[ .))..‬النساء‪]65-60 :‬‬
‫وهذه الية الخيرة ذكر بعض العلماء أنها نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من‬
‫النصسار‪ ،‬اختصسما إلى النسبي صسلى ال عليسه وسسلم فسي بعسض المسر‪ ،‬ومعنسى ذلك أنهسا‬
‫نزلت فسي ملسسمين‪ ،‬وبذلك يكون اليمان المنفسي هسو كمال اليمان الواجسب‪ ،‬وليسس أصسل‬
‫اليمان‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫وقال آخرون‪ :‬إنها نزلت في المنافق واليهودي الذين نزلت فيهما الية الولى‪(( :‬ألم‬
‫تر إلى الذين يزعمون‪ ))...‬الية‪ ،‬وأن اليهودي أراد الحتكام إلى الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬والمنافق أراد الحتكام إلى غيره‪.‬‬
‫ويرى ابن جرير رحمه ال أن الية الخيرة ينسجم معناها مع الية لولى‪ ،‬ول مانع‬
‫من أن يكون فيها بيان لقصة الزبير والنصاري‪.‬‬
‫قال رحمسه ال‪( :‬وهذا القول‪-‬أعنسي قول مسن قال‪ :‬عُنِي بسه المحتكمان إلى الطاغوت‬
‫اللذان وصف ال شأنهما في قوله‪(( :‬ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما‬
‫أنزل مسن قبلك)) أولى بالصسواب لن قوله تعالى‪(( :‬فل وربسك ل يؤمنون حتسى يحكموك‬
‫ي ل الخبر عنهم بقوله‪(( :‬ألم تر إلى الذين‬
‫فيما شجر بينهم)) في سياق قصة الذين ُأ سْ ِد َ‬
‫يزعمون أنهسم آمنوا بمسا أنزل إليسك‪ ))..‬ول دللة تدل على انقطاع قصستهم‪ ،‬فإلحاق بعسض‬
‫ذلك ببعض ما لم تأت دللة على انقطاعه أولى‪.‬‬
‫فإن ظسسن ظان أن فسسي الذي روي عسسن الزبيسسر وابسسن الزبيسسر‪-‬مسسن قصسسته وقصسسة‬
‫النصساري فسي شراج الحرة وقول مسن قال فسي خبرهمسا‪ ،‬فنزلت‪(( :‬فل وربسك ل يؤمنون‬
‫حتسى يحكموك فيمسا شجسر بينهسم)) مسا ينبسئ عسن انقطاع حكسم هذه اليسة مسن قصسة اليات‬
‫التسي قبلهسا‪ ،‬فإنسه غيسر مسستحيل أن تكون اليسة نزلت فسي قصسة المحتكميسن إلى الطاغوت‪،‬‬
‫ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه النصاري‪ ،‬إذ كانت الية دالة على ذلك‪،‬‬
‫وإذ كان ذلك غيسسر مسسستحيل كان إلحاق معنسسى بعسسض ذلك ببعسسض أولى‪ ،‬مسسا دام الكلم‬
‫متسسقة معانيسه على سسياق واحسد‪ ،‬إل أن تأتسي دللة على انقطاع بعسض ذلك مسن بعسض‬
‫فيعدل به عن معنى قبله)‪ [.‬جامع البيان عن تأويل آي القرآن (‪.].)160-5/159‬‬
‫وعلى هذا القول الذي رجحسسه ابسسن جريسسر رحمسسه ال يكون التحاكسسم إلى الطاغوت‬
‫والنفور عسسن التحاكسسم إلى شرع ال كفرا‪ ،‬وإن كانسست دللة اليسسة يدخسسل فيهسسا مسسا حصسسل‬
‫للزبيسر والنصساري‪ ،‬فإن ذلك يكون بيانسا لنفسي اليمان الواجسب وليسس لصسل اليمان‪[.‬‬
‫لن النصساري وإن حصسل عنده شيسء مسن المتعاض مسن حكسم الرسسول صسلى ال عليسه‬
‫وسلم للزبير‪-‬لم يكن يريد التحاكم إلى الطاغوت‪ ،‬بخلف المنافق‪.] .‬‬
‫وعلى هذين المعنيين يمكن تنزيل اليات التية‪:‬‬
‫((ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الكافرون‪))..‬‬
‫((ومن لم يحكم بما أنزل ال فألئك هم الظالمون‪))...‬‬
‫((ومن لم يحكم بما أنزل ال فأولئك هم الفاسقون‪ [.))..‬المائدة‪]47 ،45 ،44 :‬‬
‫فالذي يحكسسم بغيسسر مسسا أنزل ال معتقدا جواز ذلك‪ ،‬ولو حكسسم بمسسا أنزل ال مسسع هذا‬
‫العتقاد‪ ،‬فكفره كفر أكبر‪ ،‬وظلمه وظلم أكبر‪ ،‬وفسقه فسق أكبر‪ ،‬أي إنه ليس مسلما بل‬
‫هو خارج عن ملة السلم‪.‬‬
‫والذيسسن فسسسروا الكفسسر والظلم والفسسسق بالكفسسر الصسسغر والظلم الصسسغر والفسسسق‬
‫الصسغر مسن السسلف‪ ،‬ل بسد أن يكون مرادهسم بذلك مسن حكسم بغيسر مسا أنزل ال فسي بعسض‬
‫القضايا‪-‬لِهوى أو صداقة أو أخذ مال ونحو ذلك‪-‬وهو يعتقد أنه قد عصى ربه بما فعل‪،‬‬
‫وليسس مسن اسستحل الحكسم بغيسر مسا أنزل ال صسراحة أو دلت القرائن الظاهرة أنسه يفضسل‬
‫حكم الطاغوت على حكم ال‪ ،‬فهذا ل يمكن أن يقصده السلف يكفر دون كفر أو ظلم دون‬
‫‪49‬‬

‫ظلم أو فسق دون فسق‪ ،‬لنه مؤمن بالطاغوت كافر بال‪ .‬وال تعالى يقول‪(( :‬ولقد بعثنا‬
‫في كل أمة رسول أن اعبدوا ال واجتنبوا الطاغوت))‪ [.‬النحل‪]36 :‬‬
‫قال القرطسسبي رحمسسه ال‪( :‬قوله تعالى‪(( :‬ومسسن لم يحكسسم بمسسا أنزل ال فأولئك هسسم‬
‫الكافرون‪ ))...‬و ((الظالمون)) و ((الفاسسسقون)) نزلت كلهسسا فسسي الكفار‪ ،‬ثبسست ذلك فسسي‬
‫صحيح مسلم من حديث البراء‪ ،‬وقد تقدم‪ ،‬وعلى هذا المعظم‪.‬‬
‫فأما المسلم فل يكفر وإن ارتكب كبيرة‪ ،‬وقيل فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل‬
‫ال ردا للقرآن‪ ،‬وجحدا لقول الرسسول عليسه الصسلة والسسلم‪ ،‬فهسو كافسر‪ ،‬قاله ابسن عباس‬
‫ومجاهد‪ .‬فالية عامة على هذا‪ .‬قال ابن مسعود والحسن‪ :‬هي عامة في كل من لم يحكم‬
‫بمسا أنزل ال مسن المسسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومسستحل له‪ ،‬فأمسا مسن فعسل‬
‫ذلك وهسو معتقسد أنسه راكبُس جرمٍس فهسو مسن فسساق المسسلمين‪ ،‬وأمره إلى ال تعالى‪ ،‬إن شاء‬
‫عذبه‪ ،‬وإن شاء غفر له) [الجامع لحكام القرآن (‪.])6/190‬‬
‫وقال ابن القيم‪ ،‬رحمه ال‪( :‬والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل ال يتناول الكفرين‪،‬‬
‫الصسغر والكسبر بحسسب حال الحاكسم‪ ،‬فإنسه إن اعتقسد وجوب الحكسم بمسا أنزل ال فسي هذه‬
‫الواقعسة‪ ،‬وعدل عنسه عصسيانا‪ ،‬مسع اعترافسه بأنسه مسستحق للعقوبسة‪ ،‬فهذا كفسر أصسغر‪ ،‬وإن‬
‫اعتقسد أنسه غيسر واجسب وأنسه مخيسر فيسه‪ ،‬مسع تيقنسه أنسه حكسم ال [كمسا يفعله مسن يسسمون‬
‫بالمشرعيسن فسي هذا العصسر] فهذا كفسر أكسبر‪ ،‬وإن جهله وأخطأه‪ ،‬فهذا مخطسئ له حسسكم‬
‫المخطئين)‪ [.‬مدا رج السالكين‪].)336 / 1( :‬‬
‫وإنمسا كان تحكيسم شرع ال مسن غايات أهسل الحسق فسي السسباق إلى العقول‪ ،‬لن تحكيسم‬
‫شرع ال يعصسسم المسسم مسسن الزلل والفسسساد والظلم والطغيان‪ ،‬ويقيسسم العدل ويعطسسي كسسل‬
‫صاحب حق حقه ويساوي بين الناس‪ ،‬فل يحابي أحدا على أحد‪ ،‬وبه تستقيم حياة البشر‬
‫ويحفسظ الديسن والنفسس والعقسل والنسسل والعرض والمال‪ ،‬كمسا قال تعالى فسي فيمسن حكّمس‬
‫شرعسه‪(( :‬ولينصسرن ال مسن ينصسره‪ ،‬إن ال لقوي عزيسز‪ ،‬الذيسن إن مكناهسم فسي الرض‬
‫أقاموا الصلة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ول عاقبة المور‪[.))..‬‬
‫الحج‪]41 ،40 :‬‬
‫يضاف إلى ذلك أن حكسسم ال عبادة يكفسسر مسسن جحدهسسا وحاربهسسا‪ ،‬ول يكون النسسسان‬
‫موحدا ل إل بإيمانه بذلك‪.‬‬
‫وأمسا تحكيسم غيسر شرع ال فهسو تحكيسم للبشسر‪ ،‬والبشسر تتحكسم فسي تشريعهسم الهواء‬
‫والجهل وعدم الحاطة بالمصالح والغفلة والحسد والحب والكره وغير ذلك‪.‬‬
‫وبذلك ينتشسسر الظلم والفسسساد والفواحسسش والتناحسسر بيسسن الناس‪ ،‬لن قوانيسسن البشسسر‬
‫تتعارض بتعارض مصسالحهم وأهوائهسم وجهلهسم وبتصسارع الناس على كراسسي الحكسم‪،‬‬
‫فإذا غلب فرد فردا أو حزب حزبا أو دولة دولةً‪ ،‬شرع الغالب ما يريد من القوانين التي‬
‫يحكسم بهسا المغلوب‪ ،‬فيظلمسه ويسسلبه حقوقسه ويعيسث فسي الرض فسسادا‪ ،‬لعدم وجود مسا‬
‫يضبطه من شرع ال‪ ،‬وذلك هو حكم الجاهلية‪.‬‬
‫((أفحكم الجاهلية يبغون‪ ،‬ومن أحسن من ال حكما لقوم يوقنون‪[.))..‬المائدة‪]50 :‬‬
‫((ومسن الناس مسن يعجبسك قوله فسي الحياة الدنيسا ويشهسد ال على مسا فسي قلبسه وهسو ألد‬
‫الخصسام‪ ،‬وإذا تولى سسعى فسي الرض ليفسسد فيهسا ويهلك الحرث والنسسل وال ل يحسب‬
‫‪50‬‬

‫الفسساد‪ ،‬وإذا قيسل له اتسق ال أخذتسه العزة بالثسم فحسسبه جهنسم وبئس المهاد‪[ .))..‬البقرة‪:‬‬
‫‪]206 ،204‬‬

‫سمممابعا‪ :‬تثمممبيت الولء لله ولرسممموله وللمؤمنيمممن‬
‫والبراء من الكافرين‪.‬‬
‫ل إلى عقول الناس‪ ،‬بغرس الولء وتثسبيته ل ولرسسوله‬
‫ويسسابق أهلُ الحقِس أهلَ الباط ِ‬
‫وللمؤمنيسن والبراء مسن كسل مسن حاد ال ورسسوله والمؤمنيسن‪ ،‬عمل بقوله تعالى‪(( :‬إِنّمَا‬
‫ل الَ وَرَسسُولَ ُه والّذينَس آمَنُوا َفإِن‬
‫َولِيّكُمسُ الُ وَرَسسُوُلهُ وَالّذِينَس آمَنُوا‪-‬إلى قوله‪ :-‬وَمَن يَتَ َو ّ‬
‫ب الِ هُ ُم الْغَالِبُون))‪[.‬المائدة‪]56-55 :‬‬
‫حِزْ َ‬
‫وبقوله تعالى‪(( :‬ل تجد قوما يؤمنون بال واليوم الخر يوادون من حاد ال ورسوله‬
‫ولو كانوا آباءهسسم أو أبناءهسسم أو إخوانهسسم أو عشيرتهسسم أولئك كتسسب فسسي قلوبهسسم اليمان‬
‫وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها النهار خالدين فيها رضي ال عنهم‬
‫ورضوا عنه أولئك حزب ال أل إن حزب ال هم المفلحون))‪[.‬المجادلة‪]22 :‬‬
‫ولعلمهسم بأن هذا الولء يجعسل صساحبه يدور مسع الحسق حيسث دار ولو خالفسه فسي ذلك‬
‫أقرب المقربين إليه‪ ،‬كأبيه وابنه‪ ..‬كما هو واضح من آية المجادلة السابقة‪.‬‬
‫ولن المنهج الرباني الذي جاء به الرسول من عند ربه هو الحق وكل ما خالفه فهو‬
‫الباطسل‪ ،‬والصسل فسي المؤمنيسن بهذا المنهسج أن يكونوا على الحسق‪ .‬فالولء ل ولرسسوله‬
‫وللمؤمنين هو ولء للحق‪.‬‬
‫ولن الحسق يقوى ويثبست فسي الرض بكثرة المواليسن له المتناصسرين عليسه‪ .‬فإذا قوي‬
‫الحسق وثبست سسعد بسه أهسل الرض واهتدوا وكثسر فيهسم الصسلح الذي أسساسه اتباع الحسق‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪(( :‬هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق))‪[ .‬التوبة‪]32 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬كان الناس أمسسة واحدة فبعسسث ال النسسبيين مبشريسسن ومنذريسسن وأنزل‬
‫معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إل الذين أوتوه من‬
‫بعسد مسا جاءتهسم البينات بغيسا بينهسم فهدى ال الذيسن آمنوا لمسا اختلفوا فيسه مسن الحسق بإذنسه‬
‫وال يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم))‪[.‬البقرة‪]213 :‬‬
‫وبثبات الحسق يضمحسل الفسساد الذي أسساسه اتباع الهوى‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬ولو اتبسع‬
‫الحق أهواءهم لفسدت السماوات والرض ومن فيهن‪[.))..‬المؤمنون‪]71 :‬‬
‫ومن أمثال القرآن لثبات الحق وما يترتب عليه من صلح‪ ،‬واضمحلل الباطل وما‬
‫يترتسب على وجوده مسن فسساد قوله تعالى‪(( :‬أنزل مسن السسماء ماء فسسالت أوديسة بقدرهسا‬
‫فاحتمسل السسيل زبدا رابيسا وممسا يوقدون عليسه مسن النار ابتغاء حليسة‪ ،‬أو متاع زبسد مثله‬
‫كذلك يضرب ال الحسق والباطسل فأمسا الزبسد فيذهسب جفاء وأمسا مسا ينفسع الناس فيمكسث فسي‬
‫الرض كذلك يضرب ال المثال))‪[.‬الرعد‪]17 :‬‬
‫وغنسسي عسسن البيان أن أهسسل الحسسق‪-‬رعاة ورعيسسة‪-‬ل يخشون مسسن الولء ل ولرسسسوله‬
‫وللمؤمنين‪ ،‬اعتداءً من قوي على ضعيف أو خروجا من رعية على راع‪ ،‬بل ول يخشى‬
‫أهسل الباطسل مسن ولء المؤمنيسن ل ورسسوله ظلمسا ول هضمسا ول عدوانسا‪ ،‬لن ال بعسث‬
‫‪51‬‬

‫رسوله بالحق الذي يعطي كل ذي حق حقه‪ [.‬وليس في جهاد قادة الباطل الذين يحاربون‬
‫الدعاة إلى ال‪،‬له وتبليغ الناس رسالة ال وصدهم عن سماع البلغ المبين‪ ،‬ومنعهم عن‬
‫الدخول فسي ديسن ال بعسد أن يتسبين لهسم أنسه الحسق‪ ،‬ليسس فسي ذلك اعتداء على أولئك القادة‪،‬‬
‫بل فيه إخراج للبشر من ظلمات الكفر إلى نور اليمان‪ ،‬وإنقاذ لهم من النار إلى الدخول‬
‫في جنات النعيم‪] ...‬‬
‫فالمؤمنون يتعاونون على البر والتقوى وينصسسر قويهسسم ضعيفهسسم‪(( :‬إِنّمَا الْمُؤْمِنُون سَ‬
‫ِإخْوَةٌ))‪[.‬الحجرات‪( ]10 :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)‪ [.‬اللؤلؤ والمرجان‬
‫فيمسا اتفسق عليسه الشيخان‪( :‬ص‪ 703 :‬رقسم‪ ].)1670 :‬ويقيمون العدل فيمسا بينهسم وفيمسا‬
‫بينهسم وبيسن عدوهسم‪ ،‬كمسا مضسى فسي مثسل قوله تعالى‪(( :‬ول يجرمنكسم شنآن قوم على أل‬
‫تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى))‪[.‬المائدة‪]8 :‬‬

‫ثامنا‪ :‬غرس الخلق الفاضلة في النفوس‪.‬‬
‫الجانب الخلقي في النسان هو الذي يحدد موقع صاحبه أهو إنسان حقا أم أنه أحط‬
‫من رتبة الحيوان؟!‬
‫ولهذا كان أئمة أهل الحق الذين يسابقون غيرهم من أهل الباطل بالحق إلى العقول‪،‬‬
‫هسم منبسع الخلق الفاضلة وقدوة البشسر فيهسا‪ ،‬ولهذا وصسف ال تعالى خاتسم رسسله محمدا‬
‫صلى ال عليه وسلم بهذا الوصف العالي‪(( :‬وإنك لعلى خلق عظيم))‪[.‬القلم‪]4 :‬‬
‫وعندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي ال عنها عن خلقه صلى ال عليه وسلم لم‬
‫تزد السائل على قولها له‪" :‬كان خلقه القرآن"‪ [.‬صحيح مسلم (‪ )1/513‬بلفظ‪ " :‬فإن خلق‬
‫نبي ال صلى ال عليه وسلم كان القرآن "‪].‬‬
‫وهذا الجواب المختصر الجامع (والسنة وحي كالقرآن إل أنها غير متلوة) يدل على‬
‫أن تصسرفات الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم فسي حياتسه سسواء فسي علقتسه مسع ربسه أو مسع‬
‫الناس قريبهسم وبعيدهسم كان محكومسة بالقرآن‪ ،‬فإذا سمع الناس قوله صسلى ال عليه وسسلم‬
‫أو رأوا فعله‪ ،‬علموا معانسي القرآن الكريسم‪ ،‬فكأن القرآن ينطسق بلسسانه ويتحرك بحركتسه‪،‬‬
‫ولهذا كان صلى ال عليه وسلم القدوة الحسنة لمته‪(( :‬لقد كان لكم في رسول ال أسوة‬
‫حسنة لمن كان يرجو ال واليوم الخر وذكر ال كثيرا ))‪[.‬الحزاب‪]21 :‬‬
‫والخلق الفاضلة فسسي السسسلم شاملة لنشاط المؤمسسن كله باطنسسه وظاهره‪ ،‬وليسسست‬
‫مقصسسورة على تصسرفات محدودة‪ ،‬ويدل على هذا الشمول جواب عائشسة السسابق‪" :‬كان‬
‫خلقه القرآن‪"..‬‬
‫ويمتاز اتصاف أهل الحق بالخلق الفاضلة عن سواهم من أهل الباطل بأمور‪:‬‬
‫المسر الول‪ :‬إيمان أهسل الحسق بمشروعيسة تلك الخلق الفاضلة إيمانسا صسادرا عسن‬
‫شرع ربانسي‪ ،‬أي إنهسا أخلق مشروعسة مسن عنسد ال تعالى‪ ،‬فهسو الذي شرعهسا ورضسي‬
‫التصسساف بهسسا وإن كانسست العقول السسسليمة تقسسر بأن تلك الخلق حميدة والتصسساف بهسسا‬
‫خير‪.‬‬
‫المسر الثانسي‪ :‬أن أهسل الحسق يتصسفون بتلك الخلق طمعسا فسي رضسا ال وهربسا مسن‬
‫‪52‬‬

‫سخطه تعالى‪ ،‬ويرجون عليها ثوابه بدخول الجنة‪ ،‬والنجاة من النار‪.‬‬
‫المسسسسر الثالث‪ :‬أن أهسسسسل الحسسسسق يثبتون على اللتزام بتلك الخلق على كسسسسل حال‬
‫ويتخذون اتصافهم بها عبادة لربهم‪ ،‬فاتصافهم بالخلق الفاضلة ثابت ودائم‪ ،‬وليس تابعا‬
‫للهواء يتقلب بتقلبهسا ((ومسا كان لمؤمسن ول مؤمنسة إذا قضسى ال ورسسوله أمرا أن يكون‬
‫لهم الخيرة من أمرهم ))‪[.‬الحزاب‪]36 :‬‬
‫المسسر الرابسسع‪ :‬أن أهسسل الحسسق الذيسسن يتصسسفون بتلك الخلق الفاضلة يحبون لجميسسع‬
‫الناس أن يتصسفوا بهسا مثلهسم مسن أجسل سسعادتهم بهسا‪ ،‬ولذلك يسسعى أهسل الحسق سسعيا حثيثسا‬
‫لدعوة الناس إلى التصساف بهسا والتمتسع بثمراتهسا‪ ،‬كمسا يسسعون إلى إزالة كسل خلق سسيئ‬
‫يفسد حياة البشر وينشر بينهم الضلل والفحش والمنكر‪.‬‬

‫نماذج من الخلق الفاضلة‪.‬‬
‫ولنذكر شيئا من الخلق الفاضلة التي يتصف بها أهل الحق‪ ،‬وقد يتصف ببعضها‬
‫أهل الباطل‪ ،‬ولكن ليس كاتصاف أهل الحق بها‪ ،‬لن أهل الحق يمتازون عن سواهم في‬
‫التصاف بالخلق الفاضلة بميزات ل توجد في غيرهم‪ ،‬كما مضى‪ .‬ومن تلك الخلق‪:‬‬

‫أول‪ :‬الخلص في العمال‪.‬‬
‫أي إنهسسسم يريدون بأعمالهسسسم وجسسسه ال وحده‪ ،‬فل يتصسسسفون بخلق ول يعملون عمل‬
‫يريدون مسن ورائه مدحسا ول ثناء مسن غيسر ال‪ ،‬ول جاهسا أو منصسبا أو مال أو غيسر ذلك‬
‫من المخلوقين‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وما أمروا إل ليعبدوا ال مخلصين له الدين‪[.))..‬البينة‪:‬‬
‫‪]5‬‬
‫والذي يعمل العمل مخلصا ل‪ ،‬ل يترك عمله من أجل هوى أو شهوة أو تقر بٍ لحدٍ‬
‫مسن الخلق‪ [.‬وقسد فصسلت القول فسي أهميسة الخلص وصسعوبته والسسباب المعينسة على‬
‫التصاف به في كتاب‪ :‬اليمان هو الساس‪ ،‬في مبحث‪ :‬اليمان باليوم الخر‪ ،‬فليراجعه‬
‫من شاء…]‬

‫ثانيا‪ :‬التزام الصدق‪.‬‬
‫وخلق الصسدق فسي النسسان يجعله مسستقيم السسيرة مسع ربسه ومسع الخلق‪ :‬يصسدق فسي‬
‫إيمانه وفي عبادته‪ ،‬وفي معاملته مع أسرته‪ ،‬ومع جيرانه ومع مجتمعه كله‪ ،‬وباستقامة‬
‫الناس على هذه السيرة المبنية على الصدق تستقيم الحياة‪.‬‬
‫والصدق شرط أساسي في أهل الحق الذين يسابقون أهل الباطل إلى العقول بحقهم‪،‬‬
‫فل يقبل الحقّ اللهيّ إل الصادقون‪ ،‬ول يحمله إل الصادقون‪ ،‬ول يدعو إليه ويثابر في‬
‫الدعوة إليسسه إل الصسسادقون‪ ،‬ول يصسسبر على البلء فسسي السسسباق إلى العقول بالحسسق إل‬
‫الصادقون‪.‬‬
‫فالصسادقون هسم أهسل الحسق الذيسن َيحْيَونَس صسادقين‪ ،‬مهمسا كلفهسم الصسدق مسن تبعات‪،‬‬
‫ويموتون على الصدق‪ ،‬لنهم يعلمون أنه ل ينفع عند ال إل الصدق‪ ،‬ول يبقى الحق في‬
‫الرض إل بالصدق‪ ،‬ول حق بدون صدق‪ ،‬كما أنه ل صدق بدون حق‪.‬‬
‫‪53‬‬

‫ولمسا كان ال تعالى هسو الحسق‪ ،‬وهسو مصسدر الحسق أسسند إلى نفسسه الصسدق‪ ،‬ونفسى أن‬
‫يكون أحد أصدق منه‪.‬‬
‫كمسسسسا قال تعالى‪(( :‬قسسسسل صسسسسدق ال فاتبعوا ملة إبراهيسسسسم حنيفسسسسا ومسسسسا كان مسسسسن‬
‫المشركين))‪[.‬آل عمران‪]95 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ومن أصدق من ال حديثا))‪[.‬النساء‪]87 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وعد ال حقا ومن أصدق من ال قيل))‪[.‬النساء‪]122 :‬‬
‫والصدق من صفات أولي العزم من الرسل الذين يسألهم ال يوم القيامة عن صدقهم‬
‫إقامة للحجة على من كذب بالصدق‪ ،‬ول يكذب بالصدق إل الكاذبون‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وإذ أخذنسسا مسسن النسسبيين ميثاقهسسم ومنسسك ومسسن نوح وإبراهيسسم وموسسسى‬
‫وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا‪ ،‬ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين‬
‫عذابا أليما))‪[.‬الحزاب‪]8 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون))‪[.‬الزمر‪]33 :‬‬
‫وأهسل الحسق الصسادقون ينفعهم صسدقهم عنسد ال يوم يلقونه فسي الدار الخرة‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى‪(( :‬هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها النهار خالدين فيها‬
‫أبدا رضي ال عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم))‪[.‬المائدة‪]119 :‬‬
‫وإنمسسا كان للصسسدق هذه المنزلة العظيمسسة لمسسا يترتسسب عليسسه مسسن الثار السسسامية‪ ،‬فإن‬
‫صاحبه يَ صْدُق ربّه في إيمانه وفي عبادته‪ ،‬فل يكون منافقا يظهر خلف ما يبطن‪ ،‬ول‬
‫مرائيسسا يعمسسل العمسسل الذي ظاهره الصسسلح مسسن أجسسل أن يراه الناس فيحمدونسه‪ ،‬فإذا خل‬
‫بنفسه بارز ال بخلف ذلك‪ ،‬و َيصْدُق الناسَ الذين يتعامل معهم في أي موقع كان‪ ،‬حاكما‬
‫كان أو محكوما‪ ،‬خادما كان أو مخدوما‪ ،‬أبا كان أو ولدا‪ ،‬يُصَدّق فعلُه قولَه‪ ،‬فتسري الثقة‬
‫بين الناس بالصدق‪ ،‬ول يتوجس أحد من آخر خيفة بسبب الكذب‪ .‬إيمانه صادق وجهاده‬
‫بأعسز مسا يملك‪( :‬ماله ونفسسه)‪ ،‬صسادق كمسا قال تعالى‪(( :‬إنمسا المؤمنون الذيسن آمنوا بال‬
‫ورسسسسسوله ثسسسسم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهسسسسم وأنفسسسسسهم فسسسسي سسسسسبيل ال أولئك هسسسسم‬
‫الصادقون))[الحجرات‪]15 :‬‬
‫ب الذي هو من أبرز صفات أعداء ال من‬
‫ويُظهر هذه المنزلةَ العظيمة للصدق‪ :‬الكذ ُ‬
‫الكافريسسن والمنافقيسسن‪ ،‬وإمام الكاذبيسسن هسسو إبليسسس الذي يعدهسسم ويمنيهسسم ويكذب عليهسسم‬
‫ويغريهسم بالكذب‪ ،‬فيضلهسم عسن الحسق حتسى يكذبوا بسه ويصسدقوا الباطسل‪ ،‬فإذا جاء اليوم‬
‫الذي ل ينفسع فيسه إل الصسدق وعاينوا جزاء التكذيسب بالصسدق‪ ،‬بسث حقده وأظهسر ازدراءه‬
‫لهم وأنزل الحسرة في قلوبهم وتبرأ منهم فعرفوه على حقيقته‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وبرزوا‬
‫ل جميعسا فقال الضعفاء للذيسن اسستكبروا إنسا كنسا لكسم تبعسا فهسل أنتسم مغنون عنسا مسن عذاب‬
‫ال من شئ قالوا لو هدانا ال لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص‪،‬‬
‫وقال الشيطان لما قضي المر إن ال وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي‬
‫عليكسسم مسسن سسسلطان إل أن دعوتكسسم فاسسستجبتم لي فل تلومونسسي ولوموا أنفسسسكم مسسا أنسسا‬
‫بمصسرخكم ومسا أنتسم بمصسرخي إنسي كفرت بمسا أشركتمونِس مسن قبسل إن الظالميسن لهسم‬
‫عذاب أليسسم))[إبراهيسسم‪ 22 :‬أصسسل الصسسراخ‪ :‬الصسسوت الشديسسد‪ ،‬والصسسارخ‪ :‬المسسستغيث‪.‬‬
‫والمصرخ‪-‬على وزن المكرم‪-‬المغيث‪].‬‬
‫‪54‬‬

‫تأمسسل قول ال تعالى‪(( :‬إن ال وعدكسسم وعسسد الحسسق ووعدتكسسم فأخلفتكسسم)) أي إن ال‬
‫الحسق أمركسم بالحسق ووعدكسم على اليمان بسه وفعله وعدا حقسا‪ ،‬وهسو رضاه عمسن آمسن‬
‫بالحق وفَ َعلَه‪ ،‬وصدَق ال في وعده فأثاب أولياءه رضاه وجنته‪ ،‬كما قال تعالى بعد الية‬
‫السابقة‪(( :‬وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها النهار خالدين‬
‫فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم))‬
‫أما إبليس فقد صدهم عن الحق وأغراهم بالباطل‪ ،‬ووعدهم في الدنيا بالسعادة إذا هم‬
‫اتبعوه‪ ،‬وذلك كله كذب وافتراء‪ ،‬فلم يُعْمِلوا عقولهسم ويفكروا بهسا ليعرفوا صسدق الرسسول‬
‫صلى ال عليه وسلم وكذب الشيطان‪ ،‬فاتبعوا خطوات الشيطان‪ ،‬فكانت تلك عاقبتهم في‬
‫الخرة‪ :‬عذاب ال الذي ل يغنسسي عنهسسم منسسه أحسسد مسسن قادة الكفسسر والسسستكبار الذيسسن كان‬
‫خطاب إبليس خيبة أمل لهم جميعا في ذلك الموقف الرهيب‪.‬‬
‫وهذا هو جزاء كل من اتبع أهل الباطل من زعماء الضلل المحاربين ل ولرسوله‪،‬‬
‫الذيسسن دأبهسسم الكذب على أتباعهسسم فسسي دينهسسم ودنياهسسم يكفرون بال ويحاربون شريعتسسه‪،‬‬
‫ويحلفون اليمان المغلظسسة بأنهسسم هسسم المؤمنون‪(( :‬إذا جاءك المنافقون قالوا نشهسسد إنسسك‬
‫لرسسول ال وال يعلم إنسك لرسسوله وال يشهسد إن المنافقيسن لكاذبون‪ ،‬اتخذوا أيمانهسم جنسة‬
‫فصدوا عن سبيل ال إنهم ساء ما كنوا يعملون))‪[.‬المنافقون‪]2-1 :‬‬
‫ويفسسسدون فسسي الرض بتأييسسد الكفسسر والكافريسسن وموالتهسسم‪ ،‬ونشسسر الفسسسق والفجور‬
‫وتيسسسير سسسبل ارتكاب الفواحسسش والمنكرات والمحرمات‪ ،‬ومناصسسرة الظلم والظالميسسن‪،‬‬
‫وحجسب العدل عسن الضعفاء‪ ،‬والنغماس فسي الترف المهلك الذي يعينهسم عليسه السسلطان‬
‫والمال‪ ،‬ومحاربسسة أهسسل الحسسق والصسسلح الذيسسن يدعون الناس إلى الحسسق والصسسلح‪،‬‬
‫ويحذرونهسم مسن المنكسر والفسساد‪ ،‬ويضلل أولئك المفسسدون جماهيسر الناس المغفليسن بقلب‬
‫الحقائق‪ ،‬وبالكذب المتكرر منهم على تلك الجماهير مزينين لهم أعمالهم منفرين لهم من‬
‫سماع ما يدعوهم إليه أهل الحق‪ ،‬ويدّعون أن فسادهم صلح وصلح أهل الحق فساد‪،‬‬
‫كما قال تعالى‪(( :‬ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد ال على ما في قلبه‬
‫وهو ألد الخصسام‪ ،‬وإذا تولى سعى فسي الرض ليفسد فيهسا ويهلك الحرث والنسل وال ل‬
‫يحسسب الفسسساد‪ ،‬وإذا قيسسل له اتسسق ال أخذتسسه العزة بالثسسم فحسسسبه جهنسسم ولبئس المهاد))‪[.‬‬
‫البقرة‪]206 ،204 :‬‬
‫((وإذا قيسسل لهسسم ل تفسسسدوا فسسي الرض قالوا إنمسسا نحسسن مصسسلحون أل إنهسسم هسسم‬
‫المفسدون ولكن ل يشعرون))‪[.‬البقرة‪]12-11 :‬‬
‫وإذا كان يترتب على الكذب واتباع أهله ذلك الجزاء الخروي‪ ،‬فإنه يترتب عليه في‬
‫الدنيسسا أيضسسا الفوضسسى والضطراب وسسسوء العاقبسسة والمحسسن التسسي تزلزل البشسسر زلزال‬
‫شديدا في كل شؤون حياتهم‪.‬‬

‫الضرار الرئيسة المترتبة على الكذب‪.‬‬
‫ولو أردنسسا اسسستعراض الضرار المترتبسسة على الكذب لطال الكلم على ذلك ولذلك‬
‫نكتفي بالضرار الرئيسة التية‪:‬‬
‫‪55‬‬

‫الضرر الول‪ :‬القول على الله بالباطمممممممل بعلم أو‬
‫بغير علم‪.‬‬
‫وهذه صسفة علماء السسوء مسن أهسل الكتاب ومسن اقتدى بهسم مسن هذه المسة‪ ،‬كمسا قال‬
‫تعالى‪(( :‬فويسل للذيسن يكتبون الكتاب بأيديهسم‪ ،‬ثسم يقولون هذا مسن عنسد ال ليشتروا بسه ثمنسا‬
‫قليل فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون))‪[.‬البقرة‪]79 :‬‬
‫وصسفة الجهلة مسن المشركيسن أيضسا‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬قسل آلذكريسن حرم أم النثييسن‬
‫أما اشتملت عليه أرحام النثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم ال بهذا فمن أظلم ممن افترى‬
‫على ال كذبا ليضل الناس بغير علم إن ال ل يهدي القوم الظالمين))‪[.‬النعام‪]144 :‬‬

‫الضرر الثانحي‪ :‬تحليحل محا حرم الله وتحريحم‬
‫ما أحل‪.‬‬
‫وهسو مترتسب على القول على ال بعلم أو بل علم‪ ،‬مسع نسسبة ذلك إلى ال تعالى كذبسا‬
‫وبهتانا‪ ،‬فيجمعون بذلك بين الكذب والفتراء على ال‪-‬عن علم أو عن غير علم‪-‬وتحريم‬
‫الحلل وتحليسسل الحرام‪ ،‬ويدخسسل فسسي هذا كسسل حلل وحرام‪ .‬أو محاربسسة دينسسه وشريعتسسه‬
‫بإنكارهمسا‪ ،‬وادعاء حسق التشريسع ادعاء صسريحا‪ ،‬ويصسدرون النظمسة والقوانيسن التسي‬
‫تحرم مسسا أحسسل ال للناس وتضيسسق عليهسسم مسسا وسسسع ال لهسسم‪ ،‬أو تحلل مسسا حرم ال مسسن‬
‫المعاصي المتنوعة بحسب الهواء في التحليل والتحريم معا‪.‬‬

‫الضرر الثالث‪ :‬الكذب السياسي المدمر‪.‬‬
‫وهذا يحصسل مسن الطغاة المحاربيسن للحسق وأهله‪ ،‬عندمسا تعوزهسم الحجسة ويصسرعهم‬
‫برهان الحسق‪ ،‬ومسن المثلة الواضحسة على هذا موقسف فرعون مسن دعوة موسسى وأخيسه‬
‫هارون عليهمسا السسلم‪ ،‬فقسد حاول محاورة موسسى فغلبسه موسسى‪ ،‬وحاول السستعانة عليسه‬
‫بالسحرة والحشود الجماهيرية فغلبه موسى‪ ،‬فلجأ إلى الكذب والفتراء مدعيا أن موسى‬
‫إنمسا جاءهسم بمسا جاء بسه‪ ،‬ليسستولي على الحكسم ويخرج أهسل مصسر مسن بلدهسم ويتكسبر‬
‫عليهم‪-‬كما يقول المثل‪" :‬رمتني بدائها وانسلت"‪.‬‬
‫قال تعالى عسسسسن فرعون‪-‬بعسسسسد ذكره حوارا طويل معسسسسه‪(( :‬قال للمل حوله إن هذا‬
‫لسسساحر عليسسم يريسسد أن يخرجكسسم مسسن أرضكسسم بسسسحره فماذا تأمرون‪ ،‬قالوا أرجسسه وأخاه‬
‫وابعسث فسي المدائن حاشرين‪ ،‬يأتوك بكسل سسحار عليسم‪ ،‬فجمسع السسحرة لميقات يوم معلوم‪،‬‬
‫وقيل للناس هل أنتم مجتمعون‪ ،‬لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين‪ ،‬فلما جاء السحرة‬
‫قالوا لفرعون أئن لنسا لجرا إن كنسا نحسن الغالبيسن‪ ،‬قال نعسم وإنكسم إذا لمسن المقربيسن‪ ،‬قال‬
‫لهسم موسسى ألقوا مسا أنتسم ملقون‪ ،‬فألقوا حبالهسم وعصسيهم وقالوا بعزة فرعون إنسا لنحسن‬
‫الغالبون‪ ،‬فألقسى موسسى عصساه فإذا هسي تلقسف مسا يأفكون‪ ،‬فألقسي السسحرة سساجدين‪ ،‬قالوا‬
‫آمنا برب العالمين‪ ،‬رب موسى وهارون‪ ،‬قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي‬
‫علمكم السحر فسوف تعلمون‪ ،‬لقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولصلبنكم أجمعين‪،‬‬
‫قالوا ل ضيسسر إنسسا إلى ربنسسا منقلبون‪ ،‬إنسسا نطمسسع أن يغفسسر لنسسا ربنسسا خطايانسسا أن كنسسا أول‬
‫‪56‬‬

‫المؤمنيسسسن)) إلى قوله تعالى‪(( :‬فأخرجناهسسسم مسسسن جنات وعيون وكنوز ومقام كريسسسم‪...‬‬
‫‪1‬‬
‫وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الخرين))‪[.‬طه‪ ]36-34 :‬؟؟‬
‫تلك هسي عاقبسة أهسل الباطسل الكاذبيسن مسن الطغاة الذيسن يدمرون أممهسم بكذبهسم عليهسم‪،‬‬
‫كمسسا حصسسل لفرعون و قومسسه‪ ،‬وهذه هسسي عاقبسة أهسسل الحسسق الصسسادقين الذيسسن ينصسسحون‬
‫لقومهسم ويبلغونهسم الحقائق‪ ،‬بدون زيسف ول افتراء كمسا حصسل لموسسى عليسه السسلم ومسن‬
‫معه‪.‬‬
‫ومسا أكثسر صسنف فرعون وقومسه الذيسن يكذبون على أممهسم فسي كسل شسئ ويسستخفونهم‬
‫فيطيعونهم‪ ،‬ويحاول أهل الحق إنقاذهم من سياسات ألئك الطغاة‪ ،‬فتوضع أمام محاولتهم‬
‫العقبات‪ ،‬ثسسم ل يتسسبين القوم كذب سسساستهم إل عندمسسا ينزل بهسسم الدمار‪ ،‬فيندمون ولت‬
‫سسساعة مندم‪ .‬وهذه المسم اليوم تسسساق إلى دمارهسسا وهلكهسا بكذب طغاتهسسا عليهسا وقلبهسم‬
‫الحقائق لها‪ ،‬وهذه الشعوب في الرض تُدمر في دينها ونفسها وعقلها ونسلها وعرضها‬
‫ومالهسا‪ ،‬ول تعتسبر بمسا جرى ويجري مسن المصسائب النازلة بهسا‪ ،‬ول زالت تسسير وراء‬
‫طغاتهسا كالشياه وراء الراعسي الحمسق‪ ،‬لم تسستبن رشدهسا الذي دعاهسا إليسه الصسادقون مسن‬
‫رجالها‪ ،‬على حد قول دريد بن الصمة‪:‬‬
‫أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى === فلم يستبينوا النصح إل ضحى الغد‬

‫أمثلة لكذب الطغاة المدمر للشعوب‪.‬‬
‫ول بسد مسن ذكسر بعسض المثلة الواقعسة لتتنبسه العقول الغافلة بهسا‪ ،‬فقسد عميست بصسائر‬
‫المسم عن العتبار بمسن سبقها في المم الماضية‪ ،‬ولعسل في التذكير بالواقسع مسا ينبه تلك‬
‫العقول الغافلة‪:‬‬
‫المثال الول‪ :‬الثورة الكماليسسة التسسي خطسسط لهسسا اليهود والنصسسارى‪ ،‬للجهاز على مسسا‬
‫بقي من رمز الخلفة السلمية التي حملها بنو عثمان‪.‬‬
‫فقسسد ضعفسست هذه الخلفسسة‪ ،‬حتسسى أصسسبحت تسسسمى بالرجسسل المريسسض‪ ،‬واحتسسل أعداء‬
‫السلم من الصليبيين الوربيين عاصمة الخلفة (الستانة) وقد أخرجوا صنما أحاطوه‬
‫بهالة من العظمة والنتصارات‪-‬وكان الخليفة سجينا في دار الخلفة‪-‬حتى انتعشت آمال‬
‫المسسسلمين الذيسسن ظنوا ذلك الصسسنم مجددا لمعركسسة بدر‪ ،‬وجهاد صسسلح الديسسن‪ ،‬وتخيلوا‬
‫الملئكسة وهسي تحفسه بالنصسر فسي السسماء وكتائب الجهاد ترفسع رايتسه الرض‪ ،‬فمدحسه‬
‫الشعراء وأثنوا عليه ثناء عطرا‪ ،‬كما قال فيه شوقي‪:‬‬
‫ال أكبر كم في الفتح من عجب‬
‫"""""""""يا خالد الترك جدد خالد العرب‬
‫يسوم كبدر فخيل الحق راقصسة‬
‫"""""""""على الصعيد وخيل ال في السحب‬
‫وأخذت أجهزة العلم المتاحسة فسي تلك الفترة تكيسل المديحَس للقائد المنتصسر‪ ،‬والقدحَس‬
‫والذمّ للخليفسة المغلوب على أمره‪ ،‬الذي بقسي يصسارع المسساومات اليهوديسة الصسليبية إلى‬
‫آخر لحظة من وليته‪.‬‬
‫‪-1‬طه‪36-34 :‬‬

‫‪57‬‬

‫ن التر كِ الصغير أن يقضي على رمز الخلفة‬
‫وبذلك سوغ الكذ بُ والتضليل لفرعو ِ‬
‫ويفصسل الديسن عسن الدولة‪-‬كمسا أراد ذلك اليهود والصسليبيون‪-‬ويطرد الخليفسة وأسسرته إلى‬
‫خارج حدود تركيا‪ ،‬ويحارب السلم وأهله حربا بل هوادة فيها‪ .‬ول زال أتباعه يحذون‬
‫‪1‬‬
‫حذوه في محاربة السلم والمسلمين‪ ،‬ليضاعفوا له الوزر الذي سيتضاعف لهم كذلك‪.‬‬
‫وعنسسد ذلك اسسستيقظ الغافلون عسسن المكسسر اليهودي الصسسليبي‪ ،‬وأخذوا ينوحون على‬
‫الخلفة والخليفة والسلم ويحاولون محاولة فاشلة‪ ،‬أن يجدوا لعودتهما سبيل‪ ،‬وهيهات‪،‬‬
‫و ذاق المسلمون بعدها أقسى عقاب وأعظم ذل‪ .‬فناحوا وبكوا‪ ،‬وهل يعيد الموتى النواح‬
‫والبكاء؟!‬
‫وهنا قال شوقي في الخلفة التي أطاح بها خالد الترك!‪:‬‬
‫عادت أغاني العرس رجع نُواحِي‬
‫"""""""""""ونُعِيتِ بين معالم الرواح‬
‫ُكفّنتِ في ليل الزفاف بثوبه‬
‫""""""""""""و ُدفِنتِ عند تبلج الصباح‬
‫ضجت عليكِ مآذن ومنابر‬
‫"""""""""""وبكت عليك ممالك ونَواح‬
‫الهند والهة ومصر حزينة‬
‫"""""""""""تبكي عليك بمدمع سحاح‬
‫والشام تسأل والعراق وفارس‬
‫""""""""""""أمحا من الرض الخلف َة ماح؟‍‬
‫[راجسع هذا المعانسي فسي‪ :‬التجاهات الوطنيسة فسي الدب المعاصسر‪ )225(.‬طبسع دار‬
‫الرشاد في بيروت‪ ،‬للدكتور محمد بن محمد حسين‪].‬‬
‫وأما كيف خدع المسلمين مصطفى كمال أتاتورك‪ ،‬وكذب عليهم حتى صدقوه‬
‫ودعموه‪ ،‬فيكفي نقل هذا المقطع من كتاب‪ :‬تاريخ الدولة العثمانية ‪( :2‬وكما أن الغربيين‬
‫قد نجحوا في مخططهم وجعلوا العالم السلمي كله يسير فخورا بضع سنوات وراء‬
‫الثورة الكمالية‪ ،‬فقد استغل مصطفى كمال عواطف المسلمين وأموالهم إلى أبعد حدود‬
‫الستغلل‪ ،‬وكسا ثورته لباسا إسلميا‪ ،‬سواء بأحاديثه وتصريحاته وخطبه أو بمعاملته‬
‫لزعماء المسلمين‪ ،‬فمن ذلك أنه استعان بالزعيم الليبي الشهير أحمد السنوسي وجعله‬
‫مستشارا له‪ ،‬وكان يبرق إليه‪ ،‬كما قال لي صديقي المير شكيب أرسلن‪ ،‬إذا أراد شن‬
‫هجوم على مكان ما قائل‪ :‬إننا ننوي الهجوم غدا أو بعد غدٍ على مكان ما‪ ،‬فاقرؤوا‬
‫البخاري الشريف على نية النجاح والتوفيق‪.‬‬
‫واسسستغل أيضسسا أعمال وأقوال جمعيسسة الخلفاء الهنديسسة التسسي قامسست برعايسسة الخويسسن‬
‫شوكسسست علي ومحمسسسد علي واسسسستغل الشعراء فمدحوه‪ ،‬والدباء فأثنوا عليسسه‪ ،‬ومشايسسسخ‬
‫الطرق فرفعوه إلى مقام الوليسسسة [‪-‬ول زال بعضهسسسم يؤيسسسد علمانيتسسسه إلى اليوم‪ .‬وهكذا‬
‫يسستغل الطغاة المحاربون للسسلم بعضَس المنتسسبين إلى العلم والدب للشادة بهسم حتسى‬
‫‪-1‬وما يفعله العسكر وحلفاؤهم في تركيا اليوم من حرب للقرآن ومدارسه‪ ،‬والمساجد وأئمتها‪ ،‬والدعاة إلى ال وأنصارهم‪ ،‬غير‬
‫خاف على أحد‪.‬‬
‫‪-2‬للستاذ محمد فريد بك المحامي تحقيق الدكتور إحسان حقي دار النفائس ص ‪ 754‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫يغتر بهم عوام الناس فيؤيد الطواغيت‪] .‬‬
‫كان مصطفى كمال يبطن غير ما يظهر وينوي أن يفعل غير ما يقول‪ ،‬إذ أنه ما كاد‬
‫ينتصسر نهائيسا ويطمئن إلى مصسيره‪ ،‬حتسى ألغسى الخلفسة وطرد الخليفسة مسن البلد وطرد‬
‫السسيد أحمسد السسنوسي‪ ،‬وتنكسر لكسل القيسم السسلمية وسسار بسسيرة ليسس فيهسا أي مصسلحة‬
‫للسسلم ول للمسسلمين‪ ،‬ل بسل ليسس فيهسا أيسة مصسلحة لتركيسا نفسسها‪ ،‬فهسا هسي تركيسا بعسد‬
‫مضسسي سسستين سسسنة على هذه الثورة‪ ،‬مسسا زالت بلدا ناميسسا ضعيفسسا‪ ،‬ل حول له ول طول‪،‬‬
‫فالحركسسة العلميسسة فيهسسا ضعيفسسة‪ ،‬والميسسة سسسائدة‪ ،‬والحياة الجتماعيسسة متأخرة والحالة‬
‫القتصسادية فسي الحضيسض‪ ،‬وكسل مسا فعلتسه هذه الثورة أنهسا شغلت الناس بأمور جانبيسة‬
‫تافهسة مثسل إلغاء الطربوش‪ ،‬وسسفور النسساء‪ ،‬ولو كان هذان المران تركسا للزمسن لتكفسل‬
‫بتحقيقهمسسا مسسن غيسسر ثورة كمسسا حدث فسسي كسسل البلد السسسلمية‪ [.)...‬ول زال الكماليون‬
‫مصسرين على تطسبيق العلمانيسة المعاديسة للسسلم والمحاربسة لهله فسي تركيسا ويضايقون‬
‫دعاة الحكسسسم بالسسسسلم‪ ،‬بسسسل بلغ بهسسسم المسسسر أن يغلقوا مدارس تحفيسسسظ القرآن الكريسسسم‪،‬‬
‫ويتخذون كسسل الوسسسائل للقضاء على تعليسسم الشباب المسسسلم العلوم السسسلمية‪ ،‬ومسسن ذلك‬
‫إغلقهسسم معاهسسد الئمسسة والخطباء‪ ،‬وعدم اعترافهسسم بشهادات الجامعات السسسلمية فسسي‬
‫عواصسم السسلم‪ ،‬كالزهسر والجامعسة السسلمية وغيرهمسا‪ ،‬ولكسن الصسحوة السسلمية‬
‫تشق طريقها إلى إعادة مجد السلم ورفع رايته وسينصرهم ال على أعدائهم‪].‬‬
‫المثال الثانسسي‪ :‬الثورة الناصسسرية فسسي مصسسر التسسي اتخسسذ زعماؤهسسا السسسلم واجهسسة‬
‫لثورتهم‪ ،‬والقومية العربية شعارا لهم‪ ،‬وعلى رأسهم عبد الناصر الذي اختفى وراء كبار‬
‫الضباط فسي أول المسر‪ ،‬واغتسر بهسم دعاة السسلم بسسبب كذبهسم ووعودهسم التسي قطعوهسا‬
‫على أنفسسهم‪ ،‬بسل إن عبسد الناصسر بايسع المرشد العام للخوان المسسلمين "حسسن البنسا"‪ ،‬ثم‬
‫خدعهم وقلب لهم ظهر المجن‪ ،‬وكان من أهم أسباب نجاح ثورته مناصرتهم له‪ ،‬اعتمادا‬
‫على أن ولءه وولء الضباط الحرار كان في الصل للسلم ودعاته‪ ،‬وكانت التسمية‬
‫نفسسها "الضباط الحرار" قسد أطلقهسا الخوان الذيسن كانوا مسسؤولين عسن الضباط‪ ،‬ولكسن‬
‫عبد الناصر الذي بايع المرشسد العام وسار تابعسا للمسؤول الذي عينه الخوان للشراف‬
‫على الضباط الذيسسن انضموا للحركسسة السسسلمية وارتبطوا بهسسا‪ ،‬كان يخطسسط فسسي الخفاء‬
‫لسسحب الولء له شخصسيا‪ ،‬بدل مسن الولء ل ولرسسوله وللمؤمنيسن‪ ،‬وكافسأ الخوان الذيسن‬
‫خدعهسسم وأقام الثورة على أكتافهسسم‪ ،‬بمسسا يعرفسسه القاصسسي والدانسسي مسسن العتقال والسسسجن‬
‫والتعذيسسب والقتسسل والتشريسسد والحظسسر لنشاطهسسم‪ [.‬راجسسع كتاب‪ :‬صسسفحات مسسن التاريسسخ‪،‬‬
‫لصسسلح شادي (‪ )1120‬ومسسا بعدهسسا‪ ،‬وراجسسع كتاب‪ :‬الخوان المسسسلمون لمحمود عبسسد‬
‫الحليم (وهو ثلثة أجزاء)‪].‬‬
‫كما أنه عندما تمكن من الحكم أسرف في وعوده وتبشيره للشعب المصري والعالم‬
‫العربسسي والشعوب السسسلمية‪ ،‬بأنسسه سسسيحقق لهسسم العزة والكرامسسة ضسسد البغسسي والعدوان‬
‫الجنسبي‪ ،‬ويرفسع عنهسم الذنسب الذي نزل بهسم وغل فسي رفسع شعار القوميسة العربيسة مخففسا‬
‫مسن ذكسر السسلم‪ ،‬ثسم تطور حكمسه إلى أن وصسل إلى الشتراكيسة‪ ،‬العربيسة ثسم الشتراكيسة‬
‫العلميسة‪ ،‬وأحدث شقاقسا ونزاعسا شديدا بيسن الدول العربيسة‪ ،‬بسل بيسن أحزاب قامست معتمدة‬
‫على دعمسه وتحسر يشسه وبيسن الحكومات القائمسة‪ ،‬وحكسم مصسر حكمسا عسسكريا بغيضسا‪،‬‬
‫‪59‬‬

‫وسلب الغنياء غناهم‪ ،‬وزاد الفقراء فقرا‪ ،‬حتى أصبحت مصر شبيهة بمقبرة يخيم عليها‬
‫الصمت المطبق‪ ،‬ل ينطق من سكانها إل من يسبح بحمد الطاغية‪.‬‬
‫وانقلبست العزة التسي بشسر بهسا الشعسب والعرب والمسسلمين إلى ذلة نالت كسل عربسي‬
‫ومسلم‪ ،‬ول زال المسلمون يسبحون في مستنقع تلك الذلة‪ ،‬فقد احتل اليهود مصر عمرو‬
‫بسسن العاص ومرتفعات الجولن والقدس ومسسا حولهسسا وغزة‪ ،‬ولم تعسسد أرض مصسسر إلى‬
‫خلَفُه أمام أقدام اليهود‪ ،‬ورفع العلم اليهودي على مصسر‪ ،‬ول‬
‫المصريين إل بعد أن سسجد َ‬
‫زالت الراضي الخرى‪-‬إضافة إلى أرض فلسطين التي احتلها اليهود سنة ‪1948‬م‪-‬في‬
‫قبضة اليهود يعيثون فيها فسادا يعلمه الناس كلهم‪.‬‬
‫وهذا وغيره مسسسن المصسسسائب والمحسسسن التسسسي أنزلهسسسا بالمسسسة كانسسست عكسسسس وعوده‬
‫وتصريحاته‪ ،‬فقد كذب على المة كما كذب قبله مصطفى أتاتورك كذبا سياسيا مدمرا‪.‬‬
‫وليسسس مسسن السسسهل السسستمرار فسسي ضرب المثلة لطغاة الكذب السسسياسي المدمسسر‬
‫للشعوب‪ ،‬فهسو الصسل‪-‬ومسا عداه اسستثناء‪-‬فسي وعسد طاغيسة العراق شعبسه بإمبراطوريسة‬
‫واسسسعة الطراف‪ ،‬بالغزو المسسسلح الذي بدأه باحتلل الكويسست ومسسا آل إليسسه أمسسر العراق‬
‫والشعوب السلمية‪ ،‬وبخاصة العربية منها ما فيه غناء عن المثلة للكاذيب السياسية‬
‫المدمرة‪.‬‬
‫ولم يعد يخفسى على كثير من أبناء الشعوب كذب طغاتها المحاربيسن للسلم‪ ،‬والذي‬
‫تحتاجه تلك الشعوب الن ليس كشف ذلك الكذب المدمر الذي لم يعد خافيا عليها‪ ،‬ولكنها‬
‫تحتاج إلى معرفة السبيل التي تسلكها للتخلص من ذلك الدمار‪.1‬‬
‫ولكنسي أذكسر مثال واضحسا مسن أمثلة كذب الطغاة المدمسر لشعوبهسم نراه رأي العيسن‬
‫اليوم ويراه العالم كله‪ ،‬وهسو كذب طاغيسة الصسومال الذي اسستولى على الحكسم‪-‬كغيره مسن‬
‫حكام الشعوب السسسسلمية‪-‬بالقوة العسسسسكرية ‪ 2‬مدعيسسسا أنسسسه أراد بذلك تخليسسسص الشعسسسب‬
‫الصسومالي مسن محنتسه‪ ،‬واعدا إياه بالعيسش فسي جنسة مسن الحياة‪ ،‬وهسو الن يعيسش تعيسسا‬
‫جائعسسا‪ ،‬عاريسسا‪ ،‬عطشانسسا‪ ،‬لم يبسسق مسسن أفراده إل الجلد والعظسسم تلهبسسه الشمسسس المحرقسسة‪،‬‬
‫ويقتله البرد القارس‪ ،‬وتفتسك بسه المراض المتنوعسة‪ ،‬عدا المئات الذيسن يموتون كسل يوم‬
‫من الجوع والعطش والمرض‪.‬‬
‫وأمامسسسسسسسسسي الن جريدة الشرق الوسسسسسسسسسسط[عدد (‪30/5/1413 )5110‬هسسسسسسسسسس‪-‬‬
‫‪24/11/1992‬م‪ .‬ص‪ 8 :‬بقلم اللواء عمسسسسسر الحاج محمسسسسسد مصسسسسسلي‪ ] .‬وبهسسسسسا عنوان‪:‬‬
‫(الصومال‪ ....‬أسوأ كارثة إنسانية) أقتطف من المقال الذي كتب تحته المقطع التي لنه‬
‫يناسب المقام‪:‬‬
‫"النظام الذي اسستولى على الحكسم فسي عام ‪1969‬م تراجسع عسن المبادئ التسي أعلنهسا‬
‫بعسد أعوام قليلة مسن اسستيلئه على الحكسم ‪ 3‬وبعسد أن أعلن حربسا على الفسساد والمحسسوبية‬
‫واختلس أموال‪ ،‬والقبليسسة‪ ،‬تعثرت خطاه مسسن تلقاء نفسسسه‪ ،‬ممسسا أدى إلى اختلل ترتيسسب‬
‫المور والتقاعس في تحقيق الوعود‪ .‬من تلك اللحظة بدأ كل شئ يخطو عكس ما خطط‬
‫‪-1‬لعل شيئا من ذلك يأتي في مكانه المناسب من هذا الكتاب‪.‬‬
‫‪-2‬سنة ‪1969‬م‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪60‬‬

‫له سسسسسابقا ‪ 4‬فظهرت القسسسسبيلة بقوة جبارة وفعالة‪ ،‬وسسسسسيطرت المحسسسسسوبية على الدوائر‬
‫الحكومية‪ ،‬ونهبت الموال العامة والخاصة‪ ،‬وعمّت الفوضى ربوع البلد‪.‬‬
‫هذه الظواهسسسر السسسسلبية مهدت الطريسسسق إلى ظهور ديكتاتور ينفرد بحكسسسم البلد ل‬
‫يشاركه أحد في اتخاذ القرارات‪ ،‬كما أن السلطات كلها أصبحت في قبضته وتمكن من‬
‫التخلص مسن المسسؤولين الذيسن كانوا يتقاسسمون معسه الحكسم‪ ،‬وعيسن بدل منهسم شخصسيات‬
‫انتهازية ل تعارضه في أبسط المور‪.‬‬
‫هذا الخلل الذي أصساب النظام وفّر مناخسا ملئمسا لتنشيسط القبليسة‪ ،‬كمسا أعطسى فرصسة‬
‫ثمينسة لصسيادي القبليسة والمسستفيدين منهسا‪ ،‬فزرعوا الفتسن والشكوك بيسن القبائل‪ ،‬وكسسبوا‬
‫مراكز حكومية رفيعة في الدوائر الحكومية‪ ،‬وأداروا ظهورهم للمصلحة العامة‪.‬‬
‫ظهرت شخصسسيات كثيرة فسسي قمسسة سسسلم الحكسسم‪ ،‬ل يهمهسسا التاريسسخ ومسسا يسسسجله مسسن‬
‫تصرفاتهم‪ ،‬فركزوا نفوذهم على الكسب غير المشروع‪"...‬‬
‫هذا النسص مسن مقال اللواء عمسر الحاج‪ ،‬وهسو وزيسر الدفاع الصسومالي السسابق الذي‬
‫كان مشاركا في الحكم‪ ،‬وقد جرت العادة أن التاريخ الذي يكتب في عهد الطغاة وينشر‪،‬‬
‫يكون غالبا في صفهم مدحا وثناء بالكذب والبهتان‪ ،‬وأن التاريخ الذي يكتب بعد ذهابهم‬
‫قسد يكون صسادقا وقسد يكون مبالغسا فسي ذمهسم ونسسبة السسوء إليهسم‪ ،‬ولكننسا نعرف أن هذا‬
‫الكاتب لم يذكر إل قطرة من بحار تاريخ الزعيم الصومالي وكذبه السياسي المدمر‪.‬‬
‫كمسا أنسه لم يذكسر مسا يتعلق بمحاربتسه السسلم وعلماء السسلم الذيسن أحرق مجموعسة‬
‫منهسسم[راجسسع مجلة المجتمسسع الكويتيسسة‪ .‬عدد (‪15/11/1395 )234‬هسسس‪28 .-‬ينايسسر سسسنة‬
‫‪1975‬م ص‪ 6 :‬ومسسا بعدهسسا‪ ].‬بسسسبب معارضتهسسم لقانون أصسسدره يسسساوي بيسسن المرأة‬
‫والرجل في الرث الذي فرق ال فيه بينهما في نص كتابه‪.‬‬
‫والمسة التسي تحارب عقيدتهسا ودينهسا وشريعتهسا ويحرق علماؤهسا‪ ،‬ثسم ل تحرك سساكنا‬
‫فسي ردع المعتدي الثسم‪ ،‬ل بسد أن تصسل فسي النهايسة إلى هذه المأسساة التسي يقول ال فيهسا‬
‫وفسسي أمثالهسسا‪(( :‬واتقوا فتنسسة ل تصسسيبن الذيسسن ظلموا منكسسم خاصسسة واعلموا أن ال شديسسد‬
‫العقاب))‪[.‬النفال‪]25 :‬‬
‫ومسن هنسا نعلم أن أهسل الحسق الصسادقين يسسعدون البشريسة بحقهسم وصسدقهم‪ ،‬وأن أهسل‬
‫الباطل الكاذبين يشقون البشرية بباطلهم وكذبهم‪.‬‬
‫ولعسل المسة السسلمية تتنبسه لخطسر كذب قادتهسا الذيسن يحاربون السسلم‪ ،‬وكذبهسم‬
‫السسياسي المدمسر الذي تجنسد لترويجسه كسل طاقات الدولة‪ ،‬حتسى ينطلي عليهسا ويسستمر فسي‬
‫تضليلها فترة طويلة‪ ،‬ول تشعر بآثاره المدمرة إل بعد أن يفوت الوان وتتحطم الشعوب‬
‫اقتصسساديا وسسسياسيا وأمنيسسا وخلقيسسا وعسسسكريا‪ ،‬حتسسى يصسسبح اسسستعمارها مسسن قبسسل أعداء‬
‫السسلم الذيسن يوفرون لهسا لقمسة العيسش وشيئا مسن المسن النسسبي‪ ،‬أحسب إليهسا مسن بقائهسا‬
‫تحست مطارق الخوف والجوع والسسلب والنهسب والقتسل والتشريسد [كمسا هسو حاصسل الن‬
‫فسي الصسومال الذي سسيطرت عليسه القوات المريكيسة تحست مظلة مجلس المسن والغاثسة‬
‫النسسانية مسستترة بتأييسد حلفائهسا الذيسن شاركوهسا بقوات رمزيسة شبيهسة بالمحلل فسي فقسه‬
‫‪-4‬هذا إذا أحسن الظن بمن الصل فيهم الكذب فيقال‪ :‬خططوا بأن يقضوا على الفساد‪ ،‬أما إذا جرينا على الصل فهو أن أصل‬
‫التخطيط كان الهدف منه الفساد المذكور وإن زعم صاحبه أنه أراد الصلح‪.‬‬
‫أصل ولو لم يكذبِ‬
‫والشك في ذي الكذبِ‬

‫‪61‬‬

‫النكاح!]‬

‫الضرر الرابع للكذب‪ :‬نشر الفاحشة بين المؤمنين‪.‬‬
‫ومسسن الضرار المترتبسسة على الكذب‪ :‬انتهاك أعراض الناس والولوغ فيهسسا‪ ،‬ونشسسر‬
‫الفاحشسة بيسن المؤمنيسن‪ ،‬بقذف المحصسنات المؤمنات الغافلت‪-‬والمحصسنين كذلك‪-‬وذلك‬
‫ممسا يفقسد الثقسة بيسن السسر والمجتمعات ويفككهسا‪ ،‬ويؤذي شرفاءهسا ويجرئ فسساقها على‬
‫ارتكاب الرذائل‪ ،‬والطمسع فسي نيسل المعصسية والثسم مسن أهسل الطاعسة والزلفسى عنسد ال‬
‫تعالى‪.‬‬
‫وهذا العتداء الثسسسم على أعراض الشرفاء ل يقدم عليسسسه إل مسسسن أصسسسبحت الرذيلة‬
‫صفة معتادة لهم‪ ،‬والكذب والفتراء ديدنهم‪ ،‬وحب انتشار الفاحشة متأصل في نفوسهم‪،‬‬
‫يؤذيهسسم وجود الطهسسر والطاهريسسن‪ ،‬ويرضيهسسم وجود القذر والقذريسسن‪ ،‬فل يهدأ لهسسم بال‬
‫حتسسسى يلطخوا سسسسمعة الطهار‪ ،‬وذلك دأب المنافقيسسسن الذيسسسن تلزمهسسسم الخلق السسسسيئة‬
‫وبخاصة الكذب‪.‬‬
‫ولقسد نال أذاهسم أطهسر مسن وجسد على الرض رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬فسي‬
‫زوجه أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي ال عنهما‪ ،‬وكان الذي تولى كبر الفك‬
‫العظيسم رئيسس المنافقيسن آنذاك‪ :‬عبسد ال بسن أبسي بسن سسلول‪ ،‬وجسر معسه بعسض المسسلمين‬
‫الذيسن لم يحسسنوا الظسن بسبيت النبوة والرسسالة‪ ،‬فأنزلوا بذلك مسن الذى والفتنسة والغسم‪ ،‬مسا‬
‫يعجسز عنسه الوصسف إل أن يكون وصسف المؤمنسة المحصسنة الغافلة المظلومسة‪ ،‬عائشسة‬
‫رضي ال عنها‪-‬كما روى القصة بطولها مسلم عنها [رقم الحديث‪ :‬رقم‪]4974:‬‬
‫وفسي ذلك أنزل ال تعالى آيات محكمسة توبسخ مسن وقعوا فسي هذا البهتان العظيسم الذي‬
‫رميست بسه السسيدة الطاهرة‪-‬التسي يعسد مسن اتهمهسا بعسد نزول هذه اليات المسبرئة لهسا مكذبسا‬
‫للقرآن‪ ،‬ومن كذب بالقرآن‪-‬كغلة الرافضة‪-‬فقد كفر‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬والذيسن يرمون المحصسنات ثسم لم يأتوا بأربعسة شهداء فاجلدوهسم ثمانيسن‬
‫جلدة ول تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون‪.))...‬؟؟‬
‫ثم قال تعالى بعد ذلك‪(( :‬إن الذين جاءوا بالفك عصبة منكم ل تحسبوه شرا لكم بل‬
‫هسو خيسر لكسم‪ ،‬لكسل امرئ منهسم مسا اكتسسب مسن الثسم والذي تولى كسبره منهسم له عذاب‬
‫عظيسم‪ ،‬لول إذ سسمعتموه ظسن المؤمنون والمؤمنات بأنفسسهم خيرا وقالوا هذا إفسك مسبين‪-‬‬
‫إلى قوله تعالى‪ :-‬ولول فضل ال عليكم ورحمته في الدنيا والخرة لمسكم في ما أفضتم‬
‫فيه عذاب عظيم‪ ،‬إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا‬
‫وهسسو عنسسد ال عظيسسم‪ ،‬يعظكسسم ال أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتسسم مؤمنيسسن‪ ،‬ويسسبين ال لكسسم‬
‫اليات وال عليم حكيم‪ ،‬إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم‬
‫في الدنيا والخرة وال يعلم وأنتم ل تعلمون))‪[.‬النور‪]19-12 :‬‬
‫فأهسل الحسق الصسادقون ل يفترون مسا يخدش العراض‪ ،‬بسل لو عملوا منكرا ارتكبسه‬
‫مؤمسن فالسستر عندهسم عليسه أولى‪ ،‬إل إذا جاهسر صساحبه وعانسد‪ ،‬وأهسل الباطسل الكاذبون‬
‫يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس افتراءً بدون علم‪.‬‬
‫‪62‬‬

‫الضرر الخامس‪ :‬إهدار الحقوق بشهادة الزور‪.‬‬
‫ومسن الثار المترتبسة على الكذب شهادة الزور‪ ،‬وشهادة الزور تزهسق بهسا الرواح‪،‬‬
‫وتنتهك بها العراض‪ ،‬وتغتصب بها الموال‪ ،‬وتستحل بها الفروج‪ ،‬ويزكى بها الفساق‪،‬‬
‫ويفسسق بهسا العدول‪ ،‬ويفقسد بهسا الكفسء مكانسه الذي يسستحقه لتنتفسع بسه فيسه المسة‪ ،‬ويوضسع‬
‫الخائن بها في مكان تقتضي الضرورة أن يكون فيه المين‪.‬‬
‫وقسد شرع ال الشهادة مسن أجسل توثيسق الحسق‪ ،‬والذي يوثسق الحسق بشهادتسه هسو العدل‪،‬‬
‫أما شاهد الزور فإنه يضيع الحق بدل من حفظه‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة ل))‪[.‬الطلق‪]2 :‬‬
‫ونفى عن أهل الحق‪-‬وهم المؤمنون به‪-‬صفة شهادة الزور‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬والذين ل‬
‫يشهدون الزور ))‪[.‬الفرقان‪]72 :‬‬
‫وأمرهسم‪-‬أي أهل الحق‪-‬أن يشهدوا بالحق فسي كل حال‪ ،‬ولو كانت الشهادة تؤدي إلى‬
‫أخذ صاحب الحق حقه منهم‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط‬
‫شهداء ل ولو على أنفسكم أو الوالدين والقربين))‪[.‬النساء‪]35 :‬‬

‫من هم منها‬
‫الضرر السادس‪ :‬اتهام الكاذب بعيوبه َ‬
‫براء‪.‬‬
‫كما قال تعالى في مثل هذا‪(( :‬ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل‬
‫بهتانا وإثما مبينا))‪[ .‬النساء‪]112 :‬‬
‫وقسد ذكسر المفسسرون أن هذه اليسة نزلت فسي طعمسة بسن أبيرق الذي سسرق سسلحا‪،‬‬
‫فشكاه صسساحب السسسلح إلى رسسسول ال صسسلى ال عليسسه وسسسلم‪ ،‬فألقسسى السسسارق السسسلح‬
‫المسسروق فسي بيست رجسل برئ‪ ،‬ليسبرئ نفسسه ويحمسل البريسء إثمسه‪ ،‬وعندمسا وجسد السسلح‬
‫في بيت الرجل البريء ثبتت‪-‬في الظاهر‪-‬براءة السارق‪ ،‬فأنزل ال هذه الية وآيات قبلها‬
‫منها قوله تعالى‪(( :‬إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك ال ول تكن للخائنين‬
‫خصيما))‪ [.‬النساء‪ ،105 :‬وراجع تفسير هذه اليات في كتاب تفسير القرآن العظيم لبن‬
‫كثير‪].‬‬
‫ومسا أكثسر مسا يرتكسب ناس مثسل هذه الخطيئة! ويسبرؤن أنفسسهم ممسا ارتكبوه ويلطخون‬
‫به البريئين‪.‬‬
‫وبنظرة فسسسي وسسسسائل العلم فسسسي هذا العصسسسر‪ ،‬يرى المرء العجسسسب العجاب مسسسن‬
‫التهامات الكاذبسة مسن فرد لخسر‪ ،‬ومسن جماعسة أو حزب لجماعسة أو حزب آخسر‪ ،‬ومسن‬
‫دولة لدولة أخرى‪ ،‬وكثيرا مسا يكون المتّهِم غارقسا فسي العيوب والنقائص التسي اتهسم بهسا‬
‫غيره‪.‬‬
‫والسبب في ذلك هو التصاف بصفة الكذب التي تلزم أهل الباطل غالبا‪ ،‬وفقد صفة‬
‫الصدق التي تلزم أهل الحق‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫ثالثا‪ :‬العدل‪.‬‬
‫والعدل من أسس صفات أهل الحق‪ ،‬وهو مطلوب ضرورة في الحياة عند كل المم‪،‬‬
‫ول تستقيم الحياة بدونه‪ ،‬والمم كلها مسلمها وكافرها تعلم أنه ضرورة لحياتها‪ ،‬لن كل‬
‫فرد وكسل أسسرة وكسل أمسة تحرص على أن ل يمسسها غيرهسا بالظلم‪ ،‬بسل تحسب أن ينصسفها‬
‫المتعامل معها‪ ،‬لكن الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر وشريعة ال العادلة‪-‬وهم أهل‬
‫الباطسسسل‪-‬يحرصسسسون على أن يعاملهسسسم الناس بالعدل‪ ،‬والغالب أنهسسسم إذا قدروا على ظلم‬
‫غيرهسسم‪-‬مسسن غيسسر أن ينالهسسم ضرر‪-‬ل يتورعون عسسن الظلم‪ ،‬لنهسسم ل يخشون جزاء ول‬
‫عقابا إل إذا نالهم القانون والقضاء وما يسمى بأجهزة المن‪-‬في الدنيا‪-‬فإذا أمنوا من ذلك‬
‫كله‪ ،‬فالصل عندهم الثرة وظلم الغير‪ ،‬لنهم أهل باطل‪.‬‬
‫والذي ل يحسسب الظلم ويلزمسسه العدل مسسع القريسسب والبعيسسد والصسسديق والعدو‪ ،‬هسسو‬
‫المؤمن بال وبرسوله صلى ال عليه وسلم واليوم الخر الذي يلتزم بشريعة ال وحكمه‬
‫وينفذهما‪ ،‬وهؤلء هم أهل الحق‪ ،‬لن الحق تعالى أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم‪ ،‬وهم‬
‫يطمعون في ثوابه على طاعته ويخافون من عقابه على معصيته‪ ،‬ويعلمون أن إيمانهم ل‬
‫يكمسل إل إذا أحبوا لغيرهسم مسا يحبون لنفسسهم مسن الخيسر‪ ،‬وقسد يصسل بهسم إيمانهسم إلى‬
‫التنازل عسن بعسض حقوقهسم الخاصسة‪ ،‬إذا كان التنازل عنهسا مشروعسا‪ ،‬ولكنهسم يحرصسون‬
‫على إيفاء الناس حقوقهم بدون نقصان‪.‬‬
‫وقد أكسد ال تعالى لعباده أنسه يأمر بالعدل والحسسان وينهسي عمسا يناقضهمسا مسن الظلم‬
‫والفسساد والمنكسر‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬إن ال يأمسر بالعدل والحسسان وإيتاء ذي القربسى وينهسي‬
‫عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون))‪[.‬النحل‪]90 :‬‬
‫وقسد نهسى ال رسسوله عسن اتباع أهواء أهسل الكتاب الذيسن تفرقوا مسن بعسد مسا جاءهسم‬
‫العلم‪ ،‬وأمره أن يعلن للناس إيمانسه بمسا أنزل ال‪ ،‬وأنسه أمسر بالعدل بينهسم‪ ،‬كمسا قال تعالى‪:‬‬
‫((فلذلك فادع واسستقم كمسا أمرت ول تتبسع أهواءهسم وقسل آمنست بمسا أنزل ال مسن كتاب‪،‬‬
‫وأمرت لعدل بينكسم ال ربنسا وربكسم لنسا أعمالنسا ولكسم أعمالكسم ل حجسة بيننسا وبينكسم ال‬
‫يجمع بيننا وإليه المصير))‪[.‬الشورى‪]15 :‬‬
‫وأمسر ال تعالى عباده المؤمنيسن‪-‬كمسا أمسر نسبيه‪-‬بالعدل ولو كان على أنفسسهم ونهاهسم‬
‫عن اتباع الهوى‪-‬كما نهى نبيه‪-‬كما قال تعالى‪(( :‬يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط‬
‫شهداء ل ولو على أنفسكم أو الوالدين والقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فال أولى بهما فل‬
‫تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن ال كان بمسا تعملون خسبيرا))‪[.‬النسساء‪:‬‬
‫‪]135‬‬
‫فالهوى كثيرا مسا يغري النسسان بالظلم وترك العدل‪ ،‬إمسا لجسر مصسلحة لصساحبه أو‬
‫لقريسسب أو صسسديق‪ ،‬وإمسسا لنزال ضرر بعدو بغيسسض‪ .‬والحسسق سسسبحانه وتعالى أراد أن‬
‫يسستأصل هذا الهوى الظالم فسي كل المريسن‪ :‬محاباة القريسب‪ ،‬بسل والنفسس‪ ،‬كمسا مضسى‪،‬‬
‫وبغسسض العدو أو الخصسسم‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬يسسا أيهسسا الذيسسن آمنوا كونوا قواميسسن ل شهداء‬
‫بالقسسط ول يجرمنكسم شنآن قوم على أن ل تعدلوا اعدلوا هسو أقرب للتقوى واتقوا ال إن‬
‫ال خبير بما تعملون))‪[.‬المائدة‪]8 :‬‬
‫‪64‬‬

‫إنسه قمسة مسا تحتاج إليسه المم فسي كسل زمان‪ :‬أن ينصسف القادر خصسمه ولو على نفسه‬
‫أو أقربائه وأن يعدل مع أشدّ أعدائه‪.‬‬
‫وقد يرى أعداء الحق أن هذا من المثاليات قد تدور بالخيال ولكن تطبيقها في الواقع‬
‫بعيسد المنال‪ ،‬وهذا الرأي صسحيح بالنظسر إلى الوضاع التسي يعيسش الناس فيهسا بعيدا عسن‬
‫منهسسج الحسسق وتطسسبيقه‪ :‬منهسسج ال الذي أنزله فسسي كتابسسه ودعسسا إليسسه عباده‪ ،‬وقسسد اسسستجاب‬
‫لدعوته الرعيل الول من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم فطبقوه تطبيقا تندب‬
‫البشرية اليوم حظها التعيس لفقده‪ ،‬وتبعهم على ذلك أهل الحق ول زال منهم من يتمسك‬
‫بسسه‪-‬وإن كانوا قلة فسسي هذا الزمان‪-‬ولو عاد المسسسلمون إلى ذلك المنهسسج مسسن جديسسد‪ ،‬لرأت‬
‫المسم فسي الرض مسا تتمناه مسن العدل الذي أمسر ال بسه على وجسه العموم‪ ،‬وأمسر بسه فسي‬
‫الحكسسم كمسسا قال تعالى‪(( :‬إن ال يأمركسسم أن تؤدوا المانات إلى أهلهسسا وإذا حكمتسسم بيسسن‬
‫الناس أن تحكموا بالعدل إن ال نعمّا يعظكم به إن ال كان سميعا بصيرا))‪[.‬النساء‪]58 :‬‬
‫وأمسر بسه فسي الشهادة كمسا قال تعالى‪(( :‬يسا أيهسا الذيسن آمنوا شهادة بينكسم إذا حضسر‬
‫أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم))‪[.‬المائدة‪]106 :‬‬
‫وأمسر بسه فسي الصسلح بيسن الناس‪ ،‬بحيسث ل يكون فسي الصسلح ظلم لحسد المتخاصسمين‪،‬‬
‫بسسبب ضعفسه وقوة خصسمه أو لغيسر ذلك‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬وإن طائفتان مسن المؤمنيسن‬
‫اقتتلوا فأصسلحوا بينهمسا فإن بغست إحداهمسا على الخرى فقاتلوا التسي تبغسي حتسى تفسئ إلى‬
‫أمر ال فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ال يحب المقسطين))‪[.‬الحجرات‪:‬‬
‫‪]9‬‬
‫وأمسر بسه فسي التعامسل السسري‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬فانكحوا مسا طاب لكسم مسن النسساء مثنسى‬
‫وثلث ورباع فإن خفتسسسسم أل تعدلوا فواحدة أو مسسسسا ملكسسسست إيمانكسسسسم ذلك أدنسسسسى أن ل‬
‫تعولوا))‪[.‬النساء‪ :‬؟]‬
‫وكسل الحقوق التسي أمسر ال بهسا‪ ،‬وكسل المظالم التسي نهسى ال عنهسا‪ ،‬إنمسا تتحقسق بالعدل‬
‫الذي هو ملزم لهل الحق بحسب نصيبهم منه‪.‬‬
‫وصسح عسن‪ :‬رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬أنسه قال‪" :‬إن المقسسطين عنسد ال على‬
‫منابر من نور"‪[ .‬مسلم‪ )3/1458( :‬رقم الحديث‪].1827 :‬‬
‫وقسد ربسى رسسوله ال صسلى ال عليسه وسسلم أصسحابه‪-‬وكسل رسسول سسبقه كذلك‪-‬على‬
‫العدل‪ ،‬حتى اعترف لهم بذلك أعداؤهم من أهل الكتاب كما في حديث ابن عباس رضي‬
‫ال عنهمسسا‪ ،‬قال‪ :‬افتتسسح رسسسول ال صسسلى ال عليسسه وسسسلم خيسسبر‪ ،‬واشترط أن له الرض‬
‫وكسل صسفراء وبيضاء [يعنسي الذهسب والفضسة]‪ .‬قال أهسل خيسبر‪ :‬نحسن أعلم بالرض منكسم‬
‫فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة‪ ،‬ولنا نصف‪ ،‬فزعم أنه أعطاهم على ذلك‪ ،‬فلما كان‬
‫حين يصرم النخل [يقطع] بعث إليهم عبد ال بن رواحة‪ ،‬فحرز عليهم النخل‪ ،‬وهو الذي‬
‫يسسميه أهسل المدينسة الخرص‪ ،‬فقال‪ :‬فسي ذِه كذا وكذا‪ ،‬قالوا أكثرت علينسا يسا ابسن رواحسة‪،‬‬
‫فقال‪ :‬فأنا أَلي[أي أتولى] حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت‪ .‬قالوا‪ :‬هذا الحق (و) به‬
‫تقوم السماء والرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت" [أبو داود واللفظ له (‪ )3/698‬وابن‬
‫ماجة (‪ )582/ 1‬وهو صحيح‪.].‬‬
‫وعسن سسليمان بسن يسسار أن رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم كان يبعسث عبسد ال بسن‬
‫‪65‬‬

‫رواحة إلى خيبر‪ ،‬فيخرص بينه وبين يهود خيبر‪ ،‬قال‪ :‬فجمعوا له حليا من حلي نسائهم‪،‬‬
‫فقالوا له‪ :‬هذا لك [يعني رشوة] وخفف عنا وتجاوز في القسم‪ ،‬فقال عبد ال بن رواحة‪:‬‬
‫(يسا معشسر اليهود! وال إنكسم لمسن أبغسض خلق ال إليّس ومسا ذاك بحاملي على أن أحيسف‬
‫عليكم‪ ،‬فأما ما عرضتم عل يّ من الرشوة فإنها سحت‪ ،‬وإنا ل نأكلها)‪ .‬فقالوا‪ :‬بهذا قامت‬
‫السماوات والرض [الموطأ (‪ )270 /4‬والحديث مرسل وهو يفيد شيئا مما جرى بين ابن‬
‫رواحة واليهود‪.].‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية رحمه ال‪:‬‬
‫(وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الشتراك في أنواع الثم‪ ،‬أكثر مما تستقيم‬
‫مسع الظلم فسي الحقوق وإن لم تشترك فسي إثسم‪ ،‬ولهذا قيسل‪ :‬إن ال يقيسم الدولة العادلة وإن‬
‫كانت كافرة‪ ،‬ول يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة‪ ،‬ويقال‪ :‬الدنيا تدوم مع العدل والكفر ول‬
‫تدوم مسع الظلم والسسلم‪ ،‬وقسد قال النسبي صسلى ال عليسه وسسلم‪" :‬ليسس ذنسب أسسرع عقوبسة‬
‫مسن البغسي وقطيعسة الرحسم"‪ .‬فالباغسي يصسرع فسي الدنيسا وإن كان مغفورا له مرحومسا فسي‬
‫الخرة‪ ،‬وذلك أن العدل نظام كسسل شسسئ‪ ،‬فإذا أقيسسم أمسسر الدنيسسا بعدل قامسست‪ ،‬وإن لم يكسسن‬
‫لصاحبها في الخرة من خلق‪ ،‬ومتى لم تقم بعد ل لم تقم وإن كان لصاحبها من اليمان‬
‫ما يجزى به في الخرة‪ [)...‬مجموع الفتاوى‪].)28146( :‬‬
‫وإن الذي يتأمل أحوال العالم اليوم‪ ،‬يدرك المآسي التي نزلت به بسبب فقد العدل أو‬
‫قلتسسه التسسي تقترب مسسن العدم‪ ،‬فل نجسسد ضعيفسسا ينصسسفه القوي‪-‬إل مسسا شاء ال‪-‬مسسن الفراد‬
‫والجماعات والدول‪ ،‬ولو أردنا أن نضرب أمثلة لذلك لطال بنا المقام‪.‬‬
‫ويكفسسي أن تقعسسد قليل أمام شاشسسة التلفاز‪ ،‬لترى ماذا يفعسسل اليهود بأطفال فلسسسطين‬
‫وشيوخهسسسا ونسسسسائها مسسسن قهسسسر وإذلل وقتسسسل وتشريسسسد وسسسسجن واعتقال وهدم منازل‬
‫بالصواريخ على من فيها‪.‬‬
‫وأن ترى نصارى الصرب وهم يفعلون بالمسلمين في البوسنة والهرسك‪ ،‬أعظم مما‬
‫فعله اليهود‪ ،‬وذلك فسي وسسط قارة الحريسة والعدل والمسساواة [وفسي هذه اليام‪-‬مسن سسنة‬
‫‪1417‬ه‪1996--‬م‪-‬يكشف عن مقابر جماعية للف المسلمين الذين قتلهم الصرب عندما‬
‫احتلوا مدنهم وقراهم‪].‬‬
‫والعالم كله يمور بالفتسسن والمصسسائب بسسسبب الظلم وفقسسد العدل‪ ،‬وهيئة المسسم المتحدة‬
‫ومنظماتها ومجلسها المسمى بمجلس المن‪ ،‬تتصرف فيها دولة واحدة استبدت بالمر‪،‬‬
‫تحرك تلك الهيئة ومنظماتهسسا ودول العالم كله كمسسا تريسسد‪ ،‬فإذا رأت أن لهسسا مصسسلحة مسسن‬
‫التدخسل فسي أي حدث يقسع فسي العالم أجلبست بخيلهسا ورجلهسا وحشدت كسل الدول لتحقيسق‬
‫مآربهسا ولو أهلكست بذلك الحرث والنسسل مدعيسة أنهسا تنصسف المظلوم مسن ظالمسه‪ ،‬وإذا‬
‫رأت أن عدم التدخسل مسن مصسلحتها أحجمست عسن التدخسل فسي الحدث وروضست غيرهسا‬
‫على الحجام بأسلوب ماكر مخادع‪ ،‬أو بتهديد شديد ظالم‪.‬‬
‫وكيسف يرجسى مسن هيئة المسم المتحدة خيسر لضعيسف وهسي تصسدر قراراتهسا بالجماع‬
‫ل تلك القرارات دولةٌ واحدة عند التنفيذ؟!‬
‫أو الغلبية‪ ،‬فَتُعَطّل ُك ّ‬
‫بسل أيسن العدل والنصساف فيمسا يسسمى مجلس المسن وقسد احتشدت بجواره جميسع دول‬
‫العالم‪ ،‬ومسع ذلك تسستطيع دولة مسن خمسس دول تعطيسل أي قرار يصسدره [الدول التسي لهسا‬
‫‪66‬‬

‫مندوبون دائمون‪ ،‬ولها حق نقض أي قرار يتخذه المجلس مجتمعة أو كل دولة على حدة‬
‫هسي‪ :‬أمريكسا وفرنسسا‪ ،‬وبريطانيسا‪ ،‬والصسين‪ ،‬وروسسيا‪ ،‬ولكسن أمريكسا فسي الوقست الحاضسر‬
‫تقود المجلس وغيره مسن منظمات الهيئة لنفرادهسا بالهيمنسة الدوليسة‪ ،‬ومسع زعمهسا أنهسا‬
‫دولة ديمقراطية‪ ،‬فإن استبدادها الدولي ل حدود له إل مصالحها وعجزها‪.].‬‬
‫وبهذا يعلم أن العدل‪-‬وهسو صسفة ملزمسة لهسل الحسق‪-‬هسو الذي يثبست الحسق ويطرد‬
‫الباطسسل‪ ،‬وأن الظلم‪-‬وهسسو ملزم لهسسل الباطسسل‪-‬هسسو الذي تشقسسى بسسه البشريسسة على مدار‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫وإذا شئت أن تعرف أنموذجسسسا للظلم الغاشسسسم‪ ،‬وبخاصسسسة على المسسسسلمين مسسسن أعلى‬
‫مسسسؤول فسسي هيئة المسسم المتحدة‪ ،‬فاقرأ عسسن مواقسسف أمينهسسا العام العربسسي النصسسراني‬
‫المصسري بطرس غالي‪[ ،‬عندمسا كان أمينسا عامسا للمسم المتحدة]مسن قضيسة المسسلمين فسي‬
‫البوسنة والهرسك وإصراره على عدم تدخل المم المتحدة لحماية هؤلء المسلمين الذين‬
‫يتعرضون لبشع اعتداء من قبل إخوانه الصرب النصارى [مجلة المجتمع الكويتية عدد‬
‫‪ 1002‬ص ‪.].22‬‬

‫رابعا‪ :‬صفة الرحمة‪.‬‬
‫ومسسن صسسفات أهسسل الحسسق الرئيسسسة خُلق الرحمسسة‪ ،‬وهسسي تقتضسسي مسسن المتصسسف بهسسا‬
‫الشفاق على المخلوقين من الناس والحيوانات والرأفة بهم والحسان إليهم‪.‬‬
‫ولما كان ال هو الحق ومصدر الحق و ُمشَرّعَه ومنزل الوحي به وباعث الرسل من‬
‫أجله‪ ،‬فهو تعالى الرحمن الرحيم الرؤوف الودود ‪ 1‬الذي وسعت رحمته كل شئ‪.‬‬
‫[يجسب أن يعلم ابتداء أن ال تعالى ليسس كمثله شسئ فسي ذاتسه ول فسي أسسمائه ول فسي‬
‫صسسفاته‪(( :‬قسسل هسسو ال أحسسد‪ ،‬ال الصسسمد‪ ،‬لم يلد ولم يولد‪ ،‬ولم يكسسن له كفؤا أحسسد‪))...‬‬
‫واشتراك المخلوق مع الخالق في التصاف بالرحمة ونحوها إنما هو اشتراك لفظي مثل‬
‫أن يقال‪ :‬إن ال موجود والمخلوق موجود‪ ،‬والفرق بيسسن الوجود يسسن‪ :‬أن وجود ال ذاتسسي‬
‫أزلي أبدي ووجود المخلوق اسستمده مسن الخالق وهسو وجود محدود ببدايسة ونهايسة وغيسر‬
‫ذلك‪].‬‬
‫وقسد افتتسح تعالى كتابسه الذي أنزله على رسسوله رحمسة للعالميسن بالبسسملة ((بسسم ال‬
‫الرحمسن الرحيسم)) وافتتحست بهسا كسل سسور القرآن الكريسم[مسا عدا سسورة براءة‪ ،‬التسي يرى‬
‫بعسسض العلماء إنهسسا مكملة لسسسورة النفال‪ ].‬وتكرر لفسسظ الرحمسسة ومقتضياتهسسا كثيرا فسسي‬
‫القرآن الكريم وكذلك في سنة الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد وعد ال تعالى أهل الحق من المؤمنين الذين يقومون بمقتضى إيمانهم برحمته‪،‬‬
‫فقال تعالى‪(( :‬والمؤمنون والمؤمنات بعضهسم أولياء بعسض‪ ،‬يأمرون بالمعروف وينهون‬
‫عن المنكسر ويقيمون الصسلة ويؤتون الزكاة ويطيعون ال ورسوله‪ ،‬أولئك سيرحمهم ال‬
‫إن ال عزيز حكيم))‪[.‬التوبة‪]71 :‬‬
‫‪-1‬يجب أن يعلم ابتداء أن ال تعالى ليس كمثله شئ في ذاته ول في أسمائه ول في صفاته‪(( :‬قل هو ال أحد‪ ،‬ال الصمد‪ ،‬لم يلد‬
‫ولم يولد‪ ،‬ولم يكن له كفؤا أحد‪ ))...‬واشتراك المخلوق مع الخالق في التصاف بالرحمة ونحوها إنما هو اشتراك لفظي مثل أن يقال‪:‬‬
‫إن ال موجود والمخلوق موجود‪ ،‬والفرق بيسن الوجود يسن‪ :‬أن وجود ال ذاتسي أزلي أبدي ووجود المخلوق اسستمده مسن الخالق وهسو‬
‫وجود محدود ببداية ونهاية وغير ذلك‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫وأهل الحق المتصفون بالرحمة يطلبون من ربهم أن يرحمهم‪ ،‬كما قال تعالى‪((:‬ول‬
‫تحملنا ما ل طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولنا فانصرنا على القوم‬
‫الكافرين))‪[.‬البقرة‪]286 :‬‬
‫ووصف سبحانه كتابه الذي جاء بالحق بأنه رحمة‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬وهذا كتاب أنزلناه‬
‫مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكسم ترحمون‪ ،‬أن تقولوا إنمسا أنزل الكتاب على طائفتيسن مسن قبلنسا‬
‫وإن كنسا عسن دراسستهم لغافليسن‪ ،‬أو تقولوا لو أنسا أنزل علينسا الكتاب لكنسا أهدى منهسم فقسد‬
‫جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة))‪[.‬النعام‪] 157 :‬‬
‫ويدعسو ملئكسة ال المقربون‪-‬وهسم فسي السسماوات‪-‬للمؤمنيسن‪-‬وهسم فسي الرض‪-‬الذيسن‬
‫يشتركون معهسم فسي اليمان والعمسل بالحسق‪ ،‬بأن يدخلهسم ال الجنسة ويقيهسم السسيئات التسي‬
‫تكون سسببا فسي دخول النار‪ ،‬ثسم يختمون دعاءهسم لهسم بقولهسم‪(( :‬ومسن تسق السسيئات يومئذ‬
‫فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم))‪[.‬غافر‪]9 :‬‬
‫بسل إنهسم اسستفتحوا دعاءهسم للمؤمنيسن بالتوسسل إليسه برحمتسه‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬الذيسن‬
‫يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل‬
‫شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم))‪[.‬غافر‪]7 :‬‬
‫ووصسف إرسساله نسبيه محمسد صسلى ال عليسه وسسلم بأنسه رحمسة للعالميسن‪ ،‬فقال‪(( :‬ومسا‬
‫أرسلناك إل رحمة للعالمين))‪[.‬النبياء‪]107 :‬‬
‫وقال عسسسسن نسسسسبيه لوط عليسسسسه السسسسسلم‪(( :‬وأدخلناه فسسسسي رحمتنسسسسا إنسسسسه كان مسسسسن‬
‫الصالحين))‪[.‬النبياء‪]75 :‬‬
‫وقال عسسسن بعسسسض أنسسسبيائه بعسسسد ذكرهسسسم‪(( :‬وأدخلناهسسسم فسسسي رحمتنسسسا إنهسسسم مسسسن‬
‫الصالحين))‪[.‬النبياء‪]86 :‬‬
‫وقال عسن نسبيه محمسد صسلى ال عليسه وسسلم‪(( :‬لقسد جاءكسم رسسول مسن أنفسسكم عزيسز‬
‫عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم))‪[.‬التوبة‪]128 :‬‬
‫ولشدة رحمتسه صسلى ال عليسه وسسلم بأمتسه‪ ،‬وحرصسه على أن يأخذوا منسه الحسق الذي‬
‫جاءهسم بسه‪ ،‬وخشيتسه عليهسم مسن البقاء فسي الضلل الذي يؤدي بهسم إلى سسخط ال وأليسم‬
‫عقابسه‪ ،‬كان صسلى ال عليسه وسسلم يأسسف أسسفا شديدا يُخشسى أن يقسع بسسببه فسي الهلك‪،‬‬
‫ولذلك خاطبسه ال تعالى مسسليا ومصسبرا‪(( :‬فلعلك باخسع نفسسك على آثارهسم إن لم يؤمنوا‬
‫بهذا الحديث أسفا))‪[.‬الكهف‪]6 :‬‬
‫ووصسفه ال تعالى هسو وأمتسه بأنهسم رحماء بينهسم‪ ،‬فقال‪(( :‬محمسد رسسول ال والذيسن‬
‫معسه أشداء على الكفار رحماء بينهسم))‪ [.‬الفتسح‪ ،29 :‬وشدتهسم على الكفار إنمسا هسي فسي‬
‫الحقيقسة مسن أجسل رحمتهسم إياهسم وشفقتهسم عليهسم مسن أن يموتوا على كفرهسم فينالوا عذاب‬
‫ال‪].‬‬
‫وبرحمسة الحسق جسل جلله التسي وسسعت كسل شسئ فسي هذه الدنيسا‪-‬وإن خسص بهسا أهسل‬
‫الحق في الهداية والرضا والثواب الجزيل يوم القيامة في الخرة‪-‬بعث رسله وأنزل كتبه‬
‫وشرع أحكامه لهداية البشر‪ ،‬وبها جعل الناس والدواب يتراحمون فيما بينهم في حياتهم‪.‬‬
‫ولكسن الرحمسة الحقيقيسة هسي تلك الرحمسة التسي يتصسف بهسا أهسل الحسق‪ ،‬فتسستولي على‬
‫نفوسسسهم ومشاعرهسسم‪ ،‬وتجعلهسسم فسسي كسسل لحظسسة مسسن لحظات حياتهسسم يشفقون على أهسسل‬
‫‪68‬‬

‫الباطسل الذيسن قسست قلوبهسم وخلت مسن الرحمسة‪ ،‬حتسى على أنفسسهم فأصسروا على رفسض‬
‫الحق ومحاربته ومحاربة أهله والصد عنه‪ ،‬واستكبروا استكبارا‪.‬‬
‫لذلك ترى أهسل الحسق الرحماء يحملون الحسق إلى الناس‪ ،‬ويسسابقون بسه أهسل الباطسل‬
‫إلى عقول البشسسسر‪ ،‬ويتحملون مسسسن المشاق والمحسسسن والمؤامرات‪ ،‬مسسسا ل تتحمله الجبال‬
‫الرواسي‪.‬‬
‫والذي يرجسسع إلى قصسسص النسسبياء وحوارهسسم مسسع أممهسسم ومواقسسف تلك المسسم مسسن‬
‫دعوتهسم‪ ،‬مسن التكذيسب والسستهزاء والتحقيسر والتهديسد‪ ،‬مسع صسبر أولئك النسبياء وتلطفهسم‬
‫ولينهم وحسن أسلوبهم‪ ،‬تتبين له الرحمة التي حلت في قلوب ألئك الرسل لقومهم‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫نماذج للرحمة التي يتصف بها أهل الحق‪.‬‬
‫ويكفي أن نذكر ثلثة نماذج‪ :‬اثنان منهما لنبيين وثالث لحد المؤمنين‪.‬‬

‫النموذج الول‪ :‬نبي الله نوح عليه السلم‪.‬‬
‫وهسو أول رسسول بعثسه ال تعالى للناس فسي عهده رحمسة لهسم‪ ،‬فمكسث يدعسو قومسه ألف‬
‫سنة إل خمسين عاما‪ ،‬وهم يجادلونه بالباطل ويسخرون منه ويحاولون إدخال اليأس إلى‬
‫قلبه‪ ،‬وهو يمضي في طريقه صابرا محتسبا رحيما بهم شفيقا عليهم‪ ،‬منوعا أساليبه في‬
‫دعوتهسم‪ ،‬يدعوهسم فسي الليسل والنهار‪ ،‬وفسي السسر والجهسر‪ ،‬مرغبسا لهسم إذا اتبعوه‪ ،‬بالعيسش‬
‫الحسسسن فسسي الدنيسسا‪ ،‬والنعيسسم المقيسسم فسسي الخرة‪ ،‬ومهددا إذا عصسسوه‪ ،‬بالهلك فسسي الدنيسسا‬
‫والعذاب فسسسي الخرة‪ ،‬والقوم ل يزدادون إل عنادا واسسسستكبارا‪ ،‬حتسسسى يأتسسسي أمسسسر ال‪،‬‬
‫فيضطر إلى أن يتعلم النجارة لصنع سفينة ينجو فيها بنفسه ومن آمن معه بأمر من ربه‪،‬‬
‫ويرى فلذة كبده وهو يغرق مع أعداء ال‪.‬‬
‫وقد صورت اليات القرآنية قصته تصويرا مفصل دقيقا فلنذكر بعض اليات بدون‬
‫تعليق فل كلم يمكن أن يؤدي معانيها مثلها‪:‬‬
‫((ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إل خمسين عاما فأخذهم الطوفان‬
‫وهم ظالمون))‪[.‬العنكبوت‪]14 :‬‬
‫((بسسم ال الرحمسن الرحيسم‪ ،‬إنسا أرسسلنا نوحسا إلى قومسه أن أنذر قومسك مسن قبسل أن‬
‫يأتيهسم عذاب أليسم‪ ،‬قال يسا قوم إنسي لكسم نذيسر مسبين‪ ،‬أن اعبدوا ال واتقوه وأطيعون‪ ،‬يغفسر‬
‫لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل ال إذا جاء ل يؤخر لو كنتم تعلمون‪،‬‬
‫قال رب إنسي دعوت قومسي ليل ونهارا‪ ،‬فلم يزدهسم دعائي إل فرارا‪ ،‬وإنسي كلمسا دعوتهسم‬
‫لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا‪ ،‬ثم‬
‫إني دعوتهم جهارا‪ ،‬ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا‪ ،‬فقلت استغفروا ربكم إنه‬
‫كان غفارا‪ ،‬يرسسل السسماء عليكسم مدرارا‪ ،‬ويمددكسم بأموال وبنيسن ويجعسل جنات ويجعسل‬
‫لكسم أنهارا‪ ،‬مسا لكسم ل ترجون ل وقارا‪ ،‬وقسد خلقكسم أطوارا‪ ،‬ألم تروا كيسف خلق ال سسبع‬
‫سماوات طباقا‪ ،‬وجعل القمر فيهن نورا‪ ،‬وجعل الشمس سراجا‪ ،‬وال أنبتكم من الرض‬
‫نباتسا‪ ،‬ثسم يعيدكسم فيهسا ويخرجكسم إخراجسا‪ ،‬وال جعسل لكسم الرض بسساطا‪ ،‬لتسسلكوا منهسا‬
‫سسسبل فجاجسسا‪ ،‬قال نوح رب إنهسسم عصسسوني واتبعوا مسسن لم يزده ماله وولده إل خسسسارا‪،‬‬
‫ومكروا مكرا كبارا‪ ،‬وقالوا ل تذرن آلهتكسسم ول تذرن ودا ول سسسواعا ول يغوث ويعوق‬
‫ونسسرا‪ ،‬وقسد أضلوا كثيرا‪ ،‬ول تزد الظالميسن إل ضلل‪ ،‬ممسا خطيئاتهسم أغرقوا فأدخلوا‬
‫نارا فلم يجدوا لهسسسسم مسسسسن دون ال أنصسسسسارا‪ ،‬وقال نوح رب ل تذر على الرض مسسسسن‬
‫الكافريسسن ديارا‪ ،‬إنسسك إن تذرهسسم يضلوا عبادك ول يلدوا إل فاجرا كفارا‪ ،‬رب اغفسسر لي‬
‫ولوالدي ولمسسسسن دخسسسسل بيتسسسسي مؤمنسسسسا وللمؤمنيسسسسن والمؤمنات ول تزد الظالميسسسسن إل‬
‫تبارا))‪[.‬سورة نوح]‬
‫((كذبست قبلهسم قوم نوح فكذبوا عبدنسا وقالوا مجنون وازدجسر‪ ،‬فدعسا ربسه أنسي مغلوب‬
‫فانتصر‪ ،‬ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر‪ ،‬وفجرنا الرض عيونا فالتقى الماء على أمر‬
‫قسسد قدر‪ ،‬وحملناه على ذات ألواح ودسسسر‪ ،‬تجري بأعيننسسا جزاء لمسسن كان كفسسر‪ ،‬ولقسسد‬
‫‪70‬‬

‫تركناها آية فهل من مدكر))‪[ .‬القمر‪]15-9 :‬‬
‫ل الَّ إِنّي َأخَا فُ‬
‫سلْنَا نُوحًا ِإلَى قَوْ ِم ِه إِنّي لَكُ مْ نَذِيرٌ ُمبِي نٌ(‪)25‬أَ نْ لَ تَعْبُدُوا إِ ّ‬
‫(( َوَلقَ ْد أَرْ َ‬
‫ل الْمَلَُ الّذِينَس َكفَرُوا مِنْس قَوْمِهِس مَا نَرَاكَس إِلّ َبشَرًا مِ ْثلَنَا وَمَا‬
‫علَيْكُمْس عَذَابَس يَوْمٍس َألِيمسٍ(‪َ )26‬فقَا َ‬
‫َ‬
‫ضلٍ َبلْ نَظُنّكُمْس‬
‫علَيْنَا مِنْس َف ْ‬
‫ل الّذِينَس هُمْس أَرَا ِذلُنَا بَادِيَس ال ّرأْيِس وَمَا نَرَى لَكُمْس َ‬
‫نَرَاكَس اتّبَعَكَس إِ ّ‬
‫عنْدِهسِ‬
‫علَى بَيّنَةٍ مِنسْ رَبّيس َوءَاتَانِي َرحْمَةً مِنسْ ِ‬
‫كَاذِبِينسَ(‪ )27‬قَالَ يَا قَوْمِس أَ َرأَيْتُم ْس إِنسْ كُنْتسُ َ‬
‫ن َأجْرِ يَ‬
‫ل إِ ْ‬
‫علَيْ هِ مَا ً‬
‫سَألُكُمْ َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫علَيْكُ ْم أَ ُنلْزِمُكُمُوهَا َوأَنْتُ ْم لَهَا كَارِهُو نَ(‪)28‬وَيَا قَ ْو مِ َ‬
‫فَعُمّيَ تْ َ‬
‫علَى الِّ وَمَا أَنَا بِطَارِ ِد الّذِينَس ءَامَنُوا إِنّهُمْس مُلَقُو رَبّهِمْس َولَكِنّيس أَرَاكُمْس قَوْمًا َتجْ َهلُونسَ(‬
‫إِلّ َ‬
‫ل َأقُولُ لَكُمْس عِنْدِي‬
‫‪)29‬وَيَا قَوْمِس مَنْس يَنْصُسرُنِي مِنَس الِّ إِنْس طَرَدُْتهُمْس َأفَلَ َتذَكّرُونسَ(‪ )30‬وَ َ‬
‫ل ِللّذِينَس تَ ْزدَرِي أَعْيُنُكُمْس لَنْس ُيؤْتِيَهُمُس‬
‫ل َأقُو ُ‬
‫ل إِنّيس َملَكٌس وَ َ‬
‫ل َأقُو ُ‬
‫علَمُس الْغَيْبَس وَ َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫خَزَائِنُس الِّ وَ َ‬
‫علَمُس بِمَا فِي أَ ْنفُسِسهِ ْم إِنّيس إِذًا لَمِنَس الظّالِمِينسَ(‪)31‬قَالُوا يَا نُوحُس قَ ْد جَا َدلْتَنَا‬
‫الُّ خَيْرًا الُّ أَ ْ‬
‫ل إِنّمَا َيأْتِيكُمْس بِهِس الُّ إِنْس شَاءَ‬
‫ن ال صّا ِدقِينَ(‪)32‬قَا َ‬
‫َفأَكْثَرْ تَ جِدَالَنَا َفأْتِنَا بِمَا تَ ِعدُنَا إِ نْ كُنْتَس مِ َ‬
‫ن الُّ يُرِي ُد أَ نْ‬
‫ح لَكُ ْم ِإ نْ كَا َ‬
‫ن أَنْ صَ َ‬
‫ت أَ ْ‬
‫ن أَرَدْ ُ‬
‫صحِي إِ ْ‬
‫وَمَا أَنْتُ مْ بِمُ ْعجِزِي نَ(‪)33‬وَلَ يَ ْنفَعُكُ مْ نُ ْ‬
‫ن افْتَرَيْتُ ُه فَ َعلَيّ ِإجْرَامِي َوأَنَا‬
‫ن افْتَرَا ُه ُقلْ إِ ِ‬
‫يُغْوِيَكُ مْ هُوَ رَبّ ُك مْ َوِإلَيْ هِ تُ ْرجَعُو نَ(‪)34‬أَ مْ َيقُولُو َ‬
‫بَرِيءٌ مِمّاس ُتجْرِمُونسَ(‪َ )35‬وأُوحِيَس ِإلَى نُوحٍس أَنّهُس لَنْس يُؤْمِنَس مِنْس قَوْمِكَس إِلّ مَنْس قَ ْد ءَامَنَس فَلَ‬
‫ظلَمُوا‬
‫عيُنِنَا وَ َوحْيِنَا وَلَ ُتخَاطِبْنِي فِي الّذِي نَ َ‬
‫تَبْتَئِ سْ بِمَا كَانُوا َيفْ َعلُو نَ(‪)36‬وَا صْنَ ِع ا ْل ُفلْ كَ ِبأَ ْ‬
‫علَيْهسِ مَلٌَ مِن ْس قَوْمِهسِ سَسخِرُوا مِنْهُس قَالَ إِنسْ‬
‫إِنّهُمسْ مُغْ َرقُونسَ(‪)37‬وَيَصسْنَعُ ا ْل ُفلْكسَ َو ُكلّمَا مَرّ َ‬
‫سخَرُونَ(‪َ )38‬ف سَوْفَ تَ ْعلَمُو نَ مَ نْ َيأْتِي هِ عَذَا بٌ ُيخْزِي هِ‬
‫سخَرُ مِ ْنكُ مْ كَمَا تَ ْ‬
‫سخَرُوا مِنّا َفإِنّا نَ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ل فِيهَا مِن سْ ُكلّ‬
‫علَيْه سِ عَذَاب سٌ ُمقِيم سٌ(‪)39‬حَتّى س إِذَا جَا َء أَمْرُنَا َوفَارَ التّنّو ُر ُقلْنَا احْ ِم ْ‬
‫حلّ َ‬
‫وَ َي ِ‬
‫ل َقلِيلٌ(‬
‫علَيْه ِس ا ْلقَ ْولُ وَمَن ْس ءَامَن سَ وَمَا ءَامَن سَ مَعَه ُس إِ ّ‬
‫زَ ْوجَيْن ِس اثْنَيْن سِ َوأَ ْهلَك سَ إِلّ مَن سْ س سَ َبقَ َ‬
‫‪َ )40‬وقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْس ِم الِّ َمجْرَاهَا وَمُرْسسَاهَا إِنّ رَبّيس لَ َغفُورٌ َرحِيمسٌ(‪)41‬وَهِيَس َتجْرِي‬
‫بِهِمْس فِي مَوْجٍس كَا ْلجِبَالِ َونَادَى نُوحٌس ابْنَهُس وَكَانَس فِي مَعْ ِزلٍ يَابُنَيّ ارْكَبْس مَعَنَا وَلَ تَكُنْس مَعَس‬
‫ن أَمْرِ الِّ إِلّ‬
‫ن الْمَا ِء قَالَ لَ عَاصِ َم الْيَوْمَ ِم ْ‬
‫الْكَافِرِينَ(‪ )42‬قَالَ سَآوِي ِإلَى جَ َبلٍ َيعْصِمُنِي مِ َ‬
‫ض ا ْبلَعِي مَا َءكِ َويَا سَمَاءُ‬
‫ن الْمُغْ َرقِينَ(‪َ )43‬وقِيلَ يَاأَرْ ُ‬
‫ج فَكَانَ ِم َ‬
‫مَنْ َرحِمَ َوحَالَ َبيْنَهُمَا الْمَوْ ُ‬
‫علَى الْجُودِيّ َوقِيلَ ُبعْدًا ِللْقَوْمِس الظّالِمِينسَ(‬
‫َأ ْقلِعِي َوغِيضَس الْمَاءُ َو ُقضِيسَ الَْمْرُ وَاس ْستَ َوتْ َ‬
‫ت َأحْكَمُ ا ْلحَاكِمِينَ(‬
‫ك الْحَقّ َوأَنْ َ‬
‫عدَ َ‬
‫ن أَ ْهلِي َوإِنّ وَ ْ‬
‫‪)44‬وَنَادَى نُوحٌ رَبّ ُه َفقَالَ َربّ ِإنّ ابْنِي مِ ْ‬
‫علْ ٌم إِنّي‬
‫س لَكَ ِبهِ ِ‬
‫سَألْنِ مَا لَيْ َ‬
‫ح فَلَ تَ ْ‬
‫ن أَ ْهلِكَ إِنّهُ عَ َملٌ غَيْرُ صَالِ ٍ‬
‫‪)45‬قَالَ يا نوح إِنّ ُه لَيْسَ مِ ْ‬
‫علْمٌس‬
‫أَعِظُكَس أَنْس تَكُونَس مِنَس ا ْلجَاهِلِينسَ(‪)46‬قَالَ َربّ إِنّيس أَعُوذُ بِكَس أَنْس أَسْسَأَلكَ مَا لَيْسَس لِي بِهِس ِ‬
‫َوإِلّ تَ ْغفِ ْر لِي وَتَ ْرحَمْنِي أَكُن ْس مِنَس ا ْلخَاسِسرِينَ(‪)47‬قِيلَ يَانُوحُس اهْبِط ْس بِسَسلَمٍ مِنّاس وَبَرَكَاتسٍ‬
‫عذَابٌس َألِيمسٌ(‪ِ )48‬تلْكَس مِنْس أَنْبَاءِ‬
‫علَى أُمَمٍس مِمّنْس مَعَكَس َوأُمَمٌس سَسُنمَتّعُهُمْ ثُمّ يَمَسّسهُمْ مِنّاس َ‬
‫علَيْكَس وَ َ‬
‫َ‬
‫ن قَ ْبلِ هَذَا فَاصْبِ ْر إِنّ الْعَاقِبَ َة ِللْمُ ّتقِينَ(‬
‫ل قَوْمُكَ ِم ْ‬
‫الْغَيْبِ نُوحِيهَا ِإلَيْكَ مَا كُنْتَ تَ ْعلَمُهَا أَنْتَ وَ َ‬
‫‪[)49‬سورة هود]‬
‫هذا هسو النموذج الول‪ ،‬وهسو أول رسسول بعثسه ال إلى الناس ليخرجهسم مسن الظلمات‬
‫إلى النور‪ ،‬وهسو نوح عليسه السسلم ولول مسا رزقسه ال مسن رحمسة وشفقسة وصسبر‪ ،‬لمسا قدر‬
‫أن يستمر في دعوة قومه الذين وقفوا منه هذه المواقف تلك المدة الطويلة المديدة‪َ (( :‬وَلقَدْ‬
‫ل خَمْسسِينَ عَامًا َفَأخَذَهُمُس الطّوفَانسُ وَهُمسْ‬
‫أَرْسَسلْنَا نُوحًا ِإلَى قَوْمِهِس َفلَبِثَس فِيهِم ْس َألْفسَ سسَ َن ٍة إِ ّ‬
‫ظَالِمُونَ(‪[)14‬العنكبوت] وقصص النبياء عليهم السلم‪-‬غير نوح‪-‬شبيهة بقصته‬
‫‪71‬‬

‫النموذج الثانمي‪ :‬محممد رسمول الله صملى الله عليمه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وهسو الذي ختسم بسه جميسع الرسسل‪ ،‬وختسم بكتابسه ودينسه المفصسل الكامسل جميسع الكتسب‬
‫والديان رحمة من ال للعالمين‪.‬‬
‫فقد بعثه صلى ال عليه وسلم في وقت أظلمت فيه الفاق بالشرك والوثنية والجهل‪،‬‬
‫وانطمسسست معالم الرسسسالت‪ ،‬وكلف تبليسسغ هذا الديسسن إلى قومسسه القربيسسن‪ ،‬ثسسم عشيرتسسه‬
‫المحيطيسن بسه‪ ،‬ثسم العرب أجمعيسن‪ ،‬ثسم أمسم الرض وعظماءهسا مسن المراء والسسلطين‪،‬‬
‫ولقسي صسلى ال عليسه وسسلم مسا لقيسه إخوانسه المرسسلون‪ ،‬مسن أقوامهسم الضاليسن مسن الذى‬
‫والمتحان‪ ،‬والصد عن سبيل ال واتباع سبيل الشيطان‪ ،‬وأوذي معه صحبه الكرام الذين‬
‫أقام ال بهم دين السلم‪.‬‬
‫دعا صلى ال عليه وسسلم سرا وعلنسا‪ ،‬وعرض دعوته على الغنسي والفقيسر‪ ،‬والقوي‬
‫والضعيسف‪ ،‬وهجسر بلده مكسة هسو وصسحبه عندمسا سسد المشركون أمام دعوتسه البواب‪،‬‬
‫وكانت أحب البلد إلى ال‪.‬‬
‫واصل دعوته في المدينة‪ ،‬وهجم عليه المشركون من كل حدب وصوب‪ ،‬فجاهد في‬
‫ال حق جهاده مدافعا عن دين ال‪ ،‬وقائما بدعوة ال‪ ،‬وسالت دماؤه الزكية وجرح جسمه‬
‫الطاهسر وكسسرت أسسنانه النظيفسة‪ ،‬وقتسل كثيسر مسن أصسحابه‪ ،‬مسستشهدين فسي سساح الجهاد‬
‫التسي اشترك معهسم فيهسا الملئكسة المقربون‪ ،‬حتسى نصسر ال دينسه وأعلى كلمتسه وكان ذلك‬
‫كله امتثال لمر ربه‪ ،‬ورحمة بعباد ال ليخرجهم من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫ولنقرأ كذلك بعسض اليات فسي معاناتسه صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬وكيسف وقسف قومسه‬
‫المشركون واليهود والنصسارى‪ ،‬مسن الحسق الذي جاء بسه‪ ،‬وكيسف صسبر ومضسى مشفقسسا‬
‫عليهم رحيما بهم‪.‬‬
‫قال تعالى‪ (( :‬وَهُ َو الُّ فِي السسماوات وَفِي الَْرْضِس يَ ْعلَمُس سِسرّكُمْ َوجَهْرَكُمْس وَيَ ْعلَمُس مَا‬
‫تَكْسِسبُونَ(‪)3‬وَمَا َتأْتِيهِمْس مِنْس ءَايَةٍ مِنْس ءَايَاتِس رَبّهِمْس إِلّ كَانُوا عَنْهَا ُمعْ ِرضِينسَ(‪َ )4‬فقَدْ كَذّبُوا‬
‫بِالْحَقّ لَمّاس جَاءَهُمْس فَسَسوْفَ َيأْتِيهِمْس أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِس يَسْستَهْزِئُونَ(‪َ)5‬ألَمْس يَرَوْا كَمْس أَ ْهلَكْنَا مِنْس‬
‫علَيْ ِه مْ مِدْرَارًا َوجَ َعلْنَا‬
‫سلْنَا ال سّمَاءَ َ‬
‫ن لَكُ مْ َوأَرْ َ‬
‫ن قَرْ نٍ مَكّنّاهُ ْم فِي الَْرْ ضِ مَا لَ مْ نُمَكّ ْ‬
‫قَ ْبلِهِ مْ ِم ْ‬
‫شأْنَا مِنْ بَعْدِهِ ْم قَرْنًا ءَاخَرِينَ(‪َ )6‬ولَوْ نَ ّزلْنَا‬
‫الَْنْهَارَ َتجْرِي ِمنْ َتحْتِهِ ْم َفأَ ْهلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِ ِهمْ َوأَ ْن َ‬
‫سحْرٌ مُبِينٌ(‪َ )7‬وقَالُوا‬
‫س َفلَمَسُوهُ ِبأَيْدِيهِ ْم َلقَالَ الّذِينَ َكفَرُوا إِنْ َهذَا إِلّ ِ‬
‫علَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَا ٍ‬
‫َ‬
‫علَيْهسِ َملَكسٌ َولَ ْو أَنْ َزلْنَا َملَكًا َل ُقضِيسَ الَْمْرُ ثُمّ لَ يُنْظَرُونسَ(‪َ )8‬ولَ ْو جَ َعلْنَاهسُ َملَكًا‬
‫ل أُنْ ِزلَ َ‬
‫لَوْ َ‬
‫علَيْهِمْس مَا َيلْبِسسُونَ(‪َ )9‬وَلقَدِ اسْستُهْزِئَ بِرُسُسلٍ مِنْس قَ ْبلِكَس َفحَاقَس بِالّذِينَس‬
‫َلجَعَلْنَاهُس َرجُلً َوَللَبَسْسنَا َ‬
‫سَسخِرُوا ِمنْهُمْس مَا كَانُوا بِهِس يَسْستَهْزِئُونَ(‪ُ )10‬قلْ سسِيرُوا فِي الَْرْضِس ثُمّ ا ْنظُرُوا كَيْفَس كَانَس‬
‫علَى َنفْسِس ِه ال ّرحْمَةَ‬
‫ل لِمَنْس مَا فِي السسماوات وَالَْرْضِس ُقلْ لِِّ كَتَبَس َ‬
‫عَاقِبَ ُة الْمُكَذّبِينسَ(‪ُ )11‬ق ْ‬
‫لَ َيجْمَعَنّكُمْس ِإلَى يَوْمِس ا ْلقِيَامَةِ لَ َريْبَس فِيهِا الّذِينَس خَسِسرُوا أَ ْنفُسَسهُ ْم فَهُمْس لَ يُؤْمِنُونسَ(‪َ )12‬ولَهُس مَا‬
‫ن فِي اللّ ْيلِ وَالنّهَارِ وَهُوَ السّسمِي ُع الْ َعلِيمسُ(‪ُ )13‬قلْ َأغَيْ َر الِّ أَ ّتخِذُ َولِيّاس فَاطِرِ السسماوات‬
‫سَسكَ َ‬
‫ل إِنّيس أُمِرْتُس أَنْس أَكُونَس أَ ّولَ مَنْس أَسْسلَمَ َولَ تَكُونَنّ مِنَس‬
‫وَالَْرْضِس وَ ُهوَ يُطْعِمُس وَلَ يُطْعَمُس ُق ْ‬
‫‪72‬‬

‫عذَابَس يَوْمٍس عَظِيمسٍ(‪)15‬مَنْس يُصْسرَفْ عَنْهُس‬
‫ل إِنّيس َأخَافُس إِنْس عَصَسْيتُ رَبّيس َ‬
‫الْمُشْرِكِينسَ(‪ُ )14‬ق ْ‬
‫ك الُّ ِبضُ ّر فَلَ كَاشِفَس لَهُس إِلّ هُوَ‬
‫سَ‬
‫يَوْمَئِ ٍذ َفقَدْ َرحِمَهُس َو َذلِكَس الْفَوْ ُز الْمُبِينسُ(‪َ )16‬وإِنْس يَمْسَس ْ‬
‫عبَادِهسسِ وَ ُه َو الْحَكِيمسسُ‬
‫يءٍ َقدِيرٌ(‪)17‬وَهُ َو ا ْلقَاهِرُ فَوْقسسَ ِ‬
‫علَى ُكلّ شَ ْ‬
‫سكَ ِبخَيْ ٍر فَهُوَ َ‬
‫َوإِنسسْ يَمْسسسَ ْ‬
‫ي ٍء أَكْبَرُ شَهَادَ ًة ُقلِ الُّ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْس َوأُوحِيَس ِإلَيّ هَذَا ا ْلقُرْءَانُس‬
‫ل أَيّ شَ ْ‬
‫الْخَبِيرُ(‪ُ )18‬ق ْ‬
‫ل أَشْ َه ُد ُقلْ إِنّمَا هُ َو ِإلَهٌس‬
‫لُِنْذِرَكُمْس بِهِس وَمَنْس َبلَغَس أَئِنّكُمْس لَتَشْهَدُونَس أَنّ مَعَس الِّ ءَالِهَ ًة ُأخْرَى ُقلْ َ‬
‫وَاحِدٌ َوإِنّنِي بَرِيءٌ مِمّا س تُشْرِكُون سَ(‪ )19‬الّذِين َس ءَاتَيْنَاهُم ُس الْكِتَاب سَ يَعْ ِرفُونَه سُ كَمَا يَعْ ِرفُون سَ‬
‫علَى الِّ َكذِبًا أَوْ‬
‫ن افْتَرَى َ‬
‫ظلَ مُ مِمّ ِ‬
‫ن َأ ْ‬
‫خ سِرُوا أَ ْنفُ سَهُ ْم فَهُ مْ لَ يُؤْمِنُو نَ(‪)20‬وَمَ ْ‬
‫ن َ‬
‫أَبْنَاءَهُ ُم الّذِي َ‬
‫ل ِللّذِينَس َأشْرَكُوا أَيْنَس‬
‫كَذّبَس بِآيَاتِهِس إِنّهُس لَ ُي ْفلِحُس الظّالِمُونسَ(‪)21‬وَيَوْمَس َنحْشُرُهُمْس جَمِيعًا ثُمّ َنقُو ُ‬
‫ل أَن ْس قَالُوا وَالِّ رَبّنَا مَا كُنّاس‬
‫عمُونسَ(‪)22‬ثُمّ لَمسْ تَكُن ْس فِتْنَتُهُم ْس إِ ّ‬
‫شُرَكَاؤُكُمُس الّذِينسَ كُنْتُمسْ تَزْ ُ‬
‫ضلّ عَنْهُمْس مَا كَانُوا َيفْتَرُونسَ(‪ )24‬وَمِنْهُمْس‬
‫علَى أَ ْنفُسِس ِهمْ َو َ‬
‫مُشْرِكِينسَ(‪)23‬انْظُرْ كَيْفَس َكذَبُوا َ‬
‫ل ءَايَةٍ‬
‫علَى ُقلُوبِهِ ْم أَكِنّ ًة أَ نْ َي ْفقَهُو هُ َوفِي ءَاذَانِهِ مْ َوقْرًا َوإِ نْ يَرَوْا ُك ّ‬
‫مَ نْ َي سْتَمِ ُع ِإلَيْ كَ َوجَ َعلْنَا َ‬
‫ل أَسسَاطِيرُ الَْ ّولِينسَ(‬
‫لَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتّىس إِذَا جَاءُوكَس ُيجَا ِدلُونَكَس َيقُولُ الّذِينَس َكفَرُوا إِنْس َهذَا إِ ّ‬
‫‪[)))25‬النعام]‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ولقسد صسرفنا للناس فسي هذا القرآن مسن كسل مثسل فأبسى أكثسر الناس إل‬
‫كفورا‪ ،‬وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الرض ينبوعا‪ ،‬أو تكون لك جنة من نخيل‬
‫وعنسب فتفجسر النهار خللهسا تفجيرا‪ ،‬أو تسسقط السسماء كمسا زعمست علينسا كسسفا أو تأتسي‬
‫بال والملئكة قبيل‪ ،‬أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك‬
‫حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إل بشرا رسول))‪[.‬السراء‪-89 :‬‬
‫‪]93‬‬
‫ومسع هذه المواقسف الجاسسية العنيدة التسي كان يقفهسا قومسه المشركون منسه‪ ،‬كان يحزن‬
‫لحالهم ويتحسر ويهتم بأمرهم‪ ،‬رحمة بهم وإشفاقا على ما سيلقونه من مصير سيئ في‬
‫الدنيسسا والخرة‪ ،‬كمسسا قال تعالى له مسسسليا ومصسسبرا‪(( :‬واصسسبر ومسسا صسسبرك إل بال ول‬
‫تحزن عليهم ول تك في ضيق مما يمكرون))‪[.‬النحل‪]127 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ول تحزن عليهم ول تكن في ضيق مما يمكرون))‪[.‬النحل‪]70 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬فلعلك باخسسسسسع نفسسسسسسك على آثارهسسسسسم إن لم يؤمنوا بهذا الحديسسسسسث‬
‫أسفا))‪[.‬الكهف‪]6 :‬‬
‫هكذا كان صسلى ال عليسه وسسلم يحزن لحال أمتسه الذيسن لم يسستجيبوا لدعوتسه‪ ،‬مشفقسا‬
‫عليهم راغبا في هدايتهم برغم عدائهم وحربهم له ولدينه‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم أشد رحمة وشفقة على من آمن به من أصحابه‪ ،‬كما قال‬
‫تعالى‪(( :‬لقسد جاءكسم رسسول مسن أنفسسكم عزيسز عليسه مسا عنتسم حريسص عليكسم بالمؤمنيسن‬
‫رؤوف رحيم))‪[.‬التوبة‪128 :‬والعنت المشقة]‬
‫وقال تعالى‪(( :‬واعلموا أن فيكسسسم رسسسسول ال لو يطيعكسسسم فسسسي كثيسسسر مسسسن المسسسر‬
‫لعنتم))‪[.‬الحجرات‪]7 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬محمسسسسد رسسسسسول ال والذيسسسسن آمنوا معسسسسه أشداء على الكفار رحماء‬
‫بينهم))‪[.‬الفتح‪]29 :‬‬
‫وقسد ضرب لرحمتسه وشفقتسه على أمتسه‪ ،‬مثل برجلٍ اسستوقد نارا فلمسا أضاءت جعسل‬
‫‪73‬‬

‫الفراش والدواب تقسع فسي النار والرجسل يحاول منعهسا وحجزهسا عسن النار‪ ،‬وهسي تأبسى إل‬
‫الوقوع فيها‪.‬‬
‫كمسسا فسسي حديسسث أبسسي هريرة رضسسي ال عنسسه‪ ،‬قال‪ :‬قال رسسسول ال صسسلى ال عليسسه‬
‫وسسلم‪( :‬إنمسا مثلي ومثسل أمتسي كمثسل رجسل اسستوقد نارا‪ ،‬فجعلت الدواب والفراش يقعسن‬
‫فيسه‪ ،‬فأنسا آخسذ بحجزكسم‪ ،‬وأنتسم تقحمون فيسه‪ )..‬وفسي لفسظ‪( :‬مثلي كمثسل رجسل اسستوقد نارا‪،‬‬
‫فلمسسا أضاءت مسسا حولهسسا جعسسل الفراش وهذه الدواب التسسي فسسي النار يقعسسن فيهسسا‪ ،‬وجعسسل‬
‫يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها‪ ،‬قال‪ :‬فذلكم مثلي ومثلكم‪ ،‬أنا أخذ بحجزكم عن النار هلم‬
‫عسن النار‪ ،‬هلم عسن النار‪ ،‬فتغلبونسي تقحمون فيهسا‪[ )..‬مسسلم (‪ ،)4/1789‬والتقحسم القدام‬
‫والوقوع في المور الشاقة من غير تثبت‪ ،‬والحجز جمع حجزة وهي معقد الزار‪.] .‬‬
‫والذي يدرس سسيرة الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬ومسا قام بسه مسن الدعوة إلى ال‬
‫بيسن المشركيسن وحرصسه الشديسد على هدايتهسم‪ ،‬وسسيرته صسلى ال عليسه وسسلم مسع أهله‬
‫وخَدَ مه وأصحابه‪ ،‬يرى رحمته شاخصة في تلك السيرة العطرة‪ ،‬تتحرك بحركة رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتتحدث بلسانه‪.‬‬
‫وعلى تلك الرحمسسة ربسسى أصسسحابه فكانوا يتسسسابقون إلى نفسسع المحتاجيسسن ونصسسرة‬
‫الضعفاء‪.‬‬
‫ويكفسي لمعرفسة رحمسة أبسي بكسر الصسديق رضسي ال عنسه برعيتسه‪ ،‬بيانسه السسياسي بعسد‬
‫بيعتسه الذي أولى فيسه مسن يسستحق الرحمسة اهتمامسه‪ ،‬حيسث خصسه بنسسبة كسبيرة مسن معانسي‬
‫ذلك البيان نصسا‪ ،‬فكان ممسا قاله فسي ذلك البيان‪":‬والضعيسف فيكسم قوي عندي حتسى أزيسح‬
‫عليسه حقسه إن شاء ال‪ ،‬والقوي فيكسم ضعيسف عندي حتسى آخسذ الحسق منسه إن شاء ال‪"..‬‬
‫[تاريخ الخلفاء‪ ،‬للمام السيوطي ص ‪]69‬‬
‫وكان‪-‬وهو خليفة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪-‬ووزيره عمر بن الخطاب رضي‬
‫ال عنهمسسا‪ ،‬يتسسسابقان دون أن يعلم أحدهمسسا بالخسسر لخدمسسة عجوز كسسبيرة السسسن‪ ،‬وكان‬
‫الخليفة يسبق وزيره إليها [نفس المرجع‪ :‬ص ‪.]80‬‬

‫النموذج الثالث‪ :‬مؤمن آل فرعون‪.‬‬
‫وهسسو الذي انسسبرى محاميسسا عسسن موسسسى عليسسه السسسلم‪ ،‬ومرغبسسا فرعون وقومسسه فسسي‬
‫السسستجابة لدعوتسسه‪ ،‬ومرهبسسا لهسسم مسسن مخالفتسسه والعتداء عليسسه بالقتسسل‪ ،‬فسسي بيان طويسسل‬
‫وجدال قائم على الحجة والبرهان والعاطفة والرحمة‪.‬‬
‫فعندمسسا سسسمع فرعون يسسستأذن مله‪-‬وليسسس اسسستئذانه منهسسم إل لخداعهسسم وإظهار أنسسه‬
‫يرجع إليهم في المور المهمة‪-‬قائل‪(( :‬وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني‬
‫أخاف أن يبدل دينكسم أو أن يظهسر فسي الرض الفسساد)) وسسمع موسسى عليسه السسلم وهسو‬
‫يستعيذ بربه‪-‬الذي ل ملجأ له سواه‪-‬كما قال ال تعالى عنه‪((:‬وقال موسى إني عذت بربي‬
‫وربكم من كل متكبر ل يؤمن بيوم الحساب‪ ))..‬خرج ذلك الرجل المؤمن رضي ال عنه‬
‫من صمته وهو من آل فرعون‪-‬فدافع عن موسى ودعا فرعون وقومه إلى اتباعه والبعد‬
‫عن إيذائه‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجل‬
‫أن يقول ربي ال وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا‬
‫‪74‬‬

‫يصسبكم بعسض الذي يعدكسم بسه إن ال ل يهدي مسن هسو مسسرف كذاب‪ ،‬يسا قوم لكسم الملك‬
‫اليوم ظاهريسسن فمسسن ينصسسرنا مسسن بأس ال إن جاءنسسا)) [إلى هنسسا تظهسسر رحمسسة الرجسسل‬
‫المؤمسسن بموسسسى عليسسه السسسلم‪ ،‬حيسسث يحذر قومسسه مسسن قتله بسسسبب يقتضسسي مناصسسرته‬
‫والسستجابة له‪ ،‬وهسو أنسه يقول ربسي ال‪ ،‬ثسم يفترض أنسه إمسا أن يكون صسادقا‪-‬وهذا هسو‬
‫الذي يعتقده هذا المحامسسي‪-‬وإمسسا أن يكون كاذبسسا‪-‬حسسسب زعسسم فرعون وملؤه فإن صسسدق‬
‫فسيكون قتلهم له ومحاربة دعوته وبال عليهم‪ ،‬وإن كذب فتركهم له ل يضرهم ويتحمل‬
‫هسو كذبه‪ ،‬وفسي نصحه هذه رحمة بهم‪ ،‬ثم يظهر رحمته بهم بأنهسم يحرزون الملك وهذا‬
‫الملك ل يبقسى مسع الظلم بسل سسينزل بهسم بأس ال فإذا نزل بهسم فل ناصسر لهسم‪ ،‬وفسي هذا‬
‫غاية النصح لهم والرحمة بهم‪].‬‬
‫((قال فرعون مسا أريكسم إل مسا أرى ومسا أهديكسم إل سسبيل الرشاد‪ .‬وقال الذي آمسن يسا‬
‫قوم إنسسي أخاف عليكسسم مثسسل يوم الحزاب مثسسل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذيسسن مسسن‬
‫بعدهسم ومسا ال يريسد ظلمسا للعباد)) [وفسي هذا تخويسف لهسم مسن عقاب ال فسي الدنيسا‪ ،‬وذلك‬
‫رحمة بهم]‪.‬‬
‫ويسا قوم إنسي أخاف عليكسم يوم التناد‪ ،‬يوم تولون مدبريسن مسا لكسم مسن ال مسن عاصسم‬
‫ومن يضلل ال فما له من هاد)) [وفي هذا تحذير لهم من عقاب ال لهم في الخرة‪ ،‬وهو‬
‫من رحمته بهم]‬
‫‪.‬إلى قوله تعالى ((وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد))[وهذا يعارض‬
‫قول فرعون‪ :‬ما أريكم إل ما أرى وما أهديكم إل سبيل الرشاد‪ ..‬كما سبق‪.].‬‬
‫(( يسا قوم إنمسا هذه الحياة الدنيسا متاع وإن الخرة هسي دار القرار‪ ،‬مسن عمسل سسيئة فل‬
‫يجزى إل مثلهسا ومسن عمسل صسالحا مسن ذكسر أو أنثسى وهسو مؤمسن فأولئك يدخلون الجنسة‬
‫يرزقون فيهسسسا بغيسسسر حسسسساب‪ .‬ويسسسا قوم مالي أدعوكسسسم إلى النجاة وتدعوننسسسي إلى النار‪.‬‬
‫تدعوننسي لكفسر بال وأشرك بسه مسا ليسس لي بسه علم وأنسا أدعوكسم إلى العزيسز الغفار‪ ،‬ل‬
‫جرم أنمسا تدعوننسي إليسه ليسس له دعوة فسي الدنيسا ول فسي الخرة وأن مردنسا إلى ال وأن‬
‫المسسسرفين هسسم أصسسحاب النار‪ .‬فسسستذكرون مسسا أقول لكسسم وأفوض أمري إلى ال إن ال‬
‫بصسسسسير بالعباد‪ .‬فوقاه ال سسسسسيئات مسسسسا مكروا وحاق بآل فرعون سسسسسوء العذاب‪ .‬النار‬
‫يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)) [اليات‬
‫من سورة غافر‪].48-28 :‬‬
‫مسا أصسعب كلمسة الحسق أمام الطغاة الفراعنسة‪ ،‬وكثيرا مسا يكون أناس يؤمنون بالحسق‬
‫الذي يكفسسر بسسه الطغاة الفراعنسسة‪ ،‬ويودون أن يؤمسسن بسسه أولئك الطغاة الفراعنسسة مسسن أهسسل‬
‫الباطسسل وأتباعهسسم‪ ،‬ولكنهسسم ل يجرءون على الجهسسر بذلك‪ ،‬فيؤمنون بالحسسق فسسي أنفسسسهم‬
‫ويكتمون ذلك اليمان‪ ،‬خوفسسا مسسن جسسبروت الطغاة الفراعنسسة وليسسس عليهسسم شسسئ فسسي ذلك‬
‫الكتمان اضطرارا‪ ،‬ولكسن اليمان عندمسا يقوى والرحمسة بالطغاة وأتباعهسم عندمسا تشتسد‪،‬‬
‫وكذلك الرحمسسة بأهسسل الحسسق المهدّديسسن بالقتسسل والذى‪ ،‬يأبسسى ذلك اليمان أن يبقسسى فسسي‬
‫الصدور فيظهر في الفعال والقوال‪ ،‬وتتضاءل قوة الطغاة الفراعنة في نفوس المؤمنين‬
‫الذيسسن كانوا يكتمون إيمانهسسم‪ ،‬فيصسسدعون بالحسسق رحمسسة بالداعسسي المغلوب وبالمدعسسو‬
‫المعاند‪ ،‬وهذا ما حصل من مؤمن آل فرعون رضي ال عنه وأرضاه وأكثر في قصور‬
‫‪75‬‬

‫الطغاة الفراعنسة مسن أمثاله‪ ،‬وهكذا يكون أهسل الحسق رحماء فيمسا بينهسم ورحماء بغيرهسم‪،‬‬
‫بخلف أهسل الباطسل فالغالب فيهسم أن تكون الرحمسة منزوعسة مسن قلوبهسم‪ ،‬وبخاصسة فيمسا‬
‫يعارض مصسالحهم‪-‬ولو كانست تلك المصسالح ظلمسا صسريحا‪-‬وبخاصسة مسع أهسل الحسق فإن‬
‫الغلظة والقسوة تكون ملزمة لهم في معاملتهم‪.‬‬
‫أهل الحق يدعون أهل الباطل إلى الحق وينصحونهم بترك الباطل رحمة بهم‪ ،‬وأهل‬
‫الباطسل يحاربون أهسل الحسق وينابذونهسم العداء‪ ،‬ويخرجونهسم مسن ديارهسم‪ ،‬ويفتنونهسم فسي‬
‫دينهم بالضرب والرجم والحبس والقتل‪ ،‬تجبرا عليهم وقهرا وإذلل لهم وقسوة عليهم‪.‬‬
‫والتاريخ البشري والقرآن العظيم والواقع المعاصر كلها تدل على ذلك‪.‬‬
‫ولو أردنسا تتبسع ذلك الظلم والقسسوة والقهسر التسي تبايسن الرحمسة وتنافيهسا‪ ،‬مسن القرآن‬
‫الكريسم وكتسب السسنة‪ ،‬والتاريسخ والواقسع المعاصسر‪ ،‬لحتاج ذلك منسا إلى كتاب مسستقل‪،‬‬
‫فلنذكسر نماذج مسن القرآن الكريسم ونشيسر إلى شسئ مسن الواقسع للربسط بيسن أهسل الباطسل فسي‬
‫القديم والحديث‪.‬‬
‫سسبق أن أهسل الحسق تلزمهسم صسفة الرحمسة فسي أغلب الوقات‪-‬هذا إذا كانوا مسن‬
‫غيسر النسبياء‪ ،‬وغيسر النسبياء ليسسوا بمعصسومين‪ ،‬أمسا النسبياء فل تفارقهسم سسجية الرحمسة‪،‬‬
‫وأمسا أهسل الباطسل فالصسل أنهسم غيسر رحماء‪ ،‬فإذا مسا وجدت عنسد بعضهسم بعسض معانسي‬
‫الرحمة‪ ،‬فالغالب أنها تتعلق بتحقيق مصالح لهم‪.‬‬
‫ومن مستلزمات القسوة عند أهل الباطل اعتداء القوي على الضعيف‪.‬‬

‫مظاهر العتداء‪.‬؟؟؟‬
‫وللعتداء مظاهر‪:‬‬

‫المظهمممر الول‪ :‬إخراج القوي الضعيمممف ممممن بلده‬
‫وداره‪.‬‬
‫وقسسد يكون المعتدى عليسسه مسسن أهسسل الحسسق الرحماء الذيسسن يريدون الخيسسر لذلك‬
‫المعتدي‪ ،‬كالنبياء والدعاة من أتباعهم‪.‬‬
‫فتأمسل كيسف يتلطسف نسبي ال شعيسب عليسه السسلم مسع قومسه‪ ،‬ويطلب منهسم الصسبر‬
‫والمهادنة‪-‬إذا لم يستجيبوا لدعوته‪-‬حتى يحكم ال بينه وبينهم‪ ،‬وكيف يردون عليه؟‬
‫قال تعالى عنسه‪ ،‬وهسو يخاطسب قومسه‪(( :‬وإن كان طائفسة منكسم آمنوا بالذي أرسسلت‬
‫به‪ ،‬وطائفة لم يؤمنوا‪ ،‬فاصبروا حتى يحكم ال بيننا وهو خير الحاكمين)) فيردون عليه‬
‫في قسوة وكبرياء‪(( :‬قال المل الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين أمنوا‬
‫معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين))‪[.‬العراف‪.]88-87 :‬‬
‫بسل حكسى ال تعالى عسن الكفار عمومسا‪ ،‬تهديدهسم لهسل الحسق مسن النسبياء الرحماء‬
‫الذين جاءوهم بالرحمة والخير‪ ،‬بإخراجهم من أرضهم‪ ،‬ما لم يتركوا دين الرحمة الذي‬
‫جاءوهم به ويعودوا إلى ملة الكفر والعذاب‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وقال الذين كفروا لرسلهم‬
‫لنخرجنكسسسسم مسسسسن أرضنسسسسا أو لتعودن فسسسسي ملتنسسسسا‪ ،‬فأوحسسسسى إليهسسسسم ربهسسسسم لنهلكسسسسن‬
‫‪76‬‬

‫الظالمين))‪[.‬إبراهيم‪.]13 :‬‬
‫وقال تعالى عسن قوم لوط‪-‬وقسد دعاهسم لوط عليسه السسلم إلى الطهسر والعفسة والبعسد‬
‫عن فعل الفاحشة المنكرة‪-‬الذين سخروا من دعوته لهم إلى التطهر من الفاحشة‪(( :‬وما‬
‫كان جواب قومسه إل أن قالوا أخرجوهسم مسن قريتكسم إنهسم أناس يتطهرون))‪[.‬العراف‪:‬‬
‫‪]82‬‬
‫وقال تعالى‪-‬مسسليا رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم وقسد أخرجسه قومسه مسن أحسب بلد‬
‫إليه‪-‬المسجد الحرام‪(( :-‬وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم‬
‫فل ناصر لهم))‪[.‬محمد‪]13 :‬‬
‫وقال تعالى‪-‬مبينسا مكسر قومسه بسه وتآمرهسم عليسه بالسسجن أو القتسل أو الخراج مسن‬
‫بلده‪(( :‬وإذ يمكسسر بسسك الذيسسن كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكسسر ال‬
‫وال خير الماكرين))‪[.‬النفال‪]30 :‬‬
‫وقال تعالى عسسن رأس المنافقيسسن‪-‬ومثله رؤوس العلمانييسسن المنتسسسبين إلى السسسلم‬
‫المحاربيسن له اليوم‪-‬وهسو يهدد الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم والمؤمنيسن بسه‪ ،‬وبخاصسة‬
‫المهاجريسسن‪(( :‬يقولون لئن رجعنسسا إلى المدينسسة ليخرجسسن العسسز منهسسا الذل‪ ،‬ول العزة‬
‫ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين ل يعلمون))‪[.‬المنافقون‪]8 :‬‬
‫وقال تعالى عسن نسبيه صسلى ال عليسه وسسلم وأصسحابه المهاجريسن الذيسن أخرجتهسم‬
‫قريسسش مسسن ديارهسسم وأموالهسسم وأهليهسسم‪((:‬أذن للذيسسن يقاتلون بأنهسسم ظلموا وإن ال على‬
‫نصرهم لقدير‪ ،‬الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إل أن يقولوا ربنا ال))‪[.‬الحج‪]40 :‬‬
‫ومسا أشسق خروج النسسان‪-‬أي إنسسان مسن منزله وبلده بالقوة والكراه‪-‬وبخاصسة عندمسا‬
‫يكون إخراجسسه بسسسبب دعوتسسه إلى الحسسق‪ ،‬قومسسا ضلل متمسسسكين بالباطسسل صسسادين عسسن‬
‫الحسق‪ ،‬فيخرجونسه مقهورا مظلومسا‪ ،‬هسو يجاهسد فسي وصسول الخيسر إليهسم فسي حال كونسه‬
‫مشفقسا عليهسم رحيمسا بهسم‪ ،‬وهسم يصسرون على إخراجسه مسن دياره‪ ،‬قاسسية قلوبهسم ل تعرف‬
‫الرحمة والرأفة بمن يستحقها‪.‬‬

‫المظهر الثاني‪ :‬سجن المعتدى عليه بدون حق‪.‬‬
‫وهذه العقوبسة القاسسية تعتسبر عنسد الطغاة الفراعنسة أهسل الباطسل تفضل منهسم على‬
‫أعدائهم من أهل الحق‪ ،‬لن أهل الحق ل يستحقون الحياة‪ ،‬والسجن قد يكون محطة يعبر‬
‫منها السجين إلى مشنقة الموت‪ ،‬أو ينسى في السجن نسيان القساة الذين نزعت الرحمة‬
‫من قلوبهم‪.‬‬
‫ففرعون يهدد موسسسى عليسسه السسسلم الرسسسول الموحسسد الذي يدعسسو إلى توحيسسد ال‬
‫وعبادته وحده‪ ،‬ويحذره من أن يعبد إلها غيره‪ ،‬ويتوعده بالسجن مع المجرمين من قطاع‬
‫الطرق وسسسارقي الموال وقاتلي النفوس بدون حسسق‪ ،‬كمسسا قال تعالى عنسسه‪(( :‬لئن اتخذت‬
‫إلها غيري لجعلنك من المسجونين))‪[.‬الشعراء‪]39 :‬‬
‫هذا التهديد بالسجن قصد منه إكراه الرسول الموحد الداعي إلى التوحيد الذي هو‬
‫أصل كل حق‪ ،‬على الشراك بال وعبادة الطاغوت الذي هو أصل كل باطل‪.‬‬
‫‪77‬‬

‫ويوسف عليه السلم تعرض للسجن‪ ،‬بسبب تنزهه عن الفاحشة التي طلبتها منه‬
‫امرأة العزيسسز فسسي قصسسر السسسلطة‪ ،‬وقصسسور طغاة الملوك والزعماء تضيسسق بالطاهريسسن‬
‫الذيسن ينزهون أنفسسهم مسن الفواحسش‪ ،‬ول يلقسي الترحيسب فيهسا‪-‬غالبسا‪ -‬والتمكيسن إل لفسسقه‬
‫والمجرمون الذيسسن يحبون الفاحشسسة‪ ،‬لذلك حاولت عزيزة القصسسر إكراهسسه على المنكسسر‬
‫واتخذت لذلك الكراه كسل وسسيلة‪ ،‬فلمسا رفسض صساحب الحسق طلبهسا واعتصسم بال طلبست‬
‫سسجنه‪ ،‬فاسستجاب لطلبهسا زوجهسا الديوثُس وسَسجَنَه‪ ،‬وكان السسجن أحسب إلى صساحب الحسق‬
‫من أن يستجيب للباطل‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬ولقد همت به وهم بها لول أن رأى برهان ربه‪ ،‬كذلك لنصرف عنه‬
‫السسوء والفحشاء إنسه مسن عبادنسا المخلصسين‪ ،‬واسستبقا الباب وقدت قميصسه مسن دبر وألفيسا‬
‫سسسسسيدها لدى الباب‪ ،‬قالت مسسسسا جزاء مسسسسن أراد بأهلك سسسسسوء إل أن يسسسسسجن أو عذاب‬
‫أليم))‪[.‬يوسف‪]25 :‬‬
‫وبعسد إقرارهسا بأنهسا هسي العاصسية وإقرارهسا بأنهسا هسي التسي راودتسه على الفاحشسة‪،‬‬
‫صسدر منهسا التهديسد الظالم الذي هسو عادة أهسل الباطسل‪ ،‬للمظلوم البريسء صساحب الحسق‪،‬‬
‫كما قال تعالى عنها‪(( :‬ولقد راودته عن نفسه فاستعصم‪ ،‬ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن‬
‫وليكونن من الصاغرين))‪[.‬يوسف‪]32 :‬‬
‫ووقسف صساحب الحسق عالي الرأس‪ ،‬مفضل السسجن على السستجابة للمنكسر‪ ،‬كمسا‬
‫قال تعالى عنه‪(( :‬قال رب السجن أحب إل يّ مما يدعونني إليه وإلّ تصرف عني كيدهن‬
‫أصب إليهن وأكن من الجاهلين))‪[.‬يوسف‪32 :‬؟]‬
‫ويصسدر الحكسم الظالم مسن أهسل الباطسل على البريسء المظلوم صساحب الحسق‪ ،‬دون‬
‫رحمسة لضعفسه ول تقديسر لبراءتسه كمسا قال تعالى‪(( :‬ثسم بدا لهسم مسن بعسد مسا رأوا اليات‬
‫ليسسسجننه حتسسى حيسسن))‪ [.‬يوسسسف‪ 35 :‬واليات‪ :‬الدلة والبراهيسسن والقرائن الدالة على‬
‫براءته واثم العاصية‪].‬‬

‫المظهر الثالث‪ :‬الرجم بالحجارة‪.‬‬
‫ل الحسق ودعاتسه وأهله‪ ،‬كمسا قال تعالى عسن قوم‬
‫وقسد هدد أهسل الباطسل بالرجسم رسس َ‬
‫نوح‪(( :‬قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين))‪[.‬الشعراء‪]116 :‬‬
‫وهدد آزر أبو إبراهيم ولدَه إبراهيم بالرجم‪ ،‬كما قال ال تعالى عنه‪(( :‬قال أراغب‬
‫أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لرجمنك واهجرني مليا))‪[.‬مريم‪]46 :‬‬
‫وحكسى ال عسن قوم شعيسب أنهسم لم يتركوا رجمسه إل خوفسا مسن رهطسه‪ ،‬كمسا قال‬
‫تعالى عنهسسم‪(( :‬قالوا يسسا شعيسسب مسسا نفقسسه كثيرا ممسسا تقول‪ ،‬وإنسسا لنراك فينسسا ضعيفسسا ولول‬
‫رهطك لرجمناك‪ ،‬وما أنت علينا بعزيز))‪[.‬هود‪]91 :‬‬
‫ويظهسسر مسسن بعسسض اليات أن موسسسى عليسسه السسسلم هدده فرعون وملؤه بالرجسسم‬
‫فاسسسسستعاذ بال مسسسسن ذلك‪ ،‬كمسسسسا قال تعالى عنسسسسه‪(( :‬وإنسسسسي عذت بربسسسسي ربكسسسسم أن‬
‫ترجمون))‪[.‬الدخان‪]20 :‬‬
‫وذكسر تعالى عسن بعسض المسم أنهسا هددت رسسلها بالرجسم والعذاب المؤلم‪ ،‬كمسا قال‬
‫‪78‬‬

‫تعالى‪(( :‬قالوا إنسا تطيرنسا بكسم لئن لم تنتهوا لنرجمنكسم وليمسسنكم منسا عذاب أليسم))‪[.‬يسس‪:‬‬
‫‪]18‬‬
‫رسسسل ال وأتباعهسسم مسسن أهسسل الحسسق‪ ،‬يسسسعون جاديسسن إلى إنقاذ أهسسل الباطسسل مسسن‬
‫ضللهم الذي يشقيهم في الدنيا والخرة‪ ،‬شفقة عليهم ورحمة بهم‪ ،‬وأهل الباطل تتصلب‬
‫قلوبهسم وتقسسو نفوسسهم‪ ،‬فيهددون مسن يريسد رحمتهسم‪ ،‬بالرجسم والعذاب الليسم! لن قلوب‬
‫أهل الحق مليئة بالرحمة وقلوب أهل الباطل خالية من الرحمة مليئة بالقسوة‪.‬‬

‫المظهر الرابع‪ :‬تقطيع الطراف والصلب‪.‬‬
‫وهذا النوع من أنواع العتداء من قساة القلوب‪-‬على أهل الباطل والتهديد به أمر‬
‫شائع فسي طواغيست الرض وفراعنتهسم‪ ،‬وقسد هدد بسه فرعون السسحرة الذيسن اسستنجد بهسم‬
‫للنتصسسار على آيات موسسسى وبراهينسسه بسسسحرهم‪ ،‬فبطسسل سسسحرهم وتسسسلل اليمان برب‬
‫موسى ودعوته إلى قلوبهم‪ ،‬فانقلبوا مؤمنين بالحق الذي جاء به موسى عليه السلم‪ ،‬ضد‬
‫الباطسسل الذي كانوا قسسد نشئوا عليسسه وأعانوا عليسسه فرعون‪ ،‬وعندمسسا ((قالوا آمنسسا برب‬
‫العالميسن‪ ،‬رب موسسى وهارون)) اشتدت قسسوة فرعون فأخسذ يعاتسب وينكسر ويهدد‪ ،‬كمسا‬
‫قال تعالى عنسسه‪(( :‬قال فرعون آمنتسسم له قبسسل أن آذن لكسسم‪ ،‬إن هذا لمكسسر مكسسر تموه فسسي‬
‫المدينسسة لتخرجوا منهسسا أهلهسسا فسسسوف تعلمون‪ ،‬لقطعسسن أيديكسسم وأرجلكسسم مسسن خلف ثسسم‬
‫لصلبنكم أجمعين))‪[.‬العراف‪]124-121 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬قال آمنتسسم له قبسسل أن آذن لكسسم إنسسه لكسسبيركم الذي علمكسسم السسسحر‬
‫فلقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا‬
‫وأبقى))‪[.‬طه‪]71 :‬‬
‫وقال تعالى عنسه‪(( :‬قال آمنتسم له قبسسل أن آذن لكسسم إنسسه لكسسبيركم الذي علمكسسم السسسحر‬
‫فلسسوف تعلمون لقطعسن أيديكسم وأرجلكسم مسن خلف ولصسلبنكم أجمعيسن))‪[.‬الشعراء‪:‬‬
‫‪]49‬‬

‫المظهر الخامس من مظاهر العنف والقسوة‪:‬‬
‫‪.‬الذبح‪ ،‬وهو أحد أنواع القتل‬
‫وقسسد كان فرعون‪-‬لشدة قسسسوته‪-‬يذبسسح صسسغار بنسسي إسسسرائيل أمام أعيسسن آبائهسسم‬
‫وأمهاتهسم‪ ،‬ليسستأصل ذريتهسم الذكور‪ ،‬حرصسا على ملكسه وخوفسا متوهمسا أن يسسلبوه ذلك‬
‫الملك‪.‬‬
‫قال تعالى‪(( :‬وإذ نجيناكسم مسن آل فرعون يسسومونكم سسوء العذاب يذبحون أبناءكسم‬
‫ويستحيون نساءكم‪ ،‬وفي ذلكم بلء من ربكم عظيم))‪[.‬البقرة‪]49 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وإذ قال موسسسى لقومسسه اذكروا نعمسسة ال عليكسسم إذ أنجاكسسم مسسن آل‬
‫فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم‪ ،‬وفي ذلكم بلء من‬
‫ربكم عظيم))‪[.‬إبراهيم‪]6 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬إن فرعون عل فسي الرض‪ ،‬وجعسل أهلهسا شيعسا يسستضعف طائفسة‬
‫منهم‪ ،‬يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم‪ ،‬إنه كان من المفسدين))‪[.‬القصص‪]4 :‬‬
‫‪79‬‬

‫المظهر السادس‪ :‬التحريق‪.‬‬
‫ومسن أنواع القتسل الشنيسع التسي يتخذهسا قسساة القلوب مسن أهسل الباطسل‪ ،‬تحريسق أهسل‬
‫الحق بالنار‪.‬‬
‫كما فعل قوم إبراهيم الخليل عليه السلم‪-‬لول أن ال تعالى سلب النار قدرتها على‬
‫إيذائه بقدرته تعالى‪.‬‬
‫قال تعالى فيهسم‪-‬بعسد أن أقام إبراهيسم عليسه السسلم الحجسة عليهسم واعترفوا بأنه على‬
‫حسق وأنهسم هسم أهسل باطسل وظلم‪((-‬قالوا حرقوه وانصسروا آلهتكسم إن كنتسم فاعليسن‪ ،‬قلنسا يسا‬
‫نار كوني بردا وسلما على إبراهيم))‪[.‬النبياء‪]69-68 :‬‬
‫ومن أعظم القصص الدالة على أن أهل الباطل قد نزعت الرحمة من قلوبهم قصة‬
‫أصسسحاب الخدود التسسي أشارت إليهسسا هذه اليات‪(( :‬قتسسل أصسسحاب الخدود‪ ،‬النار ذات‬
‫الوقود‪ ،‬إذ هسم عليهسا قعود‪ ،‬وهسم على مسا يفعلون بالمؤمنيسن شهود‪ ،‬ومسا نقموا منهسم إل أن‬
‫يؤمنوا بال العزيسز الحميسد‪ ،‬الذي له ملك السسماوات والرض وال على كسل شيسء شهيسد‪،‬‬
‫إن الذيسسسن فتنوا المؤمنيسسسن والمؤمنات ثسسسم لم يتوبوا فلهسسسم عذاب جهنسسسم ولهسسسم عذاب‬
‫الحريسق))‪ [.‬البروج‪ 10 ،4 :‬ويمكسن مراجعسة هذه القصسة فسي كتسب التفسسير ومنهسا تفسسير‬
‫القرآن العظيم لبن كثير‪].‬‬

‫المظهر السابع‪ :‬القتل بكل الوسائل المؤدية إليه‪.‬‬
‫وهسسو شامسسل لقتسسل أهسسل الباطسسل أهلَ الحسسق‪ ،‬نصسسرا للباطسسل على الحسسق‪ ،‬ومحاولة‬
‫لسستئصال مصسادر الحسق التسي تؤدي إلى إبلغ الحسق إلى عقول الناس مسن أجسل أن تخلو‬
‫الرض للباطل وأهله‪.‬‬
‫وشامسل كذلك لعتداء أهسل الباطسل على الضعفاء مسن الصسغار‪-‬مسن أولدهسم بسسبب‬
‫خشيسسة العار إن كان القتسسل للبنات‪ ،‬أو خشيسسة الفقسسر‪-‬أو أولد أعدائهسسم‪ ،‬كمسسا يحصسسل فسسي‬
‫الحروب‪ ،‬أو من بعض الطغاة الفراعنة لولد بعض الطوائف المضطهدة تحت حكمهم‬
‫وسسيطرتهم‪ ،‬وذلك كله يدل على نزع الرحمسة والشفقسة مسن قلوبهسم فمسن النوع الول‪-‬قتسل‬
‫أهل الحق من النبياء وأتباعهم‪-‬قوله تعالى في اليهود القساة‪(( :‬ذلك بأنهم كانوا يكفرون‬
‫بآيات ال ويقتلون النبيين بغير الحق‪ ،‬ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون))‪ [.‬البقرة‪]61 :‬‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬إن الذيسسن يكفرون بآيات ال ويقتلون النسسبيين بغيسسر حسسق‪ ،‬ويقتلون‬
‫الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم))‪[.‬آل عمران‪]21 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬لقسد سسمع ال قول الذيسن قالوا إن ال فقيسر ونحسن أغنياء سسنكتب مسا‬
‫قالوا وقتلهم النبياء بغير حق‪ ،‬ونقول ذوقوا عذاب الحريق))‪[.‬آل عمران‪]81 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬كلمسسا جاءهسسم رسسسول بمسسا ل تهوى أنفسسسهم‪ ،‬فريقسسا كذبوا وفريقسسا‬
‫يقتلون))‪ [.‬المائدة‪.70 :‬هذه اليات وغيرها في أهل الكتاب‪].‬‬
‫وقال تعالى في مشركي قريش وهم يتآمرون على رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ويطرحون خيار اتهسم فسي التخلص منسه ومسن دعوتسه‪-‬ومسن ذلك القتسل‪(( :-‬وإذ يمكسر بسك‬
‫‪80‬‬

‫الذي كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكسسسسسسسسسسسر ال وال خيسسسسسسسسسسسر‬
‫الماكرين))‪[.‬النفال‪]30 :‬‬
‫ومسن النوع الثانسي‪-‬أي قتسل الصسغار‪-‬مسا كان يفعله فرعون مسع أولد بنسي إسسرائيل‬
‫الذكور‪ ،‬كما مضى قريبا‪.‬‬
‫ومن ذلك مسا كان يفعله مشركو قريسش حيث يذبح الب ابنه خشية الفقر‪ ،‬أو ابنته‬
‫خشيسة العار‪ ،‬وهمسا ينظران والم تبصسر قتسل رضيعهسا‪ ،‬دون رحمسة ول شفقسة‪ ،‬كمسا قال‬
‫تعالى‪(( :‬وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم))‪[.‬النعام‪]137 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬ول تقتلوا أولدكسم خشيسة إملق نحسن نرزقهسم وإياكسم إن قتلهسم كان‬
‫خطئا كبيرا))‪[.‬السراء‪]31 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وإذا بشر أحدهم بالنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم‪ ،‬يتوارى من‬
‫القوم مسسن سسسوء مسسا بشسسر بسسه أيمسسسكه على هون أم يدسسسه فسسي التراب‪ ،‬أل سسساء مسسا‬
‫يحكمون))‪[.‬النحل‪]59 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬وإذا الموءودة سئلت‪ ،‬بأي ذنب قتلت))‪[.‬التكوير‪]9-8 :‬‬
‫ترى هسل يوجسد شيسء مسن الرحمسة فسي قلوب مسن يقتلون الولد الصسغار‪ ،‬سسواء‬
‫كانوا أولدهم أو أولد أعدائهم؟!‬

‫‪81‬‬

‫المظهر الثامن‪ :‬الذى‪ ،‬بكل أنواعه‪.‬‬
‫وهو يشمل مظاهر القسوة المذكورة سابقا وغيرها‪.‬‬
‫وأذى أهسل الباطسسل يشمسسل المخلوقات كلهسا‪ :‬النسسسان‪-‬وغيره‪-‬سسواء كان مسن أهسل‬
‫الحسق أو مسن أهسل الباطسل‪ ،‬فصساحب الباطسل القوي يؤذي الضعيسف سسواء كان مسن أهسل‬
‫الحق أو من أهل الباطل‪ ،‬ولكن إيذاءه أهل الحق له الولوية عنده‪ ،‬وسنقتصر عليه ههنا‬
‫بذكر بعض اليات القرآنية التي نصت على الذى‪.‬‬
‫قال تعالى‪-‬مخاطبسا عباده المؤمنيسن مصسبرا لهسم‪ ،‬مبينسا لهسم‪ ،‬أنهسم ل بسد أن يتعرض‬
‫لهم أعداء الحق من أهل الباطل‪ ،‬من اليهود والنصارى والمشركين سواء‪ ،‬بالذى الذي‬
‫يحتاجون معه إلى الصبر والتقوى في ثباتهم على الحق‪:‬‬
‫((لتبلون فسي أموالكسم وأنفسسكم ولتسسمعن مسن الذيسن أوتوا الكتاب مسن قبلكسم ومسن‬
‫الذيسسن أشركوا أذى كثيرا‪ ،‬وإن تصسسبروا وتتقوا فإن ذلك مسسن عزم المور))[آل عمران‪:‬‬
‫‪]186‬‬
‫وقال تعالى‪-‬مسسليا رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم ومواسسيا له على مسا كان يلقاه مسن‬
‫أذى قومه المشركين‪ ،‬بما لقيه قبله إخوانه المرسلون من أقوامهم‪((-‬ولقد ُكذّبت رسل من‬
‫قبلك فصسسبروا على مسسا كذبوا وأوذوا حتسسى أتاهسسم نصسسر ال ول مبدل لكلمات ال ولقسسد‬
‫جاءك من نبأ المرسلين)) [النعام‪]34 :‬‬
‫وقال تعالى لرسسوله صسلى ال عليسه وسسلم‪(( :‬وَل تُطِعِس الْكَافِرِينَس وَالْمُنَافِقِينَس وَدَعْس‬
‫علَى الِّ وَ َكفَى بِالِّ وَكِيل))[الحزاب‪]48 :‬‬
‫أَذَاهُمْ وَتَوَ ّكلْ َ‬
‫كان يمكن الكتفاء بذكر أن أهل الباطل أعداء الحق قد نزعت الرحمة من قلوبهم‪،‬‬
‫لنهسم قسد تكسبروا وتجسبروا وطغوا لبعدهسم عسن ال وعدم السستجابة لرسسله‪ ،‬ولذلك هسم ل‬
‫يدعون شيئا مسن أنواع الذى إل أنزلوه بالضعيسف‪ ،‬وبخاصسة إذا كان هذا الضعيسف مسن‬
‫أهسل الحسق‪ ،‬كان يكفسي ذكسر ذلك والسستدلل بآيسة أو آيتيسن بدون سسوق المظاهسر الثمانيسة‬
‫المذكورة الدالة على قسوتهم وعدم رحمتهم‪.‬‬
‫ولكن أردت من سوق هذه المظاهر التنبيه إلى شيء‪-‬وليس كل شيء‪-‬من قاموس‬
‫الشسر والفتنسة الذي يزاوله أعداء الحسق‪ ،‬مسن أهسل الباطسل ضسد أهسل الحسق مسن النسبياء‬
‫والرسسسل عليهسسم الصسسلة والسسسلم وأتباعهسسم‪ ،‬ليفتنوهسسم عسسن دينهسسم بكسسل صسسنوف الذى‪،‬‬
‫وليصدوا الناس عن الستجابة لدعوتهم بغاية القسوة والشدة‪.‬‬
‫ولو أنسا عدنسا إلى التاريسخ لضرب أمثلة تندرج تحست هذا القاموس وتزيسد عليسه لمسا‬
‫اتسع المقام لذلك‪.‬‬
‫ولهذا نحاول أن ننبه على الواقع وما يجري فيه من وبال على العالم كله‪ ،‬من قبل‬
‫الطغاة والفراعنسة مسن أهسل الباطسل‪ ،‬وبخاصسة على أهسل الحسق مسن الدعاة الذيسن امتلت‬
‫قلوبهسم رحمسة ورأفسة‪ ،‬فأجهدوا أنفسسهم واقتحموا العقبات لبلغ الخيسر إلى أهسل الباطسل‪،‬‬
‫ليسسسعدوا بهذا الخيسسر فسسي الدنيسسا والخرة‪ ،‬ولكسسن أهسسل الباطسسل وجهوا إليهسسم سسسهام العداء‬
‫والحرب بقسوة بالغة فأنزلوا بهم كل أنواع الذى والمحن‪.‬‬
‫‪82‬‬

‫نماذج من قساة القلوب في عصر حقوق النسان!‬
‫ل نريد‪-‬كما سبق‪-‬تتبع قسوة الطغاة ووحشيتهم التي يعاملون بها الضعيف من قديم‬
‫الزمان‪ ،‬بسبب فقد قلوبهم الرحمة والرأفة‪ ،‬والستشهاد على ذلك بحوادث التاريخ‪ ،‬سواء‬
‫أكان ذلك صسسادرا مسسن أهسسل الكتاب‪ ،‬مسسن اليهود و النصسسارى‪ ،‬أو الوثنييسسن مسسن مجوس‬
‫وغيرهسم مسن الهندوس والبوذييسن‪ ،‬وسسواء عاملوا بتلك القسسوة والوحشيسة دعاة الحسق مسن‬
‫النسسبياء والرسسسل واتباعهسسم‪ ،‬أو عاملوا بهسسا أبناء جنسسسهم مسسن الكفار‪ ،‬فإن ذلك‪-‬لو أردنسسا‬
‫تتبعه‪-‬من الصعوبة بمكان‪.‬‬
‫والذي يرغسب فسي الطلع على نماذج مسن قسسوة أي أمسة مسن تلك المسم فإنسه واجسد‬
‫في كتب التاريخ القديمة والحديثة ما يغنيه‪ ،‬فهذه الرسالة ليست معنية بذلك‪ ،‬وحسبها أن‬
‫تشير بسبابتها إلى المكتبات العامة والخاصة‪ ،‬والمكتبات التجارية لمن عنده تلك الرغبة‪.‬‬
‫ولكنها‪-‬أي هذه الرسالة‪-‬معنية بذكر نماذج تثبت بها دعواها‪ ،‬وهي أن صفات أهل‬
‫الباطل الذين يسابقون بباطلهم أهل الحق إلى العقول‪ ،‬هي على نقيض صفات أهل الحق‪،‬‬
‫فإذا كان أهسل الحسق يتصسفون بالرحمسة بالخلق‪ ،‬ورحمتهسم بهسم تحملهسم على إبلغ الحسق‬
‫إلى عقولهم‪ ،‬فإن أهل الباطل يتصفون بالقسوة والغلظة‪ ،‬ولعدم رحمتهم بالخلق يحاولون‬
‫أن يسبقوا أهل الحق بإبلغ باطلهم إلى عقول الناس‪ ،‬ويتخذون لذلك كل الوسائل القاسية‬
‫الغليظة الخالية من الرحمة لذلك السباق‪.‬‬
‫ولمسا كانست النماذج المعاصسرة‪ ،‬أقرب إلى ذهسن القارئ لنسه يراهسا ويسسمع عنهسا‪،‬‬
‫ويعيش في زمن أحداثها‪ ،‬فإن الستشهاد بها أقرب إلى إقامة الحجة بها‪.‬‬
‫وسنعرض هنا خمسة نماذج من قساة القلوب الذين نزعت الرحمة من قلوبهم‪:‬‬
‫النموذج الول‪ :‬قساة القلوب من اليهود‪.‬‬
‫النموذج الثاني‪ :‬قساة النصارى‪.‬‬
‫النموذج الثالث‪ :‬قساة الوثنيين‪.‬‬
‫النموذج الرابع‪ :‬قساة الملحدين‪.‬‬
‫النموذج الخامس‪ :‬قساة المنافقين‪.‬‬

‫النموذج الول قساة اليهود‪.‬‬
‫إن المة التي تكذب قادة دعاة الحق‪-‬النبياء والرسل‪-‬وتقتلهم‪ ،‬وهم يتوجهون إليها‬
‫بدعوتهسا إلى الدخول فسي رحمسة ال بهسا فسي الدنيسا والخرة‪ ،‬هسي أمسة بلغست أقصسى حسد‬
‫القسوة والغلظة‪ ،‬وإذا نزعت الرحمة من قلوبها في معاملتها لنبيائها ورسلها‪ ،‬فما الذي‬
‫يتوقع منها في معاملتها لغيرهم؟ وبخاصة إذا كانوا أعداءها‪ ،‬وبالخص إذا كان أعداؤها‬
‫هم المسلمين الذين حسدوا رسولهم ورسالته في أول مجيئها‪ ،‬وحاولوا القضاء عليها في‬
‫مهدها بقتل نبيها غيلة‪ ،‬وتأليب قوى الشر في الجزيرة العربية على حملتها‪ ،‬بعد نقضهم‬
‫العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فهاهسسسم اليوم يغتصسسسبون بلد المسسسسلمين‪-‬بمعاونسسسة النصسسسارى‪-‬ويقتلون أبناءهسسسم‪،‬‬
‫ويسسجنونهم‪ ،‬ويعذبونهسم بأقسسى أنواع التعذيسب‪ ،‬ويخرجونهسم مسن ديارهسم‪ ،‬ويهدمون على‬
‫رؤوسسهم منازلهسم‪ ،‬ويدنسسون مقدسسا تهسم‪-‬ومنهسا قبلة المسسلمين الولى ومسسرى رسسولهم‬
‫‪83‬‬

‫صلى ال عليه وسلم‪.-‬‬
‫وقسد اغتصسبوا أرض فلسسطين سسنة ‪1948‬م وأخذوا يعيثون فسسادا فسي البلد والعباد‪،‬‬
‫ولست بمحاول تتبع معاملتهم القاسية لهل البلد من ذلك التاريخ‪ ،‬وإنما أذكر أمثلة قليلة‬
‫مسسن تلك المعاملة قريبسسة العهسسد‪ ،‬قرأهسسا الناس فسسي الصسسحف والمجلت‪ ،‬وشاهدوهسسا فسسي‬
‫التلفاز وسسسمعوها فسسي الذاعسسة‪ ،‬وأكثسسر مسسا تذكسسر ذلك مفصسسل وسسسائل العلم الجنبيسسة‬
‫المواليسسة والمؤيدة لليهود‪ :‬الوربيسسة والمريكيسسة [هذا كان قبسسل وجود بعسسض الفضائيات‬
‫العربيسسة التسسي أصسسبحت تنقسسل مجازر اليهود للفلسسسطينيين سسساعة بسسساعة‪ ،‬وفسسي مواقسسع‬
‫النترنت خير شاهد على ذلك] وشهادة الهل على الهل أقوى حجة من غيرها‪-‬ومع أن‬
‫هذه الشارة كافيسة لمسن يعيسش فسي هذه اليام على الكوكسب الرضسي‪ ،‬لن مظاهسر قسسوة‬
‫اليهود تعتسبر بدهيسة عندهسم‪ ،‬ويكفسي أن يُذكّرُوا بهسا للدللة على فقسد اليهود الرحمسة فسي‬
‫قلوبهسسم‪ ،‬أقول مسسع أن ذلك كاف فل بسسد مسسن ضرب أمثلة لتكون أكثسسر تذكيسسر للحاضسسر‬
‫ومرجعا للجيال القادمة‪.‬‬
‫وسأقتصر على بعض المثلة بذكرها من مرجع واحد وهو‪( :‬النتفاضة المباركة‪،‬‬
‫وقائع وأبعاد)[للكاتب غسان حمدان]‪.‬‬
‫فقد ذكر في الفصل الثالث من الكتاب‪-‬وعنوانه الجراءات السرائيلية الرهابية‪:-‬‬
‫العناوين التية‪:‬‬
‫سياسة القبضة الحديدية‪ .‬العتقالت العشوائية‪.‬‬
‫مبدأ رابيسن [كان وزيرا للدفاع‪ ،‬ثسم أصسبح رئيسسا للوزراء‪ ،‬وقسد اغتاله بنسو جلدتسه‬
‫احتجاجسسا على مسسا ظهسسر لهسسم مسسن تقارب مسسع الشرطسسة الفلسسسطينية] فسسي تكسسسير العظام‪.‬‬
‫تعطيل الخدمات الصحية‪.‬‬
‫العقاب الجماعي‪ .‬انتهاك حرمة المقدسات السلمية‪.‬‬
‫اشتراك المستوطنين في القمع‪.‬‬
‫الحرب القتصادية‪.‬‬
‫محاولة كسر الضراب التجاري‪ .‬دفن الحياء‪.‬‬
‫العتداء على المؤسسات التعليمية‪ .‬هدم ونسف المنازل‪.‬‬
‫قنابل الغاز السامة‪ .‬أجهزة عسكرية متطورة‪.‬‬
‫إبعاد المواطنين خارج فلسطين‪ .‬الحرب النفسية‪.‬‬
‫التعتيم العلمي‪.‬‬
‫وسسأقتطف بعسض الجمسل ممسا فصسل المؤلف‪ ،‬بعسد ذكره هذه البنود قال‪( :‬لم يترك‬
‫جنود الجيسش السسرائيلي أسسلوبا للتنكيسل بالمواطنيسن إل وتسسابقوا على تنفيذه‪ ،‬حتسى وإن‬
‫أثار إرهابهسسم العالم‪-‬إلى أن قال‪ :-‬وحول السسساليب القمعيسسة والجراءات التسسي اعترف‬
‫المجرم شاميسر[كان رئيسسا للوزراء] بأن الجنود كلفوا بتنفيذهسا‪ ،‬فإنهسا تحتاج إلى مجلدات‬
‫كبيرة‪ ،‬ويكفي أن نورد أبرز هذه الساليب مدعمة ببعض الشواهد‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬ل‬
‫الحصر‪:‬‬
‫‪-1‬اقتحام المنازل بعسسد فرض حظسسر التجول‪ ،‬وتحطيسسم الثاث وزجاج النوافسسذ‪،‬‬
‫والعبسسسث بمحتويات المنزل‪ ...‬بالضافسسسة إلى العتداء على الموجوديسسسن فيهسسسا‪ ...‬رجال‬
‫ونساء‪ ...‬كبارا في السن أو صغارا‪...‬‬
‫‪84‬‬

‫‪-2‬قذف قنابسل الغاز السسامة والمسسيلة للدموع داخسل المنازل‪ ...‬كمسا عمدت قوات‬
‫العدو إلى أسلوب جديد للتنكيل باستخدام هذه القنابل‪ ،‬حيث يقوم الجنود بإطلق عدد من‬
‫القنابسل الغازيسة والدخانيسة فسي المنازل‪ ،‬ثسم يجسبرون المواطنيسن على دخول المنازل تحست‬
‫الضرب الشديد‪.‬‬
‫‪-3‬إطلق يد حرس الحدود‪ ...‬بأعمال تخريب وإهانة‪..‬‬
‫‪-4‬إخراج الرجال والطفال مسسن منازلهسسم وضربهسسم ضربسسا مبرحسسا بالهراوات‬
‫وأعقاب البنادق‪ ،‬ثم ربطهم إلى أعمدة الكهرباء والهاتف والستمرار في ضربهم إلى أن‬
‫يفقسد الشخسص المربوط وعيسه‪ ،‬وعندئذٍ يرش عليسه الماء البارد ويعود الضرب مسن جديسد‪،‬‬
‫وقد يلجأ الجنود إلى ضرب رأس المعتقل بالحائط والعمود‪...‬‬
‫‪-5‬اسستغلل تأخسر بعسض المواطنيسن فسي الوصسول إلى منازلهسم ليل‪ ،‬فيقوم الجنود‬
‫باعتقالهم وتكسير أطرافهم‪ ...‬وإلقائهم في أماكن نائية في الطريق‪...‬‬
‫‪-6‬تجميسسع أعداد كسسبيرة مسسن المواطنيسسن ممسسن يتصسسادف مرورهسسم فسسي الشوارع‪،‬‬
‫وحشرهسم فسي محلت تجاريسة‪ ،‬بعسد فتحهسا بالقوة ثسم يقوم الجنود بإلقاء قنابسل غاز مسسيل‬
‫للدموع‪...‬‬
‫ويغلقون أبواب المحال والمواطنون بداخلها‪...‬‬
‫‪ ...-7‬إلقاء الحجارة أو إطلق النار على اللواقسط الزجاجيسة للسسخانات الشمسسية‬
‫المنصسوبة على أسسطح المنازل‪ ..‬وتحطيمهسا‪ ..‬إطلق النار على خزانات المياه لتفريغهسا‬
‫من الماء‪ ،‬بهدف تعطيش المجاهدين الصامدين‪ ،‬ووصل المر إلى أن يقوم بعض الجنود‬
‫الذيسن يحتلون أسسطح المنازل والمدارس بالتبول داخسل خزانات المياه‪ ..‬وتحطيسم أسسقف‬
‫المنازل المصنوعة من القراميد‪ ،‬ونتيجة لهذا العمل باتت كثير من السر الفلسطينية في‬
‫مخيم جباليا تحت المطر وفي البرد والعراء‪.‬‬
‫‪-8‬ربسط بعسض الشباب إلى مقدمسة سسيارات الجيسب العسسكرية‪ ،‬التسي تنطلق بسسرعة‬
‫ثم تتوقف فجأة‪ ،‬مما يؤدي إلى قذف الشخص الذي كان موثوقا إلى مقدمة السيارة مسافة‬
‫بعيدة عنها‪ ،‬مما يؤدي إلى إصابتهم بجروح وكسور ورضوض في جميع أنحاء الجسم‪.‬‬
‫‪-9‬اسسستخدام الجيسسش بعسسض المعتقليسسن أو المارة دروعسسا بشريسسة فسسي مواجهسسة‬
‫المظاهرات‪ ،‬وحجارة المجاهدين‪..‬‬
‫‪-10‬إدخال الطارات المشتعلة إلى منازل المواطنين الذين يرفضون إطفاءها مما‬
‫يؤدي إلى احتراق المنازل أو أجزاء منها‪...‬‬
‫‪-11‬تجميسع المعتقليسن فسي سسيارة باص‪ ..‬والعتداء عليهسم بالضرب‪ ،‬ثسم إلقاؤهسم‬
‫واحدا بعد الخر أثناء سير الباص في أماكن مختلفة‪...‬‬
‫‪-12‬إلقاء مواد تموينيسة فاسسدة‪ ،‬وبخاصسة البسسكويت والشكلتسة فسي مداخسل القرى‬
‫والمخيمات‪-‬لتقسع‪-‬تحست متناول الطفال فسي محاولة لتسسميمهم وقتسل أكسبر عدد ممكسن مسن‬
‫أبطال النتفاضة‪...‬‬
‫‪-13‬قتل السرى والمعتقلين‪.‬‬
‫‪-14‬اسستخدام طائرات الهليكوبتسر‪ ..‬فسي إطلق القنابسل الغازيسة والمسسيلة للدموع‪،‬‬
‫على جموع المتظاهريسن فسي داخسل القرى والمخيمات عنسد عجسز قوات المشاة والليات‬
‫‪85‬‬

‫فسي اقتحام مناطسق المظاهرات‪ ،‬كمسا جرى تطويسر عدد مسن هذه الطائرات‪ ،‬حتسى تتمكسن‬
‫من إلقاء كمية كبيرة من الحجارة على المجاهدين‪ ،‬حيث زودت بمدفع قاذف للحجارة‪...‬‬
‫كمسا تقوم الطائرات العسسكرية المروحيسة بعمليات إنزال جوي للمظلييسن فسي القرى التسي‬
‫يغلق أهلهسا جميسع مداخلهسا فسي وجسه الجنود‪ ..‬وتسستخدم شبكسة تلقيهسا مسن الطائرة لعتقال‬
‫الشباب المجاهد‪-‬كما يفعل صيادو السماك في البحر‪.-‬‬
‫بسسل إن الجنود يحملون المعتقسسل فسسي الطائرة ويرمونسه مسن الجسو فيصسساب بجروح‬
‫وكسور خطيرة‪...‬‬
‫‪-15‬النقضاض على من يتم القبض عليهم من الشباب المجاهد بالهراوات والعصي‬
‫وأعقاب البنادق‪ ،‬وعلى جميسع العضاء فسي الجسسد وخاصسة اليديسن والقدميسن‪ ..‬وهذا هسو‬
‫مبدأ إسسسحاق رابيسسن الذي نعسست هذه العمسسل بقوله‪( :‬إن هذا السسسلوب أكثسسر فعاليسسة مسسن‬
‫العتقالت‪ ،‬حيسث إن المعتقسل فسي سسجن الفارعسة مثل يمكسث‪18( ..‬يومسا)يعود بعدهسا إلى‬
‫الشوارع للتظاهسسر وقذف الحجارة‪ ،‬أمسسا إذا قام الجنود بكسسسر يديسسه فإنسسه لن يتمكسسن مسسن‬
‫العودة إلى الشارع قبل شهر ونصف على القل‪ [...‬وقد شاهد العالم في كل مكان الجنود‬
‫اليهود وهم يكسرون عظام الشباب الفلسطيني بالحجارة‪].‬‬
‫وهكذا يضرب الجنود اليهود كثيرا من الشباب الفلسطيني حتى يموتوا‪...‬‬
‫‪-16‬يضاف إلى ذلك أنواع أخرى مسن التعذيسب الوحشسي الذي يصسعب حصسره‪،‬‬
‫وقطسسع المواصسسلت والتصسسالت الهاتفيسسة‪ ،‬ومنسسع إبلغ المواد الغذائيسسة والتموينيسسة إلى‬
‫المخيمات‪ ،‬وقطسسع الخدمات السسساسية‪ ،‬كالكهرباء والماء وتخفيسسض السسسيولة النقديسسة فسسي‬
‫المناطق المحتلة إلى أدنى حد ممكن‪ ،‬ووقف صرف رواتب المعلمين والمعلمات‪ ،‬ورفع‬
‫الضرائب المرهقسسة‪ ،‬ومنسسع تصسسدير المنتجات الزراعيسسة لحداث خسسسائر فادحسسة على‬
‫الفلسسسسسطينيين‪ ،‬وإغلق السسسسسواق وإتلف المحاصسسسسيل الزراعيسسسسة‪ ،‬وإغلق الجامعات‬
‫والمدارس‪ ،‬وتحويسسل بعسسض المدارس إلى ثكنات عسسسكرية وتعطيسسل الخدمات الصسسحية‪،‬‬
‫ومداهمة المستشفيات والعيادات الصحية‪.‬‬
‫‪-17‬انتهاك حرمات المقدسات السلمية‪:‬‬
‫تكثيف الوجود العسكري حول المساجد وإقامة الحواجز في الطرق المؤدية إليها‬‫ومضايقة‪ ..‬الذاهبين لداء الصلة بتفتيشهم ومصادرة هويا تهم‪-‬مع السب والشتم المؤذي‬
‫لمشاعرهم‪.-‬‬
‫اقتحام المسساجد والعتداء على المصسلين بالضرب بالهراوات وأعقاب البنادق‬‫والركل بالرجل‪ ،‬ول يستثنى من هذا العتداء أئمة المساجد‪.‬‬
‫قطع الكهرباء عن المساجد قبيل موعد صلة الجمعة لمنع الخطباء من التطرق‬‫إلى النتفاضة الجهادية عن طريق مكبرات الصوت‪..‬‬
‫اعتقال عدد من علماء السلم وخطباء المساجد‪.‬‬‫قذف قنابسل الغاز داخسل المسساجد أثناء تجمسع المصسلين وإغلق أبواب المسساجد‪،‬‬‫وأحيانا إطلق الرصاص على المصلين‪...‬‬
‫إغلق عدد من المساجد ومنع المواطنين من أداء الصلة فيها‪...‬‬‫مصادرة مكبرات الصوت الخاصة بالذان‪...‬‬‫‪86‬‬

‫العتداء على كبار العلماء مثل مفتي القدس ومحاولة إحراق المسجد القصى‪...‬‬‫الذن للعصابات اليهودية بتدنيس المسجد القصى‪.‬‬‫تمزيق جنود اليهود أعدادا كبيرة من المصاحف وسب الدين السلمي‪...‬‬‫‪-18‬دفن الحياء من شباب الجهاد‪.‬‬
‫‪-19‬هدم ونسف المنازل‪.‬‬
‫‪-20‬إبعاد المواطنيسسن خارج فلسسسطين (إخراجهسسم مسسن أرضهسسم وديارهسسم‪ [)..‬راجسسع‬
‫الكتاب المذكور مسن صسفحة ‪ 376 ،327‬وقسد حاولت أن أسسجل للقارئ صسور مختصسرة‬
‫جدا مع شيء من التصرف‪].‬‬
‫وبمناسسبة ذكسر إبعاد المواطنيسن عسن ديارهسم وأرضهسم‪ ،‬فإن المناسسب ذكسر حادثسة‬
‫حصسسلت هذه اليام‪ ،‬وهسسي حادثسسة مؤلمسسة أمام سسسمع العالم وبصسسره‪ ،‬وأمام سسسمع العالم‬
‫السلمي وبصره‪ ،‬وأمام من يسمى بالعالم العربي وبصره‪.‬‬
‫وخلصتها‪:‬‬
‫أن شباب الجهاد (المنتميسن إلى منظمسة حماس)اختطفوا جنديسا يهوديسا فسي الرض‬
‫التسسي احتلهسسا اليهود سسسنة ‪1948‬م وطالبوا بالفراج عسسن زعيمهسسم المقعسسد المحكوم عليسسه‬
‫بالسجن الستاذ أحمد ياسين مقابل الفراج عن الجندي اليهودي وحددوا وقتا معينا لدولة‬
‫اليهود وإذا لم يفرجوا عسن الزعيسم المسسلم فإنهسم سسيقتلون الجندي اليهودي‪ ،‬وبعسد مضسي‬
‫المدة المحددة بفترة قتلوه ووجدت القوات اليهوديسسة القتيسسل فسسي الضفسسة الغربيسسة مقتول‬
‫فطارت طائرتهسسم بعسسد أن حملوا حملة اعتقالت وداهموا المدن والقرى والمنازل وقتلوا‬
‫عددا من شباب فلسطين وجرحوهم قبل العثور على جثة القتيل‪.‬‬
‫أمسا بعسد ذلك فقسد أضاف اليهود إلى قسسوتهم قسسوة أشسد فأخذوا آلفسا مسن منازلهسم‬
‫وزجوا بهسم فسي السسجون والمعتقلت واختاروا أربعمائة وخمسسة عشسر مسن خيرة رجال‬
‫الدعوة والجهاد مسن ذوي المؤهلت العلميسة مسن حملة الدكتوراه والماجسستير والليسسانس‬
‫مسن معلميسن وأطباء ومهندسسين وكتاب وعلماء شريعسة وحملوهسم فسي شاحنات معصسوبي‬
‫العيسسن وتعاونسست الحكومسسة اليهوديسسة والمحكمسسة العليسسا اليهوديسسة فأصسسدرت هذه حكمهسسا‬
‫القاسسسي الظالم وطرد العدد المذكور ونفذت تلك المحكمسسة اليهوديسسة الظالمسسة هذا الحكسسم‬
‫الجائر!‬
‫وفسي الحدود بيسن مسا يسسمى بالشريسط المنسي الذي اغتصسبته الدولة اليهوديسة مسن‬
‫لبنان وبيسسسن الحدود اللبنانيسسسة‪ ،‬أنزلوا المظلوميسسسن وأطلقوا فوق رؤوسسسسهم النار ليدخلوا‬
‫الراضسي اللبنانيسة‪ ،‬واسستقبلهم الجنود اللبنانيون بالنار مسن الجهسة اللبنانيسة‪ ،‬فإذا هسم على‬
‫قمسة جبسل تتسساقط عليسه الثلوج وهسم فسي العراء فسي الشتاء القارص‪ ،‬ل طعام‪ ،‬ول شراب‬
‫ول مأوى‪ ،‬ول غطاء ول دواء‪ ،‬وكان ذلك فسسي يوم الخميسسس الموافسسق ل‪23-‬مسسن شهسسر‬
‫جمادى الخرة سسسنة ‪1413‬هسسس‪17-‬ديسسسمبر سسسنة ‪1992‬م‪ ،‬وتمكسسن الصسسليب الحمسسر فسسي‬
‫اليام الولى مسن مسساعدتهم بعدد مسن الخيام والغطيسة والطعام والماء والدواء‪ ،‬ثسم تآمسر‬
‫اليهود من الجنوب‪ ،‬والنصارى والعلمانيون من الشمال‪ ،‬على منع أي مساعدات لهم عن‬
‫طريسق أهليهسم أو الصسليب الحمسر‪ ،‬ل مسن فلسسطين المغتصسبة‪ ،‬ول مسن لبنان‪ ،‬بحجسة أن‬
‫كسل دولة منهمسا ليسست مسسؤولة عنهسم‪ ،‬أمسا اليهود فل يريدون العتراف بأن لهسم أي حسق‬
‫‪87‬‬

‫فسسي المسسساعدة التسسي تأتيهسسم مسسن دولتهسسم‪ ،‬لنهسسم قسسد أبعدوا إلى خارجهسسا‪ ،‬وأمسسا اللبنانيون‬
‫فيريدون أن ل يتحملوا تصسسرفات حكومسسة اليهود‪ ،‬ويزعمون أن فسسي ذلك ضغطسسا على‬
‫اليهود لعادتهسم‪ ،‬فانقطسع عنهسم كسل شيسء فسي ذلك الجبسل وفشست فسي بعضهسم المراض‬
‫وصسورهم المحزنسة تنقسل للعالم كله عسبر التلفاز‪ ،‬وأصسدر مجلس المسن المريكسي الذي‬
‫يُزْعَم له بأنسه تابسع لهيئة المسم المتحدة‪ ،‬قرارا يديسن الدولة اليهوديسة ويطلب منهسا إعادة‬
‫النظسر فسي قرارهسا‪ ،‬وبعسث النصسراني المتعصسب الحاقسد على السسلم والمسسلمين بطرس‬
‫غالي أميسسسن عام هيئة المسسسم المتحدة‪ ،‬مندوبسسسا عنسسسه إلى دولة اليهود ودولة لبنان للذن‬
‫بإسسعاف المظلوميسن‪ ،‬الذيسن يطلقون عليهسم كلمسة مبعديسن‪ ،‬ولكسن كلتسا الدولتيسن ردتسه على‬
‫عقبه خائبا وهو يوالي ضحكاته في اجتماعاته مع اليهود واللبنانيين وكأنه بعث لحضور‬
‫عرس وليس لنقاذ نفوس‪.‬‬
‫و هاأنسسا أكتسسب هذه الصسسفحات فسسي يوم الثلثاء الموافسسق ‪ 5‬مسسن شهسسر رجسسب سسسنة‬
‫‪1413‬هسس‪-‬وهسم على حالهسم مسن الجوع والعطسش والبرد والمرض وقسد مضست عليهسم اثنتسا‬
‫عشرة ليلة على تلك الحال‪ ،‬والعالم يتفرج والمسلمون يتفرجون والعرب يتفرجون!‪.‬‬
‫فهل من قسوة فوق هذه القسوة اليهودية‪ ،‬وهل يمكن أن تكون في قلوب أعداء ال‬
‫وأعداء رسله رحمة بعد هذه العمال‪1‬؟!‬
‫وقسسد اضطرت الدولة اليهوديسسة المُغتَص سِبَة إلى قبول عودتهسسم‪ ،‬لكثرة الحتجاجات‬
‫العالميسة‪ ،‬وزجست بكثيسر منهسم فسي السسجون بعسد أشهسر مسن البعاد والحرمان مسن أي حسق‬
‫يستحقه أي حيوان في الرض!‬
‫هؤلء هسسم اليهود وهذا فعلهسسم بذرا ري مسسن آووهسسم وحموهسسم‪ ،‬وفتحوا لهسسم أبواب‬
‫القتصاد والعلم والسياسة والحرية العقدية والعبادية من المسلمين‪ ،‬عندما كان النصارى‬
‫يتتبعونهسم ويضطهدونهسم‪ ،‬وينزلون بهسم أنواع النكال فيجازون الن أبناء المسسلمين الذيسن‬
‫أحسسسنوا إليهسسم كمسسا يجزى سسسنمار[راجسسع كتاب‪ :‬خطسسر اليهوديسسة العالميسسة على السسسلم‬
‫والمسسيحية لعبسد ال التسل لمعرفسة مسا واجهسه اليهود مسن مطاردة وقتسل وتشريسد فسي الدول‬
‫الوربية‪ ،‬وبخاصة بريطانيا وفرنسا وأسبانيا وألمانيا وغيرها كبولندا وإيطاليا ورومانيا‬
‫وبلغاريا وسويسرا وهنغاريا‪ ،‬وفي روسيا أيضا‪ ،‬كل ذلك بسبب ما عرفه العالم من مكر‬
‫اليهود وخبثهسم ومحاولتهسم السسيطرة على غيرهسم واسستعباد الشعوب‪ .‬ولم يجسد اليهود مسن‬
‫يجمعهسم ويرعاهسم ويحسسن إليهسم إل المسسلمون فسي أسسبانيا ثسم فسي البلدان السسلمية فسي‬
‫الشرق راجع الكتاب المذكور من ص ‪ .120-106‬دار القلم الطبعة الثانية‪].‬‬
‫وكان ينبغسسي أن يعتسسبر اليهود بمسسا نالهسسم مسسن عذاب وقسسسوة مسسن عهسسد فرعون إلى‬
‫عصسرنا هذا‪ ،‬ويقدروا صسفة الرحمسة التسي كانوا فسي أمسس الحاجسة إلى مسن يعاملهسم بهسا‬
‫فيدربوا أنفسسهم على اكتسسابها‪-‬وإن كانست مفقودة فسي قلوبهسم‪-‬ولكنهسم لم يعتسبروا‪ ،‬بسل ل‬
‫زالت قلوبهم تقسو وتزداد غلظة كلما زادت قوتهم وسيطرتهم‪.‬‬
‫كانسست كتابسسة هذه السسسطور قبسسل تسسسع سسسنين‪ .‬وقسسد اشتدت المحنسسة على إخواننسسا‬
‫الفلسسطينيين‪ ،‬بعسد قيام الحرة الجهاديسة الثانيسة‪-‬حركسة القصسى‪-‬التسي أشعسل فتيلهسا المجرم‬
‫‪-1‬هذه الحادثة ل تحتاج إلى ذكر مرجع‪ ،‬ويكفي أن يعرف القارئ التاريخ ثم يضع يده على أي جريدة أو مجلة في أي بلد وبأي‬
‫لغسة ليقرأ تفاصسيل القصسة‪ ،‬والذي يشاهسد التلفاز ل يحتاج إلى قراءة‪ ،‬والذي سسيقرأ القصسة فسي المسستقبل يسستطيع البحسث عسن شريسط‬
‫فيديو ليرى ما رأينا‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫شارون‪ ،‬عندمسسسا دنسسسس بدخوله باحسسسة القصسسسى بحمايسسسة الجيسسسش اليهودي‪ ،‬بتاريسسسخ‬
‫‪1/7/1421‬هسس سس ‪28/9/2000‬م قبسل أن يكون رئيسسا للوزراء‪ ،‬وهسو اليوم[بعسد أن أصسبح‬
‫رئيسسا للوزراء] يعيسث فسي الرض المباركسة فسسادا ل يخفسى على أهسل الرض جميعسا‪،‬‬
‫بعون ومدد مسسن الدولة الصسسليبية المعاصسسرة[أمريكسسا] وحلفائهسسا الوربييسسن‪ ،‬مسسع خذلن‬
‫زعماء العالم السسسسلمي‪ ،‬وبخاصسسسة زعماء العرب للمظلوميسسسن مسسسن أبناء هذا الشعسسسب‬
‫المجاهسسد المسسسلم‪ ،‬وكأن المسسر ل يعنسسي هؤلء الزعماء‪ ،‬الذيسسن سسسيتفرغ لهسسم اليهود بعسسد‬
‫ل يحصل ذلك] وسيقول‬
‫القضاء على الشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه[نرجو ال أ ّ‬
‫كب زعيم عندئذ‪ :‬أكلت يوم أكل الثور البيض!‬
‫هؤلء هم اليهود‪ ،‬فما نصيب النصارى من الرحمة؟!‬

‫النموذج الثانمممي‪ :‬قسممماة النصمممارى فمممي العصمممور‬
‫الماضية‪.‬‬
‫مسسن الصسسعب جدا تتبسسع المثلة الدالة على أن الرحمسسة قسسد نزعسست مسسن قلوب زعماء‬
‫النصسارى وكثيسر مسن مفكريهسم‪ ،‬وأن القسسوة والغلظسة والوحشيسة قسد حلت محلهسا‪ ،‬ويكفسي‬
‫المرء دليل على ذلك أن يتتبسسسع ممارسسسساتهم فسسسي هذا العصسسسر‪ ،‬فسسسي مشارق الرض‬
‫ومغاربهسا‪ ،‬عسن طريسق أجهزة إعلم النصسارى أنفسسهم‪-‬ومسا يخفونسه أكسبر‪-‬وبخاصسة مسا‬
‫يسومون به المسلمين من قتل وتشريد وظلم متعمد‪.‬‬
‫وسأكتفي بمثالين بارزين قديمين دالين على قسوة كثير من النصارى ووحشيتهم‬
‫وغلظ قلوبهععم وخلو قلوبهععم تلك مععن الرحمععة‪ ،‬قبععل أن أنتقععل إلى ذكععر بعععض المثلة‬
‫المعاصرة الدالة على ذلك‪.‬‬

‫المثال الول‪:‬‬
‫معاملة النصسارى فسي الندلس للمسسلمين الذيسن أسسسوا فسي بلدهسم‪-‬عندمسا فتحوهسا‪-‬‬
‫حضارة لم تعهدهسا أوروبسا ول غيرهسا مسن بلد العالم‪ ،‬حتسى أشرقست أنوار تلك الحضارة‬
‫على أوروبا‪ ،‬وكانت هي منطلق التقدم المادي الذي نشاهده الن في الغرب‪ ،‬ولو أن أهل‬
‫الغرب أخذوا بتوجيسه المنهسج السسلمي كله‪ ،‬لكانوا حملة رايسة السسلم وقادة المسسلمين‬
‫في العالم كله‪.‬‬

‫وشهد شاهد من أهلها‍‍‪.‬‬
‫وسأنقل نصا فيه شيء من الطول لهذا المثال‪ ،‬من كتاب لمؤلف غربي حتى ينطبق‬
‫عليه المثل القرآني السائر‪(( :‬وشهد شاهد من أهلها‪[))...‬يوسف‪.]36 :‬‬
‫قال غوستاف لوبون‪( :‬وعاهد فرديناند[نصراني أسباني كاثوليكي استولى على أخر‬
‫مملكسة إسسلمية وهسي غرناطسة سسنة ‪1492‬م‪ ].‬العرب على منحهسم حريسة التديسن واللغسة‪،‬‬
‫ولكنه في سنة ‪1499‬م‪ ،‬لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الضطهاد والتعذيب الذي دام‬
‫قرونسا‪ ،‬والذي لم ينتسه إل بطرد العرب مسن أسسبانية‪ ،‬وكان تعميسد العرب كرهسا فاتحسة ذلك‬
‫الدور‪ ،‬ثسسم صسسارت محاكسسم التفتيسسش تأمسسر بإحراق كثيسسر مسسن المعمديسسن على أنهسسم مسسن‬
‫‪89‬‬

‫النصسارى‪ ،‬ولم تتسم عمليسة التطهسر بالنار إل بالتدريسج‪ ،‬لتعذر إحراق الملييسن مسن العرب‬
‫دفعسسة واحدة‪ ،‬ونصسسح كردينال طليطلة التقسسي! الذي كان رئيسسسا لمحاكسسم التفتيسسش‪ ،‬بقطسسع‬
‫رؤوس جميسع مسن لم يتنصسر مسن العرب رجال ونسساء وشيوخسا وولدانسا‪ ،‬ولم يسر الراهسب‬
‫الدومينيكسي "بليدا" الكفايسة فسي ذلك‪ ،‬فأشار بضرب رقاب مسن تنصسر مسن العرب‪ ،‬ومسن‬
‫بقي على دينه منهم‪ ،‬وحجته في ذلك أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من‬
‫العرب‪ ،‬فمسن المسستحب إذن‪ ،‬قتسل جميسع العرب بحسد السسيف‪ ،‬لكسي يحكسم الرب بينهسم فسي‬
‫الحياة الخرى ويُدخِسل النار مسسن لم يكسسن صسسادق النصسسرانية منهسسم‪ ،‬ولم تسسر الحكومسسة‬
‫السسبانية أن تعمسل بمسا أشار بسه هذا الدومينيكسي الذي أيده الكليروس فسي رأيسه‪ ،‬لمسا قسد‬
‫يبديسه الضحايسا مسن مقاومسة‪ ،‬وإنمسا أمرت فسي سسنة ‪1610‬م بإجلء العرب عسن أسسبانية‪،‬‬
‫فقتل أكثر مهاجري العرب في الطريق‪ ،‬وأبدى ذلك الراهب البارع "بليدا" ارتياحه لقتل‬
‫ثلثسة أرباع هؤلء المهاجريسن فسي أثناء هجرتهسم‪ ،‬وهسو الذي قتسل مائة آلف مهاجسر مسن‬
‫قافلة واحدة‪ ،‬كانسست مؤلفسسة مسسن أربعيسسن ألفسسا ومائة ألف مهاجسسر (‪)140000‬مسسسلم حينمسسا‬
‫كانت متجهة إلى إفريقية‪.‬‬
‫وخسسرت أسسبانية بذلك مليون مسسلم مسن رعاياهسا فسي بضعسة أشهسر‪ ،‬ويقدر كثيسر مسن‬
‫العلماء‪ ،‬ومنهسم "سسيديو" عدد المسسلمين الذيسن خسسرتهم أسسبانية منسذ أن فتسح "فردينانسد"‬
‫غرناطسسة حتسسى إجلئهسسم الخيسسر بثلثسسة ملييسسن‪ ،‬ول تعسسد ملحمسسة سسسان باتلمسسي إزاء تلك‬
‫المذابح سوى حادث تافه ل يؤبه له‪.‬‬
‫ول يسعنا سوى العتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه‬
‫مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين‪.‬‬
‫ومما يرثى له أن حرمت أسبانية عمدا‪ ،‬هؤلء المليين الثلثة الذين كانت لهم إمامة‬
‫السكان الثقافية‪ ..‬والصناعية‪..‬‬
‫وسسسيرى القارئ فسسي الفصسسل الذي خصسسصناه للبحسسث فسسي وارثسسي العرب‪ ،‬مقدار‬
‫النحطاط الذي أسسسسفر عسسسن إبادة العرب‪ ،‬وإذا كنسسست قسسسد أشرت إلى هذا هنسسسا فلن شأن‬
‫العرب المدني لم يبد في قطر ملكوه كما أبيد في أسبانية‪ ،‬التي لم تكن ذات حضارة تذكر‬
‫قبل الفتح العربي‪ ،‬فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب‪ ،‬ثم هبطت إلى الدرك‬
‫السسفل مسن النحطاط بعسد جلء العرب‪ ،‬وهذا مثال بارز على مسا يمكسن أن يتفسق لعرق‬
‫مسن التأثيسر‪ [)...‬كتاب حضارة العرب‪ ،‬للدكتور غوسستاف لوبون‪ ،‬ترجمسة عادل زعيتسر‪،‬‬
‫الطبعسسسة الرابعسسسة ص ‪ 272 ،270‬وراجسسسع الفصسسسل الذي يليسسسه لمعرفسسسة أثسسسر الحضارة‬
‫السلمية في أوروبا‪.].‬‬

‫المثال الثاني‪:‬‬
‫وممسا يدل على قسسوة كثيسر مسن النصسارى ووحشيتهسم وخلو قلوبهسم مسن الرحمسة‪ ،‬مسا‬
‫عاملوا به المسلمين في بعض الحروب الصليبية‪.‬‬
‫وأنقسل فسي ذلك نصسا فيسه شيسء مسن الطول كذلك لنفسس الكاتسب‪" :‬غوسستاف لوبون"‬
‫الذي قال‪:‬‬
‫(ويدل سلوك الصليبيين في جميع المعارك على أنهم من أشد الوحوش حماقة‪ ،‬فقد‬
‫‪90‬‬

‫كانوا ل يفرقون بيسن الحلفاء والعداء‪ ،‬والهليسسن الْعُزل والمحاربيسسن‪ ،‬والنسسساء والشيوخ‬
‫والطفال‪ ،‬وقد كانوا يقتلون وينهبون على غير هدى‪.‬‬
‫ونرى فسي كسل صسفحة مسن الكتسب التسي ألفهسا النصسارى فسي ذلك الزمسن براهيسن على‬
‫توحسش الصسسليبيين‪ ،‬ويكفسي لبيان ذلك أن ننقسل الخسبر التسي الذي رواه الشاهسد الراهسسب‬
‫"روبرت" عن سلوك الصليبيين الحربية [الصواب أن يقال‪( :‬الحربي) لنه نعت حقيقي‬
‫لسسسلوك‪ ،‬وهسسو مفرد‪ ،‬ونعسست المفرد يكون مفردا‪ ].‬وذلك بالضافسسة إلى مسسا حدث حيسسن‬
‫الستيلء على القدس‪.‬‬
‫قال المؤرخ الراهب التقي! روبرت‪:‬‬
‫" وكان قومنسسا يجوبون الشوارع والمياديسسن وسسسطوح البيوت‪ ،‬ليرووا غليلهسسم مسسن‬
‫التقتيل‪ ،‬وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها‪ ،‬وكانوا يذبحون الولد والشبان والشيوخ‬
‫ويقطعونهم إرْبا إرْبا‪ ،‬وكانوا ل يستبقون إنسانا‪ ،‬وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد‬
‫بغيسة السسرعة‪ ،‬فيسا للعجسب ويسا للغرابسة أن تذبسح تلك الجماعسة الكسبيرة المسسلحة بأمضسى‬
‫سسلح مسن غيسر أن تقاوم![ يبدو أنسه يسستبعد أن يكون هؤلء الضحايسا مسسلحين‪ ،‬لنهسم لو‬
‫كانوا مسلحين لدافعوا عن أنفسهم‪] .‬‬
‫وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه‪ ،‬فيبقرون بطون الموتى‪ ،‬ليخرجوا منها‬
‫قطعسا ذهبيسة‪ ،‬فيسا للشره وحسب الذهسب! وكانست الدماء تسسيل كالنهار فسي طرق المدينسة‬
‫المغطاة بالجثث فيا لتلك الشعوب العمي المعدة للقتل! ولم يكن بين تلك الجماعة الكبرى‬
‫واحسد ليرضسى بالنصسرانية دينسا‪ ،‬ثسم أحضسر "بوهيمونسد" جميسع الذيسن أعتقلهسم فسي برج‬
‫القصسر‪ ،‬وأمسر بضرب رقاب عجائزهسم وشيوخهسم وضعفائهسم‪ ،‬وبسسوق فتيانهسم وكهولهسم‬
‫إلى إنطاكية لكي يباعوا فيها‪ ."...‬إلى أن قال‪:‬‬
‫"وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة عمر بن الخطاب نحو‬
‫النصسارى حيسن دخلهسا منسذ بضعسة قرون‪ ،‬قال كاهسن مدينسة "لوبوي" "ريمونسد داجسي"‪:‬‬
‫حدث مسا هسو عجسب بيسد العرب عندمسا اسستولى قومنسا على أسسوار القدس وبروجهسا‪ ،‬فقسد‬
‫قطعسست رؤوس بعضهسسم‪.‬فكان هذا أقسسل مسسا يمكسسن أن يصسسيبهم(!) وبقرت بطون بعضهسسم‬
‫فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسسهم مسن على السسوار‪ ،‬وحرق بعضهسم فسي النار‪ ،‬فكان‬
‫ذلك بعسسد عذاب طويسسل‪ ،‬وكان ل يرى فسسي شوارع القدس وميادينهسسا سسسوى أكداس مسسن‬
‫رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهسم‪ ،‬فل يمر المرء إل على جثث قتلهم‪ ،‬ولكن كل هذا لم‬
‫يكن سوى بعض ما نالوا‪."...‬‬
‫وروى ذلك الكاهسسن الحليسسم خسسبر ذبسسح عشرة آلف مسسسلم فسسي مسسسجد عمسسر‪ ،‬فعرض‬
‫الوصف اللطيف التي‪:‬‬
‫" لقسد أفرط قومنسا فسي سسفك الدماء فسي هيكسل سسليمان‪ ،‬وكانست جثسث القتلى تعوم فسي‬
‫السساحة هنسا وهناك‪ ،‬وكانست اليدي والذرع المبتورة تسسبح كأنهسا تريسد أن تتصسل بجثسث‬
‫غريبسة عنهسسا‪ ،‬فإذا مسسا اتصسسلت ذراع بجسسسم لم يعرف أصسسلها‪ ،‬وكان الجنود الذي أحدثوا‬
‫تلك الملحمسة ل يطيقون رائحسة البخار المنبعثسة مسن ذلك إل بمشقسة‪ ["...‬المرجسع السسابق‪:‬‬
‫ص ‪].327 ،325‬‬
‫‪91‬‬

‫قسوة النصارى ووحشيتهم في هذا العصر‪.‬‬
‫أمسسا المثلة على قسسساوة قلوب النصسسارى وغلظتهسسم ووحشيتهسسم فسسي هذا العصسسر‬
‫وبخاصة على المسلمين‪ ،‬فالكرة الرضية كلها تشهد بها وتئن من وطئتها‪ ،‬وساكنو هذا‬
‫الكوكسب يقرؤون ذلك ويسسمعونه ويشاهدونسه فسي كسل مكان[ل نريسد الحديسث عسن الفظائع‬
‫التسسي أرتكبهسسا النصسسارى فسسي القارات التسسي احتلوهسسا بالكامسسل وقضوا على سسسكانها بدون‬
‫رحمة وجعلوا من بقى منهم ذليل مهانا أقل عندهم من رتبة الحيوان‪ ،‬كما هو الحال في‬
‫أمريكسا الشماليسة والجنوبيسة واسستراليا‪ ،‬ول الحديسث عسن تجارة الرقيسق التسي عمست أقطار‬
‫إفريقية وأسهمت فيها كل دول النصارى فهذا أمر يطول (راجع كتاب إفريقيا السلمية‬
‫للدكتورة عنايات الطحاوي ص ‪.].)231‬‬
‫فقسسد عاثسست الدول النصسسرانية فسسسادا‪ ،‬اعتدت فيسسه على مسسا اتفقسست المسسم على وجوب‬
‫حفظسسه‪ ،‬مسسن الضرورات التسسي ل تحيسسى تلك المسسم إل بحفظهسسا‪ ،‬وهسسي‪ :‬النفوس والعقول‬
‫والنسل والمال‪-‬إضافة إلى الدين ومن أمثلة ذلك‪:‬‬

‫أول‪ :‬في القارة الفريقية‪:‬‬
‫فقسسد تداعسست دول أوروبسسا النصسسرانية على البلدان الفريقيسسة‪ ،‬فسسي شمالهسسا وجنوبهسسا‬
‫وشرقهسا وغربهسا ووسسطها‪ ،‬وتقاسسموها فيمسا بينهسم‪-‬على شدة الختلفات السسائدة بينهسم‪-‬‬
‫وأنزلوا بسكانها من الدمار والهلك‪ ،‬ما تتورع عنه الوحوش في غاباتها‪ ،‬قضوا في كل‬
‫بلد على زعمائه وقادتسسسه وسسسسفكوا دماء اللف مسسسن أبنائه‪ ،‬بدون تفرقسسسة بيسسسن الرجال‬
‫والنسسساء‪ ،‬والشيوخ والكهول والشباب والطفال‪ ،‬وشردوا اللف المؤلفسسة‪ ،‬وحرموا مسسن‬
‫بقسي فسي البلد مسن أقسل حقوق النسسان التسي يتشدق النصسارى بالدعوة إليهسا‪ ،‬فأذلوا بذلك‬
‫سسسكان البلدان الفريقيسسة كلهسسم واسسستعبدوهم ونهبوا خيراتهسسم‪ ،‬كسسل ذلك باسسسم السسستعمار‬
‫والتحرير‪.‬‬

‫في شمال إفريقيا‪:‬‬
‫فقسسد نقسسل الميسسر شكيسسب أرسسسلن عسسن بعسسض المراسسسلين الوروبييسسن الذيسسن رافقوا‬
‫الجيوش اليطاليسسة عندمسسا اغتصسسبت ليبيسسا شيئا‪ ،‬يسسسيرا ممسسا ذكره أولئك المراسسسلون‬
‫وشاهدوه من أعمال غزاة النصارى الوحشية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(وليسس المسسلمون وحدهسم هسم الذيسن شاهدوا أعمال الطليان وضجوا منهسا‪ ،‬بسل ثمسة‬
‫كثيسر مسن الفرنسج شاهدوهسا وأنكروهسا‪ ،‬ومسن ذلك المسستر "فرانسسس ماكول" النجليزي‬
‫الذي كان مرافقسا للجيسش اليطالي فسي طرابلس عنسد الحتلل وشاهسد تلك الفظائع بعينسه‪،‬‬
‫فقسسد قال‪" :‬أبيسست البقاء مسسع جيسسش ل هسسم له إل ارتكاب جرائم القتسسل‪ ،‬وإن مسسا رأيتسسه مسسن‬
‫المذابسسح‪ ،‬وترك النسسساء المريضات العربيات وأولدهسسن يعالجون سسسكرات الموت على‬
‫قارعسة الطريسق جعلنسي أكتسب للجنرال "كانيفسا" كتابسا شديسد اللهجسة‪ ،‬قلت له‪ :‬إنسي أرفسض‬
‫البقاء مع جيش ل أعده جيشا‪ ،‬بل عصابة من قطاع الطرق والقتلة)‪.‬‬
‫(ومسن ذلك شهادة الكاتسب اللمانسي "فون غوتسبرغ" الذي قال‪ " :‬إنسه لم يفعسل جيسش‬
‫بعدوه من أنواع الغدر ما فعله الطليان في طرابلس‪ ،‬فقد كان الجنرال كانيفا يستهين بكل‬
‫‪92‬‬

‫قانون حربي‪ ،‬ويأمر بقتل جميع السرى‪ ،‬سواء أقبض عليهم في الحرب أو في بيوتهم‪،‬‬
‫وفي سيراكوزه الن كثير من السرى الذين لم يؤسر واحد منهم في الحرب‪ ،‬وأكثرهم‬
‫من الجنود الذين تركوا في مستشفى طرابلس‪.‬‬
‫وقسسد قبسسض الطليان على ألوف مسسن أهسسل طرابلس فسسي بيوتهسسم ونفوهسسم‪ ،‬بدون أدنسسى‬
‫مسوغ إلى جزر إيطاليا حيث مات أكثرهم من سوء المعاملة‪.‬‬
‫وأقسر مسا قاله "هرمان رنولوف" المراسسل النمسساوي الحربسي فقسد وجسد فسي الباخرة‬
‫التي نقلت جانبا من هؤلء السرى فوصف تلك الحالة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫" في الساعة السادسة من مساء كل يوم يكبل هؤلء المرضى بالحديد في اليد اليمنى‬
‫والرجل اليسرى‪ ،‬حقا إن موسيقى هذه السلسل تتفق مع المدنية التي نقلتها إيطاليا إلى‬
‫إفريقيسسا‪ ،‬ل ريسسب أن الطليان قسسد أهانوا كثيرا‪ ،‬فلم يكسسف أنهسسم أسسسقطوا منزلة أوروبسسا‬
‫العسكرية في نظر إفريقيا‪ ،‬حتى شوهوا اسم النصرانية أمام السلم "ثم قال‪ ":‬وقد قتل‬
‫الطليان فسي غيسر ميدان الحرب كسل عربسي زاد عمره على أربسع عشرة سسنة‪ ،‬ومنهسم مسن‬
‫اكتفوا بنفيه‪.‬‬
‫وأحرق الطليان فسي ‪ 26‬أكتوبر سسنة ‪1911‬م حيسا خلف بنسك رومسا‪ ،‬بعسد أن ذبحوا‬
‫أكثسسر سسسكانه بينهسسم النسسساء والشيوخ والطفال "قال‪ ":‬ورجوت طبيسسبين عسسسكريين مسسن‬
‫أطباء المسستشفى‪ ،‬أن ينقلوا بعض المرضسى والمصسابين المطروحيسن على الرض تحست‬
‫حرارة الشمس فلم يفعل‪ ،‬فلجأت إلى راهب من كبار جمعية الصليب الحمر‪ ،‬هو الب‬
‫"يوسسسف بافيلكسسو" وعرضسست عليسسه المسسر‪ ،‬وأخسسبرت شابسسا فرنسسسيا أيضسسا‪ ،‬لكسسن الب‬
‫"بافيلكو" حول نظره عني ونصح الشاب بأن ل يزعج نفسه بشأن عربي في سكرات‬
‫الموت‪ ،‬وقال‪" :‬دعه يموت"‪.‬‬
‫قلت (القائل هسو الميسسر أرسسلن)‪" :‬ليتأمسسل القارئ أن هذا الذي يقول هذا القول هسو‬
‫قسسسيس يزعسسم أنسسه ممثسسل المسسسيح على الرض‪ ،‬وأنسسه مسسن رجال الصسسليب الحمسسر‪ ،‬أي‬
‫الجمعيسة التسي تزعسم أنهسا تخدم النسسانية بل اسستثناء" ثسم قال هذا المراسسل النمسساوي‪:‬‬
‫"ورأيت على مسافة قريبة جنديا إيطاليا يرفس جثة عربي برجله‪ ،‬وصباح اليوم التالي‬
‫وجدت الجرحى والمرضى الذين رجوت الراهب من أجلهم قد ماتوا‪ "...‬ثم قال‪" :‬رأينا‬
‫طائفسة مسن الجنود تطوف الشوارع مفرغسة رصساص مسسدساتها فسي قلب كسل عربسي تجده‬
‫في طريقها‪ ،‬قد نزع أكثرهم معاطفهم‪ ،‬ورفعوا أكمام قمصانهم كأنهم جزارون‪"......‬‬
‫وقال مراسل التايمز يومئذٍ‪-‬قلت [القائل هو شكيب أرسلن]‪ :‬ول يجوز أن ننسى أن‬
‫غارة إيطاليسا على طرابلس كانست بالتفاق مسع فرنسسا وإنجلترا‪ ،‬اسسترضاء ليطاليسا على‬
‫إثر تقاسم إنكلترا وفرنسا مصر والمغرب‪" :-‬إن قسوة النتقام التي استعملها الطليان في‬
‫وقعسة يوم الثنيسن يليسق أن يقال عنهسا إنهسا أعمال قتسل عام‪ ،‬فقسد فتكوا بكثيسر مسن البرياء‪،‬‬
‫وستبقى ذكرى هذا النتقام زمنا طويل"‪.‬‬
‫وقال المسي كسيرا مراسل جريدة " إكسليسيور" الباريسية‪ ":‬ل يخطر ببال أحد ما‬
‫رأيناه بأعيننا من مشاهد القتل العام ومن أكوام جثث الشيوخ والنساء والطفال‪ ،‬يتصاعد‬
‫منها الدخان تحت ملبسهم الصوفية كالبخور يحرق أمام مذبح من مذابح النصر الباهر‪،‬‬
‫ومررت بمائة جثة بجانب حائط قضي عليهم بأشكال مختلفة‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫ومسا فررت مسن هذا المنظسر حتسى تمثلت أمام عينسي عائلة عربيسة قتلت عسن آخرهسا‪،‬‬
‫وهسي تسستعد للطعام‪ ،‬ورأيست طفلة صسغيرة أدخلت رأسسها فسي صسندوق حتسى ل ترى مسا‬
‫يحسل بهسا وبأهلهسا‪ .‬إن اليطالييسن فقدوا عقولهسم وإنسسانيتهم مسن كسل وجسه"‪[)....‬حاضسر‬
‫العالم السلمي (‪ )128-264‬ذكر فيها المير شكيب أرسلن من الفظائع الوحشية التي‬
‫قام بهسسا النصسسارى اليطاليون مسسا ل يكاد يصسسدقه العقسسل فراجسسع ذلك إن شئت والتاريسسخ‬
‫السلمي (‪.].)14/24‬‬
‫هذه نصسوص مختزلة لبعسض المراسسلين الوروبييسن عسن وحشيسة النصسارى وقسساوة‬
‫قلوبهسم وخلوهسا مسن الرحمسة‪ ،‬فسي بلد واحسد وهسو ليبيسا ومسن جيسش بلد أوروبسي نصسراني‬
‫واحسسد‪ ،‬هسسو الجيسسش اليطالي برضسسا الدول النصسسرانية الخرى فسسي أوروبسسا‪ ،‬وهسسو مثال‬
‫ينطبق على كل البلدان التي اغتصبها النصارى في إفريقيا‪-‬وغيرها‪.-‬‬
‫والعالم كله يعرف غلظسة النصسارى الفرنسسيين وقسسوتهم ووحشيتهسم التسي عاملوا بهسا‬
‫الشعسسب الجزائري الذي قدم مليون شهيسد‪ ،‬فسسي سسبيل إزاحسسة نيسر أولئك القسساة مسن على‬
‫كاهله‪ ،‬مسع إهانسة مقدسساته والعتداء على مسساجده‪ ،‬التسي حولوهسا إلى كنائس ودنسسوها‬
‫بالشرك بدل مسسسن التوحيسسسد الذي كان يعمرهسسسا[راجسسسع كتاب‪ :‬السسسستعمار أحقاد وأطماع‬
‫للسسستاذ محمسد الغزالي ص ‪ .37‬وراجسسع كذلك التاريسسخ السسلمي ‪ 14/229‬ومسا بعدهسسا‬
‫لمحمود شاكر‪.] .‬‬
‫وحدث عسن قسسوة النصسارى واليهود مجتمعيسن على المسسلمين اجتماعسا مباشرا‪ ،‬كمسا‬
‫حصل من بريطانيا وفرنسا ودولة اليهود على مصر المسلمة‪ ،‬ول حرج‪.‬‬
‫واقرأ السسسطور القليلة التيسسة التسسي سسسطرها الشيسسخ محمسسد الغزالي (رحمسسه ال) عسسن‬
‫العدوان الثلثي على مصر سنة‪:‬‬
‫قال‪" :‬وإنسسي سسساعة كتابسسة هذه السسسطور أسسستمع إلى روايسسة شاهسسد عيان يصسسف غزو‬
‫الحلفاء الثلثسسسة‪ :‬إنجلترا وفرنسسسسا وإسسسسرائيل لمدينسسسة ‪ ,,‬بور سسسسعيد‪ ،،‬قال‪ :‬بذل الهلون‬
‫قصسارا هسم فسي رد الجنود الهابطين بالمظلت‪ ،‬واسستطاعوا مغالبسة الفواج الولى منهم‪،‬‬
‫بيسد أنهسم بوغتوا بمئات الطائرات ترجسم المدينسة بقذائفهسا الحارقسة‪ ،‬وكان الفسق مليئا بهذه‬
‫السراب المغيرة‪ ،‬تغدو وتروح‪ ،‬وهي تفرغ الهلك في كل مكان!‬
‫خمسسمائة غارة فسي هذا اليوم الغسبر‪-‬كمسا نطقست بذلك بلغات العدو‪-‬وانضمست سسفن‬
‫السسطول إلى هذا الهجوم‪ ،‬فأخذت تطلق مدافعهسا على المدينسة اللغبسة‪ ،‬فرئيست القصسور‬
‫والنار تخرج من نوافذها‪ ،‬ثم ما هي إل لحظات حتى تندك فوق رؤوس ساكنيها‪.‬‬
‫وسسرى الرعسب إلى الحيوانات التسي تقطسن المدينسة‪ ،‬فانسسابت تجري فسي شسو راعهسا‬
‫على غيسر هدى‪ ،‬غيسر أن الرصساص المنهمسر ل يدعهسا تصسل إلى مهرب‪ ،‬فأيسن المهرب‬
‫للنسان والحيوان في هذا البلء المحيط؟ ولذلك تجاورت في الميادين والزقة جثة كلب‬
‫شارد وإنسسسان بائس… وكانسست الجثسسث المتناثرة كأوراق الشجسسر السسساقطة فسسي فصسسل‬
‫الخريف‪ ،‬تكسو الرض المخضبة فسي منظسر يثير اللوعة وأحيانسا تجد كوما من الموتى‬
‫وقع بعضهم على بعض فتتساءل‪ :‬أُركِموا هكذا بفعل فاعل؟‪ ...‬ل كم هي رخيصة دماء‬
‫أولئك المسلمين؟![الستعمار أحقاد وأطماع ص ‪].131 ،130‬‬
‫أمسا مسا فعله السستعمار الفرنسسي ثسم السستعمار النجليزي فسي مصسر فله شأن آخسر‬
‫‪94‬‬

‫وكذلك فسي السسودان‪ [.‬راجسع شيئا مسن فظائع الفرنسسيين فسي مصسر فسي نفسس الكتاب ص‬
‫‪].169 ،152‬‬

‫في شرق إفريقيا‪:‬‬
‫ول يختلف ظلم النصسارى الحباش‪ ،‬وبخاصسة فسي عهسد الطاغيسة هيلسسلسي‪ ،‬عسن‬
‫ظلم النصسارى الوروبييسن للمسسلمين وقسسوتهم‪ ،‬إل فسي أن ظلم نصسارى الحبشسة وقهرهسم‬
‫للمسسلمين مسستمر طويسل لنسه صسادر مسن قسساة قلوب حاكميسن مسن أهسل البلد أنفسسهم‪ ،‬أمسا‬
‫الوروبيون فاغتصسسابهم للبلد طارئ‪ ،‬ومقاومسسة الطارئ مهمسسا عتسسي وتجسسبر أخسسف مسسن‬
‫مقاومسة طاغ أصسيل فسي البلد‪ ،‬يمكنسه أن ينال عون الظالم الجنسبي الطارئ‪ ،‬كمسا حصسل‬
‫لوحسش الحبشسة الذي أيدتسه جميسع الدول النصسرانية فسي الغرب‪ ،‬لنزال الضربات القاسسية‬
‫على المسلمين قتل وتشريدا وإذلل واعتداء على كل ضرورات الحياة‪ ،‬هذا مع أن نسبة‬
‫المسلمين في البلد تفوق نسبة غيرهم‪ ،‬ولكن عدوهم ينكر ذلك ويدعي العكس‪ ،‬وتعدت‬
‫قسوتهم حدود الحبشة إلى الوغادين الصومالية‪.‬‬
‫فكسم قتلوا مسن النفوس وكسم هدموا مسن القرى وكسم شردوا مسن البشسر [اقرأ فسي ذلك‬
‫المرجع السابق من ص ‪].106 ،71‬‬
‫أمسا "إريتريسا" المسسلمة فقسد دمروهسا وأحرقوهسا حرقسا وأبادوا شعبهسا إبادة جماعيسة‪،‬‬
‫برغم مقاومته الباسلة‪.‬‬
‫يقول هارون آدم علي‪ " :‬تمكنست حركسة الكفاح المسسلح للشعسب الريتري فسي الفترة‬
‫مسن ‪1381‬هسس‪1386-‬هسس مسن تصسعيد عملياتهسا الجهاديسة بأسسلوب حرب العصسابات‪ ،‬حتسى‬
‫استطاعت استقطاب الجماهير في الريف الريتري‪ ،‬وأصبحت عملياتها العسكرية تقض‬
‫مضاجسع السستعمار الثيوبسي‪( ...‬و) جسن جنون المسبراطور هيلسسلسي‪ ،‬فأمسر قواتسه‬
‫بالزحسف على الريسف الريتري معقسل الثوار برا وجوا للقضاء على اليابسس والخضسر‪،‬‬
‫دون تمييسز بيسن الثوار والشعسب العزل مسن النسساء والطفال‪ ،‬بسل أمسر جنوده بإبادة مسا‬
‫يصسادفونه مسن المواطنيسن بالرصساص وإضرام النار فسي المنازل‪ ،‬حيسث عمست البلد فسي‬
‫عام ‪1387‬هس س سسسلسلة مسسن المجازر البشريسسة مسسا تفوق فسسي قسسسوتها مجازر ديسسر ياسسسين‬
‫بفلسطين وشارب بفيل في جنوب إفريقيا‪ ،‬إذ سقط خلل عدة شهور من القصف الجوي‬
‫الثيوبسي أكثسر مسن ‪ 60‬ألف مواطسن‪ ،‬جلهسم مسن النسساء والطفال والكهول‪ ،‬ودمرت أكثسر‬
‫مسن ‪ 1500‬قريسة‪ ،‬وقتسل مسا يقارب المليون رأس مسن الثروة الحيوانيسة‪ ،‬بالضافسة لنتهاك‬
‫الحرمات وعمليات النهب والسلب والتدمير التي مارستها قوات الحتلل الثيوبي ضد‬
‫الشعسسب الريتري‪ ["...‬واقرأ كذلك‪ :‬الفعسسى اليهوديسسة فسسي معاقسسل السسسلم ص ‪،178‬‬
‫‪].184‬‬
‫ول زال المسسلمون فسي إريتريسا يعانون عنتسا مسن النصسارى‪ ،‬وبخاصسة بعسد اسستيلء‬
‫الحزب النصسسراني على البلد الن‪ ،‬بقيادة أسسسياسي أفورقسسي الذي ارتمسسى فسسي أحضان‬
‫اليهود وأنزل من الذى والتشريد بالمسلمين ما يندى له الجبين‪.‬‬
‫ولعل هذه النماذج لقسوة النصارى في شمال إفريقيا وشرقها كافية لليقين بأن هؤلء‬
‫الجلف العتاة الذيسسسسسن يزعمون التمدن وحمايسسسسسة حقوق النسسسسسسان و إعمار الرض‬
‫‪95‬‬

‫وتحضير الناس والرتقاء بهم‪ ،‬قد نزعت الرحمة من قلوبهم‪.‬‬
‫ول داعسي لزيادة ذكسر نماذج فسي بقيسة بلدان إفريقيسا فسي غربهسا ووسسطها وجنوبهسا‪،‬‬
‫فالنماذج متقاربسسة‪ ،‬ولكسسن يضاف إلى أعمال الغاصسسبين الوروبييسسن فسسي غرب إفريقيسسا‬
‫ووسسطها‪ ،‬أنهسم اتخذوا الجنسس البشري بضاعسة مزجاة‪ ،‬إذ كانوا يصسطادون أهسل البلد‬
‫رجال ونساء وصغارا وكبارا بأعداد هائلة ويملئون بهم السفن التي تبحر بهم إلى بلدان‬
‫أوروبسسا وأمريكسسا‪ ،‬ليسسبيعوهم عسسبيدا بأبخسسس الثمان‪ ،‬حيسسث يسسستعبدهم الجنسسس البيسسض‬
‫ويرهقهسسم بالعمال الشاقسسة‪ ،‬ليجود عليهسسم بلقمسسة العيسسش التسسي يبقون بهسسا أحياء يكدون‬
‫ويكدحون فسسي المزارع والمصسسانع‪ ،‬ويعاملونهسسم معاملة أدنسسى مسسن معاملة الحيوان‪ ،‬فل‬
‫يسساكنونهم ول يؤاكلونهسم ول يشار بونهسم‪ ،‬ول يسسمحون لهسم أن يلبسسوا مثسل لباسسهم‪ ،‬ول‬
‫يركبوا مركوبسا تهسم‪ ،‬ول يأذنون لهسم بتلقسي التعليسم مثلهسم‪ ،‬وعندمسا انفرج المسر قليل أذن‬
‫لهم بالتعليم في مدارس خاصة بهم ل يختلطون بالبيض في مدارسهم‪.‬‬
‫وكان كثيرا من هؤلء الفارقة مسلمين‪.‬‬
‫ولم تلغ التفرقسة العنصسرية البغيضسة قانونسا إل بعسد كفاح مريسر ومعاناة شديدة مروا‬
‫بها‪.‬‬
‫ول زال الحتقار عمليا موجودا ضد الفارقة في أمريكا‪ ،‬وكان أول حصن يحتمون‬
‫بسه مسن تلك التفرقسة العنصسرية ويكافحون الجنسس البيسض انطلقسا منسه‪ ،‬هسو السسلم الذي‬
‫اعتنقه أليجا محمد من أجل تحرير قومه من ذلك الظلم الغاشم‪ ،‬وكان فهمه للسلم فهما‬
‫منحرفسا‪ ،‬وبعسد وفاتسه خلفسه ابنسه وارث الديسن الذي بدأ يتفهسم السسلم شيئا فشيئا‪ ،‬بسسبب‬
‫زياراتسه للحرميسن ولقائه العلماء فسي الحجاز واتصساله بالمسسلمين العرب وغيرهسم بسه فسي‬
‫أمريكا حتى تخلص من مفاهيم والده الخطيرة للسلم‪.‬‬
‫وأصسبح هسو وقومسه الن أقرب إلى فهسم السسلم‪ ،‬وبذلك أصسبحت عندهسم عزة وبدأ‬
‫المريكيون يحترمونهم‪.‬‬

‫قسوة النصارى في آسيا‪:‬‬
‫قسوة النجليز على أهل فلسطين قبل أن تسلم أرضهم لليهود‪.‬‬
‫وقد ذكر نبذة مختصرة من ذلك الشيخ الغزالي‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫(تفننست السسلطة البريطانيسة فسي أسساليب التعذيسب ووسسائله‪ ،‬واسستخدمت العلم وأدواتسه‬
‫لنزال أشسد مسا يمكسن مسن اللم بأهالي فلسسطين‪ ،‬والتعذيسب عندهسم على نوعيسن‪ :‬تعذيسب‬
‫فردي لكراه الفرد على العتراف‪ .‬وهسسسسسو مسسسسسا يجري عادة فسسسسسي سسسسسسراديب تحسسسسست‬
‫الرض[وهو أسلوب متبع لدى كل من انتزعت الرحمة من قلبه حتى من المنتسبين إلى‬
‫السسلم‪ ،‬كمسا سسيأتي‪ ] .‬وتعذيسب عام يرتكسب فسي الجماعات لرهاب الهليسن وإرهاقهسم‪،‬‬
‫وهسسو مسسا يجري على مل مسسن الناس فسسي البيوت والطرق وسسساحات القرى فسسي الليسسل‬
‫والنهار‪.‬‬

‫التعذيب الفردي‬
‫[وهسسو أيضسسا أسسسلوب متبسسع يمارسسسه الن اليهود فسسي فلسسسطين والعلمانيون فسسي بلد‬
‫‪96‬‬

‫المسلمين‪].‬‬
‫‪-1‬الزنزانسة‪ :‬وهسي سسجن ضيسق ل يكاد يسسع النسسان‪ ،‬وطعام السسجين كسسرة صسغيرة‬
‫من الخبز الرديء مع قليل من الماء‪.‬‬
‫‪-2‬الضرب‪ ،‬وهسم يضربون الشخسص بالسسياط واليدي والرجسل‪ ،‬حتسى يغمسى عليسه‪،‬‬
‫وتتورم الرجلن مسسن كثرة الضرب‪ ،‬ثسسم يضعونسسه تحسست صسسنابير الماء البارد زيادة فسسي‬
‫إيلمه‪.‬‬
‫‪-3‬التهديسد بالقتسل‪ ،‬يخرجون المسسدسات‪ ،‬ويصسوبونها إلى وجهه‪ ،‬ويهددونسه بإطلقهسا‬
‫عليه‪.‬‬
‫‪-4‬الزجاج والمسسسامير‪ ،‬يكرهونسسه على السسسير فوق قطسسع مسسن الزجاج والمسسسامير‪،‬‬
‫ويكرهونسسه على القفسسز فوقهسسا‪ ،‬فإذا توقسسف ضربوه بالسسسياط‪ ،‬فل يزال يقوم ويقسسع والدم‬
‫ينزف مسن رجليسه ويديسه وسسائر جسسمه‪ ،‬حتسى يرتمسي آخسر المسر منهوكسا أو مغمسى عليسه‪،‬‬
‫وينزعون ثيابه‪ ،‬ويضربونه بألواح من خشب فيها مسامير فيسيل دمه‪.‬‬
‫‪-5‬أو يجلسسونه على خشبسة خازوق ويربطون فسي رجليسه أثقال مسن أكياس الرمسل‪،‬‬
‫حتى يغمى عليه‪.‬‬
‫‪-6‬أو يربطون إبهامي رجليه بسلك من الحديد‪ ،‬ثم يشدونه حتى تكاد إبهامه تنقطع‪.‬‬
‫‪-7‬أو يربطون أعضاءه التناسسلية برباط متصسل بِبَكْرة مسن السسقف‪ ،‬ثسم يجذبون الحبسل‬
‫شيئا فشيئا حتى يغمى عليه‪ ،‬وكثيرا ما قطعوا عضوه التناسلي‪.‬‬
‫‪-8‬تقطيسع الظافسر والشعسر بكلليسب خاصسة‪ ،‬ويشدونسه مسن شاربسه ولحيتسه وينتفون‬
‫شعره‪.‬‬
‫‪-9‬صب الماء في الجوف‪ ،‬ويصبون الماء في فمه بواسطة قمع خاص‪ ،‬حتى يملئوا‬
‫جوفه‪ ،‬وينتفخ كالقربة ويتألم أشد اللم‪.‬‬
‫‪-10‬الكي بالنار‪ ،‬ويحمون أسياخ الحديد حتى تلتهب كالجمر‪ ،‬ثم ينخسونه بأطرافها‪،‬‬
‫ويأتون بالمسامير المحماة بالنار ويغرسونها تحت أظافره‪.‬‬
‫‪-11‬التعذيسسب بالكهرباء‪ :‬يضعون فسسي يديسسه جهازا كهربائيسسا ويسسسلطون عليسسه تيارا‬
‫كهربائيسسا أقسسل قوة ممسسا يكفسسي للموت فيرتعسسد ويضطرب ويختلج‪ ،‬ول يسسستطيع أن يلقسسى‬
‫الجهاز من يديه‪.‬‬
‫‪-12‬الفعل الشنيع!‪.‬‬
‫‪-13‬سسلخ قدمسي المعذب‪ ،‬وصسب الزيست المغلي عليهسا‪ ،‬ونسسف الرجال بالديناميست‪،‬‬
‫كما حدث في قرية الزيت‪.‬‬
‫‪-14‬ينقلونه إلى المستشفى‪ ،‬حتى إذا شفي أرجعوه إلى التعذيب ثانية‪.‬‬
‫‪-15‬يخفون الشخسص الذي يظهسر عليسه أثسر التعذيسب‪ ،‬وأحيانسا يقتلونسه‪ ،‬ليخفوا أثسر‬
‫الجريمة‪.‬‬
‫‪-16‬التعذيسب بالغراق‪ ،‬يلقونسه فسي البحسر حتسى يشرف على الغرق‪ ،‬لكراهسه على‬
‫العتراف‪.‬‬
‫‪-17‬المسسسسكرات والمخدرات‪ ،‬يجرعونهسسسا للقروييسسسن كرهسسسا يصسسسبونها بحلوقهسسسم‪،‬‬
‫ويحقنونهسم بالمورفيسن‪ ،‬ويسسممونهم بالكوكاييسن والهرويسن‪ ،‬كمسا جرى مسع رفاق الشهيسد‬
‫‪97‬‬

‫المرحوم الشيخ فرحان السعدي‪.‬‬
‫‪-18‬يعدون سسراديب خاصسة للتعذيسب فسي دائرة المباحسث الجنائيسة بالقدس وغيرهسا‪،‬‬
‫فلما يجيء دور الرجل المراد تعذيبه‪ ،‬يأخذونه إلى أقبية التعذيب‪ ،‬وهو معصوب العينين‬
‫بعد منتصف الليل‪ ،‬وبعد إغمائه من اللم ينقلونه إلى مخفر البوليس‪ ،‬ثم إذا أفاق يعودون‬
‫به إلى أقبية التعذيب‪.‬‬
‫‪-19‬يخفون المعذبيسن عسن أهلهسم وسسائر الناس‪ ،‬لكسي ل يمكنوا أحدا مسن زيارتهسم أو‬
‫معرفة مكانهم‪.‬‬
‫فإذا فرغوا من تعذيبهم وزال أثر التعذيب‪ ،‬نقلوهم إلى سجن القدس أو عكا أو معتقل‬
‫الزرعة‪.‬‬

‫التعذيب العام‪.‬‬
‫عندمسسا يعجسسز الجيسسش عسسن أن ينال مسسن المجاهديسسن‪ ،‬ينقلب إلى الفلحيسسن المسسساكين‬
‫المنيسن فسي بيوتهسم ينتقسم منهسم‪ ،‬ويشفسي صسدره بتعذيبهسم بالضرب الشديسد بأعقاب البنادق‬
‫والهراوات الغليظسة بل شفقسة ول رحمسة‪ ،‬وبدون تفريسق بيسن الصسغار والكبار والرجال‬
‫والنساء‪ ،‬يسمون هذا العمل عملية تفتيشية‪ ،‬ويرتكب خللهسا من الفظائع أشكال وألوانا‪،‬‬
‫وكسل القرى ذاقست فظاعسة التفتيسش‪ ،‬ويتخلله تخريسب البيوت ونسسفها بالديناميست‪ ،‬وإتلف‬
‫أمتعة الفلحين ومؤنهم ونهب الحلي والموال‪ ،‬وترويع النساء والطفال‪ ،‬وقتل المنين‬
‫على قارعة الطريق من رجال ونساء وأطفال [الستعمار أحقاد وأطماع ‪.288 ،280‬‬
‫وقد كانت هذه الساليب من النجليز نواة لساليب اليهود في فلسطين الن‪ ،‬وهاهم‬
‫اليوم قسسد نفوا أكثسسر مسسن أربعمائة مسسن خيرة المسسسلمين فسسي فلسسسطين إلى جبسسل فسسي مرج‬
‫الزهور فسي فصسل الشتاء القارص بدون طعام ول شراب ول دواء ومسر عليهسم فسي هذا‬
‫التعذيب الجماعي أكثر من شهر‪ .‬راجع ما مضى في هذه القصة‪].‬‬

‫قسوة النجليز على المسلمين في الهند‪.‬‬
‫عندمسا اسستولى النجليسز على الهنسد وجهوا حقدهسم على المسسلمين إلى محاربتهسم‪ ،‬و‬
‫تحريسض الهندوس والسسيخ على الفتسك بهسم‪ ،‬بعسد أن فتكوا هسم بمسن اسستطاعوا الفتسك بسه‬
‫منهسسم‪ ،‬والسسستيلء على أملكهسسم وأراضيهسسم‪ ،‬وبعسسد ان أعلن الحاكسسم البريطانسسي‪" :‬أن‬
‫العنصسر السسلمي فسي الهنسد هسو عدو بريطانيسا اللدود‪ ،‬وأن السسياسة البريطانيسة يجسب أن‬
‫تهدف إلى تقريسسب العناصسسر الهندوكيسسة لتسسساعدهم فسسي القضاء على الخطسسر الذي يتهدد‬
‫بريطانيا في هذه البلد‪"....‬‬
‫" فاشتسسد النجليسسز فسسي هجمتهسسم على المسسسلمين بعسسد إنهاء الثورة واسسستولوا على‬
‫أراضيهسم‪ ،‬ففقسد المسسلمون أملكهسم الواسسعة ولم يبسق لهسم سسوى ‪ %5‬مسن أراضيهسم التسي‬
‫كانوا يملكونهسا مسن قبسل وسسدت فسي وجوههسم أبواب الرزق فسي الدواويسن‪ ،‬وصسودرت‬
‫أملكهم‪ ،‬وأخذ النجليز جانب الهندوس والسيخ وأطلقوهم يهزءون بالمسلمين وبدينهم‪،‬‬
‫ويسسومونهم سسوء العذاب فكانست المذابسح التسي راح ضحيتهسا اللف مسن المسسلمين‪"...‬‬
‫‪98‬‬

‫ل[حاضر العالم السلمي وقضاياه ة للدكتور جميل عبد ال المصري ص ‪ .397‬دربت‬
‫بريطانيسا الهندوس على ارتكاب المذابسح للمسسلمين فسي الهنسد كمسا دربست اليهود‪-‬وهسم فسي‬
‫الصل مُدَرّبون‪-‬على ذلك بالنسبة للفلسطينيين‪].‬‬
‫لقد اغتصب النصارى الوروبيون عامة البلدان السيوية‪ ،‬وعاثوا فيها فسادا وقتلوا‬
‫وشردوا ودمروا وأذلوا أهلهسسا‪ ،‬وعاملوا المسسسلمين بالذات معاملت وحشيسسة قاسسسية دلت‬
‫على نزع الرحمسة مسن قلوبهسم مسن غرب آسسيا إلى شرقهسا وجنوب شرقهسا‪ ،‬ل فرق بيسن‬
‫إنجليزي وفرنسسي وأسسباني وبرتغالي وهولندي‪ ،‬وختموا أعمالهسم فسي البلدان السسلمية‬
‫بإيجاد أحزاب متناحرة ودول متحاربسسة يكيسسد بعضهسسا لبعسسض‪ ،‬وهسسم الن يورون زناد‬
‫المعارك بيسن الشعوب السسلمية ويصسنعون لهسم السسلح الذي يقتسل بسه بعضهسم بعضسا‪،‬‬
‫ولكنهم يحجرون على الحكومات القائمة في الشعوب السلمية أن تقتني سلحا متطورا‬
‫يكون شبسه هجومسي‪ ،‬ويأذنون بذلك لعداء المسسلمين مسن اليهود فسي فلسسطين والهنسد فسي‬
‫جنوب القارة الهنديسسة ليمكنوا الدولتيسسن مسسن السسسيطرة على الشعوب السسسلمية وضربهسسا‬
‫بشدة وبدون رحمة عند اللزوم‪.‬‬

‫قسوة نصارى الفلبين وغلظتهم على المسلمين‪.‬‬
‫تعرض المسلمون في الفلبين لحملة إبادة من نصارى أوروبا‪ ،‬ومن أمريكا‪-‬مؤخرا‪-‬‬
‫ول نحتاج للحديسث عسن ذلك‪ ،‬فقسد عرفنسا كيسف نزعست الرحمسة مسن قلوبهسم فسي معاملتهسم‬
‫المسلمين في الندلس‪ ،‬وفي الحروب الصليبية‪ ،‬وفي زمن اغتصابهم بلدان المسلمين في‬
‫الشمال الفريقي وشرقه‪ ،‬والقارة الفريقية بصفة عامة والن في البوسنة والهرسك‪.‬‬
‫والذي نريد الشارة إليه هو ما قام به نصارى الفلبين أنفسهم‪ ،‬في العصر الحاضر‬
‫ضد المسلمين‪.‬‬
‫فقد تآمر ماركوس والرهبان والقسس في الفلبين‪-‬بإمداد من اليهود في فلسطين‪ ،‬ومن‬
‫النصسارى فسي الدول الغربيسة‪-‬على المسسلمين وقرروا إبادتهسم وأنشئت منظمسة نصسرانية‬
‫إرهابيسسة أطلق عليهسسا‪( :‬إيلجسسا) أي جماعسسة الفئران‪-‬على اعتبار أنهسسا منظمسسة شعبيسسة‪،‬‬
‫والواقع أن ماركوس هو الذي أمدها وأيدها بكل الوسائل‪ ،‬بل يقال‪ :‬إنه هو الذي أنشأها‪،‬‬
‫وقسد ارتكبست هذه المنظمسة مسن الفظائع مسا يترفسع عنسه وحوش الغاب‪ ،‬فطردت المسسلمين‬
‫مسسن ديارهسسم وأرضهسسم‪ ،‬وأحرقسست بيوتهسسم ومسسساجدهم ومزارعهسسم ومصسساحفهم‪ ،‬وقتلوا‬
‫علماءهسسم وأئمتهسسم‪ ،‬وهتكوا أعراض نسسسائهم ومثلوا بشهدائهسسم‪ ،‬حيسسث يقطعون رؤوس‬
‫الطفال وآذان الرجال وأثداء النسسسساء‪ ،‬وينالون جوائز على هذا التمثيسسسل مسسسن المنظمات‬
‫السسرية مقابسل كسل أذن أو رأس أو ثدي يحضرونسه[راجسع مجلة الجامعسة السسلمية فسي‬
‫المدينة المنورة‪ ،‬العدد الثالث من السنة الخامسة محرم سنة ‪1393‬ه‪-‬فبراير ‪1973‬م ص‬
‫‪ 105‬وما بعدها‪.].‬‬
‫وعلم العالم كله بالمذابسسح والعتداءات على المسسسلمين العُزْل‪ ،‬ول زالت العتداء ت‬
‫مسسستمرة مسسن قبسسل حكام الفلبيسسن على المسسسلمين حتسسى كتابسسة هذه السسسطور [‪1422‬هس س س س‬
‫‪2001‬م] ‪ ،‬وأمامسي رسسائل مسن لجنسة العلم التابعسة "لجبهسة تحريسر مورو السسلمية"‬
‫‪99‬‬

‫تبين الحملت التي يقوم بها الجيش الفلبيني بين حين وأخر على المسلمين‪ ،‬وحشد قواته‬
‫في جنوب الفلبين‪ ،‬ومحاصرة معسكر أبي بكر الصديق الذي يحتمي فيه الشيخ سلمت‬
‫هاشم قائد الجبهة‪.‬‬
‫والمسلمون يستنجدون في هذه الرسائل‪ ،‬يطلبون أن يمدوا بالمؤن الغذائية والملبس‬
‫والغطيسسسة والموال التسسسي يؤمنون بهسسسا لنفسسسسهم سسسسلحا‪ ،‬يدافعون بسسسه عسسسن أنفسسسسهم‬
‫وأعراضهم[التقيت الشيخ سلمت هاشم في مقر قيادته وسجلت بعض المعلومات‪-‬كتابة‪-‬‬
‫عن تاريخ جهادهم‪ ،‬كان ذلك في ‪ 2‬صفر سنة ‪1410‬هس‪].‬‬
‫هؤلء هسسم أهسسل الكتاب مسسن اليهود والنصسسارى‪ ،‬وهذه نتسسف قليلة جدا مسسن حوادث‬
‫قسسسوتهم‪ ،‬تكفسسي وحدهسسا للدللة على غلظ قلوبهسسم وخلوهسسا مسسن الرحمسسة وبخاصسسة على‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫وإذا كانوا بهذه الصسسفة وهسسم يسسسابقون بمبادئهسسم وأفكارهسسم الباطلة إلى العقول‪ ،‬فهسسل‬
‫يرجسى منهسم بكثرة أتباعهسم واسستيلئهم على العالم‪ ،‬إل القسسوة والغلظسة والوحشيسة التسي‬
‫دمروا ول زالوا يدمرون بها العالم‪!.‬‬

‫قسوة النصارى في أوروبا[المتحضرة!]‬
‫وفسي قسسوة النصسارى الصسرب على المسسلمين فسي البوسسنة والهرسسك‪ ،‬مسا يكفسي دللة‬
‫على وحشيسة النصسارى وقسسوتهم ونزع الرحمسة مسن قلوبهسم‪ ،‬وقسد أنزل الصسربيون‪-‬فيمسا‬
‫كان يسسسمى بيوغوسسسلفيا‪-‬بالمسسسلمين فسسي البوسسسنة والهرسسسك مسسا تتنزه عنسسه الحيوانات‬
‫المتوحشسسة‪ ،‬مسسن قتسسل مسسا يزيسسد على مائة وخمسسسين ألفسسا مسسن الرجال والنسسساء والشيوخ‬
‫والطفال‪ ،‬وذلك فسي أقسل مسن سسنة‪ ،‬وشردوا أكثسر مسن مليونيسن مسن المسسلمين‪ ،‬كثيسر منهسم‬
‫أطفال ونساء وشيوخ‪ ،‬يتلقف الطفال منهم المؤسسات التنصيرية في أوروبا‪ ،‬لتحويلهم‬
‫مسن الفطرة السسلمية‪ ،‬إلى الشرك النصسراني وينتزعون مسن قلوبهسم أغلى مسا وهبسه ال‬
‫للمسلم وهو إيمانه‪.‬‬
‫واشتدت القسوة على هؤلء اللجئين أكثر بتفريق السر المسلمة في دولة أوروبية‬
‫واحدة أو عدة دول‪ :‬الب فسي مكان‪ ،‬وأبناؤه فسي مكان آخسر‪ ،‬والزوج فسي مكان‪ ،‬وزوجسه‬
‫فسسسسسي مكان آخسسسسسر‪ ،‬وهكذا الخوان والخوات‪ ..‬يضاف إلى ذلك معسسسسسسكرات العتقال‬
‫والتعذيسب التسي فاقست فسي العتداء على حقوق النسسان المعسسكرات النازيسة التسي يندد بهسا‬
‫الغرب ويبدي ويعيد في التنديد بها‪ .‬يعذب القريب فيها أمام قريبه‪ ،‬ويقتل الب أمام البن‬
‫والزوج‪.‬‬
‫وأشد من ذلك وأنكى اغتصاب الوحوش المتمدنين في قارة حقوق النسان‪ ،‬أكثر من‬
‫خمسسسين ألف امرأة وفتاة مسسسلمة‪ ،‬بعسسض تلك الغتصسسابات تقسسع أمام أعيسسن أسسسرة الفتاة‬
‫المغتصبة‪.‬‬
‫وهذا غيسر الحصسار المسستمر الذي يفرضسه النصسارى منسذ مسا يقارب العام على مدن‬
‫المسسلمين‪ ،‬وقراهسم وقصسف مرافقهسم وهدم منازلهسم عليهسم‪ ،‬والحول بينهسم وبيسن المداد‬
‫والغاثسسة بلقمسسة العيسسش والدواء والملبسسس والغطاء‪ ،‬فسسي أشسسد أوقات البرد القاسسسي الذي‬
‫قطعسسست على المسسسسلمين فيسسسه الكهرباء وكسسسل وسسسسائل التدفئة‪ ،‬حتسسسى أنسسسك ترى العجائز‬
‫‪100‬‬

‫والصسبيان يحاولون التماس الخشاب فسي الشوارع وحملهسا إلى منازلهسم مسن أجسل الطبسخ‬
‫عليهسسا والتدفئة‪ ،‬فيطلق عليهسسم النصسسارى قسسساة القلوب الرصسساص ويُرْدُونهسسم قتلى أو‬
‫جرحى تنزف منهم الدماء وتسيل‪ ،‬حتى يموتوا في الشوارع دون إسعاف‪.‬‬
‫وقسد كشسف حدث البوسسنة غلظسة وقسسوة جميسع الدول النصسرانية الغربيسة التسي تزعسم‬
‫أنهسسا حاميسسة حقوق النسسسان‪ ،‬وأنهسسا تقسسف ضسسد التطرف والتشدد والرهاب والتطهيسسر‬
‫العرقسسي‪ ،‬واعتداء الدول القويسسة على الدول الضعيفسسة‪ ،‬فقسسد اعترفسست الدول النصسسرانية‬
‫الغربيسسة بدولة البوسسسنة والهرسسسك وأصسسبحت عضوا فسسي هيئة المسسم المتحدة‪ ،‬وبعسسد هذا‬
‫العتراف اعتدى الصسرب على المسسلمين بعون مسن حكومسة صسربيا والجبسل السسود‪،‬‬
‫يشمل السلحة الثقيلة والطائرات الحربية‪ ،‬وبمساعدات وتأييد من دولة روسيا‪ ،‬وأصدر‬
‫مجلس المن (المزعوم) قرارا بحظر السلحة ووصولها إلى البوسنة والهرسك‪ ،‬فطبق‬
‫الحظسسر على المسسسلمين وبقسسي الصسسرب يتلقون العون مسسن إخوانهسسم النصسسارى بالسسسلح‬
‫وغيره‪.‬‬
‫وأصسسسدر مجلس المسسسن (المزعوم) قرارا بحظسسسر التحليسسسق الجوي على البوسسسسنة‬
‫والهرسسك‪ ،‬ولكسن الصسرب تحدوا ذلك ول زالت الطائرات تقصسف المسسلمين‪ ،‬ولم يحرك‬
‫مجلس المن ساكنا وكذلك المجلس الوروبي وحلف الناتو‪.‬‬
‫ولكسسن الدول الغربيسسة إذا تحرك صسساروخ فسسي العراق أو طائرة عراقيسسة قريبسسة مسسن‬
‫منطقة الحظر الجوي الذي فرضته أمريكا باسم هيئة المم المتحدة‪ ،‬يرسلون أسرابا من‬
‫الطائرات الغربية لتصب نيرانها على الهدف وما جاوره ويطلقون مئات الصواريخ من‬
‫الخليسج للقضاء على أي حركسة‪ ،‬زعمسا منهسم أنهسم ينفذون قرارات مجلس المسن‪ ،‬وهكذا‬
‫يعامل النصارى قساة القلوب المسلمين ويصدرون القرارات التي ظاهرها في مصلحة‬
‫المسسلمين وينفذون عكسس ذلك‪ ،‬ولكنهسم ينفذون قراراتهسم فقسط عندمسا تكون فسي مصسلحة‬
‫النصارى أنفسهم‪.‬‬
‫إنها وحشية دعاة حقوق النسان وقسوة دعاة الحرية والتمدن‪ :‬نصارى الغرب كله‪.‬‬
‫وقسسد وجدت الدول النصسسرانية الغربيسسة بغيتهسسا فسسي الميسسن العام لهيئة المسسم المتحدة‬
‫النصسراني "بطرس غالي" العربسي الذي يعطيهسا المسسوغ تلو المسسوغ لعدم تدخلهسا فسي‬
‫إنقاذ المسسسلمين فسسي البوسسسنة والهرسسسك‪ ،‬ولذلك تصسسدر هسسي السسستنكار لفعال الصسسرب‬
‫وتصرح بأنها تريد التدخل لمنع الصرب من العدوان‪ ،‬ولكن النصراني العربي يحذرها‬
‫مسن مغبسة التدخسل العسسكري‪ ،‬فتظهسر للعالم وللمسسلمين أنهسا إنمسا تأخرت عسن هذا التدخسل‬
‫بسسبب عدم الذن بسه مسن قبسل هيئة المسم المتحدة!‪[.‬اقرأ عسن تنفيسذ هذا النصسراني العربسي‬
‫لمخطسسط التجمعات الكنسسسية جريدة الشرق الوسسسط ص ‪ 23‬بعنوان‪:‬بطرس غالي بطسسل‬
‫البوسسنة‪ .‬عدد (‪27 )5167‬رجسب ‪1413‬هسس سس ‪20/1/1993‬م‪ .‬وقد سسماه الكاتسب‪ :‬بالجلد‪،‬‬
‫وأنا أسميه بما سماه ال‪ :‬النصراني‪].‬‬
‫والسبب الحقيقي هو أن المظلومين مسلمون‪ ،‬ولو كانوا يهودا أو نصارى أو وثنيين‪،‬‬
‫بل لو كان المعتدى عليهم قرودا أو كلبا‪ ،‬لهبوا لنجدتهم‪.‬‬
‫وقسد صسرح زعيسم المعتديسن النصسارى الصسرب بأن العتداء على المسسلمين سسيستمر‬
‫ما داموا مسلمين‪ " :‬فقائد القوات الصربية في البوسنة والهرسك أكد في تصريح نشرته‬
‫‪101‬‬

‫مؤخرا مجلة‪" :‬شبيجسسل" اللمانيسسة‪ ،‬قال فيسسه‪ :‬إن هدفنسسا هسسو القضاء على المسسسلمين فسسي‬
‫أوروبسا‪ ،‬يجسب أن يختفوا كأمسة‪ ،‬وعلى المسسلمين فسي البوسسنة إعلن تحولهسم عسن السسلم‬
‫وأن يصسبحوا صسربيين أو كروات‪ ،‬أمسا الخيار الثالث لهسم فلن يكون إل الموت‪[ "...‬مجلة‬
‫المجتمسسسع الكويتيسسسة‪ :‬العدد (‪ )1027‬الثلثاء جمادى الخرة سسسسنة ‪1413‬ه‪-‬أول ديسسسسمبر‬
‫‪ 1992‬م‪].‬‬
‫وصسسدق ال القائل‪{ :‬ولن ترضسسى عنسسك اليهود ول النصسسارى حتسسى تتبسسع ملتهسسم‪}..‬‬
‫[؟؟]‪.1‬‬
‫ول نحتاج إلى ذكر مراجع لهذه لحوادث في هذه القسوة النصرانية‪ ،‬فالتلفاز يعرض‬
‫قسسوة النصسارى على المسسلمين فيهسا مرات كسل يوم‪ ،‬والصسحف العالميسة تنشسر أخبارهسا‬
‫المأسساوية كسل يوم‪ ،‬والذاعات فسي العالم كله تذيسع فظائعهسا كسل سساعة‪ :‬أخبار وتقاريسر‬
‫وتعليقات ومقابلت‪...‬‬
‫[ ومسسسع ذلك أحيسسسل القارئ الى بعسسسض الجرائد والمجلت منهسسسا‪ :‬جريدة الشرق الوسسسسط عدد‬
‫‪5158‬ص ‪19‬بعنوان‪ :‬مفكرة العار فسي البوسسنة ‪18/7/1413‬هسس‪ .-‬ومجلة المجتمسع العداد‪،966 :‬‬
‫‪17‬شوال ‪1412‬هسسسسسس‪-‬ص ‪ ،22‬العدد‪ 999:‬فسسسسسي ‪21/1/1414‬هسسسسسس‪-‬ص ‪ ،28‬العدد‪ 1005:‬فسسسسسي‬
‫‪29/12/1412‬هسسسسسس‪-‬ص ‪ ،30‬العدد‪ 1027 :‬فسسسسسي ‪7/6/1413‬هسسسسسس‪-‬ص ‪ ،28‬العدد‪ 1026 :‬فسسسسسي‬
‫‪30/5/1413‬هسسسسسسسس‪-‬ص ‪ 26‬العدد‪ 1008 :‬فسسسسسسسي ‪20/1/1413‬هسسسسسسسس‪-‬ص ‪ 30‬العدد‪ 989:‬فسسسسسسسي‬
‫‪13/8/1412‬هس‪-‬ص ‪ .16‬وجريدة المسلمون‪ ،‬كل أعداد عام ‪1413-1412‬هس‪-‬وكذا العالم السلمي‬
‫ومجلة الصلح وغيرها‪]...‬‬

‫النموذج الثالث‪ :‬قساة الشيوعيين (الملحدين)‬
‫الشيوعيون الروس‪.‬‬
‫ولننتقسل الن إلى غيسر أهسل الكتاب مسن أهسل الباطسل‪ ،‬لنأخسذ نتفسا أخرى مسن سسلوكهم‬
‫الدال على القسسوة والغلظسة وعدم الرحمسة‪ ،‬لتكتمسل الصسورة‪ ،‬ويعلم القارئ أن أهسل الحسق‬
‫هسم الرحماء‪ ،‬وأن الرحمسة هسي مسن الخلق التسي يريدون غرسسها فسي نفوس الناس‪ ،‬وأن‬
‫غرس الخلق الحميدة هو إحدى غاياتهم في السباق إلى العقول‪.‬‬
‫الحديسث عسن قسسوة الشيوعييسن وغلظتهسم ل يأتسي للناس بجديسد‪ ،‬فقسد عرف العالم كله‬
‫فسي خلل مسا يزيسد عسن سسبعين سسنة أن الشيوعييسن أقسسى الناس قلوبسا وأغلظ أفئدة وأبعسد‬
‫عن الرحمة في كل مكان حلوا فيه‪.‬‬
‫وعداؤهسم للسسلم أشسد مسن عدائهسم لجميسع الديان‪ ،‬ومعاملتهسم للمسسلمين‪ ،‬لصسرفهم‬
‫بالقوة عسن دينهسم بقضائهسم على علمائهسم وهدمهسم مسساجدهم ومدارسسهم‪ ،‬وتحويسل مسا بقسي‬
‫مسسن المسسساجد والمدارس إلى مسسسارح وحظائر ومخازن ودور للسسسينما‪ ،‬أمسسر معروف‬
‫مشهور‪.‬‬
‫ويكفسي أن نذكسر لبالغ قسسوتهم مسا رواه أحسد الناجيسن مسن الموت مسن تعذيبهسم‪ ،‬وهسو‬
‫السسستاذ "عيسسسى يوسسسف آلب تكيسسن"الذي فسسر مسسن إدارتهسسم الجهنميسسة وكتسسب كتابسسه الذي‬
‫فضحهم فيه وهو‪( :‬المسلمون وراء الستار الحديدي)‪ .‬فقد نقل عنه سيد قطب رحمه ال‬
‫‪1‬‬

‫‪102‬‬

‫فسي كتابسه دراسسات إسسلمية مسا يلي مسن صسور التعذيسب الوحشسي فقال‪ " :‬فلندع كاتبسا أخسذ‬
‫يحدثنا عن وسائل التعذيب الجهنمية التي سلطت على العنصر السلمي في التركستان‬
‫الغربية الخاضعة لروسيا‪ ،‬والتركستان الشرقية التابعة للصين الشيوعية اسما‪ ،‬ولروسيا‬
‫الشيوعية فعل " إلى أن قال‪ :‬سيد‪" :‬وسنضطر أن نغفل ذكر بعضها‪-‬أي صور التعذيب‪-‬‬
‫هنسا‪ ،‬لنهسا مسن القذارة بحيسث يخدش ذكرهسا كسل أدب إنسساني‪ ،‬مكتفيسن بمسا تطيسق الداب‬
‫النسانية أن نذكره للناس‪ ...‬وهذه هي‪:‬‬
‫‪-1‬دق مسامير طويلة في الرأس حتى تصل إلى المخ‪.‬‬
‫‪-2‬إحراق المسجون بعد صب البترول عليه وإشعال النار فيه‪.‬‬
‫‪-3‬جعل المسجون هدفا لرصاص الجنود يتمرنون عليه‪.‬‬
‫‪-4‬حبسس المسسجونين فسي سسجون ل ينفسذ إليهسا هواء ول نور‪ ،‬وتجويعهسم إلى أن‬
‫يموتوا‪.‬‬
‫‪-5‬وضع خوذات معدنية على الرأس وإمرار التيار الكهربائي فيها‪.‬‬
‫‪-6‬ربط الرأس في طرف آلة ميكانيكية وباقي الجسم في ماكينة أخرى‪ ،‬ثم تدار كل‬
‫مسن الماكينتيسن فسي اتجاهات متضادة‪ ،‬فتعمسل كسل وحدة مقتربسة مسن أختهسا حينسا ومبتعدة‬
‫آخر‪ ،‬حتى يتمدد الجسم الذي بين اللتين‪ ،‬فإما أن يقر المعذب وإما أن يموت‪.‬‬
‫‪-7‬كي كل عضو من الجسم بقطعة من الحديد مسخنة إلى درجة الحمرار‪.‬‬
‫‪-8‬صب زيت مغلي على جسم المعذب‪.‬‬
‫‪-9‬دق مسمار حديدي أو إبر الجراموفون في الجسم‪.‬‬
‫‪-10‬تسمير الظافر بمسمار حديدي حتى يخرج من الجانب الخر‪.‬‬
‫‪-11‬ربط المسجون على سرير ربطا محكما ثم تركه ليام عديدة‪.‬‬
‫‪-12‬إجبار المسجون على أن ينام عاريا فوق قطعة من الثلج أيام الشتاء‪.‬‬
‫‪-13‬نتف كتل من شعر الرأس بعنف‪ ،‬مما يسبب اقتلع جزء من جلد الرأس‪.‬‬
‫‪-14‬تمشيط جسم المسجون بأمشاط حديدية حادة‪.‬‬
‫‪-15‬صب المواد الحارقة والكاوية في فم المسجونين وأنوفهم وعيونهم‪ ،‬بعد ربطهم‬
‫ربطا محكما‪.‬‬
‫‪-16‬وضع صخرة على ظهر المسجون‪ ،‬بعد أن توثق يداه إلى ظهره‪.‬‬
‫‪-17‬ربط يدي المسجون وتعليقه بهما إلى السقف‪ ،‬وتركه ليلة كاملة أو أكثر‪.‬‬
‫‪-18‬ضرب أجزاء الجسم بعصا فيها مسامير حادة‪.‬‬
‫‪-19‬ضرب الجسسسم بالكرباج حتسسى يدميسسه‪ ،‬ثسسم يقطسسع الجسسسم إلى قطسسع بالسسسيف أو‬
‫بالسكين‪.‬‬
‫‪-20‬إحداث ثقسب فسي الجسسم وإدخال حبسل ذي عقسد واسستعماله بعسد يوميسن كمنشار‪،‬‬
‫لتقطيع قطع من أطراف الجرح المتآكل‪.‬‬
‫‪-21‬ولكسي يضمنوا أن يظسل المسسجون واقفسا على قدميسه طويل‪ ،‬يلجئون إلى تسسمير‬
‫أذنيه في الجدار‪.‬‬
‫‪-22‬وضع المسجون في برميل مملوء بالماء في فصل الشتاء‪.‬‬
‫‪-23‬خياطة أصابع الرجلين واليدين والرجلين وشبك بعضهما إلى بعض‪.‬‬
‫‪103‬‬

‫‪-24‬والنسساء حظهسن مثسل هذا العذاب‪ ،‬أنهسن يعريسن ويضربسن ضربسا مبرحسا على‬
‫ثديهن وصدورهن‪.‬‬
‫أمسا بقيسة تعذيسب النسساء فإننسا نمسسك عنسه‪ ،‬لن المواقسع التسي اختاروهسا مسن أجسسامهن‬
‫والطرق الدنيئة التسي اسستعملوها تجعلنسا نسستحي مسن ذكرهسا وكتابتهسا[دراسسات إسسلمية‬
‫الطبعة الرابعة ص ‪.206 ،200‬‬
‫وعندما كتب سيد هذه الصور لم تكن قد طبقت عليه هو في مصر ولكنه رحمه ال‬
‫قسسد ذاق فسسي زنزانات المجرميسسن هسسو وإخوانسسه وأخواتسسه شيئا منهسسا قبسسل أن يشنقسسه أعداء‬
‫السلم‪.].‬‬
‫يكفي هذا النموذج لمعرفة ما إذا كانت توجد في قلوب الشيوعيين الروس رحمة!!!‪.‬‬

‫تدمير شعب أفغانستان‪.‬‬
‫ولكسن مثال آخسر ظهسر أكثسر وضوحسا فسي الدللة على خلو قلوبهسم مسن الرحمسة‪ ،‬وهسو‬
‫أنهسسم غزوا أفغانسسستان بجيوش جرارة وأسسسلحة فتاكسسة‪ ،‬برا وجوا‪ ،‬وقتلوا مسسن الشعسسب‬
‫الفغانسي مليونسا ونصسف المليون‪ ،‬وطردوا مسا يقارب سستة ملييسن‪ ،‬وعاثوا فسي الرض‬
‫فسادا يندر أن يوجد له مثيل‪ ،‬ومكثوا يزاولون أعمالهم الوحشية في هذا الشعب أكثر من‬
‫سسبع سسنوات‪ ،‬هدموا فيهسا المسساجد وأهانوا المصساحف واغتصسبوا النسساء‪ ،‬وفرقوا كلمسة‬
‫المسلمين وجعلوا بعضهم يقتل بعضا‪ ،‬ولزال الفغان يعانون المرين من آثار غزوهم‪.‬‬
‫ولكسسن ال تعالى نصسسر الفئة المؤمنسسة التسسي تصسسدت لهؤلء القسسساة‪ ،‬ومسسع الصسسبر‬
‫والمصابرة نصر ال المجاهدين‪-‬على قلة عُدَدِهِم‪-‬على أعظم قوة عسكرية ضاربة‪ ،‬فهزم‬
‫الجيش الروسي الشيوعي وعاد إلى بلده يجر أذيال الهزيمة‪ ،‬وكان الجهاد الفغاني من‬
‫أعظم السباب التي هيأها ال لنهيار التحاد السوفيتي الظالم‪.‬‬
‫ولعسسل المسسسلمين يقطفون آثار هذا الجهاد فسسي تطسسبيق السسسلم فسسي أفغانسسستان وفسسي‬
‫الشعوب السسسلمية المجاورة التسسي كانسست تابعسسة للتحاد السسسوفيتي المنهار‪[.‬لقسسد خيسسب‬
‫المجاهدون الفغان آمال المسسسلمين الذيسسن أعانوهسسم بالمال والرجال والعتاد‪ ،‬لرفسسع رايسسة‬
‫السسلم فسي بلدهسم‪ ،‬حيسث أخذوا يقتتلون فيمسا بينهسم بعسد انسسحاب العدو الشيوعسي مسن‬
‫بلدهم‪ ،‬ومازالت دماء المدنيين العزل تراق بأسلحة إخوانهم ممن كانوا قادة للجهاد‪ ،‬إلى‬
‫يومنا هذا (كتبت هذا التعليق في ‪22/5/1418‬هس)‪].‬‬

‫الشيوعيون في الصين‪.‬‬
‫ول تقل قسوة الشيوعيين في الصين وغلظتهم على المسلمين‪-‬وعلى كل من يخالفهم‪-‬‬
‫عسسن قسسسوة الشيوعييسسن فسسي التحاد السسسوفيتي السسسابق‪ ،‬وبخاصسسة فسسي إقليسسم "تركسسستان‬
‫الشرقيسسسة" الذي غيروا اسسسسمه إلى "سسسسانكيانج" وبالغوا فسسسي العتداء على أهله‪ ،‬فقتلوا‬
‫علماءهسسم‪ ،‬وأتلفوا مصسساحفهم وكتبهسسم الدينيسسة‪ ،‬ومنعوهسسم مسسن أداء شعائرهسسم الدينيسسة‪،‬‬
‫وأغرقوهم بالمهجرين الشيوعيين من مناطق أخرى‪ ،‬لتصبح نسبة المسلمين في هذا البلد‬
‫المسلم ‪ %10‬بعد أن كانت نسبتهم من قبل أكثر من ‪.%90‬‬
‫‪104‬‬

‫وقسد ذكسر أن المسسلمين الذيسن تسم قتلهسم مسن سسنة ‪1950‬م إلى سسنة ‪1972‬م بلغ ‪360‬‬
‫ألفسسا‪ ،‬وأن الذيسسن سسسيقوا إلى المعسسسكرات التعذيبيسسة والشغال الشاقسسة بلغ عددهسسم (‪)500‬‬
‫ألف‪ ،‬وأن الذيسسن هربوا مسسن ديارهسسم بسسسبب ذلك العدوان بلغ (‪ )100‬ألف[‪-‬راجسسع محلة‬
‫الصلح عدد ‪ 219‬ص ‪ 35‬ومجلة المجتمع الكويتية عدد ‪ 967‬ص ‪].28‬‬
‫هذه الفظائع ذكرت في بلد واحد من بلدان الصين وهو تركستان الشرقية‪.‬‬
‫أما على مستوى الصين فالمر أعظم من ذلك‪ ،‬وقد ذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن‬
‫إسحاق الصيني الذي زرته في مدرسة التقوى في مدينة تشانجماي في شمال تايلند في‬
‫‪24/11/1409‬هسسس‪ .‬أن الشيوعييسسن فسسي الصسسين قتلوا خلل سسست عشرة سسسنة مسسن سسسنة‬
‫‪1950‬م إلى ‪1976‬م عشرة ملييسسن (ول بسسد أن يكون للمسسسلمين حظهسسم الوافسسر مسسن هذا‬
‫القتل) ومات بسبب الجوع سبعة مليين‪.‬‬
‫أمسسا المسسسلمون فقسسد كانسست مسسساجدهم فسسي الصسسين (‪ )45‬ألف مسسسجد‪ ،‬فصسسادرها‬
‫الشيوعيون وحولوهسا إلى مصسانع ومسسارح ودور سسينما‪ ،‬وبنوا فسي محاريبهسا الطاهرة‬
‫التسسي كان الئمسسة يتلون فيهسسا كتاب ال ويسسسجدون فيهسسا لربهسسم‪ ،‬المراحيسسض إهانسسة لهسسا‬
‫وللمسسلمين‪ ،‬وقتلوا كثيرا مسن الئمسة والعلماء‪ ،‬وقتلوا مسن المسسلمين مسا ل يقسل عسن مليون‬
‫شخص‪.‬‬
‫وكانوا يأمرون العالم المسلم بحمل القاذورات ليسمد بها الرض الزراعية‪ ،‬ويعلقون‬
‫فسسي عنقسسه الكومسسة مسسن تلك القاذورات‪ ،‬ويقولون له مسسن باب التهكسسم والذلل والسسسخرية‬
‫بربه وبدينه‪ :‬إذا كنت تعبد ال فادعه ليساعدك‪[...‬المجلد الخاص بتايلند من سلسلة (في‬
‫المشارق والمغارب) مخطوط في مكتبة المؤلف‪].‬‬
‫وهذه الفظائع هسي التسي علمست‪ ،‬ومسا لم يعلم أكثسر مسن ذلك بكثيسر‪ ،‬وبخاصسة إذا علمنسا‬
‫أن الشيوعييسن يحيطون بلدانهسم وتصسرفاتهم بمسا يسسترها مسن الكتمان والحجسر العلمسي‪،‬‬
‫وعدم الذن بتسسرب تلك التصسرفات‪ ،‬ولكسن ذلك يكفسي لمعرفسة أن الرحمسة قسد نزعست مسن‬
‫قلوبهم‪.‬‬
‫[راجسع على سسبيل المثال مسا نشسر على أحسد مواقسع النترنست على الوصسلة التيسة‪:‬‬
‫‪] http://www.islam-online.net/Arabic/news/2001-06/17/Article36.shtml‬‬
‫وفسي هذه اليام يعيسث الشيوعيون ذوو السسماء السسلمية فسي طاجكسستان فسسادا فسي‬
‫هذا البلد المسلم‪ ،‬فقد قتلوا اللف من المسلمين الذين يطالبون بالتمتع بالسلم‪ ،‬وشردوا‬
‫مئات اللف‪ ،‬وأخافوا المنيسن من أبناء البلد متعاونيسن مسع الشيوعيين مسن ذوي السسماء‬
‫السلمية في بلدان أخرى ومع الروس بمساعدات من الغرب وبخاصة أمريكا‪ ،‬والكفر‬
‫ملة واحدة [راجع مجلة المجتمع عدد ‪25-1038‬شعبان ‪1413‬هس‪-‬ص ‪.].22‬‬
‫بسسسل لقسسسد غزت روسسسسيا الجمهوريسسسة الشيشانيسسسة فسسسي ‪9/7/1415‬هسسسس‪-‬الموافسسسق‬
‫‪11/12/1994‬م‪-‬ودمرت عاصسمتها جسر وزنسي تدميرا كامل‪ ،‬وقتلت المسسلمين المدنييسن‪،‬‬
‫ول زالت تواصسل القتسل والتدميسر على مرأى ومسسمع مسن دول الصسليب التسي تدعسي أنهسا‬
‫ترعسى حقوق النسسان‪ ،‬بسل على مرأى ومسسمع مسن حكام الشعوب السسلمية الذيسن ماتست‬
‫الحمية في نفوسه على حفظ ضروراتهم التي ل حياة لهم بدونها‪.‬‬
‫وقسد تكبسد الروس خسسائر فادحسة فسي جمهوريسة الشيشان السسلمية‪ ،‬وخرجوا منهسا‬
‫‪105‬‬

‫يجرون أذيال الهزيمسة‪ ،‬كمسا خرجوا مسن أفغانسستان‪ ،‬وذلك بفضسل ال ثسم بفضسل قوة إيمان‬
‫أهلهسا‪ ...‬ثسم غزت روسسيا الشيشان مرة أخرى فسي سسنة ‪1420‬هسس سس ‪1999‬م ودمرت البلد‬
‫مرة أخرى وعاثست فيسه فسسادا‪ ،‬ول زالت القوات الروسسية تحتسل هذا البلد المسسلم‪ ،‬وتقتسل‬
‫أهله وتشردهسم وتعتقلهسم‪ ،‬وموقسف دعاة حقوق النسسان الغربييسن هسو موقفهسم المعروف‪،‬‬
‫عندمسسا يكون النسسسان مسسسلما ل يحركون سسساكنا‪ ،‬اللهسسم إل إظهار شيسسء مسسن السسستنكار‬
‫البارد‪ ،‬ليقال عنهسم‪ :‬إنهسم أنكروا! وليقارن المسسلم موقسف الغرب مسن الشيشان‪ ،‬وموقفهسم‬
‫من تيمور الشرقية التي أجبروا إندونيسيا على التخلي عنها خلل فترة وجيزة!‬

‫النموذج الرابع‪ :‬قساة الوثنيين‪.‬‬
‫قسوة الوثنيين الهنود‪.‬‬
‫والوثنيون‪-‬ومنهم الهندوس والبوذيون وغيرهم‪-‬ل تقل وحشيتهم وغلظتهم عن اليهود‬
‫والنصارى والشيوعيين‪.‬‬
‫فالهندوس فسسي الهنسسد بتواطسسؤ مسسع النصسسارى النجليسسز‪ ،‬أذاقوا المسسسلمين مسسن العذاب‬
‫والتشريسسد والقتسسل وسسسوء المعاملة مسسا يصسسعب وصسسفه‪ ،‬واعتدوا على أموالهسسم ومنازلهسسم‬
‫ومسسساجدهم‪ ،‬ول يخلو عام مسسن العوام مسسن العتداء عليهسسم‪ ،‬حتسسى اضْطَرّوا المسسسلمين‬
‫على النقسام‪ :‬قسم منهم سئم العيش تحت الذل والقهر الهندوسي‪ ،‬فقرروا الهجرة إلى ما‬
‫سمي في حينه بباكستان الشرقية وباكستان الغربية‪ ،‬حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة‬
‫مسسن الهنسسد ثسسم تدخلت الهنسسد وحليفتهسسا روسسسيا (التحاد السسسوفيتي سسسابقا) للتحريسسش بيسسن‬
‫الباكسسستانيين فحصسسل النشقاق والقتال الذي راح ضحيتسسه اللف مسسن المسسسلمين‪ ،‬وعلى‬
‫أثره انفصلت باكستان الشرقية وسميت باسم قومي انفصالي‪" :‬بنغلدش" فضعف بذلك‬
‫المسلمون في الجناحين‪ ،‬وضعف المسلمون كذلك في الهند الذين يبلغ عددهم الن أكثر‬
‫مسن ‪ 150‬مليونسسا فسي كسسل أنحاء الهنسسد‪ ،‬وهسم اليوم يواجهون حربسا وثنيسة شرسسة‪ ،‬حيسث‬
‫نظمت جمعيات هندوسية لمحاربتهم تحت سمع وبصر الحكومة الهندية التي تزعم أنها‬
‫دولة ديمقراطية علمانية‪ ،‬وتشير الحصاء ت إلى أن العتداء الهندوسي على المسلمين‬
‫بلغ حدا خطرا ل يطاق‪ ،‬يتعاون عليهسسسسم فسسسسي ذلك العتداء المنظمات المذكورة وقوات‬
‫الشرطة‪ ،‬بل والجيش أحيانا‪.‬‬
‫وعلى سسسبيل المثال فإن الهندوس قتلوا خمسسسة عشرة ألف مسسسلم فسسي مجزرة "أحمسسد‬
‫أباد" باعتراف رئيسسسسسسسة الوزراء أنديرا غاندي سسسسسسسنة ‪1970‬م وأحرقوا ثلثمائة امرأة‬
‫مسسلمة بالنار وهسن أحياء‪ ،‬وفسي مذبحسة آسسام قتسل الهندوس ‪ 50‬ألف مسسلم[راجسع حاضسر‬
‫العالم السلمي لجميل المصري ص ‪].420‬‬
‫وفي هذه اليام تجمع جماهير الهندوس وهدموا مسجد "البابري" وقتلوا اللف من‬
‫المسلمين‪ ،‬في أنحاء متفرقة من الهند وأحرقوا ممتلكاتهم وهدموا منازلهم وطردوهم من‬
‫ديارهسسسم[راجسسسع على سسسسبيل المثال مجلة المجتمسسسع عدد ‪20 1029‬جمادى الخرة سسسسنة‬
‫‪1413‬هس‪-‬ص ‪ ].20‬واستولوا على كثير من مساجدهم وحولوها إلى معابد وثنية‪.‬‬
‫وكسسل الفظائع التسسي يرتكبهسسا الهندوس فسسي حسسق المسسسلمين ل يوجسسد أي مسسسوغ لهسسا‪،‬‬
‫‪106‬‬

‫فالمسسلمون مسسالمون‪ ،‬ل يريدون إل العيسش بطمأنينسة فسي ديارهسم‪ ،‬يقيمون شعائر دينهسم‬
‫ويعلمون أبناءهسسسم ديسسسن السسسسلم دون أن يحركوا سسسساكنا ضسسسد الهندوس ابتداء‪ ،‬وإنمسسسا‬
‫يضطرون أن يدافعوا عن أنفسهم عندما يعتدي عليهم هؤلء‪ ،‬مع قلتهم وفقدهم آلة الدفاع‬
‫على عكسسسس الوثنييسسسن الهندوس‪ ،‬والمتتبسسسع لوحشيسسسة هؤلء الهندوس وقسسسسوتهم ضسسسد‬
‫المسسسلمين‪ ،‬يتضسسح له أنهسسم قوم قسسد نزعسست الرحمسسة مسسن قلوبهسسم وحلت محلهسسا الغلظسسة‬
‫والشراسة والوحشية‪.‬‬

‫قسوة الوثنيين في سيريلنكا‪.‬‬
‫وهكذا يلقسسسي المسسسسلمون فسسسي سسسسيريلنكا قسسسسوة بالغسسسة مسسسن الهندوس والسسسسنهال‬
‫والشيوعيين‪ ،‬ومن الحكومة البوذية من اغتيالت ومذابح جماعية ونهب أموال ومتاجر‬
‫وإحراق منازل وأسواق[راجع مجلة المجتمع الكويتية‪ .‬عدد ‪ 957‬في ‪9‬شعبان ‪1410‬هس‬
‫ص ‪ 40‬ومجلة رابطة العالم السلمي عدد ‪319‬ص ‪].7‬‬
‫وفسي " بورمسا" ل تنقطسع مذابسح المسسلمين وتشريدهسم ونهسب أملكهسم والعتداء على‬
‫أعراضهسسسسم‪ ،‬يقوم بذلك الوثنيون البوذيون فقسسسسد قتلوا منهسسسسم عشرات اللف‪ ،‬وشردوا‬
‫ملييسن‪ ،‬وهدموا المسساجد‪ ،‬وأغلقوا المدارس‪ ،‬واغتصسبوا المسسلمات وأجهضوا الحوامسل‬
‫منهسن‪ ،‬وفسي يوم عيسد مسن أعياد الفطسر قتلوا مائتسي مسسلم‪ ،‬وكثيسر مسن المسسلمين يموتون‬
‫جوعسا فسي مخيمات الموت فسي "بنغلدش" أو فسي الطريسق بيسن حدود بورمسا وبنغلدش‬
‫وهم فارون بأنفسهم من القتل الجماعي[راجع‪ :‬العالم السلمي (جريدة تصدرها رابطة‬
‫العالم السسسلمي) ‪24‬ربيسسع الول‪1-‬ربيسسع الثانسسي ‪1413‬ه‪ -‬ص ‪ ،4‬و ‪ 6‬محرم ‪1412‬ه‪-‬‬
‫ومجلة المجتمع عدد ‪ 993‬ص ‪ 10‬وعدد ‪989‬ص ‪.].16‬‬

‫قسوة الوثنيين في تايلند‪.‬‬
‫وفسي تايلنسد أذاقست الحكومسة الوثنيسة البوذيسة المسسلمين‪ ،‬أهوال مسن العذاب والقتسل‬
‫والتدميسسر والغتيال والتشريسسد‪ ،‬وأذلت المسسسلمين فسسي جنوب البلد‪ ،‬وأصسسبحت فطانسسي‬
‫المسلمة تحت سيطرة الجيش ووزارة الداخلية‪ ،‬وقد قسمتها تقسيمات إدارية جديدة‪ ،‬حيث‬
‫أصسسبحت محافظات صسسغيرة‪ ،‬وحشدت أعدادا كسسبيرة مسسن البوذييسسن مسسن شمال تايلنسسد‬
‫ووسسسطها للهجرة إلى بلد المسسسلمين‪ ،‬وملكتهسسم أراضيهسسم ويسسسرت لهسسم إقامسسة الشركات‬
‫والمشاريسسع المتنوعسسة‪ ،‬ليسسستولوا على البلد المسسسلمة‪ ،‬ويكونوا أكثريسسة ينشرون الفسسساد‬
‫الخلقسي والجتماعسي‪ ،‬مسن أجسل إذابسة المسسلمين وتحاول الحكومسة تغييسر مناهسج المدارس‬
‫السسلمية وكتبهسا وحروف لغتهسا [وقسد فصسل المؤلف شيئا مسن ذلك فسي المجلد الخاص‬
‫بتايلند من سلسلة في المشارق‪ ،‬وهو مخطوط في مكتبته]‬
‫وقد خف التضييق على المسلمين نسبيا‪ ،‬وتمكن علماؤهم من إقامة مؤسسات تعليمية‬
‫ودعوية‪ ،‬كان لها أثر جيد في تعليم أبنائهم وتفقيههم‪ ،‬وعلى رأس هؤلء العلماء الدكتور‬
‫إسسماعيل لطفسي المتخرج مسن الجامعسة السسلمية فسي المدينسة المنورة‪ ،‬وجامعسة المام‬
‫محمد بن سعود السلمية في الرياض‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫قساة أهل الباطل من المنتسبين السلم!‬
‫مرت فترة على المسلمين ضعفت فيه دولتهم‪ ،‬بل اضمحلت وهوت‪ ،‬فتأخروا في كل‬
‫شؤون الحياة الدينيسسسسسة والقتصسسسسسادية والعلميسسسسسة‪-‬علم الشرع وعلم المادة‪-‬والسسسسسسياسية‬
‫والعسكرية والجتماعية‪ ،‬وتقدم غير المسلمين في الحضارة المادية‪ ،‬فأصيب المسلمون‬
‫بالهوان وكبر في صدورهم تقدم غيرهم‪ ،‬وانقسموا قسمين‪:‬‬
‫القسسسسسم الول‪ :‬رأى أن تقدم البلدان السسسسسلمية مرهون باتباع خطوات الغرب حذو‬
‫القذة بالقذة‪ ،‬وذلك بتنحيسة الديسن السسلمي عسن أن يكون منهسج حياة للشعوب السسلمية‪،‬‬
‫والفصسسسل التام بينسسسه وبيسسسن تدبيسسسر شؤونهسسسا‪ ،‬بحيسسسث يكون الديسسسن أمرا يتعلق بالفراد‬
‫بأشخاصسهم فيمسا بينهسم وبيسن ربهسم‪ ،‬يصسلون ويصسومون ويحجون ويقرؤون القرآن‪ ،‬دون‬
‫أن يتدخسل السسلم فسي الشؤون السسياسية والجتماعيسة والقتصسادية والعسسكرية وغيرهسا‬
‫مسسن مناهسسج العلم والتعليسسم وهلم جرا‪– ...‬ول يسسستثنون مسسن ذلك إل بعسسض الحوال‬
‫الشخصية‪-‬وذلك على غرار ما فعله أهل الغرب بالدين النصراني المحرف‪ ،‬حيث نحوه‬
‫عن شؤون الحياة التي وضعت لها الدساتير والقوانين البشرية‪ ،‬اتقاء التصرفات الكنسية‬
‫ورجالهسا الذيسن كانوا يزاولون تدبيسر شؤون الشعوب تدبيرا ظالمسا‪ ،‬وينسسبون تصسرفاتهم‬
‫تلك إلى ال‪ ،‬ويتلخسسص ذلك كله فيمسسا يقال له‪" :‬العلمانيسسة" التسسي تعنسسي فصسسل الديسسن عسسن‬
‫الدولة‪.‬‬
‫وقد أوهم أهل الغرب هذا القسم من أبناء المسلمين‪ ،‬أن الدين هو سبب التأخر عندما‬
‫يتدخسل فسي حياة البشسر‪ ،‬بدليسل أن الغرب عندمسا فصسل الديسن عسن الدولة تقدم حضاريسا‬
‫وأصسسبح يقود العالم‪،‬وأنسسه ل يمكسسن للمسسسلمين أن يتقدموا إل إذا فعلوا كمسسا فعسسل الغرب‪،‬‬
‫ففصلوا الدين السلمي عن الدولة‪.‬‬
‫وتتلمسسذ أبناء المسسسلمين هؤلء على أسسساتذة الغرب فسسي العلوم المتنوعسسة‪ :‬النسسسانية‬
‫والتطبيقيسة واقتنعوا بتلك الفكرة‪ ،‬بسسبب جهلهسم بالسسلم الذي جعلهسم يسساوون بينسه وبيسن‬
‫الدين النصراني‪ ،‬ويقفون من دينهم كما وقف أهل الغرب من الدين النصراني‪ ،‬وبسبب‬
‫فقدهسم العلماء الذيسن يجمعون بيسن فقسه النصسوص الواردة فسي القرآن والسسنة الصسحيحة‬
‫والمقاصد الشرعية من جهة وبين فقه العصر والواقع من جهة أخرى‪ ،‬فانطلق هذا القسم‬
‫مسسن أبناء المسسسلمين‪ ،‬وقسسد أحرز شيئا مسسن الثقافسسة التسسي تؤهله لقيادة الشعوب السسسلمية‬
‫وإدارتهسا مغرورا بنفسسه وبثقافتسه‪ ،‬متجاهل أولئك العلماء‪ ،‬بسل مذل لهسم ضاربسا بآرائهسم‬
‫وراء الحائط‪ ،‬وسسسبب هذا سسسبق غيسسر المسسسلمين الى عقول أبناء المسسسلمين وكسسسبهم فسسي‬
‫صفهم‪.‬‬
‫والقسسم الثانسي‪ :‬رأى فسي حضارة الغرب الماديسة ومسا رافقهسا أفكارا فاسسدة وأخلقسا‬
‫سسيئة وعقائد ملحدة وهجومسا على السسلم وأهله‪ ،‬فانزوى عسن علوم الغرب كلهسا‪ ،‬ودعسا‬
‫الشعوب إلى مقاطعتها والبعد عنها والكتفاء بما تجود به كتاتيب المعلمين الذين يلقنون‬
‫التلميسذ تلوة القرآن الكريسم‪ ،‬ويعلمونهم بعسض مبادئ الفقسه والتوحيسد والكتابسة وشيئا مسن‬
‫الحساب‪ ،‬فكان نصيب هذا القسم البعد عن ممارسة إدارة شؤون المة والمشاركة فيها‪،‬‬
‫فاسسستبد القسسم الول بالحكسسم والدارة وغيرهسسا‪ ،‬وأخسسذ يكبست كسل صسسوت يخالف منهجسه‬
‫‪108‬‬

‫ومسسيرته‪ ،‬يسسنده فسي ذلك مسا تحست يده مسن إمكانات الدولة فسي الداخسل ومؤازرة الدول‬
‫والمؤسسات الغربية في الخارج‪.‬‬
‫وبعد أن مضت فترة ليست بالقصيرة على هذه الحالة المزرية‪ ،‬هيأ ال للمسلمين من‬
‫صسحا منهسم مسن نومسه‪ ،‬وتنبسه مسن غفلتسه‪ ،‬فرأى بنور مسن ال وبصسيرة تلك الهاويسة التسي‬
‫تردى فيهسسا المسسسلمون والسسسباب التسسي أدت إلى ذلك التردي‪ ،‬والواجسسب الذي ل بسسد مسسن‬
‫القيام به لنتشال المة السلمية من وهدتها‪ ،‬إلى قمة مجدها وعزها‪ ،‬فظهرت دعوات‬
‫المفكريسن السسلميين بصسفة فرديسة هنسا وهناك‪ ،‬ولم يمسض وقست غيسر طويسل نسسبيا حتسى‬
‫أثمرت تلك الدعوات‪ ،‬ونتسسج عنهسسا قيام حركات إسسسلمية تعتمسسد التعليسسم والتربيسسة وبيان‬
‫شمول السلم‪ ،‬وأنه منهج لحياة البشر يجب أن يعود ليحكم حياتهم‪ ،‬فأزعج ذلك تلميذ‬
‫الغرب الذيسسن كان الجسسو قسسد خل لهسسم‪ ،‬فتربعوا على كراسسسي الحكسسم وأمروا ونهوا دون‬
‫منازع لهسم إل مسن أمثالهسم‪ ،‬كمسا أزعسج ذلك الغرب الذي طسن أن السسلم قسد مات وقسبر‪،‬‬
‫فاتفسسق السسسيد فسسي الغرب والعبسسد فسسي الشرق‪ ،‬على القضاء على السسسلم دون هوادة ول‬
‫رحمسسة‪ ،‬فكان أن حصسسل مسسن أعداء السسسلم المنتسسسبين إليسسه مثسسل مسسا حصسسل مسسن أعداء‬
‫السلم من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين‪ ،‬من الهجوم على السلم وتشويهه‪،‬‬
‫ومحاولة القضاء على دعاتسسسه بالسسسسجون والمعتقلت والتعذيسسسب الوحشسسسي والتشريسسسد‪،‬‬
‫وانتهاك العراض ومصسادرة الموال والتضييسق عليهسم فسي لقمسة العيسش وإيذاء أسسرهم‬
‫وأقربائهسسم وأصسسدقائهم‪ ،‬وبالقتسسل والغتيالت‪ ،‬حصسسل ذلك فسسي أغلب بلدان السسسلم فسسي‬
‫شمال إفريقيسسا‪ ،‬وفسسي الصسسومال‪ ،‬واليمسسن‪ ،‬والعراق‪ ،‬وسسسوريا‪ ،‬وباكسسستان‪ ،‬وأفغانسسستان‪،‬‬
‫وإندونيسيا‪ ،‬وتركيا‪ ،‬وبنغلدش‪ ،‬وألبانيا وغيرها‪.‬‬

‫قسموة أعداء السملم ممن المنتسمبين إليمه أشمد ممن‬
‫قسوة غيرهم !‬
‫ولعل قسوة أعداء السلم من المنتسبين إليه من أبناء المسلمين‪ ،‬أشد من قسوة غير‬
‫المسلمين على المسلمين وذلك لمور ثلثة‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬أن عدو السلم المنتسب إلى السلم‪ ،‬يعد من أبناء البلد وليس أجنبيا‬
‫عنسسه‪ ،‬وتصسسرفاته الظالمسسة ل ينظسسر إليهسسا عامسسة الناس‪-‬وبخاصسسة الجهلة‪-‬نظرتهسسم إلى‬
‫تصرفات العدو الجنبي الظالم‪ ،‬ولذلك تجد العدو الجنبي غير المسلم يخفف من طغيانه‬
‫وظلمسه‪ ،‬إذا لم يتعرض العلماء والدعاة لمصسالحه تعرضسا مباشرا‪ ،‬بخلف الطاغيسة مسن‬
‫أبناء البلد‪ ،‬فإنه يوسع دائرة ظلمه وقسوته‪ ،‬لتشمل المعارض الصريح والساكت الذي لم‬
‫يظهر تأييده لظلمه وقسوته‪.‬‬
‫المسر الثانسي‪ :‬أن عدو السسلم المنتسسب إليسه مسن أبناء المسسلمين‪ ،‬يجسد المؤيديسن له‬
‫ولظلمسه وقسسوته‪ ،‬مسن أبناء البلد مسن أقربائه وقسبيلته والمنتفعيسن بحكمسه‪ ،‬مسا ل يجده غيسر‬
‫المسلم الظالم‪ ،‬لن تأييد غير المسلم يعد منقصة يعير بها المؤيد‪ ،‬بخلف من يؤيد الظالم‬
‫مسن أبناء البلد‪ ،‬وبخاصسة عندمسا يدعسي الوطنيسة والقوميسة والتقدميسة والثوريسة‪-‬مسع ادعائه‬
‫السلم!‪.-‬‬
‫‪109‬‬

‫المسر الثالث‪ :‬أن عدو السسلم المنتسسب إليسه‪ ،‬يسستغل إمكانات البلد البشريسة والماديسة‬
‫والعلميسسسة والتعليميسسسة والقتصسسسادية والسسسسياسية والعسسسسكرية‪ ،‬فسسسي ضرب السسسسلم‬
‫والمسلمين‪ ،‬وهو ينعت بالوطني القومي والثوري والراعي والحامي‪ ،‬وليس بالمستعمر‬
‫المغتصب والعدو والمحتل‪.‬‬
‫لذلك تجسسسد قسسسسوة هذا العدو على دعاة السسسسلم مسسسن أبناء بلده تفوق قسسسسوة اليهود‬
‫والنصارى والملحدين والوثنيين أحيانا‪.‬‬
‫ولو أردنا أن نذكر نماذج لقسوة أعداء السلم من المنتسبين إليه على دعاة السلم‬
‫وعلمائه في كل بلد ومن كل طاغية لحتاج ذلك إلى كتاب مستقل‪.‬‬

‫نموذجان لقسححححوة أعداء السححححلم مححححن‬
‫المنتسبين إليه‪.‬‬
‫ولنكتسف بالشارة العاجلة إلى نموذجيسن نوضسح بهمسا شدة قسسوة مسن حارب السسلم‬
‫من المنتسبين إليه‪:‬‬

‫الول‪:‬النموذج الثوري الناصري!‪.‬‬
‫وهو القدوة الحسنة الولى للثوريين والقوميين العرب على تنوع مسمياتهم‪ ،‬وهو ما‬
‫فعله عبسد الناصسر فسي مصسر بالمسسلمين الذيسن نذروا أنفسسهم للدعوة إلى ال وإقامسة حكمسه‬
‫في الرض‪ ،‬ويكفي أن أنقل بعض النصوص للذين ذاقوا وبال تعذيبه للدللة على قسوة‬
‫الطاغيسة وأعوانسه وخلو قلوبهسم مسن الرحمسة‪ ،‬قال أحسد المعذبيسن‪( :‬المكنسة التسي وضعنسا‬
‫فيها ل يمكن أن تكون إل مقابر‪ ،‬إن كلمة زنازين التي تستعمل في السجون‪ ،‬ل يمكن أن‬
‫تعطيسك فكرة صسحيحة عسن المكنسة التسي رأيتهسا فسي ذلك الليمان [وهسو سسجن جهنمسي يعسد‬
‫أحسد النجازات الثوريسة الناصسرية‪ ].‬عندمسا دفسع بسي العسسكري فسي العنسبر لم أجسد مكانسا‬
‫أضسع فيسه قدمسي‪ ،‬لقسد كان المكان مليئا بالجسساد البشريسة المتكدسسة‪ ،‬بحيسث ل يجسد المرء‬
‫فيه مكانا للجلوس أو الوقوف‪ ..‬فما بالك بالنوم؟!‪.‬‬
‫إن مسساحة العنسبر‪-‬كمسا تسبين لي بعسد قياسسه بواسسطة بلط الرض‪-‬خمسسة وأربعون‬
‫مترا‪ ..‬كان به عندما دخلته ثمانية وثمانون معتقل‪ ،‬أي كل مخلوق بشري له نصف متر‬
‫فقط لجلوسه ونومه وطعامه وشرابه وملبسه وحذائه وكل شؤونه) [هذا وصف لبعض‬
‫أماكن السجن‪ ،‬وهناك أماكن وصفها آخرون أسوأ من ذلك‪ .‬نافذة على الجحيم ص ‪]56‬‬
‫وتحت عنوان‪ :‬الرياضة الجهنمية قال المعذب‪:‬‬
‫(ينادي جاويسش السسجن‪ :‬كسل الناس بره [أي اخرجوا جميعسا] الزنازيسن‪ .‬وهذا النداء‬
‫يسستعمل دائمسا إذا أرادوا أن يلقوا أمرا عامسا على الجميسع ويقول الجاويسش‪ :‬إحنسا‪-‬نحسن‪-‬‬
‫حننزل‪-‬سسسسننزل‪-‬دي الوأت‪-‬ذا الوقسسست‪-‬علشان‪-‬مسسسن أجسسسل‪-‬تشموا هواء يسسسا أولد الكلب!‬
‫ويقول‪ :‬انزل بسسرعة يسا بسن الكلب‪ ،‬ومسا هسي إل لحظات فتتدفسق الجموع الغفيرة سسريعا‪..‬‬
‫وبهسا مسا بهسا مسن اللم‪ ..‬وهسم مسع ذلك صسفوة أبناء الشعسب ومسن أنبسل أبنائه‪ ،‬فيهسم الوزيسر‬
‫ووكيسسسل الوزارة‪ ،‬والطسسسبيب والمهندس‪ ،‬والمحامسسسي‪ ،‬والتاجسسسر والصسسسانع‪ ،‬والمزارع‪،‬‬
‫‪110‬‬

‫والطالب‪ ،‬والمدرس‪ ،‬والقاضسي‪ ،‬والفراش‪ ،‬والضابسط‪ ،‬ثسم ينتظسم الجميسع عدة طوابيسر فسي‬
‫مكان واسسسع كسسبير‪ ،‬ويبدأ سسسير الطابور سسسريعا‪ ..‬ويسسسير الطابور فسسي شبسسه دائرة أو‬
‫مسسستطيل‪ ..‬والطابور يتكون مسسن عدة صسسفوف ويقسسف على جانسسبي كسسل صسسف رجال‬
‫الجيسسش[الذي الصسسل فيسسه أن يعسسد للجهاد فسسي سسسبيل ال وطرد العدو اليهودي مسسن بلد‬
‫المسسلمين فسي أرض السسراء والمعراج!] وهسم ممسسكون بالسسياط والكرابيسج والمدافسع‬
‫الخفيفسة فسي أكتافهسم‪ ،‬ويسسير الطابور تحست الضرب‪ ،‬فكسل شرطسي يكلف أن يضرب مسن‬
‫يمسر عليسه بصسفة مسستمرة‪ ،‬وبمرور الوقست تهوي الضحايسا على الجانسبين‪ ،‬لطول الزمسن‬
‫الذي قسسد يمتسسد إلى ثلث سسساعات متواصسسلة مسسن الجري الشديسسد المصسسحوب بالضرب‬
‫العنيف‪ ،‬وكلما ازدادت سرعة الطابور تزايد عدد الضحايا‪ ،‬بين فاقد الوعي ومقعد تماما‬
‫ل يقوى على الحركسة‪ ،‬والشيسء الملفست للنظسر أن مسن يقسع على الرض‪ ،‬يتجمسع الشرطسة‬
‫حوله وينهالون عليسه ضربسا بالكرابيسج‪ ،‬فإمسا أن يقوم إذا اسستطاع وإمسا أن يمزق جسسمه‬
‫فوق ما به من تمزيق‪ ،‬وفي موكب الطابور تتساقط العروق مصحوبة بالدماء من أجساد‬
‫البشر) [نافذة على الجحيم ص ‪].80‬‬
‫ولعسل بعسض المقاطسع مسن قصسيدة أحسد المعذبيسن‪ ،‬وهسو مسن العلماء الفذاذ فسي هذا‬
‫العصر تظهر بعض صور القسوة لزعيم الثورة العربية والقومية العربية وأعوانه‪:‬‬
‫قال في مطلع قصيدته‪:‬‬
‫ثار القريض بخاطري فدعوني‬
‫"""""""أفضي لكم بفجائعي وشجوني‬
‫فالشعر دمعي حين يعصرني السى‬
‫""""""""والشعر عودي يوم عزف لحوني‬
‫ألهمتها عصماء تنبع من دمي‬
‫""""""""""""""ويمدها قلبي وماء عيوني‬
‫نونية والنون تحلو في فمي‬
‫""""""""""أبدا فكدت يقال لي ذو النون‬
‫في ليلة ليلء من نوفمبر‬
‫"""""""""""""فزّعت من نومي لصوت رنين‬
‫فإذا كلب الصيد تهجم بغتة‬
‫"""""""""""""""وتحوطني من شمأل ويمين‬
‫ي وأقبلوا‬
‫فتخطفوني من ذو ّ‬
‫"""""""""""""""فرحا بصيد للطغاة سمين‬
‫وعزلت عن بصر الحياة وسمعها‬
‫""""""""وقذفت في قفص العذاب الهون‬
‫أسمعت بالنسان ينفخ بطنه‬
‫"""""""""""""حتى يرى في هيئة البالون‬
‫أسمعت بالنسان يضغط رأسه‬
‫""""""""""""بالطوق حتى ينتهي لجنون‬
‫‪111‬‬

‫أسمعت بالنسان يشعل جسمه‬
‫"""""""""""""""نارا وقد صبغوه بالفازلين‬
‫أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي‬
‫"""""""""""""حتى يقول أنا المسيء خذوني‬
‫أسمعت بالهات تخترق الدجى‬
‫"""""""""""""""""""رباه عدلك إنهم قتلوني‬
‫إن كنت لم تسمع فسل عما جرى‬
‫""""""""""""""""مثلي ول ينبيك مثل سجين‬
‫وسل السياط السود كم شربت دما‬
‫""""""""""""""""حتى غدت حمرا بل تلوين‬
‫وسل العروسة قبحت من عاهر‬
‫"""""""""""""كم من جريح عندها وطعين‬
‫كم فتيسة زفوا إليها عنوة‬
‫"""""""""""سقطوا من التعذيب والتوهين‬
‫[من القصيدة أو الملحمة التي أنشأها الدكتور يوسف القرضاوي في السجن وكادت‬
‫تضيسع لول أن هيسأ ال لهسا مسن حفظهسا مسن إخوانسه فسي السسجن‪ ،‬نافذة على الجحيسم ص‬
‫‪.135‬‬
‫أما العروسة فهي خشبة تعذيب يصلب عليها المسجونون شرحها أحد السجناء كما‬
‫فسسي نافذة على الجحيسسم ص ‪ 100‬وراجسسع كتاب‪ :‬أيام مسسن حياتسسي لزينسسب الغزالي لترى‬
‫أنواع التعذيب التي ل تخطر على البال لها ولخوانها في السجن‪ ،‬ولماذا أعدم سيد قطب‬
‫وإخوانه‪ ،‬ودفاع لم يسمع وغيرها من الكتب التي كتبت في هذا الموضوع]‬

‫الثاني‪:‬النموذج الشيوعي الصومال!‬
‫في الصومال عندما أظهر حاكم الصومال النضمام إلى المعسكر الشيوعي‪ ،‬وأراد‬
‫إثبات ولئه للشيوعييسسسن الروس‪ ،‬فحارب السسسلم‪ ،‬وأنكسسر مسسسا هسسو معلوم مسسن الديسسن‬
‫بالضرورة‪ ،‬وادعسى فسي بعسض خطبسه أن نصسف القرآن منسسوخ‪ ،‬ومنسع العلماء والخطباء‬
‫من القيام بالدعوة في المساجد‪ ،‬وعندما أنكر عليه بعضهم زج بالكثير منهم في السجون‪،‬‬
‫وقتل عشرة من خيارهم حرقا بالنار وعاث في الرض فسادا‪ ،‬ول زالت بلد الصومال‬
‫وشعبها يتجرعون غصص تصرفاته إلى اليوم [راجع مجلة المجتمع الكويتية‪ :‬عدد ‪240‬‬
‫بتاريخ ‪ 28‬صفر سنة ‪1395‬هس‪-‬ص ‪ 17‬وعدد ‪ 239‬بتاريخ ‪ 21‬صفر من نفس السنة ص ‪.20‬‬
‫المجلد العاشر‪].‬‬
‫هذه القسسوة والوحشيسة التسي انتهست إلى حرق علماء المسسلمين والدعاة إلى ال تعالى‬
‫بالنار فسي شعسب مسسلم‪ ،‬بسسبب دفاعهسم بالكلمسة فقسط عسن كتاب ال وشريعسة السسلم‪ ،‬تدل‬
‫دللة واضحة أن كل من وقف ضد السلم وشريعته‪ ،‬سواء كان من المنتسبين إليه اسما‬
‫دون مسمى‪ ،‬أو من أعداء ال الكافرين من يهود ونصارى وملحدين ووثنيين‪ ،‬قد نزعت‬
‫الرحمة من قلوبهم‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫والذي تنزع الرحمة من قلبه من أعداء السلم‪ ،‬ل ينتظر منه في سباقه إلى العقول‬
‫بباطله‪ ،‬إل إعنات الناس وإنزال الحرج والضيق بهم وجلب التعاسة والشقاء لهم‪ ،‬تحقيقا‬
‫لغاياته الباطلة وأهدافه الخبيثة‪.‬‬
‫وبعسسد فقسسد أطلت كثيرا بذكسسر المثلة الدالة على قسسسوة غيسسر المسسسلمين ووحشيتهسسم‬
‫وفقدهسسم الرحمسسة مسسن قلوبهسسم‪ ،‬سسسواء أكانوا مسسن أهسسل الكتاب‪ :‬اليهود والنصسسارى‪ ،‬أو‬
‫الملحديسن‪-‬الشيوعييسن‪-‬أو الوثنييسن مسن هندوس وبوذييسن وغيرهسم‪ ،‬أو مسن المنتسسبين إلى‬
‫السلم‪-‬بعد أن بينت اتصاف المسلمين بالرحمة حتى بأعدائهم‪ ،‬ليتبين للقارئ أن سباق‬
‫المسسسلمين إلى العقول هسسو سسسباق رحمسسة ورحماء‪ ،‬مسسع أن الغايات التسسي يريدون تحقيقهسسا‬
‫بسباقهم إلى العقول كلها غايات تسعد البشرية كلها‪ ،‬وأن سباق غير المسلمين إلى العقول‬
‫هسو سسباق قسسوة وشدة وغلظسة‪-‬وإن حاولوا أن يظهروا بعسض أعمالهسم بمسا قسد يبدو فيسه‬
‫رحمسة‪ -‬مسع أن الغايات التسي يحاولون السسباق مسن أجلهسا إلى العقول هسي غايات فاسسدة‬
‫تشقى بتحقيقها البشرية في الرض كما هو حاصل الن‪.‬‬
‫وبهذا يتضسح أن مسن أهسم أهداف أهسل الحسق وغاياتهسم فسي السسباق إلى العقول‪ :‬غرس‬
‫الخلق الفاضلة فسسي نفوس الناس‪ ،‬وأن مسسن أهسسم أهداف أهسسل الباطسسل فسسي سسسباقهم إلى‬
‫العقول محاربسة الخلق الفاضلة وتمكيسن الخلق الفاسسدة‪ ،‬وأن أهسل الحسق قدوة حسسنة‬
‫في تطبيق الخلق الفاضلة‪ ،‬وأن أهل الباطل قدوة سيئة في تطبيق الخلق الفاسدة‪.‬‬
‫وأكتفي بما ذكرت من الخلق الفاضلة التي يسعى أهل الحق إلى غرسها في نفوس‬
‫الناس مسسن باب التمثيسسل ل الحصسسر‪ ،‬ولو أُرِيدَ التوسسسع فسسي ذكسسر كسسل خلق مسسن الخلق‬
‫الفاضلة وما يضادها‪،‬لقتضى ذلك تأليف كتاب مستقل‪ ،‬وليس هذا هدفنا من هذا الكتاب‬
‫وإنما الهدف بيان أن من غايات سباق أهل الحق إلى العقول غرس الخلق الفاضلة في‬
‫نفوس البشر‪.‬‬

‫تاسعا‪ :‬من غايات أهل الحق‪ :‬طلب العزة من الله‬
‫تعالى وحده‪.‬‬
‫لقسسد سسسمى ال تعالى نفسسسه العزيسسز فسسي آيات كثيرة مسسن كتابسسه الكريسسم‪ ،‬ومعناه القوي‬
‫الغالب الذي يَغلِب ول يُغلب‪ ،‬ويَقهَر ول يُقهر‪.‬‬
‫سلِ‬
‫حجّةٌ بَعْ َد الرّ ُ‬
‫علَى الِّ ُ‬
‫ن لِلنّا سِ َ‬
‫ن لِئَلّ يَكُو َ‬
‫كما قال تعالى‪((:‬رُ سُلً مُ َبشّرِي نَ َومُنْذِرِي َ‬
‫ن الُّ عَزِيزًا حَكِيمًا(‪)))165‬‬
‫وَكَا َ‬
‫وقال تعالى‪((:‬وَ َر ّد الُّ الّذِينَس َكفَرُوا بِغَيْظِهِمْس لَمْس يَنَالُوا خَيْرًا وَ َكفَى الُّ الْمُؤْمِنِينَس الْقِتَالَ‬
‫لّ قَوِيّا عَزِيزًا)) [الحزاب‪]25 :‬‬
‫نا ُ‬
‫وَكَا َ‬
‫ن الُّ عَزِيزًا حَكِيمًا)) [الفتح‪]7 :‬‬
‫وقال تعالى‪((:‬وَلِّ جُنُو ُد السماوات وَالَْرْضِ وَكَا َ‬
‫وقال تعالى‪((:‬مَنْس كَانَس يُرِي ُد الْعِزّ َة َفِللّهِس الْعِزّ ُة جَمِيعًا ِإلَيْهِس يَصْسعَ ُد الْ َكلِمُس الطّيّبُس وَالْعَ َملُ‬
‫ت لَهُ مْ عَذَا بٌ شَدِيدٌ وَمَكْ ُر أُولَئِ كَ هُوَ يَبُورُ))[فاطر‪:‬‬
‫ن ال سّيّئَا ِ‬
‫ال صّالِحُ يَ ْرفَعُ هُ وَالّذِي نَ يَمْكُرُو َ‬
‫‪]10‬‬
‫ن أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُ ُم الْعِزّةَ‬
‫ن الْمُؤْمِنِي َ‬
‫ن أَ ْولِيَاءَ ِمنْ دُو ِ‬
‫ن الْكَافِرِي َ‬
‫وقال تعالى‪((:‬الّذِينَ يَ ّتخِذُو َ‬
‫‪113‬‬

‫ن الْعِزّةَ لِّ جَمِيعًا)) [النساء‪]139 :‬‬
‫َفإِ ّ‬
‫ن الْعِزّةَ لِّ جَمِيعًا هُوَ السّمِي ُع الْ َعلِيمُ)) [يس‪]65:‬‬
‫وقال تعالى‪((:‬ول َيحْزُ ْنكَ قَ ْولُهُ ْم إِ ّ‬
‫وقال تعالى‪َ ((:‬يقُولُونَس لَئِنْس َرجَعْنَا ِإلَى الْمَدِينَ ِة لَ ُيخْ ِرجَنّ الَْعَزّ مِنْهَا ال َذلّ وَلِِّ الْعِزّةُ‬
‫ن الْمُنَا ِفقِينَ لَ يَ ْعلَمُونَ))[المنافقون‪]8 :‬‬
‫َولِرَسُوِلهِ َوِللْمُؤْمِنِينَ َولَكِ ّ‬
‫صفُون))[الصافات‪]180 :‬‬
‫ب الْعِزّةِ عَمّا َي ِ‬
‫وقال تعالى‪((:‬سُ ْبحَانَ رَ ّبكَ َر ّ‬
‫علَيْهِس‬
‫ل الِّ صَسلّى اللّهسم َ‬
‫علّمَنِي رَسسُو ُ‬
‫علِيّ َرضِي الّ عَنْهمسا‪َ :‬‬
‫وفسي حديسث ا ْلحَسَسنُ بنِس َ‬
‫وَسَسلّمَ َكلِمَاتٍس َأقُولُهُنّ فِي قُنُوتِس الْوِتْرِ‪( :‬اللّهُمّ اهْدِنِي فِيمَنْس هَدَيْتَس َوعَافِنِي فِيمَنْس عَافَيْتَس‬
‫ت إِنّ كَ َت ْقضِي وَلَ ُيقْضَى‬
‫عطَيْ تَ َوقِنِي شَرّ مَا َقضَيْ َ‬
‫وَتَ َولّنِي فِيمَ نْ تَ َولّيْ تَ وَبَارِ كْ لِي فِيمَا أَ ْ‬
‫علَيْكَ َوإِنّهُ ل َي ِذلّ مَنْ وَالَيْتَ ول يَعِزّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبّنَا وَتَعَالَيْتَ) [سنن أبي داود‪،‬‬
‫َ‬
‫رقم‪]1214 :‬‬
‫فهسو سسبحانه العزيسز ول عزيسز سسواه‪ ،‬وله العزة وحده ول يملكهسا غيره‪ ،‬ومسن أراد‬
‫العزة فليعبسسد رب العزة وليطلبهسسا منسسه وحده‪ ،‬ومسسن عبده حسسق عبادتسسه وطلب منسسه العزة‬
‫أعزه‪ ،‬ومن أطاع غيره في معصيته تعالى طالبا العزة من ذلك الغير أذله ال‪.‬‬
‫لهذا كان من غايات سباق أهل الحق إلى العقول أن يطلب عباد ال العزة من ال‪ ،‬ل‬
‫من سواه‪.‬‬
‫ل الحسسق إلى العقول‪ ،‬لتسسبين لنسسا سسسبب الذلة التسسي‬
‫وإن هذه الغايسسة التسسي يسسسابق بهسسا أه ُ‬
‫أنزلها ال بالمسلمين في هذا العصر‪ ،‬حيث طلبوا العزة من أعداء ال ورسوله من اليهود‬
‫والنصارى والمشركين‪ ،‬ونسوا رب العزة العزيز الحكيم‪ ،‬فنسيهم العزيز الحكيم!‬

‫عاشرا إقامحححة الخلفحححة فحححي الرض على‬
‫أساس هدى الله‪.‬‬
‫لقد استخلف ال بني آدم في الرض ابتلء لهم‪ ،‬ليجزي من قام بحق هذا الستخلف‬
‫مسا يسستحقه مسن الجزاء الحسسن فسي الدنيسا والخرة‪ ،‬وينزل بمسن عاد على هذا السستخلف‬
‫بالنقض عقابه الشديد‪ ،‬كما قال تعالى‪((:‬وَهُ َو الّذِي جَ َعلَكُ ْم خَلئِ فَ الَْرْ ضِ وَ َرفَ عَ بَ ْعضَكُ مْ‬
‫فَوْقَس بَعْضٍس دَ َرجَاتٍس لِيَ ْبلُوَكُمْس فِي مَا آتَاكُمْس إِنّ َربّكَس سَسرِي ُع الْ ِعقَابِس َوإِنّهُس لَ َغفُورٌ َرحِيسم))‬
‫[النعام‪]165ٌ:‬‬
‫والمراد بالخلفسة هنسا‪ :‬اسستغلل خيرات السسماوات والرض التسي سسخرها ال تعالى‬
‫لخلقسه‪ ،‬فسي جلب المصسالح لكسل مخلوق مسن إنسسان وغيره‪ ،‬ودفسع المفاسسد كذلك عسن كسل‬
‫مخلوق مسن إنسسان وغيره‪ ،‬وعمارة الرض ماديسا بمسا أودع ال فيهسا مسن النعسم العظيمسة‪،‬‬
‫ومعنويا باتباع منهجه وهداه الذي أنزله على رسله لدعوة الناس إلى صراطه المستقيم‪.‬‬
‫فمسن اسستغل تلك الخيرات وذلك التسسخير وعمسر بهمسا الرض‪ ،‬وقام بطاعسة واتبسع‬
‫هداه‪ ،‬فقد حقق هذه الغاية وقام بالخلفة على هدى من ال‪ ،‬وعاش في دنياه عيشة رضا‬
‫وسسعادة واطمئنان‪ ،‬ونال فسي آخرتسه ثواب ربسه الجزيسل فسي جنات عدن التسي فيهسا مسا ل‬
‫عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬
‫علَيْهِمسسْ بَرَكَاتسسٍ مِنسَس السسسّمَاءِ‬
‫ل ا ْلقُرَى ءَامَنُوا وَا ّتقَوْا َلفَتَحْنَسا َ‬
‫قال تعالى‪َ ((:‬ولَ ْو أَنّس أَ ْه َ‬
‫‪114‬‬

‫وَالَْرْضِ)) [العراف‪]96 :‬‬
‫وقال تعالى‪((:‬قَالَ اهْ ِبطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَ ْعضُكُ ْم لِبَعْ ضٍ عَدُ ّو َفإِمّا َيأْتِيَنّكُ مْ مِنّي هُدًى فَمَ نِ‬
‫شقَى))[طه‪]123 :‬‬
‫ضلّ وَلَ يَ ْ‬
‫ي فَل َي ِ‬
‫اتّبَعَ هُدَا َ‬
‫وقال تعالى‪ُ (( :‬قلْنَا اهْ ِبطُوا مِنْهَا جَمِيعًا َفإِمّاس َيأْتِيَنّكُم ْس مِنّيس هُدًى فَمَن ْس تَبِعَس هُدَايَس فَلَ‬
‫علَيْهِمْ وَلَ ُهمْ َيحْزَنُونَ)) [البقرة‪]38 :‬‬
‫خَوْفٌ َ‬
‫وبيسن تعالى أن مسن أهسم واجبات اسستخلفه للنسسان فسي الرض إقامسة مسن مكنسه ال‬
‫فيها دينه تعالى في الرض‪ ،‬وهو شامل للقيام بحق ال وحق عباده‪ ،‬فقال تعالى‪(( :‬الّذِي نَ‬
‫ن الْمُنْكَرِ‬
‫ض َأقَامُوا الصّلَةَ َوءَاتَوُا الزّكَاةَ َوأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَ َهوْا عَ ِ‬
‫إِنْ مَكّنّاهُ ْم فِي الَرْ ِ‬
‫وَلِّ عَاقِبَةُ الُمُورِ)) [الحج‪]41 :‬‬
‫ومسسن واجبات الخلفسسة فسسي الرض‪ :‬عدل الحكام بيسسن الناس‪ ،‬بأن يحكموا بينهسسم‬
‫بالحق‪ ،‬ول يتبعوا أهواءهم التي تضلهم عن سبيل ال‪.‬‬
‫ن النّا سِ‬
‫كما قال تعالى‪(( :‬إِنّ الَّ َيأْمُرُكُ ْم أَ نْ تُؤَدّوا الَمَانَا تِ ِإلَى أَ ْهلِهَا َوإِذَا حَكَمْتُ مْ َبيْ َ‬
‫ن الَّ كَانَ سَمِيعًا َبصِيرًا)) [النساء‪]58 :‬‬
‫ن الَّ نِ ِعمّا يَ ِعظُكُمْ ِب ِه إِ ّ‬
‫أَنْ َتحْكُمُوا بِالْعَ ْدلِ إِ ّ‬
‫ن النّاسِ بِا ْلحَقّ وَلَ تَتّبِعِ‬
‫ض فَاحْكُمْ بَيْ َ‬
‫خلِيفَ ًة فِي الَْ ْر ِ‬
‫و قال تعالى‪((:‬يَا دَا ُو ُد إِنّا جَ َعلْنَاكَ َ‬
‫ل الِّ لَهُمْس عَذَابٌس شَدِيدٌ بِمَا نَسسُوا‬
‫ضلّونَس عَنْس سَسبِي ِ‬
‫ل الِّ إِنّ الّذِينَس َي ِ‬
‫ضلّكَس عَنْس سَسبِي ِ‬
‫الْهَوَى فَ ُي ِ‬
‫يَوْ َم ا ْلحِسَاب))[ص‪]26 :‬‬
‫س أَ نْ‬
‫ن النّا ِ‬
‫ت ِإلَى أَ ْهلِهَا َوإِذَا حَكَمْتُ مْ بَيْ َ‬
‫وقال تعالى‪((:‬إِنّ الَّ َيأْمُرُكُ ْم أَ نْ تُ َؤدّوا الَْمَانَا ِ‬
‫ن الَّ كَانَ سَمِيعًا َبصِيرًا))[النساء‪]58 :‬‬
‫ن الَّ نِعِمّا يَ ِعظُكُمْ بِ ِه ِإ ّ‬
‫َتحْكُمُوا بِالْعَ ْدلِ إِ ّ‬
‫ومن استغل تلك الخيرات معرضا عن هدى ال خارجا عن طاعته‪ ،‬نال من دنياه ما‬
‫كتب ال له‪ ،‬وعاش في الرض عيشة ضنك ونكد‪ ،‬ونال في الخرة عقابه في نار جهنم‬
‫على ما قدم جزاء وفاقا‪.‬‬
‫قال تعالى‪((:‬هُ َو الّذِي جَ َعلَكُم ْس خَلئِف َس فِي الَْرْض ِس فَمَن سْ َكفَ َر فَ َعلَيْه سِ ُكفْرُه سُ وَلَ يَزِيدُ‬
‫ل خَسَارًا)) [فاطر‪]39 :‬‬
‫الْكَافِرِينَ ُكفْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِ ْم إِلّ َمقْتًا وَلَ يَزِي ُد الْكَافِرِينَ ُكفْرُهُ ْم إِ ّ‬
‫و قال تعالى‪((:‬وَمَنْس أَعْرَضَس عَنْس ذِكْرِي َفإِنّ لَهُس مَعِيشَ ًة ضَنْكًا َو َنحْشُرُهُس َيوْمَس ا ْلقِيَامَةِ‬
‫أَعْمَى(‪)124‬قَالَ رَبّ لِمَس حَشَرْتَنِي أَعْمَى َوقَدْ كُنْتُس بَصسِيرًا(‪)125‬قَالَ كَ َذلِكَس أَتَتْكَس ءَايَاتُنَا‬
‫ن َأسْرَفَ َولَمْ يُؤْ ِمنْ بِآيَاتِ رَبّهِ َولَعَذَابُ‬
‫فَنَسِيتَهَا وَكَ َذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى(‪)126‬وَكَ َذلِكَ َنجْزِي َم ْ‬
‫الخِرَةِ َأشَدّ َوأَ ْبقَى)) [طه‪]127 :‬‬
‫ن قَرْ نٍ مَكّنّاهُ مْ فِي الَْرْ ضِ مَا لَ مْ نُمَكّ نْ‬
‫ن قَ ْبلِهِ مْ ِم ْ‬
‫وقال تعالى‪َ((:‬ألَ مْ يَ َروْا َك ْم أَ ْهلَكْنَا مِ ْ‬
‫علَيْهِمْس مِدْرَارًا َوجَ َعلْنَا الَنْهَارَ َتجْرِي مِنْس َتحْتِهِمْس َفأَهْلَكْنَاهُمْس ِبذُنُوبِهِمْس‬
‫لَكُمْس َوأَرْسَسلْنَا السّسمَاءَ َ‬
‫شأْنَا مِنْ بَ ْعدِهِ ْم قَرْنًا ءَاخَرِينَ)) [النعام‪]6 :‬‬
‫َوأَنْ َ‬
‫فمن أحق بالسباق إلى العقول‪-‬إذًا‪-‬أهل الحق أم أهل الباطل؟‬
‫تلك هي غايات أهل الحق من سباقهم إلى العقول‪:‬‬
‫‪-1‬تبليغ رسالت ال إلى الناس‪.‬‬
‫‪-2‬إقامة الحجة على الخلق‪.‬‬
‫‪-3‬إخراج الناس من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫‪-4‬تحقيق توحيد ال في الرض‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫‪-5‬غرس اليمان بالغيب في النفوس‪.‬‬
‫‪-6‬تحكيم شرع ال في حياة الناس‪.‬‬
‫‪-7‬تثبيت الولء ل ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين‪.‬‬
‫‪-8‬غرس الخلق الفاضلة ومطاردة الخلق الفاسدة‪.‬‬
‫‪-9‬العتزاز بال واتخاذ وسائل العزة‪.‬‬
‫‪-10‬إقامة الخلفة في الرض على أساس هدى ال‪.‬‬
‫وبتحقيسق هذه الغايات يتحقسق المقصسد العام مسن التشريسع السسلمي كله‪ ،‬وهسو "حفسظ‬
‫نظام المة واستدامة صلحه بصلح المهيمن عليه‪ ،‬وهو نوع النسان ويشمل صلحه‬
‫صسلح عقله وصسلح عمله‪ ،‬وصسلح مسا بين يديه مسن موجودات العالم الذي يعيسش فيه"‬
‫[انظر كتاب‪ :‬مقاصد الشريعة لفضيلة العلمة الستاذ محمد الطاهر بن عاشور ص ‪]63‬‬
‫هذا فسي الدنيسا‪ ،‬وأمسا فسي الخرة فيتحقسق لمسن اسستجاب للحسق واتبسع هدى ال الذي‬
‫تتحقق به هذه الغايات‪ ،‬رضا ال تعالى وثوابه الجزيل‪ :‬الجنة التي فيها ما ل عين رأت‬
‫ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫وسائل أهل الحق في السباق إلى العقول ‪.‬‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫إن كسل غايسة يراد الوصسول إلى تحقيقهسا‪ ،‬ل بسد لهسا مسن وسسائل يُتَوصسّل بهسا إلى ذلك‬
‫التحقيسق‪ ،‬وهذه الوسسائل منهسا مسا هسو سسلمي‪ ،‬ومنهسا مسا هسو عسسكري حربسي‪ ،‬وأقصسد‬
‫بالوسسائل السسلمية هنسا‪ ،‬كسل مسا يمكسن إبلغ الحسق بسه إلى العقول ممسا هسو مشروع بدون‬
‫قتال‪ ،‬مسن بيان الحسق بالدعوة والتزكيسة والتعليسم‪ ،‬ويشمسل ذلك وسسائل نذكسر مسا تيسسر منهسا‬
‫إجمال‪ ،‬ثم نشرع في تفصيلها‪:‬‬
‫الوسيلة الولى‪ :‬التربية السرية‬
‫الوسيلة الثانية‪ :‬تلوة كتاب ال على الخلق‬
‫الوسيلة الثالثة‪ :‬الموعظة الحسنة‬
‫الوسيلة الرابعة‪ :‬الجدال بالتي هي أحسن‬
‫الوسيلة الخامسة‪ :‬التعليم‬
‫الوسيلة السادسة‪ :‬العناية باللغة العربية‬
‫الوسيلة السابعة‪ :‬القدوة الحسنة‬
‫الوسيلة الثامنة‪ :‬الفطرة‬
‫الوسيلة التاسعة‪ :‬المساجد‬
‫الوسيلة العاشرة‪ :‬العلم‬
‫الوسيلة الحادية عشرة‪ :‬المؤتمرات والندوات‬
‫الوسيلة الثانية عشرة‪ :‬النوادي‬
‫الوسيلة الثالثة عشرة‪ :‬الرحلت والمخيمات‬
‫الوسيلة الربعة عشرة‪ :‬العلقات الدبلوماسية‬
‫الوسيلة الخامسة عشرة‪ :‬المال‬
‫الوسيلة السادسة عشرة‪ :‬المواقع‬
‫الوسيلة السابعة عشرة‪ .‬الجهاد العسكري‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫الوسيلة الولى‪ :‬التربية السرية‪:‬‬
‫إن أولى وسسسسائل السسسسباق إلى العقول بالحسسسق أو بالباطسسسل‪ ،‬هسسسي السسسسرة‪ :‬البوان‬
‫والقارب الذيسسن يحيطون بالطفال ويتربسسى هؤلء الطفال فسسي وسسسطهم‪ ،‬مسسن إخوة لهسسم‬
‫كبار‪ ،‬أو أعمام أو عمات‪ ،‬أو أخوال أو خالت‪ ،‬أو أجداد أو جدات…‬
‫وإن الم لهسي المفتاح الول لهذا السسباق‪ ،‬إذ هسي التسي تلزم الطفسل فسي جميسع أطوار‬
‫حياته‪ ،‬منذ خروجه من رحمها صارخا‪ ،‬إلى أن يبلغ رشده متواضعا أو متكبرا شامخا‪.‬‬
‫تلزمه ليل ونهارا‪ ،‬صحيحا ذا فرح أو سقيما ذا ترح‪ ،‬ضاحكا ساعيا‪ ،‬أو مقعدا باكيا‪.‬‬
‫يفتسسح عينيسسه على حركاتهسسا وسسسكناتها‪ ،‬وهسسي هادئة وقورة‪ ،‬أو طائشسسة مسسسعورة‪،‬‬
‫ويصغي بأذنيه لصوتها‪ ،‬ناطقة بالقول النافع‪ ،‬أو صارخة بالسب اللذع‪.‬‬
‫وطفلها يراقبها‪-‬كما يراقب غيرها‪-‬منذ الصغر‪ ،‬خازنا في جعبته كل ما تأتي وتذر‪،‬‬
‫ينبت لحمه من حليب ذرعها‪ ،‬وتنبت أخلقه من حميد أو ذميم خلقها‪.‬‬
‫فإن تحلت بالصدق نشأ صريحا صادقا‪ ،‬وإن أكثرت من الكذب‪ ،‬أصبح كاذبا منافقا‪.‬‬
‫ولهذا شرع ال للرجسل الصسالح الحرص على المرأة الصسالحة‪ ،‬فقال رسسوله الكريسم‬
‫صسلى ال عليسه وسسلم‪ :‬كمسا فسي حديسث أبسي هريرة رضسي ال عنسه‪( :‬تنكسح المرأة لربسع‬
‫لمالهسسا ولحسسسبها ولجمالهسسا ولدينهسسا فاظفسسر بذات الديسسن تربسست يداك‪[ ).‬الحديسسث فسسي‬
‫الصحيحين؟؟]‬

‫الوسيلة الثانية‪ .‬تلوة كتاب الحق على الخلق‪.‬‬
‫مسن أهسم الوسسائل التسي يجسب على أهسل الحسق أن يسسابقوا بهسا إلى العقول‪ ،‬تلوة كتاب‬
‫الحسق على الخلق‪ ،‬وبيان معانيسه لهسم‪ ،‬حتسى يفهسم مراد ال تعالى منهسم فسي أمره ونهيسه‪،‬‬
‫وبهذه الوسيلة يتحقق إدراك مراد ال من عباده وتقوم حجته عليهم‪.‬‬
‫وقسد دعسا إبراهيسم عليسه السسلم ربسه أن يبعسث فسي هذه المسة هذا الرسسول الكريسم ليتلو‬
‫عليهسم آيات كتابسه العظيسم‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬ربنسا وابعسث فيهسم رسسول منهسم يتلو عليهسم‬
‫آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة)) [البقرة‪.]129 :‬‬
‫وقسد اسستجاب ال تعالى دعوة إبراهيسم‪ ،‬فحقسق بعثسه هذا الرسسول فسي هذه المسة يتلو‬
‫عليهسم آيات ال‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬هسو الذي بعسث فسي المييسن رسسول منهسم يتلو عليهسم‬
‫آياته)) [الجمعة‪.]2 :‬‬
‫وأمسر ال تعالى رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم بتلوة كتابسه‪-‬وأمره له أمسر لعلماء أمتسه‬
‫بعده‪-‬فقال تعالى‪(( :‬اتل ما أوحي إليك من الكتاب؟؟)) وقال تعالى‪(( :‬واتل ما أوحي إليك‬
‫من كتاب ربك)) [العنكبوت‪.]45 :‬‬
‫وبيسن تعالى أن المسسم التسي تكفسسر بالرسسسل فسي الدنيسسا‪ ،‬تعترف يوم القيامسسة بأن أولئك‬
‫الرسل الذين بعثهم ال إليهم‪ ،‬قد أقاموا عليهم الحجة وبلغوهم رسالت ال بتلوتهم آيات‬
‫ال عليهم‪ ،‬كما قال تعالى‪(( :‬وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت‬
‫أبوابهسا وقال لهسم خزنتهسا ألم يأتكسم رسسل منكسم يتلون عليكسم آيات ربكسم وينذرونكسم لقاء‬
‫يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين))[الزمر‪.]71 :‬‬
‫‪118‬‬

‫وليسس المقصسود مسن التلوة مجرد قراءة القرآن على الناس دون أن يفهموا معانيسه‪،‬‬
‫فالتلوة وحدهسا تكون كافيسة إذا كان المتلو عليسه يفقسه معانسي المتلو‪ ،‬أمسا إذا كان ل يفهسم‬
‫ذلك‪ ،‬كأن يكون جاهل مسن العرب‪ ،‬أو أعجميسسا ل يفهسسم اللغسسة العربيسسة‪ ،‬فل بسسد مسسع تلوة‬
‫القرآن عليسه مسن بيان معنسى مسا يتلى عليسه‪ ،‬كسل بمسا يناسسبه مسن اللغسة العربيسة أو بالترجمسة‬
‫إلى لغتسه‪ ،‬وبدون ذلك ل تقوم الحجسة‪ ،‬لن التكليسف مناطسه العقول التسي وصسل إليهسا مسا‬
‫عقلتسه‪ ،‬وذلك ل يكون إل بالبيان‪ ،‬كمسا قال تعالى‪(( :‬وأنزلنسا إليسك الذكسر لتسبين للناس مسا‬
‫نزل إليهم ولعلهم يتفكرون))[النحل‪.]44 :‬‬
‫ويجسسب أن يشمسسل بيان العلماء للناس كسسل المصسسالح المعتسسبرة فسسي شرع ال‪ ،‬وكسسل‬
‫المفاسسد التسي اعتبرهسا الشرع مفاسسد‪ ،‬بل فرق بيسن مسا تعلق منهسا بالجانسب اليمانسي أو‬
‫الجانسسب العبادي أو الجانسسب الفكري‪ ،‬أو الجانسسب التشريعسسي‪ ،‬أو الجانسسب السسسياسي‪ ،‬أو‬
‫الجانسسب القتصسسادي والمالي‪ ،‬أو الجانسسب الجتماعسسي‪ ،‬أو الجانسسب التعليمسسي‪ ،‬أو الجانسسب‬
‫العلمسي‪ ،‬أو غيسر ذلك ممسا يمسس حياتهسم‪ ،‬لن السسلم شامسل لكسل ذلك‪ ،‬فل بسد أن يكون‬
‫البيان شامل لما يشمله السلم[سيأتي مزيد بيان لهذا في موضعه إن شاء ال‪].‬‬

‫الوسيلة الثالثة‪ .‬الموعظة‪.‬‬
‫وهسسي أمسسر زائد على التلوة‪-‬وإن كان القرآن يشتمسسل عليهسسا‪-‬والبيان‪ ،‬لن كثيرا مسسن‬
‫الناس يعلم الحسسسق ول يتبعسسسه‪ ،‬أو يعلمسسسه ويتهاون بسسسه أو ببعضسسسه‪ ،‬فيحتاج إلى تذكيره‬
‫بالموعظسسة التسسي تلفسست نظره وترقسسق قلبسسه‪ ،‬وتهسسز عقله للتفكيسسر فسسي مصسسلحته العاجلة‬
‫والجلة‪ ،‬وفيما يلحقه من ضرر عاجل أو آجل‪ ،‬إن هو لم يعمل بما علم‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) [النحل‪]125 :‬‬
‫والموعظسة تشمسل الترغيسب فيمسا عنسد ال مسن سسعادة ونعيسم وراحسة قلب ورغسد عيسش‬
‫في الدنيا‪ ،‬والترهيب مما عنده من عقاب ونكال وشقاء وقلق وتعاسة في الدنيا كذلك‪ ،‬كما‬
‫تشمل بيان رضاه عن أهل طاعته وإثابتهم في جناته في اليوم الخر‪ ،‬وبيان سخطه على‬
‫أهل معصيته وجزائه لهم في نار جهنم في اليوم الخر كذلك‪ ،‬والتذكير بالموت وبالقبر‬
‫وما فيه من نعيم أو عذاب‪.‬‬
‫ول بد أن تكون الموعظة ذات عاطفة قوية جياشة‪ ،‬وأن تكون بليغة تجعل من يراد‬
‫إبلغ الحسق إلى عقله يتفاعسل معهسا ويفكسر بعقله فسي الحسق الذي كانست وسسيلة له‪ ،‬أمسا إذا‬
‫كانت الموعظة باهتة غير محركة للعاطفة‪ ،‬أو كان السلوب الذي تؤدى به ركيكا غير‬
‫بليسغ ول مؤثسر‪ ،‬فإنهسا قسد تحدث عكسس المقصسود منهسا‪ ،‬وقسد تؤثسر فسي قليسل مسن الناس ول‬
‫تؤثر في كثير منهم‪ ،‬ولهذا أمر ال رسوله صلى ال عليه وسلم أن يعظ المنافقين وعظا‬
‫مؤثرا يبلغ مداه فسسي نفوسسسهم‪ ،‬لن الموعظسسة البليغسسة إذا لم تؤثسسر فسسي المخاطسسب تأثيسسر‬
‫اسسستجابة وقبول‪ ،‬تؤثسسر فيسسه تأثيسسر خوف وانهزام نفسسسي‪ ،‬يجعله جبانسسا أمام الحسسق الذي‬
‫طرقسست الموعظسسة البليغسسة بسسه سسسمعه وعقله‪ ،‬قال تعالى‪(( :‬أولئك الذيسسن يعلم ال مسسا فسسي‬
‫قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قول بليغا)) [النساء‪]63 :‬‬
‫‪119‬‬

‫الوسيلة الرابعة‪ .‬الجدال بالتي هي أحسن‪.‬‬
‫وهسسو مناظرة أهلِ الحسسق أهلَ الباطسسل‪ ،‬ومخاصسسمتهم بالحجسسج والبراهيسسن التسسي تقيسسم‬
‫عليهم الحجة وتظهر الحق وتزيل الشبهة‪ ،‬وتجعل عقول أهل الباطل مضطرة للتسليم أو‬
‫النقطاع عن الجدال‪ ،‬لنصرة باطلهم الذي دحضه برهان الحق فجعله زاهقا‪.‬‬
‫وقد أمر ال تعالى رسوله صلى ال عليه وسلم أن يجادل أهل الكتاب بالحسنى‪ ،‬فقال‬
‫تعالى‪(( :‬وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل‪]125 :‬‬
‫وكان الجدال الذي تقام بسسه الحجسسة على الناس لخضاع عقولهسسم للحسسق‪ ،‬مسسن وسسسائل‬
‫النبياء وأساليبهم في دعوتهم قومهم إلى الحق الذي بعثهم ال تعالى به إليهم‪.‬‬
‫وكان نبي ال نوح عليه السلم وهو أول رسول بعثه ال إلى أهل الرض كلهم في‬
‫زمانسسه‪ ،‬كثي َر المحاجسسة والمجادلة لقومسسه طول مدة رسسسالته التسسي اسسستغرقت ألف سسنة إل‬
‫خمسين عاما‪ ،‬حتى إن قومه الذين أصروا على التمسك بالباطل ونبذ الحق الذي جاءهم‬
‫به‪ ،‬برموا من جداله وحججه‪ ،‬وطلبوا منه أن يأتيهم بما كان يتوعدهم به من عذاب ال‪،‬‬
‫بدل مسن الجدال والمحاجسة بالبراهيسن‪ ،‬كمسا قال تعالى عنهسم‪(( :‬قالوا يسا نوح قسد جادلتنسا‬
‫فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)) [هود‪.]32 :‬‬
‫فلو كان قوم نوح عندهسم مقدرة على السستمرار فسي جداله عليسه السسلم بمسا يمكسن أن‬
‫يسمى حجة أو برهانا‪ ،‬لما اضطروا إلى مواجهته بهذا السلوب الدال على أن صدورهم‬
‫قد ضاقت بجداله ومحاجته‪.‬‬

‫مه‪:‬‬
‫أنموذجان لجدال إبراهيم قو َ‬
‫وكذلك جاء أبسو النسبياء الثانسي إبراهيسم عليسه السسلم ودعسا قومسه إلى الحسق‪ ،‬وكانست‬
‫وسيلة الجدال والمناظرة بالحجج والبراهين‪ ،‬من أهم الوسائل التي اتخذها لبلغ الحق‬
‫إلى عقول قومه‪ ،‬فجادلهم حتى أفحمهم‪ ،‬واضطرهم إلى الستسلم لبراهينه التي لم تقدر‬
‫عقولهم على إنكارها‪ ،‬فلجئوا إلى القوة والتهديد بها‪ ،‬كما هي عادة الطغاة الذين ل سلح‬
‫لهم غير القوة أمام دوامغ الحق العظيمة‪.‬‬
‫ول بأسس أن نذكر نموذجين من جدال إبراهيم لقومه‪ ،‬لما لهما من الدللة الواضحة‬
‫في هذا المر‪.‬‬

‫النموذج الول ‪ :‬يتعلق بمعبودات قومه السماوية‪.‬‬
‫مسن الشمسس والقمسر والكواكسب والنجوم‪ ،‬فقسد جادلهسم مجادلة أقام بهسا الحجسة عليهسم‪،‬‬
‫وبين لهم بالبرهان أنها ل تستحق العبادة‪ ،‬وأن الذي يستحق العبادة وحده هو خالقها‪.‬‬
‫وقسد أثنسى ال تعالى على إبراهيسم فسي تلك المناظرة‪ ،‬وامتسن عليسه بأنسه هسو الذي وفقسه‬
‫ق الذي جاء به الباطلَ الذي عند قومه‪.‬‬
‫لها حتى غلب الح ّ‬
‫ن الْمُوقِنِينَ(‬
‫قال تعالى‪(( :‬وَكَ َذِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ َملَكُوتَ السماوات وَال ْرضِ َولِيَكُونَ ِم َ‬
‫ل ُأحِبّ ال ِفلِينسَ(‪َ )76‬فلَمّاس‬
‫علَيْهِس اللّ ْيلُ َرأَى َكوْكَبًا قَالَ َهذَا رَبّيس َفلَمّاس َأ َفلَ قَالَ َ‬
‫‪َ )75‬فلَمّاس جَنّ َ‬
‫ل قَالَ لَئِن ْس لَم سْ َيهْدِنِسي رَبّي س لكُونَنّس مِن َس ا ْلقَوْم سِ‬
‫َرأَى الْقَمَرَ بَازِغًسا قَالَ هَذَا رَبّي س َفلَمّا س َأفَ َ‬
‫‪120‬‬

‫غ ًة قَالَ هَذَا رَبّيس َهذَا أَكْبَ ُر َفلَمّاس َأفَلَتْس قَالَ يسا قوم إِنّيس‬
‫الضّالّينسَ(‪َ )77‬فلَمّاس َرأَى الشّمْسَس بَازِ َ‬
‫بَرِيءٌ مِمّاس تُشْرِكُونسَ(‪ )78‬إِنّيس َوجّهْتُس َوجْهِيَس ِللّذِي فَطَرَ السسماوات وَالرْضَس حَنِيفًا وَمَا‬
‫أَنَا مِنَس الْمُشْرِكِينسَ(‪َ )79‬وحَاجّهُس قَوْمُهُس قَالَ أَ ُتحَاجّونّيس فِي الِّ َوقَدْ َهدَانسِ وَل َأخَافسُ مَا‬
‫علْمًا أَفل تَتَذَكّرُونسَ(‪)80‬وَكَيْفَس‬
‫يءٍ ِ‬
‫تُشْرِكُونَس بِهِس إل أَنْس َيشَاءَ رَبّيس شَيْئًا وَسِسعَ رَبّيس ُكلّ شَ ْ‬
‫سلْطَانًا َفأَيّ ا ْلفَرِيقَيْنِ‬
‫علَيْ ُكمْ ُ‬
‫ن أَنّكُ ْم َأشْرَكْتُمْ بِالِّ مَا لَمْ يُنَ ّزلْ بِهِ َ‬
‫َأخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ول َتخَافُو َ‬
‫ظلْ ٍم أُولَئِ كَ لَهُ مُ الَ ْم نُ‬
‫ن آمَنُوا َولَ مْ َيلْبِ سُوا إِيمَانَهُ مْ ِب ُ‬
‫ن إِ نْ كُنْتُ مْ تَ ْعلَمُو نَ(‪ )81‬الّذِي َ‬
‫َأحَقّ بِالمْ ِ‬
‫علَى َقوْمِهِس نَ ْرفَعُس دَ َرجَاتٍس مَنْس نَشَا ُء إِنّ‬
‫حجّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَس َ‬
‫وَهُمْس مُهْتَدُونسَ(‪)82‬وَ ِتلْكَس ُ‬
‫علِيمسٌ)) [النعام‪ 83 :‬والصسواب أن إبراهيسم عليسه السسلم اتخسذ هذا السسلوب‬
‫رَبّكَس حَكِيمٌس َ‬
‫لقامة الحجة على قومه‪ ،‬وليس كما يرى بعضهم أنه كان يبحسث عن الحق قبل رسالته‬
‫واليات كلهسا تدل على هذا المعنسى الذي هسو الصسواب‪ ،‬ففسي أولهسا قوله تعالى‪(( :‬وكذلك‬
‫نري إبراهيسسم ملكوت السسسماوات والرض)) وفسسي وسسسطها‪(( :‬وحاجسسه قومسسه‪ ))..‬وفسسي‬
‫آخرها‪(( :‬وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم‪.]))..‬‬

‫النموذج الثاني‪ .‬يتعلق بمعبود اتهم الرضية‪.‬‬
‫وهسسي الصسسنام التسسي كانوا يصسسنعونها بأيديهسسم ويعبدونهسسا مسسن دون ال‪ ،‬وقسسد كانسست‬
‫حججه قولية وفعلية‪ ،‬وهي واضحة في سياق اليات التية‪َ ((:‬وَلقَ ْد ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِي مَ ُرشْدَ هُ‬
‫مِنْس قَ ْبلُ وَكُنّاس بِهِس عَالِمِينسَ(‪)51‬إِ ْذ قَالَ لَِبِيهِس َوقَوْمِهِس مَا هَذِهِس التّمَاثِيلُ الّتِي أَنْتُمْس لَهَا عَا ِكفُونسَ(‬
‫ل َلقَدْ ُكنْتُمْس أَنْتُمْس َوءَابَاؤُكُمْس فِي ضَللٍ مُبِينسٍ(‬
‫‪)52‬قَالُوا َوجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينسَ(‪)53‬قَا َ‬
‫‪)54‬قَالُوا َأجِئْتَنَا بِا ْلحَقّ أَمْس أَنْتَس مِنَس اللّعِبِينسَ(‪)55‬قَالَ بَل رَبّكُمْس َربّ السسماوات وَالَرْضِس‬
‫علَى َذلِكُمسْ مِنسَ الشّاهِدِينسَ(‪)56‬وَتَالِّ لَكِيدَنّ أَصسْنَامَكُمْ بَ ْع َد أَنسْ ُت َولّوا‬
‫الّذِي فَطَرَهُنّ َوأَنَا َ‬
‫مُدْبِرِين سَ(‪َ )57‬فجَ َعلَهُم سْ جُذَاذًا إل كَبِيرًا لَهُم ْس لَ َعلّهُم ْس ِإلَيْه سِ يَ ْرجِعُون سَ(‪)58‬قَالُوا مَن ْس فَ َعلَ هَذَا‬
‫ل لَ ُه إِبْرَاهِي مُ(‪)60‬قَالُوا َفأْتُوا بِ هِ‬
‫ن الظّالِمِي نَ(‪)59‬قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُ ُه مْ ُيقَا ُ‬
‫بِآلِهَتِنَا إِنّ ُه لَ ِم َ‬
‫س لَ َعلّهُ مْ يَشْ َهدُو نَ(‪)61‬قَالُوا َءأَنْ تَ فَ َعلْ تَ َهذَا بِآلِهَتِنَا يا إبراهيم(‪)62‬قَالَ َبلْ‬
‫ن النّا ِ‬
‫علَى أَعْيُ ِ‬
‫َ‬
‫طقُونسَ(‪)63‬فَ َرجَعُوا ِإلَى أَ ْنفُسسِهِ ْم َفقَالُوا إِنّكُم ْس أَنْتُمسُ‬
‫فَ َعلَهسُ َكبِيرُهُمسْ َهذَا فَاس ْسَألُوهُ ْم إِنسْ كَانُوا يَ ْن ِ‬
‫ل َأفَتَعْبُدُونَس‬
‫طقُونسَ(‪)65‬قَا َ‬
‫لءِ يَنْ ِ‬
‫علِمْتَس مَا هَؤُ َ‬
‫علَى ُرءُوسِس ِه ْم َلقَدْ َ‬
‫الظّالِمُونسَ(‪ )64‬ثُمّ نُكِسسُوا َ‬
‫مِنْس دُونِس الِّ مَا ل يَ ْنفَعُكُمْس شَ ْيئًا َولَ َيضُرّكُمسْ(‪)66‬أُفّ لَكُمْس َولِمَا َتعْبُدُونَس مِنْس دُونِس الِّ أَفل‬
‫علِينسَ(‪ُ )68‬قلْنَا يسا نار كُونِي بَرْدًا‬
‫تَ ْع ِقلُونسَ(‪)67‬قَالُوا حَ ّرقُوهُس وَانْصُسرُوا ءَالِهَتَكُمْس إِنْس كُنْتُمْس فَا ِ‬
‫لخْسَرِينَ)) [النبياء‪]70-51 :‬‬
‫علَى إِبْرَاهِيمَ(‪َ )69‬وأَرَادُوا ِبهِ كَيْدًا َفجَ َعلْنَاهُمُ ا َ‬
‫وَسَلمًا َ‬
‫فعلى أهسسل الحسسق الذيسسن يسسسابقون بحقهسسم إلى عقول الناس أن يسسستعدوا لجدال أهسسل‬
‫الباطسل المعانديسن بالحجسج والبراهيسن‪ ،‬ليحققوا بذلك الهدف مسن الجدال‪ ،‬وهسو السسيطرة‬
‫البرهانيسة على عقول الناس حتسى يقبلوا الحسق أو يهزموا أمام الحجسة والبرهان‪ ،‬فتضطسر‬
‫عقولهسسسم إلى الخضوع والسسسستسلم‪ ،‬وإن كابروا وعاندوا‪ ،‬وبذلك يظهسسسر لتباع أهسسسل‬
‫الباطسل بطلن مسا هسم عليسه كمسا يظهسر لهسم الحسق بسبراهينه فتقوم بذلك الحجسة وتتضسح‬
‫المحجة‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫الوسيلة الخامسة‪ .‬التعليم‪.‬‬
‫وهذه الوسيلة هي أكثر الوسائل تأثيرا وثباتا ورسوخا في السباق إلى العقول‪ ،‬لنها‬
‫تقوم على أسس مدروسة ومناهج هادفة‪ ،‬ومواد مختارة‪ ،‬وكتب معدة‪ ،‬ومعلمين مدربين‪،‬‬
‫ولن وقسست التعليسسم طويسسل يبدأ فسسي سسسن مبكرة ويسسستمر إلى الممات عنسسد كثيسسر مسسن‬
‫المتعلمين‪ ،‬والسبق بأي مبدأ إلى عقول الناشئين يملك عقولهم و يأسرها أسرا‪ ،‬ولهذا قال‬
‫علَى‬
‫الرسسول صسلى ال عليسه وسسلم‪-‬كمسا فسي حديسث أبسي هريرة‪( :-‬مَا مِنْس َم ْولُودٍ إل يُولَدُ َ‬
‫الْفِطْرَ ِة َفأَبَوَاهسسُ يُ َهوّدَانِهسِس أَوْ يُنَصسسّرَانِ ِه أَوْ ُي َمجّسسسَانِهِ كَمَسسا تُنْتَجسُس الْبَهِي َمةُ بَهِي َم ًة جَمْعَاءَ َهلْ‬
‫ل أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللّهسم عَنْه ((فِطْرَ َة الِّ الّتِي فَطَرَ‬
‫ن فِيهَا مِنْس جَدْعَاءَ؟ ثُمّ َيقُو ُ‬
‫ُتحِسسّو َ‬
‫علَيْهَا)) ال َيةَ‪[.‬الحديث في صحيح البخاري برقم‪ ]1270 :‬وذلك إنما يكون بالتعليم‬
‫النّاسَ َ‬
‫الدراسي والسري‪ .‬فإذا راعى أهل الحق أسس التعليم وأحكموها‪ ،‬كان التعليم من أنجح‬
‫وسسائل السسباق إلى العقول بالحسق وتثسبيته فسي تلك العقول‪ :‬عقول الفراد والسسر والحكام‬
‫والمربين في كل الجيال‪.‬‬

‫أسس التعليم الناجحة في السباق إلى العقول‪.‬‬
‫الساس الول‪ :‬وضوح الغايات‪.‬‬
‫أي غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪-1‬تبليغ رسالت ال إلى الناس‪.‬‬
‫‪-2‬إقامة الحجة على الخلق‪.‬‬
‫‪-3‬إخراج الناس من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫‪-4‬تحقيق توحيد ال في الرض‪.‬‬
‫‪-5‬غرس اليمان بالغيب في النفوس‪.‬‬
‫‪-6‬تحكيم شرع ال في حياة الناس‪.‬‬
‫‪-7‬غرس الخلق الفاضلة ومطاردة الخلق الفاسدة‪.‬‬
‫‪-8‬إقامة الخلفة في الرض على أساس هدى ال‪.‬‬
‫‪-9‬العتزاز بال واتخاذ وسائل العزة‪.‬‬
‫وقسد سسبق الكلم عنهسا‪ ،‬وهسي‪-‬وإن كانست مطلوبسة التحقيسق مسن كسل الوسسائل‪-‬تتحقسق‬
‫بوسيلة التعليم وتثبت وترسخ أكثر من غيرها من الوسائل الخرى‪.‬‬

‫الساس الثاني‪ :‬وضع مناهج للتعليم تتحقق بها تلك‬
‫الغايات‪.‬‬
‫بحيسث تشمسل المناهسج كسل مسا تحتاج إليسه المسة فسي حياتهسا‪ ،‬على أسساس دينهسا الذي‬
‫تضمنه كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مما يحقق لها السيادة التي ترضي‬
‫ربها في الرض‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫ما تجب مراعاته في وضع المناهج‪.‬‬
‫ويجب أن يراعى في وضع المناهج المور التية‪:‬‬

‫المممر الول‪ :‬السممبر الشامممل لكممل ممما تحتاج إليممه‬
‫المة من العلوم‪.‬‬
‫وهسسي كسسل العلوم التسسي تمكنهسسا مسسن النهوض والتقدم واعتلء مقعسسد القيادة الربانيسسة‬
‫للبشريسة‪ ،‬وهسو مسا عسبر عنسه القرآن الكريسم بالخليفسة‪(( :‬إنسي جاعسل فسي الرض خليفسة))‬
‫سواء كانت تلك العلوم من فروض العين‪ ،‬وهي التي تتعلق بجميع المكلفين ول يكفي أن‬
‫يقوم بهسا أحسد عسن آخسر‪ ،‬كأركان السسلم وأركان اليمان‪ ،‬أو فروض الكفايسة وهسي التسي‬
‫تسسقط عسن بقيسة المسة‪ ،‬إذا قامست بهسا طائفسة كافيسة عددا وسس ّد حاجسة‪ ،‬كالعلوم السسياسية‪،‬‬
‫والقضائيسسسة‪ ،‬والقتصسسسادية‪ ،‬والهندسسسسية والطبيسسة‪ ،‬والصسسسناعية‪ ،‬والحِرفيسسسة‪ ،‬والفلكيسسسة‪،‬‬
‫والعسكرية‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫ثسسم يوضسسع لكسسل علم منهجسسه الخاص بسسه مسسن قبسسل ذوي الكفاءة فيسسه والختصسساص‪،‬‬
‫ويخصص له من الزمن ما يكفيه‪.‬‬

‫المممر الثانممي‪ :‬أن يراعممى فممي وضممع المناهممج ممما‬
‫يتناسب مع العصر‪.‬‬
‫ويشمسل ذلك جميسع المواد والمفردات المطلوب دراسستها‪ ،‬بحيسث يكون الدارس على‬
‫وعسسي وخسسبرة بمسسا يتعلق بالعلم الذي يدرسسسه فسسي واقسسع الحياة‪ ،‬مسسع المقارنسسة والموازنسسة‬
‫والترجيسسح بالحجسسة والبرهان‪ ،‬ول تكون دراسسسته دراسسسة نظريسسة تلقينيسسة تقليديسسة جامدة‪،‬‬
‫تجعله إذا خالط الناس واصسسطدم بمسسا عندهسسم مسسن أفكار ونظريات ومبادئ‪ ،‬كأنسسه بدوي‬
‫دعي لحضور مؤتمر تتصارع فيه نظريات الفلسفة والسياسيين والقتصاديين‪ ،‬مع أن‬
‫بعض تلك النظريات تتعلق بتخصصه‪.‬‬
‫وسأضرب بعض المثلة لتوضيح هذا المعنى‪:‬‬
‫المثال الول‪ :‬وجسد فسي هذا العصسر إلحادٌ مادي قوي ينكسر وجود الخالق‪-‬فضل عسن‬
‫اسسسستحقاقه العبادة واتباع رسسسسله وتحكيسسسم شرعسسسه‪-‬قامسسست على أسسسساس هذا اللحاد دول‬
‫ووضعسست له فلسسسفات ومناهسسج تعليسسم وإعلم‪ ،‬واتخذت لنشره والدعوة إليسسه وسسسائل تبدأ‬
‫بالعلم وتنتهي بالسلح‪ ،‬وخدعت به عقول واستجابت له حكومات‪.‬‬
‫والجديسد فسي هذا اللحاد هسو انتشاره وقيام دول على أسساسه‪ ،‬وقسد كان فسي الزمان‬
‫الماضية مغمورا ل يوجد إل لدى أفراد أو جماعات قليلة‪ ،‬ل وزن لها بين الناس‪.‬‬
‫ل الرسسسل على قومهسسم المقريسسن بسسه‪ ،‬بأن الخالق الذي‬
‫وكان إقرار المسسم بالخالق دلي َ‬
‫أقرت به تلك المم هو وحده الله المعبود الذي يستحق العبادة‪.‬‬
‫ولهذا لم تكسن الرسسل فسي حاجسة إلى أن يَنْصَسبُوا فسي دعوة أممهسم إلى القرار بوجود‬
‫خالق لهذا الكون‪ ،‬لن ذلك من تحصيل حاصل ومن تبديد الجهد في غير مكانه‪.‬‬
‫كمسا قال تعالى‪(( :‬قسل لمسن الرض ومسن فيهسا إن كنتسم تعلمون‪ ،‬سسيقولون ل قسل أفل‬
‫‪123‬‬

‫تذكرون‪ ،‬قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم‪ ،‬سيقولون ل قل أفل تتقون‪،‬‬
‫قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ول يجار عليه إن كنتم تعلمون‪ ،‬سيقولون ل قل‬
‫فأنى تسحرون)) [المؤمنون‪.]89-84 :‬‬
‫وال الخالق العليسم عالم الغيسب والشهادة‪ ،‬قسد أودع فسي كتابسه مسن الحجسج والبراهيسن‬
‫الدالة على وجوده وأنسه رب كسل شسئ ومالكسه‪ ،‬مسا ل يدع لمنكره منفذا يفسر مسن براهينسه‬
‫وحججسه‪ ،‬سسواء قسل المنكرون أو كثروا‪ ،‬وحججسه وبراهينسه منتزعسة مسن آياتسه الكونيسة‬
‫ب المفتوح وهو الكون كله‪ ،‬كما قال‬
‫ومخلوقاته‪ ،‬فالكتاب المقروء َينْ صِب للجاحدين الكتا َ‬
‫تعالى‪(( :‬أم خُلقوا مسسن غيسسر شسسئ أم هسسم الخالقون‪ ،‬أم خلقوا السسسماوات والرض بسسل ل‬
‫يوقنون))[الطور‪]36-35 :‬‬
‫وقال تعالى‪(( :‬أ مّنس خلق السسماوات والرض وأنزل لكسم مسن السسماء ماء فأنبتنسا بسه‬
‫حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع ال بل هم قوم يعدلون‪ ،‬أمن جعل‬
‫الرض قرارا وجعسل خللهسا أنهارا وجعسل لهسا رواسسي وجعسل بيسن البحريسن حاجزا أإله‬
‫مسع ال بسل أكثرهسم ل يعلمون‪ ،‬أمسن يجيسب المضطسر إذا دعاه ويكشسف السسوء ويجعلكسم‬
‫خلفاء الرض أإله مسع ال قليل مسا تذكرون‪ ،‬أمسن يهديكسم فسي ظلمات البر والبحسر ومسن‬
‫يرسسل الرياح بشرا بيسن يدي رحمتسه أإله مسع ال تعالى ال عمسا يشركون‪ ،‬أمسن يبدأ الخلق‬
‫ثسسم يعيده ومسسن يرزقكسسم مسسن السسسماء والرض أإله مسسع ال قسسل هاتوا برهانكسسم إن كنتسسم‬
‫صادقين))[النمل‪.]64-60 :‬‬
‫ومع هذا كله‪-‬أي مع كون وجود الخالق الذي كانت المم تعترف به‪ ،‬وكانت الرسل‬
‫تسسستدل بهذا العتراف على وجوب عبادتسسه وحده وعدم الشراك بسسه‪ ،‬ومسسع وجود كثرة‬
‫الحجسسج والبراهيسسن فسسي الكتاب المقروء والكتاب المفتوح‪ ،‬على وجوده وأنسسه خالق هذا‬
‫الكون‪ ،‬ومع بسط علماء المسلمين في القديم والحديث الكلم عن هذا المعنى‪ ،‬ومع وجود‬
‫دول إلحادية في هذا العصر قامت على إنكار هذا الصل الذي كان بالمس ُمقَرّا به لدى‬
‫عامة أمم الكفر‪ ،‬وأصبح الن محل إنكار‪-‬مع هذا كله وجد من ينتسب إلى العلم ويزعم‬
‫أنه ل داعي لدخال هذا الصل الذي سماه علماء السلم "توحيد الربوبية" في مباحث‬
‫العقيدة لبرازه والدعوة إليه‪ ،‬لنه هو الدليل على توحيد اللوهية فهو بد هي‪ ،‬والرسل لم‬
‫تكن تدعو أممها إليه!!!‬
‫أيعقسسل هذا الكلم؟! إذا أنكسسر مراض القلوب وضعاف النفوس مسسا كان فسسي الصسسل‬
‫دليل‪ ،‬أفل ندعوهسسم إلى القرار بهذا الدليسسل الذي أقرت بسسه المسسم وتظاهرت عليسسه آيات‬
‫الكون ومخلوقاتسه كلهسا؟! وإذا أصسبح الدليسل مُنكَرًا ولم نقسم الحجسج على منكريسه ونجعسل‬
‫عقولهم تقربه‪ ،‬فهل هذه مزية لنا؟ وهل نعد متبعين حقا للرسل الذين كانوا يستدلون بهذا‬
‫الصل على وحدانية ال وعبادته بل شريك معه؟!‬
‫ألم يكسن نسبي ال موسسى عليسه السسلم يعلم أن فرعون كان‪-‬فسي الواقسع‪-‬مسستيقنا بأن ال‬
‫هسو خالق السسماوات والرض‪ ،‬وأن اليات التسي جاء بهسا موسسى كانست حقسا‪ ،‬وأن إنكاره‬
‫وجحده مسا كان إل مكابرة منسه؟! كمسا قال تعالى‪(( :‬فلمسا جاءتهسم آياتنسا مبصسرة قالوا هذا‬
‫سسسحر مسسبين‪ ،‬وجحدوا بهسسا واسسستيقنتها أنفسسسهم ظلمسسا وعلوا فانظسسر كيسسف كان عاقبسسة‬
‫المفسدين)) [النمل‪.]14-13 :‬‬
‫‪124‬‬

‫ومسع ذلك فإن موسسى عليسه السسلم أقام الحجسة على فرعون عندمسا ادعسى الربوبيسة‬
‫وسسخر مسن دعوة موسسى إلى اليمان بربسه‪ ،‬فقال كمسا ذكسر ال تعالى عنسه‪(( :‬قال فرعون‬
‫ومسسسسا رب العالميسسسسن)) فأجابسسسسه موسسسسسى بقوله‪(( .‬رب السسسسسماوات والرض إن كنتسسسسم‬
‫موقنين))[الشعراء‪.]24-23 :‬‬
‫لقسد خلت مناهسج بعسض المعاهسد والجامعات والمدارس السسلمية‪ ،‬فسي هذا العصسر‬
‫الذي ظهسسر فيسسه هذا اللحاد‪ ،‬واسسستفحل وانتشسسر عسسن طريسسق التعليسسم والعلم والسسسياسة‬
‫والقتصسساد وعلوم النفسسس وعلوم الجتماع‪ ،‬وعسسن طريسسق الغزو المسسسلح والكراه على‬
‫إنكار وجود ال‪ ،‬خلت تلك المناهسسج مسسن بحوث يتسسسلح بهسسا الطلب ودعاة السسسلم‪ ،‬فسسي‬
‫إقامسسة الحجسسج والبراهيسسن‪ ،‬على تفاهسسة هذا اللحاد وإزالة مسسا علق بعقول عدد كسسبير مسسن‬
‫الناس‪ ،‬ومنهسم بعسض ذرا ري المسسلمين‪ ،‬ووقسف كثيسر ممسن تخرجوا فسي تلك المؤسسسات‬
‫السلمية عاجزين عن رد شبهات إلحادية كثيرة بثها الملحدون في مناهج التعليم وكتبه‬
‫فسي بعسض البلدان السسلمية‪ ،‬إل مسن اجتهسد مسن أولئك المتخرجيسن اجتهادا ذاتيسا فدرس‬
‫بعسض المؤلفات وقرأ بعسض البحوث التسي ألفهسا بعسض الغيوريسن مسن دعاة السسلم‪ ،‬أو‬
‫لزم بعسض هؤلء الدعاة واسستفاد منهسم‪ ،‬فإنهسم انطلقوا بحجسج وبراهيسن مثسل الصسواريخ‬
‫تدمر كل شئ أتت عليه من مبادئ وأفكار وشبهات أولئك الملحدة‪.‬‬
‫ومع ذلك فقد اجتهد بعض دعاة السلم‪ ،‬فوضعوا في مناهج بعض المدارس بحوثا‬
‫وكتبسا مزودة بأدلة علميسة وحجسج وبراهيسن قويسة فسي هذا المعنسى‪ ،‬اسستأصلوا بهسا شجرة‬
‫اللحاد مسن بلدهسم وقسد كادت تمسد جذورهسا فيهسا‪ ،‬وكان ذلك تحصسينا لطلبهسا وسسلحا‬
‫يهاجمون به أساطين اللحاد في عقر دارهم [كان ذلك في اليمن‪ ،‬حيث ألف الشيخ عبد‬
‫المجيسد الزندانسي كتسب التوحيسد السستة التسي قررت على طلب المتوسسط والثانوي فقضسى‬
‫ال بهسسسا على اللحاد فسسسي اليمسسسن وأصسسسبح الطلب اليمنيون الذيسسسن ابتعثوا إلى البلدان‬
‫الشيوعيسسة يوجهون أسسسئلة إلى المشرفيسسن عليهسسم مسسن الملحديسسن تفحمهسسم كمسسا ذكسسر ذلك‬
‫الزنداني في بعض كتبه‪.].‬‬
‫المثال الثانسسي‪ :‬أن أعداء السسسلم قسسد بلغوا شأوا عظيمسسا فسسي هذا العصسسر مسسن القوة‬
‫المادية والصناعية‪ ،‬وأصبح عندهم من السلح ما أخافهم هم أنفسهم من أن يتفجر بينهم‬
‫فسسي صسسراعاتهم على زعامسسة العالم‪ ،‬ومسسا يُطِيسسش عقولهسسم فسسي أن يتقاتلوا بذلك السسسلح‬
‫ويدمروا به أنفسهم وبلدانهم وما بنوه من حضارة مادية في مدة طويلة من الزمن‪.‬‬
‫وهسم متفقون جميعسا على أن عدوهسم الحقيقسي هسو السسلم الذي يخشون أن يولد مسن‬
‫أبنائه من يُعلِي ال به رايتَه في الرض‪ ،‬فينطلق السلم انطلقة ل قبل لهم بإعاقته‪ ،‬ول‬
‫قدرة لكسل السسدود التسي وضعوهسا ول زالوا يضعونهسا فسي طريقسه‪ ،‬على صسده ومنعسه عسن‬
‫النسسياب فسي الرض‪ ،‬سسابقا بعقيدتسه وأخلقسه ومعاملتسه الشاملة‪ ،‬إلى عقول الناس التسي‬
‫لو وصسل إليهسا صسحيحا غيسر مشوه‪ ،‬لسسرعت إلى قبوله ورفضست كسل العقائد والمبادئ‬
‫والنظمسة التسي تخالفسه والتسي شقيست البشريسة بهسا فسي الرض‪ ،‬وبخاصسة أنسه مهيسأ ليحسل‬
‫محل تلك المبادئ والنظمة التي جربت كلها ففشلت‪ ،‬والعالم يترقب ما ينقذه مما حل به‬
‫من دمار‪.‬‬
‫وأعداء السسسلم يعلمون أن هذا الديسسن ديسسن عقيدة صسسحيحة وأخلق فاضلة وأنظمسسة‬
‫‪125‬‬

‫سسسامية‪ ،‬يدعسسو إلى العلم الشامسسل علم الدنيسسا وعلم الخرة‪ ،‬وأنسسه ديسسن المسسساواة والعدل‬
‫والحريسسة والصسسدق‪ ،‬ويعلمون بأن حضارتهسسم الماديسسة مبنيسسة على عقائد فاسسسدة‪ ،‬وتحلل‬
‫اجتماعسي‪ ،‬وأنظمسة اقتصسادية مدمرة‪ ،‬وأنظمسة سسياسية ل قدرة لهسا على الوقوف طويل‬
‫أمام سسياسة السسلم‪ ،‬إذا طبقست فسي الرض‪ ،‬ديدنهسم العدوان على الضعيسف وظلمسه وهسم‬
‫يزعمون أنهسم دعاة سسلم وعدل‪ ،‬فإذا طبسق السسلم فسي الرض ظهرت عيوب مدنيتهسم‬
‫وانكشسف زيسف مسا يلصسقونه بالسسلم مسن مثالب زورا وبهتانسا‪ ،‬ولذلك فهسم يخافون مسن‬
‫السسلم خوفسا شديدا‪ ،‬ويحيكون للمسة السسلمية كسل المؤامرات‪ ،‬ويعدون العدة لختلق‬
‫الذرائع لشسسن غاراتهسسم العسسسكرية المباشرة على أي دولة إسسسلمية يخشون مسسن تطبيقهسسا‬
‫الشريعسسة السسسلمية تطبيقسسا صسسادقا‪ ،‬وليسسس مجرد دعوى‪ ،‬أو يخشون مسسن امتلكهسسا قوة‬
‫عسسكرية واقتصسادية‪-‬وإن كانست علمانيسة‪-‬خشيسة مسن أن ترث تلك القوة قيادة مسسلمة تعلي‬
‫بها كلمة ال!‪.‬‬
‫ولهذا دمسر اليهود المفاعسل النووي فسي العراق‪ ،‬وأغْرَتْس الدول الغربيسة وعلى رأسسها‬
‫أمريكسا نظام البعسث العراقسي بغزو الكويست‪ ،‬مسن أجسل القضاء على مسا يملك مسن قوة‪ ،‬وقسد‬
‫فعلوا ول زالوا يفعلون‪ ،‬ويهددون جمهورية باكستان السلمية ويحيكون لها المؤامرات‬
‫لتدمير ما تملك من قوة نووية‪ ،‬ول يعترضون على قوة الهند الوثنية النووية‪ ،‬ويواصلون‬
‫دعمهسسم لليهود ولمتلكهسسم مزيدا مسسن القوة النوويسسة‪ ،‬ول يطيقون أن تملك أي دولة مسسن‬
‫الدول السلمية قوة متميزة ولو كانت غير نووية‪ ،‬كل ذلك من أجل أن يضمنوا تفوقهم‬
‫العسكري في كل لحظة‪ ،‬على جميع الدول في البلدان السلمية‪ ،‬ويريدون لجميع الدول‬
‫فسي الشرق السسلمي أن تكون ضعيفسة فسي سسلحها وجيشهسا واقتصسادها‪ ،‬مسا عدا الدولة‬
‫اليهوديسة التسي احتلت أرض المسسلمين فسي فلسسطين‪ ،‬فإنهسم يدعمونهسا بكسل وسسائل القوة‪،‬‬
‫ليسسطروا على بلد المسسلمين واقتصسادهم سسيطرة كاملة‪ ،‬وليضطروهسم إلى عدم التفكيسر‬
‫في إقامة دين ال في الرض بتطبيق شريعته‪.‬‬
‫ومسسع وضوح هذا العداء السسسافر ضسسد السسسلم والمسسسلمين‪ ،‬مسسن الدول النصسسرانية‬
‫والدولة اليهوديسة وغيرهسم مسن أعداء السسلم‪ ،‬فإن مناهسج المدارس والمعاهسد والجامعات‬
‫فسي أغلب البلدان السسلمية‪ ،‬قسد أهملت فقسه الجهاد فسي سسبيل ال الذي يوجسب على المسة‬
‫السسسلمية أن تعسسد العدة اللزمسسة لرهاب أعداء ال‪ ،‬حتسسى ل يعتدوا على هذه المسسة‪،‬‬
‫وحتسى تحطسم المسة السسلمية كسل الطواغيست الذيسن يصسدون الناس عسن الدخول فسي ديسن‬
‫ال‪.‬‬
‫وكذلك أغفلت تلك المناهسسج فسسي أغلب البلدان السسسلمية قاعدة الولء والبراء التسسي‬
‫أبدى فيهسا القرآن الكريسم وأعاد‪ ،‬موضحسا أعداء المسة السسلمية مسن اليهود والنصسارى‬
‫والوثنييسن ومكايدهسم التسي ل يكفون عنهسا إلى يوم القيامسة‪ ،‬بسل إن بعسض الحكومات فسي‬
‫بعسض البلدان السسلمية أمرت بحذف مسا كتسب مسن آيات فسي بعسض المقررات الدراسسية‬
‫مما يتعلق باليهود والنصارى حتى ل يتنبه التلميذ لهذه القاعدة من فهمهم لتلك اليات‪،‬‬
‫وقد نبه على ذلك بعض كتاب المسلمين في بعض الصحف العلمانية‪ ،‬بعنوان‪[ .‬فتنة في‬
‫الرض وفسسساد كسسبير‪ .‬الهرام‪ ،‬القاهريسسة ‪14/10/1413‬هسسس‪6/4/1993-‬م ص ‪ ،9‬راجسسع‬
‫الملف الصحفي الذي تصدره تهامة عدد ‪ 362‬ص ‪ 39‬بتاريخ ‪1/11/1413‬هس‪].‬‬
‫‪126‬‬

‫المثال الثالث‪ .‬إذا تأمل المتابع لحركة التدبير العالمي وجدها تعتمد على ثلثة أسس‬
‫جوهرية‪ ،‬وهي‪ :‬السياسة والقتصاد والقوة العسكرية بكل فروعها‪.‬‬
‫وقسسد أنشئت لكسسل واحسسد مسسن هذه السسس معاهسسد وكليات ومؤسسسسات ومراكسسز بحسسث‬
‫ومراكسز تدريسب‪ ،‬وخصسصت لهسا ميزانيات هائلة فسي بلدان العالم الغربسي بالذات‪ ،‬وكذلك‬
‫فسسي بلدان العالم الثالث‪-‬كمسسا يطلق عليسسه هذه التسسسمية الغربيون احتقارا له وتثبيطسسا مسسن‬
‫التفكير في النهوض‪-‬ومنه دول العالم السلمي‪ ،‬وكلها تعتمد على المنهج العلماني إل ما‬
‫ندر فسسي بعسسض البلدان السسسلمية‪ ،‬ولهذا سسسيطرت النظريات السسسياسية والقتصسسادية‬
‫العلمانية على العالم بدعم من القوة العسكرية‪ ،‬وترى المثقفين ورجال الدارة والحكم في‬
‫العالم السلمي قد فتنوا بتلك النظريات ورأوا فيها مثال يحتذى وقدوة تتبع‪-‬سواء طبقوا‬
‫مسا فتنوا بسه أو خالفوه بحسسب أهوائهسم ومصسالحهم‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى مسا فسي مصسادر دينهسم‬
‫من قواعد السياسة والقتصاد‪ ،‬بل وقر في أذهانهم أن الدين السلمي كغيره من الديان‬
‫المحرفسسة صسسلة بيسسن العبسسد وربسسه‪ ،‬ول دخسسل له فسسي حياة البشسسر الداريسسة والسسسياسية‬
‫والقتصسادية والعسسكرية وغيرهسا‪ ،‬ولم يخرج عسن هذه القاعدة التسي سسار عليهسا المثقفون‬
‫مسن أبناء المسة السسلمية إل مسن هيسأ ال له السسبيل‪ ،‬فتربسى تربيسة إسسلمية على أيدي‬
‫علماء الدعوة السسلمية‪ ،‬ودرس كتبهسم ورجسع إلى مصسادر العلوم السسلمية فتفقسه فسي‬
‫دين ال وتيقن أن السلم منهج كامل لحياة البشر‪.‬‬
‫ومسع ذلك ل تجسد فسي العالم السسلمي كله كليسة واحدة للقتصساد السسلمي‪ ،‬ول كليسة‬
‫واحدة للسسياسة الشرعيسة‪ ،‬بسل ل تجسد فسي كليات القتصساد والعلوم السسياسية والداريسة‪،‬‬
‫مقارنسة جادة بيسن النظريات القتصسادية والنظريات السسياسية‪ ،‬وبيسن السسياسة الشرعيسة‬
‫والقتصساد السلمي‪ ،‬بل ممسا يؤسسف له أن المعاهسد والجامعات السلمية لم تعط هذين‬
‫العلمين المهمين في السلم‪-‬السياسة والقتصاد‪-‬ما يستحقانه من العناية والهتمام‪ ،‬وإن‬
‫كانست بعسض الجامعات قسد أنشأت مسا يسسمى بقسسم السسياسة الشرعيسة‪ ،‬فإن الدراسسة فيهسا‬
‫دراسة جامدة تعتمد على مذكرات ونصوص جزئية ل تمت إلى حياة البشرية المعاصرة‬
‫بصلة قوية‪.‬‬
‫وكان الجدى بالجامعات السسسلمية أن تنشسسئ كليات للسسسياسة الشرعيسسة والقتصسساد‬
‫السلمي‪ ،‬وأن توجد أساتذة مؤهلين يجمعون بين الفقه السلمي من مصادره في هذين‬
‫المجاليسن‪ ،‬وبيسن النظريات السسياسية والقتصسادية المشهورة فسي العالم اليوم‪ ،‬وأن تدرس‬
‫موادهسسسا بتوسسسسع ليتخرج فيهسسسا ذوو كفاءات مؤهلون لدارة البلدان السسسسلمية سسسسياسيا‬
‫واقتصسساديا‪ ،‬وليظهسر للعالم مسا فسي هذا الديسن مسن مزايسا يُحَل بهسا كثيسر مسن المشكلت‬
‫العويصسسة‪ ،‬ويقضسسى بهسسا على أزمات مسسستعصية‪ ،‬وأن وسسسطية هذا الديسسن فسسي السسسياسة‬
‫والقتصساد جديرة بالدراسسة والمقارنسة والتطسبيق الذي سسيقضي على مفاسسد الديمقراطيسة‬
‫مع اشتماله على ما قد يكون فيها من محاسن‪ ،‬كما سيقضي على الدكتاتورية والستبداد‬
‫مسسع اشتماله على مسسا قسسد يكون فيهمسسا مسسن ضبسسط وعدم تسسسيب‪ ،‬وسسسيقضي على مفاسسسد‬
‫الرأسسمالية الربويسة مسع اشتماله على مسا قسد يكون فيهسا مسن حريسة فرديسة محكومسة‪ ،‬وعلى‬
‫مفاسد الشتراكية مع اشتماله على ما قد يكون فيها من حفظ حق الجماعة بدون اعتداء‬
‫على حقوق الفراد‪.‬‬
‫‪127‬‬

‫فهل ننتظر من الجامعات السلمية اهتماما ما بذلك؟!‬

‫سبب التخصيص‪.‬‬
‫إن تخصسيص الجامعات السسلمية فسي هذا السسياق‪ ،‬إنمسا هسو مسن باب مسسايرة الواقسع‬
‫الذي فُرِض على المسة السسلمية فرضسا‪ ،‬بسسبب العلمنسة التسي سسيطرت على الحكومات‬
‫فسسي الشعوب السسسلمية‪ ،‬بعسسد الجهسسل الذي خيسسم على المسسسلمين والسسستعمار الذي كرس‬
‫جهوده فسي زيادة جهلهسم بدينهسم‪ ،‬وبعسد التمزق الذي أصساب المسة السسلمية فسي أعقاب‬
‫سقوط ما كان يربطهم‪ ،‬وهو آخر رمز للخلفة السلمية‪-‬في دولة بني عثمان‪-‬حيث تم‬
‫الفصسل بيسن الديسن والدولة‪ ،‬وتسم بناء على ذلك الفصسل بيسن مسا سسمي بالجامعات المدنيسة‬
‫والجامعات الدينية‪ .‬وأصبح طلب الجامعات المدنية التي خلت في الغالب من الدارسات‬
‫السسسسلمية هسسسم قادة الشعوب السسسسلمية ‪ 1‬والمدبريسسسن لشؤونهسسسا السسسسياسية والداريسسسة‬
‫والقتصادية وغيرها‪ ،‬لن مناهج جامعاتهم أعدت لتؤهلهم لذلك‪.‬‬
‫أمسا طلب الجامعات الدينيسة‪ ،‬فقسد وضعست لهسم مناهسج قصسد منهسا حصسر نشاطهسم فسي‬
‫المسساجد‪-‬أئمسة وخطباء ومؤذنيسن‪-‬مقيدا بمسا يأذن لهسم مسن تربسع على كراسسي الحكسم مسن‬
‫طلب الجامعات المدنيسة‪ ،‬وفسي تدريسس المواد الدينيسة حسسب المنهسج الذي تضعسه الزمرة‬
‫الحاكمة‪ ،‬ول زال هذا الفصل مستمرا إلى الن‪.‬‬
‫وكان الجفاء والنفرة على أشدهمسسا بيسسن أسسساتذة الجامعات المدنيسسة وطلبهسسا‪ ،‬وبيسسن‬
‫أساتذة الجامعات السلمية وطلبها‪ ،‬حتى أصبحوا‪-‬وهم إخوة في بلد إسلمي واحد‪-‬كأن‬
‫بعضهم أجنبي عن الخر‪.‬‬
‫ولكسن بحمسد ال وتوفيقسه ثسم بفضسل جهود دعاة السسلم فسي نشسر المعانسي السسلمية‬
‫والدعوة إلى الرجوع إلى هذا الدين والتفقه فيه وحمله‪ ،‬أن أقبل طلب الجامعات المدنية‬
‫إلى هذا الديسن وتمسسكوا بسه حتسى فاق كثيسر منهسم فسي اللتزام بسه بعضَس طلب الجامعات‬
‫السسلمية‪ ،‬حتسى ضاقست بذلك صسدور العلمانييسن فسي البلدان السسلمية‪ ،‬وأسساتذتهم فسي‬
‫بلدان الغرب ذرعسا بهذه الظاهرة‪ ،‬وأصسبحوا يحاربون هذا الصسنف مسن الملتزميسن أكثسر‬
‫مسسن حربهسسم للملتزميسسن بالسسسلم مسسن طلب الجامعات السسسلمية‪ ،‬حتسسى الطلب الذيسسن‬
‫درسسوا فسي الجامعات الغربيسة معقسل العلمانيسة‪ ،‬رجسع كثيسر منهسم وهسم يحملون الدعوة إلى‬
‫السلم مع تخصصاتهم المسماة بالمدنية والعسكرية‪ ،‬فكان فيهم شبه بتربية موسى في‬
‫قصر فرعون‪ ،‬وعلى أهلها تدور الدوائر!‬
‫هذا هسو سسبب تخصسيص الجامعات السسلمية‪ ،‬وإل فالصسل أن تكون الجامعات فسي‬
‫البلدان السلمية كلها جامعات إسلمية‪ ،‬بدون حاجة أن توصف بأنها إسلمية‪ ،‬على أن‬
‫تضسم الجامعسة الواحدة جميسع الكليات والقسسام التخصسصية‪ ،‬فتكون فسي الجامعسة كليات‬
‫الطسسب والهندسسسة والجغرافيسسا والسسسياسة والقتصسساد والشريعسسة واللغسسة وغيرهسسا‪ ،‬وتكون‬
‫الدارسات السلمية مقررة في كل الكليات بالقدر المناسب‪ ،‬مع ما فيها من تخصصات‪،‬‬
‫حتسى يكون المتخرجون منهسا كلهسم ذوي كفاءات ومؤهلت متخصسصة‪ ،‬مع معرفسة القدر‬
‫الكافسي مسن العلوم السسلمية‪ ،‬وبذلك يقضسى على الزدواجيسة الموجودة الن فسي البلدان‬
‫‪-1‬بل تجاوز المر المدنيين إلى أن تولى أزمّة المور في كثير من بلدان المسلمين العسكر‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫السلمية‪.‬‬

‫أقسام العلم في الشريعة السلمية‪.‬‬
‫إن العلم في الشريعة السلمية ثلثة أقسام‪:‬‬

‫‪:‬‬
‫‪.‬‬
‫وهو ما ل يسع أحدا من المسلمين جهلُه‪ ،‬لتعلقه بعينه وعدم سقوطه عنه‪-‬ما دام قادرا‬
‫عليسسسه‪-‬بفعسسسل غيره‪ ،‬وذلك مثسسسل العلم بالقدر الضروري مسسسن أصسسسول اليمان‪ ،‬والعلم‬
‫الضروري بأصسسول السسسلم‪ ،‬وكسسل مسسا هسسو فرض على العيان‪ ،‬فإن الواجسسب على كسسل‬
‫مسلم أن يعلم ما وجب عليه عينا بحسب ما هو مطلوب منه شرعا‪.‬‬

‫‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫وهو ما ل يجب على أحد بعينه من المسلمين‪ ،‬وإنما يجب على المة أن يوجد فيها‬
‫من يقوم به قياما كافيا‪ ،‬فإذا قام به واحد منها وكان كافيا للمة سقط عن باقي المة‪ ،‬وإن‬
‫لم يكسف الواحسد وجسب أن يوجسد العدد الكافسي للمسة بحسسب حاجتهسا‪ ،‬وذلك مثسل الفتوى‬
‫والقضاء والسسسسياسة الشرعيسسة والمواريسسث والمعاملت والعقوبات‪-‬الحدود والقصسسساص‬
‫والتعزيسر‪-‬وغيسر ذلك مسن علوم الشريعسة السسلمية‪ ،‬فيجسب أن يوجسد القضاة الذيسن تحتاج‬
‫إليهسم المسة مهمسا كان عددهسم‪ ،‬وهكذا ال ُمفْتُون‪ ،‬وفقهاء السسياسة الشرعيسة وخسبراء الجهاد‬
‫والقتصاد السلمي وغيرهم‪.‬‬
‫هذان القسسسمان‪-‬كمسسا هسسو واضسسح‪-‬مسسن علوم الشريعسسة التسسي تسسستفاد مسسن القرآن وسسسنة‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن الوحي الذي جاء به‪ ،‬من عند ال يشملهما‪ ،‬ويدخل في‬
‫ذلك ما أخذ منهما بطرق الستنباط والستدلل المعروفة عند العلماء‪ ،‬وما دل عليه من‬
‫مقاصد الشريعة السلمية‪.‬‬

‫القسم الثالث‪ :‬ما يتعلق بمصالح الدنيا‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ممسا يرشسد إليسه الوحسي أو العقسل أو التجربسة أو اللغسة‪ ،‬وهسي العلوم التسي يحتاج إليهسا‬
‫المسسسسسلمون وغيرهسسسسم‪ ،‬وإذا خل منهسسسسا بلد تعرض أهله للهلك أو النحطاط والتأخسسسسر‬
‫والضعف‪.‬‬
‫مثسل علم الطسب والرياضيات والهندسسة بأنواعهسا‪ ،‬وكذلك المهسن الخرى كالصسناعة‬
‫‪-1‬الصل في التقسيم أن العلم قسمان‪ :‬فرض عيسن‪ ،‬وهسو ما تعلق بذات كسل فرد من أفراد المسسلمين‪ ،‬بحيسث ل يغني عنسه غيره‬
‫في القيام به… وفرض كفاية‪ ،‬وهو ما لم يتعلق بذات الفراد‪ ،‬وإنما يتعلق بوجود الفرض نفسه‪ ،‬بحيث يغني في القيام به عن المة‬
‫مسن يقوم بسه عنهسا قيامسا كافيسا‪ ،‬وهذا الفرض قسسمان‪ :‬قسسم يتعلق بالمصسالح الدينيسة تعلقسا مباشرا‪ ،‬كالجهاد فسي سسبيل ال‪ ،‬والقضاء‬
‫والفتوى… وقسم يتعلق بمصالح الدنيا‪ ،‬كالصناعة والتجارة… وقد فضلت إفراد هذا القسم وجعله ثالثا‪ ،‬لنه‪-‬مع إثم المسلمين بتركه‬
‫كالقسسم الذي قبله‪-‬مسن المور التسي يشترك المسسلمون وغيرهسم فسي ضرورة القيام بهسا لن حياتهسم ل تقوم بدونهسا‪ .‬ول مشاحسة فسي‬
‫الصطلحات‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫والزراعة والخياطة والحياكة والخبازة وغيرها‪ ،‬فهذه العلوم والمهن من فروض الكفاية‪.‬‬
‫وفرض الكفايسة بقسسميه‪ .‬الشرعسي والعادي تأثسم المسة كلهسا إذا لم يوجسد مسن يقوم بسه‬
‫قياما كافيا‪.‬‬
‫وكلهمسسا‪-‬فرض العيسسن وفرض الكفايسسة بقسسسميه‪-‬يثاب فاعله‪-‬إذا قصسسد بسسه وجسسه ال‪-‬‬
‫ويعاقب تاركه القادر عليه‪ .‬وكلها تدخل تحت الحكام التكليفية الخمسة‪ ،‬وهي‪ :‬الواجب‬
‫والمندوب والمباح والمحرم والمكروه‪.‬‬
‫وبهذا يعلم أن المسلم مكلف شرعا بجميع العلوم‪ :‬الشرعي منها والعادي‪ ،‬إل أن منها‬
‫ما يكون فرض عين ومنها ما يكون فرض كفاية ‪.1‬‬
‫وهذا يدل على ارتباط شؤون الدنيسا بشؤون الديسن‪ ،‬وأن الفصسل بينهمسا فصسل يعزل‬
‫الديسن عسن توجيسه المسة فسي حياتهسا الدينيسة والدنيويسة‪ ،‬منكسر فسي السسلم ل يجوز إقراره‪،‬‬
‫وهسو الذي دمسر حياة المسسلمين فسي هذا العصسر‪ ،‬حيسث صسار لشؤون الدنيسا سسلطة زمنيسة‬
‫مستقلة‪ ،‬ولشؤون الدين زعامات تقيدها سلطة الشؤون المدنية بما تهوى‪ ،‬ولو ألغي بذلك‬
‫تطسبيق السسلم‪ ،‬اتباعسا لمسا سسار عليسه العلمانيون فسي الغرب مسن إقصساء الديسن النصسراني‬
‫الكنسسسي المحرف عسسن التدخسسل فسسي الشؤون الدنيويسسة‪ ،‬مسسع أن الفرق الكسسبير بيسسن الديسسن‬
‫الكنسسي الذي َتحَكّمس فسي حياة الناس باسسم ال‪ ،‬فأحسل مسا حرم ال وحرم مسا أحسل ال بدون‬
‫إذن مسن ال‪ ،‬وليسس فيسه منهسج صسالح لحياة البشسر الشاملة‪ ،‬بخلف السسلم الذي لم يدع‬
‫شاردة ول واردة فسي حياة البشسر إل شرع لهسا فيسه مسا يحقسق لهسم مصسالحهم ويدفسع عنهسم‬
‫المفاسد‪ ،‬إما بالنصوص الصريحة والظاهرة‪ ،‬وإما بالستنباط والقياس‪ ،‬وإما بما وضعه‬
‫من مقاصد يندرج تحتها ما ل يحصى من المسائل‪.‬‬
‫فالصل‪-‬إذا‪-‬أن يكون التعليم ومناهجه ومدارسه وجامعاته على أساس السلم‪ ،‬وأن‬
‫يكون العلماء الذيسسن يتخرجون مسسن تلك المدارس والجامعات كلهسسم متعاونيسسن‪-‬مسسع تنوع‬
‫تخصسصاتهم‪-‬على إقامسة ديسن ال فسي الرض‪ ،‬يحكمهسم جميعسا شرع ال ويسسيرون جميعسا‬
‫على نهج السلم‪.‬‬
‫ويظهر من ذلك أن الوضاع الموجودة الن في مؤسسات التعليم ومناهجه ونتائجه‪،‬‬
‫التي أوجدت فئة علماء دين هم المسؤولون عن الشؤون الدينية في حدود ما يأذن لهم به‬
‫الحكام‪ ،‬وفئة يدعون بالمثقفيسن الذيسن مكنتهسم تخصسصاتهم مسن قيادة المسة غيسر متقيديسن‬
‫بشرع ال‪-‬إن هذه الوضاع تعتسبر شاذة يجسب السسعي لزالتهسا وإعادة المور إلى أصسلها‬
‫كما هو واضح فيما ذكرنا‪.‬‬
‫ولست بهذا أرى منع جامعات أو كليات أو معاهد متخصصة في بعض العلوم قائمة‬
‫بنفسها مستقلة عن غيرها‪ ،‬ول أوجب أن تكون كل الكليات الشرعية وما تسمى بالمدنية‬
‫فسي جامعسة واحدة‪ ،‬وإن كنست أحبسذ ذلك للقضاء على الوضسع الراهسن الشاذ‪ ،‬وإنمسا أردت‬
‫بهذا أن ل توجسد جامعات يقال لهسا مدنيسة‪ ،‬وأخرى يقال لهسا دينيسة‪ ،‬وتكون تلك غيسر مقيسد‬
‫طلبهسسا بالسسسلم فسسي وظائفهسسم‪ ،‬وهذه غيسسر مأذون لطلبهسسا بالشتراك فسسي قيادة المسسة‬
‫وإدارة شؤونها على أساس منهج ال‪ ،‬بل يجب أن يكون الجميع سائرين على هذا النهج‬
‫الواجب شرعا‪ ،‬بل إن العلماء الذين تخصصوا في علم الشريعة هم الذين يحكمون على‬
‫‪-1‬راجع إحياء علوم الدين (‪ )1/16‬للغزالي‪ .‬ومجموع الفتاوى لبن تيمية (‪.)80-28/79‬‬

‫‪130‬‬

‫التصسرفات والنظسم‪ ،‬مسا هسو مشروع ومسا هسو غيسر مشروع على ضوء فقههسم فسي الديسن‬
‫وتصورهم لما يحكمون عليه‪.‬‬
‫وقسد نسص على ذلك العلماء‪ ،‬حتسى قال الرازي رحمسه ال‪[ :‬والعلماء فسي الحقيقسة هسم‬
‫أمراء المراء‪ ،‬فكان حمل لفظ أولي المر عليهم أولى]‪.1‬‬
‫وقال ابسسن العربسسي رحمسسه ال‪( :‬والصسسحيح عندي أنهسسم‪-‬يعنسسي أولي المسسر‪-‬المراء‬
‫والعلماء جميعسا‪ ،‬أمسا المراء فلن أصسل المسر منهسم والحكسم إليهسم‪ ،‬وأمسا العلماء فلن‬
‫سسؤالهم واجسب متعيسن على الخلق وجوابهسم لزم وامتثال فتواهسم واجسب‪ )...‬إلى أن قال‪.‬‬
‫(والمسسر كله يرجسسع إلى العلماء لن المسسر قسسد أفضسسى إلى الجهال وتعيسسن عليهسسم سسسؤال‬
‫العلماء‪.2 )..‬‬
‫وقال ابسن القيسم رحمسه ال‪( :‬والتحقيسق أن المراء يطاعون إذا أمروا بمقتضسى العلم‪،‬‬
‫فطاعتهم تبع لطاعة العلماء‪ ،‬فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم‪ ،‬فكما‬
‫أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول‪ ،‬فطاعة المراء تبع لطاعة العلماء‪.3 )...‬‬
‫ولو أن التعليسسم فسسي البلدان السسسلمية سسسار على هذا النهسسج‪ ،‬لمسسا سسسبق أهسسل الباطسسل‬
‫بباطلهسسم إلى عقول أبناء المسسسلمين‪ ،‬ولكان السسسبق لعلماء المسسسلمين بالحسسق إلى عقول‬
‫هؤلء البناء‪.‬‬

‫الممر الثالث‪ :‬مما يناسمب الدارسمين فمي المراحمل‬
‫الدراسية المبكرة‪.‬‬
‫ويشمسسل ذلك طلب الروضسسة وطلب المرحلة البتدائيسسة والمرحلة المتوسسسطة‪-‬مسسن‬
‫الجوانسسب اليمانيسسة والعباديسسة والخلقيسسة والداب والحقوق السسسرية والخوة اليمانيسسة‬
‫وحقوق الجيران‪ ،‬والسسيرة النبويسة التسي تغرس فسي نفوس الطلب محبسة الرسسول صسلى‬
‫ال عليسه وسسلم ووجوب اتباعسه‪ ،‬وتعظيسم شأن القرآن الكريسم وتحسبيب الطلب فسي حفظسه‬
‫وقراءتسه‪ ،‬والتمسك به وحسب السسنة النبوية‪ ،‬وتوقير العلماء واحترامهم ومحبة المسسلمين‬
‫عمومسسسا‪ ،‬ومختصسسسرات عسسسن التاريسسسخ السسسسلمي وجغرافيسسسة البلدان السسسلمية‪ ،‬ونبذة‬
‫مختصرة عن مقارنة الديان‪ ،‬يبين فيها الديان السماوية السابقة على السلم وما طرأ‬
‫عليهسسا مسسن تحريسسف‪ ،‬والديانات الوثنيسسة ليخلص مسسن ذلك إلى أنسسه لم يبسسق ديسسن حسسق فسسي‬
‫الرض محفوظ وسسيظل محفوظسا إلى يوم القيامسة‪ ،‬إل السسلم الذي جاء ليكون منهاجسا‬
‫لحياة الناس كلهم‪ ،‬وأن محمدا رسول ال صلى ال عليه وسلم خاتم النبياء‪.‬‬
‫مسع دراسسة بعسض أبواب الفقسه‪ ،‬وقواعسد اللغسة العربيسة مسن نحسو وصسرف‪ ،‬وشسئ مسن‬
‫المفردات اللغويسة‪ ،‬وحفسظ بعسض النصسوص المفيدة مسن الشعسر والنثسر‪ ،‬واختيارات مسن‬
‫كلم الصحابة رضوان ال عليهم‪.‬‬
‫كمسسا يهتسم بتعليسم الكتابسسة وقواعسسد الخسسط ومبادئ الحسساب والهندسسة ونحوهسا‪ ،‬وكسل‬
‫مرحلة مسسن المراحسسل الثلث‪ ،‬يوضسسع لهسسا مسسا يناسسسبها مراعاة لسسن الطالب مسع الهتمام‬
‫‪-1‬التفسير الكبير (‪.)146-10/144‬‬
‫‪-2‬أحكام القرآن (‪.)211-2/210‬‬
‫‪-3‬أعلم الموقعين عن رب العالمين (‪.)1/10‬‬

‫‪131‬‬

‫بوسائل اليضاح وجعل الدارس‪-‬مع حفظ ما ل بد من حفظه‪-‬يفكر ويشغل عقله في فهم‬
‫ما يمكنه فهمه ول يعتمد على التلقي فحسب‪.‬‬
‫إن هذه المراحسل‪-‬مسن الروضسة إلى المتوسسطة‪-‬هسي مراحسل تأسسيس لصسياغة المسسلم‬
‫الذي يؤمسن بدينسه إيمانسا صسادقا مبنيسا على حجسة وبرهان‪ ،‬وليسس على مجرد تقليسد‪ ،‬والذي‬
‫يفقسه دينسه فقهسا يصسحح بسه تقربسه إلى ال بالعبادة‪ ،‬ويجعسل علقتسه بالناس علقسة شرعيسة‪،‬‬
‫تجعله يؤدي إليهسم حقوقهسم دون نقسص‪ ،‬ويأخسذ منهسم حقوقسه دون إجحاف‪ ،‬و يكون لبنسة‬
‫صسسالحة فسسي المسسة يبنسسي معهسسا الحياة ويتعاون معهسسا على البر والتقوى ول يكون عالة‬
‫عليها‪.‬‬
‫لذلك يجب مراعاة هذه المعاني في هذه المرحلة المبكرة من عمر النسان في مناهج‬
‫التعليسم‪ ،‬لمسا فسي ذلك مسن العداد والتحصسين لعقول ذرا رينسا حتسى ل يسسبقنا إليهسا أهسل‬
‫الباطل بباطلهم‪.‬‬
‫فإذا تجاوزوا هذه المرحلة إلى المرحلة الثانويسسة‪ ،‬أمكسسن بعسسد ذلك التوسسسع فسسي العلوم‬
‫الخرى لعداد الطالب للتخصصات التي يميل إليها في المرحلة الجامعية‪ ،‬وما فوقها‪.‬‬

‫المر الرابع‪ :‬مراعاة الفوارق بين الذكور والناث‪.‬‬
‫بعسسد مراعاة فروض العيسسن وفروض الكفايسسة‪ ،‬والعداد لمسسا قسسد يتهيسسأ له المسسسلم مسسن‬
‫تخصصات‪.‬‬
‫فالمرأة يجسب أن تهيسأ فسي الصسل لشؤون المنزل وتدبيره‪ ،‬وتربيسة الولد السسرية‪،‬‬
‫التي هي أساس لتربية المدرسة والمجتمع‪ ،‬والمجالت التي تنتظر قيام المرأة بالواجبات‬
‫المناسسسبة لهسسا‪ ،‬ل تحصسسى كثرة‪ ،‬وهسسي لو صسسرفت كسسل أوقاتهسسا فيهسسا لكانسست جديرة بهسسا‪،‬‬
‫كتهيئة المنزل وترتيبسه وإعداد الغذاء‪ ،‬والتنظيسف‪ ،‬وإرضاع الطفال‪ ،‬والعنايسة بتغذيتهسم‬
‫ونظافتهسم وتوجيههسم التوجيسه السسلمي المبكسر المناسسب لعمارهسم‪ ،‬والعنايسة بالمريسض‬
‫وإسسسعافاته الوليسسة التسسي تقتضسسي تدربهسسا على وسسسائل التمريسسض والسسسعاف‪ ،‬والعنايسسة‬
‫بالمسسنين مسن أقربائهسا كالب والم والجدة ونحوهسم‪ ،‬وتعليسم بناتهسا مسا يحتجسن إلى تعلمسه‬
‫من شؤون المنزل وتربية الولد وغيرها مما ذكر‪.‬‬
‫إن المرأة المسسسلمة هسسي المحضسسن الول لتربيسسة الطفسسل تربيسسة إسسسلمية‪ ،‬وهسسي أول‬
‫السسباقين بالحسق إلى عقسل أبنائهسا وبناتهسا‪ ،‬ولو أن النسساء المسسلمات كلهسن عنيسن بتربيسة‬
‫أبنائهسن وبناتهسن تربيسة إسسلمية سسليمة فسي كسل منزل‪ ،‬لكان جيسل المسة السسلمية فسي كسل‬
‫عصسر على هدى مسن ربسه‪ ،‬فقسد يكون فسي المنزل الواحسد عشرون ابنسا وبنتسا أو أكثسر أو‬
‫أقسل‪ ،‬فإذا تربسى الولد الكسبر تربيسة سسليمة‪ ،‬كان قدوة لمسن بعده وخسف العبسء وأصسبحت‬
‫السرة كلها مسلمة بإذن ال‪.‬‬
‫وإن مسسا يعانيسسه المسسسلمون اليوم مسسن تفلت كثيسسر مسسن الشباب وبعدهسسم عسسن التمسسسك‬
‫بالسلم‪ ،‬من أهم أسبابه عدم قيام السرة في المنزل وبخاصة الم بهذا الواجب العظيم‪،‬‬
‫إما جهل به‪ ،‬وإما تكاسل‪ ،‬وإما اشتغال بغيره مما ليس بأولى منه‪ ،‬ولذلك يسبق إلى عقل‬
‫الطفسل بالتدريسج الباطلُ‪ ،‬إمسا عسن طريسق أهله بالقدوة السسيئة والتربيسة الفاسسدة‪ ،‬وإمسا عسن‬
‫طريق الخادمات الجنبيات غير المسلمات‪ ،‬أو المسلمات الجاهلت اللتي هن في حاجة‬
‫‪132‬‬

‫إلى التربة السلمية والتوجيه‪.‬‬
‫هذا هو الصل الذي ينبغي أن تعد له المرأة‪.‬‬
‫وهذه المعانسسي‪ ،‬مسسع منهاج الحياة الزوجيسسة وحقوق كسسل مسسن الزوجيسسن وواجباتسسه‪،‬‬
‫وحقوق الولد والباء والقارب والجيران‪ ،‬وفقسه أحكام النسساء هسي التسي ينبغسي العنايسة‬
‫بها في تعليم الفتاة ومنهاج دراستها‪.‬‬
‫ثسم ينظسر بعسد ذلك فسي العلوم التسي تحتاج المسة إليهسا للنسساء خاصسة‪ ،‬بحيسث تنشسأ لهسن‬
‫مدارس ومعاهد وكليات‪ ،‬وتوضع لها مناهج تشتمل على مواد تلك العلوم التي تتخصص‬
‫فيهسا النسساء للقيام بتدريسسها لبنات جنسسها‪ ،‬أو بالوظائف التسي يحتاج إلى أن تقوم المرأة‬
‫بها‪ ،‬ول مانع من مشاركتها في العمل في خارج منزلها في تعليم وخدمة نساء المة‪ ،‬إذا‬
‫اسستغني عنهسا بيتهسا بغيرهسا مسن نسساء أهسل المنزل‪ ،‬كأن تكون غيسر متزوجسة أو ل أولد‬
‫لهسسا‪ ،‬والحاجسسة تدعسسو إلى مشاركتهسسا فسسي خارج المنزل‪ ،‬فسسي تدريسسس الفتيات وإدارة‬
‫مدرستهن‪ ،‬من روضة أطفال إلى الكليات‪ ،‬أو طبيبة في أمراض النساء في عيادة خاصة‬
‫بهسن أو مسستشفى خاص بالنسساء‪ ،‬ول يدخله الرجال أطباء أو عامليسن إل عنسد الضرورة‬
‫فسي حدودهسا‪ ،‬ومسا أحوج المسسلمين إلى أمثال هذا المسستشفى فسي كسل مدينسة وبلد ليسستقل‬
‫النسساء فيه عسن مخالطسة الرجال! ولسيما المخالطسة مسع الخلوة‪ ،‬ويمكسن أن تتولى المرأة‬
‫إدارتسه وجميسع أعماله‪ ،‬كمسا هسو الحال فسي مدارس البنات وكلياتهسن فسي المملكسة العربيسة‬
‫السعودية‪ ،‬بل كما هو الحال في مستشفى‪....‬‬
‫وهكذا العمل في خدمات اجتماعية أخرى خاصة بالنساء وأعمال مالية خاصة بهن‪،‬‬
‫كالمصسارف التسي يحتاج إليهسا النسساء المسسلمات فسي كثيسر مسن الحيان‪ ،‬بسسبب عدم وجود‬
‫أولياء أمور لهن‪ ،‬فيضطررن إلى الذهاب إلى البنوك والنتظار هناك ومخالطة الرجال‪.‬‬
‫إنه ل يوجد مانع شرعي من خروج المرأة من منزلها للحاجة الخاصة بها أو حاجة‬
‫المجتمسع إليهسا‪ ،‬ولكسن ينبغسي الخسذ بالسسباب المانعسة من الفتنة مسا دامست ممكنة‪ ،‬أمسا عند‬
‫الضرورة أو الحاجسسة القريبسسة منهسسا‪ ،‬فإن المرأة تقوم بالعمال لمسسساعدة الرجال كمداواة‬
‫جرحاهسم أو نقسل موتاهسم فسي وقست الحروب‪ ،‬وكذلك تختلط بالرجال فسي العبادات التسي ل‬
‫يمكنها الستقلل فيها عنهم‪ ،‬كالطواف والسعي وغيرهما من أعمال الحج‪ ،‬إل أنه يجب‬
‫والحالة هذه الكثار مسن تقوى ال ومراقبتسه‪-‬وإن كان ذلك مطلوبسا فسي كسل الوقات‪-‬مسن‬
‫الرجال والنسساء معسا‪ ،‬اتقاء لمسا قسد يحصسل مسن فتنسة المخالطسة‪ ،‬كسل هذه المعانسي ينبغسي‬
‫مراعاتها في مناهج التعليم‪.‬‬
‫وليسس مسن الحكمسة جعسل المنهسج للرجال والنسساء سسواء‪ ،‬مسع وجود الفوارق بينهسم فسي‬
‫مجالت العمل‪ ،‬وفي قوة التحمل وضعفه‪ ،‬وفي الخروج من المنزل وعدمه أو قلته‪ ،‬وفي‬
‫المشي في مناكب الرض والسفار وغيرها‪.‬‬
‫ويجسب التنسبيه هنسا إلى مسا يحصسل مسن بعسض الغيوريسن مسن منسع النسساء مسن حضور‬
‫المساجد لسماع الخطب والمواعظ والستفادة من العلماء في أمور دينهن‪ ،‬هو تشدد في‬
‫غيره محله‪ .‬وقسد كان النسساء يحضرن صسلوات الجماعسة فسي مسسجد الرسسول صسلى ال‬
‫عليه وسلم في أوقات معينة يعظهن فيها ويعلمهن‪ ،‬وغاية ما نصح به الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم الرجال والنساء هو الورع والبعد عن الفتنة فقال‪-‬كما روى عنه أبو هريرة‪:-‬‬
‫‪133‬‬

‫ف النّ سَاءِ آخِرُهَا َوشَرّهَا أَ ّولُهَا‪].‬‬
‫صفُو ِ‬
‫ف الرّجَالِ أَ ّولُهَا وَشَرّهَا آخِرُهَا َوخَيْرُ ُ‬
‫صفُو ِ‬
‫خيْرُ ُ‬
‫[َ‬
‫‪1‬‬

‫ول زال النسسساء يحضرن المسسساجد ويسسسمعن المواعسسظ فسسي كسسل المسسساجد الكسسبيرة‬
‫كالمسسجد الحرام والمسسجد النبوي وغيرهمسا‪ ،‬وإذا احتاجست المرأة إلى السسؤال عسن أمسر‬
‫من أمور دينها فلها أن تسأل العالم‪ ،‬بل إذا احتاج الرجل أن يسأل المرأة التي عندها علم‬
‫يحتاج إليسه فله أن يسسألها‪ ،‬كسل ذلك فسي حدود الحاجسة والدب السسلمي ل مانسع منسه‪ ،‬فل‬
‫تفريط ول إفراط‪.‬‬

‫السماس الثالث‪ .‬وضمع الكتمب المناسمبة للمراحمل‬
‫الدراسية‪.‬‬
‫ويجسسسب أن يتحقسسسق بتلك الكتسسسب أهداف التعليسسسم المذكورة آنفسسسا‪ ،‬بدء بالكتسسسب المعدة‬
‫للطفال‪ ،‬وانتهاء بالمراحسسسسل الجامعيسسسسة‪-‬الكليات ومسسسسا فوقهسسسسا‪-‬وتشمسسسسل كسسسسل العلوم‬
‫والتخصصات‪.‬‬
‫ويراعى في إعداد هذه الكتب المور التية‪.‬‬
‫المسر الول‪ :‬أن يختار لتأليفهسا متخصسصون فسي كسل علم مؤهلون لذلك قادرون على‬
‫صياغتها‪ ،‬بأساليب تناسب العصر‪.‬‬
‫وينبغسسي تجنسسب العبارات المعقدة والمصسسطلحات الصسسعبة‪ ،‬وبخاصسسة فسسي المراحسسل‬
‫الولى‪ ،‬مع التقيد باللغة العربية الفصحى‪ ،‬وأن يكون المؤلفون من الصالحين الملتزمين‬
‫بالسسلم قول وعمل‪ ،‬ليجتمسع فسي المادة التسي يتولون الكتابسة فيهسا العلم الموثسق والعاطفسة‬
‫اليمانية الجياشة المؤثرة‪.‬‬
‫المر الثاني‪ :‬أن يجمع في المادة المكتوبة بين القواعد والنصوص التي يجب حفظها‬
‫وفهمهسسا بالشرح واليضاح‪ ،‬وبيسسن الحوار والسسسئلة التسسي تدرب الطالب على التفكيسسر‬
‫والستنباط والستنتاج والتطبيق‪.‬‬
‫ول ينبغي أن يكون الطالب نسخة مكررة للكتاب الذي يحفظه‪ ،‬وهذا السلوب يمكن‬
‫اتباعه في كل المراحل مع مراعاة السن‪ ،‬فالمقصود من التعليم إيجاد عقول تفكر وتبدع‬
‫وليس مجرد ببغاوات تتلقى وتقلد‪.‬‬
‫المسسر الثالث‪ :‬اسسستعمال وسسسائل اليضاح المعاصسسرة التسسي تمكسسن الطالب فسسي جميسسع‬
‫المراحسل‪-‬وبخاصسة المراحسل المبكرة‪-‬مسن فهسم المواد الدراسسية‪ ،‬ل فرق بيسن الدينيسة منهسا‬
‫وغير الدينية‪.‬‬
‫ومن أمثلة وسائل اليضاح في المواد الدينية ما يأتي‪:‬‬
‫المثال الول‪ :‬توضيح معنى توحيد الربوبية للطفل في المرحلة البتدائية‪:‬‬
‫ينبغسي أن يكون فسي الفصسل الدراسسي شريسط(فيديسو) يشتمسل على صسور للكواكسب مسن‬
‫شمسسسس وقمسسسر ونجوم‪ ،‬وللرض مسسسن جبال وغابات وأنهار وبحار وسسسسحب ورمال…‬
‫تعرض كلهسا عندمسا يقال للطفسل‪ :‬والدليسل على توحيسد الربوبيسة‪ :‬خلق السسماوات والرض‬
‫‪-1‬مسلم‪664 :‬‬

‫‪134‬‬

‫والشمسس والقمسر… ليتصسور الطفسل هذه الدلة تصسورا واضحسا‪ ،‬فإنسه ل يتصسور ذلك‬
‫بمجرد الحفظ والتلقين كما هو معروف‪.‬‬
‫المثال الثاني‪ :‬توضيح معنى صفة الوضوء‪ ،‬وصفة الصلة‪.‬‬
‫ينبغي كذلك أن يوجد شريط(فيديو) في الفصل الدراسي مشتمل على تينك الصفتين‪،‬‬
‫بحيث يتصور الطفل صفة الوضوء وصفة الصلة تصورا واضحا‪ ،‬ويطلب من بعض‬
‫الطفال تطبيق ذلك عمليا أمام زملئهم‪ .‬وهكذا بقية العلوم‪.‬‬
‫كمسا ينبغسي أن تكون طريقسة المدرس فسي الشرح واليضاح طريقسة الحوار والسسؤال‬
‫والجواب‪ ،‬وليست طريقة اللقاء والملء باستمرار‪ ،‬لما في الطريقة الولى من إشراك‬
‫الطالب وتفاعله مع المدرس والمادة والكتاب‪ ،‬وما في الطريقة الثانية من غفلته وشروده‬
‫وعدم استيعابه وتصوره للمعاني التي ل يدرك غالبها‪.‬‬
‫وهكذا ينبغسسي أن يراعسسى فسسي تأليسسف الكتسسب وإخراجهسسا‪ ،‬ليقضسسى بذلك على الشكوى‬
‫المتكررة مسن عدم فهسم الطلب‪ ،‬بسل مسن الملل الذي يصسيبهم فسي أوقات التدريسس‪ ،‬ومسن‬
‫الرغبة في الخروج من المدارس…‬
‫المر الرابع‪ :‬أن تكون الصبغة السلمية شاملة للكتب الدراسية كلها‪.‬‬
‫يسستوي فسي ذلك مسا يتعلق بالعبادة أو بغيرهسا‪ ،‬كالمعاملت والحدود والقصساص‪ ،‬ومسا‬
‫يتعلق بعلوم النسان الخرى‪ ،‬كعلم النفس وعلم الجتماع وعلم السياسة وعلم القتصاد‪.‬‬
‫ول يجوز أن تكون –العلوم النسانية‪-‬نقل محضا لفكار الغربيين ونظرياتهم‪ ،‬وهذا‬
‫ل يمنع من المقارنة وإيضاح ما بها من أخطاء وإبراز تفوق السلم عليها‪ ،‬فإن الكتاب‬
‫والسسنة إنمسا جاءا لصسلح النفسس البشريسة والجماعات والسسر والفراد والدول‪ ،‬فل بسد‬
‫أن يكون الكتاب والسنة وما استنبطه منهما علماء السلم ومقاصد الشريعة السلمية‪،‬‬
‫هسي مصسدر هذه العلوم ومرجعهسا‪ ،‬ول يوجسد باب مسن البواب التسي يحتاج إليهسا النسسان‬
‫لصلح نفسه وعمارة الرض والقيام بالخلفة فيها‪ ،‬إل وقد اشتمل عليه الكتاب والسنة‬
‫وفصسسله علماء المسسسلمين قديمسسا وحديثسسا‪ ،‬فسسي كتسسب التفسسسير‪ ،‬وشروح الحديسسث‪ ،‬وكتسسب‬
‫اليمان "العقائد" والخلق‪ ،‬وأصسسول العلوم‪ ،‬مثسسل‪ .‬أصسسول التفسسسير وأصسسول الحديسسث‬
‫وأصول الفقه‪ ،‬و الفقه‪ ،‬وغيرها من العلوم‪.1 ...‬‬
‫ول يمنسسسع ذلك اطلع علماء المسسسسلمين على الفكار والنظريات ة فسسسي تلك العلوم‪،‬‬
‫ووزنهسا بميزان السسلم‪ ،‬وبيان مسا فيهسا مسن زيسف للطلب‪ ،‬حتسى ل تغزو عقولهسم وهسي‬
‫خالية غير محصنة فتتمكن منها‪ ،‬لتقديمها في أساليب مزخرفة‪.‬‬
‫ول يقتصر هذا المر‪-‬وهو صبغة الكتب بالصبغة السلمية‪-‬على ما يسمى بالعلوم‬
‫النسسانية فحسسب‪ ،‬بسل إن العلوم الكونيسة كالجغرافيسا والجيولوجيسا وعلم الفلك وعلم الطسب‬
‫ونحوهسسا‪ ،‬ينبغسسي أن تربسسط بالسسسلم مسسن حيسسث إن ال تعالى هسسو خالق هذا الكون وهذا‬
‫النسان‪ ،‬وهو الذي سخر للنسان ما في السماوات والرض‪ ،‬ومنحه العقل الذي يتفكر‬
‫ويتدبر ويسسسستنتج ويزن ويقارن‪ ،‬والدوات التسسسي بهسسسا يسسسستغل خيرات الرض وبركات‬
‫السسماء‪ ،‬وكلمسا زاد النسسان علمسا بمسا فسي الكون زاد إيمانسه بال خالق الكون وشكره له‪،‬‬
‫وكثر تواضعه وأدبه مع ربه وقدره حق قدره‪ ،‬ول يكون كمن صال وجال في استغلل‬
‫‪-1‬راجع على سبيل المثال‪ :‬أعلم الموقعين عن رب العالمين‪.)377 ،4/372( .‬‬

‫‪135‬‬

‫هذا الكون وما فيه من طاقات ناسيا ربه بل مغرورا بنفسه مدعيا أنه قهر الطبيعة قائل‪:‬‬
‫{إنما أوتيته على علم عندي}‪.‬‬
‫وكذلك يجسب أن تتضمسن الكتسب الدراسسية توجيسه الجيال إلى السسبيل المشروع فسي‬
‫اسستغلل ثمرات العلوم المدروسسة‪ ،‬بأن تسستعمل فسي إسسعاد البشسر وأمنهسم واسستقرارهم‪،‬‬
‫وليس في ظلمهم وتخويفهم واغتصاب حقوقهم‪ ،‬كما يفعل أعداء السلم اليوم‪ ،‬فالمسلم‬
‫قائد عادل رحيسم كريسم حازم‪ ،‬ل يسستغل ثمرات العلوم إل فيمسا هسو طاعسة ل وإحسسان إلى‬
‫خلقسه‪ ،‬وإذا مسا قاوم الطغاة الجبابرة وجسا هدهسم وطاردهسم فسي الرض‪ ،‬فإنمسا يفعسل ذلك‬
‫رحمسة بالمسم التسي يظلمهسا هؤلء الطغاة‪ ،‬ويحولون بينهسا وبيسن التمتسع بالسسعادة التسي منّس‬
‫ال بها عليهم‪ ،‬من حفظ الضرورات التي ل حياة لهم بدونها وحفظ مكملتها‪.‬‬
‫المر الرابع‪ :‬أن يجتهد مؤلفو الكتب الدراسية في معرفة قواعد العلوم وأسرارها‪.‬‬
‫وأعنسسي بذلك العلوم الكونيسسة كالرياضيات ونحوهسسا‪ ،‬ويجسسب أن يجتهدوا كذلك فسسي‬
‫إيصسسسال تلك القواعسسسد والسسسسرار إلى عقول الطلب‪ ،‬حتسسسى ل تكون حكرا على غيسسسر‬
‫المسلمين من أهل الغرب‪ ،‬هم يصنعون ونحن الذين نستهلك فقط‪ ،‬فإن ذلك يجعل المة‬
‫السسسلمية خاضعسسة لغيرهسسا مسسستعبدة مقلدة غيسسر مبدعسسة‪ ،‬كمسسا هسسو الحال الن‪ ،‬إذ يأخسسذ‬
‫أعداؤهسسم خيراتهسسم مسسن أنواع المعادن والمواد الخام بأرخسسص الثمان ويصسسنعونها‪ ،‬ثسسم‬
‫يسبيعون الرديسء مسن مصسنوعاتها لهسم بأعلى السسعار‪ ،‬وبخاصسة السسلح الذي تتعطسل‬
‫حركة أي شعب مسلم في وقت شدة الحاجة إليه في أوقات الزمات العسكرية إذا منعت‬
‫عنها الدول الغربية قطع الغيار‪.‬‬
‫المر الخامس‪ :‬أن يهتم العلماء المسلمون بترجمة الكتب العلمية المفيدة التي يكتبها‬
‫الغربيون في العلوم الكونية أو الدارية‪.‬‬
‫إن الواجب على المسلمين أن يستفيدوا من التجارب البشرية التي يحتاجون إليها‪ ،‬ما‬
‫دامت ل تخالف شيئا من دين ال‪.‬‬
‫والتجارب البشرية ليست ملكا لحد‪ ،‬فما من جيل يَخلُف إل بنى نشاطه على تجارب‬
‫أجيال تُخلَف‪ .‬وقسد اجتهسد سسلفنا فسي ترجمسة كثيسر مسن الكتسب العلميسة التسي ألفهسا اليونانيون‬
‫وغيرهسم واسستفادوا منهسا وزادوا عليهسا وطبقوا نظرياتهسا فسي تجارب واقعسة‪ ،‬وهسي التسي‬
‫كانسست مصسسدرا لحضارة الغرب الحاليسسة باعترافهسسم‪ ،‬فلم ل نقتدي بسسسلفنا‪-‬فيمسسا نحسسن فسسي‬
‫حاجة إليه ول يخالف ديننا‪-‬ونسترد بضاعتنا؟!‬

‫السممماس الرابمممع‪ .‬إعداد المدرسمممين والسممماتذة‬
‫المتخصصين‪.‬‬
‫ويجسب إعداد المدرسسين والسساتذة المتخصسصين وتدريبهسم‪ ،‬تدريبسا يجعلهسم قادريسن‬
‫على القيام بوظائفهسم‪ ،‬قيامسا يخرج أجيال ذات كفاءات عاليسة فسي كسل علم مسن العلوم التسي‬
‫تحتاج إليهسا المسة السسلمية‪ ،‬وإذا أمكسن القيام بهذا التدريسب فسي بلدانهسم فبهسا‪ ،‬وإل اختيسر‬
‫منهسم المتفوقون دينسا وخلقسا وعلمسا ورغبسة وقدرة على السستيعاب‪ ،‬لمسا يتدربون عليسه ثسم‬
‫إفادة أوطانهم إذا رجعوا إليها‪ ،‬فيندبون إلى البلدان التي يتوافر فيها التدريب المطلوب‪.‬‬
‫‪136‬‬

‫ويدخل في هذا إعداد أجهزة إدارية وإشرافية قادرة على إدارة المؤسسات التعليمية‪،‬‬
‫تعين المدرسين والطلب بتوفير كل ما يحتاجون إليه في أعمال التعليم‪ ،‬ليتفرغ المدرس‬
‫والطالب لوظيفة التعليم والتعلم‪ ،‬حتى تؤتي هذه الوظيفة ثمارها‪.‬‬

‫الساس الخامس‪ .‬ربط التعليم بالتربية السلمية‪.‬‬
‫يجسب تزكيسة الدارسسين باليمان والتقوى والعمسل الصسالح الذي يرضسي ال‪ ،‬وغرس‬
‫الخلق الفاضلة في نفوسهم وجعلهم يحققون معنى الستخلف الشرعي في الرض‪.‬‬
‫وبهذين الركنين‪-‬التعليم والتزكية‪-‬جاء القرآن الكريم‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬هو الذي بعث‬
‫فسي المييسن رسسول منهسم يتلو عليهسم آياتسه ويزكيهسم ويعلمهسم الكتاب والحكمسة وإن كانوا‬
‫من قبل لفي ضلل مبين} ‪.1‬‬
‫فالمقصود من العلم‪ :‬التربية والتزكية والحكمة‪ ،‬وليس العلم للعلم فقط كما يقال!‬

‫الوسيلة السادسة‪ :‬العناية باللغة العربية ونشرها‪.‬‬
‫اللغسسة العربيسسة هسسي لغسسة القرآن والسسسنة‪-‬أي لغسسة السسسلم‪ ،‬فالقرآن نزل بهذه اللغسسة‪،‬‬
‫والسسنة وردت بهذه اللغسة‪ ،‬والثار المفسسرة للقرآن والسسنة‪ ،‬ومصسادر الفقسه السسلمي‪،‬‬
‫وتاريخ السلم‪ ،‬وكتب اللة من نحو وصرف وبلغة ومصطلح وعلم تفسير وغيرها‪،‬‬
‫أساسها اللغة العربية‪ ،‬فل غرو أن تكون اللغة العربية هي مفتاح علوم السلم كلها‪ ،‬فل‬
‫يفقه هذا الدين حق الفقه‪ ،‬ول يعلم مقاصده وأسراره وحكمه وعلله حق العلم‪ ،‬إل من فقه‬
‫هذه اللغة‪.‬‬
‫ولهذا كثسسر وصسسف كتاب ال‪-‬القرآن الكريسسم‪-‬بكونسسه عربيسسا‪ ،‬كمسسا قال تعالى‪{ :‬كتاب‬
‫فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} ‪.2‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} ‪.3‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} ‪.4‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} ‪.5‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وإنسه لتنزيسل رب العالميسن نزل بسه الروح الميسن على قلبسك لتكون مسن‬
‫المنذرين بلسان عربي مبين} ‪.6‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} ‪.7‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وكذلك أنزلناه حكما عربيا} ‪.8‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ولقسد ضربنسا للناس فسي هذا القرآن مسن كسل مثسل لعلهسم يتذكرون قرآنسا‬
‫عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} ‪.9‬‬
‫‪-1‬الجمعة‪.2 :‬‬
‫‪-2‬فصلت‪.3 :‬‬
‫‪-3‬الزخرف‪.3 :‬‬
‫‪-4‬يوسف‪.2 :‬‬
‫‪-5‬النحل‪.103 :‬‬
‫‪-6‬الشعراء‪.195 ،192 :‬‬
‫‪-7‬طه‪.113 :‬‬
‫‪-8‬الرعد‪.37 :‬‬
‫‪-9‬الزمر‪.28 ،27 :‬‬

‫‪137‬‬

‫وقال تعالى‪{ :‬وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا} ‪.2‬‬

‫حكمة وصف القرآن بأنه عربي‪.‬‬
‫إن هذا التنويسسه بكون القرآن عربيسسا‪ ،‬لجديسسر بالتأمسسل والنظسسر ولو وصسسف ال القرآن‬
‫الكريم بأنه عربي مرة واحدة فقط لستحق التأمل والنظر‪ ،‬فكيف وقد كرر تعالى وصفه‬
‫بذلك في أساليب متعددة؟!‪.‬‬
‫ولو أن مخلوقسا عاقل وصسف شيئا مسا بوصسف مرة واحدة‪ ،‬لكان لوصسفه بذلك اعتبار‬
‫عند القارئ والسامع فكيف إذا وصفه بذلك مرات؟!‬
‫وكيسف إذا كان هذا الوصسف صسادرا عسن ال فسي كتابسه‪ ،‬فمسا حكمسة وصسف القرآن‬
‫الكريم بأنه عربي؟‬
‫هسسل المقصسسود مسسن ذلك بيان إعجاز القرآن الذي نزل بلغسسة العرب‪ ،‬وقسسد تحداهسسم أن‬
‫يأتوا بمثله فعجزوا؟‬
‫نعسم إن ذلك لمقصسود‪ ،‬ولكسن هذا التحدي يكون أكمسل عندمسا يتعلم غيسر العربسي اللغسة‬
‫العربيسة ويصسبح لسسانه عربيسا‪ ،‬يفهسم القرآن الكريسم بلغتسه التسي نزل بهسا ويتذوق أسساليبها‬
‫وبلغتهسا ويتعمسق فسي فهسم معانيهسا‪ ،‬ويطلع على أسسرار القرآن وحكمسه بهسا‪ ،‬فيتسبين له‬
‫معنى كون هذا القرآن معجزا حقا‪.‬‬
‫وهل المقصود بذلك نفى أن يكون الرسول صلى ال عليه وسلم تعلم هذا القرآن من‬
‫بعسسض مسن كان عندهسم علم مسسن الكتسسب السسماوية السسسابقة‪ ،‬كمسسا زعسسم ذلك بعسسض أعداء‬
‫السلم؟‬
‫نعسسم‪ ،‬إن ذلك لمقصسسود وقسسد صسسرح ال بذلك فسسي قوله‪{ .‬لسسسان الذي يلحدون إليسسه‬
‫أعجمسي وهذا لسسان عربسي مسبين} ‪ .3‬ولكسن هذا المعنسى المقصسود جزء ممسا يحمله هذا‬
‫الوصف وليس كل معناه‪.‬‬
‫وهسل المقصسود أن هذا القرآن الذي نزل باللغسة العربيسة‪ ،‬مسع أنسه نزل لهدايسة جميسع‬
‫البشر‪ ،‬شرف لك أيها الرسول ولقومك العرب وبخاصة قريشا؟!‬
‫نعسسم إن ذلك أيضسسا لمقصسسود‪ ،‬كمسسا قال تعالى‪{ :‬وإنسسه لذكسسر لك ولقومسسك وسسسوف‬
‫تسألون} ‪.4‬‬
‫ولكنه ليس ذلك كل المقصود‪.‬‬
‫بل هناك مقاصد أخرى من أهمها ما يأتي‪.‬‬

‫‪-1‬الشورى‪.7 :‬‬
‫‪-2‬الحقاف‪.12 :‬‬
‫‪-3‬النحل‪.103 .‬‬
‫‪-4‬الزخرف‪.44 :‬‬

‫‪138‬‬

‫المقصمد الول‪ :‬أن الديمن السملمي إنمما جاء باللغمة‬
‫العربية‪.‬‬
‫لقسسد جاء هذا الديسسن‪-‬أي ديسسن السسسلم‪-‬عسسن طريسسق القرآن الكريسسم والسسسنة النبويسسة‪،‬‬
‫وكلهمسا باللغسة العربيسة ويتوقسف فهمسه السسليم الكامسل على فهسم اللغسة التسي حملتسه إلى‬
‫الناس‪ ،‬وهسي اللغسة العربيسة‪ ،‬ول يمكسن أن يَنقُل للناس معانسي ديسن السسلم نقل صسحيحا‬
‫ويبينهسسا بيانسسا شافيسسا‪ ،‬إل مَن كان عنده درايسة تامسسة باللغسسة العربيسسة‪ ،‬بقواعدهسسا وبلغتهسسا‬
‫واشتقاقهسا وغريبهسا وحقيقتهسا ومجسا زهسا وأسساليبها‪ ،‬لنهسا لسسان هذا الديسن ولسسان كتابسه‬
‫ولسسان رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬ولسسان أصسحاب رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم‪.‬‬
‫{وهذا لسسان عربيٌس مسبين}‪ .‬وقسد كلف ال رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم بيانَس هذا الديسن‬
‫للناس‪ ،‬وقسد فعسل ذلك‪ ،‬وبيانسه كان بلغتسه التسي نزل بهسا القرآن قال تعالى‪{ :‬وأنزلنسا إليسك‬
‫الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ومسا أنزلنسا عليسك الكتاب إل لتسبين لهسم الذي اختلفوا فيسه وهدى ورحمسة‬
‫لقوم يؤمنون} ‪.2‬‬
‫وقد كلف ال أمة محمد صلى ال عليه وسلم التي آمنت به واتبعته‪ ،‬تبلي َغ هذا الدين‪،‬‬
‫وفي طليعة أمته أصحابه الكرام رضي ال عنهم‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬قل هذه سبيلي أدعو‬
‫إلى ال على بصيرة أنا ومن اتبعني} ‪.3‬‬
‫وقد قاموا بنشر هذا الدين وبيانه للناس بلسان عربي مبين‪.‬‬
‫وترجمة معاني القرآن الكريم لمن ل يفهم اللغة العربية‪ ،‬ل سبيل إليها إل لمن يجيد‬
‫اللغة العربية واللغة المترجم إليها‪ ،‬فاللغة العربية هي أساس البيان لهذا الدين الذي نزل‬
‫بها‪.‬‬

‫المقصمد الثانمي‪ :‬أن ممن أهمم وسمائل نشمر السملم‬
‫اللغة العربية‪.‬‬
‫إن علماء السسسلم مأمورون باتخاذ كسسل وسسسيلة مشروعسسة لنشسسر هذا الديسسن وإبلغ‬
‫ن تعلمها‬
‫معانيه إلى الناس‪ ،‬ومن أهم وسائل نشره تعليم الناس اللغة العربية التي يتمكن مَ ْ‬
‫من فهم هذا الدين فهما صحيحا سريعا‪.‬‬

‫المقصد الثالث‪ :‬أن كثيرا من العبادات يجب أداؤها‬
‫باللغة العربية‪.‬‬
‫مثسسل قراءة الفاتحسسة فسسي الصسسلة‪ ،‬وأذكار الصسسلة كتكسسبيرة الحرام وأذكار الركوع‬
‫والسسسجود والتشهسسد‪ ،‬ونحوهسسا مسن فروض العيسسن التسسي يجسسب على المسسسلم أداؤهسسا باللغسسة‬
‫العربية ما استطاع إلى ذلك سبيل‪ ،‬ليتقرب بها إلى ال تعالى‪.‬‬
‫‪-1‬النحل‪.44 :‬‬
‫‪-2‬النحل‪.64 :‬‬
‫‪-3‬يوسف‪.108 :‬‬

‫‪139‬‬

‫المقصممد الرابممع‪ :‬ل بممد مممن وجود علماء يفقهون‬
‫السلم باللغة الغربية‪.‬‬
‫إنسه ل بسد مسن وجود علماء يجيدون اللغسة العربيسة‪ ،‬إجادة تجعلهسم قادريسن على فهسم‬
‫معانسي القرآن والسسنة وكتسب العلم التسي يحتاج إليهسا المسسلمون‪ ،‬ليكونوا مرجعسا لهسل كسل‬
‫بلد يعلمون الناس معاني القرآن الكريم والسيرة النبوية وغيرها‪ ،‬فإن وجود علماء باللغة‬
‫العربية تحصل بهم الكفاية في ذلك وغيره‪ ،‬هو فرض كفاية يأثم كل قادر من المة على‬
‫عدم إيجادهم‪ ،‬ويأثم القادرون على تعلم اللغة العربية للقيام بهذا الفرض إذا لم يتعلموها‪.‬‬

‫المقصممد الخامممس ل بممد مممن وجود قادريممن على‬
‫ترجمة معاني السلم‪.‬‬
‫وهذا المقصسد ل يحصسل إل بوجود علماء يجيدون اللغسة العربيسة ويجيدون لغسة البلد‬
‫الذي يريدون دعوة أهله إلى السسسسلم‪ ،‬ليترجموا لهله معانسسسي القرآن الكريسسسم والسسسسنة‬
‫النبويسة‪ ،‬ومسا يجسب إبلغسه إلى الناس مسن أحكام هذا الديسن‪ ،‬لن علماء السسلم مأمورون‬
‫بالبلغ المبين الذي أصبح من واجبهم بعد وفاة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وليس من‬
‫السهولة بمكان أن يتعلم كل الناس اللغة العربية‪.‬‬

‫ترجمة معاني السلم إلى اللغات الخرى‪.‬‬
‫هذا وليعلم أن تبليسغ الناس معانسي السسلم وأحكامسه بالترجمسة إلى لغات أخرى غيسر‬
‫اللغة العربية‪ ،‬أمر تقتضيه الضرورة‪ ،‬إذ أنه مهما أوتي المترجم من إتقان للغة العربية‬
‫واللغات الخرى التسي يترجسم بهسا معانسي السسلم‪ ،‬ل يمكنسه أن يسستوعب مسا تحويسه اللغسة‬
‫العربية من معان إلى اللغات الخرى‪ ،‬ولذلك يجب على المسلمين أن يهتموا بتعليم اللغة‬
‫العربية ونشرها بكافة الوسائل المتاحة‪ ،‬كالمدارس والمعاهد والجامعات والكتب وإعداد‬
‫المعلميسن وتدريبهسم‪ ،‬والمنسح الدراسسية فسي البلدان العربيسة لغيسر العرب‪ ،‬وكذلك اسستغلل‬
‫أجهزة العلم كالمذياع والتلفاز والفيديسسو والكاسسسيت وغيرهسسا‪ ،‬لتعليسسم الناس‪-‬وبخاصسسة‬
‫المسلمين‪-‬لغة القرآن ليصلوا إلى فهم هذا الدين فهما مباشرا بلغته التي جاء بها‪.‬‬
‫وإنسي أشبسه مسن يجيسد اللغسة العربيسة ويفهسم دينسه مسن القرآن والسسنة وكتسب العلم بهسا‬
‫مباشرة‪ ،‬برجسل اشتسد عطشسه فرأى عينسا جاريسة تنبسع مسن صسخرة فسي قمسة جبسل وهسو فسي‬
‫أسفله‪ ،‬فشمر صاعدا حتى وصل إلى نبع الماء واستقى منه عذبا زلل صافيا‪.‬‬
‫وأشبسه مسن وصسلت إليسه معانسي السسلم بالترجمسة‪ ،‬برجسل آخسر اشتسد عطشسه‪ ،‬وهسو‬
‫مصساب بالكسسل‪ ،‬وقسف فسي أسسفل الجبسل ينتظسر وصسول الماء إليسه ليشرب منسه وهسو فسي‬
‫مكانه‪ ،‬فوصل إليه الماء وقد مر بالتراب والقاذورات التي كدرته فأخذ يشرب منه وهو‬
‫بتلك الحالة‪.‬‬
‫وإن المسة السسلمية لجديرة بالهتمام بلغتهسا ونشرهسا بالوسسائل المتاحسة‪ ،‬لتصسل إلى‬
‫الناس في هذا الكوكب الرضي‪ ،‬فهي لغة دين لم يعد في الرض دين حق سواه‪ ،‬وهو‬
‫الذي حفظ لها هذه اللغة من الضياع‪ ،‬لحفظ ال تعالى هذا الدين بحفظ كتابه الذي ل يأتيه‬
‫‪140‬‬

‫الباطل من بين يديه ول من خلفه‪{ .‬إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ‪.1‬‬

‫انتشار لغة المة من علمات قوتها‪.‬‬
‫وإن انتشار لغة أي أمة لهو دليل عظمتها وتفوقها‪ ،‬وبلغتها تستطيع أن تسبق بدينها‬
‫وفكرها وسياستها واقتصادها وسائر علومها‪ ،‬غيرَها من المم إلى عقول الناس‪.‬‬
‫وهذا ما تحقق للمة السلمية أيام مجدها‪ ،‬حيث انتشرت لغة دينها انتشار مساجدها‬
‫ومعاهدها ودعاتها‪ ،‬ونبغ في اللغة العربية أئمة من غير العرب فملئوا بعلمهم الفاق من‬
‫حدود الصين شرقا إلى المحيط الطلسي غربا‪.‬‬
‫وكانست المسم تتسسابق إلى علوم المسسلمين فسي كسل مجال مسن مجالت الحياة‪ ،‬كمسا نقسل‬
‫المسلمون علوم المم الخرى إلى لغتهم‪ ،‬واستفادوا منها وطبقوها عمليا وزادوا عليها‪،‬‬
‫وعلى أيديهم تعلم الوربيون أسس حضارتهم التي يفخرون بها اليوم‪.‬‬
‫وإن ممسسا يؤسسسف له أن تنحدر المسسة السسسلمية انحدارا مروعسسا‪ ،‬فسسي دينهسسا وخلقهسسا‬
‫وسسياستها واقتصسسادها وأمنهسا ووحدتهسا وقوتهسا العسسكرية‪ ،‬ممسا كان له أثره البالغ على‬
‫لغتها التي لم تعد لها مكانتها في العالم‪ ،‬بل أصبحت في مؤخرة اللغات‪ ،‬وأصبحت لغات‬
‫الجانسسب مسسن النصسسارى وغيرهسسم هسسي لغات العلم والثقافسسة والفكسسر فسسي العالم وأصسسبح‬
‫المسسلمون‪-‬والعرب منهسم بصسفة خاصسة‪-‬يفتخرون باللغات الجنبيسة ويتكالبون على أفكار‬
‫أهلهسا وآدابهسم ويتأثرون بهسم‪ ،‬فأصسبح السسبق للجانسب ولغاتهسم وأفكارهسم إلى عقول أبناء‬
‫المة السلمية بدل من أن تسبق المة السلمية بلغتها ودينها وفكرها إلى عقول أبناء‬
‫المم الخرى ‪.2‬‬
‫وهسا هسي أمسم الغرب تنشسر لغتهسا فسي كسل مكان‪ ،‬عسن طريسق مناهسج التعليسم والعلم‬
‫والبحسسث العلمسسي والدوات المتنوعسسة والمواصسسلت والتصسسالت‪ ،‬حتسسى ليكاد المسسسلم‬
‫العربي يكون غريبا بلغته في بلده‪ ،‬يقتني الجهاز الذي يحتاج إليه فل يستطيع استخدامه‬
‫لن الكتسسب الرشاديسسة المتعلقسسة باسسستخدامه قسسد أعدت باللغات الجنبيسسة‪ .‬وهكذا الدواء‬
‫والغذاء وغيرهسا‪ ،‬وهكذا الفنادق والشركات والمسستشفيات‪ ،‬بسل إن بعسض البلدان العربيسة‬
‫ما زالت معاملتها الرسمية باللغة الجنبية!‬
‫وإنما هانت اللغة العربية عند أهلها‪ ،‬لهوان الدين في نفوسهم وضعف فقههم له‪ ،‬ولو‬
‫كان الديسن قويسا فسي نفوسسهم مطبقسا فسي حياتهسم‪ ،‬لعرفوا للغتسه حقهسا وقدروهسا حسق قدرهسا‪،‬‬
‫وسابقوا غيرهم بدينهم الحق بلغته إلى عقول الناس في الرض كلها‪.‬‬
‫إن ترجمسسة معانسسي السسسلم مسسن اللغسسة العربيسسة إلى اللغات الخرى لبلغ أهسسل تلك‬
‫اللغات هذا الديسن‪ ،‬هسي فريضسة كفائيسة‪ ،‬ولكسن أنسى لهسل تلك اللغات أن يفهموا حقائق هذا‬
‫الدين كاملة عن طريق ترجمته وليس عن طريق اللغة العربية مباشرة؟!‬
‫ولقد بذل علماء السلم من سلفنا الصالح‪ ،‬جهودا مضنية لبلغ حقائق السلم إلى‬
‫عقول الناس عربسسا وعجمسسا‪ ،‬بمسسا وضعوه مسسن قواعسسد اللغسسة العربيسسة مسسن نحسسو وصسسرف‬
‫‪-1‬الحجر‪9 :‬‬
‫‪-2‬ليسس المراد هنسا التنفيسر مسن تعلم اللغات الجنبيسة للسستفادة منهسا فسي العلوم المحتاج إليهسا وفسي دعوة أهسل تلك اللغات بهسا إلى‬
‫السلم فهذا من فروض الكفاية في السلم‪ ،‬وإنما المراد المبالغة في تقديس تلك اللغات ونسيان اللغة العربية لغة السلم‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫واشتقاق وغيرهسسا‪ ،‬وبمسسا وضعوه مسسن قواعسسد شرعيسسة تضبسسط بهسسا مقاصسسد الشريعسسة‬
‫وأحكامهسا‪ ،‬مسن أصسول الفقسه وقواعده‪ ،‬فسبينوا النسص والظاهسر والمجمسل والمسبين والمقيسد‬
‫والمطلق والخاص والعام‪ ،‬ومسسسا وضعوه مسسسن مصسسسطلحات فسسسي علوم الحديسسسث وعلوم‬
‫التفسسير‪ ،‬فكانوا بذلك أعظسم أمسة اتخذت وسسائل لغويسة وشرعيسة لتسسبق بالحسق الذي آتاهسا‬
‫ال باطلَ المسسم الخرى إلى عقول الناس‪.‬هذا بالضافسسة إلى بذل جهودهسسم فسسي مجالت‬
‫التعليم والدعوة والجهاد في سبيل ال‪.‬‬

‫الوسيلة السابعة‪ :‬القدوة الحسنة‪.‬‬
‫إن مسن أهسم وسسائل السسباق إلى العقول‪ ،‬القدوة الحسسنة التسي يراهسا الناس ويلمسسونها‬
‫فسي صساحب الحسق‪ ،‬بحيسث يرون صساحب المبدأ يطبسق مبدأه فسي واقسع حياتسه وتصسرفاته‪،‬‬
‫فإذا كان المقام يحتاج منسسه إلى الكرم أقدم إلى البذل والعطاء‪ ،‬وإذا كان المقام يحتاج منسسه‬
‫إلى خلق الشجاعسسة رآه الناس مقدامسسا غيسسر هياب‪ ،‬وإن اختسسبروه فسسي صسسفة الصسسدق لم‬
‫يجربوا عليه كذبا‪ ،‬وإن التمسوا عدالته لم يجدوا منه ظلما‪ ،‬وإن أرادوا معرفة تقواه ألفَوه‬
‫يدع مسا ل بأس بسه خشيسة مسن الوقوع فيمسا بسه بأس‪ ،‬لشدة تحرجسه مسن الوقوع فسي المأثسم‪،‬‬
‫فضل عن إتيانه الوامر الواجبة وتركه المحرمات‪.‬‬
‫والخلصسة أنسه يتحرك فسي نشاطسه كله بالقرآن والسسنة‪ ،‬فإذا رآه الناس مداومسا على‬
‫ذلك مالوا إلى القتداء بسه ولو لم يتكلم‪ ،‬لن الحسق بذاتسه يدعسو الناس إلى ذاتسه‪ ،‬فكيسف إذا‬
‫رأوه مطبقا في حياة أهله ورأوا ثمار تطبيقه في الحياة؟ ويبدأ المعاند المناوئ للحق يفكر‬
‫فسي سسيرة صساحب الحسق ويتدبر ويقارن بيسن الحسق الذي يراه مطبقسا فسي حياة صساحبه‪،‬‬
‫وبين الباطل الذي يزاوله هو‪ ،‬ويترتب على ذلك أحد أمرين‪.‬‬
‫المر الول‪ :‬اتباع الحق والعمل به‪ ،‬ونبذ الباطل‪.‬‬
‫المسر الثانسي‪ :‬الصسرار على الباطسل‪ ،‬مسع تيقنسه أنسه باطسل‪ ،‬وترك الحسق مسع تيقنسه أنسه‬
‫حسق‪ ،‬وفائدة ذلك انكسسار نفسس صساحب الباطسل أمام صسولة الحسق‪ ،‬وإقامسة الحجسة العمليسة‬
‫عليه‪.‬‬
‫أمسا إذا كان الداعسي إلى الحسق لم يلتزم هسو نفسسه بسه ولم يطبقسه فسي حياتسه‪ ،‬فإن الناس‬
‫ينصسرفون عنسه ول يشغلون عقولهسم بالتفكيسر فيمسا يدعسو إليسه‪ ،‬لمعرفسة كونسه حقسا فيُتّبَع أو‬
‫باطل فيُجتَنَب‪.‬‬
‫وهذه هسسي القدوة السسسيئة التسسي تُ َنفّر س مسسن المبدأ وإن كان حقسسا‪ ،‬كمسسا هسسي عادة غالب‬
‫الناس‪ ،‬وقسد يوجسد مسن يفكسر فسي المبدأ الذي ل يكون الداعسي إليسه قدوة حسسنة فسي تطسبيقه‪،‬‬
‫فيعلم أنه حق ويتبعه‪ ،‬ولكن ذلك ليس من وسائل السباق الناجعة إلى العقول‪.‬‬
‫لهذا كان للقدوة الحسسنة منزلتهسا فسي السسلم‪ .‬وكان رسسل ال وأنسبياؤه والداعون إلى‬
‫هداه‪ ،‬كلهم قدوة حسنة‪ ،‬وقد أمر ال رسوله صلى ال عليه وسلم أن يقتدي بمن سبقه من‬
‫إخوانه المرسلين‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬أولئك الذين هدى ال فبهداهم اقتده} ‪.1‬‬
‫وأرشد أمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إلى القتداء بنبيه إبراهيم عليه السلم ومن‬
‫‪-1‬النعام‪.90 :‬‬

‫‪142‬‬

‫معسه‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬قسد كانست لكسم حسسنة فسي إبراهيسم والذيسن معسه إذ قالوا لقومهسم إنسا برآء‬
‫منكم ومما تعبدون من دون ال} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬لقد لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو ال واليوم الخر} ‪.2‬‬
‫وحسث تعالى هذه المسة حثسا مؤكدا على القتداء برسسوله صسلى ال عليسه وسسلم الذي‬
‫جمسع كسل قدوة حسسنة سسبقه النسبياء وزاده ال مسن فضله‪ ،‬فقال تعالى‪{ :‬لقسد كان لكسم فسي‬
‫رسول ال أسوة حسنة لمن كان يرجو ال واليوم الخر وذكر ال كثيرا} ‪.3‬‬
‫ولقد كانت المة السلمية في ماضي عهدها‪ ،‬قدوة حسنة في إيمانها وفي عبادتها‬
‫ومعاملتهسا وسسلوكها‪ ،‬وفسي عهودهسا ومواثيقهسا وفسي الخسذ بأسسباب القوة والعزة‪ ،‬فكان‬
‫ذلك سسببا فسي سسرعة وصسول الحسق الذي يحملونسه إلى عقول المسم فسي مشارق الرض‬
‫ومغاربها‪ ،‬فسارع الناس إلى القتداء بهم واتباع دينهم‪ ،‬حتى ترك أهل الديانات الخرى‬
‫دياناتهم‪ ،‬ووقف رعايا الطغاة ضد طغاتهم إيثارا للحق على الباطل‪ ،‬ونصرةً لهل الحق‬
‫على أهسسل الباطسسل‪ ،‬فوصسسل السسسلم إلى لشبونسسة وفينسسا وبلغراد وموسسسكو وبلد الصسسين‬
‫والفلبين وإندونيسيا وإفريقيا‪ ،‬بدون قتال في غالب تلك البلدان‪ ،‬لن القدوة الحسنة تجعل‬
‫اتباع الحق سهل ميسرا لرؤيته مطبقا في واقع الحياة‪ ،‬يطبقه البشر‪.‬‬
‫وذلك على عكس ما عليه المة السلمية اليوم‪ ،‬حيث يغلب عليها القدوة السيئة التي‬
‫جعلت المسم تنفسر منهسا ومسن دينهسا‪ ،‬وجعلت أعداء السسلم يسستغلون تلك القدوة السسيئة‪،‬‬
‫فيبرزونها في مؤتمراتهم وندواتهم ومناهج تعليمهم وإعلمهم وفي كل مناسبة تسنح لهم‪.‬‬
‫يسسمع الناس أن السسلم يدعسو إلى الصسدق‪ ،‬ولكنهسم يرون فسي كثيسر مسن المسسلمين‬
‫الكذب‪.‬‬
‫ويسسمعون أن السسلم ديسن القوة والعزة‪ ،‬ولكنهسم ل يرون فسي المسسلمين ال الضعسف‬
‫والذلة‪.‬‬
‫ويسسمعون أن الديسن السسلمي يدعسو إلى الجماعسة والوحدة وأن المسة السسلمية أمسة‬
‫واحدة‪ ،‬ولكنهم يرون المسلمين متفرقين مختلفين‪ ،‬يسب بعضهم بعضا‪ ،‬ويعتدي بعضهم‬
‫على بعسض‪ ،‬ويقتسل بعضهسم بعضسا‪ .‬ويسسمعون أن السسلم ديسن الرحمسة وأن المسسلمين‬
‫رحماء فيمسا بينهسم‪ ،‬ولكنهسم ل يجدون فسي كثيسر مسن المسسلمين إل القسسوة والعنسف يأكسل‬
‫القوي منهسسم الضعيسسف‪ .‬ويسسسمعون أن السسسلم ديسسن العدل‪ ،‬ولكنهسسم يرون الظلم بيسسن‬
‫المسلمين هو السائد‪.‬‬
‫ويسسسمعون أن السسسلم يدعسسو إلى الشجاعسسة‪ ،‬ولكنهسسم يرون المسسسلمين جبناء تضيسسع‬
‫حقوقهم وتغتصب بلدهم من قبل عدوهم القليل فيستسلمون له ويخضعون وهم كثر‪.‬‬
‫فكان ذلك سببا في نفور الناس عن هذا الدين الذي صار أهله قدوة سيئة فيه‪.‬‬
‫وأقول‪-‬إنصسافا للحسق‪ :-‬إنسه يوجسد فسي المسسلمين مسن هسو قدوة حسسنة ولكسن ليسس على‬
‫مستوى المة‪.‬‬
‫والقدوة الحسسنة عندمسا تكون على مسستوى المسة‪ ،‬تسبرز معانسي السسلم فسي السسياسة‬
‫والحكم والقتصاد والسلوك والنواحي الجتماعية والعسكرية والقوة الصناعية وغيرها‪.‬‬
‫‪-1‬الممتحنة‪.4 :‬‬
‫‪-2‬الممتحنة‪.6 :‬‬
‫‪-3‬الحزاب‪.21 :‬‬

‫‪143‬‬

‫أمسا مسا يكون على مسستوى الفراد والسسر وبعسض الجماعات الصسغيرة‪ ،‬فإنسه قدوة‬
‫حسسنة‪ ،‬ولكنسه محدودة غيسر بارز للعالم الذي ل يطلع إل على مسا تسبرزه وسسائل العلم‬
‫وإمكانات الدول‪.‬‬
‫والذي يراه الناس الن فسي المسسلمين هسو السسراف فسي المحرمات ومحاربسة أغلب‬
‫حكوماتهسم للسسلم والدعاة إليسه‪ ،‬والتأخسر فسي الشؤون الداريسة والقتصسادية‪ ،‬مسع كثرة‬
‫الخيرات فسسي بلدانهسسم وسسسعة أراضيهسسم‪ ،‬كمسسا يرون تقتيسسل أعدائهسسم لهسسم وإخراجهسسم مسسن‬
‫ديارهسم‪ ،‬وهدم مسساجدهم وانتهاك أعراضهسم‪ ،‬وهسم سسادرون فسي غيهسم يرقصسون ويغنون‬
‫ويمثلون ويتعرون‪ ،‬يقضسسي فسسي أمورهسسم غيْرُهسسم‪ ،‬وكأنهسسم غيسسر موجوديسسن على ظهسسر‬
‫الرض‪:‬‬
‫ويقضى المر حين تغيب تيم ول يستأذنون وهم شهود‬
‫فأين هي القدوة الحسنة فيهم‪ ،‬حتى يكونوا من السباقين بالحق إلى العقول‪ ،‬وعقولهم‬
‫مأوى للباطل؟!‬

‫الوسيلة الثامنة‪ .‬الفطرة‪.‬‬
‫والمراد بالفطرة مسسا أودعسسه ال تعالى فسسي الكون علويسه وسسسفليه‪ ،‬وفسسي النسسسان مسسن‬
‫اليات العظيمسسة التسسي تنادي العقسسل نداء برهانيسسا مسسستمرا إلى الحسسق الذي خلق ال بسسه‬
‫السسماوات والرض ومسا بينهمسا‪ ،‬وتدل دللة واضحسة أن مسا جاءت بسه الرسسل ونزلت بسه‬
‫الكتسب حسق‪ ،‬كمسا أن الكون كله حسق‪ .‬فالذي يعترف بوجود المخلوقات ومسا اشتملت عليسه‬
‫مسن دقسة وتناسسق ونواميسس‪ ،‬ومسا سسخره ال للنسسان فسي هذا الكون مسن رزق‪ ،‬ومسا منحسه‬
‫ال لهذا النسسان مسن عقسل يفكسر ويدبر ويوازن ويقيسس ويغوص فسي أسسرار هذا الكون‪،‬‬
‫ومسسا وهبسسه لهذا النسسسان مسسن آلت وقدرات على اسسستغلل مسسا فسسي الكون مسسن خيرات‬
‫وطاقات واسستمتاع بهسا‪ ،‬إن الذي يعترف بهذا كله‪-‬وهسو مسن الفطرة‪-‬ل بسد أن يعترف أن‬
‫منهج ال الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب‪ ،‬هو حق مثل ما أن ما في الكون حق‪،‬‬
‫وكلهما من الفطرة‪.‬‬
‫فوسيلة الفطرة من أعظم الوسائل التي تعين أهل الحق على السباق إلى عقول الناس‬
‫بالحسق‪ ،‬وليسس لهسل الباطسل وسسيلة تقسف أمام هذه الوسسيلة‪ ،‬بسل إن الفطرة صسخرة صسماء‬
‫تتحطم عليها وسائل الباطل كلها‪.‬‬
‫ولهذا كان الرسسسل عليهسسم الصسسلة والسسسلم يتخذون وسسسيلة الفطرة سسسلما إلى عقول‬
‫الناس بالحق‪ ،‬فينبهون العقول بآيات ال في الكون والنسان‪ ،‬كما يتضح ذلك من قصص‬
‫النسبياء عليهسم السسلم مسع أقوامهسم‪ ،‬كمسا مضسى فسي محاجسة إبراهيسم لقومسه‪ ،‬واسستدلله‬
‫بتغييسسر المخلوقات على أنهسسا ل تصسسلح أن تكون آلهسسة‪ ،‬بسسل إنهسسا مخلوقسسة عابدة للخالق‬
‫المعبود‪.‬‬
‫ولنقرأ هذه اليات التسسسسي تجول بالعقول فسسسسي ملكوت السسسسسماوات والرض‪ ،‬وفسسسسي‬
‫النسسسان‪ ،‬وفسسي الحيوان‪ ،‬وفسسي الماء‪ ،‬وفسسي الشجسسر والزرع‪ ،‬وفسسي الليسسل والنهار‪ ،‬وفسسي‬
‫الجبال والبحار والنهار‪....‬‬
‫فقسسد نزه ال تعالى نفسسسه عسسن الشرك الذي أصسسر عليسسه أعداؤه وأعداء رسسسله‪ ،‬وهسسو‬
‫‪144‬‬

‫يخالف الفطرة‪ ،‬ثسسم أتبسسع ذلك بذكسسر وحيسسه الذي أنزله للدعوة إلى توحيده‪ ،‬وهسسو عيسسن‬
‫الفطرة‪ ،‬ثسم أورد شواهسد الفطرة وحقائقهسا الدالة على حقيقسة التوحيسد ونفسي الشرك‪ ،‬وكأن‬
‫القارئ أو السسامع يرى الكون كله‪ ،‬فسي مظاهرة حاشدة‪ ،‬كلهسا يشهسد أن ل إله إل ال وأن‬
‫محمدا رسول ال‪ ،‬وأن الوحي حق وأن كل ما يخالف ذلك باطل‪.‬‬
‫جلُوهُ سسسُ ْبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّاسس يُشْرِكُونسسَ(‪)1‬يُنَ ّزلُ‬
‫قال تعالى‪{ :‬أَتَسى أَمْ ُر الِّس فَلَ تَسسسْتَ ْع ِ‬
‫ل أَنَا فَا ّتقُونسِ(‬
‫ل ِإلَهَس إِ ّ‬
‫علَى مَنْس َيشَاءُ مِنْس عِبَادِهِس أَنْس أَنْذِرُوا أَنّهُس َ‬
‫الْمَلَئِكَةَ بِالرّوحِس مِنْس أَمْرِهِس َ‬
‫ط َف ٍة َفإِذَا‬
‫خلَقَس الِْنْسسَانَ مِنْس نُ ْ‬
‫خلَقَس السسماوات وَالَْرْضَس بِا ْلحَقّ تَعَالَى عَمّاس يُشْرِكُونسَ(‪َ )3‬‬
‫‪َ )2‬‬
‫فءٌ وَمَنَافِعُس وَمِنْهَا َتأْ ُكلُونسَ(‪َ )5‬ولَكُمْس فِيهَا‬
‫خَلقَهَا لَكُمْس فِيهَا دِ ْ‬
‫هُ َو خَصسِيمٌ مُبِينسٌ(‪)4‬وَالَْنْعَامَس َ‬
‫ل أَ ْثقَالَكُمْس ِإلَى َبلَ ٍد لَمْس تَكُونُوا بَالِغِيهِس إِلّ ِبشِقّ‬
‫ل حِينَس تُرِيحُونَس َوحِينَس تَسْس َرحُونَ(‪)6‬وَ َتحْ ِم ُ‬
‫جَمَا ٌ‬
‫خلُقُ مَا لَ‬
‫س إِنّ رَبّكُ ْم لَ َرءُوفٌ َرحِيمٌ(‪)7‬وَالْخَ ْيلَ وَالْبِغَالَ وَا ْلحَمِي َر لِتَرْكَبُوهَا وَزِي َنةً وَ َي ْ‬
‫الَْ ْنفُ ِ‬
‫علَى الِّ قَصْدُ ال سّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ َولَوْ شَاءَ لَهَدَاكُ ْم َأجْمَعِي نَ(‪ُ )9‬ه َو الّذِي أَنْ َزلَ‬
‫تَ ْعلَمُو نَ(‪)8‬وَ َ‬
‫شجَ ٌر فِيهسِ تُسسِيمُونَ(‪ )10‬يُ ْنبِتُس لَكُم سْ بِه ِس الزّرْعسَ‬
‫مِن َس السسّمَاءِ مَاءً لَكُمسْ مِنْهسُ شَرَابسٌ وَ ِمنْهسُ َ‬
‫ل الثّمَرَاتسِس إِنّس فِسي َذلِكسسَ لَيَ ًة ِلقَوْمسسٍ َي َتفَكّرُونسسَ(‬
‫وَالزّيْتُونسسَ وَال ّنخِيلَ وَالَْعْنَابسسَ وَمِنسسْ ُك ّ‬
‫ن فِي َذِلكَ لَيَاتٍ‬
‫سخّرَاتٌ ِبأَمْرِ ِه إِ ّ‬
‫سخّرَ لَكُ ُم اللّ ْيلَ وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَال ّنجُومُ مُ َ‬
‫‪)11‬وَ َ‬
‫ِلقَوْ مٍ يَ ْع ِقلُو نَ(‪)12‬وَمَا ذَ َرأَ لَكُ ْم فِي الَْرْ ضِ ُمخْ َتِلفًا َألْوَانُ ُه ِإنّ فِي َذلِ كَ لَ َي ًة ِلقَوْ مٍ يَذّكّرُو نَ(‬
‫حلْيَةً َتلْبَ سُونَهَا وَتَرَى‬
‫سخّ َر الْ َبحْرَ لِ َتأْ ُكلُوا مِنْ ُه َلحْمًا طَرِيّا وَ َت سْ َتخْ ِرجُوا مِنْ ُه ِ‬
‫‪)13‬وَهُ َو الّذِي َ‬
‫ي أَ نْ‬
‫ضلِ هِ َولَ َعلّكُ مْ تَشْكُرُو نَ(‪َ )14‬وَأ ْلقَى فِي الَْرْ ضِ رَوَا سِ َ‬
‫ن َف ْ‬
‫الْ ُفلْ كَ مَوَاخِ َر فِي هِ َولِتَبْتَغُوا مِ ْ‬
‫ل لَ َعلّكُمسْ تَهْ َتدُونسَ(‪)15‬وَعَلَمَاتسٍ وَبِال ّنجْمسِ هُم ْس يَهْتَدُونسَ(‪َ )16‬أفَمَنسْ‬
‫تَمِيدَ بِكُمسْ َوأَنْهَارًا وَسُسبُ ً‬
‫خلُقُس َأفَلَ تَذَكّرُونسَ(‪َ )17‬وإِن ْس تَ ُعدّوا نِعْمَ َة الِّ لَ ُتحْصسُوهَا إِنّ الَّ لَ َغفُورٌ‬
‫خلُقُس كَمَن ْس لَ َي ْ‬
‫َي ْ‬
‫‪1‬‬
‫َرحِيمٌ(‪. })18‬‬
‫واليات في هذا المعنى في هذه السورة وفي غيرها كثير‪.‬‬
‫وميزة هذه الوسسسيلة‪-‬وسسسيلة الفطرة‪-‬وضوحهسسا لكسسل الناس بفئاتهسسم المتنوعسسة‪ :‬العالم‬
‫والجاهسل‪ ،‬والقارئ والمسي‪ ،‬كسل منهسم يشعسر بهذه الفطرة بحسسب موقعسه ووعيسه وثقافتسه‪،‬‬
‫وهسسي تكاد تكون قاهرة للعقول على التسسسليم للحسسق‪ ،‬وبخاصسسة اليمان بالخالق وإن كابر‬
‫بعض المكابرين في ذلك‪.‬‬
‫وتأمسسل التعقيبات التسسي تختتسسم بهسسا اليات‪{ .‬لقوم يتفكرون}‪{ ،‬لقوم يعقلون}‪{ ،‬لقوم‬
‫يذكرون}‪{ ،‬ولعلكم تشكرون}‪{ ،‬لعلكم تهتدون}‪{ ،‬لعلكم تذكرون}‪.‬‬
‫إنهسا تحرك العقول وتوقسظ الفطسر بذاتهسا وقوله تعالى‪{ .‬أفمسن يخلق كمسن ل يخلق}‬
‫واضسح الدللة على أن وسسيلة الفطرة مسن أعظسم الوسسائل الدالة على الحسق فهسي بدهيسة‪،‬‬
‫فكما أن الخالق حق وتدل كل مخلوقاته عليه‪ ،‬فإن هداه الذي أنزله على رسله حق كذلك‬
‫‪.‬‬

‫‪-1‬اليات من سورة النحل‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫الوسيلة التاسعة‪ :‬المساجد‪.‬‬
‫المسحححاجد بأئمتهحححا وخطبائهحححا منطلقات‬
‫للسبق بالحق إلى العقول‪.‬‬
‫إن المسسساجد مسسن أعظسسم المنطلقات للسسسباق إلى العقول‪ ،‬وهسسي مسسن أقوى الوسسسائل‬
‫وأشملهسا فسي ذلك‪ ،‬إذا اسستغلت اسستغلل شامل فسي كسل البلدان السسلمية‪ ،‬فهسي مسن حيسث‬
‫البناء توجد في كل مدينة وفي كل قرية‪ ،‬بل في كل حي‪ ،‬يتسابق صالحو المسلمين إلى‬
‫بنائهسا وتشييدهسا‪ ،‬وللمسساجد حرمتهسا فسي نفوس المسسلمين‪ ،‬يلتقون فيهسا لداء الصسلوات‬
‫الخمسس فسي جماعسة‪ ،‬ويصسلي بعضهسم فيهسا بعسض النوافسل كمسا يصسلون فيهسا التراويسح‬
‫جماعة‪ ،‬وكذلك صلة العيدين وصلة الكسوف‪ ،‬وقد يصلون فيها صلة الستسقاء‪ ،‬فهي‬
‫فسي الصسل محسل لداء العبادات الجماعيسة‪ ،‬فإذا وجسد فسي كسل مسسجد إمام كفسؤ‪ ،‬يحفسظ‬
‫القرآن الكريسسم أو كثيرا منسسه‪ ،‬عنده مقدرة على التأثيسسر فسسي الناس بالخطسسب والمواعسسظ‪،‬‬
‫وعنده علم يفيسد المتعلم والمسستفتي‪ ،‬وعنده اطلع على قضايسا الناس الدينيسة والجتماعيسة‬
‫والقتصسادية والسسياسية‪ ،‬أي إنسه فقيسه بقضايسا العصسر ومشكلتسه‪ ،‬مخلص ل فسي عمله‪،‬‬
‫محسسب لقضاء حاجات الناس متودد إليهسسم مخالط لهسسم‪ ،‬سسساع فسسي جمسسع كلمتهسسم وحسسل‬
‫مشكلتهسم‪ ،‬فإن هذا المام سسيكون قطسب جماعسة المسسجد ومحور كافسة شؤونهسم‪ ،‬يلتفون‬
‫حوله‪ ،‬ويتعلمون العلم على يديسه‪ ،‬ويسسارعون إلى سسماع خطبسه ومحاضراتسه‪ ،‬ويسسألونه‬
‫عمسسسا أشكسسسل عليهسسسم‪ ،‬ويسسسستفتونه فسسسي الحلل والحرام‪ ،‬ويلجسسسأ ون إليسسسه للصسسسلح بيسسسن‬
‫المتخاصمين منهم‪ ،‬فهو لهم بمنزلة الب للبناء والراعي للرعية‪.‬‬
‫يقيسسم لهسسم حلقات العلم بحسسسب فئاتهسسم وحاجاتهسسم‪ ،‬يعلمهسسم فروض العيسسن وفروض‬
‫الكفايسة‪ ،‬ويغرس فسي نفوسسهم اليمان والخلق الفاضلة‪ ،‬ويحبسب إليهسم العمسل الصسالح‪،‬‬
‫ويتخرج على يديه طلبة العلم الذين يصبحون مثله ينشرون العلم والخير‪ ،‬يكون المسجد‬
‫به وبهم وبجماعته مثل خلية النحل في تعلم وتعليم‪ ،‬وعبادة وذكر‪ ،‬وسماع أمر بمعروف‬
‫ونهسي عسن منكسر‪ ،‬وتفسسير قرآن وشرح حديسث‪ ،‬وفقسه أحكام‪ ،‬ورد شبهات‪ ،‬وبالجملة بيان‬
‫كل ما فيه مصلحة للمة ودعوة إليه‪ ،‬وتوضيح كل ما فيه ضرر عليها وتنفير منه‪.‬‬
‫وهنا يكون السبق الحقيقي للحق إلى العقول‪ ،‬والحماية لها من الباطل والطرد له من‬
‫أن يصل إلى عقول جماعة المسجد وأسرهم التي ستتأثر بعلمهم وسلوكهم‪.‬‬
‫ول يلزم أن تكون هذه النشاطات كلهسا صسادرة مسن إمام واحسد وخطيسب واحسد ومعلم‬
‫واحسد‪ ،‬بسل يمكسن أن يختار للمسسجد الواحسد عدد مسن العلماء والخطباء والئمسة‪ ،‬ليتعاونوا‬
‫على القيام بهذه المهمات‪ ،‬وقسسسسد يكون لكسسسسل نشاط واحدٌ أو أكثرُ‪ ،‬كالخطابسسسسة والتعليسسسسم‬
‫والمامسة‪ ،‬بحسسب كسبر المسسجد وصسغره وكثرة جماعتسه وقلتهسم وكثرة طلبسه العلم فيسه‬
‫وقلتهم كذلك‪.‬‬

‫خطب الجمعة ودورها في السبق إلى العقول‪.‬‬
‫ومسن أهسم وظائف أئمسة المسساجد وخطبائهسا‪ ،‬خطبسة الجمعسة التسي يحضرهسا المسسلمون‬
‫‪146‬‬

‫كلهسسم‪-‬فسسي الغالب‪-‬المكلف منهسسم بالحضور‪ ،‬وهسسم الكبار‪ ،‬وغيسسر المكلف وهسسم الصسسغار‬
‫والنساء‪ ،‬والحاكم والمحكوم والخادم والمخدوم‪ ،‬وكلهم ينصت لخطبة الجمعة على سبيل‬
‫العبادة‪ ،‬دون كلم ول لغسسط ول لهسسو فسسي كسسل بلدان المسسسلمين فسسي يوم واحسسد‪ ،‬ول توجسسد‬
‫خطبسة يجسب حضورهسا عينسا على جميسع المكلفيسن‪-‬إل مسن عذر‪-‬غيسر خطبسة الجمعسة‪ ،‬ومسع‬
‫حضورها يجب النصات لها وعدم التشاغل عنها‪.‬‬
‫وبهذا تعتسبر خطسب الجمعسة فرصسة يجسب أن يغتنمهسا الخطباء‪ ،‬فيقدموا للناس فيهسا مسا‬
‫يفيدهم في دنياهم وأخراهم‪ ،‬وينبغي أن يهتم الخطباء بما يكون الناس في حاجة إلى بيانه‬
‫فسسسي هذه الخطبسسسة‪ ،‬ممسسسا يمسسسس حياتهسسسم الحاضرة‪ ،‬سسسسواء تعلق بأمور اليمان‪-‬أصسسسوله‬
‫وفروعسه‪-‬أو بالخلق‪-‬بأي جزئيسة منهسا‪-‬أو بالشؤون السسرية والجتماعيسة‪ ،‬أو السسياسية‬
‫أو العسكرية أو العلمية‪.‬‬
‫وهذا يقتضي أن يفتش الخطيب عن الحداث التي تدور في السبوع في الحي‪ ،‬أو‬
‫في القرية‪ ،‬أو في المدينة‪ ،‬أو في القطر‪ ،‬أو في أي بلد من بلدان المسلمين‪ ،‬أو في العالم‬
‫الرحسسب الذي يشمسسل المسسسلمين وغيرهسسم‪ ،‬ثسسم يختار الموضوع الذي يراه أولى وأكثسسر‬
‫التصساقا بحياة الناس‪ ،‬ويعسد خطبسة الجمعسة فيسه إعدادا يجعلهسا مفيدة للمسسلمين فسي مسسجده‬
‫أو في خارجه‪-‬إذا أذيعت في المذياع أو في التلفاز أو سجلت في شريط ووزعت‪.‬‬
‫وبهذا يسسسستطيع خطباء المسسسساجد أن يكونوا أكثسسسر سسسسبقا بالحسسسق إلى عقول الناس‪-‬‬
‫وبخاصة المسلمين‪.-‬‬
‫وينبغسي أن يتسم تنسسيق بيسن أئمسة مسساجد الحياء والمدن والقرى‪ ،‬فسي أخسذ كسل واحسد‬
‫منهم أو طائفة موضوعا من الموضوعات‪ ،‬وإعداد الخطبة أو الخطب فيه‪ ،‬وهكذا حتى‬
‫تطرق في اليوم الواحد وفي المدينة الواحدة وفي القطر الواحد الموضوعات التي تدعو‬
‫الحاجة إلى طرقها‪.‬‬
‫وإذا اقتضسى المسر أن يخصسص خطباء المدينسة كلهسم أو القطسر الواحسد كله موضوعسا‬
‫واحدا لخطبهم في يوم واحد‪ ،‬لكونه أهم أحداث الساعة فعلوا كذلك‪ ،‬بل لو اقتضى المر‬
‫أن يتفسق خطباء المسساجد الكسبرى فسي العالم السسلمي كله‪ ،‬على أن تكون خطسب الجمعسة‬
‫كلهسا فسي يوم واحسد فسي موضوع واحسد‪ ،‬فعلوا ذلك لكون الموضوع يتعلق بقضيسة عامسة‬
‫يحتاج لبيانها جميع المسلمين‪.‬‬
‫وقسد أصسبح هذا المسر اليوم ممكنسا عسن طريسق وسسائل التصسال السسريعة‪ ،‬وبخاصسة‬
‫الهاتف والفاكس‪ ،‬والنترنت‪...‬‬
‫وممسا يحقسق هذا التنسسيق تكويسن رابطسة لئمسة المسساجد فسي المدن والقرى فسي القطسر‬
‫الواحسد‪ ،‬ثسم فسي أقطار المسسلمين كلهسا‪ ،‬بحيسث يتسم عسن طريسق هذه الرابطسة تدارس أحوال‬
‫المسلمين وحاجاتهم وما ينبغي اتخاذه في كل شأن من شؤونهم‪.‬‬
‫إن أئمة المساجد لو فعلوا ذلك كان لهم دور كبير في سبقهم بالحق إلى العقول محليا‬
‫وعالميا‪ ،‬وكان للمساجد دور عظيم في هذا الشأن‪.‬‬
‫وهذا كان شأن المساجد وأئمتها وخطبائها في عصور السلم المفضلة‪ ،‬ويجب على‬
‫المسلمين أن يسعوا العادة ذلك الشأن لمساجدهم‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫تفاوت المساجد وأثره في السبق إلى العقول‪.‬‬
‫وكلمسا كان المسسجد أكثسر فضل واحترامسا فسي نفوس الناس‪،‬كان أجدر بأئمسة وخطباء‬
‫وعلماء أكثر كفاءة وقدرة على القيام بواجبهم على مستوى ذلك المسجد‪ ،‬فل يستوي بيت‬
‫ال الحرام وغيره مسن المسساجد‪ ،‬ول المسسجد النبوي وغيره مسن المسساجد الخرى‪ ،‬وهلم‬
‫جرا‪ ...‬كسسبيت المقدس ثسسم الجامسسع الزهسسر‪ ،‬والجامسسع الموي‪ ،‬وجامسسع الزيتونسسة وجامسسع‬
‫القيروان‪ ...‬كمسا ل تسستوي مسساجد الحياء الصسغيرة والجامسع الكسبير فسي أي مدينسة مسن‬
‫المدن‪ .‬ول يسسستوي مسسجد غالب جماعتسه مثقفون‪ ،‬وآخسسر غالب جماعتسه أميون أو غيسر‬
‫مثقفين‪ ،‬فكل مسجد ينبغي أن يوضع فيه المام والخطيب والعالم المناسب له‪.‬‬
‫إن المام الكفسء قادر على أن يسسبق إلى العقول بالحسق سسبقا يعجسز أهسل الباطسل عسن‬
‫أن يسبقوا بباطلهم إلى عقول جماعة مسجده‪ ،‬مع تفوق وسائلهم وإمكاناتهم التي غالبا ما‬
‫تكون إمكانات دولة بأكملها‪ ،‬كما هو حال الدول العلمانية‪.‬‬
‫ذلك أن المام الكفسسء تتفتسسح لصسسوته الذان عبادةً‪ ،‬كمسسا تتدبر مسسا يقرؤه أو يتكلم بسسه‬
‫العقول كذلك تعبدا‪ ،‬وتليسن لمواعظسه وزواجره القلوبُس التسي يسسرع أهلهسا إلى طاعسة ال‬
‫رغبسسا‪ ،‬وينزجرون عسسن عصسسيان أوامره وترك نواهيسسه رهبسسا‪ ،‬وبخاصسسة أن المام يتلو‬
‫عليهسسم آيات القرآن فسسي الصسسلة الجهريسسة‪ ،‬فيختار فسسي قراءتسسه مسسن اليات مسسا يناسسسب‬
‫القضايا النازلة التي تعرض للمسلمين في مدنهم وأحيائهم وبلدانهم‪ ،‬فإذا كان المقام مقام‬
‫اعتداء مسن أعداء المسسلمين على أحسد أقطارهسم‪ ،‬أكثسر مسن آيات الجهاد والتعاون والتنسا‬
‫صسر‪ ،‬وإن كان المقام مقام ظلم وقهسر على شعسب مسن الشعوب السسلمية أكثسر مسن قراءة‬
‫آيات العدل والمسر بسه‪ ،‬واليات الناهيسة عسن الظلم والعدوان‪ ،‬والمبينسة لمصسائر الطغاة‪،‬‬
‫كفرعون وهامان وجنودهما‪ ،‬وإذا كان الوقت وقت تفسخ وتحلل أخلقي أكثر من قراءة‬
‫اليات التسي تدعسو إلى الخلق الحسسنة وتنهسي عسن الخلق السسيئة‪ ،‬وإذا كان المقام مقام‬
‫محاربسسة لتحكيسسم الشريعسسة السسسلمية أكثسسر مسسن قراءة اليات اليمانيسسة واليات المرة‬
‫بتحكيم شرع ال والناهية عن تحكيم الطواغيت‪ ،‬وإذا كان المقام مقام خلف وشقاق بين‬
‫المسسلمين اختار قراءة اليات الداعيسة إلى الوحدة الناهيسة عسن التفرق والتنازع‪ ،‬وإذا كان‬
‫المقام مقام ضعسف الولء ل ولرسسوله وللمؤمنيسن والميسل إلى موالة أعداء ال مسن أهسل‬
‫الكتاب أو المشركيسسن أكثسسر مسسن قراءة آيات الولء والبراء‪ ،‬وإذا كان المقام مقام تفشسسي‬
‫المنكرات والسكوت عنها أكثر من قراءة اليات المرة بالمعروف والناهية عن المنكر‪،‬‬
‫وإذا كان المقام مقام كوارث وزلزل وحروب ومجاعات يحتاج المصسسابون بهسسا إلى مسسد‬
‫يسسسسد العون بالمال والطعام والكسسسسساء واليواء أكثسسسسر مسسسسن قراءة آيات التعاون والنفاق‬
‫والصسدقة والزكاة‪ ،‬وهكذا ل يكاد يوجسد باب مسن أبواب الخيسر إل وجسد المام الكفسء مسن‬
‫آي القرآن مسا يذكسر به الناس فسي صلتهم للمسسارعة إلى عمسل الخيسر فسي ذلك الباب‪ ،‬ول‬
‫باب من أبواب الشر إل وجد المام الكفء في آي القرآن ما يذكر الناس ويحضهم على‬
‫مقاومته‪ ،‬ويحذرهم من الوقوع فيه‪.‬‬
‫والمسلمون في أمس الحاجة إلى من يربط أحوالهم وقضاياهم بالقرآن‪ ،‬وبخاصة في‬
‫أوقات الصلة التي يصغون فيها إلى كتاب ال وهو يتلى عليهم في بيوت ال‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫هذا كله يحصل من مجرد قراءة القرآن في الصلة‪.‬‬
‫فإذا ما قام المام بعد انتهاء الصلة‪ ،‬فتل آية أو آيات مناسبة للمقام‪ ،‬وفسرها تفسيرا‬
‫موجزا‪ ،‬وبيسسن مقصسسدها‪ ،‬وحرك مشاعسسر المصسسلين بموضوعهسسا‪ ،‬وأيقسسظ عقولهسسم إلى‬
‫تدبرها‪ ،‬فقد زادهم بذلك نورا على نور‪.‬‬
‫وإذا حصسل هذا فسي أغلب مسساجد المسسلمين‪ ،‬فإنسه سسيحدث أثره الطيسب فسي جماعسة‬
‫المسسسجد وأسسسرهم وجيرانهسسم ومشار كيهسسم فسسي أعمالهسسم الوظيفيسسة وغيرهسسا‪ ،‬وسسستصبح‬
‫المسساجد مصسادر قوة وفقسه ووحدة وتعاون وطاعسة‪ ،‬وسستستعصي عقول المسة السسلمية‬
‫على محاولت أهل الباطل السبق إليها بباطلهم‪ ،‬بل سيصبح المسلمون هم السباقين إلى‬
‫عقول الناس بحقهم‪ ،‬وستقضي حركة المسجد على كثير من المشكلت التي يشكو منها‬
‫المسسسلمون اليوم شعوبسسا وحكومات‪ ،‬كتعاطسسي المسسسكرات والمخدرات‪ ،‬والعتداء على‬
‫النفوس والموال والعراض وغيرهسا‪ ،‬وسستقطع الطريسق على أجهزة العلم الموجهسة‬
‫عسن طريسق القمار الصسناعية لفسساد عقول المسسلمين وقلوبهسم‪ ،‬لن التربيسة الناشئة مسن‬
‫المسجد ستكون سدا منيعا في وجه كل فساد‪.‬‬

‫تدريممب حفظممة القرآن على السممبق بالحممق إلى‬
‫العقول‪.‬‬
‫إن هذه المعانسي يجسب أن ُي َفقّهسَ بهسا الناشئون مسن حفظسة كتاب ال وهسم كثيرون فسي‬
‫العالم السسلمي‪ ،‬لن كثيرا منهسم يصسبحون أئمسة وخطباء فسي مسساجد المسسلمين الكسبيرة‬
‫والصغير‪.‬‬
‫ويجسب أن يوضسع لهسم منهسج متدرج يفسسر لهسم فيسه القرآن الكريسم تفسسيرا موضوعيسا‬
‫مرتبطسا بواقسع المسسلمين وحاجاتهسم وقضاياهسم‪ ،‬حتسى يكونوا قراء يقتدون بابسن عباس‪،‬‬
‫وبالشبيبة الذين كان عمر بن الخطاب يجعلهم في مجلس شوراه تكريما لهم واستفادة من‬
‫علمهم‪.‬‬
‫ول ينبغي أن يقتصر حفظة القرآن الكريم على حفظ ألفاظه وتجويدها‪-‬وإن كان ذلك‬
‫عبادة في ذاته‪-‬بدون فهم لمعانيه ومقاصده التي ل بد من توعية الناس بها‪.‬‬
‫وعلى القائمين على مدارس تحفيظ القرآن الكريم أن يولوا هذا المر عنايتهم‪ ،‬ليكون‬
‫طلبهم أهل القرآن حقا كما كان السلف الصالح‪ ،‬وليسوا كما عليه كثير من القراء اليوم‬
‫الذين يقرؤون القرآن من أجل أخذ أجر عليه في المآتم وأجهزة العلم‪...‬‬

‫الوسيلة العاشرة‪ :‬العلم‪.‬‬
‫وهذه الوسسيلة هسي مسن أسسرع الوسسائل وصسول إلى عقول الناس بالحسق أو بالباطسل‪،‬‬
‫وأكثسر انتشارا‪ ،‬وأشمسل تلقيسا‪ ،‬وبخاصسة فسي هذا العصسر الذي توافرت فيسه مسن وسسائل‬
‫العلم مسا لم يتوافسر فسي أي عصسر مسن العصسور الغابرة‪ ،‬لن العلم يسستوعب الفراد‬
‫والسر والقطار ويصل إلى العالم والجاهل والمتعلم والمي‪ ،‬في الحضر وفي البادية‪،‬‬
‫وفسي البر والبحسر والجسو‪ ،‬وعلى قمسم الجبال وفسي أغوار الشعاب والوديان‪ ،‬عسن طريسق‬
‫‪149‬‬

‫القراءة والسماع والمشاهدة‪.‬‬
‫ولوسسائل العلم مسن المكانات مسا يجعلهسا تشمسل كسل موضوع يخطسر بالبال‪ .‬عقديسا‬
‫أو اجتماعيسسا أو سسسياسيا أو اقتصسساديا أو عسسسكريا‪ ،‬كمسسا أنسسه يُس َسخّ ْر لهسسا كسسل المكانات‬
‫والطاقات‪ :‬البشريسسة فسسي كسسل مجال مسسن مجالتهسسا وتخصسسصاتها‪ ،‬والماليسسة‪ ،‬واللت‬
‫والدوات‪.‬‬
‫وإن المكانات التي هيأها ال في هذا العصر في مجال العلم لم يسبق لها مثيل في‬
‫تاريسسخ البشريسسة‪ ،‬فمسسا كانسست المعلومات والرسسسائل تصسسل مسسن بلد إلى بلد مجاور إل بعسسد‬
‫حين‪ ،‬وبعد تحمل أسفار ومشاق سيرا على القدام أو ركوبا على الحيوانات التي عرف‬
‫مسن أسسرعها الخيسل‪ ،‬كمسا حاول النسسان ابتكار مسا هسو أسسرع مسن ذلك‪ ،‬وهسو تعليسم بعسض‬
‫الطيور كالحمام الذي كان ينقسسل الرسسسائل مسسن بلد إلى آخسسر‪ ،‬وهسسو مسسع سسسرعته النسسسبية‬
‫معرض لعدم الوصول إلى غايته‪ ،‬بسبب المخاطر التي قد تواجهه في طريقه‪.‬‬
‫وقسد مكسن ال تعالى لنسبيه سسليمان عليسه السسلم اسستغلل بعسض مخلوقاتسه‪ ،‬كالطيسر‬
‫والجسسن لبلغ رسسسائله وإخباره بالرد عليهسسا‪ ،‬كمسسا حصسسل له ذلك فسسي قصسسة ملكسسة سسسبأ‬
‫وقومهسا‪ ،‬ولكسن ذلك كان معجزة خاصسة منحسه ال تعالى إياهسا ل طاقسة له ول لغيره فسي‬
‫إيجادها‪.‬‬
‫أمسا العصسر الحاضسر الذي امتدت إليسه دعوة الرسسول العامسة الشاملة للبشسر جميعسا‬
‫وللمكنة والزمنة‪ ،‬وستمتد كذلك إلى يوم القيامة‪ ،‬فقد سخّر ال تعالى فيه من المكانات‬
‫مسسسا يناسسسسب هذه الدعوة الخاتمسسسة العالميسسسة فاخترعسسست العقول‪-‬عقول المسسسسلمين وغيسسسر‬
‫المسلمين‪-‬ما يدهشها ويحيرها من الوسائل التي يمكن للمة السلمية أن تتخذها لبلغ‬
‫الحق اللهسي‪-‬الذي كلفهسا ال قبوله وحمله والدعوة إليه‪-‬إلى عقول المسسلمين وغيرهم فسي‬
‫كسل صسقع مسن أصسقاع الرض‪ ،‬كمسا هيسأ لهسا مسن المكانات الماديسة مسا يجعلهسا قادرة على‬
‫اسستغلل وسسيلة العلم فسي سسباقها بالحسق إلى عقول الناس‪ ،‬فأراضيهسا الشاسسعة الغنيسة‬
‫بكل خيرات الدنيا من نواكشوط إلى جاكرتا‪ ،‬ومن عدن إلى بلدان المسلمين التي استقلت‬
‫حديثسسا‪-‬عسسن الحتلل الشيوعسسي‪-‬والتسسي تشتمسسل على كسسل عناصسسر القوة والغنسسى مسسن‬
‫المحاصسيل الزراعيسة والمعادن‪ ،‬وأعدادهسا البشريسة الهائلة التسي جاوزت المليار‪ ،‬وتوجسد‬
‫فيهسسم كفاءات فسسي كسسل علم مسسن علوم الدنيسسا والخرة‪ ،‬وكذلك المياه الوفيرة مسسن النهار‬
‫والمياه الجوفيسسة‪ ،‬والممرات المائيسسة والثروات البحريسسة‪ ،‬والغابات وأنواع الطاقسسة مسسن‬
‫البترول ومصادر الكهرباء وغيرها‪.‬‬
‫إن هذه المكانات التسي سسخرها ال لهذه المسة‪ ،‬لو وجدت مسن يقوم عليهسا ويحفظهسا‬
‫ويدبر بهسا شؤونهسا ومصسالحها‪ ،‬ومسن ذلك اتخاذ وسسيلة العلم لنقسل الحسق الذي جاء بسه‬
‫دينهسسا إلى العالم كله‪ ،‬لمكنهسسا اسسستقطاب كثيسسر مسسن البشسسر وقيادتهسسم إلى الدخول فسسي هذا‬
‫الدين‪ ،‬ومناصرته لسبق أهل الحق بحقهم إلى عقول أولئك البشر‪.‬‬
‫تأمل أول في سعة أراضي المسلمين وافترض أن كل بلد من بلدانهم استغل وسائل‬
‫العلم فسسي السسسباق بالحسسق إلى عقول الناس‪ :‬المذياع‪ ،‬والتلفاز‪ ،‬والصسسحف والمجلت‪،‬‬
‫والنشرات والعلنات‪ ،‬والكتب والمسجلت‪ ،‬والملصقات…‬
‫كسم بلدا إسسلميا فسي إفريقيسسا‪ ،‬وكسم بلدا إسسلميا فسي آسسيا؟ إن بلدان المسسلمين قادرة‬
‫‪150‬‬

‫بسسبب سسعة مسساحتها أن تغطسي بأجهزة إعلمهسا غالب الكوكسب الرضسي‪ ،‬وبغالب لغات‬
‫العالم ولهجاته‪.‬‬
‫أمسا إذا تعاونست حكومات الشعوب السسلمية على إيجاد وسسائل إعلم مركزيسة قويسة‬
‫عسن طريسق القمار الصسناعية‪ ،‬فإن الحسق الذي تحمله تلك الوسسائل سسيصل إلى كسل شسبر‬
‫في الرض وبكل لغات العالم‪.‬‬
‫ولو تعاونسست حكومات الشعوب السسسلمية مسسع المسسسلمين المقيميسسن فسسي البلدان غيسسر‬
‫السسلمية‪ ،‬كأمريكسا الشماليسة وأمريكسا الجنوبيسة‪ ،‬وأوروبسا الغربيسة والشرقيسة‪ ،‬وروسسيا‪،‬‬
‫والصسين‪ ،‬وبعسض بلدان شرق آسسيا الخرى‪ ،‬كاليابان وكوريسا‪ ،‬وتايوان‪ ،‬والفلبيسن‪ ،‬وكذا‬
‫قارة اسستراليا‪ ،‬ونيوزلندا‪ ،‬والهنسد‪ ،‬وسسيريلنكا ودول الهنسد الصسينية‪ ،‬لسستغلل مسا أمكسن‬
‫من وسائل العلم في كل بلد لبلغ الحق إلى عقول الجاليات السلمية وغيرها‪ ،‬لكان‬
‫السلم قد تمكن من الوصول إلى تلك العقول واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار‪،‬‬
‫ولقضى ذلك على التشويه‪-‬عمدا أو جهل‪-‬لهذا الدين في نفوس الناس‪.‬‬
‫إن بعسض البلدان الغربيسة بهسا مسن النظمسة والقوانيسن مسا يتيسح الفرصسة للمسسلمين أن‬
‫يسسستغلوا وسسسائل العلم‪ ،‬لنشسسر دينهسسم إذا أحسسسنوا اقتناص تلك الفرصسسة بحكمسسة ورويسسة‬
‫وعدم إثارة‪.‬‬
‫إن أفرادا مسسن المسسسلمين يمكنهسسم أن يملكوا إذاعات يبثون بهسسا مواد إسسسلمية بطرق‬
‫نظامية على مستوى المدن‪-‬كمحطات (‪ )F M‬وعلى مستوى أكثر من ذلك‪.‬‬
‫كمسا أن الغنياء مسن المسسلمين يقدرون على اسستئجار إذاعسة عالميسة لعدة سساعات ‪،1‬‬
‫وكذلك التلفاز فسسي المدن بالشتراك عسسن طريسسق الكيبسسل‪ ،‬وإقامسسة مراكسسز تلفازيسسة على‬
‫مسسستوى العالم‪ ،‬وقسسد تبدأ الدول الغربيسسة فسسي حرب تلك الوسسسائل إذا رأت فسسي مناهجهسسا‬
‫خطرا على الباطسل الذي تحمله‪ ،‬ولكسن المسسلمين إذا وضعوا خططسا مرحليسة غيسر مثيرة‬
‫مسن أول المسر ولم يضيقوا مسا وسسع ال مسن المباحات فسي مناهسج تلك المراكسز‪ ،‬وتركوا‬
‫التشدد فسسي منسسع مسسا لم يرد الشرع بتحريمسسه‪ ،‬ولو كان مكروهسسا فسسي سسسبيل إبلغ الحسسق‬
‫الواجب إلى عقول الناس‪ ،‬فإن تلك المراكز ستجد المجال مفتوحا أمامها للسباق إلى تلك‬
‫العقول‪.‬‬
‫أمسسا الصسسحف والمجلت‪ ،‬وأشرطسسة الفيديسسو والكاسسسيت‪ ،‬والنشرات‪ ،‬والعلنات‪،‬‬
‫وخطابات صسسناديق البريسسد‪ ،‬والفاكسسس والهاتسسف‪ ،‬وأجهزة اللسسسلكي‪-‬فسسي كثيسسر مسسن تلك‬
‫البلدان‪-‬والمسسسسسسارح والسسسسسسينما‪ ،‬والنوادي الثقافيسسسسسة والنوادي الرياضيسسسسسة‪ ،‬والندوات‬
‫والمؤتمرات‪ ،‬فإن المجال لسستغللها فسي إبلغ الحسق إلى عقول الناس مفتوح والفرصسة‬
‫سانحة في أغلب البلدان الغربية‪.‬‬

‫رضا الله وتمكينه أو مقته واستبداله‪.‬‬
‫لقد ابتلى ال هذه المة التي لم توجد أمة غيرها في الرض تملك الحق الذي تملكه‪،‬‬
‫وهسو ديسن السسلم الذي لحسق سسواه اليوم مسن جميسع الديان‪ ،‬ابتلهسا ال تعالى فسي هذا‬
‫‪-1‬بل يستطيعون شراء عدة إذاعات لتبث على مدى الليل والنهار‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫العصر بهذه المكانات الهائلة من وسائل العلم التي لم توجد لي أمة من أمم النبياء‬
‫السسابقين عندمسا كانست تملك الحسق اللهسي‪ ،‬كمسا ابتلى هذه المسة بجعسل دينهسا دينسا عالميسا‬
‫يجب إبلغه إلى جميع البشر‪ ،‬ويجب على كل من بلغه هذا الدين أن يؤمن به‪ ،‬ومن لم‬
‫يؤمن به بعد بلوغه فهو من أهل النار‪.‬‬
‫فإذا لم تسستغل هذه المسة هذه المكانات التسي ابتلهسا ال بهسا لتسسابق بالحسق اللهسي‬
‫الباطلَ الشيطانسي إلى عقول الناس‪ ،‬فإنهسا تسستحق مقست ال تعالى وغضبسه واسستبداله بهسا‬
‫غيرها‪ ،‬لعدم قيامها بوظيفتها التي هيأ ال لها أسباب قيامها بها‪{ :‬يا أيها الرسول بلغ ما‬
‫أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ‪{ .1‬قل هذه سبيلي أدعو إلى ال على‬
‫بصيرة أنا ومن اتبعني} ‪.2‬‬
‫سلّما للحق إلى عقول الناس‪ ،‬تقع‬
‫وبدهي أن المسؤولية الولى في اتخاذ هذه الوسيلة ُ‬
‫على مسسن تولوا أمور المسسسلمين مسسن الملوك والرؤسسساء وأعوانهسسم‪ ،‬لن إمكانات الشعوب‬
‫السسلمية كلهسا بأيديهسم وتحست تصسرفهم‪ ،‬فالوسسائل الماديسة مسن إذاعسة وتلفاز وصسحف‬
‫ومجلت‪ ،‬كلهسا تحست سسيطرتهم‪ ،‬ل يذاع شسئ ول يعرض ول يكتسب إل مسا أقروه وأذنوا‬
‫به‪.‬‬
‫وتهيئة الكفاءات البشريسسة بتأهيلهسسا وتدريبهسسا وتوظيفهسسا‪ ،‬كلهسسا ل توجسسد على الوجسسه‬
‫المطلوب‪ ،‬إل إذا قاموا هسسم بدعمهسسا‪ ،‬وإذا وجدت فل يختارون منهسسا إل مسسن هسسم عنسسه‬
‫راضون‪ ،‬لعلمهم أنه ل يخرج عن دائرة ما يرسمون له‪.‬‬
‫والمناهج العلمية والمواد التي تذاع وتعرض وتنشر وتطبع كلها مرهونة بموافقة‬
‫رقبائهم عليها‪.‬‬
‫وإذا كانست بعسض البلدان السسلمية تعطسي مسساحة جيدة للمواد السسلمية‪-‬مسع مواد‬
‫أخرى ل تنسسسجم معهسسا‪-‬فإن أغلب أجهزة العلم فسسي أغلب البلدان السسسلمية الخرى‪،‬‬
‫تقدم بهسا مواد قليلة جدا عسن السسلم‪ ،‬ل تخلو مسن تشويسه ظاهسر أو خفسي‪ ،‬ومسا يعلق منسه‬
‫مسسسن الخيسسسر فسسسي أذهان الناس تمحوه المواد الخرى المضادة للسسسسلم‪ ،‬فسسسي الجوانسسسب‬
‫اليمانيسسة والخلقيسسة والحكام المتعلقسسة بالحلل والحرام‪ ،‬حيسسث إن هذه المواد تنال مسسن‬
‫الدعم والتمكين‪ ،‬ما ل يتاح لجزء قليل جدا من السلم‪.‬‬
‫وممسسا يزيسسد الطيسسن بلة أن أجهزة العلم محتكرة بيسسد الحكومات فسسي كسسل الشعوب‬
‫السسلمية‪ ،‬وإن وجدت فسي بعضهسا مؤسسسات صسورية‪ ،‬فإنهسا فسي الواقسع فروع لجهزة‬
‫العلم الحكوميسسة‪ ،‬وهذا بخلف كثيسسر مسسن البلدان الغربيسسة التسسي يجسسد فيهسسا العلم مسسن‬
‫الحرية‪ ،‬ما يجعله يسقط زعماء وحكومات وأحزابا‪.‬‬
‫لهذا كانست المسسؤولية فسي الشعوب السسلمية تقسع على حكوماتهسا‪ ،‬لسستغلل وسسائل‬
‫سلّما للحق‪ ،‬ليصل إلى عقول الناس في العالم السلمي وغيره‪.‬‬
‫العلم واتخاذها ُ‬
‫وهذا ل يعفسسي العلماء وأهسسل الرأي‪ ،‬مسسن القيام بواجسسب النصسسح للحكام ومطالبتهسسم‬
‫بوضسع مناهسج ذات أهداف ووسسائل لجهزة العلم‪ ،‬يتحقسق بهسا‪-‬مسع تطبيقهسا فعل‪-‬سسبقُ‬
‫الحق الذي تضمنه السلم إلى عقول المسلمين وغير المسلمين‪ ،‬ول يكفي وضع أنظمة‬
‫‪-1‬المائدة‪.67 :‬‬
‫‪-2‬يوسف‪.108 :‬‬

‫‪152‬‬

‫ولوائح لجهزة العلم يُنَص فيهسا على مواد دينيسة ل يتحقسق بهسا ذلك السسبق‪ ،‬أو تكون‬
‫أنظمتها نظرية دون تطبيق في واقع المر‪.‬‬

‫السمماليب العلميممة المطلوبممة لسممبق الحممق إلى‬
‫العقول‪.‬‬
‫ول يشترط فسسي نقسسل الحسسق بأجهزة العلم أن يكون دائمسسا بالسسسلوب المباشسسر‪،‬‬
‫كالمحاضرات والمواعظ وسرد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية‪ ،‬أو أحكام فقهية وما شابه‬
‫ذلك‪ ،‬بسل يكون بذلك وبغيره مسن السساليب المسستحدثة المؤثرة‪ ،‬كأفلم الكرتون للطفال‪،‬‬
‫والقصسسسص والتمثيليات والمسسسسلسلت والمسسسسرح‪ ،‬والناشيسسسد وغيرهسسسا‪ ،‬فإن أثسسسر هذه‬
‫السساليب فسسي عقول الناس صسسغارا وكبارا ممسا يسسمع ويشاهسد ويقرأ ويرسسسم‪ ،‬أث ٌر فعال‬
‫مشاهسد اسستغله أعداء السسلم فسي سسبقهم بباطلهسم إلى عقول الناس وأصسبح ذريعسة فسي‬
‫بلدان المسلمين أنفسهم لذلك الباطل‪.‬‬
‫وإذا كان علماء المسسلمين يخافون‪-‬ولهسم الحسق أن يخافوا‪-‬مسن اختلط المشروع بغيسر‬
‫المشروع فسسي بعسسض هذه السسساليب‪ ،‬فإن عليهسسم أن يدرسسسوا كسسل أسسسلوب ومسسا يمكسسن أن‬
‫يشتمسسل عليسسه‪ ،‬مسسن مخالفات شرعيسسة واضحسسة‪ ،‬ويقرروا مسسا هسسو مشروع ومسسا هسسو غيسسر‬
‫مشروع مسسن المواد المعروضسسة‪ ،‬على أن ل يراعسسى فسسي الذن والترخيسسص المبالغسسة‬
‫والتشدد في منع ما ل نص في منعه من الشارع‪ ،‬وينبغي مراعاة باب المصالح والمفاسد‬
‫ومقاصد الشريعة السلمية في ذلك‪.‬‬
‫وبهذا يتمكسن المسسلمون مسن منافسسة أعداء السسلم فسي وسسيلة هسي مسن أهسم الوسسائل‬
‫للسباق إلى العقول‪.‬‬
‫وممسا يجسب التنسبيه عليسه‪ ،‬أن المواد التسي تتخسذ وسسيلة العلم لنقلهسا وإبلغهسا إلى‬
‫العقول‪ ،‬ليسسست قاصسسرة على موضوعات دينيسسة معينسسة‪ ،‬كمسسا قسسد يتبادر إلى الذهان عنسسد‬
‫عامسسة الناس‪ ،‬ومنهسسم العلمانيون الذيسسن يظنون أن هذه الجهزة إذا سسسيطر عليهسسا دعاة‬
‫السسسلم وأتباعهسسم سسسيكون مجالهسسا ضيقسسا‪ ،‬ل يخرج عسسن الوعسسظ والرشاد والدعوة إلى‬
‫بعض شعائر السلم‪ ،‬وتفسير آي من القرآن الكريم أو أحاديث من السنة الشريفة ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬بحسسب فهمهسم الضيسق للديسن السسلمي‪ ،‬وكذلك ظسن بعسض المتدينيسن الذيسن ضاقست‬
‫آفاقهسم عسن الفقسه الشامسل للسسلم ومقاصسده وعسن المسساحة الواسسعة للمباحات التسي ترك‬
‫السسلم للناس أن يرتعوا فيهسا دون حرج ول إثسم‪ ،‬فل ينبغسي أن يضيقوا دائرة مسا أباحسه‬
‫ال ويبالغوا في منعه‪ ،‬لن تحريم المباح منهي عنه شرعا كتحليل الحرام‪...‬‬
‫إن هذا التبادر الحاصسسسسل مسسسسن الطرفيسسسسن غيسسسسر صسسسسحيح‪ ،‬وإن السسسسلم أشمسسسسل‬
‫مما يظنون‪ ،‬كما أن الصل في الشياء الباحة‪ ،‬إل ما ورد به نص من الكتاب والسنة‪،‬‬
‫أو ما يصادم مقصدا من مقاصد الشريعة السلمية‪.‬‬
‫وإن بعسسض النصسسوص قابلة للجتهاد الصسسادر مسسن أهله‪ ،‬فالفتوى كمسسا هسسو معروف‬
‫تقدر زمانا ومكانا وشخصا‪...‬‬
‫لذلك فإن مواد أجهزة العلم‪ ،‬ستكون شاملة للكون والحياة والنسان‪ ،‬وسيجد فئات‬
‫الناس صسسغارا وكبارا ورجال ونسسساء‪ ،‬وأدباء وفقهاء ومفسسسرين ومحدثيسسن وقصسساصا‬
‫‪153‬‬

‫وكتابسسسسسسا‪ ،‬وأطباء ومهندسسسسسسسين ورجال فضاء‪ ،‬وعلماء طبقات الرض‪ ،‬وسسسسسسسياسيين‬
‫واقتصسساديين‪ ،‬واجتماعييسسن وعلماء نفسسس‪ ،‬وعسسسكريين‪ ،‬مجال رحبسسا فسسي هذه الوسسسيلة‬
‫ل إلى عقول الناس‪.‬‬
‫ق الباط َ‬
‫وسيكون ذلك كله سللم وجسورا لسبق الح ّ‬

‫قلة القيود العلميمة فمي السملم وثمرات اللتزام‬
‫بها‪.‬‬
‫ول تقييسد على نشاط هؤلء كلهسم وغيرهسم فسي اسستغلل وسسيلة العلم إل بالمور‬
‫التية‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬التزام الصدق وتجنب الكذب والتضليل‪.‬‬
‫المر الثاني‪ :‬التزام العدل واجتناب الظلم للصديق والعدو‪.‬‬
‫المر الثالث‪ :‬حفظ مقاصد الشريعة السلمية وعدم التفريط في شئ منها‪.‬‬
‫وهسي مقاصسد تنشدهسا البشريسة كلهسا‪ ،‬وتتلخسص فسي الضروريات‪ :‬حفسظ الديسن‪ ،‬وحفسظ‬
‫النسسسل‪ ،‬وحفسسظ النفسسس‪ ،‬وحفسسظ العقسسل‪ ،‬وحفسسظ المال‪ .‬ومسسا يكمسسل تلك الضروريات مسسن‬
‫الحاجيات والتكميليات‪.‬‬
‫المر الرابع‪ :‬عدم مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة‪.‬‬
‫وهسسي قيود –كمسسا ترى‪-‬قليلة جدا‪ ،‬وثمراتهسسا النافعسسة عائدة على الناس كلهسسم‪ .‬وإنسسه‬
‫لجدر بالمسلمين أن يكونوا سباقين إلى استغلل وسائل العلم المتنوعة‪ ،‬لبلغ حقهم‬
‫إلى عقول العالم‪ ،‬قبسل أن يُسسبَقوا مسن قِبَل أهسل الباطسل بإبلغ باطلهسم إلى أبنائهسم‪ ،‬ولكسن‬
‫الواقع المشاهد هو عكس هذا‪ ،‬فقد استغل أهل الباطل هذه الوسائل استغلل ل نظير له‪،‬‬
‫ولذلك عم الباطل وانزوى الحق‪.‬‬

‫لقد أسمعت لو ناديت حيا!‬
‫وهؤلء مفكرو المسلمين ودعاته يتنادون اليوم‪ ،‬منبهين المسلمين على الخطر القادم‬
‫مسن البسث المباشسر الذي لم يبسق جزء مسن الرض خال منسه عسن طريسق أدوات اسستقبال‬
‫أطلق عليهسا فسي البلدان العربيسة "الدش" ويخطسط أهسل الباطسل لصسنع أجهزة تلفازيسة ل‬
‫تحتاج إلى "الدش" وإنمسسا هسسي مزودة بآلت اسسستقبال ذاتيسسة فتكون مثسسل التلفاز العادي‬
‫لجميع الناس‪-‬وإن غل ثمنها قليل في أول المر‪.‬‬
‫ومما يؤسف له أن المسلمين‪-‬الغيورين منهم‪-‬ل يفكرون إل في كيفية اتقاء خطر هذا‬
‫البث‪ ،‬وكل فئة تفكر في الخطر من زاوية مصلحة خاصة بها‪-‬وقد لتكون مصلحة على‬
‫الحقيقة‪-‬والفئة القادرة على حشد الطاقات لدرء الخطر عن المة كلها‪ ،‬وهي فئة النظمة‬
‫الحاكمسة فسي البلدان السسلمية ل تفكسر‪-‬غالبسا‪-‬إل فسي درء الخطسر عسن سسلطتها التسي قسد‬
‫تزعزعهسسا برامسسج ومواد البسسث المباشسسر‪ ،‬بمسسا تتضمنسسه مسسن هجوم على أسسساليب الحكسسم‬
‫السستبدادي ومسا تنتهكسه مسن حقوق النسسان فسي بلدانهسا‪ ،‬ومسع ذلك فإن تفكيرهسا فسي الدفاع‬
‫عن مصالحها السياسية غير جاد‪ ،‬لن غاية ما يمكن أن تعده في برامجها هو الكثار من‬
‫مواد المدح والثناء على أنظمتهسا‪ ،‬والردود الوقتيسة على مسا يرشقهسا بسه البسث المباشسر مسن‬
‫‪154‬‬

‫انتقادات‪ ،‬وقد تعد المزيد من المواد التافهة التي تظن أنها ستلهي بها الشعوب عن التأثر‬
‫بالهجوم المرتقسسب عليهسسا‪ ،‬مثسسل المسسسلسلت الغراميسسة والتمثيليات والغانسسي والرقسسص‪،‬‬
‫والكثار مسن اللعسب الرياضسي ونحوهسا‪ ،‬وهذه الثلثسة العناصسر كلهسا‪-‬المدح المبالغ فيسه‪،‬‬
‫والردود الوقتيسة الباردة‪ ،‬ومواد اللهاء المزعومسة‪-‬سسوف ل تغنسي عنهسم فتيل‪ ،‬لن مواد‬
‫البسث المباشسر سسيوجد فيهسا مسن المواد الجادة الموثقسة‪ ،‬والمضللة مسا يقضسي على العنصسر‬
‫الول والثانسي‪ ،‬كمسا سسيوجد فيهسا مواد الغراء واللهاء مسا يشسد المشاهسد إليهسا‪ ،‬ويجعسل‬
‫الناس يهملون البسسسسث المحلي والقطري‪ ،‬وسسسسستكون لهسسسسا نتائج خطيرة على الحكومات‬
‫والشعوب في البلدان السلمية‪.‬‬
‫وكان الولى والجدر بالمسسلمين‪ :‬مفكريهسم وعلمائهسم ودعاتهسم وقادة السسياسة فيهسم‪،‬‬
‫أن يفكروا بجسد فسي اسستغلل البسث المباشسر بصسورة هجوميسة وليسست دفاعيسة‪ :‬هجوم على‬
‫عقائد فاسسدة فسي الغرب‪ ،‬وهجوم على أخلق سسيئة‪ ،‬وهجوم على اقتصساد مدمسر‪ ،‬وهجوم‬
‫على كبرياء وعنصرية تخالف دعوة حقوق النسان التي يزعم الغرب رعايتها والدعوة‬
‫إليها‪ ،‬وهجوم على معاملت أسرية واجتماعية مفككة‪.‬‬
‫وهجوم بمسا هسو أهسم وأوجسسب‪ ،‬وهسو إبلغ معانسي السسلم السسامية إلى عقول أهسسل‬
‫أوروبا وأمريكا وغيرهما‪ ،‬من إيمان قائم على الحجة والبرهان‪ ،‬ومن عبودية ل تتحقق‬
‫بها الحرية الصحيحة التي يزعم الغرب العناية بها والدعوة إليها‪ ،‬وهو في الحقيقة إنما‬
‫يدعسسو إلى جعسسل النسسسان عبدا ذليل لشهواتسسه وملذاتسسه‪ ،‬مسسن جاه ومال ومنصسسب وامرأة‬
‫وخمر ومخدر وغيرها‪ ،‬منطلقا في تصرفاته كلها من أثرته وجشعه‪.‬‬
‫إن هجوم البسث المباشسر مسن قبلنسا بمبادئ السسلم اليمانيسة والجتماعيسة والسسياسية‬
‫والقتصسادية والمنيسة وغيرهسا‪ ،‬سسيغير الصسورة السسيئة المشوهسة عسن السسلم فسي عقول‬
‫الشعوب الغربيسسة‪ ،‬وسسسيكون السسسلم مسسع مبادئ الكفسسر مثسسل عصسسى موسسسى مسسع حبال‬
‫وعصي سحرة فرعون‪:‬‬
‫فقد بطل السحر والساحر‬
‫إذا جاء موسى وألقى العصا‬
‫ول أقصسد بالهجوم الكلم الغليسظ العنيسف ضسد مبادئ الغرب‪ ،‬وإنمسا أقصسد أن تكون‬
‫هممنا أعلى وأسمى من أن نقعد مفكرين في الدفاع عن أنفسنا ضد هجوم عدونا‪ ،‬بما ل‬
‫يجدي شيئا أمام ذلك الهجوم الماكر القوي المنظم‪ ،‬بل نبدأ نحن بإبلغ حقنا إلى عقولهم‪،‬‬
‫بدل من أن يبد أوهم بإبلغ باطلهم إلى عقولنا‪.‬‬
‫وإذا كان وضعنسا الحالي ل يمكننسا مسن البدء بهذا الهجوم‪ ،‬فليكسن دفاعنسا إيجابيسا غيسر‬
‫مهزوم‪ ،‬مع بدئنا بالتخطيط للهجوم‪ ،‬بدل من الستمرار في الدفاع‪.‬‬
‫وقبسل الهجوم والدفاع ل بسد مسن تحصسين المسسلمين فسي بلدانهسم بالتربيسة السسلمية‬
‫الصسحيحة‪ ،‬حتسى يكونوا قادريسن ذاتيسا على تجنسب أخطار البسث المباشسر وغيره‪ ،‬وبدون‬
‫ذلك ل أمل في توقي خطر داخلي أو خارجي‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫اسممتغلل إمكانات المسمملمين فممي تحقيممق رغبات‬
‫أعدائهم‪.‬‬
‫وممسسا يؤسسسف المؤمن سَ ويحزنسسه أن يرى بعسسض أغنياء المسسة السسسلمية‪ ،‬يؤسسسسون‬
‫قنوات فضائيسة متخصسصة تسستغرق أزمانسا طويلة مسن البسث المباشسر وغيسر المباشسر‪ ،‬فسي‬
‫جوانسب معينسة مسن اللهسو العابسث واللعسب التافسه‪ ،‬يشغلون بهسا أوقات الشعوب السسلمية‬
‫ويفسسدون بهسا أخلقهسم‪ ،‬مسع علمهسم بجهسل أغلب تلك الشعوب بحقيقسة دينهسا‪ ،‬وبعسد كثيسر‬
‫منهم عن تطبيق هذا الدين‪.‬‬
‫وكان الجدر بهسسم أن ينافسسسوا بتلك القنوات غيرهسسا مسسن القنوات التسسي أعدت إعدادا‬
‫محكمسسا ووجهسست توجيهسسا مقصسسودا للسسسباق إلى عقول المسسسلمين‪ ،‬لزعزعسسة اليمان فسسي‬
‫قلوبهسم وتشكيكهسم فسي ثوابتسه‪ ،‬وإفسساد أخلقهسم وبسث الفرقسة والعداوة بينهسم‪ ،‬كان الجدر‬
‫بهسم أن ينافسسوا تلك القنوات بتقويسة إيمانهسم بالحجسج والبراهيسن التسي تثبتسه فسي نفوسسهم‪،‬‬
‫وبغرس الخلق السسسلمية فسسي نفوسسسهم‪ ،‬وبنشسسر العلم الشامسسل والثقافسسة المفيدة اللذيسسن‬
‫يقضيان على الميسة المنتشرة بيسن المسسلمين أو يخففان منهسا‪ ،‬سسواء كانست الميسة أميسة‬
‫القراءة والكتابة‪ ،‬أو أمية الفقه في الدين‪ ،‬أو أمية النزواء عن عناصر المعرفة‪ :‬سياسية‬
‫أو اقتصسادية أو إداريسة أو طبيسة‪ ...‬وباتخاذ الوسسائل والسساليب التسي تجمسع كلمتهسم على‬
‫الحق وتحقق بينهم الخوة اليمانية التي تنشأ عنها المحبة والتعاون على البر والتقوى‪،‬‬
‫كل ذلك يمكن أن يحصل بأساليب وطرق متعددة كما مضى‪ ،‬وليست عن طريق الوعظ‬
‫والتعليم المباشرين فقط‪ ،‬وإن كان لبد منهما‪.‬‬
‫وكان بإمكانهسم أن يسستقطبوا الكفاءات السسلمية فسي جميسع التخصسصات العلميسة‪،‬‬
‫ويدربوا شبابا مسلما على بعض الوسائل والتخصصات التي تدعو الحاجة إليها‪.‬‬
‫كان الجدر بهم أن يسخروا قنواتهم لمصلحة السلم والمسلمين‪ ،‬بدل من تسخيرها‬
‫فيمسا سسخر له كثيسر مسن القنوات الرسسمية فسي الشعوب السسلمية والدول الجنبيسة‪ ،‬ممسا‬
‫يحقق رغبات أعداء السلم في إيصال الباطل والسبق به إلى عقول أبناء المسلمين!‬
‫فهل من آذان تصغي‪ ،‬ونداء يُسمع‪ ،‬وعقول تفكر‪ ،‬وحق يُدعَم!‪.‬‬

‫مشروع مقارنات إعلمية ميدانية!‬
‫إن الذي يتتبسسع وسسسائل العلم التسسي تسسسيطر عليهسسا الحكومات فسسي غالب الشعوب‬
‫السلمية‪ ،‬ليجد غالب موادها (برامجها) تقود المة السلمية إلى المزيد من النحطاط‬
‫والتأخسر والبعسد عسن عزتهسا وكرامتهسا‪ ،‬وإلى إلهائهسا عسن أسسمى الغايات ومعالي المور‬
‫التي حققها لها أسلفها الماجد‪ ،‬والتي يجب عليها أن تسعى إلى تحقيقها واستعادتها‪.‬‬

‫تناقضات مدمرة يجب أن تدركها المة!‬
‫ولبيان هذا المشروع أضرب بعض المثال‪ ،‬وفي المثال عبر لولي اللباب‪:‬‬

‫‪156‬‬

‫المثال الول‪ :‬إلهاء الشعوب عممممممن العداد للجهاد‬
‫في سبيل الله‪.‬‬
‫وهسسو مسسن فروض العيسسن الواجبسسة على جميسسع المسسسلمين فسسي كسسل أقطارهسسم فسسي هذا‬
‫العصسسر‪ ،‬الذي احتسسل فيسسه أعداؤهسسم ديارهسسم‪ ،‬وانتهكوا أعراضهسسم‪ ،‬ودنسسسوا مقدسسساتهم‪،‬‬
‫واعتدوا على حقوقهم‪ ،‬وأصبحوا قادة لهم‪ ،‬يأمرونهم وينهونهم‪ ،‬فيسمعون لهم ويطيعون‪،‬‬
‫وحالوا بينهسسم وبيسسن إعداد القوة الرادعسسة التسسي يدفعون بسسه العدوان عسسن دينهسسم وأنفسسسهم‬
‫وأموالهم وأعراضهم‪...‬‬
‫فترى العدو اليهودي وغيره‪-‬كالصسسرب فسسي البوسسسنة وكوسسسوفا‪-‬يحشسسد جيشسسه ويعسسد‬
‫عدتسه‪ ،‬ويدرب شعبسه‪ ،‬رجال ونسساء‪ ،‬صسغارا وكبارا‪ ،‬على حمسل السسلح بكسل أنواعسه‪،‬‬
‫لرهاب المسلمين وإخضاعهم للسيطرة عليهم‪.‬‬
‫ويرى المرء كيسسف يعامسسل اليهود نسسساء المسسسلمين ضربسسا وركل وسسسحبا‪ ،‬واعتقال‬
‫وسجنا‪ ،‬كما يرى كيف يكسر اليهود أيدي وأرجل الطفال‪ ،‬وكيف يصوبون رصاصهم‬
‫إلى صسدورهم فيردونهسم قتلى‪ ،‬وكيسف يطلقون صسواريخهم على بيوتهسم فيدمرونهسا على‬
‫رءوسهم‪!...‬‬
‫ويرى فسي مقابسل ذلك قادة الشعوب السسلمية يشيدون ملعسب الرياضسة‪ ،‬ويزينون‬
‫لشبابهم تضييع غالب أوقاتهم في مزاولتها وتشجيعها‪ ،‬ويجعلونها غاية حياتهم!‬
‫تراهسسم يفرحون ويحتفلون برفسسسة كرة داخسسل شبسسك الهداف‪ ،‬حتسسى يظسسن مسسن يرى‬
‫فرحهسم واحتفالهسم أنهسم قسد فتحوا بكلمسة التوحيسد بلدا إثسر بلد‪ ،‬وحرروا القدس وأديسس أبابسا‬
‫ومانل وموسسسكو‪ ،‬رافعيسسن رايسسة السسسلم‪ ،‬مقتديسسن بعمسسر بسسن الخطاب وخالد بسسن الوليسسد‪،‬‬
‫ومحمد بن القاسم وصلح الدين‪!...‬‬
‫وتراهسم يبكون ويحزنون إذا هزموا فسي معركسة الكرة‪ ،‬حتسى يظسن مسن رأى حزنهسم‬
‫أنهم هزموا في معركة جهادية‪ ،‬أو طردوا من "قصر الحمراء" آخر معقل للمسلمين في‬
‫الندلس‪ ،‬وأنهسسسم سسسسيعدون العدة للنقضاض على عدوهسسسم مرة أخرى‪ ،‬حتسسسى ل تتكرر‬
‫المأساة‪!...‬‬

‫المثال الثانححححي‪ :‬اليهود والسححححلح النووي‬
‫والمسلمون وآلت الطرب!‬
‫المسلمون كلهم يعلمون أن اليهود قد صنعوا من السلح الهجومي مال طاقة لهم به‬
‫فسي وضعهسم المأسساوي الحالي‪ ،‬إضافسة إلى مسا يمنحسه أنصسار اليهود لليهود مسن أسسلحة‬
‫هجومية فتاكسة مجانا‪ ،‬مسع التدريب العالي لجند العدو على كسل تلك السلحة‪ ،‬وأن أسسلحة‬
‫المسسسلمين الدفاعيسسة المسسستوردة التسسي يجود عليهسسم بهسسا أنصسسار اليهود بأغلى الثمان‪،‬‬
‫وبشروط تفرض سيطرتهم على استعمالها‪ ،‬غير مجدية في الدفاع عن بلدانهم ورعاياهم‬
‫وقت الحاجة‪.‬‬
‫والشسسد مسسن ذلك أن العدو اليهودي قسسد مل ترسسسانته بالسسسلح النووي الذي صسسنعه‬
‫بنفسه‪ ،‬وأعانه على صنعه أنصاره في الغرب‪!...‬‬
‫‪157‬‬

‫ومسع هذا إذا نظرت إلى قنوات التلفاز فسي بلدان المسسلمين‪ ،‬المحليسة منهسا والفضائيسة‪،‬‬
‫ترى جيوشا من الشعوب السلمية‪-‬نساء ورجال‪ ،‬شبابا وكهول‪ ،‬يحيون لياليهم‪-‬بل قل‪:‬‬
‫يميتونهسسا‪-‬بالرقسسص الفاجسسر‪ ،‬والغناء الماجسسن‪ ،‬واتخاذ كسسل وسسسيلة مسسن وسسسائل الفحسسش‬
‫والمنكسسر‪ ،‬وترى عامسسة السسسر والفراد فسسي الشعوب السسسلمية‪ ،‬قسسد اتجهوا إلى شاشات‬
‫التلفاز واتخذوه قبلة لهسم‪ ،‬يحطمون بمناهجسه أخلقهسم‪ ،‬ويغفلون عسن مصسالحهم المهدرة‪،‬‬
‫والمفاسسد النازلة بهسم المدمرة لحياتهسم‪ ،‬بدل مسن اتجاههسم إلى القبلة ليقتدوا بمسن {تتجافسى‬
‫جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا‪}...‬‬
‫تخال بيوتهسم فسي الليسل أسسواقا‪ ،‬وفسي النهار قبورا‪ ،‬العدو يعسد العدة لهانتهسم صسباحا‬
‫ومساء! يصنع السلح النووي‪ ،‬وقادتهم هم يشجعونهم على الطرب بآلته وميوعته!‬
‫‪1‬‬

‫المثال الثالث‪ :‬السهام في إضعاف القريب وتقوية‬
‫البعيد!‬
‫المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يرثي لها‪ ،‬حيث يرى كثيرا منهم يقطعون إخوانهم‬
‫المسلمين‪ ،‬ويصلون غير المسلمين!‬
‫يتعاونون تعاونا قويا‪ ،‬مباشرا وغير مباشر‪ ،‬مع غير المسلمين سياسيا‪ ،‬واقتصاديا‪،‬‬
‫وتجاريا‪ ،‬وثقافيا‪ ،‬وإعلميا‪ ،‬وعسكريا‪ ،‬ورياضيا‪.‬‬
‫وفي غالب تعاونهم هذا خسارتهم وربح عدوهم‪.‬‬
‫وكثيرا ما يكون تعاون المسلمين مع غيرهم ضد بعض إخوانهم المسلمين‪ ،‬والمثلة‬
‫على ذلك ل تحصى‪.‬‬
‫ويقاطسع بعضهسم بعضسا مقاطعسة كاملة‪ ،‬أو شبيهسة بهسا‪ ،‬وإذا حصسل بينهسم شيسء مسن‬
‫التعاون الذي يضطرون إليسسه اضطرارا‪ ،‬فهسسو بالنسسسبة إلى تعاونهسسم مسسع غيسسر المسسسلمين‬
‫كقطرة ماء عذب سقطت في محيط مالح!‬
‫لهذا تجسسد كثيرا مسسن المسسسلمين يسسسهمون بتلك المواقسسف الشاذة‪ ،‬فسسي تقويسسة البعيسسد‪،‬‬
‫وإضعاف القريب!‬

‫المثال الرابمع‪ :‬هذا يموت ممن التخممة‪ ،‬وذلك يموت‬
‫من الجوع!‬
‫لقد أحضرت القنوات الفضائية للناظر والسامع من المتناقضات‪ ،‬ما يقتضي العجب‪.‬‬
‫ومن ذلك ما يشاهده العالم كله من السراف والبذخ في حفلت الفراح والمناسبات‬
‫والنوادي والقصور‪.‬‬
‫إنسسك لو أحصسسيت أثمان ملبسسس الفراح‪ ،‬وأثمان أدوات الزينسسة‪ ،‬والمبالغ التسسي تنفسسق‬
‫لحضار الطعمسة التسي يرمسى كثيسر منهسا فسي المناسسبات‪ ،‬وغيسر ذلك ممسا قسد ينفسق فسي‬
‫المحرمات‪ ،‬ل فسي المباحات والمكروهات‪ ،‬لو أحصسيت ذلك فسي مدينسة واحدة مسن المدن‬
‫السسلمية التسي مسن ال على بعسض أهلهسا بالمال والغنسى‪ ،‬ثسم جلت فسي تلك المدينسة نفسسها‬
‫لتتعرف على الفقراء والمحتاجين‪ ،‬لرأيت هنالك التخمة والترف والسراف‪ ،‬ورأيت هنا‬
‫‪-1‬السجدة‪.16 :‬‬

‫‪158‬‬

‫الفقر والعوز والحرمان والموت‪!...‬‬
‫فكيف لو قارنت بين بلد غني وآخر فقير؟!‬
‫كيسسف لو رأيسست البدان السسسمينة التسسي ل يسسستطيع أهلهسسا السسسير إل على وسسسائل‬
‫المواصسلت‪ ،‬ول يعيشون إل بالدويسة والعقاقيسر‪ ،‬ورأيست الطفال والنسساء والشيوخ فسي‬
‫ذلك البلد أو في بلد آخر قد يبست جلودهم على عظامهم‪ ،‬وأنهكتهم المراض لقلة الغذاء‬
‫والدواء‪ ،‬وامتلت الغبراء بجثثهم بسبب الجوع والعطش…!!‬

‫المشروع العلمي الميداني؟‬
‫إن المثلة على المتناقضات التي يعيشها العالم اليوم‪ ،‬والمسلمون جزء من هذا العالم‬
‫–وهم المقصود ون هنا‪-‬المثلة كثيرة جدا…‬
‫والمشروع العلمي الميداني الذي أقصده هنا‪ :‬أن توجد قناة فضائية أو أكثر‪ ،‬تقوم‬
‫بتوعية المسلمين بهذه العمال المتناقضة مع مصالحهم‪ ،‬لعلهم يتنبهون للمصير الخاسر‬
‫الذي ينتظرهم‪ ،‬إن هم استمروا على هذا الوضع المتردي‪!...‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬تعرض نماذج لمسا سسبق‪ :‬الشباب الرياضسي فسي ملعبه وأفراحسه‬
‫بالنتصسسارات الرياضيسسة وأحزانسسه بهزائمهسسا‪ ،‬ومسسا يلقاه مسسن دعسسم وتشجيسسع على كسسل‬
‫المسستويات‪ ،‬وأطفال الحجارة الواقفيسن بصسمود أمام العدو اليهودي الذي يتفنسن فسي قتلهسم‬
‫وتعذيبهم‪ ،‬والمسلمين الذين يدمر الصرب بيوتهم وقراهم‪ ،‬ويشردهم من ديارهم‪ ،‬وينتهك‬
‫أعراضهسم‪ ،‬ويهدم مسساجدهم‪ ،‬فسي كوسسوفا‪ ،‬ليقارن شباب الرياضسة بيسن أهدافسه ونشاطسه‬
‫وبيسسن أهداف أطفال الحجارة والمسسسلمين فسسي كوسسسوفا‪ ،‬لعله يخجسسل ويسسستحي ويعرف‬
‫الهداف العليا للمسلم‪ ،‬والولويات التي يجب أن يبلي فيها شبابه الذي سيسأله ال عنه‪.‬‬
‫وتعرض كذلك‪ :‬الفتيات اليهوديات‪ ،‬وهسسسن يقدن الدبابات‪ ،‬فسسسي أرض المعركسسسة أمام‬
‫ضباط المسلمين‪-‬كما في سيناء‪-‬وبعض صور أطفال اليهود الصغار الذين يدربهم آباؤهم‬
‫على حمسسسل السسسسلح والرمسسسي‪ ،‬وفسسسي مقابسسسل ذلك تعرض بنات المسسسسلمين فسسسي القنوات‬
‫الفضائيسة‪ ،‬وهسن يغنيسن ويرقصسن مسع الفتيان عاريات‪ ،‬وأطفال المسسلمين الذيسن يدربون‬
‫على آلت الموسسسيقى والطرب‪ ،‬أو يقضون أوقاتهسسم‪-‬فسسي أيام دراسسستهم‪-‬فسسي الملعسسب‬
‫الرياضيسة فسي الحارات‪ ،‬وتكون نتيجسة هذه التربيسة السسيئة السسقوط فسي مسستنقعات الشسر‪،‬‬
‫ومنه تعاطي المخدرات والخمور التي تعود على ضرورات المة بالنقض‪.‬‬
‫لعل في عرض هذه المتناقضات ما يدعو السر السلمية‪ ،‬وأبناء المسلمين وفتياتهم‬
‫إلى تأمسل وضعهسسم المزري الذي يعيشون فيسه‪ ،‬فيسستيقظوا مسن سسباتهم‪ ،‬بسل مسن نومهسم‬
‫العميق‪ ،‬بل من موتهم الطويل‪ ،‬فيلوموا أنفسهم على ما فوتوه من أوقات في الباطل الذي‬
‫يعود عليهم وعلى أمتهم بالخسران‪ ،‬وعلى عدوهم بالفائدة والقوة والنصر‪ ،‬وهكذا‪!...‬‬

‫الوسيلة الحادية‪ :‬المؤتمرات والندوات‪.‬‬
‫إن المؤتمرات والندوات مسسن أهسسم الوسسسائل التسسي يمكسسن اتخاذهسسا للسسسباق إلى العقول‬
‫بالحق اللهي‪.‬‬
‫‪159‬‬

‫جوانب يبرز فيها خطر المؤتمرات والندوات‪.‬‬
‫ويبرز خطر المؤتمرات والندوات في الجوانب التية‪:‬‬
‫الجانب الول‪:‬‬
‫أن المؤتمرات والندوات تعقسسد‪-‬غالبسسا‪-‬فسسي أوقات تشتسسد الحاجسسة إلى عقدهسسا لتحقيسسق‬
‫أهداف ومصالح عامة تعود على المة بالخير‪ ،‬إما لجلب مصالح وإما لدفع مفاسد واقعة‬
‫أو متوقعسة‪ ،‬فهسي‪-‬فسي الصسل‪-‬وسسيلة بحسث ودراسسة لخطوات التعاون على البر والتقوى‪،‬‬
‫تعاونسا مبنيسا على تخطيسط ومشاورة‪ ،‬وليسست مجرد مواعسظ وخطسب حماسسية‪ ،‬وإن كانست‬
‫الخطسب والمواعسظ مسن وسسائل حفسز همسم المؤتمريسن ودفعهسا إلى الجسد والعمسل‪ ،‬للوصسول‬
‫إلى النتائج المرجوة من اجتماعهم‪.‬‬
‫الجانب الثاني‪:‬‬
‫أن المشاركيسسسن فسسسي المؤتمرات والندوات‪ ،‬يكونون فسسسي الغالب مسسسن وجوه المسسسة‬
‫وأعيانها وخبرائها ومثقفيها‪ ،‬وذوي التأثير فيها‪ ،‬بحسب الهدف الذي عقد له المؤتمر أو‬
‫الندوة‪ ،‬ومن ذوي الختصاص في مجالت المؤتمر وموضوعاته‪.‬‬
‫الجانب الثالث‪:‬‬
‫أن المؤتمرات والندوات‪ ،‬يعسسسسسسد لعقدهسسسسسسا إعدادا مبكرا توضسسسسسسح بسسسسسسه الهداف‬
‫والموضوعات‪ ،‬ويختار لهسا المشاركون‪ ،‬ويسستكتب المتخصسصون‪ ،‬وتُكَوّن لذلك العداد‬
‫اللجان الْمُنَظّمَة والْمُمَوّلة‪ ،‬والمشرفسة‪ ،‬واللجان العلميسة المتخصسصة‪ ،‬وتختار لهسا عناويسن‬
‫البحوث التي تكتب وتقرأ وتمحص من قبل لجان تحكيم متخصصة‪.‬‬
‫الجانب الرابع‪:‬‬
‫أن المؤتمريسسسن يعطون الوقسسست الكافسسسي‪ ،‬لطرح أفكارهسسسم وتوصسسسياتهم ومناقشتهسسسا‬
‫مناقشات مستفيضة‪ ،‬تدون وتسجل ثم تلخص‪ ،‬فتكون منها خلصة لقرائح عقول صفوة‬
‫المتخصصين والمهتمين‪ ،‬في موضوع المؤتمر أو الندوة‪.‬‬

‫الجانب الخامس‪:‬‬
‫أنه يختار في النهاية لجنة من ذوي التخصصات المتنوعة‪ ،‬للطلع على ما دار في‬
‫المؤتمسر مسن أفكار وتوصسيات واقتراحات مسن أفراد ولجان فرعيسة لتصسوغ التوصسيات‬
‫صياغة رصينة شاملة قابلة‪-‬في الصل‪-‬للتنفيذ‪.‬‬
‫ولهذه الجوانسسسب كلهسسسا أثرهسسسا الفعال فسسسي نجاح المؤتمرات والندوات مسسسن الناحيسسسة‬
‫النظرية‪ ،‬وكذلك من الناحية العلمية‪.‬‬

‫الجانب السادس‪:‬‬
‫أن المؤتمريسن يكلفون‪-‬غالبسا‪-‬لجنسة لمتابعسة قرارات المؤتمسر وتوصسياته حتسى تؤتسي‬
‫ثمارها‪.‬‬
‫ومسن هنسا تظهسر أهميسة المؤتمرات والندوات‪ ،‬فسي التأثيسر على العقول وسسبق الحسق‬
‫إليها‪.‬‬
‫‪160‬‬

‫سنة متبعة‪.‬‬
‫وعقسد المؤتمرات للتشاور وإبداء الراء ومناقشتهسا‪ ،‬للوصسول إلى نتيجسة ترضسي ال‬
‫تعالى سنة متبعة‪.‬‬
‫فقد كان الرسول صلى ال عليه وسلم يدعو أصحابه ويجمعهم‪ ،‬ليستشيرهم ويعرف‬
‫رأيهسم ويحاورهسم بصسفته ولي أمرهسم‪ ،‬ثسم يمضسي مسا اتفسق عليسه معهسم‪ ،‬أو مسا أراه ال أنسه‬
‫خيسر‪ ،‬كمسا حصسل ذلك فسي غزوة بدر‪ 1،‬وغزوة أحد‪ ،2‬وغزوة حنيسن‪ ،‬فسي شأن غنائم أهسل‬
‫الطائف وسبيهم ‪.3‬‬
‫وقسد عقسد أصسحاب رسسول ال صسلى ال عليسه وسسلم أول مؤتمسر لهسم بعسد وفاتسه وقبسل‬
‫دفنسسه‪ ،‬فسسي شأن اختيار خليفسسة له فسسي سسسقيفة بنسسي سسساعدة‪ ،‬وأتبعوا ذلك بمؤتمسسر أعسسم فسسي‬
‫المسجد النبوي في اليوم الثاني‪ ،‬تمت في كليهما البيعة لبي بكر الصديق رضي ال عنه‬
‫‪.4‬‬
‫ولما مرض أبو بكر رضي ال عنه‪ ،‬شاور أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫فسسي اسسستخلف عمسسر‪ ،‬وكتسسب كتابسسا بذلك وقرئ على الناس فسسي المسسسجد‪ ،‬وأشرف على‬
‫الناس وقال‪( :‬أترضون بمن استخلفت عليكم‪.5 )...‬‬
‫ولما طعن عمر رضي ال عنه‪ ،‬كلف ستة نفر بأن يشاوروا الناس في اختيار خليفة‬
‫له‪ ..‬انتدبوا منهم عبد الرحمن بن عوف يشاور الناس ويشاورونه حتى تمت بيعة عثمان‬
‫رضي ال عنه‪.6‬‬
‫وعقسسد عمسسر بسسن الخطاب رضسسي ال عنسسه مؤتمرا‪ ،‬فسسي شأن الوباء الذي انتشسسر فسسي‬
‫الشام‪ ،‬توافد عليه في هذا المؤتمر كبار الصحابة وشاورهم في القدوم بمن معه إلى الشام‬
‫وعرض كسل فريسق رأيسه‪ ،‬ثسم أخسذ عمسر بمسا اتضسح له صسوابه الذي أيده‪-‬بعسد ذلك‪-‬حديسث‬
‫رواه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى ال عليه وسلم ‪.7‬‬
‫وكذلك جمسع أصسحابه رضسي ال عنسه فسي شأن أرض العراق التسي رأى عدم قسسمتها‬
‫فسسي الغانميسسن للمصسسلحة العامسسة‪ ،‬وخالفسسه بعضهسسم‪ ،‬فأخسسذ يسسستشير ويسسسمع الراء ويدلي‬
‫بحججه‪ ،‬حتى انتهى إلى ما رآه أول‪ ،‬مع شدة الخلف في ذلك ‪.8‬‬
‫وكسل تلك المؤتمرات كان الهدف منهسا إيصسال الحسق إلى العقول وإقناعهسا بسه بالحجسة‬
‫والبرهان‪.‬‬

‫‪-1‬مسلم (‪ )3/1403‬والسيرة النبوية (‪ )1/214‬لبن هشام‪.‬‬
‫‪-2‬السيرة النبوية (‪ .)2/63‬البداية والنهاية (‪ .)13-4/12‬وزاد المعاد (‪.)3/193‬‬
‫‪-3‬البخاري (‪.)100-5/99‬‬
‫‪-4‬البخاري (‪.)28-8/25‬‬
‫‪-5‬الكامل في التاريخ (‪.)2/425‬‬
‫‪-6‬البخاري (‪.)8/198( ،)4/204‬‬
‫‪-7‬البخاري (‪ )7/21‬ومسلم (‪.)4/1740‬‬
‫‪-8‬كتاب الخراج (‪.)24،27‬‬

‫‪161‬‬

‫المؤتمرات السلمية في هذا العصر‪.‬‬
‫وقسد كثرت المؤتمرات السسلمية (المنسسوبة إلى السسلم) فسي هذا العصسر‪ ،‬وهسي‪-‬‬
‫على الجمال‪-‬قسمان‪:‬‬

‫القسم الول‪ :‬مؤتمرات رسمية‪.‬‬
‫وهسي مسا تدعسو إليهسا حكومسة واحدة أو عدة حكومات‪ ،‬للبحسث فسي موضوع معيسن يهسم‬
‫تلك الحكومة أو الحكومات‪ ،‬تحتاج فيه إلى دعم إسلمي في موقفها نحوه‪ ،‬سواء كان هذا‬
‫الدعسم المطلوب مسن بعسض الحكومات لبعسض‪ ،‬أو مسن علماء المسسلمين ودعاتهسم‪ ،‬لتظهسر‬
‫أنها على حق في موقفها من ذلك الموضوع‪.‬‬
‫وهذه المؤتمرات تحشسسسد لهسسسا الطاقات الماليسسسة والبشريسسسة والوسسسسائل العلميسسسة‬
‫والتصسالت والمواصسلت‪ ،‬وكسل مسا تحتاج إليسه لنجاحهسا‪ ،‬وتحاول الجهسة الداعيسة إلى‬
‫المؤتمسر أن توجسه نشاطسه وبحوثسه ونقاشسه وقراراتسه وتوصسياته‪ ،‬لخدمسة الغرض الذي‬
‫دعت المؤتمرين من أجله‪ ،‬وهذا التوجيه قد يكون مباشرا أحيانا وقد يكون غير مباشر‪،‬‬
‫والغالب أن قرارات المؤتمسسر ونتائجسسه تكون فسسي مصسسلحة الجهسسة الداعيسسة إليسسه‪ ،‬لعوامسسل‬
‫كثيرة معروفسسة‪ ،‬وإن كان قسسد يحصسسل فيسسه مسسا ل يعلن مسسن التجاهات المضادة لبعسسض‬
‫العضاء الحاضرين‪.‬‬
‫ومسسسن المؤتمرات الحكوميسسسة البارزة الجتماعات التسسسي تعقدهسسسا منظمسسسة المؤتمسسسر‬
‫السسسلمي الذي تنضوي تحتسسه حكومات الشعوب السسسلمية‪ ،‬وإن كان بعضهسسا قسسد علق‬
‫عضويته في هذه المنظمة‪.‬‬
‫وهذا المؤتمر يضم الدول التي تصرح في دساتيرها بأنها علمانية وهي أغلب دول‬
‫المنظمسة‪ ،‬ويضسم بعسض الدول القليلة التسي تعلن أنهسا تحكسم بالسسلم‪ ،‬ولذلك تتحكسم فسي‬
‫قرارات هذا المؤتمسر ونتائجسه التجاهات المتباينسة لدى تلك الدول‪-‬وقسد تتحقسق فيسه بعسض‬
‫المصالح‪ ،‬وإن كانت ضعيفة في مقابل ما يلقيه المسلمون من مشكلت‪.‬‬
‫وقسسد تدخسسل فسسي ذلك المؤتمرات المتخصسسصة التسسي تدعسسو إليهسسا الجامعات ومراكسسز‬
‫البحوث العلميسسة الحكوميسسة‪ ،‬كالمؤتمرات الطبيسسة‪ ،‬والفلكيسسة‪ ،‬والجغرافيسسة‪ ،‬والهندسسسية‪،‬‬
‫والصناعية‪ ،‬والجتماعية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والقتصادية‪ ،‬والبيئية وغيرها‪.‬‬
‫وينبغسسي أن يغتنسسم الملتزمون بالسسسلم والدعاة إليسسه مسسن ذوي الختصسساص الذيسسن‬
‫يُدعَون لحضور هذه المؤتمرات‪ ،‬الفرص المتاحة لهم فيها لطرح ما أمكنهم طرحه‪ ،‬من‬
‫الموضوعات السسلمية المناسسبة لموضوعات المؤتمرات ولتخصسصاتهم‪ ،‬كالكلم عسن‬
‫أضرار الخمسر والمسسكرات والمخدرات‪ ،‬وأضرار الفواحسش كالزنسا واللواط‪ ،‬والنظافسة‬
‫الحسية والمعنوية في المؤتمرات الطبية‪ ،‬والحلول التي جاء بها السلم للوقاية من هذه‬
‫الضرار وعلجها‪ .‬وكذا إبراز العجاز العلمي في القرآن والسنة‪.‬‬
‫وفسي المؤتمرات القتصسادية يسبين المتخصسصون السسلميون الجوانسب القتصسادية‬
‫في السلم‪ ،‬وما فيها من حلول للمشكلت في القتصاد الرأسمالي الربوي أو القتصاد‬
‫الشتراكي‪.‬‬
‫وفسي المؤتمرات السسياسية يسبين المتخصسصون أسسس السسياسة السسلمية ومزاياهسا‪،‬‬
‫‪162‬‬

‫وكيف طبقت في الماضي وآتت ثمارها‪ ،‬وحاجة الناس إليها اليوم‪.‬‬
‫وفسسي المؤتمرات القانونيسسة يسسبين المتخصسسصون السسسلميون مزايسسا الفقسسه السسسلمي‬
‫وشموله وثباته وسموه‪ ،‬وما فيه من ثروة يمكن أن تسعد بها البشرية لو طبقت‪.‬‬
‫وفي المؤتمرات المنية يبين المتخصصون أسس المن في السلم‪ :‬المعنوية منها‬
‫والماديسسة وهكذا‪ ...‬فسسي جميسسع المؤتمرات التسسي تعقسسد فسسي أي موضوع مسسن الموضوعات‬
‫يجسسب أن يشارك فيهسسا العلماء والمفكرون والمتخصسسصون الملتزمون بالسسسلم‪ ،‬لظهار‬
‫محاسسسن السسسلم ومزاياه فسسي كسسل مجال لتنسسبيه العقول المشاركسسة إلى تلك المحاسسسن‬
‫والمزايا‪.‬‬

‫القسم الثاني‪ :‬مؤتمرات شعبية‪.‬‬
‫وهسسي المؤتمرات التسسي تقوم بهسسا جماعات إسسسلمية منظمسسة‪-‬فسسي الجملة‪-‬أو جمعيات‬
‫خيريسسة‪ ،‬أو فئة معينسسة تجمعهسسا رابطسسة خاصسسة‪ ،‬مثسسل فئة علماء الشريعسسة السسسلمية‬
‫المتنوعسسة‪ ،‬كالفقهاء والمحدثيسسن‪ ،‬ومثسسل علماء التاريسسخ السسسلمي‪ ،‬أو علماء الجتماع‬
‫السسلميين أو الطباء السسلميين‪ ،‬أو النقابات المتلزم أعضاؤهسا بالسسلم‪ ،‬كالمحاميسن‬
‫والصحفيين والمهندسين‪ ،‬والعلميين‪ ،‬وغيرهم كالطلب‪.‬‬
‫وقسسد تكون المؤتمرات المنعقدة على مسسستوى مدينسسة أو محافظسسة أو قطسسر‪ ،‬أو على‬
‫مسستوى إقليمسي يجمسع عدة أقطار متقاربسة جغرافيسا أو متشابهسة نظامسا‪ ،‬أو على مسستوى‬
‫قومسسي محدد كالدول العربيسسة‪ ،‬أو على مسسستوى قارة كآسسسيا وإفريقيسسا‪ ..‬أو على مسسستوى‬
‫عالمي‪.‬‬
‫وقسسسد يكون المؤتمسسسر المعقود محدد الوقسسست والهدف‪ ،‬كالدعوة إلى عقده مرة واحدة‬
‫لمناسبة خاصة‪ ،‬وقد يراد له الستمرار بأن يعقد دوريا‪ :‬في كل عام أو خمسة أعوام أو‬
‫أكثر أو أقل‪.‬‬
‫والفرص المتاحسسة للمؤتمرات السسسلمية الشعبيسسة تختلف مسسن قطسسر إلى آخسسر‪ ،‬ففسسي‬
‫بعض القطار تحظر حكوماتها التجمعات الصغيرة فضل عن الكبيرة بإذن وبدون إذن‪،‬‬
‫وفسي بعسض القطار قسد تأذن دولهسا بعقسد بعسض المؤتمرات بقيود تجعسل ثمارهسا محدودة‬
‫جدا‪-‬أعني بذلك دول القطار السلمية‪-‬ومن النادر أن توجد دولة في القطار السلمية‬
‫تتيح فرصة للمؤتمرات الشعبية تكون لها حرية كاملة‪.‬‬
‫ولكسن الفرص قسد تتاح فسي بعسض البلدان غيسر السسلمية فسي الغرب وتتوافسر فيهسا‬
‫الحرية أكثر من القطار السلمية‪.‬‬
‫والواجب أن يغتنم السلميون الفرص المتاحة لهم في كل مكان‪ ،‬قلت أو كثرت‪.‬‬

‫غايات المؤتمرات السلمية‪.‬‬
‫والغايات العامة للمؤتمرات السلمية‪ ،‬يجب أن تكون غايات أهل الحسق في سباقهم‬
‫إلى العقول‪ ،‬وقد سبق الحديث عنها‪.‬‬
‫ويضاف إلى تلك الغايات غايات أخرى عامسسة وخاصسسة‪ ،‬وغالبهسسا يدخسسل ضمنسسا فسسي‬
‫الغايات المذكورة سابقا‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫غايات للمؤتمرات العامة‪.‬‬
‫هناك غايات عامة ينبغي أن يجعلها المشاركون في أي مؤتمر نصب أعينهم‪ ،‬مهما‬
‫تنوعت موضوعات تلك المؤتمرات‪ ،‬ومن أهمها ما يأتي‪:‬‬

‫أول‪ :‬السمعي الجاد فمي جممع كلممة الممة السملمية‬
‫على الحق‪.‬‬
‫ويبدأ ذلك بمحاولة تخفيسسسف حدة الصسسسراع والخلف الشديديسسسن المسسسستمر يسسسن بيسسسن‬
‫المسسسلمين‪ ،‬على المسسستويين‪ :‬الرسسسمي‪ ،‬وهسسو الخلف بيسسن الدول الحاكمسسة فسسي القطار‬
‫السلمية‪ ،‬على أسس الصلح السلمية التي أمر بها ال تعالى رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وتتلخص هذه السس في ركنين أساسين‪:‬‬
‫الركن الول‪ :‬أن يكون الصلح بالعدل‪.‬‬
‫ول يجوز أن يتعمد القائمون بالصلح الوقوف بجانب القوي‪ ،‬ضد الضعيف المظلوم‪،‬‬
‫كما جرت عادة كثير من الناس‪.‬‬
‫الركن الثاني‪ :‬مناصرة المظلوم المعتدى عليه على ظالمه إذا لم يقلع عن ظلمه له‪.‬‬
‫وقد جمعت هذين الركنين آية الحجرات‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬وإن طائفتان من المؤمنين‬
‫اقتتلوا فأصلحوا بينهما‪ ،‬فإن بغت إحداهما على الخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى‬
‫أمر ال فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ال يحب المقسطين} ‪.1‬‬
‫وكذلك الختلف الحاصسسسل على المسسسستوى الشعسسسبي‪ ،‬كالختلف بيسسسن الجماعات‬
‫والحزاب السسلمية أو القبائل‪ ،‬يجسب أن يكون مسن أهداف المؤتمريسن العنايسة بالصسلح‬
‫بين هذه الفئات‪-‬وإن كان المؤتمر في الصل عقد لغرض آخر‪ ،‬فإن التمزق الذي أصاب‬
‫المسة السسلمية فسي هذا العصسر سسبب لهسا كوارث وأضعسف كيانهسا‪ ،‬ولم يبسق شعسب أو‬
‫دولة أو دول متجاورة أو متباعدة‪ ،‬إل أصسسسسسسسسسسابها هذا الداء العضال‪ ،‬ولهذا كان جديرا‬
‫بالعناية والهتمام‪.‬‬
‫وهذه الغايسة تحتاج‪-‬مسع طرقهسا فسي كسل المؤتمرات‪-‬إلى عقسد مؤتمرات خاصسة بهسا‪،‬‬
‫لوضع مشروع كامل وعمل متواصل ولجان متنوعة من رجال أكفاء يكونون محل ثقة‬
‫يسسعون لجمسع كلمسة المسسلمين بحكمسة وتجرد وصسبر‪ ،‬لوجود عقبات كأداء فسي طريقهسم‪،‬‬
‫منها الذاتي الداخلي ومنها الخارجي‪.‬‬

‫ثانيممما‪ :‬التذكيمممر المسمممتمر بتحقيمممق الخوة بيمممن‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫بحيث يحب بعضهم بعضا‪ ،‬ويحب بعضهم لبعض ما يحب لنفسه من الخير‪ ،‬وذلك‬
‫يقتضي التعاون فيما بينهم والتنا صر والتناصح والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫‪-1‬الحجرات‪.9:‬‬

‫‪164‬‬

‫‪:‬‬
‫‪.‬‬
‫ويجب إقناع المسلمين بوجوب الوقاية من تلك الخطار‪ ،‬أو دفعها بالوسائل الممكنة‬
‫التي يجب أن تتخذ لها‪.‬‬

‫رابعممما‪ :‬الدعوة إلى تطمممبيق السممملم فمممي حياة‬
‫المسلمين‪.‬‬
‫الفراد منهم والسر والشعوب والدول وعدم التفريط في شئ منه‪.‬‬
‫وتكرار العناية بهذه الغايات‪ ،‬ينبه الحاضرين وغيرهم ممن تبلغهم مناقشات المؤتمر‬
‫وبحوثه وتوصياته وقراراته على أهميتها‪ ،‬وعلى أن الواجب عليهم جعلها من الوليات‬
‫التي يجب البدء بها‪ ،‬فيكون في ذلك وسيلة من وسائل السبق بالحق إلى العقول‪ ،‬وسوف‬
‫ل يعدم المؤتمرون مناسبات في مؤتمراتهم تسوغ لهم طرق هذه الغايات ولو إجمال‪.‬‬

‫غايات المؤتمرات الخاصة‪.‬‬
‫أما غايات المؤتمرات الخاصة‪ ،‬فإنها تتحدد بطبيعة كل مؤتمر على حدة‪.‬‬
‫فقد يكون المؤتمر دعويا‪ ،‬وقد يكون تعليميا تربويا‪ ،‬وقد يكون اقتصاديا‪ ،‬وقد يكون‬
‫سسياسيا‪ ،‬وقسد يكون اجتماعيسا‪ ،‬وقسد يكون صسناعيا‪ ،‬وقسد يكون إصسلحيا‪-،‬يعنسي للصسلح‬
‫بين الناس‪-‬وقد يكون علميا شرعيا‪-‬يجتهد فيه علماء الشريعة في بعض القضايا الطارئة‬
‫التي تحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها‪ ...‬وهكذا‪...‬‬
‫فطبيعسة كسل مؤتمسر تحدد غايتسه التسي عقسد مسن أجلهسا‪ ،‬وموضوعاتسه التسي تكتسب فيهسا‬
‫البحوث ويناقشهسسسا المؤتمرون‪ ،‬والشخاص الذيسسسن يدعون لحضوره أصسسسل أو تبعسسسا‪،‬‬
‫وينبغسي أن يكون لعلماء السسلم وجود فسي كسل المؤتمرات‪ ،‬حتسى ولو كانست متخصسصة‬
‫كالمؤتمرات الطبيسسة والهندسسسية‪ ،‬فالغالب أن تشتمسسل موضوعات المؤتمرات على مسسا قسسد‬
‫يحتاج إلى فتوى فيسسه وبيان موقسسف السسسلم منسسه‪ ،‬وحضور العلماء الشرعييسسن يحقسسق‬
‫غرضين‪:‬‬
‫الغرض الول‪ :‬صسحة تصسورهم وإدراكهسم للقضايسا التسي يبحسث فيهسا المتخصسصون‪،‬‬
‫وصحة الدراك والتصور أساس في الحكم الشرعي على المدركات والمتصورات‪.‬‬
‫الغرض الثانسسي‪ :‬بيانهسسم للحكسسم الشرعسسي فسسي القضيسسة المطروحسسة‪ ،‬ليسسستفيد منهسسم‬
‫المتخصصون الذين ل يدرون الحكم الشرعي في القضية‪.‬‬
‫ثسم إن وجود علماء السسلم الشرعييسن مسع المتخصسصين فسي العلوم الخرى‪ ،‬يتيسح‬
‫لهؤلء السستفادة مسن أولئك فسي مجالت متنوعسة مسن الموضوعات السسلمية‪ ،‬يسسألونهم‬
‫عمسسا يشكسسل عليهسسم فسسي الحلل والحرام‪ ،‬وفسسي قضايسسا معاصسسرة سسسياسية واقتصسسادية‬
‫واجتماعية وغيرها‪ ،‬وفي اجتماعهم بهم في المؤتمرات فرصة قد ل يجدونها في غيرها‬
‫لكثرة أشغالهم وتفرقهم‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫وينبغي في المؤتمرات الخاصة إبراز ما يتصل بها من الموضوعات السلمية‪ ،‬في‬
‫إعداد بحوث يتعاون على إعدادهسا ذوو الختصساص فسي العلوم الكونيسة والطبيسة وعلماء‬
‫الشريعسة السسلمية‪ ،‬ويسبرز ذوو الختصساص الحقائق العلميسة‪ ،‬ويشرح علماء الشريعسة‬
‫السسلمية مسا وردت بسه النصسوص مسن الكتاب والسسنة الصسحيحة‪ ،‬ويسبينون مدى موافقسة‬
‫الحقائق العلميسة لمسا تضمنتسه النصسوص‪ ،‬ليظهسر بذلك معنسى العجاز العلمسي فسي القرآن‬
‫والسنة‪ ،‬كما هو الحال في علم الجنة وأطوار الجنين في القرآن الكريم‪.‬‬
‫وعندمسسا يكون المؤتمسسر يتعلق بالقوانيسسن والحكام تسسبين الحكام الشرعيسسة‪ ،‬ومدى‬
‫صلحيتها في الماضي والحاضر والمستقبل‪ ،‬مع سموها وشمولها والنتائج التي تتحقق‬
‫بتطبيقها‪.‬‬
‫وعندمسسسا يتعلق المؤتمسسسر بحقوق النسسسسان تسسسبرز الحقوق النسسسسانية فسسسي السسسسلم‪،‬‬
‫المنصسوص عليهسا فسي الكتاب والسسنة والمراجسع السسلمية‪ ،‬وكونهسا قسد طبقست فسي واقسع‬
‫الحياة‪ ،‬ونالت البشريسة مسن تطبيقهسا السسعادة والرخاء‪ ،‬وحاجسة البشريسة اليوم إليهسا‪ ،‬مسع‬
‫التنسبيه على أنهسا قسد جربست كسل النظسم والمبادئ البشريسة فلم تنسل مسن غالبهسا إل الشقاء تلو‬
‫الشقاء‪.‬‬
‫وعندمسسا يتعلق المؤتمسسر بالمحافظسسة على البيئة تسسبرز النصسسوص الواردة فسسي عمارة‬
‫الرض واسسستغلل خيراتهسسا‪ ،‬وغرس الشجار فيهسسا والمحافظسسة على نظافسسة الظلل بسسل‬
‫طهارتهسا وعدم تنجيسسها‪ ،‬وكذلك الطرق والشوارع وأجسر مسن أزال الذى عسن الطريسق‪،‬‬
‫وأن ذلك من شعب اليمان‪ ،‬وكون السلم أمر بالقتصاد في الكل والشرب‪ ،‬ونهى عن‬
‫السراف والتبذير‪ ،‬حتى إنه أمر بمتابعة ما في الناء من الطعام وأكله‪ ،‬حتى ل يبقى فيه‬
‫شيسء‪ ،‬ونهسى عسن البول فسي المياه‪ .‬ونهسى عسن تعاطسي كسل ضار بالنسسان وتناول كسل‬
‫خبيث‪ ،‬ويدخل في ذلك شرب الدخان ونحوه‪ ،‬مما يلوث باطن النسان وظاهره‪ ،‬ويلوث‬
‫الجواء المحيطة به‪ ،‬وأمر بنظافة الجسم والثوب والرض وطهارتها‪ ،‬حتى إن الصلة‬
‫ل تصح مع ملمسة نجاسة في ذلك كله‪.‬‬
‫وهكذا ل يوجسد موضوع مسن الموضوعات التسي تعقسد لهسا المؤتمرات‪ ،‬إل وللسسلم‬
‫فيسه قول‪ ،‬مسن ذلك الصسناعات بأنواعهسا‪ ،‬فالسسهم الواحسد يؤجسر عليسه صسانعه والرامسي بسه‬
‫ومنبله‪ ،‬والرفق بالحيوان الذي يغفر ال بسببه لساقي الكلب العطشان ذنوبه‪.‬‬
‫وهكذا الشؤون الجتماعيسسسة كالعنايسسسة بالسسسسرة والحياة الزوجيسسسة والولد والباء‪،‬‬
‫والجيران‪ ،‬وصغار السن وكبار السن والمعوقين والفقراء واللجئين…‬
‫وكذلك قضايا المن بمعناه العام الواسع الذي يشمل المة في كل شؤونها‪ ،‬كما أشار‬
‫إلى ذلك سيد قطب رحمه ال في كتابه‪ :‬السلم العالمي والسلم ‪.1‬‬
‫فيجسب أن ينبسه على أن المحافظسة على البيئة المعنويسة‪ ،‬وهسي الحرص على الطاعات‬
‫والبعد عن الفواحش والمنكرات‪ ،‬من أهم ما جاءت به الشريعة‪...‬‬
‫وهو يتلخسص في قوة اليمان والعبادة والعمسل الصسالح‪ ،‬والتربية السلمية السليمة‪،‬‬
‫والعمسسل بالحكام الشرعيسسة‪ ،‬وغرس الخلق السسسلمية‪ ،‬ثسسم تطسسبيق العقوبات الشرعيسسة‬
‫على من لم تُج ِد فيه التربية اليمانية والعبادية والخلقية‪...‬‬
‫‪-1‬وللمؤلف كتاب في هذا المعنى بعنوان‪ :‬أثر التربية السلمية في أمن المجتمع السلمي‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫نخلص من هذا كله إلى أنه ل ينبغي أن نفوت أي فرصة تسنح في أي مؤتمر‪ ،‬دون‬
‫أن تكون الدعوة إلى السسسسلم متسسسسللة فيسسسه إلى عقول الناس فسسسي فقرات موضوعاتسسسه‬
‫وبحوثه‪ ،‬ولكن ليس بمجرد الوعظ والحماس وإنما بالساليب العلمية المناسبة للمؤتمر‪،‬‬
‫حتى تكون المؤتمرات من وسائل السبق إلى العقول بالحق‪.‬‬

‫مؤتمرات لها لولوية‪.‬‬
‫ومسن أهسم المؤتمرات التسي يجسب الهتمام بهسا فسي هذا العصسر‪ :‬مسا تعلق منهسا بالدعوة‬
‫والتعليم والتربية‪.‬‬
‫وهذه البواب الثلثسسسسة مترابطسسسسة‪ ،‬ويجسسسسب أن تكون هسسسسي محور نشاط الجماعات‬
‫السسلمية التسي نصسبت نفسسها لحمسل عبسء هدايسة الناس وجمسع كلمتهسم على الحسق ضسد‬
‫الباطل‪.‬‬
‫فالدعوة إلى ال‪ ،‬الصسل فيهسا أن تكون علنيسة يقصسد بهسا كسل الناس‪ ،‬كمسا أن الصسل‬
‫فيهسسا أن تكون شاملة فسسي موضوعاتهسسا فتشمسسل الجانسسب اليمانسسي‪ ،‬والجانسسب العبادي‪،‬‬
‫والجانسب الخلقسي‪ ،‬والجانسب التشريعسي‪ ،‬والجانسب القتصسادي‪ ،‬والجانسب الجتماعسي‪،‬‬
‫والجانب الجهادي‪ ،‬والجانب السياسي‪ ،‬والجانب العلمي‪ ،‬غيرها‪.‬‬
‫والغرض أن دعاة السلم يجب أن يبينوا للمة كل ما هو مطلوب منها‪ ،‬من اليمان‬
‫والعلم والعمل الصالح الذي يرضي ربها‪ ،‬ويمكنها في الرض لنصر دينه وهداية خلقه‪،‬‬
‫ويدعونها‪-‬مع البيان‪-‬إلى التطبيق‪.‬‬
‫وإذا كانسست الفرصسسة متاحسسة للدعوة علنسسا لبلغهسسا إلى كسسل الناس‪ ،‬بهذا الشمول فسسي‬
‫الموضوعات‪ ،‬فإن واجسسسسب الدعاة إلى ال أن يجتهدوا فسسسسي إبلغ الناس كافسسسسة بكسسسسل‬
‫الموضوعات السسلمية‪ ،‬ول يجوز لهسم أن يقصسروا فسي شسئ مسن ذلك مسا داموا قادريسن‬
‫عليه‪.‬‬
‫ويدخسل فسي ذلك المؤتمرات‪ ،‬فكسل مسا رأوا الحاجسة داعيسة إلى العنايسة بموضوع مسن‬
‫الموضوعات السسسلمية وحاجتسسه إلى الدراسسسة والبحسسث والمشاورة‪ ،‬أعدوا له مؤتمرا‬
‫يحيسط بجوانبسه‪ ،‬واختاروا له العضاء المناسسبين فسي الختصساصات وفسي الدعسم‪ ،‬وهيئوا‬
‫له المكان والزمان المناسبين‪ ،‬وحشدوا له وسائل العلم لبلغ رسالته إلى الناس‪.‬‬
‫ول يقيسد الدعاة إلى ال فسي موضوعات المؤتمرات‪ ،‬إل تقديسم الولى منهسا على غيسر‬
‫الولى‪.‬‬
‫ولكسن هذيسن الصسلين‪-‬العلنيسة والشمول‪-‬غيسر متاحيسن الن على إطلقهمسا‪ ،‬فكثيسر مسن‬
‫الدول الحاكمسة للشعوب السسلمية‪-‬وبخاصسة العلمانيسة منهسا‪-‬ل تتاح فيهسا الفرص للدعاة‬
‫الصسادقين المؤثريسن أن ينشروا دعوتهسم ويبلغوهسا إلى كسل الناس‪ ،‬وإذا أتيحست لهسم فرص‬
‫التبليغ لكل الناس بالوسائل الممكنة‪ ،‬لم تتح لهم فرص بيان كل الموضوعات السلمية‪،‬‬
‫وإنما يؤذن لهم ببيان بعض الجوانب اليمانية والعبادية‪ ،‬التي ل يصل أثرها إلى تحريك‬
‫عقول المة‪ ،‬لتعي ما يجب عليها من طاعة ال وطاعة رسوله طاعة شاملة لكل حياتها‬
‫على نهسج كتاب ال وسسنة رسسوله صسلى ال عليسه وسسلم‪ ،‬وتحكيسم شرع ال ورفسض حكسم‬
‫الطاغوت الذي يحكمها‪.‬‬
‫‪167‬‬

‫وفسي هذه الحالة يجسب على علماء الدعوة ومؤسساتها‪ ،‬أن يضعوا لنشاطهم الدعوي‪-‬‬
‫في الدول التي تحارب الدعوة السلمية الشاملة‪-‬بوسيلة المؤتمرات منهجين‪:‬‬

‫المنهج الول‪ :‬مؤتمرات مصغرة‪.‬‬
‫وتكون على مسستوى المدن‪ ،‬وعلى مسستوى المناطسق‪ ،‬وعلى مسستوى القطسر‪ ،‬وعلى‬
‫المستوى القليمي‪-‬عدد من الدول المتناسبة‪-‬وعلى المستوى الدولي‪.‬‬
‫فعلى مسستوى المدينسة يحضسر المؤتمرَ مندوبون عسن أحيائهسا‪ ،‬لتدارس سسير الدعوة‬
‫فيهسا‪ ،‬وملءمسة المنهسج الذي تسسير عليسه الدعوة‪ ،‬ومدى تأثيسر الدعوة فسي الناس فسي كسل‬
‫حسسسي‪ ،‬ومسسسا يعترض الدعوة مسسن معوقات‪ ،‬ومسسا تحتاج إليسسسه الدعوة مسسن الدعسسم بالمال‬
‫والرجال‪ ،‬وتقديسسم اقتراحات لتطويسسر أسسساليب الدعوة ووسسسائلها‪ ،‬ولحسسل المشكلت التسسي‬
‫تواجههسسا‪ ،‬وإزالة المعوقات أو تخفيفهسسا‪ ،‬ومناقشسسة كسسل مسسا يمكسسن عمله مسسن أجسسل انتشار‬
‫الدعوة وحمايتهسا‪ ،‬ثسم النتهاء إلى وضسع خطسط مسستقبلية وأهداف ووسسائل لتحقيسق تلك‬
‫الهداف‪ ،‬والتزام الجميع بذلك‪.‬‬
‫وكذلك يكون مؤتمسر المنطقسة‪ ،‬ثسم مؤتمسر القطسر‪ ،‬على أن تكون تلك المؤتمرات كلهسا‬
‫محكومة بقواعد شاملة تنسقها وتنظمها‪ ،‬بحيث ل يحصل بينها تداخل أو تضارب‪.‬‬
‫وعلى المسسسستوى القليمسسسي يحضسسسر المؤتمرَ مندوبون عسسسن القطار لتدارس شؤون‬
‫الدعوة فسي كسل قطسر على حدة‪ ،‬ثسم تدارس شؤونهسا على المسستوى القليمسي‪ ،‬بحيسث تقدم‬
‫تقاريسر مفصسلة على المسستويين‪ ،‬وتوضسع خطسط وأهداف ووسسائل على المسستويين‪-‬أي‬
‫على كسسل مسسستوى وحده‪-‬مفصسسلة‪ ،‬متفقسسه وموصسسلة إلى أهداف وخطسسط ووسسسائل الدعوة‬
‫العامة في القليم كله‪.‬‬
‫وهكذا تكون المسسستويات القليميسسة مسسع المسسستوى الدولي‪-‬مثسسل مسسستوى القطار مسسع‬
‫المستوى القليمي‪.-‬‬
‫وتكون أولوية المستوى الدولي في المؤتمرات للموضوعات المناسبة لهذا المستوى‪،‬‬
‫بحيسث تكون له الصسدارة فسي القاليسم والقطار‪ ،‬كمسا تكون الوليسة على مسستوى القليسم‬
‫للموضوع الهم على مستواه‪ ،‬وهكذا القطار‪ ،‬ثم المناطق ثم المدن‪ ،‬وقد يكون موضوع‬
‫قطر واحد ذا مستوى دولي‪.‬‬
‫وبالمثال يتضح المقصود‪.‬‬
‫قضيسة فلسسطين‪-‬أرض القدس الشريسف‪-‬هسي قضيسة المسسلمين جميعسا‪ ،‬وموضوعاتهسا‬
‫تهم المسلمين جميعا‪ ،‬وذلك لعدة أسباب‪:‬‬
‫السسبب الول‪ :‬أنهسا جزء مسن بلد السسلم‪ ،‬بسل مسن أهسم أراضسي المسسلمين المقدسسة‪،‬‬
‫وأي جزء مسسن بلد السسسلم يجسسب على المسسسلمين كلهسسم حمايتسسه والدفاع عنسسه‪ ،‬إل إذا‬
‫اسستطاع أهله أو البلدان المجاورة له حمايتسه حمايسة كافيسة‪ ،‬سسقط بهسم الواجسب عسن بقيسة‬
‫المسسسلمين‪ ،‬وهذه الحمايسسة لم تحصسسل‪ ،‬فبقسسي الوجوب على الجميسسع‪ ،‬وكسسل السسسلمين اليوم‬
‫آثمون إن لم يجتهدوا في طرد الدولة اليهودية من أرض فلسطين دامت مغتصبة‪.‬‬
‫السسسبب الثانسسي‪ :‬أن هذا الجزء المقدس تواطأت‪-‬تواطؤا مباشرا أو غيسسر مباشسسر‪-‬على‬
‫اغتصسابه وغزوه وتقتيسل أهله وتشريدهسم وتهسد يسم منازلهسم‪ ،‬الدولُ الغربيسة كلهسا سسياسيا‬
‫‪168‬‬

‫واقتصاديا وإعلميا وعسكريا ودينيا‪.‬‬
‫يضاف إلى ذلك أن الدولة اليهوديسسة‪ ،‬حشدت لتأييدهسسسا كثيرا مسسن دول العالم‪ ،‬حتسسسى‬
‫بعسض حكومات الشعوب السسلمية‪ ،‬التسي عقدت معهسا علقات دبلوماسسية واقتصسادية‪،‬‬
‫وأمنيسسة‪ ،‬ومنهسسا بعسسض الدول العربيسسة‪ ،‬كمصسسر والردن‪ ،‬بسسل عقدت مسسع بعسسض حكام‬
‫الشعوب السلمية تحالفات عسكرية‪ ،‬كما هو الحال مع الحكومة التركية العلمانية‪.‬‬
‫ول تزال الدولة اليهوديسة تحشسد فسي صسفها الدول المؤيدة لهسا فسي المريكتيسن وفسي‬
‫أوروبسسا الغربيسسة والشرقيسسة‪ ،‬وفسسي إفريقيسسا‪ ،‬وفسسي آسسسيا‪ ،‬وهذه الدول تحيسسط بالشعوب‬
‫‪1‬‬
‫السلمية‪.‬‬
‫هذا مسع تمزق الدول العربيسة وتنازعهسا وفشلهسا‪ ،‬وتفريطهسا فسي حشسد شقيقاتهسا فسي‬
‫الشعوب السلمية‪!...‬‬
‫وكلمسا عظمست القوة المعتديسة عظمست المسسؤولية على المسة‪ ،‬وأهسل فلسسطين غيسر‬
‫قادريسن على الدفاع عسن أنفسسهم وأموالهسم وأعراضهسم و مقدسسا تهسم‪ ،‬فكان الواجسب على‬
‫جميسسع المسسسلمين أن يقفوا بجانبهسسم بالمال والرجال والقتصسساد والسسسياسة والجهاد بكسسل‬
‫أنواعه‪.‬‬
‫السبب الثالث‪ :‬أن أجهزة العلم العربية‪-‬متواطئة مع أجهزة العلم الغربية‪-‬وتدور‬
‫فسي فلكهسا القيادات الفلسسطينية العلمانيسة‪ ،‬قسد رسسخت فسي عقول عامسة المسسلمين‪ ،‬ومنهسم‬
‫كثير من الشعوب العربية‪ ،‬أن قضية فلسطين قضية عربية‪ ،‬فكان في ذلك تضليل لعامة‬
‫المسسلمين الذيسن يجسب أن يعلموا بأن قضيسة فلسسطين هسي قضيسة المسسلمين جميعسا‪ ،‬ويجسب‬
‫عليهم السعي بقدر الطاقة في تحريرها من اليهود‪.‬‬
‫هذه السسسباب وغيرهسسا تجعسسل مسسن قضيسسة قطسسر واحسسد‪ ،‬وهسسو فلسسسطين ذات مسسستوى‬
‫إسلمي دولي‪ ،‬وليست قضية على مستوى قطر واحد‪ ،‬ولها الولوية‪-‬في الجملة‪-‬على ما‬
‫سسواها حتسى تتجسه المسسة بقدر كاف مسن طاقتهسا لدعسسم هذه القضيسة‪ ،‬ليقوى التأثيسر على‬
‫حكومات الشعوب السسلمية‪ ،‬حتسى ل تعترف بالدولة اليهوديسة المغتصسبة التسي تدعمهسا‬
‫الدول النصرانية‪ ،‬وحتى تقاطع تلك الدول الدولة اليهودية اقتصاديا وسياسيا ومواصلت‬
‫واتصالت‪ ،‬وتقاطع كل المؤسسات التي تتعامل معها‪.‬‬
‫إن هذا المعنسى يجسب أن يعيسه المسسلمون فسي كسل العالم حتسى تبقسى الروح الجهاديسة‬
‫ومعنى الولء والبراء حية في نفوسهم‪.‬‬
‫ولهذا فإن من أهم الولويات في المؤتمرات العالمية‪ ،‬قضية فلسطين وتحريرها من‬
‫أيدي اليهود‪.‬‬
‫ومثسل قضيسة فلسسطين فسي هذه الفترة قضيسة المسسلمين فسي البوسسنة والهرسسك التسي‬
‫‪2‬‬
‫تعاونست دول الغرب كلهسا على المسسلمين فيهسا‪ ،‬وكادت تكون الندلس الثانيسة‪ ،‬ولهسا الن‬
‫أكثسسر مسسن سسسنة‪ ،‬والمؤتمرات الرسسسمية ‪ 3‬تعقسسد وتنفسسض بعسسد مناقشات وتصسسريحات‬
‫وقرارات‪ ،‬يظسن سسامعها أن علم الجهاد سسيرتفع ضسد أعداء ال المعتديسن‪ ،‬ثسم يكون المسر‬
‫‪-1‬وفي هذا الشهر‪-‬شهر صفر من عام‪1419 :‬هس كادت الدولة اليهودية تهاجم المفاعل النووي الباكستاني من أرض إسلمية‪،‬‬
‫وهي كشمير التي ل زالت الهند تغتصبها‪.‬‬
‫‪-2‬كانت كتابة هذه السطور في ‪7/11/1413‬هس‪.-‬‬
‫‪-3‬التي تعقدها حكومات الشعوب السلمية‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫كما في المثل العربي‪ :‬أسمع جعجعة ول أرى طحينا‪.‬‬
‫والمؤتمرات الشعبيسة ل تسستطيع فسي هذه الظروف أن تحرر فلسسطين‪ ،‬ول تسستطيع‬
‫أن تعمل عمل سريعا لردع الصرب والكروات عن المسسلمين‪ ،1‬ولكنهسا تستطيع أن تنبه‬
‫الشعوب السسلمية على الخطسر الذي يهددهسا كلهسا إذا هسي بقيست غافلة مسستكينة يتربسص‬
‫بهسا أعداؤهسا شعبسا شعبسا‪ ،‬وتضللهسا أجهزة العلم فسي دولهسا‪ ،‬وفسي هذا التنسبيه والتوعيسة‬
‫تهيئة وإعداد للشعوب قسد يؤتيان ثمارهمسا فسي مسستقبل قريسب أو بعيسد‪ .‬أمسا إذا بقيست فسي‬
‫‪2‬‬
‫غفلة فإنه ل يرجى منها أن تفكر في مصيرها المحتوم‪.‬‬
‫وقد تعمدت أن أضرب هذين المثالين‪-‬وهما جهاديان سياسيان‪-‬في سياق الدعوة إلى‬
‫ال والسسباق إلى العقول بالحسق‪ ،‬لبيان أن الدعوة إلى ال شاملة لكسل مسا يحقسق للمسسلمين‬
‫مصسالحهم ويدفسع عنهسا المفاسسد‪ ،‬وليسست مقصسورة على دعوتهسم إلى الجوانسب اليمانيسة‬
‫والعبادية فقط‪ ،‬كما يفهم ذلك من قصر علمهم بالكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم ونهج علماء الدعوة الذين فقهوا الكتاب والسنة والسيرة النبوية‪.‬‬

‫المنهج الثاني‪ :‬مؤتمرات عامة‪.‬‬
‫يدعسى لهسا القادرون على حضورهسا مسن عامسة الناس‪ ،‬ول تقتصسر على مندوبيسن مسن‬
‫صسفوة العلماء والمفكريسن والمتخصسصين‪-‬وإن كانوا هسم المسسئولين عسن دراسسة أهدافهسا‬
‫ووسسسائل العمسسل مسسن أجسسل تحقيقهسسا والعداد السسسابق للدعوة إليهسسا‪-‬سسسواء كانسست تلك‬
‫المؤتمرات على مسستوى المدن‪ ،‬أو على مسستوى المناطسق‪ ،‬أو على مسستوى القطار‪ ،‬أو‬
‫على مستوى القاليم‪ ،‬أو على المستوى الدولي‪.‬‬
‫ويكون الهدف مسسن هذه المؤتمرات العامسسة‪ ،‬توعيسسة المسسة كلهسسا بموضوعات يرى‬
‫علماء المسلمين وقادتهم أن الحاجة تدعو إلى تعريف المسلمين بها وحثهم على الهتمام‬
‫بها‪ ،‬وإقناعهم بوجوب بالمصالح المترتبة على العمل من أجلها‪ ،‬والضرار الناتجة عن‬
‫التقصسسير فسسي شأنهسسا والتهاون فسسي أمرهسسا‪ ،‬ووجوب السسسعي الكامسسل فسسي اتخاذ السسسباب‬
‫المتاحسة المحققسة لهدافهسا‪ ،‬وإصسدار القرارات التسي يمكسن للمؤتمريسن تنفيسذ مضمونهسا‪،‬‬
‫والتوصسسيات التسسي ينبغسسي تبليغهسسا إلى غيرهسسم مسسن القادريسسن القيام بمحتوياتهسسا‪ ،‬وتكويسسن‬
‫اللجان اللزمة لمتابعة تلك القرارات والتوصيات معا…‬

‫مؤتمرات تعليمية‪.‬‬
‫ومسسن أمثلة المؤتمرات العالميسسة التسسي يحتاج إلى عقدهسسا المسسسلمون فسسي كسسل العالم‪-‬‬
‫الشعوب السسسسلمية و القليات السسسسلمية‪-‬مؤتمرات التعليسسسم فسسسي المدارس والمعاهسسسد‬
‫والجامعات السسلمية الهليسسة‪ ،‬لرفسسع مسستوى التعليسم فيهسسا بمراجعسة المناهسج والخطسسط‬
‫والكتب ووسائل التدريس واليضاح وكفاءة المدرسين بها‪ ،‬لتكون كلها صالحة لتخريج‬
‫‪-1‬لنها ليست مطلقة الحرية في عقد المؤتمرات وقراراتها ومتابعة تلك القرارات في جمع التبرعات وإيصالها إلى المجاهدين‬
‫في فلسطين والبوسنة وغيرهما إل بطرق خفية عن حكوماتها وبخاصة العلمانية التي يسرها ضرب المجاهدين ولو كان المعتدون‬
‫يهود أو نصارى أو شيوعيين‪.‬‬
‫‪-2‬وقسد حصسل فسي هذه اليام‪-‬أكتسب هذه السسطور فسي السسبوع الول مسن شهسر جمادى الخرة‪-‬للمسسلمين فسي كوسسوفا مسا حصسل‬
‫للمسسلمين فسي البوسسنة والهرسسك‪ ،‬وموقسف المسسلمين مسن هذه الكارثسة هسو موقفهسم مسن كارثسة المسسلمين فسي البوسسنة والهرسسك‪ :‬شعسب‬
‫يباد‪ ،‬واحتجاجات وإنذارات كاذبة من دول الغرب ومن مجلس المن ضد الصرب المعتدين‪ ،‬وحرب من دول الغرب ومن حكومات‬
‫الشعوب السلمية ضد من يريد مناصرة المسلمين في كوسوفا من المجاهدين المسلمين…!‬

‫‪170‬‬

‫طلب أكفاء قادرين على استيعاب العلوم السلمية المتنوعة‪ ،‬وعلى أخذ حظ وافر من‬
‫العلوم الكونية وغيرها‪ ،‬كما مضى في فقرة‪ :‬وسيلة التعليم‪.‬‬
‫إن الذيسن يتولون شؤون التعليسم الخاص فسي الشعوب السسلمية‪ ،‬توجسد بينهسم فروق‬
‫كسسبيرة جدا فسسي مناهسسج التعليسسم التسسي وضعوهسسا وخططسسه وكتبسسه ووسسسائله‪ ،‬فتجسسد بعسسض‬
‫المدارس تهتسم بالعلوم الرياضيسة والطبيسة والمهنيسة وغيرهسا مسن علوم الحياة‪ ،‬ول تهتسم‬
‫بالعلوم السسسلمية‪ ،‬بحيسسث تجسسد طلبهسسا ل يفقهون فروض العيسسن التسسي ل يسسسع المسسسلم‬
‫جهلهسا‪ ،‬وتجسد فسي الجانسب الخسر مدارس تهتسم بتدريسس بعسض العلوم السسلمية‪ ،‬بمناهسج‬
‫قديمسة وكتسب معينسة وبوسسائل تدريسس عقيمسة‪ ،‬وترى مدرسسيها ل يدري كثيسر منهسم شيئا‬
‫يذكسر عسن الثقافات المعاصسرة‪ ،‬فيتخرج مسن هذه المدارس طلب يحفظون بعسض المتون‬
‫وبعسسض الحكام ل يفقهون معناهسسا حسسق الفقسسه‪ ،‬أمسسا مسسا يتعلق بثقافسسة العصسسر ومشكلت‬
‫المسلمين وما يجب أن يتخذ لها من حلول‪ ،‬فإن عقول كثير منهم قد حجزت عن معرفتها‬
‫والتفكيسر فيهسا‪ ،‬على عكسس الصسنف الول الذيسن عندهسم ثقافسة معاصسرة وعلوم مسن الحياة‬
‫الدنيويسة‪ ،‬ولكسن كثيرا مسن المشكلت التسي يتعرض لهسا السسلم تكمسن فيهسم‪ ،‬إذ الفكار‬
‫التي زرعت في عقولهم أفكار علمانية أو غير سليمة عن السلم‪.‬‬
‫ومسسن النادر أن تجسسد مدارس جمعسست بيسسن الحسسسنيين‪ :‬حسسسنى الدراسسسات السسسلمية‬
‫الشاملة التي يتمكن طلبها من التفقه في الدين‪ ،‬تفقها يعتقدون به أن السلم منهج شامل‬
‫لحياة النسسان كلهسسا ويطبقونسه فسسي حياتهسم على هذا السساس‪ ،‬وحسسنى معرفسة مسا ينفسع‬
‫المسلمين في حياتهم الدنيا من العلوم والثقافة لتخاذه وسيلة لقوتهم وتقدمهم‪ ،‬ومعرفة ما‬
‫يضرهم فيجتنبونه ويتخذون من الوسائل ما يقيهم شره‪.‬‬
‫لهذا تظهسر الحاجسة إلى عقسد مؤتمرات تعليميسة‪ ،‬يجتمسع فيهسا علماء مسسلمون من ذوي‬
‫التخصسسصات المتنوعسسة وخسسبراء تعليسسم إسسسلميون‪ ،‬مسسع زعماء المؤسسسسات التعليميسسة‬
‫السسلمية فسي العالم السسلمي‪ ،‬لتدارس شؤون التعليسم ومحاولة توحيسد المناهسج‪-‬ولو فسي‬
‫إطارهسا العام فسي أول المسر‪-‬ووضسع المواد اللزمسة فسي العلوم الدينيسة والعلوم الكونيسة‬
‫الخرى‪.‬‬
‫ول بسد أن يسسبق المؤتمرات العامسة مؤتمرات قطريسة‪-‬أي مؤتمسر أو أكثسر لكسل قطسر‬
‫إسسسلمي‪-‬ومؤتمرات إقليميسسة‪-‬لعدة أقطار متجاورة أو متشابهسسة‪-‬يشترك فيهسسا‪-‬المؤتمرات‬
‫القطريسسسة أو القليميسسسة‪-‬زعماء المؤسسسسسات التعليميسسسة فسسسي القطار أو القاليسسسم‪ ،‬وعلماء‬
‫مسسلمون وخسبراء تعليسم‪ ،‬يسستعرضون المناهسج والكتسب والسساليب التعليميسة الموجودة‪،‬‬
‫ويضيفون ما يرون إضافته من المواد الخرى‪ ،‬ويقترحون ما يرون من تعديل بزيادة أو‬
‫نقص‪ ،‬وما يناسب من وسائل التعليم وأساليبه‪ ،‬ويحصرون التخصصات التي ينبغي أن‬
‫تتوافر في المدرسين على ضوء منهج جديد مقترح ووسائل تحقيق تلك التخصصات‪ ،‬ثم‬
‫تجمسسع تلك الدراسسسات فسسي تقاريسسر وتعرض على العلماء والخسسبراء الذيسسن سسسيحضرون‬
‫المؤتمرات العالميسسسة‪ ،‬وتعسسد لهسسسم عناويسسن الموضوعات المناسسسسبة ليكتبوا فيهسسا بحوثسسا‬
‫وملخصات لعرضها في المؤتمرات‪.‬‬
‫فإذا نوقشست التقاريسر والبحوث واتفسق على قرارات أو توصسيات‪ ،‬كونست لهسا لجان‬
‫متابعة قطرية تقودها لجنة عالمية لمحاولة تنفيذ تلك القرارات والتوصيات‪.‬‬
‫‪171‬‬

‫وقسد يكون تنفيذهسا فسي كسل القطار صسعبا‪ ،‬لسسباب مختلفسة‪ ،‬ويمكسن أن يجتهسد فسي‬
‫تنفيذها في بعض القطار‪ ،‬لتكون نموذجا ومثال يحتذى في بقية القطار حسب المكان‪،‬‬
‫ويحسسن أن تنفسذ نماذج منهسا فسي جهات مختلفسة‪ ،‬فيكون أحسد النماذج فسي شرق إفريقيسا‪،‬‬
‫وآخر في غربها‪ ،‬وآخر في جنوبها‪ ،‬وهكذا ينفذ نموذج في شرق آسيا وآخر في جنوب‬
‫شرق آسسيا‪ ،‬وينفسذ آخسر فسي بعسض دول المسسلمين التسي اسستقلت عسن التحاد السسوفيتي‬
‫السابق‪ ،‬وآخر في شرق أوربا‪ ،‬وآخر في غربها‪ ،‬وآخر في أمريكا الشمالية ونموذج في‬
‫أمريكسسا الجنوبيسسة‪ ،‬ليظهسسر أثسسر كسسل نموذج فسسي الدول المجاورة‪ ،‬فتتأثسسر بسسه المؤسسسسات‬
‫التعليمية فيها‪ ،‬لن الناس يتأثرون بالواقع المشاهد أكثر من المقترح النظري‪.‬‬

‫مؤتمرات دعوية‪.‬‬
‫ومن المثلة للمؤتمرات العالمية التي يحتاج إليها المسلمون مؤتمرات الدعوة‪ ،‬وهي‬
‫حاجة عامة شاملة للمسلمين وغير المسلمين في كل أنحاء العالم‪ ،‬وفي كل الوقات‪.‬‬
‫ومؤتمرات الدعوة العالميسسة تحتاج قبسسل عقدهسسا إلى دراسسسة جادة وعميقسسة‪ ،‬مسسن قبسسل‬
‫مختصسين يحددون أهدافهسا القريبسة والبعيدة‪ ،‬ومناهجهسا وأسساليبها ووسسائلها‪ ،‬ويكتبون فسي‬
‫ذلك بحوثسا محددة‪ ،‬وهذه الدراسسة وحدهسا تحتاج إلى مؤتمسر عالمسي مصسغر يجتمسع فيسه‬
‫أفذاذ العلماء والدعاة وزعماء الجماعات السسسلمية‪ ،‬وعلى ضوئه يحدد المكان والزمان‬
‫ويحضسر الشخاص الذيسن ينبغسي أن يُدْعَوا لحضوره وتمويله والموضوعات التسي توزع‬
‫على القادرين للكتابة فيها‪ ،‬واللجان الدارية والتنظيمية والعلمية وغيرها‪ ،‬حتى إذا ما‬
‫اجتمسسسع المؤتمرون وجدوا أمامهسسسم موضوعات عمليسسسة محددة‪ ،‬تدرس لتنفسسسذ قرارتهسسسا‬
‫وتوصسياتها‪ ،‬ل لتحفسظ فسي ملفات يأكسل عليهسا الدهسر ويشرب كمسا هسو واقسع كثيسر مسن‬
‫المؤتمرات التي تعقد الن‪.‬‬
‫ويجدر بالمؤتمرين أن يبدؤوا في مؤتمراتهم بالوليات من الموضوعات التي يترتب‬
‫عليهسا تقدم الدعوة وانتشارهسا وكفاءة الدعاة‪ ،‬ودعوة الناس إلى مسا يجهلونسه مسن اليمان‬
‫والعبادات العينية والمعاملت اليومية‪ ،‬مثل فقه السرة وبعض أحكام الحلل والحرام‪.‬‬
‫وكذلك تحذيرهسسم ممسسا يحيسسط بهسسم مسسن المخاطسسر الحاضرة مسسن أعدائهسسم ووجوب‬
‫اجتماعهم على الحق والتعاون على البر والتقوى‪.‬‬
‫ويتلخص ذلك في المور التية‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬إعداد برامج لتدريب قادة الدعاة تؤهلهم لتخريج دعاة أكفاء‪.‬‬
‫وهذه البرامسسج تشمسسل التفقسسه فسسي العلوم السسسلمية المتنوعسسة‪ ،‬مسسن مصسسادرها وفسسي‬
‫طليعتهسا الكتاب والسسنة والسسيرة‪ ،‬وكتسب العقيدة السسلفية السسليمة مسن التعقيدات الكلميسة‬
‫والفلسسسفية‪ ،‬وعلوم التفسسسير وكتبسسه وعلوم الحديسسث وكتبسسه‪ ،‬وأصسسول الفقسسه وكتبسسه وكتسسب‬
‫الخلق‪ ،‬والثقافسة‪ ،‬ومعرفسة شبهات العداء كالمسستشرقين والمنصسرين وغيرهسم والرد‬
‫عليهسا بالبرهان والحجسة‪ ،‬وإجادة بعسض اللغات العالميسة أو بعسض اللغات المحليسة حسسب‬
‫الحاجسة‪ ،‬ومعرفسة البيئات والعادات للبلدان التسي تسسند إليهسم شؤون الدعوة فيهسا‪ ،‬وكذلك‬
‫معرفسة أديان أهلهسا مسع مقارنتهسا والسستعداد لكشسف معايبهسا وإظهار محاسسن السسلم‪،‬‬
‫وكونه هو الدين الحق الذي ل يوجد دين حق سواه‪.‬‬
‫‪172‬‬

‫هذا التدريسسب يكون‪-‬فسسي الصسسل‪-‬لذوي المؤهلت فسسي الدراسسسات السسسلمية‪ ،‬ولكسسن‬
‫ينبغسسي أن يختار عدد مسسن ذوي المؤهلت الخرى كالمهندسسسين والطباء والكهربائييسسن‬
‫والبيطرييسسن وغيرهسسم‪ ،‬مسسن ذوي المهسسن ممسسن عندهسسم ثقافسسة إسسسلمية محدودة وثقافسسة‬
‫معاصسرة‪ ،‬وتعقسد لهسم دورات تدريبيسة فسي العلوم السسلمية السسابقة‪ ،‬ليأخذوا حظسا كافيسا‬
‫منهسا‪ ،‬ليؤهلهسم لتعليسم الناس فروض العيسن وتوعيتهسم بمسا يجسب أن يعلموه فسي حياتهسم‪،‬‬
‫ويسسساعدوا المحتاجيسسن إلى علومهسسم مسسن فقراء المسسسلمين وغيرهسسم بالدواء والتعميسسر‬
‫والزراعة وتربية الدواجن والماشية وبعض المهن العملية‪ ،‬كالنجارة والخياطة ونحوها‪،‬‬
‫ليجمع الدعاة إلى السلم بين بيان السلم والدعوة إليه وبين ترقية الناس المعاشية‪ ،‬ول‬
‫يتركوا هذه الخيرة لغيرهم من المنصرين‪.‬‬
‫وهؤلء الدعاة بنوعيهم يُدَرّبون‪-‬مع دعوتهم عامة الناس‪-‬من يرونهم ذوي قدرة على‬
‫السستيعاب فسي كسل بلد مسن بلدان المسسلمين أو غيرهسم‪ ،‬لمناهسج الدعوة ونقلهسا إلى بنسي‬
‫قومهم بلسانهم‪ ،‬لما في ذلك من النتشار السريع للدعوة بكثرة القائمين بها‪.‬‬
‫ومسن الوسسائل التسي تسسهل تدريسب الدعاة على تنوع مسستوياتهم‪ ،‬إنشاء معاهسد عليسا‬
‫لذوي المؤهلت فسي الدراسسات السسلمية‪-‬خاصسة بمناهسج الدعوة وأسساليبها ووسسائلها‪ ،‬ل‬
‫تزيسد مدتهسا عسن سسنتين ول تنقسص عسن سسنة‪ ،‬يسستقدم لهسا علماء كبار متخصسصون وذوو‬
‫خسبرة فسي هذا المجال‪ ،‬بحيسث تكون الدراسسة قويسة والمواد مختارة مناسسبة‪-‬مسع التدريسب‬
‫العملي الميداني على مسا يدرسون‪ ،‬وتقوى عندهسم الجوانسب العبادية ليكونوا قدوة لغيرهم‬
‫فيما يدعونهم إليه‪.‬‬
‫وكذلك تنشسسسسأ معاهسسسسد متوسسسسسطة لذوي الثقافسسسسة السسسسسلمية المحدودة مسسسسن ذوي‬
‫الختصاصات الخرى‪ ،‬يأخذون فيها ما يؤهلهم لمهمتهم الدعوية كما مضى‪ ،‬وتحدد لهم‬
‫المواد التي يحتاجون إليها والمراجع والمدة المناسبة مع تدريبهم العملي‪.‬‬
‫المسر الثانسي‪ :‬أن يبدأ الدعاة فسي كسل بلد بالموضوعات الهسم فسي ذلك البلد‪ ،‬فإذا كان‬
‫أهسل البلد يجهلون فروض العيسن‪ ،‬كأصسول اليمان وقواعسد السسلم التسي تضمنهسا حديسث‬
‫جبريسسل المشهور‪ ،‬والحكام المتعلقسسة بهسسا كصسسفة الصسسلة وأركانهسسا وشروطهسسا‪ ،‬وأموال‬
‫الزكاة ومقاديرهسا ومصسارفها‪ ،‬وصسيام رمضان ومسا يتعلق بسه مسن واجبات ومفطرات‪،‬‬
‫ومناسسسك الحسسج‪ ،‬فإن على الدعاة أن يبدءوا بهذه الفروض بالترتيسسب الذي لقنسسه الرسسسول‬
‫صلى ال عليه وسلم لداعية اليمن معاذ بن جبل رضي ال عنه‪[ :‬فليكن أول ما تدعوهم‬
‫إليسسه شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسسسول ال‪ ،‬فإن هسسم أطاعوك لذلك فأخسسبرهم أن‬
‫عليهسسم خمسسس صسسلوات‪ ،‬فإن هسسم أطاعوك لذلك فأخسسبرهم أن عليهسسم صسسدقة تؤخسسذ مسسن‬
‫أغنياءهم فترد على فقرائهم‪]...‬‬
‫فإن وجدهسم على علم بذلك ويجهلون غيره‪ ،‬فليعلمهسم مسا يجهلون الهسم فالهسم‪ .‬مسع‬
‫مراعاة نفور النفوس عما تألف والتدرج مع أهلها في ذلك‪ ،‬كما هي سنة الرسول صلى‬
‫ال عليسه وسسلم‪ ،‬وبخاصسة مسع غيسر المسسلمين أو المسسلمين بالسسم الذيسن يجهلون كسل شسئ‬
‫فسي السسلم‪ ،‬فإن مطالبتهسم دفعسة واحدة بأداء كسل الفرائض واجتناب كسل النواهسي بدون‬
‫تدرج حكيم‪ ،‬قد ينفرهم من السلم كله‪.‬‬
‫المسسسسر الثالث‪ :‬أن يتدارس المؤتمرون الموضوعات المهمسسسسة التسسسسي يحتاج إليهسسسسا‬
‫‪173‬‬

‫المسسلمون لتوعيتهسم بهسا فسي أمور دينهسم ودنياهسم وتحصسر عناوينهسا‪ ،‬ويحصسر العلماء‬
‫القادرون على التأليسف والكتابسة فيهسا أو إلقاء محاضرات تسسجل فسي أشرطسة كاسسيت أو‬
‫فيديسو‪ ،‬أو تعقسد ندوات وتسسجل كذلك ويسستنسخ منهسا أعداد كافيسة لنشرهسا وتوزيعهسا على‬
‫العالم السسسلمي‪ ،‬عسسن طريسسق إدارة خاصسسة بنشسسر الدعوة‪ ،‬وكذلك تطبسسع فسسي رسسسائل‬
‫وكتيبات صغيرة بكميات كثيرة بلغات عالمية ومحلية وتوزع على المسلمين‪.‬‬
‫وليس من الصعب أن تكتب أو تقرأ تلك الموضوعات في الشرطة بلغات المسلمين‬
‫المتنوعسسة‪ ،‬فالبلدان السسسلمية ممتدة فسسي القارتيسسن‪ :‬السسسيوية والفريقيسسة مسسن مشارق‬
‫الرض إلى مغاربهسا‪ ،‬وقلمسا يوجسد بلد ل يوجسد فيسه طلبسة علم قادرون على الترجمسة أو‬
‫التأليسسف أو القراءة‪ ،‬كمسسا أن المسسسلمين منتشرون فسسي القارات الربسسع الخرى‪ :‬أوربسسا‬
‫وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا‪ ،‬بل وفي أطراف العالم كله‪.‬‬
‫إن أي موضوع مسن الموضوعات التسي تهسم المسسلمين يمكسن أن يصسل إلى المسسلمين‬
‫كلهسسم فسسي العالم خلل فترة قصسسيرة جدا بتلك الوسسسائل‪ ،‬لسسسرعة المواصسسلت الجويسسة‬
‫والبحريسة والبريسة‪ ،‬ولوجود التصسالت التسي تحطسم حواجسز الرقابسة والمنسع‪ ،‬كالقنوات‬
‫الفضائية والفاكسات والنترنت‪ ،‬وغيرها…‬
‫وما أحوج المسلمين اليوم إلى اتخاذ هذه الوسائل‪ ،‬لبلغ ما يهمهم إلى كل مسلم في‬
‫العالم سسواء كان متعلقسا بالشعائر التعبديسة أو الجتماعيسة أو السسياسية أو القتصسادية أو‬
‫العسسكرية‪ ،‬حتسى ينتشسر الوعسي ويشعروا كلهسم أنهسم معنيون بتلك الموضوعات والتعاون‬
‫على البر والتقوى فيها‪.‬‬

‫‪174‬‬

‫مؤتمرات عملية‪.‬‬
‫وينبغسسي أن يكون الهدف مسسن عقسسد مؤتمرات العمسسل السسسلمي المقدور عليسسه‪ ،‬تنفيسسذ‬
‫قرارات المؤتمسسسسسسر المعقود وتوصسسسسسسياته‪ ،‬وليسسسسسسس مجرد الجتماعات وإلقاء البحوث‬
‫والمحاضرات والمناقشات الكثيرة التسسي تتمخسسض عسسن قرارات وتوصسسيات كثيرة‪ ،‬قسسد‬
‫تكرر فسي مؤتمرات أخرى بدون تنفيسذ ومتابعسة‪ ،‬والولى أن تنفسق الموال التسي ترصسد‬
‫لمثال هذه المؤتمرات التي ل تنفذ قراراتها‪ ،‬في نشاطات إسلمية عملية تحتاج إلى تلك‬
‫الموال‪ ،‬كقوافسسل الدعوة‪ ،‬ومدارس المسسسلمين القائمسسة المحتاجسسة إلى المسسساعدة‪ ،‬وإنشاء‬
‫مدارس جديدة‪ ،‬وإنشاء مسساجد فسي أماكسن يحتاج إليهسا المسسلمون‪ ،‬وطبسع كتيبات ورسسائل‬
‫ومنشورات تصسسل إلى الناس لتعرفهسسم بالسسسلم وفرائضسسه‪ ،‬بدل مسسن إنفاق تلك الموال‬
‫الطائلة على مؤتمرات غير مجدية وإن كان الهدف منها صحيحا عند من يدعو إليها من‬
‫المخلصين‪.‬‬
‫ولو نفذت قراراتهسا وتوصسياتها لكان فسي ذلك نفسع عظيسم‪ ،‬ولكسن تنفيذهسا يتوقسف غالبسا‬
‫على دعم الحكومات في الشعوب السلمية‪ ،‬وأكثر حكوماتهم تقف ضد تحكيم شرع ال‬
‫وضسد الدعوة إلى تطسبيقه‪ ،‬ول تأذن بتطسبيق جوهسر السسلم وحقائقسه التسي تنظسم بهسا حياة‬
‫المسسلمين‪ ،‬بسل تحاربهسا وتحسل محلهسا قوانيسن تخالفهسا مخالفسة صسريحة‪ ،‬فكيسف يرجسى مسن‬
‫أمثال تلك الحكومات دعم قرارات المؤتمرات السلمية وتوصياتها وذلك هو شأنها؟!‬
‫ولو أراد باحث أن يحصي المؤتمرات السلمية التي عقدت في أواخر القرن الرابع‬
‫عشسسر الهجري‪ ،‬وأول القرن الخامسسس عشسسر الهجري‪ ،‬وبحوثهسسا وتوصسسياتها وقراراتهسسا‬
‫ويجمع ذلك كله‪ ،‬لكون منها مكتبة كبيرة‪.‬‬
‫ولو أحصى الموال التي أنفقت على تلك المؤتمرات‪ ،‬للفاها كافية لنشاء مؤسسات‬
‫دعويسة وتعليميسة وخيريسة‪ ،‬المسسلمون فسي أمسس الحاجسة إليهسا‪ ،‬ولو قوّم نتائجهسا وثمراتهسا‬
‫اليجابية لوجدها هزيلة بجانب ما بذل فيها من جهد ووقت ومال‪.‬‬
‫لذلك يجسسسب على قادة العمسسسل السسسسلمي والمؤسسسسسات السسسسلمية‪ ،‬أن ل يضيعوا‬
‫جهودهسم وأموال المسسلمين‪ ،‬إل فسي مؤتمرات لهسا غايات عمليسة يمكسن تحقيقهسا أو تحقيسق‬
‫غالبهسا‪ ،‬وأن تكون موضوعاتهسا ذات أولويسة‪ ،‬وأن يسسبق عقدهسا تخطيسط وتنظيسم يجعلهسا‬
‫ذات جدوى‪.‬‬
‫وإن اجتماعات مصسغرة لقادة العمسل السسلمي وعلمائه‪ ،‬لبحسث موضوعات الدعوة‬
‫السلمية والعمل السلمي‪ ،‬ودراسة ما يجب اتخاذه من خطوات في ذلك دراسة هادئة‬
‫متأنيسة يترتسب عليهسا عمسل مفيسد‪-‬ولو قسل‪-‬خيسر مسن كثيسر مسن المؤتمرات الجماهيريسة غيسر‬
‫المجدية عمليا‪.‬‬
‫وإذا كان المقصود من تلك المؤتمرات الكثيرة‪ ،‬هو الوصول إلى معرفة سبل العمل‬
‫للسسسلم‪ ،‬فسسي مجال الدعوة والتعليسسم والتشريسسع والخلق ومكافحسسة الدعوات المضللة‬
‫والشبهات التسي يتخذهسا أعداء السسلم للطعسن فيسه‪ ،‬كالمسستشرقين والمنصسرين وغيرهسم‪،‬‬
‫فإن عشرات المؤتمرات قسسسد عقدت فسسسي أغلب بلدان المسسسسلمين مسسسن بلد المغرب إلى‬
‫إندونيسسيا فسي موضوعات إسسلمية شتسى‪ ،‬وحضرهسا كبار العلماء والمفكريسن فسي العالم‬
‫‪175‬‬

‫السلمي‪ ،‬وأدلي كل منهم بدلوه بحثا ونقاشا ونصحا وسجلت كلها في مجلدات وملفات‬
‫وأشرطة فيديو وكاسيت‪ ،‬ويمكن الرجوع إليها وأخذ ما يراد العمل به منها‪.‬‬
‫وقسسسد اعتدنسسسا مسسسن بعسسسض حكومات الشعوب السسسسلمية الصسسسبر على المؤتمرات‬
‫الجماهيرية وبحوثها ومؤتمراتها وتوصياتها‪ ،‬ولو كانت ل ترضى عنها تلك الحكومات‪،‬‬
‫لنهسسا تعلم أن حماس المؤتمسسر المعقود ينتهسسي بقراءة قراراتسسه وتوصسسياته التسسي ل ترى‬
‫أثرها في الواقع إل ما ندر‪.‬‬
‫فليتجسسه العاملون للسسسلم إلى الجتماعات والمؤتمرات المصسسغرة‪ ،‬العمليسسة التسسي‬
‫يمكنهسم متابعسة تنفيسذ نتائجهسا‪ ،‬وليدلوا بدلوهسم فسي بقيسة المؤتمرات مسن باب النصسح وتبليسغ‬
‫الحق دون أن تستنفد أوقاتهم وأموالهم فيها‪.‬‬
‫وإذا مسا أحسسن دعاة السسلم وقادة العمسل السسلمي والمنظمات السسلمية اسستغلل‬
‫المؤتمرات بموضوعاتهسا المتنوعسة اسستغلل عمليسا‪ ،‬فإنهسا سستكون مسن أهسم وسسائلهم إلى‬
‫السباق إلى العقول بالحق‪.‬‬
‫أمسا مسا تسسير عليسه المؤتمرات الن‪-‬مسع فائدتهسا المحدودة فسي الدعوة‪-‬مسن إنفاق هائل‬
‫للموال على عقدهسا‪ ،‬ومسن أوقات طويلة تبذل لهسا مسن المضيفيسن والمضافيسن‪ ،‬ثسم تنتهسي‬
‫بتوصسسيات وقرارات‪ ،‬ل تخرج مسسن ملفاتهسسا بعسسد صسسياغتها وتلوتهسسا إلى عالم الواقسسع‪،‬‬
‫فينبغسي أن يفكسر المسسؤولون عنهسا والدعاة إليهسا وباذلو المال لعقدهسا‪ ،‬فسي أسسلوب آخسر‬
‫للعمل السلمي من تعليم ودعوة وغيرها‪ ،‬فإن الموال التي تصرف في تلك المؤتمرات‬
‫التي تتضمن قراراتها وتوصياتها‪ ،‬الحث على إنشاء المدارس والمعاهد والمساجد وطبع‬
‫الكتسب وتوزيعهسا وإيجاد منسح دراسسية لبناء المسسلمين وإعداد دعاة وضمان نفقاتهسم‪ ،‬إن‬
‫تلك الموال التسي تصسرف فسي تلك المؤتمرات لو جمعست لكفست أو قاربست الكفايسة لبراز‬
‫ما تضمنته قراراتها وتوصياتها في عالم الواقع‪.‬‬
‫ولهذا تجسسسسد كثيرا مسسسسن المفكريسسسسن يتسسسسساءلون عسسسسن الصسسسسرار على عقسسسسد تلك‬
‫المؤتمرات‪ ،‬دون تنفيسذ غالب قراراتهسا وتوصسياتها‪ :‬هسل أهداف تلك المؤتمرات المعلنسة‬
‫هسي الهداف الحقيقيسة وراء عقدهسا‪ ،‬أو لهسا أهداف أخرى؟! والجواب‪ :‬أهسل مكسة أدرى‬
‫بشعابها!‪.‬‬

‫الوسيلة الثانية عشرة‪ :‬النوادي‪.‬‬
‫إن النوادي بأقسسامها المتنوعسة‪ ،‬مسن أهسم الوسسائل التسي يمكسن لهسل الحسق أن يسسبقوا‬
‫ل الباطل‪ ،‬إلى عقول الناس فيها سواء أكانت تلك النوادي ثقافية أو اجتماعية أو‬
‫بحقهم أه َ‬
‫رياضيسة أو أدبيسة‪ ،‬رسسمية‪-‬كانست‪-‬أو شعبيسة‪ ،‬ولذلك ينبغسي أن يسسعى أهسل الدعوة إلى ال‬
‫إلى اغتنام أي فرصسسسة تتاح لهسسسم‪ ،‬للدخول فسسسي تلك النوادي والختلط بأعضائهسسسا عسسسن‬
‫طريسسسق الوظائف أو الشتراك العضوي‪ ،‬مسسسن أجسسسل إبلغ الحسسسق إلى عقول أهسسسل تلك‬
‫النوادي بالسساليب المشروعسة المناسسبة‪ ،‬ول يجوز لهسل الحسق ترك تلك النوادي لهسل‬
‫الباطل الذين يجعلونها بؤرة لباطلهم‪.‬‬
‫‪176‬‬

‫خطوات استفادة أهل الحق من النوادي‪:‬‬
‫والخطوات التسي يجسب اتخاذهسا لمحاولة اسستفادة أهسل الحسق مسن تلك النوادي كثيرة‪،‬‬
‫ومنها ما يأتي‪:‬‬
‫الخطوة الولى‪ :‬توجيسه بعسض الشباب المسسلم المثقسف ثقافسة إسسلمية جيدة والمربّى‬
‫تربيسة إسسلمية عاليسة‪ ،‬إلى الدراسسة التسي تؤهلهسم لقيادة نشاطات تلك النوادي الرياضيسة‬
‫والثقافيسة والدبيسة والجتماعيسة‪ ،‬حتسى يكون تأثيرهسم فسي أعضاء النوادي تأثيرا إيجابيسا‪،‬‬
‫لكونهم في مراكز توجيه فيها‪.‬‬
‫الخطوة الثانيسسة‪ :‬السسسعي لتوظيسسف أولئك الشباب المتخصسسص فسسي النوادي المناسسسبة‬
‫لتخصسسصاتهم‪ ،‬حتسسى يكون نشاطهسسم مشروعسسا بمقتضسسى نظمهسسا‪ ،‬وتكون غايتهسسم غرس‬
‫اليمان بهذا الدين في نفوس أعضاء النوادي‪ ،‬وتثقيفهم ثقافة إسلمية تجعلهم واعين بما‬
‫يحيط بهم‪ ،‬وبكيفية التعامل مع الواقع تعامل هادئا مؤثرا بدون ضجيج‪ ،‬وبتربيتهم تربية‬
‫إسلمية تحقق فيهم معنى العبودية ل تعالى والتحلي بالخلق السلمية العالية‪ ،‬وتحبب‬
‫إليهم التطبيق العملي للسلم في أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم‪.‬‬
‫الخطوة الثالثسسة‪ :‬ينبغسسي أن يفرز عدد مناسسسب مسسن الشباب السسسلمي المتربسسي على‬
‫السلم‪ ،‬ليكونوا أعضاء في تلك النوادي من أجل التأثير في أعضائها بمعاني السلم‪.‬‬
‫الخطوة الرابعة‪ :‬ينبغي أن يخطط أهل الحق لبلغ الحق إلى أعضاء النوادي‪ ،‬بكل‬
‫الطرق والوسسائل المشروعسة المتاحسة‪ ،‬مسن كتيبات ونشرات وصسحف ومجلت إسسلمية‪،‬‬
‫وشُ ُرطْ كاسيت أو فيديو لتحقيق أهداف الدعوة السلمية في العضاء‪.‬‬
‫الخطوة الخامسة‪ :‬يجب أن يعد أعضاء النوادي لحمل الدعوة السلمية إلى زملئهم‬
‫فسي النوادي الخرى‪ ،‬سسواء كان فسي نفسس بلدانهسم أو فسي البلدان الخرى إسسلمية كانست‬
‫تلك البلدان أو غير إسلمية‪.‬‬
‫وقسد أصسبحت الفرق الرياضيسة وغيرهسا فسي هذا العصسر تجوب العالم كله للشتراك‬
‫في المسابقات الدولية‪ ،‬ولو أن هذه الفرق التي تنفق على تدريبها الموال الكثيرة اعتني‬
‫بهسا فسي الثقافسة السسلمية والتربيسة السسلمية الشاملة‪ ،‬وحببست إليهسا الدعوة السسلمية‪،‬‬
‫والتزمست بالسسلم فكانسست قدوة حسسنة لغيرهسا‪ ،‬لكان لهسا أثسر عظيسم فسي نشسر السسلم‬
‫وإظهار محاسسسنه‪ ،‬ولكانسست مسسن أهسسم وسسسائل إبلغ الحسسق والسسسبق بسسه إلى عقول الناس‪،‬‬
‫وهكذا الفرق الثقافية والجتماعية وغيرها‪.‬‬
‫الخطوة السسسسادسة‪ :‬ينبغسسسي أن تهتسسسم الجماعات أو الجمعيات السسسسلمية بإنشاء نواد‬
‫شعبيسة متنوعسة‪ ،‬كتلك النوادي الرسسمية أو شبسه الرسسمية‪ ،‬وتضسع لهسا الهداف والخطسط‬
‫والوسائل الممكنة‪ ،‬لتؤدي الدور المطلوب الذي قد يصعب تحقيقه في النوادي الرسمية‪،‬‬
‫وإذا تعذّر إنشاء مثسسل هذه النوادي الشعبيسسة فسسي َمقَارّ‪-‬جمسسع مقسسر‪-‬معينسسة لسسسباب ماديسسة‬
‫وعسسسر فسسي النفقات أو أمنيسسة‪ ،‬كعدم إذن الجهات الرسسسمية‪-‬المحاربسسة للدعوة السسسلمية‪-‬‬
‫بذلك‪ ،‬فينبغسي إنشاء نواد مفتوحسة متنقلة فسي الحدائق العامسة أو الملعسب الشعبيسة‪ ،‬وهسي‬
‫السسساحات التسسي توجسسد فسسي الحارات أو فسسي أطراف القرى والمدن تقام عليهسسا المسسسابقات‬
‫الرياضية المتنوعة بما أمكن من الدوات والتخطيط‪.‬‬
‫‪177‬‬

‫وكثيسسر مسسن الشباب يفعلون ذلك بأنفسسسهم‪ ،‬ويمكسسن للشباب السسسلمي أن يختلط بهسسم‬
‫ويشاركهسم فسي نشاطهسم‪ ،‬ويتخسذ السساليب والوسسائل المناسسبة لهدايتهسم وتربيتهسم وحفظهسم‬
‫مسسن الضياع‪ ،‬بترتيسسب أوقاتهسسم فسسي هذه النشاطات‪ ،‬وفسسي المحافظسسة على الصسسلوات فسسي‬
‫أوقاتهسا‪ ،‬وفسي اسستذكار دروسسهم وتحسسين العلقات معهسم حتسى تحصسل الثقسة بهسم وقبول‬
‫التوجيه منهم‪.‬‬
‫فالشباب المشتركون في هذه النشاطات يؤثر بعضهم في بعض أشد من تأثير غيرهم‬
‫ت مداخسل خطابهسم فسي كسل نشاط بمسا‬
‫ممسن ل يشاركهسم فسي النشاطات‪ ،‬وبخاصسة إذا ُأحْسِسَن ْ‬
‫يناسسبه مسن الموضوعات السسلمية‪ ،‬كالفروسسية وارتباطهسا فسي السسلم بأهدافهسا العليسا‪،‬‬
‫كإعداد القوة للجهاد في سبيل ال ورفع راية السلم‪...‬‬
‫الخطوة السابعة‪ :‬ينبغي أن يبتعد من يريد هداية الشباب في تلك النوادي‪ ،‬عن الدعوة‬
‫إلى الحزبيات الضيقسة التسي تصسدع صسف المسسلمين وتحدث التنازع بينهسم‪ ،‬وأن يغرسسوا‬
‫في نفوسهم‪-‬فقط‪-‬الولء ل ولرسوله وللمؤمنين‪ ،‬حرصا على جمع كلمة المسلمين تحت‬
‫رايسسة [ل إله إل ال محمسسد رسسسول ال] وعمل بقول ال تعالى‪{ :‬واعتصسسموا بحبسسل ال‬
‫جميعسسا ول تفرقوا واذكروا نعمسسة ال عليكسسم إذ كنتسسم أعداء فألف بيسسن قلوبكسسم فأصسسبحتم‬
‫بنعمته إخوانا‪ 1 .}...‬وقوله تعالى‪{ :‬ول تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}‪ 2 .‬وفي تطبيق‬
‫هذا المر فائدتان‬
‫الفائدة الولى‪ :‬ما سبق من اجتماع الكلمة واتقاء التنازع‪.‬‬
‫الفائدة الثانيسة‪ :‬سسد الباب على دعاوى مسن يضيقون ذرعسا‪ ،‬بالتمسسك بالسسلم‪ ،‬حيسث‬
‫يحاربون من يتمسك به‪ ،‬بحجة الدعوة إلى الحزبية‪.‬‬

‫الوسيلة الثالثة عشرة‪ :‬الرحلت والمخيمات‪.‬‬
‫أول‪ :‬الرحلت‪.‬‬
‫كثير من الناس يرغبون في ترك منازلهم أو بلدانهم والرحيل عنها لهداف متنوعة‪،‬‬
‫منهسسا تغييسسر نمسسط حياتهسسم الذي ألفوه فسسي غالب أوقاتهسسم وحصسسل لهسسم منسسه ملل وسسسآمة‪،‬‬
‫فيحبون أن يمتعوا أنفسسسسهم بالنطلق مسسسن ذلك النمسسسط‪ ،‬كالتدريسسسس والدراسسسسة للمدرس‬
‫والدارس‪ ،‬والعمال الداريسسة للموظفيسسن فسسي مكاتبهسسم على تنوعهسسا واختصسساصاتها‪،‬‬
‫والعمال الهندسسسسسسسسية كذلك‪ ،‬كالمهندس المعماري والمهندس الزراعسسسسسسسي‪ ،‬والمهندس‬
‫الكهربائي‪ ،‬وغيرها من العمال الكبيرة والصغيرة‪.‬‬
‫وهذه الرحلت قسد تكون قصسيرة كالجازة السسبوعية‪ ،‬وقسد تكون متوسسطة كإجازة‬
‫نصف السنة‪ ،‬وقد تكون طويلة كالجازة الصيفية‪ ،‬وقد ل يكون بعض الناس مقيدا بعمل‬
‫معين في مكان معين ولكنه يحب أن يضرب في أرض ال الواسعة‪...‬‬
‫وأكثر الناس ل هدف لهم إل التمتع العادي والستجمام‪.‬‬
‫ومنهسا‪-‬أي أهداف الرحيسل‪-‬الطلع على بعسض المناطسق أو البلدان والتعرف عليهسا‬
‫جغرافيسا‪ ،‬أو اجتماعيسا ومعرفسة عادات أهلهسا‪ ،‬وسسلوكهم وحضارتهسم‪ ،‬ونظمهسم الداريسة‪،‬‬
‫‪ 1‬آل عمران‪.103 :‬‬
‫‪-2‬آل عمران‪.46 :‬‬

‫‪178‬‬

‫وحالتهسسم القتصسسادية وسسسلعهم المتوافرة‪ ،‬وغيسسر ذلك مسسن المعارف المتعلقسسة بأهسسل البلد‪،‬‬
‫والناس يختلفون في الهتمام بشيء مما ذكر أو أشياء‪.‬‬
‫ومنها التجارة ومعاملتها‪ ،‬بيعا أو شراء أو ما يتعلق بهما‪.‬‬
‫ومنهسا طلب العلم‪-‬أي علم كان ممسا يرغسب فيسه الدارس‪-‬ومنهسا أداء وظيفسة ُكّلفَهسا مسن‬
‫قبسسل دولتسسه‪ ،‬كالوظائف الدبلوماسسسية ومسسا يتعلق بهسسا‪ ،‬أو التدرب على أعمال خاصسسة فسسي‬
‫دورات محددة‪.‬‬
‫ومنها قضاء أوطار هابطة ومزاولة أعمال فاسدة‪ ،‬ل يستطيع المرء الحصول عليها‬
‫بحريسسة كاملة فسسي بلده‪ ،‬كتناول المسسسكرات والمخدرات والولوغ فسسي مسسستنقع الشهوات‬
‫والفواحش‪ ،‬وغير ذلك من الهداف المباحة أو المحرمة‪.‬‬
‫ولكسن هناك أهدافسا أخرى عليسا يحرص عليهسا المؤمسن التقسي وبخاصسة الراغسب فسي‬
‫هداية الناس بمنهج ال‪ ،‬ومن تلك الهداف‪:‬‬
‫‪-1‬تقويسة المسسافر إيمانسه بسسياحته فسي الرض ونظره فسي الكون وتأمله فيسه وأخسذ‬
‫العسبرة منسه‪ ،‬سسواء مشسى على قدميسه أم اسستقل دابسة‪ ،‬أم صسعد إلى السسماء فسي طائرة‪ ،‬أم‬
‫ركب سيارة أو قطارا‪ ،‬أم مخر عباب البحر في سفينة‪.‬‬
‫فهسو عندمسا يسسيح فسي الرض يرى كسل شسئ فسي الكون كأنسه جديسد‪ :‬البحار والنهار‪،‬‬
‫والغابات‪ ،‬والحيوانات‪ ،‬والسسسحاب والمطسسر والجبال‪ ،‬والكواكسسب‪ ،‬والبشسسر الذيسسن تختلف‬
‫ألوانهسم ولغاتهسم وعاداتهسم وغيسر ذلك‪ ،‬كمسا أن فسي الطلع على آثار الماضيسن‪-‬صسالحين‬
‫أو طالحيسن‪-‬عسبرة لمسن اعتسبر‪ ،‬فيزداد المعتسبر باعتباره صسلحا‪ ،‬ويهرب مسن التصساف‬
‫بفسساد الفاسدين‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬أو لم ينظروا فسي ملكوت السسماوات والرض ومسا خلق ال‬
‫‪1‬‬
‫من شئ‪.}..‬‬
‫‪2‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬قل انظروا ماذا في السماوات والرض‪.}..‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬فانظر إلى آثار رحمة ال كيف يحي الرض بعد موتها إن ذلك لمحي‬
‫‪3‬‬
‫الموتى وهو على كل شئ قدير‪.}...‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬إن فسي خلق السسماوات والرض واختلف الليسل والنهار والفلك التسي‬
‫تجري فسي البحسر بمسا ينفسع الناس ومسا أنزل ال مسن السسماء مسن ماء فأحيسا بسه الرض بعسد‬
‫موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والرض‬
‫‪4‬‬
‫ليات لقوم يعقلون‪.}..‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬أفلم يسيروا في الرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون‬
‫‪5‬‬
‫بها‪ ،‬فإنها ل تعمى البصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}‪.‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬قسد خلت مسن قبلكسم سسنن فسسيروا فسي الرض فانظروا كيسف كان عاقبسة‬
‫‪6‬‬
‫المكذبين}‪.‬‬
‫إلى غير ذلك من اليات الكثيرة في هذه المعاني‪.‬‬
‫‪-1‬العراف‪.185 :‬‬
‫‪-2‬يونس‪.101 :‬‬
‫‪-3‬الروم‪.50 :‬‬
‫‪-4‬البقرة‪.164 :‬‬
‫‪-5‬الحج‪.46 :‬‬
‫‪-6‬آل عمران‪.137 :‬‬

‫‪179‬‬

‫‪-2‬ومن الهداف العليا للراحل والمسافر‪ ،‬الدعوة إلى ال وبيان الحق للناس والحث‬
‫على قبوله‪ ،‬وبيان الباطسل والحسض على تركسه والبعسد عنسه‪ ،‬فقسد سسن ال تعالى لملئكتسه‬
‫النتقال مسن مواطنهسم فسي السسسماء‪ ،‬والهبوط منهسسا إلى الرض لتبليسسغ وحيسه إلى رسسله‪،‬‬
‫وكذلك شرع لرسسله عليهسم السسلم أن يرحلوا مسن أجسل إبلغ الحسق إلى الناس فسي بلدان‬
‫نائيسة وتوطيسن الحسق وأهله فيهسا‪ ،‬كمسا سسافر إبراهيسم عليه السسلم بزوجسه هاجسر إلى مكان‬
‫البيست الحرام‪ ،‬وتركهسا هنالك وولدت ابنسه إسسماعيل عليسه‪ ،‬ثسم بنسي بعسد ذلك معسه البيست‪،‬‬
‫فكان ذلك نواة لنبثاق الرسسسالة الخاتمسسة بعسسد ذلك التسسي انطلقسست مسسن هناك‪ ،‬وهكذا كان‬
‫للرسسسول صسسلى ال عليسسه وسسسلم نصسسيب وافسسر فسسي ذلك‪ ،‬حيسسث كان يؤم أسسسواق الناس‬
‫ومخيماتهم بل وقراهم‪ ،‬مبلغا دعوة ال كما حصل له ذلك مع أهل الطائف‪ ،‬وهكذا هاجر‬
‫هسسو وأصسسحابه إلى المدينسسة‪ ،‬حيسسث قامسست دولة السسسلم‪ ،‬وقبسسل ذلك هاجسسر أصسسحابه إلى‬
‫الحبشسة‪ ،‬فرارا بدينهسم ودعوة إليسه‪ ،‬وقسد بذروا السسلم فسي الحبشسة التسي اسستوطنها قبسل‬
‫غيرها من مدن الجزيرة العربية بما فيها المدينة المنورة‪ ،‬ول زال راسخا فيها إلى اليوم‬
‫برغسم كيسد أعدائه له ولهله‪ ،‬وهكذا انطلق الصسحابة والتابعون فيمسا بعسد بالحسق إلى كسل‬
‫أنحاء الرض المعروفسسة آنذاك‪ ،‬فارتفعسست رايسسة السسسلم ودولتسسه فسسي مشارق الرض‬
‫ومغاربها‪.‬‬
‫‪-3‬ومسن الهداف العليسا للراحسل‪ :‬رفسع رايسة الجهاد فسي سسبيل ال‪ ،‬لتحطيسم الحواجسز‬
‫التسي توضسع للصسد عسن سسبيل ال والدعوة إليسه‪ ،‬ولدفسع عدوان أعداء السسلم وتحصسين‬
‫الثغور منهم‪.‬‬
‫وقسد بسسطت القول فسي هذا فسي مجلديسن كسبيرين بعنوان‪ :‬الجهاد فسي سسبيل ال‪ ،‬حقيقتسه‬
‫وغايته‪ ،‬وسيأتي توضيح كون الجهاد وسيلة من وسائل السباق إلى العقول‪ ،‬ليس لكراه‬
‫الناس على الدخول في السلم وإنما لفتح المجال لبلغ الحق وسماعه‪.‬‬
‫‪-4‬ومسن الهداف العليسا للراحسل‪ ،‬تفقسد أحوال المسسلمين‪ ،‬ومسد يسد العون لهسم مسن ذوي‬
‫اليسار والغنى‪ ،‬بإنشاء المساجد والمدارس والمراكز السلمية وغير ذلك مما المسلمون‬
‫في أمس الحاجة إليه في كل مكان‪ ،‬ول سيما القليات منهم في البلدان غير السلمية‪.‬‬
‫‪-5‬ومسن أهسم الرحلت المؤثرة فسي السسباق إلى العقول بالحسق‪ ،‬الرحلت العباديسة‪،‬‬
‫كرحلت الحسسج والعمرة مسسن بلدان المسسسلمين القريبسسة والبعيدة‪ ،‬فإن أجواء هذه الرحلت‬
‫مهيأة للخسذ والعطاء‪ ،‬صسساحب الحسق القادر على إبلغسه يعطسي‪ ،‬ومرافقسه المحتاج إلى‬
‫سماع ذلك الحق يسمع ويأخذ‪.‬‬
‫‪-6‬هذا عدا الرحلت التي ينبغي أن ينظمها أهل الحق للشباب‪ ،‬لتحقيق إبلغ الحق‬
‫إلى عقولهسسم وإقناعهسسم بسسه بالطرق والسسساليب الممكنسسة المناسسسبة‪ ،‬سسسواء كانسست رحلت‬
‫استجمام أو رحلت صيد أو رحلت رياضية‪ ،‬أو غيرها‪.‬‬
‫إن هذه الهداف وغيرها من الهداف الحميدة النافعة‪ ،‬ينبغي أن تبين للمسلمين وأن‬
‫يضعوها نصب أعينهم وهم يرحلون من بلدهم‪ ،‬وإذا تمكن القادرون على السباق بالحق‬
‫إلى العقول مسن مرافقسة الراحليسن مسن إخوانهسم وأبنائهسم فسي أسسفارهم‪ ،‬فعليهسم أن يغتنموا‬
‫الفرصة بتطبيق هذه الهداف فيهم عمل‪.‬‬
‫ولمسا كان الراحسل معرضسا للمغريات والشهوات والتعامسل مسع غيسر أهسل بلده ممسن ل‬
‫‪180‬‬

‫يعرفونه‪ ،‬و قد يدفعه ذلك إلى عدم الحتراز عن مقارفة بعض الخلل السيئة في غربته‪،‬‬
‫بخلف بلده الذي يعرفسه فيسه أهله وجيرانسه ومجتمعسه‪ ،‬ولهسم أخلق وعادات يلتزمون بهسا‬
‫ويعدون الخروج عنهسا شاذا عسن ضوابسط حياتهسم‪ ،‬ولمسا كان الشارع يريسد منسه اللتزام‬
‫بضوابط الشريعة في سفره كحضره‪ ،‬ويزيد على ذلك الكثار من فعل الخير بما في ذلك‬
‫الدعوة إلى ال وهدايسسة الضال بإبلغ الحسسق إلى العقول‪ ،‬فقسسد شرع ال له دعاء يلجسسأ بسسه‬
‫إليسه عنسد سفره‪ ،‬ليحقسق له به كسل تلك الهداف وغيرهسا مسن أعمال الخيسر‪ ،‬وهسو يبدأ بهذه‬
‫العبارة العظيمة التي تعتبر‪-‬مع كونها دعاء‪-‬توجيها للمسافر ليبني تصرفاته عليها‪[ :‬اللهم‬
‫إنسا نسسألك فسي سسفرنا هذا البر والتقوى ومسن العمسل مسا ترضسى‪ ]...‬وتأتسي فسي أثنائه هذه‬
‫العبارة الدالة على حرص المسسسسافر على حفسسسظ ال إياه حفظسسسا يجعله هسسسو وأهله ممسسسن‬
‫يلزمون البر والتقوى والعمسل بما يرضسي ال‪[ :‬اللهم أنست الصاحب في السسفر والخليفة‬
‫في الهل‪]...‬‬

‫ثانيا‪ :‬المخيمات‪.‬‬
‫والمخيمات من الوسائل المهمة للسباق إلى العقول‪ ،‬من الناحتين النظرية والعملية‪.‬‬
‫لذلك ينبغسسي العنايسسة بهسسا وإقامتهسسا فسسي الوقات والماكسسن المناسسسبة‪ ،‬فسسي المصسسيفات‬
‫والصحارى والشواطئ‪ ،‬والعداد لها وتنظيمها تنظيما يحقق الهدف من إقامتها‪ ،‬ويُ َكلّف‬
‫العدا َد لهسسا وتنظيمهسسا والشراف عليهسسا ووضسسع برامجهسسا‪ ،‬ذوو الكفاءة والخسسبرة فيهسسا‪،‬‬
‫ويُختار لهسا ذوو اختصساصات متنوعسة مسن الجتماعييسن والثقافييسن والرياضييسن والعلماء‬
‫الشرعييسن‪ ،‬وتمل أوقاتهسا كلهسا بالمواد المنظمسة المفيدة غيسر المملة‪ ،‬بحيسث تكون متنوعسة‬
‫ومشوقسة‪ ،‬مسن مسسابقات ثقافيسة وأدبيسة ورياضيسة‪ ،‬وتمثيليات‪ ،‬وأناشيسد‪ ،‬ودروس علميسة‬
‫خفيفسسسة ومحاضرات وحوارات‪ ،‬ونكات ذات مغزى وهدف‪ ،‬وفروسسسسية‪ ،‬وتدريسسسب على‬
‫أعمال المخيمات‪ ،‬كنصسب الخيام وتنظيفهسا وحراسستها وفرشهسا‪ ،‬ونشاط الجوالة‪ ،‬وطبسخ‬
‫الطعام وإعداد السسّفر‪ ،‬وشراء مسا يحتاج إليسه المخيسم مسن البلد المجاور وغيسر ذلك‪ ،‬مسع‬
‫الحرص على إقامسسة حلقات قرآنيسسة يتحلق فيهسسا أعضاء المخيسسم‪ ،‬لقراءة القرآن مجودا‪،‬‬
‫وإشارة مسن عنده علم فسي الحلقسة إلى بعسض الفوائد والداب القرآنيسة باختصسار‪ ،‬وكذلك‬
‫مدارسسة شسئ مسن السسيرة النبويسة وسسيرة الخلفاء الراشديسن‪ ،‬وإبراز بعسض المعانسي التسي‬
‫تدعم هدف المخيم المقام‪.‬‬
‫ويتوقف اليجاز والسهاب في هذه المواد على ضيق الوقت وسعته‪ ،‬فقد يقام المخيم‬
‫لمدة شهر أو شهرين‪ ،‬وقد يقام لمدة أسبوع أو أسبوعين أو يوم أو يومين‪ ،‬ولكل زمان ما‬
‫يناسبه‪.‬‬
‫ثسسم إنسسه يختلف نشاط المخيسسم باختلف الهدف منسسه‪ ،‬وباختلف العضاء المشاركيسسن‬
‫فيسه‪ ،‬فقسد يكون الهدف منسه مدارسسة حدث معيسن مسن أحداث المسسلمين الكثيرة والخطيرة‪،‬‬
‫كقضيسة فلسسطين‪ ،‬أو قضيسة البوسسنة والهرسسك‪ ،‬أو الصسومال‪ ،‬أو إريتريسا‪ ،‬أو بعسض دول‬
‫آسسسيا الوسسسطى‪ ،‬أو قضيسسة أفغانسسستان‪ ،‬أو الفلبيسسن أو غيرهسسا مسسن القضايسسا النازلة بالبلدان‬
‫السلمية أو بلد واحد منها‪ ،‬يراد دراسة القضية من حيث الهداف‪-‬أهداف المسلمين أو‬
‫أهداف أعدائهسم‪-‬والسسباب التسي نشأت عنهسا القضيسة والمؤامرات التسي تحاك لهسا‪ ،‬ومسا‬
‫‪181‬‬

‫يجسسب على المسسسلمين فعله‪ ،‬وموقسسف المنظمات السسسلمية الرسسسمية والهيئات الشعبيسسة‪،‬‬
‫والشبهات التسي قسد ترد على بعسض المسسلمين فيهسا ومحاولة دحضهسا وإزالتهسا على ضوء‬
‫موقف الشريعة السلمية منها‪.‬‬
‫وقسد يكون الهدف مسن المخيسم تربيسة أعضائه أو بعضهسم على معانسي إسسلمية معينسة‪،‬‬
‫كقيام الليسسسل‪ ،‬والمحافظسسسة على الذكار المطلقسسسة والمقيدة‪ ،‬والصسسسبر واليثار‪ ،‬والخوة‬
‫السسلمية‪ ،‬وقسد يكون الهدف منسه التدريسب على الدعوة وأسساليبها وكيفيسة مخاطبسة الناس‬
‫بالخطبة أو المحاضرة‪.‬‬
‫وقسسد يكون الهدف تدريسسب بعسسض العضاء على إجادة العمسسل فسسي بعسسض الوسسسائل‬
‫العلميسسسة‪ ،‬كالصسسسحافة والتصسسسوير الفوتوغرافسسسي والتلفزيونسسسي‪ ،‬وصسسسحافة الحائط‬
‫والملصقات ونحو ذلك‪ ،‬من فنون العلم ومواده‪ ،‬كالتمثيلية والمسرحية وإدارة ندوة أو‬
‫حوار أو مقابلة‪.‬‬
‫وقسسد يكون الهدف منسسه التدريسسب على العمال الغاثيسسة‪ ،‬مسسن جمسسع الموال والمواد‬
‫المحتاج إليها للغاثة‪ ،‬كالدوية والملبس والغطية وغيرها‪ ،‬ثم التخطيط لبلغها إلى‬
‫مسستحقيها بالطرق الظاهرة والخفيسة‪ ،‬وكذلك التدرب على السسعافات الوليسة التسي تمكسن‬
‫من يشترك في أعمال الغاثة من مساعدة المرضى والعجزة والمصابين‪.‬‬
‫وقسسسد يكون الهدف التدريسسسب على أسسسساليب مكافحسسسة نشاطات التنصسسسير فسسسي العالم‬
‫السسسلمي‪ ،‬بالتعرف على المؤسسسسات النصسسرانية النشطسسة‪ ،‬ومصسسادر دعمهسسا‪ ،‬والبلدان‬
‫المسسستهدفة للتنصسسير‪ ،‬والوسسسائل المتخذة فسسي ذلك‪ ،‬ومسسا يجسسب على المسسسلمين القيام بسسه‪،‬‬
‫وكيف ُيقْنَع القادرون على مكافحة التنصير بأداء واجبهم فيه‪ ،‬من أغنياء المة بالتمويل‪،‬‬
‫ومسسن العلماء الشرعييسسن بالسسسفار إلى تلك البلدان لتبصسسير الناس بالخطسسر التنصسسيري‬
‫وأسساليبه الماكرة‪ ،‬وتعليمهسم عقيدة السسلم وفرائضسه‪ ،‬والرد على شبهات المنصسرين فسي‬
‫تزييسن دينهسم أو الطعسن فسي ديسن السسلم‪ ،‬وكذلك إقناع بعسض ذوي الختصساصات التسي‬
‫يحتاج إليهسسا المسسسلمون المتسسسهدفون بالتنصسسير‪ ،‬كالطسسب والبيطرة والهندسسسة الزراعيسسة‬
‫والكهربيسة ونحوهسا‪ ،‬لمشاركسة العلماء الشرعييسن فسي مسساعدة المسسلمين المسستهدفين الذي‬
‫يغريهم النصارى بالمساعدة في تلك المجالت‪ ،‬وهكذا يحدد لكل مخيم هدفه ويخطط في‬
‫إقامته لتحقيق ذلك الهدف‪.‬‬
‫إن المخيمات تعتبر مجال خصبا لهل الحق لبلغ حقهم إلى عقول الناس وبخاصة‬
‫الشباب‪ ،‬كمسسا أنهسسا مجال كذلك لزالة الباطسسل مسسن العقول وصسسيانتها منسسه‪ ،‬إذا مسسا وجسسد‬
‫المشرفون الكفاء الذين يقومون عليها‪.‬‬
‫والمناسسسسبات المسسسسوغة لقامتهسسسا كثيرة‪ ،‬والمهسسسم اهتبال الفرص والتحلي بالحكمسسسة‬
‫والعمسل الهادئ‪ ،‬والبعسد عسن الشعارات المثيرة التسي تسسبب قطسع الطريسق على الحسق قبسل‬
‫وصوله إلى العقول‪.‬‬

‫الوسيلة الرابعة عشرة‪ :‬العل قات الدبلوماسية‪.‬‬
‫إن العلقات التي تربط بين الدول‪-‬سواء أكانت دول البلدان السلمية فيما بينها‪ ،‬أو‬
‫‪182‬‬

‫هسي مسع الدول غيسر السسلمية‪-‬مسن أهسم الوسسائل التسي يمكسن اسستغللها لبلغ الحسق إلى‬
‫عقول الناس وسسبقه الباطسل‪ ،‬لمسا للدول مسن إمكانات ل تتوافسر للفراد ول الجماعات ول‬
‫الجمعيات‪.‬‬
‫والصل في كل دولة أن تخدم عقيدتها ونظامها بالساليب المتاحة لها‪.‬‬
‫ومجالت علقات الدولة بالدولة مجالت واسسسسعة‪ ،‬تشمسسسل كسسسل النشاطات المهمسسسة‬
‫تقريبسسا‪ :‬السسسياسية والقتصسسادية والثقافيسسة‪-‬وهسسي مسسن أهسسم العلقات بسسل أهمهسسا‪-‬والمنيسسة‬
‫والعسكرية والتجارية‪ ،‬وكثيرا ما تتعدى إلى الشؤون الجتماعية‪ ،‬ولذلك تجد لكل سفارة‬
‫ملحقاتها المتخصصة في مجالها من العلقات‪.‬‬
‫والواجب أن يكون ممثلو الدولة التي تقر بمنهج السلم‪ ،‬من الملتزمين بذلك المنهج‬
‫فسي حياتهسم نظريسا وعمليسا‪ ،‬حتسى يكونوا صسورة تحكسي لرائيهسا مسا عليسه تلك الدولة مسن‬
‫اللتزام بمنهج السلم‪.‬‬
‫إن السسفير المسسلم يجسب أن يكون داعيسة إلى السسلم‪ ،‬وأن يكون مثقفسا ثقافسة إسسلمية‬
‫متحليسا بأخلق السسلم محققسا العبوديسة ل فسي نفسسه‪ ،‬وأن يكون شجاعسا فسي قوله‪{ :‬إننسي‬
‫من المسلمين‪.}...‬‬
‫وكذلك الملحقون بالسفارات ينبغي أن يكونوا ممثلين لدينهم‪ ،‬إيمانا وفكرا وسلوكا‪.‬‬

‫واقع محزن لبعض سفراء المسلمين‪.‬‬
‫وما قيمة سفير علماني أو ملحق علماني يمثل دولة إسلمية‪ ،‬وهل يؤتمن من يكره‬
‫السلم أن ينصر قضايا السلم؟!‬
‫إن كثيرا مسن سسفراء حكومات الشعوب السسلمية‪ ،‬يسسيرون فسي سسلوكهم فسي خسط‬
‫معاكسس لمنهسج السسلم‪ ،‬وأمثال هؤلء إنمسا يمثلون فسي حقيقسة المسر منهجسا غيسر منهسج‬
‫السلم‪ ،‬وانتسابهم إلى السلم يشوه صورته لدى غير المسلمين‪.‬‬
‫كيسف يمثسل السسلم مسن ل يصسلي جمعسة ول جماعسة ول صسلة العيسد مسع المسسلمين‪،‬‬
‫وبخاصسسة فسسي البلدان غيسسر السسسلمية‪ ،‬وكيسسف يمثسسل السسسلم مسسن يحتسسسي فسسي الحفلت‬
‫المختلطسسة الصسساخبة كأس الخمسسر أمام المل‪ ،‬وكيسسف يمثسسل السسسلم مسسن يراقسسص النسسساء‬
‫الجنبيات‪ ،‬وتراقص امرأته أو ابنته الرجال الجانب؟!‬
‫كيسف يمثسل السسلم مسن يسستدعي مسن بلده فرقَس الرقسص والغناء لظهار وجسه بلده‬
‫المسلم بالراقصين والمغنين الذين قد امتلت بهم كل بلدان العالم؟!‬
‫كيسف يمثسل السسلم مسن يحارب الدعاة إلى ال‪ ،‬مسن الئمسة والخطباء الذيسن يسبينون‬
‫للناس حقائق السلم‪ ،‬ويقف في صف دعاة يحرفون معاني السلم ويطوعونها لهوائه‬
‫العلمانية؟!‬
‫هذه الصورة السوداء هي الغالبة على سفارات كثير من حكومات القطار السلمية‬
‫التسي لم ترض السسلم منهجسا لحياتهسا وحياة شعوبهسا‪ ،‬يعرف ذلك مسن تجول فسي عواصسم‬
‫بعض الدول‪ ،‬وبخاصة الدول غير السلمية التي تشكو القليات السلمية فيها شكوى‬
‫مرة من تصرفات تلك السفارات العابثة‪.‬‬
‫ولكن‪-‬والحق يقال‪-‬يوجد أفراد في بعض السفارات‪-‬وإن كانوا قليلين‪-‬يمثلون السلم‬
‫‪183‬‬

‫خير تمثيل هم وأهلوهم‪ .‬كثر ال من أمثالهم‪.‬‬

‫سبل سباق السفارات السلمية إلى العقول‪.‬‬
‫وإذا وجسد السسفير الذي يمثسل السسلم ‪ 1‬ويصسطبغ بمعانيسه فإنسه‪-‬هسو وملحقسو سسفارته‬
‫يستطيعون أن يوجدوا سبل كثيرة لسبق الحق إلى عقول الناس‪ ،‬ومن ذلك ما يأتي‪:‬‬
‫أول‪ :‬ينبغسي أن يكون الملحسق الثقافسي فسي سسفارته‪ ،‬جامعسا بيسن الشريعسة السسلمية‬
‫والثقافسة العامسة‪ ،‬ومضيفسا إلى اللغسة العربيسة أو لغسة بلده السسلمية لغسة البلد الذي يعمسل‬
‫فيه‪ ،‬ويكون عنده قدرة على الجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم السلمية التي ليست‬
‫شديدة الصسعوبة‪ ،‬وإذا وجدت أسسئلة صسعبة يسسرع فسي التصسال بالعلماء الكبار فسي بلده‬
‫للستفادة منهم‪ ،‬ليفيد الناس بالجابات الصادرة منهم‪ ،‬وأن يكون قادرا على رد كثير من‬
‫الشبهات التسي يوردهسا أعداء السسلم بقصسد تشويسه صسورته‪ ،‬كالمسستشرقين والمنصسرين‬
‫والملحديسن والباحييسن وغيرهسم‪ ،‬وليسس مسن اللئق بملحسق ثقافسي مسسلم يحضسر اجتماعسا‬
‫يُتّهَم فيه السل ُم بالباطل فل يقدر على تفنيد ذلك الباطل‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬نبغي أن تزود كل سفارات بلدان المسلمين‪ ،‬بمكتبة تضم أهم مصادر السلم‬
‫ومراجعسسسه‪ ،‬فسسسي التفسسسسير والعقيدة والحديسسسث والفقسسسه والصسسسول والتاريسسسخ والحضارة‬
‫السسلمية وغيرهسا مسن كتسب اللغسة العربيسة‪ ،‬ومسا أمكسن مسن الكتسب السسلمية التسي كتبست‬
‫بلغسسة البلد الذي فيسسه السسسفارة أو يترجسسم إليهسسا ليتمكسسن أعضاء السسسفارة أو أهسسل البلد مسسن‬
‫الستفادة من تلك المكتبة‪.‬‬
‫ثالثسا‪ :‬ينبغسي أن تزود تلك السسفارة بكتيبات صسغيرة‪ ،‬كسل كتيسب يتضمسن شرح أحسد‬
‫الموضوعات السسسسلمية‪ ،‬كالعقيدة المبسسسسطة‪ ،‬ل المعقدة‪ ،‬وبدون ذكسسسر مذاهسسسب الفرق‬
‫واختلفهسا‪ ،‬بسل تذكسر منهسا العقيدة السسلمية على بسساطتها كمسا جاءت فسي القرآن والسسنة‬
‫بعيدة عسسن الفلسسسفات الكلميسسة‪ ،‬وكصسسفة صسسلة النسسبي صسسلى ال عليسسه وسسسلم‪ ،‬والطهارة‬
‫والوضوء‪ ،‬والغسسسل‪ ،‬وأحكام الصسسيام‪ ،‬والحسسج‪ ،‬والزكاة‪ ،‬وغيرهسسا مسسن فروض العيسسن‬
‫وفروض الكفايسة‪ ،‬والمعاملت المشروعسة والمحرمسة‪ ،‬والخلق‪ ،‬وبيان شمول السسلم‪،‬‬
‫وبعسسسض الكتيبات تكون فسسسي الرد على الشبهات التسسسي يتهسسسم بهسسسا السسسسلم‪ ،‬كشبهات‬
‫المسستشرقين والمنصسرين وغيرهسم‪ ،‬تكتسب كلهسا بلغسة البلد الذي بسه السسفارة أو تترجسم إلى‬
‫تلك اللغسسة‪ ،‬وتوزع على أفراد المسسسلمين الذيسسن يترددون على السسسفارة أو على المراكسسز‬
‫والمؤسسات السلمية والمساجد‪.‬‬
‫رابعسسا‪ :‬ينبغسسي أن يكون عنسسد كسسل سسسفارة إسسسلمية إمكانات لكتابسسة نشرات صسسغيرة‬
‫وطبعهسا وتوزيعهسا‪ ،‬لبيان مسا يطرأ فسي المناسسبات والنوازل ممسا يتعلق بالسسلم‪ ،‬وكذلك‬
‫إعلنات وملصقات لنشر الوعي بالمعاني السلمية‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬ينبغي أن تتولى السفارة السلمية إقامة محاضرات وندوات‪ ،‬تستضيف لها‬
‫رجال العلم من بلدها أو من البلد الذي هي فيه‪ ،‬وتدعو لحضورها أعيان البلد ومفكريها‪،‬‬
‫‪-1‬هذا إذا كانست دولتسه التسي يمثلهسا مسسلمة تطبسق السسلم وتعتسز بسه وتعينسه على القيام بالواجسب السسلمي فسي وظيفتسه‪ ،‬أمسا إذا‬
‫كانست تحارب السسلم فالغالب أنهسا ل تختار إل مسن هسو على شاكلتهسا إذ فاقسد الشيسء ل يعطيسه‪ ،‬فإن شذت واختارت رجل صسالحا‬
‫فليتق ال ما استطاع ول يكلف ال نفسا إلى وسعها‪.‬‬

‫‪184‬‬

‫لتوضيسسح بعسسض المفاهيسسم السسسلمية‪ ،‬وبخاصسسة تلك التسسي يتعمسسد أعداء السسسلم تشويسسه‬
‫السسسلم بهسسا‪ ،‬كموضوع المرأة‪ ،‬وموضوع الرق‪ ،‬وموضوع انتشار السسسلم بالسسسيف‪،‬‬
‫والكراه على الدخول في السلم‪ ،‬وموقف السلم من الديمقراطية والتعددية والحزبية‬
‫ونحوها‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬ينبغي أن تزود السفارة السلمية ببعض أشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو‪،‬‬
‫المشتملة على شرح بعسسسض الموضوعات السسسسلمية‪ ،‬إمسسسا عسسسن طريسسسق المحاضرات‬
‫والندوات أو المؤتمرات‪ ،‬أو غيرهسسا مسسن مظاهسسر السسسلم‪ ،‬كمسسسيرة الحسسج والتجمعات‬
‫السسلمية كصسلة الجمعسة وصسلة العيسد‪ ،‬لمسا فسي ذلك مسن تشويسق المسسلمين وتحريسك‬
‫عواطفهسم نحسو السسلم‪ ،‬وتعريسف غيسر المسسلمين بذلك‪ ،‬وإهداء تلك الشرطسة للمراكسز‬
‫‪1‬‬
‫السلمية والمراكز الثقافية غير السلمية‪ ،‬وحبذا لو كانت ترجمت بلغة أهل البلد‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬أن يغتنم المؤهلون من أعضاء السفارة الفرص والمناسبات والحتفالت التي‬
‫يدعون إليهسا‪ ،‬لشرح قضايسا المسسلمين وعدالتهسا ومناصسرتها‪ ،‬والبعسد عسن الحيسف فيهسا‪،‬‬
‫ويفعلون ذلك كذلك بالتصسريحات فسي أجهزة العلم‪ ،‬وبخاصسة الغربيسة منهسا‪ ،‬ليوصسلوا‬
‫إلى عقول الناس والرأي العام حقائق المور المتعلقسسسة بالمسسسسلمين والتسسسي قلبهسسسا أعداء‬
‫السسسلم بطرق شتسسى منهسسا أجهزة العلم‪ ،‬بحيسسث أصسسبح المظلوم بسسسبب ذلك ظالمسسا‪،‬‬
‫والمعتدي الظالم مظلوما‪ ،‬كما هو الشأن في قضية فلسطين وغيرها‪.‬‬

‫الوسيلة الخامسة عشرة‪ :‬المال‪.‬‬
‫وهذه الوسسيلة هسي الوسسيلة الماديسة السساسية التسي تحرك معظسم الوسسائل‪ ،‬وبدونهسا‬
‫تنحصسر الوسسائل الخرى فسي زوايسا ضيقسة وقسد يفقسد كثيسر منهسا لفقسد هذه الوسسيلة‪ ،‬ولهذا‬
‫كان شأن المال عظيمسا فسي الجهاد فسي سسبيل ال‪ ،‬الجهاد الشرعسي الشامسل لكسل نشاط يقوم‬
‫به النسان في مرضاة ال‪ ،‬ومنه قتال أعداء السلم المشروع‪.‬‬
‫فالجهاد بالمال قريسن الجهاد بالنفسس ومقدم عليسه فسي الذكسر فسي القرآن الكريسم‪ ،‬إل فسي‬
‫موضسع واحسد‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬يسا أيهسا الذيسن آمنوا هسل أدلكسم على تجارة تنجيكسم مسن عذاب‬
‫‪2‬‬
‫أليم‪ .‬تؤمنون بال ورسوله وتجاهدون في سبيل ال بأموالكم وأنفسكم}‪.‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬الذيسن آمنوا وهاجروا وجاهدوا فسي سسبيل ال بأموالهسم وأنفسسهم أعظسم‬
‫درجة عند ال وألئك هم الفائزون} ‪ .3‬وغيرها كثير‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬إن ال اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}‪.‬‬
‫‪5‬‬
‫والسسسباق إلى العقول بالحسسق‪ ،‬نوع مسسن أنواع الجهاد فسسي سسسبيل ال بمعناه الشامسسل‬
‫وتدخل فيه جميع الوسائل السابقة‪ ،‬والمال من أهم وسائل القيام بها‪.‬‬
‫فالتعليسسم يحتاج إلى معلم مكفّيّ فسسي رزقسسه‪ ،‬وكفايتسسه فسسي المال‪ ،‬والتعليسسم يحتاج إلى‬
‫مشرف ومدير مؤمّن الرزق‪ ،‬وتأمينه في المال‪.‬‬
‫‪-1‬ومما ينبغي الهتمام به الن‪ :‬استغلل مواقع في وسيلة "النترنت" التي أصبحت في متناول الناس في كل مكان‪.‬‬
‫‪-2‬الصف‪.11 ،10 :‬‬
‫‪-3‬التوبة‪.20 :‬‬
‫‪-4‬التوبة‪.111 :‬‬
‫‪-5‬راجع كتاب‪ :‬الجهاد في سبيل ال حقيقته وغايته للمؤلف‪ )1/48( .‬وما بعدها‪.‬‬

‫‪185‬‬

‫والتعليسسم يحتاج إلى مناهسسج وكتسسب‪ ،‬وهذه تقوم بهسسا لجان واللجان تحتاج إلى المال‪،‬‬
‫والكتسب تحتاج إلى طباعسة والطباعسة ل تتيسسر إل بالمال‪ ،‬وهكذا جميسع وسسائل التعليسم ل‬
‫تحصل بدون مال‪.‬‬
‫والمسساجد تحتاج إلى أرض وبناء وأئمسة ومؤذنيسن ومدرسسين ولوازم أخرى كثيرة‪،‬‬
‫وبخاصسسة إذا كان المسسسجد مجمّعسسا شامل لنشاطات كثيرة‪ ،‬تعليميسسة ودعويسسة واجتماعيسسة‬
‫وثقافية وصحية وغيرها‪ ،‬وكلها ل تقوم إل بالمال‪.‬‬
‫والعلم‪ ،‬وقسسد عظسسم خطره فسسي هذا العصسسر وتشعبسست أنواعسسه‪ ،‬وهيمسسن على الكرة‬
‫الرضيسسسة‪ ،‬وأصسسسبح يكوّن عقول الناس بالقراءة والسسسسماع والمشاهدة‪ ،‬بمواد يصسسسعب‬
‫إحصسساؤها‪ ،‬ودعامتسسه الماديسسة السسساسية هسسي المال‪ ،‬وبسسه يسسستطيع المسسسلمون أن يوجدوا‬
‫الرجال العلمييسن والفنييسن والعلماء الشرعييسن والمؤلفيسن‪ ،‬والدوات مسن راديسو وتلفاز‬
‫وجرائد ومجلت وأقمار صسسناعية ومسسسجلت وشرائط كاسسسيت وفيديسسو‪ ،‬ويغطون كسسل‬
‫العالم بإبلغ الحق إلى عقول الناس‪ ،‬وكيف يمكن ذلك بدون مال؟!‪.‬‬
‫والمؤتمرات والندوات تحتاج إلى رجال متخصسسسسسصين وكتاب وعلماء ومفكريسسسسسن‬
‫يدعون لحضورهسا‪ ،‬وهسم يحتاجون إلى نفقات تنقسل وسسكن وإعاشسة‪ ،‬وكلهسا ل بسد لهسا مسن‬
‫المال‪ ،‬وتحتاج إلى لجان إدارية وفنية وإعلمية‪ ،‬وكلها ل بد لها من المال‪.‬‬
‫والنوادي بأنواعهسسسسسسا قوامهسسسسسسا‪-‬بعسسسسسسد الرجال‪-‬المال‪ ،‬وهكذا الرحلت والمخيمات‬
‫والتصالت كلها ل بد لها من المال‪.‬‬
‫وهكذا قوافل الدعاة التي يجب أن تنتشر في الرض لبلغ الحق إلى عقول الناس‪،‬‬
‫ل قدرة لها إل بالمال‪.‬‬
‫ومن هنا نعلم عظم وسيلة المال في السباق إلى العقول‪.‬‬

‫مسؤولية الموسرين في السباق إلى العقول‪.‬‬
‫ومن هنا يجب أن يعلم الغنياء والموسرون عظم مسئوليتهم أمام ال في السباق إلى‬
‫العقول بالحسسق‪ ،‬فأكثسسر الغنياء ل قدرة عندهسسم على أن يباشروا بأنفسسسهم العمسسل فسسي هذا‬
‫الميدان‪ ،‬إمسسا لعدم العلم الذي بسسه يسسسابقون إلى العقول‪ ،‬وإمسسا لضيسسق أوقاتهسسم ومشاغلهسسم‬
‫الكثيرة فسي جمسع المال وحفظسه وتصسريفه‪ ،‬ولكنهسم قادرون على تحريسك كسل قادر على‬
‫السهام في هذا الميدان بكل الوسائل السابقة‪.‬‬
‫وإذا كان الواجسب على العالم أن يسبين بعلمسه الحسق للناس ويسسبق بسه أهسل الباطسل إلى‬
‫العقول‪ ،‬وإذا كان الواجسب على المعلم أن يجتهسد فسي تعليسم النشسء العلوم السسلمية ومسا‬
‫يخدمهسسسا‪ ،‬وإذا كان الواجسسسب على العلمسسسي أن يوصسسسل الحسسسق إلى عقول الناس فسسسي‬
‫تخصسسصه‪ ،‬وإذا كان الواجسسب على القادر على التأليسسف أن يعكسسف على الكتابسسة ويخرج‬
‫للناس الحسسق فسسي كتسسب ونشرات‪ ،‬وإذا كان الواجسسب على المهندس أن يصسسنع الميكرفون‬
‫واللقسط والراديسو والمسسجل والكاسسيت‪ ،‬لنقسل الحسق إلى عقول الناس‪ ،‬فإن الواجسب على‬
‫الغني أن يمول كل أولئك وتخصصاتهم مما رزقه ال‪.‬‬
‫وكسل وسسيلة للسسباق بالحسق إلى العقول‪ ،‬يتوقسف اسستغللها على المال‪ ،‬فإن إثسم العجسز‬
‫‪186‬‬

‫عن استغللها يقع على أغنياء المة السلمية‪ ،‬وبخاصة ولة المر فيها‪.‬‬
‫فكسم مسن داعيسة يحترق قلبسه يرغسب فسي التنقسل وإبلغ الحسق والسسبق بسه إلى العقول‬
‫أقعده عدم المال عن بغيته؟‬
‫وكسم معلم كفسء قادر على تعليسم أبناء المسة السسلمية مسا ينفعهسم ويوصسل الحسق إلى‬
‫عقولهسم‪ ،‬عجسز عسن وظيفتسه بسسبب حاجتسه وكده لجمسع رزقسه ورزق أهله‪ ،‬ولم يجسد مسن‬
‫ينفق عليه ليتفرغ للتعليم؟‪.‬‬
‫وكم كاتب عنده من الفكار ما يحمي به عقول أبناء المسلمين من الباطل ويوصل به‬
‫الحق إلى تلك العقول‪ ،‬لم يجد صحيفة تنشر له أفكاره؟‬
‫وكم مؤلف تكدست عنده الكراريس النافعة المفيدة لم يجد من ينشر له كتبه؟‬
‫وكسسم قريسسة أو مدينسسة أو حارة احتاج أهلهسسا إلى إقامسسة مسسسجد أو وجود إمام كفسسء‬
‫متفرغ‪ ،‬لم يتح لهم ذلك بسبب عدم وجود المال؟‬
‫وكسم بلد يمكسن أن تتخسذ فيهسا وسسائل إعلم لنشسر الحسق والرد على الباطسل‪ ،‬لم يحسظ‬
‫أهله بذلك للعجز المالي؟‬
‫وكسم مسن الناس يتيسه فسي ضلل الكفسر وسسيئ الخلق‪ ،‬لم يجسد مسن يهديسه إلى السسلم‬
‫ومكارم الخلق‪ ،‬ولو وجد المال لوجد الهادي؟‬
‫إن غنيسا واحدا مسن أغنياء المسسلمين‪ ،‬قادر على إنشاء جامعات وتمويلهسا‪ ،‬وإن غنيسا‬
‫آخسسسر‪ ،‬قادر على إنشاء إذاعسسسة أو إذاعات وتمويلهسسسا‪ ،‬وإن غنيسسسا واحدا قادر على إنشاء‬
‫محطة فضائية أو محطات للبث التلفزيوني‪.‬‬
‫وإن غنيا واحدا قادر على إنشاء عدد من الجوامع والمساجد والنفاق عليها‪.‬‬
‫وإن غنيا واحدا قادر على إيجاد مطبعة أو مطابع لنشر الكتب والعلم والفكر‪.‬‬
‫وإن غنيا واحدا قادر على إنشاء دار أو دور للترجمة وتولي النفاق عليها‪.‬‬
‫وإن غنيا واحدا قادر على كفالة عدد من الدعاة في أقطار العالم‪ ،‬وعلى النفاق على‬
‫قوافل منهم تجوب الرض لبلغ الحق إلى عقول الناس‪.‬‬
‫وإن غنيسسا واحدا قادر على كفالة عدد مسسن الطلبسسة المسسسلمين لكمال دراسسساتهم فسسي‬
‫مجالت متنوعة من التخصصات‪.‬‬
‫وإن غنيسسا واحدا قادر على إيجاد وسسسائل مواصسسلت‪ ،‬فسسي البر أو البحسسر أو الجسسو‬
‫للدعوة إلى ال ومنافسة أعداء ال من المنصرين‪.‬‬
‫وإن غنيسسا واحدا قادر على إيجاد ملجسسئ ليتام المسسسلمين‪ ،‬الذيسسن نزلت بهسسم نوازل‬
‫العدوان والحروب والمجاعات والكوارث‪ ،‬فتسسسابق إلى إيوائهسسم وملء عقولهسسم بالباطسسل‬
‫أهسل الباطسل مسن اليهود والنصسارى والملحديسن‪ ،‬ولو بذل الغنسي المسسلم مسن ماله مسا يوفسر‬
‫لهم الملجأ والطعام والشراب‪ ،‬والدواء والمدرس‪ ،‬لصان بذلك عقولهم من الباطل وملها‬
‫بالحق‪.‬‬
‫فكيسف لو اجتمسع أغنياء المسسلمين ونسسقوا فيمسا بينهسم‪ ،‬وأسسندوا وضسع أهداف السسباق‬
‫إلى العقول وخططهسا ووسسائلها إلى أهسل العلم والدعوة والفكسر والخسبرة‪ ،‬ثسم شرعوا فسي‬
‫بذل الموال واسسستثمارها وتحبيسسسها على مصسسالح المسسسلمين التسسي تحقسسق تلك الهداف‬
‫والخطط والوسائل‪.‬‬
‫‪187‬‬

‫أولويات ينبغمممي لذوي اليسمممار معرفتهممما للعممممل‬
‫السلمي‪.‬‬
‫وينبغسسي أن يعرف أغنياء المسسة السسسلمية وحكامهسسا أولويات العمال السسسلمية‪،‬‬
‫حتسى يهتموا بالولى فالولى منهسا‪ ،‬لمسا فسي فواتهسا مسن فوات مصسالح عظيمسة‪ ،‬وحصسول‬
‫مفاسد مهلكة‪ ،‬ونلخص ذلك في المور التية‪:‬‬
‫المسر الول‪ :‬أنسه يوجسد كثيسر مسن أهسل اليسسار يحبون الخيسر ويحاولون بذل شسئ مسن‬
‫أموالهسسم فسسي العمال الخيريسسة‪ ،‬ولكسسن ينقصسسهم معرفسسة الولويات‪ ،‬ولذلك قسسد يقدمون‬
‫الحاجسسي على الضروري والتحسسسيني على الحاجسسي‪ .‬والواجسسب أن يدرسسسوا المياديسسن‬
‫الخيرية ويقدموا الهم على ما سواه‪.‬‬
‫المسسر الثانسسي‪ :‬أن كثيرا مسسن الغنياء تخدعهسسم المشروعات الجماهيريسسة‪ ،‬والدعايات‬
‫والصسور وإحسسان عرض المشروعات‪ ،‬بأهداف وخطسط ووسسائل ووسساطات‪ ،‬وقسد يكون‬
‫كثيسسر ممسسن يتقنون ذلك العرض مبالغيسسن فسسي مشروعاتهسسم‪ ،‬وقسسد يكون بعضهسسم مرتزقسسة‬
‫ومتكسسبين بأعمال خيريسة وهميسة‪ ،‬والواجسب التريسث والتسبين بالطرق الممكنسة مسن صسدق‬
‫أولئك‪ ،‬وحبذا لو أوفد المحسنُ مَن يتعرف له على المشروعات المدعاة بطريقة خاصة‪.‬‬
‫المسسر الثالث‪ :‬أن بعسسض الغنياء يربطون مسسساعداتهم بفئة معينسسة‪ ،‬وقسسد توجسسد فئات‬
‫غيرهسا أكثسر نشاطسا منهسا وأشمسل نفعسا وأصسفى منهجسا وأعظسم تأثيرا فسي الناس‪ ،‬كمسا أن‬
‫بعسسض الغنياء يتجهون إلى أعمال خيريسسة نافعسسة‪ ،‬ولكنهسسا يوجسسد منهسسا مسسا فيسسه غنيسسة‪،‬‬
‫والحاجسة داعيسة إلى أعمال خيريسة غيسر موجودة أو يوجسد منهسا مسا ل يكفسي‪ ،‬فقسد تجسد مسن‬
‫يكثسر مسن بناء المسساجد فسي أماكسن تكثسر فيهسا المسساجد‪ ،‬ول يوجسد من يصسلي فسي بعضهسا‪،‬‬
‫ويهملون بناء المدارس فسي تلك الماكسن التسي ل توجسد بهسا مدارس‪ ،‬بسل قسد توجسد مدارس‬
‫غير إسلمية نصرانية أو غيرها تفسد أبناء المسلمين في عقائدهم وأخلقهم‪.‬‬
‫المسر الرابسع‪ :‬أن عدم وجود تنسسيق بيسن المحسسنين مسن الغنياء‪ ،‬قسد يجعسل نشاطهسم‬
‫يتراكم في ميدان واحد وفي بلد واحد أو في فئة معينة‪ ،‬وقد يكون ذلك الميدان أو البلد أو‬
‫الفئة جديرة بالهتمام‪ ،‬ولكسسن مياديسسن أخرى وبلدانسسا أخرى وفئات أخرى محرومسسة مسسن‬
‫العون والمساعدة‪ ،‬وهي ل تقل أهمية عن غيرها‪ ،‬ولو وجد تنسيق واتفاق لوصل الخير‬
‫إلى الجميع‪.‬‬
‫المسر الخامسس‪ :‬أن فسي الشريعسة السسلمية بابسا مسن أبواب الخيسر جرب نفعسه فترات‬
‫طويلة مسن الزمسن‪ ،‬وقسد كاد يندثسر الن بسسبب وجود حكومات علمانيسة تحارب السسلم‬
‫وكسل الوسسائل التسي تدعسم بقاءه وانتشاره‪ ،‬وقسد قضست على ذلك الباب فسي كثيسر مسن بلدان‬
‫المسسلمين‪ ،‬أل وهسو الوقسف الذي يسستمر نفعسه ويعسم فسي مياديسن كثيرة‪ ،‬فلو اتجسه الغنياء‬
‫إلى إحياء هذا الباب وحبسسس كسسل غنسسي أو عدد مسسن الغنياء بعسسض المرافسسق‪ ،‬كالبسسساتين‬
‫والعمارات والدكاكيسسن على مشروع مسسن المشروعات الخيريسسة‪ ،‬كمدرسسسة‪ ،‬أو مركسسز‬
‫إسسلمي‪ ،‬أو جهاز إعلم إسسلمي‪ ،‬أو مطبعسة إسسلمية‪ ،‬أو دار ترجمسة أو دار نشسر‪ ،‬أو‬
‫غيرها من الوسائل التي يتم بها السباق بالحق إلى العقول‪ ،‬لكان لذلك ثماره العظيمة في‬
‫‪188‬‬

‫هذا المجال‪ ،‬وقسد يترك الواقسف واسستثماراته لهيئة يوثسق بهسا علمسا وأمانسة ووعيسا ومعرفسة‬
‫بمقاصد الشريعة السلمية لتنفق منه بحسب ما ترى من المصلحة بعد دراسة وتثبيت‪.‬‬
‫وإذا رؤي أن مؤسسسة مسا مسن المؤسسسات تسستحق أن يوقسف شسئ على نشاطهسا المفيسد‬
‫نفذ ذلك‪.‬‬
‫وهذا خيسر مسن ترك المور بدون تنظيسم وترتيسب‪ ،‬وإيجاد شسئ ثابست ينفسق منسه عنسد‬
‫الحاجة‪ ،‬أولى من النفاق العشوائي الذي يكثر بسبب كثرة الطالبين للمساعدة في مواسم‬
‫معينة‪ ،‬قد يوجد من يستحق منهم وقد يوجد من ل يستحق‪.‬‬
‫ويمكسن التغلب على محاربسة أعداء السسلم للوقاف النافعسة‪ ،‬باختيار بعسض البلدان‬
‫السلمية التي يرجى أن تسلم الوقاف فيها من اعتداء حكوماتها عليها لتستثمر فيها‪ ،‬أو‬
‫بعسض البلدان غيسر السسلمية التسي فيهسا نوع ضمان ‪ 1‬لمثسل ذلك‪ ،‬وللحيسل الشرعيسة نفعهسا‬
‫في هذا الباب‪.‬‬
‫المسر السسادس‪ :‬ينبغسي لغنياء المسسلمين عندمسا يسسافرون إلى خارج بلدانهسم سسواء‬
‫أكانسست بلدانسسا إسسسلمية أو غيسسر إسسسلمية‪ ،‬أن يزوروا المراكسسز والمؤسسسسات والمدارس‬
‫السلمية‪ ،‬ويتفقدوها ويعرفوا مدى نشاطها وصلح منهجها‪-‬إن كانوا قادرين على ذلك‪،‬‬
‫وإل أخذوا معلومات عنهسا وعرضوهسا بعسد رجوعهسم على أهسل العلم والخسبرة بالمناهسج‪،‬‬
‫ليرشدوهسسم إلى صسسلح تلك المناهسسج أو عدم صسسلحها‪-‬فإذا كانسست صسسالحة قدموا لهسسا‬
‫المساعدة المستطاعة ليستمر نفعها‪ ،‬وزيارة هذه المؤسسات أولى من الزيارات السياحية‬
‫المباحة‪-‬بله المكروهة أو المحرمة‪-‬ويمكنهم الجمع بين السياحتين المباحة والمندوبة‪.‬‬
‫ولو أن التجار والغنياء الذيسن يزورون كثيرا مسن البلدان فسي الخارج‪-‬أي فسي خارج‬
‫بلدانهسم‪-‬تفقدوا المراكسز والمدارس والمؤسسسات السسلمية ورأوا نشاطهسا وحاجتهسا إلى‬
‫المسساعدة‪ ،‬لربمسا رقست قلوبهسم وشعروا بأن مسن واجبهسم مسساعدة تلك المؤسسسات والخسذ‬
‫بيدهسسا‪ ،‬وخاصسسة المؤسسسسات الموجودة فسسي البلدان غيسسر السسسلمية التسسي تسسستفيد منهسسا‬
‫القليات السلمية‪.‬‬
‫المسر السسابع‪ :‬أن كثيرا من أغنياء المسسلمين ل يبذلون المال إل فسي إغاثسة المنكوبيسن‬
‫مسن المسسلمين‪ ،‬إمسا بكوارث طبيعيسة كالفيضانات والزلزل والحروب‪ ،‬ومسا شابسه ذلك‪،‬‬
‫حيسسث يرون المنكوبيسسن وقسسد أخسسذ الجوع أو العطسسش أو المرض أو الجراح أو غيرهسسا‬
‫تحصدهم حصدا‪ ،‬فيسرعون إلى إغاثتهم‪ ،‬وذلك أمر مطلوب بل فرض كفاية تأثم المة‬
‫السسلمية إذا لم يوجسد فيهسا مسن يقوم بسه قيامسا كافيسا‪ ،‬ولكسن أولئك الغنياء يغفلون عسن‬
‫مجالت الوقاية من الكوارث والنكبات قبل نزولها‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك‪ :‬أن بعض الشعوب السلمية معرضة للعتداء عليها من قبل بعض‬
‫الدول الكافرة‪ ،‬ويعرف الغنياء المسسسسلمون بمسسسا فيهسسسم بعسسسض الحكام أن تلك الشعوب‬
‫السسلمية تحتاج إلى المال الذي يمكنهسا مسن الدفاع عسن نفسسها إذا هجسم عليهسا ذلك العدو‪،‬‬
‫فل تجسد مسن يمدهسا بالمال المطلوب‪ ،‬حتسى ينفسذ العدو عدوانسه عليهسا‪ ،‬ويقضسي على كسل‬
‫مؤسسساتها الدينيسة والتعليميسة والقتصسادية وغيرهسا‪ ،‬فيهدم بيوتهسا ويقتسل رجالهسا ويرمسل‬
‫نسساءها وييتسم أطفالهسا الذيسن يشردون فسي العراء جوعسى عطشسى جرحسى مرضسى‪ ،‬وعنسد‬
‫‪-1‬وهو أكثر رجاء من كثير من البلدان السلمية‪!!!.‬‬

‫‪189‬‬

‫ذلك يبذل الغنياء بعضسا مسن أموالهسم‪ ،‬لنقاذ حياة بعسض مسن نزلت بهسم النكبسة‪ ،‬واحتسل‬
‫العدو ديارهم ونهب أموالهم وسبى ذراريهم‪.‬‬
‫ولو أنهسم‪-‬الغنياء‪-‬جادوا ببعسض أموالهسم تلك قبسل العتداء لكان فسي ذلك وقايسة مسن‬
‫العتداء قبل وقوعه‪ ،‬فهل يعي الغنياء هذا المر؟!‬

‫الوسيلة السادسة عشرة‪ :‬سباق المواقع‪.‬‬
‫أي أن يقوم كسل شخسص مسن المسسلمين القادريسن على السسباق بالحسق إلى العقول مسن‬
‫موقعه الذي هو فيه بهذا السباق‪.‬‬
‫وليسسس لقادر عذر فسسي ترك القيام بهذه الوسسسيلة‪ ،‬لنسسه ل يكلف النتقال بالسسسباق إلى‬
‫موقسع آخسر‪ ،‬حتسى يعتذر بالوقست أو بالمال أو غيسر ذلك‪ ،‬فالمطلوب منسه أن يتخسذ الوسسائل‬
‫الممكنة للسباق بالحق إلى العقول في محيطه الذي هو فيه‪.‬‬
‫فرب السسرة أو أي عضسو مسن أعضائهسا‪ ،‬عليسه أن يحصسن عقول أفراد أسسرته مسن‬
‫الباطسل‪ ،‬ويوصسل إليهسا الحسق فسي محيسط أسسرته وأقاربسه‪ ،‬والجار عليسه أن يفعسل ذلك مسع‬
‫جيرانسه‪-‬مسن أمكسن منهسم‪-‬والمدرس مسع زملئه المدرسسين وطلبسه‪ ،‬والطالب مسع زملئه‪،‬‬
‫ويمكن أن يفعل ذلك مع أساتذته بالحكمة والدب والسلوب المناسب‪.‬‬
‫والمدير يفعل ذلك مع موظفيه الصغار والكبار‪.‬‬
‫والموظف يفعل ذلك مع زملئه وخدمه‪.‬‬
‫والطبيب يفعل ذلك مع مرضاه ومراجعيه وزملئه‪ ،‬والمهندس يفعل ذلك مع زملئه‬
‫وعماله‪ ،‬ورئيسس المصسنع يفعسل ذلك مسع موظفيسه وعماله‪ ،‬وهكذا كسل موظسف مسع زملئه‬
‫ومن هم تحت إدارته‪.‬‬
‫والوزيسر فسي وزارتسه مسن أعلهسا إلى أسسفلها‪ ،‬ورئيسس الدولة مسع مسن هسم تحست يده‪،‬‬
‫والقادرون على فعل ذلك مع رئيس الدولة يفعلون ذلك معه‪.‬‬
‫وفرق الرياضسسة فيمسسا بينهسسم ومسسع الفرق الخرى المشاركسسة لهسسم فسسي رياضتهسسم‪،‬‬
‫ومسسؤولو النوادي مسع مسن هسم تحست يدهسم‪ ،‬وكسل عضسو يفعسل ذلك مسع العضسو الخسر‪.‬‬
‫وهكذا الخبراء في مجال خبراتهم‪.‬‬
‫فخسسسبراء المناهسسسج يراعون فسسسي وضسسسع المناهسسسج هدف السسسسباق إلى العقول بالحسسسق‬
‫وصيانتها من الباطل‪.‬‬
‫ومؤلفو الكتب الدراسية يضعون ذلك الهدف في تأليف كتبهم‪.‬‬
‫وهكذا ل يبقسسى أحسسد قادر على السسسباق إلى العقول بالحسسق إل أمكنسسه القيام بذلك فسسي‬
‫موقعه‪.‬‬
‫وقسسد تتعدد المواقسسع للشخسسص الواحسسد‪ ،‬كأن يكون رب أسسسرة وإمام مسسسجد‪ ،‬أو مديسسر‬
‫مدرسة‪ ،‬أو رئيس شركة‪ ،‬أو قائد كتيبة‪ ،‬أو ضابط عادي أو جندي أو غير ذلك‪.‬‬
‫وقد يكون موقع الشخص واسعا‪ ،‬كرئيس الدولة المسؤول عن رعيته كلها‪ ،‬فهو قادر‬
‫بما مكنه ال من المسؤولية الولى‪ ،‬أن يأمر وأن يعين المأمور بما يحتاج إليه‪ ،‬وأن يعين‬
‫من يتابع المر حتى ينفذ‪ ،‬وأن يكوّن اللجان التي تبلغه بما يوجد من باطل قد غرس في‬
‫العقول أو يراد غرسسه‪ ،‬فيتخسذ التدابيسر اللزمسة فسي أي مرفسق لصسيانة العقول وتصسفيتها‬
‫‪190‬‬

‫ممسا علق بهسا‪ ،‬وبالحسق المفقود الذي يجسب أن يصسل إلى العقول فيتخسذ التدابيسر اللزمسة‬
‫لبلغ ذلك الحق إلى العقول‪.‬‬
‫وهسو كذلك مسسؤول عسن إبلغ الحسق إلى مسن أمكنسه إبلغسه إليسه مسن غيسر رعيتسه‪،‬‬
‫للعلقات الواسسعة مسع البلدان الخرى‪ ،‬وبمسا عنده مسن إمكانات التصسال برؤسساء الدول‬
‫الخرى اتصسال شخصسيا‪ ،‬أو عسن طريسق أي وسسيلة مسن وسسائل التصسال‪ ،‬وبمسا عنده مسن‬
‫وسسسائل العلم التسسي يمكسسن أن تصسسل إلى شعوب كثيرة مجاورة وغيسسر مجاورة‪ ،‬عسسن‬
‫طريق الذاعة والتلفاز والقمار الصناعية وغيرها‪.‬‬
‫إن وسيلة المواقع وسيلة واسعة إذا نظرنسا إليهسا هذه النظرة الشاملة‪ ،‬بحيسث يقوم كسل‬
‫فرد وكسل شركسة أو مؤسسسة‪ ،‬بالسسباق بالحسق إلى العقول مسن مواقعهسم‪ ،‬فمسا مسن صساحب‬
‫حق قادر على السباق به إلى العقول إل كان في موقع أو مواقع ‪.1‬‬
‫وليعلم صساحب كسل موقسع قادر على صسيانة عقول مسن هسم فسي موقعسه مسن الباطسل أو‬
‫إبلغ الحق إليها‪ ،‬ثم لم يفعل ولم يقم بذلك غيره قياما كافيا‪ ،‬أنه آثم سيسأله ال عن ذلك‬
‫يوم لقائه‪.‬‬
‫وهذه الوسيلة جديرة بأن تسمى دعوة المواقع أو سباق المواقع‪.‬‬
‫وبهذا ينتهسسي الكلم على القسسسم الول مسسن وسسسائل السسسباق إلى العقول بالحسسق وهسسو‬
‫الوسائل السلمية ‪.2‬‬

‫الوسيلة السابعة عشرة‪ :‬الجهاد العسكري‪.‬‬
‫كسل الوسسائل الماضيسة وغيرهسا تشملهسا كلمسة الجهاد فسي سسبيل ال لن الجهاد قسسمان‪:‬‬
‫قسسم معنوي‪ ،‬وقسسم مادي‪ ،‬فالوسسائل الماضيسة مسن قسسم الجهاد المعنوي‪ ،‬والجهاد المادي‬
‫هسو الجهاد القتالي الشامسل لعداد الرجال والعتاد‪ ،‬ومقارعسة طغاة الباطسل الذيسن يصسدون‬
‫‪3‬‬
‫عن سبيل ال بالسيف والصاروخ‪.‬‬
‫والجهاد العسسسكري ليسسس وسسسيلة للسسسباق إلى العقول بالحسسق بالكراه‪ ،‬فل إكراه فسسي‬
‫الدين‪ ،‬ولو أن أحدا أكره أحدا على أن يصرح بأنه مؤمن بدينٍ مّا من الديان‪ ،‬وقلبه غير‬
‫مؤمن به في الواقع‪ ،‬لما كان للكراه معنى إل العدوان‪.‬‬
‫وإنما الجهاد وسيلة لتحطيم السدود وإزالة العقبات التي تقف في طريق إبلغ الحق‬
‫إلى عقول الناس‪.‬‬
‫فإذا مسا تمكسن أهسل الحسق مسن إبلغ الحسق إلى عقول الناس‪ ،‬وتمكسن الناس مسن سسماع‬
‫الحق دون عقبات‪ ،‬فل سبيل بعد ذلك إلى إكراه أحد ممن بلغه الحق على اعتقاده‪ ،‬بل إن‬
‫شاء قبله وإن شاء رفضه وحسابه على ال‪.‬‬
‫لكسسن لمسسا كان أعداء الحسسق مسسن الطغاة يضيقون بالحسسق‪ ،‬ول يأذنون لهله بأن يبلغوه‬
‫للناس‪ ،‬بل يحاربونه ويحاربونهم‪ ،‬ويمنعون الناس من سماع الحق‪ ،‬ليختاروا اليمان به‬
‫‪-1‬فالشخسص أو الجماعسة قسد ترى موقعهسا ضيسق المسساحة‪ ،‬لكسن المسساحة هسي الرض كلهسا بالنسسبة لكسل المواقسع فسي سسفر أو‬
‫حضر‪.‬‬
‫‪-2‬أنظر ص ‪196‬من النسخة المخطوطة باليد‪.‬؟؟؟‬
‫‪-3‬راجع كتاب الجهاد في سبيل ال حقيقته وغايته (‪ )537-1/273‬للمؤلف‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫أو رفضه‪ ،‬وفي نفس الوقت يتخذون كل وسيلة للسباق بالباطل إلى عقول الناس‪ .‬فإن ال‬
‫تعالى شرع لهسل الحسق أن يجاهدوا أولئك الطغاة بالحديسد‪ ،‬ليتمكسن أهسل الحسق مسن تبليسغ‬
‫الحق‪ ،‬ويتمكن الناس من سماعه‪.‬‬
‫وقسد دل التاريسخ والقرآن والواقسع‪ ،‬أنسه ل غنسى لهسل الحسق عسن اتخاذ وسسيلة الجهاد‬
‫العسكري‪ ،‬لصيانة عقول الناس من الكراه على اعتقاد الباطل‪ ،‬وليتمكن أهل الحق من‬
‫‪1‬‬
‫إبلغ الحق إلى عقول الناس دون إكراه على اعتقاده‪.‬‬
‫ومسا نشاهده فسي هذا العصسر مسن محاربسة السسلم والدعاة إليسه‪ ،‬بسل مسن العتداء على‬
‫المسسلمين‪ ،‬لجبارهسم على التخلي عسن دينهسم والدخول فسي الديان الوثنيسة والنصسرانية‪،‬‬
‫كما هو الحال في الهند والبوسنة والهرسك‪ ،‬وما يحصل في بعض البلدان السلمية‪ ،‬من‬
‫حكوماتهسا العلمانيسة التسي تُظهِر‪-‬ول تخفسي‪-‬حربَهسا لدعاة تطسبيق الشريعسة السسلمية‪ ،‬كسل‬
‫ذلك يدل دللة واضحسة أن هذه الوسسيلة هسي أنجسع الوسسائل‪-‬بعسد أن أخفقست وسسائل كثيرة‬
‫من الوسائل المعنوية في رد أعداء السلم إلى صوابهم‪-‬في إتاحة الفرصة للحق‪ ،‬ليصل‬
‫إلى عقول الناس‪ ،‬ولصيانة تلك العقول من الباطل‪.‬‬
‫قيسض ال للمسسلمين مسن يقودهسم بالجهاد فسي سسبيل ال لعلء كلمسة ال‪ ،‬وال غالب‬
‫على أمره‪.‬‬
‫وتحطيسم الحواجسز التسي يضعهسا الطغاة فسي طريسق أهسل الحسق‪ ،‬لبلغسه إلى عقول‬
‫الناس أمسر مشروع‪ ،‬لن إبلغ الحسق إلى تلك العقول مشروع ول يمكسن أن يصسل إليهسا‬
‫إل بتحطيم تلك الحواجز‪ ،‬وتلك الحواجز هي الطغاة الذين يقفون ضد الحق بالقوة‪.‬‬
‫وهاهسم أهسل الباطسل اليوم يتذرعون بمسا يدعونسه مسن حقوق النسسان‪ ،‬ليسسقطوا دول‬
‫يزعمون أنهسا تقسف ضسد حقوق النسسان فسي شعوبهسا‪ ،‬ووصسل المسر بهسم أن يعتسبروا مسن‬
‫حقوق النسسان عدم تطسبيق الشريعسة السسلمية فسي أي بلد إسسلمي‪ ،‬ولو كان غالب أهسل‬
‫البلد ينادون بتطسبيق الشريعسة فسي بلدهسم‪ ،‬بسل ولو أجريست انتخابات حزبيسة تعدديسة باسسم‬
‫الديمقراطيسة التسي هسم يزعمون تقديسسها وعدهسا مسن حقوق النسسان فسي الشعوب‪ ،‬وفاز‬
‫دعاة تطسبيق الشريعسة السسلمية فوزا سساحقا‪ ،‬فإن أعداء السسلم ودعاة حقوق النسسان‬
‫ومقدسي الديمقراطية‪ ،‬يقفون بدون حياء بجانب فئة قليلة من عبيدهم وأذنابهم العلمانيين‪،‬‬
‫لسحق الغلبية المسلمة من الشعب‪ ،‬لئل يستقر الحق ويعلو ويزهق الباطل ويزول‪.‬‬
‫وإذا كان هذا هسو موقسف أهسل الباطسل مسن أجسل حمايتسه وحمايسة العقول مسن نفاذ الحسق‬
‫إليهسا‪ ،‬فإن أهسل الحسق أولى بتحطيسم سسدود أهسل الباطسل‪-‬ل لكراه الطغاة المردة أنفسسهم‬
‫على اعتقاد الحق ولكن‪-‬ليصسال الحق الذي يحملونه إلى الناس‪ ،‬وليسسمع الناس دعوتهسم‬
‫إلى الحق وبيانه‪ ،‬ثم يقرروا‪-‬دون إكراه‪-‬اعتقادهم الحق أو عدم اعتقاده‪.‬‬
‫ولنضرب مثال يقرب هذا المعنى‪:‬‬
‫حارة شسسسسب فيهسسسسا حريسسسسق‪ ،‬فجاءت نجدة الطفاء لطفاء الحريسسسسق‪ ،‬وجاءت نجدة‬
‫السسسعاف الطسسبي لنقسسل المصسسابين إلى المسسستشفيات لمعالجتهسسم‪ ،‬فوجدت النجدتان رجال‬
‫مسسسلحين يحيطون بتلك الحارة التسسي أصسسابها الحريسسق‪ ،‬يمنعون نجدة الطفاء مسسن إطفاء‬
‫الحريسق‪ ،‬ويمنعون نجدة السسعاف الطسبي مسن إسسعاف المصسابين‪ ،‬ويمنعون أهسل الحارة‬
‫‪-1‬للجهاد أهداف أخرى فصلت في المرجع السابق (‪.)116-1/107‬‬

‫‪192‬‬

‫من الهرب منها لينجوا بأنفسهم من الموت‪.‬‬
‫أل يجسسب فسسي هذه الحالة على الدولة أن تبعسسث فرقسسا مسسن الشرطسسة أو الجيسسش‪ ،‬لطرد‬
‫المسسلحين الظالميسن الذي يحيطون بالحارة المحروقسة‪ ،‬لجبار أهلهسا على البقاء فسي لهسب‬
‫النار ليحترقوا‪ ،‬ومنع من يريد إسعافهم من الوصول إليهم لنقاذهم؟!‬
‫ل بد أن يكون جواب كل عاقل باليجاب‪.‬‬
‫وهكذا يجسب أن يزال طغاة الباطسل مسن طريسق الحسق‪ ،‬ليصسل إلى عقول الناس‪ ،‬ومسن‬
‫طريق الناس ليصل إليهم الحق‪.‬‬
‫فالباطل أشد خطرا من النار‪ ،‬والحق أكثر ضرورة من الطفاء والسعاف‪ ،‬والناس‬
‫الذيسن يحجسر عليهسم الطغاة ول يأذنون لهسم بسسماع الحسق وفهمسه‪ ،‬أعظسم حاجسة إلى إطلق‬
‫حريتهم من الذين شب الحريق في منازلهم‪ ،‬وأهل الحق أجدر بالوصول إلى الناس من‬
‫فرق الغاثسة الماديسة لغاثتهسم بالحسق‪ ،‬وطغاة الباطسل الذيسن يمنعون وصسول الحسق إلى‬
‫الناس أولى بالستئصال من مانعي نجدة الطفاء من الحرائق‪ ،‬ونجدة إسعاف المصابين‪.‬‬
‫فغايسة مسا يسسببه الحريسق هسو تلف الموال والنفوس فسي الدنيسا‪ ،‬والموال تعوض والنفوس‬
‫لها آجال ل بد منها‪ ،‬والنفس التي تموت وهي مؤمنة ستنال الثواب الجزيل والفوز الدائم‬
‫برضا ال وجنة الخلد‪.‬‬
‫أمسا البقاء فسي ضلل الكفسر وظلمسا تسه واتباع الباطسل والبقاء فسي ظلماتسه‪ ،‬فإن نهايتسه‬
‫الشقاء والنكد في الدنيا‪ ،‬والوقوع في سخط ال والعذاب الدائم في نار جهنم والعياذ بال‪.‬‬

‫‪193‬‬

‫غايات أهل الباطل في السباق إلى العقول ‪.‬‬
‫كمسا أن لهسل الحسق غايات فسي سسباقهم بالحسق إلى العقول‪ ،‬فإن لهسل الباطسل‪-‬كذلك‪-‬‬
‫غايات فسي سسباقهم بباطلهسم إلى العقول‪ ،‬وقسد ل يصسرحون بتلك الغايات‪ ،‬ولكسن أعمالهسم‬
‫وتصرفاتهم تدل على غاياتهم‪.‬‬
‫ولنذكر أهم غاياتهم تلك إجمال‪ ،‬ثم نشرع في تفصيلها‪:‬‬
‫الغاية الولى‪ :‬التمتع المطلق بكل ما في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫الغاية الثانية‪ :‬الصد عن سبيل ال‪.‬‬
‫الغاية الثالثة‪ :‬تكذيب الرسل‪.‬‬
‫الغاية الرابعة‪ :‬الحْوَْل بين الناس وبين إقامة الحجة عليهم‪.‬‬
‫الغاية الخامسة‪ :‬إخراج الناس من النور إلى الظلمات‪.‬‬
‫الغاية السادسة‪ :‬إحلل الشرك محل التوحيد‪.‬‬
‫الغاية السابعة‪ :‬إنكار اليمان بالغيب‪.‬‬
‫الغاية الثامنة‪ :‬محاربة الحكم بما أنزل ال‪.‬‬
‫الغاية التاسعة‪ :‬محاربة الولء ل ولرسوله وللمؤمنين‪.‬‬
‫الغاية العاشرة‪ :‬غرس الخلق الفاسدة في نفوس الناس‪.‬‬
‫الغاية الحادية عشرة‪ :‬الفساد في الرض‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫الغايمة الولى‪ :‬التمتمع المطلق بكمل مما فمي الحياة‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫وكلمسة‪[ :‬المطلق] هنسا مقصسودة‪ ،‬لن أهسل الحسق يتمتعون بكثيسر ممسا يتمتسع بسه أهسل‬
‫الباطسل‪ ،‬مسن مأكسل ومشرب ومنكسح ومسسكن ومركسب ومنصسب وجاه‪ ،‬وغيسر ذلك‪ ،‬ولكسن‬
‫تمتع أهل الحق بذلك ليس تمتعا مطلقا‪ ،‬وإنما هو مقيد بما أذن ال فيه وشرعه‪.‬‬
‫بخلف أهسل الباطسل‪ ،‬فإنهسم يتمتعون بكسل مسا فسي الرض تمتعسا مطلقسا‪ ،‬أي خاليسا مسن‬
‫كل قيد‪ ،‬من دين أو خلق‪ ،‬ودون معارض من رسل أو أنبياء ودعاة خير‪ ،‬ول يقيدهم إل‬
‫قيد واحد فقط‪ ،‬وهو عدم القدرة على تناول ما يشتهون‪.‬‬
‫وهذه الغاية ل تتحقق لهم إل إذا كثر أهل الباطل كثرة‪ ،‬ل تدع مجال لهل الحق في‬
‫صسدهم عسن الوصسول إلى غاياتهسم تلك‪ ،‬ولذلك فهسم يسسعون جاديسن فسي سسباقهم إلى عقول‬
‫الناس‪ ،‬ليكسسبوا أكسبر عدد منهسم‪ ،‬ليقفوا فسي صسفهم للوصسول إلى غاياتهسم تلك وصسد مسن‬
‫يحاول منعهم منها‪.‬‬
‫وقسد أبرز ال تعالى هذه الغايسة فسي كتابسه‪ ،‬والواقسع يشهسد بهسا‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬والذيسن‬
‫كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل النعام والنار مثوى لهم}‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم المل فسوف يعلمون}‪.2‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون} ‪.3‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ل يغرنسسك تقلب الذيسسن كفروا فسسي البلد متاع قليسسل ثسسم مأواهسسم جهنسسم‬
‫وبئس المهاد}‪.4‬‬
‫وفسي هذه اليات يهدد ال تعالى الكافريسن الذيسن جعلوا غايتهسم التمتسع بالحياة الدنيسا‪،‬‬
‫وحرصسوا على تحقيسق هذا التمتسع الذي ألهاهسم عسن عبادة ال وطاعتسه وطاعسة رسسله بمسا‬
‫ينتظرهم من جزاء يوم القيامة‪.‬‬
‫وقال تعالى‪-:‬مبينسا نوعسا مسن أنواع هذا التمتسع وهسو العلو فسي الرض‪{-‬إن فرعون‬
‫عل في الرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم‬
‫إنه كان من المفسدين}‪.5‬‬
‫وبيسن تعالى شيئا مسن علو فرعون‪ ،‬فسي قوله تعالى‪{ :‬ونادى فرعون فسي قومسه قال يسا‬
‫قوم أليس لي ملك مصر وهذه النهار تجري من تحتي أفل تبصرون أم أنا خير من هذا‬
‫الذي هسو مهيسن ول يكاد يسبين فلول ألقسى عليسه أسسورة مسن ذهسب أو جاء معسه الملئكسة‬
‫مقترنين‪ ،‬فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} ‪.6‬‬
‫فغايسة فرعون‪-‬وكذلك كسل الفراعنسة‪-‬العلو فسي الرض بالملك والمال وكثرة التباع‪،‬‬
‫ولذلك يحاولون خداع الجماهيسر والشعوب بمظاهسر ملكهسم وضعسف أهسل الحسق والوقوف‬
‫ضدهم‪.‬‬
‫‪-1‬محمد‪.12 :‬‬
‫‪-2‬الحجر‪.3 :‬‬
‫‪-3‬العنكبوت‪.66 :‬‬
‫‪-4‬آل عمران‪.196،197 :‬‬
‫‪-5‬القصص‪.4 :‬‬
‫‪-6‬الزخرف‪.54 ،51 :‬‬

‫‪195‬‬

‫وقال تعالى عسن فرعون‪ ،‬أيضسا‪-‬وقسد أرسسل إليسه موسسى يدعوه إلى طاعسة ال‪ ،‬مسع مسا‬
‫لدى موسسى مسن آيات دالة على صسدق رسسالته‪{:-‬فكذب وعصسى‪ ،‬ثسم أدبر يسسعى‪ ،‬فحشسر‬
‫فنادى‪ ،‬فقال أنا ربكم العلى} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪-‬عسن نموذج مسن نماذج التمتسع بالمال والغنسى والترف‪-‬فسي قصسة قارون‪:‬‬
‫علَيْهِمْس َوءَاتَيْنَاهُس مِنَس الْكُنُوزِ مَا إِنّ َمفَاتِحَهُس لَتَنُوءُ‬
‫{إِنّ قَارُونَس كَانَس مِنْس قَوْمِس مُوسسَى فَبَغَى َ‬
‫بِالْعُصْسَب ِة أُولِي ا ْلقُوّ ِة إِ ْذ قَالَ لَهُس قَوْمُهُس لَ َتفْرَحْس إِنّ الَّ لَ ُيحِبّ ا ْلفَ ِرحِينسَ(‪)76‬وَابْتَغِس فِيمَا‬
‫ن الُّ ِإلَيْكَس وَلَ تَبْغِس‬
‫لخِرَةَ وَلَ تَنْسَس نَصسِي َبكَ مِنَس الدّنْيَا َوَأحْسِسنْ كَمَا أَحْسَس َ‬
‫ءَاتَاكَس الُّ الدّارَ ا ْ‬
‫علْمٍ عندي أولم يَ ْعلَمْ‬
‫علَى ِ‬
‫ب الْ ُمفْسِدِينَ(‪)77‬قَالَ إِنّمَا أُوتِيتُهُ َ‬
‫ن الَّ لَ ُيحِ ّ‬
‫ض ِإ ّ‬
‫الْفَسَا َد فِي الَْرْ ِ‬
‫أَنّ الَّ قَ ْد أَ ْهلَكَس مِنْس قَ ْبلِهِس مِنَس ا ْلقُرُونِس مَنْس ُه َو أَشَدّ مِنْهُس قُوّةً َوأَكْثَ ُر جَمْعًا وَلَ يُسْسَألُ عَنْس‬
‫ن ا ْلحَيَا َة الدّنْيَا يا ليت‬
‫ل الّذِينَ يُرِيدُو َ‬
‫علَى قَوْ ِم ِه فِي زِينَتِ ِه قَا َ‬
‫ذُنُوبِ ِه ُم الْمُجْرِمُونَ(‪َ )78‬فخَرَجَ َ‬
‫‪2‬‬
‫ن إِنّ ُه لَذُو حَظّ عَظِيمٍ(‪. })79‬‬
‫ي قَارُو ُ‬
‫لَنَا مِ ْثلَ مَا أُوتِ َ‬
‫وهذا الحتفاء بمسن عندهسم متاع الحياة الدنيسا‪ ،‬هسو مسن غاياتهسم التسي يريدون تحقيقهسا‪،‬‬
‫وهسم يعلمون أنهسم ل يُحتَفِي بهسم وهسم على باطسل إل أتباعُهسم مسن أهسل الباطسل‪ ،‬وأمسا أهسل‬
‫الحق فل يعبأ ون بما عندهم من متاع الحياة الدنيا‪ ،‬ولهذا فإن أهل الباطل يضيقون ذرعا‬
‫ل الّذِينَس‬
‫بأهسل الحسق‪ ،‬لعدم اغترارهسم بمسا عندهسم‪ ،‬كمسا قال تعالى فسي هذه القصسة‪َ { :‬وقَا َ‬
‫ل الصسّابِرُونَ(‪8‬‬
‫أُوتُوا الْ ِعلْمَس وَ ْيلَكُمْس ثَوَابُس الِّ خَيْ ٌر لِمَنْس ءَامَنَس َوعَ ِملَ صسَاِلحًا وَلَ ُيَلقّاهَا إِ ّ‬
‫‪3‬‬
‫‪.}0‬‬
‫فالميزان يختلف عنسد هؤلء وأولئك‪ :‬أهسل الحسسق يزنون الناس ومسسا يملكون باليمان‬
‫والعمسل الصسالح والصسبر‪ ،‬وهسي الصسفات التسي يترتسب عليهسا رضوان ال وثوابسه‪ ،‬وأهسل‬
‫الباطل يزنون الناس بما عندهم من ملك وغنى وشتان شتان‪.‬‬
‫وممسسا يدل على أن أهسسل الباطسسل يضيقون ذرعسسا بأهسسل الحسسق ونصسسحهم وأمرهسسم‬
‫بالمعروف ونهيهسم عسن المنكسر‪ ،‬ليقيدوا تمتعهسم فسي الحياة الدنيسا بقيود شرع ال‪ :‬موقسف‬
‫قوم شعيسب مسن نصسحه لهسم بالتزام عبادة ال وحده والعدل وترك الظلم والفسساد‪ ،‬كمسا قال‬
‫ن ِإلَ هٍ غَيْرُ هُ وَلَ تَ ْنقُ صُوا‬
‫ن َأخَاهُ مْ شُعَ ْيبًا قَالَ يا قوم اعْبُدُوا الَّ مَا لَكُ مْ مِ ْ‬
‫تعالى‪َ { :‬وِإلَى مَدْ َي َ‬
‫علَيْكُمْ عَذَابَ يَ ْومٍ ُمحِيطٍ(‪)84‬وَيَا قَ ْو ِم أَ ْوفُوا‬
‫ن إِنّي أَرَاكُمْ ِبخَيْرٍ َوإِنّي َأخَافُ َ‬
‫الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَا َ‬
‫الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَس بِا ْلقِسْسطِ وَلَ َت ْبخَسسُوا النّاسَس أَشْيَاءَهُمْس وَلَ َتعْثَوْا فِي الَْرْضِس ُمفْسِسدِينَ(‬
‫حفِي ظٍ(‪ )86‬قَالُوا يا شعيب أَ صَلَ ُتكَ‬
‫علَيْكُ مْ ِب َ‬
‫‪َ )85‬بقِيّ ُة الِّ خَيْرٌ لَكُ ْم إِ نْ ُكنْتُ مْ ُمؤْمِنِي نَ وَمَا أَنَا َ‬
‫حلِي مُ الرّشِيدُ(‬
‫ت الْ َ‬
‫ل فِي أَمْوَالِنَا مَا َنشَاءُ إِنّ كَ لَنْ َ‬
‫ك أَ نْ نَتْرُ كَ مَا يَعْ ُب ُد ءَابَاؤُنَا أَ ْو َأ نْ َنفْ َع َ‬
‫َتأْمُرُ َ‬
‫‪.4})87‬‬

‫الغاية الثانية‪ :‬الصد عن سبيل الله‪.‬‬
‫هذه هي الغاية الرئيسة الثانية التي يريد أهل الباطل تحقيقها في السباق إلى العقول‪،‬‬
‫‪-1‬النازعات‪.21،24 :‬‬
‫‪-2‬اليات من سورة القصص‪.‬‬
‫‪-3‬القصص‪.‬‬
‫‪-4‬اليات من سورة هود‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫وهي الصد عن سبيل ال ومحاربة الحق وأهله‪ ،‬ونصر الباطل وتثبيته في الرض‪ ،‬أي‬
‫تحقيق كل ما يضاد غايات أهل الحق ويخالفها من غايات‪.‬‬
‫وقد أوضح القرآن الكريم في آيات كثيرة منه أن أهل الباطل كلهم يصدون عن سبيل‬
‫ال‪ ،‬سسسسواء فسسسي ذلك أهسسسل الكتاب مسسسن اليهود والنصسسسارى‪ ،‬أو المشركون الوثنيون أو‬
‫المنافقون‪.‬‬
‫وفعل‪" :‬صَدّ" يأتي لزما‪ ،‬ومعناه انصراف الصاد عن الشيء والمتناع من قبوله‪،‬‬
‫ويأتسي متعديسا‪ ،‬ومعناه صسرف غيره عسن الشيسء وعسن قبوله‪ ،‬ول يصسرف النسسان غيره‬
‫عن الحق إل إذا كان هو نفسه قد انصرف عنه‪ ،‬لن صاحب الحق ل ينصرف عنه ول‬
‫يصرف غيره‪.‬‬
‫قال تعالى عسن أهسل الكتاب‪{ :‬قسل يسا أهسل الكتاب لم تصسدون عسن سسبيل ال مسن آمسن‬
‫تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ال بغافل عما تعملون} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى عسسن علمائهسسم وعبادهسسم‪{ :‬يسسا أيهسسا الذيسسن أمنوا إن كثيرا مسسن الحبار‬
‫والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل ال} ‪.2‬‬
‫وقال عسسن اليهود منهسسم‪{ :‬فبظلم مسسن الذيسسن هادوا حرمنسسا عليهسسم طيبات أحلت لهسسم‬
‫وبصدهم عن سبيل ال كثيرا} ‪.3‬‬
‫وقال تعالى عسسن المشركيسسن‪{ :‬ول تكونوا كالذيسسن خرجوا مسسن ديارهسسم بطرا ورئاء‬
‫الناس ويصدون عن سبيل ال وال بما يعملون محيط}‪.4‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬الذين كفروا وصدوا عن سبيل ال زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا‬
‫يفسدون} ‪.5‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬الذيسن كفروا وصسدوا عسن سسبيل ال أضسل أعمالهسم‪-‬إلى قوله‪َ -:‬ذلِكَس ِبأَنّ‬
‫طلَ} ‪.6‬‬
‫الّذِينَ َكفَرُوا اتّبَعُوا الْبَا ِ‬
‫وقال تعالى عسسن المنافقيسسن‪-‬النفاق العتقاد‪{ :-‬وإذا قيسسل لهسسم تعالوا إلى مسسا أنزل ال‬
‫وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ‪.7‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ال فلهم عذاب مهين} ‪.8‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ال إنهم ساء ما كانوا يعملون}‪.9‬‬
‫هاتان همسا الغايتان الرئيسستان اللتان يضعهمسا أهسل الباطسل نصسب أعينهسم فسي سسباقهم‬
‫إلى العقول بباطلهسم‪ :‬التمتسع بكسل مسا فسي الحياة الدنيسا بدون التقيسد بشرع ال‪ ،‬والصسد عسن‬
‫سبيل ال من أجل إبطال الحق وتثبيت الباطل‪.‬‬

‫‪-1‬آل عمران‪.99 :‬‬
‫‪-2‬التوبة‪.34 :‬‬
‫‪-3‬النساء‪.160 :‬‬
‫‪-4‬النفال‪.47 :‬‬
‫‪-5‬النحل‪.88 :‬‬
‫‪-6‬محمد‪.1،3 :‬‬
‫‪-7‬النساء‪.61 :‬‬
‫‪-8‬المجادلة‪.16 :‬‬
‫‪-9‬المنافقون‪.2 :‬‬

‫‪197‬‬

‫الغاية الثالثة‪ :‬تكذيب الرسل والكفر بالوحي‪.‬‬
‫إن أقوى وسسسيلة يتمكسسن بهسسا أهسسل الباطسسل‪ ،‬مسسن الخلص مسسن التقيسسد بديسسن ال‪ ،‬ومسسن‬
‫الستجابة لرسله‪ ،‬عليهم الصلة والسلم‪ ،‬هي‪ :‬تكذيب أولئك الرسل في دعواهم أن ال‬
‫تعالى بعثهسم إلى الخلق لهدايتهسم بوحيه‪ ،‬ووصسف أولئك الرسسل بضسد مسا يتصسفون بسه من‬
‫الصسفات الحميدة التسي أهلتهسم لختيار ال لهسم رسسل إلى الناس‪ ،‬فيصسفونهم بالضلل بدل‬
‫الهدى‪ ،‬وبالسسسفه بدل الرشسسد‪ ،‬وبالجنون بدل كمال العقول‪ ،‬ويجعلونهسسم محل للسسسخرية‬
‫والستهزاء بدل من الحترام والتوقير‪.‬‬
‫وينعتون الوحسي الذي أنزله ال عليهسم وجميسع الكتسب السسماوية التسي نزل بهسا جبريسل‬
‫من عند ال‪-‬وآخرها القرآن الكريم‪-‬بأنها أساطير الولين وبأنها كذب وافتراء‪.‬‬
‫قال تعالى عن فرعون وقومه في موسى عليه السلم‪{ :‬وفسي موسسى إذ أرسسلناه إلى‬
‫فرعون بسلطان مبين‪ ،‬فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون}‪.1‬‬
‫وأخسبر تعالى أن دأب المسم المكذبسة لرسسله عليهسم الصسلة والسسلم فسي كسل الزمان‪،‬‬
‫هو الستهزاء والسخرية بهم‪ ،‬كما قال تعالى‪{ :‬يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول‬
‫إل كانوا به يستهزئون} ‪.2‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬كذلك مسا أتسى الذيسن مسن قبلهسم مسن رسسول إل قالوا سساحر أو مجنون‪،‬‬
‫أتواصوا به بل هم قوم طاغون} ‪.3‬‬
‫وهكذا وصسفوا بينات الرسسل أنهسا سسحر‪ ،‬كمسا قال تعالى عسن فرعون وقومسه‪{ :‬فلمسا‬
‫جاءهسسم موسسسى بآياتنسسا بينات قالوا مسسا هذا إل سسسحر مفترى ومسسا سسسمعنا بهذا فسسي آبائنسسا‬
‫‪4‬‬
‫الولين}‬
‫وقال عمسن كفسر بعيسسى مسن بنسي إسسرائيل‪{ :‬فقال الذيسن كفروا منهسم إن هذا إل سسحر‬
‫مبين} ‪.5‬‬
‫وقال تعالى عن المشركين الذين كفروا بالوحي المنزل على رسولنا محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪{ :‬وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إل رجل يريد أن يصدكم عما كان‬
‫يعبسد آباؤكسم وقالوا مسا هذا إل إفسك مفترى وقال الذيسن كفروا للحسق لمسا جاءهسم إن هذا إل‬
‫سحر مبين} ‪.6‬‬
‫وقال تعالى عنهسم‪{ :‬ولو نزلنسا عليسك كتابسا فسي قرطاس فلمسسوه بأيديهسم لقال الذيسن‬
‫كفروا إن هذا إل سحر مبين‪.7}...‬‬
‫‪8‬‬
‫وقال تعالى عنهم‪{ :‬وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}‬

‫‪-1‬الذاريات‪.38،39 :‬‬
‫‪-2‬يس‪.3 :‬‬
‫‪-3‬الذاريات‪.52،53 :‬‬
‫‪-4‬القصص‪.36 :‬‬
‫‪-5‬المائدة‪.110 :‬‬
‫‪-6‬سبأ‪.43 :‬‬
‫‪-7‬النعام‪.7 :‬‬
‫‪-8‬الحجر‪.6 :‬‬

‫‪198‬‬

‫حوْل بيممن الناس وإقامممة الحجممة‬
‫الغايممة الرابعممة‪ :‬ال ْ َ‬
‫عليهم‪.‬‬
‫ويحصسل ذلك بإعراض قادة الباطسل عسن سسماع الحسق الذي يأتسي بسه أهله‪ ،‬وبحسض‬
‫غيرهسم على العراض عسن حجسج الحسق وتدبرهسا والصسغاء إليهسا‪ ،‬بسل وأمرهسم بإحداث‬
‫اللغط والضوضاء عندما يدعو أهل الحق إليه‪ ،‬كما قال تعالى عنهم‪{ :‬وقال الذين كفروا‬
‫ل تسسمعوا لهذا القرآن والغوا فيسه لعلكسم تغلبون} ‪ .1‬وقال تعالى‪َ { :‬وقَالُوا ُقلُوبُنَا فِي أَكِنّةٍ‬
‫ب فَاعْ َملْ إِنّنَا عَا ِملُون} ‪.2‬‬
‫حجَا ٌ‬
‫ك ِ‬
‫مِمّا تَدْعُونَا ِإلَيْهِ َوفِي آذَانِنَا َوقْرٌ وَ ِمنْ بَيْنِنَا وَبَيْ ِن َ‬
‫وليس من شرط هذا الحوْل وتحققه أن يصرح أهل الباطل بمثل ما دلت عليه اليتان‬
‫المذكورتان‪ ،‬فيقولوا‪ :‬ل تسسمعوا كلم الدعاة إلى ال‪ ،‬أو أن على قلوبنسا أغطيسة ل يصسل‬
‫إليها ما يدعون إليه‪ ،‬بل يتحقق بكل سبيل يؤدي إلى ذلك الحول‪ ،‬كوضع مناهج تعليمية‪،‬‬
‫أو برامج إعلمية‪ ،‬أو نواد ثقافية‪ ،‬أو رياضة‪ ،‬أو دور سينما‪ ،‬أو غيرها مما يلهي الناس‬
‫ويشغلهسم عسن سسماع الحسق وحججسه ودلئله‪ ،‬وهذا السسلوب أشسد تأثيرا فسي الناس مسن‬
‫المر الصريح بالعراض عن الحق ‪.3‬‬

‫الغايححة الخامسححة‪ :‬إخراج الناس مححن النور‬
‫إلى الظلمات‪.‬‬
‫كمسسا قال تعالى‪{ :‬والذيسسن كفروا أولياؤهسسم الطاغوت يخرجونهسسم مسسن النور إلى‬
‫الظلمات} ‪.4‬‬

‫الغاية السادسة‪ :‬إحلل الشرك محل التوحيد‪.‬‬
‫ويكون ذلك بتقديسس الطواغيست التسي تنصسب نفسسها أو ينصسبها غيرهسا آلهسة للبشسر‪،‬‬
‫سسسواء أكانسست قبورا أو حجارة أو أشجارا أو حيوانات‪ ،‬أو هسسي مسسن علماء السسسوء الذيسسن‬
‫يشترون بآيات ال ثمنسسا قليل‪ ،‬كمسسا فعسسل علماء اليهود مسسن قبسسل وغيرهسسم‪ ،‬مسسن أمثال‬
‫المجالس النيابيسة أو البرلمانيسة التسي تعطسي نفسسها حسق التشريسع الذي يحسل مسا حرم ال‪،‬‬
‫ويحرم ما أحل ال‪ ،‬تحقيقا لمصالح الطواغيت المحاربين للسلم وشريعته‪.‬‬
‫ويدخسل فسي ذلك طواغيست الحكام المسستبدون الذيسن يشرعون للناس تشريعسا يخالف‬
‫شريعسسة ال‪ ،‬ويحاربون تلك الشريعسسة عسسن طريسسق إصسسدار مراسسسيم وقوانيسسن وأنظمسسة ل‬
‫يقرها السلم‪ ،‬حربا منهم ل ورسوله وكتابه المبين‪.‬‬
‫ولهذا كان طواغيسست المشركيسسن العرب يسسستنكرون التوحيسسد ويتعجبون مسسن الدعوة‬
‫‪ 1‬فصلت‪.29 :‬‬
‫‪-2‬فصلت‪.5 :‬‬
‫‪-3‬وسيأتي الحديث عن الوسائل في مكانه‪ ،‬هذا مع العلم أن بعض الغايات قد تكون وسائل الى غيرها من الغايات‪ ،‬فكون أمرٍ‬
‫ما وسيلة أو غاية أمر نسبي‪.‬‬
‫‪-4‬البقرة‪ .257 :‬وقسسد سسسبق بيان النور والظلمات‪ ،‬عنسسد الكلم على غايات أهسسل الحسسق‪ ،‬ومنهسسا‪ :‬إخراج الناس مسسن الظلمات إلى‬
‫النور‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫إليسسه‪ ،‬ويظهرون أن الصسسل هسسو الشرك الذي يقوم على تعدد اللهسسة‪ ،‬مصسسادمة للفطرة‬
‫الربانية التي فطر ال الناس عليها‪ ،‬كما قال تعالى عنهم‪{ :‬وعجبوا أن جاءهم منذر منهم‬
‫وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل اللهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى عن علماء السوء الذين اشتروا الدنيا بالدين‪{ :‬فويل للذين يكتبون الكتاب‬
‫بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال ليشتروا به ثمنا قليل فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل‬
‫لهم مما يكسبون} ‪.2‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون ال والمسيح ابن مريم وما‬
‫أمروا إل ليعبدوا إلها واحدا ل إله إل هو سبحانه عما يشركون} ‪.3‬‬
‫وإنمسسا كان اتخاذهسسم إياهسسم أربابسسا مسسن دون ال‪ ،‬لتباعهسسم فسسي تحليسسل مسسا حرم ال أو‬
‫‪4‬‬
‫تحريم ما أحل ال‪ ،‬كما وردت بذلك السنة في تفسير الية‪.‬‬

‫الغاية السابعة‪ :‬إنكار اليمان بالغيب والصد عنه‪.‬‬
‫ومعلوم أن اليمان بالغيسسب هسسو أسسساس التسسسليم المطلق ل تعالى فسسي أمره ونهيسسه‬
‫والدينونسسة له‪ ،‬لهذا يحرص أهسسل الباطسسل على إنكاره‪ ،‬لمسسا فسسي ذلك النكار مسسن إبطال‬
‫الوحسي والرسسالة مسن أسساسها‪ ،‬ومسا يتبسع ذلك مسن محاربسة ل ورسسوله صسلى ال عليسه‬
‫وسسلم‪ ،‬وكذلك مسن قبله مسن إخوانسه المرسسلين وتقليسل أتباعهسم‪ ،‬وتكثيسر سسواد أهسل الباطسل‬
‫الذين يقفون ضد دعوة الرسل‪.‬‬
‫ولهذا يتذرع أهل الباطل إلى إنكار هذا الساس بطلبهم آيات مادية يأتي بها الرسل‪،‬‬
‫للدللة على صدقهم في دعوى الرسالة‪ ،‬مع أنهم مهما جاءتهم من آيات مادية لم تزدهم‬
‫إل جحودا واستكبارا‪.‬‬
‫قال تعالى عن فرعون الذي أوهم قومه أن موسى عليه السلم يدعوهم إلى رب غير‬
‫موجود‪ ،‬وأنسسه كاذب‪-‬حاشاه‪-‬فسسي دعواه الرسسسالة‪ ،‬مسسع مسسا أنزل ال مسسن اليات العظيمسسة‬
‫المؤيدة لموسسى على فرعون وقومسه‪ ،‬وكلهسا آيات ماديسة‪ ،‬فجحدهسا مسع يقينسه أنهسا مسن عنسد‬
‫ال‪ .‬قال تعالى‪{ :‬وقال فرعون يسا أيهسا المل مسا علمست لكسم مسن إله غيري‪ ،‬فأوقسد لي يسا‬
‫هامان على الطيسسسن فاجعسسسل لي صسسسرحا لعلي أطلع إلى إله موسسسسى وإنسسسي لظنسسسه مسسسن‬
‫الكاذبين}‪.5‬‬
‫وقال تعالى عسسن بنسسي إسسسرائيل‪-‬وقسسد شرفهسسم ال ببعسسث موسسسى رسسسول منهسسم إليهسسم‪،‬‬
‫وأنزل عليهم التوراة‪ ،‬وفضلهم على كثير من العالمين‪-‬في زمانهم‪-‬وأخرجهم من استعباد‬
‫فرعون وظلمسسه لهسسم‪{ :‬وإذ قلتسسم يسسا موسسسى لن نؤمسسن لك حتسسى نرى ال جهرة فأخذتكسسم‬
‫الصاعقة وأنتم تنظرون} ‪.6‬‬
‫وقال تعالى عسسن مشركسسي قريسسش‪{ :‬فقسسد كذبوا بالحسسق لمسسا جاءهسسم} إلى قوله تعالى‪:‬‬
‫‪-1‬ص‪.4،5:‬‬
‫‪-2‬البقرة‪.79 :‬‬
‫‪-3‬التوبة‪.31 :‬‬
‫‪-4‬يراجع في تفسير الية في كتب التفسير‪ ،‬ومنها تفسير الطبري‪ ،‬وتفسير ابن كثير‪ ،‬رحمهما ال‪.‬‬
‫‪-5‬القصص‪.38 :‬‬
‫‪-6‬البقرة‪.55 :‬‬

‫‪200‬‬

‫{ولو نزلنسا عليسك كتابسا فسي قرطاس فلمسسوه بأيديهسم لقال الذيسن كفروا إن هذا إل سسحر‬
‫مبين} ‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ولقسد صسرفنا للناس فسي هذا القرآن مسن كسل مثسل فأبسى أكثسر الناس إل‬
‫كفورا‪ ،‬وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الرض ينبوعا‪ ،‬أو تكون لك جنة من نخيل‬
‫وعنسب فتفجسر النهار خللهسا تفجيرا‪ ،‬أو تسسقط السسماء كمسا زعمست علينسا كسسفا أو تأتسي‬
‫بال والملئكة قبيل‪ ،‬أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك‬
‫حتى تنزل علينا كتابا نقرأه‪ ،‬قل سبحان ربي هل كنت إل بشرا رسول}‪.2‬‬

‫الغاية الثامنة‪ :‬نبذ الحكم بما أنزل الله ومحا ربته‪.‬‬
‫والمقصسد مسن نبسذ الحكسم بمسا أنزل ال ومحاربسة شرعسه‪ ،‬أن َتحْكُمَس الناسَس أهواءُ أهسل‬
‫الباطسل ورغباتُهسم التسي يصسوغونها فسي صسورة قوانيسن وأعراف وأنظمسة تصسادم شريعسة‬
‫ال‪ ،‬لن نبسذ الحكسم بشرع ال وتحكيسم مسا يلبسي رغباتهسم وأهواءهسم‪ ،‬يسسهل عليهسم اسستعباد‬
‫الناس بتشريعهسم‪ ،‬فيتصسرفون فسي أنفسسهم وأعراضهسم وعقولهسم وأموالهسم‪ ،‬كمسا يشاءون‬
‫بعيدا عن شريعة ال التي تحفظ للناس كل ذلك‪ ،‬إضافة إلى التلعب بالدين وإضاعته‪.‬‬
‫قال تعالى عسن قوم شعيسب‪-‬وهسو يأمرهسم بأمسر ال وينهاهسم بنهيسه‪{ :-‬قالوا يسا شعيسب‬
‫أصلتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لنت الحليم‬
‫الرشيد} ‪.3‬‬
‫وقال تعالى عسن قوم لوط‪-‬وقسد نهاهسم عسن ارتكاب الفاحشسة التسي لم يسسبقهم إليهسا مسن‬
‫أحسسد مسسن العالميسسن‪ ،‬مسسع نهيهسسم عسسن الشرك بال‪{ :-‬فمسسا كان جواب قومسسه إل أن قالوا‬
‫أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} ‪.4‬‬
‫وقال تعالى عسن مشركسي العرب‪-‬وكانوا يشرعون لنفسسهم مسن دون ال‪ ،‬فيحلون مسا‬
‫ل أَوْلَدِهِمسسْ‬
‫حرم ال ويحرمون مسسا أحسسل ال‪{ :-‬وَكَ َذلِكسسَ زَيّنسَس لِكَثِيرٍ مِنسَس الْمُشْرِكِينسَس قَ ْت َ‬
‫علَيْهِمْس دِينَهُمْس َولَوْ شَا َء الُّ مَا فَ َعلُوهُس فَذَرْهُمْس وَمَا َيفْتَرُونسَ(‬
‫شُرَكَاؤُهُمْس لِيُرْدُوهُمْس َولِ َيلْبِسسُوا َ‬
‫حجْرٌ لَ َيطْعَمُهَا إِلّ مَنسْ َنشَاءُ بِزَعْ ِمهِمسْ َوأَنْعَامٌس حُرّمَتسْ‬
‫‪َ )137‬وقَالُوا َهذِهِس أَنْعَامسٌ َوحَرْثٌس ِ‬
‫علَيْهِ سَ َيجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا َيفْتَرُونَ(‪)138‬‬
‫علَيْهَا افْتِرَاءً َ‬
‫س َم الِّ َ‬
‫نا ْ‬
‫ظُهُورُهَا َوأَنْعَامٌ لَ يَ ْذكُرُو َ‬
‫علَى أَزْوَاجِنَا َوإِنْ يَ ُكنْ مَ ْيتَ ًة فَهُمْ‬
‫َوقَالُوا مَا فِي بُطُونِ َهذِهِ الَْنْعَا ِم خَالِصَ ٌة لِذُكُورِنَا وَ ُمحَرّمٌ َ‬
‫علِيمسٌ(‪)139‬قَ ْد خَسِس َر الّذِينَس قَ َتلُوا أَوْلَدَهُمْس سَسفَهًا‬
‫فِيهِس شُرَكَاءُ سَسَيجْزِيهِمْ وَصْسفَهُ ْم إِنّهُس حَكِيمٌس َ‬
‫ضلّوا وَمَا كَانُوا ُمهْتَدِينسَ(‪)140‬وَهُوَ‬
‫علَى الِّ قَ ْد َ‬
‫علْمٍس َوحَرّمُوا مَا رَ َزقَهُمُس الُّ افْتِرَاءً َ‬
‫بِغَيْرِ ِ‬
‫خلَ وَالزّرْعسَ ُمخْ َتلِفًا أُ ُكلُهسُ وَالزّيْتُونسَ‬
‫شَأ جَنّاتسٍ مَعْرُوشَاتسٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتسٍ وَال ّن ْ‬
‫الّذِي أَنْ َ‬
‫حقّه سُ َيوْم َس حَص سَادِهِ َولَ‬
‫وَالرّمّان سَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ متشابسسه كلوا مِن سْ ثَمَرِه ِس إِذَا أَثْمَرَ َوءَاتُوا َ‬
‫تُ سْ ِرفُوا إِنّ هُ لَ ُيحِبّ الْمُ سْ ِرفِينَ(‪)141‬وَمِ نَ الَْنْعَا ِم حَمُولَةً َوفَ ْرشًا ُكلُوا مِمّا رَ َزقَكُ ُم الُّ وَلَ‬
‫ضأْنِس اثْنَيْنِس وَمِنَس‬
‫تَتّبِعُوا خُطُوَاتِس الشّ ْيطَانِس إِنّهُس لَكُمْس عَدُوّ مُبِينسٌ(‪)142‬ثَمَانِ َي َة أَزْوَاجٍس مِنَس ال ّ‬
‫‪-1‬النعام‪.5،7 :‬‬
‫‪-2‬السراء‪.89،93 :‬‬
‫‪-3‬هود‪.87 :‬‬
‫‪-4‬النمل‪.56 :‬‬

‫‪201‬‬

‫علَيْهِس أَرْحَامُس الُْنْثَيَيْنِس نَبّئُونِي بِ ِعلْمٍس‬
‫ل ءَالذّكَرَيْنِس حَرّمَس أَمِس الُْنْثَيَيْنِس أَمّاس اشْ َت َملَتْس َ‬
‫الْمَعْزِ اثْنَيْنِس ُق ْ‬
‫ل اثْنَيْنِس وَمِنَس الْ َبقَ ِر اثنيسن قسل ءَالذّكَرَيْنِس حَرّمَس أَمِس الُْنْثَيَيْنِس‬
‫إِنْس كُ ْنتُمْس صسَا ِدقِينَ(‪)143‬وَمِنَس الِْ ِب ِ‬
‫ن افْتَرَى‬
‫ظلَمُ مِمّ ِ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن أَ مْ كُ ْنتُ مْ شُهَدَا َء إِذْ وَ صّاكُ ُم الُّ بِ َهذَا فَ َم ْ‬
‫علَ ْي ِه أَ ْرحَا مُ الُْنْثَيَيْ ِ‬
‫أَمّا اشْتَ َملَ تْ َ‬
‫ل َأجِ ُد فِي‬
‫علْ ٍم إِنّ الَّ لَ يَهْدِي الْقَوْ َم الظّالِمِي نَ(‪ُ )144‬قلْ َ‬
‫ضلّ النّا سَ بِغَيْرِ ِ‬
‫علَى الِّ كَذِبًا لِ ُي ِ‬
‫َ‬
‫سفُوحًا أَ ْو َلحْمَ خِنْزِيرٍ‬
‫ل أَ نْ يَكُو نَ مَيْتَ ًة أَوْ دَمًا َم ْ‬
‫علَى طَاعِ مٍ يَطْعَ ُم ُه إِ ّ‬
‫ي ِإلَيّ ُمحَرّمًا َ‬
‫مَا أُوحِ َ‬
‫غفُورٌ َرحِيمٌ(‬
‫سقًا أُ ِهلّ لِغَيْ ِر الِّ بِ ِه فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَ عَا ٍد َفإِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫س أَ ْو فِ ْ‬
‫َفإِنّهُ ِرجْ ٌ‬
‫‪.1})145‬‬
‫وقال تعالى عسن المنافقيسن‪-‬وهسم الذيسن يمثلهسم العلمانيون اليوم ممسن يحاربون الحكسم‬
‫بشرع ال‪ ،‬ويحاربون الدعاة إلى تحكيمسه ‪َ{ :2‬ألَمْس تَ َر ِإلَى الّذِينَس يَ ْزعُمُونَس أَنّهُمْس ءَامَنُوا بِمَا‬
‫أُنْ ِزلَ ِإلَيْكَس وَمَا أُنْ ِزلَ مِنْس قَ ْبلِكَس يُرِيدُونَس أَنْس يَ َتحَاكَمُوا ِإلَى الطّاغُوتِس َوقَ ْد أُمِرُوا أَنْس يَ ْكفُرُوا‬
‫ل الُّ َوِإلَى‬
‫ل لَهُ مْ تَعَالَوْا ِإلَى مَا أَنْ َز َ‬
‫ن أَ نْ ُيضِلّهُ ْم ضَلَلً بَعِيدًا(‪َ )60‬وإِذَا قِي َ‬
‫بِ هِ وَيُرِيدُ الشّيْطَا ُ‬
‫ف إِذَا أَ صَابَتْهُمْ مُ صِي َبةٌ بِمَا قَدّمَ تْ‬
‫عنْ كَ صُدُودًا(‪)61‬فَكَيْ َ‬
‫الرّ سُولِ َرأَيْ تَ الْمُنَا ِفقِي نَ يَ صُدّونَ َ‬
‫‪3‬‬
‫ل ِإحْسَانًا َوتَ ْوفِيقًا(‪})62‬‬
‫ن أَرَدْنَا إِ ّ‬
‫لّ إِ ْ‬
‫حلِفُونَ بِا ِ‬
‫أَيْدِيهِمْ ثُ ّم جَاءُوكَ َي ْ‬

‫الغايمممة التاسمممعة‪ :‬محاربمممة الولء لله ولرسممموله‬
‫والمؤمنين‪.‬‬
‫ويسسسابق أهسسل الباطسسل إلى عقول الناس بمحاربسسة الولء ل ولرسسسوله وللمؤمنيسسن‪،‬‬
‫وتثسسبيته للشيطان وأتباعسسه‪ ،‬وللهواء التسسي يتبعونهسسا‪ ،‬لعلمهسسم بأن الولء ل ولرسسسوله‬
‫وللمؤمنيسن ولء للحسق‪ ،‬والولء للحسق يسسلبهم ولء الناس للباطسل الذي ل يملكون سسواه‪،‬‬
‫ول حياة لهم بدون أنصار يؤمنون بباطلهم ويؤيدونهم عليه‪.‬‬
‫ولهذا ترى أهل الباطل يحاربون من يوالي ال ورسوله والمؤمنين‪ ،‬ول ُيظْهِرُ ولءه‬
‫لهم و لباطلهم‪ ،‬حربا شعواء‪ ،‬كما يحاربون كل دعوة إلى هذا الولء‪ ،‬خوفا من أن يكثر‬
‫أنصسسار الحسسق وأولياؤه‪ ،‬ويقسسل أنصسسار الباطسسل وأولياؤه‪ ،‬فيخسسسرون بذلك الجاه والمال‬
‫والمنصسسب‪ ،‬وينتهسسي تسسسلطهم على رقاب الناس وطغيانهسسم‪ ،‬ويقربون مسسن يواليهسسم على‬
‫باطلهسسم ويرفعون منزلتسه بالجاه والمال والمنصسب‪ ،‬مسسع العلم أن الذي يكون ولؤه لغيسر‬
‫الحسق ل يثبست ولؤه ول يدوم‪ ،‬لنسه إنمسا يوالي مسن رأى أن فسي موالتسه مصسلحة ماديسة‪،‬‬
‫فإذا ظن أن تلك المصلحة ستنقطع‪ ،‬أو أنه سينال مصلحة أعظم منها من صاحب باطل‬
‫آخر‪ ،‬نقل ولءه لهذا وأصبح عدوا لمن سبق أن كان مواليا له‪!.‬‬

‫الغايمممة العاشرة‪ :‬تثمممبيت الخلق الفاسمممدة فمممي‬
‫الرض‪.‬‬
‫ومسسن أهسسم غايات أهسسل الباطسسل‪ ،‬تمكيسسن الخلق الفاسسسدة وإشاعتهسسا بيسسن الناس فسسي‬
‫الرض‪ ،‬ومطاردة الخلق الفاضلة وأهلهسسا والتضييسسق عليهسسم‪ ،‬لتأسسسن الرض وتفسسسد‬
‫‪-1‬اليات من سورة النعام‪.‬‬
‫‪-2‬لن أكثرهم الن يحكمون الشعوب السلمية بخلف المنافقين في عهد الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪-3‬اليات من سورة النساء‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫الحياة‪ ،‬تحقيقسسا لشباع شهواتهسسم ونزواتهسسم التسسي ل تتحقسسق مسسع وجود الخلق الفاضلة‬
‫وغلبتهسا‪ ،‬كمسا قال تعالى‪{ :‬وال يريسد أن يتوب عليكسم ويريسد الذيسن يتبعون الشهوات أن‬
‫تميلوا ميل عظيما}‪.1‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬إن الذيسن يحبون أن تشيسع الفاحشسة فسي الذيسن أمنوا لهسم عذاب أليسم فسي‬
‫الدنيا والخرة} ‪.2‬‬
‫‪3‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}‬
‫‪4‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم ل يتقون}‬
‫وقال تعالى‪ { :‬إذا جاءك المنافقون قالوا نشهسسسد إنسسسك لرسسسسول ال‪ ،‬وال يعلم إنسسسك‬
‫لرسوله‪ ،‬وال يشهد إن المنافقين لكاذبون}‪.5‬‬
‫علَيْهِس وَسَسلّ َم قَالَ‪:‬‬
‫وفسي الحديسث الصسحيح عسن عَ ْب ِد الِّ بْنِس عَمْرٍو َأنّ النّبِيّ صَسلّى اللّهسم َ‬
‫صلَةٌ مِ نَ‬
‫ت فِي ِه خَ ْ‬
‫صلَةٌ مِنْهُنّ كَانَ ْ‬
‫ت فِي ِه خَ ْ‬
‫[أَرْبَ عٌ مَ نْ كُنّ فِي هِ كَا نَ مُنَا ِفقًا خَالِ صًا وَمَ نْ كَانَ ْ‬
‫ن خَانَ َوإِذَا حَ ّدثَ كَ َذبَ َوإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ َوإِذَا خَاصَ َم َفجَرَ]‪.6‬‬
‫ق حَتّى يَ َدعَهَا إِذَا اؤْتُ ِم َ‬
‫ال ّنفَا ِ‬
‫وبنظرة عجلى إلى أحوال المسسم اليوم‪-‬بمسسا فيهسسا أغلب الشعوب السسسلمية‪-‬يتضسسح‬
‫للناظسر مسا تعانيسه البشريسة مسن الخلق الفاسسدة‪ ،‬ومسا جنسى بسه عليهسا دعاة الباطسل الذيسن‬
‫يحاربون الخلق الفاضلة بكسسسسسسل الوسسسسسسسائل والمكانات‪ ،‬ويثبتون الخلق الفاسسسسسسسدة‬
‫وينشرونها كذلك‪.‬‬
‫ويتضسح للناظسر كذلك حاجسة العالم اليوم إلى سسباق أهسل الحسق بأخلقهسم الفاضلة‪ ،‬إلى‬
‫عقول الناس‪ ،‬لينقذوا البشريسة مسن الخلق الفاسسدة التسي اتخسذ أهسل الباطسل كسل الوسسائل‬
‫ليسبقوا بها إلى عقول الناس الذين ذاقوا من جراء ذلك شتى أنواع العذاب في الدنيا‪ ،‬مع‬
‫ما ينتظرهم من مقت ال وغضبه في الخرة‬

‫الغاية الحادية عشرة‪ :‬الفساد في الرض‪.‬‬
‫أراد ال تعالى مسسن عباده أن يصسسلحوا فسسي الرض‪ ،‬ول يفسسسدوا‪ ،‬لن الفسسساد فسسي‬
‫الرض يعود على اسستخلف ال للنسسان والغرض منسه بالنقسض‪ ،‬ولكسن أهسل الباطسل –‬
‫كعادتهم‪-‬ل ترضى نفوسهم بالصلح والصلح‪ ،‬فيجتهدون في الكثار من الفساد فيها‪،‬‬
‫ويسمون إفسادهم إصلحا‪.‬‬
‫ويشمل ذلك الفساد‪ :‬النسل والنفس والعقل والمال‪ ،‬إضافة إلى إفساد الدين‪ ،‬يستغلون‬
‫خيرات الرض وبركات السسماء‪ ،‬لنشسر فسسادهم وظلمهسم‪ ،‬وإنزال الرعسب على المنيسن‬
‫واسستعباد الناس وإذللهسم والتكسبر عليهسم‪ ،‬كمسا قال تعالى‪{ :‬وإذا قيسل لهسم ل تفسسدوا فسي‬
‫الرض قالوا إنما نحن مصلحون أل إنهم هم المفسدون ولكن ل يشعرون} ‪.7‬‬
‫‪-1‬النساء‪.27 :‬‬
‫‪-2‬النور‪.19 :‬‬
‫‪-3‬النور‪.21 :‬‬
‫‪-4‬النفال‪.56 :‬‬
‫‪-5‬المنافقون‪1 :‬‬
‫‪6‬البخاري‪ .33 :‬ومسلم‪.88 :‬‬
‫‪-7‬البقرة‪.12 :‬‬

‫‪203‬‬

‫وقال تعالى‪ { :‬ومسن الناس مسن يعجبسك قوله فسي الحياة الدنيسا ويشهسد ال على مسا فسي‬
‫قلبسه وهسو ألد الخصسام‪ ،‬وإذا تولى سسعى فسي الرض ليفسسد فيهسا ويهلك الحرث والنسسل‬
‫وال ل يحب الفساد}‪.8‬‬
‫وبالمقارنسة بيسن غايات أهسل الحسق فسي سسباقهم إلى العقول بحقهسم‪ ،‬وبيسن غايات أهسل‬
‫الباطسل فسي سسباقهم إلى العقول بباطلهسم‪ ،‬يُعلم مسا يثمره كسل مسن السسباقين فسي حياة الناس‬
‫أفرادا وأسرا وأمما ودول‪.‬‬
‫فعندمسا يسسبق أهسل الحسق بحقهسم إلى عقول الناس‪ ،‬تتحقسق فسي الرض غاياتهسم مسن‬
‫سعادة وأمن على الدين والنسل والعرض والعقل والنفس والمال‪ ،‬وهي الضرورات التي‬
‫ل حياة على الحقيقة إل بحفظها‪ ،‬وما يكملها من حاجيات وتكميليات‪.‬‬
‫وعندما يسبق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس تتحقق في الرض غاياتهم‪ ،‬من‬
‫شقاء وخوف ونكسد بضياع تلك الضرورات ومسا يكملهسا‪ ،‬كمسا هسو حال العالم اليوم الذي‬
‫تقدم فيه أهل الباطل بباطلهم‪ ،‬وتأخر أهل الحق بحقهم‪.‬‬

‫‪-8‬البقرة‪.203،204 :‬‬

‫‪204‬‬

‫وسائل أهل الباطل في السباق إلى العقول ‪.‬‬
‫ول بد لهل الباطل من اتخاذ وسائل للسباق بباطلهم إلى العقول‪ ،‬وهي كثيرة‪ ،‬نذكر‬
‫أهمها إجمال‪ ،‬ثم نأتي إلى تفصيلها‪:‬‬
‫الوسيلة الولى‪ :‬تزيين الباطل وزخرفته‬
‫الوسيلة الثانية‪ :‬الثناء على أهل الباطل وقادته‬
‫الوسيلة الثالثة‪ :‬حشد قادة الباطل من يؤيد باطلهم‬
‫الوسيلة الرابعة‪ :‬تخويف الناس من أهل الحق‬
‫الوسيلة الخامسة‪ :‬إغراء أهل الباطل مؤيديهم بالمناصب والموال‬
‫الوسيلة السادسة‪ :‬وضع قوانين لنصر الباطل ومحاربة الحق‬
‫الوسيلة السابعة‪ :‬جعل التعليم منطلقا لتضليل العقول به‬
‫الوسيلة الثامنة‪ :‬العلم‪.‬‬
‫الوسيلة التاسعة‪ :‬إقامة محاكم ظالمة لحماية الباطل وأهله‬
‫الوسيلة العاشرة‪ :‬جعل وسائل الحق منطلقات للباطل‬
‫الوسيلة الحادية عشرة‪ :‬استغلل اختلفات أهل الحق‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫تمهيد‪:‬‬
‫اقتضت سنة ال الكونية أن يتصارع أهل الحق وأهل الباطل في هذه الحياة منذ وجد‬
‫أبو البشرية آدم عليه السلم‪ ،‬وعدوه إبليس لعنه ال‪ ،‬وأن يمتد هذا الصراع في الرض‬
‫إلى أن يرث ال الرض ومن عليهسا‪ ،‬ابتلء منسه تعالى لهسل الحسق بأهسل الباطسل‪ ،‬ولهسل‬
‫الباطسل بأهسل الحسق‪ ،‬ليزداد الولون إيمانسا بحقهسم ويحملوه عمل وسسلوكا ودعوة وجهادا‪،‬‬
‫فينالوا نصسسر ال وتمكينسسه لهسسم فسسي الدنيسسا‪ ،‬ورضاه ودار كرامتسسه فسسي الخرة‪ ،‬وليزداد‬
‫الخرون الذين تكبروا على أمر ال ودعوة أنبيائه تمردا وعتوا‪ ،‬فينالوا الضنك و الشقاء‬
‫والنكسد فسي الدنيسا‪-‬وإن تمتعوا بنعسم ال فيهسا كالحيوانات السسائمة‪-‬والعذاب الليسم السسرمدي‬
‫وسخط ال في الخرة‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫قال تعالى‪{ :‬الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل}‬
‫‪2‬‬
‫قال تعالى‪{ :‬ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}‬
‫وقال تعالى‪{ :‬فإذا لقيتسم الذيسن كفروا فضرب الرقاب‪-‬إلى قوله تعالى‪-:‬ذلك ولو يشاء‬
‫‪3‬‬
‫ال لنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}‬
‫‪4‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}‬
‫‪5‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وليبلي المؤمنين منه بلء حسنا إن ال سميع عليم}‬
‫‪6‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزال شديدا}‬
‫‪7‬‬
‫وقال تعالى‪{ :‬وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا}‬
‫وإن الحسق ليحمسل عناصسر قوتسه وبقائه فسي ذاتسه‪ ،‬وإن الباطسل ليحمسل عناصسر ضعفسه‬
‫واضمحلله في ذاته‪.‬‬
‫أليس الحق نورا‪ ...‬والباطل ظلمات؟ أليس الحق هدى والباطل ضلل‪..‬؟ أليس الحق‬
‫عدل والباطسل ظلمسا‪..‬؟ أليسس الحسق صسلحا والباطسل فسسادا؟ أليسس الحسق طهارة وتقسى‬
‫والباطسل رجسا وفسسقا؟ أليسس الحق إيمانسا وتوحيدا والباطسل شركسا وكفرا وجحودا؟ أليس‬
‫الحق رحمة والباطل غلظة وقسوة ووحشية؟ أليس الحق برا والباطل إثما وعدوانا؟‬
‫إنه لو ترك الناس على فطرهم التي فطرهم ال عليها‪ ،‬ل يُكرهون على اعتقاد الحق‬
‫ول على اعتقاد الباطسل‪ ،‬وإنمسا يعرض عليهسم هذا وذاك‪ ،‬لختاروا الحسق ونبذوا الباطسل‪،‬‬
‫فالفطر السليمة التي لم تجتلها الشياطين ل تفضل الظلمات على النور‪ ،‬ول الضلل على‬
‫الهدى‪ ،‬ول العدل على الظلم‪ ،‬ول الفسسسساد على الصسسسلح‪ ،‬ول الرجسسسس والفسسسسق على‬
‫الطهارة والتقوى‪ ،‬ول الشرك والكفسسر على اليمان والتوحيسسد‪ ،‬ول القسسسوة والعنسسف على‬
‫الرحمة واللين‪.‬‬
‫ولكسن كسل مولود يولد على الفطرة‪ ،‬كمسا ثبست عسن النسبي صسلى ال عليسه وسسلم مسن‬
‫‪-1‬الملك‪.2 :‬‬
‫‪-2‬النبياء‪.35 :‬‬
‫‪-3‬محمد‪.4 :‬‬
‫‪-4‬محمد‪.31 :‬‬
‫‪-5‬النفال‪.17 :‬‬
‫‪-6‬الحزاب‪.11 :‬‬
‫‪-7‬الفرقان‪.20 :‬‬

‫‪206‬‬

‫علَيْهِس وَسَسلّمَ مَا مِنْس‬
‫ل قَالَ رَسسُولُ الِّ صَسلّى اللّهسم َ‬
‫حديسث أبسي هريرة‪ ،‬رضسي ال عنسه‪[ :‬قَا َ‬
‫ج الْبَهِيمَةُ بَهِي َمةً‬
‫علَى الْفِطْرَ ِة َفأَبَوَا هُ يُ َهوّدَانِ هِ وَُينَ صّرَا ِن ِه أَوْ يُ َمجّ سَانِهِ كَمَا تُنْ َت ُ‬
‫مَ ْولُو ٍد إِلّ يُولَدُ َ‬
‫ل أَبُو هُرَيْرَةَ َرضِي اللّهم عَنْهم (فِطْرَ َة الِّ الّتِي‬
‫ن جَ