1

2

3

‫يمنع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا‬
‫الكتاب بأي وسيلة تصويرية أو الكترونية أو‬
‫ميكانيكية بما فيه التسجيل الفوتوغرافي‪.‬‬
‫والتسجيل على أشرطة أو اقراص قرائية‬
‫أو أي وسيلة نشر أخرى أو حفظ‬
‫المعلومات‪ ،‬واسترجاعها دون إذن خطي‬
‫من الناشر‬

‫‪ISBN 9953-29-623-5‬‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪ 1425‬هـ ‪ 2004 -‬م‬

‫محفوظة‬
‫َ‬
‫جميع الحقوق َ‬

‫عين التينة‪ ،‬شارع ساقية الجنزير‪ ،‬بناية الريم‬
‫هاتف‪860138 - 785108 - 785107 (1-961) :‬‬
‫فاكس‪ 786230 (1-961) :‬ص‪.‬ب‪ - 5574-13 :‬بيروت ‪ -‬لبنان‬

‫‪4‬‬

‫سورة البقرة‬
‫البريد اللكتروني‪:‬‬
‫الموقع على شبكة النترنت‪:‬‬

‫‪asp@asp.com.lb‬‬
‫‪http://www.asp.com.lb‬‬

‫التنضيد وفرز اللوان‪ :‬أبجد غرافيكس‪ ،‬بيروت ‪ -‬هاتف )‪785107 (9611‬‬
‫الطباعة‪ :‬مطابع الدار العربية للعلوم‪ ،‬بيروت ‪ -‬هاتف )‪786233 (9611‬‬

‫‪5‬‬

‫الهداء‬
‫إلى رسولنا الحبيب محمد‪ ،‬صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييلم‪ ،‬الييذي عّلمنييا أن عزتنييا وقوتنييا فييي‬
‫تمسكنا بكتيياب اللييه تعييالى‪ ،‬فقييال‪ :‬إن اللييه‬
‫يرفع بهذا الكتاب أقواما ً ويضع به آخرين‪..‬‬
‫إلى الصييحابي الجليييل زيييد بيين ثييابت‪ ،‬الييذي‬
‫جمع القرآن‪ ،‬واؤتمن على أعظم مهميية فييي‬
‫التاريخ وهو في ريعان الشباب…‬
‫إلى شباب السلم‪ ،‬أحفاد الصييحابة الكييرام‪،‬‬
‫الييذين كييان ينييادى بهييم فييي المعييارك عنييد‬
‫اشتداد الزمات‪ :‬يا أهل القرآن‪ ،‬زينوا القرآن‬
‫بالفعال‬
‫إلييى أهييل القييرآن‪ ،‬الييذين هييم أهييل اللييه‬
‫وخاصته‪،‬‬
‫أهديكم خواطر قرآنية‬
‫نظرات في أهداف سور القرآن‬
‫‪6‬‬

‫إهدا‬
‫ء‬

‫سورة البقرة‬

‫عمرو خالد‬

‫‪7‬‬

‫لمسة وفياء‬
‫إليييى العلمييياء الجلء والسيييادة الفاضيييل‬
‫والجنييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييود‬
‫المجهولين الذين شيياركوا فييي تحضييير هييذه‬
‫المييييييييييييييييييييادة القرآنييييييييييييييييييييية‪،‬‬
‫ولم يبخلوا بعلم ول جهد ول وقييت‪ ،‬فجزاهييم‬
‫اللييييييييييييييه عنييييييييييييييي وعيييييييييييييين‬
‫أمة القرآن خير الجزاء‬
‫عمرو خالد‬

‫‪8‬‬

‫خوا‬

‫اسم السورةهدفها‬
‫الصفحة‬
‫‪15‬‬

‫سورة الفاتحة‪ :‬حاوية أهداف القرآن‬
‫سورة البقرة‪ :‬أنت مسؤول عن الرض‬
‫‪24‬‬
‫الثبات على المنهج‬
‫سورة آل عمران‪:‬‬
‫‪45‬‬
‫سورة النساء‪ :‬العدل والرحمة خاصة مع الضعفاء‬
‫‪65‬‬
‫‪80‬‬
‫سورة المائدة‪ :‬أوفوا بالعقود‬
‫سورة النعام‪ :‬توحيد الله تعالى في العتقاد والتطبيق‬
‫‪98‬‬
‫احسم موقفك في الصراع بين الحق والباطل‬
‫سورة العراف‪:‬‬
‫‪111‬‬
‫سورة النفال‪ :‬قوانين النصر مادية وربانية‬
‫‪125‬‬
‫سورة التوبة‪ :‬التوبة‬
‫‪137‬‬
‫سورة يونس‪ :‬اليمان بالقضاء والقدر‬
‫‪148‬‬
‫سورة هود‪ :‬التوازن في الثبات على الحق دون ركون أو تهور‬
‫‪159‬‬
‫سورة يوسف‪ :‬ثق بتدبير الله‪ ،‬واصبر ول تيأس‬
‫‪171‬‬
‫سورة الرعد‪ :‬قوة الحق وضعف الباطل‬
‫‪177‬‬
‫سورة إبراهيم‪ :‬نعمة اليمان ونقمة الكفر‬
‫‪184‬‬
‫‪9‬‬

‫طر‬
‫قرآنية‬

‫‪10‬‬

‫سورة البقرة‬

‫سورة الحجر‪ :‬حفظ الله لدينه‬
‫‪190‬‬
‫سورة النحل‪ :‬نعم الله تعالى‬
‫‪196‬‬
‫استشعر قيمة القرآن‬
‫سورة السراء‪:‬‬
‫‪208‬‬
‫سورة الكهف‪ :‬العصمة من الفتن‬
‫‪218‬‬
‫سورة مريم‪ :‬توريث الدين للبناء‬
‫‪230‬‬
‫السلم منهج السعادة‬
‫سورة طه‪:‬‬
‫‪237‬‬
‫سورة النبياء‪ :‬دور النبياء في تذكرة البشرية‬
‫‪243‬‬
‫سورة الحج‪ :‬دور الحج في بناء المة‬
‫‪247‬‬
‫صفات المؤمنين‬
‫المؤمنون‪:‬‬
‫‪251‬‬
‫سورة النور‪ :‬شرع الله نور المجتمع‬
‫‪255‬‬
‫التحذير من سوء عاقبة المكذبين‬
‫سورة الفرقان‪:‬‬
‫‪268‬‬
‫دور العلم في توصيل رسالة السلم‬
‫سورة الشعراء‪:‬‬
‫‪274‬‬
‫اسم السورةهدفها‬
‫الصفحة‬
‫سورة النمل‪ :‬أهمية التفوق الحضاري‬
‫‪279‬‬
‫الثقة بوعد الله‬
‫سورة القصص‪:‬‬
‫‪290‬‬
‫احذر من الفتن‬
‫سورة العنكبوت‪:‬‬
‫‪300‬‬
‫سورة الروم‪ :‬آيات الله ظاهرة وواضحة‪ ،‬فكيف ل تؤمنون‬

‫سورة البقرة‬

‫‪11‬‬

‫‪305‬‬
‫سورة لقمان‪ :‬تربية البناء‬
‫‪309‬‬
‫الخضوع لله تعالى‬
‫سورة السجدة‪:‬‬
‫‪315‬‬
‫سور الستسلم لله‬
‫‪317‬‬
‫ سورة الحزاب‪ :‬الستسلم لله في المواقف الحرجة‬‫ سورة سبأ‪ : :‬الستسلم لله سبيل بقاء الحضارات‬‫ سورة فاطر‪ :‬الستسلم لله سبيل العزة‬‫ سورة يس‪ :‬الستسلم لله بالصرار على الدعوة حتى لو يئست‬‫من النتيجة‬
‫ سورة الصافات‪ :‬الستسلم لله وإن لم تفهم الحكمة من أوامره‬‫ سورة ص‪ :‬الستسلم لله بالعودة إلى الحق دون عناد‬‫سورة الزمر‪ :‬الخلص لله تعالى‬
‫‪334‬‬
‫سورة غافر‪ :‬أهمية الدعوة إلى الله وتفويض المر إليه‬
‫‪340‬‬
‫واجبات ومحاذير للمة المسؤولة عن الرض‬
‫‪346‬‬
‫ سورة فصلت‪ :‬حسن الستقبال لوامر الله تعالى‬‫ سورة الشورى‪ :‬التحذير من الفرقة‪ ،‬والمر بالشورى‬‫ سورة الزخرف‪ :‬التحذير من النبهار بالمظاهر المادية‬‫ سورة الدخان‪ :‬التحذير من النبهار بالسلطة والتمكين‬‫ سورة الجاثية‪ :‬التحذير من التكبر والتعالي‬‫ سورة الحقاف‪ :‬نماذج لمن أجاب ولمن رفض أوامر الله‬‫سور محمد‪ :‬طاعة النبي صلى الله عليه وسلم مقياس قبول العمال‬
‫‪361‬‬
‫سور الفتح‪ :‬سورة الفتوحات والتجليات الربانية‬
‫‪361‬‬
‫أدب العلقات‬
‫سورة الحجرات‪:‬‬
‫‪361‬‬
‫سور الختيار‬

‫‪12‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪373‬‬

‫ سورة ق‪ :‬الختيار بين الهدى والضلل‬‫ سورة الذاريات‪ :‬العطاء والمنع بيد الله ففروا إلى الله‬‫ سورة الطور‪ :‬الختيار بين طريق الجنة وطريق النار‬‫ سورة النجم‪ :‬اختر مصدر معلوماتك‬‫ سورة القمر‪ :‬التعرف على الله تعالى من خلل نقمه‬‫اسم السورةهدفها‬
‫الصفحة‬
‫القمر‪ :‬التعرف على الله تعالى من خلل نعمه‬
‫الواقعة‪ :‬وكنتم أزواجا ً ثلثة‬
‫الحديد‪ :‬التوازن بين المادية والروحانية‬
‫للسلم‬

‫ سورة‬‫ سورة‬‫ سورة‬‫سور النتماء‬
‫‪393‬‬
‫ سورة المجادلة‪ :‬التبرؤ من المناهج الخرى والتصال بالسلم‬‫ سورة الحشر‪ :‬مواقف مختلفة من النتماء لدين الله‬‫ سورة الممتحنة‪ :‬امتحانات النتماء‬‫ سورة الصف‪ :‬أهمية وحدة الصف‬‫ سورة الجمعة‪ :‬دور صلة الجمعة في النتماء‬‫ سورة المنافقون‪ :‬خطر النفاق‬‫ سورة التغابن‪ :‬مشاغل اجتماعية تضيع النتماء‬‫ سورة الطلق‪ :‬ل للخلف‬‫ سورة التحريم‪ :‬دور المرأة في تحقيق النتماء لدين الله‬‫سور الجزء التاسع والعشرين‪ :‬الدعوة إلى الله‬
‫‪414‬‬
‫سور الجزء الثلثين‪ :‬ختام المنهج الرباني‬
‫‪425‬‬

13

‫مقد‬
‫مة‬
‫الحمد لله الييذي أنييزل علييى عبييده الكتيياب ولييم‬
‫يجعل له عوجًا‪،‬‬
‫الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن‬
‫هدانا الله‬
‫هذا الكتاب ليييس كتياب تفسييير‪ ،‬ول يهيدف إليى‬
‫تفسييير آيييات القييرآن بالتفصيييل‪ ،‬وميين أراد ذلييك‬
‫فليرجع إلى أمهييات الكتييب فييي التفسييير‪ ،‬كتفسييير‬
‫الطبري وابن كثير وغيرها من كتييب التفاسييير الييتي‬
‫تمتلئ بها مكتبتنا السلمية‪ ...‬لكن فكرة هذا الكتاب‬
‫مختلفة‪ ،‬وهدفه مختلف‪.‬‬
‫فكرة هذا الكتياب تراودنيي منيذ عشير سينوات‪،‬‬
‫تحدييييدا ً رمضيييان مييين كيييل عيييام‪ ...‬حييييث يقبيييل‬
‫المسلمون فييي كييل العييالم السييلمي علييى قييراءة‬
‫القرآن وختميه فيي شيهر رمضييان المبيارك‪ .‬لكننيي‬
‫كنت أحزن كثيرا ً عنييدما أجييد هييذه الرغبيية الصييادقة‬
‫لقييراءة القييرآن دون أن يرتبييط بهييا فهييم واضييح‬
‫لهييداف هييذه السييورة‪ ،‬ولميياذا نزلييت‪ ،‬ومييا هييي‬
‫جهها لنا هذه السورة‪ .‬وبالتالي كنت‬
‫الرسالة التي تو ّ‬
‫أجد الناس يقرأون القرآن ويستشعرون فييي قييرارة‬
‫‪14‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪15‬‬

‫أنفسهم أن معاني القرآن غريبة عنهم‪ ،‬بل قد ينظيير‬
‫لها البعيض عليى أنهيا طلسيم غيير مفهومية‪ ،‬يجيب‬
‫علينا قراءتها دون إدراك مغزاها وأهدافها‪ .‬وقد يفهم‬
‫البعض معاني كلمات اليات‪ ،‬ولكنه يشييعر أن آيييات‬
‫كييل سييورة متنيياثرة‪ ،‬ليييس لهييا أييية علقيية تربطهييا‬
‫ببعضها‪ ،‬وأنه ل يوجد هدف واحد للسورة تنتظم فيه‬
‫جميع آياتها‪ .‬ومن هنا بدأت الفكرة‪ :‬أن نقييوم بعمييل‬
‫متواضع في سبيل كسر الحواجز بييين شييباب الميية‬
‫وبين كتاب الله‪.‬‬
‫هذا الكتاب يؤكد لقارئ القيرآن أن اليترابط بيين‬
‫آيات كل سورة ترابييط وثيييق‪ ،‬و أن كييل سييورة لهييا‬
‫موضوع واحد وأهداف محددة‪ ،‬وأن آيات السورة قد‬

‫تبدو لول وهلة متناثرة غييير مترابطيية؛ لكنييك إن‬
‫أمعنت النظر‪ ،‬وعرفت هييدف السييورة وموضييوعها‪،‬‬
‫عرفييت أن آيييات السييورة متصييلة اتصييال ً عجيبييًا‪،‬‬
‫يوصلك بقوة لدراك هدف السورة‪ ،‬مما يزيدك حبا ً‬
‫و‬
‫وَلــ ْ‬
‫لكتاب الله وإيمانا ً بأنه تنزيل من حكيم خبير ‪َ ‬‬
‫خت ِل َ ٰـــفا ً‬
‫َ‬
‫د َ‬
‫ه ٱ ْ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫في ِ‬
‫عن ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ج ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ر ٱلله ل َ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ك َِثيرا ً‪ ‬وبذلك نرى أن كل سورة من سور القييرآن‬
‫هي عبارة عن وحدة متكاملة‪ ،‬تحقييق هييدفا ً واضييحًا‪،‬‬
‫وكل آية تخدم هذا الهدف ميين طريييق واحييد أو ميين‬
‫عييدة طييرق‪ .‬وحييتى اسييم السييورة لييه علقيية بهييذا‬

‫‪16‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الهدف ) ومن هنا نفهم سبب تسمية سييور القييرآن‪،‬‬
‫كالبقرة وآل عمران ويونس والنمييل‪ (...‬وليييس هييذا‬
‫فحسب‪ ،‬بل أن كل سورة لها علقة قوية بمييا قبلهييا‬
‫وما بعدها من السور‪ ،‬لن ترتيييب سييور القييرآن هييو‬
‫أيضا ً وحي من عند الله‪ ،‬وبييذلك نسييتخلص أن سييور‬
‫القرآن كلهييا عبييارة عيين سلسييلة واحييدة مترابطيية‪،‬‬
‫بحيييث انييك لييو فهمييت هييدف أو اهييداف السييور‬
‫القرآنية‪ ،‬ستجد أنك قد فهمت مييراد ربنييا ميين هييذه‬
‫السور وماذا يريد منك الله في هذا الكتاب‪ ،‬حتى لو‬
‫لم تفهم معنى كل آية وكل كلمة علييى حييدى‪ ،‬لنييك‬
‫إذا فهمت الهداف الكلية للسور فتكون قييد فهمييت‬
‫القرآن كله‪ ،‬وبذلك يكون هذا الكتيياب مفيييدا ً للعاميية‬
‫والبسيييطاء‪ ،‬ليعطيهيييم المبيييادئ الساسيييية لفهيييم‬
‫جهييا ً لحفظيية‬
‫القرآن‪ ،‬كما يكون في نفس الوقت مو ّ‬
‫القرآن والمهتمين بعلم التفسير‪ ،‬كمحاولة متواضعة‬
‫مني لعرض المحاور والموضوعات الساسية لسييور‬
‫القرآن‪ ،‬وبهذا سيكون منهجنييا فيي عيرض الخييواطر‬
‫القرآنية على الشكل التالي‪:‬‬
‫ تحديد هدف السورة‬‫ عرض اليات المؤكدة لهذا الهدف‬‫ بيان علقة اسم السورة بهدفها‬‫ اظهار علقة السورة بما قبلها وما بعدها‬‫‪ -‬اختيار بعض اليات للتعليق عليها‬

‫سورة البقرة‬

‫‪17‬‬

‫ول بييد ميين التأكيييد علييى أن هييذا الكتيياب ليييس‬
‫تفسيرًا‪ ،‬فكل ما فيه هو اجتهاد ومحاوليية لمسيياعدة‬
‫الشباب نحو المزيد من الفهم والتدبر ليات القييرآن‬
‫وترابييط سييوره‪ .‬وليييس لحييد الكلميية الخيييرة فييي‬
‫القيييرآن‪ .‬وإن الوصيييول إليييى الموضيييوع والمحيييور‬
‫الساسييي للسييورة القرآنييية ليييس بييالمر السييهل‪،‬‬
‫لبلغة كلم الله وعمق ودقة وتجدد معانيه من جهة‪،‬‬
‫ولمكانياتي المحدودة والقاصرة ميين جهيية أخييرى‪...‬‬
‫فهو اجتهاد مني وميين فريييق العمييل والبحييث الييذي‬
‫قام مشكورا ً بإعداد هذه المادة‪ ،‬فما أصبنا وأحسيينا‪،‬‬
‫فمن الله‪ ،‬وما أخطأنييا وزللنييا‪ ،‬فميين أنفسيينا‪ ..‬وهنييا‬
‫يحضرني قول العماد الصييفهاني‪ :‬إنييي رأيييت أنييه ل‬
‫يكتب إنسان كتابا ً من يومه إل قال في غده‪ :‬لو غير‬
‫هذا لكان أحسن‪ ،‬ولو زيد لكان يستحسن‪ ،‬ولو قييدم‬
‫هذا لكان أفضل‪ ،‬ولو تييرك هييذا لكييان أجمييل‪ ،‬وهييذا‬
‫مييييييين أعظيييييييم العيييييييبر‪ ،‬وهيييييييو دلييييييييل‬
‫على استيلء النقص عند البشيير بعييد هييذه المقدميية‬
‫المختصييرة‪ ،‬أدعييوك أخييي الكريييم إلييى أن تفتييح‬
‫مصحفك معنا‪ ،‬وتشيياركنا جلسيياتنا القرآنييية الهادفيية‬
‫ميييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييع‬
‫هذا الكتاب‪..‬‬

18

‫سورة الفاتحة‬
‫سورة الفاتحة )مكية(‪ ،‬وعييدد آياتهييا سييبع آيييات‪،‬‬
‫وهي خامس سورة من حيث التنزيل‪...‬‬
‫مييا هييو سيير سييورة الفاتحيية؟ لميياذا افتتييح بهييا‬
‫المصيييحف؟ ميييا سييير تسيييميتها بيييأم الكتييياب‪ ،‬وأم‬
‫القرآن‪..‬؟ لماذا نقرأها في اليوم والليلة سبع عشرة‬
‫مرة على القل؟ لماذا ل تصح الصلة ال بقراءتها؟‬
‫أهميتها‬

‫وأكثر من ذلك كله‪ ،‬يقول النبي ‪ ‬لحد الصحابة‬
‫»لعلمّنك أعظم سورة في القرآن« فقال ما‬
‫هي يييا رسييول اللييه؟ فقييرأ عليييه الصييلة والسييلم‪:‬‬
‫»الحمــــد للــــه رب العــــالمين‪ ...‬الرحمــــن‬
‫الرحيم‪ ...‬إلــى آخــر الســورة«‪.‬حييين بي ّيين اللييه‬
‫تعالى في سورة الحجر عظمة القرآن قييال تعييالى‪:‬‬
‫ول َ‬
‫قـــدْ ءات َي ْن َ ٰــــ َ‬
‫‪َ‬‬
‫مَثـــاِني‬
‫ســـب ْ ً‬
‫ك َ‬
‫مـــ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫عا ّ‬
‫َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫م‪ ‬والسييبع المثيياني هييي‬
‫ع ِ‬
‫قــْرءا َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ظيــ َ‬
‫َ‬
‫الفاتحة‪ ،‬وقد سميت بالمثاني لكثرة تكرارها‪...‬‬
‫يقييول النييبي ‪» :‬والـذي نفسـي بيـده مـا‬
‫أنزل الله في التوراة ول النجيل ول الزبور‬
‫‪19‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫الفاتحة‬

‫‪20‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ول الفرقان مثلها إنها السبع المثاني« رواه‬
‫المام أحمد‪.‬‬
‫أسماؤها‬

‫ولفضلها وشرفها‪ ،‬سميت هييذه السييورة بأسييماء‬
‫كثيرة‪ ،‬فهي أم القييرآن‪ ،‬والسييبع المثيياني‪ ،‬والوافييية‬
‫والكافييية‪ ،‬لكفايتهييا عيين غيرهييا وحاجيية غيرهييا اليهييا‬
‫واكتفاؤه منها‪ .‬فهي تفيض على المؤمن نورا ً يضيء‬
‫حياته‪ ،‬وخيرا ً الهيا ً يغلق عنه أبواب الفتيين ويفتييح لييه‬
‫أبواب الرحمات‪.‬‬
‫أي سر؟ وأي عظمة لهذه السييورة الييتي يقرأهييا‬
‫الكييثير ميين المسييلمون ميين دون أن يفقهييوا هييذه‬
‫المعاني وهذه الرسائل؟‬
‫حاوية أهداف القرآن‬

‫ن سر الفاتحة يكمن في اشييتمالها علييى جميييع‬
‫إ ّ‬
‫معاني القرآن‪ ،‬فكييل معنيى فيي القييرآن تجييده فييي‬
‫الفاتحة‪ ،‬وكل أهداف القرآن جمعت في هذه اليات‬
‫السبع‪.‬‬
‫كيف هذا؟ تعال معي لنعيش لحظييات رائعية مييع‬
‫أول سورة في القرآن‪:‬‬
‫محاور القرآن‬

‫يدور حديث كتاب الله حييول ثلثيية معييان يطلبهييا‬
‫من المؤمنين به والقارئين له‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪21‬‬

‫‪ .1‬عقائد )فيمن نعتقد(‬
‫‪ .2‬عبادات )كيف نعبد من نعتقد فيه(‬
‫‪ .3‬مناهج الحياة )المنهج الذي أراده الله تعالى لنا(‬
‫فييالقرآن يييدعو أول ً للعقيييدة الصييحيحة‪ ،‬أي أن‬
‫تؤمن بالله تعالى إيمانا ً صحيحا ً على أسس سييليمة‪.‬‬
‫وهو ثانيا ً يييدعو للعبييادة الصييحيحة وإقاميية الشييعائر‪،‬‬
‫ن السلم منهج‬
‫ولكن العبادة ليست كافية لوحدها ل ّ‬
‫حياة شامل ومتكامل‪.‬‬
‫وسورة الفاتحة قد اشتملت على هييذه الهييداف‬
‫الثلثيية‪ ،‬ففييي محييور العقيييدة تقييرأ قييوله تعييالى‪:‬‬
‫ن‬
‫ٱ‬
‫ن ‪‬‬
‫ع ٰــــل َ ِ‬
‫ٱلّر ْ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫مـــدُ للـــه َر ّ‬
‫‪‬ل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫م ٰــــ ِ‬
‫حيم ِ‪ .‬فالتوحيييد واليمييان بيياليوم الخيير همييا‬
‫ٱلّر ِ‬
‫أساس عقيدة المسييلم‪ .‬وفييي محييور العبييادة تقييرأ‪:‬‬
‫وإ ِّيا َ‬
‫‪‬إ ِّيا َ‬
‫ن ‪ .‬وفي منهييج حييياة‬
‫ست َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫عب ُدُ َ‬
‫ص ـَرا َ‬
‫م‬
‫س ـت َ ِ‬
‫المسلم تقرأ‪  :‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫ط ٱل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ْ‬
‫ضو ِ‬
‫غي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫والقرآن كلييه بعييد سييورة الفاتحيية إمييا أن يكييون‬
‫سرا ً معنى الحمد لله رب العييالمين‬
‫مبّينا ً للعقائد‪ ،‬مف ّ‬
‫ومعنى الرحمن الرحيم ومعنى مالك يوم الييدين‪ ..‬أو‬
‫وإ ِي ّــا َ‬
‫مبّينا ً كيييف نعبييد اللييه تعييالى ‪‬إ ِّيا َ‬
‫ك‬
‫ك نَ ْ‬
‫عب ُـدُ َ‬
‫ن ‪ .‬أو يخبر عن المناهج في الرض وطرق‬
‫ست َ ِ‬
‫نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫الظييالمين والهييالكين وطييرق النيياجين‪ ،‬فنجييد آيييات‬
‫صـــَرا َ‬
‫ط‬
‫كييييثيرة تشييييرح معنييييى ‪ ‬ٱ ْ‬
‫هـــ ِ‬
‫دَنا ٱل ّ‬

‫‪22‬‬

‫سورة البقرة‬

‫قيم ‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫أساسيات السلم‬

‫وتذكرنا سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومعييانيه‬
‫العظيمة‪:‬‬
‫ب‬
‫م ـدُ للــه َر ّ‬
‫‪ِ .1‬نعييم اللييه تبييارك وتعييالى ‪ ‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫‪ .2‬الخلص بكلميية ‪‬إ ِّيــا َ‬
‫د ‪ .‬أي نفييردك‬
‫عُبــ ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫وحييدك يييا ربنييا بالعبييادة‪ ،‬فل نعبييد إل أنييت‪ ،‬ول‬
‫وإ ِّيا َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫نستعين بأحد إل أنت ‪َ ‬‬
‫صـَرا َ‬
‫ط‬
‫‪ .3‬طلييب الصييحبة الصييالحة ‪ ‬ٱ ْ‬
‫هـ ِ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫م‬
‫ست َ ِ‬
‫ط ٱل ّ ِ‬
‫م‪ِ ‬‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫هــ ْ‬
‫ع ْ‬
‫قي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪.‬‬
‫‪ .4‬التحذير من أصحاب السوء ‪َ ‬‬
‫ب‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضــو ِ‬
‫غي ْ ِ‬
‫َ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ .5‬أسماء الله الحسنى‪ ،‬مع التركيز على أسماء اللييه‬
‫حي ـم ِ‪ .‬فأصييل علقيية ربنييا‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫‪‬ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫بالبشيير هييي الرحميية ولييذلك ورد قييوله الرحميين‬
‫الرحيم مرتين‪.‬‬
‫ص ـَرا َ‬
‫م‬
‫س ـت َ ِ‬
‫‪ .6‬السييتقامة ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫‪.‬‬

‫ن ‪،‬‬
‫وم ِ ٱلــ ّ‬
‫م ٰـل ِ ِ‬
‫‪ .7‬الخرة والستعداد لها ‪َ ‬‬
‫ك يَ ْ‬
‫دي ِ‬
‫صَرا َ‬
‫م ‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫و‪‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫‪ .8‬أهمية الدعاء وأدب الدعاء‪ ،‬فالسورة قد اختتمييت‬

‫سورة البقرة‬

‫‪23‬‬

‫بالدعاء‪.‬‬
‫ن كل ألفاظ‬
‫‪ .9‬أمتنا أمة واحدة‪ ..‬ولذلك فإّنك تجد بأ ّ‬
‫المخاطبيية والييدعاء فييي سييورة الفاتحيية جيياءت‬
‫بصيغة الجمع فحتى لو كان المييرء يصييلي وحيييدا ً‬
‫في غرفته ل تصح صيلته بيأن يقيول "اييياك اعبيد‬
‫واياك استعين" أو "اهيدني الصيراط المسيتقيم"‪،‬‬
‫دَنا ‪ ‬و ‪‬إ ِي ّــا َ‬
‫د‪‬‬
‫فل بد ان يقول ‪ ‬ٱ ْ‬
‫هـ ِ‬
‫عب ُـ ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫وإ ِّيا َ‬
‫ن ‪ ،‬وكلها بصيغة الجمع‪ ،‬حتى‬
‫ست َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫يعرف المييرء انييه ضييمن أميية واحييدة وأنييه ليييس‬
‫وحيدا في هذا الكون‪.‬‬
‫الدب مع الله‬

‫وبالضافة إلى ما سبق‪ ،‬فإن السورة تعّلم العبييد‬
‫سييمة إلييى نصييفين‪ ،‬النصييف‬
‫الدب مع ربه‪ ،‬فهي مق ّ‬
‫الول ثنيياء علييى اللييه والنصييف الثيياني دعيياء اليييه‪.‬‬
‫م ـدُ للــه‬
‫فالثناء على الله يتجلى في اليات‪  :‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ك‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫ع ٰـــل َ ِ‬
‫م ٰـــل ِ ِ‬
‫ن ‪‬ٱلّر ْ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫َر ّ‬
‫مي َ‬
‫حيــم ِ ‪َ ‬‬
‫ح َ‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫وإ ِي ّــا َ‬
‫ن ‪ ‬إ ِي ّــا َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫سـت َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫وم ِ ٱل ـ ّ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫عب ُـدُ َ‬
‫ي َـ ْ‬
‫دي ِ‬
‫صــــَرا َ‬
‫ط‬
‫وبعييييد ذلييييك الييييدعاء‪  :‬ٱ ْ‬
‫هــــ ِ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫ص ـَرا َ‬
‫م‬
‫ست َ ِ‬
‫ط ٱل ّـ ِ‬
‫م‪ِ ‬‬
‫ن أن ْ َ‬
‫مـ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ْ‬
‫ع ْ‬
‫قي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب َ َ‬
‫َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫غ ُ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫م َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫واللطيف أن عدد أحرف الثناء في النصف الول‬
‫مسيياوية تمامييا ً لعييدد أحييرف الييدعاء فييي النصييف‬
‫الثاني‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فالسورة تعّلم المرء كيف يتعامل مع اللييه‪ ،‬فييإن‬
‫حب لييه أن يثنييي علييى اللييه أول ً‬
‫أراد الييدعاء فيسييت ّ‬
‫)فيبدأ بحمد اللييه تعييالى وتمجيييده ثييم الصييلة علييى‬
‫ن دعيياءه‬
‫رسوله ‪ ،(‬وبعد ذلك يدعو بمييا يشيياء فييإ ّ‬
‫يستجاب بإذن الله‪.‬‬
‫الحوار مع الله‬

‫إن تلوة سورة الفاتحة تفتييح لييك أعظييم أبييواب‬
‫الشرف وهو الحوار مييع اللييه تبييارك وتعييالى‪ .‬ولهييذا‬
‫جاء في الحديث القدسي‪" :‬قسمت الصلة بيني‬
‫وبين عبدي قسمين فإذا قــال العبــد الحمــد‬
‫لله رب العالمين‪ ،‬قال اللــه حمــدني عبــدي‪،‬‬
‫فإذا قال العبــد الرحمــن الرحيــم قــال اللــه‬
‫أثنى علي عبدي‪ ،‬فإذا قال العبد مالــك يــوم‬
‫جــدني عبــدي‪ ،‬فــإذا قــال‬
‫الدين قــال اللــه م ّ‬
‫العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هــذا‬
‫بينــي وبيــن عبــدي‪ ،‬فــإذا قــال العبــد إهــدنا‬
‫الصــراط المســتقيم صــراط الــذين أنعمــت‬
‫عليهم غير المغضــوب عليهــم ول الضــالين‪،‬‬
‫قال الله هذا بيني وبيــن عبــدي ولعبــدي مــا‬
‫سأل"‪.‬‬
‫ن اللييه‬
‫فتستشعر أنك كلما تقرأ سورة الفاتحة فييإ ّ‬
‫تعييالى يجيبييك‪ .‬أي شييرف هييذا فييي حييوار يكييرر رب‬
‫العزة ذكرك فيه بالعبودية ويكافئك بالجابيية مييع أنييك‬
‫لم تأت بجديد وليم تتفضيل بشيييء مين عنييدك‪ ،‬فهييو‬

‫سورة البقرة‬

‫‪25‬‬

‫سبحانه أهل الثناء كما تقول وخيرا ً مما تقول‪.‬‬
‫حساسية عمر‬

‫لذلك كان عمر بن عبييد العزيييز رضييي اللييه عنييه‬
‫كان يقرأ الفاتحة آية آية ويسكت بين الية والخرى‪،‬‬
‫وحين سئل عن سبب سييكوته قييال‪" :‬لسييتمتع بييرد‬
‫ربي"‪.‬‬
‫فلو أن قلب المرء استشعر بييأن ربييه يييرد عليييه‬
‫حين يقرأ كل آية من سورة الفاتحة لطار من كييثرة‬
‫الفرح‪...‬‬
‫جوامع خير الدهر‬

‫هل أحسست معي بأهمية السورة؟ لكل ما ذكر‬
‫يقول ابن القيم‪ :‬ان الله تعالى قد أنزل )‪ (104‬كتب‪،‬‬
‫جمييع معانيهييا فييي ثلثيية كتييب‪ :‬التييوراة والنجيييل‬
‫والقييرآن‪ ،‬وجمييع معيياني هييذه الكتييب الثلثيية فييي‬
‫القرآن‪ ،‬وجمع معيياني القييرآن فييي الفاتحيية‪ ،‬وجمييع‬
‫وإ ِي ّــا َ‬
‫معاني الفاتحة في ‪‬إ ِّيا َ‬
‫ن‬
‫سـت َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫عب ُدُ َ‬
‫‪.‬‬
‫وهييذه الييية مقسييومة إلييى قسييمين‪ ،‬كلهمييا‬
‫ضروري في السلم‪ :‬عبادة الله تعالى أي ممارسيية‬
‫الشعائر ‪‬إ ِّيا َ‬
‫د ‪ ،‬والستعانة بما خلييق اللييه‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫فييي هييذه الرض وتسييخيرها للنجيياح فييي الحييياة‬
‫ولدارة الرض وفييق منهييج اللييه )كمييا سيينرى فييي‬
‫سورة البقرة(‪ .‬ولن الصحابة فهموا هذه الية جيييدا ً‬
‫وطّبقوهييا ‪ -‬بمحوريهييا ‪ -‬فييي حييياتهم‪ ،‬قييادوا الرض‬

‫‪26‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ونجحوا في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وإننا نرى في عصرنا الحاضيير‪ ،‬بعييض المسييلمين‬
‫يطّبقون ‪‬إ ِّيا َ‬
‫د ‪ ‬فيقتصيير فهمهييم للسييلم‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك نَ ْ‬
‫علييى التييدين فقييط‪ ،‬وللسييف نييرى الغييرب يطبييق‬
‫وإ ِّيــا َ‬
‫خر ميييا فيييي الرض‬
‫ن ‪ ‬فيسييي ّ‬
‫ســت َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫لدارتها وعمارتها‪ .‬لكن السييلم يييأمر بييالتوازن بييين‬
‫المرين‪ ،‬وهذا ما تبّينه سورة الفاتحة بوضوح‪.‬‬
‫مفتاح القرآن‬

‫فلماذا سييميت بالفاتحيية؟ هنيياك معنيييان للسييم‪،‬‬
‫أحدهما قريب‪ ،‬وهو لنه افتتح بها المصييحف‪ ،‬ولكيين‬
‫المعنييى البعيييد هييو أنهييا سييميت بييذلك لنهييا مفتيياح‬
‫القييرآن )أي لمعييانيه(‪ ،‬فبهييا تفتتييح كييل سييورة ميين‬
‫سييوره‪ .‬فكييل كنييوز القييرآن فيهييا‪ ،‬ولييو فهييم المييرء‬
‫الفاتحة فسيفهم كل سور القرآن التي بعدها‪.‬‬
‫ن كيييل سيييور القيييرآن‬
‫ومييين روعييية السيييورة أ ّ‬
‫متسلسييلة فييي معانيهييا وأهييدافها ورسييائلها‪ ،‬فهييي‬
‫مرتبطيية بمييا قبلهييا ول يصييح أن تربييط ال بالسييورة‬
‫الييتي جيياءت قبلهييا بييترتيب المصييحف ال سييورة‬
‫الفاتحة‪ ،‬فلو جاءت قبل أية سيورة لوجيدت المعنيى‬
‫متص يل ً بييل متكييامل ً أيض يًا‪ .‬لييذلك فإننييا نبييدأ صييلتنا‬
‫بالفاتحة ثييم نقييرأ أي سييورة بعييدها ويبقييى المعنييى‬
‫متصل ً مهما كانت السورة‪.‬‬
‫سورتان لكلمتين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪27‬‬

‫ينبغييي أن نلحييظ علقيية الفاتحيية بالسييور الييتي‬
‫جاءت بعدها وفق ترتيب المصحف وهي البقرة وآل‬
‫دَنا‬
‫عمران‪ .‬فلقييد جيياء فييي سييورة الفاتحيية ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫صَرا َ‬
‫م ‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫ٱل ّ‬
‫ب لَ‬
‫‪‬ذل ِـ َ‬
‫وفي بداية سييورة البقييرة ٰ‬
‫ك ٱل ْك ِت َــا ُ‬
‫ن ‪ .‬وذلك إشارة إلى أن‬
‫مت ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫ب ِ‬
‫في ِ‬
‫ه ً‬
‫َري ْ َ‬
‫قي َ‬
‫دى ل ّل ْ ُ‬
‫ص ـَرا َ‬
‫م‪‬‬
‫س ـت َ ِ‬
‫قوله تعالى ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫سيشرح في سورة البقرة‪..‬‬

‫كيييف هييذا؟ اقييرأ قييول اللييه تعييالى ‪َ ‬‬
‫ر‬
‫غْيــ ِ‬
‫ب َ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫غ ُ‬
‫ضاّلي َ‬
‫ه ْ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫فالمغضييوب عليهييم والضييالين‪ ،‬صييفات لنيياس‬
‫اسييتحقوا غضييب اللييه‪ ،‬أو ضييلوا عيين صييراط اللييه‪،‬‬
‫ب َ َ‬
‫فسورة البقرة تشرح ‪َ ‬‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضو ِ‬
‫غي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن ‪.‬‬
‫‪ ‬وسييورة آل عمييران تشييرح ‪ ‬ٱل ّ‬
‫ضــاّلي َ‬
‫سورة كاملة عييدد آياتهييا ‪ 268‬آييية تشييرح كلميية فيي‬
‫ب َ َ‬
‫الفاتحيية ‪َ ‬‬
‫م ‪ ‬وسييورة‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضـو ِ‬
‫غْيـ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫كاملة وهي آل عمران تشرح ‪َ ‬‬
‫ترابط رائع في الهداف والمواضيييع سيينحس بييه‬
‫ونعيش معه أكثر عندما نتناول السورتين بالتفصيل‪.‬‬
‫رحمة للعالمين‬

‫حي ـم ِ‪ ‬قييد‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫نلحظ أن كلمة ‪‬ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫ســـم ِ اللـــه‬
‫تكيييررت مرتيييين فيييي السيييورة ‪‬ب ِ ْ‬
‫حيـــــم ِ‪ ‬وقيييييوله تعيييييالى‬
‫م‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫ٰــــــ ِ‬

‫‪28‬‬

‫سورة البقرة‬

‫حيـم ِ‪ .‬وهييذا يشييعرنا برحميية‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫‪‬ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫ربنا التي شملت الدنيا والخرة‪..‬‬
‫د‬
‫م ُ‬
‫فلفظ الرحمن الرحيم الول جاء بعد ‪ ‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ‪ ،‬فالعييالمين والييدنيا كلهييا‬
‫ع ٰـــل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫للــه َر ّ‬
‫مي َ‬
‫حيم ِ‪ ‬جيياء‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫تسير برحمة ربنا‪ ،‬و ‪‬ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫ن ‪ ‬للشييارة أن اليييوم‬
‫وم ِ ٱل ـ ّ‬
‫م ٰـل ِ ِ‬
‫بعدها ‪َ ‬‬
‫ك يَ ْ‬
‫دي ِ‬
‫الخر أيضا ً يسير برحمة الله‪.‬‬

‫فهييذه السييورة تطمئن المييرء بييأن الصييل فييي‬
‫الكون هو رحمة الله‪ ،‬وأن أصييل علقيية اللييه بعبيياده‬
‫هي الرحمة‪.‬‬
‫العالمين‪ ...‬الناس‬

‫ن ‪ ‬تدل على معنى لطيف‪،‬‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫ولفظة ‪‬ٱل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫فالفاتحة ‪ -‬وهي أول سييور القييرآن ‪ -‬قييد ابتييدأت بي ي‬
‫ن ‪ ،‬بينمييا آخيير‬
‫ٱ‬
‫ع ٰـــل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫مــدُ للــه َر ّ‬
‫‪‬ل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ح ْ‬
‫سورة في القرآن )سورة الناس( قييد انتهييت بقييوله‬
‫س ‪.‬‬
‫جن ّ ِ‬
‫تعالى ‪ِ ‬‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫ة َ‬
‫و ٱلّنا ِ‬
‫فالمصييحف ابتييدأ بكلميية العييالمين وختييم بكلميية‬
‫النييياس‪ ،‬وكيييأن المعنيييى أن هيييذا القيييرآن لييييس‬
‫للمسييلمين فقييط بييل إن هييذا القييرآن هييو لهداييية‬
‫البشرية كلها‪.‬‬
‫غنيمة سهلة‬

‫ولسييورة الفاتحيية خصوصييية تميزهييا‪ ،‬وهييي أنهييا‬
‫خالية مين كيل أحكيام التجوييد الصيعبة وذليك لكيي‬

‫سورة البقرة‬

‫‪29‬‬

‫تيسر للقراءة للجميع حتى لمن ل يتحدث بالعربية‪.‬‬
‫فالفاتحية هيي جيواز سيفر الميرء لفهيم القيرآن‬
‫والبطاقة الشخصية للدخول إلى مناجاة الله والنس‬
‫برحابه‪ .‬فكيف نخشع في صييلتنا ونستشيعر كيل مييا‬
‫سبق من المعاني؟‬
‫ميزان الخشوع‬

‫يقول النبي ‪) :‬ليس للعبد مــن صــلته ال‬
‫ما عقل منها(‪ ،‬فهل ترضى أن تغادر صييلتك وقييد‬
‫كتب لك نصييفها أو ربعهييا أو ثمنهييا؟ تعييال معييي إذا ً‬
‫لنقرأ سورة الفاتحة سويا ً ونتدبر في آياتها ومعانيها‪.‬‬
‫لو أردت يوما ً أن تصلي وشعرت بعدم الخشييوع‪،‬‬
‫فاعلم أن هناك نعمة لم تتذكرها‪ ،‬ولو عرفييت كيييف‬
‫مدُ لله ‪ ‬جيدا ً لكان تييذكر كييل نعميية‬
‫تقول ‪ ‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫من نعم الله يجعلك تخشع في صييلتك‪ .‬اجعييل لكييل‬
‫ركعة ميين الركعييات نعميية تتفكيير بهييا وتشييكر ربييك‬
‫عليها‪ ،‬من نعمة السلم واليمان‪ ،‬إلى نعمة القرآن‪،‬‬
‫إلى ارسال النبي ‪ ،‬إلى المال والصحة‪ ،‬إلى نعمة‬
‫ة ٱللــه ل َ‬
‫مـ َ‬
‫دوا ْ ن ِ ْ‬
‫عـ ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫النظيير والسييمع‪َ  ...‬‬
‫ها ‪.‬‬
‫صو َ‬
‫تُ ْ‬
‫ح ُ‬
‫حي ـم ِ‪ ‬تتييذكر‬
‫ن ٱلّر ِ‬
‫وحييين تقييرأ ‪‬ٱلّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫رحميية اللييه بعبيياده‪ ،‬والييتي شييملت الييدنيا والخييرة‪،‬‬
‫فتطلب منه الرحمة وتخشع بصلتك‪.‬‬
‫ن ‪ ‬تتييذكر يييوم‬
‫وم ِ ٱل ّ‬
‫م ٰـل ِ ِ‬
‫وحين تقرأ ‪َ ‬‬
‫ك يَ ْ‬
‫دي ِ‬

‫‪30‬‬

‫سورة البقرة‬

‫القيامة وأهواله‪ ،‬وتطلييب ميين ربنييا أن يخفييف عنييك‬
‫تعب ذلك اليوم‪ ،‬فتخشع في صلتك‪.‬‬
‫وإ ِّيــا َ‬
‫وكلما تقرأ‪ :‬إ ِّيا َ‬
‫ن ‪،‬‬
‫ســت َ ِ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ك نَ ْ‬
‫عي ُ‬
‫عب ُدُ َ‬
‫تشعر عند كلمة ‪‬إ ِّيا َ‬
‫ك ‪ ‬أن الخلص يتجييدد فييي‬
‫قلبك كل يوم‪ ،‬أنه ل معبود ال الله ول معين ال الله‪،‬‬
‫فتخشع في صلتك‪.‬‬

‫إن هذه الية قييد جمعييت معيياني كييل كتييب اللييه‬
‫المنزلة ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬فل تمر عليهييا مييرور الكييرام‬
‫بل اجعلها عنوان حياتك وجدد معانيها في قلبك كلما‬
‫تقرأها‬
‫ص ـَرا َ‬
‫م‬
‫س ـت َ ِ‬
‫وحين تقرأ ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫‪ ‬تشعر أنه ليس لك من يهديك إلى صييراط الييدنيا‬
‫ويثبتييك عليييه ال اللييه‪ ،‬وليييس لييك ميين يهييديك إلييى‬
‫صراط الخرة ويثبت قييدمك عليييه لتجتييازه ال اللييه‪،‬‬
‫فيزيد قربك منه ورجاؤك لرحمته وخوفك من عذابه‬
‫فتخشع في صلتك‪.‬‬
‫قف بجوارهم‬

‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫م‬
‫ط ٱل ّ ِ‬
‫وكلما تقرأ ‪ِ ‬‬
‫ن أن ْ َ‬
‫مـ َ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ْ‬
‫ع ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ ،‬تذكر من أنعم الله عليهم من قبلك‪ ،‬فمثل ً تييذكر‬
‫في الركعة الولى سيدنا إبراهيم عليه السييلم وآدم‬
‫ونوح وخاتم النبيين محمييد ‪ ،‬وادع اللييه تعييالى أن‬
‫يهديك إلى طريقهم‪ .‬واجعييل الركعيية الثانييية لرجييال‬
‫عظام كأبي بكر وعمر وباقي الصحابة رضييوان اللييه‬

‫سورة البقرة‬

‫‪31‬‬

‫عليهم‪ ،‬وتذ ّ‬
‫كر في الركعة الثالثة صلح الدين وغيييره‬
‫ميين أبطييال السييلم‪ ،‬وفييي الركعيية الرابعيية تفكيير‬
‫بالمؤمنين الذين يعيشييون معييك وصييحبتك الصييالحة‬
‫وادع الليه تعيالى أن يثّبتييك عليهيا‪ .‬وفيي هيذا تكيون‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫م ‪ ‬أمام عينيييك‪.‬‬
‫ط ٱل ّ ِ‬
‫‪ِ ‬‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب َ َ‬
‫ول َ‬
‫أمييا حييين تقييرأ ‪َ ‬‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضــو ِ‬
‫م َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن ‪ ،‬فتذكرك بأعداء السلم والكفار عييبر‬
‫ٱل ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫الزمييان‪ ،‬الييذين حييادوا عيين هييذا الصييراط فضييّلوا‬
‫وغضب الله عليهم‪.‬‬
‫هذا الكم الهائل من المعاني المتجددة في ختييام‬
‫السورة يطبع في ذهيين قييارئ القييرآن آلف الصييور‬
‫عن القدوات الصالحة‪ ،‬الماضييية والمعاصيرة‪ ،‬وآلف‬
‫الصور عين القيدوات السييئة‪ ،‬ممييا يعطييه خشييوعا ً‬
‫رائعا ً وزيادة فيي القيرب مين الليه واليتزام شيرعه‪،‬‬
‫صلة بعد صلة‪ ،‬وبذلك تصبح صلتنا حية‪.‬‬
‫مفتاح فهم القرآن‬

‫هذه هي سورة الفاتحة‪ ،‬بطاقتك الشخصييية أيهييا‬
‫المسلم‪ ،‬وجواز سفرك لفهم القرآن‪.‬‬
‫فبعد أن تأملنا بعض جوانب عظمة هذه السورة‪،‬‬
‫وفهمنا مفتاح الدخول إلى معاني القرآن‪ ،‬تعال معنا‬
‫إلى كتيياب اللييه تعييالى‪ ،‬لنعيييش مييع آييياته وأحكييامه‬
‫ونتعلم من ترابط آياته وسوره‪.‬‬

‫سورة البقرة‬
‫تعريف بالسورة‬

‫سورة البقرة )مدنية( وهي أول ما نزل بالمدينيية‬
‫بعد الهجرة وبقيت تنزل على مدى المرحلة المدنييية‬
‫كلها تقريبا ً أي أّنها رافقت تكوين المجتمع السلمي‬
‫والمة السلمية من بدايتهما‪.‬هي أطول سييورة فييي‬
‫القرآن وعدد آياتها ‪.286‬‬
‫كيف تخاف وهي معك؟‬

‫ورد في فضييل سييورة البقييرة حييديثان‪ :‬الحييديث‬
‫الول رواه المييام مسييلم‪» :‬يؤتى يــوم القيامــة‬
‫بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملــون بــه فــي‬
‫الــدنيا تقــدمه ســورة البقــرة وآل عمــران‬
‫تحاجان عن صاحبهما« تأملوا أيهييا الحبيية كيييف‬
‫ن سورتي البقرة وآل عمران تحاجان ‪ -‬أي تدافعان‬
‫أ ّ‬
‫ عن صاحبهما )الييذي حفظهمييا وعمييل بهمييا وكييان‬‫يقرأهما كثيرًا(‪.‬‬
‫وفييي رواييية »يــؤتى يــوم القيامــة بــالقرآن‬
‫وأهلــه الــذين كــانوا يعملــون بــه فــي الــدنيا‬
‫‪ 32‬وآل عمــران كأنهمــا‬
‫تقــدمه ســورة البقــرة‬

‫سو‬
‫رة‬
‫البقرة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪33‬‬

‫ن حّر يوم القيامة شييديد‪،‬‬
‫غمامتان أو ظّلتان«‪ ...‬إ ّ‬
‫تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلئق‪ ،‬فتييأتي سييورة‬
‫البقيرة عليى مين حفظهيا أو عميل بهيا أو كيان كيثير‬
‫القييراءة لهييا لتظلييل عليييه‪ ...‬فتأمييل قيميية سييورة‬
‫البقرة!‪..‬‬
‫الحديث الثاني‪ :‬رواه المام البخاري رحمييه اللييه‬
‫تعالى في سورة البقرة يقول »البيت الذي تقــرأ‬
‫فيه سورة البقرة ل يدخله الشيطان«‪ .‬وفييي‬
‫رواييية »‪..‬ل يــدخله الشــيطان ثلثــة أيــام«‪.‬‬
‫ن الكثير من الناس يحرصون على قراءة‬
‫وبالتالي فإ ّ‬
‫سورة البقرة في البيت لمنع الشيطان من دخوله‪.‬‬
‫أين أصحاب البقرة؟‬

‫ي ‪ ‬كييان ينييادي حييين‬
‫وأكثر من ذلك‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن النييب ّ‬
‫تشتد ّ المعركة على المسلمين ويقيول أيين أصيحاب‬
‫ن أصييحاب البقييرة أنيياس مخصوصييون‬
‫البقييرة؟ وكييأ ّ‬
‫وحين يسمعون النداء يهّبون مباشرة لتلبية النداء‪...‬‬
‫ونحيين الن ننييادي علييى النيياس ليكونييوا ميين‬
‫أصحاب البقرة‪ ،‬حتى يكونوا في الدنيا ميين الصييفوة‬
‫ويوم القيامة من أصحاب الظّلة‪.‬‬
‫هدف السورة‪ :‬أنت مسؤول عن الرض‪.‬‬

‫الحديث عن هدف السييورة يسيياعدنا علييى فهييم‬
‫اليات بتسلسل واكتشاف الروابط بييين موضييوعاتها‬

‫‪34‬‬

‫سورة البقرة‬

‫المختلفيية‪ .‬واللطيييف أن بعييض العلميياء قييال بييأن‬
‫تسمية أقسام القرآن بالسور‪ ،‬لن كييل واحييدة منهييا‬
‫تشييتمل علييى موضييوع واحييد‪ ،‬وآيييات السييورة هييي‬
‫كالسور أو السياج الذي يحيط بهدف السورة ويييدور‬
‫حوله ويخدمه‪ .‬إذا ً لكل سورة محييور وهييدف واحييد‪،‬‬
‫فما هو هدف سورة البقرة؟ وما هييو المحييور الييذي‬
‫يجمع ‪ 286‬آية على مدى جزئين ونصف من القرآن؟‬
‫إن هييدف السييورة هييو السييتخلف فييي الرض‪،‬‬
‫وهيييذا يعنيييي ببسييياطة »يـــا مســـلمين أنتـــم‬
‫مســؤولون عــن الرض«‪ .‬يييا ميين سييوف يقييرأ‬
‫سورة البقرة إعلم أن ّييك مسييؤول عيين الرض وهييذا‬
‫منهجك‪ :‬سورة البقرة‪..‬‬
‫ن الرض هذه‬
‫ن القرآن يخاطبنا قائل ً اعلموا أ ّ‬
‫وكأ ّ‬
‫ملك لليه‪ ،‬والليه هيو ماليك الكيون خلقكيم ومّلككيم‬
‫الرض لكي ُتديروها وفقا ً لمنهج الله‪...‬‬
‫السعيد من وعظ بغيره‬

‫ن الله تعالى خلل مسيرة التاريخ قد اسييتخلف‬
‫إ ّ‬
‫أمما ً كثيرة على الرض‪ ،‬فمنهم من نجح ومنهم ميين‬
‫فشل وقد حان الدور في نهاية المطيياف علييى هييذه‬
‫المة‪ ،‬والله تعالى ل يحابي أحد حتى ولو كييانت أميية‬
‫مييد صييلى اللييه علييي وسييلم‪ .‬فلييو فشييلت فييي‬
‫مح ّ‬
‫المسؤولية فإّنها ستستبدل كما اسييتبدلت أمييم ميين‬
‫قبلها‪..‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪35‬‬

‫هنا نفهم لماذا كييانت سييورة البقييرة أّول سييورة‬
‫في القرآن بعد الفاتحة فهييي الييتي سترسييم معييالم‬
‫المنهج‪ .‬ولهذا أيضا ً نفهم سييبب كييون هييذه السييورة‬
‫أول سورة أنزلت في المدينة‪ ،‬وظلييت تنييزل طييوال‬
‫ن النييبي ‪‬‬
‫السنين التسعة من المرحلة المدنية‪ ،‬ل ّ‬
‫قييد هيياجر ميين مرحليية الستضييعاف فييي مكيية إلييى‬
‫مرحليية بنيياء الميية‪ ،‬فكييان ميين الطييبيعي أن تنييزل‬
‫السورة في مرحلة البناء لترشييد الميية كيييف تكييون‬
‫مسؤولة عن الرض‪ ...‬فينبغيي لكييل مين يقييرأ هيذه‬
‫السييورة أن يفهييم أن كييل آييية تطلييب منييه القيييام‬
‫بالمهمة الييتي خلييق ميين أجلهييا‪ :‬أنييت مسييؤول عيين‬
‫الرض لصلحها وتعميرها وهييدايتها ول بييد أن يعلييم‬
‫ن المسؤولية تحتم عليه أن ل يكون فاشل ً‬
‫النسان أ ّ‬
‫فييي حييياته فيأخييذ بيييد النيياس‪ ،‬وينجييح فييي حييياته‬
‫وسيظهر ذلك كله خلل قراءة سورة البقرة‪.‬‬
‫أقسام سورة البقرة‬

‫سمة إلى مقدمة ثم قسمين‬
‫إ ّ‬
‫ن سورة البقرة مق ّ‬
‫فخاتمة‪.‬‬
‫القسم الول هييو الجيزء الول ميين القييرآن وهييو‬
‫يعييرض نميياذج لثلث مجموعييات ميين النيياس قييد‬
‫اسييتخلفهم اللييه قبلنييا‪ .‬والقسييم الثيياني يتكييون ميين‬
‫اليات )‪ ،(283-142‬وهييو عبييارة عيين أواميير ونييواهي‬
‫يجب على المة وأفرادها أن يتبعوها ليستخلفوا‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الجزء الول من القرآن‬

‫هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع‪:‬‬
‫ ربع الحزب الول‪ :‬يتكلم عن أصناف الناس وكأننا‬‫نستعرض الصييناف الموجييودة علييى هييذه الرض‬
‫والتي سيكلف أحدها بالستخلف‪.‬‬
‫ الربع الثاني‪ :‬أول تجربيية إسييتخلف علييى الرض‪:‬‬‫آدم عليه السلم‪.‬‬
‫ الربع الثالث إلى السابع‪ :‬أمة استخلفها الله علييى‬‫هذه الرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة‪ ،‬بنو‬
‫إسرائيل‪.‬‬
‫ الربع الثامن والخير‪ :‬تجربة سييدنا إبراهييم علييه‬‫السلم الناجحة في الستخلف‪.‬‬
‫تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية‪ ،‬وكييانت‬
‫المواجهيية بييين إبليييس وسيييدنا آدم عليييه السييلم‬
‫لعلن بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الرض‪.‬‬
‫ثم بنو إسرائيل‪ :‬نموذج فاشل‪ ،‬فهم أناس حملوا‬
‫المسييؤولية وفشييلوا‪ ،‬وتسييتمر السييورة فييي ذكيير‬
‫أخطيييائهم ل لشيييتمهم ولكييين ليقيييال للمييية اليييتي‬
‫ستستخلف‪ :‬تنبهيي ميين الوقيوع فيي الخطيياء اليتي‬
‫وقعت فيها المة التي قد سبقت في الستخلف!‬
‫وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحيية‬
‫لشخص جعلييه اللييه خليفيية فييي الرض وهييو سيييدنا‬
‫إبراهيم عليه السلم‪ .‬ويكون الييترتيب هييذا منطقي يًا‪،‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪37‬‬

‫فبدأ َ بييآدم التجربيية الولييى وختييم بالتجربيية الناجحيية‬
‫لرفع المعنويات وبينهم التجربة الفاشلة‪ ،‬للتعلم ميين‬
‫الخطاء السابقة وأخذ الدروس والعبر‪.‬‬
‫القسم الول‪ :‬نماذج ثلثة‬

‫وأول خمس آيات من آيات المقدمة عبييارة عيين‬
‫صييفات المتقييين‪ ،‬ثييم آيتييان تتحييدثان عيين صييفات‬
‫الكفييار‪ ،‬ثييم ثلث عشييرة آييية )‪ (20-8‬عيين صييفات‬
‫المنافقين لخطورتهم‪.‬‬
‫ن المقدميية تخاطبييك قائليية‪» :‬هييذه أنييواع‬
‫وكييأ ّ‬
‫ن‬
‫دد واختر أي الصناف ترييد أن تكيون ل ّ‬
‫الناس‪ ،‬فح ّ‬
‫واحدا ً فقط من هذه الصييناف سيييجعله اللييه تعييالى‬
‫مسؤول ً عن الرض«‪.‬‬
‫ولحظ أن أول صفة للمتقين هي "الذين يؤمنون‬
‫بالغيب"‪ .‬فأهم صفات الميية المسييؤولة عيين الرض‬
‫هي اليمان بالغيب وأخطر صفة في الميية السييابقة‬
‫هييي المادييية الشييديدة وعييدم اليمييان إل ّ بمييا تييراه‬
‫أعينهم‪ ،‬كما سيتبين معنا‪.‬‬
‫ول تجربة استخلف‪ :‬آدم عليه السلم‬
‫أ ّ‬

‫وبعييد ذلييك تبييدأ السييورة بسييرد قصيية آدم عليييه‬
‫السلم وتجد أمامك آية محورييية فييي بداييية القسييم‬
‫ل َرب ّـــ َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قـــا َ‬
‫ك‬
‫الول اليييذي يليييي المقدمييية‪َ  :‬‬
‫خِلي َ‬
‫عـ ٌ‬
‫ة‪‬‬
‫ض َ‬
‫فـ ً‬
‫ل ِ‬
‫جا ِ‬
‫مل َ ٰـئ ِك َ ِ‬
‫ة إ ِن ّــي َ‬
‫ل ِل ْ َ‬
‫فــى ٱلْر ِ‬
‫‪((30‬‬

‫‪38‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فأنت أيها النسان مسؤول عن الرض وقد كييان‬
‫أبوك آدم عليه السلم مسييؤول ً عنهييا أيضيا ً فييالرض‬
‫ليسييت مسييؤولية البعيييدين عيين اللييه ول النيياكرين‬
‫ن المسؤول عنها كييان أبييو البشيير‬
‫لمنهجه‪ .‬فالصل أ ّ‬
‫ن رد الملئكيية وسييؤالهم‬
‫آدم عليه السلم‪ .‬ولحييظ أ ّ‬
‫ليس اعتراضا ً على حكيم اللييه )والعيياذ بيالله( لكنييه‬
‫خوفهم من السييتبدال وبيييانهم أنهييم لييم يفعلييوا مييا‬
‫يغضب الله‪ ،‬فكل أوقاتهم تسبيح وعبييادة لكيين اللييه‬
‫ن‪.‬‬
‫قال لهم‪ :‬إ ِّني أ َ ْ‬
‫مو َ‬
‫ما ل َ ت َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عّلم الله آدم تكنولوجية الحياة‬

‫م‬
‫و َ‬
‫عل ّ َ‬
‫والية التالييية هييي أيضييا ً آييية محورييية‪َ  :‬‬
‫ها‪.( (31‬‬
‫ءادَ َ‬
‫ماء ك ُل ّ َ‬
‫م ٱل ْ‬
‫س َ‬
‫وماذا يعني ذلك!‬
‫يعني أّنه تعالى عل ّييم آدم تكنولوجييية الحييياة ‪ -‬إذا‬
‫جاز التعبير ‪ -‬أي أسييماء المخلوقييات ووظائفهييا ميين‬
‫شمس وقمر وبحر وشجر وثمر‪ .‬وكان فييي المعنييى‬
‫تحييذيرا ً للمييؤمنين ميين أن يظنييوا بييأنهم سيييكونون‬
‫مسييؤولين عيين الرض بييدون أن يعرفييوا طريقيية‬
‫ع َ‬
‫ل‬
‫إدارتها وهنا لفتة لطيفة في الية ‪  22‬ٱل ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫ذى َ‬
‫لَ ُ‬
‫ماء ب َِنـاء ‪ ‬ففييي‬
‫ض ِ‬
‫و ٱل ّ‬
‫سـ َ‬
‫كـ ُ‬
‫م ٱل ْْر َ‬
‫فَراشـا ً َ‬
‫هذه الييية يييبين لنييا اللييه تعييالى أدوات السييتخلف‪:‬‬
‫تسخير الرض والسماء والزرع‪...‬‬
‫فهنا تحذير لعدم فهم السلم أن ّييه صييلة وصيييام‬

‫سورة البقرة‬

‫‪39‬‬

‫فقط‪ ،‬دون ان يفهم المؤمنون كيف يييديرون الحييياة‬
‫والرض‪ ،‬فييالله ع يّز وجييل قييد عل ّييم آدم كيييف يييدير‬
‫الرض حتى يفهمنا أن المور ل تييدار بالتييدّين فقييط‬
‫ولكن بالعلم والتكنولوجيا‪.‬‬
‫المعصية هي سبب الستبدال‬

‫وتأتي الييية التالييية ‪ 36‬لتييبّين لنييا تجربيية آدم مييع‬
‫ابليس ‪َ َ ‬‬
‫ها َ‬
‫ما ٱل ّ‬
‫ما‬
‫فأ َ ْ‬
‫ن َ‬
‫خَر َ‬
‫ج ُ‬
‫عن ْ َ‬
‫فأَزل ّ ُ‬
‫شي ْطَ ٰـ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ه‪.( (36‬‬
‫كاَنا ِ‬
‫في ِ‬
‫ِ‬
‫م ّ‬
‫ن‬
‫ن المعصية هي سبب الستبدال‪ ،‬كأ ّ‬
‫وهنا دللة أ ّ‬
‫الية تخاطبنا في زماننا هذا لتقييول‪ :‬يييا أميية محمييد‪،‬‬
‫لقييد بقيتييم ‪ 1300‬سيينة مسييؤولين عيين الرض ومييا‬
‫حصييل لكييم فييي المئة سيينة الخيييرة هييو بسييبب‬
‫معصيتكم كما حصل لبيكم آدم عليييه السييلم‪) ،‬مييع‬
‫ب ُْعد التشبيه بين زلة آدم عليه السلم نبي الله وبييين‬
‫المعاصييي الفادحيية الييتي تقييع بهييا الميية ليييل نهييار(‬
‫فتعلمييوا ميين الخطيياء السييابقة واجتنبييوا المعاصييي‬
‫ليعود الستخلف إليكم‪.‬‬
‫وتمضي اليات في الحديث عن قصة سيييدنا آدم‬
‫حتى نصل إلييى الييية ‪ُ  38‬‬
‫هــا‬
‫قل َْنا ٱ ْ‬
‫هب ِطُــوا ْ ِ‬
‫من ْ َ‬
‫مــا ي َـأ ْت ِي َن ّ ُ‬
‫دى َ‬
‫عــا َ‬
‫ع‬
‫من ّــى ُ‬
‫ج ِ‬
‫مــن ت َب ِـ َ‬
‫هـ ً‬
‫مي ً‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫كم ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ف َ َ‬
‫ي َ‬
‫ن‪‬‬
‫فل َ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫ُ‬
‫حَزن ُــو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه َ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫دا َ‬
‫م َ‬
‫خـ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪.((38‬‬
‫ن الهدى الذي سيأتي ميين عنييد اللييه‬
‫وهنا نتذكر أ ّ‬

‫‪40‬‬

‫سورة البقرة‬

‫تعييييييييييييييييييالى قييييييييييييييييييد ذكيييييييييييييييييير‬
‫‪‬ذل ِ َ‬
‫ب‬
‫في أول السورة على أنه القرآن ٰ‬
‫ك ٱل ْك َِتــا ُ‬
‫دى‬
‫ه ُ‬
‫ب ِ‬
‫فيـــــــــــــ ِ‬
‫هـــــــــــــ ً‬
‫ل َ َرْيـــــــــــــ َ‬
‫ن ‪ ،‬ونحن ندعو الله في الفاتحة أن نسييير‬
‫مت ّ ِ‬
‫قي َ‬
‫ل ّل ْ ُ‬
‫صَرا َ‬
‫م‬
‫ست َ ِ‬
‫على هذا الهدى ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫‪ ‬فهل بدأت أخييي المسييلم تستشييعر معييي حلوة‬
‫القيييييييييييييييييييييييييرآن وترابيييييييييييييييييييييييييط‬
‫آياته‪.‬‬
‫تجربة بني إسرائيل‬

‫تبدأ تجربيية بنييي إسييرائيل بالييية ‪ 40‬ميين سييورة‬
‫البقرة لتبيان فشلهم فييي امتحييان مسييؤوليتهم عيين‬
‫الرض‪.‬‬
‫باب المهمة‪ :‬تذكر النعم‪.‬‬

‫وأول آييية فييي هييذا السييياق تقييول‪ :‬ي َ‪ٰ ‬ـــب َِنى‬
‫َ‬
‫س ٰرءي َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫ي ٱل ِّتى أن ْ َ‬
‫ل ٱذْك ُُروا ْ ن ِ ْ‬
‫م ُ‬
‫إِ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع َ‬
‫مت ِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ى‬
‫هــــ ِ‬
‫هــــ ِ‬
‫ف بِ َ‬
‫دى أو ِ‬
‫فــــوا ْ ب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫ع ْ‬
‫دك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫وإ ِي ّ ٰـــــ َ‬
‫َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ف ٱْر َ‬
‫هُبو ِ‬
‫فييأول آييية يخيياطب اللييه بهييا بنييي إسييرائيل‬
‫ي ‪ ‬وأول كلمة خاطبنا الله إياهييا‬
‫‪ ‬ٱذْك ُُروا ْ ن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫مت ِ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫فييي منهجنييا ‪‬‬
‫ع ٰـ ـل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫م ـدُ للــه َر ّ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ح ْ‬
‫ن بداييية مسييؤولية واسييتخلف كييل أميية تكييون‬
‫وكييأ ّ‬
‫بتذ ّ‬
‫كر نعم الله تعالى‪.‬‬
‫نماذج نعم الله تعالى على بني إسرائيل‬

‫سورة البقرة‬

‫‪41‬‬

‫وبعد هذه الييية يبييدأ اللييه تبييارك وتعييالى بتعييداد‬
‫نميياذج ميين هييذه النعييم فيقييول لهييم فييي الييية ‪:50‬‬
‫قَنا بك ُم ٱل ْبحر َ َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫غَر ْ‬
‫فَر ْ‬
‫‪‬إ ِذْ َ‬
‫قن َــا‬
‫و‬
‫فأن َ‬
‫جي ْن َ ٰـ ـك ُ ْ‬
‫ِ ُ‬
‫م َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ءا َ‬
‫ن ‪ ‬ويقول لهييم فييي‬
‫فْر َ‬
‫ل ِ‬
‫م َتنظُُرو َ‬
‫و َ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫د ٰ ذل ِ َ‬
‫ع َ‬
‫الية ‪ 52‬ث ُ‬
‫م‬
‫وَنا َ‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫ك لَ َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عنك ُم ِ ّ‬
‫‪ّ ‬‬
‫ف ْ‬
‫تَ ْ‬
‫وظَل ّل َْنا‬
‫شك ُُرو َ‬
‫ن ‪ ‬ويقول أيضا ً فييي الييية ‪َ  57‬‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫ن‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫وَأنَزل َْنـــا َ‬
‫َ‬
‫مـــا َ‬
‫مـــ ّ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫كـــ ُ‬
‫غ َ‬
‫كـــ ُ‬
‫م َ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫مــا‬
‫من طَي ّب َ ٰـ ِ‬
‫و ٰى ك ُُلوا ْ ِ‬
‫و ٱل ّ‬
‫و َ‬
‫قن َ ٰـك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫سل ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كن َ‬
‫كاُنوا ْ أن ُ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ول َ ٰـ ِ‬
‫مو َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظْل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ظَل َ ُ‬
‫موَنا َ‬
‫آيات متتالية تتحدث عن النعم ثم تنتقل للحييديث‬
‫عن أخطاء المة السابقة‪ ،‬وكل هذا الكلم لكي ننتبه‬
‫ونتجنب الوقوع في أخطائهم‪.‬‬
‫أخطاء المة السابقة‬

‫وتبدأ اليييات الييتي تصييف أخطيياء بنييي إسييرائيل‬
‫ن لَ َ‬
‫وإ ِذْ‪ُ ‬‬
‫س ٰى َلن ن ّ ْ‬
‫حت ّ ٰى ن ََرى‬
‫ؤ ِ‬
‫ك َ‬
‫مو َ‬
‫م َ‬
‫م ي َ ٰـ ُ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ة‪( (55‬‬
‫هَر ً‬
‫ٱلله َ‬
‫ج ْ‬
‫ن الخطأ الجسيم الذي‬
‫لنهم أمة مادية للغاية وكأ ّ‬
‫قد تقع به أي أميية ويكييون سييببا ً فييي اسييتبدالها هييو‬
‫طغيان المادية فيهًا‪ ،‬ومعنى المادية أنهييم ل يؤمنييون‬
‫إل إذا رأوا أمييرا ً ملموسييًا‪ .‬وهنييا نتييذكر أول صييفة‬
‫ن يُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫للمتقييين فييي بداييية السييورة ‪ ‬ٱّلـ ِ‬
‫مُنـو َ‬
‫ذي َ‬
‫ب‪.( (2‬‬
‫ب ِ ٱل ْ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫وتمضي اليييات الكييثيرة فييي الحييديث عيين بنييي‬

‫‪42‬‬

‫سورة البقرة‬

‫إسرائيل والموبقات التي ارتكبوها كقتل النبياء بغير‬
‫الحييق‪ ،‬وعصيييانهم وكفرهييم بآيييات اللييه‪ ،‬واعتييداء‬
‫أصحاب السبت وتحايلهم علييى آيييات اللييه‪ ،‬إلييى أن‬
‫تصل بنا اليات إلى القصة المحورية‪ :‬قصة البقرة‪.‬‬
‫لماذا سميت السورة بالبقرة؟‬

‫قد يتساءل البعييض لميياذا سييميت هييذه السييورة‬
‫بسورة البقرة؟‬
‫ن قصيية‬
‫قد يجيب البعييض بأنهييا سييميت كييذلك ل ّ‬
‫ن هييذه‬
‫البقرة جاءت في هذه السورة‪ ،‬مع العلييم بييأ ّ‬
‫السورة قييد جيياء بهييا قصييص كييثيرة فلميياذا سييميت‬
‫السورة باسم هذه القصة دون غيرها؟‬
‫سييدت الخطيياء الساسييية‬
‫إ ّ‬
‫ن قصة البقرة قييد ج ّ‬
‫الكييبرى لبنييي إسييرائيل‪ ،‬فسييميت السييورة باسييمها‬
‫لكييي يتييذكر المسييلم المسييؤول عيين الرض هييذه‬
‫الخطاء ويتجنبها‪.‬‬
‫الجدل مفتاح الشرور‬

‫وهذه الخطاء التي ارتكبهييا بنييو إسييرائيل تظهيير‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫مييين أول اليييية السيييابعة والسيييتين ‪َ ‬‬
‫قومه إن ٱللــه ي ـأ ْمرك ُ َ‬
‫حوا ْ‬
‫س ٰى ل ِ َ ْ ِ ِ ِ ّ‬
‫م أن ت َـذْب َ ُ‬
‫مو َ‬
‫َ ُ ُ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا َ‬
‫قَرةً َ‬
‫بَ َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫لأ ُ‬
‫خذَُنا ُ‬
‫قاُلوا ْ أت َت ّ ِ‬
‫عوذُ ب ِٱلله أ ْ‬
‫هُز ً‬
‫َ‬
‫ع ل َن َــا َرب ّـ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ك‬
‫قــاُلوا ْ ٱدْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫أك ُــو َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫هِلي َ‬
‫مـ َ‬
‫ج ٰــ ِ‬
‫ق ـَرةٌ ل ّ‬
‫هــا ب َ َ‬
‫ه يَ ُ‬
‫ى َ‬
‫قو ُ‬
‫قا َ‬
‫ما ِ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ي ُب َي ّ َ‬
‫ل إ ِن ّ ُ‬
‫ن ل َّنا َ‬
‫ه َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪43‬‬

‫ن ٰ لذِـ َ‬
‫فـ ٱ ْ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫مــا‬
‫ول َ ب ِك ٌْر َ‬
‫وا ٌ‬
‫ف َ‬
‫ن ب َي ْ َ‬
‫عُلوا ْ َ‬
‫ر ٌ‬
‫ع َ‬
‫ض َ‬
‫فا ِ‬
‫ع ل َن َــا َرّبـ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ت ُـ ْ‬
‫مــا‬
‫قــاُلوا ْ ٱدْ ُ‬
‫مرو َ‬
‫ك ي ُب َي ّــن ل ّن َــا َ‬
‫ؤ َ‬
‫فَراء َ‬
‫ص ْ‬
‫ها ب َ َ‬
‫ه يَ ُ‬
‫ها َ‬
‫قو ُ‬
‫قا َ‬
‫ع‬
‫فا ِ‬
‫قـ ٌ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ون ُ َ‬
‫ل إ ِن ّ ُ‬
‫قَرةٌ َ‬
‫لَ ْ‬
‫ع ل َن َــا َرب ّـ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ك‬
‫قــاُلوا ْ ٱدْ ُ‬
‫ها ت َ ُ‬
‫ون ُ َ‬
‫ري َ‬
‫لّ ْ‬
‫سّر ٱلن ّ ٰــظِ ِ‬
‫ن ٱلب َ َ‬
‫قَر ت َ َ‬
‫وإ ِّنــا‬
‫ه َ‬
‫ما ِ‬
‫ى إِ ّ‬
‫ش ٰـب َ َ‬
‫ي ُب َّين ل َّنا َ‬
‫عل َي َْنــا َ‬
‫ه َ‬
‫ه يَ ُ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قــو ُ‬
‫قا َ‬
‫ِإن َ‬
‫هــا‬
‫دو َ‬
‫هت َ ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ل إ ِن ّ ُ‬
‫شاء ٱلله ل َ ُ‬
‫بَ َ‬
‫قـــَرةٌ ل ّ ذَُلـــو ٌ‬
‫قى‬
‫ســـ ِ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ل ت ُِثيـــُر ٱل ْْر َ‬
‫ض َ‬
‫هــا َ‬
‫ن‬
‫حْر َ‬
‫ش ـي َ َ‬
‫م ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ة لّ ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫قــاُلوا ْ ٱلئ َ ٰـ ـ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ث ُ‬
‫دوا ْ ي َ ْ‬
‫ق َ‬
‫ن‪‬‬
‫حو َ‬
‫عل ُــو َ‬
‫ف َ‬
‫ما ك َــا ُ‬
‫فذَب َ ُ‬
‫ت ب ِٱل ْ َ‬
‫جئ ْ َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫ِ‬
‫ها َ‬
‫‪.((67-71‬‬
‫إختارها لحكمة‬

‫ن رجل ً من بني اسرائيل قتل ولم‬
‫وقصة البقرة أ ّ‬
‫يعرف من قتله‪ ،‬فاختلف فيه فييأوحى اللييه إليهيم أن‬
‫اذبحوا بقرة وأن يأخذوا قطعة منها ثييم يضييربوا بهييا‬
‫الميت فيحييه فيقول من الذي قتله ولقد طلب اللييه‬
‫تعالى منهم ذلك لنهم ماديون للغاييية وليريهييم بييأنه‬
‫تعالى قادر على كل شيييء وأن المييور ليسييت كمييا‬
‫ودوا عليه دائما ً فيحيي الميت بالميت فينطق‪.‬‬
‫تع ّ‬
‫وبما أنهم لم يفهموا الحكمة وبمييا أنهييم ميياديون‬
‫سيد‬
‫جدا ً فقد رفضوا تطبيق المر‪ ،‬وقصية البقيرة تج ّ‬
‫أخطاء بني إسرائيل‪ ،‬من المادية إلى الجييدل وعييدم‬
‫طاعة أنبيائهم إلى عدم طاعة اللييه تعييالى واللتييواء‬
‫فييذوا مييا أمرهييم اللييه بييه‬
‫على منهجه وحييتى حييين ن ّ‬

‫‪44‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فييذوا ذلييك مكرهييين مجييبرين ‪َ ‬‬
‫مــا‬
‫ن ّ‬
‫حو َ‬
‫ف ـذَب َ ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫دوا ْ ي َ ْ‬
‫ن ‪.‬‬
‫عُلو َ‬
‫ف َ‬
‫كا ُ‬
‫ن قصيية البقييرة تنب ّييه ميين المادييية الشييديدة‬
‫وكييأ ّ‬
‫وكأنها تنّبه من الجدل في دين الله تعالى‪ ،‬تنب ّييه ميين‬
‫فذ‬
‫المراوغة والتحايل على شرع الله تعالى‪ ،‬أو أن تن ّ‬
‫ميت سييورة‬
‫شرع الله تعالى وأنت كيياره لييذلك فس ي ّ‬
‫البقرة لخطورة هذه الفعال‪.‬‬
‫تمّيزوا حتى في مصطلحاتكم‬

‫وتمضي اليات إلى أن نصل إلى الية التي يييذكر‬
‫َ‬
‫مُنــوا ْ ‪ .‬وهييذا‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫فيها لول مرة ‪‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ل َ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫يتجلى في قوله تعالى ‪‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫و ُ‬
‫تَ ُ‬
‫عوا ْ ‪‬‬
‫قوُلوا ْ ٰر ِ‬
‫م ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫سـ َ‬
‫قول ُــوا ْ ٱنظُْرن َــا َ‬
‫عن َــا َ‬
‫‪.((104‬‬
‫لقد كان اليهود يخاطبون النييبي صييلى الييه عليييه‬
‫وسلم بقولهم )راعنا( ومعنى راعنا أي راعي أمورنييا‬
‫ى سيئا ً بلغتهم )إسيمع‬
‫ولكنهم كانوا يقصدون بها معن ً‬
‫ل سمعت( أو تعني شيئا ً من الرعونة‪ .‬ومن ل يفهييم‬
‫لغتهم ول يعييرف مييا يقصييدون يظيين بييأنهم يقولييون‬
‫للنبي راعي أمورنا‪ .‬فالله جل وعل يقول للصحابة ل‬
‫تقولوا راعنا ولكن قولييوا انظرنييا والكلمتييان تحملن‬
‫المعنى نفسه ولكن ذلك تغيير في المصطلح‪..‬‬
‫وكأن المعنى‪ :‬تمّييييزوا حييتى فييي مصييطلحاتكم‪.‬‬
‫فالله تعالى يريد أن يفهمنييا بييأن الميية السييابقة قيد‬
‫وقعيييت بأخطييياء شيييديدة فل تّتبعوهيييا أو تقل ّيييدوها‪،‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪45‬‬

‫وتمّيزوا عنها حتى في مصطلحاتكم وهنا علقيية مييع‬
‫سورة الفاتحة حين يطلب المؤمن أن ل يكون مثييل‬
‫ب َ َ‬
‫ول َ‬
‫بنييي إسييرائيل ‪َ ‬‬
‫م ْ‬
‫غ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫ضــو ِ‬
‫م َ‬
‫غي ْـ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن ‪ ‬وتأملوا شباب اليوم كيف تقل ّييد المييم‬
‫ٱل ّ‬
‫ضاّلي َ‬
‫الخرى وكيف تقّلد الغييرب فييي أتفييه الشييياء بينمييا‬
‫الله تعالى يعّلمنا أن نتمّيز حتى في مصطلحاتنا‪.‬‬
‫وبعد ذلك تعددت اليات التي تح ّ‬
‫ذر ميين التبعييية‪،‬‬
‫لنهييا تبييدأ بالشييياء الثانوييية وليين تنتهييي ال بييالكفر‬
‫و‬
‫و‬
‫ن أَ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫‪‬دّ ك َِثيٌر ّ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰــ ِ‬
‫ب ل َـ ْ‬
‫هـ ِ‬
‫والعياذ بالله‪َ :‬‬
‫دون َ ُ‬
‫م كُ ّ‬
‫فاًرا‪( (109‬‬
‫ع ِ‬
‫كم ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ي َُر ّ‬
‫م ٰـن ِك ُ ْ‬
‫د ِإي َ‬
‫التجربة الناجحة‪ :‬إبراهيم عليه السلم‬

‫ونصل إلى الربع الخير ميين الجييزء الول والييذي‬
‫يتحييييييييييييييييدث عيييييييييييييييين تجربيييييييييييييييية‬
‫إبراهيم وهي تجربة ناجحة جيياءت فييي نهاييية الجييزء‬
‫للتحفييييييييييييييييز عليييييييييييييييى النجييييييييييييييياح‬
‫م‬
‫وإ ِِذ‬
‫‪ ‬ٱب ْت َل َ ٰى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫هي ـ َ‬
‫فييي امتحييان السييتخلف‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫قـــــــا َ‬
‫ل‬
‫م‬
‫ٰــــــــ ٍ‬
‫م ُ‬
‫ه ّ‬
‫فـــــــأت َ ّ‬
‫ه ب ِك َل ِ َ‬
‫َرّبـــــــ ُ‬
‫عل ُ َ‬
‫مــا‪ .( (124‬ولحييظ أن‬
‫ج ٰــ ِ‬
‫إ ِن ّــى َ‬
‫ما ً‬
‫س إِ َ‬
‫ك ِللن ّــا ِ‬
‫سيييييييييييييييييييييييييييدنا إبراهيييييييييييييييييييييييييييم‬
‫َ‬
‫ن‪‬‬
‫لم ينجح في المتحان نجاحييا عاديييا بييل ‪‬أت َ ّ‬
‫مه ُ ي ّ‬
‫م هييذه البتلءات‬
‫ن خييير قيييام فلمييا أت ي ّ‬
‫أي قييام به ي ّ‬
‫)الرمييي فييي النييار‪ ،‬الهجييرات وتييرك الولييد فييي‬
‫الصييحراء‪ ،‬ذبييح الولييد‪ .(..‬أخييبره اللييه انييه سيييجعله‬

‫‪46‬‬

‫سورة البقرة‬

‫للناس إماما ً )الستخلف( لنه قد اطيياع اللييه تعييالى‬
‫فقال إبراهيم عليه السييلم ‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫مــن ذُّري ّت ِــى‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ل ل َ ي ََنا ُ‬
‫قا َ‬
‫ل َ‬
‫ن‪( (124‬‬
‫دي ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ع ْ‬
‫مي َ‬
‫فقوله ل ينال عهدي الظالمين درس هام لنا بييأن‬
‫الليييه تعيييالى ل يحيييابي أحيييدا ً حيييتى أمييية محميييد‬
‫والسييتخلف مقييرون بالطاعيية ل بالنسييب وبهييذا‬
‫المعنى يدعو سيدنا إبراهيم أن يستخلف واحييدا ً ميين‬
‫سول ً‪.( (129‬‬
‫ع ْ‬
‫ث ِ‬
‫و ٱب ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ه ْ‬
‫ذريته ‪َ‬رب َّنا َ‬
‫في ِ‬
‫ومن المفيد هنا ملحظة بدايات القصص الثلث‪:‬‬
‫فكلهييا بييدأت بآيييات تييبّين مجييال السييتخلف وكلهييا‬
‫اشتملت على اختبارات في طاعة الله تعالى‪:‬‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫قصــة آدم‪ :‬أول آييية فييي القصيية ‪َ ‬‬
‫َرب ّ َ‬
‫خِلي َ‬
‫ع ٌ‬
‫ة‬
‫ض َ‬
‫فـ ً‬
‫ل ِ‬
‫جا ِ‬
‫مل َ ٰـئ ِك َ ِ‬
‫ة إ ِّني َ‬
‫ك ل ِل ْ َ‬
‫فى ٱلْر ِ‬
‫‪) ( (30‬اختبييار آدم فييي مسييألة عييدم الكييل ميين‬
‫الشجرة(‪.‬‬
‫قصــة بنــي اســرائيل‪ :‬أول آييية فييي القصيية‪:‬‬
‫ل ٱذ ْ ُ‬
‫ســ ٰرءي َ‬
‫مِتــى ٱل ِّتــى‬
‫يَ ٰ‬
‫كــُروا ْ ن ِ ْ‬
‫‪‬ـــب َِنى إ ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫وأ َّنى َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ت َ‬
‫ف ّ‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫عَلى ٱل ْ َ‬
‫أن ْ َ‬
‫م ُ‬
‫مي َ‬
‫ضل ْت ُك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫‪) ( (47‬الختبييار فييي تنفيييذ أواميير اللييه المختلفيية‬
‫وشكر النعم(‪.‬‬
‫قصة إبراهيييم‪ :‬أول آييية فييي القصيية وهييي الييية‬
‫عل ُ َ‬
‫وإ ِِذ‬
‫‪‬‬
‫ج ٰـــ ِ‬
‫‪ :124‬إ ِ ّ‬
‫نــى َ‬
‫ما ً‬
‫س إِ َ‬
‫مــا ‪َ  ‬‬
‫ك ِللّنــا ِ‬
‫ٱبت َل َ ٰى إب ٰرهيم ربه بك َل ِم ٰـت َ َ‬
‫ن ‪) ‬تحييدي‬
‫ٍ‬
‫ِْ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ّ‬
‫فأت َ ّ‬
‫َ‬
‫ِ َ َ ّ ُ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪47‬‬

‫الب ‪ -‬تحدي القوم ‪ -‬الرمييي فييي النييار – الهجييرة ‪-‬‬
‫ترك الولد والزوجة في الصحراء ‪ -‬الذبح(‪.‬‬
‫وقفات ولطائف‬

‫في الختام تأتي آية رائعة بتلخيصييها حييياة سيييدنا‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫داء‬
‫ه َ‬
‫يعقوب )وإسرائيل( في أسطر ‪‬أ ْ‬
‫ش َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ت إ ِذْ َ‬
‫ع ُ‬
‫قــا َ‬
‫مــا‬
‫ح َ‬
‫ل ل ِب َِنيـ ِ‬
‫قــو َ‬
‫ض ـَر ي َ ْ‬
‫إ ِذْ َ‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫مـ ْ‬
‫ه َ‬
‫دى َ‬
‫ه‬
‫عـ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫قــاُلوا ْ ن َ ْ‬
‫من ب َ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫عب ُـدُ إ ِل َ ٰـ ـ َ‬
‫وإ ِل َ ٰـ ـ َ‬
‫ك َ‬
‫آَبــائ ِ َ‬
‫عي َ‬
‫ها‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫ك إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫س َ‬
‫ق إ ِل َ ٰـــ ً‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ح ٰـــ َ‬
‫س َ‬
‫هيــ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (133‬‬
‫وا ِ‬
‫مو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫ح ً‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫دا َ‬
‫َ‬
‫فهنييا حييرص سيييدنا يعقييوب علييى نقييل أمانيية‬
‫السييتخلف ميين آبييائه إبراهيييم واسييحق إلييى ابنييائه‬
‫وذريته بني إسرائيل‪.‬‬
‫ص‬
‫ونلحظ أيضا ً في ختام الجزء الول وبعد أن ق ّ‬
‫علينييا القصييص الثلث تييأتي الييية ‪ُ ‬‬
‫من ّــا‬
‫قوُلوا ْ ءا َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫م‬
‫ل إ ِل َــى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫هيـ َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا َ‬
‫ب ِ ٱلله َ‬
‫ما أنـ ِ‬
‫ما أن ِ‬
‫ع ُ‬
‫عي َ‬
‫ط‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫ســَبا ِ‬
‫قــو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫س َ‬
‫و ٱل ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ح ٰـــ َ‬
‫س َ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫و ِ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫و َ‬
‫ى ُ‬
‫و َ‬
‫ســ ٰى َ‬
‫ســ ٰى َ‬
‫َ‬
‫مــا أوِتــ َ‬
‫مــا أوِتــ َ‬
‫َ‬
‫م ل َ نُ َ‬
‫م‬
‫حـ ٍ‬
‫ن ِ‬
‫ٱلن ّب ِّيو َ‬
‫نأ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫فّرقُ ب َي ْـ َ‬
‫هـ ْ‬
‫د ّ‬
‫ه ْ‬
‫من ّرب ّ ِ‬
‫ن‪.( (136‬‬
‫مو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫َ‬
‫فهييذه الييية تفصيييل للييذين أنعييم اللييه عليهييم‬
‫صَرا َ‬
‫ط‬
‫المذكورين في سورة الفاتحة ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫صَرا َ‬
‫م‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ط ٱل ّ ِ‬
‫م‪ِ ‬‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ْ‬
‫قي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫علي ْ ِ‬
‫من فضلك اقرأ هذا الجزء بنفسييية ميين يريييد أن‬
‫يكييون مسييؤول ً عيين الرض ليسييتخلفه اللييه‪ ،‬وأن‬

‫‪48‬‬

‫سورة البقرة‬

‫يستفيد من أخطاء غيره‪ ،‬وأن يحذر المادية والجييدل‬
‫والتحايل على شرع الله ويتحرى طاعته‪.‬‬
‫يحيدد الجييزء الثياني ميين سييورة البقييرة الوامير‬
‫والنييواهي الييتي ل بييد للميية ميين الخييذ بهييا حييتى‬
‫تستخلف‪ .‬وكل هذه الوامر والنواهي ‪ -‬كما سيييتبين‬
‫معنا ‪ -‬متعلقة بثلثة أمور‪:‬‬
‫‪ .1‬طاعة الله‬
‫‪ .2‬تمّيز المة‬
‫‪ .3‬تقوى الله‬
‫إن ميين سيسييتخلف علييى الرض ل بييد لييه ميين‬
‫منهج ليسير عليه‪ ،‬هذا المنهج هو الجييزء الثيياني ميين‬
‫سورة البقرة‪.‬‬
‫تغّير القبلة‪ :‬إختيار للطاعة وأمر بالتمّيز‬

‫يبدأ الجزء الثيياني بييالتعقيب علييى الحادثيية الييتي‬
‫أمييييييير الليييييييه بهيييييييا المسيييييييلمين بتغييييييييير‬
‫القبلة من المسجد القصى إلييى الكعبيية المش يّرفة‪،‬‬
‫سي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ل‬
‫وتشكيك اليهود في المدينة بهذا المييير‪َ  :‬‬
‫عن ِ َ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫هاء ِ‬
‫ول ّ ٰـ ُ‬
‫ف َ‬
‫ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫هــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ما َ‬
‫قب ْلت ِ ِ‬
‫ن ٱلّنا ِ‬
‫ٱل ِّتى َ‬
‫ها‪.((142...‬‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫وهنا سؤال يطرح‪ :‬ما علقة هذا الربع بما قبلييه؟‬
‫لقييد تنيياول الجييزء الول ثلث قصييص لدم عليييه‬
‫السلم‪ ،‬وبني إسرائيل‪ ،‬وإبراهيييم عليييه السييلم‪ .‬إن‬
‫العامل المشترك هييو أن كييل هييذه القصييص إختبييار‬

‫سورة البقرة‬

‫‪49‬‬

‫للطاعة‪ ...‬فجرى إختبار آدم عليه السلم بالكل ميين‬
‫الشييجرة‪ ،‬وبنييي إسييرائيل فييي ذبييح البقييرة وخضييع‬
‫إبراهيم عليه السلم لختبارات كثيرة في طاعة الله‬
‫ه‬
‫وإ ِِذ‬
‫ٱت ََلــ ٰى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫‪ ‬بْ‬
‫م َرّبــ ُ‬
‫هيــ َ‬
‫عييز وجييل فأتمهييا َ‬
‫بك َل ِم ٰـت َ َ‬
‫ن‪.( (124‬‬
‫ٍ‬
‫م ُ‬
‫ه ّ‬
‫فأت َ ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫فبعد أن أخبرنا عن أحييوال المييم السييابقة وأراد‬
‫رسم المنهج لهذه المة‪ ،‬كانت أول مقومات المنهييج‬
‫ص علينييا‬
‫هييي الميير بالطاعيية‪ .‬فييالله تعييالى لييم يق ي ّ‬
‫القصص إل لحكمة‪ ،‬وهي ترسيخ مفهوم الطاعة عند‬
‫المة المسييؤولة عيين الرض‪ ،‬فجيياءت حادثيية تغيييير‬
‫القبلة كإمتحان عملي‪.‬‬
‫ولذلك كانت الية ‪ 143‬واضحة جدا ً في بيان هييذا‬
‫ة ٱل ِّتى ُ‬
‫ها‬
‫ت َ‬
‫قب ْل َ َ‬
‫عل َْنا ٱل ْ ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫كن َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫و َ‬
‫المعنى ‪َ ‬‬
‫مــن َين َ‬
‫ســو َ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫قل ِـ ُ‬
‫مــن ي َت ّب ِـ ُ‬
‫إ ِل ّ ل ِن َ ْ‬
‫ع ٱلّر ُ‬
‫م ّ‬
‫م َ‬
‫عل َ َ‬
‫ه‪.( (143‬‬
‫عل َ ٰى َ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫قب َي ْ ِ‬
‫وقد يظن البعض أن المسألة كييانت سييهلة لكيين‬
‫دس الكعبيية ميين‬
‫الواقع غير ذلك‪ ،‬فالعرب كييانت تق ي ّ‬
‫عهييد سيييدنا إبراهيييم‪ ،‬فجعييل اللييه قبليية المسييلمين‬
‫لبيت المقدس‪ ،‬ثم جياء المير بالتجياه للكعبية ميرة‬
‫ثانية‪ ،‬طاعة لله‪.‬‬
‫لحظ معييي علقيية الربيياع السييابقة ميين الجييزء‬
‫الول بهذا الربع‪:‬‬
‫ الربييع السييابع مّهييد لفكييرة النسييخ )وهييو تغيييير‬‫خ مـن ءايـ َ‬
‫و‬
‫َ ٍ‬
‫مــا َنن َ‬
‫سـ ْ ِ ْ‬
‫الحكام( في بدايته ‪َ ‬‬
‫ةأ ْ‬

‫‪50‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫ْ‬
‫و‬
‫ت بِ َ‬
‫ها ن َأ ِ‬
‫ُنن ِ‬
‫من ْ َ‬
‫س َ‬
‫ر ّ‬
‫ها أ ْ‬
‫خي ْ ٍ‬
‫ ثم ييأتي الربيع الثيامن ليتحيدث عين بنياء الكعبية‬‫م ٱل ْ َ‬
‫‪‬إ ِذْ ي َْر َ‬
‫ت‬
‫و‬
‫وا ِ‬
‫ن ٱل ْب َْيــ ِ‬
‫عدَ ِ‬
‫ع إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫ف ُ‬
‫مــ َ‬
‫هي ُ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫‪.( (127‬‬
‫ها‪(106‬‬
‫ِ‬
‫مث ْل ِ َ‬

‫‪.(‬‬

‫ وكانت آخر حلقات السلسلة بيان أن نسخ الحكم‬‫سيكون بتغيييير إتجياه القبليية‪ ،‬فيانظر إليى جميال‬
‫ترابط اليات ببعضها!‬
‫تمييز المة حتى في مصطلحاتها‬

‫ولكن الربع هذا ينّبه إلى هييدف آخيير غييير إختبييار‬
‫الطاعة‪ .‬فكمييا سييبق فييي الجييزء الول التنييبيه إلييى‬
‫أهمية التميز عن المييم الخييرى فييي المصييطلحات‪:‬‬
‫يٰ َ‬
‫قوُلوا ْ‬
‫و ُ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َ ُ‬
‫قوُلوا ْ ٰر ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫َ‬
‫‪‬ـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫عَنا َ‬
‫ٱنظُْرَنا‪ ( (104‬ففي هذه الية أيض يا ً أميير بييالتميز‬
‫عن الخرين في إتجاه القبلة‪..‬‬
‫فاليهود كانوا يصّلون باتجاه بيت المقدس‪ ،‬فييأمر‬
‫المسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلمون‬
‫جه للكعبة‪ .‬وكأن الرسالة هنا‪ :‬كيييف‬
‫بمخالفتهم والتو ّ‬
‫تستخلف أمة على هذه الرض وهي ليست متمّيييزة‬
‫عن غيرها؟ كيف يكون التابع والمقل ّييد مسييؤول ً عيين‬
‫الرض؟‪ ...‬فكان ل بد قبل التيييان بييأي أميير أو نهييي‬
‫في المنهج أن يأتي المر بييالتميز عيين طريييق تغيييير‬
‫اتجاه القبلة! ليتمّيز المسلمون فل يشعروا بالتقليييد‬
‫والتبعية للمم الخرى‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪51‬‬

‫وسطية التميز‬

‫أما الربع الثاني من هذا الجييزء فيبييدأ بالييية‬
‫صــ َ‬
‫فا‬
‫واليييتي يقيييول الليييه تعيييالى فيهيييا ‪‬إ ِ ّ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ر ٱلله َ‬
‫من َ‬
‫ت‬
‫وةَ ِ‬
‫حـ ّ‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ج ٱل ْب َي ْـ َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫مْر َ‬
‫َ‬
‫عائ ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَر َ‬
‫مــا‪‬‬
‫ح َ‬
‫و ٱ ْ‬
‫و َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫جَنا َ‬
‫فل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫عت َ َ‬
‫ه أن ي َطّ ـ ّ‬
‫أ ِ‬
‫ف بِ ِ‬
‫‪ ((158‬بعيييض النييياس يفهيييم هيييذه اليييية أن لبيييأس‬
‫بييالطواف وأن الطييواف إختييياري‪ .‬لكيين لكييي نفهييم‬
‫معنى الية ل بد من معرفيية سييبب نزولهييا‪ ،‬فييالواقع‬
‫أن الصحابة عندما سييمعوا خطيياب القييرآن يييأمرهم‬
‫بالتمييز )سواء بتغيير المصييطلحات أو بتغيييير إتجيياه‬
‫القبلة(‪ ،‬ووجدوا أن المشركين يطوفون بييين الصييفا‬
‫والمييروة )ويضييعون صيينمين علييى جبلييي الصييفا‬
‫والمييروة )آسيياف ونائليية( وكييانوا يسييعون بينهمييا(‪،‬‬
‫عندها شعر الصحابة بحرج ميين السييعي بييين الصييفا‬
‫والمروة وأنه ينافي التميز الذي أمييروا بييه‪ ،‬فجيياءت‬
‫الية لتخبرهم أن ليس كييل مييا يفعلييه الكفييار خطييأ‪،‬‬
‫فإن أصل السييعي بييين الصييفا والمييروة أميير ربيياني‬
‫واتباع لسيدنا إبراهيم‪ .‬وبهذا تضح الرسالة‪ :‬ل بد من‬
‫التوازن في التميز لن هذه المة أمة وسييط فليييس‬
‫كل ما يفعله الكفار مرفوض‪...‬‬
‫ولذلك تأتي في هذا الربييع آييية هاميية فييي رسييم‬
‫ُ‬
‫كوُنوا ْ‬
‫س ً‬
‫طا ل ّت َ ُ‬
‫و‪‬ك َ ٰذل ِ َ‬
‫م ً‬
‫ج َ‬
‫ك َ‬
‫و َ‬
‫م أ ّ‬
‫عل ْن َ ٰـك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫المنهج‪َ :‬‬
‫داء َ َ‬
‫ُ‬
‫س‪.( (143‬‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫على ٱلّنا ِ‬
‫أنت منتمييي إلييى أميية متميييزة‪ :‬تخيييل أنييك أنييت‬
‫‪128‬‬

‫‪52‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ستشهد على البشرية التي تعاصرها‪ ،‬وأنت سييتقول‬
‫يوم القيامة أين الحييق وأييين الضييلل‪ ،‬فتأمييل حجييم‬
‫المسؤولية الملقاة على عاتقك يييوم القياميية‪ ،‬وتييابع‬
‫معييي قييراءة سييورة البقييرة حييتى تتييبّين معييالم‬
‫مسؤوليتك وشهادتك على المم‪.‬‬
‫السلم والصلح الشامل‬

‫فييي الربييع الثييالث تبييدأ سلسييلة ميين الواميير‬
‫الشاملة لكل نواحي الصلح في المجتمع‪.‬‬
‫َ‬
‫ول ّــوا ْ‬
‫فيبدأ بقول لله تعالى‪ :‬ل ّي ْ َ‬
‫س ٱل ْب ِّر أن ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫قب َ َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫جو َ‬
‫و ُ‬
‫ول َ ٰـ ـك ِ ّ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ر ِ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫ُ‬
‫غـ ِ‬
‫ر ِ‬
‫شـ ِ‬
‫لْ‬
‫ر‬
‫وم ِ ٱل ْ ِ‬
‫مــ َ‬
‫مــ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ٱِبــّر َ‬
‫و ٱل َْيــ ْ‬
‫ن ِبــ ٱلله َ‬
‫خــ ِ‬
‫وءاَتـــى‬
‫مَلــــئ ِك َ ِ‬
‫و ٱلن ّب ِّييـــ َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ْك ِت َ ٰــــ ِ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ٱْ ُ‬
‫ما َ‬
‫م ٰى‬
‫وى ل‬
‫ل َ‬
‫حب ّـ ِ‬
‫عل َ ٰى ُ‬
‫و ٱل ْي َت َ ٰـ ـ َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫قْرب َـ ٰى َ‬
‫ه ذَ ِ‬
‫ن‬
‫ٰــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ِ‬
‫كي َ‬
‫فــي ٱلّر َ‬
‫ب‬
‫و ِ‬
‫و ٱل ّ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ســائ ِِلي َ‬
‫و ٱب ْ َ‬
‫قــا ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫وءاَتـــــىلّزٱ َ‬
‫وأ َ َ‬
‫كـــــ‬
‫ٰوةَ‬
‫قـــــا َ‬
‫م ٱل ّ‬
‫صـــــل َ ٰوةَ َ‬
‫َ‬
‫مو ُ‬
‫م إِ َ‬
‫ن‬
‫ذا َ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫فو َ‬
‫ه ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ع ٰـ َ‬
‫ع ْ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫و ٱل ّ‬
‫دوا ْ َ‬
‫َ‬
‫صــاب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫س‪ ...‬‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ســاء و ٱل ّ‬
‫فى ٱل ْب َأ َ‬
‫حيـ َ‬
‫ضـّراء َ‬
‫ن ٱلب َـأ ِ‬
‫‪((177‬‬
‫يقول العلماء أن هذه الية شاملة للسييلم‪ ،‬فقييد‬
‫شملت العقييائد )اليمييان بييالله والملئكيية والكتيياب(‬
‫والعبادات )إقامة الصلة وإيتاء الزكيياة( والمعيياملت‬
‫)الوفاء بالعهد( والخلق‪.‬‬
‫لحظ معي التدرج الييرائع الييذي جيياءت بييه هييذه‬

‫سورة البقرة‬

‫‪53‬‬

‫السورة‪:‬‬
‫هـ َ‬
‫‪ .1‬تغيييير القبليية )لتحقيييق التميييز(‪َ ‬‬
‫و ّ‬
‫ك‬
‫و ْ‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫فـ َ‬
‫َ‬
‫رام ِ‪.( (144‬‬
‫ج ِ‬
‫د ٱل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫شطَْر ٱل ْ َ‬
‫س ِ‬
‫ح َ‬
‫‪ .2‬التييوازن فييي التميييز ‪‬ل جنــاح عليكــم أن‬
‫تطوفوا بين الصفا والمروة‪.( (158‬‬
‫َ‬
‫وّلوا ْ‬
‫‪ .3‬التجاه ليس كل شيء‪ :‬ل ّي ْ َ‬
‫س ٱل ْب ِّر أن ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫قَبــ َ‬
‫ب‪‬‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫جــو َ‬
‫و ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ر ِ‬
‫ق َ‬
‫ُ‬
‫غــ ِ‬
‫ر ِ‬
‫شــ ِ‬
‫‪.((177‬‬

‫فبعد ان رسخ الله تعالى لييدى الصييحابة الطاعيية‬
‫والتميز في الربع الول‪ ،‬بّين لهم أن المسألة ليست‬
‫مسألة إتجاه وإنما هي قضية إصييلح شيياملة‪ .‬فحييين‬
‫جاء الميير بيالتوجه للكعبية كييان ذلييك فقيط لختبييار‬
‫الطاعة والتميييز‪ ،‬بينمييا الصييل هييو عمييل الييبر بكييل‬
‫أشكاله التي وردت في الية ‪.177‬‬
‫مفردات الصلح الشامل‬

‫وميين أول الربييع الثييالث فييي الجييزء الثيياني تبييدأ‬
‫الوامر والنواهي للمة لترسم شمول المنهج‪:‬‬
‫َ‬
‫مُنــوا ْ‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫تشــريع جنــائي‪ :‬يـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫فــي ٱل ْ َ‬
‫قت ْل َــى‪.( (178‬‬
‫ب َ‬
‫ص ِ‬
‫م ٱل ْ ِ‬
‫ك ُت ِ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫صا ُ‬
‫ق َ‬
‫ص‬
‫في ٱل ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫وبعدها يأتي قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫صــا ِ‬
‫ُ‬
‫ب‪.( (179‬‬
‫َ‬
‫حي َ ٰوةٌ يأوِلي ٱلل ْب َ ٰـ ِ‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫م‬
‫ب َ‬
‫ح َ‬
‫ض ـَر أ َ‬
‫ذا َ‬
‫مواريث‪ :‬ك ُت ِ َ‬
‫ح ـدَك ُ ُ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫صــي ّ ُ ْ‬
‫ت ِإن َتــَر َ‬
‫ن‬
‫ك َ‬
‫و ِ‬
‫و ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫خْيــًرا ٱل ْ َ‬
‫مــ ْ‬
‫ة ل ِل ٰوِلــدَي ْ ِ‬

‫‪54‬‬

‫سورة البقرة‬

‫و ٱل ْ ْ‬
‫ن‪(180‬‬
‫قَرِبي َ‬
‫َ‬

‫‪(‬‬

‫وبعد هذا‬

‫َ‬
‫ب‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫مُنــوا ْ ك ُِتــ َ‬
‫تشريع تعبدي‪ :‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫مــن‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫عل َــى ٱل ّـ ِ‬
‫ما ك ُت ِـ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫ذي َ‬
‫م كَ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫م ٱل ّ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫َ‬
‫ن ‪..‬‬
‫قو َ‬
‫م لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫التقوى مصباح الطريق‬

‫والملحظ أن كل الحكام الواردة هنا قييد ركييزت‬
‫بشكل أساسي على تقوى الله تعالى‪ ،‬قتجد في آييية‬
‫حي َ ٰوةٌ يــُأوِلي‬
‫و‬
‫في ٱل ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ص َ‬
‫‪‬ل َك ُ ْ‬
‫ق َ‬
‫القصاص‪َ :‬‬
‫صا ِ‬
‫عل ّ ُ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫ن‪ ( (179‬وفيييي آييييات‬
‫قــو َ‬
‫ب لَ َ‬
‫كــ ْ‬
‫ٱلل ْب َ ٰـــ ِ‬
‫صـي ّ ُ ْ‬
‫إن ت ََر َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫ك َ‬
‫و ِ‬
‫خي ْـًرا ٱل ْ َ‬
‫المييواريث ِ‬
‫ة ل ِل ٰول ِـدَي ْ ِ‬
‫ح ّ‬
‫و ٱل ْ ْ‬
‫ن‬
‫قا َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫قيــ َ‬
‫قَرِبي َ‬
‫عَلى ٱل ْ ُ‬
‫ن ب ِ ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫هــا ٱّلــ ِ‬
‫‪ ( (180‬وفيييي آييييات الصييييام ‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫عل َــى‬
‫ب َ‬
‫ب َ‬
‫مــا ك ُت ِ ـ َ‬
‫مُنوا ْ ك ُت ِ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫م كَ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫ءا َ‬
‫م ٱل ّ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫من َ‬
‫ن‪ ( (183‬وفييي‬
‫ن ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫قــو َ‬
‫م لَ َ‬
‫ذي َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫ختام عرض الحكام‪ :‬ك َ‬
‫‪‬ـ ٰذل ِ َ‬
‫ه‬
‫ن ٱللــه آي َــات ِ ِ‬
‫ك ي ُب َي ّـ ُ‬
‫م ي َت ّ ُ‬
‫ن‪.( (187‬‬
‫قو َ‬
‫س لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫فهذا المنهج ل بد له من أناس طائعين‪ ،‬متميزين‬
‫عن غيرهم‪ ،‬ومّتقين يريدون إرضاء الله تعالى‪ ،‬فهذه‬
‫المحيياور الثلثيية هييي سييياج يحمييي المنهييج‪ ،‬ذكييرت‬
‫بطريقة مترابطة ومدهشيية ل تشييبه طريقيية البشيير‬
‫في الشرح والعرض‪.‬‬
‫وكلما تقدمت أخي المسلم فييي قييراءة السييورة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪55‬‬

‫تتفتح عيناك على بقية أجزاء المنهج‪ ،‬فتتضح أمامييك‬
‫شموليته‪.‬‬
‫فييالقرآن بييدأ بالتشييريع الجنييائي ثييم التشييريع‬
‫التعبدي‪ .‬وقد يتساءل البعض عن العلقة بينها‪ .‬وهنييا‬
‫ينبغي التنبيه إلى أنك حين تجييد موضييوعات متتابعيية‬
‫ولكن متفرقية فهيي إشيارة إليى أن اليدين يشيملها‬
‫كلها‪ .‬فلم يأت تشييريع العبييادات منفصيل ً عيين غيييره‬
‫من الحكام للتأكيد على شمول المنهج وتناوله لكييل‬
‫مظاهر الحياة‪.‬‬
‫دروع السلم الحصينة‬

‫نصل إلى القسم الرابع الذي يتحدث عن تشييريع‬
‫‪َ ‬‬
‫ل‬
‫و‬
‫ق ٰـ ـت ُِلوا ْ ِ‬
‫فــي َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫القتييال وأحكييام الجهيياد َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫ٱلله ٱل ّ ِ‬
‫دوا ْ إ ِ ّ‬
‫عَتــ ُ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ق ٰـت ُِلون َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ث‬
‫حْيـــ ُ‬
‫قت ُُلـــو ُ‬
‫ل َ يُ ِ‬
‫عَتـــ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫حـــ ّ‬
‫دي َ‬
‫ه ْ‬
‫ب ٱل ْ ُ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ق ْ‬
‫م‪..‬‬
‫حي ْ ُ‬
‫ث أَ ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫جو ُ‬
‫مو ُ‬
‫ثَ ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ن َ‬
‫ر ُ‬
‫م ْ‬
‫جوك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فت ُ ُ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫‪.( (190-191‬‬
‫فهنييا تأكيييد أنييه ل بييد ميين القتييال للحفيياظ علييى‬
‫المنهييج‪ ،‬ول بييد ميين إنفيياق المييال عليييى الجهييياد‬
‫قـــوا ْ‬
‫ول َ ت ُل ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫قـــوا ْ ِ‬
‫وَأن ِ‬
‫فـــى َ‬
‫ل ٱللـــه َ‬
‫ســـِبي ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫هل ُ َ‬
‫ة‪ ( (195‬فهييذا المنهييج‬
‫كــ ِ‬
‫ب ِأْيــ ِ‬
‫م إ َِلــى ٱلت ّ ْ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫يستلزم قتال ً يحميه من أعدائه الواقفين في طريقييه‪،‬‬
‫وليس للرهاب وسفك الدماء‪ .‬وسنلحظ في القييرآن‬
‫قاعدة عاميية‪ :‬كلمييا يييذكر القييرآن القتييال يييذكر معييه‬
‫ضييوابطه‪ ،‬فهنييا مثل ً حييددت الييية قتييال المعتييدين‬

‫‪56‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ن يُ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫م‬
‫و‬
‫ق ٰـت ُِلوا ْ ِ‬
‫ل ٱلله ٱل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ق ٰـت ُِلون َك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫‪ ( (190‬كما وبّينت الخلق الحربية في القتال بعدم‬
‫العتداء )ول تعتدوا(‪.‬‬
‫الحج‪ :‬محطة وقود‬

‫وتنتقل اليييات للحييديث عيين أحكييام الحييج‪ ،‬فمييا‬
‫الذي دعا للكلم على الحج بعد القتال؟ إن الحج هييو‬
‫أول تدريب على القتال‪ ،‬والله تعالى يتيح للميية ميين‬
‫خلل الحج فرصة تدريبية )من إعداد نفسييي وبييدني‬
‫وروحي( للتدريب على الجهاد وتغيير العادات‪ ..‬تأمل‬
‫كيف أن آيات السييورة وحييدة متماسييكة رغييم تنييوع‬
‫موضوعاتها‪.‬‬
‫وهنا نتذكر دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلم في‬
‫آخييير الجيييزء الول مييين السيييورة ‪َ ...‬‬
‫رَنـــا‬
‫َ‬
‫وأ ِ‬
‫سك ََنا‪  ...‬فكان التفصيل في أحكام الحييج فييي‬
‫مَنا ِ‬
‫َ‬
‫اليييات )‪ (200-196‬اسييتجابة لييدعوة سيييدنا إبراهيييم‬
‫في الية )‪.(128‬‬
‫أركان السلم‬

‫ويلحيييظ أمييير هيييام‪ ،‬وهيييو أن أركيييان السيييلم‬
‫الخمسة لم تييأت مفصييلة ومجتمعيية فييي أي سييورة‬
‫من القرآن كما في سورة البقرة‪ ..‬فأحكييام الصيييام‬
‫لم ترد إل في سورة البقرة وأحكام الحج لم تفصييل‬
‫إل فييي سييورة البقييرة وكييذلك أحكييام النفيياق وأن‬
‫السلم منهج زكوي تنموي ل ربوي‪ .‬وأما الشهادتان‬

‫سورة البقرة‬

‫‪57‬‬

‫ن‬
‫فأول آيات سورة البقرة تشييير إلييى ‪ ...‬ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫يُ ْ‬
‫ب‪ .( (3...‬نصل إلى عماد الدين‪:‬‬
‫ن ب ِ ٱل ْ َ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫الصييلة‪ ،‬الييتي تكييررت الشييارات اليهييا ميين أول‬
‫وأ َ‬
‫ة‪ ( (43‬إلييى‬
‫وآُتوا ْ ٱلّزك َ ٰو َ‬
‫‪ِ‬‬
‫قي ُ‬
‫موا ْ ٱل ّ‬
‫صل ٰوةَ َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ت‬
‫ظوا ْ َ‬
‫ح ‪ٰ‬ــــ ِ‬
‫صـــل َ ٰو ِ‬
‫قيييوله تعيييالى َ‬
‫عَلـــى ٱل ّ‬
‫سطَ ٰى‪ ( (238‬وهنا الية الوحيييدة‬
‫صل َ ٰو ِ‬
‫و ْ‬
‫و ٱل ّ‬
‫ة ٱل ْ ُ‬
‫الييتي خصصييت إحييدى الصييلوات الخمسيية لهميتهييا‬
‫وهي صلة العصر‪.‬‬
‫آدخلوا في السلم كافة‬

‫وبعد أن عرضت اليات أحكاما ً مختلفة نصل إلى‬
‫َ‬
‫مُنــوا ْ‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫آييية محورييية هاميية ‪َ‬يـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ســل ْم ِ َ‬
‫كا ّ‬
‫ة‪ ( (208‬ومعنييى‬
‫ٱد ْ ُ‬
‫فــ ً‬
‫خُلــوا ْ ِ‬
‫فــي ٱل ّ‬
‫السلم هنييا السييلم‪ .‬أي أن المعنييى‪ :‬يييا أيهييا الييذين‬
‫أمنوا أدخلوا في السلم الكامييل الشييامل‪ ،‬السييلم‬
‫الذي يمّثل هذا المنهج بجميييع جييوانبه‪ .‬وسييبب ورود‬
‫الييية فييي هييذا المواضيييع أن اليييات السييابقة بّينييت‬
‫معييالم المنهييج ميين تعب ّييد وتشييريع جنييائي وتركييات‬
‫وقتال وأحكام الحج والنفاق‪ .‬فتأتي هذه الية لتييأمر‬
‫بأخذ السلم بأحكامه كلها والتحييذير ميين أخييذ جييزء‬
‫وتييرك جييزء آخيير كمييا فعييل اليهييود ‪‬أ َ َ‬
‫فت ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫وت َك ْ ُ‬
‫ض‪ ..( (36‬فهيييذا‬
‫فُرو َ‬
‫ن ب ِب َ ْ‬
‫ب ِب َ ْ‬
‫ض ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ٍ‬
‫ع ِ‬
‫تنبيه لمة محمد ‪ ‬على الدخول في السلم كافيية‬
‫وإتباعه كافة فل ينبغي أن نأخذ أجزاء ونترك أجييزاء‪،‬‬
‫كالتي تصلي وتترك الحجاب أو تقييوم الليييل وتييؤذي‬

‫‪58‬‬

‫سورة البقرة‬

‫جارتها‪.‬‬
‫اكتمال المنهج‪ :‬أحكام السرة‬

‫ويستمر المنهج في تبيان أحكام السرة واليزواج‬
‫والطلق والرضيياعة والخطبيية‪ ،‬علييى مييدى ربعييين‬
‫كاملين‪ ،‬وقد يتساءل البعض عن سبب تييأخر أحكييام‬
‫السرة وعدم ورودها في الول‪ ..‬والجواب أنه ل بييد‬
‫ميين البييدء بطاعيية اللييه والتقييوى والصيييام والحييج‬
‫للعييداد‪ ،‬لن تنظيييم السييرة ميين المييور الصييعبة‪..‬‬
‫فمليييين القييوانين تعجييز عيين إصييلح نفييوس تريييد‬
‫النحراف‪ .‬لذلك أغلب آيييات هييذين الربعييين ختمييت‬
‫موا ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫بتقوى الله أو التذكير بعلمه ومراقبته‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ن ٱلله ب ِك ُ ّ‬
‫م‪( (231‬‬
‫ىء َ‬
‫أ ّ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫صــيٌر ‪‬‬
‫وٱ ْ‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن ٱلله ب ِ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪((233‬‬

‫ن‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫و ٱلله ب ِ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ب ِللت ّ ْ‬
‫فوا ْ أ َ ْ‬
‫ع ُ‬
‫و ٰى‪( (237‬‬
‫قَر ُ‬
‫و‪‬أن ت َ ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫مطَل ّ َ‬
‫عَلى‬
‫و‬
‫قا َ‬
‫ق ٰـ ِ‬
‫ف َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫مت َ ٰـ ٌ‬
‫ع ب ِ ٱل ْ َ‬
‫ت َ‬
‫‪‬ل ِل ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن‪( (241‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫قي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫وتغليف أحكام السرة بالتقوى‪ ،‬يعلمنا أن النظام‬
‫الخلقييي والنظييام العملييي فييي السييلم مرتبطييان‬
‫دائمًا‪.‬‬
‫َ‬
‫ر‪(234‬‬
‫خِبي ٌ‬

‫من سيكمل إلى النهاية؟‬

‫‪(‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪59‬‬

‫وتذكر اليات )‪ (252 - 246‬قصيية قتييال طييالوت‬
‫وجالوت‪ ،‬قصيية فئة ميين بنييي إسييرائيل نجحييت فييي‬
‫المهمة وفئة أخرى فشييلت لسييباب عديييدة )رفييض‬
‫أمر الله والتولي بعد أن كتب عليهييم القتييال ‪ -‬عييدم‬
‫طاعة النبي ‪ -‬الفشل في امتحان الشرب من النهيير‬
‫ قياس النصر والهزيمة بالمقيياييس المادييية(‪ .‬هييذه‬‫القصة اشتملت على قتال وحرب وأناس خافت من‬
‫لقاء العدو وأخرى قاتلت‪ ،‬للتأكيد على لييزوم القتييال‬
‫لحماية المنهييج‪ ،‬وأن الجبنيياء والخييائفين ل يصييلحون‬
‫لحمله وبالتالي ل يصلحون للمسؤولية على الرض‪.‬‬
‫آية الكرسي‪ :‬قدرة وعظمة الله‬

‫وتصل اليات إلييى أعظييم آييية فييي القييرآن‪ :‬آييية‬
‫الكرسييي )‪ (255‬وهييي أروع كلم عيين اللييه وصييفاته‬
‫عرفته البشرية في تاريخها‪.‬‬
‫م لَ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫‪‬‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫قي ّــو ُ‬
‫ٱلله ل َ إ ِل َ ٰـ ـ َ‬
‫هـ َ‬
‫حـ ّ‬
‫ت‬
‫ت َأ ْ ُ‬
‫سن َ ٌ‬
‫مــا ِ‬
‫وا ِ‬
‫خذُهُ ِ‬
‫و ٌ‬
‫فــي ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫م ل ّـ ُ‬
‫م ٰـ ـ َ‬
‫ول َ ن َ ْ‬
‫ة َ‬
‫شـ َ‬
‫ذى ي َ ْ‬
‫من َ‬
‫ه‬
‫ع ِ‬
‫ما ِ‬
‫ذا ٱل ّـ ِ‬
‫ف ُ‬
‫عن ـدَ ُ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫في ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫خل ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫إ ِل ّ ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫دي ِ‬
‫حي ُ‬
‫ما َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ع‬
‫ن ِ‬
‫يُ ِ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫طو َ‬
‫سـ َ‬
‫م ْ‬
‫ه إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫يء ّ‬
‫شــاء َ‬
‫ش ْ‬
‫ول َ َيـــ ُ‬
‫ه‬
‫وا ِ‬
‫ك ُْر ِ‬
‫ه ٱل ّ‬
‫ؤودُ ُ‬
‫س َ‬
‫ســـي ّ ُ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫م ٰــــ َ‬
‫ح ْ‬
‫م‪( (255‬‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫فظ ُ ُ‬
‫ظي ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫عل ِ ّ‬
‫واللطيف أن بعد هذه الييية مباشييرة يييأتي قييوله‬
‫تعيييييييييييالى فيييييييييييي اليييييييييييية )‪(256‬‬
‫ن‪  ...‬وسبب هذا أن الحجة‬
‫‪‬ل إ ِك َْراهَ ِ‬
‫فى ٱل ّ‬
‫دي ِ‬

‫‪60‬‬

‫سورة البقرة‬

‫قد أقيمت على البشر بآية الكرسي فمن آثر الكفيير‬
‫بعيييدها فل تكرهيييوه عليييى اليميييان ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫قــد ت ّب َّيــ َ‬
‫ٱلّر ْ‬
‫ي ‪.‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫شدُ ِ‬
‫م َ‬
‫غ ّ‬
‫وسبب ورود آية الكرسي في وسييط الكلم عيين‬
‫المنهج هو أننا أثناء تطبيق هذا المنهج نحتاج إلى مييا‬
‫يثبتنا ويشعرنا بأن هذا المنهج ميين اللييه تعييالى‪ ،‬وأن‬
‫ي‬
‫اللييه ولييي ميين يطبييق هييذا المنهييج ‪ ‬ٱلله َ‬
‫ول ِـ ّ‬
‫مُنوا ْ‪.‬‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫دلئل وبراهين‬

‫ويييأتي بعييد آييية الكرسييي ثلث قصييص تعييرض‬
‫نماذج حياتية لتؤكد آية الكرسي قصة سيدنا إبراهيم‬
‫‪‬ذْ َ‬
‫قا َ‬
‫ي‬
‫ل إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫هيــ ُ‬
‫م َرّبــ َ‬
‫عليه السلم مع النمرود إ ِ‬
‫ل أ ََنا أ ُحى ُ‬
‫ت َ‬
‫ت َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫وأ ِ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ذى ي ُ ْ‬
‫مي ُ‬
‫مي ُ‬
‫ح ِ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ى َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱللــه َيــأ ِْتى ب ِ ٱل ّ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫فــإ ِ ّ‬
‫مــ َ‬
‫شــ ْ‬
‫هيــ ُ‬
‫م ِ‬
‫ش ـر ق َ ْ‬
‫ب َ‬
‫ت‬
‫م ْ‬
‫هــا ِ‬
‫فــأ ِ‬
‫هـ َ‬
‫ت بِ َ‬
‫مـ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫غــ ِ‬
‫م ْ ِ ِ‬
‫فب ُ ِ‬
‫ذى ك َ َ‬
‫ر‪.( (258‬‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫عل َـ ٰى َ‬
‫ة‬
‫‪ ‬كَ ل‬
‫و‬
‫م ـّر َ‬
‫قْري َـ ٍ‬
‫ٱ ّـ ِ‬
‫ذى َ‬
‫وقصيية عزييير أ ْ‬
‫ى َ‬
‫ه‪.( (259...‬‬
‫وي َ ٌ‬
‫و ِ‬
‫م بَ َ‬
‫عث َ ُ‬
‫ة‪ ...‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫خا ِ‬
‫َ‬
‫رِنـى‬
‫وقصة سيييدنا إبراهيييم وهييو يقييول ‪َ‬ر ّ‬
‫بأ ِ‬
‫وت َ ٰى‪.( (260...‬‬
‫ك َي ْ َ‬
‫ف تُ ْ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫فييأمره اللييه تعييالى أن يأخييذ عييددا ً ميين الطيييور‬
‫ويق ّ‬
‫طعها ثم يطرقها على رؤوس الجبال ثم يدعوها‪،‬‬
‫فإذا بالريش والدم يعود كمييا كييانوا قبييل تقطيعهييم‪،‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪61‬‬

‫َ‬
‫زيٌز‬
‫ن ٱلله َ‬
‫وٱ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫عل َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ع ِ‬
‫فهييذه للقصييص تؤكييد قييدرة اللييه علييى الحييياء‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫م‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫قّيــو ُ‬
‫والماته ‪‬ٱلله ل َ إ ِل َ ٰـ َ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫‪ ( (255‬جاءت بعد كل آيات المنهييج لتقوييية إيمييان‬
‫المسلم ويقينيه بيالله فتكيون عونيا ً ليه عليى تحميل‬
‫تبعات المنهج الثقيل‪.‬‬
‫م‪(260‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬

‫‪.(‬‬

‫النظام المالي والقتصادي‬

‫وتظهر اليييات آخيير ملمييح المنهييج وهييو النظييام‬
‫المييالي والقتصييادي فييي السييلم‪ ،‬والييذي عنييوانه‪:‬‬
‫السييلم منهييج تنمييوي وليييس منهييج ربييوي‪ ،‬وتييأتي‬
‫ٱّْرب َـ ٰوا ْ‬
‫ق ٱللــه ل‬
‫م َ‬
‫اليات لتحذر ميين الربييا‪ :‬ي َ‬
‫ح ُ‬
‫‪ْ‬‬
‫ل كَ ّ‬
‫صدَ َ‬
‫ب ك ُـ ّ‬
‫ر‬
‫و ٱلله ل َ ي ُ ِ‬
‫ق ٰـ ِ‬
‫حـ ّ‬
‫وي ُْرِبى ٱل ّ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫فــا ٍ‬
‫َ‬
‫ثيم ٍ‪.( (276‬‬
‫أ ِ‬
‫َ‬
‫وذَُروا ْ‬
‫مُنوا ْ ٱت ّ ُ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫قــوا ْ ٱللــه َ‬
‫ن ٱلّرب َ ٰوا ْ ِإن ُ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫مـ ْ‬
‫ف ـِإن‬
‫ما ب َ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ى ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫كنت ُـ ْ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫ْ‬
‫عُلوا ْ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ه‬
‫ســول ِ ِ‬
‫فأذَُنوا ْ ب ِ َ‬
‫ف َ‬
‫وَر ُ‬
‫مـ َ‬
‫ب ّ‬
‫لّ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫مــو َ‬
‫م ل َ ت َظْل ِ ُ‬
‫م ـ ٰول ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫فل َك ُـ ْ‬
‫وِإن ُتبت ُ ْ‬
‫م ُرءو ُ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (278 - 279‬‬
‫مو َ‬
‫ول َ ت ُظْل َ ُ‬
‫َ‬
‫حييتى تييأتي آييية المداينيية )وهييي أطييول آييية فييي‬
‫القييرأن( لتوضييح معييالم المنهييج فييأكثر فييي قضييايا‬
‫الديون وإثباتها جاءت لتفيد التثبت في المعاملت ‪‬‬
‫َ‬
‫مى َ‬
‫إِ َ‬
‫ه‬
‫ن إ َِلى أ َ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫م َ‬
‫فـ ٱك ْت ُُبو ُ‬
‫سـ ّ‬
‫ل ّ‬
‫جـ ٍ‬
‫داَينُتم ب ِدَي ْ ٍ‬
‫‪ ( (282‬بعييد ذكيير قصيية إبراهيييم فييي التثبييت فييي‬

‫‪62‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قــا َ‬
‫ف‬
‫‪‬‬
‫رن ِــى ك َي ْ ـ َ‬
‫ل إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫م َر ّ‬
‫هي ـ ُ‬
‫العقيييدة َ‬
‫بأ ِ‬
‫قــا َ َ‬
‫من َ‬
‫وت َ ٰى َ‬
‫م ت ُـ ْ‬
‫قــا َ‬
‫ل ب َل َـ ٰى‬
‫ؤ ِ‬
‫تُ ْ‬
‫ول َـ ْ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫حـ ِ‬
‫لأ َ‬
‫مـ ْ‬
‫ن َ‬
‫قل ِْبــى‪ ( (260‬لتيييوحي هاتيييان‬
‫ول َ ٰـــ ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫كن ل ّي َطْ َ‬
‫َ‬
‫اليتان في داخلييك أن التثبييت أسييلوب المسييلم فييي‬
‫حياته في كل نواحيها‪ .‬والملحظ أن آيات الربا جاءت‬
‫بين آيات النفاق والتنمية لتوضح أن السلم ل يحرم‬
‫شيئا ً إل ويأتي بالبديل الصلح‪.‬‬
‫سورة البقرة‪ :‬إشارة المارة‬

‫بعييد أن استعرضيينا سييورة البقييرة وشييموليتها‬
‫لحكام السلم نفهييم لمياذا كيان النيبي ييولي عليى‬
‫القوم من يحفظ سورة البقرة لنييه بييذلك قييد جمييع‬
‫معالم المنهج‪ .‬هذا المنهج الشامل الذي هو الصراط‬
‫المستقيم في سورة الفاتحة‪ ،‬نجده عقيييدة فيي آيية‬
‫الكرسي وعبادة في أحكام الصيام والحج ومعاملت‬
‫في النفيياق وتوثيييق الييديون وتحريييم الربييا وأحكييام‬
‫القتال‪ ،‬يغلفها جميعها محيياور ثلثيية الطاعيية‪ ،‬التميييز‬
‫بالوسطية‪ ،‬التقوى‪.‬‬
‫الختام‪ :‬سمعنا وأطعنا‬

‫تختم سييورة البقييرة بييآيتين همييا كنيٌز ميين تحييت‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫و َ‬
‫العييرش يمييدح اللييه بهمييا المييؤمنين‪َ  :‬‬
‫سمعَنا َ‬
‫وإ ِل َي ْ َ‬
‫فَران َ َ‬
‫عَنا ُ‬
‫غ ْ‬
‫صــيُر‬
‫م ِ‬
‫وأطَ ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫ك ٱل ْ َ‬
‫ك َرب َّنا َ‬
‫َ‬
‫‪.( (285‬‬
‫عَنا‬
‫سـ ِ‬
‫م ْ‬
‫فبنو إسرائيل قالوا ‪َ ‬‬

‫و َ‬
‫نا‪( (93‬‬
‫ص ـي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪63‬‬

‫أما أمة السلم فليكن شعارنا ‪‬س ـمعَنا َ‬
‫عن َــا‬
‫وأطَ ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫‪ ‬لنبقى مسؤولين عن الرض‪ .‬ويأتي بعدها الدعاء‬
‫ف ٱللــه ن َ ْ‬
‫مــا‬
‫‪‬ل َ ي ُك َل ّـ ُ‬
‫سـ َ‬
‫ها ل َ َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫هــا َ‬
‫ســا إ ِل ّ ُ‬
‫ت َرب ّن َــا ل َ ت ُ َ‬
‫خ ـذَْنا‬
‫و َ‬
‫ؤا ِ‬
‫س ـب َ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ٱك ْت َ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫كَ َ‬
‫ها َ‬
‫ت َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مــ ْ‬
‫عل َي َْنــا‬
‫و أَ ْ‬
‫ل َ‬
‫ح ِ‬
‫ِإن ن ّ ِ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫خطَأَنــا َرب َّنــا َ‬
‫ســيَنا أ ْ‬
‫من َ‬
‫قب ْل ِن َــا َرب ّن َــا‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫عَلى ٱل ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫ذي َ‬
‫مل ْت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫صًرا ك َ َ‬
‫إِ ْ‬
‫مــا ل َ َ‬
‫طا َ‬
‫عن ّــا‬
‫ف َ‬
‫وٱ ْ‬
‫قـ َ‬
‫عـ ُ‬
‫ة ل َن َــا ب ِـ ِ‬
‫ول َ ت ُ َ‬
‫مل َْنا َ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ول ٰـ ـَنا َ‬
‫ص ـْرَنا‬
‫غ ِ‬
‫و ٱْر َ‬
‫مَنا أن ـ َ‬
‫ت َ‬
‫ح ْ‬
‫ف ٱن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫فْر لَنا َ‬
‫َ‬
‫عَلى ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (286‬‬
‫َ‬
‫وم ِ ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫ق ْ‬
‫ف ِ‬
‫قد يخطئ النسان فييي حييياته أثنيياء قيييامه بهييذا‬
‫المنهج وقد يضعف فالصييراط المسييتقيم هييو هداييية‬
‫من الله‪ ،‬لذلك يحتيياج المسييلم إلييى العييون الربيياني‬
‫بيييييييييييييييييييييييييييييأن ييييييييييييييييييييييييييييييدعو‬
‫بالعفو والغفران والرحمة‪ .‬فإذا قييام المسييلم بقتييال‬
‫من أراد محاربة المنهج وأهله فهو يسأل الله النصيير‬
‫علييى القييوم الكييافرين‪ ،‬ولقييد إسييتجاب اللييه تعييالى‬
‫لهذه الدعوات بقوله )قد فعلت(‪.‬‬

‫سورة آل عمران‬
‫سييورة آل عمييران )مدنييية( نزلييت بعييد النفييال‬
‫وعدد آياتهييا ‪ 200‬آييية وهييي بعييد سييورة البقييرة فييي‬
‫ترتيب المصحف‪.‬‬
‫علقتها مع سورة البقرة‬

‫سورة آل عمران هي شقيقة سورة البقرة بنص‬
‫أحاديث النييبي ‪ ‬وتسييميان )بييالزهراوين(‪ .‬وهنيياك‬
‫تشييابه كييبير بينهمييا‪ ،‬فكلتهمييا بييدأتا بييي ‪‬ألــم ‪،‬‬
‫واختتمتا بدعاء‪ ،‬ومن لطائف القرآن أن أول ‪ 3‬سييور‬
‫من القرآن قد اختتمت بدعاء‪:‬‬
‫صَرا َ‬
‫م‪ ...‬‬
‫ست َ ِ‬
‫الفاتحة ‪ ‬ٱ ْ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫قي َ‬
‫ط ٱل ْ ُ‬
‫دَنا ٱل ّ‬
‫‪.((4‬‬
‫َ‬
‫البقيييرة ‪َ‬رب ّن َـــا ل َ ت ُ َ‬
‫و‬
‫ؤا ِ‬
‫خـــذَْنا ِإن ن ّ ِ‬
‫ســـيَنا أ ْ‬
‫خطَأ َْنا‪.( (255‬‬
‫أَ ْ‬
‫فـ ٱ ْ‬
‫وآل عمييران ‪َ...‬رب ّن َــا َ‬
‫فْر ل َن َــا ذُُنوب َن َــا‬
‫غ ِ‬
‫و ّ‬
‫وك َ ّ‬
‫ر‪.( (193‬‬
‫فْر َ‬
‫م َ‬
‫عّنا َ‬
‫فَنا َ‬
‫وت َ َ‬
‫سي ّئ َ ٰـت َِنا َ‬
‫َ‬
‫ع ٱل ْب َْرا ِ‬
‫وهذه إشارة إلى أهمية الدعاء عند المسلم ليلجأ‬
‫إليه دائمًا‪.‬‬
‫من وحي الحروف )ألم(‬

‫‪64‬‬

‫سو‬
‫رة آل‬
‫عمران‬

‫سورة البقرة‬

‫‪65‬‬

‫ولعل أهييم أوجييه التشييابه هييو ابتييداء السييورتين‬
‫بالحرف المقطعة ‪‬ألم ‪ ،‬وهييي إشييارة إلييى أن‬
‫كييل آييية ميين آيييات السييورتين تحتييوي علييى هييذه‬
‫الحييرف الثلثيية‪ .‬وهنيياك سييور كييثيرة فييي القييرآن‬
‫ابتدأت بيأحرف مقطعية )مثيل أليم أو حيم(‪ ،‬فكأنهيا‬
‫مفتاح للدخول إلى معاني السييور‪ .‬وهنيياك ملحوظيية‬
‫أخرى أن كل السور التي تبدأ بنفس الحرف ترتبط‬
‫في أهدافها ومعانيها‪.‬‬
‫وقد يتساءل البعض عن المراد من ابتييداء بعييض‬
‫السييييييييور بهييييييييذه الحييييييييرف والواقييييييييع‬
‫أن هناك آراء كثيرة للعلماء في تفسيرها‪.‬‬
‫ولتبسيط الموضوع وتقريبه إلييى الذهييان نقييول‪:‬‬
‫دي‬
‫هذه الحييرف قييد جيياءت فييي أوائل السييور لتح ي ّ‬
‫الكفار‪ ،‬وكييأنه سييبحانه يقييول للكفييار‪ :‬أليسييت هييذه‬
‫الحروف هييي حييروف لغتكييم؟ أليسييت هييي المييادة‬
‫الولية التي تستخدمونها؟ فهل تستطيعون أن تييأتوا‬
‫منها بمثل هييذا القييرآن؟ فالمييادة والييذرة قييد يصيينع‬
‫منهما النسان الكمبيوتر والسيارة‪ ،‬ولكنه ل يقدر أن‬
‫ينفخ فيهما الروح‪ .‬وكيذلك هيذه الحيروف قيد يصينع‬
‫الناس منها شعرا ً ونثرا ً لكيين هييل يقييدرون علييى أن‬
‫يأتوا بقرآن فيه روح؟‬
‫اسمع قول الله تعالى‪ :‬وك َذَل ِ َ َ‬
‫حي َْنا إ ِل َْيــ َ‬
‫ك‬
‫و َ‬
‫كأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫رن َـــــــــــــا ‪‬‬
‫مـــــــــــــ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ُروحـــــــــــــا ً ّ‬
‫م ِ‬

‫‪66‬‬

‫سورة البقرة‬

‫)الشورى‪.(52 ،‬‬
‫وليذلك فييإن أغليب السيور اليتي تبيدأ بييالحروف‬
‫المقطعة يأتي بعييدها تمجيييد للكتيياب )أو القييرآن أو‬
‫الوحي أو الذكر‪.‬‬
‫الثبات على المبدأ‬

‫إن الهدف الذي تدور حوله السورة وثيق الصييلة‬
‫بهدف سييورة البقييرة الييتي كييانت تخييبر المسييلمين‬
‫بأنهم مسؤولون عيين الرض‪ ،‬والييتي عرضييت منهييج‬
‫الستخلف‪ .‬فسييورة آل عمييران تؤكييد الثبييات عليى‬
‫هذا المنهج‪ ،‬والكثير من الشييخاص ‪ -‬بعييد أن يقييرأوا‬
‫المنهج ويتحملوا المسييؤولية ‪ -‬يزيغييون ويسييقطون‪،‬‬
‫ويبتعدون عن المنهج القويم‪ ،‬كالذي يتعبد في شييهر‬
‫رمضييان ثييم يغلييق أبييواب الطاعيية والعبييادة بعييده‪.‬‬
‫فالسورة تخاطب المتدينين منييذ أكييثر ميين ‪ 20‬سيينة‬
‫وتثبتهييم علييى الييدين‪ ،‬كمييا تخيياطب الشييباب الييذين‬
‫تييدّينوا بييالمس وتقييول لهييم أثبتييوا علييى دينكييم‬
‫ومنهجكم لتحقيق استخلف المسلم في الرض‪.‬‬
‫كيف نثبت على الحق؟‬

‫للجابة على هذا السييؤال يجييب أن نعييرف كيييف‬
‫يزيييغ النيياس‪ ،‬فالنيياس يضييللون إمييا بالفكييار الييتي‬
‫تشوش عقائدهم‪ ،‬أو يتيهون وسييط مشيياغل الحييياة‬
‫فتضعف عزائمهم‪ .‬وبالتييالي فأسييباب الهلك فكرييية‬
‫)داخليييية( أو عمليييية )خارجيييية(‪ ،‬والسيييورة تحيييث‬

‫سورة البقرة‬

‫‪67‬‬

‫المؤمن على الثبات في المجالين وتحييذره ممييا قييد‬
‫يكون سببا ً في زلته‪.‬‬
‫لذلك تقسم السورة إلى قسمين‪:‬‬
‫‪ .1‬القسم الول‪ :‬اليات )‪(120 - 1‬‬
‫الثبيييات عليييى الحيييق فكرييييا ً أميييام الميييؤثرات‬
‫الخارجييية‪ ،‬ميين خلل الحييديث عيين أهييل الكتيياب‬
‫والحوار معهم‪ ،‬وهييو أول حييوار بييين العقييائد فييي‬
‫القرآن‪.‬‬
‫‪ .2‬القسم الثاني‪ :‬اليات )‪(200 - 120‬‬
‫تتحييدث عيين الثبييات علييى الحييق عمليييا ً أمييام‬
‫المؤثرات الداخلية من خلل الحييديث عيين غييزوة‬
‫أحييد‪ ،‬كنمييوذج للخطيياء الييتي قييد تقييع وكيفييية‬
‫تفاديها‪.‬‬
‫ْ‬
‫ت بالخيارج حيتى تجّهيز للمسيلم اليبيئة‬
‫وقيد َبيد َأ ُ‬
‫المحيطة‪ ،‬وبعييد ذلييك بييدأت بييالتكلم علييى الييداخل‪.‬‬
‫والواقييع أن السييورة تنيياولت هييذين المحييورين ميين‬
‫خلل التعليق على حادثتين حصلتا علييى عهييد النييبي‬
‫‪:‬‬
‫ الحادثة الولى‪ :‬لقاء وفد نصارى نجران مع النبي‪،‬‬‫حين استضييافهم فيي المسييجد النبييوي وحيياورهم‬
‫لمدة ثلثة أيام‪.‬‬
‫ الحادثييية الثانيييية‪ :‬غيييزوة أحيييد والهزيمييية أميييام‬‫المشركين‪ ،‬فتأتي ‪ 80‬آية للتعقيب عليها‪ ،‬لن أكثر‬

‫‪68‬‬

‫سورة البقرة‬

‫المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة ولم يطيعييوا أوامير‬
‫نبيهم ‪) ‬وخاصة الرماة(‪.‬‬
‫صحيح أن هذه اليات تعلق عليى حيوادث مضيى‬
‫عليها أكثر من ‪ 1400‬سنة‪ ،‬لكنها تخاطب المسييلمين‬
‫في كل العصور لتعلمهم كيف يثبتوا خارجيا ً وداخليًا‪،‬‬
‫فكريا ً وعمليًا‪.‬‬
‫من البداية للنهاية‬

‫بدأت السورة بما يساعد المسييلم علييى الثبييات‪،‬‬
‫وختمت أيضا ً بما يثبته على الحق‪.‬‬
‫ه إ ِل ّ‬
‫اقرأ في بداية السورة‪ :‬الم ‪ ‬ٱلله ل إ ِل َ ٰـ َ‬
‫عل َْيــ َ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫م َ‪‬نــّز َ‬
‫ب‬
‫ل َ‬
‫ُ‬
‫ك ٱل ْك ِت َ ٰـــ َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫قّيــو ُ‬
‫هــ َ‬
‫حــ ّ‬
‫ديه‪.( (1-3‬‬
‫ن يَ َ‬
‫ص ّ‬
‫ب ِ ٱل ْ َ‬
‫ما ب َي ْ َ‬
‫دقا ً ل ّ َ‬
‫ق ُ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫فإلهييك إلييه واحييد وهييو المعييين علييى الثبييات‪،‬‬
‫ق‪ ،‬وهييو طريقييك إلييى الثبييات علييى هييذا‬
‫والكتاب ح ّ‬
‫الدين‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫والية الخيرة تقول للمؤمنين ‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫قــوا ْ‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫ءا َ‬
‫و َ‬
‫مُنوا ْ ٱ ْ‬
‫وَراب ِطُــوا ْ َ‬
‫صــاب ُِروا ْ َ‬
‫صب ُِروا ْ َ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن‪.( (200‬‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ٱلله ل َ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫اصبروا أي اصبر نفسك‪ ،‬أما صابروا فمعناهييا أن‬
‫تساعد غيرك على الصبر‪ ،‬وأمييا رابطييوا فمعناهييا أن‬
‫يبقى المسلم مستعدا ً لمواجهة أي خطيير يييأتي ميين‬
‫الخارج‪ .‬والرباط يكون على الثغور لدفع وصد العييدو‬
‫الخييارجي سييواء كييان هييذا العييدو جيشييا ً أو فكييرة‬
‫وشبهة‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪69‬‬

‫وذكر القرآن كعامل من عوامل الثبات قد تكييرر‬
‫كثيرا ً في السورة‪.‬‬
‫ذى َأن ـَز َ‬
‫ل‬
‫فتييأتي الييية )‪ (7‬لتوضييح ‪ُ ‬‬
‫و ٱل ّـ ِ‬
‫هـ َ‬
‫ُ‬
‫عل َي ْـ َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫ت ُ‬
‫ب ِ‬
‫م ْ‬
‫ك ٱل ْك ِت َ ٰــ َ‬
‫نأ ّ‬
‫م ٰــ ٌ‬
‫ه آي َ ٰــ ٌ‬
‫هـ ّ‬
‫حك َ َ‬
‫ت ّ‬
‫من ْـ ُ‬
‫ش ٰـبه ٰــت َ َ‬
‫ن فــى‬
‫وأ ُ َ‬
‫مــا ال ّـ ِ‬
‫ٌ‬
‫مت َ َ ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫فأ ّ‬
‫خـُر ُ‬
‫ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫ب َ‬
‫ُ ُ‬
‫غ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫غــاء‬
‫ه ٱب ْت ِ َ‬
‫م َزي ْ ٌ‬
‫ه ِ‬
‫عو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫مْنــ ُ‬
‫ش ٰـب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ه إ ِل ّ‬
‫و ٱب ْت ِ َ‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫ويل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫مــا ي َ ْ‬
‫ويل َ ُ‬
‫عل َـ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫م ت َـأ ِ‬
‫غاء ت َأ ِ‬
‫عل ْم ِ ي َ ُ‬
‫مّنــا‬
‫س ُ‬
‫في ٱل ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫و ٱلر ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫خو َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ٱلله َ‬
‫ُ‬
‫ول ُــوا ْ‬
‫ه ك ُـ ّ‬
‫ن ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫ب ِـ ِ‬
‫مـ ْ‬
‫و َ‬
‫ل ّ‬
‫مــا ي َـذّك ُّر إ ِل ّ أ ْ‬
‫د َرب ّن َــا َ‬
‫ب ‪.‬‬
‫ٱلل ْب َ ٰـ ِ‬
‫فالفهم الصحيح للقرآن من أهييم عوامييل الثبييات‬
‫الفكري والكثير من الناس قد يزيغون ويقعييون فييي‬
‫الباطييل عيين طريييق اتبيياع المتشييابه ميين القييرآن‪.‬‬
‫فالسورة تحييذرنا ميين هييذا الضييلل وتحثنييا علييى أن‬
‫نكون ميين الراسيخين فيي العليم‪ ،‬وان نيدعو بيدعاء‬
‫ز ْ‬
‫غ ُ‬
‫ه ـدَي ْت ََنا‬
‫ع ـدَ إ ِذْ َ‬
‫قُلوب َن َــا ب َ ْ‬
‫الثبييات‪َ :‬رب ّن َــا ل َ ت ُـ ِ‬
‫ة إن ّ َ َ‬
‫دن َ‬
‫ب‬
‫و ّ‬
‫و َ‬
‫ب ل ََنا ِ‬
‫هــا ُ‬
‫ك َر ْ‬
‫من ل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك أنــ َ‬
‫ح َ‬
‫ت ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫م ً ِ‬
‫‪.( (8‬‬
‫آيات تدعو إلى الثبات‬

‫وهذه اليات كثيرة جدا ً في السورة‪ .‬فمرة يكون‬
‫ذلك عبر التذكير بأشخاص ثبتوا عند لقاء العدو‪.‬‬
‫قدْ َ‬
‫)في معرض الحديث عن غزوة بدر( ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫كــا َ‬
‫ة تُ َ‬
‫ن ٱل ْت َ َ‬
‫ق ٰـــت ِ ُ‬
‫فــى‬
‫فئ َ ٌ‬
‫م ءاي َ ٌ‬
‫ل ِ‬
‫قَتا ِ‬
‫في ِ‬
‫ة ِ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫فئ َت َي ْ ِ‬
‫م ّ َ‬
‫م‬
‫وأ ُ ْ‬
‫خَر ٰى ك َــا ِ‬
‫ون َ ُ‬
‫َ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫فَرةٌ ي ََر ْ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫سِبي ِ‬
‫مث ْلي ْ ِ‬

‫‪70‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ْ‬
‫و ٱلله ي ُ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫شــاء إ ِ ّ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫ه َ‬
‫َرأ َ‬
‫ؤي ّدُ ب ِن َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ص ِ‬
‫عي ْ ِ‬
‫فى ٰذل ِ َ‬
‫ر‪.( (13‬‬
‫ك لَ ِ‬
‫ِ‬
‫وِلى ٱل ْب ْ َ‬
‫عب َْرةً ل ِ ْ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫ومرة تذ ّ‬
‫كرنا السورة بالحواريين حين ثبتوا علييى‬
‫نصرة دين الله تعالى وعدم الكفر به‪.‬‬
‫َ‬
‫فـَر َ‬
‫م ٱل ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫س ِ‬
‫سـ ٰى ِ‬
‫ما أ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫عي َ‬
‫هـ ُ‬
‫ف‪‬ل َ ّ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫رى إ َِلى ٱلله َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫رّيو َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن أن َ‬
‫ح َ‬
‫وا ِ‬
‫صا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وٱ ْ‬
‫هدْ ب ِأّنــا‬
‫صــاُر ٱ‬
‫شــ َ‬
‫للــه ءا َ‬
‫أن ْ َ‬
‫مّنــا ِبــ ٱلله َ‬
‫ن‪.( (52‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫وبمناسبة الحديث عن المم السابقة‪ ،‬يذ ّ‬
‫كرنا الله‬
‫تعالى بعهد النبياء وثباتهم على نصرة السلم‪.‬‬
‫مـــا‬
‫وإ‬
‫‪ِ‬ذْ أ َ َ‬
‫خـــذَ ٱللـــه ِ‬
‫ق ٱلن ّب ِي ّي ْـــ َ‬
‫ن لَ َ‬
‫ميث َ ٰــــ َ‬
‫َ‬
‫ءات َي ْت ُ ُ‬
‫ة‬
‫و ِ‬
‫مـــــــن ك ِت َ‬
‫مـــــــ ٍ‬
‫حك ْ َ‬
‫كـــــــم ّ‬
‫ٰــــــــ ٍ‬
‫ب َ‬
‫ع ُ‬
‫م ل َُتــ ْ‬
‫سو ٌ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م َر ُ‬
‫من ُ ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ما َ‬
‫صدّقٌ ل ّ َ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫م َ‬
‫ه‪.( (81...‬‬
‫بِ ِ‬
‫صُرن ّ ُ‬
‫ول ََتن ُ‬
‫ه َ‬
‫وفي سييورة آل عمييران تجييد آيييات تحث ّييك علييى‬
‫التقوى والثبات على الدين حتى الممات‪.‬‬
‫ٰ َ‬
‫من ُــوا ْ ٱت ّ ُ‬
‫ق‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫قــوا ْ ٱللــه َ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫حـ ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫قات ِه ول َ ت َمــوت ُن إل ّ َ‬
‫ن‪( (102‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سـل ِ ُ‬
‫وأنت ُــم ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫تُ َ ِ َ‬
‫ّ ِ‬
‫الية تقول لك‪ :‬إياك أن تموت إل وأنت مسلم‪.‬‬
‫ولكن كيف ونحن ل نعرف متى نموت؟ الجواب‪:‬‬
‫اتق الله واثبييت علييى طيياعته تمييوت علييى السييلم‬
‫وتضمن حسن الخاتمة إن شاء الله‪.‬‬
‫موا ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫عت َ ِ‬
‫ص ُ‬
‫وتأتي الية التي بعدها مباشييرة ‪َ ‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فّر ُ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫قوا ْ‪(103‬‬
‫َ‬

‫‪71‬‬

‫ميعا ً‬
‫ج ِ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫بِ َ‬
‫حب ْ ِ‬
‫فإذا أردت الثبات علييى الحييق فاعتصييم بييالقرآن‬
‫والزم المتدينين والصحبة الصالحة وإياك والختلف‪.‬‬
‫فـوا ْ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫وٱ ْ‬
‫كوُنوا ْ ك َٱّلـ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قـوا ْ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ت‪.((105...‬‬
‫جاء ُ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫م ٱل ْب َي ّن َ ٰـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫‪.(‬‬

‫وتتوالى اليات في السييورة لتحييث علييى الثبييات‬
‫في مواطن مختلفة‪ .‬فتأمل معييي قييول اللييه تعييالى‬
‫في الثبات عند لقاء العدو‪:‬‬
‫َ‬
‫ى َ‬
‫قات َ َ‬
‫ن ك َِثي ـٌر‬
‫رب ّي ّــو َ‬
‫م َ‬
‫عـ ُ‬
‫ل َ‬
‫وك َأّين ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫من ن ّب ِ ّ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مــا‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫فى َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫هُنوا ْ ل ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ما أ َ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ما َ‬
‫ســـت َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ب‬
‫و ٱللـــه ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫حـــ ّ‬
‫ضـــ ُ‬
‫مـــا ٱ ْ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫فوا ْ َ‬
‫ن ‪.( (146‬‬
‫ري َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫ن َ‬
‫قــا َ‬
‫م‬
‫مل قول اللييه تعييالى‪  :‬ٱل ّ ِ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ُ‬
‫وتأ ّ‬
‫عـــــوا ْ‬
‫س َ‬
‫س إِ ّ‬
‫م ُ‬
‫قـــــدْ َ‬
‫ج َ‬
‫ن ٱلّنـــــا َ‬
‫ٱلّنـــــا ُ‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫لَ ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫خ َ‬
‫فٱ ْ‬
‫فَزادَ ُ‬
‫و ُ‬
‫م ِإي َ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫كــ ْ‬
‫م ٰـــنا ً َ‬
‫شــ ْ‬
‫ف ٱن ْ َ‬
‫ل ‪َ ‬‬
‫كي ُ‬
‫ة‬
‫م ٍ‬
‫و ِ‬
‫قل َُبوا ْ ب ِن ِ ْ‬
‫ون ِ ْ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫سب َُنا ٱلله َ‬
‫عوا ْ‬
‫و َ‬
‫ف ْ‬
‫و ٱت ّب َ ُ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ل لّ ْ‬
‫ّ‬
‫سوء َ‬
‫ض ٍ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫ذو َ‬
‫و ٱللــه ُ‬
‫ظيـم ٍ‪ (173-‬‬
‫ل َ‬
‫ف ْ‬
‫ر ْ‬
‫ع ِ‬
‫ض ٰو َ‬
‫ضـ ٍ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫ِ‬
‫‪.(174‬‬
‫آيييات كييثيرة تييدعو المسييلمين للثبييات وعييدم‬
‫الضعف والتخاذل تحت أي ظرف‪ .‬ولن الثبييات أميير‬
‫خطير ومصيري‪ ،‬فالسورة تحذر من عوامييل تزلييزل‬
‫إيمان المؤمن وتقّلل من مقدرته على الثبات‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫سورة البقرة‬

‫عقبات الثبات‪) :‬الشهوات والمعاصي(‬

‫س‬
‫فييي أوائل السييورة نقييرأ الييية ‪ُ‬زي ّ َ‬
‫ن ِللن ّــا ِ‬
‫ب ٱل ّ‬
‫ن‬
‫ت ِ‬
‫ه ٰو ِ‬
‫حـــ ّ‬
‫ُ‬
‫ن ٱلن ّ َ‬
‫شـــ َ‬
‫و ٱل ْب َِنيـــ َ‬
‫مـــ َ‬
‫ســـاء َ‬
‫قن َ‬
‫م َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ب‬
‫ن ٱلـــذّ َ‬
‫ة ِ‬
‫طـــَر ِ‬
‫قن َ ٰــــ ِ‬
‫مـــ َ‬
‫ر ٱل ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫طي ِ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫ف ّ‬
‫م ِ‬
‫ضــ ِ‬
‫و ٱ لن ْ َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫ل ٱل ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫ســ ّ‬
‫خْيــ ِ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ع ٰـــم ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ث ٰ ذل ِ َ‬
‫و ٱللــه‬
‫حي َـ ٰو ِ‬
‫حْر ِ‬
‫ع ٱل َ‬
‫مت َ ٰــ ُ‬
‫و ٱل َ‬
‫ك َ‬
‫ة ٱلـدّن َْيا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‪.( (14‬‬
‫ِ‬
‫عندَهُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫مأ ِ‬
‫فييالتعلق بمتيياع الييدنيا الييزائل وشييهوتها الفانييية‬
‫عامل خطير ضد ثبات المة‪.‬‬
‫م‬
‫وا ْ ِ‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫ويقول تعالى‪ :‬إ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م َيــ ْ‬
‫ول ّ ْ‬
‫ن تَ َ‬
‫ٱل ْت َ َ‬
‫م ٱل ّ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫قى ٱل ْ َ‬
‫ست ََزل ّ ُ‬
‫ما ٱ ْ‬
‫شي ْطَ ٰـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ج ْ‬
‫عا ِ‬
‫سُبوا ْ‪.( (155‬‬
‫ب ِب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ض َ‬
‫ع ِ‬
‫فهذه الية تقول بيأن اليذين توليوا مين الصيحابة‬
‫يييوم غييزوة أحيد كيان عنييدهم ذنييوب فييي الماضييي‪،‬‬
‫فاستزّلهم بها الشيطان فلم يثبتوا‪.‬‬
‫ونرى آية أخرى في نفس المعنى‪:‬‬
‫ة َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫صيب َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫مث ْل َي ْ َ‬
‫م ّ‬
‫صب ْت ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ص ٰـب َت ْك ُ ْ‬
‫و لَ ّ‬
‫قدْ أ َ‬
‫ما أ َ‬
‫‪‬أ َ‬
‫د أ َن ْ ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه ٰـ َ‬
‫م‪‬‬
‫ن ِ‬
‫ل ُ‬
‫م أ َن ّ ٰى َ‬
‫ف ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫و ِ‬
‫مـ ْ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫‪.((165‬‬
‫الحل‪) :‬التوبة(‬

‫لييذلك تتكييّرر اليييات الييتي تييدعو إلييى التوبيية‬
‫والمسارعة فيها‪.‬‬
‫ن يَ ُ‬
‫ن َرب ّن َــا إ ِن ّن َــا‬
‫فيقييول تعييالى‪  :‬ٱل ّ ِ‬
‫قول ُــو َ‬
‫ذي َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪73‬‬

‫فٱ ْ‬
‫مّنا َ‬
‫ع َ‬
‫ر‪‬‬
‫قَنا َ‬
‫و ِ‬
‫غ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ءا َ‬
‫فْر ل ََنا ذُُنوب ََنا َ‬
‫ب ٱلّنــا ِ‬
‫‪.((16‬‬
‫ك َ‬
‫حوا ْ‬
‫عـ ِ‬
‫ن َتاُبوا ْ ِ‬
‫‪‬ل ّ ٱل ّ ِ‬
‫صـل َ ُ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫وأ ْ‬
‫د ٰذل ِـ َ َ‬
‫إِ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫غ ُ‬
‫َ‬
‫م‪.( (89‬‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫مـن‬
‫م ْ‬
‫ر ُ‬
‫غ ِ‬
‫فـَر ٍ‬
‫و‪َ ‬‬
‫ة ّ‬
‫عوا ْ إ َِلـ ٰى َ‬
‫وتييأتي الييية َ‬
‫ســا ِ‬
‫ّرب ّ ُ‬
‫ض‬
‫ة َ‬
‫عْر ُ‬
‫جّنــ ٍ‬
‫و َ‬
‫م ٰـــ ٰو ُ‬
‫ها ٱل ّ‬
‫ضــ َ‬
‫س َ‬
‫كــ ْ‬
‫و ٱل ْْر ُ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (133‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫أُ ِ‬
‫عدّ ْ‬
‫قي َ‬
‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫فلتكن هذه الييية شييعارا ً للشييباب الييذين يقعييون‬
‫في المعاصي‪ ،‬المسارعة بالستغفار والتوبيية لنثبييت‬
‫على الحق ونضمن جنة عرضها السماوات والرض‪.‬‬
‫مما سبق تبّين لنا أن الثبات على الحق أميير مهييم‬
‫وخطييير وأن العقبييات دونييه كييثيرة ممييا يوصييلنا إلييى‬
‫السؤال المهم‪ :‬ما هي العوامييل الييتي تسيياعدنا علييى‬
‫الثبات على الحق؟‬
‫خمسة عوامل‪ :‬أتت بها السورة ور ّ‬
‫كزت عليها‪:‬‬
‫‪ .1‬اللجوء إلى الله‪ :‬فالثبات من اللييه تعييالى وهييو‬
‫القادر على تثبيتنا على منهجه‪.‬‬
‫ث على الدعاء كثيرا ً من أولها‪:‬‬
‫لذلك فالسورة تح ّ‬
‫ز ْ‬
‫غ ُ‬
‫ب‬
‫و َ‬
‫عــدَ إ ِذْ َ‬
‫هــ ْ‬
‫قُلوب ََنا ب َ ْ‬
‫هــدَي ْت ََنا َ‬
‫‪َ‬رب َّنا ل َ ت ُ ِ‬
‫ة إن ّ َ َ‬
‫دن َ‬
‫ب‪.( (8‬‬
‫و ّ‬
‫ل ََنا ِ‬
‫ها ُ‬
‫ك َر ْ‬
‫من ل ّ ُ‬
‫ك أن َ‬
‫ح َ‬
‫ت ٱل ْ َ‬
‫م ً ِ‬
‫‪َ‬رب َّنا إ ِن ّ َ‬
‫ه‬
‫ب ِ‬
‫في ِ‬
‫جا ِ‬
‫وم ٍ ل ّ َري ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ك َ‬
‫س ل ِي َ ْ‬
‫ع ٱلّنا ِ‬
‫د‪.( (9‬‬
‫ن ٱلله ل َ ي ُ ْ‬
‫خل ِ ُ‬
‫ف ٱل ْ ِ‬
‫إِ ّ‬
‫عا َ‬
‫مي َ‬
‫مل ْـ َ‬
‫م ٰــل ِ َ‬
‫ُ‬
‫ك ت ُـ ْ‬
‫ك‬
‫ق‬
‫مل ْـ ِ‬
‫ؤِتى ٱل ْ ُ‬
‫ك ٱل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ل ٱلله ّ‬
‫‪ِ ‬‬
‫مل ْ َ‬
‫من ت َ َ‬
‫من ت َ َ‬
‫مــن‬
‫ز ُ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ك ِ‬
‫عــّز َ‬
‫م ّ‬
‫ع ٱل ْ ُ‬
‫َ‬
‫شاء َ‬
‫شاء َ‬
‫وَتن ِ‬

‫‪74‬‬

‫سورة البقرة‬

‫خْيـُر إ ِّنـ َ‬
‫د َ‬
‫من ت َ َ‬
‫ذ ّ‬
‫تَ َ‬
‫عَلـ‬
‫ك ٱل ْ َ‬
‫ك َ‬
‫شاء ب َِيـ ِ‬
‫وت ُ ِ‬
‫ل َ‬
‫شاء َ‬
‫ىء َ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ديٌر‪.( (26‬‬
‫ق ِ‬
‫ش ْ‬
‫ور لنييا القييرآن نميياذج مضيييئة وكييف‬
‫إلى أن يصي ّ‬
‫كانت تلجأ إلى الله‪.‬‬
‫ب إ ِّنـي‬
‫فهذه زوجة عمران تدعو الله قائلة‪َ :‬ر ّ‬
‫ت لَ َ‬
‫حّرًرا‪.( (35‬‬
‫ما ِ‬
‫م َ‬
‫ن َذَْر ُ‬
‫في ب َطِْني ُ‬
‫ك َ‬
‫هَنال ِ َ‬
‫ه َ‬
‫قــا َ‬
‫ب‬
‫ك دَ َ‬
‫وزكريا ‪ُ ‬‬
‫ل َر ّ‬
‫ري ّــا َرب ّـ ُ‬
‫عــا َزك َ ِ‬
‫مــــــن ّلــــــدُن ْ َ‬
‫ة‬
‫ك ذُّرّيــــــ ً‬
‫َ‬
‫ب ِلــــــي ِ‬
‫هــــــ ْ‬
‫ة‪.( (38‬‬
‫طَي ّب َ ً‬
‫ث علييى الييدعاء‬
‫وتمضي اليات في السورة لتح ي ّ‬
‫وترغييييييييييييييييب فيييييييييييييييييه‪ ،‬فهييييييييييييييييذا‬
‫دعيياء المييم السييابقة فييي الثبييات عنييد لقيياء العييدو‬
‫ما َ‬
‫قــاُلوا ْ رب ّن َــا ٱ ْ‬
‫م إ ِل ّ َأن َ‬
‫ن َ‬
‫فـْر‬
‫غ ِ‬
‫كا َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫قـ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تأ ْ‬
‫سَرا َ‬
‫مَنا‬
‫فَنا ِ‬
‫قــ َ‬
‫وث َب ّ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫دا َ‬
‫فى أ ْ‬
‫رَنا َ‬
‫ل ََنا ذُُنوب ََنا َ‬
‫م ِ‬
‫عَلى ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (147‬‬
‫صْرَنا َ‬
‫وم ِ ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫و ٱن ُ‬
‫ق ْ‬
‫ف ِ‬
‫عَنا‬
‫سـ ِ‬
‫م ْ‬
‫وهذا دعيياء أولييي اللبيياب ‪ّ‬رب َّنا إ ِن ّن َــا َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫مّنا‬
‫ن ءا ِ‬
‫نأ ْ‬
‫فـَئا َ‬
‫مُنوا ْ ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫لي َ‬
‫ُ‬
‫مَناِديا ً ي َُناِدى ل ِ ِ‬
‫م ٰـ ِ‬
‫فـ ٱ ْ‬
‫وك َ ّ‬
‫َرب ّن َــا َ‬
‫سي ّئ َ ٰــت َِنا‬
‫فـْر َ‬
‫غ ِ‬
‫عّنـا َ‬
‫فْر ل ََنـا ذُُنوب ََنـا َ‬
‫و ّ‬
‫عــدت َّنا‬
‫و َ‬
‫مـ َ‬
‫وءات ِن َــا َ‬
‫فَنا َ‬
‫مــا َ‬
‫ر ‪َ ‬رب ّن َــا َ‬
‫وت َ َ‬
‫َ‬
‫ع ٱل ْب ْـَرا ِ‬
‫ك لَ‬
‫ة إ ِن ّـ َ‬
‫سل ِ َ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م ٱل ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫عل َ ٰى ُر ُ‬
‫قي َ ٰــ َ‬
‫زن َــا ي َـ ْ‬
‫ك َ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫م أّنى ل َ‬
‫عادَ ‪َ ‬‬
‫تُ ْ‬
‫خل ِ ُ‬
‫ف ٱل ْ ِ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫مي َ‬
‫م َرب ّ ُ‬
‫ب لَ ُ‬
‫فٱ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عامـل من ْك ُـم مــن ذَك َـ َ‬
‫ُ‬
‫مـ َ‬
‫و ُأنث َـ ٰى‬
‫ع َ‬
‫أ ِ‬
‫ضــي ُ‬
‫ْ ّ‬
‫ل َ ِ ٍ ّ‬
‫ع َ‬
‫رأ ْ‬
‫ٍ‬
‫جــوا ْ‬
‫ض ُ‬
‫ض َ‬
‫وأ ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ُ‬
‫ف ٱل ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ه ٰـــ َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫بَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫كم ّ‬
‫جُروا ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫ع ٍ‬
‫ق ٰـــت َُلوا ْ‬
‫و َ‬
‫وُأو ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫فــى َ‬
‫ه ْ‬
‫ســِبيِلى َ‬
‫م َ‬
‫مــن ِدي َ ٰـــ ِ‬

‫ٰى‬

‫سورة البقرة‬

‫‪75‬‬

‫قت ُِلوا ْ لك َ ّ‬
‫و ُ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫ول َدْ ِ‬
‫ف ـَر ّ‬
‫خل َن ّ ُ‬
‫م َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫سي ّئ َ ٰـ ـت ِ ِ‬
‫د‬
‫من ِ‬
‫عنــ ِ‬
‫رى ِ‬
‫جن ّ ٰـ ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫َ‬
‫ها ٱل ْن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫وابا ً ّ‬
‫ه ٰـُر ث َ َ‬
‫ج ِ‬
‫ب‪.( (193 - 195‬‬
‫و ٱلله ِ‬
‫عندَهُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ُ‬
‫وا ِ‬
‫ن ٱلث ّ َ‬
‫ٱلله َ‬
‫ما‬
‫‪ .2‬العبادة‪ :‬وتقييرأ فييي ذلييك قييوله تعييالى‪ :‬ك ُل ّ َ‬
‫خ َ‬
‫رّيا‪ ( (37‬فكانت السيدة مريم‬
‫دَ َ‬
‫ل َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ها َزك َ ِ‬
‫عاكفة على المحراب‪ ،‬فتعلييم منهييا سيييدنا زكريييا‬
‫لييذلك عنييدما نييادته الملئكيية لتبشييره بيحيييى‪:‬‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫فــى‬
‫مَلـئ ِك َ ُ‬
‫ص ـّلى ِ‬
‫و ُ‬
‫قــائ ِ ٌ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫فَنادَت ْ ُ‬
‫م يُ َ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫ب‪.( (39‬‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫حَرا ِ‬
‫وهكذا نرى أن أجواء العبادة في السييورة كييثيرة‬
‫ونصل إلييى صييفات أولييي اللبيياب فييي آخيير السييور‬
‫قي َ ٰـما ً‬
‫ن ٱلله ِ‬
‫لنقرأ قوله تعالى‪ :‬ٱل ّ ِ‬
‫ن ي َذْك ُُرو َ‬
‫ذي َ‬
‫و ُ‬
‫م‪.( (191...‬‬
‫و َ‬
‫عل َ ٰى ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫عودا ً َ‬
‫َ‬
‫جُنوب ِ ِ‬
‫‪ .3‬الدعوة إلى الله‪ :‬توجد منطقة في مخ النسييان‬
‫هي منطقة القناعات‪ ،‬وهناك منطقيية أبعييد وأقييوى‬
‫هي منطقة الهوية والنتماء‪ ،‬ولكي ننقل فكرة فييي‬
‫المييخ ميين منطقيية القناعييات إلييى منطقيية الهوييية‬
‫دث عنهييا‪ .‬فقييد يكييون المييرء‬
‫والنتماء ل بد أن نتح ّ‬
‫مقتنعا ً بالسلم‪ ،‬لكن السلم لييم يصييبح هوييية لييه‪.‬‬
‫فإذا أراد النسان أن يكمل انتمائه إلى دينه فينبغي‬
‫أن يكييثر الحييديث عنييه‪ ،‬فيقييوى انتميياءه للفكييرة‬
‫ويثبت عليها‪ .‬فالدعوة إلييى اللييه ميين أهييم عوامييل‬
‫الثبييات لن الييداعي حييين يأخييذ بيييد النيياس فييإنه‬
‫سيكون أول من يثبت على ميا ييدعو النياس إلييه‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫سورة البقرة‬

‫لذا فإن السييورة تحتييوي علييى الكييثير ميين اليييات‬
‫ث المؤمن على الدعوة إلى الله‪:‬‬
‫التي تح ّ‬
‫ُ‬
‫ول ْت َ ُ‬
‫ر‬
‫ن إ ِل َــى ٱل ْ َ‬
‫ة ي َـدْ ُ‬
‫مـ ٌ‬
‫عو َ‬
‫مأ ّ‬
‫من ْك ُـ ْ‬
‫كن ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫خي ْـ ِ‬
‫ْ‬
‫ر‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫مُرو َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫وي َن ْ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ن ب ِ ٱل ْ َ‬
‫وي َأ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫من ْك َـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (104‬‬
‫ك ُ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫‪ُ ‬‬
‫ن‬
‫ةأ ْ‬
‫م َ‬
‫م ٍ‬
‫مُرو َ‬
‫ر َ‬
‫جـ ْ‬
‫س ت َ ـأ ُ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ت ِللن ّــا ِ‬
‫وت ُ ْ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫و َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫وت َن ْ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ب ِ ٱل ْ َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫من ْك َـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫خْيـرا ً‬
‫ب لَ َ‬
‫هـ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫كـا َ‬
‫مـ َ‬
‫و ءا َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰــ ِ‬
‫وَلـ ْ‬
‫ب ِ ٱلله َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫وأك ْث َُر ُ‬
‫ف ٰـ ـ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قو َ‬
‫مُنو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫لّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫‪.( (110‬‬
‫‪ .4‬وضوح الهدف‪ :‬وميين عوامييل الثبييات أن يكييون‬
‫لييييييييييك هييييييييييدف واضييييييييييح فييييييييييي‬
‫حياتك‪.‬‬
‫ن ٱللـــه‬
‫يقيييول تعيييالى‪  :‬ٱل ّـــ ِ‬
‫ن ي َـــذْك ُُرو َ‬
‫ذي َ‬
‫ح ٰــن َ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ك‬
‫ما َ‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫قـ َ‬
‫هــذا ب َ ٰــطِل ً ُ‬
‫قي َ ٰـمًا‪َ ...‬رب َّنا َ‬

‫َ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫قَنا َ‬
‫ف ِ‬
‫ذا َ‬
‫فل بد ّ أن نفهم أن هذا الكييون قييد أنشييئ لهييدف‬
‫ولم ينشأ عبثًا‪ ،‬والهدف هو عبادة اللييه ومعرفتييه وأن‬
‫نكييون مسييؤولين عيين الرض )كمييا وضييحت سييورة‬
‫البقرة(‪.‬‬
‫ميعـا ً‬
‫وٱ ْ‬
‫ج ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫ل ٱللــه َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫صـ ُ‬
‫حب ْـ ِ‬
‫‪ .5‬الخوة‪َ  :‬‬
‫فّر ُ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫قوا ْ‪.( (103‬‬
‫َ‬
‫ر‪(191‬‬
‫الّنا ِ‬

‫‪.(‬‬

‫فالخوة في الله تؤمن للمسلم الصحبة الصالحة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪77‬‬

‫وهي من أهم نعم الله على النسييان ‪َ َ ‬‬
‫حُتم‬
‫صـب َ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫وانا ً‪.( (103‬‬
‫ه إِ ْ‬
‫مت ِ ِ‬
‫ب ِن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫خ َ‬
‫لذلك تح ّ‬
‫ذرنا السورة من تضييع الخوة والتفييرق‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫من‬
‫وٱ ْ‬
‫فوا ْ ِ‬
‫كوُنوا ْ ك َٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قوا ْ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ت‪.( (105‬‬
‫جاء ُ‬
‫ع ِ‬
‫ما َ‬
‫بَ ْ‬
‫م ٱل ْب َي ّن َ ٰـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫الثبات الفكري‬

‫سبق وذكرنا أن السورة تنقسم إلى قسمين‪:‬‬
‫والقسم الول من الية )‪ (120 - 1‬يناقش عقيدة‬
‫أهل الكتاب مناقشة راقييية وعلمييية ومؤدبيية‪ .‬إنهييا ل‬
‫تهدف إلى تسييفيه أفكييارهم بييل تهييدف إلييى تثييبيت‬
‫المؤمنين فكريا ً وتنقية أفكارهم من الشبهات‪.‬‬
‫لييذلك إذا عييدنا إلييى جييو هييذه المناقشيية‪ ،‬نجييد‬
‫أحداثها تدور في المسييجد النبييوي مييع وفييد نصييارى‬
‫نجران الذين مكثوا ثلثة أيام في المدينيية ليتحيياوروا‬
‫مع رسول الله ‪ ‬حييوارا ً هييو الول ميين نييوعه بييين‬
‫المسلمين والمسيحيين‪ .‬ومن المهييم هنييا أن نوضييح‬
‫أن الحوار والتفاهم مييع الخيير ل يعنييي أبييدا ً التنييازل‬
‫عن جزء من العقيييدة أو القيييم والمبييادئ‪ ،‬وهييذا مييا‬
‫سيينراه بوضييوح ميين خلل الحييوار الموجييود فييي‬
‫السورة وتقسيم القرآن الرائع والمنطقي لمراحله‪:‬‬
‫تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش‬

‫تبيييدأ السيييورة قبيييل النقييياش بتقويييية عقييييدة‬
‫المسلمين‪:‬‬

‫‪78‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫ش‬
‫مل َ ٰـــئ ِك َ ُ‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ه ل إ ِل َ ٰـ َ‬
‫هدَ ٱلله أن ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫‪ِ‬‬
‫ُ‬
‫عل ْم ِ َ‬
‫و‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫ما ً ب ِٱل ْ ِ‬
‫وُلوا ْ ٱل ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ْ‬
‫ط ل َ إ ِل َ ٰـ َ‬
‫قائ ِ َ‬
‫هــ َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م‪.( (18‬‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ٱل َ‬
‫ٱل َ‬
‫كي ُ‬
‫ع ِ‬
‫م‪.( (19‬‬
‫ن ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫عندَ ٱلله ٱل ِ ْ‬
‫دي َ‬
‫سل َ ٰـ ُ‬
‫غون ول َـ َ‬
‫‪‬أ َ َ‬
‫مــن‬
‫ف َ‬
‫هأ ْ‬
‫م َ‬
‫س ـل َ َ‬
‫ن ٱلله ي َب ْ ُ َ َ ُ‬
‫غي َْر ِدي ِ‬
‫هــا ‪‬‬
‫و ً‬
‫وك َْر ً‬
‫ِ‬
‫م ٰـــ ٰو ِ‬
‫فــى ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫عــا َ‬
‫ض طَ ْ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫‪.((83‬‬
‫غ َ‬
‫فَلن ي ُ ْ‬
‫سل َ ٰـم ِ ِديًنا َ‬
‫قَبــ َ‬
‫ل‬
‫غي َْر ٱل ْ‬
‫و َ‬
‫‪َ‬‬
‫من ي َب ْت َ ِ‬
‫ه‪.( (85‬‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ق ْ َ‬
‫جو َ‬
‫ف ُ‬
‫ك َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ى للــه‬
‫فإ ْ‬
‫و ْ‬
‫حا ّ‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫لأ ْ‬
‫س ـل َ ْ‬
‫ت َ‬
‫هـ َ‬
‫ج ِ‬
‫ن‪.( (20‬‬
‫ن ٱت ّب َ َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫م ِ‬
‫إيجاد نقاط اتفاق‬

‫ل بد من إيجاد أرضييية مشييتركة قبييل البييدء بييأي‬
‫حوار‪ ،‬وهو ما بّينه القرآن فييي قييوله تعييالى‪ُ  :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫واء ب َي ْن َن َــا‬
‫ٰيأ َ ْ‬
‫مـ ٍ‬
‫ب تَ َ‬
‫ة َ‬
‫وا ْ إ ِل َـ ٰى ك َل ِ َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫سـ َ‬
‫عال َ ْ‬
‫وبين َك ُ َ‬
‫ش ـْيئا ً‬
‫ر َ‬
‫ه َ‬
‫ول َ ن ُ ْ‬
‫ك ب ِـ ِ‬
‫م أل ّ ن َ ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ْ‬
‫عب ُدَ إ ِل ّ ٱلله َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫ول َ ي َت ّ ِ‬
‫ع ً‬
‫ع ُ‬
‫مــن ُ‬
‫ضَنا ب َ ْ‬
‫خذَ ب َ ْ‬
‫ضــا أْرَباب ًــا ّ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫وا ْ َ‬
‫َ‬
‫قوُلوا ْ ٱ ْ‬
‫ن‪‬‬
‫مو َ‬
‫ه ُ‬
‫م ْ‬
‫ش َ‬
‫ســل ِ ُ‬
‫دوا ْ ب ِأّنا ُ‬
‫ول ّ ْ‬
‫فِإن ت َ َ‬
‫‪.((64‬‬
‫وتذكر السورة اليمان بأنبييياء اللييه تعييالى كلهييم‬
‫)بما في ذلك أنبياء أهل الكتاب( كنقطية أخيرى مين‬
‫النقاط المشتركة معهم‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ُ‬‬
‫ز َ‬
‫ق ْ‬
‫مــا‬
‫ل َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ل ءا َ‬
‫عل َي ْن َــا َ‬
‫من ّــا ب ِـ ٱلله َ‬
‫مــا أنـ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪79‬‬

‫ُ‬
‫عي َ‬
‫ز َ‬
‫ق‬
‫ل َ‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫عَلــ ٰى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫س َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ح ٰـــ َ‬
‫س َ‬
‫هيــ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫أنــ ِ‬
‫ُ‬
‫ع ُ‬
‫ســ ٰى‬
‫ســَبا ِ‬
‫قــو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫مو َ‬
‫و ٱل ْ ْ‬
‫ى ُ‬
‫و َ‬
‫ط َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫مــا أوِتــ َ‬
‫م ل َ نُ َ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫و ٱلن ّب ِّيو َ‬
‫عي َ‬
‫ف ـّرقُ ب َي ْ ـ َ‬
‫هـ ْ‬
‫س ٰى َ‬
‫َ‬
‫من ّرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (84‬‬
‫ح ٍ‬
‫مو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫أ َ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ح ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫د ّ‬
‫م َ‬
‫الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت‬

‫مث َ َ‬
‫م‬
‫س ـ ٰى ِ‬
‫ل ِ‬
‫إ ِ‪ّ ‬‬
‫ل ءادَ َ‬
‫عي َ‬
‫عن ـدَ ٱللــه ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫مث َـ ِ‬
‫ه ك ُــن َ‬
‫م َ‬
‫خل َ َ‬
‫قــا َ‬
‫ن‪‬‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫في َك ُــو ُ‬
‫ل ل َـ ُ‬
‫ب ث ُـ ّ‬
‫ق ُ‬
‫من ت ُـَرا ٍ‬
‫‪.((59‬‬
‫ٰي أ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫‪ْ ‬‬
‫فــى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫جو َ‬
‫حا ّ‬
‫م تُ َ‬
‫هيــ َ‬
‫ب لِ َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫ُ‬
‫جيـ ُ‬
‫ه‬
‫د ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ل إ ِل ّ ِ‬
‫زل َ ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫و َ‬
‫و ٱل ْن ْ ِ‬
‫ت ٱلّتوَراةُ َ‬
‫َ‬
‫ما أن ِ‬
‫أَ َ‬
‫ن‪.( (65‬‬
‫ع ِ‬
‫قُلو َ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ه ٰـ ُ‬
‫م‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫كم ب ِ ِ‬
‫ج ْ‬
‫ح ٰـ َ‬
‫ؤلء َ‬
‫عل ٌ‬
‫في َ‬
‫جت ُ ْ‬
‫هأنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م‪.( (66‬‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫جو َ‬
‫حا ّ‬
‫م تُ َ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫س ل َك ُ ْ‬
‫في َ‬
‫فل ِ َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ما َ‬
‫كن‬
‫‪‬‬
‫ول َ ِ‬
‫ن إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫كا َ‬
‫م يَ ُ‬
‫هي ُ‬
‫َ‬
‫ول َ ن َ ْ‬
‫صَران ِّيا َ‬
‫هوِدّيا َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫حِني ً‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫و َ‬
‫سل ِ ً‬
‫فا ّ‬
‫ما َ‬
‫شــ ِ‬
‫‪.( (67‬‬
‫آيـــات كـــثيرة فـــي القنـــاع العقلـــي‬
‫والمنطقي‪:‬‬
‫ما َ‬
‫ر َأن ي ُـ ْ‬
‫ن ل ِب َ َ‬
‫ب‬
‫‪‬‬
‫كا َ‬
‫ه ٱللــه ٱل ْك ِت َ ٰـ ـ َ‬
‫ؤِتي ُ‬
‫َ‬
‫شـ ٍ‬
‫كون ُــوا ْ‬
‫س ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫قــو َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫وةَ ث ُـ ّ‬
‫حك ْ َ‬
‫و ٱلن ّب ُـ ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ل ِللن ّــا ِ‬
‫كوُنــوا ْ‬
‫كن ُ‬
‫ِ‬
‫ول َ ٰـــ ِ‬
‫دا ّلــى ِ‬
‫مــن ُ‬
‫عَبــا ً‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫دو ِ‬
‫ما ُ‬
‫ما ُ‬
‫م‬
‫مو َ‬
‫ن ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫م تُ َ‬
‫َرب ّ ٰـن ِّيي َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫وب ِ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ب َ‬
‫ن‪.( (79‬‬
‫سو َ‬
‫ت َدُْر ُ‬

‫‪80‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ْ‬
‫ول َ‬
‫خــــ ُ‬
‫ة‬
‫مل َ ٰـــــئ ِك َ َ‬
‫م َأن ت َت ّ ِ‬
‫ذوا ْ ٱل ْ َ‬
‫مَرك ُ ْ‬
‫‪َ ‬يــــأ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُر ُ‬
‫كم ب ِٱل ْك ُ ْ‬
‫عدَ إ ِذْ أنُتم‬
‫ر بَ ْ‬
‫و ٱلن ّب ِي ّي ْ َ‬
‫ن أْرَباًبا أي َأ ُ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ن‪.( (80‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ّ‬
‫تحذير أهل الكتاب من التكذيب‬

‫وبعييييد أن عرضييييت اليييييات الدل ّيييية العقلييييية‬
‫والمنطقية‪ ،‬تنتقل إلى جانب آخر ميين النقيياش وهييو‬
‫التحذير والترهيب‪.‬‬
‫َ‬
‫يأ َ‬
‫م ت َك ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ت ٱللـه‬
‫‪ْ‬‬
‫ن ب ِأي َ ٰــ ِ‬
‫فـُرو َ‬
‫ب لِ َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن‪.( (70‬‬
‫دو َ‬
‫ه ُ‬
‫ش َ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هــ َ‬
‫ق‬
‫ٰيأ‬
‫‪ْ‬‬
‫ســو َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫م ت َل ْب ِ ُ‬
‫حــ ّ‬
‫ب ِلــ َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـــ ِ‬
‫ب ٱل ْب ٰـطل وت َك ْت ُمون ٱل ْحق َ‬
‫ن‪‬‬
‫مــو َ‬
‫ُ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫َ‬
‫عل َ ُ‬
‫وأنُتــ ْ‬
‫ِ‬
‫َ ّ َ‬
‫ِ ِ َ‬
‫‪.((71‬‬

‫َ‬
‫ف إِ َ‬
‫ه‬
‫ف‬
‫ب ِ‬
‫‪‬ك َي ْ َ‬
‫في ـ ِ‬
‫وم ٍ ل ّ َري ْـ َ‬
‫م ْ‬
‫ذا َ‬
‫عن َ ٰـ ـ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ج َ‬
‫م ل ِي َـ ْ‬
‫ل نَ ْ‬
‫و ّ‬
‫ت كُ ّ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫مو َ‬
‫سب َ ْ‬
‫في َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م ل َ ي ُظْل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س ّ‬
‫ت َ‬
‫و ُ‬
‫َ‬
‫ف ٍ‬
‫‪.( (25‬‬
‫ثم يشتد ّ التحدي‪:‬‬
‫جــاء َ‬
‫ج َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫ك ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫مــا َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫حا ّ‬
‫ن َ‬
‫مـ َ‬
‫م ْ‬
‫د َ‬
‫ف َ‬
‫ع أ َبَناءن َــا َ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْ ـم ِ َ‬
‫قـ ْ‬
‫م‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫وا ْ ن َ ـدْ ُ ْ‬
‫ل تَ َ‬
‫وأب ْن َــاءك ُ ْ‬
‫َ‬
‫عــال َ ْ‬
‫سـَنا وَأن ُ‬
‫وَأن ُ‬
‫م‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫ون ِ َ‬
‫ون ِ َ‬
‫م ث ُـ ّ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫ســاءك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ســاءَنا َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫ن‪‬‬
‫ت ٱلله َ‬
‫عَلى ٱل ْك َ ٰـــ ِ‬
‫عل ل ّ ْ‬
‫ج َ‬
‫فن َ ْ‬
‫عن َ ُ‬
‫ذِبي َ‬
‫ن َب ْت َ ِ‬
‫‪.((61‬‬
‫مى هييذه الييية بآييية المباهليية‪ :‬أي أن يجتمييع‬
‫تسي ّ‬
‫الفريقان المتناقشان ويبتهلون إليى اللييه بييأن ينصيير‬

‫سورة البقرة‬

‫‪81‬‬

‫الفئة المحقة ويلعن الفئة الكاذبة‪ ،‬وطبع يا ً لييم يقبييل‬
‫نصارى نجران هذا التحدي الشديد‪.‬‬
‫العدل والتوازن في النقاش‬

‫ولن السلم دين راق جدًا‪ ،‬هييذا الحييوار ل يختييم‬
‫إل بييييييييييييييييييييييييذكر حسيييييييييييييييييييييييينات‬
‫ث المسلمين على العدل فييي‬
‫بعض أهل الكتاب ويح ّ‬
‫النظييييييييييييييييييييييييييرة إليهييييييييييييييييييييييييييم‪:‬‬
‫ُ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫مـ ٌ‬
‫مـ ٌ‬
‫ن أَ ْ‬
‫سوا ْ َ‬
‫ل َ‪‬ي ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫قائ ِ َ‬
‫بأ ّ‬
‫واء ّ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ـ ِ‬
‫ه ِ‬
‫س َ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫ن ءاي َ ٰـ ِ‬
‫دو َ‬
‫ي َت ُْلو َ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫ت ٱلله ءاَناء ٱل ّي ْ ِ‬
‫‪.( (113‬‬
‫ْ‬
‫قن ْ َ‬
‫ر‬
‫ه بِ ِ‬
‫ن أَ ْ‬
‫و ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ِإن ت َأ َ‬
‫ب َ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫ه ِ‬
‫‪َ‬‬
‫طا ٍ‬
‫ْ‬
‫ر لّ‬
‫ه إ ِل َي ْـ َ‬
‫ي ُـ َ‬
‫ه ب ِـ ِ‬
‫و ِ‬
‫ؤد ّ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ِإن ت َـأ َ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ك َ‬
‫ديَنا ٍ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫يُ َ‬
‫ما‪.( (75‬‬
‫ت َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ؤد ّ ِ‬
‫م َ‬
‫قائ ِ ً‬
‫ما دُ ْ‬
‫ك إ ِل ّ َ‬
‫فالقرآن يعّلمنا أن كونهم غييير مسييلمين ل يعنييي‬
‫أن كل تصرفاتهم خطأ وكل معاملتهم غش‪.‬‬
‫يا مسلمون تعّلموا من سورة آل عمران التوازن‬
‫في التعامل مع غير المسلمين‪.‬‬
‫ن‬
‫والقرآن يثني أيضا ً على أنبياء أهل الكتاب‪ :‬إ ِ ّ‬
‫صــطَ َ‬
‫وءا َ‬
‫م‬
‫ل إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫وُنو ً‬
‫فى آدَ َ‬
‫هيــ َ‬
‫ٱللــه ٱ ْ‬
‫حــا َ‬
‫م َ‬
‫وءا َ‬
‫ن‪.( (33‬‬
‫ن َ‬
‫ل ِ‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫م ٰر َ‬
‫عَلى ٱل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫ويمتييدح السيييدة مريييم باصييطفائها علييى نسيياء‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫ن‬
‫مَلـــئ ِك َ ُ‬
‫قــال َ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫مْرَيــ ُ‬
‫ة ٰي َ‬
‫ت ٱل ْ َ‬
‫العييالمين‪َ  :‬‬
‫صط َ َ‬
‫ن‪‬‬
‫ك‪َ ...‬‬
‫ع ٰــل َ ِ‬
‫ســاء ٱل ْ َ‬
‫ف ٰـ ِ‬
‫عل َـ ٰى ن ِ َ‬
‫مي َ‬
‫ٱلله ٱ ْ‬

‫‪82‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪.((42‬‬
‫إنه مبدأ رائع في التوازن والعدل‪ ،‬فلم تأت هييذه‬
‫الييييييييييييييييييية فييييييييييييييييييي مييييييييييييييييييدح‬
‫زوجة النبي ول ابنته بل أتت في الثناء على السيييدة‬
‫مرييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‬
‫عليها السلم‪.‬‬
‫ل للتباع العمى‬

‫وبالمقابل يح ّ‬
‫ذرنا القرآن من التباع العمى لهل‬
‫الكتاب بعد أن بّين لنا عقائدهم‪:‬‬
‫ٰ َ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ن‬
‫مُنوا ْ ِإن ت ُ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫طي ُ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ريقا ً ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫ف ِ‬
‫ُ‬
‫دو ُ‬
‫م‬
‫ٱّلـ ِ‬
‫كـم ب َ ْ‬
‫ب ي َُر ّ‬
‫ن أوُتـوا ْ ٱل ْك ِت َ ٰــ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ٰــن ِك ُ ْ‬
‫عـدَ ِإي َ‬
‫ن‪.( (100‬‬
‫ك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫فــرون َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م‬
‫م ت ُت َْلــ ٰى َ‬
‫وك َ‪ْ‬يــ َ‬
‫كــ ْ‬
‫وأن ُْتــ ْ‬
‫َ َ‬
‫ف ت َك ْ ُ ُ‬
‫َ‬
‫صــم‬
‫و ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫مــن ي َ ْ‬
‫ءاي َ ٰـ ـ ُ‬
‫م َر ُ‬
‫و َ‬
‫ســول ُ ُ‬
‫فيك ُـ ْ‬
‫ه َ‬
‫ت ٱللــه َ‬
‫ف َ‬
‫ب ِ ٱلله َ‬
‫قيم ٍ‪.( (101‬‬
‫ست َ ِ‬
‫قدْ ُ‬
‫ص ٰر ٍ‬
‫ى إ ِل َ ٰى ِ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫د َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ول َ ي ُ ِ‬
‫ولء ت ُ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫حّبـــون َ ُ‬
‫حّبـــون َك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هـــاأنت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫مأ ْ‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫م َ‬
‫ذا ل َ ُ‬
‫وت ُ ْ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ب ك ُل ّـ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫قــوك ُ ْ‬
‫ن ب ِٱل ْك ِت َ ٰــ ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫مـ َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ذا َ‬
‫ضــوا ْ َ‬
‫وا ْ َ‬
‫ع ّ‬
‫ل ِ‬
‫م ٱل َْنا ِ‬
‫مـ َ‬
‫عل َي ْك ُـ ُ‬
‫ءا َ‬
‫خل َ ْ‬
‫مّنا َ‬
‫ظ‪.( (119‬‬
‫ٱل ْ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫فــوا ْ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫وٱ ْ‬
‫كوُنوا ْ ك َٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قــوا ْ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫هم ٱل ْبين َ ٰــت ُ‬
‫وَلــئ ِ َ‬
‫م‬
‫عـ ِ‬
‫ِ‬
‫َ ّ‬
‫مــا َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫جــاء ُ ُ‬
‫د َ‬
‫وأ ْ‬
‫ُ َ‬
‫ع َ‬
‫م‪.( (105‬‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ظي ٌ‬
‫والملحييظ أن محيياور هييذا النقيياش تييأتي ضييمن‬

‫سورة البقرة‬

‫‪83‬‬

‫آيات متشابكة متتالية‪ :‬ثنيياء عليهييم‪ ،‬ثييم برهييان‪ ،‬ثييم‬
‫نقطة اتفاق‪ ،‬ثم تقوية عقيدة )وهو ما يظهر بوضوح‬
‫في بعض المقاطع مثل اليات ‪.(83 - 79‬‬
‫ول ننسى في خضم هذا النقاش آل عمران هييذه‬
‫العائليية المباركيية الييتي سييمى اللييه تعييالى السييورة‬
‫باسييمها‪ .‬ميين امييرأة عمييران ودعائهييا إلييى السيييدة‬
‫مريم وتبّتلها‪ ،‬ثم زكريا ‪ ‬ودعائه‪ ،‬إلى سيدنا عيسى‬
‫ووالييدته ثييم رفعييه إلييى السييماء‪ .‬آيييات رائعيية فييي‬
‫اصطفائهم وفضلهم على العالمين‪.‬‬
‫ختام أقسام السورة بالثبات‬

‫ومن الشارات الواضحة أن يختييم القسييم الول‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫م‬
‫قــوا ْ ل َ ي َ ُ‬
‫ضــّرك ُ ْ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫صــب ُِروا ْ َ‬
‫بالثبيييات ‪َ ‬‬
‫م َ‬
‫شْيئا ً‪.( (120‬‬
‫ك َي ْدُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫كمييا ختييم القسييم الثيياني بالثبييات ‪َ ‬يـــأي ّ َ‬
‫وَراب ِطُــوا ْ‬
‫ٱل ّـ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫و َ‬
‫من ُــوا ْ ٱ ْ‬
‫صــاب ُِروا ْ َ‬
‫صـب ُِروا ْ َ‬
‫م تُ ْ‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫ن‪.( (200‬‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫قوا ْ ٱلله ل َ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫الثبات العملي بعد الثبات الفكري‬

‫بعدما ثبت البناء الخارجي ضد الفكار والشبهات‬
‫ينتقييل القييرآن إلييى تثييبيت البنيياء الييداخلي‪ ،‬ويعالييج‬
‫القرآن هذا الموضييوع بييالتعقيب علييى غييزوة ُأحييد‪.‬‬
‫فالمسلمون خرجوا ميين الغييزوة منكسييرين‪ ،‬خجلييين‬
‫مييييييييين عصييييييييييان أمييييييييير النيييييييييبي ‪‬‬

‫‪84‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ومن هروبهيم وخيذلنهم لرسيول الليه ‪ .‬فكيان أن‬
‫عيييييييييالجهم القيييييييييرآن علجيييييييييا ً راقييييييييييا ً‬
‫من خلل‪:‬‬
‫‪ .1‬التذكير بفضل الله عليهــم‪ :‬وأن النصيير ميين‬
‫عند الله‪ ،‬فذ ّ‬
‫كرهم بغزوة بدر‪:‬‬
‫ت ّ‬
‫م َأن ت َ ْ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ف َ‬
‫شل َ ‪) ‬أي‬
‫‪‬إ ِذْ َ‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ه ّ‬
‫فَتا ِ‬
‫ما‪( (122‬‬
‫ول ِي ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫و ٱلله َ‬
‫أن ل تثبتا على الحق( ‪َ ‬‬
‫)هو الذي ثبتهما(‪.‬‬
‫قد ن َصرك ُم ٱللــه بب ـدر َ‬
‫ة‪‬‬
‫م أ َِذل ّـ ٌ‬
‫ول َ َ ْ‬
‫وأنت ُـ ْ‬
‫َ َ ُ‬
‫ِ َ ْ ٍ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪.((123‬‬

‫ونرى في نفس السييياق التأكيييد علييى أن النصيير‬
‫من عند الله‪:‬‬
‫ْ‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫مــن‬
‫م ّ‬
‫وَيــأُتوك ُ ْ‬
‫‪‬ب ََلــى ِإن ت َ ْ‬
‫قــوا ْ َ‬
‫صــب ُِروا ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (125‬‬
‫و ِ‬
‫ر ِ‬
‫م َ‬
‫مي َ‬
‫م‪ُ ...‬‬
‫ه ْ‬
‫س ّ‬
‫ف ْ‬
‫و ِ‬
‫لحظ أن الصبر والتقييوى قييد تكييرر ذكرهمييا فييي‬
‫ختام أقسام السورة‪ ،‬كما ذكرا هنييا أيضيا ً كسييبب‬
‫لنزول الملئكة ونصر المؤمنين‪.‬‬
‫‪ .2‬المر بالتوبة والعودة إلى اللــه‪ :‬هنييا مظهيير‬
‫آخر من روعة القرآن في التربية والتثبيت‪ ،‬فقبييل‬
‫أن يييذكر أخطييائهم أو يييؤنبهم‪ ،‬يييدعوهم للعييودة‬
‫من‬
‫م ْ‬
‫ر ُ‬
‫غ ِ‬
‫فَر ٍ‬
‫و‪َ ‬‬
‫ة ّ‬
‫عوا ْ إ ِل َ ٰى َ‬
‫والنابة إلى الله‪َ :‬‬
‫سا ِ‬
‫ض‪‬‬
‫ة َ‬
‫عْر ُ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫و َ‬
‫م ٰـ ٰو ُ‬
‫ها ٱل ّ‬
‫ض َ‬
‫س َ‬
‫ّرب ّك ُ ْ‬
‫و ٱل ْْر ُ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫‪.((133‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪85‬‬

‫ش ً َ‬
‫مـــوا ْ‬
‫عل ُـــوا ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫ح َ‬
‫ن إِ َ‬
‫ف ٰــــ ِ‬
‫و‪‬ٱل ّـــ ِ‬
‫ف َ‬
‫ذي َ‬
‫و ظَل َ ُ‬
‫ةأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫غ َ‬
‫م ذَك َُروا ْ ٱلله َ‬
‫أن ْ ُ‬
‫م‬
‫س ـت َ ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فُروا ل ِـذُُنوب ِ ِ‬
‫صـّروا ْ‬
‫مـن ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م يُ ِ‬
‫فـُر ٱلـذُّنو َ‬
‫وَلـ ْ‬
‫و َ‬
‫ب إ ِل ّ ٱللـه َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن‪.( (135‬‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ٰى َ‬
‫عُلوا ْ َ‬
‫‪ .3‬المواساة‪ :‬رفع الييروح المعنوييية بييين الصييحابة‪،‬‬
‫آيييات رائعيية تخيياطب المسييلمين فييي كييل زمييان‬
‫ومكان لتثيبيتهم رغيم كيل اللم وكييل المصييائب‪:‬‬
‫‪‬ول َ ت َهُنوا ول َ ت َحزُنوا َ‬
‫ن ِإن‬
‫م ال ْ ْ‬
‫و َ‬
‫ْ َ‬
‫وأنُتــ ُ‬
‫عَلــ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (139‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫كنُتم ّ‬
‫س ٱل ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ق ـْر ٌ‬
‫و َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ق ـدْ َ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫‪ِ‬إن ي َ ْ‬
‫مـ ّ‬
‫قـ ْ‬
‫وت ِْلــ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ُنــ َ‬
‫قــْر ٌ‬
‫ك ٱل ّْيــا ُ‬
‫ول ُ َ‬
‫ها ب َْيــ َ‬
‫مث ُْلــ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫دا ِ‬
‫س‪.( (140‬‬
‫ٱلّنا ِ‬
‫فتمسح اليات بحنان على آلم الصحابة‪ ،‬فالكفييار‬
‫قد تألموا مثلكم وفقدوا الرواح مثلكم‪.‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫ثم تأتي الية الرائعة في التثبيت‪ :‬أ ْ‬
‫ســب ْت ُ ْ‬
‫ن‬
‫َأن ت َدْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫عل َم ِ ٱللــه ٱل ّـ ِ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫خُلوا ْ ٱل ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ول َ ّ‬
‫ة َ‬
‫ن‪.( (142‬‬
‫دوا ْ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫ج ٰـ َ‬
‫ري َ‬
‫عل َ َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫فالجنة غالية‪ ،‬ول بد لمن يطلبها أن يجاهد ويصييبر‬
‫لينالها‪.‬‬
‫‪ .4‬لوم رقيق‪ :‬بعد رفع الروح المعنوييية يبييدأ اللييوم‬
‫الرقيق‪.‬‬
‫قدْ ُ‬
‫مــن َ‬
‫ول َ َ‬
‫ل َأن‬
‫ت ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫م تَ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫قْبــ ِ‬
‫م ْ‬
‫من ّ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫وهُ َ‬
‫ت َل ْ َ‬
‫مـــــــــــوهُ‬
‫قـــــــــــدْ َرأي ْت ُ ُ‬
‫قـــــــــــ ْ‬

‫‪86‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫م‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫مــن َ‬
‫ل َ‬
‫سو ٌ‬
‫ه‬
‫قدْ َ‬
‫قب ْل ِ ـ ِ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫خل َ ْ‬
‫مدٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫ح ّ‬
‫ما ُ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ٱلرس ُ َ‬
‫ل ٱن َ‬
‫و ُ‬
‫قت ِ َ‬
‫عل َ ٰى‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ّ ُ‬
‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫ل أفإ ِْين ّ‬
‫تأ ْ‬
‫ه َ‬
‫مــن َين َ‬
‫ع َ‬
‫فل َــن‬
‫عل َـ ٰى َ‬
‫ب َ‬
‫أَ ْ‬
‫ع ِ‬
‫قب َي ْـ ِ‬
‫قل ِـ ْ‬
‫و َ‬
‫ق ٰـب ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ضــــّر ٱللــــه َ‬
‫زى ٱللــــه‬
‫يَ ُ‬
‫ســــي َ ْ‬
‫و َ‬
‫شــــْيئا ً َ‬
‫ج ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫ن ‪.( (144‬‬
‫ري َ‬
‫ش ٰـك ِ ِ‬
‫ن‬
‫ص ِ‬
‫وو َ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫ويلومهم لوما ً آخيير‪ :‬إ ِذْ ت ُ ْ‬
‫ول َ ت َل ْ ـ ُ‬
‫ن َ‬
‫سو ُ‬
‫م‬
‫فى أ ُ ْ‬
‫ل ي َدْ ُ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ح ٍ‬
‫عل َ ٰى أ َ‬
‫و ٱلّر ُ‬
‫خَراك ُـ ْ‬
‫عوك ُ ْ‬
‫د َ‬
‫ن‪(143‬‬
‫َتنظُُرو َ‬

‫‪(153‬‬

‫‪.(‬‬

‫‪.(‬‬

‫تخيييل هييذا المشييهد‪ :‬المسييلمون يركضييون ول‬
‫يسييتمعون لحييد والرسييول ‪ ‬ثييابت فييي أرض‬
‫كرهم بييالخرة‪ .‬ثييم ذ ّ‬
‫المعركة ينيياديهم ويييذ ّ‬
‫كرهييم‬
‫بأحوال السابقين وثباتهم‪:‬‬
‫َ‬
‫ى َ‬
‫قات َـ َ‬
‫ن ك َِثيـٌر‬
‫رب ّي ّــو َ‬
‫م َ‬
‫عـ ُ‬
‫ل َ‬
‫وك َأّين ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫من ن ّب ِ ّ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫فــى َ‬
‫صــاب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هُنوا ْ ل ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ما أ َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫ما َ‬
‫سـت َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ب‬
‫و ٱللــه ي ُ ِ‬
‫ما َ‬
‫حـ ّ‬
‫ضـ ُ‬
‫مــا ٱ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫فوا ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (146‬‬
‫ري َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫م َأنَز َ‬
‫د‬
‫ل َ‬
‫ع ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫م ّ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫‪ .5‬عودة للمواساة‪ :‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫ش ـ ٰى َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫غ َ‬
‫م‪‬‬
‫عاسا ً ي َ ْ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫فـ ً‬
‫من َ ً‬
‫ة نّ َ‬
‫من ْك ُـ ْ‬
‫ة ّ‬
‫مأ َ‬
‫غ ّ‬
‫‪.((154‬‬
‫ويحنن قلب النبي ‪ ‬عليهم ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫م ٍ‬
‫ما َر ْ‬
‫م َ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫فب ِ َ‬
‫ت‬
‫و ك ُْنـــــ َ‬
‫ٱللـــــه ِلنـــــ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫هـــــ ْ‬
‫وَلـــــ ْ‬
‫م َ‬
‫غِليـ َ‬
‫ول ِـ َ‬
‫فظّا ً َ‬
‫ب ل َن ْ َ‬
‫ظ ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ف ّ‬
‫ضــوا ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫مـ ْ‬
‫قل ْـ ِ‬
‫ح ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪87‬‬

‫َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫ست َ ْ‬
‫ف َ‬
‫فٱ ْ‬
‫وْر ُ‬
‫غ ِ‬
‫ع ُ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫شــا ِ‬
‫ر‪.( (159‬‬
‫ِ‬
‫فى ٱل ْ ْ‬
‫م ِ‬
‫حيتى بعيد الهزيمية‪ ،‬تيأمر الييات النيبي ‪ ‬أن ل‬
‫يترك الشورى‪.‬‬
‫استشعر روعة هذا الدين الييذي يمييزج اللييوم مييع‬
‫الحنان والمواساة في أحلك الظروف وأصعبها‪.‬‬
‫‪ .6‬أسباب الهزيمة وعدم الثبات‪ :‬بعد كل هذا ل‬
‫بد من تبيان أسباب الهزيمة والثبات حتى يسييتفيد‬
‫المسلمون في كل زمان ومكان من الخطاء اليتي‬
‫وقعت‪:‬‬
‫ول َ َ‬
‫د‬
‫قــــ ْ‬
‫أ‪ .‬الختلف وعــــدم الطاعــــة‪َ  :‬‬
‫صــــدَ َ‬
‫م‬
‫و ْ‬
‫عــــدَهُ إ ِذْ ت َ ُ‬
‫ســــون َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫قك ُ ُ‬
‫َ‬
‫م ٱللــــه َ‬
‫ه‪(152‬‬
‫ب ِإ ِذْن ِ ِ‬

‫‪.(‬‬

‫‪‬ـ ٰى‬
‫حت ّ‬
‫فالله تعالى قد أصدقكم وعييده بالنصيير َ‬
‫ذا َ‬
‫إِ َ‬
‫فــى‬
‫وت َن َ ٰـَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫عت ُ ْ‬
‫شل ْت ُ ْ‬
‫م ‪) ‬أي لم تثبتوا( ‪َ ‬‬
‫م ‪ ‬وهييذه‬
‫و َ‬
‫ص ـي ْت ُ ْ‬
‫ٱل ْ ْ‬
‫ع َ‬
‫ر ‪) ‬أي اختلفتييم( ‪َ ‬‬
‫مـ ِ‬
‫د‬
‫عــ ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫إشارة إلى خطورة المعصية وأثرهييا ‪ّ ‬‬
‫َ‬
‫ن ‪) ‬ميين بعييد مييا أراكييم‬
‫مــا ت ُ ِ‬
‫حب ّــو َ‬
‫م ّ‬
‫ما أَراك ُـ ْ‬
‫َ‬
‫من ُ‬
‫من ُ‬
‫كم‬
‫و ِ‬
‫بشائر النصر( ‪ِ ‬‬
‫كم ّ‬
‫ريدُ الدّن َْيا َ‬
‫من ي ُ ِ‬
‫ة ‪) ‬بعضكم كييان يبغييي متيياع‬
‫خَر َ‬
‫ريدُ ٱل ْ ِ‬
‫ّ‬
‫من ي ُ ِ‬
‫الدنيا من وراء القتال‪ ،‬فكانت الهزيمة(‪.‬‬
‫ن‬
‫ب‪.‬‬
‫ن ٱّلــ ِ‬
‫المعاصــي والــذنوب‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ٱل ْت َ َ‬
‫مــا‬
‫وا ْ ِ‬
‫م َ‬
‫قى ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ج ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫عا ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫ول ّ ْ‬
‫تَ َ‬

‫‪88‬‬

‫سورة البقرة‬

‫س ـُبوا ْ‬
‫م ٱل ّ‬
‫ن ب ِب َ ْ‬
‫مــا ك َ َ‬
‫ست ََزل ّ ُ‬
‫ٱ ْ‬
‫شي ْطَ ٰـ ُ‬
‫ض َ‬
‫ه ُ‬
‫ع ِ‬
‫‪.( (155‬‬
‫ج‪ .‬التعلق بالشــخاص‪ :‬فعنييدما يتعلييق النيياس‬
‫بالشخاص أكثر ميين تعلقهييم بييالفكرة يضييعف‬
‫ثبيياتهم وانتميياؤهم للفكييرة نفسييها‪ ،‬فبعييض‬
‫الصحابة ألقى السلح عنييدما سييمعوا بإشيياعة‬
‫قتيييل النيييبي ‪ ‬فنزليييت الييييات تيييؤنبهم‬
‫ل َ‬
‫ســو ٌ‬
‫مــن‬
‫قـدْ َ‬
‫ت ِ‬
‫م َ‬
‫خل َـ ْ‬
‫مـدٌ إ ِل ّ َر ُ‬
‫ح ّ‬
‫مــا ُ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫قبِلــه ٱلرســ ُ َ‬
‫و ُ‬
‫قِتــ َ‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫َ ْ‬
‫مــا َ‬
‫ّ ُ‬
‫ل أفــإ ِْين ّ‬
‫تأ ْ‬
‫ع َ‬
‫ٱن َ‬
‫م‪.( (144‬‬
‫عل َ ٰى أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ٰـب ِك ُ ْ‬
‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫التحذير من الخلف في السورة‬

‫لحظنييا أن السييورة ركييزت علييى التحييذير ميين‬
‫الخلف لنييه ميين أكييثر العوامييل الييتي تييؤدي لعييدم‬
‫الثبات وتزلزل الصف الييداخلي سييواء أكييان الخلف‬
‫فكريا أو عمليًا‪.‬‬
‫لذلك ح ّ‬
‫ذرت السورة من‪:‬‬
‫أ‪ .‬اتباع اليات المتشابهة من الكتاب بقصــد‬
‫الفتنـــة والتأويـــل‪َ َ  :‬‬
‫ن فـــى‬
‫مـــا ال ّـــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫فأ ّ‬
‫ُ ُ‬
‫غ َ‬
‫مــا ت َ َ‬
‫ه‬
‫م َزْيــ ٌ‬
‫ه ِ‬
‫عــو َ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫مْنــ ُ‬
‫ش ٰـــب َ َ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫قلــوب ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ه‪.( (7‬‬
‫و ٱب ْت ِ َ‬
‫ٱب ْت ِ َ‬
‫غاء ٱل ْ ِ‬
‫ويل ِ ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫ة َ‬
‫غاء ت َأ ِ‬
‫ب‪ .‬التفــــرق والختلف فــــي الفــــروع‪:‬‬
‫ميعــــا ً‬
‫وٱ ْ‬
‫ج ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫ل ٱللــــه َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫صــــ ُ‬
‫حب ْــــ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫فّر ُ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫قــوا ْ ‪ .( (103‬وتحييذرنا السييورة ميين‬
‫َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪89‬‬

‫الخلف والتفيييييييييييرق فيييييييييييي آييييييييييييات‬
‫قـــوا ْ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫كوُنـــوا ْ ك َ ٱّلـــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫اللييييه ‪َ ‬‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ت‪‬‬
‫وٱ ْ‬
‫جاء ُ‬
‫ع ِ‬
‫فوا ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫م ٱل ْب َي ّن َ ٰـــ ُ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫َ‬
‫‪.((105‬‬
‫ج‪ .‬الربا‪ :‬لنييه ميين أسييباب الخلف بييين المسييلمين‬
‫َ‬
‫مُنــوا ْ ل َ َتــأ ْك ُُلوا ْ ٱلّرَبــا‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫يَ‬
‫‪ٰ ‬ـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ع َ‬
‫ة‪.( (130‬‬
‫ف ً‬
‫م َ‬
‫أَ ْ‬
‫ض ٰـ َ‬
‫ض َ‬
‫ع ٰـفا ً ّ‬
‫د‪ .‬التفــرد بــالرأي‪ :‬لييذلك أمييرت اليييات النييبي‬
‫بالشورى رغم كل ما حدث في أحييد ‪َ ‬‬
‫ف‬
‫فـ ٱ ْ‬
‫ع ُ‬
‫و َ‬
‫فــى‬
‫ســت َ ْ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫وْر ُ‬
‫غ ِ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هــ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫شــا ِ‬
‫ت َ‬
‫ر َ‬
‫وك ّـ ْ‬
‫فإ ِ َ‬
‫عل َــى ٱللــه ‪‬‬
‫ل َ‬
‫ذا َ‬
‫مـ َ‬
‫عَز ْ‬
‫ٱل ْ ْ‬
‫فت َ َ‬
‫م ِ‬
‫‪.((159‬‬
‫علقة القسم الول بالثاني‬

‫‪ .1‬عدم التعلق بالشخاص‪ :‬إن إشاعة قتل النبي‬
‫‪ ‬والمفاجييأة الييتي حصييلت فييي ُأحييد لخبطييت‬
‫المسلمين‪ ،‬وكذلك فان قصة رفع المسيييح فجييأة‬
‫لخبطت المسيحيين وأدت إلى مييا هييم عليييه ميين‬
‫ضييلل‪ .‬فسييورة آل عمييران توجهنييا إلييى التعلييق‬
‫بييالفكرة ل بييالفراد والشييخاص‪ ،‬فهييم يزولييون‬
‫ويموتون وتبقى الفكرة ويبقى الدين‪ ،‬فيييا شييباب‬
‫إن أردتييم الثبييات فإييياكم والتعلييق بداعييية مييا أو‬
‫بشخص ما ونسيان الفكرة والرسالة‪.‬‬
‫‪ .2‬أهمية التباع‪ :‬مع أن السورة ر ّ‬
‫كزت على عدم‬

‫‪90‬‬

‫سورة البقرة‬

‫التعلييق بالشييخاص لكنهييا بّينييت أهمييية التبيياع‬
‫والطاعة‪.‬‬
‫َ‬
‫ ففييي القسييم الول‪َ :‬‬‫س ـ ٰى‬
‫س ِ‬
‫ما أ َ‬
‫عي َ‬
‫ف‪‬ل َ ّ‬
‫حـ ّ‬
‫َ‬
‫فَر َ‬
‫م ٱل ْك ُ ْ‬
‫قــا َ‬
‫ري إ ِل َــى ٱللــه‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ل َ‬
‫ه ُ‬
‫ن أن َ‬
‫صــا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫صاُر ٱلله‪.( (52‬‬
‫رّيو َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫وا ِ‬
‫ضحت الغاية ‪‬إ َِلى ٱلله ‪ ‬وبّينييت‬
‫هذه الية و ّ‬
‫َ‬
‫ري ‪ ‬فل بييد‬
‫م ْ‬
‫لهم الوسيلة والطريييق‪َ  :‬‬
‫ن أن َ‬
‫صــا ِ‬
‫لهم أن يكونوا من أنصار النبي‪.‬‬
‫ ونرى فيي القسيم الثيياني آييية عامية عليى مير‬‫العصور في اتباع النبياء‪:‬‬
‫َ‬
‫ى َ‬
‫قات َ َ‬
‫ن ك َِثي ـٌر‬
‫رب ّي ّــو َ‬
‫م َ‬
‫عـ ُ‬
‫ل َ‬
‫وك َأّين ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫من ن ّب ِ ّ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مــا‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫فى َ‬
‫صاب َ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫هُنوا ْ ل ِ َ‬
‫ف َ‬
‫ما أ َ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ما َ‬
‫ســـت َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ب‬
‫و ٱللـــه ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫حـــ ّ‬
‫ضـــ ُ‬
‫مـــا ٱ ْ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫فوا ْ َ‬
‫ن ‪.( (146‬‬
‫ري َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫د‬
‫ن َ‬
‫ص ِ‬
‫حـ ٍ‬
‫وو َ‬
‫دو َ‬
‫عل َـ ٰى أ َ‬
‫ع ُ‬
‫واليةإ ِذْ‪‬ت ُ ْ‬
‫ول َ ت َل ْـ ُ‬
‫ن َ‬
‫سو ُ‬
‫م‪.( (153‬‬
‫في أ ُ ْ‬
‫ل ي َدْ ُ‬
‫م ِ‬
‫و ٱلّر ُ‬
‫خَراك ُ ْ‬
‫عوك ُ ْ‬
‫َ‬
‫تلوم المؤمنين عليى تقصييرهم فيي اتبياع النيبي‬
‫وطاعته في غزوة أحد‪.‬‬
‫لماذا سميت السورة بآل عمران؟‬

‫ما علقة كل ما قيل عن الثبات بآل عمييران؟ إن‬
‫الله تعالى قد اختار فييي هييذه السييورة رمزييين ميين‬
‫رموز الثبات‪ ،‬امرأة آل عمران‪ ،‬ومريم بنت عمران‪،‬‬
‫وسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرد‬

‫سورة البقرة‬

‫‪91‬‬

‫لنا قصتهما في ربعين كاملين من السورة‪ .‬فالسيدة‬
‫مريم ثبتت على طاعيية اللييه تعييالى وعبييادته وثبتييت‬
‫على العفة حتى استحقت أن تذكر بهذه الصفة فييي‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ها ‪ ‬فميين أخطيير‬
‫فْر َ‬
‫القرآن ‪ ‬ٱل ِّتى أ ْ‬
‫صن َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ح َ‬
‫المور التي تضّيع الفراد وتضّيع المجتمعات الفشييل‬
‫فييي الثبييات علييى الطاعيية وعلييى العفيية‪ .‬فكييانت‬
‫السيدة مريم عليها السلم رمزا ً للثبات عليهما‪.‬‬
‫وأما زوجة عمران فقد كان همها الول أن يكون‬
‫الجنيييييييييييييييييييييييييييين اليييييييييييييييييييييييييييذي‬
‫ت‬
‫تحمله ناصرا ً لدين الله تعييالى‪َ :‬ر ّ‬
‫ب إ ِن ّــي ن َـذَْر ُ‬
‫لَ َ‬
‫فت َ َ‬
‫حّرًرا َ‬
‫قب ّ ْ‬
‫مّني‪.( (53‬‬
‫ما ِ‬
‫ل ِ‬
‫م َ‬
‫في ب َطِْني ُ‬
‫ك َ‬
‫مح يّررا ً أي خالص يا ً لييك فكييانت تريييده أن يحييرر‬
‫المسجد القصى من يييد الرومييان المعتييدين وبييذلك‬
‫كانت رمزا ً للثبات على فكرتها حتى بعييد أن علمييت‬
‫أن‬
‫ها َ‬
‫وليييدها كييان أنييثى‪َ  .‬‬
‫ب‬
‫و َ‬
‫ت َر ّ‬
‫ضـ َ‬
‫قـال َ ْ‬
‫عت ْ َ‬
‫فل َ ّ‬
‫مـا َ‬
‫م‬
‫ها ُأنَثــــ‬
‫و ٱللــــه أ َ ْ‬
‫و َ‬
‫ضــــ ْ‬
‫عت ُ َ‬
‫عَلــــ ُ‬
‫ٰى َ‬
‫إ ِّنــــى َ‬
‫ُ‬
‫وإ ِن ّــى‬
‫و َ‬
‫ضـ َ‬
‫ع ْ‬
‫بِ َ‬
‫ول َي ْـ َ‬
‫س ٱلـذّك َُر ك َـ ٱلن ْث َ ٰى َ‬
‫ت َ‬
‫مــا َ‬
‫‪ (‬فتقّبيييييييل‬
‫م‪(36...‬‬
‫مي ْت ُ َ‬
‫َ‬
‫مْرَيــــــ َ‬
‫ها َ‬
‫ســــــ ّ‬
‫فت َ َ‬
‫الله تعالى من امرأة عمران صدق نيتها ‪َ ‬‬
‫ها‬
‫قب ّل َ َ‬
‫قبـــــــول حســـــــن َ‬
‫هـــــــا‬
‫هـــــــا ب ِ َ ُ‬
‫وأنب َت َ َ‬
‫ٍ َ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ٍ َ‬
‫سًنا‪.((37...‬‬
‫ن ََباًتا َ‬
‫ح َ‬
‫واللطيف أن الله تعالى ذكر هذين الرمزييين فييي‬

‫‪92‬‬

‫سورة البقرة‬

‫السييورة الييتي تنيياقش أهييل الكتيياب وهييذه طريقيية‬
‫ممّيزة للقرآن في تقريب الناس كما مّر معنيا‪ .‬فميع‬
‫أنه ينكر على ما يعتقده أهل الكتاب لكنه يثني علييى‬
‫شخصيييات عظيميية يؤمنييون بهييا كزوجيية عمييران‬
‫والسيدة مريم‪.‬‬
‫قيمة المرأة في السورة‬

‫واللطيف أيض يا ً فييي السييورة الييتي تتحييدث عيين‬
‫الثبييييييييييات أن اللييييييييييه تعييييييييييالى قييييييييييد‬
‫جعل نموذج الثبات سيدتين فالسورة مييع أن اسييمها‬
‫آل عميييييييييييييييران‪ ،‬ليييييييييييييييم تيييييييييييييييذكر‬
‫عمران نفسه بل ركزت على زوجته ونيتها المخلصة‬
‫فييييييييييييي نصييييييييييييرة دييييييييييييين اللييييييييييييه‬
‫التي كانت سببا ً بعييد ذلييك فييي ولدة السيييدة مريييم‬
‫ومييييييييين بعيييييييييدها سييييييييييدنا عيسيييييييييى‪.‬‬
‫لحظ أيضا ً أن سيدنا زكريا على ما له من قيمة في‬
‫أنبياء بني إسرائيل قد تعّلم من السيدة مريم‪.‬‬
‫خ َ‬
‫د‬
‫ما دَ َ‬
‫ل َ‬
‫رّيا ٱل ْ ِ‬
‫جــ َ‬
‫و َ‬
‫حــَرا َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫‪‬ك ُل ّ َ‬
‫ب َ‬
‫ها َزك َ ِ‬
‫قـــــــــــــا َ‬
‫رْز ً‬
‫قـــــــــــــا َ‬
‫ل‬
‫عنـــــــــــــدَ َ‬
‫ِ‬
‫ها ِ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫د‬
‫ن ِ‬
‫ت ُ‬
‫ك َ‬
‫عن ـ ِ‬
‫و ِ‬
‫م أن ّ ـ ٰى ل َـ ِ‬
‫قــال َ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫مْري َ ـ ُ‬
‫ٰي َ‬
‫هـ َ‬
‫هَناِلـــــ َ‬
‫رّيـــــا‬
‫ك دَ َ‬
‫ٱللـــــه‪  ...‬و ‪ُ ‬‬
‫عـــــا َزك َ ِ‬
‫ه‪.( (37-38...‬‬
‫َرب ّ ُ‬
‫فرمز الثبات في السورة هييو النسيياء‪ ،‬والسييورة‬
‫التالييييييييييييييية بعييييييييييييييد آل عمييييييييييييييران‬

‫سورة البقرة‬

‫‪93‬‬

‫هييي أيضيا ً سييورة النسيياء‪ ،‬وهييذا أوضييح دليييل علييى‬
‫تكريم السلم للمرأة ورفع قدرها‪.‬‬
‫فيييا شييباب أثبتييوا علييى الحييق فكييرا ً وعم ً‬
‫ل‪ ،‬ويييا‬
‫فتيات أثبتن علييى الحييق فكييرا ً وعم ً‬
‫ل‪ ،‬وتعّلمييوا ميين‬
‫السيدتين اللييتين ذكييرت فييي هييذه السييورة‪ :‬امييرأة‬
‫عمران‪ ،‬ومريم بنت عمران‪.‬‬

‫سورة النساء‬
‫سورة النساء )مدنية( نزلت بعد سييورة الممتحنيية‬
‫وعدد آياتهييا )‪ (176‬مييائة وسييت وسييبعون آييية‪ ،‬وهييي‬
‫السورة الرابعة في ترتيب المصييحف بعييد سييورة آل‬
‫عمران‪.‬‬
‫سورة النساء هي سورة العدل والرحميية خاصيية‬
‫ددت سورة البقرة مسييؤولية‬
‫مع الضعفاء فبعد أن ح ّ‬
‫المسلمين عن الرض وعرضييت منهييج السييتخلف‪،‬‬
‫جيياءت سييورة آل عمييران لتييدعو إلييى الثبييات عليى‬
‫المنهج القويم وعلى المسؤولية الملقاة على عيياتق‬
‫المييؤمنين‪ .‬ثييم جيياءت سييورة النسيياء لتعلمنييا أن‬
‫المستأمن على الرض ل بد أن يكون على قدر ميين‬
‫العدل والرحمة تجاه الضعفاء الذين استؤمن عليهييم‬
‫وكييأن الصييفة الولييى الييتي تمي ّييز المسييؤولين عيين‬
‫الرض هي العدل‪ ..‬ولهذا فإن سورة النساء تتحييدث‬
‫عن حقوق الضعفاء في المجتميع‪ .‬إنهييا تتحيدث عين‬
‫اليتامى والعبيد والخدم والورثيية‪ ،‬كمييا تركييز بشييكل‬
‫أساسييي علييى النسيياء‪ .‬وكييذلك فإنهييا تتحييدث عيين‬
‫القليات غير المسلمة التي تعيش في كنف السلم‬
‫وعيييين حقوقهييييا بالضييييافة إلييييى التييييوجه إلييييى‬
‫‪94‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫النساء‬

‫سورة البقرة‬

‫‪95‬‬

‫المستضعفين أنفسهم وكيف ينبغي عليهم التصييرف‬
‫في المواقف المختلفة‪ .‬يضاف إلى كل هذا الحييديث‬
‫عيين ابيين السييبيل وعيين الوالييدين وكيييف يجييب أن‬
‫ُيعاملوا‪ ..‬فهي سورة الرحمة وسورة العدل‪ ..‬يتكييرر‬
‫في كل آية من آياتها ذكر الضعفاء والعدل والرحميية‬
‫بشكل رائع يدلنا على عظمة العجيياز القرآنييي فييي‬
‫التكرار دون أن يم ّ‬
‫ل القارئ‪.‬‬
‫سبب التسمية‪ :‬بيتك أول ً‬

‫أما سييبب تسييمية السييورة بهييذا السييم فهييو أن‬
‫المرء لييو عييدل مييع زوجتييه فييي بيتييه ورحمهييا فييإنه‬
‫سيعرف كيف سيعدل مع بقية الضعفاء‪.‬‬
‫فهي سورة المستضعفين وقييد اختييار اللييه نوعيا ً‬
‫من أنواع المستضعفين وهم النسيياء ليكونييوا اسييما ً‬
‫لهييذه السييورة‪ ..‬وكييأن اللييه يقييول لييك‪ :‬قبييل أن‬
‫أستأمنك على الرض‪ ،‬أرنييي عييدلك فييي بيتييك‪ ،‬فلييو‬
‫عدلت ورحمت في بيتك فسييتكون مسييتأمنا ً للعييدل‬
‫فييي المجتمييع‪ ،‬إن العييدل مييع النسيياء فييي الييبيوت‬
‫نمييوذج يقيياس بييه عييدل المسييلمين فييي امتحييان‬
‫الستخلف على الرض‪ ،‬فهييل سيينجد بعييد هييذا ميين‬
‫دعي بأن السلم يضطهد المرأة ول يعدل معها؟‬
‫ي ّ‬
‫إن هذه الّدعاءات لن تنطلي على قارئ القييرآن‬
‫بعد الن وخاصة مع الذي يقرأ سورة النساء‪ ،‬فهناك‬
‫ن‪ ،‬وقبلهييا‬
‫سورة كاملة تتناول العيدل والرحميية معهي ّ‬

‫‪96‬‬

‫سورة البقرة‬

‫سورة آل عمران التي عرضت السيدة مريم وامرأة‬
‫عمران كنمييوذجين للثبيات )كييأن سييورة آل عمييران‬
‫تمّهد لتكريم المرأة(‪.‬‬
‫تعالوا الن أيها الخوة نخوض في رحيياب اليييات‬
‫الكريمة وننوي أثناء قراءتها أن نعدل مع كل النيياس‬
‫خاصة مع الضعفاء‪.‬‬
‫دعامة الستخلف‪ :‬العدل‬

‫تبدأ السورة بداييية واضييحة فييي توضيييح هييدفها‪:‬‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫خل َ َ‬
‫س ٱت ّ ُ‬
‫م‬
‫ذى َ‬
‫م ٱّلــ ِ‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫كــ ْ‬
‫قوا ْ َرب ّك ُ ُ‬
‫ها ٱلّنا ُ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫ث‬
‫وب َـ ّ‬
‫و َ‬
‫س ٰو ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ـدَ ٍ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫من ْ َ‬
‫خل َـ َ‬
‫ّ‬
‫هــا َ‬
‫هــا َز ْ‬
‫ة َ‬
‫فـ ٍ‬
‫ساء‪ ( (1...‬فهييذه الييية‬
‫ِ‬
‫ر َ‬
‫ون ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫جال ً ك َِثيرا ً َ‬
‫ما ِ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫س‬
‫تخبرنييا بييأن الصييل النسيياني واحييد ‪ّ ‬‬
‫فـ ٍ‬
‫ة ‪ ‬فلم الظلم؟؟‬
‫ٰو ِ‬
‫حدَ ٍ‬
‫وتيبّين اليية أن النسياء قيد خلقين مين الرجيال‪،‬‬
‫ن كمييا فييي حييديث‬
‫وفي هذا دعوة صريحة للرأفة به ّ‬
‫النييبي‪" :‬النسيياء شييقائق الرجييال"‪ .‬والملحييظ أن‬
‫َ‬
‫س‪‬‬
‫السورة بدأت بخطاب عالمي ‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ها ٱلّنا ُ‬
‫بينمييا سيييورة المييائدة بييدأت بخطييياب الميييؤمنين‬
‫َ‬
‫مُنــوا ْ ‪ ‬وذلييك لن العييدل‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫‪َ‬يـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫قانون عام للمم جميعيًا‪ ..‬فل يمكيين لميية أن تسيود‬
‫فييي الرض وهييي ظالميية‪ ..‬فالعييدل أسيياس الملييك‬
‫وأساس الستقرار وأسيياس السييتخلف‪ .‬وفييي هييذا‬
‫يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪97‬‬

‫)‪ ..‬وأمور النياس تسيتقيم ميع العيدل اليذي فييه‬
‫الشيتراك فيي أنيواع الثيم‪ ،‬أكيثر مميا تسيتقيم ميع‬
‫الظلم في الحقوق وإن لم تشترك فييي إثييم‪ ،‬ولهييذا‬
‫قيل‪ :‬إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كييانت كييافرة‪،‬‬
‫ول يقيم الظالمة وإن كييانت مسييلمة‪ ،‬ويقييال الييدنيا‬
‫تييدوم مييع العييدل والكفيير‪ ،‬ول تييدوم مييع الظلييم‬
‫والسلم‪ 28/146 (..‬مجموع الفتاوى‪.‬‬
‫ولحظ أن سورة النساء ابتييدأت بنفييس المعنييى‬
‫الذي ختمت بيه السيورة اليتي قبلهيا‪ :‬التقيوى‪ .‬فقيد‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫م‬
‫قــوا ْ ٱللــه ل َ َ‬
‫عل ّك ُـ ْ‬
‫ختمييت آل عمييران بي ي ‪َ ‬‬
‫تُ ْ‬
‫ن‪ ( (200‬وابتيييدأت سيييورة النسييياء بيييي‬
‫حـــو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫َ‬
‫س ٱت ّ ُ‬
‫م‪.( (1‬‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫قوا ْ َرب ّك ُ ُ‬
‫ها ٱلّنا ُ‬
‫ل تأكل النار‬

‫والييية الثانييية تحيي ّ‬
‫ذر ميين ظلييم نييوع آخيير ميين‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫المستضعفين‪:‬‬
‫وءا ُ‪‬‬
‫مـ ٰول َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ٰى أ ْ‬
‫تـوا ْ ٱل ْي َت َ ٰــ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ث بِ ل‬
‫خِبي َ‬
‫ت َت َب َدُّلوا ْ ٱل ْ َ‬
‫مــ ٰول ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ت َأك ُلوا أ ْ‬
‫ٱطي ّ ِ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫حوبا ً ك َِبيرا ً ‪ ‬ثم بعد ذلك‬
‫كا َ‬
‫ن ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫م ٰول ِك ُ ْ‬
‫إ ِل َ ٰى أ ْ‬
‫س ُ‬
‫م أ َل ّ ت ُ ْ‬
‫خ ْ‬
‫فى‬
‫طوا ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ق ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫يأتي قوله تعالى‪َ  :‬‬
‫م ٰى ‪ ‬كييان العييرب يرب ّييون اليتيميية فينفقييون‬
‫ٱل ْي َت َ ٰـ َ‬
‫عليها من مالها‪ ،‬فإذا كييبرت وأراد أن يتزوجهييا وليهييا‬
‫فقد يبخسها في مهرهييا‪ ،‬ول يعطيهييا مهييرا ً مثييل مييا‬
‫يعطي غيرها من النساء‪ ،‬فأتت الية لتدافع أيضا ً عن‬
‫تلك الفئة المستضعفة من النساء‪ ،‬وفييي هييذه الييية‬
‫نرى القاعدة المشهورة فييي إباحيية عييدد الزوجييات‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫سورة البقرة‬

‫العييدل ثييم العييدل ثييم العييدل وإل فواحييدة‪َ  .‬‬
‫ن‬
‫فإ ِ ْ‬
‫َ‬
‫دُلوا ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ة‪. ...‬‬
‫حدَ ً‬
‫ف ٰو ِ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫م أل ّ ت َ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫المهر‪ :‬حق الزوجة مع طّيب النفس‬

‫ثم تييأتي الييية الرابعيية لتقييرر حييق الزوجيية فييي‬
‫المهر‪ ،‬وأهمية أن يعطيها الرجل مهرهييا "نحليية" أي‬
‫صدُ َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫وءاُتوا ْ ٱلن ّ َ‬
‫ه ّ‬
‫ســاء َ‬
‫عن طيييب نفييس َ‬
‫ق ٰـ ـت ِ ِ‬
‫فس ـا ً‬
‫ه نَ ْ‬
‫ة َ‬
‫عــن َ‬
‫م َ‬
‫حل َ ً‬
‫نِ ْ‬
‫فِإن طِب ْ َ‬
‫من ْـ ُ‬
‫ىء ّ‬
‫ن ل َك ُـ ْ‬
‫شـ ْ‬
‫َ‬
‫ريئا ً‪.‬‬
‫فك ُُلوهُ َ‬
‫هِنيئا ً ّ‬
‫م ِ‬
‫فانظر أخي المسلم إلى هييذه الرحميية المتبادليية‬
‫سييخها السييلم فييي آييية المهيير‪.‬‬
‫بييين الزوجييين ير ّ‬
‫فالمطلوب من الرجل طيب النفس في العطاء‪ ،‬أما‬
‫قهييا أو أن‬
‫المييرأة فهييي مخي ّييرة بييين أن تحتفييظ بح ّ‬
‫تطيب نفسها ببعضه إكراما ً لزوجهيا‪ .‬آيية رائعية فيي‬
‫الجمييع بييين المطالبيية بحييق الزوجيية وبييين العلقيية‬
‫الحميمة المتبادلة في العطاء عن طيب النفس‪.‬‬
‫العدل حتى مع السفهاء‬

‫وتمضي اليات لتحقق العدل مييع فئات المجتمييع‬
‫ؤت ُــوا ْ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫المختلفة‪ ،‬حتى السييفهاء ميين النيياس ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫سـ َ‬
‫عـ َ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫م ٱل ّت ِــى َ‬
‫ف َ‬
‫ٱ ّ‬
‫ل ٱللــه ل َك ُـ ْ‬
‫م ـ ٰول َك ُ ُ‬
‫هاء أ ْ‬
‫قول ُــوا ْ‬
‫و ُ‬
‫و ٱْرُز ُ‬
‫ســو ُ‬
‫م ِ‬
‫قو ُ‬
‫ِ‬
‫و ٱك ْ ُ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ها َ‬
‫قي َ ٰـما ً َ‬
‫م َ‬
‫عُروفا ً‪ ( (5‬والسييفهاء هييم الييذين ل‬
‫م ْ‬
‫لَ ُ‬
‫ول ً ّ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫يحسينون إدارة أميوالهم بحييث ليو أنيه تيرك معهيم‬
‫لتبدد بسرعة‪ .‬فحتى هذه الفئة ميين النيياس ل يجييوز‬

‫سورة البقرة‬

‫‪99‬‬

‫أن تظلييم أو أن تسييتغ ّ‬
‫ل‪ ،‬كمييا يفعييل البعييض بحجيية‬
‫سفاهة صاحب المال‪.‬‬
‫ثم تأتي الية السادسة أيضا ً لتقييرر حييق اليتييامى‬
‫و ٱب ْت َُلــوا ْ‬
‫فييي مييالهم إذا بلغييوا سيين الرشييد ‪َ ‬‬
‫غوا ْ الن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫حت ّ ٰى إ ِ َ‬
‫م‬
‫ذا ب َل َ ُ‬
‫ف ـإ ِ ْ‬
‫كا َ‬
‫م ٰى َ‬
‫ن ءان َ ْ‬
‫سـت ُ ْ‬
‫ٱل ْي َت َ ٰـ َ‬
‫َ‬
‫ف ُ ْ َ‬
‫ول َ‬
‫فــ ٱدْ َ‬
‫شــدا ً َ‬
‫م ُر ْ‬
‫مــ ٰول َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫عوا إ ِلي ْ ِ‬
‫دارا ً َأن ي َك ْب َُروا ْ ‪.‬‬
‫ت َأ ْك ُُلو َ‬
‫وب ِ َ‬
‫ها إ ِ ْ‬
‫سَرافا ً َ‬
‫والية السيابعة تقيّرر حيق الميرأة فيي المييراث‬
‫الييذي حرمهييا منييه بعييض العييرب فييي الجاهلييية‬
‫مـــا َتـــَر َ‬
‫ن‬
‫ك ٱل ْ ٰ ِو‬
‫ّلل‬
‫ل َنصـــي ِ ٌ‬
‫‪ّ‬ر َ‬
‫م ّ‬
‫ب ّ‬
‫لـــ ٰد ِ‬
‫جـــا ِ‬
‫مـــا ت َـــَر َ‬
‫و ٱل ْ ْ‬
‫ك‬
‫ســـاء ن َ ِ‬
‫قَرب ُـــو َ‬
‫صـــي ٌ‬
‫وِللن ّ َ‬
‫م ّ‬
‫ب ّ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مــا َ‬
‫و ٱل ْ ْ‬
‫قـ ّ‬
‫و ك َث ُـَر‬
‫ل ِ‬
‫ن ِ‬
‫قَرب ُــو َ‬
‫من ْـ ُ‬
‫م ّ‬
‫هأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ٱل ْ ٰول ِـ ٰد ِ‬
‫م ْ‬
‫فُروضا ً ‪.‬‬
‫نَ ِ‬
‫صيبا ً ّ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫والية الثامنة تجمع بين العدل والحسان ‪َ ‬‬
‫قسـم َ ُ‬
‫ول ُــوا ْ ٱل ْ ُ‬
‫م ٰى‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫و ٱل ْي َت َ ٰــ َ‬
‫ضـَر ٱل ْ ِ ْ َ‬
‫قْرب َـ ٰى َ‬
‫ةأ ْ‬
‫و ُ‬
‫فـ ٱْرُز ُ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫قو ُ‬
‫س ٰـ ِ‬
‫قول ُــوا ْ ل َ ُ‬
‫م َ‬
‫كي ُ‬
‫هـ ْ‬
‫من ْـ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عُروفا ً ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ول ً ّ‬
‫ق ْ‬
‫إحفظ أولدك من بعدك بالعدل‬

‫والية التاسعة تصحح مفهوما ً سائدا ً عنييد النيياس‬
‫و ت ََر ُ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫ول ْي َ ْ‬
‫م ذُّري ّـ ً‬
‫خل ْ ِ‬
‫كوا ْ ِ‬
‫ش ٱل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫خ َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف ِ‬
‫قوُلوا ْ‬
‫فوا ْ َ َ‬
‫ول ْي َ ُ‬
‫فل ْي َت ّ ُ‬
‫م َ‬
‫خا ُ‬
‫ع ٰـفا ً َ‬
‫ِ‬
‫ض َ‬
‫ه ْ‬
‫قوا ّ ٱلله َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ديدا ً ‪ ‬كييثير ميين النيياس يييأكلون الحييرام‬
‫س ِ‬
‫ول ً َ‬
‫ق ْ‬
‫ويعتييدون علييى غيرهييم بحجيية أنهييم يخييافون علييى‬

‫‪100‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أولدهم بعد وفاتهم‪ ،‬لكن السورة تقول لك العكس‪:‬‬
‫اعدل مع غيرك وقييل قييول ً سييديدا ً يحفييظ لييك اللييه‬
‫أولدك‪.‬‬
‫ذر من الظلييم تحييذيرا ً‬
‫ثم تأتي الية العاشرة لتح ّ‬
‫ن‬
‫ن ٱّلــــــــــــــــــ ِ‬
‫شيييييييييييييييييييييديدا ً ‪‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مـ ٰو َ‬
‫ن‬
‫مــا ي َـأك ُُلو َ‬
‫ي َأك ُُلو َ‬
‫م ٰى ظُْلمـا ً إ ِن ّ َ‬
‫ل ٱل ْي َت َ ٰــ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫سي َ ْ‬
‫صــــــل َ ْ‬
‫م َنــــــارا ً َ‬
‫فــــــى ب ُطــــــون ِ ِ‬
‫عيرا ً‪.‬‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫الميراث بالعدل‬

‫وبعد ذلك تييأتي أحكييام الميييراث للولد والبنييات‬
‫َ‬
‫م‬
‫‪‬‬
‫م ٱللـه ِ‬
‫ول َ ٰــ ِ‬
‫يو ِ‬
‫في الية )‪ُ (11‬‬
‫دك ُ ْ‬
‫صـيك ُ ُ‬
‫فـى أ ْ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ن‪  ...‬هييذا هييو العييدل‬
‫ح ِ‬
‫ر ِ‬
‫ل َ‬
‫ِللذّك َ ِ‬
‫ظ ٱل ْن ْث َي َي ْـ ِ‬
‫لن تقسيييم الرث ليييس علييى أسيياس الفضييلية‪،‬‬
‫وليس بنسبة متساوية بين الييذكر والنييثى بييل علييى‬
‫أساس الواجبات والمسييؤوليات لكييل واحييد منهمييا‪.‬‬
‫فالرجل عنده مسؤولية النفقيية علييى بيتييه وزوجتييه‪.‬‬
‫بينمييا المييرأة ليييس عليهييا أي واجييب للنفقيية وإذا‬
‫تزوجييت فعلييى زوجهييا أن ينفييق عليهييا وتبقييى لهييا‬
‫حصتها من الرث‪.‬‬
‫ثم الية )‪ (12‬تفصل الميراث بين الزوجين أيضييا ً‬
‫ف ما ت َر َ َ‬
‫م‬
‫‪‬‬
‫م إِ ْ‬
‫ك أْز ٰو ُ‬
‫ن ل ّـ ْ‬
‫جك ُـ ْ‬
‫ص ُ َ‬
‫ول َك ُ ْ‬
‫م نِ ْ‬
‫َ‬
‫بالعدل َ‬
‫د ‪ ‬فباختصييار أخييي المسييلم‪ ،‬كلمييا‬
‫وَلـ ٌ‬
‫ن لّ ُ‬
‫ه ّ‬
‫ي َك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫أحسست بأن العدل قد نقص من حياتك خاصيية مييع‬
‫زوجتييك‪ ،‬بيتييك أو الضييعفاء فعليييك أن تقييرأ سييورة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪101‬‬

‫النساء‪ :‬سورة العدل وأن تعرض نفسك على آياتها‪.‬‬
‫تلك حدود الله‬

‫ثم تييأتي آيتييان )‪ (14-13‬محوريتييان فييي الييترغيب‬
‫بالعدل والترهيب من الظلم والتعدي على حدود اللييه‬
‫‪‬ت ِل ْ َ‬
‫ه‬
‫مـن ي ُ ِ‬
‫ح ُ‬
‫ك ُ‬
‫وَر ُ‬
‫سـول َ ُ‬
‫و َ‬
‫ع ٱللــه َ‬
‫دودُ ٱلله َ‬
‫طـ ِ‬
‫ن‬
‫هـُر َ‬
‫ي ُدْ ِ‬
‫خ ٰـــل ِ ِ‬
‫رى ِ‬
‫جن ّ ٰـ ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ها ٱل ْن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫دي َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ج ِ‬
‫و ٰذل ِ َ‬
‫ك ٱل ْ َ‬
‫ص ٱللــه‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫من ي َ ْ‬
‫وُز ٱل ْ َ‬
‫في َ‬
‫و َ‬
‫ظي ُ‬
‫م‪َ ‬‬
‫ف ْ‬
‫ها َ‬
‫ع ِ‬
‫هــا‬
‫ه ن َــارا ً َ‬
‫خ ٰــِلدا ً ِ‬
‫دودَهُ ي ُدْ ِ‬
‫ح ُ‬
‫عدّ ُ‬
‫وي َت َ َ‬
‫في َ‬
‫وَر ُ‬
‫خل ْ ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ذا ٌ‬
‫هي ٌ‬
‫ب ّ‬
‫ول َ ُ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫فماذا لو وقع الظلم من البشر؟ تأتي الييية )‪(17‬‬
‫لتجيييب علييى السييؤال مباشييرة وتفتييح بيياب التوبيية‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫وب َـ ُ‬
‫عل َــى ٱللــه ل ِل ّـ ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ع َ‬
‫‪‬إ ِن ّ َ‬
‫مــا ٱلت ّ ْ‬
‫مــن َ‬
‫ب‬
‫ن ِ‬
‫ه ٰـــل َ ٍ‬
‫م ي َُتوُبــو َ‬
‫ســوء ب ِ َ‬
‫ج َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ة ُثــ ّ‬
‫ريــ ٍ‬
‫ق ِ‬
‫َ ُ‬
‫عِليما ً‬
‫ب ٱلله َ َ‬
‫و َ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫كا َ‬
‫ك ي َُتو ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫فأ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫كيما ً ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ن بالمعروف‬
‫شعار السورة‪ :‬وعاشروه ّ‬

‫وتعود اليات إلى الحديث عن العدل مييع النسيياء‬
‫ل ل َك ُ َ‬
‫َ‬
‫رُثــوا ْ‬
‫ح ّ‬
‫مُنوا ْ ل َ ي َ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫م أن ت َ ِ‬
‫ساء ك َْرهًا‪ ( (19...‬فهذه الية تح ّ‬
‫ذر من إرث‬
‫ٱلن ّ َ‬
‫ما‬
‫ن ل ِت َذْ َ‬
‫ضُلو ُ‬
‫ع ُ‬
‫هُبوا ْ ب ِب َ ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ه ّ‬
‫ض َ‬
‫النساء كرها ً ‪َ ‬‬
‫ع ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح َ‬
‫ة‬
‫فا ِ‬
‫مـــو ُ‬
‫مب َي ّن َـــ ٍ‬
‫شـــ ٍ‬
‫ن إ ِل ّ أن ي َـــأِتي َ‬
‫ه ّ‬
‫ة ّ‬
‫ءات َي ْت ُ ُ‬
‫ف‪ ..( (19‬فليييس معنييى‬
‫و َ‬
‫شُرو ُ‬
‫عا ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ّ‬
‫ن ب ِ ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫ف ‪ ‬أن ل يظلييييم‬
‫و‬
‫‪َ‬‬
‫شـــُرو ُ‬
‫عا ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ّ‬
‫ن ِبـــ ٱل ْ َ‬
‫َ‬

‫‪102‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الرجييل زوجتييه فحسييب‪ ،‬بييل إن العلميياء قييالوا بييأن‬
‫مييل الرجييل الذى‬
‫المعاشرة بييالمعروف هييي أن يتح ّ‬
‫من زوجته ويصبر عليهييا ويرقييق قلبهييا حييتى يييذهب‬
‫عنها غضبها كما كان يفعل النبي ‪ :‬وتمضييي الييية‬
‫هــوا ْ‬
‫ن َ‬
‫لتقول َ‬
‫ف‬
‫س ٰى َأن ت َك َْر ُ‬
‫مو ُ‬
‫ر ْ‬
‫ف َ‬
‫ع َ‬
‫ه ّ‬
‫هت ُ ُ‬
‫‪ِ‬إن ك َ ِ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫خْيرا ً ك َِثيرا ً‪.( (19‬‬
‫ه َ‬
‫ل ٱلله ِ‬
‫في ِ‬
‫ج َ‬
‫وي َ ْ‬
‫شْيئا ً َ‬
‫وأخذن منكم ميثاقا ً غليظا ً‬

‫َ‬
‫دا َ‬
‫ل‬
‫وإ ِ ْ‬
‫سـت ِب ْ َ‬
‫م ٱ ْ‬
‫ن أَردْت ّ ُ‬
‫ثم تييأتي الييية )‪َ  (20‬‬
‫م َ‬
‫فل َ‬
‫قن ْطَــارا ً َ‬
‫ن ِ‬
‫دا ُ‬
‫كا َ‬
‫ح َ‬
‫م إِ ْ‬
‫ه ّ‬
‫وءات َي ْت ُ ْ‬
‫ج ّ‬
‫ج َ‬
‫ن َز ْ‬
‫َز ْ‬
‫و ٍ‬
‫و ٍ‬
‫مِبينــا ً‬
‫ه َ‬
‫خ ُ‬
‫خ ُ‬
‫شْيئا ً أ َت َأ ْ ُ‬
‫ت َأ ْ ُ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫ه بُ ْ‬
‫وإ ِْثما ً ّ‬
‫ذون َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫هت َ ٰـنا ً َ‬
‫‪ ‬هييذه اليييات تجمييع بييين العييدل والواقعييية فييي‬
‫التعامل مع المرأة‪ ،‬فأو ً‬
‫ن بالمعروف‪ ،‬ثييم‬
‫ل‪ :‬عاشروه ّ‬
‫لييو كرهتهييا فاصييبر فييإذا لييم تقييدر وأردت اسييتبدال‬
‫زوجة مكان زوجتك فإياك أن تأخذ من مهرها شيييئًا‪،‬‬
‫حتى لو كان قنطارا ً أي مال ً كثيرًا‪ .‬والية شديدة في‬
‫هذا المعنى أ َ‬
‫خ ُ‬
‫مِبينـا ً ‪.‬‬
‫‪‬ت َأ ْ ُ‬
‫ه بُ ْ‬
‫وإ ِْثمـا ً ّ‬
‫ذون َ ُ‬
‫هت َ ٰـــنا ً َ‬
‫لماذا ذكر البهتييان هنييا؟ لن العييرب كييانوا إذا أرادوا‬
‫اسييتبدال زوجتهييم رموهييا بفاحشيية )بهتانييًا( حييتى‬
‫يدفعوها إلى رد كل ما يريدون من المهر‪ ،‬فييوّبختهم‬
‫وة‪.‬‬
‫الية )‪ (20‬بق ّ‬
‫ثم تأتي آية من أروع اليات القرآنية فييي ترقيييق‬
‫القلوب بين الزوجين من ناحية وفي تغليظ وتعظيييم‬
‫خـ ُ‬
‫ه‬
‫ف ت َأ ْ ُ‬
‫وك َي ْ َ‬
‫ذون َ ُ‬
‫عقد الييزواج ميين ناحييية ثانييية‪َ  :‬‬
‫قدْ أ َ ْ‬
‫و َ‬
‫منك ُــم‬
‫وأ َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ف َ‬
‫ن ِ‬
‫خ ـذْ َ‬
‫م إ ِل َ ٰى ب َ ْ‬
‫ض ٰى ب َ ْ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ع ٍ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪103‬‬

‫ميث َ ٰـقا ً َ‬
‫غِليظا ً‪ ( (21‬وكلميية )أفضييى( تييد ّ‬
‫ل علييى‬
‫ّ‬
‫عمق العلقة بين الزوجييين فتييذ ّ‬
‫كر الييزوج بعشييرات‬
‫الصور الجميلة قبل أن تسوء العلقة مع زوجته‪ ،‬في‬
‫الليل والنهار في غرفة النوم وفي النزهات‪.‬‬
‫وأما الميثاق الغليظ‪ ،‬فهو عقد النكاح أيها الرجييل‪،‬‬
‫ي زوجتييك وقلييت "علييى‬
‫عندما وضييع َ‬
‫ت يييدك بيييد ولي ّ‬
‫كتاب الله وسنة رسوله"‪ .‬فهنا تحذير شديد لكييل زوج‬
‫ميين أن ينقِييض هييذا العهييد الييذي ُيشييهد اللييه عليييه‪.‬‬
‫ميث َ ٰـقا ً َ‬
‫غِليظا ً ‪ ‬لم تييرد فييي‬
‫والملفت أن عبارة ‪ّ ‬‬
‫القرآن إل ثلث مرات‪ :‬مرة مع النبييياء‪ ،‬الييذين أوفييوا‬
‫بهيييييييييييييييذا الميثييييييييييييييياق الغلييييييييييييييييظ‬
‫)سورة الحزاب‪ ،‬اليية ‪ ،(7‬وميّرة ميع بنيي إسيرائيل‪،‬‬
‫اليييييييييييييييذين نقضيييييييييييييييوا الميثييييييييييييييياق‬
‫)سورة النساء الية‪ (154 ،‬والمييرة الثالثيية هييي معييك‬
‫أيها الزوج عند عقد القران‪.‬‬
‫من صور تكريم السلم للمرأة‬

‫لقييد ظلمييت المييرأة كييثيرا ً عييبر التاريييخ فجيياء‬
‫السلم وُأنزَلت سورة النساء لترد ّ لها حقوقها‪ .‬فمن‬
‫مظاهر الظلم التي كانت موجييودة أن يييرث الرجييل‬
‫كل ثروة أبيه‪ ،‬ويرث مع المال ك ّ‬
‫ل زوجيياته ‪ -‬إل أمييه‬
‫مــا‬
‫ول َ َتنك ِ ُ‬
‫حوا ْ َ‬
‫ن‪ ،‬فتييأتي الييية )‪َ  (22‬‬
‫ إذلل ً لهيي ّ‬‫ما َ‬
‫ح ءاَبا ُ‬
‫ه‬
‫سل َ َ‬
‫ن َك َ َ‬
‫قدْ َ‬
‫ن ٱلن ّ َ‬
‫م َ‬
‫ف إ ِن ّ ُ‬
‫ساء إ ِل ّ َ‬
‫م ّ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫سِبيل ً ‪ ‬لتنهييى عيين‬
‫ش ً‬
‫ف ٰـ ِ‬
‫كا َ‬
‫ساء َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫قتا ً َ‬
‫ة َ‬
‫هذه الفعلة الشنيعة‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وتتييابع اليييات وتتحييدث عيين حيقّ آخيير هييو حييق‬
‫الزواج من العبيد فيي اليوقت اليذي ليم يكين هنياك‬
‫قانون يلتفت لحقوقهم فلييو كييان الرجييل غييير قييادر‬
‫على الزواج من المحصنات أي الحرائر وأراد الزواج‬
‫بأميية فييان الييية تقييول‪َ  ..‬‬
‫ن‬
‫حو ُ‬
‫فــ ٱنك ِ ُ‬
‫ه ّ‬
‫ن ِبــإ ِذْ ِ‬
‫مى‬
‫أَ ْ‬
‫ه ّ‬
‫ن(‪ .‬فالقرآن سيي ّ‬
‫ن ‪ ‬ولم تقل الية )سيده ّ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ن ويراعييي‬
‫السيييد بالهييل ليح ي ّ‬
‫ث علييى الرحميية به ي ّ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫ن أَ ْ‬
‫حو ُ‬
‫فـــ ٱنك ِ ُ‬
‫هـــ ّ‬
‫ه ّ‬
‫ن ِبـــإ ِذْ ِ‬
‫مشيييياعره ّ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ف‪ ( (25‬أي‬
‫جـــوَر ُ‬
‫وءاُتـــو ُ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫نأ ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه ّ‬
‫ن ِبـــ ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفس‪ ،‬ول تبخسييوهن‬
‫حقهن لكونهن إماء مملوكات‪.‬‬
‫ول متخذات أخذان‬

‫خ َ‬
‫ت‬
‫مت ّ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ول َ ُ‬
‫وبعد ذلك تخاطب الية النسييياء ‪َ ‬‬
‫ن ‪ ‬وتحذرهن من العلقات غير الشرعية مييع‬
‫أَ ْ‬
‫خ َ‬
‫دا ٍ‬
‫الرجال )تحت عنوان المصيياحبة( فالسييورة تتحييدث‬
‫عن رحمة ورأفة السيلم بييالمرأة بييأن ل يكييون لهييا‬
‫صديق عاشق لنها ستشعر بالحباط إذا تركها‪ ،‬وهييو‬
‫ما ستؤول إليه كل علقة بدأت بمعصية‪ ..‬وستتحطم‬
‫سمعتها وحياتها فييي المسييتقبل‪ .‬والنسيياء فييي هييذه‬
‫الحاليية يشييكلن نوعييا ً آخيير ميين المستضييعفين لن‬
‫قلوبهن رقيقيية وعيياطفتهن قويية‪ .‬فيييا أيتهييا البنيات‪،‬‬
‫أنتيين غاليييات عنييد اللييه تعييالى والسييلم يحمييي‬
‫مشاعركن من أن يعبث بها شاب لهٍ غير مسؤول‪.‬‬
‫تخفيف العقوبة على الضعفاء‬

‫سورة البقرة‬

‫‪105‬‬

‫ما زلنا ميع اليية )‪ (25‬والييتي تنييص عليى مظهير‬
‫رائع من مظاهر عدل السلم ورحمته مع الضييعفاء‪:‬‬
‫َ‬
‫‪‬إ َ ُ‬
‫ف َ َ‬
‫ة َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن‬
‫ف ٰـ ـ ِ‬
‫ش ٍ‬
‫ح ِ‬
‫ف ـإ ِ ْ‬
‫ذا أ ْ‬
‫هـ ّ‬
‫ن أت َي ْـ َ‬
‫صـ ّ‬
‫ف ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ت ‪ ‬وهييذا عكييس مييا‬
‫ما َ‬
‫ص ُ‬
‫صن َ ٰــ ِ‬
‫م ْ‬
‫عَلى ٱل ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫نِ ْ‬
‫نرى في القييوانين الرومانييية والهندييية القديميية فييي‬
‫تشديد العقوبة على الطبقات المتدينة وفي حين أن‬
‫السييلم يييرأف بالطبقييات الضييعيفة ويخفييف عنهييا‬
‫العقوبة‪.‬‬
‫ثم تأتي اليات )‪ (28 - 27 - 26‬لتذكر رحمة الله‬
‫ورأفته بالمة المحمدية وبالبشرية كّلها‪ .‬وهييذا أيض يا ً‬
‫ق‬
‫و ُ‬
‫خِلــ َ‬
‫من باب الرحمة بالضعفاء لن الية تقول ‪َ ‬‬
‫عيفا ً‪ ‬اقرأ معي اليات وتأمل كيييف‬
‫ض ِ‬
‫ن َ‬
‫لن َ‬
‫س ٰـ ُ‬
‫ٱ ِ‬
‫يبين لنا الله رأفته وعدله ويذكرنا بضعفنا في وسييط‬
‫د‬
‫ري ـ ُ‬
‫اليات الكثيرة التي تدعو للرأفة بالضييعفاء ‪‬ي ُ ِ‬
‫مــن‬
‫ن ِ‬
‫ن ٱل ّ ـ ِ‬
‫ه ِ‬
‫م ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫س ـن َ َ‬
‫ٱلله ل ِي ُب َي ّ َ‬
‫دي َك ُ ْ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫و ٱللــه َ‬
‫ب َ‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫وي َت ُــو َ‬
‫كيـ ٌ‬
‫عِليـ ٌ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫قب ْل ِك ُـ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫ري ـدُ ٱل ّـ ِ‬
‫ريدُ أن ي َت ُــو َ‬
‫ذي َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫و ٱلله ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫ظيمــا ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫مي ْل ً َ‬
‫ع ِ‬
‫ت أن ت َ ِ‬
‫ه ٰو ِ‬
‫عــو َ‬
‫ي َت ّب ِ ُ‬
‫شــ َ‬
‫ميلــوا َ‬
‫خ ّ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫ريدُ ٱلله َأن ي ُ َ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫لن َ‬
‫س ٰـ ـ ُ‬
‫خل ِـ َ‬
‫عن ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ٱ ِ‬
‫يُ ِ‬
‫عيفا ً ‪.‬‬
‫ض ِ‬
‫َ‬
‫العدل في الموال والنفس‬

‫وبعييد أن تنيياولت اليييات مظيياهر العييدل فييي‬
‫مجالت مختلفة )المييرأة ثييم السييرة ثييم المجتمييع(‬
‫تنتقل إلى العييدل فييي التجييارة والمعيياملت المالييية‬

‫‪106‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ها ّ‬
‫م‬
‫ٱ‬
‫لــ ِ‬
‫َ‬
‫يـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مــ ٰول َك ُ ْ‬
‫مُنــوا ْ ل َ َتــأك ُُلوا ْ أ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ل إ ِل ّ َأن ت َ ُ‬
‫ب َي ْن َ ُ‬
‫عــن‬
‫ج ٰـــَرةً َ‬
‫كــو َ‬
‫ن تِ َ‬
‫كــ ْ‬
‫م ب ِ ٱل ْب َ ٰـــطِ ِ‬
‫م‪ ( (29‬ثييم إلييى العييدل مييع الحييياة‬
‫من ْك ُـ ْ‬
‫ض ّ‬
‫ت َـَرا ٍ‬
‫قت ُل ُـــوا ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫البشيييرية وعيييدم سيييفك اليييدماء ‪َ ‬‬
‫ن ٱلله َ‬
‫َأن ُ‬
‫حيما ً ‪.‬‬
‫م َر ِ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ف َ‬
‫ن ب ِك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل إفراط ول تفريط‬

‫َ‬
‫مـــ‬
‫أ ْ‬

‫وتأتي الية )‪ (34‬لتن ّ‬
‫ظم الضييوابط داخييل السييرة‬
‫المسلمة لن الرجل قد يدفعه حرصييه علييى العييدل‬
‫مع الزوجة إلى الييتراخي وعييدم الحييزم‪ ،‬وقييد يييترك‬
‫زوجته تفعل أشياء خاطئة‪ ،‬فتعطينا الية صورة ميين‬
‫صييور التييوازن فييي السييلم‪ :‬الحييزم مييع العييدل‬
‫مــا َ‬
‫ل َ‬
‫ضـ َ‬
‫جا ُ‬
‫ل‬
‫ن َ‬
‫ف ّ‬
‫مو َ‬
‫‪ ‬ٱلّر َ‬
‫عَلى ٱلن ّ َ‬
‫ساء ب ِ َ‬
‫وا ُ‬
‫ق ّ‬
‫ف ُ‬
‫مــا َأن َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫قــوا ْ ِ‬
‫عل َـ ٰى ب َ ْ‬
‫ٱلله ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫مـ ْ‬
‫وب ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ض َ‬
‫عـ ٍ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫ت‬
‫حـ ِ‬
‫ت َ‬
‫ص ٰـل ِ َ‬
‫فظَ ٰــــ ٌ‬
‫ق ٰـن ِت َ ٰــــ ٌ‬
‫ح ٰــــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ف ٱل ّ‬
‫ٰول ِ ِ‬
‫فـ َ‬
‫خــا ُ‬
‫ن‬
‫و ٱلل ّ ٰـ ـِتى ت َ َ‬
‫ل ّل ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫فو َ‬
‫مــا َ‬
‫ب بِ َ‬
‫غي ْـ ِ‬
‫ظ ٱللــه َ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫نُ ُ‬
‫فـــى‬
‫ن ِ‬
‫جُرو ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫ظـــو ُ‬
‫ف ِ‬
‫شـــوَز ُ‬
‫ه ُ‬
‫هـــ ّ‬
‫ه ّ‬
‫ه ّ‬
‫ن َ‬
‫ن ‪ ‬فييالمرأة مييأمورة‬
‫رُبو ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫م َ‬
‫ه ّ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ضــا ِ‬
‫ع َ‬
‫ضــ ِ‬
‫ج ِ‬
‫شرعا ً بطاعة زوجها لتسييتقيم الحييياة داخييل الييبيت‪،‬‬
‫قهييا‪ ،‬فل‬
‫فإذا أخطأت المرأة وكييان الييزوج يعطيهييا ح ّ‬
‫ينبغي أن يتركها تفعل ما تشاء )مخافة أن يظلمهيا(‪،‬‬
‫ددت الية مراتب التييأديب‪:‬‬
‫فل بد من الحزم هنا‪ ،‬وع ّ‬
‫الوعظ ثم الهجر في المضيياجع ثييم الضييرب وينبغييي‬
‫التنبه إلى أن الضرب ل يكون إل في حاليية النشييوز‪،‬‬
‫وهييو العصيييان الشييديد الييذي قييد يييؤدي إلييى دمييار‬

‫سورة البقرة‬

‫‪107‬‬

‫البيت‪ ،‬فالضرب إذا ً حالة نادرة ول يجوز أن يلجأ إليه‬
‫الرجييل مييتى شيياء تحييت حجيية أن القييرآن أميير بييه‬
‫دون أن ينسى أن له ضوابط عديدة والهدف منه هو‬
‫إشعار المرأة بالخطأ ل إشعارها باللم‪.‬‬
‫ولنا في رسول الله أسييوة حسيينة حيييث أنييه لييم‬
‫يضرب في حياته امرأة أو خادما ً قط‪.‬‬
‫ل تظلم نفسك‬

‫ثم تعود آيات السورة للحديث عن العييدل فتحيي ّ‬
‫ذر‬
‫كوا ْ‬
‫ر ُ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫دوا ْ ٱللــه َ‬
‫من الشرك بالله ‪َ ‬‬
‫شـ ِ‬
‫ه َ‬
‫شْيئا ً‪ ( (36‬لن أعظم الظلييم الشييرك كمييا ورد‬
‫بِ ِ‬
‫شْر َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م‪‬‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫في سورة لقمان ‪‬إ ِ ّ‬
‫ظيــ ٌ‬
‫ك ل َظُل ْ ٌ‬
‫ثييم تييوّزع الييية )‪ (36‬العييدل والحسييان علييى فئات‬
‫المجتميييع المختلفييية وخاصييية الضيييعيفة منهيييا ‪‬‬
‫ْ‬
‫سانا ً ‪ ‬أي الوالييدين عنييد الكييبر ‪‬‬
‫ن إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫وب ِٱل ٰول ِدَي ْ ِ‬
‫ذى ل ْٱ ُ‬
‫ن‬
‫قْرَبـــ‬
‫س ٰــــ ِ‬
‫وِبـــ ِ‬
‫م َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ْي َت َ ٰــــ َ‬
‫م ٰى َ‬
‫ٰى َ‬
‫َ‬
‫كي ِ‬
‫ر ِذى ل ْ ُ‬
‫ب‬
‫قْرَبـــ‬
‫ٱ‬
‫ر ٱل ْ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫وٱل ْ َ‬
‫جُنـــ ِ‬
‫ٰى َ‬
‫َ‬
‫جـــا ِ‬
‫جـــا ِ‬
‫مــا‬
‫ص ٰـــ ِ‬
‫ب ِبــ ٱل َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫و َ‬
‫جن ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫وٱل ّ‬
‫ل َ‬
‫ســِبي ِ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫وٱْبــ ِ‬
‫َ‬
‫مــن َ‬
‫مل َ َ‬
‫ن‬
‫ن ٱللــه ل َ ي ُ ِ‬
‫كــا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫حــ ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ب َ‬
‫م ٰـــن ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫َ‬
‫خَتال ً َ‬
‫خورا ً ‪ .‬أرأيت كيف تتوالى آيات السييورة‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫الييتي ‪ -‬وإن اختلفييت فييي مضييمونها ‪ -‬تصييب وتخييدم‬
‫محورا ً واحدا ً وهو العدل بكل أشكاله‪.‬‬
‫عوائق العدل والرحمة‬

‫وبعد ذلك تتحدث السورة عيين صييفات مذموميية‬

‫‪108‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ص لث ّييرت سييلبا ً فييي قييدرته علييى‬
‫لييو وجييدت بشييخ ٍ‬
‫العدل والرحمة بالضييعفاء‪ ،‬فتبييدأ الييية ‪ 37‬بالحييديث‬
‫ْ‬
‫س‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫عن البخل ‪ ‬ٱل ّ ِ‬
‫مُرو َ‬
‫خُلو َ‬
‫ذي َ‬
‫وي َأ ُ‬
‫ن ٱلّنا َ‬
‫ن َ‬
‫من َ‬
‫ه‬
‫ب ِ ٱل ْب ُ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ض ـل ِ ِ‬
‫م ٱلله ِ‬
‫مو َ‬
‫ما ءات َ ٰـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن َ‬
‫وي َك ْت ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫خ ِ‬
‫‪ ‬ومييين ثيييم الريييياء وحيييب الظهيييور اليييية ‪38‬‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫ف ُ‬
‫‪‬‬
‫ن ي ُن ْ ِ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫م ٰول َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫رَئـاء ٱلّنا ِ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‬
‫وم ِ ٱل ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫و َ‬
‫ر َ‬
‫ول َ ب ِٱل ْي َ ْ‬
‫ن ب ِٱلله َ‬
‫خ ِ‬
‫مــن ي َك ُـ ِ‬
‫رينا ً َ‬
‫ه َ‬
‫ٱل ّ‬
‫رينا ً‪.‬‬
‫ساء ِ‬
‫ف َ‬
‫شي ْطَ ٰـ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ق ِ‬
‫ق ِ‬
‫إن الله ل يظلم مثقال ذرة‬

‫بعد كل هذه الداب يذ ّ‬
‫كرنا تعييالى بفضييله وكيييف‬
‫أنيييييييييييييييه يعاملنيييييييييييييييا بالفضيييييييييييييييل‬
‫قبل العدل فكيف يأبى النسان أن يتعامل مع غيييره‬
‫ن ٱللـــــــــــــــــــه‬
‫بالعييييييييييييييييييييييدل‪ .‬إ ِ ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫ع ْ‬
‫مث ْ َ‬
‫قا َ‬
‫ها‬
‫سن َ ً‬
‫ض ٰـ ِ‬
‫ة يُ َ‬
‫ل ذَّر ٍ‬
‫م ِ‬
‫ك َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫ل َ ي َظْل ِ ُ‬
‫ة َ‬
‫ؤت مـــــــــن ل ّـــــــــدن ْ َ‬
‫جـــــــــرا ً‬
‫وي ُـــــــــ ْ ِ ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ُ ُ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ظيما ‪.( (40‬‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫والية التي بعييدها تييذكرنا أن النييبي ‪ ‬سيشييهد‬
‫على عييدلنا يييوم القياميية ‪َ ‬‬
‫ف إِ َ‬
‫مــن‬
‫فك َي ْ َ‬
‫جئ ْن َــا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫شهيدا ً‬
‫جئ َْنا ب ِ َ‬
‫هـ ُ‬
‫ة بِ َ‬
‫كُ ّ‬
‫ك َ‬
‫عل َ ٰى َ‬
‫هي ٍ‬
‫م ٍ‬
‫لأ ّ‬
‫و ِ‬
‫د َ‬
‫ؤلء َ ِ‬
‫ش ِ‬
‫‪ ( (41‬فكييأن اللييه يقييول للظييالم‪ :‬إحييذر فسييوف‬
‫يشييهد النييبي علييى ظلمييك‪ ،‬ويقييول للعييادل‪ :‬إفييرح‪،‬‬
‫فسوف يشهد حبيبك ‪ ‬على عدلك‪.‬‬
‫ن‬
‫ثم تأتي آية محورييية تمث ّييل قلييب السييورة ‪‬إ ِ ّ‬
‫ٱلله يأ ْمرك ُ َ‬
‫هــا‬
‫ت إ ِل َــى أ َ ْ‬
‫م ٰـن َ ٰـ ِ‬
‫م أن ُتؤ ّ‬
‫هل ِ َ‬
‫دوا ْ ٱل َ‬
‫َ ُ ُ ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪109‬‬

‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ل‬
‫موا ْ ب ِ ٱل ْ َ‬
‫س أن ت َ ْ‬
‫ذا َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫حك َ ْ‬
‫ع ـدْ ِ‬
‫َ‬
‫ن ٱلّنا ِ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫عظ ُ ُ‬
‫ن‬
‫مــا ي َ ِ‬
‫ن ٱللــه ن ِ ِ‬
‫م ِبــ ِ‬
‫كــا َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫إِ ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ع ّ‬
‫صيرا ً‪.( (58‬‬
‫ميعا ً ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫طاعة الله والرسول أساس العدل‬

‫يَ‬

‫وهييذا المعنييى واضييح فييي الييية )‪ (59‬التالييية‪:‬‬
‫َ‬
‫من ُـــــــــــوا ْ‬
‫ها ٱل ّـــــــــــ ِ‬
‫‪ٰ ‬ــــــــــــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ل ُ‬
‫أ َطيعــوا ْ ٱللــه َ‬
‫وِلــى‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ِ ُ‬
‫عــوا ْ ٱلّر ُ‬
‫وأ ْ‬
‫ســو َ َ‬
‫َ‬
‫ىء َ‬
‫م َ‬
‫فى َ‬
‫ه‬
‫فِإن ت ََناَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫فــُر ّ‬
‫دو ُ‬
‫عت ُ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ٱل ْ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ِ‬
‫ل ِإن ُ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن ب ِٱلله‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫و ٱلّر ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫إ َِلى ٱلله َ‬
‫ْ‬
‫خير َ‬
‫ر ٰذل ِ َ‬
‫ويل ً ‪.‬‬
‫وم ِ ٱل ْ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ك َ ْ ٌ َ‬
‫و ٱل ْي َ ْ‬
‫َ‬
‫ن ت َأ ِ‬
‫خ ِ‬
‫فالحتكييام إلييى شييرع اللييه ورد ّ كييل خلف إلييى‬
‫مام العييدل والرحميية‬
‫كتاب الله وسنة رسوله هما ص ّ‬
‫في المجتمع وإن بدا فيهما غير ذلك‪ ،‬كما هو واضييح‬
‫فييي الييية )‪ ،(64‬فييإذا عصييى المييؤمن أواميير اللييه‬
‫ورسوله فيكييون قييد ظلييم نفسييه ‪‬ول َ َ‬
‫م ِإذ‬
‫و أن ّ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫جــاءو َ‬
‫غ َ‬
‫ك َ‬
‫موا ْ َأن ُ‬
‫فُروا ٱللــه‬
‫س ـت َ ْ‬
‫م َ‬
‫فٱ ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫ظّل َ ُ‬
‫وابا ً‬
‫غ َ‬
‫سو ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ج ُ‬
‫و َ‬
‫م ٱلّر ُ‬
‫فَر ل َ ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫ه ُ‬
‫دوا ْ ٱلله ت َ ّ‬
‫ل لَ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫حيما ‪ .‬فكيف نحقق تمام العدل؟ تجيييب الييية )‬
‫ّر ِ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫‪ (65‬بوضوح شديد َ‬
‫ك ل َ يُ ْ‬
‫حّتــ ٰى‬
‫فل‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن َ‬
‫‪َ َ‬‬
‫مو َ‬
‫ما َ‬
‫فــى‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫جــ ُ‬
‫ش َ‬
‫يُ َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫م ل َ يَ ِ‬
‫سـِليما ً‬
‫ما َ‬
‫َأن ُ‬
‫ق َ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫ضي ْ َ‬
‫موا ْ ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫حَرجا ً ّ‬
‫ه ْ‬
‫ت َ‬
‫س ِ‬
‫‪ ‬يا مسلمون‪ ،‬اعرضوا أنفسييكم علييى كتيياب اللييه‬
‫وعلى سنة النبي وس يّلموا بحكييم النييبي‪ ،‬وإييياكم أن‬
‫تترددوا أو تتحرجوا من أوامر النبي لكي يشهد النبي‬

‫‪110‬‬

‫سورة البقرة‬

‫على عدلكم في الخرة‪.‬‬
‫القتال للحفاظ على حقوق المستضعفين‬

‫وتتابع اليات إلى أن تصل إلى ربع حزب كامييل‬
‫فل ْي ُ َ‬
‫دث عن القتال من أول الية )‪َ  (74‬‬
‫قات ِ ْ‬
‫ل‬
‫يتح ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ة‬
‫ن ل‬
‫حي َ ـ ٰو َ‬
‫ِ‬
‫ل ٱللــه ٱل ّ ـ ِ‬
‫ش ـُرو َ‬
‫ٱْ َ‬
‫فى َ‬
‫ذي َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ة ‪ ‬ما علقة هذا الربييع بالعييدل؟‬
‫ٱلدّ ن َْيا ب ِ ٱل ْ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫وة‬
‫إن استمرار العدل في المجتمع يتطلب وجود قيي ّ‬
‫لتحافظ علييى حقييوق المسَتضييعفين‪ ،‬فالقتييال فييي‬
‫السلم ليس للعدوان وليس هدفا ً لذاته‪ ،‬وإنما هييو‬
‫م‬
‫مــا ل َك ُـ ْ‬
‫و َ‬
‫وسيلة لهدف‪ ،‬ودليل ذلك الية )‪َ  (75‬‬
‫ل َ تُ َ‬
‫ل ٱللــــــه‬
‫ق‬
‫ن ِ‬
‫ٰـــــــت ُِلو َ‬
‫فــــــى َ‬
‫ســــــِبي ِ‬
‫ســاء‬
‫ع ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ن ٱلّر َ‬
‫ضــ َ‬
‫و ٱل ن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫مــ َ‬
‫في َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫جــا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ن‬
‫ن َرب َّنا أ ْ‬
‫جن َــا ِ‬
‫ن ٱل ِ‬
‫قولو َ‬
‫ر ْ‬
‫مـ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ول ٰد ِ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫و ٱل ِ‬
‫َ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫عـ ْ‬
‫ل ل ّن َــا‬
‫ة ٱلظّ ٰـ ـل ِم ِ أ ْ‬
‫َ‬
‫قْري َ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ٰـ ِ‬
‫ج َ‬
‫وٱ ْ‬
‫هل ُ َ‬
‫هــا َ‬
‫صــيرا ً‬
‫من ل ّدُن ْ َ‬
‫من ل ّدُن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫ك نَ ِ‬
‫ل ل َّنا ِ‬
‫ِ‬
‫ج َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ول ِي ّا ً َ‬
‫ك َ‬
‫‪ .‬والملحييظ أن أكييثر أحكييام القتييال وردت فييي‬
‫سورة النساء‪ ،‬لن النسيياء مصيينع المجاهييدين أو ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ولن المرأة مقاتلة في بيتها‪ .‬فييالمرأة الييتي يتعبهييا‬
‫زوجها وتصبر على ظلمه تقاتل وتستشهد في بيتها‬
‫ك ّ‬
‫ل يوم مئة مّرة‪ .‬فكييان إيييراد أحكييام القتييال فييي‬
‫السورة رسالة للمرأة لتقول لها )والله أعلم( أنييك‬
‫أيضييييا ً مقاتليييية فييييي صييييبرك علييييى زوجييييك‬
‫وحمايتك لبيتك‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪111‬‬

‫أثر العلم على العدل‬

‫وتأتي في هييذا الربييع أيض يا ً آييية مهميية‪ ،‬تخيياطب‬
‫العلميين فييي كييل زمييان ومكييان وتشييير إلييى أثيير‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫جــاء ُ‬
‫ذا َ‬
‫مــ َ‬
‫مــٌر ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫العلم علييى العييدل ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ف أَ َ‬
‫دوهُ إ َِلــى‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ذا ُ‬
‫عوا ْ ب ِ ِ‬
‫و َر ّ‬
‫و ِ‬
‫ٱل ْ ْ‬
‫وَلــ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ْ‬
‫نأ ِ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ر ِ‬
‫م لَ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ٱّر ُ‬
‫مـ ُ‬
‫عل ِ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ول ِــى ٱل ْ ْ‬
‫وإ ِل َـ ٰى أ ْ‬
‫ل َ‬
‫سو ِ‬
‫مـ ِ‬
‫ست َن ْب ِ ُ‬
‫م ‪ ‬فالعلم قييد يكييون‬
‫ه ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫طون َ ُ‬
‫بيئة مخيفة للقاضي وللرأي العام فتنقلب المفيياهيم‬
‫وتييؤثر علييى حكييم العييادل‪ ،‬لييذلك ل بييد ميين رد ّ‬
‫الشاعات إلى أولي المر وعدم التأويل والستنباط‪.‬‬
‫حصوا‬
‫إنها رسالة واضحة للمسلمين في زماننا أن يم ّ‬
‫ويتثبتوا مما تبثه وسائل العلم‪.‬‬
‫خطر النفاق‬

‫وبعييد ذلييك يييأتي ربييع حييزب كامييل يتحييدث عيين‬
‫خطيييييييييييييييييييييييورة المنيييييييييييييييييييييييافقين‬
‫علييى المجتمييع َ‬
‫ن‬
‫ف‬
‫ف ِ‬
‫من َ ٰـ ـ ِ‬
‫م ِ‬
‫قي َ‬
‫فــى ٱل ْ ُ‬
‫مــا ل َك ُـ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫مـــــــا‬
‫ِ‬
‫ســـــــ ُ‬
‫و ٱللـــــــه أْرك َ َ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫فئ َت َي ْـــــــ ِ‬
‫سُبوا ْ‪.‬‬
‫كَ َ‬
‫وسيييبب ذكييير المنيييافقين هيييو التنيييبيه إليييى أن‬
‫انتشييارهم فييي المجتمييع هييو أعظييم سييبب لتضييييع‬
‫العييدل وتضييييع حقييوق الضييعفاء‪ .‬فهييم يفسييدون‬
‫المجتمع ويضّيعون قيمه وخاصة قيمة العدل‪.‬‬
‫وبعد ذلك تصل بنا اليات إلى قمة العدل‪ :‬العدل‬

‫‪112‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫من ُــوا ْ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫حييتى أثنيياء القتييال ‪َ‬يــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫فت َب َي ُّنوا ْ ‪ ‬إنها الخلق‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫فى َ‬
‫ضَرب ْت ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫الحربية التي كان السلم رائدا ً في الدعوة إليها‪.‬‬
‫كن إيجابيا ً لتنال العدل‬

‫فييي كييل اليييات السييابقة كييان القييرآن يخيياطب‬
‫القوياء والمسؤولين ويأمرهم بالعييدل مييع الضييعفاء‬
‫والرحمة بهم‪ .‬لكن القرآن في الييية ‪ 97‬يطلييب ميين‬
‫المستضييعفين اليجابييية والحركيية وعييدم الخضييوع‬
‫والهوان لكي ل يظنوا أن واجبهم في الرض يقتصيير‬
‫على انتظيار العيدل واسييتجداء الرحمية مين النياس‬
‫و ّ‬
‫مى‬
‫مَلــــئ ِك َ ُ‬
‫ة ظَ ٰــــل ِ ِ‬
‫ن‪‬ٱل ّـــ ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ف ٰــــ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫أن ُ‬
‫قـــاُلوا ْ ك ُّنـــا‬
‫قـــاُلوا ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫كنُتـــ ْ‬
‫فيـــ َ‬
‫ه ْ‬
‫ســـ ِ‬
‫َ‬
‫م تَ ُ‬
‫ض َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫ضــ َ‬
‫م ْ‬
‫كــ ْ‬
‫في َ‬
‫قــاْلوا ْ أَلــ ْ‬
‫ُ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وَلــئ ِ َ‬
‫هــا َ‬
‫ة َ‬
‫ك‬
‫ع ً‬
‫جُروا ْ ِ‬
‫ض ٱلله ٰو ِ‬
‫سـ َ‬
‫في َ‬
‫فت ُ َ‬
‫أْر ُ‬
‫ه ٰــ ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ْ‬
‫صيرا ً ‪.‬‬
‫وا ُ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫ساء ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫هن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫مأ َ‬
‫القصر في الصلة من رحمة الله بنا‬

‫وبعييد ذلييك ينبهنييا اللييه تعييالى إلييى رحمتييه الييتي‬
‫دث‬
‫يعامل بها خلقه وعباده‪ ،‬فتأتي الييية )‪ (101‬لنتحيي ّ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫عيين القصيير فييي الصييلة وصييلة الخييوف ‪َ ‬‬
‫ض َ‬
‫ح َأن‬
‫س َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫جَنـا ٌ‬
‫م ُ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ضَرب ْت ُ ْ‬
‫فل َْيـ َ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫تَ ْ‬
‫ة‪  ...‬فييالله تعييالى يلفييت‬
‫صـل ٰو ِ‬
‫صُروا ْ ِ‬
‫مـ َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ق ُ‬
‫انتباهنا في هذه الية إلى رحمته بنا لنرحم الناس‪.‬‬
‫مع القليات غير المسلمة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪113‬‬

‫وأخيييرا ً نصييل إلييى العييدل مييع القليييات غييير‬
‫المسييلمة فييي المجتمييع المسييلم‪ .‬وذلييك أن أحييد‬
‫المسلمين في عهد النييبي ‪ ‬سييرق واّتهييم يهودييًا‪.‬‬
‫عِلم مسلم آخر بييالمر وشييهد زورا ً حيتى ل يتعيّرض‬
‫المسلم للحد وذلك تحت حجة الخوة‪.‬‬
‫فنزلت اليات تخاطب المسلمين خطابييا ً شييديدا ً‬
‫‪‬إ ِّنا َأنَزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫ق ل ِت َ ْ‬
‫ب ب ِٱل ْ َ‬
‫ك ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫م ب َي ْ ـ َ‬
‫حك ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫مــا أ ََرا َ‬
‫ن‬
‫ن ل ّل ْ َ‬
‫خــائ ِِني َ‬
‫ول َ ت َك ُـ ْ‬
‫س بِ َ‬
‫ك ٱللــه َ‬
‫ٱلن ّــا ِ‬
‫صــيما ً‪ ( (105‬ثييم تشييتد ّ اللهجيية علييى الظييالم‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫خطيئ َ ً َ‬
‫ه‬
‫م ي َـْرم ِ ب ِـ ِ‬
‫ب َ ِ‬
‫مــن ي َك ْ ِ‬
‫سـ ْ‬
‫و إ ِْثمـا ً ث ُـ ّ‬
‫و َ‬
‫ةأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫ريئا ً َ‬
‫م َ‬
‫مِبينـا ً‪( (112‬‬
‫ق ِ‬
‫د ٱ ْ‬
‫ل بُ ْ‬
‫وإ ِْثمـا ً ّ‬
‫حت َ َ‬
‫هت َ ٰـنا ً َ‬
‫بَ ِ‬
‫فشهد الله تعييالى ميين فييوق سييبع سييماوات بييبراءة‬
‫اليهودي مما نسييب إليييه ليرسييخ فييي السييلم هييذه‬
‫القواعد الحضارية في التعامل مع الديانات الخرى‪.‬‬
‫عودة للنساء‬

‫فييي أواخيير السييورة نييرى عييودة لبعييض الحكييام‬
‫المتعلقيية بالنسيياء مييع الييتركيز علييى ضييوابط العييدل‬
‫فُتون َ َ‬
‫ساء ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ل ٱللــه‬
‫ك ِ‬
‫فى ٱلن ّ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫والرحمة ‪َ ‬‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ب‬
‫ما ي ُت َْلـ ٰى َ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ه ّ‬
‫كـ ْ‬
‫و َ‬
‫فِتيك ُ ْ‬
‫فـى ٱل ْك ِت َ ٰــ ِ‬
‫ن َ‬
‫في ِ‬
‫ساء‪ ( (127‬ونرى دعوة أخرى إلى‬
‫ِ‬
‫مى ٱلن ّ َ‬
‫فى ي َت َ ٰـ َ‬
‫عوا ْ َأن‬
‫س ـت َ ِ‬
‫طي ُ‬
‫وَلن ت َ ْ‬
‫العدل عند تعييدد الزوجييات ‪َ ‬‬
‫م َ‬
‫ميُلوا ْ ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫فل َ ت َ ِ‬
‫ع ِ‬
‫و َ‬
‫تَ ْ‬
‫ن ٱلن ّ َ‬
‫دُلوا ْ ب َي ْ َ‬
‫صت ُ ْ‬
‫حَر ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ساء َ‬
‫ل‪ ( (129‬أي إلييى واحييدة منهييم ‪َ ‬‬
‫ها‬
‫فت َذَُرو َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫عل ّ َ‬
‫ة‪ ( (129‬ل هي متزوجة ول مطّلقيية فهييذا‬
‫ق ِ‬
‫م َ‬
‫ك َٱل ْ ُ‬

‫‪114‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ظلييم لهييا وسييوء اسييتعمال للصييلحية الييتي فييي يييد‬
‫الرجل‪.‬‬
‫وامين بالقسط‬
‫كونوا ق ّ‬

‫لييذلك نييرى الييية )‪ (135‬تييذكرنا بهييدف السييورة‬
‫وة قبييييييييييييييييل ختامهييييييييييييييييا‪:‬‬
‫بقيييييييييييييييي ّ‬
‫َ‬
‫من ُـــوا ْ ُ‬
‫كون ُـــوا ْ َ‬
‫ن‬
‫وا ِ‬
‫ها ٱل ّـــ ِ‬
‫ي َ‪ٰ ‬ــــأي ّ َ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫قـــ ّ‬
‫عل َــى َأن ُ‬
‫ط ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ب ِ ٱل ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سـ ِ‬
‫ه َ‬
‫شـ َ‬
‫ق ْ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫ول َـ ْ‬
‫داء للــه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ِإن ي َ ُ‬
‫ن َ‬
‫و ٱل ْ ْ‬
‫و‬
‫كــ ْ‬
‫قَرِبيــ َ‬
‫غن ِّيــا ً أ ْ‬
‫ن َ‬
‫أ ِ‬
‫و ٱل ٰوِلــدَي ْ ِ‬
‫ف ٱلله أ َ ْ َ‬
‫ما َ‬
‫قيرا ً َ‬
‫ف َ‬
‫و ٰى‬
‫فل َ ت َت ّب ِ ُ‬
‫عــوا ْ ٱل ْ َ‬
‫ه َ‬
‫هــ َ‬
‫و ل ٰى ب ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضــوا ْ َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫ر ُ‬
‫ع ِ‬
‫فــإ ِ ّ‬
‫و تُ ْ‬
‫أن ت َ ْ‬
‫ووا ْ أ ْ‬
‫وِإن ت َل ْ ُ‬
‫دُلوا ْ َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫خِبيرا ً ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫مُلو َ‬
‫كا َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن بِ َ‬
‫وقوامين هي لفظة مبالغة تعني‪ :‬شديدي القيييام‬
‫بالعدل‪ .‬والية تحي ّ‬
‫ذرنا ميين اتبيياع الهييوى لنييه عامييل‬
‫خطير في التسبب بظلم الناس‪.‬‬
‫ظلم أهل الكتاب‬

‫ثم تنتقل السورة إلى انتقيياد بعييض أخطيياء أهييل‬
‫الكتيياب المتعّلقيية بموضييوع السييورة وذلييك لتحييذير‬
‫المسييلمين ميين أفعييالهم ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫ن ٱل ّـ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مـ َ‬
‫فب ِظُل ْم ٍ ّ‬
‫مَنـا َ َ‬
‫م‪‬‬
‫ت أُ ِ‬
‫َ‬
‫م طَي ّب َ ٰــ ٍ‬
‫دوا ْ َ‬
‫هـا ُ‬
‫حّلـ ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫حّر ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ ((160‬بسبب ظلمهم ضّيق الله عليهم الحلل‪ .‬فميياذا‬
‫ل‬
‫م َ‬
‫صدّ ِ‬
‫عــن َ‬
‫ه ْ‬
‫وب ِ َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫كييانت مظيياهر ظلمهييم ‪َ ‬‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫وأ َ ْ‬
‫هـوا ْ َ‬
‫ذ ِ‬
‫خـ ِ‬
‫قـدْ ن ُ ُ‬
‫عْنـ ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ٱلّرب َــا َ‬
‫ٱلله ك َِثيرا ً ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ٰو َ‬
‫ل‪.( (161‬‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫س ب ِٱل ْب َ ٰـطِ ِ‬
‫َ‬
‫ل ٱلّنا ِ‬
‫وأك ْل ِ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪115‬‬

‫ب لَ‬
‫ه َ‬
‫وتتناول اليتان )‪ (172-171‬يأ َ ْ‬
‫ل ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫عل َــى ٱللــه إ ِل ّ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫قول ُــوا ْ َ‬
‫غُلوا ْ ِ‬
‫فى ِدين ِك ُـ ْ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫ســي ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫عي َ‬
‫ســى ٱب ْ ـ ُ‬
‫مْري َ ـ َ‬
‫ن َ‬
‫مــا ٱل ْ َ‬
‫ق إ ِن ّ َ‬
‫حـ ّ‬
‫ه أ َل ْ َ‬
‫سو ُ‬
‫ح‬
‫وُرو ٌ‬
‫ق ٰـ َ‬
‫َر ُ‬
‫مْرَيــ َ‬
‫ها إ ِل َ ٰى َ‬
‫مت ُ ُ‬
‫وك َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ة‬
‫قول ُــوا ْ ث َل َ ٰـ ـث َ ٌ‬
‫سل ِ ِ‬
‫فـَئا ِ‬
‫وُر ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫مُنوا ْ ب ِٱلله َ‬
‫ه‬
‫هوا ْ َ‬
‫ه ٰو ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫حدٌ ُ‬
‫ٱنت َ ُ‬
‫ح ٰـن َ ُ‬
‫ما ٱلله إ ِل َ ٰـ ٌ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫خْيرا ً ل ّك ُ ْ‬
‫َأن ي َ ُ‬
‫مــا‬
‫ه وما ِ‬
‫كو َ‬
‫فى ٱل ّ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ول َدٌ ل ّ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫م ٰـــ ٰوت َ‬
‫ه َ‬
‫فــــى ل ْ‬
‫وك َ َ‬
‫كيل ً ‪ ‬ل ّــــن‬
‫فــــ‬
‫ِ‬
‫و ِ‬
‫ٰ بِ‬
‫ىــــ ٱلله َ‬
‫ض َ‬
‫ٱْر ِ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫ن َ‬
‫س ـَتنك ِ َ‬
‫م ِ‬
‫ح أن ي َك ُــو َ‬
‫ســي ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ف ٱل ْ َ‬
‫عب ْــدا ً للــه َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ف َ‬
‫مَلـــئ ِك َ ُ‬
‫ســت َن ْك ِ ْ‬
‫قّرُبــو َ‬
‫مــن ي َ ْ‬
‫عــ ْ‬
‫و َ‬
‫ة ٱل ْ ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ست َك ْب ِْر َ‬
‫ح ُ‬
‫ميعــا ً ‪‬‬
‫شُر ُ‬
‫ِ‬
‫ج ِ‬
‫م إ َِلي ِ‬
‫عَبادَت ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫سي َ ْ‬
‫ف َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫أيضا ً انحراف عقيييدة النصيارى‪ .‬وإيرادهيا هنيا يخيدم‬
‫هدف السورة من ناحية أخرى‪ :‬فييإن سييبب تحريييف‬
‫دينهييم وكتييابهم هييو الستضييعاف والضييطهاد ميين‬
‫الرومان للجيل الول من النصييارى‪ .‬فكييأن الرسييالة‬
‫هنا للمؤمنين‪ :‬نصرة الدين وتقييويته ودعمييه حييتى ل‬
‫يبدل ويحّرف كما جرى مع أهل الكتب‪.‬‬
‫وتييأتي بعييدها آيتييان شييديدتان فييي التحييذير ميين‬
‫ن كَ َ‬
‫ن‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫الظلم ‪‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫مــوا ْ ل َ ـ ْ‬
‫وظَل َ ُ‬
‫فُروا ْ َ‬
‫م ي َك ُـ ِ‬
‫ريق ـا ً ‪ ‬إ ِل ّ‬
‫ٱللــه ل ِي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫هـ ِ‬
‫دي َ ُ‬
‫ول َ ل ِي َ ْ‬
‫ف ـَر ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫م طَ ِ‬
‫ها‪.( (168-169...‬‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫خ ٰـل ِ ِ‬
‫ق َ‬
‫في َ‬
‫ج َ‬
‫دي َ‬
‫هن ّ َ‬
‫ري َ‬
‫طَ ِ‬
‫هذه سورة النساء‪ ،‬سييورة العييدل والرحميية مييع‬
‫كييييييييييييييييييييييييييييل طبقييييييييييييييييييييييييييييات‬
‫المجتمع‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ومما تميزت به هذه السييورة أنهييا الكييثر إيييرادا ً‬
‫لسماء الليه الحسينى فيي أواخير آياتهيا )‪ 42‬ميرة(‪.‬‬
‫تشمل هذه السماء العلم والحكمة )عليم حكيم( أو‬
‫القدرة والرحمة والمغفرة‪ ،‬وكلهييا تشييير إلييى عييدل‬
‫اللييه ورحمتييه وحكمتييه فييي القييوانين الييتي سييّنها‬
‫لتحقيق العدل‪.‬‬
‫أخي المسييلم‪ ،‬اقييرأ سيورة النسيياء بنييية تطيبيق‬
‫العييدل فيي حياتييك‪ ،‬فييي بيتييك وأهلييك أول )وخاصيية‬
‫زوجتك ووالديك(‪ ،‬ومع جيرانك وكل مجتمعييك مهمييا‬
‫يكن دينهم أو طبقتهم الجتماعية‪.‬‬

‫سورة المائدة‬
‫سورة المائدة )مدنية(‪ ،‬ومنها ما نييزل فييي مكيية‬
‫)بعد حجة الوداع(‪.‬‬
‫نزلييت بعييد سييورة الفتييح‪ ،‬وهييي فييي ترتيييب‬
‫المصحف بعد سورة النساء‪ ،‬وعدد آياتها ‪ 120‬آية‪.‬‬
‫ن سييورة المييائدة هييي السييورة الوحيييدة فييي‬
‫إ ّ‬
‫َ‬
‫مُنــوْا‪...‬‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫القرآن التي ابتدأت بي ‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫‪.‬‬
‫رر هذا النداء في القرآن كله ‪ 88‬مرة‪ ،‬منها ‪16‬‬
‫وتك ّ‬
‫مرة في سورة المائدة لوحدها‪.‬‬
‫يقيييول عبيييد الليييه بييين مسيييعود‪" :‬إذا سيييمعت‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ‪ ‬فارعهييا سييمعك فييإنه‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫أميير خييير تييؤمر بييه أو شيير تنهييى عنييه"‪ .‬ومعنييى‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ‪ ‬أي يا ميين آمنتيم بيالله‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫حقًا‪ ،‬يا من رضيتم بييالله رب يًا‪ ،‬يييا ميين أقررتييم بييالله‬
‫معبودًا‪ ،‬اسمعوا وأطيعوا‪.‬‬
‫هدفها نداؤها‬

‫أما هدف السورة فهو واضح ميين أول نييداء جيياء‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فــوا ْ‬
‫و ُ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫فييي السييورة ‪َ‬يـ ـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫من ُــوا ْ أ ْ‬
‫‪117‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫المائدة‬

‫‪118‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ع ُ‬
‫قوِد ‪ ‬أي أوفوا بعهودكم‪ ،‬ل تنقضوا الميثيياق‪،‬‬
‫ب ِ ٱل ْ ُ‬
‫والعقود تشمل ما عقييده النسييان‪ ،‬ميين المسييؤولية‬
‫عيين الرض واسييتخلف اللييه للنسييان‪ ،‬إلييى أمييور‬
‫الطاعات كالصلة والحجيياب‪ ،‬إلييى تييرك المحرمييات‬
‫كشرب الخمر واكل الحرام‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫وكما ذكرنا فلييم يتكييرر نييداء ‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫من ُــوا ْ ‪ ‬فييي أي سييورة كمييا تكييّرر فييي سييورة‬
‫ءا َ‬
‫المائدة )‪ 16‬نداء( فسييورة البقييرة مثل ً فيهييا عشييرة‬
‫ن‬
‫نييييييييييييييييييييييييييداءات مييييييييييييييييييييييييييع أ ّ‬
‫عييدد آياتهييا أطييول‪ .‬هييذه النييداءات تشييكل محيياور‬
‫السورة‪ ،‬فكلما يييأتي نييداء منهييا تييرى بعييده محييورا ً‬
‫جديدا ً للسورة فيه تفاصيييل الواميير أو النييواهي‪16 .‬‬
‫أمييرا ً والسييورة تنقلنييا ميين أميير إلييى آخيير‪ ،‬لتأمرنييا‬
‫باليفاء بالعقود‪.‬‬
‫ن سورة‬
‫تقول السيدة عائشة رضي الله عنها‪" :‬إ ّ‬
‫المائدة كانت آخر ما أنييزل مييا القييرآن فمييا وجييدتم‬
‫ّ‬
‫فيها من حلل فأحلوه ومييا وجييدتم فيهييا ميين حييرام ٍ‬
‫فحّرموه"‪.‬‬
‫ففي السورة نرى آخر آييية أحكييام فييي القييرآن‪:‬‬
‫‪ ‬ٱل ْيوم أ َك ْمل ْت ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫ْ ِ‬
‫َ ْ َ‬
‫مــ ُ‬
‫َ ُ‬
‫كــ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫م ِدينــا ً‪ ( (3‬ميين‬
‫وَر ِ‬
‫نِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ٱل ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫مِتى َ‬
‫التي أنزلت في حجة الوداع‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪119‬‬

‫أظن أن هدف السورة بييدأ يظهيير‪ .‬الن وقييد تييم‬
‫الييدين‪ ،‬فييالتزموا بالعهييد مييع اللييه وحييافظوا عليييه‪،‬‬
‫فييأحّلوا حللييه وحّرمييوا حرامييه‪ .‬إنهييا سييورة الحلل‬
‫والحرام في السلم‪ .‬لذلك جاء في الحديث "عّلموا‬
‫رجييالكم سييورة المييائدة‪ ،‬وعّلمييوا نسيياءكم سييورة‬
‫النور"‪.‬‬
‫محاور السورة‬

‫َ‬
‫ن‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫كما ذكرنييا فكلمييا يييأتي نييداء ‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مُنــوا ْ ‪ ‬تنتقييل بنييا السييورة إلييى محييور جديييد‬
‫ءا َ‬
‫وأحكييام جديييدة تفصيييلية‪ .‬والملفييت أن كييل آيييات‬
‫السييورة تييدور فييي فلييك هييذه المحيياور الييتي تييبّين‬
‫أحكاما ً كثيرة في الحلل والحرام‪:‬‬
‫‪ .1‬الطعام والشراب والصيد والذبائح‪.‬‬
‫‪ .2‬السرة والزواج‪.‬‬
‫‪ .3‬اليمان والكفارات‪.‬‬
‫‪ .4‬العبادات‪.‬‬
‫‪ .5‬الحكم والقضاء والشهادات وإقامة العدل‪.‬‬
‫‪ .6‬تنظيم علقات المسلمين والديان الخرى‪ ،‬خاصة‬
‫اليهود والنصارى‪.‬‬
‫هناك تركيز فييي السييورة علييى الحلل والحييرام‬
‫فييي الطعييام والشييراب والصيييد والييذبائح‪ .‬وهييذا‬
‫يتناسب تماما ً مع اسم السورة "المائدة"‪ ،‬فالطعييام‬
‫من أهم ضروريات الحياة ومع ذلييك فيجييب مراعيياة‬

‫‪120‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الحلل والحرام فيييه‪ ،‬فمييا بالييك بغيييره ميين شييؤون‬
‫الحييياة؟ أيض يا ً خلل هييذا الكييم الهييائل ميين أحكييام‬
‫الحلل والحرام في السورة يأتي التأكيد دائما ً علييى‬
‫ن‬
‫أن التشييريع ملييك اللييه وحييده‪ ،‬ميين أول آييية ‪‬إ ِ ّ‬
‫د ‪ ‬إلييى أن تييأتي ثلث آيييات‬
‫ري ـ ُ‬
‫ٱلله ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫تح ّ‬
‫ذر من الحكم بغييير مييا أنييزل اللييه‪ ،‬كقييوله تعييالى‬
‫ل ٱلله َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ُ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن ‪.‬‬
‫ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫تدّرج وترابط سور القرآن‬

‫وتنّبه إلى علقة سور القرآن السابقة مع سييورة‬
‫المييائدة‪ ،‬فبعييد أن أبلغييت سييورة البقييرة مسييؤولية‬
‫ث‬
‫النسان عن الرض‪ ،‬جاءت سورة آل عمران لتحيي ّ‬
‫م سورة النساء لتبلغنا أنه حييتى‬
‫المرء على الثبات‪ ،‬ث ّ‬
‫نثبييت ل بييد ميين أن نحقييق العييدل والرحميية مييع‬
‫م تأتي بعد ذلييك سييورة‬
‫الضعفاء خاصة مع النساء‪ ،‬ث ّ‬
‫المائدة لتأمرنا باليفاء بكل ما سبق‪...‬‬
‫سييورة المييائدة تأمرنييا إذا ً بالعييدل مييع الزوجيية‬
‫والضعفاء وكل النيياس وتأمرنييا بالثبييات والوفيياء مييع‬
‫المنهج الذي أراده الله لنا وبّينه في سورة البقرة‪...‬‬
‫لييذلك جيياءت فيهييا الييية )‪ (3‬الييتي أعلنييت ختييام‬
‫المنهج وإتمامه‪.‬‬
‫ولحييظ أيض يا ً تييدّرج سييور القييرآن الكريييم فييي‬

‫خطاب أهل الكتاب‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪121‬‬

‫سورة البقرة‪ :‬بيان لخطاء أهل الكتاب فقييط‬
‫مع الدعوة إلى التمّيز عنهم‪.‬‬
‫سورة آل عمران‪ :‬مناقشة هادئة مع عقائدهم‬
‫وإيجاد نقاط مشتركة‪.‬‬
‫ســورة النســاء‪ :‬انتقييياد غليييو أهيييل الكتييياب‬
‫واختلفهم في عيسى عليه السلم‪.‬‬
‫ق ـدْ ك َ َ‬
‫سورة المائدة‪ :‬مواجهة شديدة ‪‬ل ّ َ‬
‫ف ـَر‬
‫ن َ‬
‫ة‪.( (73...‬‬
‫ن ٱلله ث َ ٰـل ِ ُ‬
‫ث ث َل َ ٰـث َ ٍ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫قاُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫مما يعلمنا أن السلم منهج متييدّرج فييي خطييابه‬
‫مع الديان الخرى‪.‬‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫و ُ‬
‫قوِد(‬
‫فوا ْ ب ِٱل ْ ُ‬
‫النداء الول )أ ْ‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫و ُ‬
‫قوِد‬
‫ها ل‬
‫ٱ ّـ ِ‬
‫فــوا ْ ب ِـ ٱل ْ ُ‬
‫‪َ‬يـ ـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫من ُــوا ْ أ ْ‬
‫عام ِ‪.( (1‬‬
‫م ُ‬
‫أُ ِ‬
‫ة ٱل ْن ْ َ‬
‫حل ّ ْ‬
‫هي َ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م بَ ِ‬

‫فما علقة الوفياء بتحلييل الليه تعيالى لنيا بهيمية‬
‫النعام للذبح والطعام؟‬
‫إن أول ما ذكر بعد طلب الوفاء هو ما قييد أحييل‪،‬‬
‫ح يّرم لئل يكييون منفييرا ً فكلميية‬
‫فلم يبدأ ربنا بما قييد ُ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫و ُ‬
‫قوِد ‪ ‬تييوحي بييأن الخطيياب بعييدها‬
‫فوا ْ ب ِٱل ْ ُ‬
‫‪‬أ ْ‬
‫م‪‬‬
‫شديد اللهجة‪ ،‬فتأتي مباشرة كلمة ‪‬أ ُ ِ‬
‫حل ّ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫وهذا من رحمة الله تعالى بهذه المة‪ ،‬وهذه طريقيية‬
‫ينبغي على الدعاة اتباعها لكسب القلوب‪ ،‬فالداعييية‬
‫ح يّرم‬
‫ل يجدر به أن يبييدأ مييع ميين يييدعوهم بمييا قييد ُ‬
‫عليهم‪ ،‬لن الصل في الشياء الباحة فيبدأ بما أبيييح‬

‫‪122‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أو ً‬
‫م ينّبههم إلى المحّرمات بعد ذلك‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ث ّ‬
‫وإلى جانب الرحمة واللطف في الخطاب‪ ،‬هناك‬
‫معنى لطيف في النداء الول‪ :‬أوفوا بالعقود حييتى ل‬
‫نضييّيق عليكييم دائرة الحلل‪ ،‬كمييا كييان الحييال مييع‬
‫اليهود‪.‬‬
‫والملفييت أن هييذا المعنييى أشييارت إليييه السييور‬
‫المحيطة بسورة المائدة )النساء والنعام(‪.‬‬
‫فنرى في سورة النساء قوله تعالى ‪ْ ُ َ ‬‬
‫فب ِظلــم ٍ‬
‫مَنا َ َ‬
‫ت‬
‫ت أُ ِ‬
‫ن َ‬
‫م طَي ّب َ ٰـ ٍ‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫دوا ْ َ‬
‫ها ُ‬
‫حل ّ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫حّر ْ‬
‫ّ‬
‫علي ْ ِ‬
‫م‪.( (160‬‬
‫لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫دوا ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫عل َــى ٱل ّـ ِ‬
‫هــا ُ‬
‫ذي َ‬
‫وفي سورة النعييام ‪َ ‬‬
‫ل ِذى ظُ ُ‬
‫مَنا ك ُ ّ‬
‫ر‪.( (146...‬‬
‫َ‬
‫حّر ْ‬
‫ف ٍ‬
‫‪ ٰ ‬ذل ِ َ‬
‫هم‬
‫لماذا كان هذا التحريييم؟ ‪...‬‬
‫ك َ‬
‫جَزي ْن َ ٰـــ ُ‬
‫د ُ‬
‫ن‪.( (146‬‬
‫ب ِب َ ْ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫قو َ‬
‫ه ْ‬
‫وإ ِّنا ل َ َ‬
‫م ِ‬
‫غي ِ ِ‬
‫فهم ليم يوفيوا بعهيدهم ميع اللييه فضيّيق عليهيم‬
‫بعض الحلل عقابا ً لهم‪ ،‬فحذار أيها المسييلمون ميين‬
‫أن يصيبكم ما أصابهم‪.‬‬
‫حّلوا ْ َ‬
‫عائ َِر ٱلله(‬
‫النداء الثاني )ل َ ت ُ ِ‬
‫ش َ‬

‫َ‬
‫حل ّــوا ْ َ‬
‫عائ َِر‬
‫من ُــوا ْ ل َ ت ُ ِ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫شـ َ‬
‫‪َ‬يـ ـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ٱلله‪.( (2...‬‬

‫يا مؤمنين‪ ،‬ل تغّيروا معالم ديين الليه تعيالى مين‬
‫أوامر ونواهي‪.‬‬
‫ول َ‬
‫ول َ ٱل ّ‬
‫هَر ٱل ْ َ‬
‫حَرا َ‬
‫ول َ ٱل ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ه ـدْ َ‬
‫ى َ‬
‫م َ‬
‫‪َ ...‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪123‬‬

‫ٱل ْ َ‬
‫ن‬
‫م ي َب ْت َ ُ‬
‫غــو َ‬
‫ت ٱل ْ َ‬
‫حـَرا َ‬
‫ن ٱل ْب َي ْـ َ‬
‫مي َ‬
‫ول ءا ّ‬
‫قل َ ٰـئ ِدَ َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫م‬
‫ر ْ‬
‫ف ْ‬
‫ذا َ‬
‫حل َل ُْتـــ ْ‬
‫هـــ ْ‬
‫ضـــل ً ّ‬
‫ضـــ ٰونا ً َ‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫مـــن ّرب ّ ِ‬
‫من ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫وم ٍ َأن‬
‫شــَنا ُ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫صطَ ٰـــ ُ‬
‫كــ ْ‬
‫ر َ‬
‫فٱ ْ‬
‫قــ ْ‬
‫دوا ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫عت َـ ُ‬
‫حـَرام ِ أن ت َ ْ‬
‫د ٱل ْ َ‬
‫صـ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫َ‬
‫سـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫وُنوا ْ‬
‫و ٱلت ّ ْ‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عــا َ‬
‫و ٰى َ‬
‫قـ َ‬
‫ر َ‬
‫عا َ‬
‫َ‬
‫عل َــى ٱل ْــب ِ‬
‫ن‪.( (2...‬‬
‫َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫وا ِ‬
‫عدْ َ‬
‫عَلى ٱل ِث ْم ِ َ‬
‫فالية الولى‪ :‬أقّرت ضروريات الحياة )الطعام(‪،‬‬
‫م الية الثانية‪ :‬بدأت بتقرير مبادئ إنسانية عظيمة‪:‬‬
‫ث ّ‬
‫ العدل )تأكيدا ً على هدف سورة النسيياء بييإقرار‬‫َ‬
‫دوا ْ ‪.‬‬
‫عت َ ُ‬
‫م‪ ...‬أن ت َ ْ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫من ّك ُ ْ‬
‫ر َ‬
‫العدل( ‪َ ‬‬
‫ج ِ‬
‫ التعاون )تأكيدا ً علييى إحييدى رسييائل سييورة آل‬‫عميييييييييييييييييييييييييران )الوحيييييييييييييييييييييييييدة‬
‫ر‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫عــــا َ‬
‫وعييييدم الختلف( ‪َ ‬‬
‫عل َــــى ٱل ْــــب ِ‬
‫و ٱلت ّ ْ‬
‫عَلــــــــى‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫عــــــــا َ‬
‫و ٰى َ‬
‫قــــــــ َ‬
‫َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫وا ِ‬
‫عدْ َ‬
‫ٱل ِث ْم ِ َ‬
‫وهييذه الييية تشييمل آلف الصييور ميين العلقييات‬
‫الجتماعية التي تندرج تحت البر والتقوى والتعاون‪.‬‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫د‬
‫شـ ِ‬
‫قــوا ْ ٱللــه إ ِ ّ‬
‫دي ُ‬
‫ التقوى ‪َ ‬‬‫ع َ‬
‫ب ‪.‬‬
‫آل ْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ن‪‬‬
‫مت ّ ِ‬
‫)لتذكرنا بأن هذا الكتيياب ‪ُ ‬‬
‫ه ً‬
‫قيــ َ‬
‫دى ل ّل ْ ُ‬
‫كما جاء في أول سورة البقرة(‪.‬‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫وبعد ذلك فييي الييية الثالثيية‪ُ  :‬‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُـ ُ‬
‫حّر َ‬
‫م‪. ...‬‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫و ٱل ْدّ ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ة َ‬

‫‪124‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فأول عقد ينبغي الوفاء به هو طيبات الطعام فل‬
‫يجوز أن يأكل المرء أكل ً فيه خبث‪...‬‬
‫ح ّ‬
‫م‬
‫م أُ ِ‬
‫و َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫وبعدها في الية الخامسة‪  :‬ٱل ْي َ ْ‬
‫ُ‬
‫حــ ّ‬
‫ل‬
‫ب ِ‬
‫م ٱل ّ ِ‬
‫ن أوُتوا ْ ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫وطَ َ‬
‫عا ُ‬
‫ٱلطّي ّب َ ٰـ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ت َ‬
‫حـ ّ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ت ِ‬
‫م ْ‬
‫وطَ َ‬
‫صن َ ٰـ ـ ُ‬
‫ل لّ ُ‬
‫مـ َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫عا ُ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن ُأوت ُــوا ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ٱل ّـ ِ‬
‫ت ِ‬
‫من َ ٰـ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م ْ‬
‫صن َ ٰــ ُ‬
‫ذي َ‬
‫مـ َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ت َ‬
‫ب ‪.‬‬
‫ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫وهنا قد أرشدت الية إلى حللين‪ :‬الطيبييات ميين‬
‫ن مؤمنييات أم‬
‫الطعام والطيبات من النساء سواء كي ّ‬
‫ن محصيينات وذوات‬
‫من أهل الكتيياب بشييرط أن يك ي ّ‬
‫خلق متين‪ .‬وفي هذا لفتة رائعة إلى تسامح السلم‬
‫مييع أهييل الكتيياب‪ ،‬فييي نفييس السييورة ذات اللهجيية‬
‫الشديدة في الخطاب معهم ونقض عقائدهم‪ .‬فييالله‬
‫ن مسييلمات‬
‫تعالى أحل لنا النساء العفيفات سواء ك ّ‬
‫أو من أهل الكتاب‪.‬‬
‫م‬
‫و َ‬
‫وفي نفييس الييية يييأتي قييوله تعييالى‪  :‬ٱل ْي َ ْ‬
‫أ َك ْمل ْت ل َك ُـم دين َك ُـم َ‬
‫مت ِــى‬
‫ت َ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫مـ ُ‬
‫َ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫م ِدينــا ً ‪ .‬هييذه الييية‬
‫وَر ِ‬
‫ســل َ َ‬
‫ضــي ُ‬
‫م ٱل ْ‬
‫كــ ُ‬
‫َ‬
‫محورية كونها ختام الحكام في القرآن وعلقتها مييع‬
‫موضوع السورة أنه ل وجود للعهود إل بعييد التمييام‪.‬‬
‫فبما أن الدين اكتمل‪ ،‬عاهد الله تعالى أيهييا المييؤمن‬
‫على اليفاء بعهييده واللييتزام بشييرعه‪ .‬يييا تييرى هييل‬
‫أحسسيينا يومييا ً بهييذه النعميية‪ ،‬نعميية إتمييام الييدين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪125‬‬

‫وشكرنا الله تعالى عليها؟‬
‫جاء رجل من اليهود إلى سيدنا عمر بن الخطاب‬
‫فقييال‪" :‬يييا أمييير المييؤمنين‪ ،‬إنكييم تقييرأون آييية فييي‬
‫كتابكم لييو نزلييت علينييا معشيير اليهييود لتخييذنا ذلييك‬
‫اليوم عيدًا"‪ .‬فقال عمر‪" :‬وأي آية؟" فقييرأ اليهييودي‬
‫هذه الية‪ ،‬فقال عمر‪" :‬قد علمت اليوم الذي أنزلت‬
‫والمكان الذي أنزلت فيييه‪ ،‬نزلييت فييي يييوم الجمعيية‬
‫ويوم عرفة وكلهما بحمد الله تعالى لنا عيد"‪.‬‬
‫وهنا ملحظة لطيفة أخرى‪:‬‬
‫إن أكييثر آيييات السييورة اختتمييت بشييدة وخاصيية‬
‫ع َ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫ب‪‬‬
‫ديدُ ٱل ْ ِ‬
‫شـ ِ‬
‫آيييات المقدميية ‪‬إ ِ ّ‬
‫قــا ِ‬
‫ب ‪.‬‬
‫ع ٱل ْ ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫ري ُ‬
‫ح َ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫إل ّ الييية الثالثيية الييتي ذكييرت حكييم الضييطرار‬
‫‪َ ‬‬
‫ة‪  ...‬فقد اختتمييت‬
‫م ْ‬
‫ضطُّر ِ‬
‫ن ٱ ْ‬
‫ص ٍ‬
‫خ َ‬
‫فى َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫غ ُ‬
‫بسييعة رحميية اللييه تعييالى ‪َ ‬‬
‫فــوٌر‬
‫ف ـإ ِ ّ‬
‫م ‪.‬‬
‫ّر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫النداء الثالث )طيبات الروح(‬

‫َ‬
‫ذا ُ‬
‫مُنــوا ْ إ ِ َ‬
‫م إ َِلــى‬
‫ها ٱّلــ ِ‬
‫‪َ‬يـــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مُتــ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫هك ُم َ‬
‫ة فٱ ْ‬
‫م إ ِل َــى‬
‫وأي ْـ ِ‬
‫غ ِ‬
‫صل ٰو ِ‬
‫و ُ‬
‫دي َك ُ ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫جــو َ ْ َ‬
‫سـُلوا ْ ُ‬
‫ق‪.( (6...‬‬
‫مَرا ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫قد يتساءل البعض عن سبب ورود هذه الية في‬
‫وسيط الكلم عين العقييود والوفيياء بهييا‪ .‬فيالواقع أن‬
‫م طيبات الزواج وكلها‬
‫اليات بدأت بطيبات الطعام ث ّ‬

‫‪126‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ملييذات الييدنيا وبعييدها انتقلييت اليييات إلييى طيبييات‬
‫الروح وطهارة الروح التي تبدأ بالوضوء‪ ،‬وبهذا تكون‬
‫السورة قد اشتملت على جميع اللذات‪ :‬لذة العبييادة‬
‫بالضافة للذائذ الطعام والزواج‪.‬‬
‫ويمكننا أن نستشعر خلل هييذه اليييات شييمولية‬
‫السلم في الحكام‪ ،‬فأحكام المعاملت قد أتت في‬
‫السورة جنبا ً إلى جنب مع أحكام العبادات‪.‬‬
‫ملحظة جميلة في سورة المائدة‪ :‬كييل ‪ 10‬آيييات‬
‫تقريبا ً تأتي آية لتذكرنا بعهد الله وميثيياقه‪ .‬لقييد ذكيير‬
‫العهييد والميثيياق فييي السييورة ‪ 11‬مييرة فييي آيييات‬
‫صريحة وواضحة كأنها تقييول للمسييلمين "الن وقييد‬
‫م المنهييج ووضييح الميثيياق‪ ،‬فهييل سييتلتزمون بييه؟"‬
‫ت ّ‬
‫ة‬
‫مـ َ‬
‫و ٱذْك ُـُروا ْ ن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫فتييأتي الييية السييابعة لتقييول ‪َ ‬‬
‫واث َ َ‬
‫ميث َ ٰــ َ‬
‫ه إ ِذْ‬
‫ٱلله َ‬
‫قك ُــم ب ِـ ِ‬
‫ه ٱل ّـ ِ‬
‫و ِ‬
‫ق ُ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ذى َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫عَنا‪  ...‬وهنييا علقيية رائعيية مييع‬
‫س ِ‬
‫وأطَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫عَنا َ‬
‫سييورة البقييرة الييتي مييدحت المييؤمنين فييي ختامهييا‬
‫قاُلوا ْ سمعَنا َ‬
‫وإ ِل َْيــ َ‬
‫فَران َ َ‬
‫عَنا ُ‬
‫غ ْ‬
‫و َ‬
‫ك‬
‫وأطَ ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫ك َرب َّنا َ‬
‫َ‬
‫‪َ ‬‬
‫صيُر ‪) ‬البقرة ‪ (285‬بينمييا بنييو إسييرائيل كييان‬
‫م ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫صــي َْنا ‪) ‬البقييرة ‪ (93‬أرأيييت‬
‫و َ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫قولهم ‪َ ‬‬
‫ع َ‬
‫عَنا َ‬
‫كيييف تييترابط سييور القييرآن الكريييم وتتكامييل فييي‬
‫مواضيعها وأهدافها‪.‬‬
‫النداء الرابع )العدل(‬

‫ويستمر تتابع اليات بعد ذلك إلييى أن نصييل إلييى‬
‫النيييييييييييييييييييييييييييداء الرابيييييييييييييييييييييييييييع‬

‫سورة البقرة‬

‫‪127‬‬

‫َ‬
‫من ُــوا ْ ُ‬
‫كون ُــوا ْ َ‬
‫ن للــه‬
‫وا ِ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫‪َ‬يــأي ّ َ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫قـ ّ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫داء ب ِ ٱل ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ش ـَنا ُ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ش َ‬
‫من ّك ُـ ْ‬
‫ر َ‬
‫قـ ْ‬
‫ط َ‬
‫ج ِ‬
‫وم ٍ‬
‫َ‬
‫ب ِللت ّ ْ‬
‫و أَ ْ‬
‫و ٰى‬
‫دُلوا ْ ٱ ْ‬
‫َ‬
‫دُلوا ْ ُ‬
‫عـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ق ـَر ُ‬
‫عَلى أل ّ ت َ ْ‬
‫قـ َ‬
‫هـ َ‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫ن‪‬‬
‫ن ٱلله َ‬
‫مل ُــو َ‬
‫قوا ْ ٱلله إ ِ ّ‬
‫مــا ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫خِبي ـٌر ب ِ َ‬
‫َ‬
‫‪.((8‬‬
‫فبعد أن تناولت اليات إيفاء العقود فييي الطعييام‬
‫والشراب والزواج والوضوء‪ ،‬انتقلت إلى عقييد مهييم‬
‫جدا ً )العدل( ولو مع الناس الذين نبغضيهم‪ ،‬وليو ميع‬
‫الناس الذين نحاربهم‪ .‬إن هذه الية قاعدة هامة من‬
‫قواعد تسامح السلم وعدله مع الفئات الخرى‪.‬‬
‫ة ٱلله(‬
‫م َ‬
‫النداء الخامس )ٱذْك ُُروا ْ ن ِ ْ‬
‫ع َ‬

‫الييية )‪ (11‬تييذكرنا أن اللييه تعييالى قييد حفييظ‬
‫المؤمنين من غدر أعدائهم‪ ،‬فيياتقوا اللييه يييا مييؤمنين‬
‫َ‬
‫كــُروا ْ‬
‫مُنــوا ْ ٱذْ ُ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫وأوفوا بعهده‪َ :‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫طوا ْ‬
‫سـ ُ‬
‫م َ‬
‫ة ٱلله َ‬
‫م َ‬
‫م إ ِذْ َ‬
‫نِ ْ‬
‫و ٌ‬
‫م أن ي َب ْ ُ‬
‫هـ ّ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ع َ‬
‫قـ ْ‬
‫فك َ ّ َ‬
‫إل َيك ُ َ‬
‫م َ‬
‫م ‪.‬‬
‫م َ‬
‫ف أي ْ ِ‬
‫م أي ْ ِ‬
‫دي َ ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ِ ْ ْ‬
‫فالله تعالى يفي بعهوده معنا سبحانه‪ ،‬ومن هييذه‬
‫الوعود الربانية الرائعة مييا ذكيير فييي الييية التاسييعة‪:‬‬
‫مُلـــوا ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫عـــدَ ٱللـــه ٱّلـــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫مُنـــوا ْ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫جٌر َ‬
‫م‪.( (9‬‬
‫غ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ح ٰـ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ص ٰـل ِ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫هم ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫فَرةٌ َ‬
‫فهل سنفي بعهدنا أمام الله تعالى؟‬
‫بنو إسرائيل وعقودهم‬

‫وبعد ذلك تذكر لنا السورة في ربييع كامييل نميياذج‬

‫‪128‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ف بعهد الله تعالى وميثيياقه‪ ،‬ولييم تنفييذ‬
‫من فئات لم ت ِ‬
‫‪‬سمعَنا َ‬
‫عَنا ‪ ‬كما أمرها الله تعالى وهم بنييو‬
‫وأطَ ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪‬ل َ َ‬
‫س ٰرءي َ‬
‫ل‬
‫و‬
‫قدْ أ َ‬
‫خذَ ٱلله ِ‬
‫ق ب َِنى إ ِ ْ‬
‫ميث َ ٰـ َ‬
‫إسرائيل‪َ ،‬‬
‫و َ‬
‫قــا َ‬
‫ع َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫ى َ‬
‫ش ـَر ن َ ِ‬
‫عث َْنا ِ‬
‫وب َ َ‬
‫من ُ‬
‫ه ُ‬
‫قيب ـا ً َ‬
‫َ‬
‫م ٱث ْن َـ ْ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫نأ َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫م ل َئ ِ ْ‬
‫وءات َي ُْتــ ْ‬
‫مُتــ ُ‬
‫ق ْ‬
‫كــ ْ‬
‫إ ِّنــى َ‬
‫م ٱل ّ‬
‫صــل ٰوةَ َ‬
‫ز َ‬
‫م‬
‫ٱ‬
‫و َ‬
‫مـــو ُ‬
‫ل ّ‬
‫م ب ُِر ُ‬
‫ه ْ‬
‫عّزْرت ُ ُ‬
‫منُتـــ ْ‬
‫وءا َ‬
‫ســـِلى َ‬
‫كـــ ٰوةَ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫سـنا ً لك َ ّ‬
‫م ٱللــه َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫قَر ْ‬
‫فـَر ّ‬
‫قْرضـا ً َ‬
‫ح َ‬
‫كـ ْ‬
‫ضت ُ ُ‬
‫َ‬
‫خل َن ّ ُ‬
‫هـا‬
‫ول َدْ ِ‬
‫رى ِ‬
‫جن ّ ٰــ ٍ‬
‫مـن ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫حت ِ َ‬
‫َ‬
‫كـ ْ‬
‫سي ّئ َ ٰـت ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫جـ ِ‬
‫عدَ ٰذل ِـ َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫من ك َ َ‬
‫ه ٰـُر َ‬
‫ضـ ّ‬
‫ل‬
‫ق ـدْ َ‬
‫ك ِ‬
‫فَر ب َ ْ‬
‫ٱل ْن ْ َ‬
‫من ْك ُـ ْ‬
‫ف َ‬
‫ل‪.( (12‬‬
‫واء ٱل ّ‬
‫َ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫مـــا ن َ ْ‬
‫فمييياذا كيييانت النتيجييية؟ ‪َ ‬‬
‫هم‬
‫ق ِ‬
‫فب ِ َ‬
‫ضـــ ِ‬
‫م َ‬
‫عل ْن َــا ُ‬
‫ميث َ ٰـ َ‬
‫ة‪‬‬
‫سـي َ ً‬
‫قا ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫قل ُــوب َ ُ‬
‫م َلعن ّ ٰــ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫‪ ((13‬إنها آية شديدة في التحذير من أن نكون مثلهم‬
‫فيحل علينا غضب الله ولعنته‪.‬‬
‫قصة موسى عليه السلم مع قومه‬

‫وتنتقل بنا اليات إلى قصة سيييدنا موسييى عليييه‬
‫السلم مع بني إسرائيل حين طلب منهم أن يييدخلوا‬
‫الرض المقدسة )أرض فلسييطين( الييتي كتبهييا اللييه‬
‫تعالى لهم ووعدهم فيها ‪َ‬يا َ‬
‫ض‬
‫وم ِ اد ْ ُ‬
‫خل ُــوا ال ْْر َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫دوا‬
‫سـ َ‬
‫ول َ ت َْرت َـ ّ‬
‫ة ال ّت ِــى ك َت َـ َ‬
‫قدّ َ‬
‫ب اللــه ل َك ُـ ْ‬
‫ال ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫فت َن ْ َ‬
‫م َ‬
‫قــاُلوا‬
‫قل ُِبــوا َ‬
‫َ‬
‫خ ٰـــ ِ‬
‫ري َ‬
‫رك ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫عَلــ ٰى أدْب َ ٰـــ ِ‬
‫هــا َ‬
‫وإ ِن ّــا ل َــن‬
‫ن ِ‬
‫س ـ ٰى إ ِ ّ‬
‫وم ـا ً َ‬
‫في َ‬
‫مو َ‬
‫ري َ‬
‫َيا ُ‬
‫ن َ‬
‫ق ْ‬
‫جب ّــا ِ‬
‫ها‪.( (21 - 22...‬‬
‫حت ّ ٰى ي َ ْ‬
‫ن ّدْ ُ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ها َ‬
‫من ْ َ‬
‫خل َ َ‬
‫رفضوا ونقضوا عهد اللييه تعييالى‪ ،‬فكييان العقيياب‬

‫سورة البقرة‬

‫‪129‬‬

‫ة َ َ‬
‫ل َ‬
‫الرباني ‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫مــ ٌ‬
‫م أ َْرب َ ِ‬
‫م َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫عيــ َ‬
‫هــ ْ‬
‫حّر َ‬
‫ها ُ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ض‪ ( (26‬حييّرم اللييه‬
‫ســن َ ً‬
‫ن ِ‬
‫هــو َ‬
‫ة ي َِتي ُ‬
‫َ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫عليهم دخول الرض المقدسة أربعين سنة‪.‬‬
‫وقييد أشييرنا أن السييورة بييدأت بقييوله تعييالى بي ي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫و ُ‬
‫ت‬
‫قوِد أ ُ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫فوا ْ ب ِٱل ْ ُ‬
‫حل ّ ْ‬
‫‪َ‬يـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫مُنوا ْ أ ْ‬
‫م‪. ...‬‬
‫م ُ‬
‫ة ٱل ْن ْ َ‬
‫هي َ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫عا ِ‬
‫م بَ ِ‬
‫ث على إيفاء العقود حتى ل يضّيق الله دائرة‬
‫للح ّ‬
‫الحلل على الميية‪ ،‬وهنييا فييي القصيية نييرى أن اللييه‬
‫تعالى ضّيق على بنييي إسييرائيل لنقضييهم عهييودهم‪.‬‬
‫فالقاعييدة العاميية فييي السييورة "إذا أوفييى المييرء‬
‫سع عليه وإن نقضييها فييإنه‬
‫بالعهود فإن الله تعالى يو ّ‬
‫تعالى يضيق عليه"‪.‬‬
‫قصة ابني آدم عليه السلم‬

‫َ‬
‫ل َ َ‬
‫و ٱت ْ ُ‬
‫ق إ ِذْ‬
‫م ِبــ ٱل ْ َ‬
‫م ن َب َأ ب ْ‬
‫ى ءادَ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ٱن َ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫م ي ُت َ َ‬
‫فت ُ ُ‬
‫قْرب َ ٰـنا ً َ‬
‫قّرَبا ُ‬
‫َ‬
‫قب ّـ ْ‬
‫قب ّ َ‬
‫ل‬
‫د ِ‬
‫حـ ِ‬
‫ل ِ‬
‫من أ َ‬
‫ول َـ ْ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ر‪.( (27...‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫فييابن آدم قتييل أخيياه متهييورا ً بسييبب الغضييب‬
‫والحسييد والغييل‪ ،‬وأمييا علقيية قصيية ابنييي آدم عليييه‬
‫السيييلم بقصييية بنيييي إسيييرائيل ودخيييولهم الرض‬
‫المقدسيية هييو أنهمييا نموذجييان لنقييض العهييود‪ :‬بنييو‬
‫إسرائيل نقضوا عهد اللييه تعييالى لجبنهييم‪ ،‬وأمييا ابيين‬
‫وره‪ ،‬فهمييا نموذجييان‬
‫آدم فلقييد نقييض العهييد لتهيي ّ‬
‫معاكسان لبعضهما‪ ،‬وكلهما يؤدي لنقييض العهييد مييع‬
‫الله تعالى‪ .‬والسلم يأمرنا دائما ً بالوسطية في كييل‬

‫‪130‬‬

‫سورة البقرة‬

‫شؤون الحياة‪.‬‬
‫ثم تأتي الية )‪ (32‬بعييد القصيية مباشييرة للتعقيييب‬
‫َ‬
‫ل ٰذل ِ َ‬
‫سـ ٰرءي َ‬
‫ل‬
‫م‬
‫ك ك َت َب َْنا َ‬
‫ِ‬
‫ن‪‬أ ْ‬
‫عل َ ٰى ب َِنـى إ ِ ْ‬
‫عليها ْ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ر نَ ْ‬
‫ل نَ ْ‬
‫من َ‬
‫قت َ َ‬
‫فــى‬
‫فسا ً ب ِ َ‬
‫ســاٍد ِ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫سأ ْ‬
‫غي ْـ ِ‬
‫فـ ٍ‬
‫ٱل ْرض َ َ‬
‫مــا َ‬
‫قَتــ َ‬
‫ن‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬
‫مــ ْ‬
‫و َ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫ل ٱلّنــا َ‬
‫ميعــا ً َ‬
‫ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫ميعـا ً‪ ( (32‬لمييا‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬
‫مـا أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫حي َ ٰــ َ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫حَيـا الّنـا َ‬
‫ور لنا القرآن الكريم بشاعة جريمة القتل في قصة‬
‫ص ّ‬
‫آدم عليييه السييلم‪ ،‬أتييت اليييات الييتي بعييدها بأحكييام‬
‫شديدة للقضيياء علييى الفسيياد‪ ،‬فييبّينت حييدود الحرييية‬
‫والسرقة والفساد في الرض‪.‬‬
‫والجييدير بالييذكر أن العييالم لييم يعييرف إل فييي‬
‫عصرنا هذا موضوع الحق العام في الفقه القييانوني‪،‬‬
‫بينما نجد القييرآن قيد سييبق هيذه القيوانين بيي ‪1400‬‬
‫َ‬
‫مـن‬
‫ه َ‬
‫عام‪ ،‬فييالله تعييالى يييبّين بشييكل واضييح ‪‬أن ّ ُ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ر نَ ْ‬
‫ل نَ ْ‬
‫َ‬
‫قت َ َ‬
‫ض‬
‫فسا ً ب ِ َ‬
‫ساٍد ِ‬
‫ف َ‬
‫سأ ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫ف ٍ‬
‫َ َ‬
‫ما َ‬
‫قت َـ َ‬
‫ميع ـا ً‪ ( (32‬فالجريميية‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫ل ٱلن ّــا َ‬
‫ليسييت اعتييداء علييى فييرد‪ ،‬وإنمييا هييي خطيير علييى‬
‫المجتمع‪ ،‬وهناك حق عام ل بد أن يؤخذ‪.‬‬
‫النداء السادس )الجهاد في سبيل الله تعالى(‬

‫َ‬
‫من ُــوا ْ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫يقييول اللييه تعييالى ‪َ‬يـئ َأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫دوا ْ‬
‫ٱت ّ ُ‬
‫و ٱب ْت َ ُ‬
‫سيل َ َ‬
‫و ِ‬
‫غوا ْ إ َِلي ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫قوا ْ ٱلله َ‬
‫ج ٰـ ِ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ِ‬
‫سِبيل ِ ِ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫فى َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫بعد أن عرضييت اليييات السييابقة خطيير الفسيياد‪،‬‬
‫أتييت الييية )‪ (35‬لتييأمر المييؤمنين بالجهيياد ومحاربيية‬

‫سورة البقرة‬

‫‪131‬‬

‫الفساد‪.‬‬
‫لحظ أنه في كل مييرة يييأتي الميير بالجهيياد فييي‬
‫القرآن يذكر سببه )كما في سورة النساء حين ذكيير‬
‫الجهاد لنصرة المستضعفين(‪:‬‬
‫م ل َ تُ َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫و‬
‫ن ِ‬
‫ق ٰـ ـت ُِلو َ‬
‫فــى َ‬
‫ما ل َك ُـ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫س ـِبي ِ‬
‫َ‬
‫ن‪)  ...‬النساء ‪.(75‬‬
‫ع ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫في َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫َ‬
‫النداء ‪) :9 ،8 ،7‬ل للتقليد العمى(‬

‫ص‬
‫و ٱلن ّ َ‬
‫َ‬

‫وتصل بنا السورة إلى ربع جديد‪ ،‬وثلثيية نييداءات‬
‫تهدف إلى أن يكون لهذه المة هويتها المميزة‪.‬‬
‫َ‬
‫خــ ُ‬
‫د‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َت ّ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫هــو َ‬
‫ذوا ْ ٱل ْي َ ُ‬
‫‪‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫ول َِيــــــــــــــــــاء‬
‫ٰـــــــــــــــــــَر ٰى أ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ع ُ‬
‫ول َِياء ب َ ْ‬
‫بَ ْ‬
‫ول ّ ُ‬
‫ض ُ‬
‫ف ـإ ِن ّ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫من ي َت َ َ‬
‫ض َ‬
‫مأ ْ‬
‫ع ٍ‬
‫دى ٱل ْ َ‬
‫ن‪‬‬
‫م ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫و َ‬
‫ن ٱلله ل َ ي َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫‪.((51‬‬
‫َ‬
‫عــن‬
‫م َ‬
‫من ي َْرت َدّ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ف َيــأ ِْتى ٱللــه ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫وم ٍ ي ُ ِ‬
‫و َ‬
‫ِديِنــ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫هــ ْ‬
‫قــ ْ‬
‫ســ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مـ ْ‬
‫عل َــى‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫نأ ِ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ع ـّز ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه أِذل ّـ ٍ‬
‫مِني َ‬
‫عل َــى ٱل ْ ُ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (54‬‬
‫ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫َ‬
‫خـ ُ‬
‫ن‬
‫مُنـوا ْ ل َ ت َت ّ ِ‬
‫ذوا ْ ٱل ّـ ِ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫‪‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ن ُأوت ُــوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫ٱت ّ َ‬
‫ول َ ِ‬
‫م ُ‬
‫ن ٱل ّ ـ ِ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫عبا ً ّ‬
‫ذوا ْ ِدين َك ُ ْ‬
‫هُزوا ً َ‬
‫َ‬
‫و ٱل ْك ُ ّ‬
‫من َ‬
‫ول َِياء‪.( (57...‬‬
‫ب ِ‬
‫ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫قب ْل ِك ُ ْ‬
‫فاَر أ ْ‬
‫م َ‬
‫إن هييذه اليييات ل تهييدف إلييى تحقييير وتسييفيه‬
‫الديييان الخييرى‪ ،‬إنمييا تهييدف للحفيياظ علييى هوييية‬

‫‪132‬‬

‫سورة البقرة‬

‫المسلم‪ .‬فهي دعوة إلى تحقيق النتماء الكامل إلى‬
‫السلم‪ .‬فسورة المائدة ل تمنع من التعامل مع أهل‬
‫الكتاب بدليل ما سبق ميين اليييات كالييية )‪... (5‬‬
‫ُ‬
‫ب‪‬‬
‫ن ٱل ّ ـ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ن أوت ُــوا ْ ٱل ْك ِت َ ٰـ ـ َ‬
‫م ْ‬
‫صن َ ٰـ ُ‬
‫ذي َ‬
‫مـ َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫التي أباحت الزواج من المحصنات من أهل الكتاب‪.‬‬
‫فالتسامح والرحمة مع أهل الكتاب أمر مطلوب‪،‬‬
‫لكنييه ل ينبغييي أن يييؤدي إلييى ضييياع هوييية المسييلم‬
‫وانتمييائه‪ .‬وهنيياك فييرق بييين الحييترام والتعيياون‬
‫اليجابي والرحمة والتسامح وبين الذوبان في الخيير‬
‫وضياع الهوية‪ .‬لذلك نرى أن النييداءات ‪ 7‬و ‪ 9‬رك ّييزت‬
‫على عدم موالة الكفار ومحبتهم بينما النداء ‪ 8‬حذر‬
‫من الرتداد عن الدين لنييه ميين أخطيير نتييائج ضييياع‬
‫الهوية‪.‬‬
‫والملحظ أن اليييات فييي الربييع السييابق ركييزت‬
‫على التحذير من الحكم بغير ما أنزل الله‪:‬‬
‫ل ٱللــه َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫وَلـــئ ِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن‪.( (44‬‬
‫م ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ُ‬
‫فُرو َ‬
‫ه ُ‬
‫ل ٱللــه َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫وَلـــئ ِ َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن‪.( (45‬‬
‫ُ‬
‫مو َ‬
‫م ٱلظّ ٰـل ِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ل ٱللــه َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫وَلـــئ ِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫كم ب ِ َ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫س ُ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (47‬‬
‫ُ‬
‫ف ٰـ ِ‬
‫قو َ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫أ َ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫غــو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫سـ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ج ٰـ ـ ِ‬
‫ح ْ‬
‫كما ً ل ّ َ‬
‫ن‪.( (50‬‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ن ٱلله ُ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪133‬‬

‫وعلقة هذه اليييات بالنييداءات الثلثيية الييتي بييين‬
‫أيدينا هي أن السبب الساسي للحكم بغير ما أنييزل‬
‫الله هو التقليد العمى للغير‪.‬‬
‫فيا أيها الشباب أوفوا بييالعقود فييي تييرك التقليييد‬
‫العمييى وأوفييوا بييالعقود بالنتميياء الكامييل لييدينكم‬
‫والحتكام إلى أوامره ونواهيه‪.‬‬
‫رقة الحب‬

‫ومن لطائف القرآن في النداء الثامن‪:‬‬
‫َ‬
‫عــن‬
‫م َ‬
‫من ي َْرت َدّ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ف َيــأ ِْتى ٱللــه ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫وم ٍ ي ُ ِ‬
‫و َ‬
‫ِديِنــ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫هــ ْ‬
‫قــ ْ‬
‫ســ ْ‬
‫حبون َ َ‬
‫مـ ْ‬
‫عل َــى‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫ن أَ ِ‬
‫ع ـّز ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه أِذل ّـ ٍ‬
‫وي ُ ِ ّ‬
‫مِني َ‬
‫عل َــى ٱل ْ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (54...‬‬
‫ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫إن القرآن استعمل الرقيية والحييب فييي التحييذير‬
‫من أخطر ما يمكن أن يقييع بييه الميرء وهييو الرتيداد‬
‫عن دين الله تعالى‪.‬‬
‫فالية لم تقل "من يرتد منكم عن دينييه فسييوف‬
‫نع ّ‬
‫ذبه وندخله النار"‪.‬‬
‫إن التهديد في هييذه الييية كييان بييالحب ل بالنييار‪.‬‬
‫وهذا النداء الرقيق له تأثير ممّيز فييي النفييوس بعييد‬
‫الكلم الشديد والواميير الشييديدة الييتي زخييرت بهييا‬
‫السورة‪.‬‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫م(‬
‫موا ْ طَي َّبـٰ ِ‬
‫ما أ َ‬
‫النداء العاشر )ل َ ت ُ َ‬
‫ل ٱلله ل َك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫حّر ُ‬

‫َ‬
‫ما‬
‫موا ْ طَي ّب َ ٰـ ِ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت ُ َ‬
‫ٰ‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ت َ‬
‫حّر ُ‬
‫ن ءا َ‬

‫‪134‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ب‬
‫ن ٱللــه ل َ ي ُ ِ‬
‫دوا ْ إ ِ ّ‬
‫حـ ّ‬
‫عَتــ ُ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫أ َ‬
‫ل ٱلله ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (87‬‬
‫عت َ ِ‬
‫م ْ‬
‫دي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫هنا يأتي النداء أن ل يحّرم المؤمنون ما أح ّ‬
‫ل الله‬
‫لهييم ميين الطيبييات‪ ،‬فييالتحريم والتحليييل حييق اللييه‬
‫وحده‪ ،‬والله عندما حّرم‪ ،‬لم يحّرم علينا إل الخبييائث‬
‫الضييارة‪ ،‬وأحيي ّ‬
‫ل لنييا الطيبييات المفيييدة بالمقابييل‪،‬‬
‫مــا َرَز َ‬
‫م‬
‫وك ُُلوا ْ ِ‬
‫قك ُـ ُ‬
‫م ّ‬
‫فجيياءت الييية الييتي تليهييا ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫و ٱت ّ ُ‬
‫ه‬
‫ذى أنُتم ب ِ ِ‬
‫قوا ْ ٱلله ٱل ّ ِ‬
‫ٱلله َ‬
‫حل َ ٰـل ً طَّيبا ً َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪ ( (88‬لتؤكد على هذا المعنى‪.‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ُ‬
‫والرابييط بييين هييذا النييداء والنييداء الثيياني ‪‬ل َ‬
‫حّلــوا ْ َ‬
‫عائ َِر ٱللــه ‪ ‬هييو أن تحريييم الحلل‬
‫تُ ِ‬
‫شــ َ‬
‫معصييية للييه تعييالى وتغيييير لشييرعه تمام يا ً كتحليييل‬
‫الحرام‪.‬‬
‫وهكيييذا نيييرى أن معيييالم الحلل والحيييرام فيييي‬
‫السلم تتضح شيئا ً فشيئًا‪ ،‬وكل آية تضيييف مفهومييا ً‬
‫جديييدا ً لتكمييل الحكييام عنييد المسييلمين قبييل ختييام‬
‫نزول اليات‪.‬‬
‫النداء الحادي عشر )محّرمات الشراب(‬

‫بعدما تحييدثت اليييات عيين الطيبييات تنتقييل إلييى‬
‫الحديث عن الخبييائث )بنفييس الييترتيب الييذي بييدأت‬
‫فيه السورة في اليات )‪.(2 - 1‬‬
‫َ‬
‫مـــُر‬
‫مـــا ٱل ْ َ‬
‫ها ٱّلـــ ِ‬
‫‪َ‬يــــأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫خ ْ‬
‫مُنـــوا ْ إ ِن ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ن‬
‫مي ْ ِ‬
‫ر ْ‬
‫صــا ُ‬
‫و ٱل ْْزل َ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫س ّ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫جـ ٌ‬
‫لن َ‬
‫ب َ‬
‫سُر َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪135‬‬

‫َ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل ٱل ّ‬
‫ن‬
‫َ‬
‫حــو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫جت َن ُِبوهُ ل َ َ‬
‫فـ ٱ ْ‬
‫عل ّك ُـ ْ‬
‫ع َ‬
‫م ِ‬
‫شي ْط ٰـ ِ‬
‫‪.( (90‬‬
‫فالسورة بدأت بمحّرمات الطعام فل بد أن تذكر‬
‫محّرمات الشراب )فاسمها سييورة المييائدة( لتح ي ّ‬
‫ذر‬
‫المسلم من النغماس في ملييذات الحييياة المحّرميية‬
‫وليفييي بعهييده فل يييدخل فمييه قطييرة خميير لتوقييع‬
‫العداوة والبغضاء في صفوف المة‪.‬‬
‫لحظ أن الية تعياملت ميع قضيية الخمير بشيدة‬
‫فقرنييت بينييه وبييين النصيياب والزلم وهييي ميين‬
‫مخّلفات الشرك بالله وذلك للتشنيع من هذه العادة‬
‫المهلكة للمم‪.‬‬
‫والملحظيية الثانييية أن القييرآن اسييتعمل كلميية‬
‫)اجتنبوه( والتي هي أقصى درجات النهي والتحريم‪.‬‬
‫النداء الثاني عشر – الثالث عشر )احذروا البتلء‬
‫في الحلل والحرام(‬

‫َ‬
‫من ُــوا ْ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫يقييول اللييه تعييالى ي َ‬
‫‪ٰ ‬ـ ـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫م ٱللــه ب ِ َ‬
‫ه‬
‫صــي ْ ِ‬
‫مــ َ‬
‫د ت ََنــال ُ ُ‬
‫ىء ّ‬
‫ون ّك ُ ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ل َي َب ُْلــ َ‬
‫شــ ْ‬
‫َ‬
‫خــا ُ‬
‫ه‬
‫مــن ي َ َ‬
‫أي ْ ـ ِ‬
‫م ل ِي َ ْ‬
‫م ٰـ ـ ُ‬
‫ف ُ‬
‫م ٱللــه َ‬
‫عل َ ـ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫ر َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫و ِ‬
‫ب‪ ( (94‬هييذه الييية تحييذر ميين البلء )أي‬
‫ِبــ ٱل ْ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫المتحان( الييذي قييد يقييع فيييه المسييلم ليختييبر اللييه‬
‫تعالى إيمانه وتطبيقه للحلل والحرام‪.‬‬
‫وقيييد نزليييت عنيييدما كيييان الصيييحابة محرميييين‬
‫واختييبرهم اللييه تعييالى بييأل ّ يصييطادوا مهمييا كييانت‬

‫‪136‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الطرائد منتشرة من حولهم‪ .‬ليذلك أتيت اليية اليتي‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َ ْ‬
‫د‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫صي ْ َ‬
‫بعدها ‪‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫قت ُُلوا ْ ٱل ّ‬
‫َ‬
‫م‪ ( (95‬لتؤكييد علييى نفييس المعنييى‪.‬‬
‫م ُ‬
‫ح ـُر ٌ‬
‫وأن ْت ُـ ْ‬
‫َ‬
‫وهناك علقة واضحة بين أول السورة وآخرها حيييث‬
‫نرى التركيز على أحكام الصيد‪.‬‬
‫النداء الرابع عشر )ل تضّيقوا على أنفسكم(‬

‫وتستمر النداءات إلى أن نصل إلى قييوله تعييالى‬
‫َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ش ـَياء‬
‫س ـأ َُلوا ْ َ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َ ْ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫عـ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫سـ ْ‬
‫ن‬
‫سـأ َُلوا ْ َ‬
‫هــا ِ‬
‫عن ْ َ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫حيـ َ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ِإن ت ُب ْدَ ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ل ٱل ْ ُ‬
‫ي ُن َـّز ُ‬
‫هــا‬
‫فــا ٱللــه َ‬
‫م َ‬
‫ق ـْرءا ُ‬
‫عن ْ َ‬
‫ن ت ُب ْـدَ ل َك ُـ ْ‬
‫و ٱلله َ‬
‫غ ُ‬
‫م‪.( (101‬‬
‫فوٌر َ‬
‫حِلي ٌ‬
‫َ‬
‫هذه الية ضابط من الضوابط اليتي وضيعها الليه‬
‫تعالى في قضايا الحلل والحرام‪ ،‬يخطئ الكثير ميين‬
‫الناس في فهمه‪ ،‬وهو عدم السييؤال فييي المباحييات‬
‫إلى درجة تصل إلى حد التضييق على النسان‪ ،‬ممييا‬
‫قد يؤدي إلى تييرك المييور الييتي ض يّيق بهييا السييائل‬
‫على نفسه فيقع بما قد حّرم عليه‪.‬‬
‫فهذه الية تدعو إلى التوازن فإذا كان الله تعالى‬
‫قييد أمرنييا بالوفيياء بييالعقود لكيين ذلييك ل ينبغييي أن‬
‫يوصلنا للتضييق على أنفسنا‪.‬‬
‫وفي هذه اليات ترابط عجيب مع سورة البقييرة‬
‫وقصة بقرة بني إسرائيل‪.‬‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫فالييية )‪ (102‬تقييول‪َ  :‬‬
‫مــن‬
‫و ٌ‬
‫س ـأل َ َ‬
‫ق ـدْ َ‬
‫م ّ‬
‫قـ ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪137‬‬

‫قبل ِك ُم ث ُ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ها ك َٰـ ِ‬
‫صب َ ُ‬
‫حوا ْ ب ِ َ‬
‫ري َ‬
‫َ ْ ْ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ِ‬
‫فييي إشييارة إلييى كييثرة سييؤال المييم السييابقة‬
‫لنبيائهم فيضيق الحكم عليهم فل يطيعون‪.‬‬
‫دوا ْ‬
‫فهم في قصة البقرة ‪َ ‬‬
‫حو َ‬
‫مــا ك َــا ُ‬
‫فذَب َ ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن ‪ ‬لنهم أكييثروا ميين السييؤال عيين طبيعيية‬
‫عُلو َ‬
‫ف َ‬
‫البقرة ولونها فيما لم يطلييب منهييم‪ ،‬فضيياق الحكييم‬
‫الواسييع المطلييق عليهييم‪ .‬ولنييا فييي رسييول اللييه‬
‫وأصحابه السوة الحسنة في هذا المعنى‪:‬‬
‫قال رسول الله ‪ ‬يوما ً لصحابه‪" :‬إن اللييه قييد‬
‫فرض عليكم الحج" فقال أحد الصييحابة‪" :‬أفييي كييل‬
‫عام يا رسول الله"‪.‬‬
‫فسكت رسول الله ‪ ‬ثم قييال‪" :‬لييو قلييت نعييم‬
‫ت"‪.‬‬
‫ل َوَ ُ‬
‫جب َ ْ‬
‫ففي سورة المائدة إذا ً توازن بين التزام الواميير‬
‫والنواهي والوفاء بعهد الله وبين عدم التشديد علييى‬
‫النفس فيما لم يأمر به الله تعالى‪.‬‬
‫النداء الخامس عشر )ل تكن إمعة(‬

‫وتتوالى اليات‪ ،‬وتصل بنا إلييى النييداء ‪ 15‬والييذي‬
‫هو ضابط آخر من ضوابط الحلل والحرام‪:‬‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م لَ‬
‫م أ َن ْ ُ‬
‫مُنـوا ْ َ‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫سـك ُ ْ‬
‫كـ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ض ّ‬
‫ل إِ َ‬
‫م‪.( (105...‬‬
‫ذا ٱ ْ‬
‫من َ‬
‫يَ ُ‬
‫هت َدَي ْت ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫قام أبو بكر الصديق رضي الله عنييه خطيب يا ً فييي‬
‫النيياس فقييال‪" :‬إنكييم تضييعون هييذه الييية فييي غييير‬

‫‪138‬‬

‫سورة البقرة‬

‫موضعها"‪.‬‬
‫لن الناس قد ظنوا أن معنى قييوله تعييالى ‪...‬‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م أ َن ْ ُ‬
‫م ‪ ‬أي ل تأخيييذوا بأييييدي أحيييد‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ســك ُ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫للهداييية‪ ،‬فميين أراد الضييلل فليضييل‪ ،‬فييأدى فهمهييم‬
‫الخاطئ إلى ترك الدعوة إلى الله تعالى‪.‬‬
‫لكن معنى الية‪ :‬لو كل الناس من حولك غّيييرت‬
‫الحلل والحييرام وتركييت الوفيياء بييالعقود‪ ،‬فعليكييم‬
‫أنفسكم يا مييؤمنين‪ ،‬فييأثبتوا علييى الحييق ول تغيييروا‬
‫أحكام الييدين‪ ،‬وهييذا مصييداق لحييديث النييبي ‪" ‬ل‬
‫يكيين أحييدكم إمعيية إن أحسيين النيياس أحسيينت وإن‬
‫أسييياء النييياس أسيييأت‪ ،‬ولكييين إن أحسييين النييياس‬
‫فأحسنوا وإن أساؤوا فل تظلموا"‪.‬‬
‫إذا ً فالسورة ركيزت فييي النيدائين ‪ 14‬و ‪ 15‬علييى‬
‫ضييييييييييييييييييييييييابطين للواميييييييييييييييييييييييير‬
‫والنواهي‪:‬‬
‫ ل تضّيق على نفسك‬‫ ل تتأثر بالناس من حولك‪.‬‬‫النداء السادس عشر )الحلل والحرام في‬
‫الشهادات والوصية(‬

‫تأتي الييية يـ َ‬
‫من ُــوا ْ َ‬
‫ه ٰـ ـدَةُ‬
‫ها ٱل ّـ ِ‬
‫ش َ‬
‫‪‬أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م إِ َ‬
‫ة‬
‫ت ِ‬
‫ح َ‬
‫صي ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ضَر أ َ‬
‫ذا َ‬
‫و ُ‬
‫حي َ‬
‫م ٱل َ‬
‫حدَك ُ ُ‬
‫ب َي ْن ِك ُ ْ‬
‫ن ٱل َ‬
‫م ْ‬
‫م‪ ( (106‬لتكمييل سلسييلة‬
‫وا َ‬
‫من ْك ُـ ْ‬
‫ل ّ‬
‫عـدْ ٍ‬
‫ن ذَ َ‬
‫ٱث َْنا ِ‬
‫الحكام في السورة‪ ،‬ولتثبت شمولية السييلم لكييل‬
‫شييؤون الحيياة‪ ،‬مين أميور الطعيام والشيراب‪ ،‬إليى‬

‫سورة البقرة‬

‫‪139‬‬

‫الزوجييات والعلقييات السييرية إلييى أحكييام الحييدود‬
‫والعلقييات الدولييية إلييى المعيياملت والشييهادات‬
‫والوصية‪.‬‬
‫تأمييل معييي ‪ -‬مييرة أخييرى ‪ -‬آييية تمييام الييدين‬
‫وشييييييييييييييموله لكييييييييييييييل جييييييييييييييوانب‬
‫الحياة‪:‬‬
‫كــم َ‬
‫َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫مــ ُ‬
‫مْلــ ُ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫كــ ْ‬
‫م أك ْ َ‬
‫م ِدين َ ُ ْ َ‬
‫‪‬ٱل َْيــ ْ‬
‫م ِدينــا ً( ‪‬‬
‫َ‬
‫وَر ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ٱل ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫مِتى َ‬
‫‪.(3‬‬
‫واحمد الله تعالى على النعمة الييتي أتمهييا عليييك‬
‫في هذا الدين وأحكام شريعته الغراء‪.‬‬
‫مقاصد الشريعة في السورة‬

‫ولن سورة المائدة هييي سييورة الحلل والحييرام‬
‫في السييلم‪ ،‬فهييي السييورة الوحيييدة الييتي جمعييت‬
‫مقاصد الشريعة السلمية الخمسة‪:‬‬
‫‪ .1‬حفظ الدين‬
‫‪ .2‬حفظ النفس‬
‫‪ .3‬حفظ العقل‬
‫‪ .4‬حفظ العرض‬
‫‪ .5‬حفظ المال‬
‫فهيييذه السيييورة اليييتي احتيييوت قيييوله تعيييالى‬
‫َ‬
‫‪‬أ َ َ‬
‫ن‬
‫ة ي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫هل ِي ّ ِ‬
‫غو َ‬
‫نأ ْ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫مـ َ‬
‫سـ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ج ٰـ ِ‬
‫ح ْ‬
‫كما ً ل ّ َ‬
‫ن ‪ ‬تريييد أن ترشييدنا‬
‫وم ٍ ُيو ِ‬
‫قن ُــو َ‬
‫ٱلله ُ‬
‫قـ ْ‬

‫‪140‬‬

‫سورة البقرة‬

‫إلى أن شرع الله تعييالى هييو أحسيين شييرع لضييمان‬
‫مصلحة البشرية في الدنيا والخرة‪ ،‬وذلك من خلل‪:‬‬
‫َ‬
‫د‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫من ي َْرَتــ ّ‬
‫‪ .1‬حفظ الدين‪ :‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫من ُ‬
‫م بييه‬
‫م َ‬
‫عــن ِديِنــ ِ‬
‫ِ‬
‫ه‪ ( (54‬فييأول مييا تهتيي ّ‬
‫كــ ْ‬
‫الشريعة هو حفظ الدين وترك الكفر‪.‬‬
‫‪ .2‬حفظ النفييس‪:‬من َ‬
‫ل ٰ لذ ِـ َ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫ك ك َت َب ْن َــا َ‬
‫‪‬أ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫جـ ِ‬
‫بن ِــى إس ـ ٰرءي َ َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫مــن َ‬
‫قت َـ َ‬
‫ر‬
‫فس ـا ً ب ِ َ‬
‫َ‬
‫ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫ل أن ّـ ُ‬
‫غي ْـ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مــا َ‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫نَ ْ‬
‫قت َـ َ‬
‫ل‬
‫ساٍد ِ‬
‫ف َ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫سأ ْ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫ف ٍ‬
‫ميعــا ً‪ ( (32‬وفيهيييا تحرييييم قتيييل‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬
‫ٱلن ّـــا َ‬
‫النفس‪.‬‬
‫ســُر‬
‫مــا ٱل ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫‪ .3‬حفيييظ العقيييل‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫مــُر َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ب‪ ( (90...‬والغاية من تحريم الخمرة‬
‫صا ُ‬
‫لن َ‬
‫َ‬
‫هي حفظ العقل‪.‬‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫ســا ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫حي َ‬
‫صِني َ‬
‫غي ْـَر ُ‬
‫‪ .4‬حفييظ العييرض‪ُ  :‬‬
‫ن‪) ( (5‬فييي تحريييم العلقيية‬
‫ذى أ َ ْ‬
‫مت ّ ِ‬
‫خ ِ‬
‫خ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫دا ٍ‬
‫َ‬
‫بين الجنسين قبل الزواج(‪.‬‬
‫ر َ‬
‫ة‬
‫ق ُ‬
‫و ٱل ّ‬
‫و ٱل ّ‬
‫ر قُ َ‬
‫‪ .5‬حفيييظ الميييال‪َ  :‬‬
‫ســـا ِ‬
‫ســـا ِ‬
‫َ‬
‫فٱ ْ‬
‫َ‬
‫ما‪.( (38‬‬
‫عوا ْ أي ْ ِ‬
‫قطَ ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فمقاصد الشريعة الخمسة قد ذكرت في سييورة‬
‫الميييييييييييييييائدة لتثبيييييييييييييييت لنيييييييييييييييا أن‬
‫الوامر والنواهي المطلوب إيفاؤها إنما هي لضييمان‬
‫مصييييييييييييييلحة النيييييييييييييياس ضييييييييييييييمن‬
‫المحاور الخمسة المذكورة‪.‬‬
‫مراجعة العقود يوم القيامة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪141‬‬

‫متى تراجييع العقييود؟ يييوم القياميية‪ .‬ولييذلك كييان‬
‫الختام الرائع للسورة‪.‬‬
‫في َ ُ‬
‫ل َ‬
‫قــو ُ‬
‫سـ َ‬
‫مــا َ‬
‫ذا‬
‫م ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ع ٱللــه ٱلّر ُ‬
‫ل َ‬
‫ج َ‬
‫‪‬ي َ ْ‬
‫عْلــم ل ََنــا إّنــ َ َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫قــاُلوا ْ ل َ ِ‬
‫ك أنــ َ‬
‫عل ّ ٰـــ ُ‬
‫َ‬
‫جب ُْتــ ْ‬
‫أ ِ‬
‫ِ‬
‫ب‪.( (109‬‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫غُيو ِ‬
‫لحظ ترابط آيات السورة‪ ،‬ففييي البداييية )أوفييوا‬
‫َ‬
‫ســو ُ‬
‫ل‬
‫ها ٱلّر ُ‬
‫بالعقود( وفي وسط السورة ‪َ‬يـ ـٰأي ّ َ‬
‫ُ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ز َ‬
‫ك ‪) ‬من أحكام الحلل‬
‫ب َل ّ ْ‬
‫ك ِ‬
‫غ َ‬
‫ما أن ِ‬
‫ع ٱللــه‬
‫مـ ُ‬
‫م يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫والحرام( لتختييم السييورة بي ي ‪‬ي َ ْ‬
‫ل ما َ ُ‬
‫في َ ُ‬
‫ل َ‬
‫س َ‬
‫م ‪.‬‬
‫ٱلّر ُ‬
‫جب ْت ُ ْ‬
‫قو ُ َ‬
‫ذا أ ِ‬
‫وفي ختام السورة تأتي قصة سيدنا عيسى عليه‬
‫السييلم وتييبرؤه ميين الييذين ضييلوا عيين سييبيله ميين‬
‫النصارى‪ .‬وهذا يفيد في التبرؤ ميين التقليييد العمييى‬
‫للخرييين‪ ،‬فكيييف سييتتبعوهم يييا مسييلمين وسيييدنا‬
‫عيسى عليه السلم نفسه سيتبرأ منهم يوم القيامة‪.‬‬
‫ولهمية ذكر يوم القيامة فييي حييث النيياس علييى‬
‫اليفاء بعهودهم تأتي هنا آييية رائعيية‪َ  :‬‬
‫قا َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫صدْ ُ‬
‫م َين َ‬
‫ه ٰـ َ‬
‫م‪.( (119...‬‬
‫د ِ‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫ف ُ‬
‫و ُ‬
‫ق ُ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫ذا ي َ ْ‬
‫والصادقون هم الذين يوفون بعقييودهم مييع اللييه‬
‫ومع الناس‪.‬‬
‫لماذا سميت سورة المائدة بهذا السم‬

‫وأخيرا ً بقي أن نشير إلى سبب تسييمية السييورة‬
‫بسورة المائدة وهل هذا بسبب ذكيير قصيية الميائدة‪،‬‬

‫‪142‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فالسورة تتحدث عن الوفاء بالعقود‪ ،‬فما الذي يربط‬
‫بينها وبين المائدة‪:‬‬
‫‪‬إ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫ن يٰ ِ‬
‫رّيو َ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫عي َ‬
‫سى ٱب ْ َ‬
‫مْرَيــ َ‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫وا ِ‬
‫ع َرب ّ َ‬
‫ك َأن ي ُن َّز َ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ست َ ِ‬
‫طي ُ‬
‫ل يَ ْ‬
‫مـ َ‬
‫مـائ ِدَةً ّ‬
‫عل َي َْنـا َ‬
‫قوا ْ ٱلله ِإن ُ‬
‫ل ٱت ّ ُ‬
‫ماء َ‬
‫مـ ْ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫مِني َ‬
‫كنُتم ّ‬
‫س َ‬
‫ن ُ‬
‫َ‬
‫ري ـدُ َأن ن ّأ ْك ُـ َ‬
‫قُلوب ُن َــا‬
‫ل ِ‬
‫من ْ َ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫وت َطْ َ‬
‫هــا َ‬
‫قــاُلوا ْ ن ُ ِ‬
‫ون َ ُ‬
‫صــدَ ْ‬
‫م َأن َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫هــا ِ‬
‫كــو َ‬
‫ون َ ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫مــ َ‬
‫عَلــ َ‬
‫قــدْ َ‬
‫قت ََنا َ‬
‫َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫ٱل ّ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫ه ِ‬
‫عي َ‬
‫سى ٱب ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫م ٱلله ـ ّ‬
‫مْري َ ـ َ‬
‫ن َ‬
‫ش ٰـ ِ‬
‫َ‬
‫ماء ت َ ُ‬
‫ز ْ‬
‫ن ل ََنــا‬
‫ل َ‬
‫كو ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫مائ ِدَةً ّ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫َرب َّنا أن ِ‬
‫عيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا ً‬
‫ِ‬
‫قن َــا َ‬
‫من ْـ َ‬
‫و ٱْرُز ْ‬
‫ت‬
‫وءاي َـ ً‬
‫وءا ِ‬
‫وأن ـ َ‬
‫ة ّ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫رن َــا َ‬
‫ول َِنا َ‬
‫لِ ّ‬
‫خ ِ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قــا َ‬
‫هــا‬
‫َ‬
‫ز ِ‬
‫من َّزل ُ َ‬
‫قيــ َ‬
‫ل ٱللــه إ ِّنــى ُ‬
‫خْيــُر ٱلّرا ِ‬
‫م َ‬
‫مــن ي َك ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫فـإ ِّنى أ ُ َ‬
‫َ‬
‫عـدُ ِ‬
‫فـْر ب َ ْ‬
‫عـذّب ُ ُ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عــــــــذّب َ‬
‫عــــــــ َ‬
‫ن‬
‫ذابا ً ل ّ أ ُ َ‬
‫َ‬
‫هأ َ‬
‫مــــــــ َ‬
‫حــــــــدا ً ّ‬
‫ُ ُ‬
‫ن‪.( (112 - 115‬‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫فالية الخيرة هييي آييية محورييية ‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫من ُ‬
‫من ي َك ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ها َ‬
‫م‪ ...‬‬
‫عدُ ِ‬
‫فْر ب َ ْ‬
‫من َّزل ُ َ‬
‫كــ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫إ ِّنى ُ‬
‫)أي فمن ينقض العهد بعد إنزال المائدة(‪ ،‬فارتبطت‬
‫قصة المائدة بقصة قوم طلبوا آييية ميين اللييه تعييالى‬
‫فأعطاهم ربهم ما طلبوا وأخذ عليهم عهييدا ً شييديدًا‪،‬‬
‫إن نقضوه فسوف يع ّ‬
‫ذبون عذابا ً شديدًا‪.‬‬
‫أما بالنسبة لمتنا‪ ،‬فقد أعطاهييا اللييه تعييالى فييي‬
‫َ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫مل ْـ ُ‬
‫م أك ْ َ‬
‫هييذه السييورة الييية المحورييية ‪‬ٱل ْي َ ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪143‬‬

‫ل َك ُم دين َك ُم َ‬
‫ت‬
‫ت َ‬
‫وَر ِ‬
‫ْ ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫ضــي ُ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫مت ِــى َ‬
‫ْ َ‬
‫م ِدينـا ً ‪ ‬هييذه الييية منحيية ربانييية‬
‫س ـل َ َ‬
‫م ٱل ْ‬
‫ل َك ُـ ُ‬
‫مشييابهة للييية الييتي أعطيهييا الحواريييون )المييائدة(‪،‬‬
‫وهييم قييد وفييوا بعهييدهم فهييل سيييفي المسييلمون‬
‫بعهدهم؟‬
‫من فضلك وأنت تقرأ سييورة المييائدة‪ ،‬استشييعر‬
‫عظييييييييييم النعميييييييييية الييييييييييتي أتمهييييييييييا‬
‫ربنا علينا بإتمام الدين‪ ،‬وجاهيد نفسيك لليفياء بعهيد‬
‫الله تعالى في كل أمور حياتك‪.‬‬

‫سورة النعام‬
‫سورة النعام )مكية( وهي أول سييورة مكييية فييي‬
‫ترتيب المصحف )سور البقرة إلى المائدة كلها سييور‬
‫مدنية(‪ ،‬نزلت بعد سورة الحجر وعدد آياتها ‪ 165‬آية‪.‬‬
‫ليل أبيض‬

‫رافق نزول هيذه السييورة ميييزات عدييدة‪ .‬فهيي‬
‫أول ً نزلت على قلييب النييبي ‪ ‬جمليية واحييدة )فييي‬
‫ليلة واحدة(‪ ،‬بينما نلحظ أن كل السور الطوال فيي‬
‫المصييحف كييانت تتن يّزل آياتهييا متفرقيية‪ .‬ولعييل ميين‬
‫أجمل ما يمّيز هذه السورة أنها نزلت يحفها سبعون‬
‫ألف ملك لهم زجييل ‪ -‬أي صييوت رفيييع عييالي ‪ -‬ميين‬
‫التسبيح يسد الخافقين‪ ،‬وكل هذا في وقييت الليييل‪..‬‬
‫فما أروع هذا المييوكب الملئكييي المهيييب فييي جنييح‬
‫الليل وهو يرافق نزول هذه السييورة الكريميية‪ ،‬ممييا‬
‫يعطي ظلل ً رقيقة تجعلنا نترقب مضييمون السييورة‬
‫وهدفها‪.‬‬
‫هدف السورة‬

‫ذى‬
‫مدُ لله ٱل ّ ِ‬
‫تبدأ السورة بقوله تعالى‪ :‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ض ‪ ،‬فتشيييعر أخيييي‬
‫َ‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خَلــ َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ت َ‬
‫‪144‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫النعام‬

‫سورة البقرة‬

‫‪145‬‬

‫المسيييلم مييين بدايييية السيييورة بهيييدفها ومحورهيييا‬
‫الساسييي‪ ،‬أل وهييو توحيييد اللييه عييز وجييل وعييدم‬
‫الشرك بييه أبييدًا‪ ،‬وأن ل يكييون فييي قلبييك غييير اللييه‬
‫تبارك وتعالى‪.‬‬
‫وتتكّرر مسألة توحيد الله تعالى وعدم الشرك به‬
‫‪ 49‬مرة في السورة‪ ،‬فييي ‪ 49‬آييية أي حييوالي )‪(%30‬‬
‫من مجموع السورة‪ .‬ولهذا نعلم سبب نزولهييا بهييذه‬
‫الهيبيية ولميياذا كييان يحفهييا سييبعون ألييف ملييك كمييا‬
‫ويمكننا أن نستشعر الحكمة من نزولها لي ً‬
‫و‬
‫ل‪ ،‬فإ ّ‬
‫نج ّ‬
‫الليل يناسب هذه الروحانيات‪.‬‬
‫المخاطبون في السورة‬

‫فييي خضييم الفكييار والمييذاهب ومناهييج الحييياة‬
‫المختلفة ‪ -‬سواء أكانت هذه الفكار عبييادة للصيينام‬
‫أو لقوى الطبيعيية كمييا فييي عصيير النييبي‪ ،‬أو إلحييادا ً‬
‫وإنكارا ً لوجود الله كما فييي عصييرنا الحييديث ‪ -‬تييأتي‬
‫سورة النعام لترد على كل هؤلء من خلل الحديث‬
‫عيين قييدرة اللييه وعظمتييه فييي الكييون‪ .‬ولهييذا فييإن‬
‫السورة تخاطبك أيها المؤمن أو ً‬
‫ل‪ ،‬لتزيد من إيمانييك‬
‫بالله وحبك له وإخلصييك فييي عبييادته‪ .‬وإلييى جييانب‬
‫ذلك فهي تعطيك مادة للرد على الميياديين ومنكييري‬
‫وجود الله‪ :‬ميين خلل الحييديث عيين قييدرة اللييه فييي‬
‫ن الطبيعيية هييي‬
‫الكون‪ ،‬ثم نقض زعييم الملحييدين بييأ ّ‬
‫الييتي خلقييت الكييون‪ ،‬أو أن الكييون خلييق صييدفة‪،‬‬

‫‪146‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فالتقان والبداع في الكون همييا أكييبر دليلييين علييى‬
‫عظمة الخالق جل وعل وتوحيده‪.‬‬
‫وتخاطب هذه السورة فريقيا ً ثالثيًا‪ ،‬وهييم النيياس‬
‫الذين يؤمنون بالله لكنهم ل يريدون أن يطّبقوا هييذا‬
‫اليمان في سلوكهم‪ .‬فتوضح لهم ‪ -‬كما سيتبين معنا‬
‫ن اليمان ل‬
‫في آخر السورة وفي سبب تسميتها ‪ -‬أ ّ‬
‫يتجزأ‪ ،‬وأنييه يجييب أن يطب ّييق علييى العتقيياد القلييبي‬
‫وعلى السلوك معًا‪ .‬وهنا نفهييم أهمييية نزولهييا دفعيية‬
‫واحدة‪ ،‬وذلك للتأكيد على أن التوحيد متكامل جمليية‬
‫واحدة في العتقاد والتطبيق‪.‬‬
‫ترابط سور القرآن‬

‫وقبل أن نبدأ باستعراض آيات السورة‪ ،‬ل بييد أن‬
‫نلحظ تسلسيل سيور القيرآن فيي الحيوار ميع غيير‬
‫المسييلمين‪ :‬فسييور البقييرة وآل عمييران والنسيياء‬
‫والمائدة خاطبت أهل الكتيياب فييي محيياور مختلفيية‪،‬‬
‫بينمييا سييورة النعييام اختصييت بخطيياب المشييركين‬
‫)وخاصة مشركي مكة‪ ،‬لذلك كانت السورة مكية(‪.‬‬
‫وهناك ملحظيية لطيفية أخيرى فيي العلقية بيين‬
‫السييييييييييييييورة والسييييييييييييييورة الييييييييييييييتي‬
‫قبلها‪ .‬فسورة المائدة ختمييت بقييوله تعييالى‪ :‬للــه‬
‫مل ْ ُ‬
‫ن ‪ ‬كأنهييا‬
‫ما ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫ك ٱل ّ‬
‫هـ ّ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫في ِ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫ذى‬
‫مدُ للــه ٱّلــ ِ‬
‫تمهد لبداية سورة النعييام ‪‬ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ض ‪.‬‬
‫َ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ت َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪147‬‬

‫كلمتان تغمران القلب حبا ً )قل وهو(‪.‬‬

‫ن لسورة النعام ترتيبيا ً معينيا ً تسييير وفقيه مين‬
‫إ ّ‬
‫أول السورة إلى آخرها‪ ،‬وهو أن ترد أربييع أو خمييس‬
‫آيات تتحدث عن قييدرة اللييه تعييالى فييي الكييون ثييم‬
‫تليها بعد ذلك آيات أخرى تواجه الماديين ومن ينكيير‬
‫ن الطبيعة هييي الييتي خلقييت‬
‫وجود الله ومن يزعم أ ّ‬
‫الكون‪ ...‬وهكذا تسير اليات ميين أول السييورة إلييى‬
‫آخرها على هذا المنوال‪.‬‬
‫وأكثر آيات السورة تبدأ بإحدى الكلمييتين‪) :‬قــل‬
‫أو هــو(‪ .‬فمييا سييبب تكرارهمييا‪..‬؟! ومييا علقتهمييا‬
‫بمحور السورة؟‬
‫إّنك عندما تقرأ كل آية تبدأ بكلمة ‪‬هو ‪ ،‬تجد‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫أنها تتحدث عن قييدرة اللييه‪ ،‬كقييوله تعييالى ‪َ ‬‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫ٱلله ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫فى ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ض‪َ  ‬‬
‫ت َ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫فـ ـٰ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ّ‬
‫هُر‬
‫و ُ‬
‫قــا ِ‬
‫ٱّلــ ِ‬
‫هـ َ‬
‫كم ب ِٱل ّي ْــل ‪َ  ‬‬
‫ذى ي َت َ َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ه‬
‫ذى َ‬
‫و ُ‬
‫وق َ ِ‬
‫م ٰـ ـ ٰو ِ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ه‪َ ‬‬
‫ف ْ‬
‫ض ‪ .‬وأمييا آيييات مواجهيية الكفييار ‪ -‬والييتي‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫َ‬
‫تخاطب النبي )كما تخاطب كل مؤمن( وترشده إلى‬
‫كيفية مقييارعتهم بالحجيية ‪ -‬فتبييدأ بكلميية ‪‬قل‪ :‬‬
‫ق ْ َ‬
‫هـدةً ُ‬
‫‪ُ ‬‬
‫ل ٱلله َ‬
‫ىء أ َك ْب َُر َ‬
‫ى َ‬
‫د‬
‫ش َٰ‬
‫هي ٌ‬
‫لأ ّ‬
‫ق ِ‬
‫ش ْ‬
‫شــ ِ‬
‫م‪.( (19‬‬
‫وب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ب ِي ِْنى َ‬
‫جي ُ‬
‫‪ُ ‬‬
‫قــ ْ‬
‫ت ٱل َْبــّر‬
‫مـــٰ ِ‬
‫مــن ي ُن َ ّ‬
‫مــن ظُل ُ َ‬
‫م ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ل َ‬
‫ر‪ُ ‬‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫و ِ‬
‫ل ٱللــه ي ُن َ ّ‬
‫و ٱل ْب َ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫م ّ‬
‫جيك ُـ ْ‬
‫هــا َ‬
‫ق ِ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫بُ‬
‫ق‪ْ ‬‬
‫م‬
‫عـ َ‬
‫ث َ‬
‫قاِدُر َ‬
‫ل ُ‬
‫عل َ ٰى أن ي َب ْ َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ك َْر ٍ‬
‫ه َ‬

‫‪148‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫قك ُ َ‬
‫جل ِ ُ‬
‫من َ‬
‫ع َ‬
‫م‪ (63-‬‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫و ِ‬
‫ت أْر ُ‬
‫من ت َ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫و ِ ْ‬
‫ذابا ً ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ْ‬
‫مــا ل َ َين َ‬
‫‪ُ 65) ‬‬
‫ق ْ‬
‫عن َــا‬
‫ل أ َن َدْ ُ‬
‫عوا ْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫من ُ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫دو ِ‬
‫ن اليييات تخيياطب القييارئ‬
‫ول َ ي َ ُ‬
‫ضّرَنا‪ .( (71‬فكييأ ّ‬
‫َ‬
‫قائلة‪ :‬استشعر في نفسك من هو القييادر حييتى تمل‬
‫قلبك من حبه‪ ،‬ثم انطلق في مواجهة من يشكك فيي‬
‫إيمانك بوحدانيته وعظمته‪.‬‬
‫وقتنا هذه المقدمات‪ ،‬تعال معييي أخييي‬
‫بعد أن ش ّ‬
‫المسييلم لنعيييش مييع آيييات القييدرة والمواجهيية فييي‬
‫السورة‪.‬‬
‫بداية السورة موجة آيات القدرة‪.‬‬

‫تبدأ السورة بثلث آيات تظهر قدرة اللييه تعييالى‪:‬‬
‫ت‬
‫ذى َ‬
‫م ٰــــ ٰو ِ‬
‫مـــدُ للـــه ٱّلـــ ِ‬
‫ٱل ْ‪َ ‬‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خَلـــ َ‬
‫ح ْ‬
‫عـــ َ‬
‫م‬
‫مــــٰ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫و ٱلن ّـــوَر ث ْـــ ّ‬
‫ل ٱلظّل ُ َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ت َ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫ذى‬
‫ن‪ُ ‬‬
‫و ٱل ّ ـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ٱل ّ ـ ِ‬
‫دُلو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ َ‬
‫ف ـُروا ب َِرب ّ ِ‬
‫ضــى أ َجل ً َ‬
‫ق ُ‬
‫م َ‬
‫خل َ َ‬
‫جــ ٌ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫مــن ِ‬
‫وأ َ‬
‫َ‬
‫ن ُثــ ّ‬
‫م ّ‬
‫كــ ْ‬
‫َ‬
‫طيــ ٍ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫مى ِ‬
‫عن ـ َ‬
‫مس ـ ّ‬
‫ّ‬
‫هـ َ‬
‫دهُ‪ ‬وبعييدها قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫ٱللــه ِ‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ض يَ ْ‬
‫فــى ٱل ّ‬
‫عل َ ـ ُ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫ن ‪ .‬وقييوله‬
‫ما ت َك ْ ِ‬
‫ِ‬
‫سُبو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫سّرك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قــدْ َ‬
‫ف َ‬
‫تعييالى‪َ :‬‬
‫م‬
‫جــاء ُ‬
‫مــا َ‬
‫كــذُّبوا ْ ِبــ ٱل ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ق لَ ّ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫فسو َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫كاُنوا ْ ب ِـ ِ‬
‫زءو َ‬
‫سـت َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م أن َْباء َ‬
‫ه ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫ه ِ‬
‫ف ي َأِتي ِ‬
‫‪.( (5‬‬
‫ن يقرأهيا إليى أن يستشيعر‬
‫فهذه اليات تدعو َ‬
‫مي ْ‬
‫قييدرة اللييه تعييالى‪ ..‬فييإذا وجييد إدبييارا ً ميين الكفييار‬
‫المنكرين‪ ،‬استشييعر عظييم جرمهييم ومييدى جرأتهييم‬

‫سورة البقرة‬

‫‪149‬‬

‫وضللهم‪ ،‬وواجههم بآياتها‪.‬‬
‫الزمان‪ ..‬والمكان‬

‫ى لطيف يًا‪ ..‬فالييية )‪(12‬‬
‫وتلحظ فييي اليييات معن ي ً‬
‫تقول‪ُ  :‬‬
‫ض‬
‫ما ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫فى ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫من ّ‬
‫قل ل ّ َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫مـا َ‬
‫سـك َ َ‬
‫ه َ‬
‫وَلـ ُ‬
‫قل لله ‪ ،‬والييية )‪ (13‬تقييول‪َ  :‬‬
‫ر ‪ .‬الولييى تييذكر أن ّييه مل َي َ‬
‫ك‬
‫ِ‬
‫و ٱلن ّ َ‬
‫ل َ‬
‫فى ٱل ّي ْـ ِ‬
‫هــا ِ‬
‫ض ‪ ‬والثانييية تييذكر‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫المكان ‪‬ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫أنيييه مَلييي َ‬
‫ك ‪‬ٱل ّي ْـــ َ‬
‫هـــاَر ‪ ‬أي الزميييان‪،‬‬
‫و ٱلن ّ َ‬
‫ل َ‬
‫فسييبحان ميين خلييق الزمييان والمكييان وأخضييعهما‬
‫لملكه‪.‬‬
‫ما العلمة‪..‬؟!‬

‫ن الله ملك الزمان والمكان‪ ..‬فاقرأ‬
‫فإذا عرفت أ ّ‬
‫ل أَ َ‬
‫بعد ذلك آية المواجهة الرائعة‪ُ  :‬‬
‫قـ ْ‬
‫غي ْـَر ٱللــه‬
‫ول ِي ّـا ً َ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫أ َت ّ ِ‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ر ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫هـ َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫خذُ َ‬
‫فــاطِ ِ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫قـ ْ‬
‫ن‬
‫ي ُطْ ِ‬
‫ل إ ِن ّــى أ ِ‬
‫ن أك ُــو َ‬
‫تأ ْ‬
‫ول َ ي ُطْ َ‬
‫م ـْر ُ‬
‫عـ ُ‬
‫ع ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ن‪‬‬
‫ن ِ‬
‫نأ ْ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫سل َ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫أ ّ‬
‫شـ ِ‬
‫‪ُ (14) ‬‬
‫ق ْ‬
‫عـ َ‬
‫ب‬
‫ل إ ِّنى أ َ َ‬
‫ت َرب ّــى َ‬
‫ن َ‬
‫خا ُ‬
‫ف إِ ْ‬
‫ذا َ‬
‫صـي ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫ذ‬
‫ف َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫صـَر ْ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫ع ِ‬
‫و َ‬
‫عن ْـ ُ‬
‫ظيم ٍ ‪ّ  (15) ‬‬
‫مــن ي ُ ْ‬
‫ه ي َـ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫وذَِلــ َ‬
‫ك ٱل ْ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (16‬‬
‫قــدْ َر ِ‬
‫مِبيــ ُ‬
‫وُز ٱل ْ ُ‬
‫مــ ُ‬
‫ح َ‬
‫فــ ْ‬
‫ه َ‬
‫فاليات تريد منك أخي المسييلم أن تتحييرر ميين كييل‬
‫مظاهر العبودية لغير الله‪ ،‬أو الخييوف ميين مخلييوق‪،‬‬
‫فتلك علمة المعرفة وثمرة التصديق‪.‬‬
‫لحظ في كل ما سبق أن كلمة )قل( تأتي دائما ً‬
‫ن المعنيى‪ :‬استشيعر مين )هيو(‬
‫بعد كلمة )هو(‪ ،‬وكيأ ّ‬

‫‪150‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الله وامل قلبك بحبه‪ ،‬ثم تحرك و)قل(ميين هييو اللييه‬
‫وادع إليه وواجه كل من يشرك به‪.‬‬
‫حادثة عملية في المواجهة‬

‫ي ‪ :‬هل‬
‫ثم تأتي جماعة من الكفار ليقولوا للنب ّ‬
‫معك دليل على رسالتك؟من يشييهد لييك أنييك نييبي؟‬
‫ن إلهك واحد؟ فلقد سألنا اليهييود عنييك‬
‫ومن يشهد أ ّ‬
‫ليشهدوا لك فقالوا ل يوجد عندنا دليل‪ ..‬فترد عليهم‬
‫ق ْ َ‬
‫إحدى آيات المواجهة )الية ‪ُ  :(19‬‬
‫ى َ‬
‫ىء‬
‫لأ ّ‬
‫شـ ْ‬
‫هـدةً ُ‬
‫ل ٱللــه َ‬
‫أ َك ْب َُر َ‬
‫م‬
‫ش َٰ‬
‫وب َي ْن َك ُـ ْ‬
‫هيدٌ ب ِي ْن ِــى َ‬
‫ق ِ‬
‫شـ ِ‬
‫ذا ٱل ْ ُ‬
‫هـٰ َ‬
‫مــن‬
‫ى َ‬
‫وُأو ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ن ل ُن ْ ِ‬
‫قْرءا ُ‬
‫و َ‬
‫ذَرك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ى إ ِل َ ّ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫غ أئ ِن ّ ُ‬
‫م ل َت َ ْ‬
‫ة‬
‫ب ََلــ َ‬
‫هــ ً‬
‫نأ ّ‬
‫دو َ‬
‫مــ َ‬
‫ه ُ‬
‫ع ٱللــه ءال ِ َ‬
‫شــ َ‬
‫ن َ‬
‫كــ ْ‬
‫هدُ ُ‬
‫خَر ٰى ُ‬
‫قـ ْ‬
‫قل ل ّ أ َ ْ‬
‫د‬
‫أُ ْ‬
‫ه ٰو ِ‬
‫مــا ُ‬
‫حـ ٌ‬
‫شـ َ‬
‫و إ ِل َ ٰــ ٌ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫هـ َ‬
‫ر ُ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫ن ‪ ‬فهييل فييي الكييون‬
‫كو َ‬
‫م ّ‬
‫رىء ّ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫وإ ِن ِّنى ب َ ِ‬
‫كله أعظم من شهادة اللييه سييبحانه وتعييالى لنفسييه‬
‫ولنبيه‪.‬‬
‫وميييع أن السيييورة تيييوجهت بالخطييياب أساسيييا ً‬
‫للمشركين ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬لكنها تلمح في الييية )‪(20‬‬
‫إلى اليهييود الييذين أنكييروا وجييود الييدليل علييى نبييوة‬
‫ر ُ‬
‫محمد ‪: ‬‬
‫ه‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ب يَ ْ‬
‫م ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫ن آت َي ْن َ ٰـ ُ‬
‫ذي َ‬
‫فون َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ع ِ‬
‫ر ُ‬
‫م‪. ...‬‬
‫ن أ َب َْناء ُ‬
‫فو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫كَ َ‬
‫ع ِ‬
‫مشاهد حية من يوم القيامة‬

‫وأحيانييا ً تشييعرك اليييات أنييك تشيياهد مناظرهييا‬
‫وتسمع أهلها‪..‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪151‬‬

‫و ت َـَر ٰى إ ِذْ‬
‫و‬
‫‪‬ل َـ ْ‬
‫فهييا هييم يقفييون أمييام جهنييم َ‬
‫ول َ‬
‫ف َ‬
‫ر َ‬
‫ق ُ‬
‫فــوا ْ َ‬
‫و ِ‬
‫قــاُلوا ْ ٰيل َي ْت َن َــا ن ُـَردّ َ‬
‫ُ‬
‫عل َــى ٱلن ّــا ِ‬
‫ون َ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ن‪‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ب ِبـَئاَيـٰ ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ُك َذّ َ‬
‫مِني َ‬
‫مـ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ت َرب َّنا َ‬
‫‪ .((27‬ثم تنقلك اليات إلى وقفة جليلة مهيبة‪ ،‬لطالما‬
‫كيي ّ‬
‫ذب بهييا الكفييار وأنكروهييا‪ ،‬وقفيية أمييام جبييار‬
‫ق ُ‬
‫عَلــ ٰى‬
‫و‬
‫فــوا ْ َ‬
‫و ِ‬
‫‪ ‬ت ََر ٰىإ ِذْ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫السماوات والرض َ‬
‫قـا َ َ‬
‫ق َ‬
‫َرب ّ ِ َ‬
‫ه ٰــ َ‬
‫قـاُلوا ْ ب ََلـ ٰى‬
‫م‬
‫س َ‬
‫ذا ِبـ ٱل ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ل أل َْيـ َ‬
‫مــا ُ‬
‫ذو ُ‬
‫ل َ‬
‫وَرب َّنــا َ‬
‫قــا َ‬
‫عــ َ‬
‫فــ ُ‬
‫م‬
‫ذا َ‬
‫قوا ْ ٱل َ‬
‫كنُتــ ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫َ‬
‫ت َك ْ ُ‬
‫ن‪ .( (30‬وانظييير إليييى هيييؤلء المثقليييين‬
‫فــُرو َ‬
‫سيياق والفجييار بأحمييالهم الثقيليية‪..‬‬
‫المتعبين ميين الف ّ‬
‫َ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫وَزاَر ُ‬
‫و ُ‬
‫ح ِ‬
‫مل ُــو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫‪‬ـ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫أنظيير إليهييم َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (31‬‬
‫ر ِ‬
‫زُرو َ‬
‫م أل َ َ‬
‫ظُ ُ‬
‫ساء َ‬
‫ه ْ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫هو ِ‬
‫الصبر والتثبيت عند المواجهة‬

‫ول تكتفي اليييات بمييد النييبي ‪) ‬وبالتييالي كييل‬
‫الدعاة إلى الله( بالحجج والييردود اللزميية لمواجهيية‬
‫الكفار فحسب‪ ،‬بل أنها تثبته وتعينه على الصبر على‬
‫ول َ َ‬
‫ل‬
‫ق ِ‬
‫زىء ب ُِر ُ‬
‫ست ُ ْ‬
‫دٱ ْ‬
‫س ٍ‬
‫ما يلقاه من التكذيب‪َ  :‬‬
‫ه ِ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫من َ‬
‫مــا‬
‫سـ ِ‬
‫خُروا ْ ِ‬
‫حــاقَ ب ِٱل ّـ ِ‬
‫ف َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‪ ،( (10‬وتقيييول أيضيييًا‪:‬‬
‫كــاُنوا ْ ِبــ ِ‬
‫زءو َ‬
‫ســت َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه ِ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫ك َ‬
‫من َ‬
‫ول َ َ‬
‫س ٌ‬
‫ٰى‬
‫عَلــ‬
‫صب َُروا ْ َ‬
‫‪‬‬
‫قدْ ك ُذّب َ ْ‬
‫ت ُر ُ‬
‫ل ّ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وأو ُ‬
‫صُرَنا‪.( (34...‬‬
‫ذوا ْ َ‬
‫حت ّ ٰى أت َ ٰـ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ما ك ُذُّبوا ْ َ‬
‫ولكن قمة التثبيت تأتي في قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫د‬
‫قـ ْ‬
‫م لَ‬
‫حُزن ُـ َ‬
‫ن َ‬
‫ذى ي َ ُ‬
‫ك ٱّلــ ِ‬
‫قول ُــو َ‬
‫ه ل َي َ ْ‬
‫نَ ْ‬
‫ف ـإ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ي ُك َـذُّبون َ َ‬
‫ت ٱللــه‬
‫ن ِبـَئاَيـ ـٰ ِ‬
‫ظـ ٰـل ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫وَلـ ٰـك ِ ّ‬
‫ك َ‬

‫‪152‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ن‪ .( (33‬يييا محمييد‪ ،‬إن هييؤلء ل يك ي ّ‬
‫ذبون‬
‫دو َ‬
‫حـ ُ‬
‫ج َ‬
‫يَ ْ‬
‫شخصييك‪ ،‬إنهييم يكيي ّ‬
‫ذبون اللييه وآييياته‪ ،‬فهييو وّليييك‬
‫وناصرك من دونهم‪.‬‬
‫كلمات كالموج الهادر‬

‫وتمضي اليييات علييى نفييس السييياق‪ :‬آييية قييدرة‬
‫فآية مواجهة‪ .‬فتأتي آية رائعية فيي بيييان قيدرة الليه‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ول َ َ‬
‫ر‬
‫ة ِ‬
‫داّبــ ٍ‬
‫مــا ِ‬
‫مــن َ‬
‫و َ‬
‫ض َ‬
‫‪َ ‬‬
‫طــائ ِ ٍ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫فى‬
‫فّرطَْنا ِ‬
‫حي ْ ِ‬
‫يَ ِ‬
‫جَنا َ‬
‫طيُر ب ِ َ‬
‫م ّ‬
‫مث َ ٰـل ُك ُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫م ٌ‬
‫ه إ ِل ّ أ َ‬
‫من َ‬
‫ىء‪.( (38‬‬
‫ب ِ‬
‫ٱلك ِت َ ٰـ ِ‬
‫ش ْ‬
‫فييإذا جحييد هييؤلء الظييالمون بكتيياب اللييه‪ ،‬تبييدأ‬
‫اليات في الشدة بمواجهتهم‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قـ ْ َ َ‬
‫‪ُ ‬‬
‫عـ َ‬
‫و‬
‫م َ‬
‫ل أَرأي ْت ُك ُــم إ ِ ْ‬
‫ذا ُ‬
‫ن أَتـ ـٰك ُ ْ‬
‫ب ٱللــه أ ْ‬
‫َ‬
‫ن ِإن ُ‬
‫ة أَ َ‬
‫م‬
‫غْيـَر ٱللــه َتـدْ ُ‬
‫سا َ‬
‫ع ُ‬
‫عو َ‬
‫م ٱل ّ‬
‫كنُتـ ْ‬
‫أت َت ْك ُ ْ‬
‫ن‪.( (40‬‬
‫د ِ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫قي َ‬
‫َ‬
‫وتحييذرهم ميين التمييادي فييي المعاصييي حييتى ل‬
‫تطّبيييييييييييييييق عليهيييييييييييييييم السيييييييييييييييّنة‬
‫ما ُأوُتــوا ْ‬
‫ذا َ‬
‫‪‬ت ّ ٰى إ ِ َ‬
‫ح‬
‫ر ُ‬
‫الكونية في البشر َ‬
‫حوا ْ ب ِ َ‬
‫ف ِ‬
‫ة َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن‪.( (44‬‬
‫م بَ ْ‬
‫أَ َ‬
‫غت َ ً‬
‫ذا ُ‬
‫سو َ‬
‫مب ْل ِ ُ‬
‫خذْن َ ٰـ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وتأتي موجة جديدة من آيات المواجهة التي تبييدأ‬
‫بكلمة ‪‬قل ‪:‬‬
‫قـــ ْ َ َ‬
‫‪ُ ‬‬
‫م‬
‫ن أَ َ‬
‫م إِ ْ‬
‫م َ‬
‫خـــذَ ٱللـــه َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ســـ ْ‬
‫ل أَرأي ْت ُـــ ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫عل َ ٰى ُ‬
‫غْيــُر‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل َ ٰـــ ٌ‬
‫م ّ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫خت َ َ‬
‫ص ٰـَرك ُ ْ‬
‫وأب ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪153‬‬

‫ْ‬
‫ت‬
‫صــّر ُ‬
‫ه ٱن ْظُْر ك َي ْ َ‬
‫ف ٱل ْي َ ٰـــ ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ٱلله ي َأِتيك ُ ْ‬
‫ف نُ َ‬
‫َ‬
‫ل أ ََرأ َي ْت َ ُ‬
‫ن ‪ُ‬‬
‫د ُ‬
‫قــ ْ‬
‫م‬
‫م ُ‬
‫صــ ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫فو َ‬
‫ن أت َ ٰـــك ُ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ُثــ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫غَتــ ً َ‬
‫ك إ ِل ّ‬
‫هَلــ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫عــ َ‬
‫ب ٱللــه ب َ ْ‬
‫َ‬
‫ه ـَرةً َ‬
‫و َ‬
‫ذا ُ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ج ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن سييياق اليييات‬
‫مو َ‬
‫ن‪ .( (46-47‬إ ّ‬
‫و ُ‬
‫م ٱلظّ ٰـ ـل ِ ُ‬
‫ق ْ‬
‫والكلمييات يرقييق المشيياعر ويجعييل القلييب يخشييع‬
‫ويرغب في القرب من الله‪.‬‬
‫أسلوب جديد في المواجهة‬

‫ولن الييييات تجهّيييز النيييبي ‪ ‬لييييواجه قيييومه‬
‫بالدعوة‪ ،‬فإنها تستخدم أسلوبا ً جديدا ً في الييية )‪(57‬‬
‫ففي قوله تعالى‪ُ :‬‬
‫ق‪ْ ‬‬
‫من ّرّبى‬
‫ل إ ِّنى َ‬
‫عل َ ٰى ب َي ّن َ ٍ‬
‫ة ّ‬
‫ه‪  ...‬تأكيد على الثوابت العقائدية‪ ،‬وثقة‬
‫وك َذّب ُْتم ب ِ ِ‬
‫َ‬
‫بييالنفس تهييز الطييرف الخيير‪ .‬وهييي طريقيية دعوييية‬
‫مفيدة نتعلمها من آيات السورة‪.‬‬
‫شمول العلم والقدرة‬

‫وتبدأ اليات في موجة جديدة من عرضها لقييدرة‬
‫الخييالق‪ ،‬فييي سييياق يهييز القلييب ويحييرك أوتيياره‪:‬‬
‫م َ‬
‫و‬
‫ح ٱل ْ َ‬
‫هــا إ ِل ّ ُ‬
‫و ِ‬
‫ب ل َ يَ ْ‬
‫فاِتــ ُ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عنــدَهُ َ‬
‫غْيــ ِ‬
‫هــ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ق ُ‬
‫س ُ‬
‫مــن‬
‫ما ِ‬
‫ط ِ‬
‫و ٱل ْب َ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ر َ‬
‫فى ٱل ْب َّر َ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫وَر َ‬
‫ت‬
‫ة ِ‬
‫م ٰــــ ِ‬
‫حب ّـــ ٍ‬
‫قـــ ٍ‬
‫ول َ َ‬
‫ة إ ِل ّ ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫فـــى ظُل ُ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫هـــا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب‬
‫س إ ِل ّ ِ‬
‫فــى ك ِت َ ٰـ ـ ٍ‬
‫ول َ َرط ـ ٍ‬
‫ب َ‬
‫ض َ‬
‫ول َ ي َــاب ِ ٍ‬
‫ٱل ْْر ِ‬
‫ن‪ ( (59‬وكأنك ترى الورقة وهييي تسييقط فييي‬
‫ّ‬
‫مِبي ٍ‬
‫الصحراء أو على جبل أو في قاع بحر‪..‬‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫وميين الييذي يتييوفى النفييس؟ إنييه اللييه ‪َ ‬‬

‫‪154‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فـ ـٰ ُ‬
‫و ّ‬
‫حت ُــم‬
‫ٱّلــ ِ‬
‫جَر ْ‬
‫مــا َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َـ ُ‬
‫ل َ‬
‫كم ب ِٱل ّي ْ ـ ِ‬
‫ذى ي َت َ َ‬
‫ر‪ ( (60‬فكيف تشركون به؟‬
‫ب ِٱلن ّ َ‬
‫ها ِ‬
‫ومن الذي شييمل الخلييق علميا ً وعييددًا؟إنييه اللييه‬
‫هُر َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫سـ ُ‬
‫عل َي ْك ُــم‬
‫ل َ‬
‫وق َ ِ‬
‫و ُ‬
‫وي ُْر ِ‬
‫عب َــاِد ِ‬
‫قا ِ‬
‫ه َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫ة‪ ( (61‬أي ملئكيية تحفظكييم ميين الفييات‬
‫ظــ ً‬
‫َ‬
‫وتكتب أعمالكم من الحسنات والسيئات‪.‬‬
‫ومن الذي ينجي العباد من مهالييك الييبر والبحيير؟‬
‫إنه الله ‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ت ٱل ْب َـّر‬
‫مــٰ ِ‬
‫من ي ُن َ ّ‬
‫مــن ظُل ُ َ‬
‫م ّ‬
‫جيك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫ر‪ .( (63‬فكيف تشركون به؟‬
‫و ٱل ْب َ ْ‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫فإن شي ّ‬
‫كك أحييد فييي ذلييك فييإن الييية تييرد عليييه‬
‫َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫بقوة‪ُ :‬‬
‫ق‪ْ ‬‬
‫م‬
‫ع َ‬
‫ث َ‬
‫قاِدُر َ‬
‫ل ُ‬
‫عل َ ٰى أن ي َب ْ َ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫قك ُ َ‬
‫جل ِ ُ‬
‫من َ‬
‫ع َ‬
‫م‪( (65‬‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫و ِ‬
‫ت أْر ُ‬
‫من ت َ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫و ِ ْ‬
‫ذابا ً ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ْ‬
‫فمن الذي يخييرج عين قيدرته أو يغيييب عيين شييمول‬
‫علمه سبحانه وتعالى‪..‬؟!‬
‫فما هو شعور المؤمن الذي يقرأ سورة النعييام؟‬
‫إنه يشعر أن مشاعره تهتّز وهييي تنييزل علييى النييبي‬
‫ليل ً في موكب من الملئكة‪ ..‬يشعر بصوت الملئكيية‬
‫وهييم يس يّبحون اللييه لعظميية هييذه السييورة‪ ..‬فهييذه‬
‫السورة تزلزل النظرة النسييانية وتطييوف بالنسييان‬
‫لتأخييذه إلييى ملكييوت السييموات والرض والنهييار‬
‫والليييل والييبر والبحيير والشييمس والقميير والنجييوم‪..‬‬
‫تريك الجنات المعروشات‪ ..‬إنها تطلعييك علييى ملييك‬
‫الله عز وجل‪ ..‬حتى تصل إلى آيية أخيرى مين آييات‬
‫ت‬
‫هـ‬
‫ذى َ‬
‫و ُ‬
‫م ٰــــ ٰو ِ‬
‫و ٱّلـــ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خَلـــ َ‬
‫‪‬ــ َ‬
‫القيييدرة َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪155‬‬

‫ل ك ُــن َ‬
‫م يَ ُ‬
‫قــو ُ‬
‫ن‬
‫في َك ُــو ُ‬
‫ض ب ِـ ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫وي َـ ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫مل ْ ـ ُ‬
‫م ُين َ‬
‫َ‬
‫فـ ُ‬
‫فــى‬
‫خ ِ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫ه ٱل ْ ُ‬
‫ول َ ـ ُ‬
‫حــ ّ‬
‫ول ُ ُ‬
‫ك ي َـ ْ‬
‫ق َ‬
‫قـ ْ‬
‫و ٱل ّ‬
‫و‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ر َ‬
‫و ُ‬
‫ه ٰـــدَ ِ‬
‫ش َ‬
‫ع ٰـــل ِ ُ‬
‫غْيــ ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫هــ َ‬
‫ة َ‬
‫ب َ‬
‫صــ َ‬
‫و ِ‬
‫خِبيُر‪.( (73‬‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫رحلة مؤمنة‪ :‬سيدنا إبراهيم وقومه‬

‫وتبدأ السورة بعد ذلك في عرض قصيية إبراهيييم‬
‫ونظره في مظاهر قييدرة اللييه فييي الكييون‪ ..‬ليسييير‬
‫نسق اليات بين القدرة والمواجهة‪ .‬إن هييذه القصيية‬
‫ليست منفصلة عن ترتيب السورة بييل إنهييا و ّ‬
‫ظفييت‬
‫لتخدم الهدف تمامًا‪.‬‬
‫مل َ ُ‬
‫‪‬ك َذَل ِ َ‬
‫ت‬
‫و‬
‫رى إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫كــو َ‬
‫م َ‬
‫هي َ‬
‫يقول تعالى‪َ :‬‬
‫ك نُ ِ‬
‫ول ِي َ ُ‬
‫ن‬
‫مو ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫كو َ‬
‫ٱل ّ‬
‫قِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫عل َيه ٱل ّي ـ ُ َ‬
‫و َ‬
‫كب ـا ً َ‬
‫َ‬
‫قــا َ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫ذا‬
‫ل َ‬
‫ن َ ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ما َ‬
‫ج ّ‬
‫فل َ ّ‬
‫ل َرأى ك َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ما أ َ َ‬
‫َرّبى َ‬
‫قــا َ‬
‫ف َ‬
‫ن‪ (75-‬‬
‫ب ٱل ْ ِ‬
‫ل ل أُ ِ‬
‫حـ ّ‬
‫فِلي ـ َ‬
‫فل َ ّ‬
‫‪ .(76‬إنه ترتيييب السييورة نفسييه‪ ،‬فييإنه عليييه السييلم‬
‫ينظييير فيييي قيييدرة الليييه تعيييالى‪َ  :‬‬
‫فَلمـــا ّ َرَأى‬
‫ز َ‬
‫ة َ‬
‫قــا َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫ه ٰــ َ‬
‫ذا أ َك ْب َـُر‬
‫غ ً‬
‫ذا َرب ّــى َ‬
‫ل َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫س َبا ِ‬
‫ل ٰي َ‬
‫ت َ‬
‫مــا أ َ َ‬
‫َ‬
‫قــا َ‬
‫مــا‬
‫فَلــ ْ‬
‫م ّ‬
‫رىــء ّ‬
‫فل َ ّ‬
‫قــ ْ‬
‫وم ِ إ ِّنــى ب َ ِ‬
‫ر ُ‬
‫تُ ْ‬
‫ن الله ل شييك أنييه أعظييم‬
‫كو َ‬
‫ن‪ .( (78‬نعم ل ّ‬
‫ش ِ‬
‫ى‬
‫و ْ‬
‫و ّ‬
‫هـ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ت َ‬
‫من هذا كله ولذلك قييال‪ :‬إ ِن ّــى َ‬
‫هـ َ‬
‫ج ِ‬
‫ذى َ‬
‫مــا‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ض َ‬
‫فطََر ٱل ّ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫حِنيفـا ً َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪ .( (79‬وبعييد اسييتخدامه‬
‫ر ِ‬
‫أَنــا ْ ِ‬
‫كي َ‬
‫مــ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫شــ ِ‬
‫لسلوب عرض آيات القدرة تبدأ المواجهيية ‪َ ‬‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫داِنى‪ ( (80...‬مييع‬
‫قدْ َ‬
‫جوّنى ِ‬
‫ه َ‬
‫حا ّ‬
‫أت ُ َ‬
‫فى ٱلله َ‬

‫‪156‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ف‬
‫ول َ أ َ َ‬
‫خا ُ‬
‫تركيزه على نفي الشرك وتوحيد الله ‪َ ‬‬
‫ر ُ‬
‫شاء َرّبى َ‬
‫ه إ ِل ّ َأن ي َ َ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫شْيئا ً‪.( (80‬‬
‫ن بِ ِ‬
‫كو َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫لذلك أثنى الله على هذا السلوب الدعوي بقوله‬
‫يالى‪:‬ل ْ َ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫ك‬
‫م َ‬
‫وت ِ‬
‫ها إ ِب ْ ٰر ِ‬
‫ح ّ‬
‫‪ُ ‬‬
‫جت ُن َــا ءات َي ْن َ ٰــ َ‬
‫هيـ َ‬
‫تعي َ‬
‫َ‬
‫ه‪.( (83...‬‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫ومن جمال القرآن أنك ترى قصص النبياء تتكّرر‬
‫في القرآن الكريم‪ ،‬لكنها في كل مييرة تخييدم هييدف‬
‫السورة التي تذكر فيهييا‪ ،‬بإعجيياز يعجييز البشيير عيين‬
‫التيان بمثله‪.‬‬
‫فسورة النعام مثل ً أوردت جانبا ً من قصة سييدنا‬
‫إبراهييييم واليييذي يتعليييق بنظيييره فيييي آييييات الليييه‬
‫واستخدامه أسلوب القدرة والمواجهيية فييي الييدعوة‬
‫إلى الله فلم ترد قصيية إبراهيييم عليييه السييلم حييين‬
‫رماه قومه في النار مث ً‬
‫ل‪ ،‬لكنها وظفت لتخدم هدف‬
‫السورة وسياقها‪.‬‬
‫التحذير الشديد من الشرك‬

‫وفييي التعقيييب علييى قصيية إبراهيييم تييأتي آييية‬
‫محورية في التحذير من الشرك‪:‬‬
‫م‬
‫ٱ‬
‫‪ّ‬لــ ِ‬
‫م ٰـــن َ ُ‬
‫م ي َل ْب ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ســوا ْ ِإي َ‬
‫وَلــ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫مُنــوا ْ َ‬
‫ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ن‪‬‬
‫و ُ‬
‫دو َ‬
‫هت َـ ُ‬
‫م ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫مـ ُ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫م ٱل ْ ْ‬
‫هـ ُ‬
‫ن َ‬
‫ب ِظُل ْم ٍ أ ْ‬
‫‪.((82‬‬
‫لمييا نزلييت هييذه الييية شييق ذلييك علييى أصييحاب‬
‫رسييول الليه‪ ،‬قيالوا‪ :‬وأّينيا ليم يظليم نفسيه؟ فقييال‬

‫سورة البقرة‬

‫‪157‬‬

‫رسول الله‪ :‬ليس كمييا تظنييون‪ ،‬إنمييا هييي كمييا قييال‬
‫العبد الصييالح لبنييه)أي سيييدنا لقمييان(‪ :‬إن الشييرك‬
‫لظلم عظيم‪.‬‬
‫وحتى في الحديث عيين أحييب الخلييق إلييى اللييه‪،‬‬
‫كوا ْ‬
‫شـَر ُ‬
‫و أَ ْ‬
‫وَلـ ْ‬
‫وهم النبياء‪ ،‬تقول اليات بوضوح ‪َ ‬‬
‫حب ِ َ‬
‫ما َ‬
‫ن‪.( (88‬‬
‫ط َ‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫لَ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫قدرة ومواجهة في نفس الية‬

‫نصل إلى الييية )‪ (91‬والييتي اشييتملت فييي أولهييا‬
‫ق ـدَُروا ْ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫علييى آييية ميين أروع آيييات القييدرة‪َ  :‬‬
‫ه إ ِذْ َ‬
‫ق َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫ل ٱللــه َ‬
‫ر ِ‬
‫ٱلله َ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫قدْ ِ‬
‫من َ‬
‫بَ َ‬
‫ىء‪.( (100...‬‬
‫ر ّ‬
‫ش ْ‬
‫ش ٍ‬
‫وقف النبي ‪ ‬يوما ً في أصحابه وتل هييذه الييية‪،‬‬
‫جييد اللييه نفسييه‪ ،‬يقييول‪ :‬أنييا الملييك‪ ،‬أنييا‬
‫ثم قييال‪ :‬يم ّ‬
‫القدوس‪ ...‬وأخذ بترديد أسماء الله الحسنى‪ ،‬فنظيير‬
‫الصحابة إلى المنبر‪ ،‬وكان يرجف برسييول اللييه ميين‬
‫وقييع عظميية اللييه تعييالى‪ .‬إن الجميياد والخشييب قييد‬
‫اهتزا لجلل الله تعالى‪ ،‬بينما هناك قلوب لم تتحييرك‬
‫من خشيته أو لجلله‪ ،‬فتواجه الية في نصفها الثاني‬
‫هؤلء‪ُ  :‬‬
‫ن َأنَز َ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫جــاء ب ِـ ِ‬
‫ب ٱل ّ ِ‬
‫ذى َ‬
‫ل ٱل ْك َِتـٰ َ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ّ‬
‫س‪ُ ...‬‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫ه ً‬
‫مو َ‬
‫ل ٱللــه ث ُـ ّ‬
‫ُ‬
‫قـ ِ‬
‫سىٰ ُنورا ً َ‬
‫دى للن ّــا ِ‬
‫ن‪.( (91‬‬
‫فى َ‬
‫م ِ‬
‫ذَْر ُ‬
‫و ِ‬
‫عُبو َ‬
‫م ي َل ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫خ ْ‬
‫ض ِ‬
‫عودة إلى آيات القدرة‪ :‬أل تشعر بحبه؟‬

‫وتبدأ مييع اليييات )‪ (103 - 95‬موجيية رائعيية ميين‬

‫‪158‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ن‬
‫إظهار قدرة الله فييي جمييال الخلييق وإبييداعه‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ٱلله َ‬
‫ن‬
‫وىٰ ي ُ ْ‬
‫ى ِ‬
‫ج ٱل ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫ح ّ‬
‫ق ٱل ْ َ‬
‫م َ‬
‫فال ِ ُ‬
‫و ٱ لن ّ َ‬
‫ب َ‬
‫ح ّ‬
‫خ ِ‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫ت ِ‬
‫مي ّـ ِ‬
‫مي ّـ ِ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫مـ َ‬
‫ى ٰذل ِك ُـ ُ‬
‫ج ٱل ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ت َ‬
‫حـ ّ‬
‫خـ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ن ‪َ  (95) ‬‬
‫ؤ َ‬
‫ٱلله َ‬
‫فأ َن ّ ٰى ت ُ ْ‬
‫ح‬
‫كو َ‬
‫فــال ِ ُ‬
‫ق ٱل ِ ْ‬
‫ص ـَبا ِ‬
‫ســ َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ّ‬
‫ل ٱل ّْيــ َ‬
‫عــ َ‬
‫مــَر‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫ق َ‬
‫شــ ْ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫كنا ً َ‬
‫َ‬
‫سـَبانا ً ذٰل ِـ َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫عِليـم ِ ‪( (96‬‬
‫قـ ِ‬
‫ز ٱل ْ َ‬
‫ديُر ٱل ْ َ‬
‫ُ‬
‫ح ْ‬
‫زيـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫يظهر الله تعالى هنييا قييدرته فييي مثييالين مختلفييين‪:‬‬
‫مرة في أنه فالق الحب والنوى على صغرهما ومرة‬
‫أخرى أنه فالق الصباح ومظهييره ميين ظلميية الليييل‬
‫على اتساعه‪.‬‬
‫إن السورة تهز الفطرة النسانية التي تعرف ربها‬
‫جييدا ً وتيدين ليه بالوحدانيية‪ ،‬لكين ركيام الشيرك قيد‬
‫يغطي هذه الفطرة في بعض الحيان‪ ،‬فتأتي السييورة‬
‫لهز هذه الفطرة وكسر مظيياهر الشييرك عنهييا لتعييود‬
‫إلى الليه وتوحييده‪ .‬ليذلك فإنهيا تخياطب المشيركين‬
‫َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫م ٰـ ٰو ِ‬
‫بقولها‪ِ :‬‬
‫ض أن ّـ ٰى ي َك ُــو ُ‬
‫دي ُ‬
‫بَ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫وٱل ْْر ِ‬
‫ق ُ‬
‫ل َ‬
‫كـ ّ‬
‫ىء‬
‫و َ‬
‫حب َ ٌ‬
‫ص ٰــ ِ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫خَلـ َ‬
‫ن ّلـ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫لَ ُ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫ول َدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫شـ ْ‬
‫ل َ‬
‫و ب ِك ُ ّ‬
‫م‪ ( (101‬هل هناك من يجادل‬
‫ىء َ‬
‫و ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫في هذا‪..‬؟ فمن الذي خلق وأبييدع؟! إنييه رب القييدرة‬
‫م تَ ُ‬
‫‪ٰ ‬ى ي َ ُ‬
‫ن‬
‫وحده ل شريك له‪ :‬أ َن ّ‬
‫كو ُ‬
‫كــ ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ول َدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫و ب ِك ُـ ّ‬
‫ل َ‬
‫ق ك ُـ ّ‬
‫ىء‬
‫و َ‬
‫حب َ ٌ‬
‫ىء و ُ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫خل َ َ‬
‫لّ ُ‬
‫ه َ‬
‫هـ َ‬
‫ة َ‬
‫شـ ْ‬
‫شـ ْ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ل‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ه إ ِل ّ ُ‬
‫خ ٰـل ِ ُ‬
‫م ل إ ِل َ ٰـ َ‬
‫م ٱلله َرب ّك ُ ْ‬
‫عِليمٰ ‪‬ذل ِك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ل ‪ ‬لّ‬
‫ىء َ‬
‫كي ٌ‬
‫ل َ‬
‫عل َ ٰى ك ُ ّ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫فٱ ْ‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ىء َ‬
‫ه َ‬
‫دوهُ َ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ر ُ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫و ُ‬
‫رك ُ ُ‬
‫ك ٱل ْب ْ َ‬
‫ه ٱل ْب ْ َ‬
‫هـ َ‬
‫ص ٰـ ـَر َ‬
‫هـ َ‬
‫ص ٰـ ـُر َ‬
‫و ي ُ ـدْ ِ‬
‫ت ُ ـدْ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪159‬‬

‫خِبيُر‪.( (101-103‬‬
‫ف ٱل ْ َ‬
‫طي ُ‬
‫ٱ لل ّ ِ‬
‫كل ذلك لتأتي الييية المحورييية رقييم ‪َ  104‬‬
‫د‬
‫ق ْ‬
‫م ‪.‬‬
‫صائ ُِر ِ‬
‫َ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫م بَ َ‬
‫لقد اتضحت مظاهر عظميية اللييه تعييالى وقييدرته‬
‫َ‬
‫فل ِن َ ْ‬
‫صـَر َ‬
‫وقوته في الكون ‪َ ‬‬
‫ن‬
‫سـ ِ‬
‫ف ِ‬
‫مـ ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ى َ‬
‫هــا‪ ( (104‬فميين آميين وصييدق فهييو‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ف َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫مــ َ‬
‫المستفيد ومن كفر فهذا هو العمى الحقيقي‪ :‬عمييى‬
‫القلب والذي هو أخطر من عمى البصر‪.‬‬
‫كان ميًتا َ َ‬
‫َ‬
‫ه‪( (104‬‬
‫فأ ْ‬
‫من َ َ َ ْ‬
‫حي َي ْن َ ٰـ ُ‬
‫و َ‬
‫‪‬أ َ‬
‫ولتصييوير الفييرق بييين اليمييان والكفيير تسييتعمل‬
‫السورة أكثر من مثال وأكثر ميين تشييبيه‪ ،‬فهييي فييي‬
‫الية السابقة ‪ 104‬تشييبه الكفيير بييالعمى‪ ،‬لكنهييا فييي‬
‫الية )‪ (122‬تذهب إلى أبعد من هذا بكثير‪:‬‬
‫‪‬و مــن ك َــان ميت ًــا َ َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫فأ ْ‬
‫َ َ ْ‬
‫عل ْن َــا ل َـ ُ‬
‫حي َي ْن َ ٰــ ُ‬
‫أ َ َ‬
‫ه َ‬
‫فــي‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫شي ب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫مث َل ُ ـ ُ‬
‫مــن ّ‬
‫س كَ َ‬
‫ُنوًرا ي َ ْ‬
‫فى ٱلّنا ِ‬
‫هــا َ‬
‫كــذَل ِ َ‬
‫ن‬
‫س بِ َ‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ك ُزّيــ َ‬
‫ج ّ‬
‫ٱلظّل ُ َ‬
‫ت ل َْيــ َ‬
‫خــا ِ‬
‫ر ٍ‬
‫ما َ‬
‫ن‪ .‬بعد أن رأينييا كييل‬
‫ل ِل ْك َ ٰـ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫هذه اليييات المعجييزات علييى وجييود اللييه وتوحيييده‪،‬‬
‫ماذا يكون حال ميين يكفيير؟ إنييه كييالميت‪ ،‬لكيين ميين‬
‫رحمة الله تعالى أنه يهديه‪ ،‬فيحييه من جديييد‪ ،‬ل بييل‬
‫أكثر من ذلك‪ ،‬يجعل له نور التوحيد والهداية ليمشي‬
‫به في الناس ويدّلهم علييى طريييق اللييه‪ .‬مثييال رائع‬
‫بالمقارنة مع من يقبع فييي الظلمييات ول يريييد حييتى‬

‫‪160‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أن يفكر بالخروج منها‪ ،‬بل أن كفره وظلمييه مزّييين‬
‫له بأبهى صورة‪...‬‬
‫سبب التسمية‪ :‬توحيد في القصد والعمل‬

‫ويبقييى سييؤال أخييير وهييو‪ :‬لميياذا سييمّيت هييذه‬
‫السورة بالنعام؟‬
‫إن النعييام هييي المواشييي الييتي يقييوم النيياس‬
‫برعيها ويأكلون لحمها‪ ،‬ولكن ما العلقة بييين النعييام‬
‫وبين سورة تتحدث عن توحيد الله تعالى‪.‬‬
‫إن العلقة بينهما وثيقة جدًا‪ ،‬فإن السورة تناولت‬
‫موضوع توحيد الله تعييالى‪ ،‬وهييي تحييذر النيياس ميين‬
‫ن يقييول المييرء فييي‬
‫ن التوحيييد يكييون بييأ ْ‬
‫العتقاد بييأ ّ‬
‫حد الله وواقع حياته ل يشييهد بييذلك‪ ،‬بييل‬
‫نفسه أنا أو ّ‬
‫حد الله اعتقادا ً وتطبيقًا‪.‬‬
‫ينبغي أن يو ّ‬
‫حدون الله اعتقادا ً فهو يجزم‬
‫فكثير من الناس يو ّ‬
‫بهذا المر ول مجال للنقيياش أو الشييك فييي توحيييده‬
‫لله عّز وج ْ‬
‫ل ولكن إذا تأملنا واقع حياته‪ ،‬وهل يطبق‬
‫ن‬
‫شرع الله تعالى فييي كييل تصييرفاته فإننييا سيينجد أ ّ‬
‫المر مختلف‪.‬‬
‫ن توحيييد اللييه تعييالى ل يكييون فييي العتقيياد‬
‫إ ّ‬
‫ب بييل ل بييد ميين توحيييده فييي كييل تصييرفاتنا‬
‫فحس ي ْ‬
‫وحياتنا اليومية‪...‬‬
‫ن العيرب كيانوا‬
‫وسبب تسمية السورة بالنعييام أ ّ‬
‫ينظرون للنعام على أنها ثروتهم الساسية وعصييب‬

‫سورة البقرة‬

‫‪161‬‬

‫حياتهم‪ ،‬فتعاملوا معها عليى أنهيا تخصيهم ول علقية‬
‫عُلوا ْ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫لله تعالى بها ‪ -‬بزعمهم ‪ -‬يقييول تعييالى‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫صــيبا ً‬
‫عــام ِ ن َ ِ‬
‫حـْر ِ‬
‫مــا ذََرأ ِ‬
‫للــه ِ‬
‫و ٱل ْن ْ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫مـ َ‬
‫م ّ‬
‫ث َ‬
‫ش ـَر َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ذا ل ِ ُ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫كائ َِنا‬
‫ذا للــه ب َِز ْ‬
‫و َ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫ع ِ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫شَر َ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ص ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫مــا‬
‫فل َ ي َ ِ‬
‫كا َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫ل إ َِلى ٱلله َ‬
‫كائ ِ ِ‬
‫شـَر َ‬
‫َ‬
‫ن لله َ‬
‫ل إ ِل َـ ٰى ُ‬
‫صـ ُ‬
‫مــا‬
‫و يَ ِ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫ف ُ‬
‫ســاء َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫كائ ِ ِ‬
‫ن‪.( (136‬‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ه ٰـذ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ث‬
‫حْر ٌ‬
‫و‬
‫قاُلوا ْ َ ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه أن ْ َ‬
‫ع ٰـ ٌ‬
‫م َ‬
‫وبعد ذلك يقول َ‬
‫عمهم َ‬
‫من ن ّ َ‬
‫م‬
‫ِ‬
‫وأن ْ َ‬
‫جٌر ل ّ ي َطْ َ‬
‫ح ْ‬
‫م َ‬
‫ع ٰـ ٌ‬
‫ها إ ِل ّ َ‬
‫ع ُ‬
‫شاء ب َِز ْ ِ ِ ْ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫هوُر َ‬
‫م ل ّ ي َـذْك ُُرو َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ُ‬
‫مـ ْ‬
‫نٱ ْ‬
‫ت ظُ ُ‬
‫سـ َ‬
‫عـ ـٰ ٌ‬
‫حّر َ‬
‫هــا َ‬
‫كاُنوا ْ‬
‫ما َ‬
‫ها ٱ ْ‬
‫فت َِراء َ‬
‫ٱلله َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫سي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫ج ِ‬
‫زي ِ‬
‫فى ب ُ ُ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن َ‬
‫ما ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ٰـ ِ‬
‫فت َُرو َ‬
‫ه ٱ لن ْ َ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫طو ِ‬
‫ن ‪َ‬‬
‫ع ٰـم ِ‬
‫َ‬
‫ة ل ّـذُ ُ‬
‫وِإن‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫صـ ٌ‬
‫م َ‬
‫ح ـّر ٌ‬
‫و ُ‬
‫خال ِ َ‬
‫عل َـ ٰى أْز ٰو ِ‬
‫جن َــا َ‬
‫رَنا َ‬
‫كو ِ‬
‫شــَر َ‬
‫يَ ُ‬
‫ة َ‬
‫ه ُ‬
‫م‬
‫مي َْتــ ً‬
‫م ِ‬
‫فيــ ِ‬
‫ســي َ ْ‬
‫كاء َ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫هــ ْ‬
‫كــن ّ‬
‫ج ِ‬
‫زي ِ‬
‫ص َ‬
‫م َ‬
‫م‪.( (138 - 139‬‬
‫ح ِ‬
‫ه َ‬
‫ف ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫كي ٌ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫فهذا تحذير من توحيد الله اعتقادا ً فقييط دون أن‬
‫يكون لهييذا التوحيييد أثيير فييي التطييبيق‪ ..‬فإييياكم ثييم‬
‫حدوا الله تعييالى فييي العتقيياد وتخييالفوا‬
‫إياكم أن تو ّ‬
‫ذلك في التطبيق‪ .‬لهذا اختار ربنييا نوع يا ً ميين أخطيياء‬
‫التطييبيق وسييمى بييه السييورة حييتى يخيياف المييرء‬
‫ويسأل نفسه عن التطبيق كلمييا قييرأ آيييات التوحيييد‬
‫وعدم الشرك‪.‬‬
‫طريق السلمة‬

‫ولن التوحيد يشمل العتقاد والتطبيق جاء ختييام‬

‫‪162‬‬

‫سورة البقرة‬

‫السييورة ‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ى‬
‫سـ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ون ُ ُ‬
‫حي َــا َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫كى َ‬
‫ص ـل َِتى َ‬
‫ري َ‬
‫ن ‪ ‬لَ َ‬
‫ه‬
‫ع ٰـــل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫مــاِتى للــه َر ّ‬
‫مي َ‬
‫ك َلــ ُ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫شــ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وِبذٰل ِ َ‬
‫لأ َ‬
‫ن ‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫و ُ‬
‫غي َْر‬
‫سل ِ ِ‬
‫كأ ِ‬
‫مْر ُ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ل ٱل ْ ُ‬
‫وأن َا ْ أ ّ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ب‬
‫و ُ‬
‫ٱلله أب ْ ِ‬
‫ول َ ت َك ْ ِ‬
‫س ُ‬
‫و َر ّ‬
‫ىء َ‬
‫ه َ‬
‫غى َرّبا َ‬
‫ش ْ‬
‫ل نَ ْ‬
‫كُ ّ‬
‫ها‪.( (162 - 164‬‬
‫س إ ِل ّ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ف ٍ‬
‫فمن كانت ليه هذه القدرة أحييق بييأن يكييون ليييه‬
‫التوحيييد الخييالص فييي كييل مظيياهر حياتنييا الفكرييية‬
‫والروحية والعملية‪.‬‬
‫هييذه المعيياني كلهييا تلخصييت فييي ثلث آيييات‬
‫محورية في المواجهة على مدار السورة‪:‬‬
‫ل أَ َ‬
‫ول ِي ّـــا ً َ‬
‫‪ُ ‬‬
‫قـــ ْ‬
‫ر‬
‫غي ْـــَر ٱللـــه أ َت ّ ِ‬
‫خـــذُ َ‬
‫فـــاطِ ِ‬
‫ض‪.( (14‬‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫ح َ‬
‫‪‬أ َ َ‬
‫ذى‬
‫ف َ‬
‫و ُ‬
‫غي ْـَر ٱللــه أ َب ْت َ ِ‬
‫و ٱل ّ ـ ِ‬
‫غــى َ‬
‫هـ َ‬
‫كمـا ً َ‬
‫أ َن َــــــــــــَز َ‬
‫ب‬
‫م ٱل ْك ِت َ‬
‫ٰـــــــــــــ َ‬
‫ل إ ِل َي ْك ُــــــــــــ ُ‬
‫ص ً‬
‫م َ‬
‫ل‪.( (114...‬‬
‫ُ‬
‫ف ّ‬
‫ل أَ َ‬
‫‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫غى َرّبا‪.( (164...‬‬
‫غي َْر ٱلله أ َب ْ ِ‬
‫فهذه اليات الثلث ركزت علييى محيياور التوحيييد‬
‫الثلثة وهي التوحيد في الربوية وفييي المحبيية وفييي‬
‫الحتكام لشرع الله تعالى‪.‬‬
‫ختام السورة‪ :‬الستخلف‬

‫بعدما أكييد اللييه تعييالى ميين خلل آيييات السييورة‬
‫ملكييه للرض وإبييداعه لهييا وتصييرفه فيهييا‪ ،‬أعطانييا‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫و ٱل ّـ ِ‬
‫ج َ‬
‫ذى َ‬
‫عل َك ُـ ْ‬
‫ه َ‬
‫الرض واسييتخلفنا عليهييا‪َ  :‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪163‬‬

‫ض‪.( (165‬‬
‫َ‬
‫خَلـٰئ ِ َ‬
‫ف ٱل ْْر ِ‬
‫وهنا لفتة لطيفيية فييي الربييط بييين هييدف سييورة‬
‫النعييام وهييدف سييورة البقييرة )المسييؤولية عيين‬
‫ن الختام هنييا يمهّييد لسييورة العييراف‬
‫الرض(‪ .‬كما أ ّ‬
‫التي تناولت موضوع الصراع فيي الرض بيين الحيق‬
‫م َ‬
‫وَر َ‬
‫ض‬
‫ع َ‬
‫وق َ ب َ ْ‬
‫ع بَ ْ‬
‫فــ َ‬
‫ضــك ُ ْ‬
‫فــ ْ‬
‫والباطيييل‪َ ... :‬‬
‫عــ ٍ‬
‫م‪.( (165‬‬
‫م ِ‬
‫ج ٰـ ٍ‬
‫دََر َ‬
‫ما آت َ ٰـك ُ ْ‬
‫فى َ‬
‫وك ُ ْ‬
‫ت ل ّي َب ْل ُ َ‬
‫وانظر هنا لعلقة السور الرائعة مع بعضها‪:‬‬
‫ن السييور الثلث تييوجه رسييالة موحييدة‪ :‬يييا‬
‫وكييأ ّ‬
‫مسييلمون‪ ،‬بعييد أن فهمتييم أهمييية توحيييد اللييه فييي‬
‫التطبيق كما في العتقاد )سورة النعام(‪ ،‬فييإن اللييه‬
‫قد أعطاكم هذه الرض لتطّبقوا شرعه عمليًا‪ ،‬فأنتم‬
‫يييييا أميييية محمييييد مسييييؤولون عنهييييا )سييييورة‬
‫البقرة( فأين أنتم في الصراع على السييتخلف بييين‬
‫الحق والباطل )سورة العراف(؟‬

‫سورة العراف‬
‫سورة العراف )مكييية( نزلييت بعييد سييورة )ص(‬
‫وهي في المصحف بعد سييورة النعييام وعييدد آياتهييا‬
‫‪.206‬‬

‫قذائف الحق على الباطل‬

‫نزلت السورة في وقييت كييان الصييراع فيييه علييى‬
‫أشده بين المسلمين والكفار‪ .‬وبالتحديييد فييي الييوقت‬
‫‪ (‬بييالجهر بالييدعوة‪ .‬إنهييا مرحليية‬
‫الذي أمر به النبي )‬
‫جديدة‪ ،‬مرحلة فيهييا العلن والمواجهيية‪ ،‬وقييد يخجييل‬
‫البعييض أو يخيياف الذييية‪ ..‬أنزلييت السييورة فييي هييذا‬
‫الظرف وهذا الجو‪ ،‬لتتحدث عيين الصييراع بييين الحييق‬
‫والباطل وأن هذا الصراع سّنة كونية دائمة ومستمرة‬
‫منذ خلق الله الخلق إلى نهاية يوم القيامة‪.‬‬
‫فبدأت السورة بالصراع بين آدم وإبليس مع بييدء‬
‫الخليقة وأتبعته بالحوار بين أهل الجنيية وأهييل النييار‪،‬‬
‫وكأن المعنى‪ :‬هذه هييي نتيجيية الصييراع‪ :‬فريييق فييي‬
‫الجنة وفريق في النار‪ .‬وبعد ذلك رسمت خطا ً بيانيا ً‬
‫يظهيير الصييراع فييي تاريييخ البشييرية بييين كييل نييبي‬
‫وقييومه‪ ،‬ويظهيير أن نهاييية الصييراع دائم يا ً هييي هلك‬
‫‪164‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫العيييرا‬

‫سورة البقرة‬

‫‪165‬‬

‫الظالمين بسبب فسادهم‪ .‬وبين كل مقطع من هييذه‬
‫المقاطع تسألك السورة‪ :‬أين أنت من هذا الصراع؟‬
‫دد موقفك‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫وهذا المحييور لمناسييب جييدا ً لجييو الصييحابة فييي‬
‫المرحلة المكية كما أنه ينعكس على النيياس جميع يا ً‬
‫فييي كييل زمييان ومكييان‪ .‬ففييي كييل عصيير سيييعيش‬
‫النيياس مواقييف صييراع بييين الحييق والباطييل علييى‬
‫مسيييتوى الييدول والمييم وعلييى مسييتوى الحييياة‬
‫الشخصية أي بين النسان ونفسه‪.‬‬
‫ربما أنت السبب‪!..‬‬

‫والهييدف الييذي تييدور حييوله أحييداث السييورة‬
‫ومعانيها هو ضرورة تحديد الموقف وسط الصييراع‪..‬‬
‫حدد موقفك ييا مسيلم‪ ..‬فيي أي الفريقيين أنيت؟ ل‬
‫تكن من المتفرجين‪.‬‬
‫وهييذا المعنييى يبييدو واضييحا ً فييي قصييص النبييياء‬
‫الواردة في هذه السورة‪ ،‬والتي ر ّ‬
‫كزت على الفصل‬
‫بين المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى وبين الكفييار‪،‬‬
‫مع عدم ذكر أي فئة سييلبية أو متفرجيية‪ ،‬لن الصييل‬
‫أن يكون للنسييان موقييف محييدد فييي حييياته‪ .‬ففييي‬
‫قصة نوح مثل ً نرى أن ختام القصة كان‪َ  :‬‬
‫ه‬
‫فك َذُّبو ُ‬
‫َ َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫غَر ْ‬
‫في ٱل ْ ُ‬
‫قن َــا‬
‫ه ِ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫فل ْ ـ ِ‬
‫م َ‬
‫فأن َ‬
‫ذي َ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫جي َْنـٰ ُ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫ن‬
‫وما ً َ‬
‫ع ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ن ك َذُّبوا ْ ِبـَئاي َ ٰـت َِنا إ ِن ّ ُ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬

‫‪166‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪ ( (64‬وفي قصة هود‪:‬‬
‫‪َ َ ‬‬
‫مّنــا‬
‫مــ ٍ‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫ه ب َِر ْ‬
‫م َ‬
‫فأن َ‬
‫ذي َ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫عــ ُ‬
‫ن َ‬
‫جي َْنـــٰ ُ‬
‫ه َ‬
‫كاُنوا ْ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫داب َِر ٱل ّ ِ‬
‫عَنا َ‬
‫قط َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫ن ك َذُّبوا ْ ِبـَئاي َ ٰـت َِنا َ‬
‫َ‬
‫مـ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مــا ك َــا َ‬
‫مِني َ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫ن‪ .( (72‬وفييي قصيية لييوط‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫ه ِإل أن‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫وا َ‬
‫َ‬
‫قــــــــــــــــــ ْ‬
‫جــــــــــــــــــ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مــن َ‬
‫َ‬
‫س‬
‫قــاُلوا ْ أ ْ‬
‫جــو ُ‬
‫ر ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫قْري َت ِك ُـ ْ‬
‫هم ّ‬
‫م أن َــا ٌ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫‪‬‬
‫فَأن‬
‫ن‪‬‬
‫جي ْن َ‬
‫هــــــــُرو َ‬
‫)‪َ (82‬‬
‫ي َت َطَ ّ‬
‫ٰـــــــــ ُ‬
‫مَرأ ََتهُ‪ .‬وفي قصة شييعيب‪َ  :‬‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫وأ َ ْ‬
‫ه إ ِل ّ ٱ ْ‬
‫هل َ ُ‬
‫َ‬
‫مل ّت َِنــا‪.( (88‬‬
‫ست َك ْب َُروْا‪ِ ...‬‬
‫في ِ‬
‫مل َ ٱل ّ ِ‬
‫نٱ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫وفيييي قصيييية صييييالح‪َ  :‬‬
‫قـــا َ‬
‫ن‬
‫مل َ ٱّلـــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫م‪.( (75‬‬
‫ن ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ٱ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ست َك ْب َُروْا‪ ...‬ل ِ َ‬
‫وكييأن المعنييى فييي هييذا كلييه إمييا أن تكييون مييع‬
‫)الذين آمنوا معه( وإما أن تكييون مييع )الييذين كييذبوا‬
‫بآياتنا( فل وجود للفئة المتفرجة في هذه القصص‪.‬‬
‫فل َ ي َ ُ‬
‫ر َ‬
‫) َ‬
‫ه(‬
‫كن ِ‬
‫حَر ٌ‬
‫ك َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ج ّ‬
‫فى َ‬
‫صد ْ ِ‬

‫ب‬
‫بداية السورة تعلن هذا المعنى بوضوح ‪‬ك ِت َ ٰـ ٌ‬
‫ُ‬
‫فل َ ي َ ُ‬
‫ر َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫ز َ‬
‫ه‪‬‬
‫كن ِ‬
‫ح ـَر ٌ‬
‫ك َ‬
‫من ْـ ُ‬
‫ج ّ‬
‫فى َ‬
‫ص ـدْ ِ‬
‫أن ِ‬
‫‪ ((2‬مطلوب منك الجهر بتعاليم السلم‪ ،‬ل تستح من‬
‫نظيير أحييد أو انتقيياده‪ .‬فأحيان يا ً ميين قييوة الباطييل أو‬
‫انتشيياره قييد يخجييل البعييض ميين إظهييار الحييق‪ .‬ل‬
‫تخجلي من حجابك ول يخف مسييلم ميين إيييذاء أحييد‬
‫له‪ ..‬المسلم الحق يحزم أمره ويحسييم قضيياياه لن‬
‫فل َ ي َ ُ‬
‫الله قال له فييي افتتيياح السييورة ‪َ ‬‬
‫فــى‬
‫كن ِ‬
‫ر َ‬
‫ه ‪ .‬هييذه اليييات كمييا‬
‫ذَر ب ِـ ِ‬
‫ه ل ُِتن ِ‬
‫حَر ٌ‬
‫ك َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ج ّ‬
‫َ‬
‫صدْ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪167‬‬

‫أشييرنا سييابقا ً كييانت عنوان يا ً لبداييية مرحليية الييدعوة‬
‫الجهرية‪.‬‬
‫عــوا ْ‬
‫الية الثالثة تلح على نفييس المعنييى‪ :‬ٱت ّب ِ ُ‬
‫ُ‬
‫ل إ ِل َي ْ ُ‬
‫ز َ‬
‫ه‬
‫دوِنــ ِ‬
‫عوا ْ ِ‬
‫من ُ‬
‫ول َ ت َت ّب ِ ُ‬
‫من ّرب ّك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ما أن ِ‬
‫َ‬
‫ول َِياء ‪ ‬فهنا طلب جازم باتباع الحق فورا ً بل تردد‬
‫أ ْ‬
‫أو سلبية أو تطلع للطرق الخرى‪.‬‬
‫آدم وإبليس‪ :‬فدلهما بغرور‬

‫ومنذ بداية البشرية يبدأ الصراع بين آدم وإبليس‬
‫اليات )‪ ،(22 - 20‬فكيف كان إغواء إبليس لبوينييا؟‬
‫‪َ‬‬
‫ر‪ ( (22‬أي أن طريقيية الغييواء‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫فدَل ّ ٰـ ُ‬
‫ه َ‬
‫غ ـُرو ٍ‬
‫كييانت بتركهمييا فييي حيييرة وعييدم اسييتقرار‪ ،‬فكييان‬
‫استعمال كلمة )فدلهما( لتشبيهها بميين يييدلو دلييوه‬
‫في الييبئر ثييم يييتركه معلقيا ً وسييطه دون أن يحسييم‬
‫مكانه‪ .‬ولذلك فإن اليجابية وحسم المر ميين أقييوى‬
‫جند الحييق والسييلبية والييتردد طريييق المعصييية وإن‬
‫كان صاحبهما مؤمنًا‪.‬‬
‫العري‪ :‬سلح إبليس‬

‫لحظ تركيز إبليس على نوع من أنواع الفسيياد‪:‬‬
‫العري‪ ،‬وهذا واضح في اليات‪:‬‬
‫َ‬
‫ما ٱل ّ‬
‫مـا‬
‫ف‬
‫ن ل ِي ُْبـ ِ‬
‫ي لَ ُ‬
‫س لَ ُ‬
‫و ْ‬
‫شي ْطَ ٰــ ُ‬
‫ه َ‬
‫د َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫‪َ ‬‬
‫مـــــــــــن‬
‫ي َ‬
‫مـــــــــــا ِ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫مـــــــــــا ُ‬
‫وو ِ‬
‫ذا َ‬
‫ما‪ ( (20‬فماذا كانت النتيجة ‪َ ‬‬
‫ما َ‬
‫قا‬
‫َ‬
‫فل َ ّ‬
‫ه َ‬
‫س ْ‬
‫وءت ِ ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫ما‪.( (22...‬‬
‫ش َ‬
‫جَرةَ ب َدَ ْ‬
‫وءت ُ ُ‬
‫ما َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫س ْ‬

‫‪168‬‬

‫سورة البقرة‬

‫لذلك كان المر اللهي بالستر والتحذير ميين كييل‬
‫م َ‬
‫ق ـدْ َأنَزل ْن َــا‬
‫مظاهر كشف العورات‪ :‬ي َ‪ٰ ‬ـ ـب َِنى آدَ َ‬
‫ري ً‬
‫شا‪.( (26‬‬
‫َ‬
‫رى َ‬
‫م ل َِبا ً‬
‫وءت ِك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫س ْ‬
‫و ِ‬
‫سا ي ُ ٰو ِ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫م ٱل ّ‬
‫مــا‬
‫ي َ ٰـ‬
‫‪‬ـب َِنى آدَ َ‬
‫شي ْطَ ٰـ ـ ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫فت ِن َن ّك ُـ ُ‬
‫خــر َ‬
‫َ‬
‫وي ْ ُ‬
‫مــا‬
‫ع َ‬
‫ز ُ‬
‫جّنــ ِ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫أ ْ َ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫مــ َ‬
‫ه َ‬
‫كم ّ‬
‫ج أَبــ َ‬
‫ة َينــ ِ‬
‫ما‪.( (27...‬‬
‫ما َ‬
‫ري َ ُ‬
‫س ُ‬
‫ل َِبا َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫س ْ‬
‫ما ل ِي ُ ِ‬
‫وءت ِ ِ‬
‫خ ُ ْ‬
‫عندَ ك ُ ّ‬
‫د‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫ج ٍ‬
‫‪‬ي َ ٰـب َِنى ءادَ َ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫زين َت َك ُ ْ‬
‫س ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫‪.( (31‬‬
‫تعّلموا يا شباب من هييذه السييورة‪ ،‬أرأيتييم كييثرة‬
‫اليييات المحيي ّ‬
‫ذرة؟ تعّلمييوا سييتر العييورات وغييض‬
‫البصار‪ ،‬تعّلموا يا فتيات العفة والحشمة‪ ،‬واحسييموا‬
‫موقفكن من الحجاب بدون تردد‪ ،‬لن العييري سييلح‬
‫إبليس منذ بدء الخليقة‪ ،‬وانتشاره يساعد على نشيير‬
‫الرذيلة وسهولة المعصية‪ ،‬لذلك كان التعقيييب علييى‬
‫قصيية آدم قييوله تعييالى‪ُ  :‬‬
‫قـ ْ‬
‫ي‬
‫مــا َ‬
‫حـّر َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫م َرب ّـ َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (33...‬‬
‫ف ٰو ِ‬
‫هَر ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ما ظَ َ‬
‫ما ب َطَ َ‬
‫و َ‬
‫ش َ‬
‫ح َ‬
‫ها َ‬
‫ل ثالث بينهما‬

‫وبعد ذليك تقسيم السيورة النياس إليى صينفين‪:‬‬
‫أهل الجنة وأهل النار‪ ،‬وتأخييذك السييورة بعيييدا ً إلييى‬
‫يييوم القياميية‪ ،‬حييتى كأننييا نسييمع النييداءات بييين‬
‫‪‬ـادى أ َصح ٰـ ـب ٱل ْجن ّـ َ‬
‫ب‬
‫َ ِ‬
‫ح ٰـ ـ َ‬
‫ص َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫ون َـ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫الطرفييين‪َ :‬‬
‫قــا َ‬
‫ح ّ‬
‫ر َأن َ‬
‫هـ ْ‬
‫ل‬
‫و َ‬
‫عدََنا َرب َّنا َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫جدَْنا َ‬
‫ما َ‬
‫قدْ َ‬
‫ٱلّنا ِ‬
‫قــاُلوا ْ ن َع ـم َ َ‬
‫قــا َ‬
‫ح ّ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ف ـأ ذ ّ َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫َ ْ‬
‫عدَ َرب ّك ُ ْ‬
‫جدّتم ّ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ة ٱلله َ‬
‫عن َ ُ‬
‫عَلــى ٱلظّ ٰـــل ِ ِ‬
‫ؤذ ّ ٌ‬
‫م أن ل ّ ْ‬
‫ن ب َي ْن َ ُ‬
‫مي َ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪169‬‬

‫‪.( (44‬‬
‫فهمييا داران ل ثييالث لهمييا‪ ،‬لييذلك تييأتي كلميية‬
‫ب ‪ ‬لتفصييل‬
‫ما ِ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫حاسمة في الية ‪َ  46‬‬
‫بين الفريقين بشكل نهائي‪ .‬أمييا زلييت مييترددًا؟ ألييم‬
‫تحسييم موقفييك بعييد؟ اسييمع إذا ً نييداء السييتغاثة‪:‬‬
‫‪‬وَنادىٰ أ َصحـ ـٰب ٱلن ّــار أ َصحـ ـٰب ٱل ْجن ّ ـ َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ةأ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ما َرَز َ‬
‫م ٱلله‬
‫ضوا ْ َ‬
‫أَ ِ‬
‫في ُ‬
‫و ِ‬
‫عل َي َْنا ِ‬
‫م َ‬
‫قك ُ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ماء أ ْ‬
‫َ‬
‫ن‪‬‬
‫مــا َ‬
‫عل َــى ٱل ْك َ ٰــ ِ‬
‫قاُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫م ُ‬
‫ري َ‬
‫ه َ‬
‫حّر َ‬
‫ف ِ‬
‫‪ ((50‬واختر لنفسك أي المصيرين‪ ،‬وأي الدارين؟!‬
‫سبب تسمية السورة بالعراف‬

‫فلماذا سميت السورة بهييذا السييم )العييراف(؟‬
‫يقول تبارك وتعالى‪:‬‬
‫جــا ٌ‬
‫ل‬
‫عَلى ٱل ْ ْ‬
‫و َ‬
‫ما ِ‬
‫ر َ‬
‫عــَرا ِ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف ِ‬
‫ر ُ‬
‫م‪ ( (46‬أي بيييين الجنييية‬
‫ن ك ُل ّ ب ِ ِ‬
‫فــو َ‬
‫يَ ْ‬
‫م ٰـــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫سي َ‬
‫ع ِ‬
‫والنييار يعرفييون أهييل كييل منهمييا فينييادون أصييحاب‬
‫نــادوا ْ أ َصح ٰـــب ٱل ْجّنــ َ‬
‫م‬
‫الجنيية‪:‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ة أن َ‬
‫سل َ ٰـــ ٌ‬
‫و َ‪ْ َ ‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫ن‪( (46‬‬
‫م َيــدْ ُ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫خلو َ‬
‫عــو َ‬
‫م ُ‬
‫م ي َط َ‬
‫هــ ْ‬
‫م لــ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫‪‬إ ِ َ‬
‫م‬
‫و‬
‫ص ٰـــُر ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه ْ‬
‫ت أب ْ َ‬
‫ذا ُ‬
‫ويخييافون ميين النييار َ‬
‫صـ ِ‬
‫َ‬
‫ر َ‬
‫ت ِل ْ َ‬
‫ع‬
‫مـ َ‬
‫ج َ‬
‫قاُلوا ْ َرب َّنا ل َ ت َ ْ‬
‫ص َ‬
‫عل ْن َــا َ‬
‫حـٰ ِ‬
‫قاء أ ْ‬
‫ب ٱلّنا ِ‬
‫َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ف‬
‫ب ٱل ْ ْ‬
‫وم ِ ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫عَرا ِ‬
‫حـٰ ُ‬
‫ص َ‬
‫وَنا َ‬
‫مي َ‬
‫دىٰ أ ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ق ْ‬
‫مـا أ َ ْ‬
‫م َ‬
‫ر ُ‬
‫غن َـ ٰى‬
‫م بِ ِ‬
‫جال ً ي َ ْ‬
‫ر َ‬
‫م ٰــ ُ‬
‫فــون َ ُ‬
‫قــاُلوا ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫سي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫ما ُ‬
‫ن‪.( (47-48‬‬
‫َ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫م ُ‬
‫م َ‬
‫م تَ ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ج ْ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫فمن هم أصحاب العراف؟ إنهم أنيياس تسيياوت‬
‫حسييناتهم وسيييئاتهم‪ ،‬فهييم لييم يحسييموا مييواقفهم‬

‫‪170‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وأعمالهم في الحياة‪ .‬ولن الجزاء من جنس العمل‪،‬‬
‫ل )يسييمى‬
‫فهم يوم القيامة يحبسون فييي مكييان عييا ٍ‬
‫العراف( بين الجنة والنار‪ ،‬ليشرفوا على المكييانين‪.‬‬
‫والمترددون يشملون أصنافا ً كثيرة من الناس )لذلك‬
‫هناك أعراف كييثر وليسييوا عرفيا ً واحييدًا(‪ ،‬فإييياك أن‬
‫تكون أحدهم‪ ..‬أخي المسلم بادر إلييى اتبيياع طريييق‬
‫الحق ول تكن اعرافيًا‪ ،‬بل احسييم موقفييك لنييك قييد‬
‫تحرم حتى من أن تكون مع أصييحاب العييراف فييي‬
‫حال سوء الخاتمة والعياذ بالله‪.‬‬
‫قصص النبياء‪ :‬رسم بياني للصراع عبر التاريخ‬

‫وللتأكيد على الرسائل التي تحملها السورة‪:‬‬
‫‪ .1‬أن الصراع بين الحق والباطل دائم ولن يتوقف‪.‬‬
‫‪ 2‬أن الباطل منهزم ل محالة‪.‬‬
‫‪ 3‬أن السبب الساسي لهزيمة الباطل هو البعد عن‬
‫اللييه والفسيياد بأشييكاله المختلفيية )الخلقييي أو‬
‫القتصادي أو الجتماعي(‪.‬‬
‫تذكر لنا السورة قصصا ً لخمسة أنبياء ميين أنبييياء‬
‫الليييه وميييواجهتهم لقيييوامهم‪ .‬والملحيييظ أن هيييذه‬
‫القصص قييد ذكييرت مييرات عييدة فييي القييرآن‪ ،‬فمييا‬
‫الذي يمّيزها هنا؟ إنها تخدم هدف السورة في حسم‬
‫الموقف من الصراع‪ ،‬من خلل‪:‬‬
‫ إظهييار أن عناصيير المواجهيية بييين كييل النبييياء‬‫وأقييوامهم هييي تقريبيا ً نفسييها )مييع نفييس الكلمييات‬

‫سورة البقرة‬

‫‪171‬‬

‫أحيانًا(‪ ،‬وكل هذا لثبات قييدم الصييراع وتكييراره مييع‬
‫تغّير الشخاص والمم‪.‬‬
‫‪ٰ ‬ـ ـ َ‬
‫فكييانت دعييوة النبييياء كلهييا واحييدة ي َ‬
‫ق ْ‬
‫وم ِ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫غي ُْرهُ‪.( (59‬‬
‫ٱ ْ‬
‫ن إ ِل َ ٰـ ٍ‬
‫عب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫دوا ْ ٱلله َ‬
‫غ ُ‬
‫ت َرّبــى‪ ( (68...‬وحييتى‬
‫أ ُب َل‬
‫‪ُ ّ‬‬
‫س ٰـل ٰـــ ِ‬
‫ر َ‬
‫كــ ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مـــن‬
‫و َ‬
‫م أن َ‬
‫م ِذك ْـــٌر ّ‬
‫جـــاءك ُ ْ‬
‫جب ْت ُـــ ْ‬
‫ع ِ‬
‫الحجيييج ‪‬أ َ‬
‫م‪.( (69...‬‬
‫ّرب ّك ُ ْ‬
‫ انتهاء إلى تكييذيب الكفييار ‪‬إ ِّنا ل َن َـَرا َ‬‫فــي‬
‫ك ِ‬
‫ن ‪ (60)، ‬إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫ســ َ‬
‫ة‬
‫فا َ‬
‫ك ِ‬
‫َ‬
‫ه ٍ‬
‫في َ‬
‫ل ّ‬
‫ضل َ ٰـ ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫وإ ِّنا ل َن َظُن ّ َ‬
‫ن‪.( (66‬‬
‫ن ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ذِبي َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ الييتركيز علييى نهاييية الباطييل‪ ،‬تحييت قاعييدة‬‫"الجزاء من جنس العمل"‪.‬‬
‫ل‪ ،‬كانوا ينحتون من الجبييال بيوت يا ً‬
‫فقوم ثمود‪ ،‬مث ً‬
‫آمنين‪ ،‬فدعاهم أمنهم إلى الستكبار على دين اللييه‪،‬‬
‫فكان عقابهم الرجفية )واليتي يرافقهيا الخيوف‪ ،‬لن‬
‫الخوف ضد المن(‪ .‬هذه القاعدة تنطبق أيض يا ً علييى‬
‫قوم لوط الذين أسرفوا في الشييهوة الجنسييية ممييا‬
‫أدى بهم إلى مخالفيية الفطييرة النسييانية والشييذوذ‪،‬‬
‫م‬
‫وسييبب ذلييك السييراف‪ ،‬كمييا بينييت الييية ‪‬إ ِن ّك ُـ ْ‬
‫ْ‬
‫ساء َبــ ْ‬
‫ل َ‬
‫جا َ‬
‫ل‬
‫ل َت َأُتو َ‬
‫من ُ‬
‫ن ٱلّر َ‬
‫ن ٱل ن ّ َ‬
‫ش ْ‬
‫وةً ّ‬
‫دو ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ن‪ ،( (81‬لذلك كييان جزاؤهييم‬
‫فو َ‬
‫و ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫أنت ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫س ِ‬
‫مطرا ً من الحجارة‪.‬‬
‫‪ -‬التنبيه إليى أن سييبب هزيمية الباطيل إنميا هييو‬

‫‪172‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الفساد‪:‬‬
‫ففييي ثمييود ‪ -‬قييوم صييالح ‪ -‬كييان فسيياد الييترف‬
‫الييييييييييزائد هييييييييييو الييييييييييذي أهلكهييييييييييم‬
‫)الية ‪(74‬‬
‫أميييا قيييوم ليييوط‪ ،‬فكيييان فسيييادهم الخلقيييي‬
‫وشذوذهم الجنسي سببا ً لهلكهم اليات )‪.(81 - 80‬‬
‫وأميييا ميييدين ‪ -‬قيييوم شيييعيب ‪ -‬فكيييان الفسييياد‬
‫القتصادي هو المستشري فيهم‪:‬‬
‫‪َ َ ‬‬
‫ســوا ْ‬
‫و ُ‬
‫فوا ْ ٱل ْك َي ْ َ‬
‫ول َ ت َب ْ َ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫ميــَزا َ‬
‫خ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫فأ ْ‬
‫س أَ ْ‬
‫م‪.( (85...‬‬
‫شَياء ُ‬
‫ه ْ‬
‫ٱلّنا َ‬
‫ التحذير من الستكبار‪ ،‬لنه ميين أخطيير أسييباب‬‫الهلك‪:‬‬
‫ســت َك ْب َُروا ْ‬
‫فعبييارة ‪َ ‬‬
‫قــا َ‬
‫مل َ ٱّلــ ِ‬
‫نٱ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫من َ‬
‫ه‪ ( (74...‬نراها تتكرر مع ثمييود ومييدين‪،‬‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫ِ‬
‫ق ْ‬
‫كما نرى فييي أوائل السييورة الييتركيز علييى عبييارات‬
‫ســت َك ْب َُروا ْ‬
‫ن َ‬
‫ن ٱّلــ ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫وٱ ْ‬
‫ذي َ‬
‫كــذُّبوا ْ ِبـَئاَيـــٰت َِنا َ‬
‫هــا‪  ...‬اليييات )‪ 36‬و ‪ .(40‬ول يمكيين أن تتكييرر‬
‫َ‬
‫عن ْ َ‬
‫عبييارة بحييذافيرها فييي القييرآن ميين دون أن يكييون‬
‫هناك معنى مهم جدا ً ينبهنا إليه ربنا سبحانه‪.‬‬
‫ الييتركيز علييى نجيياة النييبي والييذين آمنييوا معييه‬‫وهلك الكييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييافرين‪،‬‬
‫بييييدون أي ذكيييير لي فئة متفرجيييية أو محايييييدة‪.‬‬
‫ف َ‬
‫‪َ َ ‬‬
‫ه‪َ  ...‬‬
‫ه‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫‪‬أن َ‬
‫م َ‬
‫فأن َ‬
‫ذي َ‬
‫جي ْن َ ٰـــ ُ‬
‫عــ ُ‬
‫ن َ‬
‫جي َْنـــٰ ُ‬
‫ه َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪173‬‬

‫جّنـــ َ‬
‫ك يــــٰ ُ‬
‫ن‬
‫ه ‪ ‬ل َن ُ ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫و ٱّلـــ ِ‬
‫عي ْ ُ‬
‫ش َ‬
‫ر َ‬
‫ذي َ‬
‫هَلـــ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫عـــــــــــــــــــــ َ‬
‫ك‪‬‬
‫م َ‬
‫مُنـــــــــــــــــــــوا ْ َ‬
‫ءا َ‬
‫اليات )‪.(88 - 83 - 72 - 64‬‬
‫بعد كل هذا‪ :‬أل زلت مترددا ً‬

‫ولحظ أخي المسلم تعقيييب القييرآن علييى هييذه‬
‫القصص‪:‬‬
‫‪ ‬ول َ ـ َ‬
‫وا ْ‬
‫و ٱت ّ َ‬
‫ل ٱل ْ ُ‬
‫هـ َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫وأ ّ‬
‫ق ـَرىٰ ءا َ‬
‫قـ ْ‬
‫من ُــوا ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫حَنا َ َ‬
‫هم ب ََر َ‬
‫لَ َ‬
‫ض‬
‫كـٰ ٍ‬
‫فت َ ْ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫ســ َ‬
‫ت ّ‬
‫ماء َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ ( (96‬فهييو يضييع كييل هييذه النميياذج ضييمن قاعييدة‬
‫كونية‪ :‬إما إيمان وحسم للموقف واتباع للنبياء‪ ،‬وإما‬
‫بأس شديد وعذاب أليم من الله‪.‬‬
‫وأنت أخي المسيلم تنيدرج تحيت هيذه القاعيدة‪،‬‬
‫فهل ما زلت مترددًا؟‬
‫إن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل ولو كييانت‬
‫نيتك غير ذلك‪ ،‬لنك أضعفت أهل الحق‪.‬‬
‫وإييياك أن تقييول "أنييا فييرد وليين أغييير شيييئا ً فييي‬
‫معادلة الصراع"‪ .‬فلو كان الحييق ينتصيير بوجييود‬
‫صادق ناجح‪ ،‬وهم الن ‪ 99‬وقييد تكييون أنييت المتمييم‬
‫للمييائة‪ ،‬وتقاعسييت‪ ،‬فييأنت إذا ً لييم تكمييل المييؤمنين‬
‫وأنت سبب في تراجعهم‪.‬‬
‫‪100‬‬

‫قصة موسى عليه السلم‬

‫وتصييل اليييات إلييى قصيية سيييدنا موسييى مييع‬
‫فرعون‪ ،‬سحرة فرعون‪ ،‬وبني إسييرائيل‪ .‬قصيية ميين‬

‫‪174‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أروع القصص في عرض نماذج الحسم والتردد‪.‬‬
‫والجدير بالذكر هنا أن قصة سيييدنا موسييى هييي‬
‫أكثر قصة مذكورة في القرآن على الطلق )ذكيرت‬
‫في ‪ 29‬جزءًا( )يقول النبي‪ :‬رحم الله أخييي موسييى‪،‬‬
‫لقييد كيياد أن يييذهب بثلييث القييرآن(‪ .‬لكيين سييورة‬
‫العييراف هييي أكييثر السييور تفصيييل ً لعلقيية موسييى‬
‫بقومه خاصة بعد خروجهم من مصر )فلم تذكر مثل ً‬
‫حادثة ولدته أو نشيأته فيي قصير فرعيون كمييا فيي‬
‫سورة القصص(‪ ،‬ولذلك بدأت بالصراع مباشرة ميين‬
‫أول آيييية‪َ ...‬‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫قب َ ُ‬
‫ع ٰــــ ِ‬
‫فـــ ٱنظُْر ك َي ْـــ َ‬
‫ف ك َـــا َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫فْر َ‬
‫س ٰى ٰي ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ُ‬
‫مو َ‬
‫دي َ‬
‫ل ُ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ن ‪َ (103) ‬‬
‫سو ٌ‬
‫ن‪ ،( (104‬كل هذا‬
‫ع ٰـل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫من ّر ّ‬
‫إ ِّنى َر ُ‬
‫مي َ‬
‫ل ّ‬
‫لنستفيد من مواقف الحسم والتردد في القصة‪.‬‬
‫حزم بدأ بسجدة‬

‫فعندما أتى السحرة لطلب القييرب ميين فرعييون‬
‫ومواجهة موسى عليه السلم‪ ،‬رأوا الية الدالة على‬
‫رسيييالته‪ ،‬فحسيييموا ميييوقفهم خلل دقيييائق وكيييان‬
‫و َ‬
‫حسمهم شديدا ً وفي منتهى القوة‪َ  :‬‬
‫ق‬
‫ع ٱل ْ َ‬
‫ق َ‬
‫ح ّ‬
‫ف َ‬
‫وب َ َ‬
‫مــا َ‬
‫هَناِلــ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫طــ َ‬
‫ك‬
‫ف ُ‬
‫غل ُِبــوا ْ ُ‬
‫مُلــو َ‬
‫كــاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫و ٱن َ‬
‫ة‬
‫حَر ُ‬
‫وأل ْ ِ‬
‫ص ٰــــ ِ‬
‫ســـ َ‬
‫ى ٱل ّ‬
‫ري َ‬
‫قل َُبـــوا ْ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫َ‬
‫قـــ َ‬
‫غ ِ‬
‫ن‪ ( (118-120‬بييدأ إيمييانهم بهييذه السييجدة‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫دي َ‬
‫س ٰـ ـ ِ‬
‫المؤمنة وتمسكوا بهذا اليمان رغم التهديييد بييالهلك‬
‫والتعذيب‪َ :‬‬
‫ب‬
‫‪‬‬
‫ع ٰـــل َ ِ‬
‫ن ‪َ ‬ر ّ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫مّنا ِبــَر ّ‬
‫مي َ‬
‫قاُلوا ْ ءا َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قــا َ‬
‫ه‬
‫فْر َ‬
‫ل ِ‬
‫و َ‬
‫م ب ِـ ِ‬
‫و ُ‬
‫ه ٰــُرو َ‬
‫مو َ‬
‫منت ُـ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫ُ‬
‫عـ ْ‬
‫سـ ٰى َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪175‬‬

‫قب َ َ‬
‫م‪.( (121-123...‬‬
‫ن ءاذَ َ‬
‫لأ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫وبعييد ذلييك يقييول لهييم فرعييون ‪‬ل َ‬
‫ن‬
‫قط ّ َ‬
‫عــ ّ‬
‫أ َي ـديك ُم َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫خل َ ٍ‬
‫وأْر ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ص ـل ّب َن ّك ُ ْ‬
‫ف ثُـ ّ‬
‫م ّ‬
‫جل َك ُـ ْ‬
‫م لَ َ‬
‫ْ ِ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‪ ( (124‬فماذا كان أثر ذلك على موقفهم؟‬
‫م ِ‬
‫أ ْ‬
‫عي َ‬
‫ج َ‬
‫من َ‬
‫َ‬
‫مّنــا‬
‫‪‬‬
‫ما َتن ِ‬
‫م ِ‬
‫قل ُِبو َ‬
‫ق ُ‬
‫و َ‬
‫قاُلوا ْ إ ِّنا إ ِل َ ٰى َرب َّنا ُ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫َ‬
‫جاءت َْنا‪( (125-126‬‬
‫مّنا ِبـَئاي َ ٰـ ِ‬
‫ِإل أ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت َرب َّنا ل َ ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫هكذا فييي إصييرار وعييدم تييردد رغييم تهديييد فرعييون‬
‫ووعيده‪ ،‬بل أنهم اسييتمدوا الصييبر والتمسييوا حسيين‬
‫ر ْ‬
‫الخاتميية ميين صيياحب الحييق‪َ :‬رب َّنا أ َ ْ‬
‫عل َي ْن َــا‬
‫غ َ‬
‫فـ ِ‬
‫و ّ‬
‫ن‪.( (126...‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫فَنا ُ‬
‫َ‬
‫وت َ َ‬
‫صب ًْرا َ‬
‫فساد فرعون‬

‫بعد أن رأينا في قصييص النبييياء السييابقة أنواعيا ً‬
‫مختلفة ميين الفسيياد‪ ،‬تييأتي قصيية موسييى وفرعييون‬
‫لترينا قمة في الفساد‪:‬‬
‫ســن ُ َ‬
‫‪َ ...‬‬
‫قت ّ ُ‬
‫قــا َ‬
‫حِيـــى‬
‫ل أ َب َْنــاء ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫ون َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫وإ ِّنا َ‬
‫ن‪.( (127‬‬
‫ساء ُ‬
‫هُرو َ‬
‫ق ُ‬
‫نِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ف ْ‬
‫م َ‬
‫ق ٰـ ِ‬
‫فكييان العقيياب الربيياني متييدرجا ً لييذلك الظييالم‬
‫وقومه‪:‬‬
‫‪َ َ ‬‬
‫م ٱل ّ‬
‫ســل َْنا َ َ‬
‫طو َ‬
‫فــا َ‬
‫جــَرادَ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫فأْر َ‬
‫هــ ُ‬
‫ن َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ضــــ َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫مــــ َ‬
‫ت‬
‫فاِد َ‬
‫و ٱل ّ‬
‫م ءاي َ ٰـــــ ٍ‬
‫و ٱلــــدّ َ‬
‫ق ّ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ت‪.( (133...‬‬
‫صل َ ٍ‬
‫ّ‬
‫ف ّ‬
‫فف الله عنهم‪ ،‬لكيين ‪‬إ ِ َ‬
‫ن‪‬‬
‫فخ ّ‬
‫ذا ُ‬
‫م َينك ُث ُــو َ‬
‫هـ ْ‬
‫‪ ((135‬فماذا كان العقاب؟‬

‫‪176‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فأ َ ْ‬
‫غَر ْ‬
‫م َ‬
‫ف ٱن ت َ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫قَنـٰ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫فــي ٱل ْي َ ـ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫هــا َ‬
‫ن‪‬‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫غ ٰـ ـ ِ‬
‫عن ْ َ‬
‫ب ِأن ّ ُ‬
‫فِلي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ك َذُّبوا ْ ِبـَئاي َ ٰـت َِنا َ‬
‫‪.((136‬‬
‫دد‬
‫بنو إسرائيل‪ :‬سلبية وتر ّ‬

‫وبالمقابل‪ ،‬ترينا اليات نموذجا ً آخير لليترّدد وهيم‬
‫عيُنوا ْ‬
‫س ـت َ ِ‬
‫بنو إسرائيل‪ ،‬فعندما قال لهم نييبّيهم ‪‬ٱ ْ‬
‫مــن‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫رث ُ َ‬
‫هــا َ‬
‫ن ٱل ْر َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ب ِٱلله َ‬
‫ض لله ُيو ِ‬
‫يَ َ‬
‫ن‪( (128‬‬
‫قب َ ُ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ع ٰـ ـ ِ‬
‫ن ِ‬
‫عب َــاِد ِ‬
‫شاء ِ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫قي ـ َ‬
‫م ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫فماذا كان جوابهم؟‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫من َ‬
‫‪َ ‬‬
‫د‬
‫ع ِ‬
‫و ِ‬
‫قاُلوا ْ أوِذيَنا ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ل أن ت َأت ِي ََنا َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫جئ ْت ََنا‪.( (129‬‬
‫َ‬
‫ما ِ‬
‫فرد ّ عليهم موسيى ليعلمهيم حسين الظين بيالله‬
‫والذي هو أمر أساسي من متطلبات الحسم‪:‬‬
‫َ‬
‫ســ ٰى َرب ّ ُ‬
‫هِلــ َ‬
‫قــا َ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫ل َ‬
‫َ‪‬‬
‫م أن ي ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫وك ُ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫عــدُ ّ‬
‫فَين ُ‬
‫ض َ‬
‫خل ِ َ‬
‫ف‬
‫ســـت َ ْ‬
‫ظـــَر ك َْيـــ َ‬
‫م ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫فك ُ ْ‬
‫َ‬
‫فـــى ٱل ْْر ِ‬
‫ن‪.( (129‬‬
‫مُلو َ‬
‫تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫فاليتييان )‪ (129 - 128‬تؤكييدان علييى أن الحييزم‬
‫وعيييييييييييييييييييييييييييدم اليييييييييييييييييييييييييييتردد‬
‫أمييران أساسيييان فييي امتحييان السييتخلف علييى‬
‫الرض‪ ،‬وهذا ما لم يفهمه بنو إسرائيل‪.‬‬
‫حتى في العقيدة‬

‫ويظهر بنو إسييرائيل فييي مواقييف أخييرى تييوحي‬
‫أنهييم يعيشييون بل غاييية ول هييدى حييتى فييي أمييور‬

‫سورة البقرة‬

‫‪177‬‬

‫العقييييدة‪ .‬ففيييي اليييية ‪ 138‬نيييرى قيييوله تعيييالى‬
‫ٱ ْبحر َ َ‬
‫سرءي َ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫ج‬
‫وا ْ َ‬
‫و َ‬
‫وْزَنا ب ِب َِنى إ ِ ْ‬
‫ف ـأت َ ْ‬
‫ل ل َ ْ َ‬
‫‪ٰ ‬ـ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عك ُ ُ‬
‫َ‬
‫م ‪ ‬لقد كانوا منذ‬
‫ن َ‬
‫فو َ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫صَنام ٍ ل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ٰى أ ْ‬
‫ق ْ‬
‫قليييل يعييبرون البحيير‪ ،‬وقييد رأوا فرعييون وجنييده‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫وغرقهييم‪ ،‬فميياذا كييان مييوقفهم التييالي‪َ  :‬‬
‫ة َ‬
‫قــا َ‬
‫ع ْ‬
‫ل‬
‫ه ٌ‬
‫ج َ‬
‫سى ٱ ْ‬
‫م ءال ِ َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ل ل َّنا إ ِل َ ٰـ ً‬
‫مو َ‬
‫ه ْ‬
‫ها ك َ َ‬
‫ٰي ُ‬
‫م َ‬
‫م عيين‬
‫هُلو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫و ٌ‬
‫ج َ‬
‫ن ‪ .‬هذا السؤال الذي ين ّ‬
‫إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫قمة في الجهل أتى في نفس الية التي تحكي قصة‬
‫نجاتهم ليرينا الله تعالى حاليية الييتردد وعييدم الثبييات‬
‫عندهم‪.‬‬
‫َ‬
‫قوة ْ‬
‫م َ‬
‫مْر َ‬
‫) َ‬
‫خ ُ‬
‫ها(‬
‫ك ي َأ ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫خذ ْ َ‬
‫ذوا ْ ب ِأ ْ‬
‫سن ِ َ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫وأ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ها ب ِ ُ ّ ٍ َ‬

‫ث عليى‬
‫كانت أغلب أوامر الله لبني إسرائيل تحي ّ‬
‫تطبيق أمر الله ودينه بقوة‪.‬‬
‫قــوة ْ‬
‫ففييي الييية )‪َ  :(145‬‬
‫مــْر‬
‫ف ُ‬
‫خــذْ َ‬
‫وأ ُ‬
‫ها ب ِ ُ ّ ٍ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ها ‪.‬‬
‫ك ي َأ ْ ُ‬
‫ذوا ْ ب ِأ ْ‬
‫سن ِ َ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫مــا ءات َي َْنــا ُ‬
‫خــ ُ‬
‫كم‬
‫وفيييي اليييية )‪ُ  :(171‬‬
‫ذوا ْ َ‬
‫بِ ُ‬
‫ة‪. ...‬‬
‫و ٍ‬
‫ق ّ‬
‫فكيف كان أخذهم لوامر الله؟‬
‫تركهم موسى وذهب للقاء ربه‪ ،‬فماذا فعلوا؟‬
‫خــذَ َ‬
‫ن‬
‫و‪‬ٱت ّ َ‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫عــ ِ‬
‫ســ ٰى ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫و ُ‬
‫مو َ‬
‫مــ ْ‬
‫م ُ‬
‫قــ ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫جل ً َ‬
‫ع ْ‬
‫ُ‬
‫ج َ‬
‫ســـــــــــدا ً ل ّـــــــــــ ُ‬
‫هـــــــــــ ْ‬
‫حل ِي ّ ِ‬
‫واٌر‪.( (148‬‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫فتنكر عليهم اليات بشدة‪:‬‬

‫‪178‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫هــ ِ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ل َ ي ُك َل ّ ُ‬
‫وا ْ أّنــ ُ‬
‫‪‬أَلــ ْ‬
‫م َ‬
‫م َيــَر ْ‬
‫دي ِ‬
‫ق َ‬
‫و َ‬
‫خ ُ‬
‫ط‬
‫سِبيل ً ٱت ّ َ‬
‫سـ ِ‬
‫كاُنوا ْ ظَ ٰـل ِ ِ‬
‫مــا ُ‬
‫َ‬
‫مي َ‬
‫ول َ ّ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ذوهُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضـّلوا ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫قــاُلوا ْ ل َِئن‬
‫قـدْ َ‬
‫فى أي ْ ِ‬
‫وا ْ أن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫وَرأ ْ‬
‫م َ‬
‫دي ِ‬
‫فــْر ل ََنــا ل َن َ ُ‬
‫ن‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ي َْر َ‬
‫مــ َ‬
‫كــون َ ّ‬
‫ح ْ‬
‫ّلــ ْ‬
‫مَنــا َرب َّنــا َ‬
‫ن‪.( (148-149‬‬
‫ٱل ْ َ‬
‫خ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫فهييم يشييكون ميين عييدم الوضييوح والحييزم فييي‬
‫تدّينهم وعلقتهم مع الله‪.‬‬
‫وبذلك يظهر الفارق واضييحا ً بييين السييحرة وبييين‬
‫بنيييي إسيييرائيل‪ ،‬بيييين تحيييدي السيييحرة لفرعيييون‬
‫َ‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫ض‪ ( (72‬وبييين ‪َ ‬‬
‫ت َ‬
‫فٱ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ما أن َ‬
‫ض َ‬
‫قا ٍ‬
‫ق ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫من َ‬
‫جئ ْت ََنا ‪‬‬
‫ع ِ‬
‫و ِ‬
‫أوِذيَنا ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫د َ‬
‫ما ِ‬
‫ل أن ت َأت ِي ََنا َ‬
‫قب ْ ِ‬
‫‪.((129‬‬
‫بييين َ‬
‫ن‪( (121‬‬
‫‪‬‬
‫ع ٰـ ـل َ ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫من ّــا ب ِـَر ّ‬
‫مي َ‬
‫قاُلوا ْ آ َ‬
‫ع ْ‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫التي أتت دون تردد من السييحرة‪ ،‬وبييين ‪‬ٱ ْ‬
‫ة‪ ( (138‬التي صدرت من‬
‫ه ٌ‬
‫م ءال ِ َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ل َّنا إ ِل َ ٰـ ً‬
‫ه ْ‬
‫ها ك َ َ‬
‫بني إسرائيل رغم المعجزات الكبيرة التي رأوها‪.‬‬
‫فَرق الثلث‬
‫ال ِ‬

‫وتأتي مباشرة بعد قصة موسى مع بني إسرائيل‬
‫قصة أصحاب السبت اليات )‪ :(167 - 163‬وملخصها‬
‫أن بعييض بنييي إسييرائيل احتييالوا علييى شييرع اللييه‬
‫فارتكبوا جرما ً شديدا ً وهييو الصيييد فييي اليييوم الييذي‬
‫حّرم الله عليهم العمل فيه )يوم السبت( فيياختبرهم‬
‫اللييه بإرسييال السييمك يييوم السييبت أمييام أعينهييم‬

‫سورة البقرة‬

‫‪179‬‬

‫بكثرة‪ ..‬فتحايلوا على المر وأخذوا يضيعون الشيباك‬
‫في الجمعة ليل ً ويجمعون ما فيها صباح الحييد‪ .‬فبييدأ‬
‫بعييض المييؤمنين اليجييابيين فييي أمرهييم بييالمعروف‬
‫ونهيهم عن المنكر‪ ،‬حتى يكون لهم حجيية عنييد لقيياء‬
‫الله بأنهم حاولوا الصلح‪ ،‬والهداية تأتي من الله‪.‬‬
‫أما بعض المؤمنين فقد وقفوا موقف يا ً سييلبيا ً بييل‬
‫أخييييييييييذوا يعتبييييييييييون علييييييييييى الييييييييييذين‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عيين المنكيير‪َ  .‬‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫مــا ٱللــه‬
‫مـ ٌ‬
‫م تَ ِ‬
‫عظُــو َ‬
‫قــال َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫و ً‬
‫م ل ِـ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ة ّ‬
‫تأ ّ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫قــاُلوا ْ‬
‫دا َ‬
‫ذابا ً َ‬
‫عــ َ‬
‫م َ‬
‫شــ ِ‬
‫دي ً‬
‫م َ‬
‫عــذّب ُ ُ‬
‫هل ِك ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫و ُ‬
‫هــ ْ‬
‫ُ‬
‫مأ ْ‬
‫م ي َت ّ ُ‬
‫ن‪.( (164‬‬
‫ع ِ‬
‫قو َ‬
‫ول َ َ‬
‫م ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ذَرةً إ ِل َ ٰى َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫أصبح هناك فرقة عاصييية وفرقيية إيجابييية قييامت‬
‫بواجب الصلح وفرقة سلبية لم تتحرك ولم تصييلح‪،‬‬
‫فماذا كان مصير كل واحدة من هؤلء؟‬
‫نجاة‪ ..‬وعذاب‪ ..‬وإهمال‬

‫لييم يسييتجب أصييحاب السييبت لنصييح المييؤمنين‬
‫مــا ذُك ّـُروا ْ‬
‫فأنزل الله بهم العقوبة‪َ  :‬‬
‫ما ن َ ُ‬
‫سوا ْ َ‬
‫فل َ ّ‬
‫ب َ‬
‫خــذَْنا‬
‫وأ َ َ‬
‫ن َ‬
‫جي َْنا ٱل ّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه أن َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ن ي َن ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ســوء َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ِ‬
‫كــاُنوا ْ‬
‫مــا َ‬
‫عــ َ‬
‫ٱّلــ ِ‬
‫مــوا ْ ب ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫س بِ َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫ذا ٍ‬
‫ب ب َِئيــ ٍ‬
‫س ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‪.( (165‬‬
‫قو َ‬
‫ف ُ‬
‫الفرقة اليجابية أنجاها الله تعييالى ميين العييذاب‪،‬‬
‫والفرقة العاصية أخذها الله تعالى بعذاب بئيس أمييا‬
‫الفرقييية السيييلبية اليييتي آثيييرت موقيييف المشييياهد‬
‫المتفرج‪ ،‬فقد أهمل القرآن ذكرها واختلييف العلميياء‬

‫‪180‬‬

‫سورة البقرة‬

‫في ذلك‪.‬‬
‫ فمنهم من قال أنهييم لييم يسييتحقوا أن يييذكروا‬‫لنهييم كييانوا سييلبيين فلييم يييذكر اللييه لهييم مصيييرا ً‬
‫وسيماهم يوم القيامة كيف يشاء‪...‬‬
‫ والرأي الثاني يرى أنهم قد دخلوا مع الظالمين‬‫ن‬
‫وأ َ َ‬
‫خــذَْنا ٱّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫وهييم معنيييون بقييوله تعييالى ‪َ ‬‬
‫موا ْ ‪ ‬فهم والذين اقترفوا المعاصي سواء فييي‬
‫ظَل َ ُ‬
‫هييذا الحكييم‪ ،‬لنهييم بقييوا حييياديين حيييال المعصييية‬
‫وسكتوا عنها فأصبحوا بذلك عصاة‪...‬‬
‫منهم الصالحون ومنهم دون ذلك‬

‫وميين روعيية القييرآن أنييه ل يحكييي قصيية لمجييرد‬
‫القصص‪ ،‬بل يختمها بعبرة وعظيية حييتى يرسييخ فييي‬
‫ذهن القارئ المعنى المراد مين القصية‪ .‬لييذلك كييان‬
‫التعقيب على قصة موسى وأصحاب السبت واضحا ً‬
‫في بيان عبرة القصة‪:‬‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫قط ّ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫عَنـــٰ ُ‬
‫هــ ُ‬
‫مــا ّ‬
‫م ً‬
‫ضأ َ‬
‫ه ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫فــي ٱل ْْر ِ‬
‫ن ٰ ذل ِ َ‬
‫ك‪.( (168...‬‬
‫و ِ‬
‫دو َ‬
‫حو َ‬
‫م ُ‬
‫ص ٰـل ِ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫ن َ‬
‫هييذا كييان حييال الجيييل الول ميين بنييي إسييرائيل‬
‫الذي تاه وتفرق في الرض‪ :‬منهم صييالحون ومنهييم‬
‫دون ذلك‪ ،‬لكن الجيل الثاني كان فيه أناس سييلبيون‬
‫رث ُــوا ْ‬
‫مييترددون ‪َ ‬‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫خل ْـ ٌ‬
‫خل َ َ‬
‫د ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ف ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫و ِ‬
‫ه ٰــــ َ‬
‫خـــ ُ‬
‫ٰى‬
‫ٱ ْدَْنـــ‬
‫ذا ل‬
‫ب ي َأ ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ض َ‬
‫ذو َ‬
‫ٱل ْك ِت َ ٰــــ َ‬
‫عـــَر َ‬
‫ْ‬
‫غ َ‬
‫وي َ ُ‬
‫ه‬
‫سي ُ ْ‬
‫م َ‬
‫قوُلو َ‬
‫ن َ‬
‫مث ْل ُـ ُ‬
‫ض ّ‬
‫ه ْ‬
‫ع ـَر ٌ‬
‫فُر ل ََنا َ‬
‫َ‬
‫وِإن ي َأت ِ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪181‬‬

‫خ ُ‬
‫ه‪.( (169...‬‬
‫ي َأ ْ ُ‬
‫ذو ُ‬
‫وبالمقابل‪ ،‬تختم اليات بمثال رائع لنقتدي به في‬
‫أخذ أوامر الدين بقوة‪:‬‬
‫موا ْ‬
‫ســ ُ‬
‫وأ َ َ‬
‫و‬
‫‪‬ٱّلــ ِ‬
‫كو َ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫قــا ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫ن ب ِ ٱل ْك ِت َ ٰـــ ِ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (170‬‬
‫صل ِ ِ‬
‫صَلوٰةَ إ ِّنا ل َ ن ُ ِ‬
‫عأ ْ‬
‫ضي ُ‬
‫حي َ‬
‫جَر ٱل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫سييكون( كيييف أنهييا تييدل علييى‬
‫لحييظ كلميية )يم ّ‬
‫سييك شييديد بييأوامر اللييه وخاصيية الصييلة‪ ،‬هييؤلء‬
‫تم ّ‬
‫ينالون شرفا ً من الله أنهم مصلحون وليسييوا مجييرد‬
‫صيييالحين لنفسيييهم‪ ،‬إنهيييم إيجيييابيون مصيييلحون‬
‫لمجتمعهم وبلدهم وأمتهم‪.‬‬
‫كيف ل تحسم وفطرتك شهدت؟‬

‫ترجع بنا اليييات بعييد ذلييك إلييى زميين بعيييد‪ ،‬فييي‬
‫عالم الذر‪ ،‬عندما أشهدنا الله على أنفسيينا بربييوبيته‬
‫وعظمته‪.‬‬
‫خـــذَ َرّبـــ َ‬
‫مـــن‬
‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫مـــن ب َِنـــى ءادَ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫عَلــى َأن ُ‬
‫وأ َ ْ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫هدَ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ر ِ‬
‫ش َ‬
‫م ذُّري ّت َ ُ‬
‫ظُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫هو ِ‬
‫ســ ِ‬
‫َ‬
‫قول ُــوا ْ‬
‫هدَْنا َأن ت َ ُ‬
‫م َ‬
‫قــاُلوا ْ ب َل َـ ٰى َ‬
‫س َ‬
‫أل َ ْ‬
‫ت ب َِرب ّك ُ ْ‬
‫شـ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ه ٰـ ـ َ‬
‫ن‪‬‬
‫ة إ ِن ّــا ك ُن ّــا َ‬
‫غ ٰـ ـ ِ‬
‫ن َ‬
‫م ٱل ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫و َ‬
‫فِلي َ‬
‫عـ ْ‬
‫قي َ ٰـ ـ َ‬
‫يَ ْ‬
‫‪.((172‬‬
‫فكيف ل نتحرك في نصرة ديننا والله قد أخذ علينا‬
‫العهد من بداية الخلق‪ ،‬وقبل أن نأتي إلى هذه الييدنيا‪،‬‬
‫أن نكون مع الحق وأهله‪ .‬إن حب الييدين والنميياء لييه‬
‫فطرة ربانية من عند الله‪ ،‬فلماذا ينسى بعض النيياس‬

‫‪182‬‬

‫سورة البقرة‬

‫هذا العهد وهذه الفطرة الربانية؟‬
‫مرض الغفلة‬

‫الية السابقة تجيب بوضوح ‪َ‬أن ت َ ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫قوُلوا ْ ي َـ ْ‬
‫ذا َ‬
‫ه ٰـ َ‬
‫ن‪ ،( (172‬إنها‬
‫ة إ ِّنا ك ُّنا َ‬
‫غ ٰـ ِ‬
‫ن َ‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫فِلي َ‬
‫ع ْ‬
‫قي َ ٰـ َ‬
‫الغفلة‪ ،‬أخطر مرض قد يييؤدي إلييى بييرود الحماسيية‬
‫للحق والتردد في نصرة الدين‪ .‬فما هي عوارض هذا‬
‫المرض؟ إسمع الية ‪:179‬‬
‫ْ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‬
‫ق ـدْ ذََرأن َــا ل ِ َ‬
‫ج َ‬
‫جـ ّ‬
‫مـ َ‬
‫م ك َِثي ـًرا ّ‬
‫هن ّـ َ‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫ب ل ّ يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫م‬
‫هــو َ‬
‫قل ُــو ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫ق ُ‬
‫س لَ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هــا َ‬
‫َ‬
‫و ٱل ِن ْ ِ‬
‫ن لّ‬
‫م ءا َ‬
‫أَ ْ‬
‫ن ل ّ ي ُب ْ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫صــــُرو َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫عي ُــــ ٌ‬
‫هــــ ْ‬
‫هــــا َ‬
‫ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ضـ ّ‬
‫ع ٰـم ِ ب َ ْ‬
‫ل‬
‫ل ُ‬
‫م أَ َ‬
‫عو َ‬
‫ك ك َٱلن ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫يَ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫س َ‬
‫ها أ ْ‬
‫ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ن ‪ ...‬فالغفلة هييي السييبب‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫غ ٰـ ِ‬
‫ك ُ‬
‫فُلو َ‬
‫ه ُ‬
‫أ ْ‬
‫الساسي وراء كل ترّدد وعييدم حسييم‪ ،‬لييذلك كييانت‬
‫آخر وصية لنبي اللييه قبييل ختييام السييورة )ومييع أنييه‬
‫الرسول المعصوم ‪:(‬‬
‫و ٱذ ْ ُ‬
‫س َ‬
‫كر ّرب ّ َ‬
‫خي َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫ة‬
‫ض ـّر ً‬
‫فـ ً‬
‫و ِ‬
‫ك ِ‬
‫ك تَ َ‬
‫ف ِ‬
‫عا َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ل‬
‫ل ب ِٱل ْ ُ‬
‫ر ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ج ْ‬
‫م َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫صــا ِ‬
‫و َ‬
‫غ دُ ّ‬
‫و ِ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫ن‪.( (205‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫غ ٰـ ِ‬
‫فِلي َ‬
‫م َ‬
‫ول َ ت َك ُ ْ‬
‫ن ّ‬
‫َ‬
‫فحييري بنييا‪ ،‬أتبيياع النييبي ‪ ،‬أن نتييدارك هييذا‬
‫المرض ونداويه‪ ،‬بالذكر والتضرع إلى الله‪ ،‬وبقييراءة‬
‫سورة العراف وفهم معانيها‪.‬‬
‫فمثله كمثل الكلب‬

‫وتقوم السورة قبل ختامها بحشيد عيدد كيبير مين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪183‬‬

‫المثال واليات لتخدم نفس المعنى وتح ّ‬
‫ذر المييؤمنين‬
‫من الغفلة وعدم الحسم مع شرع الله ودينييه‪ ،‬فيييأتي‬
‫مثال رهيب‪:‬‬
‫َ‬
‫ل َ َ‬
‫ٱت ْ ُ‬
‫ه ءاي َ ٰــت َِنا‬
‫و‪‬‬
‫م ن ََبـأ ٱّلـ ِ‬
‫ذى ءات َي ْن َ ٰــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫هـــــــــــا َ‬
‫َ‬
‫ســـــــــــل َ َ‬
‫ه‬
‫خ ِ‬
‫فـــــــــــأت ْب َ َ‬
‫من ْ َ‬
‫ف ٱن ْ َ‬
‫ع ُ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ٱل ّ‬
‫شـئ َْنا‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫فك َــا َ‬
‫وي َ‬
‫مـ َ‬
‫طـٰ ُ‬
‫ول َـ ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫غــا ِ‬
‫َ‬
‫ه أَ ْ َ‬
‫ل ََر َ‬
‫ع‬
‫ع َٰ‬
‫و ٱت ّب َـ َ‬
‫ف ْ‬
‫ه بِ َ‬
‫وَلـٰك ِن ّ ُ‬
‫نـ ُ‬
‫ض َ‬
‫ها َ‬
‫خلدَ إ ِلى ٱل ْْر ِ‬
‫واهُ َ‬
‫مـ ْ‬
‫ه‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْـ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ب ِإن ت َ ْ‬
‫ه كَ َ‬
‫مث َل ُـ ُ‬
‫ف َ‬
‫ل ٱل ْك َل ْـ ِ‬
‫مث َـ ِ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫هث‪.( (175-176...‬‬
‫ه ْ‬
‫ه ي َل ْ َ‬
‫ي َل ْ َ‬
‫و ت َت ُْرك ْ ُ‬
‫ثأ ْ‬
‫مثييال رهيييب عيين ميين آتيياه اللييه آييياته وهييدايته‪،‬‬
‫فانسلخ منها كما تنسلخ الحية ميين جلييدها‪ .‬ولييو أنييه‬
‫بقي على تدّينه لعّزه الله ورفعه‪ ،‬لكنه آثر الييدناءة‪.‬‬
‫فهو كالكلب يتعب ويلهث سواء أكان حاله الغفلة أم‬
‫المعرفة‪ .‬مثال رهيب ل بد أن يوقظ كييل نييائم وكييل‬
‫غافل‪.‬‬
‫اسجدها‪ ...‬بهذا المعنى‬

‫وأجمل ختام للسورة آية فيها سيجدة‪ .‬وهيي أول‬
‫سييييييييييييييجدة فييييييييييييييي المصييييييييييييييحف‪،‬‬
‫حتى نذكر الحزم والحسم والعزيميية‪ ..‬نييذكر سييجدة‬
‫دوا‬
‫السييييييييييييييحرة الييييييييييييييذين تحيييييييييييييي ّ‬
‫فرعون بجبروته وظلمه‪ .‬كمييا أن الييية تييدعونا إلييى‬
‫ن حركية‬
‫إظهار الخضوع لله تعيالى بشيكل عمليي ل ّ‬
‫السييجود تنّبييه النفييس للتطييبيق فييتزداد اسييتعدادا ً‬

‫‪184‬‬

‫سورة البقرة‬

‫لحسم موقفها في الحياة‪.‬‬
‫عن ـدَ َرب ّـ َ‬
‫ك‬
‫ن ِ‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫بهذا المعنى نسجدها‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫عَبــادَت ِ ِ‬
‫ســت َك ْب ُِرو َ‬
‫ســب ّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫ل َ يَ ْ‬
‫عــ ْ‬
‫وَلــ ُ‬
‫حون َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪..( (206‬‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫يَ ْ‬

‫سورة النفال‬
‫سورة النفال )مدنّية(‪ ،‬نزلت بعد سورة البقييرة‪،‬‬
‫وهييي فييي ترتيييب المصييحف بعييد سييورة العييراف‪،‬‬
‫وعدد آياتها خمس وسبعون آية‪.‬‬
‫يوم الفرقان‬

‫وقد أنزلت هذه السورة بعد غزوة بييدر للتعقيييب‬
‫عليهييا )لييذلك سييماها بعييض العلميياء سييورة بييدر(‪.‬‬
‫وغزوة بدر هييي أول معركيية فييي السييلم‪ ،‬وسييماها‬
‫الله تعييالى فييي هييذه السييورة بيييوم الفرقييان‪ ،‬لنييه‬
‫اليوم الذي فّرق الله بييه بييين الحييق والباطييل‪ ،‬يييوم‬
‫يمثل فرقا ً بين عهدين في تاريخ البشرية‪ :‬عهد كييان‬
‫السلم فيه مستضعفا ً وعهييد سيييكون فيييه السييلم‬
‫قويا ً وله أمة قوية تييدافع عنييه إلييى يومنييا هييذا‪ .‬لقييد‬
‫كان يوما ً عظيميا ً فيي تارييخ البشييرية‪ ،‬ليذلك نزلييت‬
‫السورة كلها للتعقيب على ذلك اليوم‪.‬‬
‫ولو كان النصر يقيياس بالمقيياييس المادييية‪ ،‬فييإن‬
‫المسلمين لم يكونوا لينتصروا فييي ذلييك اليييوم‪ ،‬لن‬
‫عدد المسلمين كان ثلثمائة وثلثيية عشيير رجل ً ولييم‬
‫يكونوا مهيئين نفسيا ً أو مجهزين عتييادا ً للقتييال‪ ،‬فييي‬
‫‪185‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫النفال‬

‫‪186‬‬

‫سورة البقرة‬

‫حين كان عدد الكفار ما يقرب من ألف مقاتل كامل‬
‫الجهوزية للحرب‪.‬‬
‫والجدير بالذكر أنه كان مع المسييلمين فييي هييذه‬
‫س واحد‪ ،‬في حين كييان مييع المشييركين‬
‫المعركة فر ٌ‬
‫ثلثمييائة فييرس‪ .‬فبالمقيياييس المادييية كييان ميين‬
‫المستحيل أن ينتصر المسلمين في هذه المعركة‪.‬‬
‫سيئات البرار‬

‫النفال معناها الغنائم‪ ،‬وقد سميت السورة باسم‬
‫هيييييييييييييذه الغنيييييييييييييائم ‪ -‬النفيييييييييييييال ‪.-‬‬
‫وللصحابة تعليق لطيف على سييورة النفييال‪ ،‬فييإنهم‬
‫يقولون‪ :‬فينا نحن معشر أصحاب رسول الله نزلييت‬
‫سورة النفال‪ ،‬حين اختلفنا على النفل وساءت فيييه‬
‫أخلقنا‪ .‬وليس سوء الخلق الييذي يتحييدثون عنييه هييو‬
‫الذي نعرفه اليوم‪ ،‬ولكن عبروا عن اختلفهييم بييذلك‬
‫لعظيم أدبهم وتواضعهم‪.‬‬
‫قوانين النصر مادية وربانية‬

‫إن السييورة تتحييدث عيين القييوانين الييتي يعتمييد‬
‫عليهييا النصيير‪ ،‬وهييذا مناسييب لجييو السييورة وسييبب‬
‫نزولها‪ .‬فبعد أن انتصيير المسييلمون فييي بييدر نزلييت‬
‫السورة لترسخ للمسلمين السباب الكونييية للنصيير‪،‬‬
‫فهييو ل يييأتي ميين قبيييل الصييدفة ول العبييث‪ ،‬وإنمييا‬
‫للنصر قوانين مادية وقوانين ربانية‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪187‬‬

‫وهذا يعني أن للنصر سببين هامين‪:‬‬
‫مــا‬
‫و َ‬
‫‪ .1‬اليقين بأن النصر من عند الله عييز وجييل ‪َ ‬‬
‫د ٱلله ‪.( (101‬‬
‫ن ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ٱ لن ّ ْ‬
‫‪ .2‬الخذ بالسباب والسعي الجدي لتقريييب مييوازين‬
‫القوى مع العداء‪ ،‬بل والتفوق عليها إن كان ذلك‬
‫ممكنًا‪ ،‬ووضييع الخطييط والدراسييات وكييل مييا لييه‬
‫تأثير مادي على النصر‪.‬‬
‫فهذه السورة تحقق مفهييوم التوكييل علييى اللييه‪،‬‬
‫بأن نوقن بأن الله هييو الناصيير‪ ،‬وأن نبييذل كييل جهييد‬
‫ممكن لتحقيق هذا النصر من طاقيية مادييية‪ .‬ولييذلك‬
‫فإن السورة قد تضييمنت قييول اللييه تعييالى‪ٰ :‬ذل ِ َ‬
‫ك‬
‫غيــرا ً ن ّعم ـ ً َ‬
‫َ‬
‫م ي َـ ُ‬
‫عل َـ ٰى‬
‫هــا َ‬
‫ب ِأ ّ‬
‫ة أن ْ َ‬
‫م َ ّ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ن ٱلله ل َ ْ‬
‫مــا ب ِأ َن ْ ُ‬
‫َ‬
‫م‪ .( (53‬فالييية‬
‫حت ّ ٰى ي ُ َ‬
‫ف ِ‬
‫وم ٍ َ‬
‫ه ْ‬
‫غي ُّروا ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫سـ ِ‬
‫تشير إلى أن الفعل في التأثير ليس إل للييه الواحييد‪،‬‬
‫ولكن بشرط أن تأخذ بالسباب ما أمكن‪ .‬فيجييب أن‬
‫ندرك أن النصر بين أمرين‪ :‬جهد البشر وعمل القدر‬
‫ تدبير الله تعالى ‪.-‬‬‫بعييض النيياس يظنييون أن النصيير معجييزة ربانييية‬
‫فقييط‪ ،‬فييتراهم يييدعون اللييه لينصييرهم وبعييد ذلييك‬
‫يتساءلون عن سبب تأخير النصيير‪ .‬فهييم حقيقيية لييم‬
‫يفهموا أن هناك أسبابا ً مادييية ينبغييي الخييذ بهييا ميين‬
‫تخطيط وجهد وبذل‪ .‬فل يكفي الدعاء واللجييوء إلييى‬
‫اللييه مييع تييرك الخييذ بالسييباب‪ ،‬لننييا بييذلك نكييون‬

‫‪188‬‬

‫سورة البقرة‬

‫مقصرين في فهمنا لطبيعيية ديننييا ولسيينن اللييه فييي‬
‫هذه الرض‪.‬‬
‫وبالمقابل‪ ،‬هنياك نييوع آخيير ميين النيياس يأخيذون‬
‫بالسباب كلها من وضع الخطييط والدراسييات وجهييد‬
‫بالليييل والنهييار وبعييد ذلييك حييين يريييدون المقابليية‬
‫والمقارنة مع قييوة الكفييار يجييدون أنفسييهم ضييعفاء‬
‫للغاية‪ ،‬فيظنون أنهم عيياجزون عيين فعييل أي شيييء‬
‫والسييبب فييي ذلييك أنهييم اعتمييدوا علييى السييباب‬
‫المادية فقط ونسوا أن النصر من عند الله‪.‬‬
‫فالسيييورة ترشيييدنا إليييى التيييوازن بيييين هيييذين‬
‫النقيضين‪ :‬أن نؤمن بتدبير الله أو ً‬
‫ل‪ ،‬وأن نبحييث عيين‬
‫الشروط المادية لتحقيق النصر‪.‬‬
‫النصر من عند الله‬

‫ســـأ َُلون َ َ‬
‫ن‬
‫ك َ‬
‫تبيييدأ السيييورة بسيييؤال‪ :‬ي َ ْ‬
‫عـــ ِ‬
‫ٱلن َ‬
‫ل‪ ،( (1‬أي يسييألون عيين كيفييية تقسيييم‬
‫فــا ِ‬
‫الغنائم‪.‬‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ل ٱلن َ‬
‫ل ُ‬
‫ن ٱلن َ‬
‫فا ُ‬
‫ل لله‬
‫ك َ‬
‫‪‬ي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫فا ِ‬
‫ع ِ‬
‫قوا ْ ٱللــه َ‬
‫فــ ٱت ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫حوا ْ َ‬
‫ت‬
‫صــل ِ ُ‬
‫ذا َ‬
‫و لٱّر ُ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ســو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه ِإن ُ‬
‫ب ِي ْن ِ ُ‬
‫كنُتــم‬
‫وأ ِ‬
‫طي ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ســول َ ُ‬
‫كــ ْ‬
‫عــوا ْ ٱللــه َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (1‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ّ‬
‫وتنتقييل اليييات بعييد ذلييك إلييى سييرد صييفات‬
‫م ْ‬
‫ن إِ َ‬
‫كـَر‬
‫ذا ذُ ِ‬
‫ن ٱل ّـ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫ذي َ‬
‫مـا ٱل ْ ُ‬
‫المؤمنين‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ت ُ‬
‫م‪ .( (2...‬واللطيييف أن‬
‫جَلــ ْ‬
‫قُلــوب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و ِ‬
‫ٱللــه َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪189‬‬

‫الجواب على سؤالهم عيين تقسيييم الغنييائم لييم يييأت‬
‫ة‪ ،‬إنمييا جيياء الجييواب فييي الييية‬
‫بعد السؤال مباشيير ً‬
‫الواحدة والربعين أي بعد أربعين آييية ميين السييؤال‪:‬‬
‫شـىء َ َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫مــن َ‬
‫ن للــه‬
‫وٱ ْ‬
‫ف ـأ ّ‬
‫مُتم ّ‬
‫غن ِ ْ‬
‫موا أن ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ْ‬
‫ذىل ْ ُ‬
‫ٰى‬
‫قٱْرب َـــــ‬
‫ُ‬
‫ول ِـــــ ِ‬
‫وِللّر ُ‬
‫م َ‬
‫ســـــ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ل َ‬
‫ســـــو ِ‬
‫ه َ‬
‫م ٰى‪. ...‬‬
‫و ٱل ْي َت َ ٰـ َ‬
‫َ‬
‫وسبب تأخير الجابيية أنهييم حيين سييألوا السييؤال‬
‫كانوا يريدون المكافأة الدنيوييية علييى النصيير‪ ،‬واللييه‬
‫علمهم أن النصر أول ً وآخرا ً هو بتقديره وميين عنييده‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫فكييان الجييواب المبييدئي علييى سييؤالهم‪ُ  :‬‬
‫ل‬
‫ق ِ‬
‫ٱلن َ‬
‫فا ُ‬
‫ل‪ ،( (1‬وليس لكم منهييا‬
‫و ٱلّر ُ‬
‫سو ِ‬
‫ل لله َ‬
‫شيييء‪ ،‬وذلييك ميين لطييف القييرآن فييي التربييية فييي‬
‫صرف أنظارهم عن النفال لترسيييخ قييوانين النصيير‬
‫أو ً‬
‫م شرح كيفية توزيييع الغنييائم إلييى‬
‫ل‪ ،‬ثم بعد ذلك ت ّ‬
‫أن قييال لهييم فييي آخيير السييورة ‪َ ‬‬
‫مــا‬
‫فك ُُلــوا ْ ِ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫سييخ مييا‬
‫م َ‬
‫حل َ ٰـل ً طَّيبا ً‪ .( (69‬فالله تعييالى ر ّ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬
‫هو أهم وبّين أن مسألة تقسيم النفييال هييي مسييألة‬
‫فرعية لنها من المسائل الدنيوية‪.‬‬
‫إن السورة تنقسييم إلييى نصييفين‪ :‬النصييف الول‬
‫ير ّ‬
‫كز بشدة عليى أن منيّزل النصيير هييو اللييه تعييالى‪.‬‬
‫والنصف الثاني يتحدث عيين السييباب المادييية الييتي‬
‫ينبغي الخذ بها حتى ينزل النصر علينا‪.‬‬

‫‪190‬‬

‫سورة البقرة‬

‫د ٱلله(‬
‫ن ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما ٱلن ّ ْ‬
‫القسم الول ) َ‬

‫وهو يظهر منة الله تعالى وفضله على المييؤمنين‬
‫بالنصر‪ ،‬وذلك من خلل‪:‬‬
‫‪ .1‬ترتيب المعركة‬
‫مــن ب َي ْت ِـ َ‬
‫ك َرب ّـ َ‬
‫جـ َ‬
‫ك‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ك ِ‬
‫خَر َ‬
‫قال تعييالى‪ :‬ك َ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ر ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫هو َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ب ِ ٱل ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ريقا ً ّ‬
‫ح ّ‬
‫ق َ‬
‫ن ل َك َّـــ ِ‬
‫ف ِ‬
‫‪.( (5‬‬
‫فالكثير من المؤمنين لم يكونوا يريييدون القتييال‪،‬‬
‫لكن الله تعالى دّبر ذلك ليحقّ الحق‪:‬‬
‫َ‬
‫دى ٱل ّ‬
‫طائ ِ َ‬
‫هــا‬
‫وإ ِذْ ي َ ِ‬
‫ح َ‬
‫م ٱلله إ ِ ْ‬
‫ن أن ّ َ‬
‫عدُك ُ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫فت َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ت ٱل ّ‬
‫غي ْـَر َ‬
‫ن‬
‫وك َ ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ة ت َك ُــو ُ‬
‫نأ ّ‬
‫دو َ‬
‫و ّ‬
‫ل َك ُـ ْ‬
‫شـ ْ‬
‫وت َـ َ‬
‫م َ‬
‫لَ ُ‬
‫ه‬
‫ريــدُ ٱللــه َأن ي ُ ِ‬
‫م ٰـــت ِ ِ‬
‫ق ال َ‬
‫ق ب ِك َل ِ َ‬
‫حــ ّ‬
‫حــ ّ‬
‫كــ ْ‬
‫م َ‬
‫وي ُ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫وي ُب ْطِ َ‬
‫ل‬
‫ن ‪ ‬ل ِي ُ ِ‬
‫داب َِر ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ق ٱل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫قطَ َ‬
‫ري َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ٱل َْبـٰطِ َ‬
‫ن‪.( (7-8‬‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ر ُ‬
‫رهَ ٱل ْ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ج ِ‬
‫و كَ ِ‬
‫ة فيي الوضيوح‪ ،‬فيترتيب‬
‫إن هذه اليات لهي غايي ٌ‬
‫المعركة ابتداًء كان بتقدير الله عز وجل‪.‬‬
‫‪ .2‬العداد النفسي للمعركة‬
‫غ ّ‬
‫س‬
‫يقييول اللييه تعييالى‪ :‬إ ِذْ ي ُ َ‬
‫م ٱلن ّ َ‬
‫شــيك ُ ُ‬
‫عــا َ‬
‫َ‬
‫وي ُن َـّز ُ‬
‫مــاء‬
‫ل َ‬
‫من َ ً‬
‫مــن ٱل ّ‬
‫ماء َ‬
‫سـ َ‬
‫عل َي ْك ُــم ّ‬
‫من ْـ ُ‬
‫ة ّ‬
‫أ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫جــَز ٱل ّ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫وي ُذْ ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ر ْ‬
‫ه َ‬
‫ل ّي ُطَ ّ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫شي ْط ٰـــ ِ‬
‫ول ِي َْرب ِ َ‬
‫ه ٱل ْ ْ‬
‫لى ُ‬
‫م‪‬‬
‫ع َ ٰ‬
‫ط َ‬
‫ت ب ِـ ِ‬
‫قـ َ‬
‫دا َ‬
‫وي ُث َب ّـ َ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪.((11‬‬
‫فأنامهم قبييل المعركيية وبعييد أن اسييتيقظوا ميين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪191‬‬

‫نومهم أنييزل عليهييم ميين السييماء رذاذا ً ميين المطيير‬
‫لكييي يغتسييلوا ويتوضييأوا ويتنشييطوا للقتييال‪ .‬فحييتى‬
‫العداد النفسي كان بتقدير من الله عز وجل‪.‬‬
‫أحد الصحابة يصف هذا الموقف فيقول بأنه حين‬
‫كان يحرس المسلمين غلب عليه النعاس فنظر فإذا‬
‫جميع الصحابة يغطون فييي النييوم علييى الرغييم ميين‬
‫الخوف الشديد والرهبة التي كييانت تحييف الموقييف‪،‬‬
‫وذلك كله بتقدير من الله تعالى‪.‬‬
‫‪ .3‬التجهيز المعنوي للجيش‬
‫وليس العداد النفسي وترتيب المعركة كانا ميين‬
‫الله وحسب‪ ،‬بل إن الحاليية النفسييية ‪ -‬والييتي ينفييق‬
‫الجيوش عليهييا مبييالغ طائليية ‪ -‬كييانت أيض يا ً بتييدبيره‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫إن التجهيييز المعنييوي الربيياني للمسييلمين فييي‬
‫م‬
‫ريك َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫غزوة بييدر يتجلييى فييي قييوله تعييالى‪ :‬إ ِذْ ي ُ ِ‬
‫قِليل ً ول َـ َ‬
‫م ك َِثيــرا ً‬
‫مـ َ‬
‫ك َ‬
‫ٱللــه ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫و أَراك َ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫فــى َ‬
‫َ ْ‬
‫لّ َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫ول َت َ َ ٰ‬
‫نـَز ْ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫وَلـــٰك ِ ّ‬
‫فى ٱل ْ ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫شل ْت ُ ْ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫م ب ِـ َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫ه َ‬
‫ذا ِ‬
‫صـ ُ‬
‫َ‬
‫عِلي ـ ٌ‬
‫م إ ِن ّـ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫ت ٱل ّ‬
‫ر ‪َ  (43) ‬‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫عي ُن ِ ُ‬
‫قِليل ً‬
‫م َ‬
‫م إ ِِذ ٱل ْت َ َ‬
‫فــى أ ْ‬
‫م ِ‬
‫مــو ُ‬
‫كــ ْ‬
‫قي ُْتــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ريك ُ ُ‬
‫يُ ِ‬
‫َ‬
‫وي ُ َ‬
‫م‪.( (44...‬‬
‫فى أ ْ‬
‫م ِ‬
‫ه ْ‬
‫قل ّل ُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫عي ُن ِ ِ‬
‫فكان المسلمون يرون الكفييار قليل ً فل يخييافون‬
‫وكيييييان المشيييييركون ييييييرون المسيييييلمون قليل ً‬
‫فيستهترون‪ .‬نفس الرؤية ونفس المنظيير كانييا لهمييا‬

‫‪192‬‬

‫سورة البقرة‬

‫في وقع كل طرف أثر مختلف‪ .‬فسبحان ميين يخييرج‬
‫يء له ويعين عليه‪.‬‬
‫النصر ويه ّ‬
‫‪ .4‬نزول الملئكة‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫وهذا واضح فييي قييوله تعييالى‪ :‬إ ِذْ ت َ ْ‬
‫َ‬
‫ف ٱست َجاب ل َك ُ َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫م ب ِـأل ْ ٍ‬
‫ْ َ َ‬
‫مـ َ‬
‫ف ّ‬
‫مدّك ُ ْ‬
‫م أّني ُ‬
‫ْ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫ن‪.( (9‬‬
‫مْرِد ِ‬
‫مَلـئ ِك َ ِ‬
‫في َ‬
‫ة ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫حى َرب ّ َ‬
‫ة‬
‫وكذلك قوله‪ :‬إ ِذْ ُيو ِ‬
‫مَلـئ ِك َ ِ‬
‫ك إ َِلى ٱل ْ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫فــي‬
‫قى ِ‬
‫سأ ُل ْ ِ‬
‫فث َب ُّتوا ْ ٱل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫أّني َ‬
‫رُبوا ْ َ‬
‫ب َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ُ‬
‫ق‬
‫فُروا ْ ٱلّر ْ‬
‫و َ‬
‫فٱ ْ‬
‫ب ٱل ّ ِ‬
‫ع َ‬
‫ذي َ‬
‫قُلو ِ‬
‫ف ْ‬
‫ض ِ‬
‫م كُ ّ‬
‫ن‪.( (12‬‬
‫ٱل ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫رُبوا ْ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل ب ََنا ٍ‬
‫ق َ‬
‫ض ِ‬
‫عَنـٰ ِ‬
‫فمن الذي فعل كل هذا‪ ،‬من هييو المالييك للرض‬
‫الذي يفعل ما يشاء؟ وكيف ل يثق النسان بربه وأن‬
‫النصر من عنده تعالى؟ وكيف يثق المرء بغير اللييه؟‬
‫وكيف يعتمد على غيره؟‬
‫‪ .5‬مكان المعركة وزمانها‬
‫تنتقييل اليييات إلييى مييا هييو أبعييد ميين العوامييل‬
‫النفسية‪ ،‬فحتى مكان المعركة كان بترتيب من اللييه‬
‫َ‬
‫هــم‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫فالية ‪ 42‬تقول‪ :‬إ ِذْ أنُتم ِبال ْ ُ‬
‫ة ٱلدّن َْيا َ‬
‫عدْ َ‬
‫َ‬
‫سـ َ‬
‫ة ٱل ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫و ِ‬
‫و ٱلّرك ْـ ُ‬
‫ب ِ ٱل ْ ُ‬
‫بأ ْ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫ق ْ‬
‫وىٰ َ‬
‫صـ َ‬
‫ع دْ َ‬
‫خت َل َ ْ‬
‫د‪.( (42‬‬
‫م لَ ْ‬
‫وا َ‬
‫م ِ‬
‫ع ٰـ ِ‬
‫في ٱل ْ ِ‬
‫مي َ‬
‫فت ُ ْ‬
‫عدت ّ ْ‬
‫و تَ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫َ‬
‫فالعدوة الييدنيا ‪ -‬حيييث كييان المسييلمون ‪ -‬تتمتييع‬
‫بنوعية خاصة من التراب حيث أن المطيير كييان عنيد‬
‫نزولييه يثب ّييت الرمييال تحييت أقييدام المسييلمين ممييا‬

‫سورة البقرة‬

‫‪193‬‬

‫يسييهل حركتهييم‪ ،‬وأمييا فييي العيدوة القصييوى فكييان‬
‫المطر يسييبب سيييول ً عنييد نزولييه ممييا يعيييق حركيية‬
‫در‬
‫جنود الكفار وفرسانهم‪ .‬إنها قدرة الله تعييالى مق ي ّ‬
‫النصر وناصر المؤمنين‪.‬‬
‫ن ٱلله َ‬
‫م تَ ْ‬
‫‪َ ) .6‬‬
‫م)‬
‫قت ُُلو ُ‬
‫قت َل َ ُ‬
‫وَلـٰك ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ْ‬
‫م َ‬
‫وتتتابع اليات ونصييل إلييى قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫م‬
‫فل َ ْ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫تَ ْ‬
‫ت إِ ْ‬
‫ذ‬
‫قت ُُلو ُ‬
‫مي ْـ َ‬
‫قت َل َ ُ‬
‫وَلـٰك ِ ّ‬
‫مــا َر َ‬
‫و َ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫م ٰى‪ .( (17‬هذه الية توضح‬
‫مي ْ َ‬
‫ول َ ٰـك ِ ّ‬
‫ن ٱلله َر َ‬
‫َر َ‬
‫ت َ‬
‫نتيجة المعركة وخط سيييرها حييتى عنييد رمييي النييبي‬
‫للتراب في وجوههم وقوله "شاهت الوجوه"‪.‬‬
‫لذلك تؤكد اليات على ضرورة طلب النصر ميين‬
‫د ٱللــه ‪،( (10‬‬
‫ن ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫ص ـُر إ ِل ّ ِ‬
‫مـ ْ‬
‫و َ‬
‫ما ٱلن ّ ْ‬
‫الله ‪َ ‬‬
‫ولهذا كان النبي ‪ ‬يوم غزوة بدر يدعو ويدعو حتى‬
‫ظهر بياض إبطيه ووقع الرداء عن ظهره ‪ ،‬فكييان‬
‫ون عليك يا رسول‬
‫أبو بكر رضي الله عنه يقول له ه ّ‬
‫الله‪.‬‬
‫لن النصر من عند الله فل بد أن نستجيب لنييداء‬
‫الله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫جيُبوا ْ للــه‬
‫هــا ٱّلــ ِ‬
‫مُنــوا ْ ٱ ْ‬
‫‪‬يأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ســت َ ِ‬
‫ل إِ َ‬
‫م‪.( (24‬‬
‫ذا دَ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫وِللّر ُ‬
‫حِييك ُ ْ‬
‫م لِ َ‬
‫عاك ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫عُتم(‬
‫وأ َ ِ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ع ّ‬
‫ما ٱ ْ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫القسم الثاني ) َ‬

‫‪ .1‬أهميــة الخــذ بالســباب وأثــر ذلــك علــى‬
‫النصر‪:‬‬

‫‪194‬‬

‫سورة البقرة‬

‫مـــا‬
‫وأ َ ِ‬
‫عـــ ّ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫م ّ‬
‫هـــ ْ‬
‫يقيييول الليييه تعيييالى‪َ  :‬‬
‫من ُ‬
‫ة‪ .( (60‬إن هذه الية واضحة‬
‫و ٍ‬
‫ست َطَ ْ‬
‫ٱ ْ‬
‫عُتم ّ‬
‫ق ّ‬
‫جدا ً في بيان هذا المعنى‪ ،‬فنفس السورة التي تؤكد‬
‫أن النصر هو من عند الله تعالى وحييده‪ ،‬تؤكييد أيضيا ً‬
‫ضييرورة الخييذ بالسييباب‪ .‬فييالتخطيط إلييى جييانب‬
‫اللجوء إلى الله هما السببان الرئيسيان في النصيير‪،‬‬
‫وهذه السورة تتحييدث عيين مييوازين القييوى‪ ،‬وتشييير‬
‫إلى أن المعارك ل يجدي بهييا أن يقييوم فييرد ليقاتييل‬
‫منفردا ً وينتصر على الجيوش الجرارة بحجة أن اللييه‬
‫د ٱللــه ‪‬‬
‫ن ِ‬
‫عن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ما ٱلن ّ ْ‬
‫تعالى يقول‪َ  :‬‬
‫‪ .((10‬إن هذا فهم خيياطئ ونيياقص لييدين اللييه تعييالى‬
‫وسننه التي يدير بها الكون‪.‬‬
‫والملحظ أن الرهاب الذي ذكر في الية يهييدف‬
‫إلى منع القتال ل إلى سفك الدماء‪ .‬فييالمطلوب هييو‬
‫أن تكييون للمسييلمين قييوة رادعيية ترهييب أعييداءهم‬
‫فتكون النتيجة وقف القتال‪ .‬حتى فييي الحييرب نييرى‬
‫السلم يدعو إلى السلم )عكس ما يعتقد الكييثيرون‬
‫ن‬
‫وءا َ‬
‫ريــ َ‬
‫عن هذا الدين(‪ .‬فالية تقول بعد ذلك‪َ  :‬‬
‫خ ِ‬
‫م‪،( (60‬‬
‫ِ‬
‫م ٱلله ي َ ْ‬
‫م ل َ تَ ْ‬
‫من ُ‬
‫م ُ‬
‫مون َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫دون ِ ِ‬
‫فهي تشمل إظهار قوة المسلمين أمام كل أعدائهم‬
‫لردعهم عيين القتييال‪ .‬لييذلك تييأتي الييية الييتي بعييدها‬
‫مباشرة لتقول‪:‬‬
‫سل ْم ِ َ‬
‫وك ّـ ْ‬
‫ل‬
‫ج ن َـ ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫جن َ ُ‬
‫وِإن َ‬
‫ح لَ َ‬
‫حوا ْ ِلل ّ‬
‫وت َ َ‬
‫هــا َ‬
‫‪َ ‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪195‬‬

‫عَلى ٱلله‪.( (61...‬‬
‫َ‬
‫‪ .2‬موازين القوى المادية‪:‬‬
‫صحيح أن الله يؤيد بنصره من يشيياء لكيين ل بييد‬
‫من مراعاة موازين القوة والخييذ بالسييباب المادييية‬
‫حييتى ل يقييول بعييض النيياس‪ :‬هنيياك تأييييد ربيياني‬
‫َ‬
‫ها‬
‫بالملئكيية فلييم العييداد؟ يقييول تعييالى‪ :‬ي َ‪ٰ ‬ـــأي ّ َ‬
‫مـ ْ‬
‫ل ِإن‬
‫ن َ‬
‫عل َــى ٱل ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ى َ‬
‫مِني َ‬
‫ض ٱل ْ ُ‬
‫قت َــا ِ‬
‫ٱلن ّب ِ ّ‬
‫حـّر ِ‬
‫غل ِب ُــوا ْ ِ ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ع ْ‬
‫ن‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ِ‬
‫ص ٰـ ـب ُِرو َ‬
‫شُرو َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫كن ّ‬
‫ن َ‬
‫م ـائ َت َي ْ ِ‬
‫غل ُِبوا ْ أ َل ْ ً‬
‫ن‬
‫ة يَ ْ‬
‫ما ْئ َ ٌ‬
‫ن ٱّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مــ َ‬
‫وِإن ي َك ُ ْ‬
‫فا ّ‬
‫م ّ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ن ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف َ‬
‫م ل ّ يَ ْ‬
‫م َ‬
‫كَ َ‬
‫ن‬
‫هو َ‬
‫و ٌ‬
‫ق ُ‬
‫فُروا ب ِأن ّ ُ‬
‫ن ‪ (65) ‬ٱلئ َ ٰـ َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫عفا ً َ‬
‫خ ّ‬
‫فِإن‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ف ٱلله َ‬
‫ن ِ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫مأ ّ‬
‫ض ْ‬
‫فيك ُ ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫عنك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫غل ِب ُــوا ْ ِ ْ‬
‫يَ ُ‬
‫وِإن‬
‫صــاب َِرةٌ ي َ ْ‬
‫مـا ْئ َ ٌ‬
‫م ّ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫كن ّ‬
‫ة َ‬
‫ن َ‬
‫مـائ َت َي ْ ِ‬
‫غل ِب ُــوا ْ أ َل ْ َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫ف يَ ْ‬
‫م أ َل ْـ ٌ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫ي َك ُــن ّ‬
‫ن ب ِـإ ِذْ ِ‬
‫في ْـ ِ‬
‫ن‪.( (66‬‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫و ٱلله َ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫ن ٱلله ‪ ‬فيه إشارة إلى أن اللييه‬
‫فقوله‪ :‬ب ِإ ِذْ ِ‬
‫تعالى هو الناصر وهو الذي يؤيد بنصييره ميين يشيياء‪،‬‬
‫ن ‪ ‬إشييارة‬
‫و‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫‪‬ٱلله َ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫وقوله تعالى‪َ :‬‬
‫ص ٰــب ِ ِ‬
‫إلى أنه ل بد من الصبر لتحقيق النصر‪ .‬فسبحان من‬
‫جمع بين السببين في سورة واحدة‪.‬‬
‫‪ .3‬فقه قوانين الحرب‪:‬‬
‫وتشير اليات بعيد ذليك إليى سيبب مين أسيباب‬
‫هزيمة المشركين في المعركة‪ ،‬فإضافة إلى كييونهم‬
‫كفار فهم لم يأخذوا بالسييباب المادييية الييتي تجعييل‬

‫‪196‬‬

‫سورة البقرة‬

‫النصر حليفهم‪ ،‬وقييد أشييارت إلييى ذلييك الييية )‪:(65‬‬
‫غل ِب ُــوا ْ أ َل ْ ً‬
‫ن‬
‫ة يَ ْ‬
‫مـا ْئ َ ٌ‬
‫مـ َ‬
‫وِإن ي َك ُـ ْ‬
‫فــا ّ‬
‫م ّ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫ن ّ‬
‫‪َ ...‬‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م ل ّ يَ ْ‬
‫م َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ن ‪ ‬أي ل‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫هو َ‬
‫و ٌ‬
‫ق ُ‬
‫فُروا ْ ب ِأن ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫يفقهييون السييباب الييتي تجعييل النصيير حليفهييم ول‬
‫يملكون الحنكيية والتخطيييط الحربييي‪ .‬يييا مسييلمون‪،‬‬
‫تعلموا من سورة النفال سنن الليه تعيالى وقيوانينه‬
‫وافقهوا السباب المادية للنصر‪.‬‬
‫‪ .4‬طاعة الله والخوة في الله‪:‬‬
‫وتبّين اليات بعد ذلك أن هناك سببا ً دنيويا ً ينبغي‬
‫تحقيقييه ليتحقييق النصيير‪ ،‬وتوضييح ذلييك الييية )‪:(46‬‬
‫وأ َ‬
‫عوا ْ‬
‫ول َ ت َن َ ٰــــَز ُ‬
‫‪ِ ‬‬
‫طي ُ‬
‫وَر ُ‬
‫ســـول َ ُ‬
‫ه َ‬
‫عـــوا ْ ٱللـــه َ‬
‫َ‬
‫فت َ ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن ٱللــه‬
‫وت َذْ َ‬
‫صب ُِروا ْ إ ِ ّ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫م َ‬
‫شُلوا ْ َ‬
‫ب ِ‬
‫ن ‪.‬‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫َ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫ص ٰـب ِ ِ‬
‫فالتكاتف وترك التنازع من أهم قوانين وأسييباب‬
‫النصر‪.‬‬
‫عو َ‬
‫ك‬
‫دوا ْ َأن ي َ ْ‬
‫خــدَ ُ‬
‫ريــ ُ‬
‫ويقييول تعييالى‪َ  :‬‬
‫وِإن ي ُ ِ‬
‫ذى أ َي ّـدَ َ‬
‫سـب َ َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ك ٱللــه ُ‬
‫ر ِ‬
‫و ٱل ّـ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ح ْ‬
‫ك ب ِن َ ْ‬
‫هـ َ‬
‫صـ ِ‬
‫ن ُ ُ‬
‫ف ْ‬
‫و َأن َ‬
‫م ْ‬
‫ت‬
‫وأ َل ّ َ‬
‫ؤ ِ‬
‫قـ َ‬
‫ف ب َي ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫ه ْ‬
‫وب ِ ٱل ْ ُ‬
‫م ل َـ ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ ُ‬
‫ما أل ّ ْ‬
‫م‬
‫ما ِ‬
‫ج ِ‬
‫ض َ‬
‫ف َ‬
‫ت ب َي ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ميعا ً ّ‬
‫َ‬
‫قلــوب ِ ِ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫م‪ .( (62-63‬فييالخوة هييي‬
‫ن ٱلله أل ّ َ‬
‫ف ب َي ْن َ ُ‬
‫وَلـٰك ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ميين السييباب الرئيسييية حييتى يحصييل هييذا النصيير‬
‫للمؤمنين‪.‬‬
‫‪ .5‬ترك الرياء والعجب‬

‫سورة البقرة‬

‫‪197‬‬

‫كون ُــوا ْ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫وذلييك واضييح فييي قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫هم ب َ َ‬
‫رَئاء‬
‫ن َ‬
‫ر ِ‬
‫جــوا ْ ِ‬
‫ك َٱّلــ ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫طــرا ً َ‬
‫و ِ‬
‫مــن ِدي َ ٰـــ ِ‬
‫س‪ ( (47...‬فهييذا عامييل مييادي آخيير إضييافي‬
‫ٱلّنا ِ‬
‫أدى لهزيمة المشركين عندما نحروا البييل وسييكروا‬
‫وأقاموا الحتفالت قبل موعد المعركة زهوا ً ليخيفوا‬
‫كييل العييرب‪ ،‬فكييان عجبهييم بنفسييهم سييببا ً فييي‬
‫استخفافهم بعدوهم‪.‬‬
‫‪ .6‬صفات المؤمنين إيجابية وعملية‪:‬‬
‫ونجد آيات كييثيرة فييي هيذه السييورة توفّييق بييين‬
‫مفهييوم التوك ّييل ومفهييوم الخييذ بالسييباب‪ ،‬ولييذلك‬
‫نلحظ معلومة هاميية للغاييية‪ ،‬فبداييية السييورة تييذكر‬
‫صييفات المييؤمنين وبعييد ذكيير هييذه الصييفات يقييول‬
‫تعالى‪ُ :‬أوَلـئ ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫ق ـا ً ‪ ‬وفييي‬
‫ك ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُــو َ‬
‫ن َ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫آخر السورة أيضا ً يذكر تعالى صفات المييؤمنين فييي‬
‫الييية )‪ (74‬ويعقييب عليهييا بقييوله سييبحانه وتعييالى‪:‬‬
‫‪ُ‬أوَلــــئ ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫قـــا ً ‪ .‬نفيييس‬
‫ك ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫من ُـــو َ‬
‫ن َ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫هـــ ُ‬
‫الكلمات جاءت في أول السورة وفي آخرها مع أنييه‬
‫يوجد فارق في تصنيف هذه الصفات وحقيقتها‪.‬‬
‫فالصييفات الييتي ذكييرت فييي أول السييورة كلهييا‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫صفات إيمانييية‪ ،‬وهييي تناسييب قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫د ٱللــه ‪ .‬فيقييول تعييالى‪:‬‬
‫ن ِ‬
‫عن ـ ِ‬
‫ص ـُر إ ِل ّ ِ‬
‫مـ ْ‬
‫ٱلن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن إِ َ‬
‫كــَر ٱللــه‬
‫ذا ذُ ِ‬
‫ن ٱّلــ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنــو َ‬
‫ذي َ‬
‫مــا ٱل ْ ُ‬
‫‪‬إ ِن ّ َ‬
‫ت َ َ‬
‫ت ُ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ه‬
‫ذا ت ُل َِيــ ْ‬
‫جَلــ ْ‬
‫قُلــوب ُ ُ‬
‫م ءاي َ ٰـــت ُ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ َ‬
‫ن‪.( (2‬‬
‫وك ّل ُــو َ‬
‫َزادَت ْ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫م ِإي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫م ٰـنـا ً َ‬
‫عل ـ ٰى َرب ّ ِ‬

‫‪198‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فهييي صييفات إيمانييية رقيقيية‪ ،‬لن هييذا الجييزء ميين‬
‫السورة يختص بالجانب اليماني من أسباب النصر‪.‬‬
‫وفي آخر السورة ‪ -‬وهو الجييزء الثيياني والمييادي‬
‫ميين أسييباب النصيير والمختييص بالخييذ بالسييباب ‪-‬‬
‫ن‬
‫جييياءت صيييفات الميييؤمنين بيييأنهم‪ ... :‬ٱّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ل ٱللــه‬
‫دوا ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫فــي َ‬
‫جـ ـٰ َ‬
‫ءا َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫جُروا ْ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫صــــُروا ْ ُأوَلـــــئ ِ َ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫و ٱّلــــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫هــــ ُ‬
‫ون َ َ‬
‫ووا ْ ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫قا‪ ( (74‬فالمؤمنون حقا هم الذين‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن َ‬
‫ٱل ُ‬
‫يجمعييون بييين الصييفات الييواردة فييي أول السييورة‬
‫وآخرها‪ ،‬فهم خاشعون لله عبادا ً له ومجاهييدون فييي‬
‫سييبيله وناصييرون لييدينه يعيشييون لجييل السييلم‬
‫ويأخييذون بالسييباب المادييية‪ .‬ولييذلك كييانت الييية‬
‫َ‬
‫ها‬
‫المحورية في السييورة هييي قييوله تعييالى‪ :‬ي َ ٰـأي ّ َ‬
‫فـــ ٱث ْب ُُتوا ْ‬
‫ة َ‬
‫مُنـــوا ْ إ ِ َ‬
‫ّٱ‬
‫فئ َ ً‬
‫م ِ‬
‫ذا ل َ ِ‬
‫لـــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قيُتـــ ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن‪( (45‬‬
‫حــو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫و ٱذْك ُُروا ْ ٱلله ك َِثيــرا ً ل ّ َ‬
‫عل ّك ُـ ْ‬
‫َ‬
‫فأسييباب النصيير جيياءت مجموعيية فييي هييذه الييية‪،‬‬
‫فييالمر بالثبييات فييي قييوله‪َ  :‬‬
‫ف ٱث ْب ُُتوا ْ ‪ ‬هييو ميين‬
‫الخيييذ بالسيييباب‪ ،‬والمييير باليييذكر فيييي قيييوله‪:‬‬
‫و ٱذْك ُُروا ْ ٱلله ك َِثيرا ً ‪ ‬هو من اللجوء إلى‬
‫‪َ ‬‬
‫عل ّ ُ‬
‫م‬
‫اللــه صــانع النصــر‪ ،‬وختــام اليــة‪ :‬ل ّ َ‬
‫كــ ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ن ‪ ‬فييالفلح يكييون نييزول النصيير‪ .‬وهييذه‬
‫حــو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫القوانين ثابتة علييى ميير العصييور‪ ،‬وهييذا واضييح فييي‬
‫ْ‬
‫تكيييرار قيييوله تعيييالى‪َ  :‬‬
‫ن‬
‫فْر َ‬
‫ل ِ‬
‫و َ‬
‫كـــدَأ ِ‬
‫عـــ ْ‬
‫ب ءا ِ‬
‫من َ‬
‫م‪ ( (52‬مرتييين للتأكيييد علييى‬
‫ن ِ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪199‬‬

‫ضييح أن سييبب الهلك كييان‬
‫هييذا المعنييى‪ .‬فالييية تو ّ‬
‫كفرهييم بييالله )السييبب الربيياني( بينمييا الييية )‪(54‬‬
‫وك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫تو ّ‬
‫ضييح السييبب المييادي لهلكهييم‪ :‬الظلييم ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫كاُنوا ْ ظَ ٰـل ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫لماذا سميت السورة بالنفال‬

‫إن النفييال وهييي الغنييائم هييي إشييارة للييدنيا‪،‬‬
‫والواقع أن المسلمين بعد غزوة بدر اختلفييوا ودبييت‬
‫بينهم الشحناء وكادت الخوة أن تضيع بسبب الدنيا‪.‬‬
‫فالله تعالى من خلل هذه السييورة يحي ّ‬
‫ذر المييؤمنين‬
‫من التنافس على الدنيا فتكون بييذلك سييببا ً للفرقيية‬
‫وضييياع الخييوة بييين المييؤمنين‪ ،‬ممييا يضيييع اكتمييال‬
‫السباب المادييية والربانييية ويسيّبب الهزيميية‪ .‬لييذلك‬
‫الييييات أمرتهيييم بإهميييال النفيييال تماميييا ً ‪ُ ‬‬
‫ل‬
‫قــ ِ‬
‫ٱلن َ‬
‫فا ُ‬
‫ل ‪ ‬حيتى ترسيخ أسيباب‬
‫و ٱلّر ُ‬
‫سو ِ‬
‫ل لله َ‬
‫النصر عندهم‪ .‬فلما رسخ المعنى قسمها في الييية )‬
‫‪ (41‬إلى أن نصل إلى اليية )‪ (69‬لتوضيح أن مسييألة‬
‫النفال فرعية وتحل لهم ما أخييذوا‪َ  :‬‬
‫مــا‬
‫فك ُل ُــوا ْ ِ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫حل َ ٰـل ً طَّيبًا‪. ...‬‬
‫م َ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬
‫وأسباب النصر كما ذكرنا هي لجوء إلى الله واخذ ٌ‬
‫بالسييباب‪ ،‬وميين الخييذ بالسييباب الخييوة الشييديدة‬
‫ووحدة الصف‪ ،‬فلو ضاعت الخوة وحّلت الفرقة فييإن‬
‫الهزيمة قادمية ل محالية‪ .‬فسيميت السييورة بالنفيال‬
‫حتى تذكرنا بما يسبب الهزيمة‪.‬‬
‫نسخ أحكام الميراث‬

‫‪200‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وأخيرا ً ختمت السورة بنسخ حكم الميراث الذي‬
‫كان متعامل ً به بين الصحابة وهو أن الخ ييرث أخياه‬
‫في الله‪ .‬فجيياءت الييية فييي ختييام السييورة لتقييول‪:‬‬
‫َ‬
‫وأ ُ‬
‫فــي‬
‫ض ِ‬
‫ع ُ‬
‫ول َ ٰى ب ِب َ ْ‬
‫حام ِ ب َ ْ‬
‫وُلوا ْ ٱلْر َ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫‪ْ ‬‬
‫َ‬
‫عــ ٍ‬
‫ب ٱلله ‪ ( (75‬فييالتوارث بييين المتييآخين كييان‬
‫ك َِتـٰ ِ‬
‫مرحلة مؤقتة قبل غزوة بدر لتعميق معيياني الخييوة‬
‫بين المؤمنين‪ ،‬فلما جاء النصيير وكييانت الخييوة ميين‬
‫أسييبابه تحقييق انصييهار المجتمييع لن النصيير يصييلح‬
‫مشاكل نفسية كثيرة في المجتمعات‪.‬‬
‫هذه سورة النفال‪ .‬فلنحييرص جميعيا ً علييى فهييم‬
‫قييوانين النصيير حييتى يؤيييد اللييه تعييالى هييذه الميية‪.‬‬
‫ما‬
‫و َ‬
‫فلنلجييأ إلييى اللييه ولنثييق بييأنه صييانع النصيير‪َ  :‬‬
‫د ٱللــه ‪ ،‬ولنأخييذ بالسييباب‬
‫ن ِ‬
‫عنـ ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ٱلن ّ ْ‬
‫ب للعلم وتفوق في حياتنا الجتماعية‬
‫المادية من طل ٍ‬
‫والعملييية مييع الحييذر ميين التعلييق بالييدنيا وزينتهييا‬
‫"النفال" حتى يستجيب الله دعاءنا ويعيد العز لهييذه‬
‫المة‪.‬‬
‫ختام معالم المنهج‬

‫بعد أن انتهت أول ‪ 10‬سور من القرآن‪ ،‬نييرى أن‬
‫معالم المنهييج اللزميية للسييتخلف عليى الرض قييد‬
‫صارت واضحة‪ ،‬وأن أهداف السور ورسائلها تتكامل‬
‫أمام ناظري قارئ القرآن‪:‬‬
‫‪ -‬أنتم مسؤولون عيين هييذه الرض أيهييا المسييلمون‪،‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪201‬‬

‫وهذا هو منهجكم )سورة البقرة(‪.‬‬
‫ أهميييية الثبيييات عليييى هيييذا المنهيييج )سيييورة آل‬‫عمران(‪.‬‬
‫ العدل شرط أساسي لضمان الستخلف )سييورة‬‫النساء(‪.‬‬
‫ أهميية الوفياء بالمنهيج والعقيود اليتي قطعتموهيا‬‫لتطبيقه )سورة المائدة(‪.‬‬
‫ توحيد الله تعالى فييي العتقيياد والتطييبيق أمييران‬‫لزمان في هذا المنهج‪.‬‬
‫ احسم موقفك أيها المسلم تجاه هذا المنهج‪.‬‬‫ قوانين ربنا في النصيير مادييية وربانييية‪ ،‬وهييذا ميين‬‫شمول المنهج وواقعيته‪.‬‬
‫أرأيييت كيييف تتكامييل هييذه السييور فييي رسييائلها‬
‫لتكون سلسلة واحدة متماسكة في موضوعاتها؟‬
‫لذلك بعد أن وضحت معالم المنهج‪ ،‬تأتي الجزاء‬
‫دم لنييا عوامييل مسيياعدة علييى‬
‫العشييرة التالييية لتق ي ّ‬
‫تحقيق المنهج‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫ التوبة‪.‬‬‫ استشعار نعم الله تعالى )سييورة النحييل(‪ ،‬والييتي‬‫من أهمها نعمة اليمان )سورة إبراهيم(‪.‬‬
‫ العتييدال والوسييطية فييي الييدعوة إلييى المنهييج‬‫)سورة هود(‪.‬‬
‫‪ -‬الصبر والمل بنصر الله )سورة يوسف(‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫سورة البقرة‬

‫بعد أن فهمنا أين نحن من تدّبر آيات ربنا‪ ،‬تعييالوا‬
‫إلى الجزاء العشرة التالية من القرآن‪ ،‬وإلى المزيد‬
‫من روائع القرآن وإعجازه‪.‬‬

‫سورة التوبة‬
‫سورة التوبة )مدنية( نزلييت بعييد المييائدة‪ ،‬وهييي‬
‫في ترتيب المصييحف بعييد النفييال‪ .‬عييدد آياتهييا ‪129‬‬
‫آية‪ ،‬وهي آخر سورة كامليية أنزلييت علييى النييبي ‪‬‬
‫قبل انتقاله إلى الرفيق العلى‪...‬‬
‫لقد أنزلت هذه السورة في وقت كييان المجتمييع‬
‫السييلمي يسييتعد للخييروج برسييالة السييلم ميين‬
‫الجزيرة العربية إلى شعوب الرض كلها‪.‬‬
‫أنزلت هذه السورة بعد آخر غزوة للنييبي‪ ،‬غييزوة‬
‫تبييوك‪ ،‬وكييان عييدد المسييلمين فيهييا ثلثييين ألفييًا‪.‬‬
‫واللطيف أنها جاءت في ترتيييب المصييحف مباشييرة‬
‫بعييد النفييال الييتي تحييدثت عيين غييزوة بييدر )أولييى‬
‫غييزوات النييبي( حيييث عييدد المسييلمين فيهييا ‪313‬‬
‫شخصا ً فقط‪ .‬ولعييل الحكميية هييي أن يلحييظ قييارئ‬
‫القييرآن الفييرق بييين ظييروف الغزوتييين وأحكامهمييا‬
‫وطريقة القرآن فييي التعقيييب عليهمييا‪ .‬غييزوة تبييوك‬
‫كانت من أكثر الغزوات التي ظهر فيها أثر النفاق إذ‬
‫كان مع الجيش منافقون كثر‪ ،‬وتخلف عنها منافقون‬
‫كثر كما تخّلف عنها بعض المؤمنين بسييبب الكسييل‪.‬‬
‫‪203‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫التوبة‬

‫‪204‬‬

‫سورة البقرة‬

‫كانت نتيجة الغزوة انتصارا ً للمسلمين‪ ،‬وأنزلت هييذه‬
‫السورة للتعليق على كل هذه المواقف‪...‬‬
‫علمة التميز‬

‫إن سورة التوبة هي السييورة الوحيييدة الييتي لييم‬
‫تبدأ بالبسملة كما هو الحال في كييل سييور القييرآن‪.‬‬
‫والمسلم عندما يقرأ القرآن ويبتييدئ بي ي )بسييم اللييه‬
‫الرحمن الرحيم( يشييعر ميين بداييية حييرف البيياء أنييه‬
‫يعبر خطا ً فاصل ً بين وضع سابق ووضع جديد‪ ،‬يشعر‬
‫أنه داخل علييى عييالم جديييد ليييترك الييدنيا ومييا فيهييا‬
‫جه بقلبيييييييييييييييييييييييييييه‬
‫ويتيييييييييييييييييييييييييييو ّ‬
‫لسماع كلم ربه والعيش مع أسماء ربه الحسنى‬
‫)الرحمن الرحيم(‪.‬‬
‫وسبب غياب البسييملة عيين أول سييورة التوبيية ‪-‬‬
‫علييى قييول أغلييب العلميياء ‪ -‬هييو أنهييا أكييثر سييورة‬
‫تكلمت عن الكفار والمنافقين‪ ،‬فحرموا من البسملة‬
‫وميين معيياني الرحميية الموجييودة فيهييا‪ ،‬ميين أولييى‬
‫ه إ َِلــى‬
‫ســول ِ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫مــ َ‬
‫كلماتهييا ‪َ‬بــَراءةٌ ّ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (1‬‬
‫ن َ‬
‫عا َ‬
‫ر ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫هدْت ُ ْ‬
‫ش ِ‬
‫ولسييورة التوبيية أسييماء أخييرى‪ ،‬فقييد سييميت‬
‫بالفاضييحة لنهييا فضييحت المشييركين‪ ،‬ففيهييا خمييس‬
‫وخمسييين صييفة ميين صييفات المنييافقين الييتي كييانوا‬
‫يمارسييونها مييع النييبي ‪ .‬وسييميت بالكاشييفة لنهييا‬

‫سورة البقرة‬

‫‪205‬‬

‫كشفت عيوب الكفار والمتخاذلين عن نصرة السلم‪،‬‬
‫وسميت بسييورة السيييف لكونهييا أكييثر سييور القييرآن‬
‫دعييوة للجهيياد وتحريض يا ً علييى القتييال وتحييذيرا ً ميين‬
‫القعود والتخياذل‪ .‬فهيي سيورة شيديدة إذًا‪ ،‬وهنيا قيد‬
‫يقول قائل‪ :‬لماذا سميت بسورة التوبة؟‬
‫سبب تسمية السورة‬

‫إن التوبة بالنسبة لنا هي غاية فييي رقيية العلقيية‬
‫مع الله‪ ،‬فهي تعني العودة إلى اللييه تعييالى واللجييوء‬
‫إليييه والقلع عيين الييذنوب والمعاصييي‪ .‬فمييا علقيية‬
‫ث علييى‬
‫التوبة بصفات المنافقين والمشييركين والح ي ّ‬
‫الجهاد؟‬
‫إن هذه السورة هي البلغ الخير للبشييرية‪ ،‬وقييد‬
‫أنزلت قبل ختام القييرآن ووداع النييبي ‪ ،‬وبييالرغم‬
‫من أن السورة قد تضمنت التهديييد الشييديد للكفييار‬
‫والمنافقين والدعوة الشديدة للمؤمنين إلييى الييدفاع‬
‫عن دينهييم‪ ،‬لكنهييا حرصييت علييى إبقيياء بيياب التوبيية‬
‫مفتوحييا ً لجميييع النيياس قبييل الييوداع‪ .‬فرغييم كييون‬
‫السييورة تتكلييم عيين المنييافقين والكفييار إل أنهييا‬
‫تدعوهم إلى التوبة في مرات عديدة‪ ،‬فنلحظ تكرار‬
‫فِإن ي َُتوُبوا ْ ي َ ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫م ‪.‬‬
‫ك َ‬
‫خْيرا ً ل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وإذا بحثنييا ورود لفظيية )التوبيية( ومشييتقاتها فييي‬
‫هذه السورة وفي القرآن كله‪ ،‬نجد أنها تكررت فييي‬
‫هييذه السييورة سييبع عشييرة مييرة وهييي أكييثر سييور‬
‫القرآن إيرادا ً لكلمة )التوبة(‪.‬‬

‫‪206‬‬

‫سورة البقرة‬

‫بينما ذكرت في سييورة البقييرة مثل ً ‪ 13‬مييرة مييع‬
‫أنها أطول سورة في القرآن‪ .‬وذكرت في سورة آل‬
‫عمران ‪ 3‬مرات وفي سييورة النسيياء ‪ 12‬مييرة وفييي‬
‫المائدة ‪ 5‬مرات وفي هود ستة مرات وفييي النعييام‬
‫مرة واحدة‪.‬‬
‫دعوة الجميع إلى التوبة‬

‫إذا ً أكييثر سييورة وردت فيهييا كلميية التوبيية هييي‬
‫السورة التي بين أيدينا‪ .‬والملفت أنها لم تذكر نوع يا ً‬
‫ميين طييوائف المجتمييع إل وذكرتييه بالتوبيية‪ :‬الكفييار‬
‫والمشييركين والمرتييدين والمييترددين والمنييافقين‬
‫والعصيياة والمييؤمنين الصييالحين‪ ،‬حييتى النييبي ‪‬‬
‫والصييحابة‪ .‬فكلمييا تحييدثت السييورة عيين فئة منهييم‬
‫نراها تذكرهم بالتوبة أو تخبرهم بأن اللييه تعيالى قيد‬
‫فـِإن ي َُتوُبـوا ْ َيـ ُ‬
‫ب الله‪َ ...‬‬
‫تاب عليهم ‪‬ل َ َ‬
‫ك‬
‫قدْ َتا َ‬
‫م‪.( (117-118...‬‬
‫َ‬
‫خْيرا ً ل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فبالرغم من أن السورة قييد فضييحت المنييافقين‬
‫إل أنها توصل لهييم رسييالة وهييي أن كييل حيلهييم قييد‬
‫كشفت وأصييبح المؤمنيون يعرفونهييا فل سيبيل لهييم‬
‫للنجاة إل بالتوبة‪ .‬لقد فضحتهم لتلجأهم إلى التوبة‪..‬‬
‫كمن يبتليه الله ببلء ليكون سببا ً في عودته‪ .‬فسورة‬
‫التوبة تشعر المنييافقين بييأنهم محاصييرون ولييم يعييد‬
‫لهم من حجة بعييد بيييان الييدين وتوضيييحه‪ ،‬فل منفييذ‬
‫لهم إل بالتوبة‪ .‬حييتى دعييوة المييؤمنين إلييى القتييال‪،‬‬
‫تهييدف إلييى تسييلل اليييأس إلييى الكفييار ميين القتييال‬

‫سورة البقرة‬

‫‪207‬‬

‫والحرب ويتوبوا إلى الله‪...‬‬
‫علقتها بالسور التي قبلها‬

‫عنييد تقسيييم القييرآن إلييى ثلثيية أقسييام نجييد أن‬
‫القسم الول يشييتمل علييى السييور السييبع الطييوال‬
‫ويختتم بسورة التوبة‪ .‬وكأنها جاءت بعد بيان المنهييج‬
‫ووسائل القيام بالمهمة لتفتح بيياب التوبيية والرحميية‬
‫صر في حق الله‪ .‬ومن اللطيف‬
‫لمن ب ّ‬
‫دل أو غّير أو ق ّ‬
‫أنها من أواخر ما أنزل علييى النييبي ‪ ‬قبييل وفيياته‪،‬‬
‫حتى يكون ختام الوحي وختييام نييزول القييرآن بفتييح‬
‫باب التوبة‪ ..‬هل استشعرت هذا المعنى؟‬
‫بعييض النيياس حييين يقييرأ هييذه السييورة يشييعر‬
‫بشييدتها علييى الكفييار والمنييافقين‪ ،‬والبعييض الخيير‬
‫يقرأها فيشعر برحمة الله الواسعة والتي تتجلى في‬
‫قبوله التوبة ميين جميييع البشيير‪ ،‬وهييؤلء أقييرب إلييى‬
‫فهم معاني السورة لن مييا فيهييا ميين شييدة وتهديييد‬
‫ووعيييد إنمييا هييو لحمييل الكفييار والمنييافقين علييى‬
‫التوبة‪ ..‬فحتى فضييح المنييافقين كييان لحملهييم علييى‬
‫التوبيية‪ ،‬وحييتى دعييوة المييؤمنين للقتييال جيياء لحمييل‬
‫الكفار على التوبة بعد أن يئسوا من القتال‪..‬‬
‫نداءات أخيرة للتوبة‬

‫إن السورة تبدأ بداييية شييديدة وملفتيية‪ ،‬فإضييافة‬
‫إلى كونها ل تبدأ بالبسملة كبقية السييور‪ ،‬فإنهييا تبييدأ‬
‫ه إ َِلى‬
‫سول ِ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫بكلمة "براءة"‪ ..‬ب ََراءةٌ ّ‬
‫ن ٱلله َ‬

‫‪208‬‬

‫سورة البقرة‬

‫حوا ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫عا َ‬
‫ف ِ‬
‫ر ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ســي ُ‬
‫كي َ‬
‫مـ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ـدْت ُ ْ‬
‫شـ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ة أَ ْ‬
‫غي ُْر‬
‫وٱ ْ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫ض أْرب َ َ‬
‫ش ُ‬
‫موا ْ أن ّك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ر َ‬
‫ه ٍ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫زي ٱلله ‪ ( (1-2‬بداية شديدة ومهلة محيددة‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫وأ َ‬
‫ن‬
‫ذا ٌ‬
‫ثييم أذان ميين اللييه ورسييوله يقييرع الذان‪َ  :‬‬
‫سول ِ ِ َ‬
‫ج‬
‫حـ ّ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫س ي َـ ْ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫ه إ ِلــى ٱلن ّــا ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫رأ ّ‬
‫كي َ‬
‫مــ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫رىــء ّ‬
‫شــ ِ‬
‫ن ٱللــه ب َ ِ‬
‫ٱل ْك َْبــ ِ‬
‫ه‪.( (3‬‬
‫وَر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫لماذا كل هذه الشدة؟ ‪َ ‬‬
‫خْيــٌر‬
‫و َ‬
‫ف ُ‬
‫فِإن ت ُب ْت ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫زى‬
‫فٱ ْ‬
‫م ْ‬
‫غي ُْر ُ‬
‫موا ْ أن ّك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ول ّي ْت ُ ْ‬
‫ل ّك ُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫وِإن ت َ َ‬
‫م َ‬
‫جــ ِ‬
‫ٱلله ‪ ،( (3‬فالتهديد إذا ً كان من أجل التوبة ل ميين‬
‫أجييل النتقييام والوعيييد‪ ،‬كييأن "بييراءة" و"أذان" همييا‬
‫النداء الخير للتوبة‪.‬‬
‫توبة المشركين المحاربين‬

‫وتصييل بنييا اليييات إلييى الييية الخامسيية ‪َ ‬‬
‫فإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫قت ُُلوا ْ‬
‫فــــ ٱ ْ‬
‫م َ‬
‫خ ٱل ْ‬
‫ســــل َ َ‬
‫هُرل ْ ُٱ‬
‫حــــُر ُ‬
‫شــــ ُ‬
‫ٱن َ‬
‫م‪ ...‬ك ُ ّ‬
‫م ْ‬
‫د‪‬‬
‫حي ْ ُ‬
‫مو ُ‬
‫ص ٍ‬
‫ر ِ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫كي َ‬
‫ل َ‬
‫ه ْ‬
‫جدت ّ ُ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫مْر َ‬
‫ث َ‬
‫ش ِ‬
‫وا ْ‬
‫وأ َ َ‬
‫ومع ذلك َ‬
‫‪‬‬
‫قا ُ‬
‫موا ْ ٱل ّ‬
‫وءات َ ُ‬
‫صل َ ٰوةَ َ‬
‫فِإن َتاُبوا ْ َ‬
‫ٱلّزك َ ٰوةَ َ‬
‫م ‪ ‬فبعييد كييل هييذا الميير‬
‫ف َ‬
‫سِبيل َ ُ‬
‫خّلوا ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ث الكفييار عليهييا‪..‬‬
‫بالقتييال جيياء التييذكير بالتوبيية لح ي ّ‬
‫فبقدر ما السورة حادة في مواجهتهم بقييدر مييا هييي‬
‫حريصة على توبتهم وإنابتهم إلى الله‪..‬‬
‫وبعد ذلك تخبرنا بأنه ل بد أن تقييام الحجيية علييى‬
‫الكفار وذلك بدعوتهم وبيان الدين لهم قبييل قتييالهم‬
‫َ‬
‫جاَر َ‬
‫م ْ‬
‫ك‬
‫ر ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ســـت َ َ‬
‫نأ َ‬
‫نٱ ْ‬
‫كي َ‬
‫مـــ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫حـــدٌ ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫شـــ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪209‬‬

‫َ َ‬
‫ه‬
‫حّتــ ٰ‬
‫م أ َب ْل ِ ْ‬
‫م َ‬
‫جْرهُ َ‬
‫ع ك َل َ َ‬
‫ى يَ ْ‬
‫غــ ُ‬
‫م ٱللــه ُثــ ّ‬
‫ســ َ‬
‫فــأ ِ‬
‫ْ‬
‫ه‪.( (6...‬‬
‫من َ ُ‬
‫مأ َ‬
‫َ‬
‫وتتابع اليات علييى نفييس الييوتيرة‪ :‬تهديييد‪ ،‬وفييي‬
‫نهاية كل تهديد ووعيد وتذكير بالتوبة‪ .‬فمثل ً في الية‬
‫العاشرة يقول تعييالى ‪‬ل َ ي َْر ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قُبو َ‬
‫فــى ُ‬
‫م ٍ‬
‫ة ُ‬
‫وَلـــئ ِ َ‬
‫ن ‪ ‬ثييم‬
‫ك ُ‬
‫دو َ‬
‫عَتــ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫هــ ُ‬
‫ول َ ِذ ّ‬
‫وأ ْ‬
‫مــ ً َ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫موا ْ‬
‫وأ َ َ‬
‫تقييول الييية الييتي بعييدها ‪َ ‬‬
‫قـا ُ‬
‫فـِإن َتـاُبوا ْ َ‬
‫ٱّز َ‬
‫كــ ٰوةَ َ‬
‫فــي‬
‫وا ْ ل‬
‫فــإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫خ َ‬
‫وءاَتــ ُ‬
‫صــل َ ٰوةَ َ‬
‫ف عنهييم اليييات فحسييب بييل‬
‫ن ‪ .‬فلييم تع ي ِ‬
‫ٱل ـ ّ‬
‫دي ِ‬
‫أوجبت على المؤمنين محبتهم بعد توبتهم لنهييم قييد‬
‫أصبحوا إخوانا ً لنا‪.‬‬
‫ثيم عيودة للتهدييد فيي حيال إصيرار المشيركين‬
‫وِإن ن ّك َُثوا ْ‬
‫على القتال في اليييات )‪ (12‬و)‪َ  :(14‬‬
‫َ‬
‫فى ِدين ِ ُ‬
‫م‬
‫د َ‬
‫عُنوا ْ ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫ع ِ‬
‫وطَ َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ٰـن َ ُ‬
‫كــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫هم ّ‬
‫أي ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة ٱل ْك ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫مـ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ر إ ِن ّ ُ‬
‫م ٰـ ـ َ‬
‫هـ ْ‬
‫م ل أي ْ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ق ٰـ ـت ُِلوا ْ أئ ِ ّ‬
‫فـ ِ‬
‫ن‪ ‬و‪َ ‬‬
‫م ٱللــه‬
‫قـٰت ُِلو ُ‬
‫هو َ‬
‫م يُ َ‬
‫لَ َ‬
‫عــذّب ْ ُ‬
‫م َينت َ ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م َ َ‬
‫م‪ . ...‬ثييم‬
‫وي ُ ْ‬
‫ز ِ‬
‫ب ِأي ْ ِ‬
‫هـ ْ‬
‫صـْرك ُ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫وي َن ْ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب‬
‫وي َُتو ُ‬
‫عودة للتوبة مباشرة في الية )‪َ ... :(15‬‬
‫من ي َ َ‬
‫شاء‪ . ...‬إنهييا قميية فييي تييوازن‬
‫ٱلله َ‬
‫عل َ ٰى َ‬
‫ووسطية السييلم بييين الرحميية والرفييق ميين جهيية‪،‬‬
‫وبين الواقعية والشدة من جهة أخرى‪.‬‬
‫فإن كان المر كذلك بالنسبة للكفار والمنافقين‪،‬‬
‫فما الحكم في المؤمنين الييذين قييد عصييوا ربهييم‪...‬‬
‫أيتوب تعالى عليهييم أم ل‪ ...‬فييإن كييان تعييالى يقييول‬

‫‪210‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فــِإن َتــاُبوْا‪َ ...‬‬
‫عيين الكفييار ‪َ ‬‬
‫فــي‬
‫فــإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫خ َ‬
‫ن ‪ ( (11‬فمييا بالييك بميين ارتكييب بعييض‬
‫ٱلــ ّ‬
‫دي ِ‬
‫المعاصي من المؤمنين؟‬
‫إن سورة التوبة هي من أكثر السييور الييتي تزيييد‬
‫أمل المؤمن ورجاءه برحمة الله تعالى‪ ...‬فييإن كييان‬
‫ث الكفييار‬
‫رب العزة بلطفه وإحسييانه تعييالى قييد ح ي ّ‬
‫والمنافقين على التوبة وكّرر ذكر كلميية التوبيية )‪(17‬‬
‫مييرة فييي السييورة‪ ،‬فكيييف ل يغفيير لميين تيياب ميين‬
‫المؤمنين العصاة!؟‬
‫توبة المؤمنين المتخاذلين عن نصرة الدين‬

‫نصييل إلييى الييية )‪ (24‬الييتي تخيياطب المييؤمنين‬
‫وتحثهم على نصرة دين الله تعالى‪ ،‬فالية ل تتحييدث‬
‫عن الجهاد بمعنى الحرب فقط بييل أن تنصيير الييدين‬
‫ويكون أغلى من كل أمور حياتك الدنيوية‪.‬‬
‫ل ِإن َ‬
‫يقيييول تعيييالى‪ُ  :‬‬
‫ن ءاَبـــا ُ‬
‫قـــ ْ‬
‫م‬
‫كـــا َ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫ون ُك ُم َ‬
‫ج ُ‬
‫م‪ ...‬ٱل ْ َ‬
‫وأ َب ْن َـــا ُ‬
‫م‬
‫خــ ٰ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫وأْزوٰ ُ‬
‫و َ‬
‫كــ ْ‬
‫ؤك ُ ْ‬
‫قـــ ْ‬
‫ْ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (24‬‬
‫س ِ‬
‫ف ٰـ ِ‬
‫قي َ‬
‫لقد ذكرت الية ثمانية أمور وكلهييا مباحيية‪ ،‬لكنهييا‬
‫حذرت من أن تكون سببا َ في البعد عن اللييه تعييالى‬
‫وترك الجهاد‪ ،‬وهذا يعني أن يكييون أميير اللييه تعييالى‬
‫أولوية في حياتييك وفييوق كييل رغباتييك‪ ،‬وإل فييانتظر‬
‫عقاب الله والعياذ بالله‪.‬‬
‫وتنتقييل السييورة للحييديث عيين نييوع جديييد ميين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪211‬‬

‫التوبيية‪ ،‬غييير التوبيية ميين الييذنوب والمعاصييي الييتي‬
‫نعرفها والتي يقييع فيهييا النيياس دائميا ً )كييالنظر إلييى‬
‫الحرام أو تأخير الصييلة(‪ .‬إن السييورة تييدعو للتوبيية‬
‫من التخاذل عن نصييرة السييلم‪ ،‬وكأنهييا تشييير بييأن‬
‫هذا الفعل الشنيع يحتيياج إلييى توبيية شييديدة‪ .‬فتييأتي‬
‫َ‬
‫م إِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ٱل ّ ِ‬
‫الية )‪ :(38‬يٰأي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مــا ل َك ُـ ْ‬
‫من ُــوا ْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ل ٱللــه ٱّثــا َ‬
‫قي َ‬
‫م‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫م ٱن ِ‬
‫ِ‬
‫فى َ‬
‫قل ْت ُ ْ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ض‪َ ...‬‬
‫قِلي ٌ‬
‫ل ‪ ‬عتاب رقيق تعقبه لهجيية‬
‫إ ِلى ٱل ْْر ِ‬
‫م‬
‫قوية في الية التي بعييدها‪ :‬إ ِل ّ َتن ِ‬
‫فـُروا ْ ي ُ َ‬
‫عـذّب ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫مــا َ‬
‫ل َ‬
‫د ْ‬
‫ع َ‬
‫م‪( (39...‬‬
‫َ‬
‫سـت َب ْ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫غي َْرك ُـ ْ‬
‫و ً‬
‫ذاًبا أِلي ً‬
‫ق ْ‬
‫ما َ‬
‫فحذار حذار ميين السييتبدال‪ ،‬لن اللييه تعييالى ينصيير‬
‫ف َ‬
‫صـُروهُ َ‬
‫د‬
‫قـ ْ‬
‫دينه وليس بحاجة إلييى أحييد ‪‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫صَرهُ ٱللــه‪ ( (40...‬إلييى أن تييأتي الييية بييالمر‬
‫نَ َ‬
‫ف ـُروا ْ‬
‫الشامل الكامل الذي ل يسييتثني أحييدًا‪ :‬ٱن ْ ِ‬
‫َ‬
‫وَأن ُ‬
‫وث ِ َ‬
‫فا ً‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫م ٰول ِك ُ ْ‬
‫دوا ْ ب ِـأ ْ‬
‫م َ‬
‫قــال ً َ‬
‫فا َ‬
‫ج ٰــ ِ‬
‫ل ٱللــه ‪ ( (41‬فلكييي يرتييدع الكفييار‬
‫ِ‬
‫فــى َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫ويلجأوا إلى التوبة ل بد من جهييادهم‪ ،‬فكييأن جهييادك‬
‫أيها المسلم عون لهم على الرجييوع والتوبيية‪ ،‬وكييأن‬
‫تخاذل المسلم سبب لتمادي أهل الكفيير فييي غيهييم‬
‫وضللتهم‪ .‬فهيييا نعمييل لييديننا ونطييرق أبييواب الخييير‬
‫لنساعد أنفسنا فننجو ونساعد غيرنا فيتوب‪.‬‬
‫التوبة من عدم التوكل على الله‬

‫وخلل اليات السابقة تتحدث اليييات عيين غييزوة‬
‫حنيين وكيييف أعجيب المؤمنيون بكيثرتهم فليم تغين‬

‫‪212‬‬

‫سورة البقرة‬

‫عنهم شيئًا‪ ،‬فوقع المسلمون في خطأ العتماد على‬
‫العدد وحده ونسيان أن النصر من عند الله وحده‪.‬‬
‫‪‬ل َ َ‬
‫ة‪...‬‬
‫م ٱلله ِ‬
‫ن ك َِثيــَر ٍ‬
‫واطِ َ‬
‫فى َ‬
‫صَرك ُ ُ‬
‫قدْ ن َ َ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (25...‬‬
‫ري َ‬
‫ول ّي ُْتم ّ‬
‫َ‬
‫مدْب ِ ِ‬
‫وهذا الخطأ ل بد له أيضا ً من توبة‪ ،‬فتأتي الييية )‬
‫د‬
‫عـ ِ‬
‫ب ٱللــه ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫م ي َُتو ُ‬
‫‪ (27‬لتشير إلى ذلك‪ :‬ث ُ ّ‬
‫ذل ِ َ‬
‫و ٱلله َ‬
‫غ ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫م ‪.‬‬
‫ٰ‬
‫ك َ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫عَلىٰ َ‬
‫شاء َ‬

‫التخاذل عن نصرة الدين‬

‫وبعييد ذلييك تنتقييل اليييات إلييى المتخيياذلين عيين‬
‫نصييرة السييلم ميين المنييافقين‪ .‬فتقييول الييية )‪:(46‬‬
‫‪‬ل َ َ‬
‫كن‬
‫دوا ْ ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫جل َ‬
‫ول َ ٰـ ـ ِ‬
‫ع ّ‬
‫خُرو َ‬
‫و أَرا ُ‬
‫دوا ْ ل َ ُ‬
‫ع ـدّةً َ‬
‫و ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م ‪ ‬لييو كييانت‬
‫رهَ ٱللــه ٱنب ِ َ‬
‫فث َب ّطَ ُ‬
‫عــاث َ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫كــ ِ‬
‫عندهم نييية صييادقة لتحركييوا وأعييدوا لهييذا الخييروج‪،‬‬
‫ولكن لعدم صيدق نيتهييم كيره الليه خروجهيم فثبيط‬
‫لٱ ْ‬
‫هممهيييم ‪َ ‬‬
‫قيـــ َ‬
‫ع‬
‫و ِ‬
‫مـــ َ‬
‫عـــ ُ‬
‫ق ُ‬
‫فث َب ّطَ ُ‬
‫دوا ْ َ‬
‫هـــ ْ‬
‫م َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ق ٰـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫دي َ‬
‫أل تؤلمك هذه الكلمة أخي المسلم؟ إذا حرمييت‬
‫من عمل الخير والييدعوة فتييذ ّ‬
‫كر أن اللييه تعييالى قييد‬
‫يكون غاضبا ً منك وكارها ً لعملك‪ ...‬فمن منا يحب أن‬
‫يكره الله عمله؟ من منا يرضى بأن يكون عبئا ً على‬
‫في ُ‬
‫خَبال ً‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫و َ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫ما َزا ُ‬
‫خَر ُ‬
‫دوك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫الدين؟ ‪‬ل َ ْ‬
‫‪.( (47‬‬
‫واليات تتوالى في التوبيخ والتقريع‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪213‬‬

‫ول َ ت َ ْ‬
‫من ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ل ٱئ ْ َ‬
‫فت ِن ّــى‬
‫و ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ذن ل ّــي َ‬
‫‪َ ‬‬
‫حي َ‬
‫ق ُ‬
‫س َ‬
‫ة‬
‫طــ ٌ‬
‫م ِ‬
‫فى ٱل ْ ِ‬
‫َأل ِ‬
‫فت ْن َ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫ة َ‬
‫م لَ ُ‬
‫هن ّ َ‬
‫طوا ْ َ‬
‫ن‪.( (49‬‬
‫ب ِ ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫حل ِ ُ‬
‫هــم‬
‫مــا ُ‬
‫م لَ ِ‬
‫فو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن ب ِٱلله إ ِن ّ ُ‬
‫و َ‬
‫منك ُـ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫م َ‬
‫‪َ ‬‬
‫م‪.( (56...‬‬
‫منك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لَ‬
‫خل ً‬
‫مـدّ َ‬
‫م َ‬
‫غ ٰــَرا ٍ‬
‫دو َ‬
‫مل ْ َ‬
‫جـ ُ‬
‫و ُ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫و يَ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫جئا ً أ ْ‬
‫‪‬ـ ْ‬
‫م‬
‫و ُ‬
‫وا ْ إ ِل َي ْــــــــــــــ ِ‬
‫هــــــــــــــ ْ‬
‫ه َ‬
‫ول ّــــــــــــــ ْ‬
‫لّ َ‬
‫ن‪.( (57‬‬
‫حو َ‬
‫م ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ج َ‬
‫واليات )‪ (87 - 81‬شديدة اللهجة فييي التهديييد‪،‬‬
‫فمثل ً نرى الية )‪.(86‬‬
‫َ‬
‫‪‬إ َ ُ‬
‫مُنــوا ْ ِبــ ٱلله‬
‫ن ءا ِ‬
‫ســوَرةٌ أ ْ‬
‫زَلــ ْ‬
‫ت ُ‬
‫َ‬
‫ذا أن ِ‬
‫و ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ست َأذَن َ َ‬
‫ل‬
‫سول ِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫هٱ ْ‬
‫ع َر ُ‬
‫دوا ْ َ‬
‫و ِ‬
‫وُلوا ْ ٱلطّ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫َ‬
‫جـٰ ِ‬
‫ع ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ق ٰـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫قاُلوا ْ ذَْرَنا ن َك ُ ْ‬
‫ن ّ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫فكلميية القاعييدين مييؤثرة للغاييية‪ ،‬فميين يرضييى‬
‫لنفسييه أن يبقييى قاعييدا ً يشيياهد التلفيياز ول يكّلييف‬
‫نفسه عناء أي عمييل لنصييرة دينييه‪ ،‬وقييد يكييون ميين‬
‫المصّلين ومن المثابرين علييى صييلة الجماعيية لكنييه‬
‫سلبي ل يحّرك سيياكنا ً لخدميية السييلم‪ ،‬فهيذا النييوع‬
‫ضــوا ْ‬
‫من الناس عليه أن يحذر من الييية )‪َ :(87‬ر ُ‬
‫عل َ ٰى ُ ُ‬
‫ب َِأن ي َ ُ‬
‫م‬
‫ع ٱل ْ َ‬
‫ع َ‬
‫وطُب ِ َ‬
‫خ ٰول ِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫كوُنوا ْ َ‬
‫ف َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ف َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫هو َ‬
‫ق ُ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫فكيف يستقيم لهم رأي أو عمل وهم علييى هييذه‬
‫الحال؟ وانظر إلى اليجابيين المتحركين‪.‬‬
‫َ‬
‫ســو ُ‬
‫ه‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫م َ‬
‫ن ٱلّر ُ‬
‫ذي َ‬
‫عـ ُ‬
‫من ُــوا ْ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ل َ‬
‫‪‬لـ ـٰك ِ ِ‬

‫‪214‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫م‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫ج ٰـ ـ َ‬
‫ه ْ‬
‫دوا ْ ب ِ ـأ ْ‬
‫م ٰول ِ ِ‬
‫خيرات ُ‬
‫وَلـئ ِ َ‬
‫ك‬
‫وأ ْ‬
‫ٱل ْ َ ْ َ ُ َ‬

‫فس ـهم ُ‬
‫َ‬
‫وَلـ ـئ ِ َ‬
‫م‬
‫ك لَ ُ‬
‫هـ ُ‬
‫وأ ْ‬
‫وأن ُ ِ ِ ْ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (88‬‬
‫ُ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬

‫أفراح في جهنم‬

‫م ْ‬
‫خل ّ ُ‬
‫في الية )‪َ  :(81‬‬
‫م‬
‫م َ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫فو َ‬
‫ق َ‬
‫ر َ‬
‫ه ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح ٱل ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ل ٱلله‪  ...‬توبيخ شديد‪ .‬فهي توضح‬
‫خَلـٰ َ‬
‫ِ‬
‫ف َر ُ‬
‫سو ِ‬
‫أن موازين الفرح والحزن غير سييوية عنييدهم‪ .‬فميين‬
‫يفرح بالخذلن؟ إنه كمن يفرح بنار جهنم عقوبة له‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫و‬
‫ر ُ‬
‫ه ُ‬
‫هــــوا ْ أن ي ُ َ‬
‫ه ْ‬
‫دوا ْ ِبــــأ ْ‬
‫‪َ ...‬‬
‫‪‬ك َ ِ‬
‫م ٰول ِ ِ‬
‫ج ٰـــــ ِ‬
‫فــُروا ْ‬
‫و َ‬
‫وأ َن ْ ُ‬
‫قاُلوا ْ ل َ َتن ِ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫فى َ‬
‫ه ْ‬
‫ل ٱلله َ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫حّر ُ‬
‫مأ َ‬
‫ق ْ‬
‫و ك َــاُنوا‬
‫ِ‬
‫شدّ َ‬
‫ل َناُر َ‬
‫فى ٱل ْ َ‬
‫ج َ‬
‫هن ّ َ‬
‫ح ـّرا ل ّـ ْ‬
‫ول ْي َب ْ ُ‬
‫ح ُ‬
‫كوا ْ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫يَ ْ‬
‫كــوا ْ ك َِثيــًرا‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫هــو َ‬
‫ضــ َ‬
‫ق ُ‬
‫قِليل ً َ‬
‫ما َ‬
‫ن‪.( (81 - 82‬‬
‫كاُنوا ْ ي َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫َ‬
‫جَزاء ب ِ َ‬
‫دعوة الجميع للتوبة‬

‫كما ذكرنييا فييان كييل توبيييخ فييي السييورة يختتييم‬
‫بدعوة المخاطبين للتوبة‪ ،‬فنرى مث ً‬
‫ل‪:‬‬
‫‪ - 1‬توبة المنافقين والمرتدين‪:‬‬
‫فِإن ي َُتوب ُــوا ْ ي َـ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫وا‬
‫ك َ‬
‫خي ْــرا ً ل ّ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ول ّـ ْ‬
‫وِإن ي َت َ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫عـــ َ‬
‫فـــى ٱلـــدّن َْيا‬
‫م ٱللـــه َ‬
‫مـــا ِ‬
‫يُ َ‬
‫عـــذّب ْ ُ‬
‫ذاًبا أِلي ً‬
‫ه ُ‬
‫ول َ‬
‫م ِ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫ض ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ي َ‬
‫من َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ول ِ ـ ّ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫ر‪.( (74‬‬
‫نَ ِ‬
‫صي ٍ‬
‫‪ - 2‬توبة المترددين‪:‬‬
‫طــوا ْ‬
‫خل َ ُ‬
‫ْ‬
‫عت ََر ُ‬
‫م َ‬
‫وءا َ‬
‫نٱ ْ‬
‫خــُرو َ‬
‫ه ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫فــوا ِبــذُُنوب ِ ِ‬
‫َ‬
‫ســى ٱللــه أن‬
‫وءا َ‬
‫ســّيئا ً َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫خــَر َ‬
‫ع َ‬
‫مل ً َ‬
‫صـــِٰلحا ً َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪215‬‬

‫ب َ َ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫غ ُ‬
‫فوٌر‬
‫م إِ ّ‬
‫ي َُتو َ‬
‫ه ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ث الجميع على التوبة‪:‬‬
‫‪ - 3‬ثم ح ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و يَ ْ‬
‫قب َـ ُ‬
‫ة‬
‫وب َـ َ‬
‫ن ٱللــه ُ‬
‫موا ْ أ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫‪ ‬أل َ ْ‬
‫ل ٱلت ّ ْ‬
‫هـ َ‬
‫قـ ـٰت َ‬
‫ص دَ َ‬
‫و‬
‫وي َأ ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن ٱللــه ُ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ع ْ‬
‫خ ـذُ ٱل ّ‬
‫هـ َ‬
‫ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م‪.( (104‬‬
‫ب ٱلّر ِ‬
‫وا ُ‬
‫حي ُ‬
‫ٱلت ّ ّ‬
‫إن شروط التوبة ثلثة‪:‬‬
‫ ندم على الذنب‬‫ إقلع عن الذنب‬‫ عزم على عدم العودة‬‫فبادر إليهييا أخييي المسييلم‪ ،‬وإييياك وتأخيرهييا لن‬
‫تييأخير التوبيية وتأجيلهييا هييو بحييد نفسييه معصييية للييه‬
‫تعالى‪.‬‬
‫م‪(102‬‬
‫ّر ِ‬
‫حي ٌ‬

‫‪.(‬‬

‫صفات المؤمنين المستحقين للشهادة‬

‫وفييي مقابييل الحييديث عيين المنييافقين تنتقييل‬
‫السورة للكلم على صفات المؤمنين الييذين عقييدوا‬
‫ن ٱلله ٱ ْ‬
‫ن‬
‫شت ََر ٰى ِ‬
‫عقد بيع مع الله تعالى‪ :‬إ ِ‪ّ ‬‬
‫مــ َ‬
‫َ‬
‫فســهم َ‬
‫َ‬
‫لْ‬
‫مــ ْ‬
‫م‬
‫ؤ ِ‬
‫م ِبــأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مــ ٰول َ ُ‬
‫مِني َ‬
‫هــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ٱُ‬
‫ن أن ُ َ ُ ْ َ‬
‫في َ ْ‬
‫ل ٱللــه َ‬
‫ة يُ َ‬
‫ن‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ِ‬
‫قت ُل ُــو َ‬
‫قـٰت ُِلو َ‬
‫ٱل ّ َ‬
‫فــى َ‬
‫س ـِبي ِ‬
‫ح ّ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ة‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫قــا ِ‬
‫وَرا ِ‬
‫عل َْيــ ِ‬
‫قت َُلــو َ‬
‫ه َ‬
‫عــ ً‬
‫فــي ٱلّتــ ْ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫د ِ‬
‫ه ِ‬
‫ف ٰى ب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫لن ِ‬
‫ن أ ْ‬
‫ن َ‬
‫قْرءا ِ‬
‫ل َ‬
‫جي ِ‬
‫َ‬
‫وٱ ِ‬
‫ٱلله َ‬
‫ه‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫م ب ِـ ِ‬
‫م ٱل ّـ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ذى ب َــاي َ ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫عك ُ ُ‬
‫وذل ِ َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫م‪.( (111‬‬
‫َٰ‬
‫ك ُ‬
‫ع ِ‬
‫وُز ٱل ْ َ‬
‫ظي ُ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫إن السييياق القرآنييي يجعلنييا نتشييوق لمعرفيية‬

‫‪216‬‬

‫ٱ لت ّ‬

‫سورة البقرة‬

‫صيييفاتهم‪ ،‬فنقليييب الصيييفحة لنقيييرأ قيييوله تعيييالى‪:‬‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ع‬
‫ٰـــــــئ ِ‬
‫ٰـــــــ ِ‬
‫دو َ‬
‫دو َ‬
‫‪ُ‬بو َ‬
‫م ُ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ٰـــــــب ِ ُ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ن‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫مُرو َ‬
‫جدو َ‬
‫عو َ‬
‫حو َ‬
‫ن ٱلرك ِ ُ‬
‫سـٰئ ِ ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫سـٰ ِ‬
‫من َ‬
‫ر‬
‫ن َ‬
‫و ٱلّنــــا ُ‬
‫هو َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ِبــــ ٱل ْ َ‬
‫ف َ‬
‫كــــ ِ‬
‫عــــ ِ‬
‫ف ُ‬
‫مــ ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن‬
‫حـٰ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ظو َ‬
‫ح ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫ر ٱل ْ ُ‬
‫دوِد ٱلله َ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫‪.( (112‬‬
‫توبة لصفوة المة‬

‫ومن جمال التوبة وحب اللييه لهييا‪ ،‬ذكيير اللييه بهييا‬
‫نبيه ‪ ‬وصحابته الكرام‪:‬‬
‫لَ َ‬
‫ن‬
‫ق‬
‫ب الله َ‬
‫‪‬دْ َتا َ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫ه ٰـ ِ‬
‫ى َ‬
‫عل َ ٰى ٱلن ّب ِ ّ‬
‫ج ِ‬
‫وٱ ْ‬
‫ة‬
‫ســـا َ‬
‫عـــوهُ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ٱّلـــ ِ‬
‫ن ٱت ّب َ ُ‬
‫فـــى َ‬
‫ذي َ‬
‫لن َ‬
‫َ‬
‫صــــٰ ِ‬
‫ما َ‬
‫ب َ‬
‫غ ُ‬
‫ق‬
‫زيـ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ة ِ‬
‫سَر ِ‬
‫قُلـو ُ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫د َ‬
‫ف ِ‬
‫كـادَ ي َ ِ‬
‫ريـ ٍ‬
‫ب َ َ‬
‫م‪‬‬
‫ف ّر ِ‬
‫م َرءو ٌ‬
‫م َتا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫حي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫ه بِ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪.((117‬‬
‫فالتوبة ‪ -‬كما يقول العلماء ‪ -‬أول منازل العبودية‬
‫وآخرها‪ .‬فبداية اليمان تكون بالتوبيية كمييا أن التوبيية‬
‫مطلوبة في نهاية الحياة‪ .‬من هنا نفهم حديث النييبي‬
‫‪" :‬إني لستغفر الله وأتوب إليه فييي اليييوم أكييثر‬
‫من سبعين مرة"‪.‬‬
‫توبة أخيرة للثلثة المتباطئين‬

‫وأخيرا ً توبة خاصة بالثلثة المؤمنين الذين تخلفوا‬
‫عن توبة تبوك‪ ،‬فالتقاعس عن نصرة السيلم ‪ -‬كمييا‬
‫أسلفنا ‪ -‬بحاجة إلى توبة‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪217‬‬

‫ة لّ‬
‫خل ّ ُ‬
‫حت ّ ـ ٰى إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫ن ُ‬
‫و َ‬
‫ٱـ ِ‬
‫‪َ‬لى ٱلث ّل َ ٰـث َ ِ‬
‫فــوا ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ت َ َ‬
‫ضــا َ‬
‫ضا َ‬
‫ت‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫مــا َر ُ‬
‫ق ْ‬
‫حب َـ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ض بِ َ‬
‫هـ ُ‬
‫م ٱل ْر ُ‬
‫ت َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫م أن ُ‬
‫ن ٱللــه‬
‫جأ ِ‬
‫مل ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ف ُ‬
‫م َ‬
‫وظَّنوا ْ أن ل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ب َ َ‬
‫و‬
‫ن ٱللــه ُ‬
‫إ ِل ّ إ ِل َي ْ ِ‬
‫م ل ِي َُتوب ُــوا ْ إ ِ ّ‬
‫م َتا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫هـ َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫م‪.( (118‬‬
‫ب ٱلّر ِ‬
‫وا ُ‬
‫حي ُ‬
‫ٱلت ّ ّ‬
‫م ل ِي َُتوب ُــوا ْ‬
‫ب َ َ‬
‫لحظ معي روعة الية‪َ :‬تا َ‬
‫ه ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ .‬فل بد أن يتيوب اللييه عليييك ويهييء ليك طرييق‬
‫التوبة‪ ،‬فالهداية ميين عنييد اللييه‪ ،‬وهييو وحييده المعييين‬
‫عليها‪ .‬أخي المسلم‪ ،‬الزم دائما ً هذا الييدعاء‪" :‬اللهييم‬
‫ي لتوب"‪.‬‬
‫تب عل ّ‬
‫خير ختام لخير حياة‬

‫إن القارئ لسييورة التوبيية يحييس أن فيهييا بييراءة‬
‫وتهديد ووعيييد‪ ،‬لكنهييا تفعييل كييل ذلييك وهييي فاتحيية‬
‫ذراعيها للتوبة‪ .‬ومن لطف القرآن أن الله تعالى لييم‬
‫يغلب اسم الفاضحة عليى سيورة التوبيية لنيه يحيب‬
‫الستر‪ .‬وميين اللطييائف الخييرى أنييه بييالرغم ميين أن‬
‫السورة قد حرمت المنافقين ميين الرحميية فييي أول‬
‫السيورة )مين خلل عيدم البيدء بالبسيملة واليبراءة‬
‫منهم( لكنها أعطت جميع النيياس فييي آخيير السييورة‬
‫رحمة مهداة‪ ،‬والمتمثليية فييي النييبي ‪ ‬الييذي بعييث‬
‫رحمة للعالمين‪:‬‬
‫ن َأن ُ‬
‫‪‬ل َ َ‬
‫سو ٌ‬
‫زي ـٌز‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫قدْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫مـ ْ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ص َ‬
‫مــا َ‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عل َي ْـ ِ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫م ب ِـ ٱل ْ ُ‬
‫عل َي ْك ُـ ْ‬
‫عن ِت ّـ ْ‬
‫ه َ‬
‫ري ـ ٌ‬
‫ح ِ‬

‫‪218‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ف‬
‫َرءو ٌ‬

‫م‪(128‬‬
‫ّر ِ‬
‫حي ٌ‬

‫‪.(‬‬

‫وهذه الية خير ختام للسبع الطوال‪ ،‬وهييي أيض يا ً‬
‫خير ختام لحياة النبي ‪ .‬فهي آخيير سييورة أنزلييت‬
‫كاملة على رسول اللييه‪ .‬إنهييا سييورة الييوداع‪ ،‬وخييير‬
‫وداع في ديننا هو التوبة على كل النيياس‪ .‬فييإن أبييوا‬
‫التوبة فإن الية الخيرة تقول‪:‬‬
‫ه إ ِل ّ‬
‫ف ُ‬
‫وا ْ َ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ف‬
‫ل َ‬
‫ح ْ‬
‫ى ٱلله ل إ ِل َ ٰـــ َ‬
‫ول ّ ْ‬
‫‪ِ‬إن ت َ َ‬
‫سب ِ َ‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫ُ‬
‫ع ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ش ٱل ْ َ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫و َر ّ‬
‫وك ّل ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫ه تَ َ‬
‫ه َ‬
‫ظيـم ِ‬
‫عـْر ِ‬
‫‪.( (129‬‬

‫أخي الكريم‪ .‬إسأل نفسييك‪ :‬هييل سييتتوب أم ل؟‬
‫فإذا كان باب التوبة مفتوحا ً لكل فئات الناس ولكييل‬
‫فئات المجتمع مهما تفاوتت درجة قربهييم أو بعييدهم‬
‫عن الدين‪ ،‬فكيف يكون حالك وأنييت مييؤمن ومحييب‬
‫لكتاب الله؟ لذلك فلنعمل للسلم ولنعييش للسييلم‬
‫ولنحذر التخاذل والقعود عن نصييرة الييدين‪ ،‬ولنييتيقن‬
‫أن الله تبارك وتعالى يتوب على من يشاء‪..‬‬
‫من لطائف القرآن‬

‫وفييي النهاييية نشييير إلييى أن سييورتي التوبيية‬
‫والنفال جاءتا متتاليتين بالضافة إلى أنهما توافقييان‬
‫الترتيب الزمني لغزوتي بدر وتبوك‪ .‬فسورة النفييال‬
‫تتحييدث عيين أول غييزوة غزاهييا النييبي بينمييا سييورة‬
‫قييب علييى آخيير غييزوة لرسييول اللييه‪ .‬وقييد‬
‫التوبيية تع ّ‬
‫جاءت السورتان متتاليتين حييتى نلحييظ الفييرق فييي‬

‫سورة البقرة‬

‫‪219‬‬

‫المجتمييع السييلمي بييين بداييية نصييرة المسييلمين‬
‫لدينهم ونهاية النتصار العظيم‪ .‬فالسييورتان تفتحييان‬
‫المجال أمام علماء الجتماع والباحثين كي يلحظييوا‬
‫الفروقييات بييين المجتمعييين ويحللييوا سيينن تطييور‬
‫المجتمعات‪ ،‬وهييذا أميير يحتيياج ميين علميياء الجتميياع‬
‫والمحللين والدارسين إلى النظر والتفكير‪.‬‬

‫سورة يونس‬
‫سورة يونس )مكية( نزلييت بعييد السييراء‪ ،‬وهييي‬
‫في المصحف بعد التوبة‪ ،‬وعدد آياتها ‪ 109‬آيات‪.‬‬
‫هدف السورة‬

‫ن هييدف سييورة يييونس هييو اليمييان بالقضيياء‬
‫إ ّ‬
‫والقدر‪...‬‬
‫ففي الحييديث أن جبريييل ‪ ‬جيياء إلييى النييبي ‪‬‬
‫فقال يا محمد أخبرني عن اليمان‪ ،‬فقال ليه رسول‬
‫اللييه ‪ :‬اليمييان أن تييؤمن بييالله وملئكتييه وكتبييه‬
‫ورسله واليوم الخر وتييؤمن بالقييدر خيييره وشييره‪...‬‬
‫فالسورة تعالج هذا الركن الخير من أركان اليمان‪.‬‬
‫تساؤلت وتشكيك‬

‫إن هييذه السييورة تعالييج مشييكلة عنييد أشييخاص‬
‫كثيرين‪ ،‬والتي تتجلى في تساؤلت مثل‪:‬‬
‫ هل النسان مسّير أم مخّير؟!‬‫ لماذا هدى الله هذا الشخص إلى اليمان ولم يهد‬‫ذاك؟‬
‫ لماذا أنجى الله فلنا ً ولم ينج فلن؟!‬‫‪ 220‬نتصييرف‪ ،‬وفييرض علينييا‬
‫‪ -‬ربنييا خلقنييا ويعلييم كيييف‬

‫سو‬
‫رة‬
‫يونس‬

‫سورة البقرة‬

‫‪221‬‬

‫ظروف يا ً هييو الييذي صيينعها‪ ،‬فكيييف يحاسييبنا يييوم‬
‫القيامة؟‬
‫ اللييه كتييب علييى البعييض عييدم الهداييية‪ ،‬فلميياذا‬‫السعي إلى العبادة؟ وبعض الناس نسألهم لميياذا‬
‫ل تصلون؟ فيجيبون‪ :‬حتى يريد الله تعالى‪.‬‬
‫ طالما أن الله تعالى قييد كتييب عنييده إن كنييا ميين‬‫أهل الجنة أو من أهل النار‪ ،‬فلييم العمييل؟ فمهمييا‬
‫فعلنا لن يغّير هذا من المر شيئًا!‬
‫هذه السورة تعّلم قارئ القرآن كيييف يييرد علييى‬
‫هييؤلء النيياس المييترددين )أو المشييككين(‪ ،‬ويطمئن‬
‫نفسييه بالدرجيية الولييى‪ .‬فييالبعض قييد تصييل بييه‬
‫الوساوس إلى أن يتخيييل أن اللييه ظلييم فلنيا ً بكتبييه‬
‫من أهل النار )والعياذ بالله(‪.‬‬
‫ولكي نرد ّ عليهييم ل بييد ميين طييرح سييؤال‪ :‬ميياذا‬
‫يكون من يجبر شخصا ً على فعل أمر مييا ثييم يعيياقبه‬
‫عليه؟‬
‫إنه يكون ظالما ً وعابثا ً بالتأكيد‪ ،‬والله تعالى منّزه‬
‫عييييييييييييييين الظليييييييييييييييم والعبيييييييييييييييث‪..‬‬
‫لييذلك فهييذه السييورة تييرد علييى هييذه الفييتراءات‬
‫بطريقييييييييية ليييييييييم يعهيييييييييدها النييييييييياس‬
‫من قبل‪...‬‬
‫الحكيم ل يعبث‬

‫‪222‬‬

‫سورة البقرة‬

‫تعالوا إذا ً نعرف صفات ربنا سبحانه وتعالى‪ ،‬فإذا‬
‫فهمنا أنه حكيم غير ظالم‪ ،‬يريد الحق وليس العبث‪،‬‬
‫فهمنا أنه ل محل للسؤال أص ً‬
‫ل‪.‬‬
‫إن أفعال اللييه تعييالى فييي الكييون أفعييال حكيييم‬
‫مييدّبر‪ ،‬يرحييم النيياس‪ ،‬وليسييت أفعييال ظييالم يجييبر‬
‫الناس على أشياء ليس لهم يد فيها‪ ...‬فل يصدر عنه‬
‫سبحانه إل الحكمة والتدبير والعظمة‪.‬‬
‫والسورة تؤكد هذا المعنييى بطريقيية رائعيية‪ ،‬عيين‬
‫طريق التدبر في هذا الكون والتفكر في حكمة اللييه‬
‫فيه‪ ،‬حتى نعرف هل يصدر عن الله العبث أم ل؟ إن‬
‫السورة ستظهر لك أن كل ما فييي الكييون إنمييا هييو‬
‫من حكمة الله وتدبيره‪ ،‬فمحال أن يصدر عنه العبث‬
‫سبحانه‪ ،‬فثق بحكمته وتوكل عليه‪.‬‬
‫الكتاب الحكيم‬

‫فمن أول آيات السييورة نلحييظ وضييوح المعيياني‬
‫السابقة‪ :‬ت ِل ْ َ‬
‫كيم ِ ‪.‬‬
‫ح ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫ك ءاَيـٰ ُ‬
‫ت ٱل ْك َِتـٰ ِ‬
‫وللقرآن أوصاف كثيرة فمييا سيير اختيييار الحكيييم‬
‫هنا؟ حتى تعلم أن قضاء الله وكلمييه ل يصييدران إل‬
‫عن حكمة بالغة وتدبير محكم‪.‬‬
‫َ‬
‫وفي الييية الثانييية‪ :‬أ َ َ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫جًبـا أ ْ‬
‫كـا َ‬
‫ع َ‬
‫ن ِللّنـا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س‬
‫حي َْنــا إ َِلــ ٰ‬
‫ن أنــ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ى َر ُ‬
‫و َ‬
‫من ْ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫ل ّ‬
‫ر ٱلّنــا َ‬
‫جــ ٍ‬
‫أ ْ‬
‫ذ ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫وب َ ّ‬
‫د‬
‫ق ِ‬
‫م ِ‬
‫ر ٱل ّ ِ‬
‫مُنوا ْ أ ّ‬
‫عنــ َ‬
‫قدَ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫صدْ ٍ‬
‫ش ِ‬
‫م َ‬
‫قا َ‬
‫ه ٰـ َ‬
‫ن‬
‫س ٰــ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫فُرو َ‬
‫ذا ل َ َ‬
‫مِبيـ ٌ‬
‫حٌر ّ‬
‫ه ْ‬
‫َرب ّ ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪223‬‬

‫‪.‬‬
‫أي هل تتعجبييون ميين كييون الرسييالة قييد أنزلييت‬
‫على محمد ‪ ...‬فالله تعالى ينزل رسالته على من‬
‫يشاء وهناك حكمة وتييدبير لختيييار اللييه ‪ ‬للرسييول‬
‫الذي يحمييل الرسييالة‪ ،‬ولييذلك جيياء فييي آييية أخييرى‬
‫ع ُ‬
‫ه ‪) ‬النعييام‪،‬‬
‫حي ْ ُ‬
‫‪‬ٱلله أ َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ث يَ ْ‬
‫م َ‬
‫ر َ‬
‫ســال َت َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل ِ‬
‫‪.(124‬‬
‫يدّبر المر‬

‫وبعد ذلك تنتقل اليات للحديث عن ملك الله ‪‬‬
‫للكون وتدبيره في ملكه حتى تشعر بصفاته وتييوقن‬
‫م ٱللــه‬
‫بهييا وتييدفع الظنييون والوهييام‪ .‬إ ِ ّ‬
‫ن َرب ّك ُـ ُ‬
‫ة‬
‫ذي َ‬
‫ض ِ‬
‫سـت ّ ِ‬
‫فــى ِ‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خل َـ َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫م ـَر‬
‫وىٰ َ‬
‫عَلى ٱل ْ َ‬
‫مٱ ْ‬
‫ش ي ُـدَب ُّر ٱل ْ ْ‬
‫أّيام ٍ ث ُ ّ‬
‫ست َ َ‬
‫ع ـْر ِ‬
‫من َ‬
‫م ٱللــه‬
‫ه ٰ‬
‫شـ ِ‬
‫د إ ِذْن ِـ ِ‬
‫عـ ِ‬
‫ع إ ِل ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫ذل ِك ُـ ُ‬
‫َ‬
‫في ٍ‬
‫َ‬
‫دوهُ أ َ‬
‫م َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫فٱ ْ‬
‫فل َ ت َذَك ُّرو َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫م ـَر ‪ ‬يتكييرر كييثيرا ً‬
‫وقييوله تعييالى‪ :‬ي ُدَب ُّر ٱل ْ ْ‬
‫خلل هييذه السييورة‪ ،‬حييتى نعلييم أنييه حكيييم ومييدبر‪،‬‬
‫فكيف نظن العبث يصدر عن حكمته سبحانه؟ كيييف‬
‫نظن الظلم في أفعيياله وأنييه جعييل النسييان مجييبرا ً‬
‫على المعصية لنه كتبه من أهل النار؟‬
‫الحق عنوانها‬

‫م‬
‫ثييم تييأتي الييية الييتي بعييدها ‪‬إ ِل َي ْـ ِ‬
‫ج ُ‬
‫عك ُـ ْ‬
‫ه َ‬
‫مْر ِ‬

‫‪224‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ح ّ‬
‫قــا‪ . ...‬والحييق هييو نقيييض‬
‫و ْ‬
‫ج ِ‬
‫عدَ ٱللــه َ‬
‫َ‬
‫ميعا ً َ‬
‫العبث والصدفة‪ ،‬لذلك تكررت كلمة الحق فيي هيذه‬
‫السييورة ‪ -‬الييتي تتحييدث عيين التسييليم لقضيياء اللييه‬
‫وقدره ‪ -‬ثلثا ً وعشرين مرة‪ ،‬وهي أعلى نسبة لورود‬
‫كلمة الحق فييي القييرآن‪ 23 ،‬مييرة فييي سييورة عييدد‬
‫آياتها ‪ ،109‬بينما أكثر سورة ذكرا ً للحييق بعييد سييورة‬
‫يونس هي سورة آل عمران‪ 13 ،‬مرة فييي ‪ 200‬آييية‪،‬‬
‫وبهذا يتضح الفرق الواضح فييي النسييبة‪ ،‬لن سييورة‬
‫يونس تؤكد علييى ضييرورة التسييليم للييه الحييق فييي‬
‫قضائه وتدبيره‪.‬‬
‫ونتابع مع الية )‪:(4‬‬
‫ح ّ‬
‫ه‬
‫و ْ‬
‫ج ِ‬
‫‪‬إ ِل َي ْ ِ‬
‫عدَ ٱلله َ‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫قـا إ ِّنـ ُ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫مْر ِ‬
‫ميعا ً َ‬
‫من ُــوا ْ‬
‫ي َب ْدَأ ُ ٱل ْ َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ى ٱّلــ ِ‬
‫عيدُهُ ل ِي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ز َ‬
‫ق ثُ ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫ت ب ِٱل ْ ِ‬
‫و ٱّلـــ ِ‬
‫ســـ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫صــــٰل ِ َ‬
‫ق ْ‬
‫ذي َ‬
‫مل ُـــوا ْ ٱل ّ‬
‫ط َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كَ َ‬
‫م َ‬
‫عـ َ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ح ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن َ‬
‫شَرا ٌ‬
‫فُروا ْ ل َ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ب أِلي ـ ٌ‬
‫ب ّ‬
‫ه ْ‬
‫مي ـم ٍ َ‬
‫ما َ‬
‫كاُنوا ْ ي َك ْ ُ‬
‫ن ‪.‬‬
‫فُرو َ‬
‫بِ َ‬
‫فلينظر كييل حييائر وكييل مشي ّ‬
‫كك إلييى ملييك اللييه‬
‫وليتفكر في تدبيره وإدارته لملكه‪ .‬فالية حييددت أن‬
‫سبب تعذيبه لبعض البشر هو كفرهم به تعالى ‪...‬‬
‫ما َ‬
‫كاُنوا ْ ي َك ْ ُ‬
‫ن ‪.‬‬
‫فُرو َ‬
‫بِ َ‬
‫والييية الييتي بعييدها تلفييت نظييرك إلييى خلقييه‬
‫وتدبيره‪:‬‬
‫ما خلق الله ذلك إل بالحق‬

‫سورة البقرة‬

‫‪225‬‬

‫و ٱل ْ َ‬
‫ل ٱل ّ‬
‫ع َ‬
‫مَر‬
‫‪ُ ‬‬
‫س ِ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫ذى َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ضَياء َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ز َ‬
‫ن‬
‫مــوا ْ َ‬
‫ل ل ِت َ ْ‬
‫ع ـدَدَ ٱل ّ‬
‫س ـِني َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ق ـدَّرهُ َ‬
‫ُنورا ً َ‬
‫من َــا ِ‬
‫ق ٱللــهذلٰ ِـ َ‬
‫ق‬
‫مــا َ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫ك إ ِل ّ ب ِـ ٱل ْ َ‬
‫ســا َ‬
‫ح َ‬
‫ح ّ‬
‫خل َـ َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ت لِ َ‬
‫يُ َ‬
‫صــ ُ‬
‫فــى‬
‫ن ِ‬
‫ل ٱلي َ ٰـــ ِ‬
‫ن ‪ ‬إِ ّ‬
‫مــو َ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ف ّ‬
‫قــ ْ‬
‫فــى‬
‫ما َ‬
‫ٱ ْ‬
‫ق ٱللــه ِ‬
‫خت َِلـٰ ِ‬
‫و ٱلن ّ َ‬
‫خل َ َ‬
‫و َ‬
‫ر َ‬
‫ل َ‬
‫ف ٱل ّي ْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫وم ٍ ي َت ّ ُ‬
‫ت لّ َ‬
‫ن‪‬‬
‫ض لي َ ٰـ ـ ٍ‬
‫م ٰـ ٰو ِ‬
‫قــو َ‬
‫ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫قـ ْ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫‪.((6‬‬
‫إنها دعوة للتفكر في خلق اللييه ‪ ‬وتييدبيره فييي‬
‫الليل والنهار‪ ...‬فهل يصدر مثل هييذا التييدبير إل عيين‬
‫الحق تبارك وتعييالى!‪ ...‬فالييذي يييدّبر ذلييك يسييتحيل‬
‫عليييه العبييث‪ ،‬ويسييتحيل عليييه إدخييال النيياس النييار‬
‫مجبرين‪.‬‬
‫عمن تصدر هذه التساؤلت؟‬

‫ضييح الييية السييابعة ميين السييورة نييوع النيياس‬
‫تو ّ‬
‫الذين يعتقدون مثييل هييذه المعتقييدات الباطليية فييي‬
‫ضوا ْ‬
‫ن لِ َ‬
‫وَر ُ‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫جو َ‬
‫حق الله‪ :‬إ َ ّ‬
‫ن ل َ ي َْر ُ‬
‫ذي َ‬
‫قاءَنا َ‬
‫ب ٱل ْحيوٰة ٱلدن ْيا و ٱطْ َ‬
‫م‬
‫ن ُ‬
‫و ٱل ّ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫مأّنوا ْ ب ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫هــ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ها َ‬
‫ّ َ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ولـ ـئ ِ َ‬
‫ن ءاي َ ٰـت َِنا َ‬
‫م ٱلن ّــاُر‬
‫َ‬
‫وا ُ‬
‫غ ٰـ ـ ِ‬
‫فلو َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ُ‬
‫ك َ‬
‫م ـأ َ‬
‫ن‪‬أ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫كاُنوا ْ ي َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫بِ َ‬
‫وهيذه ملحوظيية مهميية أتييت بهييا السيورة‪ :‬فمين‬
‫الذي يطرح هذه السئلة ويشكك فييي حكميية اللييه؟‬
‫إنهم غير المتدينين والبعيدين عن طاعيية اللييه‪ ،‬وهييم‬
‫يطرحون أسئلة كهذه ليريحوا أنفسييهم‪ .‬ولييم نسييمع‬

‫‪226‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فذ الطاعات ويش ّ‬
‫كك بأن اللييه‬
‫يوما ً بشخص متدّين ين ّ‬
‫تعييالى أجييبره علييى الطاعيية‪ ،‬لييذلك فالمتييدينون ل‬
‫يطرحون أبييدا ً مثييل هييذه السييئلة‪ ..‬والييية السييابقة‬
‫تبّين لنييا أن أصييل المييرض الييذي أصيياب هييؤلء هييو‬
‫الغفلة عن آيات اللييه وعييدم استشييعار حكمتييه فييي‬
‫أوضح صورها‪.‬‬
‫حكمة الله في أفعاله‬

‫وتستمر اليات لتؤكد علييى نفييس المعنييى‪ :‬اللييه‬
‫تعالى ل يصدر عنه العبث‪ ،‬فكل أفعاله حكمة‪..‬‬
‫ق ُ‬
‫من ي َْرُز ُ‬
‫‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ض‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫ســ َ‬
‫كم ّ‬
‫ل َ‬
‫ماء َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫مل ِـ ُ‬
‫ج‬
‫مــن ي ُ ْ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫ك ٱل ّ‬
‫و َ‬
‫سـ ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫أ ّ‬
‫ع و ٱل ْب ْ َ‬
‫ص ٰـ ـَر َ‬
‫خـ ِ‬
‫ن‬
‫وي ُ ْ‬
‫ت ِ‬
‫مّيــ ِ‬
‫ى ِ‬
‫ر ُ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫مّيــ َ‬
‫مــ َ‬
‫مــ َ‬
‫ج ٱل ْ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ت َ‬
‫حــ ّ‬
‫خــ ِ‬
‫سي َ ُ‬
‫مَر َ‬
‫ن ٱللــه ‪‬‬
‫قوُلو َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ف َ‬
‫من ي ُدَب ُّر ٱل ْ ْ‬
‫و َ‬
‫ى َ‬
‫ح ّ‬
‫‪ ((31‬فلماذا الشك والريبة ما دمتم تقرون بييأن اللييه‬
‫يدبر المر؟‬
‫فل َ ت َت ّ ُ‬
‫ل أَ َ‬
‫ف ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫قـــ ْ‬
‫ن ‪ ‬اتقيييوا الليييه فيميييا‬
‫قـــو َ‬
‫ق‪ ‬و‬
‫تقولييون‪ ...‬ونعييود لنسييمع كلمييات ‪‬ٱل ْ َ‬
‫حــ ّ‬
‫ت ‪ ‬لتزيييد ميين طمأنيية قلوبنييا‪َ  :‬‬
‫ح ّ‬
‫م‬
‫‪َ ‬‬
‫قـ ْ‬
‫فـذَل ِك ُ ُ‬
‫ٱللــه َرب ّ ُ‬
‫ق إ ِل ّ‬
‫ق َ‬
‫مــا َ‬
‫عــدَ ٱل ْ َ‬
‫ذا ب َ ْ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫حــ ّ‬
‫ف َ‬
‫حــ ّ‬
‫كــ ُ‬
‫ل َ َ‬
‫ن ‪ ‬ك َذَل ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫صَر ُ‬
‫ضل َ ُ‬
‫ة‬
‫مــ ُ‬
‫ٱل ّ‬
‫فو َ‬
‫ك َ‬
‫قــ ْ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫فأ ن ّ ٰ ى ت ُ ْ‬
‫َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫س ُ‬
‫ن َ‬
‫م ل َ يُ ْ‬
‫ن‪‬‬
‫ك َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عَلى ٱل ّ ِ‬
‫مُنــو َ‬
‫قوا ْ أن ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫‪.((32-33‬‬
‫شَر َ‬
‫وبعد ذلك يقول ‪ُ : ‬‬
‫من ُ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫ل ِ‬
‫كائ ِك ُ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ق‬
‫هـ ِ‬
‫ه ِ‬
‫دى ل ِل ْ َ‬
‫دى إ َِلى ٱل ْ َ‬
‫ل ٱلله ي َ ْ‬
‫من ي َ ْ‬
‫حـ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ّ‬
‫ق ِ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪227‬‬

‫أ َحق َأن يت ّب َ‬
‫مــن ل ّ‬
‫ُ َ َ‬
‫عأ ّ‬
‫َ ّ‬
‫ن‪‬‬
‫م ك َي ْ َ‬
‫مو َ‬
‫ف تَ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫ل َك ُ ْ‬

‫أَ َ‬
‫ق‬
‫ه ِ‬
‫دى إ َِلى ٱل ْ َ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫هدَ ٰى َ‬
‫ما‬
‫ه ّ‬
‫دى إ ِل ّ أن ي ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫يَ ِ‬
‫‪.((34‬‬
‫فيا من تتهمون الله بتدبيره‪ ...‬أين التسييليم للييه‪،‬‬
‫كيف تحكمون! بأي طريقة تفكرون وأنتييم تعيشييون‬
‫في هذا الكون‪ ...‬اسمع هذا القسم الرائع ميين جبييار‬
‫السماوات والرض‪:‬‬
‫‪‬ويست َن ْبُئون َ َ َ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ق ُ‬
‫كأ َ‬
‫وَرب ّــى إ ِن ّـ ُ‬
‫ح ّ‬
‫َ َ ْ ِ‬
‫ل ِإى َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫لَ َ‬
‫مــــــــــــــا أنُتــــــــــــــ ْ‬
‫و َ‬
‫حــــــــــــــ ّ‬
‫ق َ‬
‫ن‪.( (53‬‬
‫م ْ‬
‫زي َ‬
‫بِ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫فــى‬
‫مــا ِ‬
‫وبعييد ذلييك يقييول ‪: ‬أل إ ِ ّ‬
‫ن للــه َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫و ْ‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ض أل َ إ ِ ّ‬
‫ع ـدَ ٱللــه َ‬
‫ٱل ّ‬
‫حـ ّ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫ن‪.( (55‬‬
‫ن أ َك ْث ََر ُ‬
‫مو َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫ول َ ٰـك ِ ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫حشد هائل من اليات يصيب فيي نفيس المعنيى‬
‫ويركز على نفس المحور ليزيل من القلب أي شبهة‬
‫وتساؤل‪.‬‬
‫أفعالكم هي السبب‬

‫إن تركيز اليييات علييى الحييق والحكميية والتييدبير‬
‫يظهر أن ما يحييدث للعبيياد إنمييا هييو بسييبب عملهييم‬
‫وسعيهم‪.‬‬
‫فل يقييع الهلك ميين اللييه إل بعييد الظلييم ميين‬
‫م‬
‫البشييير‪ ..‬يقيييول تعيييالى‪ :‬إ ِ ّ‬
‫ن ٱللـــه ل َ ي َظْل ِـــ ُ‬
‫س َأن ُ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ســـ ُ‬
‫ف َ‬
‫وَلــــٰك ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ن ٱلن ّـــا َ‬
‫ٱلن ّـــا َ‬
‫شـــي ًْئا َ‬

‫‪228‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ن‪(13‬‬
‫مو َ‬
‫ي َظْل ِ ُ‬

‫‪.(‬‬

‫فالناس هم الذين يظلمون أنفسهم‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫يتهموا الله بالظلم لما يصيبهم من عذاب ومصييائب‪،‬‬
‫بل يجب أن ينظروا ماذا فعلوا هم حتى أصابهم الله‬
‫‪ ‬بهذا العذاب‪.‬‬
‫ول َ َ‬
‫د‬
‫قـ ْ‬
‫ويظهيير هييذا المعنييى جلي يا ً فييي قييوله‪َ  :‬‬
‫مــوا ْ‬
‫قب ْل ِ ُ‬
‫مــن َ‬
‫هل َك َْنــا ٱل ْ ُ‬
‫أَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫قــُرو َ‬
‫مــا ظَل َ ُ‬
‫م لَ ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ت‪.( (13...‬‬
‫هم ب ِٱل ْب َي ّن َ ٰـ ِ‬
‫و َ‬
‫سل ُ ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫جاءت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫متى وقع الهلك؟ عندما ظهر ظلمهم وفسادهم‪.‬‬
‫فأفعال البشر هي السبب الول لمييا يحييل بهييم ميين‬
‫العقوبات‪.‬‬
‫وتيييأتي آييييات كيييثيرة لتخيييدم نفيييس المعنيييى‪:‬‬
‫ة‬
‫ســي ّئ َ ٍ‬
‫ســي َّئا ِ‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫ت َ‬
‫جــَزاءُ َ‬
‫ســُبوا ْ ٱل ّ‬
‫ن كَ َ‬
‫ذي َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ه ُ‬
‫ة‪.( (27...‬‬
‫م ِذل ّ ٌ‬
‫وت َْر َ‬
‫بِ ِ‬
‫ق ُ‬
‫مث ْل ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫هَنال ِ َ‬
‫س ـل َ َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫ك ت َب ُْلوا ْ ك ُ ّ‬
‫ت‪ ...‬‬
‫‪ُ ‬‬
‫ف ْ‬
‫مــا أ ْ‬
‫س ّ‬
‫فـ ٍ‬
‫‪.((30‬‬
‫ة َرب ّـ َ‬
‫‪‬ك َـذَل ِ َ‬
‫ح ّ‬
‫ن‬
‫ك َ‬
‫مـ ُ‬
‫عل َــى ٱل ّ ـ ِ‬
‫ك َ‬
‫قـ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫َ‬
‫م لَ‬
‫ســــــــــــــــــــ ُ‬
‫َ‬
‫قوا ْ أن ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫هــــــــــــــــــــ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‪.( (33‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وبالمقابييل‪ ،‬ترينييا اليييات أن المثوبيية الربانييية ل‬
‫تكييون عيين عبييث‪ ،‬بييل إنهييا رهيين بميين اسييتحقها‪:‬‬
‫َ‬
‫ل ّل ّ‬
‫ة‪.( (26...‬‬
‫زَيادَ ٌ‬
‫‪ِ‬‬
‫سُنوا ْ ٱل ْ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫سن َ ٰى َ‬
‫و ِ‬
‫الله أعلم بعباده‬

‫سورة البقرة‬

‫‪229‬‬

‫وإذا تابعنا قراءة اليات‪ ،‬وجدنا أن السورة تنتقل‬
‫إلى مفهوم جديد وسؤال مباغت‪:‬‬
‫كيف تتعجبون من قضاء الله وأفعالكم أنتم تجاه‬
‫قضاء الله وقدره أشد غرابة؟ اسمع معي اليات‪:‬‬
‫وإ ِ َ‬
‫ه‬
‫ضّر دَ َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫جنِبــ ِ‬
‫عاَنــا ل ِ َ‬
‫لن َ‬
‫سـٰ َ‬
‫ذا َ‬
‫م ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫سٱ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫مــّر‬
‫فَنا َ‬
‫قا ِ‬
‫ه ُ‬
‫ع ً‬
‫ضّرهُ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫فل َ ّ‬
‫قائ ِ ً‬
‫دا أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ( (12...‬هذه الية‬
‫م ي َدْ ُ‬
‫عَنا إ ِل َ ٰى ُ‬
‫م ّ‬
‫س ُ‬
‫ضّر ّ‬
‫ك َأن ل ّ ْ‬
‫تصييور لنييا مشييهدين بشييكل رائع‪ :‬مشييهد النسييان‬
‫المهموم الذي يدعو الله تعالى بييأي طريقيية )لجنبييه‬
‫أو قاعدا ً أو قائمًا( وفي هذه الصييورة تثاقييل وبطييء‪،‬‬
‫حتى إذا انتهت الزمة كان تصرفه وغفلتييه سييريعين‬
‫)مر(‪...‬كأنه ميير بيدون أن يتوقيف ليشيكر أو يلتفييت‬
‫ليتدبر‪.‬‬
‫ذا أ َذَ ْ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ة‬
‫مـ ً‬
‫س َر ْ‬
‫ح َ‬
‫قَنا ٱلّنــا َ‬
‫وفي آية أخرى‪َ  :‬‬
‫م إِ َ‬
‫فــى‬
‫مك ْـٌر ِ‬
‫د َ‬
‫عـ ِ‬
‫مــن ب َ ْ‬
‫ذا ل َ ُ‬
‫س ـت ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ض ـّراء َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ءاَيـٰت َِنا ُ‬
‫مك ًْرا‪.( (21‬‬
‫سَر ُ‬
‫ل ٱلله أ ْ‬
‫ع َ‬
‫ق ِ‬
‫فهذه الية تشرح كيف يقع القضاء والقييدر‪ ،‬فييإن‬
‫كييان بعييض البشيير مسييتغربا ً ميين قضيياء اللييه‪ ،‬فييإنه‬
‫تعالى يعلم من منكم سيشكر وميين منكييم سيييكفر‪،‬‬
‫و‬
‫وتأتي الية التي بعدها لتوضييح المعنييى أكييثر ‪ُ ‬‬
‫ه َ‬
‫حت ّـ ٰى إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫و ل‬
‫م ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ر َ‬
‫ٱْب َ ْ‬
‫ذى ي ُ َ‬
‫سي ُّرك ُ ْ‬
‫فى ٱل ْب َـّر َ‬
‫حـ ِ‬
‫ُ‬
‫فى ٱل ْ ُ‬
‫ة‬
‫م ِ‬
‫ح طَي ّب َـ ٍ‬
‫و َ‬
‫فل ْـ ِ‬
‫جَري ْـ َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ك َ‬
‫هــم ب ِ ِ‬
‫ري ـ ٍ‬
‫ن بِ ِ‬
‫و َ‬
‫ها‪.( (22...‬‬
‫ر ُ‬
‫حوا ْ ب ِ َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ول يصفو القلب لخالقه إل عند الشييدة‪ ،‬ول يييرق‬

‫‪230‬‬

‫سورة البقرة‬

‫إل في الكوارث‪ ،‬فإذا مرت بسلم نسي اللجوء إلييى‬
‫خالقه من قبل‪ ...‬أنظر بالله عليك‪ ،‬ميياذا بعييد الريييح‬
‫الطيبة التي فرحت بها القلوب وذهلت عيين صيياحب‬
‫م‬
‫ح َ‬
‫جــاء ُ‬
‫صــ ٌ‬
‫عا ِ‬
‫و َ‬
‫ريــ ٌ‬
‫النعميية‪َ ... :‬‬
‫جاءت ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ف َ‬
‫هــا ِ‬
‫َ‬
‫م أُ ِ َ‬
‫م َ‬
‫من ك ُ ّ‬
‫م‬
‫ج ِ‬
‫و ُ‬
‫وظَّنوا ْ أن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ن َ‬
‫كا ٍ‬
‫م ْ‬
‫حيط ب ِ ِ‬
‫َ‬
‫جي ْت ََنــا‬
‫م ْ‬
‫دَ َ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ه ٱلــ ّ‬
‫ن ل َئ ِ ْ‬
‫دي َ‬
‫صي َ‬
‫ن َلــ ُ‬
‫وا ْ ٱلله ُ‬
‫ع ُ‬
‫ه ل َن َ ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ن‪.( (22‬‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ٰـ ِ‬
‫ِ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ش ٰـك ِ ِ‬
‫وما يحييدث فييي أمييواج البحيير يحييدث أيضيا ً بييين‬
‫أمييواج الحييياة وتقلباتهييا‪ .‬فميياذا يكييون حييال ركيياب‬
‫السفينة عند النجاة؟‬
‫َ‬
‫‪َ ‬‬
‫م إِ َ‬
‫ض‬
‫م ي َب ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ذا ُ‬
‫جا ُ‬
‫غو َ‬
‫ما أن َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫فل َ ّ‬
‫فى ٱل ْْر ِ‬
‫ق ‪ ‬وتليييييييييك قمييييييييية‬
‫بِ َ‬
‫ر ٱل ْ َ‬
‫حــــــــ ّ‬
‫غي ْــــــــ ِ‬
‫التناقض‪ ،‬وغاية النحراف عن الحييق‪ ،‬لن اللييه غنييي‬
‫عن البشر ٰيأ َ‬
‫غي ُ ُ‬
‫عَلـ ٰى‬
‫مـا ب َ ْ‬
‫م َ‬
‫‪‬ي ّ َ‬
‫كـ ْ‬
‫س إ ِن ّ َ‬
‫هـا ٱلّنـا ُ‬
‫ع لْ‬
‫َأن ُ‬
‫م إ َِليَنــا‬
‫مَتــا َ‬
‫حَيــ وٰ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ٱ َ‬
‫ة ٱلــدّن َْيا ُثــ ّ‬
‫م ّ‬
‫ســك ُ ْ‬
‫ما ُ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (23‬‬
‫مُلو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ع َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫فن ُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫عك ُ ْ‬
‫َ‬
‫مْر ِ‬
‫فمييا علقيية هييذا المثييل بهييدف السييورة؟ كييأن‬
‫المعنى‪ :‬ل تعجبوا من قضاء الله فيكم لنه يعلم من‬
‫منكم سيشكر بعد رفييع البلء ويتييوب‪ ،‬وميين سيييعود‬
‫إلى جرمه ثانية!‪..‬‬
‫رسائل القدر‬

‫أحيانا يقع قضاء الله وقيدره لنيه ‪ ‬أعليم كييف‬
‫سيتصرف كل إنسييان بعييد رفييع البلء‪ ،‬لنييه ل يوجييد‬

‫سورة البقرة‬

‫‪231‬‬

‫إنسان إل وقد تعّرض لمواقييف قبييل أن يييأتيه البلء‪،‬‬
‫ويظهر من خلل المواقف كيف سيكون تصرفه بعييد‬
‫رفعه‪ .‬فالنسان يختبر بابتلءات صغيرة فيييدعو اللييه‬
‫‪ ،‬وقد يهلكه الله لنه تعالى يعلم كيييف سيتصييرف‬
‫العبد إذا ما رفع عنه البلء‪ ،‬كما تصرف في السييابق‬
‫مرات عديدة‪...‬‬
‫فالقضيياء والقييدر إنمييا هييو بحكميية ميين اللييه ‪‬‬
‫وليس عبثًا‪ ،‬وقد ندرك هذه الحكميية وقييد ل نييدركها‪،‬‬
‫وحييتى لييو لييم نييدرك الحكميية بعقولنييا البسيييطة فل‬
‫يجوز لنا أن نتهم الله ‪ ‬فييي حكمتييه‪ ،‬ولكيين ينبغييي‬
‫التسييليم والثقيية المطلقيية بييالله والتوكييل عليييه‪،‬‬
‫واليقين بأنه هو الحكيم العليم الذي ل يظلم أبدًا‪...‬‬
‫أنبياء الله والتوكل‬

‫لييذلك جيياءت قصييص النبيياء فيي هيذه السيورة‬
‫لتؤكد على معنى التوكل على الله عند دعوة النبياء‬
‫لقوامهم‪:‬‬
‫نيييوح‪ٰ ... :‬ي َ‬
‫م‬
‫ن ك َب ُـــَر َ‬
‫وم ِ ِإن ك َـــا َ‬
‫عل َي ْك ُـــ ْ‬
‫قـــ ْ‬
‫ت ٱللــه َ‬
‫م َ‬
‫عل َــى ٱللــه‬
‫رى ِبآي َــا ِ‬
‫وت َـذْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ف َ‬
‫ّ‬
‫مى َ‬
‫كي ِ‬
‫ت‪.( (71...‬‬
‫وك ّل ْ ُ‬
‫تَ َ‬
‫وم ِ ِإن ُ‬
‫س ـ ٰى ٰي َ‬
‫و َ‬
‫‪‬ــا َ‬
‫م‬
‫ق‬
‫مو َ‬
‫كنت ُـ ْ‬
‫ل ُ‬
‫قـ ْ‬
‫موسييى‪َ :‬‬
‫ٱلله َ‬
‫وك ُّلـــــوا ْ ِإن‬
‫م ِبـــــ‬
‫عل َْيـــــ ِ‬
‫ف َ‬
‫من ُْتـــــ ْ‬
‫ءا َ‬
‫ه تَ َ‬
‫ف َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫وك ّل َْنا َرب َّنا‬
‫ع َ ٰ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ك ُن ُْتم ّ‬
‫لى ٱلله ت َ َ‬
‫ة ل ّل ْ َ‬
‫فت َْنـــــــــــ ً‬
‫عل َْنـــــــــــا ِ‬
‫ج َ‬
‫ل َ تَ ْ‬
‫قـــــــــــ ْ‬
‫وم ِ‬

‫‪232‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ن‪(84-85‬‬
‫ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫مي َ‬

‫‪.(‬‬

‫فرعون وقوم يونس‬

‫ونصل إلى ختام السورة حيث تذكر لنييا السييورة‬
‫قصتين لتوضيح ما سبق‪ :‬فرعون‪ ،‬وقوم يونس‪.‬‬
‫فبعد أن أوضحت السورة فييي كييثير ميين اليييات‬
‫حكميييية اللييييه ‪ ‬وتييييدبيره‪ ،‬وتصييييرفات البشيييير‬
‫حيالها‪..‬ضربت السورة مثالين‪ :‬الول لفرعون الييذي‬
‫كذب بآيات الله‪ ،‬والثيياني قييوم يييونس الييذين كييذبوا‬
‫بالله أول المر‪.‬‬
‫وفي المثلييين تجييد أن النييبيين ذهبييا إلييى البحيير‪:‬‬
‫موسى ويونس‪ .‬وظل القومان على تكييذيبهما حييتى‬
‫نزل بهم العذاب جميعًا‪ ،‬لكيين الييذي جييرى هييو هلك‬
‫فرعون وآله ونجاة قوم يونس‪...‬‬
‫سـرءي َ‬
‫حـَر‬
‫وْزَنا ب ِب َِنى إ ِ ْ ٰ‬
‫ل ٱل ْب َ ْ‬
‫و َ‬
‫جا َ‬
‫يقول ‪َ : ‬‬

‫َ َ‬
‫حت ّـ ٰى‬
‫جن ُــودُهُ ب َ ْ‬
‫و َ‬
‫فْر َ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫وا َ‬
‫و ُ‬
‫فأت ْب َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫عـدْ ً‬
‫غي ًــا َ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫إ َ َ‬
‫ه إ ِل ّ‬
‫غَرقُ َ‬
‫قا َ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫من ُ‬
‫ه ل إ ِل ِ ٰـــ َ‬
‫ت أّنــ ُ‬
‫ل ءا َ‬
‫ذا أدَْرك َ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ســ ٰرءي َ‬
‫ن‬
‫وأَنــا ْ ِ‬
‫ت ِبــ ِ‬
‫ٱّلــ ِ‬
‫مَنــ ْ‬
‫ه َبنــوا ْ إ ِ ْ‬
‫مــ َ‬
‫ذى ءا َ‬
‫ل َ‬
‫ن‪ ( (90‬فيظهيير هنييا إدعيياء اليمييان‪،‬‬
‫ســل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫فيأتي الرد‪:‬‬
‫و ُ‬
‫ت َ‬
‫و َ‬
‫قْبــ ُ‬
‫ن‬
‫قــدْ َ‬
‫ت ِ‬
‫كنــ َ‬
‫صــي ْ َ‬
‫مــ َ‬
‫‪‬ءالئ َ َ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (91‬‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫دي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫أما قوم يونس‪ ،‬فقصتهم شبيهة بقصيية فرعييون‪،‬‬
‫وقد نجوا فيما أهلك فرعون‪ .‬اسمع اليات‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪233‬‬

‫ول َ َ‬
‫فن َ َ‬
‫ت َ‬
‫ت َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ها‬
‫قْري َ ٌ‬
‫ف َ‬
‫من َ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫مان ُ َ‬
‫ع َ‬
‫ها ِإي َ‬
‫ة ءا َ‬
‫فل َ ْ‬
‫شــ ْ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫مُنــوا ْ ك َ َ‬
‫م‬
‫فَنا َ‬
‫و َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫مــا ءا َ‬
‫س لَ ّ‬
‫م ُيــون ُ َ‬
‫قــ ْ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫َ‬
‫عَنا ُ‬
‫ى ِ‬
‫ب ٱل ِ‬
‫مت ّ ْ‬
‫فى ٱل ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫خْز ِ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫حَيوٰةَ ٱلدّن َْيا َ‬
‫ن‪.( (98‬‬
‫إ ِل َ ٰى ِ‬
‫حي ٍ‬
‫فالعذاب كان قد نزل‪ ،‬ولكيين اللييه كشييفه عنهييم‬
‫بإيمييانهم‪ ،‬فمييا الفييرق بييين فرعييون وقييوم يييونس؟‬
‫فكلهمييا قييال آمنييا! وكلهمييا تركهييم رسييلهم لنهييم‬
‫كذبوا؟ فلماذا أهلك فرعون فيما نجييا قييوم يييونس؟‬
‫هل ظلم فرعون وحييابى قييوم يييونس؟ إنهييا مسييألة‬
‫رائعة في القضاء والقدر‪...‬‬
‫أل يعلم من خلق‪...‬؟!‬

‫فالله ‪ ‬أعلم بما في الصييدور‪ ،‬ففرعييون لييو رد‬
‫جى الله ‪ ‬قوم يونس ‪‬‬
‫لعاد لما كان عليه‪ ،‬فيما ن ّ‬
‫لنهييم لييو رّدوا لعييادوا إلييى الصييلح فاهلييك فرعييون‬
‫جى قوم يونس‪ ،‬ودليل ذلك قييوله تعييالى مخاطبيا ً‬
‫ون ّ‬
‫فرعون‪:‬‬
‫ت َ‬
‫و َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل‪  ...‬فهذا يعني‬
‫قدْ َ‬
‫صي ْ َ‬
‫‪ ...‬ءالئ َ َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫أنه قد جاءت فرص كييثيرة لفرعييون ميين قبييل هييذا‪،‬‬
‫لكنه كان يعود إلى إفساده في كل مرة‪ .‬بل إنه رأى‬
‫آية البحر وهو ينشق للمؤمنين فتبعهييم بييدل ً ميين أن‬
‫يتف ّ‬
‫كر في تلك الية‪ ،‬وظل يتبعهم حتى الغرق‪.‬‬
‫أما قوم يونس‪ ،‬فان الله تعالى علم منهم صييدق‬
‫العودة‪ ،‬ولنه رحيم‪ ،‬أعطاهم الفرصة‪ .‬والدليل علييى‬

‫‪234‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ذلك أن بقائهم على اليمان هو ما حصييل فعل ً حييين‬
‫شــ ْ‬
‫نجييياهم الليييه ‪ ... ‬ك َ َ‬
‫عــ َ‬
‫ب‬
‫م َ‬
‫فَنا َ‬
‫ذا َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫م إ َِلـ ٰى‬
‫عَنـا ُ‬
‫ى ِ‬
‫ٱل ِ‬
‫مت ّ ْ‬
‫فى ٱل ْ َ‬
‫خْز ِ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫حي َ ٰوةَ ٱلـدّن َْيا َ‬
‫ن‪ ( (98...‬فلقد بقوا طائعين لله ‪ ‬مؤمنين به‪،‬‬
‫ِ‬
‫حي ٍ‬
‫فاستمتعوا بنعم الله طيلة حياتهم في الدنيا‪ ،‬ففييازوا‬
‫وسميت السورة باسم نبيهم‪.‬‬
‫لماذا سورة يونس‪...‬؟!‬

‫ذكر اسم سيدنا يونس في هذه السورة في آييية‬
‫واحدة فقط‪ ،‬وهناك سور كثيرة جيياء فيهييا ذكيير هييذا‬
‫النبي الكريم أكثر من هنا‪ .‬ولييم يييذكر سيييدنا يييونس‬
‫في السورة بل ذكر قومه فقط )لنييه تركهييم أص يل ً‬
‫وكان في بطن الحوت عند إيمانهم(‪ ،‬فما الحكمة؟‬
‫لقد سييميت هييذه السييورة بسييورة يييونس حييتى‬
‫يبقى مثل قوم يونس شاهدا ً على حكميية اللييه‪ ،‬وأن‬
‫النسان ليه دور فيما يحدث ليييه ويقييع عليييه‪ ،‬لنهييم‬
‫بعد التوبة استمروا على طريق الهداييية رغييم غييياب‬
‫نبيهم‪ ،‬كأن القصة شاهد ودليل أن حكمة الله كييانت‬
‫وك َ َ‬
‫فىٰ ب ِٱلله َ‬
‫هيدا ً ‪.‬‬
‫في محلها ‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫وقد تقييول فييي نفسييك‪ :‬ولييم لييم يعييط فرعييون‬
‫الفرصة‪ ،‬فقد يتوب هذه المرة‪ ...‬راجع اليات )‪ 22‬و‬
‫‪ .(23‬وكأنها تقول لك‪ :‬ألم تقرأ السورة؟ ولييم تييوقن‬
‫بحكميية اللييه؟ إن اللييه هييو أعلييم بفرعييون منييك‪،‬‬
‫والقضاء والقدر ل يكونان إل بحكمة من الله تعييالى‪،‬‬
‫وليس عبثًا‪ ،‬وقد تدرك الحكمة وقد ل تييدركها‪ ،‬فثييق‬

‫سورة البقرة‬

‫‪235‬‬

‫بأن الله حكيم عليم ل يظلم أحدًا‪ ،‬وتوكل عليه‪.‬‬
‫كيف تتعامل مع قضاء الله؟‬

‫ثلثة أوامر تختتم بها السورة لتكون درسا ً عمليا ً‬
‫فيييييييييييييييي اليميييييييييييييييان بالقضييييييييييييييياء‬
‫والقدر‪:‬‬
‫سلم له ‪ -‬ل تلجأ إلى غيره ‪ -‬توكل عليه‪.‬‬
‫‪َ ‬‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫ه َ‬
‫حِني ً‬
‫ن‬
‫ن أَ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫ن َ‬
‫ك ِلل ّ‬
‫و ْ‬
‫ج َ‬
‫كون َ ّ‬
‫ق ْ‬
‫فا َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫دي ِ‬
‫ما ل َ‬
‫م ْ‬
‫ول َ ت َدْ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫من ُ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱلله َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫دو ِ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ش ِ‬
‫فإ ِن ّ ـ َ‬
‫ضّر َ‬
‫ع َ‬
‫ت َ‬
‫فِإن َ‬
‫ك َ‬
‫َين َ‬
‫ك إِ ً‬
‫ن‬
‫ول َ ي َ ُ‬
‫ف َ‬
‫ف ُ‬
‫عل ْ ـ َ‬
‫مـ َ‬
‫ذا ّ‬
‫ك َ‬
‫ن‪.( (105-106‬‬
‫ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫ول يضعف إيمانك بالقضاء والقدر مهما كييان لن‬
‫كل ما يقدره الله هو لخير العباد ورحمتهم‪:‬‬
‫فل َ َ‬
‫س َ‬
‫ضّر َ‬
‫ه‬
‫شـ َ‬
‫ك ٱلله ب ِ ُ‬
‫كا ِ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ف ل َـ ُ‬
‫وِإن ي َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫رد ْ َ‬
‫فل َ َرادّ ل ِ َ‬
‫ر َ‬
‫ب‬
‫ك بِ َ‬
‫إ ِل ّ ُ‬
‫ف ْ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫صي ُ‬
‫ه يُ َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫خي ْ ٍ‬
‫وِإن ي ُ ِ‬
‫غ ُ‬
‫مــن ي َ َ‬
‫فــوُر‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ن ِ‬
‫عَبــاِد ِ‬
‫شــاء ِ‬
‫ِبــ ِ‬
‫مــ ْ‬
‫ه َ‬
‫هــ َ‬
‫ه َ‬
‫م‪ ( ... (107‬فسّلم لقضاء الله وقدره‪ ،‬تسلم‬
‫ٱلّر ِ‬
‫حي ُ‬
‫في الدنيا والخرة‪.‬‬

‫سورة هود‬
‫سورة هييود )مكييية(‪ ،‬نزلييت بعييد سييورة يييونس‪،‬‬
‫وهي بعدها في ترتيييب المصيحف‪ .‬وعيدد آياتهييا ‪123‬‬
‫آية‪.‬‬
‫ثلث سور متتالية بأسماء النبياء‬

‫هنياك سيور عدييدة فيي القيرآن سيميت بأسيماء‬
‫أنبياء‪ ،‬ومنها ثلث سور متتالية‪ :‬يونس‪ ،‬هود‪ ،‬ويوسف‪.‬‬
‫هذه السور تجمعها روابط عديدة‪ ،‬فهي أول سور في‬
‫القرآن سميت بأسماء أنبياء‪ ،‬كمييا أنهييا نزلييت بنفييس‬
‫الترتيب الموجود في المصييحف‪ ،‬وفييي نفييس الفييترة‬
‫من المرحلة المكية‪ ،‬وهي فترة اشتداد المحنيية علييى‬
‫المسلمين وعلى النبي ‪.‬‬
‫وهنا ل بد من أن نذكر قاعدة من قواعد القييرآن‬
‫في قصييص النبييياء‪ :‬فعنييدما يكييون اسييم النييبي هييو‬
‫عنوان السورة‪ ،‬فإن هدف السورة مرتبط ل محاليية‬
‫بقصة هذا النبي )كما رأينا فييي سييورة يييونس عليييه‬
‫السييلم الييتي كييان محورهييا التسييليم لقضيياء اللييه‬
‫وقدره‪ ،‬وكييانت قصيية قييوم يييونس مثل ً رائع يا ً لفهييم‬
‫حكمة الله وتدبيره(‪.‬‬
‫‪236‬‬

‫سو‬
‫رة هود‬

‫سورة البقرة‬

‫‪237‬‬

‫وهناك قاعدة قرآنية أخيرى تشيعرك بعظمية هيذا‬
‫الكتاب وروعته‪ ،‬وهي أن كل قصة نبي من أنبياء اللييه‬
‫تختتييم بآييية أو مجموعيية آيييات تييبين لييك العييبرة ميين‬
‫القصة‪ .‬فإذا أردت أن تعييرف الرسييالة الربانييية الييتي‬
‫تحملها السورة‪ ،‬فيياقرأ آخيير سييطر ميين قصيية النييبي‬
‫اليذي سيميت السيورة باسيمه‪ ،‬قاعيدة رائعية تتكيّرر‬
‫بشكل معجزة في القرآن‪.‬‬
‫زلزل البلء‬

‫نزلت السورة على النبي ‪ ‬في أحلك الوقييات‬
‫وأصعبها‪ ،‬بعد عشير سيينوات مين البعثية‪ .‬الضييطهاد‬
‫في مكة شيديد‪ ،‬والنييبي ‪ ‬أذن لصييحابه بييالهجرة‬
‫إلى الحبشة‪ ،‬وأما من بقي من الصحابة في مكة‬
‫فقد ظل يتعّرض لشتى أنييواع العييذاب‪ .‬أمييا رسييول‬
‫الله فلم تكن الظروف التي يمر بها أفضل حال ً ميين‬
‫الصييحابة‪ ،‬فلقييد مييات عمييه أبييو طييالب الييذي كييان‬
‫يحميه‪ ،‬وماتت زوجته خديجة بنت خويلد التي كييانت‬
‫تواسيه‪ ،‬وليس هذا وحسب بل إن النييبي تييوجه إلييى‬
‫الطائف لدعوة أهلها فييردوه ورمييوه بالحجييارة ولييم‬
‫يعد أحد من أهل مكة ييدخل فيي السييلم ورفضييت‬
‫كل القبائل أن تنصر النبي ‪ ‬وأن تقبل هذا الدين‪.‬‬
‫ما أشبه الليلة بالبارحة‬

‫فييالظروف الييتي ميير بهييا النييبي ‪‬‬

‫والصييحابة‬

‫‪238‬‬

‫سورة البقرة‬

‫رضييوان اللييه تعييالى عليهييم شييديدة للغاييية‪ ،‬وهييي‬
‫مشييابهة كييثيرا ً لمييا نميير بييه نحيين ميين شييدة علييى‬
‫السلم والمسلمين‪ .‬فجييو السييورة هييذا مفيييد جييدا ً‬
‫للشباب المتدين‪ ،‬فافتييح معييي عقلييك وقلبييك لفهييم‬
‫مراد ربنا من هذه السورة‪.‬‬
‫فعندما يعيش البشر في الضغوطات التي مر بها‬
‫الصحابة‪ ،‬أو التي نمر بها اليييوم‪ ،‬يصيييبهم أحييد هييذه‬
‫المور الثلثة‪:‬‬
‫‪ .1‬فقييدان المييل وتضييييع الهمييم وتوقييف السييير‬
‫للصلح وترك العمل للسلم‪.‬‬
‫‪ .2‬التهييور واللجييوء إلييى العنييف والتصييرفات غييير‬
‫المحسوبة من أجل التغيير بالقوة‪.‬‬
‫‪ .3‬الركييييون للعييييداء والرتميييياء فيييي أحضييييانهم‬
‫والستسلم الكامل لهم مع العيش في ظلهم‪.‬‬
‫أل تييرى مثييل هييذه النييواع فييي مجتمعنييا؟ فمييا‬
‫الحل؟ وماذا تقول السورة لهؤلء؟‬
‫هدف سورة هود‪ :‬التوازن‬

‫السورة تعالج هييذه الظييواهر الخطيييرة فييي آييية‬
‫محورية‪ ،‬تخاطب مشاعر المتييدينين الييذين يتييألمون‬
‫لمييا يحييدث للسييلم ميين ظلييم‪ ،‬وتخيياطب الشييباب‬
‫مييس لفعييل أي شيييء لنصييرة‬
‫المح ّ‬
‫ب لييدينه والمتح ّ‬
‫السلم‪ ،‬لتقول لهم‪:‬‬
‫ُ‬
‫ول َ‬
‫ع َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫م َ‬
‫من َتا َ‬
‫مْر َ‬
‫فٱ ْ‬
‫ب َ‬
‫و َ‬
‫م كَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ك َ‬
‫ت َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪239‬‬

‫ول َ ت َْرك َُنوا ْ إ َِلى‬
‫ت َطْ َ‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫وا ْ إ ِن ّ ُ‬
‫صيٌر ‪َ ‬‬
‫غ ْ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫موا ْ َ‬
‫مــن‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫كــ ْ‬
‫و َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫فت َ َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫م ٱلّناُر َ‬
‫َ‬
‫ن‪ (112 -‬‬
‫ن ٱلله ِ‬
‫صـُرو َ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ول َِياء ث ُـ ّ‬
‫م ل َ ُتن َ‬
‫نأ ْ‬
‫دو ِ‬
‫‪ (113‬لقد وردت هذه الية فييي آخيير السييورة بعييد أن‬
‫ذكرت كل قصص النبياء قبلها لتأمرنا بثلثة أوامر‪:‬‬
‫أ‪ .‬الســتقامة‪َ  :‬‬
‫م ‪ ،‬هييي السييتمرار‬
‫س ـت َ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫ق ْ‬
‫في الدعوة والصييبر‪ .‬فل ينبغييي علييى الداعييية أن‬
‫يتوقف عن الدعوة أو أن يفقد المييل إذا واجهتييه‬
‫المصييياعب‪ .‬واليييدعوة إليييى السيييتقامة تعاليييج‬
‫المشكلة الولى من المشاكل التي ذكرناها‪ ،‬وهي‬
‫فقدان المل وضياع الهمم والتوقف عن الصلح‪.‬‬
‫وا ْ ‪ ،‬وهييذا هييو‬
‫ول َ ت َطْ َ‬
‫غ ْ‬
‫ب‪ .‬عدم الطغيان‪َ  :‬‬
‫التعبير القرآني عن التهور واللجوء إلى العنف‪.‬‬
‫ول َ ت َْرك َُنــوا ْ ‪ ،‬وهييذا هييو‬
‫ج‪ .‬عــدم الركــون‪َ  :‬‬
‫التعبير الشرعي القرآني عن الركون إلى العداء‬
‫والرتماء في أحضييانهم‪ ،‬والستسييلم للحضييارات‬
‫الخييرى‪ ،‬والتقليييد العمييى‪ ،‬وأن يشييعر المييرء‬
‫بفقييدان الهوييية وعييدم النتميياء لحضييارته ودينييه‬
‫وإسلمه‪.‬‬

‫"شيبتني هود"‬

‫فهذه الوامر الثلثة هي العلج للمشكلت الثلث‬
‫التي تصيب البشر حين يواجهون الزمييات والهييزائم‬
‫والوضاع الحالكة المظلمة‪ .‬فييالتوازن مطلييوب ميين‬

‫‪240‬‬

‫سورة البقرة‬

‫المؤمن حين تواجهه الزمييات‪ ،‬دون طغيييان وتهييور‪،‬‬
‫ودون الركون للعداء‪ .‬ويتحقق التييوازن بالسييتقامة‬
‫على الحق كما أمر والستمرار فييي طريييق الييدعوة‬
‫والصلح رغم كل الظروف‪ ،‬وذلييك ميين خلل تنمييية‬
‫مجتمعه وتقديم الخير للفقراء والمساكين‪ ،‬والنجيياح‬
‫في الحياة العملية‪.‬‬
‫ولن المر بالتوازن صعب على النفس البشرية‪،‬‬
‫ل بييد للنيياس عمومييا ً وللييدعاة خصوصييا ً أن يتقييووا‬
‫بالصحبة الصالحة المعتدلة التي تعين على التييوازن‪،‬‬
‫مــن‬
‫و َ‬
‫لذلك نرى في الية المحورية قوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫ع َ‬
‫ك ‪.‬‬
‫م َ‬
‫َتا َ‬
‫ب َ‬
‫قف بينهما‬

‫وللحسن البصري كلم رائع في هذه الية‪ ،‬حيييث‬
‫يقول‪) :‬سبحان الذي جعييل اعتييدال هييذا الييدين بييين‬
‫وا ْ ‪ ‬و ‪‬ل َ ت َْرك َُنــوا ْ ‪،‬‬
‫لءييين( وهييي ‪‬ل َ ت َطْ َ‬
‫غــ ْ‬
‫وهي من اعتدال السلم وتوازنه فييي التعيياطي مييع‬
‫مشاكل الحياة‪.‬‬
‫إن هذه السورة تعالج الوضييع الييذي نعيشييه نحيين‬
‫اليوم تمامًا‪ ،‬وهيذا دلييل عليى صيلحية السيلم لكيل‬
‫زمييان ومكييان‪ .‬فكأنهييا تخاطبنييا نحيين لتقييول‪ :‬ل َ‬
‫وا ْ ‪ ... ‬ل َ ت َْرك َن ُــوا ْ ‪َ  ... ‬‬
‫م ‪...‬‬
‫ت َطْ َ‬
‫س ـت َ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫ق ْ‬
‫غـ ْ‬
‫فرسالة السورة إلى المسلمين في كل زمان ومكان‬
‫هي‪ :‬اصبروا‪ ،‬واستمروا في الصلح‪ ،‬بتوازن واعتدال‪،‬‬
‫دون أي تهور أو ركون‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪241‬‬

‫بداية السورة‪ :‬كتاب أحكمت آياته‬

‫ب‬
‫بييدأت السييورة بقييوله تعييالى‪ :‬الــر ك َِتــا ٌ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫ح ِ‬
‫ت ِ‬
‫مـن ّلـدُ ْ‬
‫ن َ‬
‫أ ْ‬
‫صـل َ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫ه ُثـ ّ‬
‫ت ءاي َ ٰــت ُ ُ‬
‫حك ِ َ‬
‫ف ّ‬
‫كيـم ٍ‬
‫ر‪.( (1‬‬
‫َ‬
‫خِبي ٍ‬
‫ومن لطييائف ترابييط سييور القييرآن‪ ،‬أن السييورة‬
‫السييابقة )سييورة يييونس( افتتحييت أيض يا ً بالحكميية‪:‬‬
‫‪‬الر ت ِل ْ َ‬
‫كي ـم ِ ‪) ‬يييونس‪:‬‬
‫ح ِ‬
‫ب ٱل ْ َ‬
‫ك ءاَيـٰ ُ‬
‫ت ٱل ْك َِتـٰ ِ‬
‫‪ .(1‬فالسورتان بدأتا بالحكمة‪ ،‬لكن ما الفرق بينهما؟‬
‫سورة يونس ر ّ‬
‫كزت على حكمة الله في قضييائه‬
‫وقدره كما رأينا‪ ،‬أما سورة هود‪ ،‬فتحدثت عن حكمة‬
‫الله في كتابه وآياته لتر ّ‬
‫كز على حكمة المييؤمن فييي‬
‫التعامييل مييع الواقييع الشييديد‪ ،‬ميين خلل السييتعانة‬
‫بآيات الله الحكيم‪.‬‬
‫الصرار على الدعوة بتوازن‬

‫والية الثانية تظهر بوضوح معنييى الصييرار علييى‬
‫َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ ٱلله إ ِن ِّنى ل َ ُ‬
‫م‬
‫عب ُ ُ‬
‫الدعوة بتوازن ‪‬أل ّ ت َ ْ‬
‫كــ ْ‬

‫شيٌر ‪ .‬ثم تنتقل اليييات إلييى إظهييار‬
‫وب َ ِ‬
‫ه نَ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ذيٌر َ‬
‫تكذيب العداء للنبي ‪ ‬حتى يعيييش قييارئ القييرآن‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ي َث ُْنو َ‬
‫مع الجو المحيط لنزول السورة ‪‬أل إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫خ ُ‬
‫ه‪. ...‬‬
‫ست َ ْ‬
‫دوَر ُ‬
‫فوا ْ ِ‬
‫ص ُ‬
‫م ل ِي َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫وفييي خضييم هييذه اليييات‪ ،‬تييأتي الييية السييابعة‬
‫ت‬
‫ه‬
‫ذى َ‬
‫و ُ‬
‫م ٰـ ـ ٰو ِ‬
‫و ٱل ّ ـ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خل َـ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫بمعنى لطيف‪َ :‬‬
‫ة أ َي ّــام ٍ‪  ...‬فمييا علقيية خلييق‬
‫ض ِ‬
‫سـت ّ ِ‬
‫فى ِ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫َ‬
‫السماوات والرض بجييو السييورة؟ إن التييدرج سيينة‬

‫‪242‬‬

‫سورة البقرة‬

‫كونية في ملك الله تعالى‪ ،‬ولييذلك خلييق السييماوات‬
‫والرض في ستة أيام مييع أنييه كييان يقييدر تعييالى أن‬
‫يفعل ذلك في لمح البصر‪ ،‬وذلك لكي يعلمنا التييدرج‬
‫في المور والصبر وعدم الستعجال‪.‬‬
‫والية ‪ 11‬تشير إلييى نفييس المعنييى أيض يًا‪ :‬إ ِل ّ‬
‫ت‪  ...‬مييع أن‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ص ٰـل ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫مُلوا ْ ٱل ّ‬
‫ن َ‬
‫صب َُروا ْ َ‬
‫من ُــوا ْ‬
‫أكييثر آيييات القييرآن تييأتي بقييوله تعييالى‪ :‬ءا َ‬
‫ت ‪ .‬أرأيت كيييف أن وراء كييل‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ص ٰـل ِ َ‬
‫مُلوا ْ ٱل ّ‬
‫َ‬
‫كلمة بل كل حرف من القرآن حكمة وكيف تتكامييل‬
‫آيات السورة الواحدة حول موضييوع واحييد‪ .‬كيييف ل‬
‫ب‬
‫واللييه تعييالى يقييول فييي أول السييورة ‪‬ك َِتــا ٌ‬
‫ُ‬
‫ه‪. ...‬‬
‫أ ْ‬
‫م ْ‬
‫ت ءاي َ ٰـت ُ ُ‬
‫حك ِ َ‬
‫ومن شدة التكذيب‪ ،‬تأتي الية )‪ (12‬لتقول للنبي‬
‫ح ٰى إ ِل َي ْ ـ َ‬
‫ر ٌ‬
‫عل ّ ـ َ‬
‫‪َ : ‬‬
‫ك‬
‫ف‬
‫مــا ي ُــو َ‬
‫ك بَ ْ‬
‫‪‬ل َ َ‬
‫ض َ‬
‫عـ َ‬
‫ك ت َــا ِ‬
‫صدُْر َ‬
‫ك‪ . ...‬فهل تخّلى الرسييول عيين‬
‫و َ‬
‫ق بِ ِ‬
‫ضائ ِ ٌ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫بعض وحي الله‪ ،‬أو ضاق صدره عيين تبليييغ الييدعوة؟‬
‫ل! وحاشييا للييه أن يحييدث هييذا‪ ...‬ولكيين هييذه الييية‬
‫تهدف إلى تثبيته ‪ ،‬وتثبيت المؤمنين من بعده في‬
‫ذبون يجييادلون‬
‫كل زمان ومكييان‪ .‬فالمعانييدون المك ي ِ‬
‫محب لييدين اللييه‬
‫الدعاة جدل ً بل جدوى‪ ،‬ولكن أّيها ال ُ‬
‫َ‬
‫كي ٌ‬
‫ل َ‬
‫عل َ ٰى ك ُ ّ‬
‫ل‬
‫و ٱلله َ‬
‫إ ِن ّ‬
‫و ِ‬
‫ت نَ ِ‬
‫ما أن َ‬
‫‪َ‬‬
‫ىء َ‬
‫ذيٌر َ‬
‫ش ْ‬
‫‪ ( (12‬فأنت تعمل أجيرا ً عند الله‪ ،‬وعليييك أن تبّلييغ‬
‫ما ُأمرت به دون أن تنظر إلى النتييائج‪ ،‬فييالله وحييده‬
‫عل َ ـ ٰى ك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫و‬
‫‪‬ٱلله َ‬
‫هو الذي بيده تحقيق النتييائج َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪243‬‬

‫كي ٌ‬
‫َ‬
‫ل ‪.‬‬
‫و ِ‬
‫ىء َ‬
‫ش ْ‬
‫وتمضييي أول ‪ 24‬آييية ميين هييذه السييورة لتكييون‬
‫رسالة واضيحة لليدعاة‪ :‬التكيذيب شييديد‪ ،‬وليه تييأثير‬
‫عليكم‪ ،‬فاثبتوا علييى دعييوتكم‪ ،‬وابييذلوا جهييدكم‪ ،‬ثييم‬
‫دعوا المر لله وتوكلوا عليه!!‬
‫نماذج للستقامة‬

‫وبعييد هييذه اليييات تسييير السييورة كلهييا بنفييس‬
‫الطريقة‪ :‬ذكيير قصييص مختلفيية لنبييياء اللييه تعييالى‪،‬‬
‫)نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم السلم(‪،‬‬
‫والتركيز في كل قصيية علييى تطييبيق النييبي للواميير‬
‫الثلثيية )السييتمرار ‪َ ‬‬
‫م ‪ - ‬عييدم التهييور‬
‫ست َ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫ق ْ‬
‫وا ْ ‪ - ‬عدم الركون ‪‬ل َ ت َْرك َُنوا ْ ‪.(‬‬
‫‪‬ل َ ت َطْ َ‬
‫غ ْ‬
‫نوح عليه السلم‪ 950 :‬سنة‬

‫وأول قصة تأتي لتخدم معنى الستقامة والثبييات‬
‫هييي قصيية نييوح عليييه السييلم‪ .‬وتجييدر الشييارة أن‬
‫سورة هود تحتوي على أطول قصة لسيدنا نوح فييي‬
‫القرآن )حتى أنها أطييول ميين سييورة نييوح نفسييها(‪،‬‬
‫فلماذا؟ لن سيييدنا نييوح بقييي ‪ 950‬سيينة فييي دعييوة‬
‫قييومه دون أن يسييتجيبوا ليييه‪ ،‬فيكييون بييذلك مثييال ً‬
‫وقدوة في الستقامة وعدم اليأس‪.‬‬
‫‪َ َ َ‬‬
‫حا إ ِل َ ٰى َ‬
‫م‬
‫ول‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫سل َْنا ُنو ً‬
‫قدْ أْر َ‬
‫ه إ ِن ّــى ل َك ُـ ْ‬
‫قـ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف‬
‫دوا ْ إ ِل ّ ٱلله إ ِن ّــى أ َ‬
‫خــا ُ‬
‫نَ ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ن ‪ ‬أن ل ّ ت َ ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ذيٌر ّ‬
‫ع َ‬
‫وم ٍ أ َِلي ـم ٍ‪ ( (25 - 26‬فالكلمييات‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ب ي َـ ْ‬

‫‪244‬‬

‫سورة البقرة‬

‫جهها نوح إلى قومه هي نفسها الييتي افتتحييت‬
‫التي و ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫عب ُ ُ‬
‫بهييا السييورة‪ :‬أل ّ ت َ ْ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ ٱللــه إ ِن ّن ِــى ل َك ُـ ْ‬

‫شــيٌر‪ ( (2‬وكأنهييا تقييول للييدعاة‪:‬‬
‫وب َ ِ‬
‫ه نَـ ِ‬
‫من ْ ـ ُ‬
‫ّ‬
‫ذيٌر َ‬
‫الرسييالة واحييدة والييدعوة واحييدة‪ ،‬والظييروف الييتي‬
‫واجهت كل النبيياء هيي نفسيها‪ ،‬فاسيتقيموا واثبتيوا‬
‫كما ثبت نوح عليه السلم‪.‬‬
‫استقامة سيدنا نوح‬

‫ونرى ثبات سيدنا نييوح واسييتمراره علييى دعييوته‬
‫ح َ‬
‫فييي قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫جادَل ْت ََنــا‬
‫قــدْ َ‬
‫قــاُلوا ْ ٰيُنــو ُ‬
‫فأ َك ْث َرت جدال ََنا َ ْ‬
‫عـدَُنا ِإن ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ت َ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ْ َ ِ َ‬
‫كنـ َ‬
‫مـ َ‬
‫فأت َِنا ب ِ َ‬
‫ن‪.( (32‬‬
‫د ِ‬
‫ص ٰـ ِ‬
‫قي َ‬
‫ٱل ّ‬
‫فقد ظي ّ‬
‫ل نيوح ييدعو قيومه مئات السينين‪ ،‬فييإذا‬
‫كانت ظروفييك أيهييا الداعييية صييعبة‪ ،‬فقييارن نفسييك‬
‫بنوح عليه السلم‪ ،‬الذي ظل مستقيما ً علييى طريييق‬
‫الدعوة‪ ،‬يدعو قومه بكل الطرق دون ملييل أو كلييل‪،‬‬
‫هم منه وقالوا له‪ :‬إئِتنا بهذا العذاب الييذي‬
‫مّلوا ُ‬
‫حتى َ‬
‫تتحدث عنه إن كنت صادقًا‪ .‬وقبل ذلك ترينييا اليييات‬
‫مواقف مختلفة من جداله لهييم والحجييج والسيياليب‬
‫المستخدمة اليات )‪.(31 - 28‬‬
‫وهكذا يظهر تطبيق سيييدنا نييوح للبنييد الول ميين‬
‫السورة ‪َ ‬‬
‫م ‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫ق ْ‬
‫البعد عن التهور في قصة نوح‬

‫إذا وضعت بنفس الظروف التي ووجه بها سيدنا‬
‫نيييييييييييييييييوح‪ ،‬وقييييييييييييييييييل ليييييييييييييييييك‪:‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪245‬‬

‫‪ْ َ ‬‬
‫عــدَُنا‪ ،( (32‬ميياذا سييتفعل؟ هييل‬
‫مــا ت َ ِ‬
‫فأت َِنــا ب ِ َ‬
‫سييتتهور؟ هييل ستضييربهم؟ ميياذا سيييكون جوابييك؟‬
‫أنظر كييف كيان خطياب نيوح ميع قيومه بعييدا ً عين‬
‫ْ‬
‫التهور والعنف‪َ  :‬‬
‫قا َ‬
‫ه ٱللــه ِإن‬
‫م ب ِـ ِ‬
‫ما ي َأِتيك ُ ْ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫ول َ َين َ‬
‫َ‬
‫حى‬
‫صــ ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫زي َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أنت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫م نُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫شاء َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِإن َ‬
‫ريدُ َأن‬
‫كا َ‬
‫تأ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫ص َ‬
‫ن أَردْ ّ‬
‫ح ل َك ُ ْ‬
‫ن أن َ‬
‫ن ٱلله ي ُ ِ‬
‫ن‪.( (33 - 34‬‬
‫يُ ْ‬
‫م ُ‬
‫وإ ِل َي ْ ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫ه ت ُْر َ‬
‫و َرب ّك ُ ْ‬
‫وي َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫غ ِ‬
‫ور فيهييا ول عنييف‪ ،‬فليييس‬
‫إنها لهجة رقيقيية ل تهي ّ‬
‫بيني وبينكم مشكلة‪ ،‬لكن الله تعالى هو الذي يأتيكم‬
‫بالعذاب إن شاء‪.‬‬
‫واصنع الفلك‬

‫وتسييتمر اليييات حييتى نصييل إلييى قييوله تعييالى‪:‬‬
‫حى إل َ ٰى ُنو َ‬
‫ُ‬
‫مـ َ‬
‫مــن َ‬
‫ه َلن ي ُـ ْ‬
‫ك‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫ح أن ّ ُ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫و‪‬أو ِ َ ِ‬
‫ٍ‬
‫مـــا ك َـــاُنوا ْ‬
‫ن َ‬
‫مـــن َ‬
‫مـــ َ‬
‫س بِ َ‬
‫قـــدْ ءا َ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫فل َ ت َب ْت َئ ِ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‪ .( (36‬فميياذا نفعييل يييا رب؟ نييتركهم؟‬
‫عُلــو َ‬
‫ف َ‬
‫فليغرقوا‪ ...‬ل‪ ،‬ما زال هنيياك أواميير ربانييية ومييا زال‬
‫الطريق طوي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ول َ‬
‫فْلــ َ‬
‫ع ٱل ْ ُ‬
‫ك ب ِأ َ ْ‬
‫و ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫حي َِنــا َ‬
‫و َ‬
‫عي ُن َِنــا َ‬
‫‪َ ‬‬
‫صــن َ ِ‬
‫غَر ُ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫تُ َ‬
‫خـٰطِب ِْنى ِ‬
‫فى ٱل ّ ِ‬
‫قــو َ‬
‫موا ْ إ ِن ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫‪.( (37‬‬
‫إن صناعة الفلك تحتياج لسينين طويلية‪ ،‬فسييدنا‬
‫نوح عاش في الصحراء‪ ،‬ولكي يصيينع سييفينة كييبيرة‬
‫في وسط الصحراء‪ ،‬فهو بحاجة لزراعة الشجر أو ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وبعييد ذلييك يأخييذ الخشييب ميين الشييجر‪ ،‬ثييم يبنييي‬

‫‪246‬‬

‫سورة البقرة‬

‫بالخشب سفينة ضخمة لتستوعب المؤمنين وتحمييل‬
‫من كل نوع من الحيوانات زوجين اثنين‪ .‬أمر صييعب‬
‫وطويل المد‪) ،‬بعض العلماء قالوا إنييه اسييتغرق مئة‬
‫عييييييييييام‪ ،‬والبعييييييييييض قييييييييييالوا مئتييييييييييي‬
‫عام‪ ،‬وآخرون قالوا ثلثمائة عام( فلماذا لييم تهلكهييم‬
‫يا رب كما أهلكت غيرهم من المكذبين؟ ولميياذا لييم‬
‫ينبت الشجر بمعجزة بييين ليليية وضييحاها؟ الجييواب‪:‬‬
‫تعلموا أيها الييدعاة الصييبر والسييتقامة علييى طاعيية‬
‫الله حتى ولو لم تروا النتائج وحتى لو كييانت النتييائج‬
‫حى إل َـ ٰى ن ُــو َ‬
‫غير متوقعة أص يل ًو ُ‬
‫ه ل َــن‬
‫‪‬‬
‫ح أن ّـ ُ‬
‫َ‬
‫أو ِ َ ِ‬
‫ٍ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫من َ‬
‫يُ ْ‬
‫ن ‪.‬‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫قدْ ءا َ‬
‫ك إ ِل ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫فسيييدنا نييوح علييم أن ل أحييد سييوف يييؤمن ميين‬
‫القوم‪ ،‬لكنه أطاع الله تعييالى وصييبر‪ .‬والداعييية إلييى‬
‫الله يعمل أجيييرا ً عنييده‪ ،‬يييأمره بزراعيية هييذا الحقييل‬
‫مث ً‬
‫ل‪ ،‬فيزرعه‪ ،‬حتى لو كان يرى أن هييذا الحقييل ليين‬
‫ينتييج محصييو ً‬
‫ل‪ ...‬فييالمهم أن ينفييذ الواميير‪ ،‬ويبييذل‬
‫جهده‪ ،‬ثم يترك النتائج لله سبحانه وتعالى‪ ...‬والمهم‬
‫في المر أيضا ً أنه سيأخذ أجره من الله تعييالى فييي‬
‫مَر الحقل أم لم ُيثمر!!!!‬
‫النهاية سواء أث ْ َ‬
‫ل ركون حتى للولد‬

‫لعلك الن تسأل نفسك‪ :‬أيين عييدم الركييون فيي‬
‫ول َ ت َْرك َُنوا ْ‬
‫قصة نوح؟ وأين تطبيق قوله تعيييالى ‪َ ‬‬
‫‪‬؟ والجواب على ذلك في قصيية ابين نييوح‪ ،‬والييتي‬
‫لم ترد في القرآن كله إل في هذه السورة‪ ،‬فلماذا؟‬

‫سورة البقرة‬

‫‪247‬‬

‫هل ِــى‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن ٱب ُن ِــى ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫لن نوح يا ً قييال‪َ :‬ر ّ‬
‫مـ ْ‬
‫َ‬
‫ك ٱل ْحق َ‬
‫ح َ‬
‫عدَ َ‬
‫ن‪‬‬
‫و ْ‬
‫ح ٰــك ِ ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫تأ ْ‬
‫وأن َ‬
‫مي َ‬
‫كـ ُ‬
‫َ ّ َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫‪.((45‬‬
‫فماذا كان الجواب الرباني؟‬
‫هل ِ َ‬
‫‪َ‬‬
‫مــ ٌ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ه َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫س ِ‬
‫ل ٰيُنو ُ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫ك إ ِّنــ ُ‬
‫ح إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل َي ْ َ‬
‫فل َ ت َ َ‬
‫س لَ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫ه ِ‬
‫ك ِبــ ِ‬
‫ْ‬
‫عْلــ ٌ‬
‫سأل ِْنـى َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫غي ُْر َ‬
‫ص ٰـل ِ ٍ‬
‫عظُـ َ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قــا َ‬
‫ل‬
‫إ ِّنى أ َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ك أن ت َك ُــو َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫هِلي َ‬
‫مـ َ‬
‫ج ٰــ ِ‬
‫َ‬
‫عوذُ ب َ َ‬
‫سأ َل َ َ‬
‫ه‬
‫ب إ ِّنى أ َ ُ‬
‫س ِلــى ِبــ ِ‬
‫كأ ْ‬
‫َر ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ك َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ِ‬
‫مِنــى أ َ ُ‬
‫ن‬
‫وإ ِل ّ ت َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ِ‬
‫وت َْر َ‬
‫مــ َ‬
‫كــن ّ‬
‫ح ْ‬
‫عْلــ ٌ‬
‫فــْر ِلــى َ‬
‫م َ‬
‫ن‪.( (46، 47‬‬
‫ٱل ْ َ‬
‫خ ٰـ ِ‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫إن السورة تح ّ‬
‫ذر من الركون لغير الحق‪ ،‬ولييذلك‬
‫تذكر لنا تبرؤ نوح من ابنه الييذي مييات علييى الكفيير‪.‬‬
‫فعاطفة البوة قد تدفع بالبعض إلى الركون لبنائهم‬
‫ف َ‬
‫‪َ ‬‬
‫قـا َ‬
‫هِلـى‪  ...‬علييى‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن ٱب ُن ِــى ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫مـ ْ‬
‫الرغييم ميين الخطيياء الييتي يقييع فيهييا البنيياء‪ ،‬فييأتت‬
‫السورة لتعلمنا أنه ل ركون للباطييل‪ ،‬ولييو كييان هييذا‬
‫الباطل معنا في عقر دارنا وبين أبنائنا الذين هم من‬
‫صلبنا‪ ،‬وكان سيدنا نوح مثال ً وقدوة فييي التييبرؤ ميين‬
‫الباطل وعدم الركون إليه‪.‬‬
‫التعقيب‪ :‬فاصبر‬

‫وكمييا ذكرنييا سييابقًا‪ ،‬فإننييا سيينقرأ فييي آخيير كييل‬
‫قصص النبياء تعليقا ً على القصة وتعقيبيا ً عليهييا فييي‬
‫آخر آية منهييا‪ .‬وفييي قصيية نييوح نقييرأ قييوله تعييالى‪:‬‬
‫ما ُ‬
‫ها إ ِل َي ْ َ‬
‫‪‬ت ِل ْ َ‬
‫ت‬
‫ن أ َن َْباء ٱل ْ َ‬
‫ب ُنو ِ‬
‫ك ِ‬
‫كنــ َ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫ك َ‬
‫غي ْ ِ‬

‫‪248‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫من َ‬
‫ول َ َ‬
‫هـٰ َ‬
‫صب ِْر‬
‫ل َ‬
‫ك ِ‬
‫تَ ْ‬
‫ها أن َ‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫فٱ ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ت َ‬
‫ن‪.( (49‬‬
‫قب َ َ‬
‫مت ّ ِ‬
‫ع ٰـ ِ‬
‫إِ ّ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫قي َ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫فالرسالة التي تحملها القصية هيي قيوله تعيالى‪:‬‬
‫‪َ ‬‬
‫صب ِْر‪ ، ...‬صبرا ً إيجابيا ً فيه عمل وإنتيياج دون‬
‫فٱ ْ‬
‫تهور أو ركون‪.‬‬
‫أنبياء الله تعالى والتوازن‬

‫وكييل قصييص النبييياء المييذكورة فييي السييورة‬
‫)شعيب وصالح ولوط وهييود( تخييدم نفييس المعنييى‪،‬‬
‫وتش ّ‬
‫كل تطبيقا ً عملييا ً لليية المحوريية فيي السييورة‬
‫)الية ‪ ،(112‬بمحاورها الثلثة‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪َ  .1‬‬
‫ت‪.( (112...‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫مْر َ‬
‫فٱ ْ‬
‫م كَ َ‬
‫ق ْ‬
‫وا ْ‪.( (112‬‬
‫ول َ ت َطْ َ‬
‫غ ْ‬
‫‪َ  2‬‬
‫موْا‪.( (113...‬‬
‫ول َ ت َْرك َُنوا ْ إ َِلى ٱل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫‪َ  3‬‬

‫فييإذا أخييذنا مثل ً قصيية شييعيب ‪ -‬مييع العلييم أنييك‬
‫تستطيع أن تطبق هذه القواعد على كيل القصيص ‪-‬‬
‫فإننا سنرى فيها ما يلي‪:‬‬

‫ن‬
‫الستقامة علييى الثبييات والصييلح بتييوازن ‪‬إ ِ ْ‬
‫ُ‬
‫ت‪.( (88‬‬
‫ست َطَ ْ‬
‫صَلـٰ َ‬
‫ع ُ‬
‫ما ٱ ْ‬
‫ح َ‬
‫ريدُ إ ِل ّ ٱل ِ ْ‬
‫أ ِ‬
‫وحييدة المنهييج الييذي دعييا إليهييا كييل أنبييياء اللييه‬
‫فُروا ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫وٱ ْ‬
‫)وحتى استعمال نفس الكلمات(‪َ  ،‬‬
‫ه‪.( (90‬‬
‫م ُتوُبوا ْ إ ِل َي ْ ِ‬
‫م ثُ ّ‬
‫َرب ّك ُ ْ‬
‫شدة الوضييع والتكييذيب ‪َ ‬‬
‫قاُلوا ْ ٰي ُ‬
‫مــا‬
‫عي ْ ُ‬
‫شـ َ‬
‫ب َ‬
‫وإ ِّنــا ل ََنــَرا َ‬
‫مــا ت َ ُ‬
‫ف َ‬
‫نَ ْ‬
‫قــو ُ‬
‫فيَنــا‬
‫ك ِ‬
‫م ّ‬
‫ه ك َِثيــًرا ّ‬
‫قــ ُ‬
‫ل َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪249‬‬

‫من َ ٰـ َ‬
‫هط ُ َ‬
‫عي ً‬
‫ك‪.( (91...‬‬
‫ول َ َر ْ‬
‫ض ِ‬
‫َ‬
‫ك ل ََر َ‬
‫ج ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫فا َ‬
‫ل ٰي َ‬
‫عدم التهور في الييرد ‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫هطِــى‬
‫وم ِ أ ََر ْ‬
‫قـ ْ‬
‫ن ٱللــه ‪ ،( (92‬والملحييظ أنييه‬
‫ع ـّز َ‬
‫أَ َ‬
‫مـ َ‬
‫عل َي ْك ُــم ّ‬
‫استخدم نفس أسلوب سيدنا نوح في رد الميير إلييى‬
‫مــا‬
‫اللييه‪ ،‬فهييو الييذي سيحاسييبهم ‪‬إ ِ ّ‬
‫ن َرّبــى ب ِ َ‬
‫حي ٌ‬
‫ط‪.( (92‬‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫تَ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع َ‬
‫وبالمقابييل‪ ،‬عييدم الركييون أو المداهنيية يتجلييى‬
‫‪َ ‬‬
‫عَلــ ٰى‬
‫و ٰي‬
‫مُلــوا ْ َ‬
‫وم ِ ٱ ْ‬
‫ع َ‬
‫قــ ْ‬
‫واضييحا ً فييي قييوله َ‬
‫م َ‬
‫م ٌ‬
‫ل‪.( (93‬‬
‫م إ ِّنى َ‬
‫ع ٰـ ِ‬
‫كان َت ِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫إلى أن جاءت الية )‪ (94‬بنصر للنييبي والمييؤمنين‬
‫َ‬
‫جي ْن َــا ُ‬
‫ن‬
‫و ٱل ّ ـ ِ‬
‫شـ َ‬
‫مُرَنا ن َ ّ‬
‫ما َ‬
‫ذي َ‬
‫جاء أ ْ‬
‫ول َ ّ‬
‫عي ًْبا َ‬
‫معه ‪َ ‬‬
‫مّنا‪. ...‬‬
‫م ٍ‬
‫ه ب َِر ْ‬
‫م َ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫ع ُ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ءا َ‬
‫فيييا شييباب‪ ،‬يييا ميين تحبييون السييلم وترغبييون‬
‫بخدمته ونصرته‪ ،‬تعلموا من هييذه السييورة الكريميية‬
‫ومن قصصها العديدة كيفية التوازن في الدعوة عند‬
‫اشتداد المحن والبتلءات‪.‬‬
‫لماذا سمّيت السورة بسورة هود؟‬

‫ويبقى سؤال أخير‪ :‬لماذا سمّيت السورة بسورة‬
‫هود‪ ،‬مع أن قصة نوح أطول من قصة هيود )عليهميا‬
‫السلم( في هذه السورة‪.‬‬
‫الجيييواب‪ :‬إن المحييياور الثلثييية فيييي السيييورة‬
‫)الستقامة وعدم الطغيان والتهييور وعييدم الركييون(‬
‫قد ظهرت في قصة هود بشييكل قييوي وواضييح أدى‬
‫إلى تسمية سورة التوازن وعدم الركون باسمه‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فقييد قييال لقييومه بعييد أن اشييتد ّ التكييذيب‪... :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ل إ ِِنى أ ُ ْ‬
‫قا َ‬
‫رىــء‬
‫ه ُ‬
‫شــ َ‬
‫هدُ ٱلل َ‬
‫ه َ‬
‫دوا ْ أن ّــى ب َ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫م‬
‫ج ِ‬
‫ف ِ‬
‫دون ِ ِ‬
‫ن‪ِ ‬‬
‫كو َ‬
‫مي ً‬
‫دوِنى َ‬
‫كي ُ‬
‫من ُ‬
‫عا ُثــ ّ‬
‫م ّ‬
‫ّ‬
‫ش ِ‬
‫ن‪ .( (54 - 55‬أرأيت كلمة فييي التحييدي‬
‫ل َ ُتنظُِرو ِ‬
‫أقوى من هذه الكلمة؟‬
‫وإلييى جييانب ذلييك تتجل ّييى اسييتقامة سيييدنا هييود‬
‫وثباته على الطريق المستقيم في قوله‪:‬‬
‫مــا‬
‫ت َ‬
‫وك ّل ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫وَرب ّك ُـ ْ‬
‫عَلى ٱلله َرب ّــى َ‬
‫‪‬إ ِّنى ت َ َ‬
‫ٰى‬
‫عَلــ‬
‫ن َرّبى َ‬
‫و ءا ِ‬
‫ة إ ِل ّ ُ‬
‫خذٌ ب َِنا ِ‬
‫داب ّ ٍ‬
‫ِ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫من َ‬
‫صي َت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫قيم ٍ‪.( (56‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ص ٰر ٍ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫وا ْ َ‬
‫ثم ‪َ ‬‬
‫ت‬
‫قدْ أ َب ْل َ ْ‬
‫مــا أْر ِ‬
‫س ـل ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫غت ُك ُـ ْ‬
‫ول ّ ْ‬
‫فِإن ت َ َ‬
‫ول َ‬
‫مــا َ‬
‫ف َرب ّــى َ‬
‫س ـت َ ْ‬
‫خل ِ ُ‬
‫بِ ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫غي َْرك ُـ ْ‬
‫و ً‬
‫ه إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫في ٌ‬
‫ل َ‬
‫عل َ ٰى ك ُ ّ‬
‫ه َ‬
‫ظ‬
‫ن َرّبى َ‬
‫ح ِ‬
‫تَ ُ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ىء َ‬
‫ضّرون َ ُ‬
‫ش ْ‬
‫‪ ‬وهنا يظهر عدم التهور والعنف‪.‬‬
‫فقد جمعت هذه الكلمات بقييوة محيياور السييورة‬
‫ور أو ل طغيييان‪ ،‬ل ركييون واسييتقامة‪،‬‬
‫كلهييا‪ :‬ل تهيي ّ‬
‫ووضعت المسؤولية على كل من سيأتي بعد سيييدنا‬
‫هود في الصرار عليى اليدعوة ورفيع الظلييم وعيدم‬
‫الركييون‪ ،‬ولييذلك يقييول النييبي ‪" :‬شيييبتني هييود"‪،‬‬
‫ث علييى السييتقامة‬
‫وذلك لقوة الكلم فيها فييي الح ي ّ‬
‫على طرييق الليه ومنهجيه‪ ،‬ولقيوة سييدنا هيود فيي‬
‫كونه مثال ً على التوازن في الستقامة دون تهور ول‬
‫ركون‪.‬‬
‫تذ ّ‬
‫كر الخرة طريق التوازن‬

‫سورة البقرة‬

‫‪251‬‬

‫وقبل ختام السييورة‪ ،‬تييأتي اليييات )‪(108 - 103‬‬
‫لتذ ّ‬
‫كر بالخرة‪ ،‬لتطمئن المؤمنين بييأن الحييياة ‪ -‬ولييو‬
‫كانت تنطوي على واقع مظلم وغير عييادل ‪ -‬ليسييت‬
‫هي الصل‪ ،‬وأن الخييرة هييي الييتي سييتحقق العييدل‬
‫اللهي‪ ،‬فاصبروا على الواقع الليم في الدنيا‪.‬‬
‫فى ٰذل ِـ َ‬
‫ن‬
‫ك لي َ ـ ً‬
‫ن ِ‬
‫‪ّ ‬‬
‫مـ ْ‬
‫ة لّ َ‬
‫يقول الله تعييالى‪ :‬إ ِ‬
‫ة ٰذل ِـ َ‬
‫عـ َ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫مــو ٌ‬
‫ف َ‬
‫ب ٱل ْ ِ‬
‫خا َ‬
‫خ ـَر ِ‬
‫م ْ‬
‫ذا َ‬
‫و ٌ‬
‫ع ل ّـ ُ‬
‫ج ُ‬
‫م ّ‬
‫ك ي َـ ْ‬
‫خُرهُ إ ِل ّ‬
‫و ٰ ذل ِ َ‬
‫مــا ن ُـ َ‬
‫م ْ‬
‫ؤ ّ‬
‫و ٌ‬
‫شـ ُ‬
‫و َ‬
‫م ّ‬
‫ٱلّنا ُ‬
‫هودٌ ‪َ ‬‬
‫ك ي َـ ْ‬
‫س َ‬
‫ْ‬
‫س إ ِل ّ‬
‫م نَ ْ‬
‫م ي َ ـأ ِ‬
‫عـ ُ‬
‫م ْ‬
‫لِ َ‬
‫و َ‬
‫ت ل َ ت َك َل ّـ ُ‬
‫ل ّ‬
‫فـ ٌ‬
‫دوٍد ‪ ‬ي َـ ْ‬
‫جـ ٍ‬
‫عيد َ َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫سـ ِ‬
‫شـ ِ‬
‫ٌ ‪‬‬
‫مــا ٱل ّـ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ب ِـإ ِذْن ِ ِ‬
‫و َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫فأ ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ى َ‬
‫ق ّ‬
‫قوا ْ َ‬
‫ش ُ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ها َز ِ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َ‬
‫ر لَ ُ‬
‫هي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫في ـٌر َ‬
‫فى ٱلّنا ِ‬
‫شـ ِ‬
‫ض‬
‫َ‬
‫ن ِ‬
‫مــ ِ‬
‫خـٰل ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫م ٰـــوٰ ُ‬
‫ت ٱل ّ‬
‫في َ‬
‫دي َ‬
‫س َ‬
‫دا َ‬
‫ها َ‬
‫و ٱل ْْر ُ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫شاء َرب ّ َ‬
‫ك َ‬
‫عا ٌ‬
‫ما َ‬
‫مــا‬
‫ك إِ ّ‬
‫ف ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ل لّ َ‬
‫إ ِل ّ َ‬
‫ريدُ ‪َ ‬‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫دوا ْ َ‬
‫مــا‬
‫ة َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫س ِ‬
‫خ ٰـل ِ ِ‬
‫جن ّ ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫فى ٱل ْ َ‬
‫ع ُ‬
‫في َ‬
‫ن ُ‬
‫دي َ‬
‫ذي َ‬
‫ها َ‬
‫شــاء َرب ّـ َ‬
‫مــا َ‬
‫ك‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫م ٰـوٰ ُ‬
‫ت ٱل ّ‬
‫ض إ ِل ّ َ‬
‫س َ‬
‫دا َ‬
‫و ٱل ْْر ُ‬
‫ت َ‬
‫ع َ‬
‫طاء َ‬
‫ج ُ‬
‫ذوٍذ ‪.‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫غي َْر َ‬
‫أمور تعين على الستقامة‬

‫ويأتي ختييام السييورة‪ ،‬وفيييه اليييتين المحوريييتين‬
‫اللتين ذكرناهما‪:‬‬
‫ُ‬
‫ول َ‬
‫ع َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫م َ‬
‫من َتا َ‬
‫مْر َ‬
‫فٱ ْ‬
‫ب َ‬
‫و َ‬
‫م كَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ك َ‬
‫ت َ‬
‫ول َ ت َْرك َُنوا ْ إ َِلى‬
‫ت َطْ َ‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫وا ْ إ ِن ّ ُ‬
‫صيٌر ‪َ ‬‬
‫غ ْ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫موا ْ َ‬
‫مــن‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫كــ ْ‬
‫و َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫فت َ َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫م ٱلّناُر َ‬
‫َ‬
‫ن‪ (112-‬‬
‫ن ٱلله ِ‬
‫ص ـُرو َ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ول ِي َــاء ث ُـ ّ‬
‫م ل َ ُتن َ‬
‫نأ ْ‬
‫دو ِ‬
‫‪.(113‬‬

‫‪252‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فما الذي يعين على الستقامة وعلى تنفيذ هييذه‬
‫الوامر الثلثة؟ كيف يبقى المرء ثابتا ً وصابرا ً ويأخييذ‬
‫ور ول ركون؟‬
‫بيد الناس من غير ته ّ‬
‫صـَلوٰةَ طََر َ‬
‫ر‬
‫وأ َ ِ‬
‫ى ٱلن ّ َ‬
‫فـ ِ‬
‫قم ِ ٱل ّ‬
‫الجواب‪َ  :‬‬
‫هــا ِ‬
‫ن‬
‫ت ُيــذْ ِ‬
‫سن َ ٰـــ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ح َ‬
‫هب ْ َ‬
‫مــ َ‬
‫وُزَلفــا ً ّ‬
‫ن ٱل ّْيــ ِ‬
‫َ‬
‫ت ٰ ذل ِ َ‬
‫صب ِْر َ‬
‫ن‬
‫سـي ّئ َ ٰـ ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫ري َ‬
‫وٱ ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ك ِذك َْر ٰى ِللذك ِ ِ‬
‫ٱلله ل َ يضي َ‬
‫ن‪.( (115‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫سِني َ‬
‫جَر ٱل ْ ُ‬
‫يعينك أيها الشاب على ‪َ ‬‬
‫م ‪:‬‬
‫ست َ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ة ‪.‬‬
‫‪‬‬
‫صل َ ٰو َ‬
‫وأ َ ِ‬
‫قم ِ ٱل ّ‬
‫العبادة َ‬
‫فإن ٱللــه ل َ يضــي َ‬
‫جــَر‬
‫ُ ِ‬
‫صب ِْر َ ِ ّ‬
‫عأ ْ‬
‫ُ‬
‫وٱ ْ‬
‫الصبر ‪َ ‬‬
‫ن‪.( (115‬‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫سِني َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ن‬
‫ما ك َــا َ‬
‫و َ‬
‫العمل والصلح والدعوة إلى اللييه ‪َ ‬‬
‫هل ِ َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ك ٱل ْ ُ‬
‫ن‬
‫وأ َ ْ‬
‫حو َ‬
‫ص ـل ِ ُ‬
‫هل ُ َ‬
‫ك ل ِي ُ ْ‬
‫هــا ُ‬
‫م ْ‬
‫قَر ٰى ب ِظُل ْم ٍ َ‬
‫‪.( (117‬‬
‫والملحظة أن سورة يونس وسورة هود وسورة‬
‫يوسف نزلت سويا ً فيي فيترة واحييدة‪ ،‬وترتيبهيا فيي‬
‫المصحف هو نفس ترتيب نزولها‪ .‬نزلييت فييي محنيية‬
‫رسول اللييه ‪ ‬والصييحابة بمكيية بعييد وفيياة خديجيية‬
‫وأبو طييالب وكلهييا تعالييج مشيياكل متقاربيية‪ .‬وسييبب‬
‫اختيار اسم نبي لعنوان كل سورة من السور الثلث‬
‫هييو أن قصييته فيهييا العييبرة وهييي تصييب فيي محييور‬
‫السييورة وهييدفها‪ .‬وهييذه السييور الثلث تكلمنييا الن‬
‫لننييا فييي نفييس المرحليية ونفييس الشييدة والظلميية‬
‫فلنستقم على طاعة اللييه‪ ،‬ولنحييذر التهييور واللجييوء‬

‫سورة البقرة‬

‫‪253‬‬

‫إلى العنييف‪ ،‬ولنحييذر كييذلك الركييون إلييى حضييارات‬
‫أخييرى والرتميياء بأحضييانها ونستسييلم ونعيييش فييي‬
‫ظلها وننسى انتماءنا لسلمنا ونفقد هويتنا‪ ،‬هذا هييو‬
‫محور سورة هود‪.‬‬

‫سورة يوسف‬
‫سورة يوسف )مكية(‪ ،‬نزلت في توقيت مقييارب‬
‫لنزول السورتين اللييتين قبلهييا‪ ،‬يييونس وهييود‪ ،‬وفييي‬
‫نفيس الظيروف‪ .‬وهيي أطيول سيورة تحتيوي عليى‬
‫قصة فييي القييرآن‪ ،‬فقييد احتييوت علييى قصيية سيييدنا‬
‫يوسف عليه السلم من بدايتها لنهايتهييا‪ .‬عييدد آياتهييا‬
‫‪ 111‬آية‪.‬‬
‫أحسن القصص‬

‫قال عنها علماء القصص أنها احتوت علييى جميييع‬
‫فنييون القصيية وعناصييرها‪ ،‬ميين التشييويق‪ ،‬وتصييوير‬
‫الحداث‪ ،‬والترابط المنطقي‪ ،‬واستخدام الرمز‪.‬‬
‫فعلييى سييبيل المثييال‪ ،‬نجييد أن هييذه القصيية قييد‬
‫بدأت بحلم رآه سيدنا يوسف عليييه السييلم وانتهييت‬
‫بتفسير ذلك الحلم‪ .‬ونيرى أن قمييص يوسيف اليذي‬
‫اسُتخدم كأداة براءة لخوته‪ ،‬كان هييو نفسييه الييدليل‬
‫على خيانتهم‪ ...‬هذا القميص اسُتخدم بعد ذلك كأداة‬
‫براءة ليوسف نفسه‪ ،‬فبّرأه من تهميية التعييدي علييى‬
‫امرأة العزيز!!‬
‫وميين روعيية هييذه القصيية أن معانيهييا وأحييداثها‬
‫‪254‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫يوسف‬

‫سورة البقرة‬

‫‪255‬‬

‫سدة أمام قارئها وكأنه يراها بالصوت والصورة‪،‬‬
‫متج ّ‬
‫وهي من أجمل القصص التي يمكن أن تقرأها وميين‬
‫أبدع ما تتأثر به‪ .‬نحن ل نحتاج لشهادة علماء القصة‬
‫فيها‪ ،‬لن الله نفسيه هيو اليذي يشيهد عليى جودتهيا‬
‫وروعتها‪:‬‬
‫عل َي َ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ن نَ ُ‬
‫مــا‬
‫كأ ْ‬
‫ص َ ْ‬
‫‪‬ن َ ْ‬
‫ح َ‬
‫سـ َ‬
‫ح ُ‬
‫ص بِ َ‬
‫ق َ‬
‫ق ّ‬
‫صـ ِ‬
‫َ‬
‫حي َْنـــــــــــــا إ ِل َْيـــــــــــــ َ‬
‫ٰــــــــــــــ َ‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ك َ‬
‫و َ‬
‫أ ْ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ن‪.( (3‬‬
‫قْرءا َ‬
‫لكن هذه السييورة لييم تييأت فييي القييرآن لمجييرد‬
‫رواية القصص‪ ،‬لن هييدفها يتلخيص فيي آخيير سييطر‬
‫ق‬
‫ه َ‬
‫ميين القصيية وهييو قييوله تعييالى‪ :‬إ ِن ّـ ُ‬
‫مــن ي َت ّـ ِ‬
‫فإن ٱلله ل َ يضي َ‬
‫ن‪‬‬
‫ح ِ‬
‫صب ِْر َ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫سِني َ‬
‫جَر ٱل ْ ُ‬
‫وي ِ ْ‬
‫َ‬
‫‪.((90‬‬
‫فالمحور الساسي للقصة هو‪:‬‬
‫يعلم ول نعلم‬

‫إن هدف سورة يوسف هو إعلمنا أن تدبير اللييه‬
‫تعالى للمور يختلف عن النظرة البشرية القاصييرة‪،‬‬
‫وكأنهييا تقييول لنييا‪) :‬ث ِييق فييي تييدبير اللييه‪ ،‬واصييبر ول‬
‫تيَأس(‪.‬‬
‫إن الحداث في سورة يوسف غريبة‪ ،‬وهي تسييير‬
‫ب من والده‪ ،‬وهذا‬
‫بعكس الظاهر‪ ،‬فيوسف ولد ٌ محبو ٌ‬
‫المر بظاهره جيد ولكن نتيجة هذه المحبيية كييانت أن‬

‫‪256‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ألقاه إخوته في البئر‪ .‬ومع أن إلقاء يوسف فييي الييبئر‬
‫هو في ظاهره أمر سيئ‪ ،‬لكن نتيجة هذا اللقاء كانت‬
‫أن أصبح في بيت العزيييز‪ .‬ووجييود يوسييف فييي بيييت‬
‫العزيز هو أمر ظاهره جيد‪ ،‬لكنه بعد هذا اليبيت ألقيي‬
‫في السجن‪ .‬وكيذلك سييجن سييدنا يوسييف أميير فيي‬
‫غاية السوء‪ ،‬لكن نتيجة هذا السجن كانت تعيينييه فييي‬
‫منصب عزيز مصر‪...‬‬
‫فييالله سييبحانه وتعييالى يخبرنييا ميين خلل قصيية‬
‫دبر المييور‪ ،‬وقييد‬
‫يوسف عليه السلم بأنه هو الذي ي ّ‬
‫تكون نظرة المرء للحداث التي تصير معه على أنها‬
‫سيئة‪ ،‬لكن هييذه النظييرة قاصييرة عيين إدراك تقييدير‬
‫الله تعالى وحكمته في قضائه‪.‬‬
‫طريق المنحنيات‬

‫وإذا راقبنا حياة يوسييف عليييه السييلم ميين خلل‬
‫قصته نجد أن فيهييا ثلث نقيياط قميية ونقطييتين فييي‬
‫القعر‪ ،‬وباختصار يمكننا أن نختصر هذه النقيياط كمييا‬
‫يلي‪:‬‬
‫حب الب‬

‫إلى بيت العزيز‬

‫تولي منصب‬

‫عزيز مصر‬

‫الرمي في البئر‬

‫دخول السجن‬

‫فكانت المراحل الصعبة في حياة سيييدنا يوسييف‬
‫تتفيييييييييييييييييييييييييييياوت فييييييييييييييييييييييييييييي‬

‫سورة البقرة‬

‫‪257‬‬

‫شدتها‪ ،‬فأيهما أصعب؟ البئر أم السجن؟ إن السجن‬
‫دام تسييييييييييييييييييييييييع سيييييييييييييييييييييييينوات‪،‬‬
‫بينما المكوث في البئر دام لثلثيية أيييام فقييط‪ .‬لكيين‬
‫هييييييييييذه اليييييييييييام الثلثيييييييييية كييييييييييانت‬
‫أصعب من سنوات السجن لنه كييان غلم يا ً صييغيرًا‪.‬‬
‫ورغييم كييل هييذه الصييعوبات‪ ،‬نييرى سيييدنا يوسييف ‪-‬‬
‫وسط هذا كله ‪ -‬ثابت الخلق ل ينحني مع منحنيييات‬
‫الحياة‪.‬‬
‫أنت عبد فيهما‬

‫فإذا مّرت عليك‪ ،‬أخي المسلم‪ ،‬فييترات ضيييق أو‬
‫بلء‪ ،‬فتعّلم من سيييدنا يوسييف عليييه السييلم‪ ،‬الييذي‬
‫كان متحليا ً بالصبر والمييل وعييدم اليييأس رغييم كييل‬
‫الظروف‪ .‬وبالمقابل‪ ،‬تعّلم منه كيييف تييواجه فييترات‬
‫الراحة والطمئنييان‪ ،‬وذلييك بالتواضييع والخلص للييه‬
‫عز وجل‪...‬‬
‫فالسورة ترشييدنا أن حييياة النسييان هييي عبييارة‬
‫عن فترات رخاء وفترات شدة‪ .‬فل يوجد إنسان قط‬
‫كانت حياته كلها فترات رخاء أو كلهييا فييترات شييدة‪،‬‬
‫وهو في الحالتين‪ ،‬الرخاء والشدة‪ُ ،‬يختبر‪.‬‬
‫وقصيية يوسييف عليييه السييلم هييي قصيية ثبييات‬
‫الخلق فييي الحييالتين‪ ،‬فنييراه فييي الشييدة صييابرا ً ل‬
‫يفقييد المييل ول ييييأس‪ ،‬ونييراه فييي فييترات الرخيياء‬
‫متواضعا ً مخلصا ً لله عز وجل‪.‬‬
‫بين السورة والسيرة‬

‫‪258‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وكما ذكرنا سابقًا‪ ،‬فقد أنزلت سورة يوسف فييي‬
‫نفس الظروف التي أنزلت فيها سور يييونس وهييود‪،‬‬
‫أي عند اشتداد البلء على النبي ‪ ‬وصييحابته‪ .‬هييذه‬
‫الظروف كانت مشابهة لتلييك الييتي واجههييا يوسييف‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫فسيدنا يوسف ابتعد عيين أبيييه‪ ،‬والنييبي ‪ ‬حييين‬
‫نزلت هذه السورة فييي السيينة العاشييرة ميين بعثتييه‬
‫كان قد فقد عمه أبو طالب وزوجته خديجة‪ .‬سيييدنا‬
‫يوسف تييرك فلسييطين بلييد أبيييه وذهييب إلييى مصيير‬
‫وتغّرب عن أهله‪ ،‬والنبي ‪ ‬بعد سيينتين ميين نييزول‬
‫السييورة تييرك مكيية وهيياجر إلييى المدينيية‪ .‬فسييورة‬
‫م عليييه ميين‬
‫يوسف كانت تؤهل النيبي لمييا هييو مقييد ٌ‬
‫محيين وابتلءات‪ ،‬وتهيييء المييؤمنين جميعييا ً لوقييات‬
‫الشدة التي سيواجهونها خلل حييياتهم‪ ،‬لييذلك يقييول‬
‫سّري عنه!!!"‪.‬‬
‫عنها العلماء‪" :‬ما قرأها محزون إل ُ‬
‫يوسف النسان‬

‫ومن الملحظات المهمة أن السورة ر ّ‬
‫كزت على‬
‫حياة يوسف البشييرية‪ ،‬أي علييى يوسييف النسييان ل‬
‫على يوسييف النييبي‪ .‬وتسييليط الضييوء علييى يوسييف‬
‫عليه السلم كنبي كان فيي سيورة غيافر حيين قيال‬
‫جاء ُ‬
‫من َ‬
‫ول َ َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل‬
‫س ُ‬
‫ف ِ‬
‫قدْ َ‬
‫م ُيو ُ‬
‫كـ ْ‬
‫موسى لقومه‪َ  :‬‬
‫جاء ُ‬
‫شـ ّ‬
‫ت َ‬
‫فــى َ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ب ِ ٱل ْب َي ّن َ ٰـ ِ‬
‫مــا َ‬
‫كـ ـ ْ‬
‫م ّ‬
‫ك ّ‬
‫زل ْت ُـ ْ‬
‫ف َ‬
‫ما ِ‬
‫ه‪ .( (34...‬فتجربة يوسف في هذه السييورة هييي‬
‫بِ ِ‬
‫تجربة إنسانية بحتة‪ ،‬وكانت نهايتها نجاحا ً كييامل ً فييي‬

‫سورة البقرة‬

‫‪259‬‬

‫وق في حياته‬
‫الدنيا والخرة‪ :‬فلقد نجح في الدنيا وتف ّ‬
‫عندما أصبح عزيز مصر‪ ،‬ونجح في الخرة حين قاوم‬
‫امرأة العزيز وقاوم مغريات نساء المدينة‪ .‬فالسورة‬
‫هي باختصار قصيية نجيياح إنسييانية‪ .‬إنهييا قصيية نجيياح‬
‫إنسان صبر ولييم ييييأس بييالرغم ميين كييل الظييروف‬
‫التي واجهها‪ ،‬والتي لم يكن لنسان أن يتوقع نجاحه‪،‬‬
‫فميين السييجن والعبودييية وكراهييية إخييوته لييه إلييى‬
‫الغربة‪ ،‬إلى مراودة امرأة العزيز له عن نفسه‪ ،‬إلييى‬
‫مل الفتراء والتهامات الباطلة‪...‬‬
‫تح ّ‬
‫أين المعجزات في القصة؟‬

‫وإلى جانب ذلك‪ ،‬نلحظ أن السورة لم تشر إلى‬
‫تأييده بمعجزة خلل هذه الظروف التي واجهته‪) ،‬قد‬
‫يرد البعض بأن الرؤيا هي معجزة( لكننا نقول إن أي‬
‫إنسان قد يرى رؤيا‪ ،‬ولكن الذي حصل ور ّ‬
‫كزت عليه‬
‫السورة أن الله سبحانه وتعالى قد هيأ له الظييروف‬
‫وهيأ لييه فرصيية النجيياح كمييا يهي ّييأ لكييل شييخص منييا‬
‫و‪‬ك َـ ٰذل ِ َ‬
‫ك‬
‫)كتعليمه تفسير الرؤى كما قييال تعييالى‪َ :‬‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ك َرب ّ َ‬
‫جت َِبي َ‬
‫ث‪‬‬
‫حاِدي ِ‬
‫ك ِ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫وي ُ َ‬
‫يَ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫وي ِ‬
‫ك َ‬
‫من ت َأ ِ‬
‫‪ ،(((6‬لكن نجاح سيدنا يوسف كان في الستفادة من‬
‫المؤهلت التي أعطاه الله إياها لينجح في حياته‪.‬‬
‫ح ٱلله(‬
‫سوا ْ ِ‬
‫)ل َ َتاْيـئ َ ُ‬
‫من ّر ْ‬
‫و ِ‬

‫إن قصة يوسف قصة نجيياح إنسييان م يّرت عليييه‬
‫ظروف صعبة‪ ،‬لم يملك فيها أي مقوم من مقومييات‬

‫‪260‬‬

‫سورة البقرة‬

‫النجاح‪ ،‬لكنه لم يترك المل وبقي صابرا ً ولم ييأس‪.‬‬
‫وآيات السورة مليئة بالمييل‪ ،‬وميين ذلييك أن يعقييوب‬
‫عليييه السييلم عنييدما فقييد ابنييه الثيياني‪ ،‬أي عنييدما‬
‫سوا ْ‬
‫ول َ َتاْيـئ َ ُ‬
‫صييارت المصيييبة مصيييبتين‪ ،‬قييال‪َ  :‬‬
‫ح ٱللــه‬
‫س ِ‬
‫ِ‬
‫ح ٱلله إ ِن ّ ُ‬
‫ه ل َ َياْيـ ـئ َ ُ‬
‫مــن ّر ْ‬
‫من ّر ْ‬
‫و ِ‬
‫و ِ‬
‫إ ِل ّ ٱل ْ َ‬
‫ن‪.( (87‬‬
‫م ٱل ْك َ ٰـ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫و ُ‬
‫ق ْ‬
‫هذه الية ل تعني أن اليائس كافر‪ ،‬بل إن معناها‬
‫أن الذي ييأس فيه صفة من صييفات الكفييار‪ ،‬لنييه ل‬
‫يدرك أن تدبير اللييه سييبحانه وتعييالى فييي الكييون ل‬
‫م وحكيييم فييي‬
‫م ورحييي ٌ‬
‫يعرفييه أحييد‪ ،‬وأن اللييه كرييي ٌ‬
‫أفعاله‪.‬‬
‫النجاح من الله‬

‫ومن عظمة هذا النبي الكريم‪ ،‬أنه حين نجح فييي‬
‫حياته ووصل إلى أعلى المناصييب‪ ،‬لييم تنسييه نشييوة‬
‫النصيير التواضييع للييه ونسييبة الفضييل إليييه سييبحانه‪.‬‬
‫ب َ‬
‫ن‬
‫قدْ ات َي ْت َن ِــى ِ‬
‫فقييال فييي نهاييية القصيية‪َ :‬ر ّ‬
‫مـ َ‬
‫ْ‬
‫ث َ‬
‫فاطَِر‬
‫و َ‬
‫حاِدي ِ‬
‫مت َِنى ِ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫مل ْ ِ‬
‫عل ّ ْ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫وي ِ‬
‫ك َ‬
‫من ت َأ ِ‬
‫َ‬
‫فــى ٱل ـدّن َُيا‬
‫ى ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫ض أنـ َ‬
‫ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫ت َ‬
‫ول ِـ ّ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬
‫ح ْ‬
‫و ّ‬
‫قِنــــى‬
‫وأ َل ْ ِ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫خــــَر ِ‬
‫م ْ‬
‫ســــل ِ ً‬
‫فِنى ُ‬
‫ما َ‬
‫ة َتــــ َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( ... (101‬‬
‫ص ٰـل ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫ب ِ ٱل ّ‬
‫ح ْ‬
‫قِنــى‬
‫وأ َل ْ ِ‬
‫وانظيير إلييى تواضييعه فييي قييوله ‪َ ‬‬
‫ن ‪ ،‬وكأن الصيالحين سيبقوه وهيو يرييد‬
‫ص ٰـل ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫ب ِٱل ّ‬
‫اللحاق بهم‪ .‬وهكذا نرى أن سيييدنا يوسييف نجييح فييي‬
‫امتحان السراء بشكر الله تعالى والتواضييع ليييه‪ ،‬كمييا‬

‫سورة البقرة‬

‫‪261‬‬

‫نجح في امتحان الضراء بالصبر والمل‪...‬‬
‫أنت لها‬

‫وكان التعقيب على تجربة يوسف عليييه السييلم‪،‬‬
‫آية رائعيية‪ ،‬ليطمئن قلييب النييبي ‪ ‬إلييى نصيير اللييه‬
‫ووعده‪ ،‬ولتسمعها أمته من بعده وتوقن بها‪ .‬إسمعها‬
‫معي بقلبك وروحك‪:‬‬
‫وظَّنــوا ْ‬
‫ســ ُ‬
‫ى إِ َ‬
‫حّتــ ٰ‬
‫‪َ‬‬
‫س ٱلّر ُ‬
‫ذا ٱ ْ‬
‫ست َْيـــئ َ َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫صـُرَنا َ‬
‫م َ‬
‫مــن‬
‫جــاء ُ‬
‫قـدْ ك ُـ ِ‬
‫فن ُ ّ‬
‫ذُبوا ْ َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫ى َ‬
‫ه ْ‬
‫هـ ْ‬
‫م نَ ْ‬
‫جـ َ‬
‫ْ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫نّ َ‬
‫ن‬
‫سَنا َ‬
‫ر ِ‬
‫م ْ‬
‫ول َ ي َُردّ ب َأ ُ‬
‫مي ـ َ‬
‫وم ِ ٱل ْ ُ‬
‫قـ ْ‬
‫شاء َ‬
‫ج ِ‬
‫ع ِ‬
‫‪.( (110‬‬
‫خلصة التجربة‬

‫ونصل في نهاييية السييورة إلييى قاعييدة محورييية‪،‬‬
‫قالها سيدنا يوسف عليه السلم بعد أن انتصر وبعييد‬
‫صـب ِْر‬
‫ه َ‬
‫أن تحققت جميع أمنياته‪ :‬إ ِن ّ ُ‬
‫وي ِ ْ‬
‫ق َ‬
‫مــن ي َت ّـ ِ‬
‫فإن ٱلله ل َ يضي َ‬
‫ن‪.( (90‬‬
‫ح ِ‬
‫َ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫سِني َ‬
‫جَر ٱل ْ ُ‬
‫إن قصة يوسف تعّلمنا أن من أراد النجاح ووضع‬
‫هييدفا ً نصييب عينيييه يريييد تحقيقييه فييإنه سيييحققه ل‬
‫محالة‪ ،‬إذا استعان بالصبر والمل‪ ،‬فلم ييييأس‪ ،‬ولجييأ‬
‫ن ٱللــه ل َ‬
‫صـب ِْر َ‬
‫ف ـإ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫إلى الله ‪‬إ ِن ّ ُ‬
‫وي ِ ْ‬
‫ق َ‬
‫من ي َت ّـ ِ‬
‫يضي َ‬
‫ن‪ .( (90‬إن سيدنا يوسييف‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ُ ِ ُ‬
‫سِني َ‬
‫جَر ٱل ْ ُ‬
‫ في هذه الكلمات ‪ -‬يلخص لنا تجربتيه فيي الحيياة‪،‬‬‫والتي هي كما قلنا‪ ،‬تجربة إنسانية بشرية‪.‬‬
‫فمن أراد النجاح فييي الحييياة فعليييه بتقييوى اللييه‬

‫‪262‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أو ً‬
‫ل‪ ،‬واللجيييييييييييييييييييييييوء إلييييييييييييييييييييييييه‪،‬‬
‫والصبر على مصائب الدنيا ل بل وتحييدي المعوقييات‬
‫من حوله والتغلب عليها‪ .‬إن الصبر المطلوب هنا هو‬
‫صبر إيجابي ومثابر‪ ،‬ل يضيع صاحبه أي فرصة لتعلم‬
‫مهارة ما‪ ،‬ل بل ينتظر كل فرصة تسنح ليه كما فعل‬
‫سيدنا يوسف عليه السلم‪) ،‬فهو استفاد من وجيوده‬
‫في بيت العزيز مثل ً في تعلييم كيفييية إدارة المييوال‪،‬‬
‫قا َ‬
‫عَلــ ٰى‬
‫عل ِْنى َ‬
‫وهذا سبب قوله بعد ذلك‪َ :‬‬
‫ج َ‬
‫ل ٱْ‬
‫في ٌ‬
‫م‪.(( (55‬‬
‫َ‬
‫ظ َ‬
‫ح ِ‬
‫ض إ ِّنى َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ن ٱل ْْر ِ‬
‫خَزائ ِ ِ‬
‫يا شباب‪ ،‬تعّلموا من سيييدنا يوسييف النجيياح فييي‬
‫حياتكم العملية‪ ،‬والتفوق في الدنيا والخييرة‪ ،‬بييالعلم‬
‫والعمل من جهة‪ ،‬وبمقاومة الشهوات والصبر عنهييا‪،‬‬
‫لتفوزوا بإذن الله بجنة النعيم‪.‬‬

‫سورة الرعد‬
‫سورة الرعد )مدنية(‪ ،‬نزلت بعييد سييورة محمييد‪،‬‬
‫وهي في ترتيب المصحف بعد سورة يوسف‪ ،‬وعييدد‬
‫آياتها ‪ 43‬آية‪.‬‬
‫قوة الحق‬

‫سورة الرعد ميين أروع سييور القييرآن‪ ،‬ورسييالتها‬
‫تقول‪ :‬الحق قوي راسخ‪ ،‬وان لم يظهر أمام العين‪،‬‬
‫والباطييل مهييزوم ضييعيف‪ ،‬فهييو ‪ -‬وان كييان ظيياهرا ً‬
‫متفشيا ً ‪ -‬لكنه هش ل قيمة له‬
‫هذه الحقيقيية البسيييطة يغفييل عنهييا الكييثير ميين‬
‫النيياس‪ ،‬فينخييدعون بييبريق الباطييل الييزائف‪ .‬هييذا‬
‫الباطل قد يأخذ أشكال ً متعددة‪ ،‬من مشيياهد إباحييية‬
‫متفشية‪ ،‬أو معياص منتشيرة‪ ،‬إليى موظيف أو تياجر‬
‫يكذب ويخدع في عمله‪ ،‬إلى أمة ظالمة تعتدي على‬
‫أمة السييلم وتأخييذ حقوقهييا‪ ،‬كلهييا أشييكال مختلفيية‬
‫لقوة الباطل الهشة‪.‬‬
‫أثر الباطل في الناس‬

‫هييذه الحقييائق إذا غييابت عيين أعييين النيياس‪،‬‬
‫وانخدعوا بالباطل‪ ،‬يخافون منه‪ ،‬فيسييتخفون بييالحق‬
‫‪263‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫الرعد‬

‫‪264‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الييذي معهييم‪ ،‬أو يحيياولون أن يقلييدوا هييذا الباطييل‪.‬‬
‫فنرى كثيرا ً من النيياس يقولييون أن فلن يا ً ناجييح فييي‬
‫تجييارته عيين طريييق السييرقة والغييش والخيداع فيي‬
‫عملييه‪ ،‬وبمييا أن الكييل يفعييل هييذا فل ضييرر ميين‬
‫تقليدهم‪.‬‬
‫لهييذه النوعييية ميين الشييخاص‪ ،‬تييأتي السييورة‬
‫لتقييول‪ :‬أن قييوة الباطييل مهمييا ظهييرت وانتفشييت‪،‬‬
‫فهي هشة‪ ،‬ليس لهييا أي جييذور فييي الرض‪ .‬ومهمييا‬
‫توارى الحق أو اختفى من أعين الناس‪ ،‬فهييو راسييخ‬
‫متين في الرض‪.‬‬
‫الكتاب المقروء والحق‬

‫ومن أول آية تبدأ السورة بالتأكيييد علييى أن اللييه‬
‫تبارك وتعالى هو الحق‪ ،‬وأن كتابه المنزل من عنييده‬
‫هو الحق‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪‬المر ت ِل ْ َ‬
‫ز َ‬
‫ل‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫ك اَيـ ٰـ ُ‬
‫ت ٱل ْك َِتـ ـٰ ِ‬
‫ب َ‬
‫ذى أن ـ ِ‬
‫َ‬
‫س لَ‬
‫من ّرب ّ َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫ك ِ‬
‫ك ٱل ْ َ‬
‫وَلـٰك ِ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ق َ‬
‫ن أك ْث َ ـَر ٱلّنــا ِ‬
‫يُ ْ‬
‫ن ‪.‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫وبعد أن ذكرت أول آية كتاب الله تعييالى‪ ،‬تنتقييل‬
‫اليييات ‪ 2‬و ‪ 3‬إلييى ذكيير قييدرة اللييه عييز وجييل فييي‬
‫الكون‪ ،‬وكأنها تقول للناس جميعًا‪ :‬إن كنتييم تكييذبون‬
‫بالكتاب المقروء )القرآن(‪ ،‬فتعالوا ننظر إلييى كتيياب‬
‫الله تعالى المنظور )والييذي هييو عبييارة عيين الكييون‬

‫سورة البقرة‬

‫‪265‬‬

‫كله(‪:‬‬
‫ذى َر َ‬
‫د‬
‫ت بِ َ‬
‫ر َ‬
‫مـ ٍ‬
‫م ٰــ ٰو ِ‬
‫ٱ‪‬لله ٱل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫ع ٱل ّ‬
‫ع َ‬
‫س َ‬
‫غْيـ ِ‬
‫خَر‬
‫سـ ّ‬
‫وىٰ َ‬
‫عل َــى ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫مٱ ْ‬
‫ون َ َ‬
‫هــا ث ُـ ّ‬
‫ش َ‬
‫سـت َ َ‬
‫ت ََر ْ‬
‫عـْر ِ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫مَر ك ُ ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫مـــى‬
‫رى ل َ َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ل ّ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ج ٍ‬
‫س َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫م ب ِل ِ َ‬
‫مَر ي ُ َ‬
‫ص ُ‬
‫م‬
‫ل ٱلي َ ٰـ ِ‬
‫ت لَ َ‬
‫قاء َرب ّك ُ ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ي ُدَب ُّر ٱل ْ‬
‫ف ّ‬
‫ن‪.( (2‬‬
‫ُتو ِ‬
‫قُنو َ‬
‫َ‬
‫عــ َ‬
‫هــا‬
‫ل ِ‬
‫و ُ‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ذى َ‬
‫مــدّ ٱل ْر َ‬
‫ض َ‬
‫هــ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫رواس ـى َ‬
‫عـ َ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫ل ل‬
‫م ـ ٰر ِ‬
‫و ِ‬
‫ج َ‬
‫ت َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ٱث ّ َ‬
‫ه ٰـــرا ً َ‬
‫َ َ ِ َ َ‬
‫شى ٱل ّي ْ ـ َ‬
‫هــاَر ‪‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫ِ‬
‫غ ِ‬
‫و َ‬
‫ل ٱلن ّ َ‬
‫في َ‬
‫ها َز ْ‬
‫ن ٱث ْن َي ْ ِ‬
‫جي ْ ِ‬
‫‪.((3‬‬
‫فلله تعالى كتابان في الكييون‪ ،‬كلهمييا يييدل عليييه‬
‫وكلهما يقوي الخر ويدل عليه‪:‬‬
‫فالكتيياب المقييروء )القييرآن( يطييالب المسييلم‬
‫بالنظر في الكتاب المنظور )الكون(‪ ،‬من خلل آيات‬
‫كثيرة كهذه اليات‪.‬‬
‫وبالمقابل‪ ،‬فيإن الكتياب المنظيور يزييدك إيمانيا ً‬
‫بالقرآن‪.‬‬
‫الكتاب المنظور والحق‬

‫فمن هو المدّبر؟ ومن هو القادر؟ من الذي يملييك‬
‫الكون؟ أتتبعونه أم تتبعون الباطل؟‬
‫ولييذلك تتييابع السييورة حييديثها عيين كتيياب اللييه‬
‫المنظور )الكون( وكييف ييدل عليى عظميية الخيالق‬
‫جل وعل‪:‬‬

‫‪266‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫ت‬
‫فـ‬
‫‪‬‬
‫ض ِ‬
‫و ِ‬
‫و َ‬
‫مت َ َ‬
‫قطَـ ٌ‬
‫و ٰر ٌ‬
‫جن ّ ٰــ ٌ‬
‫ع ّ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ج ٰــ ِ‬
‫ـى ٱلْر ِ‬
‫و َ‬
‫خي ٌ‬
‫ن‬
‫وَزْر ٌ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ون َ ِ‬
‫غي ُْر ِ‬
‫ل ِ‬
‫صن ْ ٰو ٌ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫عن َ ٰـ ٍ‬
‫صــن ْ ٰو ٍ‬
‫ن َ‬
‫ع َ‬
‫ب َ‬
‫ون ُ َ‬
‫س َ‬
‫ض ُ‬
‫ض‬
‫ها َ‬
‫ماء ٰو ِ‬
‫ع َ‬
‫ف ّ‬
‫ح ٍ‬
‫عل َ ٰى ب َ ْ‬
‫ل بَ ْ‬
‫ض َ‬
‫يُ ْ‬
‫ق ٰى ب ِ َ‬
‫د َ‬
‫عــ ٍ‬
‫ُ‬
‫فى ٰذل ِ َ‬
‫ت لّ َ‬
‫ن‬
‫ع ِ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ك لي َ ٰـ ٍ‬
‫قُلو َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫ق ْ‬
‫فى ٱلك ُ ِ‬
‫‪.( (4‬‬
‫رحلة في ملك الله‬

‫ومن روعة السورة أنها تهبط بك فييي ملييك اللييه‬
‫تعالى درجة درجة‪ ،‬لتتأمل الكييون وآييياته ميين أعلييى‬
‫إلييى أسييفل‪ .‬فلييو تأملنييا فييي اليييات ميين ‪ 2‬إلييى ‪،4‬‬
‫لوجدنا أن اليات بدأت بالسماوات‪ ،‬ثم انتقلييت إلييى‬
‫الشييمس والقميير‪ ،‬فييالرض والجبييال والنهييار‪ ،‬إلييى‬
‫تقسيم الراضي الزراعية )قطييع متجيياورات( وتنييوع‬
‫ثمارها‪ .‬كأنك تنزل بالطائرة من فوق لتحت‪ ،‬وكتيياب‬
‫الله معك كدليل يدلك على هذه اليات ويقييول لييك‪:‬‬
‫أنظر إلى ملك الله تعالى من فوق إلييى تحييت‪ ،‬ميين‬
‫رفييع السييماوات بل عمييد لغاييية تقسيييم الراضييي‪،‬‬
‫وكيف أن الماء الذي يسييقي كييل أنييواع الييزروع هييو‬
‫ماء واحد يأتي من عند الله‪.‬‬
‫فعجب قولهم‬

‫وبعد كل هذه اليات والدلئل‪ ،‬يأتي التعقيب ميين‬
‫ب َ‬
‫ب َ‬
‫م َأء َ‬
‫ذا‬
‫جـ ٌ‬
‫ع َ‬
‫ف َ‬
‫جـ ْ‬
‫ع َ‬
‫وِإن ت َ ْ‬
‫ول ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قـ ْ‬
‫الله تعييالى‪َ  :‬‬
‫فى َ ْ‬
‫د‪.( (5..‬‬
‫ك ُّنا ت َُراًبا َأءّنا ل َ ِ‬
‫دي ٍ‬
‫ج ِ‬
‫ق َ‬
‫خل ٍ‬
‫فهل تستغربون‪ ،‬بعدما رأيتم كل هذا الملييك فييي‬

‫سورة البقرة‬

‫‪267‬‬

‫الكييون‪ ،‬كيييف أن اللييه تعييالى قييادر علييى أن يحيييي‬
‫الناس بعد موتهم؟‬
‫كيف يمكن لي صاحب عقل سليم أن ي ّ‬
‫شك في‬
‫قدرة الله تعالى؟ لذلك تنتقل اليات التي بعدها إلى‬
‫التركيز على نوع آخر من قدرته تعالى‪ ،‬وهي القدرة‬
‫على جمع المتناقضات في الكون‪.‬‬
‫ل يجمعها إل الله‬

‫تبدأ السييورة باسييتعراض المتناقضييات فييي هييذا‬
‫الكون العجيب‪ 32 ،‬ظيياهرة متناقضيية فييي طبيعتهييا‪،‬‬
‫يستحيل على أحد أن يجمع بينها‪ ،‬إل اللييه جييل وعل‪.‬‬
‫أنظيييير إليييى أسييييرار عظمتييييه ميييين خلل هيييذه‬
‫د‪.( (8‬‬
‫المتناقضات‪ :‬ت َ ِ‬
‫دا ُ‬
‫م‪ ...‬ت َْز َ‬
‫ض ٱل َْر َ‬
‫حا ُ‬
‫غي ُ‬
‫َ‬
‫سّر ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫و‬
‫ن ُ‬
‫ه ـَر ب ِـ ِ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫‪‬أ َ‬
‫مـ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫هـ َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫قـ ْ‬
‫ر‪.( (10‬‬
‫ست َ ْ‬
‫ر ٌ‬
‫خ ٍ‬
‫ب ب ِٱلن ّ َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ل َ‬
‫ف ب ِٱل ّي ْ ِ‬
‫ها ِ‬
‫سا ِ‬
‫و ً‬
‫هــا ‪‬‬
‫‪َ ‬‬
‫و ً‬
‫وك َْر ً‬
‫م ً‬
‫وطَ َ‬
‫عا َ‬
‫عا ‪ (12) - ‬طَ ْ‬
‫فا َ‬
‫خ ْ‬
‫‪(15) - ‬ن َ ْ‬
‫صيُر‪...‬‬
‫ضّرا‪ ...‬ٱل َ ْ‬
‫ول َ َ‬
‫و ٱل ْب َ ِ‬
‫ف ً‬
‫ع َ‬
‫مىٰ َ‬
‫عا َ‬
‫و ٱلّنوُر‪.( (16‬‬
‫مـٰ ُ‬
‫ٱلظّل ُ َ‬
‫ت َ‬
‫ســ ُ‬
‫و ٱل ْب َ ٰـــطِ َ‬
‫ط‪...‬‬
‫ٱ‬
‫‪‬ل ْ َ‬
‫ل ‪ (17) - ‬ي َب ْ ُ‬
‫حــ ّ‬
‫ق َ‬
‫وي َ ْ‬
‫حــو‪...‬‬
‫دُر‪ ...‬ٱلدّن َْيا‪ ...‬ٱل َ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ُ‬
‫ة ‪ (26) ‬ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ت‪.( (39‬‬
‫وي ُث ْب ِ ُ‬
‫َ‬
‫وكييأن هييذه اليييات الرائعيية تقييول لنييا‪ :‬كيييف ل‬
‫تسلمون لله‪ ،‬وهو الحق الكامل الييذي يملييك الكييون‬
‫بكل متناقضيياته ويجمييع بينهييا‪ ،‬لتؤكييد علييى المحييور‬

‫‪268‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الصلي للسييورة‪ ،‬وهييو أن الحييق قييوي راسييخ‪ ،‬وأن‬
‫الباطل ضعيف إلى زوال‪.‬‬
‫السعادة الوهمية‬

‫وتمر اليات‪ ،‬إلييى أن تصييل بنييا إلييى ثلثيية أمثليية‬
‫تخدم هدف السورة بشكل رائع ومعجز‪:‬‬
‫وأولها كان هو المفتاح لفهييم السييورة واسييتنتاج‬
‫المحور الذي قلناه في أول السورة‪ .‬اقرأ معي الية‬
‫‪:14‬‬
‫ق ‪ ‬يييا شييباب‪ ،‬امشييوا فييي‬
‫ه دَ ْ‬
‫وةُ ٱل ْ َ‬
‫حـ ّ‬
‫‪‬ل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫طريق الله‪ .‬لن الحق الكامل هو طريق اللييه ‪‬ل َـ ُ‬
‫ق ‪ .‬فماذا عن الباطل؟ ما هو شييكله؟‬
‫دَ ْ‬
‫وةُ ٱل ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ن ي َـدْ ُ‬
‫دون ِـ ِ‬
‫ن ِ‬
‫و ٱل ّـ ِ‬
‫جيُبو َ‬
‫عو َ‬
‫مــن ُ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سـت َ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫ط كَ ّ‬
‫هــم ب ِ َ‬
‫مــاء‬
‫في ْـ ِ‬
‫س ِ‬
‫ىء إ ِل ّ ك ََبـ ـٰ ِ‬
‫لَ ُ‬
‫ه إ ِل َــى ٱل ْ َ‬
‫شـ ْ‬
‫غ َ‬
‫ه ‪.‬‬
‫ل ِي َب ْل ُ َ‬
‫و ب َِبال ِ ِ‬
‫ما ُ‬
‫غ ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫فاهُ َ‬
‫والله الذي ل إله إل هو‪ ،‬ليين تجييد تصييويرا ً للحييق‬
‫والباطل أكثر جمال ً من هذا التصوير الفني القرآني‪.‬‬
‫فالناس التي تجري وراء الباطل يصوّرها لنا ربنييا‬
‫تبارك وتعالى بشخص ينظر فييي المييياه ويحيياول أن‬
‫يلتقط فمه‪ ،‬وما هو ببييالغه‪ .‬وبالتييالي فييإن كييل ميين‬
‫يمشيييي وراء الباطيييل سييييظل قلبيييه يجيييري وراء‬
‫السييعادة‪ ،‬هييذه السييعادة الواهميية الييتي يعتقييد أنهييا‬
‫كأس خمير يشيربها‪ ،‬أو أغنيية ماجنية يجيري وراءهيا‬
‫ويرددها‪ ،‬أو في مال حييرام يأخييذه‪ ...‬لكنييه ليين يبلييغ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪269‬‬

‫السعادة تماما ً كالرجل الذي يحاول أن يلتقييط فمييه‬
‫ه‪‬‬
‫و ب َِبال ِ ِ‬
‫ما ُ‬
‫غ ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫من انعكاس صورته في الماء ‪َ ‬‬
‫‪.((14‬‬
‫يييا شييباب ل تنخييدعوا بالباطييل‪ ،‬ولييو كييان براقييا‬
‫وزاهيا‪ ،‬وليو أخيذ شيكل حفلت يجتميع بهيا الشيباب‬
‫والبنييات‪ ،‬ليسييودها الرقييص والمجييون‪ ،‬ولييو أعطيياه‬
‫البعييض اسييم الشييجاعة والتقييدم وكسيير التقاليييد‪...‬‬
‫الباطل زاهق ل محالة‪ ،‬والحق هو الصل‪.‬‬
‫الباطل‪ ...‬زبد يطفو على صفحة الماء‬

‫ويضرب لنا ربنا مثال ً رائعا ً آخيير‪ ،‬ليؤكييد علييى أن‬
‫الحق راسخ قوي وإن كان خفييًا‪ ،‬وأن الباطييل هيش‬
‫ل قيمة له‪ ،‬وإن كان على السييطح وانتفييش‪ ،‬اسييمع‬
‫ماء َ‬
‫معي الية ‪ :17‬أ َن ََز َ‬
‫ت‬
‫ل ِ‬
‫سال َ ْ‬
‫ف َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫ماء َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ة بِ َ‬
‫ها ‪ :‬الماء النازلة ميين السييماء تمثييل‬
‫وِدي َ ٌ‬
‫ر َ‬
‫أ ْ‬
‫قدَ ِ‬
‫الحق والخير الييذي ينييزل مييع الييوحي ميين السييماء‪.‬‬
‫َ‬
‫فميياذا كييان أثيير هييذا الميياء؟ ‪َ ‬‬
‫ة‬
‫وِدَيــ ٌ‬
‫ســال َ ْ‬
‫ف َ‬
‫تأ ْ‬
‫بِ َ‬
‫ها ‪.‬‬
‫ر َ‬
‫قدَ ِ‬
‫أنظر لقوته وعظمتييه‪ ،‬وكيييف دخييل فييي الييوادي‬
‫ليحمل الخييير للنيياس‪ ،‬فميياذا حييدث؟ ‪َ ‬‬
‫م َ‬
‫ل‬
‫فٱ ْ‬
‫حت َ َ‬
‫سي ْ ُ‬
‫دا ّراب ًِيا‪.( (17‬‬
‫ل َزب َ ً‬
‫ٱل ّ‬
‫أي أشياء ل قيمة لها من قش وفضلت‪ ،‬تجمعت‬
‫على سطح المياه‪ ،‬فغطت الماء‪ ،‬بحيث أنهييا غطييت‬
‫المادة القيمة‪.‬‬
‫فصار الخير مغمورا ً تحت‪ ،‬والميياء الييذي سيييزرع‬

‫‪270‬‬

‫سورة البقرة‬

‫به تحت‪ .‬أما الظاهر‪ ،‬فهو القش والفضييلت الييتي ل‬
‫قيمة لها )الزبد(‪.‬‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ما ُيو ِ‬
‫عل َي ْـ ِ‬
‫و ِ‬
‫دو َ‬
‫قـ ُ‬
‫م ّ‬
‫ويأتي مثل رائع آخيير‪َ  :‬‬
‫حل ْي َ‬
‫ه‪‬‬
‫ر ٱب ْت ِ َ‬
‫ِ‬
‫غاء ِ َ ٍ‬
‫مث ْل ُـ ُ‬
‫ع َزب َـدٌ ّ‬
‫و َ‬
‫ةأ ْ‬
‫فى ٱلّنا ِ‬
‫مت َ ٰــ ٍ‬
‫‪.((17‬‬
‫فييإذا وضييعت قطعيية ذهييب فييي النييار‪ ،‬لتختييبر‬
‫صفاءها ونقاوتها‪ ،‬فإن الشوائب في داخلها ستصييعد‬
‫إلى السطح‪ ،‬ويبقييى المعيدن النفييس تحيت‪ ،‬نفيس‬
‫مبدأ المياه‪ .‬كأن ربنا يقول لنييا‪ :‬هييذا ميياء وهييذا نييار‪،‬‬
‫لكيين المبييدأ يبقييى نفسييه‪ ،‬والحييق والباطييل تبقييى‬
‫أشكالهم واحدة وحقيقتهييم واحييدة‪ .‬فييدائما ً سيييظهر‬
‫الباطييل عليى السييطح وسييبقى الخيير تحييت‪ ،‬لكيين‬
‫الخييير راسييخ وإن لييم تييره‪ ،‬والباطييل زائل وإن عل‬
‫وطفا فوق السطح‪.‬‬
‫كذلك يضرب الله الحق والباطل‬

‫لييذلك يييأتي تعقيييب واضييح علييى هييذين المثلييين‬
‫ليؤكييد انسييجامهما مييع هييدف السييورة‪َ :‬‬
‫‪‬ـ ٰذل ِ َ‬
‫ك‬
‫كـ‬
‫و ٱل ْب َ ٰــطِ َ‬
‫ل‪ .( (17‬فميياذا‬
‫يَ ْ‬
‫ب ٱللــه ٱل ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫حـ ّ‬
‫ق َ‬
‫ض ِ‬
‫يكون مصير الثنين؟‬
‫فاء َ‬
‫‪َ َ ‬‬
‫ما َين َ‬
‫ج َ‬
‫ما ٱلّزب َدُ َ‬
‫ع‬
‫في َذْ َ‬
‫فــ ُ‬
‫ب ُ‬
‫ه ُ‬
‫ما َ‬
‫وأ ّ‬
‫فأ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض ك َـ ٰذل ِ َ‬
‫س َ‬
‫ب‬
‫مك ُـ ُ‬
‫ث ِ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ر ُ‬
‫في َ ْ‬
‫ٱلّنا َ‬
‫ضـ ِ‬
‫فــى ٱلْر ِ‬
‫مَثا َ‬
‫ل‪.( (17‬‬
‫ٱلله ٱل ْ ْ‬
‫فهيا نعيييش للحييق‪ ،‬ومييع أهلييه وأصييحابه‪ ،‬الييذين‬

‫سورة البقرة‬

‫‪271‬‬

‫جاُبوا ْ‬
‫تحييدثت عنهييم الييية ‪ :14‬ل ِّلــ ِ‬
‫ســت َ َ‬
‫نٱ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سن َ ٰى‪. ...‬‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه ُ‬
‫ل َِرب ّ ِ‬
‫لماذا "الرعد"؟‬

‫ويبقى سبب تسمية السورة‪ ،‬فلميياذا اختييار ربنييا‬
‫الرعد ليسمي السورة باسمه؟‬
‫لن الرعييد نمييوذج للتنيياقض‪ ،‬فهييو ميين ناحييية‬
‫علمية‪ ،‬يحمل في طييياته شييحنات متناقضيية‪ ،‬سييالبة‬
‫وموجبيية‪ .‬وميين ناحييية إيمانييية‪ ،‬فهييو يظهيير الرعييب‬
‫والخوف‪ ،‬لكنه يحمل الخير والمطيير للنيياس‪ .‬صييوته‬
‫رهيب من الخييارج‪ ،‬لكيين بيياطنه يسييبح اللييه‪ ،‬اسييمع‬
‫قوله تعالى‬
‫ن‬
‫و‬
‫ح ٱلّر ْ‬
‫مل ْ ٰــئ ِك َ ُ‬
‫ة ِ‬
‫د ِ‬
‫مـ ِ‬
‫عـدُ ب ِ َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫‪‬ي ُ َ‬
‫مـ ْ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫خي َ‬
‫س ُ‬
‫مــن‬
‫ص ـ ٰو ِ‬
‫ِ‬
‫في ُ ِ‬
‫وي ُْر ِ‬
‫فت ِ ِ‬
‫صــي ُ‬
‫ب بِ َ‬
‫هــا َ‬
‫ع َ‬
‫ل ٱل ّ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫يَ َ‬
‫و ُ‬
‫ن ِ‬
‫و ُ‬
‫شـ ِ‬
‫جـ ـٰ ِ‬
‫دُلو َ‬
‫ديدُ‬
‫م يُ َ‬
‫ه ْ‬
‫هـ َ‬
‫فــى ٱللــه َ‬
‫شاء َ‬
‫ل‪.( (13‬‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫حا ِ‬
‫وكييأن آيييات اللييه الكونييية فييي السييورة )وعلييى‬
‫رأسها الرعد( توجه لنييا نفييس الرسييالة‪ ،‬وهييي أن ل‬
‫ننخدع بظاهر الشياء‪ ،‬بل ننظر إلى باطنها‪.‬‬
‫عظمة القرآن‬

‫وبعد أن عددت اليييات أثيير كتيياب اللييه المنظييور‬
‫)الكون( في إيضاح الحق والباطل‪ ،‬يأتي مثال أروع‪:‬‬
‫كتاب الله المقروء‪.‬‬

‫‪272‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ءان ًــا س ـيرت ب ـه ٱل ْجبــا ُ َ‬
‫‪‬ول َـ َ‬
‫ن ُ‬
‫و‬
‫قْر َ‬
‫ُ ّ َ ْ ِ ِ‬
‫وأ ّ‬
‫ِ َ‬
‫لأ ْ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وت َ ٰى ب َــل‬
‫م ب ِـ ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫قط ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫و ك ُل ّـ َ‬
‫ه ٱلْر ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ضأ ْ‬
‫َ‬
‫عا‪.( (31...‬‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫مُر َ‬
‫لله ٱل ْ‬
‫ومعنى هذه الية أنه لو كان هنيياك شيييء يمكيين‬
‫أن يحرك الجبال أو يسييير الرض أو يحيييي المييوتى‪،‬‬
‫لكييان هييذا القييرآن‪ .‬وكييأن المعنييى‪ :‬أن هييذا الكييون‬
‫الرائع ل يحركيه إل هيذا القيرآن‪ .‬لمياذا؟ لنيه الحيق‬
‫ه‬
‫الكامييل فييي الرض‪ ،‬مصييداقا ً لقييوله تعييالى ‪‬ل َـ ُ‬
‫ق‪.( (14‬‬
‫دَ ْ‬
‫وةُ ٱل ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ع َ‬
‫من فضلك‪ ،‬اقرأ سورة الرعد‪ ،‬وعش مييع الحييق‬
‫الذي ينزل من عند ربنييا‪ ،‬فيالحق هييو كلم الليه‪ ،‬هييو‬
‫القرآن‪ ،‬وهو طريق الخييير والصييلح‪ .‬وإييياك بعييد أن‬
‫قرأت هذه السورة الكريمة أن تنخدع بالباطل مهما‬
‫انتفش وعل على ظهر الحق‪ ،‬لنييه أول ً وآخييرا ً هييش‬
‫ليس له أي جذور‪.‬‬

‫سورة إبراهيم‬
‫هدف السورة‪ :‬نعمة اليمان ونقمة الكفر‬

‫كثير من الناس إذا سئل‪ :‬ما هي أعظم نعم اللييه‬
‫عليك؟ سيجيب بالمور المادية )الزوجة أو الولد أو‬
‫الييبيت أو المييال(‪ ،‬وإذا سييئل بالمقابييل عيين أعظييم‬
‫مصيبة‪ ،‬سيذكر المشيياكل الدنيوييية وخسييارة المييال‬
‫حح هييذا‬
‫وضياع التجارة‪ ...‬فتأتي سورة إبراهيم لتصيي ّ‬
‫المفهوم وتوضيح أن أعظيم نعمية فيي الوجيود هيي‬
‫نعمة اليمان وأن أسوأ نعمة هي نعمة الكفر والبعييد‬
‫عن الله تعالى‪...‬‬
‫هل تستوي الظلمات والنور‪...‬‬

‫لييذلك فييإن السييورة هييي عبييارة عيين مقابليية‬
‫مستمرة بين الحق والباطل‪ ،‬بين أهل اليمان وأهييل‬
‫الكفر‪ ،‬بين النور والظلمييات‪ ..‬وبييدايتها واضييحة فييي‬
‫َ‬
‫ه إ ِل َي ْـ َ‬
‫ج‬
‫ك ل ِت ُ ْ‬
‫هذا المعنى‪ :‬‬
‫ر َ‬
‫الر ك ِت َــا ٌ‬
‫ب أنَزل ْن َ ٰـ ـ ُ‬
‫خـ ِ‬
‫ن‬
‫مـــٰ ِ‬
‫س ِ‬
‫مــ َ‬
‫ن ٱلظّل ُ َ‬
‫ٱلّنــا َ‬
‫ر ِبــإ ِذْ ِ‬
‫ت إ َِلــى ٱلّنــو ِ‬
‫د‪ ( (1‬وكييأن‬
‫م إِ َ ٰ‬
‫مي ِ‬
‫ح ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫لى ِ‬
‫ز ٱل ْ َ‬
‫ط ٱل ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫َرب ّ ِ‬
‫المعنى‪ :‬أّيها النسييان أنظيير إلييى الظلمييات والنييور‪،‬‬
‫مل نعمة الله تعالى واختر بينهما‪..‬‬
‫وتأ ّ‬
‫‪273‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫إبراهيم‬

‫‪274‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وجهان ليوم واحد‬

‫وتؤكد الييية الخامسيية علييى نفييس المعنييى فييي‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫ســل َْنا‬
‫قــدْ أْر َ‬
‫قصيية موسييى عليييه السييلم‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫مـــ َ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫ن أَ ْ‬
‫ك ِ‬
‫ســـ ٰى ِبـَئاي َ ٰــــت َِنا أ ْ‬
‫ر ْ‬
‫مو َ‬
‫مـــ َ‬
‫و َ‬
‫ُ‬
‫ق ْ‬
‫خـــ ِ‬
‫َ‬
‫م ب ِأي ّــام ِ ٱللــه‬
‫وذَك ّْر ُ‬
‫مـٰ ِ‬
‫هـ ْ‬
‫ٱلظّل ُ َ‬
‫ر َ‬
‫ت إ َِلى ٱلن ّــو ِ‬
‫ش ُ‬
‫فى ٰذل ِ َ‬
‫ر َ‬
‫ت ل ّك ُ ّ‬
‫ر‪ ( (5‬فما‬
‫ن ِ‬
‫ك لي َ ٰـ ٍ‬
‫إِ ّ‬
‫ل َ‬
‫كو ٍ‬
‫صّبا ٍ‬
‫علقة أيام الله بالصبر والشييكر؟ إن أيييام اللييه هييي‬
‫اليام التي أهلك الله فيهييا الظييالمين فييي كييل قييوم‬
‫جى فيها الصالحين‪ ،‬فكانت نعمة على‬
‫من القوام ون ّ‬
‫ة علييييييييييييييى‬
‫المييييييييييييييؤمنين ونقميييييييييييييي ً‬
‫الكافرين‪ .‬والمؤمن يتخذ من تلك اليام عييبرة تعينييه‬
‫عليى الصيبر وتحميل الذى كميا تحّثيه عليى الشيكر‬
‫فى ٰذل ِـ َ‬
‫ت ل ّك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫ن‬
‫‪ِ ‬‬
‫ك لي َ ٰــ ٍ‬
‫على نعميية اليمييان إ ِ ّ‬
‫ش ُ‬
‫ر َ‬
‫ر ‪.‬‬
‫َ‬
‫كو ٍ‬
‫صّبا ٍ‬
‫فمضى سيدنا موسى ليبلغ رسالة ربييه كمييا أميير‬
‫وليذ ّ‬
‫كرهم بأعظم نعم الله عليهم‪:‬‬
‫ه ٱذ ْ ُ‬
‫سىٰ ل ِ َ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫ة‬
‫مــ َ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫كــُروا ْ ن ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫ع َ‬
‫ل ُ‬
‫قــ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫ن‬
‫فْر َ‬
‫ٱللــه َ‬
‫ل ِ‬
‫و َ‬
‫م إ ِذْ أن َ‬
‫مــ ْ‬
‫م ّ‬
‫جــاك ُ ْ‬
‫كــ ْ‬
‫عــ ْ‬
‫ن ءا ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫م‬
‫حو َ‬
‫وي ُ ـذَب ّ ُ‬
‫سوء ٱل ْ َ‬
‫م ُ‬
‫يَ ُ‬
‫ن أب ْن َــاءك ُ ْ‬
‫مون َك ُ ْ‬
‫سو ُ‬
‫ذا ِ‬
‫ب َ‬
‫فــى ٰذل ِ ُ‬
‫مــن‬
‫و ِ‬
‫حُيو َ‬
‫ســت َ ْ‬
‫ن نِ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م َبلء ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ســاءك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م‪.( (6‬‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ٌ‬
‫ّرب ّك ُ ْ‬
‫طريييق اللييه نعميية وعييزة‪ ،‬والبييديل ل يكييون إل‬
‫صغارا ً وذل ً في الدنيا‪ ،‬كمييا بينييت الييية علييى لسييان‬

‫سورة البقرة‬

‫‪275‬‬

‫سيدنا موسى‪.‬‬
‫)ل َِئن َ‬
‫م(‬
‫زيدَن ّك ُ ْ‬
‫شك َْرت ُ ْ‬
‫مل ِ‬

‫ثم تأتي قاعدة عامة ووعد رباني لكل من يشكر‬
‫َ‬
‫م ل َِئن َ‬
‫م‬
‫وإ ِذْ ت َـــأذّ َ‬
‫شـــك َْرت ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُـــ ْ‬
‫نعيييم الليييه ‪َ ‬‬
‫ول َِئن ك َ َ‬
‫ذاِبى ل َ َ‬
‫عـ َ‬
‫د‪‬‬
‫ن َ‬
‫شـ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫دي ٌ‬
‫فْرت ُ ـ ْ‬
‫زيدَن ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ل ِ‬
‫‪.((7‬‬
‫ومع أن الييية تنطبييق علييى كييل نعييم اللييه‪ ،‬لكيين‬
‫ورودها فيي وسيط اليييات اليتي تتحيدث عين نعميية‬
‫اليمان‪ ،‬يشير إلى أهمية شكر نعمة اليمييان بشييكل‬
‫خاص‪ ،‬حتى يزيدنا اللييه ميين هييذه النعميية‪ ،‬وإل فييإن‬
‫و َ‬
‫قــا َ‬
‫ســى ِإن‬
‫مو َ‬
‫ل ُ‬
‫اللييه غنييي عيين العييالمين‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫عــا َ‬
‫ت َك ْ ُ‬
‫ن‬
‫مــن ِ‬
‫ج ِ‬
‫ف ـإ ِ ّ‬
‫مي ً‬
‫ض َ‬
‫و َ‬
‫فُروا ْ أنت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫فــى ٱل ْْر ِ‬
‫د‪.( (8‬‬
‫ٱلله ل َ َ‬
‫ح ِ‬
‫مي ٌ‬
‫ى َ‬
‫غن ِ ّ‬
‫رسالة النبياء‬

‫وتبدأ اليات بعد ذلك فييي الكلم علييى المواجهيية‬
‫بين أهل اليمان وأهل الكفر‪ ،‬ولن موضوع السييورة‬
‫هو نعمة اليمان ونقمة الكفر‪ ،‬فإنها ل تتكلم عن كل‬
‫نبي لوحده‪ ،‬وهذا يخالف منهج السور السابقة الييتي‬
‫كييانت تتحييدث عيين كييل نييبي مييع قييومه‪ ،‬أمييا هييذه‬
‫فييار‪ ،‬كمييا‬
‫ور كل النبياء مع كييل الك ّ‬
‫السورة فإنها تص ّ‬
‫فييي قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫م‪،‬‬
‫قــال َ ْ‬
‫ســل ُ ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هــ ْ‬
‫م‪َ . ‬‬
‫ن كَ َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ت‬
‫ل ٱل ّ ِ‬
‫قــال َ ْ‬
‫فـُروا ْ ل ُِر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫سـل ِ ِ‬
‫َ‬
‫شـ ّ‬
‫ك َ‬
‫فــى ٱللــه َ‬
‫ت‬
‫مأ ِ‬
‫م ٰــ ٰو ِ‬
‫ر ٱل ّ‬
‫سل ُ ُ‬
‫ُر ُ‬
‫س َ‬
‫ه ْ‬
‫فــاطِ ِ‬
‫م‪‬‬
‫م ل ِي َ ْ‬
‫ض ي َدْ ُ‬
‫غ ِ‬
‫مــن ذُن ُــوب ِك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫فَر ل َك ُ ْ‬
‫عوك ُ ْ‬
‫َ‬
‫و ٱل ْْر ِ‬

‫‪276‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪.((10‬‬
‫هل تف ّ‬
‫كرت يوما ً في أهمية هذه النعمة؟ ان اللييه‬
‫تعييالى بعزتييه وجييبروته يناديييك ويييدعوك ليغفيير لييك‬
‫ذنوبك وهو الغني عنك؟‬
‫واسمع إلى تأكيد الرسل مرة ثانييية علييى أن مييا‬
‫هييييييييييييم فيييييييييييييه ميييييييييييين إيمييييييييييييان‬
‫ن‬
‫ومعرفة بالله تعالى هو أعظم النعييم ‪‬‬
‫ول َ ٰـ ـك ِ ّ‬
‫‪َ ...‬‬
‫من ي َ َ‬
‫ه‪.( (11...‬‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫شاء ِ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫عل َ ٰى َ‬
‫ٱلله ي َ ُ‬
‫نعم‪ ...‬ونقم‬

‫وتتوالى أنواع النعم والنقم في السورة‪:‬‬
‫ض‬
‫ول َن ُ ْ‬
‫سك ِن َّنــك ُ ُ‬
‫م ٱل ْْر َ‬
‫فيييأتي قييوله تعييالى‪َ  :‬‬
‫م ٰذل ِـ َ‬
‫م َ‬
‫ف‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫خــا َ‬
‫خــا َ‬
‫قــا ِ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫ف َ‬
‫ك لِ َ‬
‫ه ْ‬
‫مى َ‬
‫د‪.( (14‬‬
‫و ِ‬
‫عي ِ‬
‫َ‬
‫وتأتي مقابلها آيات شديدة في التحذير من نقمة‬
‫الله‪:‬‬
‫س َ‬
‫د‬
‫ّ‪‬‬
‫دي ٍ‬
‫ص ِ‬
‫ق ٰى ِ‬
‫وَرائ ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫من ّ‬
‫هن ّ ُ‬
‫ماء َ‬
‫م َ‬
‫من َ‬
‫ْ‬
‫ول َ ي َ َ‬
‫مــن‬
‫سي ُ‬
‫جّر ُ‬
‫ت ِ‬
‫وي َـأِتي ِ‬
‫كادُ ي ُ ِ‬
‫ي َت َ َ‬
‫و ُ‬
‫ه ٱل ْ َ‬
‫غ ُ‬
‫ع ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫كُ ّ‬
‫عـ َ‬
‫ب‬
‫ه َ‬
‫ما ُ‬
‫وَرائ ِ ِ‬
‫و ِ‬
‫مي ّـ ٍ‬
‫ذا ٌ‬
‫و بِ َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫مــن َ‬
‫ت َ‬
‫هـ َ‬
‫ن َ‬
‫كا ٍ‬
‫ْ‬
‫غِلي ٌ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫مث َ ُ‬
‫م‬
‫م أَ ْ‬
‫ل ٱل ّـ ِ‬
‫مـال ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫هـ ْ‬
‫ظ‪ّ ‬‬
‫فـُروا ب َِرب ّ ِ‬
‫ماٍد ٱ ْ‬
‫ف‪...‬‬
‫وم ٍ َ‬
‫ح ِ‬
‫عا ِ‬
‫ت بِ ِ‬
‫صـ ٍ‬
‫ه ٱلّري ُ‬
‫شت َدّ ْ‬
‫ك ََر َ‬
‫في ي َ ْ‬
‫‪.( (16-18‬‬
‫آيات كثيرة تتواصل‪ ،‬إلى أن تصل بنا إلى خطبيية‬
‫إبليس في جهنم‪ ،‬والتي هي بمثابة قمة نقمة الكفيير‬

‫سورة البقرة‬

‫‪277‬‬

‫على أصحابه‪.‬‬
‫خطبة إبليس‬

‫شي ْ َ‬
‫مــا ُ‬
‫و َ‬
‫ل ٱل ّ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ق ِ‬
‫م ـُر إ ِ ّ‬
‫طـٰ ُ‬
‫ى ٱل ْ ْ‬
‫ن لَ ّ‬
‫‪َ ‬‬
‫ضـ َ‬
‫ق‬
‫و ْ‬
‫و َ‬
‫عـــــــدَ ٱل ْ َ‬
‫حـــــــ ّ‬
‫عـــــــدَك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ٱللـــــــه َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫خل َ ْ‬
‫م َ‬
‫مــن‬
‫فأ ْ‬
‫ى َ‬
‫و َ‬
‫كا َ‬
‫م ّ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫فت ُك ُ ْ‬
‫عدت ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ن لِ َ‬
‫َ‬
‫ُ ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ل ِــى ‪‬‬
‫ن إ ِل ّ أن دَ َ‬
‫ســت َ َ‬
‫فٱ ْ‬
‫جب ْت ُ ْ‬
‫وت ُك ُ ْ‬
‫عـ ْ‬
‫سلطـ ـٰ ٍ‬
‫‪.((22‬‬
‫تخّيييل حسييرة ميين سيسييمع هييذا الكلم! كيييف‬
‫تستجيب له وهو سيتبرأ منك بهذه الكلمات‪...‬‬
‫مــا أ َن َـا ْ‬
‫مــوا ْ َأن ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫م ّ‬
‫س ـك ُ ْ‬
‫وُلو ُ‬
‫فل َ ت َُلو ُ‬
‫مــوِنى َ‬
‫َ‬
‫ى إ ِن ّــى ك َ َ‬
‫ت‬
‫ر ِ‬
‫ر ِ‬
‫ف ـْر ُ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أنت ُـ ْ‬
‫و َ‬
‫خك ُ ْ‬
‫بِ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫خ ّ‬
‫صـ ِ‬
‫ص ِ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ما أ ْ‬
‫م‬
‫ن ٱلظّ ٰـل ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مي َ‬
‫هــ ْ‬
‫شَرك ْت ُ ُ‬
‫بِ َ‬
‫مو ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫د‬
‫َ‬
‫م‪ ...( (22‬فهل هنالــك نقمــة أشـ ّ‬
‫ذا ٌ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫من ذلك؟!‪..‬‬
‫الكلمة الطيبة‪..‬‬

‫وتصييل اليييات إلييى آييية محورييية تشييير إلييى أن‬
‫أعظم نعمة هي نعمة اليمان‪ ،‬يضرب اللييه لنييا فيهييا‬
‫مث ً‬
‫ة كَ َ‬
‫ة ‪ ‬ولقييد‬
‫ة طَي ّب َ ً‬
‫م ً‬
‫ة طَي ّب َـ ٍ‬
‫جر ٍ‬
‫ش َ‬
‫مث َل ً ك َل ِ َ‬
‫ل‪َ  :‬‬
‫ضرب الله هييذا المثييال لن النيياس يظنييون أن نعييم‬
‫الله إنما هي مادية‪ ،‬فيعلمنييا اللييه تعييالى بييأن كلميية‬
‫واحييدة‪ ،‬نعميية واحييدة‪ ،‬هييي أعظييم ميين كييل النعييم‬
‫َ‬
‫ف‬
‫م ت َـَر ك َي ْـ َ‬
‫المادي ّيية الييتي يراهييا النسييان‪ ...‬أل َـ ْ‬
‫ة كَ َ‬
‫ة‬
‫ة طَي ّب َـ ً‬
‫مـ ً‬
‫َ‬
‫ة طَي ّب َـ ٍ‬
‫جر ٍ‬
‫شـ َ‬
‫ضَر َ‬
‫مث َل ً ك َل ِ َ‬
‫ب ٱلله َ‬

‫‪278‬‬

‫سورة البقرة‬

‫َ‬
‫و َ‬
‫ماء ‪ ‬ت ُـ ْ‬
‫ؤِتى‬
‫فْر ُ‬
‫هــا ِ‬
‫ها ث َــاب ِ ٌ‬
‫فــى ٱل ّ‬
‫ع َ‬
‫صـل ُ َ‬
‫سـ َ‬
‫أ ْ‬
‫ت َ‬
‫ُ‬
‫هــا ك ُـ ّ‬
‫ب ٱللــه‬
‫ل ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ر ُ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫أك ُل َ َ‬
‫هــا َ‬
‫ن ب ِـإ ِذْ ِ‬
‫ضـ ِ‬
‫حي ـ ٍ‬
‫مَثا َ‬
‫ن‪( (24 – 25‬‬
‫م ي َت َـذَك ُّرو َ‬
‫س لَ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ٱل ْ‬
‫ل ِللّنا ِ‬
‫ن الشجر يثمر ثمارا ً طيبة‪ ،‬فكييذلك شييجرة ل‬
‫فكما أ ّ‬
‫إله إل ّ الله‪ ،‬الراسخة الجذور‪ ،‬العالييية الفييروع‪ ،‬تثميير‬
‫أشخاصا ً مؤمنين )كأهييل القييرآن والييدعاة إلييى اللييه‬
‫واليجييابيين وغيرهييم ميين أهييل الخييير المييؤمنين‪.(..‬‬
‫وتؤتي أكلها كل حييين بييإذن ربهييا‪ ،‬حسيينات وأعمييال ً‬
‫صالحة‪ ،‬تبقى لصاحبها صدقة جارية بعد موته‪.‬‬
‫وبالمقابل فإن كلمة الكفر ه ّ‬
‫شة‪ ،‬خبيثيية‪ ،‬ل جييذع‬
‫ة كَ َ‬
‫مث ـ ُ‬
‫ة‬
‫ة َ‬
‫جَر ٍ‬
‫خِبيث َـ ٍ‬
‫مـ ٍ‬
‫شـ َ‬
‫ل ك َل ِ َ‬
‫و َ‬
‫لهييا ول أصييل‪َ  :‬‬
‫من َ‬
‫مــن‬
‫َ‬
‫هــا ِ‬
‫ت ِ‬
‫خِبيث َ ٍ‬
‫ةٱ ْ‬
‫جت ُث ّ ْ‬
‫مــا ل َ َ‬
‫ض َ‬
‫ف ْ‬
‫و ِ‬
‫ق ٱل ْْر ِ‬
‫َ‬
‫ر‪.( (26‬‬
‫قَرا ٍ‬
‫دل نعمة الله‬
‫ل تب ّ‬

‫وتمضي آيات السورة لتصب في نفس المحييور‪:‬‬
‫نعمة اليمان ونقمة الكفر‪ .‬فتأتي آية واضحة‪:‬‬
‫َ‬
‫ت ٱللــه‬
‫م ت ََر إ ِل َــى ٱل ّـ ِ‬
‫ن ب َـدُّلوا ْ ن ِ ْ‬
‫مـ َ‬
‫ذي َ‬
‫ع َ‬
‫‪‬أل َ ْ‬
‫فـــــــــرا َ‬
‫حّلـــــــــوا ْ َ‬
‫كُ ْ‬
‫داَر‬
‫م َ‬
‫وأ َ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫قـــــــــ ْ‬
‫ً َ‬
‫ر‪.( (28‬‬
‫ٱل ْب َ َ‬
‫وا ِ‬
‫ها‬
‫فميياذا يكييون جزاؤهييم؟ ‪َ ‬‬
‫ون َ َ‬
‫ج َ‬
‫هّنــ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫صــل َ ْ‬
‫س ٱل ْ َ‬
‫قَراُر‪.( (29‬‬
‫وب ِئ ْ َ‬
‫َ‬
‫فإياك أخي المسلم أن تفييرط فييي نعميية اليمييان‬
‫التي أعطاك الله إياها‪ ،‬وتجحييد بهييا‪ ...‬إييياك أن تكييون‬

‫سورة البقرة‬

‫‪279‬‬

‫َ‬
‫عــن‬
‫ضـّلوا ْ َ‬
‫دا ل ّي ُ ِ‬
‫دا ً‬
‫عل ُــوا ْ للــه أن ـ َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ميين الييذين ‪َ ‬‬
‫ه‪.( (30...‬‬
‫سِبيل ِ ِ‬
‫َ‬
‫فكيف نشكر نعمة الله علينا باليمان؟‬
‫مــوا ْ‬
‫‪ُ ‬‬
‫مُنــوا ْ ي ُ ِ‬
‫قــل ل ّ ِ‬
‫ى ٱّلــ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قي ُ‬
‫ن ءا َ‬
‫عَبــاِد َ‬
‫مـــا َرَز ْ‬
‫ف ُ‬
‫ســـّرا‬
‫قَنـــا ُ‬
‫وي ُن ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫قـــوا ْ ِ‬
‫ه ْ‬
‫م ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫صـــل َةَ َ‬
‫ة‪.( (31...‬‬
‫و َ‬
‫علن ِي َ ً‬
‫َ‬
‫ها(‬
‫م َ‬
‫صو َ‬
‫ة ٱلله ل َ ت ُ ْ‬
‫دوا ْ ن ِ ْ‬
‫ع ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ح ُ‬
‫) َ‬

‫وتعدد السورة نماذج أخرى من نعم الله‪:‬‬
‫ض‬
‫ذى َ‬
‫‪‬‬
‫م ٰـــوٰ ِ‬
‫ٱلله ٱل ّـ ِ‬
‫ق ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫خل َـ َ‬
‫و ٱل ْْر َ‬
‫ت َ‬
‫خَر ل َ ُ‬
‫وَأنَز َ‬
‫م‬
‫ســ ّ‬
‫ل ِ‬
‫و َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫كــ ُ‬
‫ماء َ‬
‫س َ‬
‫ماء‪  ...‬و ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫فل ْ َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ك‪.( (32‬‬
‫م‬
‫ســـ ّ‬
‫ســـ ّ‬
‫و َ‬
‫م ٱ لن ْ َ‬
‫و‪َ ‬‬
‫خر ل َك ُـــ ُ‬
‫خَر ل َك ُـــ ُ‬
‫ه ٰــــَر ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫م ٱل ّْيــ َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ل‬
‫س ّ‬
‫مَر َ‬
‫و َ‬
‫دائ َِبي َ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫هاَر‪.( (33...‬‬
‫و ٱل ن ّ َ‬
‫َ‬
‫خرة تحت أيدينا‪ ،‬لميياذا؟ حييتى‬
‫كل هذه النعم مس ّ‬
‫نعرف الله تعالى ونستشعر فضله ونسلك منهجه‪.‬‬
‫دوا ْ‬
‫عـ ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫واللطيييف أن الييية )‪ (34‬تقييول‪َ  :‬‬
‫ها ‪ .‬فلييم تقييل الييية وإن‬
‫م َ‬
‫صــو َ‬
‫ة ٱللــه ل َ ت ُ ْ‬
‫نِ ْ‬
‫ع َ‬
‫ح ُ‬
‫دد خصييائص‬
‫تعدوا نعم الله‪ ،‬بل أننا لو حاولنييا أن نع ي ّ‬
‫نعمة واحدة فقط )كنعمة الشييمس مث ً‬
‫ل( لمييا قييدرنا‬
‫على إحصائها‪ ،‬فما بالك بأعظم نعمة؟ نعمة اليمييان‬
‫بالله ومعرفة منهجه؟‪...‬‬
‫نموذج إبراهيم‬

‫‪280‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ويأتي ختام السورة‪ ،‬وهو مقارنة بييين نمييوذجين‪،‬‬
‫نموذج لنسان عاش في نعمة الله )سيييدنا إبراهيييم‬
‫عليه السييلم( واستشييعر نعميية اليمييان‪ ،‬وبالمقابييل‬
‫نمييوذج لشييخاص عاشييوا بعيييدين عيين اللييه وهييم‬
‫ظالمين لنفسهم ومجتمعاتهم التي حولهم‪...‬‬
‫فسيدنا إبراهيم كان شكره واضحا ً على النعميية‪:‬‬
‫ر‬
‫ب ل ِــى َ‬
‫و َ‬
‫مدُ لله ٱل ّـ ِ‬
‫هـ َ‬
‫‪‬ٱ ل ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ذى َ‬
‫عَلـى ٱل ْك ِب َـ ِ‬
‫عي َ‬
‫عاء ‪‬‬
‫ع ٱل د ّ َ‬
‫مـٰ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق إِ ّ‬
‫مي ُ‬
‫س َ‬
‫ن َرّبى ل َ َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫حـٰ َ‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫‪.((39‬‬

‫فكان دعاؤه الرائع ورجاؤه إلى الله أن يتم عليه‬
‫نعمة الولد بنعمة أعظم منها وأجل‪ :‬أن يحفييظ اللييه‬
‫دينه ودين ذريته بالصلة‪:‬‬
‫مـــن‬
‫َر‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫صـــل ٰو ِ‬
‫ج َ‬
‫ب ٱ ْ‬
‫‪ّ ‬‬
‫قيـــ َ‬
‫عل ْن ِـــى ُ‬
‫م ٱل ّ‬
‫ة َ‬
‫عــاء ‪َ ‬رب ّن َــا ٱ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫قب ّـ ْ‬
‫فـْر ل ِــى‬
‫ل دُ َ‬
‫غ ِ‬
‫ذُّري َت ِــى َرب ّن َــا َ‬
‫م يَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ب‪‬‬
‫م ٱل ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ســا ُ‬
‫قــو ُ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫مِني َ‬
‫ول ِل ْ ُ‬
‫وال ِدَ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ى َ‬
‫ول ِ َ‬
‫َ‬
‫‪.((40 – 41‬‬
‫وانظر لهذا الحنان من أبينا إبراهيييم‪ ،‬وهييو يييدعو‬
‫لنا ولولدنا أن يثبتوا على الصلة‪.‬‬
‫ْ‬
‫) َ‬
‫ع َ‬
‫ب(‬
‫وأن ِ‬
‫ذا ُ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ر ٱلّنا َ‬
‫س يَ ْ‬
‫َ‬
‫ذ ِ‬
‫م ي َأِتي ِ‬

‫وبعد ذلك تختتم السورة بأشد آيات القرآن علييى‬
‫ن ٱللــه‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫سب َ ّ‬
‫الظالمين والبعيدين عن الله ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫مــا ي ُـ َ‬
‫مـ ُ‬
‫م‬
‫ؤ ّ‬
‫فل ً َ‬
‫خُر ُ‬
‫غ ٰـ ِ‬
‫مو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ل ٱلظّ ٰــل ِ ُ‬
‫ع َ‬
‫ع ّ‬
‫وم ٍ ت َ ْ‬
‫ن‬
‫شـــ َ‬
‫هط ِ ِ‬
‫ص ِ‬
‫فيـــ ِ‬
‫م ْ‬
‫عيـــ َ‬
‫ص ٰــــُر ‪ُ ‬‬
‫ه ٱ لب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫ل ِي َـــ ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪281‬‬

‫َ‬
‫م طَْر ُ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫قن ِ ِ‬
‫عــى ُرءو ِ‬
‫ف ُ‬
‫هــ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫م ل َ ي َْرَتــدّ إ ِلي ْ ِ‬
‫ســ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأ ْ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫وأن ِ‬
‫و َ‬
‫فئ ِدَت ُ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر ٱلّنــا َ‬
‫س َيــ ْ‬
‫واء ‪َ ‬‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ذ ِ‬
‫م َيــأِتي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫في َ ُ‬
‫ب َ‬
‫قو ُ‬
‫ع َ‬
‫خْرن َــا‬
‫مــوا َرب ّن َــا أ ّ‬
‫ل ٱلــ ِ‬
‫ذا ُ‬
‫ٱل َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ظل ُ‬
‫إ َ ٰ َ‬
‫وت َ َ‬
‫ل َ‬
‫ســ َ‬
‫ل‬
‫ب دَ ْ‬
‫ج ْ‬
‫لى أ َ‬
‫ع ٱلّر ُ‬
‫ري ٍ‬
‫ب نّ ِ‬
‫ك َ‬
‫ع َ‬
‫ج ٍ‬
‫ق ِ‬
‫ِ‬
‫ون َت ّب ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م تَ ُ‬
‫من َ‬
‫كوُنوا ْ أ ْ‬
‫قب ْـ ُ‬
‫مــن‬
‫ق َ‬
‫م ّ‬
‫مــا ل َك ُـ ْ‬
‫ل َ‬
‫م ّ‬
‫مت ُ ْ‬
‫س ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫أ َ‬
‫ل‪.( (42-44‬‬
‫وا ٍ‬
‫َز َ‬
‫هل بعد هذا من نقمة ومهانة وذل؟‬

‫إن أعظم نعمة في الوجود هي أن تنجو من هييذا‬
‫الموقف‪ ،‬وأسوأ نقمة في الوجود أن تكون مييع ميين‬
‫ذ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫ر ِ‬
‫م ْ‬
‫مي ـ َ‬
‫و َ‬
‫وت َ ـَرى ٱل ْ ُ‬
‫ن يَـ ْ‬
‫قييال اللييه فيهييم‪َ  :‬‬
‫ج ِ‬
‫صــ َ‬
‫م َ‬
‫مــن‬
‫ن ِ‬
‫ســَراِبيل ُ ُ‬
‫فاِد ‪َ ‬‬
‫قّرِنيــ َ‬
‫هم ّ‬
‫ّ‬
‫فــى ٱل ْ ْ‬
‫َ‬
‫م ٱلّناُر‪...( (49 – 50‬‬
‫غ َ ٰ‬
‫وت َ ْ‬
‫جو َ‬
‫و ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫شى ُ‬
‫ن َ‬
‫قطَِرا ٍ‬
‫هذه سورة إبراهيم‪ ،‬سورة نعمة اليمييان ونقميية‬
‫الكفر‪ ،‬سميت باسييم سيييدنا إبراهيييم كنمييوذج لميين‬
‫دى حييق شييكرها‪ .‬ميين‬
‫استشعر نعمة الله الكاملة وأ ّ‬
‫فضلك اقييرأ هييذه السييورة واشييكر ربنييا علييى هييذه‬
‫النعمة العظيمة‪ ،‬لن شكرك له سيرقيك في مراتب‬
‫اليمان ‪‬ل َِئن َ‬
‫م‪.( (7‬‬
‫زيدَن ّك ُ ْ‬
‫شك َْرت ُ ْ‬
‫مل ِ‬

‫الحجر‬
‫سورة الحجر )مكية(‪ ،‬نزلييت بعييد يوسييف‪ .‬وهييي‬
‫في المصحف بعد سورة إبراهيم‪ .‬عدد آياتها ‪ 99‬آية‪.‬‬
‫للدعاة فقط‬

‫نزلت هذه السورة فييي وقييت اشييتدت فيييه كييل‬
‫أنييواع اليييذاء للنييبي ‪ ‬والمسييلمين‪ .‬أنزلييت فييي‬
‫ظرف شبيه بظروفنييا المعاصييرة‪ ،‬حيييث كييان جميييع‬
‫الناس ينظرون إلى السييلم نظييرة اتهييام وتشييكيك‬
‫واستهزاء‪.‬‬
‫والستهزاء قد يكون فييي بعييض الحيييان أصييعب‬
‫على النفس من اليذاء البدني‪ .‬أن تجييد ميين حولييك‬
‫متفوقا ً في القوة والعدد‪ ،‬يستهزئ بك مع يقينك أنك‬
‫علييى حييق‪ .‬إنييه أميير قيياس علييى النفييس البشييرية‪.‬‬
‫فأنزلت سورة الحجر لتطمئن النبي وكل أتباعه فيي‬
‫كيييل العصيييور‪ ،‬وتقيييول لهيييم‪ :‬ل تخيييافوا‪ ،‬فيييأنتم‬
‫محفوظييون‪ ،‬واللييه سييبحانه وتعييالى سيييحفظ دينييه‬
‫فتوكلوا عليييه ول تنبهييروا بقييوة أعييدائكم واسييتمروا‬
‫في الدعوة إلى الله‪...‬‬
‫إنها سورة للدعاة‪ ،‬سييورة للييذين يحبييون السييلم‬
‫‪282‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫الحجر‬

‫سورة البقرة‬

‫‪283‬‬

‫وينتمون إليه‪ ...‬إنهييا سييورة الحفييظ والعناييية الربانييية‬
‫للدعاة الذين يسخر النيياس منهييم لتمسييكهم بتعيياليم‬
‫دينهم‪ ،‬وسورة الحفظ للفتاة التي يسخر البعييض ميين‬
‫حجابها‪ .‬فتقول لهم‪ :‬توكلوا على الله ول تنبهروا بقييوة‬
‫أعدائكم‪ ،‬واستمروا في الدعوة إلى اللييه والخييذ بيييد‬
‫الناس إلى السلم‪.‬‬
‫هدف السورة‬

‫إذا ً فهدف السورة صيار واضيحًا‪ :‬إن الليه حيافظ‬
‫دينيييييييييه وناصيييييييييره‪ ،‬فل تنبهييييييييير أيهيييييييييا‬
‫المسييلم ميين أي حضييارة أخييرى‪ ،‬ول تلتفييت إلييى‬
‫استهزاء الخرين وتشكيكهم بل ركييز جهييودك علييى‬
‫الدعوة إلى الله وعبادته‪ .‬إنها رسالة طمأنية وتثييبيت‬
‫لكل ميين يخيياف عليى السييلم فيي الوضييع الحييالي‬
‫الذي نمر به نحن اليوم‪..‬‬
‫وهذه المعيياني واضييحة فييي آيييات السييورة منييذ‬
‫بدايتها حتى نهايتها‪:‬‬
‫ْ‬
‫عــوا ْ‬
‫ففي بداية السورة‪ :‬ذَْر ُ‬
‫مت ّ ُ‬
‫وي َت َ َ‬
‫ه ْ‬
‫م ي َأك ُُلوا ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ل َ‬
‫م ُ‬
‫ن‪.( (3‬‬
‫و َ‬
‫مو َ‬
‫ف يَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫م ٱل َ‬
‫ه ُ‬
‫س ْ‬
‫ه ِ‬
‫وي ُل ِ‬
‫م أ َّنــ َ‬
‫ول َ َ‬
‫ق‬
‫ك يَ ِ‬
‫قــدْ ن َ ْ‬
‫ضــي ُ‬
‫عَلــ ُ‬
‫وفييي ختامهييا‪َ  :‬‬
‫و ُ‬
‫د َرّبــ َ‬
‫صدُْر َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫ما ي َ ُ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ح بِ َ‬
‫سب ّ ْ‬
‫ف َ‬
‫كــ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ك بِ َ‬
‫َ‬
‫ك َ‬

‫ن‬
‫م َ‬
‫ّ‬

‫ن‪(98‬‬
‫ج ِ‬
‫ٱل ّ‬
‫دي َ‬
‫س ٰـ ِ‬

‫‪.(‬‬

‫فاليات تؤكد عليك أيهييا المييؤمن أل تنبهيير بقييوة‬

‫‪284‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الغييير‪ ،‬وأن ترك ّييز علييى دينييك وعبادتييك ميين تسييبيح‬
‫وسييجود وعبييادة وتثبييت عليهييا حييتى آخيير حياتييك‬
‫تى ي َأ ْت ِي َ َ‬
‫عب ُدْ َرب ّ َ‬
‫ن‪.( (99‬‬
‫ح ّ ٰ‬
‫وٱ ْ‬
‫ك ٱل ْي َ ِ‬
‫ك َ‬
‫قي ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫آيات الحفظ في السورة‬

‫والسورة تشييير إلييى حفييظ اللييه لمييور عديييدة‪،‬‬
‫ومنها‪:‬‬
‫ه‬
‫‪ .1‬حفظ القرآن‪ :‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫ح ُ‬
‫وإ ِّنا ل َ ُ‬
‫ن ن َّزل َْنا ٱلذّك َْر َ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪ ( (9‬هل نسيت أن الكتاب الذي هو‬
‫ح ٰـ ِ‬
‫ظو َ‬
‫لَ َ‬
‫دستور حياتك محفوظ؟ فالذي حفظ هذا الكتيياب‬
‫هو القادر على حفظ دينه ودعاته‪.‬‬
‫‪ .2‬حفظ السماوات‪ ،‬فقد حفظها الله من الشياطين‬
‫ول َ َ‬
‫فــى‬
‫عل ْن َــا ِ‬
‫ج َ‬
‫قـدْ َ‬
‫وجعلهييا متعيية للنيياظرين‪َ  :‬‬
‫ن‬
‫ماء ب ُُرو ً‬
‫وَزي ّن ّ ٰــــ َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ري َ‬
‫ســـ َ‬
‫جـــا َ‬
‫ها ِللن ّ ٰــــظِ ِ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫من ك ُ ّ‬
‫ن‬
‫ح ِ‬
‫ها ِ‬
‫و َ‬
‫فظْن َ ٰـ َ‬
‫جيم ٍ ‪ ‬إ ِل ّ َ‬
‫ن ّر ِ‬
‫َ‬
‫مــ ِ‬
‫شي ْط ٰـ ٍ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن‪‬‬
‫ه ِ‬
‫ها ٌ‬
‫فـأت ْب َ َ‬
‫م َ‬
‫شـ َ‬
‫ست ََرقَ ٱل ّ‬
‫ٱ ْ‬
‫مِبيـ ٌ‬
‫ب ّ‬
‫ع ُ‬
‫سـ ْ‬
‫‪...((16-18‬‬
‫َ‬
‫وأ َل ْ َ‬
‫قي َْنــا‬
‫و‬
‫مدَدْن َ ٰـــ َ‬
‫ض َ‬
‫‪‬ٱلْر َ‬
‫ها َ‬
‫‪ .3‬حفييظ الرض‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ىء‬
‫وأن ْب َت َْنا ِ‬
‫ِ‬
‫هــا ِ‬
‫ها َر ٰو ِ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ي َ‬
‫شـ ْ‬
‫س َ‬
‫ن‪ .( (19‬فإذا كييانت السييماوات والرض‬
‫ّ‬
‫وُزو ٍ‬
‫م ْ‬
‫محفوظة لهذه الدرجة‪ ،‬فما ظنييك أخييي المسييلم‬
‫في حفظ الله لكتابه ودينه؟‬
‫َ‬
‫وأ َل ْ َ‬
‫قي ْن َــا‬
‫و‬
‫مدَدْن َ ٰـ ـ َ‬
‫ض َ‬
‫‪‬ٱلْر َ‬
‫ها َ‬
‫‪ .4‬حفييظ الرزاق‪َ :‬‬
‫ل َ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ىء‬
‫وأ َن ْب َت َْنا ِ‬
‫ِ‬
‫هــا ِ‬
‫ها َر ٰو ِ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫ي َ‬
‫شـ ْ‬
‫س َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪285‬‬

‫عل ْن َــا ل َ ُ‬
‫مـن‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫و َ‬
‫هــا َ‬
‫كـ ْ‬
‫ّ‬
‫ع ٰــي ِ َ‬
‫ش َ‬
‫ن ‪َ‬‬
‫وُزو ٍ‬
‫م ْ‬
‫من َ‬
‫عندََنا‬
‫ىء إ ِل ّ ِ‬
‫ز ِ‬
‫لّ ْ‬
‫قي َ‬
‫وِإن ّ‬
‫م لَ ُ‬
‫ست ُ ْ‬
‫ن ‪َ ‬‬
‫ش ْ‬
‫ه ب ِ ٰر ِ‬
‫ه إ ِل ّ ب ِ َ‬
‫عل ُــوم ٍ‪ (19-‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ر ّ‬
‫مــا ن ُن َّزل ُـ ُ‬
‫و َ‬
‫خَزائ ِن ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ق ـدَ ٍ‬
‫‪ ..(21‬فيييالقرآن محفيييوظ والسيييماء محفوظييية‬
‫والمؤمنون محفوظون‪...‬‬
‫عَبــاِدى‬
‫ن ِ‬
‫‪ .5‬حفظ المؤمنين من كيد الشيطان ‪‬إ ِ ّ‬
‫سل ْ َ‬
‫ك َ َ‬
‫عـ َ‬
‫س لَ َ‬
‫ك‬
‫ن ٱت ّب َ َ‬
‫م ُ‬
‫طـ ـٰ ٌ‬
‫ن إ ِل ّ َ‬
‫هـ ْ‬
‫ل َي ْ َ‬
‫مـ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن‪.( (42‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ِ‬
‫وي َ‬
‫م َ‬
‫غا ِ‬
‫‪ .6‬واللطيف أن اليات التي ب ّ‬
‫شرت المؤمنين بالجنيية‬
‫ذكرت أيضا ً معنى الحفظ‪:‬‬
‫ن ‪ (46)... ‬ل َ‬
‫‪‬ٱ دْ ُ‬
‫خُلو َ‬
‫ســلم ٍ ءا ِ‬
‫هــا ب ِ َ‬
‫مِنيــ َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ما ُ‬
‫م ِ‬
‫ص ٌ‬
‫من ْ َ‬
‫في َ‬
‫س ُ‬
‫م ّ‬
‫جيــ َ‬
‫هــا ب ِ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫يَ َ‬
‫ها ن َ َ‬
‫خَر ِ‬
‫ب َ‬
‫‪.( (48‬‬
‫فييأنت أيهييا المييؤمن محفييوظ مييع كتيياب اللييه‬
‫والسماوات والرزاق‪ ..‬بييل إن اللييه حفييظ هييذا كلييه‬
‫لنفعك وصلح أمرك وقلبك‪.‬‬
‫إبليس وآدم‬

‫كما ذكرنا في سور سابقة‪ ،‬فإن كييل سييورة فييي‬
‫القرآن تأتي قصصها لتخييدم هييدف السييورة‪ .‬وقصيية‬
‫آدم وإبليييس تنطبييق عليهييا نفييس القاعييدة‪ .‬ففييي‬
‫القرآن عموم يا ً ترك ّييز هييذه القصيية علييى سيييدنا آدم‬
‫عليه السلم‪ .‬لكن سورة الحجر ليم تيأت عليى ذكير‬
‫آدم‪ ،‬بل ر ّ‬
‫كزت على إبليييس نفسييه فهييو يقييول كمييا‬

‫‪286‬‬

‫سورة البقرة‬

‫ل رب َ َ‬
‫ذكيير تعييالى‪َ :‬‬
‫قـ‪‬‬
‫ـا َ َ ّ‬
‫ف ـأنظِْرِنى إ ِل َـ ٰى ي َـ ْ‬
‫وم ِ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ل َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫قا َ‬
‫ك ِ‬
‫عُثو َ‬
‫ي ُب ْ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫نإ ِ ‪‬ل َ ٰى ي َ ْ‬
‫منظَ ِ‬
‫وم ِ‬
‫عّزِتـ َ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ل َ‬
‫عل ُــوم ِ ‪َ ‬‬
‫و ْ‬
‫قــا َ‬
‫م‬
‫فب ِ ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ْ‬
‫وي َن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ت ٱل ْ َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫غـ ِ‬
‫َ‬
‫عَبادَ َ‬
‫ن‪ (36-‬‬
‫م ْ‬
‫ن ‪ ‬إ ِل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫خل َ ِ‬
‫ك ِ‬
‫أ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫صــي َ‬
‫عي َ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫هـ ُ‬
‫ج َ‬
‫‪...(40‬‬
‫لحظ الطريقة الساسييية الييتي سيييتبعها إبليييس‬
‫في الغواء‪ :‬تزيييين الباطييل فييي الرض عيين طريييق‬
‫إبهار الناس‪ .‬فالبهييار يغي ّيير الحييق ويقلييب المفيياهيم‬
‫وش على الكثير من ضعاف القلوب‪ .‬لكن عبيياد‬
‫ويش ّ‬
‫الله المخلصين محفوظييون بييإذن اللييه‪ ،‬فيييأتي الييرد‬
‫على عدو الله‪:‬‬
‫صــ ٰر ٌ‬
‫َ‬
‫قــا َ‬
‫هــ َ‬
‫ن‬
‫ط َ‬
‫‪‬‬
‫ســت َ ِ‬
‫ل َ‬
‫ذا ِ‬
‫م ‪ ‬إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫قي ٌ‬
‫ى ُ‬
‫عَلــ ّ‬
‫ك َ َ‬
‫س َلــ َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫م ُ‬
‫سل ْطَ ٰـــ ٌ‬
‫ن إ ِل ّ َ‬
‫هــ ْ‬
‫عَبــاِدى ل َْيــ َ‬
‫مــ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ع َ‬
‫ن‪.( (41 - 42‬‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ك ِ‬
‫ٱت ّب َ َ‬
‫وي َ‬
‫م َ‬
‫غا ِ‬
‫إن هييذه السييورة هييي سييورة الحفييظ‪ ،‬فييأنت‬
‫محفوظ أيها النسان‪ ،‬والقرآن محفوظ كما حفظييت‬
‫السيييماوات مييين قبيييل‪ ،‬والرزاق محفوظييية فليييم‬
‫الخوف‪..‬؟ إن هذه السورة قد أنزلت في ذروة إيذاء‬
‫المشييركين للمسييلمين فييي مكيية‪ ،‬لتطمئن النييبي‬
‫وأصحابه أنهم محفوظون‪ ،‬والن تطمئن كل الييدعاة‬
‫إلى الله أنهم أيض يا ً محفوظييون‪ ...‬أنتييم محفوظييون‬
‫س‬
‫ن ِ‬
‫طالما كنتم على صلة بربكييم ‪‬إ ِ ّ‬
‫عب َــاِدى ل َي ْـ َ‬
‫ك َ َ‬
‫لَ َ‬
‫ن ‪ ...‬اللييه تعييالى هييو الييذي‬
‫م ُ‬
‫سل ْطَ ٰــ ٌ‬
‫هـ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫يقول هذا‪ ...‬وانظر إلى لطف الية وهو يييدافع عنييك‬

‫سورة البقرة‬

‫‪287‬‬

‫أمام عدوك‪ ،‬واستشييعر بييالفخر كونييك تنييدرج تحييت‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ك ِ‬
‫ن ٱت ّب َ َ‬
‫وي َ‬
‫م َ‬
‫كلمة "عبادي" ‪ ..‬إ ِل ّ َ‬
‫غا ِ‬
‫م ِ‬
‫‪ ‬أميييا الغييياوون‪ ،‬فهيييم اليييذين اختييياروا طرييييق‬
‫الشيطان‪ ،‬وهم محرومون من هذا الحفييظ الربيياني‪.‬‬
‫هييذه الحقييائق كلهييا يعلمهييا إبليييس‪ ،‬فهييو أمييام رب‬
‫عَبادَ َ‬
‫ن ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫العزة يقول‪ :‬إ ِل ّ ِ‬
‫خل َ ِ‬
‫ك ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫صي َ‬
‫م ٱل ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫فطالما أننا محفوظييون‪ ،‬والحفييظ مضييمون ميين‬
‫الله تعالى‪ ،‬فلم الخوف؟؟‪...‬‬
‫أصحاب الحجر‬

‫وهنا يأتي سييؤال‪ :‬مييا سييبب تسييمية السييورة بيي‬
‫)الحجر(؟‬
‫إن الحجر هييو المكييان الييذي سييكنت فيييه قبيليية‬
‫ثمود )قييوم صييالح عليييه السييلم(‪ ،‬فمييا علقيية ذلييك‬
‫بالحفظ؟‬
‫إن أصييحاب الحجيير ك ي ّ‬
‫ذبوا بآيييات اللييه ورفضييوا‬
‫طريق اليمان‪ ،‬فشييعروا بييأن اللييه تعييالى قييد ينييزل‬
‫عليهم عقابا ً أو عذابًا‪ ،‬فبحثوا عن مكان يشعرون بييه‬
‫صييلوا إلييى‬
‫بالمييان فلييم يجييدوا إل الحجيير‪ .‬ولقييد تو ّ‬
‫مدنييية رائعيية وحضييارة راقييية جعلتهييم ينحتييون ميين‬
‫قـدْ َ‬
‫ول َ َ‬
‫ب‬
‫كـذّ َ‬
‫الجبال بيوتا ً آمنين‪ ...‬تقييول اليييات ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ب ٱل ِ‬
‫ن َ‪‬‬
‫ح ْ‬
‫حــــٰ ُ‬
‫ص َ‬
‫وءات َي ْن َ ٰــــ ُ‬
‫مْر َ‬
‫ســـِلي َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ٱل ْ ُ‬
‫أ ْ‬
‫جـــ ِ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ءاي َ ٰـت َِنا َ‬
‫ن‬
‫كاُنوا ْ َ‬
‫كاُنوا ْ ي َن ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫حُتو َ‬
‫م ْ‬
‫عن ْ َ‬
‫ضي َ‬
‫ها ُ‬
‫ن ‪َ ‬‬
‫ع ِ‬
‫ن‪ ( (80 - 82‬لقد ظنييوا‬
‫ل ب ُُيوًتا ءا ِ‬
‫ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫جَبا ِ‬
‫أنهم إن سكنوا داخل الجبال سينجون ميين العييذاب‪،‬‬

‫‪288‬‬

‫سورة البقرة‬

‫فصاروا ينحتييون فييي الجبييال بيوت يا ً ليضييمنوا النجيياة‬
‫بعيدا ً عن الفيضييانات وتقلبييات الطبيعيية‪ ،‬فمييا الييذي‬
‫حصل لهم؟‬
‫‪َ ‬‬
‫فأ َ َ‬
‫ن‪( (83‬‬
‫ح ُ‬
‫صـــب ِ ِ‬
‫صـــي ْ َ‬
‫خـــذَت ْ ُ‬
‫حي َ‬
‫ة ُ‬
‫ه ُ‬
‫م ْ‬
‫م ٱل ّ‬
‫فالصيحة ل يحمي منها جدار ول جبل ول غييير ذلييك‪،‬‬
‫ولقد جيياءتهم مصييبحين أي فييي الصييباح )لنييه رمييز‬
‫المان فالليل يوحي دائما ً بييالخوف(‪ ،‬وكييأن المعنييى‬
‫بييأنه ل حفييظ لييك أيهييا النسييان إل ميين عنييد اللييه‬
‫تعالى‪...‬‬
‫فل تنبهر بهم )ولذلك ذكر الله قدرته في الكييون‬
‫في أول السييورة( وكييانت طريقيية عييذابهم متفييردة‬
‫بين المم‪ :‬صيييحة )أي صييوتا ً رهيبيًا( ل يحييول دونهييا‬
‫حافظ من حائط أو ريح أو ماء أو حجارة‪.‬‬
‫لييذلك سييميت السييورة بييالحجر كرمييز لقييوة‬
‫الحضييارات الخييرى‪ ،‬لنحييذر ميين النبهييار بييالخرين‬
‫ولتؤكد أنه ل حافظ إل الله‪.‬‬
‫قصة لوط عليه السلم‬

‫وتأكيدا ً لهذه المعاني تأتي قصيية لييوط بإشييارات‬
‫واضحة‪ :‬فإن قييوم لييوط جيياءهم العييذاب وهييم فييي‬
‫م ـُر َ‬
‫فــى‬
‫م لَ ِ‬
‫أعلييى درجييات الشييهوة ‪‬ل َ َ‬
‫ك إ ِن ّ ُ‬
‫هــ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن‪ ،( (72‬كما أن العييذاب أتيياهم‬
‫هو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫سك َْرت ِ ِ‬
‫َ‬
‫ه ذَل ِـ َ‬
‫و َ‬
‫داب ِـَر‬
‫ق َ‬
‫ضـي َْنآ إ ِل َي ْـ ِ‬
‫م ـَر أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ك ٱل ْ ْ‬
‫صييباحا ً ‪َ ‬‬
‫ؤ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ن ‪َ  (66)... ‬‬
‫م ْ‬
‫هـ ُ‬
‫م‬
‫فأ َ َ‬
‫طو ٌ‬
‫صب ِ ِ‬
‫َ‬
‫خ ـذَت ْ ُ‬
‫حي َ‬
‫ه ُ‬
‫ع ّ‬
‫لء َ‬
‫م ْ‬

‫سورة البقرة‬

‫ة‬
‫ح ُ‬
‫صي ْ َ‬
‫ٱل ّ‬

‫م ْ‬
‫ن‪(73‬‬
‫ر ِ‬
‫قي َ‬
‫ُ‬
‫ش ِ‬

‫‪289‬‬

‫‪.(‬‬

‫توجيهات للدعاة في كل زمان‬

‫بعييد أن استشييعر قييارئ السييورة مييدى الحفييظ‬
‫الرباني وأهميته وعدم نفع كل ما سواه‪ ،‬تأتي نصائح‬
‫مهمة للدعاة إلى الله للتعقيب على قصص السورة‬
‫ولتحقيق هدفها‪:‬‬
‫قـــدْ ءات َي َْنــــٰ َ‬
‫ول َ َ‬
‫مث َـــاِني‬
‫ســـب ْ ً‬
‫ك َ‬
‫مـــ َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫عا ّ‬
‫‪َ  .1‬‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫م‪ ( (87‬في مقابل كل مييا‬
‫ع ِ‬
‫قْرءا َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ظي َ‬
‫َ‬
‫أوتي الخرون من قوة ومظاهر مادية‪ ،‬آتيياك اللييه‬
‫سورة الفاتحة والقرآن العظيم )هل تذكر سييورة‬
‫سك بما‬
‫الفاتحة وعظمتها ومعانيها الرائعة؟(‪ ،‬فتم ّ‬
‫آتاك الله واعتز به ول تمد ّ عينيك إلييى مييا سييواه‪،‬‬
‫لذلك تأتي الية التالية‪:‬‬
‫ك إل َ ٰى ما مت ّعن َــا ب ـ َ‬
‫‪ .2‬ل َ‬
‫جــا‬
‫ن َ‬
‫ِ ِ‬
‫مدّ ّ‬
‫وا ً‬
‫َ َ ْ‬
‫‪ ‬تَ ُ‬
‫ه أْز َ‬
‫عي ْن َي ْ َ ِ‬
‫ن َ َ‬
‫حـ َ‬
‫ك‬
‫وٱ ْ‬
‫خ ِ‬
‫حَز ْ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫هـ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫فـ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.( (88‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مِني َ‬
‫ل ِل ْ ُ‬
‫فل تنبهر أخي المسلم بمتاع الدنيا الذي تراه عند‬
‫الحضييارات الخييرى‪ ،‬واعييتّز بإسييلمك وتواضييع‬
‫ور‬
‫لخوانييك‪ .‬ل تغّرنييك تكنولوجييية الغييرب ول تطي ّ‬
‫عمرانه‪ ،‬فإن القاعدة الربانية الييتي طّبقييت علييى‬
‫أصحاب الحجر تنطبق عليهييم أيض يًا‪ ،‬وهييي أنييه ل‬
‫حافظ إل الله‪.‬‬
‫‪َ  .3‬‬
‫مـــا ُتـــ ْ‬
‫ن‬
‫ض َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫صـــدَ ْ‬
‫ؤ َ‬
‫ع بِ َ‬
‫ر ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫مُر َ‬
‫عـــ ِ‬
‫عـــ ِ‬

‫‪290‬‬

‫سورة البقرة‬

‫م ْ‬
‫ن‪ .( (94‬اجهر بالدعوة رغم كييل مييا‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫قد تتعّرض له لن الليه تعيالى هيو الحيافظ‪ .‬هيذه‬
‫الية كانت مرحلية النتقيال بيين اليدعوة السيرية‬
‫والجهيير بالييدعوة فييي حييياة النييبي ‪ .‬وكييان‬
‫الصحابة يشييعرون بصييعوبة الميير‪ ،‬فجيياءت الييية‬
‫ليطمئنييوا بييأنهم محفوظييون رغييم السييتهزاء‪...‬‬
‫‪َ ‬‬
‫مـــا ُتـــ ْ‬
‫ن‬
‫ض َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫صـــدَ ْ‬
‫ؤ َ‬
‫ع بِ َ‬
‫ر ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫مُر َ‬
‫عـــ ِ‬
‫عـــ ِ‬
‫في َْنـ ـٰ َ‬
‫ن ‪ ‬إ ِّنا ك َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪‬‬
‫ر ِ‬
‫س ـت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫زءي َ‬
‫كي َ‬
‫ك ٱل ْ ُ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ش ِ‬
‫‪..((94 - 95‬‬
‫صــدُْر َ‬
‫م أ َّنــ َ‬
‫ول َ َ‬
‫مــا‬
‫ك يَ ِ‬
‫قــدْ ن َ ْ‬
‫ك بِ َ‬
‫ضــي ُ‬
‫عَلــ ُ‬
‫ق َ‬
‫‪َ  .4‬‬
‫و ُ‬
‫د َرّبــ َ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫يَ ُ‬
‫ن‬
‫مــ ِ‬
‫قوُلــو َ‬
‫ح بِ َ‬
‫ســب ّ ْ‬
‫ف َ‬
‫مــ َ‬
‫كــ ْ‬
‫ن ّ‬
‫ح ْ‬
‫ك َ‬
‫حّتــ ٰى ي َأ ْت َِيــ َ‬
‫عُبــدْ َرّبــ َ‬
‫ك‬
‫و ‪‬ٱ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ك َ‬
‫ٱل ّ‬
‫دي َ‬
‫س ٰـــ ِ‬
‫نَ‬
‫ن ‪ .( (97 - 99‬فالستهزاء مزعج‪ ،‬ورغم أن‬
‫ٱل ْي َ ِ‬
‫قي ُ‬
‫المسلم مقتنع بحفظ الله‪ ،‬لكنه قد يمل ويتشييتت‬
‫دم الية علجيا ً للمشييكلة‪،‬‬
‫من أقوال الخرين‪ ،‬فتق ّ‬
‫يشكل ختاما ً رائعا ً لسييورة الحفييظ )كييأنه تطييبيق‬
‫عملي لتستشيعر بيالحفظ الربياني(‪ :‬تسيبيح الليه‬
‫تعالى وعبادته حتى الممات )واليقين هو المييوت(‬
‫لنييك محفييوظ‪ ،‬ودع المسييتهزئين يقولييون مييا‬
‫يشاءون‪ ،‬فييإن مصيييرهم ليين يختلييف عيين مصييير‬
‫أصحاب الحجر‪.‬‬
‫اهتم بييدينك أيهييا المسييلم‪ ،‬وأصييلح نفسييك وادع‬
‫غيرك إلى الله‪ ،‬تنعم بحفظ الله ورعايته فييي الييدنيا‬
‫وتفز بالجنة في الخرة‪.‬‬

‫النحل‬
‫سورة النحل )مكية( نزلت بعد الكهف‪ ،‬وهي في‬
‫المصحف بعييد سييورة الحجيير‪ .‬عييدد آياتهييا ‪ 128‬آييية‪،‬‬
‫وهي باتفاق الكثير من العلماء‪ :‬سورة النعم‪.‬‬
‫أذكرها‪ ...‬واشكرها‪..‬‬

‫لو أحضر أحدنا ورقة وقلما ً وظل يكتب نعم اللييه‬
‫عليه‪ ،‬ثم قرأ سورة النحل‪ ،‬فسيجد كل ما كتبييه ميين‬
‫نعم‪ ...‬وإذا قيرأ السييورة ودّون فيي الورقيية كيل مييا‬
‫يصادفه في آياتهييا ميين نعييم‪ ،‬سيييرى أن هييذه النعييم‬
‫تشمل كل ما قد يخطر على باله‪...‬‬
‫فهي سورة النعم‪ .‬تخيياطب قارئهييا قائليية‪ :‬أنظيير‬
‫لنعم الله تعييالى فييي الكييون! ميين النعييم الساسيّية‬
‫)ضرورّيات الحياة(‪ ،‬إلييى النعييم الخفي ّيية الييتي يغفييل‬
‫عنها المرء وينساها وحتى الييتي يجهلهييا‪ ..‬كييل أنييواع‬
‫النعم‪ ،‬وبعد عرض كل مجموعة من النعم تييأتي آييية‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫مــن‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫فاصلة‪ ،‬تذكيرا ً بأن المنعم هو الله ‪َ ‬‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫مـ َ‬
‫ف ِ‬
‫م ٍ‬
‫دوا ْ ن ِ ْ‬
‫ع ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫نّ ْ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ن ٱلله ‪ ،( (53‬أو ‪َ ‬‬
‫ها‪ ،( (18‬وهناك آيات عديييدة فييي‬
‫صو َ‬
‫ٱلله ل َ ت ُ ْ‬
‫ح ُ‬
‫السورة تفصل بييين مقيياطع النعييم المختلفيية لتحي ّ‬
‫ذر‬
‫‪291‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫النحل‬

‫‪292‬‬

‫سورة البقرة‬

‫من سوء استخدام النعمة بأن تستعمل فييي معصييية‬
‫ث المييرء علييى شييكر نعييم‬
‫الله تعالى‪ ،‬وبالمقابل تح ّ‬
‫الله تعالى عليه وتوظيفها فيما خلقت له‪..‬‬
‫سورة إبراهيم وسورة النحل‬

‫وقد يقول قائل‪ :‬إن سورة إبراهيييم تحييدثت عيين‬
‫نعم الله‪ ،‬فما علقتها بسورة النحل؟‬
‫سورة إبراهيم ر ّ‬
‫كزت علييى نعميية واحييدة فقييط‪:‬‬
‫اليمييييييييييييان )وكييييييييييييان محورهييييييييييييا أن‬
‫نعمة اليمان أهم نعمية مين نعيم الليه(‪ .‬أميا سيورة‬
‫النحل‪ ،‬فقد اشتملت على نعم الله كلها‪ ،‬من أبسييط‬
‫أمييور الحييياة إلييى أهييم نعميية والييتي هييي اليمييان‬
‫والوحي‪ ،‬لييذلك بييدأت السييورة بنفييس النعميية الييتي‬
‫ب‬
‫بييدأت فيهييا سييورة إبراهيييم‪ :‬الييوحي‪ .‬الر ك ِت َــا ٌ‬
‫َ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ‬
‫ت‬
‫ك ل ِت ُ ْ‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫س ِ‬
‫ر َ‬
‫مــ َ‬
‫ن ٱلظّل ُ َ‬
‫أنَزل ْن َ ٰـ ُ‬
‫ج ٱلّنــا َ‬
‫خ ِ‬
‫م‪ ( (1...‬وهنييا ‪‬ي ُن َـّز ُ‬
‫ل‬
‫هـ ْ‬
‫ر ب ِإ ِذْ ِ‬
‫إ َِلى ٱلّنو ِ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫َ‬
‫ة بِ لْ‬
‫مــن ي َ َ‬
‫شــآء‬
‫ه َ‬
‫مل َ ٰـئ ِك َ َ‬
‫ر ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫عل َـ ٰى َ‬
‫نأ ْ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ٱّرو ِ‬
‫ه‪.( (2‬‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ِ‬
‫م ْ‬
‫عرض مستمر‬

‫تبدأ السورة بعرض نعم الله تعالى‪:‬‬
‫• نعمييية اليييوحي وهييي أّول النعيييم فييي السيييورة‬
‫َ‬
‫ة بِ لْ‬
‫ز ُ‬
‫عل َ ـ ٰى‬
‫‪‬‬
‫ه َ‬
‫مل َ ٰـئ ِك َ َ‬
‫ر ِ‬
‫ح ِ‬
‫ي ُن َ ّ‬
‫م ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ل ٱل ْ َ‬
‫مـ ِ‬
‫ٱّرو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عباد َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ه‬
‫ن أن ْـ ِ‬
‫ن ِ َ ِ ِ‬
‫شآء ِ‬
‫هأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ل إ ِل َ ٰــ َ‬
‫ذُروا ْ أن ّـ ُ‬
‫َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪293‬‬

‫ف ٱت ّ ُ‬
‫ِإل أ َن َا ْ َ‬
‫ن‪.( (2‬‬
‫قو ِ‬
‫ق‬
‫• نعميييية إيجيييياد السييييماوات والرض ‪َ ‬‬
‫خل َــــ َ‬
‫َ‬
‫مــا‬
‫ع ٰـ ـل َ ٰى َ‬
‫م ٰـ ـ ٰو ِ‬
‫ق تَ َ‬
‫ض ب ِـ ٱل ْ َ‬
‫ٱل ّ‬
‫ع ّ‬
‫ح ّ‬
‫س َ‬
‫و ٱلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ر ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‪..( (3‬‬
‫كو َ‬
‫ش ِ‬
‫مــن‬
‫خ‬
‫• نعميية خلييق النسييان َ‬
‫ن ِ‬
‫ق ٱل ِن ْ َ‬
‫س ٰـ ـ َ‬
‫‪‬ل َـ َ‬
‫ة َ‬
‫ن ّطْ َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ن‪ ..( (4‬فييالروح‬
‫و َ‬
‫ذا ُ‬
‫خ ِ‬
‫ف ٍ‬
‫مِبي ـ ٌ‬
‫م ّ‬
‫صي ٌ‬
‫ه َ‬
‫التي بداخلك هي نعميية ميين اللييه‪ ،‬بعييد أن خلقييك‬
‫وأوجدك من العدم‪...‬‬
‫• نعميييية النعييييام للغييييذاء والملبييييس والتنقلت‬
‫خل َ َ‬
‫ع‬
‫و‬
‫م َ‬
‫من َ ٰـ ِ‬
‫ها ِد ْ‬
‫م ِ‬
‫ف ُ‬
‫‪‬ٱل َن ْ َ‬
‫في َ‬
‫ق َ‬
‫و َ‬
‫ها ل َك ُ ْ‬
‫ع ٰـ َ‬
‫فء َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خْيـــ َ‬
‫ل‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ِ‬
‫هـــا َتـــأك ُُلو َ‬
‫من ْ َ‬
‫ن‪ ...( (5‬ثيييم ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫غا َ‬
‫ق‬
‫وي َ ْ‬
‫و ٱل ْب ِ َ‬
‫زين َ ً‬
‫ميَر ل ِت َْرك َُبو َ‬
‫ح ِ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫خل ُ ُ‬
‫ة َ‬
‫ها َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫ن‪ ...( (8‬فهذه الية تشمل وسائل‬
‫مو َ‬
‫ما ل َ ت َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫النقل في عهد النبي ‪ ،‬وتشير إلى كييل وسييائل‬
‫ما‬
‫وي َ ْ‬
‫ق َ‬
‫خل ُ ُ‬
‫النقل الحديثة في عالمنا في قوله ‪َ ‬‬
‫ن ‪ ‬فهي تشمل الطائرات والسيارات‬
‫مو َ‬
‫ل َ تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫و‪ ...‬وكلها من أجل نعم الله علينا‪.‬‬
‫ذى‬
‫• نعمة الميياء المن يّزل ميين السييماء ‪ُ ‬‬
‫و ٱل ّ ـ ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫أ َن َْز َ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫شـَرا ٌ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫مـ َ‬
‫من ْـ ُ‬
‫مــآء ل ّك ُــم ّ‬
‫ماء َ‬
‫سـ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪.( (10‬‬
‫جٌر ِ‬
‫ه تُ ِ‬
‫في ِ‬
‫و ِ‬
‫مو َ‬
‫ش َ‬
‫سي ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ‬
‫ع‬
‫ه ٱلـــّزْر َ‬
‫م ب ِـــ ِ‬
‫• نعمييية اليييزرع ‪ُ‬ينب ِـــ ُ‬
‫ت ل َك ُـــ ْ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫خي َ‬
‫ل‬
‫و ٱل َ ْ‬
‫و ٱلن ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫و ٱلّزي ُْتو َ‬
‫عن َ ٰـ َ‬
‫ب َ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ف ّ‬
‫فى ذَل ِ َ‬
‫وم ٍ ي َت َ َ‬
‫ة لّ َ‬
‫ن‬
‫ك لي َ ً‬
‫ن ِ‬
‫م ٰر ِ‬
‫كــُرو َ‬
‫ت إِ ّ‬
‫ٱلث ّ َ‬
‫ق ْ‬
‫‪.( (11‬‬

‫‪294‬‬

‫سورة البقرة‬

‫م‬
‫سـ ّ‬
‫و َ‬
‫خَر ل َك ُـ ُ‬
‫• نعميية تسييخير الكييون للنسييان ‪َ ‬‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ٱل ّ‬
‫ٱل ّْيـــ َ‬
‫مـــَر‬
‫و ٱل ْن ّ َ‬
‫ق َ‬
‫شـــ ْ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫هـــاَر َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫فــى ذَِلــ َ‬
‫ك‬
‫ســ ّ‬
‫ن ِ‬
‫ر ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫و ٱل ْن ّ ُ‬
‫خ ٰر ٌ‬
‫جــو ُ‬
‫م َ‬
‫ت ِبــأ ْ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ت لّ َ‬
‫ن‪.( (12‬‬
‫ع ِ‬
‫لي َ ٰـ ٍ‬
‫قُلو َ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫ق ْ‬
‫خر لحضرتك حتى‬
‫إن كل هذا الكون بعظمته مس ّ‬
‫تعيييش وتحقييق أمانيية السييتخلف‪ ...‬فتخّيلييه بييدون‬
‫نعميية التسييخير لحييياة النيياس‪ .‬تخي ّييل الرض بييدون‬
‫أوكسييجين‪ ،‬أو ميين غييير شييمس تعطينييا الضييوء‬
‫والدفء‪...‬‬
‫مــا ذََرأ َ ل َ ُ‬
‫فــى‬
‫م ِ‬
‫كــ ْ‬
‫و َ‬
‫نعميية تجميييل الرض ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فــى ذَِلــ َ‬
‫خت َل ِ ً‬
‫ة‬
‫م ْ‬
‫ك لَيــ ً‬
‫ن ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫وان ُ ُ‬
‫ض ُ‬
‫فــا أْلــ َ‬
‫ٱل ْر ِ‬
‫لّ َ‬
‫ن‪ ..( (13‬إنها نعمة يراها الناس كييل‬
‫وم ٍ ي َذّك ُّرو َ‬
‫ق ْ‬
‫يوم ولكن للسييف يغفلييون عنهييا‪ .‬لقييد اعتييدنا علييى‬
‫النعييم وألفناهييا‪ ،‬فتييأتي السييورة لتهييز النفييوس ميين‬
‫جديد وتلفت نظرنا إلى آيات الله في الكون‪.‬‬
‫ساعد قلبك‬

‫ان تييذكر النعميية أميير هييام لصييلح القلييب‪ ،‬فييإذا‬
‫أصبت بمرض عدم التدبر في النعم فعليييك أن تتبييع‬
‫الوصفة التالية‪:‬‬
‫ أكتب النعم التي تعرفها بالورقة والقلم‪ ،‬وتييدّبرها‬‫واستشعرها بقلبك‪.‬‬
‫ اجعل لسانك رطبا ً بقولك‪ :‬الحمييد للييه‪ ،‬ولييو فييي‬‫طريقك‬

‫سورة البقرة‬

‫‪295‬‬

‫ تفك ّيير فييي نعييم ربنييا عليييك وأنييت تفتتييح صييلتك‬‫بسورة الفاتحة‪ ،‬واجعييل لكييل ركعيية نعميية معّينيية‬
‫تتفكر بها وتشكر ربنا عليها‪.‬‬
‫ن تذ ّ‬
‫كر النعمة يساعد القلب على شكر المنعم‪،‬‬
‫إ ّ‬
‫… فالنسان يشكر أقرانه من بني البشر لييل نهيار‪،‬‬
‫فكم مرة يشكر واهب النعم؟ وكم مّرة يقول الحمد‬
‫الله في نفس اليوم!‪..‬‬
‫مزيد من النعم‬

‫وبعد ذلك تحدثنا اليات عن نعم جديدة‪ ،‬يخرجهييا‬
‫رب العالمين من حيث ل نتصور‪ ،‬ومنها‪:‬‬
‫خَر‬
‫ســ ّ‬
‫و ُ‬
‫و ٱّلــ ِ‬
‫ذى َ‬
‫هــ َ‬
‫• نعميية تسييخير البحيير ‪َ ‬‬
‫ْ‬
‫جوا ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫حَر ل ِت َأك ُُلوا ْ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ٱل ْب َ ْ‬
‫وت َ ْ‬
‫ح ً‬
‫من ْ ُ‬
‫رّيا َ‬
‫خ ِ‬
‫ما طَ ِ‬
‫ها‪ ..( (14..‬فهل يتصور أحييد‬
‫حل ْي َ ً‬
‫ه ِ‬
‫ِ‬
‫سون َ َ‬
‫ة ت َل ْب َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن‬
‫أن البحر الهادر المخيف يخرج اللحم الشهي؟ إ ّ‬
‫مشكلة النسان تكمن في أنييه قييد اعتيياد النعميية‬
‫وألفها‪ ...‬فتأتي سورة النحل لتقول للناس تف ّ‬
‫كروا‬
‫ددوا إحساسكم بهييا‬
‫في نعم الله تعالى عليكم وج ّ‬
‫وشكركم لله عليها‪...‬‬
‫َ‬
‫وأ َل ْ َ‬
‫ض‬
‫قــ ٰ‬
‫ى ِ‬
‫• نعميية خلييق الجبييال‪َ ..‬‬
‫فــى ٱل ْر ِ‬
‫َ‬
‫م‪ ( (15..‬فقد جعييل اللييه‬
‫ى أن ت َ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ميدَ ب ِك ُ ْ‬
‫َر َ‬
‫س َ‬
‫الجبال أوتادا ً لتثبيت الرض من الزلزل كما أثبت‬
‫العلم الحديث‪.‬‬
‫م‬
‫و َ‬
‫جم ِ ُ‬
‫مٰ ٍ‬
‫وب ِـ ٱلن ّ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫عل ـَ‬
‫ت َ‬
‫• نعمة خلق النجوم ‪َ ‬‬
‫ن‪ ...( (16‬فهييذه النجييوم تييدلنا علييى‬
‫دو َ‬
‫هَتــ ُ‬
‫يَ ْ‬

‫‪296‬‬

‫سورة البقرة‬

‫التجاهات أثناء السفر بالضافة إلى اتجاه القبلة‪.‬‬
‫و‬
‫م ِ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫فــى ٱل َن ْ َ‬
‫ن ل َك ُـ ْ‬
‫• نعمة ألبان النعام َ‬
‫ع ٰـ ـم ِ‬
‫ن‬
‫ما ِ‬
‫س ِ‬
‫لَ ِ‬
‫ه ِ‬
‫فــى ب ُطُــون ِ ِ‬
‫عب َْرةً ن ّ ْ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫قيك ُ ْ‬
‫مــن ب َي ْـ ِ‬
‫َ‬
‫غا ِلل ّ‬
‫ن‪‬‬
‫ســآئ ِ ً‬
‫ودَم ٍ ل ّب ًَنا َ‬
‫فْر ٍ‬
‫صــا َ‬
‫رِبي َ‬
‫خال ِ ً‬
‫ث َ‬
‫شــا ِ‬
‫ور أحدنا المكييان الييذي يخييرج منييه‬
‫‪ ..((66‬فهل تص ّ‬
‫اللبن نقيا ً طيب الطعم والرائحيية‪ ،‬ميين بييين الييدم‬
‫والروث‪...‬؟ ومع ذلييك فييإّنه يخييرج خالصيا ً نقي ّيا ً ل‬
‫يوجد فيه قطرة دم واحدة ول قطرة أذى! ‪‬ل ّب ًَنا‬
‫غا ِلل ّ‬
‫ن ‪.‬‬
‫سآئ ِ ً‬
‫َ‬
‫صا َ‬
‫رِبي َ‬
‫خال ِ ً‬
‫شا ِ‬
‫و ٱللـــه‬
‫• نعمييية العليييم والسيييمع والبصيييار ‪َ ‬‬
‫ُ‬
‫ج ُ‬
‫ن‬
‫أَ ْ‬
‫مــو َ‬
‫م ل َ تَ ْ‬
‫خَر َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه ٰـ ـت ِك ُ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫كم ّ‬
‫مــن ب ُطُــو ِ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫شي ًْئا‪ ( (78‬ثم أعطانا أدوات العلييم ‪َ ‬‬
‫َ‬
‫و ٱل َ ْ‬
‫م‬
‫فئ ِدَةَ ل َ َ‬
‫م َ‬
‫م ٱل ْ ّ‬
‫عل ّك ُـ ْ‬
‫سـ ْ‬
‫ل َك ُ ُ‬
‫و ٱلب ْ َ‬
‫صـ ـَٰر َ‬
‫ع َ‬
‫تَ ْ‬
‫ن‪..( (78‬‬
‫شك ُُرو َ‬
‫• نعمييية الطيييير أ َ‬
‫ر‬
‫ٰ‬
‫وا ْ إ ِل َـــ‬
‫‪‬ل َـــ ْ‬
‫م ي َـــَر ْ‬
‫ى ٱلطّي ْـــ ِ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫س ّ‬
‫ت ِ‬
‫م ِ‬
‫خرٰ ٍ‬
‫فى َ‬
‫سك ُ ُ‬
‫و ٱل ّ‬
‫م َ‬
‫ه ّ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫مآء َ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫ج ّ‬
‫فى ٰذل ِ َ‬
‫ت لّ َ‬
‫وم ٍ ي ُ ْ‬
‫ن‪‬‬
‫ن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ك لي َ ٰـ ٍ‬
‫مُنــو َ‬
‫ٱلله إ ِ ّ‬
‫قــ ْ‬
‫‪((79‬‬
‫فمن منا يعتبر ويشييكر؟ وميين منييا يوظ ّييف هييذه‬
‫النعم فيما يحّبه الله ويرضاه؟‬
‫وإن تعدوا نعمة الله ل تحصوها‬

‫وِإن‬
‫وبعد ذكر هيذه النعييم تييأتي آييية محورييية ‪َ ‬‬
‫غ ُ‬
‫فــوٌر‬
‫ن ٱلله ل َ َ‬
‫م َ‬
‫صو َ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫ة ٱلله ل َ ت ُ ْ‬
‫دوا ْ ن ِ ْ‬
‫ع ّ‬
‫تَ ُ‬
‫ع َ‬
‫ح ُ‬
‫م‪ ( (18‬نحصييي ميياذا؟ هييل نحصييي النعييم‬
‫ّر ِ‬
‫حيــ ٌ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪297‬‬

‫المعلومة والمشاهدة؟ أم نحصي النعم الخفية؟ ولو‬
‫دد أسيييماء النعيييم‬
‫افترضييينا أننيييا نسيييتطيع أن نعييي ّ‬
‫المشاهدة فهل نقييدر أن نحصييي مييا بييداخل النعميية‬
‫الواحييدة فقييط ميين فييوائد؟! إن اللييه تعييالى يقييول‪:‬‬
‫ها‪  ..‬ولييم‬
‫م َ‬
‫صــو َ‬
‫ة ٱللــه ل َ ت ُ ْ‬
‫دوا ْ ن ِ ْ‬
‫ع ّ‬
‫وِإن ت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ح ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫غ ُ‬
‫م‬
‫ن ٱلله ل َ َ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫يقل نعم الله‪ .‬ومع ذلك ‪‬إ ِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫‪ ‬تشير إلى أن النسان ل يشكر على النعييم ولييول‬
‫ذب البشيير عييذابا ً‬
‫أنه سبحانه وتعالى يغفر ويرحم لع ّ‬
‫شديدا ً على عدم شكرهم لنعمه الجليلة‪.‬‬
‫استعمال النعم في غير أهدافها‬

‫ولن هدف السورة ل يقتصر علييى تعييداد النعييم‪،‬‬
‫بل يركز علييى اسييتخدام هييذه النعييم وتوظيفهييا لمييا‬
‫خلقت له‪ ،‬فإننا نرى بعد كل موجيية ميين ذكيير النعييم‬
‫آيات تح ّ‬
‫ذر من سوء استخدام النعميية )اليييات ‪- 19‬‬
‫‪.(29‬‬
‫در نعميية‬
‫فمثل ً الييية )‪ (24‬تنكيير علييى ميين ل يق ي ّ‬
‫ذا َأنـَز َ‬
‫قيـ َ‬
‫مــا َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫الوحي بل يك ّ‬
‫ل‬
‫ذا ِ‬
‫ل لَ ُ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫ذبها‪َ  :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َرب ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ن ‪ ‬فكيييانت‬
‫ســـٰ ِ‬
‫قــاُلوا ْ أ َ‬
‫وِليــ َ‬
‫كــ ْ‬
‫طيُر ٱل ّ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫مل َ ً‬
‫وَزاَر ُ‬
‫كا ِ‬
‫ح ِ‬
‫عاقبتهم وخيمة ‪‬ل ِي َ ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ة ي َـ ْ‬
‫مُلوا ْ أ ْ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫م بِ َ‬
‫ٱل ْ ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ر ٱ ل ّـ ِ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫ضـّلون َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫قَيـٰ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ة َ‬
‫غي ْـ ِ‬
‫وَزا ِ‬
‫ِ ْ‬
‫م‪.( (25...‬‬
‫عل ٍ‬
‫ور لنييا مشييهدا ً رهيب يا ً لميين‬
‫والية التي بعدها تص ي ّ‬
‫جحد بأنعم الله‪:‬‬

‫‪298‬‬

‫سورة البقرة‬

‫م َ‬
‫ن َ‬
‫‪َ ‬‬
‫فـأ ََتى ٱللــه‬
‫ن ِ‬
‫مك ََر ٱل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫هـ ْ‬
‫قدْ َ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫خّر َ َ‬
‫سـ ْ‬
‫د َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫ف‬
‫ف َ‬
‫ق ُ‬
‫وا ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ٱل ّ‬
‫ب ُن َْيـٰن َ ُ‬
‫م َ‬
‫هـ ُ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ق َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ث لَ‬
‫مــن َ‬
‫عـ َ‬
‫حي ْـ ُ‬
‫و ِ‬
‫ب ِ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫ذا ُ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫وأَتــٰ ُ‬
‫مـ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫فـ ْ‬
‫ق ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‪.( (26‬‬
‫عُرو َ‬
‫ش ُ‬
‫وبالمقابل‪ ،‬تأتي اليات التي بعدها مباشرة )‪- 30‬‬
‫قي َ‬
‫‪ (32‬لتب ّ‬
‫ل‬
‫و ِ‬
‫شر ميين أحسيين اسييتخدام النعييم‪َ  ،‬‬
‫م َ‬
‫ن ٱت ّ َ‬
‫ذا َأنَز َ‬
‫ما َ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫را‪ ...‬‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ل َرب ّك ُ ْ‬
‫وا ْ َ‬
‫خي ْ ً‬
‫ق ْ‬
‫در نعمة الوحي‬
‫فانظر إلى هذا المدح الرباني لمن ق ّ‬
‫وعرفها في مقابييل الييذين ك ي ّ‬
‫ذبوا بآيييات اللييه )الييية‬
‫‪ .(24‬وتأتي الية )‪:(32‬‬
‫و ّ‬
‫ن‬
‫ٱّلـــ‬
‫مل َ ٰــــئ ِك َ ُ‬
‫‪ِ‬‬
‫ف ٰــــ ُ‬
‫ة طَي ِّبيـــ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن ت َت َ َ‬
‫يَ ُ‬
‫مــا‬
‫م ٱد ْ ُ‬
‫م َ‬
‫جن ّـ َ‬
‫قول ُــو َ‬
‫خل ُــوا ْ ٱل ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ة بِ َ‬
‫عل َي ْك ُـ ُ‬
‫سَلــٰ ٌ‬
‫ُ‬
‫ن ‪.‬‬
‫مُلو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫و ّ‬
‫م‬
‫أيضا ً في مقابل الية )‪ (28‬ٱل ّ ِ‬
‫ف ٰـ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫ن ت َت َ َ‬
‫ة َ‬
‫ف ـأ َل ْ َ‬
‫م َ‬
‫مى َأن ُ‬
‫م‬
‫مَلـٰئ ِك َ ُ‬
‫ف ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫وا ْ ٱ ل ّ‬
‫س ـل َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ق ُ‬
‫سـ ِ‬
‫م ُ‬
‫سوء‪. ..‬‬
‫ل ِ‬
‫ما ك ُّنا ن َ ْ‬
‫من ُ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫نعمة الرسل والهداية‬

‫مة يتكرر ذكرها في السورة‪ :‬إنهييا نعميية‬
‫نعمة مه ّ‬
‫الرسل والهداية‪:‬‬
‫َ‬
‫كــ ّ ُ‬
‫فــى ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‬
‫عث َْنــا ِ‬
‫مــ ٍ‬
‫قــدْ ب َ َ‬
‫ة ّر ُ‬
‫لأ ّ‬
‫ســول ً أ ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫ت‪( (36‬‬
‫جت َن ُِبــوا ْ ٱل ْطّ ٰـــ ُ‬
‫ٱ ْ‬
‫وٱ ْ‬
‫عُبــ ُ‬
‫غو َ‬
‫دوا ْ ٱللــه َ‬
‫فإرسال الرسل إلى البشر بشرع اللييه ومنهجييه هييو‬
‫أعظم نعمة على الناس في كل العصور‪.‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪299‬‬

‫َ‬
‫قب ْل ِـ َ‬
‫مــن َ‬
‫حى‬
‫جــال ً ن ّــو ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ر َ‬
‫مآ أْر َ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫ك إ ِل ّ ِ‬
‫َ‬
‫ر ِإن ك ُن ُْتــم ل َ‬
‫م َ‬
‫هــ َ‬
‫ســأ َُلوا ْ أ َ ْ‬
‫فٱ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫ل ٱلــذّك ْ ِ‬
‫إ ِلي ْ ِ‬
‫وَأنَزل َْنــا إ ِل َْيــ َ‬
‫ك‬
‫ن ‪ ‬ب ِٱل ْب َي َّنـــٰ ِ‬
‫مــو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ر َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱلّزُبــ ِ‬
‫ما ن ُـّز َ َ‬
‫م‬
‫ول َ َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ٱلذّك َْر ل ِت ُب َي ّ َ‬
‫هـ ْ‬
‫هـ ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ل إ ِلي ْ ِ‬
‫ن ِللّنا ِ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ن‪.( (43-44‬‬
‫فك ُّرو َ‬
‫ن بهيا الليه علييك‪،‬‬
‫هل كتبت بيين النعيم اليتي مي ّ‬
‫إرسييييييييييييييال النييييييييييييييبي ‪ ‬إلينييييييييييييييا؟‬
‫وإنييزال القييرآن الييذي نقييرأه ونعيييش مييع آييياته‬
‫ومعيييييييييييييانيه؟‪ ...‬وهيييييييييييييل فكيييييييييييييرت‬
‫يوما ً في تطبيق أوامر القرآن وسيينة النييبي ‪ ‬بنييية‬
‫شكر ربنا على هاتين النعمتين العظيمتين؟‬
‫وما بكم من نعمة فمن الله‬

‫وبعييد ذكيير النعييم المتتالييية‪ ،‬تييأتي آييية محورييية‬
‫وفاصلة لتعقب عليها‪:‬‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫ة َ‬
‫ن ٱلله ‪( (53‬‬
‫ف ِ‬
‫م ٍ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫كم ّ‬
‫و َ‬
‫‪َ ‬‬
‫لتلفت النظر إلى أن استشعار النعميية هييو بداييية‬
‫دها ال ُ‬
‫شييكر‪،‬‬
‫التمهيييد لشييكر الخييالق‪ ،‬فالِنعميية قييي ُ‬
‫والشييكر ضييمانة لسييتمرار النعييم ‪‬ل َِئن َ‬
‫م‬
‫شك َْرت ُ ْ‬
‫م ‪) ‬إبراهيم‪.(7 ،‬‬
‫زيدَن ّك ُ ْ‬
‫ل ِ‬
‫فلو أرجع النسان كل مييا فييي حييياته إلييى أصييله‬
‫فييإّنه سيييجد أن ّييه ل يملييك شيييئا‪ ..‬ميين أول حاجييياته‬
‫الساسية )ميين لبيياس ومأكييل ومشييرب( إلييى آخيير‬
‫مستجدات التكنولوجيا الحديثة )من مركبات فضائية‬

‫‪300‬‬

‫سورة البقرة‬

‫وكومبيوتر وس يّيارات‪ .(..‬فكلهييا تعتمييد علييى المييواد‬
‫خرها اللييه لنييا‪ ،‬وكلهييا نتيياج العقييل‬
‫الولييية الييتي س ي ّ‬
‫البشري‪ ،‬الذي هو أعظم نعمة أعطانا إياها ربنا‪.‬‬
‫سوء استخدام النعم‬

‫وتح ّ‬
‫ذر السورة مييرة أخيرى مين سيوء اسيتخدام‬
‫النعم‪ ،‬فتصف لنا فريقا ً ميين النيياس يييدعو اللييه عنييد‬
‫المصائب ثم يشييرك بييه فييي السييراء )اليييات ‪- 53‬‬
‫‪ ،(55‬فماذا يكون مصيرهم؟‬
‫عــوا ْ َ‬
‫م َ‬
‫‪‬ل ِي َك ْ ُ‬
‫ف‬
‫و َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫مآ ءات َي ْن َ ٰـ ُ‬
‫فت َ َ‬
‫ه ْ‬
‫فُروا ْ ب ِ َ‬
‫ســ ْ‬
‫ول نعميية اللييه عليهييم إلييى‬
‫مــو َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن‪ .( (55‬تتحيي ّ‬
‫استدراج وإمهال )فتمتعوا(‪ ،‬فإذا رأيت أخي المسلم‬
‫نعييم اللييه تتييوالى عليييك مييع تقصيييرك فييي شييكرها‬
‫وحسن استخدامها‪ ،‬فاحذر أن يكون ذلييك اسييتدراجا ً‬
‫من الله‪.‬‬
‫ومن أبشع صور سوء استخدام النعم‪ :‬وأد البنات‬
‫َ‬
‫م ِبــ ٱل ُن ْث َ ٰى َ‬
‫ظــ ّ‬
‫ذا ب ُ ّ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ه‬
‫‪‬‬
‫حــدُ ُ‬
‫و ْ‬
‫شــَر أ َ‬
‫ج ُ‬
‫هــ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫مــن‬
‫وا َ ٰ‬
‫و ُ‬
‫وم ِ ِ‬
‫رى ِ‬
‫و كَ ِ‬
‫و ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ُ‬
‫قـ ْ‬
‫م ‪ ‬ي َت َ َ‬
‫ه َ‬
‫دا َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫شر ب َ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫عل َ ٰى ُ‬
‫م ِ‬
‫ما ب ُ ّ َ ِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ي َدُ ّ‬
‫ُ‬
‫س ُ‬
‫سك ُ ُ‬
‫ه أي ُ ْ‬
‫سوء َ‬
‫هو ٍ‬
‫ب‪ ..( (58-59...‬فكيف يسوغ للمرء بعد‬
‫ِ‬
‫فى ٱلت َّرا ِ‬
‫أن أعطاه الله هذه النعمة أن يستخدمها في معصية‬
‫الله تعالى وقتل نفس بريئة؟!‬
‫نعمة الرحمة والستر‬

‫ومن النعم التي وردت فييي السييورة‪ :‬حلييم اللييه‬

‫سورة البقرة‬

‫‪301‬‬

‫تعالى ورحمته بعباده وستره عليهم‬
‫و يُ َ‬
‫مــا‬
‫ؤا ِ‬
‫س ب ِظُل ْ ِ‬
‫م ّ‬
‫هـ ْ‬
‫خ ـذُ ٱللــه ٱلن ّــا َ‬
‫ول َ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫م ِ‬
‫ت ََر َ‬
‫ة‪..( (61‬‬
‫ك َ‬
‫دآب ّ ٍ‬
‫ها ِ‬
‫من َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫تخيل لو رفع الله عنك ستره وحلمييه؟ تخي ّييل لييو‬
‫فضحك يوم يا ً واحييدًا؟ ميياذا لييو اسييتيقظت يوم يا ً مييا‬
‫ووجدت مكتوبا ً على بيياب بيتييك‪ :‬فعييل البارحيية كييذا‬
‫وكذا؟ أو لو كتب على جبينييك الييذنوب الييتي تفعلهييا‬
‫صباح مساء؟ أو لو كان لكل ذنب تفعله رائحة؟‬
‫إن من أعظم نعم الله علينا أنييه ل يظهيير منييا إل‬
‫كل حسن ومحمود ميين العمييال‪ ،‬ويسييتر كييل قبيييح‬
‫من الذنوب‪ ،‬فلله الحمد والفضل‪.‬‬
‫نعمة الوحي والمطر‬

‫ومن النعم التي تأتي متلزمة في السورة‪ :‬نعمتا‬
‫الوحي والمطر‪.‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫م‬
‫مآ أ َن َْزل َْنا َ‬
‫ك ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ب إ ِل ّ ل ِت ُب َي ّـ َ‬
‫هـ ُ‬
‫و َ‬
‫‪َ‬‬
‫ة لّ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫وم‬
‫ذى ٱ ْ‬
‫مـ ً‬
‫و ُ‬
‫فــوا ْ ِ‬
‫في ـ ِ‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫وَر ْ‬
‫هـ ً‬
‫ح َ‬
‫قـ ْ‬
‫دى َ‬
‫ه َ‬

‫يُ ْ‬
‫ن‪.( (64‬‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل من ٱل ْسماء مآء َ َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫حَيــا ِبــ ِ‬
‫فأ ْ‬
‫و ٱلله أنَز َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ّ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ها‪.( (65...‬‬
‫ض بَ ْ‬
‫وت ِ َ‬
‫عدَ َ‬
‫ٱل ْر َ‬
‫م ْ‬
‫فمييا السيير فييي ذكيير هيياتين النعمييتين دائميا ً مييع‬
‫بعضهما؟‬
‫إن النعمييتين متشييابهتان‪ ،‬فييالوحي ينييزل حييامل ً‬

‫ٍ‬

‫‪302‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الخير للناس كما أن المطر حين ينزل يحيييي الرض‬
‫بعد موتها‪ ،‬وكذلك اليات التي تنزل وحيا ً فإّنها تحيي‬
‫القلوب بعد موتها‪.‬‬
‫َ‬
‫‪‬وك َذَل ِ َ َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْـ َ‬
‫رن َــا ‪‬‬
‫و َ‬
‫مـ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ك ُروحـا ً ّ‬
‫كأ ْ‬
‫َ‬
‫م ِ‬

‫)الشورى‪..(52 ،‬‬
‫كــان ميًتــا َ َ‬
‫َ‬
‫ه ‪) ‬النعييام‪،‬‬
‫فأ ْ‬
‫مــن َ َ َ ْ‬
‫حي َي ْن َ ٰـــ ُ‬
‫و َ‬
‫أ‪َ ‬‬
‫‪..(122‬‬
‫من سوء استخدام النعم‪ :‬الخمر‬

‫وتعود اليات مرة أخرى إليى التحيذير مين سيوء‬
‫استخدام النعم‪:‬‬
‫خ ُ‬
‫ن‬
‫و ٱل َ ْ‬
‫ب ت َت ّ ِ‬
‫ت ٱلن ّ ِ‬
‫م ٰر ِ‬
‫و‪ِ ‬‬
‫ذو َ‬
‫من ث َ َ‬
‫عن َ ٰـ ِ‬
‫ل َ‬
‫خي ِ‬
‫َ‬
‫رْز ً‬
‫سًنا‪.( (67‬‬
‫ِ‬
‫قا َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫سك ًَرا َ‬
‫و ِ‬
‫هييذه الييية نزلييت قبييل تحريييم الخميير‪ ،‬وهييي ل‬
‫تتناول الخمر من الناحية الفقهييية لكنهييا تحييذر منهييا‬
‫كمظهر من مظاهر سييوء اسييتخدام النعييم‪ .‬فييالخمر‬
‫تتكون في أصييلها ميين ثمييرات طيبيية ونعييم عظيميية‬
‫ولوهييا عيين‬
‫أعطانا اللييه إياهييا‪ ،‬لكيين بعييض النيياس ح ّ‬
‫الغاية التي خلقت لجلها واستعانوا بهييا فييي إذهيياب‬
‫عقولهم وإذلل أنفسهم‪ ...‬مظهر خطير من مظيياهر‬
‫استخدام النعم في غير أهدافها‪.‬‬
‫النعم الجتماعية‬

‫ولعّلك تسأل نفسك‪ :‬أين نعمة السييرة والزوجيية‬
‫فييييييييييييييي السييييييييييييييورة؟ فتجيبييييييييييييييك‬

‫سورة البقرة‬

‫‪303‬‬

‫الية‪:‬‬

‫ف س ـك ُ َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫جــا‬
‫ن أن ُ ِ‬
‫وا ً‬
‫ج َ‬
‫و ٱلله َ‬
‫مـ ْ‬
‫ْ‬
‫م ّ‬
‫ل ل َك ُـ ْ‬
‫م أْز َ‬
‫‪َ ‬‬
‫َ‬
‫ج ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ح َ‬
‫عــ َ‬
‫ة‬
‫فــدَ ً‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫كــم ب َِنيــ َ‬
‫مــ ْ‬
‫م ّ‬
‫كــ ْ‬
‫ن أْز ٰو ِ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫وَرَز َ‬
‫ت‪ ( (72‬فالسييتقرار فييي‬
‫ن ٱلطّي َّبا ِ‬
‫م َ‬
‫كم ّ‬
‫َ‬
‫ن بهييا اللييه‬
‫الحياة العائلية من أفضل النعم الييتي يم ي ّ‬
‫علينييا‪ ،‬لييذلك تييأتي آييية موجعيية لتحيي ّ‬
‫ذر ميين كفيير‬
‫النعمة ‪‬أ َ َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ت ٱللــه‬
‫مـ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنـو َ‬
‫وب ِن ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫فب ِٱل َْبـٰطِ ِ‬
‫م ي َك ْ ُ‬
‫ن‬
‫ُ‬
‫دو َ‬
‫فــــــــــُرو َ‬
‫عُبــــــــــ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫هــــــــــ ْ‬
‫ن‪َ ‬‬
‫مل ِـ ُ‬
‫رْز ً‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫مــن ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫مـ َ‬
‫قــا ّ‬
‫هـ ْ‬
‫مــا ل َ ي َ ْ‬
‫ن ٱللــه َ‬
‫دو ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫ن‪‬‬
‫س ـت َ ِ‬
‫م ٰـوٰ ِ‬
‫عو َ‬
‫طي ُ‬
‫ول َ ي َ ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫س َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ت َ‬
‫و ٱل ْر ِ‬
‫‪...((72 - 73‬‬
‫ل لَ ُ‬
‫عــ َ‬
‫م‬
‫ج َ‬
‫حتى البيوت التي نسكنها ‪‬والله َ‬
‫كــ ْ‬
‫سك ًَنا‪.( (80‬‬
‫م َ‬
‫من ب ُُيوت ِك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫وا ِ‬
‫و ِ‬
‫ف َ‬
‫مـ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫صـ َ‬
‫والثاث الذي نسييتعمله ‪َ ...‬‬
‫شعار َ َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ن‪‬‬
‫مت َ ٰـعا ً إ ِل َـ ٰى ِ‬
‫و َ‬
‫ها أث َ ٰـثا ً َ‬
‫ر َ َ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫وأ ْ َ ِ‬
‫وَبا ِ‬
‫حيـ ٍ‬
‫‪.((80‬‬
‫ل لَ ُ‬
‫عــ َ‬
‫م‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫كــ ْ‬
‫والملبيييس اليييتي نلبسيييها‪َ .. :‬‬
‫قي ُ‬
‫قي ُ‬
‫ســ ٰرِبي َ‬
‫ســَراِبي َ‬
‫كــم‬
‫ل تَ ِ‬
‫ل تَ ِ‬
‫م ٱل ْ َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫كــ ُ‬
‫حــّر َ‬
‫ْ‬
‫م‪.( (81‬‬
‫ب َأ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وأبسييط ميين ذلييك كلييه‪ :‬الظييل الييذي نسييتريح‬
‫ع َ‬
‫ق ظِل َ ٰـ ـل ً ‪‬‬
‫و‬
‫ما َ‬
‫ج َ‬
‫‪‬ٱلله َ‬
‫خل َ ـ َ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫تحته‪َ ...‬‬
‫‪((81‬‬
‫لذلك تييأتي آييية محورييية ‪‬ك َذَل ِ َ‬
‫ه‬
‫م نِ ْ‬
‫مت َـ ُ‬
‫ع َ‬
‫ك ي ُت ِـ ّ‬

‫‪304‬‬

‫سورة البقرة‬

‫م‬
‫َ‬
‫م لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬

‫ن‪(81‬‬
‫مو َ‬
‫تُ ْ‬
‫سل ِ ُ‬

‫‪.(‬‬

‫خطورة سوء استخدام النعم‬

‫وكما ذكرنا تتييابع اليييات بنفييس السييياق‪ :‬موجيية‬
‫من النعم‪ ،‬ثم الحث على الشكر عليها‪ ،‬ثييم التحييذير‬
‫من سوء استخدام النعم‪.‬‬
‫ر ُ‬
‫هــا‬
‫فــو َ‬
‫ن نِ ْ‬
‫‪‬ي َ ْ‬
‫مــ َ‬
‫م ُينك ُِرون َ َ‬
‫ت ٱللــه ُثــ ّ‬
‫ع َ‬
‫ع ِ‬
‫ن‪ ( (83‬أرأييييت كيييف أن‬
‫م ٱل ْك َ ٰـــ ِ‬
‫وأ َك ْث َُر ُ‬
‫فُرو َ‬
‫هــ ُ‬
‫َ‬
‫تجاهل نعمة الله قد يؤدي بصاحبه إلييى الكفيير بييالله‬
‫والعياذ بالله؟‪...‬‬
‫وتأتي آيات شديدة في التحذير من نقييض العهييد‬
‫كوُنوا ْ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫مع الله بعد أن أعطانا كل هذه النعم ‪َ ‬‬
‫ت َ‬
‫د ُ‬
‫ك َٱل ِّتى ن َ َ‬
‫ة َأنك َ ٰــًثا ‪‬‬
‫ق َ‬
‫و ٍ‬
‫عـ ِ‬
‫ها ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ض ْ‬
‫غْزل َ َ‬
‫قـ ّ‬
‫‪.((92‬‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ز ّ‬
‫خـ ُ‬
‫ل‬
‫و‬
‫م دَ َ‬
‫‪‬ل َ ت َت ّ ِ‬
‫خل ً ب َي ْن َك ُـ ْ‬
‫م ٰـ ـن َك ُ ْ‬
‫ذوا ْ أي ْ َ‬
‫َ‬
‫فت َـ ِ‬
‫َ‬
‫ها‪.( (94...‬‬
‫م بَ ْ‬
‫قدَ ٌ‬
‫عدَ ث ُُبوت ِ َ‬
‫قِلي ً‬
‫منــا ً َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ل‪ ..‬‬
‫هــ ِ‬
‫شــت َُروا ْ ب ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫د ٱللــه ث َ َ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪.((95‬‬

‫م َين َ‬
‫ق‪‬‬
‫مــا ِ‬
‫ما ِ‬
‫و َ‬
‫عندَك ُ ْ‬
‫‪َ ‬‬
‫ف ـدُ َ‬
‫عن ـدَ ٱللــه ب َــا ٍ‬
‫‪.((96‬‬
‫ثم آيات أخرى تح ّ‬
‫ذر من كفران النعمة‪:‬‬
‫ة َ‬
‫مث َل ً َ‬
‫ة‬
‫مَنــ ً‬
‫قْرَيــ ً‬
‫و َ‬
‫ت ءا ِ‬
‫ضــَر َ‬
‫كــان َ ْ‬
‫ب ٱللــه َ‬
‫‪َ ‬‬
‫مطْمئ ِن ّ ً ْ‬
‫هــا َر َ‬
‫رْز ُ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ن‬
‫غـ ً‬
‫ق َ‬
‫ة ي َأِتي َ‬
‫ل َ‬
‫دا ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫مك َــا ٍ‬
‫ها ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫عم ِ ٱللــه َ‬
‫فك َ َ‬
‫َ‬
‫فأ َ‬
‫س‬
‫ت ب ِـأن ْ ُ‬
‫ف ـَر ْ‬
‫ق َ‬
‫هــا ٱللــه ل ِب َــا َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪305‬‬

‫كاُنوا ْ‬
‫ما َ‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫و ِ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ف بِ َ‬
‫خ ْ‬
‫ع َ‬
‫جو ِ‬
‫وكان الولى بهؤلء أن يفعلييوا كمييا قييال تعييالى‪:‬‬
‫حَلـــل ً طَّيبــا ً‬
‫ق ُ‬
‫مــا َرَز َ‬
‫‪َ ‬‬
‫فك ُُلــوا ْ ِ‬
‫م ٱللــه َ‬
‫كــ ُ‬
‫م ّ‬
‫وٱ ْ‬
‫ن‬
‫دو َ‬
‫عُبــ ُ‬
‫م إ ِّياهُ ت َ ْ‬
‫شك ُُروا ْ ن ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ت ٱلله ِإن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫‪...( (114‬‬
‫ن‪(112‬‬
‫عو َ‬
‫صن َ ُ‬
‫يَ ْ‬

‫‪.(‬‬

‫إبراهيم عليه السلم‪ :‬شاكرا ً لنعمه‬

‫صة شخص شيياكر لنعييم اللييه‪،‬‬
‫وتختم السورة بق ّ‬
‫إنييه سييّيدنا إبراهيييم عليييه السييلم‪ ،‬والملفييت أن‬
‫السورة وصفت سيدنا إبراهيييم بإحييدى أهييم صييفاته‬
‫الييتي تخييدم هييدف السييورة‪َ  :‬‬
‫ه‪‬‬
‫مـ ِ‬
‫ع ِ‬
‫شا ِ‬
‫كرا ً ل َن ْ ُ‬
‫‪.((121‬‬
‫ه‬
‫وبعييد أن أصييبح شيياكرا ً لنعييم اللييه ‪‬‬
‫ٱ ْ‬
‫جت َب َ ٰــ ُ‬
‫قيم ٍ‪.( (121‬‬
‫ست َ ِ‬
‫و َ‬
‫ص ٰر ٍ‬
‫داهُ إ ِل َ ٰى ِ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫َ‬
‫سبب تسمية السورة‬

‫ودناكم مع كل سورة‪ ،‬يبقى سييؤال مهييم‪:‬‬
‫وكما ع ّ‬
‫ميت هذه السورة بسييورة النحييل؟ إن هييذه‬
‫لماذا س ّ‬
‫السورة لم تسم باسم النعم التي ملتها ولكن باسم‬
‫النحل‪ ،‬فلماذا؟‬
‫َ‬
‫يقول تعالى ‪َ ‬‬
‫حى َرب ّ َ‬
‫ن‬
‫ك إِ َ ٰ‬
‫و َ ٰ‬
‫لى ٱلن ّ ْ‬
‫لأ ِ‬
‫حــ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ر‬
‫ٱت ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ذى ِ‬
‫خـ ِ‬
‫شـ َ‬
‫مـ َ‬
‫مـ َ‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫ل ب ُُيوت ًــا َ‬
‫جب َــا ِ‬
‫ج ِ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ر ُ‬
‫ت‬
‫م ـ ٰر ِ‬
‫م ك ُل ِــى ِ‬
‫و ِ‬
‫شو َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ل ٱلث ّ َ‬
‫ن ‪‬ث ُـ ّ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سب ُ َ‬
‫هــا‬
‫ك ذُلل ً ي َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫سل ِ‬
‫خُر ُ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫مــن ب ُطون ِ َ‬
‫كى ُ‬
‫فٱ ْ‬
‫خت َل ِ ٌ َ‬
‫ش َ‬
‫َ‬
‫س‪ (68‬‬
‫م ْ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫شَرا ٌ‬
‫وان ُ ُ‬
‫ب ّ‬
‫ف أل ْ َ‬
‫فآء ِللّنا ِ‬

‫‪306‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪.(- 69‬‬
‫أول ً إن النحل وتنظيم مملكتييه وطريقيية إخراجييه‬
‫للنحل هييي نعييم عظيميية ميين نعييم اللييه وآييياته فييي‬
‫الكون‪.‬‬
‫ثانيًا‪ ،‬إن اليات قد بدأت بقوله تعالى وأ َ‬
‫ح ٰى‬
‫و َ‬
‫‪ْ ‬‬
‫َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ل ‪ ،‬فهي تشير إلى اتبيياع النحييل‬
‫ك إِ َ ٰ‬
‫لى ٱلن ّ ْ‬
‫ح ِ‬

‫للوحي الرباني وطاعتها للييه واسييتعمالها لرشييادات‬
‫ذى‪...‬‬
‫الييوحي لتنفيييذ مييا كلفييت بييه بدقيية ‪‬ٱت ّ ِ‬
‫خـ ِ‬
‫ك ُِلى‪َ ...‬‬
‫كى‪. ...‬‬
‫سل ُ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫فكان النحل نموذجا ً لتوظيف النعمة طاعيية للييه‪،‬‬
‫فذ أوامره‪ ،‬أخرج اللييه ميين بطييونه‬
‫فلما أطاع الله ون ّ‬
‫عسييل ً شييافيا ً ومفيييدا ً للرض كّلهييا‪ ...‬ولحييظ دقيية‬
‫ج ‪ ،‬ولم تقل الية‬
‫التعبير القرآني في كلمة ‪‬ي َ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫)فاخرجي عس ً‬
‫ل(‪ ،‬لنها لمييا اتبعييت الييوحي وطبقييت‬
‫منهج ربنا خرج عسل مفيييد ونييافع‪ ،‬وكييذلك الييوحي‪،‬‬
‫ينزل على المة‪ ،‬فإن الييتزمت بييأوامر اللييه واتبعييت‬
‫الوحي‪ ،‬فسيخرج عسل الهداية والنور للمجتمع‪.‬‬
‫ومن اللطيف في مملكة النحييل‪ :‬اعتمادهييا علييى‬
‫الناث بشييكل أساسييي‪ ،‬وحييتى النييداء القرآنييي لهييا‬
‫‪‬ك ُِلى‪َ ..‬‬
‫كى‪  ..‬كان بصيغة المييؤنث‪ ،‬لن‬
‫سل ُ ِ‬
‫فٱ ْ‬
‫الذكور ل عمل لهم إل تلقيح الملكة‪ ،‬بينما يقع الدور‬
‫الساسي في العمييل والبنيياء وإخييراج العسييل علييى‬
‫الناث‪.‬‬
‫القرآن والعسل‪ ...‬شفاء للرواح والبدان‬

‫سورة البقرة‬

‫‪307‬‬

‫ومن روعة القرآن أيضًا‪ ،‬أن كلمة الشفاء لم ترد‬
‫في القرآن كله إل مرتين‪ :‬مييرة عيين العسييل ومييرة‬
‫عن القرآن‪ ...،‬فالقرآن فيه شييفاء للنيياس كالعسييل‬
‫دد علينا نعما ً‬
‫تمامًا‪ ...‬والله تعالى في هذه السورة ع ّ‬
‫كيييثيرة )وأهمهيييا اليييوحي( وحييي ّ‬
‫ذرنا مييين سيييوء‬
‫اسييتخدامها‪ ...‬فلييو أحسيينا اسييتخدام نعميية العسييل‬
‫سنا استخدام‬
‫فسوف نشفي أبداننا‪ ،‬وبالمقابل لو أح ّ‬
‫القييرآن لكييان فييي ذلييك شييفاء للعقييول والقلييوب‬
‫والرواح‪...‬‬
‫قدم ثمن العسل‬

‫كانت هذه سورة النحل سورة النعم‪ ،‬فإذا علمت‬
‫أن سورة النحل هي سورة النعم‪ ،‬وتذكرت نعم الله‬
‫عليك ثييم لييم تشييعر بكييل جوارحييك وبكييل ذرة ميين‬
‫جسمك بأّنك بحاجة إلى أن تشكر الله‪ ...‬فينبغي أن‬
‫تراجييع نفسييك‪..‬لنييك بهييذا لييم تسييتفد ميين سييورة‬
‫النحل‪ ...‬إنها سورة الحمد‪ ،‬سورة معرفيية نعييم اللييه‬
‫وشكره‪...‬‬
‫وينبغي أن نسأل أنفسنا‪ ،‬هل نحن قد و ّ‬
‫ظفنا ِنعم‬
‫الله في مرضاته‪ ،‬أم نستخدمها فييي معصييية‪ ...‬فييإذا‬
‫كان النسان يستخدم نعم الله في معصيته فليخييف‬
‫ة َ‬
‫مث َل ً َ‬
‫ت‬
‫قْرَيــ ً‬
‫و َ‬
‫ضــَر َ‬
‫كــان َ ْ‬
‫ب ٱللــه َ‬
‫ميين الييية ‪َ ‬‬
‫ة مطْمئ ِن ّ ً ْ‬
‫هــا َر َ‬
‫رْز ُ‬
‫مــن ك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫ءا ِ‬
‫غـ ً‬
‫ق َ‬
‫ة ي َأِتي َ‬
‫دا ّ‬
‫َ‬
‫من َ ً ّ‬
‫هــا ِ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫عم ِ ٱللــه َ‬
‫فك َ َ‬
‫ن َ‬
‫فأ َ َ‬
‫هــا ٱللــه‬
‫ت ب ِ ـأن ْ ُ‬
‫ف ـَر ْ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫مك َــا ٍ‬
‫ما َ‬
‫عون ‪‬‬
‫و ٱل ْ َ‬
‫صن َ ُ‬
‫و ِ‬
‫س ٱل ْ ُ‬
‫ف بِ َ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫ل َِبا َ‬
‫خ ْ‬
‫ع َ‬
‫جو ِ‬

‫‪308‬‬

‫سورة البقرة‬

‫‪..((112‬‬
‫فاليييذي يعصييي الليييه تعييالى مسييتخدما ً نعميييه‬
‫فسيعيش حياةً غير آمنة وسينقص رزقه ويعيش في‬
‫فقر وجوع وخوف‪ ...‬ولذلك كان من أهييم منيين اللييه‬
‫تعالى على قريش‪َ  :‬‬
‫هـٰ َ‬
‫ت‬
‫ب َ‬
‫ذا ٱل ْب َي ْ ِ‬
‫دوا ْ َر ّ‬
‫عب ُ ُ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫‪ ‬ٱّلــ ِ‬
‫مــن ُ‬
‫ذى أطْ َ‬
‫من َ ُ‬
‫م ُ‬
‫مــ ْ‬
‫هــم ّ‬
‫وءا َ‬
‫هــم ّ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫جــو ٍ‬
‫ف ‪) ...‬قريش‪(4-3 ،‬‬
‫و ٍ‬
‫خ ْ‬
‫مشروع عملي‬

‫ما رأيكم أن نتبع قراءتنا لهذه السييورة بمشييروع‬
‫عملي‪ ،‬يزيد ميين إحساسيينا بنعييم اللييه وتفاعلنييا مييع‬
‫سورة النحل؟‬
‫اقرأ سورة النحل‪ ،‬ثم تتّبع النعم المييذكورة فيهييا‬
‫واكتبها كلها‪ ،‬وترجم هذه النعم إلييى حياتييك الخاصيية‬
‫بأمثلة محددة )كالستر مثل ً أو العائلة أو الغذاء(‪ .‬بعد‬
‫ذلك كله تف ّ‬
‫كر في كيفية توظيف كل هذه النعم فييي‬
‫طاعة الله‪ ،‬تكون قد حققت مراد الله منك في هذه‬
‫السورة‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬

‫السراء‬
‫سورة السراء )مكية( نزلت بعد سورة القصص‪،‬‬
‫وهي في ترتيب المصحف بعد سورة النحييل‪ ،‬وعييدد‬
‫آياتها ‪ 111‬آييية‪ .‬وتعييرف هييذه السييورة بسييورة بنييي‬
‫إسرائيل‪.‬‬
‫أعظم اجتماع‬

‫ولكي نقف علييى محييور وهييدف السييورة فنحيين‬
‫بحاجيية للرجييوع إليى قصيية السييراء نفسييها‪ ،‬عنييدما‬
‫ُأسري بالنبي ‪ ‬من المسجد الحرام إلى المسييجد‬
‫القصى‪ ،‬وبعدها كانت رحلة المعراج إلى السماوات‬
‫العلييى‪ .‬فلميياذا لييم تسييم السييورة باسييم سييورة‬
‫المعراج؟ ومييا السيير الكييامن وراء تسييمية السييورة‬
‫بهذا السم؟‬
‫لقد رافق هذا الحدث العظيم حدث آخيير بنفييس‬
‫الهمية‪ ،‬كان أعظم اجتماع في تاريخ البشييرية‪ .‬لقييد‬
‫كييان المسييجد القصييى ممتلئا ً عيين آخييره بأفضييل‬
‫الناس‪ ،‬أنبياء الله تعالى مين ليدن آدم حيتى عيسيى‬
‫عليييه السييلم‪ ،‬وكلهييم كييانوا ينتظييرون النييبي ‪،‬‬
‫ليصلي بهم إمامًا‪.‬‬
‫‪309‬‬

‫سو‬
‫رة‬
‫السراء‬

‫‪310‬‬

‫سورة البقرة‬

‫إمام الرسل والنبياء‬

‫ن صييلة النييبي بالنبييياء هييي عنييوان انتقييال‬
‫إ ّ‬
‫الرسالة إلى هذه المة واستلم النبي ‪ ‬لواء قيادة‬
‫البشرية في هذا المكان المبارك‪ ،‬المسجد القصى‪.‬‬
‫فأنت يا محمد وأنتم يا أمة محمد أصبحتم مسؤولين‬
‫عن الكتاب‪ ،‬أي عن الرسالة التي أرسييلها اللييه إليى‬
‫البشرية والتي تنتقل من نبي إلييى نييبي‪ ،‬ابتييداء ميين‬
‫سيييدنا نييوح الييذي حمييل الرسييالة مييع أولده بعييد‬
‫الطوفيييان‪ ،‬لتصيييل إليييى إبراهييييم حاميييل الكتييياب‬
‫السييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييماوي‬
‫ومن ثم إلى موسى وعيسى عليهما السلم‪ ،‬إلى أن‬
‫وصلت أخيرا ً إلى محمد ‪ ‬وأمته‪.‬‬
‫أمانة الكتاب‬

‫كل نبي من هؤلء كان يؤمر بالحفاظ على كتاب‬
‫الله وأوامره‪ ،‬لكن قييومه ميين بعييده كييانوا يضيييعون‬
‫دلون أحكييامه‪ ،‬فييإذا‬
‫المانة‪ ،‬فيحّرفون الكتيياب أو يب ي ّ‬
‫فعلوا ذلك‪ ،‬يسييتبدلهم اللييه بقييوم آخرييين ليتسييلموا‬
‫أمانة الكتاب‪ .‬وآخر أمة كانت مسؤولة عيين الكتيياب‬
‫هييم بنييو إسييرائيل الييذين أفسييدوا فييي الرض ولييم‬
‫يراعوا حق الكتاب )لذلك سميت السورة باسييمهم‪،‬‬
‫لنها تتحدث عيين انتقييال الكتيياب ميين عهييدتهم إلييى‬
‫الميية المحمدييية‪ ،‬ودلليية ذلييك أن كييل أنبييياء بنييي‬
‫إسرائيل وقفوا يصلون خلف النبي ‪ ،(‬فاسييتبدلهم‬

‫سورة البقرة‬

‫‪311‬‬

‫الله بأمة محمد ‪ ،‬وكييانت حادثيية السييراء عنييوان‬
‫استلم الرسالة‪ .‬فما هو هدف السورة؟‬
‫هدف السورة‪ :‬استشعر قيمة القرآن‬

‫كيف يكون هذا هييو هييدف السييورة؟ ومييا علقيية‬
‫ذلك بالسراء؟‬
‫إن سييورة السييراء هييي أكييثر سييورة ذكيير فيهييا‬
‫القرآن والكتيياب‪ ،‬وفييي ذلييك دلليية علييى استشييعار‬
‫قيمة القرآن‪ .‬وحادثة السراء هييي الحادثيية الممثليية‬
‫لنتقال الكتاب إلى أمة محمد ‪ ،‬وكأنها تقول لنييا‪:‬‬
‫أنتم يا أمة محمد مسؤولون عيين هييذا الكتيياب‪ ،‬عيين‬
‫القرآن‪ .‬فاستشعروا قيمته‪ ،‬وإياكم أن تفرطييوا فيييه‬
‫كمييا فعلييت المييم السييابقة فيسييتبدلكم اللييه كمييا‬
‫استبدلهم‪.‬‬
‫اجعله إمامك‬

‫روى سيدنا علي بن أبي طالب حديثا ً عن رسول‬
‫الله ‪ ‬يوضح أهمية القرآن في حياتنا‪ ،‬وأنييه طييوق‬
‫نجاة لمن يتخذه إمامًا‪ .‬يقول عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫"أل إنها ستكون فتنيية" فقييال سيييدنا علييي‪ :‬فمييا‬
‫المخرج منها يا رسول الله‪.‬‬
‫قال‪" :‬كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وفيه خييبر مييا‬
‫بعدكم وحكم ما بينكم‪ .‬هو بالفصل ليس بالهزل من‬
‫تركه من جبار قصمه اللييه وميين ابتغييى الهييدى فييي‬
‫غيره أضّله الليه‪ .‬هيو حبيل الليه الميتين وهيو اليذكر‬

‫‪312‬‬

‫سورة البقرة‬

‫الحكيم وهو الصراط المستقيم‪ ،‬وهييو الييذي ل تزيييغ‬
‫بييه الهييواء ول تلتبييس بييه اللسيينة ول يشييبع منييه‬
‫العلماء ول يبلى من كثرة الييرد ول تنقضييي عجييائبه‪.‬‬
‫وهو الذي لم تنتييه الجيين إذ سييمعته إل أن قييالوا إنييا‬
‫سمعنا قرآنا ً عجبًا‪ .‬من قال به صدق وميين حكييم بييه‬
‫عدل ومن عمل بييه أجيير وميين دعييى بييه هييدي إلييى‬
‫صراط مستقيم"‪.‬‬
‫تعال معنا‪ ،‬يا قارئ القرآن‪ ،‬وبما أننييا تقريب يا ً فييي‬
‫منتصف رحلتنا مع القرآن الكريم‪ ،‬لنعيش مع سورة‬
‫القرآن ونستشعر عظمته من خلل آياتها‪.‬‬
‫انتقال الكتاب عبر المم‬

‫تبدأ السورة ‪ -‬كما هو واضح ‪ -‬بحادثة السراء‪:‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫‪‬‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ـ ِ‬
‫ن ٱل ّ ـ ِ‬
‫حا َ‬
‫س ـَر ٰى ب ِ َ‬
‫س ـب ْ َ‬
‫ذى أ ْ‬
‫ُ‬
‫مـ َ‬
‫ه ل َي ْل ً ّ‬
‫َ‬
‫د ٱل ْ‬
‫صــى‬
‫حَرام ِ إ ِل َـ ٰ‬
‫د ل‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫ٱْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ى ٱل ْ َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫ق َ‬
‫سـ ِ‬
‫س ِ‬
‫ه‪.( (1..‬‬
‫ٱل ّ ِ‬
‫ذى َباَرك َْنا َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ح ْ‬
‫وفي الية الثانية مباشرة نرى قوله تعالى‪:‬‬
‫ب‪ .( (2‬لقييد جيياءت‬
‫سى ٱل ْك ِت َ ٰـ َ‬
‫مو َ‬
‫وءات َي َْنآ ُ‬
‫‪َ‬‬
‫هذه الية بعد حادثة السراء للتوضيح أن ذكر حادثيية‬
‫السراء يهدف إلى إعلن انتقال الكتيياب إلييى الميية‬
‫المحمدية‪ ،‬لذلك نييرى أن الييية الثانييية تحييدثت عيين‬
‫المة التي كان معها الكتاب من قبل‪:‬‬
‫دى‬
‫‪‬‬
‫عل ْن َــاهُ ُ‬
‫هـ ً‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫سى ٱل ْك ِت َ ٰـ ـ َ‬
‫مو َ‬
‫وءات َي َْنآ ُ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ٰرءي َ‬
‫خ ُ‬
‫كيل ً ‪‬‬
‫ل أل ّ ت َت ّ ِ‬
‫و ِ‬
‫ذوا ْ ِ‬
‫مــن ُ‬
‫ل ّب َِنى إ ِ ْ‬
‫دون ِــى َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪313‬‬

‫‪.((2‬‬
‫مل َْنا‬
‫فكيف وصل الكتاب إليهم؟ ‪‬ذُّري ّ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫ة َ‬
‫ش ُ‬
‫ه َ‬
‫دا َ‬
‫كوًرا‪.( (3‬‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫عب ْ ً‬
‫م َ‬
‫ح إ ِن ّ ُ‬
‫َ‬
‫ع ُنو ٍ‬
‫وكييأن هييذه اليييات الثلث تصييوير مييادي لحركيية‬
‫انتقال الكتاب عبر المم‪.‬‬
‫فماذا فعلوا بالكتاب؟ ولماذا استبدلوا؟‬
‫و َ‬
‫س ٰرءي َ‬
‫ب‬
‫ل ِ‬
‫ق َ‬
‫ض‪‬ي َْنا إ ِل َ ٰى ب َِنى إ ِ ْ‬
‫فى ٱل ْك ِت َ ٰـــ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لت ُ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫سدُ ّ‬
‫ولت َ ْ‬
‫علـ ّ‬
‫ض َ‬
‫علـ ّ‬
‫ن َ‬
‫مّرت َي ْـ ِ‬
‫فــى ٱل ْر ِ‬
‫ور‬
‫ك َِبيرا ً‪ ...( (4‬وتمضييي اليييات ميين ‪ 7 - 4‬لتص ي ّ‬
‫تضييع المة السابقة لهذه المانة إلى أن نصييل إلييى‬
‫آية محورية‪ ،‬الية ‪ ،9‬لتعلن مسييؤولية أميية السييلم‪،‬‬
‫عن الكتاب‪.‬‬
‫ى أَ ْ‬
‫ذا ٱل ْ ُ‬
‫هـٰ َ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫دى ل ِل ِّتى ِ‬
‫ه ِ‬
‫قْرءا َ‬
‫‪‬إ ِ ّ‬
‫و ُ‬
‫ن يِ ْ‬
‫ق َ‬
‫ه َ‬
‫مــــ ْ‬
‫وي ُب َ ّ‬
‫ن‬
‫ن ٱّلــــ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُلــــو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫ع َ‬
‫شــــُر ٱل ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ٱّلــ ِ‬
‫حا ِ‬
‫جًرا ك َِبي ـًرا ‪ ‬وأ ّ‬
‫تأ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫ص ٰـل ِ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ٱل ّ‬
‫َ‬
‫ل َ يُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ما ‪‬‬
‫م َ‬
‫ة أَ ْ‬
‫ن ب ِٱل َ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫عت َدَْنا ل َ ُ‬
‫ذاًبا أِلي ً‬
‫ه ْ‬
‫‪.((9 – 10‬‬
‫فاستمسكوا بهذا الكتاب‪ ،‬واستعصييموا بييه‪ ،‬فييإنه‬
‫يهديكم أيها المسلمون للتي هي أقوم‪...‬‬
‫كتاب الخرة‬

‫وفي معرض الحديث عيين يييوم القياميية‪ ،‬تتحيدث‬
‫اليات عن كتاب الخرة ‪ -‬كتاب العمال والحسيينات‬
‫والسيئات ‪ -‬لتبّين مصير الييذي ل يلييتزم بكتيياب اللييه‬

‫‪314‬‬

‫سورة البقرة‬

‫في الدنيا‪.‬‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫‪‬ك ُ ّ‬
‫ه‬
‫و‬
‫فــى ُ‬
‫عن ُ ِ‬
‫طـ ـئ َِرهُ ِ‬
‫قـ ِ‬
‫ل إ ِن ْ َ‬
‫من َ ٰـ ُ‬
‫ن أل َْز ْ‬
‫َ‬
‫س ٰـ ٍ‬
‫ة ك َِتاًبا ي َل ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ون ُ ْ‬
‫م ٱل ْ ِ‬
‫شورا ً ‪‬‬
‫م ِ‬
‫ر ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ق ٰـ ُ‬
‫قي َ ٰـ َ‬
‫ج لَ ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫ْ‬
‫عل َي ْ ـ َ‬
‫سـ َ‬
‫قــَرأ ك َـت َـبَٰ َ‬
‫ى ب ِن َ ْ‬
‫ك كَ َ‬
‫ٱ ْ‬
‫ك‬
‫فـ ٰ‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫ك ٱل َْيــ ْ‬
‫سيًبا‪.( (13 – 14‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫فقضية الكتاب قضية أساسية في حياة المسلم‪،‬‬
‫فإن لم تقرأ أيها المسلم كتيياب اللييه وتفهييم معييانيه‬
‫وتطّبقهييا فييي حياتييك الييدنيا‪ ،‬فميياذا سييتفعل بكتيياب‬
‫الخرة؟‪..‬‬
‫أوامر الكتاب‬

‫ومن أول الربع الثاني تتكلم السورة عن عظميية‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬لنه يأمر بما تقتضيه كل فطرة سليمة‪،‬‬
‫فييأي صيياحب عقييل سييليم وفطييرة سييليمة غييير‬
‫وشة ل يسعه حين يقرأ هذا الكتاب إل أن يس يّلم‬
‫مش ّ‬
‫ويعترف بعظمته‪ ...‬فمن هذه الوامر‪:‬‬
‫ض ٰ ى رب َ َ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫ق‬
‫‪َ ‬‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أل ّ ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ إ ِي ّ ٰـ ُ‬
‫ بّر الوالدين َ‬‫ْ‬
‫عندَ َ‬
‫ك ٱل ْك ِب ََر‬
‫ح َٰ‬
‫ما ي َب ْل ُ َ‬
‫ن ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫غ ّ‬
‫سـنا ً إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫وب ِٱلوٰل ِدَي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫فل َ ت َ ُ‬
‫مــا َ‬
‫مــا أ ّ‬
‫و ك ِل َ ُ‬
‫حدُ ُ‬
‫أ َ‬
‫قــل ل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ما َ‬
‫و ُ‬
‫ض‬
‫وٱ ْ‬
‫خ ِ‬
‫هْر ُ‬
‫قل ل ّ ُ‬
‫ت َن ْ َ‬
‫ري ً‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫فــ ْ‬
‫ما ‪َ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ما َ‬
‫ول ً ك َ ِ‬
‫و ُ‬
‫ح ٱلـذّ ّ‬
‫ب‬
‫مـ ِ‬
‫ل ِ‬
‫قــل ّر ّ‬
‫ن ٱلّر ْ‬
‫جَنا َ‬
‫ما َ‬
‫لَ ُ‬
‫مـ َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫غيًرا‪...( (23 – 24‬‬
‫ص ِ‬
‫ٱْر َ‬
‫م ُ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ه َ‬
‫ح ْ‬
‫ما َرب َّياِنى َ‬
‫ت َ‬
‫ذا‬
‫وءا ِ‬
‫ اسييتعمال المييال فييي أوجييه الخييير ‪َ ‬‬‫ح ّ‬
‫ٱل ْ ُ‬
‫ل‬
‫س ِ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫قْرَبىٰ َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫م ْ‬
‫و ٱب ْ َ‬
‫كي َ‬
‫ق ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪315‬‬

‫ن َ‬
‫ن‬
‫كاُنوا ْ إ ِ ْ‬
‫ول َ ت ُب َذّْر ت َب ْ ِ‬
‫خ ٰو َ‬
‫ذيًرا ‪‬إ ِ ّ‬
‫ري َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫َ‬
‫مب َذّ ِ‬
‫و َ‬
‫ه كَ ُ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫ٱل ّ‬
‫فــوًرا‬
‫ن ل َِرب ّـ ِ‬
‫شي َ ٰـ ِ‬
‫كا َ‬
‫شي ْطَ ٰـ ُ‬
‫ن َ‬
‫طي ِ‬
‫‪..( (26 - 27‬‬
‫ل ي َدَ َ‬
‫ع ْ‬
‫ك‬
‫ج َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ التوازن بين البخل والسراف ‪َ ‬‬‫قـــ َ‬
‫ها ك ُـــ ّ‬
‫ل‬
‫ة إ ِل َـــ‬
‫م ْ‬
‫ٰى ُ‬
‫غُلول َـــ ً‬
‫عن ُ ِ‬
‫ســـطْ َ‬
‫ول َ ت َب ْ ُ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫فت َ ْ‬
‫ط َ‬
‫سورا ً‪...( (29‬‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫ق ُ‬
‫ح ُ‬
‫ٱل ْب َ ْ‬
‫ما ّ‬
‫مُلو ً‬
‫عدَ َ‬
‫نداء الفطرة‬

‫كلهييا أواميير ونييواهي تخيياطب العقييل السييليم‬
‫والفطرة الحية‪ ،‬فمن يعييرض عيين هييذا الكلم؟ كيييف‬
‫نهجره وكيف ل نستمسك بييه؟ وفيييه مصييلحة البشيير‬
‫وخيرهم‪...‬‬
‫َ‬
‫ة إِ ْ َ‬
‫‪‬ل َ ت َ ْ‬
‫خ ْ‬
‫ن‬
‫و‬
‫م َ‬
‫شـي َ َ‬
‫ق نّ ْ‬
‫حـ ُ‬
‫ولدَك ُـ ْ‬
‫قت ُل ُــوا ْ أ ْ‬
‫ َ‬‫مل ٰــ ٍ‬
‫م َ‬
‫وإ ِّيــا ُ‬
‫ن َ‬
‫ن َْرُز ُ‬
‫خطًْئا‬
‫ن ِ‬
‫كــا َ‬
‫كم إ ّ‬
‫قت ْل َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫هــ ْ‬
‫هــ ْ‬
‫م َ‬
‫ك َِبيًرا‪.( (31‬‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫و‪‬ل َ ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ة‬
‫قَرُبــوا ْ ل‬
‫شــ ً‬
‫فا ِ‬
‫كــا َ‬
‫ٱّزَنــ ٰى إ ِّنــ ُ‬
‫ َ‬‫سِبيل ً‪.( (32‬‬
‫ساء َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ولن اليات تخاطب الفطييرة‪ ،‬فقييد تكلمييت عيين‬
‫الزنا أنه "ساء سبي ً‬
‫ل" لنه ِفع ٌ‬
‫قبييح‪ ،‬وإن لييم‬
‫ل بييالغ ال ُ‬
‫يلحظ بعض أصحاب النفوس الضعيفة ذلييك‪ ،‬لنييه ل‬
‫مشيييي فيييي طريقيييه إل الهلك‬
‫ييييترتب عليييى ال َ‬
‫والكييوارث‪ ،‬مثييل قتييل النفييس‪ ،‬وضييعف الييرزق‪،‬‬
‫و ُ‬
‫ظلميية الييوجه‪ ،‬واختلط النسيياب والحييياة البائسيية‬
‫الكئيبة‪...‬‬

‫‪316‬‬

‫سورة البقرة‬

‫م ٱللــه إ ِل ّ‬
‫قت ُُلوا ْ ٱلن ّ ْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫س ٱل ِّتى َ‬
‫حّر َ‬
‫ف َ‬
‫ ‪َ ‬‬‫ق‪.( (33‬‬
‫ب ِٱل َ‬
‫ح ّ‬
‫ل لْ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ى‬
‫ٱي َِتي ـم ِ إ ِل ّ ِبــ ٱل ِّتى ِ‬
‫قَرُبوا ْ َ‬
‫ ‪َ ‬‬‫هـ َ‬
‫َ‬
‫ن‪.( (34‬‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫ ‪َ ‬‬‫وزُنــــوا ْ‬
‫و ُ‬
‫فــــوا ٱل ْك َْيــــ َ‬
‫ل ِإذا ك ِل ُْتــــ ْ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫م َ ِ‬
‫ق ْ َ‬
‫م‪.( (35..‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ب ِ ٱل ِ‬
‫م ْ‬
‫س ٱل ْ ُ‬
‫قي ِ‬
‫سطا ِ‬
‫س لَ َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ع‬
‫ه ِ‬
‫ق ُ‬
‫ك بِ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ّ‬
‫س ْ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫ف َ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫ ‪َ ‬‬‫ل ُأول ٰـ ـئ ِ َ‬
‫و ٱل ْ ُ‬
‫فـ َ‬
‫ؤادَ ك ُـ ّ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ك ك َــا َ‬
‫عن ْـ ُ‬
‫و ٱل ْب َ َ‬
‫صَر َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ؤول ً‪.( (36‬‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حــا إ ِّنــ َ‬
‫ك َلــن‬
‫ش ِ‬
‫مَر ً‬
‫ض َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫ ‪َ ‬‬‫فــى ٱل ْر ِ‬
‫مــ ِ‬
‫َ‬
‫جب َــا َ‬
‫ل طُــول ً ‪‬‬
‫وَلن ت َب ْل ُ َ‬
‫تَ ْ‬
‫رقَ ٱل ْر َ‬
‫غ ٱل ْ ِ‬
‫ض َ‬
‫خ ِ‬
‫‪.((37‬‬
‫فميين يرفييض مثييل هييذا الكلم‪ ،‬وكيييف يمكيين‬
‫للمسلمين أن يهجروا هذا الكتاب‪ ،‬وهو يأمرهم بكيل‬
‫هييذا الخييير وينهيياهم عمييا فيييه ضييررهم وهلكهييم؟‬
‫عن ْـدَ َرب ّـ َ‬
‫ل ٰذل ِ َ‬
‫كُ ّ‬
‫هــا ‪‬‬
‫‪‬‬
‫مك ُْرو ً‬
‫ه ِ‬
‫ك ك َــا َ‬
‫ن َ‬
‫ك َ‬
‫سـي ّئ ُ ُ‬
‫‪.((38‬‬
‫لذلك نرى تعقيبا ً رائعا ً على كل ما سبق ‪ٰ‬ذل ِـ َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫ك َرب ّـ َ‬
‫حى إ ِل َي ْـ َ‬
‫ة‪( (39..‬‬
‫و َ ٰ‬
‫ن ٱل ْ ِ‬
‫مـ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ِ‬
‫مـ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ما أ ْ‬
‫فكل ما سبق حكمة‪ ،‬وكله يؤدي بالنسان لن يعيش‬
‫حياة كريميية فييي الييدنيا والخييرة‪ ،‬فييإذا غفييل عنهييا‪:‬‬
‫فت ُل ْ َ‬
‫خَر َ‬
‫ع ْ‬
‫فــى‬
‫ها ءا َ‬
‫و‪‬‬
‫قـ ٰى ِ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫ل َ تَ ْ‬
‫ع ٱلله إ ِل َ ٰـ ً‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫حوًرا‪ .( (39‬فهل أدركنا عظميية‬
‫مدْ ُ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ما ّ‬
‫ملو ً‬
‫م َ‬
‫هن ّ َ‬

‫سورة البقرة‬

‫‪317‬‬

‫هذا القرآن؟ وربنا سبحانه وتعالى يخبرنا بييأن الخييير‬
‫كل الخير موجود في القرآن‪:‬‬
‫ذا ٱل ْ ُ‬
‫صـــّر ْ‬
‫ول َ َ‬
‫هــــٰ َ‬
‫ن‬
‫فـــى َ‬
‫فَنا ِ‬
‫قـــدْ َ‬
‫قـــْرءا ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫م إ ِل ّ ن ُ ُ‬
‫فوًرا‪.( (41‬‬
‫زيدُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ل ِي َذّك ُّروا ْ َ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫قيمة القرآن‬

‫وبعييد أن بّينييت اليييات عظميية القييرآن وأهمييية‬
‫أحكامه‪ ،‬تقوم بعد ذلك بين الية والخرى بذكر مزايا‬
‫الكتيياب )فهييي أكييثر سييور القييرآن إيييرادا ً للكتيياب(‪،‬‬
‫فنرى فيها‪:‬‬
‫ذا َ ْ‬
‫ت ٱل ْ ُ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫قــرءا َ‬
‫قَرأ َ‬
‫حفظ القرآن لهلييه‪َ  :‬‬
‫ن لّ‬
‫عل َْنا ب َي ْن َ َ‬
‫ن ل َ يُ ْ‬
‫ة‬
‫ن ب ِ ـ ٱل َ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ٱ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫وب َي ْ َ‬
‫ك َ‬
‫عل َ ٰى ُ ُ‬
‫ة َأن‬
‫عل َْنا َ‬
‫م أ َك ِن ّ ً‬
‫ِ‬
‫ج َ‬
‫و‪َ ‬‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫جاًبا ّ‬
‫سُتوًرا َ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫ت َرب ّـ َ‬
‫و ْ‬
‫ف َ‬
‫يَ ْ‬
‫وإ ِ َ‬
‫فى ءا َ‬
‫ك‬
‫و ِ‬
‫ذا ذَك َْر َ‬
‫ق ُ‬
‫ه ْ‬
‫قًرا َ‬
‫م َ‬
‫هوهُ َ‬
‫ذان ِ ِ‬
‫َ‬
‫فــى ل ْ‬
‫ٱ ُ‬
‫م‬
‫وا ْ َ‬
‫ِ‬
‫ر ِ‬
‫و ْ‬
‫ه ْ‬
‫وّلــ ْ‬
‫حــدَهُ َ‬
‫ن َ‬
‫قــْرءا ِ‬
‫عَلــ ٰى أدْب َ ٰـــ ِ‬
‫نُ ُ‬
‫فورا ً‪.( (45-46‬‬
‫اشتمال القرآن على أسرار التاريخ وسيينن قيييام‬
‫هل ِ ُ‬
‫من َ‬
‫هــا‬
‫كو َ‬
‫قْري َ ٍ‬
‫ة إ ِل ّ ن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن ُ‬
‫وِإن ّ‬
‫الحضارات‪َ  :‬‬
‫قي ٰـم َ‬
‫َ‬
‫ذاًبا َ‬
‫قب ْ َ‬
‫عـ َ‬
‫دا‬
‫ها َ‬
‫عذُّبو َ‬
‫شـ ِ‬
‫و م ِ ٱل ْ ِ َ َ ِ‬
‫دي ً‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫ةأ ْ‬
‫ل يَ ْ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫طوًرا‪.( (58‬‬
‫ن ٰذِلك ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ب َ‬
‫فى ٱل ْك ِت َ ٰـ ِ‬
‫فالنسان حين يرى تركيييز سييورة السييراء علييى‬
‫عظميية القييرآن وهييو ل يييزال فييي منتصييف القييرآن‬
‫)الجزء ‪ ،(15‬فل بد أن يستشعر أهميته ول يمر علييى‬
‫آياته مرور الكرام‪ ،‬لن هذه اليييات سييتكون فرصيية‬
‫عظيمة له لرفع درجاته يوم القياميية‪ ،‬كمييا جيياء فييي‬

‫‪318‬‬

‫سورة البقرة‬

‫حديث النبي ‪" :‬يقال لقارئ القييرآن يييوم القياميية‬
‫ن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"‪..‬‬
‫إقرأ وارق ورّتل فإ ّ‬
‫فعدد درجييات الجنيية يييا أخييي المسييلم هييو بعيدد‬
‫آيات القرآن‪ .‬أل تريد الجنة؟ أل تحلم بهييا وتتمناهييا؟‬
‫أل تريييد الفييردوس العلييى؟ إذا ً فييالزم قييراءة هييذا‬
‫القرآن‪ ،‬وخاصة في صلة الفجر وفي قيام الليل‪.‬‬
‫ٱ ّ‬
‫س إ َِلــ ٰى‬
‫ك ل‬
‫قــ‬
‫أَ ِ‬
‫صــل َ ٰوةَ ِلــدُُلو ِ‬
‫شــ ْ‬
‫‪‬م ِ ٱل ّ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫ن ٱل ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ن‬
‫قــْرءا َ‬
‫ر إِ ّ‬
‫قــْرءا َ‬
‫ف ْ‬
‫غ َ‬
‫ل َ‬
‫ق ٱل ّْيــ ِ‬
‫جــ ِ‬
‫ســ ِ‬
‫ر َ‬
‫ٱل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫دا‪.( (78‬‬
‫كا َ‬
‫هو ً‬
‫ف ْ‬
‫ش ُ‬
‫ن َ‬
‫ج ِ‬
‫ة ل ّـ َ‬
‫ل َ‬
‫س ـ ٰى‬
‫ك َ‬
‫فل َـ ً‬
‫ه َنا ِ‬
‫جدْ ب ِ ِ‬
‫و‪ِ ‬‬
‫ه ّ‬
‫ع َ‬
‫فت َ َ‬
‫م َ‬
‫ن ٱل ّي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قامـــــــــــا ً‬
‫ك َرّبـــــــــــ َ‬
‫عَثـــــــــــ َ‬
‫م َ‬
‫أن ي َب ْ َ‬
‫ك َ‬

‫دا‪(79‬‬
‫مو ً‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ّ‬

‫‪.(‬‬

‫شفاء ورحمة للمؤمنين‬

‫واسمع قوله تعالى‪:‬‬
‫شــ َ‬
‫ن ٱل ْ ُ‬
‫ون َُنــّز ُ‬
‫فاء‬
‫مــا ُ‬
‫و ِ‬
‫ل ِ‬
‫مــ َ‬
‫ن َ‬
‫هــ َ‬
‫قــْرءا ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫ن إ َل ّ‬
‫مــ ْ‬
‫مــ ٌ‬
‫زيــدُ ٱلظّ ٰـــل ِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫وَر ْ‬
‫مي َ‬
‫مِني َ‬
‫ة ل ّل ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ول َ ي َ ِ‬
‫ساًرا‪ .( (82..‬فكما قلنا فييي سييورة النحييل‪ ،‬لييم‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ترد لفظة الشفاء في القييرآن إل للعسييل والقييرآن‪،‬‬
‫لن العسل شييفاء البييدان ميين المييراض‪ ،‬والقييرآن‬
‫شفاء للقلوب ودواء لرواح المؤمنين الذين يعرفون‬
‫قيمته‪.‬‬
‫تحدي القرآن‬

‫واليات التي تحدثت عيين عظميية القييرآن كييثيرة‬

‫سورة البقرة‬

‫‪319‬‬

‫ّ‬
‫فييي السييورة‪ُ  :‬‬
‫س‬
‫عــ ِ‬
‫م َ‬
‫نٱ ْ‬
‫جت َ َ‬
‫لنــ ُ‬
‫تٱ ِ‬
‫قــل لئ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫ع َ ٰ َ‬
‫ن لَ‬
‫ذا ٱل ْ ُ‬
‫هـٰ َ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫لى أن ي َأُتوا ْ ب ِ ِ‬
‫ج ّ‬
‫و ٱل ْ ِ‬
‫قْرءا ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫هيــًرا‬
‫ع ُ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫كا َ‬
‫ي َأُتو َ‬
‫م ل ِب َ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول ْ‬
‫ه َ‬
‫ضظ ِ‬
‫عــ ٍ‬
‫‪.( (88‬‬
‫فافتخر بهذا التحدي الذي ل يزال قائما ً إلى يييوم‬
‫القيامة‪.‬‬
‫ذا ٱل ْ ُ‬
‫صّر ْ‬
‫ول َ َ‬
‫هـٰ َ‬
‫ن‬
‫فى َ‬
‫س ِ‬
‫قدْ َ‬
‫قــْرءا ِ‬
‫‪َ ‬‬
‫فَنا ِللّنا ِ‬
‫فأ َ ٰ َ‬
‫س إ ِل ّ ك ُ ُ‬
‫من ك ُ ّ‬
‫فــوًرا ‪‬‬
‫ِ‬
‫ل َ َ‬
‫ل َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫بى أك ْث َُر ٱلّنا ِ‬
‫‪.((89‬‬
‫فكل احتياجات الحياة الكريمة موجودة فييي هييذا‬
‫القرآن‪ ،‬لكن أكثر الناس يأبى إل الكفر والجحود‪.‬‬
‫دور القرآن‬

‫َ‬
‫وِبــ ل ْ‬
‫ق َنــَز َ‬
‫مــا‬
‫‪‬‬
‫وِبــ ٱل ْ َ‬
‫ٱ َ‬
‫و َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل َ‬
‫ق أن َْزل َْنــاهُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫فَر ْ‬
‫قْرءان ًــا َ‬
‫و ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫ه‬
‫ون َ ِ‬
‫أْر َ‬
‫قَنـا ُ‬
‫ك إ ِل ّ ُ‬
‫ذيًرا ‪َ ‬‬
‫شًرا َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫ه‬
‫عل َــى ل‬
‫س َ‬
‫ق ـَرأ َهُ َ‬
‫مك ْ ـ ٍ‬
‫ون َّزل ْن َ ٰـ ـ ُ‬
‫عل َ ـ ٰى ُ‬
‫ث َ‬
‫ٱن ّــا ِ‬
‫زيل ً‪..( (105 – 106‬‬
‫ت َن ْ ِ‬
‫لقد سميت هذه السييورة بسييورة السييراء حييتى‬
‫نتذكر ‪-‬كلما قرأناها ‪ -‬النبي ‪ ،‬وهو يستلم الكتيياب‬
‫في رحلة السراء‪ ،‬ويسّلمه لنا من بعده‪.‬‬
‫وبما أننا تحملنا مسؤولية حمييل القيرآن‪ ،‬فينبغيي‬
‫أن نكثر من قراءته‪ ،‬ليس في رمضان فقط‪ ،‬بل في‬
‫كل الشهور‪ ،‬وينبغييي أن نتييدبره ونعمييل بييه ونعّلمييه‬
‫فذ منهجه‪...‬‬
‫لمن حولنا وننشره ونن ّ‬

‫‪320‬‬

‫سورة البقرة‬

‫أحّباء القرآن‬

‫وختام السورة تذكرة بأنيياس أحب ّييوا القييرآن حبيا ً‬
‫شديدًا‪ ،‬وفهموا هدف سورة السييراء‪ ،‬فتفيياعلوا مييع‬
‫ل ءامن ُــوا ْ بـ َ‬
‫و لَ‬
‫كتاب الله تفاعل ً صييادقًا‪ُ  :‬‬
‫قـ ْ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫هأ ْ‬
‫مــن َ‬
‫تُ ْ‬
‫ه إِ َ‬
‫ذا‬
‫ن ُأوُتوا ْ ٱل ْ ِ‬
‫قب ْل ِ ـ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ٱل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنوا ْ إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫عل ْ َ‬
‫ٰى َ َ‬
‫ن ل ِل َذْ َ‬
‫دا‬
‫ي ُت َْلـــ‬
‫م يَ ِ‬
‫خـــّرو َ‬
‫ج ً‬
‫ســـ ّ‬
‫ن ُ‬
‫هـــ ْ‬
‫قـــا ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫وي َ ُ‬
‫ع ـدُ َرب ّن َــا‬
‫و ْ‬
‫ن َرب ّن َــا ِإن ك َــا َ‬
‫حا َ‬
‫قول ُــو َ‬
‫س ـب ْ َ‬
‫ن ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن ل ِلذْ َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫زيــدُ ُ‬
‫وي َ ِ‬
‫ن ي َب ْكــو َ‬
‫خّرو َ‬
‫ف ُ‬
‫ه ْ‬
‫لَ َ‬
‫ن َ‬
‫قا ِ‬
‫عول ً ‪َ ‬‬
‫وي َ ِ‬
‫خ ُ‬
‫عا‪.( (107 – 109‬‬
‫ُ‬
‫شو ً‬
‫والحمد لله‪ ،‬لقد أصبحنا نرى هذه اليييات تنطبيق‬
‫على بعض الشباب في المساجد‪ ،‬وخاصة في شييهر‬
‫رمضييان‪ .‬تنظيير إليهييم فييتراهم "يخييرون للذقييان‬
‫يبكون"‪ .‬وكلمييا تليييت عليهييم آيييات القييرآن تزيييدهم‬
‫خشوعًا‪ ...‬وهو أمر مطمئن‪ ،‬لن تعامل الشباب مييع‬
‫القرآن بهذا المستوى يب ّ‬
‫شر ببوادر خير لهذه المة‪.‬‬
‫يرفع أقواما ً ويضع آخرين‬

‫فإن لييم نكيين كأحبيياء القييرآن الييذين ذكييروا فييي‬
‫اليييات السييابقة‪ ،‬فييإن نفييس اليييات تحييذرنا ميين‬
‫ل ءامن ُــوا ْ ب ـ َ‬
‫السييتبدال ‪ُ ‬‬
‫و ل َ تُ ْ‬
‫قـ ْ‬
‫من ُــوا ْ ‪.‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫هأ ْ‬
‫فالمم السابقة قد قصرت في حفظ الكتاب وتبليغه‬
‫فنزع منها إلييى الميية الييتي تليهييا فييالتي تليهييا حييتى‬
‫وصل إلينا‪ ،‬فماذا لو قصييرت هييذه الميية فييي حمييل‬
‫المانة؟‬
‫إن الحساب سيكون أشد يوم القياميية لننييا آخيير‬

‫سورة البقرة‬

‫‪321‬‬

‫أمة ستحمل هذه المانة قبل قيام الساعة‪ ،‬فل يجدر‬
‫صيير‪ ،‬بييل نجتهييد فييي حمييل هييذه المانيية‪،‬‬
‫بنييا أن نق ّ‬
‫ت في ُ‬
‫كييم مييا إن‬
‫وتطييبيق حييديث النييبي ‪" :‬تركيي ُ‬
‫كتيياب اللييه‪،‬‬
‫ضييّلوا بعييدي أبييدًا‪ِ :‬‬
‫سييكُتم بييه ليين ت ِ‬
‫تم ّ‬
‫سييّنتي"‪ .‬فل نهضيية لمتنييا ول عييز ول خييروج ميين‬
‫و ُ‬
‫ب‬
‫الظلمييات إلييى النييور إل بهييذا الكتيياب‪ :‬ك َِتــا ٌ‬
‫َ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ‬
‫ت‬
‫ك ل ِت ُ ْ‬
‫م ٰـــ ِ‬
‫س ِ‬
‫ر َ‬
‫مــ َ‬
‫ن ٱلظّل ُ َ‬
‫أنَزل ْن َ ٰـ ُ‬
‫ج ٱلّنــا َ‬
‫خ ِ‬
‫ر ‪.‬‬
‫إ َِلى ٱلّنو ِ‬
‫كنوز من الحسنات‬

‫استشعر وأنت تقرأ القرآن ‪ -‬إلى جيانب عظمتيه‬
‫وأهميته ‪ -‬الكم الهييائل ميين الحسيينات الييتي ترافييق‬
‫قراءة القرآن‪.‬‬
‫فالنبي ‪ ‬يقول "من قرأ حرفا ً من القييرآن فلييه‬
‫به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ل أقييول ‪‬الــم ‪‬‬
‫حرف بل ألف حرف ولم حرف وميم حرف"‪...‬‬
‫فإذا قرأت "بسييم اللييه الرحميين الرحيييم" مثل ً ‪-‬‬
‫وفيها تسعة عشر حرف يا ً ‪ -‬فإنييك تنييال مئة وتسييعين‬
‫حسنة‪.‬‬
‫إذا ً فجزء القرآن ‪ -‬الذي يكييون متوسييط حروفييه‬
‫سبعة آلف حرف ‪ -‬ينال عليه المسلم سييبعين ألييف‬
‫حسيينة ف