‫‪www.ikhwan-info.

net‬‬
‫مقدمة المؤلف‪:‬‬

‫الحمد ل الذي أرسل رسوله بالبينات والهدى‪ ،‬ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬ويهدوهم إلىى صراط العزيز الحميد‪.‬‬
‫وال صلة وال سلم على أف ضل ر سله‪ ،‬وأشرف دعا ته‪ ،‬سيدنا مح مد صلى ال عل يه و سلم الذي خ تم ال به ر سله‪ ،‬فج عل سيرته قدوة ل كل‬
‫مؤمن في جميع شؤون الحياة صغيرها وكبيرها‪ ،‬وختم بدي نه الشرائع‪ ،‬فجعل ر سالته أكمل الرسالت وأوفاها بحاجات الناس في مختلف‬
‫بيئاتهيم وعصيورهم‪ ،‬صيلى ال وسيلم علييه وعلى أصيحابه الهداة البررة الذيين علم ال فيهيم سيلمة الفطرة‪ ،‬وصيدق العقيدة‪ ،‬وعظييم‬

‫التضحية‪ ،‬فشرفهم بحمل رسالة السلم إلى أمم الرض‪ ،‬فأراقوا في سبيلها دماءهم‪ ،‬وفارقوا من أجلها ديارهم‪ ،‬حتى أدوا المانة‪ ،‬وبلغوا‬
‫الرسالة‪ ،‬ونصحوا ل ورسوله‪ ،‬فكان لهم فضل على النسانية ل يعرف مداها‪ ،‬ودين في عنق كل مسلم حتى يرث ال الرض ومن عليها‪،‬‬

‫رضوان ال عليهم وعلى من أحبهم وحمل لواء الدعوة إلى ال من بعدهم حتى يوم الدين‪.‬‬

‫وبعد فهذه مذكرات كتبتها على عجل وشدة من المرض بعد أن ألقيتها محاضرة مفصلة على طلب السنة الولى في كل ية الشريعة‬

‫توخيت فيها أن أبرز أوضح مظاهر السوة في سيرة الرسول الكريم صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مما ينبغي على كل مسلم وداعية إلى ال عز‬
‫و جل‪ ،‬وعالم بالشري عة‪ ،‬وحا مل لفقه ها‪ ،‬أن يتدبره ويجعله ن صب عين يه‪ ،‬ليكون له شرف القتداء بر سوله صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وليف تح‬
‫أما مه باب النجاح في دعو ته ب ين الناس‪ ،‬وباب القبول والر ضى من ال جل شأ نه‪ ،‬وليك تب له شرف الخلود مع ر سوله صلى ال عل يه‬

‫حتِهَا الَ ْنهَارُ خَا ِلدِي نَ فِيهَا َو َذلِ كَ الْ َفوْزُ‬
‫خلْ هُ جَنّا تٍ تَجْرِي مِن تَ ْ‬
‫و سلم في جنات النع يم‪ ،‬فإن ال تعالى يقول‪{ :‬وَمَن يُطِ عِ اللّ هَ وَرَ سُولَهُ ُيدْ ِ‬
‫ا ْلعَظِيمُ} [النساء‪.]13 :‬‬

‫هذا وقد جعلت البحث وفق المنهج التالي‪:‬‬
‫أ‪ -‬مقدمة وتشتمل على بحثين‪:‬‬

‫‪ -1‬في ميزة السيرة النبوية والفائدة من دراستها‪.‬‬

‫‪ -2‬في مصادر السيرة النبوية ومراجعها الصحيحة‪.‬‬
‫ب‪ -‬في فقه سيرته صلى ال عليه وسلم ويشتمل على عشرة فصول‪.‬‬

‫الفصل الول‪ -‬في حياته صلى ال عليه وسلم قبل البعثة‪.‬‬

‫الفصل الثاني‪ -‬في حياته بعد البعثة إلى الهجرة إلى الحبشة‪.‬‬

‫الفصل الثالث‪ -‬في حياته بعد هجرة الحبشة إلى الهجرة للمدينة‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ -‬في هجرته حتى استقراره بالمدينة‪.‬‬

‫الفصل الخامس‪ -‬في معاركه الحربية منذ غزوة بدر حتى فتح مكة‪.‬‬
‫الفصل السادس‪ -‬في انتشار السلم في جزيرة العرب بعد الفتح‪.‬‬
‫الفصل السابع‪ -‬في حياته بعد الفتح إلى الوفاة‪.‬‬

‫الفصل الثامن‪ -‬في خصائص التشريع السلمي في المدينة‪.‬‬

‫الفصل التاسع‪ -‬في أخلقه وافتراءات المستشرقين والمبشرين‪.‬‬
‫الفصل العاشر‪ -‬في أثره وأثر رسالته في العالم‪.‬‬
‫وال أ سأل أن يوفق ني في م ثل هذه العجالة الق صيرة الم ستعجلة إلى إمعان الن ظر في ال سيرة النبو ية ب ما يؤدي إلى الغرض المتو خى من‬
‫تدريس هذه المادة في كلية الشريعة بحيث يحمل طلبها وطالباتها على أن يتعشقوا دراسة سيرته الطاهرة‪ ،‬فيحملوا من معانيها ودروسها‬
‫في نفوسهم ما يجعلهم قدوة للناس في استقامتهم وصلح سيرتهم‪ ،‬وحسن هديهم في الدعوة إلى الصلح حتى يعود الرسول صلى ال‬

‫عليه وسلم للمسلمين شمسا منيرة تبدد ظلمات حياتهم‪ ،‬وتمدهم بالحرارة والدفء في قلوبهم وعقولهم وسلوكهم فيعود للمجتمع السلمي‬
‫صفاؤه واستقامته ومثاليته التي تجعله من جديد في مكان الصدارة والقيادة لشعوب العالم‪ ،‬ويتحقق بذلك قول ال فينا نحن المسلمين مرة‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫خيْرَ أُمّةٍ أُخْ ِرجَتْ لِلنّاسِ َتأْمُرُونَ بِالْ َمعْرُوفِ وَ َت ْن َهوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ ُتؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[آل عمران‪.]111:‬‬
‫أخرى‪{ :‬كُن ُتمْ َ‬
‫دمشق رمضان ‪1381‬هي‬

‫مصطفى السباعي‬
‫المقدمة‬
‫‪-1‬ميزة السيرة النبوية‬

‫تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية‪ ،‬كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة‬
‫إلى ال والمهتم ين بال صلح الجتما عي‪ ،‬ليضمنوا إبلغ الشري عة إلى الناس بأ سلوب يجعل هم يرون في ها المعت صم الذي يلوذون به ع ند‬

‫اضطراب ال سبل واشتداد العوا صف‪ ،‬ولتتف تح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم‪ ،‬ويكون الصلح الذي يدعو إل يه الم صلحون‪ ،‬أقرب نج حا‬
‫وأكثر سدادا‪ .‬ونجمل فيما يلي أبرز مزايا السيرة النبوية‪.‬‬

‫أول‪ -‬إنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل‪ ،‬أو عظيم مصلح فقد وصلت إلينا سيرة رسول ال صلى ال عليه وسلم عن أصح الطرق العلمية‬
‫وأقواها ثبوتا‪ -‬كما سنرى في بحث مصادر السيرة‪ -‬مما ليترك مجال للشك في وقائعها البارزة وأحداثها الكبرى‪ ،‬ومما ييسر لنا معرفة‬
‫ما أض يف إليها في الع صور المتأخرة من أحداث أو معجزات أو وقائع أو حى ب ها الع قل الجا هل الرا غب في إضفاء ال صفة المده شة على‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أكثر مما أراد ال لرسوله أن يكون عليه من جللة المقام وقدسية الرسالة‪ ،‬وعظمة السيرة‪.‬‬

‫إن الميزة من صحة السيرة صحة ل يتطرق إليها شك ل توجد في سيرة رسول من رسل ال السابقين‪ ،‬فموسى عليه السلم قد اختلطت‬

‫عندنا وقائع سيرته الصحيحة بما أدخل عليها اليهود من زيف وتحريف‪ ،‬ول نستطيع أن نركن إلى التوراة الحاضرة لنستخرج منها سيرة‬

‫صادقة لموسى عليه السلم‪ ،‬فقد أخذ كثير من النقاد الغربيين يشكون في بعض أسفارها وبعضهم يجزم بأن بعض أسفارها لم يكتب في‬

‫حياة موسى عليه السلم ول بعده بزمن قريب‪ ،‬وإنما كتب بعد زمن بعيد من غير أن يعرف كاتبها‪ ،‬وهذا وحده كاف للتشكيك في صحة‬

‫سيرة موسى عليه السلم كما وردت في التوراة‪ ،‬ولذلك ليس أمام المسلم أن يؤمن بشيء من صحة سيرته إل ما جاء في القرآن الكريم‬

‫والسنة النبوية الصحيحة‪.‬‬

‫ومثل ذلك يقال في سيرة عيسى عليه السلم‪ ،‬فهذه الناج يل المعترف بها رسميا لدى الكنائس المسيحية إنما أقرت في عهد متأخر عن‬
‫السيد المسيح بمئات السنينن‪ ،‬وقد اختيرت – بدون مسوغ علمي – من بين مئات الناجيل التي كانت منتشرة في أيدي المسيحيين يومئذ‪.‬‬
‫ثم إن نسبة هذه الناجيل لكاتبيها لم يثبت عن طريق علمي تطمئن النفس إليه‪ ،‬فهي لم ترو بسند متصل إلى كاتبيها‪ ،‬على أن الخلف قد‬

‫وقع أيضا بين النقاد الغربيين في أسماء بعض هؤلء الكاتبين من يكونون؟ وفي أي عصر كانوا؟‬

‫وإذا كان هذا شأن سير الرسل أصحاب الديانات المنتشرة في العالم‪ ،‬كان الشك أقوى في سيرة أصحاب الديانات والفلسفة الخرين الذين‬
‫يعد أتباعهم بمئات المليين في العالم‪ ،‬كبوذا وكونفوشيوس‪ ،‬فإن الروايات التي يتناقلها أتباعهم عن سيرتهم ليس لها أصل معتبر في نظر‬

‫البحث العلمي‪ ،‬وإنما يتلقفها الكهان فيما بينهم‪ ،‬ويزيد فيها كل جيل عن سابقه بما هو من قبيل الساطير والخرافات التي ل يصدقها العقل‬
‫النير المتحرر الخالي من التعصب لتلك الديانات‪.‬‬

‫وهكذا نجد أن أصح سيرة وأقواها ثبوتا متواترا هي سيرة محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ثانيا‪ -‬إن حياة رسول ال صلى ال عليه وسلم واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها‪ ،‬منذ زواج أبيه عبدال بأمه آمنة إلى وفاته صلى‬

‫ال عل يه و سلم‪ ،‬فن حن نعرف الش يء الكث ير عن ولد ته‪ ،‬وطفول ته وشبا به‪ ،‬ومك سبه ق بل النبوة‪ ،‬ورحل ته خارج م كة‪ ،‬إلى أن بع ثه ال‬
‫رسول كريما‪ ،‬ثم نعرف بشكل أدق واوضح وأكمل كل أحواله سنة فسنة‪ ،‬مما يجعل سيرته عليه الصلة والسلم واضحة وضوح الشمس‪،‬‬

‫كما قال بعض النقاد الغربيين‪ :‬إن محمدا (عليه الصلة والسلم) هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس‪.‬‬

‫وهذا ما لم يتيسر مثله ول قريب منه لرسول من رسل ال السابقين‪ ،‬فموسى عليه السلم ل نعرف شيئا قط عن طفولته وشبابه وطرق‬
‫معيشته قبل النبوة‪ ،‬ونعرف الشيء القليل عن حياته بعد النبوة‪ ،‬مما ل يعطينا صورة مكتملة لشخصيته‪ ،‬ومثل ذلك يقال في عيسى عليه‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫السلم‪ ،‬فنحن ل نعرف شيئا عن طفول ته إل ما تذكره الناج يل الحاضرة‪ ،‬من أ نه د خل هي كل اليهود‪ ،‬ونا قش أحبار هم‪ ،‬فهذه هي الحاد ثة‬
‫الوحيدة التي يذكرونها عن طفولته‪ ،‬ثم نحن ل نعلم من أحواله بعد النبوة إل ما يتصل بدعوته‪ ،‬وقليل من أسلوب معيشته‪ ،‬وما عدا ذلك‬
‫فأمر يغطيه الضباب الكثير‪.‬‬

‫فأ ين هذا م ما تذكره م صادر ال سيرة ال صحيحة من أدق التفا صيل في حياة ر سولنا الشخ صية‪ ،‬كأكله‪ ،‬وقيا مه‪ ،‬وقعوده‪ ،‬ولبا سه‪ ،‬وشكله‪،‬‬
‫وهيئته‪ ،‬ومنطقه‪ ،‬ومعاملته ل سرته‪ ،‬وتعبده‪ ،‬وصلته‪ ،‬ومعاشرته ل صحابه‪ ،‬بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات‬
‫البيض في رأسه ولحيته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ثال ثا‪ -‬إن سيرة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم تح كي سيرة إن سان أكر مه ال بالر سالة‪ ،‬فلم تخر جه عن إن سانيته‪ ،‬ولم تل حق حيا ته‬

‫بال ساطير‪ ،‬ولم ت ضف عل يه اللوه ية قليل ول كثيرا‪ ،‬وإذا قار نا هذا ب ما يرو يه الم سيحيون عن سيرة عي سى عل يه ال سلم‪ ،‬و ما يرو يه‬

‫البوذيون عن بوذا‪ ،‬والوثنيون عن آلهتهم المعبودة‪ ،‬اتضح لنا الفرق جليا بين سيرته عليه السلم وسيرة هؤلء‪ ،‬ولذلك أثر بعيد المدى‬
‫في ال سلوك الن ساني والجتما عي لتباع هم‪ ،‬فادعاء اللوه ية لعي سى عل يه ال سلم ولبوذا جعله ما أب عد منال من أن يكو نا قدوة نموذج ية‬

‫للنسان في حياته الشخصية والجتماعية‪ ،‬بينما ظل وسيظل محمد صلى ال عليه وسلم النثل النموذجي النساني الكامل لكل من أراد أن‬
‫س َوةٌ حَ سَ َنةٌ لّمَن‬
‫يعيش سعيدا كريما في نفسه وأسرته وبيئته‪ ،‬ومن هنا يقول ال تعالى في كتابه الكريم‪ { :‬لَ َقدْ كَا نَ َلكُ مْ فِي رَ سُولِ اللّ هِ أُ ْ‬

‫كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْ َي ْومَ الْآخِرَ}[الحزاب‪.]21:‬‬

‫راب عا‪ -‬إن سيرة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم شاملة ل كل النوا حي الن سانية في الن سان‪ ،‬ف هي تح كي ل نا سيرة مح مد الشاب الم ين‬
‫المستقيم قبل أن يكرمه ال بالرسالة‪ ،‬كما تحكي لنا سيرة رسول ال الداعية إلى ال المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته‪ ،‬الباذل منتهى‬
‫طاقته وجهده في إبلغ رسالته‪ ،‬كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحها‪ ،‬ويحميها بيقظته وإخلصه وصدقه‬

‫بميا يكفيل لهيا النجاح‪ ،‬كميا تحكيي لنيا سييرة الرسيول الزوج والب فيي حنيو العاطفية‪ ،‬وحسين المعاملة‪ ،‬والتميييز الواضيح بيين الحقوق‬
‫والواجبات لكل من الزوج والزوجة والولد‪ ،‬ك ما تحكي ل نا سيرة الر سول المربي المرشد الذي يشرف على ترب ية أ صحابه ترب ية مثالية‬

‫ين قل في ها من رو حه إلى أرواح هم‪ ،‬و من نف سه إلى نفو سهم‪ ،‬م ما يجعل هم يحاولون القتداء به في دق يق المور وكبير ها‪ ،‬ك ما تح كي ل نا‬

‫سيرة الرسول الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة‪ ،‬ويفي بالتزاماتها وآدابها‪ ،‬مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لنفسهم وأكثر من حبهم‬

‫لهليهم وأقربائهم‪ ،‬وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع‪ ،‬والقائد المنتصر‪ ،‬والسياسي الناجح‪ ،‬والجار المين‪ ،‬والمعاهد الصادق‪.‬‬

‫وقصارى القول‪ :‬إن سيرة رسول ال صلى ال عليه وسلم شاملة لجميع النواحي النسانية في المجتمع‪ ،‬مما يجعله القدوة الصالحة لكل‬
‫داعية‪ ،‬وكل قائد ‪ ،‬وكل أب‪ ،‬وكل زوج‪ ،‬وكل صديق‪ ،‬وكل مربي‪ ،‬وكل سياسي‪ ،‬وكل رئيس دولة‪ ،‬وهكذا‪..‬‬

‫ونحن ل نجد مثل هذا الشمول ول قريبا منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين‪ ،‬ومؤسسي الديانات والفلسفة المتقدمين والمتأخرين‪،‬‬
‫فموسى يمثل زعيم المة الذي أنقذ أمته من العبودية‪ ،‬ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها‪ ،‬ولكننا ل نجد في سيرته ما‬

‫يجعله قدوة للمحاربين‪ ،‬أو المربين أو السياسيين‪ ،‬أو رؤساء الدول أو الباء‪ ،‬أو الزواج مثل‪ ،‬وعيسى عليه السلم يمثل الداعية الزاهد‬
‫الذي غادر الدن يا و هو ل يملك مال‪ ،‬ول دارا‪ ،‬ول متا عا‪ ،‬ولك نه في سيرته الموجودة ب ين أيدي الم سيحيين‪ ،‬ل يم ثل القائد المحارب‪ ،‬ول‬

‫رئ يس الدولة‪ ،‬ول الب‪ ،‬ول الزوج ‪-‬ل نه لم يتزوج‪ -‬ول المشترع‪ ،‬ول غ ير ذلك م ما تمثله سيرة مح مد صلى ال عل يه وسلم‪ .‬و قل م ثل‬
‫ذلك في بوذا‪ ،‬وكونفوشيوس‪ ،‬وأر سطو‪ ،‬وأفلطون‪ ،‬ونابليون‪ ،‬وغير هم من عظماء التار يخ‪ ،‬فإن هم ل ي صلحون للقدوة ‪-‬إن صلحوا‪ -‬إل‬

‫لناحية واحدة من نواحي الحياة وبرزوا فيها واشتهروا بها‪ ،‬والنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع‬
‫ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫خامسا‪ -‬إن سيرة محمد صلى ال عليه وسلم وحدها تعطينا الدليل الذي ل ريب فيه على صدق رسالته ونبوته‪ ،‬إنها سيرة إنسان كامل‬
‫سار بدعو ته من ن صر إلى ن صر ل عن طر يق الخوارق والمعجزات‪ ،‬بل عن طر يق طبيعي ب حت‪ ،‬فلق جد د عا فأوذي‪ ،‬وبلغ فأ صبح له‬

‫النصار‪ ،‬واضطر إلى الحرب فحارب‪ ،‬وكان حكيما‪ ،‬موفقا في قيادته‪ ،‬فما أزفت ساعة وفاته إل كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫طر يق اليمان‪ ،‬ل عن طر يق الق هر والغل بة‪ ،‬و من عرف ما كان عل يه العرب من عادات وعقائد و ما قاوموا به دعو ته من ش تى أنواع‬

‫المقاومية حتيى تدبيير اغتياله‪ ،‬ومين عرف عدم التكافيؤ بينيه وبيين محاربييه فيي كيل معركية انتصير فيهيا‪ ،‬ومين عرف قصير المدة التيي‬

‫استغرقتها رسالته حتى وفاته‪ ،‬وهي ثلث وعشرون سنة‪ ،‬أيقن أن محمدا رسول ال حقا‪ ،‬وأن ما كان يمنحه ال من قوة وثبات وتأثير‬

‫ونصر ليس إل لنه نبي حقا‪ ،‬وما كان ل أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ‪ ،‬فسيرة رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫تث بت ل نا صدق ر سالته عن طر يق عقلي ب حت‪ ،‬و ما و قع له صلى ال عل يه و سلم من المعجزات لم ي كن ال ساس الول في إيمان العرب‬

‫بدعو ته‪ ،‬بل إ نا ل ن جد له معجزه آ من مع ها الكفار المعاندون‪ ،‬على أن المعجزات الماد ية تكون ح جة على من شاهد ها‪ ،‬و من المؤ كد أن‬

‫المسلمين الذين لم يروا النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يشاهدوا معجزاته‪ ،‬إن ما آمنوا بصدق رسالته للدلة العقلية القاطعة على دعواه‬

‫النبوة‪ ،‬ومن هذه الدلة العقلية‪ :‬القرآن الكريم‪ ،‬فإنه معجزة عقلية‪ ،‬تلزم كل عاقل منصف أن بصدق محمد صلى ال عليه وسلم في دعوى‬
‫الرسالة‪.‬‬

‫وهذا يختلف تماما عن سير النبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم‪ ،‬فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من‬
‫معجزات وخوارق‪ ،‬دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها‪ ،‬واوضح مثل لذلك السيد المسيح عليه السلم‪ ،‬فإن ال حكى‬

‫ل نا في القرآن الكر يم أ نه ج عل الدعا مة الولى في إقناع اليهود ب صدق ر سالته أ نه يبرئ الك مه والبرص‪ ،‬ويش في المر ضى‪ ،‬ويح يي‬
‫الموتى‪ ،‬وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم‪ ،‬كل ذلك بإذن ال جل شأنه‪ ،‬والناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي وحدها‬

‫التي كانت سببا في إيمان الجماهير دفعة واحدة به‪ ،‬ل على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم‪ ،‬بل على أنه إله وابن إله‪-‬حاشا ل من‬
‫ذلك‪ -‬والم سيحية ب عد الم سيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات ‪ -‬و في سفر أعمال الر سل أ كبر دل يل على ذلك – ح تى لي صح ل نا أن‬

‫نطلق على المسييحية التيي يؤمين بهيا أتباعهيا أنهيا ديين قام على المعجزات والخوارق‪ ،‬ل على القناع العقلي ومين هنيا نرى هذه الميزة‬
‫الواضحة في سيرة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته لمعجزة خارقة‪ ،‬بل عن اقتناع عقلي وجداني‪،‬‬

‫وإذا كان ال قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة‪ ،‬فما ذلك إل إكرام له صلى ال عليه وسلم وإفحام لمعانديه المكابرين ومن تتبع القرآن‬

‫الكريم وجد أنه اعتمد في القناع على المحاكمة العقلية‪ ،‬والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع ال‪ ،‬والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول‬

‫من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليل على صدق رسالته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يقول ال تعالى في سورة العنكبوت‪ { :‬وَقَالُوا َل ْولَا أُن ِزلَ‬

‫عَل ْيهِمْ إِنّ فِي َذلِكَ لَرَحْمَةً َو ِذكْرَى‬
‫عَليْكَ ا ْلكِتَابَ يُ ْتلَى َ‬
‫ن ‪َ ،‬أ َولَمْ َيكْ ِفهِمْ أَنّا أَن َزلْنَا َ‬
‫عَليْ ِه آيَاتٌ مّن رّبّهِ ُقلْ ِإنّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَإِنّمَا أَنَا َنذِيرٌ مّبِي ٌ‬
‫َ‬

‫لِ َقوْ مٍ ُيؤْمِنُو نَ} [العنكبوت‪ ،]50،51 :‬ولما اشتط كفار قريش في طلب المعجزات من رسول ال صلى ال عليه وسلم كما كانت تفعل المم‬
‫الماضية‪ ،‬أمره ال أن يجيبهم بقوله‪ُ { :‬قلْ سُبْحَانَ َربّي َه ْل كُنتُ َإلّ بَشَرًا رّسُولً}[السراء‪ .]93 :‬استمع إلى ذلك في قوله تعالى في سورة‬

‫ن الَرْ ضِ يَنبُوعًا ‪َ ،‬أوْ َتكُو نَ لَ كَ جَنّةٌ مّ ن نّخِيلٍ وَعِنَ بٍ فَتُ َفجّرَ الَ ْنهَارَ خِللَهَا تَفْجِيرًا‪َ ،‬أوْ‬
‫حتّ ى تَفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ال سراء‪ { :‬وَقَالُواْ لَن ّنؤْمِ نَ لَ كَ َ‬
‫ن لِرُ ِقيّ كَ‬
‫خرُ فٍ َأوْ تَ ْرقَى فِي ال سّمَاء َولَن ّنؤْمِ َ‬
‫عَليْنَا كِ سَفًا َأوْ َتأْتِ يَ بِاللّ هِ وَالْمَل ِئكَةِ قَبِيلً‪َ ،‬أوْ َيكُو نَ لَ كَ بَيْ تٌ مّن زُ ْ‬
‫تُ سْقِطَ ال سّمَاء كَمَا زَعَمْ تَ َ‬
‫عَليْنَا كِتَابًا نّقْ َر ُؤهُ ُقلْ سُبْحَانَ َربّي َه ْل كُنتُ َإلّ بَشَرًا رّسُولً} [السراء‪.]93-91 :‬‬
‫حتّى ُتنَ ّزلَ َ‬
‫َ‬

‫هكذا يقرر القرآن بصيراحة ووضوح أن محمدا صيلى ال علييه وسيلم إنسيان رسيول‪ ،‬وأنيه ل يعتميد فيي دعوى الرسيالة على الخوارق‬
‫لمِ}[النعام‪.]125 :‬‬
‫صدْ َرهُ لِلِسْ َ‬
‫والمعجزات‪ ،‬وإنما يخاطب العقول والقلوب‪َ { ،‬فمَن يُ ِردِ اللّهُ أَن َي ْهدِيَهُ يَشْ َرحْ َ‬
‫مصادر السيرة النبوية‬

‫تنحصر المصادر الرئيسية المعتمدة للسيرة النبوية في أربعة مصادر‪:‬‬
‫‪-1‬القرآن الكريم‪:‬‬

‫جدَ كَ ضَالّا َف َهدَى}‬
‫جدْ كَ يَتِيمًا فَآوَى ‪َ ،‬ووَ َ‬
‫و هو م صدر أ ساسي ن ستمد م نه مل مح ال سيرة النبو ية‪ ،‬ف قد تعرض القرآن الكر يم لنشأ ته{ َألَ مْ يَ ِ‬
‫خلُقٍ عَظِي ٍم }[القلم‪ .]4 :‬وقد تحدث القرآن عما لقيه عليه الصلة والسلم‬
‫[الضحى‪ ]6-5 :‬كما تعرض لخلقه الكريمة العالية { وَإِنّكَ َلعَلى ُ‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫من أذى وع نت في سبيل دعو ته‪ ،‬ك ما ذكر ما كان المشركون ينعتو نه به من ال سحر والجنون صدا عن د ين ال عز و جل‪ ،‬و قد تعرض‬

‫القرآن لهجرة الر سول ك ما تعرض ل هم المعارك الحرب ية ال تي خاض ها ب عد هجر ته‪ ،‬فتحدث عن معر كة بدر‪ ،‬وأ حد‪ ،‬والحزاب‪ ،‬و صلح‬
‫الحديبية‪ ،‬وفتح مكة‪ ،‬وغزوة حنين‪ ،‬وتحدث عن بعض معجزاته‪ ،‬كمعجزة السراء والمعراج‪.‬‬

‫وبالجملة فقد تحدث عن كثير من وقائع سيرة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولما كان الكتاب الكريم أوثق كتاب على وجه الرض‪ ،‬وكان‬
‫من الثبوت المتوا تر ب ما ل يف كر إن سان عا قل في التشك يك بن صوصه وثبوت ها التاريخي‪ ،‬فإن ما تعرض له من وقائع ال سيرة يع تبر أ صح‬

‫مصدر للسيرة على الطلق‪.‬‬

‫ول كن من المل حظ أن القرآن لم يتعرض لتفا صيل الوقائع النبو ية‪ ،‬وإن ما تعرض ل ها إجمال‪ ،‬ف هو ح ين يتحدث عن معر كة ل يتحدث عن‬
‫أسبابها‪ ،‬ول عن عدد المسلمين والمشركين فيها‪ ،‬ول عن عدد القتلى والسرى من المشركين‪ ،‬وإنما يتحدث عن دروس المعركة وما فيها‬

‫من عبر وعظات‪ ،‬وهذا شأن القرآن في كل ما أورده من قصص عن النبياء السابقين والمم الماضية‪ ،‬ولذلك فنحن ل نستطيع أن نكتفي‬

‫بنصوص القرآن المتعلقة بالسيرة النبوية لنخرج منها بصورة متكاملة عن حياة الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪-2‬السنة النبوية الصحيحة‪:‬‬

‫السنة النبوية الصحيحة التي تضمنتها كتب أئمة الحديث المعترف بصدقهم والثقة بهم في العالم السلمي هي‪:‬‬
‫الكتب الستة‪ :‬البخاري‪ ،‬ومسلم‪ ،‬وأبوداود‪ ،‬والنسائي‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ .‬ويضاف إليها‪ :‬موطأ المام مالك‪ ،‬ومسند المام أحمد‪ ،‬فهذه‬
‫الك تب وخا صة البخاري وم سلم في الذروة العل يا من ال صحة والث قة والتحق يق‪ ،‬أ ما الك تب الخرى‪ ،‬ف قد تضم نت ال صحيح والح سن‪ ،‬و في‬
‫بعضها الضعيف أيضا‪.‬‬

‫من هذه الكتب التي حوت القسم الكبر من حياة النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ووقائعه وحروبه‪ ،‬وأعماله‪ ،‬نستطيع أن نكون فكرة شاملة ‪-‬‬

‫وإن كانت غير متكاملة أحيانا ‪ -‬عن سيرة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومما يزيد الثقة بها والطمئنان إليها أنها رويت بالسند المتصل‬

‫إلى الصحابة رضوان ال عليهم‪ ،‬وهم الذين عاشروا الرسول ولزموه‪ ،‬ونصر ال بهم دينه‪ ،‬وقد رباهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫على عي نه‪ ،‬فكانوا أك مل أجيال التار يخ ا ستقامة أخلق وقوة إيمان‪ ،‬و صدق حد يث‪ ،‬و سمو أرواح‪ ،‬وكمال عقول‪ ،‬ف كل ما رووه ل نا عن‬
‫الرسول بالسند الصحيح المتصل يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية ل يخالجنا الشك فيها‪.‬‬

‫ويحاول المستشرقون المغرضون وأتباعهم من المسلمين الذين رق دينهم‪ ،‬وفتنوا بالغرب وعلمائه أن يشككوا في صحة ما بين أيدينا من‬

‫كتب السنة المعتمدة‪ ،‬لينفذوا منها إلى هدم الشريعة‪ ،‬والتشكيك بوقائع السيرة‪ ،‬ولكن ال الذي تكفل بحفظ دينه قد هيأ لهم من يرد سهام‬
‫باطل هم‪ ،‬وكيد هم إلى نحور هم و قد تعر ضت في كتا بي « ال سنة ومكانت ها في التشر يع ال سلمي » إلى جهود علمائ نا في تمح يص ال سنة‬

‫النبو ية‪ ،‬و سردت ش به الم ستشرقين و من تابع هم‪ ،‬وناقشت ها نقا شا علم يا‪ ،‬أر جو ال أن يثيب ني عل يه‪ ،‬ويجعله في صفحات ح سناتي يوم‬
‫العرض عليه‪.‬‬

‫‪-3‬الشعر العربي المعاصر لعهد الرسالة‪:‬‬

‫مما ل شك فيه أن المشركين قد هاجموا الرسول ودعوته على ألسنة شعرائهم‪ ،‬مما اضطر المسلمين إلى الرد عليهم على ألسنة شعرائهم‪،‬‬
‫كحسان بن ثابت‪ ،‬وعبدال ابن رواحة‪ ،‬وغيرهما‪ ،‬وقد تضمنت كتب الدب‪ ،‬وكتب السيرة التي صنفت فيما بعد قسطا كبيرا من هذه الشعار‬

‫ال تي ن ستطيع أن ن ستنتج من ها حقائق كثيرة عن البيئة ال تي كان يع يش في ها الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وال تي ترعر عت في ها عقيدة‬

‫السلم أول قيامها‪.‬‬

‫‪-4‬كتب السيرة‪:‬‬

‫كانت وقائع السيرة النبوية روايات يرويها الصحابة رضوان ال عليهم إلى من بعدهم‪ ،‬وقد اختص بعضهم بتتبع دقائق السيرة وتفاصيلها‪،‬‬
‫ثم تناقل التابعون هذه الخبار ودونوها في صحائف عندهم‪ ،‬وقد اختص بعضهم بالعناية التامة بها‪ ،‬أمثال أبان بن عثمان بن عفان رضي‬

‫ال ع نه (‪105-32‬ه ي) وعروة بن الزب ير بن العوام (‪93-23‬ه ي) و من صغار التابع ين ع بد ال بن أ بي ب كر الن صاري (تو في سنة‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪135‬هي) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (‪124-50‬هي) الذي جمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز بأمره‪ ،‬وعاصم بن عمر بن‬

‫قتادة النصاري (توفي سنة ‪129‬هي)‪.‬‬

‫ثم انتقلت العنا ية بال سيرة إلى من بعد هم‪ ،‬ح تى أفردو ها بالت صنيف‪ ،‬و من أش هر أوائل الم صنفين في ال سيرة مح مد بن إ سحاق بن ي سار‬

‫(توفي سنة ‪152‬هي) وقد اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه‪ ،‬إل ما روي عن مالك‪ ،‬وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحه‪،‬‬
‫وقد حمل كثير من العلماء المحققين تجريح هذين العالمين الكبيرين له بعداوات شخصية كانت قائمة بينهما وبين ابن إسحاق‪.‬‬

‫ألف ابن إسحاق كتابه «المغازي» من أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر‪ ،‬ومن المؤسف أن هذا الكتاب لم يصل إلينا‪ ،‬فقد‬
‫فُ ِقدَ فيما فُ ِق َد من تراثنا العلمي الزاخر‪ ،‬ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظا بما رواه عنه ابن هشام في سيرته عن طريق شيخه البكائي‬
‫الذي كان من أشهر تلمذة ابن إسحاق‪.‬‬

‫سيرة ابن هشام‪:‬‬

‫هو أ بو مح مد ع بد الملك بن أيوب الحميري‪ ،‬ن شأ بالب صرة وتو في سنة ‪ 213‬أو ‪218‬ه ي على اختلف الروايات‪ ،‬ألف ا بن هشام كتا به‬

‫«السيرة النبوية» م ما رواه شيخه البكائي عن ابن إسحاق‪ ،‬ومما رواه هو شخصيا عن شيوخه‪ ،‬مما لم يذكره ابن إسحاق في سيرته‪،‬‬

‫وأغفل ما رواه ابن إسحاق مما لم يتفق مع ذوقه العلمي وملكته النقدية‪ ،‬فجاء كتابا من أوفى مصادر السيرة النبوية‪ ،‬وأصحها‪ ،‬وأدقها‪،‬‬

‫ول قي من القبول ما ج عل الناس ين سبون كتا به إل يه‪ ،‬فيقولون‪ :‬سيرة ا بن هشام وشرح كتا به هذا عالمان من الندلس‪ :‬ال سهيلي ( ‪-508‬‬
‫‪581‬هي) والخشني (‪604-535‬هي)‪.‬‬
‫طبقات ابن سعد‪:‬‬

‫هو محمد بن سعد بن منيع الزهري‪ ،‬ولد بالبصرة سنة ‪168‬هي وتوفي ببغداد سنة ‪230‬هي كان كاتبا لمحمد بن عمر الواقدي المؤرخ‬

‫الشهير في المغازي والسيرة (‪207-130‬هي) سار ابن سعد في كتابه «الطبقات» على ذكر أسماء الصحابة والتابعين ‪ -‬بعد ذكر سيرة‬
‫الرسول عليه السلم – بحسب طبقاتهم‪ ،‬وقبائلهم‪ ،‬وأماكنهم‪ ،‬ويعتبر كتابه «الطبقات» من أوثق المصادر الولى للسيرة‪ ،‬وأحفظها بذكر‬

‫الصحابة والتابعين‪.‬‬
‫تاريخ الطبري‪:‬‬

‫هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (‪310-224‬هي) إمام‪ ،‬فقيه‪ ،‬محدث‪ ،‬صاحب مذهب في الفقه لم ينتشر كثيرا ألف كتابه في التاريخ‬

‫غير مقتصر على سيرة الرسول عليه الصلة والسلم‪ ،‬بل ذكر تاريخ المم قبله‪ ،‬وأفرد قسما خاصا لسيرته عليه السلم‪ ،‬ثم تابع الحديث‬
‫عن تاريخ الدول السلمية حتى قرب وفاته‪.‬‬

‫يعتبر الطبري حجة ثقة فيما يروي‪ ،‬ولكنه كثيرا ما يذكر روايات ضعيفة أو باطلة‪ ،‬مكتفيا بإسنادها إلى رواتها الذين كان أمرهم معروفا‬
‫في عصره‪ ،‬كما في رواياته عن أبي مخنف‪ ،‬فقد كان شيعيا متعصبا‪ ،‬ومع ذلك فقد أورد له الطبري كثيرا من أخباره بإسنادها إليه‪ ،‬كانه‬

‫يتبرأ من عهدتها‪ ،‬ويلقي العبء على أبي مخنف‪.‬‬
‫تطور التأليف في السيرة‪:‬‬

‫ثم تطور التأليف في السيرة‪ ،‬فأفردت بعض نواحيها بالتأليف خاصة‪ ،‬كي« دلئل النبوة» للصبهاني‪ ،‬و« الشمائل المحمدية» للترمذي‪ ،‬و«‬

‫زاد المعاد» لبين قييم الجوزيية‪ ،‬و« الشفاء» للقاضيي عياض‪ ،‬و«المواهيب اللدنيية» للقسيطلني وهيي مشروحية فيي ثمانيي مجلدات بقلم‬
‫الزرقاني المتوفى سنة ‪1122‬هي‪.‬‬

‫هذا ول يزال العلماء يؤلفون في سيرة الرسول عليه الصلة والسلم بأسلوب حديث يتقبله ذوق أبناء العصر‪ ،‬ومن أشهر الكتب المؤلفة‬

‫في الع صر الحد يث كتاب « نور اليق ين في سيرة سيد المرسلين» للش يخ مح مد الخضري رحمه ال‪ ،‬وقد ل قي كتا به قبول ح سنا‪ ،‬وقررت‬

‫دراسته في المعاهد الدينية في أكثر أنحاء العالم السلمي‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫الفصل الول ‪ -‬في حياته قبل البعثة‬
‫‪I‬‬

‫‪-‬الوقائع التاريخية‬

‫تدلنا الخبار الثابتة عن حياته صلى ال عليه وسلم قبل البعثة على الحقائق التالية‪:‬‬

‫‪-1‬أنه ولد في أشرف بيت من بيوت العرب‪ ،‬فهو من أشرف فروع قريش‪ ،‬وهم بنو هاشم‪ ،‬وقريش أشرف قبيلة في العرب‪ ،‬وأزكاها‬
‫ن سبا وأعل ها مكا نة‪ ،‬و قد روي عن العباس ر ضي ال ع نه‪ ،‬عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم أ نه قال‪ « :‬إن ال خلق الخلق‬

‫فجعل ني من خيرهم من خ ير فرقهم‪ ،‬وخ ير الفريقين‪ ،‬ثم تخ ير القبائل‪ ،‬فجعل ني من خ ير قبيلة‪ ،‬ثم تخ ير البيوت‪ ،‬فجعل ني من خ ير‬
‫بيوتهم‪ ،‬فأنا خيرهم نفسا‪ ،‬وخيرهم بيتا»‪.1‬‬

‫ولمكانة هذا النسب الكريم في قريش لم نجدها‪ 2‬فيما طعنت به على النبي صلى ال عليه وسلم لتضاح نسبه بينهم‪ ،‬ولقد طعنت فيه بأشياء‬
‫كثيرة مفتراة إل هذا المر‪.‬‬

‫‪-2‬أنه نشأ يتيما‪ ،‬فقد مات أبوه عبد ال وأمه حامل به لشهرين فحسب‪ ،‬ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنة فذاق‬
‫صلى ال عليه وسلم في صغره مرارة الحرمان من عطف البوين وحنانهما‪ ،‬وقد كفله بعد ذلك جده عبد المطلب‪ ،‬ثم توفي ورسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم ابن ثمان سنوات‪ ،‬فكفله بعد ذلك عمه أبو طالب حتى نشأ واشتد ساعده‪ ،‬وإلى يتمه أشار القرآن الكريم‬
‫جدْكَ َيتِيمًا فَآوَى} [الضحى‪.]6:‬‬
‫بقوله‪َ{ :‬أ َلمْ يَ ِ‬

‫‪-3‬أم ضى ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ال سنوات الر بع الولى من طفول ته في ال صحراء في ب ني سعد‪ ،‬فن شأ قوي البن ية‪ ،‬سليم‬
‫الج سم‪ ،‬ف صيح الل سان‪ ،‬جر يء الجنان‪ ،‬يح سن ركوب الخ يل على صغر سنه قد تفت حت مواه به على صفاء ال صحراء وهدوئ ها‪،‬‬
‫وإشراق شمسها ونقاوة هوائها‪.‬‬

‫‪-4‬كانت تعرف فيه النجابة من صغره‪ ،‬وتلوح على محياه مخايل الذكاء الذي يحببه إلى كل من رآه‪ ،‬فكان إذا أتى الرسول وهو غلم‬

‫جلس على فراش جده‪ ،‬وكان إذا جلس عل يه ل يجلس م عه على الفراش أ حد من أولده (أعمام الر سول)‪ ،‬فيحاول أعما مه انتزا عه‬
‫عن الفراش‪ ،‬فيقول لهم عبد المطلب‪ :‬دعوا ابني‪ ،‬فوال إن له لشأنا‪.‬‬

‫‪-5‬أ نه عل يه ال صلة وال سلم كان ير عى في أوائل شبا به لهل م كة أغنامهم بقرار يط يأخذها أجرا على ذلك‪ ،‬و قد ث بت ع نه صلى ال‬
‫عليه وسلم أنه قال‪ « :‬ما من نبي إل قد رعى الغنم» قالوا‪ :‬وأنت يا رسول ال؟ قال‪ « :‬وأنا» وفي رواية أخرى أنه قال‪ « :‬ما بعث‬

‫ال نبيا إل رعى الغنم» فقال له أصحابه‪ :‬وأنت يا رسول ال؟ فأجاب‪ « :‬وأنا رعيتها لهل مكة على قراريط» ثم لما بلغ من عمره‬
‫خمسا وعشرين‪ ،‬عمل لخديجة بنت خويلد في التجارة بما لها على أجر تؤديه إليه‪.‬‬

‫‪-6‬لم يشارك عليه الصلة والسلم أقرانه من شباب مكة في لهوهم ول عبثهم‪ ،‬وقد عصمه ال من ذلك‪ ،‬فقد استفاض في كتب السيرة‬
‫أنه سمع وهو في سن الشباب غناء من إحدى دور مكة في حفلة عرس‪ ،‬فأراد أن يشهدها‪ ،‬فألقى ال عليه النوم‪ ،‬فما أيقظه إل حر‬
‫الشمس‪ ،‬ولم يشارك قومه في عبادة الوثان‪ ،‬ول أكل شيئا مما ذبح لها‪ ،‬ولم يشرب خمرا‪ ،‬ول لعب قمارا‪ ،‬ول عرف عنه فحش في‬

‫القول‪ ،‬أو هُجر [قبحٌ] في الكلم‪.‬‬

‫‪-7‬وعرف عنه منذ إدراكه رجحان العقل‪ ،‬وأصالة الرأي‪ ،‬وفي حادثة وضع الحجر السود في مكانه من الكعبة دليل واضح على هذا‪،‬‬
‫فقد أصاب الكعبة سيل أدى إلى تصدع جدرانها‪ ،‬فقرر أهل مكة هدمها وتجديد بنائها‪ ،‬وفعلوا‪ ،‬فلما وصلوا إلى مكان الحجر السود‬

‫فيها اختلفوا اختلفا شديدا فيمن يكون له شرف وضع الحجر السود في مكانه‪ ،‬وأرادت كل قبيلة أن يكون لها هذا الشرف‪ ،‬واشتد‬

‫النزاع حتى تواعدوا للقتال‪ ،‬ثم ارتضوا أن يحكم بينهم أول داخل من باب بني شيبة‪ ،‬فكان هو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما‬

‫رأوه قالوا‪ :‬هذا الم ين‪ ،‬رضي نا بحك مه‪ ،‬فل ما أ خبر بذلك‪ ،‬حل المشكلة ب ما ر ضي ع نه جم يع المتنازع ين‪ ،‬ف قد ب سط رداءه ثم أ خذ‬
‫‪ -11‬رواه الترمذي بسند صحيح‪.‬‬
‫‪[ -22‬لعل الصواب (نجده) ل (نجدها) لن الضمير ينبغي أن يعود إلى النسب]‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫الح جر فوض عه ف يه‪ ،‬ثم أمر هم أن تأ خذ كل قبيلة بطرف من الرداء‪ ،‬فل ما رفعوه وبلغ الح جر موض عه‪ ،‬أخذه ووض عه بيده‪ ،‬فرضوا‬
‫جميعا‪ ،‬وصان ال بوفور عقله وحكمته دماء العرب من أن تسفك إلى مدى ل يعلمه إل ال‪.‬‬

‫‪-8‬عرف عل يه ال صلة وال سلم في شبا به ب ين قو مه بال صادق الم ين‪ ،‬واشت هر بين هم بح سن المعاملة‪ ،‬والوفاء بالو عد‪ ،‬وا ستقامة‬

‫ال سيرة‪ ،‬وحسن ال سمعة‪ ،‬م ما رغب خديجة في أن تعرض عل يه التجار بمالها في القافلة ال تي تذ هب إلى مدي نة (بصرى) كل عام‬
‫على أن تعط يه ضعف ما تعطي رجل من قوم ها‪ ،‬فل ما عاد إلى مكة وأخبرها غلمها مي سرة بما كان من أمانته وإخل صه‪ ،‬ورأت‬

‫الربح الكثير في تلك الرحلة‪ ،‬أضعفت له من الجر ضعف ما كانت أسمت له‪ ،‬ثم حملها ذلك على أن ترغب في الزواج منه‪ ،‬فقبل أن‬
‫يتزوجها وهو أصغر منها بخمسة عشر عاما‪ ،‬وأفضل شهادة له بحسن خلقه قبل النبوة قول خديجة له بعد أن جاءه الوحي في غار‬

‫حراء وعاد مرتعدا‪ :‬كل وال ل يخزيك ال أبدا‪ ،‬إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل (الضعيف)‪ ،‬وتكسب المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين‬
‫على نوائب الحق‪.‬‬

‫‪ -9‬سافر مرتين خارج مكة‪ ،‬أولهما مع عمه أبي طالب حين كان عمره اثنتي عشرة سنة‪ ،‬وثانيتهما حين كان عمره خمسا وعشرين‬
‫سنة‪ ،‬متاجرا لخدي جة بمال ها‪ ،‬وكا نت كل تا الرحلت ين إلى مدي نة (ب صرى) في الشام‪ ،‬و في كلتيه ما كان ي سمع من التجار أحاديث هم‪،‬‬

‫ويشاهد آثار البلد التي مر بها‪ ،‬والعادات التي كان عليها سكانها‪.‬‬

‫‪-10‬حبب ال إليه عليه الصلة والسلم قبل البعثة بسنوات أن يخرج إلى غار حراء ‪ -‬وهو جبل يقع في الجانب الشمالي الغربي من‬
‫م كة‪ ،‬على قرب من ها‪ -‬يخلو ف يه لنف سه مقدار ش هر ‪ -‬وكان في ش هر رمضان‪ -‬ليف كر في آلء ال‪ ،‬وعظ يم قدر ته‪ ،‬وا ستمر على‬

‫ذلك حتى جاءه الوحي‪ ،‬ونزل عليه القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪II‬‬

‫‪-‬الدروس والعظات‬

‫يستطيع الباحث أن يخرج من دراسة الوقائع السالفة بالدروس والنتائج التالية‪:‬‬

‫‪-1‬أنه كلما كان الداعية إلى ال‪ ،‬أو المصلح الجتماعي في شرف من قومه‪ ،‬كان ذلك أدعى إلى استماع الناس له‪ ،‬فإن‬
‫من عادت هم أن يزدروا بالم صلحين والدعاة إذا كانوا من بيئة مغمورة‪ ،‬أو ن سب وض يع‪ ،‬فإذا جاء هم من ل ينكرون‬

‫شرف نسبه‪ ،‬ول مكا نة أ سرته الجتماع ية بينهم‪ ،‬لم يجدوا ما يقولو نه ع نه إل افتراءات يتحللون بها من ال ستماع‬
‫إلى دعوته‪ ،‬والصغاء إلى كلمه‪ ،‬ولذلك كان أول ما سأل عنه هرقل أبا سفيان بعد أن أرسل الرسول إلى هرقل كتابا‬
‫يدعوه فيه إلى السلم هو وقومه‪ :‬كيف نسبه فيكم؟ فأجاب أبو سفيان وهو يومئذ على شركه‪ :‬هو من أشرفنا نسبا‪،‬‬

‫ولما انتهى هرقل من أسئلته لبي سفيان‪ ،‬وسمع جوابه عنها‪ ،‬أخذ يشرح له سر السئلة التي توجه بها إليه حول‬
‫مح مد « ر سول ال صلى ال عل يه و سلم» فقال له هر قل‪ :‬سألتك ك يف ن سبه في كم؟ فزع مت أ نه من أشرف كم ن سبا‪،‬‬

‫وكذلك ل يختار ال النبي إل من كرام قومه‪ ،‬وأوسطهم نسبا‪.‬‬

‫صحيح أن ال سلم ل يق يم وز نا لشرف الن ساب تجاه العمال‪ ،‬ول كن هذا ل يم نع أن يكون الذي يج مع ب ين شرف الن سب وشرف الف عل‪،‬‬
‫أكرم وأعلى مكانا وأقرب نجاحا‪ ،‬كما قال صلى ال عليه وسلم في الحديث الصحيح‪ « :‬خياركم في الجاهلية خياركم في السلم إذا فقهوا»‪.‬‬
‫‪-2‬أن في تحمل الداعية آلم اليتم أو العيش‪ ،‬وهو في صغره ما يجعله أكثر إحساسا بالمعاني النسانية النبيلة‪ ،‬وامتلءً‬
‫بالعوا طف الرحي مة ن حو اليتا مى أو الفقراء أو المعذب ين‪ ،‬وأك ثر عمل لن صاف هذه الفئات والبر ب ها والرح مة ل ها‪،‬‬

‫وكيل داعيية يحتاج لن يكون لدييه رصييد كيبير مين العواطيف النسيانية النيبيلة التيي تجعله يشعير بآلم الضعفاء‬
‫والبائ سين‪ ،‬ول يو فر له هذا الر صي َد شيءٌ مثلُ أن يعا ني في حيا ته ب عض ما يعان يه أولئك الم ستضعفون كاليتا مى‬

‫والفقراء والمساكين‪.‬‬

‫‪-3‬كلما عاش الداعية في جو أقرب إلى الفطرة‪ ،‬وأبعد عن الحياة المعقدة‪ ،‬كان ذلك أدعى إلى صفاء ذهنه‪ ،‬وقوة عقله‬

‫وج سمه ونف سه‪ ،‬و سلمة منط قه وتفكيره‪ ،‬ولذلك لم يخ تر ال العرب لداء ر سالة صدفة ول عب ثا‪ ،‬بل لن هم كانوا‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫بالنسيبة إلى مين يجاورهيم مين الميم المتمدنية أصيفى نفوسيا‪ ،‬وأسيلم تفكيرا‪ ،‬وأقوم أخلقيا‪ ،‬وأكثير احتمال لمكاره‬

‫الحروب في سبيل دعوة ال ونشر رسالته في أنحاء العالم‪.‬‬

‫‪-4‬ل يتأهل لمركز الدعوة وقيادتها إل الذكي النبيه‪ ،‬فال غبياء والمتوسطون في نجابتهم أبعد الناس عن جدارة القيادة‬
‫الفكرية‪ ،‬أو الصلحية‪ ،‬أو الروحية‪ ،‬بل إن من سنن الحياة أل يتمكن من القيادة في أي ناحية من نواحي الحياة عن‬
‫جدارة وا ستحقاق ال غبياء والمضطربون في تفكير هم‪ ،‬والشاذون في آرائ هم‪ ،‬وإذا وا تت ال صدفة أو الظروف واحدا‬
‫من هؤلء‪ ،‬فحملته إلى مركز القيادة‪ ،‬فسرعان ما يهوي إلى الحضيض ويتخلى عنه قومه بعد أن تدلهم أفعاله على‬

‫غباوته‪ ،‬أو شذوذه‪ ،‬أو اضطراب تفكيره‪.‬‬

‫‪-5‬ينبغي للداعية أن يعتمد في معيشته على جهده الشخصي‪ ،‬أو مورد شريف ل استجداء فيه‪ ،‬ول ذلة ول مهانة‪.‬‬
‫إن الدعاة الصادقين الشرفاء يربؤون بأنفسهم أن يعيشوا من صدقات الناس وأعطياتهم‪ ،‬وأية كرامة تكون لهم في نفوس قومهم بعد أن‬

‫يهينوا أنفسهم بذل السؤال والستجداء ولو لم يكن صريحا مكشوفا‪ .‬فإذا وجدنا من يدعي الدعوة والرشاد‪ ،‬وهو يستكثر من أموال الناس‬

‫بشتى أنواع الحيل‪ ،‬فإننا نجزم بمهانة نفسه في نفسه‪ ،‬فكيف في نفوس قومه وجيرانه؟ ومن ارتضى لنفسه المهانة‪ ،‬فكيف يستطيع أن‬
‫يدعو إلى مكارم الخلق‪ ،‬ويقف في وجه الطغاة والمفسدين‪ ،‬ويحارب الشر والفساد‪ ،‬ويبعث في المة روح الكرامة والشرف والستقامة؟‬
‫‪-6‬إن ا ستقامة الداع ية في شبا به وح سن سيرته أد عى إلى نجا حه في دعو ته إلى ال‪ ،‬وإ صلح الخلق‪ ،‬ومحار بة‬

‫المنكرات‪ ،‬إذ ل يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي قبل قيامه بالدعوة‪ ،‬وكثيرا ما رأينا أناسا قاموا بدعوة‬

‫ال صلح‪ ،‬وبخا صة إ صلح الخلق‪ ،‬وكان من أ كبر العوا مل في إعراض الناس عن هم ما يذكرو نه ل هم من ماض‬

‫ملوث‪ ،‬وخلق غير مستقيم‪ ،‬بل إن الماضي السيء يكون مدعاة للشك في صدق هؤلء الدعاة‪ ،‬بحيث يتهمون بالتستر‬

‫وراء دعوة الصيلح لمآرب خاصية‪ ،‬أو يتهمون أنهيم ميا بدؤوا بالدعوة إلى الصيلح إل بعيد أن قضوا لُبانتهيم‬
‫[حاجتهم] من ملذات الحياة وشهواتها‪ ،‬وأصبحوا في وضع أو عمر ل أمل لهم فيه بالستمرار فيما كانوا يبلغون فيه‬

‫من عرض أو مال أو شهرة أو جاه‪.‬‬

‫أما الداعية المستقيم في شبابه‪ ،‬فإنه يظل أبدا رافع الرأس ناصع الجبين‪ ،‬ل يجد أعداء الصلح سبيل إلى غمزه بماض قريب أو بعيد‪،‬‬
‫ول يتخذون من هذا الماضي المنحرف تكأة للتشهير به‪ ،‬ودعوة الناس إلى الستخفاف بشأنه‪.‬‬

‫نعم إن ال يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلص‪ ،‬ويمحو بحسناته الحاضرة سيئاته المنصرمة‪ ،‬ولكن هذا شيء غير الداعية الذي‬
‫ينتظر لدعوته النجاح إذا استقامت سيرته وحسنت سمعته‪.‬‬

‫‪-7‬إن تجارب الداعية بالسفر‪ ،‬ومعاشرة الجماهير‪ ،‬والتعرف على عوائد الناس وأوضاعهم ومشكلتهم‪ ،‬لها أثر كبير في‬
‫نجاح دعوته‪ ،‬فالذين يخالطون الناس في الكتب والمقالت دون أن يختلطوا بهم على مختلف اتجاهاتهم‪ ،‬قوم مخفقون‬
‫في دعوة الصلح‪ ،‬ل يستمع الناس إليهم‪ ،‬ول تستجيب العقول لدعوتهم‪ ،‬لما يرى فيهم الناس من جهل بأوضاعهم‬

‫ومشكلتهم‪ ،‬فمن أراد أن يصلح المتدينين عليه أن يعيش معهم في مساجدهم‪ ،‬ومجالسهم‪ ،‬ومجتمعاتهم‪ ،‬ومن أراد‬
‫أن يصلح حال العمال والفلحين‪ ،‬عليه أن يعيش معهم في قراهم‪ ،‬ومصانعهم‪ ،‬ويؤاكلهم في بيوتهم‪ ،‬ويتحدث إليهم‬
‫في مجتمعات هم‪ ،‬و من أراد أن ي صلح المعاملت الجار ية ب ين الناس‪ ،‬عل يه أن يختلط ب هم في أ سواقهم‪ ،‬ومتاجر هم‪،‬‬

‫ومصانعهم‪ ،‬وأنديتهم‪ ،‬ومجالسهم‪ ،‬ومن أراد أن يصلح الوضاع السياسية‪ ،‬عليه أن يختلط بالسياسيين‪ ،‬ويتعرف إلى‬
‫تنظيماتهم‪ ،‬ويستمع لخطبهم‪ ،‬ويقرأ لهم برامجهم وأحزابهم‪ ،‬ثم يتعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها‪ ،‬والثقافة التي‬

‫نهلوا من معين ها‪ ،‬والتجاه الذي يندفعون نحوه‪ ،‬ليعرف ك يف يخاطب هم ب ما ل تن فر م نه نفو سهم‪ ،‬وك يف ي سلك في‬
‫إصلحه معهم بما ل يدعوهم إلى محاربته عن كره نفسي‪ ،‬واندفاع عاطفي‪.‬‬

‫وهكذا يجب أن يكون للداعية من تجاربه في الحياة‪ ،‬ومعرفته بشؤون الناس‪ ،‬ما يمكنه من أن يحقق قول ال تعالى‪{:‬ادْ عُ ِإلِى سَبِيلِ َربّ كَ‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫حكْمَةِ وَالْ َموْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل‪ ،]125 :‬وما أبدع القول المأثور‪ :‬خاطبوا الناس على قدر عقولهم؛ أتريدون أن يكذب ال ورسوله؟‬
‫بِالْ ِ‬

‫‪3‬‬

‫‪-8‬يجب على الداعية إلى ال أن تكون له بين الفينة والفينة أوقات يخلو فيها بنفسه‪ ،‬تتصل فيها روحه بال جل شأنه‪،‬‬

‫وتصيفو فيهيا نفسيه مين كدورات الخلق الذميمية‪ ،‬والحياة المضطربية مين حوله‪ ،‬ومثيل هذه الخلوات تدعوه إلى‬

‫محا سبة نف سه إن ق صرت في خ ير‪ ،‬أو زلت في اتجاه‪ ،‬أو جان بت سبيل الحك مة‪ ،‬أو أخطأت في سبيل ومن هج أو‬

‫طر يق‪ ،‬أو انغم ست مع الناس في الجدال والنقاش ح تى أن سته ذ كر ال وال نس به وتذ كر الخرة‪ ،‬وجنت ها ونار ها‪،‬‬

‫والموت وغصصه وآلمه‪ ،‬ولذلك كان التهجد وقيام الليل فرضا في حق النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مستحبا في حق‬
‫غيره‪ ،‬وأحيق الناس بالحرص على هذه النافلة هيم الدعاة إلى ال وشريعتيه وجنتيه‪ ،‬وللخلوة والتهجيد والقيام ل‬

‫بالعبودية في أعقاب الليل لذة ل يدركها إل من أكرمه ال بها‪ ،‬وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه ال يقول في أعقاب‬
‫تهجده وعبادته‪ :‬نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها‪.‬‬

‫وحسبنا قول ال تبارك وتعالى مخاطبا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪{ :‬يَا َأ ّيهَا الْمُزّ ّم ُل ‪ ،‬قُ مِ اللّ ْيلَ ِإلّا َقلِيلًا‪ ،‬نِ صْفَهُ َأوِ انقُ صْ ِمنْ هُ َقلِيلًا ‪،‬‬
‫طءًا وَأَ ْق َومُ قِيلًا} [المزمل‪.]7-1 :‬‬
‫شدّ وَ ْ‬
‫علَيْكَ َق ْولًا ثَقِيلًا ‪ ،‬إِنّ نَاشِئَةَ اللّ ْيلِ ِهيَ أَ َ‬
‫عَليْهِ وَرَ ّتلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا‪ ،‬إِنّا سَ ُنلْقِي َ‬
‫َأوْ ِزدْ َ‬
‫الفصل الثاني ‪ -‬في السيرة منذ البعثة حتى الهجرة إلى الحبشة‬
‫أ‪ -‬الوقائع‬
‫في هذه الفترة تثبت لنا الوقائع التاريخية التالية‪:‬‬
‫‪ -1‬نزول الو حي على الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ :‬ل ما تم لل نبي صلى ال عل يه و سلم أربعون سنة‪ ،‬نزل عل يه جبر يل‬
‫بالوحي في يوم الثنين لسبع عشر خلت من رمضان‪ ،‬ويحدثنا المام البخاري رضي ال عنه في « صحيحه» بالسند‬
‫المتصل إلى عائشة أم المؤمنين رضي ال عنها عن كيفية نزول الوحي عليه‪ ،‬فتقول‪:‬‬

‫أول ما بدئ به ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الرؤ يا ال صالحة في النوم‪ ،‬فكان ل يرى رؤ يا إل جاءت م ثل فلق ال صبح‪ ،‬ثم ح بب إل يه‬
‫الخلء‪ ،‬وكان يخلو بغار حراء يتح نث ف يه ‪ -‬و هو التع بد‪ -‬الليالي ذوات العدد ق بل أن ينزع إلى أهله‪ ،‬ويتزود لذلك ثم ير جع إلى خدي جة‪،‬‬
‫فيتزود لمثل ها‪ ،‬ح تى جاءه ال حق و هو في غار حراء‪ ،‬فجاءه الملك فقال له‪ :‬اقرأ‪ .‬فقال‪ :‬ما أ نا بقارئ‪ .‬قال‪ :‬فأخذ ني فغط ني ح تى بلغ م ني‬

‫الجهد ثم أرسلني فقال‪ :‬اقرأ‪ .‬فقلت‪ :‬ما أنا بقارئ‪ .‬فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال‪ :‬اقرأ‪ .‬فقلت‪ :‬ما أنا بقارئ‪.‬‬

‫علّ مَ‬
‫علّ مَ بِالْ َقلَ مِ ‪َ ،‬‬
‫علَ قٍ‪ ،‬اقْرَأْ وَرَبّ كَ ا ْل َأكْرَ مُ‪ ،‬اّلذِي َ‬
‫خلَ قَ ا ْلإِن سَانَ مِ نْ َ‬
‫خلَ قَ‪َ ،‬‬
‫سمِ رَبّ كَ اّلذِي َ‬
‫فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال‪{ :‬اقْرَأْ بِا ْ‬

‫ا ْلإِن سَانَ مَا لَ مْ َي ْعلَ مْ} [العلق‪ ،]6 -1 :‬فرجع بها رسول ال صلى ال عليه وسلم يرجف فؤاده‪ ،‬فدخل على خديجة بنت خويلد رضي ال‬

‫عنها‪ ،‬فقال‪ :‬زملوني‪ ،‬زملوني‪ ،‬فزملوه حتى ذهب عنه الروع‪ ،‬فقال لخديجة وأخبرها الخبر‪ :‬لقد خشيت على نفسي‪ ،‬فقالت خديجة‪ :‬وال‬
‫ل يخز يك ال أبدا؛ إ نك لت صل الر حم‪ ،‬وتح مل ال كل [الضع يف]‪ ،‬وتك سب المعدوم‪ ،‬وتقري الض يف‪ ،‬وتع ين على نوائب ال حق‪ .‬فانطل قت به‬

‫خدي جة ح تى أ تت ور قة بن نو فل بن أ سد بن ع بد العزى‪ ،‬وكان ا بن عم خدي جة‪ ،‬وكان امرءا تن صر في الجاهل ية‪ ،‬وكان يك تب الكتاب‬
‫ال عبراني‪ ،‬فيك تب من النج يل بالعبران ية ما شاء ال أن يك تب‪ ،‬وكان شي خا كبيرا قد ع مي‪ ،‬فقالت له خدي جة‪ :‬يا ا بن عم‪ ،‬ا سمع من ا بن‬

‫أخيك‪ ،‬فقال له ورقة‪ :‬يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول ال صلى ال عليه وسلم خبر ما رأى‪ ،‬فقال له ورقة‪ :‬هذا الناموس ‪-‬صاحب‬

‫الوحي وهو جبريل ‪ -‬الذي نزل على موسى‪ ،‬يا ليتني فيها جذعا ‪-‬شابا قويا – ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك‪ ،‬فقال رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم‪ :‬أو مخرجي هم؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت ر جل قط بم ثل ما جئت به إل عودي‪ ،‬وإن يدركني يو مك أن صرك نصرا مؤزرا‪ ،‬ثم لم‬
‫ينشب [يلبث] ورقة أن توفي وفتر الوحي»‪.‬‬
‫‪ -13‬جاء في البخاري ‪ 1/199‬في العلم‪ :‬باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ال يفهموا‪ :‬وقال علي رضي الله عنه‪ :‬حدثوا‬
‫الناس بما يعرفون‪ ،‬أتحبون أن يكذب الله ورسوله‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫و في روا ية ا بن هشام عن ا بن إ سحاق‪ :‬أن جبر يل جاءه و هو نائم في غار حراء بن مط ‪ -‬وعاء‪ -4‬من ديباج [حر ير] ف يه كتاب‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫اقرأ‪..‬إلخ‪ .‬قال‪ :‬فقرأتها‪ ،‬ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي‪ ،‬فكأنما كتبت في قلبي كتابا‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت حتى إذا كنت في وسط من‬

‫الجبل سمعت صوتا من السماء يقول‪ :‬يا محمد أنت رسول ال‪ ،‬وأنا جبريل‪ .‬قال‪ :‬فرفعت رأسي إلى السماء أنظر‪ ،‬فإذا جبريل في صورة‬
‫ر جل صافّ قدم يه في أ فق ال سماء يقول‪ : :‬يا مح مد أ نت رسول ال‪ ،‬وأ نا جبر يل‪ .‬قال‪ :‬فوق فت أن ظر إل يه‪ ،‬ف ما أتقدم و ما أتأ خر‪ ،‬وجعلت‬

‫أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فل أنظر في ناحية منها إل رأيته كذلك‪ ،‬فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي‪ ،‬حتى بعثت‬
‫خديجة رُسُلها في طلبي‪ ..‬إلخ‪.‬‬

‫‪-2‬كان أول من آمن به ودخل في السلم زوجه خديجة رضي ال عنها‪ ،‬ثم ابن عمه علي رضي ال عنه وهو ابن عشر‬
‫سنين‪ ،‬ثم موله ز يد بن حار ثة‪ ،‬ثم أ بو ب كر ال صديق ر ضي ال ع نه‪ ،‬وكان أول من أ سلم من العب يد بلل بن رباح‬

‫‪5‬‬

‫الحب شي وعلى ذلك تكون خدي جة أول من آ من به إطل قا‪ ،‬و قد صلى ر سول ال صلى ال عل يه و سلم مع ها آ خر يوم‬

‫الثنين‪ ،‬وهو أول يوم من صلته‪ ،‬وكانت الصلة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي‪.‬‬

‫‪ -3‬ثم فتر الوحي بعد ذلك فترة من الزمن اختلفت الروايات في تقديرها‪ ،‬فأقصاها ثلث سنوات‪ ،‬وأدناها ستة أشهر وهو‬

‫ال صحيح‪ ،‬و قد شق انقطاع الو حي على الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وأحز نه ذلك كثيرا‪ ،‬ح تى كاد يخرج إلى الجبال‬
‫َف َي ُهمّ بأن يترى من رؤوسها‪ ،6‬ظنا منه أن ال قد قله بعد أن اختاره لشرف الرسالة‪ ،‬ثم عاد إليه الوحي بعد ذلك كما‬

‫يروي المام البخاري في « صحيحه» عن جابر بن ع بد ال الن صاري عن ال نبي صلى ال عل يه و سلم‪ « :‬بين ما أ نا‬

‫أمشيي إذ سيمعت صيوتا مين السيماء‪ ،‬فرفعيت بصيري فإذا الملك الذي جاءنيي بحراء جالس على كرسيي بيين السيماء‬

‫ُمي َفأَنذِرْ} إلى قوله‪َ{ :‬الرّجْزَ‬
‫والرض‪ ،‬فرعبيت منيه‪ ،‬فرجعيت فقلت‪ :‬زملونيي‪ ،‬فأنزل ال تعالى‪{ :‬ي َا َأيّه َا الْ ُمدّثّرُ ‪ ،‬ق ْ‬
‫فَاهْجُرْ} فحمي الوحي وتتابع ‪.‬‬

‫‪-4‬بدأ رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد ذلك يدعو إلى السلم من وثق بعقله ثلث سنوات كاملة‪ ،‬حتى أسلم عدد من‬
‫الرجال والنساء ممن عرفوا برجحان الرأي وسلمة النفس‪.‬‬

‫‪-5‬أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن بلغ عدد الداخلين في السلم نحوا من ثلثين أن يبلغ الدعوة جهرا‪ ،‬وذلك‬
‫ن } [الحجر‪.]94 :‬‬
‫صدَعْ بِمَا ُتؤْمَرُ وَأَعْ ِرضْ عَنِ الْمُشْ ِركِي َ‬
‫في قوله تعالى‪ {:‬فَا ْ‬

‫‪-6‬ابتدأت بذلك مرحلة اليذاء للمؤمن ين الجدد ولر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬ف قد هال المشرك ين أن ي سفه الر سول‬
‫أحلمهم‪ ،‬ويعيب آلهتهم‪ ،‬ويأتيهم بدين جديد يدعو إلى إله واحد ل تدركه العيون والبصار‪ ،‬وهو يدرك البصار‪ ،‬وهو‬
‫اللطيف الخبير‪.‬‬

‫‪-7‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم في هذه الفترة يجتمع بالمؤمنين سرا في دار الرقم بن أبي الرقم الذي دخل في‬

‫السلم أيضا‪ ،‬وكان الرسول يتلو عليهم ما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم‪ ،‬ويعلمهم من أحكام الدين وشرائعه ما‬

‫كان ينزل حينئذ‪.‬‬

‫‪-8‬أمر الرسول صلى ال عليه وسلم يومئذ بأن ينذر عشيرته القربين‪ ،‬فوقف على الصفا‪ ،‬ونادى بطون قريش بطنا بطنا‪،‬‬
‫ودعاهيم إلى السيلم وترك عبادة الوثان‪ ،‬ورغبهيم فيي الجنية وحذرهيم مين النار‪ ،‬فقال له أبيو لهيب‪ :‬تبيا لك‪ ،‬ألهذا‬
‫جمعتنا؟‪.‬‬

‫‪-9‬رغبت قريش في أن تنال من الرسول‪ ،‬فحماه عمه أبو طالب‪ ،‬وامتنع عن تسليمه إليهم‪ ،‬ثم طلب بعد ذهابهم أن يخفف‬

‫من دعوته‪ ،‬فظن أن عمه خاذله‪ ،‬فقال كلمته المشهورة‪ « :‬وال لو وضعوا الشمس في يميني‪ ،‬والقمر في يساري على‬

‫‪ [ -14‬المعروف أن النمط هو البساط]‪.‬‬
‫‪[ -25‬في الكتاب‪ :‬بلل بن أبي رباح‪ ،‬وهو غلط]‪.‬‬
‫‪ -36‬هذه الجملة « كاد يتردى من رؤوس الجبال حزنا بعد فتور الوحي» وإن كانت في «صحيح البخاري» هي من بلغات الزهري‪،‬‬
‫وليست موصولة‪ .‬انظر « فتح الباري» ‪.12/316 :‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫أن أترك هذا المر حتى يظهره ال أو أهلك دونه‪ ،‬ما تركته»‪.‬‬

‫‪-10‬اشتد أذى المشركين بعد ذلك للرسول وصحابته‪ ،‬حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي‪.‬‬
‫‪-11‬ل ما رأت قر يش ثبات المؤمن ين على عقيدت هم‪ ،‬قررت مفاو ضة الر سول على أن تعط يه من المال ما يشاء‪ ،‬أو تمل كه‬
‫عليها‪ ،‬فأبى ذلك كله‪.‬‬

‫‪-12‬لما رأى الرسول تعنت قريش واستمرارها في تعذيب أصحابه‪ ،‬قال لهم‪« :‬لو خرجتم إلى أرض الحبشة‪ ،‬فإن فيها ملكا‬

‫ل يظلم أحد عنده حتى يجعل ال لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» فهاجر للمرة الولى اثنا عشر رجل‪ ،‬وأربع نسوة‪،‬‬
‫ثم عادوا ب عد أن علموا بإسلم ع مر وإظهار ال سلم‪ ،‬لكن هم ما لبثوا أن عادوا ومع هم آخرون من المؤمن ين‪ ،‬و قد بلغ‬

‫عددهم في الهجرة الثانية إلى الحبشة ثلثة وثمانين رجل‪ ،‬ومن النساء إحدى عشرة‪.‬‬

‫‪-13‬مقاطعة المشركين لرسول صلى ال عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب أل يبايعوهم‪ ،‬ول يناكحوهم ول يخالطوهم‪،‬‬

‫ول يقبلوا من هم صلحا أبدا‪ ،‬وا ستمرت المقاط عة سنتين أو ثل ثا‪ ،‬ل قي في ها الر سول و من م عه في هذه المقاط عة جهدا‬
‫شديدا‪ ،‬ثم انتهت المقاطعة بمسعى عقلء قريش‪.‬‬
‫ب‪ -‬الدروس والعظات‬

‫‪-1‬إن ال إذا أراد لعبد أن يوجهه لدعوة الخير والصلح‪ ،‬ألقى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلل وفساد‪.‬‬

‫‪-2‬إن محمدا عل يه ال صلة وال سلم لم ي كن ي ستشرف للنبوة‪ ،‬ول يحلم ب ها‪ ،‬وإن ما كان يله مه ال الخلوة للعبادة تطهيرا‪ ،‬وإعدادا‬
‫روحيا لتحمل أعباء الرسالة‪ ،‬ولو كان عليه الصلة والسلم يستشرف للنبوة‪ ،‬لما فزع من نزول الوحي عليه‪ ،‬ولما نزل إلى‬

‫خديجة يستفسرها عن سر تلك الظاهرة التي رآها في غار حراء‪ ،‬ولم يتأكد من أنه رسول إل بعد رؤية جبريل يقول له‪ « :‬يا‬

‫محمد أنت رسول ال‪ ،‬وأنا جبريل» وإل بعد أن أكد له ولخديجة ورقة بن نوفل أن ما رآه في الغار هو الوحي الذي كان ينزل‬
‫على موسى عليه الصلة والسلم‪.‬‬

‫‪-3‬إن دعوة الصلح إذا كانت غريبة على معتقدات الجمهور وعقليته‪ ،‬ينبغي أل يجهر بها الداعية حتى يؤمن بها عدد يضحون‬
‫في سبيلها بالغالي والرخ يص‪ ،‬ح تى إذا نال صاحب الدعوة أذى‪ ،‬قام أتبا عه المؤمنون بدعو ته بوا جب الدعوة‪ ،‬فيض من بذلك‬

‫استمرارها‪.‬‬

‫‪-4‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد فاجأ العرب بما لم يكونوا يألفونه‪ ،‬وقد استنكروا دعوته أشد الستنكار‪ ،‬وكان كل همهم‬
‫القضاء عليه وعلى أصحابه‪ ،‬فكان ذلك ردا تاريخيا على بعض دعاة القومية الذين زعموا أن محمدا عليه الصلة والسلم إنما‬
‫كان يم ثل في ر سالته آمال العرب ومطامحهم حينذاك‪ ،‬وهو زعم مض حك ترده وقائع التاريخ الثاب تة كما رأينا‪ ،‬وما حمل هذا‬
‫القائل وأمثاله على هذا القول إل الغلو في دعوى القوم ية وج عل ال سلم أمرا منبث قا من ذات ية العرب وتفكير هم‪ ،‬وهذا إنكار‬
‫واضح لنبوة الرسول وخفض عظيم لرسالة السلم‪.‬‬

‫‪-5‬إن ثبات المؤمنيين على عقيدتهيم بعيد أن ينزل بهيم الشرار والضالون أنواع العذاب والضطهاد‪ ،‬دلييل على صيدق إيمانهيم‬
‫وإخلصهم في معتقداتهم‪ ،‬وسمو نفوسهم وأرواحهم‪ ،‬بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل‪ ،‬وما‬
‫يأملونه من رضا ال جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد‪.‬‬

‫إن السيطرة في المؤمنين الصادقين‪ ،‬والدعاة المخلصين تكون دائما وأبدا لرواحهم ل لجسامهم‪ ،‬وهم يسرعون إلى تلبية مطالب أرواحهم‬
‫من حيث ل يبالون بما تتطلبه جسومهم من راحة وشبع ولذة‪ ،‬وبهذا تنتصر الدعوات‪ ،‬وبهذا تتحرر الجماهير من الظلمات والجهالت‪.‬‬

‫‪-6‬إن في قول الرسول صلى ال عليه وسلم ذلك القول لعمه أبي طالب‪ ،‬وفي رفضه ما عرضته عليه قريش من مال وملك‪ ،‬دليل‬
‫على صدقه في دعوى الرسالة‪ ،‬وحرصه على هداية الناس‪،‬وكذلك ينبغي أن يكون الداعية مصمما على الستمرار في دعوته‬
‫مه ما تألب عل يه المبطلون‪ ،‬معر ضا عن إغراء المبطل ين بالجاه والمنا صب‪ ،‬فالمتا عب في سبيل ال حق لدى المؤمن ين را حة‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫لضمائرهم وقلوبهم‪ ،‬ورضى ال وجنته أعز وأغلى عندهم من كل مناصب الدنيا وجاهها وأموالها‪.‬‬

‫‪-7‬إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع‪ ،‬ليزيدهم إيما نا بدعوتهم‪ ،‬وليعلم هم طرقها وأساليبها‬
‫وآدابها‪ ،‬وإذا خشي على نفسه وجماعته من الجتماع بهم علنا وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سرا لئل يُجمِع المبطلون‬
‫أمرهم فيقضوا عليهم جميعا‪ ،‬أو يزدادوا في تعذيبهم واضطهادهم‪.‬‬

‫‪-8‬إن على الداعية أن يهتم بأقربائه فيبلغهم دعوة الصلح‪ ،‬فإذا أعرضوا‪ ،‬كان له عذر أمام ال والناس عما هم عليه من فساد‬
‫وضلل‪.‬‬

‫‪-9‬إن على الداع ية إذا و جد جماعته في خ طر على حياتهم أو معتقداتهم من الفت نة‪ ،‬أن يه يئ لهم مكا نا يأمنون ف يه من عدوان‬

‫المبطلين‪ ،‬ول ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية‪ ،‬فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاء‬
‫مبرما‪ ،‬فيتخلصوا من دعوتهم‪ ،‬وفي وجودهم في مكان آمن ضمان لستمرار الدعوة وانتشارها‪.‬‬

‫‪ -10‬إن في أمر الرسول أصحابه أول وثانيا بالهجرة إلى الحبشة‪ ،‬ما يدل على أن رابطة الدين بين المتدينين ولو اختلفت دياناتهم‬
‫هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين‪ ،‬فالديانات السماوية في مصدرها وأصولها الصحيحة متفقة في الهداف‬

‫الجتماعية الكبرى‪ ،‬كما هي متفقة في اليمان بال ورسله واليوم الخر‪ ،‬وهذا ما يجعل وشائج [روابط] القربى بينها أوثق من‬
‫أية وشيجة من قرابة أو دم أو موطن مع اللحاد والوثنية والكفر بشرائع ال‪.‬‬

‫‪-11‬إن المبطل ين ل ي ستسلمون أمام أ هل ال حق ب سهولة وي سر‪ ،‬ف هم كل ما أخف قت ل هم و سيلة من و سائل المقاو مة والقضاء على‬
‫دعوة الحق‪ ،‬ابتكروا وسائل أخرى وهكذا حتى ينتصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الخيرة‪.‬‬
‫الفصل الثالث ‪ -‬في السيرة بعد هجرة الحبشة إلى الهجرة للمدينة‬
‫أ‪ -‬الوقائع التاريخية‬
‫تتميز أحداث هذه الفترة بالوقائع البارزة التالية‪:‬‬
‫‪-1‬مات أبوطالب عم الر سول في ال سنة العاشرة من البع ثة‪ ،‬وكان في حيا ته شد يد الدفاع عن ا بن أخ يه ر سول ال صلى ال‬

‫عل يه وسلم‪ ،‬وكا نت قريش ل تستطيع أن تنال النبي بأذى في نف سه طيلة حياة أبي طالب احتراما له وهي بة‪ ،‬فلما مات أبو‬
‫طالب جرؤت قر يش على تشد يد الذى لل نبي صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬ولذلك كا نت وفا ته مب عث حزن عم يق لل نبي صلى ال‬

‫عل يه و سلم‪ ،‬و قد حرص ال نبي أن يقول أ بو طالب كل مة ال سلم و هو على فراش الموت‪ ،‬فأ بى خش ية أن يلح قه العار من‬
‫قومه‪.‬‬

‫‪-2‬ماتت خديجة رضي ال عنها في تلك السنة نفسها‪ ،‬وقد كانت خديجة تخفف عن الرسول همومه وأحزانه لما يلقاه من عداء‬
‫قريش‪ ،‬فلما ماتت حزن عليها حزنا شديدا‪ ،‬وسمي ذلك العام الذي مات فيه عمه أبو طالب وزوجه خديجة «عام الحزن»‪.‬‬

‫‪-3‬ول ما اش تد على الر سول ك يد قر يش وأذا ها ب عد وفاة ع مه وزو جه‪ ،‬تو جه إلى الطائف لعله ي جد في ثق يف ح سن ال صغاء‬
‫لدعوتيه والنتصيار لهيا‪ ،‬ولكنهيم ردوه ردا غيير جمييل‪ ،‬وأغروا بيه صيبيانهم فقذفوه بالحجارة حتيى سيال الدم مين قدمييه‬

‫الطاهرتين‪ ،‬ثم التجأ إلى بستان من بساتين الطائف‪ ،‬وتوجه إلى ال بهذا الدعاء الخاشع‪ « :‬اللهم إليك أشكو ضعف قوتي‪،‬‬
‫وقلة حيلتي‪ ،‬وهواني على الناس يا أرحم الراحمين‪ ،‬أنت رب المستضعفين‪ ،‬وأنت ربي‪ ،‬إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني‪7‬؟‬

‫أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فل أبالي‪ ،‬ولكن عافيتك هي أوسع لي‪ ،‬أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت‬
‫به الظلمات‪ ،‬وصلح عليه أمر الدنيا والخرة من أن تنزل بي غضبك‪ ،‬أو تحل بي سخطك‪ ،‬لك العتبى حتى ترضى‪ ،‬ول حول‬

‫ول قوة إل بك»‪.‬‬

‫‪ -17‬أي‪ :‬ينظر بوجه كريه‪ ،‬وهذا كناية عن العداوة والبغضاء‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-4‬عاد رسول ال صلى ال عليه وسلم من الطائف دون أن تستجيب ثقيف لدعوته‪ ،‬اللهم إل ما كان من إسلم «عدّاس» غلم‬
‫عتبة وشيبة ابني ربيعة‪ ،‬وكان غلما نصرانيا‪ ،‬طلب منه سيداه أن يقدم قطفا من العنب إلى الرسول وهو في البستان لما‬

‫رأيا من إعيائه وتهجم ثقيف عليه‪ ،‬فلما قدم عدّاس العنب للرسول صلى ال عليه وسلم أخذ الرسول يبدأ في أكله قائل‪ :‬بسم‬

‫ال‪ ،‬فلفت ذلك نظر عداس‪ ،‬إذ ل يوجد في القوم من يقول مثل هذا‪ .‬وبعد حديث بين عداس والنبي أسلم عدّاس‪.‬‬

‫‪-5‬وقعت معجزة السراء والمعراج وقد اختلف في تاريخ وقوعها‪ ،‬والمؤكد أنها وقعت قبل الهجرة في السنة العاشرة من بعثته‬

‫أو بعد ها‪ ،‬وال صحيح الذي عل يه جماه ير العلماء أنه ما وق عا في ليلة واحدة يق ظة بالج سد والروح‪ ،‬أ سري به من الم سجد‬
‫الحرام إلى المسيجد القصيى‪ ،‬ثيم عرج به إلى السيماوات العلى‪ ،‬ثم عاد إلى بي ته في مكية تلك الليلة‪ ،‬وأ خبر قريشيا بأمير‬
‫المعجزة‪ ،‬فهزئت وسخرت‪ ،‬وصدقه أبوبكر وأقوياء اليمان‪.‬‬

‫‪-6‬وفي هذه الليلة فرضت الصلوات خمسا على كل مسلم بالغ عاقل‪.‬‬

‫‪-7‬وفي أثناء مرورالرسول صلى ال عليه وسلم على القبائل في موسم الحج ‪-‬كعادته في كل عام‪ -‬لدعوتهم إلى السلم وترك‬
‫عبادة الوثان‪ ،‬وبين ما هو ع ند العق بة ال تي تر مى عند ها الجمار‪ ،‬ل قي ره طا من الوس والخزرج‪ ،‬فدعا هم إلى ال سلم‪،‬‬

‫فأسلموا‪ ،‬وكان عدد هم سبعة‪ ،‬ثم عادوا إلى المدي نة‪ ،‬فذكروا لقوم هم لقيا هم ال نبي صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬و ما دانوا به من‬

‫السلم‪.‬‬

‫‪-8‬و في العام التالي لثن تي عشرة سنة من البع ثة وا فى مو سم ال حج اث نا ع شر رجل من الن صار‪ ،‬فاجتمعوا بال نبي صلى ال‬
‫عليه وسلم وبايعوه‪ ،‬فلما عادوا أرسل معهم مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئ المسلمين فيها القرآن‪ ،‬ويعلمهم السلم‪،‬‬
‫فانتشر السلم في المدينة انتشارا كبيرا‪.‬‬

‫‪-9‬و في العام الذي يل يه ح ضر من الن صار جما عة في مو سم ال حج فاجتمعوا بال نبي صلى ال عل يه و سلم م ستخفين‪ ،‬وكانوا‬

‫سبعين رجل وامرأت ين‪ ،‬وبايعوه على الن صرة والتأي يد‪ ،‬وعلى أن يمنعوه م ما يمنعون م نه ن ساءهم وأبناء هم‪ ،‬وعادوا إلى‬

‫المدينة بعد أن اختار منهم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم‪.‬‬
‫ب‪ -‬الدروس والعظات‬
‫‪ -1‬قد يح مي الداع ية أحدُ أقربائه م من لي سوا على دعو ته‪ ،‬و في ذلك فائدة للدعوة ح ين تكون م ستضعفة‪ ،‬إذ يم نع الشرار من‬

‫العدوان على حياته أو مسه بأذى‪ ،‬فعصبية القبيلة والعائلة قد يستفيد منها الداعية في حمايته وحماية دعوته إذا لم يسايرها‬
‫على ما هي عليه منكرات‪.‬‬

‫‪-2‬الزوجة الصالحة المؤمنة بدعوة الحق تذلل كثيرا من الصعاب لزوجها الداعية إذا شاركته في همومه وآلمه‪ ،‬وبذلك تخفف‬
‫ع نه ع بء هذه الهموم‪ ،‬وت بث في نف سه ال ستمرار والثبات‪ ،‬فيكون ل ها أ ثر في نجاح الدعوة وانت صارها‪ ،‬ومو قف ال سيدة‬

‫خديجة رضي ال عنها من رسول ال صلى ال عليه وسلم هو المثل العلى لما تستطيع الزوجة المؤمنة بدعوة الخير أن‬
‫تلع به من دور كبير في نجاح زوج ها الداع ية‪ ،‬وثبا ته وا ستمراره في دعو ته‪ ،‬وف قد م ثل هذه الزو جة في احتدام معر كة‬
‫الصلح خسارة كبيرة ل يملك معها زوجها الداعية إل أن يحزن ويأسى‪.‬‬

‫‪-3‬والحزن على فقد القريب الحامي لدعوة الحق غير المؤمن بها‪ ،‬وعلى فقد الزوجة المؤمنة المخلصة‪ ،‬حزن تقتضيه طبيعة‬
‫الخلص للدعوة‪ ،‬والوفاء للزوجية المثاليية فيي تضحيتهيا وتأييدهيا‪ ،‬ولذلك قال الرسيول لميا مات أبيو طالب‪ « :‬رحميك ال‬
‫وغفر لك‪ ،‬ل أزال أستغفر لك حتى ينهاني ال» فاقتدى المسلمون برسولهم يستغفرون لموتاهم المشركين حتى نزل قول ال‬

‫س َتغْفِرُواْ ِللْمُشْ ِركِي نَ َو َلوْ كَانُواْ ُأ ْولِي قُ ْربَى مِن َب ْعدِ مَا تَبَيّ نَ َلهُ مْ َأ ّنهُ مْ أَ صْحَابُ‬
‫تبارك وتعالى‪{ :‬مَا كَا نَ لِلنّ ِبيّ وَاّلذِي نَ آ َمنُواْ أَن يَ ْ‬
‫الْجَحِيمِ} [التوبة‪ ]113 :‬فامتنع النبي عن الستغفار لبي طالب‪ ،‬كما امتنع المسلمون عن الستغفار لموتاهم‪.‬‬

‫ولذلك أيضا ظل الرسول صلى ال عليه وسلم طيلة حياته يذكر فضل خديجة‪ ،‬ويترحم عليها‪ ،‬ويبر صديقاتها‪ ،‬حتى كانت عائشة‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫تغار منها ‪ -‬وهي متوفاة‪ -‬لكثرة ما كانت تسمع من ثناء النبي صلى ال عليه وسلم عليها‪ ،‬فقد روى البخاري عنها رضي ال عنها أنها‬

‫قالت‪ :‬ما غرت على أحد من نساء النبي صلى ال عليه وسلم ما غرت على خديجة‪ ،‬وما رأيتها‪ ،‬ولكن كان النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫يكثر ذكرها‪ ،‬ولربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء‪ ،‬ثم يبعثها في صدائق ‪ -‬صديقات‪ -‬خديجة‪ ،‬فربما قلت له‪ :‬كأن لم يكن في الدنيا امرأة‬

‫إل خديجة؟ فيقول‪ :‬أنها كانت‪ ،‬وكانت‪ ،‬وكان لي منها ولد‪.‬‬

‫‪ -4‬في توجه الرسول صلى ال عليه وسلم إلى الطائف بعد أن أعرضت عنه مكة‪ ،‬دليل على التصميم الجازم في نفس الرسول‬

‫على ال ستمرار في دعو ته‪ ،‬وعدم اليأس من ا ستجابة الناس ل ها‪ ،‬وب حث عن ميدان جد يد للدعوة ب عد أن قا مت الحوا جز‬
‫دونها في ميدانها الول‪ ،‬كما أن في إغراء ثقيف صبيانها وسفهاءها بالرسول‪ ،‬دليل على أن طبيعة الشر واحدة أينما كانت‪،‬‬

‫و هي العتماد على ال سفهاء في إيذاء دعاة الخ ير‪ ،‬و في سيل الدماء من قد مي ال نبي صلى ال عل يه و سلم ‪ -‬و هو ال نبي‬
‫الكريم‪ ، -‬أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل ال من أذى واضطهاد‪ ،‬أما دعاء النبي صلى ال عليه وسلم في البستان‬

‫ذلك الدعاء الخالد‪ ،‬ففيه تأكيد لصدق الرسول في دعوته‪ ،‬وتصميم على الستمرار فيها مهما قامت في وجهه الصعاب‪ ،‬وأنه‬
‫ل يه مه إل ر ضا ال وحده‪ ،‬فل يه مه ر ضا ال كبراء والزعماء‪ ،‬ول ر ضا العا مة والدهماء « إن لم ي كن بك غ ضب علي فل‬

‫أبالي» كما أن فيه استمداد القوة من ال باللجوء إليه والستعانة به عندما يشتد الذى بالداعية‪ ،‬وفيه أن خوف الداعية كل‬
‫الخوف هو من سخط ال عليه وغضبه‪ ،‬ل من سخط أي شيء سواه‪.‬‬

‫‪-5‬في معجزة السراء والمعراج أسرار كثيرة نشير إلى ثلثة منها فحسب‪:‬‬
‫أول‪ -‬ففيها ربط قضية المسجد القصى وما حوله ‪ -‬فلسطين‪ -‬بقضية العالم السلمي إذ أصبحت مكة بعد بعثة الرسول صلى‬

‫ال عليه وسلم مركز تجمع العالم السلمي ووحدة أهدافه‪ ،‬وأن الدفاع عن فلسطين دفاع عن السلم نفسه‪ ،‬يجب أن يقوم به كل مسلم‬
‫في شتى أنحاء الرض‪ ،‬والتفريط في الدفاع عنها وتحريرها‪ ،‬تفريط في جنب السلم‪ ،‬وجناية يعاقب ال عليها كل مؤمن بال ورسوله‪.‬‬

‫وثانيا‪ -‬فيها رمز إلى سمو المسلم‪ ،‬ووجوب أن يرتفع فوق أهواء الدنيا وشهواتها‪ ،‬وأن ينفرد عن غيره من سائر البشر بعلو‬

‫المكانة‪ ،‬وسمو الهدف‪ ،‬والتحليق في أجواء المثل العليا دائما وأبدا‪.‬‬

‫وثالثيا‪ -‬فيهيا إشارة إلى إمكان ارتياد الفضاء والخروج عين نطاق الجاذبيية الرضيية‪ ،‬فلقيد كان رسيولنا فيي حادثية السيراء‬

‫والمعراج أول رائد للفضاء في تار يخ العالم كله‪ ،‬وأن ريادة الفضاء والعودة إلى الرض ب سلم‪ ،‬أ مر مم كن إن و قع لر سول ال بالمعجزة‬
‫في عصره؛ فإنه من الممكن أن يقع للناس عن طريق العلم والفكر‪.8‬‬

‫‪ -6‬في فرض الصلة ليلة السراء والمعراج إشارة إلى الحكمة التي من أجلها شرعت الصلة‪ ،‬فكأن ال يقول لعباده المؤمنين‪:‬‬
‫إذا كان معراج رسولكم بج سمه ورو حه إلى السماء معجزة‪ ،‬فليكن ل كم في كل يوم خ مس مرات معراج تعرج ف يه أرواحكم‬
‫وقلوبكيم إلي‪ ،‬ليكين لكيم عروج روحيي تحققون بيه الترفيع عين أهوائكيم وشهواتكيم‪ ،‬وتشهدون بيه مين عظمتيي وقدرتيي‬

‫ووحدانيتي‪ ،‬ما يدفعكم إلى السيادة على الرض‪ ،‬ل عن طريق الستعباد والقهر والغلبة‪ ،‬بل عن طريق الخير والسمو‪ ،‬عن‬
‫طريق الطهر والتسامي‪ ،‬عن طريق الصلة‪.‬‬

‫‪-7‬وفي عرض الرسول نفسه على القبائل في موسم الحج‪ ،‬دليل على أن الداعية ل ينبغي أن يقتصر في دعوة الناس إلى الخير‬
‫ضمن مجالسه وفي بيئته فحسب‪ ،‬بل يجب أن يذهب إلى كل مكان يجتمع فيه الناس أو يمكن أن يجتمعوا فيه‪ ،‬وأنه ل ينبغي‬
‫له أن ييأس مين إعراضهيم عنيه مرة بعيد أخرى‪ ،‬فقيد يهييئ ال له أنصيارا يؤمنون بدعوتيه الخيرة مين حييث ل يفكير ول‬

‫يحتسب‪ ،‬وقد يكون لهذه القلة التي تهتدي به في بعض المناسبات شأن كبير في انتشار دعوة الحق والخير‪ ،‬وفي انتصارها‬

‫النصر النهائي على الشر وأعوانه‪ ،‬فلقد كان ليمان السبعة الوائل من النصار الذين التقوا برسول ال أول مرة ما أدى إلى‬
‫تغلغل السلم في المدينة‪ ،‬وكان لهذا التغلغل أثر في انتشار السلم وسيطرته عليها‪ ،‬مما مهد للمؤمنين المضطهدين في‬

‫مكة أن يجدوا في المدينة مهاجرا يتمركزون فيه‪ ،‬ولرسول ال صلى ال عليه وسلم موئل أمينا يقيم فيه دولته‪ ،‬ويبث منه‬
‫‪[ -18‬وهذا ل يعم‪ ،‬على أن فيه نظرا ل يخفى]‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫دعوته‪ ،‬وينطلق منه أصحابه إلى مقاومة الشرك والمشركين بالحروب والمعارك التي كانت نهايتها انتصارا خالدا لليمان‪،‬‬
‫وهزيمة أبدية للشرك‪ ،‬فرضي ال عن النصار من أوس وخزرج‪ ،‬كم كان لهم على السلم والمسلمين والعالم كله من فضل‬

‫ل ينتهيي خيره‪ ،‬ورضيي ال عين إخوانهيم المهاجريين الذيين سيبقوهم إلى اليمان‪ ،‬وضحوا فيي سبيله بالغالي مين الموال‬

‫والوطان‪ ،‬وألحقنا بهم جميعا في جنة الرضوان‪.‬‬

‫الفصل الرابع ‪ -‬منذ الهجرة حتى استقرار النبي في المدينة‬
‫أ‪ -‬الوقائع التاريخية‬

‫‪-1‬عل مت قر يش بإ سلم فر يق من أ هل يثرب‪ ،‬فاش تد أذا ها للمؤمن ين بم كة‪ ،‬فأمر هم ال نبي صلى ال عل يه و سلم بالهجرة إلى المدي نة‪،‬‬
‫فهاجروا م ستخفين‪ ،‬إل ع مر ر ضي ال ع نه‪ ،‬فإ نه أعلم مشر كي قر يش بهجرته‪ ،9‬وقال ل هم‪ :‬من أراد أن تثكله أ مه فليل حق بي غدا‬

‫ببطن هذا الوادي‪ ،‬فلم يخرج له أحد‪.‬‬

‫‪-2‬ولما أيقنت قريش أن المسلمين قد أصبحوا في المدينة في عزة ومنعة‪ ،‬عقدت مؤتمرا في دار الندوة للتفكير في القضاء على الرسول‬
‫نف سه‪ ،‬فقرّ رأي هم على أن يتخيروا من كل قبيلة من هم ف تى جلدا‪ ،‬فيقتلوه جمي عا‪ ،‬فيتفرق د مه في القبائل‪ ،‬ول يقدر ب نو مناف على‬
‫حرب هم جمي عا‪ ،‬فيرضوا بالد ية‪ ،‬وهكذا اجت مع الفتيان الموكلون بق تل الر سول صلى ال عل يه و سلم على با به ليلة الهجرة ينتظرون‬
‫خروجه ليقتلوه‪.‬‬

‫‪-3‬لم ينم الرسول صلى ال عليه وسلم تلك الليلة على فراشه‪ ،‬وإنما طلب من علي رضي ال عنه أن ينام مكانه‪ ،‬وأمره إذا أصبح أن‬
‫يرد الودائع ال تي كان أودع ها كفار قر يش عنده إلى أ صحابها‪ ،‬وغادر الر سول صلى ال عل يه و سلم بي ته دون أن يشاهده الموكلون‬

‫بقتله‪ ،‬وذهب إلى بيت أبي بكر‪ ،‬وكان قد هيأ من قبل راحلتين له وللرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فعزما على الخروج‪ ،‬واستأجر أبو‬

‫بكر عبد ال بن أريقط الدّيلي وكان مشركا ليدلهما على طريق المدينة‪ ،‬على أن يتجنب الطريق المعروفة إلى طريق أخرى ل يهتدي‬

‫إليها كفار قريش‪.‬‬

‫‪-4‬خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم وصاحبه أبو بكر يوم الخميس أول يوم من ربيع الول لسنة ثلث وخمسين من مولده عليه‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬ولم يعلم بأمر هجرته إل علي رضي ال عنه وآل أبي بكر رضي ال عنه‪ ،‬وعملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر في‬

‫تهيئة الزاد لهما‪ ،‬وقطعت أسماء قطعة من نطاقها ‪ -‬وهو ما يشد به الوسط‪ -‬فربطت به على فم الجراب ‪ -‬وعاء الطعام‪ -‬فسميت‬

‫لذلك‪ :‬ذات النطاقين‪ ،‬واتجها مع دليلهما عن طريق اليمن حتى وصل إلى «غار ثور»‪ ،‬فكمنا فيه ثلث ليال يبيت عندهما عبد ال بن‬
‫أبي بكر وهو غلم شاب ثقف « حاذق» لقن « سريع الفهم»‪ ،‬فيخرج من عندهما بال سَحَر‪ ،‬ويصبح مع قريش بمكة كأنه كان نائما‬
‫فيها‪ ،‬فل يسمع من قريش أمرا يبيتونه لهما إل وعاه حتى يأتيهما في المساء بخبره‪.‬‬

‫‪-5‬قامت قيامة قريش لنجاة الرسول صلى ال عليه وسلم من القتل‪ ،‬وخرجوا يطلبونه من طريق مكة المعتاد‪ ،‬فلم يجدوه واتجهوا إلى‬

‫طر يق الي من‪ ،‬ووقفوا ع ند فم « غار ثور» يقول بعض هم‪ :‬لعله و صاحبه في هذا الغار‪ .‬فيجي به الخرون‪ :‬أل ترى إلى فم الغار ك يف‬
‫تنسج عليه العنكبوت خيوطها‪ ،‬وكيف تعشعش فيه الطيور‪ ،‬مما يدل على أنه لم يخل هذا الغار أحد منذ أمد‪ ،‬وأبو بكر رضي ال عنه‬
‫يرى أقدامهم وهم واقفون على فم الغار‪ ،‬فيرتعد خوفا على حياة الرسول صلى ال عليه وسلم ويقول له‪ :‬وال يا رسول ال‪ ،‬لو نظر‬

‫أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا‪ ،‬فيطمئنه الرسول صلى ال عليه وسلم بقوله‪« :‬يا أبا بكر ما ظنك باثنين ال ثالثهما؟»‪.‬‬

‫‪-6‬أرسلت قريش في القبائل تطمع كل من عثر على الرسول صلى ال عليه وسلم وصاحبه‪ ،‬أو قتله‪ ،‬أو أسره‪ ،‬في دفع مبلغ ضخم من‬
‫المال يغري الطامعين‪ ،‬فانتدب لذلك سراقة بن جعشم‪ ،10‬وأخذ على نفسه أن يتفقدهما ليظفر وحده بالجائزة‪.‬‬

‫‪-7‬ب عد أن انق طع طلب ر سول ال صلى ال عل يه و سلم و صاحبه‪ ،‬خر جا من الغار مع دليله ما وأخذا طر يق ال ساحل « ساحل الب حر‬
‫‪ [ -19‬التحرير أن عمر رضي الله عنه هاجر سرا كسائر الصحابة]‪.‬‬
‫‪ [ -110‬وهو سراقة بن مالك وجعشم جده ‪].‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫الحمر» وقطعا مسافة بعيدة أدركهما من بعدها سراقة‪ ،‬فلما اقترب منهما‪ ،‬ساخت قوائم فرسه في الرمل فلم تقدر على السير‪ ،‬وحاول‬
‫ثلث مرات أن يحملها على السير جهة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬عندئذ أيقن أنه أمام رسول كريم‪ ،‬فطلب من الرسول صلى ال‬

‫عليه وسلم أن يعده بشيء إن نصره‪ ،‬فوعده بسواري كسرى يلبسهما‪ ،‬ثم عاد سراقة إلى مكة فتظاهر بأنه لم يعثر على أحد‪.‬‬

‫‪-8‬وصل الرسول صلى ال عليه وسلم وصاحبه المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الول وبعد أن طال انتظار أصحابه له‪ ،‬يخرجون‬
‫كل صباح إلى مشارف المدينة‪ ،‬فل يرجعون إل حين تحمى الشمس وقت الظهيرة‪ ،‬فلما رأوه فرحوا به فرحا عظيما‪ ،‬وأخذت الولئد‬

‫ينشدن بالدفوف‪:‬‬

‫طلع البدر عيلييينييييا‬
‫وجب الشكر عيلييينا‬
‫أيها المبعوث فيييينيا‬

‫من ثيينيييات اليوداع‬
‫ميييييا دعييييا ل داع‬
‫جئت بالمر المطاع‬

‫‪-9‬كان الرسول صلى ال عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة قد وصل إلى «قباء» وهي قرية جنوب المدينة على بعد ميلين منها‪،‬‬
‫فأسس فيها أول مسجد بني في السلم‪ ،‬وأقام فيها أربعة أيام‪ ،‬ثم سار صباح الجمعة إلى المدينة‪ ،‬فأدركته صلة الجمعة في بني سالم‬
‫بن عوف‪ ،‬فبنى مسجدا هناك وأقام أول جمعة في السلم‪ ،‬وأول خطبة خطبها في السلم‪ ،‬ثم سار إلى المدينة‪ ،‬فلما وصلها كان أول‬

‫عمل عمله بعد وصوله أن اختار المكان الذي بركت فيه ناقته ليكون مسجدا له‪ ،‬وكان المكان لغلمين يتيمين من النصار‪ ،‬فساومهما‬

‫على ثمنه‪ ،‬فقال‪ :‬بل نهبه لك يا رسول ال‪ ،‬فأبى إل أن يبتاعه منهما بعشرة دنانير ذهبا أداها من مال أبي بكر‪ ،‬ثم ندب المسلمين‬
‫للشتراك في بناء المسجد‪ ،‬فأسرعوا إلى ذلك‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم ينقل معهم اللّبِن [الطوب]‪ ،‬حتى تم بناء المسجد‬
‫جدرانه من َلبِن‪ ،‬وسقفه من جريد النخل مقاما على الجذوع‪.‬‬

‫‪ -10‬ثم كان أن آ خى المهاجر ين والن صار‪ ،‬فج عل ل كل أن صاري أ خا من المهاجر ين‪ ،‬فكان الن صاري يذ هب بأخ يه المها جر إلى بي ته‪،‬‬
‫فيعرض عليه أن يقتسم معه كل شيء في بيته‪.‬‬

‫‪ -11‬ثم كتب رسول ال صلى ال عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والنصار‪ ،‬وادع فيه اليهود‪ ،‬وأقرهم على دينهم وأموالهم‪ ،‬وقد ذكر ابن‬

‫هشام هذا الكتاب بطوله فيي سييرته‪ ،‬وهيو يتضمين المبادئ التيي قاميت عليهيا أول دولة فيي السيلم‪ ،‬وفيهيا مين النسيانية والعدالة‬
‫الجتماعية والتسامح الديني والتعاون على مصلحة المجتمع ما يجدر بكل طالب أن يرجع إليه ويتفهمه ويحفظ مبادئه‪.‬‬
‫ونحن نذكر المبادئ العامة التي تضمنتها هذه الوثيقة التاريخية الخالدة‪:‬‬

‫‪-1‬وحدة المة المسلمة من غير تفرقة بينها‪.‬‬
‫‪-2‬تساوي أبناء المة في الحقوق والكرامة‪.‬‬
‫‪-3‬تكاتف المة دون الظلم والثم والعدوان‪.‬‬

‫‪-4‬اشتراك المة في تقرير العلقات مع أعدائها ل يسالم مؤمن دون مؤمن‪.‬‬
‫‪-5‬تأسيس المجتمع على أحدث النظم وأهداها وأقومها‪.‬‬

‫‪-6‬مكافحة الخارجين على الدولة ونظامها العام‪ ،‬ووجوب المتناع عن نصرتهم‪.‬‬
‫‪-7‬حماية من أراد العيش مع المسلمين مسالما متعاونا‪ ،‬والمتناع عن ظلمهم والبغي عليهم‪.‬‬
‫‪-8‬لغير المسلمين دينهم وأموالهم‪ ،‬ل يجبرون على دين المسلمين ول تؤخذ منهم أموالهم‪.‬‬
‫‪-9‬على غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدولة كما يسهم المسلمون‪.‬‬

‫‪-10‬على غير المسلمين أن يتعاونوا معهم لدرء الخطر عن كيان الدولة ضد أي عدوان‪.‬‬
‫‪-11‬وعليهم أن يشتركوا في نفقات القتال ما دامت الدولة في حالة حرب‪.‬‬

‫‪-12‬على الدولة أن تنصر من يظلم منهم‪ ،‬كما تنصر كل مسلم يعتدى عليه‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-13‬على المسلمين وغيرهم أن يمتنعوا عن حماية أعداء الدولة ومن يناصرهم‪.‬‬

‫‪-14‬إذا كانت مصلحة المة في الصلح‪ ،‬وجب على جميع أبنائها مسلمين وغير مسلمين أن يقبلوا بالصلح‪.‬‬
‫‪-15‬ل يؤاخذ إنسان بذنب غيره‪ ،‬ول يجني جان إل على نفسه وأهله‪.‬‬
‫‪-16‬حرية النتقال داخل الدولة وخارجها مصونة بحماية الدولة‪.‬‬
‫‪-17‬ل حماية لثم ول لظالم‪.‬‬

‫‪-18‬المجتمع يقوم على أساس التعاون على البر والتقوى‪ ،‬ل على الثم والعدوان‪.‬‬
‫‪-19‬هذه المبادئ تحميها قوتان‪:‬‬

‫قوة معنوية‪ ،‬وهي‪ :‬إيمان الشعب بال ومراقبته له‪ ،‬ورعاية ال لمن [عاهد]‪ 11‬ووفى‪.‬‬
‫وقوة مادية‪ ،‬وهي رئاسة الدولة التي يمثلها محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ب‪ -‬الدروس والعظات‬
‫‪-1‬إن المؤمن إذا كان واثقا من قوته ل يستخفي في عمله‪ ،‬بل يجاهر فيه‪ ،‬ول يبالي بأعداء دعوته ما دام واثقا من التغلب عليهم‪ ،‬كما‬
‫فعل عمر رضي ال عنه حين هاجر‪ ،‬وفي ذلك دليل أيضا على أن موقف القوة يرهب أعداء ال‪ ،‬ويلقي الجزع في نفوسهم‪ ،‬ول شك‬

‫أنهم لو أرادوا أن يجتمعوا على قتل عمر لستطاعوا‪ ،‬ولكن موقف عمر الجريء ألقى الرعب في نفس كل واحد منهم‪ ،‬فخشي إن‬
‫تعرض له أن تثكله أمه‪ ،‬وأهل الشر ضنينون [بخلء] بحياتهم حريصون عليها‪.‬‬

‫‪-2‬حين ييأس المبطلون من إيقاف دعوة الحق والصلح‪ ،‬وحين يفلت المؤمنون من أيديهم ويصبحون في منجى من عدوانهم‪ ،‬يلجؤون‬
‫آ خر ال مر إلى ق تل الداع ية الم صلح‪ ،‬ظ نا من هم أن هم إن قتلوه تخل صوا م نه‪ ،‬وقضوا على دعو ته‪ ،‬وهذا هو تفك ير الشرار أعداء‬

‫الصلح في كل عصر‪ ،‬وقد شاهدناه ورأينا مثله في حياتنا‪.‬‬

‫‪-3‬إن الجندي الصادق المخلص لدعوة الصلح‪ ،‬يفدي قائده بحياته‪ ،‬ففي سلمة القائد سلمة للدعوة‪ ،‬وفي هلكه خذلنها ووهنها‪ ،‬فما‬
‫فعله علي رضي ال عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول صلى ال عليه وسلم تضحية بحياته في سبيل البقاء على حياة‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي ال عنه انتقاما منه‪ ،‬لنه‬
‫سهل لر سول ال صلى ال عل يه و سلم النجاة‪ ،‬ول كن عل يا ر ضي ال ع نه لم يبال بذلك‪ ،‬فح سبه أن ي سلم ر سول ال صلى ال عل يه‬

‫وسلم نبي المة وقائد الدعوة‪.‬‬

‫‪-4‬وفيي إيداع المشركيين ودائع هم ع ند رسيول ال صلى ال عل يه و سلم مع محاربتهيم له وت صميمهم على قتله‪ ،‬دل يل على أن أعداء‬
‫الصلح يوقنون في قرارة نفوسهم باستقامة الداعية وأمانته ونزاهته‪ ،‬وأنه خير منهم سيرة‪ ،‬وأنقى سريرة‪ ،‬ولكن العماية واللجاجة‬

‫والجمود على العادات والعقائد الضالة‪ ،‬هيو الذي يحملهيم على محاربتيه‪ ،‬ونصيب الكييد له‪ ،‬والتآمير على قتله إن اسيتطاعوا إلى ذلك‬

‫سبيل‪.‬‬

‫‪-5‬إن تفك ير قائد الدعوة‪ ،‬أو رئ يس الدولة‪ ،‬أو زع يم حر كة ال صلح في النجاة من تآ مر المترب صين والمغتال ين‪ ،‬وعمله لنجاح خ طة‬
‫النجاة ليستأنف حركته أشد قوة ومراسا في ميدان آخر‪ ،‬ل يعتبر جبنا ول فرارا من الموت‪ ،‬ول ضنا بالتضحية بالنفس والروح‪.‬‬

‫‪ -6‬في موقف عبد ال بن أبي بكر ما يثبت أثر الشباب في نجاح الدعوات‪ ،‬فهم عماد كل دعوة إصلحية‪ ،‬وباندفاعهم للتضحية الفداء‪،‬‬
‫تتقدم الدعوات سريعا ن حو الن صر والغل بة‪ .‬ون حن نرى في المؤمن ين ال سابقين إلى ال سلم كل هم شبا با‪ ،‬فر سول ال صلى ال عل يه‬

‫وسلم كان عمره أربعين سنة عند البعثة‪ ،‬وأبو بكر رضي ال عنه كان أصغر منه بثلث سنين‪ ،‬وعمر رضي ال عنه أصغر منهما‪،‬‬

‫وعلي رضي ال عنه أصغر الجميع‪ ،‬وعثمان رضي ال عنه كان أصغر من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهكذا كان عبد ال بن‬
‫م سعود‪ ،‬وع بد الرح من بن عوف‪ ،‬والر قم بن أ بي الر قم‪ ،‬و سعيد بن ز يد‪ ،‬وبلل بن رباح‪ ،‬وعمار بن يا سر‪ ،‬ر ضي ال عن هم‪،‬‬

‫‪[ -111‬مطموسة في الصل‪].‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وغير هم‪ ،‬كيل هؤلء كانوا شبا با‪ ،‬حملوا أعباء الدعوة على كواهلهيم‪ ،‬فتحملوا في سبيلها التضحيات‪ ،‬وا ستعذبوا مين أجل ها العذاب‬

‫واللم والموت‪ ،‬وبهؤلء انت صر ال سلم‪ ،‬وعلى جهود هم وجهود إخوان هم قا مت دولة الخلفاء الراشد ين‪ ،‬وت مت الفتوحات ال سلمية‬
‫الرائعة‪ ،‬وبفضلهم وصل إلينا السلم الذي حررنا ال به من الجهالة والضللة والوثنية والكفر والفسوق‪.‬‬

‫‪-7‬و في مو قف عائ شة وأ سماء ر ضي ال عنه ما أثناء هجرة الر سول صلى ال عل يه و سلم ما يث بت حا جة الدعوات ال صلحية إلى‬
‫النسياء‪ ،‬ف هن أرق عاط فة‪ ،‬وأك ثر اندفاعيا‪ ،‬وأسيمح نف سا‪ ،‬وأطييب قل با‪ ،‬والمرأة إذا آم نت بش يء لم تبال بنشره والدعوة إل يه بكيل‬

‫صعوبة‪ ،‬وعملت على إقناع زوج ها وأخوت ها وأبنائ ها به‪ ،‬ولجهاد المرأة في سبيل ال سلم في ع هد الر سول صلى ال عل يه و سلم‬

‫صفحات بيضاء مشرقة‪ ،‬تؤكد لنا اليوم أن حركات الصلح السلمي ستظل وئيدة الخطأ‪ ،‬قليلة الثر في المجتمع حتى تشترك فيها‬

‫المرأة‪ ،‬فتنشئ جيل من الفتيات على اليمان والخلق والعفة والطهارة‪ ،‬هؤلء أقدر على نشر القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم في‬

‫أوساط النساء من الرجال‪ ،‬عدا أنهن سيكن زوجات وأمهات‪ ،‬وأن الفضل الكبير في تربية كبار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود‬
‫إلى ن ساء ال سلم الل تي أنشأن هذه الجيال على أخلق ال سلم وآدا به‪ ،‬و حب ال سلم ور سوله‪ ،‬فكا نت أكرم الجيال ال تي عرف ها‬
‫التاريخ في علو الهمة‪ ،‬واستقامة السيرة‪ ،‬وصلح الدين والدنيا‪.‬‬

‫إن علينا اليوم أن ندرك هذه الحقيقة‪ ،‬فنعمل على أن تحمل الفتيات والزوجات لواء دعوة الصلح السلمي في أوساط النساء‪،‬‬

‫وهن أكثر من نصف المة‪ ،‬وذلك يقتضينا أن نشجع بناتنا وأخواتنا على تعلم الشريعة في معهد موثوق بحسن تدريسه للسلم‪ ،‬مثل كلية‬
‫الشريعة في جامعتنا‪ ،‬وكلما كثر عدد هؤلء الفتيات العالمات بالدين‪ ،‬الفقيهات في الشريعة‪ ،‬الملمات بتاريخ السلم‪ ،‬المحبات لرسول ال‬

‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬المتخلقات بأخلقه وأخلق أمهات المؤمنين‪ ،‬استطعنا أن ندفع حركة الصلح السلمي إلى المام دفعا قويا‪ ،‬وأن‬

‫نقرب اليوم الذي يخضع فيه مجتمعنا السلمي لحكام السلم وشريعته‪ ،‬وإن ذلك لواقع إن شاء ال‪.‬‬

‫‪-8‬وفي عمى أبصار المشركين عن رؤية رسول ال وصاحبه في «غار ثور» وهم عنده‪ ،‬وفيما تحكيه لنا الروايات من نسيج العنكبوت‬

‫وتفر يخ الطير على فم الغار‪ ،‬م ثل تخشع له القلوب من أمثلة العناية الله ية برسله ودعا ته وأحبابه‪ ،‬فما كان ال في رحم ته لعباده‬

‫لي سمح أن ي قع الر سول صلى ال عل يه و سلم في قب ضة المشرك ين فيقضوا عل يه وعلى دعو ته و هو الذي أر سله رح مة للعالم ين‪،‬‬

‫وكذلك يعود ال عباده الدعاة المخلصين أن يلطف بهم في ساعات الشدة‪ ،‬وينقذهم من المآزق الحرجة‪ ،‬ويعمي عنهم ‪ -‬في كثير من‬
‫الحيان‪ -‬أب صار المترب صين ل هم بال شر والغدر‪ ،‬ول يس في نجاة الر سول و صاحبه ب عد أن أحاط به ما المشركون في «غار ثور» إل‬

‫شهَادُ} [غا فر‪ ]51:‬وقول ال تبارك‬
‫حيَاةِ الدّنْيَا وَ َيوْ مَ يَقُو مُ ا ْلأَ ْ‬
‫سلَنَا وَاّلذِي نَ آمَنُوا فِي الْ َ‬
‫ت صديق قول ال تبارك وتعالى‪ِ{ :‬إنّ ا لَنَن صُرُ رُ ُ‬
‫وتعالى‪{:‬إِنّ اللّهَ ُيدَا ِفعُ عَنِ اّلذِينَ آ َمنُوا} [الحج‪.]38:‬‬

‫‪-9‬وفي خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون مثل لما يجب أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده المين حين‬
‫يحدق به الخ طر من خوف وإشفاق على حيا ته‪ ،‬ف ما كان أ بو ب كر ساعتئذ بالذي يخ شى على نف سه من الموت‪ ،‬ولو كان كذلك‪ ،‬ل ما‬

‫رافق الرسول صلى ال عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسلم‪ ،‬ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم‪ ،‬وعلى مستقبل السلم إن وقع الرسول صلى ال عليه وسلم في قبضة‬
‫المشركين‪.‬‬

‫‪-10‬وفي جواب الرسول صلى ال عليه وسلم لبي بكر تطمينا له على قلقه « يا أبابكر‪ ،‬ما ظنك باثنين ال ثالثهما» مثل من أمثلة الصدق‬
‫في الث قة بال والطمئنان إلى ن صره‪ ،‬والتكال عل يه ع ند الشدائد‪ ،‬و هو دل يل وا ضح على صدق الر سول صلى ال عل يه و سلم في‬

‫دعوى النبوة‪ ،‬فهيو فيي أشيد المآزق حرجيا وميع ذلك تبدو علييه أمارات الطمئنان إلى أن ال [الذي] بعثيه هدى ورحمية للناس لن‬
‫يتخلى عنه في تلك الساعات‪ ،‬فهل مثل هذا الطمئنان يصدر عن مدع للنبوة‪ ،‬منتحل صفة الرسالة؟ وفي مثل هذه الحالت يبدو الفرق‬

‫واض حا ب ين دعاة ال صلح وب ين المدع ين له والمنتحل ين ل سمه‪ ،‬أولئك تف يض قلوب هم دائ ما وأبدا بالر ضى عن ال‪ ،‬والث قة بن صره‪،‬‬

‫وهؤلء يتهاوون عند المخاوف‪ ،‬وينهارون عند الشدائد‪ ،‬ثم ل تجد لهم من دون ال وليا ول نصيرا‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-11‬ويبدو لنا من موقف سراقة حين أدرك الرسول صلى ال عليه وسلم وعجزه عن الوصول إليه دليل على نبوة الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقد كانت قوائم فرسه تسيخ في الرمل وهي متجهة صوب الرسول‪ ،‬حتى إذا نزل عنها ووجهها شطر مكة نشطت من كبوتها‪،‬‬

‫فإذا أراد أن يعيد ها كرة في اتجاه الر سول صلى ال عل يه و سلم عادت إلى عجز ها وكعّ ها [ضعف ها]‪ ،‬أفترى هذا ي قع إل ل نبي مر سل‬

‫مؤيد من ال بالنصر والعون؟ كل‪ ،‬وهذا ما أدركه سراقة‪ ،‬فنادى الرسول بالمان‪ ،‬وأدرك أن للرسول صلى ال عليه وسلم من العناية‬
‫اللهية ما تعجز عن إدراكه قوى البشر‪ ،‬فرضي أن يخسر الجائزة ويفوز بالوعد‪.‬‬

‫‪-12‬وفي وعد الرسول صلى ال عليه وسلم لسراقة بسواري كسرى معجزة أخرى‪ ،‬فالنسان الذي يبدو هاربا من وجه قومه ل يؤمل في‬
‫فتح الفرس والستيلء على كنوز كسرى‪ ،‬إل أن يكون نبيا مرسل‪ ،‬ولقد تحقق وعد الرسول صلى ال عليه وسلم له‪ ،‬وطالب كسرى‬

‫عمر بن الخطاب بإنفاذ وعد الرسول صلى ال عليه وسلم له حين رأى سواري كسرى في الغنائم‪ ،‬فألبسهما عمر سراقة على مل من‬
‫الصحابة‪ ،‬وقال‪« :‬الحمد ل الذي سلب كسرى سواريه وألبسهما سراقة بن جعشم العرابي» وهكذا تتوالى المعجزات في هذه الهجرة‬
‫واحدة بعد أخرى ليزداد المؤمنون ويستيقن الذين أوتوا الكتاب من المترددين والجاحدين أنه رسول من رب العالمين‪.‬‬

‫‪-13‬كا نت فر حة المؤمن ين من سكان يثرب من أن صار ومهاجر ين بقدوم ر سول ال صلى ال عل يه و سلم وو صوله إلي هم سالما فر حة‬

‫أخرجت النساء من بيوتهن والولئد‪ ،‬وحملت الرجال على ترك أعمالهم‪ ،‬وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك في الفرحة ظاهرا‪،‬‬

‫والمتألم من مناف سة الزعا مة الجديدة باط نا‪ ،‬أ ما فر حة المؤمن ين بلقاء ر سولهم‪ ،‬فل ع جب في ها و هو الذي أنقذ هم من الظلمات إلى‬
‫النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد‪ ،‬وأما موقف اليهود فل غرابة فيه وهم الذ ين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا‬

‫السيطرة عليه‪ ،‬وبالغيظ والحقد السود ممن يسلبهم زعامتهم على الشعوب‪ ،‬ويحول بينهم وبين سلب أموالها باسم القروض‪ ،‬وسفك‬
‫دمائ ها با سم الن صح والمشورة‪ ،‬و ما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم‪ ،‬وينتهون من الح قد إلى الدس‬
‫والمؤامرات‪ ،‬ثم إلى الغتيال إن ا ستطاعوا‪ ،‬ذلك ديدن هم‪ ،‬وتلك جبلت هم‪ ،‬و قد فعلوا م ثل ذلك بر سول ال صلى ال عل يه و سلم ب عد‬

‫ا ستقراره بالمدي نة‪ ،‬بر غم ما أمضاه بي نه وبين هم على التعاون والتعا يش ب سلمن ول كن اليهود قوم يشعلون نار الحروب دائ ما وأبدا‪،‬‬
‫و{ ُكلّمَا َأوْ َقدُواْ نَارًا ّللْحَرْبِ أَطْ َف َأهَا اللّهُ} [المائدة‪.]64:‬‬

‫‪ -14‬من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه صلى ال عليه وسلم ما أقام بمكان إل كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون‬
‫فقد أقام مسجد قباء حين اقام فيها أربعة أيام‪ ،‬وبنى مسجدا في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلة الجمعة في بني‬

‫سالم بن عوف في بطن الوادي « وادي رانوناء»‪.‬‬

‫فلما أن وصل إلى المدينة‪ ،‬كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها‪.‬‬

‫وهذا يدلنا على أهمية المسجد في السلم‪ ،‬وعبادات السلم كلها تطهير للنفس‪ ،‬وتزكية للخلق‪ ،‬وتقوية لواصر التعاون بين‬
‫المسلمين‪ ،‬وصلة الجماعة والجمعة والعيدين‪ ،‬مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين‪ ،‬ووحدة كلمتهم‪ ،‬وأهدافهم‪ ،‬وتعاونهم على البر‬

‫والتقوى‪ ،‬ل جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين‪ ،‬فهو الذي يوحد صفوفهم‪ ،‬ويهذب نفوسهم‪،‬‬
‫ويوقظ قلوبهم وعقولهم‪ ،‬ويحل مشاكلهم‪ ،‬وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم‪.‬‬

‫ول قد أث بت تار يخ الم سجد في ال سلم أ نه م نه انطل قت جحا فل الجيوش ال سلمية لغ مر الرض بهدا ية ال‪ ،‬وم نه انبع ثت أش عة‬

‫النور والهدا ية للم سلمين وغير هم‪ ،‬وف يه ترعر عت بذور الحضارة ال سلمية ون مت‪ ،‬و هل كان أبوب كر‪ ،‬وع مر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬وخالد‪،‬‬

‫وسعد‪ ،‬وأبو عبيدة وأمثالهم من عظماء التاريخ السلمي إل تلمذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبوي‪.‬‬

‫وميزة أخرى للمسجد في السلم أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجلة على لسان خطيبه‪ ،‬في إنكار منكر أو‬

‫أمر بمعروف‪ ،‬أو دعوة إلى خير أو إيقاظ من غفلة‪ ،‬أو دعوة إلى تجمع‪ ،‬أو احتجاج على ظالم‪ ،‬أو تحذير لطاغية‪ ،‬ولقد شاهدنا في عصر‬
‫الطفولة كيف كانت المساجد مراكز النطلق للحركات الوطنية ضد المستعمرين الفرنسيين‪ ،‬يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الستعمار وضد‬
‫الصهيونية‪ ،‬وإذا كنا نرى تعطيلها اليوم عن القيام بوظيفتها الكبرى‪ ،‬فما ذلك إل ذنب بعض الخطباء من الموظفين المرتزقين‪ ،‬أو الجاهلين‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫الغافل ين‪ ،‬ويوم يعتلي منابرها ويؤم محاريبها دعاة أشداء في الحق‪ ،‬علماء بالشري عة‪ ،‬مخلصون ل ولرسوله‪ ،‬نا صحون لئ مة الم سلمين‬

‫وعامت هم‪ ،‬يعود للم سجد في مجتمع نا ال سلمي مكان ال صدارة في مؤ سساتنا الجتماع ية‪ ،‬ويعود الم سجد ليع مل عمله في ترب ية الرجال‪،‬‬
‫وإخراج البطال‪ ،‬وإصلح الفساد‪ ،‬ومحاربة المنكر‪ ،‬وبناء المجتمع على أساس من تقوى ال ورضوانه‪.‬‬

‫وإ نا لنأ مل ذلك إن شاء ال ح ين تح تل هذه الطلي عة الطاهرة من شباب نا المؤ من المثق فة بد ين ال المتخل قة بأخلق ر سول ال‬

‫منابره وأرجاءه‪.‬‬

‫‪ -15‬في مؤخاة الر سول ب ين المهاجر ين والن صار أقوى مظ هر من مظا هر عدالة ال سلم الن سانية الخلق ية البناءة‪ ،‬فالمهاجرون قوم‬
‫تركوا في سبيل ال أموال هم وأراضي هم‪ ،‬فجاؤوا المدي نة ل يملكون من حطام الدن يا شيئا‪ ،‬والن صار قوم أغنياء بزروع هم وأموال هم‬

‫وصناعتهم‪ ،‬فليحمل الخ أخاه‪ ،‬وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها‪ ،‬ولينزله في بيته مادام فيه متسع لهما‪ ،‬وليعطه نصف ماله ما‬
‫دام غنيا عنه‪ ،‬موفرا له‪ ،‬فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل هذه الخوة؟‬

‫إن الذين ينكرون أن يكون السلم عدالة اجتماعية‪ ،‬قوم ل يريدون أن يبهر نور السلم أبصار الناس ويستولي على قلوبهم‪ ،‬أو‬

‫قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في السلم مدلوله‪ ،‬وإل فكيف تنكر العدالة الجتماعية في السلم وفي تاريخه‬

‫هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ‪ ،‬وهي التي عقدها صاحب الشريعة محمد صلى ال عليه وسلم بنفسه‪ ،‬وطبقها بإشرافه‪ ،‬وأقام على أساسها‬
‫أول مجتمع ينشؤه‪ ،‬وأول دولة يبنيها؟‬

‫سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم‪..‬‬

‫‪ -16‬و في الكتاب الذي عقد فيه الرسول الخوة بين المهاجرين والن صار‪ ،‬والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الدلة التي ل ت َردّ‬

‫على أن أساس الدولة السلمية قائم على العدالة الجتماعية‪ ،‬وأن أساس العلئق بين المسلمين وغيرهم هو السلم ما سالموا‪ ،‬وأن‬
‫مبدأ ال حق والعدل والتعاون على البر والتقوى والع مل لخ ير الناس‪ ،‬ود فع أذى الشرار عن المجت مع‪ ،‬هو أبرز الشعارات ال تي تنادي‬

‫ب ها دولة ال سلم‪ ،‬وبذلك تكون الدولة ال سلمية أين ما قا مت‪ ،‬و في أي ع صر نشأت قائ مة على أقوم المبادئ وأعدل ها‪ ،‬و هي تنط بق‬

‫اليوم على أكرم المبادئ التيي تقوم عليهيا الدول‪ ،‬وتعييش فيي ظلهيا الشعوب‪ ،‬وإن العميل فيي ع صرنا هذا لقامية دولة فيي مجتمعنيا‬

‫ال سلمي تر كز قواعد ها على مبادئ ال سلم ع مل يت فق مع تطور الف كر الن ساني في مفهوم الدولة‪ ،‬عدا أ نه يح قق للم سلمين بناء‬
‫مجتمع من أقوى المجتمعات وأكملها وأسعدها وأرقاها‪.‬‬

‫وأيا ما كان فإن من مصلحتنا أن تبنى الدولة عندنا على أساس السلم‪ ،‬وفي ترك ذلك خرابنا ودمارنا‪ ،‬والسلم ل يؤذي غير المسلمين‬
‫في الو طن ال سلمي‪ ،‬ول يضط هد عقائد هم‪ ،‬ول ينت قص من حقوق هم‪ ،‬فف يم الخوف من إلزام الدول في البلد ال سلمية بتنف يذ شرائع‬

‫السلم‪ ،‬وإقامة أحكامه وهي كلها عدل وحق وقوة وإخاء وتكافل اجتماعي شامل على أساس من الخاء والحب والتعاون الكريم؟ إننا لن‬
‫علَيْهِم بَ َركَا تٍ مّ نَ‬
‫نخلص من ال ستعمار‪ ،‬إل بالمناداة بال سلم‪ ،‬و في سبيل ذلك فليع مل العاملون { َو َلوْ أَنّ َأ ْهلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتّقَواْ لَفَتَحْنَا َ‬

‫سبِيلِهِ} [النعام‪{ ]153 :‬وَمَن يَتّقِ‬
‫السّمَاء وَالَرْضِ} [العراف‪{ ]96 :‬وَأَنّ هَيذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتّ ِبعُوهُ َولَ َتتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ َفتَفَرّقَ ِبكُمْ عَن َ‬
‫يءٍ َقدْرًا‬
‫ش ْ‬
‫ّهي ِل ُكلّ َ‬
‫ج َعلَ الل ُ‬
‫ِهي َقدْ َ‬
‫ِغي أَمْر ِ‬
‫ّهي بَال ُ‬
‫ّهي َف ُهوَ حَس ْيبُهُ إِنّ الل َ‬
‫علَى الل ِ‬
‫َسيبُ وَمَن َي َت َوكّلْ َ‬
‫حت ِ‬
‫ْثي لَا يَ ْ‬
‫حي ُ‬
‫ِني َ‬
‫ْهي م ْ‬
‫اللّهَي يَجْعَل لّهُي مَخْرَجًا وَيَرْزُق ُ‬
‫ظمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلق‪.]5 :‬‬
‫عنْهُ سَيّئَاتِهِ وَ ُيعْ ِ‬
‫جعَل لّهُ مِنْ أَمْ ِرهِ يُسْرًا} [الطلق‪{ ]4 :‬وَمَن يَ ّتقِ اللّهَ ُيكَفّرْ َ‬
‫} [الطلق‪{ ]2 :‬وَمَن يَ ّتقِ اللّهَ يَ ْ‬
‫الفصل الخامس ‪ -‬في معارك الرسول الحربية‬
‫أ‪ -‬الوقائع التاريخية‬

‫ما كاد يستقر النبي صلى ال عليه وسلم في المدينة حتى بدأت المعارك الحربية بينه وبين قريش ومن والها من قبائل العرب‪ ،‬وقد‬

‫اصطلح المؤرخون والمسلمون على أن يسموا كل معركة بين المسلمين والمشركين وحضرها النبي بنفسه «غزوة» وكل مناوشة حصلت‬
‫بين الفريقين ولم يحضرها الرسول صلى ال عليه وسلم « سرية» وقد بلغ عدد غزوات الرسول صلى ال عليه وسلم ستا وعشرين‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫غزوة‪ ،‬وبلغ عدد سراياه ثمانيا وثلثين سرية‪ ،‬ونقتصر في هذه العجالة على أشهر غزواته‪ ،‬وهي إحدى عشرة غزوة‪:‬‬
‫‪-1‬غزوة بدر الكبرى‪:‬‬

‫وكانت في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة‪ ،‬وسببها أن النبي صلى ال عليه وسلم ندب أصحابه للتعرض لقافلة‬

‫قريش العائدة من الشام إلى مكة‪ ،‬ولم يكن يريد قتال‪ ،‬ولكن القافلة التي كان يقودها أبوسفيان نجت بعد أن كان أرسل إلى قريش يستنفرها‬
‫لحماية القافلة‪ ،‬فخرجت قريش في نحو من ألف مقاتل‪ ،‬منهم ستمائة دارع (لبس للدرع) ومائة فرس عليها مائة درع سوى دروع‬
‫المشاة‪ ،‬وسبعمائة بعير‪ ،‬ومعهم القيان يضربن بالدفوف‪ ،‬ويغنين بهجاء المسلمين‪.‬‬

‫أما المسلمون فكانت عدتهم ثلثمائة وثلثة عشر أو أربعة عشر رجل‪ ،‬وأكثرهم من النصار‪ ،‬وكان معهم سبعون جمل‪ ،‬وفرسان أو ثلثة‬

‫أفراس فحسب‪ ،‬وكان يتعاقب النفر اليسير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى‪ ،‬وقبل أن يخوض المعركة‪ ،‬أراد أن يستشير أصحابه‪،‬‬

‫وخاصة النصار‪ ،‬في خوض المعركة‪ ،‬فأشار عليهم المهاجرون بخوضها‪ ،‬وتكلموا خيرا‪ ،‬ثم علم النصار أنه يريدهم‪ ،‬فقال له سعد بن‬

‫معاذ وهو سيد النصارجميعا‪ :‬يارسول ال قد آمنا بك وصدقناك‪ ،‬وشهدنا أن ما جئت به هو الحق‪ ،‬وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا‬
‫على السمع والطاعة‪ ،‬فامض يارسول ال لما أردت‪ ،‬فنحن معك‪ ،‬فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك‪ ،‬ما تخلف‬

‫منا رجل واحد‪ ،‬ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا‪ ،‬وإنا لصبر عند الحرب‪ ،‬صدق عند اللقاء‪ ،‬لعل ال يريك منا ما تقر به عينك‪ ،‬فسر بنا‬
‫على بركة ال‪ .‬وقال غيره مثل ذلك‪ ،‬فسر الرسول صلى ال عليه وسلم لذلك‪ ،‬وقال‪ :‬سيروا على بركة ال‪ ،‬وأبشروا‪ ،‬فإن ال وعدني‬
‫إحدى الطائفتين‪ ،‬إما العير‪ ،‬وإما النفير‪ ،‬ثم سار الرسول صلى ال عليه وسلم حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به‪ ،‬فقال الحباب بن‬

‫المنذر‪ :‬يارسول ال! هذا منزل أنزلكه ال تعالى‪ :‬ل تتقدمه ول تتأخر عنه‪ ،‬أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول صلى ال عليه‬

‫وسلم بل هو الرأي والحرب والمكيدة‪ ،‬فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء‬

‫بدرعن المشركين‪ ،‬فنهض الرسول ص‪ ،‬فنهض الرسول صلى ال عليه وسلم وأصحابه حتى وصلوا إلى المكان الذي أشار به الحباب‪،‬‬

‫فأقاموا فيه‪ ،‬ثم أشار سعد بن معاذ أن يبني للرسول صلى ال عليه وسلم عريشا وراء صفوف المسلمين‪ ،‬فإن أعزهم ال كان ما أحب‪،‬‬

‫وإل جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة‪ ،‬فقد تخلف عنا أقوام يا نبي ال ما نحن بأشد لك حبا منهم‪ ،‬ولو ظنوا أنك تلقى حربا لما‬

‫تخلفوا عنك‪ ،‬فدعا له النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأمر أن يبنى له العريش‪ ،‬ولما التقى الجمعان‪ ،‬أخذ الرسول يسوي صفوف المسلمين‪،‬‬
‫ويحرضهم على القتال‪ ،‬ويرغبهم في الشهادة‪ ،‬وقال‪ « :‬والذي نفسي بيده‪ ،‬ل يقاتلهم اليوم رجل‪ ،‬فيقتل صابرا محتسبا‪ ،‬مقبل غير مدبر إل‬
‫أدخله ال الجنة» ورجع إلى عريشه ومعه أبو بكر‪ ،‬ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه‪ ،‬وأخذ الرسول صلى ال عليه وسلم في‬

‫الدعاء‪ ،‬ومن دعائه‪« :‬اللهم أنشدك عهدك ووعدك‪ ،‬اللهم إن تهلك هذه العصابة (المؤمنون المحاربون) ل تعبد في الرض» وأطال في‬
‫سجوده حتى قال له أبو بكر‪ :‬حسبك‪ ،‬فإن ال سينجز لك وعدك‪ ،‬ثم حمي القتال‪ ،‬وانتهت المعركة بانتصار المسلمين‪ ،‬وقد قتل من‬

‫المشركين نحو من السبعين‪ ،‬فيهم أشركهم أبو جهل وبعض زعمائهم‪ ،‬وأسر منهم نحو السبعين‪ ،‬ثم أمر بدفن القتلى جميعا‪ ،‬وعاد إلى‬

‫المدينة‪ ،‬ثم استشار أصحابه في أمر السرى‪ ،‬فأشار عليه عمر بقتلهم‪ ،‬وأشار عليه أبو بكر بفدائهم‪ ،‬فقبل الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫مشورة‬

‫أبي بكر‪ ،‬وافتدى المشركون أسراهم بالمال‪.‬‬

‫وقد نزل في معركة بدر آيات من كتاب ال الكريم‪ ،‬قال ال تعالى في سورة آل عمران‪َ { :‬ولَ َقدْ َنصَ َر ُكمُ اللّهُ بِ َبدْرٍ وَأَن ُتمْ َأ ِذلّةٌ فَاتّقُواْ اللّهَ‬
‫ن ‪َ ،‬بلَى إِن تَصْ ِبرُواْ وَ َتتّقُواْ وَ َيأْتُوكُم مّن‬
‫لثَةِ آلَفٍ مّنَ الْمَل ِئكَةِ مُن َزلِي َ‬
‫شكُرُونَ ‪ِ ،‬إذْ تَقُولُ ِللْ ُمؤْمِنِينَ َألَن َيكْفِي ُكمْ أَن يُ ِم ّد ُكمْ َر ّبكُم بِثَ َ‬
‫َل َعّل ُكمْ تَ ْ‬

‫ج َعلَهُ اللّهُ ِإلّ بُشْرَى َل ُكمْ َولِتَطْ َمئِنّ ُقلُو ُبكُم بِهِ وَمَا النّصْرُ ِإلّ مِنْ عِندِ‬
‫سوّمِينَ ‪ ،‬وَمَا َ‬
‫سةِ آلفٍ مّنَ الْمَل ِئكَةِ مُ َ‬
‫َفوْ ِر ِهمْ هَيذَا يُ ْم ِد ْدكُمْ رَ ّبكُم بِخَمْ َ‬
‫طعَ طَرَفًا مّنَ اّلذِينَ كَفَرُواْ َأوْ َيكْ ِب َت ُهمْ فَيَن َقلِبُواْ خَآئِبِينَ} [آل عمران‪.]127-123 :‬‬
‫حكِي ِم ‪ ،‬لِيَقْ َ‬
‫اللّهِ ا ْلعَزِيزِ الْ َ‬

‫حتّى ُيثْخِنَ‬
‫كما نزل العتاب لرسول ال صلى ال عليه وسلم على قبوله فداء السرى‪ ،‬فقال ال تعالى‪ { :‬مَا كَانَ لِ َن ِبيّ أَن َيكُونَ لَهُ أَسْرَى َ‬

‫عذَابٌ عَظِي ٌم ‪َ ،‬ف ُكلُواْ‬
‫خ ْذ ُتمْ َ‬
‫س ُكمْ فِيمَا أَ َ‬
‫حكِي ٌم ‪ّ ،‬ل ْولَ كِتَابٌ مّنَ اللّهِ سَ َبقَ لَمَ ّ‬
‫فِي الَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدّ ْنيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الخِ َرةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ َ‬
‫طيّبًا وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [النفال‪.]68-67 :‬‬
‫للً َ‬
‫غنِمْ ُتمْ حَ َ‬
‫ِممّا َ‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-2‬غزوة أحد‪:‬‬

‫وكانت يوم السبت لخمس عشرة خلت من شوال في العام الثالث للهجرة‪ ،‬وسببها أن قريشا أرادت أن تثأر ليوم بدر‪ ،‬فما زالت تستعد حتى‬
‫تجهزت لغزو الرسو ل صلى ال عليه وسلم في المدينة‪ ،‬فخرجت في ثلثة آلف مقاتل‪ ،‬ما عدا الحابيش‪ 12‬فيهم سبعمائة دارع ومائتا‬

‫فارس‪ ،‬ومعهم سبع عشرة امرأة‪ ،‬فيهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان‪ ،‬وقد قتل أبوها يوم بدر‪ ،‬ثم ساروا حتى وصلوا بطن الوادي من‬

‫قبل أحد ( وهو جبل مرتفع يقع شمال المدينة على بعد ميلين منها) مقابل المدينة‪ ،‬وكان من رأي الرسول وعدد من الصحابة أل يخرج‬

‫المسلمون إليهم‪ ،‬بل يظلون في المدينة‪ ،‬فإن هاجمهم المشركون صدوهم عنها‪ ،‬ولكن بعض شباب المسلمين وبعض المهاجرين والنصار‪،‬‬

‫وخاصة من لم يحضر منهم معركة بدر ولم يحصل له شرف القتال فيها‪ ،‬تحمسوا للخروج إليهم ومنازلتهم في أماكنهم‪ ،‬فنزل الرسول‬

‫صلى ال عليه وسلم عند رأيهم‪ ،‬ودخل بيته ولبس لمته (درعه)‪ ،‬وألقى الترس في ظهره‪ ،‬وأخذ قناته بيده‪ ،‬ثم خرج إلى المسلمين‪ ،‬وهو‬

‫متقلد سيفه‪ ،‬فندم الذين أشاروا عليه بالخروج إذ كانوا سببا في حمله على خلف رأيه‪ ،‬وقالوا للرسول‪ :‬ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما‬
‫شئت أو اقعد إن شئت‪ ،‬فأجابهم الرسول صلى ال عليه وسلم بقوله‪ « :‬ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لمته أن يضعها حتى يحكم ال بينه‬
‫وبين عدوه» ‪ ،‬ثم خرج والمسلمون معه في نحو ألف بينهم مائة دارع وفرسان‪.‬‬

‫ولما تجمع المسلمون للخروج‪ ،‬رأى الرسول جماعة من اليهود يريدون أن يخرجوا مع عبد ال بن أبي بن سلول رأس المنافقين للخروج‬
‫مع المسلمين‪ ،‬فقال الرسول‪ « :‬أو قد أسلموا؟ قالوا‪ :‬ل يا رسول ال‪ ،‬قال‪ :‬مروهم فليرجعوا؛ فإنا ل نستعين بالمشركين على المشركين‬

‫» ‪ ،‬وفي منتصف الطريق انخذل عن المسلمين عبد ال بن أبي بن سلول ومعه ثلثمائة من المنافقين‪ ،‬فبقي عدد المسلمين سبعمائة رجل‬
‫فحسب‪ ،‬ثم مضى الرسول حتى وصل إلى ساحة أحد‪ ،‬فجعل ظهره للجبل ووجهه للمشركين‪ ،‬وصف الجيش‪ ،‬وجعل على كل فرقة منه‬

‫قائدا‪ ،‬واختار خمسين من الرماة‪ ،‬على رأسهم عبد ال بن جبير النصاري ليحموا ظهر المسلمين من التفاف المشركين وراءهم‪ ،‬وقال‬
‫لهم‪« :‬احموا ظهورنا‪ ،‬ل يأتونا من خلفنا‪ ،‬وارشقوهم بالنبل؛ فإن الخيل ل تقوم على النبل‪ ،‬إنا ل نزال غالبين ماثبتم مكانكم‪ ،‬اللهم إني‬
‫أشهدك عليهم» وقال لهم في رواية أخرى‪ « :‬إن رأيتمونا تخطفنا الطير فل تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم‪ ،‬وإن رأيتمونا هزمنا‬

‫القوم أو ظاهرناهم وهم قتلى‪ ،‬فل تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم»‪.‬‬

‫ثم ابتدأ القتال‪ ،‬ونصر ال المؤمنين على أعدائهم‪ ،‬فقتلوا منهم عددا‪ ،‬ثم ولوا الدبار‪ ،‬فانغمس المسلمون في أخذ الغنائم التي وجدوها في‬
‫معسكر المشركين‪ ،‬ورأى ذلك من وراءهم من الرماة فقالوا‪ :‬ماذا نفعل وقد نصر ال رسوله؟ ثم فكروا في ترك أمكنتهم لينالهم نصيب من‬

‫الغنائم‪ ،‬فذكرهم رئيسهم عبد ال بن جبير بوصية الرسول‪ ،‬فأجابوا بأن الحرب قد انتهت‪ ،‬ول حاجة للبقاء حيث هم‪ ،‬فأبى عبد ال ومعه‬
‫عشرة آخرون أن يغادروا أمكنتهم‪ ،‬ورأى خالد بن الوليد وكان قائد ميمنة المشركين خلو ظهر المسلمين من الرماة‪ ،‬فكرّ عليهم من‬

‫خلفهم‪ ،‬فما شعر المسلمون إل والسيوف تناوشهم من هنا وهناك‪ ،‬فاضطرب حبلهم‪ ،‬وأشيع أن الرسول قد قتل‪ ،‬ففر بعضهم عائدا إلى‬

‫المدينة‪ ،‬واستطاع المشركون أن يصلوا إلى الرسول‪ ،‬فأصابته حجارتهم حتى وقع وأغمي عليه‪ ،‬فشج وجهه‪ ،‬وخدشت ركبتاه‪ ،‬وجرحت‬

‫شفته السفلى‪ ،‬وكسرت الخوذة على رأسه‪ ،‬ودخلت حلقتان من حلقات المِغفر‪ 13‬في وجنته‪ ،‬وتكاثر المشركون على الرسول يريدون قتله‪،‬‬
‫فثبت صلى ال عليه وسلم وثبت معه نفر من المؤمنين‪ ،‬منهم‪ :‬أبو دجانة‪ ،‬تترس على الرسول ليحميه من نبال المشركين‪ ،‬فكان النبل يقع‬
‫على ظهره‪ ،‬ومنهم سعد بن أبي وقاص رمى يومئذ نحو ألف سهم‪ ،‬ومنهم‪ :‬نسيبة أم عمارة النصارية‪ ،‬تركت سقاء الجرحى‪ ،‬وأخذت‬

‫تقاتل بالسيف‪ ،‬وترمي بالنبل‪ ،‬دفاعا عن رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى أصابها في عنقها‪ ،‬فجرحت جرحا عميقا‪ ،‬وكان معها زوجها‬

‫وابناها‪ ،‬فقال لهم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ « :‬بارك ال عليكم أهل بيت» فقالت له نسيبة‪ :‬ادع ال أن نرافقك في الجنة‪ ،‬فقال‪ « :‬اللهم‬
‫اجعلهم رفقائي في الجنة» فقالت رضي ال عنها بعد ذلك‪ « :‬ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا» وقد قال صلى ال عليه وسلم في حقها‪:‬‬
‫« ما التفت يمينا وشمال يوم أحد‪ ،‬إل ورأيتها تقاتل دوني » وقد جرحت يومئذ اثني عشر جرحا‪ ،‬ما بين طعنة برمح وضربة بسيف‪.‬‬

‫وقد حاول في ساعة الشدة أن يصل أبي بن خلف إلى الرسول صلى ال عليه وسلم ليقتله‪ ،‬وأقسم أل يرجع عن ذلك‪ ،‬فأخذ عليه السلم‬
‫‪.‬نسبوا إلى جبل بأسفل مكة يقال له‪ :‬حبيش‪ ،‬وقد كانوا حلفاء لقريش ‪12 -‬‬
‫‪].‬المغفر‪ :‬بكسر الميم وفتح الفاء‪َ ،‬زَردٌ (حلقات من حديد) ينسج على قدر الرأس يلبسه الدارع [ ‪13 -‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫حربة ممن كانوا معه‪ ،‬فسددها في نحره‪ ،‬فكانت سبب هلكه‪ ،‬وهو الوحيد الذي قتله صلى ال عليه وسلم في جميع معاركه الحربية‪.14‬‬

‫ثم استطاع صلى ال عليه وسلم الوقوف والنهوض على أكتاف طلحة بن عبيد ال‪ ،‬فنظر إلى المشركين‪ ،‬فرأى جماعة منهم على ظهر‬

‫الجبل‪ ،‬فأرسل من ينزلهم قائل‪ « :‬ل ينبغي لهم أن يعلونا‪ ،‬اللهم ل قوة لنا إل بك» وانتهت المعركة‪ ،‬وقال أبو سفيان مظهرا تشفيه‬
‫والمشركين من هزيمتهم يوم بدر‪ :‬يوم بيوم بدر‪.‬‬

‫وممن قتل في هذه المعركة حمزة عم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومثلت به هند زوج أبي سفيان‪ ،‬واحتزت قلبه‪ 15‬ومضغته‪ ،‬فرأت له‬
‫مرارة ثم لفظته‪ ،‬وقد حزن الرسول صلى ال عليه وسلم لمشهده حزنا عظيما فقال‪ « :‬لئن أظهرني ال على قريش في موطن من‬
‫المواطن لمثلن بثلثين رجل منهم‪ ،‬ولكن ال نهى عن المُيثيلة بعد ذلك»‪.‬‬

‫وقد بلغ عدد قتلى المسلمين في هذه المعركة نحوا من السبعين‪ ،‬وقتلى المشركين ثلثة وعشرين‪.‬‬

‫وقد أنزل ال تعالى في هذه المعركة عدة آيات يضمد بها جراح المؤمنين‪ ،‬وينبههم إلى سبب الهزيمة التي حلت بهم‪ ،‬فيقول في سورة آل‬

‫س ُكمْ قَ ْرحٌ فَ َقدْ مَسّ الْ َق ْومَ قَ ْرحٌ مّ ْثلُهُ وَ ِتلْكَ اليّامُ ُندَا ِوُلهَا بَيْنَ النّاسِ‬
‫ع َلوْنَ إِن كُنتُم ّمؤْ ِمنِينَ ‪ ،‬إ ِن يَمْسَ ْ‬
‫عمران‪َ { :‬ولَ َتهِنُوا َولَ تَحْ َزنُوا وَأَن ُتمُ الَ ْ‬
‫خلُواْ‬
‫سبْ ُتمْ أَن َتدْ ُ‬
‫ن ‪َ ،‬أمْ حَ ِ‬
‫حقَ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫ن ‪َ ،‬ولِيُ َمحّصَ اللّهُ اّلذِينَ آمَنُواْ وَيَمْ َ‬
‫ش َهدَاء وَاللّهُ لَ يُحِبّ الظّالِمِي َ‬
‫خذَ مِن ُكمْ ُ‬
‫َولِ َي ْع َلمَ اللّهُ اّلذِينَ آ َمنُواْ وَ َيتّ ِ‬
‫ع َدهُ ِإذْ‬
‫صدَ َق ُكمُ اللّهُ وَ ْ‬
‫جنّةَ َولَمّا َي ْعلَمِ اللّهُ اّلذِينَ جَا َهدُواْ مِن ُكمْ وَ َي ْع َلمَ الصّابِرِينَ} [ آل عمران‪ ]142-139 :‬ثم يقول بعد آيات‪َ { :‬ولَ َقدْ َ‬
‫الْ َ‬

‫حبّونَ مِنكُم مّن يُرِيدُ الدّ ْنيَا وَمِنكُم مّن يُرِيدُ‬
‫عصَيْتُم مّن َب ْعدِ مَا أَرَاكُم مّا تُ ِ‬
‫شلْ ُتمْ وَ َتنَازَعْ ُتمْ فِي الَمْرِ وَ َ‬
‫حتّى ِإذَا فَ ِ‬
‫تَحُسّو َنهُم(تقتلونهم) ِب ِإذْنِهِ َ‬
‫ص ِعدُونَ (أي تهربون إلى الجبل صاعدين)‪َ .‬ولَ‬
‫علَى الْ ُمؤْمِنِينَ ‪ِ ،‬إذْ تُ ْ‬
‫ضلٍ َ‬
‫خ َرةَ ُثمّ صَرَ َف ُكمْ عَ ْن ُهمْ لِيَ ْب َتلِ َي ُكمْ َولَ َقدْ عَفَا عَن ُكمْ وَاللّهُ ذُو فَ ْ‬
‫ال ِ‬

‫علَى مَا فَا َت ُكمْ َولَ مَا َأصَا َب ُكمْ وَاللّهُ‬
‫حدٍ وَالرّسُولُ َيدْعُو ُكمْ فِي أُخْرَا ُكمْ َفأَثَا َب ُكمْ غُمّا ِب َغمّ (أي فجازاكم غما على غم) ّلكَيْلَ تَحْ َزنُواْ َ‬
‫علَى أ َ‬
‫َت ْلوُونَ َ‬
‫خبِيرٌ بِمَا َتعْ َملُونَ}‬
‫َ‬

‫[آل عمران‪.]153-152 :‬‬

‫‪-3‬غزوة بني النضير‪:‬‬

‫وهم قوم من اليهود يجاورون المدينة‪ ،‬وكانوا حلفاء للخزرج وبينهم وبين المسلمين عهد سلم وتعاون كما قدمنا‪ ،‬ولكن طبيعة الشر‬
‫والغدر المتأصلة في اليهود أبت إل أن تحملهم على نقض عهدهم‪ ،‬فبينما كان الرسول صلى ال عليه وسلم وبعض أصحابه في بني‬

‫النضير وقد استند إلى جدار من بيوتهم‪ ،‬إذ تآمروا على قتله بإلقاء صخرة من ظهر البيت‪ ،‬فعلم صلى ال عليه وسلم بذلك فنهض سريعا‬
‫كأنه يهم بحاجة‪ ،‬فتوجه إلى المدينة‪ ،‬ولحقه أصحابه ثم أرسل إليهم محمد ابن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فل تساكنوني بها‪ ،‬وقد هممتم‬
‫بما هممتم به من الغدر‪ ،‬ثم أمهلهم صلى ال عليه وسلم عشرة أيام للخروج‪ ،‬وتجهز بنو النضير للخروج في هذا النذار‪ ،‬ولكن عبد ال‬

‫بن أبيّ رأس المنافقين أرسل إليهم ينهاهم عن الخروج‪ ،‬ويعدهم بإرسال ألفين من جماعته يدافعون عنهم‪ ،‬فعدلوا عن النزوح‪ ،‬وتحصنوا‬

‫في حصونهم‪ ،‬وأرسلوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنا ل نخرج من ديارنا‪ ،‬فاصنع ما بدا لك‪ ،‬فخرج إليهم صلى ال عليه وسلم‬

‫في أصحابه يحمل لواءه علي بن أبي طالب‪ ،‬فلما رآهم اليهود أخذوا يرمونهم بالنبل والحجارة‪ ،‬ولم يصل إليهم المدد الذي وعدهم به‬

‫رأس المنافقين‪ ،‬فحاصرهم عليه الصلة والسلم‪ ،‬فصبروا فاضطر إلى قطع نخيلهم‪ ،‬فقالوا عندئذ‪ :‬نخرج من بلدك‪ ،‬واشترط عليهم صلى‬

‫ال عليه وسلم أل يخرجوا معهم السلح‪ ،‬ولهم أن يخرجوا معهم من أموالهم ما حملته البل‪ ،‬ودماؤهم مصونة ل يسفك منها قطرة‪ ،‬فلما‬

‫أرادوا الخروج أخذوا كل شيء يستطيعونه‪ ،‬وهدموا بيوتهم كيل يستفيد منها المسلمون‪ ،‬وساروا‪ ،‬فمنهم من نزل خيبر على بعد مائة ميل‬
‫من المدينة‪ ،‬ومنهم من نزل في ناحية « جرش» بجنوب الشام‪ ،‬ولم يسلم منهم إل اثنان‪.‬‬

‫وقد نزلت في هذه الغزوة سورة (الحشر) ومنها قوله تعالى‪ُ { :‬هوَ اّلذِي أَخْ َرجَ اّلذِينَ كَفَرُوا مِنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مِن دِيَا ِر ِهمْ ِل َأ ّولِ الْحَشْرِ مَا‬
‫سبُوا وَ َقذَفَ فِي ُقلُو ِب ِهمُ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُو َتهُم ِبأَ ْيدِي ِهمْ‬
‫حيْثُ َلمْ يَحْتَ ِ‬
‫ظنَن ُتمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنّوا أَ ّنهُم مّا ِنعَ ُت ُهمْ حُصُو ُنهُم مّنَ اللّهِ َفأَتَا ُهمُ اللّهُ مِنْ َ‬
‫َ‬

‫عذَابُ النّا ِر ‪َ ،‬ذلِكَ ِبأَ ّن ُهمْ‬
‫جلَاء َل َعذّ َب ُهمْ فِي الدّ ْنيَا َو َلهُمْ فِي الْآخِ َرةِ َ‬
‫عَل ْي ِهمُ الْ َ‬
‫وَأَ ْيدِي الْ ُمؤْمِنِينَ فَاعْ َتبِرُوا يَا أُولِي ا ْلأَ ْبصَا ِر ‪َ ،‬و َل ْولَا أَن كَتَبَ اللّهُ َ‬

‫عرفوا‪ ،‬وليس المراد أنه لم يقتل غيره في كل معاركه [ ‪14 -‬‬
‫‪].‬أي ممن ُ‬
‫‪].‬الصحيح أنها لكت كبده كما هو معروف [ ‪15 -‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫شدِيدُ ا ْلعِقَابِ} [الحشر‪.]3-2:‬‬
‫شَاقّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ اللّهَ َفإِنّ اللّهَ َ‬

‫‪-4‬غزوة الحزاب‪:‬‬
‫وتسمى غزوة (الخندق)‪ ،‬وقد وقعت في شوال من السنة الخامسة للهجرة‪ ،‬وسببها أنه لما تم إجلء بني النضير‪ ،‬قدم عدد من حلفائهم إلى‬
‫مكة يدعون قريشا ويحرضونها على قتال الرسول‪ ،‬فأجابت قريش لذلك‪ ،‬ثم ذهب رؤساء اليهود إلى غطفان‪ ،‬فاستجابت لهم بنو فزارة‬

‫وبنو مرة‪ ،‬وأشجع واتجهوا نحو المدينة‪ ،‬فلما سمع صلى ال عليه وسلم بخروجهم‪ ،‬استشار أصحابه فأشار عليه سلمان بحفر خندق حول‬
‫المدينة‪ ،‬فأمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بحفره وعمل فيه بنفسه‪ ،‬ولما وصلت قريش ومن معها من الحزاب راعها ما رأت من أمر‬

‫الخندق‪ ،‬إذ ل عهد للعرب بمثله‪ ،‬وكانت عدتهم عشرة آلف‪ ،‬وعدة المسلمين ثلثة آلف‪ ،‬وكان حُيي بن أخطب أحد اليهود الذين هيجوا‬

‫قريشا والحزاب ضد المسلمين‪ ،‬وقد ذهب إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة يطلب إليه نقض عهد السلم بينه وبين المسلمين‪ ،‬وفكر النبي‬

‫صلى ال عليه وسلم في مصالحة بني قريظة على ثلث ثمار المدينة‪ ،‬ولكن النصار رفضوا اعتزازا بدينهم من أن يعطوا الدنية لهؤلء‬

‫الخائنين للعهود والمواثيق‪ ،‬وبدأ القتال باقتحام بعض فرسان المشركين للخندق من إحدى نواحيه الضيقة‪ ،‬فناوشهم المسلمون وقاتلوهم‪،‬‬
‫ثم جاء نعيم بن مسعود ابن عامر إلى الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأخبره أنه قد أسلم‪ ،‬وأن قومه ل يعلمون بإسلمه‪ ،‬وأنه صديق لبني‬

‫قريظة يأتمنونه ويثقون به‪ ،‬وقال للرسول‪« :‬مرني بما شئت» فقال له الرسول‪ « :‬إنما أنت فينا رجل واحد‪ ،‬فخَذل عنا إن استطعت‪ ،‬فإن‬

‫الحرب خدعة» فاستعمل نعيم دهاءه حتى فرق بين قريش وحلفائها‪ ،‬وبين بني قريظة‪ ،‬وأوقع في نفوس كل من الفريقين الشك في الخر‪،‬‬

‫وأرسل ال على الحزاب ريحا شديدة في ليلة شاتية شديدة البرد‪ ،‬فجعلت تكفئ قدورهم وتمزق خيامهم‪ ،‬فامتلت نفوس الحزاب بالرعب‬
‫ورحلوا في تلك الليلة‪ ،‬فلما أصبح الصباح نظر المسلمون فلم يروا أحدا‪.‬‬

‫علَ ْي ِهمْ رِيحًا‬
‫سلْنَا َ‬
‫جنُودٌ َفأَرْ َ‬
‫علَ ْي ُكمْ ِإذْ جَاء ْت ُكمْ ُ‬
‫وفي هذه الغزوة أنزل ال تعالى في كتابه الكريم‪ { :‬يَا َأ ّيهَا اّلذِينَ آمَنُوا ا ْذكُرُوا ِنعْمَةَ اللّهِ َ‬
‫جنُودًا ّلمْ تَ َر ْوهَا َوكَانَ اللّهُ بِمَا َتعْ َملُونَ َبصِيرًا ‪ِ ،‬إذْ جَاؤُوكُم مّن َفوْ ِق ُكمْ وَمِنْ أَسْ َفلَ مِن ُكمْ وَِإذْ زَاغَتْ ا ْلأَبْصَارُ وَ َب َلغَتِ الْ ُقلُوبُ‬
‫وَ ُ‬

‫شدِيدًا} [ الحزاب‪ ، ]11-9 :‬ثم يصف موقف المنافقين وتخذيلهم‬
‫ظنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا ‪ ،‬هُنَالِكَ ابْ ُت ِليَ الْ ُمؤْمِنُونَ وَ ُزلْ ِزلُوا ِزلْزَالًا َ‬
‫حنَاجِرَ وَتَ ُ‬
‫الْ َ‬
‫ص َدقَ اللّهُ‬
‫عدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَ َ‬
‫وانسحابهم من المعركة‪ ،‬ثم يقول في وصف المؤمنين‪َ { :‬ولَمّا رَأَى الْ ُمؤْ ِمنُونَ ا ْلأَحْزَابَ قَالُوا َهذَا مَا وَ َ‬

‫عَليْهِ فَ ِم ْنهُم مّن قَضَى نَحْبَهُ وَ ِم ْنهُم مّن يَن َتظِرُ وَمَا َب ّدلُوا‬
‫صدَقُوا مَا عَا َهدُوا اللّهَ َ‬
‫سلِيمًا ‪ ،‬مِنَ الْ ُمؤْ ِمنِينَ رِجَالٌ َ‬
‫وَرَسُولُهُ وَمَا زَا َد ُهمْ ِإلّا إِيمَانًا وَتَ ْ‬
‫علَ ْي ِهمْ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رّحِيمًا ‪ ،‬وَ َردّ اللّهُ اّلذِينَ كَفَرُوا‬
‫صدْ ِق ِهمْ وَ ُي َعذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء َأوْ يَتُوبَ َ‬
‫تَ ْبدِيلًا ‪ ،‬لِ َيجْ ِزيَ اللّهُ الصّا ِدقِينَ بِ ِ‬
‫ظ ِهمْ َلمْ يَنَالُوا خَيْرًا َوكَفَى اللّهُ الْ ُمؤْمِنِينَ الْقِتَالَ َوكَانَ اللّهُ َقوِيّا عَزِيزًا } [الحزاب‪.]25-22 :‬‬
‫ِبغَيْ ِ‬
‫‪-5‬غزوة بني قريظة‪:‬‬

‫وقد وقعت في السنة الخامسة للهجرة عقب غزوة الحزاب‪ ،‬وذلك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن رأى ما انطوت عليه نفوس‬
‫يهود بني قريظة من اللؤم والغدر والتحزب مع قريش وحلفائها‪ ،‬وبعد أن أعلنت له إبان اشتداد معركة الحزاب أنها نقضت عهدها معه‪،‬‬

‫وكانت وهي تساكن الرسول صلى ال عليه وسلم في المدينة تهم بشر عظيم قد يقضي على المسلمين جميعا لول انتهاء معركة الحزاب‬
‫بمثل ما انتهت إليه‪ ،‬رأى رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يؤدب هؤلء الخائنين الغادرين‪ ،‬ويطهر منهم المدينة مقر جهاده ودعوته‬

‫حتى ل تواتيهم الظروف مرة أخرى‪ ،‬فينقضوا على جيرانهم المسلمين ويبيدوهم كما هي طبيعة الغدر اليهودي اللئيم‪.‬‬

‫وروى البخاري عن عائشة رضي ال عنها‪ ،‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لما رجع يوم الخندق ووضع السلح واغتسل‪ ،‬أتاه جبريل‬

‫وقد عصب رأسه الغبار فقال‪ :‬وضعتَ السلح‪ ،‬فوال ما وضعتُه‪ .16‬قال‪ :‬فأين؟ قال‪ :‬ههنا‪ ،‬وأومأ إلى بني قريظة‪ ،‬قالت‪ :‬فخرج إليهم رسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪].‬المعنى‪ :‬إن وضعت السلح يا رسول الله فإن الملئكة لم تضعه بل ما زالت مستعدة للقتال[ ‪16 -‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم من ينادي في الناس بأن ل يصلين أحد العصر إل في بني قريظة‪ ،‬ثم خرج فيهم وقد حمل رايته علي‬

‫رضي ال عنه‪ ،‬وقد اجتمع من المسلمين ثلثة آلف‪ ،‬ومن الخيل ست وثلثون‪ ،‬فلما دنا علي من حصن بني قريظة‪ ،‬سمع منهم مقالة‬

‫قبيحة في حقه صلى ال عليه وسلم وحق أزواجه‪ ،‬فأخبر النبي صلى ال عليه وسلم بذلك‪ ،‬وطلب إليه أل يدنو من أولئك الخباث‪ ،‬فأجابه‬
‫عليه السلم بأنهم إذا رأوه لم يقولوا من ذلك شيئا لما يعلم من أخلقهم في النفاق والملق‪ ،‬فلما رأوه تلطفوا به كما تنبأ صلى ال عليه‬

‫وسلم‪ ،‬ثم أخذ المسلمون في حصارهم خمسا وعشرين ليلة‪ ،‬فلما ضاق بهم المر نزلوا على حكم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فحكم‬

‫فيهم سعد بن معاذ سيد الوس‪ ،‬وكان بنو قريظة حلفاء الوس‪ ،‬فحكم سعد بأن تقتل مقاتلتهم‪ ،‬وأن تسبى ذراريهم‪ ،‬وأن تقسم أموالهم‪،‬‬

‫فنفذ الرسول حكمه‪ ،‬وبذلك قضى على مؤامرات اليهود ودسائسهم وتآمرهم على رسول ال صلى ال عليه وسلم ودعوته قضاء مبرما في‬
‫المدينة وما حولها‪.‬‬

‫وفي هذه الغزوة نزلت آيات من القرآن الكريم تبين غدر اليهود‪ ،‬ونقضهم للعهود‪ ،‬وتخذيلهم لصفوف المسلمين في غزوة الحزاب‪{ :‬وَِإذْ‬

‫عوْ َرةٌ وَمَا ِهيَ ِب َعوْ َرةٍ إِن يُرِيدُونَ ِإلّا فِرَارًا‬
‫س َت ْأذِنُ فَرِيقٌ مّ ْن ُهمُ النّ ِبيّ يَقُولُونَ إِنّ ُبيُوتَنَا َ‬
‫جعُوا وَيَ ْ‬
‫قَالَت طّائِفَةٌ مّ ْن ُهمْ يَا َأ ْهلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ َل ُكمْ فَارْ ِ‬
‫س ِئلُوا الْ ِفتْنَةَ لَآ َت ْوهَا وَمَا َتلَبّثُوا ِبهَا ِإلّا يَسِيرًا ‪َ ،‬ولَ َقدْ كَانُوا عَا َهدُوا اللّهَ مِن قَ ْبلُ(إشارة إلى عهد النبي‬
‫عَل ْيهِم مّنْ َأقْطَا ِرهَا ُثمّ ُ‬
‫خلَتْ َ‬
‫‪َ ،‬و َلوْ دُ ِ‬

‫سؤُولًا ‪ ،‬قُل لّن يَن َف َعكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَ ْرتُم مّنَ الْ َموْتِ َأوِ‬
‫ع ْهدُ اللّهِ مَ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم معهم يوم استقر بالمدينة) لَا ُي َولّونَ ا ْل َأدْبَارَ َوكَانَ َ‬
‫الْ َق ْتلِ وَِإذًا لّا تُمَ ّتعُونَ ِإلّا َقلِيلًا} [الحزاب‪ .]16 -13 :‬إلى أن يقول‪{ :‬وَأَن َزلَ اّلذِينَ ظَاهَرُوهُم(أهل الحزاب) مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مِن‬

‫طؤُوهَا‬
‫ض ُهمْ َودِيَا َر ُهمْ وَأَ ْموَا َل ُهمْ وَأَ ْرضًا ّلمْ تَ َ‬
‫صَيَاصِي ِهمْ(حصونهم) وَ َقذَفَ فِي ُقلُو ِب ِهمُ الرّعْبَ فَرِيقًا تَقْ ُتلُونَ وَ َتأْسِرُونَ فَرِيقًا ‪ ،‬وََأوْرَ َث ُكمْ أَرْ َ‬
‫يءٍ َقدِيرًا}[الحزاب‪.]27 -26 :‬‬
‫ش ْ‬
‫علَى ُكلّ َ‬
‫َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫‪-6‬غزوة الحديبية‪:‬‬
‫وقعت في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة‪ ،‬وكان من أمرها أن رسول ال صلى ال عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل البيت هو‬

‫وصحابته آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ل يخافون شيئا‪ ،‬فأمر الناس أن يتجهزوا للخروج إلى مكة معتمرين‪ ،‬ل يريد حربا لقريش‬
‫ول قتال‪ ،‬فخرج معه المهاجرون والنصار يحدوهم الشوق إلى رؤية بيت ال الحرام بعد أن حرموا من ذلك ست سنوات‪ ،‬وخرج معهم من‬

‫شاء من العراب‪ ،‬وساق أمامه صلى ال عليه وسلم وهو ما يساق إلى البيت الحرام من البل والنعم تعظيما للبيت وتكريما‪ ،‬وأحرم‬

‫بالعمرة من مكان يسمى بذي الحليفة‪ ،‬ليعلم الناس وقريش خاصة أنه ل يريد قتال‪ ،‬وكان عدد من خرج معه نحوا من ألف وخمسمائة‪،‬‬

‫ولم يخرجوا معهم بسلح إل سلح المسافر في تلك العهود‪ :‬السيوف في أغمادها‪ ،‬وسار حتى وصل إلى «عسفان» جاء من يقول له‪ :‬هذه‬
‫قريش قد سمعت بمسيرك‪ ،‬فخرجوا وقد لبسوا جلود النمور يحلفون بال ل تدخلها عليهم أبدا‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا ويح قريش‬

‫لقد أكلتهم الحرب! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب‪ ،‬فإن هم أصابوني‪ ،‬كان ذلك الذي أرادوا‪ ،‬وإن أظهرني ال عليهم دخلوا في‬
‫السلم وافرين‪ ،‬وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة‪ ،‬فما تظن قريش؟ فوال ل أزال أجاهد على الذي بعثني ال حتى يظهره ال‪ ،‬أو تنفرد هذه‬

‫السالفة»‪.‬‬

‫فلما وصل الحديبية ‪ -‬وهي مكان قريب من مكة بينها وبين طريق جدة الن‪ -‬جاءه بعض رجال من خزاعة يسألونه عن سبب قدومه‪،‬‬
‫فأخبرهم أنه لم يأت إل ليزور البيت ويعتمر‪ ،‬فرجعوا وقالوا لهم‪ :‬إنكم تعجلون على محمد‪ ،‬لم يأت لقتال‪ ،‬إنما جاء زائرا لهذا البيت‪.‬‬

‫فقالوا‪ :‬ل وال ل يدخلها عليهم عنوة أبدا‪ ،‬ول يتحدث العرب عنا بذلك‪.‬‬

‫ثم بعثوا عروة بن مسعود الثقفي ليتحدث إلى الرسول بهذا الشأن‪ ،‬وبعد حديث وأخذ ورد بين عروة وبعض الصحابة‪ ،‬عاد إلى قريش‬
‫وحدثهم عما رأى من حب الصحابة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهيبتهم له‪ ،‬ورغبتهم في الصلح معه‪ ،‬فأبوا ذلك‪ ،‬ثم بعث الرسول‬

‫صلى ال عليه وسلم عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليؤكد لهم الغرض من مجيء الرسول وصحابته‪ ،‬وأبطأ عثمان‪ ،‬فأشيع بين المسلمين‬
‫أنه قد قتل‪ ،‬فقال الرسول عندئذ‪ :‬ل نبرح حتى نناجز القوم (نقاتلهم) ودعا المسلمين إلى البيعة على الجهاد‪ ،‬والشهادة في سبيل ال‪،‬‬

‫فبايعوه تحت شجرة هناك من أشجار الطلح على عدم الفرار‪ ،‬وأنه إما الصلح‪ ،‬وإما الشهادة‪ ،‬ولما علمت قريش بأمر البيعة‪ ،‬خافوا ورأوا‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫الصلح معه على أن يرجع هذا العام ويعود من قابل فيقيم ثلثا معه سلح الراكب‪ :‬الرماح والسيوف في أغمادها‪ ،‬وأرسلت قريش لذلك‬

‫سهيل بن عمرو ليتم هذا الصلح‪ ،‬وأخيرا تم هذا الصلح‪ ،‬على ما رغبت قريش‪ ،‬وعلى وضع الحرب بين الفريقين عشر سنين‪ ،‬وأن من‬

‫أتى من عند محمد إلى مكة لم يردوه‪ ،‬وأن من أتى محمدا من مكة ردوه إليهم‪ ،‬فعز ذلك على المسلمين‪ ،‬وأخذ بعضهم يجادل النبي صلى‬

‫ال عليه وسلم فيما جاء من شروطها‪ ،‬ومن أشدهم في ذلك عمر‪ ،‬حتى قال رسول ال‪ « :‬إني عبد ال ولن يضيعني» ثم أمر الرسول‬

‫أصحابه بالتحلل من العمرة فلم يفعلوا ذلك في موجة من اللم‪ ،‬لما حيل بينهم وبين دخول مكة‪ ،‬ولما شق عليهم من شروط الصلح فبادر‬

‫عليه السلم بنفسه‪ ،‬فتحلل من العمرة‪ ،‬فتبعه المسلمون جميعا‪ ،‬وقد ظهرت فيما بعد فوائد هذه الشروط التي صعبت على المسلمين ورضي‬
‫بها الرسول‪ ،‬لبعد نظره ورجحان عقله‪ ،‬وإمداد الوحي له بالسداد في الرأي والعمل‪.‬‬

‫حنَا لَكَ فَتْحًا مّبِينًا ‪ ،‬لِ َيغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَ َق ّدمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا َتأَخّرَ وَ ُي ِتمّ ِنعْمَ َتهُ‬
‫هذا وقد سمى ال هذه الغزوة فتحا مبينا‪ ،‬حيث قال‪ { :‬إِنّا فَتَ ْ‬

‫عَليْكَ وَ َي ْهدِيَكَ صِرَاطًا مّسْتَقِيمًا ‪ ،‬وَيَنصُرَكَ اللّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [ الفتح‪ ]3-1 :‬ثم تحدث عن مبايعة الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫َ‬

‫علَيْهُ اللّهَ فَسَ ُيؤْتِيهِ أَجْرًا‬
‫علَى نَفْسِهِ وَمَنْ َأوْفَى بِمَا عَا َهدَ َ‬
‫{ إِنّ اّلذِينَ يُبَا ِيعُونَكَ ِإنّمَا ُيبَا ِيعُونَ اللّهَ َيدُ اللّهِ َفوْقَ أَ ْيدِي ِهمْ فَمَن ّنكَثَ َفإِنّمَا يَنكُثُ َ‬

‫ضيَ اللّهُ عَنِ الْ ُمؤْمِنِينَ ِإذْ ُيبَا ِيعُونَكَ تَحْتَ الشّجَ َرةِ َف َعلِمَ‬
‫عَظِيمًا} [ الفتح‪ ]10 :‬ورضي عن أصحاب بيعة الرضوان تحت الشجرة فقال‪{ :‬لَ َقدْ رَ ِ‬
‫عَل ْي ِهمْ وَأَثَا َب ُهمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [ الفتح‪ ]18 :‬وتحدث عن رؤيا الرسول صلى ال عليه وسلم التي كانت سببا في‬
‫سكِينَةَ َ‬
‫مَا فِي ُقلُو ِب ِهمْ َفأَن َزلَ ال ّ‬
‫سكُمْ وَمُقَصّرِينَ لَا‬
‫حلّقِينَ ُرؤُو َ‬
‫جدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللّهُ آ ِمنِينَ ُم َ‬
‫خلُنّ الْمَسْ ِ‬
‫حقّ لَ َتدْ ُ‬
‫صدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ ال ّرؤْيَا بِالْ َ‬
‫غزوة الحديبية‪ ،‬فقال‪{ :‬لَ َقدْ َ‬

‫ج َعلَ مِن دُونِ َذلِكَ َفتْحًا قَرِيبًا} [ الفتح‪ ]27 :‬ولعل هذه إشارة إلى فتح مكة الذي كان ثمرة من ثمار صلح‬
‫تَخَافُونَ َف َع ِلمَ مَا َلمْ َت ْعلَمُوا فَ َ‬

‫سلَ رَسُولَهُ‬
‫الحديبية‪ ،‬كما سنذكره في الدروس والعظات إن شاء ال‪ ،‬ثم أتبع ذلك بتأكيد غلبة هذا الدين وانتصاره‪ ،‬فقال‪ُ { :‬هوَ اّلذِي أَرْ َ‬

‫شهِيدًا} [الفتح‪ ]28:‬وصدق ال العظيم‪.‬‬
‫علَى الدّينِ ُكلّهِ َوكَفَى بِاللّهِ َ‬
‫ظهِ َرهُ َ‬
‫حقّ لِ ُي ْ‬
‫بِا ْلهُدَى َودِينِ الْ َ‬
‫‪-7‬غزوة خيبر‪:‬‬

‫وكانت في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة‪.‬‬
‫و (خيبر) واحة كبيرة يسكنها اليهود على مسافة مائة ميل من شمال المدينة جهة الشام‪.‬‬

‫وسببها أن النبي صلى ال عليه وسلم بعد أن أمن جانب قريش بالصلح الذي تم في الحديبية‪ ،‬قرر تصفية مشكلة التجمعات اليهودية فيما‬
‫حول المدينة بعد أن صفى اليهود من المدينة نفسها‪ ،‬وقد كان لليهود في خيبر حصون منيعة‪ ،‬وكان فيها نحو من عشرة آلف مقاتل‪،‬‬

‫وعندهم مقادير كبيرة من السلح والعتاد‪ ،‬وكانوا أهل مكر وخبث وخداع‪ ،‬فل بد من تصفية مشكلتهم قبل أن يصبحوا مصدر اضطراب‬
‫وقلق للمسلمين في عاصمتهم (المدينة) ولذلك أجمع الرسول صلى ال عليه وسلم على الخروج إليهم في أواخر المحرم‪ ،‬فخرج إليهم في‬

‫ألف وستمائة مقاتل‪ ،‬منهم مائتا فارس‪ ،‬واستنفر من حوله ممن شهد الحديبية‪ ،‬وسار حتى إذا أشرف على خيبر قال لصحابه‪ :‬قفوا‪ ،‬ثم‬

‫عاد فقال‪ « :‬اللهم رب السماوات وما أظللن‪ ،‬ورب الرضين وما أقللن [حملن] ‪ ،‬ورب الشياطين وما أضللن‪ ،‬ورب الرياح وما ذرين‪ ،‬إنا‬

‫نسألك خير هذه القرية وخير أهلها‪ ،‬ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها‪ ،‬أقدموا باسم ال»‪.‬‬

‫ولما وصلوا إليها نزل النبي صلى ال عليه وسلم قريبا من أحد حصون خيبر يسمى (حصن النطاة) وقد جمعوا فيه مقاتلتهم‪ ،‬فأشار‬

‫الحباب بن المنذر بالتحول‪ ،‬لنه يعرف أهل النطاة معرفة جيدة‪ ،‬وليس قوم أبعد مدى ول أعدل رمية منهم‪ ،‬وهم مرتفعون على مواقع‬
‫المسلمين‪ ،‬فالنبل منهم سريع النحدار إلى صفوف المسلمين‪ ،‬ثم إنهم قد يباغتون المسلمين في الليل مستترين بأشجار النخيل الكثيرة‪،‬‬

‫فتحول الرسول مع المسلمين إلى موضع آخر وابتدأت المعارك‪ ،‬يفتح المسلمون منها حصنا بعد حصن‪ ،‬إل الحصنين الخيرين‪ ،‬فقد رغب‬
‫أهلها في الصلح على حقن دماء المقاتلة‪ ،‬وترك الذرية والخروج إلى أرض خيبر بذراريهم‪ ،‬وأل يصحب أحد منهم إل ثوبا واحدا‪،‬‬

‫فصالحهم على ذلك‪ ،‬وعلى أن ذمة ال ورسوله بريئة منهم إن كتموا شيئا‪ ،‬ثم غادروهما فوجد المسلمون فيهما أسلحة كثيرة‪ ،‬وصحائف‬

‫متعددة من التوراة‪ ،‬فجاء اليهود بعد ذلك يطلبونها‪ ،‬فأمر بردها إليهم‪ ،‬وقد بلغ عدد قتللى اليهود في هذه المعركة ثلثة وتسعين‪،‬‬
‫واستشهد من المسلمين خمسة عشر‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-8‬غزوة مؤتة‪:‬‬

‫كانت في جمادى الولى للسنة الثامنة من الهجرة‪ ،‬و (مؤتة) قرية على مشارف الشام‪ ،‬تسمى الن بي(الكرك) جنوب شرق البحر الميت‪،‬‬
‫وكان سببها أن الرسول كان قد أرسل الحارث بن عمير الزدي بكتاب إلى أمير بصرى من جهة هرقل‪ ،‬وهو الحارث بن أبي شمر الغساني‬
‫يدعوه فيه إلى السلم ‪ -‬وكان ذلك من جملة كتبه التي بعث بها عليه السلم غلى ملوك العالم وامراء العرب بعد صلح الحديبية‪ -‬فلما‬

‫نزل مؤتة أحد المراء العرب الغساسنة التابعين لقيصر الروم؛ قال له أين تريد؟ لعلك من رسل محمد؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬فأوثقه وضرب عنقه‪،‬‬

‫فبلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فاشتد عليه المر إذ لم يقتل له رسول غيره‪ ،‬وجهز لهم جيشا من المسلمين عدته ثلثة آلف‪،‬‬
‫وأمر عليهم زيد بن حارثة‪ ،‬واوصاهم إن أصيب زيد فليؤمروا جعفر بن أبي طالب‪ ،‬فإن أصيب فليؤمروا عليهم عبدال بن رواحة‪ ،‬وطلب‬

‫من زيد أن يأتي مقتل الحارث بن عمير‪ ،‬وأن يدعوا من هناك إلى السلم‪ ،‬فإن أجابوا وإل فليستعينوا بال وليقاتلوهم‪ ،‬وأوصاهم بقوله‪« :‬‬
‫أوصيكم بتقوى ال وبمن معهم من المسلمين خيرا‪ ،‬اغزوا باسم ال‪ ،‬وفي سبيل ال‪ ،‬من كفر بال‪ ،‬ل تغدروا ول تغلوا (الغلول السرقة)‬
‫ولتقتلوا وليدا ول امرأة ول كبيرا فانيا‪ ،‬ول منعزل بصومعة‪ ،‬ول تقربوا نخل‬

‫ول تقطعوا شجرا ول تهدموا بناء» ثم سار‬

‫الجيش على بركة ال‪ ،‬وقد شيعهم الرسول بنفسه‪ ،‬ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا معان‪ ،‬فبلغهم أن هرقل قد جمع لهم جمعا عظيما‪،‬‬

‫ونزل في مآب من أرض البلقاء ( هي كورة من أعمال دمشق قصبتها عمان) وكان جيش الروم مؤلفا منهم ومن العرب المنتصرة‪،‬‬

‫فتشاور المسلمون فيما بينهم‪ ،‬ورأوا أن يطلبوا من الرسول مددا‪ ،‬أو يأمرهم بأمر آخر فيمضون له‪ ،‬فقال عبد ال بن رواحة‪ :‬وال إن‬

‫الذي تكرهون هو ما خرجتم له‪ ،‬تطلبون الشهادة‪ ،‬ونحن ما نقاتل الناس بعدد ول كثرة ول قوة‪ ،‬وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا ال‬
‫به‪ ،‬فإنما هي إحدى الحسنيين؛ فإما الظفر وإما الشهادة‪ ،‬فوافقه الناس على خوض المعركة‪ ،‬وابتدأ القتال‪ ،‬فقاتل زيد حتى قتل‪ ،‬ثم استلم‬
‫اللواء بعده جعفر بن أبي طالب‪ ،‬فقاتل على فرسه‪ ،‬ثم اضطر للنزول عنها فقاتل مترجل‪ ،‬فقطعت يمينه ‪ ،‬فأخذ اللواء بيساره‪ ،‬فقطعت‬

‫يساره‪ ،‬فاحتضن اللواء حتى قتل رضي ال عنه‪ ،‬ووجد فيه بضع وسبعون جرحا ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح‪ ،‬ثم أخذ اللواء عبد‬

‫ال بن رواحة‪ ،‬فقاتل حتى قتل‪ ،‬ثم اتفق المسلمون على إمرة خالد بن الوليد للجيش ‪ -‬وكانت هذه أول معركة يحضرها في السلم‪ -‬فما‬

‫زال يستعمل دهاءه الحربي حتى أنقذ الجيش السلمي من الفناء‪ ،‬ثم عاد به إلى المدينة‪.‬‬

‫كانت هذه أول معركة يخوضها المسلمون خارج جزيرة العرب ضد الروم‪ ،‬وسميت بالغزوة وإن لم يحضرها رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬لكثرة المحاربين فيها‪ ،‬حيث بلغوا ثلثة آلف مما يخالف عدد المحاربين في السرايا‪.‬‬

‫وقد أطلق رسول ال صلى ال عليه وسلم على خالد بن الوليد في هذه المعركة‪( :‬سيف ال)‪.‬‬
‫‪-9‬غزوة الفتح‪:‬‬

‫وهي فتح مكة‪ ،‬وكانت في رمضان للسنة الثامنة من الهجرة‪ ،‬وسببها أن صلح الحديبية أباح لكل قبيلة عربية أن تدخل في عقد رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم إن شاءت‪ ،‬أو تدخل في عقد قريش‪ ،‬فارتضت بنو بكر أن تدخل في عقد قريش‪ ،‬وارتضت خزاعة أن تدخل في عقد‬

‫سول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفي تلك السنة (الثامنة) اعتدت بنو بكر على خزاعة‪ ،‬فقتلت منها نحو عشرين رجل‪ ،‬وأمدت قريش بني‬
‫بكر بالمال والسلح‪ ،‬فلما بلغ ذلك الرسول صلى ال عليه وسلم غضب غضبا شديدا‪ ،‬وتجهز لقتال قريش إل أنه لم يرد أن يخبر الناس‬

‫عن وجهته‪ ،‬لئل تستعد قريش‪ ،‬فتستباح حرمة البلد الحرام‪ ،‬وتمتلئ أرجاؤه بأشلء القتلى‪ ،‬ولكن حاطب بن أبي بلتعة البدري أرسل كتابا‬
‫سريا إلى مكة يخبرهم فيه بتوجيه الرسول إليهم‪ ،‬فأطلع ال رسوله على أمر الكتاب‪ ،‬فأرسل إلى المرأة التي تحمله بعض أصحابه‬

‫ليفتشوها‪ ،‬فعثروا على الكتاب‪ ،‬فدعا رسول ال صلى ال عليه وسلم حاطبا‪ ،‬فقال له‪ :‬ما حملك على هذا؟ فقال‪ :‬يا رسول ال أما إني‬
‫لمؤمن بال ورسوله‪ ،‬ما غيرت ول بدلت‪ ،‬ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم من أصل ول عشيرة‪ ،‬وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل‪،‬‬

‫فصانعتهم عليه‪ .‬فقال عمر‪ :‬يا رسول ال دعني أضرب عنقه‪ ،‬فإن الرجل قد نافق‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ « :‬إنه شهد‬

‫بدرا وما يدريك لعل ال قد اطلع على أصحاب بدر فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»‪.‬‬

‫ثم سار رسول ال صلى ال عليه وسلم من المدينة لعشر مضين من رمضان‪ ،‬وفي الطريق أفطر وأفطر الناس معه لما لقوا من الجهد‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫والمشقة في سفرهم‪ ،‬وكان عددهم حين خروجهم من المدينة عشرة آلف‪ ،‬ثم انضم إليهم في الطريق عدد من قبائل العرب‪ ،‬وفي (مر‬

‫الظهران) عثر حرس رسول ال على أبي سفيان واثنين معه‪ ،‬فأسروهم وجاؤوا بهم إلى النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأسلم أبو سفيان‪،‬‬

‫وقال العباس‪ -‬الذي لقيه الرسول في الطريق مسلما مهاجرا إلى المدينة‪ : -‬إن أبا سفيان رجل يحب الفخر‪ ،‬فاجعل له شيئا يفتخر به‪،‬‬

‫فقال‪ « :‬من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»‪ ،‬ثم وصل الجيش مكة‪ ،‬فأعلن منادي الرسول‪ :‬من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن‪ ،‬ومن دخل‬
‫المسجد فهو آمن‪ ،‬ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن واستثنى من ذلك خمسة عشر رجل عظمت جريرتهم في حق السلم ورسوله‪ ،‬ثم‬

‫دخل رسول ال مكة وهو راكب راحلته‪ ،‬منحن على الرحل‪ ،‬حتى لتكاد جبهته تمس قتب الراحلة شكرا ل على هذا الفتح الكبر‪ ،‬ثم طاف‬

‫الرسول بالبيت‪ ،‬وأزال ما حولها من أصنام بلغت ثلثمائة وستين‪ ،‬ثم دخل الكعبة وصلى ركعتين فيها‪ ،‬ثم وفق على بابها وقريش تنظر ما‬
‫هو فاعل بها‪ ،‬فقال فيما قال ساعتئذ‪ « :‬يا معشر قريش‪ ،‬ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم‪ ،‬فقال رسول ال‬

‫حمُ الرّاحِمِينَ } [يوسف‪:‬‬
‫علَ ْي ُكمُ الْ َي ْومَ َيغْفِرُ اللّهُ َل ُكمْ َو ُهوَ أَرْ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬اليوم اقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل‪ { :‬لَ تَثْرَيبَ َ‬

‫‪ ]92‬اذهبوا فأنتم الطلقاء»‪.‬‬

‫ثم اجتمع الناس حول الصفا ليبايعوا رسول ال صلى ال عليه وسلم على السلم‪ ،‬فجلس إليهم الرسول على الصفا‪ ،‬وأخذ بيعتهم على‬

‫السمع والطاعة ل ولرسوله فيما استطاعوا‪ ،‬بايع الرجال أول‪ ،‬ثم النساء‪ ،‬ولم يصافح واحدة منهن‪ ،‬وكان فيمن بايعهن هند زوجة أبي‬
‫سفيان التي أهدر الرسول دمها فيمن أهدر يوم الفتح‪ ،‬فلما علمها‪ ،‬عفا عنها بيعتها‪.‬‬

‫وفي يوم الفتح أمر رسول ال بلل أن يؤذن لصلة الظهر على ظهر الكعبة‪ ،‬فاستعظم ذلك الحاضرون من قريش ولم يسلموا بعد‪ ،‬ولكن‬

‫رسول ال أراد ذلك عمدا لسر عظيم وحكمة بالغة‪.‬‬
‫‪ – 10‬غزوة حنين‪:‬‬
‫وكانت في العاشر من شوال للسنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة بأيام‪ ،‬وسببها أن ال لما فتح مكة لرسوله ظن زعماء هوازن وثقيف‬

‫أن رسول ال سيتوجه إليهم بعد النتهاء من أمر مكة‪ ،‬فعزموا على أن يبدؤوه بالقتال‪ ،‬فأمروا عليهم مالك بن عوف وهو يومئذ ابن‬

‫ثلثين سنة‪ ،‬فأمرهم أن يسوقوا معهم إلى المعركة أموالهم ونساءهم وأبناءهم ومواشيهم ليكون ذلك أدعى إلى ثباتهم في القتال‪ ،‬وقد بلغت‬
‫عدة المقاتلين منهم في المعركة المرتقبة ما بين عشرين ألفا إلى ثلثين‪ ،‬فأعلن رسول ال عزمه على الخروج لقتاله‪ ،‬فخرج كل من كان‬

‫بمكة؛ أصحابه الذين قدموا معه في المعركة‪ ،‬ومن انضم إليهم بعد ذلك ممن أسلم حديثا وسار رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى إذا‬
‫كان في وادي حنين خرجت عليهم هوازن وحلفاؤها في غبش الصبح‪ ،‬فحمل عليهم المسلمون فانكمشوا وانهزموا‪ ،‬فانشغل المسلمون‬

‫بجمع الغنائم فاستقبلهم المشركون بالسهام فانفرط عقدهم‪ ،‬وفر أهل مكة والمسلمون الجدد‪ ،‬وبقي رسول ال صلى ال عليه وسلم ثابتا‬

‫على بغلته يقول‪« :‬أنا النبي ل كذب أنا ابن عبد المطلب»‪ ،‬وكان قد أشيع بين المسلمين أن النبي صلى ال عليه وسلم قد قتل‪ ،‬فألقى كثير‬
‫منهم سلحه يائسا‪ ،‬ولكن نفرا من المهاجرين والنصار ثبتوا حولهن وأخذ العباس ‪ -‬وكان جهوري الصوت ‪ -‬ينادي في المسلمين‪ :‬إن‬
‫رسول ال ما زال حيا‪ ،‬فعاد إليه من كان مدبرا‪ ،‬وتكاثر المؤمنون حتى استطاعوا أن ينتصروا كرة أخرى‪ ،‬وتبعهم المسلمون يقتلون‬

‫ويأسرون‪ ،‬وبلغت غنائم العدو مبلغا كبيرا‪ ،‬فرقه اول على المؤلفة قلوبهم من حديثي السلم‪ ،‬ولم يعط منها النصار شيئا اعتمادا على‬

‫إيمانهم وصدق إسلمهم‪.‬‬

‫علَ ْي ُكمُ‬
‫جبَ ْت ُكمْ كَثْرَ ُت ُكمْ َف َلمْ ُتغْنِ عَن ُكمْ شَ ْيئًا وَضَاقَتْ َ‬
‫حنَيْنٍ ِإذْ أَعْ َ‬
‫وقد نزل من القرآن في هذه المعركة‪ { :‬لَ َقدْ نَصَ َر ُكمُ اللّهُ فِي َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ وَ َي ْومَ ُ‬

‫جنُودًا ّلمْ تَ َر ْوهَا وَعذّبَ اّلذِينَ كَفَرُواْ‬
‫علَى الْ ُمؤْ ِمنِينَ وَأَن َزلَ ُ‬
‫علَى رَسُولِهِ وَ َ‬
‫سكِي َنتَهُ َ‬
‫ن ‪ُ 25‬ثمّ َأنَزلَ اللّهُ َ‬
‫الَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ُثمّ َولّ ْيتُم ّم ْدبِرِي َ‬
‫َو َذلِكَ جَزَاء ا ْلكَافِرِينَ}[ التوبة‪.]25:‬‬

‫وكانت هذه الغزوة آخر معركة ذات شأن بين السلم والمشركين‪ ،‬لم يلبث العرب من بعدها أن كسروا الصنام ودخلوا في دين‬

‫السلم‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪ -11‬غزوة تبوك‪:‬‬

‫وتسمى غزوة العسرة‪ ،‬وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة‪.‬‬

‫و(تبوك) موضع بين وادي القرى من أرض الحجاز وبين الشام‪ ،‬وسببها أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام ضمت قبائل لخم‪،‬‬

‫وجذام‪ ،‬وعاملة‪ ،‬وغسان‪ ،‬وهي من نصارى العرب‪ ،‬وكان قصد هرقل من ذلك‪ ،‬الهجوم على المدينة والقضاء على الدولة الناشئة في‬
‫جزيرة العرب التي أخذت أخبارها وأخبار انتصاراتها تثير جزع هرقل وخوفه‪ ،‬فندب رسول ال الناس للخروج‪ ،‬وكان الوقت وقت عسر‬
‫شديد وحر شديد‪ ،‬فانتدب المؤمنون الصاقون عن طيب نفس‪ ،‬وتخلف ثلثة منهم من صادقي اليمان‪ ،‬وندب رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم الغنياء لتجهيز جيش العسرة‪ ،‬فجاؤوا بأموال كثيرة؛ جاء أبوبكر بماله كله‪ ،‬وجاء عمر بنصف ماله‪ ،‬وتصدق عثمان يومئذ بمال‬

‫كثير‪ ،‬وجهز ثلث الجيش‪ ،‬حتى دعا له الرسول صلى ال عليه وسلم وقال‪ « :‬ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» ‪ .‬وجاءه عدد من فقراء‬
‫الصحابة ل يجدون ما يركبون عليه‪ ،‬فقال لهم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ « :‬ل أجد ما أحملكم عليه» ‪ ،‬فتولوا وأعينهم تفيض من‬

‫الدمع حزنا أل يجدوا ما ينفقون‪ ،‬وتخلف من المنافقين بضعة وثمانون رجل‪ ،‬واعتذر إليه عدد من العراب بأعذار غير صحيحة‪ ،‬فقبلها‬

‫منهم صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫سار رسول ال صلى ال عليه وسلم بالناس ومعه ثلثون ألف مقاتل‪ ،‬ومن الخيل عشرة آلف‪ ،‬وكان هذا أعظم ما رأته العرب‬

‫حتى ذاك‪ ،‬ثم واصل سيره حتى بلغ تبوك‪ ،‬فأقام فيها نحوا من عشرين ليلة‪ ،‬ولم يلق فيها كيدا‪ ،‬ولم يدخل حربا‪.‬‬

‫علَى النّ ِبيّ وَالْ ُمهَاجِرِينَ‬
‫وكانت هذه آخر غزواته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفي هذه الغزوة نزل قول ال تبارك وتعالى‪{ :‬لَقَد تّابَ ال َ‬

‫علَى الثّلَ َثةِ اّلذِينَ‬
‫علَ ْي ِهمْ إِنّهُ ِب ِهمْ َرؤُوفٌ رّحِيمٌ‪ ،‬وَ َ‬
‫وَالَنصَارِ اّلذِينَ اتّ َبعُوهُ فِي سَاعَةِ ا ْلعُسْ َرةِ مِن َب ْعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ ُقلُوبُ فَرِيقٍ مّ ْن ُهمْ ُثمّ تَابَ َ‬

‫علَ ْي ِهمْ لِيَتُوبُواْ إِنّ اللّهَ ُهوَ‬
‫جأَ مِنَ اللّهِ ِإلّ ِإلَيْهِ ُثمّ تَابَ َ‬
‫س ُهمْ وَظَنّواْ أَن لّ َملْ َ‬
‫علَ ْي ِهمْ أَنفُ ُ‬
‫عَل ْي ِهمُ الَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ َ‬
‫حتّى ِإذَا ضَاقَتْ َ‬
‫خلّفُواْ َ‬
‫ُ‬
‫ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[ التوبة‪.]119 -118 :‬‬

‫كما أنزلت آيات كثيرة تتحدث عن موقف المنافقين والمعتذرين من العراب في هذه الغزوة‪ ،‬وفيها عتاب من ال لرسوله على‬

‫قبول معذرتهم‪ ،‬وهي آيات كثيرة تجدها في سورة التوبة‪.‬‬
‫ب‪ -‬الدروس والعظات‬
‫نتكلم أول عن مشروعية القتال في السلم وأسبابه وقواعده العامة‪.‬‬

‫بدأ رسول ال صلى ال عليه وسلم دعوته بالحسنى والموعظة‪ ،‬يتلو على قومه ما يتنزل عليه من كتاب ال ويحدثهم من قلبه وعقله ما‬
‫يفتح عيونهم على ما هم عليه من وثية وخرافة وضللة وجهل‪ ،‬ولكن قومه قابلوه بالصد والسخرية أول‪ ،‬ثم بالفتراء والذى ثانيا‪ ،‬ثم‬

‫بالتآمر على قتله أخيرا‪ ،‬إلى أن هيأ ال لدعوته مكانا تستقر فيه آمنة مطمئنة‪ ،‬ولكن واجه في مكانه الجديد قوتين تتربصان به الدوائر‪:‬‬

‫قريشا التي أقض مضجعها هجرة النبي صلى ال عليه وسلم وصحابته إلى المدينة التي آمن أصحابها بدعوته أيضا‪ ،‬فغدت له قوة تتمزق‬
‫لها مرائرة قريش‪ ،‬وقوة اليهود التي حرص النبي صلى ال عليه وسلم على أن يقيم علقة سلم معها منذ استقراره‪ ،‬ولكن طبيعة اليهود‬
‫طبيعة حاقدة ماكرة متآمرة‪ ،‬فما كاد النبي صلى ال عليه وسلم يستقر بالمدينة‪ ،‬وتتم له زعامة المهاجرين والنصار‪ ،‬حتى شرق زعماء‬

‫اليهود بالحسد والغيظ من هذه الزعامة التي نافستهم وسيطرت على المدينة سيطرة تامة‪.‬‬

‫علَى مَا يَقُولُونَ‬
‫صبِرْ َ‬
‫كان رسول ال صلى ال عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة تتنزل عليه آيات القرآن الكريم بالصبر على ما يقولون‪{ .‬وَا ْ‬
‫وَاهْجُ ْر ُهمْ هَجْرًا جَمِيلًا}[المزمل‪ ]10 :‬وكان المشركون كلما تنزلت آيات الصبر على أذاهم ازدادوا في الذى والكيد والعدوان‪ ،‬ولم يكن‬
‫المسلمون يومئذ قادرين على صد الذى لقلتهم واستضعافهم‪ ،‬فلما استقر النبي صلى ال عليه وسلم في المدينة‪ ،‬وأصبحت للمسلمين‬

‫شوكة ومنعة‪ ،‬واجهتم قوة قريش وعداوتها‪ ،‬وضغينة اليهود وخبثهم‪ ،‬باحتمال العدوان عليهم في كل حين‪ ،‬والسلم دين واقعي ل يغمض‬

‫عينه عن الواقع‪ ،‬ويتبع الوهام والمثل العليا إزاء قوم ل يؤمنون بهذه المثل‪ ،‬ول يحترمونها‪ ،‬فكان ل بد له أن يحتمي بالقوة‪ ،‬ويستعد لرد‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫العدوان‪ ،‬ويقضي على قوة الباطل وشوكته‪ ،‬لينفسح المجال أمام دعوته الخيرة المحررة‪ ،‬تخاطب العقول‪ ،‬وتزكي النفوس‪ ،‬وتصلح‬
‫الفساد‪ ،‬وتجعل للخير أعلما يهتدى بها‪ ،‬ومنارات تضيء الطريق لمبتغي الخير والهداية والرشاد‪.‬‬

‫لهذا كله وما يشبهه شرع ال القتال للمؤمنين في السنة الثانية للهجرة‪ ،‬حين نزلت اليات التالية‪ُ { :‬أذِنَ ِلّلذِينَ يُقَا َتلُونَ ِبأَ ّن ُهمْ‬

‫ضهُم ِب َبعْضٍ‬
‫حقّ ِإلّا أَن يَقُولُوا َربّنَا اللّهُ َو َل ْولَا دَ ْفعُ اللّهِ النّاسَ َبعْ َ‬
‫علَى نَصْ ِر ِهمْ لَ َقدِي ٌر ‪ ،‬اّلذِينَ أُخْ ِرجُوا مِن دِيَا ِر ِهمْ ِبغَيْرِ َ‬
‫ظلِمُوا وَإِنّ اللّهَ َ‬
‫ُ‬

‫سمُ اللّهِ كَثِيرًا َولَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُ ُرهُ إِنّ اللّهَ لَ َق ِويّ عَزِي ٌز ‪ ،‬اّلذِينَ إِن ّمكّنّاهُمْ فِي‬
‫جدُ ُي ْذكَرُ فِيهَا ا ْ‬
‫ص َلوَاتٌ وَمَسَا ِ‬
‫صوَا ِمعُ وَبِ َيعٌ وَ َ‬
‫ّل ُهدّمَتْ َ‬
‫صلَاةَ وَآ َتوُا ال ّزكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْ َمعْرُوفِ وَ َن َهوْا عَنِ الْمُنكَرِ َو ِللّهِ عَاقِبَةُ ا ْلأُمُورِ}[الحج‪.]41-39 :‬‬
‫ا ْلأَرْضِ َأقَامُوا ال ّ‬

‫هذه هي أولى اليات التي نزلت في شأن القتال والذن فيه‪ ،‬وجدير بنا أن نقف عندها قليل لنتعرف منها حكمة الذن بالقتال وفائدته‬
‫وأهدافه‪:‬‬

‫‪-1‬ذكر في صدر الية أنه أذن للمؤمنين بالقتال‪ ،‬ويلحظ أنه عبر عن المؤمنين بلفظ‪ ( :‬الذين يقاتلون ) ومن القواعد اللغوية‬

‫‪17‬‬

‫المعروفة أن تعليق الحكم بمشتق يفيد علية ما منه الشتقاق‪ ،‬في (يقاتلون) مشتق من المقاتلة‪ ،‬أي إن هؤلء المؤمنين‬

‫الذين أذن لهم بالقتال‪ ،‬كانوا يقاتلون أي‪ :‬يضطهدون ويعذبون‪ ،‬ويعلن عليهم القتال‪ ،‬فهذا صريح في أن العلة في الذن لهم‬
‫بالقتال وقوع الضطهاد عليهم من قبل‪ ،‬فهو بمثابة رد العدوان عنهم‪ ،‬ومعاملة المثل بالمثل‪ ،‬كما في قوله تعالى‪:‬‬

‫سيّئَةٌ مّ ْثُلهَا} [الشورى‪.]40 :‬‬
‫سيّئَةٍ َ‬
‫عَل ْي ُكمْ} [البقرة‪ ]194 :‬وقوله‪ { :‬وَجَزَاء َ‬
‫ع َتدَى َ‬
‫علَيْهِ بِمِ ْثلِ مَا ا ْ‬
‫{فَاعْ َتدُواْ َ‬

‫‪ -2‬وفي الية تصريح بأن هذا القتال الذي كانوا يقاتلون به إنما كان ظلما وعدوانا ل مسوغ له‪ ،‬وذلك في قوله في الية‪:‬‬
‫ظلِمُوا} فالمؤمنون في مكة لم يكونوا ظالمين ول متعسفين‪ ،‬إنما كانوا يدافعون عن العقيدة‪ ،‬ويدعون قومهم إلى‬
‫{ ِبأَ ّن ُهمْ ُ‬
‫التحرر من الوهام والخرافات‪ ،‬ومساوئ الخلق‪.‬‬

‫‪-3‬وفي الية الثانية تصريح بالحقائق التاريخية التي وقع فيها الضطهاد‪ ،‬ذلك أن هؤلء المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال كانوا‬
‫قد أخرجوا من ديارهم‪ ،‬وليس هنالك ظلم أشد من إخراج النسان من وطنه‪ ،‬وتشريده عن أرضه‪.‬‬

‫‪-4‬وفي الية نفسها بيان للسبب الذي من أجله أخرج هؤلء المؤمنون من ديارهم‪ ،‬وهو أنهم خالفوا قومهم في اعتناق‬

‫الوثنية‪ ،‬وعبادة اللهة الباطلة‪ ،‬وعبدوا ال الواحد الحد‪ ،‬فالقوم كانوا مضطهدين من أجل العقيدة‪ ،‬ل تريد قريش أن تكون‬
‫لهم حريتهم فيها‪.‬‬

‫‪-5‬وما دام المؤمنون كانوا ل يملكون حرية العتقاد‪ ،‬فالقتال الذي شرع إنما هو لتأمين هذه الحرية التي هي أغلى ما يعتز به‬
‫النسان من قيم هذه الحياة‪.‬‬

‫‪-6‬ثم بين ال أن هذا القتال الذي شرعه للمؤمنين ليست فائدته في تأمين الحرية الدينية لهم وحدهم‪ ،‬بل يستفيد منها أتباع‬
‫الديانات السماوية الخرى‪ ،‬وهي اليهودية والنصرانية‪ ،‬فإن المسلمين يومئذ كانوا يقاتلون وثنيين ل دين لهم‪ ،‬فإذا قويت‬
‫شوكتهم استطاعوا أن يحموا أماكن العبادة لليهود والنصارى مع حمايتهم للمساجد‪ ،‬كيل يستولي الوثنيون والملحدون‬

‫ضهُم‬
‫فيحاربوا الديانات اللهية‪ ،‬ويغلقوا أماكن العبادة لها‪ ،‬وذلك واضح في قوله في تلك الية‪َ { :‬و َلوْلَا دَ ْفعُ اللّهِ النّاسَ َبعْ َ‬

‫سمُ اللّهِ كَثِيرًا} ‪.‬‬
‫جدُ ُي ْذكَرُ فِيهَا ا ْ‬
‫ص َلوَاتٌ وَمَسَا ِ‬
‫صوَا ِمعُ وَبِ َيعٌ وَ َ‬
‫بِ َبعْضٍ ّل ُهدّمَتْ َ‬

‫والصوامع‪ :‬هي أماكن الخلوة للرهبان‪ ،‬وتسمى الديرة‪ .‬والبيع‪ :‬هي منائس النصارى‪ ،‬والصلوات‪ :‬هي كنائس اليهود‪ .‬وبذلك يتبين‬

‫بوضوح أن القتال في السلم ليس لمحو الديانات السماوية‪ ،‬وهدم معابدها‪ ،‬بل لحماية هذه الديانات السماوية من استعلء الملحدين‬

‫والوثنيين عليها‪ ،‬وتمكنهم من تدميرها وإغلقها‪.‬‬

‫‪-7‬وفي الية الثالثة تصريح بالنتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في هذا القتال المشروع‪ ،‬فهي ليست استعمار الشعوب‪،‬‬
‫ول أكل خيراتها‪ ،‬ول انتهاب ثرواتها‪ ،‬ول إذلل كراماتها‪ ،‬وإنما هي تنائج في مصلحة النسانية‪ ،‬ولفوائد المجتمعات‪ ،‬فهي‪:‬‬

‫‪i‬‬

‫صلَاةَ}‪.‬‬
‫‪-‬فهي لنشر السمو الروحي في العالم عن طريق العبادة {أَقَامُوا ال ّ‬

‫‪-‬المعروف أنها من القواعد الصولية ل اللغوية‪ ،‬وأيا ما كان فل مناسبة له هنا لن الية صرحت بالعلة ‪17 - -‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬

‫‪ii‬‬

‫‪iii‬‬

‫‪iv‬‬

‫‪-‬ولنشر العدالة الجتماعية بين الشعوب عن طريق الزكاة {وَآ َتوُا ال ّزكَاةَ}‪.‬‬

‫ولتحقيق التعاون على خير المجتمع وكرامته ورقيه {وَأَمَرُوا بِالْ َمعْرُوفِ }‪.‬‬‫‪-‬وللتعاون على مكافحة الشر والجريمة والفساد {وَ َن َهوْا عَنِ الْمُنكَرِ}‪.‬‬

‫تلك هي النتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في قتالهم مع أعدائهم‪ ،‬من إقامة دولة إسلمية تعمل على سمو الروح‪ ،‬وتكافل‬
‫المجتمع‪ ،‬ورقي النسان عن طريق الخير‪ ،‬ومنع انحداره عن طريق الشر‪ ،‬فأية غاية إنسانية أنبل من هذه الغاية التي شرع من أجلها‬

‫القتال في السلم‪ ،‬وأي قتال عرفته المم في القديم والحديث يساوي هذه الغاية في عموم الفائدة للناس جميعا وبناء المجتمعات على ما‬
‫يؤدي إلى رقيها وتطورها تطورا إنسانيا بناء‪ ،‬ل رجوع فيه إلى عهد الجاهلية الولى‪ ،‬من الباحية‪ ،‬والنحلل‪ ،‬واللحاد والحروب‪ ،‬وسفك‬

‫الدماء‪ ،‬كما هو شأن التطور الذي يتم في ظل هذه الحضارة الغربية المادية‪.‬‬

‫وإذا عرفنا أهدف السلم وغاياته من إباحة القتال‪ ،‬عرفنا معنى أنه في سبيل ال ‪ ،‬فالجهاد في سبيل ال هو جهاد لتحقيق الخير‬

‫والسلم والسمو والعدل في المجتمعات‪ ،‬وسبيل ال طريقه‪ ،‬والطريق إلى ال ل يكون إل عن طريق الخير والحب والتعاون على البر‬
‫والتقوى‪ ،‬ل على الثم والعدوان‪.‬‬

‫هذه كلمة موجزة عن أهداف السلم في مشروعية القتال والسباب التاريخية للذن به‪ .‬ثم نتكلم عن الدروس والعظات في‬

‫معارك السلم الولى‪ ،‬أي في عهد الرسول صلىال عليه وسلم‪ ،‬وقد كنت أود أن اتكلم عن دروس كل معركة على حدة‪ ،‬ولكن الوقت‬

‫ضيق وذلك يأخذ عشرات الصفحات‪ ،‬مما حملني على أن أجمع هذه العظات كلها في مرة واحدة‪ ،‬مستفيدا من كل معركة أكثر من درس‬
‫واحد‪ ،‬ولعلي أفصّل القول في دروس كل معركة على حدة في العام المقبل إن شاء ال‪ ،‬وفسح في الجل‪ ،‬وتفضل بتخفيض المرض‪.‬‬

‫‪-1‬كانت أولى المعارك بدرا‪ ،‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم قد خرج لعتراض قافلة قريش في عودتها من الشام إلى مكة‪،‬‬
‫ولكن القافلة نجت‪ ،‬وكان المشركون قد صمموا على القتال‪ ،‬فكان من أمر المعركة ما ذكرناه‪ .‬واعتراض قافلة قريش ل‬

‫يدل على الرغبة في أخذ الموال وقطع الطريق‪ ،‬كما يدعي الفاكون من المستشرقين‪ ،‬بل كان من بواعثه القتصاص من‬

‫قريش لخذ أموالها لقاء ما أخذت من أموال المؤمنين المهاجرين‪ ،‬فقد أجبرتهم أو أكثرهم على ترك دورهم وأراضيهم‬

‫وأموالهم‪ ،‬ومن علمت بهجرته بعد غيابه عن مكة باعت له دوره واستولت على أمواله‪ ،‬فشريعة المعاملة بالمثل المعترف‬
‫بها اليوم في القوانين الدولية تبيح مثل هذا العمل‪ ،‬كما هو الشأن بيننا وبين إسرائيل‪ .‬ومن المهم أن نلحظ أنه سبقت‬

‫غزوة بدر سبع محاولت لعتراض عير قريش‪ ،‬وكان الذين يخرجون فيها من المهاجرين فحسب‪ ،‬ولم يرسل فيها أنصاريا‬
‫واحدا‪ ،‬ذلك لن هؤلء المهاجرين إن اعترضوا قافلة قريش واستولوا عليها‪ ،‬فإنما يفعلون ذلك عن حق مشروع في جميع‬
‫القوانين اللهية‪ ،‬والشرائع الوضعية‪ ،‬ونشير إلى هذه المحاولت السبع وهي‪:‬‬

‫بعث حمزة على رأس سبعة أشهر من الهجرة‪ ،‬وسرية عبيدة بن الحارث على رأس ثمانية أشهر منها‪ ،‬وسرية سعد بن أبي وقاص على‬

‫رأس تسعة أشهر منها‪،‬‬

‫و (غزوة ودان) على رأس اثني عشر شهرا منها‪ ،‬و (غزوة بواط) على رأس‬

‫ثلثة عشر منها‪ ،‬و(غزوة‬

‫بدر الولى) في الشهر الثالث عشر أيضا‪ ،‬و(غزوة العشيرة) على رأس ستة عشر من الهجرة‪ .‬وكل هذه السرايا والغزوات كانت مؤلفة‬
‫من المهاجرين فحسب‪ ،‬ليس فيهم أنصاري واحد‪ ،‬وهذا يؤكد ماقلناه‪.‬‬

‫‪-2‬إن النصر في المعارك ل يكون بكثرة العدد‪ ،‬ووفرة السلح‪ ،‬وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش‪ ،‬وقد كان‬

‫الجيش السلمي في هذه المعارك‪ ،‬يمثل العقيدة النقية واليمان المتقد‪ ،‬والفرح بالستشهاد‪ ،‬والرغبة في ثواب ال وجنته‪،‬‬

‫كما يمثل الفرحة من النعتاق من الضلل‪ ،‬والفرقة والفساد‪ ،‬بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة‪ ،‬وتفسخ‬

‫الخلق‪ ،‬وتفكك الروابط الجتماعية‪ ،‬والنغماس في الملذات‪ ،‬والعصبية العمياء للتقاليد البالية‪ ،‬والباء الماضين‪ ،‬واللهة‬
‫المزيفة‪.‬‬

‫انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال‪ ،‬فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلثة أيام يشربون فيها الخمور‪،‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وتغني لهم القيان‪ ،‬وتضرب لهم الدفوف‪ ،‬وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم‪ ،‬وكانوا يظنون ذلك سبيل إلى النصر‪،‬‬

‫بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى ال بقلوبهم‪ ،‬يسألونه النصر‪ ،‬ويرجونه الشهادة‪ ،‬ويشمون روائح الجنة‪ ،‬ويخر الرسول‬
‫ساجدا مبتهل يسأل ال أن ينصر عباده المؤمنين‪ ،‬وكانت النتيجة أن انتصر التقياء الخاشعون‪ ،‬وانهزم اللهون العابثون‪.‬‬

‫والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين‪ ،‬وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة‪ ،‬يجد أن المشركين أكثر من المؤمنين أضعافا‬
‫مضاعفة‪ ،‬ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين‪ ،‬حتى في معركتي أحد وحنين حيث انتصر فيها المسلمون‪ ،‬ولول ما وقع من أخطاء‬
‫المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لمر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لما لقي المسلمون هزيمة قط‪.‬‬

‫‪-3‬إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة‪ ،‬وفرحه بلقاء عدوه مما يزيد القائد إقداما في تنفيذ خطته‪ ،‬وثقته‬
‫بالنجاح والنصر‪ ،‬كما حدث في معركة بدر‪.‬‬

‫‪-4‬إن على القائد أل يكره جيشه على القتال‪ ،‬إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحسسهم‪ ،‬كما فعل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة‪.‬‬

‫‪-5‬إن احتياط الجنود لحياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة‪ ،‬وعلى القائد ان يقبل ذلك‪ ،‬لن في حياته‬
‫حياة الدعوة‪ ،‬وفي فواتها خسارة المعركة‪.‬‬

‫وقد رأينا في معركة بدر كيف رضي النبي صلى ال عليه وسلم ببناء العريش له‪ ،‬ورأينا في بقية المعارك‪( :‬أحد) و (حنين)‪ ،‬كيف كان‬

‫المؤمنون الصاقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعا حول رسولهم‪ ،‬ويحمونه من سهام العداء‪ ،‬بتعريض أنفسهم لها‪ ،‬ولم يعرف عنه‬
‫صلى ال عليه وسلم أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد ال له‪ ،‬بل أثنى على هؤلء الملتفين حوله‪ ،‬كما رأينا في ثنائه على نسيبة أم‬

‫عمارة‪ ،‬ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولدها رفقاءه في الجنة‪.‬‬

‫‪-6‬إن ال تبارك وتعالى يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده‪ ،‬كما أنزل الملئكة يوم بدر‪ ،‬وأرسل‬
‫علَيْنَا‬
‫الريح يوم الحزاب‪ .‬ومادام هؤلء المؤمنون يحاربون في سبيله‪ ،‬فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال‪َ { :‬وكَانَ حَقّا َ‬

‫ن } [ الروم‪ ]47:‬وقال‪ { :‬إِنّ اللّهَ ُيدَا ِفعُ عَنِ اّلذِينَ آمَنُوا} [الحج‪.] 38:‬‬
‫َنصْرُ الْ ُمؤْمِنِي َ‬

‫‪ -7‬إن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه‪ ،‬وأن يفسح لهم المجال لعل ال يلقي في قلوبهم الهداية‪،‬‬
‫ومن هنا نفهم ميل رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى فداء السرى يوم بدر‪ ،‬فقد كان يرجو أن يهديهم ال وأن تكون‬

‫لهم ذرية من بعدهم تعبد ال وتدعو إليه‪ ،‬وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك‪ ،‬فلن هناك مصلحة أخرى‬
‫للسلم يومئذ‪ ،‬وهو إرهاب اعداء ال والقضاء على رؤوس الفتنة والضللة‪ ،‬ولو قتل السرى يوم بدر لضعفت مقاومة‬
‫قريش للقضاء على زعمائهل ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين‪.‬‬

‫ويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء‪ ،‬وهو أن العباس عم الرسول صلى ال عليه وسلم كان من بين السرى‪ ،‬وللعباس مواقف‬
‫في نصرة الرسول صلى ال عليه وسلم قبل إعلن إسلمه‪ ،‬فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرا‪ ،‬وكان يخبر الرسول عن كل تحركات‬

‫قريش‪ ،‬مما يؤكد عندي أنه كان مسلما يكتم إسلمه‪ ،‬فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين السرى لخالف‬

‫شرعته في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلما‪ ،‬و إن كان مشركا فشريعته ل تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم‬

‫والعداء من كل من يحارب ال ورسوله‪ ،‬ولغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به‪ ،‬ولضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى‬
‫في كل ما يصدر عنه‪ ،‬وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء‪.‬‬

‫‪-8‬إن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة‪ ،‬كما حصل في وقعة أحد‪ ،‬فلو أن رماة النبل الذين أقامهم‬

‫الرسول صلى ال عليه وسلم خلف جيشه ثبتوا في مكانهم كما أمرهم الرسول صلى ال عليه وسلم لما استطاع المشركون‬
‫أن يلتفوا من حولهم‪ ،‬ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى نصر في آخرها‪ ،‬وكذلك يفعل العصيان في ضياع الفرص‪ ،‬ونصر‬

‫العداء‪ ،‬وقد أنذر ال المؤمنين بالعذاب إن خالفوا أمر رسولهم‪ ،‬فقال‪[ } { :‬النور‪]63:‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪-9‬والطمع المادي في المغانم وغيرها يؤدي إلى الفشل فالهزيمة‪ ،‬كما حصل في معركة أحد حينما ترك الرماة مواقفهم طمعا‬
‫في إحرازالغنائم‪ ،‬وكما حصل في معركة حنين حين انتصر المسلمون في أولها‪ ،‬فطمع بعضهم في الغنائم‪ ،‬وتركوا تتبع‬

‫العدو‪ ،‬مما أدى إلى عودة العدو وهجومه على المسلمين‪ ،‬فانهزموا‪ ،‬ولول ثبات الرسول صلى ال عليه وسلم والمؤمنين‬
‫الصادقين حوله‪ ،‬لما تحولت الهزيمة بعد ذلك إلى نصر مبين‪ ،‬وكذلك الدعوات يفسدها ويفسد أثرها في النفوس طمع‬
‫الداعين إليها في مغانم الدنيا‪ ،‬واستكثارهم من مالها وعقارها وأراضيها‪ .‬إن ذلك يحمل الناس على الشك في صدق‬

‫الداعية‪ ،‬فيما يدعو إليه‪ ،‬واتهامه بأنه ل يقصد من دعوته وجه ال عزوجل‪ ،‬وإنما يقصد جمع حطام الدنيا باسم الدين‬
‫والصلح‪ ،‬ومثل هذا العتقاد في أذهان الناس صد عن دين ال‪ ،‬وإساءة إلى كل من يدعو إلى الصلح عن صدق‬
‫وإخلص‪.‬‬

‫‪-10‬و في ثبات ن سيبة أم عمارة‪ ،‬ووقوفها وزوجها وأولدها حول رسول ال صلى ال عليه وسلم حين انك شف المسلمون‬
‫يوم أحد‪ .‬دليل من الدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة السلم‪ ،‬وهو دليل‬

‫على حاجتنيا اليوم إلى أن تحميل المرأة المسيلمة عبيء الدعوة إلى ال مين جدييد‪ ،‬لتدعيو إلى ال فيي أوسياط الفتيات‬

‫والزوجات والمهات‪ ،‬ولتن شئ في أطفال ها حب ال ور سوله‪ ،‬وال ستمساك بال سلم وتعالي مه‪ ،‬والع مل لخ ير المجت مع‬
‫وصلحه‪.‬‬

‫وما دام ميدان الدعوة شاغرا من الفتاة المسلمة الداعية‪ ،‬أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن‪ ،‬فستظل الدعوة مقصرة في خطاها‪ ،‬وستظل‬
‫حر كة ال صلح عرجاء ح تى ي سمع ن صف ال مة و هن الن ساء – دعوة الخ ير وي ستيقظ في ضمائر هن وقلوب هن حب الخ ير والقدام على‬

‫الدين‪ ،‬والسراع إلى الستمساك بعروته الوثقى‪.‬‬

‫‪-11‬و في إ صابة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم بالجراح يوم أ حد عزا ٌء للدعاة في ما ينال هم في سبيل ال من أذى في‬
‫أجسيامهم‪ ،‬أو اضطهاد لحرياتهيم بالسيجن والعتقال‪ ،‬أو قضاءٍ على حياتهيم بالعدام والغتيال‪ ،‬وقيد قال ال تعالى فيي‬

‫كتابه الكريم‪﴿ :‬الم‪ ،‬أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يُفتنون‪ .‬ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ال الذين‬
‫صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾ [ العنكبوت ‪ 2‬و ‪]3‬‬

‫‪-12‬وفي ما فعله المشركون يوم أ حد من التمث يل بقتلى الم سلمين‪ ،‬وبخا صة حمزة عم الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬دل يل‬

‫واضح على خلوّ أعداء السلم من كل إنسانية وضمير‪ ،‬فالتمثيل بالقتيل ل يؤلم القتيل نفسه‪ ،‬إذ الشاة المذبوحة ل تتألم‬
‫من السلخ‪ ،‬ولكنه دليل على الحقد السود الذي يمل نفوسهم‪ ،‬فيتجلى في تلك العمال الوحشية التي يتألم منها كل ذي‬

‫وجدان حي‪ ،‬وضمير إنساني‪.‬‬

‫كذلك رأينا المشركين يفعلون بقتلى المسلمين يوم أحد‪ ،‬وكذلك رأينا اليهود يفعلون بقتلنا في معارك فلسطين‪ ،‬وكل الفريقين يصدرون عن‬
‫و ْر ٍد وا حد ناب ٍع من حنا يا نفو سهم ال تي ل تؤ من بال واليوم ال خر‪ ،‬ذلك هو الح قد على الم ستقيمين في هذه الحياة من المؤمن ين إيمانا‬
‫صحيحا صادقا بال ورسله واليوم الخر‪.‬‬

‫‪-13‬وفيي قبول الرسيول صيلى ال علييه وسيلم إشارة الحباب بن المنذر بالتحول من منزله الذي اختاره للمعركية يوم بدر‪،‬‬
‫وكذلك فيي قبول اسيتشارته يوم خييبر‪ ،‬ميا يحطيم غرور الديكتاتورييين المتسيلطين على الشعوب بغيير إرادة منهيا ول‬

‫ر ضى‪ ،‬هؤلء الذ ين يزعمون لنف سهم من الف ضل في عقول هم وب عد الن ظر في تفكير هم ما يحمل هم على احتقار إرادة‬

‫الش عب‪ ،‬والتعالي عن ا ستشارة عقلئه وحكمائه ومفكرّ يه‪ ،‬إذ كان ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الذي علم ال م نه‬

‫أكمل الصفات ما أ ّهلَه لحمل أعباء آخر رسالته وأكملها يقبل رأي أصحابه الخبيرين في الشؤون العسكرية‪ ،‬وفي طبيعة‬
‫الراضي التي تتطلبها طبيعة المعركة دون أن يقول لهم‪ :‬إني رسول ال‪ ،‬وحسبي أن آمر بكذا‪ ،‬وأنهى عن كذا‪ ،‬إذ قبل‬

‫منهم مشورتهم‪ ،‬وآراءهم فيما لم ينزل عليه وحي‪ ،‬فكيف بالمتسلّطين الذين رأينا كثيرا منهم ل يتفوّق عل الناس بعقل‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫ول علم ول تجربة‪ ،‬بل بتسلّطه على وسائل الحكم بعد أن توات يه الظروف في ذلك؟ كيف بهؤلء الذين هم أد نى ثقافة‬
‫وعلما وتجربة من كثير ممن يحكمونهم‪ ،‬أل يجب عليهم أن يستشيروا ذوي الراء‪ ،‬ويقبلوا بنصيحة الناصحين وحكمة‬

‫المجربين‪.‬‬

‫إن حوادث التار يخ القر يب والبع يد دلّت نا على أن غرور الديكتاتوري ين ق ضى علي هم وعلى أمت هم‪ ،‬وهوى بال مة إلى منحدر سحيق ي صعب‬
‫الصعود منه إل بعد عشرات السنين أو مئاتها‪ ،‬ففيما فعله الرسول صلى ال عليه وسلم من قبول مشورة الحباب في بدر وخيبر قدوة لكل‬
‫حاكم مخلص‪ ،‬ولكل قائد حكيم‪ ،‬ولكل داعية صادق‪.‬‬

‫وإن من أبرز شعارات الحكيم فيي ال سلم هو الشورى ﴿وأمر هم شُورى بي نه﴾ [الشورى‪ ]38 :‬وأبرز صفات الحا كم الم سلم الخالد في‬

‫التاريخ هو الذي يستشير ول يستبد‪ ،‬ويتداول الرأي مع ذوي الختصاص في كل موضوع يهمه أرمه ﴿وشاورهم في المر﴾ [آل عمران‪:‬‬

‫‪﴿ .]159‬فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ل تعلمون﴾ [النحل‪ 43 :‬والنبياء‪.]7 :‬‬

‫‪-14‬و في تقد مه ال صفوف في كل معر كة وخو ضه غمار ها مع هم إل في ما يش ير به أ صحابه‪ ،‬دل يل على أن مكان القيادة ل‬
‫يحتله إل الشجاع المتثبيت‪ ،‬وأن الجبناء خائري القوى ل يصيلحون لرئاسية الشعوب‪ ،‬ول لقيادة الجيوش‪ ،‬ول لزعامية‬

‫حركات الصيلح ودعوات الخيير‪ ،‬فشجاعية القائد والداعيية بفعله وعمله يفييد فيي جنوده وأنصياره في إثارة حماسيهم‬
‫واندفاع هم ما ل يفيده ألف خطاب حما سي يلقو نه على الجماه ير‪ .‬و من عادة الجنود والن صار أن ي ستمدوا قوت هم من‬
‫قوة قائدهم ورائدهم‪ ،‬فإذا ج بن في موا قف اللقاء‪ ،‬وضعف في موا طن الشدة‪ ،‬أ ضر بالقضية ال تي يحمل لواء ها ضررا‬

‫بالغا‪.‬‬

‫‪-15‬على الجنود وأنصار الدعوة ألّ يخالفوا القائد الحازم البصير في أمر يعزم عليه‪ ،‬فمثل هذا القائد وهو يحمل المسؤولية‬
‫الكبرى‪ ،‬جدير بالثقة بعد أن يبادلوه الرأي‪ ،‬ويطلعوه على ما يرون‪ ،‬فإن عزم بعد ذلك على أمر‪ ،‬كان عليهم أن يطيعوه‪،‬‬

‫ك ما ح صل بالر سول يوم صلح الحدي بة‪ ،‬ف قد اختار الر سول صلى ال عل يه و سلم شروط ال صلح‪ ،‬و تبين أن ها كا نت في‬

‫م صلحة الدعوة‪ ،‬وأن ال صلح كان ن صرا سياسيا له‪ ،‬وأن عدد المؤمن ين ب عد هذا ال صلح ازداد في سنتين أضعاف من‬
‫أسيلم قبله‪ ،‬هذا ميع أن الصيحابة شيق عليهيم بعيض هذه الشروط‪ ،‬حتيى خرج بعضهيم عين حدود الدب اللئق بيه ميع‬

‫ر سوله وقائده و قد ح صل م ثل ذلك بأ بي ب كر يوم بدأت حوادث ال ّردّة‪ ،‬ف قد كان رأي ال صحابة جميعا أل يخرجوا لقتال‬
‫المرتدين‪ ،‬وكان رأي أبي بكر الخروج‪ ،‬ولما عزم أمره على ذلك أطاعوه‪ ،‬فنشطوا للقتال‪ ،‬وتبين أن الذي عزم عليه أبو‬
‫بكر من قتال المرتدين هو الذي ثبّت السلم في جزيرة العرب‪ ،‬ومكّن المؤمنين أن ينساحوا في أقطار الرض فاتحين‬
‫هادين مرشدين‪.‬‬

‫‪-16‬ومما طلبه الرسول صلى ال عليه وسلم من نُعيم بن مسعود‪ ،‬أن يخذّل بين الحزاب ما استطاع في "غزوة الحزاب"‬

‫دل يل على أن الخدي عة في حرب العداء مشرو عة إذا كا نت تؤدي إلى الن صر‪ ،‬وأن كل طر يق يؤدي الى الن صر وإلى‬
‫القلل من سفك الدماء مقبول في نظر السلم‪ ،‬ما عدا الغدر والخيانة‪ ،‬وهذا من حكمته السياسية والعسكرية صلى ال‬

‫عليه وسلم‪ ،‬وهو ل ينافي مبادئ الخلق السلمية‪ ،‬فإن المصلحة في القلل من عدد ضحايا الحروب مصلحة إنسانية‪.‬‬

‫والمصلحة في انهزام الشر والكفر والفتنة مصلحة إنسانية وأخلقية‪ ،‬فاللجوء الى الخدعة في المعارك يلتقي مع الخلق النسانية التي‬

‫ترى في الحروب شرا كبيرا‪ ،‬فإذا اقتضت الضرورة قيامها‪ ،‬كان من الواجب إنهاؤها عن أي طريق كان‪ ،‬لن الضرورة تقدر بقدرها‪ ،‬وال‬

‫لم يشرع القتال إل لحما ية د ين أو أ مة أو أرض‪ ،‬فالخد عة مع العداء ب ما يؤدي إلى هزيمت هم‪ ،‬تعج يل بانت صار ال حق الذي يحار به أولئك‬

‫المبطلون‪ .‬ولذلك أثر عن الرسول صلى ال عليه وسلم في "غزوة الحزاب" قوله لعروة ابن مسعود‪" :‬الحرب خدعة" وهذا مبدأ مسلم به‬
‫في جميع الشرائع والقوانين‪.‬‬

‫‪-17‬و في قبوله صلى ال عل يه و سلم إشارة سلمان بح فر الخندق‪ ،‬و هو أ مر لم ت كن تعر فه العرب من ق بل‪ ،‬دل يل على أن‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫السلم ل يضيق ذرعا بالستفادة مما عند المم الخرى من تجارب تفيد المة وتنفع المجتمع فل شك أن حفر الخندق‬

‫أفاد إفادة كبرى في دفع خطر الحزاب عن المدينة‪ ،‬وقبول رسول ال هذه المشورة‪ ،‬دليل على مرونته صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬واستعداده لقبول ما يكون عند المم الخرى من أمور حسنة‪ ،‬وقد فعل الرسول مثل ذلك أكثر من مرة‪ ،‬فلما أراد‬

‫إنفاد كتبه إلى الملوك والمراء والرؤساء قيل له‪ :‬إن من عادة الملوك أ ّل يقبلوا كتابا إل إذا كان مختوما باسم مرسله‪،‬‬
‫فأمر على الفور بنقش خاتم له كتب عليه‪ :‬محمد رسول ال‪ ،‬وصار يختم به كتبه‪ ،‬ولما جاءته الوفود من أنحاء العرب‬

‫بعيد فتيح مكية تعلن إسيلمها‪ ،‬قييل له‪ :‬ييا رسيول ال إن مين عادة الملوك والرؤسياء أن يسيتقبلوا الوفود بثياب جميلة‬
‫فخ مة‪ ،‬فأ مر ر سول ال صلى ال عل يه و سلم أن تشترى له حلة‪ ،‬ق يل‪ :‬إن ثمن ها بلغ أربعمائة در هم‪ ،‬وق يل‪ :‬أربعمائة‬
‫بعير‪ ،‬وغدا يستقبل بها الوفود‪ ،‬وهذا هو صنيع الرسول الذي أرسل بآخر الديان وأبقاها إلى أبد الدهر‪ ،‬فان مما تحتمه‬

‫مصلحة أتباعه في كل زمان وفي كل بيئة أن يأخذوا بأحسن ما عند المم الخرى‪ ،‬مما يفيدهم‪ ،‬ول يتعارض مع أحكام‬
‫شريعتهيم وقواعدهيا العامية‪ ،‬والمتناع عين ذلك جمود ل تقبله طبيعية السيلم الذي يقول فيي دسيتوره الخالد‪﴿ :‬فبشير‬

‫عبادِ‪ ،‬الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه﴾ [الزمر‪ 17 :‬و ‪ ]18‬ول طبيعة رسوله الذي رأينا أمثلة عما أخذ من المم‬
‫الخرى‪ ،‬وهو القائل‪" :‬الحكمة ضالة المؤمن يتلمسها أنّى وجدها"‪ 18‬ويوم غفل المسلمون في العصور الخيرة‪ ،‬وخاصة‬

‫بعد عصر النهضة الوروبية عن هذا المبدأ العظيم في السلم‪ ،‬وقاوموا كل إصلح مأخوذ عن غيرهم مما هم في أشد‬
‫الحاجة اليه‪ ،‬أصيبوا بالنهيار‪ ،‬وتأخروا من حيث تقدم غيرهم ﴿ول عاقبة المور﴾ [الحج‪.]41 :‬‬

‫‪-18‬ومن وصايا رسول ال صلى ال عليه وسلم للجيش السلمي في "غزوة مؤتة" تلمس طابع الرحمة النسانية في قتال‬

‫السيلم‪ ،‬فهيو ل يقتيل مين ل يقاتيل‪ ،‬ول يخرب ميا يجده فيي طريقيه إل لضرورة ماسية‪ ،‬وقيد التزم أصيحابه مين بعده‬
‫والمسلمون في مختلف العصور بعد ذلك هذه الوصايا‪ ،‬فكانت حروبهم أرحم حروب عرفها التاريخ‪ ،‬وكانوا هم محاربون‬

‫أدمث أخلقا‪ ،‬وأشد رحمة من غيرهم وهم مسالمون‪ ،‬والتاريخ قد سجل للمسلمين صفحات بيضاء في هذا الشأن‪ ،‬كما‬

‫سجل لغيرهم صفحات سوداء‪ ،‬ول يزال يسجلها حتى اليوم‪ ،‬ومن منا ل يعرف الوحشية التي فتح بها الصليبيون بيت‬

‫المقدس‪ ،‬والن سانية الرحي مة ال تي عا مل ب ها صلح الد ين الفرن جة ح ين ا ستردها‪ ،‬و من من ل يذ كر وحش ية المراء‬
‫والجنود الصيليبيين حيين اسيتولوا على بعيض العواصيم السيلمية‪ ،‬كطرابلس‪ ،‬والمعرة وغيرهميا‪ ،‬ميع رحمية المراء‬

‫والجنود المسلمين حين استردوا تلك البلد من أيدي محتليها الغاصبين‪ ،‬ونحن اليوم نعيش في عصر النفاق الوروبي‬
‫في ادّعاء الحضارة والرح مة الن سانية و حب الخ ير للشعوب‪ ،‬و هم يخربون البلد‪ ،‬وي سفكون دماء العُزّل من الشيوخ‬

‫والن ساء والطفال‪ ،‬ول قد عش نا – ب كل أ سف – ع صر قيام إ سرائيل على أرض فل سطين ال سليبة‪ ،‬وعل مت الدن يا فظائع‬
‫اليهود الهمجية الوحشية في دير ياسين‪ ،‬وقبية‪ ،‬وحيفا‪ ،‬ويافا‪ ،‬وعكا‪ ،‬وصفد‪ ،‬وغيرها من المدن والقرى‪ ،‬ومع ذلك فهم‬

‫َيدّعون النسانية‪ ،‬ويعملون عكسها‪ ،‬ونحن نعمل للنسانية‪ ،‬ول نتشدق بها‪ ،‬ذلك أنّا شعب نحمل في نفوسنا حقا أجمل‬
‫المبادئ الخلق ية في ال سلم والحرب‪ ،‬وننفذ ها برا حة ضم ير واطمئنان‪ ،‬بين ما هم مجردون من هذه المبادئ في دا خل‬

‫نفوسهم‪ ،‬فل يجدون إل المناداة بها نفاقا وتخديرا‪ ،‬نحن شعب نؤمن بال القوي الرحيم‪ ،‬فل تكون قوتنا إل رحمة‪ ،‬وهم‬
‫ش عب يرون من النفاق أن ينكروا علي نا و صف ال بالقوة والب طش‪ ،‬زاعم ين أن هم ينعتو نه بال حب والرح مة‪ ،‬ف ما كان‬

‫لعلقتهم مع الشعوب وحروبهم مع المسلمين ومع أعدائهم من أبناء ملتهم أثر لهذا الحب ولهذه الرحمة‪ ،‬نحن شعب ما‬
‫كانت حروبنا إل لخير النسانية‪ ،‬فكنا أبرّ الناس بها‪ ،‬وهم قوم ما كانت حروبهم إل للغزو والسلب والتسلط والستعمار‪،‬‬
‫فكانوا أعدى الناس لها‪.‬‬

‫ومع ذلك فنحن اليوم في حروبنا معهم إنما ندافع عن أرض وحق وكرامة‪ ،‬فلن يجدينا التغنّي بمبادئنا مع قوم ل يفهمون مبادئ الرحمة‬
‫والشرف والنسانية‪ ،‬بل يجب علينا أن نستمر في كفاحنا لهم‪ ،‬متمسكين في معاركنا معهم بمبادئ رسولنا وشريعتنا حتى يحكم ال بيننا‬

‫‪.‬انظر "كشف الخفاء" للعجلوني في روايات هذا الحديث ‪18‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وبينهم‪ ،‬وهو أحكم الحاكمين‪.‬‬

‫‪-19‬إن الج يش إذا كان غ ير مت ساوٍ في الحماس واليمان والخلص‪ ،‬بل كان ف يه المتخاذلون والمرتز قة والمتهاونون‪ ،‬ل‬
‫يمك نه أن يض من الن صر على أعدائه‪ ،‬ك ما ح صل في "غزوة حن ين"‪ ،‬وكذلك شأن الدعوات ل يمكنها أن تعت مد على كثرة‬
‫المصفقين لها‪ ،‬بل على عدد المؤمنين بها المضحين في سبيلها‪.‬‬

‫‪-20‬ودرس آخر نستفيده من سيرة الرسول في حروبه ومعاركه‪ ،‬هو موقفه من اليهود‪ ،‬وموقف اليهود منه ومن دعوته‪،‬‬
‫فلقد حرص الرسول أول مقامه في المدينة أن يقيم بينه وبينهم علئق سلم‪ ،‬وأن يؤمّنهم على دينهم وأموالهم‪ ،‬وكتب‬

‫لهم بذلك كتابا‪ ،‬ولكنهم قوم غدر‪ ،‬فما لبثوا غير قليل حتى تآمروا على قتله‪ ،‬مما كان سببا في "غزوة بني النضير" ثم‬

‫نقضوا عهده في أ شد الموا قف حرجا "يوم الحزاب" م ما كان سببا في "غزوة ب ني قري ظة"‪ ،‬ثم تجمّعوا من كل جا نب‬
‫يهيّئون السلح ويبيّتون الدسائس‪ ،‬ويتجمّعون ليقضوا في غدر وخ سّة على المدينة والمؤمنين فيها‪ ،‬مما كان سببا في‬

‫"غزوة خيبر"‪.‬‬

‫هؤلء قوم ل تنفع معهم الحسنى‪ ،‬ول يصدق لهم وعد‪ ،‬ول يستقيم لهم عهد وكلما وجدوا غرة اهتبلوها‪ ،‬فهل كان على النبي من حرج‬
‫فيما فعله بهم؟ وهل كان عليه أن يتحمل دسائسهم وخياناتهم ونقضهم للعهود فيعيشوا وأصحابه دائما في جو من القلق والحذر وانتظار‬

‫الفتنة والمؤامرات؟ لقد ضمن النبي صلى ال عليه وسلم بحزمه معهم حدود دولته الجديدة‪ ،‬وانتشار دعوته في الجزيرة العربية كلها‪ ،‬ثم‬

‫من بعد ذلك إلى أرجاء العالم ول يلوم النبيّ على حزمه معهم إل يهوديّ أو متعصب أو استعماري وها هي سيرة اليهود في التاريخ بعد‬

‫ت ودسائسَ وإفسادا وخيانةً؟ ثم ها هي سيرتهم في عصرنا الحديث هل هي غير ذلك؟ ولقد كان فينا قبل حرب‬
‫ذلك‪ ،‬ألم تكن كلّها مؤامرا ٍ‬

‫فلسطين وقيام ا سرائيل فيها من يخدع بمعسول كلمهم فيدعوا إلى التعاون معهم‪ ،‬وكان في نا من يساق إلى دعوة التعاون معهم من ق بل‬

‫أ صدقائهم من الدول ال كبرى‪ ،‬وكا نت نتي جة ذلك التخاذل وفسولة الرأي في معال جة قض ية فل سطين‪ ،‬أ ما بعد ذلك فل يو جد من يغترّ ب هم‪،‬‬

‫ول يس ل نا سبيل إلى التخلص من شر هم إل حزم كحزم الر سول صلى ال عل يه و سلم في معاملت هم لنطمئن على بلد نا ولنتفرغ لدور نا‬
‫الجديد المقبل في حمل رسالة السلم والسلم إلى شعوب الرض قاطبة‪.‬‬

‫تلك أمانة نؤديها بصدق وإيمان إلى الجيل الجديد عساه يستطيع أن يفعل ما لم يستطع فعله جيلنا المتخاذل‪.‬‬
‫‪-21‬وفيي غزوة مؤتية كان أول لقاء بيين المسيلمين والروم‪ ،‬ولول أن العرب الغسياسنة قتلوا رسيولَ رسيولِ ال إلى أميير‬
‫بصرى‪ ،‬لكان من الممكن أن ل يقع الصدام‪ ،‬ولكن قتل رسوله إلى أمير بصرى يعتبر عملً عدائيا في جميع الشرائع‪،‬‬

‫ويدل على عدم ح سن الجوار‪ ،‬وعلى ت ثبيت ال شر من هؤلء عمال الروم و صنائعهم‪ ،‬ولذلك رأى ر سول ال صلى ال‬

‫عليه وسلم إرسال جيش مؤتة ليكون فيه إنذار لهم ولسادتهم الروم بقوة الدولة الجديدة واستعدادها للدفاع عن نفسها‬

‫حتيى ل يفكروا بالعدوان عليهيا‪ ،‬ولميا وصيل المسيلمون إلى مؤتية وجدوا جموعا مين الروم ومين العرب المتنصيرّة‬

‫الخاض عة لحكم هم قدّر ها المؤرخون بمائ تي ألف‪ ،‬وكان أ خو هر قل قد قاد الج يش وع سكر في "مآب" قرب عمّان اليوم‪،‬‬

‫مما يؤكد ما توقعه الرسول منهم في تصميمهم على مناجزة الدولة الجديدة والقضاء عليها توجّسا من قيام دولة عربية‬
‫مستقلة داخل الجزيرة العربية تكون نذيرا بانتهاء استعمارهم لبلدهم واستعبادهم لعربها القاطنين على حدودها مما يلي‬

‫الحجاز‪ ،‬وهكذا بدأت المعارك بين المسلمين والروم‪.‬‬

‫‪-22‬و في غروة تبوك أو الع سرة آيات بينات على ما يفعله اليمان ال صادق في نفوس المؤمن ين من إثارة عزائم هم للقتال‬
‫واندفاع أيدي هم في بذل المال و من ا ستعذابهم ال حر والعناء والت عب الشد يد في سبيل ال ومرضا ته‪ ،‬ولذلك ل ما تخلّف‬

‫ثلثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر‪ ،‬أمر الرسول صلى ال عليه وسلم بمقاطعتهم‪،‬‬

‫ل عن جمهور المسلمين‪ ،‬مما اضطر بعضهم إلى ربط نفسه بعمد المسجد‪،‬‬
‫فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فض ً‬

‫وآخر إلى احتباس نفسه في البيت‪ ،‬حتى تاب ال عليهم بعد أن أخذ المسلمون درسا بليغا فيمن يتخلف عن أداء الواجب‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫لغير عذر‪ ،‬إل أن يؤثر الراحة على التعب‪ ،‬والظل الظليل على حر الشمس وشدتها‪.‬‬

‫‪-23‬أما فتح مكة‪ ،‬ففيها من الدروس والعظات ما تضيق عن شرحه هذه الصفحات القلئل‪ ،‬ففيها نجد طبيعة الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم الداعية الذي ل يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلً‪ ،‬فقد م نّ عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم‬

‫إحدى وعشريين سينة لم يتركوا فيهيا طريقا للقضاء علييه وعلى أتباعيه وعلى دعوتيه إل سيلكوها‪ ،‬فلميا تيم له النصير‬

‫عليهيم‪ ،‬وفتيح عاصيمة وثنيتهيم‪ ،‬لم يزد على أن اسيتغفر لهيم‪ ،‬وأطلق لهيم حريتهيم‪ ،‬وميا يفعيل مثيل هذا ول فعله فيي‬

‫التارييخ‪ ،‬ولكنميا يفعله رسيول كرييم لم يرد بدعوتيه ملكا ول سييطرة‪ ،‬وإنميا أراد له ال أن يكون هاديا وفاتحا للقلوب‬

‫والعقول‪ ،‬ولهذا دخل مكة خاشعا شاكرا ل‪ ،‬ل يزهو كما يفعل عظماء الفاتحين‪.‬‬

‫‪-24‬وفيما فعله الرسول صلى ال عليه وسلم مع أهل مكة حكمة أخرى‪ ،‬فقد علم ال أن العرب سيكونون حملة رسالته إلى‬
‫العالم‪ ،‬فأب قى على حياة أ هل م كة و هم زعماء العرب ليدخلوا في د ين ال‪ ،‬ولينطلقوا ب عد ذلك إلى ح مل ر سالة الهدى‬

‫والنور إلى الشعوب‪ ،‬يبذلون من أرواحهم وراحتهم ونفوسهم ما أنقذ تلك الشعوب من عمايتها‪ ،‬وأخرجها من الظلمات‬
‫الى النور‪.‬‬

‫‪-25‬وآخر ما نذكره من دروسها ودروس معاركه الحربية صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هي العبرة البالغة بما انتهت اليه دعوة ال‬
‫من ن صر في أ مد ل يت صوره الع قل‪ ،‬وهذا من أ كبر الدلة على أن محمدا ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬وعلى أن‬

‫السلم دعوة ال التي تكفل بنصرها ونصر دعاتها والمؤمنين بها والحاملين للوائها‪ ،‬وما كان ال أن يتخلى عن دعوته‬
‫و هي حيق ورح مة ونور‪ ،‬وال هو ال حق وهيو الرح من الرح يم الذي و سعت رحم ته كيل شييء‪ ،‬وال نور ال سماوات‬
‫والرض‪ ،‬فمين يسيتطيع أن يطفيئ نور ال!‪ .‬وكييف يرضيى للباطيل أن ينتصير النصير الخيير على الحيق‪ ،‬وللهمجيية‬

‫والقسوة والفساد أن تكون لها الغلبة النهائية على الرحمة والصلح‪.‬‬

‫ولقد أصاب رسول ال صلى ال عليه وسلم والمسلمين جراح في معركتي أحد وحنين‪ ،‬ول بد في الدعوة من ابتلءٍ وجراح وضحايا ﴿‬
‫ولينصرنّ ال من ينصره‪ ،‬إن ال لقوي عزيز﴾ [الحج‪.]40 :‬‬
‫الفصل السادس ‪ -‬في أهم الحداث التي وقعت بعد فتح مكة‬
‫إلى وفاة الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫أ‪ -‬غزوة حنين‬
‫بعد أن فتح ال مكة على رسوله والمسلمين فانهارت بذلك مقاومة قريش التي استمرت إحدى وعشرين سنة منذ بدء الرسالة‪ ،‬تجمعت‬

‫هوازن لقتال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكانت معركة حنين التي تجد تفاصيلها في "سيرة ابن هشام"‪.‬‬
‫ونذكر من دروس هذه المعركة ما يلي‪:‬‬

‫‪ -1‬ما كان من غرور مالك بن عوف وعدم ا ستماعه لن صيحة در يد ا بن ال صمة حر صا م نه على الرئا سة‪ ،‬واغترارا م نه‬
‫بصواب فكره‪ ،‬وتكبّرا عن أن يقول قومه – وهو الشاب القوي المطاع ‪ :-‬قد استمع إلى نصيحة شيخ كبير لم يبق فيه‬
‫رمق من قوة‪ ،‬ولو أنه أطاع نصيحة دريد لجنّب قومه الخسارة الكبيرة في أموالهم‪ ،‬والعار الشنيع في سبي نسائهم‪،‬‬

‫ولكنه الغرور وكبرياء الزعامة يوردان موارد الهلكة ويجعلن عاقبة أمرها خسرا‪ ،‬فقد أبى له غروره أن يستسلم لقوة‬
‫ال سلم ال تي ذلت ل ها كبرياء قر يش ب عد طول كفاح وشد يد بلءٍ‪ ،‬و ظن أ نه ب ما م عه من رجال و ما عنده من أموال‪،‬‬

‫ي ستطيع أن يتغلب على قوة ال سلم الجديدة في روح ها‪ ،‬و في أهداف ها‪ ،‬و في تنظيم ها عل يه وعلى قو مه‪ ،‬ثم أ بى له‬

‫غروره إل أن يخرج معه نساء قومه وأموالهم ليحول ذلك دون هزيمتهم‪ ،‬وعدا نصيحة دريد الذي قال له‪ :‬إن المنهزم‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫ل يرده ش يء‪ ،‬فإ نه غ فل عن أن الم سلمين الذ ين سيحاربهم ل ي ستندون في رجاء الن صر على مال ول عدد ول عدة‪،‬‬

‫وإن ما ي ستندون إلى قوة ال العز يز الجبار‪ ،‬ووعده ل هم بالن صر والج نة‪ ،‬ول يمتنعون عن الهزي مة رغ بة في الحتفاظ‬

‫بن سائهم وأموال هم‪ ،‬بل رغ بة في ثواب ال وخوفا من عقا به الذي تو عد المنهزم ين في مياد ين الجهاد بأل يم العذاب‬
‫وشدييد النتقام ﴿ومين يولّهيم يومئذ دبره إل متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقيد باء بغضيب مين ال‪ ،‬ومأواه جهنيم‬

‫وبئس المصير﴾ [النفال‪.]16 :‬‬

‫وهكذا حلت الهزيمة بمالك وقبيلته هوازن ومن معه‪ ،‬ولم يقتصر شؤم غروره وكبريائه عليه وحده‪ ،‬بل أصاب قومه جميعا‪ ،‬لنهم أطاعوه‬
‫في هذا الغرور‪ ،‬ولما أنذرهم بأنهم إن لم يستجيبوا له‪ ،‬بقر بطنه بالسيف‪ ،‬سارعوا إلى طاعته‪ ،‬ولو أنهم اتبعوا نصيحة شيخهم المجرب‪،‬‬

‫وكفكفوا من كبرياء زعيمهم الشاب‪ ،‬لما أصابهم ما أصابهم‪ ،‬لقد خافوا من غضب هذا الزعيم المغرور عليهم‪ ،‬ولو أنهم سألوا أنفسهم‪:‬‬

‫ماذا يكون لو أغضبناه؟ لكان الجواب‪ :‬انهيم يفقدون زعيمهيم! وماذا في هذا؟ ماذا فيي ذهاب زعييم مغرور أنانيّ يرييد أن يسيتأثر بشرف‬

‫المعركة دون من هم أقدم وأخبر منه بالمعارك وشؤونها؟ وهل توازي حياة شخص حياة قبيلة أو أمة من الناس بأكملها؟ لقد حذّرنا ال‬
‫في القرآن من نتيجة هذا الستسلم الجماعي لهواء المغرورين من الكبراء والزعماء‪ ،‬يقول ال تعالى في قصة موسى مع فرعون‪﴿ :‬‬

‫فاستخف قومه فأطاعوه‪ ،‬إنهم كانوا قوما فاسقين‪ ,‬فلما آسفونا﴾ أغضبونا باعراضهم عن الحق واتباعهم لطاغيتهم المغرور ﴿انتقمنا منهم‬
‫فأغرقناهم أجمعين‪ ،‬فجعلناهم سلفا﴾ قدوة للعقاب ﴿ومثلً للخرين﴾ [الزخرف‪.]56 – 54 :‬‬

‫‪ -2‬ما كان من استعارة الرسول صلى ال عليه وسلم من صفوان وهو مشرك مائة درع مع ما يكفيها من السلح‪ ،‬ففيه‬
‫عدا وجوب ال ستعداد الكا مل لقتال العداء‪ ،‬جواز شراء ال سلح من الكا فر‪ ،‬أو ا ستعارته على أن ل يؤدي ذلك الى قوة‬

‫الكافر واستعلئه‪ ،‬واتخاذه من ذلك وسيلة لذى المسلمين وإيقاع الضرر بهم‪ ،‬فقد استعار الرسول من صفوان السلح‬

‫ب عد ف تح م كة‪ ،‬وكان صفوان من الض عف والهوان بح يث ل يقوى على فرض الشروط على ر سول ال صلى ال عل يه‬

‫و سلم‪ ،‬يدل على ذلك قوله للر سول ح ين طلب م نه ذلك‪ :‬أغَ صبا يا مح مد؟ فأجا به الر سول صلى ال عل يه و سلم‪ " :‬بل‬
‫عاريةً مضمونةً حتى نُؤديها إليك"‪.‬‬

‫وفي هذا أيضا مث ٌل من أمثلة النبل في معاملة المسلمين لعدائهم المنهزمين‪ ،‬فلو أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أراد أن يأخذها منه‬
‫غ صبا ل ستطاع‪ ،‬ول ما قدر صفوان أن يقول شيئا‪ ،‬ولك نه هدي النبوة في الن صر ومعاملة المغلوب ين‪ ،‬وال عف عن أموال هم ب عد أن تنت هي‬
‫المعركة ويلقوا السلح‪ ،‬وما علمنا أن أحدا فعل هذا قبل محمدٍ صلى ال عليه وسلم ول بعده‪ ،‬وفيما شهدناه من معاملة الجيوش المنتصرة‬
‫للمغلوبين والتسلط على أموالهم وكراماتهم وحقوقهم أكبر تأييد لما قلناه ﴿وال يقولُ الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الحزاب‪.]4 :‬‬

‫‪-3‬حين خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم للقتال في هذه المعركة‪ ،‬كان معه اثنا عشر ألفا‪ :‬عشرة آلف ممن خرجوا‬
‫معه من المدينة فشهدوا فتح مكة‪ ،‬وهم المهاجرون والنصار‪ ،‬والقبائل التي كانت تجاور المدينة‪ ،‬أو في طريق المدينة‪،‬‬

‫وألفان ممن أسلموا بعد الفتح‪ ،‬وكان أكثر هؤلء ممن لم تتمكن هداية السلم في قلوبهم بعد‪ ،‬وممن دخلوا في السلم‬

‫بعد أن انهارت كل آمالهم في مقاومته وإمكان التغلب عليه‪ ،‬ففي هذا الجيش كان المؤمنون الصادقون الذين باعوا ال‬

‫ض و هم‬
‫أرواح هم وأنف سهم في سبيل إعزاز دي نه‪ ،‬وف يه كان الضعاف في دين هم‪ ،‬والموتورون الذ ين أ سلموا على مض ٍ‬

‫ينطوون على الحقد على السلم والتألم من انتصاره‪ ،‬فلم يكن الجيش كله في مستوى واحد من قوة الروح المعنوية‪،‬‬

‫واليمان بالهداف ال تي يحارب من أجل ها‪ ،‬وف يه الراغبون في غنائم الن صر ومكا سبه‪ ،‬ولذلك كا نت الهزي مة أول ال مر‬

‫شيئا غير مستغرب‪ ،‬ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلم حين رأى كثرة من معه‪" :‬لن نغلب اليوم من قلة"‪ 19‬أي‪:‬‬
‫إن مثيل هذا الج يش في كثرة عدده ل يغلب إل مين أمور معنويية تتعلق بنفوس أفراده‪ ،‬تتعلق بإيمانهيم وقوة أرواحهيم‬
‫واخلصهم وتضحياتهم‪ ،‬وقد وضع لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم بذلك قاعدة جليلة‪ ،‬وهي أن النصر ل يكون بكثرة‬
‫لم يثبت هذا من قوله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقد رواه ابن اسحاق في المغازي‪ ،‬وفي سنده انقطاع وجهالة‪19 ،‬‬
‫‪.‬وقبل‪ :‬القائل ذلك‪ ،‬سلمة بن سلمة بن وقش‪ ،‬وقيل‪ :‬أبو بكر الصديق‪ ،‬وقيل‪ :‬العباس‪ ،‬وقيل‪ :‬رجل من بني بكر‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫العدد‪ ،‬ول بجودة ال سلح‪ ،‬وإن ما يكون بش يء معنوي يغ مر نفوس المحارب ين‪ ،‬ويدفع هم إلى التضح ية والفداء‪ ،‬و قد أ كد‬
‫القرآن الكريم على هذا في غير موضع‪ ،‬فقال تعالى‪﴿ :‬كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ال وال مع الصابرين﴾‬

‫[البقرة‪.]249 :‬‬

‫ن عنكم شيئا وضاقت‬
‫وفي اليات التي نزلت بعد انتهاء المعركة ما يشير بصراحة إلى هذا المعنى‪﴿ :‬ويوم حني نٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغ ِ‬
‫عليكم الرض بما رحبت ثم ولي تم مدبر ين‪ ،‬ثم أنزل ال سكينته على ر سوله وعلى المؤمن ين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا‪،‬‬
‫وذلك جزاء الكافرين﴾ [التوبة‪.]26-25 :‬‬

‫‪-4‬وفي قول بعض المسلمين لرسول ال صلى ال عليه وسلم وهم في طريقهم إلى المعركة‪ :‬يا رسول ال اجعل لنا ذات‬

‫أنواط ك ما ل هم ذات أنواط‪ ،‬و في جواب الر سول صلى ال عل يه و سلم‪" :‬قل تم – والذي ن فس مح مد بيده – ك ما قال قوم‬
‫موسى لموسى‪﴿ :‬اجعل لنا إلها كما لهم آلهة‪ ،‬قال إنكم قوم تجهلون﴾ [العراف‪ ]138 :‬إنها السنن‪ ،‬لتركبن سنن من‬
‫كان قبلكم"‪.‬‬

‫في هذا إشارة من رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى ما ستسلكه هذه المة من تقليد المم السابقة لها‪ ،‬وفيه تحذير من ذلك‪ ،‬وأنها ل‬

‫تسلكه إل من غلبة الجهالة عليها‪ ،‬فالمم التي تعرف وجوه الخير والفساد‪ ،‬وطريق الضرر والنفع‪ ،‬تأخذ الخير وتتمسك به‪ ،‬وتعرض عن‬
‫الفساد وتفر منه‪ ،‬وتأبى أن تسلك أيّ طريق يضر بها ولو سلكته المم وسارت فيه‪ ،‬فإذا سارت في طريق التقليد غير عابئة بنتائجه‪ ،‬كانت‬
‫قد وضعت الشيء في غير موضعه‪ ،‬وهذا هو الجهل الذي قال ال عنه‪﴿ :‬إنكم قوم تجهلون﴾‪ ،‬والمة الواثقة بنفسها‪ ،‬المعتزة بشخصيتها‪،‬‬

‫المطمئ نة إلى ما عند ها من حق وخ ير تأ بى أن ت سير وراء غير ها في ما يؤذي ها وينا في مبادئ ها‪ ،‬فإذا قلدت‪ ،‬كا نت ضعي فة الشخ صية‪،‬‬

‫مضطر بة التفك ير‪ ،‬م ستسلمة للهواء‪ ،‬مترد ية في الضعف والنحلل‪ ،‬وتلك هي الجاهل ية ال تي أنقذ نا ال من ها بر سوله وكتا به وشريع ته‪،‬‬

‫ليس العلم والجهل في نظر دعوات الصلح هما القراءة والمية‪ ،‬وإنما هما الهدى والضلل‪ ،‬والوعي والغباوة‪ ،‬فالمة الواعية لما يفيدها‬

‫ل منهجا‪ ،‬هي ال مة الجاهلة ولو كا نت تعرف ش تى‬
‫و ما يضر ها‪ ،‬هي ال مة العال مة ولو كا نت أم ية‪ ،‬وال مة ال تي ل تهتدي إلى الخ ير سبي ً‬
‫العلوم‪ ،‬وتحيط بمختلف الثقافات‪.‬‬

‫ان الذي هوى ويهوي بال مم – أي أ مة كا نت – ان ما هو ا ستيلء الجاهل ية على عوا طف أبنائ ها وأهوائ هم‪ ،‬واسألوا التار يخ‪ :‬هل انهارت‬

‫حضارة اليونان والرومان ال بسيطرة الجاهلية عليها‪.‬‬

‫ان المقلدين جهال مهما تعلموا‪ ،‬أطفال مهما كبروا‪ ،‬وسيظلون أولدا جهالً حتى يتحرروا‪.‬‬
‫‪-5‬في هذه المعركة بعد أن انهزم المسلمون أول المر‪ ،‬وتفرقوا عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ظن شيبة بن عثمان‬
‫أ نه سيدرك ثأره من رسول ال صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وكان أبوه قد ق تل في معر كة أ حد‪ ،‬قال شي بة‪ :‬فل ما اقتر بت من‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم لقتله أقبل شيء تغشى فؤادي‪ ،‬فلم أطق ذلك‪ ،‬وعلمت أنه ممنوع مني‪.‬‬

‫ول قد تكررت في ال سيرة م ثل هذه الحاد ثة‪ ،‬تكررت مع أ بي ج هل‪ ،‬و مع غيره في م كة‪ ،‬و في المدي نة‪ ،‬وكل ها تت فق على أن ال قد أحاط‬
‫ر سوله ب جو من الره بة أفزع الذ ين كانوا يتآمرون على قتله‪ ،‬وهذا دل يل على صدق الر سول صلى ال عل يه و سلم في دعوى الر سالة‪،‬‬

‫وعلى أن ال ق ضى بح فظ نبيه من كل ك يد‪ ،‬وببقائه حيا‪ ،‬ح تى يبلغ الر سالة‪ ،‬ويؤدي الما نة‪ ،‬وين قذ جزيرة العرب من جاهليت ها‪ ،‬ويقذف‬
‫بأبنائها في وجه الدنيا‪ ،‬يعلمون‪ ،‬ويهذّبون‪ ،‬وينقذون‪ ،‬ولول حماية ال لرسوله‪ ،‬لقضى المشركون على حياته منذ أوائل الدعوة‪ ،‬ولما كمل‬

‫الد ين‪ ،‬وت مت النع مة‪ ،‬وو صل إلي نا نور الر سالة وهدايت ها ورحمت ها‪ ،‬ول ما تحول مجرى التار يخ تحوله الذي خلص الن سانية من عمايت ها‬
‫وشقائ ها بانتشار ال سلم‪ ،‬وانتهاء عهود التح كم بالشعوب‪ ،‬وال ستبداد بت صريف شؤون ها‪ ،‬من ملوك ورؤ ساء أقاموا سلطانهم على الب غي‬

‫والظلم‪ ،‬ومنع الشعوب من أن تشعر بكرامتها‪ ،‬أو تثأر لظلمتها‪ ،‬ولقد تم كل هذا بفضل حماية ال لرسوله‪ ،‬حتى أدى المانة كاملة غير‬
‫منقوصة‪.‬‬

‫ل جرم أن فضيل ال كان على رسيوله عظيما ﴿وكان فضيل ال علييك عظيما﴾ [النسياء‪ .]113:‬وأن فضيل رسيوله على البشريية كان‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫عظيما‪﴿ ،‬وما أرسلناك إل رحمة للعالمين﴾ [النبياء‪.]107 :‬‬

‫ول جرم في أن نجاة دعاة الحق من كيد أعدائه ومن تربصهم بهم‪ ،‬هو استمرار لذلك الفضل العظيم الذي ابتدأ بحماية رسوله‪.‬‬

‫وأن على الدعاة أن يلجؤوا دائما – ب عد الحتراس والحذر – إلى ك نف ال‪ ،‬ويحتموا بعز ته و سلطانه‪ ،‬ويثقوا بأن ال مع هم ن صير‪ ،‬ول هم‬
‫حفيظ‪ ،‬وأن من أراد ال له النجاة من كيد أعداء الهداية سينجو مهما يكن سلطانهم شديد الوطأة‪ ،‬عظيم الكيد والتآمر والجرام‪ ،‬فالحماية‬

‫حماية ال‪ ،‬والنصر نصره‪ ،‬والخذلن خذلنه‪ ،‬والنافذ قضاؤه وأمره‪﴿ ،‬إن ينصركم ال فل غالب لكم﴾ [آل عمران‪ ]160 :‬ومهما يعظم كيد‬
‫النسان الظالم‪ ،‬فان نصر ال العادل أ عز وأعظم‪ ،‬فل يج بن داع ية ول يخف مصلح‪ ،‬ول يتأ خر عن تأدية الحق مؤ من بال‪ ،‬واثق بعونه‬
‫وتأييده ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم‪﴿ ]47 :‬إن الذين يحادون ال ورسوله أولئك في الذلين‪ .‬كتب ال لغلبن أنا ورسلي إن‬

‫ال قوي عزيز﴾ [المجادلة‪ ]21-20 :‬ول ينافي هذا نجاح أعداء ال في الوصول إلى بعض أئمة الهدى من دعاة الصلح‪ ،‬وتمكنهم من‬
‫القضاء علي هم‪ ،‬أو ايقاع الذى ب هم‪ ،‬فان الموت حق‪ ،‬و هو ن صيب ا بن آدم ل محالة‪ ،‬ف من يك تب عل يه الموت بأيدي الظالم ين‪ ،‬فان ما هي‬
‫كرامة أكرمه ال بها‪ ،‬وفضل أنعم به عليه‪ ،‬وكل موت في سبيل ال شهادة‪ ،‬وكل أذى في دعوة الحق شرف‪ ،‬وكل بلء بسبب الصلح‬

‫ل إل كتب لهم‬
‫خلود ﴿ذلك بأنهم ل يصيبهم ظمأ ول نصب ول مخمصة في سبيل ال ول يطؤن موطئا يغيظ الكفار‪ ،‬ول ينالون من عدو ني ً‬

‫به عمل صالح‪ ،‬إن ال ل يضيع أجر المحسنين﴾ [التوبة‪.]120 :‬‬

‫‪-6‬فوجئ المسلمون أول المعركة بكمين أعدائهم لهم‪ ،‬مما أدى إلى وقوع الخلل في صفوف المسلمين واضطرابهم وتفرّقهم‬

‫عن ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬ولم يث بت م عه ال القل يل‪ ،‬ثم أ خذ ر سول ال ينادي‪ :‬أي ها الناس! هل مو ال يّ‪ ،‬أ نا‬

‫رسول ال‪ ،‬أنا محمد بن عبد ال‪ ،‬فلم يسمع الناس صوته‪ ،‬فطلب من العباس – وكان جهوري الصوت – أن ينادي في‬

‫الناس‪ :‬يا معشر النصار‪ ،‬يا معشر أصحاب السمرة! فأجابوا‪ :‬لبيك لبيك‪ ،‬فيذهب الرجل ليثني بعيره‪ ،‬فل يقدر على ذلك‪،‬‬

‫فيأخذ درعه‪ ،‬فيقذفها في عنقه‪ ،‬ويأخذ سيفه وترسه‪ ،‬ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله‪ ،‬ثم يؤم الصوت حتى ينتهي الى‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى إذا اجتمع اليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا ثم كان النصرُ‪.‬‬

‫في هذا المو قف عدة من ال عبر والدروس يجدر بدعاة ال حق وجنوده أن يقفوا عندها طويل‪ ،‬فإن انهزام الدعوة في معركة قد يكون ناشئا‬
‫من و هن في عقيدة ب عض أبنائ ها‪ ،‬وعدم اخل صهم لل حق‪ ،‬وعدم ا ستعدادهم للتاف ني في سبيله‪ ،‬ك ما أن ثبات قائد الدعوة في الزمات‪،‬‬

‫وجرأ ته‪ ،‬وثق ته بال ون صره‪ ،‬له أ ثر كبير في تحو يل الهزي مة الى ن صر‪ ،‬و في تقو ية قلوب الضعاف والمتردد ين م من م عه‪ ،‬وللثابت ين‬

‫الصادقين من جنود الحق والتفافهم حول قائدهم الجريء المخلص‪ ،‬أثر كبير أيضا في تحويل الهزيمة إلى نصر‪ ،‬إن الذين ثبتوا مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم بعد الهزيمة أول المعركة‪ ،‬ثم الذين استجابوا لنداء الرسول صلى ال عليه وسلم لم يتجاوزوا مائة‪ ،‬وعندئذ ابتدأ‬

‫التحول في سير المعر كة‪ ،‬وابتدأ ن صر ال لعباده المؤمن ين‪ ،‬وابتدأ تخاذل أعدائه‪ ،‬ووقوع الو هن في قلوب هم و صفوفهم‪ ،‬وكل ما تذ كر قائد‬
‫الدعوة وجنودها أنهم على حق‪ ،‬وأن ال مع المؤمنين الصادقين‪ ،‬ازدادت معنوياتهم قوة‪ ،‬وازداد إقدامهم على الفداء والتضحية‪.‬‬
‫وفي قوله صلى ال عليه وسلم‪" :‬أنا رسول ال"‪ ،‬وفي رواية غير ابن هشام أنه قال‪:‬‬

‫ي ل كذب‪ ،‬أ نا ا بن ع بد المطلب" دللة على صدق ر سول ال صلى ال عل يه و سلم في دعوى الر سالة وثق ته بن صر ر به‪ ،‬وهكذا‬
‫"أ نا ال نب ّ‬
‫ينب غي أن يكون القائد دائما وأبدا في الشدائد‪ ،‬واثقا من نف سه‪ ،‬ملتجئا إلى ر به‪ ،‬متأكدا من ن صره له وعناي ته به‪ ،‬فإن لث قة القائد بهد فه‬

‫وغايته ورسالته أكبر الثر في نجاحه والتفاف الناس حوله‪ ،‬ولها أكبر الثر في تخفيف الشدائد عن نفسه وتحمل آلمها راضيا مطمئنا‪.‬‬
‫‪-7‬وفي موقف أم سليم بنت ملحان مفخرة من مفاخر المرأة المسلمة في صدر السلم‪ ،‬فقد كانت في المعركة مع زوجها‬
‫أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها وهي حامل‪ ،‬ومعها جمل لبي طلحة وقد خشيت أن يفلت منها‪ ،‬فأدخلت يدها‬

‫في خزامته (وهي حلقة من شعر تجعل في أنف البعير) مع الخطام‪ ،‬فرآها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال لها‪ :‬أم‬
‫سليم؟ قالت‪ :‬نعم بأبي أنت وأمي يا رسول ال! أقتل هؤلء الذين ينهزمون عنك كما تقاتل الذين يقاتلونك‪ ،‬فإنهم لذلك‬

‫أهل‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أو يكفي ال يا أم سليم! وكان معها خنجر‪ ،‬فسألها زوجها أبو طلحة عن‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫سر وجوده معها! فقالت‪ :‬خن جر أخذته‪ ،‬إن دنا م ني أحد من المشركين بعج ته به! فأعجب بها أ بو طلحة‪ ،‬ول فت نظر‬

‫الرسول إلى ما تقول‪.‬‬

‫هكذا كا نت المرأة الم سلمة‪ ،‬وهكذا ينب غي أن تكون‪ :‬جريئة ت سهم في معارك الدفاع بحضور ها بنف سها‪ ،‬ح تى إذا احت يج الي ها أو د نا من ها‬
‫العداء‪ ،‬ردت عدوانه بنفسها كيل تؤخذ أسيرة مغلوبة‪ ،‬وللمرأة المسلمة في تاريخ السلم حين نشوئه صفحات مشرقة من الفداء والبلء‬

‫والتضحية والشجاعة‪ ،‬مما يصفع أولئك المتعصبين من المستشرقين وغيرهم من الغربيين الذين زعموا لقومهم أن السلم يهين المرأة‬

‫ويحتقر ها‪ ،‬ول يج عل ل ها مكان ها اللئق في المجت مع في حدود ر سالتها الطبيع ية‪ ،‬بل تمادى ب هم ال فك الى الدّعاء بأن ال سلم ل يف سح‬
‫مجالً للمرأة في الجنة‪ ،‬فل تدخلها مهما عملت من خير‪ ،‬وقدّمت من عبادة وتقوى!!‪.‬‬

‫وبقطع النظر عن نصوص القرآن والسنة الصريحة في رد هذا الفتراء‪ ،‬فإن تاريخ السلم نفسه‪ ،‬قد سجل للمرأة المسلمة‪ ،‬من المآثر في‬

‫نشره‪ ،‬والدعوة اليه‪ ،‬والتضحية في سبيله ما لم يسجله للمرأة دين من الديان قط‪ ،‬وما وقع من أم سليم في هذه المعركة (معركة حنين)‬

‫مثال من مئات المثلة الناط قة بذلك‪ ،‬ون حن ل يهم نا الرد على أعداء ال سلم المتع صبين في هذا الموضوع بقدر ما يهم نا أن نت خذ من‬
‫حادثة أم سليم هنا درسا بليغا يحفّزنا على دعوة المرأة المسلمة من جديد للقيام بدورها الطبيعي في خدمة السلم‪ ،‬وتربية أجيالنا المقبلة‬

‫على هد ية ومبادئه‪ ،‬إن المرأة الم سلمة اليوم‪ ،‬ب ين صالحة م ستقيمة تكت في من صلحها باقا مة ال صلوات‪ ،‬وقراءة القرآن‪ ،‬والب عد عن‬
‫المحرمات‪ ،‬وب ين منحر فة في تيار الحضارة الغرب ية‪ ،‬قد ا ستبدلت بآداب ال سلم آداب ها‪ ،‬وبأخلق المرأة العرب ية الم سلمة أخلق المرأة‬

‫الغربيية التيي جرت عليهيا وعلى أسيرتها وشعبهيا البلء والشقاء‪ ،‬وإذا كان بعيض الناس قيد أخذوا على عاتقهيم تجرييد المرأة العربيية‬
‫ل وخلودا في المآ ثر والمكرمات‪ ،‬فإن ال سلم وتاري خه‬
‫الم سلمة من أخلق ها وخ صائصها ال تي ر بت ب ها أكرم أجيال التار يخ سموا ونب ً‬

‫وبخا صة تار يخ ر سوله صلى ال عل يه و سلم‪ ،‬يه يب ب ها اليوم أن تتقدم من جد يد لتخدم ال سلم والمجت مع ال سلمي في حدود وظيفت ها‬

‫الطبيع ية‪ ،‬ور سالتها التربو ية‪ ،‬وخ صائصها الكري مة‪ ،‬من ن بل‪ ،‬وع فة‪ ،‬وحش مة‪ ،‬وحياء‪ ،‬ترى هل تع يد فتيات نا الم سلمات المتدينات تار يخ‬

‫خديجة‪ ،‬وعائشة‪ ،‬وأسماء‪ ،‬والخنساء‪ ،‬وأم سليم‪ ،‬وأمثالهن؟ هل يعدن إلينا اليوم تاريخ هؤلء المؤمنات الخالدات‪ ،‬والنجوم الساطعات؟ هل‬

‫ي صعب أن يو جد في هن اليوم عشرات من خدي جة‪ ،‬وعائ شة‪ ،‬وأسماء‪ ،‬وأم سليم؟ كل‪ ،‬ول كن التوج يه ال صحيح‪ ،‬واليمان الوا عي المشرق‪،‬‬
‫كفيل بذلك وأكثر منه‪ ،‬فمن التي تفتح سجل الخلود للمرأة العربية المسلمة في عصرنا الحاضر‪ ،‬غير عابئة بتضليل المضللين‪ ،‬واستهزاء‬
‫المستهزئين من أعداء الخير والحق والفضيلة والدين؟‬

‫‪-8‬وفي هذه المعركة مر رسول ال صلى ال عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد‪ ،‬والناس متقصفون (مزدحمون)‬
‫علي ها‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذا؟ قالوا‪ :‬امرأة قتل ها خالد بن الول يد‪ ،‬فقال ر سول ال صلى ال عل يه و سلم لب عض من م عه‪ :‬أدرك‬
‫خالدا فقل له‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا‪ ،‬أو امرأة‪ ،‬أو عسيفا (أجيرا)‪.‬‬

‫ل شك في أن الن هي عن ق تل الضعفاء‪ ،‬أو الذ ين لم يشاركوا في القتال‪ ،‬كالرهبان‪ ،‬والن ساء‪ ،‬والشيوخ‪ ،‬والطفال‪ ،‬أو الذ ين أ جبروا على‬
‫القتال‪ ،‬كالفلحين‪ ،‬والجراء (العمال) شيء تفرد به السلم في تاريخ الحروب في العالم‪ ،‬فما عهد قبل السلم ول بعده حتى اليوم مثل‬
‫هذا التشريع الفريد المليء بالرحمة والنسانية‪ ،‬فلقد كان من المعهود والمسلم به عند جميع الشعوب أن الحروب تبيح للمة المحاربة قتل‬

‫جميع فئات الشعب من أعدائها المحاربين بل استثناء‪ ،‬وفي هذا العصر الذي أعلنت فيه حقوق النسان‪ ،‬وقامت أكبر هيأة دولية عالمية‬

‫لمنع العدوان‪ ،‬ومساندة الشعوب المستضعفة كما يقولون‪ ،‬لم يبلغ الضمير النساني من السمو والنبل حدا يعلن فيه تحريم قتل تلك الفئات‬
‫ل جماعيا‪ ،‬كما كان عهدنا‬
‫من الناس‪ ،‬وعهدنا بالحربين العالميتين الولى والثانية تدمير المدن فوق سكانها‪ ،‬واستباحة تقتيل من فيها تقتي ً‬

‫بالحروب الستعمارية ضد ثورات الشعوب التي تطالب بحقها في الحياة والكرامة‪.‬‬

‫إن الم ستعمرين ي ستبيحون في سبيل إخماد تلك الثورات تخر يب المدن والقرى وق تل سكانها باللف وعشرات اللف‪ ،‬ك ما فعلت فرن سا‬
‫أك ثر من مرة في الجزائر‪ ،‬وك ما فعلت إنجلترا في أك ثر من م ستعمرة من م ستعمراتها‪ ،‬وك ما تف عل اليوم البرتغال في م ستعمراتها في‬
‫إفريقيا‪.‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫كما أننا لم نعهد قط في التاريخ شعب من شعوب العالم القديم والحديث النهي عن قتل العمال والفلحين الذين يجبرون على الحرب جبرا‪،‬‬

‫ولكن السلم جاء قبل أربعة عشر قرنا بالنهي الصريح عن قتلهم‪ ،‬ولم يقتصر المر على مجرد النهي تشريعا‪ ،‬بل كان ذلك حقيقة وواقعا‪،‬‬
‫فه نا في معر كة حن ين ترى الر سول صلى ال عل يه و سلم نف سه و هو صاحب الشري عة ومبلغ ها عن ال إلى الناس‪ ،‬يغ ضب لق تل امرأة‪،‬‬

‫ويرسيل إلى ب عض قواده أن ل يتعرض للنسياء والطفال والجراء‪ ،‬وحيين جهيز جييش أسيامة لقتال الروم – قبيل وفاتيه بأيام – كان مميا‬
‫أوصاهم به‪ :‬المتناع عن قتل النساء‪ ،‬والطفال‪ ،‬والعجزة‪ ،‬والرهبان الذين ل يقاتلون‪ ،‬أو ل يعينون على قتال‪ ،‬وكذلك فعل خليفته أبو بكر‬

‫الصديق رضي ال عنه ح ين أنفذ بعث أسامة‪ ،‬وحين كان يو جه الجيوش للقتال في سبيل ال‪ :‬في سبيل الحق والخير والهدى والعدالة‪،‬‬

‫وكذلك فعل سيف ال خالد بن الول يد رضي ال ع نه في فتو حه بالعراق‪ ،‬فلم يتعرض للكارين (الفلحين) العاكفين على زرا عة أراضيهم‬

‫بسوء‪ ،‬وهكذا أصبح من تقاليد الجيش السلمي في كل مكان‪ ،‬وفي مختلف العصور هذه المبادئ النسانية النبيلة التي لم يعرفها تاريخ‬

‫ج يش من جيوش الرض‪ ،‬ويدلك على حرص الج يش ال سلمي على هذه التقال يد معاملة صلح الد ين لل صليبيين ب عد أن انت صر علي هم‪،‬‬
‫واسترد منهم بيت المقدس‪ ،‬فقد أعطى المان للشيوخ‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬والنساء‪ ،‬والطفال‪ ،‬بل وللمحاربين الشداء‪ ،‬فأوصلهم إلى جماعاتهم‬

‫بحراسة الجيش السلمي‪ ،‬لم يمسسهم سوء‪ ،‬بينما كان موقف الصليبيين حين فتحوا بيت المقدس يتجلى فيه الغدر‪ ،‬والخسة‪ ،‬والوحشية‪،‬‬
‫والدناءة‪ ،‬ف قد أ من ال صليبيون سكان ب يت المقدس الم سلمين على أرواح هم وأموال هم‪ ،‬إذا رفعوا الرا ية البيضاء فوق الم سجد الق صى‪،‬‬
‫فاحتشد فيه المسلمون مخدوعين بهذا العهد‪ ،‬فلما دخل الصليبيون بيت المقدس ذبحوا كل من التجأ إلى المسجد القصى تذبيحا عاما‪ ،‬وقد‬

‫بلغ من ذبحوا ف يه سبعين ألفا من العلماء‪ ،‬والزهاد‪ ،‬والن ساء‪ ،‬والطفال‪ ،‬ح تى إن كاتبا صليبيا ر فع البشارة بهذا الف تح ال مبين إلى البا با‪،‬‬
‫وقال فيه مباهيا‪ :‬لقد سالت الدماء في الشوارع حتى كان فرسان الصليبيين يخوضون في الدماء إلى قوائم خيولهم‪.‬‬

‫إننا ل نقول اليوم هذا للمفاخرة والمباهاة بتاريخ فتوحاتنا وقوادنا وجيوشنا التي قال فيها "لوبون"‪" :‬ما عرف التاريخ فاتحا أرحم ول أعدل‬
‫من العرب" وإن ما نقول هذا لنن به الى أن نا ك نا أر حم بالن سانية وأبر ب ها من هؤلء الغربي ين و هم في القرن العشر ين‪ ،‬والى أن هؤلء‬

‫الغربي ين ح ين يتحدثون الي نا عن حقوق الن سان ويوم الطفال‪ ،‬ويوم المهات‪ ،‬تدليلً من هم على سمو حضارت هم ان ما يخدعون نا ن حن‪ ،‬بل‬
‫يخدعون السذج والسخفاء‪ ،‬وفاقدي الثقة بأمتهم وتاريخهم‪ ،‬ممن يزعمون أنهم أبناؤنا ومثقفونا‪.‬‬

‫نر يد أن يكون جيل نا المعا صر واعيا لهذه الد سائس‪ ،‬واثقا بدي نه وترا ثه الحضاري الن ساني النب يل‪ ،‬فل يخ ضع لهؤلء الغربي ين خضوع‬
‫الفقير الذليل أمام الغني القوي‪ ،‬ول يتهافت على زادهم الفكري دون تمييز بين غثه وسمينه‪ ،‬تهافت الفراش على النار ليحترق بها‪.‬‬

‫لقيد أثبيت العلم أن السيلم خيير الديان‪ ،‬وأقربهيا الى فطرة النسيان‪ ،‬وأضمنهيا لصيلح الناس‪ ،‬وأثبيت التارييخ أن حروب السيلم أرحيم‬
‫الحروب‪ ،‬وأقلها بلءا‪ ،‬وأكثرها خيرا‪ ،‬وأنبلها هدفا‪ ،‬وفي كل يوم جديد برهان جديد على أن السلم دين ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال‪ ،‬وأن‬

‫المسلمين الصادقين صفوة عباد ال وخيرتهم من الناس أجمعين‪﴿ .‬سنريهم آياتنا في الفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق‪ ،‬أو لم‬
‫يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت‪.]53 :‬‬

‫‪-9‬بعد أن تبع رسول ال صلى ال عليه وسلم والمسلمون من انهزم من هوازن الى ثقيف بالطائف‪ ،‬وحاصرها أياما فلم‬
‫تفتح عليه‪ ،‬عاد الى المدينة وفي الطريق قسم غنائم معركة حنين‪ ،‬وكانت ستة آلف من الذراري والنساء‪ ،‬ومن البل‬

‫والشياه مال يدرى عد ته‪ ،‬و قد أع طى ق سما كبيرا من ها لشراف من العرب يتألف هم على ال سلم‪ ،‬وأع طى كثيرا من ها‬

‫لقر يش‪ ،‬ولم ي عط من ها للن صار شيئا‪ ،‬وتكلم بعضهم في ذلك متألم ين من حرمانهم من هذه الغنائم‪ ،‬ح تى قال بعضهم‪:‬‬

‫ل قي رسول ال صلى ال عل يه وسلم قو مه‪ ،‬أي إ نه لم يعد يذكر نا بعد أن ف تح ال مكة ودا نت قر يش بالسلم‪ ،‬فج مع‬
‫ر سول ال صلى ال عل يه و سلم الن صار وخ طب في هم فقال ب عد أن ح مد ال وأث نى عل يه‪ " :‬يا مع شر الن صار! مقالة‬

‫للً فهدا كم ال؟ وعالة فأغنا كم ال؟ وأعداء‬
‫بلغت ني عن كم‪ ،‬وجدة (أي ع تب) وجدتمو ها عل يّ في أنف سكم؟ ألم تكونوا ض ّ‬

‫ن وأفضل‪.‬‬
‫فألّف ال بين قلوبكم؟ "بلى! ال ورسوله أم ّ‬

‫ثم قال ‪":‬أل تجيبون ني يا مع شر الن صار؟" قالوا‪ :‬بماذا نجي بك يا ر سول ال؟ ل ولر سوله ال من والف ضل‪ ،‬قال صلى ال عل يه و سلم‪" :‬أ ما‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وال‪ ،‬لو شئتم لقلتم فلصدقتم‪ :‬أتيناك مكذبا فصدقناك‪ ،‬ومخذولً فنصرناك‪ ،‬وطريدا فآويناك‪ ،‬وعائلً فآسيناك‪ ،‬أوجدتم يا معشر النصار في‬
‫أنفسكم في لعاعة (البقية اليسيرة) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا‪ ،‬وتركتكم إلى إسلمكم‪ ،‬أل ترضون يا معشر النصار أن يذهب الناس‬

‫بالشاة والبع ير‪ ،‬وترجعوا بر سول ال إلى رحال كم؟ فو الذي ن فس مح مد بيده‪ ،‬لول الهجرة لك نت امرءا من الن صار‪ ،‬ولو سلك الناس شعبا‬

‫(هو الطريق بين جبلين) وسلك النصار شعبا لسلكت شعب النصار‪ ،‬اللهم ارحم النصار‪ ،‬وأبناء النصار وأبناء أبناء النصار" فبكى القوم‬
‫حتى أخضلوا (بللوا) لحاهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬رضينا برسول ال قسما وحظا‪.‬‬

‫وها هنا مسائل يمكن التعليق عليها‪:‬‬
‫أولً‪:‬‬

‫قضية الغنائم كجزء من نظام الحرب في السلم‪ ،‬وقد اتخذها أعداؤه وسيلة للطعن فيه على أنها باعث مادي من بواعث إعلن‬

‫الحرب في السلم‪ ،‬ومنشط فعال للجنود المسلمين يدفعهم الى التضحية والفداء‪ ،‬ولذلك يتهافتون عليها بعد الحرب‪ ،‬كما في هذه المعركة‪،‬‬

‫ول ريب في أن كل منصف يرفض هذا الدعاء‪ ،‬فبواعث الحرب في السلم معنوية تهدف إلى نشر الحق‪ ،‬ودفع الذى والعدوان‪ ،‬وهذا ما‬
‫صرحت به آيات وأحاديث كثيرة صريحة‪ ،‬ومن الغرابة بمكان أن يضحي النسان بحياته‪ ،‬ويعرض مستقبل أسرته للضياع‪ ،‬طمعا في مغنم‬

‫مادي مهما كبر‪ ،‬والطمع في المغانم المادية ل يمكن أن يؤدي الى البطولت الخارقة التي بدت من المحاربين المسلمين في صدر السلم‪،‬‬

‫ول يمكن أن يؤدي الى النتائج المذهلة ال تي انت هت اليها معارك ال سلم مع العرب في حياة الرسول صلى ال عل يه وسلم‪ ،‬وال تي انت هت‬
‫اليها معاركه مع فارس والروم فيما بعد‪ ،‬على أن أعداء السلم لم تكن تنقصهم المطامع المادية‪ ،‬فغنيمة أموال المسلمين ورقابهم في حال‬

‫هزيمتهم كانت من نصيب أعدائهم حتما‪ ،‬ولم يكن المسلمون وحدهم هم الذين يقتسمون أموال أعدائهم ورقابهم عند النتصار عليهم‪ ،‬بل‬

‫كان هذا شأن كل جيش ين متحارب ين‪ ،‬فلماذا لم تؤد المطا مع الماد ية ع ند العداء إلى البطولت الخار قة‪ ،‬والنتائج المذهلة ال تي كا نت تبدو‬
‫من الجنود المسلمين‪ ،‬والتي أسفرت عنها الحروب السلمية؟ وفي وقائع الحروب السلمية ما ينفي نفيا قاطعا بأن الدوافع المادية كانت‬
‫ل في‬
‫هي البا عث الرئي سي في ن فس الجندي المسلم‪ ،‬ففي معارك بدر‪ ،‬وأ حد‪ ،‬ومؤ تة‪ ،‬وغيرها كان الب طل الم سلم يتقدم الى المعر كة مؤم ً‬

‫إحراز شرف الشهادة ونع يم الج نة‪ ،‬ح تى كان أحد هم يقذف بالتمرة من ف مه ح ين ي سمع و عد الر سول للشهداء بالج نة‪ ،‬ويخوض المعر كة‬
‫وهو يقول‪ :‬بخٍ بخٍ‪ ،‬ما بيني وبين أن أدخل الجنة إل هذه التمرات‪ ،‬وال إنها لمسافة بعيدة‪ ،‬ثم ما يزال يقاتل حتى يقتل‪ ،‬وكان أحدهم يبرز‬
‫لقتال العداء‪ ،‬وهو يقول‪ :‬الجنة! الجنة! وال إني لجد ريحها دون أحد (أي أقرب من جبل أحد‪ ،‬وكان ذلك في معركة أحد)‪.‬‬

‫و في معارك الفرس كان جواب قائد الو فد الم سلم لر ستم ح ين عرض أن يد فع للم سلمين أموالً أو ثيابا ليعدلوا عن الحرب ويرجعوا الى‬

‫بلد هم‪ ،‬وال ما هذا الذي خرج نا من أجله‪ ،‬وإن ما نر يد إنقاذ كم من عبادة العباد إلى عبادة الوا حد القهار‪ ،‬فان أن تم أ سلمتم رجع نا عن كم‬
‫ويبقى ملككم لكم‪ ،‬وأرضكم لكم‪ ،‬ل ننازعكم في شيء منها‪ ..‬فهل هذا جواب جماعة خرجوا للمغانم والستيلء على الراضي والموال‪.‬‬

‫أ ما أن ي ستشهد لتلك الدعوى الباطلة ب ما ح صل ع ند تق سيم الغنائم ب عد معر كة حن ين من ا ستشراف نفوس كثير ين من المحارب ين إلي ها‪،‬‬
‫وموجدة الن صار لحرمان هم من ها‪ ،‬فذلك تعام عن وا قع المعر كة والمتحارب ين‪ ،‬ف قد كان الذ ين ا ستشرفوا لتلك المغا نم من حدي ثي الع هد‬

‫بالسلم الذين لم تتمكن هداية السلم من نفوسهم كما تمكنت من السابقين إليه‪ ،‬ولذلك لم يستشرف لها أمثال أبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪,‬‬
‫وعلي‪ ،‬وابن عوف‪ ،‬وطلحة‪ ،‬والزبير‪ ،‬من كبار الصحابة السابقين إلى دعوة السلم‪ ،‬وما حصل من النصار إنما كانت مقالة بعضهم ممن‬

‫رأوا في تق سيم الغنائم يومئذ تفض يل ب عض المحارب ين على ب عض في مكا سب الن صر‪ ،‬وهذا ي قع من أك ثر الناس في كل ع صر‪ ،‬و في كل‬

‫مكان‪ ،‬وهذا المعنى مما يجده كل إنسان في نفسه في مثل تلك الظروف‪.‬‬

‫وليس أدل على إرادة ال وثوابه وجنته‪ ،‬وطاعة رسوله عند النصار‪ ،‬من بكائهم حين خطب النبي صلى ال عليه وسلم فيهم‪ ،‬وكان مما‬
‫قاله لهم‪" :‬أل تريدون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول ال صلى ال عليه وسلم إلى رحالكم؟" فمن فضلوا صحبة رسوله‬

‫وقربهم منه وسكناه بينهم على الموال والمكاسب‪ ،‬أيصح أن يقال فيهم‪ :‬إنهم إنما جاهدوا للموال والمكاسب؟‬

‫ول مع نى لن يقال‪ :‬لماذا ج عل ال سلم الغنائم من ن صيب المحارب ين‪ ،‬ولم يجعل ها من ن صيب الدولة ك ما في ع صرنا هذا؟ لن القول بذلك‬

‫غفلة عن طبيعة الناس‪ ،‬وتقاليد الحروب في تلك العصور‪ ،‬فلم يكن الجيش السلمي وحده دون الجيش الفارسي أو الرومي هوالذي يقتسم‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫أفراده أربعية أخماس الغنائم‪ ،‬بيل كان ذلك شأن الجيوش كلهيا‪ ،‬ولو أن مجتهدا اليوم ذهيب إلى أن غنائم الجييش السيلمي فيي عصيرنا‬
‫الحاضر تعطى للدولة‪ ،‬لما كان بعيدا عن فقه هذه المسألة وفق مبادئ السلم وروحه‪.‬‬
‫ثانيا‪:‬‬

‫أن إغداق العطاء للذين أسلموا حديثا‪ ،‬يدل على حكمة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومعرفته بطبائع قومه‪ ،‬وبعد نظرة في‬

‫تصريف المور‪ ،‬فهؤلء الذين ظلوا يحاربون رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويمتنعون عن قبول دعوته‪ ،‬حتى فتح مكة‪ ،‬والذين أظهر‬
‫بعضهم الشماتة بهزيمة المسلمين أول المعركة‪ ،‬ل بد من تأليف قلوبهم على السلم‪ ،‬وإشعارهم بفضل دخولهم فيه من الناحية المادية‬

‫ال تي كانوا يحاربو نه من أجل ها‪ ،‬إذ كانوا – في الحقي قة – إن ما يحاربو نه و هم أشراف القوم إبقاء على زعامت هم‪ ،‬وحفاظا على م صالحهم‬
‫الماد ية‪ ،‬فل ما خ ضد ال سلم من شوكت هم بف تح م كة‪ ،‬كان من المم كن أن يظلوا في قرارة أنف سهم حاقد ين على هذا الن صر‪ ،‬واجد ين من‬

‫هزيمتهم وانك سارهم‪ ،‬وال سلم د ين هدا ية وإ صلح‪ ،‬فل يكت في بفرض سلطانه بالقهر والغل بة‪ ،‬ك ما تفعل كث ير من الن ظم ال تي تعت مد في‬

‫قيامها وبقائها على القوة دون استجابة النفوس والقلوب‪ ،‬بل ل بد من تفتح القلوب له‪ ،‬واستبشارها بهدايته‪ ،‬وتعشقها لمبادئه ومثله‪ ،‬وما‬

‫دام العطاء عند بعض الناس مفيدا في استصلح قلوبهم وغسل عداواتهم‪ ،‬فالحكمة كل الحكمة أن تعطى حتى ترضى‪ ،‬كما فعل رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫ولقد علم ال أن دعوته التي انتصرت أخيرا في جزيرة العرب‪ ،‬ل بد من أن تمتد الى شرق الدنيا وغربها‪ ،‬فل بد من إعداد العرب جميعهم‬
‫لحميل هذه الرسيالة‪ ،‬والتضحيية فيي سيبيلها فإذا صيلحت نفوس أشرافهيم بهذه العطيات‪ ،‬تفتحيت قلوبهيم بعيد ذلك لنور الدعوة‪ ،‬وحميل‬

‫أعبائ ها‪ ،‬وهذا هو الذي ح صل‪ ،‬فا نه ب عد أن تألف ر سول ال صلى ال عل يه و سلم قلوب هؤلء الزعماء‪ ،‬زالت من نفو سهم كل موجدة‬
‫وحقد على السلم ودعوته‪ ،‬فلما انساح الجيش السلمي في الرض للتبشير بمبادئ السلم‪ ،‬وإخراج الناس من ظلمتهم إلى نوره‪ ،‬كانت‬

‫الجزيرة العربية مستعدة لهذا العمل التاريخي العظ يم‪ ،‬وكان هؤلء الرؤساء المؤل فة قلوبهم في أوائل الراض ين المندفع ين لخوض معر كة‬

‫التحرير‪ ،‬وقد أثبت التاريخ بلء كثير منهم في الفتوحات بلءً حسنا‪ ،‬كما كان لكثير منهم بعد ذلك فضل كبير في تثبيت دعائم السلم خارج‬
‫الجزيرة‪ ،‬وإرادة مملكته الواسعة‪ ،‬وقيادة جيوشه المتدفقة‪.‬‬

‫ول يضر هؤلء المجاهدين أنهم كانوا في أول إسلمهم ممن ألفت قلوبهم على السلم‪ ،‬أو تأخر دخولهم فيه عن فتح مكة‪ ،‬فكثيرا ما يلحق‬

‫المتأخر بالسابق‪ ،‬ويدرك الضعيف فضل القوي‪ ،‬ويخلص العمل من لم يبدأه مخلصا‪ ،‬وقد قال الحسن رحمه ال‪ :‬طلبنا هذا العلم لغير ال‪،‬‬
‫فأبى إل أن يكون ل‪ .‬وقال غيره‪ :‬طلبنا هذا العلم ولم تكن لنا فيه نية‪ ،‬ثم حضرتنا النية بعد‪ .‬وحسب المتأخرين أن ال وعدهم بالحسنى‪،‬‬

‫ل و عد ال‬
‫ك ما قال تعالى‪﴿ :‬ل ي ستوي من كم من أن فق من ق بل الف تح وقا تل أولئك أع ظم در جة من الذ ين أنفقوا من ب عد‪ ،‬وقاتلوا‪ ،‬وك ّ‬

‫الحسنى‪ ،‬وال بما تعملون خبير﴾ [الحديد‪.]10 :‬‬
‫ثالثا‪:‬‬

‫وفي جمع رسول ال صلى ال عليه وسلم للنصار واسترضائهم على حرمانهم من المغانم‪ ،‬دليل على حسن سياسته صلى ال‬

‫عليه وسلم‪ ،‬ودماثة خلقه‪ ،‬فهو حين بلغه ما قاله بعضهم بشأن الغنائم‪ ،‬اهتم باسترضائهم وجمعهم لذلك‪ ،‬وقال لهم ذلك القول الحكيم‪ ،‬مع‬

‫أ نه يعلم أن هم يحبو نه ويتبعو نه‪ ،‬و قد بذلوا في سبيل ال دماء هم وأموال هم‪ ،‬فل يس يخ شى علي هم ما ين قص من إيمان هم‪ ،‬أو يوقع هم في‬

‫غضب ال ورسوله‪ ،‬ولكنه أحب أن يزيل ما علق في أذهان بعضهم حول هذا الموضوع‪ ،‬وتلك سنة حميدة يجب أن يتبعها القادة والزعماء‬
‫مع أنصارهم ومحبيهم‪ ،‬فان العداء متربصون لستغلل كل حادثة أو قول يضعف تعلق المحبين بقادتهم‪ ،‬والشيطان خبيث الدس‪ ،‬سريع‬

‫المكر‪ ،‬فل يهمل القادة استرضاء أنصارهم مهما وثقوا بهم‪.‬‬

‫ثم ان ظر إلى ذلك السلوب الحك يم المؤ ثر الذي سلكه عل يه ال صلة وال سلم ل سترضائهم وإقناع هم بحك مة ما فعل‪ ،‬ف قد ذ كر فضل هم على‬

‫دعوة السلم‪ ،‬ونصرتهم لرسوله‪ ،‬ومبادرتهم إلى التصديق به حيث كذبه قومه وطاردوه‪ ،‬بعد أن ذكّرهم بفضل ال عليهم في إنقاذهم من‬

‫الضللة والشتات والعداوة‪ ،‬ليسهل عليهم كل ما فاتهم من مال الدنيا بجانب ما ربحوه من السعادة والهداية‪ ،‬وبذلك أكد لهم أمرين‪ :‬أنه لم‬

‫ينحز إلى قومه وينسى هؤلء النصار كما زعم بعضهم‪ ،‬وأنه كان حين حرمهم الغنائم‪ ،‬إنما كان يعتمد على قوة دينهم‪ ،‬وعظيم إيمانهم‪،‬‬

‫وحبهم ل ولرسوله‪ ،‬ولعمري ليس بعذ هذا السلوب أسلوب أبلغ في استرضاء ذوي الفضل والسبق في الدعوة ممن آمنوا بها مخلصين‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫صادقين‪ ،‬ل يرجون جزا ًء ول شكورا‪ .‬فصلى ال وسلم عليه ما أصدق قول ال فيه‪﴿ :‬وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [ن‪.]5 :‬‬

‫رابعا‪:‬‬

‫إن في مو قف الن صار بعيد أن سمعوا كل مه‪ ،‬أروع المثلة فيي صدق اليمان‪ ،‬ور قة القلوب‪ ،‬وتذكير ف ضل ال في الهدايية‬

‫والتقوى‪ ،‬ف قد ذكروا أن الف ضل ل ولر سوله في ما قاموا به من الن صرة والتأي يد والجهاد‪ ،‬وأن هم لول ال ل ما اهتدوا‪ ،‬ولول ر سوله ل ما‬

‫استضاءت قلوبهم وبصائرهم‪ ،‬ولول السلم لما جمع ال شملهم بعد الشتات‪ ،‬وصان دماءهم بعد الهدر‪ ،‬وأنقذهم من سيطرة اليهود إلى‬
‫عز ال سلم وخل صهم من جيرانهم المستغلين‪ ،‬ثم أعلنوا إيثارهم رسول ال صلى ال عل يه وسلم على كل ما تف يض به الدن يا من مال‬

‫ومتاع‪ ،‬ولما دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم بالرحمة لهم‪ ،‬ولولدهم ولولد أولدهم‪ ،‬سالت مدامعهم فرحا بعناية رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم بهم ودعوته المستجابة لهم‪ ،‬فهل بعد هذا دليل على صدق اليمان‪ ،‬وهل هناك حب أسمى وأروع من هذا الحب؟ رضي ال‬

‫عنهم وأرضاهم‪ ،‬وخلّد ذكراهم في العالمين‪ ،‬وألحقنا بهم في جنات النعيم‪ ،‬مع رسوله الحبيب العظيم‪ ،‬والذين أنعم ال عليهم من النبيين‬
‫والصديقين والشهداء والمقربين‪.‬‬

‫وأخيرا فان هذا الموقف وما جرى بين رسول ال صلى ال عليه وسلم والنصار‪ ،‬مما يجب أن يتذكره كل داعية‪ ،‬وأن يحفظه كل طالب‬
‫علم‪ ،‬فانه مما يزيد في اليمان‪ ،‬ويهيج لواعج الحب والشوق إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وصحابته رضوان ال عليهم أجمعين‪.‬‬
‫ب‪ -‬تحطيم الصنام‬
‫كان إبراهيم عليه السلم – وهو أبو النبياء بعد نوح – ممن حارب الوثنية في قومه‪ ،‬حتى حاول قومه إحراقه بالنار‪ .‬كما يحكي القرآن‬

‫الكريم‪ ،‬ولما جاء إلى مكة أودع ولده إسماعيل عليه السلم فيها مع أمه‪ ،‬فلما شب اسماعيل عليه السلم بنيا الكعبة معا لتكون بيتا يعبد‬

‫ال عنده‪ ،‬ويحج الناس اليه‪ ،‬وتكاثر ولد اسماعيل – وهم العرب المستعربة‪ ،‬كما يسميهم المؤرخون – واستمروا ل يعرفون عبادة الوثان‬

‫والصنام‪ ،20‬ثم كان من عبادتهم أنه كان ل يظعن من مكة ظاعن‪ ،‬إل احتمل معه حجرا من حجارة الحرم‪ ،‬تعظيما للحرم‪ ،‬وصبابة بمكة‪،‬‬
‫فحيثميا حلوا وضعوه وطافوا بيه كطوافهيم بالكعبية‪ ،‬تيمنا منهيم بهيا‪ ،‬وحبا منهيم للحرم‪ ،‬وشوقا الييه‪ ،‬واسيتمروا كذلك حتيى أدخيل فيهيم‬

‫"عمروا بن ل حي" عبادة الوثان – وكان ذلك ق بل البع ثة النبو ية بخم سائة سنة على ما يقولون – ف هو أول من غيّر د ين إ سماعيل عل يه‬

‫السلم‪ ،‬وكان من أمره أن تولى حجابة البيت بعد إجلء جرهم عن مكة وما حولها‪ ،‬ثم مرض مرضا شديدا‪ ،‬فقيل له‪ :‬إن بالبلقاء من الشام‬

‫ح مة" الن – إن أتيت ها برأت‪ ،‬فأتا ها فا ستحم ب ها فبرأ‪ ،‬وو جد أهل ها يعبدون ال صنام فقال‪ :‬ما هذه؟ فقالوا‪:‬‬
‫ح مة – و هي ال تي يقال لها "ال َ‬
‫نستسقي بها المطر‪ ،‬ونستنصر بها على العدو‪ ،‬فسألهم أن يعطوه منها‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬فقدم بها مكة‪ ،‬ونصبها حول الكعبة‪ ,21‬وانتشرت بعد ذلك‬

‫عبادة الصنام في جزيرة العرب‪ ،‬حتى كان لهل كل دار في مكة صنم يعبدونه في دارهم‪ ،‬فإذا أراد أحدهم السفر‪ ،‬كان آخر ما يصنع في‬
‫منزله أن يتمسح به‪ ،‬وإذا قدم من سفره‪ ،‬كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضا‪.‬‬

‫ثم أول عت العرب بعبادة ال صنام‪ ،‬فمن هم من ات خذ بيتا‪ ،‬ومن هم من ات خذ صنما‪ ،‬و من لم يقدر عل يه ول على بناء ب يت‪ ،‬ن صب حجرا أمام‬

‫الحرم‪ ،‬وأمام غيره م ما ا ستحسن‪ ،‬ثم طاف به كطوا فه بالب يت‪ ،‬وكان الر جل إذا سافر فنزل منزلًَ‪ ،‬أ خذ أرب عة أحجار فن ظر إلى أح سنها‬
‫فاتخذه ربا‪ ،‬وجعل ثلث أثافي لقدره‪ ،‬وإذا ارتحل تركه‪ ،‬فإذا نزل منزلً آخر فعل مثل ذلك‪.22‬‬

‫وكانت للعرب ثلثة أصنام كبرى تعظمها‪ ،‬وتحج إليها‪ ،‬وتنحر لها الذبائح‪ :‬أقدمها "مناة" وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل‬

‫بقد يد‪ ،‬ب ين المدي نة وم كة‪ ،‬وكا نت العرب جميعا تعظ مه‪ ،‬وأشد هم إعظاما له الوس والخزرج‪ ،‬فل ما خرج ر سول ال صلى ال عل يه و سلم‬
‫لفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة‪ ،‬أرسل إليه عليّا رضي ال عنه‪ ،‬فهدمه‪ ،‬وأخذ ما كان له‪ ،‬وأقبل به الى النبي صلى ال عليه وسلم‪،‬‬

‫فكان في ما أ خذ‪ :‬سيفان‪ ،‬كان الحارث بن أ بي ش مر الغ ساني ملك غ سان أهداه ما له‪ ،‬والحارث هذا هو الذي ق تل شجاع بن و هب ال سدي‬

‫رضي ال عنه حين سلمه كتاب النبي صلى ال عليه وسلم يدعوه للسلم‪ ،‬ولم يقتل للنبي صلى ال عليه وسلم رسول غيره‪.‬‬
‫‪.‬الصنام‪ :‬هي ما كان من المعبودات على هيئة تماثيل‪ ،‬والنصاب‪ :‬هي أحجار يعبدونها وينحرون عندها ‪20‬‬
‫‪.‬كتاب الصنام لهشام بن محمد بن السائب الكلبي‪ :‬ص ‪21 8‬‬
‫‪.‬الصنام للكلبي ص ‪22 33‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وثانيهما "اللت" وكانت بالطائف‪ ،‬وهي صخرة مربعة‪ ،‬وكانت قريش وجميع العرب تعظمها‪ ،‬فلما جاء وفد ثقيف بعد عودة النبي صلى ال‬

‫عليه وسلم من فتح مكة إلى المدينة‪ ،‬طلب وفدها منه عليه الصلة والسلم أن يدع لهم اللت ثلث سنين ل يهدمها‪ ،‬فأبى ذلك عليهم‪ ،‬فما‬
‫برحوا يسألونه سنة سنة وهو يأبى عليهم‪ ،‬حتى سألوا شهرا واحدا‪ ،‬فأبى عليهم‪.‬‬

‫قال ابين هشام‪ :‬وإنميا يريدون بذلك فيميا يظهرون أن يسيلموا بتركهيا مين سيفهائهم‪ ،‬ونسيائهم‪ ،‬وذراريهيم‪ ،‬ويكرهون أن يروعوا قومهيم‬
‫بهدمها حتى يدخلهم السلم‪ ،‬فأبى رسول ال صلى ال عليه وسلم إل أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها‪ ،‬فلما أخذ‬
‫المغيرة يضربها بالمعول‪ ،‬خرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن‪:‬‬
‫ن دُفّاع‬
‫لتُبكي ّ‬

‫أسلمها الرّضّاع‬

‫لم يُحسنوا المِصَاع‬

‫يردن بذلك‪ :‬واحسيرتا على التيي كانيت تدافيع عنيا أعداءنيا‪ ،‬وتدفيع عنيا البلء‪ ،‬قيد أسيلمها اللئام للهدم‪ ،‬فلم يدافعوا عنهيا‪ ،‬ولم يجالدوا‬
‫بالسيوف في سبيلها‪.‬‬

‫وثالثت ها "العزى" كا نت عن يم ين الم سافر من م كة إلى العراق‪ ،‬وكا نت قر يش تخ صها بالعظام‪ ،‬فل ما نزل القرآن يندد ب ها وبغير ها من‬

‫الصنام‪ ،‬اشتد ذلك على قريش‪ ،‬ولما مرض أو أحيحة وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مرضه الذي مات فيه‪،‬‬
‫دخل عليه أبو لهب يعوده‪ ،‬فوجده يبكي‪ ،‬فقال‪ :‬ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ول بد منه؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬ولكني أخاف أل تعبد العزى‬

‫بعدي! قال أ بو ل هب‪ :‬وال ما عبدت حيا تك لجلك‪ ،‬ول تترك عبادت ها بعدك لمو تك‪ ،‬فقال أ بو أحي حة‪ :‬الن عل مت أن لي خلي فة!‪ ..‬وأعج به‬
‫شدة نصبه في عبادتها‪.23‬‬

‫فلما كان عام الفتح دعا النبي صلى ال عليه وسلم خالد بن الوليد‪ ،‬وأمره أن ينطلق بهدمها‪ ،‬فلما جاءها خالد‪ ،‬قال سادنها ديبة بن حرمي‬

‫الشيباني‪:‬‬
‫أعُزاء شدّي شدة ل تكذبي‬
‫فانك إل تقتلي اليوم خالدا‬

‫على خالد أَلقي الخمار وشمري‬
‫تبوئي بذلّ عاجل وتنصرّي‬

‫فقال خالد‪:‬‬
‫يا عُزّ كفرانك ل غفرانك‬

‫اني رأيت ال قد أهانك‬

‫و قد زعموا أن ها ك نت حبش ية‪ ،‬ناف شة شعر ها‪ ،‬واض عة يد ها على عاتق ها في دا خل شجرة كان قد قطع ها خالد‪ ،‬فبرزت له بهذا الش كل‪،‬‬
‫فضربها ففلق رأسها‪ ،‬فاذا هي حممة (أي كالفحم) فلما أخبر رسول ال صلى ال عليه وسلم بأداء مهمته‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪" :‬تلك‬

‫العزى‪ ،‬ول عزى بعد ها للعرب‪ ،‬أ ما إن ها لن تع بد ب عد اليوم"‪ .‬تلك هي أش هر أ صنام العرب في الجاهل ية‪ ،‬و هي ال تي ذكر ها القرآن الكر يم‬
‫بقوله‪﴿ :‬أفرأيتم اللت والعزى ومناة الثالثة الخرى﴾ [النجم‪.]20 – 19 :‬‬

‫ولما دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم البيت الحرام يوم فتح مكة‪ ،‬رأى صور الملئكة وغيرهم‪ ،‬فرأى ابراهيم عليه السلم مصورا في‬
‫يده الزلم يسيتقسم بهيا‪ ،‬فقال‪" :‬قاتلهيم ال جعلوا شيخنيا يسيتقسم بالزلم‪ ،‬ميا شأن إبراهييم والزلم؟" ﴿وميا كان ابراهييم يهوديا ول‬

‫نصرانيا‪ ،‬ولكن كان حنيفا مسلما‪ ،‬وما كان من المشركين﴾‪[ ،‬آل عمران‪ ]68 :‬ثم أمر بتلك الصور كلها‪ ،‬فطمست‪.‬‬

‫قال ابن عباس‪ :‬دخل رسول ال صلى ال عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته‪ ،‬فطاف عليها‪ ،‬وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص‪،‬‬

‫فجعل النبي صلى ال عليه وسلم يشير بقضيب في يده الى الصنام ويقول‪﴿ :‬جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [السراء‪:‬‬
‫‪.‬الصنام للكلبي‪ :‬ص ‪23 23‬‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫‪ ]81‬فما أشار الى صنم منها في وجهه إل وقع لقفاه‪ ،‬ول أشار إلى قفاه إل وقع لوجهه‪ ،‬حتى ما بقي منها صنم إل وقع‪.‬‬

‫ولم ت مض على ف تح م كة إل شهور‪ ،‬ح تى كا نت أ صنام جزيرة العرب كل ها قد سقطت عن عروش ها‪ ،‬وك فر ب ها عبّاد ها‪ ،‬وأ صبح من كان‬
‫يعبدها بالمس يخجل من تفاهة رأيه إذ كان يعبد حجرا ل يضر ول ينفع ول يغني عن حوادث الدهر شيئا‪.‬‬

‫لقد قامت رسالة السلم أول ما قامت على التشهير بهذه الصنام اللهة‪ ،‬والتشنيع على عبادتها والدعوة إلى دين الفطرة‪ :‬عبادة ال خالق‬
‫الكون ورب العالم ين‪ ،‬وقاو مت جزيرة العرب و في مقدمت ها قر يش هذه الدعوة‪ ،‬ورأت في ها عجبا عجابا ﴿أج عل الل هة إلها واحدا إن هذا‬

‫لشيء عجاب﴾ [ص‪.]5:‬‬

‫وماجت جزيرة العرب واضطربت لهذا الدين الجديد‪ ،‬وحاولت وأْده والقضاء على رسوله بكل وسيلة‪ ،‬ولكن النصر كان أخيرا لرسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم بعد نضال استمر إحدى وعشرين سنة‪ ،‬فافتتح عاصمة الوثنية‪ ،‬وحطم آلهتها‪ ،‬وهزم جيوشها‪ ،‬وتغلب على مؤامرات‬

‫زعمائ ها‪ ،‬هل ي صدق الع قل آن ذلك كله قد تم خلل هذه الفترة الق صيرة‪ ،‬ولم ي كن مع ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ح ين ابتدأ هذه‬

‫الدعوة إنسان لول أن يكون ال من ورائها‪ ،‬يهيء كتائبها‪ ،‬ويوجه معاركها؟ ﴿وما رميت إذ رميت ولكن ال رمى﴾ [النفال‪.]17 :‬‬

‫ل قد أن هى مح مد بن ع بد ال مأ ساة العرب الفكر ية ال تي ا ستمرت زهاء خم سمائة عام أو تز يد‪ ،‬وحرر الع قل العر بي من أغلل الوثن ية‬
‫وخرافاتها‪ ،‬وأنقذ الكرامة العربية من مهانة الوثنية وحقارتها‪ ،‬وفتح أبواب الخلود للعرب يدخلون منه ثم ل يخرجون‪ ،‬ولقد صدق رسول‬

‫ال صلى ال عل يه و سلم ح ين قال‪" :‬ل عزى بعد ها للعرب‪ ،‬إ ما إن ها لن تع بد ب عد اليوم" ف قد ود عت جزيرة العرب حياة الوثن ية إلى ال بد‪،‬‬
‫وبلغ الع قل العر بي سن الر شد‪ ،‬فلم ي عد ير ضى بعود ته إلى طفول ته‪ :‬طفولة الوثن ية ال تي تح مل صاحبها على أن ي ضع جبه ته ع ند أقدام‬

‫حجارة صماء بكماء‪ ،‬ول قد قا مت ب عد وفاة الر سول صلى ال عل يه و سلم حروب وف تن‪ ،‬واد عى النبوة من ادعا ها‪ ،‬وعارض القرآن من‬
‫عارضه‪ ،‬ولكنا لم نسمع أن عربيا واحدا فكر في العودة إلى الوثنية وآلهتها‪ ،‬ذلك أن الراشد لن يعود طفلً‪ ،‬وكل ذلك إنما تم بفضل محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم ورسالته‪ ،‬فله على كل عربي إلى انتهاء الدنيا فضل النقاذ والتحرير‪ ،‬ثم فضل زيادة الهدى لشعوب الرض من اتبع‬

‫الهدى و من أعرض ع نه‪ ،‬و جل ال ح ين يقول‪ ﴿ :‬هو الذي ب عث في المي ين ر سولً من هم يتلو علي هم آيا ته‪ ،‬ويزكّي هم‪ ،‬ويعلم هم الكتاب‬
‫والحكمة‪ ،‬وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين﴾ [الجمعة‪.]2 :‬‬
‫ج‪-‬‬
‫أولً‪-‬‬

‫غزوة تبوك وأهم ما في هذه الغزوة من عبر ودروس هو ما نوجز الكلم عنه‬

‫كان سبب هذه الغزوة أن الروم قد جم عت جموعا كثيرة بالشام‪ ،‬وأن هر قل قد رزق أ صحابه سنة‪ ،‬وانض مت ال يه من القبائل‬

‫العرب ية‪ ،‬ل خم‪ ،‬وجذام‪ ،‬وغ سان‪ ،‬وعاملة‪ ،‬ثم قدموا طلئع هم إلى البلقاء – كورة من أعمال دم شق ب ين الشام ووادي القرى‪ ،‬فل ما بلغ ذلك‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ندب الناس للخروج إلى تبوك‪ ،‬ودعاهم إلى التأهب والستعداد‪ ،‬ودعا الغنياء إلى البذل والنفاق‪.‬‬

‫وهذا يفسر لنا طبيعة الحرب في السلم‪ ،‬فهي ليست عدوانية‪ ،‬ول استفزازية‪ ،‬ولكنها للدفاع عن الدين والبلد‪ ،‬وردع المعتدين‪ ،‬ومنعهم‬
‫عن الذى والف ساد‪ ،‬وهذا ما صرحت به آيات كثيرة من القرآن الكر يم‪ ،‬و قد تكلم نا عن أ سباب مشروع ية الحرب في ال سلم‪ ،‬وأهدا فه‪،‬‬

‫وطرائ قه‪ ،‬في مذكرات ال سنة الولى‪ .‬و في خروج ر سول ال صلى ال عل يه و سلم إلى تبوك ب عد تأ هب الروم وجمع هم للجموع تأي يد ل ما‬
‫قلناه هناك‪.‬‬

‫وفي انضمام بعض القبائل العربية إلى الروم ضد المسلمين‪ ،‬دليل على أنهم كانوا بعيدين عن فهم السلم ورسالته التحريرية للناس عامة‬
‫وللعرب خاصة‪ ،‬ولو كانوا يعلمون ذلك لبوا أن يكونوا أعوانا للروم على أبناء قومهم من العرب المسلمين‪.‬‬
‫ثانيا‪-‬‬

‫لقد كانت دعوة الرسول صلى ال عليه وسلم للتأهب في وقت عسر وحر وموسم لجني الثمار‪ ،‬فأما المؤمنون الصادقون‪ ،‬فقد‬

‫سارعوا إلى تلبيت هم للر سول غ ير عابئ ين بمش قة ول حرمان‪ ،‬وأ ما المنافقون‪ ،‬ف قد تخلفوا‪ ،‬وأخذوا يعتذرون بش تى العذار‪ ،‬وهكذا ي تبين‬

‫المخل صون من المنافق ين في أيام الشدائد‪ ،‬وينك شف أ مر الدعياء في أيام الم حن‪ ،‬و قد قال ال تعالى‪﴿ :‬الم‪ .‬أح سب الناس أن يتركوا أن‬
‫ن ال الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾ [العنكبوت‪.]3-1 :‬‬
‫يقولوا آمنا وهم ل يفتنون‪ ،‬ولقد فتنا الذين من قبلهم‪ ،‬فليعلم ّ‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫وإنما تقوم الدعوات‪ ،‬وتنهض المم بتطهير صفوفها من المنافقين والمخادعين‪ ،‬ول يثبت للشدة إل كل صادق العزيمة‪ ،‬مخلص النية‪ ،‬ثابت‬

‫المبدأ‪ ،‬وكثيرا ما عوق الضعاف والمخادعون سير دعوات الصلح في المة‪ ،‬وحالوا بينها وبين النصر‪ ،‬أو أخروها ولو إلى حين‪ ،‬ولقد‬
‫تخلص جييش العسيرة فيي غزوة تبوك مين أمثال هؤلء بفضيل افتضاح أمرهيم‪ ،‬وانكشاف ضعيف إيمانهيم‪ ،‬وخور عزائمهيم‪ ،‬وإن جيشا‬
‫متراص ال صف‪ ،‬مت حد الكل مة‪ ،‬قوي اليمان‪ ،‬صادق الع هد‪ ،‬أجدى لل مة – ولو كان قل يل العدد – وأد عى لكت ساب الن صر من ج يش كث ير‬

‫العدد‪ ،‬متفاوت الفكرة والقوة والثبات ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ال‪ ،‬وال مع الصابرين﴾ [البقرة‪.]249 :‬‬
‫ثالثا‪-‬‬

‫ل على ما يفعله اليمان‬
‫ان في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والنفاق‪ ،‬كأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬دلي ً‬

‫في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير ومقاومة لهواء النفس وغرائزها‪ ،‬مما تحتاج إليه كل أمة‪ ،‬وكل دعوة‪ ،‬لضمان النصر‬

‫على أعدائ ها‪ ،‬وتأم ين الموارد اللز مة ل ها‪ ،‬وهذا ما ن جد أمت نا اليوم أ شد الحا جة إل يه‪ ،‬فالعداء ك ثر‪ ،‬والعباء ثقيلة‪ ،‬والمعر كة رهي بة‪،‬‬

‫والعدو قوي ما كر‪ ،‬فل ن ستطيع التغلب عل يه إل بمز يد من التضحيات في الموال والن فس والهواء والشهوات‪ ،‬ول يح قق ذلك إل الد ين‬

‫الصحيح المفهوم على حقيقته الذي يربي النفوس على احتساب النفاق والتعب في سبيل المة جهادا يثيب ال عليه كما يثيب المجاهدين‬
‫في ميادين النضال‪.‬‬

‫وخ ير ما يفعله الم صلحون وزعماء النهضات‪ ،‬هو غرس الد ين في نفوس الناس غر سا كريما‪ ،‬و كل مقاو مة للد ين‪ ،‬أو دعوة إلى التحرر‬
‫منه‪ ،‬أو تظاهر بالستخفاف من شأنه‪ ،‬جريمة وطنية تؤدي إلى أسوأ النتائج‪ ،‬وأخطر الثار‪ ،‬كذلك علمنا ال‪ ،‬وكذلك أثبت لنا التاريخ في‬

‫الماضي‪ ،‬وأثبتت التجربة في الحاضر‪ ،‬وكل انكار لهذه الحقيقة مغالطة ل يلجأ اليها إل الذين لم تخلص للحق نفوسهم‪ ،‬ولم تتفتح للخير‬

‫أفئدتهم‪ ،‬ولم تتحل بالسمو والنبل طباعهم‪.‬‬
‫رابعا‪-‬‬

‫وفي قصة الذين جاؤوا الى رسول ال يطلبون أن يأخدهم معه إلى الجهاد‪ ،‬فردهم لنه لم يجد ما يحملهم عليه‪ .‬فولوا وأعينهم‬

‫تفيض من الدمع حزنا على حرمانهم من شرف الجهاد مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬في هذه القصة التي حكاها ال في كتابه أروع‬
‫المثلة على صنع اليمان للمعجزات‪ ،‬فطبيعة النسان أن يفرح لنجاته من الخطار‪ ،‬وابتعاده عن الحروب‪ ،‬ولكن هؤلء المؤمنين الصادقين‬

‫بكوا من أجل ذلك‪ ،‬إذ اعتبروا أنفسهم قد فاتهم حظ كبير من ثواب ال والتعرض للشهادة في سبيله‪ ،‬فأي مبدأ يعمل في النفوس كما فعل‬
‫اليمان في نفوس هؤلء؟ وأي خسارة تلحق بالمة حين تخلو من أمثال هؤلء؟‬

‫خامسا‪-‬‬

‫وفي قصة الثلثة الذين تخلفوا عن الجهاد إيثارا للراحة على التعب‪ ،‬والظل على الحر‪ ،‬والقامة على السفر‪ ،‬مع أنهم‬

‫مؤمنون صادقون‪ ،‬درس اجتماعي من أعظم الدروس‪ ،‬فقد استيقظ اليمان في نفوسهم بعد قليل‪ ،‬فعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عن رسول‬
‫ال والمؤمنون إثما كبيرا‪ ،‬ومع هذا فلم يعفهم ذلك من العقوبة‪ ،‬وكانت عقوبتهم قاسية رادعة‪ ،‬فقد عزلوا عن المجتمع عزلً تاما‪ ،‬ونهي‬

‫الناس – ح تى زوجات هم – عن كلم هم والتحدث إلي هم‪ ،‬ول ما علم ال من هم صدق التو بة‪ ،‬وبلغ من هم الندم واللم والح سرة مداه‪ ،‬تاب ال‬
‫عليهم‪ ،‬فلما بشروا بذلك كانت فرحتهم ل تقدر‪ ،‬حتى انسلخ بعضهم عن ماله وثيابه شكرا ل على نعمة الرضى والغفران‪.‬‬

‫إن مثل هذه الدروس تمنع المؤمن الصادق في إيمانه عن أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب أو يرضى لنفسه بالراحة والناس يتعبون‪،‬‬
‫والنع يم والناس يبتئ سون‪ ،‬وتلك هي طبي عة اليمان‪ :‬أن تش عر دائما وأبدا أ نك فرد من جما عة‪ ،‬وجزء من كل‪ ،‬وأن ما ي صيب الجما عة‬

‫يصيبك‪ ،‬وما يفيدها يفيدك‪ ،‬وأن النعيم ل معنى له مع شقاء المة وبؤسها‪ ،‬والراحة ل لذة لها مع تعب الناس وعنائهم‪ ،‬وأن التخلف عن‬
‫الواجب نقص في اليمان‪ ،‬وخلل في الدين‪ ،‬وإثم ل بد فيه من التوبة والنابة‪.‬‬

‫كما تعطينا القصة درسا بأن العقيدة فوق القرابة‪ ،‬وأن تنفيذ النظام المشروع مقدم على طاعة الهوى والعاطفة‪ ،‬وأن القرابة ل تغني شيئا‬

‫إزاء غضب ال ومقته ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور‪.]63 :‬‬
‫د‪ -‬حجّة الوداع‬
‫كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد البعثة‪ ،‬ولما تسامع الناس أن رسول ال صلى ال‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫عل يه و سلم سيحج في تلك ال سنة‪ ،‬توافدوا إلى ال حج من مختلف أنحاء الجزيرة العرب ية ح تى بلغوا – ك ما قال ب عض المؤرخ ين – مائة‬

‫وأربعة عشر ألفا‪ ،‬ونحسب أن هذا العدد تقديري‪ ،‬وإل فكيف أمكن إحصاؤهم وتحديد عددهم بهذا القدر؟‬

‫و قد خ طب رسول ال صلى ال عل يه وسلم خطت به الشهيرة ال تي ي جب أن يحفظها كل طالب علم‪ ،‬ل ما تضمنته من إعلن المبادئ العا مة‬

‫للسلم‪ ،‬وهي آخر خطبه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد جاء فيها‪:‬‬

‫"أيها الناس‪ ،‬اسمعوا قولي‪ ،‬ل أدري لعلي ل ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا" – وهذا من معجزات رسوله صلى ال عليه وسلم –‬

‫أيها الناس‪ ،‬إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم‪ ،‬كحرمة يومكم هذا‪ ،‬وحرمة شهركم هذا‪ ،‬وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن‬
‫أعمالكم‪ ،‬وقد بلغت‪ ،‬فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها‪ ،‬وإن كل ربا موضوع‪ ،‬ولكن لكم رؤوس أموالكم ل تظلمون ول‬

‫تظلمون‪ ،‬قضى ال أنه ل ربا‪ ،‬وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله‪ ،‬وإن كل دم في الجاهلية موضوع‪ ،‬وإن أول دمائكم أضع دم‬
‫ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب – وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل – فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية‪.‬‬

‫أ ما ب عد أي ها الناس‪ ،‬فان الشيطان قد يئس من أن يع بد بأرض كم هذه أبدا‪ ،‬ولك نه إن ي طع في ما سوى ذلك ف قد ر ضي به م ما تحقرون من‬

‫أعمالكم‪ ،‬فاحذروا على دينكم‪.‬‬

‫أي ها الناس إن الن سيء زيادة في الك فر‪ ،‬ي ضل به الذ ين كفروا يحلو نه عاما‪ ،‬ويحرمو نه عاما‪ ،‬ليواطئوا عدة ما حرم ال‪ ،‬فيحلوا ما حرم‬
‫ال‪ ،‬ويحرموا ما أ حل ال‪ ،‬وإن الزمان قد ا ستدار كهيأ ته يوم خلق ال ال سماوات والرض‪ ،‬وإن عدة الشهور ع ند ال اث نا ع شر شهرا‪،‬‬
‫منها أربعة حرم‪ :‬ثلثة متوالية‪ ،‬ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان‪.‬‬

‫أ ما ب عد أي ها الناس فان ل كم على ن سائكم حقا‪ ،‬ول هن علي كم حقا‪ ،‬ل كم علي هن أن ل يوطئن فرش كم أحدا تكرهو نه‪ ،‬وعلي هن أن ل يأت ين‬

‫بفاحشية مبينية‪ ،‬فان فعلن فان ال قيد أذن لكيم أن تهجروهنّ فيي المضاجيع وتضربوهنّ ضربا غيير ميبرح‪ ،‬فان انتهيين فلهين رزقهين‬
‫وكسوتهن بالمعروف‪ ،‬واستوصوا بالنساء خيرا‪ ،‬فانهن عندكم عوان‪ ،‬ل يملكن لنفسهن شيئا‪ ،‬وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة ال‪ ،‬واستحللتم‬
‫فروجهن بكلمات ال‪.‬‬

‫فاعقلوا أيها الناس قولي‪ ،‬فاني قد بلغت‪ ،‬وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به‪ ،‬فلن تضلوا أبدا‪ ،‬أمرا بينا‪ ،‬كتاب ال وسنة نبيه‪ ،‬أيها الناس‬

‫اسمعوا قولي واعقلوه‪ ،‬تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم‪ ،‬وأن المسلمين إخوة‪ ،‬فل يحل لمرئ من أخيه إل ما أعطاه عن طيب نفس منه‪،‬‬
‫فل تظلمن أنفسكم‪ ،‬اللهم هل بلغت؟"‪.‬‬

‫إن أول ما يل فت النظر في ح جة الوداع هذا الجمهور الضخم الذ ين حضروا مع الرسول صلى ال عل يه وسلم من مختلف أنحاء الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬مؤمنين به‪ ،‬مصدقين برسالته‪ ،‬مطيعين لمره‪ ،‬و قد كانوا جميعا قبل ثلثة وعشرين سنة فحسب على الوثنية والشرك‪ ،‬ينكرون‬

‫مبادئ رسالته‪ ،‬ويعجبون من دعوته الى التوحيد‪ ،‬وينفرون من تنديده بآبائهم الوثنيين‪ ،‬وتسفيهه لحلمهم‪ ،‬بل كان كثير منهم قد ناصبوه‬

‫العداء‪ ،‬وتربصوا به الشر‪ ،‬وبيتوا على قتله‪ ،‬وألبّوا عليه الجموع‪ ،‬وجالدوه بالسيوف والرماح‪ ،‬فكيف تم هذا النقلب العجيب في مثل هذه‬
‫المدة القصيرة‪ ،‬وكيف استطاع صلى ال عليه وسلم أن يحول هذه الجموع من وثنيتها وجاهليتها وترديها وتفرقها الى توحيد ال وعلم‬

‫ذاته وصفاته‪ ،‬واجتماع الكلمة‪ ،‬ووحدة الهدف والغاية؟ وكيف كسب حب هذه القلوب بعد عداوتها‪ ،‬وهي المعروفة بشدة الشكيمة وعنف‬

‫الخ صام؟ أل إن إن سانا مه ما بل غت عبقري ته‪ ،‬ودهاؤه‪ ،‬وقوة شخ صيته لي ستحيل أن ي صل إلى هذا في مئات ال سنين‪ ،‬و ما سمعنا بهذا في‬
‫الولين والخرين‪ ،‬إن هو إل صدق الرسالة‪ ،‬وتأييد السماء‪ ،‬ونصرة ال‪ ،‬ومعجزة الدين الشامل الكامل الذي أتم ال به نعمته على عباده‪،‬‬

‫وخ تم به ر سالته للناس‪ ،‬وأراد أن ين هي به شقاء أ مة كا نت تائ هة في دروب الحياة‪ ،‬م ستذلة للهواء الع صبيات‪ ،‬وأن يدل ها على طر يق‬
‫الهدا ية‪ ،‬ويف تح أعين ها لش عة الش مس‪ ،‬ويقلد ها قيادة ال مم‪ ،‬ويحوّل ب ها مجرى التار يخ‪ ،‬ويم حي ب ها مها نة الن سان‪ ،‬ويورث ها الحك مة‬
‫والكتاب هدى وذكرى لولي اللباب‪.‬‬

‫مائة وأربعة عشر ألفا كانوا له مكذبين‪ ،‬فأصبحوا له مصدقين‪ ،‬وكانوا له محاربين‪ ،‬فأصبحوا له مذعنين‪ ،‬وكانوا له مبغضين‪ ،‬فأصبحوا له‬

‫محبين‪ ،‬وكانوا عليه متمردين‪ ،‬فأصبحوا له طائعين‪ ،‬كل ذلك في ثلث وعشرين من السنين‪ ..‬ذلك هو صنع ال الحق المبين‪ ،‬فتعالى ال‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫ع ما يشركون‪ ،‬وتنز هت ذات ر سوله ع ما يقول الملحدون‪ ،‬و سبحان ر بك رب العزة ع ما ي صفون‪ ،‬و سلم على المر سلين‪ ،‬والح مد ل رب‬
‫العالمين‪.‬‬

‫وثاني ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الخطاب القوي الحكيم الذي خاطب به رسول ال الناس أجمعين‪ ،‬وتلك المبادئ التي أعلنها بعد‬

‫إتمام رسالته ونجاح قيادته‪ ،‬مؤكدة للمبادئ التي أعلنها في أول دعوته‪ ،‬يوم كان وحيدا مضطهدا‪ ،‬ويوم كان قليلً مستضعفا‪ ،‬مبادئ ثابتة‬
‫لم تتغير في القلة والكثرة‪ ،‬والحرب والسلم‪ ،‬والهزيمة والنصر‪ ،‬وإعراض الدنيا وإقبالها‪ ،‬وقوة العداء وضعفهم‪ ،‬بينما عرفنا في زعماء‬

‫الدن يا تقلبا في العقيدة والمبدأ‪ ،‬وتباينا في الض عف والقوة‪ ،‬وتغيرا في الو سائل والهداف‪ ،‬يظهرون خلف ما يبطنون‪ ،‬وينادون بغ ير ما‬
‫يعتقدون‪ ،‬ويلبسون في الضعف لبوس الرهبان‪ ،‬وفي القوة جلود الذئاب‪ ،‬وما ذلك إل لن هؤلء رسل المصلحة‪ ،‬وأولئك رسل ال وشتان‬

‫بين من يحوم فوق الجيف‪ ،‬وبين من يسبح في بحار النور‪ ،‬شتان بين الذين يعملون لنفسهم‪ ،‬وبين الذين يعملون لنسانيتهم‪ ،‬شتان بين‬

‫أولياء الشيطان وأولياء الرح من ﴿ال ولي الذ ين آمنوا يخرج هم من الظلمات الى النور‪ ،‬والذ ين كفروا أولياؤ هم الطاغوت يخرجون هم من‬
‫النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة‪.]257 :‬‬

‫هي‪ -‬بعث أسامة‬
‫إن آخر ما فعله رسول ال صلى ال عليه وسلم لنشر الدعوة وحمايتها‪ ،‬ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز‬
‫جيشا الى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين‪ ،‬وقد كان في هذا الجيش جميع‬
‫المهاجرين والنصار‪ ،‬ومن كان حول المدينة من المسلمين‪ ،‬لم يتخلف منهم أحد‪ ،‬ولما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ‬

‫مرض رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي توفي فيه‪ ،‬فتوقف الجيش عن السير انتظارا لشفاء الرسول‪ ،‬ورغبة في تلقي تعاليمه وهديه‪،‬‬

‫ولكن رسول ال صلى ال عليه وسلم توفي بعد أيام‪ ،‬واختاره ال إلى جواره بعد أن أدى المانة وبلغ الرسالة‪ ،‬وهيأ جزيرة العرب كلها‬
‫لحمل لواء السلم‪ ،‬ونشر حضار ته وتعاليمه في أنحاء الرض‪ ،‬وبعد أن تكون الجيش الذي يقوم بحمل أعباء هذه الما نة العظيمة الثر‬
‫في التار يخ‪ ،‬ب عد أن ته يأ جنوده ال صالحون لخوض معارك ها‪ ،‬والقادة الكفاء لقيادة حروب ها‪ ،‬والرجال العظماء ال صالحون لدارة دولت ها‪،‬‬

‫ف صلى ال و سلم على ر سوله‪ ،‬وجزاه ال ع نا و عن الن سانية خ ير الجزاء‪ ،‬فلوله ولول جنوده الوفياء الذ ين أدّوا الما نة من بعده لك نا‬
‫الن في ضلل مبين‪.‬‬

‫ل قد أكرم ال ر سوله ب ما لم يكرم نبيا من قبله‪ ،‬إذ طالت حيا ته ح تى رأى ثمرة دعو ته وكفا حه تلف الجزيرة كل ها‪ ،‬فتطهر ها من الوثان‬
‫تطهيرا أبديا‪ ،‬وتجعل الذين حطموا هذه الصنام بأيديهم فرحين بنعمة ال في إنقاذهم من الضلل‪ ،‬هم الذين عبدوها من قبل‪ ،‬وعفّروا لها‬

‫وجوههيم بالسيجود لهيا‪ ،‬وطلب الزلفيى عندهيا‪ ،‬ثيم تجعيل هؤلء مسيتعدين تمام السيتعداد للنسيياح فيي الرض‪ ،‬يحملون إلى الناس نور‬
‫ل مبعثرا الكفاءات والمواهب‪،‬‬
‫الهداية التي أنعم ال عليهم بها‪ ،‬إنه جيل واحد هو الذي كان يعبد الصنام ويؤلّهها‪ ،‬ويعيش في جاهليته هم ً‬

‫ثم هو الذي حطم الوثان‪ ،‬وأقام الدولة العربية الولى في تاريخ العرب كله‪ ،‬التي تحمل رسالة وتحدد هدفا‪ ،‬وتقف من أقوى أمم الرض‬

‫حول ها مو قف المعلم المن قذ‪ ،‬والرائد المع تز ب ما يح مل من هدى ونور وخ ير المش فق على ما كا نت تتردى ف يه ال مم من جهالة وظلم‬

‫وانحلل‪ ،‬بينما كان العرب يبظرون اليها قبل السلم نظر الكبار والعظام‪ ،‬ويقفون منها موقف التبعية السياسية والفكرية والجتماعية‪،‬‬
‫إنه حدث فريد في التاريخ قديمه وحديثه‪ ،‬وليس بعث أسامة إل عنوان هذا الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة‪.‬‬

‫ثيم يتجلى مين جعيل رسيول ال صيلى ال علييه وسيلم قيادة الجييش لسيامة بين زييد وهيو شاب فيي سين العشريين وتحيت لوائه شيوخ‬

‫المهاجر ين والن صار‪ ،‬كأ بي ب كر‪ ،‬وع مر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي‪ ،‬و هم من هم في سبقهم الى ال سلم‪ ،‬وح سن بلئ هم ف يه‪ ،‬وتقدم هم في ال سن‬
‫والمكانة على أسامة‪ ،‬ان في هذا سنة حميدة من سنن السلم في الغاء الفوارق بين الناس من جاه وسنّ وفضل‪ ،‬وتقديم الكفء الصالح‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫لها مهما يكن سنّه ومكانته‪ ،‬ثم في رضى هؤلء العظماء الذين أثبت التاريخ من بعد أن التاريخ لم ينجب مثلهم في عظمتهم وكفاءاتهم‪،‬‬

‫على أن يكونوا تحت إمرة أسامة الشاب‪ ،‬ما يدل على مدى التهذيب النفسي والخلقي الذين وصلوا اليه بفضل رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسلم وهدايته وتربيته وإرشاده‪.‬‬

‫إن في تأم ير أ سامة على م ثل أ بي ب كر وع مر وعثمان وعلي‪ ،‬سابقة عظي مة لم تعهد ها أ مة من ال مم‪ ،‬تدل على وجوب ف سح المجال‬

‫لكفاءات الشباب وعبقرياتهم‪ ،‬وتمكينهم من قيادة المور حين يكونون صالحين لذلك‪ ،‬وهذا درس عظيم لو بقي المسلمون يذكرونه من بعد‬
‫لختفت من تاريخ السلم محن وكوارث‪ ،‬ومن تاريخ دولته عواصف وفتن زعزعت أركانها وأضعفت من قوتها‪ ،‬فنعم ما فعل رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم المؤيد بوحي السماء‪ ،‬الموهوب من الحكمة والسداد‪ ،‬وبعد النظر‪ ،‬وعظيم السياسة‪ ،‬مالم يوهب نبي قبله‪ ،‬ولم يعرف‬
‫عن عظ يم في التار يخ من قبله و من بعده‪ ،‬ور ضي ال عن أ سامة الشاب‪ ،‬وهنيئا له ث قة ر سول ال صلى ال عل يه و سلم بكفاءة قياد ته‬

‫وصدق عزيمته‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬رضي ال عنه وجعله قدوة لشبابنا المؤمنين العاملين‪.‬‬

‫و‪ -‬وفاة رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫تو في ر سول ال صلى ال عل يه و سلم ب عد أن كان قد علم من طر يق الو حي بقرب أجله‪ ،‬فودع الناس في ح جة الوداع‪ ،‬وكا نت قلوب‬

‫الصحابة واجفة هلعة خشية أن يكون أجل رسول ال صلى ال عليه وسلم قد اقترب‪ ،‬ولكن أجل ال إذا جاء ل يؤخر‪ ،‬فلما أشيع عن وفاة‬
‫الر سول صلى ال عل يه و سلم اضطرب ال صحابة جميعا لهول الكار ثة‪ ،‬وزلزلت المدي نة زلزال ها‪ ،‬وطا شت عقول كث ير من كبار ال صحابة‬

‫والسابقين الى السلم‪ ،‬فمنهم من عقل لسانه‪ ،‬ومنهم من أقعد عن الحركة‪ ،‬ومنهم وهو عمر من شهر سيفه ينهى الناس أن يقولوا‪ :‬إن‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسلم مات‪ ،‬ويزعم أنه غاب‪ ،‬وسيرجع اليهم‪ ،‬ولكن أبا بكر وحده هو الذي كان ثابت الجأش‪ ،‬فدخل على رسول‬

‫ال صلى ال عليه وسلم وهو مسجى على فراشه‪ ،‬فقبله وقال له‪ :‬بأبي أنت وأمي يا رسول ال! ما أطيبك حيا وميتا! أما الموتة التي كتب‬
‫ال عليك فقد ذقتها‪ ،‬ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا‪ ،‬يا رسول ال اذكرنا عند ربك‪.‬‬

‫ثم خرج أبو بكر الى الناس‪ ،‬فخطب فيهم وقال‪ :‬أيها الناس! من كان يعبد محمدا‪ ،‬فان محمدا قد مات‪ ،‬ومن كان يعبد ال‪ ،‬فان ال حيّ ل‬

‫يموت‪ ،‬ثم تل قوله تعالى‪﴿ :‬وما محمد إل رسول قد خلت من قبله الرسل‪ ،‬أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم‪ ،‬ومن ينقلب على عقبيه‬

‫فلن ي ضر ال شيئا‪ ،‬و سيجزي ال الشاكر ين﴾ [آل عمران‪ .]144 :‬فل ما تل ها أ بو ب كر أفاقوا من هول ال صدمة‪ ،‬وكأن هم لم ي سمعوها من‬

‫قبل‪ ،‬قال أبو هريرة‪ :‬قال عمر‪ :‬فوال ما هو ال أن سمعت أن أبا بكر تلها فعقرت – أي دهشت وتحيرت – حتى وقعت الى الرض وما‬
‫تحملني رجلي‪ ،‬وعرفت أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد مات‪.‬‬

‫وهنا درسان بالغان‪:‬‬

‫أولهما‪:‬‬

‫أن الصحابة دهشوا لموت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى لكأن الموت ل يمكن أن يأتيه‪ ،‬مع أن الموت نهاية كل حي‪،‬‬

‫وما ذلك إل لحبهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم حبا امتزج بدمائهم وأعصابهم‪ ،‬والصدمة بف قد الحباب تكون على قدر الحب‪ ،‬ونحن‬
‫نرى من يف قد ولدا أو أبا ك يف ي ظل أياما ل ي صدق أ نه فقده‪ ،‬وأي حب في الدن يا يبلغ حب هؤلء ال صحابة البرار لر سول ال صلى ال‬

‫عل يه و سلم‪ ،‬و قد هدا هم ال به‪ ،‬وأنقذ هم من الظلمات إلى النور‪ ،‬وغ ير حيات هم‪ ،‬وف تح عقول هم وأب صارهم‪ ،‬و سما ب هم إلى مرا تب القادة‬

‫العظماء‪ ،‬ثم هو في حياته مربيهم وقاضيهم ومرشدهم يلجؤون اليه في النكبات‪ ،‬ويسترشدونه في الحوادث‪ ،‬ويأخذون منه خطاب ال لهم‬
‫وحديثه اليهم وتعليمه لهم‪ ،‬فلما مات رسول ال صلى ال عليه وسلم انقطع ذلك كله‪ ،‬فأي صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثرا‪.‬‬
‫ثانيهما‪:‬‬

‫أن موقف أبي بكر دل على أنه يتمتع برباطة جأش وقوة أعصاب عند النكبات ل يتمتع بها صحابي آخر‪ .‬وهذا ما جعله أولى‬

‫الناس بخلفة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد أثبت ذلك في حركة الردة في جزيرة العرب‪.‬‬

‫ملحظة‪:‬‬

‫إلى هنا ينتهي ملخص ما ألقي من محاضرات في فقه السيرة على طلب السنة الثانية‪ ،‬وقد بقي من برنامج هذه المحاضرات‬

‫‪www.ikhwan-info.net‬‬
‫أربعة فصول‪ ،‬ولم يتسع الوقت لملء بقية الفصول المقررة في المنهاج‪ ،‬كما ذكرناه في مقدمة مذكرة السنة الولى‪ ،‬وذلك لضيق الوقت‪،‬‬
‫فنرجو أن يوفق ال لكتابة بقية هذا المنهاج‪ .‬وآخر دعوانا أن الحمد ل رب العالمين‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful