‫مذهب التقليديين )الكلسيكي(‪:‬‬

‫يرجع ظهور المذهب التقليدي إلى التطور الذي عرفته الحياة القتصادية في دول‬
‫أوربا الغربية‪ ،‬و بالذات في إنجلترا‪ ،‬و إلى التطور الفكري الذي صاحب هذا التطور‪.‬‬

‫الوقائع التاريخية‪:‬‬
‫شهدت نهاية القرن السابع عشرا بداية انحسار تنظيم الدولة للحياة القتصادية‪ .‬كما‬
‫شهدت تفكك نظام الطوائف الصناعية و تقلص الشركات التجارية الكبرى‪ .‬و قد سار‬
‫انكماش تدخل الدولة في الحياة القتصادية جنبا إلى جنب مع اختفاء الحتكار و نمو‬
‫المنافسة‪.‬و كان نمو النتاج الصناعي السبب الذي ولد كل من هذين التجاهين‪ ،‬كما‬
‫عمل بدوريهما على دعمه بقوة‪ .‬و كانت التغيرات المترتبة على ما يعرف بالثورة‬
‫الصناعية من روعة الطابع بحيث ترتب عليها تطور النتاج الصناعي تطورا مبهرا‬
‫ابتداء من منتصف القرن الثامن عشر‪.‬‬
‫لقد ترتب على الثورة الصناعية تحول كيفيا في فنون النتاج‪ ،‬و في طرق تنظيمه‪،‬‬
‫أدى إلى أن يصبح النشاط الصناعي هو النشاط السائد في القتصادات الوربية و‬
‫بصفة خاصة في إنجلترا‪ .‬ففي مجال فنون النتاج‪ ،‬يتمثل التحول الكيفي في النتقال‬
‫من الصناعة اليدوية إلى الصناعة اللية‪ .‬أما في مجال طرق تنظيم النتاج فيتمثل‬
‫التحول في النتقال إلى نظام المصنع القائم على التقسيم الفني للعمل‪ .‬و أصبحت هذه‬
‫المصانع الجديدة مركزا مغريا للستثمارات‪ ،‬فجذبت الكثير من رؤوس الموال‪،‬‬
‫إليها‪ ،‬على نحو أدى إلى تركز رأس المال في يد أرباب الصناعة‪ ،‬وإلى سيادة النشاط‬
‫الصناعي‪ .‬و من هنا سميت هذه المرحلة في التاريخ القتصادي باسم الرأس مالية‬
‫الصناعية‪.‬‬
‫و قد شهدت هذه المرحلة تغير طبيعة النظام نفسه‪ ،‬ففي ظل الرأسمالية التجارية‪،‬‬
‫كانت التجارة هي مركز النشاط الساسي في النظام القتصادي‪ ،‬و كانت الصناعة‬
‫قائمة لخدمة التجارة‪ ،‬أما في الرأسمالية الصناعية‪ ،‬فقد أصبحت الصناعة تحتل‬
‫المركز الرئيسي‪ ،‬لنها أصبحت هي التي تحكم النشاط القتصادي‪ .‬و تحولت التجارة‬
‫لخدمة الصناعة عن طريق تزويدها بالمواد الولية و تصريف منتجاتها النهائية‪ .‬و قد‬
‫ترتب على ذلك تغيير مركز الهمية الجتماعي‪ ،‬إذ أصبح رجل الصناعة هو‬
‫الشخصية الرئيسية في النظام كله بعد أن كانت هذه الهمية للتاجر‪.‬‬

‫وبالنتقال إلى الرأسمالية الصناعية في القرن الثامن عشر‪ ،‬تلقى عملية خلق طبقة‬
‫العمال الجراء دفعة جديدة‪ .‬فمع نمو تعقيد العملية الصناعية‪ ،‬زاد مقدار رأس المال‬
‫اللزم للمشروع الصناعي بما يفوق مقدرة الحرفيين و صبياتهم على شراء‬
‫التسهيلت النتاجية الجديدة‪ ،‬المر الذي يعني أنهم لم يعد أمامهم سوى العمل كعمال‬
‫أجراء لدى أرباب الصناعة الكبار‪ .‬ول تكون لهم إل قدرتهم على العمل تباع كسلعة‬
‫في السوق‪ .‬وقد شهدت الزراعة تطورا مشابها‪ ،‬فقد ترتب على تقدم فنون النتاج في‬
‫الزراعة‪ ،‬وعلى بلوغ حركة التسييج ذروتها في تلك الفترة‪ ،‬تركز الملكية العقارية و‬
‫نضوج روابط النتاج الرأسمالية في الزراعة‪ ،‬نضوجا تمثل في قيام طبقة من‬
‫المزارعين الرأسماليين بزراعة مزارعهم المسيجة باستخدام العمل الجير‪.‬‬
‫وتشهد هذه المرحلة ظهور مشكلة البطالة و نموها‪ .‬فقد ترتب على تقدم فنون النتاج‬
‫و استخدام المصانع اللية أن حلت اللت محل العمل‪ ،‬فنشأت بذلك مشكلة البطالة‬
‫لدى عدد كبير جدا من العمال‪ .‬وإلى جانب هذا النوع من البطالة‪ ،‬ظهر نوع آخر من‬
‫البطالة ليس راجعا مباشرة إلى إحلل اللت من وفرة في النتاج الذي يصعب‬
‫تصريفه‪ .‬فوجود جزء من النتاج دون تصريف كان يدفع صاحبي المشروعات إلى‬
‫تخفيض الطاقة النتاجية لمشروعاتهم أو تعطيلها بين الحين و الحين‪ .‬مع ما يترتب‬
‫على ذلك من طرد العمال ووقوعهم في براثن البطالة‪ .‬وهكذا أصبح العمال مهددين‬
‫دائما بخطر البطالة‪.‬‬
‫وقد تميزت هذه الفترة‪ ،‬كما قدمنا‪ ،‬بزوال الحتكار ونمو المنافسة فقد كانت الصناعة‬
‫مكونة من عدد ضخم من المشروعات الصغيرة التي ينافس بعضها بعضا والتي‬
‫يستحيل على أي منها أن تؤثر في السوق بمفردها‪ .‬كذلك كان يصعب أو يستحيل‬
‫إقامة احتكار أو اتفاقات احتكارية بين هذه المشروعات نظرا لضخامة عددها‪.‬‬
‫ولقد صاحب التطور في النشاط القتصادي تطور في النواحي الفكرية المختلفة‪،‬‬
‫والذي تميز في ناحيتين كان لهما أكبر الثر على تطور الفكر القتصادي‪ ،‬و ظهور‬
‫المذهب الكلسيكي‪ .‬أما الناحية الولى فتتعلق بفلسفة العلوم‪ ،‬إذ انتشرت فكرة القانون‬
‫العلمي وامتدت من مجال الظواهر الطبيعية إلى من مجال الظواهر الجتماعية و‬
‫منها الظواهر القتصادية‪ .‬و في ضوء ذلك‪ ،‬حاولت المدرسة التقليدية بحث المشكلت‬
‫القتصادية بغرض كشف و تحديد القوانين التي تخضع لها‪ .‬أما الناحية الثانية فتتعلق‬
‫بالتأكيد على أهمية الفرد و بعلة الوحدة الساسية التي ترتبط بها كل القيم و الحكام‪.‬‬
‫و قد أكدت أهمية الفرد في الناحية السياسية كتابات لوك وروسو‪ ،‬كذلك أكدت كتابات‬
‫مدرسة النفعيين في انجلترا ارتباط مصالح الجماعة بالمصلحة الفردية‪.‬‬

‫على هذا النحو يمثل النصف الثاني من القرن الثامن عشر فترة التحويل‬
‫الجتماعي الجذري‪ ،‬و نضوج أشكال جديدة للنتاج‪ ،‬و ظهور أشكال جديدة من‬
‫العلقات الجتماعية و من الحكومات ومن الفكار‪ .‬أشكال كانت كلها بطيئة و مترددة‬
‫في صراعها ضد القديم‪ ،‬ثم ما لبث أن تطورت وتغلبت عليه بسرعة مذهلة‪ .‬إنه‬
‫التغير الكمي البطئ الذي ما يفتأ أن ينعكس عند مرحلة معينة من تراكمه في تطور‬
‫كيفي سريع‪.‬‬
‫خلل هذه العملية يبدأ أعلم القتصاد في الوجود بتحديد معالم موضوعه‪ ،‬الذي يشهد‬
‫تناسقا داخليا و بلورة منهجه‪.‬‬

‫الفكر القتصادي الكلسيكي‪:‬‬

‫ليس من السهل تعيين الحدود الزمنية للمذهب الكلسيكي‪ .‬إل أنه المكان أن نجعله‬
‫يبدأ مع كتاب آدم سميث "بحث في طبيعة وأسباب ثروة المم" الذي نشر عام‬
‫‪ ،١٧٧٦‬شريطة أل نغفل العمل التمهيدي الذي قام به الرواد الوائل و أهمهم‪ :‬سير‬
‫وليم بيتي )‪ )١٦٨٧-١٦٢٣‬في إنجلترا‪ ،‬و الطبيعيون في فرنسا‪ .‬وقد كان بناء مذهب‬
‫الكلسيك‪ ،‬إلى حد كبير‪ ،‬من عمل رجلين اثنين‪ :‬آدم سميث )‪ )١٧٩٠-١٧٢٣‬و دافيد‬
‫ريكاردو )‪ .)١٨٢٣-١٧٧٢‬فعلى أساس من آراء الطبيعيين حاول أن يرسما صورة‬
‫كاملة للعملية القتصادية‪ .‬ولعب الطبيعيون دور المتحدث بلسان الزراعة في ثورتها‬
‫ضد المتياز التجارية‪ ،‬كان آدم سميث و أتباعه المدافعين عن طبقة رجال الصناعة‬
‫الناشئة و عن المستعمرات التي كانت موضع الستغلل‪ .‬أسهم في إرسال بعض‬
‫مبادئ المدرسة الكلسيكية القس توماس مالتس)‪ ،(١٨٣٤-١٧٦٦‬الذي أخذت منه‬
‫المدرسة نظريتها عن السكان‪ .‬وروج لتعاليم المدرسة في إنجلترا جون ستيوارت مل‬
‫)‪١٨٠٦‬ـ ‪ ،(١٨٧٣‬وفي فرنسا جان باتست ساي )‪ ،(١٨٣٢-١٧٦٧‬كما سيطرت‬
‫أفكار هذه المدرسة على تعليم القتصاد في جامعات إنجلترا و فرنسا حتى أوائل‬
‫القرن العشرين‪.‬‬
‫ونظرا لتعدد الكتاب الذين تكونت منهم المدرسة الكلسيكية وتعرض بعضهم‬
‫لمشكلت لم يتعرض لها الخرون‪ ،‬فإنه يصعب وضع مبادئ عامة لتخليص أفكارهم‪.‬‬
‫و لكن رغم تلك الختلفات الجزئية التي يجب أل تهملها أي دراسة تفصيلية للفكر‬
‫الكلسيكي و لراء كل كاتب على حده يمكن تلخيص الخطوط العامة لهذا الفكر فيما‬
‫يلي‪:‬‬
‫الفلسفة القتصادية العامة‪:‬‬

‫يبنى الكلسيك كل تحليلهم القتصادي على فلسفة عامة تقوم‪ ،‬من ناحية‪ ،‬على أن‬
‫الفرد هو الوحدة الرئيسية للنشاط القتصادي‪ .‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬يسعى كل فرد‬
‫لتحقيق مصالحه الخاصة و التي تتمثل في أن يحصل على أكبر نفع ممكن‪ .‬و أنه ل‬
‫تعارض بين المصالح الخاصة و المصلحة العامة لن المصلحة العامة ليست سوى‬
‫مجموع المصالح الخاصة‪ ،‬ولن تغيرات الثمان في السوق )جهز الثمن( تجعل كل‬
‫فرد ل ينتج ول يقوم بأي نوع من النشاط القتصادي إل إذا كان موافقا لرغبات‬
‫الجماعة‪.‬‬
‫‪(1‬‬

‫نظرية النتاج‪:‬‬

‫عرفت نظرية النتاج تطور هاما على يد المذهب التقليدي فالنتاج يتمثل في خلق‬
‫المنافع أو زيادتها‪ ،‬ويختلف بذلك مفهوم النتاج عما كان سائدا لدى التجاريين‬
‫والطبيعيين‪ ،‬وعناصر النتاج هي العمل ورأس المال والطبيعة‪ ،‬ولكن العمل هو‬
‫العنصر الرئيسي الذي يحتل المكان الساسي بين تلك العناصر‪ ،‬وقد اهتموا بناحيتين‬
‫من النواحي الفنية للنتاج‪ ،‬وهما ظاهرة تقسيم العمل‪ ،‬وقانون الغلة للمتناقصة‪.‬‬
‫وفيما يتعلق بظاهرة تقسيم العمل‪ ،‬يرجع الفضل إلى آدم سميث في دراستها‪ ،‬فقد ذهب‬
‫إلى تقسيم عملية إنتاج سلعة من السلع إلى عدة عمليات جزئية‪ ،‬ويقوم منها شخص أو‬
‫أشخاص يتخصصون فيها‪ ،‬يؤدي إلى زيادة النتاج وتحسين نوعه‪ ،‬ذلك أن التخصص‬
‫على هذا النوع أدعى إلى إتقان العامل للعملية التي يقوم بها‪ ،‬وإلى استخدام اللت‪ .‬كما‬
‫ذهب إلى أن بلوغ درجة عالية من التخصص‪ ،‬وتقسيم العمل‪ ،‬يتوقف على مدى اتساع‬
‫السوق‪ ،‬فكلما كانت السوق واسعة وتحتاج لكميات من كبيرة من المنتجات أمكن تطبيق‬
‫تقسيم العمل الفني‪ ،‬على خلف أفلطون وابن خلدون اللذين قاما بدراسة مظهر‬
‫مختلف لتقسيم العمل هو تقسيم العمل المهني أو الحرفي‪.‬‬
‫أما قانون الغلة المتناقصة‪ ،‬فقد جعل له الكتاب الكلسيكي أهمية خاصة في تحليلهم‪،‬‬
‫فعلى أساسه تقوم نظرية ريكاردو في الريع‪ ،‬ونظرية مالتس في السكان‪ .‬ومقتضى هذا‬
‫القانون أنه إذا زادت كمية عناصر النتاج )العمل ورأس المال مثل( وبقيت كمية‬
‫العناصر الخرى ثابتة )الرض مثل( فإن الكمية التي يتزايد بها النتاج تأخذ بالتزايد‪،‬‬
‫ثم تأخذ بعد حد معين في التناقص‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬في مرحلة أولى يزداد الناتج الكلي‬
‫بنسبة أكبر من نسبة الزيادة في عناصر النتاج المتغيرة )مرحلة تزايد الغلة(‪ .‬وقد كان‬
‫الكلسيكيون يعتقدون في انطباق هذا القانون على الزراعة وحدها‪ ،‬في حين أثبت‬
‫البحث الحديث أنه قانون عام ينطبق على كافة فروع النتاج متى توافرت شروطه‪.‬‬
‫‪(2‬‬

‫نظرية السكان‪:‬‬

‫أخذ الكتاب الكلسيكي اللحقين بآراء مالتس في السكان وجعلوها أساسا من أسس‬
‫بحثهم في موضوعات أخرى‪ .‬وتتلخص آراء مالتس في السكان في أن حجم السكان‬
‫محكوم بحجم المواد الغذائية‪ .‬ولكن زيادة السكان‪ ،‬التي تحكمها قوانين طبيعية‪ ،‬هي‬
‫ميل الجنس بين الرجل و المرأة‪ ،‬تكون أكبر من الزيادة الحاصلة في المواد الغذائية‪،‬‬
‫نظرا لثبات حجم الراضي الصالحة للزراعة‪ .‬ونتيجة لذلك فإن حجم السكان يكون‬
‫أكبر من حجم المواد الغذائية المنتجة‪ ،‬المر الذي يترتب عليه حدوث اختلل‪ .‬ولكن‬
‫هذا لن يستمر طويل لن الطبيعة نفسها توجد الموانع التلقائية‪ ،‬في شكل أوبئة‬
‫ومجاعات وحروب‪ ،‬المر الذي يترتب عليه إعادة التوازن بين السكان والمواد‬
‫الغذائية‪ ،‬أما الموانع الخرى فهي الموانع الوقائية وهي من خلق النسان‪ ،‬ومن شأنها‬
‫أن تقلل من معدلت المواليد كالمتناع عن الزواج المقترن بالعفة‪ .‬وقد لحظ مالتس أن‬
‫الموانع اليجابية تعمل بقوة لدى الشعوب المتأخرة‪ ،‬في حين تسود الموانع الوقائية لدى‬
‫الشعوب المتقدمة‪ ،‬وأنه عن طريق هذين النوعين من الموانع يمكن تجنب الزيادة‬
‫المفرطة في السكان بحيث يكون هناك توازن دائم ومستمر بين عدد السكان والمواد‬
‫الغذائية‪.‬‬
‫وقد عبر مالتس عن هذا بقوله أن السكان يميلون إلى الزيادة بمتوالية هندسية )‬
‫‪ ،(...٬٣٢٬١٦٬٨٬٤٬٢٬١‬بينما ل تزيد مصادر العيش إل بمتوالية حسابية أو عددية )‬
‫‪ .(....٦ ،٥ ،٤ ،٣ ،٢ ،١‬وبالطبع لن تكفي الموارد لمواجهة احتياجات السكان‪ ،‬وهذا‬
‫يؤدي إلى زيادة المعروض من العمل والبؤس والفقر وصراع النسان تجاه أخيه‬
‫النسان‪ ،‬وبالرغم من تقرير مالتس لهذه الحقائق‪ ،‬إل أنه كان ضد أي أجزاء اجتماعي‬
‫تدخلي‪ ،‬بحكم لبراليته‪.‬‬
‫‪(3‬‬

‫نظرية القيمة‪:‬‬

‫يقوم كل البناء النظري للمدرسة الكلسيكية أو التقليدية على نظريتهم في القيمة‪ .‬ولقد‬
‫فرق الكتاب الكلسيكي بين قيمة الستعمال أي المنفعة التي تعود على شخص من‬
‫استهلكه لسلعة ما‪ ،‬وقيمة المبادلة أي النسبة التي تجري على أساسها مبادلة سلعة‬
‫بسلعة أخرى في السوق‪ ،‬وتتحدد قيمة المبادلة لية سلعة على أساس العمل الذي‬
‫تحتويه‪ ،‬أي على أساس عدد ساعات العمل التي بذلت في إنتاجها‪ ،‬وليس المقصود‬
‫بالعمل هنا العمل المباشر فقط‪ ،‬أي ما يبذل من مجهود إنساني أثناء صنع السلع‪ ،‬بل إن‬
‫رأس المال والمواد الولية تمثل عمل إنسانيا مخزونا أو محبوسا في رأس المال أو في‬
‫المادة الولية‪ ،‬فالعمل إذن هو مصدر القيمة ومقياسها في نفس الوقت‪ .‬وقد عرفت هذه‬
‫النظرية بنظرية "العمل في القيمة"‪ ،‬أو "قيمة العمل"‪.‬‬
‫وعلى أساس القيمة يتحدد الثمن‪ .‬وبصرف النظر عن الخلف القائم بين فكر آدم سميث‬
‫وريكاردو فيما يتعلق بهذه المسألة‪ ،‬يفرق الكلسيكيون بين الثمن الطبيعي وثمن‬
‫السوق‪ ،‬فالول يحدد على أساس نفقة النتاج ويكون مساويا لها‪ ،‬أما الثاني فتحدده‬
‫تقلبات العرض والطلب‪ ،‬على هذا النحو يتحدد الثمن الطبيعي أو الحقيقي بمكونات نفقة‬

‫النتاج دونما زيادة أو نقص‪ .‬أما ثمن السوق فهو وإن كان يحدد ابتداء من نفقة النتاج‬
‫أو الثمن الطبيعي‪ ،‬إل أنه يأخذ في اعتباره تقلبات العرض والطلب‪ ،‬أي يتذبذب حول‬
‫الثمن الطبيعي بالزيادة أو النقص في إطار هذه التقلبات‪.‬‬
‫‪(4‬‬

‫نظرية التوزيع‪:‬‬

‫اهتم الكتاب الكلسيكيون بالكشف عن القوانين التي تحكم توزيع الناتج الكلي بين‬
‫عناصر النتاج المختلفة‪ ،‬واعتبر ريكاردو التوزيع على النحو السابق المشكلة‬
‫الرئيسية التي يجب أن يهتم بها علم القتصاد‪ ،‬ويرجع الفضل لريكاردو في بيان كيفية‬
‫تحيد الريع‪ ،‬كما يرجع لساي في بيان عوامل الربح والفائدة‪.‬‬
‫‪.i‬‬

‫الربع‪:‬‬

‫وهو ما يحصل عليه ملك الراضي الزراعية نظير السماح لغيرهم باستخدامها‪،‬‬
‫والريع ل ينشأ لو لم تكن الرض محدودة ومملوكة ملكية خاصة‪ ،‬فهو إذن ثمن يدفع‬
‫للملك نظير احتكارهم ملكية الراضي‪ ،‬ونتيجة لندرة عنصر الرض وتفاوت‬
‫خصوبتها‪.‬‬
‫أما عن كيفية تحديد الريع فقد بين ريكاردو أن ذلك يتوقف على درجة التفاوت في‬
‫خصوبة الراضي وعلى مدى بعدها عن أماكن الستهلك وهي التي تحدد الطلب على‬
‫هذه المنتجات‪ .‬وقد بين ريكاردو أن النسان في بداية التطور‪ ،‬يملك مساحات كبيرة من‬
‫الراضي‪ ،‬فيبدأ بزراعة الرض الكثر خصوبة‪ ،‬وفي هذه المرحلة ل يكون هناك ريع‬
‫للرض لنها تكون وفيرة وتكون أجزاء منها غير مستغلة بعد‪ ،‬ولكن نظرا لتزايد‬
‫السكان المستمر )نظرية مالتس( يلتجئ الفراد لزراعة أراضي جديدة وهي أقل‬
‫خصوبة من الراضي الولى‪ ،‬ولما كان ثمن المواد الغذائية كثمن أي سلع أخرى‪ ،‬إنما‬
‫يتحدد على أساس أعلى نفقة أنفقت للحصول على الكميات اللزمة لسد حاجات الطلب‪،‬‬
‫فإن هذا الثمن يتحدد على أساس النفقة التي أنفقت في الرض القل خصوبة‪ .‬وتبعا‬
‫لذلك يستفيد ملك الراضي الخصبة الولى‪ ،‬لن الثمن يكون مرتفعا عن نفقة النتاج‬
‫بالنسبة لهم‪ ،‬ويحصلون على هذا الفرق‪ ،‬وهو الريع‪ ،‬فالريع إذن هو الفرق بين الثمن‬
‫الذي يتحدد في السوق ونفقة النتاج والذي يحصل عليه ملك الراضي الكثر‬
‫خصوبة‪ .‬وقد بين ريكاردو‪ ،‬بمناسبة نظريته في الريع أن هناك قانونا يحكم النتاج‬
‫وهو قانون الغلة المتناقصة‪ ،‬إل أنه قصر نطاق عمله على النتاج الزراعي‪.‬‬
‫‪.ii‬‬

‫الجر‪:‬‬

‫يعتقد الكتاب الكلسيكيون على أثر كتابات ريكاردو‪ ،‬أن العمل سلعة كبقية السلع‪ ،‬وأن‬
‫ثمن العمل وهو الجر يتحدد على أساس كمية المواد الغذائية الضرورية لحفظ حياة‬
‫العامل‪ ،‬ول يمكن أن يرتفع الجر لمدة طويلة عن ذلك‪ ،‬إذ لو ارتفع الجر عن‬

‫المستوى اللزم لمعيشة العامل المعيشة الضرورية‪ ،‬تتحسن حالة العمال ويقبلون على‬
‫الزواج‪ ،‬فيزيد النسل‪ ،‬ويزيد عدد العمال‪ ،‬مما يترتب عليه انخفاض الجر حتى‬
‫يتساوى مع نفقة المعيشة الضرورية‪ ،‬كذلك لو انخفض الجر عن الحد السابق‪ ،‬تسوء‬
‫حالة العمال وينقص زواجهم وتناسلهم‪ ،‬كما ينقص عددهم نتيجة للمراض‪ ،‬مما يترتب‬
‫عليه نقص عرضهم‪ ،‬وارتفاع أجورهم إلى المستوى اللزم للحفاظ على مستوى‬
‫معيشتهم الضرورية‪.‬‬
‫وقد أطلق على القانون السابق للجور بقانون الجور الحديدي نظرا لنها تعتبر‬
‫محصورة داخل نطاق من حديد‪.‬‬
‫ول شك أن ريكاردو قد نبه الذهان عن طريق نظريته في الريع والجور إلى‬
‫ضرورة الصلحات الجتماعية‪ ،‬فإذا كانت أجور العمال تتجه نحو الحد الدنى بينما‬
‫ريع ملك الراضي الزراعية يميل إلى الرتفاع نتيجة لزراعة الراضي القل‬
‫خصوبة‪ ،‬فإنما يدل ذلك على أن المستفيدين من التقدم القتصادي هم أقل الناس‬
‫مساهمة فيه‪ .‬و لقد كانت لهذه الراء آثارها في تكوين آراء ماركس‪.‬‬
‫‪.iii‬‬

‫الربح و الفائدة‪:‬‬

‫لم يتميز الكلسيك الوائل بين المنظم الذي يشرف على المشروع ويتحمل مخاطره‪،‬‬
‫والرأسمالي الذي يقرض نقوده‪ .‬ثم جاء جان باتست ساي وميز بينهما بوضوح‪ ،‬فالربح‬
‫هو دخل المنظم‪ ،‬والفائدة دخل صاحب رأس المال‪.‬‬
‫وقد تأثر الكلسيك في تحليلهم للفائدة بنظرية القيمة‪ .‬فالفائدة هي ثمن الدخار‪ ،‬ومن ثم‬
‫أخر‪ ،‬تتحدد بتلقي عرض الدخار والطلب عليه‪ .‬فإذا زاد عرض الدخار عن طلبه‬
‫انخفض سعر الفائدة‪ ،‬وان زاد طلبه عن عرضه ارتفع سعر الفائدة‪ .‬وتؤثر تغيرات‬
‫سعر الفائدة بدورها في عرض وطلب الدخار كما تؤثر تغيرات ثمن أية سلعة في‬
‫عرضها وطلبها‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالرباح‪ ،‬فقد أظهر ريكاردو أن المنافسة تميل إلى فرض معدل‬
‫متجانس للرباح‪ ،‬وذالك عن طريق اجتناب رأس المال إلى مجالت تغل معدل يزيد‬
‫عن المتوسط‪ ،‬وإبعاده عن المجالت التي تقل فيها الرباح عن المتوسط‪ .‬واعتقد‬
‫الكلسيك أن معدلت الرباح تميل إلى الهبوط مع التقدم القتصادي‪ .‬فازدياد تجميع‬
‫رأس المال وتراكمه‪ ،‬يصحبه ازدياد المنافسة بين الرأسماليين‪ ،‬وهذا يعمل على خفض‬
‫الرباح‪.‬‬
‫‪(5‬‬

‫نظرية التشغيل‪:‬‬

‫اعتقد الكلسيك أن حجم التشغيل‪ ،‬أي تشغيل العمال‪ ،‬لبد أن يتحدد عند مستوى‬
‫التشغيل الشامل بمعنى أن كل العمال الموجودين في القتصاد الوطني والراغبين في‬

‫العمل لبد أن يعملوا‪ ،‬وأن كل بطاقة بين العمال ليمكن أن تكون إل ظاهرة عارضة‬
‫ول بد أن تزول‪ .‬وحجتهم في ذالك أنه إذا وجد‪ ،‬لي سبب من السباب‪ ،‬قدر من‬
‫البطالة فان معنى ذلك زيادة عرض العمال عن الطلب عليهم‪ ،‬فيترتب على ذلك‬
‫انخفاض أجورهم‪ ،‬مما يدفع المنظمين إلى تشغيل العمال المتعطلين‪ .‬وإذا لم يقض على‬
‫كل البطالة تحت تأثير النخفاض الول للجر‪ ،‬فان بقاء قدر من العمال في حالة‬
‫البطالة يؤدي إلى انخفاض الجر مرة أخرى‪ ،‬ويستمر النخفاض حتى يستوعب كل‬
‫المتعطلين في العمل‪.‬‬
‫وتستند هذه النظرية في التشغيل إلى قانون السواق‪ ،‬أو قانون ساى ويقوم هذا القانون‬
‫على فكرة أساسية مؤداها أنه من المستحيل في ظل قواعد المنافسة في النظام‬
‫الرأسمالي حدوت كساد وبطالة لفترة ممتدة من الزمن يكون مظهرها زيادة العرض‬
‫الكلي للمنتجات عن الطلب الكلي عليها‪ .‬والسبب في هذه الستحالة هو أن كل عرض‬
‫يخلق طلبا مساويا له في قيمته‪ .‬فما من أحد ينتج إل بقصد الستهلك أو البيع‪ ،‬وهو ل‬
‫يبيع إل بنية شراء سلع أخرى‪ .‬فهو حين ينتج يصبح بالضرورة أما مستهلكا لسلعه هو‪،‬‬
‫أو مشتريا ومستهلكا لسلع الخرين‪ .‬معنى هذا أن كل من أحضر سلعة إلى السوق قد‬
‫فعل هذا من أجل أن يتمكن في النهاية من الحصول على سلعة أخرى يريدها بدل منها‪.‬‬
‫مؤدى هذا أن المنتجات تتبادل في مقابل المنتجات‪ ،‬وأن الطلب الكلي سيتساوى مع‬
‫العرض الكلي‪ ،‬فما يجري إنتاجه بصفة عامة يجري أيضا استهلكه بصفة عامة‪.‬‬
‫وهكذا تنتهي النظرية الكلسيكية في العمالة أو التشغيل إلى أن الطلب الكلى على‬
‫المنتجات إنما يتساوى دائما مع عرضها الكلى‪ .‬وأن هذا التساوي يتحقق تلقائيا عند‬
‫مستوى النتاج الذي يكفل العمالة الكاملة في القتصاد القومي‪ .‬وبالتالي يكون من‬
‫المستحيل وقوع كساد وبطالة لفترة ممتدة من الزمن‪.‬‬
‫‪(6‬‬

‫نظرية النقود‪:‬‬

‫نظر الكلسيك إلى النقود على أنها مجرد وسيط في المبادلة وأداة لقياس القيم‪ ،‬ولكنهم‬
‫لم يعطوا أهمية لوظيفتها كمخزن للقيم وأداة لحفظ المدخرات‪ .‬ولما كانت النقود مجرد‬
‫وسيط للمبادلة' فلم يتصوروا أنها يمكن أن تحدت أي أثر ضار بالقتصاد‪ ،‬فهي أداة‬
‫تسهل سيره وتسير مبادلته‪ .‬إن استخدام النقود وان غير من مظهر الشياء فانه ل‬
‫يغير أبدا من جوهرها ول من جوهر عمل النظام القتصادي‪ .‬لقد أقم الكلسيك تحليلهم‬
‫كما لو كنا في اقتصاد عيني ل نقود فيه‪ ،‬ثم اعتبروا النتائج التي توصلوا إليها في هذا‬
‫القتصاد العيني معبرة عما يحدث في اقتصاد توجد فيه النقود‪ .‬فالنقود عندهم محايدة‪،‬‬
‫أو هي مجرد حجاب يغطي الواقع لكنه ل يلغيه أو يغير منه‪.‬‬
‫وفي تفسيرهم لتقلبات المستوى العام للثمان )قيمة النقود(‪ ،‬أعتمد الكلسيك على‬
‫النظرية الكمية في النقود‪ .‬ومقتضى هذه النظرية‪ ،‬كما قدمنا من قبل‪ ،‬أن كمية النقود‬

‫وحدها هي التي تؤدي إلى حدوت تقلبات مستوى الثمان في المدة القصيرة‪ ،‬فيرتفع‬
‫هذا المستوى عند زيادة كمية النقود‪ ،‬وينخفض عند تقصانها‪ .‬وكل زيادة في كمية‬
‫النقود لبد أن تؤدى حتما إلى ارتفاع مستوى الثمان‪ ،‬وكل نقص في هذه الكمية لبد‬
‫أن يؤدى إلى انخفاضه‪.‬‬
‫‪(7‬‬

‫نظرية التجارة الخارجية‪:‬‬

‫هاجم الكلسيك ما كان ينادى به التجاريون من تدخل الدولة في تنظيم شئون التجارة‬
‫الخارجية فإذا كانت المنافسة وحرية التجارة والتخصص أمورا مرغوبا فيها داخل‬
‫الشعب الواحد‪ ،‬فيجب أن تكون مرغوبا فيها بالقدر ذاته بين الشعوب‪ .‬إن إتباع سياسة‬
‫تجارية حرة على المستوى الدولي يؤدي بكل بلد إلى أن يتخصص في إنتاج السلع التي‬
‫يتمتع فيها بأكبر ميزة نسبية في مواجهة البلد الخرى‪ .‬ويفيد ذلك التخصص كل بلد‬
‫على حده‪ ،‬كما يفيد العالم في مجموعه‪ ،‬لنه يؤدى إلى حصول كل بلد والعالم في‬
‫مجموعه على كمية من المنتجات أكبر مما لو لم يحدث التخصص ومما لو حاول كل‬
‫بلد إنتاج كل السلع على إقليمه الوطني‪ .‬إن تخصص كل بلد في إنتاج السلع التي يمكن‬
‫أن ينتجها بنفقة نسبية أقل يزيد من الرفاهية القتصادية للشعوب‪ ،‬إذ ما من شعب‬
‫يكسب من إنتاج شئ يستطيع أن يشتريه بثمن أرخص من مكان أخر‪.‬‬
‫هذا التخصص الدولي القائم على أساس اختلف النفقات كان من مصلحة انجلترا لنها‬
‫كانت في ذلك الوقت أكثر بلدان أوربا تقدما في مجال الصناعة‪ ،‬على حين كانت‬
‫الزراعة هي النشاط المسيطر في البلدان الخرى‪ .‬ومقتضى النظرية أن تبقى هذه‬
‫البلدان بلدانا زراعية تصرف فيها انجلترا منتجاتها وتستورد منها المواد الولية‪.‬‬

‫‪(8‬‬

‫نظرية التطور القتصادي‪:‬‬

‫أهتم الكلسيك بظاهرة تجميع رأس المال أو تراكم رأس المال باعتباره المحرك‬
‫الساسي للتطور القتصادي‪ .‬وبما أن الربح هو مصدر التراكم‪ ،‬لزمت دراسة ما‬
‫يحدث للنصيب النسبي للربح من الدخل القومي خلل عملية التطور‪ .‬في تحديد هذا‬
‫النصيب النسبي تلعب الجور الدور النشط نظرا لما بينها وبين الربح من تناقض‪.‬‬
‫فزيادة تراكم رأس المال تنعكس في زيادة الطلب على القوة العاملة‪ ،‬وهو ما قد يؤدى‬
‫إلى ارتفاع الجور النقدية في الجل القصير‪ .‬هذا الرتفاع في الجور النقدية يعبر عن‬
‫نفسه في زيادة الطلب على سلع الجور‪ ،‬أي السلع التي تستهلكها الطبقة العاملة‬
‫وخاصة المواد الغذائية‪ ،‬يترتب على ذلك ارتفاع أثمان هذه المواد‪ ،‬فيثير هذا الرتفاع‬
‫ضرورة استغلل أراض أقل خصوبة أو أبعد عن السوق‪ .‬فيزيد ريع الرض‪ .‬على‬

‫هذا النحو يؤدى ارتفاع الجور وزيادة الريع إلى انخفاض للنصيب النسبي للربح في‬
‫الدخل القومي‪ .‬ويؤدي انحدار معدل الربح إلى النكماش المستمر في تراكم رأس‬
‫المال‪ .‬ومن ثم ل يكون هناك توسع في النشاط القتصادي‪ .‬المر الذي ينتهي بالقتصاد‬
‫القومي‪ ،‬إلى الحالة الساكنة‪.‬‬

‫‪(9‬‬

‫السياسة القتصادية‪:‬‬

‫ونتيجة للفلسفة القتصادية السابقة التي أمن بها الكتاب الكلسيك‪ ،‬كان من الطبيعي‬
‫المناداة بسياسة الحرية القتصادية على النطاق الوطني والنطاق الدولي‪ .‬ويرجع‬
‫الفضل لسميث في بيان أهمية إتباع سياسة الحرية القتصادية لنها وحدها الكفيلة‬
‫بتحقيق مصلحة الجماعة‪ .‬ولكنه على العكس من الطبيعيين لم ينادي بمبدأ الحرية‬
‫المطلقة‪ ،‬بل أشار إلى الوظائف التي تقوم بها الدولة‪ ،‬وهي تتعلق بوظائف المن‬
‫الداخلي والدفاع ضد الخطار الخارجية‪ ،‬وكذالك القيام بكافة العمال التي ل يقوي أو‬
‫ل يرغب الفراد في القيام بها نظرا لضخامة ما تتطلبه من استثمارات‪ ،‬أو لقلة‬
‫أرباحها‪.‬‬
‫تقدير المذهب التقليدي‪:‬‬

‫‪.1‬‬

‫يرجع الفضل للنظرية التقليدية في دفع الفكر القتصادي دفعة قوية عاش بها كعلم له‬
‫كيانه وسط العلوم الخرى‪ ،‬ولقد أسهم كثير من الكتاب اللحقين عن طريق نقدهم‬
‫لبعض جوانب فكر النظرية التقليدي في إثراء هذه النظرية‪ ،‬مما أدى إلى تطورها‬
‫ونشأة ما يسمى بالمذهب التقليدي الجديد‪ .‬ويمكن إجمال النتقادات التي استهدفت‬
‫المدرسة الكلسيكية فيما يلي‪:‬‬
‫‪(1‬‬

‫من حيث طريقة البحث‪:‬‬

‫أعتقد الكلسيك في وجود قوانين عامة مطلقة تنطبق على القتصاد في كل المكنة‬
‫والزمنة بل تميز‪ .‬واتبعت المدرسة في تحليلها طريقة الستنتاج التجريدية دون‬
‫الهتمام بدراسة التاريخ وتغير خصائص المجتمعات في المراحل التاريخية المختلفة‬
‫لتطورها‪ .‬لقد جعلت المدرسة الخواص المميزة للمجتمع في عهدها صالحة لجميع‬
‫العصور ولكافة المجتمعات‪ ،‬متجاهلة أن مراحل التطور القتصادي للمم تخضع‬
‫لقوانين خاصة بها ومتعلقة بها وحدها‪ ،‬ومختلفة عن القوانين التي تخضع لها المراحل‬
‫الخرى‪.‬‬

‫لقد بدأ بهذا النقد كتاب المدرسة التاريخية اللمانية الذين لفتوا النظر إلى نسبية القوانين‬
‫القتصادية‪ ،‬بمعنى أنها ليست مطلقة في الزمان والمكان كما كان يعتقد الكلسيك‪.‬‬
‫فالقوانين القتصادية تتغير تبعا لتغير المجتمعات‪ ،‬وتبعا لتغير المراحل التي يمر بها‬
‫كل مجتمع‪ .‬ومن ثم ل يمكن العتماد في البحث على الطريقة الستنتاجية التي طبقها‬
‫الكلسيك دون الهتمام بدراسة التاريخ القتصادي للمم‪.‬‬
‫‪ (2‬من حيث التحليل القتصادي‪:‬‬
‫ويمكن تلخيص أهم النتقادات من هذه الناحية فيما يأتي‪:‬‬
‫أول‪ :‬تقوم نظرية الكلسيك في القيمة على أساس أن العمل هو المصدر الوحيد للقيمة‪.‬‬
‫وقد انتقدت هذه النظرية على أساس أن العمل ليس هو عنصر النتاج الوحيد‪ ،‬فهناك‬
‫الطبيعة ورأس المال‪ .‬وأنه ل يمكن رد هذه العناصر الخرى إلى عنصر العمل أو‬
‫قياسها به‪ .‬كذلك أهملت النظرية الجانب الشخصي الذي يتدخل في تحديد الشياء‪،‬‬
‫ونعني به المنفعة التي يحصل عليها الشخاص من السلع والتي تتدخل وتؤثر على‬
‫تقديرهم لها‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬انتقدت نظرية الكلسيك في التوزيع‪ ،‬ويتجه الفكر القتصادي الحديث إلى الخذ‬
‫بالنظرية الحدية في التوزيع والتي من مقتضاها أن ما يحصل عليه كل عنصر من‬
‫عناصر النتاج إنما يتحدد على أساس النتاجية الحدية لهذا العنصر‪ ،‬وذلك على‬
‫التفصيل الذي سوف نعرض له فيما بعد عند دراستنا للمدرسة الحدية‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬انتقدت نظرية الكلسيك في النقود نتيجة إهمالهم لوظيفتها كمخزن للقيم والتركيز‬
‫فقط على وظيفتها كوسيط للمبادلة ومقياس للقيم‪ ،‬كما انتقدت لهمالهم النقود في تحليل‬
‫الظواهر القتصادية‪ ،‬وفي اعتبارها مجرد ستار ل يؤثر على هذه الظواهر‪ .‬لقد أثبت‬
‫الفكر الحديث أن وظيفة النقود كمخزن للقيم ل تقل أهمية عن وظيفتها كوسيط للمبادلة‪،‬‬
‫وأنها في أدائها لوظيفة مخزن القيم تؤدي إلى تأثيرات هامة‪ ،‬فقد بين كينز أن ميل‬
‫الفراد إلى الحتفاظ بالنقود دون إنفاقها قد يزيد‪ ،‬فيقل النفاق النقدي‪ ،‬ويقل الطلب‬
‫الكلي تبعا لذلك‪ ،‬وهو يؤدي بدوره إلى قيام المنتجين بتخفيض النتاج وطرد عدد من‬
‫العاملين لديهم‪ ،‬فتنشأ عن ذلك البطالة‪.‬‬
‫كذلك بين الفكر الحديث الخطاء التي تنطوي عليها نظريتهم في قيمة النقود التي من‬
‫مقتضاها أن كل زيادة في كمية النقود تؤدي إلى ارتفاع مستوى الثمان‪ ،‬وكل انخفاض‬
‫في كميتها يؤدي إلى هبوط هذا المستوى‪.‬‬
‫فالنظرية تقوم على فروض خاطئة‪ ،‬من أكثرها خطأ افتراض ثبات حجم النتاج‬
‫والسلع المعروضة‪ ،‬فكمية النتاج والسلع المعروضة تتغير من فترة إلى أخرى‪.‬‬
‫كذلك انتقدت نظرية التخصص والتجارة الدوليين عند الكلسيك بأنها ل تدخل النقود‬
‫والثمان النقدية في بحثها‪ ،‬وبأنها ل تهتم بالتطور والتغير اللذين يحدثان لقتصاديات‬
‫البلد المختلفة‪.‬‬

‫رابعا‪ :‬لعل من أهم وأخطر ما وجه للكلسيك من نقد يتعلق بنظريتهم في التشغيل‪ .‬فقد‬
‫بين كينز أن انخفاض الجر الذي رأى فيه الكلسيك العامل الذي يقضي على البطالة‪،‬‬
‫بدل من أن يؤدي إلى القضاء على البطالة‪ ،‬قد يؤدي إلى زيادتها‪ .‬فانخفاض الجر‬
‫يترتب عليه انخفاض دخل العمال‪ ،‬ومن ثم انخفاض طلبهم على السلع مما يدفع‬
‫المنتجين إلى إنقاص النتاج‪ ،‬وطرد جزء من العمال فتزيد البطالة‪.‬‬
‫خامسا‪ :‬انتقدت نظرية مالتس في السكان على أساس أن حقائق التطور القتصادي قد‬
‫أثبتت عدم صدق تنبؤاته‪ ،‬فقد طرأت على السكان تغيرات تمثلت في تقدم أساليب منع‬
‫وتنظيم النجاب على نحو حال دون نمو السكان إلى الحد الذي توقعه مالتس‪ ،‬ولكن‬
‫الهم من التغيرات في جانب السكان‪ ،‬كانت التغيرات التي مست الغذاء‪ ،‬فقد زاد فتح‬
‫مناطق جديدة بالعالم‪ ،‬وزاد تقدم الساليب العلمية المستخدمة في الزراعة‪ ،‬وكل‬
‫المرين جعل في المكان البقاء على عدد أكبر من السكان في مستوى عال من‬
‫العيش‪.‬‬
‫إن قانون تناقص الغلة الذي أقام عليه مالتس نظريته في السكان يقوم على فروض ل‬
‫تتفق مع الواقع‪ ،‬ذلك أنه يفترض ثبات حالة الفن النتاجي فهو ل ينطبق إل في‬
‫الحالت النادرة جدا التي ل تتغير فيها التكنولوجيا‪ ،‬ومن ثم فقد ثبت بوضوح بطلن‬
‫هذا القانون‪ ،‬كمبدأ ديناميكي‪.‬‬
‫‪(3‬‬

‫من حيث السياسية القتصادية‪:‬‬

‫انتقدت سياسة الحرية القتصادية من عدة نواح منها‪:‬‬
‫أول‪ :‬أدت الحرية القتصادية إلى تكوين احتكارات ضخمة‪ ،‬قضت على المشروعات‬
‫المتنافسة‪ ،‬واستأثرت بالسوق‪ ،‬وحددت الثمان عند مستويات مرتفعة استغلت بها‬
‫المستهلكين وأرهقتهم لصالح المحتكرين‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أثبت التطور القتصادي أن النظام الرأسمالي يتطور من خلل الزمات‪ ،‬وبذلك‬
‫فإن الحرية القتصادية لم تمنع من وجود أزمات الفراط في النتاج التي نفى كل من‬
‫ساي وريكاردو إمكانية حدوثها على أساس أن كل عرض يخلق الطلب عليه‪ ،‬وأزمات‬
‫الوفرة في النتاج أو زيادة المعروض من السلع على المطلوب منها قد ينشأ بفعل عدة‬
‫عوامل قدمها السويسري سيسموندي )‪ (١٨٤٢-١٧٧٣‬من ذلك مثل أن استخدام‬
‫اللت قد يؤدي إلى انتشار البطالة وتنافس العمال فيما بينهم للحصول على عمل‬
‫فتنخفض أجورهم جميعا‪ ،‬مما يقلل من مدخولهم‪ ،‬وينقص من قدرتهم على الطلب في‬
‫الوقت الذي يزيد فيه النتاج زيادة كبيرة بسبب استخدام اللت‪ .‬مؤدي ذلك حدوث‬
‫فجوة كبيرة بين العرض الكلي والطلب الكلي‪ ،‬فيبقى جزء كبير من المنتجات دون‬
‫تصريف‪.‬‬

‫ثالثا‪ :‬انتقدت سياسة الحرية القتصادية على أساس أنها تؤدي إلى سوء توزيع الدخل‬
‫والثروة‪ ،‬مما يتجافى مع العدالة الجتماعية‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful