‫المفسدون في الرض‬

‫من هم اليهود‪ -‬أصلهم‪ -‬عقائدهم‪ -‬تطورهم الجتماعي و القتصادي والسياسي‬
‫‪ -1‬اليهود‪:‬‬
‫لم يكن هناك إجماع تاريخي‪ ,‬متفق عليه حول أصل اليهود‪ ,‬وإنما هناك أقوال متضاربة‪ ,‬وأحكام مختلفة عن هذه الطائفة التي عرفت فيما‬
‫بعد باسم ) العبرانيون (‪ ,‬منها الديني ومنها المدني‪ ,‬وبينها القديم والحديث‪ ,‬فكان للمؤرخين اليهود آراء وللمستشرقين المحدثين آراء‬
‫أيضًا‪ ,‬ولكنها كلها تحول دون تكوين فكرة ثابتة واضحة عن الجذور الولى للطائفة اليهودية‪ ,‬إذ ليس ثمة مستندات حقيقية و مراجع‬
‫ثابتة لتاريخ السرائيليين أكثر مما ذكر عنهم في صفحات )سفر التكوين( في كتاب اليهود المقدس‪ ,‬الذي خل بالطبع من الحقيقة‬
‫التاريخية‪ ,‬والذي كان يهدف في جملة ما يهدف‪ ,‬وبالدرجة الولى إلى أن يجعل لهذه الوحدة البشرية الصغيرة منزلة رفيعة بين المم‪,‬‬
‫فأسبغ عليها مظهر المة الممتازة المتفوقة‪ ,‬التي اصطفاها ال‪ ,‬وجعل منها شعبه المختار وفضلها على العالمين!‪.‬‬
‫أما تاريخ اليهود الحقيقي فيبدأ من النبي )أبرام أو إبراهيم ابن تارح( المؤسس الول للشعب العبراني وكبير آبائه أو قضاته أو حكمائه‬
‫أو أنبيائه‪ ,‬عندما هاجر على رأس قبيلته من ) أور ( الكلدانيين في العراق إلى سوريا‪ ,‬حوالي عام ‪ 1920‬ق‪.‬م وعبر بهم نهر الفرات‪,‬‬
‫وأقام في الشمال‪ ,‬ثم انتقل إلى فلسطين حيث الكنعانيين وهم قبائل )سامية‪-‬عربية(‪ ,‬استوطنت هذه البقعة من الرض‪ ,‬في واحدة من‬
‫الموجات البشرية التي كانت تتدفق بين حين وآخر من جزيرة العرب‪ ,‬هذا الخزان البشري الهائل الذي أجمع المؤرخون‪ ,‬أو كادوا‪ ,‬على‬
‫أنه المصدر الحقيقي لجميع الشعوب السامية عبر التاريخ‪.‬‬
‫وواصل إبراهيم ترحاله‪ ,‬على رأس قبيلته‪ ,‬ومعه )زوجته الحسناء سارة‪ ,‬وابن أخيه لوط(‪ ,‬حتى وصل إلى حدود شبه جزيرة سيناء‪,‬‬
‫فاتجه قسم من هذه القبيلة شرقًا على ساحل البحر الميت بقيادة لوط‪ ,‬وبقي القسم الخر في المنطقة المعروفة اليوم باسم )بئر السبع(‬
‫بقيادة إبراهيم‪.‬‬
‫وقيل إن هذه القبيلة عرفت منذ ذلك الوقت باسم العبرانيين‪ ,‬لنها عبرت النهر في طريقها إلى فلسطين أو أرض كنعان‪ ,‬ولم يذكر التاريخ‬
‫أن هناك صلة قبل ذلك بين العبرانيين وفلسطين حتى إن التوراة‪ ,‬وهي كتاب اليهود المقدس‪ ,‬الذي حدد وجودهم ورسم أهدافهم‪ ,‬كان‬
‫يذكر فلسطين بأنها أرض كنعان ‪ ..‬ول شيء غير ذلك !‬
‫ومن هنا نجد أن سفر التكوين نفسه‪ ,‬كتاب اليهود المقدس‪ ,‬يؤكد بوضوح وجلء‪ ,‬بأن فلسطين هي قبل كل شيء وأول كل شيء‪,‬‬
‫كنعانية‪ ,‬إي أنها موطن الكنعانيين‪ ,‬هذه القبائل السامية‪-‬العربية التي لم يشك مؤرخ واحد‪ ,‬قديمًا وحديثًا في أصلها العربي‪.‬‬
‫ولليهود أسماء كثيرة‪ ,‬أولها كما قلنا العبريون أي الذين عبروا النهر‪ ,‬ثم السرائيليون نسبة إلى إسرائيل‪ ,‬أي يعقوب بن اسحق بن‬
‫إبراهيم‪ ,‬ثم اليهود نسبة إلى يهوذا بن يعقوب‪.‬‬
‫ولشك في أن هناك حلقة مفقودة بالنسبة للتاريخ اليهودي‪ ,‬لم يستطع واحد من المؤرخين إيجادها‪ ,‬ولم يتطرق إليها حتى سفر التكوين‪,‬‬
‫وهي تعيين موطنهم الصلي قبل وجودهم في العراق بين الكلدانيين‪ .‬وكل ما قال به المؤرخون أن هناك عنصرين مختلفين‪ ,‬أحدهما‬
‫سومري يسكن في جنوب بابل والخر سامي يقيم في شمالي بابل‪ ,‬ويتألف من )الشوريين والعبريين والفينيقيين والراميين والعرب‬
‫والحباش(‪ ,‬والمرجح أنهم نزحوا من بلد العرب‪.‬‬
‫ويزعم اليهود أنهم جميعًا أولد إبراهيم‪ ,‬وهو زعم باطل حتمًا‪ ,‬لن إبراهيم جاء إلى فلسطين )الكنعانية‪ -‬السامية‪ -‬العربية(‪ ,‬ومعه قبيلة‬
‫بأكملها‪ ,‬على رأسها) تارح والد إبراهيم(‪ ,‬ومن المرجح أن ) تارح( هذا‪ ,‬ليس أبًا لجميع أفراد هذه القبيلة التي كانت تقيم في بابل إلى‬
‫جانب عناصر أخرى وقبائل أخرى تنتمي إلى عنصرين أوليين‪):‬العنصر السومري و العنصر الكادي أو السامي(‪ ,‬وتتفرع عن كل منهما‬
‫شعوب وقبائل… فليس طبيعيًا‪ ,‬أن يكون إبراهيم البن وقد هاجر معه أبوه تارح‪ ,‬رأسًا لجميع أفراد هذه القبيلة التي انقسمت إلى‬
‫فريقين بعد وصولها إلى فلسطين الول برئاسته هو‪ ,‬أي إبراهيم‪ ,‬والثاني برئاسة لوط ابن أخيه!‬
‫ومعنى ذلك‪ ,‬إن إبراهيم جاء على رأس عائلة أو أسرة أو أفراد معدودين وإنما على رأس قوم أو قبيلة‪ ,‬انتقلت إليه رياستها بعد وفاة‬
‫أبيه تارح‪ .‬كما أنه ليس هناك دليل واحد على أن هذه القبيلة جاءت من أصل واحد أو ظهر واحد فالمعروف دينيًا ومدنيًا أن ) إبراهيم (‬
‫قد أنشأ فكرة التوحيد الديني على نحو خاص‪ ,‬وأنشأ ديانة كانت جديدة إلى حد بعيد‪ ,‬واستطاع أن يجذب إليها كثيرين وكثيرين من أفراد‬
‫القبائل والشعوب الخرى‪ ,‬فاعتنقوها و أخذوا بها فانضموا إليه وكانوا من أتباعه‪.‬‬
‫ولم يقتصر ذلك على إبراهيم وحده‪ ,‬بل استمر حتى سليمان والذين بعده‪ ,‬وكان في كل مرة ينضم عدد كبير من القبائل والشعوب‬
‫والممالك المجاورة إلى الدين اليهودي‪ ,‬وبينهم رجال ونساء من ) العمونيين و الموآبيين والكنعانيين والحثيين والفلسطينيين القدماء (‬
‫وغيرهم… وفي كتاب ) المأثورات العبرية والبابلية ( للمؤرخ )) موريس غسترو (‪ ) :‬إن العبريين دخلوا أرض كنعان وامتزجت بهم‬
‫عناصر أخرى كالعرب والحثيين (‪.‬‬
‫‪ -2‬أصلهم ‪:‬‬
‫ليس بالمكان العتماد مطلقًا على دراسة )إثنوس( لليهود الحاليين من أجل معرفة أصلهم الول‪ .‬فبالرغم من الفكرة الشائعة‪ -‬خطًا –‬
‫بأن اليهود قد حافظوا على أنفسهم خلل العصور وفي مختلف البيئات ؟ فإن الواقع يثبت‪ ,‬بجانب الدلة التاريخية العديدة‪ ,‬إن اليهود ل‬
‫يكونون الن مجموعة عرقية واحدة ول خليطًا عرقيًا متجانسًا وإنما هم فرقة دينية ل أكثر‪.‬‬
‫وأما الصل القدم لليهود فليس لدينا من مصدر يتحدث عنهم إل ) سفر التكوين( من التوراة وهو مصدر يهودي وباللغة العبرية ل‬
‫نستطيع الركون اليه ‪.‬‬
‫والمصدر إن يدل على أن أصل اليهود ) سامي( و إنهم أحد الفروع التي تفرعت عن ترك المجموعة من الشعوب التي يدعوها العلماء‬
‫باسم الشعوب السامية ويربطون بعضها مع بعض برابطة اللغة ل برابطة التشابه العرقي‪ ,‬واتفاق الملمح‪ ,‬وينسبونها إلى سام بن نوح‬
‫الذي يذكر سفر التكوين أنه جد كل الشعوب‪.‬‬
‫ل ذا قيمة لدى علماء الثنوس ‪ .‬وليس أكثر من قرينة قد تصيب وقد تخطئ‪ ,‬كما أنا سفر التكوين ليس‬
‫على أن الدليل اللغوي ل يعتبر دلي ً‬
‫بحجة تاريخية نهائية لختلط السطورة بالواقع وقد تعمد اليهود القدمين إقصاء بعض الشعوب عن أن تذكر فيه لسباب دينية‬
‫وسياسية‪ .‬ولهذا يظل البحث عن أصل اليهود غير مستند إلى حقيقة نهائية دومًا ويعتمد فيه على آراء العلماء‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ويقول المؤرخ اليهودي )لويس فينكلشتاين ( رئيس المؤتمر اليهودي الدائم بأمريكا الشمالية في كتابه ) اليهود‪ ,‬تاريخهم ‪ ,‬دينهم‪,‬‬
‫ثقافتهم ( إن الشعب اليهودي في أصله قبيلة من قبائل الجزيرة العربية‪.‬‬
‫ويؤكد المستشرق مرجيلوث )) إن أصل اليهود من بلد اليمن‪ ,‬وإنهم جاءوا بلغة سبأ‪ ,‬كما أن العادات الجتماعية والخلقية والدينية‬
‫مشتركة بين سبأ و إسرائيل((‬
‫ويقول الدكتور إسرائيل ولفنستون ) أو أبو ذئب ( كما أطلق عليه الدكتور طه حسين‪ )) :‬لم تكن لغة اليهود تعرف بالعبرية‪ ,‬وإنما باللغة‬
‫الكنعانية ((‬
‫وهذه الراء تنتهي طبعًا إلى القول بأن اليهود من أصل سامي‪ ,‬والرأي الغالب بين جميع الجناس أن الجزيرة العربية هي المهد الول‬
‫لما يسمى بالعرق السامي‪ ,‬ومن هذه الرض العربية تدفقت الهجرات الولى في التاريخ القديم‪ ,‬إلى بين النهرين وسوريا وفلسطين ثم‬
‫إلى الحبشة ووادي النيل‪ ,‬والقائلون بهذا الرأي‪ ,‬يعمدون في جملة ما يعتمدون‪ ,‬على هذا التقارب اللغوي الظاهر‪ ,‬مما يؤلف وحدة لغوية‬
‫بين القوام العربية في جزيرة العرب وبين الشعوب التي استقرت في الهلل الخصيب‪ ,‬كالبابليين القدمين والكنعانيين‪.‬‬
‫فإبراهيم الذي انحدر من) بلد مابين النهرين(‪ ,‬حيث العنصر السامي يؤلف نصف السكان‪ ,‬إلى فلسطين الكنعانية‪ -‬السامية‪ -‬العربية‪ ,‬هو‬
‫بالتأكيد سامي‪ ,‬وهو إلى ذلك‪ ,‬رغم الدعوة الدينية الجديدة التي حملها معه‪ ,‬لم يعش غريبًا في فلسطين الكنعانية‪ ,‬ولكن ذلك ل يعني أبدًا‪,‬‬
‫أن الذين يدينون بفكرته الدينية حتى الذين عاصروه‪ ,‬هم من ذريته‪ ,‬أو قومه أو عشيرته‪ ,‬إذا أن كثيرًا آمن من غير الساميين‪ ,‬كالحثيين‬
‫ل‪.‬‬
‫والفلسطينيين القدماء‪ ,‬وقد اعتنقوا دينه وآمنوا به‪ ,‬فصاروا عبريين دينيًا ل أص ً‬
‫وقد استمر توسع المجموعة اليهودي وتزايدها قائم على أساس الدين اليهود خلل مختلف العصور والمكنة‪ .‬وقد ظل باب) التهويد (‬
‫مفتوحًا على مصراعيه لكل راغب في اعتناق اليهودية يدل ذلك على وجود)حكماء وكهان( في بني إسرائيل كانوا يتحرجون ويضيقون‬
‫بالداخلين الجدد ويصدونهم عن اعتناق الدين اليهودي‪ ,‬ومنهم الربي )شماي( رئيس إحدى فرقتي الطائفة ) الفريسية (السرائيلية‬
‫المعروفة‪ ,‬و كان شماي الذي عاش قبل ميلد المسيح يرد الراغبين في دخول الدين اليهودي ويراه مقتصرا على اليهود أنفسهم‪ ,‬بعكس‬
‫الحكيم )هلل( زميله ومعاصره‪ ,‬الذي كان متسامحًا مع الجانب والغيار في اعتناقهم اليهودية ‪.‬‬
‫ل بالعرب وبشعوب الجزيرة العربية وإذا كان اليهود الذين يعيشون في العالم‬
‫وهكذا فإذا كان أصل اليهود القدمين ) ساميًا ( متص ً‬
‫العربي منذ آلف السنين ساميين أو عربًا‪ ,‬كيهود اليمن والعراق والحجاز‪ ,‬لنهم أبناء البلد الصليين أو هم على القل ممن غادروا‬
‫فلسطين في الهجرة الولى أو الثانية‪ ,‬فإن المر مختلف جدًا بالنسبة لليهود الجانب أو الشكنازيين الذين تهودوا في فترات زمنية‬
‫لحقة‪ ,‬رغم قدمها وتطاولها‪ ,‬ول تربطهم بإبراهيم أو السباط إل الرابطة الدينية فقط‪.‬‬
‫يقول الكاتب اليهودي المعروف ) آلفريد ليلينتال (في كتابه‪ ) :‬ثمن إسرائيل (" ‪ ....)) :‬وقد استطاعت اليهودية‪ ,‬لكونها الديانة الوحيدة‬
‫الموحدة في عالم وثني‪ ,‬أن تضم إليها أتباعًا جددًا في بلدان جديدة‪ ,‬ووجدت تحقيقًا لها في البعثات التبشيرية‪ ,‬فقد نشر التجار اليهود‬
‫دينهم شرقًا حتى الهند والصين‪ ,‬ونشره البعض غربًا حتى إيطاليا وفرنسا‪ ,‬وهكذا تحول اليهود شيئًا فشيئًا من مجموعة عرقية إلى فرقة‬
‫دينية موزعة بين بلد العالم وقد تكثر أو تقل حسب الظروف ول تحتاج في التدليل على ذلك غير دراسة اليهود الوروبيين دراسة‬
‫إثنولوجية سريعة‪ .‬فإن هذه الدراسة تبين أن يهود شرقي أوروبا يشبهون في رؤوسهم المستديرة وقاماتهم المربوعة وشعرهم الغامق‪,‬‬
‫)الروس السلف الحاليين(‪ ,‬كما أن يهود فرنسا و إنجلترا شقر الشعر زرق العيون ومن الزمرة الطويلة الرأس والقامة‪ .‬وهم يختلفون‬
‫اختلفًا كليًا عن يهود الهند الذين هم جزء من ) الدرافيديين ( وعن اليهود في البلد العربية الذين ل يختلفون في ملمحهم عن العرب‬
‫في كل قطر‪.‬‬
‫عقائد اليهود‪:‬‬
‫من الملحظ أن قصة الخليقة عند المم القديمة‪ ,‬تتشابه في كثير من عناصرها وتفصيلها‪ ,‬فل تختلف قصة التكوين اليهودية عنها في‬
‫الساطير )السومرية والكلدانية والبابلية والفرعونية(‪ ,‬إلى من حيث أن سفر التكوين قد اتجه إلى وحدانية الله‪ ,‬وأعطى الزلية إلى‬
‫الخالق الواحد )الرب( الذي سبق المادة‪ ,‬بينما نجد الساطير الدينية عند تلك المم جعلت عنصر الماء هو المادة الزلية‪ ,‬وهناك شيء‬
‫أساسي‪ ,‬يلفت النظر في) التوراة(‪ ,‬وهو أنها خلت من نص صريح في ذكر البعث أو الحياة الثانية بعد الموت‪ ,‬فخروج آدم من الجنة كما‬
‫يفهم من التوراة هو خروج نهائي‪ ,‬أي لن يعود إليها هو وأولده ثانيًة‪ ,‬بينما الشرائع الدينية الخرى قد أشارت إلى وجود حياة ثانية بعد‬
‫الموت‪.‬‬
‫و)يهوى( هو السم الذي اختاره النبي أبرام أو إبراهيم للرب‪ ,‬ويعتقد اليهود أن يهوى هم إلههم فقط‪ ,‬وإنهم شعبه المختار‪ ,‬وبوحي هذا‬
‫العتقاد أجازوا لنفسهم ارتكاب أفظع الجرائم‪ ,‬مبررين اقترافهم لهذه الجرائم المنكرة‪ ,‬بأن ال هو الذين يريدهم أن يرتكبوها من أجل‬
‫مصلحتهم وخيرهم لنهم صفوة خلقه وقدس أقداسه!! فقد جاء في سفر التثنية ) إصحاح ‪ 20‬عدد ‪ ( 17- 10‬ما يلي ‪:‬‬
‫>حين تقترب من مدينة لكل تحاربها استدعها إلى الصلح‪ ,‬فإن أجابتك وفتحت لك‪ ,‬فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد‪,‬‬
‫وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك‪ ,‬فاضرب جميع ذكورها بحد السيف‪ ,‬وأما النساء والطفال‬
‫والبهائم وكل ما في المدينة فتغتنمه لنفسك‪ ,‬التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فل تبق منها نسمة ما ‪!! ((...‬‬
‫وفي التوراة كثير من هذه الوامر الفظيعة الوحشية التي يؤمن بها اليهود‪ ,‬وتتألف منها عقيدتهم الدينية‪ ,‬وتقوم عليها أخلقهم‬
‫وسلوكهم مع الخرين‪ .‬فإله إسرائيل تصوره كتب اليهود المقدسة‪ ,‬إله ظالم ل يعرف الشفقة‪ ,‬ويأمر بنكث العهد والنهب ويجيز لهم ما ل‬
‫يجيز لغيرهم من التآمر والفتك وهضم حقوق الشعوب الخرى < !!‬
‫ويعتقد اليهود إن ال أعطاهم أرض الميعاد‪ ,‬وأنه كرر لهم هذا الوعد أكثر من مرة‪ ,‬وعد بها إبراهيم واسحق ويعقوب أيضًا‪ ,‬وكرر‬
‫وعوده هذه إلى موسى ويشوع وداود وسليمان وغيرهم‪..‬‬
‫ل >لنسلك أعطي هذه الرض من نهر‬
‫ورد في سفر التكوين ) ‪ 15:1‬و ‪ 15-1 – 16:1‬و ‪ ( 7-2 : 21:1‬يخاطب الرب نبيه إبراهيم قائ ً‬
‫مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات < ‪!!..‬‬
‫فشريعة موسى تعطي التفوق في الحق لليهود‪ ,‬لنهم شعب ال الخاص‪ ,‬قد اختاره ال دون كل الشعوب والمم‪ ,‬وإنه لم يخلق البشر إل‬
‫ليكونوا عبيدًا لسرائيل !!‬
‫وهكذا نجد على حسب اعتقادهم أن أرض الميعاد الممتدة من )النيل إلى الفرات(‪ ,‬هي ملك أيدي اليهود‪ ,‬كما وعدهم ال بلسان أنبيائهم‪,‬‬
‫وكما نصت عليه كتبهم المقدسة‪ ,‬ومن هنا كان اليهود ينظرون إلى سكان الرض الفسيحة من غير اليهود نظرهم إلى عدو مغتصب‪,‬‬

‫‪2‬‬

‫فهو إذًا عدو حرب ‪ ,‬وعدو الحرب في عقيدتهم الدينية يجب إبادته والقضاء عليه‪ ,‬ويعتقدون أن هذا التسجيل اللهي ل يمكن أن يبطل‪,‬‬
‫ول يسري عليه مرور الزمن‪ ,‬فهم مطالبون من قبل الرب باستعادة هذه الرض وعدم التخلي عنها‪ ,‬وعدم تسليمها لليهود من قبل‬
‫سكانها هو تمرد على ال‪ ,‬وجزاء التمرد على ال هو القتل‪ ,‬ل فرق بين رجل و امرأة ‪ ,‬أو شيخ وطفل‪!!..‬‬
‫يقول موسى‪ )) :‬تحب قريبك وتبغض عدوك ((‪ ...‬والقريب في نظر اليهودية كل يهودي يقيم خارج فلسطين‪ ,‬وينتهي نسب القرابة في‬
‫يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ‪ ,‬أما كلمة الخ فتعني كل يهودي يقيم في فلسطين‪ ,‬وأما العدو الذي توصي اليهودية بكرهه فهو كل إنسان‬
‫ل يدين بالهوسوية !!‬
‫وورد في الصحاح ‪ 61‬من سفر إشعيا أحد كتب اليهود المقدسة‪ > :‬ويقف الجانب ويرعون غنمكم‪ ,‬أما أنتم فتدعون كهنة الرب‪,‬‬
‫تأكلون ثروة المم وعلى مجدهم تتآمرون < !!‬
‫وفي الصحاح ‪ > :34‬اقتربوا أيها المم لتسمعوا‪ ,‬وأيها الشعوب أصغوا‪ ..‬إن للرب سخطًا على كل المم وقدم حرمهم ) أي هدر دمائهم‬
‫ودعا إلى استباحتهم (‪ ,‬دفعهم للذبح‪ ,‬فقتلهم تطرح‪ ,‬وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم‪ ,‬لن للرب يوم انتقام وسنة جزاء من‬
‫دعوى صهيون‪!! <...‬‬
‫وفي التوراة إن موسى بعد أن صمم على الخروج من مصر‪ ,‬هو وقومه‪ ,‬أمر نساء بني إسرائيل بناء على طلب الله يهوى إله إسرائيل‪,‬‬
‫أن يذهبن إلى جاراتهن المصريات‪ ,‬ويزعمن لهن أنهن ورجالهن سيحتفلون بالعيد في الصحراء على بعد ثلثة أيام من مدينتهم‪,‬‬
‫ويستعرن حليهن ليتجملن به في الحتفال‪ ,‬وهكذا كان وهربت النساء العبريات بالحلي والمصاغ إلى سيناء‪ ...‬وكانت هذه السرقة و‬
‫الجريمة قدر ارتكبت بطلب من موسى أثر توصية له من إله إسرائيل!!‬
‫وقد ذكرت هذه الحادثة في سفر الخروج إصحاح ‪ 22‬عدد ‪. 3‬‬
‫وكتب اليهود الدينية طافحة بالمخازي والمثالب والمنكرات التي ارتكبها أنبياؤهم‪ ,‬فلم يسلم نبي واحد من الصفات المنكرة والشنيعة‬
‫والوقائع الرهيبة الشائنة التي اقترفها هؤلء النبياء تذكرها أسفارهم ومزاميرهم‪ ,‬وتتحدث عنها كتبهم المقدسة بهدوء عجيب وتصوير‬
‫فاضح‪.‬‬
‫ففي سفر التكوين الصحاح ‪ 12‬عدد ‪ 14‬إن إبراهيم جد إسرائيل عرض امرأته الحسناء على فرعون وأصبح إبراهيم من وراء ذلك‬
‫)غنيًا جدًا في المواشي والذهب والفضة(!!‬
‫ولم يكتف سفر التكوين بذلك بل قال‪ :‬إن النبي أبرام ) إبراهيم ( عرض زوجته كذلك على أبيمالك حاكم بئر السبع )ت ‪ )12:11‬فأعطاه‬
‫أبيمالك أيضًا غنمًا وبقرًا وعبيدًا وإماء وألفًا من الفضة ورد إليه زوجته سارة‬
‫وفي سفر التكوين ) الصحاح ‪ 19‬عدد ‪ (31:37‬أن ابنتي لوط سقتا أباهما خمرًا واضطجعتا معك بالمناوبة‪ ,‬فحملتا منه فولدت الكبيرة‬
‫ابنًا أسمته موآب وهو أبو الموآبيين ‪ ,‬وولدت الصغيرة ابنًا وسمته )بني عمي ( وهو أبو بني عمون !!‬
‫وذكر سفر التكوين ) الصحاح ‪ 26‬عدد‪ ( 11:‬أن النبي إسحاق حذا حذو أبيه إبراهيم فقد زوجته الجميلة رفقة إلى ملك جرار‬
‫كما جاء في سفر التكوين ) الصحاح ‪ 38‬عدد‪ (16:‬أن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ‪ ,‬صادف أرملة ابنه ثامار في الحقل وقال‬
‫ك فأولدها غارص سفاحًا عن طريق الزنا‪ ,‬وغارص هذا ‪ ,‬هو الذي ذكره متى في إنجيله‪ ,‬بأنه الجد العلى للملك‬
‫لها ‪ :‬هاتي أدخل علي ِ‬
‫داوود والنبي سليمان‪ ..‬وكافة أنبياء إسرائيل !!‬
‫ومثله جاء في التوراة )‪ 11-5‬ص‪.‬ث( أن النبي داوود تسلط على بيتشبع زوجة أوريا صديقه وخادمه‪ ,‬فحملت منه سفاحًا‪ ,‬ثم أرسل‬
‫زوجها إلى الحرب وقتل ظلمًا‪ ,‬ثم زواج داوود منها رسميًا‪ ..‬فولدت له النبي سليمان!!‬
‫ومنها أن راحيل كانت تقود النساء إلى زوجها يعقوب المعروف بإسرائيل ! وأن أبشالوم ابن داوود زنى بنساء أبيه على السطحة بينما‬
‫كانت الموسيقى الدينية تشنف آذانه ‪ ,‬وأن أمنون بن داوود عشق أخته ) تامار ( وافترسها ) سفر التثنية – إصحاح ‪ 13‬عدد ‪ , ( 5‬ثم‬
‫بعد ذلك‪ ,‬قالت له )) لماذا أذللتني هكذا ‪ ,‬أما كان بإمكانك أن تطلبني من أبي‪ ,‬وأنا واثقة بأنه ما كان يمنعنا عن بعضنا (( !!!‬
‫وهناك أشياء أخرى ‪ ,‬وحوادث كثيرة من هذا النوع‪ ,‬وردت كلها في الكتب الدينية اليهودية‪ ,‬ل يتسع المقام لسردها‪..‬‬
‫وبعد ‪ ,‬فتلك هي عقيدة اليهود كما جاءت في شريعتهم الدينية‪ ,‬وتشبعت بها نفوسهم تشبعًا غريبًا ‪ :‬إله ظالم حاقد‪ ,‬اختص بني إسرائيل‬
‫برحمته دون غيرهم من المم‪ ,‬لنهم شعبه الخاص‪ ,‬وأنبياء يدعون إلى القتل والبغضاء والغدر والتآمر والتدمير‪ ,‬ويرتكبون أخس‬
‫العمال‪ ,‬ويقترفون أفظع الرذائل و الجرائم‪ ..‬ولقد تمكنت هذه العقيدة من نفوس بني إسرائيل‪ ,‬وخالطت كل ذرة في دمائهم‪ ..‬إنهم الشعب‬
‫السيد‪ ,‬وكل ما في العالم حل لهم‪ ,‬ووقف عليهم‪ ..‬هكذا أوحى لهم الرب يهوى إلههم الخاص‪ ,‬وبذلك بشرهم أنبياؤهم !!‪..‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫مملكة سليمان وأقصى ما وصلت إليه من التساع‪-‬وهل امتدت من الفرات إلى النيل – انقسام مملكة سليمان‬
‫استطاع داوود‪ ,‬ملك إسرائيل الذي خلف شاؤول‪ ,‬أن يتغلب بعد حروب طويلة على الفلسطينيين القدماء الذين وفدوا إلى فلسطين من‬
‫الجزر اليونانية وجزر بحر إيجة‪ ,‬واستوطنوا الساحل‪ ,‬وأهم مدنهم غزة وعسقلن‪ ,‬واتخذ داوود‪ ,‬عاصمة لدولته مدينة قديمة‪ ,‬اسمها‬
‫)يبوس( أطلق عليها اسم ) أورشليم ( أي مدينة السلم‪.‬‬
‫وخلفه سليمان‪ ,‬الذي بلغت مملكة إسرائيل في عهده أوجها‪ ,‬مع أن حدود هذه المملكة لك تكن تتجاوز أرض فلسطين وحدها‪ ,‬إذ أن كلمة‬
‫ملك كانت تطلق يومئٍذ على كل من تزعم قبيلة أو طائفة‪ ,‬و من دراسة العهد القديم كتاب اليهود المقدس‪ ,‬نجد أنه كان في فلسطين‪ ,‬فقط‬
‫نحو خمسين ملكًا !‬
‫ومن هنا أطلق على سليمان اسم ملك‪ ,‬وعلى رقعة الرض الصغيرة المحدودة التي كان يحكمها اسم مملكة‪ ,‬ولن بني إسرائيل لم يعرفوا‬
‫الستقرار والتجمع والستيطان‪ ,‬فقد وجدوا مملكة سليمان أقصى ما كانوا يحلمون به‪ ,‬ورأوا فيها عهدهم الذهبي قياسًا على ما لقوه قبل‬
‫ذلك‪ ,‬من تشتت وتشرد واستضعاف‪ ,‬فكان هذا النوع من الستقرار الجزئي كافيًا في نظرهم‪ ,‬لن يكون أمرًا عظيمًا وخطيرًا بالنسبة لهم‪,‬‬
‫وكل ما استطاع سليمان إتيانه هو المحافظة على هذه المملكة الصغيرة بمزيج من الحكمة والدين والسياسة وشيء من القوة‪ ,‬فكان‬
‫صديقًا لفرعون مصر‪ ,‬ولحيرام ملك صور‪ .‬وكان ملك دمشق الرامي خصمًا له طوال حكمه‪ ,‬لم يستطع سليمان إخضاعه والتغلب عليه‪.‬‬
‫وكان يجاوره خصوم آخرون‪ ,‬كالدوميين في أريحا‪ ,‬والمديانيين على ضفاف الردن‪ ,‬والحوريين في نابلس‪ ,‬والموريين واليبوسيين في‬
‫الداخل ‪...‬فأين هي مملكة سليمان العظمى التي تمتد من النيل إلى الفرات كما يزعم اليهود؟!‬

‫‪3‬‬

‫إذ كان سليمان بالفعل قد قضى على طوائف ) الملوك ( في المدن والقرى‪ ,‬وعلى جيرانه المراء الصغار من الكنعانيين في فلسطين‪,‬‬
‫فإنه لم يستطع إخضاع الموآبيين و الموريين في الجنوب‪ ,‬ول الراميين في الشام ) كما جاء في سفر الملوك – إصحاح ‪ ( 11‬فهم قد‬
‫تمردوا عليه ووقفوا في وجهه ‪ ,‬ويذكر سفر التثنية إصحاح ‪ 9‬عدد ‪ 6‬أن سليمان التمس من حيرام ملك صور الكنعاني أن يمده ببعض‬
‫الخشاب‪ ,‬مما يدل دللة واضحة صريحة قاطعة على أن مدينة صور وكل ما جاورها لم تدخل أبدًا في مملكة سليمان أيضًا‪ ,‬فقد أشارت‬
‫الناجيل إلى أن بني إسرائيل قد استفظعوا ظهور المسيح ودعوته لنه من مدينة الناصرة التي لم تكن من مدن إسرائيل ولم تدخل في‬
‫مملكة سليمان وأنكروا أن تختار السماء مخلصًا من غير جبال اليهودية‪.‬‬
‫ولكن السبب في تلك الهمية السطورية التي نسجها اليهود حول سليمان ومملكة سليمان‪ ,‬هو حرمانهم من مظاهر الملك والعظمة‪,‬‬
‫فراحوا يبالغون بإفراط‪ ,‬في سلطته وعظمه ملكه وثرائه وفي عهده إجماًل الذي لم يستمر‪ ,‬مع كل ذلك سوى خمسة وثلثين عامًا ‪970‬‬
‫‪ 935‬ق‪.‬م‬
‫وقد عجز سليمان أن يفرض سيطرته على مملكته الصغيرة في آخر أيامه‪ ,‬فقد كان ينفق الموال الضخمة في تشييد البنية والقصور‬
‫والترف وبناء الحصون‪ ,‬فاضطر إلى أن يفرض ضرائب كبيرة على السكان باستثناء قبيلة يهوذا التي هو منها ‪ ,‬فأوغر صدور سكان‬
‫الشمال ونقموا عليه وشقوا عصا الطاعة‪.‬‬
‫وانقسمت المملكة بسرعة‪ ,‬عقب وفاته‪ ,‬إلى حكومتين‪ :‬الحكومة السرائيلية‪ ,‬وتضم عشرة أسباط من بني إسرائيل ومركزها السامرة‬
‫) نابلس ( ثم حكومة يهوذا وتحتوي على سبطين فقط‪ ,‬هما يهوذا وبنيامين ومركزها أورشليم‪.‬‬
‫وكان سكان الشمال‪ ,‬الذين ألفوا الحكومة السرائيلية‪ ,‬يعملون للنفصال قبل وفاة سليمان‪ ,‬بسبب الضرائب الفادحة التي فرضها عليهم‪,‬‬
‫ونتيجة لسياسة التمييز في فرض هذه الضرائب‪ ,‬يضاف إلى ذلك أنهم أكثر تحضرًا من سكان الجنوب‪ ,‬بني يهوذا وأكثر ماًل بعد أن‬
‫اتصلوا بجيرانهم الفينيقيين وتفاعلوا بهم واستفادوا منهم‪ ,‬فبنوا المدن الكبيرة‪ ,‬وشادوا القصور ‪ ,‬وحسنت أحوالهم المادية‬
‫والجتماعية‪ ,‬بينما كان بني يهوذا أقرب إلى الحياة البدائية في مناطقهم الجبلية‪.‬‬
‫وكثيرًا ما كانت النزاعات والحروب تقع بين هاتين الحكومتين اليهوديتين بعد انشقاقهما‪ ,‬فأدى ذلك بالطبع إلى إضعافهما‪ ,‬وتخلى ملك‬
‫إسرائيل عن اليهودية‪ ,‬وأمر ببناء المعابد الوثنية‪ ,‬وأقام عجلين من الذهب‪ ,‬ولم يعترف هو وشعبه بفضل أورشليم ومكانتها الدينية‪,‬‬
‫وأنشأ ديانة جديدة أساسها عبادة الصنام والعجول الذهبية مدعيًا أنه يعمل بما جاء في شريعة موسى الحقيقية‪.‬‬
‫وفي الوقت نفسه تحول ملوك يهوذا تدريجيًا عن الدين اليهودي فعبدوا الوثان والتماثيل‪ ,‬وطغت على هذه الدويلة‪ ,‬كذلك موجة إلحاد‬
‫وثنية‪.‬‬
‫وكانت الفتن خلل ذلك قائمة بين الدويلتين والنزاعات مستمرة كما أن الخلفات الداخلية في مملكة إسرائيل قد أدت إلى إضعافها‪,‬‬
‫فسيطرت عليها حكومة دمشق الرامية‪.‬‬
‫السبي البابلي‪ -‬اليهود في العراق‪ -‬انتشار الدين اليهودي بين بعض الشعوب‪:‬‬
‫استمرت النزاعات بين المملكتين اليهوديتين ‪ :‬مملكة إسرائيل التي اتخذت السامرة عاصمة لها‪ ,‬ومملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم أو‬
‫بيت المقدس‪ ,‬وكان هذا النقسام وتلك الخلفات سببًا أوليًا في إضعاف شأنهم وعدم استطاعتهم إيذاء غيرهم‪ ,‬وفي غمرة هذا النزاع‬
‫المتصل‪ ,‬استطاع )فتح بن رمليا ملك إسرائيل أن يغزوا أورشليم عاصمة يهوذا ‪ ,‬وأن يحولها إلى دم ونار‪ ..‬فاستنجد آحاز ملك يهوذا‬
‫بملك آشور‪ ,‬فزحف على السامرة وأخضعها وفرض عليها الجزية‪.‬‬
‫ثم غزاها مرة ثانية‪ ,‬سرجون الثاني ‪ ,‬ملك آشور ودخلها عنوة‪ ,‬وسبى السباط العشرة‪ ,‬وشتت أكثر من ‪ 27‬ألف إسرائيلي ‪ ,‬وأسكن بدًل‬
‫عنهم في السامرة أسرى آخرين جاء بهم من بابل‪ ,‬وجعل من مملكة إسرائيل مقاطعة آشورية‪ ,‬وبذلك انقرضت الدولة السرائيلية‬
‫وزالت نهائيًا من الوجود ‪ 720‬ق‪.‬م ولم يبق في فلسطين إل سبط يهوذا وحده‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ 702‬ق‪.‬م هاجم سنحاريب مملكة يهوذا واستولى على ستة وأربعين مدينة من مدن اليهود‪ ,‬وأسر أكثر من ‪ 200‬ألف يهودي‪.‬‬
‫وفي سنة ‪ , 585‬أعلن صدقيا ملك اليهود العصيان ضد بابل‪ ,‬فانقض عليه البابليون بقيادة الملك نبوخذ نصر ‪ ,‬وتغلبوا عليهم‪,‬‬
‫واستباحوا ديارهم وسبوا جميع السكان اليهود‪ ,‬وزالت معالم مملكة يهوذا من الوجود وعرف هذا الحدث التاريخي بـ ) السبي البابلي (‬
‫وأصبح مضرب مثل في التفرق والتشتت والدمار‪.‬‬
‫ونزل اليهود فترة في أرض ما بين النهرين‪ ,‬وتفرقوا في بلد بابل وآشور وانضموا إلى بين قومهم الذين سبقوهم إلى تلك البلد‪ ,‬ثم‬
‫ابتاعوا الراضي هناك وزرعوها ‪ ,‬وأقاموا القرى على ضفاف النهر‪ ,‬وتعاطى فريق منهم التجارة واشتغل فريق آخر بالمهن اليدوية‬
‫والصناعات‪..‬‬
‫واستطاع اليهود‪ ,‬في البلد التي تشتتوا فيها‪ ,‬أن يضموا إلى ديانتهم طوائف من الناس‪ ,‬فمنذ خراب الهيكل الثاني‪ ,‬أو قبل ذلك‪ ,‬استقر‬
‫اليهود في بلد العرب‪ ,‬وأدخلوا شعوب اليمن العربية في ديانتهم كالحميريين ‪ ,‬كما أنهم استطاعوا تهويد بعض القبائل العربية في‬
‫الحجاز كخيبر و قريظة و النضير‪ .‬ووصلوا إلى الحبشة ونشروا اليهودية هناك‪ ,‬وفي بلد الحبشة وجدت الجماعة اليهودية المعروفة‬
‫باسم هابالشيم ‪.‬‬
‫وبعد عودتهم إلى فلسطين‪ ,‬ظلوا يتحينون الفرص ويتربصون بالسلوقيين حكام سوريا الجنوبية‪ ,‬حتى غدروا بهم وتخلصوا منهم‪,‬‬
‫فأسس اليهود الدولة المكابية‪ ,‬التي لم يرق لها كالعادة‪ ,‬أن تعايش جيرانها بسلم‪ ,‬فانقضت على هؤلء الجيران ومنهم السلوقيون‪,‬‬
‫وراح اليهود يفتكون بهم‪ ,‬ويخيرونهم بين القتل أو اعتناق الدين اليهودي! والذي اعتنق كان أن اعتنق اليهودية كثير منهم‪..‬‬
‫مما يدل على أن اليهود كانوا يعملون بشتى الطرق على تهويد الخرين‪ ,‬وفي حال انتصارهم يخيرون المغلوبين بين الموت وبين‬
‫اعتناق الدين اليهودي!‬
‫وبقيت حركة التبشير اليهودية ناشطة في كل مكان‪ ,‬حتى ظهور المسيحية التي أصابتها بما يشبه الشلل‪ ,‬وفي أيام الرومان التي كان‬
‫عدد معتنقي الدين اليهودي في العالم أضعاف ما في فلسطين‪ ,‬وكثير من العائلت الرومانية العريقة احتضنت تعاليم اليهودية وآمنت‬
‫بها‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫وحتى بعد ظهور المسيحية والسلم أيضًا‪ ,‬لم توقف الحركة التبشيرية اليهودية نشاطها‪ ,‬ففي العراق إبان الحكم الساساني‪ ,‬في القرن‬
‫الخامس الميلدي قام حاخامات العراق المعروفين باسم المورائيين بنشاط ديني كبير وأصبح العراق آنذاك مركزًا دينيًا يهوديًا خطيرًا‪,‬‬
‫وهاجرت طوائف منهم إلى فارس والهند حتى الصين‪ ,‬ينشرون تعاليم دينهم ويبشرون بها ويدعون إليها‪.‬‬
‫وفي مملكة الخزريين في أوربا الشرقية ‪ ,‬المعاصرة للخلفة العباسية في بغداد‪ ,‬قوي التأثير اليهودي الديني‪ ,‬واتسعت حركتهم‬
‫التبشيرية إلى الحد الذي تهودت معه السرة المالكة هناك‪.‬‬

‫العهد القديم‬
‫العهد القديم هو الكتاب المعروف بالتوراة‪ ,‬ولقد ترجم إلى أكثر اللغات الحية‪ ,‬و أشهر ترجماته هي الكاثوليكية و البروتستانتية‪ ,‬و هو‬
‫مقسم إلى أسفار ) أجزاء أو ُكتب (‪ .‬و تنتسب أسفاره الخمسة الولى إلى موسى‪ ,‬وهي التكوين و الخروج‪ ,‬و اللويين‪ ,‬و العدد‪ ,‬و التثنية‪.‬‬
‫وفيه تسعة عشر سفرًا غلب عليها الطابع التاريخي‪ ,‬و إن كانت ل تخلو من البحاث الدينية و التشريعية و الخلقية‪ ,‬أما أسفاره الباقية‬
‫فتتسم بالطابع الديني و التشريعي و الخلقي بصورة أبرز‪.‬‬
‫و تتكون الترجمة البروتستانتية من تسعة وثلثين سفرًا‪ .‬أما الترجمة الكاثوليكية فيزيد عدد أسفارها الولى بستة أسفار وهي طوبيا‪ ,‬و‬
‫يهوديت‪ ,‬و الحكمة‪ ,‬و يسوع ابن سيراخ‪ ,‬و باروك‪ ,‬وسفر المكابيين الول والثاني‪ .‬و أول أسفار التوراة هو سفر التكوين ويبحث عن قصة‬
‫الخليقة‪ ,‬و نوح و عن السللت البشرية بصورة مقتضبة جدًا حتى يصل بها إلى أبرام ) إبراهيم ( ابن تارح حفيد سام‪ ,‬فيفرد له و لذريته‬
‫أربعة أخماس حجمه‪ ,‬حيث يروي فيها نشأته‪ ,‬و نزوحه إلى بلد كنعان‪ ,‬و ما وقع له من الحداث‪ ,‬ومن ثن ينتقل إلى أحفاده‪ ,‬ويقص‪,‬‬
‫) يروي( عن كل فرد منهم بشكل مفصل‪ ,‬وينتهي بسرد قصة يوسف بن يعقوب‪ .‬و يليه سفر الخروج الذي يروي لنا قصة منشأ موسى و‬
‫ظهوره على مسرح الحداث‪ ,‬و ما وقع له في مصر‪ ,‬و خروجه منها على رأس بني إسرائيل‪ ,‬وما في ذلك من أحداث إلى أن يصل بنا إلى‬
‫احتلل فلسطين و ارتحال موسى‪ .‬أما السفار ثلث الباقيات و المنسوبات إليه أيضًا فتبحث عن أمور دينية و اجتماعية و مواعظ ووصايا‬
‫و تشريعات‪ .‬و ما تبقى من أسفار العهد القديم خليط عجيب من الروايات و القصص التاريخية و الجتماعية و الخلقية و السياسية تفتقر‬
‫بمجملها للمانة و الجدية‪.‬‬
‫العهد القديم عبر التاريخ‬
‫منذ ظهور التاريخ و غاية علماء التاريخ هي البحث عن مصدره‪ ,‬و تقصي حقيقة ما ورد فيه‪ ,‬وكان الحافز بهم لذلك ما يزخر به هذا‬
‫الكتاب من قصص و روايات بلغت من الغرابة حد الساطير غير أن مساعي العصور القديمة لم يكتب لها النجاح لفتقار أصحابها آنذاك‬
‫لوسائل البحث و التنقيب‪ ,‬فلم يكن لهم بد من التسليم بالمر الواقع‪ .‬و الذي زاد الطين بله فيما بعد‪ :‬هو احتضان الكنيسة للتوراة ككتاب‬
‫مقدس يمنع المس به و مناقشة محتوياته‪ .‬و موقف الكنيسة هذا عصم التوراة لقرون من نقد علماء التاريخ‪ ,‬ورسخ أقدامه في العالم‬
‫المسيحي‪.‬‬
‫وعندما كثرت المكتشفات العلمية الحديثة‪ ,‬و ظهرت للوجود حقائق تاريخية كانت مجهولة في الماضي‪ ,‬كالمكتشفات المصرية و الشورية‬
‫والكلدانية‪ ,‬لم يعد في إمكان جهابذة التاريخ السكوت عن المتناقضات العلمية‪ ,‬مما دفع فئة خيرة منهم لتضع النقاط على الحروف‪ ,‬و تنير‬
‫ما كان مظلمًا منها‪ .‬فانكشف الستار عن كثير من الحداث التاريخية التي كانت في نظر الناس منزهة عن كل شك أو شبهة‪ .‬فانهارت تلك‬
‫القصور المشيدة على الرمال‪ ,‬و منها الكثير مما أشاده اليهود عبر الزمان‪.‬‬
‫منشأ اليهود في نظر علماء التاريخ‬
‫تزعم المصادر اليهودية أن منشأ بني إسرائيل هو في بلد الكلدان‪ ,‬باعتبار أن مسقط رأس جدهم أبرام هو أور إحدى المدن الكلدانية ) أور‬
‫كلدان ( ويعتمد اليهود في زعمهم هذا على ما جاء في سفر التكوين‪ ,‬ولكن الدعاء يفتقر إلى أدلة تاريخية وبراهين علمية‪ .‬و علماء‬
‫التاريخ ينفونه بصورة تكاد تكون جازمة‪ ,‬و آراؤهم في هذا الموضوع تختلف كليًا عما ذهبت إليه المصادر اليهودية‪ ,‬إذ لكل عالم منهم‬
‫رأيه الخاص في هذا المنشأ‪ .‬وبغية إطلع القارىء على هذا البحث ندون فيما يلي آراء و اجتهادات بعض علماء التاريخ الذين تطرقوا لهذا‬
‫الموضوع‪ .‬ومن بين هؤلء العلماء يحدثنا العالم المريكي جورج بارتون عن اليهود فيقول‪ :‬إنهم من القبائل السامية الرحل التي كانت‬
‫تتجول في صحاري شبه الجزيرة العربية منذ أقدم العصور‪ .‬ولقد عرفت باحتراف تربية المواشي والتنقل الدائم‪ ,‬ولم ُيعرف لها قط بلد أو‬
‫ل من المؤرخين روجر و بورني‪.‬‬
‫وطن‪ ,‬حتى ظهرت في فلسطين قبل مولد المسيح بقرون‪ .‬ولقد أيده في هذا الرأي ك ً‬
‫أما العالم الفرنسي موره فيقول إن منشأ السامية هو في البلد الواقعة شمالي شرقي أرمينيا ‪ ,‬وليس شبه الجزيرة العربية ‪ .‬ولكنه يجاري‬
‫بارتون فيما يتعلق باليهود أو الهابيرو )‪ (Habiru‬ويقر معه بكونهم من القبائل الُرحل التي عاشت دوما في صحاري شبه الجزيرة‬
‫العربية‪ .‬و هناك بعض العلماء كالسيد كلي يصرون على أن منشأ السامية هو في سوريا بالذات‪ ,‬ولهذه الفئة عدد كبير من المؤيدين‬
‫والنصار كالسادة دورمند و بلت‪.‬‬
‫ولقد تطرق أبو التاريخ هيرودوت لبحث الهابيرو ولكن دون أن يذكر شيئًا عن منشأهم الصلي‪ .‬وبين علماء التاريخ ندر من بحث عنهم‬
‫قبل احتللهم فلسطين اللهم إل مانيتون )‪ (Manethon‬كاهن هيليو بوليس الذي ذكر أن بعض القبائل سبق أن غزت تخوم فلسطين في‬
‫عهد الفراعنة‪ ,‬و كانت تدعى بقبائل الهابيرو )‪ (Habiru‬و يفترض أنها ربما كانت أسلف القبائل التي اجتاحت فيما بعد بلد فلسطين‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫و من العلماء الذين توسعوا في هذا البحث نذكر العالم الفرنسي المعاصر أدولف لودس الذي اعتمدنا على مؤلفاته في أكثر أبحاثنا المتعلقة‬
‫بالتاريخ اليهودي القديم‪ ,‬لما فيها من معلومات قيمة دقيقة جمعها من مصادر مختلفة‪ .‬ولقد اشتهر لودس بتجرده في جميع أبحاثه‪ ,‬ولذا‬
‫ندون فيما يلي بعض من ما قاله في هذا الموضوع رغبة في قضية توضيح منشأ اليهود‪.‬‬
‫إن لودس في بحثه عن اليهود ل يعترض على أنهم كانوا قبائل رحل تجوب الصحاري العربية‪ ,‬لكنه يشك كثيرًا في نسبتهم إلى السامية‪,‬‬
‫ويحبذ انتماءهم للرامية‪ .‬ويدعم نظريته هذه بدلله عما بين اليهود و الراميين من تقاليد مشتركة‪ ,‬كتطبيق كل من الشعبين نظام الضريبة‬
‫العشرية التي تقدم لللهة‪ ,‬أو على ما في التراتيل اليهودية القديمة من الشارة إلى قرابة اليهود من الراميين و يستشهد لذلك بالترتيل‬
‫ل آخر هو التقارب الوثيق الكائن ما بين اللغتين‪ .‬ويستخلص من كل هذا‬
‫اليهودي القائل‪ ) :‬كان أبي آراميًا تائهًا (‪ ,‬ويضيف إلى ما سبق دلي ً‬
‫فكرة نفي السامية عن اليهود‪.‬‬
‫وفي مكان آخر من كتابه يقول إن اللغة الصلية التي كان يستعملها اليهود قبل غزوهم فلسطين كانت إحدى اللهجات الرامية أو الكلدانية‬
‫حتمًا‪ ,‬أما اللغة العبرانية فكانت لغة أهل فلسطين‪ ,‬تعلمها اليهود منهم و تبنوها مع هجائها و اتخذوها لسانًا لهم بعد أن تمركزوا في‬
‫فلسطين‪ ,‬ويدلل على صحة قوله بما جاء في المخطوطات الثرية التي اكتشفت في فلسطين مؤخرًا‪ .‬ولهذا يطلق عليهم لودس اسم‬
‫العبروآراميان )‪ (Hebiru-Aramient‬خلفًا لكل التسميات السابقة‪.‬‬
‫وفي غمار البحث عن أصل اليهود تناول بعضهم البحث عن مدينة أور التي قيل أنها مسقط رأس أبرام‪ ,‬وقد تعددت الراء في تحديد‬
‫موقعها الجغرافي‪ ,‬فقال بعضهم إنها كانت ي منتصف البلد السورية‪ ,‬وقال آخرون أنها كانت في أقصى الجزيرة‪ .‬وقال أفرام السرياني إنها‬
‫أورفا التي كانت تسمى على حد زعمه بأورهي‪ .‬أما أدولف لودس فيقول أنها على الظهر أم قير المسماة حاليًا بالمغائر‪ ,‬والواقعة في‬
‫منتصف الطريق ما بين بابل و مصب نهر الفرات‪ .‬و قصة هجرة أبرام أيضًا موضع خلف ليس فقط بين المؤرخين المعاصرين فحسب‪ ,‬بل‬
‫بين مختلف ترجمات التوراة‪ ,‬وأنصارها من الكهنة ورجال الدين‪ .‬وعلى سبيل اليضاح نذكر أن الترجمة السبعينية التي تقول أن الهجرة‬
‫حصلت عام ‪ 1017‬بعد الطوفان‪ .‬بينما تروي الترجمة العبرانية حدوثها عام ‪ 367‬بعد الطوفان‪.‬‬
‫ويقول الب مور أنها كانت عام ‪ 2145‬قبل الميلد أي عندما احتل العيلميون بلد الكلدان‪ .‬وبالمر يقول أن أبرام هاجر من أور عام ‪2055‬‬
‫قبل الميلد‪.‬‬
‫أما المؤرخ اليهودي )يوسف( فلم يكتفي بما ورد في السفار عن هذه الهجرة‪ ,‬ول بما قاله عنها أنصار التوراة‪ ,‬بل أضاف إليها شيئًا‬
‫جديدًا‪ :‬زاعمًا أن أبرام لم يذهب مباشرة إلى شكيم )نابلس( بل عرج في طريقه إلى دمشق واحتلها وحكمها حقبة من الزمن‪ ,‬ويدلل على‬
‫ل عن أحد مؤرخي الرومان الذي‬
‫صدق فريته بما ورد في كتاب نقول الدمشقي‪ ,‬أحد معاصري القرن الخير لما قبل مولد السيد المسيح‪ ,‬نق ً‬
‫أورد اسمًا مشابهًا لبرام‪ ,‬هو أبراموس‪ ,‬بين ملوك دمشق عند بحثه عنهم‪ ,‬فاتخذ )يوسفيوس ( هذا السم حجة ليثبت احتلل جده الكبر‬
‫دمشق‪ .‬و كتاب التوراة نفسه‪ ,‬وكل المصادر اليهودية القديمة‪ ,‬خالية من الشارة إلى قصة مماثلة‪ ,‬فل نرى حاجة لدحض هذه الفرية‪ ,‬لنها‬
‫صادرة عن مسيلمة اليهود يوسفيوس‪.‬‬
‫السفار السداسية و علماء التاريخ ) ‪( Hexateuque‬‬
‫يبدو أن علماء التاريخ و نقاده لم يأخذوا بوجهة النظر اليهودية القائلة بنزول السفار على موسى‪ ,‬أو كتابته إياها‪ ,‬إذ نرى أكثر العلماء‬
‫المعاصرين متفقين على القول بأنها كتبت بعد قرون عديدة من عهد موسى‪ .‬وليضاح مذهبهم هذا نورد فيما يلي رأي السيد لودس في‬
‫منشأ السفار السداسية الذي كونه على ضوء آراء العديد من العلماء و تحرياته الخاصة ويقول لودس‪ :‬اعتاد بعض علماء الثار النظر‬
‫باحتقار لكل مصدر يبحث عن أحداث سابقة عن عصر مؤلفه ولو كان البحث بقصد التقريظ أو الجدل و ذلك لعتقادهم بأن ما يكتب عن‬
‫حدث بعد مرور الزمن على حدوه تحوم الشكوك حول صدق ما كتب عنه‪ ,‬وفي أكثر الحيان تكون الكتابة محرفة ول تستحق البحث ول‬
‫ل بنظريتهم هذه جنح أكثر العلماء إلى عدم الخذ بما ورد في التوراة عن الحداث التاريخية التي يرويها‪ .‬و أنا‬
‫يجوز العتماد عليها‪ .‬وعم ً‬
‫ل‪ .‬فعليه أرى عند التحقيق في أجزاء‬
‫و إن كنت ل أتعصب كليًا لهذه النظرية‪ ,‬إل أني ل ٌاقر بتاتًا ما أولي هذا الكتاب من الثقة العمياء طوي ً‬
‫التوراة آخذ كل قسم منه على حدة‪ ,‬و التدقيق فيه مع مراعاة ظروف تأليفه و زمن صدوره‪ ,‬لن بعض هذه الجزاء تبحث عن أمور قريبة‬
‫الشبه ببعض أحداث التاريخ‪ ,‬و أخرى مطابقة تمامًا لحداث معينة‪ .‬و من هنا يتضح لنا استحالة نبذه كليًا‪ ,‬وضرورة إخضاع أقسامه‬
‫للتدقيق التقليدي المعمول به عند التحري عن كنه المصادر القديمة‪ ,‬أي أخذ مضمون النص المراد تدقيقه‪ ,‬و مقارنته مع مضمون كل نص‬
‫مماثل‪ ,‬ليس في الترجمة العبرانية فحسب بل في الترجمات الخرى‪ ,‬و على الخص الترجمات اليونانية‪ ,‬واللتينية‪ ,‬والسريانية‪ ,‬التي نقلت‬
‫عن المخطوطات اليدوية القديمة التي تختلف نسبيًا عن الترجمة العبرانية التي كتبها الماسورت ) ماسورت‪ :‬ناقل نصوص التوراة ( وفي‬
‫نتيجة هذه المقارنة تظهر للناقد نقاط الختلف بين الترجمات‪ ,‬ويتضح له أمر هذه الكتاب ووضعه الراهن‪ ,‬مما يشير بجلء إلى أن جميع‬
‫فقراته التاريخية مكونة من قصص قديمة‪ ,‬اختارها محرروا السفار و دونوها تقريبًا بصيغتها الحرفية‪ ,‬متبعين الطريقة المبسطة المجردة‬
‫من كل زخرف أدبي و تحقيق تاريخي‪ ,‬هذه الطريقة التي اعتمدها مؤرخو الشور و العرب و بعض ُكّتاب القرون الوسطى‪ .‬و يبدو أن هّم‬
‫كل منهم كان محصورًا في حشر أكبر عدد ممكن من هذه القصص في مجموعة واحدة‪ .‬و من ثم نقلها كتبة التوراة )‪ ( la scribes‬بدورهم‬
‫بأمانة مشبعة بالتعصب الديني‪ ,‬دون الهتمام لما في هذه المجموعات من تناقض بين بعضها أو لما في مفرداتها من ازدواجية النصوص‪,‬‬
‫أو التكرار و العادة للحدث الواحد‪ .‬و ازدواجية نص قصة الخليقة الوارد في مطلع الفصل الول من سفر التكوين )ف –‪ – 1‬فقرة ‪4- 2 -1‬‬
‫آ ( و المكرر في فصله الثاني )ف ‪ – 2‬فقرة ‪4‬ب ( الذي اكتشفه الناقد فيترينكا ) ‪ (Vetringa‬عام ‪ 1683‬و من بعده الناقد فيتر )‬
‫‪ (Vitter‬عما ‪ 1711‬و الذي أثبته أخيرًا الناقد آستروك )‪ ( Astruc‬عام ‪ ,1753‬يؤيد ما ذهبنا إليه في وصفنا للطريقة التي اتبعت في‬
‫تكوين التوراة‪ ,‬و هذه الزدواجية في النص ليست الوحيدة في التوراة‪ ,‬إذ يلحظ أن حادثة اقتياد زوجة أحد الباء إلى حريم أمير أجنبي‬
‫تتكرر ثلث مرات في سفر التكوين )فصل ‪ ( 26-20- 12‬مع اختلف شكلي بسيط في سردها‪ .‬وحادثة عفو داوود عن اغتيال شاؤول أيضًا‬
‫تتكرر مرتين دون تغير ملحوظ في تفاصيلها‪ ,‬أو الكلمات التي تبادلها الغريمان )سفر صمؤيل فصل ‪– 1‬فقرة ‪ – 24‬و ‪ ( 26‬كما أننا نلحظ‬
‫كثيرًا من التناقض في وصف عمليات الحتلل‪ ,‬وحوادث الفتح في مختلف السفار‪ ,‬و إذا أضفنا إلى ما سبق ما تتميز به السفار من تعدد‬

‫‪6‬‬

‫في أساليب الكتابة‪ ,‬و طرق النشاء‪ ,‬حتى في السفر الواحد و تكرر المفردات في مختلف السفار‪ ,‬و آثار التنقيح و التصحيح الظاهرة في‬
‫أكثرها‪ .‬لبان لنا جليًا مشاركة اليدي العديدة في مجموعات التوراة و الخذ بما أجمع عليه جميع النقاد منذ عهد آستروك‪ ,‬وهو أن هذه‬
‫السفار ُكتب من قبل أرع فئات معينة لكل منها مدرستها و عصرها‪ ,‬ولقد أطلق النقاد على كل منها تسمية خاصة باليهوائية )‬
‫‪ ( Yahvistes‬لصطلحها على تسمية الخالق بيهوى و زعمها أنه كان يدعى كذلك منذ القدم‪ ,‬و يوافق ظهورها للقرن التاسع قبل الميلد‪,‬‬
‫وينسب إليها كتابة سيرة الباء‪ ,‬ويرمز إليها بالحرف )‪ (J‬و الثانية هي المسماة باللوهيمية )‪ (Elohistes‬لزعمها أنا الخالق كان يدعى‬
‫قبل عهد موسى بإلوهيم‪ .‬و ظهرت للوجود بعد زمن قصير من ظهور اليهويست و واختصت أيضًا بسير الباء و يرمز لها بحرف )‪ (E‬و‬
‫الفئة الثالثة هي التنيوية ‪ Deutéronomistes‬نسبة لسفر التثنية الذي اختصت بكتابته ولها آثار ظاهرة في عمليات التصليح و التنقيح‬
‫في السفار الخرى‪ .‬وساهم أفرادها في الصلحات التي أدخلت على الديانة اليهودية في عهد يوشيا‪ ,‬و ظهرت للوجود نحو عام ‪ 622‬قبل‬
‫الميلد و يرمز لها بالحرف )‪ (D‬و الفئة الرابعة هي التي ظهرت في عهد المنفى و اختصت في كتابة الشرائع والقوانين‪ .‬وسميت بمدرسة‬
‫الكهنوت )‪ (Ecole Sacerdotale‬و يرمز لها بالحرف )‪ ,(P‬وهي التي أوجدت ما يسمى بقوانين الكهنوت )‪ (Code Sacerdotal‬تحت‬
‫إشراف النبي حزقيال‪.‬وهذه الفئات الربع هي التي كتبت جميع السفار الباحثة عن العهود السابقة لعهد المنفى‪...‬‬
‫فسفر القضاة يحمل طابع فئتي ‪ E, J‬مثل السفار الخرى تمامًا‪ ,‬كما يحتوي سفر صموئيل على قصص تحمل طبائع كتاب )‪ (E-J‬أيضًا‬
‫كونه منسوبًا لمن يحمل اسمه‪ ,‬و الجدير بالذكر عن هذا السفر هو ذكره لستعمال الكتابة و الوثائق الخطية لول مرة في التوراة‪.‬‬
‫يضاف إلى ما سبق ما يلحظ تقريبًا في تكوين أكثر السفار من تعدد أساليب النشاء‪ ,‬وتجانس مفردات بعضها البعض الخر‪ ,‬وما فيها من‬
‫أخطاء تكشف زيف مزاعم نسبتها لشخاص أو عهود معينة مثل خلو سفر التكوين الذي نسب إلى موسى‪ ,‬حتى من عبارة واحدة تشير إلى‬
‫علقته به أو تدوينه إياه‪ ,‬كما تزخر السفار الربعة الخرى بعبارات توحي بأنها لم تكتب من قبل موسى‪ ,‬خلفًا لما زعمته المصادر‬
‫اليهودية‪ .‬أما مظاهر الزيادات و النواقص الغريزية في نصوص السفار المكرر لبعض التشاريع‪ ,‬فهي تدل صراحة على تعدد اليدي التي‬
‫عملت فيها‪ ,‬وما يصح القول عن في هذه السفار الخمسة‪ ,‬يصح أيضًا في كافة السفار الخرى‪ .‬و من هنا يتضح بجلء أن أكثرها كتب في‬
‫عهود متأخرة عما تبحث عنه‪ ,‬و من قبل الفئات التي سبق ذكرها‪ ,‬تجنبًا لوقوع الباحث في اللتباس عن مصدر السفار‪ ,‬ننصح له بضرورة‬
‫المعان في تحديد المسافة الزمنية الفاصلة في عهد المروي وعصر المؤلف و ميوله الشخصية‪ ,‬إذ ثبت لجميع النقاد ما لهذه النواحي من‬
‫أهمية عند تقصي الحقائق التاريخية من خلل قصص السفار‪ .‬أما فيما يتعلق بأهمية السفار في التطور الديني و الجتماعي والسياسي‬
‫لهذا الشعب‪ ,‬فل مجال لنكارها‪ ,‬وعلى الخص أهمية ما كتب منها في العهود اللحقة لجلء اليهود عن فلسطين‪.‬‬
‫رأي العلماء في أهمية السفار التاريخية‬
‫يقول لودس‪ :‬يخال على المرء وهو يتصفح سفر التكوين‪ ,‬إنه يملك عن اليهود من المصادر التاريخية أكثر مما يملكه عن أي شعب آخر‪ ,‬و‬
‫مرد هذا الوهم إلى ما يجده القارئ فيه من القصص العديدة التي تبحث عمن أسماهم اليهود بآبائهم الولين‪ .‬و لكن بعد التدقيق في‬
‫محتوياته‪ ,‬و التحقيق عن مصدره و عهد ظهوره يفضح لنا أنه من المجموعة السداسية التي كتبت من قبل الفئة اليهوائية )‬
‫‪ ( Yahvistes‬و التي ظهرت للوجود نحو فترة ‪ 760-850‬قبل الميلد‪ ,‬بينما نراه يبحث عن أحداث يزعم أن وقوعها قبل ألفي سنة من‬
‫مولد المسيح‪ ,‬أي ألف و مائتي عام قبل ظهور ُكّتابه للوجود‪ .‬و هذا إن اعتبرنا أن من كتبه كان من أقدم كتاب فئة )‪ (J‬و هذه المسافة‬
‫الزمنية التي تفصل الكاتب عن زمن الحداث التي يرويها دون أي برهان أو مصدر سابق‪ ,‬تعادل الزمن الذي يفصل عهد فرانسوا الول عن‬
‫عهد المسيح‪ ,‬أو الزمن الذي يفصلنا عن زمن الميروفنجيان )‪ .( Merovingines‬فلو فرضنا أن أحد كتاب عهد فرانسوا أقدم على كتابة‬
‫عهد المسيح دون العتماد على مصادر خطية سابقة‪ ,‬فهل كان أحد يصدقه من معاصري فرانسوا الول ؟ أو لو أقدم أحد معاصرينا اليوم‬
‫للبحث عن الميروفنجيان دون أن يمتلك مصادر قديمة يعتمدها في بحثه ‪ ,‬فهل يفكر أحدنا مجرد التفكير في تصديق ما يكتبه ‪ .‬فإذا جاز لنا‬
‫أخد ما كتبه معاصر فرانسوا أو معاصرنا محمل الصدق‪ ,‬لجاز عندئذ فقط أخذ ما ورد في سفر التكوين من قصص مأخذ الصدق‪.‬‬
‫المعروف عن القصص الشفهية أنها تفقد أصالتها بمجرد مرور حيل واحد على قصها لول مرة‪ ,‬وذلك لما يطرأ عليها من التعديلت كلما‬
‫انتقلت من راو إلى آخر‪ .‬إذ المعهود في القصاصين أن يزيفوا و يحرفوا كل ما يسمعونه‪ ,‬إما سهوًا أو عمدًا‪ ,‬وكلما طال الزمن على انتشار‬
‫القصة‪ ,‬زاد انحرافها عن أصلها‪ ,‬حتى تصبح في غضون بضعة أجيال قصة أخرى و كأنها لم يكن لها يومًا علقة بتلك القصة القديمة‪.‬‬
‫فإذا كانت هذه حالة القصة التي مر عليها بضعة أجيال‪ ,‬فما بالنا بحالة القصص التي مر عليها مئات الجيال‪ ,‬قبل أن تصل إلى كتاب‬
‫السفار؟ و الجواب على ذلك هو أن هذه القصص كانت قد خرجت منذ أمد بعيد عن محاورها الصلية و لم تعد على ما كانت عليه في‬
‫مستهل قصها‪ ,‬فكيف يمكننا في هذه الحالة أن ننظر إليها نظرة الجد طالما عرفنا منشأها و عهد كتابتها‪ ,‬و على الخص و نحن نرى اليوم‬
‫التناقص البين بين ما كتبه حكماء الميشنا )‪ ( Dr. de la Michna‬عن الحروب اليهودية التي وقعت في منتصف القرن الثاني الميلدي‬
‫وبين ما كتبه عنها المؤرخون من غير اليهود‪.‬‬
‫وهذا التناقض وحده يكفينا لتحديد مدى الثقة التي يمكننا أن نوليها قصص سفر التكوين و مؤلفيها‪ ,‬و التي تنعدم تمامًا عندما نفاجأ في آخر‬
‫سفر التكوين بسكوت كتاب السفار المطبق عن أحداث شعبهم في المدة الفاصلة بين نهاية قصة يوسف وبداية قصة الخروج و الباقة‬
‫أربعمائة و ثلثين عامًا‪ .‬و هذا السكوت إن دل على شيء فإنما يدل على جهل مؤلفي السفار لكل ما يتعلق بتاريخ قومهم‪ ,‬ليس لهذه‬
‫الحقبة من الزمن فحسب‪ ,‬بل لكل العصور السابقة لعهد تمركزهم في فلسطين‪ ,‬كما أنه يؤيد ما ذهب إليه النقاد في وصف تصرفهم لبناء‬
‫السفار‪ ,‬وهي أنهم التقطوا من أفواه الرواة ما تيسر لهم من القصص‪ ,‬و احتكروها باسم شعبهم دون التقيد بأي اعتبار تاريخي أو أدبي‪.‬‬
‫فلو لم تكن هذه هي الحقيقة‪ .‬لكان الحرى بهم أن يبحثوا عما جرى لشعبهم في تلك الحقبة القريبة من عصرهم بدًل من البحث عن‬
‫معجزات خيالية زعموا وقوعها لبائهم قبل عشرات القرون‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن هذه الثغرة الزمنية الواسعة التي تركوها فاغرة فاها في تسلسلهم القصصي‪ ,‬تدينهم بصراحة بالستنباط‪ ,‬و تفقد أسفارهم‬
‫كل قيمة علمية وتاريخية‪.‬‬
‫ولكن بعض أنصار السفار كالسيد شامبو )‪ ( Champault‬من تلمذة مدرسة بلي )‪ ( Ecole de la play‬يرفضون المنطق السليم و‬
‫يحاولون من وقت لخر إثبات أصالة قصص العهد القديم عن طريق العتماد على ما جاء فيها من الروايات الوصفية‪ ,‬مثل وصف حياة‬
‫الباء الولين الواردة في السفار‪ ,‬وذلك الوصف الذي يندهش السيد شامبو من دقة مطابقته لوصاف الحياة البدوية اليوم‪ ,‬ويعتبره كافيًا‬

‫‪7‬‬

‫لثبات أمانة مؤلفي السفار و صدق ما ورد في قصصهم‪ .‬ويبدوا أن السيد شامبو فاته أن نظريته هذه تحمل في طياتها تفسيرًا يخالف ما‬
‫أراد إثباته‪ ,‬ويؤيد نظرية النقاد القائلة بأن هذه القصص لم تكتب ولم تأخذ شكلها النهائي إل بعد تمركز اليهود في فلسطين‪ ,‬لما فيها من‬
‫دقة الوصف للنواحي الجتماعية و الجغرافية المطابق للحقيقة الراهنة‪ ,‬والتي تثبت أنهم كانوا يكتبون ما يشاهدونه و ما يسمعونه‬
‫ويضفون على ذلك أوصاف الحياة التي كانوا يعيشونها‪ ,‬وعلى الخص حياة الرحل الممثلة لحياة الرجل البدائي التي تخيلوا أن آبائهم لبد‬
‫أن عاشوها‪ ,‬هذه الحياة التي لم تتبدل منذ الخليقة إلى يومنا هذا‪ ,‬و التي كان بإمكانهم أن يروها كل يوم كما نراها نحن اليوم‪ ,‬ومن ثم‬
‫يصفونها على حقيقتها دون أن يحتاجوا لكثر من أن ينسجموا مع ما يكتبونه‪ .‬ولهذا نرى أن أمانتهم في وصف حياة البدو البدية و‬
‫الوصف الجغرافي للبلد‪ ,‬ل تبرهن قطعًا على صدق قصصهم السطورية‪ .‬بل العكس هو الصحيح‪ ,‬إذ أنها تدينهم بالستنباط كما سبق وقلنا‪,‬‬
‫و تؤكد نظرية كونهم كتبوا أسفارهم بعد أن تم تمركزهم نهائيًا في فلسطين‪.‬‬
‫ويعود لودس للبحث عن هذه القصص‪ ,‬ويؤكد أنها كانت في الصل قصص صغيرة مستقلة‪ ,‬لكل منها لونها أو مآلها و مغزاها التثقيفي أو‬
‫التحذيري الخاص بها‪ ,‬ثم جمعت كلها وضمت لبعضها في سلسلة من النسب الصطناعي‪ ,‬ومن ثم أخرجت و كأنها قصة واحدة‪ .‬وللتحري‬
‫عن أصلها و تحديد مغزاها‪ ,‬ننصح بأن يجرد كل منها مما اصطنع لها من أنساب وروابط‪ ,‬و أن تتخلص مما كون عنها من الفكار القديمة‬
‫و من ثم المبادرة للتنقيب عما قصد منها رواتها الولون‪ ,‬وما رمى إليه ناقلوها فيما بعد‪ ,‬عندها سيتبين للباحث أن أكثر هذه القصص كان‬
‫الغرض منها تثقيف و توجيه الشعب أو السامع‪ ,‬فلما حطت رحالها في أسماع كتاب السفار‪ ,‬سارع هؤلء ‘إلى تثبيتها ضمن نطاق معين و‬
‫ل قصة يعقوب و عيسو التي ربما كانت في الصل قدر رويت لتحذير القوي المعتمد على‬
‫اتجاه قومي محدود‪ .‬و على سبيل المثال لنأخذ مث ً‬
‫قواه البدنية و المستخف بالعقل و الذكاء‪ ,‬من الريب الضعيف‪ ,‬المخادع‪ .‬فأخذها كتاب السفار و جعلوا من يعقوب الريب المتمسك بتقاليد‬
‫قومه‪ ,‬و من عيسو القوي الخارج عليها‪ ,‬فأظهروه و قد أضحى فريسة لخداع أخيه الريب رغم قوته‪ ,‬و أهالوا على يعقوب أنبل الصفات‪,‬‬
‫وقالوا عنه أنه تحمل المشاق والعذاب الطويل و مخاطر الطريق ليتفادى الوقوع في الخطيئة التي وقع فيها شقيقه عيسو‪ ,‬وهي القتران‬
‫بامرأة أجنبية هذه الخطيئة التي أغضبت يهوى‪ ,‬وأدت إلى انتصاره ليعقوب‪ ,‬كما كانت الحافزة لمه للتخلي عنه و مساعدة أخيه عليه مع‬
‫العلم أن قضية زواج عيسو من أجنبية لم يشر إليها إل بعد أن أتم يعقوب كل خدائعه‪ .‬وذلك بغية تغطية تحيز أمه و تبرير خداع يعقوب‪ ,‬و‬
‫تسلط نسله على الدوميين نسل عيسو ذلك التسلط الذي حدث بعد قرون عديدة من أحداث القصة المزعومة‪ ,‬و كل ذلك بقصد اليحاء إلى‬
‫اليهود بفداحة جرم التزوج من أجنبية‪ ,‬و هذا الجرم الذي يغضب الرب و الوالدين و يجعل من يقدم عليه فريسة لضعف الناس و يذل نسله‬
‫حتى بعد أجيال‪.‬‬
‫و القصة الطويلة التي تروي ما حدث للخوين إسماعيل و إسحاق و ما كان من عداء بينهما‪ ,‬و تحيز أبرام وزوجته وانتصارهما لسحاق‪,‬‬
‫و مؤازرة القوى العلوية لسارة ضد إسماعيل و أمه هاجر‪ ,‬لم ترو هي أيضًا مع كل ما فيها من سخف و أمور غريبة إل لليحاء بما‬
‫لليهودي الصيل من أفضلية و ميزات على المولد و سواه‪.‬‬
‫أما إصرار الكتاب على تدوين أتفه العمال و القوال التي نسبت للباء الولين‪ ,‬فلقد قصد منه اليحاء بأن كل كلمة أو حركة أو سكنة‬
‫صدرت عن أحدهم لها مدلولها و أهميتها ليس على صاحبها أو ذريته فحسب بل على مستقبل و مصير القبيلة التي تنحدر و تتناسل منه‪ .‬و‬
‫على سبيل المثال نذكر أن زعامة قبيلة أفرائيم التي سادت السباط الخرى بعد موت سليمان تعزو المصادر اليهودية تحققها إلى رؤيا‬
‫جدها يوسف الواردة في سفر التكوين )فصل ‪-37‬فقرة ‪.( 11 -5‬‬
‫وقصة البار السبعة التي زعم حفرها إسحاق لم ترد إل للشارة إلى حق إسرائيل بملكية هذه البار اعتمادًا على نص اعتراف بملك‬
‫صاحبها السبق بشرعية هذه الملكية‪ ,‬كما أن مرد زعم سكنى الباء أو مقابلتهم للرب في بعض المكنة‪ ,‬كشكيم و بيت إيل و حبرون‪,‬‬
‫وبئر السبع‪ ,‬و سواها هو تغطية لقيام اليهود بإنشاء المذابح و المعابد في هذه المراكز التي كانوا يمارسون فيها طقوسهم الدينية خلفًا‬
‫لتعاليم الثنية ) ‪ ( Deuteronome‬التي صدرت في القرن السادس قبل الميلد‪ ,‬وحرمت العبادة وتقديم القرابين إل في ) خباء المحضر (‪,‬‬
‫وذلك لنفي تهمة تعدد المعابد المخالفة عن اليهود‪ ,‬و تعليل سبب إقامتها بحجة تخليد ذكرى الباء الولين‪ ,‬و حتى ل يقال أنا اليهود كانوا‬
‫يخالفون تعاليم الثنية المنسوبة لموسى‪.‬‬
‫بقي أن نعرف الدافع الساسي لكتاب السفار ليجاد كل هذا العدد الوفير من القصص‪ ,‬يقينًا أن سر ذلك يكمن في صلب مواضيع القصص‬
‫إياها‪ ,‬التي نلحظ دورانها حول محاور قبلية و اجتماعية معينة‪ .‬و من هنا نستنتج أنها عصارة مخيلة الدباء و القصاصين التي تبحث عن‬
‫عادًة عما يهم الناس معرفته و يستسيغه كل فرد من أفرد الشعب‪.‬‬
‫ولما كان النسان منذ أقدم العصور تواقًا لسماع و معرفة ما يتعلق بالماضي المجهول‪ ,‬و ما له من علقة بحاضره‪ ,‬وعلى الخص المور‬
‫الباحثة عن أصله و فصله‪ ,‬فإنه من البديهي أن يستثمر كتاب السفار هذه النوازع‪ ,‬فانكبوا على كل ما توفر لهم من القصص القديمة‬
‫يحورونها و يطورونها مع ما يشبع فضول و نهم أفراد الشعب اليهودي الذي كان يجهل كل شيء عن ماضيه السحيق دون أن يفوتهم‬
‫إيجاد الروابط بين الماضي و الحاضر لتبرير ما كان عليه وضع اليهود آنذاك أو لثبات صحة ما أوردوه في قصصهم‪ .‬و على سبيل المثال‬
‫نذكر أن الغاية من استباط قصة غضب سام على ابنه كنعان الواردة في الفقرات ‪ 20‬و ‪ 27‬من سفر التكوين ) و القائلة أن سام دعا على‬
‫ذرية كنعان بأن تذل من قبل ذرية أخيه أبرام ( جاءت لتبرير تسلط إسرائيل على كنعان و احتلل بلده‪ ,‬و إيهام الطرفين بقدسية الباء‬
‫الولين‪ ,‬وسموا مكانتهم لدى يهوى‪ ,‬بدليل تحقيقه لرغباتهم حتى بعد عشرين قرنًا‪ ,‬أو مهما طال الزمن‪.‬‬
‫ل إن نظريات النقاد حول ما يتعلق بها هي أكثر عددًا من أن تحصى بسهولة و‬
‫ويثابر لودس في بحثه عن منشأ هذه القصص‪ ,‬ويضيف قائ ً‬
‫مع هذا سنعتمد فيما يلي على ذكر أقربها للمنطق‪ ,‬بغية تنوير القارىء قدر المستطاع – و من جملة هذه النظريات ما اعتمدها السادة‬
‫ل وصف لتنقلت و تحركات بعض القبائل‬
‫بورني ( ‪ ( Burmey‬و ستوار أنجل )‪ – (Steuarangle‬و القائلة أن هذه القصص هي أص ً‬
‫العبرانية الرحل التي كانت تدعى بالسماء التي زعم كتاب السفار كونها لفراد من أسلفهم الولين‪ ,‬وقد أضفوا على من أسموهم بهالت‬
‫الكبار و التقديس‪ ,‬ونسبوا لكل منهم أعماًل و مناقب و مغامرات خيالية لتحقيق أغراض معينة من ورائها‪ .‬و أصحاب هذه النظرية‬
‫يعتمدون في مذهبهم على ما لهؤلء الشخاص أو البطال في لك القصص من السماء واللقاب المزدوجة‪ ,‬والتي كانت ترمز أكثرها إلى‬
‫ل‪ ,‬الذين يعني أولهما شعب إسرائيل و ثانيهما بلد آدوم‪ .‬ويقولون أن أسماء ليه‪,‬‬
‫قبائل وشعوب أو بلد و مناطق‪ ,‬كإسرائيل و آدوم مث ً‬
‫وراشيل‪ ,‬و روبيكا هي أيضًا أسماء قبائل آرامية نزحت من بلدها و التحقت بقبيلة اسحق العبرانية و اندمجت معها و خرج من هذا‬
‫الندماج قبيلتي آدوم و يعقوب‪ ,‬فوقع خلف بينهما‪ ,‬فهربت قبيلة يعقوب من جور آدوم إلى البلد الرامية‪ ,‬حيث اصطدمت بقبيلة لبان‬
‫الرامية‪ ,‬فكرت راجعة إلى فلسطين تبحث لنفسها عن مقام جديد ولدعم نظريته هذه يقول‪ :‬إن هذه الحقيقة تظهر للعيان بكل وضوح عندما‬
‫ل منها‪.‬‬
‫يقد الناقد على تجريد هذه القصص مما أضافه كتاب السفار إليها من مغامرات فردية و حوادث عائلية‪ ,‬ولم تكن أص ً‬

‫‪8‬‬

‫وهناك نظرية أخرى‪ ,‬يقرها الكثيرين من النقاد‪ ,‬تقول إن هذه القصص ليست سوى تحريف لبعض القصص القديمة المعروفة كانت تروي‬
‫منذ أجيال عديدة‪ .‬ويدللون على صحة نظريتهم بما في قصة عيسى ويعقوب من أحداث و معان مشتركة مع قصة الصياد العنيف والراعي‬
‫المخادع ) ‪ ,( Ulyss et polyphémi‬وبما في قصة يوسف من وحدة المعنى و المآل مع القصة المصرية الواردة في ببروس أوربيني )‬
‫‪ ,( Papyrus Orbiney‬و ما في حادثة الملئكة و أبرام من التوافق و النسجام مع محتويات قصة فليمون وبوسي ) ‪Philémon et‬‬
‫‪ ( Baucis‬الشهيرة‪.‬‬
‫و النظرية الثالثة هي نظرية السيد كونكل ) ‪ ( M.Gunkel‬القائلة إن هذه القصص لم تكن في الصل إل قصص قبائل وثنية انقرض‬
‫أصحابها قبل القرن الخامس عشر ) قبل الميلد ( رواها رواة الوثنية ‪ ((Ethnologues‬و تناقلها الناس إلى أن وصلت إلى كتاب السفار‬
‫فاحتضنوها لحسابهم الخاص‪.‬‬
‫و النظرية الرابعة‪ :‬هي التي يعتمد عليها كل من السادة إدوارد مايير )‪ ( Edouard mayer‬و ريمون واي ) ‪( Rymond weille‬‬
‫وبيرنارد لوثر ) ‪ (Bernhard luther‬و القائلة إن أكثر السماء التي أطلقها كتاب السفار على أبطال قصصهم هي في الصل أسماء‬
‫بعول ) آلهة أسطورية ( كنعانية عرف كل منها بإقامته في إحدى المكنة التي أقام اليهود فيها معابدهم فيما بعد‪ ,‬و تكريمًا لصحابها الذين‬
‫اتخذهم كتاب السفار أسلفًا لهم‪ .‬ولتأكيد نظريتهم هذه يزعمون أن بعل حبرون كان يدعى بأبرام كما أن بعل بئر السبع كان يدعى إسحاق‬
‫وبعل شكيم يعقوب‪ .‬ويختمون نظريتهم بالقول إن اليهود حاكوا هذه اللهة و أمكنة سكناها ما شاء لهم الهوى من القصص و الساطير و‬
‫احتكروها باسم أسلفهم المزعومين‪.‬‬
‫و من خلل آراء هؤلء العلماء يتضح لنا بجلء استحالة العتماد من الوجهة التاريخية على كل ما ورد في كتاب السفار من القصص و‬
‫الروايات عن العهود السابقة للقرن السادس قبل الميلد‪ ,‬مما يهدم كل مزاعم المصادر اليهودية المتعلقة بمحتدهم القومي أو العرقي‪.‬‬
‫علماء التاريخ و قصة إقامة اليهود في مصر‬
‫ذكرت السفار على أنه إثر مجاعة حدثت في أرض كنعان نزح عنها يعقوب و أبناء عشيرته إلى البلد المصرية‪ ,‬حيث أقاموا مدة أربعمائة‬
‫و ثلثين عامًا‪ ,‬و من ثم هربوا تحت زعامة موسى‪ ,‬على أعقاب ما أصابهم من ظلم و جور فرعونها‪ ,‬و حطوا رحالهم في صحراء سيناء و‬
‫أقاموا فيها أربعين عامًا‪ .‬ومن ثم أقدموا على احتلل فلسطين‪ ,‬وتمركزا فيها في عهد يوشع خليفة النبي موسى‪ .‬و هذا الوصف التاريخي‬
‫المقتضب لحداث أربعة قرون و نيف من حياة الشعب السرائيلي‪ ,‬دفع بعلماء التاريخ إلى التحري عما كانت عليه حياة هذا الشعب في‬
‫غضون تلك الزمنة‪ ,‬و ما لهذا الزعم من نصيب في دنيا الحقائق التاريخية‪ ,‬و لقد أدلى أكثرهم بدلوه في هذا الموضوع‪ ,‬و أطالوا البحث و‬
‫التنقيب‪ ,‬ولكنهم فشلوا جميعًا في سبر حقيقة هذه القامة‪ ,‬فذهبوا إلى تعليل ما ورد عنها في السفار شتى المذاهب‪.‬‬
‫فمن قائل كالسيد مورة الفرنسي أن ما عثر عليه من المخطوطات واللوائح الثرية المصرية‪ ,‬و إن كان بعضها يشير أو يرمز إلى الفراعنة‬
‫كانوا يقبلون في بلدهم بعض الحيان من يلجئ إليها من السيويين‪ ,‬إل أنها ل تؤكد قطعًا وجود اليهود بين هؤلء الغراب‪ .‬إلى قائل أن‬
‫حرفي )‪ (P-R‬الواردان في بعض أوراق البردي‪ ,‬و الرامزين إلى هوية أناس كانوا يقومون بأعمال السخرة في مصر ليسا سوى إشارة‬
‫إلى أن هؤلء المسخرين كانوا من اليهود باعتبار أن حرف ‪ P‬و حرف ‪ R‬يمثلن كلمة أبيريو )‪ (Apiriu‬التي تعني لدي المصريين‪:‬‬
‫العبرانيين )‪ .(Habiriu ou Hebreux‬و مترجموا هذين الحرفين إلى كلمة آبيريو‪ ,‬التي استخلصوا منها البرهان على إقامة اليهود في‬
‫مصر هم السادة‪ ,‬شاباس )‪ (Chabas‬و هومل )‪ (Hommel‬و سكينر )‪ (Skiner‬و كريكلنجر )‪.(Kreglinger‬‬
‫ولكن لودس يعترض على مذهبهم هذا‪ ,‬ويقول‪ :‬إنه و إن كان ما ورد في هذه المكتشفات ينسجم بعض الشيء مع ما جاء عن إقامة اليهود‬
‫في مصر المذكورة في السفار إل أن الستعاضة بحرف ‪ P‬اللتيني بدًل عن حرف ‪ B‬الكائن في كلمة هبرو ) ‪ ( Hebreux‬هو أمر صعب‬
‫القبول لما بين الحرفين من فرق كبير في اللفظ‪ .‬ولهذا نرى قبول كلمة آبيريو )‪ (Apiriu‬بدًل عن كلمة )‪ (Hebreux‬هبرو يكاد يكون‬
‫ل‪ .‬هذه من ناحية‪ ,‬و من ناحية أخرى فإننا نلحظ أن تاريخ أوراق البردي التي أشارت إلى قيام البييريو بأعمال السخرة يعود إلى‬
‫مستحي ً‬
‫عهد رمسيس الرابع‪ ,‬أي لزمن متأخر عن العصر الذي زعمت المصادر اليهودية حدوث الخروج فيه‪ .‬وهذا الختلف البين في التأريخ‬
‫يطيح كليًا بادعاء السيد شاباس و زملئه‪.‬‬
‫كما أنه ل يمكن العتماد على القصة التي رواها ماينوتون )‪ (Manethon‬كاهن هيليو بوليس في القرن الثالث قبل الميلد و القائلة إن‬
‫العبرانيين هم أحفاد المصابين بالجذام و ذوي العاهات الخرى من سكان مصر ‪ ,‬والذين كان فرعون مصر أمينوفيس )‪ (Aménophis‬قد‬
‫عزلهم عن الناس و أرغمهم على القامة في مقالع خاصة حفظًا للصحة العامة ‪ .‬و أن موسى لم يكن سوى كاهن مصري أصيب بالجذام‬
‫فعزل في المقلع مع الخرين‪ .‬ولما طالت عليه العلة و يأس من الشفاء‪ ,‬فتمرد على آلهة مصر و اتصل بالهكسوس سرًا‪ ,‬وطلب مساعدتهم‪,‬‬
‫لو‬
‫ومن ثم حرض رفاقه المرضى على التمرد‪ ,‬فعلم فرعون مصر بأمره‪ ,‬وقرر تأديبه‪ .‬فلما شعر موسى بالخطر لذ و أنصاره بالفرار لي ً‬
‫ل على إقامة اليهود في مصر لن مانيتون ختمها بالعتراف‬
‫اعتصموا في صحراء سيناء‪ .‬نقول أن هذه القصة أيضًا ل يمكن اعتبارها دلي ً‬
‫بأنها من القصص المنقولة عن قيل وقال‪ .‬كما أن سكوت المصادر المصرية المطبق عن هذه القامة يدل صراحًة على قصتها ملفقة تلفيقًا‬
‫يهوديًا محضًا‪ ,‬دون أن يكون لها أساس تاريخي‪ .‬وينهي لودس هذا البحث من كتابه بالموافقة المبدئية على نظرية العالم ) ‪Hugo‬‬
‫‪ (winkler‬هوكو فونكلر القائلة إن ادعاء السفار بإقامة اليهود في مصر ما هو إل نتيجة خطأ جغرافي‪ .‬ويظن السيد هوكو أن كتاب‬
‫السفار استعملوا كلمة مصر أو ميشرائم )‪ (Mesraim‬للتدليل على صحراء سيناء و ما جاورها من تخوم البلد الواقعة شمال شبه‬
‫الجزيرة العربية‪ ,‬أسوة بالبابليين الذين كانوا يطلقون على المناطق الواقعة جنوب غزة بوادي مشرائيم )‪ (Torrant Mesraim‬رغم‬
‫قرب من مدينة غزة‪.‬‬
‫و انطلقًا من هذا الرأي يقول هوكو‪ :‬ربما أقامت بعض القبائل اليهودية في هذه المنطقة و تكاثر عدد أفرادها مع الزمن فزحفت منها إلى‬
‫فلسطين في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلد‪ .‬ويعلل سكوت المصادر المصرية عن هذه القامة بعدم علقتها بهذا القطاع من البلد‬
‫المتاخمة لبلدها و إن كانت تحمل نفس السم‪ ,‬فلو كان لها بعض العلقة به أو بالقامة المزعومة في مصر لما كان يعقل سكوتها عن ذلك‬
‫مهما كان التعليل‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫وفيما يتعلق بقصة مولد موسى و نشأته‪ ,‬فإن لودس يشبهها بقصة الملك ساركون الكادي ) ‪ ( Sargon D’Agadé‬التي أثبتت‬
‫المكتشفات الحديثة صحتها و أن صاحبها كان يحكم مدينة آكاد )‪ (Akkad‬نحو عام ‪ 2850‬قبل الميلد أي قبل عشرة قرون من مولد‬
‫موسى‪ .‬أما عن المعجزات التي نسبت إلى موسى‪ ,‬فيقول عنها‪ :‬إنها من مبتكرات كتاب القرن الثامن قبل الميلد الذين كانوا يعرفون الشيء‬
‫ل أن‬
‫الكثير عن أحوال مصر الطبيعية والجغرافية‪ ,‬فلم يصعب عليهم أن يختلفوا المزاعم القريبة مما حدث عادة في مصر‪ ,‬فهم يعرفون مث ً‬
‫مياه النيل تصطبغ باللون الحمر كلما فاض النهر‪ ,‬من جزاء ما تجرفه المياه من التربة‪ ,‬ويعرفون أن الضفادع تكثر على أثر انحسار‬
‫المياه بعد الفيضان في الربيع حيث يكون موسم تكاثر الضفادع‪ .‬كما يتكاثر البعوض في نفس الوقت في المستنقعات التي يخلفها الفيضان‪,‬‬
‫و هذه العوارض معروفة في مصر ول تزال تحدث حتى اليوم‪ ,‬فاتخذها كتاب اليهود متكًأ ليبنوا عليها قصصهم السطورية‪ ,‬و أظهروها و‬
‫ل كانت تعتبر خارقة في نظر اليهود الذين كانوا يقطنون في القرن التاسع قبل الميلد في أعالي الجبال‬
‫كأنها أشياء خارقة للطبيعة‪ ,‬وهي فع ً‬
‫الفلسطينية‪ ,‬حيث ل فيضانات ول بعوض ول ضفادع‪ .‬لهذا كان من البديهي أن يعتبروها من المعجزات طالما كانوا يجهلون كل شيء عن‬
‫البلد المصرية‪.‬‬
‫ولنهاء موضوع القامة يقول لودس‪ :‬بعد فشل الجهود الكثيرة التي بذلت للعثور على أدلة تثبت صحة هذا الموضوع نرى ضرورة اللجوء‬
‫إلى ما نملكه من المصادر المصرية التي تشير إلى قبول الفراعنة لقبائل الرحل في ضيافتهم ضمن شروط معينة‪ ,‬ومن هذه المصادر بردى‬
‫بيترسبورغ )‪ (Papyrus Petersbourg‬الذي يعود تاريخه لعهد ملوك هيركلوبوليس )‪ (Heracléopolis‬أي لما بين ‪2160-2360‬‬
‫قبل الميلد‪ ,‬وهو يبحث عن عشائر رحل التمست الدخول إلى مصر لتأمين الماء لمواشيها‪ .‬و لوحة بني حسن ولوح حار محب )‬
‫‪ ) (Harmheb‬مؤسس الدولة التاسعة عشر نحو عام ‪ ( 1321-1345‬اللتان عثر عليها عام ‪ 1900‬تشير إلى أناس طردوا من بلدهم و‬
‫ل بما اعتادوا عليه منذ أيام آباء الباء ) الجملة الحرفية لترجمة المخطوط(‪ .‬كما أن بعض التقارير‬
‫أتوا لمصر يطلبون حق اللجوء إليها عم ً‬
‫التي كان يرفعها عسس الحدود إلى الفراعنة عن أحوال مناطقهم يشير أيضًا إلى قبولهم القبائل الرحل في تخوم قطاعاتهم‪ .‬مثل التقرير‬
‫المرفوع إلى الفرعون ميرنبتاح ) ‪ (Merneptah‬نحو عام ‪ 1224-1233‬والذي يشير بدوره فيه كاتبه إلى سماحه لقبيلة من الساسو )‬
‫‪ (Sasou‬أي الرحل بالدخول إلى وادي ثوميلت بغية رعي مواشيها فيه‪.‬‬
‫و من هذه الوثائق نستدل على أن القبائل الرحل كانت ترتاد التخوم المصرية منذ أقدم العصور‪ ,‬فل يستبعد أن تكون بعض العشائر العبرانية‬
‫كمنس و أفرائيم و بنيامين هجرت مرابعها القديمة على أثر قحط أو غزو و التجأت إلى منطقة كوشان ) ‪ (Gochan‬الواقعة قرب وادي‬
‫ثوميلت‪ ,‬ومن ثم التحقت بها عشائر أخرى و تمركزت كلها في تلك المنطقة الواقعة على الحدود‪ ,‬تعيش بمنجى عن الختلط مع الغراب‪.‬‬
‫ولكن عندما طلب منها القيام ببعض العمال مقابل هذه القامة‪ ,‬بادرت إلى التمرد و نزحت عنها بقيادة موسى‪ ,‬وحطت رحالها في صحراء‬
‫سيناء التي اعتادت القامة فيها‪ ,‬ويبدو أن هذه القامة المؤقتة )إن صحت ( هي التي تسميها المصادر اليهودية بالقامة في مصر وهي في‬
‫الواقع إقامة على حدود مصر ل فيها‪.‬‬
‫تطور اليهود الجتماعي و السياسي والقتصادي‪:‬‬
‫يلقي سفر التكوين على الحياة الخلقية والجتماعية عند العبرانيين قديما‪ ,‬أضواًء قوية‪ ,‬فيصور النحطاط الكبير الذي تردى فيه هذا‬
‫النفر‪ ,‬من قتل وغدر ونهب وزنا‪ ..‬حتى إنه يلصق مثالب ومنكرات فظيعة بالنبياء أنفسهم‪ ,‬ناهيك بالعامة والفراد العاديين!‬
‫أما حياتهم القتصادية‪ ,‬فيمكن القول أنها كانت على شيء كثير من العسر والضيق والضطراب‪ ,‬شأن كل جماعة ما برحت بعد في طور‬
‫البداوة و الحياة القبلية‪ ,‬لنعدام الكيان السياسي‪ ,‬وبعدها عن الستقرار‪.‬‬
‫كانوا يرتادون بعض أقاليم فلسطين عقب هجرتهم من أور الكلدان ‪ ,‬وتضيق بهم أساليب الرزق‪ ,‬ثم يهاجرون إلى مصر‪ ,‬ويغدو إبراهيم‬
‫غنيًا ‪ ,‬ثم يعود معهم إلى فلسطين‪ ,‬ويرحلون ثانية إلى مصر‪ ,‬وعلى رأسهم يعقوب أو إسرائيل‪ ,‬حيث ابنه يوسف‪ ,‬وقد أصبح وزيرًا‬
‫خطيرًا لفرعون‪ ,‬ويعيشون هناك برخاء‪.‬‬
‫وحوالي عام ‪ 1600‬ق‪.‬م تغلب فراعنة طيبة في مصر العليا على الفراعنة الهكسوس في مصر السفلى‪ ,‬وكان هذا التبدل السياسي نكبة‬
‫كبرى على بني إسرائيل‪ ,‬الذي كانوا موضع اضطهاد المصريين فيما بعد‪ ,‬وراح اليهود يحيكون الدسائس ويكيدون للمصريين فأمعن‬
‫هؤلء في اضطهادهم واستخدموهم كالعبيد في بناء المدن والعمال العنيفة الشاقة‪ ,‬حتى خرجوا من مصر بقيادة موسى‪ ..‬يبغون‬
‫فلسطين أرض الميعاد‪.‬‬
‫وتاه اليهود في صحراء سيناء فترة من الزمن‪ ,‬قيل أنها أربعون سنة‪ ,‬تخلوا فيها عن معتقداتهم‪ ,‬واستبدلوا العجل الذهبي بالله يهوى‪,‬‬
‫وعمل موسى كثيرًا لصلحهم وهدايتهم‪ ,‬ووضع خلل التيه الوصايا العشرة‪ ,‬التي تشبه إلى بعيد‪ ,‬أحكام الديانة المصرية السائدة يوم‬
‫ذاك ‪ ,‬مع تحوير بسيط يتفق والوضاع الدينية والجتماعية والخلقية في بني إسرائيل‪.‬‬
‫ل تناحر الملوك‬
‫ومات موسى قبل أن يحقق أمنيته في احتلل فلسطين‪ ,‬فكان ذلك على يد خلفه يوشع بن نون حوالي ‪ 1451‬ق‪.‬م ‪ ,‬مستغ ً‬
‫والزعماء في فلسطين‪ ,‬فقضى عليهم واحدًا بعد واحد‪ ,‬وتقول التوراة أنه قتل منهم ‪ 31‬ملكًا واستولى على أراضيهم تدريجيًا‪ ..‬بسبب‬
‫الخلفات التي كانت قائمة بينهم !!‬
‫ثم رأى صموئيل ضرورة إيجاد كيان سياسي لبني إسرائيل‪ ,‬ينقذهم من الحياة القبلية‪ ,‬ويثبت أقدامهم في فلسطين‪ ,‬فاختار شاؤول فكانا‬
‫هذا أول ملك لسرائيل ! واستطاع شاؤول أن ينتزع رويدًا رويدًا جميع المدن من الفلسطينيين أصحاب البلد الشرعيين !! وجاء بعده‬
‫داوود ثم سليمان ‪ ...‬وعندما سيطر اليهود على فلسطين بلد الكنعانيين وموطنهم‪ ,‬تأثروا بالحضارة الكنعانية‪ ,‬واستعانوا بالخبراء‬
‫والصناع من أهل كنعان في تشييد الهياكل و المساكن والقصور‪ ,‬وعولوا عليهم في الصناعة والتجارة‪ ,‬وفي سفر الملوك أن الملك‬
‫سليمان أرسل إلى حيرام ملك الكنعانيين يرجوه أن يأمر بقطع الخشب لبناء الهيكل‪ )) :‬إنك تعلم أن ليس بيننا واحد يعرف قطع الخشب‬
‫كالصيدونيين ((‪.‬‬
‫في الصحاح ‪ 27‬من سفر حزقيال أن اليهود كانوا يتاجرون بالحنطة والعسل والزيت والبلسان والحلوى وغيرها من منقولت المم‬
‫الخرى‪.‬‬
‫ولم يقف تأثر اليهود بالكنعانيين عند حد التجارة والصناعة والبناء‪ ,‬وإنما اعتمدوا عليهم في الشؤون الثقافية‪ ,‬فنقلوا عنهم الكتابة‬
‫وأوزان الشعر وأناشيد الصلوات‪ ,‬حتى إن اليهود من سكان شمال فلسطين كالجليل والسامرة تخلوا عن كثير من عاداتهم وآرائهم‪,‬‬

‫‪10‬‬

‫واتخذوا اللغة الرامية لغة لهم‪ ,‬كما تأثروا أيضًا بالفرس والهند وسكان العراق‪ ,‬للتقائهم المستمر بأبناء هذه البلد الوافدين مع‬
‫القوافل‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 320‬ق‪.‬م ذهب عدد كبير من اليهود إلى مصر واستوطنوا السكندرية التي ضمت أكبر عدد من اليهود باستثناء أورشليم‪ ,‬لن‬
‫عددًا كبيرًا من اليهود‪ ,‬كان قد هرب إلى مصر منذ الغزو البابلي‪ ,‬واستقر هذا العدد الكبير من اليهود في السكندرية‪ ,‬ولم يفكروا في‬
‫العود إلى أورشليم‪ ,‬لقد استوطنوا هناك‪ ,‬وتأثروا بالبيئة اليونانية المحيطة بهم‪ ,‬كما أثروا هم أيضًا بالبيئة اليونانية‪ ,‬بما حملوه من أفكار‬
‫دينية وتعاليم وعادات‪ ..‬وكان من نتائج هذا الختلط والتفاعل‪ ,‬أن ترجمت التوراة إلى اللغة اليونانية لن اليونانية كانت قد حلت محل‬
‫الرامية والعبرية بين يهود مصر في ذلك الحين‪.‬‬
‫أما الفترة الخيرة من تاريخ اليهود تحت الحكم الروماني فقد تميزت بطابع خاص‪ ,‬وهو الخلف الشديد بين كهنتهم حول المحافظة على‬
‫تعاليم الدين اليهودي ونصوصه وحرفيته‪ ,‬أو مسايرة التطور‪.‬‬
‫ولكن اهتمام اليهود قديمًا كان في الواقع يرمي إلى الخلص من النير الروماني وكان أكثر من اهتمامهم بالصلح الديني ولذلك ساروا‬
‫وراء عدد من أدعياء النبوة‪ ,‬وهم في حقيقتهم كما يقول الكاتب اليهود المعروف ألفريد ليلينتال محترفو سياسة يتسترون بستار الدين‪.‬‬
‫وكنتيجة لظهور هؤلء الدعياء‪ ,‬قام اليهود بعدة ثورات ضد روما‪ ,‬كان مصيرها الفشل‪ .‬وأما خلل الحكم الروماني الثاني‪ ,‬فكان اقتتال‬
‫حكام اليهود وزعمائهم على السلطة‪ ,‬هو الشغل الشاغل لهتمام اليهود‪.‬‬
‫وعندما هزم الملك الفارسي كورش ‪ ,‬نبونيد آخر ملوك بابل‪ ,‬سمح لسبايا اليهود ‪ 538‬ق‪.‬م بالعودة إلى فلسطين‪ ,‬وإعادة بناء المعبد في‬
‫أورشليم‪ ,‬وعاد قسم منهم‪ ,‬ولكن الكثرية العظمى ‪ ,‬آثرت البقاء هناك‪ ,‬بعد أن ازدهرت أحوالها القتصادية وارتقت أوضاعها‬
‫الجتماعية‪ ,‬واعتادت بالضافة إلى ذلك أن تقيم طقوسها الدينية في غير معبد أورشليم‪ .‬والذين عادوا من السبي إلى فلسطين‪ ,‬هم الذين‬
‫حملوا معهم جرثومة الوطن القومي اليهودي وشعب ال المختار!‬
‫وفي العصر الذي ولد فيه المسيح‪ ,‬كانت الحالة السياسية في فلسطين سيئة جدًا ولكن الوضع الجتماعي والقتصادي كان أكثر سوءًا ‪,‬‬
‫نتيجة للضرائب الفادحة المفروضة على اليهود‪,‬فقد كان اليهودي يدفع ضريبتين الولى للهيكل والثانية للدولة‪ ,‬ومن السباب في سوء‬
‫الوضاع الجتماعية والقتصادية والسياسية الثورات العديدة التي قام بها اليهود‪ ,‬ومنها ثورة الغلة السرائيليين على الرومان بسبب‬
‫الحصاء العام المعروف‪.‬‬
‫وتأثرت الطوائف اليهودية بالمذاهب الفكرية والفلسفية السائدة‪ ,‬في عصر الميلد‪ ,‬كالمذهب الروماني‪ ,‬الذي يقول بالصبر على الشدائد‬
‫والعفة عن الشهوات‪ ,‬وإن ل سعادة للنسان من غير نفسه وضميره‪ ,‬كالمذهب البيقوري الذي يتلخص بأن السرور هو غاية الحياة‪,‬‬
‫ولكنه السرور الذي ل يعقب ندمًا أو ألمًا ‪ ..‬وإنه ل وجود لغير المادة‪.‬‬

‫اليهود في فلسطين‬
‫و الن بعد أن أسهبنا في شرح آراء العلماء حول منشأ السفار السداسية و ما تزخر به من أمور خارقة للطبيعة‪ ,‬التي ل يرجى من‬
‫الخوض في تفصيلت أكثر مواضيعها أي فائدة علمية أو تاريخية‪ ,‬نرى الجدر بنا أن نأخذ القسم الخير منها وهو الباحث عما سمي بغزو‬
‫فلسطين‪ ,‬باعتباره الجزء الفريد بين أجزاء هذه السفار الذي يمكننا فرضه بحثًا تاريخيًا إن صحت التسمية‪ ,‬وهو القسم المسمى بسفر‬
‫ل‪ ,‬بأن اليهود احتلوا فلسطين في غضون جيل واحد و قضوا على سكانها الصليين و‬
‫يشوع‪ ,‬و إليه يعود الفضل في العتقاد الذي ساد طوي ً‬
‫امتلكوها لكثر من عشرة قرون‪.‬‬
‫ويبدو أن هذه العتقاد ما هو إل وليد جهل العامة لتفاصيل ما سمي بالغزو اليهودي‪ ,‬أو بسبب إحجام الناس عن التمعن في مختلف أقسام‬
‫السفار الباحثة عن هذا الغزو‪ ,‬فلو أن الناس دققوا في محتويات سفري التثنية و العدد ) و هما أقدم من سفري الخروج ويشوع ( و في‬
‫سفر القضاة‪ ,‬لوضح لهم ما في سفر اليشوع من مغالة في وصف سرعة الغزو و أهميته و بينا نرى سفر يشوع يصف هذا الغزو بأنه كان‬
‫ل لكل فلسطين و في آن واحد‪ ,‬و يبحث عن تقسيم البلد بين السباط‪ ,‬دون أن يترك أي جزء منها بل توزيع‪ ,‬نلحظ أن بعض‬
‫عامًا شام ً‬
‫فقرات سفر التثنية و العدد تقول أن اليهود بعد أن اجتازوا نهر الردن و احتلوا أريحا و جلجال حيث أقاموا فيهما مدة من الزمن‪ ,‬شرعت‬
‫كل عشيرة منهم بعد ذلك بالبحث عن أرض لها‪ ,‬فأغارت يهودا وشمعون على مدينة القدس و تمكنتا من احتللها والتمثيل بملكها‪ ,‬كما‬
‫أغارت قبيلة كالب على حبرون‪ ,‬و احتلتها واستوطنت فيها‪ .‬و هذه القوال تناقض كلياً ما جاء في سفر يشوع ) فصل ‪ -10‬فقرة ‪ ( 12‬من‬
‫القول بأن احتلل القدس و حبرون و يرموك ولكش وعجلون حدث في عهد صاحب السفر إذ لو كان حقًا أن يشوع احتل هذه المدن لما‬
‫كانت السفار الخرى ذكرت احتللها مجددًا‪ ,‬و على الخص سفر القضاة الذي يروي الحداث التي وقعت لليهود بعد عهد يشوع‪ .‬و من هنا‬
‫يتضح أن نسب احتلل عموم فلسطين إلي يشوع في سفره ما هو إل تلفيق أراد الكتاب منه تعظيم شأن صاحب السفر لغرض في نفسه‪.‬‬
‫ل حتى يلتبس المر على القارئ و يعجز عن تفريق‬
‫ويبدو أن كتاب السفار تجاهلوا التاريخ و الترتيب في هذا الغزو إما عمدًا أو جه ً‬
‫مراحله و كيفية سيره‪ .‬ولكن المذكر اليضاحية لسفر القضاة الواردة في الترجمة اللتينية تفضح هذا اللتباس و تلقي الضوء على حقيقة‬
‫سير الغزو عندما تقول‪ :‬إن القبائل اليهودية بعد احتللها أريحا و جلجال عمدت إلى اقتسام فلسطين فيما بينها عن طريق القرعة‪ .‬و من‬
‫هذا يتضح أن اليهود اعتمدوا طريقة القرعة‪ ,‬لتحديد منطقة العمل لكل قبيلة قبل البدء في عمليات الغزو‪ ,‬و من هنا رأيناهم قد عادوا إلى‬
‫العمل ضمن نطاق القبلية‪ ,‬فتكونت منهم مجموعات من العشائر لتتعاون فيما بينها في المعارك‪ ,‬مثل المجموعة الولى من الغزاة تكونت‬
‫من شمعون و يهوذا‪ ,‬والمجموعة الثانية التي كان قوامها عشائر أفرائيم و منسي و بنيامين التي أغارت بدورها على بيت إيل و ما‬
‫جاورها من دساكر و قرى‪ ,‬و من مجموعات الغزو الخرى المذكورة في السفار و التي توالت حتى عهد سليمان‪.‬‬
‫ورغم أن عمليات الغزو دامت عدة قرون‪ ,‬فإن اليهود لم يتمكنوا من احتلل سوى أربع مقاطعات جبلية في أرض فلسطين‪ ,‬وهي المرتفعات‬
‫الواقعة في شرق الردن‪ ,‬ومنطقة الجليل‪ ,‬و جبل أفرائيم‪ ,‬و جبل يهوذا‪ ,‬أما أسباب عجزهم عن احتلل جميع البلد‪ ,‬فتعود إلى المقاومة‬
‫الضارية التي كانوا يلقونها من سكان السهول‪ ,‬وعلى جهلهم بأساليب القتال في النهار‪ ,‬و افتقارهم لسلحة معارك السهول كالعربات و‬
‫ل حيث يقل المدافعون‪ .‬و لما كانت‬
‫الخيول‪ ,‬وعجزهم عن عمليات الحصار‪ .‬إذ أنهم كانوا يعتمدون في حروبهم على المباغتة‪ ,‬التي تسهل لي ً‬

‫‪11‬‬

‫المناطق الجبلية و قراها أقل سكانًا من المناطق الساحلية أو السهلية فقد هان على اليهود مهاجمتها‪ ,‬لستحالة التعاون فيما بين سكان‬
‫قراها من جراء وعورة المسالك وبعد القرى عن بعضها البعض‪ .‬ولهذا تمكنوا من احتلل المرتفعات و فرض سيطرتهم عليها‪ ..‬و حتى‬
‫ل عن‬
‫هذه السيطرة في الجبال لم تكن كاملة لن مناطقهم الربع كانت مفصولة عن بعضها بواسطة القلع الكنعانية التي عجز اليهود طوي ً‬
‫احتللها و التي ظلت تحول دون اتصالهم ببعضهم البعض حتى عهد داوود‪.‬‬
‫و في السفار ظاهرة أخرى تكذب زعم احتلل اليهود بالقوة للمناطق التي أقاموا فيها‪ ,‬وهي أن سفر القضاة يذكر في فصله الثالث )فقرة ‪5‬‬
‫و ‪ ( 6‬أن قبيلتي آشير و نفتالي كانتا تقيمان بين الكنعانيين‪ .‬وهذا القول يعني صراحة أن القبائل اليهودية كانت تخضع للكنعانيين‪ ,‬وتقطن‬
‫بينهم كلجئين أو أتباع‪ .‬ولقد ذهب أكثر النقاد إلى الخذ بهذه النظرية اعتمادًا على المخطوطات الثرية التي عثر عليها في تل العمارنة‬
‫والتي تشير إلى أن بعض حكام فلسطين كانوا يستخدمون العبرانيين لمصالحهم الخاصة أي أنهم كانوا يستأجرونهم للستعانة بهم سواًء‬
‫في حروبهم من جيرانهم أو لعمال أخرى‪ .‬ويقول لودس أنه ربما كانت قبيلتا آشير و نفتالي من القبائل التي سبق لحد أمراء فلسطين‬
‫استئجارهما‪ ,‬ومن ثم استساغتا العيش في كنفه وظلتا تحت حمايته‪.‬‬
‫و مما سبق توضيحه‪ ,‬يتبين أن قصة الغزو العام ل تستند على أي أساس متين‪ .‬كما أن زعم كون الغزو كان من جهة الشرق و دفعة واحدة‬
‫الذي يدعيه سفر اليشوع‪ ,‬ينهار بطبيعة الحال عندما نلحظ ما يقوله سفر القضاة عن احتلل كالب لمدينة حبرون‪ .‬و المعروف عن كالب‬
‫أنها إحدى القبائل التي كانت تقطن في جنوب حبرون مباشرة‪ ,‬فل يعقل أن تقدم على دورة كاملة و تقطع مسافات شاسعة لتأتي وتهاجم‬
‫حبرون من الشمال بمفردها‪ .‬طالما كانت بمتناول يدها من أقصر الطرق و أسهلها‪ .‬ومن هنا يتضح أن الغزو كان على مراحل‪ ,‬و على نطال‬
‫قبلي أو عشائري ومن جهات مختلفة‪.‬‬
‫و زعم التمركز النهائي في عهد يشوع تدحضه الفقرة الثامنة عشرة من الفصل السابع من سفر القضاة التي تروي لنا حادثة فرار قبيلة‬
‫دان من منطقتها إلى المناطق الشمالية‪ .‬كما تدحضه بقوة الفقرة الرابعة عشرة من نفس الفصل و السفر‪ ,‬التي تحدثنا عن نزوح سبط‬
‫منسي من غرب الرض إلى شرقها ‪ .‬و من فحوى هذه القصص يفهم أن اليهود لم يتمكنوا من تثبيت أقدامهم في المناطق التي زعموا‬
‫احتللها‪ .‬و كانوا دائمًا معرضين لخطر الطرد و التهجير منها‪ .‬أما ادعاء سفر القضاة )فصل ‪ -3‬فقرة ‪ (2‬بأن بطئ سير الغزو نتج عن‬
‫رغبة يهوى في إطالة أمد الحروب حتى يوفر للجيال اليهودية المتعاقبة فرص التمرس على أساليب القتال‪ ,‬و مزاعم سفري الخروج و‬
‫التثنية )س‪ -‬خ فصل ‪ 23‬فقرة ‪ – 30- 29‬و س ت‪ .‬فصل ‪ 7‬فقرة ‪ ( 22‬القائلة بأن يهوى أطال أمد الفتح حتى يحول دون تفريغ البلد من‬
‫سكانها قبل أن يتكاثر عدد اليهود ليملوا الفراغ أو حتى ل تتكاثر الوحوش الكاسرة و تصبح خطرًا على اليهود‪ ,‬أو ليحول دون أن تصبح‬
‫البلد صحراء قاحلة بعد خلوها من السكان‪ ,‬فذلك كله ليس إل من قبيل الستدراك لتغطية فشل اليهود في فتح البلد‪ ,‬أراد كتاب السفار من‬
‫استنباطها تمويه وشطط سفر يشوع في وصفة المغلوط لهذا الغزو المزعوم‪.‬‬

‫عهد القضاة أو سفر القضاة‬
‫أطلق كتاب السفار على الزمن الفاصل بين موت يشوع ) إن صح ووجد يومًا ( و قيام المملكة اليهودية ‪ ,‬اسم عهد القضاة‪ ,‬و تقدر هذه‬
‫المرحلة الزمنية من تاريخ الشعب اليهودي بما يزيد عن الثلثة قرون ونصف ‪ ,‬عاش اليهود خللها في المقاطعات الربعة التي سبق‬
‫البحث عنها‪ ,‬دون أن يكون بين مقاطعاتهم أي ارتباط سياسي أو اجتماعي من جراء بقاء السيطرة الكنعانية في المناطق التي كانت تفصلها‬
‫عن بعضها ‪ .‬و هذا الوضع أعادهم إلى القبلية الضيقة‪ ,‬فأصبحت كل عشيرة من عشائرهم مستقلة في شؤونها‪ ,‬تعيش على هواها‪ ,‬و تختار‬
‫آلهتها بنفسها‪ ,‬خصوصًا بعد أن اختلطت اليهود مع سكان البلد الصليين‪ ,‬واقتبسوا عاداتهم و عباداتهم‪ ,‬و طاب لهم عيش الستقرار و‬
‫تعاطي الزراعة‪ .‬و هذه التفرقة و الستكانة لرغد العيش‪ ,‬أحيتا آمال الكنعانيين في إمكان التخلص منهم‪ ,‬فشرعوا تدريجيًا بمناوأتهم‪ .‬ولما‬
‫شعر اليهود بالخطر الذي يهددهم عمدوا إلى توحيد قيادتهم في كل منطقة ليتمكنوا من مجابهة أعدائهم‪ .‬فكانوا يختارون واحدًا من بينهم‪,‬‬
‫و يسلمونه قيادتهم‪ ,‬ويطلقون عليه لقب قاض أو حاكم )‪.(Judge‬‬
‫و لكن كتاب السفار أبو أن يكون أمر اختيار القضاة بهذه البساطة المجردة من المعجزات و الساطير‪ ,‬و دون تدخل يهوى به‪ ,‬فزعموا أن‬
‫هؤلء القضاة كانوا ممن اختارهم الرب يهوى و سخرهم لقيادة شعبه و إنقاذه من أعدائه‪ ,‬و إعادته لمعتقداته الصلية‪ .‬ولتحقيق بغيتهم‬
‫هذه استنبطوا لكل منهم قصة مليئة بالمعجزات التي أدت إلى انتقائه‪ ,‬وفندوا أسباب اختياره‪ ,‬و عددوا أعماله و مناقبه‪ .‬ولكن جوهر‬
‫القصص ظل تقريبًا واحدًا‪ ,‬لنها جميعًا تبدأ بالبحث عن تمرد اليهود لوامر يهوى و اعتناقهم أديان الغرباء و مصاهرتهم الجانب‪ ,‬و‬
‫تقاعسهم عن إكمال تحقيق وعود يهوى و هذه الشياء كانت تؤدي على حد زعمهم إلى غضب يهوى عليهم‪ ,‬فكان يسلط عليهم بعض‬
‫ملوك و أمراء المنطقة‪ ,‬فيذلوهم و يخضعونهم للجزية أو لعقوبات أخرى‪ ,‬فيسارع اليهود إلى إعلن التوبة و يستنجدون بيهوى‪ ,‬ليعود‬
‫فيرضى عنهم‪ ,‬ويختار لهم منقذًا من بينهم‪ ,‬فيهب المختار إلى قيادة اليهود و يقود معاركهم التي تنتهي في كل القصص بانتصارهم على‬
‫أعدائهم‪ ,‬و استتباب المر لهم لمدة معينة‪ ,‬يعود بعدها اليهود إلى التمرد والعصيان و تتجدد الحداث على نفس الوتيرة‪ ,‬دون أي جديد في‬
‫المر‪ ,‬ويذكر سفر القضاة أن عدد من تعاقب حكام بني إسرائيل هذه الفترة من الزمن يبلغ الربعة عشر قاضيًا‪ .‬كان أكثرهم من الخارجين‬
‫عن القانون وقطاع الطرق و المنبوذين‪.‬‬
‫و يقول لودس عن قصص القضاة أنها عبارة عن قصص خيالية ل تمت إلى الحقيقة بأي صلة‪ ,‬وهي من بنات أفكار كتاب السفار‪ ,‬و ل‬
‫يمكن العتماد على ما جاء فيها باستثناء قصة دبورة التي تتميز بعض الشيء بطابع الجد بفضل ما تزخر به قصيدتها الشهيرة التي تبحث‬
‫عن أمور اجتماعية توحي بعض الثقة في كنه القصة‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫وضع اليهود السياسي في عهد القضاة‬
‫من المعلوم أن آشور و مصر كانتا تتنازعان على بلد كنعان منذ أمد بعيد‪ ,‬و كانت كل منهما تعمل على لطرد الخرى منها كلما شعرت في‬
‫نفسها القدرة على ذلك‪ ,‬لكن موقفهما السلبي من غزو اليهود لم ينبئ أنهما كانتا أضعف من أن تحول دون هذا الغزو و الدليل على ذلك هو‬
‫سكوت الطراف المعنية الثلث عن كل ما يشير إلى حدوث صدام بينهم‪ .‬كما أن السهولة التي سارت بها العمليات الحربية تؤكد أن اليهود‬
‫لم يصطدموا في غزوهم إل بالكنعانيين وحدهم‪ ,‬مع العلم أن المصادر المصرية تبحث في هذه الفترة على قيام مرنبتاح ) ‪( Merneptach‬‬
‫بحملة عسكرية على عسقلون لقمع الضطرابات التي حدثت فيها نحو عام ‪ 1224-1235‬قبل الميلد كما أنها تذكر قيام رعمسيس الثالث )‬
‫‪ ( Ramses III‬بحملة مماثلة لصد هجمات القبائل الفلسطينية نحو عام ‪ 1119‬قبل الميلد‪ .‬والمصادر الشورية أيضًا تحدثنا عن قيام‬
‫الملك تيكلت بليسر الول ) ‪ ( Tiglat Pileser‬باحتلل بعض المناطق السورية‪ .‬و مع كل هذا ظلت المصادر المصرية و الشورية ساكتة‬
‫عن كل ما يتعلق بغزو اليهود لفلسطين‪ .‬و من هنا يتضح لنا عدم تدخل كل من مصر و آشور فيما جرى للكنعانين مع اليهود‪ .‬أما زعم‬
‫بعض المفسرين بكون كوشان آرام النهرين )‪ (Couchan Aram‬هو أحد ملوك مصر فل يستند على أي دليل مادي و هو قول باطل‪ .‬و‬
‫الشيء الكيد هو أن مصر كانت قد فقد سيطرتها على أكثر البلد الواقعة خارج حدودها في أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلد‪ .‬وخير‬
‫دليل على ذلك هو نص التقرير الذي رفعه أون عمون )‪ (Ouon-Amoun‬ممثل رعمسيس الرابع )‪ (Ramses IV‬عند عودته من جبيل‬
‫و فيه يوضح لملكه ما أصابه من الهانة و عن كيفية طرده من قبل الملك اللبناني الذي كان يومًا من أتباع مصر‪ .‬فلو أن مصر كانت على‬
‫ل و من خلل موقف‬
‫قوتها السابقة لما تجرأ عميلها ملك جبيل على إهانة ممثلها‪ ,‬ولما كانت مصر سكتت عن هذه الهانة مثلما حدث فع ً‬
‫مصر من هذه الحادثة يظهر لنا جليًا أنها كانت في شغل شاغل عم يجري خارج بلدها‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن اليهود استفادوا من ضعف كل من مصر و آشور وباغتوا أهل كنعان الضعفاء‪ ,‬فاحتلوا بعض أجزاء من وطنهم‪ .‬ولكن كما‬
‫سبق وقلنا دب الفساد و التفرقة فيما بعد بينهم‪ ,‬و انفرط عقد تجمعهم المصطنع وعادوا للعيش على الساليب القبلية الضيقة بعد أن ظنوا‬
‫أن المر استتب لهم‪ ,‬واكتفوا بما أحرزوه من نصر في بعض المناطق الفلسطينية‪ .‬كما قامت المنازعات فينا بينهم‪ ,‬فتمزق شملهم و لم يعد‬
‫لهم ما يسمى بالوحدة القومية أو وحدة الهدف‪ .‬فلما لحظ الراميون ضعف اليهود بادر أحد أمرائهم المدعو كوشان إلى احتلل منطقة‬
‫يهودا‪ ,‬وأخضع أهلها للجزية‪ ,‬وكانوا يرسلونها له كل عام‪ .‬ولقد دام هذا الحتلل باعتراف السفار مدة تسعة عشرة سنة قم تخلصوا منه‬
‫على يد القاضي عيتنائيل ) إن صحت الرواية(‪ .‬ولكن آثار هذا الحتلل كانت أخطر مما تصورها اليهود إذا أنها أيقظت الكنعانيين من‬
‫سباتهم العميق‪ .‬و دفعتهم للنضال مجددًا‪ .‬فتنادوا فيما بينهم و أقاموا تحالفًا عسكريًا قويًا لمقاتلة اليهود اسندوا قيادته لسيسر أحد قواد‬
‫الملك يابين )‪ (Yabin‬و من ثم غزوا منطقة الجليل و أفرائيم حيث كانت تقطن أقوى السباط اليهودية‪ ,‬تغلبوا على أهلها و أخضعوهم‬
‫لحكم يابين لمدة عشرين عامًا‪ .‬ولم يتخلص اليهود من الستعباد الكنعاني إل عندما ظهرت دبورة للميدان واستلمت قيادة اليهود وثارت في‬
‫وجه قوات يابين وحررت بني قومها من حكمه‪.‬‬
‫والجدير بالذكر في قصة دبورة هو اعترافها الصريح في قصائدها بتقاعس السباط عن مساعدة بعضها البعض‪ ,‬وإحجام أكثرها عن مقاتلة‬
‫الكنعانيين‪ ,‬وهذا العتراف يوضح بحد ذاته ما كان عليه اليهود من التمزق وعدم التعاون‪ ,‬و بالتالي يفسر لنا سبب خضوع السباط لحكم‬
‫القبائل الكنعانية وسواها بعد أن كان اليهود غزاة البلد‪.‬‬
‫و تخبرنا السفار أيضًا أن الملك عجلون الموآبي احتل المنطقة اليهودية في شرقي الردن و أخضع أهلها لمدة ربع قرن تقريبًا‪ ,‬ولول أن‬
‫اغتاله القاضي اليهودي إيهود بن جير لظلت المنطقة خاضعة له إلى النهاية ولما تيقنت القبائل الرحل كالمدينيين و العرب من ضعف‬
‫اليهود بادرت هي أيضًا إلى الغارة على المنطقة الشرقية‪ ,‬و أرغمت أهلها على اللجوء إلى الجبال و المرتفعات‪ ,‬كما أن العمونيين انقضوا‬
‫أيضًا على منطقة يهوذا وبنيامين وأخضعوا سكانها لمدة ثمانية عشر عامًا‪ .‬و على فحوى هذه العترافات اليهودية يتبين لنا‪ ,‬أن سكان‬
‫فلسطين ثابروا على مقاومة اليهود طيلة قرون عديدة و أذلوهم أكثر من مرة‪ .‬و لول تعنت اليهود و سعيهم الدائم إلى تحريض أبناء قومهم‬
‫على متابعة القتال بغية تحقيق وعود يهوى المزعومة‪ ,‬التي كان اليهود يؤمنون بصحتها لكثرة ما كان زعماؤهم و قضاتهم يرددونها على‬
‫مسامعهم‪ ,‬لكان اليهود ذابوا في البوتقة الكنعانية منذ القرن الول لدخولهم إلى فلسطين ولكن مثابرة القضاة على حثهم لمتابعة القتال كانت‬
‫تجدد عزائمهم و تحيي في نفوسهم أحلم السلف‪ .‬و تدفعهم لمتابعة العراك واعتماد أبشع الساليب من غدر و حيلة‪ ,‬و تطبيق شريعة‬
‫القتال العام مع من ينتصرون عليه بغية إرهاب من ينوي مناوأتهم من العداء‪ .‬بيد أن هذا السلوب لم يثمر مع سكان فلسطين‪ ,‬ولم‬
‫ترهبهم همجية اليهود‪ ,‬فظلوا يقارعونهم حتى أواخر القرن السادس قبل الميلد‪.‬‬

‫اليهود والقبائل الفلسطينية أو الفلسطينيون‬

‫) ‪( Poulestious‬‬

‫في القرن الثاني عشر قبل الميلد تعرضت سواحل أوروبا الجنوبية إلى الغزو الري الرهيب‪ .‬فارتاعت القبائل التي كانت تقطن تلك‬
‫السواحل و فرت من وجه الغزو الري و اتجهت إلى سواحل إفريقيا الشمالية وسوريا و كانت القبائل الفلسطينية من جملة القبائل‬
‫المهاجرة التي اتجهت نحو الساحل الفلسطيني‪ ,‬حيث حطت رحالها ولم تتمكن مصر من طردها‪ .‬فتمركزت في بداية المر في مرفأ دور )‬
‫‪ (Dor‬و من ثم توسعت تدريجيًا و أنشأت خمسة مراكز جديدة لعشائرها هي عسقلون‪ ,‬و إشدود‪ ,‬و عقرون‪ ,‬و غزة‪ ,‬و جث‪ ,‬و نصبت على‬
‫كل منها أميرًا يدير شؤونها‪ ,‬ويخضع بدوره إلى أمير جث الذي كانت جميع القبائل الفلسطينية تدين له بالولء ) حتى إن المصادر اليهودية‬
‫تطلق عليه ملك جث أو ملك الفلسطينيين ( و بعد أن سيطر الفلسطينيون على الساحل وازداد عددهم بادروا إلى التوسع نحو الشرق‪ ,‬أي‬

‫‪13‬‬

‫ل‪ .‬لكنهم تمكنوا في النهاية من دحر اليهود و‬
‫باتجاه المرتفعات التي كان اليهود قد سبقوهم لحتللها‪ .‬فاصطدموا بهم واقتتلوا طوي ً‬
‫إخضاعهم لسلطانهم بعد أن احتلوا منطقة يهودا و من ثم شمعون‪ ,‬و الجليل‪ ,‬و أفرائيم‪ .‬و المنطقة الشرقية و دمروا كثيرًا من مدنهم مثل‬
‫شيلو التي انتزعوا منها خباء المحضر و تابوت العهد‪ .‬وأقاموا مكانها معبدًا خاصًا للهتهم‪ ,‬و أرغموا اليهود على تقديم الطاعة لها‪ .‬كما‬
‫أقاموا في كل مدينة يهودية مخفرًا عسكريًا لمراقبة أهلها و منعهم من التمرد‪ .‬و هكذا سيطروا على كل المقاطعات اليهودية قرابة قرن‬
‫كامل‪ .‬ولكن المصادر اليهودية تزعم أن هذه السيطرة لم تدم إل مدة عشرين عامًا في الوقت الذي تعترف فيه بأن الصراع بين الطرفين دام‬
‫من عهد القاضي يفتاح حتى عهد داوود‪ .‬و هذه المدة التي تعترف المصادر اليهودية بدوام الصراع فيها تربو على القرن‪ .‬و من هنا يتبين‬
‫لنا أن سيطرة الفلسطينيين دامت أكثر مما تعترف المصادر اليهودية بها‪ ,‬أما أسباب انهزام اليهود أمام الفلسطينيين فتعزي إلى التفرقة‬
‫التي كانت تسود صفوفهم و تقاعسهم عن معاونة بعضهم بعضًا ‪.‬‬

‫زعم قيام الملكية في فلسطين‬
‫اختلف كتاب سفر القضاة في وصفهم لقيام الملكية المزعومة في المناطق اليهودية‪ ,‬فقال رواة الفصول ‪ 12-10-7‬إن قيامها كان رغمًا عن‬
‫اليهود و خلفًا لنصوص الشريعة الموسوية التي تحرم النظام الملكي‪.‬‬
‫بينما قال رواة الفصول ‪ 15-11-9‬من نفس السفر أن قيامها كان بناًء على رغبة اليهود ويهوى معًا‪ .‬و اختلف الرواة هذا‪ ,‬أدى إلى‬
‫اختلف النقاد حول تحديد الظروف التي أحاطت بقيام هذا النظام الجديد فمن قائل إن انتصار شاوول غير المنتظر على الفلسطينيين كان‬
‫السبب للتفاف اليهود حوله‪ ,‬ومن ثم المناداة به ملكًا على المنطقة‪.‬‬
‫بينما قال آخرون إن قيام الملكية استلزم كثيرًا من الجهود التي بذلها مفكرو اليهود لقناع شعبهم بضرورة تأييدها لمجابهة الخطار التي‬
‫تحيط بهم من جراء تمزقهم و تفرق شملهم‪.‬‬
‫ونحن إن كنا ل نختلف مع لودس على المبدأ‪ ,‬إل أننا ننزع إلى الخذ بالنظرية الخيرة التي تنسجم مع منجزات القاضي صمؤيل ابن القانة‬
‫) صاحب السفر( الذي اشتهر بتعصبه القومي‪ ,‬و تعلقه بالنظام و التنظيم‪ ,‬و إذا دققنا فيما حققه من المور نجد أنه كان خلف عملية إقرار‬
‫النظام الملكي بين اليهود‪ .‬و الدليل على ذلك هو كونه أول من بحث في الموضوع و خطط له‪ .‬وأبرزه للشعب‪ ,‬ثم وضع له الدستور الذي‬
‫حدد علقة الملك بالشعب و حقوق وواجبات كٍل منهما نحو الخر‪ .‬وهذه المنجزات ما أظهره من الهتمام لحداثها‪ ,‬تشير بوضوح إلى‬
‫عظمة الدور الذي لعبه في إحداث النظام الملكي‪ ,‬وبالتالي تكشف عن مدى علقته به‪ ,‬و من هنا ندرك أن صمؤيل بذل جهودًا جبارة‬
‫لرساخ فكرة الملكية في عقول اليهود قبل أن يتنازل لشاوول و يعلنه ملكًا على اليهود‪.‬‬
‫ل بمجرد إعلن شاوول ملكًا‬
‫و الن و بعد أن أوضحنا ملبسات قصة النظام الملكي المزعوم‪ ,‬بقي أن نعرف إذا كانت الملكية قد قامت فع ً‬
‫على اليهود‪ ,‬و الجواب على هذا السؤال يكمن في طيات سفر الملوك الول الذي يبحث عن شاوول‪ ,‬ويصفه بأنه كان شجاعًا مقدامًا تغلب‬
‫على بعض رجال القوات الفلسطينية بمفرده و أعلن عصيانه عليهم‪ ,‬و كون جيشًا من رجال قبيلته منسي ليقاتل الفلسطينيين‪ ,‬وكان يداهم‬
‫ل‪ ,‬و يلوذ مع رجاله نهارًا إلى الجبال المحيطة بمسقط رأسه جبعة‪ ,‬كما كان محبًا لليهود ل يحجم عن مساعدة كل من‬
‫المخافر الفلسطينية لي ً‬
‫يستنجد به منهم‪ ,‬فذاع صيته‪ ,‬وعظم شأنه لدى السباط‪ ,‬والتف حوله خيرة شباب اليهود أمثال داوود ‪ .‬و انتصر على ضويا و على‬
‫الموآبيين‪ ,‬وطارد القبائل الرحل التي كانت تعتدي على اليهود‪ ,‬واشتبك مرارًا مع الفلسطينيين‪.‬‬
‫لم يتخذ لنفسه قصرًا ولم يعين لمملكته عاصمة‪ ,‬ولم يصك نقودًا‪ ,‬ولم يفرض قط ضرائب و أتاوات‪ .‬عاش طيلة حياته في الجبال مع‬
‫أنصاره‪ ,‬انتابه مرض خبيث في أواخر أيامه‪ ,‬فصار يشك في أقرب الناس إليه فانفض عنه أكثر رجاله‪ .‬ولقد قتل أولده في موقعة جزرائيل‬
‫حيث اشتبك مع الفلسطينيين في قتال مرير أسفر عن هلكه و أولده و انهزام جيشه وانقراض دولته‪.‬‬
‫ومن خلل هذه القوال نستنتج أن زعم قيام الملكية في فلسطين في عهد شاوول ما هو إل زعم باطل أراد كتاب السفار إخراجه لتعظيم‬
‫شأن شاوول الذي اشتهر بورعه وانصياعه لرجال الدين الذين ينتسب كتاب السفار إليهم‪ .‬فعمدوا إلى مكافئته عن طريق تسميته ملكًا في‬
‫الوقت الذي لم يكن فيه إل رئيس عصابة صغيرة‪ ,‬تمردت على السلطات الفلسطينية‪ ,‬واعتصمت بالجبال‪ ,‬و كانت تقوم ببعض الغارات‬
‫الليلية على المراكز الفلسطينية بقصد مباغتتها و سلب ما تحويه من سلح ومال‪.‬‬
‫أما ما زعمته فصول السفر من النتصارات التي حققها على الموآبيين و ملوك الراميين و قبائل الرحل فتدحضه نتائج الحداث التي وقعت‬
‫لليهود مع ملك صويا و الموآبيين في أيام شاوول فحسب بل في العهود التي كان لليهود فيها ممالك و جيوش‪ ,‬و أسفار الملوك المختلفة‬
‫تروي صراحة حوادث اندحار اليهود أمام ملوك أراميا و أمام ضربات الموآبيين و القبائل الرحل‪ ,‬ولذا نعتقد أن هذه النتصارات لم تحدث‬
‫قط في عهد شاوول وليس لها نصيب من الصحة‪ ,‬و ما هي إل من مستبطات كتاب السفار‪.‬‬
‫و الحداث التي أعقبت وفاته و التي تحدثنا عن استيلء داوود الطريد على عرش شاوول المزعوم‪ ,‬رغم وجود وريثه الشرعي أشبوست‬
‫على قيد الحياة‪ ,‬وفرار هذا الخير من حبرون ) التي زعم اليهود أنها كانت عاصمة شاوول الرمزية ( لعجزه عن ردع داوود من احتلل‬
‫مركز أبيه لهو أكبر دليل على كذب المصادر اليهودية القائلة بقيام الملكية في عهد شاوول فلو كانت هناك مملكة ودولة و جيوش ) تغلبت‬
‫على عدة قبائل و شعوب ( كما زعمت تلك المصادر‪ ,‬لوجد أشبوست على القل بعض النصار و لعملوا معه على طرد داوود المعتدي الذي‬
‫ل‪ ,‬و من كل هذا‪ ,‬يتضح جليًا أنه لم يكن في ذاك العهد لدى اليهود ل ملك ول مملكة‪ ,‬و إن كل ما قيل في هذا‬
‫لم يكن معه سوى ستين رج ً‬
‫الصدد ل يخرج عن كونه من قبيل التلفيق الرخيص‪.‬‬
‫مملكة داوود أو قيام الدولة اليهودية‬

‫‪14‬‬

‫إمعانًا في التركيز على زعم قيام الملكية قبل عهد داوود و استدراكًا لللتباسات الكائنة في قصة شاوول‪ ,‬تعود المصادر اليهودية و تذكر‬
‫لنا‪ ,‬أنه على أثر مقتل شاوول‪ ,‬انقسم اليهود إلى فئتين‪ ,‬تناصر إحداها داوود و الخرى تدعم أشبوست ابن شاوول‪ ,‬وتنهي قصة هذا‬
‫النقسام بذكر انتصار داوود و إعلنه ملكًا على حبرون بدًل من أشبوست الوريث الشرعي لشاوول‪ ,‬والذي فر على إثره إلى المنطقة‬
‫الشرقية و أعلن انفصالها عن حبرون و نصب نفسه ملكًا عليها واتخذ قرية محنائيم عاصمة لها‪ .‬و هكذا أصبح لليهود ) على زعم السفار‬
‫( دويلتان و عاصمتان وهم ما زالوا تحت السيطرة الفلسطينية‪ ,‬و من ثم تتابع السفار و تروي لنا قيام الحرب بين الدويلتين‪ ,‬وتذكر أنها‬
‫دامت سبعة أعوام‪ ,‬وانتهت بانتصار داوود ) بفضل مساعدة الفلسطينيين‪ ,‬وحدوث النشقاق و التمرد في صفوف أشبوست و مقتله على يد‬
‫قواده الذين خانوه لحساب داوود (‪.‬‬
‫و تزعم السفار أن داوود بمجرد انتصاره و انتهائه من توحيد شقي المملكة اليهودية‪ ,‬عمد إلى التخلص من الفلسطينيين و أعلى الحرب‬
‫ل تحول‬
‫عليهم‪ ,‬و بعد صراع طويل تمكن من تقليص ظلهم عن المقاطعات اليهودية‪ ,‬ثم بادر إلى تصفية القواعد الكنعانية التي ظلت طوي ً‬
‫دون توحيد المناطق اليهودية‪ ,‬وبدأ بمهاجمتها على مراحل‪ ,‬و إزالتها من الوجود و كانت القدس آخر هذه المعاقل و نقل إليها خباء‬
‫المحضر و تابوت العهد وأعلنها عاصمة لملكه‪.‬‬
‫و يعزو كتاب السفار اتخاذ داوود مدينة القدس عاصمة لمكله إلى كونه رغب في إبعاد شبهة التحيز ليهودا عن نفسه‪ ,‬و لذا اختار إحدى‬
‫المدن الكنعانية‪ ,‬ليكون لها هي أيضًا طابع الحياد و التجرد بوصفها عاصمة لملكه‪.‬‬
‫و تثابر السفار على سرد قصة داوود و تقول أنه بويع من قبل جميع السباط وأصبح سيد اليهود دون منازع‪ ,‬ولما استتب له المر باشر‬
‫بتنظيم دولته‪ ,‬فعين لها الوزراء‪ ,‬ورؤساء الدواوين‪ ,‬وكون جيشًا من المتطوعة و آخر من أفراد الشعب‪ ,‬ونصب عليهما المراء والقادة‪,‬‬
‫كما نظم الكهنوت ورجال الدين و حدد الطقوس الدينية‪.‬‬
‫ولقد اشتهر داوود بالتقوى‪ ,‬واحترام رجال الدين و العمل بسنن الشريعة‪ ,‬و مع هذا عرف بحبه للبذخ والترف‪ .‬فذكرت المصادر اليهودية‬
‫أنه بنى القصور و القلع لزوجاته وقواد جيشه‪ ,‬واكتنز الموال الطائلة‪ .‬و فيما يتعلق بانتصاراته العسكرية تقول السفار أنه أخضع‬
‫العمونين و الموآبيين‪ ,‬وتحالف مع الفلسطينيين و الفينيقيين‪ ,‬و اجتاح الممالك و الدول حتى أصبحت مملكته تشمل كافة القطار الواقعة‬
‫مابين النيل و الفرات‪ .‬وفي وصف مناقبه لم يدخر كتاب السفار وسعًا‪ ,‬حتى القلم اليوم يعجز عن تسطير كل ما قيل عنه ويزعم اليهود أن‬
‫عهده كان خير ما عرفوه من العهود‪ ,‬لذا فهم يطلقون عليه اسم العهد الذهبي‪ ,‬ويحلمون حتى اليوم بعودته‪.‬‬
‫و من كل هذا المديح الذي يكيله السفر لداوود‪ ,‬و يعود ليروي لنا في فقرات أخرى‪ ,‬تآمره مع الفلسطينيين على شاوول و قومه و إقدامه‬
‫على إعدام من بشره بوفاة غريمه شاوول‪ ,‬وقتله الذين ألحقوا به مملكة عدوه أشبوست‪ ,‬واغتصابه نساء أتباعه و تحريضه سليمان على‬
‫قتل أعدائه الذين سبق و أن عفى عنهم‪ .‬ومن خلل هذه القوال يتضح أن داوود لم يكن ليحجم عن ارتكاب الخيانة القومية‪ ,‬ول عن الغدر‬
‫بمن أخلصوا له‪ ,‬ولم يكن منزهًا عن الهوى و الحقد‪ .‬وهذه الخصال تناقض كل ما أضفي عليه من المناقب في الفقرات السابقة‪.‬‬
‫و هذا التناقض البارز في السفر فيما يتعلق بشخص داوود‪ ,‬نلحظ وجوده أيضًا في البحث عن مملكته‪ ,‬لن السفر الذي وصف مملكته بأنها‬
‫كانت تشمل جميع البلد الواقعة بين الفرات و النيل‪ ,‬يعود في بعض فصوله ليؤكد لنا تحالف داوود مع الراميين ) أي مع المارات التي‬
‫كانت تطوق الجبال الفلسطينية من الشرق وعلى طول نهر الردن (‪.‬‬
‫و مع الفينيقيين ) أي مملكة صور التي كانت حدودها تلمس حدود منطقة الجليل ( و مع الفلسطينيين ) أي سكان المناطق الساحلية (‬
‫ومن فحوى البحث عن هذه التحالفات يتضح لنا أن مملكته كانت واقعة في البقعة المحصورة ما بين لبنان من الشمال ونهر الردن من‬
‫الشرق‪ ,‬و السواحل الفلسطينية من الغرب‪ ,‬والدولة المصرية من الجنوب‪ .‬وبكلمة أوضح المنطقة الجبلية من فلسطين فقط‪ ,‬و من هنا‬
‫يظهر بجلء مدى ما وصل إليه كتاب السفار من حب المغالة و التلفيق‪ ,‬و استخفافهم بكل القيم الخلقية و الدبية والتاريخية فيما كتبوه‬
‫عن شعبهم و ماضيه‪ ,‬ومدى الثقة التي يمكن للقارئ أن يولي المصادر اليهودية عند بحثها عن تاريخ شعبها‪ ,‬فما أحوج اليهود إلى الرثاء‬
‫ما دام هذه هي صفات كتابهم و هذا هو تاريخهم !؟‬
‫مملكة سليمان السطورية‬
‫على إثر تمرد أبشالوم‪ ,‬و احتلله القدس‪ ,‬واعتدائه على سراري أبيه الذي هرب من عاصمة ملكه خشية بطش المتمرد و ما تعرض له من‬
‫الذل أثناء فراره‪ ,‬فقد داوود ثقته بأكثر أولده ووعد زوجته بتشايع التي كان قد اغتصبها من أوريا الحثي بأن يورث ابنها سليمان العرش‬
‫من بعده ‪ ,‬ولما علم أولده الخرون بهذا المر‪ ,‬عادوا إلى التآمر عليه‪ .‬و على الخص أدونيا الذي كان يسعى لزاحة سليمان ليحل مكانه‪.‬‬
‫وعندما شاخ داوود‪ ,‬وقرب أجله‪ ,‬جزعت بتشايع من أن يفاجئه الموت‪ ,‬فيستولي أدونيا على العرش ويحرم سليمان منه‪ ,‬فتقدمت برفقة‬
‫ناتان النبي تطالب زوجها بتحقيق وعده لها وتنصيب سليمان على العرش قبل فوات الوان‪.‬‬
‫فلبى داوود طلبها‪ ,‬وأجلس سليمان على العرش‪ ,‬وهو ما زال على قيد الحياة‪ ,‬ثم زوده بالرشادات ‪ ,‬حذره من أعدائه و أوصاه بأن يثأر من‬
‫شمعي و كل من أساء له في الماضي‪.‬‬
‫ويبدو أن سليمان كان بحق ابن أبيه‪ ,‬فدشن أعماله باليعاز لقائد جيشه بانايا بأن يقتل كل من أدونيا‪ ,‬ويوآب و شمعي‪ ,‬و لما تم له ذلك‪ ,‬أمر‬
‫بعزل أبياتار ) الحبر العظم ( من منصبه‪ ,‬وأبعد عن مراكز النفوذ كل من ناصر أدونيا في الماضي‪.‬‬
‫ولما تخلص من أعدائه‪ ,‬سارع إلى تجديد المحالفات مع جاراته‪ ,‬وأعاد تسليح وتنظيم جيشه‪ ,‬وأحدث قانون السخرة وفرضه على غير‬
‫ل بإرشادات صديقه حيرام صنف العمال إلى أستاذة و معلمين و أجراء ) يقول بعض النقاد‪ ,‬إن حيرام هذا‪ ,‬هو أول‬
‫اليهود من أتباع‪ .‬وعم ً‬
‫من أوجد فكرة الماسونية‪ ,‬و إن تنظيماتها الحالية انبثقت عن التصنيف المبحوث عنه في سيرة سليمان(‪ .‬ثم بنى هيكله الشهير‪ ,‬وأحدث‬
‫أسطوًل تجاريًا فخمًا‪ .‬بيد أن اليهود لم يستسيغوا التجارة البحرية ففشلت مساعي سليمان في الميدان التجاري وخابت آماله فيه‪.‬‬
‫وتذكر المصادر اليهودية أن سليمان كان مزواجًا‪ ,‬اتخذ لنفسه عشرات الزوجات من مختلف الشعوب‪ ,‬وبنى لكل منهن معبدًا خاصًا للهتها‬
‫لتمارس فيه طقوسها الدينية‪ ,‬و بعض هذه المصادر اليهودية تزعم أن سليمان كان يشارك بعضهن في عبادة الوثان‪ ,‬وتتهمه بالوثنية‪,‬‬
‫وذكر عن سليمان أنه فرض ضرائب فادحة على أفراد الشعب ليتمكن من تغطية نفقاته الكثيرة‪ .‬مما أدى إلى تذمر الشعب و اتهامه‬
‫بالسراف و إنفاق أمواله على قبيلته يهودا و تحيزه لها‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫وتذكر السفار أن قبيلة أفرائيم تمردت تحت زعامة ياربعام ابن نباط على سليمان بسبب هذه التهم المنسوبة إليه ولكن جنود سليمان‬
‫تمكنوا من قمع الثورة بسرعة فاضطر زعيمها على الفرار إلى مصر‪.‬‬
‫ويبدو أن سليمان لم يكن مقدامًا مثل أبيه فلم تحدث في عهده معارك هامة أو فتوحات ذات بال‪ ,‬وجل ما تذكره السفار في هذا الصدد‪ ,‬ل‬
‫يعدو قصة اصطدامه مع المير هدد الدومي الذي عاد في عهده إلى البلد وأعلن انفصال بني قومه عن مملكة سليمان‪ ,‬بعد أن كانت قبائله‬
‫تخضع لليهود منذ عهد داوود‪ .‬وتروي السفار أيضًا وقوع حرب بين سليمان و ملك صويا‪ ,‬انتهت دون أن ينتصر أحد الطرفين‪.‬‬
‫أما المزاعم اليهودية المتعلقة بسعة ملكه و عظمة سطوته فل أساس لها من الصحة‪ .‬وقصة احتلله لحماة وما جاورها من البلد‪ ,‬وإقدامه‬
‫على بناء تدمر و بعلبك فهي أيضًا عارية عن الحقيقة‪ .‬لن كافة المصادر التاريخية أجمعت على أن سليمان لم يخض معارك حربية ضد‬
‫الدول المتاخمة لحدوده وفي الحالة هذه كيف كان يمكنه أن يخوض معارك ضارية في البلد الواقعة خلف حدود جاراته؟ وعلى الخص في‬
‫منطقة حماة التي تفصله عنها مملكة صور و إمارات آرامية عديدة‪ ,‬وللوصول إليها كان المفروض به أن يجتاز بلد صويا و المارات‬
‫الرامية‪ ,‬التي سبق أن عجز عن إخضاعها تمامًا مثلما عجز عن إخضاع الدوميين الذين استردوا منه حريتهم دون أن يجرأ على‬
‫مقاتلتهم‪ ,‬فلو كان قادرًا على فتح حماة و ما جاورها من البلد‪ ,‬لكان الجدر به أن يخضع آدوم و صويا القريبتين منه‪ .‬بدًل من أن يزج‬
‫جيشه في ميادين حربية بعيدة تفصله عنها دول عدوة عديدة‪ .‬أما ما ذكرته السفار عن بنائه لتدمر وبعلبك‪ ,‬فل يستحق التعليق عليه‪ ,‬لن‬
‫هذه الفرية يكذبها واقع المدينتين المذكورتين وما يعلمه العالم أجمع عنهما‪.‬‬
‫أما شهر سليمان الفلسفية والدبية التي انبثقت عن سفره الذي اتفق جميع النقاد على أنه كتب في القرن التاسع قبل الميلد أي بمئة‬
‫وثلثين عامًا بعد وفاته فهي تحتاج إلى كثير من الدلة والثباتات لدعم نسبتها إلى سليمان الذي قضى نحبه قبل تلك المدة الطويلة التي‬
‫سبقت عهد كتابة السفر المنبثقة عنه‪.‬‬
‫ولقد قال النقاد أيضًا عن هذا السفر بأنه كتب في القرن التاسع قبل الميلد‪ ,‬وهو وإن كان ل يخلو من بعض الوقائع التاريخية الصحيحة‪ ,‬إل‬
‫أن أكثر ما جاء فيه يتألف من القصص الخيالية‪ ,‬و الحاديث‪ ,‬و المثال الشعبية‪ ,‬التي ل تمت إلى الحقيقة بصلة‪.‬‬
‫أما ما نسب فيه إلى سليمان من التعمق في الحكمة والتضلع في الدب‪ ,‬فيبدو أنها من بنات أفكار كتاب العهود التي أعقبت عهد سليمان و‬
‫مملكته‪ ,‬و من خلل الراء يتضح للقارئ مدى ما وصل إليه كتاب السفار من حبل التلفيق و التضليل‪ .‬مما يؤدي بنا إلى الشك في كل ما‬
‫قالوه و ما كتبوه و بالتالي إلى عدم الخذ بكل أثر لهم‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالتنظيمات الداخلية التي قيل أن سليمان حققها ضمن دولته فقد أجمع النقاد على أنها كانت رائعة إذ أبرزت اليهود لول مرة‬
‫في التاريخ بصورة الشعب ذي الكيان الموحد وأضفت على دولتهم صفات الدولة الحقيقية‪.‬‬
‫ومن العدل أن نعترف بأن عهد سليمان كان العهد الفريد الذي يحق لليهود أن يقولوا عنه أن كان لهم فيه دولة‪ ,‬وإن لم تدم إل أربعين عامًا‬
‫ثم هوت مثلما قامت‪.‬‬
‫انقسام المملكة اليهودية‬
‫سبق وقلنا إن سفر الملوك اتهم سليمان بالسراف والتحيز‪ ,‬وفرضه الضرائب الفادحة على الشعب‪ ,‬وذكرنا أن أفرائيم ثارت عليه‪ ,‬و لكنه‬
‫قمع ثورتها و أرغمها على الرضوخ لمشيئته‪ ,‬وهذه الحادثة أثارت ضده حفيظة أكثر القبائل اليهودية فأضمرت له و ليهوذا الشر‪ ,‬وصارت‬
‫تتحين الفرصة المواتية لتنقض عليهما‪.‬‬
‫ولما وافاه الجل نحو عام ‪ 935‬قبل الميلد سارع ياربعام ابن نياط زعيم ثورة أفرائيم الذي كان لجئًا لدي شيشنك )‪ (Chéchang‬فرعون‬
‫مصر بالعودة إلى أفرائيم وبادرة بإثارة أهلها على ورثة سليمان فلقت دعوته هوى في نفوس أسباط اليهود‪ ,‬فتمنعت عن مبايعة رحبعام‬
‫ابن سليمان‪ ,‬إل بعد أن يلغي الضرائب التي فرضها سلفه عليها و أن ينشر التساوي بينها‪ ,‬و يعلن عدم تحيزه ليهودا‪ .‬ولكن رحبعام أبى أن‬
‫ينصاع لمطالب زعماء اليهود‪ ,‬فثار الشعب عليه في أفرائيم‪ ,‬فلم يسع رحبعام إل الهرب إلى القدس‪ ,‬تاركًا أنصاره بين أفراد الشعب الذين‬
‫فتكوا بهم بإيعاز من ياربعام‪ ,‬ومن ثم أعلن سكان أفرائيم انفصالهم عن القدس‪ ,‬و اختيارهم ياربعام ملكًا على سبطهم‪ ,‬وتسميه مملكتهم‬
‫الجديدة بإسرائيل‪.‬‬
‫ولما رأت السباط الخرى ما قام أفرائيم به‪ ,‬انضمت بدورها إليها‪ ,‬و لم يبقى منها مع يهودا التي كانت تشايع ورثة سليمان إل سبط‬
‫بنيامين‪ .‬و هكذا انقسمت مملكة سليمان إلى دويلتين‪ ,‬ولقد تم هذا النشقاق بكل هدوء وسكينة ولم يعقبه أي رد فعل من قبل رحبعام ابن‬
‫سليمان الذي فضل السكوت وقنع بأن يصبح ملكًا على سبطين بعد أن كان يملك السباط الثني عشر اليهودية‪.‬‬
‫وهذا التخاذل الذي بدل من رحبعام و الذي تعترف السفار به إن دل على شيء فإنما يدل على كذب كتاب السفار الذين زعموا أن مملكة‬
‫سليمان تمتد حتى الفرات و أنه كان يملك الجيوش الجرارة‪ ,‬و كان له العديد من النصار و الولة الخ‪ .‬فلو كان لسليمان قليل مما ذكره‬
‫كتاب السفار لما كان رحبعام قبل بهذا المصير ولكان استنجد بالقوات والجيوش التي زعمت المصادر اليهودية أنها كانت تدين لسليمان‬
‫بالولء‪ ,‬ولكان أخمد عن طريقها ثورة سليمان و أخضعها إلى طاعته‪ .‬ولكن عدم وجود تلك الجيوش الجرارة إل في مخيلة كتاب السفار‪,‬‬
‫أرغم رحبعام على ابتلع الهانة و القبول في المر الواقع‪ ,‬وهذه النتيجة تدحض بكل بساطة قول المصادر اليهودية عن عظمة مملكة‬
‫سليمان‪ ,‬وتظهر أنه لم يكن يملك إل السباط اليهودية وحدها‪ ,‬وإن نفوذه لم يتعد قط القوقعة اليهودية الصغيرة‪.‬‬
‫ولقد علق لودس على هذا النقسام بقوله أنها كانت بداية النهاية إذا قضى على العهد الذهبي القصير الذي مازال اليهود يتغنون بقيامه‬
‫حتى اليوم‪ .‬و يبدو أن لودس أصاب كبد الحقيقة في قوله هذا‪ ,‬باعتبار أن السفار تعترف بأن الفلسطينيين عادوا على إثر وقوع النقسام‬
‫إلى مهاجمة المناطق اليهودية و أعادوا نفوذهم حتى مشارف القدس و الخليل‪ ,‬كما أنها تعترف أن الحرب كانت سجاًل بين الدولتين طيلة‬
‫قرون عديدة‪ ,‬وكان زعماء كلتيهما ل يتورعون عن الستنجاد بالغراب ليناصروا إحداها ضد الخرى‪ ,‬كما كانت كل واحدة منهما تتآمر‬
‫على شقيقتها مع الدول المجاورة‪ ,‬وتعمل للقضاء عليها‪ .‬و من هذا القبيل تحدثنا السفار عن أن ياربعام ملك إسرائيل حرض مضيفة‬
‫السابق شيشنك على يهودا‪ .‬فجاء شيشنك واحتل يهودا و إسرائيل معًا و أخضع كلتيهما لنفوذه‪ .‬وتروي السفار أيضًا أن آسا ملك يهودا‪,‬‬
‫استنجد بأمير دمشق على إسرائيل‪ ,‬فلبى الملك الرامي دعوته وجاء إلى إسرائيل و دمر عدة مدن فيها وقتل العديد من سكانها ثم عاد إلى‬
‫قواعده سالمًا غانمًا‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫و رغم اعتراف السفار بهذا التمزق القومي الشنيع الذي أصاب قومها‪ ,‬تأبى إل أن تخلق له النتصارات و إن كانت وهمية فتزعم عند‬
‫ل‪ ,‬و تضيف قائله إنه انتصر على زيراح ملك الشوريين‪ ,‬و كأن‬
‫بحثها عن آسا ملك يهودا بأن كان يملك جيشًا قويًا قوامه المليون رج ً‬
‫كتابها لم يسبق و أن اعترفوا باستنجاده بأمير دمشق لينصره على إسرائيل الصغيرة‪ .‬وفيما يتعلق بهذه المزاعم يقول النقاد إنها محض‬
‫تلفيق بدليل عدم وجود ملك آشوري في التاريخ يحمل اسم زيراح ولعدم ذكر المصادر الشورية و المصرية شيئًا عن حدوث حرب في عهد‬
‫آسا‪ .‬وخلو المكتشفات و المخطوطات الثرية التي عثر عليها عما يشير لزيراح أو لحرب وقعت في عهد آسا مع مصر أو آشور‪ .‬و من هذا‬
‫ندرك أن قصة انتصار آسا ليست سوى فرية يهودية تضاف إلى قائمة الفضائح اليهودية التاريخية‪.‬‬
‫كما أن اعتراف السفار باستنجاد آسا بملك دمشق ثم اعترافها بغزو القبائل الرحل لمدينة القدس و لمنطقة يهودا وتخاذل اليهود أمام‬
‫صويا و آدوم تكفي لتوصم كتاب السفار بالتلفيق والكذب‪.‬‬
‫ومما سبق شرحه يتضح أن يهودا و إسرائيل كانتا بعد النقسام بمثابة ولية تابعة للمنتصر بين الدولتين الكبيرتين مصر و آشور ) ومن‬
‫ثم الكلدان ( اللتين كانتا تتنازعان السيطرة على ربوع الشرق الوسط‪ ,‬أما الوضاع الداخلية لكل من دولتي اليهود فكانت على ما تقوله‬
‫السفار متردية بصورة دائمة من جراء التطاحن الذي دام بينهما‪ ,‬و كثرة النقلبات‪ ,‬وحوادث الغتيال والقتل‪ ,‬ولهذا كانت كل من مصر و‬
‫آشور تنظر إليهما نظرة منبع الضطراب و القلق في المنطقة‪ ,‬ولما احتلت آشور فلسطين بعد أن هزمت مصر‪ ,‬كانت تراقب الدويلت‬
‫اليهودية بعين الحذر و اليقظة‪ ,‬لكن إسرائيل لم تكن تركن إلى الهدوء فتعمدت إلى التمرد على آشور‪ ,‬نحو عام ‪ 721‬قبل الميلد فما كان إل‬
‫من ) تجلت فلصر ( ملك آشور إل أن اجتاحها بجيوشه الجرارة ودمر عاصمتها السامرة‪ ,‬و أجلى أهلها إلى بلد ما بين النهرين و قضى‬
‫على آثارها إلى البد‪.‬‬
‫ولما رأت يهودا ما حل بصنوها جنحت إلى الحذر واليقظة حتى إن قامت دولة الكلدان التي خلفت آشور‪ ,‬فبادرت يهودا عام ‪ 596‬إلى إعلن‬
‫عصيانها على الدولة الجديدة فأذاقها ) بختنصر ( الكلداني من الكأس الذي شربت منه إسرائيل‪ ,‬فدمر القدس وأجلى أهلها إلى بابل و هكذا‬
‫قضى على إسرائيل بدورها‪.‬‬
‫المعتقدات اليهودية عبر التاريخ‬
‫ل من الديانتين‬
‫منذ أقدم العصور والعتقاد السائد هو أن الديانة اليهودية كانت دائمًا وحدانية‪ ,‬و هذا العتقاد هو الذي أوهم الناس بأن ك ً‬
‫النصرانية و السلمية انبثقت عنها‪ ,‬و الشيء الذي دعم هذه النظرية هو قول المسيح بأنه أتى ليكمل ما بدأ به وليس ليهدمه‪ ,‬ومن ثم‬
‫احتضان الكنيسة التوراة بوضعه الراهن أي بعد أن دخلت اصطلحات عهد يوشيا و المنفى و ما أعقبهما من عهود‪ ,‬و كان من الطبيعي أن‬
‫تتقبله الكنيسة بعد هذه الصطلحات و أن تعتبره كتاب توحيد ل غبار عليه‪ ,‬وهكذا نجح أنبياء المنفى ومن سبقهم من مصلحي القرن‬
‫السادس قبل الميلد في إبراز التوراة وكأنه كتاب توحيد عام‪ .‬و لكن إذا دققنا في نصوص السفار الباحثة عن العهود السابقة لعهد المنفى‬
‫و تمعنا جيدًا فيما تذكره عن الطقوس الدينية التي كان يتبعها اليهود قبل القرن السادس‪ ,‬لتضح لنا أن اليهود لم يكونوا موحدين‬
‫‪ Monotheistes‬قبل عهد يوشيا قطعًا‪ .‬إذ المعروف هو أن فئة الثنيويين هي التي صاغت التوراة على شكله الراهن في عهد يوشيا أي‬
‫فيما ‪ 696‬و ‪ 622‬قبل الميلد وهي التي أظهرته للوجود لول مرة‪ ,‬و زعمت أنها عثرت على نسخة الكلمة الصلية في خباء المحضر‪,‬‬
‫وراحت تروجه بين اليهود و مسلكها هذا‪ ,‬أثار عليها بعض أنبياء اليهود مثل إرميا ‪ Jeremie‬الذي اتهمها بتحريف الكلمة أي التوراة‪,‬‬
‫وزعم أن الكلمة يجب أن تظل شفهية‪ ,‬وأن تصدر فقط عن النبياء‪ ,‬ولكن وقوع الكارثة وجلء اليهود إلى المنفى أبدل رأي أنبياء المهجر‬
‫في المر‪ ,‬فاعتمدوا الكلمة المكتوبة‪ ,‬وأدخلوا على التوراة مفاهيم جديدة تفوق المفاهيم الثنيوية بكثير‪ ,‬وأضفوا على ألوهية يهوى‬
‫العمومية و الشمول‪ ,‬وبدأوا يعرفونه بأنه رب العالمين‪ ,‬وليس رب إسرائيل فقط‪ .‬ولقد تميز في سلوك هذا النهج الجديد النبي حزقيال الذي‬
‫كان يدعو أفراد شعبه إلى التمسك بيهوى وعدم الخروج عن طاعته‪ ,‬ويزعم أن المصائب التي نزلت بهم‪ ,‬ما كانت إل عقابًا لهم لتمردهم‬
‫في الماضي على يهوى الذي اختصهم بين الشعوب بحمايته و أنه سوف يعفو عنهم بمجرد أن يعلنوا التوبة‪ ,‬ويحقق لهم جميع ما وعدهم‬
‫به‪.‬‬
‫وهذه التوعية الجديدة التي بنيت على الوحدانية‪ ,‬هي التي صورت اليهود للناس وكأنهم كانوا أبدًا وحدانيين‪ ,‬وهي نفسها التي حدت‬
‫بالمسيح ليقول أنه جاء ليكمل وليس ليهدم‪ ,‬ونحن وإن كنا نعترف بأن الشريعة اليهودية )‪ ( Judaisme‬القائمة حاليًا هي وحدانية‪ ,‬إل أنه‬
‫ل يسعنا التسليم بأنها كانت دائمًا كذلك‪ ,‬لن نصوص سفر الخروج في هذا الموضوع هي أصرح من أن تكون موضع جدل‪ ,‬إذ أنها تقول أن‬
‫اليهود كان يعتبرون يهوى الرب الخاص بهم‪ ,‬ولهذا أطلقوا عليه لقب رب إسرائيل‪ .‬كما أنها تشير إلى أنهم كانوا يعتقدون بوجود آلهة‬
‫أحرى اختصت بالقوام المختلفة‪ ,‬ويقولون إن يهوى كان يناصرهم على القوام العدوة و آلهتها معًا‪ .‬وسفر القضاة يذكر هو الخر أن‬
‫اليهود كانوا يتخذون أسماء اللهة الغريبة ليتباركوا بها تحسبًا لنقمتها وغضبها‪ .‬كما أن يهود مصر ) في العهد الفارسي( كانوا يشركون‬
‫البعول و اللهة المصرية مع يهوى في مذبحه‪ .‬ويقدمون لها الذبائح والقرابين على قدم المساواة معه‪ .‬و كل هذا إن دل على شيء فإنما‬
‫يدل على أن اليهود لم يكونوا قط موحدين بل إنهم كانوا يعبدون يهوى في المرتبة الولى و يشركون به آلهة أخرى أو على القل يعترفون‬
‫بوجودها و هذه العبادة تسمى بالعبادة التفضيلية )‪ (Monolatrie‬وهي نوع من الشرك أي )‪.(Polytheisme‬‬
‫ل‪ ,‬ولذا كانوا يلجأون إليه‬
‫ولقد أجمع النقاد على أن اليهود كانوا يعتبرون يهوى الرب الخاص بهم‪ ,‬ولكن لنواح وأمور معينة كالحرب مث ً‬
‫في الملمات الحربية و السياسية فقط‪ ,‬وفيما عدا ذلك كانوا يعتمدون على آلهة البلد التي كانت بزعمهم ترعى شؤونهم الخرى‪ ,‬كالزراعة‬
‫و المعيشة بصورة عامة‪ ,‬وهذه المعتقدات هي التي كانت تدفعهم إلى عبادتها و إقامة المذابح لها‪ ,‬كما رأيناها في أكثر قصص سفر القضاة‪,‬‬
‫وفي عند دويلة إسرائيل خاصة‪ ,‬ولقد ظل اليهود على معتقداتهم هذه إلى أن انقرضت دويلة إسرائيل‪ ,‬وجل أهلها إلى المنفى‪ ,‬وعندها فقد‬
‫اليهود تمامًا ثقتهم بيهوى‪ ,‬فخرج أكثرهم عن طاعته‪ ,‬واتبعوا آلهة المنتصرين‪ .‬هذا الموقف الجديد هو الذي دفع الثنيويون إلى السراع‬
‫في إدخال الصطلحات على المعتقدات القديمة‪ ,‬والدعاء بعثورهم على التوراة المنسوب إلى موسى‪ ,‬والسعي لتعميمه بين أفراد الشعب‬
‫أملً بتقوية معنوياته ومنعه من الخروج على يهوى‪ .‬ولكن القدر أبي إل أن يلحق يهودا بشقيقتها إسرائيل‪ ,‬فوقع ما كانا يخشاه‬
‫المصلحون‪ ,‬فانبرى أنبياء المهجر يتصدون للوضع الجديد‪ ,‬فأحدثوا المفاهيم العامة التي بحثنا عنها‪ ,‬واستنبطوا الحجج لتبرير فشلهم في‬
‫فلسطين‪ ,‬ونسبوه إلى الخطاء التي ارتكبها الشعب‪ ,‬ومن ثم عمدوا إلى تطمينه بإيهامه أن يهوى ) رب العالمين ( سيعود لحمايته و‬

‫‪17‬‬

‫إخراجه من مأزقه‪ .‬ومن ثم عمدوا إلى تلقينه المفاهيم التي أوجدوها و المكونة مما تحتويه الشريعة اليهودية الحالية المسماة بـ)‬
‫‪ (Judaisme‬وهكذا أصبح اليهود موحدين‪.‬‬
‫ويا ليت اليهود ظلوا على ما كانوا عليه‪ ,‬لن اعترافهم بأن يهوى هو الرب الوحد العام مع الحتفاظ بفكرة تخصصه بهم جعلت مطامعهم‬
‫السياسية موازية مع هذه الفكرة‪ ,‬التي شرع زعماؤهم و كتابهم بتعميمها على أفراد شعبهم و حثهم على العتقاد بأنهم سادة البشر و‬
‫أحفاد من اختيروا لتوجيه البشرية وقيادة الشعوب الخرى‪ .‬ومن هنا تكونت لدى اليهود فكرة التفوق العنصري ورسخت في أذهانهم نزعة‬
‫السيادة اليهودية العالمية ودأبوا على السعي لتحقيقها منذ ظهور شريعتهم الجديدة‪.‬‬
‫وهكذا نلحظ أن أنبياء المهجر ومن ثم حكماء التلمود استمدوا القوة من نكستهم التي أضعفتهم و خرجوا على بني قومهم بفكرة السيادة‬
‫العالمية هذه التي يعمل اليهود اليوم على تحقيقها بكل ما أوتوا من قوة اقتدار‪.‬‬
‫ملحظة‪ :‬إن ما أوردناه فيما سبق عن المعتقدات اليهودية نقلناه عن كتاب تطور البشرية‪ -‬إسرائيل من البداية حتى منتصف القرن الثامن‬
‫قبل الميلد ( للسيد أدولف لودس‪ .‬ولقد أدرجناه حسبما ورد فيه بغية إعطاء فكرة سطحية للقارئ الكريم عن تطور المعتقدات اليهودية‬
‫ل في أغراض مؤلفنا هذا‪.‬‬
‫دون أي إضافة‪ ,‬لعدم علقته أص ً‬
‫شهرة اليهود السياسية و الجتماعية قبل عهد المنفى‬
‫أجمع النقاد على أن المصادر اليهودية هي أفضل المصادر قاطبة للحكم على المسلك السياسي والجتماعي الذي كان يسلكه اليهود تجاه‬
‫الشعوب الخرى لنها تصف علقاتهم مع الشعوب التي عايشوها بكل دقة وأمانة وعلى صورة فريدة من نوعها‪ ,‬فهم تارة أناس طيبون‪,‬‬
‫وينزعون للهدوء‪ ,‬و يحتكمون للحق و يتقبلون المنة ) إشارة إلى مسلك إبراهيم في مستهل حياته وقبل أن يصبح مالك عبيد وأموال(‬
‫وأخرى يظهرون وقد استأسدوا وتنكروا للفضل والمروءة ) إشارة إلى موقفهم من شكيم و أهل نابلس وما ارتكبوه من وحشية ( ثم يعودا‬
‫ليتظاهروا بالخضوع والخنوع )إشارة لمسلكهم مع أهل مصر وفرعونها ( ليصلوا إلى مقاصدهم‪ ,‬ومرة أخرى وإذا بهم يصبحون جبابرة‬
‫عتاة ل يعترفون بالحق ول يعفون حتى عن الطفل الرضيع والحيوان العجم ) إشارة لتطبيقهم سنة القتل العام في فلسطين( فهم دائمًا‬
‫متقلبون يتفاعلون مع أوضاعهم السياسية‪ ,‬فعندما يشعرون بالقوة بأنفسهم ل يعترفون بأي قيمة معنوية‪ ,‬وفي حالة العجز و الضعف‬
‫يتعلقون بكل المثل والقيم التي عرفت منذ الخليقة ليحتموا خلفها‪ .‬و مسلكهم هذا دفع نقاد التاريخ إلى وصفهم بأنهم وحوش ضارية‪,‬‬
‫متعطشة للدماء ديدنها الحقد والغدر‪ .‬ل تعترف بالحق‪ ,‬ول تحفل بالوفاء‪.‬‬
‫وخصالهم هذه هي التي أفقدت ثقة الشعوب القديمة بهم‪ ,‬وأرغمتها على التألب عليهم وتمزيق شملهم و تشتيت جمعهم‪,‬لتتخلص من‬
‫مؤامراتهم و دسائسهم و تتجنب شرورهم‪.‬‬
‫أما ما زعمه المؤرخ اليهودي يوسفيوس من أن اليهود كانوا على شيء من الحضارة الثقافية كتضلعهم في علم الفلك أو سواه‪ ,‬فإنه‬
‫يحتاج إلى براهين كثيرة‪ ,‬لن النقاد أجمعوا على القول بأن كل أوجده اليهود في التلمود من العلوم أخد عن الشوريين و الكلدانيين في‬
‫عهد المنفى‪ ,‬وجل ما أورثه اليهود للنسانية من مناقب فيلخص بإحداثهم القطاعية ) التي أوجدها يوسف في مصر( و استنباطهم‬
‫الجاسوسية‪ ,‬وابتكارهم سنة القتل العام الشنيعة‪.‬‬
‫التحليل الخاص لقصص السفار‬
‫و الن وبعد أن أوجزت آراء علماء ونقاد التاريخ في المجموعة السداسية وما يتبعها من السفار‪ ,‬أرى أن أدلى بدلوي معهم‪ ,‬و أشرح ما‬
‫استنتجته بدوري من قصص هذه السفار بعد أن اطلعت على عدة ترجمات للعهد القديم ) الكاثوليكية والبروتستانتية و التركية ( وتصفحت‬
‫العشرات من كتب النقاد‪,‬وأجريت المقارنات العديدة بين ما قالته السفار عن أبطال قصصها ) كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق و يعقوب‬
‫ويوسف و موسى ( و ما قالته عنهم الكتب الدينية الخرى‪ ,‬وما لمسته من التوافق العجيب الكائن بين محتويات قصصها ومسلك اليهود‬
‫السياسي والجتماعي عبر التاريخ‪.‬‬
‫وقبل الخوض في صميم الموضوع‪ ,‬أرى لزامًا علي أن اعترف بأنني على وفاق تام مع النقاد في كل ما يتعلق بهذه السفار‪ ,‬اللهم إل في‬
‫نقطة واحدة‪ :‬هي أن النقاد أجمعوا على أن البدء بتأليفها كان في منتصف القرن التاسع قبل الميلد‪ ,‬بينما نرى أن بعد قدماء و مؤرخي‬
‫التاريخ كالسيد سكردر مؤلف ) التاريخ و العهد القديم صفحة ‪ ( 245‬والب مور ) من كتاب مجلة البحاث الدينية ( و الب فيكتور مؤلف )‬
‫الكتاب المقدس و المكتشفات الحديثة ( ويوسفوس مؤلف ) التاريخ اليهودي( و المطران ديس )مؤلف تاريخ سوريا ( يذكرون ) دون أن‬
‫يتطرقوا لبداية تأليف السفار( إن أول من اعتمد الكتابة من أفراد الشعب اليهودي هو القاضي صمؤيل‪ ,‬وينسبون إليه وضع الدستور‬
‫الخطي لشاوول‪ ,‬وتأليف سفري الملوك الول والثاني‪ .‬و السفار بدورها تشير إليه بكونه أول من استعمل الكتابة بين رجالت اليهود‪ ,‬مع‬
‫التمسك طبعًا بزعم نزول السفار السابقة لعهده على موسى ) هذا الزعم الذي أوضحنا آراء العلماء فيه‪ ,‬والذي تدحضه كل القرائن(‪.‬‬
‫و بما أن الفارق الزمني بين العهد الذي حدده النقاد لبدء كتابة السفار وبين عهد صمؤيل ) الذي أجمع المؤرخون والسفار على أنه أول‬
‫من اعتمد الكتابة من اليهود( ليس له الهمية الزمنية بالقدر الذي يعرض التقديرات التاريخية للخلل‪ ,‬وخاصة بعد كل ما لحظناه من‬
‫الفوضى التاريخية ) أي فوضى تحديد الزمن( في تحديد أحداث السفار‪ ,‬فإننا نرى أن اعتبار البدء بكتابة السفار في عهد صمؤيل‪ ,‬هو‬
‫أقرب للصواب‪ ,‬ليس أخذًا بما قاله سكردر وأنصاره أو ما ذكرته السفار فحسب بل لسباب عدة أخرى‪ ,‬منها انفراد صمؤيل بين أترابه‬
‫القضاة ) إذ كان خير ما فيهم جاهل غر‪ ,‬أو قاطع طريق‪ ,‬أو طريد عدالة ( بسعة العلم التي حصل عليها بفضل إقامته منذ طفولته في كنف‬
‫الكاهن عالي الحبر الذي كان اليهود يعتبرونه حجتهم في العلم والمعرفة‪ ,‬وما أظهره صمؤيل من الفطنة والذكاء إبان مزاحمته لستاذه‬
‫على زعامة اليهود‪ ,‬و ما بدر عنه من الحنكة الدارة بعد أن أصبح قاضيًا عليهم‪,‬وما حققه من تنظيمات ذات أثر طويل المد على سير‬
‫الحكم في إسرائيل‪,‬و ما ابتدعه من أساليب التدريس‪ ,‬ما أوجده من المعاهد التي كانت تخرج القادة و النبياء‪ .‬وهذه المنجزات الصموئيلية‬
‫و ما اختص به من المؤهلت هي التي تدفعني لتخاذه منطلقًا لتحليلي الخاص‪,‬وتشجعني على العتقاد بأنه هو الذي استنبط قصص‬
‫السفار الباحثة عن السلف الولين‪ ,‬ما يتبعها من روايات‪ ,‬بغية تحقيق أهداف معينة لصالح بني قومه‪ ,‬الذي كانوا بأمس الحاجة آنذاك‬

‫‪18‬‬

‫لمن يرفع من معنوياتهم‪ ,‬ويجعلهم قادري على النهوض من الكبوة التي كانت تزيلهم من الوجود‪ ,‬بعد اندماجهم مع الشعوب الخرى و‬
‫خضوعهم لها‪ ,‬هذا الخضوع الذي ولدته التفرقة التي سادت صفوفهم‪ ,‬بعد أن تم تمركزهم في فلسطين‪ ,‬و التي كانت أقامت كل عشيرة من‬
‫عشائرهم في ناحية منها‪ ,‬وانقطع التصال فيما بينها وذلك بعد أن زالت السباب التي حققت وحدتها المفتعلة في عهد موسى ) البحث عن‬
‫مجال حيوي للعيش( فعادت كل واحدة منها لما كانت عليه في سابق عهدها من الستقلل في شؤونها‪ ,‬والتنكر لشقيقاتها ) على حد قول‬
‫بعض النقاد الذين قالوا بوجود قبائل آرامية و مدينية بين القبائل العبرانية(‪ ,‬واحتقار بعضها لبعضها الخر بزعم وجود تفاوت عنصري‬
‫فيما بينها ) مثل احتقار أفرائيم ليهودا وكالب بزعم أنهما أنصاف يهود( الشيء الذي أدى إلى قيام المنازعات العديدة و حتى إلى القتتال‬
‫الوحشي بينها ) مثل القتال الذي قام بين بنيامين و العشائر الخرى (‪.‬‬
‫وهذه العوامل هي التي حدت بأكثرها لن تلوذ بالعزلة وتتناسى الخريات‪,‬و من ثم تنحدر رويدًا رويدًا نحو النصهار مع الكنعانيين أو‬
‫سواهم‪ .‬ويبدو أن صمؤيل لحظ كل هذه المساوئ‪ ,‬وقدر المخاطر التي كانت تهدد بني قومه‪ ,‬ولما سنحت له الظروف أن يتزعم اليهود‬
‫تخيل أن في قدرته جمع صفوفهم باستغلل الرابطة الدينية‪ ,‬التي كانت مازالت قائمة بينهم‪ ,‬فباشر يدعوهم إلى الرجوع إلى يهوى والكف‬
‫عن معصيته‪ ,‬والمتناع عن مصاهرة الكنعانيين‪ ,‬ونبذ ما اقتبسوه عنهم من المعتقدات والتقاليد‪ .‬ولكن سرعان ما تبين له أن دعوته ل تلقى‬
‫الترحيب الكافي‪ .‬فتجاوزها واتجه إلى تحقيق فكرته عن طريق إحداث النظام الملكي بين اليهود ) أسوة بالشعوب المجاورة( ولكنه خشي‬
‫معارضة الشعب لقيام هذه النظام المحرم من قبل الشريعة الموسوية‪ ,‬وتجنبًا لهذه العقبة باشر سرًا في التمهيد له‪ ,‬بينما كان يتظاهر‬
‫بمناهضته‪ ,‬ويقول علنا أنه يؤدي بالحاكم إلى الغطرسة والستبداد‪ ,‬وبالشعب إلى الذل والخضوع‪ .‬وفي نفس الوقت يصرح بأن‬
‫الفلسطينيين والكنعانيين يدينون بانتصاراتهم العديدة للنظام الملكي السائد عندهم‪ ,‬ويعزو هزائم اليهود المتكرر لفتقارهم إلى وحدة القيادة‬
‫و التفرقة التي كانت تسود عشائرهم‪.‬‬
‫وإزاء هذه القوال المتضاربة التي كانت تصدر عن صمؤيل‪ ,‬احتار اليهود في تفسير الحكمة من تحريم الشريعة الموسوية لقيام الملكية‬
‫التي كانت على زعم صمؤيل ملذهم الوحيد للتخلص من أعدائهم‪.‬‬
‫وبعد أن طال الجدال حول هذه الموضوع قرر اليهود قبول النظام الملكي على أن يحتاطوا لشروره التي تكهن بها صمؤيل بأن يكلفوه‬
‫بوضع الترتيبات للحيلولة دون حدوثها‪.‬‬
‫وهكذا نجح صمؤيل في جر الشعب إلى المطالبة بإقامة النظام الملكي ) المحرم بموجب الشريعة الموسوية ( وحصل على التفويض لوضع‬
‫الشروط و اللتزامات اللزمة لقيامه‪.‬فسارع بوضع دستوره الذي حدد فيه علقة كل من الملك والشعب بالخر‪.‬‬
‫ثم أخضعهما لمراقبة رجال الدين الذين كان يعتبرهم صمؤيل خير من يمكنهم تسيير أمور اليهود ضمن إطار الدين ) الرابطة الوحيدة التي‬
‫كانت تجمعهم( ولما أتم هذه الجراءات تبين له أن نظامه الجديد مازال ناقصًا لفتقاره إلى المقومات الساسية التي يتطلبها كيان كل أمة‪.‬‬
‫ل من أصول مختلفة‪ ,‬وتنتسب إلى أقوام عدة ل‬
‫وهي وحدة المنشأ‪ ,‬والتراث و الماضي واللغة‪ ,‬ولما كانت العشائر اليهودية تنحدر أص ً‬
‫تربطها ببعضها البعض أيًا من هذه المقومات‪ .‬استعصى المر على صمؤيل فالتجئ إلى التلفيق و الستنباط و انهال على أشهر القصص‬
‫التي كانت اللسن تتداولها منذ أقدم العصور واختار منها باقة معينة وحورها بما يتناسب مع التقاليد والعادات الجتماعية اليهودية ثن‬
‫ضمها إلى بعضها وجعلها قصة مسلسلة‪ ,‬وباشر بتلقينها لتلميذه زاعمًا أنها سيرة أسلفه التي نزلت على موسى‪ ,‬ومن بعده تكفل تلميذه‬
‫ل تلقن للشعب رغم ما تحويه من أمور مخجلة نسبت إلى أناس زعم اليهود بأنهم أسلفهم ) كإبراهيم‬
‫بنشرها‪ ,‬ويبدو أنها ظلت طوي ً‬
‫وأحفاده( و الذين نزهتهم الكتب الدينية عن أتفه الشوائب‪ ,‬و أضفت عليهم آيات التقديس و الكبار‪ ,‬بينما راحت المصادر اليهودية ترميهم‬
‫بأبشع التهم و تعزو إليهم أحط العمال‪ .‬حتى أنها ذكرت عن إبراهيم الذي قالت عنه أنه هاجر حران تنفيذًا لمر الرب الذي وعده بأن‬
‫يمنحه وذريته أرض كنعان ) هذا الوعد الذي تكرره السفار في سيرة كل فرد من أحفاد إبراهيم وتزعم تجدده من قبل الرب لكل واحد‬
‫منهم( بأنه أقدم في مصر على الكذب والخداع‪ .‬وتنكر للقيم الخلقية‪ ,‬ولم يتورع عن التفريط بعرضه بغية الحصول على بعض المال‪ ,‬ولم‬
‫يأنف من التذلل والستجداء للحصول على قطعة أرض‪ .‬وتوصفه أيضًا بالعنصري المتطرف الذي حّرم على ابنه الزواج من أجنبية‪,‬‬
‫وتتهمه بالتحيز لزوجته اليهودية سارة و ابنها اسحاق ضد زوجته الثانية المصرية هاجر و ابنها اسماعيل لنتسابهما لصل أجنبي‪ ,‬و‬
‫تنسب إليه حرمان زوجاته الجنبيات وأولدهن من إرثه ومنح إسحاق كل ما كان يملكه‪ .‬و من ثم تقول عنه أنه انتصر لبن أخيه لوط‬
‫وأنقذه من أسر كدرلعومر العيلمي بعد أن هزمه بفضل العبيد والموال التي حصل عليها من المغامرات التي أقدمت عليها زوجته سارة‬
‫في مصر وأم جرار‪ .‬و أخيرًا تنتهي القصة بما يوهم القارئ أن كل ما نسب لبراهيم وزوجاته مما ورد ذكره حصل بأمر من الرب وبوحي‬
‫منه‪.‬‬
‫ومن ثم تنسب لخلفه إسحاق وزوجته ارتكاب الموبقات التي ارتكبها سلفه وعند بحثها عن يعقوب تؤكد إقدامه على نفس المخازي‬
‫وتضيف إليها تعاطيه السرقة‪ ,‬و تتهم أولده بالغدر والوحشية )قصة إفنائهم عن شكيم ( و اعتداء أحدهم على زوجة أبيه‪ ,‬و الثاني بإباحة‬
‫زوجة ابنه المتوفى لنفسه و إلى أبنائه الخرين ) قصة يهودا و تمارا( و كما تذكر تحريض موسى قومه للستيلء على أموال المصرين‪,‬‬
‫وتشجيعه التجسس و تشريعه لسنة القتل العام‪ .‬وتنسب ارتكاب الرشوة لكثر القضاة‪ ,‬واعتداء بعض الملوك على أعراض أتباعهم وتروي‬
‫مئات المور المخزية الخرى تنسبها لبطال قصصها دون رادع أو وازع و كأنها مدار فخر واعتزاز وهذا المسلك الغريب الذي سلكه كتاب‬
‫السفار في وصف من أسموهم بأسلفهم الولين‪ ,‬يدفع بالقارئ إلى التساؤل عن السباب التي قضت عليهم بأن يتخذوا من أبطال قصصهم‬
‫ل‪ .‬و عن السر في إبقاء هذه‬
‫هذا الموقف المشين‪ ,‬مع أنهم كانوا أحرار في وصفهم بمثل ما يحلو لهم طالما كانت القصص ملفقة أص ً‬
‫القصص على صيغتها الولى من قبل الكتاب الذين تعاقبوا على كتابة السفار‪ .‬رغم كثرة عددهم التي تبدوا من خلل آثار التنقيح و‬
‫التصحيح الواضحة في مختلف السفار‪ ,‬وعن الحكمة في امتناعهم عن تحوير تلك الوصاف المعيبة إلى ما يشرف و يعز أسلفهم‬
‫المزعومين‪.‬‬
‫ل و معقوًل‪ ,‬والمخرج الوحيد في هذا المضمار‪,‬‬
‫ل كما يظنه البعض‪ .‬فيما إذا أريد له أن يكون معل ً‬
‫والجواب على هذه السئلة ليس سه ً‬
‫العودة لنصوص القصص ذاتها ومناقشة محتويات كل منها على حدة‪ ,‬التحقيق في مغزاها‪ ,‬وما أسفر عنه من نتائج عبر الزمان‪ ,‬عندها‬
‫ل قصة‬
‫يمكن أن يتوصل الناقد إلى إيجاد الجوبة المعقولة للسئلة العديدة التي تدور حول هذه القصص وانطلقًا من هذه القاعدة‪ ,‬لنأخذ مث ً‬
‫أبرام ) إبراهيم ( التي لخصناها‪ ,‬ولنتمعن في مغزى كل فقرة من فقراتها‪.‬‬
‫عندها نجد أنها عبارة عن قصة رجل هجر مسقط رأسه‪ ,‬فتشعبت الروايات في تعليل أسباب هذه الهجرة‪ ,‬فقالت المصادر اليهودية عنها‬
‫أنها حدثت بأمر ووحي الرب الذي أراد أن يملك إبراهيم وذريته أرض كنعان‪ .‬وقالت بعض المصادر التاريخية ) مثل مجلة البحاث‬
‫الكاثوليكية التي كانت تصدر في القرن السابق‪ ,‬والتي بحثت عن هذه الهجرة في أعدادها التي أصدرتها في ‪ 15‬آب و ‪ 15‬أيلول و ‪15‬‬

‫‪19‬‬

‫تشرين الثاني عام ‪ 1893‬بقلم الب مور ( أنها حدثت في أعقاب احتلل العيلميين لبلد الكلدان بينما تروي المصادر الدينية غير اليهودية‬
‫أنها حدثت على أثر اختلف إبراهيم التقي الورع مع ذويه وقومه المشركين‪.‬‬
‫وهذه المصادر الخيرة هي الوحيدة التي تضفي على إبراهيم أحسن الصفات و أنبلها‪ ,‬وتعزو إليه القيام بدعوة الناس لعبادة ال حتى آخر‬
‫أيامه‪ .‬ومن هنا نرى أن مغزى الرواية الولى للهجرة ينحصر في ناحية مادية محضة وهي أن يهوى أراد منح إبراهيم وذريته أرض‬
‫كنعان‪ ,‬وطرد أهلها منها دون أي مبرر أو سبب اللهم إل لتفضيله إبراهيم جد اليهود عليهم‪ .‬ومغزى الرواية الثانية ل يخرج عن الزعم بأنه‬
‫كان هاربًا من العيلميين الغزاة‪ .‬أما مغزى الرواية الثالثة فهو مغزى علوي و معلل‪ ,‬وأقرب الثلثة للعقل و المنطق‪ ) .‬ومع كل هذا نترك‬
‫امر تفصيل المغزى للقارئ‪ ,‬تجنبًا للخوص فينا يخرجنا عن أهداف هذا الكتاب( ‪.‬‬
‫ومما أوضحناه يتبين لنا أن الفصل الوارد في السفر هو الوحيد الذي يحتاج لتفسير المغزى‪ ,‬ليس لبهام أسبابه فحسب ولكن للتناقض‬
‫الكائن بينه وبين النصوص الخرى الباحثة عن هذه الهجرة‪ ,‬لان الفقرة الخيرة من الفصل الحادي عشر من سفر التكوين تقول إن هذه‬
‫الهجرة كانت مقررة بين إبراهيم و أبيه تارح‪ ,‬قبل نزوحهما من أور إلى حران‪ ,‬ومن ثم يعود السفر في الفقرة الولى من الفصل الثاني‬
‫عشر ليقول أنها حدثت بأمر يهوى ليمنح منفذها أرض كنعان‪ ,‬مع تجاهل السفر التام لذكر وأسباب هذه المنحة وأسباب الغضب الرباني‬
‫على كنعان‪ ,‬فإذا حاول الناقد أن يستنتج معنى الموضوع من خلل صيغة القصة الجامدة و كما وردت في السفار لصطدم حتمًا بالمستحيل‬
‫ولذهبت محاولته سدى‪.‬‬
‫أما إذا عرف أن هذه القصة كتبت بفلسطين بعد أن تمركز اليهود فيها بزمن طويل‪ ,‬وفي أحرج أيامهم فيها‪ ,‬لوضح له المر تمامًا‪ ,‬وهو أن‬
‫القاص أراد من هذه الفقرة إيهام اليهود بأن احتلل فلسطين كان حقًا و عدًل باعتباره جرى وفقًا لرغبات ووعود الرب‪ ,‬لذلك يبرر أسباب‬
‫هذا العتداء‪ ,‬يحث اليهود على إكماله‪ .‬ومن الناحية الثانية ليثبك عزائم غير اليهود‪ ,‬ويمنعهم من مجابهته‪,‬بزعم أنه يجري تنفيذًا‪ .‬لمر‬
‫إلهي ل فائدة من محاولة إيقافه‪ ,‬وأكبر دليل على ذلك هو زعم تجدده من قبل يهوى لكل من خلفاء إبراهيم‪) ,‬دون هوادة( بغية إيهام اليهود‬
‫بإصرار يهوى على تنفيذه‪.‬‬
‫أما المزاعم الخرى الواردة في نفس القصة كإقدام إبراهيم وذريته على خداع فرعون ومن أبيملك‪,‬لبتزاز المال منهما بأبشع أسلوب‪,‬‬
‫وإظهار يهوى بمظهر من يقر هذا السلوب‪ ,‬ويتدخل لحماية معتمديه لينقذهما من مغبة عملهما‪ ,‬ويخرجهما منه بالمغانم و المكاسب‪ ,‬فإنها‬
‫ما ذكرت إل بقصد اليحاء لليهود بشرعية كل عمل مدر للمال مهما كان السلوب المتبع فيه‪ ,‬ومن ثم تحريضهم عند الضرورة على‬
‫الستخفاف بالقيم المعنوية للوصول إلى بغيتهم‪ ,‬هذه القيم التي كان لها في تلك العصور قيمة كبرى‪ .‬و البرهان على ذلك‪ ,‬هو أن تراجع‬
‫فرعون و أبيملك عن الحتفاظ بسارة بمجرد أن عرف كل منهما بأنها زوجة أبرام‪ ,‬واعتذارهما له مع تقديمهما الترضيات السخية‪ .‬ومن‬
‫هنا يخيل إلينا أن الكاتب أراد من سرد قصته هذه تشجيع أبناء شعبه على تخطي القيم الخلقية و المعنوية عندما تحول دونهم و ما‬
‫يبتغون‪ ,‬أو لكي ل تردعهم العقبات الخيالية والرمزية من الحصول على المكاسب المادية ذات الثر الفعال في مصيرهم‪.‬‬
‫ولثبات فضائل المال راح الكاتب يكمل القصة بالبحث عن كيفية انتصار إبراهيم على )كدرلعومر( العيلمي الذي اشتهر بشدة البأس و‬
‫سعة السلطان وصوره لنا مغلوبًا على أمره أمام أبرام الذي هزمه بالموال والرجال التي حصل عليه من مغامراته في مصر‪ ,‬أي أن الكاتب‬
‫أراد أن يفهمنا بأنه لول أن أقدم إبراهيم على تلك التضحية المعنوية التي ل أثر ملموس لها ول ذيول لما كان له أن ينتصر على‬
‫)كدرلعومر( الجبار‪ ,‬ولما أنقذ ابن أخيه لوط من أسره‪ .‬وليوهمنا بأنه حقق كل هذه النتصارات بفضل الثمن المعنوي البخس الذي ل يغني‬
‫ول يسمن من جوع‪.‬‬
‫والفقرات الخرى من القصة كإصرار إبراهيم على اقتران ابنه من يهودية أصلية و انتصاره لسارة على هاجر‪ ,‬وخصه إسحاق بكل ثروته‬
‫دون أولده الخرين‪ ,‬وزعم انتصار يهوى لسارة على هاجر‪ ,‬وإرغامه إبراهيم على الخضوع لرادة سارة‪ ,‬وسواها من المور‪,‬فيبدوا أنها‬
‫هي أيضًا ذكرت بغية منع اليهود من الختلط و النصهار في القوميات الخرى‪ ,‬ولظهار ما لليهودي أو اليهودية من فضل على الخرين‪.‬‬
‫وحث اليهود على عدم التفريط بالثروة القومية ومنع تسربها إلى أيد غير يهودية عن طريق التزاوج‪ ,‬وبمعنى أصرح بث التعصب‬
‫العنصري في أعماق اليهود بحجة كونه إحدى رغبات يهوى‪.‬‬
‫والغريب في الموضوع هو أن جميع قصص السفار و التكوين تدور حول هذه النقاط الربع المكونة من الصرار على تجدد الوعود‬
‫اليهوائية‪ ,‬والتحريض على اللأخلقية و الباحية‪ ,‬وتنمية نزعة الجشع المادي‪ ,‬وبث التطرف العنصري‪.‬‬
‫أما المور الخرى الواردة في بعض القصص كإقدام أولد يعقوب على الفتك بأهل شكيم بحجة الثأر لشرفهم المثلوم‪ ,‬أو قبول يهودا أولد‬
‫تمارا في كنفه أو ما شابه ذلك‪ ,‬فل تخرج هي أيضًا عن النطاق العالم للمسلك اليهودي‪ ,‬إذ نجد أن ثورة أبناء يعقوب تنتهي بالسلب‬
‫والنهب‪ ,‬وإنسانية يهودا تدور في فلك النعرة القومية الصرف‪.‬‬
‫وقصص تكرار اعتداء اليهود على أعراض بعضهم البعض التي تنتهي كلها بسلم وأمان‪ ,‬أريد منها هي أيضًا تقوية الواصر و الوشائج‬
‫القومية‪ ,‬و تمرين اليهود على ضبط النفس‪ ,‬وإخفاء كل ما يقع في أوساطهم من المخازي عن الغراب حتى ل تؤثر على سمعتهم القومية‪,‬‬
‫ل بالمثال الصالحة التي سار عليه الولون‪.‬‬
‫وذلك عم ً‬
‫وفحوى هذه القصص هو الذي أوحى إلينا بهذا التحليل‪ ,‬والسبب هو ما عرف به اليهود منذ أقدم العصور من التمسك في النواحي التي‬
‫أشرنا إليها و التي استنتجناها من قصص سفر التكوين‪.‬‬
‫ل ما زالوا يدعون أنهم شعب ال المختار‪ ,‬و أنهم أصحاب الحق في الرض الموعودة ) مع العلم أن جميع المصادر التاريخية و‬
‫فهم مث ً‬
‫العلمية أجمعت على أن اليهود ما كانوا يومًا أصحابها حتى عهد داوود و سليمان الذي أسموه بعهدهم الذهبي‪ ,‬إذ طلت مملكتهم فيه‬
‫منحصرة في المقاطعات الجبلية الربعة فقط أي ما يعادل ثلث مساحة فلسطين (‪ ,‬كما أنهم اشتهروا عبر تاريخهم الطويل بتسخير نسائهم‬
‫في كل أمر ذي بال ) من قصص أستر ‪,‬يهوديت‪,‬زينب المشك وسواهن من اللواتي يزخر التاريخ بأسمائهن(‪ .‬وعرفوا أيضًا بتزمتهم‬
‫العنصري و إحجام رجالهم عن القتران بالجنبيات‪ ,‬وتمنعهم عن النصهار بالشعوب الخرى بحجة الحفاظ على نقاء الدم اليهودي ) هذه‬
‫العنصرية المتطرفة التي يتبجح أكثر رجالتهم بالحفاظ عليها – انظر باب القوال اليهودية ( و أخيرًا شهرتهم في عبادة المال التي طبقت‬
‫الفاق‪.‬‬
‫وهذا التوافق الغريب الكائن بين مقاصد قصص السفار و مسلك اليهود عبر التاريخ هو الذي يدعونا إلى العتقاد بأن كتاب السفار لم‬
‫يقصدوا من محتويات سفر التكوين ‪ ,‬إل التوجيه السياسي و القومي و الجتماعي صاغوه في قالب تاريخي لم تكن الغاية منه‪ ,‬إل التضليل‬
‫و التمويه و اعتبروا ما في قصصه من المخازي‪ ,‬أجل نفعًا و أكبر مردودًا منها‪ ,‬ويستعبدونها عن مفاهيمهم العامة في الحياة ‪ .‬لهذا تعمدوا‬
‫إبقاءها على صيغتها القديمة‪ ,‬لتكن منهاجًا لجيالهم المتعاقبة وهي في مجموعها ل تعدوا عن كونها مأخوذة عن قدماء الرواة‪ ,‬زور اليهود‬

‫‪20‬‬

‫محتوياتها بما يتناسب مع أغراضهم الخاصة‪ ,‬دون التقيد بأي اعتبار علمي أو تاريخي في هذا التزوير‪.‬و أخيرًا أرجو أن أكون قد وفقت في‬
‫كشف بعض المقاصد الخفية الكامنة في قصص السفار التي حيرت أكثر النقاد ‪.‬‬
‫اليهود في المنفى‬
‫في مستهل القرن السادس قبل الميلد‪ ,‬اجتاح بختنصر البابلي تخوم فلسطين‪,‬وفرض سيطرته على يهودا‪ ,‬ولكنه لما يشأ أن يزيلها من‬
‫الوجود مثل شقيقتها إسرائيل‪ .‬فعمد إلى التساهل معها و اكتفى بفرض ضريبة عليها دون أن يمس كيانها‪ ,‬ولكن يهودا التي اعتادت على‬
‫التمر‪ ,‬ما لبثت أن ثارت على بابل‪ ,‬وطردت ممثليها من القدس‪ ,‬فبادر بختنصر إلى مهاجمتها‪ ,‬وحاصر عاصمتها التي سقطت بعد ثمانية‬
‫عشر شهرًا من المقاومة الضارية‪ .‬فقام بختنصر بسلب جميع كنوز معبدها و من ثم دمرها و أزال معالمها من الوجود‪ ,‬ونفى ملكها‬
‫)صدقيا( و طليعة أهلها إلى بابل حيث عاقب الملك بفقء عينيه‪ ,‬وإعدام أولده جزاء لعصيانه وعلى إثر هذا الحتلل البابلي الذي حدث‬
‫عما ‪ 586‬قبل الميلد أزيلت دولة يهودا نهائيًا من الوجود‪.‬‬
‫ولقد أسفر انقراض يهودا إلى تفرق اليهود إلى ثلثة فئات فالفئة الولى هي التي تكون ممن أجلوا إلى بابل‪ ,‬والثانية هي فئة من بقي منهم‬
‫في فلسطين‪ ,‬والفئة الثالثة هي التي تكونت ممن نزحوا في أعقاب مختلف الحداث التي توالت على فلسطين) مثل الهجرة التي حدثت على‬
‫إثر مقتل جدليا‪ ,‬وهجرة من نزحوا من البلد برفقة النبي إرميا وبنات الملك السابق صدقيا ( و الذين انتشروا في القطار المجاورة ومن ثم‬
‫في مختلف أقطار الرض‪ ,‬وهذه الفئة هي التي سميت بفئة المشردين ) ‪ (Diaspora‬و التي أقامت في المستعمرات اليهودية العديدة حيث‬
‫انتشرت‪ ,‬ولقد اشتهرت في التاريخ بعض المستعمرات مثل مستعمرة إلفانتين )‪ (Eléphantine‬و معبد ياهو) ‪ (Yahou‬هي التي تحدثنا‬
‫عنها المخطوطات المصرية‪.‬‬
‫و المصادر اليهودية عند بحثها عن ذيول هذا الحتلل وما آلت إليه أحوال الفئات اليهودية‪ ,‬تزعم أن الجلء كان عامًا‪ ,‬حتى إن المناطق‬
‫اليهودية أصبحت شبه خالية اللهم إل من الفقراء والعجز الذين عجزوا عن النزوح‪ .‬و فيما يتعلق بالفئة التي أجليت إلى بابل تزعم أنها‬
‫تعرضت للذل و العذاب وسلب منها كل ما كانت تملكه‪ .‬في حين أن المصادر الكلدانية تؤكد أن الفئة التي ظلت في فلسطين حاولت مرارًا‬
‫العصيان والتمرد‪ .‬و أن أحد أفرادها الذي كانت ينتسب للعائلة المالكة السابقة أقدم على اغتيال جدليا ممثل بختنصر‪ ,‬وأن النبي إرميا وبنات‬
‫الملك صدقيا نزحوا عن فلسطين على إثر هذا الحادث بالذات‪,‬و إن عدة فئات يهودية عمدت إلى الهجرة في أعقاب الحداث التي وقعت بعد‬
‫زمن الحتلل بعدة أعوام‪.‬‬
‫و المصادر اليهودية نفسها ل تعترض على هذه القوال الكلدانية‪ .‬ومن هنا يتضح أن مزاعم المصادر اليهودية في وصف ذيول الحتلل‬
‫البابلي ما هي إل من قبيل ذر الرماد في العين لظهار الكلدانيين بمظهر العتاة المتوحشين‪.‬‬
‫كما أن وصف المظالم التي زعمت المصادر اليهودية وقوعها على السرى يفتقر هو أيضًا للثباتات والدلة‪ ,‬إذ أن أكثر المصادر اليهودية‪,‬‬
‫تعترف بما روته المصادر الكلدانية‪ ,‬وهو أن بختنصر سمح للسرى بأن يصحبوا عائلتهم‪ ,‬وينقلوا معهم ما كانوا يملكونه من المواشي و‬
‫الموال‪.‬‬
‫أما الحداث التي زعم اليهود وقوعها في فلسطين و التي قالوا عنها أنها أدت إلى طرد الفلول اليهودية من ممتلكاتهم‪ ,‬ومنع اليهود من‬
‫القتراب من موارد المياه‪ ,‬وإرغامهم على شراء مياه الشرب فهي أمور حدثت بعد أن تفاقمت الهجرات وقل عدد اليهود في البلد فزحفت‬
‫القبائل الخرى لتحتل المناطق اليهودية التي كانت قد خلت من سكانها‪ ,‬فكان من الطبيعي أن يتعرض من بقي من اليهود لضطهاد تلك‬
‫ل من العتداءات اليهودية في الماضي‪.‬‬
‫القبائل التي تألمت طوي ً‬
‫والجدير بالذكر من ذيول الحتلل البابلي‪ .‬هو الحظ الوافر الذي أصاب من أجلوا إلى بابل‪ ,‬إذ تذكر المصادر التاريخية الموثوقة‪ ,‬إن‬
‫بختنصر وهب اليهود أخصب مقاطعاته‪ ,‬ومنحهم أوسع الحريات في العمل والحل و الترحال وتعترف المصادر اليهودية بأن اليهود أصبحوا‬
‫في غضون مدة وجيزة أغنى أهل بابل‪ ,‬إن السلطات الحاكمة كانت تعاملهم على أحسن وجه‪ .‬وإنها خلت سبيل ملكهم السابق‪ ,‬و أسكنته في‬
‫قصر منيف‪ ,‬وأطلقت عليه زعيم الجالية المجلية وأشركته في المائدة الملكية‪.‬‬
‫ويعزوا نقاد التاريخ سبب هذا الكرم الكلداني‪ ,‬إلى أن الكلدان كانوا يبتغون من إجلء طلئع المم التي كانوا ينتصرون عليها‪ ,‬إل لغرضين ل‬
‫ثالث لهما‪ ,‬وهما الول حرمان الشعوب المغلوبة من العناصر القادرة على النهوض و المناهضة مجددًا‪ ,‬ومن ثم الستفادة من خبرات أفراد‬
‫تلك الطلئع في بلد الكلدان حيث ل مجال لتآمر الجانب وتألبهم على الدولة‪.‬‬
‫و لقد استفاد اليهود كثيرًا من الميزات التي منحهم إياها الكلدان‪ ,‬وأصبح في صفوفهم من تمرس على أساليب الحكم و السياسة ومن أتقن‬
‫الحرف و الصناعات المختلفة‪ ,‬وعظم شأنهم بين البابليين‪ .‬ولول أنبياء المهجر أمثال حزقيال الذين كانوا ل ينفكون عن تنبيه اليهود‪ ,‬إلى‬
‫أخطار النصهار‪ ,‬ومساوئ التمرد على يهوى‪ ,‬و حثهم على ضرورة التفكير التام في العودة إلى يهودا‪ ,‬لكان اليهود انتهوا بالنصهار التام‬
‫في الشعب الكلداني بسبب ما توفر لهم من رغد العيش‪ ,‬والمن و الستقرار‪.‬‬
‫ولكن التوعية التي كانوا يتلقونها من أنبيائهم‪ ,‬جعلتهم يتمسكون بقوميتهم و ينشدون العودة إلى فلسطين‪ ,‬ولتحقيق ذلك عمدوا إلى إحداث‬
‫الجمعيات السرية لتعمل على انتزاع الستقلل من الكلدانيين‪ ,‬ولما تولى العرش الملك البابلي أمل مردوك )ِ‪ (Amal Mardouk‬الذي‬
‫كان يعتبر نصيرًا لليهود‪ ,‬توسعت آمال اليهود وتخيلوا أنه سوف يعيدهم إلى فلسطين‪ ,‬مثلما أعاد أحيرام الثالث ملك صور إلى بلده عام‬
‫‪ 542‬قبل الميلد بعد أن احتجزه مدة طويلة في بابل‪.‬‬
‫ولكن مردوك خيب آمالهم‪ ,‬ولم يحقق لهم هذه المنية الغالية‪,‬ففقد بعض شبابهم المتحمس الصبر‪ ,‬وقرروا الثورة المسلحة فسارعت‬
‫القوات الكلدانية إلى إخمادها‪ ,‬وأعادت المن إلى البلد‪.‬‬
‫وهذه الحادثة أفقدت الكلدان ثقتهم بالجالية اليهودية‪ ,‬وجعلت اليهود على يقين تام بأن ل أمل لهم بالعودة إلى فلسطين إل بعد انهيار الدولة‬
‫الكلدانية‪.‬‬
‫ولما كانوا أضعف من أن يحققوا بمفردهم هذا الهدف المنشود‪ .‬عمدوا إلى أساليبهم المعتادة‪ ,‬أي التآمر مع أعداء البلد و التجسس‬
‫لمصلحتهم‪ .‬والسعي لضعاف ثقة الشعب بالدولة القائمة‪ ,‬عن طريق إطلق الشائعات وافتعال الدسائس‪.‬‬
‫وشاءت القدار أن يعتلى العرش آنذاك نابونيد الضعيف)‪ (Nabonid‬وأن تتوالى حوادث العصيان في المستعمرات الكلدانية‪ ,‬وأن تتوزع‬
‫قوى الدولة على عدة جبهات‪,‬وأن يظهر للميدان كورش )‪ (Cyrus‬الفارسي ويعلن تمرده على بابل و جارها أستاماكوس )‪(Istamagus‬‬

‫‪21‬‬

‫ويتمكن من دحر هذه الخير ‪ ,‬ويبادر إلى تهديد بابل‪,‬التي كانت تظن نفسها أقوى من أن يجرؤ أحد على تحديها‪ .‬وإزاء هذا الخطر الجديد‪,‬‬
‫لم يسع نابونيد إل التحالف مع مصر و إسبارطة ) عام ‪( 547-546‬قبل الميلد لمجابهة فارس الفتية‪ ,‬ولكن كورش تمكن بسرعة على‬
‫التغلب على حلفاء نابونيد ومن ثم مقارعته في عقر داره مدة ستة أعوام‪ ,‬تمكن اليهود خللها من التصال به والتعامل معه سرًا‪ ,‬ونتج عن‬
‫تحالف اليهود معه‪ ,‬ازدياد الدسائس الداخلية في البلد‪ ,‬و انتشار الشائعات النهزامية‪,‬و تكاثؤ الضطرابات‪ ,‬مما أدى إلى انهزام الجيش‬
‫الكلداني ودخل كورش إلى عاصمة الكلدان عام ‪ 539‬قبل الميلد‪.‬‬
‫ولقد كافئ كورش اليهود على خدماتهم هذه بأن ولهم أمور أهل بابل‪ ,‬وأجزل لهم العطاء ثمنًا لما قدموه له من المساعدات القيمة‪,‬أثناء‬
‫حربه مع نابونيد وهكذا ساهم اليهود في تدمير بابل‪.‬‬

‫عودة القافلة اليهودية الولى إلى فلسطين‬
‫تجنب الفرس إتباع سياسة النفي والتشريد‪ ,‬واعتمدوا أساليب المهادنة مع الشعوب التي انتصروا عليها‪ ,‬وكانوا يكتفون في كل بلد‬
‫بتنصيب مراقب سياسي من قبلهم لمراقبة الدارة المحلية التي كانت غالبًا تسند إلى أحد أبناء البلد‪,‬ويقيمون في كل منطقة حامية مسلحة‬
‫مهمتها بسط نفوذهم العسكري‪ ,‬أما المور الداخلية فكانوا يتركونها لبناء البلد‪ ,‬ول يتدخلون في شؤونهم الدينية والمحلية بصورة قاطعة‪,‬‬
‫حتى أنهم أعادوا لكثير من الشعوب التي سبق للكلدان أن سلبوها تحفها و آلهتها ما سلب منها‪ .‬و جل هم الفرس في فتوحاتهم كان‬
‫منحصرًا في الكثار من الطرق العسكرية‪ ,‬بغية تحقيق المن والستقرار في مناطق نفوذهم‪ .‬وهذه السياسة التي أوحت إلى كورش أن يفكر‬
‫في إعادة اليهود إلى فلسطين‪ ,‬وعلى الخص بعد الخدمات التي أدوها له في قتاله مع نابونيد‪ ,‬هذا عدا الوسائل المعنوية التي استعملوها‬
‫معه للتغرير به) كزعم تكهن أنبيائهم بانتصاراته مقدمًا( و ما قدموه له ولجيوشه من الوسائل المادية و الترفيهية فكان من الطبيعي أن‬
‫يتأثر كورش بما أظهره اليهود نحوه من الخلص و التبعية‪ ,‬فأصدر أمره بعودته إلى فلسطين ورد ما سلب من هيكلهم ومن ثم إعادة‬
‫بنائه‪.‬‬
‫أما ما ما يزعمه اليهود من إكرام كورش لهم وتسميته إياهم بالضيوف المقيمين و ما شابه ذلك من أمور‪ ,‬فل أصل لها بتاتًا‪ ,‬ما قيلت إل‬
‫ليهام الناس بأن الفرس كانوا يحترمونهم لما لمسوه لدى أنبيائهم من سعة العلم و المعرفة‪ .‬والواقع أن اليهود دفعوا ثمن ذلك من أموالهم‬
‫و ما يملكونه من الشياء الخرى ‪ ,‬وبفضل هذا الثمن الباهظ‪ ,‬تمكنوا من إيفاد القافلة الولى التي زودت بالمليين من الذهب بغية إعادة‬
‫بناء الهيكل وإقامة نواة الجالية اليهودية في القدس‪.‬‬
‫ويقول بعض المؤرخين عن المبالغ التي جمعت من اليهود لتزويد قافلتهم الولى أنها بلغت ما يعادل أربعين مليون فرنك ذهب‪ .‬و من هنا‬
‫يتضح للقارئ مدى ما وصل إليه اليهود من الغنى الفاحش في بابل رغم ضآلة عددهم وقصر الزمن الذي قضوه فيها ‪ ,‬و مع كل هذا‬
‫خانوها وأهلها في أول فرصة سنحت لهم‪ ,‬وانحازوا لفاتحها الجديد‪ ,‬وتنكروا لما اغترفوه من نعمها دون وازع من ضمير‪ ,‬ثم راحوا‬
‫يمرغون وجوههم التي جبلت من تراب الخيانة والغدر على أعقاب كورش الفارسي ليرضوه بأبهظ الثمان حتى يعيدهم إلى فلسطين‪.‬‬
‫وتحدثنا المصادر اليهودية عن هذه العودة‪ ,‬وتشيد بعظمة المراسم والحفلت التي أقيمت بمناسبتها‪ ,‬ولكنها تختلف كعادتها على بعض‬
‫تفاصيلها كتحديد زمن بناء الهيكل‪ ,‬و أسماء من أشرفوا على البدء به‪ ,‬فبينما تذكر بعض السفار أن هذا البدء كان في العام الثاني من‬
‫عودة القافلة و تحت إشراف زوروبابل )‪ (Zorobabel‬و الكاهن اليهودي الكبر‪ ,‬نرى أن سفر أسدرا يذكر أن البدء كان تحت إشراف )‬
‫‪ (Sabassar‬ولم تتوقف أعمال البناء فيه حتى النهاية ) سفر أسدرا – فصل ‪– 5‬فقرة ‪ (16-14‬ولكنه يعود في مكان آخر ليذكر أن أعمال‬
‫البناء توقفت مرارًا بسبب العقبات التي كان يفتعلها السامريون‪ .‬و الجدير بالذكر أن سفر أسدرا كتب في عهد داريوس الثالث الذي عاصر‬
‫السكندر المقدوني‪ ,‬بدليل أنه يبحث عنهما معًا ويصف ما قام به كل منهما ‪.‬‬
‫وفي نفس الموضوع يحدثنا أحد أنبياء اليهود الذي عاصر زمن عودة القافلة الولى وهو المدعو إكجة ) ‪ (Aggée‬ويقول إن البدء في‬
‫إقامة الهيكل كان في الشهر التاسع مع العام الثاني لحكم داريوس‪ ,‬أي بعد ثمانية عشر شهرًا من عودة القافلة‪ ,‬وهذا التناقض إن دل على‬
‫شي فإنما يدل على مدى شطط المصادر اليهودية ومؤلفيها‪ .‬ولقد ذكرناها بقصد التلميح إلى هذه النقطة الهامة في الحكم على قيمة السفار‬
‫من الوجهة التاريخية‪ ,‬وعلى كل نرى أن هذا الشطط مما عودنا عليه كتاب المصادر اليهودية‪ ,‬فل ضير من تجاوزه‪ ,‬واعتباره مثل غيره‬
‫من البحاث الماضية التي نوهنا إلى اللتباسات الواردة فيها‪.‬‬
‫ومن خلل البحث عن عودة القافلة الولى نستنتج أن العودة كانت على دفعتين‪ :‬الولى بقيادة زوروبابل و الثانية بقيادة ساباسار ‪ ,‬كما‬
‫نستنتج أن الخلف كان ل يزال قائمًا بين أهل السامرة و العائدين‪ ,‬ونفهم أن أكثرية العائدية كانت من الفقراء‪ ,‬بدليل ذكر المصادر اليهودية‬
‫قصة جمع الموال لهم قبيل سفرهم‪ ,‬وافتعال أهل السامرة العقبات لمنع استيطانهم‪ .‬وهذه العترافات تعني صراحة‪ ,‬إن القيادة اليهودية في‬
‫بابل لم تكن تروم العودة إلى فلسطين بعد أن أثرت في بابل و تغيرت مفاهيمها الدينية والسياسية‪ ,‬واتسعت مطامعها القومية‪ ,‬ولكن عمدت‬
‫إلى التغرير بكورش وإيهامه بأنها تطالب بالعودة‪ ,‬بغية ستر مقاصدها الخرى فلما وافق كورش على التماسها‪ ,‬دفعت بدهمائها إلى‬
‫فلسطين‪ ,‬وظلت هي قابعة على أموالها وثابرت على الغتراف من كنوز الغالب والمغلوب‪ ,‬لعتقادها أن أول أسلحة نضالها في المستقبل‬
‫هو المال والمال وحده هذا المعبود اليهودي القديم الذي ارتضوا في سبيله زعم ارتكاب أسلفهم أحط العمال و أقذر الفعال‪ ,‬والذي في‬
‫سبيله تنكروا لهل مصر و موسى فل نعجب أن نراهم متمسكين به بالمس و اليوم وفي الغد‪ ,‬لنه في نظرهم الهدف الول‪ ,‬و الرائد‬
‫الوحد‪.‬‬
‫أما زعم تمسكهم في العودة إلى فلسطين ما هو إل من قبيل الدعم لدعائهم الباطل القديم بكونها منشأهم‪ .‬وهو في الواقع أمر ثانوي‬
‫بالنسبة إليهم‪ ,‬لنهم أدرى الناس بأنها لم تكن يومًا لهم ‪ ,‬وإن المدة التي قضوها في ربوعها كان أقصر الماد التي عاشوها في مختلف‬
‫مهاجرهم عبر التاريخ‪ ,‬وادعائهم بملكيتها ليس سوى أمر رمزي أرادوا منه في البداية أن يكون مخلب قط ليظل السوقة متعلقين به و من‬
‫ورائه بالقادة والموجهين ثم أصبح مع الزمن حجة لستدرار العطف و الشفقة ‪ ,‬ولم يكن في يوم من عقيدة راسخة إل في عقول الرعاع‬
‫اليهود الذين ثابر القادة على التغرير بهم‪ ,‬رغم التطور الذي أدخلوه في مفاهيمهم السياسية في عهد المنفى‪ ,‬والذي أصبحت بموجبه‬
‫الدعوة اليهودية عالمية عامة‪ ,‬ولم تعد موضعية وقبلية مثلما كانت من قبل‪ ,‬وذلك بعد أن أعلن أنبياء المهجر أن يهوى أصبح ربًا عالميًا‪.‬‬
‫و أنه اختار اليهود من بين الشعوب لسيادة وقيادة العالم‪ ,‬وجعل من القدس مركزًا لقيادتهم باعتبارها مدينة الهيكل و مقر خباء المحضر‪ .‬و‬

‫‪22‬‬

‫من خلل المستنبطات اليهودية الجديدة‪,‬ومسلك اليهود حيالها منذ إطلقهم إياها و ما افتعلوه ضمن إطارها من الحداث و ما حققوه من‬
‫الهداف عبر التاريخ‪ ,‬يتضح لنا بجلء أن دعوة المهجر المغلفة بإطار مزخرف بالشعارات الدينية و القومية و مزاعم وطنية كانت تخفي‬
‫ورائها مئات الغراض اليهودية الخطرة‪ ,‬وفي مقدمتها السيطرة على العالم صنفت ضمن منهاج خاص مشبع بروح التسلط العام على‬
‫ل‪ ,‬وأغراض هذا المنهاج هي التي حدت بوجهاء اليهود‬
‫مقدرات العالم‪ ,‬ذو مراحل تنفيذية‪ ,‬ل علقة له بتاتًا بالمطالب اليهودية الباطلة أص ً‬
‫في بابل إلى البقاء فيها‪ ,‬وعدم النزوح مع السوقة‪ ,‬ويبدو من خلل مسلك اليهود منذ ذاك العهد أو أولى هذه الغراض كان السعي‬
‫للستيلء على أموال الشعوب بدليل أن اليهود تمكنوا من الستيلء على أكثر ثروات الشعوب التي عايشوها‬
‫منذ ذاك الزمن و الغرض الثاني كان للتسلل من وراء الستار إلى مقاليد الحكم في البلد التي تمركزوا فيها وذلك عن طريق إحداث هيئات‬
‫أو جمعيات تتظاهر برفع الشعارات التي يستسيغها سكان تلك القطار ليلتفوا حولها و يناصروها‪ ,‬بينما هي تقودهم خفية إلى الطريق‬
‫المؤدي لتحقيق الغراض اليهودية‪ ,‬و الظاهر إن اليهود تمكنوا من تحقيق هذا الغرض أيضًا‪ ,‬أما العوامل التي أوصلتهم إلى هذه الغراض‬
‫فتتكون من المؤثرات المعنوية التي انبثقت عن العهد القديم‪ ,‬وما يتبعه من الخرافات الدينية التي نشرها اليهود بين الناس على أوسع‬
‫نطاق‪ .‬والتي أدت إلى إيهام الناس بصحتها والوقوف منها موقف الرهبة والحترام‪ ,‬أما العناصر التي عملت و تعمل لهم فليست سوى‬
‫عناصر غبية أو انتهازية‪.‬‬
‫تمكن اليهود مرارًا من تحقيق أغراضهم الحفية بفضل غباء و انتهازية عملئهم‪ ,‬دون أن ينقطعوا عن المناداة بشعاراتهم التقليدية‪ ,‬التي ل‬
‫يؤمنون بها‪ ,‬ول يهتمون بتحقيقها‪ ,‬ولكنهم يثابرون على المناداة بها‪ ,‬للتمويه على مآربهم وبغية التضليل ويدفعون بالسوقة من أفراد‬
‫شعبهم بين حين وآخر إلى المطالبة بالعودة إلى الوطن المزعوم أو التسلل إليه مثلما فعلوا في عهد كورش‪ ,‬أو في كل مرة تعرضوا فيها‬
‫لنقمة الشعوب ) مثل حوادث ‪ 1845-1840‬التي وقعت في روسيا وبولونيا و التي طالبا اليهود على إثرها السماح لهم بالهجرة إلى‬
‫فلسطين( بينما يقبع الزعماء والثرياء حيث هم لمتابعة برامجهم المهجرية‪ ,‬وعودة اليهود السوقة في عهد كورش إلى فلسطين كانت‬
‫أولى المناورات اليهودية تنفيذًا للمنهاج البابلي المذكور‪ .‬وهكذا عاد اليهود إلى فلسطين مرة أخرى لينغصوا عيش أهلها‪.‬‬
‫أما الثرياء الذين ظلوا في بابل كان المفروض عليهم أن يخلصوا لكورش مقابل لفتته الكريمة‪ ,‬فإنهم ما لبثوا أن جنحوا إلى الشغب‪ ,‬إذ‬
‫تغلبت عليهم نزعات الغدر و الخيانة التي تزخر بها قلوب اليهود‪ .‬فانقلبوا على الفرس و شرعوا يتآمرون مع البابليين عليهم في عهد‬
‫الملك أرتخسش ‪ Arataxerces‬فشعر بمكائدهم الوزير هامان فأمر رجالة بمراقبتهم و اعتقال كل يهودي يشتبه فيه‪ .‬فجزع اليهود من‬
‫مغبة تصدي هامان لهم‪ ,‬فسارعوا إلى تدبير مكيدة له على يد إحدى بناتهم التي توصلوا إلى تزويجها من الملك ) إستر الشهيرة( و التي‬
‫كانت فائقة الجمال‪ .‬فأوعزوا إليها أن توغر صدر زوجها على هامان‪ ,‬فكان لهم ما أرادوا بفضل جمال إستر التي أسرت قلب الملك‪ ,‬فأمر‬
‫بإعدام هامان و من يلوذ به‪ ,‬وكلف اليهود بتنفيذ هذا المر فما كان منهم إل أن صبوا جام غضبهم على الشعب البابلي‪ ,‬واقتادوا سبعين ألفًا‬
‫من أفراده إلى ساحات الموت دون أي ذنب اللهم إل تعطش اليهود لسفك الدماء وإكرامًا لسواد عيون إستر‪.‬‬
‫والمضحك في قصة إستر هذه التي تسببت في موت آلف الناس‪,‬والتي كانت زوجة مجوسي ملحد‪ ,‬هو أن العهد القديم اعتبرها قديسة‬
‫وأفرد لها سفرًا‪ ,‬والنكى من ذلك هو اعتراف الكنيسة بقدسيتها بدورها‪ ,‬و اعتبار سفرها كتابًا مقدسًا‪ .‬و كأنها لم تكن قاتلة ألوف وقرينة‬
‫ملحد فما أعجب أمر اليهود ما أفظع كيدهم؟؟‬
‫وبعد زوال هامان من الوجود اشتدت شوكة اليهود في الدولة الفارسية بفضل إستر‪ ,‬وأصبحت لهم ميزات خاصة‪ ,‬حتى إن ملوك فارس‬
‫كانوا يهتمون بشأن المستعمرات اليهودية التي كانت منتشرة في مملكتهم‪ ,‬وكانوا يقدمون لسكانها العون‪ ,‬ويعينون من أبنائها من يشرف‬
‫على أحوالها‪ .‬كما أنهم اتخذوا من اليهود رقباء على الشعوب التي أخضعوها‪ ,‬وشكلوا منهم قوات خاصة تتساوى في الحقوق و الميزات‬
‫مع القوات الفارسية الصيلة‪ .‬و مع كل هذا‪ .‬ظل اليهود على ما كانوا عليه‪ .‬يكيدون لسيادهم كلما سنحت لهم بذلك الظروف‪ ,‬حتى إنهم‬
‫ساهموا في الثورة المصرية التي قامت ضد الفرس عام ‪ 358‬قبل الميلد‪ ,‬ودعموها بثورة أخرى أشعلوا نارها في نفس الوقت بمدينة‬
‫أريحا‪ ,‬فسارع أرتخسش الثالث ‪ Aetaxerces III‬للقضاء على كل الثورتين ونفى زعماء اليهود إلى بلد الخزر‪.‬‬
‫وفي عهد خسرو ) ‪ (Yerxés‬أثار اليهود أهل بابل ضد الفرس مجددًا‪ ,‬فقمع خسرو هذه الحركة بكل شدة‪ ,‬وكان وقودها أهل بابل الذين‬
‫غرر بهم اليهود‪ .‬و مع هذا لم يركن اليهود إلى الهدوء‪ .‬فلما شعروا بأن فارس بدأت تميل إلى النهيار ) أمام بزوغ فجر السكندر المقدوني‬
‫( بادروا إلى التصال بالسكندر وعقدوا معهم اتفاقية سرية للكيد بفارس‪.‬‬
‫ولما تم النصر للسكندر سارع يهود القدس لستقباله بالترحاب وإيهامه بأن أنبيائهم سبق وأن تنبأوا بنصره هذا ‪.‬‬
‫ويهود بابل لم يكونوا أقل لؤمًا من إخوانهم في فلسطين إذ يذكر لنا التاريخ أنهم بدورهم تآمروا على سابور الثاني )‪ (Sabor‬و ناصروا‬
‫الرومان عليه عام )‪ 226‬قبل الميلد( ‪ .‬ولكن الفرس ظلوا على معاملتهم الحسنة مع اليهود رغم كل المساوئ التي ارتكبها السرائيليون‬
‫تجاههم‪.‬والمؤسف حقًا هو موقف المصادر اليهودية من الفرس لنها بدًل من أن تكيل لهم المديح نرى التلمود يحمل عليهم يصف عاهلهم‬
‫فيروز ) الذي حكم بين ‪ (457-484‬بالمستبد الظالم‪ ,‬ويتهمه العهد بقتل نصف اليهود في مملكته‪ ,‬ويزعم أنه كان يسبي أطفالهم ويسجنهم‬
‫في المعابد المجوسية ليلقنهم عبادة النار‪ ,‬ويذكر لنا أيضًا أن فيروز أقدم على هذه المذابح بحجة قتل اليهود لثنين من كهنة المجوس‪.‬‬
‫وينهي الحديث عن مظالم هذا العاهل بالقول إن جميع اليهود الذين سلموا من المذبحة فروا إلى البلد العربية والهندية‪ .‬ويزعم المؤرخ‬
‫اليهودي فلفيوس جوزيف ) مسيلمة اليهود و مؤلف كتاب الشعب اليهودي( إن اليهود تعرضوا لضطهاد أهل بابل والفرس معًا بحجة‬
‫ل‪ :‬وأمام هذه المظالم اضطر اليهود إلى الفرار من بابل إلى بلد‬
‫انتماء بعض الثوار في بلد الكلدان لهم بصلة الدم والدين‪ .‬ويزيد قائ ً‬
‫اليونان تاركين خلفهم أموالهم الطائلة‪ .‬والمصادر اليهودية الخرى تزعم أن الفرس منعوا اليهود من التعطيل أيام السبت‪ ,‬ومن تقديم‬
‫القرابين‪,‬وأنهم أخرجوا عظام موتى اليهود من القبور وأحرقوها‪ ,‬كما أحرقوا جميع المعابد اليهودية في المملكة الفارسية‪ ,‬وذلك في عهد‬
‫أزدشير الول )‪ (226-241‬قبل الميلد‪.‬‬
‫ل من أقبح التهم‪ ,‬ول يعترفون إل بقليل من الرعاية يدعون أنها صدرت عن أربعة ملوك فقط نحو‬
‫وهكذا نجد أن اليهود يكيلون للفرس سي ً‬
‫أبناء شعبهم‪ .‬والظاهر أن مرد هذا المسلك المشين من قبل المصادر اليهودية نحو فارس‪ ,‬هو رغبتها في تغطية مواقف الشعب اليهودي‬
‫المعيبة في وقفها حيال فارس التي أحسنت إليهم‪ .‬ونحن نعذر اليهود ومصادرهم في مسلكهم هذا‪ ,‬لنه ليس بمقدورهم أن يعترفوا بأي‬
‫إحسان أو جميل‪ ,‬لن هذه الصفات ليست منهم في شيء‪,‬وليس لها معهم أي علقة‪ .‬أليسوا أحفاد من اشتهروا بتمردهم على موسى و‬
‫يهوى بعد أن أنقذاهم من ظلم وتعسف فرعون؟ وأليسوا أحفاد شاوول وجنده الذين تنكروا لعهود أسلفهم لهل جبعة‪,‬وقتلوهم عن بكرة‬
‫أبيهم؟ فلماذا إذًا تجنح مصادرهم للتلفيق؟‪ .‬ويقينًا أنها ليست بحاجة إليها‪ ,‬فاليهود فعلوا بما اعتادوه‪ ,‬حسب تقاليدهم و أعرافهم فكافأوا‬
‫الفرس بما استحقوه‪ ,‬وعلى نفسها جنت براقش‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫اليهود في ظل اليونان‬
‫شاءت القدار أن تنهار دولة فارس على يد السكندر المقدوني‪ ,‬بعد أن انتصر عليها في معركتي السكندرونة و إربل وخيم على ربوع‬
‫الشرق ظل اليونان بعد أن كانت تخفق عليها بنود فارس‪ ,‬وعلى إثر انهزام دارا الثالث دخل السكندر مدينة القدس وغيرها من مدن‬
‫ل‪ ,‬فسجد‬
‫الشرق‪ ,‬فاستقبله اليهود أعظم استقبال عام ‪ 332‬قبل الميلد‪ ) .‬يزعم اليهود أن اسكندر تأثر جدًا من استقبالهم له استقباًل حاف ً‬
‫أمام الكاهن الكبر إجلًل له‪ .‬وأصدر أمره بإعفاء الشعب اليهودي من دفع الجزية والضرائب في العوام السبتية (‪ .‬وتصف المصادر‬
‫اليهودية هذا الستقبال بأنه كان فريدًا من نوعه‪ ,‬إذ قدم فيه اليهود ولئهم وإخلصهم للسكندر‪ ,‬وأظهروا سرورهم بمقدمه كفاتح‪ ,‬رغم أنه‬
‫حطم جيوش حماتهم فارس‪.‬‬
‫ويعلق المؤرخ لودس على مزاعم المصادر اليهودية بشأن هذا الستقبال ويقول‪ :‬المعروف عن اليهود في تلك الحقبة من الزمن بأنهم‬
‫كانوا ينظرون لكل الدول المحيطة به نظرة حقد وكراهية‪ ,‬كما كانوا يعتبرون جميع الشعوب المحيطة به كافرة ملحدة‪ ,‬فل يعقل أن يقدموا‬
‫على استقبال السكندر بكل هذه البهة التي تذكرها مصادرهم‪ ,‬ولهذا نرى أن ما ورد فيها عن استقبال السكندر مبالغ فيه‪ ,‬إذ أننا نعلم أن‬
‫اليهود قد اعتادوا النظر إلى المغلوب بعين الشماتة وللغالب بعين الحقد والحسد متمنين أو يروه بدوره مغلوبًا على أمره‪.‬‬
‫وفي دخول السكندر إلى القدس أصبحت المقاطعة اليهودية إحدى ممتلكات الدولة المقدونية‪ .‬ولما مات السكندر عام ‪ 323‬قبل الميلد قام‬
‫النزاع الشهير بين قواده الثلثة‪ ,‬وانتهى بانقسام مملكته إلى دولتين إحداهما في مصر تحت زعامة بتولومة ) ‪ (Ptolémée‬و سميت بدولة‬
‫اللجيد )‪ (Lagides‬تيمنًا باسم والد مؤسسها لكوس )‪ (Lagus‬و كانت تخومها تشمل مصر وفلسطين‪ .‬والثانية في وادي دجلة والفرات‬
‫أسسها السيلوكوسيين )‪ (Seleucus‬و اعتلى عرشها عام ‪ 312‬قبل الميلد نيكاتور الول )‪ (Nicator 1er‬وسميت بدولة السيلوسيد‬
‫تيمنًا باسم العائلة أو القبيلة التي أسستها‪ .‬و كانت تخومها تشمل بابل وسورية الشمالية‪ ,‬وهذا النقسام بين اليونان أعاد سوريا إلى‬
‫وضعها القديم‪ ,‬وأصبحت محور الخلف الدائم بين الدولتين مثلما كانت في عهد مصر و آشور‪ .‬وكانت كل من الدولتين تسعى للسيطرة على‬
‫ل‪ ,‬واستعمل في معاركهما أحط أنواع‬
‫السواحل السورية لتكون على اتصال أرضي مع اليونان الوطن الم‪ .‬ولقد دام النزاع بينهما طوي ً‬
‫السلحة و الساليب من غدر وخيانة ولجوء إلى الغتيالت‪ ,‬وفي عام ‪ 198‬قبل الميلد تغلبت سيلوسيد على اللجيد و انتزعت منها‬
‫فلسطين‪ .‬ويبدو أن النزاع بين الدولتين كان من حظ اليهود رغم ما يزعمه يوسفيوس من إقدام بتولومة على تهجير بعض اليهود إلى‬
‫ل من الدولتين كانت تسعى لخطب ود اليهود و تفتح لهم‬
‫مصر عند احتلل مدينة القدس إذ أن المصادر التاريخية العامة أجمعت على أن ك ً‬
‫أبواب مدنها و مقاطعاتها‪ ,‬حتى أن أنطيوشس الثالث )‪ (Antiochus III‬الذي لقب بالكبير‪ ,‬نقل من اليهود ألفي عائلة إلى منطقة فريجي‬
‫)‪ (Phrygie‬وليدي )‪ (Lydie‬لحمايتها من عبث الغزاة‪ .‬كما أن ديمتريوس الول ) ‪ (Démitrius 1er‬التمس من الكاهن الكبر أن يمده‬
‫بثلثين ألف رجل ليجعل منهم حراسه ورجال ثقته ! والمعروف أن اليونان كانوا يعاملون اليهود على قدم المساواة مع أبناء قومهم وتذكر‬
‫المصادر اليهودية إن ملوك الدولة اليونانية منحت اليهود في المدن الحديثة كل الميزات التي كان يتمتع بها المقدونيون‪ ,‬والشائع أن‬
‫المقدونيين كانوا يعتبرون في ذاك العصر من سادة القبائل اليونانية‪ .‬و الظاهر أن اليهود استغلوا هذه الميزات على أوسع نطاق ممكن‪,‬‬
‫فانتشروا في أنحاء المملكة اليونانية‪ ,‬يؤسسون المستعمرات في مدنها‪ ,‬وينشئون المعابد الخاصة بهم‪ ,‬ول يتورعون على دعوة الناس إلى‬
‫الدخول في مذهبهم علنًا‪.‬‬
‫كما أقاموا في كل بلد مجتمعًا خاصًا بهم‪ .‬وأوجدوا سبل الرتباط والتصال بين مختلف مستعمراتهم‪ ,‬ليحافظوا على وحدتهم ومصالحهم‬
‫المشتركة‪ .‬وبفضل هذه الحرية التي منحهم إياها اليونان‪ ,‬ازداد نفوذهم في المبراطورية وكثر أنصارهم‪ ,‬وأصبح لهم شأن عظيم‪,‬‬
‫فراودتهم الطماع‪ ,‬وعلى الخص عندما شاهدوا ظهور الرومان على مسرح السياسة الدولية‪ ,‬فبادروا إلى التصال السري بهم‪ .‬وتآمروا‬
‫معهم على اليونان إبان غزوهم مصر في عهد أنطيوشس الرابع ‪ ,‬وساعدوا الرومان على السيلوسيد‪ .‬فخشي أنطيوشس أن يعمد يهود‬
‫فلسطين بدورهم على خيانته كما فعل يهود مصر‪ ,‬فقرر صهرهم في بوتقة الحضارة اليونانية ليضمن ولئهم‪ ,‬ولك اليهود أبوا قبول هذا‬
‫القتراح وثارت ثائرتهم وأعلنوا سخطهم وتمردهم على اليونان‪ ,‬فلم يكن بد لنطيوشس من تأديبهم‪ ,‬وإعادة المن إلى نصابه‪ .‬ومع هذا‬
‫عاد اليهود في العام التالي إلى إعلن عصيانهم مجددًا‪ .‬فزحف أنطيوشس على منطقتهم مرة أخرى وأخمد ثورتهم‪ ,‬وقتل كل من شهر في‬
‫وجهه السلح منهم‪ ,‬كما أمر بنهب محتويات هيكلهم‪ ,‬وأقام على مدخله تمثاًل لزيوس )‪ (Zeus‬وأرغم يهود القدس على تقديم الذبائح له‪,‬‬
‫إمعانًا في إذللهم جزاء خيانتهم وتمردهم‪ .‬أما المستعمرات اليهودية التي لم تحرك ساكنًا فلم يمسسها أنطيوشس بسوء‪.‬‬
‫وهذه المعاملة المزدوجة جعلت اليهود ينقسمون إلى فئتين‪ ,‬إحداهما مناصرة لليونان و الخرى مناوئة لهم‪ .‬وكان عدد المناوئين أكثر كم‬
‫الفئة الثانية عددًا‪ ,‬ولذا ظلت الكثرية الساحقة معادية لليونان وكان يتزعمها الكاهن أونياس )‪ (Onias‬فعمد اليونان إلى إرهاب أونياس‬
‫هذا‪ .‬فلذ بالفرار إلى مصر‪ ,‬ونصب اليونان بدًل عنه الكاهن مينالوس )‪ (Ménalous‬فلم يرق هذا التدخل اليوناني اليهود في شؤونهم ‪,‬‬
‫وأصروا على مناصرة أونياس و إتباع تعاليمه و إرشاداته التي كان يبعثها من منفاه في مصر و موقف أهل القدس من اليونان دفع بيهود‬
‫المستعمرات الخرى إلى التآمر على الدولة ‪ ,‬فتكونت من سكانها عصابات مسلحة اعتصمت في الجبال و أعلنت عصيانها تحت زعامة‬
‫الكاهن ماناتياس‪ ,‬وبعد عام واحد مات الكاهن وخلفه على زعامة العصاة ابنه يهودا الذي لقب بالمكابي )‪ (Maccabée‬وثابر البن على‬
‫مقاتلة اليونان و أحرز عليهم بعض النتصارات‪ ,‬فتفاقمت أطماعه وأراد السراع في القضاء على اليونان‪ ,‬فهاجم جيشهم ولكنه فشل في‬
‫مبتغاه‪ ,‬وقتل في المعركة تاركًا قيادة جماعته لشقيقه جوناثان )‪ ,(Jonathan‬وشاء القدر أن تنشغل الدولة السيلوسيدية ببعض أمورها‬
‫الداخلية‪ ,‬وتضطر لمهادنة العصاة‪ ,‬ومنحهم في يهوذا ما يشبه الحكم الذاتي‪ ,‬ولما وجد جوناثان نفسه محاطًا برعاية بني قومه ظن أن‬
‫بإمكانه الستفادة من الفرصة وطرد اليونان نهائيًا من مقاطعته‪ ,‬فاصطدم مجددًا بالجيش السوري ودارت الدائرة عليه وقتل في المعركة‪,‬‬
‫فخلفه على قيادة الثوار شقيقه سيمون الذي لقى حتفه عام ‪ 135‬تاركًا القيادة لبنه جان هيركان )‪ (Jean Hyrcan‬الذي عمد إلى مهادنة‬
‫اليونان وأعلن خضوعه لهم‪ ,‬ولما قتل الملك اليوناني أنطيوشس سيديتس ) ‪ (A.Sidétés‬على يد البارتيين )‪ (Parthes‬سارع جان‬
‫هيركان إلى إعلن استقلل مقاطعته ونصب نفسه ملكًا عليه باسم أريستوبول )‪ (Atistobule‬وذلك عام ‪ 104‬قبل الميلد‪ ,‬ولكن هذا ل‬

‫‪24‬‬

‫ل يحكم المنطقة بصفة ملك‪ ,‬بل بقي كزعيم عصابة خرج على القانون وأتاحت له الظروف أن يحصل على حريته‬
‫يعني أن هيركان أصبح فع ً‬
‫مستفيدًا مما كانت عليه الدولة اليونانية حينذاك من الفوضى والتخاذل‪.‬‬
‫ولكن المصادر اليهودية كعادتها‪ ,‬غالت في وصف هذه الحداث وسمت ثورة المكابي بالثورة الكبرى ومعاركها المحلية بالنتصارات‬
‫العظيمة‪ ,‬والحكم الذاتي الذي منحه جان هيركان‪ ,‬بالستقلل التام وقيام الدولة اليهودية‪ ,‬وأضفت على هذا الحدث المحلى التافه صفاتًا و‬
‫مناقب تفتقر إليها سير أعظم الدول التي عرفت في التاريخ‪ ,‬بينما الواقع ل يعدو أكثر من قيام مشيخة صغيرة في بقعة محدودة من أرض‬
‫فلسطين‪ ,‬تعمدت المصادر اليهودية إظهارها بمظهر الدولة الكبرى لنها كانت يهودية فحسب‪.‬‬
‫والظاهر أن كل ما قالته المصادر اليهودية عن عظمة هذه الدولة الكرتونية ) التي قامت في عهد أريستوبول الول على أعقاب ثورة قيل‬
‫أنها دامت ثلثة وستين عامًا( لم يكن صحيحًا‪ ,‬بدليل أنها انهارت بمجرد موت جان هيركان على إثر النزاع الذي قام بين هيركان الثاني‬
‫وأريستوبول الثاني وريث أرستبوبول الول اللذين عجزا عن تسوية المر بينهما فاستنجدا بروما ) التي كانت تراقب منذ أمد بعيد ما‬
‫يجري بالقرب من تخومها ( لتحل نزاعهما ‪ ,‬فدخلت الجيوش الرومانية منطقة القدس ونفت خصمه إلى روما‪ ,‬ومن ثم أعلنت ربط يهوذا‬
‫نهائيًا بروما‪ .‬وهكذا خابت آمال اليهود وزالت المملكة الهزمونية )‪ (Hasmoniene‬من الوجود‪ ,‬ولم تعمر إل ربع قرن ) رغم كل ما‬
‫حاكت المصادر اليهودية حولها من الساطير والخرافات التي بلغت حد الهوس والجنون(‪.‬‬
‫وبانتهاء العهد الهزموني انتهت علقة اليهود بالدولة اليونانية وأصبحوا من أتباع روما اعتبارًا من عام ‪ 63‬قبل الميلد الموافق لعهد‬
‫المبراطور بومبي ) ‪. (Pompée‬‬
‫ويتضح من خلل الحوادث التي أوردناها أن حظ اليونان من اليهود لم يكن أحسن من حظ الفرس‪ ,‬لن اليهود لم يتورعوا عن سقي اليونان‬
‫من نفس الكأس الذي سقوا منه الفرس) كأس الغدر و الخيانة(‪ ,‬فتآمر عليهم الشعب المختار مثلما تآمر من قبلهم على الفرس‪ ,‬وبادلهم‬
‫الحسان بالساءة و المكيدة‪ ,‬ولم يشفع لهم لديه كل ما كان لهم عليه من أياد بيضاء ‪ ,‬وكل ما أولوه من ثقتهم و ما قدموا له من نعم ‪,‬‬
‫وليت اليهود اكتفوا بهذا القدر من الساءة لليونان‪ ,‬إذ أن نزعة الشر و نكران الجميل دفعت بمصادرهم إلى النيل منهم حتى بعد أن طعنوهم‬
‫من الخلف‪ -‬فراح فلفيوس )مسيلمة اليهود( يصف أنطيوشس أبي فاني بأنه كان ملحدًا كافرًا قتل اليهود البرياء دون رحمة أو شفقة‬
‫منهم واتهم كاتب سفر المكابيين زعماء اليونان بتحريضهم أنطيوشس سيديتس على أن يحمل على اليهود ويفنيهم جميعًا ليطهر أرض‬
‫فلسطين من أحفاد أسقط الشعوب‪ ,‬وسلله الجذام الحاقدين على النسانية جمعاء‪ .‬أما لوفسكي فيزعم أن اليونان كانوا يحتقرون اليهود‬
‫وينعتون موسى بالساحر الدجال‪ ,‬مع العلم أن أكثر المصادر القديمة تشهد بما كان لليهود من حظوة عند اليونان ما اكتسبوه من الميزات‬
‫في مختلف البلد التي كانت تحكم من قبل السيلوسيد‪ ,‬ولكن المصادر اليهودية جنحت إلى اتهامهم بغية تبرير مواقف بني قومهم المخزية‬
‫نحو الشعب اليوناني الذي أكرمهم وأولهم ثقته‪.‬‬

‫اليهود في ظل روما‬
‫تمكن الرومان بسرعة من سبر أغوار العقلية اليهودية و تفهم طبائع اليهود‪ ,‬ولذا عمدوا عند احتللهم المنطقة على تولية أمورها لغريب‬
‫عنها‪ ,‬حتى ل ينجرف خلف مناورات أهلها الذين عرفوا بإتقان المؤامرات والنزوع إلى الغدر والخيانة‪ ,‬فكان أن عين هيرود بن أنتيباتير )‬
‫‪ (Hérode Antipater‬ملكًا على اليهود من قبل روما وقيل إنه كان من أصل غير يهودي‪ ,‬منحته الطبيعة الشيء الكثير من الذكاء‬
‫وسرعة الخاطر والذوق السليم كما اشتهر إبان حكمه بولئه لروما‪ ,‬وحبه لحضارتها‪ ,‬وميله للبناء والعمار‪ ,‬ولقد ظل حاكمًا ليهودا طيلة‬
‫حياته‪ ,‬رغم أنه عين عام ‪ 47‬قبل الميلد من قبل المبراطور قيصر )‪ (Céser‬وتقلب عليه العديد من الملوك‪ ,‬ولكن إخلصه لروما وولئه‬
‫لسادتها جعل الباطرة الذين تعاقبوا على الحكم يولونه ثقتهم‪ ,‬ويتركونه في مركزه المرموق‪ ,‬رغم الحملت اليهودية التي كان يتعرض لها‪.‬‬
‫والمصادر التاريخية غير اليهودية تذكر له العديد من الفضائل والحسنات خلفًا لما تذهب إليه المصادر اليهودية من ذمه وتشويه سمعته‪,‬‬
‫ويكفي أن نعلم أن عهده كان عهد استقرار وهدوء في هذه البقعة التي لم تعرف الهدوء قبل عهده أبدًا بسبب الفساد والشقاق الذي كان‬
‫ل بوصيته وأصبحت منطقة يهودا من نصيب أرشيلوس )‬
‫اليهود يبثونها فيها‪ .‬ولما مات هيرود اقتسم أولده الثلثة تركته بينهم عم ً‬
‫‪ (Archélous‬والجليل من نصيب آنتيبا )‪ (Antipas‬و منسي من نصيب فيليب )‪ (Philippe‬فحقد اليهود على أولهم وطلبوا من روما‬
‫عزله وإلحاق منطقته بسوريا‪ ,‬فعزلته روما وأسندت حكم منطقته إلى حاكم روماني ليديرها مباشرة‪ ,‬حتى تقطع الطريق على اليهود و من‬
‫ثم نفت آرشيلوس إلى فيينا ‪.‬‬
‫أما آنتيبا فقد خشي مغبة مناوأة اليهود‪ ,‬وجنح إلى ممالتهم و تقديم القرابين لمذبحهم‪ ,‬فرضي عنه الشعب‪ ,‬وهو الذي اشتهر في التاريخ‬
‫باقترانه بهيروديا ) التي ينسب إليها ولبنتها سالومي قصة مقتل الرسول حنا (‪ ,‬والذي كان يحكم اليهود عند ظهور المسيح‪ ,‬ويبدو أن‬
‫مشايعته لليهود لم تكن لصالحه‪ ,‬إذ عرضته لنقمة روما على إثر وشاية قدمها بحقه هيرود أغريبا فأقالته روما ونفته بدوره إلى مدينة‬
‫ليون حيث قتل‪ ,‬وعينت بدًل عنه حاكمًا رومانيًا ليدير شؤون المنطقة مباشرًة وهكذا لم يبقى من أولد هيرود على الحكم إل فيليب‪ ,‬والفضل‬
‫في بقاءه يعود لهل منطقته الذين لم يكونوا يهودًا بل كانوا من الغراب )‪ (Goyim‬الذين ل يتقنون أساليب الدس والوشاية‪.‬‬
‫اليهود والحكم الروماني المباشر‬
‫على إثر إقالة أرشيلوس و آتيبا‪ ,‬أصبحت المنطقة اليهودية تابعة مباشرة للحكم الروماني ولم يعد إليها أي ميزة خاصة‪ ,‬وكان الحكام‬
‫الرومان يدعون بالوكلء )‪ (Procurator‬ويقيم كل منهم في عاصمة المنطقة المولج بشؤونها‪ ,‬فحاكم يهودا يقيم في القيصرية )‬

‫‪25‬‬

‫‪ (Césarée‬المدينة الساحلية التي بناها هيرود الكبير عام ‪ 19‬قبل الميلد‪ ,‬وكانت السلطات المدنية و العسكرية في المنطقة تخضع لسلطته‬
‫مباشرًة‪ ,‬وكان يحتفظ بألبسة الكهنوت الرسمية في أحد الحصون التابعة له ليحول دون قيام اليهود بالحفلت الدينية الكبرى بل موافقته‬
‫المسبقة‪ ,‬وبهذا يتضح بجلء أن الحاكم الروماني كان السيد الول في المنطقة‪ ,‬وعليه تقع تبعات و تسيير جميع أمورها‪ ,‬وهذه المسؤوليات‬
‫الواسعة لم تكن سهلة كما يتبادر لذهن القارئ‪ ,‬على الخص في المنطقة اليهودية التي كانت آهلة بنوع خاص من السكان أعني اليهود‬
‫الذين اعتادوا على التشكك في كل شيء‪ ,‬وأتقنوا أساليب الدس والفساد والخداع‪ .‬ولهذا كان الوكيل الروماني دائم الحذر بتجنب كافة‬
‫المور المثيرة لحفيظة اليهود خاصة وإن الجيش الذي كان تحت إمرته ل يزيد عدده عن الثلثة آلف مقاتل كان أكثر أفراده ممن تطوعوا‬
‫محليًا‪ ,‬وإزاء هذه العقبات كان الوكلء يميلون إلى مهادنة اليهود تفاديًا لثارة القلقل‪ ,‬ولقد اتبع أكثر الوكلء الذين تعاقبوا على حكم‬
‫المنطقة سياسة الرضاء واللين‪ ,‬بقصد كسب حب الهلين‪ ,‬فكانوا يصكون النقود الصغيرة المتداولة في البلد محليًا ول ينقشون عليها‬
‫صور الباطرة كما كان المتبع آنذاك‪ ,‬ويحرمون جنود الرومان الذين يدخلون القدس مسبقًا من شعاراتهم حتى ل يستفزوا شعور اليهود‪-‬‬
‫كما كانت القطعات الرومانية المتجولة في المنطقة تمنع من دخول القدس و الماكن المقدسة‪ ,‬وعلى الرغم من هذه الحتياطات التي اتخذها‬
‫وكلء الرومان وإتباع سياسة اللين والرضاء فإن أيًا منهم لم يوفق لكتساب رضى اليهود و مصادرهم التاريخية‪ ,‬والمصادر الرومانية‬
‫تروي لنا مئات الحوادث المشيرة عن تذمر اليهود من وكلء روما ‪ ,‬وكان اليهود يتقدمون بالشكاوى لتفه السباب مع العلم أن كل‬
‫الوظائف الحكومية عدا وظيفة الوكيل كانت تشغل من قبلهم‪ ,‬خلفًا لما عرف عن نظام الحكم الروماني في البلد الخرى حيث أن الرومان‬
‫كانوا يستأثرون بكل الوظائف الحكومية – أما في يهودا فقد كانت الية معكوسة‪ ,‬إذ لكل مدينة يهودية مجلسها البلدي يرأسه ممثل‬
‫المجلس الكهنوتي العلى )‪ (Sanhédrin‬ويلي هذا المجلس لجنة مكونة من صغار رجال الدين والكتبة تتلخص مهمتها بمساعدة‬
‫المجلس البلدي في إدارة البلدة‪ ,‬ولم يكن الوكيل يتدخل في شؤون هذه المجالس واللجان إل بصفة المراقب فحسب‪ ,‬حتى إن المجلس‬
‫البلدي في مدينة القدس هو الذي كان يجبي الضرائب من المواطنين حتى يظل الرومان بعيدًا عن مخالطة أهلها‪ ,‬إذ كان قصد الرومان هو‬
‫أن يسود المن وتدفع الضرائب في حينها أما المور الخرى فيبتعدون عنها‪ ,‬طالما كان متوفرًا لهم ذلك‪.‬‬
‫بيد أن اليهود بدًل من أن يركنوا إلى الستقرار‪ ,‬نزعوا كعهدهم إلى التآمر‪ ,‬بعد أن كانوا يتذللون لروما لتنقذهم من هيرود الكبير و خلفه‬
‫أرشيلوس‪ ,‬ولقد وجدوا الفرصة سانحة لعلن غضبتهم وذلك عند قدوم حاكم سورية برفقة الوكيل الجديد كوبونيوس )‪ (Copnius‬إلى‬
‫المنطقة لتفقد أحوالها وإجراء إحصاء عام فيها بغية تنظيم أمر الضرائب فاتخذ اليهود من هذا الحصاء ذريعة لعلن عصيانهم بقيادة‬
‫يهودا الملقب بالجليلي ) ‪ (J. le Galiléen‬وزميله الفريسي صدوق )‪ (Saddouk‬فسارع الجيش الروماني وأخمد الثورة‪ ,‬ولكن ذيولها و‬
‫آثارها ظلت قائمة فظهرت جماعة الزيلوت على المسرح‪ -‬وشرعت بتحريض الناس على مقاومة الرومان‪ ,‬وعدم الخضوع لهم‪ ,‬واتهمت‬
‫كل متعاون معهم بالكفر و اللحاد‪ ,‬كما أصدر الكهنة رأيًا بعدم جواز الخضوع للحكم الروماني المدنس للشعائر الدينية‪ ,‬فازداد تذمر اليهود‬
‫من وكلء روما‪ ,‬فعمدت روما إلى المهادنة مجددًا‪ ,‬ووحدت المقاطعات اليهودية الثلث وأسندت وليتها )عام ‪ 41‬م ( إلى اليهودي هيرود‬
‫أغريبا إرضاًء لليهود‪ ,‬ولكن اليهود ظلوا على عدائهم السافر لروما‪ ,‬وسفهوا عمل المبراطور كلود )‪ (Claude‬الذي عين هيرود‪.‬‬
‫وثابروا على مناوئة السلطات وعلى الخص عندما تبنى المجلس الكهنوتي العلى جماعة الزيلوت‪ ) ,‬هذا المجلس الذي أصبح بعد عهد‬
‫المنفى أعلى مرجع يهودي بسبب الصلحات التي أدخلت على الشريعة اليهودية في عهد أنبياء المنفى( التي ازدهرت وقويت شوكتها‪,‬‬
‫فتعددت في البلد أعمال القتل و الغتيال –وسادت الفوضى‪ ,‬ولما عجز أغريبا عن إعادة المن إلى نصابه‪ ,‬انحاز إلى صف اليهود رغم أنه‬
‫كان حفيد هيرود الكبير الذي اشتهر بإخلصه لروما‪ ,‬وكرهه لكل من ينتسب إلى العائلة الهزمونية التي أفنى جده أفرادها جميعًا أيام حكمه‬
‫للمقاطعات اليهودي‪ ,‬كما أن أغريبا عاش وترعرع في روما وفي كنف المبراطور تيبير )‪ (Tibére‬باعتباره صديق إبنه دروسس )‬
‫‪ ,(Drusus‬ولما مات دروسس اضطر أغريبا للعودة إلى فلسطين والتجأ إلى عمه آنتيبا الذي عينه مراقبًا لمدينة طبريا التي كان يبنيها‬
‫الحاكم إكرامًا للمبراطور تيبير‪ .‬ولكن سوء سلوك آغريبا جعله يختلف مع عمه‪ ,‬فقفل راجعًا إلى روما‪ ,‬وهنا أيضًا تعرض لنقمة‬
‫المبراطور تيبير بسبب المساوئ التي أقدم عليها‪ ,‬وزجه في السجن‪ ,‬وشاء القدر أن يموت تيبير مخلفًا العرش إلى ابنه كاليكول )‬
‫‪ (Caligola‬الذي كان صديقًا لغريبا فأفرج عنه وعينه ملكًا على يهودا مثلما سبق أن نوهنا عنه‪ ,‬ولما سمع أنتيبا بهذا التعيين سارع إلى‬
‫رما و التمس من المبراطور أن يعامل بمثل ما عومل به أغريبا‪ ,‬ولكن المبراطور خيب أمله بناًء على وشاية أغريبا به‪ ,‬وجرده من‬
‫وظيفته وألحق مقاطعته بمملكة أغريبا‪ ,‬ومن ثم نفاه إلى ليون )‪ (Lyon‬ولم يعد له أثر إل عندما يذكر التاريخ قصة سالومي و حنا‪ .‬وهكذا‬
‫أصبح أغريبا سيدًا على المناطق اليهودية‪ ,‬ورغم هذه المساعدات الرومانية‪ ,‬وإكرام كاليكول له لو يتورع عن خيانة روما والتحيز لليهود‪,‬‬
‫لن الدم اليهودي يجري في عروقه كان أكثر فاعلية من دماء جده الدومي‪ ,‬وعندما تيقن عن عجزه في التغلب على اليهود‪ ,‬رضخ‬
‫لرادتهم وانحاز في صفهم‪ ,‬وضرب بالصداقة الرومانية عرض الحائط‪ ,‬ولكن الرومان لم ينتبهوا إلى تحيزه الخفي هذا بل ظلوا على ثقتهم‬
‫به‪ ,‬فعظم شأنه واتسع نفوذه‪ ,‬وساهم بقسط وافر ليوصل المبراطور كلود إلى العرش خلفًا لكاليكول‪ .‬فكافأه المبراطور الجديد ووسع من‬
‫سلطانه‪ ,‬فعمد أغريبا إلى الستفادة من الظروف وأقام القلع والحصون وأعاد بناء سور القدس‪ ,‬وعقد المحالفات السرية مع حكام البلد‬
‫المجاورة له ‪ ,‬بغية التمرد يومًا على روما‪ ,‬كما انه تقرب من المجلس الكهنوتي العلى وكان ينفذ كل مطالبه‪ ,‬ويقدم له العون والمساعدة‪,‬‬
‫وفي أواخر أيامه ازداد نشاطه في المنطقة مما أدى إلى انتباه الرومان لما كان يبيته لهم‪ ,‬ولكن الموت عاجله قبل أن يحقق أطماعه‪ ,‬فعادت‬
‫روما إلى إعادة الحاكم الروماني المباشر على المناطق اليهودية بعد أن تأكدت لها استحالة الوثوق باليهود‪.‬‬
‫وسيطرة خيبة المل على اليهود مجددًا وعادوا إلى أعمال الشغب وإظهار التذمر‪ ,‬والعتداء على موظفي الدولة‪ ,‬والمتناع عن دفع‬
‫الضرائب‪ ,‬فتفاقمت المور ولم يعد بإمكان الحاكم الروماني السكوت فطلب من أهل القدس دفع ما ترتب عليهم من الضرائب‪ ,‬فاتخذ اليهود‬
‫من هذا العلن ذريعة لعلن العصيان‪ ,‬مع أن الضريبة المطلوبة لم تكن لتزيد عن بضعة جنيهات في مجملها‪ .‬ومع هذا ثار اليهود‬
‫وداهموا الحامية الرومانية التي كان متمركزة في حصن أنطونيا ‪ ,‬وقتلوا أفرادها عن بكرة أبيهم‪ ,‬وأعلنوا تمنعهم عن إقامة الشعائر‬
‫الرومانية في هيكلهم‪,‬أي أنهم أعلنوا الحرب السافرة على روما‪ ,‬فاضطرب حبل المن في البلد ودامت الثورة أربعة أعوام‪ ,‬بسبب انشغال‬
‫روما بشؤونها الداخلية ‪ ,‬ويقول تارود إن أربعة أباطرة تعاقبوا على حكم روما في هذه الحقبة من الزمن‪ ,‬وعندما اعتلى العرش الروماني‬
‫فاسباسيان ) ‪ (Vaspasien‬حاكم سوريا السابق كلف ابنه الكبر تيتوس )‪ (Titus‬بقمع الثورة اليهودية فقام هذا الخير بحملة واسعة‬
‫على الثوار ودحرهم في مختلف أنحاء المنطقة‪,‬فلذ من بقي منهم بمدينة القدس حيث تجمعت عصاباتهم فيها‪ ,‬فعم الفساد في المدينة بسبب‬
‫المنافسات التي كانت تقع بين العصابات المختلفة إذ كانت كل منها تريد فرض سيطرتها على المدينة‪ ,‬وكثرت الغتيالت وعمليات السلب‬
‫والنهب‪ ,‬ويذكر فلفيوس إن عدد سكان القدس ارتفع في ذلك الوقت إلى مليون نسمة مما أدى إلى بقاء الناس في الشوارع و الحقول لعدم‬
‫وجود المساكن الكافية لستيعاب هذا العدد الكبير‪ ,‬ولما وصل تيتوس إلى تخوم المدينة وضرب الحصار حولها لم يشأ أن يسيء لهلها‬

‫‪26‬‬

‫إكرامًا للميرة اليهودية بيرينيس )‪ (Bérénice‬ابنة الملك السابق أغريبا التي كان مولعًا بها‪ ,‬فأرسل يعرض عليهم الستسلم مقابل‬
‫البقاء على أرواحهم‪ ,‬لكن العصاة رفضوا العرض‪ ,‬فشدد تيتوس الحصار‪ ,‬حتى فتك الجوع بأكثر سكان المدينة وامتلت المدينة بجثث‬
‫الموتى‪ ,‬وتفشت الوبئة في المدينة‪ ,‬فعاد تيتوس يعرض الصلح عليهم للمرة الثانية‪ ,‬وبعد مدة عاد للمرة الخيرة فعرض عليهم الصلح‪,‬‬
‫فأبى العصاة الرضوخ لطلبه‪ ,‬فلم يسع تيتوس إل أن يحمل على المدينة حملة صادقة‪ .‬فدخلها قوة واقتدارًا ‪,‬بعد أن دمر سورها وأحرق‬
‫هيكلها‪ ,‬وقتل من قتل من الزيلوت والسكير ) ‪ (Sicaires‬ودمر ما تبقى من المدينة حتى جعلها قاعًا صفصفًا‪ ,‬وسبى أهلها وأمر ببيعهم في‬
‫أسواق النخاسة‪ ,‬وحرم دخول القدس على اليهود‪ ,‬ثم تعقب فلول العصابات التي لجأت إلى حصن الماكارونت ) ‪ (Machéronte‬الذي بناه‬
‫هيرود الدومي على الضفة الشرقية لنهر الردن‪,‬والذي يبعد عن البحر الميت مسافة عشرة كيلومترات‪ ,‬فحاصر تيتوس المتمردين‬
‫والمعتصمين فيه مدة من الزمن‪ ,‬وفي النهاية تمكن قائد جيشه باسوس )‪ (Bassus‬من اعتقال زعيم العصاة‪ ,‬الذي حاول التسلل من‬
‫الحصن‪ ,‬فخير باسوس العصاة أن يسلموه شريطة البقاء على أرواحهم أو أن يشاهدوا زعيمهم معلقًا على حبل المشنقة‪ ,‬فرضخ العصاة‬
‫لمره واستسلموا حسب الشروط التي عرضها عليهم الرومان‪ ,‬ولما تم لتيتوس ما أراده في المكارونت أرسل جيشه لمحاصرة حصن‬
‫ماسادة‪ ,‬الذي اعتصمت فيه عصابة السكير‪ ,‬ولقد طال الحصار عدة أشهر‪ ,‬فقرر الرومان احتلل الحصن مهما كلفهم المر‪ ,‬وتمكنوا من‬
‫فتح ثغرة في إحدى جدرانه‪ ,‬ثم قاموا بهجوم مفاجئ‪ -‬ولكنهم فوجئوا بدورهم بعدم وجود أي مقاومة‪ ,‬ولما دخلوا الحصن لم يجدوا فيه‬
‫أحدًا‪ ,‬وبينما كانوا يبحثون عن سبب ذلك عثروا على إمرأة خرجت عليهم مع أطفالها من كون في بطن الرض ولما سألوها عن مصير‬
‫السكير‪ ,‬أفادتهم أن العصاة تأكدوا من الغلبة‪ ,‬فقرروا فيما بينهم النتحار‪ ,‬واختاروا عشرة من بينهم وكلفوهم بقتل الخرين وبعد أن تم ذلك‬
‫عمد العشرة إلى قتل بعضهم حتى لم يبق منهم إل واحد‪ ,‬فأشعل النار في الحصن وتأكد صدق أقوال المرأة هكذا قضي على فلول آخر‬
‫عصابة يهودية‪-‬وتذكر المصادر اليهودية إن عدد هؤلء العصاة كانوا تسعمائة شخص انتحروا جميعًا لكي يتفادوا ذل السر و مظالم‬
‫الرومان القساة‪.‬‬
‫ولما تم لتيتوس تطهير فلسطين من العصاة عاد إلى روما مصطحبًا معه الغنائم والسرى الذين كان في طليعتهم كل من سيمون بارجيورا‬
‫وجان جيشال )‪ (Simon bar-Giora et Gischala‬رأسي الفتنة‪ ,‬فاستقبلته روما استقبال الفاتحين‪ ,‬وبعد أن انتهت مراسيم العرض‬
‫ل بتقاليد ذلك العصر‪ ,‬وأودع جان ورفاقه السجن حتى‬
‫العسكري الذي أقيم بهذه المناسبة أعدم سيمون رميًا من على قمة صخرة عالية عم ً‬
‫ماتوا جميعًا‪ ,‬ولقد أصدرت روما بهذه المناسبة نقودًا جديدة نقش عليها صورة إمرأة يهودية تبكي تحت ظل نخلة باسقة وذلك تخليدًا‬
‫لذكرى انتصار تيتوس على اليهود‪ ,‬لنه رفض أن يمنح لقب فاتح يهودا )‪ (Judiens‬تقززًا لما كان لها سمعة سيئة في العالم‪ ) ,‬وتقضي‬
‫التقاليد الرومانية بمنح القائد لقب البلد التي ينتصر عليها(‪ ,‬وهذه المنحة كانت تعتبر من أرقى المراتب التي تعطى للقواد المنتصرين‪,‬‬
‫ولكن بمجرد كونها تحمل اسم يهودا دفع بتيتوس إلى رفضها وحرمان نفسه منها‪.‬‬
‫وفي أعقاب هذا النصر‪ ,‬ظن الرومان أنهم تخلصوا نهائيًا من الشغب اليهودي‪ ,‬ولكن الحداث أثبتت لهم خطل ظنهم هذا‪ ) ,‬لن اليهود لن‬
‫يركنوا إلى الهدوء والسكينة طالما كانت وراءهم أبالسة المجلس الكهنوتي العلى‪ ,‬هؤلء الكهنة الذين ما زالوا منذ عهد المنفى يعملون‬
‫دون هوادة لتحريض أتباعهم على افتعال المصائب وسفك الدماء حرصًا على تحقيق أحلمهم الشيطانية (‬
‫فبمجرد أن استكان اليهود في ربوع فلسطين بدأ المجلس الشيطاني بتحريض أتباعه في المستعمرات الخرى‪ ,‬فقامت التصالت بين‬
‫الجاليات اليهودية‪,‬ووضعت المخططات السرية اللزمة لمناوئة الرومان‪ ,‬حتى كان عام ‪ 130‬م‪ ,‬وإذا بثورة يهودية عامة تندلع نيرانها فجأة‬
‫في كافة أنحاء الشرق من الفرات حتى ليبيا‪ ,‬أقدم اليهود فيها على مباغتة الجاليات الرومانية‪ ,‬والدساكر غير اليهودية وأعملوا فيها القتل‬
‫و الذبح ونشروا فيها الخراب والدمار‪ ,‬وأظهر اليهود في هذه الثورة وحشيتهم المعروفة حتى الذروة‪ ,‬وتفننوا في تعذيب ضحاياهم‬
‫والتمثيل بهم‪,‬ولقد ذكرت المصادر الرومانية إن يهود ليبيا تحت إمرة أندرياس ) ‪ (Anderéas‬كانوا يقتلعون قلوب ضحاياهم من صدورهم‬
‫ويأكلونها كالوحوش الضارية ويتخذون من أمعائهم وآذانهم قلئد يتزينون بها إمعانًا في إظهار حقدهم‪ ,‬وتذكر المصادر نفسها أن عدد‬
‫القتلى على أيدي اليهود في ليبيا وحدها بلغ مائتين وخمسين ألف قتيل‪ ,‬وقد فعلوا مثل ذلك في كافة البلد التي تمكنوا من أهلها‪ ,‬ويقال إن‬
‫ثورتهم هذه دامت ثلثة أعوام‪ ,‬أذاقوا في أثنائها العالم القديم أبشع أنواع الهمجية والوحشية‪ ,‬والغريب في هذه الثورة هو بقاء يهود‬
‫فلسطين بمعزل عنها حتى النهاية‪,‬‬
‫فلما رأى الرومان أمر اليهود وتفاقم واستحالة السكوت عنهم‪ ,‬أصدر المبراطور تراجان )‪ (Trajan‬أمره إلى الجيوش الرومانية لقمعها‪,‬‬
‫فقامت المقاطعات الرومانية بواجبها على الوجه الكمل وقضت على الثورة و الثائرين بأقصى الشدة‪ ,‬وانتهى أمر هذا التمرد‪ ,‬وعاد المل‬
‫يراود الرومان بتخلصهم نهائيًا من اليهود‪ ,‬فجنحوا مرة أخرى إلى مهادنتهم فرفعوا القيود التي كانت مفروضة على القدس‪ ,‬وسمحوا‬
‫لليهود بحرية التنقل‪ ,‬والعمل‪,‬وأعادوا إليهم حقوقهم السابقة‪,‬حتى إن المبراطور أدريان )‪ (Adrian‬الذي خلف تراجان على العرش‬
‫الروماني‪ ,‬أمر وكلؤه في فلسطين بإعادة بناء الهيكل اليهودي على نفقة الدولة‪,‬ولقد جمعت المواد اللزمة لبنائه وكاد العمل يبدأ لول أن‬
‫عدل أدريان عن أمره خشية أن يصبح مركز للتآمر اليهودي‪ ,‬لنه لحظ أن اليهود عادوا إلى تجمعهم ورص صفوفهم وأظهروا كثيرًا من‬
‫التفاؤل بعودة مجدهم الزائل‪ ,‬بمجرد أن سمعوا أن أدريان قرر إعادة بناء الهيكل كما قام المجلس اليهودي بدوره بدعوة اليهود للترابط و‬
‫التآخي مجددًا‪ ,‬وإزاء هذا النشاط المريب‪ ,‬ألغى المبراطور أمره السابق‪ ,‬فاغتاظ اليهود من موقفه وقرروا العودة للنضال المسلح‪ ,‬فبادر‬
‫رجال الدين إلى تهيئة الفكار لحمل السلح‪ ,‬والسعي الجماعي لطرد الرومان من المنطقة اليهودية‪ .‬فلما خيل لهم أنهم قادرون على مناوئة‬
‫الرومان أعلنوا الثورة العامة في فلسطين بقيادة كاهن طبريا المدعو ربي عقيبا )‪ (Akiba‬وتابعه المدعو باركوشبا )‪(Barcochba‬‬
‫فعمت الفوضى في البلد‪ ,‬وكثر عدد الثوار وتمكنوا من النتصار على بعض القطعات الرومانية‪ ,‬فشعرت روما بالخطر الداهم‪ ,‬فأرسل‬
‫أدريان أحسن قواده جول سيفير )‪ (Jules sevéres‬لتأديب العصاة‪ ,‬وكان له ما أراد و أخمدت الثورة‪ ,‬بعد أن دامت ثلثة أعوام ارتكب‬
‫فيها اليهود عشرات اللوف من الجرائم بحق السكان غير اليهود‪ ,‬ولما استتب المر للرومان اعتقلوا عقبيا‪ ,‬ولكنهم لم يعثروا على‬
‫مساعده كوشبا‪ ,‬ومن ثم بادر جول بمحو كل أثر للهيكل و المدينة المقدسة‪ ,‬وأقام مكانها مدينة جديدة سماها باوليا كبابيتولينا )‪Polea‬‬
‫‪ (Captilina‬تبركًا بعائلة المبراطور أدريان‪ ,‬وأقام في وسط المدينة تمثالين لجوبتر وفينوس‪ ,‬وهكذا زال عن القدس كل طابع يهودي‪ ,‬ثم‬
‫قضى على عصابات عقيبا التي كان أفرادها يدعون بقدرتهم على طرد الرومان بأقلمهم التي كانوا يكتبون بها التلمود‪.‬‬
‫ورغم هذا ظل اليهود على ترابطهم القومي وتعصبهم العنصري‪ ,‬وأعادوا جمع صفوفهم بفضل المساعي التي كان يبذلها مجلسهم العلى‪,‬‬
‫ثم عمدوا إلى تغيير أساليبهم في مخاصمة أعدائهم‪ ,‬فنبذوا فكرة استعمال القوة واستعاضوا عنها بالدس وإطلق الشائعات أو التملق‬
‫للرومان‪ ,‬وتسخير نسائهم في حل المور المستعصية‪ ,‬تنفيذًا لتعاليم المجلس الكهنوتي العلى التي كانت تصدر إليهم بصورة سرية‪,‬‬
‫وبفضل هذه الساليب الجديدة تمكنوا من التقرب إلى الرومان فأصبح منهم لدى الباطرة مستشارون وأصحاب سيطرة ونفوذ‪ ,‬كما توصل‬

‫‪27‬‬

‫بعضهم لحتلل مراكز مرموقة في أجهزة الدولة المختلفة‪ ,‬وكان هدفهم هذه المرة محاربة النصرانية التي شعروا بخطرها‪ ,‬وتفاقم أمرها‪,‬‬
‫وعلى الخص أنهم كانوا يعتبرون النصارى في البداية عناصر موالية لهم‪ .‬ولكن عندما أوقعت الفرقة بينهما ) عندما وقف النصارى‬
‫موقف الحياد من خصام اليهود والرومان ( آلوا على أنفسهم أن يوجد الخصام بين الرومان و النصارى بغية إضعاف الطرفين حتى يتمكنوا‬
‫منهما فيما بعد‪ ,‬وتذكر لنا المصادر التاريخية أن اليهود نجحوا في إيذاء النصارى وألحقوا بهم أضرار جسيمة حتى إن المستشار اليهودي‬
‫جحودا )‪ (R.Jehouda‬تمكن من التغرير بالمبراطور أنتونان التقي )‪ (Antonin le Pieux‬و أقنعه بأن سبب نزول الطاعون بأهل‬
‫روما هم الناصريون وحرضه على إفنائهم حتى يبعد الطاعون عن البلد ولقد استجاب المبراطور الغبي لطلبه وأمر بقتل جميع العازاريين‬
‫عام ‪ 155‬م ‪ .‬كما أن القيافا اليهودي ) القيافا= مشاور( ساهموا في قتل العازاريين عام ‪177‬م ) في عهد المبراطور مارك أوريل )‪Marc‬‬
‫‪ ( (Auréle‬ولقد أكد سفر حادوروت اليهودي )ٍ‪ (Sépher Hadoroth‬وقوع الحوادث كما روتها المصادر غير اليهودية‪,‬‬
‫ويروي لنا سفر جوشاسن اليهودي )‪ (Sepher Juchasin‬أن المبراطور ديوكليتيان )‪ (Diocletien‬أقدم على إعدام عدد كبير من‬
‫النصارى ضمنهم البابا كايوس )‪ (Caius‬والبابا مارسلينوس ) ‪ (Marcelinus‬إرضاًء لصدقائه ومرابيه من اليهود‪ ,‬هذا عدا عما ترويه‬
‫المصادر الرومانية من الشرور و المذابح التي حدثت بفضل دسائس اليهود‪ ,‬ولكن هذا لم يمنع المسيحية من الزدهار و النتشار وتقويض‬
‫الدعائم اليهودية‪ ,‬والفوز عليها‪.‬‬
‫وضع اليهود السياسي في ظل المبراطورية الرومانية‬
‫عندما احتل الرومان المقاطعة اليهودية لم يجنحوا إلى سلب اليهود ما كان لهم من ميزات في عهد اليونان بل عمدوا إلى تحسين وضعهم‬
‫وتوسيع المجال الحيوي لهم‪,‬و عاملوهم بشكل خاص يختلف عن كل ما عرف عن الرومان في معاملتهم للشعوب التي تغلبوا عليها‪ ,‬و منها‬
‫أنهم تركوا لليهود ما كان لهم من الستقلل الذاتي‪ ,‬ومنحوهم حرية التنقل والعمل‪ ,‬وحرية ممارسة طقوسهم الدينية‪ ,‬وحرموا المس‬
‫باليهود في أيام السبت حتى أن المحاكم كانت تغلق في هذه اليام احترامًا لمشاعر اليهود وكانوا يشركونهم في كل الحفلت الرسمية دون‬
‫أن يرغموهم على حضورها أو القيام بأداء شعائر الولء للمبراطور التي كانت مفروضة على كل أتباع روما دون استثناء وسمحوا لهم‬
‫بإيجاد التعاونيات و تشكيل الجمعيات و إجراء النتخابات وإقامة المؤسسات‪ ,‬وبناء المعابد الخاصة بهم‪ ,‬وتعاطي بيع وشراء الملكيات‬
‫سواًء للفراد أو الجماعات‪ ,‬وتركوا لمعابدهم حرية تلقي الهبات المالية والعينية‪ ,‬وجباية الموال لغراض خاصة بهم‪ ,‬كما كان لهم حق‬
‫إيفاد الوفود والرسائل إلى روما لعرض قضاياهم على المسؤولين أو المبراطور بالذات‪ ,‬وأبقوا لهم أيضًا محاكمهم الخاصة‪ ,‬وأطلقوا أيدي‬
‫زعمائهم في الدارة المحلية‪.‬‬
‫أي أنهم كانوا شبه دويلة ضمن دولة الرومان الكبرى‪ ,‬ولم يكن لروما من الحقوق عليهم سوى دفع الجزية المتفق عليها‪ ,‬مقابل أن تحميهم‬
‫من الغزاة و الطامعين‪ ,‬وهي لم تجبرهم على العتراف بالمبراطور أو ل‪ ,‬وهذه الميزة أفادتهم كثيرًا فكان واحدهم ل يتورع عن ارتكاب‬
‫أكبر جريمة ممكنة سرًا‪ ,‬ومن ثم يقسم بألوهية المبراطور ليبرئ نفسه من التهمة‪ ) ,‬وبما أن اليهود كانوا ل يعتقدون بألوهية المبراطور‪,‬‬
‫فقد كانوا يستعملون القسم باسمه أداة لنقاذ رؤوسهم من الخطر( ‪ ,‬كما أنهم كانوا أحرارًا في القيام بالتقاليد الرومانية أو عدمه‪ ,‬ولذا كانوا‬
‫يحضرون المناسبات الرسمية التي كانت لصالحهم ويعزفون عن سواها‪ .‬وبكلمة أوضح كانوا يستفيدون من كل الميزات الممنوحة‬
‫للمواطن الروماني‪.‬‬
‫أما حياتهم الجتماعية فكانت متفاوتة إذ كان فيهم الثري الكبير‪ ,‬والفقير المعوز‪ ,‬وتذكر المصادر الرومانية أن التسول في الوساط‬
‫اليهودية كان شائعًا )حتى في إيطاليا(‪ ,‬ويستغرب كتاب التاريخ هذه الظاهرة التي ل تنسجم مع ما عرف من اليهود من تبادل المعونة‪ ,‬إذ‬
‫اشتهروا بمؤازة بعضهم البعض‪ ,‬وكان لهم في كل مستعمرة تنظيم خاص يتكلف أفراده بمعاونة من يفد إلى المستعمرة من الفقراء و‬
‫المعوزين‪ .‬ولكن بعد التحري عن أسباب كثرة المتسولين في المستعمرات اليهودية تبين أنها لم تكن ناتجة عن الفقر‪ ,‬بل كانت في أكثر‬
‫الحيان لسباب دينية وسياسية‪ ,‬إذ كان المجلس الكهنوتي يعمد إلى معاقبة كل خارج عليه بطرده من المجتمع اليهودي و حتى من عائلته‪,‬‬
‫يحرمه العمل لمدة معينة‪ ,‬فيضطر هؤلء التعساء إلى التسول بغية الحفاظ على أرواحهم‪ ,‬وكان المجلس يعيدهم إلى حرمه بعد انتهاء مدة‬
‫العقوبة وإعلن التوبة‪ ,‬وطلب الغفران‪ ,‬والغريب إن هؤلء المنبوذين كانوا يظلون على صمتهم ويخفون أمرهم حتى عن أقرب الناس‬
‫إليهم‪.‬‬
‫وتساهل الرومان مع اليهود فاق كل تقدير وتفكير‪ ,‬إذ كانوا يسمحون لليهود بتشكيل النقابات الحرفية‪ ,‬وإجراء النتخابات العمالية والدينية‬
‫بيمنا كانوا يحرمونها في البلد الخرى على أتباعهم‪ ,‬وهذه الحريات الواسعة هي التي مكنت اليهود من تنظيم شؤونهم القومية والدينية‪,‬‬
‫وتوثيق صلتهم بالمستعمرات رغم انتشارها في جميع أنحاء المبراطورية الرومانية الواسعة‪ .‬وفيما يتعلق بتنظيماتهم العامة‪ ,‬كانت مدينة‬
‫القدس لهم بمثابة العاصمة المقدسة التي يحج إليها سنويًا ألوف من زعماء المستعمرات للتداول في شؤونهم العامة مع أعضاء المجلس‬
‫الكهنوتي العلى‪ ,‬وبصدد هذه الجتماعات يزعم فلفيوس اليهودي أن عدد من كانوا يحضرونها من المستعمرات كان يبلغ في بعض‬
‫السنين مليوني نسمة‪ ,‬ويذكر أن العام السابق لثورتهم الكبرى بلغ عدد من قدم إلى القدس ثلثة مليين نسمة‪ .‬وفي نفس الموضوع يقول‬
‫المؤرخ السكندراني فيلون )‪ (Philon‬إن عدد زوار القدس سنويًا كان يتجاوز بضعة مئات من اللوف‪ .‬ومن هنا يتضح أن الرومان لم‬
‫يمنعوا قط اليهود عن أي نوع من الجتماعات أو العمال القومية الخاصة بهم‪.‬‬
‫وتذكر لنا المصادر التاريخية‪ ,‬أنه كان لليهود صندوق قومي يشرف عليه المجلس الكهنوتي العلى‪ ,‬وكانت أمواله تجبى من اليهود وكان‬
‫على كل يهودي بلغ العشرين من عمره دفع سنويًا لهذا الصندوق ما فرض عليه من المال‪ ,‬وهذه الضريبة كانت تجبى من جميع اليهود‬
‫وبصورة جبرية وعلنية‪ ,‬حتى إن جباة الرومان في المناطق التي كانوا يكلفون رسميًا أحيانًا بإيصال الموال المجباة من يهود المستعمرات‬
‫إلى مقر المجلس الكهنوتي‪ ,‬وكانت السلطات الرومانية تقدم الجنود لحماية هذه الموال في طريقها إلى الصندوق العام‪ ,‬وهذه الموال‬
‫تسمى بالموال المقدسة واكن الرومان أنفسهم يعتبرونها كذلك‪.‬‬
‫وكانت روما تعترف رسميًا بسلطة المجلس الكهنوتي على كل اليهود القاطنين في إمبراطوريتها‪ ,‬وترغم كل من يجرؤ على التمرد عليه‬
‫بالعودة إلى إمرته‪ ,‬حتى إن يهود بابل وفارس كانوا يقدمون له ولئهم ويرسلون ما فرضه عليهم من الضرائب سنويًا أسوة بالمستعمرات‬
‫الخرى و هذه التنظيمات هي التي سهلت للمجلس الشراف على شؤون اليهود و مراقبة سلوكهم القومي والجتماعي ‪ ,‬وإصدار التعليمات‬
‫والرشادات إليهم‪ ,‬وتوثيق صلتهم القومية وتقويتها يومًا بعد يوم‪ ,‬لن الجميع كانوا يخضعون لنفس التعليمات و الرشادات التي كانت‬

‫‪28‬‬

‫تصدر إليهم في البداية من القدس و من ثم من طبريا التي أصبحت المركز الديني الول بعد خراب القدس‪ ,‬وتمركز السنهدران فيها‪ ,‬وكان‬
‫له في كل مستعمرة معتمد يشرف مباشرة على شؤونها ضمن مخططات المجلس‪ ,‬وكل هذا الفيض من الحريات الجتماعية التي منحها‬
‫الرومان لليهود سهلت لهم الظروف لقامة الهيئات السياسية و الجتماعية‪ ,‬ومكنتهم من دراسة أمورهم المختلفة وإيجاد الحلول المناسبة‬
‫لها‪ ,‬ضمن وحدة الرأي والهدف‪ ,‬وبفضلها أصبحت لهم في العصور التي توالت هيئات و مؤسسات مختلفة تعمل ضمن المخططات القومية‬
‫التي وضعها لهم المجلس العلى اليهودي‪.‬‬
‫وهذه التسهيلت الرومانية وهذا الحترام الذي أبداه الرومان نحو اليهود وهذه الحريات و المساعدات التي منحوهم إياها‪ ,‬لم تشفع لهم‬
‫لدى اليهود ومؤرخيهم‪ ,‬إذ ظلوا على حقدهم السود على الرومان وعمدوا إلى تشويه سمعتهم‪ ,‬ووصمهم بالظلم و التعسف‪ ,‬واتهامهم بقتل‬
‫البرياء من بني قومهم‪ ,‬والعتداء على أعراضهم‪ ,‬وبغية التشنيع في حكمهم‪ ,‬ذكرت المصادر اليهودية أن الرومان أقدموا على طرد‬
‫ممثلي شمعون المكابي من روما بحجة أنهم أقاموا فيها بالتبشير لشريعتهم‪ ,‬ومنذ ذاك اليوم أصبحوا ينظرون إلى اليهود نظرة الشك‬
‫والريبة‪ ,‬و إن الرومان كانوا يحتقرون الشعائر اليهودية ودللت على ذلك بزعم تقديم المبراطور أوكتاف )‪ (Octave‬التهاني لبنه البكر‬
‫لمتناعه عن تقديم ولئه لرب أورشليم عند زيارته لها‪ ,‬وإن المبراطور تيبير شرد أربعة آلف يهودي لنه كان يكرههم‪ ,‬وادعت أن‬
‫المبراطور كاليكول كان ينوي قتل جميع سكان القدس لقدام بعض الثوار على نزع الشعارات الرومانية عن مدخل الهيكل وقتلهم وقتل‬
‫رجال حامياتها‪ ,‬ولكن موته فجأة حال دون تحقيق رغبته هذه ووصف تيتوس بالطاغية لحراقه الهيكل وتدميره القدس ولخماده ثورة‬
‫الزيلوت والسكير‪ ,‬وزعمت أن كل هذه المظالم كانت بسبب حقد الرومان عليهم‪.‬‬
‫فهل في الدنيا أسخف من هذه التهم وأتفه من هذا الستنتاج‪.‬؟ هل كان المفروض بروما أن تسمح لمن أتوها التوسل و الستعطاف أن‬
‫ينددوا بمعتقداتها في عقر دارها‪ ,‬ويدعوا إتباعها لعتناق مذهبهم‪ ,‬وتظل هي مكتوفة اليدي‪.‬؟ أو أن ترجوهم أن يثابروا على نشاطهم‬
‫المعادي لها‪ ,‬ومن ثم ترحب بمقدمهم غير العزيز؟ والحق يقال إن روما كانت أكثر كرمًا مما يستحقه هؤلء الفجار‪ ,‬فلو أنها عاملتهم بما‬
‫كانوا يستحقونه لكان أقل جزاء لهم هو الطاحة برؤوسهم العفنة‪ ,‬ولكن يبدو أن روما عزفت عن ذلك تعففًا و تعاليًا‪ ,‬أما قولهم بأن أوكتاف‬
‫هنأ ولده لعدم تقديمه الولء لرب أورشليم لنه يحتقر كان يحتقر اليهود فهو أيضًا قول عجيب واستنتاج غريب ‪ ,‬هل من المنطق أن يقدم‬
‫أمير روماني يحكم والده المقاطعة اليهودية التي لم تكن سوى بقعة تافهة في بحر المبراطورية الرومانية‪ ,‬خضوعه لرب أورشليم‬
‫المغلوب على أمره والذي ل يعتقد به ول تربطه به أية رابطة ‪ ,‬ولماذا يلومون كاليكول على التفكير بمعاقبة قتلة جنوده!؟ أكان المطلوب‬
‫منه أن يمنحهم الوسمة لنهم سفكوا دماء جنوده‪ ,‬ولماذا يتجنون على تيتوس؟ أما عرض عليهم الصلح مرارًا وبأحسن الشروط؟ أكان‬
‫المفروض عليه أن يتركهم وشأنهم بعد أن ثابروا على العصيان والتمرد عدة أعوام‪ ,‬وقتلوا اللوف من جنوده ومواطنيه‪ ,‬ومن ثم أبوا‬
‫الستسلم ‪.‬؟ ولماذا يستعظمون إقدامه على حرق الهيكل وتدمير القدس؟ أما سبقه أجداد اليهود في هذا المضمار‪ ,‬هل غاب عن بالهم ما‬
‫تذكره السفار عن المذابح العامة التي قام بها أسلفهم‪ ,‬وما قاموا به من تدمير المدن والدساكر) وزرع أرضها ملحًا(‪ ,‬فما هي حجتهم في‬
‫التشنيع بالجيوش الرومانية‪ ,‬أما سبقوها في هذه العمال‪ ,‬ولكن ما الفائدة من تذكير لوفسكي وأترابه‪ ,‬طالما كانوا من أحفاد من تذمروا‬
‫حتى من الخالق‪ ,‬وتنكروا لمنقذهم موسى‪.‬‬

‫الحياء اليهودية‪ -‬أو المجتمع اليهودي المشرد‬
‫لقد هزم شعبنا كل محاولت النصهار والختلط‬
‫التي تعرض لها عبر العصور‪ ,‬رغم كل ما ناله‬
‫في سبيل ذلك من الضطهاد و العذاب و ما تعرض‬
‫له من النفي والتشرد‪ ,‬وهكذا حافظ على أصالة‬
‫عنصره و نقاوة دمه‬
‫المؤرخ اليهودي سلومون ريناخ‪ -‬مؤلف كتاب أورفوس‬
‫)‪(Selmon Reinach Dans Orphéus‬‬
‫إن ما يقوله سلومون ريناخ عن التزمت العنصري لبني قومه هو الحقيقة بعينها‪ ,‬ولقد عرف عن اليهود منذ عهد النفي و ما أعقبه من‬
‫الهجرات اليهودية المتتالية‪ ,‬أنهم يتجمعون على بعضهم في كل البلد التي ينزحون إليها و ينعزلون عن أهلها‪ ,‬وكأنهم لم يأتوها ‪ ,‬إل‬
‫للنفراد بأنفسهم‪ ,‬مع أن أكثر هجراتهم كانت بغية الحصول على الحياة الفضل‪ ,‬فإذا ما دخلوا مدينة سارعوا إلى بناء حي فيها خاص بهم‪,‬‬
‫تجنبًا للختلط بأهلها‪ ,‬وإبقاء اتصالتهم ببعضهم البعض‪ ,‬وليحافظوا على تقاليدهم وشعائرهم الدينية‪ ,‬وأول ما يبنونه في حيهم هو الكنيس‬
‫)أي المعبد( الذي يعتبرونه بمثابة مقر لمجلسهم الديني والنيابي‪ ,‬الذي يمدهم بالتعليمات الضرورية لهم في عيشهم اليومي وسلوكهم مع‬
‫أهل البلد الذي توطنوا فيه‪ ,‬وكل فرد منهم ينتظر التعليمات التي يصدرها المجلس قبل أن يقدم على أي عمل ديني أو دنيوي مهما عظم‬
‫شأنه‪ ,‬ولما كان المجلس الديني حريصًا على عدم الختلط‪ , ,‬وينبههم إلى تحريم الشريعة اليهودية له‪ ,‬وهذا التوجيه الدائب المقرون‬

‫‪29‬‬

‫بالمراقبة الشديدة‪ ,‬جعل اليهود في مستعمراتهم يعيشون منعزلين تمامًا عن الغراب‪ ,‬وهذا النعزال وثق الروابط العنصرية بين اليهود‬
‫وهيأ لهم ظروف العيش وكأنهم أمة‪ ,‬وكان من البديهي أن يتساءل المواطنون عن أسباب انعزالهم الدائم‪ ,‬ولما عجزوا عن كشف الستار‬
‫عنه‪ ,‬عمدوا في كل بلد إلى التكهن و الستنتاج‪ ,‬فتعددت القوال و كثر اللغط حول أسباب هذا النعزال فتضخم عدد القصص الخيالية التي‬
‫كانت تروى عن أسباب انعزال اليهود عن الناس‪ ,‬ولكن اليهود أصموا آذانهم عن سماع تلك القصص وما رافقها من الشائعات‪ ,‬وثابروا‬
‫على عيشهم الذي اختاروه لنفسهم بملء حريتهم‪ ,‬بغية الحتفاظ بتقاليدهم الدينية و مناهجهم العنصرية بعيدة عن الغراب‪ ,‬إذ أن فكرة‬
‫كونهم شعب ال المختار كانت تأصلت في نفوسهم‪ ,‬وزعم انحدارهم من أصل أعرق من أصول الشعوب الخرى أصبح لديهم عقيدة‬
‫راسخة‪ ,‬كما أن فرية اقتراب اليوم الموعود الذي سيصبحون فيه سادة العالم انطلت عليهم‪ ,‬فامتلت نفوسهم غرورًا و تيهًا‪ ,‬فلم يعد‬
‫بإمكانهم قبول الختلط مع الشعوب الخرى‪ ,‬خاصة وإن المجلس الكهنوتي العلى كان ل ينفك عن تقوية هذه النوازع في نفوس أتباعه‪,‬‬
‫ليحملهم على الولء له‪ ,‬والنصياع لكل أوامره ورغباته‪.‬‬
‫فلما طال انعزال اليهود‪ ,‬ازدادت الشاعات حول هذا النعزال ‪ ,‬عمدت الكنيسة إلى جعله إجباريًا بعد أن اختاره اليهود لنفسهم‪ ,‬فأصدرت‬
‫تعليماتها إلى الدول التي كانت تتبعها‪ ,‬وطلب إليها عدم السماح لليهود بالنتشار في الحياء المسيحية ضمن بلدها‪ ,‬رغم أنها كانت تحميهم‬
‫وتمنع الساءة عنهم‪ ,‬ولكن المصادر اليهودية عزت أسباب هذا الموقف الجديد من قبل الكنيسة على أنها كانت ترمي من ورائه منع اليهود‬
‫من نشر مذهبهم بين النصارى‪ ,‬مع أن اليهود كانوا قد انقطعوا منذ أمد بعيد عن التبشير بعقائدهم‪ ,‬واكتفوا بالنعزال عن العالم أجمع‪ ,‬و‬
‫أكبر دليل على كذب هذه المصادر موقف الكنيسة من المستعمرات اليهودية التي كانت ضمن ممتلكاتها ‪ ,‬مثل مستعمرتي روما‪ ,‬وأفنينون‬
‫اللتين اشتهرتا بما كان لهما من ميزات واسعة في العيش تحت ظل الكنيسة‪ ,‬ويبدو أن اليهود لم يستاؤوا من هذه التعليمات الجديدة التي‬
‫أصدرتها الكنيسة إليهم‪ ,‬لنها كانت في مصلحتهم‪ ,‬وبموجبها أصبحت كل دولة أوروبية مسؤولة عن أمنهم‪ ,‬وأصبحوا أحرارًا في مزاولة‬
‫بعض العمال المربحة التي كانت محرمة على أتباع الكنيسة كتجارة الذهب وممارسة الربى و أعمال الرتهان‪ ,‬وكانت هذه العمال أقصى‬
‫ما يتمناه اليهود‪ ,‬لنها تدر عليهم المرابح الطائلة‪ ,‬وتحيج إليهم عظماء الناس‪ ,‬ول تربطهم بأرض أو وطن‪ ,‬وتسهل لهم التنقل و الهجرة‬
‫عند الزمات مما مكن اليهود من الحصول على السيطرة و النفوذ في كافة أقطار أوربا‪ ,‬وجعلهم أصحاب الحل والربط في أكثر الدول في‬
‫زمن قصير‪.‬‬
‫وهذه القيود الكنسية الجديدة مهدت لليهود سبل تنظيم شؤونهم الداخلية في العيش‪ ,‬فوضعوا نظامًا سريًا خاصًا لكل حي يعتمد في تفاصيله‬
‫الدارية على النظام الديمقراطي ‪ ,‬وكانت لهم في كل حي هيئة مكونة من العيان ورجال الدين تدعى بجروسيا )‪ (Geraussia‬يرأسها من‬
‫يطلق عليه اسم الجروسيارك )‪ ,(Géroussiarque‬وكان لهم مجلس آخر مهمته التصال و تنفيذ ما يعهد إليه من قبل الهيئة‪ ,‬وكان‬
‫اليهود يطلقون عليه اسم آباء وأمهات الكنيس )‪ (Patres et matres synagogue‬ويختارونهم بموجب انتخابات سرية يشترك فيها‬
‫جميع أفراد الحي‪ .‬ومما سبق يتضح للقارئ مدى ما كان عليه اليهود من التنظيم الداخلي في مستعمراتهم‪ ,‬وتشير المعلومات القليلة التي‬
‫تسربت إلى أسماع المؤرخين إلى أنها كانت في غاية الدقة و التقان‪ ,‬ويبدو أن اليهود اكتسبوا مهاراتهم هذه في التنظيم بعد التجارب‬
‫المريرة التي تعرضوا لها‪ ,‬فاتخذوا منها عبرة وعظة‪ ,‬كما أن المجلس الكهنوتي العلى ساهم في هذه التنظيمات بقسط كبير وافر جدًا‪ ,‬إذ‬
‫كان أعضاؤه يدونون كافة الحداث التي يتعرضون لها‪ ,‬ويعمدون إلى دراسة شعبهم لمثيلتها في المستقبل‪ ,‬ولقد أنارت نتائج هذه‬
‫الدراسات المجتمع اليهودي وجعلته يتفادى بدوره التفرقة التي كانت تسود صفوفه‪ .‬والنعزالية التي اشتهروا بها كانت نتيجة لهذه‬
‫الدراسات‪ ,‬إذ أيقنوا بصلحها للبقاء على وحدتهم العنصرية ولبتعادهم عن مساوئ الختلط‪ ,‬ولذا نجد أن كتابهم يتفاخرون بها و كأنها‬
‫فضيلة خاصة بهم‪.‬‬

‫مصادر التوعية اليهودية وتأثيرها في المجتمع اليهودي‬
‫المعتقدات اليهودية قبل كل شيء هي عقائد قومية ووطنية‬
‫وكل من يدين بها هو قومي ووطني لنها تربطه بالمة‬
‫اليهودية الواحدة بروابط ل انفصام بها‪.‬‬
‫من كتاب روما ) روما و القدس( لمؤلفه موسس هس‬
‫‪(Moses hess (Rome et Jérusaleme‬‬
‫في الحقيقة إن اليهود يعتمدون منذ أقدم العصور على كتبهم الدينية في كل ما يتعلق بكيانهم القومي والسياسي والجتماعي ويعتبرون‬
‫نصوصها أساسًا لكل عمل ديني أو دنيوي‪ ,‬وتعلقهم الشديد بهذه الكتب حذا بمؤرخي التاريخ إلى الجماع على استحالة التفريق بين الدين‬
‫و القومية لدى اليهود‪ ,‬ولقد أثبتت الحداث أن اليهودي يظل يهوديًا مهما ادعى التعلق بمذهب آخر أو تظاهر باللحاد لنه ينشأ منذ نعومة‬
‫أظفاره في جو مشبع بأحاديث التوراة ومشتقاته التي ل حصر لها‪ ,‬ويعتاد العيش في هذه القوقعة الغريبة الغنية بشتى الحاديث المثيرة‬
‫فيتفاعل مع ما يسمعه منها و تنقش في ذاكرته وتتأصل جذورها في أعماقه‪ ,‬والتربية اليهودية تبتدئ بتعريف الطفل على هويته ومنشأ‬
‫أسلفه حسبما جاء في نصوص التوراة العديدة‪ ,‬ثم يباشر بتلقينه الغرور القومي من خلل العمال المجيدة والفتوحات العديدة التي تزعم‬
‫السفار بأن اليهود قاموا بها‪ ,‬قم تقص عليه ما أصاب قومه من النفي والتشريد على أيدي الكفرة غير اليهود ويلقن الحقد والكراهية لكل‬
‫ل عن الطوق يتلقفه الكاهن ليحقنه بدوره بما ورد‬
‫من ل ينتسب لشعبه‪ ,‬ويدرب على الحتراز منهم وعدم مخالطتهم‪ ,‬وعندما يشب قلي ً‬
‫بالتوراة من القصص الخرافية عن أسلفه وقومه‪ ,‬في جو مشبع بالنعزالية والتعصب العنصري‪ .‬فينشأ الطفل وقد امتلت جوارحه حقدًا‬
‫على البشرية‪ ,‬التي يعتبرها عدوته لنحداره من أعرق الصول‪ ,‬لنتسابه إلى من اختارهم الخالق ليكونوا سادتها‪ ,‬فيعمد بطبعه إلى تجنب‬

‫‪30‬‬

‫الفجار ) ‪ (Goyims‬والبتعاد عنهم و المتناع عن الخذ بما يقولونه وما يفعلونه‪ ,‬فينزع إلى التفكير بالنتقام منهم و النيل من مصالحهم‪,‬‬
‫ل يجد أمامه أغنى مصدر في الوجود لحل كل ما يعترض الفرد اليهودي من العقبات الدينية و الدنيوية وهو التلمود‪ ,‬هذا‬
‫وعندما يشب قلي ً‬
‫الكتاب العجيب الحاوي لمختلف العلوم و المناهج الذي يعتمد عليه اليهود أكثر من التوراة لزعمهم أنه التفسير الكامل للعهد القديم‪ ,‬وتروي‬
‫المصادر التاريخية عنه أنه ساهم في كتابته عده آلف من كهنة اليهود وانتهى بالقرن الرابع وهو يحوي البحاث التاريخية والدينية‪ ,‬وقد‬
‫أفرد بقسم كبير منه للقصص الخرافية وآخر المناقشات الفلسفية‪ ,‬واللهوت‪,‬كما أنه يحوي أبحاثًا في علم النفس‪ ,‬والقانون‪ ,‬والتشريع‪,‬‬
‫وبعض الفكار المبهمة التي تكاد تكون عبارة عن هذيان محموم‪ ,‬والخلصة فإن فيه الشيء الكثير مما ل يعقل ول يفهم‪.‬‬
‫وهذا الكتاب هو المصدر العلمي الثاني الذي يلقاه المراهق اليهودي في مستهل حياته‪ ,‬فينهل منه ما شاء من المبادئ الخاصة باليهود‪,‬‬
‫والداعية إلى ضرورة اعتماد المكر و الخداع ‪ ,‬والتسلح بالحقد والكره‪ ,‬واحتقار الشعوب و المم ماديًا وأدبيًا بغية إعادة المجد اليهودي‬
‫الزائل واسترداد حقهم السليب‪ ,‬وبهذه التوعية الشريرة يحق الشاب اليهودية قبل وصوله إلى مرحلة الدراسة الجامعية‪ ,‬فعندها يكون قد‬
‫فاته الوقت لستيعابه المبادئ الجديدة فيكتفي بالتفرغ للعلوم العامة‪ ,‬وإذ صدف وكان قادرًا على اكتشاف زيف بعض ما تلقنه من المبادئ‬
‫اليهودية وفرضنا أنه نبذ ما ثبت له بطلنه فإنه يبقى لديه رصيد هائل من الفكار التي تعمقت جذورها في أعماقه‪ ,‬وأصبحت غير قابلة‬
‫للستئصال فيظل قانعًا بها مهما كلفه ذلك‪.‬‬
‫وهكذا يظل اليهودي يهوديًا قبل كل شيء‪ ,‬ويتضح من هذا بطلن زعم إمكانية التفريق بين القومية اليهودية ‪ ,‬والشريعة اليهودية ‪ ,‬أو‬
‫الزعم بأن الصهيونية شيء واليهودية شيء آخر‪ ,‬والثابت أن العلقة القومية بين اليهود تتلخص بوحدة المذهب وطريقة التربية‪ ,‬إذ ليس‬
‫ل من مقومات القومية اللهم إل وحدة الدين‪ ,‬ولهذا جعلوا‬
‫لديهم روابط قومية بالمعنى المفهوم لدى الشعوب الخرى لنهم ل يملكون أص ً‬
‫منه منذ القدم المحور الساسي الذي تدور حوله دعوتهم القومية‪ ,‬وعلى أساسه وضعوا تنظيماتهم الشعبية و السياسية‪ ,‬في سبيل تقوية‬
‫النزعة القومية لدى النشء اعتمدوا على هذه الرابطة الوحيدة فركزوا جميع جهودهم عليها‪ ,‬ومن هنا أصبح الدين العامل القوي الوحيد‬
‫لتحقيق وجود ما يسمى بالشعب اليهودي‪ ,‬فلوله لما كان في الوجود ما يسمى بالشعب السرائيلي رغم ما يظهرون نحوه من اللمبالة‬
‫العلنية‪ ,‬بغية التغرير بالشعوب المتحضرة‪.‬‬
‫ولليهود كتب توعية أخرى عديدة منها الكتاب المسمى بالقبال )‪ (Cabale‬الذي ألفه الكاهن موسى ليون )‪ (Moise Léon‬باللغة‬
‫الكلدانية القديمة‪ ,‬ولكنه أنكر تأليفه‪ ,‬وزعم أنه عثر عليه في إحدى خزائن الكنيس القديمة‪ ,‬ادعى أنه من أقدم الكتب الدينية التي يعود‬
‫عهدها لزمن ظهور موسى‪.‬‬
‫والغريب في المر أن اليهود قبلوا مزاعم موسى ليون عند منشأ هذا الكتاب وأدخلوه ضمن مجموعة كتبهم المقدسة السرية‪ ,‬التي ل يجوز‬
‫للغراب الطلع عليها‪ ,‬والسبب أن اليهود كانوا منقسمين على بعضهم في القرن الرابع العشر )عهد ظهور القبال( لختلفهم حول تلمود‬
‫موسى ميموند‪ ,‬فوجدوا في القبال مخرجًا يقيهم من عثرات هذا الخلف ولقد حدثنا كل من السادة فاسلين وبيير هيبس وتارود عن محتويا‬
‫هذا الكتاب وأجمعوا بالقول على أنه كتاب شيطاني‪ ,‬يبحث عن أمور مختلفة‪ ,‬وعلى الخص عن الخرافات و السحر و التنجيم وأمور قذرة‬
‫أخرى‪ ,‬بينما يدعي مؤلفه أنه التفسير الحقيقي للتوراة اعتمادًا على الزعم القائل بأن للتوراة تسعة وأربعين نوعًا من المعاني المختلفة‪,‬‬
‫وانطلقًا من هذا القول يزعم موسى ليون أن قصص السفار الباحثة عن السلف ل تعني ما ظهر من نصوصها بل إنها رمزية ولكل حرف‬
‫من حروفها مدلول سري يرمز لمعجزة معينة‪ ,‬ويذهب بالزعم بأن الحروف البجدية كانت في الصل أحرفًا من نور محفورة على تاج‬
‫يهوى‪ ,‬سقطت على الرض عندما أمال يهوى رأسه إلى المام )بينما كان مشغوًل بتكوين العالمين( ولما وجدت الحرف نفسها في‬
‫الحضيض توسلت إلى يهوى أن يحمل لكل منها ميزة و معنى فيما يكونه‪ ,‬فاستجاب يهوى لرغبتها‪ ,‬وجعل كل منها رمزًا لشيء معين‪...‬‬
‫ولثبات خرافاته راح ينسب لكل حرف معنى خاصًا‪ ,‬فقال إن طرفي حرف اللف يرمزان إلى الحكمة والسلطان‪ ,‬وطرفي حرف الباء إلى‬
‫الذكر والنثى‪ ,‬وهكذا استنبط لكل حرف مدلوًل معينًا‪ .‬واختتم أكاذيبه بقوله ‪ :‬لول وجود هذه السرار في القبال لما كان لوجود قصص‬
‫التوراة أي مبرر أو معنى‪.‬‬
‫ورغم ما يحتويه هذه الكتاب من السخافات و الترهات تلقفه اليهود كالجياع‪ .‬واعتمدوا عليه في كثير من أمورهم‪ ,‬حتى أصبح له مريدون‬
‫يجلونه أكثر من أي كتاب آخر‪ ,‬ويتعصبون لنصوصه‪ .‬ولقد اشتهر هؤلء القباليست بأنهم أشد اليهود تعصبًا وخطرًا‪.‬‬
‫وهذا عدا ما لليهودي من كتب التوعية السرية التي استنبطها علماؤهم عبر التاريخ‪ .‬وهذه الكتب ل تخرج في أبحاثها عن مضمون التلمود‬
‫والقبال إل فيما يتعلق بالمور التنفيذية التي يتوخى علماؤهم أن تكون متجانسة مع عقلية و متطالبات العصر الذي يصدرون فيه كتبهم‬
‫هذه‪ .‬ونرى أن اليهود ينزعون دومًا إلى تغيير مناهجهم وأساليبهم ليظلوا على إنسجامهم التام مع الزمن والمكان‪.‬‬
‫وهذا ل يعني أنهم يحيدون عن مبادئهم الصلية قيد أنملة‪ .‬لن ما يتلقونه في عهد صباهم وشبابهم من التوعية على أيدي رجال الدين يظل‬
‫ل في نفوسهم حتى الممات‪ .‬ولذا تجدهم يتقلبون في أحضان المعسكرات والمبادئ المختلفة دومًا‪ ,‬حسب مقتضيات مصالحهم القومية‬
‫متأص ً‬
‫وليس إيمانًا منهم بتلك المعسكرات ومبادئها كما يدعون‪ ,‬فهم ينظرون إلى المور من زاوية مصالحهم‪ ,‬فإذا وجدوا أنها تقضي بالتزام‬
‫جانب مبدأ أو معسكر ما معين يسارعون في الوقوف في صفه‪ ,‬ضاربين عرض الحائط بكل العتبارات السابقة الخرى‪ ,‬ولذا رأيناهم مرارًا‬
‫عبر التاريخ يباركون في الحاضر من لعنوه في الماضي‪ ,‬ويهدمون اليوم ما بنوه بالمس‪ ,‬فهم رأسماليون حيث تروج الرأسمالية‪,‬‬
‫وشيوعيون حيث تؤمن الشيوعية مصالحهم‪ ,‬ودعاة سلم إذا حقق السلم لهم مآربهم‪ ,‬وأنصار حرب إذا عادت عليهم بالفائدة‪ ,‬وكل ذلك‬
‫بفضل التوعية المطاطة التي يتلقونها منذ نعومة أظفارهم‪ ,‬ومن هنا يتأكد لنا أن اليهودي هو يهودي مهما كان مبدؤه أو اتجاهه‪.‬‬
‫الخلف المزعوم بين الفئات اليهودية‬
‫مهما قيل عن الفريسيين فهم تلموديون مثل سواهم والمجلس اليهودي العلى المشرف على الشؤون الدينية و الدنيوية يتكون منهم و هذا‬
‫المجلس هو الذي أوعز إلى الحاخام أيبشتين بأن يترجم التلمود إلى النجليزية وتخضع له جماعات الهاسديك و السنيين‬
‫)‪(Hasédique et Esséiens‬‬
‫أما الخلف المزعوم بين الفريسيين والصدوقين فينحصر في تفسير بعض نصوص التلمود فهل يصح أن نسمي هذا الخلف السطحي‬
‫بالنزاع أو الشقاق )‪(L’orthodoxie‬بالمعنى المفهوم؟‬
‫من أقوال لويس فنكل أستاذ التاريخ في جامعة فيلدلفيا‬
‫)‪( Louis Finkel. P. De L’historie‬‬

‫‪31‬‬

‫يعتقد بعض النقاد أن الديانة اليهودية تعرضت بعد عهد المنفى إلى النقسام المذهبي )‪ (Orthodoxie‬وسبب هذا العتقاد‪ ,‬هو كثرة‬
‫التسميات الدالة على الفئات اليهودية التي ظهرت للوجود بعد انقراض الدويلة اليهودية مثل السدوسية‪ ,‬والفريسية‪,‬والسينية‪ ,‬والزيلوت‪.‬‬
‫وفي الواقع إن هذه الفئات ل تشكل المذهبية بالمعنى الصحيح‪ ,‬وهي ليست سوى جماعات تفاوتت درجات التصوف التلمودي فيها بينها‪,‬‬
‫وهذا التفاوت المزعوم بينها ل يكاد يبلغ الخلف الكائن بين المذاهب السنية الربعة‪ ,‬لنها في الصل متفقة على جميع المور الجوهرية‪,‬‬
‫وخاصة فيما يتعلق بالنواحي القومية و العنصرية ‪ ,‬وتدور جميع هذه الفئات في فلك نصوص التوراة‪ ,‬ولو اختلفت في تفسير بعض‬
‫نصوص التلمود‪.‬‬
‫والشائع عن الفريسيين بأنهم أقل تعصبًا في المعتقدات الدينية والعنصرية من الفئات الخرى‪ .‬وإذا بالستاذ لويس فنكل اليهودي مدرس‬
‫التاريخ القديم في جامعة فيلدلفيا يتحفنا عام ‪ 1946‬بكتابه الباحث عن المعتقدات اليهودية‪ ,‬ويكشف لنا فيه خطأ المزاعم القائلة بوجود‬
‫الخلفات بين الفئات اليهودية‪ ,‬ويظهر لنا الفريسية على حقيقتها من خلل أقواله التي دونها في مطلع هذا البحث‪.‬‬
‫ومن تصريحات الستاذ فينكل يتضح لنا أن الخلف بين اليهود ضئيل جدًا‪ ,‬وحول بعض النصوص التلمودية فقط‪ .‬وجميعهم تلموديون بل‬
‫استثناء‪.‬‬
‫يقوم المؤرخ جواد إتيلهان بصدد التلمود والقبال‪ ,‬إن أول من باشر بكتاب التلمود هو عزريا ثم ساهم في إكماله سبعة آلف كاهن ومثقف‬
‫يهودي‪ ,‬وله عدة ترجمات‪ ,‬و جميعها ناقصة عن الصل لن المترجمين اليهود حذفوا من نصوصه الصلية الشياء التي تتعارض مع‬
‫مفاهيم الغراب التي يخشون إطلعهم عليها‪ ,‬وهي النصوص السرية التي كتبت من قبل كهنة معهد سفري )‪ (Sépharis‬في طبريا و ما‬
‫كتب منها من قبل كهنة المعهد البابلي )‪ (Nehrodea Sura‬تعتبر أيضًا سرية للغاية ومحرمة على الكفار وبعد هذه المقدمة الموجزة‬
‫ينتقل بنا إتيلهان إلى البحث عما جاء في التلمود من التعاليم والوامر فيقول إن أغرب ما يحويه هذا الكتاب من البحوث‪ ,‬هو تحديد‬
‫العقوبات التي يجب أن تفرض على الغراب الذين يجرؤون على ارتكاب ما تحرمه الشرائع اليهودية‪ ,‬وعلى سبيل المثال يذكر لنا بعض‬
‫الفقرات من بحوث هذا الكتاب ندونها فيما يلي كما وردت في مؤلف إتيلهان‪.‬‬
‫جاء في الصفحة ‪ 400‬من باب الكهنوت من التلمود وعلى لسان الحاخام جوهانان‪ ,‬إن أدنى عقوبة يجب أن تفرض على الذين يجسرون‬
‫الطلع على السرار التي وردت في التلمود‪ ,‬هي الموت دون تعذيب‪.‬‬
‫وجاء في فصل باباميزيا قوله ‪ (Baba Mizia) :‬ل ترفع الغريب إلى مستواك ول تعتبره من بني البشر‪ ,‬وإن فعلت فلن يرضى عنك‬
‫يهوى‪ .‬وجاء في فصل المحرمات قوله‪ ,‬حرم عليكم أكل وشرب ما مسه غير اليهودي الدنس الذي يفسد كل ما يلمسه‪.‬ويقضي المر رقم‬
‫‪ 56‬من فصب جتين )‪ (Gittin‬بإعدام كل من يسخر من التلمود‪.‬‬
‫وجاء في المر رقم ‪ 54‬من فصل باباقاما قوله ‪ (Baba Kama) :‬احتفظ بما تعثر عليه من أموال غير اليهود‪ ,‬ول تحاول ردها لهلها‪.‬‬
‫ل منها بقصة نسبت إلى أحد مشاهير رجال الدين اليهودي به وينهجوا نهجه وفيما يلي‬
‫وللتدليل على شرعية هذه الوامر‪ ,‬يدعم التلمود ك ً‬
‫ندون ترجمة بعض هذه القصص التي أوردها السيد إتيلهان في مؤلفة السابق الذكر‪.‬‬
‫يقول التلمود‪ :‬لقي القاضي صمؤيل يومًا أحد الكفار يعرض وعاء من الذهب الخالص للبيع‪ ,‬ظنًا منه أنه من النحاس العادي‪ ,‬وكان صموئيل‬
‫خبيرًا بالمعادن فتعرف على معدن الوعاء‪ ,‬وساوم البائع على ثمنه‪ ,‬فاتفقا على أن يدفع له ثلثمائة قرشًا لجل مسمى‪ ,‬فأخذ صمؤيل‬
‫الوعاء وانصرف‪ ,‬ولما حان وقت سداد ما بذمته‪ ,‬ادعى بعدم صلح الوعاء‪ ,‬ولم يدفع له إل مئتي قرش فقط‪ .‬وهكذا استغل صموئيل البائع‬
‫مرتين‪ ,‬إحداهما عندما أخفى عنه نوع ما ابتاعه و الثانية لما بخس ثمن بضاعته‪ ,‬وخرج بصفقة رابحة‪.‬‬
‫وإمعانًا في التشجيع على السرقة‪ ,‬يروي التلمود أيضًا‪ ,‬أنها بيمنا كان القاضي عشى مارا برفقة خادمه‪ ,‬بالقرب من كرمة للعنب هفت نفسه‬
‫لبعض من ثمارها‪ ,‬فأوفد خادمه ليسأل صاحبها‪ ,‬وأوصاه بأن يبتاع منه شيئًا من العنب إن كان يهوديًا أما إذا كان من الكفار‪ ,‬فليعد حاًل‬
‫وقبل أن يأتي صاحب الكرمة‪ ,‬ليسرقا من الكرمة حاجتهما‪ ,‬دون دفع الثمن‪ .‬والتلمود يبحث أيضًا في المسائل الجنسية )فصل الكهنوت‬
‫المر رقم ‪ )58‬ولكننا نعزف عن ذكرها تقززًا‪ ,‬ويكفي أن يعلم القارئ بأنه يسمح بتبادل الزوجات بين اليهود ولفترة معينة بناء على اتفاق‬
‫الطرفين‪.‬‬
‫ويخبرنا السيد أتيلهان عن القبال بأن يتألف من جزئين‪ :‬الول سفر زوراح )‪(Sépher Zorah‬‬
‫ويبحث عن الشياطين والجن‪ ,‬والتنجيم والسحر و الشعوذة‪ ,‬والثاني سفر ياتريراح ) ‪ (Sépher Yatrirah‬ويبحث في الطقوس الدينية‬
‫السرية‪ ,‬وشؤونها‪ ,‬مثل الخبز المعجون بدم أعداء اليهود‪ ,‬وأساليب القتل والتعذيب وعبادة العجل الذهبي وما شابه ذلك‪.‬‬
‫والمؤسف هو أن اليهود يبحثون في هذه المور حتى في أيامنا هذه‪ ,‬كما كانوا في عهد اليونان‪ ,‬وتدفعهم وقاحتهم إلى الزعم بأنهم‬
‫ينتسبون لمة مجيدة في الماضي والحاضر‪ ,‬وهذه المعلومات التي نقلناها من كتاب السيد إتيلهان هي غيض من فيض‪ ,‬بالنسبة لما قاله‬
‫كتاب الغرب عما يحويه التلمود‪ .‬ولما اكتشف العالم المسيحي ما يحويه هذا الكتاب من التعاليم النابية‪ ,‬عمدت حكوماته والكنيسة إلى‬
‫إحراقه بغية التخلص منه‪ ,‬فأصدر البابا إينوسان )‪ (Innocent‬عام ‪ 1244‬أمرًا بإحراقه‪ ,‬فأحرق في كل من إيطاليا وفرنسا في عهد لويس‬
‫التاسع‪ .‬وفي عام ‪ 1248‬أحرق بأمر الكاردينال لوكات أودو )‪ .(L.Odo‬وفي عام ‪ 1299‬أحرقه الملك فيليب الجميل الذي طرد اليهود من‬
‫فرنسا‪ ,‬كما أمر البابا جوهان الثاني والعشرون ) ‪ (John XXII‬في عام ‪ 1322‬بحرقه في جميع القطار الوروبية‪ .‬وفي عهد البابا‬
‫جوليوس الثالث عام ‪ 1533‬أحرق خمس مرات متتالية‪ ,‬ورغم كل هذا عاش التلمود‪ ,‬لن اليهود كانوا يعيدون نسخه كلما قلت أعداده‪ ,‬ولما‬
‫هل عصر النهضة على أوروبا وازدهرت أيام اليهود عمدوا إلى طبعه ونشره على أوسع نطاق‪ .‬وهكذا انتصر هذا الكتاب وتحدى أعداءه‬
‫في عقر دارهم‪.‬‬
‫المجمع أو المجلس الكهنوتي العلى )‪(Sanhedrin‬‬
‫إن الهيئة المسماة اليوم بالمجلس الكهنوتي لم تكن موجودة قبل عهد المنفى‪ ,‬إذ أن المصادر السابقة له ل تذكر شيئًا عن وجود مثل هذا‬
‫المجلس‪ ,‬أما المصادر التي ظهرت بعده فتختلف على تحديد الزمن الذي ظهر فيه‪ ,‬فينما يقول التلمود بقدمه وانحداره من المجمع السبعيني‬
‫الذي كان أعضاؤه يجتمعون بموسى في خباء المحضر لتلقي الكلمة ) و التلمود يعتمد هذا الزعم على ما ورد في الفصل ‪11‬و ‪ 16‬من سفر‬
‫العدد(‪ .‬نجد أن سفري ناحومي وأسدرا يذكران قيام مجلس للشيوخ في عهد الفرس‪ ,‬دون أن يشيرا إلى أن كان يسمى بالسنهدران‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫أما فلفيوس جوزيف فيذكر أن الشؤون اليهودية في الماضي كانت تدار من قبل لجنة الجيروسيا أي لجنة النبلء‪ ,‬ومن إغفال هذه‬
‫المصادر لسم السنهدران يتضح لنا جليًا أن هذا المجلس لم يكن قائمًا في تلك العهود‪ .‬و إل لكانت أشارت إليه ولو بكلمة عابرة‪.‬‬
‫أما افتراض وجوده في عهد موسى فل يعقل القبول به‪ ,‬فلو كان موجودًا في عهد القضاة لما احتاج اليهود لنتقاء من يتولى شؤونهم من‬
‫بين أحط طبقة من شعبهم‪ ,‬و لكانت السفار الباحثة في هذا العهد أشارت إليه بمناسبة ما‪ ,‬ولهذا يظن أنه وجد بعد عودة اليهود من بابل‪.‬‬
‫ولقد تصدى المؤرخ الكبير كينيوبير ) ‪ (Guinebert‬لمزاعم التلمود في هذا الموضوع وقال إن ما جاء في التلمود عن قدم هذا المجلس‬
‫هو اختلق محض‪ ,‬وما هو في الحقيقة إل مجلس الجيروسيا الذي بحث عنه فلفيوس وقال إنه تشكل في عهد اليونان‪ ,‬ويبدو أن اليهود‬
‫أبدلوا اسمه في عهد الرومان‪ ,‬وصادر يدعي بالسنهدران )‪ (Sanhedrin‬الذي اشتهر حينذاك بالشراف على شؤون اليهود العامة‪.‬‬
‫ويدلل كينوبير على صدق نظريته‪ ,‬بما أوردته المصادر اليهودية عن هذا المجلس في عهد هيرود الكبير من قصص وروايات مثل قصة‬
‫اختلفه مع الملك على نافذة الهيكل‪ ,‬وإقدام الملك على إعدام أكثر أعضائه في أعقاب خلف نشب بينهما أو الحوادث التي ورد ذكر اسم هذا‬
‫المجلس فيها‪ ,‬ويستخلص من كل هذا أن هذا المجلس تكون لول مرة في عهد اليونان ‪ ,‬أو على أقل تقدير قبل احتلل الرومان لفلسطين‪.‬‬
‫ولقد أجمع النقاد على أن عضوية هذا المجلس كانت في البداية وقفًا على النبلء ورجال الدين )‪ (Sacerdotal‬أي على من عرفوا بأصالة‬
‫العرق‪ .‬وكان يرأسه الكاهن الكبر أو الناسي )‪(Nasi‬‬
‫وينقسم إلى ثلثة لجان وهي اللجنة التنفيذية ‪ ,‬والتشريعية‪ ,‬ولجنة الحكماء المكونة من صغار الكهنة و الكتبة‪ .‬وتقول بعض المصادر‬
‫اليهودية إن هذا المجلس يضم بين أعضائه بعض المثقفين و الزعماء السياسيين ويشمل نفوذه كافة اليهود في العالم‪ ,‬ويعتبر بمثابة‬
‫حكومتهم أو مجلسهم النيابي معا‪ ,‬و تعليماته واجبة التنفيذ على كل يهودي بدون استثناء‪.‬‬
‫اليهود في شبه الجزيرة العربية قبل السلم‬
‫من الثابت في التاريخ أن اليهود كانوا يرتادون التخوم العربية منذ أقدم العصور‪ ,‬وذلك بحكم معيشتهم البدوية التي كانت تتطلب التنقل‬
‫الدائم بحثًا عن الماء و الكل‪ ,‬وكان العرب يحسنون معاملتهم عند نزولهم في مرابعهم‪ ,‬ويسمحون لهم بعبور تخومهم‪ ,‬رحمة بضعفهم‪,‬‬
‫وقلة عددهم‪ ,‬وبفضل هذا الكرم العربي توطدت الصلت بين بعض سكان التخوم الشمالية من العرب و بين اليهود‪ ,‬وأصبح اليهود أحرارًا‬
‫في تنقلتهم ضمن المناطق العربية‪ ,‬ونزحت قبائلهم من البلد الشمالية حيث كان الراميون يعتدون عليها‪ ,‬إلى التخوم العربية ومنها إلى‬
‫صحراء سيناء وما بعدها من البلد‪ ,‬وهكذا تجمع اليهود في التخوم المصرية‪ ,‬ومن ثم عادوا يغزون البلد الفلسطينية‪ ,‬فما استتب لهم‬
‫لو‬
‫المر فيها جزئيًا‪ ,‬عمدوا إلى التضييق على القبائل العربية التي كانت تقيم فيها‪ ,‬فقام الصرع بين اليهود والعرب في فلسطين ودام طوي ً‬
‫كان القتال بينهما سجاًل‪ ,‬وانتهى بعهد داوود بخضوع سعير و بعض العشائر العربية إلى النفوذ اليهودي مؤقتًا‪ ,‬ولما دارت الدوائر على‬
‫اليهود وانهارت دويلتهم الهزيلة وتشتتوا في القطار المجاورة‪ ,‬التجأ قسم كبير منهم إلى القبائل العربية دون حرج وكأنهم ما تنكروا يومًا‬
‫لها و ساموا إخوتها في القومية سوء العذاب‪ ,‬ولكن العرب تناسوا مواقف اليهود المخزية وإرهاق دماء عشرات اللوف من إخوتهم الذين‬
‫قتلهم القاضي جدعون وسواه من اليهود‪ ,‬وعملوا حسب تقاليدهم العريقة التي تحضهم على مناصرة الملهوف‪ ,‬فقبلوهم في ضيافتهم‬
‫وكأنهم أخلص الصدقاء فأصبحت البلد العربية من المناطق التي كان اليهود يعتبرونها ملذًا لهم‪ ,‬يتوافدون عليها كلما مسهم الضر في‬
‫مكان آخر‪ ) ,‬مثل هجرتهم إليها من فارس عندما اضطهدهم فيروز الفارسي ( وهكذا تكاثر عددهم في شبه الجزيرة العربية وخاصة في‬
‫نجران واليمن‪ ,‬وبدًل من أن يستكينوا و يبحثوا فيها عن الستقرار‪ ,‬عمدوا إلى إثارة القلقل في مناطقها‪ ,‬وبذر بذور الشقاق بين قبائلها‪,‬‬
‫كما نشروا الخرافات و الكاذيب بين أهلها و لم يحجموا عن دعوة أهلها لعتناق المذهب اليهودي‪ ,‬بحجة أنهم والعرب من أصل واحد‪ ,‬أي‬
‫أحفاد سام بن نوح‪ ) ,‬وهذا الزعم المأخوذ عن سفر التكوين يفتقر إلى الدليل والبرهان ويخالف نظريات علم الجناس( وبغية ترسيخ جذور‬
‫هذا الدعاء الباطل في أذهان العرب‪ ,‬زعموا أن العرب المستعربة تناسلوا من ثابت وقيدار حفيدي اسماعيل ويبدو أن العرب صدقوا هذا‬
‫الزعم‪ ,‬فأخذ كتابهم أمثال ابن الثير و أبي الفداء وابن خلدون يثبتونها في مؤلفاتهم وينسجون حولها القصص‪ ,‬وكأنها أمور ثابتة بالدليل‬
‫البرهان أو مأخوذة من عن مصادر خطية قديمة‪ ,‬وفي الواقع لم يكن يملك أحدهم أي مصدر قديم يعتمد عليه أو برهان يقدمه‪ ,‬إل ما ورد‬
‫عن ذلك في سفر التكوين‪ ,‬وما تناقلته اللسن من القصص التي أشاعها اليهود‪ ,‬فلو كان لهذه المزاعم بعض الحظ من الصحة لكان من‬
‫المفروض بالمصادر المصرية و الشورية و الكلدانية أن تشير إليها ولو بإشارة ما‪ ,‬أما أن نثق بها لمجرد أنها وردت في التوراة‪ ,‬هذا‬
‫المصدر اليهودي الذي أجمع النقاد على أنه كتب في القرن السادس قبل الميلد و من قبل مئات القلم‪ ,‬فذلك يعني النسياق العمى وراء‬
‫سراب الضاليل اليهودية والستخفاف بنعم ال عز وجل التي وهبها لنا من الميزات الخيرة كالعقل و البصيرة والمنطق السليم‪ ,‬كما أن‬
‫ل‪ ,‬لن أكثر المكتشفات الحديثة أثبتت‬
‫التدليل على وحدة المنحدر العرقي بين العرب واليهود لما بين لغتيهما من التشابه والتقارب باطل أص ً‬
‫أن لغة اليهود الصلية كانت عبارة عن لهجة كلدانية صوتية‪ ,‬كما أجمع النقاد على أن اليهود تعلموا اللغة الكنعانية القريبة من العربية بعد‬
‫أن تمركزوا في فلسطين‪ ,‬وهذا يعني صراحة انهيار نظرية المنحدر المشترك التي تورط فيها كتاب العرب‪ ,‬فلو جاز الخذ بها لكان علينا أن‬
‫نقول بأن الكلدانيين والشوريين و الراميين هم من نفس المنحدر أيضا‪ ,‬لما بين لغاتهم واللغة العربية من التشابه والتقارب‪ ,‬ولنهم سكان‬
‫المناطق الواقعة في شرق و جنوب أرمينيا التي زعم بعض المؤرخين بأنها منشأ السامية الصيل‪ ,‬وإذا أخذنا بهذه النظرية في التحقيق‬
‫عن القوميات حق لنا الدعاء بأن كل الشعوب التي قطنت في الشرق الوسط قبل عهد موسي كانت أيضًا من المنحدر المشترك المبحوث‬
‫عنه‪ ,‬وبالتالي ننتهي إلى النظرية العامة القائلة بانحدار البشرية جمعاء من أصل واحد‪ ,‬وفي هذه الحالة ل يحق لحد البحث في القوميات‪,‬‬
‫أن نستنتج من هذا أن الصلت العرقية المزعومة بين العرب و اليهود ليست بأوثق مما هي عليه بين العرب و الشور و الكلدان‪ ,‬وهي‬
‫تعود لما قبل التاريخ‪ ,‬ونرى من ناحية ثانية اختلف العادات والتقاليد بين العرب و اليهود‪ ,‬يشكل بحد ذاته عنصرًا أساسيًا في دحض‬
‫نظرية المنحدر المشترك‪ ,‬هذا الخلف الذي يؤكده التوراة بما ينسبه لصحابه من العادات والتقاليد التي يندى لذكرها الجبين‪ ,‬والتي ل‬
‫يمكن أن تلتقي مع ما عرف عن العرب من التمسك بالفضائل والمكارم عبر التاريخ‪.‬‬
‫وأخيرًا ماورد في قصص التوراة عن إصرار أسلف اليهود وخاصة إبراهيم بتزويج أبنائهم من بنات قومهم المشتركات اللواتي كن يسكن‬
‫في بلد الكلدان البعيدة بدًل من تزويجهم من بنات العرب القاطنات بالقرب منهم و ما في ذلك من توفير للمال واجتناب للمشقة والخطار‪,‬‬
‫لهو وحده كاف لتكذيب بدعة وحدة المنحدر‪ ,‬لنه كان من المفروض على إبراهيم الذي ولد عما ‪ 292‬بعد الطوفان أن يكون عالمًا بهذه‬
‫الصلة العرقية‪ ,‬وأن ل يفرق بين بنات الكلدان‪ ,‬وبنات العرب المنحدرات ) على زعم التوراة ( من صلب قحطان شقيق جده الرابع ) الحفيد‬
‫ل يعتقد أن العرب هم من‬
‫الثالث لسام‪ ,‬والذي عاش قبل قرن واحد من ميلد إبراهيم ( باعتبارهن جميعًا من صلب سام‪ ,‬فلو كان إبراهيم فع ً‬

‫‪33‬‬

‫أحفاد قحطان لما فرق بين بناتهم وبنات الكلدان‪ ,‬و لكان وفر على قيم بيته مشقة السفر الطويل‪ ,‬وعلى ابنه تبذير المال الوفير لو سمح له‬
‫بالقتران بعربية‪ ,‬أما وأنه لم يفعل‪ ,‬فهذا يدل صراحة على أن اليهود كانوا ل يعترفون قبل ظهور التوراة بهذه الصلت ول يعلمون بها ولم‬
‫تكن في يوم موضوع بحث لديهم‪ ,‬إل عندما أصبحت لهم فيها مآرب فابتدعوها لربط مصير العشائر العربية كآدوم وسعير و كالب‬
‫بمصيرهم لغراض سياسية‪ ,‬ومنها إرغام هذه العشائر العربية على التعاون معهم وإبقاؤها تحت سيطرتهم‪ ,‬بيد أن هذه العشائر العربية‬
‫أحجمت عن النسياق وراء هذه المزاعم‪ ,‬فظلت على مقاومة اليهود ودام النزاع بينهما حتى عهد الرومان ) المعارك بين آدوم وسعير من‬
‫جهة واليهود من جهة أخرى ( ويظهر جليًا مما سبق عقم نظرية المنحدر المشترك ‪ ,‬ولكن ما حيلتنا فالقضية أصبحت شبه مسلم بها لما‬
‫مر عليها من الزمن الطويل وما أحاطها من التباس وغموض اعتقد أنه مفتعل ومقصود بغية التمويه عن الجرائم التي اقترفها اليهود في‬
‫شبه الجزيرة بحق العرب و العروبة مثل جريمة تهويد الملك العربي ذو نوار و شعبه وتحريضه على محوا عرب نجران من الوجود‬
‫وإرغامهم على اعتناق اليهودية والمذابح العربية التي أقدم عليها القاضي جدعون ومن تولى من أترابه القضاء في إسرائيل من بعده‪.‬‬
‫اليهود وظهور السلم‬
‫يا أبناء إسرائيل اعلموا أننا لن نفي محمد حقه من العقوبة التي يستحقها حتى ولو سلقناه في قدر طافح بالقذار و ألقينا عظامه النخرة إلى‬
‫الكلب المسعورة لتعود كما كانت نفايات كلب لنه أهاننا وأرغم خيرة أبنائنا وأنصارنا على اعتناق بدعته الكاذبة وقضى على أعز آمالنا‬
‫في الوجود ولذا يجب عليكم أن تلعنوه في صلواتكم المباركة أيام السبت وليكن مقره في جهنم و بئس المصير‬
‫من سفر حازوحار الذي طبع بالفرنسية عام ‪ -1907‬الجزء الثاني‪ -‬الصحيفة ‪88‬‬
‫)‪( Sepher Hazohar- Edition Francaise -2éme partie page 88- Paris 1957‬‬
‫إن الفترة الزمنية الفاصلة بين بداية عهد المنفى و بداية عند ازدهار المسيحية و المقدرة بستة قرون تعتبر بحق عصر تقدم اليهود‪ ,‬رغم‬
‫ما تذكره المصادر اليهودية عنه‪ ,‬إذ فيه أدخلت الصلحات الجذرية على الشريعة القديمة التي أدت إلى ظهور اليهودية الجديدة )‬
‫‪ (Judasime‬وكثر في صفوفهم القادة و المثقفين‪ ,‬بفضل ما اقتبسوه من الثقافات المختلفة كالبابلية والرومانية اليونانية ومن العلوم‬
‫والساليب الدارية والسياسية‪ ,‬وفيه أصابهم الخير المادي الوفير ‪ ,‬فأصبحوا أغنى شعوب المنطقة وأكثرها نفوذًا‪ ,‬وعندما منحهم اليونان‬
‫المزيد من حرية التنقل والعمل‪ ,‬عمدوا إلى إصلح شؤونهم العامة‪ ,‬فظهر للوجود مجلسهم الكهنوتي الذي نظم أحوالهم الدينية والسياسية‬
‫والقومية والمعاشية في جميع مستعمراتهم المنتشرة في أكثر بقاع العالم القديم‪.‬‬
‫ثم راحوا يبشرون بشريعتهم على نطاق واسع دون أن يعترضهم أحد فكثر عدد أنصارهم في كل أرض وصقع‪ ,‬وراودتهم المال باسترجاع‬
‫أمجادهم المزعومة فقاموا بعدة ثورات منيت كلها بالفشل‪ ,‬ومع هذا ظلوا على اعتقادهم بقرب اليوم الموعود‪ ,‬ولكن ظهور المسيحية جمد‬
‫نشاطهم التبشيري وأثار البلبلة في صفوفهم إذ كثرت الجتهادات بين كهنتهم حول المذهب الجديد فكان فيهم من يدعوا إلى الجمع بينه‬
‫وبين اليهودية باعتبار وليدها وصاحبها من أبنائها‪ ,‬ولكن شاءت القدار أن يتفاقم الخلف بين الرومان واليهود‪ ,‬وتشتعل نيران ثورة لهبة‬
‫جديدة‪ ,‬يقف منها أنصار المسيح موقف المتفرج الشامت فيغتاظ اليهود منهم وتتوسع شقة الخلف بينهم‪ ,‬ويعقبها ازدياد نشاط النصارى‪,‬‬
‫الذي أدى إلى انتصار المسيحية الكاسح و انهزام اليهود الذين لم يفقدوا المل بالفوز يومًا على النصرانية لما كان بين المذهبين من فرق‬
‫ضئيل‪ ),‬على حد زعم المصادر اليهودية( واعتمادًا على وشائج القربى التي كانت تربطهم بصاحب المذهب الجديد وحواريه‪.‬‬
‫وفي خضم هذا الصراع القائم بين اليهود والنصارى فوجئ اليهود بصوت مدوي ينطلق من أم القرى‪ ,‬صوت الحق البلج الذي أطلقه محمد‬
‫المين‪ ,‬داعيًا الناس دون تفريق أو تمييز إلى دين العلي القدير‪ ,‬ويهيب بهم أن يتآخوا ويتحابوا وأن ينبذوا الباطل و المنكر وينصروا الحق‬
‫والفضيلة‪ ,‬ويصبحوا سواسية ل سيد ول مسود‪ ,‬ولما كان صاحب الدعوة ممن اتصفوا بالصدق والمانة والجدية و الرزانة‪ ,‬التف حوله‬
‫خيرة شباب قومه‪ ,‬وأيدوه في دعوته للحق وناصروه في نضاله مع الباطل‪ ,‬فاشتد عوده سريعًا و أصبح له في الجزيرة العربية شأن‬
‫يخشى جانبه‪.‬‬
‫ولما سمع اليهود بأمره فزعوا من مغبة دعوته‪ ,‬فتنادوا فيما بينهم لمجابهة هذا الخطر الجديد‪ ,‬وناصرهم بعض زعماء الجزيرة الذين‬
‫نفروا من الدعوة الرامية إلى القضاء على الصنام والمتألهين‪ -,‬فاستثمر اليهود حماس هذه الفئة الضالة من قريش و غيرها من القبائل‬
‫ووقفوا خلفها يدفعونها لمخاصمة محمد )صلعم( والقضاء على دعوته التي تفضح مزاعمهم‪ ,‬وتدحض أكاذيبهم‪ ,‬فقام صراع غير متكافئ‬
‫ل‪ ,‬وكان أنصار محمد ) صلعم( فئة قليلة ذات إمكانيات محدودة بينما كان أعداؤه على وفرة في العدد والعدة‪,‬‬
‫بين الحق و الباطل ودام طوي ً‬
‫يناصرهم اليهود بما لديهم من قوة وقدرة‪ ,‬وبما أتقنوه من أساليب التشنيع والتسفيه لكل ما ل يتناسب مع مصالحهم وغرائزهم‪ ,‬ولكن أنى‬
‫للباطل أن ينتصر على الحق‪ ,‬فصمد محمد )صلعم( وأتباعه‪ ,‬إلى أن أقاموا لهم في المدينة المنورة مركزًا قويًا ومنطلقًا عسكريًا أقض‬
‫مضجع اليهود‪ ,‬وسلب أمنهم‪ ,‬وتيقنوا أن ل حيلة لهم مع محمد عن طريق الحرب والقراع فصمموا على محاربته بأساليب المكر و الخداع‬
‫لعلهم يفلحون فيما يبتغون‪.‬‬
‫المؤامرات اليهودية على الرسول‬
‫رغم العداء الذي أشهره اليهود على محمد )صلعم(‪ ,‬لم ينزع إلى إطالة الخصام معهم بل عمد إلى مهادنتهم و معاملتهم بالحسنى ليهديهم‬
‫إلى طريق الحق والصواب‪ ,‬ولتحقيق هذا الهدف لم يكن يحجم عن زيارتهم وتكرار دعوته لهم‪ ,‬ولكن اليهود ظلوا على تعنتهم وحقدهم‬
‫عليه وحاكوا مؤامرة لغتياله والتخلص منه فأرسلت إله نادر ) إحدى القبائل اليهودية( تدعوه لزيارتها‪ ,‬فلبى الرسول الدعوة وعندما‬
‫وصل إليها طلب شيوخها منه مجالستهم في ظل حائط من الحجر‪ ,‬فامتثل لطلبهم‪ ,‬بينما كان يتحدث إليهم و إذا بصخرة كبيرة تنفصل عن‬
‫الحائط لتهوي على محمد )صلعم( ولول أنها حاد عن مسقطها في الوقت المناسب لقضت عليه وعندما سأل الرسول عن سبب سقوط‬
‫الصخرة قيل له أنها انزلقت تحت ثقل أحد الطفال الذين صعدوا إلى أعلى الحائط ليشاهدوه عن قرب ولكن محمد )صلعم( أدرك ما قصدوا‪,‬‬
‫ومع هذا عاد إلى مقره دون أن يشعرهم بأنه اكتشف أمرهم‪ ,‬فعمد اليهود إلى خدعة جديدة وكلفوا زينب زوجة سالم بني المشك النادري ‪,‬‬
‫بأن تجهز طعامًا ممزوجًا بالسم وتقدمه لمحمد )صلعم(‪ .‬فلبت اللعينة طلبهم‪ ,‬ثم ذهبت تقدم هديتها للرسول في حضور بعض أنصاره‪ ,‬فلم‬
‫يشأ الرسول أن يخذلها أمامهم‪ ,‬فقبل هديتها شاكرًا‪ .‬ولما هم وأصحابه الطعام منها‪ ,‬شعر بما بيت له فصاح برفاقه أن اعزفوا عنها‪ ,‬ولكن‬
‫سبق السيف العزل وأكل أحدهم لقمة منها وفارق الحياة‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫ولما سئلت عمن دفعها لفعلتها المشينة أجابت‪ :‬بأن التلمود يذكر أن النبياء أصحاب الرسالت السماوية‪ ,‬يعلمون الغيب ويعرفون ما يضمر‬
‫لهم في الخفاء‪ ,‬ولذا أردت أن أمتحن محمد )صلعم( لتحقق من صدق رسالته‪ ,‬ففعلت ما فعلت‪ ,‬فأمر الرسول الكريم بإخلء سبيلها دون أن‬
‫تمس بسوء‪.‬‬
‫عندها أيقن اليهود بفشل محاولتهم‪ ,‬وقرروا محاربته علنًا‪ ,‬فاتصلت نادر مع العشائر اليهودية وبعض القبائل العربية التي كانت تكره‬
‫محمد )صلعم( واتفقت معها على مقاتلته‪ ,‬فعلم الرسول بأمرها‪ ,‬فأغار عليها وأذلها جميعًا‪ ,‬ولما أراد معاقبتهم استجارت به‪ ,‬فعفى عنها‪,‬‬
‫بعد أن عاهدته على أن تبقى على الحياد من صراعه مع القبائل العربية الخرى‪ ,‬ولكنها خانت عهودها في معركة بدر وانضمت لعداء‬
‫الرسول‪ ,‬ولما نصر ال نبيه على المشركين‪ ,‬عاد وحمل على من خانت العهد من العشائر اليهودية‪ ,‬وشتت شملها‪ ,‬ولم يمس التي ظلت‬
‫منها على الحياد‪ .‬وقبيل معركة أحد عادت عشيرة بني نادر لمناصبته العداء وألبت عليه العشائر المجاورة‪ .‬فلما هزم في أحد‪ .‬زحف عليها‬
‫و أرغمها على الستسلم‪ .‬فجردها من أسلحتها‪ ,‬وأوقع الجزاء بمحرضيها‪ ,‬وجل ما تبقى منها خارج أرض الحجاز‪.‬‬
‫ومع هذا ظل اليهود على غطرستهم وعدائهم‪ ,‬وبعد فترة وجيزة عادوا لجمع جموعهم وانضموا إلى أقوى قبائلهم قريظة التي تكاثر عدد‬
‫أفرادها بعد أن التجأ إليها خلسة بعض أفراد القبائل اليهودية التي طردت خارج الحجاز‪ ,‬فقام زعماؤها بعقد حلف مع زعماء قريش‪,‬‬
‫واتفقوا على احتلل المدينة المنورة‪ ,‬والقضاء على المسلمين‪ ,‬فجمعوا جموعهم‪ ,‬وحاصروا المدينة وظلت قريظة في المؤخرة لتكون القوة‬
‫الحتياطية للمعتدين‪ .‬ولما اشتد الحصار على المسلمين ظنت قريظة أن الوقت قد حان لتشترك في المعركة‪ ,‬وتجهز على محمد )صلعم(‬
‫وأنصاره فسارعت إلى النضمام لشريكاتها‪ ,‬ولكن خاب فألها‪ ,‬وصمد المسلمون للبلء واعتصموا بالصبر‪ ,‬ولما طال أمد الحصار‪ ,‬دب الملل‬
‫في صفوف المعتدين‪ ,‬وتفرق شملهم‪ ,‬وانسحبت القبائل المعتدية إلى منازلها‪ ,‬دون أن تتمكن من المسلمين‪.‬‬
‫ولما انكشفت الغمة عن المسلمين‪ ,‬قرر الرسول الكريم معاقبة قريظة الخائنة‪ ,‬فهاجمها وأرغمها على الستسلم‪ ,‬فسارع زعماؤها إلى‬
‫التوسل للرسول‪ ,‬بأن يكتفي بفرض عقوبة مناسبة على قبيلتهم‪ ,‬وفوضوه بتعيينها‪ ,‬ولكن الرسول أبى إل أن يبرهن لهم عن تمسكه الدائم‬
‫بالعدالة والشهامة‪ .‬فقبل التماسهم على أن يختاروا حكمًا بأنفسهم ليحتكم الطرفان إليه‪ ,‬فبادر اليهود إلى انتقاء سعد بن معاذ لما كان بينه‬
‫وبين اليهود من الصداقة والثقة المتبادلة‪ ,‬ولما أخبروه بقرارهم‪ ,‬خيرهم بيم أحكام القرآن والتلمود‪ ,‬فاختاروا نصوص هذا الخير ليحتكموا‬
‫إليها‪ ,‬فلم يعترض الرسول الكريم على ذلك‪ .‬عندها راجع سعت تلك النصوص فوجد أنها تقضي بقتل كل من حمل السلح ضد المسلمين‪.‬‬
‫وحجز أمواله وتوزيعها على المنتصرين‪ ,‬فطبقت الحكام بحذافيرها على من ثبت عليه القيام بمهاجمة المسلمين‪.‬‬
‫) والغريب هو إحدى النساء اليهوديات كانت من بين من طبقت عليه هذه العقوبة‪ ,‬لنها تميزت بين المقاتلين بشراستها وحبها لسفك‬
‫الدماء (‪.‬‬
‫وفي أعقاب القضاء على قريظة‪ ,‬عاد الهدوء إلى البلد الحجازية وتطهرت من اليهود‪ .‬والمدهش في أمر هذه الحداث هو سكوت المصادر‬
‫اليهودية التام عنها‪ ,‬وعدم الشارة إليها‪ ,‬وكأنها لم تسمع بها‪ .‬ول شأن لليهود فيها‪ .‬مع العلم أن اليهود ل يقدمون على عمل إل بعد أخذ‬
‫رأي مجلسهم فيه‪ .‬والمعروف أن هذا المجلس كان قائمًا قبل ظهور السلم‪ ,‬وكان يهود العالم يدينون له بالولء منذ عهد اليونان ‪,‬‬
‫ويرسلون له ضريبتهم السنوية بانتظام حتى من أبعد مستعمراتهم ‪ .‬فل يعقل أن يكون يهود البلد العربية أقل ولء لهم من الخرين‪ ,‬وعلى‬
‫الخص أنهم كانوا أقرب جالياته إليه‪.‬‬
‫ولهذا نعتقد أن الثورات والمؤامرات الكثيرة التي قام بها اليهود في فجر السلم كانت من وحي وتدبير هذا المجلس‪ ,‬والدليل القاطع على‬
‫ذلك هو ما يزخر به التلمود من حملت على السلم و المسلمين‪ ,‬كما أن المصادر اليهودية الخرى‪ ,‬ل تخلوا أيضًا من حملت شعواء على‬
‫محمد ) صلعم( وأتباعه‪ ,‬والنكبات التي افتعلها اليهود في مختلف القطار السلمية عبر التاريخ تشهد بعمق العداوة اليهودية نحو العرب‬
‫بصورة خاصة و المسلمين بصورة عامة‪.‬‬
‫التسلل اليهودي في الصفوف السلمية‬
‫))لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا((‬
‫) القرآن الكريم‪ .‬الية الثانية والثمانين – سورة المائدة (‬
‫بعد أن أيد ال المسلمين بنصر من عنده‪ ,‬وانتشرت دعوتهم السمحاء وتعرف الناس على فلسفتهم النسانية النبيلة التي ل تفرق بين‬
‫البشر‪ ,‬وتدعو لمعاملة الناس سواسية‪ ,‬دون تمييز بين إنسان وآخر‪ .‬وتشجب الغطرسة و التعالي‪ .‬وتنشد الفضيلة والعدالة‪ ,‬كان من‬
‫ل كؤوس الذل على أيدي المتألهين‪ ,‬ودعاة التمييز العنصري أمثال اليهود‪ .‬فبدأ الناس‬
‫البديهي أن يجتذب الناس إليها‪ ,‬بعد أن تجرعوا طوي ً‬
‫يدخلون في دين ال أفواجًا‪ ,‬وفي زمن قياسي ساد السلم ربوع الجزيرة العربية‪ ,‬وانتشر في القطار المجاورة بفضل رواد السلم الول‬
‫الذين انطلقوا في مشارق الرض و مغاربها يدعون الناس إلى اعتناق مذهبهم النساني الحنيف‪ .‬هذا المذهب الذي ما عرف له العالم مثي ً‬
‫ل‬
‫لما يحويه من المشاعر النبيلة‪ ,‬ولما يزخر به من الدعوة و الخير و الحسان‪ ,‬وفي غضون بضعة أعوام غمر لواء السلم أكثر أقطار‬
‫الشرق‪ ,‬واستتب المر فيها للعرب‪ ,‬رواد الدين الحنيف وذلك بفضل ما أوتوه من الصبر على المكاره‪ ,‬وقوة اليمان برسالتهم النسانية‬
‫فاندفعوا في نشرها‪ ,‬وإعلء كلمتها ل يخشون في الحق لومة لئم‪ .‬ول يحجمون عن الفداء و التضحية‪ ,‬وهذه الصفات النبيلة دفعت‬
‫بالشعوب المجاورة لهم لللتفاف حولهم والتسابق لنيل شرف النضواء تحت لوائهم‪ .‬اللهم إل فئة واحد وقفت ترقب ما يدور حولها والغيظ‬
‫يفري قلبها‪ .‬وهذا الفئة لم تكن سوى فئة اليهود التي كانت تنتظر حدوث معجزة ما‪ .‬تطيح بالسلم بعد أن عجزت هي عن النيل منه‪ .‬وكان‬
‫تعلل النفس بشتى المال متوهمة ظهور الصخرة التي ستتحطم عليها الوثبة العربية التي انطلقت كالعصار تكتسح في طريقها كل باطل‬
‫وبهتان‪ ,‬ولما تيقنت من خيبة آمالها‪ ,‬قررت أن تبحث عن أساليب جديدة لمقارعة هذا العدو الذي كشف أضاليلها‪ ,‬وأثبت أنها ليس كما‬
‫تدعى الفئة المختارة لدى ال وبرهن على أن الناس سواسية عند الخالق وأن أحسنهم عند ال أتقاهم‪ .‬واتهمها بتحريف التوراة وبتزوير‬
‫ما جاء به موسى‪ ,‬وكذب مزاعمها المختلفة‪ ,‬واتهمها بالوحشية والهمجية وبقتلها النفس التي حرم ال قتلها بغير حق‪ ,‬وفند ل أخلقيتها‪,‬‬
‫وبكلمة أصح جردها من كل أسلحتها وفضح بهتان هالت التقديس والكبار التي كانت تحيط بها‪ ,‬وأوضح للناس حقيقتها‪ ,‬وبذلك أساء إليها‬
‫أكثر مما أساءت النصرانية لها والتي ظلت على شيء من المحاباة لها بعد احتضنت توراتها المزور‪ ,‬ومن هنا كان السلم أخطر عدو‬
‫اعترض طريق اليهودية واليهود‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫ولذا عمد اليهود إلى استعمال أسلحتهم التقليدية ضده وهي الغدر و الحيلة‪ .‬وراح مجلسهم العلى يدرس الوضع ويخطط لمعركته المقبلة‬
‫مع السلم‪ .‬فتفتق ذهنه )الوقاد( عن الوسيلة التي ظن أنها ناجعة لمجابهة السلم‪ .‬وهي مقارعته من الداخل‪ ,‬فأوعز إلى المثقفين من‬
‫أتباعه في البلد العربية أن يتظاهروا باعتناق السلم‪ ,‬ليتمكنوا بسهولة من تنفيذ ما يعهد إليهم من المهام‪ .‬وعلى الثر بادر بعض اليهود‬
‫إلى اعتناق السلم‪ ,‬ولما كان الدين الحنيف ل ضن على أحد بشرف النتساب إليه دون أي شرط سوى العتراف بال ورسوله تسلل الكثير‬
‫من مثقفي اليهود إلى صفوف أتباعه وأصبحوا معهم سواسية في الحقوق والواجبات‪ .‬وهكذا دخل بعض أنصار المجلس اليهودي إلى‬
‫الصفوف السلمية وبدأوا يعملون خفية للنيل من السلم والمسلمين ولقد بزر من بين هؤلء المخربين‪ ,‬المدعو عبد ال بن سبأ وكان من‬
‫يهود اليمن فاعتنق السلم‪ ,‬واستوطن في المدينة المنورة‪ ,‬و تفقه على أيدي علمائها‪ ,‬وكان ذا ذكاء وقاد ‪ ,‬ومحدثًا لبقًا‪ ,‬قوي الحجة‪,‬‬
‫اشتهر بالتقوى‪ ,‬يثور لتفه مخالفة للسنة‪ .‬قام بعدة جولت في الوليات العربية‪ ,‬حيث كان يعقد الحلقات‪ ,‬ويحاضر في الناس‪ ,‬حتى أصبح‬
‫له دعاة ومؤيدون ينتمون لبدعة جديدة ظلت سرًا حتى عهد عثمان بن عفان ‪ ,‬هذا الصحابي العف‪ ,‬الذي كان يعمل لخرته أكثر مما كان‬
‫يعمل لدنياه‪ ,‬أو للدولة التي كان مسؤوًل عنها‪ .‬فانتاب الحكم في عهده بعض الضعف‪ ,‬وظهر في أجهزته بعض الخلل‪ ,‬فأيقن ابن سبأ أن‬
‫ساعة نشاطه قد دنت‪ ,‬فبادر إلى توجيه النقد لحكم عثمان واتهمه بالتحيز لعشيرته‪ ,‬واختياره الحكام منهم دون الخرين ليوفر لهم فرص‬
‫الثراء غير المشروع كما اتهم الحكام بدورهم بإساءة المانة واستغلل مراكزهم لمصالحهم الخاصة‪ .‬ومن ثم راح يسفه حق عثمان في‬
‫الخلفة ولتهمه بالتآمر مع أبي بكر و عمر لسلب حق علي في الخلفة‪ ,‬ويحرض عائلة بني هاشم لتثأر من المويين لعتدائهم على‬
‫حقوقها في حكم المسلمين‪ .‬وكان يدعم مزاعمه بقوله‪ :‬إنه من المألوف أن يكون لكل نبي وزير يختاره من بين أنصاره حتى إذا مات هو‬
‫ثابر وزيره على إتمام رسالته وإكمال دعوته‪ .‬وإن عليًا كان وزير محمد )صلعم(‪ ,‬فكان المفروض أن يتولى هو شأن المسلمين بعد ارتحال‬
‫الرسول‪ ,‬ولكن عثمان ومن سبقه من الخلفاء احتالوا عليه وانتزعوا منه هذا الحق‪ .‬وعلى المسلمين اليوم أن يعيدوا هذا الحق إلى نصابه‪,‬‬
‫وذلك بأن يولوا عليًا على أنفسهم بدًل من عثمان‪ ,‬فلما علم عثمان بما يدبره ابن سبأ نفاه إلى ولية مصر حيث تفرغ كليًا لثارة الفكار ضد‬
‫عثمان‪ ,‬وإشاعة التفرقة بين المسلمين‪ ,‬والجدير بالذكر هو أن كل ما كان يقوله هذا المدعي في مصر عن الخليفة والخلفة‪ ,‬يلقي الرواج‬
‫في وليتي الكوفة و البصرة‪ ,‬وفي نفس الوقت كان أتباعه في العراق يتلقون تعليماته‪ ,‬ويشيعونها حالً بين الناس‪.‬‬
‫ويروى عنه‪ ,‬أنه زار عليًا بعد توليه الخلفة‪ ,‬وقدم له الطاعة والولء‪ ,‬ومن ثم قال له مفاخرًا‪ :‬أنت لها لنك العلي القدير )أي أنه أضفى‬
‫عليه صفات اللوهية(‪ .‬فساء هذا القول علي بن أبي طالب‪ ,‬فأمر بنفيه إلى مدائن صالح حيث عاش حتى ارتحال الخليفة‪ .‬ومن ثم خرج‬
‫مجددًا على دنيا العرب لينشر فيها بدعته التي كانت تتلخص بتأليه علي‪ ,‬والزعم بأنه حي لم يمت لنه من روح ال‪ ,‬وأنه ل يلبث أن يعود‪.‬‬
‫وأن روحه تتقمص الئمة ليثابروا على هداية الناس حتى عودته‪ ,‬وانه الله الخالد الزلي‪.‬‬
‫ويبد أن ابن سبأ اعتمد في تأليه علي بن أبي طالب على إحدى اليات القرآنية التي تصف ال عز وجل بالعلي القدير أو العلي العظيم‬
‫واتخذها حجة وزعم أنها موجهة إلى علي بن أبي طالب‪.‬‬
‫والمؤسف في سيرة هذا الدعي هو أن الجراء الذي اتخذه عثمان حياله أتى متأخر جدًا‪ .‬إذ كانت بدعة ابن سبأ انتشرت في عرض البلد‬
‫وطولها‪ ,‬وتكاثر أنصاره في جناحي الوطن العربي‪ ,‬وتشكلت منهم أحزاب وفئات في كل من مصر والعراق‪ ,‬يعملون للنيل من الخليفة‬
‫والخلفة ليل نهار‪ ,‬وينشرون الضاليل‪ ,‬ويدسون على الولة والحكام‪ .‬ويدعون الناس من وراء الستار للتذمر و التشكي ويوفدون الوشاة‬
‫الكاذبين إلى الخليفة‪ ,‬ليقصوا عليه كل ما هب ودب من الشاعات‪ .‬حتى انطلت على الخليفة بعض هذه الدسائس‪ ,‬وعمد إلى التحقيق‬
‫والتحري عن أسبابها‪ .‬فاختار لهذه المهمة خيرة رجاله فأوفد محمد ابن مسلمة إلى الكوفة‪ ,‬وعزام ابن زيد للبصرة‪ ,‬وعبد ال ابن عمر‬
‫لمصر‪ ,‬وأوصاهم بان يقوموا بأوسع تحقيق ممكن مع الولة والمواطنين‪ ,‬ويعودوا إليه بالخبر اليقين‪ .‬وقام هؤلء السادة بالمهمة خير‬
‫قيام‪ ,‬ولكنهم لم يشاهدوا أو يسمعوا ما يستحق الهتمام ‪ ,‬فعادوا ليعلموا الخليفة بخطل ما نقل إليه‪ .‬ولكن عثمان أراد التدقيق في المر‪,‬‬
‫فأرسل أمرًا إلى ولته بأن يوفدوا في موسم الحج كل من له شكوى إلى الكعبة ليعرضها بنفسه على الخليفة‪ ,‬كما طلب منهم جميعًا أن‬
‫يحضروا في الموعد المحدد إلى الحجاز‪.‬‬
‫) يبدو أن هذا البادرة كانت زلة عالم‪ ,‬التي شبهوها بانكسار السفينة لتغرق و يغرق معها خلق كثير(‪ .‬ولما حان موعد الحج تقاطرت الوفود‬
‫إلى الكعبة وكان بينها وفد من الكوفة يتألف من ألف رجل من أتباع ابن سبأ‪ ,‬وألف آخر من أهل البصرة تحت زعامة محمد بن أبي بكر و‬
‫محمد بن قذيفة‪ ,‬وذلك بناء على اتفاق مسبق بينهم‪ ,‬و تنفيذًا لخطة وضعها ابن سبأ‪ ,‬حين علم بما أصدره الخليفة من التعليمات‪ ,‬وهكذا‬
‫اجتمع في مكة ثلثة آلف رجل من أتباع ابن سبأ‪ ,‬تحت زعامة محمد بن أبي بكر ومحمد بن قذيفة الحاقدين على عثمان‪ ,‬لحرمانه ك ً‬
‫ل‬
‫منهما مما كان قد علل نفسه بها من الوظائف الكبرى في الدولة‪.‬‬
‫وفي يوم الحج أمر الخليفة أن ينادي المنادي من له شكوى‪ ,‬فتكرر النداء ولم يتقدم أحد للشكوى‪ .‬عندها قام الخليفة وخطب في الناس‪,‬‬
‫وفصل الغرض من الجتماع ‪ ,‬ومن ثم ختم أقواله بأن شدد على الولة بضرورة إنصاف المظلوم ومعاقبة الظالم‪ ,‬ثم أعلن أمام المل بأنهم‬
‫مسؤولون أمام ال و أمامه عن كل ظلمة تلحق بأحد المواطنين‪ .‬وهكذا انتهى الجتماع‪ ,‬وعاد الخليفة إلى المدينة المنورة‪ ,‬فلحق به‬
‫المتآمرون واجتمعوا به في المسجد حيث كان يؤدي الصلة‪ ,‬وأفصحوا عن نواياهم‪ ,‬وطلبوا منه أن يتنازل عن الخلفة‪ ,‬فرد عثمان‬
‫عرضهم و أجابهم بأنه لن يخلع قميصًا ألبسه إياه رب العالمين إل بأمر منه وحده‪ .‬فهاج المتآمرون وحملوا عليه يرومون قتله‪ ,‬فانتصر له‬
‫سعد بن أبي وقاص وحسن ابن علي ابن أبي طالب و زيد ابن ثابت وأبو هريرة‪ ,‬وأنقذوه من براثنهم وعادوا إلى به إلى داره‪ .‬ولكن‬
‫المتآمرين كانوا قد قرروا القضاء عليه فأتوا يحاصرون دار الخلفة‪ .‬ولما أراد سعد ورفاقه مقاتلتهم منعهم الخليفة عن ذلك‪ ,‬فلم يرتد‬
‫المتآمرون بل شددوا الحصار ومنعوا عن الخليفة الزاد والماء‪ ,‬حتى أنهم صدوا زوجة الرسول أم حبيب عن زيارته‪ .‬وفي النتيجة داهموا‬
‫الدار من الخلف في غفلة عن حراسه‪ ,‬فقام القتال في صحن الدار‪ ,‬وفي أثناء ذلك تمكن ثلثة من المتمردين وهم‪ :‬فطيرة والغافقي‬
‫وسويدان من ولوج مخدع الخليفة حيث كان يقرأ القرآن الكريم‪ ,‬ولطخت الية السابعة والثلثين من سورة البقرة القائلة‪ ,‬فسيكفيكهم ال‬
‫وهو السميع العليم‪.‬‬
‫وكان هذا الدم الطاهر المسفوك أول دم مسلم عربي سفك بأيدي عربية مسلمة‪.‬‬
‫وبعد أن ارتكب المتمردون جريمتهم هذه‪ ,‬قام النزاع بينهم على من يولوه الخلفة‪ ,‬إذ كانت الفئة المصرية ترشح لها علي بن أبي طالب‪,‬‬
‫والفئة الكوفية طلحة‪ ,‬بينما كانت فئة البصرة تصر على الزبير‪ .‬ولما طال الجدل بينهم‪ ,‬أجمعوا على علي بن أبي طالب‪ .‬وهكذا انتهى‬
‫موضوع الترشيح وزال الخلف الظاهري في المر‪ .‬ولكن ذيول هذا الحادث الليم كانت أطول من أن تنتهي بمقتل عثمان‪ ,‬وجذور أهدافه‬
‫أعمق من أن تجتث بعزل الخليفة وتوليه آخر‪ ,‬وعوامله السياسية كانت أبعد مرمى مما ظنها العرب و المسلمون‪ ,‬لن ابن أبي سبأ ومن‬
‫خلفه أرادوا منه النيل من العرب و تمزيق شملهم‪ ,‬وتدمير دولتهم‪ ,‬فكان لهم نسبيًا ما أرادوا‪ ,‬فانقسم العرب على بعضهم البعض‪,‬‬

‫‪36‬‬

‫واستشرى الخلف في صفوفهم‪ ,‬وأصبحوا شيعًا وأتباعًا بعد أن كانوا أمة واحدة كالبنيان المرصوص‪ .‬فقامت المعارك بينهم‪ .‬وسفكت‬
‫الدماء الغزيرة دون أي سبب‪ ,‬اللهم إل إرضاًء لنصار ابن سبأ الذين كانوا يسارعون ليقاظ الضغائن كلما شعروا بفتورها‪ ,‬فتكاثرت‬
‫الفواجع في صفوف العرب‪ ,‬حتى كانت فاجعة علي و أبنائه وفاجعة الخوارج‪ ,‬فاتسعت الشقة وعظم الخطب‪ ,‬وتلتها فاجعة المويين‪ ,‬التي‬
‫عرضت نجم العرب إلى الفول‪ ,‬ومزقت دولتهم‪ ,‬أضعفت شوكتهم‪ ,‬كل هذا والعرب سادرون في غيهم‪ ,‬ل يلوون أي شيء‪ ,‬وهم كل منهم‬
‫ينحصر في إلقاء النكبة على صاحبه‪ ,‬بينما تسيل الدماء الذكية وتذرف الدموع الغزيرة ودولة العرب تتقلص يومًا بعد يوم‪ ,‬حتى كادت‬
‫المعجزة التي حققوها في بضعة أعوام والتي أبهرت العالم أجمع وجعلت المم تنظر إليهم بخشوع وإكبار أن تزول من الوجود‪ ,‬لول فلسفة‬
‫السلم‪ ,‬وصلبة دعوته التي انغرست جذورها في العماق‪ ,‬لزال العرب و السلم من الوجود على إثر نكبة ‪ 35‬هجرية وما أعقبها من‬
‫نكبات‪ .‬مع أن العرب لم يكن لهم فيها ناقة ول جمل‪ ,‬لم يفكر أحدهم بإيقاد نارها‪ ,‬ولكنها افتعلت‪ ,‬وغرر بهم‪,‬فاندفعوا وراء القبلية البغيضة‪,‬‬
‫وانساقوا خلف دعايات ابن سبأ المغرضة دون وعي وإدراك‪ .‬والتبست عليهم أغراضه السياسية البعيدة المدى‪ ,‬فوقعوا فيما نصب لهم من‬
‫الفخاخ‪ ,‬وسيقوا إلى حتفهم كالنعام‪ ,‬فلو أنهم فكروا مليًا في نتائج دعايات ابن سبأ‪ ,‬لما انجرفوا خلفها ولما وقع ما وقع‪,‬ولما وصل العرب‬
‫إلى ما وصلوا إليه من التفرقة والتمزق‪.‬‬
‫وأكثر ما في هذه النكبة من مرار هي أن تعيش آثارها حتى اليوم‪ ,‬وأن يكون لها من يتفاعل معها حتى هذه الساعة‪ .‬إذ أن بعض العرب‬
‫خاصة والمسلمين بصورة عامة‪ ,‬ما زالوا يتناقشون في أصولها وجذورها بنفس العقلية و المنطق المعوج‪ .‬ويحاولون من حين لخر‬
‫إثارتها والتردي في مهاويها بنفس الغباء والطيش الذي ساد تفكير أسلفهم قبل ثلثة عشر قرن ونصف‪ ,‬وكأنني بهم نسوا مآسي الماضي‬
‫و ما تكبده العرب و المسلمون من جراء تلك النكبة وما سفكوه من دماء ودموع في سبيل تحقيق أهداف أعداء أمتهم ووطنهم‪.‬‬
‫وكأنني بهؤلء ل يشعرون أننا نعيش في القرن العشرين عصر النور والمدنية‪ ,‬حيث انكشف الستر عن كل مجهول ‪ ,‬وأزيلت الحجب عن‬
‫كل مبهم ولم يع مكان للغباء والطيش في عالم السياسة ‪ ,‬فما بال أصحابنا ل ينبذون رواسب الماضي ويثابرون على إذكاء نار الحقد كلما‬
‫خبت‪ ,‬أليس الجدر بهم أن يطلقوا لعقولهم وأبصارهم العقال بحثًا عن الحقائق الراهنة‪ ,‬بدًل من التعلق بأفكارهم الهزيلة وأنني أنصحهم‬
‫بأن يبادروا إلى الكتب والمصادر التاريخية ويبحثوا بأمانة في بطونها‪ ,‬عن أسرار نكبة ‪ 35‬هجرية‪ ,‬لتتضح لهم المور ويلمسوا ما تورط‬
‫فيه أسلفهم منذ أكثر من ثلثة عشر قرنًا ‪.‬‬
‫يا قوم آن لنا أن نتقي ال في أمتنا ووطننا وآن لنا أن نتكاتف ونتحد لمجابهة ما يحيط بنا من المخاطر و الهوال و أن نتمعن فيما يحاك لنا‬
‫مجددًا من الدسائس والمؤامرات على أيدي أحفاد أساتذة ابن سبأ‪ ,‬الذين اقتطعوا في المس القريب أعز جزء من وطننا‪ ,‬ونكلوا بمليين‬
‫من إخوتنا‪ ,‬وألصقوا بنا العار أمام العالم أجمع‪.‬‬
‫يا قوم كفانا أنانية وفردية‪ ,‬كفانا غرورًا‪ ,‬يا قوم لن يشفع لنا التاريخ لمجر كوننا أحفاد صانعي أكبر معجزاته‪ ,‬ولن يرحمنا لننا أحفاد أرحم‬
‫فاتحيه‪ ,‬فالحذار الحذار قبل أن تسبقنا الحداث فلنعد لنفسنا‪ ,‬ولنعترف بأن مصيرنا ومصير أجيالنا المقبلة مرتبط بمسكلنا اليوم‪ ,‬فلنبادر‬
‫إلى توحيد صفوفنا وضم جموعنا‪ ,‬وتوحيد أهدافنا‪ ,‬لنكن أمة واحدة مثل المس‪ .‬ولتكن لنا راية مشتركة وعزيمة موحدة‪ ,‬لنواجه العالم كتلة‬
‫متراصة الصفوف‪ .‬لنسترجع حقنا السليب و نستعيد كرامتنا و مكاننا تحت قبة الفلك فالوحدة الوحدة قبل فوات الوان وحلول الندامة حيث‬
‫ل تنفع‪.‬‬
‫اليهود في أوربا‬
‫إذا أردنا معرفة أسباب النكبات التي تعرض أو سيتعرض لها العالم والتي أسفرت أو ستسفر عن مذابح رهيبة و نكبات اقتصادية عامة‬
‫وعمليات التخريب المتقنة للنظم و الفكار الجتماعية لوجب علينا أن نتعلم البحث عن مدى ما في ظاهرها ونتائجها من الطابع والثر و‬
‫المبادهة اليهودية ومقدار توافقها مع الغراض الصهيونية و إذا أردنا تجنب التعرض لمثيلتها في المستقبل لوجب علينا أن نتقن أصول‬
‫كشف اللوان والساليب و الضاليل التي تعتمدها اليهودية والماسونية والتي تتخلل جميع شؤوننا اليومية ولذا كان لزامًا علينا أن نسبر‬
‫أغوار الشاعات و الترهات والدسائس التي تهمس في آذاننا وأن ل نتسرع في الحكم لها أو عليها إل بعد أن نتأكد من صحتها إذ ربما كان‬
‫اليهودي الغادر يكمن خلفها ويتربص بنا الدوائر وهذا الخصم الذي نراه تارة مستضعفًا كدودة الرض وأخرى شرسًا مثل أسد الغاب والذي‬
‫يدفعه تعصبه العنصري العمى لفتعال الكوارث و المصائب لينزلها على البشرية جمعاء‪.‬‬
‫) من أقوال الكاتب الكبير ف‪ .‬سولين(‬
‫على إثر الموقف الحيادي الذي وقفه النصارى من المعارك التي وقعت بين اليهود والرومان‪ ,‬اغتاظ اليهود منهم‪ ,‬وصاروا يشتمونهم في‬
‫صلواتهم اليومية الثلث‪ ,‬ويتوسلون إلى يهوى أن يقضي على العازاريين وأتباعهم ويزيل أثرهم من الوجود‪ .‬ولما علم النصارى بهذه‬
‫الحملت اليهودية المركزة‪ ,‬بادروا إلى الرد عليها بالمثل‪ ,‬فقامت المعارك بين الطرفين‪ ,‬وعلى الخص بعد عام ‪ 80‬ميلدي ‪ ,‬وساهمت روما‬
‫في إذكاء نار الحقد بين المتخاصمين‪ ,‬فكانت تقف تارة بجانب إحداهما وتارة بجانب الخر‪ ,‬حتى تعدل الكفة بينهما‪ ,‬ليظل الصراع قائمًا‪.‬‬
‫ولقد استعمل المتخاصمان شتى السلحة وعلى الخص سلح الوشاية الذي اعتمدا عليه لتحريض الرومان على بعضهما‪ ,‬وكان الرومان‬
‫يتقبلون الوشاية من حيث أتت لستثمارها عند الحاجة ضد الطرفين ليفرضوا سلطانهم عليهما‪.‬‬
‫ولقد دام هذا الصراع إلى أن انتصرت المسيحية و سيطرت على الموقف‪ ,‬ومع هذا ثابر اليهود على النضال و تحملوا أعباءه الشاقة طوي ً‬
‫ل‬
‫) ولول الكنيسة التي كانت تنجدهم دائمًا في الوقت المناسب ‪ ,‬لكانوا حتمًا زالوا من الوجود في أوربا ( وكلما فقدوا جولة ‪ ,‬بادروا إلى‬
‫التأهب لخوض جولة أخرى‪ .‬وهذا العناد في النضال مكنهم في النهاية من الفوز في أكثر أنحاء أوروبا‪ .‬بعد أن صرعوا أكثر أعدائهم‪,‬‬
‫ويعود الفضل في صمودهم الطويل إلى المجلس الكهنوتي العلى الذي يبتدع لهم الساليب الجديدة لمواجهة أعدائهم الكثر‪.‬‬
‫أما عداوة الكنيسة لهم فلم تكن تتعدى حدود منعهم من المثابرة على التبشير بشريعتهم‪ ,‬ثم إقناعهم بالنضمام إليها‪ ,‬وفيما عدا ذلك كانت‬
‫تقف بجانبهم باعتبار أنهم أتباع التوراة و إخوة المسيح وحواريه‪.‬‬
‫أما اليهود فكانوا يعاكسون هذا الرأي‪ ,‬ويرون في النصارى القدماء‪ ,‬خوارج يستحقون أشد العقوبات‪ ,‬وفي النصارى من الوربيين كفارًا‬
‫وأعداء لدينهم وقوميتهم‪ ,‬وهذه الفكار كانت تلقن إليهم من قبل المجلس الكهنوتي العلى ) العدو التقليدي للكنيسة ( الذي دأب على نشر‬

‫‪37‬‬

‫التعليمات المناوئة للكنيسة و تقويتها في الوساط اليهودية‪ .‬ولما أيقنت الكنيسة أن ل فائدة من مهادنة اليهود ومجلسهم الكهنوتي‪ ,‬عمدت‬
‫إلى عزل أتباعها عن اليهود‪ ,‬وأزالت المعابد اليهودية من الحياء المسيحية‪ ,‬وأمرت بحرق التلمود وما شابهه من المصادر اليهودية‪.‬‬
‫فرد المجلس الكهنوتي العلى‪ ,‬على إجراءات الكنيسة‪ ,‬بأن أوعز إلى أنصاره أن يشتموا الكنيسة في صلواتهم مثل السابق وحضهم على‬
‫التعاون مع الفئات المناوئة لها‪ ,‬و العمل عل تهديم المجتمع المسيحي‪ ,‬وإحداث الجمعيات السرية الداعية إلى اللحاد وإلى الخروج على‬
‫ل بالنسبة لليهود لقلة عددهم‪ ,‬وكثرة ما فرض عليهم من قيود‪ .‬ومع هذا ثابر اليهود على‬
‫الكنيسة‪ ,‬والحق يقال إن هذا الصراع لم يكن سه ً‬
‫الصراع وأن كانت الغلبة في البداية وأكثر الحيان للمسيحية‪.‬‬
‫ولما تعددت هزائم اليهود لجؤوا إلى الستكانة والصبر ريثما تأتيهم الظروف المناسبة‪ .‬ولقد أتت هذه الظروف ‪ ,‬مع حمى الفتح والكتشاف‬
‫الذي ساد أوروبا‪ ,‬بعد أن اكتشف كولومبس القارة الجديدة‪ ,‬هذا الكتشاف الذي قلب الوضاع القتصادية في أوربا رأسًا على عقب‪ ,‬ونقل‬
‫النشاط التجاري من موانئ البحر البيض إلى موانئ المحيط الطلسي الواقعة على السواحل السبانية‪ ,‬فاختل الميزان التجاري في البلد‬
‫التي كانت تعتمد على الموانئ القديمة‪ ,‬وطغى على حكوماتها جنون الفتح ‪ ,‬وراحت تناوئ إسبانيا التي أصبحت حينذاك أقوى الدول‬
‫ل‪ ,‬وقضت على اقتصاديات‬
‫الوروبية اقتصاديًا و سياسيًا‪ ,‬فاندلعت الحروب التي سميت في التاريخ بالحروب الوروبية‪ ,‬والتي دامت طوي ً‬
‫أكثر الدول المتخاصمة‪ ,‬واضطرتها إلى فرض ضرائب فادحة على شعوبها‪ ,‬لتتمكن من تمويل جيوشها‪ ,‬فارتفعت أسعار الحاجيات‪,‬‬
‫وتضاءلت المواد الغذائية‪ ,‬وانتشرت البطالة‪ ,‬وأصيبت أكثر الدول الوروبية بالتضخم المالي‪ ,‬فعم البلد طبقات الشعوب المختلفة‪ ,‬فالقطاع‬
‫فقد فلحيه الذين التحقوا بميادين القتال‪ ,‬ومستأجري أملكه الذين أصيبوا بالفلس‪ ,‬وأفلس التاجر لستحالة التصدير والستيراد‪ ,‬وتضاءل‬
‫دخل ذوي الفعاليات المحلية لضيق ذات يد الناس‪ ,‬فتوقفت العمال ‪ ,‬وتفشت الوبئة‪ ,‬وهجر القرويون قراهم إلى المدن‪ ,‬واختلط الحابل‬
‫بالنابل‪ ,‬وقلت موارد الدول ‪ ,‬ولم يعد لها بد من البحث عن موارد غير الضرائب‪ ,‬فطرحت سندات الدين العام‪ ,‬ولجأت إلى بيع أملكها‪ ,‬ولكن‬
‫كل هذه السبل باءت بالفشل ولم تف بالغرض المنشود‪ .‬ولم يبقى أمام حكامها سوى البحث عن عمن يقترضون منه ما يحتاجونه من المال‪,‬‬
‫ولما كانت جميع الدول الوروبية متخاصمة آنذاك استحال عليهم الحصول على قروض دولية‪ ,‬فاستنجدوا بأثرياء بلدهم‪ ,‬الذي كان‬
‫أكثريتهم الساحقة من اليهود الذين كانوا يراقبون ما يدور حولهم عن كثب‪,‬ويتدارسون دقائق الوضاع‪ ,‬ويحصون مختلف المور و‬
‫الفرضيات ويضعون لكل فرضية ما يناسبها من الحلول‪ .‬ويحددون الساليب الناجعة لمجابهة كل حدث جديد‪ .‬ويرسون المناهج اليلة إلى‬
‫تحقيق أهدافهم الخاصة والعامة‪ .‬فلما شاهدوا ما آلت إليه الوضاع أيقنوا أن رياحهم هبت‪ ,‬فسارعوا إلى التأهب لستغللها على أوسع‬
‫نطاق ممكن‪ .‬وفي خضم هذه المصائب التي نزلت بالدول الوروبية‪ ,‬ظهر في الفق حدث جديد ‪ ,‬لم يكن أقل خطرًا على الكنيسة وأنظمة‬
‫الحكم التي كانت سائدة آنذاك ‪ ,‬من الحروب التي كانت قائمة‪ ,‬وهذا الحدث لم يكن سوى انطلق المبادئ الحديثة التي خرجت من قلب قلعة‬
‫المسيحية الولى إيطاليا‪ ,‬وانتشرت في مختلف أقطار أوربا بسرعة مذهلة‪ ,‬وكان أصحابها ممن سموا أنفسهم بأعضاء جمعية المثقفين‪ .‬أما‬
‫أغراض هذه المبادئ فكانت تتلخص بدعوة الناس إلى الخروج على الكنيسة ونبذ تعاليمها‪ ,‬والنعتاق من العقائد والتقاليد المسيحية‪.‬‬
‫والعودة إلى الدب العقائد والدب الروماني‪ ,‬والتخلي عن المعيشة النصرانية الداعية لحياة الخنوع والتقشف واستبدالها بمفهوم الحياة‬
‫الرومانية المرحة‪ ,‬وفلسفتها المتفائلة الباعثة للسعادة والمال‪.‬‬
‫ويبدو أن هذه الفلسفة الجديدة لقت هوى في نفوس الجماعات الوروبية التي كانت ترزح آنذاك تحت كابوس الحروب و ضيق العيش و‬
‫تزمت الكنيسة‪ ,‬فسارع أكثر البائسين إلى اعتناقها والدعوة لها‪ ,‬وهكذا أصبحت الكنيسة والحكومات أمام عقبة جديدة تتطلب اليقظة و‬
‫ل من ورائها‪ ,‬منذ أمد بعيد‬
‫الحذر‪ .‬أما اليهود الذين كانوا على أتم الستعداد لمواجهة كل طارئ‪ ,‬رحبوا بهذه المبادئ الجديدة التي كانوا أص ً‬
‫) إذ المعروف أنهم غزوا أوربا بالفلسفات الشرقية القديمة والجديدة التي كانت تقريبًا جميعها مناوئة للكنيسة وتقاليدها(‪ .‬كما رحبوا‬
‫بالتجاء الكنيسة والحكومات للستدانة منهم‪ ,‬فتحركت رؤوسهم المفكرة ) أعضاء مجلس الكهنوت العلى ‪ (Sanhedrin‬تعمل بسرعة و‬
‫انتظام‪ .‬وأوعزت إلى الثرياء من أتباعها باستغلل لجوء الكنيسة والحكام إليهم‪ ,‬وأمرت المثقفين بأن يندمجوا في جمعيات المنورين التي‬
‫كانت قيد التشكيل في أكثر القطار الوروبية وإلى المرابين أن يفردوا أكياسهم ليرتهنوا أكبر عدد من الملك‪ ,‬ويشاركوا أكبر عدد ممكن‬
‫من التجار و أصحاب العمال‪ ,‬وإلى صعاليكهم بأن ينتظموا في مختلف الصفوف ليتمكنوا من تعميم ما تصدر إليهم من التعليمات‪ .‬ولما كان‬
‫اليهود على أهبة العمل‪ ,‬بفضل التنظيمات الداخلية التي كانت قائمة في أحيائهم منذ فجر التشرد‪ ,‬لبوا سريعًا دعوة المجلس‪ .‬وهكذا خرج‬
‫المارد اليهودي من قمقمه وأخذ يسعى في طول أوربا وعرضها‪ .‬وفي زمن قياسي وبفضل ما نثروه من الموال سيطر اليهود على جمعيات‬
‫المنورين‪ ,‬وكانوا يمدونها بكل ما حوته كتبهم من الفلسفات والبدع المناوئة للكنيسة كما سيطر المرابون منهم على مقدرات التجار‬
‫والصناع والملك بفضل ما قدموه لهم من القروض‪ .‬أما صعاليكهم فلم يدخروا وسعًا في تعميم كل ما صدر إليهم من التعليمات المسفهة‬
‫للكنيسة ورجال الدين ‪ .‬بينما عمد أثرياؤهم إلى إقامة تحالف مالي بينهم‪ ,‬تحت زعامة المالي اليهودي يعقوب فوجر )‪(Jacob Fugger‬‬
‫الذي أسس المصارف العديدة في أكثر العواصم الوروبية‪ .‬ومن ثم عمد إلى التقرب من الكنيسة التي كانت بحاجة ملحة للمال‪ .‬فرحبت‬
‫بتودده إليها‪ ,‬آملة أن تحصل منه على ما هي بحاجة إليه من المال‪ ,‬فلم يخيب فوجر رجاءها‪ .‬وقدم لها ما طلبته مقابل أن يتولى عنها جباية‬
‫ضرائبها وبيع ممتلكاتها في كافة القطار الوربية‪.‬‬
‫وبذلك أصبح هذا اليهودي قيمًا على الكنيسة‪ ,‬ومن ثم راح يعين أبناء قومه جباة لموالها‪ ,‬وعين لكل كنيسة وأبرشية محاسبًا من‬
‫أتباعه‪.‬وهكذا سيطر على الكنيسة برمتها وأصبح أقوى رجال عصره‪ .‬فخطب الملوك وده وقربوه من مجالسهم واستعانوا به على أمورهم‪.‬‬
‫ولقد استدان منه كل من شارلكان‪ -‬وماكسيمليان وغيرهما من الملوك‪ ,‬حتى أنه تمكن أكثر من مرة من تمويل ملكين متخاصمين في آن‬
‫واحد ‪ ,‬فعظم شأنه في أكثر الممالك الوربية‪ ,‬ويقال إنه كان يعين بنفسه أكثر وزراء المالية‪ ,‬ورؤساء الخزائن في الدول التي كانت‬
‫تستقرض منه‪ .‬ويبدو أن هذه الدول كانت ترحب بتدخل فوجر في شؤونها المالية‪ ,‬لنه كان يضع تحت تصرف من كان يعينهم في أجهزتها‬
‫جميع أموال المصارف التابعة له‪ ,‬وبفضل هذه الساليب الشيطانية أصبح اليهود يهيمنون على أكثر الدول الوربية وشعوبها ‪.‬‬
‫ودخلوا المجتمع الوربي من بابه الواسع‪ ,‬وتوصل بعضهم إلى مراكز النفوذ‪ ,‬وآخرون حصلوا على اللقاب الضخمة التي ابتاعوها من‬
‫الملوك والمراء ‪ ,‬فتوسعت أطماعهم فعمدوا إلى السيطرة على السواق المالية ) البورصة( وسرعان ما تم لهم الستيلء عليه ثم وجهوا‬
‫اهتمامهم إلى الميادين السياسية والتوجيهية‪ ,‬وتسللوا إلى الجمعيات الثقافية والسياسية مثل جمعية النسانيين ) ‪ (Humanistes‬التي‬
‫كانت تتعثر في تقدمها‪ ,‬فدعموها بأموالهم الوفيرة‪ ,‬فنشطت تلك الجمعيات لتعمل لحسابهم‪ ,‬فابتاعوا لها دور النشر وافتتحوا لها دور‬
‫الطباعة الخاصة‪ ,‬ليسهلوا لها سبل النشر و التوجيه ضمن مخططاتهم الرامية إلى تحقيق الغراض اليهودية‪ .‬ولقد تمكنت هذه الجمعيات‬
‫من إغراق السواق الفكرية في بحر من مبتكراتها التي كانت تستوحيها من اليهود‪ ,‬وهكذا أصبح اليهود يسيطرون على الرأي العام‪,‬‬
‫وخاصة في فرنسا التي افتتحوا فيها معهد قراءة الملك )‪ (Lecteurs Royaux‬بمساعدة اليهودي بودي )‪ (Budé‬الذي كان يدير المكتبة‬

‫‪38‬‬

‫الملكية بباريس عاصمة الدولة الفرنسية التي كانت تلقب بابنه الكنيسة البكر‪ ,‬ولقد اشتهر هذه المعهد بمناهجه المهودة‪ ,‬التي كان يلقنها‬
‫لتلمذته مثل الدب العبراني واللهوت و دراسة اللغات القديمة وخاصة العبرانية‪ ,‬وكان جميع أساتذته من اليهود وأفراد الجمعيات‬
‫المهودة مثل جمعية النسانيين التيس يعترف التاريخ لفرادها ببعض الخدمات العلمية التي قدموها للنسانية ولكنه يؤكد تبعيتها لليهود‪,‬‬
‫والمؤرخون يجمعون على أن النسانيين كانوا خلف جميع المبادئ والنظريات الهدامة التي انتشرت في القرن الثامن عشر‪ ,‬والتي كانت‬
‫تدعوا إلى تحرير الفرد من قيود الروابط العائلية‪ ,‬وتحرض على هدم وحدتها ‪ ,‬وتشجع على الباحية المفرطة‪ ,‬وتحث على مناوئة الكنيسة‬
‫والخروج عن المثل العليا التي كان المجتمع الوربي يقدسها‪ .‬والظاهر أن هذه التعاليم لقت رواجًا في أكثر القطار الوربية‪,‬و خاصة في‬
‫فرنسا التي استهدفها اليهود قبل سواها من البلد الوربية‪ ,‬وهكذا تحقق لليهود تمزيق وحدة العائلة‪ ,‬ومن ثم وحدة الشعب‪ ,‬وذلك بعد أن‬
‫خرج الفرد على نفوذ عائلته‪ ,‬وتحرر من قيود وتعاليم الكنيسة التي كانت تفرض عليه من قبلها‪ ,‬مما أدى إلى هزيمة الكنيسة الهرمة أمام‬
‫الهرطقية اليهودية‪ ,‬التي احتلت مكانها في المجتمعات الوروبية‪ ,‬وخلى لها الجو لتنشر تعاليمها الجديدة على أوسع نطاق‪ ,‬وتبث في‬
‫الشعوب الوربية مبادئها المعادية للدين المسيحي وللمثل العليا القديمة‪.‬‬
‫وزاد الطين بله ظهور لوثر المفاجئ في ألمانيا‪ ,‬وانشقاق كنيسته الجديدة عن الكنيسة الكاثوليكية‪ ,‬الذي أسفر عن تدخل المراء في‬
‫المقاطعات اللمانية بشؤون الدين‪ ,‬وإعلن تمردهم على البابا‪.‬‬
‫فهلل اليهود لهذا الحدث الجديد‪ ,‬وبغية توسيع شقة الخلف بين البابا والمراء اللمان‪ ,‬سارعوا إلى وضع أموالهم تحت تصرف المراء‬
‫المناهضين للكنيسة القديمة وحرضوهم على مقاومتها واندلعت نيران الحروب الدينية‪ ,‬التي أسفرت عن أضرار جسيمة لكل من اشترك‬
‫فيها وانتهت عام ‪ 1526‬باعتراف شارلكان باستقلل المارات اللمانية وكنائسها عن البابا‪ .‬ولكن اليهود أبو أن يقبلوا بعودة السلم‪,‬‬
‫فعمدوا من جديد إلى إذكاء نيران الحقد بين الكاثوليك و البروتستانت‪ ,‬فعادت الحروب بينهما وعلى الخص بعد موت شارلكان‪ ,‬ودامت‬
‫حتى عام ‪ 1555‬م ‪ ,‬ولما عقد الصلح بين المراء اللمان وفرديناد‪ ,‬كانت المقاطعات اللمانية قدر خرجت تمامًا عن طاعة الكنيسة و‬
‫أصبحت مستقلة في شؤونها الدينية والسياسية‪ ,‬وأطلقت حرية الديان‪.‬‬
‫وأعقب هذه الحداث‪ ,‬ظهور كالفين في فرنسا‪ ,‬وقيام المذابح الرهيبة بني أنصاره و أنصار الكنيسة القديمة التي أدت إلى إضعاف نفوذ‬
‫البابا في فرنسا‪ ,‬وعلى الخص عندما أعلن هنري الثامن تمرده عليه‪ .‬وهذه الحداث المتتالية ‪ ,‬قضت على هيبة الكنيسة‪ ,‬وأضعفت نفوذها‬
‫في أكثر أقطار أوربا‪ ,‬بينما كانت اليهودية الحاقدة ) التي كانت خلف أكثرها (‪ ,‬تعمل دون كلل على رض صفوفها‪ ,‬ضد أنصار الكنيسة‬
‫استعدادًا لجولتها المقبلة‪ ,‬لتجهز عليها في أول فرصة سانحة وإزاء هذه الحالة لم يكن بد للكنيسة القديمة من المقامرة بالورقة الخيرة‪,‬‬
‫فشرعت تضمد جراحاتها وتتأهب بدورها لمجابهة اليهود وأنصارهم‪ .‬ولما تمت استعداداتها ‪ ,‬أحدثت محاكم التفتيش وأصدرت قوائم‬
‫التحريم ثم أوعزت إلى فرق اليسوعيين )‪ (La Jésuites‬بأن تباشر هجومها المضاد الذي عرف بالتاريخ باسم الصلح المعاكس )‬
‫‪ , (Contre Reforme‬فوقعت في البلد الوربية أحداث عديدة وخاصة في فرنسا ‪ ,‬فسالت الدماء الغزيرة‪ ,‬واستعمل فيها المتخاصمون‬
‫أبشع الساليب وأحطها‪ ,‬ودامت إلى أن اعتلى هنري الرابع العرش الفرنسي فناصر الكنيسة على استعادة هيبتها‪ ,‬وأرغم الكهنوت‬
‫للستكانة‪ ...‬وفرض على اليهود قيودًا شديدة‪ ,‬وشل بذلك حركاتهم المناوئة للكنيسة وبكلمة أوضح أعاد الحية اليهودية الرقطاء إلى‬
‫جحرها‪ .‬ولما خلفه الملك لويس الرابع عشر على العرش ازدادت القيود المفروضة على اليهود‪ ,‬ولكنهم صمدوا لها بفضل معاونة الماسون‬
‫والجمعيات المناصرة لهم‪ .‬وشاءت القدار أن يموت لويس الرابع عشر ويخلفه ابنه لويس الخامس عشر الذي اشتهر باللمبالة و‬
‫الستهتار‪ ,‬فعاد اليهود مجددًا لنشاطهم السابق‪ ,‬وعندما اعتلى لويس السادس عشر العرش الفرنسي‪ ,‬تفاءل اليهود خيرًا لما كانوا يعرفونه‬
‫من ضعف العاهل الجديد‪ ,‬فوسعوا نشاطهم أكثر من ذي قبل‪ ,‬وحرضوا الشعب على المطالبة بإعادة الحكم الدستوري الذي كان قد ألغاه‬
‫الوزير السابق موبو )‪ (Maupeau‬فكان لهم ما أرادوا وأعيد المجلس الوطني‪ ,‬وقيدت تدريجيًا سلطات الملك‪ ,‬فخرج المر من يده‪,‬‬
‫وعمت البلد الفوضى‪ ,‬وضعفت شوكة الملكية فيها‪ ,‬بينما كان النفوذ اليهودي يزداد يومًا عن يوم‪ ,‬وتوسعت مطامعهم‪ ,‬فبدؤا يعملون‬
‫للطاحة بالملكية علنًا يدفعون الماسون وجمعيات النسانيين التي كانوا يمولونها ‪,‬للعمل على تشويه سمعة الحكم وتحريض الناس على‬
‫المطالبة بالمزيد من الحريات‪ ,‬فتفاقمت المور‪ ,‬وتعددت الحزاب والشيع المناوئة للملكية والكنيسة‪ ,‬مثل جماعة المنورين )‪La‬‬
‫‪ (Illuminée‬وجماعة الفضيلة )‪ ,(Vértueux‬واتسعت الشقة بين الملك والشعب‪ ,‬وأيقن اليهود أن الساعة المنتظرة منذ أمد بعيد‪ ,‬قد‬
‫دنت وحان زمن النتقام من فرنسا‪ ,‬والجهاز على الملكية و الكنيسة‪ ,‬وتصفية ما لهم من ثأر قديم عندهما‪ .‬فهبوا مع أنصارهم لشعال نار‬
‫الثورة التي أطاحت بالملكية إلى البد‪.‬‬
‫الثورة الفرنسية‪,‬أو فرية اليهود الكبرى‬
‫جاء اليهودي إلى فرنسا عام ‪ 1780‬ينشد عونها وحمايتها وفي عهدي الثورة و المبراطورية احتل كل ميدان فيهما وتوغل في كل مكان‬
‫ولما عادت الملكية استولى على أفخم قصورها وأبهائها وفي عهد نابليون الثالث شارك الفرنسي في فراش الزوجية أما في ظل‬
‫الجمهورية فشرع بطرده حتى من منزله ووطنه) من أقوال إدوارد دورمونت مؤلف كتاب فرنسا اليهودية (‬
‫) ‪( Edouard Drumont- La France Juive‬‬
‫ل‪,‬‬
‫منذ عام ‪ ,1789‬والعالم مازال مخدرًا بما سمعه وقرأه عن الثورة التي قامت في فرنسا‪ ,‬وسميت بالكبرى زورًا وبهتانًا وبالفرنسية باط ً‬
‫ولكن ما حيلتنا‪ ,‬والعالم مبهور بما سمعه عمن أسموا بأبطالها و ما أضفي عليهم من آيات الكبار والعجاب‪ ,‬وما أحيطت به شعاراتها‬
‫ومبادئها من التقديس والتكريم‪ ,‬حتى غدا أبطالها قدوة يقتدي بهم كل من يكرس نفسه في الميادين القومية والسياسية‪ ,‬وأصبحت شعاراتها‬
‫ورموزها خالدة تدور في أفلكها الحركات التحررية في هذه الدنيا‪.‬‬
‫ل تحررية؟ ومن استفاد‬
‫فهل كانت هذه الثورة فرنسية خالصة؟ وهل كانت اليدي التي خططت لها فرنسية صادقة؟ وهل كانت أهدافها فع ً‬
‫منها بعد كل الدماء التي أرهقها الشعب الفرنسي؟ وأخيرًا هل كانت أمينة على المصالح الفرنسية؟ حتى تستحق أن نسميها بالفرنسية؟‬
‫والجوبة على هذه السئلة‪ ,‬تكمن في طيات حوادث هذه الثورة وما أسفرت عنها نتائجها‪ ,‬التي ظلت خافية على أكثر الناس‪ .‬وبغية‬
‫اليضاح سنعمد فيما يلي إلى إلقاء الضوء عليها‪ ,‬لنكشف للقارئ الكريم ما غمض من أسرار هذه الثورة‪.‬‬
‫سبق أسهبنا في شرح الحالة العامة التي كانت تسود أوربا في أواخر القرن الثامن عشر‪ ,‬وخاصة في فرنسا إذ كانت المور فيها تسير من‬
‫سيء إلى أسوأ من جراء ضعف عاهلها‪ ,‬وازدياد انتشار الراء والمبادئ المختلفة فيها‪ ,‬وتدهور حالتها القتصادية و تعدد مذاهبها‬
‫السياسية ‪ ,‬وعلى الخص بعد أن تعمقت في أرضها جذور الماسونية التي انتشرت مبادئها في كل بقعة من الرض الفرنسية‪ ,‬بفضل‬

‫‪39‬‬

‫المساعي التي بذلها محفل الخوات التسع ) ‪ (La neuf Sæurs‬الذي تأسس في عام ‪ 1721‬والذي تفرع عن المحفل البريطاني الكبير‬
‫الذي أسسه اليهود عام ‪ ,1717‬واختاروا العاهل البريطاني لرآسته‪ ,‬ليستفيدوا من نفوذه الدول و يسخروه لمصالحهم الخاصة‪ .‬فكان من‬
‫البديهي أن يخضع المحفل الفرنسي للسيطرة اليهودية طالما كان يخضع للمحفل البريطاني المحدث من قبل اليهود والذي كان من أبرز‬
‫أعضائه أمثال دوللند )‪ (De lalande‬وبنيامين فرانكلين )‪.(B.Franklin‬‬
‫ولقد وفق اليهود في ضم خيرة رجال البلد الفرنسية أمثال فولتير )‪ (Voltaire‬وسواه إلى هذا المحفل‪ ,‬فاشتد عوده وتقاطر عليه النبلء‬
‫والمثقفون ينضوون تحت لوائه‪ ,‬ولكي يصبح في حرز حريز‪ ,‬عمد اليهود إلى إسناد رئاسته للمير لويس فيليب دورلن ) ‪Louis‬‬
‫‪ (Philippe D’Orleãnt‬وبذلك أصبح هذا المحفل قوة يرهب جانبها‪ ,‬ول يجرؤ أحد على المس بأعضائه‪ .‬عندها شرع اليهود بدفعه في‬
‫التجاهات التي تحقق أغراضهم‪ ,‬فبدأ المحفل بنشر مبادئه المناوئة للكنيسة‪ ,‬وللحكم المطلق‪ ,‬وانتشر أعضاؤه في كل مكان يرددون على‬
‫مسامع الناس ما تلقنوه من التعاليم الماسونية‪ ,‬ويحرضون الشعب على المطالبة بإعادة الدستور‪,‬وإلغاء الحكم المطلق‪ ,‬وإطلق الحريات‬
‫العامة‪ ,‬وتقليص سيطرة الكنيسة وإلغاء الضرائب الجمركية‪ ,‬والسماح بحرية التجارة‪ ,‬والترخيص باقتناء العقارات‪ ,‬وكانت الجمعيات‬
‫الخرى كجمعية النسانيين تساند أيضًا الماسون‪ ,‬ويكتب أعضاؤها المقالت الطويلة في الصحف تحرض الشعب على تأييد مطالب‬
‫ل من الحرية والعدالة‪ ,‬بينما كان‬
‫الماسون‪ .‬وهكذا غرر اليهود وأنصارهم بالشعب الفرنسي‪ ,‬فانساق خلف أضاليلهم‪ ,‬وتوهم أنه محروم فع ً‬
‫في الحقيقة‪ ,‬يمتلك حريته أكثر من الشعوب الوربية الخرى‪ ,‬وخاصة بعد أن أطلقت لفراده الحرية الدينية ) على إثر الحروب الدينية(‬
‫ولكن إصرار الماسون والنسانيين على إيهامه‪ ,‬بأنه مهضوم الحقوق‪ ,‬جعله ينجرف في تيار دعاياتهم‪ ,‬ويميل إلى مناصرتهم ويهب لثارة‬
‫الفوضى والشغب‪ ,‬وعندما أعيد الحكم الدستوري إلى البلد وتفاقم المر‪ ,‬ازداد نشاط الماسون في تحريض الشعب‪ ,‬فانقاد إليهم دون وعي‬
‫وإدراك‪ ,‬فقامت المظاهرات الصاخبة في أنحاء البلد‪ ,‬وتعددت أعمال الشغب و العتداء على رجال الدولة والكنيسة‪ ,‬بينما كانت الدولة‬
‫غارقة في مباهجها وملذاتها‪ ,‬رغم أنها قد أخبرت عام ‪ 1781‬من قبل رئيس دير ويلهلمسباد )‪ (Wilhemsbad‬في فرانكفورت‪ ,‬بأن‬
‫اليهود والماسون يعملون سرًا للطاحة بها‪ ,‬كما أن الشرطة البافارية أبلغتها عام ‪ 1785‬بأنها اكتشفت في مقر المحفل الماسوني الذي كان‬
‫يرأسه اليهودي ماندلسون )‪ (Mandelson‬وثائق ومخططات سرية تشير إلى أن اليهود والماسون يسعون لقلب نظام الحكم في فرنسا‪,‬‬
‫بغية السيطرة عليها‪ ,‬ومن ثم على أوربا بأكملها‪ ,‬ولكن الدولة الفرنسية أهملت هذه المعلومات‪ ,‬وظلت سادرة في غفلتها وكأن المر ل‬
‫يعنيها‪.‬‬
‫وهذا الهمال شجع اليهود وشركائهم على التمادي في أعمالهم التخريبية‪ ,‬كما أدى إلى إرهاب المخلصين من الفرنسيين‪ ,‬فوقفوا من‬
‫الحداث موقف المتفرج‪ ,‬ولم يجرؤ أحد على رفع صوته‪ ,‬وتنبيه الشعب الذي تردى في المتاهات اليهودية‪ ,‬وسار خلفهم وكأنه قطيع غنم‪.‬‬
‫وزاد الطين بلة‪ ,‬انجراف بعض رجال الدين وطبقة النبلء مع التيار‪ ,‬وانتسابهم للماسونية‪ ,‬وللجمعيات التي كانت تساندهم‪ ,‬قم قيام البعض‬
‫منهم بتحريض الشعب على الكنيسة والدولة أسوة باليهود والماسون‪ ,‬والمطالبة بإنصاف اليهود ) إخوة المسيح( المضطهدين‪ .‬وأمام هذا‬
‫السيل الجارف من المعارضين‪ ,‬تخاذلت الدولة‪ ,‬فخرج المر من يدها‪ ,‬وتضاءلت هيبتها‪ ,‬فاندلعت الثورة‪ ,‬وأطاحت بالملكية‪ ,‬واستعاضت‬
‫عنها بحكومة ائتلفية‪ ,‬شكلت من أعضاء الجمعية الوطنية التي كانت مكونة من خليط عجيب‪ ,‬وجلهم من الماسون‪ ,‬والمهودين‪,‬‬
‫والنتهازيين الذين يعملون في خدمة اليهود‪ ,‬ول هم لهم‪ ,‬إل إرضاء سادتهم‪ ,‬والتسابق للتقرب منهم‪ ,‬بغية الحصول على أكبر قدر ممكن‬
‫من المكاسب المادية و المعنوية على حساب الشعب الفرنسي التعس‪.‬‬
‫ولقد اتخذ أعضاء الجمعية الوطنية قاعة مجلس النواب‪ ,‬منبرًا ليتباروا فيه في شتم الملكية والكنيسة‪ ,‬ويلصقوا بهما شتى أنواع المخازي‬
‫والموبقات‪ ,‬بقصد كسب ود اليهود الذين كانوا يسيرون آنذاك أمور الدولة والشعب معًا‪.‬‬
‫ولقد استغل اليهود‪ ,‬الموقف المخزي لعضاء الجمعية الوطنية‪ ,‬أحسن استغلل‪ ,‬فكانوا يغدقون الوعود المعسولة على كل عضو منهم‪,‬‬
‫ليدفعوه إلى التفاني في خدمتهم‪ ,‬وكان هؤلء المرتزقة عند حسن ظن اليهود‪ ,‬فلم يدخر أحدهم وسعًا في تحقيق أغراضهم‪ .‬حتى أن المير‬
‫فيليب رئيس المحفل الماسوني كان السّباق في تقديم مشروع قانون حقوق النسان ) الذي وضعه اليهود والماسون( وأصر على التصويت‬
‫عليه وإقراره في أول جلسة للمجلس الوطني‪.‬‬
‫ولما عرض هذا المشروع على الجمعية الوطنية‪ ,‬هبت الكثرية الساحقة من أعضائها‪ ,‬تدافع عنه‪ ,‬وفي مقدمتها ميرابو الشهير بخطيب‬
‫الثورة‪ ,‬الذي أشاد بالمشروع وأثنى على واضعيه‪ ,‬ووصفه بأنه خير تشريع أوجده النسان منذ الخليقة‪.‬‬
‫ومن ثم تقدم النبيل الماسوني دوبور )‪ (De port‬بمشروع قانون يقضي بإلغاء كافة القيود التي كانت مفروضة على اليهود‪ ,‬منحهم جميع‬
‫الحقوق المدنية والسياسية‪ ,‬فسارع كل من الئتلفي روبيسبير و الماركيز المهود لفاييت‪ .‬و الماسوني مونيه‪ ,‬والراهب الكاثوليكي سيس‬
‫والزعيم تالليران للدفاع عن المشروع الجديد‪ ,‬وأخيرًا الراهب الكاثوليكي غريغوار الذي أنهى دفاعه بقوله‪:‬‬
‫أيها السادة‪ ,‬ل تعتقدوا بأنه يكفي اليهود أن تهبوهم حق الحياة‪ ,‬دون أن تمنحوهم الوسائل التي تجعلها محتملة بعد كل ما تحمله اليهود من‬
‫ظلمكم في الماضي‪ ,‬وأرجو أل تورثوا أحفادكم‪ ,‬الحقاد السوداء التي حملتموها ضد اليهود‪ ,‬أيها السادة كفى ما تحمله اليهود من مظالمكم‪,‬‬
‫وآن لكم أن تكفروا عما ألحقتموه بهم من المآسي في الماضي‪ ,‬وأخيرًا أهيب بكم أن تعيدوا إليهم حقوقهم‪ ,‬وأن تعاملوهم بعد اليوم على‬
‫أساس الخاء والمساواة والعدالة‪.‬ولم يكد الخطيب ينهي كلمته حتى كانت الجمعية أقرت المشروع‪ ,‬وأصبح اليهود يملكون جميع الحقوق‬
‫الممنوحة للمواطنين الفرنسيين‪.‬‬
‫وعلى الثر ظهر اليهود على مسرح الحداث على حقيقتهم‪ ,‬ودون خوف أو رهبة‪ ,‬وبادروا إلى استثمار الفرصة بأقصى سرعة‪ ,‬فأغاروا‬
‫على مناصب الدولة الحساسة يحشرون فيها أبناء قومهم‪ ,‬وفي زمن قياسي أصبحوا يقبضون على زمام المور في أكثر أجهزة الدولة‬
‫الدارية والتشريعية و التنفيذية‪ ,‬وبذلك غدوا أولي المر والنهي في جميع أنحاء البلد الفرنسية‪ ,‬ومن ثم شرعوا بالستيلء على كنوز‬
‫وتحف القصور و الكنائس‪ ,‬فابتاعوا ما عرض عليهم بأبخس الثمان واغتصبوا الباقي بمختلف الطرق والساليب‪ ,‬وبعد أن انتهوا من هذه‬
‫القضايا‪ ,‬شعروا بقوتهم‪ ,‬فجاهروا بما كانوا يخفونه من مشاعر الحقد نحو الكنيسة والمسؤولين الذين أحرقوا التلمود في الماضي‪ ,‬وقرروا‬
‫فيما بينهم إرهاب الشعب الفرنسي حتى ل يجسر أحد في المستقبل على مناوأتهم أو النيل منهم‪ ,‬والغريب أنهم كانوا يعلنون عن رغباتهم‬
‫هذه‪ ,‬فل يعترضهم أحد‪ ,‬ويسير الشعب في ركابهم وكأنه مخدر ل يعني ول يفقه ما يدور حوله‪ ,‬وينفذ ما يؤمر به دون تفكير أو مناقشة‪,‬‬
‫ولقد استغل اليهود هذا الغباء الذي سيطر على الشعب الفرنسي‪ ,‬واستغلوا زمام المبادرة في البلد‪ .‬وانتشروا في كل مكان‪ ,‬يعملون دون‬
‫هوادة لرهاب الفراد وإذلل الجماعات‪ ,‬والشعب ينفذ مآربهم‪ .‬ويضرب الفئات المناوئة لليهود‪ ,‬ويحرق المدن المعادية لهم‪ ,‬ويهدم الكنائس‬
‫والمعابد المسيحية ويقتل القسس والرهبان ‪ ,‬ويدنس الشعائر الدينية‪ ,‬كل ذلك نزوًل عند رغبة اليهود وإرضاء لنزواتهم وتحقيقًا لهدافهم‬
‫الرامية للقضاء على المعتقدات المسيحية‪ ,‬والستعاضة عنها بشعارات ربيبتهم الماسونية ذات الحدين‪ ,‬والتي كان اليهود والماسون آخر‬

‫‪40‬‬

‫من يؤمن بها‪ ,‬ولكنهم نادوا بها لتحقيق أغراضهم الخاصة‪ ,‬وتظاهروا باعتناقها‪ ,‬لستخدام حديها لتحقيق أهدافهم المتناقضة التي‬
‫تستلزمها المصلحة اليهودية‪ ,‬أما الفرنسيون فاتخذوها بمدلولها العام الظاهر‪ .‬فكانت الحرية التي سمعوا اليهود ينادون بها‪ ,‬يعني لديهم‪,‬‬
‫الحرية التي كافح النسان منذ أقدم العصور‪ ,‬وما زال يكافح للحصول عليها‪ ,‬والتي كانوا يعتبرونها حقًا مكتسبًا لكل إنسان‪ ,‬بينما كان‬
‫اليهود والماسون ينادون بها للتغرير بالفرنسيين‪ ,‬ليساعدوهم على استرداد حريتهم التي كانت الكنيسة قد قيدتها‪ ,‬على أثر الجرائم التي‬
‫ارتكبوها بحقها وحق الشعوب التابعة لمذهبها‪.‬‬
‫وكان الفرنسي يفهم من المطالبة بالخوة إيجاد التعاون والتفاهم بين مختلف طبقات المة‪ ,‬والقضاء على المتيازات الخاصة‪ ,‬أما اليهود‪,‬‬
‫فكانوا يرومون من المناداة بها جر الفرنسيين إلى المطالبة بإزالة الفوارق التي كانت تقيد اليهود وتعتبرهم على حقيقتهم أغرابًا عن‬
‫المجتمع الفرنسي‪.‬‬
‫كما كان الفرنسي يقصد من مجاراة اليهودي في المطالبة بالمساواة تحقيق التساوي بين أفراد المة في الحقوق والواجبات‪ ,‬وإزالة‬
‫الفوارق الطبقية‪ ,‬واحترام تكافؤ الفرص‪ .‬في الوقت الذي قصد اليهود منها‪ ,‬استعادة حقوقهم السياسية والمدنية عن طريق تحريض الشعب‬
‫إلى المطالبة بتحقيقها ضمن مفهومها العام‪ ,‬حتى ل يلفتوا النظار‪ ,‬إلى مآربهم الخفية التي كانت ترمي إلى الطاحة بالملكية والطبقة‬
‫الحاكمة واحتلل مراكزها في الحكم وإدارة البلد بفضل مساعدة الشعب‪ ,‬ومن ثم إخضاعه بدوره قبل أن يستيقظ من سباته العميق الذي‬
‫غرق فيه بفضل المخدر الماسوني الذي حقن به‪.‬‬
‫والحق أن اليهود نجحوا في تنفيذ مخططاتهم على أكمل وجه‪ ,‬واستغفلوا الشعب الفرنسي الطيب‪,‬و جروه إلى حيث أرادوا‪ ,‬دون أن ينتبه‬
‫لغراضهم‪ ,‬وألقموه شعاراتهم المزيفة ) التي تسفهها بروتوكولتهم صراحة‪ ,‬وتنفي جدواها‪ ,‬وتسميها بطعوم البلهاء والغبياء( فتبناها‪,‬‬
‫ودافع عنها‪ ,‬وضحى في سبيلها بما كان يملكه من الحرية النسبية‪ ,‬والمثل العليا‪ ,‬ورضي أن يسير في ركاب من أطلقوها معتقدًا بنبل‬
‫أقوالهم وأهدافهم‪ ,‬يقتل ويذبح ويدمر ويحرق‪ ,‬وهو فخور بما يعمل‪ ,‬ل هّم له إل تنفيذ ما يؤمر به‪.‬‬
‫وهكذا أصبح عبدًا مسخرًا في عقر داره‪ ,‬ل يملك من أمره شيئًا إل الطاعة العمياء‪ ,‬أما النتائج التي حصل عليها‪ ,‬والمكاسب التي حققها من‬
‫ثورته هذه‪ ,‬فإننا نترك أمر تقديرها للقارئ الكريم‪ ,‬الذي نعرض عليه فيما يلي تفاصيل الحداث ونتائجها‪ ,‬ليتبين لنا بعد مطالعتها‪ ,‬مدى‬
‫المكاسب التي جناها الفرنسيون من المذبحة الهائلة التي أسموها بالثورة‪.‬‬
‫بعد قيام حكومة الثورة واستتباب المر لها‪ ,‬توغل اليهود في أجهزتها‪ ,‬عمد بعد بعض ثوار مدينة باريس إلى مطالبة الحكومة بالحد من‬
‫مغالة اليهود في احتكار الوظائف والمكاسب‪ .‬فسارع اليهود إلى إثارة الشغب في المدينة ليقدموا على قطع الطريق على خصومهم‪ ,‬فقامت‬
‫فيها المظاهرات الصاخبة وبادر النائب اليهودي رونو دو سن جوان وانجلي )‪ (Regnaul de saint jean D’angly‬الذي لقب من قبل‬
‫كافة مؤرخي التاريخ بحامي إسرائيل‪ ,‬إلى طلب استعمال الشدة في قمع المظاهرات‪ .‬واقترح أن يكلف اليهودي هيربر )‪ (Herbert‬بقيادة‬
‫حملة التأديب هذه فوافقت الحكومة على مقترحاته‪ ,‬وعين هربر لهذه المهمة‪ ,‬فكان عند حسن ظن ابن قومه به رونو‪,‬فبطش بالناس دون‬
‫تمييز‪ ,‬وأهدر الدماء دون حساب‪ ,‬واكتسب بحق لقب بطل المذبحة‪ ,‬التي اشتهرت في التاريخ باسم مذبحة أيلول‪ .‬كما أنه خدين ابن شعبه‬
‫مارا )‪ (Marat‬الذي لقب بجلد الشعب‪ .‬ويقول ب‪ .‬هيبس عن مارا هذا إنه يهودي أصيل وابن طبيب يهودي معروف من مواطني سردينيا‬
‫استوطن مدينة بوندي )‪ (Bondy‬وأقام فيها تحت اسم مارا اعتنق في شبابه الكاثوليكية‪ ,‬ومن ثم أصبح بروتستانتيًا ‪ ,‬وتزوج من يهودية‬
‫سويسرية تدعى كابول ‪ Caboule‬فولدت له مارا الصغير الذي لقب فيما بعد بجلد الشعب‪ ,‬والذي اغتالته شارلوت كورداي )‬
‫‪ (Charlotte Cordaye‬عام ‪ 1793‬انتقامًا للجرائم و الفظائع التي ارتكبها بحق الشعب الفرنسي‪.‬‬
‫وعلى إثر المذابح التي حققها هربر لسكان باريس‪ ,‬أصبحوا ل يجرؤون على رفع أصواتهم‪ ,‬فثابر اليهود على اقتراف جرائمهم في جو من‬
‫المن والطمئنان‪ ,‬ثم حاولوا الستيلء على رئاسة الجمعية الوطنية ‪ ,‬ورشحوا لها النائب اليهودي كراديس )‪ ,(Cradis‬ولكن شهرته في‬
‫تطرفه العنصري‪ ,‬حالت دون مبتغاهم‪ ,‬رغم الجهود والموال التي بذلها الخوان سيرف وإسحاق باعر )‪ (Cerf et Isaac Beer‬اللذان‬
‫كلفا بالدعاية لكراديس‪.‬‬
‫فاغتاظ الشعب اليهودي من موقف الشعب الفرنسي حيال كراديس‪ ,‬وصمموا على الثأر‪ ,‬فوقع اختيارهم على الطفل المعتقل لويس السابع‬
‫عشر ) ولي العهد ( لينتقموا بشخصه من الفرنسيين‪ ,‬وأوعزوا إلى سجانه اليهودي سيمون‪ ,‬بأن ل يدخر وسعًا في إهانة سجينه علنًا‪,‬‬
‫فبادر سيمون إلى استنباط الهانات‪ ,‬واستهلها بأن منع المعتقل من ارتداء ملبس الحداد بمناسبة إعدام والده‪ ,‬وإمعانًا في إذلله‪ ,‬أرغمه‬
‫على ارتداء ملبس المهرجين وطرطور أحمر‪ ,‬ليضحك الناس منه‪ ,‬ومن ثم عوده على تعاطي الخمرة بكثرة ليظل مخمورًا ل يعي ما يقول‬
‫و ما يفعل‪ ,‬وعندما قدمت والدته للمحاكمة لقنه بحقها شهادة شائنة‪ ,‬وأرغمه على الدلء بها أمام محكمة الثورة‪ ,‬وأخيرًا أجبر على ارتداء‬
‫ملبس الحداد بمناسبة مقتل اليهودي مارا ‪ ,‬الذي أعدم والديه‪ ,‬وسبب قتل مئات اللوف بني قومه‪ ,‬حتى يظهر أمام الشعب وكأنه حزين‬
‫على موت جلد والديه‪ ,‬وكان يتقصد أن يراه الناس كلما أنزل به إحدى إهاناته ليجعله محل تندر للعامة‪.‬‬
‫ل من الهانات العلنية لولي عهدهم وسليل بناة مجدهم الثيل‪ .‬بينما وقف الشعب‬
‫وهكذا انتقم اليهود لكراديس من الفرنسيين‪ ,‬ووجهوا سي ً‬
‫الفرنسي مشدوهًا‪ ,‬ل يحرك ساكنًا‪ ,‬مثلما وقف في مستهل الثورة‪ .‬عندما شاهد اليهود يعلنون الفراح ويقيمون صلوات الشكر لندلعها‪,‬‬
‫ويجاهرون بأنها ثورتهم الخاصة‪ ,‬وينشدون ترانيم النشاد اليهودية )‪ (Enshaim‬على نغمات المارسيلييز )‪ (Marseillaise‬النشيد‬
‫القومي الفرنسي المعروف إثباتًا ليهودية الثورة‪.‬‬
‫وهذه المسكنة التي حلت بالشعب الفرنسي‪ ,‬أطمعت اليهود‪ ,‬ودفعتهم إلى التمادي في استثمار ظروف الثورة لتحقيق مصالحهم لقصى حد‬
‫ممكن‪ ,‬فحرضوا المجلس الوطني على إصدار قوانين اقتصادية و مالية جديدة تناسبهم دون الناس وتسهل لهم أمر امتلك أطيان الجهات‬
‫المغضوب عليها‪ ,‬ولما صدرت تلك القوانين‪ ,‬انهالوا على ممتلكات الكنيسة والعائلة المالكة والنبلء‪ ,‬وكل من أعدم‪ ,‬أو اعتقل من قبل‬
‫الثورة‪ ,‬ويبتاعونها بأبخس الثمان مرة ‪ ,‬وأخرى يستولون عليها بشتى أساليب الغش والخداع‪ ,‬ولتحقيق هذا الغرض الخير شكلوا شبكات‬
‫التجسس و التهام وكانت تعمل بزعم خدمة الثورة و لليقاع بأعداء اليهود و من يمتنع عن بيعهم أملكه‪ ,‬فراح أفراد هذه الشبكات يكيلون‬
‫للناس التهم الملفقة‪ ,‬فتقدم السلطات على اعتقال من يوشون بهم‪ ,‬دون تحقيق وتدقيق‪ ,‬ثم تحجز أملكهم وتعرضها للبيع‪ ,‬فيبتاعها اليهود‬
‫بأثمان رمزية‪ ,‬وبهذا السلوب تمكن اليهود من تجريد الفرنسيين أكثر ممتلكاتهم‪ ,‬وأصبحوا في برهة وجيزة أغنى أهل البلد بعد أن كانوا‬
‫ل يملكون فيها شبرًا واحدًا من الرض‪.‬‬
‫ولقد اشتهر من بين ملفقي التهم في عهد الثورة اليهودي زاكيد هورفيتز )‪ ,(Zakid Haurwitz‬الذي أرسل بمفرده أكثر من مائتي‬
‫كاهن وقس إلى المقصلة بموجب تهم ملفقة‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫وفي هذا الصدد يحدثنا القس ليمان )‪ (Abbé Lémann‬في كتابه المسمى ) السيطرة اليهودية( )‪(la Prépondérance Juive‬‬
‫ويقول‪ :‬بعد أن تسلح اليهود بقانون حقوق النسان‪ ,‬انقضوا كخفافيش الظلم على خليا الشهد التي عملت الجيال الفرنسية العديدة على‬
‫إملئها يمتصون رحيقها دون رحمة أو شفقة‪ ,‬بينما كانوا يكيلون لصحابها أقذر الشتائم والسباب‪ .‬مثل التي وجهها اليهودي لمبير )‬
‫‪ (Alexandre lambert‬إلى الشعب الفرنسي في خطابه الذي ألقاه في المحفل المسمى بمعبد الحقيقة )‪,(Temple de la Verité‬‬
‫وقال فيه‪ :‬إن كل الديان عدا الدين العبراني‪ ,‬هي ديانات مخادعة ومعيبة‪ ,‬ومهينة للقيم النسانية‪ ,‬ومذلة للرب نفسه‪ ,‬ولقد ألقيت هذه‬
‫الشتائم المهينة للشعب الفرنسي في أكبر قاعات العاصمة الفرنسية‪ ,‬ووجهت للشعب الفرنسي بحضور مئات اللوف من أبنائه وتحت سمع‬
‫وبصر حكومته‪ ,‬ومع هذا لم يجسر أحد على الرد عليه‪ ,‬أو طلب معاقبة شاتم المة بأسرها‪ ,‬وهكذا أهينت فرنسا‪ ,‬ولم يجرؤ أحد للدفاع عنها‬
‫خشية بطش اليهودي الدخيل الذي أصبح سيدها‪.‬‬
‫والجدير بالذكر ‪ ,‬في موضوع الثورة الفرنسية‪ ,‬هو توافق مراحلها وشعاراتها و نتائجها وكل أحداثها ‪ ,‬مع نصوص البروتوكولت‬
‫الصهيونية )‪ (Le Protocoles Des Sages De Sion‬التي تعتبر المنهاج السياسي لليهودية العالمية‪ ,‬والذي ظهر للوجود لول مرة‬
‫في أواخر القرن التاسع عشر‪ .‬وذهب أكثر النقاد على الظن بأنه من مبتكرات اليهودية للقرن الذي ظهر فيه‪ ,‬مع العلم أن تاريخ كتابة ما‬
‫يحويه ظل مجهوًل حتى اليوم ‪ ,‬وكل ما يعرف عنه‪ ,‬أن أحد أقطاب الصهيونية كان يحاضر‪ ,‬في زملئه بما يحويه هذا المنهاج‪ ,‬في‬
‫المؤتمرات التي كانوا يعقدونها في مختلف المدن الوروبية ‪ .‬ومن هنا يخيل إلي ‪ ,‬أن هذه البروتوكولت أو هذا المنهاج‪ ,‬هو أقدم مما ظنه‬
‫الناس‪ ,‬لربما كان من المبتكرات اليهودية في القرن الثامن عشر‪ ,‬إل لما كان هذا التوافق الملف للنظار بين نصوصه‪ ,‬وسير الحداث في‬
‫الثورة الفرنسية‪ .‬لن أكثر فقراته تشير صراحة إلى أن ما يحويه كان من القضايا المقررة قبل الثورة‪ .‬وللتدليل على صحة نظريتنا هذه‪,‬‬
‫نذكر فيما يلي نص الفقرة الواردة في الصحيفة الثامنة والثلثين حرفيًا‪:‬‬
‫عندما أطلقنا الشعارات ) الحرية و المساواة والخوة( لول مرة في التاريخ‪ ,‬أحاطت بنا زمرة من الببغاوات العجماء‪ ,‬تلقفتها من أفواهنا‪,‬‬
‫واتخذتها شعارات مقدسة لنفسها‪ ,‬دون أن تدرك هدفنا من إطلقها‪ .‬ومن ثم راحت ترددها دون هوادة‪ ,‬حتى حرمت العالم استقراره‪,‬‬
‫ل وحموها من عبث الطغاة و الوباش‪.‬‬
‫وأفقدت الناس حرياتهم التي دافعوا عنها طوي ً‬
‫والغريب هو أن هذه الببغاوات التي تدعي الذكاء والفطنة‪ ,‬لم تنتبه إلى ما يحيط هذه الشعارات من الغموض‪ ,‬لما تحتويه كل منها من‬
‫المغزى المناقض لمغزى الشعارات الخرى‪ ,‬كما أنها لم تدرك ما في بعضها من المخالفة لقوانين الطبيعة‪ ,‬فلو أنها كانت على شيء من‬
‫الفطنة‪ ,‬لدركت أن التساوي مفقود في عرف الطبيعة الخلقة ذاتها التي صنعت كل مخلوقاتها دون أن تخضعها للتساوي فيما بينها‪ ,‬فهي‬
‫ل لم تجعل البشر متساوين في الذكاء و القوة‪ ,‬أو المظهر والقدرة البدنية‪ ,‬أو الطول والعرض‪ ,‬كما أنها لم تخلق الحيوانات الخرى بنفس‬
‫مث ً‬
‫الطريقة‪ ,‬حتى كادت المساواة تعتبر من المظاهر الشاذة والخارجة عن الطبيعة‪ ,‬فكيف يمكنها إذًا أن توجد بين البشر؟ ومن ثم فات هؤلء‬
‫الغبياء أن ) الجماهير ( ليست سوى كتل عمياء‪ ,‬ل تفقه من أمور السياسة والحكم إل ما تسمعه‪ ,‬وهي ل يمكنها أن تمارس الحكم بجدار‪,‬‬
‫لنها لم تهيأ لهو إن أي فرد ممن أهلوا لمتهان السياسة والحكم وقيادة الشعوب‪ ,‬يظل أقدر على ممارسة الحكم من عباقرة الجماهير‪.‬‬
‫وهذه الحقائق الراهنة التبست على ببغاواتنا الجاهلة‪ ,‬فأخذت ما تلقنتها من الشعارات مأخذ الجد‪ ,‬وتطوعت لخدمتنا دون تبصر وإدراك‪.‬‬
‫ومن فحوى هذه الفقرة‪ ,‬يتضح بجلء أن المنهاج اليهودي هو أقدم مما ظنه الناس‪ ,‬وإل لما كان هذا النسجام الغريب بين فحوى هذه‬
‫الفقرة وما حدث في الثورة الفرنسية‪ .‬ومن ثم لما قالت الفقرة أننا أطلقنا‪...‬الخ آخر‪.‬‬
‫ومن هنا يظهر لنا أن المنهاج كان موجودًا قبل الثورة الفرنسية‪ ,‬طبق لول مرة لتحقيقها‪ .‬إذ أن مراحلها تتفق تمامًا مع ما جاء في هذه‬
‫الفقرات والفقرات التي تليها في مجمل المنهاج‪.‬‬
‫وبغية اليضاح نقول‪ :‬إن اليهود خططوا لهذه الثورة ‪ ,‬منذ أمد بعيد‪ ,‬وسخروا الماسون وأراد الجمعيات السرية التي كانت في خدمتهم‪,‬‬
‫لتنفيذ مراحل مخططها ‪ ,‬في مقدمتها‪ ,‬إطلق الشعارات المزيفة الرامزة إليها‪ ,‬فلما سمعها الشعب اعتقد بإخلص المنادين بها‪ ,‬فناصرهم‬
‫حتى النهاية‪ ,‬وانهار الحكم المطلق في البلد‪ ,‬وأصبح المر والني بين أيدي غلة المتطرفين‪ ,‬الذين كانت تنقصهم المؤهلت اللزمة‬
‫لممارسة الحكم‪ ,‬فكان من البديهي أن يقعوا فريسة سهلة في أحابيل اليهود الذين احتاطوا مسبقًا‪ ,‬لكل عقبة تعترض طريقهم‪ ,‬ولما أيقنوا‬
‫من خلوا الميدان مما يخشى جانبه‪ ,‬انطلقوا مثلما روينا على سجيتهم‪ ,‬وسيطروا على القمة والقاعدة معًا‪.‬‬
‫أما تبعة هذا الكارثة التي أنزلها اليهود في فرنسا‪ ,‬فتقع كليًا‪ ,‬على عاتق عاهلها الضعيف لويس السادس عشر الذي تقاعس عن واجباته‬
‫ولم يهتم لشؤون شعبه‪ ,‬ويليه في حمل المسؤولية طبقة المثقفين ‪ ,‬التي ظلت تخضع لليهود حتى بعد أن تبين لها سوء نواياهم نحو الشعب‬
‫الفرنسي‪ ,‬وإذا أضفنا إلى هذا ما كانت تعرفه الدولة الفرنسية والطبقة المثقفة التي ساندت اليهود في إشعال نار الثورة عما كان اليهود‬
‫يبيتونه لبلدهم‪ ,‬لتبين لدى ما يقع على عاتق الملك والطبقة المثقفة من المسؤولية ‪.‬‬
‫ويبدو أن الحكومة البريطانية كانت عالمة أيضًا بما كان اليهود يسعون إليه في فرنسا‪ ,‬بدليل أن التقارير المفصلة المحفوظة في ملفات‬
‫ودوائر مخابراتها عن تلك الحقبة من الزمن تحمل اسم الوثائق السرية للجمعيات الخفية )‪Secret Societies and Subversive‬‬
‫‪ (Mouvement‬تشير بوضوح إلى نوعية هذه المساعي‪ ,‬والظاهر أن الدولة البريطانية تجاهلت معرفتها لتلك المعلومات‪ ,‬وأمسكت عن‬
‫نشرها في حينها‪ ,‬خشية الصطدام باليهود وخاصة في المحفل الماسوني الذي كان يرأسه العاهل البريطاني بالذات‪ ,‬والذي كان أكثر النبلء‬
‫ينتسبون إليه‪ ,‬أي أن الملك والنبلء كانوا يحالفون اليهود باعتبارهم سادة المحفل الذي ينتسبون إليه‪ ,‬ويمنعون الدولة عن فضح أسرارهم‬
‫المشتركة مع اليهود‪.‬‬
‫ويعزوا النقاد سبب خضوع مثقفي فرنسا لرادة اليهود إلى أنهم كانوا‪ ,‬من النتهازيين المرتزقة الذين ل يبالون إل بمصالحهم الخاصة‪.‬‬
‫ولذا أطلقوا يد اليهود في بلدهم مقابل منافع شخصية دنيئة حصلوا عليها منهم‪.‬‬
‫أما اليهود‪ ,‬فل ينكرون مسؤوليتهم في إشعال نار الثورة‪ ,‬ويعترفون صراحة بأنها من مبتكراتهم‪ ,‬ويتبجحون بالتخطيط لها و إخراجها‬
‫بالشكل الذي أرادوه‪ .‬والدلة على ذلك أكثر من أن تحصى‪ .‬وعلى سبيل المثال نذكر أن اليهود صرحوا في مؤتمرهم الذي عقدوه في‬
‫بروكسل عام ‪ 1910‬بأن الثورة الفرنسية قامت على أكتافهم‪ .‬وأن حلفاؤهم الماسون عملوا لتثبيت أقدامهم على الرض الفرنسية‪ .‬كما‬
‫أعلن اليهود في هذا المؤتمر بأن الماسونية ليست سوى مؤسسة يهودية وضعت قواعدها و مبادئها في المعابد اليهودية‪ .‬وهي دائمًا وأبدًا‬
‫في ركابهم‪ .‬ومن هنا يتضح أن اليهود كانوا خلف كل أحداث الثورة‪ .‬أما الجرائم التي ارتكبوها لحسابهم الخاص فهي تفوق هوًل حد‬
‫التصور‪ .‬إذ لم يشفقوا حتى على من كانوا يومًا من حلفائهم‪ .‬مثل الميرة لمبال )‪ (Lamballe‬التي غرروا بها يوم كانت في أوج عزها‪.‬‬
‫وأسندوا لها رئاسة محفل الخوات التسع الماسوني‪.‬وبعد أن ناصرتهم عدة أعوام‪ ,‬اتضح لها خطأ مسلكها‪ ,‬فتركت المحفل والتجأت إلى أحد‬

‫‪42‬‬

‫الديرة تستغفر ربها على ما قدمته لهم من الخدمات‪ ,‬فحقد اليهود عليها‪ ,‬ولما قامت الثورة بادروا إلى اعتقالها‪ ,‬ومن ثم قادوها في ‪16‬‬
‫تشرين سنة ‪ 1793‬إلى المقصلة داخل عربة نقل قذرة‪ ,‬فقطع رأسها الجميل جزاء تخليها عن رفاق الشر و السوء‪.‬‬
‫وليت الحقد اليهودي السود وقف عند هذا الحد‪ .‬فمع كل أسف شمل كل أنحاء الرض الفرنسية‪ ,‬فكالت فرق التفتيش عن الجثث التي‬
‫شكلها اليهود تجوب الشوارع للبحث عن جثث أعداء اليهود‪ ,‬وحين تعثر على جثة أحد هؤلء يعمد أفرادها على اعتقال قلب الميت من‬
‫صدره وأمعائه من بطنه‪ ,‬فيأكلون القلب‪ ,‬ويتقلدون بالمعاء تشفيًا وانتقامًا من الميت‪ ,‬وكم مرة شاهد أهل باريس أفراد هذه الفرق الذين‬
‫كان أكثرهم من اليهود‪ ,‬يهينون الموتى‪ ,‬ويركلونهم بأقدامهم‪ ,‬ويجلسون بينهم ليعاقروا الخمرة‪ ,‬ويجامعون النساء العاهرات وكأن ما‬
‫يعملوه هو مدرار فخر واعتزاز‪.‬‬
‫و المذابح الجماعية التي افتعلها اليهود فحدث عنها ول حرج‪ .‬وعلى سبيل المثال يذكر لنا السيد جان بليبر ‪ Jean pleyber‬أحد معاصري‬
‫الثورة ‪ ,‬إن على إثر فشل التحاديين ) ‪ (Fédéralistes‬عام ‪ ,1793‬قررت حكومة الثورة الئتلفية )‪ (Convention‬تأديب مدينتي ليون‬
‫ل من كوتون )‪ (Couthon‬ودوبواكرانسيه ‪ Dubois Crancé‬على رأس الحملة‪ ,‬لتأديب خصومها في المدينتين‬
‫وطولون‪ .‬فأوفدت ك ً‬
‫المذكورتين‪ ,‬ويبدو أن الجراءات التي اتخذاها لم ترضي اليهود‪ ,‬بالرغم من أنهما أعدما في غضون أسبوع واحد أكثر من ثلثين وجيهًا‬
‫فعزل‪ ,‬وأرسل بدًل عنهما اليهوديان فوشه ) ‪ (Fouché‬و كوللو ديربوا )‪ (Collot D’herbois‬اللذان عرفا بالوحشية والغلظة‪.‬‬
‫و بمجرد وصولهما إلى المقاطعة‪ ,‬أمر فوشه باحتلل الكنائس والمعابد‪ ,‬وسلب ما كان فيها من الموال والتحف‪ ,‬وتحويلها إلى مواخير‬
‫وإسطبلت‪ ,‬ثم تدنيسها و تدمير ما كان فيها من صلبان وشعارات دينية‪ ,‬ومن ثم أمر بأن يؤتي بحمار ويلبس ثوب الكهنوت‪ ,‬ويعد أن نفذت‬
‫أوامره علق في رقبة الحمار مجموعة من الناجيل وربط بذيله صورة المسيح‪ .‬وطوفه في شوارع المدينة‪ ,‬ولما وصل الحمار إلى تيرو )‬
‫‪ (Terreaux‬حيث جمع الهلين‪ ,‬سقاه أمام الناس بالكأس المقدس‪ -‬ومن ثم أحرق الناجيل و صورة المسيح في الميدان المذكور‪ -‬وألقى‬
‫على الناس خطابًا ندد فيه بالمسيح والمسيحية بأقذر اللفاظ و أحقرها‪.‬‬
‫ل إلى ساحة العدام‪ ,‬وأعدمهم رميًا بالرصاص‪ .‬ومن ثم أمر‬
‫وبعد يومين أي في ‪ 4‬كانون الول عام ‪ , 1793‬ساق أربعة وستين معتق ً‬
‫جنوده بأن يجهزوا عليهم بالسيوف‪ .‬فقطعت رؤوس الضحايا و علقت في واجهات الكنائس ونواصي الشوارع‪ .‬وفي اليوم الثاني نفذ حكم‬
‫العدام بمئتين أخريين بنفس الصورة‪ .‬هذا عدا عن قتل كل من الهلين أثناء عمليات التحري و التفتيش ومن ثم أمر بهدم المدينة وجعلها‬
‫قاعًا صفصافًا‪ .‬وأطلق عليها اسم المدينة المحررة )‪ (La ville Affranchie‬بعد أن كانت تدعى بليون‪ .‬ومن ثم رفع تقريرًا بمنجزاته‬
‫هذه إلى الجمعية العمومية‪ ,‬جاء فيه أنه كان يشعر بلذة وسعادة مفرطة‪ .‬حينما كان يقوم بهذه العمال التي خصته بها الجمعية الوطنية‬
‫بشرف تنفيذها‪.‬‬
‫والظاهر أن شهرة سفك الدماء طغت على مشاعر جنود الثورة‪ ,‬بدليل أن تقاريرهم التي وجهوها لذويهم وأصدقائهم‪ ,‬والتي عثر عليها فيما‬
‫بعد‪ ,‬تشير إلى مدى تفاخر كتابها‪ ,‬بما ارتكبوه من الفظائع والجرائم‪ ,‬ولقد جاء في واحد منها‪ :‬لم يبقى في أزقة مدينة شوان )‪(Chouan‬‬
‫التي اجتحناها سوى جثث النساء العاريات التي قتلناهن بعد العتداء عليهن‪.‬في كتاب آخر قال كاتبه‪ :‬كم كنت أتمنى أن تشاهد الجزاء‬
‫العادل الذي أنزلناه في ألوف من المجرمين‪ .‬وهذه المذابح التي قادها اليهود وعمت فرنسا بأكملها لم تنج منها مدينة واحدة‪ ,‬وتذكر‬
‫المصادر المعاصرة للثورة عن فظائعها ما يشيب لهولها الرضيع‪ ,‬وتروي أن اليهودي فريرون الذي كان مكلفًا بإدارة مدينة طولون أفنى‬
‫من سكانها عشرات اللوف حتى هبط تعدادهم من ثلثين ألف نسمة إلى سبعة آلف فقط‪ ,‬ومن ثم أمر بتدميرها وجعلها قاعًا صفصافًا‪.‬‬
‫ويروى أن حكومة الثورة أمرت بإبادة جميع ساكن مدينة مانس )‪ (Mans‬دون سبب وجيه‪ ,‬ثم راحت تتبجح بفعلتها هذه دون حياء أو‬
‫خجل‪ .‬وفي مدينة أنجة أقدم أحد المحققين اليهود على إعدام تسعين وجيهًا‪ ,‬من غير أن يستجوب أحدًا منهم ومن دون أي مبرر‪.‬‬
‫كما قامت الفرق اليهودية في مدينة رين )‪ (Rhinnes‬بقتل المئات من البرياء‪ ,‬واعتدى أفرادها على مئات النساء‪ ,‬وبقروا بطون الحبالى‬
‫منهن بحجة اشتراكهن في المظاهرات المعادية للثورة‪.‬‬
‫والغريب في أمر هذه المذابح الرهيبة هي أن أبطالها وخاصة من برز منهم كانوا من اليهود والماسون‪ .‬ويبدو أنهم كانوا يرتكبون فظائعهم‬
‫بناًء على منهج معين أرادوا من تطبيقه إرهاب الشعب الفرنسي‪ ,‬وإخضاعه لمشيئتهم وبغية تحقيق هذا الغرض‪ ,‬برز القادة اليهود أترابهم‬
‫في استنباط أساليب الترهيب و التعذيب‪ ,‬وبرزت فئة منهم في هذا المضمار حتى بلغت الذروة‪ ,‬وكان اليهودي فيليكس ) رئيس لجنة الثورة‬
‫لمدينتي لمين وأنجو ()‪ (La maine et Anjou‬من أشهر أفرادها ‪ ,‬ويحكى عنه‪ ,‬أنه كان يرسل ضحاياه إلى ساحات الموت‪ ,‬دون أن‬
‫يكلف نفسه مشقة التحقيق معهم‪ ,‬ويكتفي بأن يشير بالحرف )‪ (F‬إلى أسماء من يروم إعدامهم رميًا بالرصاص‪ ,‬وحرف )‪ (G‬إلى أسماء‬
‫من يروم قتلهم بواسطة المقصلة‪ ,‬ولتبرير تعسفه هذا كان يقول إن اجراءات التحقيق هي مضيعة للوقت‪.‬‬
‫أما اليهودي كاريير )‪ (Carrier‬حكام مدينة نانت )‪ (Nante‬فكان يقتل ضحاياه‪ ,‬بإلقائهم في قاع نهر اللوار‪ ,‬بعد أن يثقل أقدامهم‬
‫بالحجارة لتحول دون طواف جثثهم‪.‬‬
‫وتعزوا المصادر الرسمية إليه قتل ستة آلف نسمة بهذه الطريقة‪ ,‬وتضيف أنه‪ ,‬لما لحظ عجز نهر اللوار عن استيعاب جميع ضحاياه‪,‬‬
‫صار يخيرهم بين الموت بالرصاص‪ ,‬أو إعدامًا بالمقصلة‪ ,‬وعندما فرغ من مجازره‪ ,‬رفع تقريره إلى المسؤولين‪ ,‬واختتمه بالشادة بنهر‬
‫اللوار‪ ,‬وقال عنه يا له من نهر ثوري عظيم‪ ,‬إشارة إلى العدد الهائل من الضحايا التي ألقيت فيه‪.‬‬
‫وامتاز اليهودي فاسترمان ) رئيس لجنة حماية الثورة في منطقة سافوناي ( )‪ (Savenay‬بتطبيق قانون الحرام اليهودي )‪(Harem‬‬
‫القاضي بإفناء حتى الماشية‪ ,‬ويذكر عنه أنه قتل جميع سكان المنطقة وأفنى ماشيتها‪ ,‬ومن ثم رفع تقريرًا إلى لجنة السلمة العامة )‬
‫‪ (Comité de salut Public‬قال فيه‪ :‬تنفيذًا لتعليماتكم‪ ,‬لقد حطمنا جماجم جميع أطفال المنطقة تحت سنابك خيولنا‪ ,‬وقتلنا رجالها و‬
‫نسائها جميعًا‪ ,‬ولم يبقى فيها أحد يمكنه أن ينجب في المستقبل من ينزع لمناوئة الثورة‪ ,‬حتى أفنينا السرى‪ ,‬الذين استسلموا من العصاة‬
‫عن بكرة أبيهم‪ .‬وقد أصبحت الزقة والشوارع تعج بجثث الموتى‪ ,‬وسدت مفارق الطرق‪ ,‬بأكوام الجماجم التي جمعت على شكل أهرامات‬
‫ضخمة‪ ,‬فلتطمئن لجنتكم الموقرة‪ ,‬ولتكن على ثقة‪ ,‬بأنني لم أترك في المنطقة ما يسبب لي تأنيب الضمير أو الندم في المستقبل‪.‬‬
‫و في منطقة فاندة )‪ (Vendée‬حدثت مذابح مروعة كان بطلها الماسوني مارلين )‪ (Marlin‬الذي كان يفخر بما ارتكبه من الوحشية‬
‫المفرطة ويقول‪ :‬لقد قضينا على سكان المنطقة‪ ,‬وأغرقناها في الدماء‪ ,‬حتى غدت وكأنها كومة رماد مبللة بالدماء‪.‬‬
‫ومع هذا‪ ,‬أوفد المجلس الوطني إليها‪ ,‬الجنرال اليهودي توررو )‪ (Turreux‬ليعيد تطهيرها لن اليهود زعموا أنها ظلت موبوءة بأعداء‬
‫الثورة‪.‬‬
‫ومن غرائب أحداث هذه الثورة‪ ,‬هو جنوح قادتها اليهود وأنصارهم إلى الستهتار المهين بالقيم و الخلق النسانية‪ ,‬في معاملتهم لسكان‬
‫المدن والدساكر التي كلفوا بإدارة شؤونه‪ ,‬وخاصة الذين كانوا يعتقلونهم‪ .‬إذ كانوا يعمدون إلى إهانتهم وتعذيبهم قبل الجهاز عليهم‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫ويحدثنا السيد هيبس في هذا الصدد ويقول‪ :‬عن اليهودي كوميير ) ‪ (Commaire‬آمر حامية إيزني وباللو )‪(Aiznay et Palluau‬‬
‫استنبط طريقة شاذة لتفقد مقدرة جنوده وأسلحتهم للقتال‪ ,‬وهي أنه كان ينتزع أطفال المنطقة من ذويهم‪ ,‬ليتخذ من رقابهم أهدافًا )بدًل عن‬
‫دمى التمرين المعتادة( لسيوف جنوده‪.‬ويحكى أن الماسوني بريبور كان يتسلى في مدينة شوان بقتل السكان بالجملة‪ ,‬ويرفض شكوى‬
‫ضحاياه‪ ,‬مهما كانت الشكوى وجيهة‪.‬‬
‫ولقد اشتهر اليهودي آمي ) ‪ (Amey‬ممثل الثورة في مدينتي مونتورناي وابيس ‪ Montournay et Epesses‬بإعدامه النساء‬
‫والطفال حرقًا في أفران المدينة وفي رابعة النهار‪ ,‬بزعم تسلية جنوده بهذه المشاهد المفجعة‪.‬‬
‫أما الماسوني سن جوست )‪ (s’aint Juste‬آمر حاميتي آنجة و كليسون )‪ (Angée et Classon‬فلم تعجبه هذه الساليب البسيطة في‬
‫الثأر من المواطنين فابتدع طريقة سلخ جلود ضحاياه‪ ,‬ومرن جنوده عليها‪ ,‬ولما سئم منها‪ ,‬استبدلها بإذابة جثث ضحاياه من النساء في‬
‫قدور خاصة ليستخرج منها الشحوم‪ ,‬ويذكر هيبس عنه أنه مل عدة براميل من هذه الشحوم الدمية‪ ,‬وأرسلها إلى المجلس الوطني ليبرهن‬
‫عن عبقريته‪ .‬وتفانيه في خدمة هذه الثورة التي قيل أنها كانت فرنسية‪.‬‬
‫وهذه الجرائم المروعة التي روينا تفاصيلها فيما سبق ل تعادل في الحقيقة إل جزءًا يسيرًا جدًا من الجرائم والمذابح التي ارتكبها اليهود‬
‫في مستهل الثورة الفرنسية‪ ,‬إذ أن المصادر المعاصرة تزخر بمئات القصص التي تروي ما اقترفه اليهود من الفظائع في فرنسا‪ .‬ويكفي أن‬
‫نعلم أن عدد من قتلوا على أيدي اليهود في باريس وحدها وفي غضون يوم واحد بلغ اللف قتيل‪ ,‬ولخذ فكرة صحيحة عما وصل إليه‬
‫الحقد اليهودي في فرنسا‪ ,‬ومدى تفاخرهم بما قاموا به إبان هذه الثورة‪,‬يكفي القارئ أن يزور حاليًا أحد قصور أغنياء اليهود في باريس‪,‬‬
‫ليشاهد فيه اللوحات الزيتية التي تمثل ما فعله اليهود من المجازر الرهيبة‪ ,‬ويسمع أصحابها وهم يتحدثون عنها وعما ترمز إليها كل‬
‫واحدة منها‪ ,‬وعمن رسمها‪ ,‬أحاديث تفاخر واعتزاز المشبعة بروح التشفي و النتقام‪ ,‬ليتضح له مدى علقة اليهود بهذه الثورة و ما‬
‫اكتسبوه من إشعال نيرانها‪.‬‬
‫وعند التحري عن أسباب هذه الوحشية المشوبة بروح الحقد التي أظهرها اليهود إبان الثورة ل يسع المرء إل أن يعزوها إلى غرضين‪:‬‬
‫الثأر من الكنيسة وأتباعها‪ ,‬وإرهاب الشعب الفرنسي‪ ,‬حتى ل يجسر في المستقبل على التفكير بمناهضة سادته الجدد‪ ,‬وعرقلة مشاريعهم‪,‬‬
‫التي كانت ترمي إلى السيطرة التامة على مقدرات الشعب الفرنسي المالية‪ ,‬والفكرية ومن ثم تسخيره‪ ,‬لتحقيق أغراضهم العديدة في البلد‬
‫الوروبية الخرى‪.‬‬
‫والواقع إن اليهود نجحوا منذ فجر الثورة في تحقيق أغراضهم إلى أبعد حد‪ ,‬وغدوا سادة فرنسا بكل معنى الكلمة‪ ,‬وحافظوا على هذه‬
‫السيادة‪ ,‬رغم المحاولت العديدة‪ ,‬التي قام بها بعض الساسة والحكام الفرنسيين للطاحة بسيطرتهم‪.‬‬
‫والظاهر أن نابليون بونابرت كان أول من تصدى لليهود‪ ,‬فعندما استلم مقاليد الحكم في بلده‪ ,‬راعه ما لمس فيها من نفوذهم فبادر في ‪30‬‬
‫نيسان ‪ 1806‬إلى الجتماع بوزراء حكومته‪ ,‬وبحث معهم موضوع السيطرة اليهودية ومن ثم وقف يخطب فيهم وقال‪:‬‬
‫لن يسع الحكومة الفرنسية السكوت بعد الن عن استهتار اليهود بوجودها‪ ,‬ولن تسمح لهم أن يثابروا على اقتراف جرائمهم القذرة بحق‬
‫شعبها‪ ,‬ولن ترضى بعد اليوم أن يظل نفوذهم مخيمًا على أجمل مقاطعاتها ) اللزاس( المتاخمة للحدود الشرقية‪ ,‬أيها السادة إن الوضع‬
‫الحالي لهذا الشعب الحقير في بلدنا‪ ,‬هو وضع دولة ضمن دولة‪ ,‬يعمل ما يرغب وما يشاء‪ ,‬ولذا أرى أن تسارع الدولة إلى تجريده من‬
‫ملكية هذه المقاطعات الغالية‪ ,‬ومنع مرابيه من تعاطي امتهان ارتهان الراضي‪ .‬هذه المهنة الرهيبة التي مكنته من الستيلء على أكثر‬
‫الملك الفرنسية‪ .‬أيها السادة‪ ,‬إن هناك قرى عديدة أخليت من سكانها‪ ,‬وسلمها القضاء لليهود‪ ,‬مقابل دريهمات قليلة كان أصحابها‬
‫الفلحون قد استدانوها منهم بفوائد خيالية‪ .‬ولما عجزوا عن سدادها في وقتها المحدد‪ ,‬قاضاهم اليهود‪ ,‬وسلخوا عنهم أملكهم‪ ,‬ومن ثم‬
‫طردوهم من أرض آبائهم وأجدادهم‪ .‬فهل يعقل أن تسكت الحكومة عن هذا الحتيال القذر؟ وهل ترضون أن يترك حبل الخداع اليهودي‬
‫على غاربه حتى اليوم الذي لم يبقى فيه فرنسي واحد في الوطن الفرنسي‪ .‬أيها السادة أل تشعرون معي بهذا الخطر؟ أل يضيركم أن تظل‬
‫مفاتيح اللزاس و سترازبورغ في أيدي هذه الشعب المؤلف من الخونة والجواسيس الذين ل صلة لهم بهذا البلد‪ .‬لهذه السباب‪ ,‬وضنًا‬
‫بسلمة أمتنا أطلب إليكم أن توافقوني على اقتلع جذور هذا الشعب اللئيم عن أرض وطننا المفدى‪.‬‬
‫ولكن مع كل أسف ما لبث نابليون أن عاد عن قراره هذا‪ ,‬ولم يتمكن من الصمود في وجه الطغمة اليهودية التي عبثت ببلده‪,‬فوقع سريعًا‬
‫في أحابيلهم الشيطانية حتى رأيناه يستنجد بمجلسهم العلى )‪ (Sanhrdrin‬ويكلفه بوضع القوانين الخاصة بهم‪ .‬ويطلق يده في‬
‫تشريعاتها‪ .‬بالشكل الذي يرتضيه‪ ,‬ويناسب أتباعه‪ ,‬ومن ثم أدخل ما وضعه اليهود من القوانين في صلب الدستور الفرنسي وضمن لهم‬
‫بموجبها ما كان ينقصهم من حقوق‪ ,‬وراح يتزلف إليهم ويصادق على كل القوانين المقدمة إليه‪ ,‬ويعلن بل حياء أو خجل‪ ,‬بأنه سوف يعمل‬
‫ما بوسعه ليمكن اليهود من المحافظة على مكاسبهم‪ ,‬ليتسنى لهم العيش بسلم حتى ينسوا آلمهم القديمة الناتجة عن فراقهم لرض‬
‫كنعان‪.‬‬
‫والغريب أن نابليون حقق لليهود كل ما وعدهم به‪ ,‬ونفذ جميع رغباتهم‪ ,‬حتى أصبحت فرنسا في عهده مزرعة يهودية بكل معنى الكلمة‪,‬‬
‫ويعزو بعض النقاد تراجعه المشين عن تصريحاته القديمة‪ ,‬إلى ما كان للماسون وتعاليمهم من تأثير فعال عليه‪ .‬باعتباره ماسونيًا قديمًا‪.‬‬
‫بينما يقول البعض الخر‪ :‬إن حاجته الملحة للمال لتمويل جيوشه التي كانت تقاتل في عدة جبهات هي التي أرغمته على هذا التراجع‪,‬‬
‫وأنزلته عن كبريائه وألجأته إليهم‪ ,‬فقضى بذلك على أحلم المخلصين من رجالت أوربا الذين عقدوا عليه المال الكبيرة في توحيد أوربا‬
‫وإنقاذها من سيطرة اليهود‪.‬‬
‫وفي هذا الموضوع كتبت المجلة الكاثوليكية في نشرتها التي صدرت عام ‪ 1952‬فقالت‪ :‬إن نابليون بونابارت كان أمل المخلصين من‬
‫مفكري أوربا أمقال الكاتب الكبير هيللر بللوك )‪ (Hillaire Bélloc‬في توحيد أوربا‪ ,‬وإنقاذها من النفوذ اليهودي‪ ,‬عندما علم بتراجعه‬
‫ومهادنته لهذه الطغمة الفاسدة أسف جدًا وقال‪ :‬فقد أوربا أملها الوحيد‪ ,‬في تحقيق وحدتها‪ ,‬والتخلص من نفوذ الدخلء‪ ,‬بانضمام نابليون‬
‫إلى المعسكر اليهودي‪.‬‬
‫ولقد أكد اليهود بعد انتصارهم على نابليون بأنهم لن يسمحوا بتقليص نفوذهم لحد‪ ,‬حتى لو كان إمبراطورًا‪.‬‬
‫أما نابليون الذي هادن اليهود‪ ,‬وانحاز لمعسكرهم‪ ,‬فلم ينتفع من مهادنته شيئًا‪ ,‬لن سبق وأن كشف لهم أوراقه عندما أعلن رغبته في‬
‫توحيد أوربا تحت العلم الفرنسي‪ ,‬المر الذي ل يقبله اليهود بأية حال من الحوال‪ ,‬رغم كونه موازيًا لهدافهم التي كانت ترمي بدورها إلى‬
‫توحيد أوربا ولكن تحت سيطرة المجلس الكهنوتي العلى دون سواه ومن هنا وجدوا في نابليون مناوئًا خطيرًا على أهدافهم‪ ,‬فصمموا منذ‬
‫البداية الكيد له لزاحته عن طريقهم‪ ,‬وتمكنوا منه في النهاية‪ ,‬مثلما تمكنوا فيما بعد من هتلر الذي استهدف توحيد أوربا‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫وهكذا فهم دائمًا بالمرصاد لكل من يسعى لتحقيق الغراض الموازية لغراضهم‪ ,‬وعداوتهم الحالية للمعسكر الشتراكي تنبعث هي أيضًا‬
‫من هذه الزاوية‪ ,‬لنه يسعى لتوحيد النظم الوربية‪ ,‬والقضاء على أوكار الصهيونية العالمية وأنصارها فيها‪.‬‬
‫وإذا بحثنا العوامل التي أدت إلى انتصار اليهود على نابليون بونابارت وعلى كل من نهج نهجه‪ ,‬نجد أنها تكمن في المحافل الماسونية‬
‫المنتشرة في جميع أقطار أوربا‪ ,‬والتي كان ومازال من ينتسب إليها صفوة رجال الفكر والسياسة في كل بلد‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال نذكر أنه في عهد نابليون كان ينتسب إلى الماسونية أكبر قواده أمثال‪ ,‬ماسينا‪ ,‬ومورا‪ ,‬ولسوبيد ‪ ,‬وكاللرمان‪ ,‬ولوفيبر‪,‬‬
‫و مئات الخرين ‪ ,‬وكانوا جميعًا يعملون لمصلحة اليهود‪ .‬دون أن يشعروا‪ ,‬وذلك عن طريق تنفيذهم لتعليمات الماسون أنصار اليهود وكان‬
‫النتساب إلى الماسونية في ذاك العصر‪ ,‬من الشروط الساسية للفوز بالسيطرة السياسية‪ ,‬حتى أن جوزيف الول )‪ (Jpséph 1er‬شقيق‬
‫نابليون انتسب إليها ليكسب دعم محفلها في مملكته الجديدة‪.‬‬
‫ويبدو أن نابليون وقادته الماسون دفعوا ثمن اعتمادهم على المحافل الماسونية‪ ,‬إذ أن اليهود بمجرد أن سنحت الفرصة لهم بالنيل منهم‪,‬‬
‫أوعزوا إلى المحافل الماسونية بأن تتخلى عنه‪ ,‬وإلى الرأسمالية اليهودية بقطع معوناتها المالية عن جيوشه‪ ,‬ومن ثم باعوا أسراره التي‬
‫حصلوا عليها بواسطة الماسون إلى أعداءه‪ ,‬وأخيرًا أطاحوا به وبحكمه وغدا وكأنه ورقة جافة في مهب الريح‪.‬‬
‫ومن خلل مسلك نابليون مع اليهود‪ ,‬يبدو أنه كان يعتبرهم مجرد فئة مذهبية‪ ,‬يمكن صهرها في البوتقة الوروبية‪ ,‬على أن تمنح جميع‬
‫الحريات و الحقوق الممنوحة للعموم‪ .‬أي أنه اعتمد على نفس الفكرة الخاطئة التي تورط بها جميع ساسة أوربا الذين تعاقبوا على الحكم‬
‫قبل وبعد نابليون ‪ ,‬وفاته كما فات الخرون‪ ,‬أن اليهود يعتبرون الدين أداة للمحافظة على قوميتهم‪ ,‬ويتخذونه سببًا للترابط فيما بينهم لنه‬
‫العامل الوحيد الذي يجمعهم‪ ,‬ويتعصبون لتعاليمه ومناسكه ليتميزوا بها عن سواهم من البشر يستمدون من نصوص كتبه‪ ,‬غرورهم‬
‫القومي‪ ,‬وحجة تمسكهم بالنعزالية‪ ,‬وامتناعهم عن الختلط بالقوميات الخرى‪ .‬وبكلمة مقتضبة‪ ,‬نقول أنهم يتخذون الدين كمحور أساسي‬
‫تدور حوله قواعد دعوتهم القومية‪ ,‬بينما يتظاهرون أمام الناس بالتحرر منه والنعتاق من قيوده‪.‬‬
‫وهذه المظاهر التي أوهمت الساسة بأنهم مجرد أتباع فئة مذهبية مثل سواها‪ ,‬جعلتهم يتخيلون إمكانية صهرهم في البوتقة الوربية عن‬
‫طريق منحهم المزيد من المكاسب والحقوق‪ .‬فراح كل منهم يزيدهم المنح والهبات‪ ,‬حتى أصبحوا يمتازون عن الناس في كل قطر وبلط‪,‬‬
‫ولما لحظوا أن نابليون انساق بدوره إلى خلف الوهام والتخيلت التي تورط فيها من سبقه من الساسة‪ .‬عمدوا إلى استغلل موقفه منهم‪.‬‬
‫وتظاهروا بالولء له‪ ,‬و مناصرته في كل بلد دخلتها جيوشه‪ ,‬فتأثر نابليون من حفاوتهم به‪ ,‬وأغدق عليهم المزيد من الخيرات‪ ,‬حتى‬
‫أصبحوا في غضون مدة وجيزة أغنى أهل أوربا‪ .‬وسيطروا على المقاليد المالية في أكثر مدنها واستحقوا بجدارة أن يطلق على بعض‬
‫عائلتهم اسم العائلت المالكة إشارة لنفوذها المالي في أوربا‪.‬‬
‫ولقد كتب المؤرخ الشهير شيراك )‪ (Auguste Chirac‬عن هذه العائلت ووصفها بأنها كانت أكثر نفوذًا وسيطرة من العائلت المالكة‪.‬‬
‫وكانت أشهر هذه العائلت هي عائلة‪ .‬هيرش‪ .‬روتشيلد‪ .‬وماير وبامبرغ ‪ .‬وافروسي‪ .‬وكاموند‪ .‬ولقد تقاسمت فيما بينها المجال القتصادي‬
‫في أوربا‪ ,‬لتعمل كل منها في منطقة خاصة بها‪ .‬وعلى سبيل المثال نذكر أن )أنسلم ماير ( تمركز في مدينة فرانكفورت اللمانية ليمثل‬
‫الرأسمالية اليهودية في المنطقة اللمانية‪ ,‬وسولومون ماير في فيينا‪ ,‬وكانت منطقة نفوذه النمسا و ما جاورها من الدول الصغيرة‪ ,‬وتمركز‬
‫ناتان في بريطانيا لنفس الغرض‪ ,‬وشارل في نابولي )إيطاليا( أما جيمس فكانت منطقة نفوذه هي فرنسا‪ .‬وهكذا سيطر اليهود على أهم‬
‫المراكز التجارية و القتصادية في أنحاء أوربا‪ ,‬بفضل طيش نابليون‪ ,‬وتفكيره العوج‪.‬‬
‫وفي غضون أقل من ربع قرن وضع اليهود أيديهم على كافه الثروات الوربية‪ ,‬حتى إن ثروة البارون روتشيلد كانت تقدر وحدها بكل ثروة‬
‫فرنسا و مصارفها العديد‪ .‬أما نفوذه السياسي فقد بلغ حد إسقاط الوزارات و تشكيلها كلما عن له ذلك على بال‪ .‬ويقال أنه كان وراء سقوط‬
‫حكومة ) ‪ .(Thiers‬ولم يجرؤ كاتب أو ناقد واحد في فرنسا إلى التلميح لروتشيلد و عصابته ولو بكلمة واحدة‪ .‬حتى إنه كان يراقب وضع‬
‫نابليون السياسي ساعة فساعة‪ ,‬عن طريق ما يملكه من سائل الستعلمات الخاصة‪ .‬ولما شعر بدو انهيار المبراطورية‪ ,‬سارع إلى شراء‬
‫كل أنواع السندات التي كان مقررًا لها أن ترتفع بمجرد سقوط نابليون‪ .‬ولما وقع ما تنبأ به‪ ,‬ربح من هذه السندات في غضون أربعة‬
‫وعشرين ساعة‪ ,‬ما يزيد عن ثلثمائة وخمسين مليون فرنكًا من الذهب‪ ,‬كما هيأ لخوته فرصة ربح مبالغ مماثلة في ظرف أسبوع واحد‬
‫ل‪ :‬إن اليهود كانوا يتجسسون على نابليون ‪ ,‬ويحصون تحركات جيوشه‪ ,‬ويخبرون أعدائه بما يعده من خطط‪,‬‬
‫فقط ‪ ,‬ويضيف شيراك قائ ً‬
‫بينما كانوا يتظاهرون بصداقته‪ ,‬ويقدمون له ما يحتاجه من المال والمعلومات المحلية‪.‬‬
‫وفيما يتعلق بمسلك اليهود في أوربا‪ ,‬يحدثنا السيد هيبس أسوة بغيره من نقاد التاريخ ويقول‪ :‬إن اليهود بنوا مجدهم في أوربا على أنقاض‬
‫الملكية الفرنسية التي ورثوها برمتاها‪ ,‬بعد أن أطاحوا بها ‪ ,‬أصبح لهم في فرنسا من النفوذ أضعاف ما كان لملوكها‪ ,‬ولما ظهر نابليون‬
‫على مسرح السياسة‪ ,‬سارع اليهود إلى إحاطته بالرعاية اللزمة لخضاعه لمشيئتهم‪ ,‬ولما تم لهم ذلك‪ ,‬دفعوا به إلى لجج المعارك‬
‫الطاحنة‪ ,‬التي سفكت فيها دماء مئات اللوف من الفرنسيين‪ ,‬بغية تحرير القليات اليهودية التي كانت تقيم في البلد الوربية‪ ,‬وأوهموا‬
‫نابليون بأنهم يساعدونه لرفع شأن فرنسا‪ ,‬في الوقت الذي أطلقوا فيه أبواقهم في البلد المعادية لنابليون لتوهم الرأي العام العالمي بأن‬
‫نابليون يعمل لحاسبه الخاص‪ ,‬وهكذا حققوا هدفهم المزدوج الرامي إلى تحرير يهود أوربا من جهة‪ ,‬وتدمير سمعة نابليون من جهة‬
‫أخرى‪ .‬إضافًة إلى تسخير صداقته لتحقيق أغراضهم المالية‪.‬‬
‫ولما انتهوا منه عمدوا إلى إثارة القلقل وإحداث الثورات ليستثمروا تطوراتها الخاصة‪ ,‬ولثبات ذلك يكفي أن نلقي نظرة واحدة على‬
‫مجرى الحداث التي سبقت عودة الملكية )‪ (La restauration Monrachi‬و من ثم إحداث ثورة ‪ 1848‬التي اندلعت نيرانها ضد‬
‫اليهود وعودة الملكية والتي أجهضتها الحكومة المؤقتة‪ .‬بفضل مساعدة الرأسمالية اليهودية‪ ,‬ومساعي السياسي اليهودي الشهير أدولف‬
‫كريميو )‪ (Adolphe Crémieux‬مؤسس التحاد اليهودي العالمي )‪ (A.Israélite Universelle‬و نتمعن في نتائجها لنتعرف من‬
‫خللها على غرض اليهود من مؤازرة الحكومة على قمع الثورة الذي أسفر عن عودة الملك لويس فيليب )‪ (Louis Philippe‬الصديق‬
‫الودود للشعب اليهودي إلى العرش الذي بادر حاول عودته إلى إلغاء جميع المؤسسات الجتماعية والسياسية الفرنسية الخالصة‪ ,‬وسمح‬
‫لليهود بأن يؤسسوا في ممكلته‪ ,‬ما شاءت أهواءهم من المؤسسات الخاصة بهم دون رادع أو مانع‪ ,‬ثم أصدر التشاريع والقوانين‬
‫لحمايتهم‪ ,‬وفي نفس الوقت‪ ,‬كم الفواه وجمد القلم الفرنسية المعادية لليهود‪.‬‬
‫ومن الخدمات الكبرى التي قدمها لويس فيليب إلى اليهود في فرنسا‪ .‬هي تعين الكاهن أنفاتان )‪ (La pére Enfantin‬اليهودي الصل‬
‫رئيسًا لمعهد سيمونيان )‪ (Saint Simonnienne‬الديني‪ ,‬الذي كان معتبرًا من أصلب القلع الكاثوليكية المناوئة لليهود‪ .‬فلما تسلط عليه‬
‫اليهودي القدم أنفانتان أخرجه عن أغراضه الدينية‪ ,‬وجعله معهدًا مهودًا و ملحدًا يسير في ركاب اليهود‪ ,‬وكأنه من مؤسساتهم الخاصة‪.‬‬
‫ولما انهزمت فرنسا عام ‪ 1871‬عمد لويس فيليب إلى تعيين اليهودي ألفونس روتشيلد )‪ (Alphonse Rothchilde‬ليمثل فرنسا في‬

‫‪45‬‬

‫مباحثات الصلح مع ألمانيا‪ ,‬وكأن فرنسا خلت من الفرنسيين‪ ,‬ولم يعد فيها من يمثلها سوى اليهودي روتشيلد!‪ .‬والجدير بالذكر‪ ,‬هو أن هذه‬
‫التنازلت الفرنسية لم تكن كما يتبادر في ذهن القارئ اختيارية من قبل الحكام‪ ,‬بل كانت إجبارية لعجز هؤلء الحكام عن مناوئة و مقاومة‬
‫اليهودي الذين سيطروا على كل شيء في فرنسا بعد الثورة التي أطاحت بلويس السادس عشر‪.‬‬
‫ومن المنجزات العجيبة التي حققتها الثورة لليهود في فرنسا ثورة باريس التي قامت عام ‪ ,1871‬وأطاحت بحكومة تيير ) ‪(Thiers‬‬
‫وتتلخص بأن هذه الحكومة تولت المور بعد كارثة ‪ ,1870‬وبدأت تحد من نشاط وغلوء اليهود في فرنسا‪ ,‬فهالهم المر وقرروا التخلص‬
‫منها‪.‬‬
‫بعد أن اتخذوا الحتياطات الكفيلة بتأمين خط رجعتهم‪ ,‬فانقسموا إلى قسمين ‪ ,‬وبادر القسم الول إلى تحريض الشعب على الحكومة بشتى‬
‫الحجج والساليب‪ ,‬بينما وقف القسم الثاني في صف الحكومة يتظاهر لها بالخلص و التفاني‪ ,‬وفي ‪ 14‬آذار ‪ 1871‬اندلعت الثورة في‬
‫باريس وانهارت حكومة تيير و قامت مكانها السلطة المحلية )‪ .(La Commune‬فسارع اليهود إلى استثمار الموقف وهاجموا القصور‬
‫والدوائر الحكومية وأعملوا السلب و النهب فيها‪ .‬ثم حددوا الشخاص الذين يجب التخلص منهم‪ ,‬وأوعزوا إلى أنصارهم بإلقاء القبض‬
‫عليهم وإيداعهم في سجن لروكيت )‪ .(La Roquette‬الذي كان يديره الرائد اليهودي ماير ويشرف على التحقيق فيه اليهودي داكوستا‬
‫)‪ (Dacosta‬المدير السابق لشرطة باريس الذي انضم إلى الثوار فعينوه نائبًا عامًا للمدينة‪ ,‬فأوعز اليهود إليهما بإعدام المعتقلين حال‬
‫وصولهم السجن‪ ,‬فنفذا ما طلب منهما دون إبطاء‪ ,‬وقتل مئات الفرنسيين المعتقلين أمثال الجنرال لو كونت )‪ (Le Conte‬والمطران‬
‫داربوا )‪ (Darbois‬والطبيب بونجان )‪ (Bonjant‬وعشرات الخرين من خيرة رجال باريس‪ ,‬وعندما شعروا بالخطر فرا إلى بريطانيا‬
‫حيث هيأ لهما اليهود الملجأ المين والعيش الرغيد‪.‬‬
‫وفي اليوم الثاني فوجئت باريس بدخول الجنرال اليهودي كاليفه ) ‪ (Calliffet‬إليها على رأس جيش الحكومة وبادر حاًل على اعتقال‬
‫الفرنسيين الذين غرر اليهود بهم‪ ,‬وأعن الحكام العرفية في المدينة‪ ,‬وأذل كرامها‪ ,‬وقتل خيرة شبابها وأهان شيوخها‪ ,‬وكأنه فاتح أجنبي‬
‫أتى ليثأر من أهل باريس‪ ,‬ولم يمس أحد من اليهود بسوء‪.‬‬
‫ويقول السيد هيبس عن الجنرال كاليفيه بأنه يهودي الصل منحدر من عائلة يهودية هاجرت كاربانترا ) ‪ (Carpentras‬عام ‪ 1581‬و‬
‫استوطنت في الضواحي واتخذت اسم كاليفيه‪ ,‬بعد أن كانت تدعى بيرون كوله )‪ (Perron Coulet‬تمويهًا لصلها اليهودي‪.‬‬
‫ل‪ ,‬ولكن اليهود كانوا يعلمون كل شيء عنه‪ ,‬ولذا كانوا يساعدونه ويوصون به أصدقائهم‬
‫وكانت الحكومة تجهل أصله وتظنه فرنسيًا أصي ً‬
‫من ذوي السلطة خيرًا‪.‬‬
‫وهم الذين اقترحوا على الدولة تعيينه لقيادة الجيش الذي دخل باريس‪ .‬وكان غرضهم من السعي لتعيينه يهدف لمرين مهمين بالنسبة‬
‫إليهم‪ ,‬وهما الستعانة به لفساح المجال أمام اليهود الذين اشتركوا في الثورة ليتمكنوا من الفرار‪ .‬ومن ثم الحيلولة دون اكتشاف السلطات‬
‫الفرنسية لدورهم المزدوج الذي مثلوه فيها‪ .‬وأخيرًا إرغام المطلعين على السكوت عليه‪.‬‬
‫وهكذا أسدل ستار هذه المهزلة الليمة التي مثل اليهود بطولة أكثر أدوارها‪ ,‬وقطفوا في النهاية ثمارها التي دفع الباريزيون ثمنها دون أن‬
‫يجرؤ أحدهم على الحتجاج أو العتراض‪ ,‬مع أن الجميع كان يعرف مدى علقة اليهود في أحداثها وذلك تجنبًا للصطدام معهم‪.‬‬
‫وهذه التمثيلية التي قام اليهود بأدوارها المزدوجة ليست الوحيدة من نوعها في تاريخهم‪ ,‬وخاصة الجزء المعاصر منه‪ ,‬إذ أن الدوار‬
‫المزدوجة التي مثلها كل من تروتسكي‪ ,‬بلل كوم ‪ ,‬وبيريا ‪,‬و باكوس على مسرح السياسة في العالم الشيوعي ما زالت ماثلة في الذهان‬
‫هذه الطغمة اليهودية المضللة‪ ,‬التي زعمت التخلي عن عنصريتها و معتقداتها في سبيل سعادة النسانية‪ ,‬وادعت بأنها أقسمت أن تظلل‬
‫جموعها برايات الحرية‪ ,‬وتنشر فيها العدالة الجتماعية‪ ,‬وتظاهرت بالستماتة في دروب هذه الغايات النبيلة‪ ,‬فانخدع بأقوالها و مظاهرها‬
‫مناضلوا الشعوب المتطلعة لهذه الهداف الغالية‪ ,‬والتفوا حولها‪ ,‬وساروا تحت زعامتها‪ ,‬وهكذا اندست هذه الزمرة الخادعة في طليعة‬
‫صفوف المعسكر الشتراكي‪ ,‬وراحت تمل الدنيا بالضجيج و الدعاء الباطل لتثبت ولءها لهذا المعسكر‪ ,‬بينما كانت تسعى سرًا لجر شعوبه‬
‫إلى الوقوف بجانب غاياتها الخفية ‪ .‬لتستخدم أبنائها وقودًا للمعارك التي يتطلبها تحقيق هذه الغايات التي لم تكن سوى غايات معسكرها‬
‫الحقيقي معسكر الصهيونية العالمية اللإنساني المتطرف في عنصريته‪ ,‬ولكن شاءت القدر أن ينكشف ما كانت تخفيه‪ ,‬وفلقي أفرادها‬
‫جزاءهم العادل فقتل من قتل وتوارى عن النظار من تمكن من الفرار‪.‬‬
‫وفي البحث عن غدر اليهود بالشعوب التي عايشوها عبر التاريخ يقول السيد هيبس‪ :‬الغريب في أمر اليهود رغم شهرتهم المزمنة في‬
‫العتماد على الغدر والخيانة‪ ,‬هو أن نجد من يعطف عليهم ويناصرهم كلما ألم بهم مكروه‪ ,‬مثل الذين انبروا أثناء الحرب الكونية الثانية‪,‬‬
‫ليتباكوا على مصيرهم ويدافعوا عنهم ويتهمون هتلر بالظلم والتعسف‪ ,‬مع أن أكثر هؤلء كان يعلم حق العلم‪ ,‬كل ما ارتكبه اليهود من‬
‫الجرائم بحق الشعب الفرنسي‪ ,‬عبر الزمن وقبل أن يخلق هتلر‪ ,‬وعلى سبيل التذكير أسوق إلى هؤلء‪ ,‬ما كتبته صحيفة الشمال )‪La‬‬
‫‪ (nord‬الفرنسية في عددها الذي صدر في ‪ 12‬آب ‪ 1871‬بصدد موقف اليهود من الشعب الفرنسي إبان حرب السبعين فقالت‪ :‬إننا لم ندخر‬
‫وسعًا في تذكير السلطات بضرورة مراقبة اليهود‪ ,‬والحد من نشطاهم‪ ,‬بعد أن ثبت أن أكثر الجواسيس الذين اعتقلوا في اللزاس والذين‬
‫ثبت عمالتهم للدولة اللمانية كانوا منهم ) أي اليهود( ولكن السلطات أصمت آذانها‪ ,‬ولم تتعظ‪ ,‬فوقعت الكارثة‪ ,‬وكانت ضحيتها فرنسا‬
‫المضيافة‪.‬‬
‫ولقد أثبت القائد اللماني الكبير مولتكة في مذكراته فيما بعد صحة ما ذهبت إليه صحيفة الشمال الفرنسية وذلك بقوله فيها‪ :‬في الواقع إن‬
‫رئاسة الركان الحربية اللمانية‪ ,‬لم تضع لعمليات حرب السبعين أي مخطط مسبق‪ ,‬إذ كانت تعتمد في توجيه عملياتها على التقارير التي‬
‫كانت تصلها من جواسيسها اليهود في المنطقة الفرنسية‪ ,‬وتسير قطعاتها بناء على مقتضياتها‪ .‬وأننا نعرف صراحة بأن الفضل في‬
‫انتصارنا على الجيش الفرنسي يعود برمته إليها و إلى مرسليها‪.‬‬
‫ومع كل هذا لم يجسر فرنسي واحد منذ فجر الثورة إلى يومنا هذا ‪ ,‬على رفع إصبع التهام في وجه اليهود لن الساسة الذين تعاقبوا على‬
‫الحكم في فرنسا بعد ثورتها كانوا جميعًا من الماسون أو المهودين‪ ,‬أو ممن اعتمدوا على نفوذ اليهود‪ ,‬أو من الذين عاشوا على فتات‬
‫موائدهم‪ ,‬مثل الحزب الجمهوري الذي كان جل أعضاءه من الفئات الثلث‪ ,‬والذي اكتسح ساحة النتخابات عام ‪ 1879‬حتى أصبح ثلثا‬
‫المجلس الوطني من أفراده‪ ,‬وهو الذي أقر بأن يكون يوم ‪ 14‬تموز عيدًا قوميًا‪ ,‬بناًء على اقتراح السيد ماك ماهون ) رئيس المحفل‬
‫الماسوني آنذاك ( الذي أراد أن يحتفل الشعب الفرنسي بهذا اليوم الذي تحقق فيه النصر لبني قومه اليهود سادة الماسون‪ .‬فخضع الشعب‬
‫الفرنسي لرادته واتخذ الرابع عشر من تموز عيدًا قوميًا له‪ ,‬رغم أنه فقد فيه شخصيته‪ ,‬وكرامته‪,‬و حريته‪,‬و حتى وطنه‪ ,‬وأصبح يسير في‬
‫ل‪ :‬إن‬
‫ركاب أحفاد دبورة و جدعون الذين غرروا به وأذلوه‪ .‬ويثابر السيد هيس في بحثه عن السيطرة اليهودية في فرنسا ويضيف قائ ً‬
‫مثقفي فرنسا كانوا في طليعة من سببوا خذلن الشعب أمام السيطرة اليهودية‪ ,‬لن أكثرهم كان من خريجي المعاهد التي كان اليهود‬

‫‪46‬‬

‫يشرفون عليها‪ ,‬ويمولونها‪ ,‬ولهذا كانت أكثرها مهودة‪ ,‬توجه طلبها ضمن البرامج الموضوعة من قبل الماسون ‪ ,‬فكان من البديهي أن‬
‫تخرج أناسًا مهودين قلبًا وقالبًا‪ ,‬بعد أن تجردهم من معتقداتهم ومثلهم وتمل أدمغتهم الفارغة بالمبادئ الماسونية‪ ,‬الداعية للباحية‬
‫والنحلل واللقومية واللوطنية‪ .‬فغدوا وكأنهم آلت صماء تنتظر أن تحركها اليدي المهودة التي صنعتها و ثقفتها‪ .‬ومن هؤلء كان‬
‫تتكون الحزاب السياسية التي تعددت في فرنسا حتى أصبح عددها في وقت من الوقات يربو عن الخمسة عشرة حزبًا‪ ,‬لكل منها منهاجها‬
‫و مشربها الخاص المناوئ لمنهج ومشرب الحزب الخر‪ ,‬مع أنها كانت جميعًا تدور في الفلك اليهودي الصرف‪ .‬وكان اليهود يوقعون‬
‫بعضها ضد البعض‪ ,‬ليخلوا لهم الجو لتحقيق ما يشاؤنه من المكاسب على حساب الشعب الفرنسي‪ .‬ولكي يشغلوا الشعب بالتفاهات‪ ,‬كانوا‬
‫يوعزون إلى الصحافة التي كانت ملكًا لهم‪ ,‬أن تثابر على تمجيد الثورة وشعاراتها وأن تنادي دون انقطاع بمبادئها ومكتسباتها‪.‬‬
‫حتى إن اليهودي كامبير أو الكامبر )‪ (Camber ou Elgamber‬الذي عرف فيما بعد باسم كامبيتا )‪ (Gembetta‬ولم يتورع عن‬
‫تشجيع النائب ألفرد ناكيه )‪ (Alfred Naquet‬على أن يتقدم إلى الجمعية الوطنية بمشروع قانون يجير الطلق في فرنسا‪ ,‬والمؤسف أن‬
‫الجمعية الوطنية أقرت هذا المشروع المخالف للتعاليم المسيحية‪ ,‬دون أن تبحث عن الغراض التي دفعت بكامبيتا لثارته‪ .‬أما غرض‬
‫كامبيتا‪ ,‬فلم يكن سوى طعن الكنيسة الكاثوليكية في الصميم‪ ,‬وتجريدها من آخر أسلحتها‪ ,‬ومن ثم تمزيق وحدة العائلة الفرنسية عن طريق‬
‫تسهيل الطلق‪ ,‬ودفع الشعب إلى اللأخلقية ‪ ,‬والباحية‪ ,‬ليسهل على اليهود قيادته وتوجيهه حسبما يحلو لهم‪ .‬ومن خلل الوقائع التي‬
‫أوردها السيد هيبس يتضح للقارئ الكريم مدى ما كان لليهود من تأثير على المجلس الوطني في فرنسا‪.‬‬
‫وتذكر المصادر المختلفة على أثر صدور هذا القانون شاع اسم كامبيتا بين الوساط الشعبية وكأنه محرر عظيم‪ ,‬فراحت الصحافة تطبل له‬
‫وتزمر‪ .‬وتضفي عليه آيات التمجيد والكبار حتى أصبح اسمه على كل لسان‪ .‬فتسابقت الحزاب لخطب وده‪ ,‬وطالبت الجمعية الوطنية‬
‫بتخليد اسمه‪ .‬فسارعت البلديات إلى إقامة النصاب التذكارية له‪ ,‬ولتسمية أكبر الشوارع باسمه‪ ,‬وكأنه من صنف نابليون وسواه من أبطال‬
‫التاريخ‪.‬‬
‫ولما تأكد اليهود من قدرتهم على إرغام الفرنسيين ‪ ,‬لتنفيذ رغباتهم عمدوا إلى تهوديهم نهائيًا‪ ,‬وأوحوا للحكومة بأن تفصل الدين عن‬
‫الدولة‪ ,‬وتعلن أن السلطة الفرنسية هي سلطة ل دينية ‪ ,‬وتمكنوا من جر المجلس الوطني إلى إقرار مشروعهم بأهون السبل‪ ,‬ثم أوعزوا‬
‫للصحافة بأن تندد بالكنيسة وشعاراتها‪ ,‬مما أدى إلى احتلل النجمة السداسية مكان الصليب في أكثر واجهات المعابد‪ ,‬بحجة تزيينها بشكل‬
‫هندسي‪ ,‬وكأن هذه النجمة هي أجمل شكل هندسي بالعالم‪ ,‬وارتفعت الشعارات الماسونية في المكنة الرسمية‪ ,‬وكثر عدد الرهبان ذوي‬
‫الميول الهرطقية في المعابد‪ ,‬وخاصة بعد أن شاع في الوساط الدينية قبول شباب اليهود في المعاهد الكنسية‪ .‬فصار اليهودي ل يرى‬
‫غضاضة من اعتناق النصرانية وامتهان الرهبنة‪ ,‬ومن ثم إعلن عودته لمعتقداته اليهودية الصلية حينما يشاء ودون حرج‪ .‬وعلى سبيل‬
‫المثال‪ ,‬نذكر قصة اليهودي بويير الشهيرة في التاريخ )‪ .(Bauer‬وهي أن هذا اليهودي اعتنق النصرانية ومن ثم انتسب إلى الكهنوت‬
‫وبرهن عن ذكاء حاد‪ ,‬وميزات عديدة أخرى لفتت انتباه الملكة أوجيني ) ‪ (Eugénie‬فقربته من نفسها وجعلته كاهنها الخاص‪ ,‬وكان ل‬
‫يفارقها مطلقًا‪ ,‬فأصبح مستشارها الديني والدنيوي‪ ,‬ول تطيق فراقه ول ساعة من الزمن‪ .‬ولكن شاءت القدار أن تنهزم فرنسا في حرب‬
‫السبعين على أيدي الخونة من اليهود‪ ,‬و تنهار المبراطورية الثانية‪ ,‬وتذهب أوجيني إلى غير رجعة‪ ,‬فخرج بويير من القصر تاركًا وراءه‬
‫أوجيني وذكراها و اللباس الكهنوتي معها‪ .‬وعاد يعمل في سوق المضاربات المالية بفضل الموال التي جمعها من تجسسه لحساب اللمان‪,‬‬
‫وما ابتزه من الملكة التي لم تكن تضن عليه بشيء‪ .‬ولما جمع ثروة كبيرة من مضارباته المالية‪ ,‬هاجر إلى بروكسل حيث أعلن عودته‬
‫للموسوية بعد أن بلغ السبعين من العمر‪.‬‬
‫وبويير ليس اليهودي الوحيد الذي تظاهر بالنصرانية ومن ثم عاد إلى يهوديته‪ ,‬وهناك الكثيرون منهم وعلى الخص طبقة مؤلفي الكتب‬
‫الداعية إلى اللحاد و الباحية‪ .‬فأكثر مؤلفيها كانوا و مازالوا من اليهود الذي تظاهروا باعتناق المسيحية‪ ,‬أو ممن اتخذوا لنفسهم أسماء‬
‫مسيحية ليخفوا ورائها هوياتهم الحقيقية‪ .‬وهذه الخدعة الحقيرة أثرت على نطاق واسع في أخلق الناشئة الفرنسية‪ ,‬وأهدرت القيم‬
‫الخلقية والدينية بين مختلف الطبقات الوروبية‪ ,‬واستثمر اليهود شهرتهم في معرفة علم القتصاد على أكمل وجه في نهب أموال الناس‪,‬‬
‫إذ كانت أكثر البيوتات الفرنسية تنتقي محاسبيها و منظمي سجلتها منهم‪ .‬بعد أن يطلعوا على أسرار البيوتات الفرنسية كانوا يبيعونها إلى‬
‫المحافل المالية اليهودية‪ ,‬التي كانت تبادر إلى العمل لهدم تلك المؤسسات والحلول في أمكنتها‪ .‬كما أن اليهود استغلوا شهرة أطبائهم الذين‬
‫يدخلون أكبر المقامات والبيوتات ويطلعون على أسرارهم بحكم مهنتهم‪ .‬ثم يفشون لشعبهم لستخدامها لتأمين المصالح اليهودية‪ .‬ويذكر‬
‫التاريخ أن انزلق الكنيسة في المهاوي اليهودية كان على يد احد أطبائهم الذي أصبح طبيب البابا الخاص‪.‬‬
‫وهذه العوامل أوصلت اليهود في فرنسا وغيرها من البلد الوربية إلى السيطرة والنفوذ‪ ,‬حتى أصبحوا ل يرهبون أحدًا ول يبالون بأي‬
‫قرار أو قانون يصدر خلفًا لمشيئتهم‪ .‬مثل القانون الذي أصدره نابليون في ‪ 20‬تموز سنة ‪ ,1808‬والذي كان يقضي بالسماح للرجل‬
‫اليهودي بالزواج من مسيحية‪ ,‬وإرغام اليهود على إبدال أسماءهم القديمة بأسماء فرنسية‪ ,‬فلما علم اليهود بنصوصه أقاموا الدنيا و‬
‫أقعدوها‪ .‬ومن ثم أعلن مجلسهم العلى رفضه التام السماح لليهود أن يتزوجوا من المسيحيات‪ .‬بزعم مخالفته للشرائع الموسوية‪,‬‬
‫ولضرره بالقومية اليهودية‪ .‬باعتبار أنه عملية انصهار واختلط‪ .‬أما فيما يتعلق بالفقرة الثانية التي كانت في مصلحتهم‪ ,‬لنها كانت تسهل‬
‫لهم عملية إخفاء هوياتهم عند اللزوم‪ ,‬فقد أعلن المجلس موافقته عليها‪ ,‬فلم يسه نابليون الضعيف إل النزول عند رغبة المجلس والخذ‬
‫برأيه‪ .‬والمؤسف هو أن نابليون قبل بوجهة نظر المجلس رغم ما نص كتاب هذا الخير من الوقاحة والبذاءة‪ .‬إذ ذكر المجلس في جوابه‬
‫بأنه يرفض ما جاء في الفقرة الولى من القانون‪ ,‬لمخالفته الصريحة لنص فقرة التوراة القائلة بأن يهوى يرفض في ملكوته حتى نسل‬
‫الجيل العاشر المنحدر من السفاح‪ .‬فابتلع نابليون هذه الشتيمة الفظيعة‪ ,‬وترك لليهود حرية الخذ بما يناسبهم من القانون المذكور‪ .‬وهكذا‬
‫أصبح هذا القانون سلحًا فتاكًا بيد اليهود‪ ,‬بعد أن كان الغرض منه أن يكون سلحًا عليهم‪ .‬ولقد نتج عنه مساوئ ل حد لها ‪ .‬ومنها أن‬
‫اليهودي كان يغير اسمه بكل سهولة عندما يرى حاجة لذلك‪ .‬كما أن اليهودية تمكنت بموجبه أن تدخل البيوتات الفرنسية كزوجة شرعية‪,‬‬
‫وتصبح سيدة البيت وأم أطفال فتنهي وتأمر و تفسد العقائد و التقاليد‪ ,‬وتهود أفراد العائلة ما شاء لها من التهويد‪ ,‬دون أن تجرؤ الكنيسة‬
‫أو أي سلطة أخرى على ردعها‪ ,‬بينما ظل المجتمع اليهودي نقيًا‪ ,‬باعتبار أن المسيحية منعت حتى من وضع قدميها في أحقر كوخ يهودي‪.‬‬
‫وهكذا كثر عدد الفرنسيين الذين تزوجوا من بنات اليهود‪ ,‬وعلى الخص في عهد نابليون‪ ,‬حيث عم الفقر وأفلس أكثر أغنياء فرنسا‬
‫ونبلئها‪ .‬وكانت فرصة اليهود الذهبية ليزوجوا بناتهم من شباب أعرق العائلت الفرنسية التي أصابها الضيق المالي من جراء الحروب و‬
‫النكبات‪ .‬وبهذه الوسيلة هود اليهود كثيرًا من العائلت الفرنسية العريقة التي كانت تعتبر في وقت ما من طليعة أعداء اليهود في فرنسا‪.‬‬
‫وهذا القانون ليس المأساة الوحيدة التي خلفها نابليون لبلده‪ ,‬بل له مآسي عديدة من هذا النوع ومنها أنه جعل خزينة بلده مدينة إلى‬
‫أغنياء اليهود أجياًل عديدة‪ .‬مع العلم أنه كان السبب الساسي في إثراء اليهود إبان حكمه‪ .‬إذ جعل منهم رفاق دروبه ومستودعات أسراره‪,‬‬

‫‪47‬‬

‫ومنابع تموين جيوشه‪ ,‬فاستثمروه على أوسع نطاق ممكن‪ .‬ولما زال حكمه كان في فرنسا ألوف من اليهود الذين يملكون المليين‪ ,‬أمثال‬
‫روتشيلد )‪ (Rothschild‬وبلجرادر )‪ (Bleichrader‬و آمار )‪ (S.Amar‬و كوهن )‪ (Kuhn‬ولوب )‪ (Loeb‬وجافة )‪(Japhet‬‬
‫وفينالي )‪ (Finaly‬ودريفوس ) ‪ (Dreyfus‬وباروخ )‪ (Baruch‬وستيرن )‪ (Stern‬ولزار )‪ (Lazard‬وكوهين )‪ (Cohen‬و‬
‫زاخاروف )‪ (Zaharof‬وسليكمان )‪ (Sleigman‬وفاربورغ) ‪ (Warburg‬وهؤلء الذين أطلق عليهم العالم فيما بعد اسم ملوك الذهب‪.‬‬
‫وهم أنفسهم الذين سيطروا على كافة مناجم أوربا و كانوا ومازالوا حتى اليوم يتلعبون بمقدرات المواد الخام في العالم‪ ,‬ويسيطرون‬
‫عليها حيثما وجدت‪ .‬وهم الذين سيطروا على مصائر الحروب والثورات منذ عهد نابليون وحتى يومنا هذا‪.‬‬
‫أما نفوذهم في فرنسا‪ ,‬فهو أمر مفروغ منه‪ ,‬ول يمكن أن يشك فيه عاقل واحد‪ .‬ولقد برهنوا في المس القريب عن مداه بكل وضوح‪ .‬وذلك‬
‫عندما قامت الثورة في الهند الصينية‪ ,‬هذه الثورة التي لم تكن لمصلحة فرنسا قطعًا‪ ,‬و ما كان لها أن تقاتل من قام بها‪ ,‬وكان كل فرنسي‬
‫شريف يطالب بإيقاف تلك الحرب القذرة‪ ,‬ومنح أهلها الستقلل الذي ينشدونه‪ .‬و لكن فرنسا ثابرت على الحرب برغم علمها أنها ليست من‬
‫مصلحتها‪ ,‬وبرغم سماعها احتجاج المخلصين من أبنائها لنها كانت مرغمة على المثابرة وكل ذلك لن الرأسمالية اليهودية كانت تروم‬
‫سحب آخر قرش سيكوني )‪ (Piastre Saigonaise‬وتهريبه باعتباره من النقد النادر المكفول من قبل المصارف اليهودية‪ ,‬ولهذا تحالفت‬
‫الرأسمالية اليهودية مع بعض الساسة من صنائعهم أمثال راماديه )‪ (Ramadiée‬واليهودي جول موك )‪ (Jule Moch‬و ماير )‬
‫‪ .(R.mayer‬واليهودي أيضًا بيدو )‪ (Bidault‬و موتر ) ‪ ,(Mutter‬فأطالوا أمد الحرب حتى فرغوا من أغراضهم الخاصة‪ ,‬وفي هذه‬
‫الثناء كان الشعب الفرنسي التعس يدفع النفقات الباهظة‪ ,‬ويهرق الدماء الذكية‪ ,‬دون أن يكون له في المر حيلة‪ .‬ولقد انتشرت المعلومات‬
‫الخفية عن أسباب هذه الحرب‪ ,‬وأزكمت رائحة الخيانة أنوف المواطنين‪ ,‬وتعرضت بعض الصحف لهذا الموضوع‪ ,‬ولكن أولى المر و‬
‫النهي في فرنسا كانوا في شغل شاغل عن هذه الحقائق المؤلمة‪ .‬لن مهمتهم لم تنته‪ ,‬فكان عليهم أن ينهوها‪ ,‬و إل طردوا من الحكم كأحقر‬
‫آذن في جهاز الدولة‪.‬‬
‫وفي صدد نفوذ اليهود المالي في فرنسا وما اعتمدوه من الساليب الشيطانية لمتصاص دم الشعب الفرنسي‪ ,‬يحدثنا الكاتب الفرنسي الكبير‬
‫السيد توسسونيل )‪ (Toussenel‬ويقول‪ :‬إن في فرنسا مصرفًا أطلق عليه اسم مصرف فرنسا المركزي‪ ,‬وهو مخول بصك النقود و إصدار‬
‫أوراق النقد والسندات المالية باسم فرنسا‪ ,‬كما منح حق استثمار كافة العمال المصرفية من تداول النقد النادر وسواه‪ .‬مع العلم أن الدولة‬
‫الفرنسية والشعب الفرنسي أو أي فرد من أبناء هذا الشعب الذي يعمل المصرف باسمه‪ ,‬ل يملك فيه شيئًا ول يستفيد منه بنسًا واحدًا‪ .‬فهو‬
‫و ما يجنيه من الموال الكثيرة ملك خاص لثرياء اليهود‪ .‬وكلما تكدست فيه الموال يسارع أصحابه إلى تحويلها إلى نيويورك أو أوتاوا‪,‬‬
‫فتقع البلد في البلبلة المالية‪ ,‬ويسيطر الجزع على الوساط الحكومية والتجارية فيقوم صنائع اليهود من حكام فرنسا إلى تدارك المر‬
‫بفرض ضرائب جديدة لتغطية العجز المالي الحاصل بسبب تلعب اليهود بمقدراتنا المالية فيدفع الشعب المسكين صاغرًا الضرائب الجديدة‬
‫من عرق جبينه وكد يمينه‪ ,‬عندها يعود اليهود من جديد إلى أساليبهم القذرة لسلب الموال الفرنسية مرة أخرى‪ ,‬وهلم جرا‪.‬‬
‫وهكذا تتابع هذه المصارف‪ ,‬المسماة زورًا وبهتانًا بالفرنسية أو النجليزية أو التحادية‪ ,‬امتصاص دماء و أموال شعبنا المغلوب على‬
‫أمره‪ ,‬وتقدمها للرأسمالية اليهودية الغادرة لقمة سائغة‪ .‬والتي تعمد من حين لخر على تغير مركز أموالها بموجب ما تقتضيه الظروف‬
‫السياسية الدولية‪ .‬ففي القرون الوسطى كان مركزها المالي الكبير في أمستردام )‪ ,(Amesterdame‬ومن ثم نقلته إلى لندن‪ ,‬ومن بعدها‬
‫إلى باريس‪ ,‬والن اتخذت نيويورك و أوتاوا‪ -‬تجمع أموالها التي تسرقها من الشعوب الوربية‪ .‬ومن ثم تعود لتفتح للدول المتخلفة باب‬
‫القتراض منها‪ ,‬لتزعم للعالم أنها تقدم له الخدمات النسانية‪ .‬والمؤسف حقًا‪ .‬هو أن نرى أكثر هذه الدول تنساق وراء ألعيبها القذرة‪,‬‬
‫وتهرول خلفها لتقترض منها الموال التي تعرضها تحت مختلف السماء الدولية‪ ,‬كالبنك الدولي و ما شابه ذلك‪ ,‬لكي تقع في براثنها‬
‫المجرمة‪ ,‬وتدفع لها الفوائد الباهظة التي ربما أودت بها إلى النزلق في مهاوي الستعمار والتبعية‪ .‬وبغية إنقاذ هذه الدول والشعوب من‬
‫الستثمار اليهودي‪ ,‬ننصحها بأن تتعامل فيما بينها‪ ,‬على أساس تبادل السلع و المواد‪ .‬فحبذا لو اعتمدت الدول النامية هذه الطريقة لتقضي‬
‫ل‪ ,‬بعد ما وصل إليه اليهود من السيطرة الرهيبة على‬
‫على الساليب اليهودية القاتلة‪ .‬ولكن يبدو أن تطبيق هذه القاعدة أصبح مستحي ً‬
‫اقتصاديات العالم أجمع‪.‬‬
‫وتأكيدًا رأي توسسونيل في سيطرة اليهود المالية‪ ,‬يقول الستاذ فيرمس سومبر )‪ ) (Warms Sombert‬أستاذ علم القتصاد في جامعة‬
‫برلين ( إن كافة المؤسسات المالية وتنظيماتها الحديثة حاليًا‪ ,‬هي من المستنبطات اليهودية‪ ,‬ومهما كانت مسمياتها‪ ,‬وألوانها فهي تصب‬
‫في النهاية في مستنقعهم المالي العام‪.‬‬
‫وفي مجال البحث عن هذا الموضوع بالذات يقول الكاتب بيير هيبس ‪ :‬إن اليهود ل يخفون قوة نفوذهم المالي في العالم‪ .‬وهم يعلنون‬
‫صراحة أن جميع بنوك العالم تعمل لصالحهم‪ ,‬وأنها توحد جهودها في خدمتهم كلما احتاج المر‪ .‬وإن المحاور الكبرى لنشاط هذه‬
‫المصارف‪ ,‬توجد الن في كل من لندن ونيويورك‪ ,‬قلعتي الصهيونية العالمية‪.‬‬
‫لقد صرح الزعيم الصهيوني المعرف دوستوفيسكي )‪ (Dostovesky‬مؤخرًا‪ :‬في حال تبدد الثروة الوربية بأجمعها سيبقى لتا المصرف‬
‫اليهودي‪ ,‬الذي سينجدنا بكل الموال اللزمة لتحقيق أغراضنا‪.‬‬
‫ولقد تطرق القس يوسف لومان لهذا البحث فقال ) إن القوانين التي أصدرها نابليون‪ ,‬صهرت المصالح الفرنسية في المصلحة اليهودية‪,‬‬
‫وألبست الثروة والمصير الفرنسي قفطان سام ) ويعني القفطان اليهودي( الذي التصق بالجسم الفرنسي‪ ,‬ولم يعد في المكان نزعه عنه‪,‬‬
‫اللهم إل إذا نزعنا عنه اللحم والجلد الفرنسي‪ ,‬إن هذا اللتحام الذي فرضه نابليون علينا‪ ,‬قبل مئة عام‪ ,‬جعلنا نعيش جنبًا إلى جنب مع‬
‫اليهود‪ ,‬فامتزجت تقاليدنا وعاداتنا ‪ ,‬مع تقاليدهم وعاداتهم‪ ,‬وتوحدت مآسينا و مسراتنا مع مآسيهم ومسراتهم‪ ,‬واستحال علينا التخلص‬
‫منهم‪ .‬وهكذا أصبنا بهذه النكبة البدية بفضل القوانين التي أوجدها نابليون ‪.‬‬
‫وتعرض أدولف هتلر بدوره لنفوذ اليهود في فرنسا‪ ,‬فكتب في كتابه ) كفاحي( )‪ (Mein Kampf‬يقول‪ :‬إن السبب في عداوة الشعب‬
‫الفرنسي لنا‪ ,‬هو نفوذ الرأسمالية اليهودية المسيطرة على مقدرات الشعب الذي غدا ل يملك من أمره شيئًا‪ ,‬إل بقدر ما يسمح له اليهود‬
‫والماسون به‪.‬‬
‫وهؤلء هم الذين يدفعوه لمناصبتنا العداء‪ .‬وخاصة بعد أن امتزجت دماؤه بدماء اليهود الذين تدفقوا إلى بلده من منطقة الراين )‪(Rhin‬‬
‫التي اتخذوها منذ القدم نقطة انطلق لغزو البلد الوربية باعتبار أنها نقطة متوسطة‪ .‬فلما سنحت لهم الفرصة انطلقوا منها إل البلد‬
‫المجاورة يلوثون دماء شعوبها بدمائهم القذرة‪ ,‬وعن طريق تزويج بناتهم لبناء تلك الشعوب وكان الشعب الفرنسي أول من تورط معهم‪,‬‬
‫فتلوثت دماؤه بدمائهم‪ ,‬ولم يعد بإمكانه التنصل منهم‪ ,‬وبهذه الوسيلة أصبح اليهود يحكمونه‪ ,‬ويفعلون في بلده ما يشاؤون كأنهم أصحاب‬
‫البلد الحقيقيين‪ ,‬ولقد سخروا أبناءه أكثر من مرة للدفاع عنهم‪ ,‬والسير في ركابهم لتحقيق مآربهم الرامية إلى السيطرة على العالم‪ ,‬فلما‬

‫‪48‬‬

‫شعروا أننا نقف في طريق أطماعهم عمدوا إلى إثارة الشغب الفرنسي ضدنا‪ ,‬ليدفعوا بأبنائه لمقاتلتنا‪ ,‬ونحن نعلم ما يرمون إليه‪ ,‬ولذا نعلن‬
‫للعالم أجمع‪ ,‬أننا لسنا أعداء الشعب الفرنسي المغلوب على أمره منذ فجر ثورته التي أسفرت عن خضوعه التام للطغمة اليهودية الخادعة‪.‬‬
‫السيطرة اليهودية في فرنسا قبل الحرب الكونية الثانية‬
‫أجمع النقاد والمراقبون‪ ,‬على أن اليهود تمكنوا في غضون أقل من نصف قرن ) بعد الثورة ( أن يسيطروا على زمام المور في الوطن‬
‫الفرنسي برمته‪ ,‬وذلك بفضل الساليب و الخطط الشيطانية التي وضعوها بالشتراك مع أنصارهم الماسون‪ ,‬لخضاع الشعب الفرنسي‪,‬‬
‫وكانت هذه الساليب تتلخص بتجريد الفرد الفرنسي من معتقداته ومثله و تقاليده‪ ,‬فحالفهم التوفيق و انجراف الفرنسي في تيار‬
‫مستنبطاتهم‪ ,‬وأصبح ملحدًا و تنكر لمثله وتقاليده‪ ,‬وخرج عن النظمة والعادات‪ ,‬واعتنق المادية وتعلق بمعيشته‪ ,‬ووضعها فوق كل‬
‫اعتبار‪ ,‬وغدا عبد شهواته التي شجعه اليهود على التردي فيها بفضل الكتب والمصادر الدبية الملحدة و الداعية إلى الباحية التي أغرق‬
‫اليهود الشعب الفرنسي في بحرها والذي استعاض بها عن كتبه الدينية القديمة‪ ,‬وأخذ يقرؤها بنهم‪,‬حتى أضحت لديه أعز ما في الوجود‪.‬‬
‫وكان كل كتاب من هذه الكتب القذرة يطبع عدة مرات لكثرة الطلب عليها‪ ,‬مثل كتاب ليون بلوم المسمى بالزواج )‪ (La marriage‬الذي‬
‫بلغت نسخه التي بيعت في فرنسا وحدها السبعة مليين نسخة‪ ,‬أما سبب رواجه‪ ,‬فل يخرج عن كونه عريق في قذارة موضوعه الباحث‬
‫عن كل ما تشمئز منه النفس‪ .‬مع أن مؤلفه كان من أشهر رجال السياسة والحكم في فرنسا وهو في الحقيقة يهودي ولد في بلغاريا‪ ,‬وكان‬
‫يدعى بليو كار فلونكلستين )‪ (Léo Kartfunklestein‬وهجرها إلى فرنسا حيث أبدل اسمه بليون بلوم‪ ,‬ومن ثم بزغ نجمه فجأة‪,‬‬
‫وأصبح من ساستها المرموقين‪ ,‬بفضل مساندة الماسون واليهود له‪ ,‬ثم توصل إلى أن يكون رئيسًا للوزارة الفرنسية أكثر من مرة‪ .‬كما‬
‫اشتهر بين كتابها بالجرأة والصراحة‪ ,‬ومع كل هذا لم يتورع عن وضع هذه الكتاب ذو الموضوع المعيب‪ ,‬وللتدليل على قذارته ندون فيما‬
‫يلي بعض من فقراته بغية إعطاء فكرة صحيحة للقارئ الكريم عن الساليب التي استعملها اليهود للفتك بأخلق الشعب الفرنسي‪ ,‬ومما‬
‫جاء في هذا الكتاب بغية تحقيق هذه الغاية السافلة‪ ,‬قوله‪ :‬إن على الفتاة الفرنسية أن تنفق طاقتها الجنسية في حينها‪ ,‬وتطلق لرغباتها‬
‫العنان قبل الزواج‪ ,‬وأن ل تحرم نفسها من الستفادة من المغامرات عندما تتوفر لها‪ .‬لن فترة المراهقة هي فرصتها الحقيقية لغتراف‬
‫الملذات‪ .‬فعليها أن تستغلها على أوسع نطاق‪ ,‬وأن ل تتردد على التعرف بأكبر عدد ممكن من الرجال لتطفئ الشهوة العارمة التي تتأجج‬
‫عادة في هذه الفترة في أعماقها‪ ,‬والفتاة الذكية هي التي تعرف كيف تنتقي الرجال الذين يمكنها أن تتمرس على أيديهم‪ ,‬فعليها أن ل‬
‫تتقاعس في البحث عنهم‪,‬و إل أضاعت على نفسها أطيب ملذات العمر‪ .‬إن الفتاة المتزمتة‪ ,‬التي تسعى لرضاء ذويها على حساب ملذاتها‬
‫فتاة خائبة‪ ,‬وعلى كل فتاة أن تنبذ السخافات والوهام‪ ,‬وتضرب عرض بالتقاليد البالية‪ ,‬مثل احترام العذرية عرض الحائط ‪ ,‬وإن تحلق في‬
‫أجواء شبابها بمجرد أن تشعر بقدرتها على التحليق بمفردها‪ ,‬فعندما تشعر بالميل لحد الشبان عليها أن تهبه نفسها من دون تردد و إل‬
‫تكون قد أضاعت إحدى فرصها الذهبية‪ ,‬ولتعلم الفتاة المراهقة أن خير التجارب التي تحتاجها عند زواجها هي التي تتعلمها في أحضان‬
‫الرجال المجربين‪ ,‬فلتتعلم كيف تختارهم في بداية تمرسها‪ ,‬إن منع الفتاة من الحمل لم يعد عسيرًا‪ ,‬فلماذا إذًا نعمد إلى حرمانها من‬
‫ملذاتها‪.‬؟ ولماذا نمنع التصال الجنسي بين الخوة‪ .‬ما هو الغرض من التمسك بهذه السخافات؟ ولذا أقول صراحة‪ :‬إنه من الظلم على أن‬
‫نفرض على شبابنا تقاليد وأعراف باطلة‪ ,‬لتغني ول تسمن‪ ,‬فلنطلق إذًا لشهواتهم العنان انسجامًا مع الطبيعة‪...‬الخ‪.‬‬
‫وإن ما ذكرناه من هذا الكتاب المكون من ثلثمئة وخمسة وأربعين صفحة‪ ,‬هو غيض من فيض‪ ,‬وهو في مجموعه مؤلف من نصائح‬
‫وأقوال غاية في القذارة والباحية‪ ,‬وهو ليس الكتاب الفريد من نوعه‪ ,‬إذ أن كتاب اليهود في أوربا ينشرون مئات المؤلفات المماثلة‪,‬‬
‫لتحقيق أغراضهم الهدامة التي ترمي إلى حقن الشبيبة العالمية باللأخلقية و الباحية‪ ,‬ومن المؤسف أن نعترف بأن اليهود نجحوا في‬
‫تحقيق هذا الهدف في أكثر البلدان الوربية بدليل استهجان الوربيات لفكرة تقديس العذرية ‪ ,‬واستخفافهن بها ‪ ,‬وبهذه الساليب القذرة‬
‫تمكن اليهود من تقويض المجتمع الفرنسي‪ ,‬وانغمس المواطن الفرنسي في الملذات‪ ,‬ولم يعد يهتم بشؤون بلده الحيوية‪ ,‬وانساق خلف‬
‫المادة التي توفر له شهواته الحيوانية بينما راح اليهود يغرفون من خيرات بلده على هواهم‪ ,‬ويستولون على مرافقها التجارية و‬
‫الصناعية‪ ,‬دون أن يعترضهم معارض‪ ,‬وبفضل اللمبالة الفرنسية‪ ,‬أصبحوا في فترة وجيزة أصحاب كل مصادر الزرق في فرنسا‪ ,‬ولما‬
‫كان الفرنسي بحاجة دائمة إلى المال للتمادي في ملذاته وجد نفسه مرغمًا‪ ,‬للتسكع على أبواب اليهود‪ ,‬ليحصل منه على عمل ‪ ,‬أو على ما‬
‫يؤمن له احتياجاته المعاشية وبسبب ذلك رضخ لكل الرغبات اليهودية‪ ,‬وهكذا فقد شخصيته و حريته‪ ,‬بعد أن فقد أخلقه‪ ,‬وأصبح عبدًا‬
‫ذليلً في عقر داره‪ .‬وهنا وجد اليهود الطريق معبدًا أمامهم‪ ,‬فوضعوا أيديهم على كل شيء في فرنسا‪ ,‬وفي مقدمتها الصحافة التي تعتبر‬
‫الزاوية الساسية في التوجيه‪ ,‬والتوعية القومية‪ ,‬فأسسوا وكالة هاشيت )‪ (La Messageries Hachette‬عام ‪ ,1851‬التي كان يديرها‬
‫قبل الحرب الخيرة اليهودي هوراس فينالي )‪ (Horaçe Finaly‬ووكالة هافاس التي تعتبر منذ العام ‪ 1835‬الوكالة الرسمية للدولة‬
‫الفرنسية التي تدفع لها ثلثين مليون من الفرنكات سنويًا‪ .‬وكان يديرها قبل الحرب اليهودي سافاردين شارل لويس هافاس )‬
‫‪ (Séphardine Charle Louis Havas‬ومنذ ذلك التاريخ أصبحوا يتحكمون بالصحافة الفرنسية تمامًا‪.‬‬
‫وفي صدد ما يملكه اليهود حاليًا في فرنسا يحدثنا السيد هيبس ويقول‪ :‬إن الحصاء الخير للمرافق العامة أثبت أن اليهود يملكون ‪%90‬‬
‫من صناعة السينما و التمثيل وصالت الترفيه‪ ,‬و ‪ %75‬من مؤسسات الطباعة والنشر و الدعاية و ‪ %100‬من المؤسسات الصحفية وإن‬
‫‪ %88‬من نجوم السينما والتلفزيون هم من اليهود‪ .‬أما ما يملكونه في الميدان القتصادي فيعادل ‪ %92‬من صناعة المعادن الثقيلة و‬
‫‪ %90‬من تجارة التحف الثرية‪ ,‬و ‪ %98‬من أموال سوق المضاربات ) البورصة( و ‪ %95‬من مصانع أجهزة الراديو و التلفزيون و‬
‫‪ %79‬من أموال المصارف‪ ,‬و ‪ %75‬من مؤسسات الترانزيت و الوساطة و ‪ %55‬من المرافق التجارية المختلفة‪ ,‬و ‪ %50‬من‬
‫الصناعات الثقيلة‪.‬‬
‫وتشير جداول إحصاء الحصائيين إلى أن نسبة اليهود بين مختلف المهن المحترمة مثل الطب و المحاماة‪ ,‬والهندسة المعمارية مرتفعة‬
‫جدًا‪ ,‬وهي تعادل ‪ %60‬من مجموع الخصائيين في فرنسا‪ .‬هذا عدا المراكز الحكومية المرموقة التي يحتلونها‪.‬‬
‫وتملك المؤسسات التجارية اليهودية في باريس أكثر من خمسة عشر ألف وكالة منتشرة في أنحاء البلد‪ ,‬واليهود يملكون ستة خطوط‬
‫ل التي كانت‬
‫ل للسلحة من أصل ‪ 240‬معم ً‬
‫حديدية من أصل سبعة خطوط عاملة‪ ,‬وفي الحرب العالمية الولى‪ ,‬كانوا يملكون ‪ 238‬معم ً‬
‫تملكها البلد‪ ,‬وكان اليهودي باروخ )‪ (Barouch‬هو الذي يمول هذه المعامل اليهودية‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫وهذه السيطرة الصناعية‪ ,‬حققت لهم السيطرة السياسية المطلقة‪ ,‬باعتبار أنهم يستخدمون في مصانعهم ومؤسساتهم عدة مليين من‬
‫المواطنين و يتصرفون بآرائهم النتخابية‪ ,‬وهذه القوة النتخابية التي يملكونها‪ ,‬ترضخ لمشيئتهم أكثر رجال السياسة في البلد‪.‬‬
‫ولقد قدرت المرابح اليهودية للفترة الفاصلة بين الحربين بأربعمائة مليار فرنك من الذهب في فرنسا وحدها‪ ,‬وهرب بأكملها في الوقت‬
‫المناسب إلى أمريكا‪ ,‬وقدرت ثروتهم قبل الحرب في فرنسا بسبعمائة وخمسين مليار فرنك ذهب من أصل ألف مليار فرنك كانت تمتلكها‬
‫فرنسا‪,‬وفي أعقاب الحرب الخيرة حصل اليهود على تعويضات عما أصابهم من الضرار أثناء الحرب بلغت مائة وأربعين مليار فرنك‪,‬‬
‫ويقول علماء القتصاد إن اليهود يملكون حاليًا ما يعادل ‪ %90‬من الثروة الفرنسية‪.‬‬
‫ومن فحوى الحصاءات التي رواها السيد هيبس‪ ,‬يظهر جليًا أن اليهود لم يهدروا وقتهم سدى في فرنسا‪ ,‬بل استثمروا اللمبالة و‬
‫الستكانة الفرنسية لقصى حد ممكن‪ ,‬وأصبحوا يمتلكون ما كان فيها من الخيرات‪.‬‬
‫وقائع نموذجية من الساليب الوصولية اليهودية‬
‫إن الساليب العجيبة التي اعتمدها اليهود‪ ,‬لتحقيق أغراضهم العديدة في فرنسا‪ ,‬هي أساليبهم التقليدية التي استعملوها‪ ,‬عبر تاريخهم‬
‫الطويل والتي أوصلتهم مرارًا لهدافهم‪ ,‬وهي مستمدة من التوعية اليهودية المنبثقة عن تعاليم التوراة والتلمود‪.‬‬
‫و أعجب ما في أمرها‪ ,‬هو أن كل الناس يدركون أنها مبنية على الغش والخداع‪ ,‬ومع هذا يؤخذون بها‪ ,‬ويقعون في أحابيلها‪ ,‬وكأنها‬
‫ل نابليون بونابرت‪ ,‬برهن في البداية أنه كان يعرف كل شيء عن أساليبهم‪ ,‬وما نتج عنها من الكوارث في‬
‫تسحرهم‪ ,‬وتشل تفكيرهم‪ .‬فمث ً‬
‫بلده‪ ,‬وفند الخطار التي يمكن أن تنتج عن التساهل معهم‪ ,‬وطالب بالحد من حريتهم و نشاطهم‪ .‬وإذ به ينقلب فجأة إلى صديق حميم لهم‪,‬‬
‫ويناصرهم حتى بعد أن أقدم يهود ليتوانيا و استونيا ‪ ,‬على ذبح جنوده الذين أصيبوا في المعارك الروسية‪ ,‬والذين كانوا في ضيافة اليهود‪,‬‬
‫عندما كان الجيش الفرنسي منتصرًا‪ ,‬ولكن لما هزم وتراجع عجز المصابون عن اللحاق بهم‪ ,‬فانقض اليهود عليهم‪ ,‬وجردوهم من‬
‫أسلحتهم‪ ,‬وذبحوهم عن بكرة أبيهم‪ ,‬وألقوا بجثثهم تحد أقدام الجنود الروس‪ ,‬الذين احتلوا ليتوانيا‪ ,‬ليبرهنوا للروس عن إخلصهم‪,‬‬
‫ويكفروا عما ارتكبوه بحقهم إبان الحتلل الفرنسي و مع ذلك ظل نابليون على صداقته لليهود‪ ,‬وثابر على معاونتهم‪ ,‬ومنع عنهم كل سوء‪,‬‬
‫ولكن صداقته المفرطة هذه لم تشفع له لدى اليهود إذ بمجرد أن سنحت لهم الفرص‪ ,‬تنكروا له‪ ,‬وانحازوا لعدائه‪ ,‬لما سقط‪ ,‬أسدلوا الستار‬
‫عن علقتهم السابقة به‪ ,‬ثم راحوا يبررون خيانتهم له ‪ ,‬بأنها كانت بغية إنقاذ الثروة الفرنسية التي كان نابليون يبذرها‪ ,‬للنفاق على‬
‫فتوحاته التي كان يرمي من ورائها تحقيق مصالحه الشخصية‪ .‬مع أن العالم أجمع كان يعرف أن اليهود هم الذين دفعوه لخوض تلك‬
‫المعارك‪ ,‬التي استثمروها على أوسع نطاق‪ ,‬وخرجوا منها بالثروات الطائلة‪ ,‬عدا المكاسب المعنوية التي حققوها‪ ,‬ولكن عندما أصبحت‬
‫ثروات أوربا بين أيديهم ولم يعد أحد يملكها سواهم‪ ,‬انقلبوا عليه‪ ,‬حتى ل ينفقها ‪ ,‬في سبيل ما لم يبق فيه مأرب أو مكسب‪ ,‬و زعموا أنهم‬
‫تخلوا عنه لنقاذ الثروة الفرنسية‪ ,‬والغريب أنهم تجاهلوا في التهم التي وجهوها لنابليون‪ ,‬ذكر مئات اللوف من الشبان الفرنسيين الذين‬
‫ضحى بهم نابليون على مذبح الهداف اليهودية‪ ,‬وركزوها على الناحية المالية فقط‪ ,‬وادعوا أنهم فعلوا ما فعلوه ضنًا بالثروة الفرنسية‬
‫وهذا التجاهل المقصود لذكر الدماء الفرنسية التي سفكت في سبيلهم يدينهم صراحة بنكران الجميل‪ ,‬ويكشف خيانتهم للشعب الفرنسي‬
‫الذي لم يضن بشيء لسعادهم‪ .‬ومع ذلك لم يتطرقوا في التهم التي وجهوها لنابليون ذكر دماء أبناء الشعب‪ ,‬وكأنها ل تهمهم فاكتفوا بأن‬
‫ل تحجج‬
‫ل أص ً‬
‫يتباكوا على الثروة الفرنسية التي أصبحت برمتها ملكهم‪ .‬و حتى هذا الزعم الخير يفتقر إلى الجدية‪ .‬لنه في الواقع كان باط ً‬
‫به اليهود لذر الرماد في العيون‪ ,‬لنهم في الحقيقة تخلوا عن نابليون‪ ,‬وعملوا عل اسقاطه عندما أيقنوا أن سقوطه‪ ,‬سوف يزيد من‬
‫مكاسبهم المادية‪.‬‬
‫فلو لم يكن سقوط نابليون من مصلحتهم‪ ,‬لكانوا وجودا ألف سبيل للحيلولة دون وقوعه فكيف ل وهم الذين برعوا في إيجاد الحجج المعللة‪,‬‬
‫كلما شعروا بدنو الخطر على مصالحهم‪ ,‬مثل الحجة التي استنبطها النائب اليهودي فاندل )‪ (Vandel‬عام ‪ ,1914‬والتي زعم فيها‪ ,‬أن‬
‫معامل مدينة بريس اللمانية )‪ (Brecy‬هي من الممتلكات الفرنسية‪ ,‬ليمنع قصف المدفعية الفرنسية عنها‪ ,‬بينما كانت في الصل تخص‬
‫اليهود وحدهم‪ ,‬ولم يكن لي فرنسي أقل علقة بها‪ ,‬والدهى من ذلك هو أن اللمان كانوا يصنعون فيها طائراتهم التي كان تزرع الموت‬
‫والدمار في فرنسا‪ ,‬ومع هذا ضرب فاندل بحياة و ممتلكات الشعب الفرنسي عرض الحائط ‪ ,‬وتقدم بطلب وقف القصف عن المدينة العدوة‪,‬‬
‫وبرر طلبه بتلك الحجة الباطلة‪ ,‬والمؤسف هو أن كليمانصو ) ‪ (Clémanceau‬الشهير بالنمر الفرنسي رضخ لمشيئة فاندال وأصدر أمره‬
‫بوقف القصف عن تلك المدينة تحت تأثير ضغط وزمرة الثعالب اليهودية التي كانت تحيط به‪ ,‬أمثال ‪ ,‬ماندل ) ‪ (Mandel‬و فورمس )‬
‫‪ (Wormç‬و ماردوك )‪ (Mardocq‬وميسيمي )‪ (Missimy‬وليؤن ليفي )‪ ( Léon Levy‬وسواهم من الذين كان كليمنصو الخرف‬
‫يعتمد عليهم في إدارة شؤون الدولة التي كان يرأسها و من فحوى هذه الحادثة التي يرويها السيد هيبس يتضح لنا أن اليهود كانوا قادرين‬
‫دائمًا على استنباط الحجج والدلة اليلة لنقاذ مصالحهم كلما تعرضت للخطر‪ ,‬وكما أننا نفهم منها بأن الحكام الفرنسيين كانوا على أتم‬
‫الستعداد لتلبية ما يطلبه اليهود منهم مهما كان الطلب محرجا‪ ,‬ومهما كانت حججه واهية‪ .‬والظاهر أن الحكام في فرنسا كانوا أعجز من‬
‫أن يدحضوا ما يزعمه اليهود و إل لما رضخ كليمنصو بتلك السهولة لرادة فاندل مع ما فيها من الضرر لبلده‪.‬‬
‫وتأكيدًا لقدر اليهود على استنباط الساليب الوصولية العجيبة‪ ,‬نروي فيما يلي قصة اليهودي ) أرلنجر( وهي تتلخص بأن هذا اليهودي‬
‫الدعي‪ ,‬الذي اشتهر فيما بعد بالبارون أرلنجر ‪ ,‬لم يكن في الصل سوى يهودي فقير‪ ,‬ولد في الحي اليهودي لمدينة فرانكفورت اللمانية و‬
‫ضاقت به سبل العيش فيها‪ ,‬فهجرها إلى فرنسا‪ ,‬حيث تظاهر بالنصرانية‪ ,‬وافتتح في باريس حانوتًا حقيرًا ليعتاش منه‪ ,‬وإذ به يصبح من‬
‫أثرياء باريس فجأة‪ ,‬ويذهل الناس بما يظهر عليه من آثار الجاه و العظمة ‪ ,‬ولدى التحري عن مصدر هذه الثروة التي هبطت عليه يتبين‪:‬‬
‫إن أرلنجر تمكن بصورة ما من التصال مع طرفي النزاع في الحروب المريكية ) حروب الشمال والجنوب( التي كانت قائمة آنذاك ‪,‬‬
‫وتوصل إلى كسب ثقة كل منهما‪ ,‬فاعتمده كل طرف سرًا عن الخر‪ ,‬ليمثلها في فرنسا‪ ,‬وفي عام ‪,1860‬كلفته حكومة الجنوبيين بأن يطرح‬
‫باسمها سندات القروض الشعبية‪ ,‬فلبى أرلنجر طلبها‪ ,‬وأغرق فرنسا بسندات الجنوب‪ ,‬حتى جمع منها ‪ 75‬مليون فرنك دون أن يلفت انتباه‬
‫أحد‪ ,‬فلما علمت حكومة الجنوبيين بذلك‪ ,‬أوفدت اثنين من أنصارها لستلم المال من أرلنجر ولكن شاء القدر أن تسقط حكومة الجنوبيين‬
‫وتستسلم في الوقت الذي وصل فيه الموفدان إلى باريس‪ ,‬فتنكر أرلنجر لهما‪ ,‬ورفض أن يسلمهما قرشًا واحدًا‪ ,‬فالتجأ الموفدان لمقاضاته‪,‬‬
‫ولكن القضاء رد الدعوة بحجة عدم وجود الجهة التي يمثلنها‪ ,‬عندها اضطرا لمهادنة آرلنجر‪ ,‬واتفقا معه‪ ,‬وظهر فيما بعد أنهما كانا أيضًا‬
‫من اليهود‪ ,‬بدليل أن أحدهما المدعو سليدل )‪ (Dlidell‬تزوج من ابنة أرلنجر وتكلل عليها في الكنيس اليهودي‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫وأغرب ما في قصة أرلنجر هو أن الحكومة الفرنسية التي كانت تدعي الحرية والخوة والمساواة‪ ,‬لم تعترض على مشروع السندات التي‬
‫طرحها أرلنجر في السواق الفرنسية‪ ,‬رغم أنها كانت ترمي إلى جمع المال لصالح حكومة ديكتاتورية‪ ,‬متزمتة‪ ,‬في تمسكها بإبقاء الرق‬
‫والعبودية في بلدها‪ ,‬مثل حكومة الوليات الجنوبية‪ ,‬كما أنها لم ترغم أرلنجر على إعادة ما سرقه من شعبها‪ ,‬حتى بعد أن افتضح أمره‬
‫والصحافة الفرنسية تجاهلت بدورها حدوث هذه المهزلة التي مثلت فصولها على أرض الحرية والمساواة والخوة المزعومة‪ .‬وهذا‬
‫السكوت المخزي من قبلها إنما يدل على ما كان لليهود من النفوذ الواسع في فرنسا‪.‬‬
‫وليت قصة أرلنجر انتهت عند هذا الحد‪ ,‬إذ كانت ذيولها أثر غرابة من مستهلها‪ ,‬فبعد وقوع هذه المهزلة فوجئت فرنسا بخبر تعيينه من‬
‫ل عامًا لها في باريس‪ .‬وعلمت بأن الحكومة التونسية أيضًا اقترضت منه أربعة مليين فرنك باعتباره أحد‬
‫قبلة المملكة اليونانية قنص ً‬
‫أثرياء الجمهورية الفرنسية‪ ,‬ولما حان موعد سداد المبلغ تلكأت تونس عن الوفاء بوعدها‪ ,‬وإذ بالدولة اللمانية تنذرها بالحتلل إن لم تف‬
‫لرلنجر بما عليها من ديون في الوقت المحدد‪ ,‬وتبرر تدخلها بأن أرلنجر من أتباعها‪ ,‬وممن منحوا لقب البارونية من قبل عاهلها‪ ,‬فلم يسع‬
‫باي تونس إل الرضوخ‪ ,‬ودفع ما ترتب عليه‪ ,‬أما فرنسا فسارعت هي أيضًا لتكريم هذا الفاك ومنحته وسام جوقة الشرف من درجة القادة‬
‫العظام‪.‬‬
‫وأرلنجر ليس باليهودي الوحيد الذي توصل إلى الثروة والجاه عن طريق الساليب الملتوية‪ ,‬فهناك اليهودي بيشوفشيم‪ ,‬الذي ولد في‬
‫هولندا‪ ,‬وعاش في ألمانيا‪ ,‬ودخل فرنسا عام ‪ 1880‬فقيرًا معدمًا‪ ,‬ومع هذا تمكن في غضون عام واحد من الحصول على الجنسية الفرنسية‬
‫و الشتراك في النتخابات النيابية عام ‪ 1881‬عن منطقة نيس )‪ (Nice‬ونجح فيها و أصبح عضوًا في الجمعية الوطنية الفرنسية‪ ,‬وشرع‬
‫في ممارسة عمله كممثل عن الشعب الفرنسي الذي انتسب إليه قبل بضعة أشهر فقط !‪.‬‬
‫وقصة اليهودي مانهينر )‪ (F.MaunHeiner‬ليست أقل غرابة من سابقتيها‪ ,‬وتتلخص بأن مانهينر اللماني الجنسية هرب إلى فرنسا‬
‫بعد أن ارتكب في مسقط رأسه عدة جرائم سرقة‪ ,‬وظل لجئًا في فرنسا حتى قيام الحرب عام ‪ ,1914‬فطرد منها باعتباره من أتباع العدو‪.‬‬
‫وعاد إلى ألمانيا و تمكن بصورة ما ‪ ,‬من أن يصبح فيها مديرًا لكبر مصنع للحديد‪ .‬وهو مازال في السابعة والعشرين ‪ .‬ولما انهارت‬
‫ألمانيا‪ ,‬فر منها إلى هولندا‪ ,‬حيث اشترك في عمليات التلعب بالمارك اللماني مع مصرف مندلسون اليهودي‪ .‬ونجح في الحصول على‬
‫ل من فرنسا وبلجيكا اقترضنا منه عدة مليين‪ .‬ومنحته‬
‫ثروة هائلة‪ .‬من وراء ألعيبه‪ .‬واشتهر أمره بسرعة في الوساط الدولية‪ ,‬حتى أن ك ً‬
‫فرنسا جنسيتها وأصبح من أكبر متنفذيها‪ .‬ولم يعالجه الموت لبز البارون أدمون روتشيلد وسواه من ذوي النفوذ فيها‪.‬‬
‫وإذا أردنا متابعة البحث في الساليب الوصولية التي اعتمدها اليهود لسلب ثروات الشعب الفرنسي لطال بنا البحث إلى ما ل نهاية‪ .‬ولذا‬
‫اقتصرنا على سرد بعض الوقائع المعينة التي اشتهرت في الوساط الفرنسية‪ ,‬بغية إظهار مدى استغفال اليهود للشعب الفرنسي الطيب‪.‬‬
‫السيادة اليهودية على المصير الفرنسي‬
‫إن فرنسا أصبحت مستعمرة صهيونية ولم يعد لنا مجال للتفكير في التخلص من سادتنا اليهود إن كل فكرة تمرد أو نزوع للخروج عليهم‬
‫أصبحت فاشلة مسبقا خضع لهم برمته بعد أن جعلوه ل يفكر إل بالمادة وحدها وبعد أن دفعوا به إلى الدمان على الكحول الذي أودى به‬
‫إلى الكسل و التقاعس ومن ثم إلى الفاقة و التسول وهو الن مهدد بالنقراض باعتباره شعبًا قليل النسل ودائم التعرض لخوض الحروب‬
‫التي يفتعلها سادته ويسوقون أفراده إلى مذبحها لتحقيق مطامعهم القذرة بحجة الدفاع عن فرنسا التي ل يملك شعبها من خيراتها أي‬
‫‪.‬شيء بعد أن سلب اليهود كل ما كان فيها واستعبدوا أهلها‬
‫الكاتب الفرنسي االدكتور فيرديناد سيلين‬
‫‪L. F. Celine‬‬
‫مما ل شك فيه هو أن السيطرة اليهودية بلغت أوجها في فرنسا بعد الحرب العالمية الولى‪ ,‬وأصبح اليهود يملكون فيها كل شيء ويسيرون‬
‫أمورها وفق أهوائهم‪ ,‬بينما كان الشعب الفرنسي غارقًا في الخمور و الفجور وهو يلعق جراحاته التي خلفتها المعارك الطاحنة التي‬
‫خاضها في الحرب العالمية الولى‪ .‬وكان الماسون و اليهود يشجعونه على التمادي في هذه المهاوي‪ ,‬حتى يخلوا لهم الجو لتحقيق‬
‫أغراضهم و إمعانًا في إلهائه‪ ,‬يختلقون كل يوم ما يشغله عن مراقبتهم‪ ,‬فكانت الصحافة اليهودية ودور النشر المهودة‪ ,‬تثابر على تشجيعه‬
‫في حياته اللأخلقية‪ ,‬وفي الحقل السياسي تبث في صفوفه التفرقة وتحرض فئاته على التناحر‪ ,‬حتى تعددت أحزابه لدرجة غير عادية‪,‬‬
‫وقام النزاع الشديد بينها على أتفه المور‪ ,‬مع أنها كانت جميعها تسير في ركاب اليهود‪ ,‬وفي خضم هذا النزاع الحزبي الذي ساد فرنسا‬
‫بين ) ‪ (1940-1920‬ظهر في ألمانيا الحزب الشتراكي الوطني ) الحزب النازي( فاتجهت إليه النظار في أكثر القطار الوربية‪ ,‬وعلى‬
‫الخص في فرنسا‪ ,‬حيث كانت الفئة الوطنية المخلصة المغلوب على أمرها‪ ,‬ل تجرؤ على القيام بما يشعر به الناس بوجودها‪ ,‬فبدأت تهلل‬
‫لهتلر وحزبه الذي أشهر الحرب على اليهود‪ ,‬سادة فرنسا وألد أعداء الفئة الوطنية‪ .‬فخشي اليهود من أن تعمد هذه الفئة إلى التمثل بهتلر‬
‫وحزبه‪ ,‬وأن تتمكن من إيقاظ الشعور القومي في الوطن الفرنسي‪ ,‬هذا الشعور الذي كان اليهود يخشونه أكثر من أي أمر آخر لنه كان‬
‫حتمًا سيؤدي إلى تجريدهم من مكاسبهم ومن ثم اضمحلل نفوذهم‪ ,‬فهداهم فكرهم الشيطاني إلى قطع الطريق على كل نزعة قومية أو‬
‫وطنية‪ ,‬وانكبوا على تحقيق الوسيلة الناجعة لفكرتهم الجديدة‪ .‬وإذا فجأة يظهر في فرنسا حزب جديد يتزعمه أحد الضباط القدماء العقيد‬
‫دولرك‬
‫وينادي بنفس المبادئ التي نادى بها هتلر‪ ,‬ويطلق على نفسه اسم حزب الصلبان النازية‪ ,‬وكان اسم رئيسه ينبأ عن كونه من أفراد الطبقة‬
‫النبيلة التي اشتهرت بعدائها لليهود‪ ,‬مما أوحى الثقة به للناس‪ ,‬فسارع أكثر الفرنسيين قومية ووطنية إلى النضمام إليه واللتفاف حوله‪.‬‬
‫فبدأ دولرك يعقد الجتماعات ويلقي الخطب القومية الرائعة‪ ,‬على غرار هتلر و موسوليني‪ ,‬داعيًا الناس إلى النخراط في صفوف حزبه‬
‫الشتراكي الوطني‪ ,‬واعدًا المواطنين بإنقاذ فرنسا من كبوتها حالما تدق ساعة الصفر‪ .‬فظنه الناس الديكتاتور المقبل الذي سينقذ البلد من‬
‫اليهود و الرأسمالية الصهيونية‪ .‬فمالوا إليه وعلى الخص بعد أن شكل فرق الصلبان الحديدية‪ ,‬على غرار الفرق الفاشية‪ ,‬واشترى جريدة‬
‫يومية تدعى بالجريدة الصغيرة ‪ La Petit Journal‬تنطق بلسانه‪ .‬وكانت تصدر كل يوم وهي طافحة بالمقالت القومية الشتراكية فهلل‬
‫لها الشعب الفرنسي وكبروا‪ .‬ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فوقعت في باريس عام ‪ 1934‬بعض أعمال الشغب والعنف ضد اليهود‪,‬‬
‫وقع أثنائها كثير من القتلى والجرحى‪ ,‬واعتقل مئات الفرنسيين‪ ,‬ولم يكن بين القتلى و المعتقلين أحد من أتباع دولروك الذين كان الشعب‬
‫يعتبرهم من ألد أعداء اليهود‪ .‬فلفت غيابهم عن الساحة أنظار الناس و تساءلوا عن أسبابه ولما غاب عنهم المر‪ ,‬بدأوا ينظرون إلى هذا‬

‫‪51‬‬

‫الحزب بعين الريبة والشك‪ .‬كما أنا بعض الوساط الصحفية لحظت وجود صداقة وثيقة بين دولروك والوزير الماسوني المهود تارديو )‬
‫‪ ,(M. Tardieu‬فاستغربت المر‪ .‬وعمدت إلى البحث عن سر هذه الصداقة ‪ ,‬فكان أسبق الصحفيين في كشف أسرار هذه الصداقة‬
‫المريبة هو العقيد المتقاعد كبليوم‪ ,‬مدير صحيفة الصدمة )‪ (La Choc‬الذي أعلن للناس صراحة بأن دولروك هو أحد أتباع تارديو‬
‫واليهود‪ ,‬وأنه يتقاضى مقابل خدماته له عشرين ألف فرنك شهريًا من وزير الداخلية‪ ,‬ولما قرأ دولروك هذا الخبر في صحيفة الصدمة‪,‬‬
‫قرر اغتيال كبليوم‪ ,‬فأرسل بعض أتباعه إلى مدينة سن سيرفان )‪ (Saint Servent‬حيث كان يقيم خصمه‪ ,‬ليعتدوا عليه‪ .‬ولقد وقع‬
‫ل‪ ,‬ولكن رجال دولروك هربوا من المعركة دون أن يتمكنوا من الجهاز على كلبيوم‪ ,‬الذي خرج من المعركة بعاهة دائمة‪,‬‬
‫العتداء فع ً‬
‫وسارع إلى إقامة الدعوى على المعتدين و زعيمهم‪ ,‬فألقت الشرطة القبض على رجال دولروك وأحالتهم إلى القضاء‪ ,‬حيث اعترفوا‬
‫بذنبهم‪ ,‬وبأنهم كانوا موفدين بهذه المهمة من قبل دولروك‪ .‬فصدر الحكم على المعتدين‪ ,‬وتوارى دولروك عن النظار‪ ,‬و على الثر طلب‬
‫الشعب من الحكومة‪ ,‬أن توضح السباب التي دفعت بالوزير تارديو أن يقدم لدولروك المبالغ التي ذكرها كليبوم في صحيفته‪ ,‬فاضطر‬
‫تارديو أن يعترف بالمر‪ ,‬وأن يبرر ذلك بسبب قيام دولروك بخدمات خاصة للدولة‪ .‬فقام دولروك بدوره بتقديم دعوى قذف وتجني ضد‬
‫الوزير تارديو‪ .‬وقدم لذلك شاهدًا‪ ,‬من أعضاء حزبه ومن النبلء الفرنسيين المدعو دوق بوزو )‪ .(Due Pozzo‬الذي سمع تارديو وهو‬
‫يصرح بتقديم الموال لدولروك‪ ,‬وكانت المحكمة ذات الختصاص للنظر في الدعوى هي محكمة الجزاء الثانية‪ .‬فعقدت الجلسة‪ ,‬واستدعي‬
‫كل من تارديو والشاهد بوزو للدلء بأقوالهما‪.‬‬
‫وكان أول من سأل عن القضية هو تارديو‪ ,‬الذي صرح بأنه كان يدفع لدولروك شهريًا مبلغ عشرين ألف فرنك مقابل الخدمات التي كان‬
‫يقدمها‪ ,‬وإن مجموع ما قبضه كان قد بلغ حتى شهر تموز عما ‪ 1936‬مئتين وخمسين ألف فرنك وقدم الدلة و الثباتات الدامغة لقواله‪.‬‬
‫ولما سأل بوزو شاهد دولروك‪ ,‬أجاب وهو ينتحب بأنه لم يعد يشك في صدق أقوال الوزير‪ ,‬ونعت رئيسه السابق بالخداع الخائن الذي باع‬
‫ضميره ووطنه مقابل بضعة فرنكات‪ ,‬وعلى الثر أصدرت المحكمة قرارها برد دعوى دولروك‪ .‬وتغريمه المصاريف والنفقات‪ .‬وهكذا‬
‫انكشف أمر دولروك لول مرة‪ .‬ولما تعمقت الصحافة في التحقيق عن أمره‪ ,‬تبين أن السباب الساسية لقيام هذا الحزب كانت غير ما‬
‫ظنها الناس وكان دولروك متزوجًا من يهودية‪ ,‬وكان ماسونيًا ومن أعضاء الحزب الجمهوري المهود‪ .‬وقد كلف بتشكيل هذا الحزب من‬
‫قبل اليهود و كانوا يمولونه بصورة دائمة‪ ,‬وإن معاونه الذي كان يدعى هنري مالهرب )‪ (Hanri Malherbe‬لم يكن سوى يهودي قلبًا‬
‫وقالبًا‪ ,‬وأنه كان يدعى في الصل كرونوولد )‪ .(Grunnwold‬و أنه يدعو اليهود إلى النتساب للحزب بصورة علنية‪ .‬حتى أنه خطب في‬
‫ل‪ :‬أنا أدعوكم للنضمام إلى حزبنا لنه منكم‬
‫الجتماع الحزبي الذي عقد في مدينة ليون عام ‪ 1934‬و دعى يهودها إلى مساندة حزبه قائ ً‬
‫وإليكم ‪ ,‬وصفوفه اليوم تعج بالمئات من أبناء قومكم‪ ,‬وهم الن في نظرنا أعز العضاء وأحسنهم‪.‬‬
‫ولقد ظهر فيما بعد أن هنري مالهرب لم يقل إل ما كان حقًا‪ ,‬وإن كثيرًا من أعضاء الحزب في باريس كانوا من اليهود المجهولي الصل‪.‬‬
‫كما تبينت أسباب عدم اشتراك الحزب في الحوادث التي وقعت عام ‪ 1934‬و انكشفت أسباب الصداقة التي كانت سائدة بين دولروك ومدير‬
‫شرطة باريس السيد بونفوي سيبور ‪ . Bonnefay sibour‬ولما ظهرت كل هذه المخازي‪ ,‬انفض الناس عن الحزب ورئيسه وتوارى‬
‫دولروك نهائيًا عن النظار‪ ,‬كما ألغي حزبه إلى البد‪.‬‬
‫ولكن مع كل هذا نجح اليهود في لعبتهم على أكمل وجه ممكن‪ ,‬وخرجوا منها بالمكاسب التالية‪:‬‬
‫أول‪ -‬أبعدوا أعدائهم من الفرنسيين عن التطلع إلى محور مع هتلر و موسوليني ‪ ,‬وجعلهم يلتفون حول دولروك الذي كان يتظاهر بالعداء‬
‫لليهود والنازية معًا‪ ,‬ويدعو أنصاره للتزمت في فرنسيتهم و الحتراز من اللمان‪.‬‬
‫ثانيا‪ -‬كشفوا أعدائهم في مختلف أنحاء البلد الفرنسية ومن ثم أزاحوهم عمن طريقهم في الوقت المناسب‪.‬‬
‫ثالثا‪ -‬عمقوا جذور العداوة بين مختلف الفئات الفرنسية‬
‫رابعا‪ -‬بعد أن انهار دولروك وحزبه على يد نصيرهم تارديو‪ ,‬فقد الفرنسيون الثقة بكل زعيم جديد وكل أمل في التحرر من النفوذ‬
‫اليهودي‪.‬‬
‫خامسا‪ -‬تمكن اليهود من القضاء على جميع أعدائهم دون أن يخشوا انتصار الشعب لهم‪.‬‬
‫وهكذا نجحت لعبتهم القذرة وعظم شأنهم قبل الحرب الخيرة‪ ,‬وأتلو بليون بلوم إلى الحكم في أواخر عام ‪ 1936‬أي بعد أن انكشف أمر‬
‫دولروك على صفحات جريدة الصدمة‪ .‬فشكل بلوم وزارته من زمرة يهودية شاملة أمثال بوريس للوميير )‪(Boris La lumiére‬‬
‫واليهودي مانديل )‪ (Mandel‬و اليهودي دريفوس ) ‪ (Dreyfus‬و روتشيلد وسارو )‪ (Sarraut‬وجيمي شميت )‪(Jammy Schimit‬‬
‫ورينو )‪ (Reynaud‬و فينالي )‪ (H. Finaly‬و مارسيل بلوخ )‪ (Marcel Bloch‬من يهود سالونيك وتوريز ) ‪ (Torrés‬و جول موك )‬
‫‪ (Jules Moch‬والذي تجنس فيما بعد بالجنسية السرائيلية ‪ .‬وكوهن )‪ (Cohens‬وسولومون )‪ (Solomon‬و مارسيل أبراهام )‬
‫‪ (Marcel Abrahame‬و ماير )‪ (Mayer‬وهس )‪ (Hess‬وداكوستا )‪ (Dacosta‬وكايزر )‪ (De kayser‬وهيريو )‪(Heriot‬‬
‫المتزوج من يهودية معروفة‪.‬‬
‫وهؤلء و إن لم يشتركوا جميعًا في وزارة بلوم‪ ,‬تعاقب أكثرهم على الوزارات التي شكلت قبل الحرب الكونية الثانية ومن بعدها‪ ,‬عدا عن‬
‫مئات الخرين من اليهود الذين تعاقبوا على كراسي الحكم في فرنسا‪.‬‬
‫وهذه الفئة المكونة من أغنى رجالت اليهود‪ ,‬كانت تتحكم في الطبقة العاملة قبل أن تتحكم بغيرها‪ ,‬باعتبار أن بعض أفرادها أمثال ليوم‬
‫بلوم‪ ,‬وتورز وسواهم كانوا يتظاهرون بالشتراكية‪ ,‬و يترأسون فروع حزبها في المدن الفرنسية‪ ,‬وسيطرتهم على هذا الحزب هو الذي‬
‫ل‪ ,‬ليون بلوم ل ينفك عن تهديد الدولة‪ ,‬بتحريك العمال كلما عن له ذلك على بال‪ ,‬وهذه السيطرة‬
‫كان يوصلهم إلى مقاعد الوزارة‪ ,‬إذ كان مث ً‬
‫على الطبقة العاملة‪ ,‬هي التي قوت عزائم اليهود‪ ,‬وجرأتهم على تحدي أعدائهم‪ ,‬وكم أفواه مناوئيهم‪ ,‬بينما كانوا يعملون من وراء الستار‬
‫لتضخيم ثرواتهم يومًا بعد يوم‪ ,‬دون أن يشعر بهم أحد وكانت الصحافة تسكت عن كل ما يتعلق بهم وتمتنع عن نشر ما يسيء إليهم‪ .‬و إذا‬
‫جرب أحد الكتاب الحرار التصدي لهم‪ ,‬تغلق في وجهه جميع أبواب الصحف ودور النشر‪ .‬ويحرم من كل عمل أدبي ‪ ,‬ويعجز عن إصدار‬
‫نشرة واحدة مهما فعل أو دفع من المال‪ ,‬إذ أن الصحافة أفهمت من قبل اليهود‪ ,‬بأن مصير كل من يتعرض لهم‪ ,‬سيكون مثل مصير فرانسوا‬
‫كوتي )‪ (François Coty‬و كوستاف تيري )‪ (Gustave Tery‬اللذين أبعدا نهائيًا عن ميدان الصحافة لمناوأتهم الغراض اليهودية‪.‬‬
‫وهكذا يتحكم اليهود في مصير فرنسا‪ ,‬دون أن يجرؤ أحد على الوقوف في وجههم‪ .‬وهذه السيطرة اليهودية الواسعة بلغت أوجها بعد‬
‫مجيء دوميرغ )‪ (Doumergue‬الماسوني إلى الحكم‪ ,‬الذي أسند أكبر وظائف الدولة إلى إخوته الماسون واليهود إبان حكمه للبلد‪ ,‬ومنذ‬
‫ذاك التاريخ ورث اليهود فعليًا الحكم في فرنسا‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫اليهودي يتحدى الفرنسي في عقر داره‬
‫برغم كل ما حصل عليه اليهود من الميزات‪ ,‬ومالهم من السيطرة والنفوذ في فرنسا‪ ,‬ل يتورع أحدهم‪ ,‬ولو من قبيل التندر عن توجيه‬
‫الهانة للفرنسيين متى خطرت له على بال‪ ,‬ول يحجم عن إذلل الفرنسي كلما سنحت له الفرصة‪ ,‬ومن الهانات التاريخية التي وجهها‬
‫اليهود إلى الشعب الفرنسي‪ ,‬هي الهانة التي كان بطلها اليهودي جان زاي )‪ (Jean Zay‬أحد أساتذة جامعة باريس‪ ,‬وهذه الهانة‬
‫اشتهرت في فرنسا باسم قصيدة العلم لجان زاي‪ ,‬نشرها بول درو )‪ (Paul Dreux‬في كتابه المسمى بالحترامات ) ‪ (Le Respects‬و‬
‫تتلخص ترجمة هذه القصيدة اليهودية المهينة لفرنسا بما يلي‪:‬‬
‫)) لقد قتل مليون ونصف في سبيل هذه القطعة القذرة من القماش‪ -‬مليون ونصف من أبناء بلدي‪ ,‬ومليين من أبناء البلد الخرى‪ -.‬نعم‬
‫مليون ونصف شاب سفكوا دمائهم من أجل هذه الخرقة ذات اللوان الثلثة الحقيرة‪ .‬وكان لكل قتيل زوجة أو عشيقة أو منزل ينتظر‬
‫عودته‪ ,‬ولكن لم يعد منهم أحد‪ ,‬وسكنت قلوبهم إلى البد‪ ,‬يا لها من ممسحة أعقاب دنسه هذه الخرقة التي ذهبت المليين فداًء لها‪ .‬أيتها‬
‫الخرقة المنحطة‪ .‬أحتقرك و أكرهك لما سببتيه من ويلت و شقاء‪ .‬إن دماء مليين القتلى تنبثق من ثناياك كلما رفرفت أيها الممسحة‬
‫الدنسة‪ .‬نعم أكرهك‪ ,‬وأكره كل من يحترمك من هؤلء النذال أولد العاهرات أنصارك‪ ,‬إن لونك الحمر يذكرني بالدماء التي سفكت من‬
‫أجلك‪ ,‬وأزدري لونك الزرق المسروق من لون السماء‪ ,‬أما لونك البيض الذي تخفين خلفه ضميرك القذر‪ ,‬فأحتقره‪ .‬أيتها الخرقة القذرة يا‬
‫رمز الجرام‪ ,‬دعيني لحزاني أبكي قتلي وحدي‪ ,‬و اعلمي برغم كل ما لك من أنصار‪ ,‬وما تعلو هامتك من أوسمة الفخار‪ ,‬ليست عندي إل‬
‫ممسحة أعقاب‪....‬الخ‪(( .‬‬
‫ولقد اكتفينا بهذا القدر من الشتائم الموجهة إلى العلم الفرنسي في هذه القصيدة‪ ,‬لكون ما بقي منها من أبيات تتسم بالبذاءة أكثر من التي‬
‫أوردناها ولذا نمسك عن المضي فيها‪ .‬وهذه القصيدة التي نشرت في ‪ 6‬آذار سنة ‪ ,1924‬قرأها الفرنسيون‪ ,‬ومع هذا لم يجسر أحد منهم‬
‫على رفع صوته ضدها أو ضد مؤلفها ‪ .‬كما أن هذه الشتائم العديدة لم تمنع صاحبها من احتلل المقاعد الوزارية خمس مرات متوالية‪.‬‬
‫كانت آخرها هي التي انهارت فرنسا في عهدها أمام جيوش هتلر‪.‬‬
‫وأغرب ما في الموضوع‪ ,‬هو أن صاحب هذه القصيدة التي تنضح أبياتها بالكره والحقد على الحروب وأهلها‪ ,‬كان أثناء وجوده في آخر‬
‫وزارة من أشد أعضائها حماسة لدخول فرنسا الحرب‪ ,‬وكان لبد أن يتوقف عن الصرار على مهاجمة ألمانيا منذ أول لحظة تفاقمت فيها‬
‫الوضاع في أوربا‪ .‬أما سبب حماسه هذا فلم يكن سوى أن هذه الحرب‪ .‬كانت لصالحه بني قومه اليهود‪ .‬لنقاذهم من هتلر الذي حكم على‬
‫اليهودية بالفناء‪ .‬ولذا كانت الحمية تأخذه‪ ,‬فيثور ويعربد مطالبًا زملئه بإقرار مهاجمة ألمانيا حاًل‪ .‬ولما هزمت فرنسا في غضون خمسة‬
‫عشر يومًا‪ .‬كان أول من ركب البحر ولذ بالفرار على متن الباخرة ماسيليا )‪ ,(Massilia‬التي اعتقلتها السلطات بمجرد وصولها إلى‬
‫الرباط فأنزل منها ركابها وكان جان زاي من بينهم‪ ,‬فأودعتهم الحكومة جميعًا في السجن بتهمة الفرار أمام العدو‪.‬‬
‫وهكذا عوقب زاي على خسته ونكرانه للجميل‪ ,‬ولكن ليس على يد من أهانهم بل على يد اللمان‪ .‬ولول النهيار الفرنسي لعاد زاي مرة‬
‫أخرى‪ .‬بل مرات إلى الوزارة دون أي ممانعة من قبل الفرنسيين ‪.‬‬
‫وللتحدي اليهودي في فرنسا حوادث عديدة‪ .‬ومنها‪ :‬أنه عندما تفاقمت الحوال عام ‪ 1937‬في فرنسا‪ .‬وساد الفساد أجهزة الدولة‪ ,‬وبدأ‬
‫الشعب يتساءل عن مصيره‪ ,‬أراد بعض النواب مناقشة الدولة عن أسباب النحطاط العام‪ ,‬وفي أثناء المناقشة‪ ,‬تبين للنواب أن الوزارة‬
‫البلومية تحاول التلمص من الجواب على أسئلة النواب‪ ,‬وعندها قام النائب فالل )‪ (K- Vallat‬وطلب من الوزارة أن تكون صريحة في‬
‫أجوبتها‪ ,‬ولكن أبت الوزارة إل المراوغة والتلعب ‪ ,‬فلم يسع فالل إل أن يصرح أمام الجمعية الوطنية ) بأنه ليس بإمكان المجلس أن يثابر‬
‫على تحمل الوزارة المراوغة‪ ,‬والتي يرأسها ليون بلوم اليهودي الدخيل الذي ل يهمه مصير البلد‪ ,‬ول يربطه فيها أي رباط‪ .‬ولذا يرى أن‬
‫ل ليصال الوطن إلى شاطئ المان‪ ,‬طالما كان ل يؤمن بهذا الوطن وشعبه( ‪ .‬و من ثم طلب من رفاقه حجب الثقة عن‬
‫ليون بلون ليس أه ً‬
‫الوزارة البلومية‪ ,‬عند ذلك هب النواب اليهود و أنصارهم‪ ,‬وهاجموا فالل بصورة قذرة وأسكتوه‪ ,‬ومن ثم تابع المجلس مناقشة المواضيع‬
‫المدرجة في جدول أعماله‪ ,‬وكان من بينها مشروع فرض ضريبة جديدة على صغار التجار والباعة‪ ,‬تقدم به الوزير اليهودي بول رينو )‬
‫‪ . (Paul Renaud‬فأعترض أحد النواب على المشروع وقال عنه إنه سيصيب الفقراء وحدهم بالكارثة‪ ,‬بينما سيظل كبار أصحاب‬
‫العمال يثابرون على امتصاص دم الشعب‪ ,‬دون أن تفرض عليهم من الضرائب ما يناسب مرابحهم‪ .‬لن الحكومة تميل دائمًا إلى حمايتهم‪,‬‬
‫لنهم ينتسبون لنفس الفئة التي ينتسب إليها رئيس الوزراء و أكثر أعضاء وزارته‪ .‬وأردف يقول‪ ) :‬أيها السادة إن منحكم هذه الوزارة كل‬
‫هذه الصلحيات‪ ,‬يعني أنكم تضعون الشعب الفرنسي الذي انتخبكم‪ ,‬تحت رحمة رئيسها المنتسب لفئة معينة ل يربطها في هذا البلد رباط‬
‫سوى ما يمكنها من نهب أمواله‪ .‬وهذه الفئة هي التي تتحكم في الجمهورية منذ إنشاءها‪.‬‬
‫ل‪ ,‬ومنذ‬
‫ل بهذا الشعب‪ ,‬لقد غررتهم بنا طوي ً‬
‫ومن ثم التفت إلى مقصورة الوزراء ووجه خطابه إليهم وقال‪ :‬أما أنتم فكفاكم غشًا وتضلي ً‬
‫أجيال أنتم تزعمون أنكم منحتمونا الحرية والمساواة‪ ,‬بينما في الواقع لم نحصل على شيء سوى العبودية والذل‪ .‬كفى‪ ,‬نحن ل نريد خوض‬
‫حروب أخرى لحسابكم‪ ,‬ول ننشد إل العمل والسلم واسترداد حريتنا منكم‪((.‬‬
‫ولما انتهى من خطابه ‪ ,‬قام أحد نواب البروتون وحيا فرنسا‪ ,‬وسقط اليهود واليهودية المجرمة‪ ,‬وعند ذلك هاج النواب اليهود‪ ,‬وقامت‬
‫قيامتهم على البروتوني‪ .‬وانبرى له أحد نواب اليهود المدعو ماكس دارمي )‪ (Max Darmay‬وقال له‪ :‬إن اليهود هم أكثر إخلصًا لهذا‬
‫البلد من البروتون‪ ,‬وأكثر نفعًا لهذا الوطن من سواهم‪ .‬فاشتبك النواب على إثر الحادث‪ ,‬وتبادلوا الشتائم والسباب‪ ,‬فتدخل الحرس بالمر‪.‬‬
‫ومع كل هذا أقر المشروع المقدم من قبل الحكومة‪ ,‬ولم تؤخذ اعتراضات النواب بعين العتبار‪ ,‬وكل ما حصلوا عليه لم يتعد الهانات‬
‫المشينة التي وجهت إليهم‪.‬‬
‫ل عندما نجح ليون بلون باستلم الحكم‪ ,‬سارع اليهود إلى إقامة‬
‫ل‪ .‬فمث ً‬
‫واليهود في فرنسا ل يخفون شماتتهم بالشعب كلما وجدوا لذلك سبي ً‬
‫الزينات والفراح‪ ,‬ورفعوا على واجهات محلتهم التجارية وفي الحياء التابعة لهم‪ ,‬لفتات تحيي بلوم‪ ,‬وتعّيش الشعب‪ ,‬دون أن يذكروا من‬
‫هو الشعب الذي يعّيشوه‪ .‬إذ كانت اللفتات تحمل جملة تعيش المة )‪ (Viva La Nation‬فقط‪ ,‬وكانوا يقصدون منها المة اليهودية طبعًا‪.‬‬
‫ومع كل هذا ظل الشعب الفرنسي مستكينًا أمام اليهود‪ ,‬لنهم أرهبوه وأذلوه بكل ما في هذه الكلمات من معنى الرهاب والذل‪.‬‬
‫عجز القوانين الفرنسية أمام الجرائم اليهودية‬

‫‪53‬‬

‫من أبرز المتناقضات التي سادت فرنسا في القرن العشرين هو السكوت عن الجرائم التي يرتكبها اليهود مهما تعددت ومهما كانت بشعة‬
‫ويقابل هذا السكوت المعيب حيال الجرائم اليهودية‪ ,‬التهويل والترعيب للمخالفات التي يرتكبها غيرهم من المواطنين‪ .‬وللتدليل على غرابة‬
‫ما وصل إليه هذا التناقض‪ ,‬نروي فيما يلي تفاصيل بعض الجرائم التي ارتكبها اليهود في فرنسا‪ ,‬وما آلت إليه نتائجها‪.‬‬
‫اعتدت عائلة روتشيلد اليهودية على إحدى المؤسسات التجارية الفرنسية‪ ,‬وانتزعت منها ملكيتها لمناجم النيكل التي اشتهرت فيما بعد‬
‫باسم مناجم روتشيلد إخوان‪ .‬ولما يئست المؤسسة الفرنسية من استعادة مناجمها بالطرق السلمية‪ ,‬قررت مقاضاة روتشيلد‪ ,‬وأوفدت‬
‫رئيس إدارتها لمقابلة المحامي الشهير بوانكاره )‪ (R. Poincaré‬ليفاوضه في شأن استلم وكالة المؤسسة صاحبة الدعوى‪ ,‬ولما فاتح‬
‫مدير المؤسسة بوانكاره بالموضوع وأفهمه بأن المؤسسة على أتم استعداد لدفع أي تعويض يطلبه‪ ,‬فوجئ برفض بوانكاره استلم‬
‫الدعوى‪ .‬فلما أصر المفاوض على معرفة أسباب الرفض‪ ,‬أجابه بوانكاره‪ ,‬بأنه عين أول مرة في الوزارة الفرنسية بفضل إشارة صغيرة‬
‫صدرت عن روتشيلد‪ ,‬وأنه يأمل اليوم أيضًا أن يعود إلى الوزارة مرة أخرى بإشارة مماثلة تصدر عنه‪ ,‬ولهذا فهو يرفض الوكالة المقترحة‬
‫ويعمل مسبقًا بأن الدعوى خاسرة مهما كان لدى المؤسسة الفرنسية من الدلة والثباتات القاطعة بأن المناجم المختلف عليها هي ملكها‪.‬‬
‫فاضطرت المؤسسة إلى أن تعهد بأمرها لمحام آخر‪ .‬ولكن النتيجة أسفرت عن انهزامها أمام القضاء وانتصار روتشيلد نهائيًا‪ .‬رغم أن‬
‫أكثر أفراد الشعب الفرنسي كانوا يثقون بعدالة شكوى المؤسسة الفرنسية‪ ,‬ومع هذا انتصر روتشيلد‪ .‬وانتهى الموضوع دون أي ضجة‪.‬‬
‫وملفات الشرطة الفرنسية تزخر بقصص الجرائم اليهودية التي أوعز إليها بحفظها‪ ,‬ومن هذه الجرائم جريمة مطعم ماكسيم الشهير )‬
‫‪ (Chez Maxim‬وتتلخص بأن الشرطة أبلغت بتعاطي كل من لويس ليون )‪ (Louis Léon‬اليهودي وزميله شابات )‪(Chabat‬‬
‫اليهودي أيضًا تجارة المخدرات في مطعم ماكسيم فداهم رجالها المطعم المذكور واعتقلوا الشخصين المذكورين بالجرم المشهود و مع‬
‫كميات كبيرة من المخدرات‪ .‬وساقوهما إلى القضاء‪ ,‬ولكن الشرطة فوجئت في اليوم التالي بالفراج عن المجرمين‪ ,‬وصدور الوامر بحفظ‬
‫الملف الخاص بهما‪.‬كما أن الشرطة أمرت بحفظ الملف العائد للمجرم اليهودي آلبير أوري )‪ (Albert Ury‬وعصابته‪ ,‬بعد أن اعتقلت‬
‫جميع أفراد العصابة‪ ,‬بالجرم المشهود إذ كانوا يقومون بتهريب اليهود إلى فلسطين بصورة غير شرعية‪ ,‬مع هذا أفرج عنهم جميعًا دون‬
‫أن يسمع أحد بالقضية من المواطنين‪.‬‬
‫وحفظ أيضًا ملف المجرم ليشانوفيكي )‪ (Leichanoveiki‬الذي اعتقلته الشرطة مع شقيقه بجرم إدخال اليهود إلى البلد وتأمين الهويات‬
‫المزورة لهم‪ ,‬وإخفاء بعض مجرمي اليهود في منزلهما‪ ,‬وأفرج عن الشقيقين رغم الثباتات التي قدمتها الشرطة‪.‬‬
‫ومن الجرائم اليهودية الشهيرة في فرنسا‪ ,‬الجريمة التي كان بطلها الحاخام إسحاق ليفر )‪ (Issac Leifer‬حفيد حاخام نيويورك الكبر‪.‬‬
‫الذي كان يتردد على البلد الوربية وخاصة على فرنسا‪ ,‬واشتهر عنه شراء الراضي لحساب الوكالة اليهودية في فلسطين‪ ,‬وكان يشغل‬
‫بعد الحرب وظيفة رسول المجلس اليهودي العلى‪ ,‬لدى الحاخاميات المختلفة في أوروبا‪ .‬وبحجة هذه المهمة كان دائم السفر بين أوروبا‬
‫وأمريكا‪ .‬وفي إحدى سفراته مع شريكه اليهودي كوتيير اشتبهت الشرطة بأمره وفتشت أمتعته التي كانت عبارة عن مجموعة ضخمة من‬
‫نسخ التلمود‪ ,‬فوجدت ضمن الكتب مخابئ لمادة الهيروئين‪ ,‬ولما أحصت الكمية تبين أنها بلغت ثمانية عشر كيلوغرامًا من هذه المادة‬
‫السامة‪ ,‬فاعتقلتهما الشرطة‪ ,‬ولدى التحقيق معهما اعترفا بأنهما أقدما عدة مرات على تهريب الهيروئين بهذه الطريقة‪ .‬وإن المبالغ التي‬
‫ربحاها تجاوزت عدة مليين من الجنيهات‪ ,‬وعلى الثر أحيل على القضاء‪ ,‬ولكن القضاء أخلى سبيلهما حاًل‪ .‬وحفظت إضبارة الجريمة‪,‬‬
‫وأرغمت الشرطة على السكوت التام‪.‬‬
‫أما الجرائم الخلقية التي ارتكبها اليهود في فرنسا فإحصاؤها مستحيل‪ .‬والجريمة التي فاقت في بشاعتها كل جريمة سواها هي الجريمة‬
‫التي يرويها لنا السيد هيبس في كتابه الخير‪ ,‬والتي يسرد تفاصيلها بما يلي‪:‬‬
‫يقول السيد هيبس صدر العدد المؤرخ في ‪ 1939\6\16‬من الجريدة الرسمية لبلدية باريس وهو يحمل في طياته قرارًا صادرًا عن رئاسة‬
‫بلدية نانسي )‪ (Nancy‬الواقعة على الحدود‪ ,‬ينص مايلي‪ :‬نظرًا لستفحال أمر ممارسة اللواط في المدينة ) هذه التجارة التي يتعاطاها‬
‫الغرباء الذين وفدوا إلى البلد على أثر تفاقم الوضع ما بيننا و الجارة اللمانية ( ولعجز السلطات عن وضع حد لهذا المرض المشين فقد‬
‫قررت البلدية تطبيق نظام البغاء النسائي الساري المفعول على هؤلء الغرباء‪ .‬وإخضاعهم لنصوص هذا النظام تمامًا مثل النسوة‬
‫الخاضعات له‪ .‬ومن ثم السماح لهم بتعاطي مهنتهم ضمن متطلبات النظام المذكور‪ ,‬على أن تعمل الشرطة المحلية على اجتثاث جذور هذا‬
‫الداء الوبيل من البلد بأقصى سرعة ممكنة‪ ...‬ولدى التحري عن المقصودين من هذا القرار تبين أنهم اليهود الذين أجلهم هتلر عن بلده‬
‫إثر إصداره قانون تحريم اللواط في البلد اللمانية‪ ,‬ومعاقبة ممارسيه بأشد العقوبات فهرب اليهود من ألمانيا وأتوا إلى فرنسا ينشرون‬
‫هديتهم الجديدة للشعب الفرنسي المغلوب على أمره‪.‬‬
‫والجرائم السياسية التي ارتكبها اليهود في فرنسا إبان الحتلل اللماني كانت أشد هوًل على الشعب الفرنسي من كل ما سبقها من الجرائم‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال نذكر قصة اليهودي جوانوفيجي ) ‪ (Joinovici‬التي كشف الستار عنها بعد الحرب العالمية الثانية‪ .‬و تتلخص بأن‬
‫ل من مواليد كيتشنييف )‪ (Kitchnef‬من أعمال بساربيا )‪ (Bassarbie‬التجأ إلى فرنسا عام ‪ ,1925‬ولما احتل‬
‫جوانوفيجي هذا كان أص ً‬
‫اللمان باريس‪ .‬تظاهر بالتطرف الوطني و انضم إلى المقاومة السرية‪ ,‬واشتهر في صفوفها بالقدام والخلص‪ ,‬حتى أسندت إليه رئاسة‬
‫إحدى حلقاتها‪ .‬ولكن بعد الجلء اللماني‪ ,‬تقدم أحد المواطنين إلى القضاء وطالب بالتحقيق مع جوانوفيجي بتهمة اغتياله أحد أولد‬
‫المواطف سكافا )‪ (Scaffa‬فاستلم القضاء الدعوى‪ .‬كما أثيرت القصة في المجلس الوطني‪ ,‬وتبنى تحريكها النائب لويس رولن )‪louis‬‬
‫‪ (Rollin‬وطالب الحكومة بإجراء تحقيق دقيق في الموضوع‪ .‬و معاقبة جوانوفيجي بأقصى شدة إن ثبتت التهمة عليه‪ .‬وعلى أثر ذلك‬
‫توسع القضاء في التحقيق فتبين أن جوانوفيجي كان يعمل لدى اللمان طيلة أيام الحتلل كجاسوس تحت اسم مستعار هو إيفان )‪(Ivan‬‬
‫و أنه هرب إل ألمانيا آلف الطنان من الرصاص والنحاس التي كان يجلبها من المنطقة غير المحتلة‪ .‬وأنه أثرى من هذا العمل حتى أصبح‬
‫يعتبر من كبار الثرياء‪ .‬كما ثبت عليه تعامله مع الشرطة والغستابو‪ ,‬وإخبار اللمان عن مخبأ بونيه ولفون )‪,(Bonnyet et laffont‬‬
‫والوشاية برهبان بروس مونتسو ) ‪ (Brosse Montecau‬الثمانية عشر الذين أعدمتهم السلطات اللمانية‪ .‬وإيقاع سبعة عشر مقاومًا‬
‫في أيدي اللمان وإعدامهم في غابة مون مورانس )‪ .(Monmorency‬ومع كل هذه التهم الثابتة لم يحكم القضاء عليه إل بخمسة أعوام‪.‬‬
‫ل قوميًا رغم أنف‬
‫ومن ثم أفرج عنه بعد سنتين من اعتقاله‪ .‬وأعيد إليه اعتباره‪ ,‬فأقام اليهود له الحفلت والفراح وأشهروه بصفته بط ً‬
‫الشعب الفرنسي‪ .‬في الوقت الذي كان القضاء الفرنسي ل يتورع فيه عن إعدام أي فرنسي بتهمة ل تبلغ جزءًا من مئة مما اتهم به جوانو‬
‫اليهودي‪ .‬وكم من فرنسي أعدم فقط لتعاطيه التجارة العلنية مع سلطات الحتلل‪ ,‬وكم من امرأة أهينت واعتدي عليها‪ ,‬ومن ثم أعدمت‬
‫بمجرد كونها شوهدت أيام الحتلل مع أحد الضباط اللمان‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫وإزاء كل هذه الجرائم اليهودية كانت الصحافة دائمًا وأبدًا ساكتة وكأنها ل ترى ول تعي‪ ,‬أما عندما تقع جريمة غير يهودية فإن الصحافة‬
‫تسارع إلى إعطاء أدق التفاصيل عنها وعن مرتكبها و تهول بفظاعتها‪ ,‬ولكي توهم الشعب أنها تهتم بأمنه وسلمته‪ ,‬أما إذا كان بطل‬
‫الجريمة من الشعب المختار فإنها تقف في صفه مثلما حدث في قصة دريفوس الخائن الذي ساهمت ‪ %90‬من القلم اليهودية‬
‫والماسونية في الدفاع عنه والتشنيع بمن اكتشفوا أمره حتى أن إميل زول لم يتورع في المساهمة في الدفاع عن الضابط الخائن‪ ,‬وهكذا‬
‫انطلقت البواق اليهودية تزلزل الرض و من عليها إلى أن تمكنت من إنقاذ دريفوس الحقير‪ ,‬وإعادة العتبار له‪ .‬لن الرأسمالية اليهودية‬
‫وأنصارها كانت خلفه كما هي دائمًا وراء كل ما يعود على اليهود واليهودية بالخير والمنفعة‬

‫الثورة وهبت الحرية لليهود وسلبتها من الفرنسيين‬
‫في أعقاب الحرب العالمية الولى‪ ,‬استفحل النفوذ اليهودي في فرنسا‪ ,‬واضطرت الصحف الحرة إلى توجيه النتقادات المرة لليهود و‬
‫تطالب الحكومة بالحد من نشاطات مؤسساتهم وشطط أفرادهم‪ .‬فجزعت المحافل الماسونية واليهودية‪ ,‬من مسلك هذه الصحف‪,‬ولهجة‬
‫كتابها الحرار‪.‬‬
‫و أوعزت للصحافة المهودة بأن ترد عليها قبل فوات الوان‪ ,‬فسارعت هذه إلى مطالبة الحكومة بوضع حد لحملت الصحافة الحرة التي‬
‫لقبتها بالصحافة النازية الهدامة‪ ,‬وإحداث قوانين رادعة تحرم النيل من القليات الوطنية ضنًا بوحدة المة‪ ,‬وصونًا للمصلحة الوطنية‪,‬‬
‫وليت هذا الصراع الصحفي ظل محليًا‪ ,‬ولكنه سرى إلى الصحافة اليهودية في الدول المجاورة‪ ,‬فراحت تحرض الدولة الفرنسية على ضرب‬
‫الصحافة الفرنسية الحرة‪ ,‬وتطالبها بوقف الحملت التي تسميها بالظالمة على الشعب اليهودي‪ ,‬وخاصة عندما شكل اليهودي ليون بلوم‬
‫الوزارة الفرنسية‪ ,‬إذ هبت الصحافة اليهودية في أوربا تطالبه وتلح عليه بأن يسكت الصحافة المناوئة لليهود‪ ,‬وكانت أشدها إلحاحًا‪,‬‬
‫المجلة السبوعية التي تصدر في لندن باللغة اليديشية )‪ (Yiddish‬فكتبت تقول‪ )) :‬إن على السيد ليون بلوم أن يصدر قانونًا صارمًا‬
‫يقطع دابر الصحافة اللسامية في فرنسا((‪.‬‬
‫ولكن ليون بلوم لم يجرؤ على تلبية رغباتها‪ ,‬أو بالحرى فضل سلوك طريقة أخرى وجدها أكثر فعالية‪ ,‬وأقل إلفاتًا للنظار وهي العتماد‬
‫على حزبه الذي كان يسيطر عليه تمامًا‪ ,‬ويسيره حسب مفاهيم البروتوكولت الصهيونية‪ ,‬وخاصة مفاهيم الفقرات ‪ 7-6-5-4-3-2‬من‬
‫البروتوكول الول‪ .‬فأوعز إلى أفراده بالتصدي لصحاب الصحف الحرة ‪ ,‬فكان له ما أراد‪ ,‬وقامت المشاحنات بين أعضاء حزبه والمناوئين‬
‫لليهود‪ ,‬فاستغل بلوم ظروف الحكم‪ ,‬وضرب بعض أخصام اليهود‪ ,‬بحجة مناوئتهم للحزب الحاكم‪ ,‬وأبعد البعض الخر عن البلد‪ ,‬بنفس‬
‫الحجة‪ ,‬واستتب له المر‪ ,‬ولكن الصحافة اليهودية ثابرت على مطالبتها لصدار القوانين الرادعة‪ ,‬حتى استلم الماسوني دولديه الحكم عام‬
‫‪ 1939‬فلم يطل المر‪ .‬فأصدرت الحكومة الجديدة في ‪ 21‬نسيان سنة ‪ 1939‬قرارها المشؤوم الذي أذاعه على المة الفرنسية اليهودي‬
‫يربعام مانديل )‪ (Jéroboam Mandel‬أمين عام رئاسة مجلس الوزراء وكان هذا القرار ينص على تغريم كل من يعتدي على أحد‬
‫اليهود بعشرة آلف فرنك وسجنه سنة كاملة‪ .‬وذلك خلفًا للقانون الفرنسي الذي كان ينص على من يعتدي على أحد المواطنين ) دون‬
‫تمييز( بألفي فرنك وسجنه ستة أشهر فقط‪ .‬ولكن دولديه ضرب بالقانون الفرنسي عرض الحائط‪ -‬وأصدر قراره الذي اعتبر اليهودي‬
‫الواحد مساوية لخمسة من الفرنسيين من الوجهة الدبية و المادية‪ .‬وهكذا اعترفت الحكومة الفرنسية بموجب وثيقة رسمية تفوق اليهود‬
‫على أهل البلد ماديًا ومعنويًا‪.‬‬
‫فهللت الصحافة اليهودية لهذا القرار وباركت الحكومة التي أصدرته فكتب اليهودي دوكيريللس )‪ (Dekerillis‬في صحيفة العصر ‪La‬‬
‫ل أساسيًا في الحد من‬
‫‪ Epoque‬يمتدح هذا القرار ويقول‪ :‬أخيرًا أصدرت الحكومة الحالية الرشيدة هذه القرار الحكيم الذي سيكون عام ً‬
‫نشاط دعاة العنصرية والتفرقة‪ ,‬ولقد أوضحنا مرارًا أن هذه المقالت التي تنضح بالعنصرية المتطرفة و التي تزين صدور بعض الصحف‬
‫من حين لخر ليست سوى مقالت مأجورة وهي تنهج في أسلوبها نهج كوبلز القذر )‪ (Dr. Gobbelz‬داعية ألمانيا الول‪ .‬ثم قالت فليعلم‬
‫أصحاب هذه الصحف المأجورة وأسيادهم‪ ,‬أننا أقوياء‪ ,‬والعالم بأجمعه يعترف بقوتنا‪ .‬والدول الديمقراطية تسير في ركابنا‪ ,‬وتعمل‬
‫لمصلحتنا‪ ,‬وإذا قدر لفرنسا أن تنحاز للمعسكر المعادي لنا‪ ,‬فستجد نفسها معزولة عن العالم‪ ,‬ولن يكون مصيرها إل النهيار تحت أقدام‬
‫الجيوش اللمانية‪ ,‬دون أن ينتصر لها أحد‪ ,‬ولذا نقول لمن يشتموننا وأسيادهم‪ ,‬أننا ل نأبه بهم‪ ,‬فسيان عندنا إن صادقونا أو كرهونا‪.‬‬
‫ولقد استاء السيد بللو بواكس صاحب جريدة فرنسا المقيدة )‪ (La France Enchainée‬من فحوى المقال اليهودي دوكيريللس ورد‬
‫عليه بما كان يستحقه‪ ,‬ودعاه إلى التحلي بالدب والكياسة عمد بحثه عن الشعب الذي آواه وأطعمه يوم دخل البلد فقيرًا معدمًا‪ .‬وبدًل من‬
‫أن يرتدع دوكيريللس عن مهاتراته الصحفية ثابر عليها‪ ,‬ومن الناحية الثانية أقام دعوى بحق صاحب جريدة فرنسا المقيدة‪ ,‬فأصدرت‬
‫المحكمة حكمها الجائر بحق السيد بللو بواكس بموجب قرار دولديه‪ ,‬وأغلقت صحيفته لمجرد وصفها دوكيريللس بالذي دخل البلد معدمًا‬
‫فقيرًا‪ ,‬في الوقت الذي كانت الصحافة المهودة فيه ‪,‬ل تتورع عن توجيه أقذر الشتائم والسباب للشعب الفرنسي و معتقداته‪ ,‬دون رادع أو‬
‫حرج‪ ,‬فعلى سبيل المثال يذكر لنا السيد هيبس في مؤلفه ) الكتاب المقدس الحديث( ما كتبته صحيفة اليهودي ليون بلوم المسماة بالصحيفة‬
‫الشعبية )‪ (la populaire‬بمناسبة احتفال المسيحيين بعيد المرفع‪ ,‬التي قالت ساخرة‪ :‬إن من المضحك حقُا أن نرى في القرن العشرين‬
‫ل ريشته البيضاء‪,‬‬
‫أناسًا مازالوا يعتقدون بعد كل هذا الزمن الطويل أن المسيح ما زال يقوم كل سنة من مرقده‪ ,‬لبسًا قفطانه البيض‪ ,‬وحام ً‬
‫ليصعد إلى السماء‪ ,‬وكأنني بهؤلء البلهاء يرومون إيهام الناس بصدق خرافتهم البالية‪ ,‬التي لم تعد تنطلي على أحد‪ ,‬أما آن لهم أن‬
‫يريحوننا منها؟‬
‫ومع كل ما يحويه المقال اليهودي من سخرية مؤلمة للفرنسيين لم يعترضه أحد‪ .‬وهو ليس الوحيد من هذا القبيل‪ ,‬إذ كان للصحافة‬
‫اليهودية جولت موفقة عديدة في هذا المضمار وكانت الحكومات المهودة التي تعاقبت على الحكم‪ ,‬ل ترى غضاضة فيها‪ ,‬وكان الشعب‬
‫المستكين يبتلعها صابرًا‪ ,‬خشية نقمة اليهود والسلطات الحاكمة التي كانت تساندهم‪.‬‬
‫وعندما يجسر أحد الفرنسيين بالرد على اليهود‪ ,‬أو مهاجمتهم‪ ,‬أو انتقاد الحكومة لمساندتها إياهم‪ ,‬والسير في ركابهم كانت تقوم الدنيا‬
‫وتقعد‪ ,‬وتزلزل الرض على رأس المتجاسر‪ ,‬وتسارع الصحافة اليهودية ومن ورائها الحكومة لسكاته و تدميره أبديًا‪ .‬مثلما حدث للسيد‬

‫‪55‬‬

‫بللو بواكس الذي تجرأ على إعلن رأيه في الحكومة الفرنسية التي كانت تحكم البلد قبل الحرب الخيرة‪ ,‬والتي وقعت تدافع عن اليهود‬
‫ضد هتلر‪ ,‬وتجازف بالمصير الفرنسي في سبيلهم‪ ,‬فكتب في صحيفته فرنسا المقيدة ‪ 12‬كانون الول ‪ 1939‬يقول‪:‬‬
‫)) مالنا وللناس؟ ولم نتدخل فيما ل يعنينا؟ أليس الجدر بنا أن نهتم بشؤوننا الخاصة‪ ,‬وأن ننقذ بلدنا من النحلل واللأخلقية التي غرق‬
‫في بحرها؟ أليس الولى بنا أن ننشل شعبنا من الفساد الذي غرق فيه حتى الذقون؟ أل نرى بأم أعيننا كيف يتآمر على بلدنا ومدخراته‬
‫أنصار ستافيسكي )‪ (Staveski‬وناتان )‪ (Nathan‬خريجي الحي اليهودي‪ ,‬ومن ينهج نهجهم من وزرائنا القابعين في المواخير‬
‫اليهودية؟ إلى متى سنظل تحت رحمة اليهود الحاقدين أمثال مانديل‪ .‬وإلى متي سيظل شبابنا تحت إشراف اليهود أمثال جان زاي الذي‬
‫تفاخر بإذلل علمنا‪ .‬وأهدر كرامتنا القومية‪ .‬أما آن للشعب الفرنسي أن يبرأ من علة فقدان الذاكرة‪ ,‬ويستيقظ من كبوته التي طال أمدها‬
‫وينفض الغبار عنه غبار الخضوع والخنوع‪ ,‬ليرى بوضوح ما صنع اليهود به ؟ إن فقدان الذاكرة الذي أصاب الشعب الفرنسي أفقدنا كل‬
‫ل هكذا ل يدرك ول يفقه ما يدور حوله‪ ,‬وطالما أفراده ل يحاولون مجابهة الواقع إل باللمبالة‬
‫أمل في النجاة‪ ,‬وطالما ظل الشعب غاف ً‬
‫والستكانة‪ ,‬فمصيرنا هو الفناء دون شك‪ ,‬وعلى الخص على أيدي ساستنا الجبناء المخدوعين الذين يقودون هذا الشعب المسلوب الرادة‬
‫إلى حتفه دون وازع من ضمير أو رادع من تفكير‪ .‬لقد جعل اليهود من هذا الشعب قطيعًا من الحيوانات البهيمة التي ل هم لها إل الحصول‬
‫على حاجتها الحيوانية البدنية‪ .‬ولم يعد فيه رجل واحد يشعر بالرجولة والشهامة حتى في الوقات الحرجة التي وصل فيها الوطن فيها إلى‬
‫حافة الهاوية‪ ,‬فيا ويل فرنسا من نكبتها هذه‪(( .‬‬
‫ولما صدرت الصحيفة بهذه المقالة سارعت السلطات إلى مصادرة أعدادها‪,‬و إغلق إدارتها‪ ,‬وسحب رخصتها‪ ,‬ومن ثم اعتقلت صاحبها‬
‫وحكم عليه بالسجن لمدة عامين‪ ,‬وبإلغاء رخصته إلى البد‪ ,‬وكان هذا الجر‪ ,‬نصيب كل من يجرؤ على التصدي لليهود‪ ,‬وهذا السلوب‬
‫الوحشي في قمع الحركات المناوئة لليهود أرهب الشعب الفرنسي وأرغمه على الستكانة‪ ,‬فخضع دون احتجاج أو تذمر‪ ,‬حتى غدا وكأنه‬
‫عبد خلق لخدمة اليهود‪ ,‬ومما يحز في النفس‪ ,‬هو أن يرى النسان ما وصل إليه اليهود في فرنسا من السيطرة والنفوذ‪ ,‬بعد الحرب الكونية‬
‫الثانية‪ ,‬ولقد توسعت سلطتهم بعد الكارثة‪ ,‬بفضل تغلغلهم في قيادات الجيش الفرنسي الحر الذي تكون في إنجلترا والمستعمرات‪ .‬حتى إن‬
‫أكثر ضباط الركان كانوا من اليهود والماسون‪ ,‬الذين انتسبوا للجيش الفرنسي أيام محنته‪ ,‬وعندما كان بحاجة لي فرد‪ ,‬ولما انهارت‬
‫ألمانيا‪ ,‬وانسحبت من فرنسا‪ ,‬وعاد إليها جيشها الحر هلل الشعب الفرنسي وكبر‪ ,‬ولكنه سرعان ما ندم‪ ,‬إذ تبين له أن أبناءه في صفوف‬
‫هذا الجيش كانوا أضعف من أن يحموه من طغيان بعض اليهود الذين كانوا يتقلدون فيه أكبر القيادات والمراكز‪ .‬ولما استتب المر للعائدين‬
‫جنح اليهود إلى إبعاد كل ضابط فرنسي أصيل من صفوف الجيش‪ ,‬وكل من توسموا فيه الخطر عليهم‪ .‬وبهذا السلوب سيطروا على هذا‬
‫الجيش العريق الذي كان يومًا سياج الشعب الفرنسي ومدار فخره‪ ,‬وبعد أن تمت لهم السيطرة العسكرية في البلد أصبح الجيش الفرنسي‬
‫وكأنه جيش مهود‪ ,‬من جراء العدد الهائل من ضباط اليهود الذين كانوا يسيرونه‪ ,‬وفي عام ‪ 1953‬قيل أنه كان يحوي أكثر من ستة آلف‬
‫ضابط يهودي من الضباط العوان عدا الضباط المراء والقادة‪.‬‬
‫ويقول السيد هيبس إن عدد الضباط اليهود برتبة فريق كان يفوق الربعين‪ ,‬ويعدد أسماؤهم ونحن نكتفي بدورنا بتدوين بعض هذه السماء‬
‫بغية التذكير‪ ,‬وهم الجنرال بوريس )‪ (Boris‬والجنرال سبيتز )‪ (Spitz‬والجنرال بلوك )‪ (Bloch‬و الجنرال أوبرمان )‪(Oppermann‬‬
‫والجنرال ) ‪ (Altmayer‬الجنرال هيرش )‪ (Hirsh‬فلما رأى الشعب الفرنسي أن اليهود أخضعوا الجيش لرادتهم ثبطت عزيمته‪ ,‬ولم يعد‬
‫أحد من أبنائه يفكر بإنقاذه من براثنهم وعلى الخص بعد أن رأى الجميع ما حل بالكاتب الكبير فيرديناد سيلين )‪ (Dr. F. Celine‬الذي‬
‫غامر بحياته وتصدى لليهود فكتب يقول‪ :‬لو قدر لي أن أصبح يومًا حاكمًا على فرنسا لرأى الناس أشياء غريبة في إبان حكمي‪ ,‬لنني أعلم‬
‫الناس بحاجات بلدي‪ .‬إن الشعب الفرنسي ليس بحاجة لثورة أو عشرات الثورات بقد ما هو بحاجة ملحة للستمتاع بنعمة الهدوء‬
‫والستقرار ومزية الستماع وإدراك ما يدور حوله ‪ ,‬والقلع عن إدمان الخمر و العودة لشرب الماء القراح ‪ ,‬ليتقيأ الكحول التي داوم على‬
‫تعاطيها منذ فجر عام ‪ ,1793‬هذه الكحول التي شلت تفكيره وقضت على وعيه وهدت جسمه‪ .‬عندئذ فقط يصبح الشعب قادرًا على استيعاب‬
‫ما يوجه إليه من الهانات‪ ,‬وإدراك ما يسامه من الذل و العبودية‪ ,‬كتسميتهم إياه بالشعب المخمور غير الواعي‪ ,‬وتسخيرهم إياه لتحقيق‬
‫مصالح الغرباء عنه‪ .‬عندها فقط سيرى الناس كيف سينهض شعبي من كبوته ويعود شعبًا جبارًا عظيمَا مثلما كان قبل أن يبتلى بطغمة عام‬
‫‪ ,1793‬أما إذا ظل على ما هو عليه يتعاطى الخمور التي تفتك بجسمه وعقله‪ ,‬وإذا لم ينفض من دماغه الجراثيم التي أدخلها الماسون‬
‫واليهود فيه ويتخلص من سحرهم‪ ,‬فلن يكون له بعد اليوم مكان بين الشعوب والمم‪ .‬وسيظل يسبح في بحر القذارة اليهودية إلى ما لنهاية‬
‫‪ ,‬يحق لنا أن نتساءل عمن سيكون في النهاية أقذر من الخر‪ .‬وهل سيظل اليهود على شهرتهم في القذارة أن الشعب الفرنسي الذي سمي‬
‫زورًا وبهتانًا بالشعب المتحضر هو الذي سيثبت أنه أكثر قذارة من اليهود‪ .‬ويقيني أن التفريق بينهما سيكون من المور المستحيلة‪.‬‬
‫ولما صدر مقاله هذا قامت السلطة باعتقاله والستيلء على ممتلكاته‪ .‬وحوكم بتهمة مناهضة الرأسمالية القومية‪ ,‬اليهودية‪ ,‬وحكم عليه‬
‫بالسجن لمدة خمسة أعوام والنفي عن وطنه‪ ,‬والتجريد من حقوقه المدنية‪ ,‬وهذا الظلم الذي أصاب السيد سيلين‪ ,‬أرهب أعداء اليهود‪ ,‬وكم‬
‫أفواههم إلى البد‪ ,‬فاستتب المر لليهود في طول البلد وعرضها‪ ,‬بينما أصبح الفرنسي الذي ثار قبل مئة وسبعين عامًا في سبيل استعادة‬
‫ل لليهود الدخلء على وطنه‪ ,‬ولم يعد يملك من سيادته القومية إل اسمها‪ ,‬وغدا مستخدمًا عندهم ل حول له ول‬
‫حريته المسلوبة‪ ,‬عبدًا ذلي ً‬
‫قوة بعد أن كان يطاب بمساواتهم مع الملوك والمراء‪ ,‬وإذ به يقف بعد مضي أكثر من قرن ونصف على ثورته على أبواب اليهود الذين‬
‫غرروا به ودفعوه إلى الثورة على أباطرة بلده يلتمس العون منهم‪ ,‬بعد أن منحهم الحرية والمساواة وأطلق أيديهم في سلب خيرات بلده‬
‫وسخر نفسه للدفاع عنهم ‪ ,‬حتى أوصلهم إلى أوج السلطة النفوذ‪ ,‬ليسلبوه حريته ويفقروا بلده‪ ,‬ويستبيحوا دمائه على مذبح أغراضهم‬
‫الدنيئة ويخرجوه عن مثله ومعتقداته‪ ,‬ويحرموه من كل ما كان يملكه قبل أن يخدعوه ويسيروه في ركاب مطامعهم الخاصة‪.‬‬
‫وهكذا فقد الفرنسي كل شيء بعد تلك الثورة التي سفك دماءه في سبيل إنجاحها‪ ,‬واحتل اليهودي مكانه في كل شيء‪ ,‬وكأنه المواطن‬
‫الصيل‪ .‬والقلم الماسونية و المأجورة هي التي قلبت هذه الحقائق إلى خيالت وأوهام‪ ,‬وأوهمت العالم بأنه هذه الثورة كانت فرنسية مئة‬
‫بالمئة وأنها أورثت الشعب الفرنسي الحرية والمساواة وأغرقته في الخير والبركات‪ ,‬وأضفت على أبطالها ومبادئها آيات العجاب والثناء‪,‬‬
‫فانطلت أكاذيبها على الفرنسيين قبل سواهم ومن ثم على العالم أجمع‪ ,‬وذلك بفضل إصرار الماسون على ترديد المناقب الباطلة التي‬
‫أضفوها على الثورة وأبطالها بينما في الحقيقة لم تكن الثورة إل ثورة يهودية‪ ,‬ولم يستفد منها الشعب الفرنسي في شيء‪ ,‬اللهم إل الذل‬
‫والعار‪ ,‬وسفك الدماء الغزيرة لتحقيق الغراض اليهودية‪ ,‬ولم تسفر إل عن شر مستطير للفرنسيين‪ ,‬ومن هنا أطلقنا عليها اسم الفرية‬
‫اليهودية الكبرى بدًل من تسميتها الرسمية ) الثورة الفرنسية الكبرى(‬
‫ومما يحز في النفس‪ ,‬هو أن نجد اليوم بين مثقفي البلد العربية من يعتقد بأن هذه الثورة‪ ,‬كانت ثورة تحررية قامت في سبيل إسعاد‬
‫شعبها‪ ,‬ويتصورها قومية فرنسية أصيلة‪ ,‬ويبارك أبطالها وكأنهم كانوا رجال تضحية وفداء في سبيل أمتهم وبلدهم‪ ,‬ويتخيل أن بإمكاننا‬

‫‪56‬‬

‫أن نعتمد على مساعد أحفاد أبطال تلك الثورة‪ ,‬لحل قضايانا التحررية والقومية‪ ,‬باعتبار أنهم من نسل رواد الحرية والمساواة‪ ,‬وكأنني‬
‫بهؤلء ل يعلمون أن الشعب الفرنسي النبيل الذي أسال دمائه بغية استرداد حقه في الحياة الحرة الكريمة‪ ,‬فقد كل ما كان يملكه من الحرية‬
‫غداة ثورته وفقد معها زمام أمره‪ ,‬وأصبح يخضع لمن غرروا به‪ ,‬وغدا مطية سهلة لغراضهم‪ ,‬ولم يعد بإمكانه الخروج على إرادتهم‪,‬‬
‫وهؤلء السادة الذين يتحكمون بمقدرات فرنسا منذ أكثر من قرن ونصف ليسوا سوى اليهود الذين يحاربوننا بكل ما أوتوه من قوة‪ ,‬فلن‬
‫يسمحوا للشعب الفرنسي بمديد العون لنا أو لسوانا‪ ,‬إل إذا كان هذا العون في صالحهم‪ ,‬فالشعب الفرنسي نفسه يتلهف ليرى اليوم الذي‬
‫يتحرر فيه من السيطرة اليهودية‪ ,‬والمخلصون من أفراده يبتهلون إلى ال أن يمكننا نحن العرب من اليهود‪ .‬لننقذهم من نيرهم‪ ,‬فما بال‬
‫بعض الساسة يتعامون عن الحقيقة‪ ,‬ويأملون العون من فرنسا المغلوبة على أمرها‪ ,‬وإلى هؤلء أقول اتركوها وشأنها ‪ ,‬لتلعق جراحاتها‬
‫العميقة‪ ,‬وانبذوا الوهام‪ ,‬واعتمدوا فقط على السواعد السمر لسترداد حقنا‪ ,‬وإنقاذ العالم من شرور أحفاد جدعون ودبورة ‪.‬‬
‫اليهود في روسيا‬
‫على إثر انقراض الدويلة اليهودية في القرن السادس قبل الميلد‪ ,‬وجل نخبة أهلها إلى بابل‪ ,‬شرد اليهود في القطار المجاورة لفلسطين‪,‬‬
‫وعندما قامت الدولة الفارسية التي احتلت مكان آشور وبابل في الشرق‪ ,‬انتشر اليهود في البلد التي خضعت لحكم فارس‪ ,‬ولما خيم ظل‬
‫اليونان على ربوع الشرق ومنح اليهود بعض المتيازات‪ ,‬توسعوا في انتشارهم نحو الشمال واستوطنوا في البلد التي كانت تخضع للدولة‬
‫الجديدة‪ ,‬وفي ظل روما التي حكمت العالم القديم أصبح لهم في كل بلد جالية ذات كيان خاص‪ ,‬تخضع في شؤونها الدينية والدنيوية‪,‬‬
‫للمجلس الكهنوتي العلى الذي اعترفت روما بسلطته التامة على جميع الجاليات اليهودية في إمبراطوريتها الواسعة‪ ,‬فاستغل المجلس هذه‬
‫المنحة الرومانية‪ ,‬وانهمك في تنظيم شؤون جالياته‪ ,‬وإحداث سبل الترابط والتصال بينها‪ ,‬ولما حقق هذه الغراض‪ ,‬وأيقن من ولء‬
‫اليهود له في كل بلد‪ ,‬أصدر إليهم المر بوجوب المباشرة في التبشير لشريعتهم‪ ,‬والعمل على إدخال أكبر عدد ممكن من الناس في‬
‫الموسوية‪ ,‬وكادت اليهودية أن تنجح في مختلف أقطار المبراطورية‪ ,‬لول أن ظهرت المسيحية في الوقت المناسب لتقف في طريقها‪,‬‬
‫فاحتدم الصراع بينهما‪ ,‬إلى أن انتصرت المسيحية في النهاية‪ ,‬وانطوت اليهودية على نفسها‪ ,‬بانتظار الفرص الملئمة‪ ,‬لتعود إلى صراعها‬
‫مع النصرانية من جديد‪ ,‬وبغية تحقيق هذا الهدف ظلت تراقب بيقظة و انتباه ما يدور حولها‪.‬‬
‫ولما ظهر السلم ) في النصف الثاني من القرن السادس( وانهمكت المسيحية في محاربته‪ ,‬استفاد اليهود من هذا الظرف‪ ,‬وعمد مجلسهم‬
‫العلى إلى توجيههم وجهة جديدة‪ ,‬وهي أن يتسللوا إلى المناطق التي كانت بعيدة عن النفوذ المسيحي‪ ,‬ليعملوا فيها على تهويد أهلها‪,‬‬
‫لتصبح لهم في المستقبل مركز النطلق لمحاربة المسيحية والسلم معًا‪ ,‬فبادر اليهود لتنفيذ مخططهم الجديد‪ ,‬فزحف يهود اليونان‬
‫وأوروبا الوسطى إلى المناطق السلفية الشرقية التي كانت على الفطرة واللحاد‪ ,‬بينما تسلل يهود فارس وبابل إلى البلد الواقعة على‬
‫سواحل بحري الخزر والسود‪ ,‬والتحقوا بجاليتهم التي سبق أن أجلتها فارس إلى بلد الخزر في أعقاب ثورة أريحا و الليفانتين‪ ,‬فبدأ‬
‫الجميع بالتبشير والدعوة لمذهبهم حيثما حلوا‪ ,‬ويبدوا أن حظ من استوطن منهم بلد الخزر كان أحسن من حظ الخرين‪ ,‬فتمكنوا بالتعاون‬
‫مع من سبقوهم إليها‪ ,‬بتهويد كافة القبائل التي كانت تقطن ما بين نهري الفولغا ودينيبر‪ ,‬وأصبحت المنطقة برمتها يهودية قبل القرن‬
‫التاسع الميلدي‪ .‬وفي منتصف القرن التاسع تمكن أحد أمراء الخزر المهودين المدعو بولون )‪ (Boulon‬من فرض سيطرته على جميع‬
‫القبائل الخزرية وأعلن نفسه ملكًا عليها ومن ثم سمى منطقة نفوذه بمملكة الخزر اليهودية‪ ,‬وباشر بالتوسع على حساب المناطق‬
‫المجاورة‪ ,‬وكان يفرض الشريعة الموسوية على أتباعه بالقوة‪ ,‬وهذه المملكة كانت أول دولة تقوم في البلد الروسية‪ ,‬التي كانت حتى ذاك‬
‫التاريخ تعيش حياة القبلية والبداوة‪ ,‬وقيام هذه المملكة اليهودية أحيا آمال اليهود في تهويد روسيا بكاملها واستخدام شعوبها في صراعها‬
‫المرتقب مع النصرانية والسلم‪.‬‬
‫ولكن شاءت القدار أن يستيقظ بعد أمراء الروس وينزعوا إلى تقليد البلد الغربية‪ ,‬فقام المير السكندونافي رودريك )‪Vilkig‬‬
‫‪ (Rudrik‬بتأسيس أول إمارة روسية واتخذ لها مدينة نوفوكورد )‪ (Novogorod‬مركزًا رئيسيًا ليشرف منها على المناطق التابعة‬
‫لمارته‪.‬وحذا المراء الخرون حذوا رودريك‪ ,‬فقام في كييف المارة الروسية الثانية تحت زعامة المير أوليك )‪ (Oleg‬الذي اشتهر في‬
‫التاريخ بعقد أو محالفة مع بيزنطا في آواخر القرن العاشر بعد الميلد‪.‬‬
‫وهذه التطورات حدثت في البلد السلفية‪ ,‬أرعبت اليهود الذين كانوا يعللون أنفسهم بتهويد الروس وضمهم إلى مملكة الخزر اليهودية قبل‬
‫أن تمتد يد النصرانية إليهم‪ ,‬ولكن قيام المارات المنظمة التي أخرجت الروس من عيش البداوة و الفوضى‪ ,‬واقتراب أوليك من بيزنطا‬
‫الخاضعة للكنيسة الشرقية التي كان اليهود يعتبرونها أشد خطرًا عليهم من الكنيسة الغربية‪ ,‬أطارت صوابهم‪ ,‬فقرروا الكيد لهذه المارات‬
‫الروسية الناشئة‪,‬والطاحة بها قبل أن يستفحل أمره‪ ,‬أو أن تنضم تحت نفوذ عدوتهم الكنيسة الشرقية‪ ,‬ولكن مشاريعهم باءت بالفشل طيلة‬
‫حياة المير أوليك صديق بيزنطا الذي كان يحتقر اليهود ويبعدهم عن محيطه‪.‬‬
‫ولما توفي أوليك‪ ,‬وخلفه إمارة كييف )‪ (Kiev‬المير الشاب إيغور )‪ (Igor‬توصل اليهود إلى التغرير به‪ ,‬وأطمعوه في ثروات بيزنطا التي‬
‫كانت مشهورة آنذاك بغناها الخيالي‪ ,‬وانجرف إيغور في تيار الضاليل اليهودية‪ ,‬وصمم على غزو بيزنطا وإخضاعها لسلطانه‪ ,‬فأمر ببناء‬
‫أسطول بحري ضخم وجهزه بكل السلحة التي كانت سائدة آنذاك وأبحر في مستهل عام ‪ 922‬قاصدًا القسطنطينية ‪ ,‬ولما وصل إليها‬
‫وحاصر مداخلها البحرية تخيل نفسه أنه من النصر قاب قوسين أو أدنى‪ ,‬ولكن الروم الذين كانوا على علم بما كان إيغور يبيته لهم‪ ,‬تركوا‬
‫أسطوله يقترب من الساحل وفاجئوه بالنيران اليونانية )‪ (Feu Grégeoise‬ودمروا أسطوله فعاد يجر أذيال الخيبة‪ ,‬وبعد ثلثة أعوام‬
‫ل‪ ,‬ولكنه عجز عن فتحها‪ ,‬فرضي بأن يتفق مع الدولة البيزنطية على ضريبة مقطوعة ليكف عن‬
‫أعاد الكرة وحاصر القسطنطينية طوي ً‬
‫حصارها‪ ,‬ولما قتل إيغور في إحدى معاركه مع قبائل دريفلياني )‪ (Drevliané‬خلفته المارة زوجته الميرة أولغا )‪(Olga- ou Elga‬‬
‫السكندونافية وكانت ذات همة و حمية فأقسمت أن تنتقم لزوجها‪ ,‬فقامت تطارد القبائل المجاورة لمارتها حتى أخضعتها لرادتها‪,‬‬
‫فتوسعت إمارتها وقويت شوكتها‪ ,‬فاستتب لها المر‪ ,‬فسارعت بيزنطا لخطب ودها‪ ,‬وعقدت معها حلفًا عسكريًا أسفر عن دخول النصرانية‬
‫إلى إمارتها‪ ,‬ففقد اليهود بذلك نفوذهم في المنطقة‪ ,‬واحتاروا في أمرهم‪ ,‬ولكنهم اعتصموا بالصبر بانتظار الظروف‪ ,‬وفي عام ‪ 1157‬توفي‬
‫المير جورج وخلفه المير أندريه )‪ (André‬الذي كان نصرانيًا متعصبًا‪ .‬بنى مدينة فلديمير )‪ (Vladmir‬و أكثر فيها المعابد والكنائس‬
‫واتخذها لنفسه عاصمة دائمة‪ ,‬ومن ثم شرع في طرد اليهود من منطقته‪ ,‬ويظن أنه هو الذي قضى على دول الخزر اليهودية‪ ,‬وإن كان‬
‫التاريخ الرسمي ل يذكر شيئًا عن محاربته للخزر ولكن الوثيقة التي عثر عليها في القرن السادس عشر والتي تبحث عن انهيار الدولة‬

‫‪57‬‬

‫الخزرية تشير إلى أن المير الروسي الذي قضى على الدولة الخزرية كان من أمراء القرن الحادي عشر‪ .‬ومن فحوى هذه الوثيقة‬
‫المحفوظة حاليًا في المتحف الروسي‪ ,‬يعتقد النقاد بأن المير المشار إليه هو أندريه نفسه‪ .‬كما أن بعض مؤرخي التاريخ يعتقدون أن أولغا‬
‫هي التي قضت على دولة الخزر‪ .‬وهم يعتمدون في قولهم هذا على ما اشتهرت به أولغا من شدة البأس‪ ,‬والتعلق في الكنيسة‬
‫الرثوذكسية ‪ .‬و على كل حال كان لقضاء الروس على الدويلة الخزرية‪ ,‬أكبر الثر في نفوس اليهود‪ ,‬فحطمت آمالهم‪ ,‬وعلى الخص بعد‬
‫أن انتشرت المسيحية في روسيا على يد المير أندريه‪ .‬فاغتاظ اليهود من هذا المير الذي قضى على أحلمهم فقرروا اغتياله‪ .‬وفي إحدى‬
‫الليالي قام اليهودي الخزري أفرام مونزيك )‪ (Efrem Monzing‬و زميله اليهودي أيضًا المدعو آنبال )‪ (Anbal‬على رأس عصبة من‬
‫الخدم والحشم وداهموا قصر المير أندريه وقتلوه في مخدعه‪ .‬ومن ثم ألقوا جثته من على شرفة القصر‪ ,‬وأعلنوا حكمهم على عاصمة‬
‫إمارته‪ ,‬وقتلوا كل من كان يناصر المير‪ ,‬ومنعوا الهلين من مواكبة جنازته والصلة عليها‪.‬‬
‫ولما علم أخوه المير فسيفالد )‪ (Vsévalad‬بمقتل أندريه سارع إلى مدينة فلدمير‪ ,‬وحاصرها‪ ,‬ولما دخلها قضى على المتمردين ومن‬
‫ساعدهم من اليهود‪ ,‬وأعاد المياه إلى مجاريها‪ ,‬وعلى إثر هذه الحادثة أصبح الشعب الروسي ينظر إلى اليهود نظرة شك واحتقار‪ ,‬فتحول‬
‫اليهود إلى العمل خفية للثأر من الروس‪ ,‬واتخذوا التجارة مع البلد الواقعة في شرق المارات الروسية‪ ) ,‬أي مع القبائل التترية و‬
‫المغولية ( وسيلة للوصول إلى النيل من الشعب الروسي‪ ,‬وكانوا يعتمدون في تحقيق هذا الغرض على ما كان لهم من العلقات القديمة مع‬
‫تلك القبائل عن طريق دولة الخزر التي أبادها الروس والتي كانت لها اتصالت وثيقة مع الشرق‪ .‬فصار اليهود يترددون على القبائل‬
‫المغولية‪ ,‬فتوثقت علقاتهم معها بصورة جدية‪ ,‬وفكروا باستثمارها لمصالحهم الخاصة‪ ,‬وبدأوا يحرضون المغول على اجتياح البلد‬
‫الروسية الغنية‪ ,‬ولما ظهر جنكيزخان الجبار في القرن الثالث عشر على مسرح التاريخ‪ ,‬أيقن اليهود بقرب يوم الثأر من الروس‪ ,‬وازداد‬
‫نشاطهم في إلفات أنظار جنكيزخان نحو التخوم الغربية‪ .‬وأخيرًا تمكنوا من تحقيق مآربهم عد يد المير باتي ) ‪ (Batyi‬المغولي الذي غزا‬
‫البلد الروسية عام ‪ ,1236‬وقضى على المارات الروسية‪ ,‬وأخضع البلد برمتها إلى سيطرة جنكيزخان‪ ,‬وهكذا رد اليهود الصفعة إلى‬
‫الروس الذين كانوا في طريق تكوين وحدتهم وإقامة كيانهم القومي‪ .‬وتذكر بعد المصادر التاريخية أن اليهود حصلوا من المغول أو التتر‬
‫على ميزات عديدة لما كان بينهم من الصداقات‪ ,‬ولوجود بعض المهودين في صفوف الغزاة‪ .‬فصار اليهود يدعون الروس علنًا لدخول‬
‫مذهبهم‪ ,‬ويناوؤون الكنيسة الرثوذكسية بشراسة ظاهرة‪ .‬ولكن كل ذلك لم يمنع الرثوذكسية من النتشار‪ ,‬حتى عمت البلد‪ ,‬كما أن‬
‫القومية الروسية بدأت بالتبلور‪ ,‬ومع الزمن‪ ,‬قام النزاع مجددًا بين الروس والغزاة‪ ,‬وتشكلت في المناطق بعض المارات الروسية من‬
‫جديد‪ .‬وبدأ ظل التتار بالتقلص حتى أزيل نهائيًا عن الربوع الروسية‪ ,‬وقامت فيها دويلت محلية‪ ,‬ثم أصبحت إمبراطورية واسعة الرجاء‪,‬‬
‫بعد أن توحدت جمهوريات الشمال )‪ (La Républiques Du Nord‬مع المارة الموسكوفية )‪ (La Moscovie‬على يد الجمعية‬
‫الوطنية )‪ ,(Velikyi Zemskyi Sobor‬التي أقرت توحيد البلد‪ ,‬وقيام القيصرية تحت زعامة ميشيل رومانوف عل ‪ 11‬حزيران عام‬
‫‪ 1613‬و عند ذلك فقد اليهود نهائيًا أملهم في تهويد الروس وإذللهم‪ .‬ولكن شاءت الظروف أن تنتصر اليهودية في الغرب‪ ,‬بعد أحداث‬
‫كرومويل في إنجلترا و قيام الثورة الفرنسية‪ ,‬وانتشار المحافل الماسونية في أكثر القطار الوربية‪ ,‬وانطلق جيوش حليفهم نابليون في‬
‫أوربا‪ .‬فعادت الحلم الذهبية تراود اليهود من جديد‪ .‬وعلى الخص بعد اغتيال الملك بول )‪ (Paul‬عام ‪ ,1801‬استلم اسكندر زمام المور‬
‫في البلد ‪ ,‬فبادر اليهود إلى توسيع نشاطهم اعتمادًا على سفارات الدول الغربية التي كانت تساعدهم على الكيد للروس‪ ,‬ومن ثم أم ً‬
‫ل‬
‫بالمساعدة التي كانوا ينتظرونها من القيصر الجديد الذي كانت تربطه صداقة وطيدة باليهود منذ طفولته إذ كان من تلمذة اليهودي‬
‫السويسري لوهارب )‪ (Le Harpe‬ولكن عندما توضحت للسكندر المور ‪,‬وتيقن من اشتراك اليهود في اغتيال والده بول‪ ,‬ولحظ ما كان‬
‫اليهود وأنصارهم يرمون إليه من وراء دعايتهم التحررية‪ ,‬وما قاموا به من مناصرة نابليون عام ‪ ) 1814‬إبان احتلل هذا الخير‬
‫لروسيا(‪ .‬شعر بخطرهم وقرر أن يتخلص منهم بصهرهم في البوتقة الروسية‪ .‬فأصدر أمره بمنحهم الراضي الزراعية‪ ,‬وقبول أطفالهم في‬
‫ل في شؤونهم الدينية ورفضوها برمتها‪.‬‬
‫المدارس الروسية‪ ,‬وإرغامهم على ارتداء الملبس العادية‪ ,‬فاعتبر اليهود أوامره هذه تدخ ً‬
‫وعادوا مجددًا يكيدون له مثل كيدهم لبيه من قبل‪ .‬ولما توفي السكندر عمت الفراج جالياتهم مع أن السكندر لم يسئ إليهم ولقد اعترف‬
‫كاتبهم الشهير كراتس )‪ (Graetz‬بخطأ اليهود عندما كتب في مجلة الدراسات اليهودية )‪ (Le Studes Juives‬يقول إن شعبنا أخطأ‬
‫عندما رفض مقترحات اسكندر الول‪ .‬التي كانت في مصلحته ولسعادته‪.‬‬
‫ولما اعتلى اسكندر الثاني العرش الروسي‪ ,‬أراد مساعدة اليهود باعتبار أنه كان ماسونيًا معروفًا‪ ,‬فجدد اقتراحات سلفه عليهم ووعدهم‬
‫بالكثار من المتيازات لهم‪ .‬ولكن اليهود ظلوا على تعنتهم‪ .‬وراحوا يعلنون الحرب السافرة على القيصر دون سبب ظاهر‪ ,‬سوى أنه أراد‬
‫أن يمنحهم الصفة الروسية‪ ,‬عندها لم يكن بإمكان القيصر تحمل الشطط اليهودي‪ ,‬فتخلى عن ماسونيته‪ ,‬ليصبح حرًا في تصرفاتهم نحو من‬
‫بادروه العداء‪ .‬ومن ثم أعلن بدوره الحرب على الماسونية‪ ,‬وجمعية المثقفين اليهودية‪ ,‬والكتاب اليهود و جمعية النهليست )‪(Nihiliste‬‬
‫وشدد على اليهود بعد أن تم له النصر في الحروب القفقاسية التي ورطه فيها اليهود‪ .‬ولكي ينتصر عليهم ‪ ,‬عين الجنرال لوريس ميليكوف‬
‫)‪ (Loris Mélikoff‬مسؤوًل عن المن الداخلي‪ ,‬وكان لوريس ميليكوف أذكى القواد الروس‪ ,‬تمكن بسرعة من اكتشاف الكثير من‬
‫ل إلى أن تمكن اثنين من فوضويي اليهود من‬
‫المؤامرات اليهودية‪ ,‬ولكن اليهود كانوا أعند من أن يلقوا السلح بسهولة‪ ,‬فدام الصراع طوي ً‬
‫اغتيال القيصر عام ‪ ,1881‬وهكذا تحققت نبوءة الشيخ شامل الذي قال للقائد الروسي الذي انتصر عليه‪ ) :‬قل لقيصرك إن لم ينتصر علينا‬
‫بقوة جيوشه وتعدد أسلحته‪ ,‬بل بفضل المؤامرات اليهودية التي غذاها في ربوعنا‪ ,‬فليحذرهم بدوره لنهم سينالونه يومًا‪ ,‬دون أي ريب(‬
‫وهنا تأكد للروس مدى الخطر الكامن في مهادنة اليهود‪.‬‬
‫فقامت الشرطة الروسية بحملة واسعة ضد اليهود ومؤسساتهم‪ ,‬واعتقلت العناصر المشبوهة‪ .‬وطردت من كان ينتسب إلى الدول الجنبية‪,‬‬
‫وحددت إقامة ونشاط من اعتبر خطرًا منهم‪ ,‬ولكن هذه الجراءات أتت متأخرة جدًا‪ ,‬إذ كان اليهود تمكنوا من السيطرة على طبقة العمال‬
‫التي غرروا بها‪ ,‬وعن طريقها ثابروا على نشاطهم ومن الجهة الثانية استفحل أمر الجامعات بفضل أساتذتها من اليهود‪ ,‬وفي عام ‪1897‬‬
‫تمكن اليهود من إقامة أول مؤتمر عمالي باسم مؤتمر عمال اليهود الشتراكيين‪ .‬وتوسعوا في نشاطهم بصورة سافرة ‪ ,‬فعم الفساد في‬
‫طول البلد وعرضها‪ ,‬وزاد الطين بلة انهزام الروس في معركة بورت آرتور )‪ (Port Arthur‬الشهيرة التي أضعفت هيبة الروس في‬
‫العالم أجمع‪ ,‬فسارعت الرأسمالية اليهودية لستثمار هذا النهزام‪ ,‬وأشاعت البلبلة في الوساط القتصادية في البلد‪ ,‬فعمد الثرياء إلى‬
‫تهريب أموالهم إلى خارج البلد‪ ,‬مما أدى إلى انهيار روسيا اقتصاديًا وسياسيًا‪ ,‬وعمت الفاقة في أنحاء البلد‪ ,‬فكانت الفرصة الذهبية‬
‫لليهود والماسون‪ .‬فقامت المظاهرات الصاخبة‪ ,‬وتعددت الضرابات العمالية‪ ,‬وعمت الفوضى في المدن والدساكر‪ ,‬ولم تعد الدولة قادرة‬
‫على إعادة المن إلى نصابه‪ ,‬كما عمدت السفارات الغربية إلى تغذية الحوادث بما كانت تشيعه من الضاليل‪ .‬فاضطر القيصر نقول الثاني‬
‫ل بأن ينقذ البلد من ورطتها فخيل للكونت أن خير دواء لحل‬
‫إلى استدعاء الكونت ميرسكي )‪ (S.Mirskyi‬وقلده رئاسة الوزارة أم ً‬

‫‪58‬‬

‫الزمة‪ ,‬هو إعطاء اليهود وأنصارهم مطالبهم‪ ,‬فأطلق لليهود الحرية الدينية‪ ,‬وأعاد إلى البلد من طرد منهم‪ ,‬وأفرج عن سجنائهم‪ ,‬ومنحهم‬
‫ل بأن يعودوا إلى الهدوء والسكينة‪.‬‬
‫حرية القول والكتابة أم ً‬
‫بيد أن ميرسكي أخطأ التقدير وأفسح المجال أمام اليهود ليتوسعوا في نشاطهم‪ ,‬واتصلوا بالهيئات و المنظمات اليهودية في الخارج‪,‬‬
‫وطلبوا مساعدتها‪ ,‬فانهالت عليهم المساعدات المالية من مختلف أنحاء العالم‪ ,‬ولما توفر لهم ما كانوا بحاجة إليه‪ ,‬خاضوا معركتهم‬
‫الفاصلة مع القيصرية واقتلعوها من جذورها بعد ثلثة عشر عامًا من الصراع ‪.‬‬
‫مدى علقة الرأسمالية اليهودية في الثورة الروسية‬
‫يجب علينا أن نفجر ثورة عالمية عارمة تقضي على التقاليد البالية وتعصف بالمعتقدات و تقتلع جذور الملكيات الخاصة كي تتحقق‬
‫المساواة التي نرغبها والتي نادت بها جمعياتنا السرية التي انبثقت عنها الحكومات المؤقتة حاليًا في أكثر القطار الوربية وبغية تحقيق‬
‫الثورة المنشودة يجب على شعبنا المختار أن يتعاون مع الملحدين وأن يتحد أثرياؤه مع دعاة اليسار المتطرف ليعملوا جميعًا لتحقيق‬
‫أحلمنا‪.‬‬
‫من أقوال اليهودي دزرائيلي ) ‪ (Disraéli‬الوزير البريطاني المعروف بعنصريته‪.‬‬
‫ل عن الكتاب المقدس الجديد لبيير هيبس‪ -‬صحيفة )‪(170‬‬
‫نق ً‬
‫ليس في الماضي فحسب بل اليوم أيضًا تجد بعض المتحذلقين الذين يستهجنون القول بتدخل الرأسمالية اليهودية في الثورة الروسية‪,‬‬
‫ويعتمدون في استهجانهم على ما بين النظامين من خلف وتناقض في المفاهيم‪ ,‬ويدللون على إثبات نظريتهم بتفاقم النزاع بين الرأسمالية‬
‫واليهودية والدولة الروسية يومًا بعد يوم‪.‬‬
‫ل‪ ,‬وفئة أخرى مغرضة لحد‬
‫وهؤلء المتحذلقون ينقسمون إلى فئتين‪ ,‬فئة جاهلة لما أحاط بالثورة الروسية من اللتباس‪ ,‬فتعذر فع ً‬
‫السببين‪ ...‬ولذا فهي تنكر الحقيقة‪ ,‬وتتجاهل ما تعلم‪ ,‬ونحن هنا ل يهمنا أمر هؤلء الناس ‪ ,‬بقدر ما يهمنا توضيح المور التي سبقت‬
‫الثورة‪ ,‬وما اكتنف سيره أحداثها من الملبسات‪.‬‬
‫وبغية الفصاح‪ ,‬ل بد لنا من تفصيل العوامل التي أدت إلى تدخل اليهود في هذه الثورة وتحديد الغراض التي توخوها من هذا التدخل‪,‬‬
‫وإمعانًا في التفصيل نذكر القارئ‪ ,‬بأن اليهودية تمركزت في روسيا قبل أن تدخلها المسيحية‪ ,‬أسست فيها دولتها الخزرية‪ ,‬وظنت أنها‬
‫أرسخت أقدامها فيها‪ ,‬وعللت نفسها بتهويد شعوبها‪ ,‬ومنع النصرانية من دخولها‪ ,‬واتخاذها في المستقبل مركز النطلق‪ ,‬ومحور الرتكاز‬
‫لمقارعة النصرانية والسلم‪ .‬ولكن خاب فألها‪ ,‬وقامت المارات الروسية‪ ,‬ثم قضت على دويلة الخزر اليهودية‪ ,‬وأدخلت النصرانية إلى‬
‫روسيا‪ ,‬وسيطرت كنيستها الرثوذكسية على جميع الشعوب السلفية‪ ,‬ثم انسحب المغول‪ ,‬وقامت القيصرية‪ ,‬فقضي على أحلم اليهود‪,‬‬
‫فرضخوا لحكم القدر على مضض‪ ,‬دون أن يتخلوا عن السعي لتحقيق مآربهم عندما تسمح لهم الظروف بذلك‪ ,‬فقبعوا في جحورهم‬
‫ينتظرون ما ستتمخض عنه اليام‪.‬‬
‫وفي أعقاب ثورة كرومويل التي أعادت نفوذ اليهود إلى بريطانيا‪ ,‬والثورة الفرنسية التي أدت إلى انتصارهم الساحق على الكنيسة‬
‫الكاثوليكية‪ ,‬وتسلطهم على مقدرات كل من الدولتين المذكورتين‪ ,‬عادت الحلم تراودهم في السيطرة على الروس والطاحة بالقيصرية‬
‫والكنيسة الرثوذكسية اللتين قضتا في الماضي على الدولة الخزرية‪ ,‬وحالتا دون تهويد الشعب الروسي‪ ,‬وبغية تحقيق ذلك‪ ,‬بدأ اليهود‬
‫بتطبيق البرامج التخريبية التي طبقوها في البلد الغربية‪ ,‬أي السعي لخراج الشعب الروسي عن طاعة الكنيسة‪ ,‬ودفعه نحو اللحاد و‬
‫اللأخلقية‪ ,‬وإثارة النعرات الطائفية و الطبقية في صفوفه‪ ,‬وتحريضه على الدولة‪ .‬فأشاعوا الضاليل و الدسائس في كل مكان‪ ,‬ولقد‬
‫شجعهم على ذلك‪ ,‬تعدد القوام و الشعوب في البلد الروسية‪ ,‬وللوصول إلى هذه الغراض‪ ,‬أغرقوا البلد بشتى مصادر الفلسفات والراء‬
‫التي سبق وأشاعوها في الغرب‪.‬‬
‫ولما كانت الكنيسة الرثوذكسية والقيصرية تعلمان ما فعله اليهود في الغرب‪ ,‬وقفتا بوجههم‪ ,‬وساندهما الشعب في البداية فأحبطت بعض‬
‫المؤامرات اليهودية‪ ,‬وحدث عام ‪ 1880‬في كل من مدينة إليزافيت غراد )‪ (Elisavetgrad‬وكييف )‪ (Kiev‬و أوديسا )‪ (Odessa‬بعض‬
‫العتداءات الشعبية على اليهود‪ ,‬فاستغلتها المحافل اليهودية في الغرب‪ ,‬ونادت بالويل والثبور‪ ,‬وطالبت الحكومة الروسية بالكف عن‬
‫اضطهاد اليهود‪ ,‬وراحت الصحافة المهودة تهول المر‪ ,‬وتطالب الدول الغربية بالتدخل لصالح اليهود‪ .‬وهكذا جعل اليهود من هذه الحوادث‬
‫الفردية الداخلية‪ ,‬قضية دولية‪ ,‬واستثمروها على أوسع نطاق‪.‬‬
‫وطالب بعض زعمائهم وكتابهم أمثال بنكسر )‪ (Pinsker‬وجوزيف سلفادور )‪ (Joseph Salvador‬و موسى هيس )‪(Moise Hess‬‬
‫وديزرائيلي )‪ (Disraéli‬بالسماح لبني قومهم للعودة إلى فلسطين‪ ,‬وأيدهم بعض كتاب الغرب المهودين في هذا الطلب‪ ,‬فأصبحت بذلك‬
‫القضية اليهودية‪ ,‬قضية الساعة في أواخر القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫ولكن الحكومة الروسية أصمت آذانها عن سماع هذه الترهات‪ ,‬ولم تعرها الهمية التي كان اليهود ينتظرونها‪ ,‬فتنادت محافلهم السياسية‬
‫المختلفة‪ ,‬وعقدت عام ‪ 1884‬أول اجتماع قومي لها في مدينة كاتوفيس )‪ (Katovice‬تحت رئاسة بنسكر‪ ,‬وبحث المجتمعون الشؤون‬
‫اليهودية العامة‪ ,‬وتدارسوا الفرضيات المختلفة التي يمكن أن تعترض هدفهم السمى ) السيطرة على العالم ( الذي يحلمون بتحقيقه منذ‬
‫عهد المنفى‪ ,‬فوضعوا لها الحلول التي استنبطوها‪ ,‬وكان في مقدمتها القضاء على الدول التي تعارض تحقيق أغراضهم‪ ,‬ولقد جاء تصنيف‬
‫المبراطورية الروسية الثاني في قائمة الدول التي اعتبروها مناوئة لمخططاتهم‪ ,‬ولقد تأكد لهم صدق حدسهم فيما بعد‪ ,‬عندما اصطدم‬
‫الزعيم الصهيوني هرتزل )عام ‪ )1896‬بمعارضة الروس الشديدة لعودة اليهود إلى فلسطين‪.‬‬
‫وعلى الثر قرر اليهود تدمير المبراطورية الروسية وكنيستها مهما كلفهم المر‪ ,‬فثابروا مثلما ذكرنا على تطبيق مناهجهم في روسيا‪.‬‬
‫وشاءت الظروف و القدار أن تكون مواتية لهم‪ ,‬واعتلى العرش الروسي نقول الثاني‪ ,‬الذي عرف باستهتاره بمقاليد الحكم‪ ,‬وترك أمر‬
‫إمبراطوريته الواسعة في أيدي الرستقراطية الفاسدة‪ ,‬التي كانت تعتبر نفسها من طينة أعلى من طينة الشعب‪ .‬فراحت تستهين بمصالح‬
‫المة‪ ,‬وتحتقر الشعب‪ ,‬وتنهب أمواله بخسة ودنائه‪ ,‬وتستبيح أعراضه و تنكر عليه إخلصه الذي برهن عنه إبان محنة الدولة الروسية مع‬
‫نابليون‪ ,‬والتي دافع فيها الشعب من مليكه وإمبراطوريته أحسن دفاع‪ ,‬وبذل المال والدماء دون حساب‪ .‬ولكن هذه الطغمة الرستقراطية‬
‫الفاجرة‪ ,‬تنكرت له وسامته سوء العذاب بدًل من أن تكرمه و تهتم بشؤونه‪ ,‬فكان من الطبيعي أن يفقد الشعب الروسي النبيل إيمانه بهذه‬
‫الطبقة اللئيمة التي حرمته حق الحياة‪ ,‬والكنيسة التي تخلت عنه‪ ,‬رغم أنها كانت في الماضي عزاءه الوحيد الذي يرجع إليه في الملمات‪,‬‬

‫‪59‬‬

‫لتواسيه وتشد أزره‪ .‬فأضمر الشعب لهما الحقد بحق‪ ,‬وبادر يبحث عن مخرج ليتخلص منهما‪ ,‬فانتهز اليهود هذه الفرصة‪ ,‬وهبوا يبحثون‬
‫عن طريقة تمكنهم من السيطرة على البلد و الثأر من القيصرية والكنيسة الرثوذكسية‪ ,‬ولما كانوا يراقبون الوضاع منذ أمد طويل‪,‬‬
‫ويبحثون فيما يجب عليهم عمله‪ ,‬وجدوا أن السبيل الوحيد لجر الشعب الروسي خلفهم هو التلويح له بالعدالة الجتماعية والحياة الحرة‬
‫الفاضلة التي كان الشعب الروسي يتوق إليهما‪ ,‬وفي أعقاب مؤتمر بال قويت شوكة اليهود في روسيا بفضل المساعدات التي تلقوها من‬
‫اليهود في الغرب ) وبعد أن وحد مؤتمر بال جميع هيئاتهم‪ ,‬وصهر مختلف محافلهم السياسية اليمينية و اليسارية في بوتقة العمل الموحد‬
‫لصالح القومية اليهودية( فشددوا النكير على الدولة‪ ,‬ودفعوا العمال للشغب و التمرد فاضطر نقول الثاني لمهادنتهم‪ ,‬وأوعز لرئيس وزرائه‬
‫بالتساهل مع العمال الذين كان اليهود يحرضونهم‪ ,‬فسمح لهم بتأسيس حزب العمال اليهودي الذي بحثنا عنه‪ ,‬فساءت الحالة‪ ,‬وتسارعت‬
‫الحداث في طول البلد وعرضها‪ ,‬ومن جراء إهمال القيصر لشؤون شعبه‪ ,‬وتعنت الطبقة الرستقراطية المجرمة التي أصمت آذانها عن‬
‫سماع شكاوى الشعب‪ ,‬والتي كانت ترد على كل صوت شاك بأسنة الرماح وأزيز الرصاص‪.‬‬
‫ففقد الشعب صبره ولم يعد يحتمل الظلم والضطهاد أكثر مما تحملهما سيما واليهود كانوا يدفعونه بشتى الوسائل إلى مناهضة السلطات‬
‫الحاكمة‪ ,‬فقامت المظاهرات الصاخبة تطالب الدولة بالسماح للطبقة العاملة بتكوين المجلس العمالي العلى الذي كان اليهود يتوخون من‬
‫إيجاده السيطرة التامة على طبقة العمال‪ ,‬فلم تنجح الدولة في الحد من نشاط اليهود‪ ,‬وأرغمت على التنازل لمطالبهم‪ ,‬وأصدر ميرنسكي‬
‫قرارًا يجيز للعمال تشكيل مجلسهم‪ ,‬فسارع اليهود إلى تكوينه بالشكل المناسب لغراضهم‪ ,‬وأسندوا رئاسته إلى اليهودي نوزار )‪(Nosar‬‬
‫الذي عرف في التاريخ بلقب خروستاليف )‪ (Khoroustalief‬وعينوا لمانة سره اليهودي برونستين )‪ (Brounestein‬من مواليد‬
‫أوديسا والذي اشتهر فيما بعد في الوساط الثورية التي ناوأت القيصرية باسم تروتسكي )‪ .(Troteskyi‬وهو الذي أحدث التشكيلت‬
‫العمالية التي سميت بالتشكيلت الحربية )‪ (L’Organisation De Combat‬وأسس إتحاد الفلحين )‪.(L’Union Des Paysans‬‬
‫ولما كانت الحكومة ميالة إلى المهادنة فلم تعترض على إحداث هذه التنظيمات التي كانت تخضع اليهود‪ ,‬فأيقن اليهود من عجز الحكومة‬
‫ودفعوا بمنظماتهم الجديدة إلى العصيان عام )‪ (1905‬فاصطدمت هذه الفئات المسيرة ضد السلطات الحاكمة بقوات الجيش والشرطة‪.‬‬
‫ودامت المعارك بين الطرفين لمدة أسبوعين قتل في أثنائها عم القيصر سيرج )‪ (La Grand Serge‬كما قتل كثيرون من أفراد الطبقة‬
‫الحاكمة وموظفي الدولة وعشرات اللوف من العمال الفقراء والمواطنين‪ .‬وانتهت الحوادث على أثر تشكيل المجلس النيابي وإقامة الحكم‬
‫الدستوري‪ .‬والغريب في أحداث عام ‪ 1905‬إن جميع القتلى كانوا من الروس وحدهم بينما لم يمس أحد من اليهود بسوء‪ ,‬رغم أنهم كانوا‬
‫يقودون ويحرضون الجماهير‪ .‬وتوقف الحوادث في أعقاب قيام الدوما لم يكن يعني‪ ,‬إنجاز الغراض اليهودية أو عدولهم عن الثورة‪,‬‬
‫فظلت النار كامدة تحت الرماد‪ ,‬وثابر اليهود على تغذيتها‪ ,‬وعلى الخص في ظل الحكم الدستوري الضعيف‪ ,‬وفي هذه الثناء أعادت‬
‫الصهيونية العالمية النظر في تطور المور بروسيا‪ .‬فقررت إطلق يد أحد أعضائها البارزين في الشؤون الروسية‪ ,‬وكان هذا المختار‬
‫الجديد هو يعقوب شيف ) ‪ (Jacob Schieffe‬الذي كان منذ أمد بعيد يعمل لتدمير المبراطورية الروسية‪ ,‬كما قررت الصهيونية أن يكون‬
‫البارون هيرش )‪ (Hirche‬المعتمد المالي للشؤون الروسية‪ .‬وكان هذا البارون أكثر الزعماء تعصبًا لليهودية‪ .‬وهو الذي شكل الفرق‬
‫الحربية اليهودية‪ ,‬وأقام شركة المستعمرات اليهودية في عهد الملك إدوار السابع الذي ورطه في الموافقة على مشروع هيرش مستشاره‬
‫اليهودي ارنست كاسل )‪ .(Sir Ernest Cassel‬ولقد رصد هيرس لمشروعه هذا ‪ 275‬مليون فرنك من الذهب من ثروته الطائلة التي‬
‫جمعها من التلعب بأسعار الصكوك العثمانية )‪ (La Bons Ottoman‬ويقول هيبس عن هيرش بأنه مول جميع المستعمرات اليهودية‬
‫في فلسطين‪ ,‬فلما عهد إليه تمويل الثوار اليهود في روسيا‪ ,‬افتتح فرعًا خاصًا لشركته القديمة في أمريكا ووضعه تحت تصرف يعقوب‬
‫شيف‪ .‬وبدأت عمليات التمويل تسير بصورة منتظمة‪ .‬وبعد ثورة عام ‪ 1905‬وضع شيف مخططًا جديدًا للثورة البلشفية‪ ,‬يتلخص بأن يمول‬
‫الثوار بالمال والرجال والعتاد‪ ,‬فبادر إلى جمع المغامرين اليهود الذين سبق وإن طردوا من روسيا‪ ,‬وبدأت مراكز التدريب التي افتتحها‬
‫بأمريكا بتدريبهم وتأهيلهم على أعمال القتل والغتيال‪ .‬ومن ثم افتتح اكتتابًا ماليًا لمساعدة الثورة‪ .‬فتبرع جميع أثرياء اليهود إلى شيف‬
‫بمبالغ كبيرة‪ ,‬لنه كان قد أقنعهم بأن روسيا ستصبح بعد نجاح الثورة دولة يهودية‪ ,‬باعتبار أن الطبقة الحاكمة والمسيرة للمور فيها‬
‫ستكون من اليهود الذين سيقودون الشعب الروسي لتحقيق السيطرة على العالم أجمع‪ .‬فانهالت التبرعات اليهودية على مؤسسة شيف‪,‬‬
‫وتقدم آلف من الشباب اليهودي للتطوع في المنظمة الجديدة‪ .‬فكان شيف يدرب هؤلء الشباب ومن ثم يزودهم بجوازات سفر أمريكية‬
‫وبأموال طائلة وبالتعليمات اللزمة ويرسلهم بعد ذلك إلى البلد الروسية‪,‬ليعملوا في صفوف تروتسكي وأنصاره‪ .‬ومن جراء هذه العملية‬
‫المتقنة ازداد عدد اليهود في روسيا‪ ,‬وتغلغلوا في صفوف العمال والفلحين يعملون ليل نهار لتحريضهم على مناوئة السلطة‪ ,‬ويبثون فيهم‬
‫الفكار المعارضة لتعاليم الكنيسة والتقاليد‪ ,‬ويدفعونهم نحو اللحاد و الباحية‪ .‬ولما كانت طبقة العمال الروسية تعيش في فقر مدقع‬
‫) القريب بطبيعة الحال من الكفر ( يفقد النسان معه معنوياته ومثله بسهولة‪ .‬فلم يصعب على اليهود إقناع هذه الفئات بصحة نظرياتهم‪,‬‬
‫ل مرارة الذل والعبودية والظلم والفقر‪ ,‬وعلى الخص أن اليهود كانوا يظهرون نحوها كل حب وتقدير ويقدمون لها العون‬
‫بعد أن ذاقت طوي ً‬
‫المادي والمعنوي بكل سخاء‪ .‬وكان من الطبيعي أن يقوم تحالف وثيق بين اليهود العارفين غرض كل كبيرة وصغيرة مما يعملون وبين‬
‫جماهير الشعب التي كان همها الوحيد أن تتخلص من حكامها العتاة‪ ,‬على أمل أن تجد بعد ذلك حياة أفضل‪ .‬فانساقت خلف اليهود دون قيد‬
‫أو شرط‪ ,‬إذ كانت تنظر إليهم نظرة منقذيها من نكبتها التي طال أمدها‪ .‬لهذا تركت لهم مراكز القيادة‪ ,‬ومهام التخطيط‪ .‬وهكذا أصبح اليهود‬
‫يمثلون الشعب الروسي في الجبهة المعارضة للدولة‪ ,‬ولما تفاقم أمرهم عمدت القيصرية إلى منع دخول المزيد من اليهود إلى بلدها‪.‬‬
‫وأوعزت إلى سلطات التنفيذ بمنع كل يهودي من دخول البلد‪ .‬ولكن هذا الجراء جاء متأخرًا جدًا‪ .‬إذ كان اليهود قد تغلغلوا في كل مكان‪.‬‬
‫ولم يعد لهذا الجراء أي قيمة فعلية‪ .‬والمر الغريب في الموضوع هو أن القيصرية كانت قد أخبرت بالمخطط اليهودي بعد أن عثرت‬
‫السلطات على نسخة من بروتوكولت صهيون ) المنهج الصهيوني ( ولكن القيصرية ظلت على تعنتها في تسيير أمور الدولة‪ ,‬ولم تجنح‬
‫إلى تحسين الوضاع أو التقرب من الشعب ومعاملته بالحسنى أو منحه حقوقه‪ .‬وهذا الموقف الشائن جعل الكثرية الساحقة في البلد‬
‫تنضم إلى المعارضة‪ .‬وحتى الذين لم ينضموا إليها كانوا ضمنًا أكثر تحيزًا لها على أمل أن تتحسن الحوال على يديها بعد أن قطعوا كل أمل‬
‫في النظام القيصري‪.‬‬
‫ولما علم اليهود أن السلطات القيصرية منعت اليهود من دخول بلدها‪ .‬دفعوا بالحكومة المريكية للحتجاج على هذا الجراء الروسي‪.‬‬
‫فقامت المباحثات بين الدولتين‪ .‬و أصرت أمريكا على أخذ موافقة القيصر بالسماح لليهود من الجنسية المريكية بالدخول لروسيا ‪ ,‬حتى إن‬
‫رئيس جمهوريتها تيودور روزفلت )‪ (Téodor Rosevelte‬تدخل شخصيًا بالمر وكتب إلى الكونت وايت )‪ (La conte Witte‬رئيس‬
‫الوزارة الروسية كتابًا خاصًا جاء فيه مايلي‪:‬‬
‫عزيزي الكونت وايت‪:‬‬

‫‪60‬‬

‫أقدم لكم ربطًا هذه الصورة التذكارية مع تحياتي المخلصة‪ .‬وأشكركم لتحويلكم لنا برقية صاحب الجللة التي يؤكد لنا فيها مشاعره النبيلة‪,‬‬
‫وحفاظه على الصلت الوثيقة بين شعبينا‪, ,‬ونحن بدورنا نؤكد لكم تمسكنا بهذه العلقات الطيبة‪ ,‬ونرجوكم إبلغ ذلك مع أعمق احتراماتنا‬
‫لصاحب الجللة‪.‬‬
‫أما بعد‪ .‬فقد رجوتكم في مباحثاتنا السابقة‪ ,‬أن تسهلوا لمواطنينا الشراف أمر دخولهم إلى بلدكم‪.‬‬
‫نحن ل نطلب بأن يسمح لغير المرغوب فيهم بدخول بلدكم‪ ,‬ولكننا نرجو أن ل يكون المنع مرتكزًا على التمييز العنصر أو الديني ونأمل أن‬
‫تعمد حكومتكم الموقرة إلى السماح لمواطنينا من اليهود الشراف بالدخول إلى روسيا أسوة بالمواطنين الخرين من سكان أمريكا‪ .‬وأرى‬
‫أن هذا الحل هو النسب لخير شعبينا‪ .‬وأخيرًا أبعث إليكم بأحر التهاني بمناسبة عقدكم الصلح‪ ,‬وأرجوا أن تقبلوا أصدق الماني القلبية‪,‬‬
‫في ‪ 10‬أيلول ‪ 1905‬أوسترباي )‪(Oster bay‬‬
‫التوقيع‪ :‬تيودور روزفلت‬
‫ومن فحوى هذا الكتاب يتضح لنا للقارئ مدى ما كانت تعلقه أمريكا من الهمية على دخول اليهود إلى البلد الروسية‪ .‬ولكن القيصر ظل‬
‫مصرًا على عدم دخول اليهود إلى بلده رغم المحاولت التي قام بها وفد شيف سليكمان )‪ (Schiffe-Sligman‬مع الكونت وايت الذي‬
‫حاول مرارًا إقناع القيصر‪ ,‬ولما فشلت مساعي الوفد وعاد إلى أمريكا أعلن تيودور روزفلت إلغاء المعاهدة التجارية التي كانت قائمة بين‬
‫الدولتين‪ ,‬وهكذا قطعت أمريكا آخر علقاتها مع الدولة الروسية إكرامًا لليهود‪.‬‬
‫ومع هذا ظل اليهود على اتصال دائم بأنصارهم في البلد الروسية يمولونهم دون انقطاع‪ ,‬فسارت المور في روسيا من سيء لسوأ‪ ,‬حتى‬
‫حدثت الكارثة العالمية واندلعت الحرب الولى التي عمل لها اليهود بكل ما أوتوا من قوة واقتدار‪ .‬وعندها ازداد مجددًا نشاط شيف‬
‫وعصبته وهيأوا أنفسهم للتدخل في الشؤون الروسية في الوقت المناسب‪ .‬وبدأت الشاعات تتردد عن وجود ثورة في روسيا القيصرية‪.‬‬
‫والغريب في المر هو أن المخابرات المريكية )‪ (Secret Service‬هي التي كانت تنشر هذه الشاعات و تؤكد تمويل شيف ومصرف‬
‫كوهن لوب )‪ (La Banque K.loeb‬لهذه الثورة‪ .‬وفي ‪ 8‬آذار فوجئ العالم باندلع الثورة في كافة أرجاء روسيا‪ .‬فتنازل نقول الثاني‬
‫عن العرش للمير ميشيل الذي رفض استلم الحكم‪ .‬فسارع الثوار إلى تشكيل حكومة من أعضاء الدوما‪ ,‬وهكذا ظهرت للوجود أو حكومة‬
‫مؤقتة انبثقت عن الجمعيات السرية اليهودية التي أشار لها ديزرائيلي ‪.‬‬
‫واستلم الحكم اليهودي كيرنسكي )‪ (Kérnsky‬وشكل وزارة جديدة كان أكثر أعضاؤها من اليهود أمثال مليوكوف )‪ (Miliokoff‬ولفوف‬
‫)‪ (Lvoff‬و كوتخوكوف )‪ .(GouthKoff‬عند ذلك بادر شيف بمطالبة كيرنسكي بإعطاء اليهود الحقوق السياسية أسوة بفرنسا‪ ,‬ولكن‬
‫كيرنسكي لم يجرؤ على منح اليهود الحقوق السياسية بوجود المجلس النيابي‪ ,‬وتآمر مع شيف على العمل لزاحة هذا المجلس‪ .‬فقررا فيما‬
‫بينهما الطاحة به‪ .‬فبادر شيف إلى التصال بالمالي اليهودي برفوس هلفاند )‪ ( Parvus Helphand‬الذي كان تربطه بالمستشار‬
‫اللماني بتمان هالفيك )‪ (Betman Hallweg‬صداقة متينة‪ ,‬وطلب منه أن يسعى لدى الحكومة اللمانية للحصول منها على السماح‬
‫للثوار اليهود بالدخول إلى روسيا عبر حدودها‪ ,‬ولقد نجح بيرفوس في مسعاه‪ ,‬لن الحكومة اللمانية‪ ,‬كانت راغبة بالحد من الضغط‬
‫الروسي على جبهتها الشرقية وكان خير وسيلة لذلك هي اتساع نطاق الثورة بسرعة لكي ينهار الجيش الروسي‪ ,‬ويختفي من ساحة‬
‫القتال‪.‬‬
‫فسمحت الحكومة اللمانية بمرور القطار المغلق الشهير ) المرصوص ( عبر حدودها الذي كان يضم تسعة وعشرين ثائرًا من أشهر ثوار‬
‫اليهود تحت قيادة قطب الشيوعية لينين إيليانوف )‪ .(Linine Aulianof‬وفي الوقت ذاته وصل تروتسكي إلى البلد ) بعد أن تدخلت‬
‫الحكومة المريكية بشأنه لدى السلطات البريطانية التي كانت قد احتجزته مع الباخرة التي تقله مع فئة أخرى من متطرفي الشيوعية(‬
‫وهكذا تمكن شيف من جمع رهط كبير من غلة ثوار اليهود تحت تصرفه‪ .‬ومن ثم أطلق أيديهم في العمل‪ ,‬وفي مستهل شهر تشرين عمد‬
‫رجال شيف إلى مهاجمة مجلس الدوما والحكومة واشتبكوا مع القطعات التي كانت تحرس مقر الحكومة الثورية التامة‪ .‬وشكلوا أول‬
‫مجلس شيوعي‪ ,‬تكون من خمسمائة و سبعة وأربعين عضوًا ‪ .‬و كان أربعمائة و سبعة وأربعون منهم من اليهود المعروفين لدى الجميع‪,‬‬
‫ورغم قيام القتال في المدن والشوارع بعد انهيار الجيش في الجبهات‪ ,‬ثابر المجلس الجديد على ترتيب أموره‪ ,‬وتشكلت الحكومة في ‪7‬‬
‫تشرين الثاني ‪ 1917‬تحت رئاسة تروتسكي وعضوية زينوفيف )‪ (Zenoviev‬و أورتسكي )‪ (Uritskyi‬وسواردلوف )‪(Swerdlov‬‬
‫وفايرمان ) ‪ (Faermann‬و ميخائيل )‪ .(Michaël‬ودشنت هذه الحكومة باكورة أعمالها بإصدار قرار يمنح اليهود بموجبه كافة الحقوق‬
‫السياسية دون قيد أو شرط‪ .‬ربما إن دوائر الدولة والتشكيلت الشعبية كانت منذ أمد بعيد قد امتلت باليهود فلم يصعب عليهم الستيلء‬
‫على ما تبقى في البلد من المراكز الحساسة‪ ,‬وعلى الخص بعد أن أصبحت الكثرية الساحقة في المجلس الشيوعي و مجلس الوزراء‬
‫منهم‪ ,‬وفي فترة قياسية أصبحوا يسيطرون على الدولة الجديدة برمتها‪ ,‬دون أي معارضة‪ .‬ومن ثم عمدوا إلى قمع كل حركة مناوئة لهم‬
‫بأقصى شدة حتى استتب لهم المر‪ .‬وتبوأوا مكان الصدارة في البلد الروسية‪ .‬ولقد قال عنهم فيما بعد قطب الثورة الروسية لينين‪ :‬بأن‬
‫الفئة اليهودية المثقفة هي ذخر المة في الملمات‪ ,‬ودرعها الواقي ‪ ,‬وهي الفئة الوحيدة القادرة على إدارة دفة الدولة والنهوض بالمة‪.‬‬
‫ولو أن هذه الفئة المختارة لم تثب في الوقت المناسب لما تحقق النصر للبلشفية أبدًا‪ .‬ولقد اشتهر تروتسكي بين الشخصيات اليهودية التي‬
‫عرفت بالسيطرة والنفوذ بعد سقوط القيصرية‪ ,‬وهو الذي أسس الجيش الحمر‪ .‬وكان يعتز به عندما كان صاحب المر و النهي ‪ ,‬ولما طرد‬
‫من روسيا ‪ ,‬تنكر لكل شيء‪ .‬ووصف هذا الجيش الذي كان في الماضي يتفاخر بكونه مؤسسه‪ ,‬بأنه مكون من قردة دون أذيال‪ .‬وإن ضباطه‬
‫مغرورون بالمعلومات الضئيلة التي ل تسمن ول تغني من جوع‪ ,‬وإنهم يتظاهرون بالرجولة مع أنهم أجبن من على الرض‪ ..‬وهكذا وبدون‬
‫خجل انقلب تروتسكي على الجيش الحمر الذي أسسه بنفسه‪ ,‬ونحن ل نستغرب هذا الموقف من تروتسكي لسبب بسيط وهو أنه من صميم‬
‫العنصر السرائيلي‪.‬‬
‫وعدا عن تروتسكي فقد اشتهر اللوف من اليهود بالسيطرة والنفوذ في روسيا‪ ,‬نذكر منهم ‪ :‬كامانيف روزينفيلد )‪ (Kamanef‬ودان‬
‫كورفيتش )‪ (Don Gourvitch‬وكانيتزكي فورستنبرغ ) ‪ (Ganéteskyi Furstenberg‬و إسرائيل لزاروفيتش )‪Israël‬‬
‫‪ (Lazarowich‬و بوهرين )‪ (Bohrin‬و مارتينوف )‪ (Martinoff‬وليتنفوف )‪.(Litvinoff‬‬
‫ساهموا جميعهم في إخضاع الشعب الروسي للمشيئة اليهودية بكل همجية وقسوة بحجة تطبيق النظام الجديد بينما كان غرضهم في الواقع‬
‫هو إرهاب الشعب الروسي‪ ,‬ومنعه من التصدي لتوسع نفوذهم‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫الدلة الدافعة لتحالف الرأسمالية اليهودية مع اليسار اليهودي المتطرف‬
‫عندما شاعت تفاصيل الثورة الروسية‪ ,‬استغرب الناس الشاعات والقوال التي كانت تشير إلى مساعدة الرأسمالية اليهودية للبلشفيك‪.‬‬
‫وكان أكثرهم يميل إلى تكذيبها رغم صدورها عن المخابرات المريكية الرسمية‪ ,‬حليفة اليهود‪ ,‬ورغم تصريحات شيف وأقطاب اليهودية‬
‫العالمية الواضحة و التي كان شيف و زملؤه يتبجحون فيها بمساعدتهم السافرة للبلشفية‪ .‬ولكن العالم بأسره وقف مبهور النفاس عندما‬
‫قرأ البرقية التي نشرتها مؤسسة الخبار الشعبية ) ‪ (Committee of Public Information‬في نشرتها الرسمية في مستهل عام‬
‫‪ ,1918‬وكانت البرقية المذكورة موجهة من فورستنبرغ )‪ (Furestenberg‬وكيل أعمال المالي اليهودي الكبير ماكس فاربورغ )‪Max‬‬
‫‪ (Warbourg‬إلى السيد رافائيل شولك هاباران )‪ (Raphël Scholak Haparan‬في أمريكا‪.‬‬
‫أما فحوى البرقية فكانت بالحرف الواحد‪ .‬كما يلي‪:‬‬
‫ستوكهولم ‪ 21‬أيلول سنة ‪ 1917‬إلى السيد رافائيل شولك هاباران‪ .‬رفيقي العزيز‪ ,‬تنفيذًا لنص البرقية المرسلة إلينا من النقابي المالي‬
‫فاستيفان رينلند )‪ (W .Rhinland‬يعلمكم مصرف ماكس فاربورغ وشركاه‪ ,‬بفتح العتماد اللزم لعمال الرفيق تروتسكي‪ -‬انتهى ‪.‬‬
‫توقيع مدير المصرف ي‪ .‬فورسيتنبرغ )‪. (Y. Furestenberg‬‬
‫وعلى إثر نشر هذه البرقية اقتنع الناس بما كانت تذيعه المخابرات المريكية‪ ,‬وعلى الخص بعد أن أذاع يعقوب شيف على صفحات‬
‫الجرائد بأنه وزملئه أثرياء اليهود والمصارف اليهودية وقفوا جميعًا مع الثورة الروسية وقدموا لها المال وما تحتاجه من الدعم لتنجح‪.‬‬
‫كما أن انتشار ترجمة البروتوكولت الصهيونية‪ ,‬والدعوة التي حركها اليهود على الصحافة السويسرية لنشرها تلك البروتوكولت والتي‬
‫خسرها اليهود وربحتها الصحافة السويسرية زادت يقين الناس باشتراك الرأسمالية اليهودية في إشعال نار الثورة‪.‬‬
‫ويبدو أن هولندة كانت أسبق الدول الوربية غير المهودة لكتشاف تحالف الرأسمالية مع البلشفية‪ ,‬وإدراك خطر اليهود‪ .‬ولهذا أمرت وزير‬
‫ل عن‬
‫خارجيتها السيد أودنديك بإعلم إنجلترا بتفاصيل المؤامرة اليهودية‪ .‬ولقد أرسل أودنديك )‪ (M. Oudendyke‬تقريرًا مفص ً‬
‫الموضوع إلى وزير الخارجية النجليزية قال فيه‪:‬‬
‫) إن أعتبر القضاء على الثورة الروسية أكثر أهمية للعالم من كسب الحرب الحالية‪ ,‬ولذا اقترح إيقاف الحرب حالً وتوجيه اهتمامنا جميعًا‬
‫إلى روسيا و القضاء على ثورتها‪ ,‬لن هذه الثورة إن تمكنت من ترسيخ جذورها في البلد الروسية فسوف تكون وباًل على العالم أجمع‪ ,‬ل‬
‫لكونها اشتراكية ول لنها روسية‪ ,‬بل لكونها يهودية خالصة‪ ,‬تسير من قبل اليهود‪ ,‬ووفق إرادتهم‪ .‬ونجاحها لن يكون إل لصالح اليهود‬
‫وحدهم وإذا قدر لهم السيطرة على الروس‪ ,‬فسوف يعملون على توسيع نفوذهم وتحقيق برامجهم‪ ,‬إن هؤلء اليهود الذين ل وطن لهم‬
‫يسعون منذ أقد العصور لتدمير الشعوب الخرى ليقيموا على أنقاضها مجدهم الذين يحلمون به‪ .‬فالحذار الحذار‪ ,‬ول تجنحوا إلى القول بأن‬
‫هذه الفئة القليلة العدد من اليهود لن تتمكن من السيطرة على روسيا العظيمة فكيف لها أن تتحكم في العالم بأسره‪ .‬أنتم أدرى من سواكم‬
‫بكيفية تحكم بضعة مئات من النجليز بالقارة الهندية منذ عدة أجيال رغم أن الهند تحوي على أكثر من ثلئمائة و خمسين مليونًا من‬
‫البشر‪.‬‬
‫ل على اليهود‪ ,‬ما هو ممكن للنجليز؟ لذا أرجوا أل تنكروا هذه الحقيقة الناصعة‪ ,‬وإن تتيقنوا من وجود الخطر اليهودي‬
‫فلماذا يكون مستحي ً‬
‫على العالم‪ ,‬وأخيرًا أكرر رجائي بأن تولوا الموضوع الهمية اللئقة به‪ ,‬وتعلمونا قراركم‪.‬‬
‫التوقيع‪ :‬أودنديك‬
‫والظاهر أن أودنديك كان يجهل هوية من أرسل إليه التقرير‪ .‬وإل لما أقدم على ذلك‪ ,‬لن وزير خارجية إنجلترا آنذاك لم يكون سوى بلفور )‬
‫‪ (Balfour‬اليهودي المعروف بتعصبه القومي‪ ).‬صاحب الوعد المشؤوم( وكان حتمًا على علم بما يعنيه اليهود أكثر من سواه‪ .‬عد عن‬
‫أنه كان على استعداد ليدمر العالم بأسره في سبيل تحقيق أصغر هدف يهودي‪ ,‬ولهذا تجاهل التقرير الهولندي‪ ,‬فثابرت بريطانيا على‬
‫الحرب‪ ,‬كما ثابر اليهود على إيقاد نار ثورتهم في روسيا‪ ,‬حتى حدث ما حدث‪.‬‬
‫وفي صدد تحالف الرأسمالية اليهودية مع اليسار اليهودي‪ ,‬ظهرت عدة مقالت في بعض الصحف الوربية بعد أن انكشفت ألعيب اليهود‪.‬‬
‫وكان أكثرها توفيقًا ودقة في البحث عن هذا الموضوع‪ ,‬مجلة المواطن النجليزية الحرة التي كتبت تقول‪) :‬بفضل الضواء التي ألقيت على‬
‫الحداث التي وقعت في روسيا‪ ,‬والتي كانت تكتنفها الغموض سابقًا‪ ,‬بدأنا نفهم سبب اللقاء الغريب بين الرأسمالية المجرمة و الثورة‬
‫الروسية البلشفية‪ ,‬وهي أن الرأسمالية اليهودية ظهر مجدها و تكونت ثرواتها على أعقاب الثورات والحروب ) بفضل قوة الستنتاج‬
‫المسبق لمصائر الثورات والحروب التي يمتلكها اليهود دون الناس أجمعين‪ ,‬ولما تتحلى به هذه الفئة المجرمة من قدرة التخمين الصحيح‬
‫لمئات الحداث ( (‬
‫ولذا فهي تضع المخططات القتصادية المضمونة العواقب‪ ,‬لتعتمدها إبان الثورات والحروب التي تنوي افتعالها‪ ,‬وبما أنها قد تمرست منذ‬
‫أجيال عديدة على تحقيق هذه النتائج‪ ,‬فإنها تؤمن إن الثورات والحروب هي الوسيلة الوحيدة لتضخيم ثرواتها التي تكتنزها لتحقيق‬
‫مشاريعها البعيدة المدى‪ ,‬ولهذا فهي على ثقة دائمة من نجاحها في أعقاب كل ثورة أو حرب تفتعلها‪ ,‬فلماذا تحجم إذًا عن افتعالها‪ .‬مع أنها‬
‫واثقة من أن الضرابات الجتماعية و الطبقية التي تخلق الضطرابات القتصادية والمالية‪ ,‬ومن ثم تؤول إلى فقدان الثقة في الستقرار‬
‫المالي‪ ,‬وتنتهي إلى هبوط قيمة النقد في البلد المضطرب فيعمد الناس إلى تهريب أموالهم إلى الخارج‪ ,‬حيث تكون الرأسمالية اليهودية لهم‬
‫ولموالهم بالمرصاد‪ .‬وتتلقف ما أخرجوه من المال بأبخس السعار التي تكون قد حددتها هي بنفسها باعتبار أنها المسيطرة على كافة‬
‫أسواق النقد في العالم‪.‬‬
‫ولهذه السباب فهي دائمًا وراء كل ثورة أو حرب أو اضطراب‪ .‬وهي أبدًا على استعداد لتنفق بسخاء على كل عمل أو مشروع من هذا‬
‫القبيل ) طبعًا بعد الدراسة العميقة( لنها تعمل مسبقًا ما سيدر عليها من المكاسب المالية والسياسية‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫والحرب العالمية الولي التي عمل اليهود بكل قواهم لشعال نارها‪,‬ما كانت لتقوم لم يكن لليهود فيها أكثر من غرض‪ .‬ومما ل شك فيه أن‬
‫غرضهم الول كان تضخيم ثرواتهم‪ ,‬والغرض الثاني تحقيق أهدافهم السياسية‪ ,‬وبما أنهم يلقون في البلد الديمقراطية المهترئة آذانًا‬
‫صاغية لكل ما يقولونه‪ ,‬فلم يجدوا صعوبة لزجها في تلك الحرب‪ ,‬التي حققت لهم كل ما كانوا يرجونه من المكاسب المادية والسياسية‪.‬‬
‫وهم أيضًا خلف الصراع القائم حاليًا بين البرجوازية وطبقة العمال‪ ,‬لنهم هم الذين يمولون الطبقة البرجوازية‪ ,‬مقابل فوائد خيالية‪ .‬فتضطر‬
‫البرجوازية العمياء إلى السعي خلف المكاسب غير المشروعة‪ ,‬لتتمكن من سداد ديونها لليهود وتأمين معيشتها‪ ,‬وفي سبيل ذلك تعتمد‬
‫البرجوازية إلى التقتير على العمال ورفع السعار‪ ,‬فيعجز العمال عن تأمين معيشتهم‪ ,‬وتصطدم طبقتهم بالطبقة البرجوازية المرغمة على‬
‫الظهور بمظهر الجشع‪ .‬فتتفاقم المور بين الطبقتين المنسوبتين للشعب الواحد‪ ,‬فيسارع عندها اليهود لذكاء نار الفتنة‪ ,‬عن طريق نشر‬
‫المبادئ المادية بين طبقة العمال بغية إحالتهم إلى قطيع مادي ل هم له إل قوت يومه ومعاداة بني قومه‪ ,‬ومن الناحية الثانية يوعز إلى‬
‫البرجوازية ) المرغمة على إطاعتهم بسبب ما لهم بذمتها( أن تظل على تعنتها‪ ,‬حتى يبقى الخلف والتفرقة سائدة‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن اليهود في البلد الديمقراطية يستثمرون البرجوازية و العمال معًا‪ .‬وعندما تتفاقم الحوال ينقضون على ما تبقى من الموال‬
‫في البلد‪ .‬ومن ثم يقفون في صفوف المتفرجين بانتظار الفرص الخرى‪.‬‬
‫أما أساليبهم في البلد الشتراكية تختلف تمامًا‪ ,‬فهم هناك دعاة عدالة‪ ,‬وحماة الطبقة الكادحة‪ ,‬وأعداء التمييز العنصري‪ ,‬وأنصار السلطات‬
‫القائمة‪ ,‬وكل ذلك بغية التسلل إلى الحكم والستيلء على مقاليد المور‪ ,‬وعندما يتوصلون إلى الحكم يعمدون إلى نشر المبادئ المناوئة‬
‫للمثل والتقاليد والديان‪ ,‬ليجعلوا من الشعب كتلة مهلهلة منحدرة نحو المادية المطلقة‪ .‬ومن ثم يبدأون بتروضيه عل الخضوع للنظمة‬
‫التي يستنبطونها بحجة تأمين المصلحة الجماعية‪ ,‬وحتى يصبح الشعب بأكمله طوع بنانهم‪ ,‬ولهم لهم سوى تنفيذ مآربهم‪ ,‬فعندما‬
‫يشرعون بنشر الدعوة لتحقيق الدولة العالمية الواحدة أمل النسانية ) على حد زعمهم( في إقرار السلم‪ .‬وكل ذلك بغية ما سوقه عندما‬
‫تدق الساعة إلى الميدان الذي اختاروه له ضمن مخططهم العام‪.‬‬
‫وألد أعداء اليهود هو النظام المقرون باحترام القومية والوطنية‪ ,‬سواء كان ديمقراطياً أو اشتراكيًا‪ ,‬لن البلد التي تطبق النظمة‬
‫الشتراكية المقرونة باحترام القومية والوطنية‪ ,‬تقطع عليهم طريق استثمار شعوبها‪ ,‬باعتبار أنها تنظم اقتصادياتها ضمن إطار المصلحة‬
‫القومية‪ ,‬ومن الناحية الثانية تحرمهم من التسلل إلى الحكم والسيطرة‪ ,‬لن أنظمتها تكون عادة منسجمة مع المفاهيم القومية والوطنية‬
‫التي ل تسمح للغراب بحكم البلد‪ .‬لذا فهم يحاربون أمثال هذه النظم والحكومات ويعملون كل ما بقدرتهم لتعطيلها‪.‬‬
‫وفيما يتعلق بتعاون الرأسمالية اليهودية مع البولشفيكية صدرت في أوربا عدة كتب تبحث كل منها مطولً عن الدلة والثباتات التي تدين‬
‫الرأسمالية اليهودية‪ ,‬فكان أشهرها كتاب السيد هنري بوزو )‪ ,(Hanri Pozzo‬الذي منع من التداول في كافة البلد الوربية لما كان فيه‬
‫من الحقائق المذهلة‪ ,‬ويذكر بوزو من هذه الحقائق‪ ,‬قضية البارون روتشيلد الذي كان يهرب مادة النيكل إلى ألمانيا‪ ,‬وذلك بشحنها من‬
‫مناجم )‪ (Calidoni‬كاليدوني إلى مرفأ برست )‪ (Brest‬الفرنسي و منه إلى ألمانيا‪ ,‬ويدلل على صحة ذلك باعتقال السلطات للباخرة‬
‫روفانديت )‪ (Reventidt‬التي كانت تخص روتشيلد‪ ,‬بينما كانت متجهة إلى ألمانيا‪ ,‬التي كانت في حروب مع دولة صاحب الباخرة أي مع‬
‫فرنسا‪.‬‬
‫كما يؤكد بوزو تدخل المليونير برفوس اليهودي لدى السلطات اللمانية‪ ,‬لتسهيل مرور الثوار اليهود إلى البلد الروسية‪ ,‬مع العلم أن‬
‫ألمانيا كانت تحارب الروس آنئذ على حدودهم‪ .‬ويعزو بوزو سماح المستشار اللماني لليهود بالمرور من بلده‪ ,‬إلى أنه ارتشى بمبالغ‬
‫طائلة دفعها له المليونير بارفوس )‪ (Parvus‬الذي جمع ثروته من عمليات تهريب الفحم الدانماركي إلى البلد العدوة‪ .‬وفي كتاب بوزو‬
‫) المجرمون ( مئات الثباتات لتحالف الرأسمالية اليهودية مع اليسار اليهودي‪ ,‬وكلها معروفة الن في جميع أقطار أوربا‪ .‬ولهذا لم تعد‬
‫المسألة سرية ولم يعد حولها أي جدال أو نقاش‪ .‬وخصوصًا بعد أن اعترفت الرأسمالية نفسها بهذا التحالف‪.‬‬
‫) اليهود والنظام الشيوعي(‬
‫أو السهم المرتد‬
‫أنا أعشق التوزيع و أعبد الشتراكية وأرحب بالنظام الشيوعي أجمل ترحيب شريطة أن ل يأتي اليهود به وأن ل يكونوا رواده‬
‫والمسؤولين عنه أما إذا كانوا هم دعاته ورواده فلن ول أقبل به قطعًا لنهم وعدونا في الماضي بتحقيق المساواة والخوة وعاهدونا على‬
‫اقتسام الخيرات في بلدنا فصدقناهم وسرنا في ركابهم إلى أن استتب المر لهم وعندها تنكروا لنا وتركونا نتضور جوعًا ولذا لم نعد نثق‬
‫بهم‪.‬‬
‫أما هتلر فلم يعدنا بشيء وصارحنا القوم من البداية وأفهمنا أن الحق هو القوة ومع ما في قوله من المرارة فضلناه على الوعود اليهودية‬
‫الخادعة لنه حدد لنا مواطئ أقدامنا في ظل نظامه ولم يسلك معنا الغش والخداع مثل اليهود‪.‬‬
‫من كتاب ترهات لحداث مذبحة )هنري بوزو (‬
‫‪(Bagatelles pour une massacre ( Hanri-Pozzo‬‬
‫بعد أن نجحت الثورة الروسية ‪ ,‬بادرت الصحافة اليهودية في العالم‪ ,‬إلى حملة دعائية واسعة‪ ,‬وراحت تشيد بالنظام الجديد‪ ,‬ومكاسبه‬
‫الشعبية‪ ,‬وتشنع بالعهد البائد‪ ,‬وتروي ألوف القصص عن مظالمه‪ ,‬وكان الناس يصدقون ما يقرؤونه‪ ,‬لما كانوا يعرفوه عن مساوئ العهد‬
‫القيصري‪ ,‬وما سمعوا وقرأوا عن إنسانية النظام الشتراكي‪ ,‬وتعلقه بالعدالة الجتماعية‪ ,‬والحياة الفضل‪ ,‬ولكن الحقيقة التي سادت روسيا‬
‫في بداية العهد البلشفي كانت غير ما زعمته الصحافة اليهودية‪ ,‬التي كانت تروم تمويه ما كان يجري في روسيا على أيدي زبانية‬
‫الصهيونية الذين تنكروا كالعادة لمن سار خلفهم وأوصلهم إلى مراكز المر والنهي‪ ,‬فصبوا جام غضبهم على الشعب الروسي الذي وثق‬
‫بهم ‪ ,‬وناضل معهم حتى أطاح بالقيصرية‪ ,‬وراحوا ينتقمون منه‪ ,‬بعد أن سخروه للثأر من الطبقة الرستقراطية والكنيسة‪ ,‬فطبقوا عليه‬
‫قوانين أشد قساوة من القوانين القيصرية‪ ,‬وأبعد ما تكون عل مفهوم الشيوعية والنسانية‪ ,‬وذلك ليرهبوه نهائيًا‪ ,‬حتى ل يعترض طريق‬
‫أهدافهم العنصرية التي خططوا لها منذ أمد بعيد‪ ,‬وللتغرير بالروس و منعهم من المجابهة راحوا يلوحون لهم بقصة الدولة العالمية‬
‫الموحدة في ظل النظام السوفييتي‪ ,‬حتى يطمعوهم في عظمة المستقبل الذي يهيؤه لهم‪ ,‬بينما في الواقع كانوا يتوخون من قسوتهم‬
‫وأضاليلهم‪ ,‬وإخضاع الشعب‪ ,‬كي يسخروه لتحقيق الدولة العالمية الموحدة في ظل الصهيونية العالمية‪ ,‬التي يعملون لها منذ أكثر من‬
‫عشرين قرنًا‪ ,‬وهذه الغاية التي وحدت صفوفهم في مؤتمر بال‪ ,‬وجعلت كل يهودي‪ ,‬يرتبط بالقيادة الصهيونية مهما كانت نزعنه وميوله‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫ولهذا أوعزت الرأسمالية اليهودية إلى صحافتها‪ ,‬أن تعمد إلى التطبيل والتزمير مثلما ذكرنا بغية إيهام الناس بأن المور في روسيا تسير‬
‫وفق النظريات الشتراكية النسانية‪ ,‬بينما كان الشعب الروسي يتعرض بجميع طبقاته وأفراده دون تمييز أو تفريق لبشع العمليات‬
‫النتقامية‪ ,‬وأقسى أساليب التنكيل و التعذيب‪ ,‬على أيدي اليهود الذين كانوا يعتبرون كل من ل يرضخ لرادتهم من أعداء الثورة‪ ,‬مهما كان‬
‫عريقًا في ثوريته‪ ,‬ومهما كان قديمًا في مناوئة القيصر والتعسف‪ .‬ولهذا كان كل روسي معرضًا للخطر طالما يأبى العبودية السرائيلية‪.‬‬
‫ومن جراء هذه الفلسفة اليهودية المستمدة من حقد اليهود السود‪ ,‬سقط مئات اللوف من الرؤوس البريئة‪ ,‬وعلى الخص بعد أن قضي‬
‫على العائلة المالكة وأنصارها‪ ,‬وكان بين الضحايا ألوف العمال وصغار التجار والفلحون‪ ,‬الذين ناضلوا منذ عهد كاترينا )‪La Grande‬‬
‫‪ (Catherine‬ضد الطغيان والتعسف‪ .‬ومع كل هذا لم ينلهم في مستهل الثورة إل القتل والتنكيل وحتى صغار الرهبان أمثال القس كابون )‬
‫‪ ,(Gabone‬الذي كان أول من أعلن الضراب على رأس خمسة وعشرين ألف عامل عام ‪ 1905‬وتعرض مع رجاله للمذبحة الرهيبة التي‬
‫وقعت في ‪ 22‬كانون الثاني التي مازال الناس يذكرونها‪ .‬هم أيضًا لم ينجوا من الطغيان اليهودي‪.‬‬
‫نحن ل ننكر أن البلد الروسية كانت بحاجة للعدالة الجتماعية‪ ,‬وإن الشعب الروسي كان منذ عدة أجيال عديدة يرزح تحت نير عبودية فئة‬
‫ضالة ل ترضخ للحق والمنطق‪ ,‬وإنه كان يتعجل الخلص منها ومن العائلة المالكة الغبية‪ ,‬فكان من البديهي أن يقضي عليهما بمجرد أن‬
‫سنحت له الظروف بذلك‪.‬‬
‫ل نفس المصير السود في ظل العهود القيصرية‪ ,‬وناضلت معًا للتخلص منها‪ ,‬إلى‬
‫أما أن تعمد مختلف الطبقات الكادحة التي لقت طوي ً‬
‫القتتال فيما بينها بمجرد قيام الثورة وأن تترك لليهود ) الذين ساهموا في امتصاص دمائها في العهود المظلمة( دون أن تمس أحدًا منهم‬
‫بسوء فل يسعنا إل أن نعللها بأن الزعامة اليهودية هي التي حمت أبناء شعبها‪ ,‬بينما كانت تحرض بأساليبها المعهودة أفرد طبقات الشعب‬
‫الروسي على القتتال لتتأصل العداوة بينهم‪ ,‬وتحول دون وحدة كلمتهم‪ ,‬حتى ل ينزع في المستقبل أحد منهم إلى التفكير بالتخلص من‬
‫سيطرتهم‪ .‬ولهذه السباب كان اليهود و أنصارهم يختلقون التهم ويلصقونها بالفئات التي يشتبهون بإخلصها للزعامة اليهودية‪ ,‬ثم‬
‫ينقضون عليها‪ ,‬دون أن يعترضهم أحد من أعضاء المجلس السوفييتي الذي كانوا يسيطرون عليه‪ ,‬ولذلك كانوا يفعلون في البلد الروسية‬
‫ما يحلو لهم‪ ,‬فيحمون من شاؤوا‪ ,‬ويذلون خصومهم بكل حرية وأمان‪ .‬وفي الوقت نفسه كانوا يتعاونون مع زعمائهم من الرأسمالية‬
‫والماسون في الغرب‪ ,‬وينفذون كل تعليمات شيف و عصابته المجرمة‪ ,‬وهذه السيطرة اليهودية التامة دامت عدة أعوام ذاق فيها الشعب‬
‫الروسي أمر أنواع العذاب‪ .‬فالنساء الروسيات التي كن يحلمن منذ أجيال بساعة الخلص من آل رومانوف‪ ,‬وليركن وأفراد عائلتهن إلى‬
‫العمل والسلم‪ .‬أصبن بأعظم خيبة أمل في هذه الثورة التي كانت حلمهن‪ .‬وذلك من جراء تنكيل اليهودي بأفراد أكواخهن‪ .‬ولكن لم يكن لهن‬
‫في المر حيلة سوى الصبر والنتظار‪.‬‬
‫وتفاصيل الحوادث التي وقعت في روسيا تشير أكثرها بأصابع التهام إلى اليهود و تدمغهم بالحقد و الجرام‪ .‬ولكن الناس حينها لم يكونوا‬
‫ليجرؤا‪ ,‬على التصريح بذلك‪ .‬إذ كان الرعب مسيطرًا على الجميع لن اليهود استعملوا كافة الساليب الرهابية و على الخص علم النفس‬
‫الذي سخروه للتأثير على أعضاء المجلس العلى‪ .‬فكم شهدت قاعات الكرملين المجرم تروتسكي يثور فيها ويعربد ويهدد رفاقه في‬
‫المجلس‪ ,‬ويؤكد لهم تطرفه في خدمة الثورة والشعب الروسي ) كبش الفداء (‪ ,‬وكم من مرة رآه الناس وهو يخرج منتصرُا على العضاء‬
‫الذين كانوا يطالبونه بمعاملة المواطنين البرياء بقليل من الرحمة والشفقة‪ ,‬وكم من مرة سمعه الناس وهو يرفع عقيرته صائحًا بزملئه‪.‬‬
‫ل إن الدواء الوحيد للتخلص من البرجوازية هو الشدة والقسوة‪ .‬وإن الوسيلة الفريدة لستئصال جذورها هي ذبحها وإفناؤها‪ .‬وإن‬
‫وقائ ً‬
‫الرحمة والشفقة فيها سوف تهيأ لها ظروف التصال مع البرجوازية الغربية و التحالف معها‪ .‬ومن ثم انقضاضها علينا وعلى ثورتنا‪,‬‬
‫ولهذا يجب إفناؤها ‪ ,‬وإن من ل يؤمن منكم بنظريتي هذه‪ ,‬فهو إما فاقد العقل والبصر‪ .‬وإما مخادع خائن يجب إعدامه حاًل‪.‬‬
‫وهذه القوال المقرونة بالتهديد التي كانت تصدر عن الزعيم تروتسكي كانت تزرع الخوف والرعب في قلوب مستمعيه‪ ,‬إذ أن كلمة واحدة‬
‫ضد الثورة كانت تكفي للقضاء على قائلها مهما كانت له من الخدمات للثورة‪ .‬ولذا كان الناس يفضلون السكوت وعدم العتراض‬
‫لتروتسكي وزمرته الحاقدة‪ .‬وكان اليهود أمثال سفيورلوف وبوركوفينش يستعملون لهجة رئيسهم تروتسكي ويرددون أقواله‪ ,‬ليرهبوا بها‬
‫الناس‪ ,‬وكأنها من صميم أقوال موسى‪.‬‬
‫ولكن القدر أبى إل أن يظهر تروتسكي وشلته على حقيقتهم‪ ,‬وانكشفت خيانتهم واتصالهم بالغرب وتآمرهم على الشعب الروسي وتواطئهم‬
‫من الرأسمالية اليهودية‪ ,‬فسارعت الحكومة السوفييتية إلى الحد من سيطرتهم‪ .‬فهرب تروتسكي من البلد وأبعد زينوفيف )‪(Zénoviv‬‬
‫سلنسكي عن الحكم‪ ,‬وأحيلوا جميعًا إلى القضاء‪ .‬وطهرت أجهزة الجيكا )‪ (G.P.U‬من المشتبه بهم‪ ,‬واعتقل رئيسها يوكودا )‪(Yogoda‬‬
‫و أودع إحدى الزنزانات حيث قضى نحبه غير مأسوف عليه‪.‬‬
‫وعلى إثر ذلك عمد اليهود على القلل من غلوائهم حتى ل ينكشف أمر من بقي منهم في مراكز الجاه والسلطان‪ .‬ولكي يخفوا عن الشعب‬
‫مآربهم الدنيئة‪ ,‬سارع أدباؤهم وكتابهم إلى شن الحملة على تروتسكي وزملئه‪ ,‬وصبوا عليه جام غضبهم ليوهموا الناس أنهم وحدهم‬
‫الخونة بين أفراد الشعب المختار‪ .‬فصدقهم الشعب الروسي الطيب القلب‪ ,‬وعادت المياه إلى مجاريها بالنسبة لليهود‪ .‬ولما تيقنوا أن‬
‫الروس نسوا تروتسكي وزمرته الخائنة‪ ,‬عادوا من جديد يصبون غضبهم على الشعب الروسي ‪ ,‬فقام حاييم آبتر ) ‪(Haime Apeter‬‬
‫المدير العام للسجون السوفييتية و معاونه اليهودي ماندل بيرمان )‪ (Mandel Bermann‬و رجال السجون من اليهود يشددون على‬
‫المعتقلين الروس ويسومونهم سوء العذاب ويحرمونهم من الغذاء‪ ,‬انتقامًا لتروتسكي و عصابته‪.‬‬
‫حتى مات المليين من المعتقلين دون أي ذنب‪ ,‬اللهم إل كونهم أبناء قوم اكتشف خيانة تروتسكي‪ .‬ومن الناحية الثانية هب بريا )‪(Beria‬‬
‫الذي عين بدًل من يوكودا يوسع نشاطه البوليسي‪ ,‬ويعتقل البرياء من الفلحين والعمال بحجة مناوئتهم للنظام الجديد‪ ,‬ويقتل المعتقلين في‬
‫أعماق السجون‪ ,‬دون أن يشعر به أحد‪ .‬مثل الجنرال كوتييبوف )‪ (Koutiépoff‬الذي اختطف وقتل جزاء انتقاده لتروتسكي‪ .‬وهكذا عاد‬
‫اليهود من جديد إلى مسرح أعمال القتل و الذبح بدافع عنصريتهم المتطرفة‪ .‬ولقد دامت هذه الحوال حتى عام ‪ 1940‬وعندما تحالف‬
‫ستالين مع ألمانيا‪ ,‬بادر إلى تطهير أجهزة الدولة الحساسة من اليهود ليس لرضاء اللمان فحسب بل لن الوساط الشيوعية الروسية‬
‫كانت قد أيقنت من خيانة اليهود وجنوحهم إلى العنصرية المتطرفة‪ .‬واكتشفت تعاملهم مع الغرب‪ .‬ولذا أبعد موسى كاكانوفيتش )‪Lazar-‬‬
‫‪ (Moise Kaganovich‬عن المانة العامة للحزب الشيوعي‪ .‬وميشيل موسى كاكانوفيتش )‪ (Michel‬عن عضوية الجمعية العمومية‪,‬‬
‫وجول موسى كاكانوفيتش )‪ (Jules‬عن أمانة سر الحزب في منطقة كوركي )‪ (Corki‬و هارون موسى كاكانوفيتش عن عضوية الحزب‬
‫في كييف )‪ ,(Haron‬ورزائي كاكانوفيتش )‪ (Rosai‬عن رئاسة الصليب الحمر الروسي‪ .‬و س م كاكانوفيتش عن مديرية صناعة‬
‫النسيج‪ .‬و ب م كاكانوفيتش عن مديرية تموين الجيش الحمر وقيادة الشرطة الداخلية‪ .‬كما أبعد مئات الخرين من اليهود عن المراكز‬
‫الحكومية الهامة‪ .‬ولكن مع كل هذا ظل ألوف اليهود متغلغلين في أجهزة الدولة و من خلل هذه التسريحات التي شملت العشرات من أفراد‬

‫‪64‬‬

‫عائلة يهودية واحدة يتضح للقارئ الكريم مدى ما كان عليه التغلغل اليهودي في الدولة و مدى سيطرتهم على الشعب الروسي‪ ,‬مع العلم‬
‫أن كل واحد من هؤلء كان يحتل أكثر من وظيفة هامة في الدولة الروسية‪ .‬ولقد أسفرت هذه التسريحات عن إطلق ألسنة الناس‪ .‬وبدأ‬
‫الشعب يستيقظ من غفلته التي دامت قرابة ربع قرن‪ .‬ويطالب بصورة لبقة أن تضع الدولة حدًا للسيطرة اليهودية التي طال أمدها‪ ,‬وصار‬
‫الناس يسمعون النتقادات الموجهة لستالين لعتماده على أمثال مرافقه اليهودي الكولونيل يعقوب روبيور )‪(Jacob Ropport‬‬
‫وليتيفينوف )‪ (Litivinov‬اليهودي الذي كان يشغل منصب وزير خارجية البلد‪ ,‬هذا اليهودي الوضيع الذي اعتقل عدة مرات في باريس‬
‫لرتكابه جرائم السرقة والجرائم المخلة بالداب العامة‪ ,‬ولم يشترك قط في النضال الثوري وكل ميزاته ولم تكن سوى إتقانه لساليب‬
‫التزلف والخداع‪ .‬وهذه النتقادات كانت وليدة اليقظة القومية في صفوف الشعب الروسي‪ .‬فشعر اليهود بخطرها‪ .‬وراحوا يعملون لدى‬
‫ستالين ليحد من شيوعها‪ .‬ولقد تمكنوا من إقناعه على إصدار قوانين جازمة لردع من يمس باليهود‪ .‬وعلى إثر ذلك عادت الطمأنينة لقلوب‬
‫اليهود وثابروا على مؤامراتهم الحفية‪ .‬وقرروا التخلص من ستالين بعد أن أيقنوا أنه لم يعد يثق بهم كالسابق‪ .‬وإذ بالعالم يفاجأ بموت‬
‫ستالين دون سابق إنذار وبنفس الداء والصورة التي مات عليها الزعيم لينين ‪ .‬هكذا قضى اليهود على ستالين‪ ,‬ولم تشفع له كل الخدمات‬
‫التي قدمها لهم في غضون خمسة وعشرين عامًا من سني رئاسته للدولة‪ ,‬أما السبب الساسي لغتياله لم يكن سوى عمليات التطهير التي‬
‫قام بها عام ‪.1940‬‬
‫ولما اكتشفت السلطات الروسية سر مقتل ستالين‪ ,‬أمرت باعتقال جميع اليهود الذين اشتركوا بالجريمة‪ ,‬وأحالتهم إلى القضاء‪ .‬وهنا انبرت‬
‫الصحافة اليهودية العالمية مرة أخرى لتدافع عن اليهود المعتقلين وتدس أنفها في شؤون روسيا الداخلية‪ .‬وكانت حملتها هذه أشد‬
‫الحملت قاطبة‪ ,‬فانهالت على الروس تتهمهم بالظلم والتعسف واضطهاد اليهود الفقراء! ‪ ,‬وتطالب مالنكوف بالفراج عنهم‪ ,‬وتصفهم‬
‫بالمتهمين البرياء‪ ,‬وتكيل للشعب الروسي الشتائم والسباب‪ ,‬وتصف النظام السوفييتي بالفساد‪ .‬ولقد دامت هذه الحملة اليهودية الشعواء‬
‫عدة أسابيع دون هوادة بينما كان الضغط اليهودي في الداخل يشتد على مالنكوف يوماً بعد يوم‪ ,‬حتى استسلم مالكنوف وأفرج عن القتلة‬
‫اليهود‪ ,‬فانتصر اليهود مرة أخرى‪ ,‬رغم كل التسريحات و التطهيرات الستالينية‪ ,‬التي كانت في الواقع تسريحات جزئية ليس لها تأثير كبير‬
‫على النفوذ اليهودي الذي كان شبه عام شامل‪ ,‬وللتدليل على قوة اليهود يذكرنا هيبس بأنهم كانوا حتى أواخر عام ‪ 1954‬مسيطرين على‬
‫أكثر المرافق الحساسة في الدولة السوفيتية‪ ,‬ويدعم ذلك بالسماء والرقام‪ .‬ويقول إن عدد مفوضي الشعب من اليهود عام ‪ 1954‬كان‬
‫يربو على أربعة عشر مفوضًا‪ .‬ويعدد أسماؤهم ووظائفهم كما يلي ‪:‬‬
‫لوسوفيسكي )‪ (Losowsky‬مفوض شعب ووكيل وزارة الخارجية بيريا )‪ (Beria‬مفوض شعب‪ ,‬والوكيل الثاني للخارجية‪ ,‬جيكشوك )‬
‫‪ (Tchikchuk‬مفوض شعب و الوكيل الثالث لوزارة الخارجية‪ ,‬ويزر ) ‪ (Weizer‬مفوض شعب‪ ,‬جوكولوف )‪ (Jokowlov‬مفوض‬
‫شعب‪ ,‬روشينوفيج )‪ (Ruchinowichs‬مفوض شعب ‪ ,‬بارنام )‪ (Barnamme‬مفوض شعب‪ ,‬كيزبورغ )‪ (Guizburg‬ميشلي )‬
‫‪ (Michilis‬ليفين )‪ (Levine‬كارفال )‪ , (Karawal‬روزنهولز )‪ (Rosenholz‬السيدة شملياشكا )‪ (Semliachka‬و جميعهم من‬
‫الذين كانوا يشرفون على مختلف وزارات الدولة‪.‬‬
‫وفي بحثه عن الصحافة الروسية آنذاك يقول إن أكثر المشرفين عليها كانوا من اليهود أمثال ثال )‪ (Thal‬و منكس )‪ (Menkes‬و نيلفر )‬
‫‪ (Nilvir‬الذين كانوا يحررون جريدة اسفيستيا )‪ (Iswestia‬و ميشلي )‪ (Michilis‬وجلفان )‪ (Gelfand‬وأولجين )‪ (Olgin‬الذين‬
‫يشرفون على تحرير البرافدا‪.‬‬
‫كما أن السلك الخارجي السوفييتي كان يضم عددًا من اليهود أمثال ماليسكي الياس ستمان )‪ (Maliski Alias Steimann‬السفير‬
‫الروسي في بريطانيا‪ .‬وستين )‪ (Stein‬السفير الروسي في إيطاليا‪ ,‬وجيكي )‪ (Gaikis‬السفير الروسي في إسبانيا‪ ,‬هذا عدا ما كان لليهود‬
‫من العناصر المتنفذة في أجهزة الدولة الخرى كالشرطة والجيش وأجهزة الستخبارات و الدعاية و العلم‪.‬‬
‫أما الميادين الثقافية التوجيهية فكانت تخضع تقريبًا بكليتها لكتاب اليهود ولقد اشتهر منهم كل من روزمبلت )‪ (Rosemblatte‬و إليا‬
‫اهرمبورغ )‪ (E. Ehremburg‬و سيكولوفيتش )‪ (Segolowich‬و كولزوف )‪ (Kolzow‬وفريلدند )‪ (Freidland‬و بورودين )‬
‫‪ (Borodin‬و ماندلسون )‪ (Mandelson‬و مئات الخرين‪.‬‬
‫وهذا العدد الهائل من اليهود المتربعين على كراسي الحكم‪ ,‬كان بكل تأكيد قادرًا على التأثير على مالنكوف أو سواه ليغير رأيه‪ ,‬وهذه‬
‫الزمرة اليهودية هي التي أرغمت السلطات الروسية للوقوف بجانب إسرائيل‪ ,‬عندما أثيرت قضية فلسطين العربية‪ ,‬وهي نفسها دفعت‬
‫ببعض الدول الشتراكية لمؤازرة عصابة بن غوريون عام ‪ . 1948‬إذ كان الكتاب اليهود يكتبون المقالت المثيرة عن العرب ويختلقون‬
‫سيلً من الكاذيب لتضليل الجماهير الشتراكية وجعلها معادية للعرب والعروبة‪ .‬ومن ثم يمتدحون اليهود ويشيدون بما كانا لهم من‬
‫الفضائل المزعومة على الشعوب الشتراكية‪ .‬ويكيلون المديح والثناء في الوقت نفسه على الحكومات الشتراكية وزعمائها‪ ,‬ليوهمهم‬
‫بصداقة اليهود البدية لهم‪ .‬وبفضل هذا التدجيل غرروا بهم وساقوهم خلف مقاصدهم وأهوائهم‪ .‬ولكن لكل أمر نهايته‪ ,‬فبعد أن ظهرت‬
‫إسرائيل المجرمة انكشف أمر اليهود في روسيا‪ ,‬ولم تعد أكاذيبهم تنطلي على أحد‪ .‬وعلى الخص عندما أظهروا تحيزهم السافر لدويلتهم‬
‫وبدأوا يعلنون تفضيلهم لها على كل ما عداها‪ ,‬واستيقظ الزعماء الروس من غفلتهم وبادروا إلى وضع حد للشطط اليهودي وقرروا إخراج‬
‫أمتهم من شبكة الضاليل اليهودية ‪,‬فعمدت الدولة إلى إحداث هيئات التوجيه القومي‪ ,‬وأوضحت أهدافها بما يلي‪:‬‬
‫العمل على تقوية المبادئ الشتراكية ‪ -2‬توضيح السياسة الداخلية والخارجية لفراد الشعب ‪ -3‬إيقاظ الشعور‬
‫‪-1‬‬
‫القومي والوطني في صفوف الشعب ‪ -4‬تزويد الشعب بالمصادر العلمية والثقافية الصحيحة ‪ -5‬مكافحة النظريات المناوئة‬
‫للدولة و لمبادئها العلمية ‪ -6‬نبذ الفكار الجنبية‪.‬‬
‫ولما بدأت هذه الهيئة بنشر تعاليمها الجديدة ارتاع اليهود من عواقبها‪ ,‬وأوعزوا إلى صحافتهم في الداخل والخارج للتشنيع بهذه الهيئة‬
‫ل التخلص من هذه الطغمة الخادعة‪ .‬فبادرت إلى إبعاد ليتفنوف‬
‫وتعاليمها‪ ,‬ولكن الدولة السوفييتية كانت هذه المرة قد قررت فع ً‬
‫ولوزوفسكي و مالسكي من وزارة الخارجية‪ ,‬فحاول اليهود أن يردوا على الدولة بإثارة الشغب والقلقل في أوكرانيا‪ .‬فلم يتجاوب الشعب‬
‫ل‪ ,‬فتدخلت‬
‫معهم بل بالعكس ارتد عليهم بعد أن شعر بتخلي الدولة عنهم‪ ,‬وأعمل مخالبه في أعناق اليهود الوكرانيين الذين أذلوه طوي َ‬
‫الحكومة بالمر وأجلت اليهود من المنطقة الوكرانية إلى منطقة بيروبيجان )‪ (Birobijan‬اليهودية وهنا كانت الطامة الكبرى بالنسبة‬
‫لليهود‪ ,‬فقامت صحافتهم في الغرب وشرعت تطالب الدول الغربية في التدخل بالشؤون السوفييتية ‪ ,‬وإنقاذ اليهود من جحيمها‪ ,‬وتحركت‬
‫أقلمهم في الداخل تطالب الدولة بوقف تعسفها‪ ,‬فردت السلطة على هذا التحدي بإغلق الصحف اليهودية مثل صحيفة بريستيرف )‬
‫‪ (Brestifgff‬والتيكيت )‪ (Etiquette‬وسواهما‪ .‬و منعت المطبوعات اليهودي الخاصة من النتشار في البلد الروسية‪ ,‬وهذه الصفعة‬
‫الخيرة أطارت صواب الصحافة اليهودية والحافل الماسونية فاندلعت جميعها‪ ,‬تنادي بالويل والثبور وعظائم المور‪ .‬فصارت كل صحيفة‬

‫‪65‬‬

‫بالغرب ل هم لها إل التشنيع بالنظام السوفييتي و شتم الشعب الروسي‪ ,‬وتحريض الناس على الشيوعية والشيوعيين‪ .‬وذهب بعضها‬
‫للتهديد والوعيد مثل صحيفة حصن الحراس )‪ (La tour de Garde‬الفرنسية المهودة التي سبق لها أن شتمت السيد ستولبين )‬
‫‪ (Stolpine‬و نعتته بالنازي العريق و الخائن الحقير و طلبت من السلطات الفرنسية إخراجه من البلد لنه تجرأ وقال إن التطهير الجزئي‬
‫الذي أجراه ستالين عام ‪ 1940‬لن ينقذ الروس من براثن الشعب المختار‪ .‬ومهما أحاط ستالين هذه التطهير بمظاهر الهمية فل يؤثر بتاتًا‬
‫على السيطرة اليهودية‪ ,‬وسيظل اليهود قابضين على دفة المور بقوة وصلبة‪ ,‬ولن يتمكن ستالين أو سواه من دحرهم‪ ,‬خاصة بعد أن‬
‫أصبحوا سادة البلد بكل معنى الكلمة‪ ,‬وإذ قدر للروس يومًا أن يفكروا في التخلص منهم‪ ,‬فعندها لن يتورع اليهود من ضرب روسيا و‬
‫محوها من الوجود‪ .‬والواقع إن اليهود أخرجوا البلد عن طابعها الروسي‪ ,‬وجعلوا منها دولة يهودية صرفة يسيطرون على كل شيء فيها‪.‬‬
‫والذين ينكرون هذه الحقيقة فهم ل شك ل يفقهون‪.‬‬
‫وإذ هذه الصحيفة بالذات تكتب في عددها الذي صدر في ‪ 15‬تشرين الثاني سنة ‪ 1951‬افتتاحية طويلة تشتم فيها الروس والشيوعية‬
‫مطوًل و من ثم تشفعها بالتهديدات فتقول‪:‬‬
‫ل أيها الخوة ) مخاطبًا اليهود( وليعلم هؤلء الروس الكفار إن نبوءة دانيال سوف تتحقق‪ ,‬وإن الرب سوف يقيم مملكته البدية التي‬
‫مه ً‬
‫ستحطم جميع الممالك والدول‪ ,‬وتبقى وحدها على أنقاض تلك الدول‪ ,‬ولن تؤخر قيامها قوى الرض قاطبًة‪ .‬فعندها سنتبوأ عرش الدنيا‪.‬‬
‫واعلموا أن ساعة تتحقق النبوءة أصبحت قريبة جدًا‪ ,‬وسنخرج من هذه اليام الحالكة بالنصر المبين‪ ,‬وسوف يظهر مسيحنا الذي سننضم‬
‫إلى لوائه ‪ ,‬وسنخوض معًا معركة النصر النهائية‪ ,‬وسننتصر دون شك بفضل أبطالنا التقياء مهما كانت قوة أعدائنا‪ ,‬وعند ذلك سنفرض‬
‫إرادتنا على العالم أجمع‪ ,‬نحن ل نطالب اليوم أحدًا بإنصافنا‪ ,‬رغم كل ما يكال لنا من التهامات و الضربات لننا واثقون بأن الحق البلج‬
‫سيكون قريبًا بجانبنا‪ ,‬وسنكافأ على الجهود التي نبذلها لقامة مملكة الرب التي ستدمر مملكة اللحاد والكفر الشيوعية والدول الديمقراطية‬
‫العفنة‪ .‬وعند ذلك سنقيم دولتنا العالمية الواحدة تنفيذًا لرادة السماء‪ ,‬ونحن نعلن بكل صراحة وإخلص قرب قيام دولتنا‪ ,‬ننذر أعدائنا بأنه‬
‫ليس في العالم من يمكنه الحيلولة دون تحقيق نصرنا الكيد‪.‬‬
‫وهكذا بدأت الصحافة اليهودية لهجتها‪ ,‬ولم تعد ترى غضاضة في شتم السوفييت‪ ,‬وسب الروس‪,‬و لعن الشيوعية‪ ,‬بعد أن كانت تقيم الدنيا‬
‫و تقعدها على من يجرؤ على المس بالشيوعية‪ ,‬وكل ذلك لن الروس طلبوا من اليهود أن يخففوا من غلوائهم وأن يكفوا عن الساءة لهم‪.‬‬
‫ولنهم أبعدوا السارقين والقتلة منهم عن مراكز النفوذ والسلطان‪ ,‬ومنعوا صحفهم القذرة عام ‪ 1950‬عن الصدور وتسميم أفكار الشعب‬
‫الروسي الساذج الطيب‪.‬‬
‫ولما شعر اليهود أن صحافتهم لم تعد قادرة على التأثير في توجيه سياسة الدولة الروسية‪ ,‬عمدوا إلى التآمر على قلب نظام الحكم في بلد‬
‫السوفييت وتنادوا عام ‪ 1951‬ليعقدوا مؤتمرًا عامًا مع الروس البيض في مدينة شتوتغارت اللمانية‪ ,‬ولكن بعد عدة جلسات انفرط عقدهم‬
‫دون أن يعثروا على الوسيلة المؤدية لغراضهم‪ ,‬والمر الذي لفت انتباه العالم في هذا المؤتمر‪ .‬هو ظهور اليهودي كيرنسكي بين أعضائه‬
‫‪ ,‬هذا هو نفسه الذي تآمر عام ‪ 1918‬على الدولة الروسية مع تروتسكي و سلمه الحكم وفر هاربًا وكأنه معصوم عن الخيانة‪ ,‬وظل أكثر‬
‫من ثلثين عامًا دون أن ينبس بكلمة واحدة ضد السوفييت‪ ,‬ولكن عندما تدهورت أحوال أبناء قومه في روسيا سارع إلى النضمام للزمرة‬
‫الحاقدة ليعمل معها على الطاحة بالدولة الروسية مثلما عمل في صباه على الطاحة بالقيصرية‪ ,‬ولكن غاب عن بال هذا الخرف بأن‬
‫الروس لم يعودوا كالمس‪ ,‬وأنهم عرفوا اليهود على حقيقتهم وإن أكاذيبهم لك تعد تنطلي عليهم‪ .‬وإنهم قرروا‪ ,‬العمل بقول و رأي هنري‬
‫بوزو مؤلف كتاب ) ترهات لحداث مذبحة ( و اختاروا الشيوعية دون اليهود‪ ,‬والشتراكية دون الطغمة الحاقدة‪.‬‬
‫وفي أعقاب فشل مؤتمر شتوتغارت أيقن اليهود أن دورهم في بلد السوفييت قد انتهى وأن حلمهم في خلود سلطتهم على الروس قد‬
‫تبخر‪ .‬وإن آمالهم في تسخير الشعب الروسي لتحقيق سيطرتهم العالمية قد زالت‪ ,‬وعلى الخص بعد أن انبرت لهم صحيفة برافدا )‬
‫‪ (Bravda‬و أوضحت للعالم أجمع الساليب و الجرائم القذرة التي اعتمدها اليهود في روسيا‪ ,‬والعمال الوحشية التي ارتكبوها‪ ,‬وفضحت‬
‫مؤامراتهم القذرة الرامية لقامة دولتهم العالمية‪ ,‬وتحيزهم الوقح لسرائيل التي يعتبرونها نواة دولتهم العالمية المرتقبة وأظهروا‬
‫عداوتهم السافرة لروسيا‪ ,‬وعمدت صحافتهم على تحريض الشعوب على الدولة الروسية‪ ,‬وجنحوا لخيانتها وكثر عدد العلماء والموظفين‬
‫والسياسيين اليهود الذين هربوا من البلد الشيوعية‪ ,‬أمثال فيشنكو صاحب و مؤلف كتاب ) اخترت الحرية ( ‪ J’ai Choisi Liberté‬و‬
‫ازداد عدد الكتاب الذين هاجموا النظام الشيوعي‪ ,‬ونعتوا روسيا بالسجن الكبير و الجحيم الواسع‪ .‬فأغرقوا العالم بالمؤلفات المحرضة على‬
‫الروس يكيلون لهم الشتائم والسباب بل حساب‪ ,‬وكأنهم ما كانوا يزعمون بالمس القريب أن روسيا هي جنة ال في أرضه وأن شعبها‬
‫أرقى شعوب العالم‪ ,‬ونسوا أيضًا أنهم أضاعوا صوابهم عندما سمعوا السيد سولونيوفيتش ) ‪ ) (Solonievitch‬صاحب صحيفة كولوس‬
‫روسيا )‪ (Colosse Russia‬الذي هرب من روسيا ( يقول للجنرال الفرنسي تاركول )‪ ) (Tarkoul‬الذي طرده ليون بلوم من فرنسا‬
‫لمناوئته اليهود ( إنه فر من روسيا الشيوعية بعد أن عاش في دوامة الضاليل و الكاذيب اليهودية سبعة عشر عامًا من حياته‪ ,‬وشاهد‬
‫بأم عينه المذابح الوحشية التي أقدم عليها اليهود في بلده‪ ,‬بحجة صيانة مكاسب الثورة و الخلص لمبادئها‪ ,‬مع أن القتلى كانوا في أكثر‬
‫الحيان من أشد أنصار الشتراكية‪ ,‬وممن عملوا أعوامًا طويلة لتحقيقها‪ ,‬ولكن رفضوا الخضوع للزعامة اليهودية فكان جزائهم القتل‪,‬‬
‫بحجة أنهم أعداء الثورة‪ ,‬وهكذا كان اليهود يذبحون أبناء قومي ‪ ,‬الذين ثاروا للخلص من الظلم والستعباد وإذ بهم يقعون بأشر المور‬
‫وهو الحكم اليهودي‪ ,‬لنهم فكروا في بداية الثورة بالمور الثانوية ودافعوا عن أغراض رخيصة بينما أهملوا الدفاع عن وطنهم وقومهم‬
‫وحتى أنفسهم وتركوا مقاليد كل ذلك بأيدي أحد أنواع البشر ) أي اليهود( فأذلونا واستعبدونا فلم يعد بإمكاني التحمل فهربت من براثنهم‪.‬‬

‫اليهود في بريطانيا‬
‫بعد أن هيمنت الصهيونية المسماة بالكريت روسل ستريت )‪(Creat Russel Street‬على رئاسة المخابرات ‪ downin street 10‬التي‬
‫تشرف بدورها على المخابرات النجليزية )‪ (Intelligence service‬التي تعتبر أهم وأقوى أجهزة الدولة )منذ عهد مؤسسه كرومويل(‬
‫والتي تتدخل حتى في شؤون التاج البريطاني لم يعد النفوذ اليهودي محصورًا في الحزاب السياسية فحسب بل تعداها إلى السيطرة التامة‬
‫على مقدرات المة بأسرها وهكذا أصبح اليهود في بلدنا فوق الجميع‪.‬‬
‫من الصحيفة النجليزية الحرة ) ‪(Free Press‬‬
‫ل على الكتاب المقدس الجديد للشعوب المغلوبة على أمرها لمؤلفه هيبس‪),‬صفحة ‪.(282‬‬
‫نق ً‬

‫‪66‬‬

‫يستهل التاريخ بحثه عن اليهود في الجزيرة البريطانية‪ ,‬بذكر حادثة طردهم عام ‪ 1290‬من قبل الملك إدوار الول )‪(Edouard 1er‬وهو‬
‫إن كان ل يشير لحوالهم فيها قبل هذه الحادثة‪ ,‬إل أن الجراء الذي اتخذه الملك يعني صراحة أنه كان لليهود في المملكة البريطانية شيء‬
‫من الهمية والتأثير‪ ,‬أساؤوا التصرف فتعرضوا للطرد‪.‬‬
‫ومن سير الحداث التي وقعت في عهد هنري الثامن )‪ (Hanry VIII‬يتضح أن هذا الطرد لم يكن كما زعمته المصادر اليهودية‪ ,‬و إل لما‬
‫وجدت جمعية النسانيين المشهورة بتحيزها لليهود والتي ساندت الملك الذي كان يتذوق فلسفتها في صراعه مع الكنيسة مع ما كان لها و‬
‫لمبادئها من اللون والطابع اليهودي‪ ,‬والنتائج التي أسفرت عنها الحداث تشير أيضًا إلى آثار الصابع اليهودية التي ساهمت فيها‪ ,‬لن‬
‫الشخاص الذين اعتمدهم هنري الثامن لقيادة الحملة على الكنيسة كانوا جميعًا من مجهولي الصل و المنبت والمشكوك في قوميتهم أمثال‬
‫توماس كرومويل )‪ (T.Cromwelle‬تاجر الصوف المغبون الذي كانت جميع الدلئل تشير إلى أنه يهودي الصل رغم ادعائه بأنه‬
‫إنجليزي‪ ,‬والذي كلفه هنري الثامن بقيادة الحملة ضد الكنيسة لما اشتهر به من الكفر واللحاد‪ ,‬وكان كرومويل عند حسن ظن الملك‪ .‬فطغى‬
‫في البلد‪ ,‬وأحرق الكنائس‪ ,‬وقتل الرهبان دون رحمة أو شفقة حتى استحق عن جدارة لقب جزار الرهبان بعد أن كان جزار الخراف الحقير‬
‫ويلحظ من ذلك أن التأثير اليهودي في بريطانيا كان قويًا منذ البداية‪.‬‬
‫ومن غرائب الصدف التي تجعل المراقب التاريخ ل يستبعد احتمال انتساب كرومويل إلى اليهودية‪ ,‬هو ظهور سمي له ) بعد قرن من الزمن‬
‫يتميز مثله بغموض الصل ( على مسرح السياسة البريطانية‪ ,‬وهو النائب أوليفير كرومويل )‪ (Olivier Cromwelle‬الذي اشتهر بين‬
‫أترابه بالميل والنطواء على النفس‪ .‬بزغ نجمه فجأة وقاد ثورة المجلس ضد الملك شارل )‪ (Charles 1er‬وخلعه عن العرش‪ ,‬ثم ثار‬
‫مجددًا على رأس الجيش ضد المجلس وأعلن قيام الحكم الجمهوري‪ ,‬بعد أن زعم أن يهوى أوحى له بذلك باعتباره رسولً أوفده لينقذ‬
‫الشعب البريطاني من الخطيئة‪ .‬وكان يتشبه بالقاضي اليهودي جدعون )‪ (Gédéon‬ويلقب جنوده بجنود يهوى‪ ,‬ويستمد نظرياته من‬
‫تعاليم التوراة و التلمود‪ ,‬وينادي في المناسبات العامة بحرية الدين‪ ,‬بينما كان يعصب ضمنًا لتعاليم التوراة‪ ,‬وينكل بمناوئها‪ ,‬كان اشتهر‬
‫باحتقاره للناجيل وأتباعها‪ ,‬والعتماد فقط على البوريتان ) ‪ (Puritaines‬أصحاب التوراة‪.‬‬
‫وهو الذي أصدر أمرًا بعودة جميع اليهود إلى بريطانيا و منحهم جميعًا الحقوق التي كانت ممنوحة للبيروتان ) الطبقة المختارة ( وادعى‬
‫النبوة وقال إنه خليفة النبي حزقيال ‪ ,‬وإن مخمور بحب يهوى مثله‪ ,‬ونفى أن يكون إله الناجيل إلهًا صادقًا‪ ,‬ومنع البوريتان من العتراف‬
‫به‪ ,‬وأمرهم بأن ل يعترفوا أيضًا بالمسيح‪ ,‬وأن ل يحترموا سوى يهوى إله الجنود‪ .‬ثم أصدر قانونًا حرم بموجبه العمل على المسيحيين أيام‬
‫السبت‪ ,‬وأرغمهم على قراءة التوراة أيام الحد‪ .‬وألغى جميع الطقوس الدينية المسيحية وحرم على الناس دخول الكنائس‪ ,‬وقتل كل من‬
‫دخلها‪ ,‬وجرب إقامة مجلس كهنوتي أعلى على غرار المجلس اليهودي )‪ (Sanhedrin‬ليطبق شريعة التوراة الحرفية في البلد‪ ,‬ويجعل‬
‫ل عن إسرائيل لتقوم بتحقيق الوعود التي وعدها لليهود‪ ,‬وكان طيلة‬
‫بريطانيا دولة يهودية تامة‪ ,‬وكان يدعي أن الرب اختار بريطانيا بدي ً‬
‫أيام حكمه التي دامت حتى عام ‪ 1660‬يطبق في البلد الشرائع اليهودية بحذافيرها‪ ,‬ولقد ذاقت البلد إبان حكمه أمر العذاب‪ ,‬إلى أن فيض‬
‫ال لها بعودة النظام الملكي من جديد‪.‬‬
‫وهذا المسلك اليهودي الصرف الذي سلكه أوليفير كرومويل والذي يتفق مع مسلك توماس كرومويل و تشابه اسميهما و توافق أصليهما‪,‬‬
‫يوحي إلى الناقد بانحدارهما من أصل يهودي واحد‪ ,‬أو انتسابهما لحدى العائلت اليهودي التي أعلنت اعتناقها النصرانية لتنجو من الطرد‬
‫من البلد‪ ,‬ومن هنا يستنتج أن طرد اليهود في عهد إدوارد الول لم يكن إل عملية تطهير جزئية‪ ,‬نجا منها الكثيرون من اليهود الذين‬
‫عادوا لشريعتهم الصلية بمجرد اختلف هنري الثامن مع الكنيسة ومن ثم عمقوا جذورهم في الرض النجليزية بصورة جدية في عهدي‬
‫المجلس النيابي و جمهورية كرومويل‪.‬‬
‫فلما عادت الملكية مجددًا إلى البلد كان اليهود قد رسخوا أقدامهم في جميع مرافقها‪ ,‬واستعادوا نفوذهم في سوق المضاربات ) البورصة(‬
‫الذي مكنهم من السيطرة على مقدرات البلد المالية‪ ,‬فاحتاجت إليهم الدولة والطبقة الرستقراطية التي كانت أحداث هنري الثامن وأحداث‬
‫كرومويل الدامية هدت قواها‪ ,‬واستنفذت مواردها المالية‪ ,‬وسلبتها أكثر أملكها‪ ,‬فاضطرت في عهد شارل الثاني )‪ (Charles II‬أن‬
‫تستنجد بأثرياء اليهود‪ ,‬لتقترض منهم المال اللزم لها‪ ,‬فتقربت إليهم تسترضيهم و تخطب ودهم‪ ,‬فلبى اليهود مطالبها مقابل فوائد خيالية‪,‬‬
‫عجزت فيما بعد أكثر أفرادها من سداد ديونهم‪ ,‬فاضطر بعضهم للتخلي عن ممتلكاته لليهود‪ ,‬وأرغم البعض الخر على تسوية ديونه بقبول‬
‫مصاهرة اليهود والندماج في مجتمعهم‪ ,‬بعد أن كانوا يحتقرونهم‪ ,‬ويعزفون عن القتران ببناتهم اللواتي كان اليهود يسعون دائمًا‬
‫لتزويجهن من نبلء النجليز‪ ,‬بغية تهويدهم عرقيًا‪ ,‬بعد أن هودهم كرومويل فكريًا ودينيًا‪ .‬فلما وجدوا النبلء المفلسين بحاجة إليهم‬
‫استعملوا جميع وسائل الغراء والتهديد ليرغموهم على القتران ببناتهم‪ ,‬فلم يسع النبلء إل الرضوخ للمر الواقع‪ ,‬فكثر عدد النبلء الذين‬
‫تزوجوا من يهوديات‪ ,‬وهكذا دخلت اليهودية أعرق البيوتات النجليزية‪ ,‬وأصبحت فيها المرة الناهية‪ ,‬وأم أطفالها سادة مستقبلها‪.‬‬
‫وبفضل هذه المصاهرات منح بعض اليهود أضخم اللقاب‪ ,‬وحصل البعض الخر عليها عن طريق رشوة الملوك و المراء‪ ,‬واختلطت‬
‫الدماء اليهودية بدماء نبلء النجليز‪ ,‬وسيطروا على مقدرات هذه الطبقة حتى لم يعد لها خلص من نفوذهم إلى البد‪.‬‬
‫وفي هذا الصدد يحدثنا الكاتب النجليزي الكبير هيللر بلوك )‪ (Hilaire Belloc‬ويقول‪ :‬إن تهويد النجليز وخاصة طبقة النبلء منهم بلغ‬
‫حدًا‪ ,‬استعصى معه الفريق بين النبيل النجليزي و اليهودي العادي‪ ,‬حتى أنه عندما يسافر أحد النبلء إلى خارج البلد‪ ,‬يظنه الناس يهوديًا‬
‫لما في شكله‪ ,‬ومنظره من الطابع اليهودي الشهير المغاير لكل ما عرف عن شكل ومظهر النبيل النجليزي العريق‪ ,‬ولهذا أصبح التفريق‬
‫ل‪ .‬أما النبلء الخالون من الدماء اليهودية فهم أندر وجودًا من العنقاء في القرن العشرين‪ .‬ومما يحز في نفس‬
‫بينه وبين اليهودي مستحي ً‬
‫النسان هو أن يسمع اليهود يتبجحون بهذا النصر الذي أحرزوه على النجليز‪ ,‬ويفاخرون ببقائهم عن معزل من الختلط بهم‪ ,‬مثل الوزير‬
‫اليهودي ديزرائيلي الذي فاخر بقوميته و كتب يقول‪ :‬إن أي شعب أو قوم ل يمكنه الحفاظ على تراثه ومناقبه الصيلة‪ ,‬وخصائصه القومية‬
‫و تقاليده الجتماعية والوطنية‪ ,‬إل إذا حافظ على دمائه نقية‪ ,‬و ظل بمنأى عن الختلط بالقوام الخرى‪.‬‬
‫لن عناصر التفوق العرقي تكمن في الدماء الخاصة النقية‪ .‬والميزات العرقية تنتقل إلى الجيال عن طريق الوراثة‪ ,‬وعندما تتعرض دماء‬
‫الجيال إلى الختلط بدماء غريبة‪ ,‬تفقد خصائص قومها‪ ,‬وتجرد مقوماتها المميزة لها عن سواها‪ ,‬والشعوب الوربية التي تلوثت دماء‬
‫أجيالها بمختلف الدماء الغريبة فقدت كل أصالتها‪ ,‬وأضاعت ما كان لها من ميزات ولم يبقى لها ما يفرقها عن سواها‪ .‬أما نحن اليهود‬
‫الذين حافظنا على دمائنا نقية من غير شائبة‪ ,‬و امتنعنا عن الختلط بالخرين ‪ ,‬ل زلنا نملك كل المقومات الخاصة بنا‪.‬‬
‫ومع العلم أن ديزرائيلي كان يتظاهر باعتناق النصرانية‪ ,‬ويمثل الشعب البريطاني بصفته وزيرًا في دولته‪ ,‬ومع ذلك لم يتورع من التفاخر‬
‫بأصله والتبجح بقوميته بكل لؤم وقحة‪ ,‬وليت تعصب ديزرائيلي ليهوديته وقف عند حد التبجح بها‪ ,‬ولكنه تعداه إلى فتح جميع أبواب‬

‫‪67‬‬

‫الدولة البريطانية‪ ,‬أمام أبناء قومه‪ ,‬حتى أحال الدوائر الحكومية إلى منطقة نفوذ يهودي‪ ,‬وكأن اليهود أصحاب البلد الحقيقيين‪ ,‬بينما سد‬
‫أبواب الزرق في وجه الشباب النجليز‪ ,‬وحرمهم حق العمل في الدولة‪ ,‬ومع كل هذا لم يجرؤ أحد على معارضته‪ ,‬لن الطبقة الرستقراطية‬
‫المهودة كانت تناصره‪ ,‬وتخرس من ينتقد أعماله‪.‬‬
‫وبفضل مؤازرة هذه الطبقة المهودة لديزرائيلي‪ ,‬وعدم اهتمامها بشؤون الدولة‪ ,‬سيطر اليهود على جميع مرافق الدولة البريطانية‪ ,‬واتسع‬
‫نفوذهم فيها‪ ,‬بينما انطوى البريطانيون على أنفسهم‪ ,‬واستكانوا للقدر المحتوم‪,‬‬
‫وفي الربع الول من القرن الثامن عشر أحدث اليهود أول محفل ماسوني في لندن‪ ,‬وأسندوا رئاسته للعاهل النجليزي بالذات ليستغلوا‬
‫نفوذه لتحقيق غاياتهم الخاصة‪.‬‬
‫ويحدثنا السيد هيبس عن نتائج قبول الملك لرعاية هذا المحفل ويقول‪ :‬إنه منذ ذاك اليوم لم يعد بين رجالت بريطانيا السياسيين‬
‫والبارزين من لم ينتسب لهذا المحفل‪ ,‬الذي يوجهه اليهود حسب أغراضهم وأهوائهم‪.‬‬
‫وفيما يخص النفوذ اليهود في بريطانيا يحدثنا الكاتب الشهير لمبولن )‪ (Lambelin‬في مؤلفه المسمى ) مملكة اليهود في بلد‬
‫النجلوساكسون ( يقول‪ :‬لقد توصل اليهود عام ‪ 1922‬إلى أن يكون لهم في بريطانيا ‪ 26‬بارونًا و ‪ 6‬كينكت )‪ (Knigths‬و ‪ 6‬مستشارين‬
‫لدى البلط‪ ,‬و ‪ 6‬أعضاء في مجلس بلدية لندن‪ ,‬وهذا عدا مئات و اللوف من الكتاب والدباء المشهورين‪ ,‬وأصحاب الشركات ووكالت‬
‫ل إن ثلثة من‬
‫النباء‪ ,‬وأصحاب الصحف‪ ,‬أمثال جوزيفات بئير )‪ (Joséphat Beer‬مؤسس وكالة رويتر )‪ (Reuter‬وسواه‪ .‬ويضيف قائ ً‬
‫اليهود شغلوا مركز نائب الملك في الهند وحكموا تلك القارة الواسعة مدة ربع قرن ‪ ,‬باسم المة البريطانية‪ ,‬وهم ‪ ,‬مانتاكو )‬
‫‪ (M.Mantago‬وويليام ماير )‪ (S. W. Mayer‬والكونت ريدنك )‪.(Le conte Reading‬‬
‫وفي نفس الموضوع يحدثنا السيد موريس بلؤلوك في كتابه المسمى ‪ ,‬على أبواب القضاء الخير )‪Maurice Pléologue) (Aux‬‬
‫‪ (Porte de Judgment dernier‬ويقول‪ :‬إن المير آلبير )‪ (Prince Albert‬زوج الملكة فيكتوريا وجد جميع أمراء بريطانيا‪ ,‬كان‬
‫ابنًا غير شرعيًا لحد اليهود‪ ,‬وإن أمير الغال )‪ (Prince des Galles‬الذي أصبح فيما بعد ملكًا على بريطانيا باسم إدوارد السابع )‬
‫‪ (Edouard VII‬كان يقترض الموال الطائلة من أثرياء اليهود دون فائدة‪ ,‬ول يردها لهم‪ ,‬بل يعدهم بتحقيق مآربهم عند اعتلئه العرش‪.‬‬
‫ولما أصبح ملكًا اضطر أن يفي لليهود بوعوده الكثيرة السابقة‪ ,‬فمنح أكثر دائنيه اللقاب الضخمة مثل اليهود ليفي لفسون )‪Levy‬‬
‫‪ (Lawson‬الذي منح لقب لورد وأصبح يعرف باسم اللورد برونهام )‪ (Burenham‬وأنعم أيضًا على اليهودي أرنست كاسل )‬
‫‪ (E.Cassel‬بلقب البارونية‪ ,‬وزوج ابنته لحد اللوردات النجليز ليقوي له مركزه السياسي‪ ,‬ثم عينه أمينُا عامًا لشؤون البلط المالية‪.‬‬
‫ويبدو أن نفوذ اليهود في بريطانيا بلغ أوجه في عهد جورج الخامس الذي كان يعتمدهم في كل شؤونه‪ ,‬حتى إنه كان يقول عن اليهودي‬
‫مونتفيور ) ‪ (Monte Fiore‬بأنه أعظم شخصية في إمبراطوريته‪.‬‬
‫ولقد تجلى نفوذ اليهود قبيل الحرب العالمية الولى‪ ,‬إذ أصبح تسعة منهم أعضاء في مجلس العرش الذي يضم اثني عشر عضوًا فقط‪ ,‬وهو‬
‫أعظم سلطة في البلد بعد الملك مباشرًة‪ ,‬كما أن المجلس الستشاري العلى كان يضم عددًا كبيرًا من اليهود و يرأسه اليهودي موريس‬
‫هانكي )‪.(Maurice Hankey‬‬
‫وفي مجلس اللوردات كان لهم أحد عشر لوردًا وعلى رأسهم اليهودي هور بليشا )‪ (Sir Hore Bélicha‬والسيدة سمبسون )‬
‫‪ (Simpson‬التي اقترن بها إدوارد الثامن كانت هي أيضًا يهودية معروفة‪.‬‬
‫والغريب أن النفوذ اليهودي في بريطانيا ازداد يومًا عن يوم حتى إن المرشحين لرئاسة بلدية لندن عام ‪ 1942‬كانا من اليهود وهما‬
‫صموئيل جوزيف )‪ (Samuel Joséph‬و فرانك بوليتزر )‪ (Frank Politzir‬و كأن لندن خلت من النجليز ولم يعد فيها سوى اليهود‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1951‬أرغم اليهود السير تشرشل على تعيين اليهودي شارفيل ) ‪ (Charwelles‬وزيرًا لشؤون الطاقة الذرية رغم معارضة‬
‫أكثرية أعضاء المجلس لهذا التعيين لما لهذا المركز من الهمية والقومية والوطنية‪.‬‬
‫ومما سبق يتضح للقارئ الكريم مدى ما وصل إليه اليهود من السيطرة والنفوذ في بريطانيا‪ ,‬وكل ذلك بفضل كرومويل توماس ‪ ,‬الذي‬
‫قضى على الكنيسة الكاثوليكية‪ ,‬وسميه أوليفير كرومويل الذي تمكن فيما بعد من محو أثر النصرانية من الجزيرة‪ ,‬بإرغامه النجليز على‬
‫اتخاذ التوراة بدًل من النجيل و فتحة أبواب بريطانيا لفراد الشعب اليهودي ومساعدته إياهم لتهويد البلد بالشكل الذي سبق شرحه‪,‬‬
‫وهكذا أصبحت المة النجليزية مهودة برمتها‪ ,‬ولهذا نجدها اليوم وغدًا تسير في ركابهم‪ ,‬ول تتخلى عنهم مهما كان المر‪ ,‬وهي التي‬
‫حققت لهم أكر رغباتهم منذ أكثر من مائتي عام خلت حتى اليوم‪.‬‬

‫الجرائم اليهودية في ألمانيا‬
‫أيقنت أن اليهود أناس غلظ الكباد انحرفوا عن شريعة موسى وزورا كتبه وأقواله فأما معابدهم ما هي إل مواخير للفسق والفجور فيجب‬
‫علينا إحراق كتبهم المزورة وتدمير معابدهم القذرة لننقذ شعبنا من خطرها فلو عاد موسى بنفسه للحياة لمر بحرقها وإزالتها من الوجود‬
‫و اليهود ل يهمهم إل النهب والسلب وهم وحوش كاسرة أفاع سامة يجب مطاردتهم حيثما كانوا والقضاء عليهم كما يقضى على الكلب‬
‫المسعورة‪.‬‬
‫من أقوال المصلح اللماني لوثر )‪(Luther‬‬

‫‪68‬‬

‫في مستهل القرن السادس عشر ) عهد النهضة( شرعت جمعية النسانيين بنشر آرائها ومبادئها في المقاطعات اللمانية أسوة بالبلد‬
‫الوروبية الخرى وأصدرت مئات المصادر الداعية لللحاد‪ ,‬والباحية فانهال الناس عليها يقرأونها بنهم زائد‪ ,‬وبادر اليهود بدورهم إلى‬
‫ل‪ ,‬أكثر من ذي قبل‪ ,‬فغرق الناس في بحر‬
‫نشر النظريات المنبثقة عن التوراة والتلمود بعد أن ظهرت الطباعة و أصبح الطبع سه ً‬
‫المطبوعات المناوئة لتعاليم الكنيسة القديمة‪ ,‬ينهلون من الفلسفات الشرقية المضادة للنجيل واللهوت المسيحي‪ ,‬فسادت الفوضى الفكرية‬
‫والدينية ألمانيا‪ ,‬وحار الناس في أمورهم الدينية التقليدية‪ ,‬وضعف إيمانهم بالكنيسة التي كانت حينها ترزح تحت سيطرة الرأسمالية‬
‫اليهودية‪ ,‬التي تسللت إلى حرمها‪ ,‬بواسطة المالي اليهودي يعقوب فوجر )‪ (Jacob Fugger‬الذي فرض نفوذه عليها‪ ,‬وأصبح يتحكم‬
‫بمقدراتها المالية‪ ,‬بعد أن أقرضها المال الكثير في محنتها‪ ,‬فعجزت الكنيسة حينًا من الزمن عن تسديد ما بذمتها‪ ,‬وهكذا رضخت لمشيئة‬
‫اليهود‪ ,‬واستكانت لرغباتهم فاستغلوا ضعفها‪ ,‬وسارعوا إلى نشر كل ما كان يسيء لها وللنصرانية‪.‬‬
‫وفي خضم هذه البلبلة الفكرية التي سيطرت على اللمان‪ ,‬ظهر على مسرح الحداث المصلح لوثر )‪ (Luther‬الذي اعترض على الكنيسة‬
‫لصدارها صكوك الغفران بغية سداد ديونها‪ ,‬فقام النزاع بين لوثر وقداسة البابا ليون العاشر )‪ (Léon X‬وفي عام ‪ 1515‬تفاقمت المور‬
‫مدة طويلة‪ ,‬ثم أسفرت عن خروج لوثر وكنيسته عن الكنيسة الكاثوليكية وأعلن لوثر قيام الكنيسة اللمانية المستقلة التابعة للحواريين‬
‫بطرس و أوغوستين )‪ (Saint Paul et saint Augustin‬مما أدى إلى التفاف أمراء المقاطعات اللمانية حول الكنيسة الجديدة‪ ,‬تهربًا‬
‫من تعسف الكنيسة القديمة‪ ,‬فاندلعت نيران الحروب الدينية بين أنصار المصلح لوثر‪ ,‬والملك شارلكان )‪ (Charles Quinte‬حامي‬
‫الكنيسة القديمة فوجد اليهود في هذه الحروب فرصتهم الذهبية ليدمروا الكنيسة القديمة ) عدوتهم التقليدية ( ويحققوا المكاسب المادية‪,‬‬
‫فسارعوا إلى وضع أموالهم تحت تصرف لوثر ومن شايعه من المراء‪ ,‬مقابل فوائد خيالية‪ ,‬ولما كان لوثر وأنصاره بحاجة للمال ‪ ,‬رحبوا‬
‫بالمساعدة اليهودية‪ ,‬بغية معاملتهم بالمثل ضمنوا حمايتهم‪ ,‬ومنحوهم كافة الحقوق الممنوحة لللمان وسهلوا لهم أمورهم التجارية‪ ,‬حتى‬
‫إن لوثر كان ينتقد البابا وكرادلته في معاملتهم لليهود ويقول‪ :‬إن الساليب التي اتبعها البابا وكرادلته لدخال اليهود في النصرانية‪ ,‬هي‬
‫أساليب همجية بربرية ل تمت إلى الدين المسيحي بصلة‪ ,‬إذ كانوا يسومونهم سوء العذاب ويضطهدونهم ليرغموهم على الدخول في‬
‫طاعتهم‪ ,‬في الوقت الذي كان عليهم أن يحسنوا معاملتهم ويدعونهم بالرفق واللين والقناع إلى اعتناق النصرانية‪ .‬فلو كنت يهوديًا وطلب‬
‫مني اعتناق النصرانية بمثل هذه الساليب الوحشية لفضلت أن أكون خنزيرًا على أن أعتنق المسيحية‪ .‬وهذه العطف الذي بدر من لوثر‬
‫نحو اليهود أطمعهم في الشعب اللماني‪ ,‬فاستغلوه لقصى حد ممكن فأمنوا مصالحهم الخاصة‪ ,‬واستولوا على أكثر الصناعات والعمال‬
‫الحرة تحت حماية لوثر و المراء‪ ,‬ثم وسعوا أعمالهم المصرفية وافتتحوا المصارف وأسواق البورصة في أكثر المدن اللمانية فسيطروا‬
‫على النقد في جميع أنحاء البلد‪ .‬ومن الناحية الخرى ازداد نشاطهم في نشر اللحاد واللأخلقية بين أفراد الشعب اللماني‪ ,‬وعاونهم‬
‫الماسون وأعضاء الجمعية النسانية على أوسع نطاق‪ ,‬فانهارت الخلق العامة ‪ ,‬وازداد استخفاف العامة في المثل العليا كالوطنية‬
‫والقومية‪ ,‬وأصبح الفرد اللماني يستهجن تعاليم الكنيسة‪ ,‬ويسخر منها‪ ,‬ويستعيض عنها بالفلسفات الجديدة المنبثقة عن التلمود و‬
‫المصادر المعادية للدين المسيحي‪.‬‬
‫ولما انتهت الحروب الدينية واستولى المراء على ممتلكات الكنيسة القديمة‪ ,‬بادر اليهود إلى المطالبة بديونهم مع فوائدها العالية‪ ,‬فعجز‬
‫أكثر المراء عن تسديدها‪ ,‬فاضطروا على التخلي لليهود عن جميع الملك التي أخذوها من الكنيسة الكاثوليكية‪ ,‬مقابل ديونهم ‪ ,‬مع أن تلك‬
‫الملك كانت تساوي عشرات أضعاف الموال التي اقترضوها من اليهود‪.‬‬
‫وهكذا خرج اليهود من الحروب الدينية بحصة السد‪ ,‬وحققوا جميع الهداف التي توخوها من هذا النزاع الذي دام عدة أعوام‪ ,‬دفع الشعب‬
‫اللماني في مئات اللوف من الضحايا على مذبح الشهوات اليهودية‪.‬‬
‫ولما وجد اليهود أن الشعب اللماني بدأ يميل إلى التخلي عن الكنيسة عمدوا إلى دعوة الناس للدخول في شريعتهم‪ ,‬واستعملوا في دعوتهم‬
‫كل أساليب التغرير المادية والمعنوية‪ ,‬ولما تفاقم أمر دعوتهم‪ ,‬لحظ لوثر جسامة الخطأ الذي ارتكبه في حماية اليهود‪ ,‬فقام بعمل مضاد‪,‬‬
‫ودعاهم بدوره لعتناق مذهبه‪ ,‬واستعمل في ذلك جميع الساليب النسانية اللبقة‪ ,‬ولكن اليهود ردوه على أعقابه خاسرًا‪ ,‬لم يقبل أحد منهم‬
‫الدخول في مذهبه‪ ,‬وسخروا من دعوته بكل قحة‪ ,‬فاضطر لعلن رأيه فيهم مثلما أوردنا في مطلع هذا البحث‪ ,‬ومن ثم أمر حكام المقاطعات‬
‫التابعة لكنيسته بجمع نسخ التلمود و حرقها‪,‬وفرض على اليهود القيود الصارمة لمنعهم من التبشير بشريعتهم الخاصة‪.‬‬
‫فرضخ اليهود للمر الواقع‪ ,‬وخففوا من غلوائهم‪ ,‬وتظاهر بعضهم أمثال سبينوزا )‪ (Spinoza‬بالسعي للتوفيق بين اليهود واللمان‪ ,‬ودعا‬
‫بني قومه للخروج عن عزلتهم‪ ,‬والختلط بالشعب اللماني‪ ,‬وإعادة النظر في تعاليم التلمود وجعلها منسجمة مع تعاليم المذهب‬
‫البروتستانتي المنبثق عن التوراة‪ ,‬لزالة الفوارق الكائنة بين الدينية باعتبارهما مشتقين من نفس الكتاب‪ ,‬وكان يهدف من دعوته هذه‬
‫التغرير باللمان و إيهامهم بنزوع اليهود للنصهار في بوتقتهم‪ ,‬ليوفر على بني قومه بعضًا من الضطهاد الذي تعرضوا له‪ ,‬ريثما تسمح‬
‫لهم الفرصة للعودة إلى إكمال مشاريعهم الرامية إلى السيطرة على الشعوب التي يعايشونها‪ ,‬ولكن غلة اليهود رفضوا مقترحاته‪ ,‬وظلوا‬
‫على تمسكهم بالنعزالية ففشلت مخططات سبينوزا رغم جهوده الواسعة‪.‬‬
‫وفي مستهل القرن الثامن عشر‪ ,‬عمد اليهود إلى إبدال أساليبهم القديمة‪ ,‬وظهر في ألمانيا اليهودي موسى ماندلسون )‪Moise‬‬
‫‪ (Mandelson‬الذي أتى من الريف إلى مدينة برلين معدمًا فقيرًا‪ ,‬وفي بضعة أعوام أصبح من أشهر أغنياء العاصمة اللمانية‪ ,‬وترجم‬
‫قسمًا من التلمود إلى اللغة اللمانية‪ ,‬وحوره بما يتناسب مع أغراضه القومية‪ ,‬وبما يوحي بعدم وجود الفوارق المذهبية بين الشريعة‬
‫اليهودية ‪ ,‬واللوثرية‪ ,‬ثم اتفق مع أعضاء الجمعيات المهودة مثل الماسونية و النسانيين والمثقفين‪ ,‬وافتتح لهم الندوات الدبية العديدة‪,‬‬
‫ليجتمعوا فيها مع نخبة من شباب اللمان لينشروا بينهم الفلسفات الشرقية المناوئة للدين المسيحي‪ ,‬ويخرجوهم عن معتقداتهم وتقاليدهم‬
‫القديمة‪ ,‬ويقتلوا فيهم روح القومية والوطنية‪ .‬وأقام على إدارة هذه القاعات الدبية‪ ,‬التي أغدق عليها الكثير من أمواله الطائلة‪ ,‬أجمل‬
‫السيدات اليهوديات أمثال اليهودية هانريت هيرز )‪ (Hanritte Hirz‬التي اشتهر بجمالها وثقافتها العالية‪ ,‬وتهتكها رغم أنها ابنة أحد‬
‫الحاخامات‪ ,‬و تلقت داراستها في مدارس الراهبات الكاثوليك‪ ,‬وتزوجت من يهودي تلمودي ثم طلقته‪ ,‬وانضمت إلى ماندلسون لتدير أشهر‬
‫ندواته الدبية وتبشر بين أفراد الشعب اللماني باللحاد و الفسق والفجور‪ ,‬تتصيد خيرة شبابه و توقعهم في حبائلها لتلفظهم فيما بعد وقد‬
‫أصبحوا ل يملكون شيئًا من المثل والقيم التي شبوا عليها‪ ,‬سوى السجود تحت أقدامها‪ ,‬وأقدام أترابها من الفاسقات اللواتي كنت يعملن‬
‫معها‪ ,‬حتى إن أكثر شباب اللمان كانوا يلقبونها بربة الدب الحزينة‪.‬‬
‫ولقد اشتهرت ندوتها بأنها مركز الماسونية‪ ,‬ومنبع الفكار الثورية المناوئة للدولة اللمانية‪ ,‬وناشرة الباحية و اللأخلقية‪ ,‬وبؤرة الفساد‬
‫والخلعة‪ ,‬وكان يرتادها أشهر رجالت أوروبا المناصرين لليهود ليجتمعوا فيها بزعماء الماسون والصهيونية‪ ,‬ويتدارسون معهم‬
‫المخططات الرامية إلى قلب الوضاع الوربية‪ ,‬حتى إن ميرابوا)خطيب الثورة الفرنسية ( الشهير زارها بمهمة رسمية‪ ,‬وتدارس مع‬

‫‪69‬‬

‫الماسون تفاصيل الثورة الفرنسية التي كان اليهود والماسون يعملون ليقاد نيرانها‪ .‬ولما عاد إلى فرنسا راح يمتدح المشرفة عليها يثني‬
‫على اليهود أمام رفاقه الفرنسيين ويقول‪ :‬إذا شئتم أن يصبح اليهود أناسًا خيرين‪ ,‬أفسحوا لهم المجال‪ ,‬وافتحوا لهم جميع البواب‪,‬‬
‫وأدخلوهم في مجتمعكم دون أن تأخذوا عليهم انتسابهم للشريعة الموسوية عندها سترون أنهم من خيار الناس‪.‬‬
‫ونحن ل نستغرب هذا الدفاع عن اليهود‪ ,‬من ميرابوا‪ ,‬باعتبار أنه كان ماسونيًا عريقًا يعيش على خيرات اليهود أمثال ماندلسون الذين‬
‫كانوا يمولونه‪ ,‬ويوجهونه حسب إرادتهم‪ ,‬ويأتمر بأمرهم ليدافع عن حقوقهم في المجلس الوطني الفرنسي‪ ,‬حتى أوصلهم إلى جميع‬
‫غاياتهم السياسية‪ ,‬ولم يكتسب شهرته بأنه خطيب الثورة إل بفضل الدعايات اليهودية التي كانت تنطلق لتمل الدنيا كلما قام ليخطب في‬
‫الجمعية الوطنية دفاعًا عن اليهود وذودًا عن حقوقهم‪ ,‬وهو في الواقع لم يكون سوى خطيب اليهود على حد قول أكثر نقاد التاريخ‪.‬‬
‫سبق وقلنا إن ندوة هانريت لم تكن الوحيدة في ألمانيا بل كانت هناك ندوات مماثلة عديدة تعمل جميعها لنشر المبادئ الداعية لللحاد‬
‫والتهتك‪ ,‬وتبشر بإنصاف اليهود‪ ,‬وتدعوا لمعاملتهم على قدم المساواة مع اللمان‪ ,‬ولكن السواد العظم من الشعب اللماني أبى أن ينجرف‬
‫في تيار دعايات هذه الندوات ‪ ,‬وخاصة بعد أن رأى موقف اليهود المعادي للمذهب اللوثري‪ ,‬وبعد أن كشف لوثر الستار عن محتويات‬
‫التلمود‪ ,‬وأوضح للشعب اللماني كنه الشريعة التلمودية وعدائها المكين للمسيح والمسيحية‪ .‬ولذا ظل اليهود تحت المراقبة الشعبية حتى‬
‫اندلعت الثورة الفرنسية‪ ,‬وحصل اليهود في فرنسا على حقوقهم السياسية‪ ,‬فهبت صحافتهم و محافلهم تطالب الدول الوربية بمنح اليهود‬
‫في بلدها حقوقهم السياسة أسوة بفرنسا‪ ,‬ومع هذا ظلت الدولة اللمانية حذرة في معاملة اليهود لعدم ثقتها بهم‪ .‬ولكن ظهور نابليون على‬
‫مسرح السياسة الوربية‪ ,‬وانحيازه لليهود‪ ,‬وانطلق جيوشه لفتح البلد الوربية بتحريض من اليهود‪ ,‬أفسح المجال أمام زعماء اليهود‬
‫ليحرروا أبناء قومهم في البلدان الوربية من القيود التي كانت مفروضة عليهم وذلك بفضل تحكمهم بشؤون نابليون المالية‪ .‬ولما دخلت‬
‫جيوش نابليون ألمانيا ‪ ,‬سارع نابليون إلى منح اليهود الحقوق المدنية والسياسية‪ ,‬وأصبحوا سواسية مع أهل البلد‪ ,‬ثم بادروا إلى‬
‫استغلل صداقة نابليون لهم‪ ,‬وفرضوا إرادتهم على الشعب اللماني مثلما فرضوها على الشعوب الوربية الخرى في عهد سيطرة نابليون‬
‫على أوربا‪.‬‬
‫وهكذا كانت فتوحات نابليون وباًل على الشعوب الوربية بقد ما درت الخير والبركة على اليهود الذين طعنوا نابليون من الخلف فيما بعد‪.‬‬
‫وفي الوقت المناسب‪ ,‬أي عندما استنفذوا كل أغراضهم من مناصرته‪.‬‬
‫ولقد استغل اليهود سيطرة نابليون في ألمانيا على نطاق واسعة‪ ,‬وتمكنوا من الستيلء على مقدراتها المالية و القتصادية واحتلوا مراكز‬
‫الجاه والسلطان في كافة مرافقها‪ ,‬فأصبح منهم مستشارون في الدولة‪ ,‬وامتهنوا الحرف الحرة‪ ,‬حتى بلغت نسبة الطباء منهم ‪ %80‬و‬
‫نسبة المحامين ‪ %70‬و سيطروا على الميادين الصحية والعدلية ‪ ,‬وتركوا أحياءهم القديمة ليعيثوا في الحياء المسيحية فسادًا وفسقًا‪,‬‬
‫ويستولوا على أسواق البورصة والتجارة الخارجية‪ ,‬ووسعوا عملياتهم المصرفية‪ ,‬لدرجة غدت ألمانيا معها شبه مزرعة يهودية‪ .‬وفي‬
‫صدد نفوذ اليهود في ألمانيا يحدثنا السيدان تارود قائلين‪ :‬رغم أن نابليون منح اليهود في ألمانيا جميع الحقوق السياسية‪ ,‬إلى أن الدولة‬
‫اللمانية منعتهم من ممارستها جزئيًا‪ ,‬ولما اندلعت ثورة ‪ 1848‬التي أسفرت عن ازدياد نفوذ اليهود في فرنسا‪ ,‬عمدوا إلى الضغط على‬
‫حكومتها للتوسط لدى الدولة اللمانية لمنح اليهود الحقوق السياسية‪ ,‬فانصاعت الحكومة الفرنسية لمطالبهم‪ ,‬وتوسطت في الموضوع‪,‬‬
‫والمؤسف هو أن الدولة اللمانية استجابت لرغبة فرنسا و منحت اليهود مطالبهم‪ ,‬ولم يعد محرمًا عليهم إل قيادات الجيش ومراكز وزارة‬
‫الخارجية العليا‪ ,‬أما مراكز الدولة الخرى فأصبحت في متناول أيديهم‪ ,‬والدليل على ذلك أن غليوم الثاني )‪ (Guillaume II‬عين اليهود‬
‫بالن )‪ (Ballin‬مستشارًا للتجارة الخارجية‪ ,‬وأسند إلى اليهودي إميل روتونة )‪ (Emile Rothenau‬مهمة الشراف على أكبر شركة‬
‫كهربائية‪ ,‬وسمح لليهودي فورستنبرغ )‪ (Furestenberg‬بإنشاء الشركة الصناعية العامة )‪ (B-H‬اللمانية‪ ,‬وأسند إلى اليهودي‬
‫ديرنبورغ )‪ (DerenBurg‬المانة العامة للمستعمرات اللمانية‪ ,‬وعهد إلى اليهودي فريد لندر )‪ (Frid Laender‬بتأسيس شركة‬
‫مناجم سيليسيا الكبرى‪ .‬ومن ثم عينه عضوًا في مجلس المراء‪ ,‬وأنعم على اليهود سفاباخ )‪ (Swabach‬برتبه قائد في الحرس‬
‫المبراطوري‪ .‬وهكذا تسلل اليهود في ألمانيا إلى مراكز الجاه بفضل التدخل الفرنسي‪ .‬وانتشروا في دوائر الدولة يعملون في تخريب‬
‫أجهزتها‪ ,‬ومع ذلك لم يكفوا قط عن التذمر من معاملة اللمان لهم‪ ,‬لنهم كانوا يحرمونهم من المناصب الوزارية‪ ,‬ولقد تفنن اليهود في‬
‫تهويل هذا المر حتى أقنعوا الرأي العام بمعذوريتهم‪ ,‬فصارت الصحافة الوربية تتناول من وقت لخر قصة حرمان اليهود في ألمانيا من‬
‫المناصب الوزارية‪ ,‬وتصف سلوك الدولة اللمانية في هذا الصدد بالظلم والتعسف‪ ,‬أو التطرف غير النساني إلخ‪..‬‬
‫وهذه الحملت الصحفية الظالمة هي التي أرغمت الشعب والدولة على التساهل مع اليهود‪ ,‬فتركت لهم أبواب جميع المرافق الخرى‬
‫مفتوحة للتعويض عليهم عن حرمانهم من المناصب الوزارية‪ .‬ولقد أدى هذا التساهل اللماني إلى استيلء اليهود على مرافق المة‬
‫الحساسة كالصحافة‪ ,‬والطب‪ ,‬والفنون والثقافة‪ ,‬وإدارة الجامعات ووكالت النباء‪ ,‬إلى أن أصبحوا وكأنهم الكثرية الساحقة في البلد‪,‬‬
‫ل لدرجة أن أصبح الناس يتندرون به ساخرين ‪ )) :‬إذا فكر اليهود يومًا أن يهجروا برلين‪,‬‬
‫وكان عدد اللمان العاملين في هذه الحقول ضئي ً‬
‫فستصبح هذه المدينة الكبرى وكأنها صحراء قاحلة‪ ,‬إذ لن يجد فيها المرء بعد هجرة اليهود أثرًا للطب و المحاماة والصحافة‪ ,‬ل حتى ناديًا‬
‫أو مسرحًا أو سينما‪ ,‬ولن تبقى في البداية حركة بيع أو شراء ((‪.‬‬
‫ومن مغزى هذه النكتة يتضح للقارئ ما وصل إليه اليهود في ألمانيا من السيطرة على حياة شعبها‪ ,‬ومدى ما كانوا يجنونه من خيرات‬
‫أهلها‪ ,‬ومع هذا ثابروا على التذمر من اللمان وتحينوا الفرص للنقضاض عليهم‪.‬‬
‫ولما هزمت ألمانيا عام ‪ ,1918‬وانهارت معنويات شعبها الذي غلب على أمره‪ ,‬انكمش على نفسه‪ ,‬خاصة بعد أن شاهد اندلع الثورة التي‬
‫أطاحت بالقيصرية‪ ,‬واستبدلتها بالجمهورية التي أعلنت أعقاب مؤتمر فيمار اليهودي ) ‪ (Assemblé Wémar‬والتي لم يتحمس لقيامها‬
‫اللمان لمعارضتها لنظام الحكم الذي اعتادوه‪ ,‬فوقفوا مبهوري النفاس يراقبون ما يدور حولهم بقلوب واجفة على مستقبل بلدهم التي‬
‫مزقتها أيدي الحلفاء واليهود الحاقدين‪ .‬فهنا احتلل و هناك ثورة‪ ,‬وفي منطقة أخرى انفصال زد على ذلك الغرامات الحربية الطائلة التي‬
‫فرضت عليهم دون أن يؤخذ رأيهم فيها أو ُيستشاروا في أمرها وإزاء كل هذه المصائب وحد اللمان أنفسهم وكأنهم أيتام في مأدبة اللئام‬
‫ولم يسعهم إل الصبر والنتظار‪.‬‬
‫وفي هذه الثناء كان اليهود يعملون بسرعة فائقة لستثمار النهيار اللماني قبل أن يستيقظ اللمان من صدمتهم فأرسلوا إلى يهود بولونيا‬
‫ليسارعوا بالعودة إلى ألمانيا‪ ,‬ليحتلون المراكز التجارية والصناعية التي شغرت من أصحابها اللمان‪ ,‬وفي ظل حراب الدول الغربية‬
‫انقضوا على المصانع والمتاجر اللمانية التي استولى الحلفاء عليها ليبتاعوها بأبخس الثمان‪ ,‬ويعيدون تسييرها من جديد تحت سيطرة‬
‫الحلفاء‪ ,‬وحصلوا من مدينيهم على فوائد خيالية مما اضطر أكثرهم للتخلي عن كل ما يملكه لليهود ثم راحوا يستولون على جميع الحرف‬

‫‪70‬‬

‫العالية في البلد‪ ,‬ويمنعون اللمان من ممارستها بدعم من الجيوش الحليفة‪ ,‬وفي زمن قياسي تضاعف عددهم في البلد و أصبحوا يملكون‬
‫‪ %90‬من الثروة اللمانية فازدادت أطماعهم وعمدوا إلى إذلل اللمان و تحقيرهم دون خوف أو وجل‪.‬‬
‫ولكن لكل أمر نهاية‪ ,‬فاستيقظ اللمان من الصدمة‪ ,‬وهالهم ما وجدوه من السيطرة اليهودية في البلد وما وصل إليه اليهود من التحكم في‬
‫شؤونهم‪ ,‬وعلى الخص عندما شاهدوا اليهودي كورت إيزنير )‪ (Kurt Eisner‬الدخيل يقتطع لنفسه المنطقة البافارية التي كانت منذ‬
‫اثني عشر قرنًا إمارة ألمانية تعتز بألمانيتها‪ ,‬ويفصلها عن الوطن الم و يعلنها جمهورية مستقلة‪ ,‬ويتخذ من ميونخ عاصمة لجمهوريته‪,‬‬
‫وينصب نفسه رئيسًا عليها‪ ,‬ويحشد اليهود فيها ويطلق يدهم في إدارة شؤونها وكأنها إمارة يهودية‪.‬‬
‫كما شاهدوا الفوضوية اليهودية روزا لوكسانبورغ )‪ (Rosa LuxenBurg‬و زميلها كارل ليبكنيت )‪ (Karl Liebknecht‬يعيثان في‬
‫عاصمة بلدهم فسادًا‪ ,‬ويتحكمان في شؤونها‪ ,‬ويفتعلن فيها المظاهرات الصاخبة‪,‬ويدفعان بأهلها إلى القتتال في الشوارع دون وعي أو‬
‫إدراك وتحت مسمع وبصر الحكومة المركزية التي خلقها اليهود بعد مؤتمر فيمار الذي عقب انهيار ألمانيا‪ .‬فاستاء الشعب من موقف‬
‫الحكومة المخزي‪ .‬وأعلن استنكاره‪ ,‬فخشيت السلطات عاقبة تذمر الشعب‪ ,‬وبادرت إلى قمع المظاهرات واعتقلت روزا لوكسانبورغ‬
‫وزميلها‪ ,‬فأحيل إلى القضاء الذي أصدر قراره بإعدامهما‪ ,‬فأعدما في اليوم الثاني‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت تفاقمت الحوال في الجمهورية البافارية‪ ,‬من جراء استفزاز رئيسها كورت لشعور أهلها‪ ,‬فأقدم أحد نبلء بافاريا المدعو‬
‫كونت آركوفاللي )‪ (La Conte Arco-Vally‬على اغتيال اليهودي كورت‪ ,‬ولكن اليهود سارعوا إلى إسناد رئاسة الجمهورية إلى‬
‫اليهودي اللجئ أوجين لوفينيه )‪ (Eugene Leviné‬أحد زعماء ثورة عام ‪ 1905‬الروسية الفاشلة‪ ,‬وكان منذ دخوله إلى البلد يعمل‬
‫للقضاء على دولتها‪.‬‬
‫فلما استلم الحكم عمد إلى إملء مراكز الدولة باليهود المتطرفين في عنصريتهم‪ ,‬وأطلق يدهم في إذلل الشعب اللماني فوقف الشعب‬
‫يناهضه فسادت الفوضى في أنحاء بافاريا‪ ,‬فم يسع الحكومة المركزية إل التدخل في المر‪ ,‬وأرسلت قواتها إلى ميونخ واحتلتها‪ ,‬بعد أن قتل‬
‫أوجين‪ ,‬وأعادت ربط بافاريا مجددًا بحكومة برلين‪.‬‬
‫ولكن الشعب اللماني لم يفته أن الحكومة المركزية التي انبثقت عن مؤتمر فيمار‪ ,‬لم تكن إل صنيعة اليهود‪ ,‬الذي قرروا إحداثها لتكون‬
‫وسيلة لتنفيذ مخططاتهم‪ ,‬لن الناس كانوا يعلمون أن أكثر أعضاء المؤتمر كانوا من اليهود أمثال والتر راتينو )‪(Walther Rathenau‬‬
‫الذي أصر على قيام الجمهورية المركزية‪ ,‬واختار لدارتها الماسون وأتباع اليهود‪ .‬كما كانوا يعرفون أن جمهورية بافاريا كانت من صنع‬
‫اليهود أمثار كورت‪ ,‬وماكس لوفنبورغ )‪ (Max Loewenburg‬و ماكس روتشيلد )‪,(Max Rothschild‬كما شاهدوا أن مفتعلي‬
‫المظاهرات الصاخبة الرامية إلى تقسيم البلد‪ ,‬كانوا أيضًا من اليهود‪ ,‬ومن جهة ثانية لحظوا أن الرأسمالية التي كانت تتحكم في لقمة‬
‫عيش الشعب كانت يهودية برمتها أيضًا‪ ,‬فتبين أن جميع العناصر التي كانت تتحكم في مصير بلدهم تنتسب إلى اليهود‪ ,‬وأنها تتعاون فيما‬
‫بينها على أوثق شكل ممكن‪ ,‬رغمًا عن اختلف مبادئها‪ ,‬وتفاوت مظاهرها‪ ,‬فأيقن اللمان أن اليهود أحكموا الطوق حولهم‪ ,‬وإن جميع‬
‫فئاتهم تتعاون فيما بينها لتدمير شعبهم‪ ,‬خاصة بعد أن رأوا خضوع الحكومة المركزية التام لرغبات الحلفاء واعتمادها على الرأسمالية‬
‫اليهودية دون سواها لتغطية الغرامات الحربية مقابل فوائد خيالية‪ ,‬وسيرها في ركاب أثرياء اليهود دون تردد‪ ,‬كما شاهدوا كورت‬
‫وأنصاره يقدمون اللوف من العمال اللمان للحفاء لتسخيرهم في إنشاء الطرقات الفرنسية التي دمرت أثناء الحرب‪ ,‬ومن ثم يعتذرون‬
‫للمنتصرين بصورة مذلة عما بدر من الجيش اللماني إبان الحرب ويتبرعون بإلصاق التهم المشينة بالمة اللمانية التي زعموا تمثيلها‬
‫رغمًا عنها‪ ,‬فكان من الطبيعي أن يقف الشعب اللماني من كل هذه الفئات المشبوهة موقف اليقظة والحذر ويفقد ثقته بالماريشال‬
‫هندنبورغ )‪ (Hindenburg‬الذي انزلق في متاهات اليهود‪ ,‬وبنعته بالخرف و من ثم يبادر للبحث عن مخرج لورطته‪ ,‬التي جعلت مليينه‬
‫الثمانين تخضع لمشيئة ستمائة ألف يهودي دخيل‪.‬‬
‫ولكن القدر سد المخارج في وجهه‪ ,‬إلى أن ظهر أدولف هتلر الذي كان يراقب منذ أمد بعيد أعمال اليهود‪ ,‬فانبرى لهم وشرح لبني قومه‬
‫مخططاتهم‪ ,‬وكشف الستار عن مراميهم‪ ,‬فالتف الشعب حوله‪ ,‬وأسلمه قياده‪ ,‬فشكل الحزب الشتراكي الوطني‪ ,‬الذي تصدى لليهود‪ ,‬وحطم‬
‫آمالهم في استعباد ألمانيا وأنقذ وطنه من شرورهم إلى حين‪.‬‬
‫الجرائم اليهودية في إسبانيا‬
‫لقد أسهبنا في أبحاثنا السابقة في الحديث عن الحداث التي تعرض لها اليهود منذ القرن السادس قبل الميلد‪ ,‬والتي أسفرت عن انتشارهم‬
‫تباعًا في البلد الواقعة على سواحل البحر البيض المتوسط ‪ ,‬ونوهنا عن سلوكهم حيثما حلوا‪ ,‬وفصلنا وقائع جرائمهم ضد المسيحية في‬
‫القرون الولى‪ ,‬وخاصة في شمال إفريقيا‪ ,‬حيث تضاعف تعدادهم رغم الضربات القاسية التي تلقوها في العهد الروماني وما تله من‬
‫العهود ومع ذلك ظل اليهود متغلغلين في أكثر أقطار إفريقيا‪ ,‬ويعاودون من وقت لخر لمصارعة النصرانية التي انتصرت عليهم‪ ,‬ولم‬
‫يقطعوا المل قط في التغلب عليها‪ ,‬إلى أن ظهر السلم الذي طهر جزيرة العرب من أدرانهم ودفع بهم بعيدًا عن منطقة نفوذه‪ ,‬ولما اندفعت‬
‫جحافل العرب نحو إفريقيا الشمالية تكتسح ما يعترضها من القوى المعادية‪ ,‬تجددت آمال اليهود في استعادة مجدهم الزائل‪ ,‬عن طريق دفع‬
‫العرب نحو البلد الوربية التي كانت مركز الثقل النصراني‪ ,‬آملين أن يطول النزاع بين المسيحية التي كان اليهود يتربصون لها منذ عدة‬
‫قرون و السلم العدو الجديد الذي قلم أظافرهم في المشرق العربي‪ ,‬ويخرج الطرفان من نزاعهما منهوكي القوى‪ ,‬لينقضوا عليهما معًا‬
‫ويزيلوهما من الوجود فبادر اليهود إلى التطوع لنصرة العرب والظهور بمظهر من يروم فوزهم‪ ,‬وتقربوا منهم ) كأنهم لم يتآمروا بالمس‬
‫على سيد العرب ومفجر ثورتهم( ووضعوا أنفسهم تحت تصرفهم‪ ,‬يمدونهم بالمعلومات عن النصرانية و يتجسسون على تحركاتها‪ ,‬فرحب‬
‫العرب بمساعيهم وقربوهم‪ ,‬واعتمدوهم في كثير من الشؤون ‪ ,‬فصار اليهود يحرضونهم على فتح إسبانيا ويطمعونهم بخيراتها‪ ,‬ومع‬
‫الزمن اختمرت الفكرة في رؤوس القادة العرب إذ كان غرضهم من الفتوحات نشر المبادئ السامية النبيلة‪ ,‬وتعميم الدين الحنيف‪ ,‬فقرروا‬
‫اجتياز المضيق الذي سمي فيما بعض بمضيق طارق بن زياد‪ ,‬وحطوا رحالهم على شواطئ إسبانيا‪ ,‬ومن ثم اندفعوا كالعصار نحو الشمال‬
‫واحتلوا شبه الجزيرة السبانية في مدة وجيزة ) عام ‪ ( 711‬ودانت لهم البلد‪ ,‬فبادر اليهود إلى المطالبة بثمن خدماتهم‪ ,‬فأطلق لهم العرب‬
‫حرية العمل والتمركز في تلك البلد‪ ,‬فراح اليهود يؤسسون الجاليات اليهودية في كل بلد وينشؤون المعابد الخاصة بهم‪ ,‬ومن ثم استولوا‬
‫على مرافق إسبانيا‪ ,‬وتمكنوا بفضل مساعدة العرب لهم من الثراء بصورة فاحشة‪ ,‬حتى غدوا يمتلكون جميع ثروات البلد‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫وبغية الثأر من النصارى امتهنوا تجارة الرقيق التي كانت تؤمن لهم النتقام الوحشي من المسيحية من جهة والكسب المادي الكبير من‬
‫جهة أخرى‪ ,‬ولتحقيق هذا الهدف المزدوج‪ ,‬عمدوا إلى مواكبة الجيوش العربية التي اندفعت نحو المناطق الشمالية‪ ,‬وكانوا يبتاعون منها‬
‫السرى من الفرنج‪ ,‬ليعودوا ببيعهم بأسعار باهظة في القطار الخرى‪ ,‬أو إعادتهم لقربائهم مقابل أتاوات خيالية‪ ,‬وفي أكثر الحيان كانوا‬
‫يذيقون السرى شتى أنواع العذاب قبل بيعهم‪ ,‬وحتى أنهم يقدمون على قتل البعض منهم تشفيًا وانتقامًا‪ ,‬رغم أن العرب كانوا يمنعونهم من‬
‫الساءة للسرى و يفرضون على من يسيء إليهم أشد العقوبات‪ ,‬ولكن اليهود كانوا أمكر من يقعوا تحت طائلة العقاب‪ ,‬لذا عمدوا إلى‬
‫التنكيل بالسرى الفرنج سرًا وفي المكنة الخافية عن عيون العرب‪.‬‬
‫ولما استتب المر للعرب‪ ,‬ازداد تقرب اليهود منهم‪ ,‬وتظاهروا بالخلص اللمتناهي‪ ,‬فتورط أمراء العرب في احتضانهم‪ ,‬وأسندوا إليهم‬
‫المناصب المرموقة‪ ,‬وحتى المناصب الوزارية‪ ,‬والتاريخ السباني يذكر لنا أن اليهودي هيسدائي بن شبروط ) ‪Hasdai ben‬‬
‫‪ (Chaprout‬كان من أبرز شخصيات الدولة الندلسية وأنه ظل طيلة حياته وزيرًا للمالية‪ ,‬رغم تعصبه العنصري‪.‬‬
‫ويبدوا أن اليهود كانوا في الندلس أكثر وطُأ وأشد تأثيرًا على السبان من العرب ‪ ,‬حتى إن المصادر التاريخية الغير رسمية‪ ,‬تنسب إليهم‬
‫ارتكاب ألوف الجرائم بحق أهل البلد‪ ,‬كما تعزو إليهم أسباب تذمر السبان من الحكم العربي‪ ,‬والظاهر أن اليهود لحظوا هذه الناحية‪,‬‬
‫فبادروا نحو عام ‪ 1000‬ميلدي إلى التقرب من السبان حفظًا لخط الرجعة‪ ,‬ولما قامت ثورة الموزار )‪ (Almouzar‬اتصلوا به سرًا‬
‫وتحالفوا معه‪ ,‬ومدوه بالمعلومات عن جيوش الخليفة‪ ,‬فشعر العرب بخيانتهم‪ ,‬واحتاطوا لغدرهم ولكن مع كل أسف بعد فوات الوان‪ ,‬إذ‬
‫ازدادت حوادث التمرد في البلد‪ ,‬وتداعت المارات العربية الواحدة تلو الخرى‪.‬‬
‫وقامت مكانها المارات السبانية‪ ,‬ولما تمكنت البرتغال من تحرير نفسها‪ ,‬أسفر اليهود عن نواياهم وانحازوا علنًا للسبان‪ ,‬وفي القرن‬
‫الرابع عشر اتفقوا مع المارات السبانية الحديثة‪ ,‬وانقضوا على آخر إمارة عربية إمارة الكاستيل )‪ (Castille‬التي ظلت تقارع السبان‬
‫وحدها‪ ,‬فتغلبوا عليها‪ ,‬وهكذا أزاحوا آخر دولة عربية من إسبانيا‪.‬‬
‫وبفضل خدعتهم المزدوجة هذه منحهم السبان نفس الميزات التي كانت لهم في عهد العرب‪ ,‬ولكي يستغلوا النصارى‪ ,‬وضعوا أموالهم‬
‫الطائلة تحت تصرف المراء السبان‪ ,‬الذين قربوهم من أنفسهم‪ ,‬حتى أن إيزابيل الراغونية أسندت وزارة المالية لحدهم المدعو إسحاق‬
‫أبربانال )‪ (Issac Abrabanal‬و اتخذته أمينًا لسرارها‪ ,‬ثم أغدقت على اليهود الخيرات والميزات‪ ,‬فغدوا سادة البلد‪ ,‬وكان أحدهم‬
‫يعرف بين العشرات من السبان بما يلبسه من الثياب الغالية التي تميزهم عن باقي أفراد الشعب الفقير‪ ,‬ولكن أمورهم بدأت تتدهور عندما‬
‫انسحب العرب كليًا من البلد‪ ,‬وعاد السبان بالذاكرة إلى الجرائم التي ارتكبها اليهود بحقهم إبان الفتح العربي ‪ ,‬فجنح بعض المراء إلى‬
‫التضييق عليهم‪ ,‬فهالهم المر‪ ,‬وشعروا بالخطار المقبلة‪ ,‬فسارع أكثرهم إلى التظاهر باعتناق المسيحية‪ ,‬وبدأوا يترددون على الكنائس‬
‫الكاثوليكية ويشاركون النصارى في شعائرهم الدينية ‪,‬بالوقت الذي كانوا فيه خفية على ممارسة شعائرهم الخاصة‪ ,‬ويلقنون أطفالهم سرًَا‬
‫الشعائر الموسوية‪ ,‬ويوصونهم بالتظاهر أمام السبان باعتناق النصرانية‪ ,‬كما أنهم تظاهروا بقطع علقتهم مع اليهود الخرين مع أنهم‬
‫ظلوا على اتصال وثيق مع جميع جالياتهم في البلد الخرى ‪ ,‬والغالب أن هذه الخدعة انطلت على السبان مدة طويلة من الزمن‪ ,‬تمكن‬
‫اليهود في أثنائها من التسلل إلى صفوف الرهبان‪ ,‬فأصبح منهم البطاركة و المطارنة الذين كانوا يتظاهرون بالتعصب للمسيحية بينما كانوا‬
‫ينشرون في صفوف النصارى المبادئ الهرطقية سرًا‪ ,‬ومع الزمن انكشف أمرهم وشعرت الملكة إيزابيل بخدعتهم فأوعزت إلى الكنيسة‬
‫بمراقبتهم والحد من شططهم‪,‬فقامت الكنيسة بفضح ألعيب هذه الفئة التي عرفت بالتاريخ باسم المرتدين ) ‪ ,(La Marranes‬وأحدثت‬
‫محكمة خاصة لمحاكمة أفرادها سميت بمحكمة التفتيش وأسند أمرها إلى المدعو توركمادو )‪ (Torquemado‬الذي اشتهر بعدائه لليهود‬
‫فاعتقل عشرات اللوف من المرتدين‪ ,‬وأثبت على أكثرهم تهمة خداع الكنيسة‪ ,‬وممارسة المعتقدات الموسوية سرًا‪ ,‬فأعدم من أعدم‪ ,‬وفر‬
‫من البلد من سنح له الهرب‪.‬‬
‫ثم أصدرت الدولة أمرًا يقضي بتنصير جميع اليهود الذين يريدون العيش في إسبانيا‪ ,‬وتهجير من يرفض اعتناق النصرانية‪ ,‬وعلى الثر‬
‫هاجر منهم ثلثمائة ألف‪ ,‬ورحلوا إلى البلد الهولندية والتركية‪ ,‬حاملين معهم كنوز الشعب السباني التي جمعوها في غضون ستة قرون‬
‫من دماء هذا الشعب المسكين‪ ,‬ولما حطوا رحالهم في هولندا وتركيا‪ ,‬تظاهروا من جديد بالستكانة والستقامة‪ ,‬فاكتسبوا شفقة وثقة‬
‫أصحاب البلد‪ ,‬فأطلقت لهم حرية العمل في كل من هولندة وتركيا‪ ,‬فاستغل اليهود كالمعتاد هذه الثقة و بادروا في هولندة إلى الستيلء‬
‫تدريجيًا على أسواق المضاربات المالية ثم وضعوا أيديهم على تجارة التحف والمجوهرات‪ ,‬وفي غضون عامين أصبحوا يتلعبون في‬
‫مقدرات هولندة المالية بكل معنى الكلمة‪.‬‬
‫أما في تركيا تمكنوا من السيطرة على التجارة البحرية في نفس المدة واستولوا على جميع المرافق التجارية في مدينتي إزمير و أدرنة ‪,‬‬
‫ولقد أدت سيطرتهم المالية هذه فيما بعد إلى السيطرة السياسية في كل من البلدين المذكورين‪.‬‬
‫ولكن تنصير اليهود و تهجيرهم من إسبانيا لم ينقذ السبان من شرورهم‪ ,‬ولم يمنعا اليهود من المثابرة على الكيد للسبان حتى بعد عدة‬
‫قرون‪ ,‬إذ أنهم أبو النهزام‪ ,‬وآلو على أنفسهم أن يثأروا من السبان ولو بعد حين‪ ,‬ولهذا رأيناهم في عهد نابليون يضعون أمواله تحت‬
‫تصرفه ليحتل إسبانيا ويساعدون شقيقه جوزيف الول ليمهدوا له طريق اعتلء عرشها‪ ,‬ويسندون إليه رئاسة محفل الماسون ليستغلوا‬
‫نفوذه في النيل من السبان وامتصاص دمائهم‪.‬‬
‫وفي القرن العشرين رأيناهم مجددًا يظهرون على مسرح الحداث في إسبانيا‪ ,‬ويقدمون المساعدات للثوار الذين دفعوهم لمقاتلة الملكية‬
‫والكنيسة‪ ,‬ويؤلبون على دولتها جميع الدول المهودة التي كانت تخضع لمشيئتهم‪ ,‬رغم تنافر مبادئها‪ ,‬واختلف أنظمتها‪ .‬ولقد رأينا‬
‫بريطانيا ذات النظام الملكي تساعد الثوار وترحب بأن يقام في عاصمتها مؤتمر اشتراكي تحت زعامة هريو‪ ,‬رئيس مجلس النواب‬
‫الفرنسي السبق ليتداول المؤتمرون فيه شؤون الثورة السبانية‪ ,‬وكل ذلك نزوًل عند رغبة اليهود ومجلسهم العلى وأنصارهم الماسون‬
‫المتحكمين الفعلين في مقدرات هذه الدولة الرأسمالية العريقة‪.‬‬
‫كما رأينا الحكومة الفرنسية تساهم في معاونة الثوار السبان وتسمح لليهود بتزويدهم بالسلح والرجال وعند فشل الثورة تحتضن‬
‫الهاربين وتفتح لهم جميع البواب لينزلوا في بلدها على الرحب والسعة والدولة الروسية التي كانت آنذاك تحت رحمة زمرة كاكانوفيتش‬
‫وليتفنوف )‪ (Kaganovitch et Litvinov‬شاهدناها هي أيضًا تقدم السلح والرجال لثوار إسبانيا‪ ,‬وتستقبل الفارين منهم في بلدها‬
‫على أحسن صورة‪ ,‬لنها كانت في حينه غير قادرة على رفض رغبات اليهود الذين كانوا يسيطرون على مقدراتها‪.‬‬
‫ولقد استغرب العالم آنذاك من هذا التحالف الغريب الذي قام بين تلك الدول المتنازعة‪ .‬وتساءل الناس عما دفع بالدولة البريطانية لترضى‬
‫بأن يعقد في أرضها مؤتمر مناوئ لمبادئها وأن تسمح لها بأن يصدر للثوار السبان التعليمات المعادية للمسيحية‪ ,‬والرامية إلى القضاء‬
‫على المعابد النصرانية ورجالها‪ ,‬ومحي كل أثر يرمز إلى المسيحية في إسبانيا و أن يستعاض عن كل ذلك بشعائر الماسون والشيوعية‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫كما تساءلوا عن أسباب مساعدة الجمهورية الفرنسية الكاثوليكية ثوار السبان رغم عداءهم السافر للكاثوليك‪ ,‬واستغربوا أيضاً موقف‬
‫الروس من تلك الثورة وتعاونهم لنجاحها مع بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا تتنازعان مع الروس في جميع الميادين الخرى‪ ,‬وفات العالم‬
‫آنذاك أن اليهود كانوا يسيطرون على هذه الدول ويسيرونها حسب أهوائهم‪ ,‬وكان لهم ثأر قديم مع السبان فاستغلوا الفرصة‪ ,‬وأشعلوا في‬
‫بلدهم نيران تلك الثورة‪ ,‬وراحوا يغذونها من جميع الجهات‪ ,‬ويقودون سيرها‪ ,‬ويحرضون الشعوب الخرى على مناوئة الدولة السبانية‪,‬‬
‫كما أرغموا الدول التي بحثنا عنها على مساعدة الثوار الذين كانوا يخضعون للزعامة اليهودية ويعملون تحت إشرافها وتوجيهها‪ ,‬لينتقموا‬
‫لها من السبان ويحققوا مصالحها الخاصة في بلدهم وفي طليعتها الطاحة بالنظام الملكي الذي طردهم في الماضي من البلد السبانية‪,‬‬
‫وتمزيق وحدة شعبه وإخراجه عن معتقداته وإفقاره وسلب أمواله و من ثم إخضاعه لنظام من صنعهم يرحب بالنضمام لمعسكر الدول‬
‫الغربية الدائرة في فلك الهداف اليهودية الرامية إلى السيطرة على العالم‪.‬‬
‫ل من فرنسا وإنجلترا للسير في الدروب المؤدية إليها وأم ً‬
‫ل‬
‫) هذه السيطرة التي عمل اليهود ما عملوه بغية التأهب لتحقيقها حتى أّهلوا ك ً‬
‫بتمهيد الطريق لهذا الهدف أشعل اليهود في مستهل القرن العشرين نار الحرب الكونية الولى ليستفيدوا من نتائجها‪ .‬وفي سبيل نفس‬
‫الغاية‪ ,‬زعم اليهود نبذ تقاليدهم ومعتقداتهم القديمة‪ ,‬وتظاهروا باعتناق المبادئ الشتراكية في روسيا ليغرروا بشعبها ويجروه إلى‬
‫المعسكر الموالي لهم‪ ,‬وكادوا أن ينجحوا لول أن ظهرت للوجود دويلتهم إسرائيل التي تمخضت الحرب الكونية الثانية عنها‪ ,‬والتي أطارت‬
‫صواب اليهود فرحًا‪ ,‬وحركت كوامن نفوسهم الطافحة بالتعصب العنصري والتطرف القومي‪ ,‬وأسقطت عن وجوههم القنعة المزيفة التي‬
‫خدعوا الروس بها‪ ,‬فاتضح تحيزهم العلني لسرائيل ومن أوجدوها‪ ,‬فخانوا الشتراكيين والشتراكية‪ ,‬وانكشف تحالف غلة الدعاة‬
‫للشتراكية منهم من الرأسمالية اليهودية‪ ,‬فأيقن الروس بخطر العتماد عليهم‪ ,‬فأبعدوهم عن مناصب النفوذ والجاه وحدث بينهما ما حدث‬
‫كما سبق البحث عنه (‪.‬‬
‫ولكن خاب فأل اليهود وفشلت الثورة السبانية التي دعموها و فوجئ العالم باعتراف إنجلترا و فرنسا بنظام فرانكو الجديد‪ ,‬وكأنهما ما‬
‫كانتا بالمس تساعدان الثوار و تسمحان لهيريو و اليهود بعقد المؤتمرات لتوجيه تلك الثورة ومدها بالسلح والعتاد‪ .‬فاستغرب الناس هذا‬
‫التحول غير المنتظر‪ ,‬وتساءلوا عن أسبابه التي لم تكن سوى إرادة اليهود الذين أرادوا ستر تدخلهم بالثورة الفاشلة التي لم يحققوا منها‬
‫إل الشطر الول من أغراضهم‪ ,‬والذي تمثل بفوزهم بالقضاء على الملكية‪ ,‬وتمزيق وحدة الشعب السباني وإخراجه عن معتقداته وإفقاره‬
‫على يد عصابة تهريب السلحة التي أحدثوها في فرنسا تحت زعامة اليهوديين سيرف )‪ (Cerf‬و كولدبرغ )‪ (Goldberg‬والتي كان‬
‫يمولها اليهودي ناتان )‪ (Nathan‬ويحميها ليون بلوم رئيس الوزارة الفرنسية آنذاك ‪ ,‬الذي سمح لبناء قومه اليهود أن يؤسسوا مكاتب‬
‫الدعاية الرسمية للثورة السبانية في فرنسا‪ ,‬وسهل لهم أمر إدخال النشرات المعادية لفرانكو عبر حدود بلده‪.‬‬
‫وعصابة السلحة هذه هي التي أفقرت إسبانيا‪ ,‬إذ كانت ترسل للثوار مختلف أنواع السلحة والعتاد مقابل أثمان خيالية‪ ,‬يسددها الثوار‬
‫بالتحف والمجوهرات التي كانوا يسلبونها من الكنائس والديرة‪ ,‬ومن أموال خزائن الدولة في المدن والدساكر التي سيطروا عليها‪ ,‬أو من‬
‫التاوات التي كانوا يفرضوها على أفراد الشعب السباني‪ ,‬حتى إن جميع ما كانت تملكه الكنائس السبانية التي اشتهرت بثرائها أصبح في‬
‫أعقاب الثورة ملكًا خاصًا لليهود‪ ,‬أما الزمرة اليهودية التي كانت تدير المكاتب التي كانت تصدر النشرات المحرضة على الثورة و تدعوا‬
‫السبان لمناوئة الكنيسة وتشجعهم على اللحاد والباحية‪ ,‬فكانت مكونة من إدوارد هيريو الذي كان يترأسها واليهودي ليون بلوم رئيس‬
‫الحكومة الفرنسية‪ ,‬واليهودي ميدلرسكي )‪ (Midlarsky‬وكان مقرها في قصر المليونير اليهودي ناتان الذي كان يمول عصابة تهريب‬
‫السلحة‪ ,‬وكان الجميع يجتمعون في هذا القصر ويتداولون شؤون الثورة السبانية ويخططون لها حول مائدة تزخر بأطيب المآكل‬
‫والمشارب المبتاعة بدماء الشعب السباني التعس الذي تورط في المتاهات اليهودية وارتضى طائعًا مختارًا أن يسفك دماءه على مذبح‬
‫شهواتهم الدنيئة‪.‬‬
‫وهذه الزمرة هي التي أوعزت إلى فرنسا وإنجلترا بأن تعترفا بفرانكو‪ ,‬بعد أن أيقنت بفشل الثورة‪ ,‬لتغطي على جرائمها العديدة التي‬
‫ارتكبتها بحق الشعب السباني‪ ,‬فاكتفت مؤقتًا بما حققته من المرابح المادية الطائلة والنتقام البشع من النظام الملكي والشعب السباني‪,‬‬
‫بانتظار الفرصة المواتية لتعود لتحقيق الشطر الخير من أغراضها وهو بسط نفوذ اليهود على الدولة السبانية في المستقبل وجرها إلى‬
‫معسكر الدول المهودة‪.‬‬
‫ولكن افتضاح أمر اليهود في روسيا السوفييتية قضى على مطامعهم في إسبانيا وأيقن شعبها مثلما أيقن الشعب الروسي فيما بعد بعدم‬
‫جدوى الوثوق باليهود وتبين لهم أن اليهود هم قبل كل شيء يهود وما زالوا على تقاليدهم القديمة الداعية إلى التعالي والغطرسة‪ ,‬وعلى‬
‫معتقداتهم المبنية على التعصب العنصري‪ ,‬وعلى الحقد وحب السيطرة‪ ,‬وإنهم ل يؤمنون بكل ما عداها من المبادئ‪ .‬وما تظاهروا‬
‫بالشتراكية في إسبانيا إل لتحقيق مصالحهم التغرير بشعبها مثلما غرروا بالشعب الروسي في البداية‪.‬‬
‫ولقد احتاط فرانكو منذ البداية لمرهم وقطع دابر ألعيبهم في بلده قبل أن يكتشف أمرهم في بلد الروس و هكذا تخلص منهم ولم يقع في‬
‫أحابيلهم‪ ,‬ومن ثم خرجت روسيا من نطاق نفوذهم وأظهرتهم على حقيقتهم للعالم أجمع وهكذا تمزقت أستار أحابيلهم في بلد السوفييت‪.‬‬
‫ل لجدعون ودبورة مثلما‬
‫ورغم كل ذلك ظل النفوذ اليهود يتفاقم يومًا عن يوم في الدول الغربية حتى أصبحت هذه الدول وكأنها تنتسب أص ً‬
‫كان يزعم أوليفيه توماس ) أوليفر كرومويل ( في بريطانيا‪ .‬ومن هنا يخال لنا أن هذه الدول ستظل تدور في فلك اليهود إلى أن تنهار يوم‬
‫تنهض شعوبها من كبوتها و التخلص من المخدر الصهيوني فتنقض على اليهود والمهودين لتمحوا أثرهم من الوجود‪.‬‬
‫وقبل أن نختم هذا البحث نذكر القارئ الكريم بأن اليهود حققوا في الثورة السبانية إحدى أهدافهم المقدسة وهو جمع المال‪ ,‬هذا الهدف‬
‫الذي قال عنه أحد مشاهيرهم المدعو ليفي إليفاس )‪ (Maitre E. Lavy‬إنه غاية سعادة النسان التي يكمن فيها مزيتان إلهيتان‪ ,‬العظمة‬
‫والقدرة على العطاء‪.‬‬
‫الجرائم اليهودية في المجر‬
‫على أثر معاهدة فيرساي )‪ (Versilles‬التي قضت بتمزيق دولة المجر‪ ,‬تعددت في ربوعها الحزاب وتطاحنت فيما بينها للفوز بمقاعد‬
‫الحكم‪ ,‬فتدهورت الحالة العامة وسادت الفوضى أرجاء البلد وتخاذل رئيس حكومتها كارولي )‪ (Karoli‬وانهارت هيبة الحكم‪.‬‬
‫ل‪ ,‬فوحدوا جهودهم للقيام بما يؤمن مصالحهم العامة‪ ,‬أرسلوا يستنجدون بتروتسكي )‬
‫فانتهز اليهود هذه الفرصة التي ترقبوها طوي ً‬
‫‪ (Tortesky‬ليمدهم بالعون والمشورة‪ ,‬فأوفد إليهم عشرين مفوضًا من خيرة أنصاره تحت قيادة اليهودي المعروف بلكون )‪Bela‬‬
‫‪ (kun‬لمناصرة يهود المجر في الوصول إلى الحكم‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫ولما وصل بلكون إلى المجر وجد الجو مناسبًا لثارة أعمال الشغب والفوضى‪ ,‬فعهد بذلك إلى أشهر مساعديه من غلة الثورة في روسيا‬
‫أمثال الصحفي السابق اليهودي تيبور سيزمااولي )‪ (Tibor Szmueli‬الذي كان يلقب بالضبع السود )‪ (L’hyéne Noire‬وندل‬
‫الفنادق الشهير اليهودي رابينوفيتش )‪ (Rabimovitch‬واليهودي فاكا )‪ (Vaga‬و اليهودي بلفاركا )‪ (Bela Varga‬واليهودي‬
‫ديزسو بيرو وبوكاني )‪ (Pogany‬و ماتياس راكوزي )‪ (Mathias Rakosi‬فقام هؤلء بدراسة الوضع ووضعوا المخططات اللزمة‬
‫لنجاح عملهم و من ثم جمعوا أنصارهم وحددوا لكل منهم منطقة عمله وزودهم بالمال والرجال ومن ثم باشروا أعمالهم التخريبية بحجة‬
‫حماية اليهودي الذين لم يكن يتجاوز عددهم ‪ %15‬من مجموع السكان وبغية إرهاب المواطنين أصدر هارون كوهن الملقب ببلكون‬
‫أوامره إلى أنصاره باغتيال زعماء الحزاب المناوئة‪ ,‬واستعمال القسوة والوحشية في قتالهم مع الخرين‪ ,‬فشرع هؤلء الوباش بأعمال‬
‫القتل و الغتيال على أوسع نطاق‪ ,‬وأرهبوا الحزاب الخرى فتوارت كل منها بدورها عن الساحة‪ ,‬وتضاءل نفوذ الحكومة‪ .‬فأعلن بلكون‬
‫عليها الثورة فانهارت تحت ضرباته الوحشية‪ ,‬وانتزع الحكم من كارولي ‪ ,‬وتربع على عرش المجر يحيط به زبانيته اليهود والمغرر بهم‪.‬‬
‫وهكذا بدأ الحكم اليهودي في المجر أول شهر مارس عام ‪ 1919‬وبادر بلكون إلى إعلن المجر دولة تابعة لتروتسكي‪ ,‬فالتف حوله‬
‫الماسون يدعمونه بالمال والنصار‪ ,‬ويشجعونه على البطش والتنكيل بالشعب المجري دون تمييز‪ ,‬فغدت البلد جحيمًا ل يطاق‪ .‬إذ عمت‬
‫المجازر الرهيبة كافة أوساط الشعب وشملت حتى الشتراكيين من غير اليهود‪ ,‬وحرمت المظاهرات على الطلب‪ ,‬ومنع العمال من‬
‫الحتجاج أو النزوع إلى الضراب وكان جزاء من يقدم على الضراب أو الحتجاج هو العدام شنقًا دون سؤال أو جواب‪.‬‬
‫ولقد برهن اليهود في حينه على أنهم مازالوا على وحشيتهم التي تدمغهم توراتهم بها‪ ,‬فقتلوا ألوف العمال والفلحين‪ ,‬واقتلعوا عيون‬
‫أخصامهم ‪ ,‬وبقروا بطون نساء معارضيهم فامتلت أقبية السجون و المعتقلت و حتى قاعات المجلس النيابي بجثث ضحاياهم‪.‬‬
‫وكان اليهودي كلن كارفن )‪ (Klen carvin‬الذي يدير المباحث المجرية ل يتورع عن إصدار أوامره لنصاره بأن يجردوا نساء أخصام‬
‫الحكم من ثيابهن أمام الناس وفي رابعة النهار ويعتدوا على عفافهن على مشهد من المواطنين ومن ثم يقتلن بالرصاص كالكلب‬
‫المسعورة في قارعة الطريق‪.‬‬
‫كما أن ضفاف الدانوب شهدت إبان حكم بلكون من المآسي الوحشية ما يعجز عنه القلم واللسان‪ ,‬إذ كان اليهود يقودون نساء الفلحين‬
‫ليلً إلى رياض الدانوب و يغتصبونهم أما أزواجهن وأطفالهن ويقتلعون عيون أقربائهن وأطفالهن أمامهن‪ ,‬وللحيلولة دون سماع الناس‬
‫استغاثاتهن‪ ,‬كان يديرون المحركات الكبيرة ليغطي هديرها‪ ,‬أصوات استغاثة ضحاياهم التعساء‪.‬‬
‫وكان أشعر اليهود في الوحشية والهمجية هو تيبور الملقب بالضبع السود ‪ ,‬الذي أضاف إلى كل هذه الجرائم‪ ,‬جريمة جديدة كان يرمي من‬
‫ورائها إلى إظهار عبقريته في فنون التعذيب والقتل‪ ,‬والترفيه عن رجاله قبل انتهاء سهراتهم الصاخبة‪ ,‬وهي أنه بعد أن يطل العنان لرجاله‬
‫بالعتداء على النساء وبقر البطون وقلع العيون‪ ,‬كان يأمرهم بأن يجمعوا الحياء من هؤلء التعساء الذين اقتلعت عيونهم‪ ,‬ويجرب فيهم‬
‫مختلف العقد المعروفة لحبال المشانق‪ ,‬ويحصي الزمن الذي تستلزمه كل عقدة منها لنهاء حياة الضحية‪ ,‬ثم يعمد بعدها إلى تفسير أسباب‬
‫الزمن الذي اقتضته كل عقدة لنهاء الدقائق الخيرة للضحية التعيسة‪.‬‬
‫فكان من الطبيعي أن يستكين الشعب العزل أمام هذه القسوة والوحشية‪ ,‬فاستغل اليهود استكانته‪ ,‬فأغاروا على مقدساته يدنسونها دون‬
‫رهبة أو خجل‪ ,‬فقتلوا الرهبان وأحرقوا الناجيل والكنائس‪ ,‬ونهبوا محتويات المعابد‪ ,‬فلم يعد في إمكان الشعب المجري تحمل هذه المآسي‬
‫فعمد إلى المقاومة ولكنه كان أعجز من أن يتغلب على اليهود بمفرده فاستنجد بالشعب الروماني الذي كان يراقب ما يجري في المجر‬
‫بعيون ملؤها الحزن والسى فاضطرت الدولة الرومانية تحت ضغط شعبها للتدخل في المر وأرسلت جيشها بقيادة الميرال هورتي لنقاذ‬
‫المجر من تعسف بلكون وأتباعه‪ ,‬ولما شعر اليهود باقتراب الخطر أشاروا على بلكون بأن يتوارى عن النظار قبل وصول الجيش‬
‫الروماني إلى البلد‪ ,‬فسارع إلى جمع الموال والتحف التي سلبها من الشعب المجري والتي قدرت أثمانها بمائتي مليون كورون وفر هاربًا‬
‫مع أتباعه إلى خارج المجر‪ ,‬بعد أن حكمها مدة مئة وثلثة وثلثين يومًا أذاق فيها الشعب المجري أمر أنواع العذاب وقتل من أفراده أكثر‬
‫من ثلثين ألف شخص‪.‬‬
‫بيد أن خروج بلكون لم ينقذ الشعب المجري المسكين من السيطرة اليهودية‪ ,‬إذ كان اليهود منذ أقدم العصور قد تغلغلوا في صفوفه‬
‫وعمقوا جذور قواعدهم في أرضه‪ ,‬وسيطروا منذ أمد بعيد على كافة مرافقه الصناعية والتجارية وامتلكوا صحافته وزمام كل الحرف‬
‫الحرة الفنية كالطب والمحاماة‪ ,‬لن الشعب المجري كان يعزف بطبيعته عن امتهان هذه العمال لنه كان منذ القدم منقسمًا إلى ثلث فئات‬
‫ل‪ ,‬وهذه الفئات كانت فئة المزارعين الذين ل يتعاطون إل الزراعة‪ ,‬وفئة العمال اليدويين‬
‫تمتهن كل منها حرفة معينة ول تقبل عنها بدي ًَ‬
‫الذين كانوا يمارسون العمال اليدوية التقليدية‪ ,‬وفئة المتحضرين الذين كانوا يمتهنون الجندية والسياسة فقط‪ ,‬ولذا تمكن اليهود بكل‬
‫سهولة من احتلل المرافق الهامة الخرى التي أصبحت في مستهل القرن العشرين المقومات الساسية لكل بلد‪ ,‬ولهذا ظل نفوذهم قائمًا‬
‫حتى بعد فرار بلكون وعصبته من المجر‪.‬‬
‫ولكن أعمال بلكون الوحشية أيقظت الشعب المجري ودفعت به إلى التفكير بالتخلص من اليهود‪ ,‬فشرعت بعض الحزاب بدراسة الطرق‬
‫المؤدية إلى التخلص من اليهود والحد من سيطرتهم‪ ,‬فقام بعض الساسة أمثال سنراللسي )‪ (Szallassy‬الذي كان يترأس الحزب‬
‫الشتراكي الوطني بشن حملة واسعة ضد اليهود وطالب الدولة بأن تجردهم من الموال التي سلبوها من الشعب المجري عبر الزمان‪,‬‬
‫وأن تؤمم مصانعهم التي أنشأوها بدماء اليد العاملة المجرية‪ ,‬فالتف الناس حوله وخاصة طبقة العمال لما اشتهر عن سنراللسي من‬
‫طهارة اليد وصدق العزيمة و الخلص لبلده فاشتد ساعده فخشي اليهود مغبة حملته عليهم‪ ,‬فاعترضوا طريقه‪ ,‬وحملت صحافتهم عليه‬
‫واتهمته بالنازية واختلقت الكاذيب عنه لتغرر بالحكومة والمواطنين‪ ,‬فجزع أولوا المر من نفوذ سنراللسي وتحالفوا مع اليهود‪ ,‬وافتعلوا‬
‫حادثة إلقاء قنبلة على كنيس يهودي بالتفاق مع اليهود‪ ,‬فاتهمت الصحافة أنصار سنراللسي بإلقائها‪ ,‬فبادرت الحكومة إلى اعتقاله وحل‬
‫حزبه وتشريد أنصاره‪ ,‬ولم تقد له بعدها قائمة‪ .‬وهذه الحادثة أرهبت أعداء اليهود الخرين‪ ,‬فركنوا إلى الهدوء‪ ,‬وسلم اليهود رغم كل‬
‫الجرائم التي ارتكبوها في عهد بلكون‪.‬‬
‫وفي أعقاب الحرب الكونية الثانية‪ ,‬واحتلل الجيش الروسي لبلد المجر عادر اليهود مجددًا لتهام سنراللسي بالنازية والتعاون مع هتلر‪,‬‬
‫ولفقوا عليه مئات التهم الخرى فاعتقلته السلطات الروسية‪,‬وسلمته إلى اليهود‪ ,‬الذين عذبوه أمر العذاب ثم شنقوه في إحدى ساحات‬
‫العاصمة المجرية وكأنه مجرم أثيم‪ ,‬ومع أن سنراللسي لم يسئ قط لليهود‪ ,‬وجل جريمته تتلخص بالدعوة للشتراكية الوطنية التي ل‬
‫تناسب اليهود فحقدوا عليه فلما هبت رياحهم ألقوا القبض عليه وأعدموا ليتخلصوا منه‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫الجرائم اليهودية في بولونيا‬
‫مع أن التاريخ لم يحدد الزمن الذي بدأ فيه اليهود تمركزهم في بولونيا‪ ,‬إل أننا نستنتج من التلميحات العابرة الواردة عنهم في المصادر‬
‫الباحثة عن أوروبا الشرقية‪ ,‬بأنهم كانوا منتشرين في أكثر القطار السلفية ‪ ,‬وخاصة في المناطق التي كانت تعتبر آنذاك متخلفة فكريًا‬
‫ودينيًا‪.‬‬
‫ومن هنا يبدو أنهم دخلوا بولونيا قبل أن تنتشر النصرانية في ربوعها‪ ,‬كما أن المصادر التاريخية المختلفة تشير إلى أن اليهود هاجروا‬
‫إلى بولونيا من مختلف القطار الوروبية وعلى مراحل عدة‪ .‬فمنهم من دخلها مع جيوش الغازي المغولي باتي )‪ ) (Baty‬ولربما هؤلء‬
‫من يهود الخزر الذين كانت تربطهم بالمغول روابط الجوار (‪ ,‬ومنهم من أتى إليها من ألمانيا على أثر ظهور الوباء السود في أوروبا ) في‬
‫القرون الوسطى (‪ ,‬وآخرون لجئوا إليها في أعقاب الغزو التركي لبيزنطا‪ ,‬ومنهم من نزح إليها أيضًا من ألمانيا بعد أن اختلفوا مع مصلحها‬
‫لوثر‪.‬‬
‫وهذه الهجرات المتوالية ضاعفت تعداد اليهود في بولونيا التي كانت متخلفة عن سواها من القطار الوروبية‪ ,‬لنها كانت مازالت بعيدة‬
‫عن التطورات الدينية والفكرية التي بدأت تجتاح أوروبا منذ مستهل القرن الخامس عشر‪ .‬عدا عن أن شعبها كان على الفطرة ينقسم إلى‬
‫فئتين ل ثالث لهما‪ ,‬فئة السادة أصحاب الطيان الواسعة وفئة المسخرين الذين يعملون في الحقول التابعة للفئة الولى‪ ,‬وهذا الوضع‬
‫الجتماعي ناسب اليهود جدًا إذ سمح لهم أن يكونوا بمثابة همزة الوصل بين الطرفين لما كانت لهم من شهرة في العمال المالية‬
‫والمحاسبة‪,‬التي كان رجال القطاع بأمس الحاجة إلى من يتقنها لضبط مواردهم والشراف على نفقات أطيانهم‪ ,‬فرحبوا بمقدم اليهود منذ‬
‫البداية‪ ,‬وأسندوا إليهم إدارة أمورهم المالية‪ ,‬فاستثمر اليهود ثقة السادة على أوسع نطاق‪ ,‬وانتشروا في كافة أنحاء البلد‪ ,‬فجنحوا إلى‬
‫الظلم والتعسف‪ ,‬خاصة في عهد المير كازمير لديسلس )‪ (Casimir Ladislas‬الملقب بسيجيزموند )‪ (Sigismond‬الذي أجرهم‬
‫الكنائس والمعابد‪ ,‬وعهد إليهم جباية الضرائب العامة من الشعب وأطلق لهم الحرية التامة في الحصول على عائدات الدولة‪ ,‬فانقض اليهود‬
‫يغترفون من خيرات البلد دون رادع أو حساب‪ ,‬واستولوا على جميع مرافقها التجارية والصناعية ‪ ,‬فتكدست على خزائنهم الموال ‪,‬‬
‫وأصبحوا يضاهون سادة البلد في الثراء والجاه وبغية تقويه مركزهم الجتماعي استدعوا كثيرًا من يهود ألمانيا و البلد المجاورة‪ ,‬ثم‬
‫عمدوا إلى إقامة المعابد الخاصة بهم‪ ,‬وأوجدوا في كل مدينة بولونية حيًا خاصًا بهم ولما أيقنوا أنهم في غفلة من المراء باشروا بالتبشير‬
‫بشريعتهم ودعوا الناس لعتناق مذهبهم‪ ,‬بينما كان السادة يغطون في سباتهم العميق‪ ,‬ول يهتمون إل بما يجنونه من الموال التي كان‬
‫اليهود يجبونها لحسابهم‪.‬‬
‫ولكن البولونيين أبوا أن ينجرفوا خلف الدعايات اليهودية فعمد اليهود إلى رفع نسب الضرائب المفروضة على الشعب‪ ,‬ومن ثم استحوذوا‬
‫ضرائب جديدة باسم الكنيسة ليثقلوا بها كاهل الشعب‪ ,‬ويحولوا دونه وممارسة الشعائر الدينية التي أصبحت باهظة التكاليف بعد كل‬
‫الضرائب التي استحدثوها‪ ,‬ومع هذا قاومهم الشعب ورفض إتباع شريعتهم‪ ,‬فجنحوا إلى تحريض أصحاب الطيان على الفلحين‪ ,‬حتى‬
‫تورط الملك وخفضوا حصص الفلحين من الغلل إلى نصف ما كانت عليه سابقًا‪ ) ,‬هكذا شرع اليهود بتطبيق أسلوبهم القديم الذي‬
‫استنبطه أحد أسلفهم يوسف بن يعقوب في القرن السابع عشر قبل الميلد و طبقه في مصر ليرغم أهلها على عبادة سيده فرعون ( ومع‬
‫ذلك ظل الشعب البولوني يقاوم اليهود فترة طويلة رغم ما ساموه من الذل والعذاب‪ ,‬ما فرضوه عليه من المكوس والضرائب الغريبة‬
‫كضريبة العبادة‪ ,‬وضريبة ارتياد الكنائس وسواها‪.‬‬
‫فاستاء اليهود من مقاومتهم الضارية‪ ,‬وشددوا عليه النكير‪ ,‬ففقد البولونيون الصبر ولم يعد بإمكانهم تحمل الشطط اليهودي وعلى الخص‬
‫ل فهبت هذه العشائر وأعلنت الثورة على الدولة واليهود معًا‪ ,‬وهاجمت المدن‬
‫عشائر القوزاق التي سامها اليهود الذل والهوان طوي ً‬
‫ل‪ ,‬وقتلوا فيها الكثير من اليهود‪,‬‬
‫والدساكر تحت قيادة زعيمها شملنيكي )‪ (Chemelniki‬وساعدها الشعب فدامت ثورة القوزاق طوي ً‬
‫فعجزت الحكومة عن قمع ثورتهم‪ ,‬فتخلت نسبيًا عن حماية اليهود‪ ,‬مما اضطرهم على الفرار من بولونيا حاملين معهم الموال الكثيرة التي‬
‫نهبوها من الشعب البولوني الذي رحب بمقدمهم وآواهم في بلده عدة قرون‪.‬‬
‫وهكذا أنقذت بولونيا من شرورهم مؤقتًا‪ ,‬ولكن ظهور نابليون على مسرح الحداث الوروبية‪ ,‬أعاد لهم مجدهم الزائل في بولونيا‪ ,‬فعادوا‬
‫إليها مع جيوشه‪ ,‬واستولوا على كل ما راق لهم فيها‪ ,‬وفرضوا سيطرتهم التامة على شعبها‪ ,‬ثم اتخذوها مركزًا لدسائسهم ومؤامراتهم ضد‬
‫الشعوب الوروبية الخرى‪ ,‬فكانوا يعقدون في مدنها أشهر مؤتمراتهم الصهيونية ويهيئون في مجتمعاتها مخططاتهم القومية الخاصة‬
‫علنًا حتى سميت بولونيا قبل الحرب العالمية الولى بجنة اليهود في أوروبا الشرقية‪ ,‬وفي الفترة الفاصلة بين الحربين وصلوا فيها إلى‬
‫أوج السيطرة والنفوذ‪ ,‬ومن خلل المعلومات التي تتناقلها الذاعات الن يستنتج بأنه مازال لهم بعض النفوذ فيها‪.‬‬
‫الجرائم اليهودية في رومانيا‬
‫طيلة مدة الحكم القيصري في روسيا‪ ,‬كان اليهود يعتبرون رومانيا ملجأهم المين الذي يلوذون به كلما تعرضوا لنقمة السلطات القيصرية‪,‬‬
‫إذ كانوا يجدون فيها الترحيب والمساعدة‪ ,‬ويحتمون بحكومتها التي يسيطر عليها الماسون و أعضاء الجمعيات المناصرة لهم‪ .‬فلما فشلت‬
‫ثورة ‪ 1905‬في روسيا التجأ اليهود الذين اشتركوا فيها بالدولة الرومانية فحمتهم‪ ,‬وقدمت لهم المساعدات الكثيرة رغم أن الشعب‬
‫الروماني كان يكرههم ول يرضى عن سلوك حكومته معهم لنه كان يعرف الكثير عن مساوئهم‪ ,‬ولقد ازداد حقده عليهم بعد الحرب‬
‫العالمية الولى عندما شاهد ما صنعه بلكون بالشعب المجري الشقيق‪ ,‬ففكر بالحد من نشاط اليهود الذي بدأ يزداد في بلده بعد أن أصبح‬
‫عددهم فيها يربو على المليون نسمة‪ ,‬ولكن سيطرة الماسون في البلد‪ ,‬حالت دون الشعب الروماني وما أراده‪ .‬وفي عهد حكومة‬
‫الماسوني تيتو لسكو )‪ (Titilesco‬ازداد نشاط اليهود و تعاظمت سيطرتهم فامتلكوا الطيان الواسعة بأساليبهم المعروفة واستولوا على‬
‫المصارف ومرافق التجارة الخارجية‪ ,‬وأخضعوا الصحافة برمتها لمشيئتهم‪ ,‬وفتح تيتو لسكو لهم أبواب دوائر الدولة فاحتلوا أحسن‬
‫المراكز فيها‪ ,‬وسيطروا على مقدرات الشعب الروماني بأكملها‪ ,‬وباشروا بتطبيق الخناق على أهل البلد ليذلوهم ويخضعوهم لرادتهم‪,‬‬
‫فدامت سيطرتهم هذه على الرومان حتى وقعت الحرب العالمية الولى‪ ,‬فعمدوا إلى التخفيف من غلوائهم ريثما تنجلي غبار الحرب‪ ,‬ولما‬
‫انتهت الحرب عادوا لسيطرتهم بصورة أشد وأقسى‪ ,‬فلم يسع الرومان تحمل ظلمهم واستيقظ الشعور القومي في صفوفهم‪ ,‬فبادروا إلى‬
‫مقارعة الماسون واليهود حتى تمكنوا من إيصال السيد كوكا أوكتافيا )‪ (Coga Octavia‬الذي اشتهر بحبه لوطنه وبني قومه إلى الحكم‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫فبادرت الحكومة الجديدة أخذ الترتيبات اللزمة للحد من غلواء اليهود إرضاء لرغبات الكثرية الساحقة من المواطنين‪ ,‬ولكنها فشلت في‬
‫مبتغاها‪ ,‬لما لقته من عناد الماسون في محاربتها‪ ,‬وما كان لليهود من سيطرة على الصحافة الرومانية التي هبت برمتها تهاجم رئيس‬
‫الحكومة كوكا‪ ,‬وتشنع بسيرته وأعماله‪ ,‬وتصفه بالعنصري المتطرف والعرقي المتوحش‪ ,‬وتتهمه باضطهاد اليهود وتنعته بجلد اليهود‪,‬‬
‫وحرضت عليه الصحافة الغربية التي سارعت بدورها إلى العزف على نغم الصحافة الرومانية‪ ,‬وطالبت حكومتها بالتدخل لصالح اليهود‪,‬‬
‫وإرغام حكومة كوكا على احترام نصوص معاهدة باريس )‪ (1919‬القاضية بمنح اليهود كافة الحقوق السياسية في جميع البلد الموقعة‬
‫عليها‪ ,‬فباشرت الدول الغربية بالتضييق على الحكومة الرومانية‪ ,‬فاتصل سفراؤها بكوكا وطالبوه باسم حكوماتهم بالكف عن اضطهاد‬
‫اليهود ومنحهم الحقوق التي نصت عليها معاهدة باريس باعتبار أن حكومته كانت إحدى الدول الموقعة على المعاهدة المذكورة‪.‬‬
‫وليت المر وقف عند هذا الحد‪ ,‬ولكنه تعداه إلى حد تدخل جمعية المم بالموضوع فطالبت بدورها رومانيا بمراعاة نصوص معاهدة ضمان‬
‫حقوق القليات اليهودية‪ ,‬وتدخلت الحكومة الفرنسية أيضًا بالمر فأوفدت وزير خارجيتها دلبوس )‪ (Delbos‬إلى بوخارست ليباحث‬
‫ل من ألبير لوبرن و دولديه )‪ (A- Lebrun et Deladier‬لتتوقف عن اضطهاد اليهود المزعوم‪ .‬ولدى مغادرته‬
‫حكومتها باسم ك ً‬
‫رومانيا عهد بملحقة الموضوع لسفيره أدريان تييري )‪ (Adrien Thierry‬صهر البارون اليهودي روتشيلد‪ ,‬والذي لم يكتف بمطالبة‬
‫الحكومة الرومانية بعدم حرمان اليهود مما نصت عليه معاهدة باريس فحسب بل طالبها بأن تمنح نفس الحقوق لكل لجئ يهودي جديد‬
‫يرد إلى رومانيا‪ ,‬فرفض كوكا هذا الطلب‪ ,‬وبرهن عن كذب مزاعم اليهود قم طلب بدوره من الحكومات الغربية‪ ,‬أن توقف سيل الهجرة‬
‫اليهودية إلى بلده‪ ,‬واقترح أن يوفد اليهود إلى أوغندة أو أي بلد آخر ليتخلص منهم‪.‬‬
‫عندها فكر اليهود بطريقة أخرى للتخلص من كوكا العنيد‪ ,‬فاتصلوا بزعماء الماسون وطلبوا منهم أن يقنعوا الملك كارول الروماني الذي‬
‫كان ينتسب للماسونية‪ ,‬بضرورة إسقاط وزارة كوكا المعادية لليهود‪ ,‬ولكن كارول لم يجسر على تلبية هذه الرغبة‪.‬‬
‫ولما شعر كوكا بما يحاك له من المؤامرات‪ ,‬استنجد بهتلر وطلب منه إيقاف هجرة اليهود من بلده إلى رومانيا‪ ,‬ولكن هتلر خيب رجاءه‪,‬‬
‫وأجابه بأنه وإن كان يؤلمه أن يرى اليهود يتكاثرون في رومانيا إل أنه يفضل ذلك على بقائهم في بلده‪.‬‬
‫واتصال كوكا بهتلر كان وباًل عليه‪ ,‬إذ أوغروا صدر الملك عليه‪ ,‬فتحالف مع بريطانيا وفرنسا للكيد لكوكا‪ ,‬فازداد ضغط هذه الدول المهودة‬
‫على رومانيا‪ ,‬نشطت محافل الماسونية والصحافة اليهودية من جديد‪ ,‬وشنت هجومًا ضاريًا على حكومة كوكا وثابرت عليه إلى أن أسقطت‬
‫كوكا‪ ,‬وعادت السيطرة اليهودية للبلد‪ ,‬وباشر اليهود عمليات الثأر ممن ساندوا كوكا‪ ,‬وتابعوا حملتهم الصحفية عليه‪ ,‬ولكن كوكا ظل‬
‫على عناده في مقارعة اليهود ولما ألحق هتلر النمسا بالرايخ الثالث‪ ,‬ألقى كوكا بهذه المناسبة محاضرة توجيهية على بني قومه في جامعة‬
‫بوخارست أعن فيها رأيه في اليهود وقال إن إلحاق النمسا بالدولة اللمانية يعتبر هزيمة لبني إسرائيل‪ ,‬وإنقاذًا لعاصمتها فيينا )‪(Vienne‬‬
‫التي ترزح تحت كابوس اليهود منذ عدة أجيال حتى كادت أن تصبح مدينة يهودية أصيلة‪ ,‬أما المسؤولية في هذا اللتحاق فتقع كليًا على‬
‫عاتق اليهود‪ ,‬الذين أبوا التوقف عن جرائمهم وجشعهم في النمسا و دفعوا بشعبها إلى أحضان هتلر لينقذه من الطغمة اليهودية الفاجرة‪,‬‬
‫والواقع أنه أنقذه‪ ,‬وضمد جراحاته‪ ,‬بطرده اليهود من بلده‪ ,‬كم أتمنى أن أرى بلدي تحذو حذو هتلر وتطهر نفسها من هذا الوباء الوبيل‪.‬‬
‫وفي أعقاب هذا التصريح نقم اليهود عليه أكثر من ذي قبل‪ ,‬بعد بضعة أيام عثر عليه جثة هامدة في إحدى غرف منزله‪ ,‬ولم يعرف قاتله‪,‬‬
‫وهكذا ذهب ضحية إخلصة لبلده وقومه‪ ,‬ولم يتمكن أحد من الثأر له من اليهود المجرمين ولكن نضال كوكا لم يذهب سدى‪ ,‬بل أثمر وأينع‬
‫في رومانيا‪ ,‬واستيقظ الشعور القومي في صفوف أبنائه‪ ,‬وكثر عدد الشباب الذين حقدوا على اليهود‪ ,‬ولقد بزر من بينهم كودريانو )‬
‫‪ (Codréanu‬الذي انحدر من عائلة فقيرة‪ ,‬كانت تجاور اليهود‪ ,‬فشب كودريانو في الوسط اليهودي ‪ ,‬وشاهد بأم عينيه كثيرًا من جرائمهم‬
‫التي ارتكبها اليهود بحق شعبه وشعر كرههم وحقدهم على بني قومه‪ ,‬فنذر نفسه لمحاربتهم‪ ,‬ولما شب عن الطوق‪,‬شرع بمناوئة اليهود‪,‬‬
‫وتزعم حزبًا سياسيًا فكثر عدد أفرداه لثقتهم بزعيمه الذي اشتهر بإخلصه لبلده‪ ,‬واشترك في النتخابات النيابية‪ ,‬ونجح نجاحًا باهرًا‪,‬‬
‫ومثل حزبه في المجلس خير تمثيل‪ ,‬فالتف الناس حوله‪ ,‬فجزع اليهود من عواقب فوزه الكاسح وأثره بقلوب المواطنين فعمدوا إلى اليقاع‬
‫به‪ ,‬فحرضوا أحد أنصارهم المدعو مانسان )‪ (Mancin‬الذي كان يشغل آنذاك وظيفة مدير الشرطو في بوخارست على العتداء عليه‪,‬‬
‫فأقدم مانسان على شتم وصفع كودريانو أمام الناس‪ ,‬فلم يحتمل كودريانو الهانة‪ ,‬فأخرج مسدسه وأفرغه في غريمه المأجور فقتل حاًل‪,‬‬
‫أحيل كودريانو إلى القضاء‪ ,‬فبرأ القضاء ساحته معتبرًا عمله دفاعًا مشروعًا عن النفس‪ ,‬وعلى إثر هذه الحادثة ازداد أنصاره وأصبح‬
‫أقوى زعماء رومانيا بأسرها‪ ,‬فخشيت السلطات الحاكمة من تفاقم أمره‪ ,‬وتحالفت مع اليهود والماسون على إزاحته من الطريق فدبرت له‬
‫المكائد والمؤامرات لعلها تناله‪ ,‬ولكن مساعيها بائب بالفشل‪ ,‬إذ كان كورديانو أجرأ من أن يتخاذل فرد على العنف بالعنف‪ ,‬وعلى التحدي‬
‫بالتحدي‪ ,‬ولما تكاثر أعداؤه بادر إلى إيجاد تشكيلت حربية ضمن حزبه وأطلق عليها اسم الحرس الحديدي ) عام ‪ )1938‬فلم ترق هذه‬
‫التشكيلت للماسوني دوكا )‪ (Duca‬الذي كان يترأس الدولة الرومانية آنذاك‪ ,‬وأصدر أمره إلى قوات المن بحل هذه المنظمة )خلفًا‬
‫للقانون( و تشتيت شمل أفرداها بالقوة‪ ,‬وليجاد المبررات لجراءه المعادي لكودريانو‪ ,‬أوعز إلى ستيلسكو )‪ (Stélesco‬زعيم أحد‬
‫الحزاب المناصرة لليهود وعميل الرأسمالية اليهودية‪ ,‬بأن يأمر أنصاره بالعتداء على أنصار كودريانو فسارع ستيلسكو وأنصاره إلى‬
‫العتداء على الحرس الحديدي‪ ,‬فتدخلت السلطات في النزاع بحجة حماية المن ونكلت بأنصار كودريانو‪ ,‬فقام كودريانو بهجوم مضاد‪,‬‬
‫وهزم أنصار ستيلسكو‪ ,‬ومن ثم أمر رجاله باغتيال الرئيس دوكا‪ ,‬فقتلوه في رابعة النهار كما قتلوا بعده ستيلسكو وشتتوا حزبه‪ .‬وغدا‬
‫كودريانو رجل الساعة‪ ,‬ولكن الرئيس كالينسكو )‪ (Calinesco‬أضمر له الشر مثل سلفه‪ ,‬وتحالف مع الماسون واليهود وشرعوا يهولون‬
‫للملك كارول أمر كودريانو‪ ,‬يخيفونه من نواياه ويرفعون له التقارير الكاذبة الملفقة بحقه وفي النهاية سلطوا عليه عشيقته اليهودية‬
‫السيدة لوبسكو )‪ (Lupesco‬ابنة اليهودي المعروف )‪ ( Wolff‬التي كان لها نفوذ قوي على الملك‪ .‬فرضخ لمشيئتها‪ ,‬ورضي أن يذل بني‬
‫قومه إكرامًا لخت أستر الشهيرة فأصدر في ‪ 27‬شباط ‪ 1938‬مرسومًا ملكيًا بإعلن الحكام العرفية في البلد وحل المجلس النيابي وجميع‬
‫الحزاب الرومانية وعطل الدستور‪.‬‬
‫ثم أطلق يد كالنسكو العور في إدارة شؤون البلد وتنفيذ المرسوم المذكور‪ ,‬فاستهل كالنسكو باكورة أعماله الجديدة بإصدار المر إلى‬
‫جميع قوى المن بمطاردة الحرس الحديدي وإغلق مقر حزبهم واعتقال من يعترض على هذه الجراءات‪ .‬فاعترض كودريانو على هذه‬
‫التعليمات‪ ,‬فاعتقلته السلطان وزجته في السجن بتهمة مقاومة السلطات‪ ,‬ثم بادر كالنسكو إلى طرد جميع أنصاره من الوظائف الحكومية‬
‫والجيش وقوى المن بحجة انتسابهم للمنظمات المعادية للدولة واستبدلهم بموظفين من اليهود والماسون‪.‬‬
‫ولما حوكم كودريانو جند كالنسكو ضده الشهود من كل فج‪ ,‬فاتهموه بتحريض المواطنين على الثورة فأدين بجرم الخيانة العظمى وحكم‬
‫عليه بالسجن عشرة أعوام مع الشغال الشاقة وحرمانه من حقوقه المدنية‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫وبعد أن تخلص كالنسكو من كودريانو ثابر على التنكيل بكل من انتسب لحزبه‪ ,‬حتى ظن الملك وأعداء الشعب من الماسون واليهود أن‬
‫المر استتب له‪ ,‬ولكنهم أخطأوا التقدير‪ ,‬وتبين لهم أن الشعب استيقظ من غفلته‪ ,‬وسيثابر على مقاومتهم طالما كان كودريانو وأنصاره في‬
‫الوجود‪ ,‬فانطلق الملك مع اليهود على إزاحة سجينهم عن الطريق‪ ,‬فعمدوا إلى تهيئة الجو المناسب لتنفيذ مآربهم‪ ,‬فدفعوا ببعض الرعاع‬
‫من أنصارهم إلى العتداء على اليهودي عميد الجامعة‪ ,‬كما أوعزوا إلى فئة أخرى أن تلقي قنبلة على إحدى الراقصات اليهوديات‪ ,‬ثم‬
‫ادعوا أن أنصار كودريانو هم الذين أقدموا على هذه الجرائم بغية إيهام الشعب بأن هؤلء ليسوا سوى قتلة‪ ,‬وأوباش‪ ,‬ليصرفوه عن‬
‫مناصرة كودريانو ولقد تخيلوا أن سواد الشعب اقتنع بمزاعمهم‪ ,‬فأمر الملك أن يبعد كودريانو و رفاقهم المساجين إلى إحدى المعتقلت‬
‫البعيدة‪ ,‬وفي نفس الوقت جهز كالنسكو زمرة من أنصاره أوعز إليهم بأن يتظاهروا بمهاجمة قافلة السجن وكأنهم يهدفون لنقاذ كودريانو‪,‬‬
‫حتى إذا أخرجوه من السيارة‪ ,‬نصحوه أن يهرب في اتجاه معين‪ ,‬بينما هم يهربون في التجاه المعاكس‪ ,‬ولقد تمت تمثيليتهم مثلما أرادوها‪,‬‬
‫وهوجمت قافلة السجن من أتباع كالنسكو‪ ,‬وأخرجوا كودريانو ورفاقه من السيارات وأوعزوا إليهم بالهرب إلى جنوب الطريق‪ ,‬بينما هم‬
‫لذوا بالفرار نحو الشمال‪ ,‬فقام رجال الدرك بملحقة كودريانو و أطلقوا عليهم النار فقتلوهم عن بكرة أبيهم‪ .‬وفي اليوم التالي خرجت‬
‫الصحف اليهودية على الشعب تصف له الحادث بالصورة التي رسمها كارول وزمرة اليهود المجرمة‪ ,‬وألقوا تبعة المجزرة على عاتق‬
‫أنصار كودريانو‪ ,‬وهكذا أسدل الستار على هذه الجريمة القذرة التي مثل أدوار البطولة فيها الملك كارول الذي استباح دماء قومه على‬
‫مذبح المآرب اليهودية فاستحق شكر عشيقته والصحافة اليهودية مقرونًا بلعنة الجيال الرومانية‪.‬‬
‫ولكن بعد فترة وجيزة انكشف أمرهم ولم تنطل خدعتهم على الشعب‪ ,‬فعاد لمقارعة اليهود وأنصارهم إذ كانت ثمار المبادئ التي زرعها‬
‫كودريانو في قلوب أبناء شعبه قد أينعت وراحت بعض الصحف الحرة تسخر من سذاجة تمثيلية كارول و تطلق عليها رواية الملك الهزلية‪,‬‬
‫وتحض الشعب على المطالبة بمحاكمة قتلة كودريانو‪ ,‬فتدهورت الحوال‪ ,‬فجنحت الحكومة إلى البطش بالشعب‪ ,‬فتكاثرت الشتباكات بين‬
‫اليهود وأفراد الشعب‪ ,‬فكان يسقط كل يوم عشرات القتلى من أفراد الشعب العزل‪ ,‬ومع ذلك أبى هذا الشعب أن يرضخ لمشيئة اليهود رغمًا‬
‫عن عمليات النتقام الوحشية التي تعرض لها‪ ,‬وأساليب التعذيب التي طبقت عليه والدماء الغزيرة التي أهرقها في سبيل إنقاذ وطنه من‬
‫السيطرة اليهودية‪ .‬وعمد إلى توسيع نطاق مساعداته إلى الدكتور بارسيل كريستيسكوس ) ‪ (Barsil Cristescus‬خليفة كودريانو‪,‬‬
‫فازدادت الحالة سوءًا فقام الحكومة بحملة واسعة النطاق على جماعة كودريانو‪ ,‬واعتقلت الدكتور بارسيل و أعدمته دون محاكمة مع‬
‫عشرات الخرين من مساعديه‪ ,‬ومع ذلك ظل الشعب على ولئه لكودريانو‪ ,‬وتابع مقاومته دون خوف أو وجل‪ ,‬ولما اشتد ضغط الرئيس‬
‫ل‪ ,‬وسارعت السلطات إلى اعتقال المهاجمين‪ ,‬ولما‬
‫كالنسكو على أنصار كودريانو‪ ,‬نفذ صبرهم و هاجموه في رابعة النهار وأردوه قتي ً‬
‫سئلوا عن السباب التي دفعتهم إلى قتل كالنسكو‪ ,‬اعترفوا بأنهم من أنصا كودريانو‪ ,‬ومن المنتسبين لفرقة الموت التي أقسم أفرادها على‬
‫الثأر لكودريانو‪ ,‬وبرأ بقسمهم قتلوا الرئيس كالنسكو الذي دبر مقتل زعيمهم‪ ,‬فأعدمتهم السلطات وثابرت على مطاردة فلول وقتل من يعثر‬
‫عليه منهم ودون رحمة أو شفقة‪ ,‬ومثلت بجثثهم وعرضتها على المواطنين بقصد إرهابهم‪ ,‬ومع كل ذلك رفض أنصار كودريانو‬
‫الستسلم‪ ,‬حتى إنهم هاجموا في إحدى المرات قطار الملك كارول بقصد قتله ولكنهم لم يعثروا عليه‪ ,‬لنه اختبئ مع عشيقته في حّمام‬
‫حافلته‪ ,‬ونجى بذلك من الموت بأعجوبة‪.‬‬
‫ولما اندلعت نيرات الحرب الكونية الثانية‪ ,‬واحتل الجيش اللماني البلد الرومانية‪ ,‬فر الملك كارول مع عشيقته اليهودية إلى البلد الغربية‬
‫و مات في المنفى عام ‪ 1953‬غير مأسوف عليه‪.‬‬
‫و عندما هزمت ألمانيا و اجتاح الجيش الروسي رومانيا‪ ,‬اغتنم اليهود الفرصة‪ ,‬عادوا مجددًا للتنكيل بالشعب الروماني‪ ,‬فقتلوا خيرة‬
‫شبابه‪ ,‬وصلبوا رجال الدين على أبواب الكنائس‪ ,‬وهتكوا أعراض نساءه المصونات‪ ,‬حتى بلغ عدد من قتلوا في غضون بضعة أشهر عدة‬
‫مئات اللوف‪.‬‬
‫وإمعانًا في الثأر طلب آنا بوكر )‪ (Anna Pouker‬التي كانت تشرف على الشؤون الرومانية‪ ,‬من السلطات الروسية أن تطلق يدها في‬
‫تطهير رومانيا من المناوئين للنظام الجديد‪ ,‬فرفضت السلطات الروسية طلبها‪ ,‬فنزعت هذه اليهودية الحقودة‪ ,‬إلى الستئثار بالحكم‪,‬‬
‫فشعرت الدولة الروسية بتمردها‪ ,‬فأمرت ممثليها برومانيا بأن يزيلوها من الوجود‪ ,‬فلقت آنا بوكر جزاءها العادل‪ ,‬وعاد السلم لربوع‬
‫البلد الرومانية‪.‬‬
‫الجرائم اليهودية في تركيا‬
‫عاش اليهود في المبراطورية التركية‪ ,‬تحت ظل تعاليم الدين السلمي الحنيف التي كانت تفرض على الحاكم حماية أتباعه دون تمييز‪,‬‬
‫وبفضل هذه التعاليم انتشر اليهود في أكثر مدن المبراطورية يعيشون فيها بسلم وأمان ولما بدأت الكنيسة الكاثوليكية باضطهاد اليهود‬
‫) على حد زعم مصادرهم( وإجبارهم على اعتناق النصرانية أو الهجرة من بلدها‪ ,‬طلب اليهود من العاهل التركي مراد الثاني أن يقبلهم‬
‫ل بالتقاليد السلمية‪ ,‬وحبًا بالمبادئ النسانية‪ ,‬فدخل اليهود في تركيا وانتشروا في المدن‬
‫في بلده‪ ,‬فأجارهم مراد دون شرط أو قيد عم ً‬
‫الساحلية حيث رحب بهم التراك وأحسنوا وفادهم‪ ,‬بزعم أنهم لجئون مساكين‪ ) ,‬حتى إن بعد المصادر التاريخية أثنت على مراد الثاني‬
‫لعطفه على اليهود ولقبته بالرجل النساني الكبير (‪.‬‬
‫فاستغل اليهود هذا العطف‪ ,‬وتسللوا إلى المرافق التجارية الهامة التي طغت على تجارة المواطنين الصليين‪ .‬وزحفوا على كل المشاريع‬
‫التي توسموا فيها الخير زحف الجراد‪ ,‬وفي فترة وجيزة غدوا أصحاب اكبر المحلت التجارية في إزمير و سلنيك وحتى في استنبول‬
‫نفسها‪ .‬والغريب أن الساسة التراك وعلماء الدين كانوا يعرفون الشيء الكثير عن أخطار تكاثر اليهود في أي بلد كان‪ ,‬كما كانوا يعرفون‬
‫حق المعرفة أن اليهود هم الذين حاولوا في الماضي اغتيال السلطان محمد الفاتح ومع هذا لم يعترضوا على السماح لليهود بأن يستوطنوا‬
‫في بلدهم‪ ,‬ولم ينبس أحدًا منهم ولو بكلمة احتجاج واحدة ) وهكذا وبكل بساطة استوطن المواطن اليهودي في تركيا رغم كل الجرائم التي‬
‫ارتكبوها بحق السلم في عهد الرسول قم في العهود العباسية والفاطمية‪ ,‬و في مستهل قيام المبراطورية العثمانية‪ ,‬وأعجب من هذا‪ ,‬هو‬
‫ثناء بعض المصادر التاريخية على مراد الثاني لتحقيقه هذا الغزو اليهودي‪ ,‬وترحيبه بهذا الوباء الذي ما زال يفتك في مقومات الشعب‬
‫التركي منذ ذاك التاريخ إلى يومنا هذا‪ ,‬فيا ليت مراد الثاني لقي وجه ربه قبل ارتكابه هذه الجريمة النكراء‪ ,‬التي أثقلت كاهل التراك يومًا‬
‫بعد يوم‪ ,‬وأضعفت معتقداتهم وتقاليدهم وجعلتهم أنصارًا للدول الحانية على الصهيونية المجرمة ( وكأن المر ل يعنيهم‪.‬‬
‫بينما كان اليهود يفكرون بكل كبيرة وصغيرة ويحتاطون لكل الفرضيات الممكنة ولهذا أوعز مجلسهم العلى إلى بعض أتباعه بأن يتمثلوا‬
‫بالمرتدين في إسبانيا ) ‪ (Marranes‬ويتظاهروا باعتناق السلم‪ ,‬ليسهل عليهم التغرير بالتراك وكسب ثقتهم‪ ,‬بغية التسلل إلى مراكز‬

‫‪77‬‬

‫الجاه والسلطان‪ ,‬حتى يتمكنوا في المستقبل من حماية أبناء شعبهم و تحقيق أهدافهم العامة‪ ,‬فبادر أبرز أفراد اليهود إلى التظاهر باعتناق‬
‫السلم‪ ,‬وبدلوا أسمائهم بأسماء إسلمية‪ ,‬ثم اندمجوا في صفوف الشعب‪ ,‬وراحوا يعملون في الخفاء لتحقيق أغراضهم القومية‪ ,‬تحت‬
‫ستار التظاهر بالسلم‪ .‬ولقد جندوا لمناصرتهم الكثير من التراك أصحاب الضمائر القذرة‪ ,‬واستخدموهم فيما يعود على المصالح‬
‫الصهيونية بالخير والفائدة‪.‬‬
‫وفيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبها اليهود والدونما ) اليهود المتظاهرون بالسلم( بحق الشعب التركي يحدثنا المؤرخ التركي الكبير السيد‬
‫جواد إتيلهان ويقول‪ :‬حال وصول اليهود إلى تركيا بادروا إلى ترويج الشاعات وإطلق الضاليل والكاذيب للتشنيع بالدولة العثمانية التي‬
‫رحبت بقدومهم‪ ,‬فاستنبطوا القصص الخيالية لتشويه سمعة السلطين والحط من قدر السلم والمسلمين‪ ,‬وكانوا يرسلون تلك الخبار‬
‫الملفقة والقصص المختلفة إلى صحافتهم المهودة في أوروبا لتنشرها على أوسع نطاق بغية الساءة لمن أحسنوا إليهم‪.‬‬
‫ثم عمدوا إلى تأسيس المحافل الماسونية في مختلف أنحاء البلد‪ ,‬وورطوا خيرة رجال المة في النتساب إليها‪ ,‬كما أسسوا عدة جمعيات‬
‫سرية للتغرير بالطلب التراك في الداخل والخارج وإدماجهم في صفوف الماسون و الهيئات السياسية العاملة لمصلحتهم ومن ثم أحدثوا‬
‫جمعية تركيا الفتاة )‪ (Jeune Turques‬التي رعوها‪ ,‬ومولوها حتى اشتد عودها‪ ,‬عندها دفعوا بها لعلن تمردها الشهير‪ ,‬الذي أسفر‬
‫عن انقلب ‪ 31‬آذار‪ ,‬وإعلن المشروطية ‪,‬وإشهار الشعارات الماسونية ‪ ,‬والجدير بالذكر هو أن زعماء هذه الحركة كانوا من يهود الدونما‬
‫الذين أقدموا في الماضي )‪ (1876‬تحت زعامة الدونما مدحت باشا على اغتيال السلطان عبد العزيز‪ ,‬واستبدلوه بمراد الخامس المعتوه في‬
‫أحرج أيام المبراطورية العثمانية التي كانت جيوشها تقاتل آنذاك في البوسنة والهرسك‪ ,‬ولكن الدونما ضربوا بمصالح المبراطورية‬
‫عرض الحائط‪ ,‬وساروا خلف مصالحهم الخاصة التي قضت بإزاحة السلطان عبد العزيز الذي كان يفضل الرمن على اليهود‪ ,‬ويبعدهم عن‬
‫المراكز الحساسة في الدولة‪ ,‬فاستاء اليهود منه وتآمروا عليه‪ ,‬وأزاحوه عن طريقهم مع العلم أنه كان حفيد مراد الثاني الذي أنقذهم من‬
‫جور وظلم الكنيسة الكاثوليكية‪.‬‬
‫وعندما استلم عبد الحميد الثاني ‪ ,‬أصدر أمره باعتقاد مدحت الخائن ونفاه من البلد‪ ,‬ولكن هذا الجراء جاء متأخرًا‪ ,‬إذ كان يهود الدونما‬
‫تغلغلوا في البلد‪ ,‬وتفشت المبادئ الماسونية بين صفوف الشعب خاصًة بعد أن أحدث فيها عدة محافل ماسونية تعمل جميعها لصالح‬
‫اليهود‪ ,‬فاضطر عبد الحميد للتراجع نسبيًا‪ ,‬أما اليهود فثابروا على تنفيذ مشاريعهم‪ ,‬وكان في مقدمتها الستيلء على اقتصاديات تركيا التي‬
‫كان الرمن يتحكمون فيها فقام بينهما صراع مرير دام عدة سنوات‪ ,‬لحظ اليهود في نهايته عجزهم عن النيل من الرمن في ميدان‬
‫الصراع المكشوف فتحولوا إلى الصراع الخفي واعتمدوا فيه على المحفل الماسوني في سلنيك الذي كان يضم أشهر رجالت البلد من‬
‫التراك والدونما‪ ,‬فأوعزوا إليه بأن يكلف أعضاءه بالدس على الرمن لدى البلط والمقامات المسؤولة‪ ,‬وانصاع أعضاء المحفل للتعليمات‬
‫التي صدرت إليهم‪ ,‬وراحوا يطلقون الشاعات المسيئة للرمن‪ ,‬ويختلقون الضاليل ويلصقونها بهم‪ .‬كما تطوع بعضهم لخدمة القصر و‬
‫تزويده بالمعلومات الكاذبة المضللة لتحريض الملك وأولي المر على الرمن‪ ,‬ولقد اشتهر من بين هؤلء الجواسيس‪ ,‬المحامي أمانوئيل‬
‫قره صو الذي كان يقدم يوميًا عشرات التقارير للملك يتهم فيها الرمن بالتجسس أو بالتأهب لغتياله‪ ,‬أو بتهريب الموال إلى الخارج‪...‬الخ‬
‫وبغية نشر الشقاق بين المواطنين ركز هؤلء الجواسيس جهودهم على تلفيق المؤامرات الخيالية‪ ,‬وكانوا يشيعون أن الرمن يتأهبون‬
‫للقيام بثورة قومية لتحرير أنفسهم من النير العثماني‪ ,‬ومرة أخرى يزعمون أن العرب اتصلوا بالدول الجنبية‪ ,‬وطلبوا مؤازرتها للقيام‬
‫بعصيان عام بغية طرد التراك من بلدهم وعندما كانت السلطات تقوم بالتحقيق عن كنه هذه الشائعات يسارع اليهود وأنصارهم دون‬
‫وصول المحققين إلى معرفة الحقيقة‪ ,‬وعندما كانوا يعجزون عن تضليل التحقيق‪ ,‬يعمدون إلى رشوة المحققين‪ ,‬ليطمسوا الحقيقة كي يظل‬
‫الشك قائمًا‪ ,‬وإمعانًا في بلبلة الفكار‪ ,‬وزرع بذور التفرقة وعدم الثقة بين التراك والطوائف الخرى في البلد‪.‬‬
‫ولرغام الطلب على النضمام لصفوفهم عمدوا إلى رشوتهم وتمويلهم‪ ,‬وعندما كانوا يصطدمون بمن يعزف عن المال والرشوة ويأبى‬
‫النضمام إليهم‪ ,‬يلفقون عليه تهمة النتساب لجمعيات سرية مناهضة للملكية‪ ,‬ليوقعوا به حتى يكون عبرة لسواه من الطلب الذين‬
‫يرفضون النضمام إليهم‪ .‬ومن جراء هذه الوشايات اليهودية الملفقة أعيد كثير من الطلب الذين كانوا يدرسون في الخارج وفرضت عليهم‬
‫العقوبات الصارمة‪ ,‬وسجن اللوف من المواطنين البرياء دون ذنب اللهم إل لتمردهم على اليهود‪.‬‬
‫وهذا المسلك اليهودي الغادر أوقع الدولة العثمانية في أكثر من مأزق‪ .‬مثل إقدامها على اضطهاد الرمن والطوائف الخرى بناًء على‬
‫الوشايات اليهودية المضللة‪ ,‬التي كان اليهود يختلقونها لليقاع بين التراك والطوائف المختلفة التي كانت تعيش تحت ظل المبراطورية‬
‫العثمانية‪ ,‬ولقد نجح اليهود في بغيتهم‪ ,‬واضطهدت الدولة الطائفة الرمنية وأبعدتها عن الميادين القتصادية‪ ,‬فهب اليهود ليحتلوا مكانها‬
‫في المرافق القتصادية‪ ,‬وخاصة في استنبول و إزمير و سلنيك‪.‬‬
‫ومع أن تكالب اليهود على احتلل مراكز الرمن في البلد التركية فضح حقيقة مراميهم‪ ,‬إل أن الدولة العثمانية ظلت سادرًة في غفلتها‬
‫حتى ظهر للميدان الزعيم الصهيوني هرتزل‪ ,‬الذي شرع بمطالبة الدول الغربية بإنشاء وطن قومي لليهود بناًء على القرارات التي انبثقت‬
‫عن مؤتمرهم الول ) في مدينة بال السويسرية( الذي اشترك فيه جميع زعماء اليهود في العالم‪ ,‬وفوضوا هرتزل بالعمل على تحقيق‬
‫مقرراتهم وفي مقدمتها الستيلء على فلسطين‪ .‬وبعد أن تداول هرتزل الموضوع مع الدول الغربية‪ ,‬وفد إلى استانبول وقابل السلطان عبد‬
‫الحميد‪ ,‬وطلب منه أن يتنازل لليهود عن فلسطين مقابل أي شرط أو أي مبلغ يحدده ثمنًا لفلسطين‪ ,‬فرفض السلطان عروض هرتزل‪ ,‬وأمر‬
‫بطرده حاًل من تركيا‪ ,‬وهنا قامة قيامة اليهود في العالم‪ ,‬وأشهروا الحرب على السلطان عبد الحميد‪ ,‬فباشرت صحافتهم بمهاجمته‪ ,‬وتلفيق‬
‫التهم إليه‪ ,‬وتحريض الدول الغربية والشعوب الخاضعة لنفوذه كما ازداد في داخل البلد العثمانية نشاط الماسون والحزاب الموالية‬
‫لليهود‪ ,‬وعلى رأسها جمعية تركيا الفتاة التي كانت تدعى بجمعية التحاد والترقي‪ ,‬والتي دعت الشعب إلى التمرد على عبد الحميد‪,‬‬
‫فتدهورت الحالة العامة في البلد‪ ,‬وفي الوقت نفسه تمكن الماسون من التغرير بمحمود شوكت باشا قائد الجيش التركي في سلنيك‬
‫) مركز الثقل اليهودي( وحرضوه على التمرد‪ ,‬فقام القائد محمود شوكت باحتلل العاصمة ) تموز ‪ (1908‬واعتقل السلطان ونفاه إلى‬
‫سلنيك‪ ,‬فسارعت الدول الغربية إلى العتراف بالنقلبيين‪ .‬وخاصة بعد أن نشر في فرنسا مضمون التقرير الذي قدمه الصحفي التركي‬
‫الماسوني الخائن الدكتور رفيق نوزت إلى الحكومة الفرنسية وصف فيه المظالم التي زعم أن السلطان ارتكبها‪ ,‬وفي مقدمتها إعدام توفيق‬
‫نوزت شقيق صاحب التقرير الذي دافع عن هرتزل وعصابته وطلب من السلطان إعطائهم فلسطين‪ ,‬فاعتبر السلطان عبد الحميد مسلكه‬
‫خيانة وطنية وأمر بإعدامه‪ ,‬ونفذ الحكم في جزاًء وفاقًا‪.‬‬
‫فاستغلت الصحافة المهودة فحوى هذا التقرير واعتبرته كافيًا لدانة عبد الحميد‪ ,‬وطالبت حكوماتها بالعتراف في الوضع التركي الجديد ثم‬
‫أشفقت على مرت توفيق نوزت ولقبته بالشهيد البريء‪ ,‬وكأن الخيانة ل تعتبر خيانة عندما تكون لصالح سادة الماسون والديمقراطيات‬
‫الخاضعة للطغمة اليهودية المجرمة‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫وفي أعقاب اعتقال السلطان‪ ,‬استلم الحكم في البلد أعضاء التحاد والترقي‪ ,‬وكلفوا ثلثة من غلة الماسون بالشراف على أمور الدولة‬
‫وتنفيذ شعاراتها الجديدة وكانوا جلهم من اليهود الدونما وهم‪ ,‬جاويد‪ ,‬وقره صو ‪ ,‬والمتر سالم‪ ,‬فلم يرق انتقاؤهم للقائد محمود شوكت‬
‫الذي لم يكن ماسونيًا ول خائنًا‪ ,‬فاصطدم بهم‪ ,‬فأوعزوا إلى أنصارهم باغتياله‪ ,‬وفي الوقت نفسه افتعلوا مذبحة بين الرمن والتراك‪,‬‬
‫وزعموا أن الحادث كان من فعل أنصار الماضي‪ .‬بينما سهلوا الفرار لقتلة محمود شوكت‪ ,‬وقمعوا الشتباك الشعبي بكل شدة ووحشية‬
‫ليرهبوا المواطنين‪ ,‬ويمنعوهم من معارضة النظام الجديد‪ ,‬وفي أثناء التحقيق في الحادث الشعبي‪ ,‬أظهروا تحيزهم السافر للتراك‪,‬‬
‫ليوغروا صدور الرمن عليهم‪ ,‬لعلهم يقدمون على حماقات تبرر للماسون واليهود إقدامهم على التخلص نهائيًا منهم لحلل اليهود في‬
‫مراكزهم‪.‬‬
‫ولتوطيد حكمهم أوفدوا إلى باريس وفدًا مكونًا من الماسون ليعرض صداقتهم على الدولة الفرنسية‪ ,‬فنجحت لعبتهم بفضل مساعدة المحفل‬
‫الفرنسي لوفدهم‪ ,‬ودعمت فرنسا حكمهم‪ ,‬فاستتب لهم المر‪ ,‬وكلفوا طلعت و أنور باستدعاء محمد رشاد و مفاوضته ضمن شروطهم‬
‫الخاصة لقبول العرش‪ ,‬فكان لهم ما أرادوه‪ ,‬واعتلى محمد رشاد العرش عام )‪ )1909‬دون أن يكون له من السلطة و النفوذ إل بقدر ما‬
‫تسمح له بذلك جمعية التحاد والترقي التابعة للماسون‪ ,‬وهكذا سيطر اليهود على مقدرات الدولة العثمانية من وراء الستار‪ ,‬ومن ثم زجوا‬
‫بها في تلك الحرب الضروس بعد أن اختاروا لها الجانب الذي استنسبوه بناًء على مقررات المؤتمر الصهيوني الثاني التي قضت بإزالتها‬
‫من الوجود‪ ,‬وتمزيق ولياتها و تقسيمها بين الدول التي قدر المؤتمرون انتصارها‪ ,‬ليسهل عليهم الستيلء على فلسطين‪ ,‬وفي الوقت‬
‫نفسه أشاع اليهود وأنصارهم البلبلة داخل المبراطورية‪ ,‬ودفعوا بأنصارهم من أمثال أنور وجمال لرتكاب الجرائم والحماقات‪ ,‬ليستفزوا‬
‫شعور الناس ) وخاصة العرب( ضد الدولة العثمانية‪ ,‬فقام هؤلء بدورهم خير قيام‪ ,‬فقتلوا المئات واللوف وظلموا الشعوب التي كانت‬
‫تخضع لسلطانهم‪ ,‬فغدت كلها معادية لتركيا‪ ,‬وكان اليهود يغذون العداء في كل مكان‪ ,‬فتمرد بعض الرمن على الدولة فاتخذوها الدونما‬
‫حجة للفتك بالرمن وإحلل اليهود في مكانهم‪ ,‬كما دفعت وحشيتهم العرب إلى النحياز للمعسكر الحليف‪ ,‬فقضى على الصداقة التركية‬
‫ل دون احتلل اليهود لفلسطين‪.‬‬
‫العربية‪ ,‬وانهارت الدولة العثمانية وتمزقت إمبراطوريتها التي حالت طوي ً‬
‫هذا الحتلل الذي كان اليهود يعتبرونه هدفهم السمى‪ ,‬فلما عارضهم عبد الحميد في تحقيقه ناصبوه العداء‪ ,‬وقرروا القضاء عليه وعلى‬
‫إمبراطوريته‪ ,‬وفي سبيل ذلك بذروا بذور العداء بين الرمن و التراك ليستولوا على مراكز الرمن في تركيا‪ ,‬لينفردوا بخيراتها ولينفقوها‬
‫على التأهب لتحقيق حلمهم المذكور‪ .‬وفي سبيله أوجدوا التفرقة بين العرب والتراك‪ ,‬ليحولوا دون اتفاقهما في المستقبل حتى يخلوا لهم‬
‫الجو لبلوغ غايتهم هذه‪.‬‬
‫وفي صدد الجرائم التي ارتكبها اليهود بحق الشعب التركي يزيدنا السيد إتيلهان علمًا ويقول‪ :‬إن الثورة التي انفجرت عام ‪ 1914‬في‬
‫كرواتيا و الجبل السود‪ ,‬كانت من صنع اليهود‪ ,‬وبتحريض منهم‪ ,‬ومولت من قبلهم‪.‬‬
‫ويؤكد أن المالي اليهودي يعقوب شيف هو الذي مول هذه الثورة وأشرف على إدارتها‪ ,‬ولقد أرسل تعليماته لشعال نارها مع نصف مليون‬
‫دولر إلى اليهودي أفرام بنرويا ‪ A.Bonaroya‬الذي كان يرأس المحفل البلغاري وأمره بالمباشرة في إيقاد نيرانها‪ ,‬فقام بنرويا بجولة إل‬
‫سلنيك‪ ,‬و أدرنة‪ ,‬وسلوفينيا و ألبانيا حيث أبلغ تعليمات شيف إلى رؤساء فروع محفله وزودهم بالمال اللزم وأوعز إليهم بإعلن التمرد‬
‫في تركيا‪.‬‬
‫ل من ثورتي‬
‫وفي عام ‪ 1915‬أرسل إليهم مجددًا مبلغ سبعمائة وخمسين ألف دولر ليثابروا على مقاومة التراك‪ ,‬كما أن بنرويا قاد ك ً‬
‫اليونان وألبانيا‪ ,‬وكان شيف هو الذي يموله فيهما ‪.‬‬
‫وفي بحثه عن الثورات في بلد البلقان يذكر إتيلهان في مكان آخر من كتابه بأن جميع زعامات الثورة البلقانية كانوا من الماسون‬
‫ل من كومولكا ) البولوني ( و آنا بوكر الرومانية‪ ,‬وأمري‬
‫واليهود‪ .‬ويقول إن بلكون اليهودي الماسوني هو الذي دربهم جميعًا‪ ,‬وإن ك ً‬
‫ناجي و كادار المجريين يدينون بالولء لستاذهم بلكون جلد المجر‪ ,‬كما أنه يؤكد بأنهم جميعًا من اليهود المعروفين بعدائهم للشعوب‬
‫النصرانية‪.‬‬
‫وفي بحثه عن الحرب العالمية الكبرى الولى في تخوم مصر يذهب إلى القول بأن اليهود في مصر كانوا يحرضون المصريين على مقاتلة‬
‫التراك‪ ,‬ويقدمون لهم المغريات المالية والعينية‪ ,‬ليشجعوهم على التطوع في الجيش البريطاني‪ ,‬أما في فلسطين حيث كان السيد إتيلهان‬
‫رئيس الشعبة الثانية في الجيش التركي فيعزو اندحار التراك إلى الجاسوسية اليهودية ويسرد مئات الحوادث التي أقدم فيها اليهود على‬
‫التجسس لحساب الحلفاء‪ ,‬ويذكر أنه بنفسه أوقف عشرات الجواسيس اليهود أمثال سارة ‪ ,‬و سرشون ‪ ,‬و سوزي ‪ ,‬وسيمون ‪ ,‬ونعمان‬
‫بلكنت ‪ ,‬وجوزيف طوبن ‪ ,‬وكمياس‪ ,‬و موسس‪ ,‬وسواهم والذين كان له شرف استجوابهم وإحالتهم إلى القضاء الذي أدانهم جميعًا‪,‬‬
‫وأعادهم إليه ليعدمهم جزاء خيانتهم‪.‬‬
‫ومن ثم يقول إتيلهان إن جميع الخطاء التي ارتكبها التراك في البلد العربية في مستهل القرن العشرين كانت وليدة دس الماسون‬
‫واليهود على العرب‪ ,‬ويزعم بأن الخطاء التي ارتكبت بالمقابل من قبل العرب بحق التراك كانت ناتجة عن تحريض اليهود لهم‪ ,‬وتشويه‬
‫الحقائق التاريخية التي كانت تربط العرب بالتراك إذ كانوا يزعمون للعرب بأنهم معهم ليوصلوهم إلى الحرية والستقلل‪ ,‬بينما كانوا في‬
‫أوروبا يعملون دون هوادة لرسم الخطط لتمزيق البلد العربية ‪ ,‬بعد الحرب والستيلء على فلسطين‪ ,‬في الوقت الذي يكون العرب في شغل‬
‫شاغل عنهم‪.‬‬
‫ويختتم بحثه بالقول بأن اليهود استغفلوا العرب والتراك وخانوهما معًا واستولوا في غفلة منهما على فلسطين‪ ,‬أما تبعة ذلك فيقع على‬
‫عاتق السلطان مراد الثاني الذي أجار اليهود‪ ,‬ليصبحوا فيما بعد وباًل على أمته وبلده‪.‬‬
‫وبعد كل ما رويناه عن جرائم اليهود في تركيا‪ ,‬يظهر لنا أن اليهود مازالوا حتى اليوم يسيطرون عليها مثلما كانوا يسيطرون على‬
‫مقدراتها في المس‪ ,‬و لربما أكثر‪ ,‬إذ أن الزائر المراقب لتركيا يلحظ بوضوح تغلغل الدونما في جميع مرافقها‪ ,‬يمكنه أيضًا أن يلمس‬
‫سيطرتهم على صحافتها لمس اليد‪ ,‬أما اقتصادياتها فتخضع تقريبًا برمتها للدونما مع أن الشعب التركي برمته يكرههم‪ ,‬ويحقد عليهم‪,‬‬
‫ولكنه أعجز من أن ينالهم لن السيطرة الماسونية تقف وتتصدى لكل من يجرؤ على المس باليهود‪ ,‬ويبدو أن الدولة التركية نفسها أضحت‬
‫بعض الشيء تحت رحمتهم‪ ,‬ولهذا فهي تتسامح معهم في ما يرتكبونه من المساوئ والجرائم بحق شعبها‪.‬‬
‫الجرائم اليهودية في قبرص‬

‫‪79‬‬

‫يبدو أن الخطيئة التي ارتكبها السلطان مراد الثاني ‪ ,‬بترحيبه بمجيء اليهود إلى بلده لم تكن الفريدة في سجل سلطين التراك‪ ,‬إذ أن‬
‫التاريخ يذكر لنا أن السلطان سليم الثاني أقدم أيضًا على رعونة مماثلة‪ ,‬وذلك عندما أجار الثري اليهودي إلياس يوسف ناسي ‪Elias‬‬
‫‪ Joseph Nassi‬الذي فر من البندقية وجاء يحتمي في تركيا وهو يهودي من أتباع إسبانيا‪ ,‬هرب منها قبل بضعة أعوام واحتمى بمدينة‬
‫أنفرس ) ‪ (Anvers‬حيث تمكن بفضل أمواله الطائلة من التقرب من الملكة ماري دوهونكري )‪ (Marie De Hongrie‬وتوثقت الصداقة‬
‫بينهما و اتخذته الملكة أمينًا لسرارها‪ ,‬وفوضته بعقد التفاقات باسمها مع شارلكان‪ ,‬و هنري الثاني ‪. Hanri II‬‬
‫فذاع صيته في المحافل الماسونية حتى استنجد به الملوك أمثال سيجموند ‪ Sigimonde‬البولوني و هنري الثاني الفرنسي ‪ ,‬واقترضوا‬
‫منه الموال الطائلة‪ ,‬فتعاظم شأنه بين الدول‪ ,‬وكان يهوديًا متعصبًا لقوميته ل يتورع عن إظهار تعصبه في أية مناسبة‪ ,‬ومن أعماله الدالة‬
‫على تطرفه العنصري‪ ,‬إقدامه بكل وقاحة على كتابة صيغة المعاهدة التي وقعت بين فرنسا وتركيا عام ‪ 1569‬باللغة العبرية‪ ,‬والتي حفظت‬
‫في ملفات وزارتي الخارجية في كل من تركيا وفرنسا‪.‬‬
‫وقبل التجائه إلى تركيا‪ ,‬هجر ناسي أنفرس واستولى على البندقية‪ ,‬واتخذها مركزًا لتصالته مع الجاليات اليهودية التي كان يقدم لها‬
‫العون المادي و الدبي‪ ,‬ولقد أكرمته جمهورية البندقية‪ ,‬وأطلقت يده في الشراف على الجالية اليهودية في بلدها‪ ,‬فطمع في المزيد من‬
‫السلطة‪ ,‬ونزع إلى البحث عن إقامة دولة يهودية في إحدى جزر البحر البيض المتوسط‪ ,‬ولما شعرت البندقية بنواياه وضعته تحت‬
‫المراقبة‪ ,‬فأحس بالخطر‪ ,‬ففر من البندقية والتجئ كما ذكرنا إلى السلطان سليم الثاني‪.‬‬
‫وفي تركيا تمكن بسرعة فائقة من كسب ود السلطان‪ ,‬وغدا مستشاره الول‪ ,‬فعادت مطامعه تراوده من جديد‪ ,‬فصار يباحثه بضرورة‬
‫احتلل قبرص لنها تشكل خطرًا على سلمة مملكته‪ ,‬وتعهد له بالنفاق على الحملة‪ ,‬فيما إذا وافق السلطان على مقترحاته‪.‬‬
‫وكان سليم الثاني مولعًا بالخمرة فاستغل ناسي إحدى ساعات أنسه‪ ,‬وورطه بإقرار غزو قبرص‪ ,‬بعد أن أخذ منه وعدًا بتنصيبه ملكًا عليها‬
‫ل أنه سيصبح من الملوك‪ ,‬وأعلن لقبه‬
‫تحت اسم دوق دو ناكسون صاحب البحر البيض‪ ,‬أو جوزيف الول ملك قبرص‪ ,‬عندها تخيل فع ً‬
‫الجديد على العالم‪ ,‬وثابر على تحريض السلطان على تحقيق قراره‪ ,‬حتى انصاع سليم الثاني لصراره‪ ,‬وأرسل عام )‪ (1570‬أسطوله‬
‫لحتلل قبرص‪ ,‬وحاصرها مدة من الزمن ‪ ,‬ثم احتل التراك مدينة فاماكوستا واستسلم قائدها براكادينو )‪ ,(Bragadino‬ولكن الدول‬
‫الوروبية سارعت لنجدة قبرص‪ ,‬واشتبكت كل من إسبانيا و البندقية والفاتيكان بحرب طويلة مع التراك‪ ,‬انتهت كما هو معروف‪ ,‬دون أن‬
‫يستفيد منها أحد‪ ,‬بعد أن أهرقت فيها الدماء من الطرفين‪ ,‬على مذبح الغراض اليهودية القذرة‪.‬‬

‫الجرائم اليهودية في أمريكا‬
‫إن الذين يسخرون من سعينا لسيادة العالم فاتهم بأننا أصبحنا نملك ثروات العالم برمتها وهي تنمو في حوزتنا يومًا بعد يوم بفضل اتحادنا‬
‫وتفوق تفكيرنا وحسن إدارتنا‪.‬‬
‫وهذه السيطرة المالية ستمكننا من إخضاع شعوب العالم لمشيئتنا كما أخضعنا في الماضي شعب كنعان وستضمن لحفادنا رغد العيش‬
‫وسيادة البشر وسيصاب المشككون بخيبة المل عندما يشاهدوننا نحقق للنسانية حلمها المنشود في السلم والخوة في ظل دولتنا‬
‫العالمية المرتقبة‪.‬‬
‫من أقوال الكاتب اليهودي دومسنيل الواردة في مؤلفه ) السياسة القتصادية للقوام القديمة( الذي صدر عام ‪1878‬‬
‫)‪L’historie de L’economie Politique des Peuples Ancien) par. Du mensal Marigny- Paris 1878‬‬
‫عندما اكتشفت أمريكا وفاضت خيراتها على أوربا‪ .‬بهر بريق ذهبها أبصار اليهود‪ ,‬وفكروا بوسيلة تنيلهم حصتهم من هذا المعبود اليهودي‬
‫القديم‪ ,‬ولما أعيتهم الحيل‪ ,‬قرروا المغامرة‪ ,‬فاندس غلة مغامريهم في قوافل المهاجرين بشتى الساليب والحجج فوصلوا إلى القارة‬
‫الجديدة‪ ,‬حيث انهمك رفاقهم بشتى العمال بينما استهدف اليهود جمع المال واكتنازه دون سواه‪ ,‬وفي زمن قياسي حصلوا منه على‬
‫أضعاف ما حصل عليه الخرون‪ .‬وهذه المكاسب الوفيرة السهلة أطمعت إخوانهم في أوروبا‪ ,‬فبادروا إلى اللحاق بهم‪ ,‬فتضاعف عددهم‪,‬‬
‫وبدأ المهاجرون يشعرون بوطأتهم‪ ,‬ولكنهم عجزوا عن إبعادهم عن القارة‪ ,‬بفضل ما قدموه من الرشاوى لحكام المستعمرات الذين كانوا‬
‫أبدًا بحاجة لمزيد من المال‪.‬‬
‫ولما اندلعت نيران الثورة المريكية‪ ,‬ازداد طمع اليهود فاستثمروا أحداث الثورة على أوسع نطاق‪ ,‬فتاجروا بالسلحة وتجسسوا لحساب‬
‫الطرفين‪ ,‬فدرت عليهم هذه العمال المال الوفير‪ ,‬واحتاج إليهم المتقاتلون فاستغل اليهود الفرصة الجديدة‪ ,‬وعمدوا إلى تمويل الجهتين‬
‫بالمال والمعلومات‪ ,‬بغية إطالة أمد الحرب لتزيد فوائد أموالهم التي كانوا يقرضونها للمتخاصمين‪ ,‬وكان المثقفون من المريكيين يعلمون‬
‫ما يرمون إليه اليهود‪ ,‬ولكنهم فضلوا السكوت عنهم‪ ,‬خشية أن ينحازوا لعدائهم البريطانيين‪ .‬ولما حصلت أمريكا على استقللها‪ ,‬واجتمع‬
‫مجلسها التأسيسي )‪ (The Constitutional Convention‬عام ‪ ,1789‬تطرق المجتمعون إلى البحث في وضع اليهود في بلدهم‪,‬‬
‫فقام بنيامين فرانكلن بطل التحرير المريكي‪ ,‬وأبرز أعضاء المؤتمر وألقى كلمة تحذيرية في المجتمعين قال فيها‪:‬‬
‫)) أيها السادة ل تظنوا أن أمريكا نجت من الخطر بمجرد أنها نالت استقللها فهي ما زالت مهددة بخطر جسيم‪ ,‬ل يقل خطورة على‬
‫الستعمار‪ ,‬وهذا الخطر سوف يأتينا من تكاثر عدد اليهود في بلدنا‪ ,‬وسيصيبنا ما أصاب البلد الوروبية التي تساهلت مع اليهود بمجرد‬
‫تمركزهم في تلك البلد عمدوا إلى القضاء على معتقدات وتقاليد أهلها‪ ,‬وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الباحية واللأخلقية التي‬
‫نفثوها فيهم‪ ,‬ثم أفقدوهم الجرأة على العمل‪ ,‬وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم في كسب لقمة‬
‫عيشهم‪ ,‬وبالتالي سيطروا على اقتصاديات البلد‪ ,‬وهيمنوا على مقدراتها المالية‪ ,‬فأذلوا أهلها‪ ,‬وأخضعوهم لمشيئتهم‪ ,‬ومن ثم أصبحوا‬
‫سادة عليهم مع أنهم يرفضون الختلط بالشعوب التي يعايشونها‪ ,‬حتى بعد أن يكتموا أنفاسها فهم يدخلون على كل بلد بصفة دخلء‬
‫مساكين‪ ,‬وما يلبثون أن يمسكون بزمام مقدراتها‪ ,‬ومن ثم يتعالون على أهلها‪ ,‬وينعمون بخيراتها‪ ,‬دون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها‪,‬‬
‫ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا إسبانيا والبرتغال‪ ,‬وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلد‪ ,‬ومع كل هذا جعلوا التذمر شعارهم‬
‫حيثما وجدوا والتشكي دينهم‪ ,‬فهم يزعمون أنهم مضطهدون طالما كانوا مشردين‪ ,‬ويطالبون بالعودة لفلسطين مع أنهم لو أمروا بالعودة‬
‫إليها لما عاد واحد منهم إلى فلسطين‪ ,‬ولظلوا جميعًا حيث هم‪ ,‬أتعلمون أيها السادة لماذا؟ لنهم أبالسة الجحيم وخفافيش الليل‪ ,‬ومصاصو‬

‫‪80‬‬

‫دماء الشعوب‪ ,‬فل يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض‪ ,‬لنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه‪ ,‬ولهذا يفضلون البقاء مع الشعوب‬
‫الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية‪ ,‬ليثابروا على امتصاص دم أبنائها‪ ,‬ولينهبوا خيراتها‪ ,‬للسباب التي أوضحتها لمجلسكم الموقر‬
‫أتوسل إليكم أيها السادة أن تسارعوا باتخاذ هذا القرار‪ ,‬وتطردوا هذه الطغمة الفاجرة من البلد قبل فوات الوان‪ ,‬ضنًا بمصلحة المة‬
‫وأجيالها القادمة‪ .‬و إل سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون‪ ,‬وستجدونهم ولقد سيطروا على الدولة والمة ودمروا ما بنيناه‬
‫بدمائنا وسلبوا حريتنا‪ ,‬وقضوا على مجتمعنا‪ ,‬وثقوا بأنهم لن يرحموا أحفادنا‪ ,‬بل سيجعلونهم عبيدًا في خدمتهم‪ ,‬بينما هم يقبعون خلف‬
‫مكاتبهم يتندرون بسرور بالغ لغبائنا‪ ,‬ويسخرون من جهلنا وغرورنا‪.‬‬
‫أيها السادة أرجو أل يجنح مجلسكم الموقر إلى تأجيل هذا القرار‪ ,‬و إل حكم على أجيالنا القادمة بالذل والعناء‪ ,‬أيها السادة ل تظنوا أن‬
‫اليهود سيقبلون يومًا النصهار في بوتقتكم‪ ,‬أو الندماج في مجتمعكم‪ .‬فهم من طينة غير طينتنا‪ ,‬ويختلفون عنا في كل شيء‪ ,‬وأخيرًا أهيب‬
‫بكم أن تقولوا كلمتكم الخيرة‪ ,‬وتقرروا طرد اليهود من البلد‪ ,‬وإن أبيتم فثقوا أن الجيال القادمة ستلحقكم بلعناتها وهي تأتن تحت أقدام‬
‫اليهود (( ‪.‬‬
‫ولكن المجلس التأسيسي رد هذا المشروع ولم يقره ليس لعدم قناعته بوجاهة ما قاله فرانكلن‪ ,‬بل لعدم اتفاق أعضائه على هذا الجراء‪,‬‬
‫لن بعضهم كان من الماسون‪ ,‬والبعض الخر كان قد ارتشى مسبقًا‪ ,‬فرفض هؤلء الموافقة على القرار المقترح‪ .‬كما أن الحكومة كانت‬
‫غير راضية عن هذا القرار لنها كانت بحاجة ماسة للمال‪ ,‬وكان اليهود قد وعدوها بتلبية رغبتها إن هي حاولت دون إقرار المشروع‪ .‬كما‬
‫أن الجمعيات المحلية كانت تساند اليهود لن أكثرها كانت تعيش على أموالهم‪ ,‬فتضافرت جميع الجهود وإسقاط القرار من حساب المجلس‪.‬‬
‫وهكذا انتصر اليهود وظلوا مقيمين في أمريكا بأمان‪ ,‬ولقد برهنت اليام على أن فرانكلن كان على حق في كل ما قاله وللتأكد من ذلك يكفي‬
‫أن نلقي نظرة على حالة أمريكا اليوم‪ ,‬ليظهر لنا جليًا صدق نبوءة فرانكلن‪ ,‬ومدى ما كان عليه من إخلص لقومه وبلده‪ ,‬إذ أن واقع أمريكا‬
‫اليوم ينبأ بأن اليهود هم سادتها دون ريب‪ ,‬وليس فيها من يجرؤ على رفع إصبعه في وجههم‪ ,‬والعالم أجمع يشهد بأن أمريكا هي قلعة‬
‫الصهيونية الحصينة‪ ,‬ومركز الرأسمالية اليهودية‪ ,‬وهي ليست أقل تهودًا من بريطانيا‪ ,‬وهما يعتبران بحق مركزي الثقل للصهيونية‬
‫العالمية‪,‬و على الخص بعد أن تبع النكلوساكسون العهد القديم دون سواه من الكتب المقدسة‪ .‬وقوة اليهود في أمريكا ليست موضع‬
‫نقاش‪ .‬فهم يتحكمون في أكثر مرافقها الحيوية‪ ,‬ويسيرونها حسب أهوائهم وأغراضهم‪ ,‬وسيطرتهم على النتخابات النيابية أصبحت مضرب‬
‫مثل في العالم فهم يرفعون إلى سدة الرئاسة الولى من يريدونه‪ ,‬وكم من مرة تمكنوا من رفع أحد أبناء جلدتهم إليها‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال نذكر أن السيد فرانكلن روزفلت الذي حكم أمريكا أثناء الحرب العالمية الثانية‪ ,‬لم يكن في الصل إل يهوديًا‪ ,‬انحدر من‬
‫عائلة يهودية هجرت إسبانيا عام ‪ 1620‬وتشرد أفرادها في القطار الوربية حقبة من الزمن‪ ,‬ثم انتهى بهم المطاف إلى أمريكا وكانت‬
‫عائلته تدعى في الصل بروزكامبو )‪ (Rossocompo‬ثم أصبحت تدعى روزنبرغ )‪ (Rosenberg‬وفيما بعد روزنفلت )‪(Rosenvelt‬‬
‫وأخيرًا روزفلت )‪ (Rosevelt‬كما أن زوجته يهودية أيضًا معروفة تدعى سارة دولدنو )‪ (Sara Delanoe‬عرفت طيلة حياتها بالعمل‬
‫لصالح اليهود‪ ,‬أما روزفلت فقد دلل مرارًا على تمسكه بعنصريته وتحيزه لليهود والصهيونية‪.‬‬
‫وكان إبان حكمه يوجه بمناسبة عين رأس السنة العبرية تهانيه إلى يهود العالم علنًا‪ ,‬ويرسل للحاخام الكبر الهدايا الكثيرة ويتقبل بركاته‬
‫بصفته أحد أتباعه‪ ,‬ولقد بادله اليهود الحب والتقدير‪ ,‬وللتعبير عنهما‪ ,‬أهداه مؤتمر الشباب اليهودي الثاني أقدم نسخة للتوراة عربونًا‬
‫لولئه له‪ ,‬بينما قدم له اليهود في مدينة نيويورك وسامًا من الذهب نقشت على أحد وجهيه صورة روزفلت وعلى وجهه الثاني النجمة‬
‫السداسية ولقد كتبت في منتصفها باللغة العبرية الجملة التالية ) الرفاه والحكمة لفرنكلن روزفلت‪ ,‬نبينا الجديد الذي سيعيدنا إلى الرض‬
‫الموعودة في ظل خاتم سليمان ابن داوود ( وذلك اعترافًا بفضله‪ ,‬وإشارة لما وعدهم به‪.‬‬
‫وكان روزفلت ل يعتمد في إدارة شؤون أمريكا إل على اليهود ‪ ,‬ولقد أحاط نفسه بزمرة منهم أمثال فيليكس فرانكفورتر )‪Felix Frank‬‬
‫‪ (Furter‬و كوردل هول )‪ (Cordell Hull‬المهود صهر المالي اليهودي الشهير كوهين لوب )‪ (Kuhin loeb‬ومستشاره الخاص‬
‫صموئيل روزنمان )‪ (Samuel Rose Nmann‬والقاضي برانديس )‪ (Brandeis‬و المستشار الثاني صموئيل أنترماير )‪Samuel‬‬
‫‪ (Untermayer‬و برنار باروخ )‪ (Bernard Barochs‬صاحب كتاب الدولة اليهودية‪ .‬وهنري مورجانترو )‪Hanry‬‬
‫‪ (Morgenttrau‬وكيل خزانته‪ ,‬وجيس شتراوس )‪ (Jesse Strauss‬وليو فولمان )‪ (Leo Wallman‬رئيس رابطة أصحاب العمل في‬
‫القصر الجمهوري‪ ,‬ول غوارديا )‪ (La Guardia‬محافظ نيويورك السابق‪ .‬ومئات الخرين من أشهر رجالت اليهود في أمريكا‪ .‬وكانوا‬
‫جميعًا يعملون في تخطيط شؤون الدولة وكأنها دولتهم‪ .‬أما مهمة روزفلت فكانت تنحصر في إقرار وتوقيع ما يشرعه هؤلء اليهود و‬
‫الشراف على تنفيذه‪.‬‬
‫والنفوذ اليهودي في أمريكا ل يقتصر على التحكم في شؤون الدولة فحسب بل يتعداه إلى السيطرة التامة على كافة أحزاب البلد حتى‬
‫اليسارية منها‪ .‬ومن هنا رأينا المظاهرات التي قامت في أعقاب الحرب الكونية يقودها زعماء اليهود من أمثال هيرش )‪ (Hirche‬و‬
‫إيدلمان )‪ (Adelman‬وهاري بريدج )‪ (Harry Bridge‬جوزيف كوهين )‪ (Joseph Cohen‬و جوزيف جاكوب )‪(Joseph Jacob‬‬
‫وغليكشتاين ) ‪ (Gleckestein‬ولهمان )‪ (Lehmann‬وصول نيتزبيرغ )‪ (Sol Nitezberg‬وجلهم من أصحاب العمال المعروفين في‬
‫أمريكا‪ .‬وكانت التبرعات السخية تنهال تشجيعًا لهم وللمتظاهرين من كافة الجهات اليهودية وعلى الخص سادة صناعة السينما التي تعتبر‬
‫خامس الصناعات المريكية‪ ,‬إذ يقدر رأسمال العاملين فيها بعدة مئات من المليين‪ .‬واليهود يملكون منها ‪ %95‬وأكثر العاملين فيها هم‬
‫أيضًا من اليهود‪ .‬وهم يحاربون كل من يتجرأ لمناوئتهم في ميدانها‪ .‬ولقد منعوا أكثر الشركات غير اليهودية من العمل فيها‪ ,‬وذلك عن‬
‫طريق التضييق عليها تدريجيًا و من ثم دفعها نحو الفلس وإرغامها على النسحاب من ساحة صناعة السينما نهائيًا‪ .‬ولقد ضجت بعض‬
‫الصحف من هذا المسلك اليهودي‪ .‬فكتبت صحيفة الخبار المسيحية الحرة ) ‪ (Christian Free News‬تقول‪ ) :‬إن صناعة السينما في‬
‫أمريكا هي يهودية بأكملها‪ ,‬ويتحكمون فيها دون أن ينازعهم في ذلك أحد‪ .‬ويطردون منها كل من ل ينتمي إليهم‪ ,‬وجميع العاملين فيها هم‬
‫إما من اليهود أو من صنائعهم‪ .‬وهوليود تعبر اليوم سدوم العصر الحديث‪ ,‬حيث تنحر الفضيلة‪,‬وتنشر الرذيلة وتسترخص العراض‪,‬وتنهب‬
‫الموال دون رادع أو وازع‪ .‬والمشرفون عليها يرغمون كل من يعمل لديهم على تعميم ونشر مخططهم الجرامي تحت أستار خادعة كاذبة‪.‬‬
‫وبهذه الساليب القذرة أفسدوا الخلق في البلد وقضوا على مشاعر الرجولة والحساس وعلى المثل العليا لدى الجيال المريكية‪.‬‬
‫فأوقفوا هذه الصناعة المجرمة لنها أضحت أعظم سلح يملكه اليهود لنشر دعاياتهم المضللة الفاسدة‪.‬‬
‫ومجلة الخبار المسيحية الحرة هذه تصدر من مدينة لوس أنجلوس )‪ (Los Angeles‬وهي تكتب في أكثر الحيان عن الفضائح اليهودية‬
‫بنفس القوة الظاهرة في مقالها النف الذكر الذي ورد في عددها الصادر في مستهل شهر تشرين الول لعام ‪ 1938‬ولكن مع كل أسف‪ ,‬فإن‬
‫صراحتها الدواية ذهبت سدى‪ ,‬لن أمريكا خلت ممن يجرؤ على الوقوف في وجه اليهود أو من يتصدى لما يعملونه‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫وقوة اليهود في أمريكا تتجلى خاصة أيام النتخابات إذ نرى المرشحين يتسابقون في خطب ودهم‪ ,‬ويغدقون عليهم الوعود ويأخذون على‬
‫أنفسهم العهود تجاههم‪ ,‬وكأنني بهم يمتثلون بيهوى والتوراة‪ ,‬والغريب في المر هو أن اليهود ينجحون دائمًا مرشحيهم ويسقطون‬
‫خصومهم بكل يسر وسهولة‪ ,‬رغمًا عن أن عددهم في أمريكا ل يربو عن العشرة مليين‪ .‬ومع هذا رفعوا روزفلت في الماضي إلى سدة‬
‫الرئاسة‪ ,‬وهم الذين ساندوا هاري ترومان الماسوني على الفوز بعد أن قدم ولءه لوايزمان الذي زار في حينه أمريكا‪ .‬لقد أهداه نسخة من‬
‫التوراة‪ ,‬إشارة لتحالفهما‪ .‬كما أن اليهود كانوا خلف فوز آيزنهاور‪ ,‬وإيصاله إلى سدة الحكم‪ ,‬وعندما جرت النتخابات التي فاز بها‬
‫آيزنهاور‪ ,‬شاهد الناس رجال الدين اليهود يتجولون في شوارع نيويورك‪,‬ويدعون لمؤازرة آيزنهاور فاستغرب الناس هذا الحماس‬
‫اليهودي الغير منتظر‪ ,‬ولكن المور اتضحت بعد أن نجح آيزنهاور‪ ,‬وعرف أن اليهود دعموا آيزنهاور لنه وعدهم بتخفيف الحكم عن‬
‫الجاسوس اليهودي روزنبرغ الذي اعتقل في عهد ترومان بتهمة التجسس لحساب الروس‪ ,‬وكان اليهود يسعون لدى السوفييت في نفس‬
‫الوقت لنقاذ بعض اليهود الذين اعتقلوا في روسيا بتهمة التجسس لحساب الغرب‪ ,‬فاشترط الروس تخفيف الحكم عن روزنبرغ )‬
‫‪ (Rosenberg‬مقابل تخفيفهم الحكام على اليهود المعتقلين في بلدهم‪ ,‬فساوم اليهود آيزنهاور واتفقوا معه على أن يساعدوه في‬
‫النتخابات مقابل أن يخفف الحكم عن روزنبرغ‪ ,‬فقام كل من الطرفين بتعهده على أكمل وجه‪ ,‬وأنقذ اليهود المجرمين في كل من روسيا‬
‫وأمريكا وهكذا انتصر اليهود على أعظم دولتين‪ ,‬وحالوا دونهما وإنزال العقاب بأبناء قومهم الخونة‪.‬ومما يؤسف له‪ ,‬هو أن الشعب‬
‫المريكي يشعر بوضوح وطأة اليهود على حياته ومصيره‪ ,‬ولكنه يعجز عن وضع حد لسيطرة اليهود عليه‪ ,‬لنه أيقن أن ل جدوى من‬
‫معارضة اليهود في ظل نظامه الحالي‪ ,‬وخاصة بعد أن رأى فشل كل من نزع إلى مخاصمة اليهود من أبنائه‪.‬‬
‫ل‪ :‬إن‬
‫ولقد سئل الصناعي المريكي الكبير السيد هنري فورد )‪ (Hanry Ford‬عن سر توسع النفوذ اليهودي في بلده فأجاب قائ ً‬
‫المسؤول الول عن توسع نفوذ اليهود في بلدنا هو طراز الحكم فيها ) يعني الحكم الديمقراطي ( ‪ ,‬هذا الحكم الذي يتساوى في ظله جميع‬
‫المواطنين بصرف النظر عن أصلهم‪ ,‬ويحق لكل فرد أن يكتب ويقول ويعمل ما يحلو له‪ ,‬وهذه الحرية المطلقة استثمرها اليهود على أحسن‬
‫وجه‪ ,‬فاختاروا العمل الجماعي ضمن مفاهيم التعاون والتآخي فيما بينهم‪ ,‬فتكتلوا منذ البداية‪ ,‬وتعاونوا فيما بينهم منذ الساعة التي حطوا‬
‫فيها رحالهم بهذه البلد‪ ,‬بينما تمسك الخرون بفرديتهم‪ ,‬وعمل كل منهم بمفرده دون معين‪ ,‬ولذا نجح اليهود أكثر من سواهم بفضل‬
‫اتحادهم الذي يتمسكون به لمجابهة الشعوب الخرى‪ ,‬لنهم يعرفون أن الجميع يكرههم ويحقد عليهم بسبب ما افتعلوه من الكوارث منذ‬
‫فجر التاريخ‪ ,‬وما اصطنعوه من مآس في كل من فرنسا و ألمانيا وما ارتكبوه من الجرائم في روسيا والبلقان‪ ,‬ولذا فهم يخافون من نقمة‬
‫الناس عليهم‪ ,‬وهذا الخوف هو الذي يرغمهم على التعاون الوثيق فيما بينهم‪ ,‬وبالتالي يحضهم على تجنب الخرين وعدم الثقة بهم‪.‬‬
‫ل بهذه التعاليم البينة‪ ,‬أغار اليهود على‬
‫وشرائحم أسهمت كثيرًا في نجاحهم إذ أنها تنصحهم بأن ل يعزفوا عن أي عمل مدر للمال‪ ,‬وعم ً‬
‫العمال التي يأنف سواهم عن تعاطيها و العمال التي تحرمها الشرائع السماوية الخرى‪ ,‬فمارسوها بكل شجاعة وقحة‪ ,‬واعتمدوا في‬
‫حرية ممارستها على ما يتقنونه من أساليب الغش والخداع لمجابهة القوانين والنظمة الرادعة عن تعاطي هذه الحرف المعيبة‪ ,‬ولقد درت‬
‫عليهم هذه الحرف الحقيرة أضعاف ما تدره المهن الشريفة على الخرين‪ ,‬ولما توفر لهم المال‪ ,‬تسللوا إلى حرم الصناعات الثقيلة‬
‫والمرافق الحيوية‪ ,‬وبفضل تعاونهم الوثيق تمكنوا من الستيلء عليها‪ ,‬وهكذا حققوا ما لهم اليوم من النفوذ في البلد‪.‬‬
‫ويبدو أن السيطرة اليهودية في أمريكا ليست محصورة في نطاق الحزاب‪ ,‬والتصرف في مجرى النتخابات‪ ,‬ول في امتلك زمام المصارف‬
‫والبنوك‪ ,‬ول في التحكم في صناعة السينما وحرفة الصحافة‪ ,‬بل تعد كل هذا ‪ ,‬ووصلت إلى حد المقدرة التامة على إزالة كل من يعترض‬
‫طريقها مهما سما مركزه أو عظم شأنه‪ .‬وللتدليل على ذلك‪ ,‬وعلى سبيل المثال نذكر مقتل السيناتور ماك آرتي )‪ (R. Mc Carty‬أمين‬
‫سر لجنة الدفاع المريكية‪ ,‬الذي اشتهر بمناوئة اليهود‪ ,‬لما كان يعرفه عن جرائمهم وخياناتهم وكان يفضح أسرارهم ويعلنها للمواطنين‬
‫بقصد تقليص نفوذهم‪ ,‬فجزع اليهود من موقفه المعادي لهم‪ ,‬وقرروا فيما بينهم القضاء عليه في أحد أيام حزيران عام ‪ ,1957‬وجد ماك‬
‫آرتي مقتوًل في فراشه في المستشفى الذي أدخله على إثر وعكة خفيفة ألمت به‪ ,‬ولدى التحقيق لم يعرف سبب الوفاة‪ ,‬وطويت قضيته مع‬
‫أن الجميع كان يعرف أن ماك آرتي اغتيل بيد اليهود‪.‬‬
‫والمتتبع للحداث التي سبقت مقتل ماك آرتي‪ ,‬ولما نشرته الصحافة عنه قبل وبعد مقتله ل يسعه إل أن يعترف بأنه ذهب ضحية غدر‬
‫اليهود وهذه الحملت وما نشرته الصحافة عنه تتلخص بما يلي‪:‬‬
‫في أعقاب إحدى حملت ماك آرتي على اليهود‪ ,‬عقد زعماؤهم اجتماعًا ضم كل من فريدكير شفاي‪ ,‬وفيكتور برنستين صاحبي جريدة المة‬
‫)‪ (The Nation‬وليونيل سيمون صاحب صحيفة العرض )‪ (Expose‬ومدير صحيفة الصوت اليهودي بكاليفورنيا )‪The California‬‬
‫‪ (Jewish Voice‬و مدير صحيفة الشعب في لوس أنجلوس المدعو آل ريتشموند )‪ (Al Richmond‬وشريكه هاري كرامر )‪Hary‬‬
‫‪ (Kramer‬وماير )‪ (Mayer‬صاحب صحيفة بريد واشنطن )‪.(Washington Post Times Herald‬‬
‫وأصحاب الجريدة الرسمية لجمعية بني بريد اليهودية الشهيرة بالبولتان ) ‪ (A.DL Buletin‬وصاحب صحيفة الحياة اليهودية )‪Jewish‬‬
‫‪ (Life‬وماكس اسكوبي )‪ (Max Ascobi‬صاحب صحيفة المخبر )‪.(The Reporter‬‬
‫والمليونير اليهودي آرثر سوليزبيرجر وشريكه جوليوس آدلر )‪ (Arthur Sulzberger And Julius Adler‬صاحبي جريدة‬
‫نيويورك تايمز ) ‪ (The Newyork Times‬وعشرات الزعماء الخرين‪ .‬وبعد تداول أمر السيد ماك آرتي قرروا فيما بينهم محاربته حتى‬
‫النهاية‪ .‬وعلى الثر بدأت المقالت النارية في الصحافة اليهودية تنهال على ماك آرتي‪ .‬كما شرع بعض زعماء اليهود بتوجيه النذارات‬
‫إليه‪ .‬ولقد كتبت الصحيفة اليهودية بني بريت ميسيجر )‪ (Bne Breith Messager‬في إحدى أعدادها تقول‪ :‬لسنا من محبي التكهنات‬
‫ولكن سلوك ماك آرتي وأعماله توحي لنا بأن نهايته ستكون سيئة جدًا‪ .‬ولربما مات بصورة تدهش العالم كما مات النائب هوي لونغ )‬
‫‪ (Huey Long‬الذي كان يسير على غراره‪.‬‬
‫كما صرح الزعيم الصهيوني المعروف فوستر ) ‪ (W.Z. Foster‬بأن على مارك آرتي أن يبتعد عن الميدان السياسي متطوعًا وإل أبعد‬
‫عنه قسرًا وإذا عجز الخرون عن إقناعه فسأضطر لتنظيف الساحة السياسية منه نهائيًا‪.‬‬
‫ولكن لم تلن قناة ماك آرتي الصلبة أمام تهديدات اليهود وثابر على محاربتهم واتهامهم بالخيانة‪ .‬ولقد كتبت صحيفة لوك )‪ (Look‬في‬
‫عددها الصادر في ‪ 17‬تشرين الثاني سنة ‪ 1955‬تقول‪ :‬إن جميع السماء التي يقدمها ماك آرتي إلى مجلس العيان ويتهم أصحابها‬
‫بالخيانة جلهم من اليهود‪ ...‬وفي أعقاب هذه المقالة اشتد الصراع بين ماك آرتي واليهود‪ ,‬ودام إلى اليوم الثالث من حزيران عام ‪1957‬‬
‫الذي فوجئ العالم فيه بنعي ماك آرتي من قبل جريدة مانشستر يونيون ليدر )‪ (Manchester Union leader‬ببعض الكلمات‬
‫المقتضبة‪ .‬اختتمتها بقولها‪ :‬قتل ماك آرتي في المستشفى وانتهى المر‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫وفي ‪ 12‬حزيران سنة ‪ 1957‬علقت صحيفة نيويورك ساندي نيوز )‪ (Newyork Sunday News‬على مقتل ماك آرتي وقالت‪ :‬إن‬
‫الرجال الشجعان آمثال ماك آرتي يرهبون اليهود ولذا يتعرضون لسخطهم‪ ,‬وعندما تتأكد دوائرهم السرية الخاصة من تفاقم خطر هؤلء‬
‫الرجال يسارع اليهود إلى القضاء عليهم وإزاحتهم على الطريق مهما كلف المر‪.‬‬
‫وفي ‪ 23‬تموز سنة ‪ 1957‬صدرت صحيفة بتسبروغ سن تليغراف )‪ (Pittsburg Sun Télegraph‬لتعلن للناس على لسان الكاتب‬
‫اليهودي لويس بورتس )‪ (Louis Bortez‬أن أطباء البحرية المريكية لم يتمكنوا من معرفة أسباب موت ماك آرتي‪.‬‬
‫ومع كل هذا ظلت السلطات المسؤولة تتجاهل الموضوع رغم أنها كانت تعلم أن السيد جورج برن )‪ (George Bern‬سبق وأن نشر عام‬
‫‪ 1954‬أسماء ثلثمائة جمعية ومئات من رجالت اليهود في صحف نيويورك واتهمهم بالتآمر على حياة ماك آرتي‪ .‬كما أنها قد اطلعت على‬
‫ما نشرته جريدة ديلي سن )‪ (Daily Sun‬اليهودية التي تصدر في لوس أفاكاس والتي قالت صراحة بأن جمعية )‪The Cmmitte for‬‬
‫‪ (an Effective Congresse‬المكونة من ثمانمائة عضو )سبعمائة وخمسون منهم من اليهود( هي التي عملت على إزاحة ماك آرتي‬
‫عن مسرح السياسة المريكية‪ ,‬كما أنها استمعت إلى شهادة السيناتور جورج ممثل جورجيا و زميله فيركيزون نائب مقاطعة ميتشيغان‪,‬‬
‫اللذين شهدا بأن بريد ماك آرتي كان يفتح يوميًا من قبل رجال المنظمات اليهودية وبصورة منتظمة‪ .‬ولكن هذه التصريحات والشهادات‬
‫ظلت في نظر السلطات وكأنها لم تكن وطويت قضية ماك آرتي وكأنها من أتفه القضايا‪.‬‬
‫والغرب من ذلك نرى أن التاريخ يعيد نفسه‪ .‬وتظهر لنا السلطات المريكية بنفس المظهر‪ .‬وبنفس العجز أمام السلطات اليهودية‪ ,‬وذلك‬
‫في قضية مقتل الرئيس جون كندي الذي اغتاله اليهودي أوزوولد )‪ (Oswoold‬الذي فوجئنا بمقتله بدوره‪ ,‬وطويت القضية وكأن‬
‫أوزوولد كان المسؤول الوحيد عن هذه الجريمة التي هزت مشاعر الناس‪.‬‬
‫بينما العالم أجمع يعلم أن أياد عريقة في الجرام كانت وراء أوزوولد دأبت العمل في الخفاء‪ ,‬دون أن تترك ورائها من الثار إل القليل جدًا‪,‬‬
‫ولكن هذا القليل كان دائمًا وأبدًا يكفي ليشير إليها في النهاية‪ ,‬ولكن بعد فوات الوان‪.‬‬
‫ومسألة إتقان اليهود إخفاء أكثر جرائمهم في أمريكا في غنى عن البيان ول تحتاج إلى نقاش‪ ,‬وذلك بفضل ما يملكونه من الجمعيات‬
‫السرية التي يدفعونها للقيام بأعمال القتل والغتيال‪ ,‬ولقد اشتهرت من بينها جمعية القباللو ) ‪ (Caballo‬التي يدين أعضاؤها بكتاب‬
‫القبال‪ ,‬وهذه الجمعية تقوم في أمريكا مكان جمعية الهسقال )‪ (Hascala‬اليهودية التي تعمل في البلد الشتراكية‪ ,‬وكلتاهما تأتمران بأمرة‬
‫منظمة الكحال اليهودية العالمية‪.‬‬
‫ولجمعية القبال شروط ومواصفات لقبول العضاء‪ ,‬منها أنها تنتقي أعضائها من بين أطفال العائلت العريقة في يهوديتها‪ ,‬وتأخذهم منذ‬
‫الصغر تحت رعايتها‪ ,‬وتنشئهم ضمن نظام معين وتلقنهم مبادئ خاصة بها‪,‬ومن ثم تعينهم في منظمتها‪ ,‬حسب ميول وغرائز كل منهم‬
‫وتنقسم منظمتها إلى فئات‪ ,‬لكل فئة اختصاصها‪ ,‬فمنها من تخصصت في الشؤون العلمية‪ ,‬ومنها من تخصصت بأعمال القتل والغتيال‪,‬‬
‫وينتظم الطفال في هذه الفئات ويكملون في صفوفها تدريبهم الخاص بالفئة التي انتسبوا إليها‪.‬‬
‫ولقد اشتهر أعضاء الجمعية بتعصبهم القومي‪ ,‬وتطرفهم العنصري‪ ,‬وهم أخطر أفراد الشعب اليهودي قاطبة‪ ,‬ل مكان للرحمة عندهم‪ ,‬ولقد‬
‫قاموا في أمريكا بعدة جرائم تميزت بقسوتها‪ ,‬وفي هذا الصدد يحدثنا السيد إتيلهان ويروي لنا إحدى قصص القبال ويقول‪ :‬كان لعائلة‬
‫يهودية غنية في شيكاغو المريكية ابن يدعى فرانك بولى‪ ,‬فوقع اختيار القباللو عليه لضمه إلى الجمعية‪,‬وكلف بأن يعمل مع يهوديين‬
‫آخرين وهما ناتان ليوبولد‪ ,‬وريشارد لوب وكانا مثله من أبناء الغنياء‪ ,‬فنفذ فرانك التعليمات وباشر بعمله معهما‪ ,‬لكنه فوجئ بعد مدة‬
‫بغرابة التعاليم التي كانت تلقن إليهم‪ ,‬إذ لحظ تعارضها مع المبادئ النسانية‪ ,‬وخروجها على سنن الخلق والشرف‪ ,‬وتحريضها على‬
‫الشر والعداء للنسانية جمعاء‪ ,‬ونزوعها إلى الرهاب والوحشية والقسوة اللمتناهية‪.‬‬
‫ولما كانت فرانك محبًا للخير‪ ,‬و يعترف بفضل أمريكا والمريكيين عليه وعلى بني قومه‪ ,‬وأقرب إلى النصرانية منه إلى اليهودية هاله‬
‫المر‪ ,‬وأظهر امتعاضه من هذه التعاليم الداعية إلى للحقد والكراهية‪ ,‬وصرح بأنها عقيمة ولن تجدي اليهود شيئًا لن أهدافها خيالية‬
‫وقذرة‪ .‬ونصح رفاقه بالعدول عنها‪ ,‬واكتساب صداقة النصارى والتقرب إليهم‪ .‬فعلمت قيادة الجمعية بتذمره‪ ,‬فعمدت إلى تنبيهه‪ ,‬وإرجاعه‬
‫إلى النسجام مع تعاليمها‪ .‬ولكن فرانك أبى إل أن يثابر على دعوته للخير والنسانية‪ ,‬فأمرت الجمعية باعتقاله في مكان سري حيث عذب‬
‫مرارًا‪ .‬وفي إحدى المرات لحظ جلدوه أنه يحمل معه أيقونة مسيحية‪ ,‬فجن جنونهم فقتلوه وأذابوا جثته في الحماض ) أسيد (‪ ,‬جراء‬
‫اعتناقه النصرانية‪ ,‬ولكن شاء القدر أن تكشف الشرطة جثته‪ ,‬فظهرت الجريمة‪ .‬وكلف المفوض ريكس واتسون )‪ (Rex Watson‬أشهر‬
‫ل‪ ,‬وكما كان يتلقى‬
‫رجال شرطة شيكاغو بالتحقيق عن القضية‪ .‬ولما بدأ واتسون تحقيقاته تعرض لحملت الصحافة اليهودية طوي ً‬
‫التهديدات‪ ,‬ولكنه ثابر على عمله‪ ,‬وتمكن من اعتقال قاتلي فرانك‪ ,‬وأحيل إلى القضاء واعترفا بما جنته أيديهما‪ ,‬ولكن دون أن يبوحا‬
‫بأسماء شركائهما‪ .‬ولقد دامت محاكمتهما مدة طويلة )بدأت عام ‪ 1920‬و انتهت عام ‪ ,( 1925‬وكان واتسون يمنع من حضور أكثر‬
‫جلسات المحكمة حتى يحال بينه وبين إثبات الجريمة على اليهود‪ .‬وأخيرًا صدر الحكم القاضي بسجن قاتلي فرانك التعس بضعة أعوام رغم‬
‫بشاعة جريمتهما‪ .‬أما الصحافة المريكية فظلت صامتة طيلة مدة المحاكمة ولم تشر ولو بكلمة واحدة إلى القضية المروعة‪.‬‬
‫ل لتفاصيل هذه الجريمة البشعة‪ .‬كما أن المفوض واتسون لم ينج من انتقام اليهود وفوجئ بالتسريح من‬
‫وهكذا ظل الشعب المريكي جاه ً‬
‫الخدمة بمجرد انتهاء القضية‪ ,‬مع أنه كان لم يزل في شرخ شبابه وبعد فترة وجيزة أنقذ المجرمان‪ .‬وهكذا انتصر اليهود وهزم واتسون‬
‫الشريف الذي ناصر العدالة‪ ,‬ليضع حدًا للجرائم اليهودية في وطنه‪.‬‬
‫وهذه الجريمة ليست الوحيدة من نوعها بين الجرائم العديدة التي ارتكبها أعضاء القاباللو‪ .‬ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية فوجئت‬
‫أمريكا بجريمة أخرى‪ :‬وهي أن الشرطة عثرت على الملياردير اليهودي سيرج روبنشتاين ) ‪ (serge Rubinestein‬مقتوًل في منزله‬
‫بصورة محيرة‪ .‬إذ لم يترك الجناة ورائهم أي أثر يشير إلى هوياتهم‪ .‬فكلف المفوض الشهير روبير لويد )‪ (Robert Lioyed‬في‬
‫التحقيق عن الحادث ‪ .‬ورغم الساليب التي استعملها لم يجد أي أثر ينم عن القتلة‪ .‬اللهم إل أيقونة غريبة عثر عليها في كف القتيل‪ ,‬وهي‬
‫من البلتين وعليها صورة شيطان يرقص طربًا على شعلة من النار‪.‬‬
‫وكان وجهها الثاني يحوي كلمة عبرانية عجز مفتش الشرطة على قراءتها ولكنه أيقن أن لهذه اليقونة علقة وثيقة بمقتل سيرج لما كان‬
‫يبدو على القتيل من مظاهر الخوف والهلع الذي تعرض لهما قبل أن يلفظ أنفاسه الخيرة‪ .‬فحمل روبير اليقونة وذهب لعند السيد آلن‬
‫كودبريج )‪ (Allen Good Bridge‬أستاذ اللغة العبرية في الجامعة‪ .‬وطلب منه أن يترجم له معنى الكلمة المنقوشة على اليقونة‪ .‬فلما‬
‫شاهد ما نقش عليها كاد يقع صريع الرعب‪ ,‬وبعد أن استرد وعيه قال للمفتش إنها تعني العدام )‪ (Harem‬باللغة العبرية‪ ,‬وإن طرفها‬
‫الثاني يرمز إلى منظمة القاباللو الشهيرة وإن اليقونة تعني أن المنظمة حكمت على سيرج بالعدام‪ ,‬ونفذته‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫وإزاء هذه المعلومات الصريحة لم يسع السلطات إل متابعة التحري عن القضية‪ ,‬فتبين أن سيرج كان من يهود روسيا وأنه انتسب منذ‬
‫نعومة أظفاره إلى جمعية القاباللو‪ .‬وقدم لها خدمات جلى مما أدى إلى ترقيته إلى أعلى المراتب في صفوفها‪ ,‬حتى أضحى أحد زعمائها‬
‫الكبار‪ ,‬كما تضخمت ثروته بصورة عجيبة حتى اعتبر من أكبر أغنياء أمريكا‪ .‬وهذه المعلومات اكتشفتها الشرطة من أوراقه الخاصة التي‬
‫عثرت عليها في قصره الكائن في إحدى ضواحي مدينة من مدن ولية كولورادو )‪ (Colorado‬والتي كانت نصف محترقة مع مفكرة‬
‫صغيرة خاصة به تحوي الجمل التالية‪:‬‬
‫))يبدو أننا أصبحنا نحكم كل شيء في الوجود ولم يعد في العالم من هو قادر على مجابهتنا‪ ,‬وإن كل قوى الرض أعجز من أن تقاومنا‪...‬‬
‫إن التعليمات التي أصدرها إسحاق نفذت حرفيًا‪ ,‬وهذا يعني أننا لن نصطدم بأي عقبة حتى في المرحلة الخيرة‪ ....‬إن أوضاع أستر تبدو‬
‫مضطربة بعض الشيء‪ ...‬نعم إن القباللو هي فوق الجميع ولكن سيرج روبنشتاين أعني أنا سأكون في قمتها وسأحكمها مع العالم أجمع‪.‬‬
‫ل‪ .‬ماذا بإمكانهم أن يفعلوا معي؟ فأنا أعرف جميع أسرارهم وسأبوح بها إن هم وقفوا في وجهي‪...‬وهم يجهلون كل شيء عني‬
‫ل أم آج ً‬
‫عاج ً‬
‫‪ ...‬وهم يفشون لي أعظم أسرارهم‪ ...‬ربما وقع ما لم يكن بالحسبان يجب أن أكون حذرًا‪ ...‬يجب أن أحتاط لسلمتي تمامًا‪ ,‬وأن أموه جميع‬
‫برامجي عنهم‪ ...‬إن أحد الممثلين الثلثة بدا يشك بي ولكن سأسعي قريبًا لزالته‪ ...‬إن عدم ورود الخبار عن صديقي الكائن في الشرق‬
‫يزعجني بعض الشيء ولكن آمل أن تسير المور على ما يرام‪ ...‬يقول جاك ) إن الوضع يتطلب السرعة(‪ ...‬غدًا سأذهب مع مارغريت إلى‬
‫البحر ) البلج( وفيما بعد ربما بعد غد سأتوجه إلى جاك‪ ...‬إن الشيء المهم‪ .‬هو تدخل نيكسون في الوقت المناسب ولكن نيكسون‪ ...‬وهذه‬
‫أيضًا مفاجًاة سارة‪ ...‬يا ترى لماذا تاه نيكسون‪ ...‬قبل كل شيء هذه القضية‪(( ....‬‬
‫ومن فحوى هذه المقاطع‪ .‬استنتج أن سيرج بعد أن أصبح أغنى رجال القاباللو‪ ,‬غره الطمع ونزع إلى التمرد على الجمعية وفرض سيطرته‬
‫عليها‪ .‬فعلمت الجمعية بمراميه‪ ,‬وحكمت عليه بالزوال قبل أن يتمكن من إخضاعها‪.‬‬
‫ورغم تحريات الشرطة‪,‬وانكشاف المر فقد حفظت قضية سيرج ضد مجهول وأهملت السلطات تعقب أعضاء القاباللو‪ .‬وذهب سيرج ضحية‬
‫غروره ) على الصح ضحية طبيعته اليهودية التي ل تحجم عن الغدر حتى بأبناء قومه (‪.‬‬
‫ذهب سيرج وقضي أمره ولكن الصحافة اليهودية لم تكتف بإزالته بل تعمدت النتقام منه بعد موته‪ .‬فكتبت صحيفة الملحظة )‬
‫ل منحط الخلق‪ ,‬بقدر‬
‫ل له‪ .‬كان ساف ً‬
‫‪ (Observation‬اليهودية تقول عنه وبكل شماته‪ :‬إن هذا المخادع الذي لم يسبق للعالم أن رأى مثي ً‬
‫ما كان غنيًا‪ .‬ولقد طرد من فرنسا وإنجلترا لسوء سيرته وانحراف سلوكه‪ ,‬ولما عزم اللتجاء لمريكا‪ ,‬غرر بأحد نبلء البرتغال‪ ,‬وحصل‬
‫منه على وثائق تثبت أنه ولده بالتبني‪ ,‬مقابل أن يدفع له في المستقبل بعض المال‪.‬‬
‫ولكن أين لسيرج أن يفي بوعده وهو الذي اشتهر بالدناءة‪ .‬فعوضًا من أن يتوارى عن النظار بعد أن حصل على بغيته‪ ,‬عمد إلى التغرير‬
‫بابنة البرتغالي الذي أحسن إليه واعتدى على عفافها ثم لذ بالفرار ودخل أمريكا‪ .‬فلما علم البرتغالي بالمر فقد صوابه وانتحر وامتثلت به‬
‫ابنته أيضًا‪ .‬وهكذا قضى سيرج على هذه العائلة المسكينة بسفالته وغدره‪ .‬وكانت الفتاة قد كتبت قصتها مع سيرج وأرسلتها إلى السلطات‬
‫في أمريكا‪ ,‬ولما حقق معه في الموضوع‪ ,‬أنكر سيرج القصة‪ .‬وأثبت أمام القضاء عن طريق استئجار شهود زور من أبناء قومه بأنه البن‬
‫غير الشرعي لهذا النبيل البرتغالي من إمرأة يهودية‪ ,‬وهكذا لم يتورع هذا القذر من اتهام والدته المتوفية بالرذيلة أمام القضاء لينقذ نفسه‬
‫من التهمة الحقة الموجهة إليه‪ .‬ولقد قال عنه القاضي ماك جوكي ) ‪ (Mac Gokey‬الذي حقق معه إنه من أسفل المجرمين الذين رأتهم‬
‫عيناي طيلة حياتي‪.‬‬
‫وهذا السافل أتى إلى فرنسا في شرخ شبابه‪ ,‬وبفضل اتقانه أساليب الخداع تمكن من أن يكون مديرًا عامًا للمصرف اليهودي في فرنسا‪,‬‬
‫وهو في الرابعة والعشرين من عمره‪ .‬وبعد مدة وجيزة أخبر لفال )‪ (Laval‬أن سيرج يقوم بأعمال غير شرعية فطرده من فرنسا‪ .‬فالتجئ‬
‫سيرج إلى بريطانيا حيث تمكن مجددًا من لفت النظار إليه‪ .‬فأسندت إليه مديرية مصرف تشوسن ليمتيد )‪ .(Choson LTD‬وبعد فترة‬
‫وجيزة اختلس أموال المصرف وأعلن إفلسه‪ .‬ولم يتمكن أحد من إثبات الختلس عليه‪ ,‬فطردته الحكومة البريطانية من الجزيرة وخرج‬
‫ل مليينه العديدة وساخرًا من غباء النجليز‪ .‬فوصل إلى أمريكا بالشكل الذي سبق ذكره وتضخمت ثروته بسرعة وأصبح قبلة‬
‫منها حام ً‬
‫النظار حتى إن روزفلت اتخذه صديقًا و مستشارًا خاصًا له‪ .‬ولقد اتهم سيرج عدة مرات بجريمة العتداء على القاصرات ولكنه كان ينجو‬
‫كل مرة من العقوبة بفضل نفوذه وأمواله‪ .‬حتى كانت نهايته بالمس بالصورة التي استحقها‪.‬‬
‫وهكذا لحقت الصحافة اليهودية المغدور سيرج بعد موته‪ ,‬لتصرف الرأي العام عن الهتمام بمقتله وكأنه لم يكن يومًا من زعماء القاباللو‬
‫ومن أشهر أعضائها‪ ,‬وهذا المسلك اليهودي المشين إن دل على شيء فإنما يدل على مدى ما يصل إليه الحقد اليهودي السود على من‬
‫يعترض طريقهم‪ ,‬حتى وإن كان منهم‪ ,‬ومن الناحية الثانية تشكف عن مدى سيطرة القاباللو في أمريكا‪.‬‬
‫ولجمعية القاباللو في أمريكا نشاط سياسي واسع‪ ,‬بلغ حد إصدار النشرات التوجيهية الدورية و توزيعها سرًا على اليهود بغية تشجيعهم‬
‫على التمسك بقوميتهم وحضهم على متابعة النضال تحت إشراف الجمعية الكحال‪ .‬وفيما يتعلق بهذه النشرات يحدثنا السيد إتيلهان عنها‬
‫مطوًل في كتابه ) السلم وبني إسرائيل( ويقول إنه تلقى عددًا من هذه النشرات التي أرسلها إليه بعض أصدقاءه من المريكان المخلصين‬
‫لبلدهم‪ .‬ولقد ترجم السيد إتيلهان بعض هذه النشرات ودونها في مؤلفه النف الذكر‪.‬‬
‫ونظرًا لما تحويه هذه النشرات من المور الغريبة التي تفضح الكثير من أسرار اليهود‪ ,‬وتوخيًا لتنويه القارئ الكريم‪ ,‬ندون فيما يلي‬
‫ترجمة إحداها كما أوردها السيد إتيلهان ‪ .‬وهي تبدأ بالنداء التالي الموجه لليهود‪.‬‬
‫)) يا أبناء الشعب المختار‪ ,‬تحياتنا الصادقة ومن ثم نقول‪ :‬نحن على يقين بأنكم تلتهبون شوقًا لبلوغ اليوم الذي سيلتئم فيه شملنا‪ ,‬ونسترد‬
‫فيه هويتنا الصلية‪ ,‬هذا اليوم الذي سيتعرف فيه العالم على سادته الحقيقيين‪ ,‬لبد أنكم مللتم النتظار الطويل‪ ,‬وفرغ صبركم‪ ,‬وتسرب‬
‫اليأس إلى نفوسكم ولكن ثقوا أيها الخوة‪ ,‬إننا نعمل ليل نهار وبدون كلل‪ ,‬لنقود العالم إلى حيث يجب أن يقاد‪ ,‬واعلموا أن جهودنا و‬
‫ل أيها الخوة نحن ننتظر أيضًا مثلكم‬
‫مساعينا لن تذهب سدى‪ ,‬وسترون عما قريب كيف أن شعوب العالم ستخر ساجدًة على أقدامنا‪ .‬فمه ً‬
‫بزوغ فجر اليوم الذي سنعلن فيه سيادتنا على الدنيا‪ ,‬فل تيأسوا واعلموا أن الموعد قد اقترب‪ ,‬فأبشروا بالخلود‪ ,‬وعما قريب ستشاهدون‬
‫ملك صهيون وقد امتلك زمام الرض قاطبة وسترونه قد وضع على مفرقه تاج عرش الدنيا‪ ,‬عندها سنتهي انتظاركم الممل البغيض‪,‬‬
‫وستستعيضون عنه بالسعادة البدية‪ ,‬وكل هذه بفضل المناهج والدراسات التي وضعها لنا حكماؤنا ) يعني حكماء صهيون( والتي بدأت‬
‫تتحقق شيئًا فشيئًا‪ .‬واعلموا ان العهود المظلمة التي عشنا فيها تحت ظل العبودية والظلم قد ولت إلى البد‪ ,‬وإن قطعان الماشية التي تسمي‬
‫نفسها شعوب العالم ) يعني الشعوب الغير يهودية( بدأت أخيرًا تخضع لنا وتنحني لرغباتنا‪ .‬أيها الرفاق ل تظنوا أننا وحدنا في هذا الصراع‬
‫المرير فلنا عدد ل يحصى من النصار والتباع في صفوف تلك القطعان‪ ,‬وهم ممن غررنا بهم وأخضعناهم لرغباتنا‪ ,‬فأصبحوا لنا أتبع من‬
‫ظلنا‪ ,‬فانتشروا في القارات الخمس يعملون لتحقيق مآربنا‪ ,‬ونشر تعاليم منظماتنا التي ينتسبون إليها‪ ,‬ويخلصون لنا لدرجة العبادة حتى إن‬

‫‪84‬‬

‫واحدهم ل يحجم عن بذل دمه في سبيل إرضائنا‪ ,‬لننا سلبناهم الرادة‪ ,‬وغدوا ل يفقهون شيئًا‪ ,‬ول يهتمون إل بتنفيذ أوامرنا‪ ,‬وإذا اقتضى‬
‫المر ل يتورعون عن القتتال فيما بينهم صونًا لهدافنا‪ ,‬أيها الخوة ألم تروا كيف أوقعنا بين أفراد الحزب الواحد في المجر‪ ,‬حتى اقتتلوا‬
‫فيما بينهم؟ أما شاهدتموهم وهم ينفذون مخططاتنا التي تقضي بإضعاف ثقة الناس ببعضهم البعض حتى وإن كانوا أفراد حزب واحد أو‬
‫إخوة أشقاء؟ وذلك كي ل يسود التفاهم بينهم ويعمدوا في المستقبل لمناهضتنا‪ .‬ثقوا أيها الخوة بأننا سنحول دون أي تفاهم أو اتفاق بين‬
‫الشعوب والفئات لتغذية هذا النزاع بينها سيثابر مصنع أضاليلنا على ابتكار المزيد من المبادئ المتضاربة التي سنلقمها إلى هذه الشعوب‬
‫والفئات كل على حدة‪ ,‬وستتبناها كالعادة وكأنها وحي يوحى‪ ,‬وسيقوم كل شعب أو فئة بالدعوة لمبادئه‪ ,‬ويتمسك بوجهة نظره‪ ,‬وسيحتدم‬
‫الصراع بينه وبين الشعوب الخرى‪ ,‬وهكذا سيظل الصراع قائمًا إلى البد بين الشعوب‪ ,‬وسنعمد إلى إبقاء الكفة متعادلة بين المتقاتلين‬
‫حتى ل ينتهي الصراع بانتصار فئة على أخرى‪ ,‬وبهذا السلوب سنطيل القتال سجاًل إلى ان يعجز الجميع عن القراع‪ ,‬وتضمحل قواهم‪,‬‬
‫وتتمزق وحدة الفئات والشعوب من جراء تعدد الكوارث والنكبات‪ ,‬فتسود الفردية والمادية في كل بلد‪ ,‬ويفقد الناس الثقة ببعضهم البعض‪,‬‬
‫ويعم الفقر والفاقة‪ ,‬فيتنكر الولد لبيه و الخ لخيه وعندها ستفقد الشعوب مقوماتها الساسية‪ ,‬وسيصبح كل أفرادها ماديين‪ ,‬ل يعيش‬
‫واحدهم إل لنفسه‪ ,‬كمثل الحيوان العجم الذي ل غاية له سوى البحث عما يمل معدته الخاوية‪ ,‬وهكذا سنعيد البشر إلى ما كانوا عليه قبل‬
‫ألوف السنين‪.‬‬
‫وفي هذا الوقت نكون نحن قد وصلنا إلى أوج القوة والعظمة بفضل تعاوننا على تنفيذ مناهجنا القويمة‪ ,‬ومحافظتنا على وحدتنا القومية‬
‫وتمسكنا بتقاليدنا ومعتقداتنا‪ ,‬عندئذ سيهون علينا إعلن سيطرتنا على العالم‪ ,‬ولكي نقترب من هذا اليوم‪ ,‬نتوسل إليكم أن ترصوا صفوفكم‬
‫وتوحدوا جهودكم‪ ,‬وثقوا أيها الخوة أننا سنصل إلى غاياتنا‪ ,‬لننا وهبنا ميزة التقدير الصحيح والتفكير العميق‪ ,‬التي حرمتها الطبيعة على‬
‫سوانا من البشر‪ ,‬ولذا فهم لن يشعروا بما نبيته لهم‪ ,‬فهم دائمًا كما عهدتموهم أغبياء سذج يصدقون كل ما يقال لهم لنهم عاجزون عن‬
‫التفكير والتقدير‪ ,‬ولهذا فهم دائمًا بحاجة إلينا ‪ ,‬لنستنبط لهم المبادئ ونوجد لهم الشعارات ليؤخذوها عنا ويتبنوها وكأنها صالحة‪ ,‬دون ان‬
‫يناقشوها ويتحرروا من مراميها‪ ,‬مع أننا نلقنهم إياها لنقودهم في دروبها إلى حتفهم فلو علموا ما نرمي إليه منها لعزفوا عنها‪ ,‬ولكنهم‬
‫يجهلون مقاصدنا‪ ,‬ولن يعرفوا أبدًا ما نرومه‪ ,‬لنهم عاجزين عن التفكير والتقدير‪ .‬ولذا نقول لكم أيها الخوة لتخشوا النتائج‪ ,‬وكونوا‬
‫أقوياء‪ ,‬وانبذوا الوهام والمخاوف‪ ,‬وثقوا بنا وبالمستقبل الباهر الذي ينتظرنا‪ ,‬واعلموا أن تقديراتنا ل تخطئ أبدًا‪.‬‬
‫أما رأيتم كيف أوجدنا قضية الزنوج في أمريكا‪ ,‬ليتصارع السود والبيض‪ ,‬يلتهوا بمصيبتهم عن مراقبة ما نفعله وما نحققه من مصالحنا‬
‫الخاصة‪ ,‬أنسيتم كيف زججنا بدول العالم الغبية في الحرب العالمية الولى لتتذابح شعوبها مدة أربع أعوام‪ ,‬دون أن يكون لها في هذا‬
‫الصراع غرض إل تحقيق غاياتنا‪ ,‬وهل غاب عنكم أننا عدنا في المس القريب إلى دفع الشعوب مرة أخرى لتسفك دماء أبنائها على مذبح‬
‫أهدافنا التي أراد هتلر و موسوليني ومن كان معهم أن يمنعونا من الوصول إليها‪ ,‬أما شاهدتم بأم أعينكم ما فعلته هذه الشعوب المسخرة‬
‫بهتلر وموسوليني‪ ,‬أل تتساءلون أين أصبح هتلر وشعبه الجبار وأين موسوليني وجيوشه الجرارة‪ ,‬نعم أين هم جميعًا‪ ,‬لقد ذهبوا مع الريح‬
‫لنهم وقفوا في وجهنا‪ ,‬ثقوا أيها الخوة أن الوباش ) غير اليهود( ل مناص لهم من تنفيذ رغباتنا‪ ,‬فهم يجهلون أننا نحكم أكثر دولهم‪,‬‬
‫وهم يختارون دائمًا لحكم بلدهم من نرشحه من أتباعنا‪ .‬حتى المنظمات العمالية تخضع لمشيئتنا وأفرادها يختارون ممثليهم من بين‬
‫أتباعنا الذين هيئناهم منذ أمد بعيد لهذه المهام‪ .‬والتعليمات التي تصدر تباعًا هي التي تكفل لهم النجاح بين أترابهم‪ .‬وهذه التعليمات تصدر‬
‫إليهم بصورة غير مباشرة ومن وراء الستار حتى ل ينتبه أحد إلى كونها صادرة عنا وهي تصلهم مع المعونات المادية عن طريق أفراد‬
‫من جنسهم‪ ,‬وهكذا نسيطر على الجميع دون أن يشعر أحد بذلك‪.‬‬
‫أيها الرفاق لقد زعم بعض سياسيي أمريكا أنهم اكتشفوا بأننا نسيطر على الحزبين المريكيين‪ ,‬ولهذا عمدوا إلى تشكيل وإيجاد حزب ثالث‬
‫على أن يكون خاليًا من أنصارنا‪ ,‬فاعلموا أن هذا الحزب الجديد سيكون أيضًا تحت سيطرتنا‪ ,‬وسيخضع مثل سواه لمشيئتنا‪.‬‬
‫أيها الخوة كونوا على يقين‪ ,‬أن كل من يجرؤ على التدخل في شؤوننا سنلحقه بالسيناتور ديس )‪ (Dies‬والسيناتور ماك آرتي والسيناتور‬
‫استلند )‪ (Eastland‬والسيناتور فورستال )‪ (Forstal‬الذي قضينا عليه مؤخرًا بقذفه من إحدى نوافذ منزله‪ .‬أما ما فعلناه بمناوئنا‬
‫اللدود الجنرال ماك آرثر )‪ ,(Mc Arthur‬فهو في غنى عن البيان وكلكم يعرفه حق المعرفة‪.‬‬
‫أيها الخوة كان الغبياء )غير اليهود( يصفوننا بالجبناء‪ ,‬ولكنهم واهمون‪ ,‬نحن اليوم أقوياء‪ ,‬ونمتلك القوة الذرية في كل البلد التي تدعي‬
‫ملكيتها‪ ,‬والمستقبل سوف يكشف لم كانوا يزعمون أننا جبناء‪,‬نحن نعمل بدون كلل‪ ,‬ولقد سلبنا شعوب الرض أكثر أموالها‪ .‬وسنسلب ما‬
‫تبقى منها لديهم بحجة توطيد نظام التكامل المالي والقتصادي الذي استنبطناه‪ .‬واعلموا أيها الخوة أننا أعددنا لكل شيء عدته‪ .‬وبفضل‬
‫فرية السلمة العامة‪ ,‬التي جعلناها بمثابة الصلة اليومية للنسانية جمعاء‪ ,‬لكثرة ما تحدثت عنها إذاعاتنا‪ ,‬سوف نحطم أعصاب البشرية‬
‫برمتها ‪ ,‬وسنركز جهدنا على تذكير الناس بالهوال المرتقبة من الحروب‪ ,‬لنرهبهم ونجعلهم يلتمسون تجنبها مهما كان الثمن‪ .‬عندها‬
‫سنخرج عليهم بفكرة الدولة العالمية الواحدة‪ ,‬بحجة أنها الوسيلة الفريدة للحيلولة دون قيام الحرب‪ ,‬بينما سيكون هدفنا الحقيقي منها‪,‬‬
‫التمهيد لزالة الفوراق العنصرية والدينية‪ ,‬لتنصرف الشعوب المعادية لنا عن مراقبتنا والتحري عن خفايا مناهجنا‪ ,‬ومن ثم إضعاف‬
‫القومية والوطنية بين افرادها‪ ,‬وليهامها بنبل مقاصد دعوتنا‪ ,‬سنروج لفكرة التعاون القتصادي بين الدول بحجة السعي لرفع مستوى‬
‫الشعوب المتخلفة‪ ,‬وسنشجع الدول الرأسمالية الخاضعة لنا على منح القروض للدول الخرى‪ ,‬ولغفالها عن مراقبتنا سنبادر إلى السهام‬
‫بقسم من هذه القروض‪ ,‬ومن المؤكد أن الدول الكبرى ستلبي دعوتنا لتظهر بمظهر المحبة للخير والنسانية‪ ,‬ومن جهة ثانية لتسيطر‬
‫بزعمها على الدول التي ستتلقى منها القروض ) إن صح زعمها هذا فتكون في الواقع أخضعت تلك الدول لمشيئتنا بصورة غير مباشرة‬
‫باعتبار أنها هي نفسها خاضعة لها( وبهذه الطريقة سنوزع ما تبقى من الثروات في حوزة الشعوب الخرى )دون أي أمل في تحقيق الغاية‬
‫القتصادية المرجوة من هذا التوزيع على العالم(‪.‬‬
‫أما نحن فسنسترد أموالنا التي ساهمنا بها مضاعفة‪ ,‬بفضل مصانعنا التي بلغت نسبتها ‪ %90‬من مجموع مصانع العالم‪,‬و التي ستضطر‬
‫الدول النامية لبتياع ما ستحتاجها من الدوات اللزمة لقامة المصانع وقطع تبديلها عنها‪.‬‬
‫بينما الدول الدائنة ستفقد حتمًا أموالها‪ ,‬لن الدول المدينة لن تتمكن من رد فلس واحد منها‪ ,‬لنها ستفقد أموالها دون أن تتوصل إلى‬
‫تطوير صناعاتها التي ستصطدم بمنافسة مصانعنا‪ ,‬فتنهار اقتصادياتها أكثر من ذي قبل‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت تكون أجهزتنا الخرى‪ ,‬قد توصلت إلى تعميم المبادئ والفكار الداعية لللحاد‪ ,‬واللأخلقية‪ ,‬والمسفهة للنزعات القومية‬
‫والوطنية‪ ,‬والمشجعة على المادية والفردية‪ ,‬وهكذا سنتوصل إلى تجريد العالم من ثرواته ومعتقداته ومثله‪ ,‬ونغرقه في المادية والفردية‪,‬‬
‫ليصبح جاهزًا لتقبل سيادتنا في الوقت الذي سنختاره بأنفسنا‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫وثقوا أيها الخوة أننا خطونا في تحقيق هذه المناهج خطوات واسعة خاصة بعد أن فزنا بثقة الكفرة ) يعني غير اليهود( في الميادين‬
‫العلمية‪,‬بفضل العلماء العباقرة أمثالر سيغموند فرويد )‪(Sigmund Freud‬و آلبيرت أينشتاين )‪ (Albert Einstein‬وجوناس سالك‬
‫الذين أوجدناهم وهم اليوم يعتبرون من قبل الجيال الصاعدة آلهة العلم والعبقرية‪ ,‬لنها تجهل حقيقتهم‪ ,‬أما نحن فنعرف كيفد ولماذا‬
‫أوجدناهم‪ ,‬لننا قدرنا بإمكانهم التأثير عن طريق العلم على معتقدات الشعوب وإضعافها وذلك بإجراء مقارنات بين النظريات العلمية‬
‫الملموسة وبين النظريات الروحية المبهمة‪ ,‬لثبات وضوح نظرياتهم أمام الناشئة بغية دفع الشباب إلى التشكك بالنظريات الروحية‬
‫وبالتالي إلى نبذها‪ ,‬والتعلق بالنظريات المادية‪.‬‬
‫ومن خلل النتائج التي توصلنا إليها أيقنا أن نجاحنا في هذا المضمار كان واسعًا جدًا‪ ,‬بدليل أن الكفرة الغبياء عمدوا إلى نبذ كل معتقد‬
‫غير ملموس انسجامًا مع ما تلقنوه من علمائنا الذي يعتبروهم أكثر قدرة على الخلق والبداع من خالق الطبيعة‪ ,‬ومن هنا انزلقوا في‬
‫متاهات الكفر واللحاد‪ ,‬وانهارت معتقداتهم وأخلقهم‪ ,‬وشرعوا ينظرون إلى رسلنا العصريين نظرة إجلل وإكبار‪ ,‬ول يرون غضاضة في‬
‫احترمنا وتقديرنا باعتبارنا أبناء الشعب الذي أنجب هؤلء الرسل‪.‬‬
‫ومن الجهةالثانية تمكنا بفضل صعاليكنا أمثال بيكاسو ‪ ,‬وجيرتراند ستي‪ ,‬وجاكوب أبستين من إفساد الذوق الفني لهذه الشعوب‪ ,‬ومحو أثر‬
‫الفنون اليونانية و الرومانية العريقة التي ل تمت إلينا‪ ,‬مع أن فنانينا ما هم إل صعاليك معتوهين‪ ,‬أبعد كل هذا يمكن لحد أن يشك في قدرتنا‬
‫على سيادة الشعوب؟ أيها الخوة أننا لم نعد نخشى أحدًا‪ ,‬ولن يجرؤ أحد بعدا اليوم على مناصبتنا العداء‪ ,‬ولو قدر لحد الغبياء أن يتصدى‬
‫لنا‪ ,‬لما احتجنا لكثر من أن نوعز لصحافتنا لتشهر به‪ ,‬وتوصمه بالنازي ‪ ,‬واللسامي العنصري فل يلبث أن يجد نفسه محتقرًا منبوذًا من‬
‫قبل العالم أجمع‪ ,‬فيضطر للتواري عن النظار قبل أن تحل به الكارثة التي حلت بسواه‪ ,‬ولقد نجحنا مرارًا في إتباع هذا السلوب القديم‪,‬‬
‫وأيقنا أنه من أمضى أسلحتنا‪ .‬أتدرون لماذا؟ لن الكفرة ) غير اليهود( تخلوا لنا نهائيًا عن حقهم في التفكير والتوجيه‪ ,‬وعلى الخص بعد‬
‫أن سيطرنا على كافة وسائل العلم والصحافة ولهذا هم دائمًا بانتظار ما نقوله ونوجههم إليه‪ .‬فيتخذون أقوالنا ليرددوها دون وعي أو‬
‫إدراك‪ ,‬ويتقبلون توجيهاتنا دون تحقيق أو جدال‪ .‬والبرهان على غفلة الكفرة هو أن الروس اكتشفوا منذ نصف قرن نوايانا‪ ,‬وذلك عندما‬
‫عثروا عن منهاجنا السري ) بروتوكولت الصهيونية ( )‪ .(Les Protocoles de sion‬فلما عمدوا إلى تعميمه‪ ,‬أنكرناه وكذبنا انتسابنا‬
‫إليه‪ .‬وتوصلنا إلى إيهام الناس أنه من مستنبطات أعدائنا فصدقنا العالم وكذب من عثروا عليه‪ .‬وهكذا طمسنا معالم الجريمة‪ ,‬قبل أن يشعر‬
‫أحد بخطرها‪ ,‬وكل ذلك لن الغبياء ل يرون إل بأعيننا‪ ,‬ول يفكرون إل بما نوحيه إليهم‪ .‬ومسلكهم هذا هو أكبر برهان على صدق قول‬
‫التلمود الذي نستمد منه مناهجنا‪ ,‬هذا الكتاب المقدس الذي نعتهم بالحيوانات المسخرة لنا‪.‬‬
‫أيها الخوة فكروا جيدًا‪ ,‬أل يحق لكم بعد كل هذا أن تفاخروا بكونكم منا‪ ,‬نحن الذين نمتلك الصحافة والمطبوعات في العالم‪ ,‬ونوجه ثقافة‬
‫الشعوب‪ ,‬ونسيطر على السينما والراديو ) الذاعة( وجميع وسائل العلم‪ ,‬ثقوا بأننا نوجه العالم حيث نشاء‪ .‬فالشعوب تصفق لمن نصفق‬
‫له‪ ,‬وتحتقر من نحتقره‪ ,‬ول تفكر إل بما نفكر به‪ ,‬انظروا إلى هذه الكتل الحيوانية كيف تتصارع لتقضي على النزعات الوطنية والقومية‪.‬‬
‫واسمعوا كيف يتبارى خطباؤها للنيل من كل ما يسمى بالقومية والوطنية‪ .‬وكيف ينعتون المناهج القومية العنصرية بالمناهج البغيضة‪,‬‬
‫وكيف يصفون التقوى بالتعصب الديني الكريه‪ ,‬وكل ذلك لنهم سمعونا نقول بعدم إنسانية المبادئ اللسامية‪ ,‬ورأونا نساند حقوق النسان‪,‬‬
‫ونندد بكل من يخالف أقوالنا‪ ,‬فراحوا ينادون بما سمعوه كالببغاوت العجماوات دون أن يدركوا أن تنديدنا باللسامية كان لحماية أنفسنا‪,‬‬
‫وترويجنا للفكار المعارضة لها ما كان الغرض منه إل استرداد حقوقنا السياسية في بلدهم التي ل يربطنا بها أي رباط منه ولكن عجزهم‬
‫ل أن بعض‬
‫عن التمييز جعلهم يتطوعون لخدمتنا هكذا وبدون تفكير‪ .‬إن السيطرة التوجيهية التي نمتلكها ل حد لها‪ .‬فعندما نلحظ مث ً‬
‫أساليبنا المالية التي أوجدناها في الماضي لم تعد في مصلحتنا‪ ,‬نسارع إلى التنديد بها و نستبدلها فل يلبث العالم أن يندد بالساليب القديمة‬
‫وينبذها‪ ,‬ويتبنى ما أحدثناه مجددًا‪ .‬و كأن ما نقوله وحي يوحى‪ .‬وعندما يتصدى لنا أحد الزعماء أو إحدى الفئات‪ ,‬نبادر إلى قرع أجراس‬
‫الخطر‪ ,‬فتهب صحافتنا ووسائل التوجيه التي نملكها إلى مقارعة التصدي و تنهال عليه و على مبادئه بالتقريع والتكذيب و التشويه‬
‫والتسفيه‪ ,‬ونلفق له ولمبادئه كل ما يحط من قدره وقدرها‪ .‬ونصر على ترديد ما يشين المتصدي دون كلل أو ملل‪ ,‬حتى يقف العالم أجمع‬
‫في صفنا‪ .‬فيتحطم المتجاسر وينهار إلى البد‪.‬‬
‫ثقوا أيها الخوان أن الجيال الصاعدة هي ملك أيدينا‪ ,‬ولقد وجهناها حسب رغباتنا‪ ,‬فهي اليوم ل تهتم إل بما لقناها إياه‪ .‬وأفرادها ل‬
‫يعملون إل لتحقيق النتصارات الشخصية الهزيلة‪ .‬وواحدهم ل يفكر إل بمصلحته الخاصة‪ ,‬كالحيوان العجم تمامًا‪ .‬فلم يعد للمسائل القومية‬
‫والوطنية أو الجماعية أي قيمة لدى الفراد‪ .‬فهم يسيرون وفق المثل القائل‪ :‬لكل امرئ ما جناه‪ .‬إن المناهج الدراسية التي وضعناها و‬
‫تبنتها كافة الشعوب هي ل تناسب إل مقاصدنا وحدها‪ ,‬والكتب الحاوية عليها وضعت وفق توجيهاتنا‪ .‬ولهذا تجدون إن الطلب يقضون‬
‫ستة عشر عامًا من حياتهم في مطالعة ودراسة وما أردناهم أن يطلعوا عليه‪ .‬ولما كانت المناهج خالية من كل أنواع التوعية‪ ,‬أو الداعية‬
‫إلى دقة التفكير‪ ,‬فإن الطلب يتخرجون من معاهدهم‪ ,‬وأدمغتهم محشوة بعلوم ومبادئ معينة‪ ,‬أرغموا على تعلمها واعتناقها‪ ,‬فل يسعهم‬
‫فيما بعد إل السير ضمن النطاق الذي شبوا فيه‪ ,‬ومن هنا يصبحون مسيرين‪ ,‬ل ينزعون إلى التفكير و الحداث‪ ,‬بل التقليد والقتباس‪,‬‬
‫وهكذا يظلون حيث خططنا لهم‪ ,‬بينما أولياؤهم الغبياء الذين صرفوا عليهم ما ملكت أيديهم‪ ,‬ينظرون إليهم بفخر واعتزاز كلما سمعوهم‬
‫يتشدقون بالمبادئ والكلمات الجوفاء التي ملنا أدمغتهم الصغيرة بها‪,‬وبفضل هذه النتائج أصبحت الجيال المتعاقبة تعيش ضمن نطاق‬
‫مفاهيمنا‪.‬‬
‫أيها الرفاق إن سيطرتنا على النتخابات في الوليات المتحدة تشير بوضوح إلى مدى تأثيرنا على المجتمع المريكي‪ .‬فعندما نساند أحد‬
‫المرشحين يبادر المواطنون لنتخابه تأييدًا لمزاعمنا‪ .‬وبهذا السلوب‪ ,‬وبفضل قوة وسائل دعايتنا رفعنا روزفلت إلى سدة الرئاسة في‬
‫الماضي‪ .‬ويجب علينا الن أن نسلك نفس السبيل وأن نختار مرشحنا من بين من نثق بهم حتى ل نصاب بخيبة أمل‪.‬‬
‫أيها الخوة كنا في الماضي نوجه إليكم نشراتنا باللغة اليديشية ) اليهودية العامة(‪ ,‬ولكننا لحظنا أن أكثركم يجهل هذه اللغة‪ ,‬لهذا قصدنا‬
‫هذه المرة أن نوجه إليكم نشرتنا بالنجليزية بغية تعميمها على الجميع‪ .‬وبما أنه من الممكن أن تسقط بين أيدي أعدائنا‪ ,‬نوصيكم أن تكونوا‬
‫حريصين على إخفائها‪ ,‬وإذا صدف أن اشتهر أمرها‪ ,‬نطلب إليكم أن تنكروا نسبتها إليكم‪ ,‬وتعلنوا إنها مدسوسة عليكم من قبل اللساميين‬
‫وأعداء اليهود‪ ,‬وثقوا أن الناس سيصدقونكم لننا عودناهم على حسن الظن بنا‪.‬‬
‫وأخيرًا يا أبناء إسرائيل‪ ,‬اسعدوا واستبشروا خيرًا لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكتل الحيوانية ) غير اليهود( في اسطبلتها‪.‬‬
‫وسنخضعها لرادتنا‪ ,‬ونسخرها لخدمتنا‪ .‬ومن المعتقد أن يظهر الشعب المريكي نحونا بعض العداء في المستقبل‪ .‬ولكن سوف نتغلب عليه‬
‫ونروضه عن طريق إقامة الدولة العالمية الواحدة‪ ,‬دولة بني إسرائيل العالمية‪ .‬واعلموا أننا قريبون جدًا من تحقيق هدفنا هذا‪ .‬وسنكون في‬
‫القريب العاجل سادة الرض وسينتشر السلم في الدنيا تحت ظل علمنا‪ ,‬فرددوا معنا ‪ ,‬عاشت أمتنا‪(( .‬‬

‫‪86‬‬

‫التوقيع‬
‫ملك الصهيونية المنتصرة على العالم‬
‫ويعلق الجنرال اتيلهان على هذا التعميم اليهودي فيقول‪:‬‬
‫نعم إن الجنرال ماك آرثر استقال من منصبه في الجيش لسباب سياسية عديدة‪ ,‬ومن جملتها تدخل اليهود في شؤون الدفاع المريكي‪,‬‬
‫ولكنه ليس صحيحًا بأن اليهود هم الذين طردوه من الخدمة‪ .‬ولكن العالم أجمع يعرف أن ماك آرثر أصر على استقالته رغم المحاولت‬
‫العديدة التي بذلك للحتفاظ به‪ .‬وأكبر دليل على تقدير الشعب المريكي له‪ ,‬وكذب مزاعم اليهود‪ ,‬هو ذلك الستقبال الرائع الذي استقبله به‬
‫الشعب المريكي عند عودته إلى أرض الوطن‪ .‬إذ كان عدد المستقبلين يربو في مدينة نيويورك وحدها عن الثمانية مليين نسمة‪ .‬ولقد‬
‫حملته الجماهير المحتشدة على العناق حتى مقره‪ .‬صحيح إن اليهود أرادوا أن يلوثوا سيرة ماك آرثر النقية‪ ,‬عندما أشاعوا انتسابه‬
‫للماسونية زورًا وبهتانًا‪ ,‬ولكن الشعب المريكي كذب هذه الشاعات ولم يصدقها‪ .‬كما أن ماضي ماك آرثر وشهرته في مناوئة الصهيونية‬
‫والماسونية‪ ,‬كانا بمثابة أدلة قاطعة لدحض الشاعات اليهودية‪ ,‬فلم تنطل الكاذيب التي زعمت أنه ماسوني على أحد‪ .‬وكان اليهود‬
‫وأنصارهم يرومون هذه التهمة الباطلة‪ ,‬وصم ماك آرثر بالتبعية لليهودية ولكن خاب فألهم وذهب مساعيهم أدراج الرياح‪.‬‬
‫أما ما جاء في النشرة عن مقدرة اليهود في رفع شأن من يزضون عنه عن طريق الدعاية له بواسطة ما يمتلكونه من وساء العلن‬
‫والعلم‪ ,‬فنحن نقر بكل أسف بقدرتهم هذه‪ ,‬لننا نعلم الكثير عن الساليب التي اعتمدوها ليصال بعض رجالتهم كآنشتاين وسواه إلى قمة‬
‫ل نعرف أن آينشتاين لم يكن في عام ‪ 1905‬سوى‬
‫المجد والشهرة‪ ,‬مع أن أبطالهم كانوا يفتقرون لكل المقومات اللزمة لبلوغ الشهرة‪ .‬فمث ً‬
‫ل للختراعات الحديثة في الدائرة الفنية في سويسرا وكانت مهمته تنحصر في قيد وتسجيل ما يرده من الختراعات أو النظريات‬
‫مسج ً‬
‫العلمية الحديثة و مقارنتها بسابقاتها‪ ,‬حتى ل يكون هناك ازدواج في الختراعات أو النظريات الحديثة‪ .‬كي ل تتورط الدولة في منح‬
‫إجازات أو براآت ‪ (Patent) .‬مكررة‪ .‬و مهنته هذه كفلت له الطلع على كل النظريات العلمية التي أوجدت في تلك العهود‪ .‬ولما كان ذا‬
‫إلمام كاف في العلوم الرياضية‪ ,‬بادر إلى الستفادة مما كان يرده من المعلومات الجديدة‪ .‬وعمد إلى المقارنة والتدقيق‪ ,‬ومن ثم حور بعض‬
‫النظريات بصورة جزئية‪ ,‬وزعم أنه واضعها أو موجدها‪ ,‬ومن جملتها‪ ,‬نظرية التحول التي سبق للعالم لورانتز )‪ (Lorantez‬أن وجدها‪.‬‬
‫فما كان من آينشتاين إل أن حور طريقة حلها إلى طريقة غاليله )‪ (Galilé‬و ادعى ملكيتها وبنى عليها نظريته الخاصة ) النسبية ( )‬
‫‪ (Relativité‬التي اشتهر بها‪ ,‬مع أ