‫‪Π‬‬

‫م تنزيل هذا الكتاب من موقع الوّراق – جزاهم الّله‬
‫ت ّ‬
‫خيرا ً‬

‫المدونة الكبرى‬
‫المام مالك بن أنس‬

‫طوق الحمامة‬

‫في ا ُ‬
‫للفة وال ُ ّ‬
‫لف‬
‫أبو محمد أحمد بن علي بن سعيد بن‬
‫حزم الندلسي‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫وبه نستعين‬
‫قال أبو محمد عفا الله عنه‪ :‬أفضل ما أبتدئ به حمد الله عز وجممل بممما‬
‫هو أهله‪ ،‬ثم الصمملة علممى محمممد عبممده ورسمموله خاصممة‪ ،‬وعلممى جميممع‬
‫أنبيائه عامة‪ ،‬وبعد‪.‬‬
‫عصمنا الله واياك من الحيرة‪ ،‬ول حملنا مال طاقة لنا به‪ ،‬وقيض لنا من‬
‫جميل عونه دليل هاديا ً إلى طاعته‪ ،‬ووهبنا ممن تموفيقه أدبما ً صمارفا ً عممن‬
‫معاصيه ول وكلنا إلى ضممعف عزائمنمما وخممور قوانمما و وهمماء بنيتنمما وتلممدد‬
‫آرابنا وسوء اختيارنا وقلة تمييزنا وفساد أهوائنا‪ ،‬فإن كتابك وردنممي مممن‬
‫مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شمماطبة تممذكر مممن حسممن حالممك ممما‬
‫يسرني وحمدت الله عز وجل عليه واستدمه لك واستزدته فيك‪ .‬ثم لممم‬

‫)‪(1‬‬

‫ألبث أن اطلع على شخصك وقصدتني بنفسك‪ ،‬على بعد الشقة وتنممائي‬
‫الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق وفي دون هممذا ممما‬
‫سلى المشتاق ونسي الذاكر‪ ،‬إل من تمسك بحبل الوفمماء مثلممك ورعممى‬
‫سالف الذمة و وكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبي وكانت مودته‬
‫للممه تعممالى ولقممد أثبممت اللممه بيننمما مممن ذلممك ممما نحممن عليممه حامممدون‬
‫وشاكرون‪ .‬وكانت معانيك في كتابممك زائدة علممى ممما عهممدته مممن سممائر‬
‫كتبك‪ ،‬ثم كشفت إلي بإقبالك غرضممك وأطلعتنممي علممى مممذهبك‪ ،‬سممجية‬
‫تلم تزل علينا من مشمماركتك لممي فممي حلمموك ومممرك وسممرك وجهممرك‪،‬‬
‫يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه‪ ،‬أبتغي جزاء غير مقممابلته‬
‫بمثله‪ .‬وفي ذلك أقول مخاطبا ً لعبيد الله بن عبممد الرحمممن بممن المغيممرة‬
‫بن أمير المؤمنين الناصر رحمه اللممه فممي كلمممة لممي طويلممة وكممان لممي‬
‫صديقا‪:‬‬
‫أودك ودا ً ليس فيه غضاضة * وبعض مودات الرجال سراب‬
‫وأمحضتك النصح الصريح وفي الحشى * لودك نقش ظاهر وكتاب‬
‫فلو كان في روحي هواك اقتلعته * ومزق بالكفين عنه إهاب‬
‫وما لي غير الود منك إرادة * ول في سواه لي إليك خطاب‬
‫إذا حزته فالرض جمعاء والورى * هباء وسكان البلد ذباب‬
‫وكلفتني أعممزك اللممه أن أصممنف لممك رسممالة فممي صممفة الحممب ومعممانيه‬
‫وأسبابه وأعراضه‪ ،‬وما يقع فيه ولممه علممى سممبيل الحقيقممة ل متزيممدا ً ول‬
‫مفتنا‪ ،‬لكن موردا ً لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه‪ ،‬حيث انتهى‬
‫حفظي وسعة باعي فيما أذكره‪ ،‬فبدرت إلى مرغوبك ولول اليجاب لممك‬
‫لما تكلفته‪ ،‬فهذا من الفقر‪ ،‬والولى بنا مع قصر أعمارنمما أل نصممرفها إل‬
‫فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غدًا‪ .‬وإن كان القاضي حمام‬
‫بن أحمد حدثني عن يحيى بن مالك عممن عممائذ بإسممناد يرفعممه إلممى أبممي‬
‫الدرداء أنه قال‪ :‬أجمعوا النفوس بشمميء مممن الباطممل ليكممون عونمما لهمما‬
‫على الحق‪ .‬ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي‪ .‬من لم يحسممن‬
‫يتفتى لم يحسن يتقوى‪ .‬وفي بعض الثر‪ :‬أريحو النفوس فإنها تصدأ كما‬
‫يصدأ الحديد‪.‬‬
‫والذي كلفتني ل بد فيه من ذكر ممما شمماهدته حضممرتي وأدركتممه عنممايتي‬
‫وحدثني به الثقات من أهل زمانه‪ ،‬فاغتفر لي الكناية عن السماء فهممي‬
‫إما عورة ل نستجيز كشفها وإما نحممافظ فممي ذلممك صممديقا ً ودودا ً ورجل ً‬
‫جلي ً‬
‫ل‪ ،‬وبحسبي أن أسمى من ل ضرر في تسميته ول يلحقنا والمسمممى‬
‫عيب في ذكره‪ ،‬وإما لشتهار ل يغنممي عنممه الطممي وتممرك التممبيين؛ وإممما‬
‫لرضا من المخبر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لنقله‪.‬‬

‫)‪(2‬‬

‫وسأورد في نفي رسالتي هذه أشعارا ً قلتها فيما شاهدته‪ ،‬فل تنكر أنممت‬
‫ومن رآها على أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عممن نفسممه‪ ،‬فهممذا‬
‫مذهب المتحلين بقول الشعر‪ ،‬وأكثر من ذلممك فممإن إخممواني يجمشمموني‬
‫القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم‪ .‬وكفاني أني ذاكممر لممك‬
‫ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي‪.‬‬
‫والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حممدك‪ ،‬والقتصممار علممى ممما رأيممت‬
‫أوضح عنممدي بنقممل الثقممات‪ ،‬ودعنممي مممن أخبممار العممراب والمتقممدمين‪،‬‬
‫فسبيلهم غير سبيلنا‪ ،‬وقد كثرت الخبممار عنهممم‪ ،‬وممما مممذهبي أن أنضممي‬
‫مطية سواي‪ ،‬ول أتحلى بحلى مستعار‪ ،‬واللممه المسممتغفر والمسممتعان ل‬
‫رب غيره‪.‬‬
‫الباب الول‬
‫تقسيم الرسالة‬
‫وقسمت رسالتي هذه على ثلثين بابًا‪ ،‬منهمما فممي أصممول الحممب عشممرة‬
‫فأولها هذا الباب‪ ،‬ثم باب في علمات الحب‪ ،‬ثم باب فيه ذكر من أحممب‬
‫في النوم‪ ،‬ثم باب فيه ذكر من أحب بالوصف‪ ،‬ثم بمماب ذكممر مممن أحممب‬
‫من نظرة واحدة ثم باب فيه ذكر من ل تصممح محبتممه إل مممع المطاولممة‪،‬‬
‫ثم باب التعريض بالقول ثم باب الشارة بالعي‪ ،‬ثم بماب المراسمملة‪ ،‬ثممم‬
‫باب السفير‪.‬‬
‫ومنها في أعراض الحب وصفاته المحمود والمذموممة أثنمماء عشممر بابمما‪،‬‬
‫وإن كان الحب عرضا ً والعممرض ل يحتمممل العمراض‪ ،‬وصمفة والصممفة ل‬
‫توصف فهذا على مجاز اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف‪ .‬وعلممى‬
‫معنى قولنا‪ :‬وجودنا عرضا ً أقل فممي الحقيقممة مممن عممرض غيممره‪ ،‬وأكممثر‬
‫وأحسن وأقمح في إدار كنالها علمنا أنها متباينة فممي الزيممادة والنقصممان‬
‫من ذاتها المرئية والمعلومة؛ إذ ل تقع فيها الكميممة ول التجممزي‪ ،‬لنهمما ل‬
‫تشغل مكانا ً وهي‪ :‬باب الصديق المساعد‪ ،‬ثم باب الوصل ثم بماب طممي‬
‫السر‪ ،‬ثم باب الكشف والذاعة‪ ،‬ثم باب الطاعة‪ ،‬ثم بمماب المخافممة‪ ،‬ثممم‬
‫باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها‪ ،‬ثممم بمماب القنمموع‪،‬‬
‫ثم باب الوفاء‪،‬ثم باب الغدر‪ ،‬ثم باب الضنى‪ ،‬ثم باب الموت‪.‬‬
‫ومنها في الفات الداخلة على الحب ستة أبواب‪ ،‬وهي باب العاذل‪ ،‬ثممم‬
‫باب الرقيب‪ ،‬ثم باب الوشي‪ ،‬ثم باب الهجممر‪ ،‬ثممم بمماب الممبين؛ ثممم بمماب‬
‫السلو‪ .‬من هذه البواب الستة بابان لكل واحد منهما ضممد مممن البممواب‬
‫المتقدمة الذكر‪ ،‬وهما باب العاذل‪ :‬وضده باب الصديق المسمماعد؛ بمماب‬
‫الهجر وضده باب الوصل ومنها أربعة أبواب ل ضممد مممن معمماني الحممب‪،‬‬

‫)‪(3‬‬

‫وهي باب الرقيب‪ ،‬وباب الواشي‪ ،‬ول ضممد لهممما إل ارتفاعهممما‪ .‬وحقيقممة‬
‫الضد ما إذا وقع ارتفع الول‪ ،‬وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ذلممك‪.‬‬
‫ولول خوفنا إطالة الكلم فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه‪.‬‬
‫وباب البين وضده تصاقب الممديار‪ ،‬وليممس التصمماقب مممن معمماني الحممب‬
‫التي نتكلم فيها‪ .‬وباب السلو وضده الحب بعينه‪ ،‬إذ معنى السلو ارتفمماع‬
‫الحب وعدمه ومنها بابان ختمنا بهممما الرسممالة‪ ،‬وهممما‪ :‬بمماب الكلم فممي‬
‫قبح المعصية‪ ،‬وباب في فضل التعفف‪ .‬ليكون خاتمة إيرادنا وآخر كلمنا‬
‫الحض على طاعة الله عز وجل‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عمن المنكمر‪،‬‬
‫فذلك مفترض على كل مؤمن‪.‬‬
‫لكنا خالفنا في نسق بعض هذه البواب هذه الرتبممة المقسمممة فممي درج‬
‫هذا الباب المذي همو أول أبمواب الرسمالة‪ ،‬فجعلناهما علمى مباديهما إلمى‬
‫منتهاها واستحقاقها في التقدم والممدرجات والوجممود‪ ،‬ومممن أول مراتبهمما‬
‫إلى آخرها‪ ،‬وجعلنا الضد إلى جنب ضممده فمماختلف المسمماق فممي أبممواب‬
‫يسيرة والله المستعان‪.‬‬
‫وهيئتها في اليراد أولها هذا الباب الذي نحن فيه صدر الرسالة وتقسيم‬
‫البواب والكلم في باب ماهية الحب‪ ،‬ثم باب علمات الحممب‪ ،‬ثممم بمماب‬
‫من أحب بالوصف‪ ،‬ثم باب من أحب من نظرة واحممدة‪ ،‬ثممم بمماب مممن ل‬
‫يحب إل مع المطاولة‪ ،‬ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مممما‬
‫يخالفها‪ ،‬ثم باب التعريممض بممالقول‪ ،‬ثممم بمماب الشممارة بممالعين‪ ،‬ثممم بمماب‬
‫المراسلة‪ ،‬ثم باب السفير‪ ،‬ثم باب طي السر‪ ،‬ثم باب إذاعته‪ ،‬ثممم بمماب‬
‫الطاعة‪ ،‬ثممم بمماب المخالفممة‪ ،‬ثممم بمماب العمماذل‪ ،‬ثممم بمماب المسمماعد مممن‬
‫الخوان؛ ثم باب الرقيب‪ ،‬ثم بمماب الوشممي‪ ،‬ثممم بمماب الوصممل‪ ،‬ثممم بمماب‬
‫الهجر‪ ،‬ثم باب الوفاء‪ ،‬ثم باب الغدر‪ ،‬ثم باب البين‪ ،‬ثم باب القنمموع‪ ،‬ثممم‬
‫باب الضنى‪ ،‬ثم باب السلو ثم باب الموت؛ ثم بمماب قبممح المعصممية؛ ثممم‬
‫باب التعفف‪.‬‬
‫الكلم في ماهية الحب‬
‫الحب ‪ -‬أعزك الله ‪ -‬أوله هزل وآخره جد‪ .‬دقت معانيه لجللتهمما عممن أن‬
‫توصف‪ ،‬فل تدرك حقيقتهمما إل بالمعانمماة‪ .‬وليممس بمنكممر فممي الديانممة ول‬
‫بمحظور في الشممريعة‪ ،‬إذ القلمموب بيممد اللممه عممز وجممل وقممد أحممب مممن‬
‫الخلفاء المهدبين والئمة الراشدين كثير‪ ،‬منهممم بأندلسممنا عبممد الرحمممن‬
‫بن معاوية الدعجاء‪ ،‬والحكم بن هشام‪ ،‬وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه‬
‫بطروب أم عبد الله ابنة أشهر من الشمس‪ ،‬ومحمممد بممن عبممد الرحمممن‬
‫وأمره مع َ‬
‫مطممرف معلمموم‪ ،‬والحمماكم‬
‫غزلن أم بنيه عثمان والقاسممم وال ُ‬
‫المستنصر وافتتانه بصبح أم هاشم المؤيد بممالله رضممي اللممه عنممه وعممن‬

‫)‪(4‬‬

‫جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد من غيرها‪ .‬ومثممل هممذا كممثير‪ ،‬ولمول‬
‫أن حقوقهم على المسلمين واجبة ‪ -‬وإنما يجب أن نممذكر مممن أخبممارهم‬
‫ما فيممه الحممزم وإحيمماء الممدين وإنممما هممو شمميء كممانوا ينفممردون بممه فممي‬
‫قصورهم مع عيالهم فل ينبغي الخبار بمه عنهمم ‪ -‬لوردت ممن أخبمارهم‬
‫في هذا الشأن غير قليل‪.‬‬
‫وأما كبار رجالهم ودعائم دولتهم فأكثر من أن يحصوا‪ ،‬وأحدث ذلممك ممما‬
‫شاهدناه بالمس من كلف المظفر بن عبد الملك بن أبي عممامر بواحممد‪،‬‬
‫بنت رجل من الجبائين حتى حمله حبهمما أن يتزوجهمما‪ ،‬وهممي الممتي خلممف‬
‫عليها بعد فناه العامر بن الوزير عبد الله بممن مسمملمة‪ ،‬ثممم تزوجهمما بعممد‬
‫قتله رجل من رؤساء البربر‪.‬‬
‫ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسمميني أخممبرني أن‬
‫نزار بن معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار‪ ،‬الذي ولممى الملممك‬
‫بعده وادعى اللهية إل بعد مدة من مولده‪ ،‬مساعدة لجارية كممان يحبهمما‬
‫حبا ً شديدًا‪ ،‬هذا ولم يكن له ذكر ول من يرث ملكه ويحيي ذكره سواه‪.‬‬
‫ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والزمان القديمة مممن قممد‬
‫استغنى بأشعارهم عن ذكرهم‪ :‬وقد ورد مممن خممبر عبيممد اللممه عتبممة بممن‬
‫مسعود وشعره ما فيه الكفاية‪ .‬وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وقد جاء‬
‫من فتيا ابن عباس رضي الله عنه مال يحتاج معه إلى غيره حين يقول‪:‬‬
‫هذا قتيل الهوى ل عقل ول قود‪.‬‬
‫وقد اختلف الناس في ممماهيته وقممالوا وأطممالوا‪ ،‬والممذي أذهممب إليممه أنممه‬
‫اتصممال بيممن أجممزاء النفمموس المقسممومة فممي هممذه الخليقممة فممي أصممل‬
‫عنصرها الرفيع‪ ،‬ل على ما حكاه محمد بن داود رحمممه اللممه عممن بعممض‬
‫أهل الفلسفة‪ .‬الرواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها فممي‬
‫مقمر عالمهما العلموي ومجاورتهما فممي هيئة تركيبهما وقممد علمنمما أن سممر‬
‫التمازج والتباين في المخلوقات إنما هممو التصممال والنفصممال والشممكل‬
‫دأبمما ً يسممتدعى شممكله‪ ،‬والمثممل إلممى مثلممه سمماكن‪ ،‬وللمجانسممة عمممل‬
‫محسوس وتأثير مشاهد‪ ،‬والتنافر في الضممداد والموافقممة فممي النممداد‪،‬‬
‫والنزاع فيما تشابه موجممود فيممما بيننمما فكيممف بممالنفس وعالمهمما العممالم‬
‫الصافي الخفيممف وجوهرهمما الجمموهر الصممعاد المعتممدل‪ ،‬وسممنخها المهيممأ‬
‫لقبول التفمماق والميممل والتمموق والنحممراف والشممهوة النفممار‪ .‬كممل ذلممك‬
‫معلوم بالفطرة في أحمموال تصممرف النسممان فيسممكن إليهمما‪ ،‬واللممه عممز‬
‫وجل يقمول‪) :‬همو المذي خلقكمم ممن نفمس واحمدة وخلمق منهما زوجهما‬
‫ليسكن إليها( ‪ ،‬فجعل علة السكون أنها منه‪ .‬ولو كان علة الحب حسممن‬
‫الصورة الجسدية لوجب أل يستحسن النقص من الصممورة‪ .‬ونحممن نجممد‬

‫)‪(5‬‬

‫كثيرا ممن يؤثر الدنى ويعلم فضل غيره ول يجد محيدا ً لقلبه عنممه‪ .‬ولممو‬
‫كان للموافقة في الخلق لما أحب المممرء مممن ل يسمماعده ول يمموافقه‪.‬‬
‫فعلمنمما أنممه شمميء فممي ذات النفممس وربممما كممانت المحبممة لسممبب مممن‬
‫السباب‪ ،‬وتلك تفنى بفناء سببها‪ .‬فمن ودك لمر ولى مع انقضائه‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ودادي لك الباقي على حسب كونه * تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد‬
‫وليست له غير الرادة علة * ول سبب حاشاه يعلمه أحد‬
‫إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه * فذاك وجود ليس يفنى على البد‬
‫وإما وجدناه لشيء خلفه * فإعدامه في عدمنا ما له وجد‬
‫ومما يؤكد هممذا القممول أننمما علمنمما أن المحبممة ضممروب‪ .‬فأفضمملها محبممة‬
‫المتحابين في الله عزوجل؛ إممما لجتهمماد فممي العمممل‪ ،‬وإممما لتفمماق فممي‬
‫أصل النحلة والمذهب‪ ،‬وإما لفضل علم يمنحه النسان ومحبممة القرابممة‪،‬‬
‫ومحبة اللفممة والشممتراك فممي المطممالب‪ ،‬ومحبممة التصمماحب والمعرفممة‬
‫ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه‪ ،‬ومحبممة الطمممع فممي جمماه المحبمموب‪،‬‬
‫ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره‪ ،‬ومحبممة بلمموغ للممذة‬
‫وقضاء الوطر‪ ،‬ومحبة العشق التي ل علة لهمما إل ممما ذكرنمما مممن اتصممال‬
‫النفوس‪ ،‬فكل هذه الجناس منقضية مع انقضمماء عللهمما وزائدة بزيادتهمما‬
‫وناقصة بنقصانها‪ ،‬متأكدة بممدنوها فمماترة ببعممدها‪ .‬حاشممى محبممة العشممق‬
‫الصحيح الممكن من النفس فهي التي ل فناء لها إل بالموت‪.‬‬
‫وإنك لتجد النسان السالي برغمه‪ .‬وذا السن المتناهية‪ ،‬إذا ذكرته تممذكر‬
‫وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين‪.‬‬
‫ول يعرض فمي شميء ممن همذه الجنمماس المممذكورة‪ ،‬ممن شممغل البمال‬
‫والخبل والوسواس وتبدل الغرائز المركبة واستحالة السجايا المطبوعة‬
‫والنحول والزفير وسائر دلئل الشجا ما يعرض في العشق‪ ،‬فصح بممذاك‬
‫أنه استحسان روحاني وامتزاج نفساني‪ .‬فإن قممال قممائل‪ :‬لممو كممان هممذا‬
‫كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية‪ ،‬إذ الجزآن مشممتركان فممي التصممال‬
‫وحظهممما واحممد فممالجواب عممن ذلممك أن نقممول‪ :‬هممذه لعمممري معارضممة‬
‫صحيحة‪ ،‬ولكن نفس الممذي ل يحممب مممن يحبممه مكتنفممة الجهممات ببعممض‬
‫العراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الرضية فلم تحس‬
‫بالجزء الذي كان متصل ً بها قبل حلولها حيث هي‪ ،‬ولو تخلصممت لسممتويا‬
‫في التصال والمحبة‪ .‬ونفس المحممب متخلصممة عالمممة بمكممان ممما كممان‬
‫يشممركها فممي المجمماورة‪ ،‬طالبممة لممه قاصممدة إليممه باحثممة عنممه مشممتهية‬
‫لملقمماته‪ ،‬جاذبممة لممه لممو أمكنهمما كممالمغنطيس والحديممد‪ ،‬فقمموة جمموهر‬

‫)‪(6‬‬

‫المغنطيس المتصلة بقوة جمموهر الحديممد لممم تبلممغ مممن تحكمهمما ول مممن‬
‫تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على أنممه مممن شممكلها وعنصممرها‪ ،‬كممما أن‬
‫قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه‪ ،‬إذ الحركممة أبممدا ً‬
‫إنما تكون من القوى‪ ،‬وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس‪،‬‬
‫تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وبالختيممار‬
‫والتعمد‪ .‬وأنت متى أمسكت الحديمد بيمدك لمم ينجمذب إذ لمم يبلمغ ممن‬
‫قوته أيضا ً مغالبة الممسك له مما هو أقمموى منممه‪ .‬ومممتى كممثرت أجممزاء‬
‫الحديد اشتغل بعضها ببعض واكتفممت بأشممكالها عممن طلممب اليسممير مممن‬
‫قواها النازحة عنها‪ ،‬فمتى عظم جممرم المغنمماطيس ووازت قممواه جميممع‬
‫قوى جرم الحديد عادت إلى طبعها المعهود‪ .‬وكالنار في الحجممر ل تممبرز‬
‫على قوة الحجر في التصال والسممتدعاء لجزائهمما حيممث كممانت إل بعممد‬
‫القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما‪ ،‬وإل فهممي كامنممة فممي‬
‫حجرها ل تبدو ول تظهر‪.‬‬
‫ومن الدليل على هذا أيضا ً أنك ل تجد اثنين يتحابان إل وبينهممما مشمماكلة‬
‫واتفاق الصفات الطبيعية ل بد من هذا وإن قممل‪ ،‬وكلممما كممثرت الشممباه‬
‫زادت المجانسة وتأكدت المودة فانظر هممذا تممراه عيانمًا‪ ،‬وقممول رسممول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يؤكده‪) :‬الرواح جنود مجندة ما تعممارف منهمما‬
‫ائتلف وما تناكر منها اختلف( ‪ ،‬وقول مروى عممن أحممد الصممالحين‪ :‬أرواح‬
‫المؤمنين تتعارف‪ .‬ولهذا ما اغتم أبقراط حين وصف له رجممل مممن أهممل‬
‫النقصان يحبه‪ ،‬فقيل له في ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬ما أحبنممي إل وقممد وافقتممه فممي‬
‫بعض أخلقه‪.‬‬
‫وذكر أفلطون أن بعض الملوك سجنه ظلمًا‪ ،‬فلم يزل يحتج عن نفسممه‬
‫حتى اظهر براءته‪ ،‬وعلم الملك أنه له ظالم‪ ،‬فقال له وزيره الممذي كممان‬
‫يتولى إيصال كلمه إليه‪ :‬أيها الملك‪ ،‬قد اسممتبان لممك أنممه بريممء فمالممك‬
‫وله? فقمال الملممك‪ :‬لعممري ممالي إليممه سمبيل‪ ،‬غيمر أنممي أجمد لنفسممي‬
‫استثقال ً ل أدري ما همو‪ .‬فمأدى ذلمك إلمى أفلطمون‪ .‬قمال‪ :‬فماحتجت أن‬
‫أفتش في نفسي وأخلقي أجممد شمميئا ً أقابممل بممه نفسممه وأخلقهممما مممما‬
‫يشبهها‪ ،‬فنظرت في أخلقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلممم‪ ،‬فميممزت‬
‫هذا الطبع في‪ ،‬فما هو إل أن حركته هذه الموافقة وقممابلت نفسممه بهممذا‬
‫الطبع الذي بنفسي فأمر بإطلقي وقال لوزيره‪ :‬قد انحممل كممل ممما أجممد‬
‫في نفسي له‪.‬‬
‫وأما العلة التي توقع الحب أبدا ً في أكثر المممر علممى الصممورة الحسممنة‪،‬‬
‫فالظاهر أن النفس حسنة وتولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصمماوير‬
‫المنقنة‪ ،‬فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه‪ ،‬فممإن ميممزت وراءهمما شمميئا ً مممن‬
‫أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية‪ ،‬وإن لم تميز وراءها شيئا ً مممن‬
‫أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة‪ ،‬وذلك هو الشهوة‪.‬‬

‫)‪(7‬‬

‫وإن للصور لتوصيل عجيبا ً بين أجزاء النفوس النائية‪ .‬وقرأت في السفر‬
‫الول من التوراة أن النبي يعقوب عليممه السمملم أيممام رعيممه غنمما ً لبممن‬
‫خمماله مهممرا ً ل بنتممه شممارطه علممى المشمماركة فممي إنسممالها‪ ،‬فكممل بهيممم‬
‫ليعقوب وكل أغر للبان‪ ،‬فكان يعقوب عليه السمملم يعمممد إلممى قضممبان‬
‫الشجر يسلخ نصفا ً ويترك نصفا ً بحاله‪ ،‬ثم يلقى الجميع في الممماء الممذي‬
‫ترده الغنم‪ ،‬ويتعمد إرسال الطروقة في ذلك الوقت فل تلد إل نصممفين‪،‬‬
‫نصفا ً بهما ً ونصفا ً غرًا‪.‬‬
‫وذكر عن بعض القافة أنه أتى بابن أسود لبيضممين‪ ،‬فنظممر إلممى أعلمممه‬
‫فرآه لهما غير شك‪ .‬فرغب أن يوقف على الموضع الذي اجتمعمما عليممه‪.‬‬
‫فأدخل البيت الذي كان فيه مضجعهما‪ ،‬فرأى فيممما يمموازي نظممر المممرأة‬
‫صورة أسود في الحائط‪ ،‬فقال لبيه‪ :‬من قبل هممذه الصممورة أتيممت فممي‬
‫إبنك‪.‬‬
‫وكممثيرا ً ممما يصممرف شممعراء أهممل الكلم هممذا المعنممى فممي أشممعارهم‪،‬‬
‫فيخمماطبون المممرئي فممي الظمماهر خطمماب المعقممول البمماطن‪ ،‬وهممو‬
‫المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن سمميار وغيممره مممن المتكلميممن‪،‬‬
‫وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ما علة النصر في العداء تعرفها * وعلة الفر منهم أن يفرونا‬
‫إل نزاع نفوس الناس قاطبة * إليك يا لؤلؤا ً في الناس مكنونا‬
‫من كنت قدامه ل ينتئى أبدا ً * فهم إلى نورك الصعاد يعشونا‬
‫ومن تكن خلفه فالنفس تصرفه * إليك طوعا ً فهم دأبا ً يكرونا‬
‫ومن ذلك أقول‪:‬‬
‫أمن عالم الملك أنت أم أنسى * أبن لي فقد أزرى بتميزي العي‬
‫أرى هيئة إنسية غير أنه * إذا أعمل التفكير فالجرم علوي‬
‫تبارك منسوى مذاهب خلقه * على أنك النور النيق الطبيعي‬
‫ول شك عندي أنك الروح ساقه * إلينا مثال في النفوس اتصالي‬
‫عد منا دليل ً في حدوثك شاهدا ً * نقيس عليه غير أنك مرئي‬
‫ولول وقوع العين في الكون لم نقل * سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي‬
‫وكان بعض أصحابنا يسمى قصيدة لي الدراك المتوهم‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ترى كل ضد به قائما ً * فكيف تحد اختلف المعاني‬
‫فيأيها الجسم ل ذا جهات * ويا عرضا ً ثابتا ً غير فان‬

‫)‪(8‬‬

‫نقضت علينا وجوه الكلم * فما هو مذ لحت بالمستبان‬
‫وهذا بعينه موجود في البغضة‪ ،‬ترى الشخصين يتباغضممان ل لمعنممى‪ ،‬ول‬
‫علة‪ ،‬ويستثقل بعضها بعضا ً بل سبب‪ .‬والحب أعزك الله داء عيمماء وفيممه‬
‫الدواء منممه علممى قممدر المعاملممة‪ ،‬ومقممام مسممتلذ‪ ،‬وعلممة مشممهاة ل يممود‬
‫سليمها البرء‪ ،‬ول يتمنى عليلها الفاقة‪ .‬يزين المرء ما كممان يممأنف منممه‪،‬‬
‫ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل الطبممائع المركبممة والجبلممة‬
‫المخلوقة‪ .‬وسيأتي كل ذلك ملخصا ً في بابه إن شاء الله‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد علمت فتى من بعض معار في قد وحممل مممن الحممب وتممورط‬
‫في حبائله‪ ،‬وأضربه الوجممد‪ ،‬وأنضممحه الممدنف‪ ،‬وممما كممانت نفسممه تطيممب‬
‫بالدعاء إلى الله عز وجل في كشف ما به ول ينطق به لسانه‪ ،‬وما كمان‬
‫دعاؤه إل بالوصل والتمكن ممن يحب‪ ،‬على عظيممم بلئه وطويممل همممه‪،‬‬
‫فما الظن بسقيم ل يريد فقممد سممقمه ولقممد جالسممته يومما ً فرأيممت مممن‬
‫إكبابه وسوء حاله وإطراقه ما ساءني فقلت له في بعممض قممولي‪ :‬فممرج‬
‫الله عنك فلقد رأيت أثر الكراهية في وجهه‪ .‬وفي مثله أقول مممن كلمممة‬
‫طويلة‪:‬‬
‫وأستلذ بلئي فيك يا أملي * ولست عنك مدى اليام أنصرف‬
‫إن قيل لي تتسلى عن مودته * فما جوابي إل اللم واللف‬
‫خبر‪ :‬وهذه الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بممن‬
‫قاسم بن محمد القرشي‪ .‬المعروف بالشلشي‪ ،‬من ولممد المممام هشممام‬
‫بن عبد الرحمن بن معاوية أنه لم يحب أحدا ً قط‪ ،‬ول أسممف علممى إلممف‬
‫بان منه‪ ،‬ول تجاوز حد الصحبة واللفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق‪.‬‬
‫الباب الثاني‬
‫علمات الحب‬
‫وللحب علمممات يقفوهمما الفطممن‪ ،‬ويهتممدي إليهمما الممذكي‪ .‬فأولهمما إدمممان‬
‫النظممر‪ ،‬والعيممن بمماب النفممس الشممارع‪ ،‬وهممي المنقبممة عممن سممرائرها‪،‬‬
‫والمعبرة لضمممائرها والمعربممة عممن بواطنهمما‪ .‬فممترى النمماظر ل يطممرف‪،‬‬
‫يتنقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه‪ ،‬ويميل حيث مممال كالحربمماء مممع‬
‫الشمس‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫فليس لعيني عند غيرك موقف * كأنك ما يحكون من حجر البهت‬
‫أصرفها حيث انصرفت وكيفما * تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت‬
‫ومنها القبال بالحديث‪ .‬فما يكمماد يقبممل علممى سمموى محبمموبه ولممو تعمممد‬
‫دث‪،‬‬
‫ذلك‪ ،‬وإن التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه‪ ،‬والنصات لحديثه إذا ح م ّ‬

‫)‪(9‬‬

‫واسممتغراب كممل ممما يممأتي بممه ولممو أنممه عيممن المحممال وخممرق العممادات‪،‬‬
‫وتصديقه وإن كذب‪ ،‬وموافقته وإن ظلم‪ ،‬والشهادة له وإن جار‪ ،‬واتباعه‬
‫كيف سلك وأي وجه من وجوه القول تناول‪.‬‬
‫ومنها السراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه‪ ،‬والتعمد للقعود‬
‫بقربه والدنو منه‪ ،‬واطراح الشغال الموجبة للزوال عنه‪ ،‬والستهانة‬
‫بكل خطب جليل داع إلى مفارقته‪ ،‬والتباطؤ في الشيء عند القيام‬
‫عنه‪ .‬وفي ذلك أقول شعرا ً وإذا قمت عنك لم أمش إل * مشي عان‬
‫يقاد في نحو الفناء‬
‫في مجيئي إليك أحّتث كالبد * ر إذا كان قاطعا ً للسماء‬
‫وقيامي إن قمت كالنجم العا * لية الثابتات في البطاء‬
‫ومنها بهت يقع وروعمة تبمدو علمى المحمب عنمد رؤيمة ممن يحمب فجمأة‬
‫وطلوعه بغته‪.‬‬
‫ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية مممن يشممبه محبمموبه أو عنممد‬
‫سماع إسمه فجأة وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪.‬‬
‫إذا ما رأت عيناي ل بس حمرة * تقطع قلبي حسرة وتفطرا‬
‫غدا لدماء الناس باللحظ سافكا ً * وضرج منها ثوبه فتعصفرا‬
‫ومنها أن يجود المرء ببذل كل ما كان يقممدر عليممه مممما كممان ممتنعما ً بممه‬
‫قبل ذلك‪ ،‬كأنه هو الموهوب له والمسعي فممي حظممه‪ ،‬كممل ذلممك ليبممدي‬
‫محاسنه ويرغب في نفسه‪ .‬فكممم بخيممل جمماد‪ ،‬وقطمموب تطلممق‪ ،‬وجبممان‬
‫تشجع‪ ،‬وغليظ الطبع تطرب‪ ،‬وجاهل تأدب‪ ،‬وتفل تزيممن‪ ،‬وفقيممر تجمممل‪.‬‬
‫وذي سن تفتى‪ ،‬وناسك تفتك‪ ،‬ومصون تبذل‪.‬‬
‫وهذه العلمات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه وتوقممد شممعله‬
‫واستطارة لهبه‪ .‬فأما إذا تمكن وأخذ مأخذه فحينئذ ترى الحديث سرارًا‪،‬‬
‫والعراض عن كل ما حضر إل عن المحبوب جهارًا‪ .‬ولي أبيممات جمعممت‬
‫فيها كثيرا ً من هذه العلمات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي * فيه ويعبق لي عن عنبر أرج‬
‫إن قال لم أستمع ممن يجالسني * إلى سوى لفظة المستطرف الغنج‬
‫ولو يكون أمير المؤمنين معي * ما كنت من أجله عنه بمنعرج‬
‫فإن أقم عنه مضطرا ً فإني ل * أزال ملتفتا ً والمشي مشي وجي‬
‫عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل * مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج‬
‫إغص بالماء إن أذكر تباعده * كمن تثاءب وسط النقع والوهج‬

‫)‪(10‬‬

‫وإن تقل ممكن قصد السماء أقل * نعم وإني لدري موضع الدرج‬
‫ومن علماته وشواهده الظاهرة لكل ذي بصر النبسمماط الكممثير الممزائد‪،‬‬
‫والتضايق في المكان الواسع‪ ،‬والمجاذبة علممى الشمميء يأخممذه أحممدهما‪،‬‬
‫وكثرة الغمز الخفي‪ ،‬والميل بالتكاء‪ ،‬والتعمد لمس اليد عنممد المحادثممة‪،‬‬
‫ولمس ما أمكن من العضاء الظاهرة‪ .‬وشرب فضلة ما أبقى المحبوب‬
‫في الناء‪ ،‬وتحري المكان الذي يقابله فيه‪.‬‬
‫ومنها علممات متضمادة‪ ،‬وهمي علممى قممدر الممدواعي والعمموارض الباعثمة‬
‫والسباب المحركممة والخممواطر المهيجممة‪ ،‬والضممداد أنممداد‪ ،‬والشممياء إذا‬
‫أفرطت في غايات تضادها‪ .‬ووقفت في انتهاء حدود اختلفهمما تشممابهت‪،‬‬
‫قدرة من الله عز وجل تضل فيها الوهام‪ ،‬فهممذا الثلممج إذا أدمممن حبسممه‬
‫في اليد َفعل ِفعل النار‪ ،‬ونجد الفممرح إذا أفممرط قتممل‪ ،‬والغممم إذا أفممرط‬
‫قتل‪ ،‬والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين‪ .‬وهذا فممي العممالم‬
‫كثير‪ ،‬فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكممدت بينهممما تأكممدا ً شممديدا ً‬
‫أكمثر بهمما جمدهما بغيمر معنمى‪ ،‬وتضمادهما فمي القمول تعممدًا‪ ،‬وخمروج‬
‫بعضهما على بعض في كل يسير من المور‪ ،‬وتتبع كل منهما لفظة تقممع‬
‫من صاحبه وتأولها على غير معناها‪ ،‬كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كممل‬
‫واحد منهما في صاحبه‪ .‬والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضممادة‬
‫المتولدة عن الشحناء ومخارجة التشمماجر سممرعة الرضممى‪ ،‬فإنممك بينممما‬
‫تممرى المحممبين قممد بلغما الغايممة ممن الختلف الممذي ل يقمدر يصملح عنمد‬
‫الساكن النفس السالم من الحقاد في الزمممن الطويممل ول ينجممبر عنممد‬
‫الحقود أبدًا‪ ،‬فل تلبث أن تراهما قد عادا إلممى أجمممل الصممحبة‪ ،‬وأهممدرت‬
‫المعاتبة‪ ،‬وسقط الخلف وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلممى المضمماحكة‬
‫والمداعبة‪ ،‬هكذا في الوقت الواحد مرارًا‪ .‬وإذا رأيت هذا مممن اثنيممن فل‬
‫يخالجك شك ول يدخلنك ريب البتة ول تتمارى في أن بينهممما سممرا ً مممن‬
‫الحب دفينا‪ ،‬واقطع فيه قطع من ل يصرفه عنه صارف‪ .‬ودونكها تجربممة‬
‫صحيحة وخبرة صادقة‪ .‬هذا ل يكون إل عن تكلممف فممي المممودة وائتلف‬
‫صحيح‪ ،‬وقد رأيته كثيرًا‪.‬‬
‫ومن علماته أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم مممن يحممب‪ ،‬ويسممتلذ‬
‫الكلم في أخباره ويجعلها هجيراه‪ ،‬ول يرتاح لشيء ارتياحه لها ول ينهممه‬
‫عن ذلك تخوف أن يفطن السامع ويفهم الحاضر‪ ،‬وحبك الشمميء يعمممي‬
‫ويصم‪ .‬فلو أمكن المحب أل يكون حديث في مكمان يكمون فيممه إل ذكممر‬
‫من يحبه لما تعداه‪ .‬ويعرض للصادق المودة أن يبتدئ في الطعممام وهممو‬
‫له مشته فما هو إل وقت‪ ،‬ما تهتاج له من ذكر ممن يحمب صمار الطعمام‬
‫غصة في الحلق وشجى في المرء‪ .‬وهكذا في الماء وفي الحمديث فمإنه‬
‫يفاتحكه متبهجما ً فتعممرض لممه خطممرة مممن خطممرات الفكممر فيمممن يحممب‬

‫)‪(11‬‬

‫فتستبين الحوالة في منطقه والتقصمير فمي حمديثه‪ ،‬وآيمة ذلمك الوجموم‬
‫والطراق وشدة النفلق‪ ،‬فبينما هو طلق الوجه خفيممف الحركممات صممار‬
‫منطبقا ً متثاقل ً حائر النفس جامد الحركة يبرم من الكلمممة ويضممجر مممن‬
‫السؤال ومن علماته حممب الوحممدة والنممس بممالنفراد‪ ،‬ونحممول الجسممم‬
‫دون حد يكون فيه ول وجع مانع من التقلب والحركة والمشممي‪ .‬دليممل ل‬
‫يكذب ومخبر ل يخون عن كلمة في النفس كامنة‪.‬‬
‫والسهر من أعراض المحبين‪ ،‬وقد أكثر الشعراء في وصفه وحكوا أنهممم‬
‫رعاة الكواكب وواصفو طول الليل‪ .‬وفي ذلك أقول وأذكر كتمان السممر‬
‫وأنه يتوسم بالعلمات‪:‬‬
‫تعلمت السحائب من شؤوني * فعمت بالحيا السكب الهتون‬
‫وهذا الليل فيك غدا رفيقي * بذلك أم على سهري معيني‬
‫فإن لم ينقض الظلم فجرا ً * أل ما أطبقت نوما ً جوفوني‬
‫فليس إلى النهار لنا سبيل * وسهد زائد في كل حين‬
‫كأن نجومه والغيم يخفي * سناها عن ملحظة العيون‬
‫ضميري في ودادك يا منايا * فليس يبين إل بالظنون‬
‫وفي مثل ذلك قطعة منها‪:‬‬
‫أرعى النجوم كأنني كلفت أن * أرعى جميع ثبوتها والخنسي‬
‫فكأنها والليل نيران الجوى * قد أضرمت في فكرتي من حندس‬
‫وكأني أمسيت حارس روضة * خضراء وشح نبتها بالنرجس‬
‫لو عاش بطليموس أيقن أنني * أقوى الورى في رصد جرى الكنس‬
‫والشيء قد يذكر لما يوجبه‪ :‬وقع لممي فممي هممذه البيممات تشممبيه شمميئين‬
‫بشمميئين فممي بيممت واحممد‪ .‬وهممو الممبيت الممذي أولممه فكأنهمما والليممل وهممذا‬
‫مستغرب في الشعر‪ .‬ولي ما هو أكمل منه‪ ،‬وهو تشبيه أشياء في بيممت‬
‫واحد‪ ،‬وتشبيه أربعة أشياء في بيممت واحممد‪ .‬وكلهممما فممي هممذه القطعممة‬
‫أوردها‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫مشوق معنى ما ينام مسهد * بخمر التجني ما يزال يعربد‬
‫ففي ساعة يبدي إليك عجائبا ً * يمر ويستحلي ويدني ويبعد‬
‫كأن النوى والعتب والهجر والرضى * قران وأنداد ونحس وأسعد‬
‫رئى لغرامي بعد طول تمنع * وأصبحت محسودا ً وقد كنت أحسد‬
‫نعمنا على نور من الروض زاهر * سقته الغوادي فهو يثني ويحمد‬
‫كأن الحيا والمزن والروض عاطرا ً * دموع وأجفان وخد مورد‬

‫)‪(12‬‬

‫ول ينكر على منكر قولي قران فأهل المعرفة بالكواكب يسمون التقمماء‬
‫كوكبين في درجة قرانًا‪.‬‬
‫ولي أيضا ً ما هو أتم من هذا‪ ،‬وهو تشبيه خمسة أشممياء فممي بيممت واحممد‬
‫في هذه القطعة‪ ،‬هي‪:‬‬
‫خلوت بها والراح ثالثة لها * وجنح ظلم الليل قد مد ما انبلج‬
‫فتاة عدمت العيش إل بقربها * فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج‬
‫كأني وهي والكأس والخمر والدجى * ثرى وحيا والدر والتبر والسنج‬
‫فهذا أمر ل مزيد فيه ول يقدر أحد على أكثر منه‪ ،‬إذ ل يحتمل العممروض‬
‫ول بنية السماء أكثر من ذلك‪.‬‬
‫ويعرض للمحبين القلق عند أحد أمرين‪ :‬أحدهما عند رجممائه ملقمماة مممن‬
‫يحب فيعرض عند ذلك حائل‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وإني لعلم بعض من كان محبوبه يعده الزيارة‪ ،‬فممما كنممت أراه إل‬
‫جاثيا ً وذاهبا ً ل يقربه القرار ول يثبت فممي مكممان واحممد‪ ،‬مقبل ً مممدبرا ً قممد‬
‫استخفه السرور بعد ركانة‪ ،‬وأشاطه بعد رزانة‪ .‬ولي فممي معنممى انتظممار‬
‫الزيارة‪:‬‬
‫أقمت إلى أن جاءني الليل راجيا * لقاءك يا سؤلي ويا غاية المل‬
‫فأيأسني الظلم عنك ولم أكن * ليأس يوما ً إن بدا الليل يتصل‬
‫وعندي دليل ليس يكذب خبره * بأمثاله في مشكل المر يستدل‬
‫لنك لو رمت الزيارة لم يكن * ظلم ودام النور فينا ولم يزل‬
‫والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب ل تدري حقيقته إل بالوصف‪.‬‬
‫فعند ذلك يشتد القلق حتى توقف على الجليلة‪ ،‬فإممما أن يممذهب تحملممه‬
‫إن رجا العفو‪ ،‬وإما أن يصير القلق حزنا ً وأسفا ً إن تخوف الهجر‪.‬‬
‫ويعرض للمحب الستكانة لجفاء المحبوب عليممه‪ .‬وسمميأتي مفسممرا ً فممي‬
‫بابه إنشاء الله تعالى‪.‬‬
‫ومن أعراضه الجزع الشديد والحمرة المقطعة تغلب عند ممما يممرى مممن‬
‫إعراض محبوبه عنه ونفاره منه‪ ،‬وآية ذلك الزفير وقلة الحركممة والتممأوه‬
‫وتنفس الصعداء‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫جميل الصبر مسجون * ودمع العين مسفوح‬
‫ومن علماته أنك ترى المحب يحب آهل محبوبه وقرابته وخاصممته حممتى‬
‫يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته‪.‬‬

‫)‪(13‬‬

‫والبكاء من علمات المحب ولكن يتفاضمملون فيممه‪ ،‬فمنهممم غزيممر الممدمع‬
‫هامل الشؤون تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء‪ ،‬ومنهم جمممود العيممن‬
‫عديم المدمع‪ ،‬وأنما منهمم‪ .‬وكممان الصممل فممي ذلممك إدمماني أكمل الكنمدر‬
‫لخفقان القلب‪ ،‬وكممان عممرض لممي فممي الصممبا‪ ،‬فممإني لصمماب بالمصمميبة‬
‫الفادحة فأجد قلبي يتفطممر ويتقطممع وأحممس فممي قلممبي غضممة أمممر مممن‬
‫العلقم تحممول بينممي وبيممن توفيممة الكلم حممق مخممارجه‪ ،‬وتكمماد تشمموقني‬
‫النفس أحيانا ً ول تجيب عيني البتة إل فممي النممدرة بالشمميء اليسممير ممن‬
‫الدمع‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد أذكرني هممذا الفصممل يوممما‪ :‬ودعممت أنما وأبممو بكممر محمممد بممن‬
‫إسحاق صاحبي أبا عامر محمد بن عامر صديقنا رحمه الله في سممفرته‬
‫إلى المشرق التي لم نره بعدها‪ ،‬فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد‬
‫متمثل ً بهذا البيت‪:‬‬
‫أل إن عينا ً لم تجد يوم واسط * عليك بباقي دمعها لجمود‬
‫وهو في رثاء يزيد بن عمر بمن همبيرة رحممه اللمه‪ .‬ونحمن وقمموف علمى‬
‫ساحل البحر بمالقممة‪ ،‬وجعلممت أنمما أكممثر التفجممع والسممف ول تسمماعدني‬
‫عيني‪ ،‬فقلت مجيبا ً لبي بكر‪:‬‬
‫وإن أمرأ لم يفن حسن اصطباره * عليك وقد فارقته لجليد‬
‫إذا كتم المشغوف سر ضلوعه * فإن دموع العين تبدي وتفضح‬
‫إذا ما جفون العين سالت شئونها * ففي القلب داء للغرام مبرح‬
‫ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كممل كلمممة مممن أحممدهما وتوجيههمما‬
‫إلى غير وجهها‪ ،‬وهذا أصل العتاب بين المحبين‪ .‬وإنممي لعلممم مممن كممان‬
‫أحسن النمماس ظنما ً وأوسممعهم نفسما ً وأكممثرهم صممبرا ً وأشممدهم احتمممال‬
‫وأرحبهم صدرًا‪ ،‬ثم ل يحتمممل ممممن يحممب شمميئا ً ول يقممع لممه معممه أيسممر‬
‫مخالفة حتى يبدي من التعديد فنونا ً ومن سوء الظن وجوها‪ .‬وفي ذلممك‬
‫أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫أسيء ظني بكل محتقر * تأتي به والحقير من حقر‬
‫كي ل يرى أصل هجرة وقلى * فالنار في بدء أمرها شرر‬
‫وأصل عظم المور أهونها * ومن صغير النوى ترى الشجر‬
‫وترى المحب‪ ،‬إذا لم يثق بنقاء طوية محبوبه له‪ ،‬كثير التحفممظ مممما لممم‬
‫يكن يتحفظ منه قبل ذلك‪ ،‬مثقفا ً لكلمه‪ ،‬مزينا ً لحركاته ومرامي طرفه‪،‬‬
‫ول سيما إن دهى بمتجن وبلى بمعربد‪.‬‬

‫)‪(14‬‬

‫ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه‪ ،‬وحفظه لكل ما يقع منه‪ ،‬وبحثه عممن‬
‫أخباره حتى ل تسقط عنه دقيقممة ول جليلممة‪ ،‬وتتبعممه لحركمماته‪ .‬ولعمممري‬
‫لقد ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكيًا‪ ،‬والغافل فطنًا‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد كنممت يومما ً بالمريممة قاعممدا ً فممي دكممان إسممماعيل بممن يممونس‬
‫الطبيب السرائيلي‪ ،‬وكان بصيرا ً بالفراسة محسنا ً لهمما‪ ،‬وكنمما فممي لمممة‪،‬‬
‫فقال له مجاهد بن الحصين القيسي‪ :‬ممما تقممول فممي هممذا? وأشممار إلممى‬
‫رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ويكنممى أبمما البقمماء‪ ،‬فنظممر إليممه سمماعة‬
‫يسيرة ثم قال‪ :‬هو رجل عاشق فقال له‪ :‬صدقت‪ ،‬فمن أين قلت هممذا?‬
‫قال‪ :‬لبهت مفرط ظاهر على وجهه فقممط دون سمائر حركمماته‪ ،‬فعلمممت‬
‫أنه عاشق وليس بمريب‪.‬‬
‫الباب الثالث‬
‫من أحب في النوم‬
‫ول بد لكل حب من سبب يكون له أص ً‬
‫ل‪ ،‬وأنا مبتدئ بأبعد ممما يمكممن أن‬
‫يكون من أسممبابه ليجمري الكلم علمى نسممق‪ ،‬أو أن يبتممدأ أبممدا ً بالسمهل‬
‫والهون‪ .‬فمن أسبابه شيء لول أني شاهدته لم أذكره لغرابته‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وذلك أني دخلت يوما ً على أبي السممري عمممار بممن زيمماد صمماحبنا مممولى‬
‫المؤيد فوجدته مفكرا ً مهتما ً فسألته عما به‪ ،‬فتمنع ساعة ثممم قممال‪ :‬لممي‬
‫سمعت قط‪ ،‬قلت‪ :‬وما ذاك? قممال‪ :‬رأيممت فممي نممومي الليلممة‬
‫أعجوبة ما ُ‬
‫جارية فاستيقظت وقد ذهب قلبي فيهما وهممت بهما وإنمي لفمي أصمعب‬
‫حال من حبها‪ ،‬ولقد بقي أياما ً كثيرة تزيد على الشهر مغموم ما ً مهموم ما ً‬
‫ل يهنئه شيء وجممدًا‪ ،‬إلممى أن لمتممه وقلممت لممه‪ :‬مممن الخطممأ العظيممم أن‬
‫تشغل نفسك بغير حقيقة‪ ،‬وتعلق وهمك بمعدوم ل يوجد‪ ،‬هل تعلم مممن‬
‫هي? قال‪ :‬ل والله‪ ،‬قلت‪ :‬إنك لقليل الرأي مصاب البصيرة إذ تحب مممن‬
‫لم تره قط ول خلق ول هو فممي الممدنيا‪ ،‬ولمو عشممقت صممورة ممن صمور‬
‫الحمام لكنت عندي أعذر‪ .‬فما زلت به حتى سل وما كاد‪.‬‬
‫وهذا عندي من حيث النفس وأضغاثها‪ ،‬وداخل في بمماب التمنممي وتخيممل‬
‫الفكر‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫يا ليت شعري من كانت وكيف سرت * أطلعة الشمس كانت أم هي‬
‫القمر‬
‫أظنة العقل أبداه تتدبره * أو صورة الروح أبدتها لي الفكر‬
‫أو صورة مثلت في النفس من أملي * فقد تخيل في إدراكها البصر‬

‫)‪(15‬‬

‫أو لم يكن كل هذا فهي حادثة * أتى بها سببا ً في حتفي القدر‬
‫الباب الرابع‬
‫من أحب بالوصف‬
‫ومن غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينممة‪ ،‬وهممذا‬
‫أمر يترقى منه إلممى جميممع الحممب‪ ،‬فتكممون المراسمملة والمكاتبممة والهممم‬
‫والوجممد والسممهر علممى غيممر البصممار‪ ،‬فممإن للحكايممات ونعممت المحاسممن‬
‫ووصف الخبار تأثيرا ً في النفس ظاهرًا‪.‬‬
‫وأن تسمع نغمتها من وراء جدار‪ ،‬فيكممون سممببا ً للحممب واشممتغال البممال‪.‬‬
‫وهذا كله قد وقع لغير ما واحد‪ ،‬ولكنه عندي بنيممان هممار علممى غيممر أس‪،‬‬
‫وذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير ل بد له إذ يخلو بفكره أن‬
‫يمثل لنفسه صورة يتوهمها وعينا ً يقيمهمما نصممب ضممميره‪ ،‬ل يتمثممل فممي‬
‫هاجسه غيرها‪ ،‬قمد ممال بموهمه نحوهما‪ ،‬فممإن وقعممت المعاينمة يومما ً مما‬
‫فحينئذ يتأكد المر أو يبطمل بالكليمة‪ ،‬وكل الموجهين قمد عممرض وعمرف‪،‬‬
‫وأكثر ما يقع هذا في ربات القصور المحجوبات مممن أهممل البيوتممات مممع‬
‫أقاربهن من الرجممال‪ ،‬وحممب النسمماء فممي هممذا أثبممت مممن حممب الرجممال‬
‫لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشممأن‪ ،‬وتمكنممه منهممن‪ .‬وفممي‬
‫ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪ :‬ويا من لمني في حب من لم يره طرفي‬
‫لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف‬
‫فقل هل تعرف الجنة يوما ً بسوى الوصف‬
‫وأقول شعرا ً في استحسان النغمة دون وقوع العين على العيان منه‪:‬‬
‫قد حل جيش الغرام سمعي * وهو على مقلتي يبدو‬
‫وأقول أيضا ً في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند وقوع الرؤية‪:‬‬
‫وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما * وصفوا علمت بأنه هذيان‬
‫فالطبل جلد فارغ وطنينه * يرتاع منه ويفرق النسان‬
‫وفي ضد هذا أقول‪:‬‬
‫لقد وصفوك لي حتى التقينا * فصار الظن حقا ً في العيان‬
‫فأوصاف الجنان مقصرات * على التحقيق عن قدر الجنان‬
‫وإن هذه الحوال لتحدث بين الصدقاء والخوان‪ ،‬وعني أحدث‪.‬‬
‫خبر‪ :‬إنه كان بيني وبين رجل من الشراف ود وكيد وخطاب كممثير‪ ،‬وممما‬
‫تراءينا قط‪ .‬ثم منح الله لي لقاءه‪ ،‬فما مرت إل أيام قلئل حتى وقعممت‬

‫)‪(16‬‬

‫لنا منافرة عظيمة ووحشة شممديدة متصمملة إلممى الن‪ ،‬فقلممت فممي ذلممك‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أبدلت أشخاصنا كرها ً وفرط قلى * كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ‬
‫ووقع لي ضد هذا مع أبي عامر بن أبممي عممامر رحمممة اللممه عليممه‪ ،‬فممإني‬
‫كنت له على كراهة صحيحة وهو لي كذلك‪ ،‬ولم يرنممي ول رأيتممه‪ ،‬وكممان‬
‫أصل ذلك تنقيل ً يحمل إليه عني وإلي عنه‪ ،‬ويؤكده انحممراف بيممن أبوينمما‬
‫لتنافسهما فيما كانا فيه من صحبة السمملطان ووجاهممة الممدنيا‪ ،‬ثممم وفممق‬
‫الله الجتماع به فصار لي أود النمماس وصممرت لممه كممذلك‪ ،‬إلممى أن حممال‬
‫الموت بيننا‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة؛ منها‪:‬‬
‫أخ لي كسبنيه اللقاء * وأوجدني فيه علقا ً شريفا ً‬
‫وقد كنت أكره منه الجوار * وما كنت أرغبه لي أليفا ً‬
‫وكان البغيض فصار الحبيب * وكان الثقيل فصار الخفيفا‬
‫وقد كنت أدمن عنه الوجيف * فصرت أديم إليه الوجيفا‬
‫وأما أبو شاكر عبد الرحمن بن محمد القبري فكان لي صديقا ً مدة على‬
‫غير رؤية‪ ،‬ثم التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الن‪.‬‬
‫الباب الخامس‬
‫من أحب من نظرة واحدة‬
‫وكثيرا ً ما يكون لصوق الحمب بمالقلب ممن نظمرة واحممدة‪ .‬وهمو ينقسمم‬
‫قسمين‪ ،‬فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا‪ ،‬وهممو أن يعشممق المممرء‬
‫صورة ل يعلم من هي ول يدري لها اسما ول مستقرًا‪ ،‬وقممد عممرض هممذا‬
‫لغير واحد‪.‬‬
‫خبر‪ :‬حدثني صاحبنا أبا بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عممن ثقممة أخممبره‬
‫سقط عني اسمه‪ ،‬وأظنه القاضي ابممن الحممذاء‪ ،‬أن يوسممف بممن هممارون‬
‫الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتممازا ً عنممد بمماب العطممارين بقرطبممة‪،‬‬
‫وهذا الموضع كممان مجتمممع النسمماء‪ ،‬فممرأى جاريممة أخممذت بمجممامع قلبممه‬
‫وتخلل حبها جميع أعضائه‪ ،‬فانصرف عممن طريممق الجممامع وجعممل يتبعهمما‬
‫وهي ناهضة نحو القنطممرة‪ ،‬فجازتهمما إلممى الموضممع المعممروف بممالربض‪.‬‬
‫فلما صارت بين رياض بني مروان رحمهم الله المبنية على قبورهم في‬
‫مقبرة الربض خلف النهممر نظممرت منممه منفممردا ً عممن النمماس ل همممة لممه‬
‫غيرها فانصرفت إليه فقالت له‪ :‬مالك تمشممي ورائي? فأخبرهمما بعظيممم‬
‫بليته بها‪ .‬فقالت له‪ :‬دع عنك هذا ول تطلب فضيحتي فل مطمع لك فممي‬

‫)‪(17‬‬

‫النية ول إلى ما ترغبه سبيل فقال‪ :‬إني أقنع بالنظر‪ .‬فقالت‪ :‬ذلممك مبمماح‬
‫لك‪ .‬فقال لها‪ :‬يا سيدتي‪ :‬أحرة أم مملوكة? قالت‪ :‬مملوكة‪ .‬فقممال لهمما‪:‬‬
‫ما اسمك? قالت‪ :‬خلوة‪ .‬قال‪ :‬ولمن أنت? فقالت له‪ :‬علمممك واللممه بممما‬
‫في السماء السابعة أقرب إليك مما سممألت عنممه‪ ،‬فممدع المحممال‪ .‬فقممال‬
‫لها‪ :‬يا سيدتي‪ ،‬وأين أراك بعد هذا? قالت‪ :‬حيث رأيتني اليمموم فممي مثممل‬
‫تلك الساعة من كل جمعة‪ .‬فقالت له‪ :‬إما أن تنهض أنت وإما أن أنهض‬
‫أنا فقال لها‪ :‬انهضي في حفظ الله‪ .‬فنهضت نحمو القنطمرة ولمم يمكنمه‬
‫أتباعها لنها كانت تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم ل‪ .‬فلما تجمماوزت بمماب‬
‫القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة‪.‬‬
‫قال أبو عمرو‪ ،‬وهو يوسف بن هارون‪ :‬فوالله لقد لزمت باب العطارين‬
‫والربض من ذلك الوقت إلممى الن فممما وقعممت لهمما علممى خممبر ول أدري‬
‫أسماء لحستها أم أرض بلعتهما‪ ،‬وإن فمي قلمبي منهما لحمر ممن الجممر‪.‬‬
‫وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره‪.‬‬
‫ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سممر قسممطة فممي‬
‫قصة طويلة‪ .‬ومثل ذلك كثير‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر * فأرسل الدمع مقتصا ً من البصر‬
‫فكيف تبصر فعل الدمع منتصفا ً * منها بإغراقها في دمعها الدرر‬
‫لم ألقها قبل إبصاري فأعرفها * وآخر العهد منها ساعة النظر‬
‫والقسم الثاني مخالف للباب الذي يأتي بعممد هممذا البمماب إن شمماء اللممه‪،‬‬
‫وهو أن يعلق المرء من نظرة واحممدة جاريممة معروفممة السممم والمكممان‬
‫والمنشأ‪ ،‬ولكن التفاضل يقع في هذا في سممرعة الفنمماء وإبطممائه‪ ،‬فمممن‬
‫أحب من نظرة واحدة وأسرع العلقة من لمحة خاطرة فهو دليل علممى‬
‫قلة البصر‪ ،‬ومخبر بسرعة السلو‪ ،‬وشاهد الظرافة والملل‪ .‬وهكممذا فممي‬
‫جميع الشياء أسرعها نموا ً أسرعها فناء‪ .‬وأبطؤها حدوثا ً أبطؤها نفاذًا‪.‬‬
‫خبر‪ :‬إني لعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشممأة‪ ،‬عاليممة‬
‫المنصب‪ ،‬غليظة الحجاب‪ ،‬وهو مجتاز‪ ،‬ورأته في موضع تطلع منممه كممان‬
‫في منزلها‪ ،‬فعلقته وعلقها وتهاديمما المراسمملة زمانما ً علممى أرق مممن حممد‬
‫السيف‪ ،‬ولممول أنممي لممم أقصممد فممي رسممالتي هممذه كشممف الحيممل وذكممر‬
‫المكمممائد لوردت ممممما صمممح عنمممدي أشمممياء تحيمممر اللمممبيب وتمممدهش‬
‫العاقل‪،‬أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمنه‪ ،‬وكفانا‪.‬‬
‫الباب السادس‬
‫من ل يحب إل مع المطاولة‬

‫)‪(18‬‬

‫ومن الناس من ل تصح محبته إل بعد طول المخافتممة وكممثير المشمماهدة‬
‫مممر‬
‫وتمادي النس‪ ،‬وهذا الممذي يوشممك أن يممدوم ويثبممت ول يحيممك فيممه ُ‬
‫الليالي فما دخل عسيرا ً لم يخرج يسيرًا‪ ،‬وهممذا مممذهبي‪ .‬وقممد جمماء فممي‬
‫الثر أن الله عز وجل قال للروح حين أمممره أن يممدخل جسممد آدم‪ ،‬وهممو‬
‫دثناه عن شيوخنا‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫فخار‪ ،‬فهاب وجزع‪ :‬ادخل كرها ً واخرج كرهًا‪ُ .‬‬
‫ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء همموى أو‬
‫توجس مممن استحسممانه ميل ً إلممى بعممض الصممور اسممتعمل الهجممر وتممرك‬
‫اللمممام‪ ،‬لئل يزيممد ممما يجممد فيخممرج المممر عممن يممده‪ ،‬ويحممال بيممن العيممر‬
‫والنزوان‪ .‬وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصممفة‪ ،‬وأنممه إذا‬
‫تمكن منهم لن يرحل أبدًا‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫سأبعد عن دواعي الحب إني * رأيت الحزم من صفة الرشيد‬
‫رأيت الحب أوله التصدي * بعينك في أزاهير الخدود‬
‫فبينا أنت مغتبط مخلى * إذا ً قد صرت في حلق القيود‬
‫كمغتر بضحضاح قريب * فزل فغاب في غمر المدود‬
‫وإني لطيل العجب منكل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ول أكمماد‬
‫أصدقه ول أجعل حبه إل ضربا ً مممن الشممهوة‪ ،‬وأممما أن يكممون فممي ظنممي‬
‫متمكنا ً من صميم الفؤاد نافذا ً في حجمماب القلممب فممما أقممدر ذلممك‪ ،‬وممما‬
‫لصق بأحشائي حب قط إل مع الزمن الطويل وبعد ملزمة الشخص لي‬
‫دهرا ً وأخذي معه في كل جد وهزل‪ ،‬وكذلك أنا في السلو والتوقي‪ ،‬فما‬
‫نسيت ودا ً لي قط‪ ،‬وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصممني بالطعممام‬
‫ويشرقني بالماء‪ ،‬وقد استراح من لم تكن هذه صفته‪ .‬وما مللممت شمميئا ً‬
‫قط بعد معرفتي به‪ ،‬ول أسرعت إلى النس بشيء قط أول لقممائي لممه‪،‬‬
‫وما رغبت في الستبدال الى سبب من أسبابي مذ كنممت‪ ،‬ل أقممول فممي‬
‫اللف والخوان وحدهم‪ ،‬لكن في كل ما يستعمل النسان من ملبمموس‬
‫ومركوب ومطعوم وغير ذلك‪ ،‬وما انتفعت بعيممش ول فممارقني الطممراق‬
‫والنفلق مذ ذقت طعم فراق الحبة‪ ،‬وإنه لشجي يعتادني وولوع هم ما‬
‫ينفك يطرقني‪ ،‬ولقد نغص تذكري ما مضممى كممل عيممش أسممتأنفه‪ ،‬وإنممي‬
‫لقتيل الهموم في عداد الحيمماء‪ ،‬ودفيمن السممى بيمن أهمل الممدنيا‪ .‬واللمه‬
‫المحمود على كل حال ل إله إل هو‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫محبة صدق لم تكن بنت ساعة * ول وريث حين ارتياد زنادها‬
‫ولكن على مهل سرت وتولدت * بطول امتزاج فاستقر عمادها‬
‫فلم يدن منها عزمها وانتقاضها * ولم ينأ عنها مكثها وازديادها‬
‫يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة * تتم سريعا ً عن قريب معادها‬

‫)‪(19‬‬

‫ولكنني أرض عزاز صليبة * منيع إلى كل الغروس انقيادها‬
‫فما نفدت منها لديها عروقها * فليست تبالي أن تجود عهادها‬
‫ول يظن ظان ول يتوهم متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر في‬
‫صدر الرسالة‪ ،‬أن الحب اتصال بين النفوس في أصممل عالمهمما العلمموي‪،‬‬
‫بل هو مؤكد له‪ .‬فقد علمنا أن النفس في هذا العالم الدنى قد غمرتهمما‬
‫الحجممب‪ ،‬ولحقتهمما الغممراض‪ ،‬وأحمماطت بهمما الطبممائع الرضممية الكونيممة‪،‬‬
‫فسترت كثيرا ً مممن صممفاتها وإن كممانت لممم تحلممه‪ ،‬لكممن حممالت دونممه فل‬
‫يرجى التصال على الحقيقة إل بعد التهيؤ مممن النفممس والسممتعداد لممه‪،‬‬
‫وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها‪ ،‬ومقابلممة الطبممائع الممتي‬
‫خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب‪ ،‬فحينئذ يتصل اتصال ً صحيحا ً بل‬
‫مانع‪.‬‬
‫وأممما ممما يقممع مممن أول وهلممة ببعممض أعممراض الستحسممان الجسممدي‪،‬‬
‫واستطراف البصر الذي ل يجمماوز اللمموان‪ ،‬فهممذا سمّر الشممهوة ومعناهمما‬
‫على الحقيقة فإذا غلبمت الشمهوة وتجماوزت همذا الحمد ووافممق الفصمل‬
‫اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس يسمى عشقًا‪ .‬ومممن هنمما‬
‫دخل الخلط على من يزعم أن يحب اثنين ويعشق شخصممين متغممايرين‪،‬‬
‫فإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا آنفًا‪ ،‬وهممي علممى المجمماز تسمممى‬
‫محبة ل على التحقيممق‪ ،‬وأممما نفممس المحممب فممما فممي الميممل بممه فضممل‬
‫بصرفه من أسباب دينه ودنياه فكيف بالشمتغال بحممب ثمان‪ .‬وفممي ذلمك‬
‫أقول‪:‬‬
‫كذب المدعي هوى اثنين حتما * مثل ما في الصول أكذب ماني‬
‫ليس في القلب موضع لحبيبي * ن ول أحدث المور بثاني‬
‫فكما العقل واحد ليس يدري * خالقا ً غير واحد رحمان‬
‫فكذا القلب واحد ليس يهوى * غير فرد مباعد أو مدان‬
‫هو في شرعة المودة ذو شك بعيد من صحه اليمان‬
‫وكذا الدين واحد مستقيم * وكفور من عنده دينان‬
‫وإني لعرف فتى من أهممل الجممد والحسممب والدب كممان يبتمماع الجاريممة‬
‫وهي سالمة الصممدر مممن حبممه‪ ،‬وأكممثر مممن ذلممك كارهممة لممه لقلممة حلوة‬
‫شمائل كانت فيه‪ ،‬وقطمموب دائم كممان ل يفممارقه ول سمميما مممع النسمماء‪،‬‬
‫فكان ل يلبث إل يسيرا ً ريثما يصل إليها بالجماع ويعود ذلممك الكممره حبمما‬
‫مفرطا ً وكلفا ً زائدا ً واستهتارا ً مكشوفًا‪ ،‬ويتحول الضجر لصممحبته ضممجرا ً‬
‫لفراقه‪ .‬صحبه هذا المر في عدة منهن‪ .‬فقممال بعممض إخممواني‪ :‬فسممألته‬

‫)‪(20‬‬

‫عن ذلك فتبسم نحوي وقال‪ :‬إذا ً واللممه أخممبرك أنمما أبطممأ النمماس إنممزا ً‬
‫ل‪،‬‬
‫تقضي المرأة شهوتها وربما ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعممد‪ ،‬وممما‬
‫فترت بعدها قط‪ ،‬وإني لبقى بمنتي بعمد انقضمائها الحيمن الصمالح‪ .‬ومما‬
‫لقى صمدري صمدر اممرأة قمط عنمد الخلموة إل عنمد تعممدي المعانقمة‪،‬‬
‫وبحسب ارتفاع صدري نزول مؤخري‪.‬‬
‫فمثممل هممذا وشممبهه إذا وافممق أخلق النفممس ولممد المحبممة‪ ،‬إذا العضمماء‬
‫الحساسة مسالك النفوس ومؤديات نحوها‪.‬‬
‫الباب السابع‬
‫من أحب صفة‬
‫لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها‬
‫واعلم أعزك الله أن للحب حكما ً على النفوس ماضيًا‪ ،‬وسلطانا ً قاضمميًا‪،‬‬
‫وأمرا ً ل يخممالف‪ ،‬وحممدا ً ل يعصممى‪ ،‬وملكما ً ل يتعممدى‪ ،‬وطاعممة ل تصممرف‪،‬‬
‫ونفاذا ً ل يرد؛ وأنه ينقض المرر‪ ،‬ويحممل المممبرم‪ ،‬ويحلممل الجامممد‪ ،‬ويخممل‬
‫الثابت‪ ،‬ويحل الشغاف‪ ،‬ويحل الممنوع‪ ،‬ولقد شاهدت كثيرا ً مممن النمماس‬
‫ل يتهمون فممي تمييزهممم‪ ،‬ول يخمماف عليهممم سممقوط فممي معرفتهممم‪ ،‬ول‬
‫اختلل بحسن اختيارهم‪ ،‬ول تقصير في حدسهم‪ ،‬قد وصفوا أحبابمما ً لهممم‬
‫في بعممض صممفاتهم بممما ليممس بمستحسممن عنممد النمماس ول يرضممى فممي‬
‫الجمال‪ ،‬فصارت هجيراهم‪،‬وعرضة لهمموائهم‪ ،‬ومنتهممى استحسممانهم ثممم‬
‫مضمى أولئك إمما بسمملو أو بيممن أو هجممر أو بعممض عموارض الحممب‪ ،‬ومما‬
‫فارقهم استحسان تلك الصممفات ول بممان عنهممم تفضمميلها‪ ،‬علممى ممما هممو‬
‫أفضل منها في الخليقة‪ ،‬ول مالوا إلى سواها؛ بل صارت تلممك الصممفات‬
‫المستحبة عند الناس مهجورة عندهم وسمماقطة لممديهم إلممى أن فممارقوا‬
‫الممدنيا وانقضممت أعمممارهم‪ ،‬حنينمما منهممم إلممى مممن فقممدوه‪ ،‬وألفممة لمممن‬
‫صحبوه‪ .‬وما أقول إن ذلك كان تصنعا ً لكن طبعا ً حقيقيا ً واختيارا ً ل دخل‬
‫فيه‪ ،‬ول يرون سواه‪ ،‬ول يقولون في طي عقدهم بغيره‪ .‬وإنممي لعممرف‬
‫من كان في جيد حبيبه بعض الوقص فما استحسن أغيممد ول غيممداء بعممد‬
‫ذلك‪ .‬وأعرف من كان أول علقته بجممارة مائلممة إلممى القصممر فمما أحممب‬
‫طويلة بعد هذا‪ .‬وأعرف أيضا ً من هوى جارية في فمها فوه لطيف فلقد‬
‫كان يتقذر كل فم صغير ويذمه ويكرهه الكراهية الصممحيحة‪ .‬وممما أصممف‬
‫عن منقوصي الحظوظ في العلم والدب لكن عن أوفممر النمماس قسممطا ً‬
‫في الدراك‪ ،‬وأحقهم باسم الفهم والدراية‪.‬‬
‫وعني أخممبرك أنممي أحببممت فممي صممباي جاريممة لممي شممقراء الشممعر فممما‬
‫استحسنت من ذلك الوقت سمموداء الشممعر‪ ،‬ولممو أنممه علممى الشمممس أو‬
‫على صورة الحسن نفسه وإني لجد هممذا فممي أصممل تركيممبي مممن ذلممك‬

‫)‪(21‬‬

‫الوقت‪ ،‬ل تؤاتيني نفسي على سواه ول تحب غيره البتة‪ ،‬وهذا العممارض‬
‫بعينه عرض لبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله‪.‬‬
‫وأما جماعة خلفاء بنممي مممروان ‪ -‬رحمهممم اللممه ‪ -‬ول سمميم ولممد الناصممر‬
‫منهم‪ ،‬فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة‪ ،‬ل يختلف فممي ذلممك منهممم‬
‫مختلف‪ .‬وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة الناصر إلى الن فما‬
‫منهم إل أشقر نزاعا ً إلى أمهاتهم‪ ،‬حتى قد صار ذلك فيهم خلقة‪ ،‬حاشى‬
‫سليمان الظافر رحمه الله‪ ،‬فإني رأيته أسود اللمة واللحية‪.‬‬
‫وأما الناصر والحكم والمستنصر رضي الله عنهما فحممدثني المموزير أبممي‬
‫رحمه الله وغيره أنهممما كانمما أشممقرين أشممهلين‪ ،‬وكممذلك هشممام المؤيممد‬
‫ومحمد المهدي وعبد الرحمن المرتضى رحمهم الله‪ ،‬فممإني قممد رأيتهممم‬
‫مرارا ً ودخلممت عليهممم فرأيتهممم شممقرا ً شممه ً‬
‫ل‪ ،‬وهكممذا أولدهممم وأخمموتهم‬
‫وجميع أقاربهم‪ ،‬فل أدري أذلك استحسان مركب في جميعهم أم لرواية‬
‫كانت عند أسلفهم في ذلك فجروا عليهمما‪ .‬وهممذا ظمماهر فممي شممعر عبممد‬
‫الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن أمير المممؤمنين الناصممر‬
‫وهو المعروف بالطليق‪ ،‬وكان أشعر أهممل النممدلس فممي زمممانهم وأكممثر‬
‫تغزله فبالشقر‪ ،‬وقد رايته وجالسته‪.‬‬
‫وليس العجب فيمن أحب قبيحا ً ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقممد وقممع‬
‫من ذلك‪ ،‬ول فيمن طلع مذ كان على تفضيل الدنى‪ ،‬ولكممن فيمممن كممان‬
‫ينظر بعين الحقيقة ثم غلممب عليممه همموى عممارض بعممد طممول بقممائه فممي‬
‫الجماعة فأحاله عما عهدته نفسه حوالة صارت له طبعًا‪ :‬وذهممب طبعممه‬
‫الول وهو يعرف فضل ما كان عليه أو ً‬
‫ل‪ .‬فممإذا رجممع إلممى نفسممه وجممدها‬
‫تأبى إلى الدنى فأعجب لهذا التغلممب الشممديد والتسمملط العظيممم‪ ،‬وهممو‬
‫أصدق المحبة حقًا‪ ،‬ل من يتحلى بشيم قوم ليس منه‪ ،‬ويدعي غريممزة ل‬
‫تقبله فيزعم أنه يتخير من يحب‪ ،‬أما لممو شممغل الحممب بصمميرته‪ ،‬وأطمماح‬
‫فكرته‪ ،‬وأجحف بتمييزه‪ ،‬لحال بينممه وبيممن التخيممل والرتيمماد‪ .‬وفممي ذلممك‬
‫أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫منهم فتى كان في محبوبه وقص * كأنما الغيد في عينيه جنان‬
‫وكان منبسطا ً في فضل خبرته * بحجة حقها في القول تبيان‬
‫إن المها وبها المثال سائرة * ل ينكر الحسن فيه الدهر إنسان‬
‫وقص فليس بها عنقاء واحدة * وهل تزان بطول الجيد بعران‬
‫وآخر كان في محبوبه قوة * يقول حسي في الفواه غزلن‬
‫وثالث كان في محبوبه قصر * يقول إن ذوات الطول غيلن‬

‫)‪(22‬‬

‫وأقول أيضًا‪:‬‬
‫يعيبونها عندي بشقرة شعرها * فقلت لهم هذا الذي زانها عندي‬
‫يعيبون لون النور والتبر ضلة * لرأى جهول في الغواية ممتد‬
‫وهل عاب لون النرجس الغض عائب * ولون النجوم الزاهرات على‬
‫البعد‬
‫وأبعد خلق الله من كل حكمة * مفضل جرم فاحم اللون مسود‬
‫به وصفت ألوان أهل جهنم * ولبسة باك مثكل الهل محتد‬
‫ومذ لحت الرايات سواد تيقنت * نفوس الورى أن لسبيل إلى الرشد‬
‫الباب الثامن‬
‫التعريض بالقول * )‪(36‬‬
‫ول بد لكل مطلوب من مدخل إليه‪ ،‬وسبب يتوصل به نحوه فلممم ينفممرد‬
‫بالختراع دون واسمطة إل العليمم الول جمل ثنماؤه‪ .‬فمأول مما يسمتعمل‬
‫طلب أوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلممى أحبتهممم التعريممض‬
‫بالقول‪ ،‬إما بإنشاد شعر‪ ،‬أوبإرسأ ومثل‪ ،‬أو تعمية بيت‪ ،‬أو طرح لغممز‪ ،‬أو‬
‫تسليط كلم وللناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم‪ ،‬وعلى حسب‬
‫مايرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلدة‪ .‬وإني لعرف من‬
‫ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها‪ .‬فهذا وشبهه يبتدئ به‬
‫الطالب للمودة‪ ،‬فإن رأى أنسا وتسهيل ً زاد‪ ،‬وإن يعمماين شمميئا ً مممن هممذه‬
‫المور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا‪ ،‬أو إيراده لبعض المعاني التي‬
‫حددنا‪ ،‬فانتظاره الجواب‪ ،‬إما بلفظ أو بهيئة المموجه والحركممات‪ ،‬لموقممف‬
‫بين أرجاء واليأس هائل‪ ،‬وإن كان حينا ً قصيرًا‪ ،‬ولكنه إشراف على بلموغ‬
‫المل أو انقطاعه‪.‬‬
‫ومن التعريض بممالقول‪ :‬جنممس ثمان‪ ،‬ول يكممون إل بعممد التفمماق ومعرفممة‬
‫المحبة مممن المحبمموب‪ ،‬فحينئذ يقممع التشممكي وعقممد المواعيممد والتغريممر‬
‫وأحكم المودات بمالتعريض‪ ،‬وبكلم يظهمر لسمامعه منمه معنمى غيمر مما‬
‫يذهبان إليه‪ ،‬فيجيب السامع عنه بجممواب غيممر ممما يتممأدى إلممى المقصممود‬
‫بالكلم‪ ،‬على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى وهمممه‪ ،‬وقممد فهممم‬
‫كل واحد منهما عن صاحبه وأجابه بما ل يفهمه غيرهما إل من أيد بحس‬
‫نافذ‪ ،‬وأعين بذكاء‪ ،‬وأمد بتجربة‪ ،‬ول سيما إن أحس من معانيهما بشيء‬
‫وقلما يغيب عن المتوسم المجيد‪ ،‬فهنالك ل خفاء عليه فيما يريدان‪.‬‬
‫وأنا أعرف فتى وجارية كانمما يتحابممان‪ ،‬فأرادهمما فممي بعممض وصمملها علممى‬
‫بعض مال يجمل‪ .‬فقالت‪ :‬واللممه لشممكونك فممي المل علنيممة ولفضممحنك‬

‫)‪(23‬‬

‫فضيحة مستورة‪ .‬فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكممابر‬
‫الملوك وأركان الدولة وأجل رجال الخلفة‪ ،‬وفيه ممن يتوقى أمره مممن‬
‫النساء والخدم عدد كثير‪ ،‬وفي جملة الحاضرين ذلممك الفممتى‪ ،‬لنممه كممان‬
‫بسبب من الرئيس‪ ،‬وفي المجلس مغنيات غيرها فلما انتهى الغناء إليها‬
‫سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫غزال قد حكى بدر التمام * كشمس قد تجلت من غمام‬
‫سبى قلبي بألحاظ مراض * وقد الغصن في حسن القوام‬
‫خضعت خضوع صب مستكين * له وذللت ذلة مستهام‬
‫فصلني يا فديتك في حلل * فما أهوى وصال ً في حرام‬
‫وعلمت أنا هذا المر فقلت‪:‬‬
‫عتاب واقع وشكاة ظلم * أتت من ظالم حكم وخصم‬
‫تشكت ما بها لم يدر خلق * سوى المشكو ما كانت تسمى‬
‫الباب التاسع‬
‫الشارة بالعين‬
‫ثم يتلو التعريض بممالقبول‪ ،‬إذا وقممع القبممول والموافقممة‪ ،‬الشممارة بلحممظ‬
‫العيممن وإنممه ليقمموم فممي هممذا المعنممى المقممام المحمممود‪ ،‬ويبلممغ المبلممغ‬
‫العجيممب‪ ،‬ويقطممع بمه ويتواصممل‪ ،‬ويوعممد ويهممدد‪ ،‬وينتهممر ويبسممط ويمؤمر‬
‫وينهي‪ ،‬وتضرب به الوعود‪ ،‬وينبه على الرقيب‪ ،‬ويضحك ويحزن‪ ،‬ويسأل‬
‫ويجاب‪ ،‬ويمنع ويعطي‪.‬‬
‫ولكل واحد مممن هممذه المعمماني ضممرب مممن هيئة اللحممظ ل يوقممف علممى‬
‫تحديده إل بالرؤيممة‪ ،‬ول يمكممن تصممويره ول وصممفه إل بالقممل منممه‪ .‬وأنمما‬
‫واصف ما تيسر من هذه المعاني‪ :‬فالشارة بمؤخر العين الواحممدة نهممى‬
‫عن المممر‪ ،‬وتفتيرهمما إعلم بممالقبول وإدامممة نظرهمما دليممل علممى التوجممع‬
‫والسف‪ ،‬وكسر نظرها آية الفرح‪.‬‬
‫والشارة إلى إطباقها دليل على التهديد‪ ،‬وقلب الحدقة إلى جهة ممما ثممم‬
‫صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه‪.‬‬
‫والشارة الخفية بمؤخر العينين كلتاهما سؤال‪ ،‬وقلب الحدقة من وسط‬
‫العين إلى الموق بسممرعة شمماهد المنممع‪ ،‬وترعيممد الحممدقتين مممن وسممط‬
‫العينين نهي عام‪ .‬وسائر ذلك ل يدرك إل بالمشاهدة‪.‬‬

‫)‪(24‬‬

‫وأعلم أن العين تنوب عن الرسل‪ ،‬ويدرك بهمما المممراد والحممواس الربممع‬
‫أبواب إلممى القلممب ومنافممذ نحممو النفممس‪ ،‬والعيممن أبلغهمما وأصممحها دللممة‬
‫وأوعاها عمل ً وهي رائد النفس الصادق ودليلها الهادي ومرآتها المجلمموة‬
‫التي بها تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهممم المحسوسممات‪ .‬وقممد‬
‫قيل ليس المخبر كالمعمماين وقممد ذكممر ذلممك افليمممون صماحب الفراسممة‬
‫وجعلها معتمدة في الحكم وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لقممى‬
‫شعاعها شعاعا ً مجلمموا ً صممافيًا‪ ،‬إممما حديممدا ً مفصممول ً أو زجاجما ً أو ممماء أو‬
‫بعض الحجارة الصافية أو سائر الشياء المجلوة البراقممة ذوات الرفيممف‬
‫والبصيص واللمعان‪ ،‬يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كممدر‪،‬‬
‫انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه وما زاها عيانًا‪ .‬وهو الذي ترى فممي‬
‫المرآة‪ ،‬فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك‪ .‬ودليممل عيمماني علممى هممذا‬
‫أنك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف رأسممك والثانيممة‬
‫بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليل ً حتى يلتقيان بالمقابلممة‪ ،‬فإنممك تممرى‬
‫قفاك وكل ما وراءك‪ .‬وذلك لنعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة الممتي‬
‫خلفك‪ ،‬إذ لم تجد منفذا ً في الممتي بيممن يممديك‪ ،‬ولممما لممم يجممد وراء هممذه‬
‫الثانية منفذا ً انصرف إلممى مما قممابله ممن الجسمم‪ .‬وإن صمالح غلم أبممي‬
‫إسحاق النظام خالف في الدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحممد‬
‫ولو لم يكن من فضل العين إل أن جوهرها أرفع الجواهر وأعلها مكانًا‪،‬‬
‫لنها نورية لتدرك اللوان بسواها‪ ،‬ول شيء أبعد مرمممى ول أنممأى غايممة‬
‫منها‪ ،‬لنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الفلك البعيدة‪ ،‬وترى بهمما‬
‫السماء على شدة ارتفاعها وبعدها‪ ،‬وليممس ذلممك إل لتصممالها فممي طبممع‬
‫خلقتها بهذه المممرآة‪ ،‬فهممي تممدركها وتصممل إليهمما بممالنظر‪ ،‬ل علممى قطممع‬
‫الماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات‪ ،‬وليس هممذا لشمميء مممن‬
‫الحواس مثل الذوق واللمس ل يدركان إل بالمجاورة‪ ،‬والسمع والشم ل‬
‫يمدركان إل ممن قريمب‪ .‬ودليمل علمى مما ذكرنماه ممن النظمر أنمك تمرى‬
‫المصمموت قبممل سممماع الصمموت‪ ،‬وإن تعمممدت إدراكهممما مع مًا‪ .‬وإن كممان‬
‫إدراكهما واحدا ً لما تقدمت العين السمع‪.‬‬
‫الباب العاشر‬
‫المراسلة‬
‫ثم يتلو ذلك إذا امتزجا المراسلة بالكتب‪ .‬وللكتب آيات‪ .‬ولقد رأيت أهل‬
‫هذا الشأن يبادرون لقطع الكتب وبحلها في الممماء وبمحممو أثرهمما‪ ،‬فممرب‬
‫فضيحة كانت بسبب كتاب‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫عزيز على اليوم قطع كتابكم * ولكنه لم يلف للود قاطع‬
‫فآثرت أن يبقى وداد ٌ وينمحي * مداد فإن الفرع للصل تابع‬

‫)‪(25‬‬

‫فكم من كتاب فيه ميتة ربه * ولم يدره إذ نمقته الصابع‬
‫وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الشكال‪ ،‬وجنسه أملممح الجنمماس‪.‬‬
‫ولعمري إن الكتاب للسان في بعض الحايين‪ ،‬إما لحص مرٍ فممي النسممان‬
‫وإما لحياء وإما لهيبة‪ .‬نعم‪ ،‬حتى إن لوصول الكتاب إلى المحبوب وعلم‬
‫المحب أنه قد وقع بيمده ورآه للمذة يجمدها المحمب عجيبمة تقموم مقمام‬
‫الرؤية‪ ،‬وإن لرد الجواب والنظر إليه سرورا ً يعدل اللقاء‪ ،‬ولهذا ما تممرى‬
‫العاشق يضع الكتاب علمى عينيممه وقلبممه ويعممانقه‪ .‬ولعهممدي ببعمض أهممل‬
‫المحبة‪ ،‬مممن كمان يمدري مما يقمول ويحسمن الوصمف ويعمبر عمما فمي‬
‫ضميره بلسانه عبارة جيدة ويجيد النظممر ويممدقق فممي الحقممائق‪ ،‬ل يممدع‬
‫المراسلة وهو ممكن الوصل قريب الدار آتى المزار‪ ،‬ويحكممي أنهمما مممن‬
‫وجوه اللذة‪ .‬ولقد أخبرت عممن بغممض السممقاط الوضممعاء أنممه كممان يضممع‬
‫كتاب محبوبه على إحليله‪ .‬وإن هذا النوع من الغتلم قبيح وضممرب مممن‬
‫الشبق فاحش‪.‬‬
‫وأما سقي الحبر بالدمع فأعرف من كان يفعل ذلك ويقارضممه محبمموبه‪،‬‬
‫يسقي الحبر بالريق‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫جواب أتاني عن كتاب بعثته * فسكن مهتاجا ً وهيج ساكنا ً‬
‫سقيت بدمع العين لما كتبته * فعال محب ليس في الود خائنا ً‬
‫فما زال ماء العين يمحو سطوره * فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا‬
‫غدا بدموعي أول الحظ بيننا * وأضحى بدمعي آخر الحظ بائنا‬
‫خبر‪ :‬ولقد رأيت كتاب المحب إلى محبوبه‪ ،‬وقد قطع فممي يممده بسممكين‬
‫له فسال الدم واستمد منه وكتب به الكتاب أجمع‪ .‬ولقممد رأيممت الكتمماب‬
‫بعد جفوفه فما شككت أنه لصبغ اللك‪.‬‬
‫الباب الحادي عشر‬
‫السفير‬
‫ويقع في الحب بعممد هممذا‪ ،‬بعممد حلممول الثقممة وتمممام السممتئناس‪ ،‬إدخممال‬
‫السفير‪ .‬ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه‪ ،‬فهممو دليممل عقممل‬
‫المرء‪ ،‬وبيده حياته وموته‪ ،‬وستره وفضيحته بعد الله تعالى‪ .‬فينبغممي أن‬
‫يكون الرسول ذا هيئة‪ ،‬حاذقا ً يكتفي بالشارة‪ ،‬وبقرطممس عممن الغممائب‪،‬‬
‫ويحسن من ذات نفسه ويضع من عقلممه ممما أغفلممه بمماعثه‪ ،‬ويممؤدي إلممى‬
‫الذي أرسله كل ما يشاهد على وجهه كأنما كان للسرار حافظًا‪ ،‬وللعهد‬
‫وفيًا‪ ،‬قنوعا ً ناصحًا‪ .‬ومن تعدى هممذه الصممفات كممان ضممرره علممى بمماعثه‬
‫بمقدار ما نقصه منها‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬

‫)‪(26‬‬

‫رسولك سيف في يمينك فاستجد * حساما ً ول تضرب به قبل صقله‬
‫فمن يك ذا سيف كهام فضره * يعود على المعنى منه بجهله‬
‫وأكثر ما يستعمل المحبون في إرسالهم إلى مممن يحبممونه‪ ،‬إممما خممامل ً ل‬
‫يؤبه له ول يهتدي للتحفظ منه‪ ،‬لصباه أو لهيئة رثة أو بدادة في طلعته‪.‬‬
‫وإما جليل ً ل تلحقه الظنن لنسك يظهره أو لسن عالية قد بلغها‪.‬‬
‫وما أكثر هذا في النسمماء ول سمميما ذوات العكمماكيز والتسممابيح والثمموبين‬
‫الحمريممن وإنممي لذكممر بقرطبممة التحممذير للنسمماء المحممدثات مممن هممذه‬
‫الصفات حيثما رأيتها‪.‬‬
‫أو ذرات صممناعة يقممرب بهمما مممن الشممخاص‪ .‬فمممن النسمماء كالطبيبممة‬
‫والحجامممة والسمراقة والدللممة والماشممطة والنائحمة والمغنيمة والكاهنمة‬
‫والمعلمة والمستخفة والصناع في المغزل والنسيج‪ ،‬وما أشبه ذلك‪.‬‬
‫أو ذا قرابة من المرسل إليه ل يشح بهمما عليممه‪ .‬فكممم منيممع سممهل بهممذه‬
‫الوصاف‪ ،‬وعسير يسر‪ ،‬وبعيد قرب‪ .‬وجممموح أنممس‪ ،‬وكممم داهيممة دهممت‬
‫الحجب المصممونة‪ ،‬والسممتار الكممثيف‪ ،‬والمقاصممير المحروسممة‪ ،‬والسممدد‬
‫المضبوطة‪ ،‬لرباب هممذه النعمموت‪ .‬ولمول أن أنبممه عليهمما لمذكرتها‪ ،‬ولكممن‬
‫لقطع النظر فيها وقلممة الثقممة بكممل واحممد‪ .‬والسممعيد مممن وعممظ بغيممره‪.‬‬
‫وبالضد تتميز الشياء‪ .‬أسبل الله علينا وعلممى جميممع المسمملمين سممتره‪،‬‬
‫ول أزال عن الجميع ظل العافية‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وإنممي لعممرف مممن كممانت الرسممول بينهممما حمامممة مؤدبممة‪ ،‬ويعقممد‬
‫الكتاب في جناحها‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫تخيرها نوح فما خاب ظنه * لديها وجاءت نحوه بالبشائر‬
‫سأودعها كتبي إليك فهاكها * رسائل تهدي في قوادم طائر‬
‫الباب الثاني عشر‬
‫طي السر‬
‫ومن بعض صفات الحب الكتمممان باللسممان‪ ،‬وجحممود المحممب إن سممئل‪،‬‬
‫والتصنع بإظهار الصبر‪ ،‬وأن يرى أنه عز هاة خلى‪ .‬ويأبى السر الممدقيق‪،‬‬
‫ونار الكلف المتأججممة فممي الضمملوع‪ ،‬إل ظهممورا ً فممي الحركممات والعيممن‪،‬‬
‫ودبيبا ً كممدبيب النممار فممي الفحممم والممماء فممي يممبيس المممدر‪ .‬وقممد يمكممن‬
‫التمويه في أول المر على غير ذي الحس اللطيف‪ ،‬وأما بعد استحكامه‬
‫فمحال‪ ،‬وربما يكون السبب في الكتمان تصاون المحممب عممن أن يسممم‬
‫نفسه بهذه السمة عند الناس‪ ،‬لنها بزعمممه مممن صممفات أهممل البطالممة‪،‬‬

‫)‪(27‬‬

‫فيفر منها ويتفادى‪ ،‬وما هذا وجه التصحيح‪ ،‬فبحسب المممرء المسمملم أن‬
‫يعف عن محارم الله عز وجل التي يأتيها باختياره ويحاسممب عليهمما يمموم‬
‫القيامة‪ .‬وأما استحسان الحسن وتمكن الحب فطبع ل يؤمر به ول ينهى‬
‫عنه‪ ،‬إذ القلوب بيد مقلبها‪ ،‬ول يلزمه غير المعرفة والنظر في فممرق ممما‬
‫بين الخطأ والصواب وأن يعتقد الصحيح بمماليقين‪ .‬وأممما المحبممة فخلقممة‪،‬‬
‫وإنما يملك النسان حركات جوارحه المكتسبة‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى * وسيان عندي فيك ل ح وساكت‬
‫يقولون جانبت التصاون جملة * وأنت عليهم بالشريعة قانت‬
‫فقلت لهم هذا الرياء بعينه * صراحا ً وزي للمرائين ماقت‬
‫متى جاء تحريم الهوى عن محمد * وهل منعه في محكم الذكر ثابت‬
‫إذا لم أواقع محرما ً أتقى به * محبي يوم البعث والوجه باهت‬
‫فلست أبالي في الهوى قول لئم * سواء لعمري جاهر أو مخافت‬
‫وهل يلزم النسان إل اختياره * وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامت‬
‫خبر‪ :‬وإني لعرف بعض من امتحن بشيء من هممذا فسممكن الوجممد بيممن‬
‫جوانحه‪ ،‬فرام جحده إلى أن غلظ المر‪ ،‬وعرف ذلممك فمي شممائله ممن‬
‫تعرض للمعرفة ومن لممم يتعممرض‪ .‬وكممان مممن عممرض لممه بشمميء نجهممه‬
‫وقبحه‪ .‬إلى أن كان من أراد الحظوة لديه مممن إخمموانه يمموهمه تصممديقه‬
‫في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك‪ ،‬فسر بهممذا‪ .‬ولعهممدي بممه يوم ما ً‬
‫قاعدا ً ومعه بعض من كان يعرض له بما في ضميره‪ ،‬وهممو ينتفممي غايممة‬
‫النتفاء‪ ،‬إذ اجتاز بهما الشخص الذي كان يتهممم بعلقتممه‪ ،‬فممما هممو إل أن‬
‫وقعت عينه على محبوبه حممتى اضممطرب وفممارق هيئتممه الولممى واصممفر‬
‫لونه وتفاوتت معاني كلمممه بعممد حسممن تثقيممف‪ ،‬فقطممع كلمممه المتكلممم‬
‫معه‪ .‬فلقد استدعى ما كان فيه من ذكره‪ .‬فقيل لممه‪ :‬ممما عممدا عممما بممدا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬هو ما تظنون‪ ،‬عذر من عذر‪ ،‬وعذل من عممذل‪ .‬ففممي ذلممك أقممول‬
‫شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ما عاش إل لن الموت يرحمه * مما يرى من تباريح الضنى فيه‬
‫وأنا أقول‪:‬‬
‫دموع الصب تنسفك * وسائر الصب ينتهك‬
‫كأن القلب إذ يبدو * قطاة ضمها شرك‬
‫فيا أصحابنا قولوا * فإن الرأي مشترك‬
‫إلى كم ذا أكاتمه * وما لي عنه مترك‬

‫)‪(28‬‬

‫وهذا إنما يعرض عند مقاومممة طبممع الكتمممان‪ ،‬والتصمماون لطبممع المحممب‬
‫وغلبته‪ ،‬فيكون صاحبه متحيرا ً بيمن نمارين محرقمتين‪ .‬وربمما كمان سمبب‬
‫الكتمان إبقاء المحب على محبمموبه‪ ،‬وإن هممذا لمممن دلئل الوفمماء وكممرم‬
‫الطبع‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫درى الناس أني فتى عاشق * كئيب معنى ولكن بمن‬
‫إذا عاينوا حالتي أيقنوا * وإن فتشوا رجعوا في الظنن‬
‫كخط يرى رسمه ظاهرا ً * وإن طلبوا شرحه لم يبن‬
‫كصوت حمام على أيكة * يرجع بالصوت في كل فن‬
‫تلذ بفحواه أسماعنا * ومعناه مستعجم لم يبن‬
‫يقولون بلله سم الذي * نفى حبه عنك طيب الوسن‬
‫وهيهات دون الذي حاولوا * ذهاب العقول وخوض الفتن‬
‫فهم أبدا ً في اختلج الشكوك * بظن كقطع وقطع كظن‬
‫وفي كتمان السر أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫للسر عندي مكان لو يحل به * حى إذا ً ل اهتدى ريب المنون له‬
‫أميته وحياة السر ميتته * كما سرور المعنى في الهوى الوله‬
‫وربما كان سبب الكتمان توقي المحب علممى نفسممه مممن إظهممار سممره‪،‬‬
‫لجللة قدر المحبوب‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد قال بعض الشعراء بقرطبة شعرا ً تغزل فيه بصبح أم المؤيممد‬
‫رحمه الله‪ .‬فغنت به جارية أدخلت على المنصور محمد بممن أبممي عممامر‬
‫ليبتاعها‪ ،‬فأمر بقتلها‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وعلى مثل هذا قتل أحمد بن مغيممث‪ .‬واستئصممال آل مغيممث والتسممجيل‬
‫عليهم أل يستخدم بواحد منهم أبدا ً حممتى كممان سممببا ً لهلكهممم وانقممراض‬
‫بيتهم فلم يبق منهم إل الشريد الضال‪ .‬وكان سبب ذلممك تغزلممه بإحممدى‬
‫بنات الخلفاء ومثل هذا كثير‪.‬‬
‫ويحكى عن الحسن بن هانئ أنه كممان مغرم ما ً بحممب محمممد بممن خممارون‬
‫المعروف بابن زبيدة‪ .‬وأحس منه ببعض ذلك فانتهره‪ ،‬على إدامة النظر‬
‫إليه‪ .‬فذكر عنه أنه قال إنه كان ل يقدر أن يديم النظر إليه إل مممع غلبممة‬
‫السكر على محمد‪ .‬وربما كان سبب الكتمان أل ينفر المحبمموب أو ينفممر‬
‫به‪ .‬فإني أدري من كان محبوبة له سكنا ً وجليسًا‪ ،‬لوباح بأقل سبب مممن‬
‫أنه يهواه لكان منممه منمماط الثريمما قممد تعلممت نجومهمما‪ .‬وهممذا ضممرب مممن‬
‫السياسة‪ ،‬ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فمموق‬

‫)‪(29‬‬

‫الغابة وأبعد النهاية‪ ،‬فما هو إل أن باح إليه بما يجممد فصممار ل يصممل إلممى‬
‫التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد‪ ،‬وذهب ذلك‬
‫النبساط ووقع التصنع والتجنمي‪ ،‬فكمان أخما ً فصمار عبمدًا‪ ،‬ونظيمرا ً فعماد‬
‫أسيرًا‪ ،‬ولو زاد في بوحه شيئا ً إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه‬
‫إل في الطيف‪ ،‬ول نقطع القليل والكثير‪ ،‬ولعاد عليه بالضرر‪.‬‬
‫وربما كان من أسباب الكتمان الحياء الغالب على النسان‪ ،‬وربممما كممان‬
‫من أسباب الكتمان أن يرى المحب من محبوبه انحرافا ً وصدا ً ويكون ذا‬
‫نفس أبية‪ ،‬فيستتر بما يجد لئل يشمممت بممه عممدو‪ ،‬أو يريهممم ومممن يحممب‬
‫هوان ذلك عليه‪.‬‬
‫الباب الثالث عشر‬
‫الذاعة‬
‫وقد تعرض في الحب الذاعة‪ ،‬وهو منكر ما يحممدث مممن أعراضممه‪ ،‬ولهمما‬
‫أسباب‪ ،‬منها‪ :‬أن يريد صاحب هذا الفعل أن يتزيا بزي المحممبين ويممدخل‬
‫في عدادهم‪ ،‬وهذه خلفة ل ترضى‪ ،‬وتخليج بغيض‪ ،‬ودعمموى فممي الحممب‬
‫زائفة‪.‬‬
‫وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسممور الجهممر علممى الحيمماء‪.‬‬
‫فل يملك النسان حينئذ لنفسه صممرفا ً ول عممد ً‬
‫ل‪ .‬وهممذا مممن أبعممد غايممات‬
‫العشق وأقوى تحكمه على العقل‪ ،‬حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح‪،‬‬
‫والقبيح في هيئة الحسن‪ .‬وهنالك يرى الخيممر شممرًا‪ ،‬والشممر خيممرًا‪ .‬وكممم‬
‫مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطمماء قممد كشممف الحممب سممتره‪،‬‬
‫وأباح حريمه‪ ،‬وأهمل حماه فصار بعد الصيانة علمًا‪ ،‬وبعد السممكون مث ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبممل اليمموم لعممتراه النممافض‬
‫عن ذكره‪ ،‬ولطالت استعاذته منه‪ .‬فسهل ما كان وعممرًا‪ ،‬وهممان ممما كممان‬
‫عزيزًا‪ ،‬ولن ما كان شديدًا‪.‬‬
‫ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهى بمحبممة جاريممة‬
‫مقصورة هام بها وقطعه حبها عممن كممثير مممن مصممالحه‪ ،‬وظهممرت آيممات‬
‫هواء لكل ذي بصر‪ ،‬إلى أن كانت هي تعذله على ماظهر منه مما يقوده‬
‫إليه هواه‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال‪ :‬كنت بين يدي أبي الفتممح‬
‫والدي رحمه الله وقد أمرني بكتاب أكتبه إذ لمحممت عينممي جاريممة كنممت‬
‫أكلف بها‪ ،‬فلم أملك نفسي ورميمت الكتماب عمن يمدي وبمادرت نحوهما‪.‬‬
‫وبهت أبي وظن أنه عممرض لممي عممارض‪ .‬ثممم راجعنممي عقلممي فمسممحت‬
‫وجهي ثم عدت واعتذرت بأنه غلبني الرعاف‪.‬‬

‫)‪(30‬‬

‫وأعلم أن هذا داعية نفار المحبمموب‪ ،‬وفسمماد فممي التممدبير‪ ،‬وضممعف فممي‬
‫السياسة وما شيء ممن الشمياء إل وللمأخمذ فيمه سمنة وطريقمة‪ ،‬ممتى‬
‫تعداها الطالب‪ ،‬أو خرق في سمملوكها انعكممس عملممه عليممه‪ ،‬وكممان كممده‬
‫عناء‪ .‬وتعبه هباء‪ ،‬وبحثه وباء‪ .‬وكلما زاد عن وجه السمميرة انحرافما ً وفممي‬
‫تجنبها إغراقا ً وفي غير الطريق إيغال ازداد عن بلوغ مممراده بعممدًا‪ .‬وفممي‬
‫ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ول تسع في المر الجسيم تهازءا ً * ول تسع جهرا ً في اليسير تريده‬
‫وقابل أفانين الزمان متى يرد * عليك فإن الدهر جم وروده‬
‫فأشكالها من حسن سعيك يكفك ال * يسير بغير والشريد شريده‬
‫ألم تبصر المصباح أول وقده * وإشعاله بالنفخ يلطفا وقوده‬
‫وإن يتصرم لفحه ولهيبه * فنفخك يذكيه وتبدو مدوده‬
‫خبر‪:‬‬
‫وإني لعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة مممن اسمممه‬
‫أحمد بن فتح‪ ،‬كنت أعهده كثير التصاون‪ ،‬من بغمماة العلممم وطلب الدب‬
‫يبز أصحابه في النقباض‪ ،‬ويفمموتهم فممي الدعممة‪ ،‬ل ينظممر إل فممي حلقممة‬
‫فضل‪ ،‬ول يرى إل في محفل مرضى‪ ،‬محمود المذاهب‪ ،‬جميل الطريقة‪،‬‬
‫بائنا ً بنفسه‪ ،‬زاهيا ً بها ثم أبعدت القدار داري من داره‪ ،‬فأول خممبر طممرأ‬
‫علي بعد نزولي شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبنمماء الفتممانين‬
‫يسمى إبراهيم بن أحمد أعرفه‪ ،‬ل تستأهل صفاته محبممة مممن بيتممه خيممر‬
‫وتقدم؛ وأموال عريضة ووفر تالد‪ ،‬وصح عندي أنه كشمف رأسممه وأبممدى‬
‫وجهممه ورمممى رسممنه وحسممر محيمماه وشمممر عممن ذراعيممه وصمممد صمممد‬
‫الشهوة‪ ،‬فصار حديثا ً للسمار ومدافعا ً بين نقلممة الخبممار‪ ،‬وتهممودى ذكممره‬
‫في القطار‪ ،‬وجرت نقلته في الرض راحلة بالتعجب‪ ،‬ولممم يحصممل مممن‬
‫ذلممك إل علممى كشممف الغطمماء‪ ،‬وإذاعممة السممر‪ ،‬وشممنعة الحممديث‪ .‬وفتممح‬
‫الحدوثة وشرود محبوبه عنه جملممة‪ .‬والتحظيممر عليممه مممن رؤيتممه ألبتممة‪،‬‬
‫وكان غنيا ً عن ذلك وبمنممدوحه ومعممزل رحممب عنممه‪ .‬ولممو طمموى مكنممون‬
‫سره‪ ،‬وأخفممى بليممات ضممميره لسممتدام لبمماس العافيممة‪ :‬ولممم ينهممج بممرد‬
‫الصيانة؛ ولكان له في لقاء من بلى بممه ومحممادثته ومجالسممته أمممل مممن‬
‫المال؛ وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع به‪ ،‬والحجة عليممه قائمممة؛ إل‬
‫أن يكون مختلطا ً في تمييزه؛ أو مصابا ً في عقله بحليل ما فدحه‪ .‬فربما‬
‫آل ذلك لعذر صحيح‪ ،‬وأما إن كانت بقية من عقل أو ثبتممت مسممكه فهممو‬
‫ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى بممه‪ .‬هممذا غيممر صممفة‬
‫أهل الحب؛ وسيأتي هذا مفسرا ً في باب الطاعة إن شاء الله تعالى‪.‬‬

‫)‪(31‬‬

‫ومن أسباب الكشف وجممه ثممالث وهممو عنممد أهممل العقممول وجممه مممرذول‬
‫وفعل ساقط؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدرا ً أو ملل ً أو كراهممة؛‬
‫فل يجممد طريممق النتصمماف منممه إل بممما ضممرره عليممه أعممود منممه علممى‬
‫المقصود من الكشف والشتهار‪ .‬وهذا أشد العار وأقبممح الشممنار وأقمموى‬
‫بشواهد عدم العقل ووجود السممخف‪ .‬وربممما كممان الكشممف مممن حممديث‬
‫ينتشر وأقاويل تفشممو‪ ،‬توافممق قلممة مبممالة مممن المحممب بممذلك‪ ،‬ورضممى‬
‫بظهور سره‪ ،‬إما لعجاب وإممما لسممتظهار علممى بعممض ممما يممؤمله‪ .‬وقممد‬
‫رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد‪ ،‬وقرأت في بعض أخبممار‬
‫العممراب أن نسمماءهم ل يقنعممن ول يصممدقن عشممق عاشممق لهممن حممتى‬
‫يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينمموه بممذكرهن‪ ،‬ول أدري ممما معنممى‬
‫هذا‪ ،‬على أنه يذكر عنهن العفاف‪ ،‬وأي عفمماف ممع امممرأة أقصممى مناهمما‬
‫وسرورها الشهرة في هذا المعنى‪.‬‬
‫الباب الرابع عشر‬
‫الطاعة‬
‫ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحممب لمحبمموبه‪ ،‬وصممرفه طبمماعه‬
‫قسممرا ً إلممى طبمماع ن يحبممه وربممما يكممون المممرء شممرس الخلممق‪ ،‬صممعب‬
‫الشكيمة‪ ،‬جموح القيادة‪ ،‬ماضي العزيمة‪ ،‬حمممى النممف‪ ،‬أبممى الخسممف‪،‬‬
‫فما هو إل أن يتنسم نسيم الحممب‪ ،‬وبتممورط عمممره‪ ،‬ويعمموم فممي بحممره‪،‬‬
‫فتعممود الشراسممة ليانممًا‪ ،‬والصممعوبة سممهلة والمضمماء كللممة؛ والحميممة‬
‫استسلمًا‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فهل للوصال إلينا معاد * وهل لتصاريف ذا الدهر حد‬
‫فقد أصبح السيف عبد القضيب * وأضحى الغزال السير أسد‬
‫وأقول شعرًا؛ منه‪:‬‬
‫وإني وإن تعتب لهون هالك * كذائب نقر زل من يد جهبذ‬
‫على أن قتلى في هواك لذاذة * فيا عجبا ً من هالك متلذذ‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ولو أبصرت أنوار وجهك فارس * لعناهم عن هرمزان وموبذ‬
‫وربما كان المحبوب كارها ً لظهار الشكوى متبرما ً بسماع الوجد؛ فممترى‬
‫المحب حينئذ يكتم حزنه ويكظم أسفه وينطوي على علته‪ .‬وإن الحبيب‬
‫متجن‪ ،‬فعندها يقع العتذار عند كل ذنب والقرار بالجريمة‪ ،‬والمرء منها‬
‫برئ‪ ،‬تسليما لقوله وتركا ً لمخالفته‪ .‬وإني لعممرف مممن دهممى بمثممل هممذا‬

‫)‪(32‬‬

‫فما كان ينفك من توجه الذنوب نحوه ول ذنب له‪ ،‬وإيقمماع العتمماب عليممه‬
‫والسخط وهونقي الجلد‪.‬‬
‫وأقول شعرا ً إلى بعض إخواني‪ ،‬ويقرب مما نحن فيه وإن لم يكن منه‪:‬‬
‫وقد كنت تلقاني بوجه لقربه * تدان وللهجران عن قربه سخط‬
‫وما تكره العتب اليسير سجيتي * على أنه قد عيب في الشعر الوخط‬
‫فقد يتعب النسان في الفكر نفسه * وقد يحسن الخيلن في الوجه‬
‫والنقط‬
‫تزين إذا قلت ويفحش أمرها * إذا أفرطت يوما ً وهل يحمد الفرط‬
‫ومنه‪:‬‬
‫أعنه فقد أضحى لفرط همومه * يبكي إذ القرطاس والحبر والخط‬
‫ول يقولن قائل إن صبر المحب على دلممة المحبمموب دنماءة فممي النفممس‬
‫فقد أخطأ‪ ،‬وقد علمنا أن المحبوب ليممس لممه كفمموا ً ول نظيممرا ً فيقممارض‬
‫بممأذاه‪ ،‬وليممس سممبه وجفمماه مممما يعيممر بممه النسممان ويبقممى ذكممره علممى‬
‫الحقاب‪ ،‬ول يقع ذلك في مجممالس الخلفمماء‪ ،‬ول فممي مقاعممد الرؤسمماء‪،‬‬
‫فيكون الصبر جارا ً للمذلة‪ ،‬وضراعة قائدة للستهانة‪ ،‬فقد ترى النسممان‬
‫ل يكلف بأمته التي يملك رقها‪ ،‬ول يحول حائل بينه وبيممن التعممدي عليهمما‬
‫فكيف النتصار منها‪ .‬وسبل المتعاض من السبب غيممر هممذه‪ ،‬إنممما ذلممك‬
‫بين علية الرجال الذين تحصل أنفاسهم وتتبع معاني كلمهم فتمموجه لهمما‬
‫الوجوه البعيدة‪ ،‬لنهم ل يوقعونها سدى ول يلقونها هم ً‬
‫ل‪ ،‬وأما المحبمموب‬
‫فصعدة ثابتة‪ ،‬وقضيب منآد‪ ،‬يجفممو ويرضممى مممتى شمماء ل لمعنممى‪ .‬وفممي‬
‫ذلك أقول‪:‬‬
‫ليس التذلل في الهوى يستنكر * فالحب فيه يخضع المستكبر‬
‫ل تعجبوا من ذلتي في حالة * قد ذل فيها قلبي المستبصر‬
‫ليس الحبيب مماثل ً ومكافيا ً * فيكون صبرك ذلة إذ تصبر‬
‫تفاحة وقعت فآلم وقعها * هل قطعها منك انتصارا ً يذكر‬
‫خممبر‪ :‬وحممدثني أبممو دلممف المموراق عممن ملسمممة بممن أحمممد الفيلسمموف‬
‫المعروف بالمرجيطى أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش‬
‫بقرطبة الموازي لدار الوزير ابن عمممرو أحمممد بممن محمممد جممدير رحمممه‬
‫الله‪ :‬في هذا المسجد كان مقدم بن الصفر مريضا ً أيام حممداثته لعشممق‬
‫بعجيب فتى الوزير أبي عمرو المذكور‪ .‬وكان يترك الصمملة فممي مسممجد‬
‫مسرور وبها كان سكناه‪ ،‬ويقصد فممي الليممل والنهممار إلممى هممذا المسممجد‬
‫بسبب عجيب‪ ،‬حتى أخممذه الحممرس غيممر ممما مممرة فممي الليممل فممي حيممن‬

‫)‪(33‬‬

‫انصرافه عن صلة العشاء الخرة‪ ،‬وكان يقعد وينظر منممه إلممى أن كممان‬
‫الفتى يغضب ويضجر ويقوم إليه فيمموجعه ضممربا ً ويلطممم خممديه وعينيممه‪،‬‬
‫فيسر بذلك ويقول‪ :‬هذا والله أقصمى أمنيممتي والن قمرت عينمي‪ ،‬وكمان‬
‫على هذا زمانا ً يماشيه‪.‬‬
‫قال أبو دلف‪ :‬ولقد حدثنا مسلم بهذا الحديث غير مممرة بحضممرة عجيممب‬
‫عندما كان يرى من وجاهة مقممدم بممن الصممفر وعممرض جمماهه وعممافيته‪،‬‬
‫فكانت حال مقدم بن الصفرهذا قد جلت جدا ً واختص بالمظفر بن أبي‬
‫عامر اختصاصا ً شديدا ً واتصل بوالدته وأهله وجرى على يديه مممن بنيممان‬
‫المساجد والسقايات وتسهيل وجوه الخير غير قليل‪ ،‬مع تصرفه في كل‬
‫ما يتصرف فيه أصحاب السلطان من العناية بالناس وغير ذلك‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وأشنع من هذا أنه كانت لسعيد بن منذر بن سعيد صمماحب الصمملة‬
‫في جامع قرطبة أيام الحكم المستنصر بالله رحمه الله جارية يحبها حبا ً‬
‫شديدًا‪ ،‬فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها‪ .‬فقالت لمه سماخرة بمه‪ ،‬وكمان‬
‫عظيم اللحيمة‪ :‬إن لحيتمك أستبشمع عظمهما فمإن حمذفت منهما كمان مما‬
‫ترغبممه‪ .‬فأعمممل الجمليممن فيهمما حممتى لطفممت‪ ،‬ثممم دعمما بجماعممة شممهود‬
‫وأشهدهم على عتقها‪ ،‬ثم خطبها إلى نفسمه فلممم تممرض بمه‪ .‬وكممان فممي‬
‫جملة من حضر أخوه حكم بن منذر فقال لمن حضر‪ :‬اعرض عليها أنممي‬
‫أخطبها أنا‪ ،‬ففعل فأجابت إليه‪ .‬فتزوجها في ذلك المجلس بعينه ورضي‬
‫بهذا العار الفادح على رورعه ونسكه واجتهاده‪.‬‬
‫فأنمما أدكممت سممعيدا ً هممذا وقممد قتلممه الممبربر يمموم دخممولهم قرطبممة عنمموة‬
‫وانتهممابهم إياهمما وحكممم المممذكور أخمموه هممو رأس المعتزلممة بالنممدلس‬
‫وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهممم وناسممكهم‪ ،‬وهممو مممع ذلممك شمماعر طيممب‬
‫وفقيه‪ .‬وكان أخوه عبد الملك ابن منذر متهما ً بهذا المذهب أيض مًا‪ .‬ولممي‬
‫خطبة الرد أيام الحكم رضي الله عنه وهو الذي صلبه المنصور بن أبممي‬
‫عامر إذ اتهمه هو وجماعة من الفقهاء والقضمماة بقرطبممة أنهممم يبممايعون‬
‫سرا ً لعبد الرحمن بن عبيد الله ابن أميمر الممؤمنين الناصممر رضمي اللمه‬
‫عنهم‪ ،‬فقتل عبد الرحمن وصلب عبد الملك بن منذر وبدد شمممل جميممع‬
‫من اتهم‪ .‬وكان أبوهم قاضممي القضمماة منممذر بممن سممعيد متهمما ً بمممذهب‬
‫العتزال أيضًا‪ .‬وكان أخطب الناس وأعلمهم بكل فن وأورعهم وأكثرهم‬
‫هزل ً ودعابة‪ .‬وحكم المممذكور فممي الحيمماة فممي حيممن كتممابتي إليممك بهممذه‬
‫الرسالة قد كف بصره وأسن جدًا‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫ومن عجيب طاعة المحب لمحبوبه أني أعممرف مممن كمان سممهر الليممالي‬
‫الكثيرة ولقى الجهد الجاهد فقطعت قلبه ضروب الوجد ثممم ظفممر بمممن‬
‫يحب وليس به امتناع ول عنده دفع‪ ،‬فحين رأى منه بعممض الكراهممة لممما‬

‫)‪(34‬‬

‫نواه تركه وانصرف عنممه‪ ،‬ل تعففما ً ول تخوفما ً لكممن توقفما ً عنممد موافقممة‬
‫رضاه‪ ،‬ولم يجد من نفسه معينا ً على إتيان ما لم ير له إليه نشاطا ً وهممو‬
‫يجد ما يجد‪ .‬وإني لعرف منفقل هذا الفعممل ثممم تنممدم لعممذر ظهممر مممن‬
‫المحبوب‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫غافص الفرصة واعلم أنها * كمضي البرق تمضي الفرص‬
‫كم أمور أمكنت أمهلها * هي عندي إذ تولت غصص‬
‫بادر الكنز الذي ألفيته * وانتهز صبرا ً كبارز يقنص‬
‫ولقد عرض مثل هذا بعينه لبي المظفر عبد الرحمن بن محمود صديقنا‬
‫وأنشدته أبياتا ً لي فطار بها كل مطار‪ ،‬وأخذها مني فكانت هجيراه‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد سألني يوما ً أبو عبد الله محمد بن كليب مممن أهممل القيممروان‬
‫أيام كوني بالمدينة‪ ،‬وكان طويل اللسمان جممدا ً مثقفما ً للسممؤال فممي كممل‬
‫فن‪ ،‬فقال لي وقد جرى بعض ذكر الحممب ومعممانيه‪ :‬إذا كممره مممن أحممب‬
‫لقائي وتجنب قربي فما أصنع? قلت‪ :‬أرى أن تسعى في إدخممال الممروح‬
‫على نفسك بلقائه وإن كره‪ .‬فقال‪ :‬لكني ل أرى ذلك بل أوثر هواه على‬
‫هواي ومراده على مرادي‪ ،‬واصبر ولو كان في ذلك الحتف‪ .‬فقلممت لممه‪:‬‬
‫إني إنما أحببته لنفسي ول لتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي‬
‫وأقفو طريقتي فممي الرغيبممة فممي سممرورها‪ .‬فقممال لممي‪ :‬هممذا ظلممم مممن‬
‫القياس‪ ،‬أشد من الموت ما تمنى له الموت‪ .‬وأعز من النفس ما بممذلت‬
‫له النفس‪ .‬فقلت له‪ :‬إن بذلت نفسك لم يكن اختيارا ً بل كان اضطرارًا‪،‬‬
‫ولو أمكنك أل تبذلها لما بذلتها‪ ،‬وتركك لقاءه اختيارا ً منك أنت فيه ملوم‬
‫لضرارك بنفسك وإدخالك الحتف عليها‪ .‬فقال لي‪ :‬أنت رجل جممدلي ول‬
‫جدل في الحب يلتفت إليه‪ .‬فقلت له‪ :‬إذا ً كان صاحبه مؤوفا ً فقال‪ :‬وأي‬
‫آفة أعظم من الحب‪.‬‬
‫الباب الخامس عشر‬
‫المخالفة‬
‫وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبمموبه‪ ،‬وتعمممد‬
‫مسرته منه على كل الوجوه سخطا ً ورضى‪ .‬ومن ساعده علممى المموقت‬
‫هذا وثبت جنانه وأتيحت له القدار اسممتوفى لممذته جميعهمما وذهممب غمممه‬
‫وانقطع همه ورأى أمله وبلغ مرغوبه‪ .‬وقد رأيت من هممذه صممفته‪ ،‬وفممي‬
‫ذلك أقول أبياتًا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫إذا بلغت نفسي المنى * من رشأ مازال لي ممرضا ً‬
‫فما أبالي الكره من طاعة * ول أبالي سخطا ً من رضا‬

‫)‪(35‬‬

‫إذا وجدت الماء ل بد أن * أطفي به مشعل جمر الغضا‬
‫الباب السادس عشر‬
‫العاذل‬
‫وللحممب آفممات‪ ،‬فأولهمما العمماذل‪ ،‬والعممذال أقسممام‪ ،‬فأصمملهم صممديق قممد‬
‫أسقطت مؤونة التحفظ بينك وبينه فعذله أفضل من كثير المساعدات?‬
‫وهي من الحظ والنهي‪ ،‬وفي ذلك زاجر للنفس عجيممب‪ ،‬وتقويممة لطيفممة‬
‫لها عرض‪ ،‬وعمل ودواء تشتد عليه الشهوة‪ ،‬ول سيما إن كان رفيقا ً في‬
‫قوله حسن التوصل إلى ما يورد ممن المعماني بلفظمه‪ ،‬عالمما ً بالوقمات‬
‫التي يؤكد فيها النهي‪ ،‬وبالحيان التي يزيد فيها المممر‪ .‬والسمماعات الممتي‬
‫يكون فيها واقفا ً بيمن همذين‪ ،‬علمى قمدر مما يمرى ممن تسمهيل العاشممق‬
‫وتوعره‪ ،‬وقبوله وعصيانه‪.‬‬
‫ثم عاذل زاجر ل يفيممق أبممدا ً ممن الملممة‪ ،‬وذلممك خطممب شممديد وعبممء‬
‫ثقيل‪ .‬ووقع لي مثل هذا‪ ،‬وإن لم يكن من جنس الكتاب ولكنممه يشممبهه‪،‬‬
‫وذلك أن أبا السرى عمار بن زيمماد صممديقنا أكممثر مممن عممذلى علممى نحممو‬
‫نحوته وأعان على بعض من لمني في ذلك الوجه أيضًا‪ ،‬وكنت أظن أنه‬
‫سيكون معي مخطئا ً كنت أو مصيبًا‪ .‬لو كيد صداقتي وصحيح أخوتي به‪.‬‬
‫ولقد رأيت من اشتد وجوده وعظم كلفه حتى كان العممذل أحممب شمميء‬
‫إليه‪ ،‬ابرى العاذل عصمميانه ويسممتلذ مخممالفته‪ ،‬ويحصممل مقمماومته للئمممة‬
‫وغلبته إياه‪ .‬كالملك الهمازم لعمدوه والمجمادل الممماهر الغممالب لخصممه‪،‬‬
‫ويسر بما يقع منه في ذلك وربممما كممان هممذا المسممتجلب لعممذل العمماذل‬
‫بأشياء يوردها توجب ابتداء العذل وفي ذلك أقول أبياتًا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أحب شيء إلي اللوم والعذل * كي أسمع اسم الذي ذكراه لي أمل‬
‫كأنني شارب بالعذل صافية * وباسم مولي بعدي الشرب أنتقل‬
‫الباب السابع عشر‬
‫المساعد من الخوان‬
‫ومن السباب المتمناة في الحب أن يهب الله عز وجل للنسان صديقا ً‬
‫مخلصًا‪ ،‬لطيممف القممول‪ ،‬بسمميط الطممول‪ .‬حسممن المآخممذ دقيممق المنفممذ‪.‬‬
‫متمكممن البيممان‪ ،‬مرهممف اللسممان‪ ،‬جليممل الحلممم‪ ،‬واسممع العلممم‪ ،‬قليممل‬
‫المخالفة‪ ،‬عظيم المسمماعفة شممديد الحتمممال صممابرا ً علممى الدلل‪ ،‬جممم‬
‫الموافقة‪ ،‬جميل المخالفة‪ ،‬مستوى المطابقة‪ ،‬محمود الخلئق‪ ،‬مكفوف‬

‫)‪(36‬‬

‫البوائق‪ ،‬محتوم المساعدة‪ ،‬كاره ما ً للمباعممدة‪ ،‬نبيممل المممدخل‪ ،‬مصممروف‬
‫الغوائل‪ ،‬غامض المعاني عارفا ً ل لماني‪ ،‬طيب الخلق‪ ،‬سري العراق‪،‬‬
‫مكتوم السر‪ ،‬كثير البر‪ ،‬صحيح المانة‪ ،‬مممأمون الخيانممة‪ ،‬كريممم النفممس‪،‬‬
‫نافمممذ الحمممس‪ ،‬صمممحيح الحمممدس‪ ،‬مضممممون العمممون‪ ،‬كاممممل الصمممون‪،‬‬
‫مشهورالوفاء‪ ،‬ظاهر الغناء‪ ،‬ثابت القريحممة‪ ،‬مبممذول النصمميحة‪ ،‬مسممتيقن‬
‫الوداد‪ ،‬سهل النقياد‪ ،‬حسن العتقمماد‪ ،‬صممادق اللهجممة‪ ،‬خفيممف المهجممة‪،‬‬
‫عفيممف الطبمماع‪ ،‬رحممب الممذراع‪ ،‬واسممع الصممدر‪ ،‬متخلق ما ً بالصممبر‪ ،‬يممألف‬
‫المحاض‪ ،‬ول يعرف العراض‪ ،‬يستريح إليه بلبله‪ ،‬ويشمماركه فممي خلمموة‬
‫فقره‪ ،‬ويفاوضه في مكتوماته‪ ،‬وإن فيه للحممب لعظممم الراحممات‪ ،‬وأيممن‬
‫هذا‪ ،‬فإن ظفرت به يممداك فشممدهما عليممه شممد الضممنين‪ ،‬وأمسممك بهممما‬
‫إمساك البخيل‪ ،‬وصنه بطارفممك وتالممدك‪ ،‬فمعممه يكمممل النممس‪ ،‬وتنجلممي‬
‫الحزان‪ ،‬ويقصر الزمان‪ ،‬وتطيب الحوال ولن يفقد النسان من صاحب‬
‫هممذه الصممفة عون ما ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬ورأي ما ً حسممنًا‪ ،‬ولممذلك اتخممذ الملمموك المموزراء‬
‫والدخلء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه مممن شممديد المممور وطوقمموه‬
‫من باهض الحمممال‪ .‬ولكممي يسممتغنوا بممآرائهم ويسممتمدوا بكفممايتهم‪ .‬وإل‬
‫فليس في قوة الطبيعة أن تقاوم كممل ممما يممرد عليهمما دون اسممتعانة بممما‬
‫يشاكلها وهو من جنسها‪.‬‬
‫ولقد كان بعض المحبين‪ ،‬لعممدمه هممذه الصممفة مممن الخمموان وقلممة ثقتممه‬
‫منهم لما جربه من الناس وأنه لم يعدم من باح إليممه بشمميء مممن سممره‬
‫أحد وجهين إما إزراء على رأيه وإما إذاعممة لسممره‪ ،‬أقممام الوحممدة مقممام‬
‫النس‪ .‬وكان ينفممرد فممي المكممان النممازح عممن النيممس‪ ،‬وينمماجي الهمموى‪،‬‬
‫ويكلممم الرض‪ ،‬ويجممد فممي ذلممك راحممة كممما يجممد المريممض فممي التممأوه‬
‫والمحزون في الزفير؛ فإن الهموم إذا ترادفممت فممي القلممب ضمماق بهمما‪،‬‬
‫فإن لم ينض منها شيء باللسان‪ ،‬ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث أن‬
‫يهلممك غممما ويممموت أسممفًا‪ .‬وممما رأيممت السممعاد أكممثر منممه فممي النسمماء‪.‬‬
‫فعندهن من المحافظة على هممذا الشممأن والتواصممي بكتمممانه والتواطممؤ‬
‫على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال‪ ،‬وما رأيت امرأة كشفت‬
‫سر متحابين إل وهي عند النساء ممقوتممة مسممتثقلة مرميممة عممن قمموس‬
‫واحدة‪ .‬وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشأن مال يوجد عنممد الفتيممات‪،‬‬
‫لن الفتيات منهن ربما كشفن ممما علمممن علممى سممبيل التغمماير‪ ،‬وهممذا ل‬
‫يكون إل في الندرة‪ .‬وأما العجممائز فقممد يئسممن مممن أنفسممهن فانصممرف‬
‫الشفاق محضا ً إلى غيرهن‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وإني لعمل امرأة موسممرة ذات جمموار وخممدم فشمماع علممى إحممدى‬
‫جواريها أنها تعشق فتى من أهلها ويعشقها وأن بينهما معاني مكروهممة‪،‬‬
‫وقيل لها‪ :‬إن جاريتك فلنمة تعمرف ذلمك وعنمدها جليمة أمرهما‪ .‬فأخمذتها‬
‫وكانت غليظة المقوبة فأذاقتها مممن أنممواع الضممرب واليممذاء مممال يصممبر‬

‫)‪(37‬‬

‫على مثله جلداء الرجال‪ ،‬رجاء أن تبوح لهمما بشمميء مممما ذكممر لهمما‪ ،‬فلممم‬
‫تفعل البتة‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وإني لعلم امرأة جليلة حافظة لكتاب الله عز وجل ناسكة مقبلة علممى‬
‫الخير‪ ،‬وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها‪ ،‬وكان في غير‬
‫ملكها‪ ،‬فعرفته المر فرام النكار فلم يتهيأ له ذلك‪ ،‬فقممالت لممه‪ :‬مالممك?‬
‫ومن ذا عصم? فل تبال بهذا فوالله ل أطلعت على سر كممما أحممدا ً أبممدًا‪،‬‬
‫ولو أمكنتني أن أبتاعها لك من مالي ولو أحاط به كله لجعلتهمما لممك فممي‬
‫مكان تصل إليها فيه ول يشعر بذلك أحد؛ وإنممك لممترى المممرأة الصممالحة‬
‫المسنة المنقطعة الرجمماء مممن الرجممال‪ ،‬وأحممب أعمالهمما إليهمما وأرجاهمما‬
‫للقبول عندها سعيها فممي تزويممج يتيمممة‪ ،‬وإعممارة ثيابهمما وحليهمما لعممروس‬
‫مقلة‪ .‬وما أعلم علة تمكممن همذا الطبمع ممن النسماء إل أنهممن متفرغممات‬
‫البال من كل شيء إل من الجماع ودواعيه‪ ،‬والغممزل وأسممبابه‪ ،‬والتممآلف‬
‫ووجوهه لشغل لهن غيره ول خلقممن لسممواه‪ .‬والرجممال مقتسممون فممي‬
‫كسب المال وصحبة السلطان وطلممب العلممم وحياطممة العيمال ومكابممدة‬
‫السفار والصيد وضروب الصناعات ومباشممرة الحممروب وملقمماة الفتممن‬
‫وتحمل المخاوف وعمارة الرض‪ ،‬وهذا كله متحيف للفراغ‪ ،‬صارف عممن‬
‫طريق البطل وقرأت في سير ملمموك السممودان أن الملممك منهممم يوكممل‬
‫ثقة له بنسائه يلقى عليهن ضريبة مممن غممزل الصمموف يشممتغلن بهمما أبممد‬
‫الدهر؛ لنهم يقولون‪ :‬إن المرأة إذا بقيت بغيممر شممغل إنممما تشمموق إلممى‬
‫الرجال‪ ،‬وتحن إلى النكاح ولقد شاهدت النساء وعلمممت مممن أسممرارهن‬
‫مال يكاد يعلمه غيري؛ لني ربيت في حجممورهن‪ ،‬ونشممأت بيممن أيممديهن‪،‬‬
‫ولم أعرف غيرهن‪ .‬ول جالست الرجال إل وأنا فمي حمد الشمباب وحيمن‬
‫تفيل وجهي‪ .‬وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا ً مممن الشممعار وردبننممي‬
‫في الخط‪ ،‬ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهممي وأنما فمي سمن‬
‫الطفولة جدا ً إل تعرف أسبابهن‪ ،‬والبحث عن أخبارهن‪ ،‬وتحصمميل ذلممك‪.‬‬
‫وأنا ل أنسى شمميئا ً مممما آرى منهممن‪ ،‬وأصممل ذلممك غيممرة شممديدة طبعممت‬
‫عليها‪ ،‬وسوء ظن في جهتهن فطرت به‪ ،‬فأشممرفت مممن أسممبابهن علممى‬
‫غير قليل‪ .‬وسيأتي ذلك مفسرا ً في أبوابه إن شاء الله تعالى‪.‬‬
‫الباب الثامن عسر‬
‫الرقيب‬
‫ومن آفات الحب الرقيب‪ ،‬وإنه لحمى باطنة‪ ،‬وبرسام ملح‪ ،‬وفكر مكب‪.‬‬
‫والرقباء أقسام‪ ،‬فأولهم مثقل بالجلوس غيمر متعممد فمي مكمان اجتممع‬
‫فيه المرء مع محبوبه‪ ،‬وعزممما علممى إظهممار شمميء مممن سممرهما والبمموح‬

‫)‪(38‬‬

‫بوجدهما والنفراد بالحديث‪ .‬ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة‬
‫مال يعرض له مما هو أشد منها‪ ،‬وهذا وإن كان يزول سريعا ً فهممو عممائق‬
‫حال دون المراد وقطع متوفر الرجاء‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولقد شاهدت يوما ً محبين تفممي مكممان قممد ظنمما أنهممما انفممردا فيممه‬
‫وتأهبا للشكوى فاستحليا ما هممما فيممه مممن الخلمموة‪ ،‬ولممم يكممن الموضممع‬
‫حمي‪ ،‬فلم يلبثا أن طلع عليهما مممن كانمما يسممتثقلنه‪ ،‬فممرأى فعممدل إلممي‬
‫وأطال الجلوس معممي‪ ،‬فلممو رأيممت الفممتى المحممب وقممد تمممازج السممف‬
‫البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجبًا‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يطيل جلوسا ً وهو أثقل جالس * ويبدي حديثا ً لست أرضى فنونه‬
‫شمام ورضوى واللكام ويذبل * ولبنان والصمان والحرب دونه‬
‫ثم رقيب قد أحس من أمرهما بطرف‪ ،‬وتوجس من مذهبهما شيئًا‪ ،‬فهو‬
‫يريد أن يستبين حقيقة ذلك‪ ،‬فيدمن الجلوس‪ ،‬ويطيل القعممود‪ ،‬ويتخفممى‬
‫بالحركات‪ ،‬ويرمق الوجوه‪ ،‬ويحصل النفاس‪ .‬وهذا أعممدى مممن الحممرب‪،‬‬
‫وإني لعرف من هممم أن يبمماطش رقيبما ً هممذه صمفته‪ .‬وفممي ذلممك أقممول‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫مواصل ل يغب قصدا ً * أعظم بهذا الوصال غما‬
‫صار وصرنا لفرط مال ً * يزول كالسم والمسمى‬
‫ثم رقيب علممى المحبمموب‪ ،‬فممذلك ل حيلممة فيممه إل بترضممية‪ .‬وإذا أرضممى‬
‫فذلك غاية اللذة‪ ،‬وهذا الرقيب هو الذي ذكرته الشعراء في أشعارها‪.‬‬
‫ولقد شاهدت من تلطف في استرضاء رقيب حممتى صممار الرقيممب عليممه‬
‫رقيبا ً له‪ ،‬ومتغافل ً في وقت التغافل‪ ،‬ودافعا ً عنه وساعيا ً له‪ .‬ففممي ذلممك‬
‫أقول‪:‬‬
‫ورب رقيب ارقبوه فلم يزل * على سيدي عمدا ً ليبعدني عنه‬
‫فما زالت اللطاف تحكم أمره * إلى أن غدا خوفي له آمنا ً منه‬
‫وكان حساما ً سل حتى يهدني * فعاد محبا ً مالنعمته كنه‬
‫وأقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫صار حياة وكان سهم ردي * وكان سما فصار درياقا ً‬
‫وإني لعرف من رقب على بعض من كان يشممفق عليممه رقيبما ً وثممق بممه‬
‫عند نفسه‪ ،‬فكان أعظم الفة عليه وأصل البلء فيه‪.‬‬

‫)‪(39‬‬

‫وأما إذا لم يكن في الرقيب حيلة ول وجد إلى ترضيه سبيل فل طمع إل‬
‫بالشارة بالعين همسا ً وبالحاجب أحيانا ً والتعريض اللطيف بالقول‪ ،‬وفي‬
‫ذلك متعة وبلغ إلى حين يقنع به المشتاق‪ .‬وفي ذلك أقول شعرا ً أوله‪:‬‬
‫على سيدي مني رقيب محافظ * وفي لمن واله ليس بناكث‬
‫ومنه‪:‬‬
‫ويقطع أسباب اللبانة في الهولي * ويفعل فيها فعل بعض الحوارث‬
‫كأن له في قلبه ريبة ترى * وفي كل عين مخبر بالحادث‬
‫ومنه‪:‬‬
‫على كل من حولي رقيان رتبا * وقد خصني ذو العرش منهم بثالث‬
‫وأشنع ما يكون الرقيب إذا كان ممن امتحن بالعشممق قممديما ً ودهممى بممه‬
‫وطالت مدته فيه ثم عرى عنه بعممد إحكممامه لمعممانيه‪ ،‬فكممان راغب ما ً فممي‬
‫صيانة من رقب عليه‪ ،‬فتبارك الله أي رقبة تأبي منه‪ ،‬وأي بلء مصممبوب‬
‫يحل على أهل الهوى من جهته‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫رقيب طالما عرف الغراما * وقاسى الوجد وامتنع المناما‬
‫ولقى في الهوى ألما أليما * وكاد الحب يورده الحماما‬
‫وأتقن حلية الصب المعنى * ولم يضع الشارة والكلما‬
‫وأعقبه التسلي بعد هذا * وصار يرى الهوى عارا ً وذاما‬
‫وصير دون من أهوى رقيبا ً * ليبعد عنه صبا ً مستهاما ً‬
‫فإي بلية صبت علينا * وأي مصيبة حلت لماما‬
‫ومن طريف معاني الرقباء أني أعرف محبين مذهبهما واحممد فممي حممب‬
‫محبوب واحد بعينه‪ ،‬فلعهدي بهما كل واحد منهما رقيممب علممى صمماحبه‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫صبان هيمانان في واحد * كلهما عن خدنه منحرف‬
‫كالكلب في الرى ل يعتلف * وليخلى الغير أن يعتلف‬
‫الباب التاسع عشر‬
‫الوشي‬
‫ومن آفات الحب الوشي‪ ،‬وهو على ضربين أحممدهما واش يريممد القطممع‬
‫بين المتحابين فقط‪ ،‬وإن هذا لفترهما سوءة‪ ،‬على أنممه السممم الممذعاف‬
‫والصاب الممقر والحتف القاصد والبلء الوارد‪ .‬وربما لم ينجع ترقيشممه‪.‬‬

‫)‪(40‬‬

‫وأكممثر ممما يكممون الوشممي فممإلى المحبمموب‪ ،‬وأممما الحممب فهيهممات‪ ،‬حممال‬
‫الجريض دون القريض‪ .‬ومنع الحرب من الطرب‪ ،‬شغله بما هو مانع لممه‬
‫من استماع الواشي‪ .‬وقد علم الوشاة ذلك‪ ،‬وإنممما يقصممون إلممى الخلممي‬
‫البال‪ ،‬الصائل بحوزة الملك‪ ،‬المتعتب عند أقل سبب‪.‬‬
‫وإن للوشاة ضروبا ً من التنقيل‪ ،‬فمنها أن يذكر للمحبوب عمن يحب أنه‬
‫غير كاتم للسر‪ ،‬وهذا مكان صعب المعاناة‪ ،‬بطيممء الممبرء إل أن يوافممق‬
‫معارضا ً للمحب في محبته وهذا أمر بوجب النفار‪ ،‬فل فرج للمحبوب إل‬
‫بأن تساعده القدار بالطلع على بعض أسرار من يحب‪ ،‬يعد أن يكممون‬
‫المحبوب ذا عقل‪ ،‬وله حظ من تمييز‪ ،‬ثم يدعه والمطاولة‪ .‬فممإذا تكممدب‬
‫عنده نقل الواشي مع ما أظهر من الجفاء والتحفظ ولممم يسمممع لسممره‬
‫إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل‪ ،‬واضمحل ممما قممام فممي نفسممه ولقممد‬
‫شاهدت هممذا بعينممه لبعممض المحممبين مممع بعممض مممن كممان يحبممن‪ ،‬وكممان‬
‫المحبوب شممديد المراقبممة عظيممم الكتمممان‪ ،‬وكممثر الوشمماة بينهممما حممتى‬
‫ظهرت أعلم ذلك في وجهه وحدث في حممب لممم يكممن‪ ،‬وركبتممه رحمممة‪،‬‬
‫وأظلته فكرة‪ .‬ودهمته حيرة‪ ،‬إلى إن ضاق صممدره وبمماح بممما نقممل إليممه‪.‬‬
‫فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى سلطان مطاع‪،‬‬
‫وبنمماء مشممدود الواخممي‪ ،‬وسممنان نافممذ‪ ،‬وكممان اعتممذاره بيمن الستسمملم‬
‫والعتراف‪ ،‬والنكار والتوبة والرمي بالمقاليد‪ ،‬فبعد لي ممما صمملح المممر‬
‫بينهما‪.‬‬
‫وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحممب مممن المحبممة ليسممت بصممحيحة‪،‬‬
‫وأن مذهبه في ذلك شفاء نفسممه وبلمموغ وطممره‪ .‬وهممذا فصممل وإن كممان‬
‫شديدا ً في النقل فهو أيسر معاناة مما قبلمه‪ ،‬فحالمة المحمب غيمر حالمة‬
‫المتلذذ‪ ،‬وشواهد الوجد متفرقة بينهما‪ .‬وقد وقع من هذا نبذ كافيممة فممي‬
‫باب الطاعة‪ .‬وربما نقل الواشي أن هوى العاشق مشممترك وهممذه النممار‬
‫المحرقة والوجع الفاشي في العضاء‪ ،‬وإذا وافق الناقممل لهممذه المقالممة‬
‫أن يكون المحب فتى حسن الوجه حلو الحركات مرغوبا ً فيه مممائل ً إلممى‬
‫اللذات دنياوي الطبع‪ ،‬والمحبوب امممرأة جليلممة القممدر سممرية المنصممب‪،‬‬
‫فأقرب الشياء سعيها في إهلكه وتصديها لحتفه‪ .‬فكم صريع علممى هممذا‬
‫السبب‪ ،‬وكم من سقى السم فقطع أمعمماءه لهممذا المموجه‪ .‬وهممذه كممانت‬
‫ميتة مروان بن أحمد بن حممدير‪ ،‬والممد أحمممد المتنسممك‪ ،‬وموسممى وعبممد‬
‫الرحمن‪ ،‬المعروفين بابني لبنى‪ ،‬من قبل قطر الندى جاريته‪ .‬وفي ذلممك‬
‫أقول محذرا ً لبعض أخواتي قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وهل يأمن النسوان غير مغفل * جهول لسباب الردي متأرض‬
‫وكم وارد حوضا ً من الموت أسود * ترشفه من طيب الطعم أبيض‬

‫)‪(41‬‬

‫والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بممالمحبوب ويسممتأثر بممه‬
‫وهذا أشد شيء وأقطعه وأجزم لجتهاد الواشي واستفادة جهده‪.‬‬
‫ومممن الوشمماة جنممس ثممالث‪ ،‬وهممو واش يسممعى بهممما جميع ما ً ويكشممف‬
‫سرهما‪ ،‬وهذا ل يلتفت إليه إذا كان المحب مساعدًا‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫عجبت لواش ظل يكشف أمرنا * ومابسوي أخبارنا يتنفس‬
‫وماذا عليه من عنائي ولوعتي * أنا آكل الرمان والولد تضرس‬
‫ول بد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه‪ ،‬وإن كممان خارج ما ً منممه‪ ،‬وهممو شمميء‬
‫في بيان التنقيل والنمائم‪ .‬فالكلم يدعو بعضممه بعض ما ً كممما شممرطنا فممي‬
‫أول الرسالة‪ ،‬وما في جميع الناس شر من الوشاة‪ ،‬وهم النمامون‪ ،‬وإن‬
‫النميمة لطبع يدل على نتن الصل ورداءة الفرع وفسمماد الطبممع وخبممث‬
‫النشأة‪ ،‬ول بد لصاحبه من الكذب والنميمة فرع من فروع الكذب ونمموع‬
‫من أنواعه‪ ،‬وكل نمام كذاب‪ ،‬وما أحببت كذابا ً قممط‪ ،‬وإنممي لسممامح فممي‬
‫إخاء كل ذي عيب وإن كان عظيمًا‪ ،‬وأكل أمممره إلممى خممالقه عممز وجممل‪،‬‬
‫وآخذ ما ظهر من أخلقه‪ ،‬حاشى من أعلمه يكذب فهو عندي ماح لكممل‬
‫محاسنه‪ ،‬ومعف على جميع خصاله‪ ،‬ومذهب كل ما فيه‪ ،‬فما أرجو عنده‬
‫خيرا ً أص ً‬
‫ل‪ ،‬وذلك لن كل ذنممب فهممو يتمموب عنممه صمماحبه وكممل ذام فقممد‬
‫يمكن الستتار به والتوبة منه‪ ،‬حاشى الكذب فل سبيل إلى الرجعة عنممه‬
‫ول إلى كتمانه حيث كان‪ .‬وما رأيت قط ول أخبرني مز رأى كممذابا ً تممرك‬
‫الكذب ولم يعد إليه‪ ،‬ول بدأت قط بقطيعة ذيب معرفة إل أن أطلع ألممه‬
‫على الكذب‪ ،‬فحينئذ أكون أنا القاصد إلى مجانبته والمتعرض لمتمماركته‪،‬‬
‫وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إل وهو مزنون في نفسممه إليممه بشممق‪،‬‬
‫مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته‪ .‬نعوذ بالله من الخذلن‪.‬‬
‫و قال بعض الحكماء‪ :‬آخ من شئت واجتنب ثلثة‪ :‬الحمق فممإنه يريممد أن‬
‫ينفعك فيضرك والملول فشأنه أوثق ما تكون به لطول الصحب وتأكدها‬
‫يخذلك والكذاب فإنه يجني عليك آمن ما كنت فيه مممن حيممث ل تشممعر‪.‬‬
‫وحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬حسن العهد من اليمان‪.‬‬
‫وعنه عليه السلم‪ :‬ل يؤمن الرجل باليمان كلممه حممتى يممدع الكممذب فممي‬
‫المزاح حدثنا بهذا أبو عمر أحمد بن محمد عن محمد بن علي بن رفاعة‬
‫عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسممم بممن سمملم عممن شمميوخه‪،‬‬
‫والخر منهما مسند إلى عمر بمن الخطماب وابنمه عبمد اللمه رضمي اللمه‬
‫عنهما‪.‬‬
‫والله عز وجل يقول‪) :‬يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ل تفعلون‪ .‬كبر‬
‫مقتا ً عند الله أن تقولوا ما ل تفعلون( * وعن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم أنه سئل هل يكون المؤمن بخي ً‬
‫ل? فقال‪ :‬نعم‪ .‬قيل‪ :‬فهل‬

‫)‪(42‬‬

‫يكون المؤمن جبانًا? فقال‪ :‬نعم‪ .‬قيل‪ :‬فهل يكون المؤمن كذابًا? قال‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد عن أحمد بن سممعيد عممن عبيممد اللممه بممن‬
‫يحيى عن أبيه عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم‪.‬‬
‫وبهذا السناد‪ ،‬أن رسول الله صلى الله عليممه وسمملم قممال‪ :‬ل خيممر فممي‬
‫الكذب في حديث سئل فيه‪.‬‬
‫وبهذا السناد عن مالك أنه بلغه عن ابن مسعود أنه كان يقول‪ .‬ل يممزال‬
‫العبد يكذب وينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب فيكتممب عممن‬
‫الله من الكذابين‪.‬‬
‫وبهذا السناد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قممال‪ :‬عليكممم بالصممدق‬
‫فإنه يهدي إلى البر ويهذي إلى الجنة‪ .‬وإياكم والكممذب فممإنه يهممذي إلممى‬
‫الفجور والفجور يهذي إلى النار‪.‬‬
‫وروى أنه أتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقممال‪ :‬يمما رسممول اللممه‪ ،‬إنممي‬
‫أستتر بثلث الخمممر والزنمما والكممذب‪ .‬فمرنممي أيهممما أتممرك‪ .‬قممال‪ :‬اتممرك‬
‫الكذب فذهب منه‪ .‬ثم أراد الزنا ففكر فقال‪ :‬آتي رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فيسألني‪ :‬أزنيممت? فممإن قلممت‪ .‬نعممم‪ ،‬حممدني‪ ،‬وإن قلممت‪ :‬ل‪.‬‬
‫نقضت العهد‪ ،‬فتركه‪ .‬ثم كذلك في الخمر‪ .‬فعاد إلى رسممول اللممه صمملى‬
‫الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني تركت الجميع‪.‬‬
‫فالكذب أصل كل فاحشة‪ ،‬وجممامع كممل سمموء‪ ،‬وجممالب لمقممت اللممه عممز‬
‫وجل‪ .‬وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنممه قممال كممل الخلل يطبممع‬
‫عليها المؤمن إل الخيانة والكممذب‪ .‬وعممن رسممول اللممه صمملى اللممه عليممه‬
‫وسلم أنه قال‪ :‬ثلث من كن فيه كان منافقًا‪ :‬مممن إذا وعممد أخلممف‪ ،‬وإذا‬
‫تحدث كذب‪ ،‬وإذا أؤتمن خان‪.‬‬
‫وهل الكفر إل كذب على الله عز وجل‪ ،‬واللممه الحممق وهممو يحممب الحممق‬
‫وبالحق قممامت السممموات والرض‪ .‬وممما رأيممت أخممزى مممن كممذاب‪ ،‬وممما‬
‫هلكت الدول ول هلكممت الممالممك ول سممفكت الممدماء ظلم ما ً ول هتكممت‬
‫الستار بغيممر النمممائم والكممذب‪ ،‬ول أكممدت البغضمماء والحممن المرديممة إل‬
‫بنمائم ل يحظى صاحبها إل بالمقت والخزي والذل‪ ،‬وأن ينظر منه الذي‬
‫ينقل إليه فضل ً عن غيره بالعين التي ينظمر بهما ممن الكلمب‪ .‬واللمه عممز‬
‫وجل يقول‪) :‬ويل لكل همزة لمزة(‪ .‬ويقول جل من قائل‪) :‬يا أيها الذين‬
‫آمنمموا إذ جمماءكم فاسممق بنبممإ فتممبينوا(‪ .‬فسمممى النقممل باسممم الفسمموق‪.‬‬
‫ويقول‪) :‬ول تطع كل حلف مهين هماز مشاء بنميم‪ .‬منمماع للخيممر معتممد‬
‫أثيم‪ .‬عتل بعد ذلك زنيم(‪ .‬والرسول عليه السلم يقول‪) :‬ل يدخل الجنممة‬

‫)‪(43‬‬

‫قتات(‪ .‬ويقول‪) :‬وإيمماكم وقاتممل الثلثممة(‪ .‬يعنممي المنقممل والمنقممول إليممه‬
‫والمنقول عنه والحنف يقول‪ :‬الثقة ل يبلغ‪ ،‬وحق لذي الوجهين أل يكون‬
‫عند الله وجيهًا‪ .‬وهو ما يجعله من أخس الطبائع وأرذلها‪.‬‬
‫ولي إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسممى الثقفممي الشمماعر رحمممه اللممه‪،‬‬
‫وقد نقل إليه رجل من إخواني عني كذبا ً على جهممة الهممزل‪ ،‬وكممان هممذا‬
‫الشاعر كثير الوهم فأغضبه وصدقه‪ ،‬وكلهما كان لي صديقًا‪ ،‬وممما كممان‬
‫الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كممان كممثير المممزاح جممم الدعابممة‪.‬‬
‫فكتبت إلى أبي إسحاق‪ ،‬وكان يقول بالخبر‪ ،‬شعرا ً منه‪:‬‬
‫ول تتبدل قالة قد سمعتها * تقال ول تدري الصحيح بما تدري‬
‫كمن قد أراق الماء للل إن بدا * فلقى الردى في الفيح المهمة القفر‬
‫وكتبت إلى الذي نقل عني‪ ،‬شعرا ً منه‪:‬‬
‫ول تزعما ً في الجد مزحا ً كمولج * فساد علج النفس طي صلحها‬
‫ومن كان نقل الزور أمضى سلحه * كمثل الحبارى تتقي بسلحها‬
‫وكان لي صديق مرة؛ وكممثر التممدخيل بينممي وبينممه حممتى كممدح ذلممك فيممه‬
‫واسممتبان فممي وجهممه وفممي لحظممه‪ ،‬وطبعممت علممى التممأني والممتربص‬
‫والمسالمة ما أمكنت‪ ،‬ووجدت بالنخفاض سبيل ً إلممى معمماودة‪ ،‬المممودة‪،‬‬
‫فكتبت إليه شعرا ً منه‪:‬‬
‫ولي في الذي أبدى مرام لوانها * بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز‬
‫وأقول مخاطبا ً لعبيد الله بن يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسممائل‬
‫والبليغة وكان طبع الكذب قد استولى عليه واستحذ علممى عقلممه وألفممه‬
‫وألفممة النفممس المممل ويؤكممد نقلممه وكممذبه باليمممان المؤكممدة المغلطممة‪،‬‬
‫مجاهرا ً بها أكذب من السراب مسممتهترا ً بالكممذب مشممغوفا ً بممه‪ ،‬ل يممزال‬
‫يحدث من قد صح عنده أنممه ل يصمدقه فل يزجمره ذلممك عمن أن يحمدث‬
‫بالكذب‪:‬‬
‫بدا كل ما كتمته بين مخبر * وحال أرتني قبح عقدك بينا‬
‫وكم حالة صارت بياننا ً بحالة * كما تثبت الحكام بالحبل الزنا‬
‫وفيه أقول قطعة منها‪:‬‬
‫أنم من المرآة في كل ما درى * وأقطع بين الناس من قصب الهند‬
‫أظن المنايا والزمان تعلما * تحليله بالقطع بين ذوي الود‬
‫وفيه أيضا ً أقول من قصيدة طويلة‪:‬‬
‫وأكذب من حسن الظنون حديثه * وأقبح من دين وفقر ملزم‬

‫)‪(44‬‬

‫أوامر رب العرش أضيع عنده * وأهون من شكوى إلى غير راحم‬
‫تجمع فيه كل خزي وفضحة * فلم يبق شتما ً في المقال أشاتم‬
‫وأثقل من عذل على غير قابل * وأبرد بردا ً من مدينة سالم‬
‫وأبغض من بين وهجر ورقبة * جمعن على حران حيران هائم‬
‫وليس من نبه غمماف ً‬
‫ل‪ ،‬أو نصممح صممديقًا‪ ،‬أو حفممظ مسمملمًا‪ ،‬أو حكممى عممن‬
‫فاسق وأحدث عن عدو ما لم يكن يكذب ول يكذب‪ ،‬ول تعمد الضممغائن‪،‬‬
‫متنق ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وهل هلك الضعفاء وسقط من ل عقل له إل في قلة المعرفممة بالناصممح‬
‫من النمام‪ ،‬وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتممان فممي البمماطن‪،‬‬
‫أحدهما داء والخرى دواء والثاقب القريحة ل يخفى عليه أمرهممما‪ ،‬لكممن‬
‫الناقل من كان تنقيله غير مرضى في الديانمة‪ ،‬ونموى بمه التشمتيت بيمن‬
‫الولياء‪ ،‬والتضريب بين الخوان‪ ،‬والتحريش والتوبيش والترقيش‪ .‬فمممن‬
‫خاف إن سلك طريق النصيحة أن يقممع فممي طريممق النميمممة‪ ،‬ولممم يثممق‬
‫لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده مممن أممموره دنيمماه ومعاملممة أهممل‬
‫زمانه‪ ،‬فليجعل دينه دليل ً له وسراجا ً يستضيء به‪ ،‬فحيثما سلك به سلك‬
‫وحيثما أوقفه وقممف‪ .‬فشممارع الشممريعة وبمماعث الرسممول عليممه السمملم‬
‫ومرتب الوامر والنواهي أعلم بطريممق الحممق وأدري بعممواقب السمملمة‬
‫ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه؛ وباحث بقياسه في ظنه‪.‬‬
‫الباب العشرون‬
‫الوصل‬
‫ومن وجوه العشق الوصل‪ ،‬وهو حظ رفيع‪ ،‬ومرتبة سرية‪ ،‬ودرجة عالية‪،‬‬
‫وسعد طالع‪ .‬بل هو الحياة المجدة‪ ،‬والعيممش السممني‪ ،‬والسممرور الممدائم‬
‫ورحمة من الله عظيمة‪ .‬ولول أن الدنيا دار ممر ومحنممة وكممدر‪ ،‬والجنممة‬
‫دار جزاء وأمان من المكاره‪ ،‬لقلنا إن وصل المحبوب هو الصممفاء الممذي‬
‫ل كممدر فيممه‪ ،‬والفممرح الممذي ل شممائبة ول حممزن معممه‪ ،‬وكمممال الممماني؛‬
‫ومنتهى الراجي‪ .‬ولقد جربت اللذات على تصممرفها‪ ،‬وأدركممت الحظمموظ‬
‫على اختلفها‪ ،‬فما للدنو من السلطان ول للمال المسممتفاد‪ ،‬ول الوجممود‬
‫بعد العدم‪ ،‬ول الوبة بعد طول الغيبة ول المن بعد الخمموف‪ ،‬ول الممتروح‬
‫على المال‪ ،‬مممن الموقممع فممي النفممس ممما للوصممل؛ ل سمميما بعممد طممول‬
‫المتناع‪ ،‬وحلول الهجر حتى يتأجج عليه الجوى‪ ،‬ويتوقممد لهيممب الشمموق‪،‬‬
‫وتنصرم نار الرجاء‪ .‬وممما أصممناف النبممات بعممد غممب القطممر‪ ،‬ول إشممراق‬
‫الزاهير بعد إقلع السحاب الساريات فممي الزمممان السجسممج ول خريممر‬

‫)‪(45‬‬

‫المياه المتخللة لفانين النوار‪ ،‬ول تأنق القصور الممبيض قممد أحممدقت بهمما‬
‫الرياض الخضر‪ ،‬بأحسن من وصل حممبيب قممد رضمميت أخلقممه‪ ،‬وحمممدت‬
‫غممرائزه‪ ،‬وتقممابلت فممي الحسممن أوصممافه‪ .‬وأنممه لمعجممز ألسممنة البلغمماء‪،‬‬
‫ومقصر فيه بيان الفصحاء‪ ،‬وعنده تطيش اللباب‪ ،‬وتعزب الفهام‪ .‬وفي‬
‫ذلك أقول‪:‬‬
‫وسائل لي عما لي من العمر * وقد رأى الشيب في الفودين والعذر‬
‫أجبته ساعة ل شيء أحسبه * عمرا ً سواها بحكم العقل والنظر‬
‫فقال لي كيف ذا بينه لي فلقد * أخبرتني أشنع النباء والخبر‬
‫فقلت إن التي قلبي بها علق * قبلتها قبلة يوم على خطر‬
‫فما أعد ولو طالت سني سوى * تلك السويعة بالتحقيق من عمري‬
‫ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد‪ ،‬وإن للوعد المنتظر مكانا ً لطيفا ً مممن‬
‫شمغاف القلمب‪ ،‬وهمو ينقسمم قسممين‪ ،‬أحمدهما الوعمد بزيمارة المحمب‬
‫لمحبوبه وفيه أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أسامر البدر لما أبطأت وأرى * في نوره من سنا إشراقها عرضا ً‬
‫فبت مشترطا ً والود مختلطا ً * والوصل منبسطا ً والهجر منقبضا ً‬
‫والثاني انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه‪ ،‬وإن لمبممادئ الوصممل‬
‫وأوائل السعاف لتولجا ً علممى الفممؤاد ليممس لشمميء مممن الشممياء‪ .‬وإنممي‬
‫لعرف من كان ممتحنا بهوى في بعض المنازل المصمماقبة فكممان يصممل‬
‫متى شاء بل مانع ول سبيل إلى غير النظر والمحادثممة زمانما ً طمموي ً‬
‫ل‪ ،‬ليل‬
‫متى أحب ونهارًا‪ ،‬إلى أن ساعدته القممدار بإجابممة‪ ،‬ومكنتممه بإسممعاد بعممد‬
‫يأسه‪ ،‬لطول المدة ولعهدي به قد كاد أن يختلط عقلممه فرحمًا‪ ،‬وممما كمماد‬
‫يتلحق كلمه سرورًا‪ ،‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫برغبة لو إلى ربي دعوت بها * لكان ذنبي عند الله مغفورا ً‬
‫ولو دعوت بها أسد الفل لغدا * إضرارها عن جميع الناس مقصورا ً‬
‫فجاد باللثم لي من بعد منعته * فاهتاج من لوعتي ما كان مغمورا ً‬
‫كشارب الماء كي يطفي الغليل به * فغص فانصاع في الجداث مقبورا ً‬
‫وقلت‪:‬‬
‫جرى الحب مني مجرى النفس * وأعطيت عيني عنان الفرس‬
‫ولي سيد لم يزل نافرا ً * وربما جاد لي في الخلس‬
‫فقبلته طالبا ً راحة * فزاد أليل بقلبي اليبس‬
‫وكان فؤادي كتبت هشيم * يبيس رمى فيه رام قبسي‬

‫)‪(46‬‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ويا جوهر الصين سحقا ً فقد * عنيت بياقوتة النداس‬
‫خبر‪ :‬وإني لعرف جارية اشتد وجدها بفتى مممن أبنمماء الرؤسمماء‪ ،‬وهممو ل‬
‫علم عنده‪ ،‬وكثر غمها وطال أسفها إلممى أن ضممنيت بحبممه‪ ،‬وهممو بغممرارة‬
‫الصبي ل يشعر‪ .‬ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لنها كانت بكرا ً‬
‫بخاتمها‪ ،‬مع الجلل له عن الهجموم عليمه بمما ل تمدري لعلمه ل يموافقه‪.‬‬
‫فلما تمادى المر وكانا إلفين في النشأة‪ ،‬شكت ذلك إلممى امممرأة جزلممة‬
‫الرأي كانت تثق بهما لتوليهمما تربيتهما‪ ،‬فقمالت لهمما‪ :‬عرضممي لمه بالشممعر‪.‬‬
‫ففعلت المرة بعد المرة وهو ل يأبه في كل هذا‪ ،‬ولقد كان لقنا ً ذكيا ً لممم‬
‫يظن ذلك فيميل إلى تنتيش الكلم بوهمه‪ ،‬إلى أن عيممل صممبرها وضمماق‬
‫صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لهمما معممه فممي بعممض الليممالي‬
‫منفردين‪ ،‬ولقد كان يعلم الله عفيفا ً متصاونا ً بعيدا ً عن المعاصممي‪ ،‬فلممما‬
‫حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولممم‬
‫تكلمه بكلمة‪ ،‬وهي تتهادى في مشيها‪ ،‬كما أقول في أبيات لي‪:‬‬
‫كأنها حين تخطو في تأودها * قضيب نرجسة في الروض مياس‬
‫كأنما خلدها في قلب عاشقها * ففيه من وقعها خطر ووسواس‬
‫كأنما مشيها مشي الحمامة ل * كد يعاب ول بطء به باس‬
‫فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد فممي كبممده وعلتممه وجمممة‪،‬‬
‫فما هو إل أن غابت عنه ووقع في شرك الردى واشتعلت في قلبه النار‬
‫وتصعدت أنفاسه وترادفت أرجاله وكثر قلقه وطممال أرقممه‪ ،‬فممما غمممض‬
‫تلك الليله عينًا‪ ،‬وكان هذا بدء الحب بينهما دهرًا‪ ،‬إلممى أن جمذت جملتهمما‬
‫يد النوى‪ .‬وإن هذا لمن مصائد إبليس ودواعي الهوى الممتي ل يقممف لهمما‬
‫أحد أل من عصمه الله عز وجل‪.‬‬
‫ومن الناس من يقول‪ :‬إن دوام الوصل يودي بممالحب‪ ،‬وهممذا هجيممن مممن‬
‫القول‪ ،‬إنما ذلك لهل الملل‪ ،‬بل كلما زاد وصل ً زاد اتصا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وعني أخبرك أني ما رويت قممط مممن ممماء الوصممل ول زادنممي إل ظلم مًا‪.‬‬
‫وهذا حكم من تداوى برأيه وإن ربه عنه سريعًا‪ .‬ولقد بلغت من التمكممن‬
‫بمن أحب أبعد الغايات التي ل يجد النسان وراءها مرمى‪ ،‬فما وجممدتني‬
‫إل مستزيدًا‪ ،‬ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ول رهقتني فترة‪،‬‬
‫ولقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري فممي فممن‬
‫من فنون الوصل إل وجدته مقصرا ً عن مممرادي وغيممر شمماف وجممدي ول‬
‫قاض أقل لبانة من لباناتي‪ ،‬ووجممدتني كلممما ازددت دنمموا ً ازددت ولوعمًا‪،‬‬
‫وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي‪ ،‬فقلت في ذلك المجلس‪:‬‬
‫وددت بأن القلب شق بمدية * وادخلت فيه ثم أطبق في صدري‬

‫)‪(47‬‬

‫فأصبحت فيه ل تحلين غيره * إلى مقتضى يوم القيامة والحشر‬
‫تعيشين فيه ما حييت فإن أمت * سكنت شغاف القلب في ظلم القبر‬
‫وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء‪ ،‬وأمنا الوشاة‪ ،‬وسمملما‬
‫من البين‪ ،‬ورغبا عن الهجر‪ ،‬وبعدا عممن الملممل‪ ،‬وفقممدا العممذال‪ ،‬وتوافقمما‬
‫في الخلق‪ ،‬وتكافيا في المحبة‪ ،‬وأتاح الله لهما رزقا ً دارا‪ ،‬وعيشا ً قممارًا‪،‬‬
‫وزمانا ً هاديًا‪ ،‬وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحممال‪ ،‬وطممالت‬
‫صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي ل مممرد لممه ول بمد منممه‪،‬‬
‫هذا عطاء لم يحصل عليه أحد‪ ،‬وحاجة لم تقض لكممل طممالب‪ ،‬ولممو ل أن‬
‫مع هذه الحال الشفاق من بغتات المقادير المحكمة في غيب اللممه عممز‬
‫وجل‪ ،‬من حلول فراق لم يكتسب؛ واخترام منية في حال الشباب أو ما‬
‫أشبه ذلك‪ ،‬لقلت إنها حال بعيدة من كل آفة‪ ،‬وسمليمة ممن كمل داخلممة‪.‬‬
‫ولقد رأيت من اجتمع له هممذا كلممه إل أنممه كممان دهممى فيمممن كممان يحبممه‬
‫بشراسة الخلق‪ ،‬ودالة على المحبة‪ ،‬فكانا ل يتهنيممان العيممش ول تطلممع‬
‫الشمس في يوم إل وكان بينهما خلف فيه‪ ،‬وكلهما كان مطبوع ما ً بهممذا‬
‫الخلق‪ .‬لثقة لك واحد منهما بمحبة صاحبه‪ ،‬إلممى أن دنممت النمموى بينهممما‬
‫فتفرقا بالموت المرتب لهاذ العالم‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫كيف أذم النوى وأظلمها * وكل أخلق من أحب نوى‬
‫قد كان يكفي هوى أضيق به فكيف إذ حل بي نوى وهوى‬
‫وروى عن زياد بن أبي سفيان رحمه الله أنه قممال لجلسمماته‪ :‬مممن أنعممم‬
‫الناس عيشة? قالوا‪ :‬أمير المؤمنين‪ .‬فقال‪ :‬وأين ما يلقى مممن قريممش?‬
‫قيل‪ :‬فأنت‪ .‬قال‪ :‬أين ما ألقممى مممن الخمموارج والثغممور? قيممل فمممن أيهمما‬
‫المير‪ .‬قال‪ :‬رجل مسلم له زوجة مسلمة لهما كفمماف مممن العيممش قممد‬
‫رضيت به ورضى بها ل يعرفنا ول نعرفه‪.‬‬
‫وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين‪ ،‬وجل القلمموب‪ ،‬واسممتمال الحممواس‪.‬‬
‫واستهوى النفوس‪ ،‬واستولى علممى الهممواء‪ ،‬واقتطممع اللبمماب‪ ،‬واختلممس‬
‫العقول‪ ،‬مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب ولقد شاهدت مممن‬
‫هذا المعنى كثيرًا‪ ،‬وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقممة‬
‫المعنى ل سيما إن كان هوى يتكتم به‪ .‬فلو رأيت المحبوب حين يعممرض‬
‫بالسؤال عن سبب تغضممبه بحبممه‪ ،‬وخجلتممه فممي الخممروج مممما وقممع فيممه‬
‫بالعتذار‪ ،‬وتوجيهه إلى غير وجهه‪ ،‬وتحليلممه فممي اسممتنباط معنممى يقيمممه‬
‫عند جلسائه‪ ،‬لرأيت عجبا ً ولذة مخيفممة ل تقاومهمما لممذة‪ ،‬و رأيممت أجلممب‬
‫للقلوب ول أغوص على حياتهمما ول أنفممذ للمقاتممل مممن هممذا الغفممل‪ ،‬وإن‬
‫للمحبين في الوصل من العتذار ما أعجز أهل الذهان الذكيممة والفكممار‬
‫القوية‪ .‬ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت‪:‬‬

‫)‪(48‬‬

‫إذا مزجت الحق بالباطل * جوزت ما شئت على الغافل‬
‫وفيهما فرق صحيح له * علمة تبدو إلى العاقل‬
‫كالتبر إن تمزج به فضة * جازت على كل فتى جاهل‬
‫وأن تصادف صائغا ً ماهرا ً * ميز بين المحض والحائل‬
‫وإني لعلم فتى وجاريممة كممان يكلممف كممل واحممد منهممما بصمماحبه‪ ،‬فكانمما‬
‫يضممطجعان إذا حضممرهما أحممد وبينهممما المسممند العظيممم مممن المسمماند‬
‫الموضوعة عنممد ظهممور الرؤسمماء علممى الفممرش ويلتقممي رأسمماهما وراء‬
‫المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ول يريان‪ ،‬وكأنهممما إنممما يتمممدادن‬
‫من الكلل‪ .‬ولقد كان بلغ من تكافئهما في المودة آمرا ً عظيم مًا‪ ،‬إلممى أن‬
‫كان الفتى المحب ربما استطال عليها‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ومن أعاجيب الزمان التي * طمت على السامع والقائل‬
‫رغبة مركوب إلى راكب * وذلة المسؤل للسائل‬
‫وطول مأسور إلى آسر * وصولة المقتول للقاتل‬
‫ما إن سمعنا في الورى قبلها * خضوع ممول إلى آمل‬
‫هل هاهنا وجه تراه سوى * تواضع المفعول للفاعل‬
‫ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنه شاهدت فتى وجارية كان يجد كممل واحممد‬
‫منهما بصاحبه فضل وجد‪ ،‬قد اجتمعا في مكممان علممى طممرب‪ ،‬وفممي يممد‬
‫الفتى سكين يقطع بها بعض الفواكه‪ ،‬فجراهمما جممرا ً زائدا ً فقطممع إبهممامه‬
‫قطعا ً لطيفا ً ظهر فيه دم‪ ،‬وكان على الجارية غللممة قصممب خزائنيممة لهمما‬
‫قيمة‪ ،‬فصرفت يدها وخرقيتها وأخرجت منها فضلة شد بها إبهامه‪ .‬وأممما‬
‫هذا الفعل للمحب فقليل فيما يجب عليه‪ ،‬وفرض لزم وشريعة مممؤداة‪،‬‬
‫وكيف ل وقد بذل نفسه ووهب روحه فما يمنع بعدها‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وأنا أدركت بنت زكريا بن يحيى التميمي المعممروف بممابن برطممال‪،‬‬
‫وعمها كان قاضي الجماعممة بقرطبممة محمممد بممن يحيممى‪ ،‬وأخمموه المموزير‬
‫القائد الذي كان قتله غالب وقائدين له في الوقعممة المشممهورة بممالثغور‪،‬‬
‫وهما مروان بن أحمممد بممن شممهيد ويوسممف ابممن سممعيد العكممي‪ ،‬وكممانت‬
‫متزوجة بيحيى بن محمد ابن الوزير يحيى بن إسممحاق‪ ،‬فعمماجلته المنيممة‬
‫وهو في أغض عيشه وأنضر سرورهما‪ ،‬فبلغ من أسممفها عليممه أن بمماتت‬
‫معه في دثار واحد ليلة مما ت وجعلتممه آخمر العهمد بمه وبوصممله‪ ،‬ثمم لممم‬
‫يفارقها السف بعده حين موتها‪.‬‬
‫وإن للوصل المختلس الذي يخاتل به الرقباء ويتحفممظ بممه مممن الحضممر‪،‬‬
‫مثل الضحك المستور‪ ،‬والنحنحة‪ ،‬وجممولن اليممدي‪ ،‬والضممغط بالجنمماب‪،‬‬
‫والقرص باليد والرجل‪ ،‬لموقعا ً من النفس شهيًا‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬

‫)‪(49‬‬

‫إن للوصل الخفي محل ً * ليس للوصل المكين الجلي‬
‫لذة أمرها بارتقاب * كمسير في خلل النقي‬
‫خبر‪:‬‬
‫ولقد حدثني ثقة من إخواني جليل من أهل البيوتات أنه كممان علممق فممي‬
‫صباه جارية كانت في بعض دور آله‪ ،‬وكان ممنوعا ً منها فهام عقله بهمما‪.‬‬
‫قال لي‪ :‬فتنزهنا يوما ً إلى بعض ضياعنا ً بالسهلة غربي قرطبة مع بعممض‬
‫أعمامي‪ ،‬فتمشينا فممي البسمماتين وأبعممدنا عمن المنممازل وانبسممطنا علمى‬
‫النهار‪ .‬إلى أن غيمت السماء وأقبممل الغيممث‪ ،‬فلممم يكممن بالحضممرة مممن‬
‫الغطاء ما يكفي الجميع‪ .‬قال‪ :‬فأمر عمي ببعض الغطيممة فممأليقى علممي‬
‫وأمرها بالكتنان معي‪ ،‬فظن بما شئت من التمكن على أعين المل وهم‬
‫ل يشعرون‪ ،‬ويالك من جمع كخلء‪ ،‬واحتفال كانفراد‪ .‬قال لي‪ :‬فمموالله ل‬
‫نسيت ذلك اليوم أبدًا‪ .‬ولعهدي به وهو يحدثني بهممذا الحممديث وأعضمماؤه‬
‫كلها تضحك وهو يهتز فرحا ً على بعد العهد وامتممداد الزممان‪ .‬ففممي ذلممك‬
‫أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫يضحك الروض والسحائب تبكي * كحبيب رآه صب معنى‬
‫خبر‪ :‬ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخممواني أنممه كممان فممي بعممض‬
‫المنازل المصاقبة له هوى‪ ،‬وكان في المنزلين موضع مطلع من أحدهما‬
‫على الخر‪ ،‬فكانت تقف له في ذلك الموضممع‪ ،‬وكممان فيممه بعممض البعممد‪،‬‬
‫فتسلم عليه ويدها ملفوفممة فممي قميصممها‪ .‬فخاطبهمما مسممتخبرا ً لهمما عممن‬
‫ذلك‪ .‬فأجابته‪ :‬إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقممف لممك غيممري فسمملم‬
‫عليك فرددت عليه‪ ،‬فصح الظن‪ ،‬فهذه علمة بيني وبينك فإذا رأيت يممدا ً‬
‫مكشوفة تشير نحوك بالسلم فليست يدي فل تجاوب‪.‬‬
‫وربما استحلى الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التخلممج فممي الوصممال‪،‬‬
‫فل يلتفت إلي لئم ول يسممتتم ممن حممافظ ول يبممالي بناقممل‪ ،‬بممل العممذل‬
‫حينئذ يغري‪ .‬وفي صفة الوصل أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫كم درت حول الحب حتى لقد * حصلت فيه كحصول الفراش‬
‫ومنه‪:‬‬
‫تعشو إلى الوصل دواعي الهوى * كماسرى نحو سنا النار عاش‬
‫ومنه‪:‬‬
‫عللني بالوصل من سيدي * كمثل تعليل الظلماء العطاش‬
‫ومنه‪:‬‬
‫ل توقف العين على غاية * فالحسن فيه مستزيد وباش‬

‫)‪(50‬‬

‫وأقول من قصيدة لي‪:‬‬
‫هل لقيل الحب من وادي * أم هل لعاني الحب من فادي‬
‫أم هل لدهري عودة نحوها * كمثل يوم مر في الوادي‬
‫ظللت فيه سابحا ً صاديا ً * يا عجبا ً للسابح الصعادي‬
‫ضنيت يا مولي وجدا ً فما * تبصرني ألحاظ عوادي‬
‫كيف اهتدي الوجد إلى غائب * عن أعين الحاضر والبادي‬
‫مل مداواتي طبيبي فقد * يرحمني للسقم حسادي‬
‫الباب الحادي والعشرون‬
‫الهجر‬
‫ومن آفات الحب أيضا ً الهجممر‪ ،‬وهممو علممى ضممروب‪ :‬فأولهمما هجممر يمموجبه‬
‫تحفظ من رقيب حاضمر؛ وإنمه لحلمى ممن كمل وصمل‪ ،‬ولمول أن ظماهر‬
‫اللفظ وحكم التسمية يمموجب إدخمماله فممي هممذا البمماب لرجعممت بممه عنممه‬
‫ولجللته عن تسطيره فيه‪ .‬فحينئذ ترى الحبيب منحرفا ً عن محبممه مقبل ً‬
‫بالحديث على غيره معرضا ً بمعرض لئل تلحق ظنته أو تسبق اسممترابته‪.‬‬
‫وترى المحب أيضا ً كذلك‪ .‬ولكممن طبعممه لممه جمماذب‪ ،‬ونفسممه لممه صممارفة‬
‫بالرغم‪ ،‬فتراه حينئذ منحرفا ً كمقبل‪ ،‬وساكنا ً كناطق‪ ،‬ونمماظرا ً إلممى جهممة‬
‫نفسه في غيرها‪ .‬والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن بمماطن حممديثهما‬
‫علم أن الخافي غير البادي‪ ،‬وما جهممر بممه غيممر نفممس الخممبر‪ ،‬وأنممه لمممن‬
‫المشاهد الجالبة للفتن والمناظر المحركممة للسممواكن الباعثممة للخممواطر‬
‫المهيجة للضمائر الجاذبة للفتوة‪ .‬ولي أبيات في شيء من هذا أوردتهمما‪.‬‬
‫وإن كان فيها غير هذا المعنى على ما شرطنا‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يلوم أبو العباس جهل ً بطبعه * كما عير الحوت النعامة بالصدى‬
‫ومنها‪:‬‬
‫وكم صاحب أكرمته غير طائع * ول مكره إل لمر تعمدا‬
‫وما كان ذاك البر إل لغيره * كما نصبوا للطير بالحب مصيدا ً‬
‫وأقممول مممن قصمميدة محتويممة علممى ضممروب مممن الحكممم وفنممون الداب‬
‫الطبيعية‪:‬‬
‫وسراء أحشائي لمن أنا مؤثر * وسراء أبنائي لمن أتحبب‬
‫فقد يشرب الصاب الكريه لعلة * ويترك صفو الشهد وهو محبب‬
‫وأعدل في إجهاد نفسي في الذي * أريد وإني فيه أشقى وأتعب‬

‫)‪(51‬‬

‫يهل اللؤلؤ المكنون والدر كله * رأيت بغير الغوص في البحر يطلب‬
‫وأصرف نفسي عن وجوه طباعها * إذا في سواها صح ما أنا أرغب‬
‫كما نسخ الله الشرائع قبلنا * بما هو أدنى للصلح وأقرب‬
‫وألقى سجايا كل خلق بمثلها * ونعت سجاياي الصحيح المهذب‬
‫كما صار لون الماء لون إنائه * وفي الصل لون الماء أبيض معجب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫أقمت ذوي ودي مقام طبائعي * حياتي بها والموت منهن يرهب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫وما أنا ممن تطبيه بشاشة * ول يقتضي ما في ضميري التجنب‬
‫أزيد نفارا ً عند ذلك باطنا ً * وفي ظاهري أهل وسهل ومرحب‬
‫فإني رأيت الحرب يعلو إشتعالها * ومبدؤها في أول المر ملعب‬
‫وللحية الرقشاء وشي ولونها * عجيب وتحت الوشي سم مركب‬
‫وإن فرند السيف أعجب منظرا ً * وفيه إذا هز الحمام المذرب‬
‫وأجعل ذل النفس عزة أهلها * إذا هي نالت ما بها فيه مذهب‬
‫فقد يضع النسان في الترب وجهه * ليأتي غدا ً وهو المصون المقرب‬
‫فذل يسوق العز أجود للفتى * من العز يتلوه من الذل مركب‬
‫وكم مأكل أربت عواقب غيه * ورب طوى بالخصب آت ومعقب‬
‫وما ذاق عز النفس من ل يذلها * ول التذ طعم الروح من ليس ينصب‬
‫ورودك نهل الماء من بعد ظمأة * ألذ من العل المكين وأعذب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫وفي كل مخلوق تراه تفاضل * فرد طيبا ً إن لم يتح لك أطيب‬
‫ول ترضى ورد الريق إل ضرورة * إذا لم يكن في الرض حاشاه‬
‫مشرب‬
‫ول تقربن ملح المياه فإنها * شجى والصدى بالحر أولى وأوجب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫فخذ من جراها ما تيسر واقتنع * ول تك مشغول ً بمن هو يغلب‬
‫فما لك شرط عندها ل ول يد * ول هي إن حصلت أم ول أب‬

‫)‪(52‬‬

‫ومنها‪:‬‬
‫ول تيأسن مما ينال بحيلة * وإن بعدت فالمر ينأى ويصعب‬
‫ول تأمن الظلم فالفجر طالع * ول تلتبس بالضوء فالشمس تغرب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ألح فإن الماء يكدح في الصفا * إذا طال ما يأتي عليه ويذهب‬
‫وكثر ول تفشل وقلل كثير ما * فعلت فماء المزن جم وينضب‬
‫فلو يتغذى المرء بالسم قاته * وقام له منه غذاء مجرب‬
‫ثم هجر يوجبه التذلل‪ ،‬وهو ألذ من كثير الوصال‪ ،‬ولذلك ل يكون إل عممن‬
‫ثقة كل واحد مممن المتحممابين بصمماحبه‪ ،‬واسممتحكام البصمميرة فممي صممحة‬
‫عقده فحينئذ يظهر المحبوب هجرانا ً ليرى صبر محبه‪ ،‬وذلممك لئل يصممفو‬
‫الدهر البتة‪ ،‬وليأسف المحب إن كممان مفممرط العشممق عنممد ذلممك ل لممما‬
‫حل‪ ،‬لكن مخافة أن يترقى المر إلى ما هو أجل‪ ،‬يكون ذلك الهجر سببا ً‬
‫إلى غيره‪ ،‬أو خوفا ًً من آفة حادث ملل‪ .‬ولقد عرض لي في الصممبا هجممر‬
‫مع بعض من كنت آلف‪ ،‬على هذه الصفة وهممو ل يلبممث أن يضمممحل ثممم‬
‫يعود‪ .‬فلما كثر ذلك قلت على سممبيل المممزاح شممعرا ً بمديهيا ً ختمممت كمل‬
‫بيت منه بقسم مممن أو قصمميدة طرفممة بممن العبممد المعلقممة‪ ،‬وهممي الممتي‬
‫قرأناها مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن أبي بكممر المقممرئ‬
‫عن أبي جعفر النحمماس‪ ،‬رحمهممم اللممه‪ ،‬فممي المسممجد الجممامع بقرطبممة‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬
‫تذكرت ودا ً للحبيب كأنه * لخولة أطلل ببرقة ثمهد‬
‫وعهدي بعهد كان لي منه ثابت * يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد‬
‫وقفت به ل موقنا ً برجوعه * ول آيسا ً أبكي وأبكي إلى الغد‬
‫إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا * يقولون ل تهلك أسى وتجلد‬
‫كأن فنون السخط ممن أحبه * خليا سفين بالعواصف من دد‬
‫كأن انقلب الهجر والوصل مركب * يجور به الملح طورا ً ويهتدي‬
‫فوقت رضي يتلوه وقت تسخط * كما قسم الترب المفايل باليد‬
‫ويبسم نحوي وهو غضبان معرض * مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد‬
‫ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحممب‪ ،‬وهممذا فيممه بعممض الشممدة‪،‬‬
‫لكممن فرحممة الرجعممة وسممرور الرضممى يعممدل ممما مضممى‪ ،‬فممإن لرضممى‬
‫المحبوب بعد سخطه لذة في القلب ل تعدلها لذة‪ .‬وموقفا ً من الروح ل‬

‫)‪(53‬‬

‫يفوقه شيء من أسباب الدنيا‪ .‬وهل شاهد مشمماهد أو رأت عيممن أرقممام‬
‫في فكر ألذ وأشهى من مقام قد قام عنممه كممل رقيممب‪ ،‬وبعممد عنممه كممل‬
‫بغيض‪ ،‬وغاب عنه كل واش‪ ،‬واجتمع فيه محبان قد تصممارما لممذنب وقممع‬
‫من المحب منهما وطال ذلك قلي ً‬
‫ل‪ ،‬وبدأ بعض الهجر ولم يكممن ثممم مممانع‬
‫من الطالمة للحمديث‪ ،‬فابتمدأ المحممب فمي العتممذار والخضمموع والتممذلل‬
‫والدلة بحجتممه مممن الدلل والذلل والتممذمم بممما سمملف‪ ،‬فطممورا ً يممدلي‬
‫ببراءته‪ ،‬وطورا ً يرد بالعفو ويستدعى المغفرة ويقر بالذنب ول ذنب لممه‪،‬‬
‫ولحبوب في كل ذلك ناظر إلممى الرض يسممارقه اللحممظ الخفممي وربممما‬
‫أدامه فيه ثم يبسمم مخفيما ً لتبسممه‪ ،‬وذلمك علممة الرضمى‪ .‬ثمم ينجلمي‬
‫مجلسهما عن قبول العذر‪ ،‬ويقبل القول‪ ،‬وامتحت ذنوب النقل‪ ،‬وذهبممت‬
‫آثار السخط‪ ،‬ووقع الجممواب بنعممم وذنبممك مغفممور‪ ،‬ولممو كممان فكيممف ول‬
‫ذنب‪ ،‬وختما أمرهما بالوصل الممكن وسقوط العتاب والسممعاد وتفرقمما‬
‫على هذا‪.‬‬
‫هذا مكان تتقاصر دونه الصفات وتتلكن بتحديممده اللسممنة؛ ولقممد وطئت‬
‫بساط الخلفاء وشاهدت محاضممر الملمموك فممما رأيممت هيبممة تعممدل هيبممة‬
‫محب لمحبوبه‪ ،‬ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤسمماء وتحكممم المموزراء‪.‬‬
‫وانبساط مدبري الدول‪ ،‬فما رأيت أشد تبجحا ً ول أعظم سرورا ً بممما هممو‬
‫فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته‬
‫له‪.‬‬
‫وحضممرت مقممام المعتممذين بيممن أيممدي السمملطين‪ ،‬ومواقممف المتهميممن‬
‫بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين‪ ،‬فما رأيت أذل من موقف محب‬
‫هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره السخط وغلممب عليممه الجفمماء‪.‬‬
‫ولقد امتحنت المرين وكنت في الحالة الولى أشممد مممن الحديممد وأنفممذ‬
‫من السيف‪ ،‬ل أجيب إلى الدنية ول أساعد على الخضمموع‪ ،‬وفممي الثانيممة‬
‫أذل من الرداء‪ ،‬وأليممن مممن القطممن‪ ،‬أبممادر إلممى أقصممى غايممات التممذلل‪،‬‬
‫وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع‪ ،‬وأتحلممل بلسمماني‪ ،‬وأغمموص علممى دقممائق‬
‫المعاني ببياني‪ ،‬وأفنن القول فنونًا‪ ،‬وأتصدى لكل ما يوجب الترضي‪.‬‬
‫والتجني بعض عوارض الهجران‪ ،‬وهو يقع فممي أول الحممب وآخممره‪ ،‬فهممو‬
‫في أوله علمة لصحة المحبة‪ ،‬وفي آخره علمة لفتورها وباب للسلو‪.‬‬
‫خبر‪ :‬واذكر في مثل هذا أني كنت مجتازا ً في بعض اليممام بقرطبممة فممي‬
‫مقبرة باب عامر في أمة مممن الطلب وأصممحاب الحممديث‪ ،‬ونحممن نريممد‬
‫مجلس الشيخ أبي القاسم عبد الرحم بن أبي يزيد المصممري بالرصممافة‬
‫أستاذي رضي الله عنه‪ ،‬ومعنا أبو بكر عبد الرحمن بن سممليمان البلمموي‬
‫من أهل سبتة‪ ،‬وكان شاعرا ً مفلقا ً وهو ينشد لنفسممه فممي صممفة متجممن‬
‫معهود أبياتا ً له‪ ،‬منها‪:‬‬

‫)‪(54‬‬

‫سريع إلى ظهر الطريق وإنه * إلى نقض أسباب المودة يسرع‬
‫يطول علينا أن نرفع وده * إذا كان في ترقيعه يتقطع‬
‫فوافق إنشاد البيت الول من هذين البيتين خطور أبي الحسين بن علي‬
‫الفاس رحمه الله تعالى وهو يؤم أيضا ً مجلس ابممن أبممي يزيممد‪ ،‬فسمممعه‬
‫فتبسم رحمه الله نحونا وطوانا ماشيا ً وهو يقول‪ :‬بل إلممى عقممد المممودة‬
‫إن شاء الله‪ ،‬همذا علمى جمد أبمي الحسمين رحممه اللمه وفضمله وتقربمه‬
‫وبراءته ونسكه وزهده وعلمه فقلت في ذلك‪:‬‬
‫دع عنك نقض مودتي متعمدا ً * واعقد حبال وصالنا يا ظالم‬
‫ولترجعن أردته أو لم ترد * كرها ً لما قال الفقيه العالم‬
‫ويقع فيه الهجر والعتاب‪ .‬ولعمري إن فيممه إذا كممان قليل ً للممذة‪ ،‬وأممما إذا‬
‫تفاقم فهو فأل غير محمود‪ ،‬وأمارة وبيئة المصدر‪ ،‬وعلمممة سمموء‪ ،‬وهممي‬
‫بجملة المر مطية الهجممران‪ ،‬ورائد الصممريمة‪ ،‬ونتيجممة التجنممي‪ ،‬وعنمموان‬
‫الثقل‪ ،‬ورسول النفصال‪ ،‬وداعية القلى‪ ،‬ومقدمة الصد‪ ،‬وإنما يستحسن‬
‫إذا لطف وكان أصله الشفاق‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫لعلك بعد عتبك أن تجودا * بما منه عتبت وأن تزيدا‬
‫فكم يوم رأينا فيه صحوا ً * وأسمعنا بآخره الرعودا‬
‫وعاد الصحو بعد كما علمنا * وأنت كذاك نرجو أن تعودا‬
‫وكان سبب قولي هذه البيات عتاب وقع في يوم هذه صممفته مممن أيممام‬
‫الربيع فقلتها في ذلك الوقت‪ ،‬وكان لي في بعض الزمن صديقان وكانمما‬
‫أخوين فغابا في سفر ثم قدما‪ ،‬وقد أصابني رمممد فتممأخرا عممن عيممادتي‪،‬‬
‫فكتبت إليهما‪ ،‬والمخاطبة للكبر منهما‪ ،‬شعرا ً منه‪:‬‬
‫وكنت أعدد أيضا ً على * أخيك بمؤلمة السامع‬
‫ولكن إذا الدجن عطى ذكا * ء فما الظن بالقمر الطالع‬
‫ثم هجر يوجبه الوشاة‪ ،‬وقد تقدم القمول فيهممم وفيممما يتولممد مممن دبيممب‬
‫عقاربهم‪ ،‬وربما كان سببا ً للمقاطعة البتة‪.‬‬
‫ثم هجر الملل‪ ،‬والملل من الخلق المطبوعة في النسان‪ ،‬وأحرى لمن‬
‫دهى به أل يصفو له صديق‪ ،‬ول يصح له إخمماء‪ ،‬ول يثبممت علممى عهممد‪ ،‬ول‬
‫يصبر على إلف‪ ،‬ول تطول مساعدته لمحب‪ ،‬ول يعتقد منه ود ول بغض‪.‬‬
‫وأولى المور بالناس أل يغروه منهم وأن يفروا عن صحبته ولقائه‪ .‬فلممن‬
‫يظفروا منه بطائل‪ ،‬ولذلك أبعدنا هذه الصفة عن المحبين وجعلناها في‬
‫المحبوبين‪ ،‬فهم بالجملة أهممل التجنممي والتظنممي‪ .‬والتعممرض للمقاطعممة‪.‬‬

‫)‪(55‬‬

‫وأما من تزيا باسممم الحممب وهممو ملممول فليممس منهممم‪ ،‬وحقممه أل يتجممرع‬
‫مذاقه‪ ،‬وينفي عن أهل هذه الصفة ول يدخل في جملتهم‪.‬‬
‫وما رأيت قط هذه الصفة أشد تغلب ما ً منهمما علممى أبممي عممامر محمممد بممن‬
‫عامر رحمه الله‪ ،‬فلو وصف لي واصف بعض ما علمته منه لممما صممدقته‬
‫وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة‪ ،‬وأقلهم صبرا ً على المحبوب وعلممى‬
‫المكروه والصد‪ ،‬وانقلبهم على الود علممى قممدر تسممرعهم إليممه‪ .‬فلتثممق‬
‫بملول ول تشغل به نفسك‪ ،‬ول تعنها بالرجاء في وفائه‪ .‬فإن دفعت إلى‬
‫محبته ضرورة فعده ابن ساعته‪ ،‬واستأنفه كل حين ممن أحيمانه بحسمب‬
‫ما تراه من تلونه‪ ،‬وقابله بما يشاكله‪ .‬ولقد كان أبو عامر المحممدث عنممه‬
‫يرى الجارية فل يصبر عنها‪ ،‬ويحيق بممه مممن الغتنممام والهممم ممما يكمماد أن‬
‫يأتي عليه حتى يملكها‪ ،‬ولممو حممال دونممه ذلممك شمموك القتمماد‪ ،‬فممإذا أيقممن‬
‫بتصيرها إليه عادت المحبة نفارًا‪ ،‬وذلك النس شرودًا‪ ،‬والقلق إليها قلقا ً‬
‫منها‪ ،‬ونزاعه نحوها نزاعا ً عنها‪ ،‬فيبيعها بممأوكس الثمممان هممذا كممان دأبممه‬
‫حتى أتلف فيما ذكرنا من عشرات ألمموف الممدنانير عممددا ً عظيممًا‪ ،‬وكمان‬
‫رحمممه اللممه مممع هممذا مممن أهممل الدب والحممذق الممذكاء والنبممل والحلوة‬
‫والتوقد‪ ،‬مع الشرف العظيممم والمنصممب الفخممم والجمماه العريممض‪ .‬وأممما‬
‫حسن وجهه وكمال صورته فشيء تقف الحدود عنه وتكل الوهممام عممن‬
‫وصف أقلممه ول يتعمماطى أحممد وصممفه‪ .‬ولقممد كممانت الشمموارع تخلممو مممن‬
‫السيارة ويتعمدون الخطور على باب داره في الشارع الخذ مممن النهممر‬
‫الصممغير علممى بمماب دارنمما فممي الجممانب الشممرقي بقرطبممة إلممى الممدرب‬
‫المتصل بقصر الزاهرة‪ ،‬وفي هذا الدرب كانت داره رحمه الله ملصممقة‬
‫لنا‪ ،‬ل لشيء إل للنظر منه‪ .‬ولقد مات مممن محبتممه جمموار كممن علقممن أو‬
‫همامهن بمه‪ ،‬ورثيمن لمه فخمانهن ممما أملنمه منمه‪ ،‬فصمرن رهمائن البلمى‬
‫وقتلتهن الوحدة‪.‬‬
‫وأنا أعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء‪ ،‬عهدي بها ل تتستر بمحبتممه‬
‫حيثممما جلسممت‪ ،‬ول تجممف دموعهمما‪ ،‬وكممانت قممد تصمميرت مممن داره إلممى‬
‫البركات الخيال صاحب الفتيان‪ .‬ولقد كان رحمه الله يخبرني عن نفسه‬
‫أنه يمل اسمه فضل ً عن غير ذلك‪.‬‬
‫وأما إهوانه فإنه تبدل بهم في عمره على قصره مممرارًا‪ ،‬وكممان ل يثبممت‬
‫على زي واحد كأبي براقش‪ ،‬حينا ً يكون في ملبس الملمموك وحين ما ً فممي‬
‫ملبس الفتاك‪.‬‬
‫فيجب على من امتحن بمخالطة من هذه صممفته علمى أي وجممه كممان أل‬
‫يستفرغ عامة جهممده فمي محبتمه‪ ،‬وأن يقيممم اليممأس ممن دوامممه خصمما‬
‫لنفسه؛ فإذا لحت له مخايل الملل قاطعة أياما ً حتى ينشط باله‪ ،‬ويبعممد‬
‫به عنه‪ ،‬ثم يعاوده‪ ،‬فربما دامت المودة مع هذا‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬

‫)‪(56‬‬

‫ل ترجون ملول ً * ليس الملول بعده‬
‫ود الملول فدعه * عارية مسترده‬
‫ومن الهجر ضرب يكون متوليه المحممب‪ ،‬وذلممك عنممدما يممرى مممن جفمماء‬
‫محبوبه والميل عنه إلى غيره‪ ،‬أو لثقيل يلزمممه‪ ،‬فيممرى الممموت ويتجممرع‬
‫غصص السى‪ ،‬والعض علمى نقيمف الحنظمل أهمون ممن رؤيمة ممايكره‪،‬‬
‫فينقطع وكبده تتقطع‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫هجرت من أهواه ل عن قلى * يا عجبا ً للعاشق الهاجر‬
‫لكن عيني لم تطق نظرة * إلى محبا الرشأ الغادر‬
‫فالموت أحلى مطمعا ً من هوى * يباح للوارد والصادر‬
‫وفي الفؤاد النار مذكية * فاعجب لصب جزع صابر‬
‫وقد أباح الله في دينه * تقية المأسور للسر‬
‫وقد أحل الكفر خوف الردى * حتى ترى المؤمن كالكافر‬
‫خبر‪:‬‬
‫ومن عجيب ما يكون فيها وشنيعه أني أعرف من هام قلبه بمتنمماه عنممه‬
‫نافر منه‪ ،‬فقاسى الوجد زمنا ً طوي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم سنحت له اليام بسانحة عجيبة‬
‫من الوصل أشرف بها على بلوغ أمله‪ ،‬فحين لممم يكممن بينممه وبيممن غايممة‬
‫رجائه إل كهؤلء عاد الهجر والبعد إلممى أكممثر ممما كممان قبممل‪ .‬فقلممت فممي‬
‫ذلك‪:‬‬
‫كانت إلى دهري لي حاجة * مقرونة في البعد بالمشترى‬
‫فساقها باللطف حتى إذا * كانت من القرب على محجر‬
‫أبعدها عني فعادت كأن * لم تبد للعين ولم تظهر‬
‫وقلت‪:‬‬
‫دنا أملي حتى مددت لخذه * يدا ً فانثني نحو المجرة راحل ً‬
‫فأصبحت ل أرجو وقد كنت موقنا ً * وأضحى مع الشعري وقد كان‬
‫حاصل ً‬
‫وقد كنت محسودا ً فأصبحت حاسدا ً * وقد كنت مأمول ً فأصبحت آمل ً‬
‫كذا الدهر في كراته وانتقاله * فل يأمنن الدهر من كان عاقل ً‬
‫ثم هجر القلى‪ ،‬وهنا ضلت الساطير ونفدت الحيممل وعظممم البلء؛ وهممو‬
‫الذي خلى العقول ذواهل‪ ،‬فمممن دهممى بهممذه الداهيممة فليتصممد لمحبمموب‬
‫محبوبه‪ ،‬وليتعمد ما يعرف أنه يستحسنه‪ .‬ويجب أن يجتنب ما يدري أنممه‬
‫يكرهه‪ ،‬فربممما عطفممه ذلممك عليممه إن كممان المحبمموب ممممن يممدري قممدر‬

‫)‪(57‬‬

‫الموافقممة والرغبممة فيممه‪ ،‬وأممما مممن لممم يعلممم قممدر هممذا فل طمممع فممي‬
‫استصممرافه‪ ،‬بممل حسممناتك عنممده ذنمموب‪ .‬فممإن لممم يقممدر المممرء علممى‬
‫استصرافه فليتعمد السمملوان وليحاسممب نفسممه بممما هممو فيممه مممن البلء‬
‫والحرمان‪ ،‬ويسعى في نيل رغبته على أي وجه أمكنه‪ .‬ولقد رأيممت مممن‬
‫هذه صفته‪ ،‬وفي ذلك أقول قطعة أولها‪:‬‬
‫دهيت بمن لو أدفع الموت دونه * لقال إذا ً يا ليتني في المقابر‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ول ذنب لي إذ صرت أحدو ركائبي * إلى الورد والدنيا تسيء مصادري‬
‫وماذا على الشمس المنيرة بالضحى * إذا قصرت عنها ضعاف البصائر‬
‫وأقول‪:‬‬
‫ما أقبح الهجر بعد وصل * وأحسن الوصل بعد هجر‬
‫كالو فر تحويه بعد فقر * والفقر يأتيك بعد وفر‬
‫وأقول‪:‬‬
‫معهود أخلقك قسمان * والدهر فيك اليوم صنفان‬
‫فإنك النعمان فيما مضى * وكان للنعمان يومان‬
‫يوم نعيم فيه سعد الورى * ويوم بأساه وعدوان‬
‫فيوم نعماك لغيري ويو * مى منك ذو بؤس وهجران‬
‫أليس حبي لك مساهل ً * لن تجازيه بإحسان‬
‫وأقول قطعة منها‪:‬‬
‫يا من جميع الحسن منتظم * فيه كنظم الدر في العقد‬
‫ما بال حتفي منك يطرقني * قصدا ً ووجهك طالع السعد‬
‫وأقول قصيدة أولها‪:‬‬
‫أساعة توديعك أم ساعة الحشر * وليلة بيني منك أم ليلة القشر‬
‫وهجرك تعذيب الموحد ينقضي * ويرجو التلقي أم عذاب ذوي الكفر‬
‫ومنها‪:‬‬
‫سقى الله أياما ً مضت ولياليا ً * تحاكي لنا النيلوفر الغض في النشر‬
‫فأوراقه اليام حسنا ً وبهجة * وأوسطه الليل المقصر للعمر‬
‫لهونا بها في غمرة وتآلف * تمر فل ندري وتأتي فل ندري‬
‫فأعقبنا منه زمان كأنه * ول شك حسن العقد أعقب بالغدر‬

‫)‪(58‬‬

‫ومنها‪:‬‬
‫فل تيأسي يا نفس عل زماننا * يعود بوجه مقبل غير مدبر‬
‫كما صرف الرحمن ملك أمية * إليهم ولوذي بالتجمل والصبر‬
‫وفي هذه القصيدة أمدح أبا بكر هشام بن محمد أخا أمير المؤمنين عبد‬
‫الرحمن المرتضى رحمه الله‪.‬‬
‫فأقول‪:‬‬
‫أليس يحيط الروح فينا بكل ما * دنا وتناءى وهو في حجب الصدر‬
‫كذا الدهر جسم وهو في الدهر روحه * محيط بما فيه وإن شئت‬
‫فاستقر‬
‫ومنها‪:‬‬
‫إتاوتها تهدي إليه ومنه * تقبلها منهم يقاوم بالشكر‬
‫كذا كل نهر في البلد وأن طمت * غزارته ينصب في لجج البحر‬
‫الباب الثاني والعشرون‬
‫الوفاء‬
‫ومن حميممد الغممرائز وكريممم الشمميم وفاضممل الخلق فممي الحممب وغيممره‬
‫الوفاء‪ ،‬وإنه لمممن أقمموى الممدلئل وأوضممح الممبراهين علممى طيممب الصممل‬
‫وشرف العنصر‪ ،‬يتفاضل بالتفاضل اللزم للمخلوقات‪ .‬وفي ذلممك أقممول‬
‫قطعة منها‪:‬‬
‫أفعال كل أمرئ تنبى بعنصره * والعين تغنيك عن أن تطلب الثرا‬
‫ومنها‪:‬‬
‫وهل ترى قط دفلى أنبتت عنبا ً * أو تذخر النحل في أوكارها الصبرا‬
‫وأول مراتب الوفاء أن يفمي النسمان لممن يفمي لمه‪ ،‬وهمذا فمرض لزم‬
‫وحق واجب على المحب والمحبوب‪ ،‬ل يحمول عنممه إل خممبيث المحتممد ل‬
‫خلق له ول خير عنده‪ .‬ولول أن رسالتنا هذه لممم نقصممد بهمما الكلم فممي‬
‫أخلق النسممان وصممفاته المطبوعممة والتطبممع وممما يزيممد مممن المطبمموع‬
‫بالتطبع وما يضمحل من التطبع بعد الطبع‪ ،‬لزدت فممي هممذا المكممان ممما‬
‫يجب أن يوضع في مثله‪ ،‬ولكنا إنما قصدنا التكلم فيممما رغبتممه مممن أمممر‬
‫الحب فقط‪ .‬وهذا أمر كان يطول جدا ً إذ الكلم فيه يتفتن كثيرًا‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ومن أرفع ما شاهدته ممن الوفمماء فممي هممذا المعنممى وأهمموله شمأنا ً‬
‫قصة رأيتها عيانًا‪ ،‬وهممو أنممي أعممرف مممن رضممي بقطيعممة محبمموبه وأعممز‬

‫)‪(59‬‬

‫الناس عليه؛ ومن كان الموت عنده أحلممى مممن هجممر سمماعة فممي جنممب‬
‫طيه لسر أودعه‪ ،‬وألزوم محبوبه يمينا ً غليظممة أل يكلمممه أبممدا ً ول يكممون‬
‫بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر‪ .‬علممى أن صمماحب ذلممك السممر كممان‬
‫غائبا ً فأبى من ذلك وتمادى وهو على كتمانه والثاني علممى هجرانممه إلممى‬
‫أن فرقت بينهما اليام‪.‬‬
‫ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر‪ ،‬وهي للمحب دون المحبوب‪ ،‬وليس‬
‫للمحبوب هاهنا طريق ول يلزمه ذلك‪ ،‬وهي خطة ل يطيقها إل جلد قوي‬
‫واسع الصدر حر النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقممل ماجممد‬
‫الخلق سالم النية‪ .‬ومن قابممل الغممدر بمثلممه فليممس بمسممتأهل للملمممة‪،‬‬
‫ولكن الحال التي قدمنا تفوفها جدا وتفوتها بعدًا‪ .‬وغاية الوفاء فمي همذه‬
‫الحال ترك مكافأة الذى بمثلممه‪ ،‬والكممف عممن سمميء المعارضممة بالفعممل‬
‫والقول‪ ،‬والتأني في جر حبل الصحبة ما أمكن‪ ،‬ورجيممت اللفممة‪ ،‬وطمممع‬
‫في الرجعة‪ ،‬ولحت للعودة أدنى مخيلممة‪ ،‬وشمميمت منهمما أقممل بارقممة‪ ،‬أو‬
‫تمموجس منهمما أيسممر علمممة‪ .‬فممإذا وقممع اليممأس واسممتحكم الغيممظ حينئذ‬
‫والسلمة من غرك والمن من ضرك والنجاة من أذاك‪ ،‬وأن يكون ذكممر‬
‫ما سلف مانعا ً من شفاء الغيظ فيما وقع‪ ،‬فرعى الذمة حق وكيد علممى‬
‫أهل العقول‪ ،‬والحنين إلى ما مضى وأل ينسى ما قممد فممرغ منممه وفنيممت‬
‫مدته أثبت الدلئل على صحة الوفاء وهذه الصممفة حسممنة جممدا ً وواجممب‬
‫استعمالها في كل وجه من وجوه معاملت الناس فيممما بينهممم علممى أي‬
‫حال كانت‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولعهدي برجل مممن صممفوة إخممواني قممد تعلممق بجاريممة فتأكممد الممود‬
‫بينهما‪ ،‬ثم غدرت بعهده ونقضت وده وشاع خبرهما‪ ،‬فوجد لممذلك وجممدا ً‬
‫شديدًا‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وكان لي مرة صديق ففسدت نيته بعد وكيد مودة ل يكفممر بمثلهمما‪،‬‬
‫وكان علم كل واحد منا سر صاحبه‪ ،‬وسقطت المؤونة‪ ،‬فلما تغيممر علممي‬
‫أفشى كل ما اطلع لي عليه مما كنت اطلعممت منممه علممى أضممعافه‪ ،‬ثممم‬
‫اتصل به أن قوله في قد بلغني‪ ،‬فجزع لذلك وخشممي أن أقارضممه علممى‬
‫قبيح فعلته‪ .‬وبلغني ذلك فكتبت إليه شممعرا ً أؤنسممه فيممه وأعملممه أنممي ل‬
‫أقارضه‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ومما يدخل في همذا المدرج‪ ،‬وإن كممان ليممس منممه ول همذا الفصمل‬
‫المتقدم من جنس الرسالة والباب ولكنه شممبيه لممه علممى ممما قممد ذكرنمما‬
‫وشرطنا‪ ،‬وذلك أن محمد بن وليد بن مكسممير الكمماتب كممان متص مل ً بممي‬
‫ومنقطعا ً إلى أيام وزارة أبي رحمة الله عليه‪ ،‬فلما وقع بقرطبة ما وقممع‬
‫وتغيرت أحوال خرج إلى بعض النواحي فاتصل بصمماحبها فعممرض جمماهه‬
‫وحدثت له وجاهة وحال حسنة‪ .‬فحللت أنا تلك الناحية في بعض رحلتي‬

‫)‪(60‬‬

‫فلم يوفني حقي بل ثقل عليه مكاني وأساء معاملتي وصحبتي‪ ،‬وكلفتممه‬
‫في خلل ذلك حاجة لم يقم فيها ول قعد واشممتغل عنهمما لممما ليممس فممي‬
‫مثله شغل‪ .‬فكتبت إليه شعرا ً أعاتبه فيه‪ ،‬فجاوبني مستعتبا ً علممى ذلممك‪.‬‬
‫فما كلفته حاجة بعدها‪ .‬ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب‬
‫ولكنه يشبهه أبياتا ً قلتها‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وليس يحمد كتمان لمكتتم * لكن كتمك ما أفشاه مغشيه‬
‫كالجود بالوفر أسنى ما يكون إذا * قل الوجود له أوضن معطيه‬
‫ثممم مرتبممة ثالثممة وهممي الوفمماء مممع اليممأس البممات‪ ،‬وبعممد حلممول المنايمما‬
‫وفجاءات المنون‪ .‬وإن الوفاء في همذه الحالمة لجمل وأحسمن منمه فمي‬
‫الحياة ومع رجاء اللقاء‪.‬‬
‫وخبر‪:‬‬
‫ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن أحمممد بممن وهممب‬
‫المعروف بابن الركيزة من ولد بدر الداخل مع المام عبممد الرحمممن بممن‬
‫معاوية رضي الله عنه جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجمماءته المنيممة‬
‫فبيعت في تركته‪ ،‬فأبت أن ترضى‪ ،‬بالرجال بعده وما جامعها رجل إلممى‬
‫أن لقيت الله عز وجل‪ .‬وكانت تحسن الغناء فأنكرت علمها به ورضمميت‬
‫بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات للنسل واللممذة والحممال الحسممنة‪،‬‬
‫وفاء منها لمن قد دثرووارته الرض والتأمت عليه الصفائح ولقممد رامهمما‬
‫سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع جواريه ويخرجها مما هي فيممه‬
‫فأبت‪ ،‬فضممربها غيممر مممرة وأوقممع بهمما الدب‪ ،‬فصممبرت علممى ذلممك كلممه‪.‬‬
‫فأقامت على امتناعها‪ .‬وإن هذا من الوفاء غريب جدًا‪.‬‬
‫وأعلم أن الوفاء على المحب أوجلب منه علممى المحبمموب وشممرطه لممه‬
‫الزم‪ ،‬لن المحب هو البادي باللصوق والتعممرض لعقممد الذمممة والقاصممد‬
‫لتأكيممد المممودة والمسممتدعى صممحة العشممرة‪ ،‬ول أول فممي عممدد طلب‬
‫الصفياء‪ ،‬والسابق فممي ابتغمماء اللممذة باكتسمماب الخلممة‪ ،‬والمقيممد نفسممه‬
‫بزمام المحبة قد عقلها بأوثق عقال وخطمها بأشد خطام‪ ،‬فمن قسممره‬
‫على هذا كله إن لم يرد إتمامه? ومن أجبره على اسممتجلب المقممة وإن‬
‫لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها? والمحبوب إنما هو مجلمموب إليممه‬
‫ومقصود نحوه ومخير في القبول أو الترك فإن قبل فغاية الرجمماء‪ ،‬وإن‬
‫أبى فغير مستحق للذم‪ .‬وليس التعرض للوصممل واللحمماح فيممه والتممأني‬
‫لكل ما يستجلب به من الموافقة وتصفية الحضرة والمغيب من الوفمماء‬
‫في شيء فحظ نفسه أراد الطالب‪ ،‬وفي سروره سممعى ولممه احتطممب‪.‬‬
‫والحب يدعوه ويحدوه على ذلك شاء أو أبى‪ ،‬وإنما يحمممد الوفمماء ممممن‬
‫يقدر على تركه‪ .‬وللوفاء شروط على المحبين لزمة‪ .‬فأولهمما أن يحفممظ‬
‫عهد محبوبه ويرعى غيبتممه‪ ،‬وتسممتوي علنيتممه وسممريرته‪ ،‬ويطمموي شممره‬

‫)‪(61‬‬

‫وينشر خيره‪ ،‬ويغطي على عيوبه ويحسن أفعاله‪ ،‬ويتغافل عما يقع منممه‬
‫على سبيل الهفوة ويرضى بما حمله ول يكثر عليممه بممما ينفممر منممه‪ ،‬وأل‬
‫يكون طلعة ثؤوبا ً ول ملة طروقًا‪ .‬وعلى المحبوب إن ساواه في المحبة‬
‫مثل ذلك‪ ،‬وإن كان دونممه فيهمما فليممس للمحممب أن يكلفممه الصممعود إلممى‬
‫مرتبته ول له الستشاطة عليه بأن يسممومه السممتواء معممه فممي درجتممه‪.‬‬
‫وبحسبه منه حينئذ كتمان خبره وأل يقابله بما يكممره ول يخيفممه بممه‪ ،‬وإن‬
‫كانت الثالثة وهي السلمة مما يلقى بالجملة فليقنممع بممما وجممد‪ ،‬وليأخممذ‬
‫من المر ما استدف ول يطلب شرطا ً ول يقترح حقًا‪ .‬وإنما له ممما سممنح‬
‫بحده أو ما حان بكده‪ ،‬وأعلم أنه ل يسممتبين قبممح الفعممل لهلممه‪ ،‬ولممذلك‬
‫يتضاعف قبحه عند من ليس من ذويه ول أقول قولي هذا ممتدحا ً ولكن‬
‫آخذا ً بأدب الله عز وجل‪) :‬وأما بنعمة ربك فحدث(‪.‬‬
‫لقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل مممن يمممت إلممى بلقيممه واحممدة‪،‬‬
‫ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثته ساعة حظًا? أنا له‬
‫شاكر وحامد ومنه مستمد ومستزيد‪ ،‬وما شيء أثقممل علممي مممن الغممدر‪،‬‬
‫ولعمري ما سمعت نفسي قط في الفكرة في إضممرار مممن بينممي وبينممه‬
‫أقل ذمام‪ ،‬وإن عظمت جريرته وكثرت إلى ذنوبه‪ ،‬ولقد دهمني من هذا‬
‫غير قليل فما جزيت على السوءى إل بالحسني‪ ،‬والحمد لله علممى ذلممك‬
‫كثيرًا‪ ،‬وبالوفاء أفتخر في كلمة طويلة ذكرت فيها ما مضنا من النكبات‪،‬‬
‫ودهمنا من المحل والترحال والتحول في القاق‪ .‬أولها‪:‬‬
‫ولي فولى جميل الصبر يتبعه * وصرح الدمع ما تخفيه أضلعه‬
‫جسم ملول وقلب آلف فإذا * حل الفراق عليه فهو موجعه‬
‫لم تستقر به دار ول وطن * ول تدفأ منه قط مضجعه‬
‫كأنما صيغ من رهو السحاب فما * تزال ريح إلى الفاق تدفعه‬
‫كأنما هو توحيد تضيق به * نفس الكفور فتأبى حين تودعه‬
‫أو كوكب قاطع في الفق منتقل * فالسير يغربه حينا ً ويطلعه‬
‫أظنه لو جزته أو تساعده * ألقت عليه انهمال الدمع يتبعه‬
‫وبالوفاء أيضا ً أفتخر في قصمميدة لممي طويلممة أوردتهمما‪ .‬وإن كممان أكثرهمما‬
‫ليس من جنس الكتاب‪ ،‬فكان سممبب قممولي لهمما أن قومما ً ممن مخممالفي‬
‫شرقوا بي فأساءوا العتممب فممي وجهممي وقممذفوني بممأني أعضممد الباطممل‬
‫بحجتي‪ ،‬عجممزا ً منهمم عمن مقاوممة مما أوردتممه ممن نصممر الحمق وأهلمه‪.‬‬
‫وحسدا ً لي‪ .‬فقلممت‪ ،‬وخمماطبت بقصمميدتي بعممض إخممواني وكممان ذا فهممم‪،‬‬
‫منها‪:‬‬
‫وخذني عصا موسى وهات جميعهم * ولو أنهم حيات ضال نضانض‬

‫)‪(62‬‬

‫ومنها‪:‬‬
‫يريغون في عيني عجائب جمة * وقد بتمني الليث والليث رابض‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ويرجون مال يبلغون كمثل ما * يرجى محال في المام الروافض‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ولو جلدي في كل قلب ومهجة * لما أثرت فيها العيون المرائض‬
‫أبت عن دنيء الوصف ضربة لزب * كما أبت الفعل الحروف‬
‫الخوافض‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ورأيي له في كل ما غاب مسلك * كما تسلك الجسم العروق النوابض‬
‫يبين مدب النمل في غير مشكل * ويستر عنهم للقبول المرابض‬
‫الباب الثالث والعشرون‬
‫الغدر‬
‫وكما أن الوفاء من سرى النعمموت ونبيممل الصممفات‪ ،‬فكممذلك الغممدر مممن‬
‫ذميمها ومكروها‪ ،‬وإنما يسمى غدرا ً من البادي‪ .‬وأممما المقممارض بالغممدر‬
‫على مثله‪ ،‬وإن استوى معه في حقيقة الفعل فليس بغدر ول هو معيبمما ً‬
‫بذلك‪ ،‬والله عز وجل يقول‪) :‬وجزاء سيئة سمميئة مثلهمما(‪ .‬وقممد علمنمما أن‬
‫الثانية ليست بسيئة ولكن لما جانسممت الولممى فممي الشممبه أوقممع عليهمما‬
‫مثل اسمها‪ ،‬وسيأتي هذا مفسرا ً في باب السلو إن شمماء اللممه‪ .‬ولكممثرة‬
‫وجود الغدر في المحبوب استغرب الوفاء منه فصار قليله الواقع منهممم‬
‫يقاوم الكثير الموجود في سواهم‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫قليل وفاء من يهوى يجل * وعظم وفاء من يهوى يقل‬
‫فنادرة الجبان أجل مما * يجيء به الشجاع المستقل‬
‫ومن قبيممح الغممدر أن يكممون للمحممب سممفير إلممى محبمموبه يسممتريح إليممه‬
‫بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه‪ .‬وفيه أقول‪:‬‬
‫أقمت سفيرا ً قاصدا ً في مطالبي * وثقت به جهل فضرب بيننا‬
‫وحل عرى ودي وأثبت وده * وأبعد عني كل ما كان ممكنا‬
‫فصرت شهيدا ً بعد ما كنت مشهدا ً * وأصبحت ضيفا ً بعد ما كان ضيفنا‬

‫)‪(63‬‬

‫خبر‪ :‬ولقد حدثني القاضي يونس بن عبممد اللممه قممال‪ :‬أذكممر فممي الصممبى‬
‫جارية في بعض السدد يهواها فممتى مممن أهممل الدب مممن أبنمماء الملمموك‬
‫وتهواه ويتراسمملن‪ ،‬وكممان السممفير بينهممما والرسممول بكتبهممما فممتى مممن‬
‫أترابه كان يصل إليها‪ ،‬فلما عرضت الجارية للبيع أراد الممذي كممان يحبهمما‬
‫ابتياعها‪ ،‬فبدر الذي كان رسول ً فاشتراها‪ .‬فدخل عليها يوما ً فوجدها قممد‬
‫فتحت درجا ً لها تطلممب فيممه بعممض حوائجهمما‪ ،‬فممأتى إليهمما وجعممل يفتممش‬
‫الدرج‪ ،‬فخرج إليممه كتمماب مممن ذلممك الفممتى الممذي كممان يهواهمما مضمممخا ً‬
‫بالغالية مصونا ً مكرمًا‪ ،‬فغضب وقال‪ :‬من أيممن هممذا يمما فلسممقة? قممالت‪:‬‬
‫أنت سقته إلي‪ .‬فقال‪ :‬لعله محدث بعد ذاك الحيممن‪ .‬فقممالت‪ :‬ممما هممو إل‬
‫من قديم تلك التي تعرف‪ .‬قال فكأنما ألقمته حجرًا‪ ،‬فسممقط فممي يممديه‬
‫وسكت‪.‬‬
‫الباب الرابع والعشرون‬
‫البين‬
‫وقد علمنا أنه ل بد لكل مجتمع من افتراق‪ ،‬ولكممل دان ممن تنماء‪ ،‬وتلممك‬
‫عادة الله في العباد والبلد حتى يرث الله الرض ومن عليهمما وهممو خيممر‬
‫الوارثين‪ .‬وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الفتراق‪ ،‬ولو سألت الرواح‬
‫به فضل ً عن الدموع كان قلي ً‬
‫ل‪ .‬وسمع بعض الحماء قائل ً يقممول‪ :‬الفممراق‬
‫أخو الموت‪ ،‬فقال‪ :‬بل الموت أخو الفراق‪.‬‬
‫والبين ينقسم أقسامًا‪ :‬فأولها مدة يوقن بانصرامها وبالعودة عن قريب‪،‬‬
‫وإنه لشجي في القلب‪ ،‬وغصة في الحلق ل تبرأ إل بالرجعة‪ ،‬وأنمما أعلممم‬
‫من كان يغيب من يحب عن بصره يوما ً واحدا ً فيعتريه من الهلع والجزع‬
‫وشغل البال وترادف الكرب ما يكاد يأتي عليه‪.‬‬
‫ثم بين منع من اللقاء‪ ،‬وتحظير على المحبوب من أن يراه محبممه‪ ،‬فهممذا‬
‫ولو كان من تحبه ومعك في دار واحدة فهو بيممن‪ :‬لنممه بممائن عنممك‪ .‬وإن‬
‫هذا ليولد من الحزن والسف غير قليل‪ ،‬ولقد جربناه فكممان مممرًا‪ ،‬وفممي‬
‫ذلك أقول‪:‬‬
‫أرى دارها في كل حين وساعة * ولكن من في الدار عني مغيب‬
‫وهل نافعي قرب الديار وأهلها * على وصلهم مني رقيب مراقب‬
‫فيالك جار الجنب أسمع حسه * وأعلم أن الصين أدنى وأقرب‬
‫كصاد يرى ماء الطوى بعينه * وليس إليه من سبيل يسبب‬
‫كذلك من في الحد عنك مغيب * وما دونه إل الصفيح المنصب‬
‫وأقول من قصيدة مطولة‪:‬‬

‫)‪(64‬‬

‫متة تشتفي نفس أضر بها الوجد * وتصقب دار قد طوى أهلها البعد‬
‫وعهدي بهند وهي جارة بيتنا * وأقرب من هند لطالبها الهند‬
‫بلى إن في قرب الديار لراحة * كما يمسك الظمآن أن يدنو الورد‬
‫ثم بين يتعمده المحب بعدا ً عمن قمول الوشماة‪ ،‬وخوفما ً أن يكمون بقماؤه‬
‫سببا ً إلى منع اللقاء‪ ،‬وذريعة إلى أن يفشو الكلم فيقع الحجاب الغليظ‪.‬‬
‫ثم بين يولده المحمب لبعممض مما يمدعوه إلمى ذلممك ممن آفممات الزممان‪،‬‬
‫وعذره مقبول أو مطرح على قدر الجافز له إلى الرحيل‪.‬‬
‫خبر‪ :‬ولعهدي بصديق لممي داره المريممة‪ ،‬فعنممت لممه حمموائج إلممى شمماطبة‬
‫فقصدها‪ ،‬وكان نازل ً بها في منزلي مدة إقممامته بهمما‪ ،‬وكممان لممه بالمريممة‬
‫علقة هي أكبر همه وأدهممى غمممه‪ ،‬كممان يؤمممل بتهمما وفممراغ أسممبابه وأن‬
‫يوشك الرجعة ويسرع الوبة‪ ،‬فلم يكن إل حين لطيف بعد احتلله عندي‬
‫حتى جيش الموفق أبو الحسن مجاهد صاحب الجزائر الجيمموش وقممرب‬
‫العساكر ونابذ خيران صاحب المرية وعزم علممى استئصمماله‪ ،‬فممانقطعت‬
‫الطممرق بسممبب هممذه الحممرب‪ ،‬وتحمموميت السممبل واحممترس البحممر‬
‫بالساطيل‪ ،‬فتضاعف كربه إذ لم يجد إلى النصراف سممبيل ً البتممة‪ ،‬وكمماد‬
‫يطفممأ أسممفًا‪ ،‬وصممار ل يممأنس بغيممر الوحممدة‪ ،‬ول يلجممأ إل إلممى الزفيممر‬
‫والوجوم‪ .‬ولعمري لقد كان ممن لم أقدر قط فيه أن قلبه يممذعن للممود‪،‬‬
‫ول شراسة طبعه وتجيب إلى الهوى‪.‬‬
‫وأذكر أني دخلت قرطبممة بعممد رحيلممي عنهمما ثممم خرجممت منصممرفا ً عنهمما‬
‫فضمني الطريق مع رجل من الكتاب قد رحل لمر مهم وتخلممف سممكن‬
‫له‪ ،‬فكان يرتمض لذلك‪ .‬وإني لعلم من علق بهوى له وكممان فممي حممال‬
‫شظف وكممانت لممه فممي الرض مممذاهب واسممعة ومناديممح رحبممة ووجمموه‬
‫متصرف كثيرة‪ ،‬فهان عليه ذلك وآثر القامة ممع ممن يجمب‪ ،‬وفمي ذلمك‬
‫أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫لك في البلد منادح معلومة * والسيف غفل أو يبين قرابه‬
‫ثم بين رحيل وتباعد ديار‪ ،‬ول يكون من الوبة فيه علممى يقيممن خممبر‪ ،‬ول‬
‫يحدث تلق‪ .‬وهو الخطممب الموجممع‪ ،‬والهممم المفظممع‪ ،‬والحممادث الشممنع‪،‬‬
‫والداء الدوي‪ .‬وأكثر ما يكون الهلع فيه إذا كان النائي و المحبوب‪ ،‬وهممو‬
‫الذي قالت فيه الشعراء كثيرًا‪ .‬وفي ذلك أقول قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫وذي علة أعيا الطبيب علجها * ستوردني ل شك منهل مصرعي‬
‫رضيت بأن أضحى قتيل وداده * كجارع سم في رحيق مشعشع‬
‫فما لليالي ما أقل حياءها * وأولعها بالنفس من كل مولع‬

‫)‪(65‬‬

‫كأن زماني عبشمي يخالني * أعنت على عثمان أهل التشيع‬
‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫أطنك تمثال الجنان أباحه * لمجتهد النساك من أوليائه‬
‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫لبرد باللقيا غليل ً من الهوى * توقع نيران الغضي هيمانه‬
‫وأقول شعرا ً منه‪:‬‬
‫خفيت عن البصار والوجد ظاهر * فاعجب بأعراض تبين ول شخص‬
‫غدا الفلك الدوار حلقة خاتم * محيط بما فيه وأنت له فض‬
‫وأقول من قصيدة‪:‬‬
‫غنيت عن التشبيه حسنا ً وبهجة * كما غنيت شمس السماء عن الحلى‬
‫عجبت لنفسي بعده كيف لم تمت * وهجرانه دفني وفقدانه نعيي‬
‫وللجسد الغض المنعم كيف لم * تذبه يد خشناء‪.....‬‬
‫وإن للوبة من البين الممذي تشممفق منممه النفممس لطممول مسممافته وتكمماد‬
‫تيأس من العودة فيه‪ ،‬لروعة تبلغ مال حد وراءه وربما قتلت‪ .‬فممي ذلممك‬
‫أقول‪:‬‬
‫للتلقي بعد الفراق سرور * كسرور المفيق حانت وفاته‬
‫فرحة تبهج النفوس وتحي * من دنا منه بالفراق مماته‬
‫ربما قد تكون داهية المو * ت وتودي بأهله هجماته‬
‫كم رأينا من عب في الماء عطشا * ن فزار الحمام وهو حياته‬
‫وإني لعلم من نأت دار محبوبه زمنا ً ثم تيسمرت لمه أوبمة فلمم يكمن إل‬
‫بقدر التسليم واستيفائه‪ ،‬حتى دعته نوى ثانية فكاد أن يهلك‪ .‬وفي ذلممك‬
‫أقول‪:‬‬
‫أطلت زمان البعد حتى إذا انقضى * زمان النوى بالقرب عدت إلى‬
‫البعد‬
‫فلم يك إل كرة الطرف قربكم * وعاودكم بعدي وعاودني وجدي‬
‫كذا حائر في الليل ضاقت وجوهه * رأى البرق في داج من الليل مسود‬
‫فأخلفه منه رجاء دوامه * وبعض الراجي ل تفيدو ول تجدي‬
‫وفي الوبة بعد الفراق أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لقد قرت العينان بالقرب منكم * كما سخنت أيام يطويكم البعد‬

‫)‪(66‬‬

‫فلله فيما قد مضى الصبر والرضى * ولله فيما قد قضى الشكر‬
‫والحمد‬
‫خبر‪ :‬ولقد نعى إلى بعض من كنت أحب من بلممدة نازحممة‪ ،‬فقمممت فممارا ً‬
‫بنفسي نحو المقابر وجعلت أمشي بينها وأقول‪:‬‬
‫وددت بأن ظهر الرض بطن * وأن البطن منها صار ظهرا ً‬
‫وأني مت قبل ورود خطب * أتى فأثار في الكباد جمرا ً‬
‫وأن دمى لمن قد بان غسل * وأن ضلوع صدري كن قبرا ً‬
‫ثم اتصل بعد حين تكذيب ذلك الخبر فقلت‪:‬‬
‫بشرى أتت واليأس مستحكم * والقلب في سبع طباق شداد‬
‫كست فؤادي خضرة بعدما * كان فؤادي لبسا ً للحداد‬
‫جلى سواد الغم عني كما * يجلي بلون الشمس لون السواد‬
‫هذا وما آمل توصل ً سوى * صدق وفاء بقديم الوداد‬
‫فالمرن قد تطلب ل للحيا * لكن لظل بارد ذي امتداد‬
‫ويقع في هذين الصنفين من البين الوداع‪ ،‬أعني رحيل المحب أو رحيممل‬
‫الحبوب‪ .‬وإنه لمن المناظر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضممح فيهمما‬
‫عزيمة كل ماضي العزائم‪ ،‬وتذهب قمموة كممل ذي بصمميرة‪ ،‬وتسممكب كممل‬
‫عين جمود‪ ،‬ويظهر مكنون الجوى‪ .‬وهو فصممل مممن فصممول الممبين يجممب‬
‫التكلم فيه‪ ،‬كالعتاب في باب الهجر‪ .‬ولعمري لمو أن ظريفما ً يمموت فممي‬
‫ساعة الوداع لكان معذورا ً إذا تفكر فيما يحل به بعد ساعة من انقطمماع‬
‫المممال‪ ،‬وحلممول الوجممال‪ ،‬وتبممدل السممرور بممالحزن‪ .‬وإنهمما سمماعة تممرق‬
‫القلوب القاسية‪ ،‬وتلين الفئدة الغلظ‪ .‬وإن حركة الرأس وإدمان النظر‬
‫والزفرة بعد المموداع لهاتكممة حجمماب القلممب‪ ،‬وموصمملة إليممه مممن الجممزع‬
‫بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا‪.‬‬
‫والشارة بالعين والتبسم ومواطن الموافقممة والمموداع ينقسممم قسمممين‪،‬‬
‫أحدهما ل يتمكن فيه إل بالنظر والشارة‪ ،‬والثمماني يتمكممن فيممه بالعنمماق‬
‫والملزمة‪ ،‬وربما لعله كان ل يمكن قبل ذلممك البتممة مممع تجمماور المحممال‬
‫وإمكان التلقي‪ ،‬ولهذا تمنى بعض الشعراء الممبين ومممدحوا يمموم النمموى‪،‬‬
‫وما ذاك بحسن ول بصممواب ول بالصمميل مممن الممرأي‪ ،‬فممما يفممي سممرور‬
‫ساعة بحزن ساعات‪ ،‬فكيف إذا كان البين أياما ً وشهورا ً وربممما أعوامممًا‪،‬‬
‫وهذا سوء من النظر ومعوج من القياس‪ ،‬وإنما أثنيت علممى النمموى فممي‬
‫شعري تمنيا ً لرجوع يومها‪ ،‬فيكممون فممي كممل يمموم لقمماء ووداع‪ .‬علممى أن‬
‫تحمل مضض هذا السم الكريه‪ ،‬وذلك عند ما يمضي من اليممام الممتي ل‬

‫)‪(67‬‬

‫التقاء فيها‪ ،‬يرغب المحب عن يوم الفراق لو أمكنه في كل يمموم‪ .‬وفممي‬
‫الصنف الول من الوداع أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫تنوب عن بهجة النوار بهجته * كما تنوب عن النيران أنفاسي‬
‫وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫وجه تخر له النوار ساجدة * والوجه تم فلم ينقص ولم يزد‬
‫دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة * وبارد ناعم والشمس في السد‬
‫ومنه‪:‬‬
‫يوم الفراق لعمري لست أكرهه * أصلن وإن شت شمل الروح عن‬
‫جسدي‬
‫ففيه عانقت من أهوى بل جزع * وكان من قبله إن سبل لم يجد‬
‫أليس من عجب دمعي وعبرتها * يوم الوصال ليوم البين ذو حسد‬
‫وهل هجس في الفكار أو قام في الظنون أشنع وأوجعمن هجممر عتمماب‬
‫وقع بين محممبين‪ ،‬ثممم فجأتهمما النمموى قبممل حلممول الصمملح وانحلل عقممدة‬
‫الهجران‪ ،‬فقاما إلى الوداع وقد نسي العتاب‪ ،‬وجاء ما طممم عممن القمموى‬
‫وأطار الكرى وفيه أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫وقد سقط العتب المقدم وامحى * وجاءت جيوش البين تجري وتسرع‬
‫وقد ذعر البين الصدود فراعه * فولى فما يدري له اليوم موضع‬
‫كذئب خل بالصيد حتى أضله * هزبر له من جانب الغيل مطلع‬
‫لئن سرني في طرده الهجر أنني * لبعاده عني الحبيب لموجع‬
‫ول بد عند الموت من بعض راحة * وفي غيها الموت الوحى المصرع‬
‫وأعرف من أتى ليودع محبوبه يوم الفراق فوجده قد فات‪ ،‬فوقف على‬
‫آثاره ساعة وتردد في الموضع الذي كان فيممه ثممم انصممرف كثيبما ً متغيممر‬
‫اللون كاسف البال‪ ،‬فما كان بعممد أيممام قلئل حممتى اعتممل ومممات رحمممه‬
‫الله‪.‬‬
‫وإن للبين في إظهار السرائر المطوية عمل ً عجبًا‪ ،‬ولقد رأيت مممن كممان‬
‫حبه مكتوما وبما يجد فيه مستترا ً حتى وقع حادث الفراق فباح المكنون‬
‫وظهر الخفي‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫بذلت من الود ما كان قبل * منعت وأعطيتنيه جزافا ً‬
‫وما لي به حاجة عند ذاك * ولو وجدت قبل بلغت الشفافا‬

‫)‪(68‬‬

‫وما ينفع الطب عند الحمام * وينفع قبل الردى من تلفا‬
‫وأقول‪:‬‬
‫الن إذ حل الفراق جدت لي * بخفى حب كنت تبدي بخله‬
‫فزدتني في حسرتي أضعافها * ويحي فهل كان هذا قبله‬
‫ولقد أذكرني هذا أني حظيت في بعض الزمان بمودة رجممل مممن وزراء‬
‫السلطان أيام جاهه فأظهر بعض المتساك‪ ،‬فتركته حممتى ذهبممت أيممامه‬
‫وانقضت دولته‪ ،‬فأبدى لي من المودة والخوة غير قليل‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫بذلت لي العراض والدهر مقبل * وتبذل لي القبال والدهر معرض‬
‫وتبسطني إذ ليس ينفع بسطكم * فهل أبحت البسط إذ كنت تقبض‬
‫ثم بين الموت وهو الفوت‪ ،‬وهوى الذي ل يرجى له إياب‪ ،‬وهو المصمميبة‬
‫الحالة وهو قاصمة الظهر‪ ،‬وداهية الدهر‪ ،‬وهو الويل‪ ،‬وهو المغطى على‬
‫ظلمة الليل‪ ،‬وهو قمماطع كممل رجمماء‪ ،‬وممماحي كممل طمممع والمممؤيس مممن‬
‫اللقاء‪ .‬وهنمما حممادث اللسممن؛ وانجممذام حبممل العلج‪ ،‬فل حيلممة إل الصممبر‬
‫طوعا ً أو كرهًا‪ .‬وهو أجل ما يبتلي به المحببممون‪ ،‬فممما لمممن دعممى بممه إل‬
‫النوح والبكاء إلى أن يتلف أو يمل‪ ،‬فهي القرحة التي ل تنكممي‪ ،‬والوجممع‬
‫الذي ل يفنى‪ ،‬وهو الغم الذي يتجدد على قممدر بلء مممن اعتمممدته‪ ،‬وفيممه‬
‫أقول‪:‬‬
‫كل بين واقع * فموجي لم يفت‬
‫ل تعجل قنطا ً * لم يفت من لم يمت‬
‫والذي قد مات فال * يأس عنه قد ثبت‬
‫وقد رأينا من عرض له هذا كثيرًا‪ .‬وعني أخبرك أني أحد من دهى بهممذه‬
‫الفادحة وتعدلت له هذه المصمميبة‪ ،‬وذلممك أنممي كنممت أشممد النمماس كلفما ً‬
‫وأعظمهم حبا ً بجاريممة لممي‪ ،‬كممانت فيممما خل اسمممها نعممم‪ .‬وكممانت أمنيممة‬
‫المتمني وغاية الحسن خلقا ً وخلقا ً وموافقة لي‪ ،‬وكنت أبا عممذرها‪ ،‬وكنمما‬
‫قد تكافأنا المودة‪ ،‬ففجعتنممي بهمما لقممدار واحترمتهمما الليممالي ومممر النهممر‬
‫وصارت ثالثة التراب والحجار‪ .‬وسيء حين وفاتها دون العشرين سممنة‪،‬‬
‫وكانت هي دوني في السن‪ ،‬فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر ل أتجرد عن‬
‫ثيابي ول تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها‪.‬‬
‫وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الن‪ .‬ولو قبل فممداء لفممديتها بكممل ممما‬
‫أملك من تالد وطارف وببعض أعضمماء جسمممي العزيممزة علممي مسممارعا ً‬
‫طائعا ً وما طاب لي عيش بعمدها ول نسميت ذكرهما ول أنسمت بسمواها‪.‬‬
‫ولقد عفى حي لها على كل ما قبله‪ ،‬وحرم ممما كممان بعممده‪ .‬ومممما قلممت‬
‫فيها‪.‬‬

‫)‪(69‬‬

‫مهذبة بيضاء كالشمس إن بدت * وسائر ربات الحجال نجوم‬
‫إطار هواها القلب عن مستقره * فبعد وقوع ظل وهو يحوم‬
‫ومن مرائي فيها قصيدة منها‪:‬‬
‫كأني لم آنسى بألفاظك التي * على عقد اللباب هن نوافث‬
‫ولم أتحكم في الماني كأنني * لفراط ما حكمت فيهن عابث‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ويبدين إعراضا ً وهن أوالف * ويقسمن في هجري وهن حوانث‬
‫وأقول أيضا ً في قصيدة أخاطب فيها ابن عمي أبو المغيرة عبد الوهمماب‬
‫أحمد ابن عبد الرحمن بن حزم بن غالب وأقرضه‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫قفا فاسأل الطلل أين قطينها * أمرت عليها بالبلى الملوان‬
‫على دارسات مقفرات عواطل * كأن المغاني في الخفاء معاني‬
‫واختلف الناس في أي المرين أشد‪ :‬البين أم الهجممر? وكلهممما مرتقممى‬
‫صعب ومرت أحمر وبلية سوداء وسنة شهباء‪ .‬وكل يستبشع مممن هممذين‬
‫ما ضاد طبعه‪ ،‬فأما ذو النفس البية‪ ،‬اللوف الحنانة‪ ،‬الثابتة على العهممد‪،‬‬
‫فل شيء يعدل عنده مصيبة الممبين‪ ،‬لنممه أتممى قصممدًا‪ ،‬وتعمممدته النمموائب‬
‫عمدًا‪ ،‬فل يجممد شمميئا ً يسمملى نفسممه ول يصممرف فكرتممه فممي معنممى مممن‬
‫المعاني إل وجد باعثا ً على صبابته؛ ومحركا ً لشجانه‪ ،‬وعليه ل له‪ ،‬وحجة‬
‫لوجوده‪ .‬وخاضا على البكاء على إلفه‪ .‬وأممما الهجممر فهممو داعيممة السمملو‪،‬‬
‫ورائد القلع‪.‬‬
‫وأممما ذو النفممس التواقممة الكممثيرة النممزوع والتطلممع‪ ،‬القلمموق العممزوف‪،‬‬
‫فالهجر داؤه وجالب حتفه‪ .‬والبين له مسلة ومنساة‪.‬‬
‫وأما أنا فالموت عندي أسهل من الفممراق‪ ،‬وممما الهجممر إل جممالب للكمممد‬
‫فقط‪ .‬ويوشك إن دام أن يحدث إضرارًا‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫وقالوا ارتحل فلعل السلو * يكون وترغب أن ترغبه‬
‫فقلت الردي لي قبل السلو * ومن يشرب السم عن تجربه‬
‫وأقول‪ :‬سبي مهجي هواه * وأودت بها نواه‬
‫كأن الغرام ضيف * وروحي غدا قراه‬
‫ولقد رأيت من يستعمل هجر محبمموبه ويتعمممده خوف ما ً مممن مممرارة يمموم‬
‫البين وما يحدث به من لوعة السف عنممد التفممرق‪ ،‬وهممذا وإن لممم يكممن‬
‫عندي من المذاهب المرضية‪ ،‬فهو حجة قاطعة‪ .‬علممى أن الممبين أصممعب‬

‫)‪(70‬‬

‫من الهجر‪ ،‬وكيف ل وفي الناس من يلوذ بالهجر خوفما ً مممن الممبين‪ ،‬ولممم‬
‫أجد أحدا ً في الدنيا يلوذ بالبين خوفا ً من الهجر‪ ،‬إنممما يأخممذ النمماس أبممدا ً‬
‫السهل ويتكلفون الهون‪ .‬وإنما قلنا إنه ليس مممن المممذاهب المحمممودة‬
‫لن أصحابه قد استعجلوا البلء قبل نزوله‪ ،‬وتجرعمموا غصممة الصممبر قبممل‬
‫وقتها ولعل ما تخوفوه ل يكون وليس من يتعجممل المكممروه‪ ،‬وهممو علممى‬
‫غير يقين مما يتعجل‪ ،‬بحكيم‪ ،‬وفيه أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ليس الصب للصبابة بينا ً * لسي من جانب الحبة منا‬
‫كغي العيش عيش فقير * خوف نقرو نقره قدا ً ما‬
‫وأذكر لبن عمي أبي المغيرة هممذا المعنممى‪ ،‬مممن أن الممبين أصممعب مممن‬
‫الصد‪ ،‬أبياتا ً من قصيدة خاطبني بها وهو ابن سبعة عشر عاما ً أو نحوها‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬
‫أجزعت أن أزف الرحيل * وولهت أن نص الذميل‬
‫كل مصابك فادح * وأجل فراقهم جليل‬
‫كذب اللى زعموا بأن الصد * مرتعه وبيل‬
‫لم يعرفوا كنه الغلي * ل وقد تحملت الحمول‬
‫أما الفراق فإنه * للموت إن أهوى دليل‬
‫ولي في هذا المعنى قصيدة مطولة‪ ،‬أولها‪:‬‬
‫ل مثل يومك ضحوة التنعيم * في منظر حسن وفي تنغيم‬
‫قد كان ذاك اليوم ندرة عاقر * وصواب خاطئة وولد عقيم‬
‫أيام برق الوصل ليس بخلب * عندي ول روض الهوى بهشيم‬
‫من كل غانية تقول ثديها * سيرى أمامك والزار أقيمى‬
‫كل يجاذبها فحمرة خدها * خجل من التأخير والتقديم‬
‫ما بي سوى تلك العيون وليس في * برئي سواها في الورى بزعيم‬
‫مثل الفاعي ليس في شيء سوى * أجسادها إباء لدغ سليم‬
‫والبين أبكى الشعراء على المعاهد فأدروا على الرسوم الدموع‪ ،‬وسقوا‬
‫الديار ماء الشمموق‪ ،‬وتممذكر ممما قممد سمملف لهممم فيهمما فممأعولوا وانتخبمموا‪،‬‬
‫وأحيت الثار دفين شوقهم فناحوا وبكوا‪.‬‬
‫ولقد أخبرني بعض الوراد من قرطبة وقد استخبرته عنها‪ ،‬أنه رأى دورنا‬
‫ببلط مغيث‪ ،‬في الجانب الغربي منها وقممد امحممت رسممومها‪ ،‬وطمسممت‬
‫أعلمها‪ ،‬وخفيت معاهدها‪ ،‬وغيرها البلممى وصممارت صممحاري مجدبممة بعممد‬

‫)‪(71‬‬

‫العمران‪ ،‬وقيافي موحشة بعد النس‪ ،‬وخممرائب منقطعممة بعممد الحسممن‪،‬‬
‫وشعابا ً مفزعة بعمد الممن وممأوى للمذئاب‪ ،‬ومعمازف للغيلن‪ ،‬وملعمب‬
‫للجان‪ ،‬ومكامن للوحوش‪ ،‬بعد رجال كممالليوث‪ ،‬وخممرائد كالممدمى تفيممض‬
‫لديهم النعم الفاشية‪ .‬تبدد شملهم فصاروا في البلد أيممادي سممبا‪ ،‬فكممأن‬
‫تلك المحارب المنمقة‪ .‬والمقاصير المزينة‪ ،‬التي كممانت تشممرق إشممراق‬
‫الشمس‪ ،‬ويجلو الهموم حسن منظرهمما‪ ،‬حيممن شممملها الخممراب‪ ،‬وعمهمما‬
‫الهدم‪ ،‬كأفواه السباع فاغرة‪ ،‬تؤذن بفناء الممدنيا‪ ،‬وتريممك عممواقب أهلهمما‪،‬‬
‫وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما ً فيها‪ .‬وتزهد في طلبها بعد أن‬
‫طالما زهدت في تركها‪ ،‬وتذكرت أيامي بها ولذاتي فيهمما وشممهور صممباي‬
‫لديها‪ ،‬مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم‪ ،‬ومثلت لنفسممي كممونهن تحممت‬
‫الممثرى وفممي الثممار النائيممة والنممواحي البعيممدة وقممد فرقتهممن يممد الجلء‪،‬‬
‫ومزقتهن أكف النوى‪ ،‬وخيل إلى بصرى بقاء تلك النصبة بعد ممما علمتممه‬
‫من حسنها وغضارتها والمراتب المحكمة التي نشأت فيما لممديها‪ ،‬وخلء‬
‫تلك الفنية بعد تضايقها بأهلها‪ ،‬وأوهمت سممعي صموت الصمدى والهمام‬
‫عليها‪ ،‬بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها‪ ،‬وكان ليلهمما تبعمما ً‬
‫لنهارها في انتشار ساكنها والتقاء عمارها‪ ،‬فعاد نهارهمما تبع ما ً لليلهمما فممي‬
‫الهدوء والستيحاش‪ ،‬فأبكى عينممي‪ ،‬وأوجممع قلممبي‪ ،‬وقممرع صممفاة كبممدي‪،‬‬
‫وزاد في بلء لبي‪ ،‬فقلت شعرا ً منه‪:‬‬
‫لئن كان أظلمانا فقد طالما سقى * وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا‬
‫والبين يولد الحنين والهتياج والتذكر‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ليت الغراب يعيد اليوم لي فعسى * يبين بينهم عني فقد وقفا‬
‫أقول والليل قد أرخى أجلته * وقد تألى بأل ينقضي فوفى‬
‫وللنجم قد حار في أفق السماء فما * يمضي ول هو للتغوير منصرفا ً‬
‫تخاله مخطئا ً أو خائفا ً وجل ً * أو راقبا ً موعدا ً أو عاشقا ً دنفا ً‬
‫الباب الخامس والعشرون‬
‫القنوع‬
‫ول بد للمحب‪ ،‬إذا حممرم الوصممل‪ ،‬مممن القنمموع بممما يجممد! وإن فممي ذلممك‬
‫لمتعلل ً للنفممس‪ ،‬وشممغل ً للرجمما‪ ،‬وتجديممدا ً للمنممى‪ ،‬وبعممض الراحممة‪ .‬وهممو‬
‫مراتب على قدر الصابة والتمكن‪.‬‬
‫فأولها الزيارة‪ ،‬وإنها لمل من المال‪ ،‬ومن سرى ممما يسممنح فممي الممدهر‬
‫مع ما تبدى من الخفر والحيمماء‪ ،‬لممما يعلمممه كممل واحممد منهمما مممما نفممس‬
‫صاحبه‪ .‬وهي على وجهين‪ :‬أحدهما أن يزور المحب محبوبه‪ ،‬وهذا الوجه‬

‫)‪(72‬‬

‫واسع‪ .‬والوجه الثاني أن يزور المحبوب محبه‪ .‬ولكن ل سممبيل إلممى غيممر‬
‫النظر والحديث الظاهر‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫فإن تنأ عني بالوصال فإنني * سأرضى بلحظ العين إن لم يكن وصل‬
‫فحسبي أن ألقاك في اليوم مرة * وما كنت أرضى ضعف ذامنك لي‬
‫قبل‬
‫كذا همه الوالي تكون رفيعة * ويرضى خلص النفس إن وقع العزل‬
‫وأما رجع السلم والمخاطبة فأمل من المال‪ ،‬وإن كنت أنمما أقممول فممي‬
‫قصيدة لي‪:‬‬
‫فها أنا ذا أخفي وأقنع راضيا ً * برجع سلم إن تيسر في الحين‬
‫فإنما هذا لمن ينتقل من مرتبة إلى ممما هممو أدنممى منهمما‪ .‬وإنممما يتفاضممل‬
‫المخلوقات في جميع الوصاف على قدر إضافتها إلى ممما هممو فوقهمما أو‬
‫دونها‪ .‬وإني لعلم من كان يقول لمحبمموبه‪ :‬عممدني واكممذب‪ ،‬قنوع ما ً بممأن‬
‫يسلى نفسه في وعده وإن كان غير صادق‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫إن كان وصلك ليس فيه مطمع * والقرت ممنوع فعدني واكذب‬
‫فعسى التعلل بالتقائك ممسك * لحياة قلب بالصدود معذب‬
‫فلقد يسلى المجدبين إذا رأوا * في الفق يلع ضوء برق خلب‬
‫وما يدخل في هممذا البمماب شمميء رأيتممه ورآه غيممري معممي‪ ،‬أن رجل ً مممن‬
‫إخواني جرحه من كان يحبه بمدية‪ ،‬فلقد رأيته وهو يقبممل مكممان الجممرح‬
‫ويندبه مرة بعد مرة‪ .‬فقلت في ذلك‪:‬‬
‫يقولون شجك من همت فيه * فقلت لعمري ما شجى‬
‫ولكن أحس دمى قربه * فطار إليه ولم ينثن‬
‫قافيا تلى ظلما ً محسنا ً * فديتك من ظالم محسن‬
‫ومن القنوع أن يسر النسان ويرضى ببعض آلت محبمموبه‪ ،‬وإن لممه مممن‬
‫النفس لموقعا ً حسنا ً وإن لم يكن فيه إل ما نص الله تعالى علينمما‪ ،‬ومممن‬
‫ارتداد يعقوب بصيرا ً حين شم قميص يوسف عليهما السلم‪ ،‬وفي ذلممك‬
‫أقول‪:‬‬
‫لما منعت القرب من سيدي * ولج في هجري ولم ينصف‬
‫صرت بإبصاري أثوابه * أو بعض ما قد مسه أكتفي‬
‫كذاك يعقوب نبي الهدى * إذ شفه الحزن على يوسف‬
‫شم قميصا ً جاء من عنده * وكان مكفوفا ً فمنه شفي‬

‫)‪(73‬‬

‫وما رأيت قط متعاشقين إل وهما يتهاديان خصل الشعر مبخممرة بممالعنبر‬
‫مرشوشة بممماء الممورد‪ ،‬وقممد جمعممت فممي أصمملها بالمصممطكي وبالشممع‬
‫البيض المصفى ولفت في تطاريف الوشي والخز وما أشبه ذلك لتكون‬
‫تذكرة عند البين‪.‬‬
‫وأما تهادي المساويك بعد مضغها والمصطكي إثر استعمالها فكثير بيممن‬
‫كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة منها‪:‬‬
‫أرى ريقها ماء الحياة تيقنا ً * على أنها لم تبق لي في الهوى حشى‬
‫خبر‪ :‬وأخبرني بعض إخواني عن سليمان بن أحمد الشاعر أنه رأى ابممن‬
‫سهل الحاجب بجزيرة صقلبة‪ ،‬وذكر أنه كان غاية في الجمال‪ ،‬فشمماهده‬
‫يوما ً في بعض المتنزهات ماشيا وامرأة خلفممه تمشممي إليممه‪ ،‬فلممما أبعممد‬
‫أتت إلى المكان الذي قد أثر فيه مشيه فجعلت تقبله وتلثم الرض التي‬
‫فيها أثر رجله‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬أولها‪:‬‬
‫يلومونني في موطى خفه خطا * ولو علموا عاد الذي لم يحسد‬
‫فيأهل أرض لتجود سحابها * خذوا بوصاتي تستقلوا وتحمدوا‬
‫خذوا من تراب فيه موضع وطئه * وأضمن أن المحل عنكم يبعد‬
‫فكل تراب واقع فيه رجله * فذاك صعيد طيب ليس يجحد‬
‫كذلك فعل السامري وقد بدا * لعينيه من جبريل إثر ممجد‬
‫فصير جوف العجل من ذلك الثرى * فقام له منه خوار ممدد‬
‫وأقول‪:‬‬
‫لقد بوركت أرض بها أنت قاطن * وبورك من فيها وحل بها السعد‬
‫فأحجارها در وسعداتها ورد * وأموالها شهد وتربتها ند‬
‫ومن القنوع الرضا مزار الطيف‪ ،‬وتسليم الخيال‪ .‬وهذا إنما يحممدث عممن‬
‫ذكممر ل يفممارق‪ ،‬وعهممد ل يحممول‪ ،‬وفكممر ل ينقضممي‪ .‬فممإذا نممامت العيممون‬
‫وهدأت الحركات سرى الطيف‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫زار الخيال فتى طالت صبابته * على احتفاظ من الحراس والحفظة‬
‫فبت في ليلتي جذلن مبتهجا * ولذة الطيف تنسى لذة اليقظة‬
‫وأقول‪:‬‬
‫أتى طيف نعم مضجعي بعد هدأة * ولليل سلطان وظل ممدد‬
‫وعهدي بها تحت التراب مقيمة * وجاءت كما قد كنت من قبل أعهد‬
‫فعدنا كما كنا وعاد زماننا * كما قد عهدنا قبل والعود أحمد‬

‫)‪(74‬‬

‫وللشعراء في علة مزار الطيف أقاويل بديعة بعيدة المرمممى‪ ،‬مخترعممة‪،‬‬
‫سمبق إلمى معنمى ممن المعماني‪ ،‬فمأبو إسمحاق بمن سميار النظمام رأس‬
‫المعتزلة جعل علته مزار الطيف خمموف الرواح مممن الرقيممب المرقممب‪،‬‬
‫على بهاء البدان‪ .‬وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي جعل علته أن نكمماح‬
‫الطيف ل يفسممد الحممب ونكمماح الحقيقممة يفسممده‪ .‬والبحممتري جعممل علممة‬
‫إقباله استضاءته بنار وجده‪ ،‬وعلة زواله خوف الغرق فممي دممموعه‪ .‬وأنمما‬
‫أقول من غير أن أمثل شعري بأشعارهم‪ ،‬فلهم فضل التقمدم والسممابقة‬
‫إنما نحن لقطون وهم الحاصدون‪ ،‬ولكن اقتداء بهم وجريا في ميممدانهم‬
‫وتتبعا ً لطريقتهم التي نهجوا وأوضممحوا‪ ،‬أبيات ما ً بينممت فيهمما مممزار الطيممف‬
‫مقطعة‪:‬‬
‫أغار عليك من إدراك طرفي * وأشفق أن يذيبك لمس كفي‬
‫فأمتنع اللقاء حذار هذا * وأعتمد التلقي حين أغفي‬
‫فروحي إن أنم بك ذو انفراد * من العضاء مستتر ومخفي‬
‫ووصل الروح ألطف فيك وقعا ً * من الجسم المواصل ألف ضعف‬
‫وحال المزور في المنام ينقسم أقساما ً أربعة‪ :‬أحدهما محب مهجور قد‬
‫تطاول غمه‪ ،‬ثم رأى في هجعته أن حبيبه وصله فسر بذلك وابتهممج‪ ،‬ثممم‬
‫استيقظ فأسف وتلهف حيث علم أن ما كان فيه أماني النفس وحديثها‪.‬‬
‫وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أنت في مشرق النهار بخيل * وإذا الليل جن كنت كريما ً‬
‫تجعل الشمس منك لي عوضا هي * هات ماذا الفعال منك قويما ً‬
‫زارني طيفك البعيد فيأتي * واصل ً لي وعائدا ً ونديما ً‬
‫غير أني منعتني من تمام العي * ش لكن أبحت لي التشميما‬
‫فكأني من أهل العراف ل الفر * دوس داري ول أخاف الجحيما‬
‫والثاني محب مواصل مشفق من تغير يقع‪ ،‬قد رأى في وسنه أن حبيبه‬
‫يهجره فاهتم لذلك هما ً شديدًا‪ ،‬ثم هب من نممومه فعلممم أن ذلممك باطممل‬
‫وبعض وساوس الشفاق‪ :‬والثالث محب داني الديار يرى أن النتائي قممد‬
‫فدحه‪ ،‬فيكترث ويوجل ثم ينتبه فيممذهب مممابه ويعممود فرحمًا‪ .‬وفممي ذلممك‬
‫أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫رأيتك في نومي كأنك راحل * وقمنا إلى التوديع والدمع هامل‬
‫وزال للكرى عني وأنت معانقي * وغمي إذا عاينت ذلك زائل‬
‫فجددت تعنيقا ً وضما كأنني * عليك من البين المفرق واجل‬

‫)‪(75‬‬

‫والرابع محب نائي المزار‪ ،‬يرى أن المزار قد دنا‪ ،‬والمنازل قد تصمماقبت‬
‫فيرتاح ويأنس إلى فقد السى‪ ،‬ثم يقوم من سممنته فيممرى أن ذلممك غيممر‬
‫صحيح‪ ،‬فيعود إلى أشد ما كان فيممه مممن الغممم‪ ،‬وقممد جعلممت فممي بعممض‬
‫قولي علة النوم والطمع في طيف الخيال‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫طاف الخيال على مستهتر كلف * لول ارتقاب مزار الطيف لم ينم‬
‫ل تعجبوا إذ سرى والليل معتكر * فنوره مذهب في الرض للظلم‬
‫ومن القنوع أن يقنع المحب بالنظر إلى الجدران ورؤية الحيطممان الممتي‬
‫تحتوي على من يحب‪ ،‬وقد رأينا من هذه صفته‪ .‬ولقد حدثني أبو الوليممد‬
‫أحمد بن محمد ابن إسحاق الخممازن رحمممه اللممه عممن رجممل جليممل‪ ،‬أنممه‬
‫حدث عن نفسه بمثل هذا ومن القنوع أن يرتاح المحممب‪ ،‬إلممى أن يممرى‬
‫من رأى محبوبه ويأنس به ومن أتى مممن بلده‪ ،‬وهممذا كممثير‪ .‬وفممي ذلممك‬
‫أقول‪:‬‬
‫توحش من سكانه فكأنهم * مساكن عاد أعقبته ثمود‬
‫وما يدخل في هذا الباب أبيات لي‪ ،‬موجبها أني تنزهت أنا وجماعممة مممن‬
‫إخواني من أهل الدب والشرف إلى بستان لرجل مممن أصممحابنا‪ ،‬فجلنمما‬
‫ساعة ثم أفضى بنا القعود إلى مكان دونه يتمنممى‪ ،‬فتمممددنا فممي ريمماض‬
‫أريضة‪ ،‬وأرض عريضة لبصر فيها منفسح‪ ،‬وللنفممس لممديها مسممرح‪ ،‬بيممن‬
‫جداول تطرد كأباريق اللجين وأطيار تغرد بألحان تزري بما أبدعه معبد‪،‬‬
‫والغريض‪ ،‬وثمار مهدلة قد ذللت لليدي ودنت للمتنمماول‪ ،‬وظلل مظلممة‬
‫تلحظنا الشمس من بينها فنتصور بين أيدينا كرقمماع الشممطرنج والثيمماب‬
‫المدبجة‪ ،‬وماء عذب يوجدك حقيقة طعم الحياة وأنهار متدفقممة تنسمماب‬
‫كبطون الحيات لها خرير يقوم ويهممدأ‪ ،‬ونممواوير مونقممة مختلفممة اللمموان‬
‫تصفقها الرياح الطيبة النسيم‪ ،‬وهواء سجسج‪ ،‬وأخلق جلس تفوق كممل‬
‫هذا‪ ،‬في يوم ربيع ذي شمس ظليلة‪ ،‬تارة يغطيها العيم الرقيق والمممزن‬
‫اللطيف‪ ،‬وتارة تتجلى‪ ،‬فهي كالعذراء الخفرة والخريدة الخجلممة تممتراءى‬
‫لعاشقها من بين الستار ثم تغيب فيها‪ ،‬حذر عين مراقبة‪ .‬وكممان بعضممنا‬
‫مطرقا ً كأنه يحادث أخرى‪ ،‬وذلك لسر كان له فعرض لي بذلك‪ ،‬وتداعبنا‬
‫حينا فكلفت أن أقممول إلممى لسممانه شمميئا ً فممي ذلممك‪ ،‬فقلممت بديهممة‪ ،‬وممما‬
‫كتبوها إل من تذكرها بعد انصرافنا‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫ولما تروحنا بأكناف روضة * مهدلة الفنان في تربها الندي‬
‫وقد ضحكت أنوارها وتضوعت * أساورها في ظل فيء ممدد‬
‫وأبدت لنا الطيار حسن صريفها * فمن بين شاك شجوه ومغرد‬
‫وللماء فيما بيننا متصرف * وللعين مرتاد هناك ولليد‬

‫)‪(76‬‬

‫وما شئت من أخلق أروع ماجد * كريم السجايا للفخار مشيد‬
‫تنغض عندي كل ما قد وصفته * ولم يهنني إذ غاب عني سيدي‬
‫فيا ليتني في السجن وهو معانقي * وأنتم معا ً في قصر دار المجدد‬
‫فمن رام منا أن يبدل حاله * بحال أخيه أو بملك مخلد‬
‫فل عاش إل في شقاء ونكبة * ول زال في بؤسي وخزي مردد‬
‫فقال هو ومن حضر‪ :‬آمين آمين‪ .‬وهذه الوجوه التي عددت وأوردت في‬
‫حقائق القناعة هي الموجودة في أهل المودة‪ ،‬بل تزيد ول إعياء‪.‬‬
‫وللشعراء فن من القنمموع أرادوا فيممه إظهممار غرضممهم وإبانممة اقتممدارهم‬
‫على المعاني الغامضة والمرمى البعيدة‪ ،‬وكل قال على قدر قوة طبعه‪،‬‬
‫إل أنه تحكم باللسان وتشممدق فممي الكلم واسممتطال بالبيممان‪ ،‬وهممو غيممر‬
‫صحيح فممي الصممل‪ :‬فمنهممم مممن قنممع بممأن السممماء تظلممه هممو ومحبمموبه‬
‫والرض تقلهما‪ .‬ومنهم ممن قنمع باسمتوائهما فمي إحاطمة الليمل والنهمار‬
‫بهما‪ ،‬وأشباه هذا‪ :‬وكل مبادر إلى احتواء الغاية في الستقصاء‪ ،‬وإحممراز‬
‫قصب السبق في التدقيق‪ .‬ولي في هذا المعنى قول ل يمكممن لمتعقممب‬
‫أن يجد بعده متنمماو ً‬
‫ل‪ ،‬ول وراءه مكان مًا‪ ،‬مممع تممبيني علممة قممرب المسممافة‬
‫البعيدة‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وقالوا بعيد قلت حسبي بأنه * معي في زمان ل يطيق محيدا ً‬
‫تمر على الشمس مثل مرورها * به كل يوم يستنير جديدا ً‬
‫فمن ليس بيني في المسير وبينه * سوى قطع يوم هل يكون بعيدا ً‬
‫وعلم إله الخلق يجمعنا معا ً * كفى ذا التداني ما أريد مزيدا ً‬
‫فبينت كما ترى أني قانع بالجتماع مع مممن أحممب فممي علممم اللممه‪ ،‬الممذي‬
‫السموات والفلك والعوالم كلها وجميع الموجمودات ل تنفصمل منمه ول‬
‫تتجزأ فيه ول يشذ عنه منها شيء‪ ،‬ثممم اقتصممرت مممن علممم اللممه تعممالى‬
‫على أنه في زمان‪ ،‬وهذا أعم مما قاله غيري في إحاطة الليممل والنهممار‪،‬‬
‫وإن كان الظاهر واحدا ً فممي البممادي إلممي السممامع؛ لن كممل المخلوقممات‬
‫واقعة تحت الزمان‪ ،‬وإنما الزمان اسم موضوع لمرور الساعات وقطممع‬
‫الفلك وحركاته وأجرامه‪ ،‬والليل والنهممار متولممدان عمن طلمموع الشممس‬
‫وغروبها‪ ،‬وهما متناهيان في بعض العممالم العلممى‪ ،‬وليممس هممذا الزمممان‪،‬‬
‫فإنهما بعض الزمان‪ ،‬وإن كان لبعمض الفلسمفة قمول إن الظمل متمماد‪،‬‬
‫فهذا يخطئه العيان‪ ،‬وعلل الرد عليه بينة ليس هممذا موضممعها‪ ،‬ثممم بينممت‬
‫أنه وإن كان في أقصى المعمور من المشرق وأنا في أقصممى المعمممور‬
‫من المغرب‪ ،‬وهذا طول السكنى‪ ،‬فليس بيني وبينه إل مسممافة يمموم؛ إذ‬

‫)‪(77‬‬

‫الشمس تبدو في أول النهار في أول المشارق وتغرب فممي آخممر النهممار‬
‫في آخر المغارب‪.‬‬
‫ومن القنوع فصل أورده وأستعيذ بالله منه ومن أهله‪ ،‬واحمده على ممما‬
‫عرف نفوسنا من منافرته‪ ،‬وهو أن يضل العقل جملة‪ ،‬ويفسد القريحممة‪،‬‬
‫ويتلف التمييز ويهون الصعب‪ ،‬ويممذهب الغيممرة‪ ،‬ويعممدم النفممة‪ ،‬فيرضممى‬
‫النسان بالمشاركة فيمن يحب‪ .‬وقد عرض هممذا لقمموم أعاذنمما اللممه مممن‬
‫البلء‪ .‬وهذا ل يصح إل مع كلبية في الطبع‪ ،‬وسقوط من العقل الذي هو‬
‫عيار على ما تحته‪ ،‬وضعف حس‪ .‬ويؤيد هذا كله حب شممديد معممم‪ .‬فممإذا‬
‫اجتمعت هذه الشياء وتلحقت بمزاج الطبائع ودخول بعضها فممي بعممض‬
‫نتج بينهما هذا الطبع الخسيس‪ ،‬وتولدت هذه الصفة الرذلة‪ ،‬وقممام منهمما‬
‫هذا الفعل المقذور القبيح‪ ،‬وأما رجل معه أقل همة وأيسر مروءة فهممذا‬
‫منه أبعد من الثريا ولو مات وجدا ً وتقطع حبا ً وفي ذلك أقول زاريا ً على‬
‫بعض المسامحين في هذا الفصل‪:‬‬
‫رأيتك رحب الصدر ترضى بما أتى * وأفضل شيء أن تلين وتسمحا‬
‫فحظك من بعض السواني مفضل * على أن يحوز الملك من أصلها‬
‫الرحى‬
‫وعضو بعير فيه في الوزن ضعف ما * تقدره في الجدي فاعص الذي‬
‫لحا‬
‫ولعب الذي تهوى بسيفين معجب * فكن ناحيا ً في نحوه كيفما نحا‬
‫الباب السادس والعشرون‬
‫الضنى‬
‫ول بد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل‪ ،‬إما ببين وإما بهجر وإممما‬
‫بكتمان واقع لمعنى‪ ،‬من أن يؤول إلى حممد السممقام والضممنى والنحممول‪،‬‬
‫وربما أضجعه ذلك‪ .‬وهذا المر كثير جدا ً موجود أبدًا‪ ،‬والعراض الواقعممة‬
‫من المحبة غيمر العلمل الواقعمة ممن هجممات العلمل‪ ،‬ويميزهما الطمبيب‬
‫الحاذق والمتفرس الناقد‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫يقول لي الطبيب بغير علم * تداو فأنت يا هذا عليل‬
‫ودائي ليس يدريه سوائي * ورب قادر ملك جليل‬
‫أأكتمه ويكشفه شهيق * يلزمني وإطراق طويل‬
‫ووجه شاهدات الحزن فيه * وجسم كالخيال ضن نحيل‬
‫وأثبت ما يكون المر يوما ً * بل شك إذا صح الدليل‬

‫)‪(78‬‬

‫فقلت له أبن عني قليل ً * فل والله تعرف ما تقول‬
‫فقال أرى نحول ً زادجدا ً * وعلتك التي تشكو ذبول‬
‫فقلت له الذبول تعل منه ال * جوارح وهي حمى تستحيل‬
‫وما أشكو لعمر الله حمى * وإن الحر في جسمي قليل‬
‫فقال أرى التفاتا ً وارتقابا ً * وأفكارا ً وصمتا ً ل يزول‬
‫وأحسب أنها السوء فانظر * لنفسك إنها عرض ثقيل‬
‫فقلت له كلمك ذا محال * فما للدمع من عيني يسيل‬
‫فأطرق باهتا ً مما رآه * أل في مثل ذا بهت النبيل‬
‫فقلت له دوائي منه دائي * أل في مثل ذا ضلت عقول‬
‫وشاهد ما أقول يرى عيانا ً * فروع النبت إن عكست أصول‬
‫وترياق الفاعي ليس شيء * سواه ببره ما لدغت كفيل‬
‫وحدثني أبو بكر محمد بن بقي الحجري‪ ،‬وكان حكيم الطبع عاقل ً فهيمًا‪،‬‬
‫عن رجل من شيوخنا ل يمكن ذكره‪ ،‬أنه كان ببغداد في خان من خاناتها‬
‫فرأى ابنة لوكيلة الخان فأحبها وتزوجها‪ ،‬فلما خل بها نظرت إليه وكانت‬
‫بكرًا‪ ،‬وهو قد تكشف لبعض حاجته‪ ،‬فراعها كبر أيره‪ ،‬ففممرت إلممى أمهمما‬
‫وتفادت منه‪ .‬فرام بها كل مممن حواليهمما أن تممرد إليممه‪ ،‬فممأبت وكممادت أن‬
‫تموت‪ ،‬ففارقها ثم ندم‪ ،‬ورام أن يراجعها فلم يمكنه‪ ،‬واستعان بالبهري‬
‫وغيره‪ .‬فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمممره‪ ،‬فمماختلط عقلممه وأقممام‬
‫في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقه وسل وما كاد‪ ،‬ولقممد كممان إذا‬
‫ذكرها يتنفس الصعداء‪.‬‬
‫قد تقدم في أشعاري المذكورة فمي همذه الرسمالة‪ :‬ممن صمفة النحمول‬
‫مفرقا ً ما استغنيت به عن أن أذكر هنا من سواها شمميئا ً خمموف الطالممة‪.‬‬
‫والله المعين والمستعان‪.‬‬
‫وربما ترقت إلى أن يغلممب المممرء علممى عقلممه ويحممال بينممه وبيممن ذهنممه‬
‫فيوسوس‪.‬‬
‫خبر‪ :‬وإني لعرف جارية مممن ذوات المناصممب والجمممال والشممرف مممن‬
‫بنات القواد‪ ،‬وقد بلغ بها حب فتى من إخواني جدا ً من أبناء الكتاب مبلغ‬
‫هيجان المرار السود‪ ،‬وكادت تختلممط‪ .‬واشممتهر المممر وشمماع جممدا ً حممتى‬
‫علمه الباعممد‪ ،‬إلممى أن تممدوركت بممالعلج‪ ،‬وهممذا إنممما يتولممد عممن إدمممان‬
‫الفكر‪ ،‬فإذا غلبت الفكرة وتمكن الخلط وترك التداوي خممرج المممر عممن‬
‫حد الحب إلى حممد المموله والجنممون‪ ،‬وإذا أغفممل التممداوي فممي الول إلممى‬

‫)‪(79‬‬

‫المعاناة قوى جدا ً ولم يوجد له دواء سوى الوصال‪ .‬ومن بعض ما كتبت‬
‫إليه قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫قد سلبت الفؤاد منها اختلسا ً * أي خلق يعيش دون فؤاد‬
‫فأغثها بالوصل تحي شريفا ً * وتفز بالثواب يوم المعاد‬
‫وأراها تعتاض أن دام هذا * من خلخيلها حلي القياد‬
‫أنت حقا ً متيم الشمس حتى * عشقها بين ذا الورى لك بادي‬
‫خبر‪ :‬وحدثني جعفر مولى أحمد بن محمد بن جدير‪ ،‬المعروف بالبلبيني‪:‬‬
‫أن سبب اختلط مروان بممن يحيممى بممن أحمممد بممن جممدير وذهمماب عقلممه‬
‫اعتلقه بجارية لخيه‪ ،‬فمنعها وباعها لغيره‪ ،‬وما كان في إخوته مثلممه ول‬
‫أتم أدبا ً منه‪.‬‬
‫وأخبرني أبو العافية مولى محمد بممن عبمماس بممن أبممي عبممدة‪ ،‬أن سممبب‬
‫جنون يحيى بن أحمد بن عباس بن أبي عبدة بيع جارية له كان يجممد بهمما‬
‫وجدا ً شديدًا‪ ،‬كانت أمه أباعتها وذهبت إلى إنكاحه من بعض العامريات‪.‬‬
‫فهممذان رجلن جليلن مشممهوران فقممدا عقولهممما واختلطمما وصممارا فممي‬
‫القيود والغلل‪ ،‬فأما مروان فأصابته ضممربة مخطئة يمموم دخممول الممبربر‬
‫قرطبة وانتهائهم إليها‪ ،‬فتوفى رحمه الله‪ .‬وأما يحيى بن محمد فهو حي‬
‫على حالته المذكورة في حين كتابتي لرسالتي هذه‪ ،‬وقد رأيته أنا مرارا ً‬
‫وجالسممته فممي القصممر قبممل أن يمتحممن بهممذه المحنممة‪ .‬وكممان أسممتاذي‬
‫وأستاذه الفقيه أبو الخيار اللغوي‪ .‬وكان يحيى لعمري حلوا ً مممن الفتيممان‬
‫نبي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وأما من دون هممذه الطبقمة فقمد رأينمما منهمم كممثيرًا‪ ،‬ولكمن لممم نسممهم‬
‫لخفائهم وهذه درجة إذا بلغ المشغوف إليها فقد أنيممت الرجمماء وانصممرم‬
‫الطمممع‪ ،‬فل دواء لممه بالوصممل ول بغيممره‪ ،‬إذ قممد اسممتحكم الفسمماد فممي‬
‫الدماغ‪ ،‬وتلفت المعرفممة وتغلبممت الفممة‪ .‬أعاذنمما اللممه مممن البلء بطمموله‪،‬‬
‫وكفانا النقم منه‪.‬‬
‫الباب السابع والعشرون‬
‫السلو‬
‫وقد علمنا أن كل ماله أول فل بد من آخر‪ ،‬حاشى نعيم الله عممز وجممل‪،‬‬
‫الجنة لوليائه وعذابه بالنار لعممدائه‪ .‬وأممما أعممراض الممدنيا فنافممذة فانيممة‬
‫وزائلة مضمحلة‪ ،‬وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين‪ :‬إما احترام منية‪ ،‬وإما‬
‫سلو حادث‪ .‬وقد نجد النفس تغلب عليها بعممض القمموى المصممرفة معهمما‬

‫)‪(80‬‬

‫في الجسد‪ ،‬فكما نجد نفسا ً ترفض الراحات والملذ للعمممل فممي طاعممة‬
‫الله تعالى والرياء في الدنيا‪ ،‬حتى تشتهر بالزهممد‪ ،‬فكممذلك نجممد النفممس‬
‫تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها فممي الجسممد‪ ،‬فكممما نجممد نفسما ً‬
‫ترفض الراحات والملذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء فممي الممدنيا‪،‬‬
‫حتى تشتهر بالزهذ‪ ،‬فكذلك نجممد نفسما ً تنصممرف عممن الرغبممة فممي لقمماء‬
‫شكلها للنفة المستحكمة المنافرة للغممدر‪ ،‬أو اسممتمرار سمموء المكافممأة‬
‫في الضمير‪ ،‬وهذا أصح السلو‪ ،‬وما كان من غير هممذين الشمميئين فليممس‬
‫إل مذمومًا‪ .‬والسلو المتولد من الهجر وطمموله إنممما هممو كاليممأس يممدخل‬
‫على النفس من بلوغها إلى أملها‪ ،‬فيفتر نزاعها ول تقمموى رغبتهمما‪ .‬ولممي‬
‫في ذم السلو قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها * وإن نطقت قلت السلم رطاب‬
‫كأن الهوى ضيف ألم بمهجتي * فلحمى طعام والنجيع شراب‬
‫ومنها‪:‬‬
‫صبور على الزم الذي العز خلفه * ولو امطرنه بالحريق سحاب‬
‫جزوعا ً من الراحات إن أنتجت له * خمول وفي بعض النعيم عذاب‬
‫والسمملو فممي التجربممة الجميلممة ينقسممم قسمممين‪ :‬سمملو طممبيعي‪ ،‬وهممو‬
‫المسمى بالنسيان يخلو به القلب ويفرغ به البال‪ ،‬ويكون النسممان كممأنه‬
‫لم يحب قط‪ :‬وهذا القسم ربما لحق صاحبه الذم لنه حادث عممن أخلق‬
‫ومذمومة‪ ،‬وعن أسباب غير موجبة اسممتحقاق النسمميان‪ .‬وسممتأتي مبينممة‬
‫إن شاء الله تعالى‪ ،‬وربما لم تلحقه اللئمممة لعممذر صممحيح والثمماني سمملو‬
‫تطبعي‪ ،‬قهر النفس‪ ،‬وهو المسمى بالتصبر‪ ،‬فترى المممرء يظهممر التجلممد‬
‫وفي قلبه أشد لدغا ً من وخز الشفي‪ ،‬ولكنه يرى بعض الشر أهون مممن‬
‫بعض‪ ،‬أو يحاسب نفسه بحجة ل تصممرف ول تكسممر وهممذا قسممم ل يممذم‬
‫آتيه‪ ،‬ول يلم فاعله لنه ل يحدث إل عن عظيمة‪ ،‬ول يقع إل عن فادحممة‪،‬‬
‫إما لسبب ل يصبر على مثله الحرار‪ ،‬وإما لخطب ل مرد لممه تجممري بممه‬
‫القدار وكفاك من الموصوف به أنه ليس بنمماس لكنممه ذاكممر‪ ،‬وذو حنيممن‬
‫واقف على العهد‪ ،‬ومتجزع مرارات الصبر‪ ،‬والفرق العامي بين المتصبر‬
‫والناسي‪ ،‬أنك ترى المتصبر وإن أبدي غاية الجلد وأظهممر سممب محبمموبه‬
‫والتحمل عليه‪ ،‬يحتمل ذلك من غيره‪ .‬وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫دعوني وسبي للحبيب فإنني * وإن كنت أبدي الهجر لست معاديا ً‬
‫ولكن سبى للحبيب كقولهم * أجاد فلقاه الله الدواهيا‬
‫والناس ضد هذا‪ ،‬وكل هذا فعلى قدر طبيعة النسان وإجابتها وامتناعهمما‬
‫وقوة تمكممن الحممب مممن القلممب أو ضممعفه‪ ،‬وفممي ذلممك أقممول‪ ،‬وسممميت‬
‫السالي فيه المتصبر‪ ،‬قطعة منها‪:‬‬

‫)‪(81‬‬

‫ناسي الحبة غير من يسلوهم * حكم المقصر غير حكم المقصر‬
‫ما قاصر للنفس غير مجيبها * ما الصابر المطبوع كالمتصبر‬
‫والسباب الموجبة للسلو المنقسم هذين القسمين كثيرة‪ ،‬وعلى حسبها‬
‫وبمقدار الواقع منها يعذر للسالي ويذم‪.‬‬
‫فمنها الملل‪ ،‬وقممد قممدمنا الكلم عليممه‪ ،‬وإن مممن كممان سمملوه عممن ملممل‬
‫فليس حبه حقيقة‪ ،‬والمتسم به صاحب دعوى زائفممة‪ ،‬وإنممما هممو طممالب‬
‫لممذة ومبممادر شممهوة‪ ،‬والسممالي مممن هممذا المموجه نمماس مممذموم ‪ 0‬ومنهمما‬
‫السممتبدال‪ ،‬وهممو وإن كممان يشممبه الملممل ففيممه معنممى زائد‪ ،‬وهممو بممذلك‬
‫المعنى أقبح من الول وصاحبه أحق بالذم‪.‬‬
‫ومنها حياء مركب يكون في المحب يحول بينه وبين التعريض بما يجممد‪،‬‬
‫فيتطاول المر‪ ،‬وتتراخى المدة‪ ،‬ويبلممى جديممد المممودة‪ ،‬ويحممدث السمملو‪.‬‬
‫وهذا وجه إن كان السالي عنه ناسيا ً فليس بمنصف‪ ،‬إذ منه جمماء سممبب‬
‫الحرمان‪ ،‬وإن كان متصبرا ً فليس بملوم‪ ،‬إذ آثر الحياء على لذة نفسممه‪.‬‬
‫وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليممه وسمملم أنمه قممال‪) :‬الحيماء ممن‬
‫اليمان والبممذاء مممن النفمماق(‪ .‬وحممدثنا أحمممد بممن محمممد عممن أحمممد بممن‬
‫مطرف عن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك عن سلمة بن صفوان‬
‫الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى رسممول اللممه صمملى اللممه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪ :‬لكل دين خلق وخلق السلم الحياء‪.‬‬
‫فهذه السباب الثلثة أصلها من المحب وابتداؤها من قبله‪ ،‬والذم لصق‬
‫به في نسيانه لمن يحب‪.‬‬
‫ثم منها أسممباب أربعممة هممن مممن قبممل المحبمموب وأصمملها عنممده‪ ،‬فمنهمما‪:‬‬
‫الهجر‪ ،‬وقد مر تفسير وجوهه‪ .‬ول بممد لنمما أن نممورد منممه شمميئا ً فممي هممذا‬
‫الباب يوافقه‪ ،‬والهجر إذا تطاول وكثر العتاب واتصمملت المفارقممة يكممون‬
‫بابا ً إلى السلو وليس من وصلك ثم قطعك لغيرك من بمماب الهجممر فممي‬
‫شيء‪ ،‬لنه الغدر الصحيح‪ ،‬ول من مممال إلممى غيممرك دون أن يتقممدم لممك‬
‫معه صلة من الهجر أيضا ً في شيء‪ ،‬إنما ذاك هو النفممار‪ .‬وسمميقع الكلم‬
‫في هذين الفصلين بعد هذا إن شاء الله تعالى‪ .‬لكن الهجر ممن وصمملك‬
‫ثم قطعك لتنقيل واش‪ ،‬ولذنب واقع‪ ،‬أو لشيء قممام فممي النفممس‪ ،‬ولممم‬
‫يمل إلى سواك ول أقام أحدا ً غيرك مقامك‪ .‬والنمماس فممي هممذا الفصممل‬
‫من المحبين ملوم دون سائر السباب الواقعة من المحبوب؛ لنه ل تقع‬
‫حالة تقيم العذر في نسيانه‪ ،‬وإنما هو راغب عن وصمملك‪ ،‬وهممو شمميء ل‬
‫يلزمه‪ .‬وقد تقدم من أذمة الوصال وحق أيامه‪ ،‬ما يلزم التممذكر ويمموجب‬
‫عهد اللفة‪ ،‬ولكن السالي على جهة التصبر والتجلد همما هنمما معممذور‪ ،‬إذا‬
‫رأى الهجممر متماديما ً ولممم يممر للوصممال علمممة ول للمواجهممة دللممة‪ .‬وقممد‬

‫)‪(82‬‬

‫استجاز كثير من الناس أن يسموا هذا المعنى غدرًا‪ ،‬إذ ظاهرهما واحممد‪،‬‬
‫ولكن علتيهما مختلفتان‪ .‬فلذلك فرقنا بينهما فممي الحقيقممة‪ .‬وأقممول فممي‬
‫ذلك شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫فكونوا كمن لم أدر قط فإنني * كآخر لم تدروا ولم تصلوه‬
‫أنا كالصدى ما قال كل أجببه * فما شئنموه اليوم فاعتمدوه‬
‫وأقول أيضا ً قطعة‪ ،‬ثلثة أبيات قلتها وأنا نائم‪ ،‬واستيفظت فأضفت إليها‬
‫البيت الرابع‪:‬‬
‫أل لله دهر كنت فيه * أعز على من روحي وأهلي‬
‫فما برحت يد الهجران حتى * طواك بنانها كي السجل‬
‫سقاني الصبر هجركم كما قد * سقاني الحب وصلكم بسجل‬
‫وجدت الوصل أصل الوجد حقا ً * وطول الهجر أصل ً للتسلي‬
‫وأقول أيضا ً قطعة‪:‬‬
‫لو قيل لي من قبل ذا * أن سوف تسلو من تود‬
‫فخلفت ألف فسامة * ل كان ذا أبد البد‬
‫وإذا طويل الهجر ما * معه من السلوان بد‬
‫لله هجرك إنه * ساع لبرئي مجتهد‬
‫فالن أعجب للسل * و وكنت أعجب للجلد‬
‫وأرى هواك كجمرة * نحت الرماد لها مدد‬
‫وأقول‪:‬‬
‫كانت جهنم في الحشى من حبكم * فلقد أراها نار إبراهيما‬
‫ثم السباب الثلثة الباقية التي هي من قبممل المحبمموب‪ ،‬فالمتصممبر مممن‬
‫الناس فيها غير مذموم‪ .‬لما ستورده إن شاء الله في كل فصل منها‪.‬‬
‫فمنها نفار يكون في المحبوب وانزواه قاطع للطماع‪.‬‬
‫خبر‪:‬‬
‫وإني لختر عني أني ألفت في أيام صباي ألفة المحبة جارية نشأت في‬
‫دارنا وكانت في ذلك الوقت بنممت سممتة عشممر عاممًا؛ وكممانت غايممة فممي‬
‫حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثها‪ ،‬عديمة الهممزل؛‬
‫منيعة البذل بديعة البشممر‪ ،‬مسممبلة السممتر؛ فقيممدة الممذام‪ ،‬قليلممة الكلم؛‬
‫مغضوضة البصر‪ ،‬شممديدة الحممذر؛ نقيممة مممن العيمموب‪ ،‬دائمممة القطمموب؛‬
‫حلوة العراض‪ ،‬مطبوعة النقباض مليحة الصدود‪ ،‬رزينة العقمود؛ كمثيرة‬

‫)‪(83‬‬

‫الوقار‪ ،‬مستلذة النفار‪ ،‬ل توجه الراجي نحوها‪ ،‬ول تقف المطامع عليها‪،‬‬
‫ول معرس للمل لديها‪ ،‬فوجهها جالب كممل القلمموب‪ ،‬وحالهمما طممارد مممن‬
‫أمها‪ .‬تزدان في المنممع والبخممل‪ ،‬مممال يممزدان غيرهمما بالسممماحة والبممذل‪،‬‬
‫موقوفة على الجد في أمرهمما غيممر راغبممة فممي اللهممو‪ ،‬علممى أنهمما كممانت‬
‫تحسن العود إحسانا ً جيدا ً فجنحممت إليهمما وأحببتهمما حب ما ً مفرط ما ً شممديدًا‪،‬‬
‫فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة وأسمع من فيها لفظة‪ ،‬غير‬
‫ما يقع في الحديث الظاهر إلى كل سامع‪ ،‬بأبلغ السعي فما وصلت من‬
‫ذلك إلى شيء البتة‪ ،‬فلعهدي بمصطنع كان في دارنا لبعض ممما تصممطنع‬
‫له في دور الرؤساء‪ ،‬تجمعت فيه دخلتنمما ودخلممة أخممي رحمممه اللممه مممن‬
‫النسمماء ونسمماء فتياننمما ومممن لث بنمما مممن خممدمنا‪ ،‬ممممن يخممف موضممعه‬
‫ويلطف محله‪ ،‬فلبئن صدرا ً من النهار ثممم تنقلممن إلممى قصممة كممانت فممي‬
‫دارنمما مشممرفة علممى بسممتان الممدار ويطلممع منهمما علممى جميممع قرطبممة‬
‫وفحوصها‪ ،‬مفتحة البممواب‪ .‬فصممرن ينظممرن مممن خلل الشممراجيب وأنمما‬
‫بينهن فإني لذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيممه أنسما ً بقربهمما‬
‫متعرضا ً للدنو منها‪ ،‬فما هو إل أن تراني في جوارها فتممترك ذلممك البمماب‬
‫وتقصد غيره في لطممف الحركممة‪ .‬فأتعمممد أنمما القصممد إلممى البمماب الممذي‬
‫صارت إليه‪ ،‬فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الممزوال إلممى غيممره‪ .‬وكممانت‬
‫قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيممه‪ ،‬لنهممن كممن‬
‫عددا ً كثيرًا‪ .‬وإذ كلهن يتنقلن من باب إلى باب لسبب الطلع من بعممض‬
‫البواب على جهات ل يطلع مممن غيرهمما عليهمما وأعلممم أن قيافممة النسمماء‬
‫فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج في الثار‪ .‬ثم نزلن إلى البسممتان‬
‫فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها‪ ،‬فأمرتها‪ ،‬فأخممذت‬
‫العود وسوته بخفر وخجل ل عهد لي بمثله‪ ،‬وإن الشيء يتضاعف حسنه‬
‫في عين مستحسنه ثم اندفعت تغني بأبيات العبماس بمن الحنمف حيمث‬
‫يقول‪:‬‬
‫إني طربت إلى شمس إذا غربت * كانت مغاربها جوف المقاصير‬
‫شمس ممثلة في خلق جارية * كأن أعطافها طي الطوامير‬
‫لست من النس إل في مناسبة * ول من الجن إل في التصاوير‬
‫فالوجه جوهرة والجسم عبهرة * والريح عنبرة والكل من نور‬
‫كأنها حين تخطو في مجاسدها * تخطوعلى البيض أوحد للقوارير‬
‫فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي‪ ،‬وما نسيت ذلممك اليمموم ول‬
‫أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا‪ .‬وهذا أكثر ممما وصمملت إليممه مممن التمكممن‬
‫من رؤيتها وسماع كلمها‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ل تلمها على النفار ومنع ال * وصل ما هذا لها بنكير‬

‫)‪(84‬‬

‫هل يكون الهلل غير بعيد * أو يكون الغزال غير نفور‬
‫وأقول‪:‬‬
‫منعت جمال وجهك مقلتيا * ولفظك قد ضننت به عليا‬
‫أراك نذرت للرحمن صوما ً * فلست تكلمين اليوم حيا ً‬
‫وقد غنيت للعباس شعرا ً * هنيئا ً ذا لعباس هنيا ً‬
‫فلو يلقاك عباس لضحى * لفوز قانيا وبكم شجيا ً‬
‫ثم انتقل أبممي رحمممه اللممه مممن دورنمما المحدثممة بالجممانب الشممرقي مممن‬
‫قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمممة فممي الجممانب الغربممي مممن‬
‫قرطبة ببلط مغيث في اليوم الثمالث ممن قيمام أميمر الممؤمنين محممد‬
‫المهدي بالخلفة‪ .‬وانتقلت أنا بانتقاله‪ ،‬وذلممك فممي جمممادى الخممرة سممنة‬
‫تسع وتسعين وثلثمائة‪ ،‬ولم تنتقل هي بانتقالنا لمور أوجبممت ذلممك‪ .‬ثممم‬
‫شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيممد بالنكبممات وباعتممداء أربمماب‬
‫دولته‪ ،‬وامتحنا بالعتقال والترقيب والغرام الفادح والسممتتار‪ ،‬وأرزمممت‬
‫الفتنة وألقت باعها وعمت الناس‪ ،‬وخصممتنا‪ ،‬إلممى أن تمموفي أبممي المموزير‬
‫رحمه الله ونحن في هذه الحوال بعد العصر يوم السبت لليلممتين بقينمما‬
‫من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة‪ .‬واتصلت بنا تلك الحممال بعممده إلممى‬
‫أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها‪ .‬وقد ارتفعممت الواعيممة‪ ،‬قائمممة‬
‫في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب فلقد أثارت وجممدا ً‬
‫دفينا ً وحركت ساكنًا‪ ،‬وذكرتني عهدا ً قديما ً وحبا ً تليدا ً ودهرا ً ماضيا ً وزمنا ً‬
‫عافيا ً وشهورا ً خموالي وأخبمارا ً بموالي ودهممورا ً فمواني وأيامما ً قممد ذهبمت‬
‫وآثارا ً قد دثرت‪ ،‬وجددت أحزاني وهيجممت بلبلممي‪ ،‬علممى أنممي كنممت فممي‬
‫ذلك الهنار مرزا ً مصابا ً من وجمموه‪ ،‬وممما كنممت نسمميت لكممن زاد الشممجى‬
‫وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الشف‪ ،‬واستجلب الوجد ما كان‬
‫منه كامنا ً فلباه مجيبًا‪ .‬فقلت قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫يبكي لميت مات وهو مكرم * وللحي أولى بالدموع الذوارف‬
‫فيا عجبا ً من آسف ل مرئ ثوى * وما هو للمقتول ظالما ً بآلف‬
‫ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عممن منازلنمما وتغلممب علينمما جنممد الممبربر‪،‬‬
‫فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة وغابت عن بصرى‬
‫بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر‪ ،‬ثم دخلت قرطبة فممي شمموال‬
‫سنة تسع وأربعمائة فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك‪ ،‬وممما كممدت‬
‫أن أميزها حتى قيل لي هممذه فلنممة وقممد تغيممر أكممثر محاسممنها‪ ،‬وذهبممت‬
‫نضارتها‪ ،‬وفنيت تلك البهجة‪ ،‬وغاض ذلك الماء الذي كان يممرى كالسمميف‬
‫الصقيل والمرآة الهندية‪ ،‬وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحمموه‬

‫)‪(85‬‬

‫متنورًا‪ ،‬ويرتاد فيه متخيرًا‪ ،‬وينصرف عنممه متحيممرًا‪ .‬فلممم يبممق إل البعممض‬
‫المنممبئ عممن الكممل‪ ،‬والخممبر المخممبر عممن الجميممع‪ ،‬وذلممك لقلممة اهتبالهمما‬
‫بنفسها‪ ،‬وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنمما وامتممداد ظلنمما‬
‫ولتبذلها في الخروج فيما ل بد لها منه مما كانت تصان وترفع عنمه قبمل‬
‫ذلك وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت‪ ،‬وبنية متى لم يهتبل بها‬
‫استهدمت‪ ،‬ولذلك قال من قال‪ :‬إن حسن الرجال أصدق صممدقا ً وأثبممت‬
‫أصل ً وأعتق جودة لصبره على ما لو لقى بعضه وجمموه النسمماء لتغيممرت‬
‫أشد التغير‪ ،‬مثل الهجير والسموم والرياح واختلف الهواء وعدم الكممن‪،‬‬
‫وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض النس لخولطت طرب ما ً أو‬
‫لمت فرحًا‪ ،‬ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلني‪.‬‬
‫وهذا الوجه من أسممباب السمملو صمماحبه فممي كل المموجهين معممذور وغيممر‬
‫ملوم؛ إذ لم يقع تثبممت يمموجب الوفمماء‪ ،‬ول عهممد يقتضممي المحافظممة‪ ،‬ول‬
‫سلف ذمام‪ ،‬ول فرط تصادف يلم على تضييعه ونسيانه‪.‬‬
‫ومنها جفاء يكون من المحبوب‪ ،‬فإذا أفرط فيممه وأسممرف وصممادف مممن‬
‫المحب نفسا ً لها بعض النفممة والعممزة تسمملى‪ ،‬وإذا كممان الجفمماء يسمميرا ً‬
‫منقطعا ً أو دائما ً أو كبيرا ً منقطع ما ً أحتمممل وأغضممى عليممه‪ ،‬حممتى إذا كممثر‬
‫ودام فل بقاء عليه‪ .‬ول يلم الناس لمن يحب في مثل هذا‪.‬‬
‫ومنهمما الغممدر‪ ،‬وهممو الممذي ل يحتملممه أحممد‪ ،‬ول يغضممى عليممه كريممم‪ ،‬وه‬
‫المسلة حقًا‪ .‬ول يلم السالي عنه على أي وجه كان ناسمميا ً أو متصممبرًا‪،‬‬
‫بل اللئمة لحقة لمن صبر عليه‪ .‬ول أن القلوب بيد مقلبها ل إله إل هممو‬
‫ول يكلف المرء صممرف قلبممه ول إحاطممة استحسممانه‪ ،‬ول ذاك لقلممت إن‬
‫المتصبر في سملوه ممع الغممدر يكماد أن يسممتحق الملممة والتعنيممف‪ .‬ول‬
‫أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذوي الحفيظة والسرى السجايا من‬
‫الغدر‪ ،‬فما يصبر عليه إل دنيء المروءة خسمميس الهمممة سمماقط النفممة‪،‬‬
‫وفي ذلك أقول قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫هواك فلست أقربه غرور * وأنت لكل من يأتي سرير‬
‫وما إن تصبرين على حبيب * فحولك منهم عدد كثير‬
‫فلو كنت المير لما تعاطى * لقاءك خوف جمعهم المير‬
‫رأيتك كالماني ما على من * يلم بها ولو كثروا غرور‬
‫ول عنها لمن يأتي دفاع * ولو حشد النام لهم نفير‬
‫ثم سبب ثامن‪ ،‬وهو ل من المحممب ول مممن المحبمموب‪ ،‬ولكنممه مممن اللممه‬
‫تعالى‪ ،‬وهو اليأس‪ .‬وفروعه ثلثممة‪ :‬إممما ممموت‪ ،‬وإممما بيممن ل يرجممى معممه‬

‫)‪(86‬‬

‫أوبة‪ ،‬وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة المحب التي من أجلها وثق‬
‫المحبوب فيغيرها‪.‬‬
‫وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر‪ ،‬وعلى المحب الناسي في‬
‫هذا المموجه المنقسممم إلممى هممذه القسممام الثلثممة مممن الغضاضممة والممذم‬
‫واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل‪ ،‬وإن لليأس لعمل ً فممي النفمموس‬
‫عجيبًا‪ .‬وثلجا ً لحر الكباد كبيرًا‪ .‬وكل هذه الوجمموه المممذكورة أول ً وآخممرا ً‬
‫فالتأني فيها واجب‪ ،‬والتربص على أهلها حسن‪ ،‬فيما يمكممن فيممه التممأني‬
‫ويصح لديه التربص‪ ،‬فممإذا انقطعممت الطممماع وانحسمممت المممال فحينئذ‬
‫يقوم العذر‪.‬‬
‫وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن‪ ،‬تويثنممون علممى‬
‫المثابر على اللذات‪ .‬وهذا يدخل في باب السلو‪ .‬ولقد أكثر الحسممن بممن‬
‫هانئ في هممذا البمماب وافتخممر بممه‪ ،‬وهممو كممثيرا ً ممما يصممف نفسممه بالغممدر‬
‫الصريح في أشعاره‪ ،‬تحكما ً بلسانه واقتدارا ً على القول‪ ،‬وفي مثل هممذا‬
‫أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫خل هذا وبادر الدهر وأرحل * في رياض الربى مطي القفار‬
‫واحدها بالبديع من نغمات ال * مود كيما تحث بالمزمار‬
‫إن خيرا ً من الوقوف علىالدا * ر وقوف البنان بالوتار‬
‫وبدأ النرجس البديع كصب * حائر الطرف مائل ً كالمدار‬
‫لونه لون عاشق مستهام * وهو ل شك هائم بالبهار‬
‫ومعاذ الله أن يكون نسيان مادرس لنا طبعًا‪ ،‬ومعصبة الله بشرب الراح‬
‫لنا خلقًا‪ ،‬وكساد الهمة لنا صفة‪ ،‬ولكممن حسممبنا قممول اللممه تعممالى‪ ،‬ومممن‬
‫أصدق من الله قيل ً في الشعراء‪) :‬ألممم تممر أنهممم فممي كممل واد يهيمممون‪.‬‬
‫وأنهم يقولون ما ل يفعلون(‪ .‬فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم‪ ،‬ولكن‬
‫شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ‪ .‬وكان سبب هذه البيات أن‬
‫حفني العامرية‪ ،‬إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر‪ ،‬كلفتنممي‬
‫صممنعتها فأحببتهما‪ ،‬وكنممت أجلهما‪ ،‬ولهما فيهما صممنعة فمي طريقمة النشميد‬
‫والبسيطرائقة جدا‪ .‬ولقد أنشدتها بعمض إخممواني ممن أهمل الدب فقممال‬
‫سرورا ً بها‪ :‬يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا‪.‬‬
‫فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية‪ :‬منهمما ثلثممة هممي مممن المحممب‪،‬‬
‫اثنان منها يذم السالي فيهما على كممل وجمه‪ ،‬وهمما الململ والسممتبدال‪،‬‬
‫وواحد منها يذم السالي فيه ول يذم المتصممبر‪ ،‬وهممو الحيمماء كممما قممدمنا‪.‬‬
‫وأربعة من المحبوب‪ ،‬منها واحد يذم الناي فيممه ول يممذم المتصممبر‪ ،‬وهممو‬
‫الهجر الدائم‪ .‬وثلثة ل يممذم السممالي فيهمما علممى أي وجممه كممان ناسمميا ً أو‬

‫)‪(87‬‬

‫متصبرًا‪ ،‬وهي النفار والجفاء والغدر‪ .‬ووجه ثامن وهو من قبل اللممه عممز‬
‫وجل‪ ،‬وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن‪ .‬في هذه معذور‪.‬‬
‫وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين ل يهنئني معهما عيش أبدًا‪ ،‬وإنممي‬
‫لبرم بحياتي باجتماعهما وأود التثبت من نفسي أحيانا ً لفقدها أنا بسببه‬
‫مممن النكممد مممن أجلهممما‪ ،‬وهممما‪ :‬وفمماء ل يشمموبه تلممون قممد اسممتوت فيممه‬
‫الحضرة والعيب‪ ،‬والباطن والظاهر‪ ،‬تولممده اللفممة الممتي لممم تعممزف بهمما‬
‫نفسي عما دربته‪ ،‬ول تتطلع إلى عدم مممن صممحبته‪ ،‬وعممزة نفممس لتقممر‬
‫على الضيم‪ ،‬مهتمة لقل ما يرد عليها من تغير المعارف مؤثرة للممموت‬
‫عليه‪ .‬فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلممى نفسممها وإنممي لجفممى‬
‫فأحتمل‪ ،‬وأستعمل الناة الطويلة‪ ،‬والتلوم الذي ل يكاد يطيقه أحد‪ ،‬فإذا‬
‫أفرط المر وحميت نفسي تصبرت‪ ،‬وفي القلب ما فيه وفي ذلك أقول‬
‫قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لي حلتان أذاقاني السى جرعا ً * ونغصا عيشي واستهلكا جلدي‬
‫كلتاهما تطبينى نحو جبلتها * كالصيد ينشب بين الذئب والسد‬
‫وفاء صدق فما فارقت ذا مقة * فزال حزني عليه آخر البد‬
‫وعزة ل يحل الضيم ساحتها * صرامة فيه بالموال والولد‬
‫ومما يشبه ما نحن فيه‪ ،‬وإن كان أيس منه‪ ،‬أن رجل ً مممن إخممواني كنممت‬
‫أحللته من نفسي محلها‪ ،‬وأسقطت المؤونة بيني وبينه‪ ،‬وأعممددته ذخممرا ً‬
‫وكنزًا‪ ،‬وكان كثير السمع من كممل قممائل‪ ،‬فممدب ذو النميمممة بينممي وبينممه‪،‬‬
‫فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده‪ ،‬فانقبض عما كنت أعهده‪ .‬فتربصت عليه‬
‫مدة في مثلها أوب الغائب‪ ،‬ورضي العاتب‪ ،‬فلم يزدد إل انقباضا ً فتركته‬
‫وحاله‪.‬‬
‫الباب الثامن والعشرون‬
‫الموت‬
‫وربممما تزايممد المممر ورق الطبممع وعظممم الشممفاق فكممان سممببا ً للممموت‬
‫ومفارقة الدنيا‪ ،‬وقد جاء في الثار‪ :‬من عشق فعف فمممات فهممو شممهيد‪.‬‬
‫وفي ذلك قطعة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫فإن أهلك هوى أهلك شهيدا ً * وإن تمنن بقيت قرير عين‬
‫روى هذا لنا قوم ثقات * ثووا بالصدق عن جرح ومين‬
‫ولقد حدثني أبو السرى عمار بن زياد صاحبنا عمن يثمق بمه‪ ،‬أن الكماتب‬
‫ابن قزمان امتحن بمحبة أسلم بن عبد العزيز‪ ،‬أخى الحاجب هاشم بممن‬

‫)‪(88‬‬

‫عبد العزيز‪ .‬وكان أسلم غاية في الجمال‪ ،‬حتى أضجره لممما بممه وأوقعممه‬
‫في أسباب المنية‪ .‬وكان أسلم كثير اللمام به والزيممارة لمه ول علمم لمه‬
‫بأنه أصل دائه‪ ،‬إلى أن توفي أسفا ً ودنفًا‪.‬‬
‫قال المخبر‪ :‬فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال‪:‬‬
‫هل أعلمتني? فقلت‪ :‬ولم? قال‪ :‬كنمت واللمه أزيممد فمي صملته ومما أكماد‬
‫أفارقه‪ ،‬فما علي في ذلك ضرر‪ .‬وكان أسلم هذا من أهممل الدب البممارع‬
‫والتفين‪ ،‬مع حظ من الفقه وافر‪ ،‬وذا بصارة في الشعر‪ ،‬وله شعر جيممد‪،‬‬
‫وله معرفة بالغمماني وتصممرفها‪ ،‬وهممو صمماحب تممأليف فممي طممرائق غنمماء‬
‫زرياب وأخباره‪ ،‬وهو ديوان عجيب جدا‪ .‬وكان أحسن الناس خلقا ً وخلقا‪،‬‬
‫وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكنا ً بالجانب الغربي من قرطبة‪.‬‬
‫وأنا أعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها‬
‫لم يكن يوجب السخط‪ ،‬فباعها‪ .‬فجزعت لذلك جزعا ً شديدا ً وما فارقهمما‬
‫النحول والسف‪ ،‬ول بان عممن عينهمما الممدمع إلممى أن سمملت‪ ،‬وكممان ذلممك‬
‫سبب موتها‪ .‬ولم تعش بعد خروجها عنه إل أشهرا ً ليست بالكثيرة‪ .‬ولقد‬
‫أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهممي قممد صممارت كالخيممل نحممول ً‬
‫ورقة فقالت لها‪ :‬أحسب هممذا الممذي بممك مممن محبتممك لفلن? فتنفسممت‬
‫الصعداء وقمالت‪ :‬واللممه لنسمميته أبمدًا‪ ،‬وإن كممان جفماني بل سمبب‪ .‬ومما‬
‫عاشت بعد هذا القول إل يسيرًا‪.‬‬
‫وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي رحمه الله‪ ،‬وكان متزوجا ً بعاتكة بنت قنممد‪،‬‬
‫صاحب الثغر العلى أيام المنصور أبي عممامر محمممد بممن عممامر‪ ،‬وكممانت‬
‫التي ل مرمى وراءها في جمالها وكريممم خللهمما‪ ،‬ول تممأتي الممدنيا بمثلهمما‬
‫في فضائلها‪ .‬وكانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما‬
‫الكلمة التي ل قدر لها‪ ،‬فكانا لم يزال في تغاضممب وتعمماتب مممدة ثمانيممة‬
‫أعوام‪ ،‬وكانت قد شفها حبه واضناها الوجد فيه وانحلها شممدة كلفهمما بممه‬
‫حتى صارت كالخيال المتوسم دنفًا‪ ،‬ل يلهيها من الدنيا شمميء‪ ،‬ول تسممر‬
‫من أموالها على عرضها وتكاثرها بقليل ول كممثير إذا فاتهمما اتفمماقه معهمما‬
‫وسلمته لها‪ .‬إلى أن توفي أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة‬
‫في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمممائة‪ ،‬وهممو ابممن اثنممتين وعشممرين‬
‫سنة‪ ،‬فما انفكت منذ بان عنها مممن السممقم الممدخيل والمممرض والممذبول‬
‫إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الرض عامًا‪.‬‬
‫ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده‪ :‬ممما يقمموى‬
‫صبري ويمسك رمقي في الممدنيا سمماعة واحممدة بعممد وفمماته إل سممروري‬
‫وتيقني أنه ل يضمه وامرأة مضجع أبدًا‪ ،‬فقد أمنممت هممذا الممذي ممما كنممت‬
‫أتخوف غيره‪ ،‬وأعظم آمالي اليوم اللحاق به‪.‬‬

‫)‪(89‬‬

‫ولم يكن له قبلها ول معها امرأة غيرها‪ ،‬وهي كذلك لم يكممن لهمما غيممره‪،‬‬
‫فكان كما قدرت‪ .‬غفر الله لها ورضي عنها‪.‬‬
‫وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيممى بممن محمممد بممن الحسممين‬
‫التميمي‪ ،‬المعروف بابن الطنبي‪ .‬فإنه كممان رحمممه اللممه كممأنه قممد خلممق‬
‫الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه‪ ،‬لم أشد له مثل ً حسنا ً‬
‫وجمال وخلقا ً وعفة وتصاونا ً وأدبا ً وفهما ً وحلما ً ووفماء وسمؤددا ً وطهمارة‬
‫وكرما ً ودماثة وحلوة ولباقة وإغضامو عقل ومروءة ودينا ً ودارية وحفظا ً‬
‫للقرآن والحديث والنحو واللغممة‪ ،‬وشمماعرا ً مفلق ما ً حسممن الخممط‪ ،‬وبليغ ما ً‬
‫مفننًا‪ ،‬مع حظ صالح من الكلم والجدال‪ ،‬وكان من غلمان أبي القاسممم‬
‫عبد الرحمن بن أبي يزيد الزدي أسممتاذي فممي هممذا الشممأن‪ ،‬وكممان بينممه‬
‫وبين أبيممه اثنمما عشممر عامما ً فممي السممن‪ ،‬وكنممت أنمما وهممو متقمماربين فممي‬
‫السنان‪ .‬وكنا أليفين ل نفترق‪ ،‬وخممذنين ل يجممري الممماء بيننمما إل صممفاء‪،‬‬
‫إلى أن ألقت الفتنة جرانها وأرخت عز إليهمما ووقممع انتهمماب جنممد الممبربر‬
‫منازلنا في الجانب الغربي بقرطبة ونزولهم فيها‪ ،‬وكان مسكن أبي عبد‬
‫الله في الجانب الشرقي ببلط مغيث‪ ،‬وتقلبت بي المور إلممى الخممروج‬
‫عن قرطبة وسكن مدينة المرية‪ ،‬فكنا نتهادى النظم والنثر كممثيرا ً وآخممر‬
‫ما خاطبني به رسالة في درجها هذه البيات‪:‬‬
‫ليت شعري عن حبل ودك هل يم * سي جديدا ً لدي غير رثيث‬
‫وأراني أرى محياك يوما ً * وأناجيك في بلط مغيث‬
‫فلو أن الديار ينهضها الشو * ق أناك البلط كالمستغيث‬
‫ولو أن القلوب تسطيع سيرا ً * سار قلبي إليك سير الحثيث‬
‫كن كما شئت لي فإني محب * ليس لي غير ذكركم من حديث‬
‫لك عندي وإن تناسيت عهد * في صميم الفؤاد غير نكيث‬
‫فكنا على ذلك إلى أن انقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظممافر‬
‫أمير المؤمنين وظهرت دولة الطالبية وبويع علممي بممن حمممود الحسممني‪،‬‬
‫المسمى بالناصر بالخلفة‪ ،‬وتغلب علممى قرطبممة وتملكهمما واسممتمر فممي‬
‫قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الندلس‪ .‬وفي إثر ذلممك‬
‫نكبني خيران صاحب المرية‪ ،‬إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجممل مممن‬
‫الباغين ‪ -‬وقد انتقم الله منهم ‪ -‬عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي أنا‬
‫نسعى في القيام بدعوة الدولة الموية‪ ،‬فاعتقلنا عند نفسممه أشممهرا ً ثممم‬
‫أحرجنا على جهة التغريب‪ ،‬فصرنا إلى حصن القصر‪ .‬ولقينا صمماحبه أبممو‬
‫القاسم عبد الله بممن هممذيل التجيممبي‪ ،‬المعممروف بممابن المقفممل‪ ،‬فأقمنمما‬
‫عنده شهورا ً في خير دار إقامممة‪ ،‬وبيممن خيممر أهممل وجيممران‪ ،‬وعنممد أجممل‬

‫)‪(90‬‬

‫الناس همة وأكملهم معروفا ً وأتمهمم سميادة‪ .‬ثمم ركبنما البحمر قاصمدين‬
‫بلنسية عند ظهور أمير الممؤمنين المرتضممى عبمد الرحممن ابمن محممد‪،‬‬
‫وساكناه بها‪ .‬فوجمدت ببلنسمية أبما شماكر عبمد الرحممن بمن محممد بمن‬
‫موهب العنبري صديقنا‪ ،‬فنعى إلى أبمما عبممد اللممه بممن الطنممبي وأخممبرني‬
‫بموته رحمه الله ثم أخبرني بعد ذلك بمدينة القاضي أبممو الوليممد يممونس‬
‫بن محمد المردي وأبو عمر وأحمد ابن محرز‪ ،‬أن أبا بكر المصممعب بممن‬
‫عبد الله الزدي‪ ،‬المعروف بابن الفرضى‪ ،‬حدثهما‪ ،‬وكان والد المصممعب‬
‫هذا قاضمي بلنسممية أيممام أميمر الممؤمنين المهمدي؛ وكممان المصممعب لنما‬
‫صديقا ً وأخا ً وأليفا ً أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين‬
‫بقرطبة قال‪ :‬قال لنا المصعب‪ :‬سألت أبا عبد اله بن الطنبي عن سممبب‬
‫علته‪ ،‬وهو قد نحل وخفيممت محاسممن وجهممه بالضممنى فلممم يبممق إل عيممن‬
‫جوهرها المخبر عمن صممفاتها السمالفة‪ ،‬وصممار يكماد أن يطيممره النفممس‪،‬‬
‫وقرب من النحناء‪ ،‬والشجا باد على وجهه‪ ،‬ونحن منفردان‪ .‬فقممال لممي‪.‬‬
‫نعم‪ :‬أخبرك أني كنت في باب داري بقديممد الشممماس فممي حيممن دخممول‬
‫علي بن حمممود قرطبممة؛ والجيمموش واردة عليهمما مممن الجهممات تتسممارب‬
‫فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صممورة قائمممة حممتى رأيتممه‪،‬‬
‫فغلب على عقلي وهام به لبي‪ ،‬فسألت عنممه فقيممل لممي‪ :‬هممذا فلن بممن‬
‫فلن‪ ،‬من سكان جهممة كممذا‪ ،‬ناحيممة قاصممية عممن قرطبممة بعيممدة المأخممذ‪.‬‬
‫فيئست من رؤيته بعد ذلك‪ .‬ولعمري يا أبا بكر ل فارقني حبه أو يوردني‬
‫رمسى‪.‬‬
‫فكان كذلك‪ ،‬وأنا أعرف ذلك الفتى وأدريه‪ ،‬وقد رأيته لكني أضربت عن‬
‫اسمه لنه قد مات والتقى كلهممما عنممد اللممه عممز وجممل‪ .‬عفمما اللممه عممن‬
‫الجميع‪.‬‬
‫هذا على أن أبا عبد الله‪ ،‬أكرم الله نزله‪ ،‬ممن لم يكن له ولممه قممط‪ ،‬ول‬
‫فارق الطريقة المثلى؛ ول وطئ حراما ً قط؛ ول قممارف منكممرًا؛ ول أتممى‬
‫منهيا ً عنه يحل بدينه ومروءته؛ ول قارض من جفا عليممه؛ وممما كممان فممي‬
‫طبقتنا مثله‪ .‬ثم دخلت أنا قرطبة في خلفة القاسم بن حمود المممأمون‬
‫فلم أقدم شيئا ً على قصد أبي عمرو القاسممم بممن يحيممى التميمممي أخممي‬
‫عبد الله رحمه الله‪ .‬فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه وممما كممان أولممى‬
‫بالتعزية عنه مني‪ .‬ثم سألته عن أشعاره ورسممائله إذ كممان الممذي عنممدي‬
‫منه قد ذهب بالنهب في السبب الممذي ذكرتممه فممي صممدر هممذه الحكايممة‬
‫فأخبرني عنه أن لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنيممة ولممم يشممك فممي‬
‫الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها‪ ،‬فقطعها كلها‬
‫ثم أمر بدفنها‪ .‬قال أبو عمرو‪ :‬فقلب له‪ :‬يا أخي دعها تبقي‪ .‬فقال‪ :‬إنممي‬
‫أقطعها وأنا أدري أني أقطع فيها أدبا ً كممثيرًا‪ ،‬ولكممن لممو كممان أبممو محمممد‬

‫)‪(91‬‬

‫بعيني حاضرا ً لدفعتها إليه تكون عنده تذكرة لمودتي‪ ،‬ولكني ل أعلم أي‬
‫البلد أضمرته ول أحي هو أم ميت‪ .‬وكانت نكبتي اتصلت بممه ولممم يعلممم‬
‫مستقري ول إلى ما آل إليه أمري فمن مرائي له قصيدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫لئي سترتك بطول اللحود * فوجدي بعدك ل ستتر‬
‫قصدت ديارك قصد المشوق * وللدهر فينا كرور ومر‬
‫فألفيتها منك قفرا ً خلء * فأسكبت عيني عليك العبر‬
‫وحدثني أبو القاسم الهمذاني رحمه الله قال‪ :‬كان معنا ببغممداد أخ لعبممد‬
‫الله ابممن يحيممى بممن أحمممد بممن دحممون العقبممة‪ ،‬الممذي عليممه مممدار الفتيمما‬
‫بقرطبة‪ ،‬وكان أعلم من أخيه وأجل مقدرًا‪ ،‬ما كان فممي أصممحابنا ببغممداد‬
‫مثله‪ ،‬وأنه اجتاز يوما ً بدرب قطنة؛ في زقاق ل ينفذ‪ .‬فممدخل فيممه فممرأى‬
‫في أقصاه جارية واقفة مكشوفة الوجه‪ ،‬فقالت له‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن الدرب ل‬
‫ينفذ‪ ،‬قال‪ :‬فنظر إليها فهام بها‪ .‬قال‪ :‬وانصرف إلينا فتزايد عليه أمرهمما‪،‬‬
‫وخشى الفتنة فخرج إلى البصرة فمممات بهمما عشممقا ً رحمممه اللممه‪ ،‬وكممان‬
‫فيما ذكر من الصالحين‪.‬‬
‫حكاية‪:‬‬
‫لم أزل أسمعها عن بعبض ملوك الممبرابر‪ ،‬أن رجل أندلسمميا ً بمماع جاريممة‪،‬‬
‫كان يجد بها وجدا شديدا‪ ،‬لفاقة أصابته‪ ،‬من رجل ممن أهمل ذلمك البلمد‪،‬‬
‫ولم يظن بائعها أن نفسه تتبعها ذلك التتبع‪ .‬فلما حصلت عند المشممتري‬
‫كادت نفس الندلسي تخرج‪ .‬فأتى إلى الممذي ابتاعهمما منممه وحكمممه فممي‬
‫ماله أجمع وفي نفسه‪ ،‬فأبى عليه‪ ،‬فتحمل عليه بأهل البلد فلم يسممعف‬
‫منهم أحد‪ .‬فكاد عقله أن يذهب ورأى أن يتصدى إلى الملك فتعرض لممه‬
‫وصاح‪ ،‬فسمعه فأمر بإدخاله‪ ،‬والملك قاعد في علية لممه مشممرفة عاليممة‬
‫فوصل إليه‪ .‬فما مثل بين يديه أخبره بقصممته واسممترحمه وتضممرع إليممه‪،‬‬
‫فرق له الملك فأمر بإحضار الرجل المبتاع فحضر‪ ،‬فقال له‪ :‬هممذا رجممل‬
‫غريب وهو كما تراه وأنا شفيعه إليك‪ .‬فأبى المتاع وقممال‪ :‬أنمما أشممد حبما ً‬
‫لها منه وأخشى أن صرفتها إليه أن أستغيث بك غدا ً أو أنا في أسوأ من‬
‫حالته‪ .‬فعرض له الملك ومن حممواليه مممن أممموالهم‪ ،‬فممأبى ولممج واعتممذر‬
‫بمحبته لها‪ ،‬فلما طال المجلس ولم يروا منه البتة جنوحا ً إلى السممعاف‬
‫قال للندلسي‪ :‬يا هذا مالك بيدي أكثر مما ترى‪ ،‬وقممد جهممدت لممك بممأبلغ‬
‫سعي‪ ،‬وهو تراه يعتذر بأنه فيها أحب منك وأنه يخشى على نفسه شممرا ً‬
‫مما أنت فيه‪ ،‬فاصبر لما قضى الله عليك‪ .‬فقمال لمه الندلسمي‪ :‬فمممالي‬
‫بيدك حيلة? قال له‪ :‬وهل ها هنا غيممر الرغبممة والبممذل‪ ،‬ممما أسممتطيع لممك‬
‫أكثر‪ .‬فلما يئسي الندلسي منها جمع يممديه ورجليممه وانصممب مممن أعلممى‬
‫العلية إلى الرض‪ .‬فارتاع الملممك وصممرخ‪ ،‬فابتممدر الغلمممان مممن أسممفل‪،‬‬
‫فقضى أنه لم يتأذ في ذلممك الوقمموع كممبير أذى‪ ،‬فصممعد بممه إلممى الملممك‪،‬‬

‫)‪(92‬‬

‫فقال‪ :‬ماذا أردت بهذا? فقال‪ :‬أيها الملك‪ ،‬ل سبيل لي إلى الحياة بعدها‬
‫ثم هم أن يرمي نفسه ثانية‪ ،‬فمنع‪ .‬فقممال الملممك‪ :‬اللممه أكممبر‪ ،‬قممد ظهممر‬
‫وجه الحكم في هذه المسألة‪ ،‬ثم التفت إلى المشممتري فقممال‪ :‬يمما هممذا‪،‬‬
‫إنك ذكرت أنك أود لها منه وتخاف أن تصير في مثل حاله‪ ،‬فقال‪ :‬نعممم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإن صاحبك هذا أبدى عنوان محبتممه وقممذف بنفسممه يريممد الممموت‬
‫لول أن الله عز وجل وقاه‪ ،‬فأنت قم فصحح حبك وترام من أعلى هممذه‬
‫القصبة كما فعممل صمماحبك‪ ،‬فممإن مممت فبأجلممك وإن عشممت كنممت أولممى‬
‫بالجاريممة‪ ،‬إذ هممي فممي يممدك ويمضممي صمماحبك عنممك‪ ،‬وإن أبيممت نزعممت‬
‫الجارية منك رغما ً ودفعتها إليه‪ ،‬فتمنع ثم قال‪ ،‬أترامى‪ .‬فلما قممرب مممن‬
‫الباب ونظر إلى الهوى تحته رجع القهقري‪ ،‬فقال له الملك‪ :‬هو والله ما‬
‫قلت‪ ،‬فهم ثم نكل‪ ،‬فلممما لممم يقممدم قممال لممه الملممك‪ :‬ل تتلعممب بنمما‪ ،‬يمما‬
‫غلمان‪ ،‬خذوا بيديه وأرموا به إلمى الرض فلمما رأى العزيممة قمال‪ :‬أيهما‬
‫الملك‪ ،‬قد طابت نفسي بالجارية‪ .‬فقال له‪ :‬جزاك الله خيممرًا‪ .‬فاشممتراها‬
‫منه ودفعها إلى بائعها‪ ،‬وانصرفا‪.‬‬
‫البابع التاسع والعشرون‬
‫قبح المعصية‬
‫قال المصنف رحممه اللمه تعمالى‪ :‬وكمثير ممن النماس يطيعمون أنفسمهم‬
‫ويعصون عقممولهم ويتبعممون أهممواءهم‪ ،‬ويرفضممون أديممانهم‪ ،‬ويتجنبمموا ممما‬
‫حض اللممه تعممالى عليممه ورتبممه فممي اللبمماب السممليمة مممن العفممة وتممرك‬
‫المعاصي ومقارعة الهوى ويخالفون الله ربهم‪ ،‬ويوافقممون إبليممس فيممما‬
‫يحبه من الشهوة المعطية فيواقعون المعصية في حبهم‪ .‬وقد علمنمما أن‬
‫الله عز وجل ركب في النسان طبيعتين متضادتين‪ :‬إحداهما ل تشير إل‬
‫بخير ول تحض إل على حسن ول يتصور فيها إل كل أمممر مرضممي‪ ،‬وهممي‬
‫العقل‪ ،‬وقائده العدل‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬ضد لها ل تشير إل إلى الشهوات‪ ،‬ول تقود إل إلى الردى‪ ،‬وهي‬
‫النفممس‪ ،‬وقائدهمما الشممهوة‪ .‬واللممه تعممالى يقممول‪) :‬إن النفممس لمممارة‬
‫بالسوء(‪ .‬وكنى بالقلب عن العقل فقال‪) :‬إن في ذلك لذكرى لمن كممان‬
‫له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد(‪ .‬وقال تعالى‪) :‬وحبب ألكممم اليمممان‬
‫وزينه في قلوبكم(‪ .‬وخاطب أولي اللباب‪.‬‬
‫فهاتان الطبيعتان قطبان في النسممان‪ ،‬وهممما قوتممان مممن قمموى الجسممد‬
‫الفعال بهما‪ ،‬ومطرحان من مطارح شعاعات هذين الجوهرين العجيممبين‬
‫الرفيعين العلويين ففي كل جسد منهما حظممه علممى قممدر مقممابلته لهممما‬
‫في تقدير الواحممد الصمممد‪ ،‬تقدسممت أسممماؤه حيممن خلقممه وهيممأه‪ .‬فهممما‬

‫)‪(93‬‬

‫يتقابلن أبدا ً ويتنازعان دأبمًا‪ ،‬فممإذا غلممب العقممل النفممس ارتممدع النسممان‬
‫وقمع عوارضه المدخولممة واستضمماء بنمور اللممه واتبممع العممدل وإذا غلبممت‬
‫النفس العقل عميت البصيرة‪ ،‬ولم يصممح الفممرق بيممن الحسممن والقبيممح‪،‬‬
‫وعظم اللتباس وتردى في همموة الممردى ومهممواة الهلكممة‪ ،‬وبهممذا حسممن‬
‫المر والنهي‪ ،‬ووجب الكتمال‪ ،‬وصح الثواب والعقاب‪ ،‬واستحق الجممزاء‪.‬‬
‫والروح وأصل بين هاتين الطبيعتين‪ ،‬وموصل ما بينهما‪ ،‬وحامممل اللتقمماء‬
‫بهما وإن الوقوف عند حد الطاعممة لمعممدوم إل بطممول الرياضممة وصممحة‬
‫المعرفة ونفاذ التمييز‪ ،‬ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخله النمماس‬
‫جملة والجلوس في الممبيوت‪ ،‬وبممالحري أن تقممع السمملمة المضمممونة أن‬
‫يكون الرجل حصورا ً ل أرب له في النساء ول جارحممة لممه تعبنممه عليهممن‬
‫قديمًا‪ .‬وورد‪ :‬من وقى شر لقلقه وقبقبه وذبممذبه فقممد وقممى شممر الممدنيا‬
‫بحذافيراها‪ .‬واللقلق‪ :‬اللسان‪ .‬والقبقب‪ :‬البطن‪ .‬والذبذب‪ :‬الفممرج ولقممد‬
‫أخبرني أبو حفص الكاتب هو من ولد روح بن زنباع الجذامي‪ ،‬أنه سمممع‬
‫بعض المتسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير‪ ،‬وقد سممئل عممن‬
‫هذا الحديث فقال‪ :‬القبقب‪ .‬البطيخ‪.‬‬
‫وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد‪ ،‬ثنا وهب بممن مسممرة ومحمممد بممن أبممي‬
‫دليم عن محمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالممك بممن أنممس عممن‬
‫زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار‪ ،‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال في حديث طويل‪) :‬من وقاه الله شر اثنممتين دخممل الجنممة(‪ .‬فسممئل‬
‫عن ذلك فقال‪) :‬ما بين لحييه وما بين رجليه(‪.‬‬
‫وإني لسمع كثيرا ً ممن يقول‪ :‬الوفاء فممي قمممع الشممهوات فممي الرجممال‬
‫دون النساء فأطيل العجب من ذلك‪ ،‬وإن لي قول ً ل أحول عنه‪ :‬الرجممال‬
‫والنساء في الجنوح إلى هذين الشمميئين سممواه‪ ،‬وممما رجممل عرضممت لممه‬
‫امرأة جميلة بالحب وطال ذلك ولم يكن ثم من مانع إل وقع في شممرك‬
‫الشيطان واستهوته المعاصممي واسممتفزه الحممرص وتغمموله الطمممع‪ ،‬وممما‬
‫امرأة دعاها رجل بمثل هممذه الحالممة إل وأمكنتممه‪ ،‬حتم ما ً مقضمميا ً وحكم ما ً‬
‫نافذا ل محيد عنه البتة‪.‬‬
‫ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهممل النممماء فممي الفقممه والكلم‬
‫المعرفة وذو صلبة في دينممه‪ ،‬أنممه أحممب جاريمة نبيلممة أديبممة ذات جمممال‬
‫بارع‪ ،‬قال‪ :‬فعرضت لهمما فنفممرت‪ ،‬ثممم عرضممت فممأبت‪ .‬فلممم يممزل المممر‬
‫يطول وحبها يزيد‪ ،‬وهي ل تطيع البتة‪ ،‬إلى أن حملني فرط حبي لها مممع‬
‫عمي الصبي على أن نذرت أني متى نلممت منهمما مممرادي أن أتمموب إلممى‬
‫الله توبممة صممادقة‪ .‬قممال‪ :‬فممما مممرت اليممام والليممالي حممتى أذعنممت بعممد‬
‫شماس ونفمار‪ .‬فقلمت لمه‪ :‬أنما فلن‪ ،‬وفيمت بعهمدك? فقمال‪ :‬أي واللمه‪،‬‬
‫فضحكت‪.‬‬

‫)‪(94‬‬

‫وذكرت بهذه الفعلة ما لممم يممزل يممداول فممي أسممماعنا مممن أن فممي بلد‬
‫البربر التي تجاور أندلسنا يتعهد الفاسق على أنه إذا قضى وطره ممممن‬
‫أراد أن يتوب إلى الله‪ ،‬فل يمنع من ذلك‪ .‬وينكرون على من تعممرض لممه‬
‫بكلمة ويقولون له‪ :‬أتحرم رجل ً مسلما ً التوبة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ولعهدي بها تبكي وتقول‪ :‬والله لقد بلغتني بملغا ً ما خطر قممط لممي‬
‫ببال‪ ،‬ول قدرت أن أجيب إليه أحدًا‪.‬‬
‫ولست أبعد أن يكون الصلح في الرجال والنساء موجودًا‪ .‬وأعمموذ بممالله‬
‫أن أظن غير هذا‪ ،‬وإني رأيت الناس يغلطممون فممي معنممى هممذه الكلمممة‪،‬‬
‫أعني الصلح‪ ،‬غلطا ً بعيدا ً والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من‬
‫النسمماء هممي الممتي إذا ضممبطت انضممبطت‪ ،‬وإذا قطعممت عنهمما الممذرائع‬
‫أمسكت‪ .‬والفاسدة هي الممتي إذا ضممبطت لممم تنضممبط‪ ،‬وإذا حيممل بينهمما‬
‫وبيممن السممباب الممتي تسممهل الفممواحش تحيلممت فممي أن تتوصممل إليهمما‬
‫بضروب من الحيل‪ .‬والصالح من الرجال من ل يداخل أهل الفسمموق ول‬
‫يتعرض إلى المناظر الجالبة للهواء‪ ،‬ول يرفع طرفه إلى الصور البديعمة‬
‫الصممنعة‪ ،‬ويتصممدى للمشمماهد المؤذيممة‪ ،‬ويحممب الخلمموات المهلكممات‬
‫والصالحان من الرحال والنساء كالنار الكامنة في الرممماد ل تحممرق مممن‬
‫جاورها إل بأن تحرك والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء‪.‬‬
‫وأما امرأة مهملة ورجممل متعممرض فقممد هلكمما وتلفمما‪ .‬ولهممذا حممرم علممى‬
‫المسلم اللتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية‪ .‬وقممد جعلممت النظممرة الولممى‬
‫لك والخرى عليك وقد قال رسول اللمه صملى اللمه عليمه وسملم‪) :‬ممن‬
‫تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامهمما فقممد أفطممر(‪ .‬وإن فيممما‬
‫ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيممل لشمميئا ً مقنعمًا‪ .‬وفممي إيقمماع هممذه‬
‫الكلمة‪ ،‬أعني الهوى‪ .‬اسما ً على معان‪ ،‬واشممتقاقها عنممد العممرب‪ ،‬وذلممك‬
‫دليل على ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات‪ .‬وإن المتمسك عنهمما‬
‫مقارع لنفسه محارب لها‪.‬‬
‫وشيء أصفه لك تراه عيانًا‪ ،‬وهو أني ممما رأيممت قممط امممرأة فممي مكممان‬
‫تحس أن رجل ً يراها أو يسمممع حسممها إل وأحممدثت حركممة فاضمملة كممانت‬
‫عنها بمعزل‪ ،‬وأنت بكلم زائد كممانت عنممه فممي غنيممة‪ ،‬مخممالفين لكلمهمما‬
‫وحركتها قبل ذلك‪ .‬ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لئحا ً فيهمما‬
‫ظاهرا ً عليها ل خفاء به‪ .‬والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء‪ .‬وأممما إظهممار‬
‫الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجممل واجتيمماز‬
‫الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان‪ .‬واللممه عممز وجممل‬
‫يقول‪) :‬وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهممم( ‪ ،‬وقممال‬
‫تقدست أسماؤه‪) :‬ول يضربن بأرجلهن ليعلممم ممما يخفيممن مممن زينتهممن(‪.‬‬

‫)‪(95‬‬

‫فلول علم الله عز وجل برقة إغماضهن في السعي ليصمال حبهمن إلممى‬
‫القلوب‪ ،‬ولطف كيدهن في التحيل لسممتجلب الهمموى‪ ،‬لممما كشممف اللممه‬
‫عن هذا المعنممى البعيممد الغممامض الممذي ليممس وراءه مرمممى‪ ،‬وهممذا حممد‬
‫التعرض فكيف بما دونه‪.‬‬
‫ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمممر عظيممم‪،‬‬
‫وأصل ذلك أني لم أحسمن قمط بأحمد ظنما فمي همذا الشمأن‪ ،‬ممع غيمرة‬
‫شديدة ركبت في‪ .‬وحدثنا أبو عمر وأحمد بن أحمد‪ ،‬ثنا أحمد‪ ،‬ثنا محمممد‬
‫بن علي بن رفاعة‪ ،‬حدثنا علي بن عبد العزيز‪ ،‬حممدثنا أبممو عبيممد القاسممم‬
‫بن سلم عممن شمميوخه‪ :‬أن رسممول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم قممال‪:‬‬
‫)الغيرة من اليمان(‪ .‬فلم أزل باحثا ً عن أخبارهن كاشفا ً عن أسممرارهن‪،‬‬
‫وكن قد أنسن مني بكتمان‪ ،‬فكن يطلعنني على غوامض أمورهن‪ .‬ولول‬
‫أن أكون منبها ً على عورات يستعاذ بممالله منهمما لوردت مممن تنبهممن فممي‬
‫السر ومكرهن فيه عجائب تذهل اللباب‪ ،‬وإني لعرف هذا وأتقنه‪ ،‬ومع‬
‫هذا يعلم الله وكفى به علما ً أني بريممء السمماحة‪ ،‬سممليم الديممم‪ ،‬صممحيح‬
‫البشرة‪ ،‬نقي الحجزة‪ ،‬وإني أقسم بممالله أجممل القسممام أنممي ممما حللممت‬
‫مئزري على فرج حرام قط‪ ،‬ول يحاسبني ربي بكبيرة الزنمما مممذ علقممت‬
‫إلممى يممومي هممذا‪ .‬واللممه المحمممود علممى ذلممك والمشممكور فيممما مضممى‬
‫والمستعصم فيما بقي‪.‬‬
‫حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بممن حجمماف‬
‫المعافري‪ ،‬وإنه لفضل قاض رأيته‪ ،‬عن محمممد بممن إبراهيممم الطليطلممي‬
‫عن القاضي بمصر بكر بن العلء في قول الله عممز وجممل‪) :‬وأممما بنعمممة‬
‫ربك فحدث(‪ .‬أن لبعض المتقممدمين فيممه قممول‪ ،‬وهممو أن المسمملم يكممون‬
‫مخبرا ً عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعممة ربممه الممتي هممي‬
‫مممن أعظممم النعممم‪ ،‬ول سمميما فممي المفممترض علممى المسمملمين اجتنممابه‬
‫وأتباعه‪ .‬وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصممبا وشممرة‬
‫الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقصورا ً محظرا ً على بين رقبمماء ورقممائب‪،‬‬
‫فلما ملكت نفسي عقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاس فممي‬
‫مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيممد الزدي شمميخنا وأسممتاذي‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وكان أبو علي المذكور عمماقل ً عممامل ً عالمما ً ممممن تقممدم‬
‫في الصلح والنسك الصممحيح فممي الزهممد فممي الممدنيا والجتهمماد للخممرة‪،‬‬
‫وأحسبه كان حصورا ً لنه لم تكن له امرأة قط‪ ،‬وممما رأيممت مثلممه جملممة‬
‫علما ً وعمل ً ودينا ً وورعًا‪ ،‬فنفعني الله بممه كممثيرا ً وعلمممت موقممع السمماءة‬
‫وقبح المعاصي‪ :‬ومات أبو علي رحمه الله في الطريق الحج‪.‬‬
‫ولقد ضمنى المبيت ليلة في بعض الزمان عند امرأة من بعض معارفي‬
‫مشهورة بالصلح والخير والحزم‪ ،‬ومعها جارية مممن بعممض قراباتهمما مممن‬
‫اللتي قد ضمنها معي النشأة في الصبا‪ ،‬ثممم غبممت عنهمما أعوامما ً كممثيرة‪.‬‬

‫)‪(96‬‬

‫وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى على وجههمما ممماء الشممباب‬
‫ففمماض وأنسمماب‪ ،‬وتفجممرت عليهمما ينممابيع الملحممة فممترددت وتحيممرت‪،‬‬
‫وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت وتوقدت‪ ،‬وانبعث فممي‬
‫خديها أزاهير الجمال فتمت وأعتمت‪ ،‬فأتت كما أقول‪:‬‬
‫خريدة صاغها الرحمن من نور * جلت ملحتها عن كل تقدير‬
‫لو جاءني عملي في حسن صورتها * يوم الحساب ويم النفخ في‬
‫الصور‬
‫لكنت أحظى عباد الله كلهم * بالجنتين وقرب الخرد الحور‬
‫وكانت من أهل بيت صباحة‪ ،‬وقد ظهرت علممى صممورة تعجممز الوصمماف‪،‬‬
‫وقد طبق وصف شممبابها قرطبممة‪ ،‬فبممت عنممدها ثلث ليممال متواليممة ولممم‬
‫تحجب عني على جاري العادة في التربية‪ .‬فلعمممري لقممد كمماد قلممبي أن‬
‫يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى‪ ،‬ويعاوده منسى الغزل‪ .‬ولقممد امتنعممت‬
‫بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفا ً علممى لممبي أن يزدهيممه الستحسممان‪.‬‬
‫ولقممد كممانت هممي وجميممع أهلهمما ممممن ل تتعممدى الطممماع إليهممن‪ ،‬ولكممن‬
‫الشيطان غير مأمون الغوائل‪ .‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫ل تتبع النفس الهوى * ودع التعرض للمحن‬
‫إبليس حي لم يمت * والعين باب للفتن‬
‫وأقول‪ :‬وقائل لي هذا * ظن يزيدك غيا ً‬
‫فقلت دع عنك لومي * أليس إبليس حيا ً‬
‫وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقمموب وداود بممن إيشممى‬
‫رسل الله عليهم السلم إل ليعلمنمما نقصمماننا وفاقتنمما إلممى عصمممته‪ ،‬وأن‬
‫بنيتنا مدخولة ضعيفة‪ ،‬فإذا كانا صلى اللمه عليهمما وهمما نبيمان رسمولن‬
‫أبناء أنبياء رسل ومممن أهممل بيممت نبمموة ورسممالة متكرريممن فممي الحفممظ‬
‫مغموسين في الولية‪ ،‬محفوفين بممالكلءة‪ ،‬مؤيممدين بالعصمممة‪ ،‬ل يجعممل‬
‫للشيطان عليهما سبيل ول فتح لوسواسممه نحوهممما طريممق وبلغمما حيممث‬
‫نص الله عز وجل علينمما فممي قرءانممه المنممزل بالجبلممة الموكلممة والطبممع‬
‫البشري والخلقة الصلية‪ ،‬ل بتعمد الخطيئة ول القصممد إليهما‪ ،‬إذ النمبيون‬
‫مبرؤون من كل ما خالف طاعة الله عز وجلن لكنه استحسممان طممبيعي‬
‫في النفس للصور‪ ،‬فمن ذا الذي يصف نفسه مملكها ويتعاطى ضممبطها‬
‫إل بحول الله وقوته‪ .‬وأول دم سفك في الرض فدم أحد ابني آدم على‬
‫سبب المنافسة في النساء‪ .‬ورسول الله صلى الله عليه وسمملم يقممول‪:‬‬
‫)باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء(‪ .‬وهذه امرأة من العرب تقول وقد‬

‫)‪(97‬‬

‫حبلت من ذي قرابة لها حين سئلت‪ :‬ما ببطنك يمما هنممد? فقممالت‪ :‬قممرب‬
‫الوساد وطول السواد‪ .‬وفي ذلك أقول شعرًا‪ ،‬منه‪:‬‬
‫ل تلم من عرض النفس لما * ليس يرضى غيره عند المحن‬
‫ل تقرب عرفجا ً من لهب * ومتى قربته قامت دحن‬
‫تصرف ثقة في أحد * فسد الناس جميعا ً والزمن‬
‫خلق النسوان للفحل كما * خلق الفحل بل شك لهن‬
‫كل شكل يتشهى شكله * ل تكن عن أحد تنفى الظنن‬
‫صفة الصالح من إن صنته * عن قبيح أظهر الطوع الحسن‬
‫وسواه من إذا ثقفته * أعمل الحيلة في خلع الرسن‬
‫وإني لعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له‪ ،‬فاجتاز بعض إخمموانه‬
‫فوجده قاعدا ً مع من كان يحب‪ ،‬فاستجلبه إلى منزله‪ ،‬فأجابه إلى منزله‬
‫بامتثال المسير بعده‪ .‬فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى طال عليه‬
‫التربص فلم يأته‪ .‬فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليممه وأطممال‬
‫لومه على إخلفممه موعممده‪ ،‬فاعتممذر وورى‪ .‬فقلممت أنمما للممذي دعمماه‪ :‬أنمما‬
‫أكشف عذره صممحيحا ً مممن كتمماب اللممه عممز وجممل إذ يقممول‪) :‬ممما أخلفنمما‬
‫موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا ً من زينة القوم(‪ .‬فضممحك مممن حضممر‪.‬‬
‫وكلفت أن أقول في ذلك شيئا ً فقلت‪:‬‬
‫وجرحك لي جرح جبار فل تلم * ولكن جرح الحب غير جبار‬
‫وقد صارت الخيلن وسط بياضه * كنيلوفر حفته روض بهار‬
‫وكم قال لي من مت وجدا ً بحبه * مقالة محلول المقالة زاري‬
‫وقد كثرت مني إليه مطالب * ألح عليه تارة وأداري‬
‫أما في التوائي ما يبرد غلة * ويذهب شوقا ً في ضلوعك ساري‬
‫فقلت له لو كان ذلك لم تكن * عداوة جار في النام لجار‬
‫وقد تتراءى العسكر أن لدي الوغي * وبينهما للموت سيل بوار‬
‫ولي كلمتان قلتهما معرضا ً بل مصرحا ً برجل من أصحابنا كنا نعرفه كلنا‬
‫مممن أهممل الطلممب والعنايممة والممورع وقيممام الليممل واقتفمماء آثممار النسمماك‬
‫وسمملوك ممذاهب المتصموفين القمدماء باحثما ً مجتهممدًا‪ ،‬وقمد كنما نتجنمب‬
‫المزاح بحضرته‪ ،‬فلم يمممض الزمممن حممتى مكممن الشمميطان مممن نفسممه‪،‬‬
‫وفتك بعد لباس النساك‪ ،‬وملك إبليس من خطممامه فسممول لممه الغممرور‪،‬‬
‫وزين له الويممل والثبممور‪ ،‬وأجممره رسممنه بعممد إبمماء‪ .‬وأعطمماه ناصمميته بعممد‬

‫)‪(98‬‬

‫شماس‪ ،‬فخب في طماعته وأوضمع‪ ،‬واشمتهر بعمد مما ذكرتمه فمي بعمض‬
‫المعاصي القبيحة الوضرة‪ ،‬ولقد أطلممت ملمممه وتشممددت فممي عممذله إذ‬
‫أعلن بالمعصية بعد استتار‪ ،‬إلى أن أفسممد ذلممك ضممميره علممي‪ ،‬وخبثممت‬
‫نيته لي‪ ،‬وتربص بي دوائر السوء‪ ،‬وكان بعض أصحابنا يسمماعده بممالكلم‬
‫اسممتجرارا ً إليممه‪ ،‬فيممأنس بممه ويظهممر لممه عممداوتي‪ ،‬إلممى أن أظهممر اللممه‬
‫سريرته‪ ،‬فعلمها البادي والحاضر‪ ،‬وسقط من عيون الناس كلهم بعد أن‬
‫كان مقصدا ً للعلماء ومنتابا ً للفضلء‪ ،‬ورذل عند إخوانه جملة‪ .‬أعاذنا الله‬
‫من البلء‪ ،‬وسترنا في كفايته‪ ،‬ول سلبنا ما بنمما ممن نعمتممه‪ .‬فيمما سمموءتاه‬
‫لمن بدأ باستقامة ولم يعلم أن الخذلن يحل به وأن العصمة سممتفارقه‪،‬‬
‫ل إله إل الله‪ ،‬ما أشنع هذا وأفظعه‪ .‬لقممد دهمتممه إحممدى بنممات الحممرس‪،‬‬
‫وألقت عصاها به أم طبق‪ .‬من كمان للممه أول ً ثممم صمار للشمميطان آخممرًا‪،‬‬
‫ومن إحدى الكلمتين‪:‬‬
‫أما الغلم فقد حانت فضيحته * وأنه كان مستورا ً فقد هتكا‬
‫مازال يضحك من أهل الهوى عجبا ً * فالن كل جهول منه قد ضحكا‬
‫إليك ل تلح صبا هائما ً كلفا ً * يرى التهتك في دين الهوى نسكا ً‬
‫ذو مخبر وكتاب ل يفارقه * نحو المحدث يسعى حيث ما سلكا‬
‫فاعتلص من سمر أقلم بنان فتي * كأنه من لجين صبغ أو سبكا ً‬
‫يا لئمي سفها ً في ذاك قل فلم * تشهد جبينين يوم الملتقى اشتبكا‬
‫دعني ووردي في البار أطلبه * إليك عني كذا ل أبتغي البركا‬
‫إذا تعففت عف الحب عنك وإن * تركت يوما ً فإن الحب قد تركا‬
‫ول تحل من الهجران منعقدا ً * إل إذا ما حللت الزر والتككا‬
‫ول تصحح للسلطان مملكة * أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا‬
‫ول بغير كثير المسح يذهب ما * يعلو الحديد من الصداء إن سبكا‬
‫وكممان هممذا المممذكور مممن أصممحابنا قممد أحكممم القممراءات إحكام ما ً جيممدًا‪،‬‬
‫واختصر كتاب النباري في الوقف والبتداء اختصارا ً حسنا ً أعجب به من‬
‫رآه من المقرئين‪ ،‬وكان دائبا ً علممى طلممب الحممديث وتقييممده‪ ،‬والمتممولي‬
‫لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين‪ ،‬مثممابرا ً علممى النسممخ مجتهممدا ً‬
‫به‪ .‬فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان معتنيمما ً وبمماع‬
‫أكثر كتبه واستحال استحالة كلية‪ ،‬نعوذ بالله مممن الخممذلن‪ ،‬وقلممت فيممه‬
‫كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها‪.‬‬
‫وقد ذكر أبو الحسين أحمد بمن يحيممى بمن إسممحاق الرويممدي فممي كتمماب‬
‫اللفظ والصلح‪ :‬أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلممة‪ ،‬مممن علممو‬

‫)‪(99‬‬

‫طبقته في الكلم وتمكنه وتحكمه في المعرفة‪ ،‬تسبب إلى ما حرم الله‬
‫عليه من فتى نصراني عشقه بأن وضممع لممه كتاب ما ً فممي تفضمميل التثليممث‬
‫علممى التوحيممد‪ .‬فيمما غوثمماه عيمماذك يمما رب مممن تولممج الشمميطان ووقمموع‬
‫الخذلن‪ .‬وقد يعظم البلء‪ ،‬وتكلب الشهوة‪ ،‬ويهون القبيممح وبممرق الممدين‬
‫حتى يرضى النسان في جنب وصمموله إلممى مممراده بالقبممائح والفضممائح‪،‬‬
‫كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الزدي المعروف بابن الحزيممري‪ ،‬فممإنه‬
‫رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمع ما ً فممي الحصممول‬
‫على بغيته من فتى كان علقه‪ .‬نعوذ بالله من الضمملل ونسممأله الحياطممة‬
‫وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا‪ ،‬حتى لقد صار المسممكين حمديثا ً تعممر بمه‬
‫المحافل‪ ،‬وتصاغ فيه الشعار‪ ،‬وهو الذي تسممميه العممرب الممديوث‪ .‬وهممو‬
‫مشتق من التدييث‪ ،‬وهو التسهيل‪ .‬وما بعممد تسممهيل مممن تسمممح نفسممه‬
‫بهذا الشأن تسهيل‪ ،‬ومنممه بعيممر مممديث‪ .‬أي مممذلل‪ .‬ولعمممري إن الغيممرة‬
‫لتوجد في الحيوان بالخلقة‪ ،‬فكيف وقد أكدتها عندنا الشريعة‪ ،‬وممما بعممد‬
‫هذا مصاب‪ .‬ولقد كنت أعرف هممذا المممذكور مسممتورا ً إلممى أن اسممتهواه‬
‫الشيطان ونعوذ بالله من الخممذلن‪ .‬وفيمه يقمول عيسممى بمن محممد بمن‬
‫محمل الحولني‪:‬‬
‫يا جاعل ً إخراج حر نسائه * شركا لصيد جآذر الغزلن‬
‫إني أرى شركا يمزق ثم ل * تحظى بغير مذلة الحرمان‬
‫وأقول أنا أيضًا‪:‬‬
‫أباح أبو مروان حر نسائه * ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد‬
‫فعاتبته الديوث في قبح فعله * فأنشدني مستبصر جلد‬
‫لقد كنت أدركت المني غير أنني * يعيرني قومي بإداركها وحدي‬
‫وأقول أيضًا‪:‬‬
‫رأيت الحزيرى فيما يعاني * قليل الرشاد كثير السفاه‬
‫يبيع ويبتاع عرضا ً بعرض * أمور وجدك ذات اشتباه‬
‫ويأخذ ميما بإعطاء هاء * أل هكذا فليكن ذو النواهي‬
‫وبيدل أرضا ً تغذي النبات * بأرض تحف بشوك العضاه‬
‫لقد خاب في تجره ذو ابتياع * مهب الرياح بمجرى المياه‬
‫ولقد سمعته في المسجد الجامع يستعيذ بالله من العصمة كما يسممتعاذ‬
‫به من الخذلن‪.‬‬
‫ومما يشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعممض‬
‫مياسير أهل بلدنان فرأيت بين بعض من حضر وبين من كممان بالحضممرة‬

‫)‪(100‬‬

‫أيضا ً من أهل صاحب المجلس أمرا ً أنكرته وغمزا ً استبشممعته‪ ،‬وخلمموات‬
‫الحين بعد الحين‪ ،‬وصاحب المجلس كالغائب أو النائم‪ ،‬فنبهته بالتعريض‬
‫فلم ينتبه‪ ،‬وكحرمته بالتصممريح فلممم يتحممرك‪ ،‬فجعلمت أكممرر عليمه بيممتين‬
‫قديمين لعله يفطن‪ .‬وهما هذان‪:‬‬
‫إن إخوانه المقيمين بالم * س أتوا للزناء ل للغناء‬
‫قطعوا أمرهم وأنت حمار * موقر من بلدة وغباء‬
‫وأكثرت من إنشادهن حتى قال لمي صماحب المجلمس‪ :‬قمد أمللتنما ممن‬
‫سممماعهما فتفضممل بتركهممما أو إنشمماد غيرهممما‪ .‬فأمسممكت وأنمما ل أدري‬
‫أغافل هو أم متغافل‪ .‬وما أذكر أنممي عممدت إلممى ذلممك المجلممس بعممدها‪.‬‬
‫فقلت فيه قطعة منها‪:‬‬
‫أنت ل شك أحسن الناس ظنا ً * ويقينا ً ونية وضميرا ً‬
‫فانتبه أن بعض من كان بالم * س جليسا ً لنا يعاني كبيرا ً‬
‫ليس كل الركوع فاعلم صلة * ل ول كل ذي لحاظ بصيرا ً‬
‫وحدثني ثعلب بممن موسممى الكلذانممي قممال‪ :‬حممدثني سممليمان بممن أحمممد‬
‫الشاعر قال‪ :‬حدثتني امرأة اسمها هند كنت رأيتها في المشرق‪ ،‬وكانت‬
‫قد حجت خمس حجات‪ ،‬وهي من المتعبدات المجتهدات‪ ،‬قال سليمان‪:‬‬
‫فقالت لي‪ :‬يا بن أخي‪ ،‬ل تحسن الظمن بمامرأة قمط فمإني أخمبرك عمن‬
‫نفسي بما يعلمه الله عز وجل‪ :‬ركبممت البحممر منصممرفة مممن الحممج وقممد‬
‫رفضت الدنيا وأنا خامسة نسوة‪ ،‬كلهن قد حججممن‪ ،‬وصممرنا فممي مركممب‬
‫في بحر القلزم‪ ،‬وفي بعض ملحي السفينة رجممل مضمممر الخلممق مديممد‬
‫القامة واسع الكناف حسن التركيب‪ ،‬فرأيته أول ليلة قد أتى إلى إحدى‬
‫صواحبي فوضع إحليله في يدها وكان ضخما ً جدًا‪ .‬فممأمكنته فممي المموقت‬
‫من نفسها‪ .‬ثم مر عليهن كلهن في ليالي متواليات‪ ،‬فلم يبق له غيرهمما‪،‬‬
‫تعني نفسها‪ ،‬قالت‪ :‬فقلت في نفسي‪ :‬لنتقمممن منممك‪ .‬فأخممذت موسممى‬
‫وأمسكتها بيدي‪ .‬فأتى في الليل على جاري عادته‪ .‬فلما فعل كفعله في‬
‫سممائل الليممالي سممقطت الموسممى عليممه فارتمماع وقممام لينهممض‪ .‬قممالت‪:‬‬
‫فأشفقت عليه وقلت له‪ :‬وقممد أمسممكته‪ :‬ل زلممت أو آخممذ نصمميبي منممك‪.‬‬
‫قالت العجوز‪ :‬فقضى وطره وأستغفر الله‪.‬‬
‫وإن للشعراء من لطف التعريض عممن الكنايممة لعجبمما‪ .‬ومممن بعممض ذلممك‬
‫قولي حيث أقول‪:‬‬
‫أتاني وماء المزن في الجو يسفك * كمحض لجين إذ يمد ويسبك‬
‫هلل الدياجي انحط من جو أفقه * فقل في محب نال ما ليس يدرك‬
‫وكان الذي إن كنت لي عنه سائل ً * فمالي جواب غير أني أضحك‬

‫)‪(101‬‬

‫لفرط سروري خلتني عنه نائما ً * فيا عجبا ً من موقنه يتشكك‬
‫وأقول أيضا ً قطعة منها‪:‬‬
‫أتيتني وهلل الجو مطلع * قبيل قرع التساري للنواقيس‬
‫كحاجب الشيخ عم الشيب أكثره * وإخمص الرجل في لطف وتقويس‬
‫ولح في الفق قوس الله مكتسيا ً * من كل لون كأذناب الطواويس‬
‫وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في غير ذات اللممه تعممالى بعممد‬
‫اللفة‪ ،‬وتدابرهم بعد الوصال‪ ،‬وتقمماطعهم بعممد المممودة‪ ،‬وتباغضممهم بعممد‬
‫المحبة‪ ،‬واستحكام الضغائن وتأكد السخائم في صدورهم‪ ،‬لكاشفا ً ناهيما ً‬
‫لو صادف عقول ً سليمة وآراء نافذة وعزائم صحيحة‪ .‬فكيف بما أعد الممه‬
‫لمن عصاه من النكممال الشممديد يمموم الحسمماب وفممي دار الجممزاء‪ ،‬ومممن‬
‫الكشف علممى رؤوس الخلئق‪) :‬يموم تمذهل كممل مرضمعة عمما أرضمعت‬
‫وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن‬
‫عذاب الله شديد(‪ .‬جعلنا الله ممن يفوز برضاه ويستحق رحمته‪.‬‬
‫ولقد رأيت امرأة كانت مودتهمما فممي غيممر ذات اللممه عممز وجممل‪ .‬فعهممدتها‬
‫أصفى من الماء وألطف من الهواء وأثبت من الجبال وأقوى من الحديد‬
‫وأشد امتزاجا ً من اللون في الملون‪ ،‬وأنفذا استحكاما ً من العراض في‬
‫الجسام‪ ،‬وأضوأ من الشمس‪ ،‬وأصممح مممن العيممان‪ ،‬وأثقممب مممن ألنجممم‪،‬‬
‫وأصدق من كدر القطا وأعجب من الدهر‪ ،‬وأحسن من البر‪ ،‬وأجمل من‬
‫وجه أبي عامر‪ ،‬وألذ من العافية وأحلى من المنى‪ ،‬وأدنى مممن النفممس‪،‬‬
‫وأقرب من النسب‪ ،‬وأرسخ من النقش في الحجر ثم لم ألبث أن رأيت‬
‫تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الممموت‪ ،‬وأنفممذ مممن السممهم‪،‬‬
‫وأمر من السممقم‪ ،‬وأوحممش مممن زوال النعممم‪ ،‬وأقبممح مممن حلممول النقممم‬
‫وامضى من عقم الرياح‪ ،‬وأضممر مممن الحمممق‪ ،‬وأدمممر مممن غلبممة العممدو‪،‬‬
‫وأشد من السر‪ ،‬وأقسى من الصخر‪ ،‬وأبغض من كشف الستار‪ ،‬وأنأى‬
‫من الجوزاء‪ ،‬وأصعب مممن معانمماة السممماء‪ ،‬وأكممبر مممن رؤيممة المصمماب‪،‬‬
‫وأشنع من خممرق العممادات وأقطممع مممن فجممأة البلء‪ ،‬وأبشممع مممن السممم‬
‫الزعاف؛ وما ل يتولممد مثلممه عممن الممذحول والممترات وقتممل البمماء وسممبي‬
‫المهات‪ .‬وتلك عادة اللممه فممي أهممل الفسممق القاصممدين سممواه‪ ،‬المييممن‬
‫غيره؛ وذلك قوله عز وجل‪) :‬يا ليتني لم أتخذ فلنا ً خليل ً لقد أضلني عن‬
‫الذكر بعد إذ جاءني(‪ .‬فيجب على اللبيب الستجارة بالله مما يورط فيه‬
‫الهوى‪ .‬فهذا خلف مولى يوسف بن قمقام القممائد المشممهور‪ ،‬كممان أحممد‬
‫القائمين مع هشام بممن سممليمان بممن الناصممر‪ ،‬فلممما أسممر هشممام وقتممل‬
‫وهرب الذين وازروه فر خلف في جملتهم ونجا‪ .‬فلممما أتممى القسممطلت‬
‫لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعًا‪ .‬فظفممر بممه أميممر‬

‫)‪(102‬‬

‫المؤمنين المهدي‪ ،‬فأمر بصلبه‪ .‬فلعهممدي بممه مصمملوبا ً فممي المممرج علممى‬
‫النهر العظم وكأنه القنفذ من النبل‪.‬‬
‫ولقد أخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث رحمه الله‬
‫أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم مع سليمان الظممافر إنممما‬
‫كن لجارية يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك الناحيممة؛ ولقممد‬
‫كاد أن يتلف في تلك السفرة‪.‬‬
‫وهذان الفصلن وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما‬
‫يقود إليه الهوى من الهلك الحاضر الظاهر‪ ،‬الذي يستوي في فهمه‬
‫العالم والجاهل؛ فكيف من العصمة التي ل يفهمها من ضعفت بصيرته‪.‬‬
‫ول يقولن امرؤ‪ :‬خلوت فهو وإن انفرد فبمرأى ومسمع من علم‬
‫الغيوب * )الذي يعلم خائنة العين وما تخفي الصدور( ‪) * ،‬ويعلم السر‬
‫وأخفى( ‪) * ،‬وما يكون من نجوى ثلثة إل هو رابعهم ول خمسة إل هو‬
‫سادسهم ول أدنى من ذلك ول أكثر إل هو معهم أينما كانوا وهو عليم‬
‫بذات الصدور(‪ .‬وهو عالم الغيب والشهادة‪) * ،‬ويستخفون من الناس‬
‫ول يستخفون من الله وهو معهم( ‪ ،‬وقال‪) :‬ولقد خلقنا النسان ونعلم‬
‫ما توسوس به نفسه ونحن أقرب أليه من حبل الوريد‪ .‬إذ يتلقى‬
‫الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد‪ .‬ما يلفظ من قول إل لديه‬
‫رقيب عتيد(‪.‬‬
‫وليعممم المسمتخف بالمعاصمي‪ .‬المتكمل علمى التسمويف‪ .‬المعمرض عممن‬
‫طاعة ربه أن إبليس كان فممي الجنممة مممع الملئكممة المقربيممن فلمعصممية‬
‫واحدة وقعت منه استحق لعنة البد وعذاب الخلد وصير شيطانا ً رجيممما ً‬
‫وأبعد عن رفيع المكان وهممذا آدم صمملى اللممه عليممه وسمملم بممذنب واحممد‬
‫أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها‪ .‬ولول أنه تلقى من ربه كلمممات‬
‫وتاب عليه لكان من الهممالكين‪ .‬أفممترى هممذا المغممتر بممالله ربممه وبممإملئه‬
‫ليزداد إثما ً يظن أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم الذي خلقه بيده ونفخ‬
‫فيه من روحه وأسجد له ملئكته الذين هم أفضل خلقه عنده? أو عقابه‬
‫أعممز عليممه مممن عقمموبته إيمماه? كل‪ ،‬ولكممن اسممتعذاب التمنممي واسممتيطاء‬
‫مركب العجز وسخف الرأي قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي‪ ،‬ولو لممم‬
‫يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهى الله تعممالى ول حممام مممن غليممظ‬
‫عقابه لكان في قبيح الحدوثة عممن صماحبه وعظيممم الظلمم الواقممع فممي‬
‫نفس فاعله أعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة واتبع سممبيل‬
‫الرشد‪ ،‬فكيف والله عز وجل يقول‪) :‬ول يقتلون النفس التي حممرم اللممه‬
‫إل بالحق ول يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ً يضمماعف لممه العممذاب يمموم‬
‫القيامة ويخلد فيها مهانًا(‪.‬‬

‫)‪(103‬‬

‫حدثنا الهمداني في مسجد القمرى بالجممانب الغربممي مممن قرطبممة سممنة‬
‫إحدى وأربعمائة‪ .‬حدثنا ابن سبويه وأبو إسحاق البلخممي بخراسممان سممنة‬
‫خمس وسبعين وثلثمممائة‪ .‬قممال‪ :‬ثنمما محمممد بممن يوسممف‪ :‬ثنمما محمممد بممن‬
‫إسماعيل‪ :‬ثنا قتيبة بن سعيد‪ :‬ثنا جرير عن العمش عن أبممي وائل عممن‬
‫عمرو بن شرحبيل قال‪ :‬قال عبد الله وهو ابن مسممعود‪ :‬قممال رجممل‪ :‬يمما‬
‫رسول الله‪ ،‬أي الممذيب أكممبر عنممد اللممه? قممال‪) :‬أن تممدعو للممه نممدا وهممو‬
‫خلقك(‪ .‬قال‪ :‬ثم أي? قال‪) :‬أن تقتل ولدك أن يطعممم معممك(‪ .‬قممال‪ :‬ثممم‬
‫أي? قال‪) :‬أن تزانممي حليلممة جمارك(‪ .‬فممأنزل اللممه تصممديقها‪) :‬والممذين ل‬
‫يدعون مع الله إلها ً آخر ول يقتلون النفس التي حرم اللممه إل بممالحق ول‬
‫يزنون(‪ .‬وقال عز وجل‪) :‬الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهممما مممائة‬
‫جلدة ول تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله(‪.‬‬
‫حدثنا الهمداني عن أبمي إسمحاق البلخمي وابمن سمبويه عمن محممد بمن‬
‫يوسف عن محمد بن إسماعيل عن الليث عممن عقيممل عممن ابممن شممهاب‬
‫الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسممعيد بممن‬
‫المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪) :‬ل يزني الزاني حين يزني وهممو‬
‫مؤمن(‪ .‬وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عممن يحيممى بممن بكيممر‬
‫عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب‬
‫عن أبي هريرة قال أنى رجل إلى رسول اللممه صمملى اللممه عليممه وسمملم‬
‫وهو في المسجد فقال يا رسول الله‪ ،‬إني زنيت‪ .‬فممأعرض عنممه‪ .‬ثممم رد‬
‫عليه أربع مرات‪ .‬فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النممبي صمملى‬
‫الله عليه وسلم فقال‪ :‬أبك جنممون? قممال‪ :‬ل‪ .‬قممال فهممل أحصممنت قممال‪:‬‬
‫نعم‪ .‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬اذهبو به فارجموه‪.‬‬
‫قال ابن شهاب‪ :‬فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال‪ :‬كنممت فيمممن‬
‫رجمه فرجمناه بالمصلى‪ ،‬فلما أذلقته الحجممارة هممرب فأدركنمماه بممالحرة‬
‫فرجمناه‪.‬‬
‫حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجممامع بقرطبممة عممن‬
‫أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس عن سعيد بن بشممر عممن عمممرو‬
‫بن رافع عن منصور عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشممي عممن‬
‫عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليممه وسمملم قممال‪) :‬خممذوا‬
‫عني خذوا عني‪ ،‬قد جعل الله لهممن سممبي ً‬
‫ل‪ :‬البكممر بممالبكر جلممد‪ ،‬وتغريممب‬
‫سنة‪ ،‬والثيب بالثيب جلد مائة والرجم‪ .‬فيا لشنعة ذنب أنزل اللممه وحيممه‬
‫مبينا ً بالتشهير بصاحبه‪ ،‬والعنف بفاعله‪ ،‬والتشديد لمقترفه‪ ،‬وتشدد فممي‬
‫أل يرجم إل بحضرة أوليائه عقوبة رجمه‪ ،‬وقد أجمع المسلمون إجماعمما ً‬
‫ل ينقضه إل ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم حتى يموت(‪.‬‬

‫)‪(104‬‬

‫فيا لها قتلة ما أهولها‪ ،‬وعقوبة ممما أفظعهمما‪ ،‬وأشممد عممذابها وأبعممدها مممن‬
‫الراحة وسرعة الموت‪.‬‬
‫وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه‬
‫وداود وأصحابه يرون عليه مع الرجم جلد مائة‪ ،‬ويحتجون عليه بنص‬
‫القرآن وثبات السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعل علي‬
‫رضي الله عنه بأنه رجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة‪.‬‬
‫وقال‪ :‬جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله‪ .‬والقول بذلك لزم‬
‫لصحاب الشافعي‪ ،‬لن زيادة العدل في الحديث مقبولة‪ ،‬وقد صح في‬
‫إجماع المة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي‬
‫أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة‪ ،‬حاشى طائفة يسيرة من الخوارج ل‬
‫يعتد بهم‪ ،‬أنه ل يحل دم امرئ مسلم إل بكفر بعد إيمان‪ ،‬أو نفس‬
‫بنفس‪ ،‬أو بمحاربة الله ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الرض‬
‫فسادا ً مقبل ً عير مدبر‪ ،‬وبالزنا بعد الحصان‪ .‬فإن حد ما جعل الله مع‬
‫الكفر بالله عز وجل ومحاربته وقطع حجته في الرض ومنابذته دينه‬
‫لجرم كبير ومعصية شنعاء‪ ،‬والله تعالى يقول‪) :‬إن تجتنبوا كبائر ما‬
‫تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم(‪) * .‬والذين يجتنبون كبائر الثم‬
‫والفواحش إل اللمم إن ربك واسع المغفرة(‪ .‬وإن كان أهل العلم‬
‫اختلفوا في تسميتها فكلهم مجمع مهما اختلفوا فيه منها أن الزنا يقدم‬
‫فيها‪ ،‬ل اختلف بينهم في ذلك ولم يوعد الله عز وجل في كتابه بالنار‬
‫بعد الشرك إل في سبع ذنوب‪ ،‬وهي الكبائر‪ :‬الزنا أحدها‪ ،‬وقذف‬
‫المحصنات أيضا ً منها‪ ،‬منصوصا ً ذلك كله في كتاب الله عز وجل‪.‬‬
‫وقد ذكرنا أنممه ل يجممب القتممل علممى أحممد مممن ولممد آدم إل فممي الممذنوب‬
‫الربعة التي تقدم ذكرها‪ .‬فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلممى السمملم‬
‫أو بالذمة إن لم يكن مرتدا ً قبل منه‪ ،‬ودرئ عنه الموت‪ .‬وأما القتل فإن‬
‫قبل الولي الدية في قول بعض الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سممقط‬
‫عن القاتل القتل بالقصاص‪ .‬وأما الفساد فممي الرض فممإن تمماب صمماحبه‬
‫قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل‪ ،‬ول سممبيل فممي قممول أحممد مؤالممف أو‬
‫مخالف في ترك رجم المحصن‪ ،‬ول وجه لرفع الموت عنه البتة‪.‬‬
‫ومما يدل علممى شممنعة الزنمما ممما حممدثنا القاضممي أبممو عبممد الرحمممن‪ :‬ثنمما‬
‫القاضي أبو عيسى عن عبد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيممى عممن‬
‫الليث عن الزهري عن القاسم بممن محمممد بممن أبممي بكممر عممن عبيممد بممن‬
‫عمير‪ :‬أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب فممي زمممانه ناسما ً ممن‬
‫هذيل‪ ،‬فخرجت جارية منهم فأتبعها رجل يريدها عن نفسها فرمته بحجر‬
‫فقضت كبده‪ ،‬فقال عمر‪ :‬هذا قتيل الله‪ ،‬والله ل يودي أبدًا‪.‬‬

‫)‪(105‬‬

‫وما جعل الله عز وجل فيممه أربعممة شممهود وفممي كممل حكممم شمماهدين إل‬
‫حياطة منه أل تشمميع الفاحشممة فممي عبمماده‪ ،‬لعظمهمما وشممنعتها وقبحهمما‪،‬‬
‫وكيف ل تكون شنيعة ومن قممذف بهما أخمماه المسمملم أو أختممه المسمملمة‬
‫دون صحة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبرة من الكبائر استحق عليهمما‬
‫النار غدًا‪ ،‬ووجب عليه بنص التنزيل أن تضرب بشرته ثمانين سوطًا‪.‬‬
‫ومالك رضي الله عنه يرى أل يؤخذ في شيء من الشياء حد بالتعريض‬
‫دون التصريح إل في قذف‪.‬‬
‫وبالسند المذكور عن الليث بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن‬
‫عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبممد الرحمممن عممن عمممر بممن الخطمماب‬
‫رضي الله عنه أنه أمر أن يجلد الرجل قال لخر‪ :‬ما أبي بممزان ول أمممي‬
‫بزانية‪.‬‬
‫في حديث طويل وبإجماع من المة كلها دون خلف من أحد نعلممه أنمه‬
‫إذا قال رجل لخر‪ :‬يا كافر‪ ،‬أو يا قاتل النفس التي حرم الله‪ ،‬لما وجممب‬
‫عليه حد؛ احتياطا ً من الله عز وجل إل يثبت هممذه العظيمممة فممي مسمملم‬
‫ول مسلمة‪.‬‬
‫ومن قول مالك رحمه الله أيضا ً أنه ل حد في السمملم إل والقتممل يغنممي‬
‫عنه وبنسخه إل حد القممذف‪ ،‬فممإنه إن وجمب علمى ممن قمد وجممب عليمه‬
‫القتل حد ثم قتل‪ .‬قال الله تعالى‪) :‬والممذين يرممون المحصممنات ثممم لمم‬
‫يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ول تقبلمموا لهممم شممهادة أبممدا ً‬
‫وأولئك هم الفاسقون‪ .‬إل الذين تابوا(‪ .‬وقال تعممالى‪) :‬إن الممذين يرمممون‬
‫المحصنات الغافلت المؤمنات لعنمموا فممي الممدنيا والخممرة ولهممم عممذاب‬
‫عظيم(‪ .‬وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قممال‪ :‬الغضممب‬
‫واللعنة المذكوران في اللعان إنهما موجبتان‪.‬‬
‫حدثنا الهمداني عن أبي إسحاق عن محمد بممن يوسممف عممن محمممد بممن‬
‫إسماعيل عن عبد العزيز بن عبد الله‪ ،‬قممال‪ :‬ثنمما سممليمان عممن ثممور بممن‬
‫يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫قال‪) :‬اجتنبوا السبع الموبقات(‪ .‬قالوا‪ :‬وممما هممن يما رسممول اللممه? قممال‪:‬‬
‫)الشرك بالله‪ ،‬والسحر‪ ،‬وقتل النفس التي حممرم اللممه إل بممالحق‪ ،‬وأكممل‬
‫الربمما‪ ،‬وأكممل مممال اليممتيم‪ ،‬والتممولي يمموم الزحممف‪ ،‬وقممذف المحصممنات‬
‫الغافلت المؤمنات(‪.‬‬
‫وإن في الزنا من إباحة الحريم‪ ،‬وإفساد النسممل‪ ،‬والتفريممق بيممن الزواج‬
‫الذي عظم الله أمره‪ ،‬مال يهون على ذي عقل أومن له أقل خلق‪ ،‬ولمو‬
‫ل مكان هذا العنصر من النسان وأنه غير مأمون الغلبة لما خفممف اللممه‬
‫عن البكرين وشدد على المحصممنين‪ .‬وهممذا عنممدنا وفممي جميممع الشممرائع‬

‫)‪(106‬‬

‫القديمة النازلة من عند الله عز وجممل حكممما باقيما ً لممم ينسممخ ول أزيممل‪،‬‬
‫فيترك الناظر لعباده الذي لممم يشممغله عظيممم ممما فممي خلقممه ول يحيممف‬
‫قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها‪ ،‬فهممو كممما قممال عممز‬
‫وجل‪) :‬الحي القيوم ل تأخذه سنة ول نمموم(‪ .‬وقممال‪) :‬يعلممم مما يلممج فممي‬
‫الرض وما يخرج منا وممما ينممزل مممن السممماء وممما يعممرج فيهمما(‪ .‬وقممال‪:‬‬
‫)عالم الغيب ل يعزب عنه مثقال ذرة في الرض ول في السماء(‪.‬‬
‫وإن أعظم ما يأتي به العبد هتك ستر الله عز وجل في عباده‪ .‬وقد جمماء‬
‫في حكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ضربه الرجممل الممذي ضممم‬
‫صبيا حتى أمنى ضربا ً كان سببا ً للمنية‪ .‬ومن إعجمماب مالممك رحمممه اللممه‬
‫باجتهاد المير الذي ضرب صبيا ً مكن رجل ً من تقبيله حتى أمنى الرجل‪،‬‬
‫ضربه إلى أن مات‪ ،‬ما ينسى شدة دواعي هذا الشأن وأسبابه‪ .‬والتزيممد‬
‫في الجتهاد‪ ،‬وإن كنا ل نراه فهو قول كثير من العلماء يتبعه علممى ذلممك‬
‫عالم من الناس‪ .‬وأما الممذي نممذهب أليممه فالممذي حممدثناه الهمممداني عممن‬
‫البلخي عممن البخمماري عممن الفربممري عممن البخمماري قممال‪ :‬ثنمما يحيممى بممن‬
‫سليمان‪ ،‬ثنا ابن وهب قال‪ :‬أخبرني عمرو أن بكيرا ً حممدثه عممن سممليمان‬
‫بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر عممن أبيممه عممن أبممي بممردة النصمماري‬
‫قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليممه وسمملم يقممول‪) :‬ل يجلممد فمموق‬
‫عشرة أسواط إل في حد من حدود الله عز وجل(‪.‬‬
‫وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي رحمه الله‪.‬‬
‫وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى‪) :‬أتممأتون الفاحشممة ممما‬
‫سبقكم بها من أحد من العالمين(‪ .‬وقد قذف اللممه فمماعليه بحجممارة مممن‬
‫طين مسومة‪ .‬ومالك رحمه الله يرى على الفاعل والمفعول بممه الرجممم‬
‫أحصنا أو لم يحصنا‪ .‬واحتج بعبض المالكيين في ذلك بأن الله عممز وجممل‬
‫يقول في رجمه فاعليه بالحجارة‪ :‬وما هي من الظالمين ببعيممد‪ .‬فمموجب‬
‫بهممذا أنممه مممن ظلممم الن بمثممل فعلهممم قربممت منممه والخلف فممي هممذه‬
‫المسألة ليس هذا موضعه‪ .‬وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بمن السمري أن‬
‫أبا بكر رضي الله عنه أحرق فيه بالنار‪ .‬وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى‬
‫اسم المحرق فقال‪ :‬هو شجاع بن ورقاء السدي أحرقه بالنممار أبممو بكممر‬
‫الصديق لنه يؤتي في دبره كما تؤتى المرأة‪.‬‬
‫وأن عن المعاصي لمذاهب للعقل واسعة‪ ،‬فما حرم اللممه شمميئا ً إل وقممد‬
‫عوض عباده من الحلل ما هو أحسن من المحرم وأفضل‪ ،‬ل إله إل هو‪.‬‬
‫وأقول في النهي عن إتباع الهوى على سبيل الوعظ‪:‬‬
‫أقول لنفسي ما مبين كحالك * وما الناس إل هالك وابن هالك‬
‫صن النفس عما عابها وارفض الهوى * فإن الهوى مفتاح باب المهالك‬

‫)‪(107‬‬

‫رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها * وعقباه مر الطعم ضنك المسالك‬
‫فما لذة النسان والموت بعدها * ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لمك‬
‫فل تتبع دارا ً قليل ً لبائها * فقد أنذرتنا بالفناء المواشك‬
‫وما تركها إل إذا هي أمكنت * وكم تارك إضماره غير تارك‬
‫فما تارك المال عجبا ً جؤاذرا ً * كتار كهاذات الضروع الحواشك‬
‫وما قابل المر الذي كان راغبا ً * بشهوة مشتاق وعقل مبارك‬
‫لجدى عباد الله بالفوز عنده * لدى جنة الفردوس فوق الرائك‬
‫ومن عرف المر بالذي هو طالب * رأى سببا ً ما في يدي كل مالك‬
‫ومن عرف الرحمن لم يعص أمره * ولو أنه يعطه جميع الممالك‬
‫سبيل التقي والنسك خير المسالك * وسالكها مستبصر خير سالك‬
‫فما فقد التنغيص من عاج دونها * ول طاب عيش لمري غير سالك‬
‫وطوبى لقوام يؤمون نحوها * بخفة أرواح ولين عرائك‬
‫لقد فقدوا غل النفوس وفضلوا * بعز سلطين وأمن صعالك‬
‫فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما اشتهوا * وفازوا بدار الخلد رحب‬
‫المبارك‬
‫عصوا طاعة الجساد في كل لذة * بنور محل ظلمة الغي هاتك‬
‫فلول اعتداد الجسم أيقنت أنهم * يعيشون عيشا ً مثل عيش الملئك‬
‫فيا رب قدمهم وزد في صلحهم * وصل عليهم حيث حلوا وبارك‬
‫ويا نفس حدي ل تملي وشمري * لنيل سرور الدهر فيما هنالك‬
‫وأنت متى دمرت سعيك في الهوى * علمت بأن الحق ليس كذلك‬
‫فقد بين الله الشريعة للورى * بأبين من زهر النجوم الشوابك‬
‫فيا نفس جدي ف في خلصك وانفذي * نفاذ السيوف المرهفات‬
‫البواتك‬
‫فلو أعمل الناس التفكر في الذي * له خلقوا ما كان حي بضاحك‬
‫الباب الثلثون‬
‫فضل التعفف‬

‫)‪(108‬‬

‫ومن أفضل ما يأتيه النسان في حبه التعفف‪ ،‬وترك ركوب المعصية‬
‫والفاحشة‪ ،‬وأل يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة‪،‬‬
‫وأل يعصي موله المتفضل عليه الذي جعل له مكانا ً وأهل لمره ونهيه‪:‬‬
‫وأرسل إليه رسله وجعل كلمه ثابتا ً لديه‪ ،‬عناية منه بنا وإحسانا ً إلينا‪.‬‬
‫وإن من هام قلبه وشغل باله واشتد شوقه وعظم وجده ثم ظفر فرام‬
‫هواه أن يغلب عقله وشهوته‪ ،‬وأن يقهر دينه‪ ،‬ثم أقام العدل لنفسه‬
‫حصنًا‪ ،‬وعلم أنها النفس المارة بالسوء‪ ،‬وذكرها بعقاب الله تعالى‬
‫وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه‪ ،‬وحذرها من يوم المعاذ‬
‫والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد العقاب الرحمن الرحيم الذي‬
‫ل يحتاج إلى بينة‪ ،‬ونظر بعين ضميره إلى انفراده عن كل مدافع‬
‫بحضرة علم الغيوب * )يوم ل ينفع مال ول بنون إل من أتى الله بقلب‬
‫سليم(‪) * .‬يوم تبدل الرض غير الرض والسموات(‪) * .‬يوم تجد كل‬
‫نفس ما عملت من خير محضرا ً وما عملت من سوء تود لو أن بينها‬
‫وبينه أمدا ً بعيدًا(‪ .‬يوم * )وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خال من‬
‫حمل ظلمًا(‪ .‬يوم * )ووجدوا ما عملوا حاضرا ً ول يظلم ربك أحدًا(‪ .‬يوم‬
‫الطامة الكبرى‪) * ،‬يوم يتذكر النسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن‬
‫يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى‪ .‬وأما من‬
‫خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى(‪ .‬واليوم‬
‫الذي قال الله تعالى فيه‪) :‬وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج‬
‫له يوم القيامة كتابا ً يلقاه منشورا ً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك‬
‫حسيبًا(‪ .‬عندها يقول العاصي‪ :‬يا ويلتي! ما لهذا الكتاب ل يغادر صغيرة‬
‫ول كبيرة إل أحصاها‪ .‬فكيف بمن طوى قلبه على أحر من جمر الغضى‪.‬‬
‫وطوى كشحه على أحد من السيف‪ ،‬وتجرع غصصا ً أمر من الحنظل‪،‬‬
‫وصرف نفسه كرها ً عما طمعت فيه وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل‬
‫دونها حائل‪ ،‬لحرى أن يسر غدا ً يوم البعث ويكون من المقربين في دار‬
‫الجزاء وعالم الخلود‪ ،‬وأن يأمن روعات القيامة وهول المطلع‪ ،‬وأن‬
‫يعوضه الله من هذه القرحة المن يوم الحشر‪.‬‬
‫حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطممبيب قممال‪ :‬رأيممت شممابا ً حسممن‬
‫الوجه من أهل قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا‪ ،‬وكان لممه أخ فممي اللممه قممد‬
‫سقطت بينهما مؤونممة التحفممظ‪ ،‬فممزاره ذات ليلممة وعممزم علممى المممبيت‬
‫عنده‪ ،‬فعرضت لصاحب المنممزل حاجممة إلممى بعممض معممارفه بالبعممد عممن‬
‫منزله‪ .‬فنهض لها على أن ينصرف مسرعًا‪ .‬ونزل الشمماب فممي داره ممع‬
‫امرأته‪ ،‬وكنت غاية الحسن وتربا ً للضيف في الصبى فأطال رب المنزل‬
‫المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه النصممراف إلممى منزلممه‪ ،‬فلممما‬
‫علمت المرأة بفوات المموقت وأن زوجهما ل يمكنمه المجيمء تلممك الليلممة‬

‫)‪(109‬‬

‫تاقت نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليمه ودعتممه إلمى نفسمها‪ ،‬ول ثمالث‬
‫لهما إل الله عز وجل‪ ،‬فهم بها ثم ثمماب إليممه عقلممه وفكممر فممي اللممه عممز‬
‫وجل فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثممم قممال‪ :‬يما نفممس‪ ،‬ذوقممي هممذا‬
‫وأين هممذا مممن نممار جهنممم‪ .‬فهممال المممرأة ممما رأت‪ ،‬ثممم عمماودته فعمماودته‬
‫الشهوة المركبة في النسان فعاد إلممى الفعلممة الولممى‪ .‬فانبلممج الصممباح‬
‫وسبابته قد اصطمتها النار‪.‬‬
‫أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إل لفرط شهوة قد كلبت عليممه? أو‬
‫ترى أن الله تعالى يضيع له المقام? كل إنه لكرم من ذلك وأعلم‪.‬‬
‫ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فممتى مثلهمما مممن الحسممن وعلقتممه‬
‫وشاع القول عليهما‪ ،‬فاجتمعا يوما خاليين فقال‪ :‬هلمي نحقمق مما يقمال‬
‫فينا‪ .‬فقالت‪ :‬ل والله ل كان هذا أبدًا‪ .‬وأنا أقرأ قول الله‪) :‬الخلء يممومئذ‬
‫بعضهم لبعض عدو إل المتقين(‪ .‬قالت‪ :‬فممما مضممى قليممل حممتى اجتمعمما‬
‫حلل‪.‬‬
‫ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خل يوما ً بجارية كممانت لممه مفاركممة فممي‬
‫الصبى‪ ،‬فتعرضت لبعض تلك المعاني‪ ،‬فقال لها‪ :‬كل‪ .‬إن من شكر نعمة‬
‫الله فيما منحى من وصالك الذي كممان أقصممى آمممالي أن أجتنممب هممواي‬
‫لمره ولعمري إن هذا لغريب فيما خل من الزمان‪ ،‬فكيف في مثل هذا‬
‫الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره‪.‬‬
‫وما أقدر في هذه الخبار ‪ -‬وهي صحيحة ‪ -‬إل أحد وجهين ل شك فيهما‪:‬‬
‫إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضممل سممواه‬
‫عليه فهو ل يجيب دواعي الغزل في كلمممة ول كلمممتين ول فممي يمموم ول‬
‫يومين‪ ،‬ولو طال على هؤلء الممتحنين ما امتحنوا بممه لجممادت طبمماعهم‬
‫وأجابوا هاتف الفتنة‪ ،‬ولكن الله عصمهم بانقطاع السبب المحرك نظرا ً‬
‫لهم وعلما ً بما في ضمائرهم من الستعاذة بممه مممن القبممائح‪ ،‬واسممتدعاء‬
‫الرشد‪ .‬ل إله إل هو‪.‬‬
‫وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت‪ ،‬وخاطر تجرد أن قمعت به طوالممع‬
‫الشهوة في ذلك الحين‪ ،‬لخير أراد اللممه عممز وجممل لصمماحبه‪ .‬جعلنمما اللممه‬
‫ممن يخافه ويرجوه‪ .‬آمين‪.‬‬
‫وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمممر وبممن مضممائ عممن رجممال مممن بنممي‬
‫مروان ثقات يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بممن غممانم أه ذكممر‬
‫أن المام عبد الرحمن ابن الحكم غاب في بعض غزواته شممهورا ً وثقممف‬
‫القصر بابنه محمد الذي ولى الخلفممة بعممده ورتبممه فممي السممطح وجعممل‬
‫مبيته ليل ً وقعوده نهارا ً فيه‪ ،‬ولم يأذن له في الخروج البتمة‪ .‬ورتمب معمه‬
‫في كل ليلة وزيرا ً من الوزراء وفتى من أكابر الفتيممان يبيتممان معممه فممي‬
‫السطح‪ .‬قال أبو العباس‪ :‬فأقام على ذلك مدة طويلة وبعد عهده بممأهله‬

‫)‪(110‬‬

‫وهو في سن العشرين أو نحوها‪ ،‬إلى أن وافق مبيممتي فممي ليلممتي نوبممة‬
‫فتى من أكابر الفتيان‪ ،‬وكان صغيرا ً في سنه وغايممة فممي حسممن وجهممه‪.‬‬
‫قال أبو العباس‪ :‬فقلت في نفسي‪ :‬إني أخشى الليلممة علممى محمممد بممن‬
‫عبد الرحمن الهلك بمواقعه المعصية وتزين إبليس وأتباعه له قال‪ :‬ثممم‬
‫أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطممل‬
‫على حممرم أميممر المممؤمنين‪ ،‬والفممتى فممي الطممرف الثمماني القريممب مممن‬
‫المطلممع فظلممت أرقبممه ول أغفممل وهممو يظممن أنممي قممد نمممت ول يشممعر‬
‫باطلعي عليه‪ .‬قال‪ :‬فلما مضى هزيع من الليل رأيته قممد قممام واسممتوى‬
‫قاعدا ً ساعة لطيفة ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه‪ .‬ثم قام بعممد‬
‫حين ولبس قميصه واستوفز ثم نزعه عن نفسه وعمماد إلممى منممامه‪ .‬ثممم‬
‫قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير وبقي كذلك ساعة ثم‬
‫نمادى الفمتى باسممه فأجمابه‪ ،‬فقمال لمه‪ :‬انمزل عمن السمطح وابمق فمي‬
‫الفصيل الذي تحته‪ .‬فقام الفتى مؤتمرا ً له‪ .‬فلما نزل قام محمد وأغلممق‬
‫الباب من داخله وعاد إلى سريره‪ .‬قال أبو العبمماس‪ :‬فعلمممت مممن ذلممك‬
‫الوقت ن الله فيه مراد خير‪.‬‬
‫حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عممن عبيممد اللممه‬
‫بن يحيى عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبممد الرحمممن النصمماري عممن‬
‫حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليممه وسمملم‬
‫أنه قال‪) :‬سبعة يظلهم الله في ظله يوم ل ظممل إل ظلممه‪ :‬إمممام عممادل؛‬
‫وشاب نشأ في عبادة الله عممز وجممل؛ ورجممل قلبممه معلممق بالمسممجد إذا‬
‫خرج منممه حممتى يعممود إليممه؛ ورجلن تحابمما فممي اللممه اجتمعمما علممى ذلممك‬
‫وتفرقا‪ ،‬ورجل ذكر اله خالي ما ً ففاضممت عينمماه‪ ،‬ورجممل دعتممه امممرأة ذات‬
‫حسب وجمال فقال إني أخاف الله‪ ،‬ورجل تصدق صمدقة فمأخفى حمتى‬
‫ل تعلم شماله ما تنفق يمينه(‪.‬‬
‫وإني أذكر أني دعيممت إلممى مجلممس فيممه بعممض مممن تستحسممن البصممار‬
‫صممورته وتممألف القلمموب أخلقممه‪ ،‬للحممديث والمجالسممة دون منكممر ول‬
‫مكروه‪ ،‬فسارعت إليه وكان هذا سحرًا‪ .‬فبعد أن صليت الصبح وأخممذت‬
‫زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات‪ ،‬ومعي رجل من إخواني فقال لي‪:‬‬
‫ممما هممذا الطممراق? فلممم أجبممه حممتى أكملتهمما‪ ،‬ثممم كتبتهمما ودفعتهمما إليممه‬
‫وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت‪ .‬ومن البيات‪:‬‬
‫أراقك حسن غيبه لك تأريق * وتبريد توصل سره فيك تحريق‬
‫وقرب مزار يقتضي لك فرقة * وشكا ولول القرب لم يك تفريق‬
‫ولذة طعم معقب لك علقما ً * وصابا ً وفسح في تضاعيفه ضيق‬

‫)‪(111‬‬

‫ولو لم يكن جزاء ول عقاب ول ثواب لوجب علينا إفناء العمممار وإتعمماب‬
‫البدان وإجهاد الطاقة واستناد الوسع واستفراغ القوة في شكر الخالق‬
‫الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئقالها‪ ،‬وأمتن علينا بالعقل الذي بممه عرفنمماه‪،‬‬
‫ووهبنمما الحممواس والعلممم والمعرفممة ودقممائق الصممناعات‪ ،‬وصممرف لنمما‬
‫السموات جارية بمنافعها‪ ،‬ودبرنا التدبير الذي لو ملكنمما خلقنمما لممم نهتممد‬
‫إليه‪ ،‬ول نظرنا لنفسنا نظره لنا‪ ،‬وفضلنا على أكثر المخلوقات‪ ،‬وجعلنمما‬
‫مستودع كلمه ومستقر دينه‪ ،‬وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها‪ ،‬ثممم لممم‬
‫يرضى لعبمماده أن يممدخلوها إل بأعمممالهم لتكممون واجبممة لهممم‪ :‬قممال اللممه‬
‫تعالى‪) :‬جزاء بما كانوا يعملون(‪ .‬رشدنا إلى سبيلها وكصرنا وجه ظلهمما‪،‬‬
‫وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقا ً من حقوقنا قبله‪ ،‬ودينا ً لزم ما ً‬
‫له‪ ،‬وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها‪ ،‬وأثابنا بفضممله‬
‫على تفضله‪.‬‬
‫وهذا كرم ل تهتدي إليه العقول‪ ،‬ول يمكن أن تكيفه اللباب‪ .‬ومن عرف‬
‫ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهية والحطام الفاني‪،‬‬
‫فكيف وقد أتى مممن وعيممده ممما تقشممعر اسممماعه الجسمماد‪ ،‬وتممذوب لممه‬
‫النفوس‪ ،‬وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل فممأين المممذهب عممن‬
‫طاعة هذا الملك الكريم‪ ،‬وما الرغبممة فمي لمذة ذاهيمة ل تمذهب النداممة‬
‫عنها‪ ،‬ول تفنى التباعة منها‪ ،‬ول يزول الخزي عن راكبها‪ ،‬وإلممى كممم هممذا‬
‫التمادي وقد أسمعنا المتادى‪ ،‬وكأن قد حدا بنا الحادي إلممى دار القممرار‪،‬‬
‫فإما إلى جنة وإما إلى نار‪ ،‬أل إن التثبط فممي هممذا المكممان لهممو الضمملل‬
‫المبين‪ ،‬وفي ذلك أقول‪:‬‬
‫أقصر عن لهوه وعن طربه * وعف في حبه وفي عربه‬
‫فليس شرب المدام همته * ول اقتناص الظباء من أربه‬
‫قد آن للقلب أن يفيق وأن * يزيل ما قد عله من حجبه‬
‫ألهاه عما عهدت يعجبه * خيفة يوم تبلى السرائر به‬
‫يا نفس جدي وشمري ودعي * عنك ابتاع الهوى على لغبه‬
‫وسارعي في النجاة واجتهدي * ساعية في الخلص من كربه‬
‫علي أحظى بالفوز فيه وأن * أنجو من ضيقه ومن لهبه‬
‫يأبها اللعب المجد به ال * دهر أما تتقي شبا نكبه‬
‫كفاك من كل ما وعظت به * ما قد أراك الزمان من عجبه‬
‫دع عنك دارا ً نفنى غضارتها * ومكسبا ً ل عبا ً بمكتسبه‬
‫لم يضطرب في محلها أحد * إل نبا حدها بمضطربه‬

‫)‪(112‬‬

‫من عرف الله حق معرفة * لوى وحل الفؤاد في رهبه‬
‫ما منقضى الملك مثل خالده * ول صحيح التقى كمؤتشبه‬
‫ول تقي الورى كفاسقهم * وليس صدق الكلم من كذبه‬
‫فلو أمنا من العقاب ولم * نخشى من الله متقى غضبه‬
‫ولم نخف ناره التي خلقت * لكل جاني الكلم محتقبه‬
‫لكان فرضا لزوم طاعته * ورد وفد الهوى على عقبه‬
‫وصحة الزهد في البقاء وأن * يلحق تفنيدنا بمرتقبه‬
‫فقد رأينا فعل الزمان بأه * له كفعل الشواظ في حطبه‬
‫كم متعب في الله مهجته * راحته في الكريه من تعبه‬
‫وطالب باجتهاده زهر ال * دنيا عداه المنون عن طلبه‬
‫ومدرك ما ابتغاه ذي جدل * حل به ما يخاف من سببه‬
‫وباحث جاهد لبغيته * فإنما بحثه على عطبه‬
‫بينا ترى المرء ساميا ً ملكا * صار إلى السفل من ذرى رتبه‬
‫كالزرع للرجل فوقه عمل * أن ينم حسن النمو في قصبه‬
‫كم قاطع نفسه أسى وشجا ً * في إثر جد يجد في هربه‬
‫أليس في ذاك زاجر عجب * يزيد ذا اللب في حلى أدبه‬
‫فكيف والنار للمسيء إذا * عاج عن المستقيم من عقبه‬
‫ويوم عرض الحساب يفضحه ال * له ويبدي الخفى من ريبه‬
‫من قد حباه الله رحمته * موصولة بالمزيد من نشبه‬
‫فصار من جهله يصرفها * فيما نهى الله عنه في كتبه‬
‫أليس هذا أحرى العباد غدا ً * بالوقع في ويله وفي حربه‬
‫شكرا ً لرب لطيف قدرته * فينا كحبل الوريد في كثبه‬
‫رازق أهل الزمان أجمعهم * من كان من عجمه ومن عربه‬
‫والحمد لله في تفضله * وقمعه للزمان في نوبه‬
‫أخدمنا الرض والسماء ومن * في الجو من مائه ومن شهبه‬
‫فاسمع ودع من عصاه ناحية * ل يحمل الحمل غير محتطبه‬
‫وأقول أيضًا‪:‬‬

‫)‪(113‬‬

‫أعارتك دنيا مسترد معارها * غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها‬
‫وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة * وقد حان من دهم المنايا مزارها‬
‫وكيف تلذ العين هجعة ساعة * وقد طال فيما عاينته اعتبارها‬
‫وكيف تقر النفس في دار ثقلة * قد استيقنت أن ليس فيها قرارها‬
‫وأتى له في الرض خاطر فكرة * ولم تدر بعد الموت أين محارها‬
‫أليس لها في السعي للفوز شاغل * أما في توفيها العذاب ازدجارها‬
‫فخابت نفوس قادها لهو ساعة * إلى حر نار ليس يطفي أوارها‬
‫لها سائق حاد حثيث مبادر * إلى غير ما أضحى إليه مدارها‬
‫تراد لمر وهي تطلب غيره * وتقصد وجها ً في سواه سفارها‬
‫أمسرعة فيما يسوء قيامها * وقد أيقنت أ‪ ،‬العذاب قصارها‬
‫تعطل مفروضا ً وتعني بفضلة * لقد شفها طغيانها واغترارها‬
‫إلى ما لها منه البلء سكونها * وعما لها منه النجاح نفارها‬
‫وتعرض عن رب دعاها لرشدها * وتتبع دنيا جد عنها مرارها‬
‫فيأيها المغرور بادر برجعة * فلله دار ليس تخمد نارها‬
‫ول تتخير فانيا ً دون خالد * دليل على محض العقول اختيارها‬
‫أتعلم أن الحق فيما تركته * وتسلك سبل ً ليس يخفى عوارها‬
‫وتترك بيضاء المناهج ضلة * لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها‬
‫تسر بلهو معقب بندامة * إذا ما انقضى ل ينقص مستثارها‬
‫وتفنى الليالي والمسرات كلها * وتبقى تباعات الذنوب وعارها‬
‫فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد * تبين من سر الخطوب استتارها‬
‫فعجل إلى رضوان ربك واجتنب * نواهيه إذ قد تجلي منارها‬
‫يجد مرور الدهر عنك بلعب * وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها‬
‫فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا * وهاتيك منها مقفرات ديارها‬
‫تذكر على ما قد مضى واعتبر به * فإن المذكي للعقول اعتبارها‬
‫تحامى ذرها كل باغ وطالب * وكان ضمانا ً في العادي انتصارها‬
‫توافت ببطن الرض وانشت شملها * وعاد إلى ذي ملكه استعارها‬
‫وكم راقد في غفلة عن منية * مشمرة في القصد وهو سعارها‬

‫)‪(114‬‬

‫ومظلمة قد نالها متسلط * مدلي بأيد عند ذي العرش ثارها‬
‫أراك إذا حاولت دنياك ساعيا ً * على أنها باد إليك أزوارها‬
‫وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى * وتبدي أناة ل يصح اعتذارها‬
‫تحاذر إخوانا ً ستفنى وتنقضي * وتنسى التي فرض عليك حذارها‬
‫كأني أرى منك التبرم ظاهرا ً * مبينا ً إذا القدار حل اضطرارها‬
‫هناك يقول المرء من لي بأعصر * مضت كان ملكا ً في يدي خيارها‬
‫تنبه ليوم قد أظلك ورده * عصيب يوافي النفس فيها احتضارها‬
‫تبرأ فيه منك كل مخالط * وإن من المال فيه انهيارها‬
‫فأودعت في ظلماء ضنك مقرها * يلوح عليها للعيون إغبرارها‬
‫تنادي فل تدري المنادي مفردا ً * وقد حط عن وجه الحياة خمارها‬
‫تنادي إلى يوم شديد مفزع * وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها‬
‫إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت * صحائفنا وإنثال فينا انتثارها‬
‫وزينت الجنات فيه وأزلفت * وأذكى من نار الجحيم استعارها‬
‫وكورت الشمس المنيرة بالضحى * وأسرع من زهر النجوم إنكدارها‬
‫لقد جل أمر كان منه انتظامها * وقد حل أمر كان منه انتثارها‬
‫وسيرت الجبال والرض بدلت * وقد عطلت من مالكيها عشارها‬
‫فإما لدار ليس يفنى نعيمها * وإما لدار ل يفك إسارها‬
‫بحضرة جبار رفيق معاقب * فتحصى المعاصي كبرها وصغارها‬
‫ويندم يوم البعث جاني صغارها * وتهلك أهليها هناك كبارها‬
‫ستغبط أجساد وتحيا نفوسها * إذا ما ستوى إسرارها وجهارها‬
‫إذا حفهم عفو الله وفضله * وأسكنهم دارا ً حلل ً عقارها‬
‫سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى * بجلبة سبق طرفها وحمارها‬
‫يفر بنو الدنيا بدنياهم التي * يظن على أهل الحظوظ اقتصارها‬
‫هي الم خير البر فيها عقوقها * وليس بغير البذل يحمى ذمارها‬
‫فما نال منها الحظ إل مهينها * وما الهلك إل قربها واعتمارها‬
‫تهافت فيها طامع بعد طامع * وقد بان للب الذكي اختبارها‬
‫تطامن لغمر الحادثات ول تكن * لها ذا اعتمار يجتنبك غمارها‬
‫وإياك أن تغتر منها بما ترى * فقد صح في العقل الجلي عيارها‬

‫)‪(115‬‬

‫رأيت ملوك الرض يبغون هدة * ولذة نفس يستطاب اجترارها‬
‫وخلوا طريق القصد في مبتغاتهم * لمتبعه الصفار جم صغارها‬
‫وإن التي يبغون نهج بقية * مكين لطلب الخلص اختصارها‬
‫هل العز إل همة صح صونها * إذا صان همات الرجال انكسارها‬
‫وهل رايح إل امرؤ متوكل * قنوع غني النفس باد وقارها‬
‫ويلقى ولة الملك خوفا ً وفكرة * تضيق بها ذرعا ً ويفنى اصطبارها‬
‫عيانا ً ترى هذا ولكن سكرة * أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها‬
‫قد برهن الباني على الرض سقفها * وفي علمه معمورها وقفارها‬
‫ومن يمسك الجرام والرض أمره * بل عمد يبني عليه قرارها‬
‫ومن قدر التدبير فيها بحكمة * فصح لديها ليلها ونهارها‬
‫ومن فتق المواه في صفح وجهها * فمنها يغذي حبها وثمارها‬
‫ومن صير اللوان في نور نبتها * فأشرق فيها وردها وبهارها‬
‫فمنهن مخضر يروق بصيصه * ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها‬
‫ومن حفر النهار دون تكلف * فصار من الصم الصلب انفجارها‬
‫ومن رتب الشمس المنير أبيضاضها * غدوا ويبدو بالعشي اصفرارها‬
‫ومن خلق الفلك فامند جريها * وأحكمها حتى استقام مدارها‬
‫ومن إن ألمت بالعقول رزية * فلس إلى حي سواه افتقارها‬
‫تجد كل هذا راجع نحو خالق * له ملكها منقادة وائتمارها‬
‫أبان لنا اليات في أنبيائه * فأمكن بعد العجز فيها اقتداها‬
‫فأنطق أفواها ً بألفاظ حكمة * وما حلها إثغارها وأتغارها‬
‫وأبرز من صم الحجارة ناقة * وأسمعهم في الحين منها حوارها‬
‫ليوقن أقوام وتكفر عصبة * أتاها بأسباب الهلك قدارها‬
‫بوشق لموسى البحر دون تكلف * وبان من المواج فيه انحسارها‬
‫وسلم من نار الونوق خليله * فلم يؤذه إحراقها واعترارها‬
‫ونجى من الطوفان نوحا ً وقد هدت * به أمة أبدى الفسوق شرارها‬
‫ومكن داودا ً بأيد وابنه * فتعسيرها ملقى له وبدارها‬
‫وذلل جبار البلد لمره * وعلم من طير السماء حوارها‬

‫)‪(116‬‬

‫وفضل بالقرآن أمة أحمد * ومكن في أقصى البلد مغارها‬
‫وشق له بدر السماء وخصه * بآيات حق ل يخل معارها‬
‫وأنقذنا من كفر أربابنا به * وكان على قطب الهلك منارها‬
‫فما بالنا ل نترك الجل ويحنا * لنسلم من نار ترامى شرارها‬
‫هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته إيجابا ً لك‪ ،‬وتقمنا ً لمسرتك‪ ،‬ووقوفا ً عنممد‬
‫أمرك‪ .‬ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشممياء يممذكرها الشممعراء‬
‫ويكثرون القممول فيهما‪ ،‬موفيمات علمى وجوههما‪ ،‬ومفمردات فمي أبوابهما‪،‬‬
‫ومنعمات التفسممير‪ ،‬مثممل الفممراط فممي صممفة النحممول وتشممبيه الممدموع‬
‫بالمطار وأنها تروي السفار وعدم النوم البتة‪ ،‬وانقطاع الغذاء جملة‪ ،‬إل‬
‫أنها أشياء ل حقيقة لها‪ ،‬وكذب ل وجه له ولكممل شمميء حممد‪ ،‬وقممد جعممل‬
‫الله لكل شيء قدرًا‪ .‬والنحول قد يعظم ولو صممار حيممث يصممفونه لكممان‬
‫تفي قوام الذرة أو دونها‪ ،‬ولخرج عن حد المعقول‪ .‬والسممهر قممد يتصممل‬
‫ليالي‪ ،‬ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلممك‪ .‬وإنممما قلنمما أن الصممبر عممن‬
‫النوم أقل من الصبر عن الطعام؛ لن النوم غذاء الروح والطعممام غممذاء‬
‫الجسد‪ ،‬وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنمما حكينمما علممى الغلممب‪ .‬وأممما‬
‫الممماء فقممد رأيممت أن ميسممورا ً البنمماء جارنمما بقرطبممة يصممبر عممن الممماء‬
‫أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من رطوبة‪.‬‬
‫وحدثني القاضي أبو عبد الرحمن بن جحاف أنه كان يعرف مممن كممان ل‬
‫يشرب الماء شهرًا‪.‬‬
‫وإنما اقتصرت في رسالتي على الحقائق المعلومة التي ل يمكن وجممود‬
‫سواها أصل‪ ،‬وعلى أني قممد أوردت مممن هممذه الوجمموه المممذكورة أشممياء‬
‫كثيرة يكتفى بها لئل أخرج عن طريقة أهممل الشممعر ومممذهبهم‪ ،‬وسمميرى‬
‫كثير من إخوننا أخبارا ً لهم في هذه الرسممالة مكني ما ً فيهمما مممن أسمممائهم‬
‫على ما شرطنا في ابتدائها‪ .‬وأنا أستغفر الله تعالى مما يكتب الملكممان‬
‫ويحصيه الرقيبان مممن هممذا وشممبهه‪ ،‬اسممتغفار مممن يعلممم أن كلمممه مممن‬
‫عمله‪ .‬ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي ل يؤاخذ به المرء فهممو إن شمماء‬
‫الله من اللمم المعفو‪ ،‬وإل فليس من السيئات والفواحش الممتي يتوقممع‬
‫عليها العذاب‪ .‬وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد النص فيها‪.‬‬
‫وأنا أعلم أنممه سممينكر علممى بعممض المتعصممبين علممى تممأليفي لمثممل هممذا‬
‫ويقول‪ :‬إنه خالف طريقته‪ ،‬وتجافى عن وجهته‪ ،‬وما أحل لحممد أن يظممن‬
‫في غير ما قصدته‪ ،‬قال الله عز وجل‪) :‬يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كممثيرا ً‬
‫من الظن إن بعض الظن إثم(‪.‬‬
‫وحدثني أحمد بن محمد بن الجسوري‪ ،‬ثنا ابن أبي دليم‪ ،‬ثنا ابممن وضمماح‬
‫عن يحيى ابن مالك بن أبي أنس عن أبي الزبير المكي عن أبممي شممريح‬

‫)‪(117‬‬

‫الكعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنممه قممال‪) :‬إيمماكم والظممن‬
‫فإنه أكذب الكذب(‪.‬‬
‫وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقممبري عممن العممرج عممن أبممي‬
‫هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪) :‬مممن كممان يممؤمن‬
‫بالله واليوم الخر فليقل خيرا ً أو ليصمت(‪.‬‬
‫وحدثني صاحبي أبو بكممر محمممد بممن إسممحاق‪ ،‬ثنمما عبممد الممه بممن يوسممف‬
‫الزدي‪ ،‬ثنا يحيى بن عائذ‪ ،‬ثنا أبو عدي عبد العزيز بن علي بن محمد بن‬
‫إسحاق بن الفرج المام بمصر‪ ،‬ثنا أبو علي الحسن بن قاسم بن دحيممم‬
‫المصري‪ ،‬ثنا محمد بن زكريا الغلبي‪ ،‬ثنا أبو العبمماس‪ ،‬ثنمما أبممو بكممر عممن‬
‫قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال‪ :‬وضع عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنه للناس ثماني عشر كلمة من الحكمممة منهمما‪ :‬ضممع أمممر أخيممك علممى‬
‫أحسنه حتى يأتيك على ما يغلبك عليه‪.‬‬
‫ول تظن بكلمة خرجت من في امرئ مسمملم شممرا ً وأنممت تجممد لهمما فممي‬
‫الخير محم ً‬
‫ل‪ :‬فهذا أعزك الله أدب الله وأدب رسمموله صمملى اللممه عليممه‬
‫وسلم وأدب أمير المؤمنين وبالجملة فإني ل أقول بالمرايمماة ول أنسممك‬
‫نسكا ً أعجميًا‪ .‬ومن أدى الفرائض المأمور بها‪ ،‬واجتنب المحارم المنهممى‬
‫عنها‪ ،‬ولم ينسى الفضل فيممما بينممه وبيممن النمماس فقممد وقممع عليممه اسممم‬
‫الحسان‪ ،‬ودعني مما سوى ذلك وحسبي الله‪.‬‬
‫والكلم في مثل هذا إنما هو مع خلء الممذرع وفممراغ القلممب‪ ،‬وإن حفممظ‬
‫شيء وبقاء رسم وتمذكر فممائت لمثممل خماطري لعجممب علممى مما مضممى‬
‫ودهمني‪ .‬فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبمو‬
‫الديار‪ .‬والخلء عن الوطممان وتغيممر الزمممان‪ ،‬ونكبممات السمملطان‪ ،‬وتغيممر‬
‫الخوان‪ ،‬وفساد الحوال‪ ،‬وتبممدل اليممام‪ ،‬وذهمماب المموفر‪ ،‬والخممروج عممن‬
‫الطارف والتالد‪ ،‬واقتطاع مكاسب البمماء والجممداد‪ ،‬والغربممة فممي البلد‪،‬‬
‫وذهاب الممال والجمماه‪ ،‬والفكمر فمي صمميانة الهمل والولمد واليممأس عممن‬
‫الرجوع إلى موضع الهل‪ ،‬ومدافعة الدهر‪ ،‬وانتظار القدار ل جعلنا اللممه‬
‫من الشاكين إل إليه‪ ،‬وأعادنا إلى أفضل ما عودنا‪ .‬وإن الذي أبقى لكممثر‬
‫مما أخذ‪ ،‬والذي ترك أعظممم مممن الممذي تحيممف‪ .‬ومممواهبه المحيطممة بنمما‬
‫ونعمه التي غمرتنا ل تحد‪ .‬ول يؤدي شكرها‪ ،‬والكل منحممه وعطايمماه‪ ،‬ول‬
‫حكم لنا في أنفسنا ونحن منه‪ ،‬وإليه منقلبنا‪ ،‬وكممل عاريممة فراجعممة إلممى‬
‫معيرها‪ .‬وله الحمد أول وآخرا ً وعودا ً وبدءا وأنا أقول‪:‬‬
‫جعلت اليأس لي حصنا ً ودرعا ً * فلم أليس ثياب المستضام‬
‫وأكثر من جميع الناس عندي * يسير صائني دون النام‬

‫)‪(118‬‬

‫إذا ما صح لي ديني وعرضي * فلست لما تولى ذا اهتمام‬
‫تولى المس والغد لست أدري * أأدركه ففيما ذا اغتمام‬
‫جعلنا الله وإياك من الصابرين الشكرين الحامدين الذاكرين‪ .‬آمين آمين‬
‫والحمد لله رب العالمين وصلى اللمه علممى سمميدنا محممد وآلمه وصممحبه‬
‫وسلم تسليمًا‪.‬‬

‫منسوخ من موقع الوّراق ‪ -‬جزاهم الّله خيرا ً‬
‫قام بنسخه وتنسيقه ونشره أخوكم )خزانة الدب(‬
‫وهو ُيرجو ممن يستفيد منه أن يدعو له ولوالديه‬
‫وأن ل يحذف هذه السطور‬

‫‪Β‬‬

‫)‪(119‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful