‫كاتبات الروايات‬

‫الغرامية يخجلن‬
‫‪20‬‬
‫منها!‬

‫مياو‬
‫النا عبد الستار ‪19‬‬

‫جائزة البوكر لعام ‪ 2009‬تذهب‬
‫الى هيالري منتل عن روايتها‬
‫قصر الذئب‬

‫‪3‬‬

‫جريدة ثقافية شهرية تصدر عن مؤسسة‬

‫المدى لالعالم والثقافة والفنون‬

‫ق��ص��ة ح��ب ب��ي��ن ال��م��ل��ك��ة‬
‫والمهندس "سنموت"‬

‫‪500‬‬
‫دينار‬

‫العدد(‪ 15 )8‬تشرين االول ‪2009‬‬
‫‪No.(7) 15 October 2009‬‬

‫‪32‬‬

‫صفحة‬

‫"حتشبسوت" ‪9-8‬‬

‫رئيس مجلس االدارة‬

‫فخري كريم‬

‫يوسف بزي‪ :‬ثمة عطب اخالقي في نفوس معظم المثقفين العرب ‪25‬‬

‫‪2‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫انباء‬

‫انباء‬

‫طاهر الحمود‪:‬وقعنا مذكرة تفاهم مع الوايبو‬
‫‪ ‬بغداد ـ تاتو‬
‫قال وكيل وزارة الثقافة طاهر الحمود ان العراق وقع‬
‫مذكرة تفاهم مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية‬
‫(الوايبو) بناء على دعوة وجهت من المنظمة‪.‬‬
‫واوضح وكيل الوزارة ان المذكرة التي وقعها العراق مع‬
‫المنظمة تضمنت عددا من النقاط الخاصة بالتدريب‬
‫والدورات والدراسات العليا وورش العمل والمستلزمات‬
‫التقنية والعلمية فضال عن اشراك العراق من خالل‬
‫المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة‬
‫في دورات حقوق المؤلف مع الدول العربية المتقدمة‬

‫في حقل حماية حق المؤلف والمعلوماتية ( تقنية‬
‫المعلومات) اضافة الى حصول العراق على اهتمام‬
‫كبير من قبل المنظمة اذ وضع في جدول ميزانية‬
‫‪ 2010‬واهتمام المنظمة برعاية نشاطات المركز‬
‫الوطني لحماية حق المؤلف في العراق ‪.‬‬
‫واكد وكيل الوزارة طاهر الحمود ان الوفد العراقي اجرى‬
‫سلسلة من االجتماعات على هامش توقيع المذكرة‬
‫مع المكتب العربي في الوايبو المعني بشؤون الدول‬
‫العربية التي تضمنت النقاش بشكل تفصيلي حول‬
‫نقاط المذكرة موضحا ان هذه االجتماعات اسفرت‬
‫عن عدد من النتائج االيجابية والتي اهمها تدريب‬

‫كوادر المركز الوطني لحماية حق المؤلف‪.‬‬
‫واشار الى ان الوفد ارسل طلبا للمشاركة كمبادرة‬
‫اولى للتدريب والحصول على مكتبة خاصة بحقوق‬
‫الملكية الفكرية قدمها المكتب العربي للمنظمة الى‬
‫العراق (المركز الوطني) فضال عن رفد المركز بكل ما‬
‫تم اصداره من كتب ومنشورات ومجالت ومعلومات‬
‫رقمية صدرت عن المنظمة منذ تأسيسها وحتى‬
‫االن‪.‬‬
‫يذكر ان توقيع هذه المذكرة يعد االول من نوعه بعد‬
‫فترة دامت اكثر من ثالثة عقود بسبب سياسات‬
‫النظام السابق‪.‬‬

‫إطالق مكتبة الدوريات الرقمية للوثائق العراقية خالل القرن الماضي‬
‫‪ ‬بغداد ـ تاتو‬
‫أطلق المركز الوطني لإلعالم بالتعاون مع دار الكتب والوثائق المكتبة األرشيفية الرقمية‬
‫الخاص��ة بالوثائق التي كانت تصدر بالعراق خالل القرن الماضي‪ .‬بحس��ب بيان صدر‬
‫عن المركز‪.‬‬
‫وقال مس��ؤول الموقع االلكتروني للمركز الوطني لإلعالم هش��ام حويط ان هذه الخطوة‬

‫ته��دف إلى التعريف بطبيعة المطبوعات والمواضيع التي تعود الى القرن العش��رين‪،‬‬
‫حي��ث ان أغل��ب المطبوع��ات تحوي صورا ن��ادرة تعتبر أرش��يفا ثمينا لتاري��خ العراق‬
‫الحديث‪.‬‬
‫وأضاف حويط‪ ،‬بحس��ب البيان الذي تلقت تاتو نس��خة منه ان “المركز قام بأرش��فة‬
‫عدد من الوثائق التي تش��مل مجالت الخزانة العراقية‪ ،‬وابرزها العالم المصور‪ ،‬وتعديل‬
‫األحكام العدلية‪ ،‬واإلصالح‪ ،‬والكشاف العراقي‪ ،‬والمعرض‪ ،‬والمعلمين‪ ،‬ومرآة العراق‪.‬‬

‫ندوة عن‬
‫التراث الشعبي‬
‫في المحمودية‬

‫جائزة البوكر لعام ‪ 2009‬تذهب الى‬
‫هيالري منتل عن روايتها قصر الذئب‬

‫‪ ‬بغداد ـ تاتو‬
‫اقام البيت الثقافي في مدينة المحمودية‬
‫التاب��ع ل��وزارة الثقافة ن��دوة خاصة عن‬
‫(التراث الشعبي) وذلك في بناية المتحف‬
‫البغدادي‬
‫وق��دم مدي��ر المتح��ف ش��رحا تفصيليا‬
‫ع��ن المقتني��ات التراثي��ة والفولكلورية‬
‫التي يحتويه��ا المتح��ف وماتحمله هذه‬
‫المقتنيات م��ن قصص وحكاي��ا الهالي‬
‫بغداد قديما وقد ش��ارك في الندوة كادر‬
‫البي��ت الثقاف��ي اضاف��ه الى ع��دد من‬
‫مثقفي القضاء‪.‬‬

‫هيالري منتل‬

‫‪‬ترجمة ‪ :‬تاتو‬
‫لقد كانت المفضلة لدى الناشرين ومفضلة لدى الناس واليوم أصبحت‬
‫هيالري مانتل المفضلة لدى قضاة التحكيم بسبب روايتها " قصر الذئب‬

‫يستضيف نخبة من شعراء العراق‬

‫الشعر والتراجيديا في مهرجان المتنبي الشعري‬
‫العالمي التاسع‬

‫‪ ‬البصرة ‪ -‬تاتو‬

‫رئيس مجلس االدارة‬
‫فخري كريم‬

‫كتاب الناقد مقداد مسعود "األذن العصية‬
‫واللسان المقطوع" الصادر مؤخر ًا عن دار‬
‫الينابيع ‪ /‬دمشق‪.‬كان موضوع جلسة ادباء‬
‫البصرة الثقافية المعتادة ‪،‬على قاعة‬
‫القاص محمود عبد الوهاب‪.‬‬

‫مديرا التحرير‬
‫نزار عبد الستار ‪ -‬عالء المفرجي‬
‫االخراج الفني‬
‫ماجد الماجدي‬
‫تنفيذ الغالف‬
‫احمد نعيمة‬
‫الغالف االخير‬
‫عدسة‪ :‬علي طالب‬
‫االشراف اللغوي‪:‬محمود شاكر‬
‫المراسالت ‪:‬‬
‫‪tattoo_215@yahoo.com‬‬
‫بغداد ‪-‬شارع ابو نؤاس ‪ -‬محلة ‪ 102‬زقاق‬
‫‪ - 13‬بناية ‪141‬‬

‫عبدالزهرة زكي‬

‫‪ ‬بغداد ـ تاتو‬
‫اعلن الدكت��ور علي الش�لاه رئيس مهرج��ان المتنبي‬
‫الشعري العالمي عن قيام الدورة التاسعة من المهرجان‬
‫للفترة من ‪ 16‬الى ‪ 22‬تشرين االول ‪ 2009‬في خمس‬
‫مدن سويس��رية هي زيورخ‪ ,‬بازل‪ ,‬بيرن‪ ,‬جنيف‪ ,‬لوكانو‬
‫وس��تخصص الحلقة الدراس��ية المصاحب��ة للمهرجان‬
‫لموضوعة (الشعر والتراجيديا) في الوقت الذي سيكون‬
‫العراق ضيف ش��رف المهرجان حيث سيشارك تسعة‬
‫ش��عراء منه اضافة ال��ى االدباء العراقيي��ن المقيمين‬
‫في سويس��را الذين سيشاركون في الترجمة والحوارات‬
‫النقدية وادارة الجلسات ‪.‬‬
‫يذكر ان من بين االس��ماء العراقية المشاركة الشعراء‪:‬‬
‫عبدالرحمن طهمازي‪ ,‬عريان الس��يد خل��ف‪ ,‬عبدالكريم‬
‫كاصد‪ ,‬يحيى الس��ماوي‪ ,‬فريد زام��دار‪ ,‬عبدالزهرة زكي‪,‬‬

‫فينوس فائق‬

‫عبد الكريم قاصد‬

‫س��هام جب��ار‪ ,‬فينوس فائ��ق‪ ,‬عبدالرحم��ن الماجدي‪,‬‬
‫اضافة الى الموس��يقار احمد مختار في حين سيشارك‬
‫من مختلف دول العالم االدباء‪ :‬ابراهيم المصري (مصر)‪،‬‬
‫خال��د البدور (االم��ارات)‪ ،‬س��ليمان توفيق (س��وريا)‪،‬‬
‫أناهيد كبيري (ايران)‪ ،‬س��لفيا هوب��رز (هولندا)‪ ،‬اكنس‬
‫ميدوس (بريطانيا)‪ ،‬التا سماديني‪ ،‬فابيانو البورغاتي‪،‬‬
‫ميشائيل ش��تاوفر (سويس��را)‪ ،‬روديغر فيشر‪ ,‬توبياس‬
‫بورغارت (المانيا)‪ ،‬خوانا بورغارت (االرجنتين)‪ ،‬اضافة‬
‫الى االدباء والفنانين في اسرة المهرجان علي الشاله‪،‬‬
‫فوزي الدليمي‪ ،‬خاالت احمد‪ ،‬اس��امة الش��حماني‪ ،‬علي‬
‫طوفان‪ ،‬واث��ق العامري‪ ،‬هادي العبودي‪ ،‬س��عاد دنخا‪،‬‬
‫وآخرون‪.‬‬
‫ومهرج��ان المتنب��ي العالم��ي ب��رز كفعالي��ة عراقية‬
‫عربي��ة دولية هامة منذ عام ‪ 1999‬م واس��تمر نجاح ًا‬

‫وتوس��ع ًا عام ًا بعد آخرعل��ى الرغم من توقف فعاليات‬
‫عربية كبرى في اوربا كربيع الش��عراء الذي كان يقيمه‬
‫المعه��د العالم��ي العربي ف��ي باريس‪ ،‬وقد ش��ارك‬
‫بمهرجان المتنبي العالمي حتى اآلن مئات المثقفين‬
‫م��ن مختلف دول العالم بينهم اس��ماء كبيرة جد ًا في‬
‫المشهد الثقافي العالمي مثل ادونيس ومظفر النواب‬
‫وس��ميح القاس��م والش��عراء الس��ويدي ترانز ترانتومر‬
‫والفرنسي االن جفوا والروسي اجنادي ايجي والمغربي‬
‫محم��د بني��س والسويس��ري البرتو نيس��ي والعراقيان‬
‫محمد س��عيد الصكار وف��وزي كريم‪ ،‬وأدولف موش��ك‬
‫اش��هر االدباء السويسريين األحياء وغيرهم ‪ ،‬وقد عدت‬
‫دائرة اليونس��كو في سويسرا مهرجان المتنبي الشعري‬
‫العالم��ي من أه��م فعاليات حوار الحض��ارات لألعوام‬
‫‪ .2008 ،2007 ،2006‬‬

‫َعرف مقدم الجلسة الناقد عبد الغفار العطوي‬
‫بالناقد مقداد مسعود ذاكر ًا تعدد اهتماماته‬
‫األدبية ‪ ،‬وإشرافه على الصفحات الثقافية‬
‫لبعض الصحف التي تصدر في البصرة ‪ ،‬وجهده‬
‫النقدي في متابعة النتاجات األدبية البصرية‬
‫والعراقية والعربية‪ ،‬ونشره بعض دراساته عنها‬
‫في كتابه ‪ ،‬الذي وضع له عنوانا فرعيا هو‪":‬قراءة‬
‫إتصالية في السرد والشعر" ‪ .‬وسجل العطوي‬
‫على الناقد مسعود بأنه لم يطرح مهادا نظريا‬
‫في مقدمته الصغيرة جدا لكتابه ‪ ،‬والتي ال‬
‫تنسجم مع متون دراساته‪ ،‬لتبيان‪ ،‬ما المقصود‬

‫بـ"االتصالية" وكيفية اشتغاله عليها‪ ،‬ومراجعه‬
‫في ذلك؟‪ .‬وما هي دوافعه في اعتمادها؟‪.‬‬
‫مؤكدا أن كل مَنْ يعمل في الحقل النقدي‪،‬‬
‫عليه أن يقف خلف فلسفة ورؤى ‪ ،‬تنير له سبل‬
‫الوصول‪ ،‬لفك شفرات النص وعوالمه المكونة‬
‫من رموز النص ذاته ‪ ،‬والمغتنية بالواقع وحراكه‪،‬‬
‫وأقنعة النص المتغيرة المتجددة‪ ،‬والحقيقة‬
‫التي تتغير عبر المكان والزمان ‪ ،‬وذكر العطوي‪ :‬ان‬
‫مَنْ يعمل ‪،‬حاليا‪ ،‬في المجال النقدي ‪،‬وفي ضوء‬
‫النظريات النقدية الحديثة ‪ ،‬يتميز من الكاتب‬
‫والقاص والشاعر ‪ ،‬كونه يقع في المنطقة‬
‫الوسطى بين العالم والنص‪ُ ،‬مدعما بالمفاهيم‬
‫وال��رؤى المتجددة ‪ ،‬والمتناسقة لفك مغاليق‬
‫النصوص ‪ ،‬والكشف عن جمالياتها ‪ ،‬التي قد‬
‫تخضع للغياب ‪،‬أو سوء الفهم‪ ،‬أو التعالي على‬
‫المرسل اليه‪ ،‬ومن هنا فأن النقد بات يقع في‬
‫منطقة إبداعية دون ان يكون ملحقا للنص‪ .‬وقال‬
‫الناقد مقداد مسعود ان كتابه جزء من مشروع‬
‫لدراسات قادمة‪ ،‬يسعى فيها لمتابعة المنجز‬
‫السردي والشعري والفني‪ ،‬ضمن حقل "االتصالية"‬
‫التي تعني له‪ ":‬ان كل نص يمثل معنى في‬
‫عالقته بالنصوص األخرى"‪ ،‬وان تجربته الثقافية‬
‫دعته للتفتيش عن‪" :‬أواصر التعايش السلمي‬
‫بين النصوص" ‪ ،‬من خالل الكشف عن السمات‬
‫االتصالية الكامنة فيها ‪ .‬وأضاف‪":‬االتصالية‬
‫تكون أحيان ًا (جواني ًة) تكمن بين مكونات النص‬
‫الواحد ذاته‪ ،‬وفي األخرى (برانية)‪ ،‬تظهر بين‬
‫مكونات نصين يختلفان في االجناسية‪ ،‬لكنهما‬
‫يتصالن بمهيمنة واحدة ‪ ،‬أجهد للكشف عنها‬
‫وأحيانا تغدو االتصالية (هندسية) بين نصين‬
‫يشتركان في مكان واحد‪ ،‬لكنهما يختلفان في‬
‫الزمن‪ ،‬وحدود رؤيا المرسل‪ ،‬وقدراته اإلبداعية‪.‬‬
‫وأكد ان‪" :‬كتاباته هذه خضعت لحوارات جادة‬

‫على قدميك اتساقط‬

‫عن ‪ :‬الغارديان‬

‫"األذن العصية واللسان المقطوع" للناقد مقداد‬
‫مسعود في جلسة ادباء البصرة الثقافية األسبوعية‬

‫جريدة ثقافية شهرية‬
‫تصدر عن مؤسسة المدى لالعالم‬
‫والثقافة والفنون‬

‫المدير العام‬
‫غادة العاملي‬

‫" تلك القصة الحيوية والتي اثبتت فيها أنها تستحق جائز البوكر في‬
‫الرواية ‪ .‬فبعد اجتماع لجنة التحكيم لمدة ثالث ساعات انقسم فيها‬
‫القضاة بثالثة ضد اثنين لصالح رواية هيالري التي تتحدث عن مؤامرة‬
‫توماس كروم ويل في عهد الملك هنري الثامن ‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن الترشيح لم يكن بقرار جماعي لكن جيم نافتي مذيع‬
‫البي بي سي والذي ترأس لجنة الحكام لهذه السنة قال " أن الجميع في‬
‫لجنة التحكيم كانوا سعيدين بتسمية الفائز "‬
‫مضيفا " ان قرارنا كان يستند على الشفافية الكبيرة للكتاب وصراحة وجرأة‬
‫الرواية واألجواء المتألقة في تفاصيل الرواية "‪.‬‬
‫وقالت هيالري مانتل بعد فوزها بالجائزة " في الحقيقة كنت مترددة لوقت‬
‫طويل قبل أن اباشر في كتابة هذه الرواية وقد استمر هذا التردد لعشرين‬
‫عاما تقريبا " مضيفة " لقد اردت االستحواذ على انتباه القراء عموما"‬
‫وشكرت موزعي الكتاب لدعمهم لها ‪.‬‬
‫وقالت هيالري " اذا كان الفوز بجائزة البوكر اشبه بقطار يتحطم فانني اليوم‬
‫اطير من السعادة " وقد مدح جيم نافتي تخطيط وطموح تلك الرواية قائال‬
‫" جميعنا شعرنا أن هناك فقرات وصفحات يجب أن نعيد قراءتها مرة‬
‫أخرى فلدينا كتاب هو قطعة من االبداع الروائي فهو استثنائي في تقنيته‬
‫وجرأته فحينما تبدأ في قرائته لن تتوقف " ‪ .‬‬

‫‪3‬‬

‫مثمرة مع بعض األصدقاء ‪ ،‬وفي مقدمتهم‬
‫علي‬
‫األستاذ محمود عبد الوهاب الذي لم يبخل َّ‬
‫بالمشورة وتوجيهاته المضيئة وجديته في‬
‫قراءته المخلصة لما أَكتب"‪ .‬وقدم الشاعر علي‬
‫االمارة مداخلة عن الكتاب ذاكرا انه يتمركز حول‬
‫التلقي كوظيفة جمالية ‪ ،‬وعمد الناقد مسعود في‬
‫دراسته عن "الف ليلة وليلة" للكشف عن شبكة‬
‫المجسات في النص ومنها تحوالت الخطاب‬
‫الحكائي النسوي لدى شهرزاد ‪ ،‬بمواجهة سلطة‬
‫الذكورة التي يمثلها شهريار‪ ،‬وفعالية الخطاب‬
‫النسائي الحكائي ‪ ،‬في تجريد شهريار من سلطته‬
‫الذكورية‪ ،‬القامعة ‪ .‬وقدم الكاتب جاسم العايف‬
‫قراءة مغايرة لقراءة الناقد مسعود‪ ،‬الواردة في‬
‫كتابه‪ ،‬حول"كاردينا" كتاب الشاعر فوزي كريم‬
‫إذ قرأه الناقد قراءة تاريخي ًة‪ ،‬بينما كانت قراءة‬
‫الكاتب العايف مكاني ًة‪ ،‬وقد نشرها العايف في‬
‫الصحف العراقية بالتزامن مع قراءة مسعود‬
‫للكتاب ذاته ‪ .‬كما تحفظ على ما أبداه الناقد‬
‫في كتابه عن مهيمنة "االتصالية" بين كتاب‬
‫الشاعر مهدي محمد علي"البصرة ‪..‬جنة البستان"‬
‫وكتاب األستاذ القاص محمد خضير" بصرياثا"‪،‬‬
‫انطالق ًا من ان األول هو استذكاري‪،‬ورؤيا طفل‪،‬‬
‫لواقع مدينة البصرة في العقد الخمسيني فقط‬
‫‪ ،‬وقد ذكر ذلك الشاعر في مقدمته لكتابه الذي‬
‫أصدرته "دار المدى" في دمشق‪ ،‬والثاني كتاب‬
‫عمل فيه القاص محمد خضير‪،‬على طبقات‬
‫متعددة ‪،‬من األشكال والرؤى والمشاهد ‪ ،‬موظف ًا‬
‫فيها قدراته السردية‪ ،‬الفنية المتميزة للحفر‬
‫في تاريخ المدينة ‪ ،‬والميثلوجيا التي اتسمت‬
‫بها ومتابعة اندثارها وانبعاثها المتواصل‪،‬‬
‫وحاضرها خالل العقد الثمانيني من القرن‬
‫المنصرم‪ ،‬والذي تحولت فيه إلى مسرح للحرب‬
‫العراقية اإليرانية‪ .‬‬

‫تعالي‬
‫‪...‬‬
‫اقتربي اكثر‬
‫‪...‬‬
‫مدي قدميك‬
‫انا الورد‬
‫الماء‬
‫امنحيني هبة ان تتبللي بي‬
‫ان اتعطر ببصمة االبهام‬
‫و بعرق ما مشينا من خطوات الينا‬
‫اريد ان انال رضا اظافرك‬
‫وان اعصر غيومي على بشرتك الجورية‬
‫حتى اتطهر‬
‫حلمت كثيرا بقدميك حتى صرت الماء‬
‫خذيني بكفك‬
‫اعيديني قطرات‬
‫باركيني بالرعشة الصافية‬
‫وبنغمة ان اتساقط على قدميك‬
‫جعلتيني منك‬
‫وجعلتك مني‬
‫آن ان نبدأ الحياة‬
‫انا الماء‬
‫والورد‬

‫تاتو‬

‫‪4‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫متابعات‬

‫متابعات‬

‫"حين نكون في بغداد"‬

‫وبعدها كل في عمله‪ ،‬وحملت حسرة كبيرة على مثل‬
‫هذه الخسارة الوطنية‪ .‬وفيها يقول "أدعوكم لالحتفال‬
‫معي بالشهيد كامل‪..‬بنضاله‪ ،‬بثقافته‪ ،‬بأبحاثه‬
‫ومؤلفاته‪ ،‬ودراساته النقدية‪ ،‬بأخالقه السامية النادرة‪..‬‬
‫بشجاعته وصراحته برفض ثقافة الموت والظالم‬
‫وإلغاء اآلخ��ر‪ ،‬بدفاعه عن أبناء شعبنا المسحوقين‬
‫والمغيبين والالجئين في وطنهم وخارجه‪ ،‬بالتزامه الال‬
‫محدود بقضايا الوطن وجراحاته‪ ،‬بمحاوالته المضنية‬
‫الستعادة الثقافة العراقية صحتها وريادتها اإلقليمية‪،‬‬

‫وبالتأكيد بحياته المفعمة بحب الوطن والفناء في‬
‫سبيله‪ ،‬وليس بموته"‪.‬‬
‫أما أصدقاءه في إيطاليا فقد أختاروا الصورة‪ ،‬بكل‬
‫أجناسها وتقنياتها‪ ،‬لتقديم تحيتهم الى من قاسمهم‬
‫الغربة حين ًا وترك فيهم األثر الكبير‪ .‬إذ قدم الفنان‬
‫الكردي آزاد نانه كلي فيديو تركيبيا حمل عنوان "عالم‬
‫جميل"‪ ،‬سبق وان عرض في بينالة البندقية األخير‪،‬‬
‫وفيه معالجة فنية بصرية لمفهومي الزمن والتاريخ‪،‬‬
‫ورصده للهجرات التي تصاعدت أرقامها في السنوات‬
‫األخير وما سيترتب عليها عبر كلماته " لم تتوقف أو‬
‫تهدأ أب��د ًا‪ .‬إنها حاضرة وتتفاقم باستمرار بسبب‬
‫الحروب والكوارث البيئية والمجاعة والفقر تلك هي‬
‫ظاهرة الهجرة‪ .‬إذ حاولت دراسات وإحصائيات وعلى‬
‫مدى عقود تحديد طبيعتها ومعرفة تداعياتها‪ ،‬إ ّال أن‬
‫تطور هذه الظاهرة في السنوات األخيرة جعل من‬
‫شبه المستحيل إخضاعها ألية عملية حسابية‪ .‬إنسان‬
‫المستقبل سيكون بالضرورة‪ ،‬نتاج ًا لموجات الهجرة‪،‬‬
‫وتالق بين الثقافات والتقاليد المختلفة‪ .‬إنه إنسان‬
‫جديد‪ ،‬وسيقع على عاتقه‪ ،‬في نهاية المطاف‪ ،‬ان‬
‫واقع ما كان يعتبر حلم ًا قديم ًا وطموح ًا‬
‫يترجم الى ِ‬
‫كبير ًا‪ ،‬أي تأسيس عالم مكتمل ومثالي"‪ .‬والى جانبه‬
‫جاء عمل الفنان علي عساف الفيديوي "أنا هي‪..‬أنا‬
‫هو" (مهرجان الخليج السينمائي ‪ )2009‬والذي أهداه‬
‫الفنان الى كامل ش ّياع‪ ،‬وفيه متابعة فنية لصعود‬
‫النعرات الطائفية بعد الغزو األمريكي للعراق في العام‬
‫‪ .2003‬ومثلهما قدم الناقد السينمائي والصحافي‬
‫المقيم في فلورنسا عرفان رشيد مقابلة توثيقية‬
‫عرضت ألول مرة سبق وان سجلها مع كامل ش ّياع عند‬
‫زيارة األخير لمدينة ميسينا اإليطالية ومشاركته في‬
‫النقاشات الحرة على هامش مهرجان "بحر السينما‬
‫العربية"‪ .‬تأثير كامل لم يقتصر على مجايليه من جيله‪،‬‬
‫إنما أمتد الى الجيل األصغر‪ ،‬فها هو الشاب حيدر رشيد‬
‫يساجل عبر شريطه "متشابك باألزرق" مفاهيم كبيرة‪.‬‬
‫وفيه يمتحن المخرج الشاب معاني الهوية‪ ،‬المنفى‪،‬‬
‫الحب‪ ،‬الصداقة والوحدة من خالل باكورته السينمائية‪.‬‬
‫في حين أختار التشكيليون المقيمون في إيطاليا‬
‫طريقتهم في تكريم كامل‪ ،‬وعبر كاتلوغ لمعرض‬
‫مفترض قدم فيه ‪ 17‬فنان ًا عملين لكل منهم وأطلقوا‬
‫عليه "فنانون في ضيافة كامل"‪.‬‬
‫وكان للموسيقى نصيب مهم‪ ،‬إذ قدم أستاذ آلة العود‬
‫البارز أحمد مختار مقتطفات من مقامات موسيقية‬
‫مختلفة كان بعضها بمثابة آصرة ربطت الفنان‬
‫بالمحتفى به‪.‬‬

‫الحقيقة عن توثيقها لمظاهر ازاحة اآلخر التي يطالعها‬
‫الفنان فيما يحيط به‪..‬‬
‫بينما يفضل الفنان التشكيلي طاهر حبيب ان يتناول‬
‫شخصية الفنان و اهمية‬
‫تجربته بعد ان عدّها بصمة‬
‫فريدة في االبداع التشكيلي‬
‫ال��ع��راق��ي المعاصر‪ ،‬الفت ًا‬
‫الى ان لوحاته من الوجهة‬
‫النقدية تحمل لمسات في فن‬
‫التصميم مع ان عالم الرسم‬
‫مسيطر بشكل بليغ ومعبر عن‬
‫التناول االب��داع��ي للموروث‬
‫العراقي القديم‪.‬‬
‫المعرض الذي احتضنته قاعة‬
‫المعارض في نقابة الفنانين‬
‫التشكيليين بالبصرة واستمر‬
‫لخمسة ايام يأتي ضمن ما‬
‫اقترحته النقابة واسمته "عام‬
‫التشكيل االب��داع��ي"‪ ،‬الذي‬
‫سيتضمن معارض شخصية‬
‫وجماعية وعروض مسرحية وموسيقية ‪ ،‬كما صرح بذلك‬
‫نائب رئيس الجمعية الفنان حامد السعد‪ ،‬الذي وصف‬

‫لوحات قيس عيسى بانها تستحدث مفردات قديمة‬
‫كالمالحم والمسالت واالختام االسطوانية وتوظفها‬
‫بمهارة وفق ًا لفضاءات معاصرة‪ .‬مضيف ًا بان قيس‬
‫عيسى يدخلك الى حقل ملغم بااللوان الجاذبة التي‬
‫تجعل المتلقي يستمتع او ًال قبل ان يدخل الى الفهم‬
‫المعمق للعمل‪ .‬ليكتشف ما اخفاه الرسام من فضح‬
‫للعنف والقسوة واالقصاء‪ ،‬ربما كي اليحرم المتلقي من‬
‫االستمتاع ‪ ،‬انها باختصار تجربة ليس لها مثيل في‬
‫االبداع التشكيلي العراقي المعاصر‪.‬‬
‫وفي حواره مع تاتو تعرض قيس عيسى (‪)1975‬‬
‫الحاصل على جوائز وش��ه��ادات تقديرية عديدة‪،‬‬
‫رسام المعرض الى مشكالت الفنان العراقي الحرفية‬
‫وصعوبات جلب المواد الخام وتهيئتها للعمل ‪ ،‬تلك‬
‫التحضيرات التي يتحمل عناءها وتكاليفها بنفسه ‪،‬‬
‫موضح ًا بان تجربة االعداد الى هذا المعرض امتدت الى‬
‫ثالثة اعوام ‪ "..‬استغرقت فيها في التحقيق بادبيات‬
‫وخطوط ورموز الشعوب القديمة وما حملت من مالمح‬
‫ايحائية كالصينية واليابانية واللغة الهيروغليفية التي‬
‫نقبت عنها كثير ًا‪ ،‬فض ًال عن التراث العراقي القديم‬
‫الذي يمكن مالحظة هيمنته على معظم لوحات المعرض‬
‫في مكررات الختم االسطواني الذي يصف ديمومة الحياة‬
‫ويعبر عن حركتها"‪ .‬‬

‫قصر الفنون الجميلة في بروكسل يحتضن الذكرى السنوية األولى الغتيال كامل شياع‬
‫‪ ‬بروكسل‪ -‬فيصل عبداهلل‬

‫في احتفال مهيب وحضور حاشد اختلطت فيه اللغات‬
‫األوربية واللهجات العربية‪ ،‬احتضن قصر الفنون‬
‫الجميلة ( البوزار) وسط العاصمة البلجيكية بروكسل‬
‫وبالتعاون مع عائلته تظاهرة كامل شياع الثقافية‬
‫والفنية بمناسبة الذكرى السنوية األولى الغتياله‪ .‬ووقع‬
‫اختيار اللجنة المنظمة على نص رسالة مؤثرة حملت‬
‫"حين نكون في بغداد"‪ ،‬كان المحتفى به قد كتبها‬
‫الى ابنه في العام ‪ ،2006‬ليكون عنوان التظاهرة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ظل كامل وتأثيره القوي في نفوس من عرفه من‬

‫كامل شياع‬

‫األوربيين والعراقيين والعرب كان حاضر ًا في تفاصيل‬
‫تلك التظاهرة‪ ،‬إذ جمعت أسماء وثقافات وسحنات‬
‫مختلفة جاءت لتحتفى بقامة ثقافية وشخصية وطنية‬
‫عراقية بهذا الثقل وعلى مسرح عريق مثل البوزار وألول‬
‫مرة‪ .‬وكانت كريستينا غاالش‪ ،‬الناطقة الرسمية باسم‬
‫منسق السياسات الخارجية األوربية خافيير سوالنا‪ ،‬الى‬
‫جانب سفيري جمهورية العراق في المملكة البلجيكية‬
‫واليونيسكو على رأس الحضور‪ ،‬فض ًال عن عدد كبير من‬
‫األوربيين وجمع غفير من أبناء الجالية العراقية المقيمة‬
‫في بلجيكا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا‪ ،‬وبحضور‬
‫مكثف من قبل وسائل اإلع�لام المرئية والمسموعة‬
‫والمكتوبة‪.‬‬
‫بعد كلمة قصيرة تناوب شقيقه و توني فان ديريكن‪،‬‬
‫مدير القسم الموسيقي في البوزار‪ ،‬تقديم فقرات‬
‫التظاهرة بالعربية واإلنكليزية والفرنسية والفالمية‪،‬‬
‫وأسباب اختيار كامل وكأنها بمثابة رد دين ووفاء‬
‫لرهان ثقافي وحضاري كان المحتفى به قد عمل عليه‬
‫جاهد ًا لتنفيذه‪ ،‬إال ان أغتياله من قبل قوى الظالم‬
‫والجهل والقتلة قد أوقف الكثير من مشاريعه داخل‬
‫العراق وخارجه‪ ،‬مثلما أوقف حياته قبل اآلوان‪ .‬وكان‬
‫شريط "في رثاء رجل نبيل" مفتتح التظاهرة‪ ،‬وهو عبارة‬
‫عن لقاءات تلفزيونية مقتضبة مع احدى الفضائيات‬
‫العراقية‪ .‬وفيه إستعادة ألبرز أفكار كامل شياع الثقافية‪،‬‬
‫الذي ظل يعمل بصمت وحرص كبيرين‪ ،‬ورؤيته في‬
‫التركيز على بناء األساس الصلب للمثقف العراقي بعد‬
‫ان غيب دوره على مدى أكثر من ثالثة عقود من عمر‬
‫الدكتاتورية‪ .‬وتوقفه عند اإلنجاز األكبر لوزارة الثقافة‬
‫في إستقطاب عدد كبير من المثقفين والتي تكللت‬
‫بمؤتمرهم في العام ‪ ،2004‬وتناوله قضية مكافأة‬
‫المؤلف بما يضمن حقوقه الفكرية والمادية‪.‬‬
‫فيما جاء نصه "حين نكون في بغداد" والذي قرأه‬
‫الشاعر والممثل صالح الحمداني بالفرنسية‪ ،‬وعلى شكل‬
‫منولوغ مسرحي ليخطف ألباب الحضور‪ .‬يقول في تلك‬
‫الرسالة المؤثرة الى أبنه " أكتب إليك من البيت المجاور‬

‫لبيتك الصغير‪ .‬فأنا‪ ،‬منذ ثالثين شهر ًا‪ ،‬أختفي هناك‪...‬‬
‫هرب ًا من البرد والمطر‪ ،‬واحتجاب ًا عن عيون أهل لويفن‬
‫الذين م ّلوا رؤية األجانب بينهم‪ .‬من ذلك البيت أخرج‬
‫من وقت آلخر أللقاك حام ًال حقائب السفر‪ ،‬متظاهر ًا‬
‫بالقدوم من بغداد‪ .‬وما هي إال أيام حتى يحين موعد‬
‫سفري‪ ،‬فيرشح في النفس حزن ثقيل‪ ،‬وأختفي من‬
‫جديد‪ .‬إنها لعبة مش ّوقة‪ ،‬جربتها وأنت تلعب مع‬
‫أقرانك لعبة اإلستغماية‪ .‬أي قلق يحمل اإلختباء؟ أي‬
‫حماس يثير إعالن الظهور؟ هذه هي لعبتي المتواصلة‬
‫معك منذ أن أوهمتك بأنني عائد إلى بغداد‪ .‬لكنها‬
‫ليست اللعبة الوحيدة بيننا‪ ،‬فأثناء اإلختفاء ال أكف عن‬
‫مراقبتك من ثقب صغير في الجدار‪ .‬كل مرة أكلمك‬
‫بالهاتف‪ ،‬تتسلل نظراتي إليك من ذلك الثقب‪ ،‬فأراك‬
‫وأنت تسرد لي أخبار يومك‪ ،‬أو تستمع إلى حكايات‬
‫الجنون في بغداد"‪ .‬وبعد ان يشرح لولده إسم بغداد‪،‬‬
‫والمشتق حسب رأي المؤرخين من الفارسية وتعني‬
‫البستان‪..‬وقد عرفت بدار السالم‪..‬لكنها تحولت الى دار‬
‫حرب هذه األيام‪ ،‬حيث الموت العشوائي وأزيز الطائرات‬
‫وأصوات المفخخات وهدير المولدات الكهربائية‪ ،‬يعد‬
‫أبنه بأمنية أبوية عزيزة بقوله "بين جسر باب المعظم‬
‫وجسر الشهداء تمتد على جانب الرصافة بغداد‬
‫القديمة‪ .‬تحت ظاللها األنيسة سنجلس يوم ًا لنسمع‬
‫دقات ساعة القشلة‪ ،‬ونراقب اللقالق تحرس أعشاشها‪،‬‬
‫ونتحسس حجارة مبانيها الصفراء‪ .‬وتحت وهج الشمس‬
‫البيضاء سنخطو نحو دجلة المتعب‪ ،‬المتأجج ابد ًا‪......‬‬
‫حينها سندرك س ّر بغداد دون صورة أو خبر‪ ."....‬ويذكر‬
‫ولشدة تأثيرها وقوتها‪ ،‬ولقدرة الحمداني في تجسيد‬
‫معانيها عبر إلقاء متميز قد أضفى على الرسالة مشاعر‬
‫مؤثرة مما حدا باقتراح تبنيها ضمن البرنامج الدراسي‬
‫لطلبة المدارس‪.‬‬
‫فيما ج��اءت شهادة السيد محي الخطيب‪ ،‬سفير‬
‫جمهورية العراق في اليونيسكو‪ ،‬بمثابة تعداد لخصال‬
‫وسجايا المحتفى به النضالية والثقافية‪ ،‬إذ تعرف عليه‬
‫ُبعيد العودة من المنافي الى بغداد في العام ‪،2003‬‬

‫الوان قيس عيسى‪..‬معرض انزياحات‪ :‬ظل الكتابة وصوتها المكبوت‬
‫‪ ‬تاتو‪ -‬البصرة‬
‫قدمت قاعة معارض نقابة الفنانين التشكيليين‬
‫العراقيين في البصرة ؛ المعرض الشخصي الرابع للفنان‬
‫التشكيلي قيس عيسى‪ ،‬الذي حمل عنوان "انزياحات"‪،‬‬
‫وضم ما يقرب من عشرين لوحة باحجام مختلفة‪ ،‬مع‬
‫جدارية لعدد من صور اللوحات التي تصف التحوالت‬
‫االبداعية التي مر بها منجزه االبداعي‪ ،‬وحسب ماكتبه‬
‫الناقد والباحث االكاديمي عاصم عبد االمير في فولدر‬
‫المعرض فان لوحات قيس عيسى "تجريدات احتفالية‬
‫تسعى لخلق بيئة جمالية للسطح التصويري"‪ .‬واصف ًا‬
‫مشاغله البصرية بأنها تبدأ من اللحظة الحرجة في‬
‫الرسم التي تجعل من فرشاته حاملة الشارات شعورية‬
‫والشعورية وهكذا يكون للتراكيب الشكلية فع ًال بصري ًا‬
‫ي��ؤدي مهمة تكثيف الجمال ال��ذي ال يكلفنا مشقة‬
‫االستدالل عليه‪.‬‬
‫القاص والناقد محمد خضير الذي كتب ايض ًا ‪"..‬اللوحة‬
‫بمفهوم الكتابة" ‪ ،‬مسج ًال فكرته عن قارئ قيس‬

‫عيسى الذي ينشغل بمراقبة عملية التدحرج واالنزياح‬
‫على مساحة لوحة اليسعها إطار‪ ،‬ويتلقى مفاجآتها‬
‫على مستوى التحليل والتركيب‪ ،‬يؤكد بأن مفهوم‬
‫هذه اللوحات نابع من إنتاج بنيتها األنعكاسية‬
‫ببعدي الكتابة والصوت‪ .‬وهي تستطيع ان توسع‬
‫مدى رؤيتها الى حدود المحيط االجتماعي الذي يستعد‬
‫الستقبالها‪...‬‬
‫صباح نوري السبهان الفنان والناقد واالكاديمي؛ تحدث‬
‫الى تاتو عن المعرض قائال"‪ :‬يتميز قيس عيسى عن‬
‫سواه من الفنانين بانه يمتلك رؤى تشكيلية جمالية‬
‫يستطيع ان يوظفها بعناية فائقة في مشروعه‬
‫االب��داع��ي ويمتلك وح��دة موضوعية في معرضه‬
‫الشخصي‪ ،‬بحيث يالحظ المتلقي المعنوي المتفقه‬
‫بصري ًا ان هناك وحدة موضوعية مترابطة مستقاة من‬
‫تجارب ومرجعيات تاريخية ترجع الى الفترة السومرية‪،‬‬
‫مضيف ًا بأن ‪ :‬عنوان المعرض يحمل قصدية تقترب من‬
‫المفهوم النحوي حول ادوات النفي بما يشبه االثبات‪،‬‬
‫فالمنجز هنا يظهر جماليات ممتعة ولكنها تفصح في‬

‫‪5‬‬

‫عدد رابع من مجلة‬
‫"جسد"‬

‫‪ ‬بيروت ـ تاتو‬

‫صدر حديث ًا العدد الرابع (أيلول‪ /‬سبتمبر ‪ ،)2009‬من‬
‫مجلة "جسد" الثقافية الفصلية‪ ،‬المتخصصة في آداب‬
‫الجس��د وعلومه وفنونه‪ .‬يتضمن العدد محور ًا مس��هب ًا‬
‫عن القبلة في التاريخ واألدب والفنون والدين والجنس‬
‫والس��ينما العربي��ة واألجنبية‪...‬الخ‪ ،‬وملف�� ًا عن حضور‬
‫الجس��د في الفن العربي المعاصر‪ ،‬وريبورتاج ًا ش��ائق ًا‬
‫عن العالم الس��فلي لش��ارع المعاملتين وبناته‪ .‬أما أبرز‬
‫العناوي��ن فـ "قبلة من فوق قبلة من تحت"‪" ،‬درس في‬
‫مص الشفتين"‪" ،‬ش��بهة االيقاع بالجسد"‪" ،‬تسلل الى‬
‫ّ‬
‫شبكات االنترنت الجنسية العربية"‪" ،‬الجنس والرائحة‬
‫في رواية "العط��ر"‪" ،‬علوية صبح تنتفض على التابو"‪،‬‬
‫"إبحثوا عن المؤخرة!"‪" ،‬المثليات في لبنان بين جهنم‬
‫التميي��ز وجهنم االقصاء"‪" ،‬من هي مي��م؟"‪" ،‬المناطق‬
‫الرطبة وفضالت الجس��د"‪" ،‬حوار مع قضيب"‪" ،‬حكاية‬
‫ثق��ب"‪" ،‬لهو الكاميرا"‪" ،‬اغتص��اب"‪" ،‬خذوا الجنس من‬
‫افواه الفراعنة"‪" ،‬س��ينما المثليات في قرن"‪" ،‬عاهرات‬
‫ولكن"‪" ،‬الوشم لغة الجسد"؛ فض ًال عن المحطات الثابتة‬
‫من مث��ل "الم ّرة األولى" (بقلم الروائية الفلس��طينية‬
‫حزامة حبايب)‬
‫و"رادار الجس��د"‬
‫و"جس��د دوت‬
‫ك��وم" و"إيروس‬
‫ف��ي المطب��خ"‬
‫و " للر ا ش��د ين‬
‫فق��ط" (م��ع‬
‫الش��اعر والناقد‬
‫اللبناني اسكندر‬
‫حبش)‪ ،‬وتحقيق‬
‫يتن��اول خمس��ة‬
‫كتّاب شباب عرب‬
‫ح��ول تجربته��م‬
‫الصريحة مع "أول‬
‫بوسة"‪.‬‬
‫م��ن المس��اهمين‬
‫في العدد الرابع نذكر (بحس��ب تسلس��ل ورودهم في‬
‫المجلة)‪ ،‬باتريك الهاني‪ ،‬يوس��ف ليم��ود‪ ،‬محمد رضا‪،‬‬
‫هوفيك حبشيان‪ ،‬ابراهيم محمود‪ ،‬عقل العويط‪ ،‬محمد‬
‫صالح الع��زب‪ ،‬رامي األمين‪ ،‬س��امر أبو هواش‪ ،‬بش��ير‬
‫مفتي‪ ،‬طه عدنان‪ ،‬عبده وازن‪ ،‬فيديل س��بيتي‪ ،‬حزامة‬
‫حبايب‪ ،‬حس��ن عباس‪ ،‬رفيف صيداوي‪ ،‬مازن معروف‪،‬‬
‫مني��رة أبي زيد‪ ،‬س��مير جري��س‪ ،‬خال��د الجبيلي‪ ،‬علي‬
‫الجالوي‪ ،‬بثينة سليمان‪ ،‬جورج يرق‪ ،‬صخر الحاج حسين‪،‬‬
‫باسكال عساف‪ ،‬فيصل القاق‪ ،‬حنين األحمر‪ ،‬نينار اسبر‬
‫واس��كندر حبش‪ .‬أما الغالف فللمص ّور االردني الش��اب‬
‫طارق دجاني‪ ،‬وه��و فنان هذا العدد‪ ،‬علم ًا أن صفحات‬
‫المجل��ة تتز ّين بأعم��ال مجموعة كبيرة م��ن الفنانين‬
‫اللبنانيي��ن والعرب والعالميين‪ ،‬ومن العرب نذكر‪ :‬ماهر‬
‫قريطم‪ ،‬مارون الحكيم‪ ،‬جب��ر علوان‪ ،‬هيلين كرم‪ ،‬عايدة‬
‫س��لوم‪ ،‬رلى الحسين‪ ،‬ماريا س��ركيس‪ ،‬نزير نبعة‪ ،‬نديم‬
‫كوف��ي‪ ،‬طالل المعال‪ ،‬ش��يماء عزيز‪ ،‬س��مر دي��اب‪ ،‬دينا‬
‫الغريب‪ ،‬غ��ادة عامر‪ ،‬حمدي عطية‪ ،‬حام��د ندا‪ ،‬محمود‬
‫مختار‪ ،‬يوسف نبيل‪ ،‬عاصم شرف ومحمود سعيد‪.‬‬
‫"الجمانة للنش��ر والترجمة‬
‫تصدر "جس��د" ع��ن ش��ركة ُ‬
‫واالستش��ارات األدبي��ة"‪ ،‬وت��رأس تحريرها الش��اعرة‬
‫والصحافية اللبنانية جمانة حداد‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫متابعات‬

‫متابعات‬

‫جواد سليم ونصب الحرية‬

‫ع��ن��اص��ر ال���وج���ود ال��ش��ي��ئ��ي ل��م��ح��ي��ط ج�����واد سليم‬

‫‪ ‬بغداد ‪ -‬تاتو‬

‫يحتم جزء من العرفان الذي تدين به الثقافة‬
‫العراقية والفن التشكيلي العراقي نحو الراحل‬
‫شاكر حسن آل سعيد إكمال مشروعه في بلورة‬
‫نقد تشكيلي عراقي حديث وذلك بالبحث‬
‫فيما تركه من‪ :‬مدونات‪ ،‬ورسائل‪ ،‬ومقابالت‪،‬‬
‫الكتشاف المزيد من األفكار منها‪ ،‬وحولها‪،‬‬
‫استعارة وإضافة‪ ،‬وقد جاءت مقاالتنا حول‬
‫مدوناته بهذا الهدف‪ ،‬فنحن هنا ال نستعير‬
‫عنواننا من مدونات آل سعيد فقط بل وننغمس‬
‫كليا في محاولة تطوير فكرة بناء نصب الحرية‬
‫من (عناصر الوجود الشيئي) التي كانت تؤلف‬
‫المحيط البصري ـ الفضائي للرسام ـ النحات‬
‫جواد سليم وتوسيع هذه الفكرة بهدف‬
‫إغنائها‪.‬‬

‫يقول شاكر حسن آل سعيد إن األعمال الفنية إذا لم‬
‫تكن تسعفنا في مجال البحث عن الطبقات التحتانية‬
‫فستسعفنا المعرفة في إرج��اع المدونة الفنية إلى‬
‫عناصرها األولى من خالل التعامل مع تلك المدونة‬
‫مثل موقع آثاري مليء باللقى‪ ،‬والشظايا‪ ،‬ويستلزم‬
‫اكتشاف طبقاته التحتية‪ ،‬وامتالك قدرة على الغوص‬
‫في أعماقه‪ ،‬وبذلك يكون رصد عالماته السطحية‬
‫الخطوة األولى في عملية االكتشاف‪ ،‬وينتهي آل سعيد‬
‫إلى أن "كل ما يطرحه الفنان عبر العمل الفني هو جزء‬
‫من تجربة الفنان الكاملة" وبذلك يجب أن تكون دراسة‬
‫الفنان من خالل دراسة سيل ضخم من اللقى التي ابتدأ‬
‫بثها منذ أولى مراحل منجزه وحتى آخر عمل أنجزه‪ ،‬إنها‬
‫تشكل (متحفه الخاص من العناصر التكوينية) التي‬
‫قد تـتحور‪ ،‬وقد تـتطور‪ ،‬وربما تقع تحت طائلة الكمون‬
‫واالختفاء المؤقت‪ .‬فإضافة إلى ظهور عناصر تكوينية‬
‫مادية كانت جزء ًا من (الوجود الشيئي لمحيط جواد‬
‫سليم) مثل الديكة الخزفية التي رصدها شاكر حسن في‬
‫لوحة (زفة في شارع ‪ )1956‬وفي نصب الحرية ذاته‪،‬‬
‫إال أننا نفترض أن عناصر تكوينية أخرى‪ ،‬أهمها عناصر‬
‫أعماله خارج نصب الحرية‪ ،‬أي اللوحات‪ ،‬والتخطيطات‪،‬‬
‫والسكيجات التي أنجزها كدراسات ألشكال النصب‪،‬‬

‫وكذلك بعض البنى التي هيمنت عليه من خالل تشبعه‬
‫الثقافي بمعطيات الواقع المعيش‪ ،‬إنما تشكل (عناصر‬
‫الوجود الشيئي لمحيط ج��واد سليم) والتي وجدت‬
‫طريقها (كعناصر تكوين) في النصب متتبعين مرجعية‬
‫كل منها قدر استطاعتنا‪.‬‬
‫‪ .1‬البنى اللغوية العربية‪:‬‬
‫لقد ظهرت البنى اللغوية العربية كهيكل بنائي‬
‫للنصب من خالل تكوينه من وحدات كبرى (= كلمات)‬
‫تضم عددا من الوحدات الصغرى (= حروف) وبشكل‬
‫يجعل طوبولوجيا التكوين مماثلة للبيت الشعري العربي‬
‫الكالسيكي ذي الصدر والعجز‪ ،‬وتجسدت بنية الجملة‬
‫العربية من خالل اتجاه القراءة التي يشترطها النصب‬
‫أن تكون بذات االتجاه فال يمكن أن يقرأ النصب من‬
‫اليسار إلى اليمين مطلقا‪ ،‬وهذه خصيصة زمنية تنتمي‬
‫للتابع الحكائي الذي هو من خصائص اللغوي‪ ،‬وذلك‬
‫النمط من القراءة يفرضه بناء النصب على إفريز (سطح)‬
‫يخالف النحت المدور الذي يفرض نمطا من التلقي‬
‫الحسي الملمسي الذي يستوعب الجهات األربع‪ ،‬إن تلقي‬
‫النصب بهذه الكيفية قد يكون تجسيدا لنزعة وظيفية‬
‫تستخدم النحت بمثابة وسط صالح للتواصل اللغوي‬
‫بما يتضمنه من بنية تعاقبية لغوية تتضمنها اللوحة‬
‫الجدارية والنصب النحتية لمناخ الساحة أو الشارع‬
‫حيث تنبثق الجداريات من صميم لغة الخطاب في‬
‫الحياة اليومية‪ ،‬على عكس اللوحة التي تماثل خطاب‬
‫القصيدة أو الرواية‪.‬‬
‫‪ .2‬خصائص الفن الرافديني‪:‬‬
‫ظهور مالمح محتويات المتحف العراقي بالهيكل‬
‫العام للرؤية الفنية التي قال بها آل سعيد‪ ،‬وكذلك في‬
‫البنية المعمارية المطابقة لمعمارية األختام االسطوانية‬
‫المتجهة‪ ،‬وكذلك بعض البنى الشكلية المهمة وأهمها‪:‬‬
‫الوضع األمثل وجمع زاويتي نظر في لقطة واحدة‪ ،‬فقد‬
‫كان كل شكل يتخذ أفضل أوضاعه بغض النظر عن‬
‫زاوية النظر (ثيران مجنحة بخمسة أطراف وعيون أمامية‬
‫في وجوه جانبية)‪ ،‬و ظهرت الموجودات وهي منظورة‬
‫من زاويتي نظر معا‪ ،‬فكانت تعيش حياتها الخاصة‪،‬‬
‫حيث تتلفت‪ ،‬أو تستدير‪ ،‬فكانت بعض هذه اإلزاحات‬
‫الشكلية ضاربة في القدم‪ ،‬تعود إلى فن الفراعنة والفن‬
‫اإلسالمي‪ ،‬كالعين األمامية في الوجه الجانبي‪ .‬إن كل‬
‫هذه السمات وغيرها كثير قد هضمها جواد سليم ضمن‬
‫(متحف أشكاله) الشخصي‪ ،‬ونحن نعتقد إن اإلزاحات‬
‫األهم قد دخلت أشكال نصب الحرية من خالل الرسم‬
‫اإلسالمي والنحوت البارزة (= الرسم بالحجر) الرافدينية‬
‫القديمة‪ ،‬وقد كان جواد يراوح في معالجاته بين الحزوز‬
‫التي يضعها على السطوح وبين النحت المدور في‬

‫منحوتة الطفل‪ ،‬وبذلك كان النصب ساحة لمؤثرات‬
‫أسلوبية بدرجات متنوعة‪ ،‬كما كان تجربة تطبيقية لروح‬
‫محلية جماعة بغداد في النحت‪.‬‬
‫‪ .3‬المحاور النصبية‪:‬‬
‫استخدم جواد القضبان في منحوتات عديدة منها‬
‫األمومة (معدن وخشب) و (السجين السياسي) وكانت‬
‫قد ظهرت بذورها األولى منذ لوحة (الشجرة القتيل)‬
‫و (زفاف في الشارع ‪ )1957‬و (نساء في االنتظار‬
‫‪ ،)1943‬وهي تضاف للمحور التعاقبي الذي تحدثنا‬
‫عنه‪ ،‬فأننا يمكن أن نستشف المحورين اللذين يبنى‬
‫عليهما النصب وقد كانا كرستهما منحوتة (السجين‬
‫السياسي) حيث يتمثل فيهما بعدا التجريد والتجسيد‬
‫بشكل مذهل من خالل االختزال الشديد في عناصره‪.‬‬
‫ويتمثل المحور العمودي ويحدد اتجاهه في النصب‬
‫كما كان في منحوتة (السجين السياسي) بالقضبان‬
‫والخطوط الشاقولية كالسجن في مركز النصب‪،‬‬
‫وامتدادات الشخوص أو السنابل‪ ،‬وارتفاعات الحدث من‬
‫ناحية الوجود المادي وارتفاع وانخفاض يماثل الموجة‬
‫الجيـبـية‪ ،‬وكذلك يقابله الهبوط (المتجه نحو األسفل)‬
‫الذي تجسد في منحوتة السجين السياسي باحتمال‬
‫سقوط (الكتلة الطائرة) التي ربما هي طائر و سنونو‪،‬‬
‫وهي تعبر عن مظاهر اإلخفاق والخيبة‪.‬‬
‫‪ .4‬بنية الثمرة والبذرة (الضام والمضموم)‪:‬‬
‫وهي تجسيد شكلي لسلسلة منحوتات األمومة التي‬
‫أنجزها ج��واد بعدة تنفيذات‪ ،‬كان بعضها يحمل‬
‫تأثيرات النحات البريطاني هنري مور‪ ،‬وكانت تتجه‬
‫حثيثا نحو االختزال الشديد الذي وصل حد التجريد‬
‫أخيرا بكتلة ضخمة بشكل هالل هي األم وهي تحتضن‬
‫كرة هي الطفل‪ .‬وقد تجسدت في النصب بامرأة مكتنزة‬
‫تـتكور على طفل يظهر منه وجهه فقط‪.‬‬
‫ويمكن مقارنة بنية األمومة بالشكل الحلزوني‪ ،‬وما‬
‫ينطوي عليه من معنى التكور (= الرحم) الذي يضم‬
‫البذرة ويحضن(الطفل)‪ ،‬وقد تكون تجسيدا ألنثوية‬
‫الدائرة مقابل ذكورية المربع كما قال بذلك بعض‬
‫الكتاب في مقارنتهم بين الشكلين الهندسيين‪.‬‬
‫‪ .5‬هيمنة األيديولوجيا‪:‬‬
‫رغم إن جواد سليم كان ج��زء ًا من عصر هيمنت فيه‬
‫األيديولوجيا بقوة على الفنون وعلى تنظيراتها‪ ،‬إال‬
‫انه وهو يهم بإنجاز نصب الحرية‪ ،‬كان يحاول أن‬
‫يتخطى المحلية ذات الحلول الفجة التي كانت تظهر‬
‫وتصرف‬
‫في نتاجات جماعة بغداد للفن الحديث‪ّ ،‬‬
‫كفنان معني بدرجة كبيرة بالجانب البصري‪ ،‬رغم كل‬
‫األهداف األيديولوجية التي يعنيها في النصب‪ ،‬فقد‬

‫أدرك جواد سليم إن التعارض القائم بين األيديولوجي‬
‫والبصري يجد له جانبا مختلفا في أهداف‪ ،‬ومن ثم‬
‫في كيفية صياغة الرسالة‪ ،‬فبينما يصب األيديولوجي‬
‫جل اهتمامه على (سلب المتلقي أية فعالية نقدية)‬
‫يهتم البصري بنقاء الرسالة وهيمنة عناصرها غير‬
‫النثرية‪ ،‬أي أن أهداف األيديولوجي تنحصر في (تحميل)‬
‫الرسالة بأهدافه التي ال تعدو أن تكون نمطا من الوعي‬
‫بالتعارض مع مصالح اآلخر‪.‬‬
‫لقد كان اهتمام جواد سليم منصبا على جانبي (الشفرة)‬
‫و (المتلقي)‪ ،‬لذلك احتوى النصب في طياته رسالة‬
‫واجبة الوصول إلى متلق كان يحرص جواد سليم على‬
‫إيصال الرسالة إليه‪ ،‬فقد كانت هنالك درجة من الرسالة‬
‫النثرية باعتبار النصب (حكاية) تحكي كفاح الشعب‬
‫العراقي لنيل حريته‪ ،‬ولكنه حرص على عدم التضحية‬
‫بالخصائص البصرية للشفرة مقابل ذلك‪ .‬لكن نصب‬
‫الحرية‪ ،‬كأي اثر ثري بالدالالت‪ ،‬يتصف (بالتعددية‬
‫النصية)‪ ،‬فهو غني بدالالته‪ ،‬فتعددت مستويات التلقي‬
‫و القراءات‪ ،‬لقد كان (فيه) مكان لمتلق عام‪ ،‬هو المتلقي‬
‫عابر السبيل الذي يمر تحت الفتة النصب‪ ،‬كل يوم‪ ،‬بينما‬
‫يكمن متلق متخف وهو الرقيب أو بمعنى أدق الدولة‪،‬‬
‫وهي الجهة الممولة لمشروع النصب والتي كان بذهنها‬
‫تصورات وأهداف تختلف بدرجة أو بأخرى عن تصورات‬
‫جواد سليم‪ ،‬وأخيرا توجد فسحة لمتلق ثالث هو المتلقي‬
‫الفعال المنتج للخطاب الواعي لدالالته بفضل امتالكه‬
‫ألدوات منتجة للمعاني‪ .‬وقد ظهرت خطابات بنَت‬
‫هوامشها المتراكمة على نصب الحرية تمثلت بعشرات‬
‫المقاالت التي نشرت عنه طوال العقود التي مضت‬
‫على انجازه‪ ،‬إال أن اهمها كان ثالثة كتب هي قراءات‬
‫النقاد جبرا إبراهيم جبرا وعباس الصراف وأخيرا شاكر‬
‫حسن آل سعيد‪ ،‬بينما كانت قراءة آل سعيد هي القراءة‬
‫الوحيدة التي تتمتع بتوظيف آليات قراءة فعالة في‬
‫إنتاج المعنى‪ ،‬وقد توجهت قراءت َـي جبرا إبراهيم جبرا‬
‫وعباس الصراف إلى قارئ افتراضي هو صنو المتلقي‬
‫العابر الذي يبحث عن ما يبحثه ذلك المتلقي‪ ،‬فغلبت‬
‫عليها لغة العواطف والتجميع الوثائقي ومجمل الفهم‬
‫الرسمي األيديولوجي للنحت وألهداف نصب الحرية‪،‬‬
‫بينما اتجهت قراءة آل سعيد لتنوير المتلقي الفعال‬
‫الذي يهدف طوال الوقت الى تطوير آلياته في اكتشاف‬
‫وخلق المعاني‪.‬‬
‫‪ .6‬مستوى وحدات النصب‪:‬‬
‫يتصف نصب الحرية بكونه مبنيا من وحدات (أجزاء‬
‫منفردة)‪ ،‬ووحدات (أجزاء مجتمعة)‪ ،‬فقد قسم شاكر‬
‫حسن آل سعيد النصب إلى أربع وحدات ‪( ...‬وهو ما يقرره‬
‫آل سعيد) تؤكد معمارية النصب‪ ،‬وقد تنبه العديد من‬
‫الدارسين‪ ،‬إلى أنها تستعير بنية الختم األسطواني بعد‬

‫ان يترك بصمته على سطح الطين الطري‪ ،‬والبيت الشعري‬
‫العربي الكالسيكي (شطر و عجز)‪ ،‬لكنه برأيي اقرب إلى‬
‫البيت الشعري العربي الكالسيكي المدور و الجملة العربية‬
‫التي تقرأ من اليمين والتي تشكلها أجزاء فرعية هي‬
‫الكلمات التي تناظرها في النصب المنحوتات المنفردة‬
‫وتجمعات الوحدات لتشكيل موضوعات مستقلة‪ ،‬وقد‬
‫تجاورت في هذا البيت الشعري المفترض وحدات من‬
‫الشطر إلى العجز‪ ،‬هذا إذا اتفق القارئ معي إن وضعي‬
‫لنقطة الفصل بين الشطر و العجز هي الشمس التي‬
‫تتوسط النصب وتقوم مقام النقطة‪ ،‬أو الفارزة في النثر‬
‫(= انتهاء الشطر و بداية العجز) ‪.‬إال أننا نعتقد‪ ،‬استنادا‬
‫إلى هذه النقطة‪ ،‬إن مستويين ممكنين في (تقسيم)‬
‫وحدات النصب‪ :‬أوال ‪ ،‬اعتبار النقطة (= الشمس) ذروة‬
‫الموجة الجيبية في ارتفاعها‪ ،‬حيث تبلغ دراما الحدث‬
‫أقصى شحنتها عند تلك النقطة‪ ،‬بينما يحدث تحول‬
‫درامي بعدها فيميل الفعل إلى االستقرار‪ ،‬ويحدث تحول‬
‫في طبيعة البناء والتصميم وكبح للخشونة اإلنجازية‬
‫التي عمد جواد سليم إلى انتهاجها في القسم األول‬
‫من النصب‪ ،‬وكذلك تبدأ المتجهات والحركة الفيزيائية‬
‫بالخفوت‪ ،‬وتستقر الشخوص وتنعم بالهدوء‪ ،‬فقد بدأت‬
‫مرحلة أخرى‪ .‬بينما يحتم تقسيم آخر إلى اعتبار النقطة‬
‫تلك نقطة وهمية تجاوزها جواد سليم عند التنفيذ‪،‬‬
‫لذا فقد فسم الباحثون وحدات النصب حسب ما يحلو‬
‫لهم (ويمكن العودة لهذه التقسيمات إلى كتاب شاكر‬
‫حسن آل سعيد عن‬
‫ج��واد سليم)‪ .‬إن‬
‫تقسيمي لوحدات‬
‫النصب تنبع من‬
‫أس��ب��اب بصرية‬
‫وأخ������رى تخص‬
‫ال��دالل��ة بتقسيم‬
‫النحت وفق‪:‬‬
‫‪.7‬ال��ت��ق��س��ي��م‬
‫الثيمي‪:‬‬
‫أوال‪ ،‬التظاهرة‬
‫والشهداء‪ ،‬ثانيا‪،‬‬
‫ال���ث���ورة‪ ،‬ث��ال��ث��ا‪،‬‬
‫البناء‪.‬‬
‫‪ .8‬مستوى العالقة‬
‫(األيديولوجي _‬
‫البصري)‪:‬‬
‫رغم هيمنة فكرة‬
‫(خارج بصرية) على‬
‫جواد سليم حينما‬
‫أراد عمل النصب‪،‬‬
‫هي تجسيد نضال‬
‫الشعب العراقي‬
‫لتحقيق ال��ث��ورة‪،‬‬
‫فقد ك��ان الحس‬
‫الفني (= البصري)‬
‫قد هيمن على بنائية النصب من ناحية األشكال المفردة‬
‫ومن ناحية توزيعها على مساحة النصب‪.‬‬
‫‪ .9‬مستوى البنى الهيكلية‪:‬‬
‫استعار جواد سليم بنى هيكلية (خطوط الفعل المتجه)‬
‫خفية أسس عليها تركيب وح��دات النصب‪ ،‬منها‬
‫وخطوط دائرية تؤلف بنية حلزونية و بنية أرتفاعية‬
‫شاقولية (المربع واألقفاص) وظهرت في عدة منحوتات‬
‫للفنان دخلت في بنائها القضبان بشكل رئيس‬
‫وأهمها السجين السياسي‪ ،‬وقد دخلت تلك القضبان‬
‫في تكوينات النصب في تكوين الثورة وفي الجزء‬
‫األيسر (تكوين البناء) حيث ترتفع األشجار والسنابل‪،‬‬
‫وحيث تفتقد الحركة‪ ،‬ونجدها حتى في تكوين العامل‬
‫الذي هو في لحظة استرخاء واتساق قامته المديدة‪،‬‬
‫والمزارعون وهم يتجولون بين مزروعاتهم التي ارتفعت‬
‫من األرض وأينعت‪ ،‬واستعار جواد سليم البنية المسطحة‬

‫للجملة المكتوبة من خالل الرسم بالحجر (النحت البارز)‪.‬‬
‫لقد تتبع شاكر حسن آل سعيد خطوط الفعل المتجه‬
‫متتبعا بذلك خطى الكسندر بابادوبولو في رسم‬
‫المتجهات الخفية في الرسم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .10‬متجهات النصب البنائية‪:‬‬
‫كانت معظم منحوتات النصب جانبية وأنجزها النحات‬
‫بأسلوب النحت البارز (=الريليف)‪ ،‬بينما هنالك منحوتة‬
‫واحدة تصور طفال يقف بمواجهة المتلقي وأيضا الجزء‬
‫األمامي من منحوتة الثور‪ ،‬وهما المنحوتتان اللتان‬
‫أنجزهما النحات بأسلوب النحت المجسم‪ ،‬وذلك راجع‬
‫برأيي إلى انه كان يهدف‪ ،‬كما كانت تهدف الرسوم‬
‫والمنحوتات العراقية والفرعونية القديمة إلى إبراز‬
‫الوضع األمثل‪ ،‬فكانت المنحوتة التي ال تحقق هذا‬
‫الوضع يضطر إلى انجازها بأسلوب النحت المدور‪.‬‬
‫‪ .11‬مستوى نمط النحت‪:‬‬
‫النحت البارز هو (نحت ببعدين)‪ ،‬بمادة نحتية (مجسمة)‬
‫أي إنهاء البعد الثالث في النحت‪ ،‬أذ أنجز جواد النصب‬
‫نحتا بارزا‪ ،‬فإنما قام باستلهام قيم الرسم ببعدين‬
‫وتطبيقها في النحت‪ ،‬فبينما يكون النحت البارز نحتا‬
‫ببعدين أو رسما بمادة مجسمة‪ ،‬أي انه نحت تم إنهاء‬
‫البعد الثالث فيه بدرجة ما‪ ،‬أو ربما هو رسم أضيف له‬
‫البعد الثالث بدرجة ما‪ ،‬وبذلك كان جواد سليم‪ ،‬بإنجازه‬
‫النصب نحتا بارزا فإنما كان يستلهم قيم الرسم في‬
‫انجاز اثر ينتمي للنحت‪.‬‬
‫‪ .12‬جمع وجهتي النظر في الفن السومري‪:‬‬
‫تجمع صياغة الثور وجهتي نظر مزدوجتين (= منظورين‬
‫معا) فقد جمع النحت البارز للجانبين والنحت المجسم‬
‫للمواجهة‪ ،‬وهو ما استدعى تغيير قوانين المنظور ومنح‬
‫الثور القدرة على التفاتة كتلك التي في النصب‪.‬‬
‫‪ .13‬شظايا الحضارة الشخصية‪:‬‬
‫‪ .14‬من شظايا حضارته الشخصية يدخل جواد سليم‬
‫العديد من اللقى التي ظهرت في بعض لوحاته‬
‫السابقة وهي في الواقع من مقتنياته الشخصية في‬
‫حياته اليومية‪ ،‬وقد رصد منها آل سعيد الديكة الخزفية‬
‫التي سبق وظهرت في لوحة (زفة في شارع ‪.)1956‬‬
‫‪ .15‬القواعد االرسطو طاليسية (بداية ‪ ،‬ووس��ط ‪،‬‬
‫ونهاية)‪:‬‬
‫حرص جواد سليم على البعد الحكائي إال أن ذلك لم‬
‫يؤثر على البنية الشيئية للنصب فبدا النصب مبنيا بناء‬
‫أرسطيا من‪ :‬بداية ووسط ونهاية‪.‬‬
‫‪ .16‬الجمع بين الرسم والنحت ‪:‬‬
‫حيث ادخل جواد سليم مؤثرات تنتمي إلى بنية الرسم‬
‫المسطحة كالخطوط والحزوز وآثار الوشم التي كانت‬
‫تعمق الفعل الدرامي في النصب‪ ،‬هذا إضافة إلى أن‬
‫النحت البارز رسم بالحجر‪.‬‬
‫‪ .17‬البعد الديني‪:‬‬
‫حيث تعتقد نزيهة سليم إن لقيام جواد سليم بتقطيع‬
‫أقدام منحوتات النصب عالقة بتحريم التشبيه بالجسد‬
‫اإلنساني في الدين اإلسالمي‪ ،‬إال أن هذا األمر ليس‬
‫مؤكدا برأينا حيث لم يتحقق لدينا فاعلية الجانب‬
‫الديني في رؤية جواد سليم‪.‬‬
‫‪ .18‬اللغات الثانوية ‪:‬‬
‫حيث ادخل جواد سليم العديد من المؤثرات الفرعية‬
‫التي أسميناها (اللغات الثانوية) ومنها‪ :‬مستوى‬
‫التنفيذ (= خشونة و نعومة التنفيذ)‪ ،‬الحركة والسكون‪،‬‬
‫الشاقولي والمدور‪ ،‬المدركات الشكلية (البروفيل‬
‫واألمامي‪ ،‬الريليف والمدور‪ ،‬التحوير ومماثلة الواقع)‪،‬‬
‫وكل الفقرات التي لم نفصل الحديث فيها ستكون‬
‫موضوعا الحقـــــا سنكتبه عن نصب الحرية إنشاء‬
‫الله‪ .‬‬

‫‪7‬‬

‫اس�����ت�����دراك‬

‫قائمة سبيلبيرغ‬
‫واوغاد تارانتينو‬

‫‪ ‬عالء المفرجي‬
‫ارى من الطبيعي ان يكون لليهود حضور مؤثر في‬
‫السينما‪ ،‬صناعة‪ ،‬وترويج ًا وحتى موضوع ًا‪ ..‬صناعة‬
‫بسبب الحس التجاري العالي لهم‪ ..‬انهم ادركوا مبكر ًا‪،‬‬
‫اهمية احتكار السينما بوصفها الشكل االهم واالمثل‬
‫من بين وسائل الترفيه التي تستطيع من خاللها ان‬
‫تجني ارباح ًا عالية ومضمونة كما يذهب الناقد احمد‬
‫رأفت بهجت في كتابه (اليهود والسينما في مصر)‪..‬‬
‫وتبع ًا لذلك فأنها‪ ،‬أي السينما‪ ،‬الوسيلة المضمونة‬
‫لترويج االيديولوجية اليهودية‪ ..‬اما موضوع ًا فيكفي‬
‫تعداد آالف االفالم التي عالجت قضيتهم وباساليب‬
‫مختلفة‪.‬‬
‫ولست في صدد الحديث عن الدور اليهودي في ارساء‬
‫اسس هذه الصناعة الحديثة ابتد ًء من شارل باتيه‬
‫في فرنسا وليس انتهاء باصحاب االستوديوهات‬
‫والشركات العمالقة في هوليوود امثال وارنر وغولدين‬
‫وفوكس وغيرهم‪.‬‬
‫والفترة التي اعقبت الحرب الكونية الثانية‪ ،‬وبسبب‬
‫ما تعرض له اليهود في اوروبا على وجه الخصوص‬
‫من حمالت ابادة منظمة على ايدي النازية وحلفائها‪..‬‬
‫هي الفترة التي ذهب فيها الكثير من صناع االفالم‬
‫الى معالجة هذه الموضوعة من وجهات نظر مختلفة‪،‬‬
‫وان لم تختلف في تأكيد حقيقة هذه الواقعة‬
‫التاريخية‪ ،‬جنح بعضها الى المبالغة فيما التزم‬
‫البعض اآلخرصدقية الوثيقة التاريخية‪ ،‬وبموضوعية‪،‬‬
‫كان من اثارها الواضحة سيل التعاطف المتزايد مع ما‬
‫وقع لليهود خالل فترة التسلط النازي منتصف القرن‬
‫الماضي‪..‬‬
‫ولعل فيلم قائمة تشاندلر – برأيي المتواضع –‬
‫للمخرج الفذ ستيفن سبيلبيرغ هو الفيلم االهم من بين‬
‫مئات االفالم التي عالجت المحرقة او الهولوكوست‪،‬‬
‫واستطاعت ان تنقل بأمانة حقيقة ما حدث في تلك‬
‫الفترة‪.‬‬
‫المخرج االشكالي كوانتين تارانتينو والذي يحلو لبعض‬
‫النقاد تسميته بشاعر العنف بسبب ارتباط اسمه‬
‫بأهم افالم العنف في السنوات االخيرة‪ ..‬حاول في‬
‫فيلمه الجديد (اوغاد مشينون) ان يقترب من هذه‬
‫الموضوعة على طريقته العنفية‪ ،‬حيث مجموعة من‬
‫المقاتلين اليهود يجري تدريبهم وارسالهم الى فرنسا‬
‫إبان احتالل المانيا لها‪ ،‬لالنتقام من قتلة شعبهم‪..‬‬
‫واالنتقام هنا حسب تارنتينو يأخذ طابعا سادي ًا‪،‬‬
‫ربما ليوازي به حجم العنف المسلط‪ ،‬االمر الذي جعل‬
‫مثل هذا الموضوع ينال رفض ًا من قطاع واسع من‬
‫اليهود‪ ،‬ذلك انه يظهرهم بمظهر المتوحش المتعطش‬
‫للدماء‪ ،‬خالف ًا للمظلومية التي طبعت جانب ًا مهم ًا من‬
‫تاريخهم‪ ،‬والذي انتزعوا من خاللها مكاسب تاريخية‬
‫ال تحصى‪.‬‬
‫قائمة سبيلبيرغ واوغاد تارانتينو نموذجان لمعالجة‬
‫حدث تاريخي ما زالت السينما تنهل منه‪ ..‬وربما هما‬
‫ايض ًا ايذان ًا بال جدوى العزف على هذه النغمة التي‬
‫استهلكت‪ ،‬في االقل في السينما‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫تحقيق‬

‫تحقيق‬
‫ِ‬

‫ْ‬
‫"سنموت"‬
‫قصة حب بين الملكة "حتشبسوت" والمهندس‬

‫األقصر ‪ ..‬متحفٌ تحت السماء ومخزن للقبور الملكية‬
‫ُ‬

‫‪ ‬وارد بدر السالم‬

‫كاتب من العراق‬

‫األقصر وما فيها مدينة تعيش حياتين ؛ ماضية وحاضرة؛‬
‫وف��ي كليهم��ا ه��ي مدين��ة التاري��خ العمي��ق بتجلياته‬
‫األس��طورية وش��واخصه األثي��رة ؛ وه��ي مدين��ة الحاضر‬
‫بتضاعيفها الجمالية ومس��حتها الريفي��ة األليفة ونيلها‬
‫الذي يش��طرها الى شطرين لتنقس��م الى حياتين أخريين‬
‫‪ ،‬الب��ر الغربي وهو مدينة الموتى والمقابر واألش��باح الحية‬
‫في تجليات الزمان ‪ ،‬والبر الش��رقي حيث يتعاشق الحاضر‬
‫على أكت��اف الماضي لتجري الحياة خض��راء كمزارع الموز‬
‫ومستعمرات قصب الس��كر المتكاتفة حد االلتحام ‪ .‬وبين‬
‫ه��ذا وذاك تظل األقصر قبلة الس��ياح القادمين إليها من‬
‫شتى بقاع العالم لقراءة المدينة من آثارها وثرائها ونيلها‬
‫األزرق وهو يجري بين الحياتين هادئ ًا وصامت ًا كشاهد أزلي‬
‫لتحوالت األقصر كونها مخزن الحضارة المصرية‪..‬‬

‫دخول الى التاريخ‬

‫األقصر مدينة ذات نكهة فريدة ‪ .‬يعيش‬
‫ُ‬
‫فيها التاريخ منذ آالف السنوات وترقد على‬
‫ترابها حضارة عريقة لما تزل شاخصة‬
‫بقوامها األسطوري ؛ وهو قوام أشبه‬
‫بالخرافة منه الى الحقيقة رغم أنه حقيقة‬
‫ماثلة تعيدنا الى عصور دارسة وحياة‬
‫ملوكية تقترب من اإلعجاز بتوصيفها‬
‫الدقيق ‪ ،‬ولو لم تكن الشواخص التاريخية‬
‫األقصر ‪ ،‬تُبقي على نبض‬
‫نابتة على أرض ُ‬
‫الحياة القديمة فيها ‪ ،‬لكان من الصعب‬
‫تخيل شكل المدينة الماضي وهي تتقصى‬
‫المستقبل بعناد كبير‪..‬‬

‫الدخول ال��ى األقصر هو الدخ��ول الى التاري��خ من بوابة‬
‫الحاض��ر والعودة الى أكثر من س��تة آالف س��نة يومها لم‬
‫تك��ن األقصر إال "طيبة" مدينة ما قب��ل التاريخ و" أيونو –‬
‫ش��مع" مدينة الش��مس الجنوبية و" واست" وهو الصولجان‬
‫عالم��ة الحكم الملكي و" نو آمون" وهو االس��م الذي ُذكرت‬
‫ب��ه في الت��وراة و" ني��وت " أي المدينة و"إب��ت " الثنائية‬
‫كإش��ارة ال��ى قس��مي المدين��ة ‪ ،‬لكن تس��مية األقصر لم‬
‫تك��ن إال مع الفتوحات اإلس�لامية عندما انبهر بها العرب‬
‫لفخامة قصورها وش��واخصها التاريخي��ة العمالقة ؛ وقد‬
‫ذكره��ا الش��اعر اليونان��ي هوميروس بقول��ه " هناك في‬
‫طيبة المصرية حيث تلمع أكوام الذهب‪ ،‬طيبة ذات المائة‬
‫باب‪ ،‬حيث يمر في مش��ية عس��كرية‪ ،‬أربعمائة من الرجال‬
‫بخيله��م ومركباتهم‪ ،‬من كل باب م��ن أبوابها الضخمة"‬
‫وكان��ت العاصمة اإلداري��ة لمصر العليا في عهد األس��رة‬
‫السادس��ة الفرعونية في الفترة م��ا بين ‪2100-3000‬‬
‫ق‪.‬م ولم تتبوأ مكانتها الرفيعة إال في أواخر القرن الحادي‬
‫والعش��رين قبل الميالد‪ ،‬عندما تمكن أمراء طيبة من توحيد‬
‫البالد من البحر األبيض ش��ما ًال حتى الش�لال األول جنوب ًا‪،‬‬
‫وعندما تعرض��ت مصر لغزوات الهكس��وس القادمين من‬

‫الش��مال ووحدت األرضين‪ ،‬مصر العليا والس��فلى‪ ،‬وانتقل‬
‫بعدها مقر الحكم إلى طيبة وظل بها ما يزيد على األربعة‬
‫قرون من الزمان‪ .‬وظلت األقصر قرية صغيرة تابعة لمدينة‬
‫(قوص) عاصمة الصعيد بعد الفتح اإلس�لامي لمصر‪ ،‬ولم‬
‫يتوق��ف الع��دوان والتخريب عل��ى تراثه��ا إال عندما جاء‬
‫(نابلي��ون بونابرت) فانبه��ر بآثاره��ا وحضارتها وروعة‬
‫فنونها‪ ،‬بعدما تمكن العالم الفرنسي (شامبليون) من فك‬
‫طالس��م الكتابة الهيروغليفية ومنذ تلك اللحظة اتجهت‬
‫األنظار إلى مدينة األقصر‪.‬‬

‫متحف تحت السماء‬
‫تع��د األقصر متحف�� ًا كبي��ر ًا مفتوح ًا على مدار الس��نوات‬
‫وس��احة عمالقة غنية باآلثار النحتية والمقابر المهندس��ة‬
‫بي��ن الجبال ف��ي حفائر غريبة تش��ي بعظمة الهندس��ة‬
‫األقصرية ‪،‬والمدينة جامعة للتاريخ اإلنساني منذ عصر ما‬
‫قبل التاريخ ثم العصر الفرعوني وحتى العصر اإلس�لامي‬
‫م��رورا بالعص��ر اليونان��ي فالروماني فالقبط��ي ‪ ،‬وبهذا‬
‫الثراء الحضاري نمت األقص��ر وتعاقبت عليها الحضارات‬
‫اإلنس��انية ‪ ،‬حيث كانت جزءا م��ن طيبة القديمة وكانت‬
‫معمرة بقوتها لمدة ‪ 1350‬عاما متتالية من عام ‪2100‬‬
‫ق‪.‬م إل��ى ‪ 750‬ق‪.‬م وخ�لال ه��ذه الحق��ب الطويلة قام‬
‫المصري��ون ببناء العديد م��ن األعمال الفني��ة المعمارية ‪،‬‬
‫لتتحول المدين��ة إلى مدينة غنية بالتاري��خ الثر واألماكن‬
‫العظيمة واآلث��ار والمعابد والمقابر ‪ ،‬وتعتبر األقصر األثرية‬
‫من أهم الم��دن األثرية في العالم حتى اليوم ‪ .‬ومن آثارها‬

‫الش��هيرة ‪ ،‬معبد األقص��ر الذي ش��يده امينوفيس الثالث‬
‫ومعب��د الكرنك ومعب��د الدير البحري ومعبد حتشبس��وت‬
‫وتمث��اال ممنون ومعب��د دير المدينة ومدين��ة هابو ومعبد‬
‫الرمسيوم ومعبد سيتي األول بالقرنة ومقابر وادي الملوك‬
‫وم��ن أهم الملوك في هذا ال��وادي مقابر الملك توت عنخ‬
‫آمون ومقبرة سيتي األول ومقبرة رمسيس الثالث ومقبرة‬
‫رمس��يس الس��ادس ومقبرة حور محب‪ .‬ويوجد أيضا غربي‬
‫األقص��ر مقابر وادي الملكات‪ .‬وم��ن أهم ما فيها من مقابر‬
‫مقبرة الملكة نفرتاري‪.‬بم��ا يعني أن هناك أكثر من ‪800‬‬
‫موقع ومزار اثري صار مطمح الس��ياح من شتى أرجاء العالم‬
‫وعلى م��دار بضعة أيام تمكنا من زيارة الكثير من المواقع‬
‫األثرية والتاريخية في البرين الش��رقي والغربي ‪ ،‬فالشرقي‬
‫منها هو بر الحياة حيث النيل يس��بغ على المدينة عافيته‬
‫المس��تديمة وحيث الشمس تشرق بصباحات أكثر جاذبية‬
‫‪ ،‬أم��ا الغربي فهو بر الموتى حي��ث المقابر الملكية وحيث‬
‫تغرب الشمس لتحكي قصة األفول الغريب لمدينة كانت‬
‫زاهي��ة بعظمة تاريخها وما زالت تزهو به ‪.‬والتس��اع رقعة‬
‫آثارها الحضارية س��نتوقف عند ثالثة معابد ومقبرة وادي‬
‫الملوك فهي االبرز في هذا الس ْفر العظيم ‪.‬‬

‫البر الشرقي ‪ ..‬حكاية من األمس‬
‫البعيد‬
‫الكرنك من أه��م المعابد العمالقة التي خ ّلفها أهل طيبة‬
‫في البر الشرقي من المدينة ومن عالماتها البارزة والمميزة‬

‫وه��و أكب��ر دار عبادة وجدت عل��ى األرض ؛ وكان كل ملك‬
‫م��ن الملوك المتعاقبين يحاول جع��ل معبده األكثر إبهار ًا‬
‫وتميز ًا حتى صار موطن ًا يحك��ي مراحل تطور الفن النحتي‬
‫المصري القديم والهندس��ة المعمارية التي تش��ي بعظمة‬
‫روادها األوائل ويضم العدي��د من المعابد الى ال نظير لها‬
‫م��ن بينها معبد لإلله أمون وزوجته اإللهة (موت ) وأبنهما‬
‫اإلله ( خنس��و ) اله القمر وعرف منذ الفتح العربى باس��م‬
‫الكرنك بمعنى القرية المحصنة‪ ،‬لكن ثمة رأي يرى ان معبد‬
‫الكرنك يش��به قصر النعم��ان بن المنذر ف��ي العراق الذي‬
‫كان يعرف بـ "الخورنق" وح ّرف االس��م الى كورنك ثم الى‬
‫كرنك‪.‬‬
‫يب��دأ المعبد بطري��ق الكباش ممثال لإلله أم��ون وهنا يرمز‬
‫لق��وة الخصب والنم��اء وقد نحت تحت رؤوس��ها تماثيل‬
‫الملك رمسيس الثانى وقد أطلق المصري القديم على هذا‬
‫الطريق اس��م " وات نث��ر ‪ . " WAt-nTr‬بمعنى طريق اإلله‪،‬‬
‫أم��ا طريق الكباش في معبد الكرنك فقد عرف باس��م " تا‬
‫ـ مي��ت ـ رهنت " يوصل طريق الكباش إلى داخل المعبد ‪،‬‬
‫والمدخل هنا عبارة عن بوابة ضخمة عالية تتوسط صرحا‬
‫ضخما ‪ ،‬ش��يد م��ن الحجر وأطل��ق عليه ابتداء من األس��رة‬
‫الثامنة عش��رة "بخنت " بمعنى الصرح ‪ ،‬وابتداء من األسرة‬
‫العشرين عرف باسم "روتى ورتى " وأطلق اليونانيون عليه‬
‫اس��م " بيلون "‪ .‬ويبدأ المعبد بالمرور من الصرح األول الذي‬
‫يرج��ع إل��ى الملك نختبو ( األس��رة ‪ ) 30‬ومنه إلى الفناء‬
‫الكبي��ر ويوجد عل��ى يمين الداخل ثال��ث مقاصير لثالوث‬
‫طيب��ة من عهد س��يتى الثانى‪ ،‬وعلى اليس��ار ي��رى معبد‬
‫رمس��يس الثالث ‪ .‬تلي ذلك بقايا الصرح الثانى ومنه إلى‬
‫صالة األعم��دة الكبرى التي تحتوى عل��ى‪ 134‬عمود ًا من‬
‫الحجر الرملي واس��تغرق بناؤه��ا ‪ 92‬عام ًا ويفضى المكان‬
‫إلى بقايا الصرح الثالث الذي بناه " أمنحتب الثالث" حيث‬
‫تقف أمامه مسلة تحتمس األول العمالقة ومنه إلى بقايا‬
‫الصرح الرابع وتتقدمه مسلة حتشبسوت ثم تشاهد بقايا‬
‫الص��رح الخامس الذي اقامه الملك تحتمس االول ‪ ،‬ثم الى‬
‫الصرح السادس ومنه إلى قدس األقداس الخاص بالكهنة‬
‫ث��م إلى الفناء الذي يرجع إلى عهد الدولة الوس��طى ومنه‬
‫إلى صال��ة االحتفاالت الضخمة وترجع إلى عهد تحتمس‬
‫الثال��ث وتم البناء على امتداد عش��رين قرن�� ًا فهو يمثل‬
‫مجموع��ة معابد أقيمت ليمارس فيه��ا القدماء المصريون‬
‫بعض الطقوس والشعائر الدينية حسب معتقداتهم‪ .‬وقد‬
‫أقيم أول بناء في الكرنك‪ ،‬أيام الدولة الفرعونية الوس��طى‬
‫ثم تعاقبت األبنية منذ مطل��ع الدولة الحديثة وحتى في‬
‫سجل في تضاعيفه‬
‫العصر الروماني‪.‬وال ش��ك إن الكرنك ّ‬
‫النحتية فنون الهندس��ة والعمارة والنقش السيما النقوش‬
‫الهيروغليفية على المس��لة العمالقة التي تتوسط المعبد ‪،‬‬
‫فيما سرقت المس��لة الثانية وهي اآلن موجودة في ساحة‬
‫الكونكورد في باريس‪.‬‬

‫معبد األقصر‬
‫تم تشييد معبد األقصر في عهد ملوك األسرة الثامنة عشرة‬
‫والتاسعة عشرة وكان يعد مركز عبادة للعديد من الديانات‬
‫منذ عهد الفراعنة حتى العهد المس��يحي واإلسالمي‪.‬وشيد‬
‫لعبادة آمون رع وزوجته موت وابنهما خونسو وهي األرباب‬
‫الت��ي يطلق عليها أيض��ا لقب الثال��وث الطيبي (ثالوث‬
‫طيب��ة)‪ .‬وأه��م األبنية القائم��ة بالمعبد ه��ي تلك التي‬
‫ش��يدها الملكان أمنحوتب الثالث ورمس��يس الثاني الذي‬
‫س��جل انتصاراته العس��كرية الس��يما معركة قادش على‬
‫البرج األول في مدخل المعبد‪.‬كما سجلت الحق ًا انتصارات‬
‫األسرة النوبية في الساللة الخامسة والعشرين‪.‬‬
‫يقع على الضفة الش��رقية لنه��ر النيل في مدينة األقصر‬
‫وتأس��س ف��ي ‪ 1400‬قب��ل المي�لاد‪ .‬وكان اإلل��ه أمون‬
‫رع يحتف��ل بعيد زفافه إلى زوجت��ه ‪ -‬موت‪ -‬مرة كل عام‬
‫فينتقل موك��ب اإلله من معبد الكرن��ك بطريق النيل إلى‬
‫معبد األقصر وهو ما كان يعرف بعيد " االوبت" ويرجع بناء‬
‫المعبد إل��ى الفرعونين أمنحتب الثالث ورمس��يس الثانى‬
‫يبدأ مدخل المعبد بالصرح الذي شيده رمسيس الثانى وبه‬
‫ً‬
‫جالس��ا ‪ .‬وتتقدم المعبد مسلتان‬
‫تمثاالن ضخمان يمثالنه‬
‫إحداهم��ا مازال��ت قائمة ‪ ،‬يلي هذا الصرح فناء رمس��يس‬
‫الثان��ى المحاط من ثالثة جوانب بصفين من األعمدة على‬

‫‪9‬‬

‫والكهنة وكبار الموظفين‪.‬‬

‫مقبرة توت عنخ آمون ومقابر أخرى‬
‫اكتش��ف الباح��ث األثري االنكلي��زي "ه��وارد كارتر" هذه‬
‫المقبرة عام ‪ 1922‬بعد حفائر امتدت لس��ت س��نوات ‪،‬‬
‫وقد عثر على هذه المقبرة س��ليمة وكامل��ة وذاع صيتها‬
‫في العالم لكثرة الكنوز التي وجدت فيها الس��يما األثاث‬
‫الجنائزي المقدس ‪ ،‬وتوت عنخ آمون جلس على عرش مصر‬
‫في العاش��رة من عمره بعد زواجه من ابنة اخناتون ومات‬
‫دون العشرين من عمره ‪.‬‬

‫األعمال السيئة للملوك‬

‫هيئة حزم��ه البردي المدعم ‪ .‬وباقي أجزاء المعبد ش��يدها‬
‫أمنحتب الثالث‪ ،‬ويبدأ بقاعة األعمدة الضخمة ذات األربعة‬
‫عش��ر عمود ًا ثم إل��ى الفناء الكبير المفت��وح ويحيط به من‬
‫ثالثة جوانب صفان من األعمدة – ثم بهو األعمدة ويضم‬
‫‪ 32‬عم��ود ًا بعده غرف��ة القارب المقدس ‪ ،‬وقد اس��تطاع‬
‫اإلسكندر األكبر أن يش��يد مقصورة صغيرة له تحمل أسمه‬
‫داخل مقصورة أمنحتب الثالث ‪.‬وأخيرا إلى قدس األقداس‬
‫حيث حجرة التمثال المقدس وبها أربعة أعمدة ‪.‬كما توجد‬
‫البحيرة المقدس��ة وكانت تس��تخدم للتنقية وتقع خارج‬
‫القاعة الرئيسية من معبد األقصر حيث يوجد هناك تمثال‬
‫كبير للجعران وكان هذا التمثال إهداء إلى الملك أمنحتب‪.‬‬

‫معبد الدير البحري ‪...‬حتشبسوت‬
‫وسَنْموت‬
‫هذا معبد فذ بتصميمه وانسفاحه على واجهة جبل وكأنه‬
‫جز ٌء من الجبل ‪.‬يسمونه معبد "الدير البحرى" ألن المسيحيين‬
‫اس��تخدموه دير ًا في القرن الس��ابع بعد الميالد ؛ ويس��مى‬
‫معب��د الملكة حتشبس��وت ‪ ،‬وه��ذه الملك��ة التي حكمت‬
‫عش��رين عام ًا هي خامسة ملوك األسرة الثامنة عشرة التي‬
‫ينتس��ب إليها أيض�� ًا الملك "توت عنخ آم��ون" وهى ابنة‬
‫"تحتم��س األول" وزوج��ة "تحتمس الثانى" وقد تس��لمت‬
‫الحكم مع "تحتمس الثالث" الذي كان ابن زوجها من إحدى‬
‫الجاري��ات‪ ،‬وكان في نفس الوقت زوج ابنتها وظلت لحين‬
‫موتها عام ‪ 1484‬قب��ل الميالد قابضة على زمام الحكم‪،‬‬
‫فكان��ت الحاكمة اآلمرة طوال حياته��ا وأبعدت "تحتمس‬
‫الثال��ث" ع��ن الحكم ‪ ،‬وم��ع أنها كانت أنث��ى فقد مثلت‬
‫نفس��ها على التماثيل على هيئة رجل له صدر منبسط بال‬
‫ثديين وله لحية مستعارة ‪.‬‬
‫ق��ام بتصميم وتنفي��ذ بناء المعبد المهندس "س��نموت"‬
‫مستش��ار الملكة وأح��د المقربين إليها‪ .‬وهو ينتس��ب إلى‬
‫أس��رة متواضعة من "أرمنت" ولكنه أصبح بجهده الرئيس‬
‫األول الس��تقبال العائل��ة المالكة‪ ،‬ورئيس اس��تقبال اإلله‬
‫"آمون" والمسؤول عن جميع اإلنش��اءات‪ ،‬ولهذا فقد حقق‬
‫أعظ��م النجاحات المهنية فى تاريخ مص��ر القديمة ؛ لكن‬
‫المؤرخين يش��يرون الى أن هذه الملكة تركت وراءها ألغازا‬
‫كثيرة وأس��رارا وربما يكون أكثر تلك األلغاز إثارة شخصية‬
‫" س��نموت " ذلك المهندس الذى بنى لها معبدها الشهير‬
‫ف��ي الدير البحري والذي منحته ‪ 80‬لقبا وكان مس��ؤوال عن‬
‫رعاي��ة ابنتها الوحيدة وقد بلغ من حب��ه لمليكته أن حفر‬
‫نفقا بين مقبرتها ومقبرته‪ .‬وإذا جاءت تلميحات المؤرخين‬
‫لتش��ير إلى وج��ود حالة حب قد جمعت االثنين س��نموت‬
‫وحتشبس��وت فإنهما الملكة وخادمها أيضا قد شاركا في‬
‫"حياة أسطورية " وانتهى كل منهما نهاية غامضة ال تزال‬

‫لغزا حتى اآلن ‪ ،‬وقام س��نموت بتصمي��م المعبد الجنائزى‬
‫لحتشبسوت بالدير البحري بالقرب من مدخل وادى الملوك‬
‫على ش��كل ثالثة طواب��ق ‪ ،‬وتص��ور جدران ه��ذا المعبد‬
‫تفاصي��ل حياة حتشبس��وت مثل قص��ة ميالدها وكيف‬
‫ول��دت من اآلله آم��ون ‪ ،‬وأيضا نقل مس��لتيها إلى المعبد‬
‫والبعث��ة التى قامت به��ا إلى بالد بونت ‪ ،‬وقد س��محت‬
‫حتشبسوت لس��نموت بأن يضع اسمه وصورته خلف أحد‬
‫األبواب الرئيس��ية لمعبدها وربما ه��ذا دليل ما على حب‬
‫حتشبسوت لهذا المهندس الفذ الذي كان من عامة الناس‬
‫ولم يكن له جذر ملوكي كي تتزوجه ‪.‬‬

‫البر الغربي ‪ ..‬حكاية الموتى األحياء‬
‫اذا كان البر الشرقي غني ًا بالمعابد الفخمة التي تشي بقدرة‬
‫معمارية نادرة وغني ًا بالحياة المتحركة والطقوس واألعياد‬
‫‪ ،‬ف��إن البر الغربي هو مدينة المقاب��ر والموتى بامتياز ‪ ،‬أذ‬
‫ج��رت العادة أن ُيدفن الملوك والمل��كات في البر الغربي‬
‫بعيد ًا عن فيضان النيل الموسمي ‪ ،‬تحت الجبال الصخرية‬
‫وبعيد ًا عن لصوص المقابر ‪ ،‬فقد جرت العادة أن تُدفن مع‬
‫الملك كل اشيائه الخاصة وممتلكاته ‪ ،‬ظن ًا من المصريين‬
‫القدماء أن الميت سيحتاجها في رحلته الى العالم اآلخر ؛‬
‫كما ان صالبة التربة تكفل حفظ اجساد الموتى وخلودها‬
‫باعتقادهم ‪ ،‬ثم أن الغرب كان المكان المقدس للمصريين‬
‫القدام��ى ‪ ،‬إلعتقادهم أن مغيب الش��مس ما هو اال طريق‬
‫ال��ى العالم اآلخر عالم إله الموتى " أوزريس" ‪.‬وكانت للقبر‬
‫عقيدة عندهم تتلخص بأنه صورة مصغرة للعالم اآلخر ؛‬
‫فالملك بنظرهم سيقوم برحلته الجنائزية مع إله الشمس‬
‫في القارب الشمس��ي الى العال��م اآلخر ‪ ،‬لذلك حرص كل‬
‫ملك أن يعد لنفسه مقبرة قبل موته !‬
‫والبر الغربي كتلة ص ّماء من الصخور والتالل الصلبة ‪ ،‬وقد‬
‫برع المهندسون براعة فائقة في اختيار وهندسة المدافن‬
‫لتضلي��ل اللصوص ‪ ،‬وس��مي هذا الم��كان " وادي الملوك‬
‫" وجاءت التس��مية للمنطقة التي تحوي مقابر األس��رات‬
‫الثامنة عش��رة وحتى نهاية األس��رة العش��رين المنحوتة‬
‫في الصخر‪ .‬ويبلغ عدد المقابر المنقوشة في الوادي‪ ،‬ستة‬
‫وعش��رين قبرا لمل��وك تلك الفترة البال��غ عددهم االثنين‬
‫والثالثي��ن‪ .‬وه��و واد طبيع��ي صغير‪ ،‬يبعد حوالي س��تة‬
‫كيلومت��رات أو أربع��ة أميال م��ن الضفة الغربي��ة للنيل‪،‬‬
‫ويصل ارتفاع الجبل إلى س��بعين مترا فوق س��طح النيل‪.‬‬
‫يرجح أن موقع وادي الملوك اختير لعدة أسباب‪ ،‬لعل أولها‬
‫يرجع لموقعه الجيولوجي المتصل بالوادي الذي كان يغمر‬
‫أي��ام الفيضان‪ ،‬كما أن الجبل الذي يطل عليه له الش��كل‬
‫الهرمي أو ش��كل القرن‪ ،‬ويصل ارتفاعه إلى ثالثمائة مترا‬
‫ولعله اعتبر رمزا لرب الش��مس رع‪ .‬ولقد تم اكتشاف مقابر‬
‫لملوك ولغي��ر الملوك من بعض أعض��اء العائلة الملكية‬

‫هناك مقابر كثيرة تم اكتش��افها بلغت ‪ 62‬مقبرة حتى‬
‫اآلن أهمها مقبرة الملك رمس��يس الثال��ث الضخمة التي‬
‫يصل طولها الى ‪ 125‬مترا ومقبرة رمس��يس الرابع التي‬
‫كتب على جدرانها فصل من كتاب الموتى وهو ما يعرف‬
‫باالعتراف��ات اإلنكاري��ة وتعني ان الملك يح��اول تبرئة‬
‫نفسه من الذنوب واالعمال السيئة التي عملها في حياته‬
‫ومقبرة رمس��يس الس��ادس التي تقع ف��وق مقبرة توت‬
‫عن��خ آمون ومقبرة تحتمس الثالث ومقبرة الملكة نفرتاري‬
‫وامنوفيس الثاني ومقبرة حور محب وغيرها ‪....‬‬

‫فن ونقش ونحت‬
‫ف��ي كل المعاب��د والحفائر والقبور هناك فن اس��تثنائي‬
‫ولمس��ات جمالي��ة غاية ف��ي الدقة واإلده��اش ‪،‬فمعابد‬
‫الكرن��ك واألقصر والدير البحري وغيره��ا فيها نحت ُمعجز‬
‫لكت��ل صخرية جب��ارة ال ُيعرف كيف ت��م جلبها عبر نهر‬
‫النيل ‪ ،‬وهي مزينة بالرس��م والحفريات والنقوش بش��كل‬
‫يثي��ر اإلعجاب بما يعن��ي ازدهار الف��ن بأنواعه في مصر‬
‫القديمة ‪ ،‬وحتى الجدران تم اس��تغاللها للرس��م بوصفها‬
‫أس��طح ًا يمكن اس��تثمار مس��احاتها ‪ ،‬وفي عم��وم هذه‬
‫التجرب��ة الغنية نج��د أن الفن كان مرتبط�� ًا بما هو ديني‬
‫وقد اهتم الفنان بتصوير األرب��اب وتعظيمهم؛ من خالل‬
‫تقديم األنواع المختلفة من القرابين‪ ،‬وتس��جيل الصلوات‬
‫و األناش��يد‪ .‬كما صور في نفس الوقت‪ ،‬األوجه المختلفة‬
‫م��ن الحياة اليومية؛ والتي قد يس��تمتع بها المتوفى في‬
‫مقبرت��ه ويحمله��ا معه إلى ال��دار اآلخرة‪ .‬ول��م تكن تلك‬
‫المش��اهد تمثل وقائع محددة أو مراحل خاصة ذات داللة‬
‫أو أهمي��ة‪ ،‬وإنما كانت مش��اهد تمثل أنش��طة مختلفة ؛‬
‫كالزراعة والصيد والرعي ‪..‬‬

‫احتفاالت األقصر‬
‫تحتف��ل مدين��ة األقصر بعيده��ا القومي ف��ي الرابع من‬
‫ش��هر تش��رين الثاني كل عام وهذا التاريخ يوافق ذكرى‬
‫اكتشاف مقبرة الملك ( توت عنخ آمون ) احد ملوك األسرة‬
‫الفرعوني��ة‪ .‬على يد األثري االنجليزي هاورد كارتر حيث تم‬
‫اكتشاف المقبرة فى‪ 1922/11/4‬كاملة المحتويات لم‬
‫تعبث بها أيدي لصوص القبور‪.‬‬

‫حتشبسوت الملكة‬
‫الملكة ماعت كا رع حتشپس��وت ( ‪ 1482 -‬ق‪.‬م‪ ).‬أحدى‬
‫أشهر الملكات في التاريخ وخامس فراعنة األسرة الثامنة‬
‫عش��ر ‪ .‬إس��مها األصلي "غنمت آمون حتشبسوت" ويعني‬
‫بالفرعونية أميز النس��اء‪ ،‬وحكمت من ‪ 1503‬ق‪.‬م‪ .‬حتى‬
‫‪ 1482‬ق‪.‬م‪ .‬وه��ى االبن��ة الكبرى لفرع��ون مصر الملك‬
‫تحوتمس األول وأمها الملكة أحمس وكان أبوها الملك قد‬
‫أنجب ابنا غير شرعى هو تحتمس الثانى وقد قبلت الزواج‬
‫منه على عادة األس��ر الملكية ليشاركا معا في الحكم بعد‬
‫موته‪ ،‬وذلك حال لمش��كلة وجود وريث ش��رعى له‪ .‬وتعتبر‬
‫الملكة حتشبسوت الملكة المصرية الوحيدة التي حكمت‬
‫مصر في ظروف سياسية واقتصادية مستقر ‏ة ‪ ،‬وهو عصر‬
‫اإلمبراطوري��ة المصرية التي تكونت في األس��رة ‪18‬‏ من‬
‫الدولة الحديثة ‪..‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪ 10‬مراجعات‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫قراءة الحياة اليومية في (جناحان من ذهب)‬
‫‪ ‬جاسم العايف‬

‫كاتب من العراق‬

‫عن وزارة الثقافة ‪ /‬دار الشؤون الثقافية العامة‬
‫ببغداد صدرت "جناحان من ذهب" المجموعة‬
‫القصصية الجديدة للقاص احمد إبراهيم‬
‫السعد‪ ،‬وضمت خمس عشرة قصة قصيرة‪..‬‬
‫يسعى القاص السعد في مجموعته هذه‪ ،‬لبناء‬
‫سردي يتشكل في الغالب بطريقة درامية من‬
‫اجل تحفيز وعي المتلقي معتمدا تقنية السارد‬
‫(العليم) المحيط بكلية وتفاصيل المشهد‬
‫القصصي والتي تجري على وفق صفاء السرد‬
‫لدى القاص‪ ،‬ومباشرته في محاولة قراءة‬
‫الحياة اليومية وتأثيراتها المدمرة في حياة‬
‫الشخصيات ‪ ،‬والكشف عن ظروفها ومصاعبها‬
‫الحياتية اليومية ‪ ،‬ونوازعها الذاتية وردود‬
‫أفعالها تجاه الواقع ال ُمعطى و التي تنكشف‬
‫بوضوح أمام المتلقي من خالل محددات البيئة‬
‫و المكان والزمان في القصة‪.‬‬

‫ويعتم��د أيضا الق��اص تقنية التالع��ب بالزمن‬
‫‪،‬وتراكم األحداث ‪ ،‬مستخدما عناصر التشويق في‬
‫محاولة لكس��ر رتابة السرد ‪ ،‬و يلجأ في بعض من‬
‫قصصه إلى تقنية الـ" س��يناريو السينمائي" كما‬
‫في المشهد والحوار الذي يجري بين المرأة وكاتب‬
‫العرائض‪ ،‬ويتم عرض المش��هد السردي هذا من‬
‫خالل طفل األرملة‪ ،‬في قصة "محرقة القصب"‪:‬‬
‫((‪..‬في الورقة التي أمامه بدأ يسمعنا ما يكتب‪:‬‬
‫أني المواطنة‪...‬‬‫قالت أمي‪ :-‬زكية هادي جابر ‪..‬‬
‫ أرج��و التفضل بالموافقة عل��ى تعييني عاملة‬‫خدمة في مدرسة ‪..‬‬
‫ الشهامة االبتدائية‪.‬‬‫ وذلك لحاجتي الماسة للعمل كوني‪..‬‬‫ أرملة‪)).‬‬‫كم��ا يعمد‪-‬القاص‪ -‬الس��تخدام "الف�لاش باك"‪،‬‬
‫بصفت��ه مكمال من المكمالت األساس��ية لتقنية"‬
‫الس��يناريو الس��ينمائي" ‪ ،‬إلس��قاط وعي الصبي‬
‫المبكر على ذلك المشهد حينما يالحظ ‪-‬الصبي‪-‬‬
‫أن كات��ب العرائض قد ضغط عل��ى إصبع أمه‪-‬‬
‫أألرمل��ة‪ -‬وه��و يبصمه��ا على الطلب‪ ،‬ويش��كك‬
‫بنواياه لـ"استباحتها" بـ"شراهة عينيه " ووجهه‬
‫ال��ذي يتح��ول " قرصا م��ن المغناطيس تش��كه‬
‫مجموع��ة ال ترحم من الدبابيس" تج��اه ‪ -‬أرملة‪-‬‬
‫ش��ابة تس��عى لتجاوز مصاعب حياتها الراهنة‬
‫ووضعه��ا العائل��ي الثقيل للعمل في مدرس��ة‬
‫تدعى " الش��هامة"‪ -‬نالحظ ه��ذه المفارقة بين‬
‫اس��م المدرس��ة وتع��رض األرملة ال��ى مغريات‬
‫واق��ع حياته��ا القاس��ي‪ .‬وفي قص��ة " حقائق‬
‫متقاطع��ة" يبني القاص قصت��ه إليصال الرؤى‬
‫واألفكار باستثمار تسلية‪" ،‬الكلمات المتقاطعة"‪،‬‬
‫من خ�لال تقطيع القص��ة إلى مشاهد‪،‬س��ردية‪،‬‬
‫أفقي��ة وعمودية كـ ‪ " :‬واحد عم��ودي‪ -‬ود‪ ،-‬اثنان‬

‫أفق��ي‪ -‬كان معروف��ا بالحلم‪ ،-‬خمس��ة عمودي‪-‬‬
‫من أس��لحة المسلمين‪ -‬عش��رة أفقي‪ -‬من شهداء‬
‫الحب‪ -‬ثمانية عمودي‪ -‬س�لاح معكوسة‪،-‬خمس��ة‬
‫عش��ر أفقي‪ -‬وس��ن‪ " -‬وهي تقني��ة متقدمة في‬
‫أس��لوب القاص وكان يمكن استثمارها في شكل‬
‫قصصي جديد ومتق��دم ‪ .‬وقد احتوت مجموعة‬
‫"جناحان من ذه��ب" بعض القصص التي يمكن‬
‫إدراجها ضم��ن " القصة القصيرة ج��دا " ومنها‬
‫"المهد‪،‬الطي��ر‪ ،‬الضيف"وكذل��ك قص��ة "حقائق‬
‫متقاطع��ة" إذ يمكن اعتبار مش��اهدها المتعددة‬
‫نوات��ات لث ّيم وبناءات القص��ة القصيرة جدا‪ ..‬و‬
‫في قص��ص "جناحان من ذه��ب" تراكم لهموم‬
‫اجتماعي��ة مضني��ة من خ�لال الق��راءة اليومية‬
‫ألوضاع شخصيات تنتمي إلى عالم القاع العراقي‬
‫وهمومه‪ ،‬مع االهتمام والكشف‪ ،‬بحنو واضح‪ ،‬عن‬
‫البيئة الجنوبية العراقية‪ ،‬ومكوناتها ّ‬
‫المخربة عبر‬
‫اإلهمال و الح��روب المتعاقبة ‪،‬محاوال التعبير عن‬
‫ذلك في سرد متنام مع انه يحدث أن يحتوي على‬
‫نصائح وحك��م‪ ،‬تضمنتها الجمل الس��ردية‪ ،‬بما‬
‫يش��به "الكوالج" في الفنون التشكيلية‪ ،‬واذا كان‬
‫"الكوالج" في بعض األعمال التش��كيلية‪ ،‬يشكل‬
‫بعض ًا من نسيج العمل ذاته وبنيته الفنية ‪ ،‬وربما‬
‫يقول ما ال تقوله كلية اللوحة التش��كيلية‪ ،‬فأنه‬
‫في الق��ص يبدو غريبا وغي��ر متجانس ‪ ،‬و يخلق‬
‫فجوات وفراغات نفس��ية و ش��عورية في عملية‬
‫تلقي المس��رود القصصي‪ ،‬والتي تبدو ال عالقة‬
‫لها بسياقات وعي السارد ذاته كما في‪ ":‬غرفت‬
‫حروف كلماته في زبد يطفو في فمي‪ ".‬و "لتفتح‬
‫حبات الوش��م عنقود عنب في وس��ط صدرها‪- ".‬‬
‫يمك��ن اإلتيان بنماذج أخر‪ . -‬كم��ا و يتضح في "‬
‫قصة محرقة القصب " ومن خالل اللغة ‪،‬إن السارد‬
‫ليس‪ /‬الطفل‪/‬الذي كان يله��و في بداية القصة‬
‫بس��كب النفط مع زميله على جرذ لغرض إشعال‬

‫النار فيه ولكن الجرذ يهرب باتجاه مزرعة القصب‬
‫المحيط��ة بمنزله‪ ،‬بل هو القاص ذاته الذي يعمد‬
‫هنا إلزاحة الس��ارد ‪ ،‬والحلول مكانه وإقصائه عن‬
‫عملية الس��رد التي تجري عبر رؤية الطفل إذ يعمد‬
‫القاص للتداعي بقدرته القولية واللغوية الذاتية‬
‫المتقدم��ة على وعي الطفل ‪/‬الس��ارد‪ /‬دون قدرة‬
‫الطفل ذاته وإمكاناته مع انه في القصة ‪/‬الراوي‬
‫العلي��م‪ /‬كما في الصفح��ة الثامنة"الحل الوحيد‬
‫ال��ذي يجعلك تكتش��ف اآلخري��ن دون ان تجرح‬
‫مشاعرهم" و" عسى ان يتعرف المرء على حقيقة‬
‫ال طائ��ل م��ن البوح به��ا‪ ،‬اعتقد إنه��ا مبررات‬
‫مغ��دورة يعيش على تخومها التيه‪ ،‬خاصة حين‬
‫ترى بعين واحدة من خالل ش��ق في جدار بيتك‬
‫وأنت تش��عر بغربة عنه" أو " كنت مضطرا للبحث‬
‫عن فس��حة االضطرار المرة‪ ،‬واكتشاف آلية التيه‬
‫والغرب��ة" وكذلك " ه��ادرا في الخط��وة العجول‬
‫مس��افة ال تنقضي للخالص" وكذلك في قصة"‬
‫صورة الرئيس" التي يعمد لتقطيعها إلى مقاطع‬
‫منها"اط��ار‪ - -1‬و‪ -‬الصورة‪ -‬واطار – ‪ "2-‬وتقديم‬
‫ص��ورة مقصودة عن المعل��م ومالمحه الخارجية‪،‬‬
‫ومتابع��ة حتى الرائحة الزنخ��ة التي تنبعث من‬
‫جس��مه والتي تنتشر في الصف‪ ،‬الى خارجه‪ ،‬من‬
‫خالل حرك��ة المعلم داخل الص��ف ‪ ،‬مع اإلصرار‬
‫عل��ى تبيان"بنطلونه الزيتوني" وم��ا يعنيه لون‬
‫البنطل��ون‪ ،‬و َمنْ يرتديه في ذلك الزمن‪ .‬وثمة في‬
‫"جناحان من ذهب" لغة سردية واضحة يعتمدها‬
‫القاص‪،‬عب��ر اش��تغاله الدائ��م‪ ،‬ف��ي قصص��ه‬
‫وتش��ذيبها من بعض الزوائد والسعي لالقتصاد‬
‫في لغته من دون التفريط بالضروري منها‪ ،‬لخلق‬
‫دالالت وبؤر محددة تتبلور عبر زمان ومكان القص‪.‬‬
‫وس��بق أن صدر للق��اص احمد الس��عد‪( ،‬الجرح)‬
‫مجموعت��ه القصصية األولى ع��ن وزارة الثقافة ‪/‬‬
‫دار الشؤون الثقافية العامة‪ -‬بغداد‪ ./‬‬

‫ذاكرة كركوك ‪ ...‬حديقة للغمام‬
‫‪ ‬ضياء الخالدي‬

‫كاتب من العراق‬
‫المكان كائن له صورة ‪ ،‬وايقوناته ليست مجرد مسميات ينطقها اللسان‬
‫‪ .‬الذاكرة تحاول دائما ان تضفي على الماضي رشقة من حنين ‪ ...‬عندما‬
‫نمضي مع صفحات كتاب " كركوك بيت للدفلى وحديقة للغمام " للشاعر‬
‫فاروق مصطفى نمسك بفاصلة من عمر مدينة ارتبطت بحياة انسان حاور‬
‫الوجود بشفافية ‪ ،‬وبقي خجال ‪ ،‬ومتواطئا مع العزلة حد المرض ‪.‬‬
‫يقدم لنا الكتاب منذ فصله االول ‪ ،‬وبلمسة سردية تشعرنا اننا نقرأ عمال‬
‫روائيا او قصصيا كركوك الخمسينيات ‪ .‬ورد الدفلى يحمل فأال طيبا في‬
‫الجزرة الممتدة على طول شارع محطة سكك الحديد القديمة ‪ .‬احساس‬
‫مبهم تملكه ليمثل عنوانا للبهجة سيستمر حتى وهو يجتاز االن عقده‬
‫الستيني ‪ .‬ذاكرة البستان في كاور باغي يمكن ان تزودنا ايضا بمشاهد‬
‫تثير صانعي االفالم والفنانين ‪ .‬في عام ‪ 1946‬يقتل ثالثة عمال فيه‬
‫بعد تصميم عمال شركة نفط الشمال على االضراب ‪ ،‬وقيامهم بالتظاهر‬
‫والتجمع ‪ ،‬والتخطيط اليصال صوتهم بزيادة االجر ‪ .‬تمر السنوات ووجوه‬
‫الثالثة تبرق في اذهان اهالي الحي ‪ ،‬تتناقلها الشفاه ‪ ،‬تتأسطر ‪ ،‬بالرغم‬
‫ان البستان فقد مساحة منه لبناء مدرسة المنصور التي كانت بال جدران ‪.‬‬
‫صفوفها بمواجهة الخضرة ‪ ،‬االوراق ‪ ،‬العصافير والحمام ‪ ،‬فكان هذا الواقع‬
‫يلح على مدرس مادة التربية الفنية الى ترك تالميذه يختارون ما يرونه‬
‫للرسم ‪ ...‬كلما مضت السنوات تضاءل البستان ‪ .‬مدرسة ثانية اخذت جزءا‬
‫آخر منه ‪ ،‬حتى انتهى ‪ ،‬او مات ‪ ،‬بشراء شركة نفط الشمال ارضه ‪ ،‬لتشرع‬
‫ببناء دور سكنية لموظفيها ‪.‬‬

‫وكشباب تلك االيام تكون السينما ولعا ينقل الفرد من عالم خبره الى آخر‬
‫فيه الغرابة ‪ ،‬واللهفة ‪ ،‬والبطولة ‪ .‬هنا االكتشاف والخيال ‪ .‬اخذت الحروف‬
‫التي يقرأها في الكتب والروايات تتجسد الى حركة ‪ .‬سينما العلمين‬
‫تعرض فلم " لمن تقرع االجراس " وسينما سندباد " االخوة كرامازوف "‬
‫وسينما اطلس " موبي ديك " ‪ .‬تولد حس بالمقارنة بين الكتاب والشريط‬
‫‪ ،‬فكان التوق للوصول الى وجهة النظر الخاصة ‪ ،‬التي ارتقت حالما وصل‬
‫الى بغداد عام ‪ 1963‬للدراسة بكلية االداب ‪ ،‬واقترب اكثر من سينمات‬
‫العاصمة " الخيام ‪ ،‬وغرناطة ‪ ،‬والنصر ‪ .‬رحلة الفتى الكركوكلي امتدت‬
‫حتى عام ‪ ، 1968‬ليتخرج مدرسا ‪ ،‬ويسافر الى الجزائر للعمل في مدارسها‬
‫!!‬
‫يقول فاروق مصطفى عن شعراء مروا بكركوك ‪ ،‬سواء حقيقة او خياال "‬
‫تعثرت احد االيام برامبو ‪ ،‬وهو يصعد ساللم قلعة كركوك بحثا عن المفتاح‬
‫‪ ،‬ولوركا كان موجودا وهو ينقب عن اصدقائه الغجر ‪ ،‬عازفا اغاني الجيتانو‬
‫" هؤالء اتوا كما اتى نجيب المانع وعاش فترة من حياته ‪ ،‬وغالب هلسا‬
‫‪ ،‬والشاعر الصعلوك عبد االمير الحصيري الذي " شرب من خمرة المدينة‬
‫وترنح فوق خضرة حدائقها " ‪ .‬جماعة كركوك ‪ ،‬الملحمة كما يسميها ‪ ،‬لها‬
‫ايام ال تنسى في الذاكرة ‪ .‬يلتقي فاروق مصطفى باصدقائه في مقهى‬
‫النصر او المدورة ‪ .‬او في محل الصياغة الذي يعود الخ جليل القيسي ‪.‬‬
‫رفقة ستينية ابطالها " جليل القيسي ‪ ،‬ويوسف الحيدري ‪ ،‬وسركون بولص‬
‫‪ ،‬وجان دمو ‪ ،‬وصالح فائق ‪ ،‬ومؤيد الراوي " كما ال تنسى زيارات استاذهم‬
‫الكبير " انور الغساني " الذي يسمعونه اخر قصائدهم وقصصهم ‪.‬‬
‫حين انهى فترة التدريس بالجزائر وعاد الى كركوك عام ‪ 1974‬تلهف‬

‫للقاء اهل رفقته ‪ .‬لكنهم تشتتوا بالمنافي ‪ ،‬والهجرة من المدينة ‪ .‬ذهب‬
‫لحي عرفة فلم يجد جان دمو ‪ ،‬وقالوا انه رحل لبغداد ‪ .‬سأل عن صالح‬
‫فائق فتشابه الرد ‪ .‬بينما سركون ومؤيد انطلقا " في ارض الله الواسعة "‬
‫االول الى سان فرانسسكو والثاني الى بيروت ليعمل محررا في مجلة " الى‬
‫االمام " الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ‪ .‬يوسف الحيدري‬
‫نقل وظيفته الى الحلة ‪ .‬لم يبق اال جليل القيسي ‪ ،‬الراهب في مدينة النار‬
‫االزلية حتى مات فيها عام ‪. 2006‬‬
‫اقترب من الجيل الجديد في المدينة ‪ ،‬ويذكر اهم اسمين فيه ‪ ،‬هما الناقد‬
‫الدكتور عبد الله ابراهيم ‪ ،‬والروائي عواد علي ‪ .‬تغيرت اماكن اللقاء الى‬
‫مقاه اخرى " تبه ‪ ،‬الجماهير ‪ ،‬النصر " ال ينسى انه نشر قصيدة لالول في‬
‫الجزائر ‪ ،‬والثاني تبادل معه اهداء رواية البؤساء مع رواية فساد االمكنة‬
‫‪ .‬انها ذاكرة المكان التي تجعل من الشخوص ‪ ،‬والمفردات عناوين بارزة‬
‫لرحلة انسانية يغمرها الحنين ‪ .‬لكن العزلة التي يختارها الفرد بارادته قد‬
‫تكون عائقا امامه للوصول الى ما يطمح اليه ‪ .‬تبقى الحقائق ‪ ،‬واالفكار ‪،‬‬
‫واالبداع ‪ ،‬اشبه بصرخات داخلية ال يسمعها اال من تقيد ‪ ،‬ولم يغامر في‬
‫االندفاع صوب الموجة ‪.‬‬
‫يضم الكتاب ايضا فصلين عن اسمين كان لهما تأثير كبير ومكانة خاصة‬
‫على فاروق مصطفى هما " وحيد الدين بهاء الدين و محمد صابر محمود‬
‫" كما يضم ايضا مقالة عنه بقلم نصرت مردان ‪ ،‬وحوار اجراه مؤيد محمد‬
‫قادر ‪ ...‬من يود ان يتعرف على كركوك ورموزها يمكن ان يكون له هذا‬
‫الكتاب نافذة يطل من خاللها على ذلك العالم المندثر ‪ ،‬وبلغة قصصية‬
‫تفترض المتعة والتشويق اوال ! ‪‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫مراجعات ‪11‬‬

‫كتاب "تهافت األصولية" جديد‬
‫شاكر النابلسي‬
‫‪ ‬بيروت وعمان – تاتو‬
‫صدر قبل أس��بوع الكتاب الجديد لش��اكر النابلس��ي بعنوان "تهافت األصولية" عن المؤسس��ة العربية‬
‫للدراسات والنشر في بيروت وعمان‪ .‬والكتاب من (‪ 267‬صفحة)‪.‬‬
‫فلماذا هذا الكتاب اآلن؟‬
‫وما هو خطر هذه السلفية‪/‬األصولية على الدين والواقع العربي‪ ،‬حاضر ًا ‪ ،‬ومستقب ًال؟‬
‫ويجيب الكتاب بأن خطر السلفية‪/‬األصولية اإلسالمية على الحاضر والمستقبل العربي‪ ،‬يتمثل في اإليمان‬
‫المطلق بالحقائق المطلقة‪ ،‬ومنع النقاش‪ ،‬والجدل‪ ،‬واإلبداع الفكري فيها‪ .‬وفي هذا تكبيل تام‪ ،‬للنشاط‬
‫الفك��ري‪ ،‬واالجتهاد‪ ،‬وازدهار ال��رأي اآلخر‪ .‬فالحقيقة المطلقة‪ ،‬مرتبطة دائم ًا بالعقائد الدينية‪ ،‬وليس��ت‬
‫باألفكار‪ .‬فاألفكار تغيير‪ ،‬أما العقائد الدينية فهي عابرة للتاريخ‪ ،‬ال تتغير‪ ،‬وال تتبدل‪ .‬ويتمثل هذا الخطر‬
‫في ارتباط ظاهرة اإلرهاب بالس��لفية‪/‬األصولية الدينية‪ .‬واعتبار الس��لفية‪/‬األصولية الدينية هي الثدي‬
‫الدافئ ال ُمرضع ألفكار عناصر ميلش��يات السلفية الجهادية‪ .‬وعندما تُط َّبق ال َع ْلمانية في العالم العربي‪،‬‬
‫فس��ينتهي اإلرهاب كتحصيل حاصل‪ .‬فنحن نعلم ‪ -‬ومن واقع نهايات القرن العشرين‪ ،‬وبدايات القرن‬
‫الحادي والعشرين ‪ -‬أن وتيرة اإلرهاب قد ارتفعت في هاتين الفترتين مع بروز السلفية‪/‬األصولية الدينية‬
‫في هاتين الفترتين أيض ًا‪ .‬كما نالحظ أن من يغذي ميليشيات اإلرهاب فكري ًا وديني ًا في العالم العربي‪،‬‬
‫هي الس��لفية‪/‬األصولية الدينية‪ ،‬التي تُعتبر الخط الثاني لإلره��اب‪ .‬أما الخطر الكبير لألصولية فيتمثل‬
‫بع��زل ومن��ع العقل من العمل في النص الديني‪ .‬وهذا موجود في كافة األصوليات الدينية الس��ماوية‬
‫واألرضي��ة عموم ًا‪ ،‬ما دفع اإلرهابيين إلى قتل كل م��ن يحاول إعمال العقل في النصوص الدينية‪ ،‬على‬
‫مختلف أشكالها وطوائفها‪،‬‬
‫باعتبار أن من يحاول إعمال‬
‫العقل ف��ي النص الديني‪،‬‬
‫ُيعتبر كافر ًا‪ ،‬وزنديق ًا‪.‬‬
‫وقال الكتاب‪ ،‬إن السلفية‪/‬‬
‫األصولية الدينية اإلسالمية‬
‫تس��عى إلى الس��لطة‪ ،‬كما‬
‫كان الح��ال ف��ي األصولية‬
‫المس��يحية واليهودي��ة‪.‬‬
‫وه��ذه الس��لطة‪ ،‬تم��ارس‬
‫حقها ف��ي إدانة المفكرين‬
‫والعقالنيين‪ ،‬الذين يحاولون‬
‫تفس��ير النصوص الدينية‬
‫المقدس��ة‪ ،‬عل��ى عكس ما‬
‫فس��ره فقه��اء الس��لفية‪/‬‬
‫األصولي��ة الدينية‪ .‬وتكون‬
‫أحكامه��م ف��ي بع��ض‬
‫األحي��ان ناف��ذة المفعول‪،‬‬
‫بم��ا فيه��ا ح�� ُّد القت��ل‪.‬‬
‫فقتلت السلفية‪/‬األصولية‬
‫الدينية المفكر المصري فرج‬
‫فوده‪ ،‬وحاولت قتل نجيب‬
‫محفوظ ف��ي مصر‪ .‬وقتلت‬
‫حسين مروة‪ ،‬ومهدي عامل‬
‫في لبنان‪ .‬وش��نقت محمود‬
‫طه (غاندي الس��ودان) في‬
‫السودان‪ .‬وك َّفرت‪ ،‬وأهدرت‬
‫دماء مئات م��ن المفكرين‪،‬‬
‫والشعراء‪ ،‬وال ُكتّاب‪.‬‬
‫أما محتويات الكتاب فهي ‪ :‬جذور السلفية وأنواعها‪ ،‬الفروق بين السلفية واألصولية‪ ،‬القطبية ال ُمرضعة‬
‫للس��لفية الجهادية‪ ،‬الش��رع بين األصولية والس��لفية الجهادية‪ ،‬ما حال اإلس�لام لو لم تظهر السلفية‬
‫الجهادي��ة؟ معنى األصولية‪ ،‬األصولية في األديان كافة‪ ،‬التطرف األصولي‪ :‬أس��بابه ومراحله‪ ،‬مصر ُ"أم‬
‫الدنيا" ُوأم األصولية‪ ،‬دور اإلخوان المسلمين في تعاظم األصولية‪ ،‬مظاهر األصولية المعاصرة‪ ،‬األصولية‬
‫أزم��ة فكري��ة ثقافية في معظمه��ا‪ ،‬األصولية عائق معرف��ي ولغوي واجتماعي ‪ ،‬وسياس��ي‪ ،‬األصولية‬
‫واإلسالم السياسي‪ ،‬جناية األصولية على اإلسالم‪ ،‬األصولية فاشية دينية‪ ،‬األصولية واإلرادوية‪ ،‬األصولية‬
‫والحقيق��ة المطلقة‪ ،‬األصولية والش��عبوية‪ ،‬األصولي��ة والدكتاتورية‪ ،‬أنظمة عربي��ة تتحدى األصولية‪،‬‬
‫األصولي��ة والحراك الش��عبي‪ ،‬أوهام األصولية‪ ،‬ماركس��ية األصولي��ة الدينية‪ ،‬األصولي��ة وفوبيا المرأة‪،‬‬
‫األصولية وفوبيا الراوية النس��وية‪ ،‬األصولية والفن الجديد وجه ًا لوجه‪ ،‬هل أوش��كت ش��مس األصولية‬
‫على المغيب؟‬
‫وقد أهدى شاكر النابلسي هذا الكتاب إلى المفكر والفيلسوف الليبرالي المصري مراد وهبة‪ ،‬صاحب نداء‬
‫اقتحام المحرمات الثقافية‪.‬‬

‫( عزيزي غابرييل )‬
‫رواية نرويجية عن التوحد‬
‫‪ ‬ترجمة‪ :‬تاتو‬

‫تعد ( عزيزي غابرييل ) واحدة ً من أجمل الروايات‬
‫المكتوبة بالنرويجية ‪ ،‬ومن اليسير أن نعرف السبب‬
‫حالما نشرع في قراء تها ‪ .‬ترجمت هذه الرواية إلى‬
‫إثنتي عشرة لغة ‪ .‬ترجمها إلى اإلنجليزية روبرت‬
‫فيرغسون ‪.‬‬
‫إنها رسالة مفتوحة من أب ٍ إلى ابنه ‪ .‬غابرييل طفل‬
‫ذو ميزات خاصة يعيش يومياً مع التوحد ( اإلسترسال‬
‫في التخيل تهربا ً من الواقع ) ‪ .‬في هذه الرواية ‪،‬‬
‫يكتب والده ذكرياته عن أيام معينة تقاسماها معا ً‬
‫‪ ،‬الطريقة التي اظهر فيها غابرييل شجاعة ً ال تلين ‪،‬‬
‫وتصميما ً على أن يعيش " حياة ً طبيعية ً " ‪ .‬أما نحن‬
‫القراء ‪ ،‬فقد اُعطينا لمحات ‪ ،‬ليس في حياة غابرييل‬
‫وحده ‪ ،‬بل في حيوات الناس المحيطين به ‪ ،‬أصدقائه‬
‫والده‬
‫‪ ،‬أفراد أسرته ‪ ،‬معلميه ‪ ،‬وقبل الجميع ‪،‬‬
‫‪ .‬تكشف الرواية عالقة ً معقدة ً إنما حميمة بصورة ٍ‬
‫مدهشة بين األب واإلبن ‪ .‬عالقة يكتنفها غالبا ً سوء‬
‫الفهم واإلحباطات لكنها حافلة دوما ً ‪ ،‬دوما ً ‪ ،‬بالحب‬
‫الذي ال ينضب ‪.‬‬
‫هذه الرواية ترفع المعنويات وت��ورث أسى ً يفجع‬
‫الفؤاد في الوقت ذاته ‪ .‬إنها صادقة بصورة ٍ قاسية ٍ ‪،‬‬

‫وهي ال تتناول‬
‫بشكل ٍ يومي‬
‫فقط الحياة مع التوحد‬
‫بل تتناول ضروب الخوف والقلق حين يتم توجيه‬
‫أسئلة بريئة ‪ .‬ومن أجدر هذه األسئلة بالذكر ‪ ،‬ومعذرة‬
‫ً على إعادة الصياغة ‪ ،‬هي حينما يسأل غابرييل ما‬
‫الذي سيحدث حين ينتقل أبواه إلى العالم اآلخر ‪ ،‬ومَن‬
‫الذي سيتولى العناية به ‪ .‬أما جواب والده فلن يكون‬
‫سوى ‪ " :‬ال أعرف يا ولدي " ‪.‬‬
‫في ما يتعلق باللمحات في حياة غابرييل ‪ .‬يا للهول‬
‫‪ .‬إن لديه حب استطالع ‪ ،‬طريقة في الوصول إلى‬
‫الحياة واإلمساك بها بكل تماميتها وهي ببساطة‬
‫طريقة مُعدية ‪ .‬إن قراءة هذه اللمحات مُلهمة حقيقة‬
‫ً ‪ .‬سفحت ُ دموع الضحك ‪ ،‬وكذلك دموع الفرح ‪ ،‬وقد‬
‫المست هذه الرواية شغاف قلبي بطرق ٍ قلما فعلتها‬
‫روايات أخرى من قبل ‪.‬‬
‫لقد دُهشت ُ ‪ ،‬بصورة ٍ سارة ‪ ،‬بالصدق الذي كشف‬
‫فيه المؤلف فؤاده وعقله ‪.‬‬
‫بقي أن نعرف أن كاتب ه��ذا العمل ال��روائ��ي هو‬
‫هالفندان و‪ .‬فريهو ‪.‬‬
‫ول��د فريهو ف��ي مكسيكو وت��رع��رع ف��ي م��دري��د ‪،‬‬
‫وبروكسل ‪ ،‬وأوسلو ‪ .‬وهو صحفي سابق ‪ ،‬عمل في‬
‫الجرائد والتلفاز واإلذاعة ومتمرس في صناعة النشر‬
‫‪ ،‬أسس دار النشر الخاصة به ( فونت فورالج ) سنة‬
‫‪ . 2005‬يسكن مع أسرته في جزيرة ٍ بعيدة ٍ عن‬
‫الساحل الغربي للنرويج ‪.‬‬
‫( عزيزي غابرييل ) هو كتابه األول ‪ ،‬وق��د صدر‬
‫بالنرويجية سنة ‪ 2004‬وترجم إلى اإلنجليزية سنة‬
‫‪ . 2007‬تم ترشيح الكتاب لنيل ( جائزة بريج ) ‪ ،‬وهي‬
‫أرفع جائزة أدبية في النرويج ‪.‬‬

‫‪ 12‬تقييم‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫السرد األنثوي ‪ ..‬مراوغة الثابت‬
‫‪ ‬جاسم عاصي‬
‫كاتب من العراق‬

‫يبدو من الصعب القطع بتشخيص السرد‬
‫األنثوي الخالص ‪ ،‬ألن هيمنة سردية الذكورة‬
‫قد طغت على عموم السرد ‪ ،‬وراحت تُطلقه‬
‫كصوت واحد مع ّبر عن كال الجنسين ‪ ،‬س ّيما‬
‫صاحب الخطاب حين يف ّوض نفسه للكالم‬
‫عن حيثيات المرأة ‪ ،‬فيتداول السرد في نصه‬
‫العتبارات سلطته المعرفية ورؤيته للعالقة‬
‫بينه وبين المرأة باعتبارها تابعة له حتى في‬
‫داخل النص ‪ .‬ما خلق إشكالية في التعبير‬
‫وتبلور الصوت على الصورة ـ المستوجبة ـ‬
‫لرؤية الرجل ‪ !..‬في حين أن عالم المرأة قائم‬
‫بذاته كما هو عند الرجل ‪ .‬والعالقة بينهما‬
‫قائمة على أساس المعرفة ‪ ،‬مهما كان مستواها‬
‫األسري واالجتماعي والسياسي والثقافي ‪ .‬كما‬
‫وأن المرأة المع ّبرة عن كينونتها تواصلت مع‬
‫رؤية ـ الماحول ـ ألسباب تتعلق باالعتبار الذي‬
‫أقام عليه المجتمع والتربية األسرية مثل هذه‬
‫العالقة ‪ .‬لكن من الممكن النظر إلى متغيرات‬
‫كثيرة تداخلت مع السرد األنثوي الذي وجد‬
‫جذوره في سرديات ( شهرزاد ) باعتبارها‬
‫المواجهات األولى لسر ديات الرجل ‪ ،‬ومحاولة‬
‫توظيفه للتأثير على محركات الواقع وقهر‬
‫السلطة القامعة ‪ .‬وهكذا نرى أن بروز سرد‬
‫األنثى على صعيد القصة والرواية كان يستند‬
‫على محموالت كثيرة ‪ ،‬لعل أهمها وكما أش ّرت‬
‫النصوص ؛ في كونه استحداث ًا لسرد ينوب عن‬
‫مهام الرجل في التعبير عن عالقة المرأة بالعام‬
‫والخاص في الوجود ‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫ولعل كاتبات مثل ( زه��رة عمر ‪ ،‬حزامه حبايب‬
‫‪،‬ابتسام عبد الله ‪ ،‬سالمة صالح ‪ ،‬سميحة خريس ‪،‬‬
‫هدية حسين ‪ ،‬بسمة النسور ‪ ،‬جميلة العمايرة ‪ ،‬رفقة‬
‫دودين ‪،‬أحالم مستغانمي ‪ ،‬ليلى العثمان ‪ ،‬ليلى‬
‫األطرش ‪ ،‬نعمة خالد ‪ ،‬أحالم عالم ) والقائمة تطول‬
‫؛ استطاع السرد في نصوصهن أن يؤسس لرؤية‬
‫أنثوية ‪ ،‬تمكنت من بلورة خطاب يمكن االعتماد‬
‫عليه للنظر إلى كسر الحاجز الذي كان مقام ًا دون‬
‫منحها حرية التعبير المطلق عبر معرفة جديدة‬
‫القاصة ( النا‬
‫ورؤية متطورة ‪ .‬ولعل ما طالعتنا به ّ‬
‫عبد الستار ) من نصوص قصصية على قلتها ‪ ،‬إ ّال‬
‫أنها تؤشر مغايرة وجرأة واضحتين ‪ . .‬ففي األول ‪:‬‬
‫دخلت باقتدار إلى العالم المتغ ّير من خالل البحث‬
‫عن األسلوب الذي بإمكانه التأسيس لسردية غير ما‬
‫اعتادت المرأة ممارسته ‪ .‬وثاني ًا ‪ :‬محاولتها تداول‬
‫المشاهد والصراعات المسكوت عنها لكشف ما هو‬
‫العرف االجتماعي واألسري ‪.‬‬
‫غير مباح كشفه في ُ‬
‫وكل هذا قاد أيض ًا إلى المداولة السردية لحراك‬
‫وبنى محذورين من خالل الدخول إلى مجال سردي‬
‫أكثر سعة وعكس ًا لطبيعة العالقات القائمة في هذه‬
‫الظواهر أو تلك ‪ .‬من هذا نجد أن هذه النصوص قد‬
‫كشفت عن مقدرة الحتواء دواخل الشخصية ‪ ،‬وتبلور‬
‫لصراعاتها الذاتية ‪ ،‬ونزوعها إلى التحرر سرديا ً من‬
‫هيمنة الذات المرتبطة بالرجل العتبارات أخالقية‬
‫‪ ،‬ونقصد بها العالقات القائمة على الممكن وغير‬
‫الممكن ‪ ،‬المسموح به وغير المسموح ‪ .‬وأعتقد أن هذا‬
‫يصب في المسعى من أجل البحث‬
‫بحد ذاته ُجهد ّ‬
‫عن الهوية السردية النسوية ـ إن جاز التعبير ـ ‪،‬‬
‫لتكون قائمة على أسسها الصحيحة بفعل التراكم‬
‫في المعرفة العامة والخاصة ‪ .‬إن العالقات القائمة‬
‫في مجتمع النساء ـ الحريم ـ ! ؟ ال يمكن معرفتها إ ّال‬
‫التقصي عن تلك‬
‫من خالل كسر المحذور ‪ .‬لذا نرى أن‬
‫ّ‬
‫العالقات بين ما هو ذاتي يخص المرأة ‪ ،‬وبين ما هو‬
‫موضوعي يخص مجتمع النساء ‪ ،‬البد من أن يكون‬
‫من الدقة بحيث ُيقدّم نوعا ً من الجدل القائم على‬
‫الحقائق وليس على االفتراضات ‪ .‬وهذا ال يتم إال عبر‬
‫المداخلة بين الحسي والمرئي ـ المعاش ـ ‪ ،‬إلنهاء‬
‫عالم اليوتوبيا الناظرة إلى عالم المرأة كونه كرستا ًال‬
‫معزو ًال عن العام ‪ ،‬بل البد أن يكون من بين المتداول‬
‫معرفة وممارسة ‪ .‬من هذا يمكن تنقية العالقة‬
‫القائمة في الوجود من جهة ‪ ،‬ثم توسيع الرؤية تجاه‬
‫عالم منسي أو مسكوت عن تداول خصائصه الذاتية‬
‫من جهة ثانية ‪ .‬وبنظرة فاحصة في القصص التي‬
‫للقاصة ( النا عبد الستار ) ‪ ،‬نستطيع‬
‫توفرت لدينا‬
‫ّ‬
‫القول أننا بفضل السرد هذا تم ّكنا من أن نُطالع‬
‫ممارسة مفيدة في درس السرد عموم ًا‪.‬‬
‫ففي قصة (خلخال ) نقف على ما هو معبر لغوي ًا‬
‫بالتضاد ‪ ،‬أو تصفيف ما هو ظاهر وتعمد أخفاء ما هو‬
‫باطن ‪ .‬بمعنى ثمة دالالت لغوية تُسفر عنها المفردة‬
‫أو الجملة تُحيل إلى معنى متوارى خلف التعبير‬
‫‪ .‬فلكي تُع ّبر عن انثيال الذاكرة مث ًال يكون التعبير‬
‫هكذا ‪ ( :‬في حلقها تراوح ذاكرة غثيان ) وهذا التعبير‬
‫يحيل من خالل مفردة ـ حلقها ـ إلى التكرار والمداولة‬
‫التي قد تصل حد الملل ‪ ،‬فالمرأة هنا تقضم طعم‬
‫الذكرى التي ربما تكون مرة أو حلوة ‪ ،‬فالسرد وتواليه‬
‫ما يكشف مثل هذه الصورة التي تجد لها مسبب ًا في‬
‫انتظار اآلخر ‪ .‬ويتواصل التعبير ليكشف بالتشفير‬
‫اللغوي عما هو ظاهر من مثل ( أن ثمار البحر على‬
‫العشاء هي أكثر ما يثير رغبة الرجل ) وهنا إشارة‬
‫إلى الرغبة المكبوتة عند المرأة ‪ .‬وما يؤكد هذا عبارة‬
‫( االستحمام وإعداد المائدة ) وهما صورتان لممارسة‬
‫تشير إلى ما ُيزيد من إقامة الصلة مع الرجل عبر‬
‫طقسي االستحمام والطعام ‪ .‬هذه الطقسية الممكنة‬
‫ّ‬
‫بين المرأة والمنتظر ‪ ،‬تساعد في تصعيدها ممكنات‬
‫أخرى أكثر عالقة بالبنى األسطورية وبما يق ّربها من‬
‫الطقس الذي تُقيمه المحكية األسطورية عبر الرمز‬
‫كالثوب األحمر وما له من داللة الخصب ‪ ،‬ثم تغيير‬
‫النسق ليكون أكثر اقتراب ًا من بنية األسطورة في (‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫جلسا للسفرة ) وفي هذا اختزال لكثير من التفاصيل‬
‫التي ربما يتطلبها االنتظار مث ًال والصراعات الذاتية‬
‫ج ّراء ترقب الحضور هذا ‪ .‬إن االعتماد على هذا النمط‬
‫ُيحيل النسق إلى صورة الحكاية واألسطورة في ما‬
‫يخص المبنى التي تختزل التفاصيل في التحول‬
‫الزماني والمكاني ‪ .‬إن هذا التشفير اللغوي كما ذكرنا‬
‫يهدف إلى االختزال أو ًال ‪ ،‬ثم التورية ثاني ًا ‪ .‬ولعل ما‬
‫ُيسفر عنه وجود الزوج كل يوم ‪ ،‬وبين حالة االنتظار‬
‫من قبل الزوجة ‪ُ ،‬يضاف إلى ذلك ما تقوم به الزوجة‬
‫من تهيئة لطقوس هذا اللقاء ‪ ،‬ال تُظهر خاصيته‬
‫وع ّلته الساردة ‪ ،‬بل تترك للمفردة الدالة كشفها ‪.‬‬
‫والنص مبني على هذه المتواليات اللغوية مثل ‪:‬‬
‫( تدخل الملعقة في فمها وتُطبق عليها ‪ .‬تعصر‬
‫مكونات التبولة بين لسانها وسقف حلقها ثم‬
‫تمضغها وتبتلعها ) وهذه أفعال ال تكتفي بما تُع ّبر‬
‫عنه ظاهر ًا ‪ ،‬بل أنها تنطوي على إحاالت أخرى ‪ ،‬لعل‬
‫التمني في اللقاء الجنسي مع الزوج هو المركز الذي‬
‫تتشظى منه أشكال التعبير أو تختفي وراءه الحالة‬
‫التي عليها المرأة التي تؤدي كل طقوس الليلة ‪،‬‬
‫غير أنها تُسفر عن خيبة جنسية بسبب تعب الزوج‬
‫ونومه على الكنبة في كل ليلة ‪ .‬ولعل في بعض‬
‫المفردات ما يشير إلى نوع من عكس النظرة إلى هذا‬
‫وكشف التمني واالعتداد بالنفس ‪ ،‬بما يشير إلى أن‬
‫المرأة تتحدى الزمن المتركز في العمر ‪ ،‬والذي قد ُيك ّبل‬
‫الرجل ويحيله إلى قطعة باردة جسد ًا وروح ًا وهذه‬
‫التعبيرات يمكن أن نحصيها كاآلتي ‪:‬‬
‫{ وجدته يغرق في نوم عميق } وهي حالة تتكرر ‪.‬‬
‫{ وهي تفكر بهذه الرتابة التي بدأت تُداهم حياتهم‬
‫} وواضح القصد هنا ‪.‬‬
‫{ كانت تختلس النظرات للفتيات المراهقات‬
‫وتحاول أن تتخ ّيل شعر كل واحدة } وهو نوع من‬
‫االعتزاز واالعتداد بالنفس ‪.‬‬
‫{ اختارت الليلة ثوب ًا ذهبي ًا ليبرز جمال اللون البندقي‬
‫المطعم بالبالتيني } وواضح من ذلك هدف اإلثارة‬
‫للوصول إلى المرمى الجنسي ‪.‬‬
‫{ أخذت الريموت كونترول من يده وأيقظته من‬
‫الكنبة لغرفة النوم } وهذا دليل على الرتابة اليومية‬
‫التي تمارسها الزوجة ‪.‬‬
‫{ اختارت تلك الليلة أن تنام عارية تمام ًا } إعادة‬
‫طقسية جديدة ‪.‬‬
‫{ أخاف تبرد قطتي } دالل في غير مكانه ‪ ،‬ربما‬
‫أحسته الزوجة نوع ًا من ال��ردع عن التمادي في‬
‫استرجاع الرغبة ‪.‬‬
‫{ واصل شخيره ‪ ،‬بينما انكمشت هي كالجنين } رد‬
‫فعل أعاد للذهن صور الطفولة البريئة كما أسفر عنه‬
‫التعبير الالحق لهذه العبارة ‪.‬‬
‫ثم يمكن اعتبار لبس الخلخال من المثيرات التي‬
‫بإمكانها أن تُن ّبه الزوج إلى ما تضمره الزوجة من‬
‫رغبات في لقاء الرجل سريري ًا ‪ .‬لكن عبارته إثر لمحه‬
‫للخلخال ( سأفتته الليلة بأسناني ) وهي دالة على‬
‫تفتيت الجسد رغبة ‪ .‬هذه العبارة أيض ًا أسفرت‬
‫عن خيبة أمل أخرى ‪ .‬لقد اكتفت بصورة أكثر نقاء‬
‫‪ ،‬وإشباعا لرمز العالقة بين االثنين ‪ .‬وهو رد فعل‬
‫إيجابي إلى ما وعدت به عبارة الزوج وهو يؤملها بليلة‬
‫مخصبة ‪ .‬إذ اكتفت بتأمالتها وانتظارها لمثل هذه‬
‫ّ‬
‫الصورة المرتقبة ‪ ( :‬تركها ليشعل سيجارة ‪ .‬نزلت‬
‫إلى الماء ‪ .‬استرخت وراحت تستحضر صوت صهيل‬
‫خيول ‪ .‬بينما الخلخال يلمع تحت الماء بال صوت )‬
‫‪ .‬وهذه الجملة التي أقفلت النص فيها محموالت‬
‫كثيرة منها ‪ :‬الحالة التي عليها الزوج‪ ،‬فهي رتيبة من‬
‫خالل إشعاله للسيجارة ‪ .‬ثم محاولتها في المداخلة‬
‫مع ما ُيشبع رغبات الجسد عبر النزول إلى الماء وهو‬
‫بديل عن فعل الرجل ‪ .‬وهذا ما ُيشير إليه االسترخاء‬
‫واستحضار صور الخيول وصهيلها ‪.‬وهو استرجاع‬
‫لفعل سابق مارسه الرجل ‪ .‬ولعل صورة الخلخال الذي‬
‫اختفى صوته داخل الماء وبقاء لمعانه‪،‬دليل واضح‬
‫على رؤية الزوجة إلى حالة انطفاء الزوج تمام ًا ‪.‬‬
‫في قصة ( بيبي دول ) تنعكس ظاهرة الرغبة‬

‫المحبطة والمكبوتة من خالل يوميات صاحبة‬
‫البوتيك ( فيوليت ) عبر لغة ّ‬
‫مركزة كما اعتادت‬
‫القاصة ذلك في بناء محموالتها القصصية بعيد ًا‬
‫عن ما يض ّر السرد المبني على أساس الشعرية أو‬
‫ـ شعرية السرد ـ ‪ .‬فالذي تفعله القاصة هنا هو‬
‫التركيز على الرغبات دون اإلشارة إلى مسميات مثل‬
‫هذه الحاالت أو المسببات كانتظار الرجل الذي يمأل‬
‫الفراغ في حياتها ‪ .‬والقصة تُسفر عن مرماها من‬
‫بدء االستهالل ‪ .‬فعبارة ( لم تعد مهنتها وسيلة‬
‫لكسب العيش فقد امتد األمر لتصبح رغبة تستمتع‬
‫بها ‪ .‬وهذا ما جعلها بيع المالبس الداخلية النسائية‬
‫وتحديدا ً في ما يلزم العرائس ) ‪ .‬هذا االستهالل‬
‫ُيشير إلى أكثر من حالة خفية وراء هذا السرد ‪ .‬فـ (‬
‫فيوليت ) تحاول التعويض عن المفقود ‪ ،‬الذي يحاول‬
‫السرد أن يضعه على وفق الحائز المفتقد كالزوج‬
‫المنتظر كما في القصة السابقة ‪ ،‬حيث ُيكثف السرد‬
‫على منوال كشف مثل هذا النزوع لالسترداد ‪ .‬إذ نرى‬
‫النص يؤكد حاالت في حالة ‪ .‬ففي الوقت الذي‬
‫تؤكد الساردة فقدانها للرجل ‪ ،‬فأنها تحاول معالجة‬
‫ح��االت النساء ـ الزبائن ـ الالئي ي��زرن بوتيكها‬
‫للتبضع أو ًال واألخذ بنصائحها سواء في العالقة‬
‫مع الرجل أو اختيار المالبس المناسبة السترداد الزوج‬
‫الذي امتدت بينهما فجوة ما ‪ .‬وفي العبارة التالية‬
‫ما ُيشير إلى مثل هذا ( تنفق ساعات نهاراتها‬
‫مع زبوناتها اللواتي ينشدن إرضاء أزواجهن عندها‬
‫فيستمعن مسلوبات اإلرادة لنصائح فيوليت ) في‬
‫الوقت نفسه تكبت الساردة ميلها السترداد الرجل‬
‫المفتقد وراء رغبات األخريات ‪ ،‬لكنها تكشف عن‬
‫رغبتها المكبوتة حين تخلو إلى نفسها في البيت‬
‫‪ ،‬أو من خالل تقليبها وترتيب المالبس في البوتيك‬
‫‪ .‬هذه الحالة من التعويض من خالل ما تصف‬
‫لخصائص المالبس وعالقتها بفحولة وذكورة الرجل‬
‫‪ .‬فهي تشير إلى ما يبدد عوامل اإلحباط عند النساء‬
‫بتوفير ما يمكن من رموز توقظ الرجولة ‪ ،‬وتبقى‬
‫لوحدها مع تأمالتها ومخيالها السردي الخالص ‪.‬‬
‫ّ‬
‫مركزة بدقة على هذه الحالة في وصف األنواع من‬
‫المالبس النسائية الداخلية ففي كونه ‪ ( :‬يشتعل‬
‫قداحه من جديد أكثر من شاب في مقتبل العمر )‬
‫‪.‬هذه التأكيدات في معالجة إشكالية األخريات دليل‬
‫القاصة لم تكشف‬
‫على الرغبة الذاتية المقموعة ‪ ،‬لكن ّ‬
‫عن مسببات هذا الكبت والقمع ‪ .‬لكنها تُبرز مثل‬
‫هذا الملمح في عبارة ( استذكرتهم جميع ًا في عيد‬
‫ميالدها األربعين الذي لم يتذكره أحد ليقول لها عيد‬
‫سعيد ) ‪ .‬كذلك يكشف النص عن حاالت المفارقة‬
‫وال نقول التناقض في شخصية ( فيوليت ) حين‬
‫يصفها على حالتين ‪ ( :‬من يراها وهي منكسرة في‬
‫البيت ال يصدق أنها ذات الشخصية المنطلقة بال‬
‫حدود في البوتيك ) ‪ .‬وما الصورة التي كانت خاتمة‬
‫القصة والتي كشفت عن أعدادها للجسد بنفس‬
‫فعل شخصية قصة ( خلخال ) حيث يكون الماء هو‬
‫الذي ُيعيد لطقوس الجسد الهيبة األنثوية ‪ ،‬ويمنحه‬
‫إمكانية ذاتية ‪ ،‬كذلك العري الجسدي الذي ُيعطي‬
‫صورة البراءة والبدائية في الخلق ونصاعة الوجود ‪( :‬‬
‫من سعاداتها التي كانت تمارسها وقتما يفرغ البيت‬
‫لها وحدها ؛ أن تأخذ ح ّمام ًا ساخن ًا لتخرج عارية وتبدأ‬
‫بالرقص بحرية على أنغام موسيقى ناعمة ‪ .‬كانت‬
‫ترمي بجسدها العاري وهي تلهث على األريكة ‪.‬‬
‫بعدها تحس بارتياح غريب وتوازن نفسي ) ‪ .‬هذا‬
‫الطقس فيه محموالت كثيرة ‪ ،‬لعل التمني هو مركز‬
‫كل ذلك ‪ ،‬فالعري يكون أمام المانيكان ليس إ ّال ‪،‬‬
‫وكل ما حدث هو نوع من التمني المكبوت والمتمثل‬
‫في الرغبة الجنسية الجامحة التي تطلبت اإلطفاء‬
‫من خالل ممارسة طقس الخلوة ‪ .‬في حين تعود إلى‬
‫رتابة حياتها من جديد في ( استقبلتهم بابتسامة‬
‫باردة‪ ،‬حملت رامي إلى فراشه وانزلقت حيث مكانها‬
‫األرضي واستسلمت للنوم بال دموع تلك الليلة ) ‪.‬‬
‫وتتواصل القاصة في عكس الرغبات المكبوتة‬
‫من خالل قصة ( حفلة حالوة ) متخذة من بيت‬

‫تقييم ‪13‬‬
‫المرأة التي تمتهن تجميل النساء في ما يخص‬
‫إزالة الشعر عن الجسد األنثوي أو ما ُيطلق عليه في‬
‫العرف الشعبي ( الحافوفة ) ولهذا األنموذج األنثوي‬
‫ُ‬
‫خصائصه وسريته وممارساته المعروفة في حاضر‬
‫الحراك االجتماعي والذاكرة الجمعية ‪ .‬يقابل هذا توفر‬
‫النص على أربع نساء لزوج واحد غائب ‪ .‬لألربع نساء‬
‫سمات خاصة ‪ ،‬محج ّبات وزوجات لسلفي في كابول‬
‫‪ .‬وكل ما حصل في النص هو اختراق المسكوت عنه‬
‫والمتركز في ما يجري من أفعال داخل بيت المرأة‬
‫وهي تستقبل زبائنها من النساء‪ .‬من المالحظ أن‬
‫الساردة غير معنية بالدوافع التي دفعت النساء‬
‫إلى أداء كهذا ‪ ،‬بل أبقته مضمر ًا تُشير إليه بنية‬
‫متخفية غير عسيرة على االستنتاج والكشف ‪ ،‬لكن‬
‫ـ وكما أرى في هذه القصة أو سواها ـ أن السرد غير‬
‫معني بالمباشرة بقدر ما هو معني بتصعيد ما هو‬
‫مضمر من رغبات تحت غطاء سردي مسكون بالشعرية‬
‫الخالصة ‪ ،‬من أجل االرتقاء بالحاالت اإلنسانية هذه‬
‫‪ .‬السؤال الذي يتكرر هو ما يخص ( الحالوة ) التي‬
‫تُعدها المرأة للنساء ‪ .‬فكأن وليمة تُقام على شرف‬
‫ضيافتهن ‪ .‬غير أننا نكتشف أن الحالوة هذه عبارة‬
‫عن ُكتل من ّ‬
‫السكر المركز والمتحول إلى لزوجة ـ شيرة‬
‫ـ قادرة على االشتباك مع الدقيق من الشعر في‬
‫الجسد ‪ .‬حيث تأخذ كل امرأة كتلتها من الحالوة كي‬
‫تمارس لوحدها إزالة الشعر من األماكن القادرة على‬
‫الوصول إليها ‪ .‬ويبدأ طقس اإلزالة المنفردة التي‬
‫تقوم فيها المرأة بأن تختلي مع إحداهن في غرفة‬
‫خاصة ‪ .‬هذا الطقس يوحي بقراءات متعددة ابتداء‬
‫من الخلوة ‪ ،‬وصو ًال إلى ما كان ينبعث من داخل‬
‫الغرفة من تأوهات انتهاء بخروج المرأة وإسراعها‬
‫إلى الح ّمام منفرجة الساقين وكاآلتي ‪:‬‬
‫ـ { دخلت أم محمود للغرفة وتبعتها النساء كل‬
‫واحدة على حدة }‬
‫ـ { كان من الممكن سماع بعض األنين الخافت قادم ًا‬
‫من الداخل }‬
‫ـ { كانت تخرج كل واحدة من الغرفة وهي تمشي‬
‫مباعدة ما بين ساقيها وتهرع‬
‫للح ّمام الذي أعدته أم عكرمة لهن بعناية فائقة‬
‫}‬
‫وأمام هذا التحضير للجسد تكون النساء أمام صمت‬
‫يؤشر الرغبة في من سوف يلتقي بها أو ًال حين يعود‬
‫من كابول ‪ .‬إزاء هذا يكون صوت الموبايل من يحسم‬
‫األمر بالخيبة ‪ ( :‬أن أبا عكرمة لن يأتي غد ًا من كابول‬
‫كما قال لهن األسبوع الفائت ) وهنا إشارة إلى تراكم‬
‫الزمن بالفقدان ‪ .‬وتتوزع التصورات واالنثياالت ‪،‬‬
‫تصب في الخيبة التي ُمن ّين بها ‪ ،‬حيث‬
‫لكنها ال ّ‬
‫تبقى األجساد األنثوية قيد االنتظار تلوك صور‬
‫مرتقبة ولذة مؤجلة ‪.‬‬
‫هذه الظواهر اإلنسانية ما يشغل قصص ( النا )‬
‫التي توفرت على سرد متوازن ووصف دقيق لمجريات‬
‫أحداث القصص بما ُيرقى بها إلى مصاف االختزال‬
‫الشعري في التعامل مع المشاهد والحاالت الذهنية‬
‫واستطراداتها ‪ .‬لقد تشكلت بنية القصص على‬
‫منوال رؤية صافية حذرة من تبديد عناصر المشهد‬
‫والمستقر على أفعال إنسانية أنثوية ‪ ،‬محققة بذلك‬
‫القاصة ـ سرد ًا ذو رؤية أنثوية ‪ ،‬انعكس من‬
‫ـ ونعني ّ‬
‫خالل نظرة المرأة العارفة لمكنونها الذاتي وكيفية‬
‫ترجمتها بذاتية أنثوية بعيد ًا عن هيمنة السرد‬
‫الرجولي ‪ .‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫إشارات ‪/‬‬
‫‪ 1‬ـ قصة خلخال ‪ /‬النا عبد الستار ‪ /‬جريدة تاتو العدد‬
‫‪1‬في ‪2009/3/15‬‬
‫‪ 2‬ـ قصة بيبي دول ‪ /‬النا عبد الستار ‪ /‬جريدة تاتو‬
‫العدد ‪ 4‬في ‪2009 /6 /15‬‬
‫‪3‬ـ قصة حفلة حالوة ‪ /‬النا عبد الستار ‪ /‬جريدة تاتو‬
‫العدد ‪ 7‬في ‪2009/9 /15‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪ 14‬نصوص‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪ ‬أحمـد عبد السـادة‬

‫برهانها‪...‬‬
‫عط ٌر ٌ‬
‫مريض بما ا ّد ْ‬
‫خرت من بروق ٍ ‪..‬‬
‫لترويض ليلها العاري‪..‬‬
‫سجادة ليله اللهب ّية‪.‬‬
‫على ّ‬
‫برهانها‪...‬‬
‫ٌ‬
‫منذورة إلرضاع سمائه ِالعمياء‬
‫نجوم‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫حريري الستدراج االبدية‪..‬‬
‫طواف ّ‬
‫الى نبض ِه المغدور‪..‬‬
‫نس َجتها إبرة السراب‪.‬‬
‫بنبوة ٍ َ‬
‫النبوي‬
‫برهانها على دمها ّ‬
‫وقت ٌ‬
‫ٌ‬
‫يرجم ادغا َل ُه بالسجود !‪.‬‬
‫كامل ُ‬
‫‪‬‬

‫بأن برهان ًا آخ َر‪..‬‬
‫لم تكن تعرف ّ‬
‫ُ‬
‫ستهطل تجاعيد ُه الكثة‪.......‬‬
‫‪..................................‬‬
‫‪..................................‬‬
‫على وردت ِه اآليل ِة لالغماء‬
‫الغيمي‪.......‬‬
‫بنزيفها‬
‫ّ‬
‫كانت ل ُه ِّ‬
‫بكل ما ْ‬
‫أوتيت من شهو ٍة‬
‫ِّ‬
‫بكل غاباتها الحبلى بالنبيذ‬
‫ِّ‬
‫بكل أدعيتها المعتق ِة بجرار الجمر‬
‫كانت له ِّ‬
‫بكل سخون ِة زينتها‬
‫ِّ‬
‫بكل جنائن لياليها المعلق ِة‬
‫على شفا شهق ٍة من سريره ِ‪.‬‬
‫وكان لها ‪..‬‬
‫ُ‬
‫ربيب يديها الحالمتين‬
‫(يوسف) ُ‬
‫كان لها ‪..‬‬
‫يهم بالتهام تنفسها‬
‫وكان ُّ‬
‫لينسج منه خارطة ً لهوائ ِه‬
‫َ‬

‫نصوص ‪15‬‬

‫رقصة على شرفة القمر‬

‫نبـوّة زليـخـا‬
‫شاعر من العراق‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪ ‬مهيرة هاني مقدادي‬
‫يمس ُد براريه ِ‪..‬‬
‫وكانَ ّ‬

‫برائحة التفاح البدائية!‬

‫اإلباحي‪.‬‬
‫بئرها‬
‫ّ‬

‫لذئاب هسيسها الجائع‬

‫كانت الشياطينُ الذكية ُ ك ُّلها محتفلة ً‪..‬‬

‫هي التي ح ّم ْ‬
‫مت أيا َم ُه بنار عيونها‬

‫ويل ّمع َ‬
‫الوحشي‬
‫محراث حليبه ِ‬
‫ّ‬

‫( لوال ان رأى برهان رب ِه)‬

‫ْ‬
‫مجرات صمتها‬
‫وأهرقت‬
‫ِ‬

‫لقضم ليمون بر ّيتها المخ ّمر‪.‬‬

‫برهانَ نكبتها ب ِه‬

‫‪ -‬أي صراخها األحمر‪-‬‬

‫كانت الشياطينُ الطيبة ُ ك ُّلها محتفلة ً‪..‬‬

‫برهانَ الحاد ِه ‪..‬‬

‫في خيمة نوم ِه الساهية‬

‫ليلي ‪..‬‬
‫ببزوغ دوار ٍ ٍّ‬

‫بنب ّوتها الحامل بشهيق الربيع‪.‬‬

‫ْ‬
‫وألقمت صهيل ُه الساخنَ ‪..‬‬

‫في شرايين ظهيرتهما‪..‬‬

‫لم تكن ُ‬
‫بأن برهانَ رب ِه‬
‫تعرف ّ‬

‫ثدي أحالمها‪.‬‬
‫َ‬

‫ظهيرتهما الناهدة‪..‬‬

‫سيمرغ ُ خصوبتها بآيات الجفاف‬

‫هي التي ْ‬
‫قشرت ل ُه بئر ًا نقيض ًا‬

‫ظهيرتهما المتنهّ دة‪..‬‬

‫ويت ّو ُج اسماءها بالرماد‬

‫وغرق ًا طائش ًا‪..‬‬

‫ظهيرتهما المنهدّة‪..‬‬

‫ويح ّر ُف وش َم الليل‪..‬‬

‫في سرير (العزيز)‬
‫في‬

‫ْ‬
‫وأسرجت لرعود ِه الالسعة‪..‬‬
‫مبخرة ً من عروق الندى‬
‫وباقة ً من أرق ٍ مؤنث‬
‫هات ملكية‬
‫وقافلة ً من تأ ّو ٍ‬
‫يئن بين فخذيها‪.‬‬
‫ووتر ًا إله ًا ُّ‬
‫‪‬‬

‫ه ّب ْت ‪ ،‬إذن‪ ،‬دقائقُ من رمل ٍ خائن‬
‫س ّم ْ‬
‫رت عطش ًا شاهق ًا في دم المكان‪.‬‬
‫ولزليخا أن تختنقَ أقمارها‪..‬‬
‫ببثور سما ٍء عاقة‬
‫وأن تعجنَ صمتها سكاكينُ الفراغ‬
‫مدجن‪.‬‬
‫وأن ُي ّ‬
‫جع َد عط َرها هوا ٌء ّ‬
‫سيلفع المكان‬
‫إذن‪ ..‬ال هدي َر عري‬
‫ُ‬
‫ويد ّل ُه الى وقته الخالص‪.‬‬

‫قاصة من االردن‬

‫رسم بأنامله دوائر صغيرة تطوق جميعها بقعة حمراء‬
‫تشف عن حرق قديم اجتاح جزءا من صدرها ‪..‬‬
‫ حرق؟‬‫ أجل ‪ ،‬حدث هذا منذ زمن ‪..‬‬‫عاد الى الدفيء المنبعث من بين مسام صدرها ‪ ،‬بينما‬
‫كانت تحمل هي ِقدرا كبيرا عليه الكثير من أطباق‬
‫الطعام ‪ ،‬وإبريق شاي‪.‬‬
‫طفلة في التاسعة من العمر ‪ ،‬تعي أن مهمتها بعد‬
‫العودة من المدرسة وقبل اللعب ؛ تحضير الطعام‬
‫وحمله إلى الحقل ‪ ،‬وفي يوم اعترضت حصى حمقاء‬
‫طريق قدمها الصغيرة فمالت ميال كافيا ليندلق شيئا‬
‫من الشاي الحارق على صدرها ‪..‬‬
‫كان األلم قد اشتد حدا لم تحتمله عندما وصلت‬
‫بالطبق سالما في ذات الزمان والمكان المقررين ‪ ،‬قدمته‬
‫وفرت بعدها عائدة إلى البيت صاعدة إلى السطح ‪،‬‬
‫فهناك فقط تستطيع أن تكشف عن صدرها وتعرضه‬
‫للهواء ‪ ،‬هناك حيث هي أقرب الى الشمس !!‬
‫انتفضت ‪..‬‬
‫نهض يسألها ‪:‬‬
‫بك‬
‫ ما ِ‬‫سالت دمعة على خدها ‪ ،‬ابتسمت‪:‬‬
‫‪ -‬ال شيء ‪ ،‬تذكرت فقط كم كان الحرق مؤلما وقتها ‪..‬‬

‫‪ ‬كريم جخيور‬

‫شاعر من العراق‬

‫هكذا يشه ُر الل ُه سرا َب ُه‬

‫(‪)3‬‬

‫تخم أوتا َر اللهب‬
‫و ُي ُ‬

‫على تفاح الغجر‬
‫هكذا يفق ُد المكانُ عيون ُه‪.‬‬

‫حبيبتي‬
‫سما ًء‬
‫وابتكر لعبة ً للطيران‪.‬‬
‫(‪)2‬‬
‫كم ستبدو السماء جميل ًة‬
‫حين تضحكين‬
‫فكيف لو رقصت اذن؟!‬

‫‪....................................‬‬

‫قميص ُه‬
‫هكذا يرمي الرما ُد َ‬

‫تقول ذلك وهي تنظر تماما إلى عينيه ‪ ،‬وفي عينيها‬
‫يلمس نبرة مهرة جامحة ‪ ،‬وأنين طفلة تتنبأ بوجع‬
‫حاصل ال محالة ‪..‬‬
‫طوق وجهها بكفيه وأعاد وردد على مسمع من أذنيها‬
‫ومشاعرها ونبض قلبها وتعرق جسدها األزهر ياسمينا‬
‫‪..‬‬
‫صديقان نحن إلى أن ينام القمر‬
‫ ‬‫تع قبل التقائه" أننا نصبح أقوياء حين نحب‬
‫لم‬
‫هي‬
‫ِ‬
‫‪ ،‬ونمتلك قدرة على التعالي والترفع حتى عن األلم ‪،‬‬
‫ونصير ذواتنا التي يحرص ألمنا دوما على تضييعها‬
‫منا ‪ ،‬فبالحب وحده تكتمل أطوارنا" "صديقان نحن إلى‬

‫مدائح متواترة‬

‫‪....................................‬‬

‫بثلج ِه األسود ‪.‬‬

‫طوقها بذراعيه ‪ ،‬صامتا مرر أنامله على خديها مجففا‬
‫لها الدمع ‪ ،‬بينما هي تعبث بشعرات صدره ‪ ،‬وفي‬
‫غمرة من الحزن تعود ّ‬
‫لتذكره أنها ستقتلع عددا منها‬
‫لتأخذها معها ‪ ،‬فيرد عليها ممازحا ‪ "،‬خذيها كلها" ‪.‬‬
‫هي تدرك أنها ال تستطيع نزع شعرة واحدة من‬
‫صدره وتعي تماما أنها لن تحتمل أن تتسبب له بألم‬
‫اجتثاث شعرة عن الصدر!!‪.‬‬
‫ لصدرك مذاق أبي ‪..‬‬‫ال يجيبها بل يبقى صامتا ساهبا في سقف غرفته‬
‫التي تعشقها جدا لفوضويتها وتشبعها بمالمحه ‪،‬‬
‫بينما تغيب هي في براثن اليتم ‪.‬‬
‫تنزلق عبر واد سحيق ‪ ،‬مظلم ‪ ،‬تتعالى من قاعه أصوات‬
‫كالب جائعة ‪ ،‬وتلفحها من على جنباته ريح ثلجية‬
‫تجتث الدفء من قلبها الصغير‪.‬‬
‫ترتطم في قاع أسود ‪ ،‬أمامها دهاليز مشتبكة تؤدي‬
‫كلها إلى ضياع ‪ ،‬تتخبط بين ظلماته ‪ ،‬تتلمس طريق‬
‫الوصول ‪ ،‬تطأ بقدميها الحافيتين ‪ ،‬جثث لطفولة‬
‫مسلوبة وأحالم وئيدة والكثير من الضحكات الكسيرة ‪.‬‬
‫ال شيء يدلها ‪ ،‬سوى صوت تعرفه ‪ ،‬يبكي ‪ ،‬ينتحب‬
‫‪ ،‬في مكان ما من هذا الكون الملعون ‪ ،‬تخبطت أكثر‬

‫ضاعت أكثر ‪ ،‬واقترب الصوت منها أكثر ‪ ،‬ميزته ؛" هو‬
‫صوتي "‪ ،‬جثت على ركبتيها وأخذت تحبو يرشدها‬
‫صوتها إليها ‪ ،‬كانت مستلقية في وضع جنيني تنفطر‬
‫ألما وعلى خدها طبعت أنامله ‪" ،‬كيف تجرؤ؟ حين‬
‫تحتمي كسيرة إليك فكيف تنسى دمك الذي يجري‬
‫بعروقها و ُيتمها الذي هو يتمك فكسرها ولم يكسرك‬
‫؟كيف سولت لك نفسك فلطمتها ؟ بأي ذنب لطمت‬
‫؟؟؟ "‬
‫يدوي صراخها مدى يهتز ثم يرتد إليها قنابل قهر‬
‫تفتت عظام صدرها وتدمي حروفها التي غاصت‬
‫عائدة إلى أحشائها هلعة من كم السواد واأللم حولها‪،‬‬
‫نسلت الظلمة وصوت الكالب والعظام المترامية‬
‫بينهما واقتربت منها ‪ ،‬نامت كنومتها ‪ ،‬احتضنتها‬
‫وصارت مثلها تنتحب!!‬
‫تسربت حرقة من بين شفتيها لسعت صدره ‪،‬‬
‫فانتفض ‪:‬‬
‫أنت بخير ؟‬
‫ هل ِ‬‫ أجل إني كذلك‪..‬‬‫ ما رأيك لو تعدين لنا فنجاني قهوة ؟‬‫ هو ما أحتاج حقا اآلن ‪..‬‬‫يمسك بها من طرف أذنها ويؤنبها ممازحا ‪:‬‬
‫وأنت على صدري تحتاجين للقهوة؟‬
‫ ِ‬‫تضحك وتنسل من بين يديه بهدوء طفلة مهزومة ‪:‬‬
‫وأنا على صدرك ال أحتاج سوى ألن‬
‫ ‬‫يمحي الزمن ويتجاوز حدود الدقائق والساعات واأليام‬
‫والسنوات ‪،‬‬
‫إنما أحتاج القهوة حين ترتفع رأسي مغادرة صدرك ‪،‬‬
‫وما إن تبتعد حتى أصير بحاجة ألن أثمل ‪ ،‬وإن أمعنت‬
‫في غيابك فلن يلهيني سوى الموت عن ألم فراقك ‪..‬‬

‫أن ينام القمر" كانت ترددها حتى في سرها ‪ ،‬صارت‬
‫تدرك أنها أقوى "لدي حبيب" وأجمل "لي ظل يجملني"‬
‫وأشهى "حبيبي يحبني"‪...‬‬
‫جسدها خيوط‬
‫حدث ذلك ذات شروق عندما‪ ،‬صافح َ‬
‫ب ّراقة أخبرتها أنها صارت أنثى بكامل مالمح الحب‬
‫والبلوغ والشهوة والفرح‪ ،‬بينما حمل إليها الغروب قرع‬
‫خطواته المبتعدة ‪ ،‬حاولت أن تلحق به لكن كفه‬
‫سدت األفق أمامها وأقعدتها تنتظر عودته ‪ ،‬وقد عاد‬
‫‪ ،‬محمال باألوجاع ‪ ،‬ليست أوجاعه وإنما أوجاعا ألجلها‬
‫وراح متبلدة مشاعره يقذفها نحو عنقها وقلبها‬
‫وعينيها ألما تلو اآلخر ‪..‬‬
‫انغرست جميعها إلى أن نخرت أدق مساحات عظامها‬
‫صغرا ‪ ،‬فراحت تنوء بحملها الذي لم تذق مثله من‬
‫قبل ‪ ،‬بينما هو موليا ظهره ‪ ،‬راحال نحو غياب ال حدود‬
‫له معلنا أن القمر غافلهما في غمرة من عشقهما ‪،‬‬
‫ونام!!!‬
‫خلت أن القمر ال ينام !!‬
‫ ‬‫قالت للقمر حين مد إليها يده ‪ ،‬ودعاها لتشاركه‬
‫رقصته‪.‬‬
‫بل هو نائم منذ األزل ‪.‬‬
‫ ‬‫أمسكت بيده ‪ ،‬تبعت خطواته ‪ ،‬وفي عينيها بقايا‬
‫حزن ‪ ،‬رفع كفه إلى منتصف ظهرها وشده إلى الداخل‬
‫فاألعلى " هكذا ‪ ،‬ليستقيم ظهرك " خطوتين ال أكثر‬
‫‪ ،‬صارت بعدها تتحرك بخفة وعفوية "أشعر أن بي‬
‫شيئا يسيرني" توقف القمر واكتفى بمراقبتها والدوران‬
‫حول خطواتها "انه حبك الذي عاد إلى منبعه ‪ ،‬يصير‬
‫اآلن رقصا ‪ ،‬وقد يصبح شيئا أعظم " تابعت" حبي‬
‫غادر يوم نمت ‪ ،‬هل نسيت؟" كان قد بدأ يصعد إلى‬
‫وأنت من‬
‫أنت من أوجده‪ِ ،‬‬
‫السماء عندما قال لها " الحب ِ‬
‫ينهيه " شعرت بصوته يبتعد لكنها تابعت " الزلت‬
‫أذكر أشياءه الجميلة " ‪ " ،‬يذهبون ‪ ،‬فتبقى األشياء‬
‫الجميلة لتحرضنا على البقاء‪ ،‬واألشياء المؤلمة لتحملنا‬
‫على التذكر ‪ ،‬فالذكرى حين ترتبط بألم ال تمحي ‪ ،‬وهي‬
‫جعبة الروح فبدونها الروح خاوية‪ ،‬وتذكري ‪ ،‬قد يصير‬
‫الحب يوما شيئ ًا أعظم"‪..‬‬
‫توقفت عن الرقص ‪ ،‬فإذا بحرف رسمته خطواتها‬
‫الراقصة " ألفا ‪ ...‬صار بعدها الحرف كل ما عال وكل‬
‫ما سيأتي "‬
‫نظرت بعدها مباشرة في عيني من قرأ للتو قصتها‬
‫وهمست ‪" :‬رقصة على شرفة القمر ‪ ...‬هو العنوان‬
‫لقصتي"‪..‬‬

‫إليك فقط‬
‫يتسع الخيال‬
‫(‪)1‬‬
‫ضيقة أيتها األرض‬
‫ضيقةٌ أنت‬
‫لهذا سأرسم من عيني‬

‫شياهك‬
‫حتى ال تظمأ‬
‫ِ‬
‫أقدامك رافلة‬
‫وان تبقى‬
‫ِ‬
‫بالعشب‬
‫سأحرض األنهار على الجريان‬
‫وأه ّز عذوق الغيم‪.‬‬
‫(‪)4‬‬
‫من أخطاء اآللهة‬

‫عينيك‬
‫انها تركت‬
‫ِ‬
‫وأمرتنا أن نقدم القرابين‬
‫الى األنهار‬
‫لهذا‬
‫لهذا فقط‬
‫في كل لحظ ٍة‬
‫يزداد عدد الغرقى‪.‬‬

‫واختار منها نجم ًة‬
‫تليق بليلة عيدك‬
‫ِ‬
‫(‪)7‬‬
‫ال‬
‫لم يكن متسرع ًا‬
‫وكان دقيق ًا وماهر ًا‬
‫طينتك‬
‫في اختيار‬
‫ِ‬
‫ومن ألطافه أيض ًا‬
‫انه دافها بسحر ِه‬
‫عليك المباهج كلها‬
‫ثم فاض ِ‬
‫بقوم قالوا‪:‬‬
‫مررت‬
‫لهذا كلما‬
‫ٍ‬
‫ان الله ٌ‬
‫جميل‬
‫و يحب الجمال‪.‬‬

‫(‪)6‬‬
‫هم ينشرون كناناتهم‬
‫ويختارون منها النبال‬
‫وأنا انشر السماء‬

‫(‪)8‬‬
‫رأيتك‬
‫عندما ِ‬
‫تذكرت مقولة صاحبنا‬
‫الفلكي‬

‫(‪)5‬‬
‫يا نجية نفسي‬
‫كثيرة هي الطرق‬
‫للحصول على قبل ٍة‬
‫وألنها التحمل ُ اسمك‬
‫ستكون مجرد قبلة‪.‬‬

‫قم ٌر واحد في الكون‬
‫حينها تأكدت بأنها باطلة‬
‫وصاحبنا أعمى‪.‬‬
‫(‪)9‬‬
‫صدرك‬
‫انظري الى‬
‫ِ‬
‫وهو يقف‪ ،‬مثل بيرق منتصرٍ‪،‬‬
‫فوق هزائمنا‬
‫نحن سبايا عرش ِه‬
‫نكتظ بالحرائق والظمأ‪.‬‬
‫(‪)10‬‬
‫انظري الى عينيك في المرآة‬
‫ستجدين قتلى و مسحورين‬
‫لم تحل طالسمهم‬
‫كل أدعية األمهات‬
‫وانظري الى عيني‬
‫ستعرفين كم أنا احبك‬

‫‪TABLEAU‬‬
‫هذا المكان‬
‫نمنحه لمن‬
‫يريد ‪..‬‬
‫لفكرة مجنونة‬
‫آن لها ان‬
‫تنفجر ‪..‬‬
‫الحتجاج فني‬
‫او صرخة لون‬
‫‪..‬‬
‫ال ظل هنا‬
‫للممنوع‬
‫والمحذور وال‬
‫عين تراقب‪.‬‬
‫انها الحرية‪..‬‬
‫الحرية كاملة‬

‫تاتو‬

‫هادي ماهود‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪ 18‬نصوص‬

‫شاعرة من العراق‬

‫رؤوس أصابع ِـ َك‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫تعابث أوعيتي‬
‫يس ُ‬
‫السماوات‬
‫اقط علينا غبا ُر‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫بجلباب رغبت ِـ ِه‬
‫المتطاول‬
‫يكسونا‬
‫و‪..‬‬
‫ِ‬
‫ُيدخ ُلنا حرائقَ قيامت ِـ ِه‬
‫فيرتع ُد الجس ُد لغرائزِ ِه‬
‫ُـفتضح نزوا ُت ُه‬
‫وت‬
‫ُ‬
‫ننصهر‪..........‬‬
‫ذوبانا‪..........‬‬
‫فيه‬
‫‪‬‬

‫راقصها‬
‫موسيقاي أنتَ ُ‬
‫ظالل ُـك تهت ُّز خيوط ًا داكن ًة‬
‫َ‬
‫خلف الشمس‬
‫َ‬
‫رؤوس أصاب ِعك ‪....‬‬
‫ُ‬
‫حج ُر فالسف ٍة‬
‫تستع ُر حيف ًا‬
‫طيات الجسد‬
‫تتحسس ِ‬
‫ُّ‬
‫فاستحال على َ‬
‫َ‬
‫يديك ضوء ًا وهوا ًء‬
‫في قعرِ أعماقي َ‬
‫أراك‬
‫للعشق‬
‫كتاب‬
‫أوراقَ ٍ‬
‫ِ‬
‫تتقد أصداف ًا َ‬
‫وآللئ‬
‫وتتج ُه نح َو‪........‬‬
‫بؤر ِة التكوين‬
‫‪‬‬

‫لو ٌز وحريقٌ يوق ُد شموعي‬
‫ُ‬
‫فيطلق‬

‫من شراييني‬
‫أهل ًة للشروع ‪.‬‬

‫‪ ‬النا عبدالستار‬

‫‪Sa.la21@yahoo.com‬‬
‫قاصة من االردن‬

‫‪‬‬

‫في وها ِد جسدي ذكريات ُـ َك‬
‫وأنّات ُـ َك التي أفرغت ُـها‬
‫وحزن ُـ َك الذي استودعت َـ ُه‬
‫العيونُ كف ّـ ْت عن الرؤية‬
‫بصرخات مكتوم ٍة‬
‫الجس ُد‬
‫ٍ‬
‫وما ُ‬
‫يهطل‪....‬‬
‫انبهاري‬
‫َ‬
‫وبقاياك تستوطنُ الوها َد‬
‫ك ّف ْت الذاكر ُة المحموم ُة عن التدوين‬
‫إال‪..........‬‬
‫شظايا ناعمة‪.........‬‬
‫‪ ..............‬من كل ذاك‬
‫‪‬‬

‫ٌ‬
‫رؤوس أصابع ِـ َك‬
‫خداعة ُ‬
‫تداعب جمري‬
‫ُ‬
‫ضباب رغبتي‬
‫يتق ُد َ‬
‫ُ‬
‫انسج أصاب َع من حجرٍ‬
‫ُّ‬
‫واحل عقد َة الجمرِ‪ ،‬بحضرت ِـ َك‪ ،‬اتقادي‬
‫ُ‬
‫الناضج‬
‫وجعي‬
‫درنات‬
‫اقطف‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫أمنح ُـ َك مدرج ًا للهبوط‬
‫لعل ّـ َك ُّ‬
‫الوهم‬
‫تحل ص ّر َة ِ‬
‫تعف ّـ ُر ندب ًة في الزند‬
‫‪.......................‬‬
‫فننبهر‪...............‬‬
‫بفراغ آخر‬
‫‪‬‬

‫زقاق الروح‬
‫د ْع وهم َـ َك الكبي َر‬
‫ُ‬
‫ينتصب في ِ‬
‫القلب الخادع‬
‫استمع‬
‫ُ‬
‫لوجيب ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫تحولت في فمي‬
‫اللذ ُة‬
‫علك ًة مسلفن ًة‬
‫تترنح ظ ًال بهيئت ِـ َك‬
‫ُ‬
‫فـ(الزبدُ)‪............‬‬
‫ال يذهب جفا ًء‬
‫‪‬‬

‫َ‬
‫نلملم أجزا َءنا‬
‫تعال ُ‬
‫مساحيقَ‬
‫الشبق المتدلي‬
‫نجمع‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫أنا ٌ‬
‫بحب فحو َلت ِـ َك‬
‫امرأة ُعم ِّـد ُْت ِّ‬
‫طبقات ترد ِد َك‬
‫اخلع‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫انك في وا ٍد مقد ٍّس‬
‫‪ ...................‬جسدي‬
‫اغرقْ وهم َـ َك في لج ِة محيطي‬
‫ُ‬
‫اآلهات‬
‫المنتفض ببراكي ِن‬
‫الجس ُد‬
‫ِ‬
‫أمواج َك ‪..‬‬
‫حمم‬
‫ه‬
‫ـ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫تقاذف ُ‬
‫ِ‬
‫كم مرة ُ‬
‫ناديت ‪...‬‬
‫التأمل‬
‫وجع‬
‫يا جسد ًا ‪..‬ما َ‬
‫ِ‬
‫ارتاب من ِ‬
‫من ذا الذي ُ‬
‫يفقأ َ‬
‫فيك‬

‫‪ .....................‬فقاقيع َ‬
‫‪...............................‬رغبت ِـ َك الطريد ْة‬
‫‪‬‬

‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ساخنة‬
‫صفحات‬
‫حياتي‬
‫ُ‬
‫األس ّرة التي تشه ُد وقائعي‬
‫م َّز َقتْها ِ‬
‫وفي جيبي‪:‬‬
‫ساعات مسروق ٍة‬
‫تع ُب‬
‫‪َ –1‬‬
‫ٍ‬
‫من رابع ِة العمرِ‬
‫المتوحشون‬
‫األحالم ب َّد َدها‬
‫تعب‬
‫‪ُ _2‬‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫يا البعيد ‪....‬‬
‫يا ايها البعيد‪....‬‬
‫أتوح ُم َ‬
‫بك‬
‫قرون ًا وأنا َّ‬
‫في صحوتي‬
‫وفي غفوتي َ‬
‫أراك‬
‫ُ‬
‫اقتفيت أثر ًا متالشي ًا‬
‫بداخلي‬
‫َ‬
‫وجدت ُـك ظ ًال مائ ًال لقمرٍ بعي ٍد‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫بالظالل‬
‫طافحة‬
‫الطريق‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫والظالل ٌ‬
‫بعيدة‬
‫ٌ‬
‫بعيدة‬
‫تتالشى‬

‫براءة‬
‫‪ ‬ساطع راجي‬
‫قاص من العراق‬
‫ سأكون سمكة‪..‬‬‫لم يكمل العبارة فقد انطلق��ت عاصفة من ضحك الصغار‬
‫ومعلمتهم‪ ،‬قاطعته وتركت فمه مفتوحا رغبة في االستمرار‬
‫بالكالم واس��تغرابا من الضحك الهستيري الذي سيطر على‬
‫زمالئه‪ ،‬فالصغار ل��م يتوقفوا عن الضحك‪ ،‬كانت افواههم‬
‫جميعه��ا مفتوحة واللثات التي س��قطت بعض اس��نانها‬
‫اللبني��ة كانت تحيط به م��ن كل جانب‪ ،‬حاول��ت المعلمة‬
‫اسكاتهم لكنها لم تسيطر على نفسها فشاركتهم الضحك‬
‫المجن��ون عل��ى ما قاله الصغي��ر وهو يح��اول االجابة على‬
‫سؤالها عن خططه للمستقبل‪.‬‬
‫كان��ت المعلمة ضجرة من صخ��ب الصغار وأرادت إلهاءهم‬
‫بأي ش��يء حتى ينتهي الدرس فأعتمدت على ذلك السؤال‬
‫كحيلة تلجأ اليها المعلمات حينما ال تكون لديهن رغبة في‬
‫مواصل��ة التعليم‪ ،‬ألقت بالس��ؤال كلعبة صغيرة يلهو بها‬
‫االطفال لقضاء الوقت بينما كان هو يحترق من داخله كلما‬
‫نطق احد زمالئه التالميذ باس��م المهنة التي يريد ان يعمل‬
‫بها‪ ،‬لقد ش��عر بخياراته تتقلص دقيق��ة بعد اخرى وعندما‬

‫انثويات ‪19‬‬

‫مياو‬

‫الرابعة نهارا‬
‫‪ ‬سوسن السوداني‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫وصل��ه الدور لينطق بمهنة المس��تقبل كانت كل الخيارات‬
‫التي خطرت له قد اس��تنفذها زمالؤه الصغار ولم يرغب هو‬
‫بتكرار اي من رغباتهم‪ ،‬اراد التفرد بمهنة وكلما تذكر واحدة‬
‫استهلكها احد الصغار قبل ان يصل دوره‪ ،‬كان بإمكانه ان‬
‫يقول ال اعرف لكن احدهم قد سبقه الى ذلك ايضا ووبخته‬
‫المعلمة قائلة (من ال يعرف المهنة التي يريد ان يعمل بها‬
‫مستقبال يعني انه ال يعرف ما يريد وليس لحياته اي معنى‪،‬‬
‫المهنة هي معنى حياتكم وبدونها ستكونون تائهين وبال‬
‫مس��تقبل‪ ،‬تصوروا ان تكونوا ضائعين ه��ذا حالكم اذا لم‬
‫تعرفوا ما تريدون ان تكونوا عليه مستقبال)‪.‬‬
‫كانت كلماتها تتحول الى حيوانات مفترسة تحيط بالصغير‬
‫وتنبح ‪..‬تزأر‪..‬تهر كاشفة عن انياب بيضاء كبيرة وخيوط من‬
‫اللعاب تس��يل من اش��داقها وتتدلى ألسنها حمراء طويلة‪،‬‬
‫كانت دائرة الحيوانات المفترس��ة تضي��ق حوله وتتعالى‬
‫االصوات‪ ،‬تخيل المس��تقبل حيوانا ضخم��ا له اكثر من فم‬
‫كلها تح��اول إبتالعه واطلق عبارت��ه كصرخة حين اطبقت‬
‫عليه دائرة االفتراس‪ ..‬س��أكون س��مكة‪ ..‬قاله��ا دون تفكير‬
‫رغم رغبته الالحقة في تفس��ير ما قاله لكن دائرة االفتراس‬
‫سرعان ما تحولت الى دائرة سخرية وضحك صاخب ختمته‬
‫المعلمة (هذه ليست مهنة) وانتهى الدرس‪.‬‬
‫توق��ع ان تزداد حصت��ه من االذى اليومي ال��ذي يتلقاه من‬

‫رفاقه طوال طريق العودة‪ ،‬كانوا كل يوم يسخرون من وجنتيه‬
‫المتوردتي��ن بحمرة جميلة وش��فتيه المكتنزتي��ن وبياضه‬
‫وجسده المكتنز قليال‪ ،‬امه كانت تقول له انهم يغارون منه‬
‫النه جميل ومع ذلك كانت تضربه بقسوة كلما عاد بثياب‬
‫ممزق��ة او ملوث��ة بالطين بعد ش��جاراته ش��به اليومية مع‬
‫رفاق��ه في طريق العودة للمنزل‪ ،‬يبكي طوال الطريق بعدما‬
‫يضربون��ه وخوفا م��ن ضرب امه‪ ،‬حاول ذل��ك اليوم تجنب‬
‫االمر فتأخر عن زمالئه بالسير بطيئأ على الطريق المؤدي الى‬
‫المنزل‪ ،‬كانت متعت��ه اليومية هي التحديق في النهر الذي‬
‫يمتد مع الطريق والفرجة على عربات السمك التي تصطف‬
‫عل��ى الرصيف وليتأخر ظل ذلك اليوم يمعن في االس��ماك‬
‫المستلقية على المش��مع في العربات وهي تفتح افواهها‬
‫ببطء وكأنها تتثاءب‪ ..‬عيونها الملونة مفتوحة كأنها ازرار‬
‫مث��ل عيونه‪ ،‬لم يحب أكل الس��مك يوما ويتعجب من نهم‬
‫والدي��ه واخوته وهم يفترس��ون االس��ماك ويفتتون لحمها‬
‫االبيض بس��رعة‪ ،‬البياض كان صلة اخرى تربطه بالس��مك‪،‬‬
‫كان يتخي��ل ان رفاق��ه الصغار س��يلتهمون لحمه االبيض‬
‫ويمزقون��ه بأس��نانهم‪ ،‬كانوا يس��خرون من بياض��ه يوميا‪،‬‬
‫إحدى االس��ماك فتحت فمها وجمدت عند ذلك فتذكر فمه‬
‫المفتوح دهش��ة وإستغرابا في الصف‪ ،‬كانت اسماك اخرى‬
‫تفتح افواهها وتغلقها ببطء متزايد فسأل البائع عن ذلك‬

‫فقال له‪ :‬انها تموت وهي تفت��ح فمها تريد ماء لتتنفس‪،‬‬
‫االس��ماك تموت خارج الماء‪ ،‬لم يعلموك ذلك في المدرسة‬
‫لماذا تذهب إذن‪ ..‬ما الذي تدرس��ه؟! حاصرته اس��ئلة بائع‬
‫السمك فأسرع باالبتعاد‪.‬‬
‫اصبح الس��وق بعيدا وراءه وال اح��د معه في الطريق فهبط‬
‫ال��ى ضفة النه��ر وصار يحدق ف��ي الم��اء المتدفق يحاول‬
‫رؤي��ة س��مكة ما‪ ،‬اي س��مكة حية فهو لم يرى االس��ماك اال‬
‫ميت��ة او وهي تحتضر‪ ،‬غمس يده ف��ي الماء وحركها ببطء‬
‫كأنه يصافح الس��مك الذي يتخيل وجوده في النهر‪ ،‬البلل‬
‫غس��ل مخاوفه واذاب التحذي��رات والتهديدات اليومية من‬
‫امه فجلس مرتاحا على العشب غير مبال بالطين الذي لوث‬
‫ثيابه‪ ،‬غادرته مش��اعر الخوف فنزع ح��ذاءه ومد رجليه في‬
‫الماء ليتس��رب منه الحزن والغضب واخ��ذت صورة زمالئه‬
‫ومعلمته تذوب لكن قبل ان تتالشى نهائيا صاح (ان اكون‬
‫سمكة ليست مهنة اعرف ذلك لكني اريد الحياة كسمكة وال‬
‫اريد مهنة‪ ..‬السمكة بال مهنة‪ ..‬بال مستقبل‪.)..‬‬
‫اغواه الماء فتردد هو ال يعرف السباحة لكنه تذكر ان السمك‬
‫ال يح��اول البقاء ف��وق الماء ب��ل ينغمس في��ه‪ ..‬يغوص‪..‬‬
‫البش��ر هم من يبقون فوق س��طح الماء ويقاوم��ون االنغمار‬
‫بالماء‪ ،‬أستس��لم للغواية وهبط الى القاع‪ ..‬فتح عينيه مثل‬
‫االسماك‪ ..‬فتح فمه وصار يتنفس الماء‪..‬‬

‫دعاها الى ان يغادرا الطاولة ويجلسا على العشب‪.‬‬
‫تربعا قبالة الفرقة الكوبية‪ .‬وضع يده على كتفها‬
‫وقلد حركتها المتمايلة المندمجة مع ايقاع الموسيقى‬
‫الراقص‪ .‬اخرج من جيبه علبة مخملية انيقة‪ ،‬فتحها‬
‫واخرج خاتم زواج من الماس قائال لها وهو ينزع عن‬
‫اصبعها الدقيق الخاتم القديم بان كل عيد زواج لهما‬
‫سيهديها خاتما جديدا‪ .‬ضحكت وهي تقول له‪ :‬أحب‬
‫جنونك‪.‬‬
‫كان الجو خريفا‪ .‬لسعتهما نسمات فيها برودة هادئة‬
‫حاملة إليهما رائحة شواء حفلة الباربكيو المقامة على‬
‫الشاطئ‪ .‬اقترب منهما الكوبيون الثالثة واخذوا يعزفون‬
‫لحنا جديدا ناعم النغمات‪ .‬لم يتوقف طيلة الحفل عن‬
‫النظر اليها بعينين تشعان عشقا بينما كانت تبادله‬
‫الهمسات بخجل‪.‬‬
‫غادرا المكان وهما يشعران بانتشاء فتّح فيهما‬
‫مسامات الفرح‪ .‬قال لها‪ ،‬وهما على الطريق‪ ،‬انه يحب‬
‫ان تتوقف عن اخذ حبوب منع الحمل‪ .‬لمس بطنها‬
‫بحنان بالغ وقال‪:‬‬
‫ـ احب ان تنتفخ بطنك بابني‪.‬‬
‫أمسكت بيده وقالت‪:‬‬
‫ـ بي رغبة مجنونة بان احمل منك الليلة‪.‬‬
‫ضحك ضحكة عانقت الغيوم وقفز امامها كبهلوان‬
‫وهو يقول بصوت عال‪:‬‬
‫ـ اين انت ايها السرير‪.‬‬
‫اقتربا من البيت وهما يتذكران يوم التقيا اول مرة في‬
‫صفوف تعلم الموسيقى عند مدام روبار الكردية‪ .‬قالت‬
‫له انها كانت معجبة بالرحبانيات التي كان يغنيها‪.‬‬
‫انحنى امامها وقبض على كفه معطيا اياه شكل‬
‫الميكرفون وقال‪:‬‬
‫ـ حاضر يا ملكتي‪.‬‬
‫واخذ يغني يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين ان‬
‫كنت تقصد قتلي قتلتني مرتين‪.‬‬
‫أصر على ان يحملها كليلة عرسهما ويلقيها على‬
‫السرير‪ .‬توهجت رغبتهما في لحظة واحدة وتصاعدت‬
‫لذتهما‪ .‬القت ذراعيها جانبا باسترخاء وراحت تشم‬
‫رائحة تراب قريتها حيث نشأت حينما كانت تستقبل‬
‫اول حبات الغيث في اواخر ايلول وعبق الياسمين الذي‬
‫يتسرب الى انفها من باحة البيت في الصباحات‪.‬‬
‫عانقته وهو يلهث‪ .‬لعقت اذنه وهمست له ‪:‬‬
‫ـ مرة اخرى‪.‬‬
‫كانت قد تركت مانع الحمل منذ اسبوع‪ .‬عادت‬
‫لتهمس‪:‬‬
‫ـ اريد البننا ان يستقر الليلة في رحمي‪.‬‬
‫بدا شاحبا وهو يرد دون حماس‬
‫ـ نعم سيكون ذلك في منتهى الروعة‪.‬‬
‫اعادا الكرة مجددا‪ .‬ايقظتها من لذتها حبات عرق‬
‫كثيفة تساقطت من جبهته على وجهها وثقل جسده‬

‫الذي بات يزداد مع مرور الثواني‪ .‬داهمها الهلع عندما‬
‫لم يستجب لندائها‪ .‬بدأت تهزه ثم لم تجد بدا من‬
‫محاولة قلبه حيث سقط كلوح جليد‪ .‬لسانه يخرج من‬
‫فمه وعيناه جاحظتان‪ .‬شهقت وراحت تهزه بكلتا‬
‫يديها وتناديه وتمسح وجهه‪ .‬صارت تروح وتأتي وهي‬
‫عارية كالمجنونة‪ .‬اتصلت باالسعاف في لحظة عقل‬
‫وارتدت اول شيء لمحته في لحظة عقل اخرى‪ .‬تمنت‬
‫لو ان هذا كله حلم وهي ترى صدره يتلقى الصدمات‬
‫الكهربائية من دون اي استجابة ‪ .‬كل محاوالت انقاذه‬
‫باءت بالفشل فقد كانت سكتة قلبية مفاجئة‪.‬‬
‫مرت ايام العزاء دون ان تذرف دمعة واحدة‪ .‬كانت‬
‫تجلس بهيبتها المعتادة من دون اتصال مع ما حولها‪.‬‬
‫تتلقى التعازي وهي تشعر بالعشب تحتها وبالنسمات‬
‫الخريفية وعزف القيثارات واصابع يدها اليمنى تتلمس‬
‫خاتم األلماس‪.‬‬
‫النهارات بدأت تطول والليالي تتوحش اكثر‪ .‬صور‬
‫متالحقة لتلك الليلة كانت تجوب مخيلتها بال انقطاع‬
‫‪ .‬امست تعاشر كتبه ودواوين شعره في مكتبته‪.‬‬
‫مالبسه وعطوره وكل ما يحمل بصماته‪.‬‬
‫في يوم ميالده بكت بكاء مريرا استذكرت به‬
‫احتفاالتهما‪ .‬كانت تجلس على السرير وتحتضن‬
‫بيجامته التي اهدتها له العيد الفائت‪ .‬عال فوق‬
‫نحيبها صوت مواء قادم من بلكونة غرفة نومهما‪.‬‬
‫نظرت فلمحت قطا ابيض‪ .‬كان اول شيء يلفت‬
‫انتباهها بعيدا عن ذكرياتها وحزنها‪ .‬كان ينظر اليها‬

‫دون فزع‪ .‬فتحت له الباب‪.‬‬
‫فدخل‪ .‬كان بياضه ناصعا وبه خيالء‪ ،‬جلبت له حليبا‬
‫في صحن شربه باناقة واستلقى بعدها بجانب السرير‬
‫ونام‪.‬‬
‫في تلك الليلة استسلمت للنوم من دون ان تحتاج حبة‬
‫المهدئ وحين استيقظت لم تجده‪ .‬اعتقدت لبرهة‬
‫ان ذلك كان حلما حتى احست بشيء يداعب طرف‬
‫ثوبها‪ .‬انتابها ارتياح غريب حين رأته‪.‬‬
‫اسكنته معها‪ .‬كانت تستمتع وهي تطعمه وتسقيه‬
‫وتغسله‪ .‬لم يكن يفارقها طيلة اليوم وفي الليل‬
‫يستلقي بالقرب من السرير وال ينام اال بعد ان‬
‫تخلد هي للنوم‪ .‬كان يحب ان يشم احذيتها ويلعق‬
‫مالبسها‪ .‬يموء بجانبها وهي تستمع لموسيقى كوبية‬
‫ويعمل امامها حركات ليضحكها حين يلمح حزنها ‪.‬‬
‫اهتمت به واشترت موسوعة علمية عن القطط وراحت‬
‫تبحث في النت عن القطط وعاداتها‪ ،‬ما تحب وما‬
‫تكره وكيف تعتني بها‪.‬‬
‫في ليلة ماطرة استيقظت على شيء غريب‪ .‬كان قد‬
‫تسلل الى السرير كاشفا عن فخذيها واخذ يلعقهما‪.‬‬
‫هبت مذعورة‪ .‬سترت جسدها وهي تقفز عن السرير‪.‬‬
‫صرخت وهي تفتح الباب‪:‬‬
‫ـ اخرج من هنا‪ ..‬اخرج من هنا‪.‬‬
‫ماء بجوارها‪ .‬اشتم قدميها‪ .‬لعقهما باستجداء‪ .‬كانت‬
‫تردد بال وعي‪:‬‬
‫ـ اخرج من هنا ‪..‬اخرج من هنا‪.‬‬

‫خرج منكسا رأسه بانكسار وبقي يموء ساعات تحت‬
‫المطر بالقرب من نافذتها وهي تبكي منكمشة على‬
‫نفسها في الفراش‪ .‬لم ينطفىء صوته اال مع بزوغ‬
‫الفجر‪ .‬بعدها استطاعت ان تنام ساعات قليلة‪.‬‬
‫حين استيقظت لم يكن في ذهنها اال ان تراه‪ .‬بحثت‬
‫عنه فلم تجده‪ .‬فتشت البيت والحديقة من دون جدوى‪.‬‬
‫ركبت سيارتها تريد ان تبحث عنه في الحي واالحياء‬
‫المجاورة‪ .‬أدارت مفتاح السيارة‪ ،‬اشتغلت دقيقة ثم‬
‫انطفأت‪ .‬حاولت مرارا لكن من دون فائدة‪ .‬تركت‬
‫السيارة وقررت ان تبحث عنه مشيا على االقدام‪ .‬راحت‬
‫تمشي في الشوارع والخوف يعصر صدرها‪ .‬اقفلت‬
‫راجعة الى البيت وقد تحجر الحزن في قلبها‪ .‬جلست‬
‫تفكر به وبقيت طيلة النهار تنتبه بلهفة الى االصوات‬
‫القادمة من الخارج وسرعان ما تتملكها الخيبة‪.‬‬
‫في المساء حاولت ان تخلد الى النوم‪ .‬دمعت عيناها‬
‫وهي تنظر لمكانه حيث اعتاد ان ينام‪ .‬لمع خاتمها‬
‫الماسي في الظالم في اللحظة التي جاءت بذهنها‬
‫جملة قرأتها في موسوعة القطط‪ .‬قفزت من السرير‬
‫بشكل هستيري وخرجت من البيت‪ .‬اضاءت الكراج‬
‫وهي ترتجف‪ .‬اقتربت من السيارة‪ ،‬ترددت لحظات‪.‬‬
‫فتحت الغطاء االمامي للسيارة وهي ترتعد خوفا‪.‬‬
‫كانت الدماء والفراء االبيض تتناثر في الداخل وكتلة‬
‫لحمية ملتصقة بالمروحة‪ .‬انهارت على االرض وهي‬
‫تهذي تحت المطر‪:‬‬
‫ـ لقد قتلته مرتين ‪ ..‬لقد قتلته مرتين‪.‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪ 20‬ثقافات‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫كاتبات الروايات الغرامية يخجلن منها!‬
‫‪ ‬ترجمة ‪ :‬عادل العامل‬

‫تس َّل ُ‬
‫مت مؤخر ًا تشريف ًا غير مريح‪ ،‬من النوع الذي لست‬
‫متأكد ًا من أنني ينبغي أن أض ّمنه في خالصتي‪ ،‬كما‬
‫يقول الناقد رون تشارلس في مقاله هذا‪ .‬ففي مؤتمرهن‬
‫السنوي في واشنطن‪ ،‬قدَّمت لي ( كاتبات الرومانس‬
‫في أميركا ) جائزة الفيريتاس ‪ .Veritas‬و هي جائزة‬
‫" تُعطى سنوي ًا على مقالة تظهر منشورة أو من خالل‬
‫وسيلة أخرى تصور أفضل تصوير نوع الرواية الغرامية‬
‫في ضو ٍء إيجابي "‪ .‬و لم يكن مدهش ًا‪ ،‬أن تظل فيريتاس‬
‫لسنوات من دون أن تُعطى ألحد‪ .‬فالضوء اإليجابي‪ ،‬كما‬
‫سيبدو الحق ًا‪ ،‬نادر ًا ما يسقط على هذا النوع األدبي‪.‬‬

‫َح َسنُ ‪ُ ،‬‬
‫السخف في قبول هذه الجائزة‬
‫شعرت بشيء من ُ‬
‫بسبب مدخل في أحد المواقع الشخصية عن إبنتي‬
‫وصديقات يقرأن رومانس تهريج ‪ .Harlequin‬لكن ما‬
‫أدهشني كان رائحة االحباط العالقة في الهواء في‬
‫المؤتمر الذي حضره ‪ 2.000‬كاتبة محترفة لهذا النوع‬
‫من الكتابة في ماريوت واردمان‪ .‬فمع كل نجاحهن‪ ،‬و‬
‫مع كل األمور المتعلقة بالمبيعات التي يحققنها‪ ،‬فإن‬
‫هذه الجماعة من الكاتبات ما تزال بحاج ٍة إلى شيء من‬
‫البناء الجاد للتقدير الذاتي‪ .‬و قد يكون ذلك هو الغرض‬
‫الحقيقي من مؤتمرهن السنوي أكثر من أي شيء آخر‪.‬‬
‫و عند مأدبة الفائزات‪ ،‬جلست إلى جوار استرالية عذبة‬
‫المعشر تدعى روزماري بوتَر‪ ،‬كانوا قد ت َّوجوها كأفضل‬
‫بائعة كتب لهذا العام‪ .‬و هي واحدة من القليل من‬
‫أصحاب المكتبات في العالم الذين يبيعون روايات‬
‫نحو‬
‫رومانسية جديدة فقط‪ .‬و محلها المع ّين على ٍ‬
‫جميل يحقق لها ‪ 40.000‬دوالر أسترالي في الشهر‪،‬‬
‫لكن حين بدأت قبل سبع سنوات أبعد محاسبها هذا‬
‫الحلم باعتباره سخيف ًا‪ .‬بل أنها تفاجيء أباها و هو ُيخبر‬
‫أصدقا ًء له بأنها تدير مكتب ًة‪ ،‬فتقول له ‪ " :‬إنها مكتبة‬
‫رومانس‪ ،‬دادي! "‬
‫و هناك عبر المائدة نفسها ديبورا شيدر‪ ،‬أمينة مكتبة‬
‫العام‪ ،‬التي أخبرتنا أن زوجها يتعرض للسخرية في‬
‫العمل في ما يتعلق بمهنتها الجانبية ككاتبة رومانس‪.‬‬
‫إذ يسأله ذوو الرؤوس الثقيلة ‪ " :‬كيف تقوم زوجتك‬
‫ببحثها‪ ،‬ها؟ هل ذلك الفتى الذي على غالف الكتاب‬
‫صديقها؟ !" فتقول لزوجها المرتبك أن يذ ِّكر أصدقاءه‬
‫بأن " ليس الذي على الغالف ما ُيهم‪ ،‬و إنما الذي ما بين‬
‫الغالفين "‪ .‬و كان ذاك هو ما يضعهم في مكانهم‪.‬‬
‫و يبدو أن الق ّراء أيض ًا يشعرون بشيء من االرتباك في ما‬
‫يتعلق بالروايات الرومانسية‪ ،‬أي الغرامية‪ .‬فقد أخبرني‬
‫محرر في هارليكوين أنه في (نطاق الكتاب المقدس‬
‫‪ ،) Bible Belt‬تُعد اإلثارة و الرومانس األكثر رواج ًا ــ‬
‫الضجيعين الغريبين في الواقع‪ " .‬فهم بشترون إثارتهم‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫إيروس في الرواية‬
‫في المكتبات‪ ،‬و يطلبون رواياتهم الرومانسية على‬
‫اإلنترنيت "‪.‬‬
‫بمعنى ما‪ ،‬فإن الرومانس ما تزال تكدح تحت العبء‬
‫و‬
‫ً‬
‫ال��ذي ج��رت العادة أن ي��رزح تحت عبئه كل األدب‬
‫القصصي‪ .‬و كانت المواعظ الدينية المتزمتة في القرن‬
‫الـ ‪ 17‬تُث َّبت بمسامير مع تحذيرات من قراءة الروايات‪.‬‬
‫و كان توماس جيفيرسون يشكو مر الشكوى من الروايات‪،‬‬
‫أيض ًا‪ ،‬مدعي ًا أنها " عقبة عظيمة تعيق التربية السليمة‬
‫سم يصيب العقل‪ .‬و النتيجة تخ ّيل منتفخ‪ ،‬و حكم‬
‫‪ٌّ ...‬‬
‫مريض‪ ،‬و قرف من األعمال الواقعية للحياة "‪.‬‬
‫و من الواضح أن التي كانت تُلقي الخطاب الرسمي في‬
‫احتفال جائزة الرومانس كانت تحاول أن تستنهض‬
‫الكاتبات المجتمعات من حياة االحباط‪ .‬و قد اعترفت‬
‫ألويسا جيمس بأنها اعتادت أن تخبر الناس بأنها‬
‫تكتب روايات الرومانس " من أجل المال "‪ .‬بأية طريقة‬
‫أخرى كان يمكن ألستاذة في أدب شكسبير تثقفت في‬
‫هارفارد و أوكسفورد و ييل أن تبرر نشر هذه الكتب‬
‫المبهرجة؟ إنها ابنة روبرت بالي‪ ،‬لخاطر السماء! و قد قرأ‬
‫لها ‪ Beowulf‬في وقت النوم؛ و تعلمت هي و أخوتها‬
‫ترانيم عيد الميالد باللغة الالتينية‪ .‬و لم تقرأ أمها‬
‫أي ًا من رواياتها على اإلطالق‪ .‬كانت تقول لها‪ " :‬إنك‬
‫تعلمين أنني ال أقرأ ذلك الهُ راء الجنسي "‪ .‬و على سرير‬
‫موتها قالت إنها متأكد ًة من أن ألويسا ستكتب " كتاب ًا‬
‫يوم ما‪ .‬هذا بالنسبة المرأة نشرت ‪18‬‬
‫حقيقي ًا " في ٍ‬
‫رواية رومانسية تاريخية‪ 14 ،‬منها أفضل مبيع ًا‪ ،‬و بـ‬
‫‪ 3.5‬مليون نسخة‪ .‬غير أن سخرية أسرتها يتردد صداها‬
‫في العالم عموم ًا‪ .‬و قد قالت ألويسا ‪ " :‬إن الخجل يقتل‬
‫التخيل ‪ ،‬و من الصعب مواصلة الكتابة في مواجهة‬
‫ذلك "‪ .‬و كان ألفا امرأة قد توقفن عن تناول وجبتهن‬
‫من الدجاج و الرز‪ ،‬و لم يكن معظمهن مشهورات‪ ،‬لكن‬
‫بدا أنهن جميع َا قد عرفن على وجه التحديد ماذا كانت‬
‫تعني‪ .‬‬
‫عن ‪Washington Post /‬‬

‫الفضيلة وحدها ال تضمن رقي المجتمع‪ ،‬وال تكفي لتحقيق سعادة األفراد‬
‫‪ ‬هشام بن الشاوي‬
‫كاتب من المغرب‬

‫يستهل وليد سليمان كتابه "إيروس في الرواية" برسالة‬
‫من الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في نسختيها‬
‫األصلية(اإلسبانية) والمع ّربة‪ ،‬معنونة بـ"إلى أصدقائي‬
‫التونسيين الذين لم ألتقهم"‪ ،‬تحدث فيها يوسا عن‬
‫كتب يشترك فيها مع قرائه التونسيين (العرب)‪،‬‬
‫فيثبتون رغم البعد الجغرافي و االنتماء إلى ثقافتين‬
‫مختلفتين بأن بينهم وبينه "هذا الكاتب الذي هو أنا‬
‫وشائج عميقة ال تنقطع‪ .‬مثال‪ ،‬عشقي للروايات العظيمة‬
‫التي أثرت حيواتنا ومكنتنا من الحلم‪ ،‬تعويضا عن‬
‫التقلبات والخيبات التي تُع ِّر ُضنا لها‪ ،‬أحيانا‪ ،‬حياتنا‬
‫اليومية"‪ .‬مؤكدا على أن وظيفة الروايات الجيدة إيقاظ‬
‫الروح النقدية في ما يتعلق بالواقع المعيش والحث‬
‫على العمل من أجل إصالحه وتحسينه‪ ،‬متمنيا أن‬
‫تحرض مقاالته بعض قرائه التونسيين على قراءة‬
‫أو إعادة قراءة تلك الروايات التي تعتبر من أفضل‬
‫ما أنتج في القرن العشرين‪" ،‬قرن الكوارث السياسية‬
‫الكبيرة والحروب الفظيعة‪ ،‬ولكن أيضا‪ ،‬قرن إبداعات‬
‫العقل الرائعة"‪.‬‬
‫وأشار وليد سليمان في مقدمته للكتاب إلى أنه اختار‬
‫هذا العنوان للكتاب بدل العنوان األصلي "حقيقة‬
‫األك��اذي��ب"‪ ،‬لوجود رابطين أولهما تناول نصوص‬
‫الكتاب لروايات مهمة‪ ،‬وطغيان الجانب اإليروسي‬

‫الديكتاتور وصديقه‬

‫‪ ‬ترجمة ‪ :‬عمار كاظم محمد‬

‫الش��عراء والسياس��يون مثل النفط والماء اليختلطان مع بعضهما بيسر‪،‬لكن‬
‫روائ��ي امريكا الالتينية االكثر ش��هرة والفائز بجائ��زة نوبل لألدب وعالقتة‬
‫الطويل��ة بش��خصية ديكتاتورية مثل فيدل كاس��ترو هو ام��ر أكثر من ودي‬
‫بالنسبة اليهما‪.‬‬
‫ف��كال الش��خصيتين يعتب��ران احدهم��ا اآلخر صديق��ا مقربا يق��ول ماركيز‬
‫للصحفيين في عام ‪ 1977‬عن كاس��ترو " انه اكثر انس��ان لطيف عرفته " ‪.‬‬
‫ولربما ال يعرف الكثيرون أن كاسترو رجل مثقف جدا ذلك ما قال عنه الكاتب‬
‫في لقاء أجرته معه مجلة بالي بوي عام ‪. 1983‬‬
‫لكن ما يحاول مؤلفا الكتاب نيجل اس��تيبان وس��تيفاني بينجل ليس مجرد‬
‫عرض للصداقة بين فيدل كاسترو وماركيز بل ان الدراسة ترينا ذلك من خالل‬
‫اللقاءات المنش��ورة سابقا مع الشخصيتين والمقابالت األصلية التي أجراها‬
‫االساتذة من خالل اتصالهم بالشخصيات المقربة من كال الصديقين ‪.‬‬
‫لق��د اطر المؤلفان ه��ذا الكتاب باطار قصصي ملهم " فانت ستس��تصغي‬
‫مث�لا الى تعليقات فيدل كاس��ترو عن الحب من أول نظرة والذي س��يتفتح‬
‫بقوة الحقا وعالقته بالضرورة التعايشية " لكن المؤلفان يرهقان لسوء الحظ‬
‫صفحات الكت��اب البالغة ‪ 300‬صفحة بضربات تتعل��ق بمن التقوا واين‬
‫تم ذلك ‪.‬‬
‫فهم يصفون مش��اهد ادبية وسياس��ية ويتضمن ذل��ك تعليقات جانبية‬
‫تاريخية وهو ما ينحرف عن التركيز على العالقة بين تلك الشخصيتين ‪.‬‬
‫الحساب الدقيق لتاريخ لهذه الصداقة بين الشخصيتين المراوغتين يعد أمرا‬
‫مس��تحيال لكن عرض هذه القصص كان مثيرا فمث�لا ان ماركيز كان يعرض‬
‫مخطوطات اعماله على كاس��ترو قبل أن يرس��لها للنشر وقد استمر هذا األمر‬

‫لعدة عقود وفي احدى المرات قرأ كاسترو مخطوطة ماركيز " قصة بحار غريق‬
‫" ثم جاء الى غرفة الكاتب في الفندق الذي يقيم فيه لكي يخبره أن س��رعة‬
‫المركب في القصة كانت أمرا مستحيال ولذلك يحب أن يعطي زمنا قصصيا‬
‫لهذا األمر بعد ذلك س��لم ماركيز مخطوطة روايت��ه "وقائع موت معلن " الى‬
‫كاس��ترو الذي قال بعد قرائتها ان وصفه لبندقية الصيد كان خاطئ ًا " وكان‬
‫ماركيز قد قال في مقابلة اجرتها معه صحيفة " ال بياس " االس��بانية عام‬
‫‪ " 1996‬أنا ال انشر اي كتاب لم يقرأه القائد أوال" ‪.‬‬
‫وف��ي الحقيقة كان هن��اك كتاب واحد في ‪ 700‬صفح��ة كتبه ماركيز عن‬
‫حي��اة الكوبيين في فترة الحصار لم يذهب الى النش��ر بس��بب اعتراضات‬
‫"القائد" عليه وقد ش��غل ماركيز في جانب غير معه��ود بكتابة تقارير في‬
‫صالح كوبا ففي عام ‪ 1977‬كتب قطعة صور فيها التدخل العس��كري من‬
‫قبل كوبا في انغوال بانه فعل بسيط من االيثار ‪.‬‬
‫في ع��ام‪ 2000‬كتب قصة عن طفل كوبي يدعى ايل��م غونزاليس غرقت‬
‫امه وهي تح��اول الهروب بطوافة نحو الواليات المتحدة بينما ظل أبوه في‬
‫الجزيرة يحاول اس��تعادته وقد قرئت كقصة منهجية في كوبا للتمييز بين‬
‫الجيد والسيئ من الناس ‪.‬‬
‫وبالنس��بة للحالة العامة البس��يطة جدا للحياة في كوبا وج��دت أن ماركيز‬
‫فوق مس��توى الفهم هذا ما يقوله االساتذة عن هذا الكاتب الكولومبي وعن‬
‫تقاريره عن الحي��اة العامة في كوبا ففي التقارير المبكرة كان يقول بانه ال‬
‫توجد بطالة في كوبا وال تش��رد وال جوع لك��ن ماركيز في قصصه تلك كان‬
‫ينأى بنفس��ه عن الواقع الممل وال يس��قط في التمثيل البس��يط واالحادي‬
‫الجانب فهو يتحدث عن الجيدين والسيئين بصورة عامة ‪.‬‬
‫لق��د كانت تقاريره عن انغوال هي المفضلة بالنس��بة لكاس��ترو حيث ظهر‬
‫بشكل مفاجئ في غرفة الكاتب في الفندق الذي يقيم فيه في هافانا وهي‬

‫ثقافات ‪21‬‬

‫المرة االولى التي كان الزعيم يبحث فيها عن شريك طبقا لقول ماركيز حيث‬
‫بقيا يتحدثان لعدة ساعات عن المأكوالت البحرية ‪.‬‬
‫وف��ي ما يبدو ان ه��ذا التفضيل لم يكن يس��ير من جانب واحد فقد رس��م‬
‫ماركيز ايضا اهميته الخاصة وهن��اك العديد من الكتاب الذين يقولون بأن‬
‫ماركيز قد رتب ألطالق س��راح‪ 3000‬س��جين في الجزيرة وعلى الرغم من أن‬
‫المختصي��ن يعتبرون بان هذا الرقم مبالغ فيه لك��ن العديد من العوائل قد‬
‫ذهبت الى الكاتب لكي يصنع لها معروفا مع النظام ‪.‬‬
‫م��ا الذي حصل عليه االثنان م��ن هذه العالقة ؟ هل يل��ذ لماركيز أن يكون‬
‫المستش��ار الموثوق لدى الزعيم ؟ ويحصل على قصر في جزيرة قرب يخوت‬
‫كاس��ترو ؟ كاسترو بالتأكيد يثمن السمعة الثقافية التي تأتي من الصداقة‬
‫من��ذ أن انقل��ب العديد من نظ��راء ماركيز على الثورة إذ الش��يء بعد ذلك‬
‫والقائد ممكن أن يقدم مردودا ماديا ممتازا لمؤلف له ولع بالكتابة عن القوة‬
‫وه��ي تجارة محترمة بالتأكيد لكنه يبدو من الس��هل جدا باالضافة إلى أي‬
‫ش��يء آخر مالحظة أن الرجلين صديقان بحق وان ماركيز يحب كاس��ترو على‬
‫الرغم من مراوغاته كما يستنتج المؤلفان ‪.‬‬
‫وم��ا هو أوضح م��ن العالقة بين ماركيز وكاس��ترو هو جزيرة كوبا بالنس��بة‬
‫للكاتب فبيته في كولومبي��ا كئيب وهو يخاف ذلك حيث يقول ماركيز في‬
‫مقابل��ة ج��رت عام ‪ " 1976‬إن كوب��ا هي المكان الوحيد الذي اش��عر فيه‬
‫بنفسي " لكن ذلك ال يعني إن األمر يجري بسهولة فمن المعروف أن ماركيز‬
‫كان متبوعا بثالثة مخبرين سريين حيثما يكون في كوبا كما يقول استيبان و‬
‫نايجل واللذان الحظا " بان ذلك جزء من السعر في أن تكون لديك صداقات‬
‫مع ديكتاتور" ‪ .‬‬

‫عن‪ :‬كريستيان ساينز مونيتر‬

‫ماريو بارغاس يوسا‬

‫عليها (والذي طغى كذلك على روايات يوسا األخيرة)‪،‬‬
‫والثاني أن تلك الروايات بقيت أعماال خالدة في ذاكرة‬
‫اإلنسانية‪ ،‬وكذلك غوصه ‪-‬يوسا‪ -‬العميق في ثنايا‬
‫تلك الروايات مستفيدا من خبرته الروائية واشتغاله‬
‫على أسرار الكتابة الروائية‪...‬‬
‫* "الموت في البندقية" لتوماس مان‪.:‬حسب ماريو‬
‫(لإلشارة فهي الرواية التي اتهم بسببها كاتبها‬
‫بالمثلية الجنسية)‪ ،‬فهي تمتاز بفتنة الحبكة والتميز‬
‫الشكلي‪ ،‬واإلشعاع الالمتناهي للتداعيات والرموز التي‬
‫تولدها الحكاية في ذهن القارئ‪ ،‬وإعادة قراءتها تجعل‬
‫القارئ يحس بأن أمرا ملغزا بقي في النص‪ ،‬له صلة‬
‫بالقدر وبالتجربة اإلنسانية‪ .‬إن غريزة الموت‪/‬الشر‪/‬‬
‫البحث عن سيادة الفرد الكاملة‪ ،‬التي تسبق المواضعات‬
‫التي يحددها أي مجتمع للحيلولة دون تفكك الجماعات‬
‫والعودة إلى البربرية‪ ،‬وكبح أهواء األفراد حتى ال تشكل‬
‫خطرا على الجسد المجتمعي‪ ...‬إنه التعريف الحقيقي‬
‫لفكرة الحضارة‪ .‬لكن المالك الذي يعيش داخل اإلنسان‬
‫ال يستطيع هزم الشيطان الذي يتقاسم معه الشرط‬
‫اإلنساني‪ ،‬وإن كانت الفضيلة تضمن رقي المجتمع‪،‬‬
‫فهي ال تكفي لتحقيق سعادة األفراد الذين تكبت‬
‫أهواءهم حتى ال تشكل خطرا على الجسد المجتمعي‪.‬‬
‫إنها تتحين الفرصة للظهور‪ ،‬مما يؤدي إلى الدمار‬
‫والموت‪ ،‬والجنس هو المنطقة المفضلة التي يتحرك‬
‫فيها الشياطين القادمون من المناطق المظلمة بالنفس‬
‫اإلنسانية‪ ،‬ونفيه التام يفقر الحياة ويحرمها من‬
‫الحماسة والنشوة الضروريتين للكائن‪.‬‬
‫هذه هي المضامين الشائكة التي سلط عليها توماس‬
‫مان األضواء‪ .‬فجمال الطفل الذي أغرم به بطل الرواية‬
‫الخمسيني كان الحافز الذي أطلق حالة تدمير انتهت‬
‫إلي تدمير واقعي بالكوليرا‪ ،‬فيما يمكن أن يكون إشارة‬
‫النحالل أوروبا االجتماعي والسياسي‪ ،‬الخارجة من زمن‬
‫االنفالت المرح إلى االستعداد للتدمير الذاتي‪ .‬الوباء‬
‫ثمن االنحطاط والجنون واإلفالس وهي نزعة أخالقية‬
‫لدى الكاتب‪ ،‬وقد كان توماس مان ضحية أخالق‬
‫البورجوازية الصارمة‪ ،‬ويتساءل بارغاس‪ :‬لماذا يعاقب‬
‫الفنان بكل تلك القسوة وكل خطيئته أنه اكتشف‬
‫اللذة متأخرا على المستوى الذهني فقط؟‬
‫* "المحراب" لوليام فوكنر‪ :‬هي ابتكار أفظع حكاية‬
‫يمكن تخيلها‪ ،‬حكاية قاسية حد العبث‪ ،‬لكن يلعب‬
‫الشكل فيها دور البطل‪ ،‬فهو شديد الحضور في السرد‪،‬‬
‫والرواية تبقي جزء ًا من الحكاية خارج السرد‪ ،‬متروكا‬
‫لنزوة القارئ‪ ،‬والتالعب بمعطيات الحكاية المختلسة‬
‫لفائدة القارئ األكثر براعة‪ .‬الراوي ال يكشف عما تفكر‬
‫فيه الشخصية‪ ،‬ويقفز إلى حركات وأفعال يكشف عنها‬
‫فيما بعد بشكل مباغت‪ .‬ويرى ماريو أن األدب الخيالي‬
‫عملية تطهير‪ ،‬فكل ما يكبت في الحياة الواقعية‬
‫لضمان استمراريتها‪ ،‬يجد فيها ملجأ وأحقية للوجود‬
‫وحرية للعمل على نحو أكثر إيذاء ورعبا‪.‬‬
‫* "مدار السرطان" لهنري ميلر‪ :‬يعتبرها الناقد كتابا‬
‫عظيما ورجيما‪ ،‬راجت حوله األساطير قبل ثالثين عاما‪،‬‬
‫فقرأه وانبهر به‪ ،‬واكتشف أن فضائحيته ليست بسبب‬
‫المقاطع اإلباحية‪ ،‬وإنما بسبب ابتذاله وعدميته‪،‬‬
‫ورغم انتهاك أدب ميلر ‪-‬وهو الذي عاش بوهيميا‪-‬‬
‫للمقدسات‪ ،‬فأن مهمته تذكير البشر بأن المدينة التي‬
‫يسكنونها مهما بدت عامرة‪ ،‬فهناك شياطين مختبئة‬
‫في كل مكان يمكن أن تسبب الطوفان في أي لحظة‪.‬‬
‫ترصد الرواية قاع باريس بشخصياته المنبوذة التي‬
‫استوطنت الهامش الثقافي‪ ،‬أما الموقف األخالقي‬
‫لميلر فيلخص في أنه ال يجوز للفرد أن يضحي بأهوائه‬
‫ونزواته‪ ،‬ويجب المطالبة بها بإلحاح أمام الزحف الجائر‬
‫للحداثة التي تهدد بمحوها‪ ...‬هي نزعة فردية متطرفة‬

‫ليحافظ على حريته‪ .‬وفي روايته حقق التوازن بين‬
‫فوضى التلقائية والحدس المحض والتحكم العقالني‬
‫في العمل الروائي‪ ،‬رغم انتصاره لألهواء واألحاسيس‪.‬‬
‫ويخلص يوسا إلى أن كتاب ميلر جميل وفلسفته مؤثرة‬
‫رغم سذاجتها‪ ،‬وال توجد حضارة يمكنها الصمود أمام‬
‫فردية متطرفة‪ ،‬باستثناء تلك التي تكون مستعدة‬
‫إلرجاع اإلنسان إلى العصر البدائي‪.‬‬
‫* "حسناء من روما" البرتو مورافيا‪ :‬يعترف بأنه قرأها‬
‫أول مرة حين كان الزال صبيا يرتدي التبان‪ ،‬متحديا‬
‫الحظر العائلي لجديه وأم��ه‪ ..‬ويصنفها ضمن قمم‬
‫الواقعية الجديدة بإيطاليا‪ .‬الرواية ال يصدقها إال‬
‫القارئ الذي يتخلى عن الوهم الواقعي‪ ،‬ويستعد‬
‫ليعيش في نزوة أدبية‪ ،‬وقد برع فيها مورافيا في رسم‬
‫البورتريهات النفسية‪ ،‬وال يرى ماريو ما يبرر تلك الضجة‬
‫التي رافقت الرواية‪ ،‬فالمشاهد الجنسية معظمها تافه‬
‫تقريبا‪ ،‬والساردة ‪-‬رغم ممارستها البغاء‪ -‬تظهر أخالقا‬
‫صارمة‪ ،‬وجسارة الكتاب الوحيدة هي الأخالقية األم‪،‬‬
‫التي تكاد تكون شاهدة عيان على لقاءات ابنتها مع‬
‫زبائنها‪ ،‬مع صعوبة تخيل هذا التفصيل الهامشي‪..‬‬
‫ويختم مقاله باإلشارة إلى أن تغير عقلية القراء‪ ،‬بعد‬
‫هذه األربعين سنة‪ ،‬سيجعلهم يقرؤون الرواية دون‬
‫السقوط في األحكام الجاهزة‪.‬‬
‫* "لوليتا" لفالديمير نابوكوف‪ :‬مع انتشار الرواية ذاع‬
‫مصطلح "لوليتا"‪ ،‬كناية عن المرأة‪/‬الطفلة‪ ،‬المتحررة‬
‫دون علمها‪ ،‬والتي ترمز في الالوعي إلى ثورة األخالق‬
‫المعاصرة‪ ،‬والرواية من األحداث التي مهدت لـ"عصر‬
‫التسامح الجنسي"‪ ..‬تالشي التابوهات بين المراهقين‬
‫في الواليات المتحدة األمريكية وأوربا الغربية‪ .‬إنها‬
‫شرقي أحس‬
‫كأوربي‪،‬‬
‫استعارة تعكس شعو َر كاتبها‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫بخيبة أمل شديدة تجاه الواليات المتحدة‪ ،‬بسبب ما‬
‫فيها من قلة نضج‪ ،‬بعد حبه الجارف لها‪...‬‬
‫* "بيت الجميالت النائمة" لياسوناري كاواباتا‪ :‬يتحدث‬
‫في مستهل ورقته عن قراءة نص مترجم وما قد يفقده‬
‫أثناء رحلته اللغوية من عطور النص األصلي‪ ،‬ويشير‬
‫إلى أن الرواية مستلهمة من التوراة‪( ،‬وهي الرواية التي‬
‫فتنت صديقه اللدود ماركيز‪ ،‬فكتب "ذاكرة غانياتي‬
‫الحزينات")‪ ،‬وأنها ليست ذات نزعة طهرانية‪ ،‬بل تزخر‬
‫بسفاحات وحشية تفضح فظاعة الخطيئة‪.‬‬
‫* "المفكرة الذهبية" لدوريس ليسنغ‪ :‬الرواية إنجيل‬
‫النسويين‪ ،‬وأنصار الرواية و مهاجموها يعترفون‬
‫بدورها كرواية تنتمي إلى عصرها‪ ،‬تطرقت إلى عدة‬
‫مواضيع منها‪ :‬التحليل النفسي‪ ،‬الستالينية‪ ،‬العالقة‬
‫بين المتخيل والمعيش‪ ،‬الحرب بين الجنسين‪ ،‬تحرير‬
‫المرأة والوضعية االستعمارية والعنصرية‪ ،‬والرواية‬
‫ليست وصفة ضد استالب ال��م��رأة في المجتمع‬
‫المعاصر‪ ..‬إنها رواية حول األوهام الضائعة للمثقفين‬
‫وفشل اليوتوبيا‪ ،‬بعيون امرأة‪ ،‬وبالمعنى الذي يريده‬
‫عشاق القيامة‪.‬‬
‫"إيروس في الرواية" كتاب يقدم‪ ،‬وبحميمية مبدع في‬
‫حجم ماريو بارغاس يوسا‪ ،‬وبلغته اإلبداعية‪ ،‬قراءات‬
‫في أهم روايات القرن العشرين‪ ،‬قراءات تالمس عمق‬
‫النص‪ ،‬ومن داخل المطبخ اإلبداعي‪ ،‬وهذا ما يفشل‬
‫فيه النقاد األكاديميون غالبا‪ .‬الكتاب "رسالة حب‬
‫واعتراف بالجميل ألولئك الذين عشت بفضل كتبهم‪،‬‬
‫خالل فتنة القراءة‪ ،‬في عالم جميل‪ ،‬متماسك ومفاجئ‬
‫وكامل تمكنت‪ ،‬بفضله‪ ،‬من فهم العالم الذي أعيش‬
‫فيه بشكل أفضل ومن إدراك كل ما ينقصه أو يكفيه‬
‫ليكون قابال للمقارنة مع العوالم الرائعة التي يخلقها‬
‫األدب العظيم"‪ ،‬كما جاء في رسالة يوسا إلى وليد‬
‫سليمان‪ ،‬المترجم والمبدع التونسي الشاب الذي ع ّرب‬
‫الكتاب باقتدار وإحساس مرهف‪.‬‬

‫‪ 22‬ثقافات‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫" أؤمن بأن البشر جميعاً متشابهون ‪ ،‬يملكون‬
‫األحالم ذاتها ‪ ..‬وكذلك الرغبات والميول نفسها "‬
‫حوار مع فيكاس سواروب ( مؤلف رواية ‪ /‬المليونير المتشرد )‬
‫‪ ‬ترجمةوتقديم‪:‬عليعبداألميرصالح‬

‫عاداتك الغذائية ‪ .‬وكنت أري��د أن يمثل بطل روايتي‬
‫كل ابن ش��ارع في الهند ‪ ،‬س��واء كان يغسل األطباق‬
‫في مومباي ( اإلسم الحديث لـ بومباي ــ م ‪ ) .‬أو يعمل‬
‫بائع��ا ً متجوال ً في دلهي ‪ .‬من هنا وهبته هذا اإلس��م‬
‫الذي يشتمل على كل شيء ‪ ( .‬رام محمد توماس ) هو ‪،‬‬
‫بشكل من األشكال ‪ ،‬يتجاوز الدين والطبقة اإلجتماعية‬
‫ــ إنه الكل ‪ ،‬إنه تجسيد للعالم المصغر للهند ‪.‬‬

‫كاتب عراقي‬

‫تقديم ‪:‬‬
‫نال فيلم ( المليونير المتش��رد ) لمخرجه اإلنجليزي داني‬
‫بويل ثماني جوائز أوس��كار مطلع هذه الس��نة ‪2009‬‬
‫وقد س��لطت وس��ائل اإلعالم المق��روءة والمرئية كثيرا ً‬
‫من األضواء على مخرج الفيلم وكاتب الس��يناريو سيمون‬
‫بيف��وي والممثلين الذي��ن أدوا األدوار الس��ينمائية لهذا‬
‫الفيل��م المتميز ‪ ،‬إال أن كاتب الرواية التي إس��تند عليها‬
‫الفيل��م لم ين��ل حظا ُ كافيا ً من الش��هرة وبخاصة في‬
‫وس��ائط اإلعالم العراقية والعربي��ة ‪ .‬يكفي أن نقول أن‬
‫فيكاس س��واروب ‪ ،‬مؤلف الرواية ‪ ،‬الت��ي كان عنوانها‬
‫األصلي ‪ ( :‬أس��ئلة وأجوبة ) ‪ ،‬هو دبلوماسي هندي ‪ ،‬ولد‬
‫في الله آباد ‪ ،‬ألسرة من المحامين ‪ .‬درس في الجامعة ‪:‬‬
‫التاريخ الحديث ‪ ،‬علم النفس والفلسفة ‪ .‬لم تشأ والدته‬
‫أن يصب��ح محامي��ا ً ال ه��و وال أخويه اآلخري��ن ‪ .‬كانت‬
‫سترمي أيا ً منهم خارج المنزل لو كانوا سيختارون مهنة‬
‫المحام��اة ‪ .‬ف��ي نهاية المطاف انضم س��واروب إلى (‬
‫الخدمة الخارجية الهندية ) ‪ ،‬و خدم في تركيا ‪ ،‬الواليات‬
‫المتحدة األمريكية ‪ ،‬أثيوبيا وبريطانيا ‪.‬‬
‫ت��رد في الن��ص الروائي المكت��وب أص�لا ً باإلنجليزية‬
‫عبارات مؤثرة ذات نبل إنساني ذكرني بالكاتب األلماني‬
‫توماس مان في روايته ( جبل الس��حر ) ‪ .‬يكتب سواروب‬
‫عن ح��زن بطل الرواية لدى رؤيته صديقه ش��انكار الذي‬
‫فقد القدرة على الكالم بس��بب صدمة عصبية ‪ .‬شانكار‬
‫يص��اب بداء الك َلب إنما التكترث به والدته الثرية التي‬
‫تقيم الحفالت والمآدب لعلية القوم والموس��رين ‪ .‬يقول‬
‫الكاتب على لسان بطله ‪ " :‬أعود إلى حجرة شانكار بقلب‬
‫ٍ مثقل بالهم ‪ .‬كلمات س��وابنا ديفي ( والدة شانكار ـ م‬
‫) ترن في أذني ّ بقوة ضربة مطرقة ‪ .‬تريد هي ان يموت‬
‫ش��انكار ككلب مسعور ‪ .‬في أي وقت ٍ مضى لم يكدرني‬
‫فقري به��ذا القدر مثلما هو فاع��ل اآلن ‪ .‬كم تمنيت أن‬
‫يكون بوسعي أن أشرح للكلب الذي عض شانكار أنه قبل‬
‫العض كان يج��ب عليه أن يتأكد ما إذا الش��خص الذي‬
‫كان يهاجمه قادر على شراء الترياق ( الدواء المضاد ) " ‪.‬‬
‫يهيم البطل على وجهه بعد انتقال صديقه إلى العالم‬
‫اآلخ��ر ‪ ،‬يطوف مدينة أغ��را ( التي يعم��ل فيها البطل‬
‫مرشد ًا سياحي ًا عند تاج محل ) ‪ .‬يكتب المؤلف ‪ " :‬صارت‬
‫المدينة بالنس��بة لي صحراء ح��ار ًة ومنعزل ًة ‪ .‬أحاول أن‬
‫أض ّيع نفس��ي في وجودها الفوضوي ‪ .‬أحاول أن أصبح‬
‫مقطع ًا لفظي ًا عديم المعنى في ثرثرتها التي ال تنقطع ‪،‬‬
‫وكدت ُ أفلح في أن أرسل نفسي إلى حالة غيبوبة ‪" .‬‬
‫هك��ذا يأخذنا المؤلف إلى الهن��د الحديثة بكل تنوعها‬
‫وتناقضها ‪ ،‬ببراءتها ووحشيتها ‪ ،‬برومانسيتها ومكرها‬
‫‪ ،‬بفقرائه��ا ولصوصه��ا ‪ ،‬وربما ال تق��ل الرواية متعة‬
‫وإثارة ً عن الفيلم المقتبس منها ‪.‬‬
‫( أس��ئلة وأجوبة ) هو أول كتاب س��ردي منشور للكاتب‬
‫‪ .‬ام��ا روايت��ه الثانية فتحم��ل عنوان ( المش��تبه بهم‬
‫الستة ) ‪.‬‬
‫في الحوار أدناه يس��لط س��واروب الضوء عل��ى الرواية‬
‫والفيلم المقتبس منها ‪.‬‬

‫‪ ‬من أين جاء إلهام رواية ( أسئلة وأجوبة ) ؟‬

‫‪ ‬ه��ل كن��ت ً مندهش��ا ً حين ج��رت الخطط‬
‫لتحويل الرواية إلى فيلم ؟‬

‫ كن��ت ُ أتوقع طلب ًا م��ن بولي��وود ( وكانت هنالك‬‫دزينات منها ‪ ،‬في خاتمة المطاف ) ‪ .‬ما أذهلني هو أن‬
‫أول طلب جاء من بريطانيا ‪ .‬لم يكن يخيل لي أن كتاب ًا‬
‫" هندي��ا ً " ‪ ،‬تجري أحداثه في بيئة هندية ‪ ،‬يمكن أن‬
‫يروق لمؤسسة إنتاج غربية ‪.‬‬

‫‪ ‬كيف جرى ذلك وم��ا مقدار تدخلك في األمر‬
‫؟‬

‫ مؤسس��ة ( الفيلم ‪ ) 4‬اش��ترت حق��وق الفيلم قبل‬‫س��نة كاملة من نشر الرواية ‪ .‬كنت ُ أعرف منذ المراحل‬
‫المبكرة جدا ُ أن س��يمون بيفوي سوف يكتب السيناريو‬
‫وأن دان��ي بويل س��وف يق��وم بإخ��راج الفيلم وذلك‬
‫بالتأكيد ضاعف من مس��توى إرتياحي للمش��روع ذلك‬
‫أن كليهم��ا قد أنجزا سلس��لة من األفالم الس��ينمائية‬
‫الناجحة ‪ .‬تمت إستش��ارتي أثناء كتابة السيناريو وقد‬
‫تم األخذ بالمعلومات التي زودتهم بها ‪.‬‬

‫ أردت ُ أن أسبر أغوار الظاهرة العالمية المتعلقة ببرامج‬‫المسابقات التلفازية التي تبيعها مؤسسة واحدة ‪ ،‬إنما‬
‫بطريقة غريبة األطوار‪ .‬وكذلك التقيت بالمصادفة بهذا‬
‫التقرير األخباري المتعلق بأطفال مدن الصفيح ( األحياء‬
‫الفقيرة ) ــ الذين لم يس��بق له��م أن طالعوا صحيفة ً ‪،‬‬
‫لم يذهبوا يوما ً إلى المدرس��ة ــ كي يستخدموا تسهيل‬
‫( ش��بكة اإلنترنيت ) المتنقلة ‪ .‬قادني هذا األمر إلى أن‬
‫أضع بنية برنامج المس��ابقات التلفازية جنبا ً إلى جنب‬
‫مع قصة حياة متسابق غير نموذجي نوعا ً ما ــ نادل ذو‬
‫ثمانية عش��ر عاما ُ ‪ ،‬مفلس ‪ ،‬يسكن في أكبرحي للفقراء‬
‫في آس��يا كلها ‪ .‬أردت ُ أن أقول أن المعرفة ليست حكرا‬
‫ً على النخبة المتعلمة وإنه حتى ( إبن الش��ارع ) بوسعه‬
‫أن يملك الحكمة كي يفوز في برنامج تلفازي للمسابقات‬
‫‪ .‬هكذا ُولدت رواية ( أسئلة وأجوبة ) ‪.‬‬

‫‪ ‬ك��م حجم البحث الذي وجب عليك أن تقو َم به‬
‫كي تخلق ش��خصية النادل المفلس ( رام محمد‬
‫توماس ) ؟ ( غ ّير كاتب السناريو اسمه إلى جمال‬
‫مالك كما غ ّير اس��م محبوبته من نيتا إلى التيكا‬
‫ــ م ‪) .‬‬

‫ بحثت ُ كثيرا ً جدا ً ‪ .‬الواقع ‪ ،‬أنا ال أس��كن في بومباي‬‫‪ .‬ولم يس��بق ل��ي أن زرت ُ مدن الصفي��ح في (دهارافي‬
‫) حيث م��ن المفروض أن يقيم بط��ل روايتي رام محمد‬
‫توماس ‪ .‬غير أن البحث يس��اعدك فقط في خلق خلفية‬
‫ِعرقية ( إثنية ) ‪ .‬كي تتغلغل تحت جلد شخصياتك‬
‫الروائي��ة تحتاج إلى صفة التقمص العاطفي ــ إي ‪ .‬أم‬
‫‪ .‬فورس��تر " يربط فقط " ‪ .‬م��ن الناحية الجوهرية ‪ ،‬أؤمن‬
‫بأن البشر جميعا ً متش��ابهون ‪ ،‬يملكون األحالم ذاتها ‪،‬‬
‫الرغبات وكذلك الميول نفسها ‪ .‬على المرء فقط أن يأخذ‬
‫بعض األشياء خارج المعادلة ( على سبيل المثال ‪ :‬المال‬
‫) كي ُيظهر الحياة للمحرومين ‪.‬‬

‫‪ ‬ه��ل حدث لك أنت نفس��ك أن فك��رت َ في‬
‫المشاركة في برنامج تلفازي للمسابقات ؟‬

‫‪ ‬كونك ش��اهدت َ فيلم ( المليونير المتشرد ) ‪،‬‬
‫هل كنت َ مس��رورا ً بما فعله داني بويل وهل‬
‫تعتقد أنه أمس��ك بجوهر ما حاولت َ أن تبدعه‬
‫في ( أسئلة وأجوبة ) ؟‬

‫ أجل ‪ ،‬كنت ُ مسرورا ً جدا ً ‪ .‬كوني شاهدت المخطوطة‬‫عرفت ُ أن الفيلم س��يكون مختلفا ً عن الرواية ‪ .‬لكنني‬
‫ف��رح جدا ً بالنت��اج النهائي ‪ ،‬الذي بق��ي مخلصا ً لـ "‬
‫روح " روايتي ‪.‬‬

‫‪ ‬ه��ل تعتق��د أن الجمه��ور الغربي ق��د تنور‬
‫بالوصوف��ات التي قدمتها لبل��دك الهند في‬
‫روايتك وتلك التي ظهرت في الفيلم ؟‬
‫فيكاس سواروب‬
‫ ُ‬‫كنت مش��ارك ًا حيوي ًا في المس��ابقات أي��ام تلمذتي‬
‫ودراس��تي الجامعية وهذا الشغف ما يزال يالزمني حتى‬
‫اآلن ‪ ،‬مع أنني أش��ك في ما إذا سأكون قادر ًا على إجتياز‬
‫الجوالت األولى من ( من سيربح المليون ) !‬

‫ الهن��د بل��د متنوع جدا ً يش��تغل على مس��تويات‬‫متباين��ة ج��دا ً ‪ .‬ثمة قص��ص كثيرة تخ��رج من الهند‬
‫الحديثة وفي اعتقادي ينبغي أن ُيفس��ح المجال لهذه‬
‫القصص كلها س��واء تلك الت��ي لها صلة بهند مراكز‬
‫اإلتصاالت وناطحات السحاب أو بهند مدن الصفيح (‬
‫األحياء الفقيرة ) والعمال الذين يتنقلون من مكان ٍ إلى‬
‫آخر‪ .‬في النهاية كل تلك الخيوط المتنوعة تلتحم في‬
‫نسيج القصة العابرة للقناطر ‪ ،‬القصة المتعلقة بأكبر‬
‫ديمقراطية عالمية تسير بخطى واثقة نحو األمام ‪.‬‬

‫‪ ‬ف��ي الرواية ال يمكن التعرف على الدين الذي ‪ ‬بوصفك دبلوماس��ي ًا ‪ ،‬الب��د أنك تملك ثرو ًة‬
‫يعتنقه ( رام ) ‪ .‬ماهو الس��بب الذي خطر ببالك من التجارب كي تصبها في روايات أخرى ‪ .‬هل‬
‫وه��ل كان هذا تعبيرا ً يتعلق بمنزلة الدين في تخط��ط لرواية أخ��رى ‪ ،‬وإذا كان الجواب نعم ‪،‬‬
‫ماهو مصدر إلهام الرواية الجديدة ؟‬
‫الهند ؟‬

‫ في الهند ‪ ،‬كل اس��م هورقع��ة دالة ( ليبل ) ‪ ،‬حبلى‬‫بالمعنى ‪ .‬لذا فإن اسمك ‪ ،‬أو لقبك يكشف في األرجح‬
‫دين��ك ‪ ،‬جغرافيت��ك ‪ ،‬وف��ي بعض األحي��ان ‪ ،‬حتى‬

‫روايتي الثانية ( المشتبه بهم الستة سوف تنشر في‬‫تم��وز ( يوليو ) ‪ 2009‬وقد كانت هي األخرى ( مثيرة‬
‫إجتماعيا ً ) ‪ ،‬منبع إلهامها مواضيع ملحة لزمننا ‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫ثقافات ‪23‬‬

‫دعـايـة انـتـخـابـيـة‬

‫‪ ‬شعر ‪ :‬طيب جبار‬

‫ ‬

‫ترجمة ‪ :‬عبداهلل طاهر البرزنجي‬
‫القائمة ( ‪: ) ..........‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬يمكن ‪..‬‬
‫ان نكحل عيوننا‬
‫برغوة االهتزاز ‪.‬‬
‫نجعل قطعة من الضباب‬
‫حجاب ًا ‪.‬‬
‫لزاد السفر ‪،‬‬
‫نمأل جيوبنا‬
‫برائحة االلتفات ‪.‬‬
‫نضع االمثال و الحكم‬
‫في ماعون ‪،‬‬
‫نأكلها بالسكين و الشوكة‬
‫كفاكهة لذيذة ‪.‬‬
‫***‬
‫القائمة ( ‪: ) .........‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫زيارة النهر المنسي ‪،‬‬
‫ايقاظ الندى الناعس ‪،‬‬
‫للنبع ‪.‬‬
‫أن نسأل عن صمت‬
‫قبيلة ( الخرير ) ‪.‬‬
‫نغسل الحزن النحيف للقوم‬
‫بأحالم الشتالت ‪.‬‬
‫عند الرجوع ‪،‬‬
‫ننزع قشرة العفونة‬
‫ونشرب حفنتين‬
‫من ماء الخلود ‪.‬‬
‫القائمة ( ‪: ) .........‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬اليمكن ‪..‬‬
‫ان تكسب الحصاة‬
‫ثقة الزالزل ‪،‬‬
‫ما لم ‪ ..‬تنسق‬
‫رقصة النعومة‬
‫مع جسد الماء ‪.‬‬
‫لتالفي لعبة الغور ‪،‬‬
‫يجب أن تزدان‬
‫مع االطراف‬
‫مائدة الرهان المكتوب ‪.‬‬
‫***‬
‫القائمة ( ‪: ) .......‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫أن نعدل ‪..‬‬
‫االلم المقوس للشجرة‬
‫برحيق خيال الغابة ‪.‬‬
‫نتوضأ‪..‬‬
‫بغبار سموم الحنان‪.‬‬
‫نجعل تويجات الشفقة‬
‫ميدالية‬
‫لصدر الحبيب ‪.‬‬
‫نداوي الجرح االبيض ‪..‬‬

‫لالسطورة ‪،‬‬
‫بدقيق فحم الكلمة ‪.‬‬
‫من اجل الحفاظ‬
‫على توازن جدران الروح ‪،‬‬
‫نتناول قلي ًال‬
‫من فيتامين االسس و الجذور ‪.‬‬
‫القائمة ( ‪: )........‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫بدل ان نعلق‬
‫الفتة الضوء االسود ‪،‬‬
‫نضع تحت رؤوسنا‬
‫وسادة الضحك ‪.‬‬
‫نطلق ‪..‬‬
‫قافلة الشمس ‪،‬‬
‫قطار الغيوم ‪،‬‬
‫في األرض البور ‪..‬‬
‫للظالم الوهاج ‪.‬‬
‫نلف حبل النسيان ‪،‬‬
‫نمزق قربة الخمول ‪،‬‬
‫ننفخ في بالون الحظوظ ‪.‬‬
‫***‬
‫القائمة ( ‪: ) .......‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫ ‬
‫حين نذهب في سفرة سياحية‬
‫ ‬
‫أن ننصب خيمة التسامح ‪.‬‬
‫ ‬
‫بناي القصب‬
‫ ‬
‫نعزف موسيقى العتاب الدافئ ‪.‬‬
‫ ‬
‫والنقرع ‪..‬‬
‫ ‬
‫طبول االضطراب ‪،‬‬
‫ ‬
‫بعظم الجبل ‪.‬‬
‫ ‬
‫ال نجعل االرباك‬
‫ ‬

‫شعار ًا ‪..‬‬
‫ ‬
‫لحراس السقائف و المزارع ‪.‬‬
‫ ‬
‫***‬
‫ ‬
‫القائمة ( ‪: ) .......‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬يمكن ‪..‬‬
‫ ‬
‫بباقة من البشرى‬
‫ ‬
‫نكنس السـأم ‪.‬‬
‫ ‬
‫نزرع ازهار الشهيق ‪،‬‬
‫ ‬
‫في سياج‬
‫ ‬
‫رياض التقهقر ‪.‬‬
‫ ‬
‫نطلق فراشات القبل ‪..‬‬
‫ ‬
‫في سماء خد الحبيبة ‪.‬‬
‫ ‬
‫بنزهة االيادي و االصابع‬
‫ ‬
‫ندع شمامة الصدر ‪،‬‬
‫ ‬
‫تنهمك في رقص االجنحة ‪.‬‬
‫ ‬
‫القائمة (‪: )......‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫دون االلتزام‬
‫بالقوانين و التعليمات ‪،‬‬
‫ان نعيد ترتيب بيتنا ‪.‬‬
‫بزفير القفزة ‪،‬‬
‫بعضة االنقضاض ‪،‬‬
‫نهيئ انفسنا ‪.‬‬
‫قبل أن نذهب ‪،‬‬
‫الى العرس المخضب بالدماء ‪.‬‬
‫للمرة االخيرة ‪،‬‬
‫نطلق نهر الحليب ‪.‬‬
‫ان لم نشم ‪..‬‬
‫رائحة حرقة الندامة ‪،‬‬
‫ان لم يطلقوا ‪..‬‬
‫الطائرات الورقية ‪،‬‬
‫ان لم يزهر ‪..‬‬

‫سهل الجنوب‬
‫زهور ًا بيضاء ‪.‬‬
‫عند ذاك ‪،‬‬
‫و استناد ًا الى ‪..‬‬
‫حكاية قراءة الحظ ‪،‬‬
‫نعد الكورس ‪..‬‬
‫و فرقة الموسيقى ‪،‬‬
‫ننشد انشودة ( كش ملك ) ‪.‬‬
‫كافة القوائم ‪:‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬يمكن ‪..‬‬
‫نحن نظن ‪ ،‬ال يمكن ‪..‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان امكن ‪..‬‬
‫نحن نستحسن ‪ ،‬ان لم يمكن‪..‬‬
‫نحن نظن ‪،‬‬
‫نحن نستحسن ‪،‬‬
‫نحن ‪،‬‬
‫نحن ‪،‬‬
‫نح ‪...‬‬
‫نح ‪...‬‬
‫ ‬
‫تموز ‪2009/‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
‫مالحظة ‪ //‬القارئ مخول ان يضع رقم و اسم اية قائمة‬
‫مقابل اي مقطع يشاء‪.‬‬
‫‪....................................................................‬‬
‫‪............‬‬
‫• طيب جبار ‪ :‬شاعر و مهندس من كردستان العراق ‪.‬‬
‫• عبدالله طاهر البرزنجي ‪ :‬شاعر و قاص و ناقد من‬
‫كردستان العراق ‪ .‬‬

‫‪ 24‬حوار‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫قضايا ‪25‬‬

‫النزاع الداخلي في لبنان والعراق بين خيارين واضحين‪ :‬ثقافة الحياة بوجه ثقافة الموت‬

‫يوسف بزي‪ :‬ثمة عطب أخالقي في نفوس‬
‫معظم المثقفين العرب‬
‫‪ ‬بيروت ‪ -‬تاتو‬

‫يتصدى الشاعر والروائي اللبناني‪ ،‬يوسف بزي‪،‬‬
‫السئلة عن "نهضة ثقافية عربية"‪ .‬ويجد‪ ،‬في‬
‫معرض مهمة االجابة الشاقة‪ ،‬ان "عطبا أخالقيا"‬
‫يدفع بالثقافة الى هاوية "التفاهة والتصحر"‪،‬‬
‫لكنه يرهن نجاح الفعل الثقافي‪ ،‬عموما‪ ،‬بحجم‬
‫مشاكسته للراكد الراهن‪ ،‬وقدرته على خوض‬
‫معركة انسانية من أجل الحياة‪.‬‬
‫هذا "تورط" دُف َع نحوه بزي بفعل هاجس وقلق‬
‫هائلين من غياب للشعور بالذنب‪ :‬اي خطاب‬
‫عربي ال يبالي بـ"الوضع البشري" ال يمكنه صوغ‬
‫تعريفات حداثية للعروبة‪ ،‬وليس بامكانه‬
‫االنتصار لثقافة الحياة‪ .‬فمن المحال‪ ،‬كما يرى‪،‬‬
‫حضور الحداثة مع أرث فاشي مازال يقدم اوراق‬
‫اعتماده كاهم مفردات اللغة السياسية‪.‬‬
‫اشتباك بزي مع هواجس ثقافية "متورطة"‬
‫في الشان العام لن ينتهي‪ ،‬كما يقول‪ ،‬اال‬
‫بابتكار "عروبة حضارية" متصالحة مع الذات‬
‫ومع العالم‪ ،‬وهذه مهمة شاقة‪ ،‬لكن المثقف‬
‫اللبناني يشترطها "لمشاركة العالم مستقبله"‪.‬‬

‫مشروع نهضة موقوفة‬
‫ومع مشهد عربي مضطرب‪ ،‬يعاني األمرين في صياغة هوية حداثية‪ ،‬هل‬
‫يستطيع الفعل الثقافي‪ ،‬بمختلف أقنيته وأشكاله‪ ،‬ان يكون قادرا على لعب‬
‫دور فاعل في ترتيب عناصر هذا المشهد؟ هل سيكون ممكنا‪ ،‬رفقة هذا‬
‫الفعل‪ ،‬إنتاج تعريفات معاصرة لالزمة الفكرية والسياسية؟‬
‫يرهن بزي هذا االستحقاق بأقلية تشكل "نواة" رأي عام‪ ،‬ويقول‪ ":‬في الحقبة‬
‫االستقاللية األولى‪ ،‬في عهود الملكيات الدستورية والجمهوريات البرلمانية‪،‬‬
‫كان مشروع الدولة الوطنية هو األفق الواعد‪ ،‬طالما أن مفاعيل النهضة‬
‫الثقافية‪ ،‬المبتدئة في أواخر القرن التاسع عشر‪ ،‬قد أرست قيم ًا تُعلي من‬
‫شأن فكرة "المواطن"‪ ،‬واإلحتكام الى دستور‪ ،‬وتثمن الحريات والمساواة‬
‫والعدالة‪ ،‬وتشيع مفهوم الوالء لوطن ذي حدود واضحة وله هوية متشكلة‬
‫من ذاكرة تاريخية و"أسطورة" تأسيسية"‬
‫في تلك الحقبة‪ ،‬كانت الثقافة "تصنع" السياسة ولغتها‪ ،‬بقدر ما "تهذب"‬
‫المجتمع و"تش ّكل" األفراد‪ .‬وكان األخذ بالحداثة مضمون ًا ومظهر ًا هو هاجس‬
‫الجماعات واألفراد والنخب‪ .‬ولذا كان نموذج الدولة الوطنية الجامعة هو‬
‫المثال المرغوب‪ ،‬من غير "ممانعة" معاكسة تقريب ًا‪ .‬فاللغة الثقافية الطاغية‬
‫آنذاك كانت – على سذاجتها – تقتحم كل عالمات "التخلف" وتذمها‪.‬‬
‫كانت تستهزىء بما هو خرافي – ديني وبما هو تعصب عشائري أو مذهبي‪.‬‬
‫كانت "الحداثة" هي التبشير اليومي الذي ال راد له‪.‬‬
‫وكلنا يعلم اآلن نتائج اإلنحراف األيديولوجي لـ "الحداثة العربية" طوال‬
‫أكثر من نصف قرن من ديكتاتوريات وفاشيات‪ ،‬أودت بالمجتمع والدولة‬
‫والفرد – المواطن الى الحضيض والخراب‪ ،‬وذهبت الثقافة معها الى التفاهة‬
‫والتصحر‪.‬‬
‫لكن بزي يؤكد ان "ما بين أيدينا اليوم هو إمتناع الدولة الوطنية عن التحقق‪،‬‬
‫وتقهقر المجتمع الى أشكال ما قبل الدولة وخروج العصبيات على كل‬
‫مشروع دولة أو قانون‪ .‬ومع تذرر الهويات وتنابذها‪ ،‬وانزالقها أكثر فأكثر‬
‫نحو التفكك والتبعثر‪ ،‬وتعاظم نوازع اإلحتراب واإلقتتال فيما بينها‪ ،‬في‬
‫غايات ال تقبل بأقل من إفناء اآلخر وإبادته‪ ..‬ال نجد امامنا سوى أقلية في‬
‫كل بلد عربي تدرك أن السياسة هي أو ًال "فعل ثقافي"‪ ،‬وأن الثقافة هي‬
‫أو ًال "وعي سياسي"‪.‬‬
‫هذه األقلية هي الملجأ األخير‪ ،‬وهي التي ستتنكب مهمة استئناف مشروع‬
‫النهضة الموقوفة‪ .‬ولكي ال يساء الفهم‪ ،‬هذه األقلية ليس "نخبة" أو "طليعة"‬
‫انما هي نواة رأي عام‪ ،‬أقلية "مواطنين"‪.‬‬
‫وبنا ًء على هذه القراءة‪ ،‬فالتعريف الممكن‪ ،‬أو الوجهة المحتملة‪ ،‬للجهد‬
‫الثقافي هو إبتكار "عروبة حضارية" متصالحة مع الذات ومع العالم‪ ،‬مكتنزة‬
‫بالتعددية‪ ،‬مزهوة بالتنوع اإلثني والديني‪" .‬عروبة حضارية" لم يتم بعد‬
‫تعريفها‪ .‬وهذه مهمة شاقة‪ ،‬طالما أننا نفترض بها الرد على األصوليات‬
‫والسلفيات والهواجس األقلوية ‪ ...‬بقدر ما نفترض بها مشاركة العالم‬
‫مستقبله"‪.‬‬

‫عطب أخالقي في الثقافة‬
‫هاجس ايجاد تعريف حداثي للعروبة يتزامن مع ما تؤشره السيرة الذاتية‬
‫لتاريخ المنطقة؛ حضور قوي للعنف في رسم وصياغة األحداث‪ .‬في وقت‬
‫يؤخذ على أصحاب الكلمة اإلبداعية عزوفهم في التصدي لذلك‪ ،‬تارة‪ ،‬والسير‬
‫في تيار ثقافة العنف تارة أخرى‪.‬‬
‫وهنا يشعر بزي بالذهول من مفارقة تاريخية‪ ،‬يقول‪":‬كان يكفي اكتشاف‬
‫جرائم الستالينية ومعتقالت "الغوالغ" حتى تخرج الشيوعية برمتها من‬
‫"القبول" الحضاري‪ .‬كان يكفي أن تجتاح الدبابات السوفياتية شوارع براغ‬
‫عام ‪ 1968‬حتى تتم محاكمة الشيوعية وتجريمها مرة واحدة والى األبد‪.‬‬
‫أيض ًا مع اكتشاف معسكرات أوشفيتز وفظاعة الهولوكوست تمت إدانة‬

‫النازية (والفاشيات كلها) أخالقي ًا وثقافي ًا وتمت إزاحتها خارج الشرط‬
‫اإلنساني‪.‬‬
‫منذ ستين عام ًا والضمير الثقافي الغربي مهجوس بسؤال العالقة بين‬
‫"الحداثة" و"أوشيفتز"‪ ،‬بين "الحداثة" و"الغوالغ"‪ ،‬بل وأيض ًا بين "الحداثة"‬
‫و"الكولونيالية"‪ .‬الشعور المتصل بالذنب في الوعي الغربي هو الذي يصوغ‬
‫الخطاب الثقافي هناك‪ ،‬وهو الذي يفرض على الفكر الغربي السؤال المستمر‬
‫عن "الوضع البشري"‪.‬‬
‫غير ان بزي يلقي بلومه على المثقفين العرب‪ ":‬لم يكلفوا أنفسهم عناء‬
‫التفكر أو التمعن بصورة المدافن الجماعية‪ ،‬التي ضمت رفات أكثر من ‪350‬‬
‫ألف ضحية عراقية‪ ،‬تم إعدامهم وقتلهم على يد الفاشية البعثية‪ ،‬وبأوامر‬
‫من صدام حسين"‪.‬‬
‫هذه هي المفارقة التي تجعل بزي يدين‪ ،‬بال تردد‪" ،‬الثقافة العربية"‪":‬ثمة‬
‫عطب أخالقي‪ ،‬وتشوه أيديولوجي راسخان في نفوس معظم المثقفين‬
‫العرب والكتبة والمتعلمين ومحترفي الجرائد واإلعالم‪ .‬هؤالء أكانوا من رموز‬
‫السلطات أو المعارضات‪ ،‬هم على األرجح برروا العنف والعنف المضاد‪..‬‬
‫وكانوا يتبادلون أدوار الجالد والضحية بإستمرار‪ ،‬منتجين ما أسماه الشهيد‬
‫سمير قصير ‪ :‬الشقاء العربي"‪.‬‬
‫االستعارة من قصير حفزت بزي ليدعو الى محاكمة الثقافة‪ ":‬هذه الالأخالقية‬
‫كانت تذهب بهؤالء ال إلى تجاهل تلك الجرائم فحسب‪ ،‬بل إلى تبرير‬
‫كل عنف وإرهاب وجريمة بإسم "المقاومة" أو "الممانعة"‪ .‬وأظن أنه قبل‬
‫محاكمة اإلرهابيين والقتلة علينا محاكمة ثقافة كاملة‪ ،‬أي محاكمة أنفسنا"‪.‬‬
‫ويضيف‪":‬إن واجب "المراجعة" أي أن نسأل أنفسنا‪" :‬ما هو دورنا في تسهيل‬
‫الجريمة أو تبريرها أوتسويغها أو إخفائها؟" هو الشرط األخالقي من أجل‬
‫ثقافة عربية ما بعد البعث‪ ،‬ما بعد العنف‪ .‬وعلينا أن نحمل أيض ًا شعور ًا‬
‫متص ًال بالذنب‪.‬‬

‫بين المعنى والواقع المحض‬
‫ربما سيكون التاريخ اكثر جدال ومشاكسة اذا كان النص االدبي‪ ،‬مع تأويالته‪،‬‬
‫مصدرا للتوثيق‪ .‬وهذا‪ ،‬في االصل‪ ،‬رغبة لملء فراغ تركه األرشيف‪ ،‬لكن هل‬
‫تمكنت الرواية والقصيدة الحديثتان روي هذا الشغف المعرفي‪ ،‬وتدوين ما‬
‫قفز عليه المؤرخون‪ ،‬هل يمكن لهما إضاءة مناطق مظلمة من تاريخ العرب؟‬
‫وهل من جدوى وراء تلك اإلضاءة؟‪ .‬الشاعر والروائي بزي ليس لديه تصور‬
‫لما تستطيعه الرواية أو القصيدة بالمطلق‪ .‬لكن دلوه في هذا المحور ال‬
‫يتعدى طموحه الشخصي إزاء النص الذي يكتبه‪":‬أظن أن مبرر سعيي للكتابة‬
‫هو استبطان التجربة الشخصية وإضمار التاريخي مع ًا في عبارتي وفي‬
‫مدوناتي‪ .‬على هذا المنوال فحسب يكون النص األدبي متضمن ًا للتاريخ‪.‬‬
‫لكنه يظل ذاتي ًا واعتباطي ًا الى هذا الحد أو ذاك‪ .‬فنحن مث ًال نميل الى "تاريخ"‬
‫مصر في ثالثية نجيب محفوظ‪ ،‬أكثر مما ننحاز الى األرشيف المو ّثق للتاريخ‬
‫المصري‪ ،‬ذلك ألننا نبحث عن "المعنى" في التاريخ ال عن وقائعه المحضة‪.‬‬
‫وهذا "المعنى" هو الذي تمنحه الرواية أو القصيدة‪ .‬لكنه معنى ممتنع أو‬
‫مسترسل في التأويل دوما ً"‪.‬‬

‫رهان بيروت وبغداد‬
‫يؤكد بزي ان المقاربات الثقافية بين العراق ولبنان واقعية‪ ،‬ويجد ان "من‬
‫البداهة القول أن ما هو مشترك بين العراق ولبنان في األمس كان كثير ًا‬
‫ومردوده عريض ًا‪ .‬ثمة إرث كامل في المختبر الشعري ما بين بيروت وبغداد‪.‬‬
‫وذاك وحده يصعب اآلن تعداده"‪.‬‬
‫ويتابع‪":‬ما يهمني راهن ًا‪ ،‬وأستشفه أيض ًا في نسق أسئلة هذا الحوار‪ ،‬أن‬
‫الهاجس الخاص بمثقفي لبنان والعراق هو‪ :‬هل سننجح في بناء دولة‬
‫ديموقراطية‪ ،‬ومجتمع مواطنين؟ هل عبرة الحرب األهلية في لبنان ودروسها‪،‬‬
‫كما تعلمها المثقفون اللبنانيون‪ ،‬ستكون كذلك في العراق؟ هل سيستطيع‬
‫المثقفون اللبنانيون والعراقيون إستثمار تلك الشجاعة الخارقة التي أبداها‬
‫المواطنون أكثر من مرة في ذهابهم الى خيار االنتخابات والتعبير السلمي‬
‫المدني بوجه العنف واإلرهاب والكراهية؟‬
‫وأريد أن أقول أننا هنا في بيروت نراهن على نجاح التجربة العراقية‪ ،‬وندرك‬
‫بحدسنا أن معظم المثقفين العراقيين يراهنون على نجاح التجربة اللبنانية‪.‬‬
‫إن تعاضد الرهانين كان واضح ًا في كل مرة ألتقي بها بأي مثقف عراقي‪،‬‬
‫في باريس أو برلين أو بيروت أو القاهرة أو أربيل‪.‬‬
‫نحن في بغداد وبيروت نواجه التفاهة نفسها المدججة بالسالح والحقد‪.‬‬
‫بل ونواجه مع ًا وقسري ًا هذا التآمر اإلجرامي اليومي الذي يسمى "الجوار‬
‫اإلقليمي"‪.‬‬

‫ثقافة الحياة‬
‫واكثر ما يميز ثقافة البلدين‪ ،‬وعلى مايقول بزي‪ ،‬هو تورطهما في الشأن‬
‫العام‪ ،‬ويقول‪":‬أفضل ما أصاب الثقافة اللبنانية هو وضوح خياراتها‪،‬‬
‫وتورطها في الشأن العام وفي اللغة السياسية‪ .‬أظن هذا أيض ًا حال الثقافة‬
‫العراقية‪.‬‬
‫الحياة الثقافية اللبنانية بديناميكيتها وسجاليتها أنتجت ما بين العام‬
‫‪ 2000‬و‪ 2005‬خطاب المعارضة الذي رسم مشهد إنتفاضة االستقالل‪.‬‬
‫المثقفون اللبنانيون تورطوا في صناعة "رأي عام" وفي إحياء لبنان ـ الفكرة‪،‬‬
‫أو الوطن ـ الحلم‪ .‬وهم دفعوا ثمن ًا باهظ ًا‪ ،‬كما تعرفون‪ ،‬إغتيا ًال ومطاردة‬
‫وترهيب ًا وتهديد ًا يومي ًا‪.‬‬
‫أعتقد أن النزاع الداخلي في لبنان ـ كما العراق ـ هو نزاع ثقافي بامتياز بين‬
‫خيارين واضحين‪ :‬ثقافة الحياة بوجه ثقافة الموت"‪.‬‬

‫‪ 26‬قضايا‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫العالم بوصفه نصا روائيا‬
‫‪ ‬علي حسن الفواز‬
‫كاتب من العراق‬
‫هل يمكن القول ان الرواية باتت تملك كل شروط الغواية في الكتابة؟ وانها‬
‫اضحت اليافطة العالية التي ينعقد تحت شعاراتها حوار الثقافات‪ ،‬وحوار اساطير‬
‫االنسان المعاصر؟ وهل اصبحت الرواية بحق هي ديوان العصر؟ وهل روائيي هذا‬
‫الزمن اصبحوا هم انفسهم شعراء االساطير والحكواتيين في الزمانات الغابرة؟‬
‫هذه االسئلة وغيرها اضحت المحور الساخن والحاضر دائما في الجدل الثقافي‪،‬‬
‫وربما اصبحت الكتابة الروائية اشبه باالشاعة التي مست غوايتها الكثيرين‪،‬‬
‫حتى بتنا نشهد تزايدا كبيرا في اعداد الروائيين والروائيات‪ ،‬ونسمع كثيرا عن‬
‫مهرجانات واسعة للسرديات‪ ،‬وطبعا تعني السرديات هنا كل االشتغاالت التي‬
‫تالمس الكتابة الروائية والقصصية‪..‬‬
‫ولعل الشاهد االبرز على هذا التحول النوعي في انماط التلقي هو ما نشهده في‬
‫معارض الكتاب العربية والعالمية‪ ،‬اذ تؤكد االحصائيات ان الكتب الروائية قد‬
‫فاقت مبيعات الكتب االخرى بما فيها الكتب التاريخية والدينية التي كان سوقها‬
‫رائجا في السنوات االخيرة خاصة بعد تصدع وانهيار الكثير من االيديولوجيات‬
‫وصعود بعض مظاهر ما سمي بادبيات(االسالم السياسي) والتي هي بالمناسبة‬
‫شكل آخر للسرد الذي تمارسه قوى الوصاية الجديدة‪ ،‬تلك التي تقترح عبر هذه‬
‫السرديات جبهات جديدة لحروب كونية ثقافية مقدسة‪ ،‬تشبه الى حد ما الحروب‬
‫الصليبية او حروب اليوتوبيا المسيحية القرووسطية‪...‬‬
‫قراءة هذا التحول مع تعدد كل مستوياته واشتغاالته‪ ،‬تفترض قراءة نافذة لكل‬
‫معطيات الظاهرة‪ ،‬بدءا من انهيار اساطير الواقعيات الروائية‪ ،‬ونماذجها االبوية‪،‬‬
‫ورموزها الخالدة‪ ،‬وانتهاء باشكاليات الخصائص التقنية‪ ،‬التي ارتبطت باثارة‬
‫االسئلة الفنية حول الكتابة الروائية وفضاءات اشتغاالتها وترسيماتها االسلوبية‬
‫التي اضحت سمة مميزة للنص الروائي الجديد بكل توهجه وجدّته واغتراباته‬
‫في التعاطي مع اشكاالت التاريخ واالنسان والحرية والمكان والوثيقة‪ ،‬تلك التي‬
‫ارتهنت الى بروز تجارب جديدة اكثر قدرة على المغامرة‪ ،‬واكثر شراسة في التمرد‬
‫على التاريخ والسياق‪ ،‬والتي تملك قدرات متميزة في التخيل الروائي‪ ،‬خاصة مع‬
‫حضور اسماء بعض الروائيين الشباب الذين صدموا انماط التلقي بانماط غرائبية‬
‫من الكتابة التي زاوجت بين الواقع وتجليات المخيلة‪ ،‬بين الوثيقة واعادة انتاجها‬
‫سرديا‪.‬‬
‫هذه المزاوجات المثيرة لشهية القراءة والتلذذ والكشف هي ابرز ما تمظهرت‬
‫به مغامرات هؤالء الكتاب‪ ،‬فضال عن انها وضعت االنسان القارىء والكائن(من‬
‫الكينونة) بكل تاريخه المباح لالنسحاق امام لعبة السيولة السردية‪ ،‬هذه اللعبة‬
‫الباعثة على االسئلة والشكوك والغرق‪..‬‬
‫ان ثورة(الرواية) كما يمكن ان نسميها بدت اكثر اثارة وتجاوز ًا لتجنيس الكتابة‪ ،‬اذ‬
‫ان الرواية تخلت عن ثيابها وتوصيفاتها الفلوبيرية وحتى الواقعية بكل اشكالها‬
‫ومسمياتها المتعددة‪ ،‬انها اصبحت عالما مفتوحا على التجريب والتغاير واالنزياح‪،‬‬
‫فضال عن ان الرواية ذاتها فقدت الكثير من سماتها(الذكورية) اذ نشهد حضورا‬
‫واسعا للروائيات العربيات خاصة من السعودية ولبنان ومصروالمغرب العربي‪ ،‬كما‬
‫هو عند الروائيات العراقيات امثال بتول الخضيري وهدية حسين وميسلون هادي‬
‫ولطفية الدليمي وعالية طالب وغيرهن‪.‬‬
‫هذا الحضور تجسد بشكل الفت من خالل اتساع قاعدة المشاركات الروائية للنساء‬
‫في معارض الكتاب العربية والدولية وطبع العديد من الروايات في بغداد وبيروت‬
‫والقاهرة وسوريا ودول المغرب العربي‪ ،‬فضال عن طبع اعداد اخرى في دول المهجر‪،‬‬
‫خاصة للروايات التي يمكن ان تواجه مواقف متشنجة من الرقابة او الجهات التي‬
‫اعتادت ان تتدخل في فرض سلطتها على الكتاب!!‬
‫اتساع ظاهرة الرواية او النزوع الى مجال السرديات‪ ،‬بات مثيرا في تعاطيه مع‬
‫ازمات التاريخ‪ ،‬والمقدس‪ ،‬اذ عمدت هذه السرديات الى محاولة تفكيك هذه‬
‫االزمات‪ ،‬وبالطريقة التي بتنا نقرأ تاريخا اخر‪ ،‬ومقدسا اخر‪ ،‬حتى اضحى حديث‬
‫الهويات السردية‪ ،‬وكأنه مأخوذ من هذا التأسيس الذي اقترحته السرديات في‬
‫اعادة قراءة العالم واالشياء والخطابات‪..‬‬
‫ان ما يقال ان عصرنا هو عصر الرواية‪ ،‬هو كالم فيه الكثير من الواقعية‪ ،‬وهذا‬
‫اليعني االعالن عن موت االشكال االخرى كما قد يبشر البعض من هواة(موت‬
‫االنواع)‪ ،‬بقدر ما يعني ان قواعد اللعبة قد تغيرت وان االنسان(المعصرن) من‬
‫اخمص قدميه حتى رأسه لم يعد كائنا شعريا‪ ،‬انه مخترق االن من السرد‪ ،‬بدءا من‬
‫سرد ماتبقى من التاريخ والمثيولوجيات‪ ،‬والحكايات الشعبية وبطولتها‪ ،‬وانتهاء‬
‫بسرديات السلطات والحروب والقوى الغامضة‪ ،‬تلك التي تضع االنسان امام‬
‫تاريخ مشكوك‪ ،‬وامام وثائق تشبه القيود او شروط المحاربين‪ ،‬تلك التي يمكن ان‬
‫تعيد االنسان الى الحكايات االولى‪..‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫الجسد‪..‬واقعة‬
‫شيئية‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫‪ ‬خالد خضير الصالحي‬
‫كاتب من العراق‬
‫‪1‬‬
‫يحت��م علين��ا اهتمامن��ا المتزاي��د بالرس��م أو التصوي��ر‬
‫الفوتوغرافي باعتباره واقعة ش��يئية‪ ،‬ان ينحصر اهتمامنا‬
‫بالجسد‪ ،‬في وجوده الفني‪ ،‬بالعالقة الشيئية (المتيريالية)‬
‫ب��ه؛ وذلك حينم��ا يتحول ذلك الجس��د بيد الرس��ام إلى‬
‫عالق��ات لونية متفجرة‪ ،‬او يتحول بي��د النحات إلى كتلة‬
‫مادية تتواشج وتتناغم عالقتها مع عنصر الفراغ المتاخم‬
‫لها‪ :‬فقد كان اهتمام الرس��امين بالجسد البشري اهتماما‬
‫يس��مو على اليوم��ي‪ ،‬ويرتقي إل��ى ان يك��ون نبعا دائما‬
‫لإلبداع وهو ما انتهى إليه الرس��ام فرنسيس بيكون الذي‬
‫انفق كل حياته الفنية "يلتهم بريشته وجوه وأجساد من‬
‫يرس��مهم وكأنه ينجز قداس��ا بدائيا‪ ،‬محوال كل موتيفاته‬
‫الفني��ة إلى قرابين ووس��طاء حاالت م��ن العنف الفني‪...‬‬
‫للتدليل على أن اإلنسان منذ وجوده في الحياة وهو يتلذذ‬
‫بصناع��ة الفاجعة‪ ،‬وكلم��ا ازداد إحساس��ه بالذنب ازداد‬
‫إلحاحه على االنتحار في الحي��اة أو من اجل الحياة هاربا‬
‫منها إلى حد االستسالم أو مقبال عليها إلى حد الغطرسة"‬
‫(س��عيد بوكرام��ي)‪ ،‬كل ذل��ك يج��ري عبر وس��ط مؤثث‬
‫بتقنينات لونية مفضلة عند بيكون‪ :‬يهيمن فيها اللونان‬
‫األحمر واألصفر‪ ،‬او تهيمن عليها خلفيتُها الس��وداء‪ ،‬فكان‬
‫يض��ع أهم أهداف��ه التقنية في تأثيث المش��هد اللوني‬
‫للتعبير عن الحقيقة الداخلية لتلك الكائنات التي تمارس‬
‫صراخها األبدي من خالل‪ :‬خربشات سطح اللوحة (=الجلد‬
‫البشري)‪ ،‬او استثمار الموتيفات "الفوتوغرافية التي تقدم‬
‫ضبابية الوجه" حينما كان يستخدم الصور البشرية الظ ّل ّية‬
‫(النيجاتيف)‪ ،‬أو في توظيف اطر األقفاص الحديدية التي‬
‫تط ْـب ِـق بفكيها على الكائ��ن؛ وهو األمر ذاته الذي وظفه‬
‫الرس��ام محمد مهر الدين في ستينات وس��بعينات القرن‬
‫الماضي حينم��ا كان أبطاله ممثلين في عرض مس��رحي‬
‫ي��ؤدون فيه دورهم في حفلة تعذي��ب منظمة تجري أمام‬
‫مرأى الجميع؛ وبذلك تتجسد في ذلك الجسد (نصوصية)‬
‫تجعله قادرا على تدوي��ن تاريخ النفي الذي مورس ضده‪،‬‬
‫فكان تأريخا للعقوبة وتدوينها‪ ،‬تلك العقوبة المستحقة‬
‫والمطروحة سلف ًا‪ ..‬أنها عملية تشيئ للعذاب في الجحيم‬
‫من خ�لال نفينا في الحياة األرضية‪ ،‬فكان تأريخ الجس��د‬
‫تأريخا لتدوين الفكر‪ ،‬فمنذ بدء ظهور الش��هوات المرتبطة‬
‫بالجسد كانت العقوبات مهيأة له‪.‬‬
‫ان تحول الجس��د بيد الفنان إلى بعد شيئي مادي ملموس‬
‫يلخص عبقرية المبدع هنا‪ ،‬فقد اس��تطاع رودان ان يجعل‬
‫من الكتلة التي تمثل الجس��د البش��ري لي��س إال "معجزة‬
‫تركيبية تداعب الفراغ‪ ...‬كونه قد اهتم بالفكرة الفلسفية‬
‫وراء الخامة الذي يقوم بتشكيلها"‪ ،‬لقد كرس حياته لقراءة‬
‫الجسد اإلنساني‪ ،‬وهو ما حققه حينما أنجز عمله المشهور‬
‫( بوابة الجحيم) التي اس��تغرق في تنفيذه عشرين عاما‪،‬‬
‫وزينه بآالف الوجوه بعد ان قضى ست سنوات درس فيها‬
‫أعمال الفنان الكبير ( روبن��ز ) واغرم بتقنيته الحركية في‬
‫التصوير ‪.‬‬
‫ان تحول الجس��د إلى وجود مادي كان المشكلة األساسية‬
‫التي بنى بها النحت العراقي والنحت المصري بتجلياتهما‬
‫القديمة والحاضرة (جسدهما)‪ ،‬وكما في تجربتي الرائدين‬
‫جواد س��ليم ومحمود مختار‪ ،‬لم تخ��رج موضوعات وميدان‬
‫اشتغال تلك النحوت عن المش��خص بل وتحديدا الجسد‬
‫اإلنساني وتضاريسه إال عند قلة من النحاتين وأهمهم عبد‬
‫الرحيم الوكيل‪ ،‬وهو ما كرس له وفيه النحات هيثم حسن‬
‫جهده كله ولكن بأهداف مختلفة عمن س��بقوه‪ ،‬فقد كان‬
‫الس��ابقون يهدفون إلى اختبار طواعية الجسد اإلنساني‪،‬‬
‫وتحديدا جس��د المرأة عبر طواعية المادة التي هي هدف‬
‫يمرر عبره اختبار طواعية الجس��د‪ ،‬كما يختبر قس��م منهم‬
‫كفاءته في المهارة التش��ريحية في الجس��د اإلنس��اني‪،‬‬
‫بينما شق هيثم حس��ن لنفسه‪ ،‬في آخر المعارض المهمة‬
‫للنحت العراقي‪ ،‬برزخا مختلفا حينما حاول اختبار الطاقة‬
‫التعبيري��ة لمواد حديثة ولكن من خ�لال الموضوع األزلي‪:‬‬
‫الجسد اإلنساني (المرأة)‪ ،‬فكانت تجاربه تلك على الجسد‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫اإلنس��اني تقطيع��ا وتحزيزا وتلوينا ما ه��ي إال صفحات‬
‫متتالية ومتتامة في اختبار مادته الصناعية الجديدة‪ .‬وإذا‬
‫كان النحات��ون اآلخرون يظهرون‪ ،‬موقفا محايدا من المادة‪،‬‬
‫فان هيثم حس��ن ال يخفي موقفه المنحاز من مادته التي‬
‫يعتبرها موطنا للداللة وليس وسيطا لها كما يبدو لنا‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫اذا كان "الجسد وما يزال‪ ،‬سواء في واقعيته أم في تعاليه‪،‬‬
‫محور الفنون‪ .‬وكان معايشة يومية‪ .‬وتد َّر َج في الخضوع إلى‬
‫رياء مزدوج‪ :‬س��واء عندما ُيستر أم عندما ُيع َّرى‪ .‬فهو يستر‬
‫ريا ًء عندما تس��تره كل المؤسس��ات‪ ،‬و ُيكش��ف رياء أيضا‬
‫عندما تكش��فه الكتابة (قصدًا)‪ ،‬فتس��قط ف��ي دائرة ر ّد‬
‫الفعل؛ إعادة إنتاج الجس��د" كما يقول عبد العالي اليزمي‪،‬‬
‫ف��إن ذلك يؤكد كذلك ما ذهب اليه احد الكتاب بان رؤية‬
‫المؤسسة االس��تهالكية اإلعالنية للجسد تتماثل او األدق‬
‫تتكامل مع رؤية المؤسس��ة الدينية له‪ ،‬فاألولى تفترضه‬
‫البص��ري‪ :‬صور اإلعالنات‬
‫هدفا يج��ب ان يعرى من خالل َ‬
‫والفيديو كليب ونحو ذلك من االش��هارات المماثلة‪ ،‬بينما‬
‫بصريا لكن��ه يجب ان‬
‫تعتب��ره المؤسس��ة الديني��ة هدفا َ‬
‫يحج��ب هذه الم��رة‪ ،‬وهو ما وضعه الناقد فاروق يوس��ف‬
‫في حقل التطبيق حينما كان يرى ان للجسد "صورته التي‬
‫تخدع‪ .‬س��واء أحض��ر عاريا أم محتجبا فإن م��ا ال يرى منه‬
‫يضعن��ا على الطري��ق التي تؤدي إلي��ه‪ ...‬العري من جهة‬
‫يقابله الحجب‪ ،‬وما بينهما يقف الجسد متسائال وعاصفا‬
‫وممتنع��ا" دارس��ا نموذجي��ن لوجهي ه��ذا التعامل مع‬
‫الجس��د‪ ،‬فكان في إمكان المصورة الفوتوغرافية اإليرانية‬
‫ش��ادي قدريان‪ ،‬بنسائها القابعات خلف حجب أن تجيب‬
‫عن أسئلة نساء الفرنسي باسكال رونو العاريات‪ ،‬والعكس‬
‫صحيح أيضا‪.‬‬

‫فـان "نظرات المصور الفرنسي باسكال رونو ال تسيل على‬
‫الجسد األنثوي مثل رغبة عابرة بل تحرثه بشهوات عارمة‬
‫حت��ى ليبدو بعدها ذلك الجس��د كما لو أنه قد اس��تـُدرِج‬
‫إل��ى منطقة نائية من صفائه‪ .‬جس��د مص ّفى يس��تعيد‬
‫س��حر النظرة األولى التي ألقاها على الكون‪ ،‬يوم كان كل‬
‫شيء مشدودا إلى البداية المبهمة‪ ...‬كانت شفافية النظر‬
‫لدى رونو تعكس ما يحدثه مرأى جس��د في عينه من تأثير‬
‫بص��ري يكون ممتنع��ا عن الظهور في جس��د آخر‪ ،‬بالرغم‬
‫من أن كل هذا الع��ري ال يقع صدفة‪ ،‬بل هو جزء من آلية‬
‫التعرف التي يو ّد الفنان تجريبها"‪.‬‬
‫بينما ال تص��ور المص��ورة الفوتوغرافية اإليرانية ش��ادي‬
‫غديري��ان التي ول��دت في طهران ع��ام ‪ 1974‬وما تزال‬
‫تعي��ش هناك‪ ،‬نس��اءها عاريات بل تدثره��ن بما تلقي‬
‫عليه��ن المؤسس��ة الديني��ة المهيمنة م��ن أغطية تقود‬
‫المتلقي إلى المس��كوت عن��ه في إعم��ال غديريان‪ ،‬وهو‬
‫الجس��د العاري المغط��ى بــاحتفال وحش��ي‪ ،‬كما يصفه‬
‫فاروق يوس��ف‪ ،‬ويستنتج بان ال باسكال رونو ع ّرى نساءه‪،‬‬
‫وال ش��ادي غدريان حجبت نس��اءها‪ .‬كان عري نس��اء رونو‬
‫حجابا ألجس��ادهن‪ ،‬وكان حجاب نساء قدريان فكرة عري‬
‫متطرفة‪.‬‬
‫ان تجربة أخرى في التصوير الفوتوغرافي يمكن ان نعدها‬
‫تجربة جمعت المتنين السابقين في تجربتي باسكال رونو‬
‫وشادي افرين غديريان‪ ،‬عندما تبني المصورة الفوتوغرافية‬
‫تاني��ا كراماتيكوف��ا ‪ Tanya Gramatikova‬تجربته��ا‬
‫من أجس��اد‪ ،‬إذا حاولت ان تس��ترها فليس أكثر من س��تر‬
‫يكشف عما تحته ليكون كأستار النص التي تريد ان تقول‬
‫م��ا تحذفه‪ ،‬وبذلك يكون األمر الحاس��م في الصورة ليس‬
‫ما يظهر بل ما يكش��ف عما يختفي‪ ،‬وبذلك تهيمن هذه‬
‫المصورة الفوتوغرافية على تفاحتي الفرنس��ي باس��كال‬

‫قضايا ‪27‬‬
‫رونو واإليرانية شادي غديريان بيد واحدة (تجربة واحدة)‪،‬‬
‫ففي تجربة هذه المصورة الفوتوغرافية يتجس��د الجس��د‬
‫بطريقة مواربة تحم��ل الفكرة ونقيضها في وحدة غريبة‬
‫ومقلقة فيما يخص تعاملها مع الجس��د اإلنساني؛ حتى‬
‫أنها تتخذ الموديل ذاته لتكشف عنه حجبه مرة‪ ،‬ولتدثره‬
‫بتل��ك الحجب تارة أخ��رى‪ ،‬باحتفال يكرس الجس��د‪ ،‬في‬
‫بعده الشيئي وفي ماديته على األقل ‪ ..‬موطنا للداللة‪.‬‬
‫تس��قط تانيا جراماتيكوفا تعاملها مع الجس��د‪ ،‬باعتباره‬
‫س��طحا مليئا بالمعنى الكامن‪ ،‬على كل س��طوح المحيط‪،‬‬
‫فهي تتخذ الجدران‪ ،‬واألزقة‪ ،‬وموجودات المحيط باعتبارها‬
‫نصوص��ا مكتظة بمعنى مخبأ وذا أف��ق محيطي‪ ،‬فكانت‬
‫تص��ور األزقة الضيق��ة ذات الجدران العتيق��ة باعتبارها‬
‫عينة تصور الجزء الظاهر من جبل الجليد‪ :‬مدينة غاطس��ة‬
‫ومغط��اة بقدر ال حدود له من ع��ري المعاني الخبيئة التي‬
‫أوحت بها المصورة دونما إفصاح‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫ال يقتصر مفهوم التعرية‪ ،‬في الفن‪ ،‬على الجسد اإلنساني‪،‬‬
‫فقد كرس��ه ش��اكر حس��ن آل س��عيد من خالل (التعرية‬
‫الشيئية) باعتباره مفهوما أوسع من عالقة النظر بالجسد‪،‬‬
‫ف��كان يعده بمثابة "الع ّد التنازل��ي من أجل الوصول إلى‬
‫الرياضي" معتبرا العمل الفني‪،‬‬
‫معنى (الصفر) بالمفهوم‬
‫ّ‬
‫وهو على مكانته األولى‪ ،‬يمثل قيمة صفر‪ ،‬ألننا حين نقبله‬
‫كس��طح تصويري مجرد فذلك ألنه ل��م يصل إلى (نقطة‬
‫خامات بطورها غير المتش��كل‪،‬‬
‫الصفر) بعد‪ ،‬حيث لم يزل‬
‫ٍ‬
‫وذلك يعني ان التعرية الش��يئية في مفهومها الرياضي‬
‫تكم��ن في ما قبل حالة (الصفر) في التعبير الفني‪ ،‬فهي‬
‫عملية حفريات آثارية‪ ،‬أي هي (اإلزالة) القصدية للمظهر‬
‫التراكمي للطبقات االثارية من أجل المعرفة‪ ،‬وهي معنى‬
‫معاكس (للحدس) بالتراكم‪.‬‬
‫ان التعري��ة مفه��وم كون��ي‪ ،‬فالطبيع��ة تتع��رى بفعل‬
‫مؤثراتها‪ ،‬وعش��تار تتعرى بفعل قوانين العالم الس��فلي‪،‬‬
‫وهكذا تظهر معالم التضاريس الس��لبية أي (المتق ّعرة) ال‬
‫(المحدودب��ة) كنتائج لهذه التعرية) كاألخاديد وش��قوق‬
‫األرض(‪ ،‬ما يجعل التعرية بمثابة المحور األول في الكشف‬
‫عن (تش��يؤ) العم��ل الفني الذي يمكن ع��ده مرجعية في‬
‫احتكام النقد إلى اللوح��ة (لذاتها) دونما احتكام للفنان‬
‫أو الجمهور‪ ،‬وبذلك يجد (الناقد) آل سعيد (التبرير) الفكري‬
‫لمنجز (الرسام) آل سعيد في بحثه في التحريز والشخبطة‬
‫والتخديد (من أخدود)‪.‬‬
‫إن للتعري��ة والتراك��م جوانب فعل في اإلنس��ان وان لم‬
‫يذكرها آل س��عيد‪ ،‬لك��ن المتلقي يستش��عرها باعتبارها‬
‫مسكوت ًا عنه‪ ،‬وهو ما استشعرناه في تجربة آل سعيد في‬
‫الرسم‪ ،‬وفي الكتابة بدرجة ما‪ ،‬فإن عمله في أيامه األخيرة‬
‫كان محاولة دائمة إلجهاض فعل (التعرية) التي يتعرض‬
‫لها شخصي ًا بفعل تقدمه بالعمر (= تراكم الوهن الجسدي‬
‫وما يحدثه في (كمه) الثقاف��ي)‪ ،‬أي في تطوره الثقافي‬
‫الذي كان يطوره في كل مقال ينشره‪ ،‬وبذلك اعتبر‪ ،‬وبشر‬
‫بفك��رة ان الفن (ونحن نقصد بالفن ألهدافنا هنا الرس��م‬
‫والفوتوغراف) في جوهره هو مفهوم متيريالي (ش��يئية‬
‫اللوحة باعتبارها سطحا تس��كنه األلوان)‪ ،‬ولم يكن يعني‬
‫في النهاية إال بحثا في اس��تخدام المادة على سطح‪ ،‬فقد‬
‫اعتبرها "فنا يكتشف (ذاته) في السطح التصويري"‪.‬‬
‫وإذا كانت الشيئية تكشف عن جوهرها في سطح الجسد‬
‫(الجلد) فهي كذلك تكش��ف عن ذاتها في أي سطح آخر‬
‫ضمن المحيط‪ ،‬وهو السبب الذي دعاه إلى استقراء الحيطان‬
‫الرثة ف��ي األزق��ة الش��عبية باعتبارها س��طوحا تمتلك‬
‫مس��وغات اعتبارها لوح��ة‪ ،‬وهو ما فعلت��ه الفوتوغرافية‬
‫تانيا كراماتيكوفا‪ ،‬حيث يتوفر لتلك السطوح وجود شيئي‬
‫يس��وغ اعتبارها عمال فنيا‪ ،‬أي جزءا من نسق الرسم دونما‬
‫حاج��ة إلى‪ :‬وجود صان��ع محدد‪ ،‬ون ّية مس��بقة عند ذلك‬
‫الصانع‪ ،‬بإنت��اج لوحة تنتمي للفن‪ ،‬أي لنس��ق ما‪ ،‬فكان‬
‫يتخذ الجدار جسدا (بمقام الجسد مقابل الجثة)‪ ،‬باعتباره‬
‫جس��د اللوحة الناب��ض بالحركة في س��كونه‪ ،‬والنابض‬
‫ربما بالوجود كواقعة ش��يئية بماديتها أوال‪ ،‬وبتقنياتها؛‬
‫وبذلك يتخذ الجدار مق��ام العمل الفني بعناصره المادية‬
‫المختلفة ما يجعل الفن نشاطا يتعلق بالسطح التصويري‬
‫في مبدئه ومنتهاه‪.‬‬

‫‪ 28‬جماليات‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫حوار االنغام العربية والغربية‬
‫في "دبلوماسية الموسيقى"‬
‫‪ ‬علي عبد األمير عجام‬
‫كاتب عراقي ‪-‬امريكا‬

‫اوال‪ :‬غربيون يقدمون موسيقاهم في بلدان عربية‬
‫وفي رصد الباحث لهذا الش��كل من الحوار ‪ ،‬يمكن التوقف‬
‫عند تأس��يس معاهد وفرق اوركس��ترالية ‪،‬فضال عن عروض‬
‫موسيقية امتدت لعشرات العقود والقت مستويات متباينة‬
‫من االستجابة ‪.‬‬
‫ثانيا‪:‬ع��رب درس��وا الموس��يقى الغربية ووقعوا في اس��ر‬
‫تجاربها‬
‫وهنا يمكن دراسة مئات التجارب التي اقترحها موسيقيون‬
‫من بلدان عربية الش��كال الموس��يقى الغربية عزفا وتأليفا‬
‫وغن��اء‪ ،‬وبدت تلك التج��ارب "مخلص��ة" و"امينة" لالصول‬
‫الموسيقية الغربية‪.‬‬
‫ثالثا‪:‬عرب اتصل��وا بالغرب وكتبوا موس��يقى تنفتح على‬
‫تجاربه لكنها لم تنفصل عن موروثهم‬
‫وهذا الش��كل يبدو االكث��ر اثارة للجدل لجهة انه الش��كل‬
‫الذي حاول تقدي��م معطيات مبتكرة قائم��ة على المعنى‬
‫الذي يقترحه الحوار الموس��يقي مع الغ��رب ‪ ،‬وهو في هذا‬
‫الش��أن كان هدفا لمعس��كرين من الموس��يقيين " االنقياء"‬
‫اي الموس��يقيين الذي يقطعون ب��ان الصلة يمكن ان تجمع‬
‫الموس��يقى الغربية بالعربي��ة ‪ ،‬ويدافعون بقوة عن " نقاء"‬
‫التجربتين الموسيقيتين كل على حدة‪ ،‬فينظروا باستخفاف‬
‫ال��ى من يقدم ش��كل " الس��ماعي" (الش��كل الموس��يقي‬
‫الش��رقي) وفق شكل االوركسترا الس��يمفوني الغربي ‪ ،‬كما‬
‫ينظ��رون بامتعاض الى من يجد صل��ة روحية ونغمية بين‬
‫شكل "البشرف" المقطوعة الموسيقية الشرقية‪،‬واالسترسال‬
‫النغمي الحر الذي تقدمه موسيقى الجاز‪.‬‬
‫وف��ي مالحقتنا للنتاج الموس��يقي في غي��ر عاصمة عربية‬
‫خالل عقود ع��دة ‪ ،‬يمكننا الثبت من االش��كال "المقترحة"‬
‫لدراس��ة الحوار العربي‪-‬الغربي موس��يقيا ‪ ،‬وعبر تجارب نرى‬
‫انها تقترب من حدود تمثيل كل شكل من تلك االشكال ‪.‬‬

‫الموسيقى الكالسيكية عربيا ‪:‬‬

‫ثمة ثالثة اشكال من حوار الموسيقى‬
‫العربية والغربية الذي حاول ان يرسخ‬
‫ملمحا جديدا للعالقات بين الدول‬
‫والمجتمعات ‪ " :‬دبلوماسية الموسيقى"‬
‫والتي برزت منذ ان طرقت الحداثة على‬
‫ابواب البلدان العربية مع وجود عالقات‬
‫متعاظمة مع اآلخر الغربي ‪ ،‬وتحديدا‬
‫ما بعد الحرب العالمية االولى ‪ ،‬ثم ما‬
‫اعقبتها من محاوالت " تأصيل" تلك‬
‫الحداثة وجعلها متوافقة مع التركيبة‬
‫االجتماعية والثقافية العربية‪ ،‬تلك‬
‫المحاوالت التي قدمت تجاربها الناضجة‬
‫بعد الحرب العالمية الثانية‪.‬‬
‫االشكال الثالثة للحوار الموسيقي العربي‬
‫الغربي يمكن رصد تمظهراتها في ‪:‬‬

‫جمهور نخبوي وموسيقيون مترددون واعالم متقاعس‬
‫التبدو حال الموس��يقى الكالس��يكية ( الغربية) في صورة‬
‫حس��نة عربيا ‪ ،‬فجمهورها يكاد ينس��حب شيئا فشيئا فيما‬
‫الحفالت التي تش��هد تقديمها ال يحضرها اال جمهور قليل‬
‫اغلب��ه اجانب من الدبلوماس��يين والمراك��ز الثقافية التي‬
‫تنظم مث��ل تلك الحفالت‪ ،‬وتغلب عل��ى اجوائها لقاءات‬
‫اجتماعية‪ ،‬ولتحش��ر هواجس موتس��ارت واسئلة بيتهوفن‬
‫وكآبات شوبرت في لغط االجواء االستعراضية‪.‬‬
‫قلة هم رواد الموس��يقى الكالس��يكية في البلدان العربية ‪،‬‬
‫ويبدو ان ضعفا في الثقافة الموس��يقية الرصينة هو الذي‬
‫جعل الموسيقى الكالسيكية رغم رفعتها وتاثيرها الروحي‬
‫العميق‪ ،‬تنسحب من بين الئحة اهتمام قطاع من المتلقين‪،‬‬
‫بدا ماخوذا بما هو عابر وشائع في النغم‪.‬‬
‫واذا كانت اوركس��ترات المعاهد الوطنية الموسقية في غير‬
‫عاصم��ة عربية ‪ ،‬تجتهد في تقديم اعمال من الموس��يقى‬
‫الكالس��يكية عل��ى مدار الس��نة وان ظل��ت قليل��ة‪ ،‬اال ان‬
‫مؤسس��ات تعليم الموسيقى وتدريس��ها االخرى في بلدان‬
‫الع��رب نادرا م��ا تقدم نش��اطا فنيا يحتفي بالموس��يقى‬
‫الكالسيكية ‪،‬فضال عن العديد من المراكز الموسيقية االهلية‬
‫الت��ي بامكانها ان تخرج من س��ياقها التعليمي الى فضاء‬
‫ثقافي عبر تقديم حفلتين على االقل س��نويا يجتمع فيها‬
‫ابرز العازفين الدارسين ليظهروا مدى اتقانهم فنون العزف‬
‫ومدى استجابتهم لالثر الروحي للموسيقى الكالسيكية‪.‬‬
‫وتتحمل وسائل االعالم قس��طا كبيرا من مسؤولية التراجع‬

‫ف��ي تذوق الموس��يقى الكالس��يكية ولوال بع��ض ما تبثه‬
‫االقسام االجنبية في اذاعات عربية لبدا مستحيال التعرف‬
‫عل��ى نغمة واحدة من ماليين تكاد تم�لأ االثير في العالم‪،‬‬
‫ويب��دو ان التلفزيون��ات العربي��ة ‪،‬حت��ى الرس��مية منها‪،‬‬
‫نس��يت تماما ان هن��اك نتاجا ثقافيا وفني��ا رفيعا تمثله‬
‫الموسيقى الكالس��يكية حتى انها تترفع عن مجرد االعالن‬
‫عن حفلة تقام هنا او هناك في العواصم ‪ ،‬ناهيك عن خلو‬
‫برامجها وحتى الثقافية والفنية من اي عناية بالموس��يقى‬
‫الكالسيكية‪.‬‬
‫وفي حين تنشط المؤسسات الثقافية والفنية في تظاهرات‬
‫شهرية وس��نوية‪ ،‬فانها نادرا ما تلتفت الى اثر الموسيقى‬
‫الرفيعة‪ ،‬والكالسيكية منها تحديدا‪ ،‬ولوال بعض النوافذ في‬
‫المهرجانات الثقافية والفنية لتم اغالق صفحات واحد من‬
‫الكتب المهمة ف��ي تكوين الذائقة الروحية والفكرية لبني‬
‫البشر‪ :‬صفحات كتاب الموسيقى الكالسيكية‪ .‬غير ان هناك‬
‫من يقول ان الموس��يقى الكالسيكية لم تعد مسموعة على‬
‫نطاق واسع حتى في بلدانها االصلية التي شهدت نشوء‬
‫روائعها‪ ،‬وه��ذه حقيقة تجد مؤش��راتها على االرض‪ ،‬فلم‬
‫تعد مبيعات االسطوانات المسجلة لالعمال الكبيرة تسجل‬
‫ارقاما كبيرة‪ ،‬وصارت االوركس��ترات الكبيرة والصغيرة على‬
‫حد س��واء غير قادرة عل��ى تمويل ذاتها دون دعم مباش��ر‬
‫م��ن الحكومات‪ ،‬ولوال ذلك الدعم لماتت فرق واوركس��ترات‬
‫معروفة في غير منطقة من العالم‪.‬‬

‫عرب يلعبون باخ وموتسارت وشوبان‬
‫وبيتهوفن‬
‫ليس من الصع��ب التوقف عند عازفين ع��رب بارزين على‬
‫اآلالت الموس��يقية الغربية ‪،‬مثلما ه��و ليس صعبا التوقف‬
‫عند فرق اوركس��ترالية في اكثر من عاصم��ة عربية تتولى‬
‫نش��ر الثقافة الموس��يقية الغربية "الكالسيكية" ‪ ،‬ولكن من‬
‫الصعب ان نجد مواجهة لس��ؤال من نوع ‪ :‬ماذا يعني وجود‬
‫عدد من العازفين البارعين العرب الذين يندرجون في شكل‬
‫موس��يقي بات يعاني ازمة حقيقية في بيئته االجتماعية‬
‫والثقافية (الغرب)؟‬
‫فعل��ى هام��ش اجتماع��ات المؤتم��ر الثام��ن والعش��رين‬
‫للمجلس الدولي للموسيقى (اليونسكو) في البتراء االردنية‬
‫ع��ام‪ ،1999‬امكن التعرف عن كثب على واحد من اش��هر‬
‫عازف��ي البيانو ف��ي اوروبا ‪،‬اال وهو عبدالرحمن الباش��ا ابن‬
‫الموس��يقار اللبناني الراحل توفيق الباش��ا ‪.‬ففي مكان اعد‬
‫بعناية للموس��يقى الرفيعة‪ ،‬جلس عبدالرحمن الباش��ا الى‬
‫بيانو ضخم امام جمه��ور نوعي وخاص‪ ،‬ليلعب بطريقة ال‬
‫تخفى روحيتها‪ ،‬برقة لمساته على مفاتيح البيانو ونباهته‬
‫ف��ي اختيار المقطوعات‪ ،‬فبدأ مع عمل رقيق "س��وناثا رقم‬
‫‪ "332‬لفولجان��غ اماديوس موتس��ارت وخل��ق مزيج ًا من‬
‫الحضور الرقيق ما بين الم��كان وحميميته وعمقه الحضاري‬
‫وبين العمل الموسيقي‪.‬‬
‫س��وناتا موتسارت عكست حس��ب فهم عبدالرحمن الباشا‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫االثر الحميم لصاحب اوبرا "زواج فيجارو" و"القداس الجنائزي"‬
‫فتوقف عند البراعة الروحية لموتس��ارت وفيض احاسيسه‬
‫التي تأتي غالب ًا بجمل موسيقية غير معقدة ورهافة نادرة‪،‬‬
‫واصبح��ت هذه م��ن المالمح الت��ي يمكن االس��تدالل بها‬
‫على اح�لام الفتى الحزين (برغم فرح��ه الظاهر) اماديوس‬
‫موتسارت‪.‬‬
‫ولفرط رهافة ورش��اقة العزف الذي تواصل بعد اس��تراحة‬
‫قصيرة مع "س��وناتا رقم ‪ "3‬للمؤلف ش��ومان‪ ،‬بدا الصمت‬
‫واالنصات مقدسين حتى كاد الحجر يرق لفرط براعة الباشا‬
‫ال��ذي زاد في الجانب الروحي بعزف��ه على الجانب التقني‬
‫وذلك يأتي منسجم ًا مع االصل الشرقي الذي اليبدوالعازف‬
‫في وارد التخلي عنه‪.‬‬
‫قبل االمسية وبعدها حاورت الباشا وسألته‪" :‬انت في مكان‬
‫له عالقة بجذور الحضارة والثقافة العربية‪ ،‬تعزف موسيقى‬
‫اوروبية‪ ،‬هل هذا مؤش��ر على الجانب االنس��اني المشترك‬
‫الذي يمكن للموس��يقى ان تعبر عنه" فقال عبدالرحمن الذي‬
‫يستعد لتسجيل اعمال المؤلف شوبان الكاملة‪:‬‬
‫"الموس��يقى لغة ال يختلف عليها احد‪ ،‬وتعبر عن االنسانية‬
‫العميقة وهي صلة وصل بي��ن مختلف الحضارات خاصة‬
‫حين نتوصل الى الميزات التي توصلت اليها الموس��يقى‬
‫الكالسيكية التي استطاعت ان تعبر عن المشاعر االنسانية‬
‫النبيلة‪ ،‬الموسيقى برغم انها تخلق في وقت محدد وتعزف‬
‫فيه ويستمع اليها‪ ،‬اال انها تظل تعبر عن ازلية الحياة"‪.‬‬
‫وعن ازمة الموس��يقى االوروبي��ة والغربية حالي�� ًا واتجاهه‬
‫للتأليف الموس��يقى وهل سيكون ضمن قوالب عربية يقول‬
‫عبدالرحمن الباشا‪" :‬الموسيقى االوروبية حالي ًا ضائعة النها‬
‫اخذت اتجاه��ات مختلفة وهي غير قادرة على جلب محبة‬
‫الجمهور الكالس��يكي‪ ،‬ومن هنا اتجه الكثير من الموسيقيين‬
‫الغربيين الى الموس��يقى غيراالوروبية ومن اجل اس��تلهام‬
‫اشياء منها‪ .‬انا لس��ت مؤلف ًا محترف ًا ولو كنت مؤلف ًا لكنت‬
‫اس��تخدم كثير ًا من طاقات الموسيقى الشرقية لكن بقالب‬
‫جدي��د ليس ب��اآلالت الش��رقية القديمة ولكن باس��تخدام‬
‫كل االالت الحديث��ة وكن��ت س��أركز اكثر على الموس��يقى‬
‫الفولكوري��ة‪ .‬الموس��يقى التي اش��تغل عليها‪ ،‬موس��يقى‬
‫بسيطة جد ًا‪ ،‬ولكنها صحيحة‪ ،‬النها تأتي من قلب االرض‪،‬‬
‫ومن قلب االنسان"‪.‬‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫ويشير الباش��ا "علينا ان ال ننسى ان الموسيقى الكالسيكية‬
‫الغربية لم تولد من ال شيء‪ ،‬قبلها كانت الحضارة االندلسية‬
‫التي كانت تعطي نورها لكل اوروبا‪ ،‬ومن جذور الموس��يقى‬
‫االندلس��ية صار هناك تطوير ولك��ن يظل اثرها قائم ًا‪ ،‬وانا‬
‫باحساس��ي الش��رقي اعطي اهمية لهذه النقطة اي جذور‬
‫الموس��يقى الش��رقية التي اتصل��ت بها‪ ،‬مث� ًلا انا اعزف‬
‫لشوبان باحساس عميق (يقال انه شرقي) واالذن الحساسة‬
‫في الغرب تلتقط هذا االختالف بين عزفي للمقطوعة وبين‬
‫عزف الغربيين لها"‪.‬‬
‫عبدالرحمن الباش��ا ولد في بيروت ‪ 1958‬وبدأ دراسته في‬
‫العزف على البيانو عام ‪ 1967‬على يد زورات سركيس��يان‬
‫وهو احد طلب��ة مرغريت لونغ وج��اك فيفرييه‪ .‬وحين بلغ‬
‫العاش��رة من عمره‪ ،‬ظهر في اول حفل موسيقي له بمرافقة‬
‫فرق��ة موس��يقية‪ ،‬وف��ي ع��ام ‪ 1973‬تنبأ كالودي��و اراو‬
‫بمستقبل عظيم لعبد الرحمن الباشا بين عازفي البيانو في‬
‫العالم‪ .‬وفي عام ‪ 1974‬عرضت عليه منح دراسية من كل‬
‫من فرنس��ا واالتحاد السوفياتي الس��ابق وبريطانيا‪ ،‬اال انه‬
‫قبل العرض الفرنس��ي مدفوع ًا بعالقة "االلف��ة الثقافية"‬
‫وق��د التحق بمعهد باريس الموس��يقي وتخ��رج منه فائز ًا‬
‫باربع جوائز اولى‪ :‬موسيقى الحجرة‪ ،‬البيانو‪ ،‬توافق االنغام‬
‫(الهارمون��ي) واالنغ��ام الموس��يقية المصاحب��ة (كاونتر‬
‫بوينت)‪.‬‬
‫وف��ي حزيران ‪ 1978‬فاز عبدالرحمن الباش��ا باجماع هيئة‬
‫التحكيم في مسابقة الملكة اليزابيث ملكة بلجيكا‪ ،‬كما فاز‬
‫بجائزة الجمهور في المس��ابقة ذاتها‪ ،‬وساهمت المسابقة‬
‫في طرح اسم عبدالرحمن الباشا كعازف بيانو على الساحة‬
‫الدولي��ة‪ ،‬ومن��ذ لحظة فوزه ب��دأت الصحافة الموس��يقية‬
‫بمقارنت��ه باعظم عازفي البيانو في ه��ذا العصر وانهالت‬
‫عليه بمديحه��ا لبراعته الفنية وهدوئ��ه والعمق العاطفي‬
‫لعزفه‪.‬‬
‫وف��ي ع��ام ‪ ،1993‬ن��ال اول تس��جيل عل��ى اس��طوانة‬
‫للباش��ا وهو "االعمال المبكرة لبروكوفييف" الجائزة الكبرى‬
‫الكاديمية شارك كرو التي تسلمها من السيدة بروكوفييف‪،‬‬
‫ارملة الموسيقار الروس��ي الشهير‪ ،‬وقام حتى االن بتسجيل‬
‫عدد من اعمال الكونشرتو لحساب شركة فورالن‪ ،‬منها ثالثة‬
‫اعم��ال من تأليف باخ واثنان م��ن تأليف رافيل والمجموعة‬

‫الكاملة العمال الس��وناتا التي الفه��ا بيتهوفن‪ ،‬وعدد ًا من‬
‫اعمال ش��ومان وروافيل وش��وبرت‪،‬وهو بصدد االنتهاء من‬
‫تسجيل اعمال شوبان الكاملة للبيانو حسب الترتيب الزمني‬
‫لتأليفيه��ا‪ ،‬اض��ف الى ذل��ك ان عبدالرحمن الباش��ا ذاته‪،‬‬
‫مؤلف موس��يقي‪ ،‬ومنح في عام ‪ 1981‬الجنسية الفرنسية‬
‫اللبنانية المزدوجة وهو يقيم حالي ًا بالقرب من باريس‪.‬‬

‫أي موقع لصورتنا العربية في أعمال‬
‫يكتبها موسيقيون من بلداننا وفق‬
‫أشكال غربية ؟‬
‫تثير األعمال التي يضعها المؤلفان الموس��يقيان العربيان‬
‫والعازف��ان عل��ى البيانو زي��د ديراني ( مقيم ف��ي اميركا)‬
‫وخالد اس��عد اكثر من سؤال لجهة حضورالشكل الموسيقي‬
‫الغربي ( الكالس��يكي او المعاصر) ف��ي تلك األعمال‪ ،‬فاي‬
‫اث��ر من الممك��ن ان يحققه عربيان في ش��كل م��ن النتاج‬
‫الموس��يقي ب��ات محكما في قوالبه حت��ى ان من النادر ان‬
‫يقارب��ه غربي��ون حاليا األ في الش��كل المعاص��ر ؟ ثم اذا‬
‫افترضنا ان النتاج الموس��يقي شأنه ش��أن النتاج الثقافي‬
‫العالمي هو " ش��راكة انسانية" ‪ ،‬فاي ملمح لصورتنا العربية‬
‫( صورة العازفين الثقافية الوطنية) يبدو حاضرا في اعمال‬
‫المؤلفي��ن ‪ ،‬وهل تمكنا من نقل روحية عربية ثقافية الى "‬
‫اآلخر" الذي تعاطى مع موس��يقاهما التي كانت قريبة الى‬
‫تكوينه وذائقته الموسيقية؟‬

‫ديراني‪ :‬صورة ما عن العرب‬
‫و"رسالتهم"؟‬
‫"موس��يقى تجس��د الرؤية العربية وتمج��د التاريخ القديم‪،‬‬
‫موسيقى ذات مضمون ورسالة انسانية‪ ،‬هذه هي الموسيقى‬
‫التي احلم ان اش��ارك بها الناس عن قريب"‪،‬على هذا النحو‬
‫كان��ت تتدفق امنيات عازف البيان��و زيد ديراني حين كان‬
‫يبلغ السابعة عشر خالل حفله الموسيقي األول ‪ 1997‬في‬
‫ع ّمان ‪ ،‬مشددا" ال بد لي كعربي و شرقي يرغب في ان تشارك‬
‫موس��يقاه العالم ان تكون له بصمة عربية تميزه عن غيره"‬
‫وكالم مه��م كهذا حاول ديران��ي مقاربته في مقطوعتين‬
‫االولى بعنوان "زنود النار" وتصور" تمسكنا بالهوية العربية‪،‬‬
‫وعدم الس��ماح الي احد مهما كان ب��ان يتهم امتنا العربية‬
‫بالجهل والصاق الشبهات المزيفة بها ‪،‬وضرورة الدفاع عن‬
‫حقوقنا وفرض هويتنا بزنود من نار"!!!‬
‫ويسعى المؤلف الموسيقي وعازف البيانو ديراني الى اقامة‬
‫عروض موسيقية تنقل فكرته عن اثر الموسيقى في االشارة‬
‫ال��ى براعة اردنية في التعبير الجمالي ال تتوقف عند حدود‬
‫المكان بل تخاطب الجمهور في مناطق متعددة من العالم‬
‫ومنها في الواليات المتحدة حيث انهى دراسته وبدأ عمله‬
‫عازفا ومؤلفا فيها‪.‬‬
‫ووف��ر زيد ديراني م��ن خالل عرضين موس��يقيين ناجحين‪:‬‬
‫"من جوف ش��رق ازل��ي" و"احالم القلع��ة" مزاوجة ذكية ما‬
‫بين مرجعيات ش��رقية وعربية وبين االطار الغربي من خالل‬
‫االوركس��ترا التي تضم االت موس��يقية عربي��ة‪ ،‬وهو اطار‬
‫يوفر لعمل ديراني ام��كان الوصول الى جمهور عريض في‬
‫العالم‪.‬‬
‫وفي حين اس��تفاد ديراني كثيرا من دراسته موسيقى الجاز‬
‫وانم��اط الموس��يقى المعاص��رة‪ ،‬فانه وبحس��ب مااظهره‬
‫من براع��ة في التأليف منح حصصا دراس��ية اضافية في‬
‫التألي��ف‪ ،‬فيم��ا تركت مؤلفات��ه انطباع��ات ايجابية عند‬
‫اس��اتذته وبخاصة تلك اللمحات العربية والش��رقية التي‬
‫تضمنتها‪.‬‬

‫خالد اسعد‪ ":‬القدس" جوهرة‬
‫موسيقية عن مصير مدينة‬

‫ف��ي انفتاح��ه على ال��وان التألي��ف الموس��يقي الغربية‬
‫قدم عازف البيانو والمؤلف الفلس��طيني خالد اس��عد عمله‬
‫المهم "القدس‪ :‬المدينة المقدس��ة" الذي جاء على شكل‬
‫(سوناتا) في ثالث حركات‪ ،‬وليؤكد مهارته عازفا فقد‬

‫جماليات ‪29‬‬
‫تخصص باعمال مكتوبة للبيانو ومنها " رابس��وديات"‬
‫المؤل��ف الهنغ��اري فران��ز ليس��ت واعم��ال الروس��ي‬
‫رحمانينوف‪.‬‬
‫الحرك��ة االولى م��ن "القدس‪ :‬المدينة المقدس��ة" التي‬
‫حمل��ت عنوان "قبل الش��تات" اس��تخدم خالد اس��عد‬
‫لحن ًا مقام ًا عى اس��اس الثيمة اللحنية الش��عبية (على‬
‫دلعونا)‪ ،‬ولكنه خرج من االطار االستعادي (الذكرياتي)‬
‫لمرحلة ما قب��ل النكبة ‪ ،1948‬ليقي��م اطار ًا الحداث‬
‫مركب��ة ومتذاخل��ة ضمن لح��ن حزين التخف��ى نغمة‬
‫الغضب فيه‪.‬‬
‫الالفت في الحركة االولى‪ ،‬هو اللحن الذي قارب (المارش‬
‫العس��كري) الذي يش��ير من خالله اس��عد الى المقاومة‬
‫التي س��تتصاعد من اجل فلس��طين الضائعة وكي ال‬
‫تصبح اس��يرة مخ��اوف منفى طويل‪.‬وه��ذه المعاني‪،‬‬
‫احتاجت مالمح مركبة في العمل استطاع خالد كمؤلف‬
‫ان يحددها‪ ،‬وفي الوقت ذاته استطاع كعازف ان يتوفر‬
‫عل��ى تكنيك جي��د البرازها في نغم مس��موع ويالقى‬
‫باالنتباه من قبل المستمع‪.‬‬
‫في الحركة الثانية التي حملت عنوان "المنفى"‪ ،‬يتوقف‬
‫خالد اس��عد عند حدث اتس��م بالمفاج��أة والمباغتة‪،‬‬
‫وهو تهجير الفلس��طينين من بيوتهم‪ ،‬قراهم ومدنهم‪،‬‬
‫وانعكس ذلك في لحن س��ريع وايقاعي ليواكب سرعة‬
‫الحدث ووحش��ية ايقاعه‪ ،‬فيما يتحول اللحن الحق ًا الى‬
‫البطء للتعبير عن الحزن والخوف الذي جاءت به وقائع‬
‫التهجير‪.‬‬
‫وف��ي الحركة الثالثة (س��قوط الق��دس)‪ ،‬وازاء الحدث‬
‫الجلل الذي تحاول تجس��يده‪ ،‬يكاد المستمع يشعر بأنه‬
‫ازاء ح��دث متداخل االيح��اءات ومتراكب‪ ،‬وهذا ما يبرز‬
‫ف��ي لحن ي��كاد يصدر لتع��دده النغمي من اوركس��ترا‬
‫وليس من آلة واحدة هي البيانو‪ ،‬وهذا مؤشر آخر لبراعة‬
‫اسعد التأليفية والعزفية‪ ،‬والذي يتعمد في آخر الحركة‬
‫اس��تخدام ميلودي اقرب الى الهدوى ليعطي المس��تمع‬
‫االيح��اء ب��ان ام ًال الب��د ان يط��ل على حي��اة المدينة‬
‫المقدسة بعيد ًا عن وقائع االحتالل‪.‬‬
‫نح��ن في ما يبرزه ديراني واس��عد حيال " نوايا كبيرة"‬
‫عن تضمي��ن رؤى وقضايا عربية في اعمال تندرج اصال‬
‫في اشكال ثقافية غربية ‪ ،‬ولكن هل ثمة وسائل عملية‬
‫لنقل " األفكار ع��ن الهوية الثقافي��ة العربية" توصل‬
‫اليها المؤلفان؟‬
‫ديراني نشط في جوالت على امتداد الواليات المتحدة‬
‫وصوال ال��ى اليابان وم��رورا بالمكس��يك ودول اوروبية‬
‫‪ ،‬ومثله قدم اس��عد حفالت في م��دن اوروبية كمدينة‬
‫"كان" الفرنسية وجنيف السويسرية‪ .‬ولكن هل يبدو هذا‬
‫كافي��ا في نقل " صورتنا الثقافي��ة" الى جمهور غربي‬
‫عري��ض ؟ الجواب اليب��دو ايجابيا ‪ ،‬ذل��ك ان الحفالت‬
‫الموس��يقية الجادة حت��ى في الغرب‪ ،‬تب��دو نخبوية ‪،‬‬
‫وتق��ام في اجواء تغلب عليه��ا العالقات اإلجتماعية‪،‬‬
‫فيما يظل التأثير الحقيقي متصال بتوزيع اإلسطوانات‬
‫ومدى بثها في وسائل اإلعالم ‪ ،‬واذا كان ديراني تمكن‬
‫من اختراق طوق اإلنتاج الموسيقي األميركي وصدرت له‬
‫اسطوانة منفردة وعددا من اإلسطوانات المشتركة التي‬
‫ضمت��ه الى جانب مؤلفين مرموقين برعوا في ش��كل "‬
‫موسيقى العصر الحديث " او " نيو ايج ميوزيك" ‪ ،‬اال ان‬
‫خالد اس��عد وبحكم اقامته في فضاء عربي وصعوبة‬
‫اختراق مجموعات " الصناعة الموسيقية " المتنفذة في‬
‫العالم ‪ ،‬لم يتمكن من وس��يلة تأثي��ر للوصول باعماله‬
‫الى " االخر"وعلى نطاق واس��ع‪ .‬صحيح انه لفت االنظار‬
‫الى قدرة خاصة في قراءة اح��داث معاصرة عبر عمل‬
‫موس��يقي من تأليفه كما في مقطوعت��ه التي حملت‬
‫عنوان " تبع��ات نيويورك" ‪ ،‬وصور فيه عبر النغم الحي‬
‫والمؤثر مش��هد الهجوم على نيوي��ورك في ‪ 11‬ايلول‬
‫‪ ،2001‬اال ان اجم��ل األعم��ال يمك��ن له��ا ان تفقد‬
‫تأثيرها اذا ل��م تصل الى الجمه��ور العريض ‪ ،‬وهو ما‬
‫يحصل لألس��ف مع اعمال متوهجة بالجم��ال والفكرة‬
‫المتطورة ‪ ،‬كأعمال اسعد التي لم تصل بعد الى جمهور‬
‫( غرب��ي) قد يتعرف على روحي��ة ثقافية عربية تأتيه‬
‫ه��ذه المرة عبر ش��كل فني لطالما تع��رف اليه واصبح‬
‫جزءا من تكوينه الثقافي‪.‬‬

‫‪ 30‬مكان وزمان‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫الجسد ‪ :‬غواية الليل و مكر النهار‬
‫الرسام السويسري فرديناند هودلر‬

‫‪ ‬لطفية الدليمي‬
‫كاتبة عراقية ‪ -‬فرنسا‬

‫الجسد في غواية الليل والجسد في مكر النهار‪ ،‬لعبة لتضليل الموت عن لحظة الحب وسيرة الوجود‬
‫المترنحة على صراط رفيع بين االيروس والثاناتوس‪..‬‬
‫عانى الرسام السويسري فرديناند هودلر من إقامة الموت الفادحة في أيامه (مات أبوه بالسل‬
‫وماتت أمه وإخوته الخمسة بالداء نفسه تباعا) وكان هو الناجي الوحيد بين أفراد عائلته التي‬
‫عاشت في احد أحياء بيرن الفقيرة‪ .‬لم يهادنه الموت بل تربص به فتعايش معه في جسد‬
‫معشوقته ( فالنتين غوديه –داريل) التي فتك بها السرطان‪ ،‬وكان يراقب خطوات الموت الحثيثة‬
‫وهي تدنو من الجسد البهي الذي أحبه‪ ،‬لم يهرب هودلر من صحبة المرأة المحبوبة والموت يمتص‬
‫أنوثتها ويحيل جمالها إلى صورة تراجيدية للتحلل في العدم والتالشي الوجيز في النهاية‪ ،‬ولم‬
‫يفارقها هودلر لحظة واحدة خالل عامي مرضها الداهم‪ ،‬بل كان يؤسلب عذابها ويأسه برسم‬
‫عشرات اللوحات والتخطيطات لها وهى تذوي كل صباح وتسرع إلى األبدية شبحا وحيدا‪ ،‬ظل‬
‫يرسمها من منظورات متعددة ‪ :‬رسم تحوالت الوجه النضر وجفافه‪ ،‬رسم يديها وعنقها ونظرتها‬
‫األسيانة وهي توغل في القنوط وتنأى عنه وعن الزهور التي كان يجدّدها لها كل صباح‪ ،‬رسم‬
‫بحمية جنونية لحظات احتضارها المريعة واستسالم بقايا جسدها الجميل لشناعة الموت في‬
‫همود الرغبة‪ ،‬رسمها وهي جثة شبحية تكاد تشف لفرط خفتها راقدة على سرير موتها بكامل عدة‬
‫رحيلها إلى العدم‪..‬‬

‫وفي المعرض الش��امل الذي اقيم في متحف الفنون‬
‫في بي��رن خصصت قاعة كامل��ة لملحمة حبه لهذه‬
‫الم��رأة‪ ،‬وعرض��ت لوحات كبي��رة عن احتف��اء هودلر‬
‫بالحب في قاعة أخرى س ّميت قاعة الحب‪..‬‬
‫االيروسي‬
‫ّ‬
‫تعود جذور فنه في زمنيتها إلى القرن التاس��ع عشر‪،‬‬
‫لكنه ح ّقق اندفاعا مش��هودا ف��ي حركة األفانغارد (‬
‫الطليعية) واكتش��ف الثيمات األساس��ية في الشرط‬
‫اإلنس��اني وه��ي ‪ :‬الحب والم��وت واإليم��ان واألمل‪،‬‬
‫الحب‬
‫وكان��ت له عالقة حيوية ملهمة م��ع موضوعة ّ‬
‫الرمزي‬
‫التي تُع ّد من الموضوعات المركزية في االتجاه ّ‬
‫والف��ن الحداث��ي وتتح ّرر موضوعة الح��ب في أعماله‬
‫م��ن الدراماتيكية المفرطة والنزع��ة األخالقية وغرابة‬
‫األطوار‪..‬‬
‫وتب��دو ش��خوص لوحاته وكأنها جزء م��ن عالم اكبر‬
‫وأوسع من حدود الجس��د الرتباطها بالطبيعة والكون‬
‫وتواصلها مع الزهور والس��حب والضوء والعتمة حتى‬
‫لتبدو مندغمة في الوسط الذي تتراءى فيه ‪ ( :‬أنا ارسم‬
‫الجس��د اإلنس��اني وهو تحت تأثير العاطفة الج ّياشة‬
‫حين تبوح ّ‬
‫كل حاسة فيه بإيماءاتها )‪.‬‬
‫هكذا يقنص اللحظة القصوى ليكش��ف عن مش��اعر‬
‫الرغب��ة والخ��وف وه��ي تنضح م��ن األجس��اد التي‬
‫يك ّرس��ها لتكون شاهدة على الوضع اإلنساني برمزية‬
‫شعائرية‪..‬‬
‫منذ ارتطامه الفاجع بالموت‪ ،‬ش��اء هودلر أن يقاومه‬
‫بإيروسية صاخبة ويتقدم خطوة على مكائد الموت‪،‬‬
‫خطوت��ان على طريق الجس��د‪ ،‬أو ه��ي خطى تجملها‬
‫لوحاته التي تعلن عش��قه المحسوم للجسد وما وراءه‬
‫تخص‬
‫من عمق روحاني أو تشظيات نفسية أو أوهام ّ‬
‫األم��ل واإليمان والرغبة ورغم أهمية معرضه التاريخي‬
‫لمناسبة مرور ‪ 150‬عاما على مولده والذي ضم ‪150‬‬
‫س��أخص بالحديث عملين أساس��يين من‬
‫عمال أيضا‪،‬‬
‫ّ‬
‫أعماله هما لوحة الليل ولوحة النهار‪..‬‬

‫لوحة الليل ‪1889‬‬
‫تحت تأثي��ر مفهوم ( الت��وازي) أدرك هودلر أهمية‬
‫تكرار التشكالت في اللوحة الواحدة واقتنع أن خلقه‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: tattoo_215@yahoo.com‬‬

‫لمجاميع من الهيئات أو األش��كال يوصله إلى هدفه‬
‫الذي يعجز عنه الشكل المنفرد‪ ،‬فإيحاءات التكرار تعزز‬
‫قوة الثيمة التصويرية وتبث شفراتها على نحو أكثر‬
‫فاعلية‪ ،‬ومن خالل مفهوم التوازي توصل هودلر إلى إ‬
‫ظهار الوحدة بين الجانب الحسي االيروتيكي والجانب‬
‫التصويري الذي تكرست أصوله وتقاليده‪..‬‬
‫اس��تطاع هودلر اختراق المنظومات القيمية وتقاليد‬
‫الفن المعتادة بلوحت��ه الرمزية (الليل) والتي فجرت‬
‫فضيحة في األوس��اط الثقافي��ة في (جنيف ) خالل‬
‫ش��هر ش��باط ‪ 1891‬إذ منعت من العرض واعتبرت‬
‫خرق��ا للمفهومات الق��ا ّرة والقي��م األخالقية‪ ،‬وبعد‬
‫أسابيع من الفضيحة ت ّم عرضها في صالون ( شامب‬
‫دو م��ارس ) ف��ي باريس وحققت أول نجاح وش��هرة‬
‫مد ّوي��ة له خارج وطنه وك ّرس��ته أح��د فناني الرمزية‬
‫الحديثة‪..‬‬
‫فضيحة المفهوم��ات ال ترقى في حجمها وانفجارها‬
‫إلى فضيحة اغتصاب الموت الدائم للحياة‪ ،‬فقد شاء‬
‫هودل��ر أن يدين الموت ويكش��ف فظاعة انقضاضه‬
‫على اإلنسان في وسط إيروسي ومشهد مبهر لألجساد‬
‫البشرية التي توجز اللذة واالفتتان الغامر بالحياة‪..‬‬
‫لوح��ة الليل هي لوحته الرمزي��ة المفعمة بتكوينات‬
‫درامية وحس��ية تبوح بها األجس��اد الس��بعة الراقدة‬
‫الت��ي تتباي��ن أوضاعها مابي��ن االستس�لام األخير‬
‫المنه��ك للذة‪ ،‬وما بين االنكفاء على حيوية الجس��د‬
‫المستوحد أو التنائي عن اآلخر واالستغراق في الرغبة‬
‫ببعدها األرضي وتوهجها الكوني‪..‬‬
‫الليل هنا‪ -‬غواية وأفق للتناغم بين الذكورة واألنوثة‪،‬‬
‫يختلج بش��هوات وإرهاصات هي مزي��ج من الجنس‬
‫المتساوق مع الموت بنفس درجة تناغمه مع الحياة‪..‬‬
‫يعتم��د التكوين اإلنش��ائي للوح��ة تك��رار وتقابل‬
‫الشخصيات رجل وحيد وامرأة وحيدة في زاويتين‬
‫متكاملتي��ن ورجل وامرأة ومثلهم��ا اثنان في الزاوية‬
‫المقابلة بينما يجري الحدث األساسي في مركز‬
‫اللوحة حيث الموت المتخفي بالسواد يغتصب الرجل‬
‫المرتاع الذي فجعه الهج��وم المباغت للموت فقاومه‬
‫بقوة وكان هو الشخص الوحيد المتمتع بصحو الحياة‬
‫بين األجساد الراقدة‪..‬‬
‫ثم��ة لي��ل‪ ،‬لكننا نرى األجس��اد مض��اءة بالحب أ و‬
‫مقذوفة في متع النوم بعد الحب‪..‬‬
‫وثمة رجال ونس��اء على برزخ الحياة مابين الش��هوة‬
‫الذاوية والموت ومابين العتمات وضوء الجسد المشع‬
‫لتوحش‬
‫بتنويعات التجربة االيروس��ية‪ ،‬واستس�لامه ّ‬
‫الليل حين يكون على وش��ك اختطا ف الجسد بتلك‬
‫الغالالت السود التي تحجب أجزاء من أجسام الراقدين‬
‫وتكدر نصوع الجمال المخدر بالمتع‪..‬‬
‫تتع��ارض كثافة الحضور اإلنس��اني ف��ي اللوحة –‬
‫متمثلة باألجساد الراقدة في حمى ايروس ‪ -‬مع تفرد‬
‫ثاناتوس الهابط كش��بح أسود وحيد وغامض ومجلل‬
‫بالعتمة على جس��د الرجل العاري ف��ي مركز اللوحة‪،‬‬
‫حي��ث تترك��ز حتمية الموت في س��لطة متوحش��ة‬
‫تغتصب رجولة الش��خص المفزوع‪ ،‬الموت يداهم آلة‬
‫الجنس ف��ي حربه المس��تديمة مع اي��روس ويحاول‬
‫إخصاء الحياة في صحوتها وعنفوانها‪..‬‬
‫يلتقط الرس��ام الهج��وم المباغت للم��وت والمقاومة‬
‫العنيف��ة للرجل‪ ،‬على نحو مده��ش ويقدم لنا بداهة‬
‫التهديد المحتوم للموت المعلق فوق رؤوس��نا جميعا‬
‫تماسه‬
‫وبخاصة في انخداع اإلنس��ان باألبدية لحظة ّ‬
‫مع المطلق‪..‬‬
‫المركزي في اللوح��ة أن يكون تمثيال‬
‫يكاد الش��خص‬
‫ّ‬
‫لش��خصية الرسام وتجربته األليمة مع الموت وجسده‬
‫المس��تفز القوي يفيض بممكنات الحياة وتش��ع منه‬
‫الرغبة التي ال يمهلها الموت‪..‬‬
‫ّ‬
‫كل جسد في اللوحة ‪-‬س��واء ذلك الذي ينعم باللذة‬
‫أو ذل��ك المنكفئ على وحدته ‪-‬يش��ي بدخان الحرب‬
‫الخفية بين الحب والموت ويبوح أكثر بمعضلة العدم‬
‫المتربص باألجس��اد ليحيلها رمما ورمادا وسوادا بعد‬
‫تألقها في الحب‪..‬‬
‫ل��ذة الجن��س هنا تق��ارب الموت في آون��ة المطلق‬

‫العدد(‪ )8‬السنة االولى ‪ 15 -‬تشرين االول ‪2009‬‬

‫فتس��تدعيه ليكون برهانها على السطوع العابر في‬
‫عتمة الليل ‪..‬‬

‫لوحة النهار ‪:1900‬أسلبة العري‬
‫وشعرية الضوء‬

‫مك��ر النهار يغوي ببهاء الخم��س العاريات في عزلة‬
‫الماء والضوء‪ -‬على ش��اطئ بحيرة معشب‪ -‬محاطات‬
‫بنميم��ة البصر‪ ،‬وتأويالت العقل‪ ،‬مكرس��ات للتو ّغل‬
‫في الطبيعة والتالش��ي في تفاصيلها‪ ،‬يعرضن في‬
‫خدرهن النهاري بداهات يقظة ملتبسة بالحلم‪ ،‬يقظة‬
‫إش��باع عاطفي‪ ،‬واستسالم للحظة الحاضر المكشوفة‬
‫العارية تحت فيوض الشمس‪ ،‬النساء الخمس ينسجن‬
‫ش��كل النهار واآلونة الحية ّ‬
‫كل بإيماءاتها وطريقتها‬
‫في التعاطي مع عريها المضيء‪..‬‬
‫مخلصات لعريهن الف��واح بالبراءة‪ ،‬وهنّ يزاولن عبور‬
‫الزمن تحت أنظارن��ا التي ال تخطئ في رؤية األبدية‬
‫متخفية في وجوه النس��اء المستفيقات ت ّوا من ذلك‬
‫الليل المهدد‪..‬‬
‫الشمس��ي يوهمنا بإمكان اإلفالت من قبضة‬
‫ُعريهن‬
‫ُّ‬
‫الم��وت‪ ،‬وانغم��ار أجس��ادهن بالضوء يس��تبعد ّأي‬
‫فكرة للموت ‪ :‬أجس��ادهن لم تخضع لمعايير الجمال‬
‫النمطي��ة ب��ل تجاوزته��ا إلى اإلق��رار بفتن��ة خلل‬
‫المقي��اس المتعارف عليه وقبول الطبيعة كما ترتئي‬
‫عش��وائيتها أحيانا ربم��ا لخداع الموت ع��ن الجمال‬
‫الكامن تحت الجسد المعلن‪..‬‬
‫المرأة العارية التي تتوس��ط اللوح��ة (هي موديله‬
‫المتك��رر ف��ي معظم األعم��ال)‪ ،‬يكاد توتر جس��دها‬
‫المس��تيقظ وحركة ذراعيها وإيماءات يديها أن يحرج‬
‫صفاء اإلفاقة بالعودة إلى قاع حلم‬
‫المتوحش المنبث��قُ من مالمحها‬
‫ش��هواني‪ ،‬فحزنها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ويؤس��س لألنوث��ة ثأرها م��ن الليل‪،‬‬
‫يخ��رق النه��ار ّ‬
‫صمتها كان فادحا ألنه أش��به بصيحة وس��ط العراء‬
‫يتردد صداها إلى ما ال نهاية‪ ،‬والنساء األخريات في‬
‫ظاهرهن الالمبالي كنّ على وعي بما يهدّد هذا الجسد‬
‫المنتشي بالنور‪ ،‬لكنهن يجازفن بعريهن ويتوغلن في‬
‫الغياب متنائيات عن الجس��د وكأنه ال ينتمي إليهن‬
‫بقدر ما ينتمي للماء والزهور والهواء والش��مس التي‬
‫تتل ّقى صالة األجساد المستفيقة‪..‬‬
‫نظ��رة واحدة أخرى إلى عاريات النه��ار تخبرنا أنهن‬
‫حارس��ات األبدية في النهار الماكر‪ ،‬ه��نّ المقيمات‬
‫في الضوء الالئي غادرن الزمن األرضي إلى النهايات‬
‫األبع��د للوج��ود‪ ،‬مس��حورات باليقظ��ة ومس�� ّيرات‬
‫بالحلم‪..‬‬
‫على إيقاع حركة األجس��اد المستفيقة التي تحيلنا‬
‫إلى العمل الموسيقى باليه (طقوس الربيع) للموسيقار‬
‫الحداثي ( إيغور سترافنسكي) ‪ -‬برع هودلر في توزيع‬
‫االنعكاس��ات عل��ى ّ‬
‫كل واحدة من نس��ائه الخمس‬
‫العاريات إنما بأس��لبة تتباين في التفاصيل وجرعة‬
‫اإليروس��ية لكل ام��رأة منهنّ ‪ ،‬وهنّ يش��اركن األرض‬
‫إفاقتها‪ ،‬واستنادا إلى إيقاع أجسادهنّ المتناغم مع‬
‫صعود النهار يتالش��ى ذلك التهدي��د المبرم للموت‬
‫ويتراج��ع ربم��ا حتى أف��ول الضوء‪ ،‬فالنه��ار خادع‬
‫باألم��ان الذي يضل��ل به خطوة اإلنس��ان نحو الليل‬
‫وكأنهم��ا ‪ -‬النه��ار والليل‪ -‬يتقاس��مان لعبة الخداع‬
‫المتكررة ويتواطآن على ترسيم خطوات العدم‪..‬‬
‫لغة الضوء والعري هي األسلوب الذي يستعيد النهار‬
‫من قبضة الليل‪ ،‬فالجسد الذي كان في اللوحة الليلية‬
‫ملطخا بخرق س��ود تمهد الكتمال س��طوة الموت‪ ،‬ها‬
‫هو اآلن يتألق ناجيا ومشعا يتعالى في اشتباكه مع‬
‫الحي��اة وعناصرها‪ ،‬ح ّرا ومندغم��ا باألبدية عبر يقظة‬
‫تدحض مكر النهار إلى حين‪..‬‬
‫وعلى أساس هذا العمل رسم هودلر تنويعات متعددة‬
‫ما بي��ن ‪ 1904‬و‪ 1907‬ثم عم��د ثانية إلى إعادة‬
‫تكوين وأسلبة اللوحة في ‪ 1910‬وعرضت تنويعات‬
‫هذا العمل المحتفي بعري النس��اء الضوئي ألول مرة‬
‫في هذا المعرض باعتبارها دراسة مستفيضة لعالقة‬
‫الجسد بالضوء والنهار والطبيعة والكون‪..‬‬

‫مكان وزمان ‪31‬‬

‫وتحت السرير تفاح‬

‫‪ ‬حنان درقاوي‬
‫كاتبة مغربية ‪ -‬فرنسا‬

‫امي تخبئ تفاح االسبوع تحت السرير لكي تتجنب ان نأكله دفعة واحدة‪ .‬كانت‬
‫تضمن بذلك نصف تفاحة للجميع طيلة االسبوع‪ .‬في ذلك الزمن البعيد كنت ادخل‬
‫غرفة نوم والدي فتهجم علي رائحة تفاح ميدلت الزكية واتخيل االشياء اللذيذة‬
‫التي تحدث في هذه الغرفة‪.‬‬
‫الحقيقة لم تكن كلها لذيذة تلك االشياء الن ابي كان كثيرا ما يعود مخمورا ويتقيأ‬
‫قيئا احمر كانت رائحته الفظيعة تمأل الغرفة وكانت تمأل انف امي وهي تنظف‬
‫قيء بعلها‪.‬‬
‫حين بدأت الج سريا غرف عشاقي كنت ابحث عن رائحة التفاح في غرفهم وابدأ‬
‫الخلوة باالطاللة تحت السرير الرى سلة التفاح‪.‬‬
‫والن عشاقي كانوا في البداية شبابا مليحين وطلبة فقراء فما كان تحت السرير‬
‫االجوارب متسخة‪.‬‬
‫لم اكن اهتم المر الجوارب‪ .‬كنا نعرف تماما لماذا نحن في غرفة مقفلة ولهذا‬
‫نشرع في طقس التعري وبعدها نغرق في قبل محمومة قبل ان يتشابك الجسدان‬
‫ونلهث خلف لذة كانت التصل في اغلب االحيان الن الشباب مسرعون وينتشون‬
‫دون االلتفات الى جسد االخر‪ .‬كنت اتساءل ان كانت هاته السرعة عائدة الى‬
‫الحرمان ام الى عادات الرجل العربي الذي التهمه اال متعته ويخيفه انتشاء المرأة‪.‬‬
‫كنت بعد الحب افتقد رائحة التفاح والني كنت ارفض الحنين واعتبره عاطفة‬
‫ضعيفة عوضت رائحة التفاح بالسجائر وصار لي طقس بعد الجنس هو تدخين‬
‫سيجارة وانا ادير ظهري لعشيق ذلك اليوم‪.‬‬
‫كنت افصل تماما بين الجنس والحب واضع متاريس بيني وبين الحب الذي‬
‫تتحدث عنه صديقاتي وهو يجعلهن يبكين ويسهدن الليالي ويلجأن الي لكتابة‬
‫رسائل رقيقة كانت تدر علي مصروفا قليال فكنت اكتب الرسالة العاطفية بدرهمين‬
‫وكلما كتبت رسالة الحدى صديقاتي ازددت اقتناعا‬
‫انني الاريد حبا‬
‫اريد فقط جسدا عاريا‬
‫وان اشم رائحة التفاح تحت السرير ‪‬‬

‫عدسة ‪ -‬علي طالب‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful