‫* كتاب‬

‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫كتاب‬
‫التوحيد‬
‫و‬
‫ه إل ُ‬
‫م ل إ ِل َ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫} ذَل ِك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫عَلى‬
‫ي ٍ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫فا ْ‬
‫و ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ه َ‬
‫دوهُ َ‬
‫ش ْ‬
‫كي ٌ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ل‪‬‬
‫ي ٍ‬
‫و ِ‬
‫ء َ‬
‫ش ْ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫الكتاب الول‬
‫إثبات وجود الله عز وجل و بيان‬
‫عورات بعض المذاهب اللحادية‬
‫باب قول الله جل ذكره )أم خلقوا من‬
‫غير شيء أم هم الخالقون‪ .‬أم خلقوا‬
‫السمـوات والرض بل ل يوقنـون‪.‬أم‬
‫عندهـم خزائن ربك أم هم‬
‫المسيطرون(‬
‫"فأين تذهبون" ‪:‬‬
‫قال العلمة السعدي –رحمه الله‪ -‬في تفسيره "و قد تقرر في العقل مع‬
‫الشرع أن وجود الخلق ل يخلو من أحد ثلثة أمور‪ :‬إما أنهم خلقوا من غير‬
‫شئ أي ل خالق خلقهم بل وجدوا من غير ايجاد و ل موجد و هذا عين‬
‫المحال‪ ,‬أم هم الخالقون لنفسهم و هذا أيضا ً محال فإنه ل يتصور أن‬
‫يوجدوا أنفسهم‪ ,‬فإذا بطل هذان المران و بان استحالتهما تعين الثالث أن‬
‫الله الذي خلقهم و إذا تعين ذلك علم أن الله تعالى هو المعبود وحده الذي‬
‫تنبغي العبادة و ل تصلح إل له تعالى" اهـ ‪.‬‬
‫ن‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫فصل في أحلم الذين كفروا و بيان أنها سراب" َ‬
‫كَ َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫فُروا أ َ ْ‬
‫ب بِ ِ‬
‫ع ٍ‬
‫مآ ُ‬
‫ماءً َ‬
‫ة يَ ْ‬
‫قي َ‬
‫ح َ‬
‫م كَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه الظّ ْ‬
‫سب ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫سَرا ٍ‬
‫و ّ‬
‫عن ْدَهُ َ‬
‫جدْهُ َ‬
‫ه‬
‫فاهُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ساب َ ُ‬
‫جدَ الل ّ َ‬
‫جاءَهُ ل َ ْ‬
‫م يَ ِ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫شي ًْئا َ‬
‫ْ‬
‫ب‪ " 39‬النور ‪:‬‬
‫ع ال ِ‬
‫ري ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫سا ِ‬
‫س ِ‬
‫و قد سعت ملل اللحاد التي تدين بإنكار الله عز وجل سعيا ً حثيثا ً‬
‫ليثبتوا خالق غير الله من صنع عقولهم ل حول له و ل قوة و هم ل‬
‫َ‬
‫ن ُأولئ ِ َ‬
‫ك‬
‫يعلمون قول الله عز وجل‪َ" :‬وال ّ ِ‬
‫سعَوْ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫مَعا ِ‬
‫ن ِفي آَيات َِنا ُ‬
‫زي َ‬
‫ذي َ‬
‫ج ِ‬
‫ِفي ال ْعَ َ‬
‫ن ‪ " 38‬سبأ‪ ,‬قال بن جرير الطبري "والذين‬
‫ضُرو َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ب ُ‬
‫ذا ِ‬
‫عملوا في حججنا فصدوا عن اتباع رسولنا والقرار بكتابنا الذي‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫أنزلناه"اهـ‪ ,‬فيثبتون طبيعة جامدة فل تكليف و ل ثواب و ل عقاب‬
‫ما‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫ي إ ِّل َ‬
‫ليتوصلوا إلى قول سلفهم "إ ِ ْ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫ن هِ َ‬
‫ن ‪ "37‬المؤمنون ‪,‬‬
‫نَ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫مب ُْعوِثي َ‬
‫ح ُ‬
‫سعي أئمة الفلسفة الوثنيين الراسخين في الكفر‪:‬‬
‫رفضوا دين النبياء و الرسل بالرغم من بلوغهم الرسالة قال تعالى‪:‬‬
‫ك بال ْحق بشيرا ونذيرا وإن م ُ‬
‫َ‬
‫ذيٌر ‪"24‬‬
‫مةٍ إ ِّل َ‬
‫خَل ِفيَها ن َ ِ‬
‫"إ ِّنا أْر َ‬
‫نأ ّ‬
‫سل َْنا َ ِ َ ّ َ ِ ً َ َ ِ ً َ ِ ْ ِ ْ‬
‫فاطر ‪ ,‬و درج الحداث من الفلسفة على منهج سلفهم من الملحدين‬
‫يأصلون أصول متناقضة و بنوا عليها بناء من الشبهات المتهافته أمام‬
‫الموحيد و المحققين غير أنها من مصائد الشيطان العظيمة للمبهورين‬
‫‪ ,‬و أقوالهم تدور ول محورين إما أنهم ينكرون وجود الله عز وجل‬
‫كالدهريين و إما أنهم يثبتونه و لكن يعطلونه من كل صفات الكمال و‬
‫يصفونه بكل صفات النقص و العجز كالطبيعيون و اللهيون‪ , 1‬تعالى‬
‫الله عما يقولون علوا ً كبيرا ‪ .‬وبكل أسف نقول أن الفلسفة خلفوا‬
‫العالم شرا ً كبيرا ً بوضعهم أصول اللحاد التي تبناها تابعيهم و لقد ثبت‬
‫أن تفشي هذا الداء في الشعوب سببا ً لهلكها و جعلها عبرة‬
‫للمؤمنين‪. 2‬‬
‫‪ 1‬قال الغزالي "اعلم‪ :‬أنـهم –الفلسفة اليونان‪ ، -‬على كثرة فرقهم واختلف مذاهبـهم ‪ ،‬ينقسمون‬
‫إلى ثلثة أقسام‪ :‬الدهريون ‪ ،‬والطبيعيون ‪ ،‬واللهيون‪ .‬الصنف الول‪ :‬الدهريون‪ -:‬وهم طائفة من‬
‫القدمين جحدوا الصانع المدبر ‪ ،‬العالم القادر ‪ ،‬وزعموا أن العالم لم يزل موجودا ً كذلك بنفسه بل‬
‫صانع والصنف الثاني‪ :‬الطبيعيون‪ -:‬وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة ‪ ،‬وعن عجائب الحيوان‬
‫والنبات مما اضطروا معه إلى العتراف بفاطر حكيم ‪ ,‬إل أنهم زعموا أن القوى العاقلة تبطل ببطلن‬
‫النسان فتنعدم و ل تعود فكفروا بالخرة ‪ ,‬والصنف الثالث‪ :‬اللهيون وهم المتأخرون منهم سقراط ‪،‬‬
‫وهو أستاذ أفلطون ‪ ،‬وأفلطون أستاذ أرسطاطاليس ‪ ،‬وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ‪،‬‬
‫وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الولين من الدهرية والطبيعية ‪ ،‬وأوردوا في الكشف عن‬
‫فضائحهم ‪ .‬ثم رد أرسطاطاليس على أفلطون وسقراط ‪ ،‬ومن كان قبلهم من اللهيين ‪ ،‬رد ّا ً لم‬
‫يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ؛ إل أنه استبقى أيضا ً من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق‬
‫للنـزوع عنها ‪ ،‬فوجب تكفيرهم ‪ ،‬وتكفير شيعتهم من المتفلسفة السلميين ‪ ،‬كابن سينا والفارابي و‬
‫غيرهم" ‪ .‬اهـ ‪.‬‬
‫‪ 2‬قال بن القيم في الغاثة "ثم سرى هذا الداء منهم في المم وفي فرق المعطلة فكان منهم إمام‬
‫المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه ‪ ,‬فدرج‬
‫قومه وأصحابه على ذلك حتى أهلكهم الله تعالى بالغرق وجعلهم عبرة لعباده المؤمنين ‪ ,‬ثم استمر‬
‫المر على عهد نبوة موسى كليم الرحمن على التوحيد وإثبات الصفات إلى أن توفى موسى عليه‬
‫السلم ودخل الداخل على بني إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على علوم المعطلة أعداء‬
‫موسى عليه السلم وقدموها على نصوص التوراة فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم وشردهم‬
‫من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحى وتعوضوا‬
‫عنه بكلم الملحدة والمعطلة من الفلسفة وغيرهم كما سلط النصارى على بلد المغرب لما ظهرت‬
‫فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها فاستولت النصارى على أكثر بلدهم وأصاروهم رعية لهم‬
‫وكذلك لما ظهر ذلك ببلد المشرق سلط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلد الشرقية واستولوا‬
‫عليها وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل‬
‫اللحاد سلط عليهم القرامطة الباطنية فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات واستولوا على الحاج‬
‫واستعرضوهم قتل وأسرا واشتدت شوكتهم واتهم بموافقتهم في الباطن كثير من العيان من‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫فلسفة إسلمية !!! ؟‪:‬‬
‫و هذا من عجيب المقال و إل فكيف يجمع بين المتناقضات كيف يجمع‬
‫بين اليمان و الكفر فالفلسفة معناها هي المبادئ الولى للوجود‬
‫والفكر فهي دراسة تنشد الحق وتهتدي بمنطق العقل ‪ ،‬ولذلك ل تبدأ‬
‫الفلسفة بمسلمات مهما كان مصدرها ‪ ،‬فإذا كان الدين يرتكز على‬
‫النصوص الشريعة ‪ ،‬فالفلسفة ل تجعل للشريعة سندا لما يوصف بأنه‬
‫حق‬
‫و من السباب التي ساعدت على نشر أوهامهم‪:‬‬
‫أول ً زعم النزعة العلمية‪:‬‬
‫ما‬
‫ن ي َت ّب ُِعو َ‬
‫التي كانوا يطفونها على كلمهم و كذبوا " إ ِ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن إ ِّل الظ ّ ّ‬
‫دى ‪ "23‬النجم ‪ ,‬و قال تعالى‪:‬‬
‫س وَل َ َ‬
‫وى اْل َن ْ ُ‬
‫م ِ‬
‫م ال ْهُ َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن َرب ّهِ ُ‬
‫جاَءهُ ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ت َهْ َ‬
‫َ‬
‫حقّ َ‬
‫ه‬
‫ن َل ي ُغِْني ِ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م إ ِّل ظ َّنا إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ما ي َت ّب ِعُ أك ْث َُرهُ ْ‬
‫" وَ َ‬
‫م َ‬
‫ن الظ ّ ّ‬
‫ن‪ "36‬يونس ‪ ,‬فما ُبنيت أصول فلسفتهم إل على‬
‫ما ي َ ْ‬
‫فعَُلو َ‬
‫م بِ َ‬
‫ع َِلي ٌ‬
‫الظن‪ ,‬فتكلموا في الغيب بالظن بغير هدىً و ل كتاب مبين‪ ,‬بالرغم‬
‫من أنهم لم يشهدوا الغيب فكيف يتكلمون فيه!!! ؟‬
‫َْ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ق‬
‫ض وََل َ‬
‫م َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫خل ْقَ ال ّ‬
‫خل ْ َ‬
‫س َ‬
‫شهَد ْت ُهُ ْ‬
‫و قد قال الله تعالى‪َ " :‬‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫دا ‪ "51‬الكهف ‪ ,‬و من أصولهم‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫مت ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ف ِ‬
‫ض ً‬
‫ن عَ ُ‬
‫خذ َ ا ل ْ ُ‬
‫ت ُ‬
‫ما ك ُن ْ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫ضّلي َ‬
‫ل هَ ْ‬
‫الجهل و الجهل ل يصلح أن يكون دليل ‪ ,‬قال تعالى‪ " :‬قُ ْ‬
‫م‬
‫ل ِ‬
‫عن ْد َك ُ ْ‬
‫خرجوه ل َنا إن تتبعون إّل الظ ّن وإ َ‬
‫ن ‪"148‬‬
‫م إ ِّل ت َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫صو َ‬
‫ّ َِ ْ‬
‫ن أن ْت ُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫م ْ‬
‫عل ْم ٍ فَت ُ ْ ِ ُ ُ َ ِ ْ َ ّ ِ ُ َ ِ‬
‫النعام ‪,‬‬
‫ثانيا ً إجتهاد أئمتها‪:‬‬
‫و هذا شأن كل دعوة أنها تتفشى بإجتهاد أئمتها و لذلك نشطت‬
‫الفلسفة باجتهاد أئمتها ثم خمدت بنور الوحي –و هذه خصيصة ينفرد‬
‫بها نور الوحي على الدعاة في كل مكان و زمان أن ينتبهوا إليها فنور‬
‫الوحي ل تقوى معه ظلمات الجهل مهما عظمت و مهما اجتهد أئمتها‪-‬‬
‫و لكن تنشط الظلمات كلما ضعف نور الوحي و كلما قل الحاملين له‬
‫كلما تفشت مرة أخرى‪ ,‬ولقد اهتم بعض خلفاء المسلمون بترجمة‬
‫العلوم إلى العربية و كان ممن سعوا في ترجمته الفلسفة الوثنية ثم‬
‫انكب عليها ممن يدعون للنفسهم السلم و حاولوا التقريب بين‬
‫الوزراء والكتاب والدباء وغيرهم واستولى أهل دعوتهم على بلد المغرب واستقرت دار مملكتهم‬
‫بمصر وبنيت في أيامهم القاهرة واستولوا على الشام والحجاز واليمن والمغرب وخطب لهم على‬
‫منبر بغداد" – فصل في الفلسفة موجودون في سائر المم‪-‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫الوثنية و السلم فربحوا من سعيهم هذا الكفر و اللحاد فوصفوا الله‬
‫بما ل ينبغي وصفه به وعطلوه عن أسمائه وصفاته ولم يثبتوا له‬
‫وجودا ً حقيقيا ً بل أثبتوا له وجودا ً مطلقا ً وهو عند التحقيق والنظر‬
‫يقتضي نفي وجوده على الحقيقة ‪ ,‬و كان من أئمة دعاة التقريب ‪-‬من‬
‫اليمان إلى اللحاد‪ -‬المعلم الثاني الفارابي و بن سينا الذي بذل جهده‬
‫لتقريب فلسفة أرسطوا لدين السلم بالغش و الخداع كما عرف‬
‫بحكاية بن رشد و أبو البركات حتى قربها إلى أقوال الجهمية الغاليين‬
‫في التجهم و هم في غلوهم أسد مذهبا ً و أصح قول ً‪ , 3‬قال بن كثير‬
‫في البداية و النهاية "و قد كفره الغزالي في "تهافت الفلسفة" لثلث‬
‫و هي قوله بقدم العالم وعدم المعاد الجسماني وأن الله ل يعلم‬
‫الجزئيات" اهـ ‪,‬‬
‫َ‬
‫فصل فساد النهاية من فساد البداية "أ َ َ‬
‫ه‬
‫نأ ّ‬
‫م ْ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫ف َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَلى ت َ ْ‬
‫عَلى‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ر ْ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫وى ِ‬
‫خي ٌْر أ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫و ِ‬
‫ر َ‬
‫ش َ‬
‫َ‬
‫دي‬
‫ه ِ‬
‫ف َ‬
‫ه ِ‬
‫هاَر ب ِ ِ‬
‫ر َ‬
‫جُر ٍ‬
‫فا ُ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫ج َ‬
‫فان ْ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫هن ّ َ‬
‫م َ‬
‫في َنا ِ‬
‫ها ٍ‬
‫م ال ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن‪ " 109‬التوبة‪:‬‬
‫ظال ِ ِ‬
‫و َ‬
‫مي َ‬
‫ق ْ‬
‫فهذه أصول الفلسفة‪:‬‬
‫التي بنوا عليها مذاهبهم الظن و اتباع الهوى و هي ليست من العلم‬
‫ل هَ ْ‬
‫في شئ قال تعالى‪ " :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫عل ْم ٍ فَت ُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ت َت ّب ُِعو َ‬
‫جوه ُ ل ََنا إ ِ ْ‬
‫خرِ ُ‬
‫عن ْد َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫إّل الظ ّن وإ َ‬
‫ن ‪ "148‬النعام ‪ ,‬أما نتائجهم فهي إما‬
‫م إ ِّل ت َ ْ‬
‫صو َ‬
‫ّ َِ ْ‬
‫ن أن ْت ُ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ِ‬
‫إنكار وجود الله عز وجل و إما اثباته مع نفي أسمائه و صفاته و نفي‬
‫وجوده !! ‪,‬‬
‫و أما نتائجهم المثيرة‪:‬‬
‫يقول الشيخ ياسر برهامي –حفظه الله‪" -‬فهم يقولون بقدم العالم ‪,‬‬
‫أي إن العالم الموجود أصل ً فاض منه سلسلة من الوجود ‪ :‬أولها‬
‫العقل الكلي ثم النفس الكلي ‪ ,‬و العقل الكلي فاض منه عشر عقول‬
‫و بعد سلسلة من الفيوض فاض ) الهيولي ( المادة و هي عند اليونان‬
‫القدماء أربعة ) الماء و الهواء و التراب و النار (‪" 4‬اهـ‬
‫بيان عورات أقوالهم‪:‬‬

‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫بتصرف من إغاثة اللهفان لبن القيم‬
‫شرح منة الرحمن في نصيحة الخوان – لفضيلة الشيخ ياسر برهامي‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أما قولهم صدور العالم عن واحد و الواحد يصدر عنه‬
‫واحد‪:‬‬
‫وعن ذلك الواحد عقل ونفس وفلك‪ ،‬فيقال إن كان الصادر عنه واحدا ً‬
‫من كل وجه‪ ،‬فل يصدر عن هذا الواحد‪ ،‬إل واحد أيضًا‪ ،‬فيلزم أن يكون‬
‫كل ما في العالم إنما هو واحد عن واحد‪ ،‬وهو مكابرة‪ ،‬وإن كان‬
‫الصادر الول كثرة ما بوجه من الوجوه‪ ،‬فقد صدر عن الول ما فيه‬
‫كثرة ليس واحدا ً من كل وجه‪ ،‬فقد صدر عن الواحد ما ليس بواحد‪" 5‬‬
‫‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬و أما القول بقدم العالم‪:6‬‬
‫و هي من بدع ارسطو طاليس اللحادية و كان راسخا ً في الكفر و‬
‫تبعه من استخفهم فأطاعوه مع أن قوله مناقض للعقل قبل الشرع‬
‫يقول شيخ السلم بن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ " -‬القول بقدم العالم قول‬
‫اتفق جماهير العقلء على بطلنه‪ ،‬فليس أهل الملة وحدهم تبطله‪ ،‬بل‬
‫أهل الملل كلهم‪ ،‬وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف‬
‫المشركين‪ :‬مشركي العرب‪ ،‬ومشركي الهند وغيرهم من المم‪،‬‬
‫وجماهير أساطين الفلسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث‬
‫كائن بعد أن لم يكن‪ ،‬بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء‬
‫‪ "7‬اهـ‬
‫بيان حقيقة هذا القول و تناقضه‪:‬‬
‫و حقيقة قولهم أن العلة التامة –تعالى الله‪ -‬مستلزمة للعالم منذ‬
‫الزل ‪ ,‬و قد بين قولهم هذا شيخ السلم فقال حاكيا ً مذهبهم ‪-‬رحمه‬
‫الله‪" -‬أن الله تعالى علة تامة مستلزمة للعالم‪ ،‬و العالم متولد عنه‬
‫تولدا ً لزما ً بحيث ل يمكن أن ينفك عنه‪ ،‬لن العلة التامة مستلزمة‬
‫لمعلولها ‪ . "8‬و كلمهم متهافت و متناقض يكذب بعضه بعضا ‪ ,‬فكون‬
‫العالم محدث بعلة فاعلة ممتنع لنها لزمة له فلزم بذلك أل تكون‬
‫لزمة له فإن كانت ليست لزمة له فإنه ليس بقديم بل محدث ‪ ,‬قال‬
‫شيخ السلم –رحمه الله‪" -‬وأما جعل المفعول المعين مقارنا ً للخالق‬
‫‪ 5‬مجموع الفتاوى ‪ = 17/288‬بتصرف يسير ‪.‬‬
‫‪ 6‬و من الذين أجادوا في الرد على الفلسفة في هذا الباب د‪ .‬عبد العزيز بن محمد بن علي العبد‬
‫اللطيف – في كتاب "نواقض اليمان القولية والعملية" ‪.‬‬
‫‪ 7‬مجموع الفتاوى ‪ ،5/565‬وانظر الصفدية ‪. 1/130‬‬
‫‪ 8‬انظر الصفدية لبن تيمية ‪. 1/8‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫أزل ً وأبدا ً فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله‪ ،‬فإن كون الفاعل‬
‫مقارنا ً لمفعوله أزل ً وأبدا ً مخالف لصريح المعقول‪ , " 9.‬ويقول‪" _ :‬‬
‫وهؤلء الفلسفة يتضمن قولهم في الحقيقة أنه لم يخلق‪ ،‬فإن ما‬
‫يثبتونه من الخلق إنما يتضمن التعطيل‪ ،‬فإنه على قولهم لم يزل‬
‫الفلك مقارنا ً له أزل ً وأبدًا‪ ،‬فامتنع حينئذ أن يكون مفعول ً له‪ ،‬فإن‬
‫الفاعل لبد أن يتقدم على فعله‪" 10.‬‬
‫فكلمهم فاسد من هاتين الجهتين‪:‬‬
‫الولى تناقضه في نفسه‪:‬‬
‫فأما تناقضه في أصله أن المحدث إن كان مستلزما ً لعلته –تعالى‬
‫الله‪ -‬لم يكن محدث و إن كان محدث لزم أل يكون مستلزما ً لعلته ‪,‬‬
‫و الثانية عدم تحقيقه لهدفه‪:‬‬
‫دث بعلة ل إرادة لها‬
‫و أما بعده عن هدفه فهم أرادوا إثبات وجود المح َ‬
‫ة‬
‫دث من غير شئ لمتناع كونه مفعول ً لعل ٍ‬
‫و ل قوة فأثبتوا وجود المح َ‬
‫لزمة له منذ الزل لنه يتصادم مع العقل ‪.‬‬
‫الدافع وراء تفلسف الوثنيين‪:‬‬
‫كما ذكرنا الفلسفة لما تكلموا في المعاني العقائدية أرادوا تفسير‬
‫ي‬
‫وجود العالم بعيدا ً عن إثبات رب قوي قادر حتى يصدقوا حلم "إ ِ ْ‬
‫ن هِ َ‬
‫ن ‪ "37‬المؤمنون‪,‬‬
‫ما ن َ ْ‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫إ ِّل َ‬
‫ن بِ َ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫مب ُْعوِثي َ‬
‫ح ُ‬
‫فيستجيبوا لشهواتهم و أهوائهم بل قيد و مثال ذلك دولة "أفلطون"‬
‫التي رسمها في فلسفته الخيالية ‪ ,‬و التي جعل النساء فيها "مشاعًا"‬
‫في طبقة الجنود ‪ ,‬وكان اليونان ضد "الستر" وزعم أفلطون أن‬
‫"الفضل تعرية الجسد" ‪ ,‬كما زعم أن العري لم يعد يثير السخرية‬
‫عند اليونانيين ؛ بعد أن كشف لهم العقل عما يثير السخرية ‪ ,‬وما ل‬
‫يثيرها ! ‪ ,‬وكان اليونانيون يظنون أن الجمال البشري يبلغ ذروته في‬
‫الجسد النساني العاري ؛ ولهذا كان الجسد العاري هو الموضوع‬
‫المسيطر في فن النحت اليوناني ‪ ,‬وعند تأسيس كليات الفنون في‬
‫العالم السلمي في العصر الحديث ُأبيح رسم الجساد العارية محاكاة‬
‫لما يقع في مثيلتها في بلد الغرب ‪ ,‬دون اعتبار لدين المة أو‬
‫شريعتها ! ‪,‬‬
‫‪ 9‬مجموع الفتاوى ‪. 18/228‬‬
‫‪ 10‬مجموع الفتاوى ‪. 18/229‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫و ربما تبنا الملوك نشر المذاهب الفلسفية و اللحادية في الشعوب‬
‫ليضمن استخفافه بالقوم‪ ,‬مع حرصه على نبذ الشرع الحنيف لنه‬
‫يعطي القلوب نورا ً و قوة فإذا أبصر بالظلم بطش به‪.‬‬
‫بيان كفر من قال بقدم العالم‪:‬‬
‫قال القاضي عياض‪" :‬وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم‪ ،‬أو‬
‫بقائه‪ ،‬أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلسفة والدهرية‪" .11‬‬
‫وقال النووى‪ " :‬قال المتولي‪ :‬من اعتقد قدم العالم‪ ،‬أو حدوث‬
‫الصانع‪ ..‬كان كافرًا‪ , " 12.‬ويقول ابن حجر الهيتمي‪ _ :13‬ومنها القول‬
‫الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد‪ ،‬أو عناد‪ ،‬أو استهزاء‪ ،‬فمن ذلك‬
‫اعتقاد قدم العالم‪ ،‬أو حدوث الصانع‪. "14.‬‬
‫الرد على شبهة من خلق الله ‪:‬‬
‫عن ابي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ) يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من‬
‫خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته‪ ( 15‬قال الخطابي ‪) :‬على أن‬
‫قوله‪" :‬من خلق ربك" كلم متهافت ينقض آخره أوله‪ .‬لن الخالق يستحيل‬
‫أن يكون مخلوقا‪ ،‬ثم لو كان السؤال متجها لستلزم التسلسل‪ ،‬وهو محال‪،‬‬
‫وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث‪ ،‬فلو كان هو مفتقرا إلى‬
‫محدث لكان من المحدثات( انتهى‪ .‬وقال الطيبي ‪) :‬إنما أمر بالستعاذة‬
‫والشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والحتجاج؛ لن العلم باستغناء الله‬
‫جل وعل عن الموجد أمر ضروري ل يقبل المناظرة؛ ولن السترسال في‬
‫الفكر في ذلك ل يزيد المرء إل حيرة‪ ،‬ومن هذا حاله فل علج له إل الملجأ‬
‫إلى الله تعالى‪ ،‬والعتصام به‪ ،‬وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال‬
‫عما ل يعني المرء وعما هو مستغن عنه‪ ،‬وفيه علم من أعلم النبوة لخباره‬
‫بوقوع ما سيقع فوقع ( ‪ .‬وقال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله في كتابه‬
‫)موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول(‪ :‬ولفظ )التسلسل( يراد به‬
‫التسلسل في المؤثرات‪ ،‬وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل‪ ،‬وهذا‬
‫باطل بصريح العقل واتفاق العقلء‪ ،‬وهذا هو التسلسل الذي أمر النبي بأن‬
‫‪ 11‬الشفا ‪ 606 _2/604‬وانظر الشرح الصغير للدردير ‪ 6/147‬وحاشية الدسوقي ‪ ،4/268‬وبلغة‬
‫السالك لحمد الصاوي ‪ ،3/447‬وشرح منح الجليل على مختصر خليل لعليش ‪. 4/463‬‬
‫‪12‬روضة الطالبين ‪ ،10/64‬وانظر مغنى المحتاج للشربيني ‪4/134‬‬
‫‪ 13‬أبو العباس أحمد بن محمد بن على بن حجر الهيتمي الشافعي‪ ،‬فقيه‪ ،‬ولد عناية بالحديث ولد‬
‫بمصر سنة ‪ 909‬هـ‪ ،‬ودرس في الزهر‪ ،‬له تصانيف كثيرة‪ ،‬تضمن بعضها بدعا ً وشططا ً وتوفي سنة‬
‫‪ 974‬هـ ‪.‬‬
‫انظر‪ _ :‬البدر الطالع ‪ ،1/109‬والعلم ‪. 1/234‬‬
‫‪ 14‬العلم بقواطع السلم ص ‪ ،350‬وأنظر ص ‪. 351‬‬
‫‪ 15‬متفق عليه‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫يستعاذ بالله منه‪ ،‬وأمر بالنتهاء عنه‪ ،‬وأن يقول القائل‪) :‬آمنت بالله(‪ ،‬كما‬
‫في الصحيحين عن أبي هريرة ‪ ،‬قال‪ :‬قال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬يأتي‬
‫الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له من‬
‫خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ‪ .‬وفي رواية‪ :‬ل يزال الناس‬
‫يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟" قال فبينما أنا‬
‫في المسجد إذ جاءني ناس من العراب فقالوا يا أبا هريرة هذا الله خلق‬
‫الخلق فمن خلق الله؟ قال فأخذ حصى بكفه فرماهم به ثم قال قوموا‬
‫صدق خليلي وفي الصحيح أيضا عن أنس بن مالك عن رسول الله قال‪:‬‬
‫قال الله‪ :‬إن أمتك ل يزالون يسألون ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا هذا الله‬
‫خلق الخلق فمن خلق الله؟ انتهى المقصود من كلم الشيخ رحمه الله‪.‬‬

‫َ‬
‫ف َ‬
‫فصل في قوله تعالى‪َ " :‬‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫قات ُِلوا أئ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ال ْك ُ ْ‬
‫ن‪12‬‬
‫هو َ‬
‫ما َ‬
‫م لَ َ‬
‫م ي َن ْت َ ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ر إ ِن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َل أي ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ف ِ‬
‫" التوبة‪:‬‬
‫دراسة قرآنية لطبيعة اليهود‪:‬‬
‫أول ً صفاتهم القلبية‪:‬‬
‫‪ -1‬التمرد و عدم شكر النعمة‪:‬‬
‫ن ي ُب َد ّ ْ‬
‫سَراِئي َ‬
‫س ْ‬
‫ة‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ل ب َِني إ ِ ْ‬
‫و قال تعالى ) َ‬
‫ل ن ِعْ َ‬
‫ن آي َةٍ ب َي ّن َةٍ وَ َ‬
‫م آت َي َْناهُ ْ‬
‫ل كَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ب ( ) ‪ : 211‬البقرة ( و كم هنا‬
‫ديد ُ ال ْعِ َ‬
‫ش ِ‬
‫الل ّهِ ِ‬
‫ه فَإ ِ ّ‬
‫ما َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫جاَءت ْ ُ‬
‫ن ب َعْد ِ َ‬
‫قا ِ‬
‫م ْ‬
‫للتكثير ‪,‬‬
‫‪ - 2‬اليمان ببعض الكتاب و الكفر ببعض ‪:‬‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ب وَت َك ْ ُ‬
‫و لذلك قال الله تعالى لهم ) أفَت ُؤ ْ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ض فَ َ‬
‫ض ال ْك َِتا ِ‬
‫ن ب ِب َعْ ٍ‬
‫ن ب ِب َعْ ِ‬
‫ل ذ َل ِ َ‬
‫فعَ ُ‬
‫ن إ َِلى‬
‫ن يَ ْ‬
‫م إ ِّل ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫دو َ‬
‫مةِ ي َُر ّ‬
‫خْزيٌ ِفي ال ْ َ‬
‫َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَي َوْ َ‬
‫قَيا َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫جَزاُء َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫شد ّ العَ َ‬
‫أَ َ‬
‫ن ( ) ‪ : 85‬البقرة ( روى بن جرير‬
‫ملو َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫ل عَ ّ‬
‫ما الل ُ‬
‫ب وَ َ‬
‫ذا ِ‬
‫ه ب َِغافِ ٍ‬
‫الطبري عن بن عن ابن عباس في تفسير هذه الية قال ) أنبهم الله من‬
‫فعلهم وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء‬
‫أسراهم فكانوا فريقين طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج ‪ ,‬والنضير‬
‫وقريظة حلفاء الوس فكانوا إذا كانت بين الوس والخزرج حرب خرجت‬
‫بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الوس يظاهر كل منهم‬
‫حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون‬
‫منها ما عليهم وما لهم والوس والخزرج أهل الشرك يعبدون الوثان ل‬
‫يعرفون جنة ول نارا ول بعثا ول قيامة ول كتابا ول حراما ول حلل فإذا‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫وضعت الحرب أوزارها إفتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وأخذا به‬
‫بعضهم من بعض يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الوس‬
‫وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ويطلبون ما أصابوا‬
‫من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرا لهل الشرك عليهم‬
‫يقول الله تعالى ذكره حين أنبأهم بذلك أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون‬
‫ببعض أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه وفي حكم التوراة أن ل يقتل ول‬
‫يخرج من ذلك ول يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الوثان من دونه ابتغاء‬
‫عرض من عرض الدنيا ( ‪.‬‬
‫‪ - 3‬إخفاء حقائق المور ‪:‬‬
‫سو ٌ‬
‫ق‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫ما َ‬
‫م َر ُ‬
‫ري ٌ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫صد ّقٌ ل ِ َ‬
‫عن ْد ِ الل ّهِ ُ‬
‫جاَءهُ ْ‬
‫قال تعالى ) وَل َ ّ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ن َب َذ َ فَ ِ‬
‫َ‬
‫من ال ّذي ُ‬
‫ن ‪ (101‬قال‬
‫مو َ‬
‫ب ك َِتا َ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫م َل ي َعْل َ ُ‬
‫م ك َأن ّهُ ْ‬
‫ب الل ّهِ وََراَء ظ ُُهورِه ِ ْ‬
‫ِ َ‬
‫ِ َ‬
‫قتادة في قوله "كأنهم ل يعلمون" قال‪ :‬إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا‬
‫ن ُأوُتوا‬
‫علمهم وكتموه وجحدوا به‪ .‬و قال تعالى ) وَإ ِذ ْ أ َ َ‬
‫ميَثاقَ ال ّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫خذ َ الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َوا ْ‬
‫ه فَن َب َ ُ‬
‫مًنا قَِليًل‬
‫ال ْك َِتا َ‬
‫شت ََرْوا ب ِهِ ث َ َ‬
‫ذوه ُ وََراءَ ظ ُُهورِه ِ ْ‬
‫مون َ ُ‬
‫س وََل ت َك ْت ُ ُ‬
‫ب ل َت ُب َي ّن ُن ّ ُ‬
‫ه ِللّنا ِ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن ( ) ‪ : 187‬آل عمران (‬
‫شت َُرو َ‬
‫س َ‬
‫فَب ِئ ْ َ‬
‫‪ - 4‬الكبر الذي أدى بهم إلى الحسد ‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫تكبروا على أمر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ) أفَك ُل ّ َ‬
‫م وَفَ‬
‫سو ٌ‬
‫ن ( ) ‪: 87‬‬
‫قا ت َ ْ‬
‫ري ً‬
‫ري ً‬
‫م فَ َ‬
‫ف‬
‫وى أ َن ْ ُ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ما ْ‬
‫ف ُ‬
‫َر ُ‬
‫قا ك َذ ّب ْت ُ ْ‬
‫ست َك ْب َْرت ُ ْ‬
‫سك ُ ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫ما َل ت َهْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما أن َْز َ‬
‫ما ا ْ‬
‫ه ب َغًْيا‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫شت ََرْوا ب ِهِ أن ْ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ف َ‬
‫البقرة ( قال تعالى ) ب ِئ ْ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫فُروا ب ِ َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ن ي ُن َّز َ‬
‫ن يَ َ‬
‫عَباد ِهِ (‬
‫ن ِ‬
‫شاُء ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ضل ِهِ ع ََلى َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫‪ –5‬و كعادة الذين كفروا إستحبوا الحياة الدنيا و حرصوا عليها‬
‫من الخرة ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شَر ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حَياةٍ وَ ِ‬
‫كوا ي َوَد ّ‬
‫س ع ََلى َ‬
‫مأ ْ‬
‫جد َن ّهُ ْ‬
‫قال تعالى ) وَل َت َ ِ‬
‫حَر َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ص الّنا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْعَ َ‬
‫صيٌر‬
‫حزِ ِ‬
‫مُر أ َل ْ َ‬
‫ه بَ ِ‬
‫حه ِ ِ‬
‫بأ ْ‬
‫مَز ْ‬
‫أ َ‬
‫ف َ‬
‫مَر َوالل ّ ُ‬
‫ن ي ُعَ ّ‬
‫ما هُوَ ب ِ ُ‬
‫سن َةٍ وَ َ‬
‫م ل َوْ ي ُعَ ّ‬
‫حد ُهُ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫م َ‬
‫ن ( ) ‪ : 96‬البقرة (‬
‫مُلو َ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫بِ َ‬
‫ثانيا ً و من صفاتهم الكلمية ‪:‬‬
‫‪ - 1‬تلبيس الحق بالباطل‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن(‬
‫مو َ‬
‫موا ال َ‬
‫سوا ال ْ َ‬
‫فقال تعالى ) وََل ت َل ْب ِ ُ‬
‫م ت َعْل ُ‬
‫حقّ وَأن ْت ُ ْ‬
‫ل وَت َك ْت ُ ُ‬
‫حقّ ِبالَباط ِ ِ‬
‫) البقرة ‪ ( 42 :‬و قال تعالى )َيا أ َهْ َ‬
‫ل‬
‫ن ال ْ َ‬
‫سو َ‬
‫م ت َل ْب ِ ُ‬
‫ب لِ َ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫حقّ ِبال َْباط ِ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن ‪ ( 71‬و قال تعالى ) ِ‬
‫حّرُفو َ‬
‫دوا ي ُ َ‬
‫ها ُ‬
‫مو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مو َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫حقّ وَأن ْت ُ ْ‬
‫وَت َك ْت ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ضعِهِ ( ) النساء ‪( 46 :‬‬
‫وا ِ‬
‫ن َ‬
‫ال ْك َل ِ َ‬
‫م َ‬
‫م عَ ْ‬
‫‪ - 2‬الكذب‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫هودا أ َو نصارى ت ِل ْ َ َ‬
‫ن َ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫كا َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫مان ِي ّهُ ْ‬
‫كأ َ‬
‫ة إ ِّل َ‬
‫ن ُ ً ْ َ َ َ‬
‫م ْ‬
‫قال تعالى )وََقاُلوا ل َ ْ‬
‫هانك ُم إن ك ُنتم صادقين ( ) البقرة ‪ ( 111:‬و قال تعالى ) َ َ‬
‫قُ ْ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫ها أن ْت ُ ْ‬
‫هاُتوا ب ُْر َ َ ْ ِ ْ ْ ُ ْ َ ِ ِ َ‬
‫ه‬
‫م ب ِهِ ِ‬
‫م ب ِهِ ِ‬
‫جو َ‬
‫حا ّ‬
‫م تُ َ‬
‫ج ْ‬
‫حا َ‬
‫هَؤ َُلِء َ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫س ل َك ُ ْ‬
‫ن ِفي َ‬
‫م فَل ِ َ‬
‫عل ْ ٌ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫جت ُ ْ‬
‫ما ل َي ْ َ‬
‫يعل َم وأ َنتم َل تعل َمون ( ) آل عمران ‪ ( 66 :‬و قال تعالى ) وم َ‬
‫ب‬
‫َْ ُ َ‬
‫َْ ُ َ ُْ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫َ ِ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ديَنارٍ ل ي ُؤ َد ّهِ إ ِلي ْ َ‬
‫قن ْطارٍ ي ُؤ َد ّهِ إ ِلي ْ َ‬
‫ما‬
‫ه بِ ِ‬
‫ك وَ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ك إ ِل َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َأ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ن ت َأ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سِبي ٌ‬
‫ن ع َلى‬
‫ل وَي َ ُ‬
‫قولو َ‬
‫ن َ‬
‫س ع َلي َْنا ِفي ال ّ‬
‫ما ذ َل ِك ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ت ع َلي ْهِ َقائ ِ ً‬
‫م َ‬
‫دُ ْ‬
‫م َقالوا لي ْ َ‬
‫مّيي َ‬
‫ن ( ) البقرة ‪. ( 75 :‬‬
‫مو َ‬
‫الل ّهِ ال ْك َذ ِ َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫ب وَهُ ْ‬
‫‪ - 3‬نقض العهد مع الله والخيانة‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م بَ ْ‬
‫ن(‬
‫ما َ‬
‫م َل ي ُؤ ْ ِ‬
‫ريقٌ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫دوا ع َهْ ً‬
‫عاهَ ُ‬
‫ل أك ْث َُرهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫قال تعالى )أوَك ُل ّ َ‬
‫دا ن َب َذ َ َه ُ فَ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫خ ُ‬
‫ذوا‬
‫طوَر ُ‬
‫) البقرة ‪ ( 100:‬و قال تعالى )وَإ ِذ ْ أ َ‬
‫خذ َْنا ِ‬
‫م وََرفَعَْنا فَوْقَك ُ ُ‬
‫ميَثاقَك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ج َ‬
‫صي َْنا وَأ ْ‬
‫ل‬
‫م بِ ُ‬
‫س ِ‬
‫م العِ ْ‬
‫مُعوا َقاُلوا َ‬
‫قوّةٍ َوا ْ‬
‫شرُِبوا ِفي قُلوب ِهِ ُ‬
‫س َ‬
‫ما آت َي َْناك ُ ْ‬
‫َ‬
‫معَْنا وَع َ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م قُ ْ‬
‫ن ( )‪ :93‬البقررة (‬
‫ب ِك ْ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫ل ب ِئ ْ َ‬
‫م ُ‬
‫ن كن ْت ُ ْ‬
‫مان ُك ْ‬
‫م ب ِهِ ِإي َ‬
‫مُرك ْ‬
‫ما ي َأ ُ‬
‫س َ‬
‫فرِه ِ ْ‬
‫مِني َ‬
‫‪ - 4‬ثم بعد ذلك يزكون أنفسهم !‬
‫َ‬
‫شاُء وَلَ‬
‫ّ‬
‫ه ي َُز ّ‬
‫ن ي َُز ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن أ َن ْ ُ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ف َ‬
‫كي َ‬
‫ل الل ُ‬
‫سه ُ ْ‬
‫قال تعالى ) أل َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م بَ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن فَِتيًل ‪ ( 49‬قال الحسن وقتادة نزلت هذه الية وهي قوله "ألم تر‬
‫مو َ‬
‫ي ُظ ْل َ ُ‬
‫إلى الذين يزكون أنفسهم" في اليهود والنصارى حين قالوا‪ :‬نحن أبناء الله‬
‫وأحباؤه وفي قولهم "لن يدخل الجنة إل من كان هودا أو نصارى "‬
‫ثالثا ً صفاتهم الفعلية ‪:‬‬
‫‪ - 1‬عدم العمل بما علموا‪:‬‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب أفََل‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫م ت َت ُْلو َ‬
‫سوْ َ‬
‫مُرو َ‬
‫ن أن ْفُ َ‬
‫س ِبال ْب ِّر وَت َن ْ َ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫قال تعالى ) أت َأ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫ن ( ) ‪ : 44‬البقرة ( ‪ ,‬و هذه من صفات اليهود إل أن المؤمنين عليهم‬
‫ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫أيضا ً أن يتقوا الوقوع في ذلك الوحل أي عدم العمل بالعلم ‪ ,‬فالعلم يهتف‬
‫بالعمل فإن أجابه و إل ارتحل ‪ ,‬و النفوس جبلت على القتداء بمن يعمل‬
‫بما يعلم و النفرة ممن ل يعمل بما يعلم ‪ ,‬و روى الشيخان من حديث‬
‫أسامة رضي الله عنه أنه قال سمعته ) أي رسول الله صلى الله عليه و آله‬
‫و سلم ( يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في‬
‫النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي‬
‫فلن ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت‬
‫آمركم بالمعروف ول آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ‪.‬‬
‫‪ - 2‬البخل و الحرص‪:‬‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫س ِبال ْب ُ ْ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫قال تعالى ) ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫مُرو َ‬
‫خُلو َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ما آَتاهُ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل وَي َك ْت ُ ُ‬
‫ن وَي َأ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫خ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ضل ِهِ وَأ َع ْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫مِهيًنا ‪ (37‬روى أبو جعفر الطبري عن‬
‫ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫ذاًبا ُ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫كافِ ِ‬
‫ابن عباس نزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجال من النصار‬
‫يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم ل تنققوا أموالكم فإنا نخشى عليكم‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫الفقر ‪ ،‬فأنزل الله تعالى ) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ( اهـ ‪ .‬فهم‬
‫َ‬
‫م‬
‫بخلوا بإظهار ما عندهم من الحق و أمروا الناس أن يبخلوا بأموالهم )أ ْ‬
‫م ل َهُ ْ‬
‫ك فَإ ِ ً‬
‫قيًرا ‪( 53‬‬
‫س نَ ِ‬
‫ب ِ‬
‫نَ ِ‬
‫ذا َل ي ُؤ ُْتو َ‬
‫مل ْ ِ‬
‫صي ٌ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م َ‬
‫‪ – 4‬أكل السحت‪:‬‬
‫ك َفاحك ُم بينهم أوَ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫بأ ّ‬
‫جاُءو َ‬
‫ما ُ‬
‫ح ِ‬
‫ن َ‬
‫ت فَإ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫كالو َ‬
‫عو َ‬
‫ن ِلل ّ‬
‫قال تعالى‪َ " :‬‬
‫س ّ‬
‫ن ل ِلك َذ ِ ِ‬
‫ْ ْ ََُْ ْ ْ‬
‫َ‬
‫ضّرو َ‬
‫ك َ‬
‫م‬
‫ت َفا ْ‬
‫ن َ‬
‫شي ًْئا وَإ ِ ْ‬
‫ن يَ ُ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫حك َ ْ‬
‫ض ع َن ْهُ ْ‬
‫ض ع َن ْهُ ْ‬
‫ن ت ُعْرِ ْ‬
‫أع ْرِ ْ‬
‫م فَل َ ْ‬
‫ن‪ "42‬المائدة ‪ ,‬قال بن منظور –رحمه الله‪-‬‬
‫م ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫س ِ‬
‫ِبال ْ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ط إِ ّ‬
‫ق ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫طي َ‬
‫في لسان العرب‪" :‬السحت ك ّ‬
‫ل حرام قبـيح ال ّ‬
‫ث من‬
‫ذكر؛ وقـيل هو ما َ‬
‫خب ْ َ‬
‫ح الذ ّ ْ‬
‫كر ك ََثمن الكلب والـخمر‬
‫م عنه العاُر وَقبـي ُ‬
‫مكاسب و َ‬
‫حُرم فل َزِ َ‬
‫الـ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت الرج ُ‬
‫سحات؛ وِإذا وَقع الرج ُ‬
‫ل‬
‫س َ‬
‫ل فـيها قـيل قد أ ْ‬
‫والـخنزير والـجمعُ أ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ة أي ي ُذ ْه ُِبها"اهـ ‪ .‬و‬
‫ت البرك َ‬
‫م الذي ل ي َ ِ‬
‫س َ‬
‫س ْ‬
‫ت الـحرا ُ‬
‫سُبه لنه ي َ ْ‬
‫ل كَ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ح ُ‬
‫ح ُ‬
‫من اعظم السحت ثمن التضليل ‪ ,‬قال تعالى )فَوَي ْ ٌ‬
‫ب‬
‫ل ل ِل ّ ِ‬
‫ن ال ْك َِتا َ‬
‫ن ي َك ْت ُُبو َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫مًنا قَِليًل فَوَي ْ ٌ‬
‫عن ْد ِ الل ّهِ ل ِي َ ْ‬
‫ن هَ َ‬
‫ما‬
‫م يَ ُ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ب ِأي ْ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫م ّ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫شت َُروا ب ِهِ ث َ َ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م وَوَي ْ ٌ‬
‫ن ( و مسلك علماء السوء في شراء‬
‫ما ي َك ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫م ّ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫ك َت َب َ ْ‬
‫الثمن القليل بآيات الله تعالى يكون على نحوين الول إما بكتمان الحق‬
‫ما أ َن َْز َ‬
‫ب‬
‫ه ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫لنكاره كما قال تعالى ) إ ِ ّ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن ي َك ْت ُ ُ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫هّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مًنا قَِليًل ُأول َئ ِ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ما ي َأك ُلو َ‬
‫شت َُرو َ‬
‫م الل ُ‬
‫مه ُ ُ‬
‫م إ ِل الّناَر وَل ي ُك َل ُ‬
‫ن ِفي ب ُطون ِهِ ْ‬
‫ك َ‬
‫ن ب ِهِ ث َ َ‬
‫َ‬
‫مةِ وََل ي َُز ّ‬
‫م عَ َ‬
‫م ) البقرة ‪ , ( 174‬و الثاني إظهار‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ي َوْ َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫م وَل َهُ ْ‬
‫كيهِ ْ‬
‫قَيا َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ري ً‬
‫ن أل ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫وو َ‬
‫حقا ً ليراد به باطل و قال تعالى )وَإ ِ ّ‬
‫سن َت َهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ِبال ْك َِتا ِ‬
‫قا ي َل ْ ُ‬
‫م ل َفَ ِ‬
‫و‬
‫ب وَي َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن هُوَ ِ‬
‫ما هُوَ ِ‬
‫سُبوه ُ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫عن ْد ِ الل ّهِ وَ َ‬
‫ب وَ َ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫ما هُ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن ( ) آل عمران ‪ . ( 78‬و‬
‫عن ْد ِ الل ّهِ وَي َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫مو َ‬
‫ن ع ََلى الل ّهِ ال ْك َذ ِ َ‬
‫قوُلو َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫ب وَهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫مثال ذلك من يكتم حكم الله تعالى في المسألة و يظهر حكم باطل ليوهم‬
‫الناس بأن الله تعالى قد شرعه و يستدل عليه بنصوص من الشريعة ل‬
‫يعلم تأويلها الجهال فيقول الحكم من عند الله "و ما هو من عند الله و‬
‫يقولون على الله الكذب و هم يعلمون" ‪.‬‬
‫‪ - 5‬اتباعهم السحر ‪:‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫جب ْ ِ‬
‫ب ي ُؤ ْ ِ‬
‫صيًبا ِ‬
‫ن أوُتوا ن َ ِ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن ِبال ْ ِ‬
‫قال تعالى )أل َ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َوال ّ‬
‫طا ُ‬
‫سِبيًل (‬
‫ن كَ َ‬
‫ت وَي َ ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫دى ِ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫غو ِ‬
‫فُروا هَؤ َُلِء أهْ َ‬
‫قوُلو َ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫) النساء ‪ ( 51 :‬و هذه اليات المخاطب بها اليهود ‪ ,‬و السحر كفر و حد‬
‫ما ت َت ُْلو ال ّ‬
‫ك‬
‫شَيا ِ‬
‫مل ْ ِ‬
‫ن ع ََلى ُ‬
‫الساحر ضربة بالسيف ‪ ,‬و قال تعالى )َوات ّب َُعوا َ‬
‫طي ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ما‬
‫ما ك َ َ‬
‫شَيا ِ‬
‫س ْ‬
‫مو َ‬
‫ما ُ‬
‫ما َ‬
‫س ال ّ‬
‫فَر ُ‬
‫ُ‬
‫حَر وَ َ‬
‫ن ك َفَُروا ي ُعَل ّ ُ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫طي َ‬
‫ن وَل َك ِ ّ‬
‫َ‬
‫قولَ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ب َِباب ِ َ‬
‫أ ُن ْزِ َ‬
‫حّتى ي َ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن ِ‬
‫حد ٍ َ‬
‫نأ َ‬
‫ما ي ُعَل َ‬
‫ت وَ َ‬
‫ماُرو َ‬
‫ت وَ َ‬
‫هاُرو َ‬
‫ل ع َلى ال َ‬
‫م ْ‬
‫ما ِ‬
‫ملك َي ْ ِ‬
‫ما‬
‫ة فََل ت َك ْ ُ‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬
‫ن ِ‬
‫ما ي ُفَّرُقو َ‬
‫مو َ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫جه ِ و َ َ‬
‫مْرِء وََزوْ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫من ْهُ َ‬
‫فْر فَي َت َعَل ّ ُ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ن ب ِهِ ب َي ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫م وَل َ َ‬
‫م وََل ي َن ْ َ‬
‫ن ب ِهِ ِ‬
‫قد ْ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫مو َ‬
‫نأ َ‬
‫م بِ َ‬
‫فعُهُ ْ‬
‫ضّرهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّهِ وَي َت َعَل ّ ُ‬
‫هُ ْ‬
‫حد ٍ إ ِّل ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ضاّري َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫نا ْ‬
‫م‬
‫شَرْوا ب ِهِ أن ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ِفي اْل ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ف َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫شت ََراه ُ َ‬
‫موا ل َ َ‬
‫ع َل ِ ُ‬
‫ق وَل َب ِئ ْ َ‬
‫م ْ‬
‫خَل ٍ‬
‫م ِ‬
‫ل َوْ َ‬
‫ن ( ) البقرة ‪. ( 102 :‬‬
‫مو َ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫‪ - 6‬أكلهم الربا و قد نهوا عنه ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وا َ‬
‫ل‬
‫قال تعالى ) وَأ َ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه وَأك ْل ِهِ ْ‬
‫م الّرَبا وَقَد ْ ن ُُهوا ع َن ْ ُ‬
‫خذ ِه ِ ُ‬
‫س ِبالَباط ِ ِ‬
‫م َ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫َ‬
‫وَأ َع ْت َد َْنا ل ِل ْ َ‬
‫م عَ َ‬
‫ما ‪( 161‬‬
‫ن ِ‬
‫ذاًبا أِلي ً‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫‪ – 7‬القتل و )قتل النبياء( ‪:‬‬
‫قال تعالى ) ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله و يقتلون النبياء بغير الحق‬
‫خي ُْر‬
‫ه َ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫مك ََر الل ّ ُ‬
‫مك َُروا وَ َ‬
‫ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون ( ‪ .‬قال تعالى )وَ َ‬
‫ه قَوْ َ‬
‫قيٌر‬
‫ن ( ‪ ,‬و قال تعالى ) ل َ َ‬
‫ه فَ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫معَ الل ّ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫ماك ِ َِ‬
‫قو ُ‬
‫ذوُقوا ع َ َ‬
‫ل ُ‬
‫ب‬
‫حقّ وَن َ ُ‬
‫ذا َ‬
‫م اْل َن ْب َِياَء ب ِغَي ْرِ َ‬
‫سن َك ْت ُ ُ‬
‫وَن َ ْ‬
‫ن أغ ْن َِياُء َ‬
‫ما َقاُلوا وَقَت ْل َهُ ُ‬
‫ب َ‬
‫ح ُ‬
‫ق ( )‪ :181‬آل عمران ( ‪.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫ري ِ‬

‫"الماسونية" و الدعوة إلى إتباع السلف‬
‫‪16‬‬
‫الوثني‬
‫ن‬
‫مُنوا ي ُ ْ‬
‫ت إ َِلى الّنورِ َوال ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫جه ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫قال تعالى‪" :‬الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ه وَل ِ ّ‬
‫خرجونهم من النور إَلى الظ ّل ُمات ُأول َئ ِ َ َ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ب‬
‫كَ َ‬
‫َ ِ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫غو ُ‬
‫فُروا أوْل َِياؤ ُهُ ُ‬
‫كأ ْ‬
‫ت يُ ْ ِ ُ َ ُ ْ ِ َ ّ ِ ِ‬
‫ن‪ " 257‬البقرة ‪ ,‬سعت الماسونية التابعة للكيان‬
‫م ِفيَها َ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫الّنارِ هُ ْ‬
‫الصهيوني سعيا ً حثيا ً على نشر الفساد و اللحاد عن الدين كله و تجديد عفن‬
‫الفلسفة اللحادي و هو أحد أهدافها الساسية و صدق الله إذ يقول‪:‬‬
‫ن‪ "64‬المائدة ‪ ,‬و هدفها‬
‫م ْ‬
‫ن ِفي اْل َْر‬
‫ه َل ي ُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ح ّ‬
‫سا ً‬
‫سعَوْ َ‬
‫ض فَ َ‬
‫"وَي َ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫دا َوالل ّ ُ‬
‫دي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م ت ََر إ َِلى‬
‫في ذلك إضلل الخلق عن سبيل الله جل وعل ‪ ,‬قال تعالى‪) :‬أل َ ْ‬
‫ة ويريدو َ‬
‫ال ّذي ُ‬
‫سِبي َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫ل(‬
‫ن تَ ِ‬
‫صيًبا ِ‬
‫ن أوُتوا ن َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ضَلل َ َ َ ُ ِ ُ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫شت َُرو َ‬
‫ضّلوا ال ّ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫م َ‬
‫ِ َ‬
‫)‪ :44‬النساء ( ‪ ,‬و هم يبذلون في سبيل ذلك المبالغ الضخمة و لكن‬
‫م تَ ُ‬
‫م‬
‫ن كَ َ‬
‫ف ُ‬
‫ن َوال ّ ِ‬
‫سي ُن ْ ِ‬
‫فُروا إ َِلى َ‬
‫م ي ُغْل َُبو َ‬
‫م َ‬
‫كو ُ‬
‫ح ْ‬
‫"فَ َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫سَرة ً ث ُ ّ‬
‫ن ع َل َي ْهِ ْ‬
‫قون ََها ث ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫ن ‪ "36‬النفال ‪ ,‬و قد اعتمدت في نشر اللحاد على ثلث محاور‬
‫شُرو َ‬
‫يُ ْ‬
‫‪16‬‬

‫عمدة هذا الباب موسوعة الديان الميسرة ‪ - /‬ط‪ ،2.‬مزيدة‪ - .‬بيروت‪ ،‬لبنان ‪ :‬دار النفائس للطباعة‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫رئيسية المحور الول المنظمات العالمية‪ 17‬و الثاني الندية و الجمعيات‬
‫العالمية‪ 18‬و المحور الثالث تدعيم المذاهب اللحادية‪. 19‬‬

‫ذوا من دون الل ّه أ َ‬
‫مث َ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ول َِياءَ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫فصل " َ‬
‫ِ ْ‬
‫ِ ْ ُ ِ‬
‫خذَت بيًتا وإن أ َ‬
‫ت‬
‫ه‬
‫و‬
‫َ‬
‫ن ال ْب ُُيو ِ‬
‫عن ْك َُبو ِ‬
‫ت ات ّ َ ْ َ ْ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫َ‬
‫كَ َ‬
‫َ ِ ّ ْ‬
‫مث َ ِ‬
‫و َ‬
‫ن‪" 41‬‬
‫عن ْك َُبو ِ‬
‫مو َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ل َب َي ْ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ت لَ ْ‬
‫العنكبوت"‬

‫‪ 17‬أما المنظمات العالمية فمهمتها استغلل المواقف العالمية تجاه الهداف الماسونية و إن زعموا‬
‫أنهم يصنعون المواقف فالحقيقة أن اليهود أهل الجبن و المكر الخبيث يستغلون المواقف لصالحهم و‬
‫يبذلون جهدهم لتوجيهها نحو أهدافهم و حسب و من هذه المنظمات منظمة "بلوتوا" و أفرادها من‬
‫أصحاب المليارات من اليهود وظيفتها التحكم في اقتصاد العالم ‪ ,‬و "منظمة أنور شست" و مهمتها‬
‫محاربة الدول الدول التي تعادي الماسونية و إثارت الحروب ‪ ,‬و من منظماتها أيضا ً "تيروي إيرست"‬
‫و مهمتها القيام باغتيالت عالمية تكون نتيجتها في غالب الحوال حدوث حروب عالمية ‪ ,‬منظمة‬
‫"الماسونية الماركسية" و مهمتها تنظيم الضرابات العمالية في جميع أنحاء العالم ‪ ,‬و تحريض على‬
‫الثورات الداخلية و استغللها لصالح الهداف الماسونية و كانت السبب وراء الثورة و البريطانية و‬
‫البلشفية ‪,‬‬
‫‪ 18‬و تجمعها سياسة واحدة و هي السياسة الماسونية الخبيثة و هي أن أعضائها من الدرجة الولى –‬
‫الجدد‪ -‬ل يرون إل الحفلت والرحلت ومظاهر الخاء النساني‪ ،‬ومهمة هؤلء أن يضمنوا السلمة‬
‫وإبعاد الشبهات عن الجمعية من جانب‪ ،‬وأن يخدع بهم آخرون فينضموا لهذه المؤسسات من جانب‬
‫لخاء‬
‫آخر بالضافة إلى أنها تتستر وراء شعارات براقه تتصدرها كأهداف لها مثل تحقيق المساواة وا ِ‬
‫والروح النسانية والتعاون العالمي‪ ،‬وهذه الروح و إن كانت خداعة تنفي عنها الشبهات فلها هدف‬
‫آخر خبيث و هو إذابة الفوارق بين المم‪ ،‬وتفتيت جميع أنواع الولءات‪ ،‬حتى يصبح الناس أفرادا ً‬
‫ضائعين تائهين‪ ،‬ول تبقى قوة متماسكة إل اليهود الذين يريدون السيطرة على العالم‪ .‬تتظاهر بالعمل‬
‫لنساني من أجل تحسين الصلت بين مختلف الطوائف وتتظاهر بأنها تحصر نشاطها في المسائل‬
‫ا ِ‬
‫الجتماعية والثقافية وتحقق أهدافها عن طريق الحفلت الدورية والمحاضرات والندوات التي تدعو‬
‫إلى التقارب بين الديان وإلغاء الخلفات الدينية‪ .‬و من ثم فهذا هو الوجه الذي يظهر للعضاء ول‬
‫تظهر الهداف اليهودية الحقيقية بل يظهرون في أنديتهم رفاهية العضاء و الحفلت و الرحلت‬
‫الفاخرة ‪ ,‬و لذلك فهذه الندية تحصل على شعبية كبيرة ‪ ,‬و من هذه الندية الروتاري و هو من‬
‫أشهرها و أوسعها انتشارا ً و يغلب على أنشطته الحفلت و الرحلت و الندوات ‪ ,‬و كذلك نادي الليونز‬
‫‪ ,‬وبناي بريث إل أن هذه الجمعية عضويتها مقصورة على أبناء اليهود و يغلب على أنشطتها الجانب‬
‫الخيري و مساعدة الضعفاء والعجزة وذوي العاهات وتقديم الدعم للمستشفيات الخيرية‪ .‬افتتاح‬
‫بيوت الشباب في جميع أنحاء العالم و الدفاع عن حقوق النسان و مساعدة ضحايا الكوارث‬
‫الطبيعية ‪ .‬و منها جمعية الريفورينج و ينتسب إليها الصحافيون و الكتاب و الطلبة الجامعيون ‪ ,‬جمعية‬
‫شهود يهوه و ينحصر نشاطها في استمالة الشباب إليها بكل الطرق المادية و عن طريق استخدام‬
‫الفتيات وقد يستعملون فقرات من النجيل أو آيات قرآنية في خطابهم مع الشباب ‪ ,‬و من أنديتهم‬
‫أنرويل و هو خاص بالنساء ‪,‬‬
‫‪ 19‬أيضا ً و من هذه المذاهب اللحادية التي دعموها ماديا ً و فكريا‪ً:‬‬
‫المهاريشية‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫و هي نحلة هندوسية اتخذت ثوبا عصريا وهي تدعو إلى طقوس كهنوتية من التأمل التصاعدي بغية‬
‫تحصيل السعادة الروحية عن طريق اليوجا أي السترخاء‪ ،‬وإطلق عنان الفكر في صمت حتى يجد‬
‫حل ً لجميع مشكلته ‪ ،‬وليحقق بذلك السعادة المنشودة‪ .‬و من ضروريات مذهبها أن أفرادها يكفرون‬
‫بالغيب فهم يلحدون عن أي دين ول يعرفون إل )المهاريشي( آلها ً وسيدا ً للعالم ‪ ،‬و هم كعادة‬
‫المنظمات الماسونية الخبيثة يظهرون للناس أهداف براقة لتكون ستارا ً يخفون بها تلك الحقيقة ‪ ,‬و‬
‫يدعون أن حركتهم تسمى )علم الذكاء الخلق( و يدعون التحلل من كل القيود يطلقون العنان‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫أول ً الحركات السياسية التي جسدت اللحاد‬
‫حديثًا‪:‬‬
‫الشيوعية المنهارة و العلمانية المخادعة ‪ ,‬و للسف كانتا سببا ً في نزعة‬
‫إلحادية عارمة أنهم إتبعوا سياسة الفكر و السلطة ‪ ,‬أما الفكر فتبنوا‬
‫النظريات التي تقوم على نشر اللحاد كنظرية دارون السابقة و نظرية‬
‫كارل ماركس في القتصاد والتفسير المادي للتاريخ ونظريات فرويد في‬
‫علم النفس ونظريات دوركايم في علم الجتماع ‪ ، ...‬وكل هذه النظريات‬
‫من أسس اللحاد في العالم ‪ ,‬و هذه النظريات و إن كان مكانها‬
‫المراحيض!! لمناقضتها للعقل و الشرع إل أن تبني السلطات اللحادية‬
‫لنشرها هو الذي أعظم أثرها ‪ .‬فقد تضرر المسلمون من هذه الشيوعية‬
‫لسلمية كُبخارى وسمرقند وبلد‬
‫المنهارة كثيرا ً فقد اكتسحوا الجمهوريات ا ِ‬
‫الشيشان والشركس‪ .‬يهدمون المساجد ويحولونها إلى دور ترفيه ومراكز‬
‫للحزب ! ‪ ،‬ويمنعون المسلم من إظهار شعائر دينه‪ ،‬أما اقتناء المصحف فهو‬
‫لشبابهم وشاباتهم لممارسة كل أنواع الميول الجنسية الشاذة وقد وجد بينهم ما يسمى بالبانكرز وما‬
‫يسمى بالجنس الثالث ‪ .‬يحثون شبابهم على استخدام المخدرات ‪ ,‬و قد نشرت رابطة العالم‬
‫لسلم والمسلمين مؤكدة ارتباطه‬
‫لسلمي في مكة بيانا ً أوضحت فيه خطر هذا المذهب على ا ِ‬
‫ا ِ‬
‫بالدوائر الماسونية والصهيونية‪.‬‬
‫"الروحية الحديثة"‪:‬‬
‫و هي مذهب إلحادي حديث تدعمه الماسونية بهدف القضاء على عقيدة البعث و من الدلة الواضحة‬
‫على اتصالها بالماسونية تشجيع نواي الروتاري لهذه الظاهرة ‪ ,‬و يدعي أصحاب هذا المذهب الخبيث‬
‫الذي يقوم على الكذب و التكهن استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية و التقاط صور لهذه الرواح‬
‫في الشعة تحت الحمراء و كذبوا في ذلك فهو في الواقع ل يخرج عن كونه شعوذة وخداعا ً وتأثيرا ً‬
‫دعون أن الرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها‬
‫مغناطيسيا ً على الحاضرين ‪ ,‬و ي ّ‬
‫كافرة ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء ‪ .‬و هذه الظاهرة لها نفوذ قوي وخاصة في أمريكا وأوروبا‬
‫وهناك كثير من الصحف والمجلت التي تتكلم باسمها‪ .‬وفي أمريكا يوجد المركز العالمي للبحوث‬
‫لسلمي بسرعة عجيبه وخاصة في‬
‫الروحية‪ ،‬و للسف هذه الظاهرة تسربت إلى العالم العربي وا ِ‬
‫مصر حيث توجد لها عدة جمعيات وهناك عدة مجلت وصحف أخرى تروج لها مثل‪ :‬مجلة صباح‬
‫الخير‪ ،‬آخر ساعة‪ ،‬المصور‪ ،‬المقتطف وصحيفة الهرام فضل ً عن مجلة )عالم الروح( الخاصة بها‪.‬‬
‫"يهود الدونمة"‬
‫و هم جماعة من اليهود يظهرون يدعون السلم ويبطنون الكفر و الكيد للمسلمين و قد أسسها‬
‫سباتاي زيفي‪ .‬إل ان دعوته اليهودية استفحلت وراجت و تبتنها الماسونية لتضمها ضمن منظماتها‬
‫اليهودية الهدامه ‪ ,‬و هؤلء المدعون للسلم ل يصومون ول يصلون ول يغتسلون من الجنابة‪ ،‬وقد‬
‫يظهرون بعض الشعائر السلمية في بعض المناسبات كالعياد مثل ً إيهاما ً وخداعًا‪ .‬و في الواقع فهم‬
‫يسعون لنشر اللحاد يهاجمون حجاب المرأة ويدعون إلى السفور والتحلل والتعليم المختلط و هذه‬
‫الفرقة أسهمت في إلغاء الخلفة العباسية عن طريق انقلب جماعة التحاد والترقي ول يزالون إلى‬
‫لعلم لنها هي وسائل السيطرة‬
‫لسلم‪ ،‬لهم براعة في مجالت القتصاد والثقافة وا ِ‬
‫الن يكيدون ل ِ‬
‫لعلم‬
‫ا‬
‫على‬
‫السيطرة‬
‫وسائل‬
‫يملكون‬
‫و‬
‫تركيا‪.‬‬
‫في‬
‫الن‬
‫توجد‬
‫العظمى‬
‫غالبيتهم‬
‫المجتمعات‪.‬‬
‫على‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫والقتصاد‪ ،‬ولهم مناصب حساسة جدا في الحكومة‪.‬‬
‫"البهائية"‬
‫نسبة إلى بهاء الله لقب مؤسسها و هي تعمل لخدمة الماسونية وللبهائية تجمع كبير وسط القاهرة‪،‬‬
‫ولهم مساجدهم التي يصلون فيها‪ ،‬وأزياؤهم التي يرتدونها وتميزهم عن باقي أفراد الشعب المصري‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫جريمة كبرى يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة كاملة !! ‪ ,‬أما العلمانية‬
‫فمحاربتها للدين ظاهرة في كل أمة ظهروا عليها و يكفي ما فعلوه بعلماء‬
‫المسلمين في تركيا من العدام و البادة ‪ ,‬و صدق الله عز وجل إذ يقول‪" :‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫م ً‬
‫ك َي ْ َ‬
‫ة ي ُْر ُ‬
‫ف وَإ ِ ْ‬
‫واه ِهِ ْ‬
‫ضون َك ُ ْ‬
‫م إ ِّل وََل ذ ِ ّ‬
‫م َل ي َْرقُُبوا ِفيك ُ ْ‬
‫ن ي َظ ْهَُروا ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م ب ِأفْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‪ " 8‬التوبة‪ ,‬و مثل هذه الحركات كمثل بيوت‬
‫س ُ‬
‫م َفا ِ‬
‫قو َ‬
‫م وَأك ْث َُرهُ ْ‬
‫وَت َأَبى قُُلوب ُهُ ْ‬
‫العنكبوت ضعيفة ول عجب من استمرارها فالغثاء أضعف ‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الشيوعية المنهارة‪:‬‬
‫شعارها ‪ :‬نؤمن بثلثة‪ :‬ماركس ولينين وستالين‪ ،‬ونكفر بثلثة‪ :‬الله‪ ،‬الدين‪،‬‬
‫الملكية الخاصة‪ ،‬عليهم من الله ما يستحقون ‪ .‬و تجسد هذا المذهب في‬
‫الثورة البلشفية على يد اليهود الماسون ماركس الناني متقلب المزاج و‬
‫لينين دكتاتورها المرعب الذي اشتهر بالبطش بجبروت و ستالين الذي تبعه‬
‫في ذلك ‪ ,‬إلأن دولتهم سرعان ما زالت لجتماع أسباب زوال المم فيها‬
‫بوضوح و هي الكفر و الظلم ‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬العلمانية المخادعة‪:‬‬
‫و هي أعظم خطرا لكونها كالحرباء ‪ ,‬فبعد أن أظهر علماء المسلمين‬
‫سوءتها طفقت تخصف عليها ما تواري به سوءتها و تتزيا بعدم إنكار الدين و‬
‫عدم محاربته بل لربما أظهروا رعاية له تحت اسماء براقة كالديمقراطية و‬
‫من ثم يلتبس على المسلمين أمرها‪,‬‬
‫أما حقيتها‪:‬‬
‫فهي "فصل الدين" عن الدولة فالله تعالى ليس له في نظر الديمقراطية‬
‫سوى المساجد ‪ ،‬والكنائس والمعابد ‪ .‬وما سوى ذلك من جوانب الحياة‬
‫السياسية والقتصادية ‪ ،‬والجتماعية وغيرها فهي ليست من خصوصياته‬
‫وإنما هي من خصوصيات الشعب وحده ‪ ,‬قال تعالى ‪ ) :‬ويقولون نؤمن‬
‫ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيل أولئك هم الكافرون‬
‫حقا ً وأعتدنا للكافرين عذابا ً أليما ( ‪ .‬وإن زعم بلسانه ـ ألف مرة ـ أنه من‬
‫المسلمين المؤمنين‪.‬‬
‫الديمقراطية خدعة العصر‪:‬‬
‫أول ً تعني أن مصدر التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب‪:‬‬
‫وليس الله وهذا مناقض لصول الدين والتوحيد ‪ ،‬يدل على ذلك قوله‬
‫تعالى ‪ ) :‬إن الحكم إل لله أمر أن ل تعبدوا إل إياه ( ‪ .‬و قال تعالى ‪:‬‬
‫) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ً من دون الله ( فهم أرباب من دون الله‬
‫لما ّ اعترفوا لهم بحق التشريع والتحليل والتحريم وسن القوانين من دون‬
‫الله تعالى ‪.‬‬
‫ثانيا ً تقوم على مبدأ الختيار والتصويت في كل شيء حتى‬
‫الوامر الشرعية‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫تخضع لعملية التصويت والختيار ‪ ،‬وهذا مناقض للخضوع والنقياد ‪،‬‬
‫والستسلم التام ‪ ،‬والرضا بالله تعالى ‪ ,‬قال تعالى ‪ ) :‬ما كان لمؤمن ول‬
‫مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( ‪ .‬وقال‬
‫تعالى ‪):‬فل وربك ل يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ل يجدوا في‬
‫أنفسهم حرجا ً مما قضيت ويسلموا تسليمًا(‬
‫ثالثا ً تقوم على مبدأ اعتبار قرار الكثرية مهما كان نوع هذه‬
‫الكثرية و سواء وافقت الحق أم ل‪:‬‬
‫ولو اجتمعت على الباطل أو الكفر الصريح ‪ !..‬بينما الحق المطلق في نظر‬
‫السلم هو الحق المسطور في الكتاب والسنة فالحكم لله وحده ‪ ،‬وليس‬
‫للبشر أو الكثرية قال تعالى ‪ ):‬وإن تطع أكثر من في الرض يضلوك عن‬
‫سبيل الله إن يتبعون إل الظن وإن هم إل يخرصون ( ‪ .‬وفي الحديث فقد‬
‫صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ ":‬إن من النبياء من لم‬
‫يصدقه من أمته إل رجل واحد " ‪ .‬فأين موقع هذا النبي ومعه الرجل الواحد‬
‫في ميزان أكثرية الديمقراطية ‪..‬؟! قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‬
‫لعمرو بن ميمون ‪ :‬جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة ‪ ،‬والجماعة‬
‫ما وافق الحق وإن كنت وحدك ‪ .‬وقال ابن القيم في أعلم الموقعين ‪:‬اعلم‬
‫أن الجماع والحجة والسواد العظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده‬
‫‪ ،‬وإن خالفه أهل الرض‪.‬‬
‫رابعا ً تعني أن الذي يختاره الشعب هو الذي يحكم البلد والعباد‪:‬‬
‫ولو كان المختار كافرا ً زنديقا ً مرتدا ً عن دين الله ‪ .‬وهذا مناقض لقوله تعالى‬
‫‪ ):‬ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيل ً ( ‪ .‬وهو كذلك مناقض‬
‫لجماع المة على أن الكافر لتجوز له ولية على المسلمين ول على بلدهم‬
‫‪.‬‬
‫خامسا ً تعني رد أي نزاع أو اختلف بين الحاكم والمحكوم إلى‬
‫الشعب وليس إلى الله والرسول‪:‬‬
‫وهذا مناقض لقوله تعالى ‪ ) :‬وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله (‬
‫بينما الديمقراطية تقول ‪ :‬فحكمه إلى الشعب ‪ ،‬وليس غير الشعب ‪! ..‬‬
‫وقال تعالى ‪ ) :‬فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم‬
‫تؤمنون بالله واليوم الخر ( ‪,‬‬
‫سادسا ً تعني مبدأ حرية العتقاد والتدين ولو أراد أن يرتد من‬
‫اليمان إلى الكفر‪:‬‬
‫معيب عليه أما حكم السلم فهو على نقيض ذلك ‪،‬‬
‫واللحاد فل راد له ول ُ‬
‫وهويتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬من بدل دينه فاقتلوه " وليس‬
‫فاتركوه ‪ ,‬وقوله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫يقولوا ل إله إل الله ‪ ،‬ويقيموا الصلة ‪ ،‬ويؤتوا الزكاة ‪ " ..‬وقوله صلى الله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫عليه وسلم ‪ ":‬بعثت بين يدي الساعة بالسيف ‪ ،‬حتى ُيعبد الله تعالى وحده‬
‫ل شريك له ‪" ..‬‬
‫سابعا ً تقوم على مبدأ حرية الحزاب السياسية وغير السياسية‪:‬‬
‫أي ّا ً كانت عقيدتهات وأفكارها ولها تمام الحرية في نشر كفرها وباطلها وهذا‬
‫يعني القرار طواعية بالكفر والشرك ‪ ،‬والرتداد والفساد ‪ . .‬وهو مناقض‬
‫لما يجب القيام به نحو الكفر والمنكر من تغيير وإنكار ‪ ،‬كما قال تعالى ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ف‬
‫) ال ّ ِ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫كاة َ وَأ َ‬
‫ض أَقا ُ‬
‫مك ّّناهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫موا ال ّ‬
‫صلة َ َوآت َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫ن‬
‫ن كَ َ‬
‫من ْك َرِ وَل ِل ّهِ َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫فُروا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ة ال ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫موِر( وقوله تعالى ‪ ):‬ل ُعِ َ‬
‫وَن َهَ ْ‬
‫وا ع َ ِ‬
‫وا وَ َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫كاُنوا‬
‫داوُد َ وَ ِ‬
‫ن َ‬
‫عي َ‬
‫ل ع ََلى ل ِ َ‬
‫ب َِني إ ِ ْ‬
‫ك بِ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ع َ َ‬
‫ص ْ‬
‫سا ِ‬
‫سى اب ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن)‪َ (78‬‬
‫ن(‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫فعَُلو َ‬
‫كاُنوا ل ي َت ََناهَوْ َ‬
‫دو َ‬
‫ي َعْت َ ُ‬
‫س َ‬
‫ن ُ‬
‫من ْك َرٍ فَعَُلوه ُ ل َب ِئ ْ َ‬
‫ن عَ ْ‬
‫ً‬
‫ثامنا تعني مبدأ الحرية الشخصية للفرد فاللمرء أن يفعل ما‬
‫يشاء من الفواحش والمنكرات‪:‬‬
‫وفي هذا إقرار للمنكرات وتعطيل للحدود كما أن فيه إشاعة الفاحشة ‪. .‬‬
‫قال الله تعالى ‪ ):‬الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ول‬
‫تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الخر ( وقال‬
‫حبو َ‬
‫م عَ َ‬
‫ح َ‬
‫ب‬
‫شيعَ ال ْ َ‬
‫ش ُ‬
‫فا ِ‬
‫ة ِفي ال ّ ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫نأ ْ‬
‫ن يُ ِ ّ َ‬
‫تعالى ‪ ):‬إ ّ‬
‫مُنوا ل َُهـ ْ‬
‫ن َءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن ( وقال رسول الله صلى‬
‫م ِفي الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫مو َ‬
‫م ل ت َعْل ُ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫ه ي َعْل ُ‬
‫خَرةِ َوالل ُ‬
‫أِلي ٌ‬
‫الله عليه وسلم ‪" :‬والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن‬
‫المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله‬
‫قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم"‬
‫تاسعا ً تقوم على نظرية أن المالك الحقيقي للمال هو النسان‪:‬‬
‫وبالتالي فله أن يكتسب المال بالطرق التي يشاء ‪ ،‬كما ينفق ماله بالطرق‬
‫التي يشاء ويهوى ‪ ،‬وإن كانت هذه الطرق محرمة ومحظورة في دين الله ‪،‬‬
‫وهذا مايسمونه بالنظام الرأسمالي الحر وهذا بخلف ما عليه السلم الذي‬
‫يقرر أن المالك الحقيقي للمال هو الله سبحانه وتعالى ‪ ،‬وأن النسان‬
‫مستخلف عليه ‪ ،‬وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى ‪ :‬كيف اكتسبه ‪ ،‬وفيما‬
‫أنفقه ‪ ..‬فالنسان في السلم كما ليس له أن يكسب ماله بالحرام والطرق‬
‫غير المشروعة ‪ ،‬كالربا ‪ ،‬والرشوة ‪ ،‬والسحت والمتاجرة فيما هو حرام‬
‫وغير ذلك ‪ ،‬كذلك ل يجوز له أن ينفق ماله في الحرام والطرق الغير‬
‫مشروعة ‪ . .‬قال الله تعالى ‪ ):‬قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء‬
‫وتنزع الملك ممن تشاء (‪. 20‬‬
‫الفرق بين النظام الشرعي والنظام الداري‪:‬‬
‫يغلط في هذه المسألة طائفتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬ظنت أن كل تنظيم يصدره‬
‫الحاكم فهو حكم بغير ما أنزل الله حتى ولو كان نظاما إداريا بحتا ل يترتب‬
‫‪20‬‬

‫لشيخ ‪ /‬عبد المنعم مصطفى – هذه هي الديمقراطية فهل أنتم منتهون‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫عليه تحليل لما حرم الله ول تحريم لما أحل الله ‪ ,‬ول مخالفة لشرع الله‪.‬‬
‫والخرى ‪ :‬ظنت أنه مادام أن الحاكم يجوز له أن يصدر التنظيمات الدارية ‪,‬‬
‫إذا فكل نظام اجتهد فيه الحاكم وقصد به خدمة المجتمع فهو نظام سائغ ما‬
‫دام الحاكم يعلن السلم ‪ ,‬حتى ولو اشتملت هذه القوانين والنظم على ما‬
‫يخالف شرع الله من باب أنها من الضرورات ونحو ذلك من المبررات ‪.‬‬
‫وكل من الطائفتين أخطأت الفهم في هذه المسألة ‪ ,‬والحق التفريق بين‬
‫نظام مخالف لشرع الله وبين تنظيم إداري ل يترتب عليه أي مخالفة لحكم‬
‫الله فالول ل يجوز ‪ ,‬والثاني ل مانع منه ‪ .‬وممن نبه إلى ذلك الشيخ‬
‫الشنقيطي ‪ -‬رحمه الله – حيث قال بعد كلمه في مسألة التشريع من دون‬
‫الله والحكم بغير ما أنزل الله ‪ " :‬تنبيه اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام‬
‫الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والرض ‪ ,‬وبين‬
‫النظام الذي ليقتضي ذلك ‪ .‬وإيضاح ذلك ‪ :‬أن النظام قسمان ‪ :‬إداري‬
‫وشرعي ‪ .‬أما الداري الذي يراد به ضبط المور وإتقانها على وجه غير‬
‫مخالف للشرع فهذا ل مانع منه ‪ ,‬ول مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم ‪,‬‬
‫وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ككتبه أسماء الجند في ديوان لجل الضبط ‪ ,‬ومعرفة‬
‫من غاب ومن حضر ‪ ,‬وكا شترائه دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنا في‬
‫مكة المكرمة مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنا هو ول أبو بكر‬
‫رضي الله عنه ‪ .‬فمثل هذه المر الدارية التي تفعل لتقان المور مما ل‬
‫يخالف الشرع ل بأس به كتنظيم شؤون الموظفين وتنظيم إدارة العمال‬
‫على وجه ل يخالف الشرع فهذا النوع من النظمة الوضعية ل بأس به ول‬
‫يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة ‪ .‬وأما النظام الشرعي‬
‫المخالف لتتشريع خالق السموات والرض فتحكيمه كفر بخالق السموات‬
‫والرض كدعوى أن تفضيل الذكر على النثى في الميراث ليس بإنصاف‬
‫وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم وأن‬
‫الطلق ظلم للمرأة وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية ل يسوغ‬
‫فعلها بالنسان ونحو ذلك فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع‬
‫وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات‬
‫والرض وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلئق كلها وهو‬
‫‪21‬‬
‫أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا "‬

‫ثانيا ً و من المذاهب اللحادية "النظرية‬
‫الداروينية" ‪:‬‬
‫‪21‬‬

‫كتاب الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه ‪ -‬للدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫و مما اعتمدوا عليه من المذاهب اللحادية لنشر إلحادهم و إنكار الصانع‬
‫"نظرية داروين" ‪ ,‬و عنوانها "النشوء و الرتقاء" و منهجها "التوسم و‬
‫السترداد" و هما دليلن وهميان ل يصلحان لقامة عقيدة ‪ ,‬و عمدة هذا‬
‫المنهج ما يتمتع به الباحث من دقة الملحظة و اتساع دائرة الخيال !! ‪ ,‬أما‬
‫أداة هذا المنهج فهي ملحظته و وجدانه و خياله و ما يقع عليه من‬
‫متحجرات و رمم ! ‪ ,‬و هذا المنهج كما هو واضح ل يصل بصاحبه إل إلى‬
‫الستنتاج الفكري على خلف المنهج العلمي الذي يقوم على أساس‬
‫التجربة و المشاهدة و الستنتاج العلمي ‪ ,‬أما هذا المنهج الفكري فاستنتاجه‬
‫فكري بل غيبي مجرد ‪ ,‬تستطيع أن تسميه "رجم بالغيب"‪ . 22‬و توصل‬
‫المتطوريون أصحاب هذه النظرية إلى أن أصل الكائنات خلية خلقت صدفة‬
‫في مستنقع منذ مليين السنين ثم تطورت و انحدرت منها السللت !!‬
‫فلما وجهوا إدعوا أنها الطفرات !!‬
‫أسئلة تنتظر رد الداروينيين ؟‪:‬‬
‫فمن الذي أوجد هذه الذرات لتكون الخلية بزعمكم ؟ ‪ ,‬و نحن لن ندخل في‬
‫جدل عقيم مع هؤلء فنحن لم نشهد قردا ً تحول إلى إنسان !! و إذا كان‬
‫أصل النسان قرد فلماذا بقيت القرود على حالها حتى الن و لم تتحول إلى‬
‫بشر ؟! و من الذي منع أن يحدث لها هذا التحول مادام قد حدث في‬
‫الماضي ؟ و لقد نسى هؤلء أن الوجود لبد أن يكون من ذكر وأنثى و إل‬
‫انقرض النوع و هؤلء لم يقولوا لنا عندما ادعوا أن قردا ً تحول إلى النسان‬
‫من أين جاء القرد الذي تحول إلى امرأة ليتم التكاثر‪ , 23‬و تسمى الطفرة‬
‫"طفرة" لنها نادرا ً ما تحدث فسرت على أساسها تنوع الحيوانات لزم من‬
‫ذلك حدوثها بكثرة فل تسمى طفرة ! و أين الدليل على حدوث ذلك الكم‬
‫الهائل من الطفرات ؟ غير أن الطفرات تغير لسفل و ليس لعلى !‬
‫فالشعة قد تؤثر في الكرموزمات و لكن قد تؤدي إلى تشويه و ليس إلى‬
‫هذا التناسق البديع في الخلق ! " ‪.‬‬
‫و شهد شاهد من أهلها‪:‬‬
‫الدكتور "دوان"‪ 24‬و قد ألقى محاضرة له في نقض هذه النظرية ‪ ,‬قال فيها‬
‫"إن التطوريون يعتمدون على الحفريات و الحفريات ل تصلح كدليل لقامة‬
‫هذا الزعم إل إذا كانت السلسلة متصلة أما إذا كانت السلسلة منقطعة فل‬
‫تصلح لن تكون دليل" و قال أيضا ً "و إن أتى المؤمنون بأن في طبقة معينة‬
‫من العصور الجيولوجية القديمة وجدت كافة أنواع الحياة حتى اعقدها في‬
‫وقت واحد فيكون ذلك من أظم الدلة على أن الخلق تم بالطريقة‬
‫‪ 22‬نقد نظرية دارون \ محاضرة \ الشيخ محمد إسماعيل المقدم –حفظه الله‪. -‬‬
‫‪ 23‬بتصرف من الدلة المادية على وجود الله ‪-‬للشعراوي‪-‬‬
‫‪ 24‬يعمل في جامعة كاليفورنيا متخصص في الكمياء الحيوية و مساعد رئيس قسم أبحاث الخلق في‬
‫أمريكا و له كتاب في نقض هذه النظرية إسمه "نظرية التطور" و له كتاب آخر "الحفريات تقول ل"‬
‫– محاضرة الشيخ محمد إسماعيل نقد نظرية داروين‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫المباشرة" ثم يقول "دعونا نلقي نظرة على الشواهد التي يقدمها سجل‬
‫المتحجرات في الواقع العملي ‪ ,‬إن أقدم الحفريات وجدت في الطبقات‬
‫الحجرية في العهد "الكامبري" و هذه المتحجرات كان عددها يبلغ بليين‬
‫الحفريات كان كلها من أشكال الحياة المتطورة و المعقدة و ل يوجد أي‬
‫شاهد على التطور التدريجي لهذه الحياة المعقدة من الشكال البسيطة و‬
‫البدائية ‪ ,‬و حسب إدعاء التطورين فإن هذه الحيوانات إحتاجت إلى ألف و‬
‫خمسمأة مليون عام من التطور لتصل لهذه المرتبة" و يقول أيضا ً " إن‬
‫المليين من الحيوانات البحرية ظهرت هكذا فجأة و من دون أي علمة‬
‫علمة على تطورها ‪ ,‬و لم يعثر حتى الن أي متحجرة تعود إلى ما قبل‬
‫العهد الكامبري ‪ , ",‬يقول أيضا ً "و في سجل المتحجرات هناك غياب‬
‫ملحوظ و بنسبة كبير ة و في كل مكان للشكال النتقالية المفترضة‬
‫"الحلقات المفقودة" هناك مئات اللف من الحلقات المفقودة بين‬
‫اللفقريات و بين الفقريات ‪ ,‬و حسب إفتراض التطوريين فإن السماك قد‬
‫احتاجت إلى مائة مليون عام لكي تطور من اللفقريات ‪ ,‬و ل يوجد أي دليل‬
‫على الطلق يرينا أن هذا حدث فعل ً ‪ ,‬يذكر التطوريون أيضا ً أن السماك‬
‫إحتاجة خمسماءة مليون عام حتى تتطور إلى البرمائيات فمثل ً ل نجد أية‬
‫متحجرة تمتلك جزءا ً من الزعانف و جزء من القدام ‪ ,‬و تنطبق هذه‬
‫الحقيقة على جميع النواع الرئيسية للنبات و الحيوان فكل الفئات و‬
‫الصناف الحقيقية الراقية من الحياء كاللفقريات المتطورة و السماك و‬
‫البرمائيات و البرمائيات الطائرة و الزواحف و الطيور و الخفافيش و‬
‫الطيور و الثديات و النسان كل هذه النواع ظهرت فجأة !‬
‫يقول بروفيسور "كورنر" من جامعة كمبري يقول‪" :‬إنني مازلت أعتقد أن‬
‫سجل الحفريات النباتية تثبت أن الخلق حدث فجأة و لم يحدث أي نوع من‬
‫التطور ‪ ,‬و من المؤكد أن عمليات في الماضي فعل ً للزم دوام إستمرارها‬
‫حتى اليوم ‪ ,‬و يزعمون أنه نتيجة حصول قحط شامل في الرض فتعذر‬
‫الحصول على الوراق الخضراء إل نم قمم الشجار لذا فإن الزرافات ذات‬
‫القمم القصير ماتت و انقرضت و بقت الزرافات ذوات العناق الطويلة و‬
‫مع ذلك لم يثبت في أي سجل أن زرافة من الزرافات ذوات العناق‬
‫القصيرة وجدت الصل ً أو أنها عاشت على هذه الرض على الطلق !! "‬
‫أيضا ً هذه النظرية و قد رفضها "آغاسيز" في إنجلترا‪ ،‬و "أوين" في أمريكا‪:‬‬
‫"إن الفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة"‪.25‬‬
‫ونقدها كذلك العالم الفلكي هرشل ومعظم أساتذة الجامعات في القرن‬
‫الماضي‪.‬‬
‫ه إلى‬
‫اضطرب أصحاب الداروينية الحديثة أمام النقد العلمي الذي وُ ّ‬
‫ج َ‬
‫النظرية‪ ،‬ولم يستطيعوا أمام ضعف نظريتهم إل أن يخرجوا بأفكار جديدة‬
‫‪25‬‬

‫موسوعة الديان الميسرة‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫تدعيما ً لها وتدليل ً على تعصبهم الشديد حيالها‪ ،‬فأجروا سلسلة من التبديلت‬
‫منها‪" :‬إستبدال قانون الرتقاء الطبيعي بقانون التحولت المفاجئة أو‬
‫الطفرات‪ ،‬وخرجوا بفكرة المصادفة" ‪ُ .‬أرغموا على العتراف بأن هناك‬
‫أصول ً عدة تفرعت عنها كل النواع وليس أصل ً واحدا ً كما كان سائدا ً في‬
‫ُ‬
‫لنسان بيولوجيا ً رغم التشابه الظاهري‬
‫لقرار بتفرد ا ِ‬
‫العتقاد‪ .‬أجبروا على ا ِ‬
‫بينه وبين القرد‪ ،‬وهي النقطة التي سقط منها داروين ومعاصروه ‪.‬‬
‫وجود الكون صدفة ممتنع ‪: 000‬‬
‫لن هذه المخلوقات سابقها ولحقها ل بد لها من خالق أوجدها‪ ،‬إذ ل يمكن‬
‫جد َ نفسها بنفسها ‪ ،‬ول يمكن أن توجد صدفة ‪ ،‬لن كل حادث ل بد له‬
‫أن تو ِ‬
‫من محدث ‪ ،‬ولن وجودها على هذا النظام البديع المحكم ‪ ،‬والمتناسق‬
‫المتآلف ‪ ،‬وهذا الرتباط الملتحم بين السباب ومسبباتها ‪ ،‬وبين الكائنات‬
‫بعضها مع بعض يمنع منعا ً باتا ّ أن يكون وجودها صدفة ‪ ،‬إذ الموجود صدفة‬
‫ليس على نظام في أصل وجوده ‪ ،‬فكيف يكون منتظما ً حال بقائه ؟! ‪,‬‬
‫و من هذا النظام المحكم‪:26‬‬
‫الذي أوجده الله عز وجل في هذا الكون أن عملية انقسام الخليا تتضمن‬
‫انقسام الكروموزومات التي بداخلها لتعطي نفس عدد الكروموزومات في‬
‫الخليا الجديدة و أن كل حيوان تتضمن خلياه عدد معين من‬
‫الكروموزومات يختلف هذا العدد من كائن لخر و هذا العدد يكون ثابت في‬
‫كل خليا الجسم ‪ ,‬ما عدا الخليا التناسلية التي تنقسم و يكون عدد‬
‫الكروموزومات فيها نصف العدد الموجود في خليا هذا الجسم لتتحد خلية‬
‫تناسلية ذكرية بأخرى أنثوية لتعطي خلية واحدة مكونة النواة الولى من‬
‫جسم النسان تحمل مجموع كروموزومات الخليتين و هو العدد الثابت في‬
‫خليا كل أنسان ! أما الخليا العصبية فهي الخليا الوحيدة التي ل تنقسم و‬
‫هي التي يتكون منها المخ و باقي الجهاز العصبي ‪ ,‬و لو حدث لها انقسام‬
‫كباقي الخليا فستحدث كارثة مروعة فإن خليا المخ في هذه الحالة لن‬
‫يمكنها الحتفاظ بشخصية النسان و سوف تتلشى جميع معالم الذاكرة في‬
‫ساعات قلئل ‪ ,‬إن عدد خليا المخ عند ولدة النسان أو أي حيوان آخر ل‬
‫تزيد عليها خلية واحدة حتى وفاته ! بينما نجد أن الكرات الدموية الحمراء‬
‫التي تسبح في الدم ما هي إل خليا تموت و يحل محلها خليا جديدة كل‬
‫نحو مأة يوم و تتكون خليا الكرات الدموية الحمراء في نخاع العظام ثم‬
‫تسبح في تيار الدم لتحل محل الخليا التي استهلكت !‬
‫و من هذا التناسق البديع "مقاومة الكائنات الحية لعوامل‬
‫الفناء" ‪:‬‬
‫‪26‬‬

‫محاضرة الشيخ محمد إسماعيل نقض نظرية داروين ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫لن الله عز وجل أراد لها البقاء لوقت معلوم ‪ ,‬فمثل ً فيروس "النفلونزا"‬
‫يتشكل من آن لخر بأشكال مختلفة لتصنع مقاومته و القضاء عليه ‪,‬‬
‫الحشرات مع توالي الجيال تكتسب مناعة ضد المبيدات الكيماوية ‪ ,‬لوحظ‬
‫في النسان نفسه كثرة النجاب في فترة الحروب ‪ ,‬كما لوحظ أن أي‬
‫سيدة تواظب على تناول حبوب منع الحمل لفترة طويلة ثم تسهو عن‬
‫تناولها تكون النتيجة في معظم الحيان إنجاب توأم لتعويض النقص في‬
‫الذرية الذي حدث اثناء المتناع عن الحمل ! ‪ ,‬كذلك عند استئصال أحد‬
‫كليتي النسان يلحظ أن الكلية الخرى يزداد حجمها و تؤدي عمل‬
‫الكليتين ! الله وحده هو الذي زود هذه الكائنات بهذه القدرة العجيبة على‬
‫التوازن "و أنبتنا فيها من كل شئ موزون" حتى ل تنقرض و تتعرض للفناء‬
‫لن المطلوب أن النسان يعيش حتى ينقضي أجله فيهيئ له كل عوامل‬
‫الحياة و يحميه من عوامل الفناء و النقراض ‪ .‬ل يمكن أن يكون ذلك‬
‫القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء إذ أن‬
‫المصادفة ل يمكن أن تتخذ شكل قانون عام تخضع له جميع الكائنات‬
‫أل يدل ذلك على التوحيد‪:‬‬
‫يقول العلماء الماديين أن نظام الذرة هو نفسه نظام المجرة ! الذرة ل‬
‫نراها لتناهيها في الصغر و المجرة ل نراها لتناهيها في الكبر أفل يدل ذلك‬
‫على التوحيد !!! ؟ ‪ .‬أل يدل ذلك على أن خالق هاذين النظامين واحد‬
‫سبحانه و تعالى "بلى و هو الخلق العليم إنما أمره إذا أراد شئ أن يقول له‬
‫كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ و إليه ترجعون‪"27‬‬
‫"وقضى ربك أل تعبدوا إل إياه و بالوالدين إحسانا" ‪:‬‬
‫و ل شك أن من أعظم العقوق مسبة الوالدين و وصفه بأنه قرد –معاذ الله‪-‬‬
‫فى‬
‫صط َ َ‬
‫كيف يروج هذا العفن على مسلم ؟ ‪ ,‬و الله تعالى يقول‪ " :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ها ْ‬
‫م َوآ َ‬
‫حا َوآ َ‬
‫ن" إن الذي لم يجرؤ عليه‬
‫ل ِ‬
‫ن ع ََلى ال َْعال َ ِ‬
‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫مَرا َ‬
‫م وَُنو ً‬
‫آد َ َ‬
‫ع ْ‬
‫هي َ‬
‫مي َ‬
‫إبليس اللعين ‪-‬عدو البشر‪ -‬قد جرؤ عليه أبناء آدم فيال فرحة عدو الله "هذه‬
‫بضاعتنا ردت إلينا" و لكنها حسرة و ندامة عليه و على أتباعه المجرمين في‬
‫الخرة ‪ ,‬إنها جناية بكل معاني الكلمة و نكران للجميل و عقوق للوالدان –‬
‫نسأل الله السلمة و العافية‪ -‬إنها جناية عظيمة على والدنا آدم عليه الصلة‬
‫و السلم أول نبي الذي كرمه الله و شرفه ‪ ,‬أن يزعم البعض أنه صلى الله‬
‫عليه و سلم كان غير ناضج العقل –معاذ الله‪ -‬و يدعون لنفسهم العقل و‬
‫الذكاء !؟ عليهم من الله ما يستحقونه و الحق على خلف ما يقولون تماما ً‬
‫فل يزال الخلق في تناقص إلى قيام الساعة‪ .‬لقد بوب المام البخاري رحمه‬
‫ب سماه خلق آدم عليه السلم و‬
‫الله في كتابه الجامع "صحيح البخاري" با ً‬
‫ذريته عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن‬
‫أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على‬
‫‪27‬‬

‫المحاضرة الثانية لفضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم "نقد نظرية دارون"‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫أشد كوكب دري في السماء إضاءة ل يبولون ول يتغوطون ول يمتخطون ول‬
‫يتفلون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم اللوة وأزواجهم‬
‫الحور العين أخلقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون‬
‫ذراعا في السماء" متفق عليه ‪.‬‬
‫كلم نفيس لبن القيم في النجاة من الشبهات‪:‬‬
‫و قد حصر بن قيم –رحمه الله‪ -‬النجاة من الشبهات في التباع فقال "فل‬
‫يجعل –رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‪ -‬رسول في شيء دون‬
‫شيء من أمور الدين بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه المة في العلم‬
‫والعمل ل يتلقى إل عنه ول يؤخد إل منه فالهدى كله دائر على أقواله‬
‫وأفعاله وكل ما خرج عنها فهو ضلل فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض ما‬
‫سواه ووزنه بما جاء به الرسول فإن وافقه قبله ل لكون ذلك القائل قاله‬
‫بل لموافقته للرسالة وإن خالفه رده ولو قاله من قاله فهذا الذي ينجيه من‬
‫فتنة الشبهات وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه وهذه‬
‫الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارة من حق ثابت‬
‫خفى على الرجل فلم يظفر به وتارة من غرض فاسد وهوى متبع فهي من‬
‫عمى في البصيرة وفساد في الرادة"‪ 28‬انتهى كلمه رحمه الله ‪ ,‬و حديث‬
‫ما‬
‫ن تُ ِ‬
‫طيُعوه ُ ت َهْت َ ُ‬
‫شيخ السلم بن القيم ما هو إل تأويل قوله تعالى‪" :‬وَإ ِ ْ‬
‫دوا وَ َ‬
‫ن‪ "54‬النور ‪,‬‬
‫ع ََلى الّر ُ‬
‫ل إ ِّل ال ْب ََلغ ُ ال ْ ُ‬
‫مِبي ُ‬
‫سو ِ‬

‫الكتاب الثاني‬
‫‪28‬‬

‫إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان – فصل في النوع الول من الفتن ‪ ,‬فتن الشبهات‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫بيان عظم خلق الله تعالى فله‬
‫التسبيح و الحمد‬
‫باب في أصول و قواعد مهمة لتفسير‬
‫القرآن الكريم‬
‫و لعل الهدف من تقديم هذا الباب على باب اليات الكونية ضبت بعض‬
‫الجتهادات التي كثرت حول هذا الباب باب بيان العجاز في الخبار الكونية‬
‫الواردة في كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم ‪ ,‬و‬
‫هذه الجتهادات تؤكد كون هذه الخبار إعجازا ً إل أن هذه الجتهادات قد‬
‫تتعدى مهمتها من الستئناس إلى طور التفسير و هذا خطأ و إل‬
‫فإظهار إعجاز ما ورد في القرآن من أخبار كونية بإيراد كشوف‬
‫بشرية ليس تفسيرا ً للقرآن‪:‬‬
‫و إنما بيان لعجاز القرآن للخلق‪ ,‬بإخباره عن بعض آيات الله العظيمة التي‬
‫تدل على عظم الخالق في الكون على لسان النبي المي فمن أنبأه هذا ؟ ‪,‬‬
‫فسهم حتى يتبين ل َه َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫قال تعالى‪َ " :‬‬
‫م أن ّ ُ‬
‫ق وَِفي أن ْ ُ ِ ِ ْ َ ّ َ َ َ ّ َ ُ ْ‬
‫ريهِ ْ‬
‫سن ُ ِ‬
‫م آ ََيات َِنا ِفي اْلَفا ِ‬
‫َ‬
‫ف ب َِرب ّ َ‬
‫ه ع ََلى ك ُ ّ‬
‫يٍء َ‬
‫ل َ‬
‫شِهيد ٌ‪ "53‬فصلت‪ .‬فمن أراد تأييد‬
‫م ي َك ْ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ك أن ّ ُ‬
‫حقّ أوَل َ ْ‬
‫ش ْ‬
‫إعجاز كوني قد أخبر الله عز وجل عنه في كتابه أو على لسان رسوله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم عن طريق كشف كوني‪ ,‬فيجب‪:‬‬
‫أول ً أل يكون ربطه لهذا الكشف بآية من كتاب الله تعالى يفيد إحداث قول ً‬
‫ثالثا ً بل يجب أن يتقيد بأقوال أهل العلم في تفسيرها كما بينا من قبل‪,‬‬
‫ثانيا ً إن كان من باب إضافة معنى جديد فيجب أن تحتمله ألفاظ الية وأن‬
‫يوافق المعنى الجمالي للية و فيما يلي أمثلة لذلك‪,‬‬
‫المثال الول‪:‬‬
‫قال تعالى ‪" :‬والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ‪ "47‬الذاريات؛ قال فيها‬
‫المفسرون إن لفظ "موسعون" مأخوذ من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة‬
‫وغنى فالية تدل على قدرة الله ‪،‬‬
‫فإذا أردنا تطبيق الكشف الكوني "بأن الكون يتسع" فنخضعه لما سبق‬
‫فنقول‪,‬‬
‫قدرة الله تعالى تتجلى فى أشياء كثيرة‪ ،‬ول مانع أن يكون منها توسيع حدود‬
‫الكون ‪ ،‬فهو الذى خلقه بقدرته وعلمه أما قصر معنى السعة عليه فاطل‪.‬‬
‫المثال الثاني‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫شر ال ْجن واْلنس إن استط َعت َ‬
‫ن أ َقْ َ‬
‫ف ُ‬
‫طاِر‬
‫ن ت َن ْ ُ‬
‫ذوا ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ّ َ ِْ ِ ِ ِ ْ َ ْ ُ ْ‬
‫قوله تعالى‪َ " :‬يا َ‬
‫م ْ‬
‫معْ َ َ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن‪ "33‬الرحمن‪ .‬قال بن‬
‫ذوا ل ت َن ْ ُ‬
‫ض َفان ْ ُ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ذو َ‬
‫ن إ ِل ب ِ ُ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫سلطا ٍ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫جرير الطبري رحمه الله‪" :‬اختلف أهل التأويل فيها فقال الضحاك بن‬
‫مزاحم إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والرض فتعجزوا ربكم‬
‫حتى ل يقدر عليكم فجوزوا ذلك فإنكم ل تجوزونه إل بسلطان من ربكم‬
‫وإنما هذا قول يقال لهم يوم القيامة‪ ,‬وقال آخرون بل معنى ذلك أن تنفذوا‬
‫من أقطار السموات والرض الحاصلون هاربين من الموت فإن الموت‬
‫مدرككم ول ينفعكم هربكم منه‪ ,‬و عن بن عباس رضي الله عنه بل معنى‬
‫ذلك إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والرض فاعلموا‪ ,‬و عنه أيضا ً‬
‫أي ل تخرجون من سلطاني ‪ .‬وأما القطار فهي جمع قطر وهي الطراف‬
‫فعن سفيان إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والرض قال من‬
‫أطرافها‪"29‬اهـ‬
‫فإذا أثبت العلم التجريبي كروية الرض فقال قائل إن هذه الية تدل على‬
‫ذلك منذ أكثر من ألف و أربعمأة عام لن التعبير بالقطار يثبت كروية‬
‫الرض وكروية السموات ‪ ،‬لن القطر هو الخط الموصل بين نقطتين على‬
‫المحيط مارا ّ بمركز الدائرة ‪ ،‬والقطار ل تكون إل للدوائر وهذا بالتالى يثبت‬
‫الكروية‪.‬‬
‫لقلنا أن ذلك فيه نظر بل استدلل باطل لنتفائه للشرطين‬
‫أول ً لن ذلك القول لم يقل به أحد من السلف‬
‫ثانيا ً لن ألفاظ الية ل تحتمله فهذا القطر اصطلح هندسى لم تعرفه العرب‬
‫فهم يعرفون القطر بأنه الجهة والناحية ل الخط المذكور‪ ،‬والنفاذ من‬
‫القطار يكون بالخروج من الجهات والمنافذ ل من الخطوط التى يتصورها‬
‫المهندسون‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬في بيان مصطلح إعجاز القرآن‪:‬‬
‫هذا المصطلح عبارة عن مركب إضافي‪ ،‬معناه يتحدد بعد معرفة معنى‬
‫طرفه الول و الثاني ‪ ,‬يقول ابن منظور‪" :‬العجز نقيض الحزم والعجز‪:‬‬
‫الضعف و عدم القدرة" و في حديث رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم‪" :‬اللهم إني أعوذبك من الهم والحزن‪ ،‬والعجز والكسل" و قال ابن‬
‫حجر رحمه الله تعالى‪" :‬إن الهم ما يتصوره العقل من المكروه في الحال‪،‬‬
‫والحزن لما وقع في الماضي‪ ،‬والعجز ضد القتدار‪ ،‬والكسل ضد النشاط" ‪.‬‬
‫فالعجز عدم القدرة و الكسل عدم النشاط والنهوض للمر‪ .‬فالعجاز‪ :‬هو‬
‫جعل من يقع عليه أمر التحدي بالشيء عاجزا ً عن التيان به‪ ،‬قال‬
‫الليث‪:‬أعجزني فلن إذا عجزت عن طلبه وإدراكه)‪. (30‬‬
‫و بإضافة هذا المعنى للقرآن‪ ،‬يتكون مصطلح‪) :‬إعجاز القرآن( و يكون‬
‫المراد منه إثبات القرآن عجز الخلق عن التيان بما تحداهم به‪ ،‬وهو أن‬
‫‪ 29‬تفسير الطبري ج‪ 27 :‬ص‪138 :‬‬
‫‪ ()30‬لسان العرب ‪:‬مادة )عجز(‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫يأتوا بمثله أو بشيء من مثله‪ ،‬والمفعول محذوف للدللة على عموم من‬
‫تحداهم القرآن‪ ،‬وهم النس والجن‪ ،‬وكذلك ما تعلق به الفعل محذوف‬
‫للعلم به‪ ،‬وهو القرآن أو بعضه كما ثبت في كثير من آيات التحدي‪.‬‬
‫من تحداهم‬
‫ويكتمل بيان المراد بهذا المصطلح إذا عرفنا أن إعجاز القرآن َ‬
‫عن التيان بمثله أو بشيء من مثله ليس أمرا ً مقصودا ً لذاته‪ ،‬ولكن‬
‫المقصود هو إظهار وإثبات أن هذا الكتاب وحي من عند الله تعالى‪،‬‬
‫ومقتضى ذلك إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬في بيان مصطلح "العجاز العلمي"‪:‬‬
‫القرآن الكريم أشرف كتاب و أعظم معجزة عرفتها البشرية من لدن آدم‬
‫إلى قيام الساعة لنسبته إلى الله تعالى فهو كلم الله‪ ,‬و إعجازه الغوي ل‬
‫يخفى على أحد –أي إعجاز للعالمين أن يأتوا بحديث يضاهيه في اللغة‪ -‬قال‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫سوَرةٍ ِ‬
‫ب ِ‬
‫تعالى‪ " :‬وَإ ِ ْ‬
‫ما ن َّزل َْنا ع ََلى ع َب ْد َِنا فَأُتوا ب ِ ُ‬
‫م ّ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م ِفي َري ْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫عوا ُ‬
‫ن‬
‫م تَ ْ‬
‫َواد ْ ُ‬
‫م ِ‬
‫ن‪ 23‬فَإ ِ ْ‬
‫ن الل ّهِ إ ِ ْ‬
‫ن ُ‬
‫شهَ َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫داَءك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫فعَُلوا وَل َ ْ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ت ل ِل َ‬
‫ن‪"24‬‬
‫فعَُلوا َفات ّ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫جاَرة ُ أ ِ‬
‫س َوال ِ‬
‫قوا الّناَر الِتي وَُقود ُ َ‬
‫ح َ‬
‫عد ّ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫البقرة‪.‬‬
‫و من إعجازه أيضا ً أنباء الغيب و منه وصف اليات الكونية فل طاقة لبشر‬
‫أن يدرك بعض حقائقها بقدرته المجردة‪ ,‬فإن أخبر عنها بشر كان ذلك‬
‫معجزة لنه خرق للعادة‪ ,‬و تسمى "معجزة كونية" نسبة إلى محل العجاز‪,‬‬
‫و مصدرها إعجاز كوني فيقال "العجاز الكوني"‪ ,‬و إطلق مصطلح العجاز‬
‫العلمي على إعجاز القرآن الكريم للخلق المتعلق باليات الكونية فيه نظر و‬
‫إل فالعجاز اللغوي إعجاز علمي و كل العجاز الغيبي إعجاز علمي فإن‬
‫محل العجاز هو العلم الغيبي‪ .‬و لذلك فالولى إطلق مصطلح العجاز‬
‫الكوني على ما دلت عليه اليات من أخبار كونية معجزة‪.‬‬
‫القاعدة الولى في المنهج الصحيح لتفسير القرآن‪:‬‬
‫التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه ‪ .‬و قد أوضح شيخ‬
‫السلم ‪-‬رحمه الله‪ -‬منهج أهل السنة و الجماعة في التفسير فقال‪" :‬أن‬
‫يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل فى مكان فانه قد فسر فى موضع آخر وما‬
‫اختصر من مكان فقد بسط فى موضع آخر فان أعياك ذلك فعليك بالسنة‬
‫فانها شارحة للقرآن وموضحة له و اذا لم نجد التفسير فى القرآن ول فى‬
‫السنة رجعنا فى ذلك الى أقوال الصحابة ‪ ,‬و اذا لم تجد التفسير فى القرآن‬
‫ول فى السنة ول وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الئمة فى ذلك الى‬
‫أقوال التابعين‪"31‬‬
‫و يقول الشيخ اللباني –رحمه الله‪" :-‬و إن لم نجد بيانا ً في السنة للكتاب‪،‬‬
‫نزلنا درجة إلى الصحاب‪ ،‬وأولهم ابن مسعود‪ ،‬وثانيهم ابن عباس‪ ،‬ثم من‬
‫‪31‬‬

‫انتهى بتصرف من مقدمة في أصول التفسير لشيخ السلم بن تيمية‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫بعدهم أي صحابي ثبت عنه تفسيرآية‪ ،‬ولم يكن هناك خلف بين الصحابة‪،‬‬
‫نتلقى حين ذلك التفسير بالرضى والتسليم والقبول‪ ،‬وإن لم يوجد وجب‬
‫علينا أن نأخذ عن التابعين الذين عنوا بتلقي التفسير من أصحاب الرسول‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬كسعيد بن جبير‪ ،‬وطاووس‪ ،‬ونحوهم ممن اشتهروا‬
‫بتلقي تفسير القرآن عن بعض أصحاب الرسول عليه السلم‪ ،‬وبخاصة ابن‬
‫عباس كما ذكرنا‪"32‬‬
‫و يعول في التفسير على علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول‬
‫الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ و‬
‫التفسيره يكون بعضه من قبيل بسط اللفاظ الوجيزة وكشف معانيها‬
‫وبعضه من قبيل ترجيح بعض الحتمالت على بعض ولهذا ل يستغنى عن‬
‫قانون عام يعول في تفسيره عليه ويرجع في تفسيره إليه من معرفة‬
‫مفردات ألفاظه ومركباتها وسياقه وظاهره وباطنه وغير ذلك مما ل يدخل‬
‫تحت الوهم ويدق عنه الفهم‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و يحرم التفريق بين الكتاب و السنة في العمل‪:‬‬
‫يقول الشيخ اللباني –رحمه الله‪ -‬في كتابه كيف يجب أن نفسر القرآن "‬
‫الشريعة كلها قامت على ضم السنة إلى القرآن‪ ،‬ولذلك جاء عن المام‬
‫الشافعي رحمه الله أنه قال‪ " :‬السنة كلها هو مما أفهمه الله تبارك وتعالى‬
‫نبيه عليه الصلة والسلم "‪ .‬يعني المام الشافعي أن السنة الصحيحة‬
‫ينطوي القرآن عليها‪ ،‬وأن الله عز وجل ألهم نبيه عليه الصلة والسلم ببيان‬
‫ما كان المسلمون بحاجة إلى بيانه‪ ،‬من اليات الكريمة‪ .‬وهذا مثال واحد‬
‫وفيه كفاية إن شاء الله‪ .‬فالقاعدة في تفسير القرآن إنما هي بالرجوع إلى‬
‫القرآن والسنة‪ ،‬ول ينبغي أن نقول‪ :‬بالرجوع إلى القرآن ثم السنة؟ لن هذا‬
‫فيه تصريح بأنها في المرتبة الثانية‪ .‬نعم‪ .‬السنة من حيث ورودها هي‬
‫بالمنزلة الثانية بالنسبة للقرآن الذي جاءنا متواترًا‪ ،‬ولكن من حيث العمل‬
‫السنة كالقرآن‪ ،‬ل يجوز أن نفرق بين كلم الله وكلم رسوله صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬والتفريق الذي يلحظه بعض العلماء المتخصصين في علم الحديث‬
‫هذا تفريق يتعلق بعلم الرواية‪ ،‬أما ما يتعلق بعلم الدراية والفقه والفهم‬
‫للكتاب‪ ،‬فل فرق بين كتاب الله وبين حديث رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم "‬
‫مسألة‪ :‬والعلة من الرجوع لقول التابعين‪:‬‬
‫أنهم يبلغون عن الصحابة بورع شديد يقول شيخ السلم رحمه الله‪ " :‬وقال‬
‫الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان ل يتكلم ال فى‬
‫المعلوم من القرآن وقال ابن شوذب حدثنى يزيد بن أبى يزيد قال كنا‬
‫نسأل سعيد بن المسيب عن الحلل والحرام وكان اعلم الناس فاذا سألناه‬
‫عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع ‪ ,‬و روى ابن جرير عن‬
‫‪32‬‬

‫كيف يجب علينا أن نفسر القرآن الكريم ‪ /‬للشيخ اللباني رحمه الله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫عبيدالله بن عمر قال لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم ليعظمون القول فى‬
‫التفسير منهم سالم بن عبدالله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب‬
‫ونافع وقال أيضا ً عن هشام بن عروة قال ما سمعت أبى تأول آية من كتاب‬
‫الله قط ‪ ,‬حدثنا هشيم عن مغيرة عن ابراهيم قال كان اصحابنا يتقون‬
‫التفسير ويهابونه ‪ ,‬وقال ابو عبيد حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة عن‬
‫الشعبى عن مسروق قال اتقوا التفسير فانما هو الرواية عن الله ‪ ,‬فهذه‬
‫الثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن‬
‫الكلم فى التفسير بما ل علم لهم به فاما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة‬
‫وشرعا فل حرج عليه ولهذا روى عن هؤلء وغيرهم أقوال فى التفسير ول‬
‫منافاة لنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه وهذا هو الواجب على‬
‫كل أحد‪"33‬‬
‫مسألة‪ :‬في فضل علم السلف على الخلف‪:‬‬
‫إن العلم ل يعرف بكثرة مقال فانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر‬
‫وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا‪ ،‬كلمهم أقل من‬
‫كلم ابن عباس‪ ،‬وهم أعلم منه‪ ،‬وكذلك كلم التابعين أكثر من كلم‬
‫الصحابة‪ ،‬والصحابة أعلم منهم‪ ،‬وكذلك تابعوا التابعين كلمهم أكثر من كلم‬
‫التابعين‪ ،‬والتابعون أعلم منهم‪ .‬فليس العلم بكثرة الرواية ول بكثرة المقال‪،‬‬
‫ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل‪،‬‬
‫ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد‪.‬‬
‫و لذلك فكان كلم السلف موجود بأوجز لفظ‪ ،‬وأخصر عبارة‪ ،‬ول يوجد في‬
‫كلم من بعدهم من باطل إل وفي كلمهم ما يبين بطلنه لمن فهمه وتأمله‪،‬‬
‫فمن لم يأخذ العلم من كلمهم فاته ذلك الخير كله قال الوزاعي‪ ':‬العلم ما‬
‫جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم' ‪.‬‬
‫أما الدخول في كلم المتكلمين‪ ،‬أو الفلسفة‪ ،‬فشر محض‪ ،‬وقل من دخل‬
‫في شيء من ذلك إل وتلطخ ببعض أوضارهم‪ ،‬والعلم النافع ضبط نصوص‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة‪،‬‬
‫والتابعين‪ ،‬وتابعيهم‬
‫ما‪ ،‬وكفى بالغترار بالَله‬
‫قال ابن مسعود وغيره‪ ':‬كفى بخشية الَله عل ً‬
‫ه فهو عالم‪ ،‬ومن عصاه فهو‬
‫جهًل' ‪ .‬وقال بعض السلف‪' :‬من خشي الل َ َ‬
‫جاهل'‪ .‬فالعلم النافع ما عرف بين العبد وربه ودل عليه حتى عرف ربه‬
‫ووحده وأنس به واستحى من قربه‪ .‬وعبده كأنه يراه‪ .‬ولهذا قالت طائفة‬
‫من الصحابة‪ ':‬إن أول علم يرفع من الناس الخشوع'‪ .‬وقال الحسن‪ ':‬العلم‬
‫علمان‪ ،‬فعلم على اللسان فذلك حجة الَله على ابن آدم‪ ،‬وعلم في القلب‬
‫فذلك العلم النافع‪ .‬إن من علمات أهل العلم النافع أنهم‪ :‬ل يرون لنفسهم‬
‫حال ً ول مقامًا‪ ،‬ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح‪ ،‬ول يتكبرون على أحد‪،‬‬
‫‪33‬‬

‫نفس المرجع السابق‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫قال الحسن‪ ':‬إنما الفقيه الزاهد في الدنيا‪ ،‬الراغب في الخرة‪ ،‬البصير‬
‫بدينه‪ ،‬المواظب على عبادة ربه‪ ،‬الذي ل يحسد من فوقه‪ ،‬ول يسخر ممن‬
‫مه الَله أجرا ً ' ‪ .‬ومن علمات العلم النافع‪ :‬أنه‬
‫دونه‪ ،‬ول يأخذ على علم عل ّ َ‬
‫يدل صاحبه على الهرب من الدنيا‪ ،‬وأعظمها الرئاسة‪ ،‬والشهرة و لذلك كان‬
‫المام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته‪ .‬ومن‬
‫علمات العلم النافع‪ :‬أن صاحبه ل يدعى العلم‪ ،‬ول يفخر به على أحد‪ ،‬ول‬
‫ينسب غيره إلى الجهل إل من خالف السنة وأهلها‪ ،‬فإنه يتكلم فيه غضبا ً‬
‫لّله‪ ،‬ل غضبا ً لنفسه‪ ،‬ول قصدا ً لرفعتها على أحد‪.‬‬
‫وأما من علمه غير نافع‪ :‬فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس‪،‬‬
‫قصهم ليرتفع بذلك‬
‫وإظهار فضل علمه عليهم‪ ،‬ونسبتهم إلى الجهل‪ ،‬وت َن َ ّ‬
‫عليهم‪ ،‬وهذا من أقبح الخصال وأرداها‪ .‬وربما نسب من كان قبله من‬
‫العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو‪ ،‬فيوجب له حب نفسه‪ ،‬وحب ظهورها‬
‫إحسان ظنه بها‪ ،‬وإساءة ظنه بمن سلف‪ .‬وأهل العلم النافع على ضد هذا‬
‫يسيئون الظن بأنفسهم‪ ،‬ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء‪ ،‬ويقرون‬
‫بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم‪ ،‬وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم‪،‬‬
‫والوصول إليها‪ ،‬أو مقاربتها‪ ،‬وما أحسن قول أبي حنيفة‪ -‬وقد سئل عن‬
‫علقمة والسود أيهما أفضل‪ -‬فقال‪ ':‬والَله ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف‬
‫نفضل بينهم'‪.‬‬
‫ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضل ً على من تقدمه في المقال‪،‬‬
‫وتشقق الكلم ظن لنفسه عليهم فضل في العلوم‪ ،‬أو الدرجة عند الَله‬
‫لفضل خص به عمن سبق‪ ،‬فاحتقر من تقدمه‪ ،‬واجترأ عليه بقلة العلم‪ ،‬ول‬
‫يعلم المسكين أن قلة كلم من سلف إنما كان ورعا وخشية لّله‪ ،‬ولو أراد‬
‫الكلم‪ ،‬وإطالته لما عجز عن ذلك‪ .‬فمن عرف قدر السلف عرف أن‬
‫سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلم‪ ،‬وكثرة الجدال والخصام‪،‬‬
‫والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عيا ً ول جهًل ول قصوًرا‪ ،‬وإنما‬
‫عا وخشية لّله‪ ،‬واشتغاًل عما ل ينفع بما ينفع‪.‬‬
‫كان ور ً‬
‫وسواء في ذلك كلمهم في أصول الدين وفروعه‪ ،‬وفي تفسير القرآن‬
‫والحديث‪ ،‬وفي الزهد والرقائق‪ ،‬والحكم والمواعظ‪ ،‬وغير ذلك مما تكلموا‬
‫فيه‪ ،‬فمن سلك سبيلهم؛ فقد اهتدى‪ ،‬ومن سلك غير سبيلهم‪ ،‬ودخل في‬
‫كثرة السؤال والبحث والجدال‪ ،‬والقيل والقال‪.34‬‬
‫القاعدة الثانية‪ :‬فما لم يكن يومئذ دينا فليس باليوم دينا‪:‬‬
‫فالدين هو ما نقلوه عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‪ ,‬إن‬
‫السلف رحمهم الله إن اجمعوا على أمر كان حجة و إن وسعهم الخلف في‬
‫مسائل فهو يسعنا كما وسعهم و حسبنا أما قول البعض في التفسير " قد‬
‫يكون المعنى صحيحا ً أنا ل أنكره لكنني أعتبر الرأي الذي وصلت إليه قول ً‬
‫‪34‬‬

‫بتصرف يسير من رسالة‪':‬فضل علم السلف على الخلف' للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫يمكن أن يكون تفسيرا ً أبلغ وأدل من التفاسير السابقة في نظري ‪ ،‬ويمكن‬
‫اعتباره قول ً ثالثا ً في تفسير الية ‪ ،‬ول أرد تفاسير السلف ‪ ،‬بل هي المقدمة‬
‫‪ ،‬ولكنني أذهب إلى أنه ليس هناك ما يمنع من الجتهاد في البحث عن‬
‫معاني آيات لم يتضح للمفسرين من السلف معناها بشكل واضح ‪ ،‬وهي من‬
‫اليات الكونية على وجه الخصوص ‪ ،‬وأقوال المفسرين السابقين في‬
‫تفسير اليات الكونية غير دقيقة إلى حد بعيد حسب اطلعي على كلمهم‬
‫رحمهم الله ‪ ،‬ول لوم عليهم‪ "35‬إن المقرر عند علماء المسلملين أن السلف‬
‫إذا أجمعوا على قول ل يجوز إحداث قول ثاني و أنهم رحمهم الله إن‬
‫إختلفوا إلى قولين ل يجوز إحداث قول ثالث يطرح القولين سواء أكان‬
‫اختللفهم تنوع أو تضاد‬
‫يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق –رحمه الله‪" -‬لن معنى ذلك أن تكون‬
‫المة في عصر من عصورها جميعها على خطأ ‪ ,‬و هذا ل يتصور لن المة ل‬
‫تجتمع على ضللة قال المام الشافعي –رحمه الله‪ -‬في الرسالة‪" :‬أرأيت‬
‫أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إذا تفرقوا فيها‬
‫فقلت‪ :‬نصير منها إلى ما وافق الكتاب السنة أو الجماع أو كان أصح في‬
‫القياس ‪. "36‬‬
‫قال بن قدامه في المغني‪" :‬ومتى اختلف الصحابة على قولين لم يجز‬
‫إحداث قول ثالث لنه يفضي إلى تخطئتهم وخروج الحق عن قول جميعهم‬
‫ول يجوز ذلك"‪ 37‬و قال أيضًا‪ " :‬ومتى ما انقسم أهل العصر على قولين في‬
‫‪38‬‬
‫حكم لم يجز إحداث قول ثالث لنه يخالف الجماع"‬
‫و قال المدي في الحكام عن هذه المسألة‪" :‬والمختار في ذلك إنما هو‬
‫التفصيل وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ما اتفق عليه القولن فهو‬
‫ممتنع لما فيه من مخالفة الجماع وأما إن كان القول الثالث ل يرفع ما‬
‫اتفق عليه القولن بل وافق كل واحد من القولين من وجه وخالفه من وجه‬
‫فهو جائز إذ ليس فيه خرق الجماع‪ ,‬وذلك كما لو قال بعضهم باعتبار النية‬
‫في جميع الطهارات وقال البعض بنفي اعتبارها في جميع الطهارات فالقول‬
‫الثالث وهو اعتبارها في البعض دون البعض ل يكون خرقا للجماع لن خرق‬
‫وهاهنا‬
‫الجماع إنما هو القول بما يخالف ما اتفق عليه أهل الجماع‬
‫ليس كذلك فإن القائل بالنفي في البعض والثبات في البعض قد وافق في‬
‫كل صورة مذهب ذي مذهب فلم يكن مخالفا للجماع ل في صورة اعتبار‬
‫النية لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في الكل ول في صورة النفي‬
‫‪39‬‬
‫لكونه موافقا لمن قال بنفي العتبار في الكل"‬
‫‪35‬‬
‫‪36‬‬
‫‪37‬‬
‫‪38‬‬
‫‪39‬‬

‫لقاء شبكة التفسير والدراسات القرآنية مع الستاذ الدكتور زغلول النجار‬
‫فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق \ البيان المأمول في علم الصول ص ‪ - 174‬دار اليمان ‪.‬‬
‫المغني ج‪ 8 :‬ص‪86 :‬‬
‫المغني ج‪ 9 :‬ص‪219 :‬‬
‫الحكام للمدي ج‪ 1 :‬ص‪ 329 :‬المسألة التاسعة عشرة‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫شبه المخالفين‪:‬‬
‫الولى ) أن اختلف المة على قولين دليل تسويغ الجتهاد والقول الثالث‬
‫حادث عن الجتهاد فكان جائزا (‬
‫و الجواب عنها أن ذلك يدل على تسويغ الجتهاد منهم أو من غيرهم –في‬
‫هذه المسألة‪ -‬الول مسلم والثاني ممنوع‬
‫الثانية ) أنهم قالوا أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم وكانوا قد‬
‫استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين فإنه يجوز للتابعي الستدلل بدليل‬
‫ثالث فكذلك القول الثالث ( و الجواب عنها من وجهين‪:‬‬
‫الول أن الستدلل بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه المة من الحكم ول‬
‫الثاني أن اتفاقهم على دليل‬
‫يبطله بخلف القول الثالث على ما حققناه‬
‫واحد ل يمنع من دليل آخر ومع ذلك فإن اتفاقهم على حكم واحد مانع من‬
‫إبداع حكم آخر مخالف له فافترقا‬
‫الثالثة )أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين فقال ابن‬
‫عباس للم ثلث الصل بعد فرض الزوج والزوجة وقال الباقون للم ثلث‬
‫الباقي بعد فرض الزوج والزوجة وقد أحدث التابعون قول ثالثا فقال ابن‬
‫سيرين بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والبوين وقال تابعي‬
‫آخر بالعكس(‬
‫و الجواب أن هذه المسألة من قبيل ما ل يرفع ما اتفق عليه الفريقان بل‬
‫إن ابن سيرين قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب‪ ,‬وبتقدير أن يكون‬
‫رافعا لما اتفق عليه الفريقان فل يخلو إما أن يكون لم يستقر قول جميع‬
‫الصحابة على القولين بل قول البعض أو قد استقر عليهما قول جميع‬
‫الصحابة فإن كان الول فليس فيه مخالفة الجماع بل مخالفة البعض وإن‬
‫كان الثاني فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين أو بعد‬
‫ذلك فإن كان الول فهو من أهل الجماع وقد خالفهم حالة اتفاقهم على‬
‫القولين فل يكون بذلك خارقا للجماع وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو‬
‫غير مقبول وعدم نقل النكار ل يدل على عدمه في نفسه‪.‬‬
‫و ختاما ً ننقل قول ً نفيثا ً لشيخ السلم بن تيمية رحمه الله تعالى " و فى‬
‫الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم الى ما يخالف‬
‫ذلك كان مخطئا فى ذلك بل مبتدعا وان كان مجتهدا مغفورا له خطؤه‬
‫فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب ونحن نعلم أن القرآن‬
‫قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما‬
‫أنهم أعلم بالحق الذى بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فمن‬
‫خالف قولهم وفسر القرآن بخلف تفسيرهم فقد أخطأ فى الدليل‬
‫والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها اما عقلية‬
‫واما سمعية كما هو مبسوط فى موضعه ‪"40‬‬
‫‪40‬‬

‫مقدمة في أصول التفسير لشيخ السلم‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫القاعدة الثالثة‪ :‬في شروط الجتهاد المطلق و المامة في‬
‫التفسير‪:41‬‬
‫الشرط الول‪ :‬أن يكون عالما بعقيدة السلف عالما بالتوحيد بأقسامه الثلثة‬
‫بذلك أن يؤمن المفسر من أن يفسر القرآن عن هوى أو على نحو من أراء‬
‫الجهمية والخوارج والمعتزلة والقدرية والمرجئة إلى آخر تلك الفرق‪.‬‬
‫الشرط الثاني‪ :‬أن يكون عالما بالقرآن حافظا له يمكنه أن يفسر القرآن‬
‫بالقرآن أو يستطيع أن يرد إلى المتشابه في موضع وإلى المحكم في‬
‫موضع وحبذا لو كان عنده علم بالقراءات‪.‬‬
‫الشرط الثالث‪ :‬أن يكون عالما بالسنة حتى يجتهد في آية والتفسير فيها‬
‫منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫الشرط الرابع‪ :‬أن يكون عالما بأقوال الصحابة حتى ل يفترع تفسيرا ويظهر‬
‫ن التفسير الذي أحدث والصحابة‬
‫تفسيرا الصحابة على خلفه وباليقين أ ّ‬
‫على خلفه نقطع ببطلنه‬
‫الشرط الخامس‪ :‬أن يكون عالما بأحوال العرب كما ذكرنا حتى ل ينزل‬
‫آيات القرآن‪ ،‬على غير تنزيلها‪.‬‬
‫الشرط السادس‪ :‬أن يكون عالما باللغة العربية في نحوها وفي مفرداتها‬
‫وفي صرفها وفي علم المعاني من علوم البلغة وهذا العلم الفضل أن‬
‫يكون بالقوة الذاتية بالعلم الذاتي في نفسه وأما إن كان بالقوة القريبة‬
‫يعني بالمراجعة والكتب فل بأس إذا استقامت له أصوله وهناك شروط أخر‬
‫ذكرها طائفة من أهل العلم‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة‪ :‬و يحرم القول في القرآن بغير علم‪:‬‬
‫و يقول شيخ السلم بن تيمية ‪-‬رحمه الله‪" -‬أما تفسير القرآن بمجرد الرأى‬
‫فحرام فعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال‬
‫فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" ‪ ,‬و عن جندب قال قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال فى القرآن برايه فاصاب فقد‬
‫أخطأ" قال الترمذى هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل الحديث فى‬
‫سهيل بن أبى حزم" و المقصود من "قال في القرآن برأيه" أي أن رأيه‬
‫كان تابعا ً للهوى و ليس تبعا ً للجتهاد في اليات‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫محاضرة مشهورة بعنوان مناهج المفسيرين للشيخ صالح آل الشيخ ‪ .‬المصدر ‪www.alsalafia.com/‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫ه َ‬
‫ه‬
‫ذا َ‬
‫باب في بيان قول الله تعالى ) َ‬
‫ق الل ّ ِ‬
‫خل ْ ُ‬
‫فأ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ن‬
‫دو‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ذا‬
‫ما‬
‫ني‬
‫رو‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ن ‪ ( 11‬لقمان ‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫في َ‬
‫مو َ‬
‫ل ُ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫ت‬
‫ذي َ‬
‫وا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫فصل في قول الله جل ذكره "ال ْ َ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫ح ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ع َ‬
‫ن"‬
‫ع ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫دُلو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫والّنوَر ث ُ ّ‬
‫ل الظّل ُ َ‬
‫واْلْر َ‬
‫ت َ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫فُروا ب َِرب ّ ِ‬
‫فلله الحمد على كمال صفاته و أفعاله‪ ,‬و من عظم قدرته و كمالها أن خلق‬
‫السماوات و الرض و لذلك فهو تعالى أحق بالنابة إليه و أن يفرد بالعبادة‪,‬‬
‫و ترك آية لتدل على عظم قدرته آية الليل و النهار لتذكر الناس بعظم‬
‫خالقهم إذ أن البشر من شيمتهم النسيان‪ ,‬فلله الحمد على خلق السماوات‬
‫و الرض التي تدل على عظم الله تعالى‪ ,‬و لله الحمد على جعل آية الليل و‬
‫النهار التي تذكر الخلق بعظم خلق الله تعالى‪ ,‬و لذلك فيعكف الموفقون‬
‫في هاذين الوقتين كما شرع الله تعالى‪ ,‬على ذكر الله تعالى فيسبحونه عن‬
‫كل نقص و عجز و يحمدونه على كماله الذي يتجلى في هاذين الوقتين‬
‫الشريفين‪.‬‬
‫و أخرج وكيع والفريابي وآدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور وابن جرير‬
‫وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب‬
‫اليمان عن أبي الضحى قال‪ :‬لما نزلت "وإلهكم إله واحد" عجب‬
‫المشركون وقالوا‪ :‬إن محمدا ً يقول‪" :‬وإلهكم إله واحد" فليأتنا بآية إن كان‬
‫َْ‬
‫ن ِفي َ ْ‬
‫ل‬
‫ض َوا ْ‬
‫ماَوا ِ‬
‫خت َِل ِ‬
‫من الصادقين‪ ،‬فأنزل الله "إ ِ ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫ف الل ّي ْ ِ‬
‫خل ِ‬
‫ت َوالْر َ ِ‬
‫ما أن َْز َ‬
‫ن‬
‫ما ي َن ْ َ‬
‫َوالن َّهارِ َوال ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ري ِفي ال ْب َ ْ‬
‫ك ال ِّتي ت َ ْ‬
‫فل ْ ِ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫س وَ َ‬
‫حرِ ب ِ َ‬
‫فعُ الّنا َ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ف‬
‫موْت َِها وَب َ ّ‬
‫ث ِفيَها ِ‬
‫ماِء ِ‬
‫ري ِ‬
‫ل َ‬
‫ماٍء فَأ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ض ب َعْد َ َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫داب ّةٍ وَت َ ْ‬
‫حَيا ب ِهِ اْلْر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ص ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن" البقرة‬
‫ت لِ َ‬
‫س ّ‬
‫قوْم ٍ ي َعْ ِ‬
‫ض لَيا ٍ‬
‫قلو َ‬
‫س َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫ح َوال ّ‬
‫س َ‬
‫ب ال ُ‬
‫حا ِ‬
‫خرِ ب َي ْ َ‬
‫الّرَيا ِ‬
‫ماِء َوالْر ِ‬
‫‪ , 164‬قال الشوكاني في –رحمه الله‪ -‬في فتح القدير‪" :‬إن هذه اليات من‬
‫أمعن نظره وأعمل فكره في واحد منها انبهر له‪ ،‬وضاق ذهنه عن تصور‬
‫حقيقته‪ .‬وتحتم عليه التصديق بأن صانعه هو الله سبحانه‪ ،‬وإنما جمع‬
‫السموات لنها أجناس مختلفة‪ ،‬كل سماء من جنس غير جنس الخرى‪،‬‬
‫ووحد الرض لنها كلها من جنس واحد وهو التراب"‪.‬‬
‫ئ له آية ‪ ..‬تدل على أنه الوحد ‪ ,‬إن التأمل في عظم خلق الله‬
‫و في كل ش ٍ‬
‫تعالى باب عظيم إلى توحيد الله تعالى و اليمان بأسمائه الحسنى و صفاته‬
‫َْ‬
‫ن ِفي َ ْ‬
‫ل َوالن َّهاِر‬
‫ض َوا ْ‬
‫ماَوا ِ‬
‫خت َِل ِ‬
‫العلى قال تعالى )إ ِ ّ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫ف الل ّي ْ ِ‬
‫خل ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫َلَيا ٍ ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ب‪190‬ال ِ‬
‫دا وَع َلى ُ‬
‫ما وَقُُعو ً‬
‫ن ي َذ ْك ُُرو َ‬
‫جُنوب ِهِ ْ‬
‫ه قَِيا ً‬
‫ن الل َ‬
‫ت ِلوِلي اْلل َْبا ِ‬
‫ذي َ‬
‫َْ‬
‫ن ِفي َ ْ‬
‫حان َ َ‬
‫ت هَ َ‬
‫ك‬
‫خل َ ْ‬
‫وَي َت َ َ‬
‫ما َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫ذا َباط ًِل ُ‬
‫ق ال ّ‬
‫ق َ‬
‫ض َرب َّنا َ‬
‫س َ‬
‫خل ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫قَنا ع َ َ‬
‫ب الّنارِ ‪ ( 191‬آل عمران ‪ ,‬قال بن كثير –رحمه الله‪ -‬في تفسيره‪:‬‬
‫فَ ِ‬
‫ذا َ‬
‫"قال لقمان الحكيم‪ :‬إن طول الوحدة ألهم للفكرة وطول الفكرة دليل على‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫طرق باب الجنة‪ .‬وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس قال‪ :‬سمعت غير‬
‫واحد ول اثنين ول ثلثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون‪ :‬إن‬
‫ضياء اليمان أو نور اليمان التفكر‪ .‬وقال بشر بن الحارث الحافي‪ :‬لو تفكر‬
‫الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه‪. "42‬‬
‫ق‬
‫فصل في عظم خلق السماء و دقته قال تعالى‪" :‬ل َ َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ن َ ْ‬
‫س َل‬
‫ض أك ْب َُر ِ‬
‫وا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫خل ِ‬
‫والْر ِ‬
‫ن‪ "57‬غافر‪:‬‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ً‬
‫و ذكر الدكتور زغلول النجار شيئا من الكشوف الكونية الحديثة فقال‪" :‬أن‬
‫نصف قطر الشمس يقدر بنحو سبعمائة ألف كيلو متر ويزيد حجم الشمس‬
‫علي مليون مرة قدر حجم الرض‪ ,‬وتجري المجموعة الشمسية حول مركز‬
‫مجرة اللبانة مع حشد هائل من النجوم يقدر بنحو التريليون) مليون مليون(‬
‫نجم كشمسنا ‪ ,‬علي هيئة قرص مفرطح يقدر قطره بنحو المائة ألف سنة‬
‫ضوئية‪ ,‬ويقدر سمكه بعشر ذلك ‪ ,‬و تتجمع كل مجموعة من المجرات‬
‫لتكون ما يعرف باسم الحشود المجرية التي تضم أنواع من المجرات‬
‫المختلفة في الشكل و الحجم ‪ ,‬و منها المجموعة المحلية التي فيها مجرتنا‬
‫و تضم أكثر من عشرين مجرة و هناك حشود مجرية أكبر مثل حشد‬
‫مجرات برج العذراء والذي يضم مئات المجرات من مختلف النواع‪ ,‬و هناك‬
‫أنواع من الحشود المجرية التي تحتوي على أعداد اكبر من المجرات و‬
‫الذي قد يصل إلى عشرة آلف مجرة ‪ ,‬و تتجمع هذه الحشود المجرية في‬
‫تجمعات تعرف باسم الحشود المجرية العظمى و منها الحشد المجري‬
‫المحلي العظم الذي يحتوي على المجموعة المجرية المحلية التي بها‬
‫مجرتنا ‪ ,‬و يضم هذا الحشد المجري المحلي العظيم قرابة المائة من‬
‫الحشود المجرية علي هيئة قرص واحد يبلغ قطره مائة مليون من السنين‬
‫الضوئية‪ ,‬ويبلغ سمكه عشر ذلك وهي نفس نسبة سمك مجرتنا) درب‬
‫اللبانة( إلى طول قطرها‪ ,‬و أن الجزء الذي أدركوه من الكون به نحو مائتي‬
‫ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا‪ ,‬و أن قطر هذا الجزء المدرك من‬
‫الكون أكثر من عشرين ألف مليون) أي عشرين بليونا( من السنين الضوئية‬
‫‪ .‬وهذا الجزء المدرك من الكون مستمر في التساع منذ لحظة الخلق‬
‫الولي للكون وإلي أن يشاء الله‪ ,‬وذلك بمعدلت فائقة تكاد تقترب أحيانا‬
‫من سرعة الضوء) المقدرة بنحو ثلثمائة ألف كيلو متر في الثانية(‪ ,‬و‬
‫يعتقدون أن هذا الجزء المدرك من الكون أقل من عشرة في المائة فقط‬
‫من الجزء المحسوس من السماء الدنيا اهـ" ‪.‬‬
‫و هذه الخبار مما يستأنس به في بيان عظم الخلق و دقته و إنما عظم‬
‫الخلق من عظم الخالق كمال قدرته‪ ,‬فسبحان الذي بني السماء علي نمط‬
‫واحد بهذا النتظام الدقيق‪ ,‬و هذه النجوم المنظمة في حشود مجرية دقيقة‬
‫‪42‬‬

‫انتهى من تفسير بن كثير بتصرف‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫زين َةٍ‬
‫إنما هي فقط في السماء الدنيا قال تعالى "إ ِّنا َزي ّّنا ال ّ‬
‫س َ‬
‫ماَء الد ّن َْيا ب ِ ِ‬
‫ب" ‪ ,‬فسبحان الذي خلق السماوات السبع ‪ ,‬و عن العباس بن عبد‬
‫واك ِ ِ‬
‫ال ْك َ َ‬
‫المطلب رضي الله عنه ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم‪ " :‬هل تدرون كم بين السماء والرض ؟ ‪ .‬قلنا ‪ :‬الله ورسوله أعلم ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬بينهما مسيرة خمسمائة سنة ‪ ،‬ومن كل سماء إلى سماء مسيرة‬
‫خمسمائة سنة ‪ ،‬وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة ‪ ،‬وبين السماء‬
‫السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعله كما بين السماء والرض ‪ ،‬والله‬
‫تعالى فوق ذلك ‪ ،‬وليس يخفي عليه شيء من أعمال بني آدم "‪ , 43‬و قوله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم "مسيرة خمسمائة سنة" غير معلوم الكيفية‬
‫بمعنى ان نوع السير ل نعلمه ‪ ,‬فنحن في عصر تفجر المعرفة ل ندرك من‬
‫السماء الدنيا إل عشرها و ما بين كل سماء و سماء مثل تلك المسافة التي‬
‫بين اللرض و السماء التي ل ندركها فسبحان الذي خلق السماء الدنيا ثم‬
‫سبحان الذي خلق السماوات السبع و عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله‪:‬‬
‫"أي ما أنزل عليك أعظم" قال‪" :‬آية الكرسي" ثم قال‪" :‬يا أبا ذر ما‬
‫السموات السبع مع الكرسي إل كحلقة ملقاة في أرض فلة وفضل‬
‫العرش على الكرسي كفضل الفلة على الحلقة‪. "44‬‬
‫فصل في عظم خلق النمل و دقته قال تعالى ‪" :‬حّتى إ َ َ‬
‫وا‬
‫َ‬
‫ذا أت َ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م لَ‬
‫ُ‬
‫ل َ‬
‫م ُ‬
‫ل ادْ ُ‬
‫َ‬
‫مل َ ٌ‬
‫قال َ ْ‬
‫م َ‬
‫ة َيا أي ّ َ‬
‫ساك ِن َك ْ‬
‫خُلوا َ‬
‫ها الن ّ ْ‬
‫ت نَ ْ‬
‫واِدي الن ّ ْ‬
‫م ِ‬
‫عَلى َ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫ن ‪ "18‬النمل ‪:‬‬
‫و ُ‬
‫عُرو َ‬
‫ما ُ‬
‫ش ُ‬
‫و ُ‬
‫يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫سل َي ْ َ‬
‫من ّك ُ ْ‬
‫حط ِ َ‬
‫جُنودُهُ َ‬
‫ن َ‬
‫قال القرطبي –رحمه الله‪" : -‬ل إختلف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها‬
‫أفهام وعقول وقد قال الشافعي الحمام أعقل الطير قال ابن عطية والنمل‬
‫حيوان فطن قوي شمام جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئل‬
‫ينبت ويشق الكزبرة بأربعة قطع لنها تنبت إذا قسمت شقين ويأكل في‬
‫عامه نصف ما جمع ويستبقي ‪ . "45‬و مما يدل على عظم خلق النمل ما‬
‫ذكره الدكتور زغلول النجار حيث قال‪" :‬إن النمل بحق مخلوقات منظمة‬
‫ذات قدرات خارقة‪ ،‬تعمل ضمن خطة عمل واضحة من خلل البرنامج‬
‫الفطري الذي أودعه الله تعالى في دماغه ‪ .‬إن النمل يعيش ضمن‬
‫مستعمرات يقوم ببنائها وقد يتجاور عدد كبيرة من المستعمرات مكونا ً‬
‫مدينة أو واديا ً للنمل كما سماها القرآن الكريم ففي جبال بنسلفانيا إحدى‬
‫الوليات المريكية قد وجد مدينة للنمل بني معظمها تحت الرض وتشغل‬
‫مساحتها ثلثين فدانا ً حفرت فيها منازل النمل تتخللها الشوارع والمعابر‬
‫‪ 43‬المام أحمد في " المسند " )‪ ، (1/206‬وأبو دواد ‪ :‬كتاب السنة ‪ /‬باب في الجهمية ‪ ،‬والترمذي ‪:‬‬
‫كتاب تفسير القرآن ‪ /‬سورة الحاقة ‪ ،‬وقال ‪ " :‬حسن غريب " ‪ ،‬وابن ماجة المقدمة ‪ /‬باب فيما‬
‫أنكرت الجهمية ‪ ،‬وابن أبي عاصم في " السنة " )‪ ، (577‬وابن خزيمة في " التوحيد " ) ‪، (144‬‬
‫والحاكم )‪ (2/288‬وصححه‪.‬‬
‫‪ 44‬قال القرطبي أخرجه ألجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح ‪ ,‬و‬
‫قال اللباني صحيح لغيره ‪ ,‬الصحيحة ‪109‬‬
‫‪ 45‬تفسير القرطبي ج‪ 13 :‬ص‪176 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫والطرق‪ ،‬وتشمل كل مستعمرة من مستعمرات النمل على الطبقات التالية‬
‫‪ :‬باب التهوية ‪ ,‬مكان الحرس لمنع دخول الغريب‪ .‬أول طبقة لراحة‬
‫العاملت في الصيف‪ .‬مخزن ادخار القوات‪ .‬مكان تناول الطعام‪ .‬ثكنة‬
‫الجنود‪ .‬الغرف الملوكية حيث تبيض ملكة النمل‪ .‬إسطبل لبقر النمل‬
‫وعلفه‪ .‬إسطبل آخر لحلب البقر‪ .‬مكان تفقيس البيض‪ .‬مكان تربية صغار‬
‫النمل‪ .‬مشتى النمل‪ ،‬وفي يمينه جبانة لدفن من يموت‪ .‬مشتى الملكة ‪ .‬أما‬
‫بالنسب لجمع الغذاء فهي تقضم البذور قبل تخزينها حتى ل تعود إلى‬
‫النبات مرة أخرى‪ ،‬وهناك بعض البذور التي إذا ُ‬
‫كسرت إلى فلقتين فإن كل‬
‫فلقة ممكنها أن ُتنبت من جديد مثل بذور الكزبرة لذلك فإن النمل يقوم‬
‫بتقطيع بذرة الكزبرة إلى أربع قطع كي ل تنبت !! و عندما ُأخذت بيضة نمل‬
‫لتفقس في المعمل بعيدا ً عن النمل و تم تقديم لها حبة كزبرة كسرتها إلى‬
‫عطى ك ّ‬
‫ل شيء‬
‫أربع قطع !!! فمن الذي هداها إلى هذا الفعل "رّبنا الذي أ َ ْ‬
‫خْلقه ثم هدى" ‪ ،‬و في مستعمرات البنمل ما يعرف باسم أبقار النمل التي‬
‫َ‬
‫يرعاها في مدنه وما هذه البقار إل خنافس صغيرة رباها النمل في جوف‬
‫الرض زمانا ً طويل ً حتى فقدت في الظلم بصرها ‪ .‬و من الحيوانات أيضا ً‬
‫التي سخرها النمل ما يعرف ببق النبات يرسل النمل الرسل لُتجمع له‬
‫بيوض هذا البق حيث تعتني به وترعاه حتى يفقس وتخرج صغاره‪ ،‬ومتى‬
‫كبرت درت هذه اليرقات سائل ً حلوا ً يقوم على حلبه جماعة من النمل ل‬
‫عمل لها إل حلب هذه الحشرات عن طريق مسها بقرونها ‪ .‬أما بالنسبة‬
‫للزراعة عند النمل فيقوم النمل بتقطيع اوراق الشجار و نقلها إلى المملكة‬
‫بسرعة و بقوة عالية إذا ما قورنت بالنسان فالواحدة منها تشبه إنسانا ً‬
‫يحمل على ظهره )‪250‬كغ( راكضا ً بسرعة )‪1.5‬كم ( في الدقيقة‪ ،‬تستخدم‬
‫النملت هذه الوراق كمادة أولية للزراعة في مئات المزراع التي أنشئتها‬
‫ص لزراعة الفطر بعد ان تحدد مساحة هذه‬
‫داخل مملكتها بشكل خا ٍ‬
‫ت العاملة الوراق التي قطعتها‬
‫المزرعة ورطوبتها وحرارتها‪ .‬تسّلم النمل ُ‬
‫ت الموظفةِ في المزرعة فتقوم تلك النملت بتعقيمها لن دخول‬
‫إلى النمل ِ‬
‫فطر غريب أو بكتيريا للمملكة يسبب أضرارا ً بالغة إل أن الله تعالى هيئ‬
‫لها نظاما ً خاصا ً لحمايتها من هذا الخطر فهي تفرز من جسمها مادة بها‬
‫خصائص النتي بيوتك و بفضل هذا النظام الرائع الذي خلقه الله تعالى‪ ،‬ل‬
‫ة ضارة ٌ واحدة أن تأوي إلى جسم النملة ول البيئة التي تعيش‬
‫تقدر جرثوم ٌ‬
‫فيها‪ .‬بعد النتهاء من أعمال التعقيم تبدأ النملت سوية بتقطيع الوراق و‬
‫مر الفطَر على‬
‫مضغها جيدا ً و نشر هذا المسحوق في حقل النتاج‪ ،‬ثم ت ُ ّ‬
‫خ ّ‬
‫هذا المسحوق‪ .‬يختفي اللون الخضر للوراق تماما ً في أربع وعشرين‬
‫ساعة‪ ،‬وبعد يوم يغطى مسحوق الوراق بطبقات الفطر البيضاء النامية‬
‫الذي يدعى ) فطر عش الغراب ( ‪ .‬و عند الحصاد تقوم مجموعة من النمل‬
‫بجني المحصول ثم ُيوزع الغذاء على جميع النملت العاملت ‪ ,‬أما بالنسبة‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫للجيش فعندما تواجه مستعمرة النمل خطر ما نتيجة عدوان خارجي يتصدى‬
‫لهذا الهجوم نوع خاص من النمل تدعى الفراد المحاربة وتتميز عن غيرها‬
‫أنها أثقل من النملت الخرى ب)‪ (300‬ضعفًا‪ ،‬تقوم بالهجوم على كل شيء‬
‫غريب في أطراف المملكة"‪.‬‬
‫َ‬
‫عطى ك ّ‬
‫ل‬
‫فسبحان الذي خلق كل شئ ثم هداه قال تعالى‪" :‬رّبنا الذي أ ْ‬
‫خْلقه ثم هدى ‪ "50‬طه ‪ ,‬و ذكر الشنقيطي ‪-‬رحمه الله‪ -‬في أضواء‬
‫شيء َ‬
‫البيان أقوال العلماء في الية ثم قال‪" :‬ول مانع من شمول الية الكريمة‬
‫لجميع القوال المذكورة‪ .‬لنه ل ش ّ‬
‫ك أن الله أعطى الخلئق كل شيء‬
‫يحتاجون إليه في الدنيا‪ ،‬ثم هداهم إلى طريق النتفاع به‪ .‬ول ش ّ‬
‫ك أنه‬
‫أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له‪ ،‬وأعطى كل ذكر وأنثى‬
‫الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة واللفة والجتماع‪ .‬وأعطى كل‬
‫عضو شكله الملئم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعل؟ ما أعظم شأنه‬
‫وأكمل قدرته"‪.‬‬
‫فصل في قول الله تعالى ) فليأتوا بحديث مثله ( الطور‪:‬‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية رحمه الله‪) :‬قال تعالى‪" :‬فَأ ُْتوا ْ ب ِعَ ْ‬
‫ه‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫شرِ ُ‬
‫سوَرٍ ّ‬
‫ن الل ّهِ ِإن ُ‬
‫ن‪ "13‬هود‪ ،‬ثم‬
‫م ْ‬
‫ت َواد ْ ُ‬
‫فت ََرَيا ٍ‬
‫من ُ‬
‫نا ْ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ست َط َعُْتم ّ‬
‫عوا ْ َ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫دو ِ‬
‫م ِ‬
‫تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله‪ ،‬فعجزوا عن ذا وذاك‪ ،‬ثم تحداهم أن يأتوا‬
‫بسورة مثله فعجزوا؛ فإن الخلئق ل يمكنهم أن يأتوا بمثله ول بسورة مثله‪،‬‬
‫وإذا كان الخلق كلهم عاجزين عن التيان بسورة مثله ـ ومحمد صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم منهم ـ علم أنه منزل من الله‪ ،‬نزله بعلمه‪ ،‬لم ينزله بعلم‬
‫مخلوق‪ ،‬فما فيه من الخبر‪ ،‬فهو خبر عن علم الله "قُ ْ َ‬
‫م‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي ي َعْل َ ُ‬
‫ل أنَزل َ ُ‬
‫َْ‬
‫ض" لن فيه من السرار التى ل يعلمها إل الله ما‬
‫ماَوا ِ‬
‫سّر ِفي ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫يدل على أن الله أنزله‪ ،‬فذكره ذلك يستدل به تارة على أنه حق منزل من‬
‫الله‪ ،‬لكن تضمن من الخبار عن أسرار السموات والرض والدنيا والولين‬
‫والخرين وسر الغيب ما ل يعلمه إل الله‪ .‬فمن هنا نستدل بعلمنا بصدق‬
‫أخباره أنه من الله ‪. (46‬‬
‫عل َْنا الل ّي ْ َ‬
‫هاَر‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫والن ّ َ‬
‫ل َ‬
‫فصل و من الخبار المعجزة قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫ضل ً‬
‫غوا َ‬
‫ن َ‬
‫صَرةً ل ِت َب ْت َ ُ‬
‫عل َْنا آي َ َ‬
‫وَنا آي َ َ‬
‫ف ْ‬
‫مب ْ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ة الن ّ َ‬
‫ر ُ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫ة الل ّي ْ ِ‬
‫ح ْ‬
‫ها ِ‬
‫آي َت َي ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫وك ُ ّ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫موا َ‬
‫وال ِ‬
‫ِ‬
‫سا َ‬
‫ول ِت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫عدَدَ ال ّ‬
‫سِني َ‬
‫م ْ‬
‫صلَنا ُ‬
‫عل ُ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫ف ّ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ش ْ‬
‫صي ً‬
‫تَ ْ‬
‫ل( )السراء‪:(12:‬‬
‫ف ِ‬
‫قال المفسرون آية الليل هي القمر و آية النهار هي الشمس ‪ .‬قال ابن‬
‫عباس ‪ :‬عن قوله تعالى ‪ :‬فمحونا آية الليل " لقد كان القمر يضيء‬
‫كالشمس فطمسنا ضوءه " ‪ .‬و هذه الحقيقة التي نعمها منذ ألف و أربعمائة‬
‫‪46‬‬

‫مجموع الفتاوى ‪ -‬الجزء الرابع عشر – فصل " لكن الله يشهد بما أنزل إليك ‪..........‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫سنة من خالق السماوات و الرض و خالق كل شئ إنما توصل إليها الن‬
‫بإذن الله الفلكيين الغربيين فقد توصلوا إلى أن القمر و الرض و المريخ و‬
‫كل كواكب المجموعة الشمسية عندما بدأت كانت كلها مشتعلة و أن‬
‫أسطحها كانت منصهرة إلى سمك حوالي ‪ 300‬كيلومتر في عمق الكوكب‬
‫المتكون مع جميع الجهات ‪.47‬‬
‫ق ال ْ َ‬
‫و منها قوله تعالى‪) :‬ا ْ‬
‫وان ْ َ‬
‫ة‬
‫سا َ‬
‫وا آي َ ً‬
‫ع ُ‬
‫قت ََرب َ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ت ال ّ‬
‫ق َ‬
‫ش ّ‬
‫ن ي ََر ْ‬
‫مُر َ‬
‫ة َ‬
‫وي َ ُ‬
‫مّر( " ‪:‬‬
‫ر ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫قوُلوا ِ‬
‫س ْ‬
‫يُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حٌر ُ‬
‫ضوا َ‬
‫ع ِ‬
‫و لما سئل الفلكيين المريكان عن سبب صعودهم للقمر قالوا صعدنا من‬
‫أجل أن نحقق في ظاهرة أذهلتنا فقد وجدنا أن القمر مشقوق نصفين‪ ،‬وأن‬
‫كل نصف ابتعد عن النصف الخر وأنه عاد والتحم النصفان وأن دليلنا على‬
‫ذلك هو أن سلسل الجبال التي كانت ملتحمة بعضها مع بعض لما عاد‬
‫اللتحام حدث لها انزياح فأصبح الجبل نصف الجبل هذا يلتحم مع نصف‬
‫الجبل الخر ونصف الجبل الخر يلتحم مع نصف الجبل الخر‪ ،‬وهكذا جميع‬
‫الجبال‪ ..‬مما دلهم على أن القمر قد انشق ‪"48‬‬
‫ْ َ‬
‫ض‬
‫ذي َ‬
‫و ِ‬
‫وا ٍ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫و منها قوله تعالى‪ " :‬الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ن الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ن ي َت َن َّز ُ‬
‫ديٌر‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق ِ‬
‫ِ‬
‫موا أ ّ‬
‫ن ل ِت َ ْ‬
‫مُر ب َي ْن َ ُ‬
‫مث ْل َ ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل اْل ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫حاط ب ِك ُ ّ‬
‫ما ‪ "12‬الطلق ‪:‬‬
‫ي ٍ‬
‫ء ِ‬
‫وأ ّ‬
‫قدْ أ َ‬
‫عل ً‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫قال بن كثير رحمه الله تعالى‪" :‬ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد‬
‫النجعة وأغرق في النزع وخالف القرآن والحديث بل مستند ‪ ,‬فإنها سبع‬
‫أراضي متطابقة قال تعالى‪" :‬الذي خلق سبع سماوات طباقا ‪ "3‬الملك ‪ ,‬و‬
‫كما في الصحيحين من ظلم قيد شبر من الرض طوقه من سبع أرضين" ‪,‬‬
‫وجاء في صحيح البخاري قوله صلي الله عليه وسلم‪" :‬خسف به إلي سبع‬
‫أرضين" ‪ .‬يقول الدكتور زغلول النجار‪" :‬و قد توصل الفلكيين إلى أن الرض‬
‫عبارة عن كوكب شبه كروي‪ ,‬له غلف صخري‪ ,‬يتكون من سبع طبقات‬
‫الولى تعرف بالنواة الصلبة و هي عبارة عن كرة مصمطة من الحديد‬
‫وبعض النيكل‪ ,‬مع قليل من عناصر أخف وتعرف باسم لب الرض الصلب‪.‬‬
‫يلي هذا اللب الصلب الطبقة الثانية و تعرف باسم المنطقة النتقالية ‪ ,‬ثم‬
‫الطبقة الثالثة و تعرف بلب الرض السائل و لها نفس التركيب الكيميائي‬
‫للب الرض الصلب ولكنه منصهر ‪ ,‬ثم الطبقة الرابعة و تعرف بوشاح‬
‫الرض السفلي ‪ ,‬ثم الطبقة الخامسة و تعرف بوشاح الرض المتوسط ‪ ,‬ثم‬
‫الطبقة السادسة و تعرف بوشاح الرض العلوي ‪ ,‬ثم الطبقة السابعة و‬
‫تعرف بالغلف الصخري للرض" و في القرآن الكريم منذ ألف وأربعمائة‬
‫سنة أن الرض سبع طبقات أل يدل ذلك على أن الذي نزل القرآن هو‬
‫خالق الرض ؟ ‪" ,‬بلى و هو لخلق العليم"‬
‫‪ 47‬ندوة بين الشيخ عبد المجيد الزنداني و الدكتور فاروق البارز مدرب رواد الفضاء في وكالة الفضاء‬
‫المريكية ناسا‬
‫‪ 48‬محاضرة للشيخ عبد المجيد الزنداني في قناة الجزيرة بتصرف ‪24/02/2002‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫َ‬
‫وُر الل ّي ْ َ‬
‫ل‬
‫و منها قوله تعالى‪َ " :‬‬
‫وا ِ‬
‫ض ِبال ْ َ‬
‫ق ال ّ‬
‫ح ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫واْلْر َ‬
‫ق ي ُك َ ّ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وال َ‬
‫مَر ك ُ ّ‬
‫خَر ال ّ‬
‫ل‬
‫ها‬
‫س ّ‬
‫هاَر َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫وُر الن ّ َ‬
‫عَلى الن ّ َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫على اللي ْ ِ‬
‫وي ُك َ ّ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫غ ّ‬
‫فاُر‪ "5‬الزمر ‪:‬‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫مى أَل ُ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ري ِل َ‬
‫يَ ْ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫ه َ‬
‫ج ٍ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية رحمه الله تعالى‪" :‬ثبت بالكتاب والسنة وإجماع‬
‫علماء المة أن الفلك مستديرة‪ ،‬قال تعالى‪" :‬ل ال ّ‬
‫ن‬
‫س ي َن َْبغي ل ََها أ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫ت ُد ْرِ َ‬
‫ل ساب ِقُ الّنهارِ وَك ُ ّ‬
‫مَر ول الل ّي ْ ُ‬
‫ن" و قال تعالى‪:‬‬
‫ك ال َ‬
‫سَبحو َ‬
‫ل في فَل َ ٍ‬
‫ك يَ ْ‬
‫ق َ‬
‫"ي ُك َوُّر الل ّي ْ َ‬
‫ل" والتكوير‪ :‬هو التدوير‪ ،‬ومنه‬
‫ل ع ََلى الّنهارِ وي ُك ّوُّر الّنهاَر ع ََلى الل ّي ْ ِ‬
‫قيل‪ :‬كار العمامة‪ ،‬وكورها إذا أدارها‪ ،‬ومنه قيل للكرة كرة‪ ،‬وهي الجسم‬
‫المستدير‪ ،‬ولهذا يقال للفلك‪ :‬كروية الشكل؛ لن أصل الكرة كورة‪،‬‬
‫تحركت الواو وانفتح ما قلبها فقلبت ألفًا‪ ،‬وكورت الكارة إذا دورتها‪ ،‬ومنه‬
‫الحديث‪" :‬إن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة كأنهما ثوران في نار‬
‫جهنم"‪ ، ((5‬وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫أنه قال‪" :‬إذا سألتم الله الجنة؛ فاسألوه الفردوس؛ فإنها أعلى الجنة‪،‬‬
‫وأوسط الجنة‪ ،‬وسقفها عرش الرحمن"‪ ((3‬؛ فقد أخبر أن الفردوس هي‬
‫العلى والوسط‪ ،‬وهذا ل يكون إل في الصورة المستديرة‪ ،‬فأما المربع‬
‫ونحوه؛ فليس أوسطه أعله‪ ،‬بل هو متساٍو‪ .‬وأما إجماع العلماء؛ فقال إياس‬
‫بن معاوية ‪ -‬المام المشهور قاضي البصرة من التابعين ‪ :-‬السماء على‬
‫الرض مثل القبة‪ .‬وقال المام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي من‬
‫الطبقة الثانية من أصحاب أحمد‪ :‬ل خلف بين العلماء أن السماء على مثال‬
‫الكرة‪ ،‬وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدورة الكرة على قطبين‬
‫ثابتين غير متحركين‪ :‬أحدهما في ناحية الشمال‪ ،‬والخر في ناحية الجنوب‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويدل على ذلك أن الكواكب جميعها تدور من المشرق تقع قليل ً على‬
‫ترتيب واحد في حركاتها ومقادير أجزائها إلى أن تتوسط السماء‪ ،‬ثم تنحدر‬
‫على ذلك الترتيب كأنها ثابتة في كرة تديرها جميعها دورا ً واحدًا‪ .‬قال‪:‬‬
‫وكذلك أجمعوا على أن الرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب ل يوجد طلوعها وغروبها‬
‫على جميع من في نواحي الرض في وقت واحد‪ ،‬بل على المشرق قبل‬
‫المغرب‪ .‬قال‪ :‬فكرة الرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في‬
‫الدائرة‪ ،‬يدل على ذلك أن جرم كل كوكب ُيرى في جميع نواحي السماء‬
‫على قدر واحد‪ ،‬فيدل ذلك على ب ُْعد ما بين السماء والرض من جميع‬
‫الجهات بقدر واحد‪ ،‬فاضطرار أن تكون الرض وسط السماء‪ "49‬قلت فهذا‬
‫م‬
‫الذي أخبرنا به الله تعالى على لسان النبي المي يراه الناس الن "فَذ َل ِك ُ ُ‬
‫)‪] (5‬صــحيح بمعنــاه[‪ .‬رواه الطحــاوي فــي ))مشــكل الثــار((‪ ،‬والطيالســي ‪ -‬انظــر‪)) :‬السلســة‬
‫الصحيحة(( )رقم ‪ ،-( 124‬وفي ))صحيح البخاري(( )كتاب بدء الخلــق‪ ،‬بــاب صــفة الشــمس والقمــر‪،‬‬
‫‪)) :(3200‬إن الشمس والقمر مكوران يوم القيامة((‪.‬‬
‫)‪ (3‬رواه البخاري في )الجهاد والسير‪ ،‬باب درجات المجاهدين في سـبيل اللـه‪ ،2790 ،‬وفـي التوحيـد‪،‬‬
‫باب وكان عرشه على الماء‪(7423 ،‬؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬
‫‪ 49‬بتصرف يسير نم ))مجموع الفتاوى(( )‪.(198 - 193 / 25‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫ذا بعد ال ْحق إّل الضَل ُ َ‬
‫ن" و قال تعالى‪:‬‬
‫صَرُفو َ‬
‫ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حقّ فَ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل فَأّنى ت ُ ْ‬
‫ما َ َ ْ َ َ ّ ِ‬
‫َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫م َءاي َٰـت ِهِ فَأىّ َءاي َٰـ ِ‬
‫ت ٱلل ّهِ ُتنك ُِرو َ‬
‫ريك ُ ْ‬
‫َ"وَي ُ ِ‬
‫و منها قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‪ " :‬إن‬
‫شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك‪" :‬أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا‬
‫فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن السلم وساقوا ذود‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فبعث في إثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم‬
‫في الحرة حتى ماتوا ‪ , "50‬قال النووي في شرحه على صحيح مسلم‪" :‬‬
‫فاجتووها أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم قالوا وهو مشتق من‬
‫الجوى وهو داء في الجوف" اهـ ‪ ,‬يقول بن القيم ‪-‬رحمه الله تعالى‪" : -‬و‬
‫هذا الداء الذي أصابهم و هو الستسقاء ل يكون إل مع آفة في الكبد خاصة‬
‫أو مع مشاركة وأكثرها عن السدد فيها ولبن اللقاح العربية نافع من السدد‬
‫لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة قال الرازي لبن اللقاح يشفي أوجاع‬
‫الكبد وفساد المزاج و بنحوه قال أهل الطب كالسرائيلي و صاحب‬
‫القانون‪ , "51‬و لذلك قال لهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‪" :‬إن‬
‫شئتم أن تخرجوا إلى ابل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا‬
‫فصحوا" لقد أكد أهل الطب حديثا ً بعد إجراء العديد من البحوث و التجارب‬
‫العلمية نجاح أبوال البل و ألبانها لعلج أمراض الستسقاء و أورام الكبد‬
‫بإذن الله تعالى ‪ ,‬و ممن أكد ذلك الدكتور أحمد عبد الله أحمداني‪ , 52‬و‬
‫الدكتور محمد أوهاج محمد‪ , 53‬فمن أخبر رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم أن هذا الداء الذي بالجوف يشفى بإذن الله تعالى بتناول ألبان و أبوال‬
‫البل ؟ ‪.‬‬

‫‪ 50‬متفق عليه‬
‫‪ 51‬الطب النبوي ‪ -‬فصل في هدية في داء الستسقاء وعلجه ‪ -‬بتصرف‬
‫‪ 52‬عميد كلية المختبرات الطبية بجامعة الجزيرة السودانية ‪ ,‬ذكرت أبحاثه –الوطن –جدة –أمجاد‬
‫محمود رضا‬
‫‪ 53‬مهندس تكنولوجيا الكيمياء التطبيقية بجامعة الجزيرة السودان‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫الكتاب الثالث‬
‫بيان فقر العباد إلى الله العلي‬
‫العظيم و أنه ل مفر من الله إل‬
‫إليه‬
‫باب في قول الله جل ذكره )يا أ َ‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫د‬
‫و ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ح ِ‬
‫قَراءُ إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مي ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫أن ْت ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫غن ِ ّ‬
‫شأ ْ يذْهبك ُم ويأ ْ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫‪16‬‬
‫د‬
‫دي‬
‫ج‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ب‬
‫ت‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪ 15‬إ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ن يَ َ ُ ِ ْ ْ َ َ‬
‫و َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫زيز ‪ (17‬فاطر‬
‫ك َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫ه بِ َ‬
‫ع ِ‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫الحمد لله على كماله في صفاته و أسمائه و أفعاله‪ ,‬الحي القيوم القائم‬
‫بنفسه و بأمره يقوم كل شئ‪ ,‬فل حاجة له في الخلق و كلهم في حاجةٍ إليه‬
‫فهو الصمد الذي تصمد الخلئق إليه‪ ,‬فسبحانه سبحانه ما أعظم شأنه‪ ,‬و‬
‫لما كانت سورة النعام سورة التوحيد التي تقيم الحجج على الكافرين و‬
‫المعاندين‪ ,‬متضمنه لكثير من اليات الدالة على كمال غنى الله و عظمته و‬
‫كمال فقر الخلق إلى الله تعالى فل يسعني إل ذكر آيات منها و بيان ما فيها‬
‫من عظمة الله تعالى‪.‬‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ل‬
‫ذي َ‬
‫وا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫قال تعالى "ال ْ َ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل َ َ‬
‫ح ْ‬
‫واْلْر َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ذي‬
‫ن‪ُ 1‬‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫دُلو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫فُروا ب َِرب ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫والّنوَر ث ُ ّ‬
‫الظّل ُ َ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ضى أ َجًل َ‬
‫م َ‬
‫خل َ َ‬
‫ج ٌ‬
‫م‬
‫طي‬
‫َ‬
‫مى ِ‬
‫ق َ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫وأ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م أن ْت ُ ْ‬
‫عن ْدَهُ ث ُ ّ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫قك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫ه ِ‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫وا ِ‬
‫مت َُرو َ‬
‫ض يَ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫سّرك ُ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫س َ‬
‫و الل ّ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ه َ‬
‫ن‪َ 2‬‬
‫في الْر ِ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫ْ‬
‫م‬
‫ن آَيا ِ‬
‫ة ِ‬
‫ن آي َ ٍ‬
‫م ِ‬
‫ما ت َك ْ ِ‬
‫سُبو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫و َ‬
‫ج ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫ن‪َ 3‬‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫ما ت َأِتي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫إ ِل َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ن‪َ 4‬‬
‫ف‬
‫كاُنوا َ‬
‫و َ‬
‫جاءَ ُ‬
‫ر ِ‬
‫ما َ‬
‫قدْ ك َذُّبوا ِبال َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫عن ْ َ‬
‫ضي َ‬
‫ه ْ‬
‫قل ّ‬
‫ح ّ‬
‫ها ُ‬
‫س ْ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ي َأ ِْتي‬
‫مأ ْ‬
‫هل َك َْنا ِ‬
‫كاُنوا ب ِ ِ‬
‫زُئو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫وا ك َ ْ‬
‫ن ‪ 5‬أل َ ْ‬
‫م أن َْباءُ َ‬
‫ه ْ‬
‫م ي ََر ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫في اْل َرض ما ل َم ن ُمك ّن ل َك ُم َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا‬
‫م ِ‬
‫مك ّّنا ُ‬
‫قب ْل ِ‬
‫م ِ‬
‫وأْر َ‬
‫ْ َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ْ‬
‫ْ َ‬
‫قْر ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ماءَ َ‬
‫ري ِ‬
‫م ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫هاَر ت َ ْ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عل َي ْ‬
‫عل َْنا اْلن ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫مدَْراًرا َ‬
‫ج ِ‬
‫حت ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫ن ‪ "6‬يحمد الله‬
‫قْرًنا آ َ‬
‫هل َك َْنا ُ‬
‫فأ َ ْ‬
‫د ِ‬
‫ع ِ‬
‫شأَنا ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫م ب ِذُُنوب ِ ِ‬
‫نفسه على كماله و عظمته و يدل على ذلك مما يظهر أمام الخلق‪ ,‬خلق‬
‫السماوات و الرض و هذا من عظيم خلقه لكم‪ ,‬الذي تحتاجون إليه أعظم‬
‫ب تحت الرض و كيف بحاجته إلى مجرد‬
‫الحاجة فكيف بمن حبس في سردا ٍ‬
‫النظر إلى السماء؟ و كيف به إذا أخرج إلى الهواء الطلق؟ دع هذا و هذا و‬
‫كيف بمن ركب البحر؟ بل كيف حاله عند أول قدم ٍ يضعها على الرض بعد‬
‫نزوله من الفلك؟ و ل شك أن حاجات الخلق إلى السماء أو الرض ل‬
‫تحصى و الخلق كل الخلق يعلمون عظم السماء و الرض و شدة حاجتهم‬
‫إليها و لذلك فمن نعم الله الظاهرة أن خلق لكم السموات و الرض‬
‫العظيمتين؟ فكيف عظمة الخالق و كماله؟ و أين شكركم إياه؟ و آية منه‬
‫أن جعل الظلمات و النور التي تذكر بعظيم خلقه و من عظم قدرته أن‬
‫الرض هي الرض و اختلف اليل و النهار عليها يقلبها من الكآبة إلى النضرة‬
‫و من الحر إلى البرد‪ ,‬فيال عظمة الله تعالى و فقر الخلق إليه‪ ,‬و من‬
‫العجيب أن يجحد البعض حق الله تعالى في العبادة و يعدل به إلى غيره‬
‫من المعبودات الباطلة و الله تعالى هو الذي خلقه كما خلق حاجته و كل‬
‫ذلك بكماله و حكمته و حدد مدة َ إقامته‪ ,‬و هو في علوه بقدرته يحيط بكل‬
‫حالته فيال فقر العبد و صغارته‪ ,‬و ما أبعده بتكذيبه و كفره عن الُهدى و‬
‫حقيقته‪ ,‬و ل يضر الله ذلك شيئا ً بل هو القادر على أن يأخذه بذنبه و‬
‫خطيئته‪ ,‬فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ت َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫و قال الله تعالى " ُ‬
‫ق ْ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ما ِ‬
‫ل ل ِل ّ ِ‬
‫وا ِ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫عَلى ن َ ْ‬
‫ه‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫ب ِ‬
‫وم ِ ال ْ ِ‬
‫في ِ‬
‫م ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ة َل َري ْ َ‬
‫م َ‬
‫ة ل َي َ ْ‬
‫ه الّر ْ‬
‫ك َت َ َ‬
‫قَيا َ‬
‫عن ّك ُ ْ‬
‫ج َ‬
‫ح َ‬
‫م إ َِلى ي َ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫سُروا أن ْ ُ‬
‫م َل ي ُ ْ‬
‫في‬
‫ن َ‬
‫ن ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ما َ‬
‫ف ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫سك َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ‪َ 12‬‬
‫ل أَ َ‬
‫م ‪ُ 13‬‬
‫ق ْ‬
‫ول ِّيا‬
‫ها‬
‫ه أ َت ّ ِ‬
‫و ُ‬
‫غي َْر الل ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫والن ّ َ‬
‫عِلي ُ‬
‫خذُ َ‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫ل َ‬
‫الل ّي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ت‬
‫فا‬
‫و ي ُطْ ِ‬
‫و ُ‬
‫ل إ ِّني أ ِ‬
‫وا ِ‬
‫وَل ي ُطْ َ‬
‫مْر ُ‬
‫ر ال ّ‬
‫ع ُ‬
‫ع ُ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫طِ ِ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وَل ت َ ُ‬
‫نأ ُ‬
‫ن ‪ُ 14‬‬
‫ق ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ل إ ِّني‬
‫ر ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫أ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫كون َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سل َ َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫نأ ّ‬
‫ش ِ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫أَ َ‬
‫ف َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫ت َرّبي َ‬
‫ن َ‬
‫صَر ْ‬
‫خا ُ‬
‫ع ِ‬
‫ف إِ ْ‬
‫ذا َ‬
‫صي ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ظيم ٍ ‪َ 15‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫س َ‬
‫وذَل ِ َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ذ َ‬
‫ضّر‬
‫قدْ َر ِ‬
‫ه بِ ُ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫مِبي ُ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫وُز ال ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫ح َ‬
‫و َ‬
‫ن ‪َ 16‬‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫يَ ْ‬
‫فَل َ‬
‫س َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ك بِ َ‬
‫و َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫ش َ‬
‫كا ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫ف ُ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ف لَ ُ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫خي ْ ٍ‬
‫هُر َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫َ‬
‫خِبيُر ‪ "18‬و من‬
‫م ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫وق َ ِ‬
‫و ُ‬
‫ح ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫قا ِ‬
‫ق ِ‬
‫و ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ديٌر ‪َ 17‬‬
‫ملك‬
‫عظيم فقر الخلق إلى الله تعالى أنهم مملوكون لله تعالى فله كمال ال ِ‬
‫ملك‪ ,‬و اعلم انه "َل ي َغُّرن ّ َ‬
‫مَتاع ٌ قَِلي ٌ‬
‫م‬
‫ك تَ َ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫قل ّ ُ‬
‫ل ثُ ّ‬
‫ن ك َفَُروا ِفي ال ْب َِلد ِ َ‬
‫و ال ُ‬
‫ذي َ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫ْ‬
‫ملك الله‬
‫د" فل يظن الظان أن تقلب الكافر في ِ‬
‫س ال ْ ِ‬
‫مَها ُ‬
‫م َ‬
‫جهَن ّ ُ‬
‫مأَواهُ ْ‬
‫َ‬
‫م وَب ِئ ْ َ‬
‫تعالى بقدرته‪ ,‬ل بل بأمر من الله تعالى و حكمته إلى أن يجمع الله تعالى‬
‫الولين و الخرين إلى يوم ل ريب فيه‪ ,‬فمن فقر الخلق إلى الله تعالى أنهم‬
‫مملوكون لله تعالى و وجودهم على هذه الرض و تحت هذه السماء بأمر‬
‫من الله تعالى إلى يوم ل يملكه و ل يعلمه إل الله تعالى‪ ,‬و إذا كان العبد قد‬
‫أعطي ظاهرا ً من الملك أو الحكم في هذه الحياة الدنيا فتنة له فعدل أو‬
‫ظلم‪ ,‬فليس لحد ذلك في الخرة بل عذاب ذلك اليوم العظيم بأمر الله‬
‫وحده من يصرفه عنه فقد فاز فوزا ً مبينًا‪ ,‬و ليس ملك الله تعالى للعذاب أو‬
‫النعيم في الخرة فقط بل في الدنيا و الخرة و في كل حال و إن قدر‬
‫ب لذلك في الدنيا فالله تعالى هو الذي يكشف الضر و‬
‫بكماله و حكمته أسبا ً‬
‫ً‬
‫هو الذي يمس العبد بالخير و إن قدر لذلك أسبابا في الدنيا فكل ذلك‬
‫بقدرته‪ ,‬و لذلك فالله تعالى هو القاهر فوق عباده فأمر الخلق كله في الدنيا‬
‫و الخرة ل يكون إل بإذن الله تعالى قال شيخ المفسرين في قوله تعالى‬
‫وهو القاهر فوق عباده‪" :‬القاهر المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم وإنما‬
‫قال فوق عباده لنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر‬
‫شيئا أن يكون مستعليا عليه فمعنى الكلم إذا والله الغالب عباده المذللهم‬
‫العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه‬
‫وهو الحكيم يقول والله الحكيم في علوه على عباده وقهره إياهم بقدرته‬
‫وفي سائر تدبيره الخبير بمصالح الشياء ومضارها الذي ل يخفى عليه‬
‫عواقب المور وبواديها ول يقع في تدبيره خلل ول يدخل حكمه دخل"‬
‫ف َ‬
‫ر َ‬
‫ق ُ‬
‫د‬
‫فوا َ‬
‫و ِ‬
‫قاُلوا َيا ل َي ْت ََنا ن َُر ّ‬
‫و ت ََرى إ ِذْ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫و قال تعالى " َ‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫ون َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن ‪ 27‬ب َ ْ‬
‫ما‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ب ِبآَيا ِ‬
‫كو َ‬
‫ل بَ َ‬
‫وَل ن ُك َذّ َ‬
‫دا ل َ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ت َرب َّنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫خ ُ‬
‫قب ْ ُ‬
‫م‬
‫كاُنوا ي ُ ْ‬
‫هوا َ‬
‫ن ِ‬
‫فو َ‬
‫عا ُ‬
‫دوا ل َ‬
‫و ُر ّ‬
‫وإ ِن ّ ُ‬
‫ما ن ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫دوا ل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ول ْ‬
‫ل َ‬
‫لَ َ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫قاُلوا إ ِ ْ‬
‫كاِذُبو َ‬
‫مب ْ ُ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫ي إ ِّل َ‬
‫عوِثي َ‬
‫ح ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫و َ‬
‫حَيات َُنا الدّن َْيا َ‬
‫ن ‪َ 28‬‬
‫َ‬
‫قا َ َ‬
‫فوا َ َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫ق ُ‬
‫ه َ‬
‫قاُلوا‬
‫س َ‬
‫و ِ‬
‫ذا ِبال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫ل أل َي ْ َ‬
‫و ت ََرى إ ِذْ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫‪َ 29‬‬
‫على َرب ّ ِ‬
‫ْ‬
‫ن‪َ 30‬‬
‫م ت َك ْ ُ‬
‫ذو ُ‬
‫ل َ‬
‫وَرب َّنا َ‬
‫قا َ‬
‫ع َ‬
‫ف ُ‬
‫سَر‬
‫قدْ َ‬
‫خ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫ذا َ‬
‫قوا ال َ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫ب ََلى َ‬
‫ة َ‬
‫ن ك َذُّبوا ب ِل ِ َ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫قاُلوا َيا‬
‫قا ِ‬
‫ة بَ ْ‬
‫سا َ‬
‫غت َ ً‬
‫ع ُ‬
‫ء الل ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ه َ‬
‫م ال ّ‬
‫جاءَت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫عَلى‬
‫م َ‬
‫سَرت ََنا َ‬
‫وَزاَر ُ‬
‫و ُ‬
‫فّرطَْنا ِ‬
‫ح ِ‬
‫مُلو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫َ‬
‫في َ‬
‫ح ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫نأ ْ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‪ "31‬و هذا من المواقف الخروية للعبد‬
‫ر ِ‬
‫زُرو َ‬
‫م أل َ‬
‫ظ ُ‬
‫ساءَ َ‬
‫ه ْ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫هو ِ‬
‫الذي اغتر بما أوتي في هذه الحياة الدنيا و جحد فقره إلى الله تعالى‪ ,‬هذه‬
‫المواقف تفضحه و تظهر و كمال فقره عجزه لله تعالى‪ ,‬و تؤكد كمال عزة‬
‫الله تعالى و قهره على عباده‪ ,‬و إنما كان تقلبهم في البلد بأمر من الله‬
‫ه َ‬
‫ما‬
‫تعالى فتنة لهم و لغيرهم و لذلك قال تعالى "وََل ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫غافًِل ع َ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سب َ ّ‬
‫َ‬
‫ل ال ّ‬
‫م ُ‬
‫م ل ِي َوْم ٍ ت َ ْ‬
‫قن ِِعي‬
‫م ْ‬
‫ش َ‬
‫ما ي ُؤ َ ّ‬
‫مو َ‬
‫ن ُ‬
‫صاُر ُ‬
‫خُرهُ ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ي َعْ َ‬
‫ص ِفيهِ اْلب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫مهْط ِِعي َ‬
‫َ‬
‫واٌء"‬
‫ُرُءو ِ‬
‫م وَأفْئ ِد َت ُهُ ْ‬
‫م ط َْرفُهُ ْ‬
‫م َل ي َْرت َد ّ إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫سه ِ ْ‬
‫م هَ َ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫خذَ الل ّه سمعك ُم َ‬
‫ق ْ َ َ‬
‫و قال تعالى " ُ‬
‫م‬
‫و َ‬
‫ن أَ َ‬
‫م إِ ْ‬
‫خت َ َ‬
‫صاَرك ُ ْ‬
‫ل أَرأي ْت ُ ْ‬
‫وأب ْ َ‬
‫م َ‬
‫ُ َ ْ َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫عَلى ُ‬
‫ت‬
‫َ‬
‫صّر ُ‬
‫ه ان ْظُْر ك َي ْ َ‬
‫ف اْلَيا ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫غي ُْر الل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ي َأِتيك ُ ْ‬
‫ن إ ِل َ ٌ‬
‫م َ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ف نُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪ُ 46‬‬
‫د ُ‬
‫ق ْ‬
‫ع َ‬
‫و‬
‫ه بَ ْ‬
‫م َ‬
‫غت َ ً‬
‫م ُ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫ص ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫فو َ‬
‫ذا ُ‬
‫ن أَتاك ُ ْ‬
‫ل أَرأي ْت َك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫هل َ ُ‬
‫ك إ ِّل ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫هَرةً َ‬
‫ما ن ُْر ِ‬
‫مو َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫مْر َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫ج ْ‬
‫سِلي َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ن ‪َ 47‬‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫مب َ ّ‬
‫م‬
‫فل َ‬
‫ف َ‬
‫ول ُ‬
‫و ٌ‬
‫من ْ ِ‬
‫صل َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫نآ َ‬
‫ف َ‬
‫و ُ‬
‫إ ِل ُ‬
‫وأ ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫ذ ِ‬
‫ش ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ع َ‬
‫كاُنوا‬
‫وال ّ ِ‬
‫حَزُنو َ‬
‫ذا ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫يَ ْ‬
‫س ُ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫ب بِ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن ك َذُّبوا ِبآَيات َِنا ي َ َ‬
‫ن ‪َ 48‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل َل أ ُ‬
‫ن ‪ُ 49‬‬
‫س ُ‬
‫يَ ْ‬
‫قو ُ‬
‫ق ْ‬
‫ب‬
‫م ال ْ َ‬
‫دي َ‬
‫وَل أ ْ‬
‫م ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫قو َ‬
‫غي ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫خَزائ ِ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫مل َ ٌ‬
‫ي ُ‬
‫وَل أ َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫قو ُ‬
‫وي‬
‫ل َ‬
‫ك إِ ْ‬
‫ما ُيو َ‬
‫ن أت ّب ِ ُ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ع إ ِّل َ‬
‫م إ ِّني َ‬
‫ل ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫حى إ ِل َ ّ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫فل ت َت َ َ‬
‫صيُر أ َ‬
‫ن ‪ "50‬فتذكر أيها العبد أن ليس المال‬
‫ال ْ‬
‫والب َ ِ‬
‫فكُرو َ‬
‫ع َ‬
‫مى َ‬
‫فقط الذي بين يديك مستخلف فيه بل حتى الجوارح التي بين جنبيك ليست‬
‫ملكك تمام الملك بل هي منه من الله تعالى يهب ما يشاء و قادٌر على أن‬
‫يمنع الخلق مما يشاء فيال كمال عزته و غناه و قدرته و ما أعظم قهره‬
‫فوق عباده و خليقته مع ذلك فيعاملهم بعدله و رحمته و يرسل إليهم رسل ً‬
‫لعل أحدهم ُيرحم فيدخل في جنته‪ ,‬و ليس لن لله حاجة في خليقته كل‬
‫والله ‪ ..‬بل هم في حاجة إلى منته و الله في عله عنده من كل شئ‬
‫خزائنه و يعلم عن كل شئ غيبه و شهادته‪ ,‬أليس ذلك الرب أحق بتوحيده و‬
‫عبادته بالذ ُ‬
‫ل إليه مع محبته و خوفه و رجاء رحمته بلى و الله فما أسفه من‬
‫عميت بصيرته‪.‬‬
‫م َ‬
‫ما‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ها إ ِّل ُ‬
‫و ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫فات ِ ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫عن ْدَهُ َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫و قال تعالى‪َ " :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫وَر َ‬
‫س ُ‬
‫في‬
‫ة ِ‬
‫ِ‬
‫حب ّ ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫قط ِ‬
‫ول َ‬
‫ة إ ِل ي َ ْ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫م َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫عل ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫ن َ‬
‫ر َ‬
‫في ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ب َ َ‬
‫ما ِ ْ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫س إ ِّل ِ‬
‫ب ُ‬
‫ظُل ُ َ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫وَل َرطْ ٍ‬
‫ه َ‬
‫مِبين ‪َ 59‬‬
‫ض َ‬
‫ول َياب ِ ٍ‬
‫ت الْر ِ‬
‫و ّ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫في ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ي َب ْ َ‬
‫جَر ْ‬
‫ما َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ِبالن ّ َ‬
‫عث ُك ُ ْ‬
‫ر ثُ ّ‬
‫حت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫فاك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫م ِبالل ّي ْ ِ‬
‫ذي ي َت َ َ‬
‫ها ِ‬
‫َ‬
‫ل ِي ُ ْ‬
‫ج ٌ‬
‫م‬
‫ق َ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫ج ُ‬
‫ضى أ َ‬
‫م َ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م ي ُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫مى ث ُ ّ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫مْر ِ‬
‫ح َ‬
‫هُر َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫حّتى‬
‫ل َ‬
‫فظ َ ً‬
‫وقَ ِ‬
‫و ُ‬
‫وي ُْر ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫قا ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫تَ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ن ‪َ 60‬‬
‫َ‬
‫فّر ُ‬
‫م َل ي ُ َ‬
‫و ّ‬
‫إِ َ‬
‫دوا‬
‫و ُ‬
‫طو َ‬
‫م ُر ّ‬
‫جاءَ أ َ‬
‫ذا َ‬
‫و ُ‬
‫ه ُر ُ‬
‫ن ‪ 61‬ث ُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫فت ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حدَك ُ ُ‬
‫سل َُنا َ‬
‫ت تَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪ُ 62‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫سَر ُ‬
‫و ُ‬
‫وَل ُ‬
‫حا ِ‬
‫إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وأ ْ‬
‫سِبي َ‬
‫حك ْ ُ‬
‫ق أَل ل َ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫خ ْ‬
‫ن‬
‫و ُ‬
‫ضّر ً‬
‫ر ت َدْ ُ‬
‫في َ ً‬
‫ه تَ َ‬
‫ما ِ‬
‫م ِ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫ن ي ُن َ ّ‬
‫ة ل َئ ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عون َ ُ‬
‫ن ظُل ُ َ‬
‫جيك ُ ْ‬
‫َ‬
‫عا َ‬
‫ت ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ها‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫ن الشاك ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫جاَنا ِ‬
‫ه ي ُن َ ّ‬
‫أن ْ َ‬
‫من ْ َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ه لن َكون َ ّ‬
‫م ْ‬
‫جيك ْ‬
‫ل الل ُ‬
‫ن ‪ 63‬ق ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ن ‪ُ 64‬‬
‫ق ْ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ث‬
‫ع َ‬
‫ش‬
‫قاِدُر َ‬
‫ل ُ‬
‫و ِ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫كو َ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م أن ْت ُ ْ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫ل ك َْر ٍ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫عا‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫و ِ‬
‫م ِ‬
‫ح ِ‬
‫و ِ‬
‫ذاًبا ِ‬
‫شي َ ً‬
‫ت أْر ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫و ي َلب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سك ْ‬
‫جل ِك ْ‬
‫قك ْ‬
‫علي ْك ْ‬
‫مأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫نف ْ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫صّر ُ‬
‫ض ان ْظُْر ك َي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ف اْلَيا ِ‬
‫وي ُ ِ‬
‫ت لَ َ‬
‫س بَ ْ‬
‫ق بَ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ف نُ َ‬
‫م ب َأ َ‬
‫َ‬
‫ع ٍ‬
‫ف َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن ‪ "65‬قوله تعالى "و عنده مفاتح الغيب" إلى قوله تعالى "إل في‬
‫هو َ‬
‫ق ُ‬
‫كتاب مبين" بيان لكمال إحاطة الله تعالى بخلقه فالله تعالى عنده العلم‬
‫بكل شئ و له الهيمنة على كل ذرة من ذرات الكون‪ ,‬و هيمنته عليكم أيها‬
‫م‬
‫جَر ْ‬
‫ما َ‬
‫م ِبالن َّهارِ ث ُ ّ‬
‫حت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ل وَي َعْل َ ُ‬
‫البشر ظاهرة جلية فالله تعالى "ي َت َوَّفاك ُ ْ‬
‫م ِبالل ّي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫م‬
‫م ِفيهِ ل ِي ُ ْ‬
‫ضى أ َ‬
‫ق َ‬
‫م َ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م ي ُن َب ّئ ُك ُ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫جعُك ُ ْ‬
‫مْر ِ‬
‫م إ ِل َي ْهِ َ‬
‫مى ث ُ ّ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫ي َب ْعَث ُك ُ ْ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫ن" فإن أقررتم بأن محياكم و مماتكم ليس لكم فيه من المر شئ و‬
‫مُلو َ‬
‫ت َعْ َ‬
‫أن الله وحده هو الذي يحي و يميت‪ ,‬فاعلموا أن ليس محياكم و مماتكم‬
‫بأمر الله تعالى فقط‪ ,‬بل يقظتكم و منامكم فالله عز وجل وحده هو الذي‬
‫س ُ‬
‫ضى‬
‫"ي َت َوَّفى اْل َن ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫م ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ك ال ِّتي قَ َ‬
‫مَها فَي ُ ْ‬
‫ت ِفي َ‬
‫م ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫موْت َِها َوال ِّتي ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫ن ِفي ذ َل ِ َ‬
‫س ُ‬
‫ت لِ َ‬
‫ل اْل ُ ْ‬
‫ك َلَيا ٍ‬
‫ت وَي ُْر ِ‬
‫مى إ ِ ّ‬
‫خَرى إ َِلى أ َ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ل ُ‬
‫مو ْ َ‬
‫ع َل َي َْها ال ْ َ‬
‫ج ٍ‬
‫قوْم ٍ‬
‫ن" فاعلموا أن نواصيكم بيد الله تعالى و أمركم كله بيده محياكم و‬
‫ي َت َ َ‬
‫فك ُّرو َ‬
‫ق‬
‫مماتكم و في حال يقظتكم و منامكم و لذلك فالله تعالى "ال ْ َ‬
‫قاه ُِر فَوْ َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫م َل‬
‫ح َ‬
‫فظ َ ً‬
‫ِ‬
‫عَباد ِهِ وَي ُْر ِ‬
‫جاَء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫ه ُر ُ‬
‫سل َُنا وَهُ ْ‬
‫ت ت َوَفّت ْ ُ‬
‫مو ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حد َك ُ ُ‬
‫ل ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فّر ُ‬
‫يُ َ‬
‫سَرعُ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ُر ّ‬
‫طو َ‬
‫م وَهُوَ أ ْ‬
‫حك ْ ُ‬
‫حقّ أَل ل َ ُ‬
‫موَْلهُ ُ‬
‫دوا إ َِلى الل ّهِ َ‬
‫ن ‪ 61‬ث ُ ّ‬
‫ن" فأين للمشركين‪ ,‬العدول عن من هذا وصفه ونعته‪ ,‬إلى عبادة‬
‫حا ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫سِبي َ‬
‫من ليس له من المر شيء‪ ,‬ول عنده مثقال ذرة من النفع‪ ,‬ول له قدرة‬
‫وإرادة؟! أما والله لو علموا حلم الله عليهم‪ ,‬وعفوه ورحمته بهم‪ ,‬وهم‬
‫يبارزونه بالشرك والكفران‪ ,‬ويتجرأون على عظمته بالفك والبهتان‪ ,‬وهو‬
‫يعافيهم ويرزقهم لتجذبت‪ ,‬دواعيهم إلى معرفته‪ ,‬وذهلت عقولهم في حبه‪.‬‬
‫ولمقتوا أنفسهم أشد المقت‪ ,‬حيث انقادوا لداعي الشيطان‪ ,‬الموجب‬
‫للخزي والخسران‪ ,‬ولكنهم قوم ل يعقلون‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫وى ي ُ ْ‬
‫ي ِ‬
‫و قال تعالى‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫ح ّ‬
‫ق ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫فال ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫والن ّ َ‬
‫ب َ‬
‫ح ّ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ؤ َ‬
‫ه َ‬
‫فأّنى ت ُ ْ‬
‫ن ‪95‬‬
‫م ْ‬
‫ت ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫م َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ي ذَل ِك ُ ُ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫و ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ت َ‬
‫ح ّ‬
‫خ ِ‬
‫سَباًنا ذَل ِ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫َ‬
‫وال ّ‬
‫ل الل ّي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ك‬
‫مَر ُ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ح ْ‬
‫ل َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫فال ِ ُ‬
‫م َ‬
‫ق اْل ِ ْ‬
‫س َ‬
‫سك ًَنا َ‬
‫ح َ‬
‫صَبا ِ‬
‫تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ها‬
‫و ُ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫ق ِ‬
‫هت َ ُ‬
‫م الن ّ ُ‬
‫ج َ‬
‫ذي َ‬
‫ز ال ْ َ‬
‫ديُر ال ْ َ‬
‫جو َ‬
‫دوا ب ِ َ‬
‫م ل ِت َ ْ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫عِليم ِ ‪َ 96‬‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫ت لِ َ‬
‫قدْ َ‬
‫ر َ‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫صل َْنا اْلَيا ِ‬
‫ما ِ‬
‫مو َ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫في ظُل ُ َ‬
‫ف ّ‬
‫ه َ‬
‫ن ‪َ 97‬‬
‫ق ْ‬
‫ت ال ْب َّر َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قدْ َ‬
‫ع َ‬
‫ست َ َ‬
‫ة َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫ذي أن ْ َ‬
‫صل َْنا‬
‫ودَ ٌ‬
‫وا ِ‬
‫حدَ ٍ‬
‫م ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و ُ‬
‫ف ُ‬
‫شأك ُ ْ‬
‫ف ّ‬
‫ست َ ْ‬
‫قّر َ‬
‫س َ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫وم ٍ ي َ ْ‬
‫ت لِ َ‬
‫ذي أن َْز َ‬
‫ما ِ‬
‫ماءً‬
‫و ُ‬
‫ل ِ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫اْلَيا ِ‬
‫هو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ق ُ‬
‫م َ‬
‫ء َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ن ‪َ 98‬‬
‫ق ْ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ت كُ ّ‬
‫حّبا‬
‫خ‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫ضًرا ن ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫فأ َ ْ‬
‫فأ َ ْ‬
‫ج ِ‬
‫خ ِ‬
‫جَنا ِ‬
‫جَنا ب ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫ر ُ‬
‫خَر ْ‬
‫خَر ْ‬
‫ه ن ََبا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫دان ِي َ ٌ‬
‫ها ِ‬
‫ن طَل ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ل ِ‬
‫و ِ‬
‫وا ٌ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ع َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫عَنا ٍ‬
‫ة َ‬
‫قن ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫مت ََراك ًِبا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫و َ‬
‫مت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه إِ َ‬
‫ذا‬
‫ر ِ‬
‫شاب ِ ٍ‬
‫ما َ‬
‫والّزي ُْتو َ‬
‫شت َب ِ ً‬
‫ه ان ْظُروا إ ِلى ث َ َ‬
‫غي َْر ُ‬
‫ن ُ‬
‫والّر ّ‬
‫ها َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وم ٍ ي ُ ْ‬
‫ن‪"99‬و كما أن الله‬
‫ن ِ‬
‫وي َن ْ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫م لَيا ٍ‬
‫ع ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫في ذَل ِك ْ‬
‫أث ْ َ‬
‫ت ل ِق ْ‬
‫مَر َ‬
‫تعالى له كمال الحاطه بخلقه فله تعالى كمال القدرة على إيجاد الخلق و‬
‫وى" التي‬
‫ح ّ‬
‫نشأتهم و خلق حاجتهم فله كمال الغنى فالله "َفال ِقُ ال ْ َ‬
‫ب َوالن ّ َ‬
‫ينتفع بها الخلق و يفتقرون إليها إل أن يرزقهم الله إياها‪ ,‬و له القدرة‬
‫ج‬
‫م ْ‬
‫المطلقة في الخلق و لذلك قال تعالى " ي ُ ْ‬
‫مي ّ ِ‬
‫ي ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫خرِ ُ‬
‫ت وَ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ي" فإذا كانت قدرة الله تعالى على مثل ذلك النحو له كمال‬
‫ت ِ‬
‫مي ّ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫ل ُ‬
‫القدرة على الخلق كما قال تعالى في موضع آخر " قُ ْ‬
‫جاَرة ً أ َْو‬
‫كوُنوا ِ‬
‫ح َ‬
‫ذي‬
‫سي َ ُ‬
‫خل ْ ً‬
‫دا ‪ 50‬أ َوْ َ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ح ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ص ُ‬
‫دي ً‬
‫َ‬
‫م فَ َ‬
‫ن َ‬
‫دورِك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ما ي َك ْب ُُر ِفي ُ‬
‫ن ي ُِعيد َُنا قُ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن إ ِلي ْ َ‬
‫مَتى هُوَ قُ ْ‬
‫م أوّ َ‬
‫ن‬
‫م وَي َ ُ‬
‫سى أ ْ‬
‫قولو َ‬
‫ضو َ‬
‫سي ُن ْغِ ُ‬
‫ل عَ َ‬
‫ك ُرُءو َ‬
‫مّرةٍ فَ َ‬
‫ن َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫فَطَرك ْ‬
‫يَ ُ‬
‫ريًبا ‪ "51‬مع عجز الخلق كل الخلق عن أي خلق كما قال تعالى "َيا‬
‫كو َ‬
‫ن قَ ِ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫َ‬
‫مث َ ٌ‬
‫ن‬
‫ن ت َد ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ن ُ‬
‫عو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ضرِ َ‬
‫س ُ‬
‫ل َفا ْ‬
‫مُعوا ل َ ُ‬
‫ب َ‬
‫أي َّها الّنا ُ‬
‫ن الل ّهِ ل َ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ق ُ‬
‫ب َ‬
‫ف‬
‫خل ُ ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ضعُ َ‬
‫ذوه ُ ِ‬
‫ست َن ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫م الذ َّبا ُ‬
‫ه وَإ ِ ْ‬
‫قوا ذ َُباًبا وَل َوِ ا ْ‬
‫شي ًْئا َل ي َ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫سل ُب ْهُ ُ‬
‫مُعوا ل َ ُ‬
‫جت َ َ‬
‫ال ّ‬
‫ب" فإذا كانت قدرة الله تعالى على مثل هذا النحو مع‬
‫مط ُْلو ُ‬
‫طال ِ ُ‬
‫ب َوال ْ َ‬
‫القرار بعجز العالمين على أن يخلقوا ذبابا ً و لو اجتمعوا له فهل يعدل به‬
‫َ‬
‫خل ُقُ أ َفََل‬
‫ن َل ي َ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫خل ُقُ ك َ َ‬
‫تعالى إلى غيره من المعبودات الباطلة؟ " أفَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫م ِ‬
‫عوا ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ُ‬
‫ت َذ َك ُّرو َ‬
‫ن الل ّهِ َل ي َ ْ‬
‫مت ُ ْ‬
‫ن َزع َ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن" و قال تعالى )قُ ِ‬
‫َْ‬
‫ماَوا ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫مث ْ َ‬
‫ن ِ‬
‫ما ِ‬
‫ِ‬
‫شْر ٍ‬
‫ل ذ َّرةٍ ِفي ال ّ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫م ِفيهِ َ‬
‫ما ل َهُ ْ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫ت وَل ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ن ظِهيرٍ ‪ ( 22‬سبأ‪ ,‬و هل يكفر بالرحمن و هو الخالق القادر على‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫كل شئ؟ ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫"أ ْ‬
‫ة‬
‫و قال تعالى‪َ :‬‬
‫م آي َ ٌ‬
‫مان ِ‬
‫موا ِبالل ّ ِ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫جاءَت ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫ق َ‬
‫م ل َئ ِ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫هدَ أي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ها ُ‬
‫ل َي ُ ْ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫ها إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ش ِ‬
‫ت ِ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ذا َ‬
‫جاءَ ْ‬
‫ما الَيا ُ‬
‫م أن ّ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫من ُ ّ‬
‫عُرك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ه َ‬
‫فئ ِدت َهم َ‬
‫َ‬
‫ون ُ َ‬
‫م يُ ْ‬
‫َل ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫صاَر ُ‬
‫مُنوا ب ِ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫قل ّ ُ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫م كَ َ‬
‫ه ْ‬
‫وأب ْ َ‬
‫بأ ْ َ ُ ْ َ‬
‫ن ‪َ 109‬‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و أ َن َّنا ن َّزل َْنا‬
‫في طُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ون َذَُر ُ‬
‫مّر ٍ‬
‫هو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن ‪َ 110‬‬
‫ة َ‬
‫أ ّ‬
‫غَيان ِ ِ‬
‫شْرَنا َ َ‬
‫ء ُ‬
‫ل َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ح َ‬
‫ما‬
‫ي ٍ‬
‫مَلئ ِك َ َ‬
‫و َ‬
‫إ ِل َي ْ‬
‫م ُ‬
‫قب ًُل َ‬
‫ه ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫وك َل ّ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫وَتى َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ش ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كاُنوا ل ِي ُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن ‪ "111‬فلله‬
‫ن أ َك ْث ََر ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫هُلو َ‬
‫مُنوا إ ِّل أ ْ‬
‫م يَ ْ‬
‫ج َ‬
‫ول َك ِ ّ‬
‫ه ْ‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫كمال العزة و لله كمال القهر على عباده في الدنيا و الخرة و هذا ظاهٌر‬
‫جلي‪ ,‬إل أن بعض القوم كفروا بكمال قدرة الله تعالى و كمال قهره عليهم‬
‫و منهم من ظن أن الهداية بيديه و أنه لو شاء اهتدى و لو لم يشأ لم يهتدي‬
‫فالمر إليه و ليس إلى الله تعالى و يحدد البعض أنه لو جائتهم آية ليؤمنن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ب َِها" و هذا خطأ في‬
‫م آي َ ٌ‬
‫ة ل َي ُؤ ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫موا ِبالل ّهِ َ‬
‫بها " وَأقْ َ‬
‫جاَءت ْهُ ْ‬
‫مان ِهِ ْ‬
‫جهْد َ أي ْ َ‬
‫س ُ‬
‫من ُ ّ‬
‫م ل َئ ِ ْ‬
‫الفهم و سوء ظن بالله لنهم ينفون بذلك كمال قهر الله فوق عباده و انه‬
‫ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و زعموا أنه ما شائوا كان و ما لم يشاؤوا‬
‫لم يكن و لذلك قال تعالى‪" :‬قُ ْ‬
‫م أ َن َّها إ ِ َ‬
‫ما ي ُ ْ‬
‫ذا‬
‫ت ِ‬
‫شعُِرك ُ ْ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ وَ َ‬
‫ما اْلَيا ُ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ن" لن الله عز وجل هو القاهر فوقهم فليس ملك الله تعالى‬
‫ت َل ي ُؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫َ‬
‫جاَء ْ‬
‫للمور الحسية و حسب كالسماوات و الرض و البدان و نحو ذلك ل بل‬
‫يتعدى ذلك بكثير فالله مالك كل شئ‪ ,‬يملك أفئدتكم و يقلبها كيف يشاء و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مُنوا ب ِهِ أ َوّ َ‬
‫ة‬
‫لذلك قال تعالى " وَن ُ َ‬
‫مّر ٍ‬
‫م ي ُؤ ْ ِ‬
‫قل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫م كَ َ‬
‫صاَرهُ ْ‬
‫ب أفْئ ِد َت َهُ ْ‬
‫م وَأب ْ َ‬
‫َ‬
‫موَْتى‬
‫مَلئ ِك َ َ‬
‫مُهو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫مه ُ ُ‬
‫ة وَك َل ّ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن وَل َوْ أن َّنا ن َّزل َْنا إ ِل َي ْهِ ُ‬
‫م ي َعْ َ‬
‫م ِفي ط ُغَْيان ِهِ ْ‬
‫وَن َذ َُرهُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫ل َ‬
‫ح َ‬
‫م‬
‫كاُنوا ل ِي ُؤ ْ ِ‬
‫مُنوا إ ِّل أ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ن أك ْث ََرهُ ْ‬
‫شاَء الل ّ ُ‬
‫يٍء قُب ًُل َ‬
‫شْرَنا ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ه وَل َك ِ ّ‬
‫ش ْ‬
‫ن" فالهداية إليه ل إليهم بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو‬
‫جهَُلو َ‬
‫يَ ْ‬
‫الفعال لما يريد "ل يسأل عما يفعل وهم يسألون" لعلمه وحكمته وسلطانه‬
‫وقهره وغلبته و لذلك فإن شئتم الهداية حقا ً فاطلبوها من الله بصدق‪ ,‬إل‬
‫أن الكافرين أبو إل العند على الباطل فكانوا كفارا ً معاندين على كفرهم و‬
‫جحدهم لقهر الله عليهم و أنه ما شا الله كان و ما لم يشأ لم يكن‪ ,‬فكتب‬
‫الله عليهم غبنا ً عظيما ً ما كانوا ليأخذوا به لو أن المر كله إليهم كما زعموا‬
‫و أقسموا على ذلك فمن عظيم غبنهم أنهم قبلوا اللشئ و هي الدنيا في‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫مقابل ماذا؟ في مقابل أن يحصلوا على توابيت من نار في أصل الجحيم و‬
‫أن يتركوا منازلهم التي هي في الجنان غاية النعيم للمؤمنين فهل يعقد على‬
‫هذا البيع عاق ٌ‬
‫ل في العالمين؟ و لو أنهم تواضعوا لرب العالمين و أقروا‬
‫بضعفهم و عجزهم المبين و طلبوا الهداية بأدب من الملك القوي المتين‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل َوْ ي َ َ‬
‫شاُء‬
‫س ال ّ ِ‬
‫مُنوا أ ْ‬
‫نآ َ‬
‫لهداهم وحده بفضله إلى جنان النعيم "أفَل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ي َي ْأ ِ‬
‫ميًعا"‪.‬‬
‫ج ِ‬
‫س َ‬
‫ه ل َهَ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫دى الّنا َ‬
‫ذو الرحمة إن ي َ ْ‬
‫وَرب ّ َ‬
‫ي ُ‬
‫م‬
‫ك ال ْ َ‬
‫غن ِ‬
‫شأ ي ُذْ ِ‬
‫ّ ْ َ ِ ِ ْ َ‬
‫هب ْك ُ ْ‬
‫و قال تعالى‪َ " :‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ما أن ْ َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫ن‬
‫وم ٍ آ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل ِ ْ‬
‫ن ذُّري ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ف ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ري َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫شأك ُ ْ‬
‫شاءُ ك َ َ‬
‫م َ‬
‫دك ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪ "134‬فالله فوق‬
‫ما ُتو َ‬
‫نل ٍ‬
‫دو َ‬
‫‪ 133‬إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫زي َ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ع ِ‬
‫ت َ‬
‫ج ِ‬
‫عرشه له كمال الغنى عن خلقه فل تنفعه طاعة الطائعين و ل تضره معصية‬
‫العاصين‪ ,‬فعنده خزائن كل شئ و له القدرة على كل شئ‪ ,‬و إذا كان الله‬
‫تعالى على مثل ذلك النحو من كمال العزة و الغنى عن خلقه و كان الخلق‬
‫لهم كمال الفقر إلى الله عز وجل و هم يحتاجون إليه أعظم الحاجة في‬
‫الدنيا و الخرة فل طاقة لهم في الدنيا أن يوكلوا إلى أنفسهم طرفة عين‬
‫أبدا و الله تعالى قادٌر على أن يذهب بهم و يستخلف من بعدهم ما يشاء و‬
‫لله كمال القهر على عباده في الدنيا و الخره و لذلك اتبع الله الية بقوله‬
‫َ‬
‫ن" أي في الخرة فما أعظم‬
‫ن َل ٍ‬
‫دو َ‬
‫ما ُتوع َ ُ‬
‫تعالى " إ ِ ّ‬
‫معْ ِ‬
‫م بِ ُ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫ن َ‬
‫زي َ‬
‫ج ِ‬
‫غنى الله تعالى و ما اعظم قدرته و قهره لخلقه و عزته و ما أفقر الخلق‬
‫إلى ربهم و منته و ما أعظم حاجتهم في الدنيا إلى إعانته و في الخرة إلى‬
‫رحمته و منته‪ ,‬فنقر بكمال فقرنا إلى غناه و قدرته و الله المستعان على‬
‫عبادته‪.‬‬

‫جت َن َُبوا‬
‫وال ّ ِ‬
‫نا ْ‬
‫ذي َ‬
‫باب في قول الله جل ذكره " َ‬
‫ها َ‬
‫غوت أ َ‬
‫ال ّ‬
‫م‬
‫دو‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫َ‬
‫وأَناُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫طا ُ َ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫شَرى َ‬
‫فب َ ّ‬
‫ال ْب ُ ْ‬
‫ن‬
‫شْر ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫عَباِدي ‪ 17‬ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ه ُأول َئ ِ َ‬
‫ل َ‬
‫ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫دا ُ‬
‫ن َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ه َ‬
‫نأ ْ‬
‫في َت ّب ِ ُ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫سن َ ُ‬
‫ق ْ‬
‫الل ّه و ُ‬
‫هم ُأوُلو اْل َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‪ "18‬الزمر‬
‫با‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫أو‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ُ َ‬
‫قرأت كتيب "كنت قبوريًا" للستاء عبد المنعم الجداوي فألفيته كتابا ً سلس‬
‫السلوب مرح العبارة جيد الفكرة قد أوضح فيه من المعاني الضيق و‬
‫الظلمة التي يعيش فيها قلب من أشرك مع الله شيئا ‪ ,‬و النور و السعة‬
‫التي يخرج إليها القلب إذا ما نبذ ذلك الشرك و أهله و قد جمعت نقول ً من‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫كتيبه المبارك ركزت فيه على هاذين المرين‪" :‬يقول لقد كنت من كبار‬
‫مع ّ‬
‫ظمي القبور ‪ ،‬فل أكاد أزور مدينة بها أي قبر أو ضريح لشيخ عظيم إل‬
‫وأهرع فورا ً للطواف به ‪ ...‬سواء كنت أعرف كراماته أو ل أعرفها ‪ ..‬أحيانا ً‬
‫أخترع لهم كرامات ‪ ...‬أو أتصورها ‪ ..‬أو أتخيلها‪ ..‬فإذا نجح ابني هذا العام ‪..‬‬
‫كان ذلك للمبلغ الكبير الذي دفعته في صندوق النذور ‪..‬وإذا ُ‬
‫شفيت‬
‫زوجتي ‪ ،‬كان ذلك للسمنة التي كان عليها الخروف الـذي ذبحته للشيخ‬
‫العظيم فلن ولي الله !‪ , "..‬و بعد أن أشرقت عليه شمس التوحيد و نورها‬
‫الذي يقوم على قطع العلئق عن غير الله تعالى و منه شرك الضرحة و‬
‫بعد ان قرأ كتاب "شيخ السلم محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني‬
‫عشر الهجري" سطع نور التوحيد في قلبه الذي ظل خافتا ً كثيرا يقول‪:‬‬
‫"ومضيت أقرأ ومع كل صفحة أشعر أنني أخلع من جدار الوهم في أعمـاقي‬
‫حجرا ً ضخما ً ‪ ..‬وحينما بلغت منتصف الكتاب كانت فجوة ً كبيرة ً داخلي قد‬
‫انفتحت ‪ ،‬وتسلل منها ومعها نور اليقين ‪ , " ..‬إن تعلق القلوب بغير الله‬
‫تعالى في جلب النفع و دفع الضر مصيبة فهو يعني تعلقها بعباد الله في‬
‫جلب النفع و دفع الضر و العتماد على عجزهم و ضعفهم و فقرهم و‬
‫العيش في عالم الخرافات و الخزعبلت يقول حاكيا ً عن ابنة خالته‪" :‬و‬
‫ت من الصعيد ‪ ،‬ومعها هذا الخروف البكر الرشيق الذي‬
‫روت لي أنها قدم ْ‬
‫انفقت في تربيته ثلثة أعوام هي عمر ابنها؛ لنها نذرت للسيد البدوي إذا‬
‫عاش ابنها ‪ ..‬أن تذبح على أعتابه )) خروفا ً (( ‪ ،‬وبعد غد يبدأ العام الثالث‬
‫موعد النذر !‪ ," ..‬و الرجل بدوره خالفهم لذلك و عجب لشركهم و فرحهم‬
‫به فلما صح قلبه صحت بصيرته فرأى ذلك الفعل منكر من أعظم‬
‫المنكرات و أن ذلك من عبادة العباد و أنه حبس للقلب في مقبرة ضيقة و‬
‫مظلمة و أنه ينبغي عليهم ان يخرجوا منها فورا ً إلى جنة التوحيد الواسعة‬
‫التي يشرف عليها نور الله تعالى نور الوحي فإن هذه الجنة من لم يدخلها‬
‫لم يدخل جنة الخرة ‪ ,‬و لذلك فأنكره عليهم و نهاهم عن الذهاب إلى‬
‫دجل ‪،‬‬
‫البدوي و عن الشرك عنده ‪ ,‬و أظهر مقته و عداءه لمحترفي ال ّ‬
‫دسون الموال عاما ً بعد‬
‫وحراس المقابر ‪ ،‬وسدنة الضرحة ‪ ،‬والذين ُيك ّ‬
‫عام ‪ ..‬من بيع البركات ‪ ،‬وتوزيع الحسنات على طلب المقاعد في الجنة ‪..‬‬
‫فالمقاعد محدودة والوقت قد أزف ‪ !..‬ول حول ول قوة إل بالله العلي‬
‫العظيم ‪ " !..‬إل أن ابنة خالته و زوجها أصروا على تقديم القربان للبدوي و‬
‫نأوا عن عن نور العقيدة و ركون إلى ظلمة الخزعبلت و قد أدى ذلك بهم‬
‫إلى أضرار بالغة عادوا بجزء من الذبيحة التماسا ً للبركة إل أنه فسد لطول‬
‫المسافة و أصيب كل من اكل منه بنزلة معوية لم أثرت كثيرا ً على الطفل‬
‫و لم يذهبوا للطبيب و انتظروا بركات البدوي فمات الطفل ‪ ,‬أصيبت المرأة‬
‫بصدمة عصبية فقدت وعيها ‪ ..‬أصابتها لوثة ذهب أهلها يطوفون بها على‬
‫بعض الضرحة والكنائس ‪ ,‬و لما طلب الزوج ان يذهبوا بها إلى الطبيب‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫رفضوا فطلقت ‪ ,‬اضطر أهل المرأة أخيرا ً أن يعالجوها عند طبيب فتحسنت‬
‫حالتها كثيرا ً بفضل الله تعالى فقد أخذوا بالسباب ‪ ,‬أنار الله تعالى قلب‬
‫زوجها الذي طلقها بالتوحيد يقول الستاذ عبد المنعم عنه‪ " :‬أصبح إنسانا ً‬
‫جديدا ً ‪ ...‬فالعبارات التي كانت تجري على لسانه ‪ ..‬من القسام تارة‬
‫بالمصحف ‪ ،‬وتارة بالنبياء ‪ ،‬وتارة ببعض المشايخ قد اختفت نهائيا ً ‪ ..‬وعاد‬
‫يمارس حياته بأسلوبه الرجل الذي ل يعبد غير الله ‪ ،‬ول يخشى إل الله ‪ ،‬ول‬
‫يرجو سوى الله ‪ , " ..‬طلبوا منه أن يعيد المرأة فإن ذلك سيحسن حالتها‬
‫بإذن الله تعالى ‪ ,‬فوافق و اشترط عليهم أن يتخلى أبويها عما يحملون من‬
‫معتقداتهم شركية و خزعبلت ففعل و رد المرأة و أشرقت القلوب بنور‬
‫ربها نور التوحيد إفراد الله تعالى و حده بكل العبادة التي شرع و نبذ‬
‫الشرك و أهله ‪ ,‬إن القلوب إذا ما أشرقت بنور ربها علمت أن ما كانت فيه‬
‫إنما هو الضيق و الظلمة و أنه من ظلم صاحبها بها "إن الشرك لظلم‬
‫عظيم" ‪ ,‬يقول الستاذ عبد المنعم ختاما ً بعد أن أنجاه الله تعالى من‬
‫ظلمة دعاء غير الله ‪" :‬وليس هناك من سبيل لخروجنا من هذا المأزق‬
‫الجتماعي ‪ ،‬والحضاري سوى تنقية العقيدة مما ألصق بها وعلق بها من‬
‫الشوائب التي ليست من الدين في شيء ‪ !..‬فحينما يصبح )) التوحيد ((‬
‫أسلوب حياة ‪ ،‬وثقافة ‪ ،‬وعقيدة ‪ ...‬سوف تختفي من أفقنا وإلى البد ‪ ..‬هذه‬
‫الغيوم ‪ ..‬غيوم الخرافات ‪ ،‬والدجل ‪ ،‬والشعوذة ‪ ،‬والكهانة التي ل تقوى ‪.‬‬
‫} ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين { "اهـ ‪.‬‬
‫يوم إسلمي يوم ميلدي الحقيقي‪:‬‬
‫إن قلت لكم أن عمري عشرون عاما فإني في قرارة نفسي أرى عمري‬
‫الحقيقي عاما واحدا فقط ) مضى على إسلمها عام واحد ( ‪ ,‬أما تلك‬
‫التسعة عشر عاما التي مضت فهي مثل خمسين عاما أو أكثر لشدة شوكها‬
‫وما تركته في نفسي من هم وقلق ل حد لهما ‪ .‬منذ وعيت الدنيا وأنا أرى‬
‫الشجار الدائم بين أمي وأبي وأعيش في أجوائه ذهب أبي وتركني مع أمي‬
‫التي كانت تعمل في شركة ‪ .‬كان أغلب وقت أمي في العمل ‪ ،‬والنوم ‪،‬‬
‫ومع أصدقائها ‪ ،‬وكنت في آخر قائمة اهتماماتها ‪ .‬كنت أشعر وكأنني قيد‬
‫عليها ‪ :‬دائما متضجرة مني ‪ .‬حينما أتممت الثالثة عشرة من عمري كنت‬
‫مشبعة باللم النفسية والعصبية ‪ ،‬ولم أكن أستطيع الستمرار في المدرسة‬
‫بعد تكرار إخفاقي فيها ‪ .‬الفترة التي أمضيتها في البيت بعد ترك المدرسة ‪،‬‬
‫وقبل أن أجد عمل ‪ ،‬كانت أتعب لي ‪ ،‬فرفاق أمي في ازدياد ولهوها مستمر‬
‫عملت مع أمي في الشركة التي كانت تعمل فيها لقاء مرتب زهيد لشتري‬
‫به طعامي وملبسي ‪ ..‬ولم أستمر ‪ ،‬فقد كانت ساعات العمل طويلة ‪،‬‬
‫وطبيعته شاقة ‪ ،‬ومرتبه قليل عما ذكرت ‪ .‬انتقلت إلى مدينة أخرى لعلي‬
‫اظفر بعمل أفضل ‪ ،‬وكنت وحدي ‪ ،‬ل قريب ول أحد يقف معي ‪ .‬زاد فراغي‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫النفسي فصرت أبحث عما يملؤه فسهرت وشربت الخمرة ‪ ...‬لكن هذا لم‬
‫ينفعني بل زادني فراغا ‪ .‬انتقلت إلى مدينة أخرى شعرت فيها بشيء من‬
‫الستقرار ‪ ،‬فقد كان عملي جيدا ‪ .‬قررت البحث عما يوفر لي الستقرار‬
‫النفسي ففكرت في الذهاب إلى المكتبة لشراء موسوعة الديان ‪ .‬أرسلت‬
‫إلى أحد المراكز السلمية أطلب كتبا تشرح لي السلم ‪ .‬وصلتني الكتب ‪،‬‬
‫وقرأتها خلل ثلثة أيام ‪ ،‬وفي اليوم الرابع أسلمت ‪ .‬يوم إسلمي هو يوم‬
‫ميلدي الحقيقي ‪ .‬الحمد لله على نعمة السلم‪. "54‬‬

‫الكتاب الرابع‬
‫بعض المسائل و الصول في‬
‫ضبط باب التوحيد‬

‫‪ 54‬ميلنا " مسلمة بريطانية ‪ ,‬نشرت قصتها مجلة " الدعوة " السعودية ‪ -‬العدد ‪ 1500‬في زاوية هكذا‬
‫أسلمت‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫باب في أهمية التوحيد و قول رسول الله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم لمعاذ "فاليكن‬
‫أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله"‬

‫سئل‬
‫روى المام مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن اليمان قال أن تؤمن بالله و‬
‫ملئكته و كتبه و رسله و اليوم الخر و القدر خيره و شره‪ ,‬و اليمان بالله‬
‫تعالى أصل كل الصول فهي فرع عنه‪ ,‬فاليمان بالقضاء و القدر إيمان‬
‫بصفات الله عز وجل‪ ,‬و كذلك الحال مع كل الصول الواردة في هذا‬
‫الحديث فالله تعالى هو الذي خلق الملئكة و أنزلهم بالكتب إلى الرسل‬
‫ليبشروا المؤمنين و ينذروا الكافرين بيوم الدين‪ ,‬فاليمان بالله تعالى أصل‬
‫كل الصول‪ ,‬و اليمان بالله تعالى قول و عمل و اعتقاد‪ ,‬و أركانه القول و‬
‫العتقاد‪ ,‬أما العتقاد فله ركنان الول اليمان بأسمائه الحسنى و صفاته‬
‫ى على عرشه بما‬
‫العلى بل تكييف و ل تمثيل و ل تحريف و ل تعطيل مستو ٍ‬
‫يليق بجلله‪ ,‬أما الركن الثاني فهو اليمان بحقه تعالى على عبيده‪ ,‬أن‬
‫يعبدوه وحده و ل يشركوا به شيئا‪ ,‬و هذا هو توحيد اللوهية‪ ,‬التوحيد الذي‬
‫من أجله خلق الله الخلق و أنزل الكتب و أرسل الرسل و من أجله قام‬
‫سوق الجنة و النار‪ ,‬توحيد اللوهية التوحيد الذي من أجله عوديت الرسل‬
‫فالرسل منهجهم منهج واحد و دعوتهم دعوة واحدة دعوة إلى التوحيد و نبذ‬
‫الشرك‪ ,‬فهي دعوة واحدةو إن تعددت الشرائع قال تعالى "و لقد بعثنا في‬
‫كل أمة رسل أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت" أي افردوا الله بالعبادة و‬
‫انبذوا الشرك و اهله‪ ,‬و ينفي الله عز وجل عن أحد ٍ من رسله أن يكون قد‬
‫أرسل بغير دعوة أن ل إله إل الله قال تعالى "و ما أرسلنا من قبلك من‬
‫ل إل نوحي إليه أن ل إله إل أنا فاعبدون" و الله تعالى يقول لرسول‬
‫رسو ٍ‬
‫الله صلى الله عليه و آله و سلم "قل إنما أنا بشٌر مثلكم يوحى إلي أنما‬
‫إلهكم إله واحد" فجعلها الله تعالى بصيغة الحصر فكأن الدعوة ما كانت إل‬
‫من أجل التوحيد بل ليس الموحى به إل التوحيد‪ ,‬دعوة واحدة و منهج واحد‪,‬‬
‫أول ما يدعى إليه و أهم ما يدعى إليه توحيد الله تعالى فكل نبي أول ما‬
‫قال لقومه "قال اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" و رسول الله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم لما بعث معاذا ً إلى اليمن قال "فاليكن اول ما تدعوهم‬
‫إليه أن يوحدوا الله" دعوة واحدة و منهج واحد يسير عليه الرسل و‬
‫أتباعهم المسلمون إلى قيام الساعة و مخطئ من يظن أن المسلمون قد‬
‫حققوا التوحيد بنطقهم الشهادتين و الواقع دليل عليه فإذا ما سألت مسلما‬
‫عن معنى ل إله إل الله قال أي ل رب إل الله و هذا المعنى قد أقره‬
‫مشركوا العرب قال تعالى "و لئن سألتهم من خلق السماوات و الرض‬
‫ى آخر لها و هو السبب في رفضهم‬
‫ليقولن الله" إل أنهم كانوا يعلمون معن ً‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫لها و هذا المعنى هو أي ل معبود بحق إل الله‪ ,‬فمشركوا العرب كانوا‬
‫يعلمون و ل ينطقون اما مسلموا اليوم فإنهم ينطقون و ل يعلمون و لذلك‬
‫فإن واقع المسلمون الن شر مما كان عليه مشركوا العرب من ناحية سوء‬
‫الفهم و السبب في ذلك واضح و هو النحراف عن منهج رسول الله صلى‬
‫الله عليه و آله و سلم و منهج الرسل من قبله أما القوال و الفعال التي‬
‫تناقض ل إله إل الله و التي يفعلها المسلمون فهي أكثر من أن تحصى و‬
‫السبب في ذلك كما ذكرنا هو النحراف عن منهج رسول الله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم و منهج الرسل من قبله في العلم و العمل و الدعوة إلى‬
‫الله تعالى‬

‫باب في اليمان و قول الله جل ذكره " َ‬
‫د‬
‫ق ْ‬
‫أَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن"‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫فل َ َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫فصل في بيان حقيقة اليمان و أنه قول و عمل و إجماع أهل‬
‫السنة و الجماعة على ذلك‪:‬‬
‫اليمان قول و عمل ‪ ,‬قول القلب و قول السان و عمل القلب و عمل‬
‫الجوارح وقد حكى غير واحد من أهل العلم الجماع على ذلك كابن عبد البر‬
‫في التمهيد‪ ،((5‬و قال المام أحمد بن حنبل رحمه الله‪" :‬اليمان قول وعمل‪،‬‬
‫يزيد وينقص‪ , " ((6‬وعقد المام الجري رحمه الله بابا ً في كتابه " الشريعة "‬
‫قائ ً‬
‫ل‪ _ :‬باب القول بأن اليمان تصديق بالقلب‪ ،‬وإقرار باللسان‪ ،‬وعمل‬
‫بالجوارح‪ ،‬ول يكون مؤمنا ً إل أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلث‪ ," ((8‬وقال‬
‫المام ابن بطة رحمه الله‪ ((9‬في تعريف اليمان‪ " :‬معناه التصديق بما قاله‪،‬‬
‫وأمر به وافترضه‪ ،‬ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده‪ ،‬ونزلت‬
‫)‪ (5‬انظر التمهيد ‪ ،9/248‬وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ‪ 12/472 ،7/308‬وانظر تفسير ابن كثير‬
‫‪ ،1/39‬وفتح الباري ‪1/47‬قال الحافظ \ فقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر‬
‫الصلة عن جماعة من الئمة نحو ذلك وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن‬
‫سفيان الثوري ومالك بن أنس والوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم وهؤلء فقهاء المصار في‬
‫عصرهم وكذا نقله أبو القاسم الللكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن‬
‫راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الئمة وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال لقيت أكثر من ألف رجل‬
‫من العلماء بالمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن اليمان قول وعمل ويزيد وينقص وأطنب بن‬
‫أبي حاتم والللكائي في نقل ذلك بالسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه‬
‫الجماع من الصحابة والتابعين وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة وقال الحاكم‬
‫في مناقب الشافعي حدثنا أبو أخبرنا الربيع قال سمعت الشافعي يقول اليمان قول وعمل يزيد‬
‫وينقص أخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي‪ ،‬وشرح أصول اعتقاد أهل السنة لللكائي ‪،4/832‬‬
‫وشرح السنة للبغوي ‪. 1/38‬‬
‫)‪ (6‬السنة للمام عبد الله بن المام أحمد بن حنبل ‪ ،1/307‬وله عدة روايات في تعريف اليمان‪ ،‬انظر‬
‫المسائل والرسائل المروية عن المام أحمد في العقيدة جمع‪ :‬عبد الله الحمدي ‪1/63‬‬
‫)‪ (8‬الشريعة للمام الجرى ص ‪119‬‬
‫)‪ (9‬هو عبيد الله بن محمد العكبري‪ ،‬من فقهاء الحنابلة‪ ،‬كان أمارا ً بالمعروف‪ ،‬صالحًا‪ ،‬مستجاب‬
‫الدعوة‪ ،‬له مؤلفات‪،‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫ك‬
‫سل َْنا ِ‬
‫ما أْر َ‬
‫فيه الكتب‪ ،‬وبذلك أرسل المرسلين‪ ،‬فقال عز وجل‪" :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪ "52‬النبياء‪ ،‬والتصديق‬
‫ل إ ِل ّ ُنو ِ‬
‫ِ‬
‫ه إ ِل ّ أَنا َفاع ْب ُ ُ‬
‫من ّر ُ‬
‫ه ل إ ِل َ َ‬
‫حي إ ِل َي ْهِ أن ّ ُ‬
‫دو ِ‬
‫سو ٍ‬
‫‪((10‬‬
‫بذلك قول باللسان‪ ،‬وتصديق بالجنان‪ ،‬وعمل بالركان‪ " .‬وعرف القاضي‬
‫أبو يعلى ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬اليمان فقال‪ " :‬وأما حد اليمان في الشرع فهو‬
‫جميع الطاعات الباطنة والظاهرة‪ ،‬والباطنة أعمال القلب‪ ،‬وهو تصديق‬
‫القلب‪ ،‬والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات‪ , " ((12‬وقال قوام‬
‫السنة إسماعيل الصبهاني _ رحمه الله _‪ " :‬اليمان في الشرع عبارة عن‬
‫جميع الطاعات الظاهرة والباطنة‪ " ((1‬وعلى كل فأقوال السلف في مثل‬
‫هذا المعنى كثيرة جدًا‪ ،‬يصعب حصرها في هذا المبحث القصير‪.((2‬‬
‫حرص السلف على بيان كون اليمان قول و عمل ‪:‬‬
‫سلف‪ :‬اليمان قول وعمل أراد‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية إ ّ‬
‫ن من قال من ال ّ‬
‫ن‬
‫قول القلب والّلسان وعمل القلب والجوارح‪ ،‬ومن أراد العتقاد رأى أ ّ‬
‫لفظ القول ل ُيفهم منه إل ّ القول ال ّ‬
‫ظاهر أو خاف ذلك فزاد العتقاد‬
‫بالقلب‪ ،‬ومن قال‪ :‬قول وعمل ونية؛ قال‪ :‬القول يتناول العتقاد وقول‬
‫ما العمل؛ فقد ل ُيفهم منه الن ّّية ) الخرص من أعمال القلب (‬
‫الّلسان‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن ذلك‬
‫سّنة ) النقياد من أعمال القلوب ( ؛ فل ّ‬
‫فزاد ذلك‪ ،‬ومن زاد اتباع ال ّ‬
‫سّنة‪ ،‬وأولئك لم يريدوا ك ّ‬
‫ل قول وعمل‪،‬‬
‫كّله ل يكون محبوبا ً لله إل ّ باّتباع ال ّ‬
‫إّنما أرادوا ما كان مشروعا ً من القوال والعمال‪ ،‬ولكن كان مقصودهم‬
‫الّرد ّ على المرجئة الذين جعلوه قول ً فقط؛ فقالوا‪ :‬بل هو قول وعمل‪.‬‬
‫سروا مرادهم كما سئل سهل بن عبدالله‬
‫والذين جعلوه أربعة أقسام ف ّ‬
‫ن اليمان إذا‬
‫الّتستريّ عن اليمان‪ :‬ما هو؟ فقال‪ :‬قول وعمل ونّية وسّنة؛ ل ّ‬
‫كان قول ً بل عمل فهو كفر‪ ،‬وإذا كان قول ً وعمل ً بل نّية فهو نفاق‪ ،‬وإذا كان‬
‫قول ً وعمل ً ونّية بل سّنة فهو بدعة(*‪.‬‬
‫فصل حول الركن الول في اليمان ) القرار باللسان ( و بيان‬
‫لزوم النطق بالشهادة لثبوت الحكم السلم‪:‬‬
‫)‪ (10‬الشرح والبانة عن أصول السنة والديانة )البانة الصغرى ( ص ‪176‬‬
‫)‪ (12‬مسائل اليمان ص ‪151‬‬
‫)‪ (1‬الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة ‪1/403‬‬
‫)‪ (2‬انظر ما كتبه أبو عبيد القاسم بن سلم في كتابه اليمان ص ‪ 76 _ 56‬وابن أبي شيبة في كتاب‬
‫اليمان ص ‪ ،46‬والعدني في كتاب اليمان ص ‪ ،79‬والبخاري في صحيحه ) كتاب اليمـان ( ‪،1/92‬‬
‫ومسلم في صحيحه )كتاب اليمان ( ‪ 2/3‬وابن ماجه في سننه ) باب في اليمان (‪ ،‬وأبو داود في‬
‫سننه ) عون المعبود ( ) باب في رد الرجاء ( ‪ ،12/432‬والترمذي في سننه ) باب ما جــاء في‬
‫إضافة الفرائض إلى اليمان ( ) عارضة الحوذي ( في ‪ ،10/80‬وابن أبي عاصم في السنة ) باب في‬
‫الرجاء والمرجئه ( ‪ ،2/461‬والنسائي في سننه ) كتاب اليمان وشرائعه ( ‪ ،7/86‬والطبري في‬
‫صريح السنة ص ‪ ،25‬والللكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ‪ ،830 /4‬وابن قدامة في لمعة‬
‫العتقاد ص ‪ 23‬والمروزي في تعظيم قدر الصلة ‪ ،1/367‬والبغوي في شرح السنة ‪ ،1/38‬وابن‬
‫حزم في المحلى ‪ 13/9‬والدرة فيما يجب اعتقاده ص ‪ 326‬وغيرها كثير ‪.‬‬
‫* ))مجموع الفتاوى(( )‪.(171 / 7‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫ل يثبت السلم و ل اليمان لشخص لم يقر بتوحيد الله تبارك و تعالى‬
‫لحديث أبا هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ل إله إل الله فمن قال ل إله إل الله‬
‫عصم منى ماله ونفسه إل بحقها وحسابه على الله‪ "55‬و لحديث عبد الله بن‬
‫عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس‬
‫حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلة ويؤتوا‬
‫الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إل بحقها‪ "56‬و قوله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم إل بحقها أي أن تعديه على حد من حدود الله‬
‫ينقض إستمرارية عصمة الدم و المال فيقتص منه بقدر تعديه كما حد الله‬
‫تبارك و تعالى ‪ ,‬و من اليات الدالة على لزوم النطق بالشهادتين قوله‬
‫ُ‬
‫مآ ُأنزِ َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا ‪ "136‬البقرة‪ ،‬وقوله تعالى‪" :‬وَُقولوا‬
‫مّنا ِبالل ّهِ وَ َ‬
‫تعالى‪ُ" :‬قوُلوا ْ آ َ‬
‫ل إ ِل َي َْنا وَُأنزِ َ‬
‫ذي ُأنزِ َ‬
‫م‪ "46‬العنكبوت‪،‬‬
‫مّنا ِبال ّ ِ‬
‫ل إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫الرد على من ادعى أنه قد يثبت الحكم بالسلم لمن لم يشهد‬
‫الشهادتين ‪:‬‬
‫‪57‬‬
‫انبعثت أشقى الفرق‪ ,‬فرق المرجئة و هي الجهمية بقول عجيب و تابعتها‬
‫الشاعرة و قالوا ل يشترط النطق بالشهادتين لكي يثبت حكم السلم‬
‫فقالت الجهمية بل اليمان التصديق بالقلب فقط فأخرجوا من مسمى‬
‫اليمان قول اللسان و عمل القلب و عمل الجوارح و هم أقبح فرق‬
‫ة على أن‬
‫المرجئة‪ ,‬و تابعهم على هذا الفهم السقيم فأجمعت كتبهم قاطب ً‬
‫اليمان هو التصديق القلبي إل أنهم اختلفوا و اختلفوا في النطق بالشهادتين‬
‫أيكفي عنه تصديق القلب أم لبد منه و رجح الشيخ حسن أيوب و هو من‬
‫شيوخهم المعاصرين أن المصدق بقلبه ناج عند الله و غن لم ينطق بهما و‬
‫مال إليه البوطي‪ ,58‬فهذا قول أكثر الشاعرة أنه ل يشترط النطق بل يكفي‬
‫أن يصدق بقلبه فقط !! ‪ ,‬و الفرق بينهم و بين الجهمية في هذا الباب أنهم‬
‫أثبتوا أن عمل القلب من اليمان و اشتركوا معهم في نفي قول اللسان و‬
‫عمل الجوارح‪ .‬فمن صدق بقلبه بوجود الله تعالى و لم ينطق بالشهادتين‬
‫فهو مؤمن* !!! ‪ .‬و هذا القول كفر بالله لنه رد لنصوص الكتاب و السنة‬
‫الصريحة و مخالفة إجماع علماء المسلمين قال ابن حزم " من اعتقد‬
‫‪ 55‬البخاري ‪ – 2946‬مسلم ‪ , 21‬و أبو داود و الترمذي و بن ماجه و أحمد‬
‫‪ 56‬البخاري ‪ – 25‬مسلم ‪22‬‬
‫‪ 57‬الجهمية‪ :‬أتباع الجهم بن صفوان السمرقندي المقتول سنة ‪ 128‬هـ‪ ،‬معطلة في الصفات‪ ،‬جبرية‬
‫في القدر‪ ،‬مرجئة محضة في اليمان وقالوا بفناء الجنة والنار ‪ .‬انظر مقالت السلميين ‪،1/338‬‬
‫والتنبيه والرد ص ‪ ،96‬والملل والنحل ‪) .1/86‬و هم اتباع جهم بن صفوان و هو تلميذ "الجعد بن‬
‫درهم" و هو أول من قال "الجعد" ‪ ) :‬إن الله لم يكلم موسى تتكليما ً و لم يتخذ إبراهيم خليل و لم‬
‫يستوي على العرش ( فكفره أهل زمانه من التابعين و قتله خالد بن عبد الله أحد ولة بني أمية ) مع‬
‫أنه كان ظالما ً و لكن بنو امية كانوا شديدين على اهل البدع ( فجاء يوم عيد الضحى ‪ ..‬و قال ‪ :‬أيها‬
‫الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ‪ ,‬فإني مضحي بالجعد بنه درهم ‪ ,‬فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى‬
‫تكليما ‪ ...‬تعالى الله عما يقول علوا ً كبيرا ً ‪ ..‬ثم نزل من على المنبر و ذبحه ( ‪.‬‬
‫‪ 58‬أنظر منهج الشاعرة في العقيدة – د‪/‬سفر الحوالي‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫اليمان بقلبه‪ ،‬ولم ينطق به بلسانه دون تقية‪ ،‬فهو كافر عند الله تعالى‪،‬‬
‫وعند المسلمين ‪ .((2‬وقال ابن تيمية‪ " :‬من لم يصدق بلسانه مع القدرة‪ ،‬ل‬
‫يسمى في لغة القوم مؤمنًا‪ ،‬كما اتفق على ذلك سلف المة من الصحابة‬
‫والتابعين لهم بإحسان‪ . " ((2 .‬فها هو أبو طالب عم النبي صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم يعلنها صراحة أن دين محمد ٍ صلى الله عليه و آله و سلم هو‬
‫الدين الحق حيث يقول ‪ ,‬ولقد علمت أن دين محمد *** من خير أديان‬
‫البرية دينا ‪ ,‬و لول الملمة أو حذار مسبةٍ *** لرأيتني سمحا ً بذاك مبينا ‪.‬‬
‫فهو مصدق بأنه الدين الحق و مصدق بالله تعالى إل أنه لم ينطق بالسانه و‬
‫لم يشهد شهادة التوحيد فمات كافرا ً لنه لم يقل الكلمة التى طلب منه‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقولها و هى كلمة التوحيد فقال النبي‬
‫صلى الله عليه و سلم ‪" :‬لستغفرن لك ما لم أنه عنك"‪ .‬فأنزل الله عز‬
‫وجل )ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي‬
‫قربى‪ . ( 59‬فلم يثبت له حكم السلم و كان يؤمن بقلبه أن دين السلم هو‬
‫الحق ‪.‬‬
‫الرد على من ادعى عدم كفاية الشهادتين للحكم بالسلم‬
‫ابتداءً ‪:‬‬
‫قال العلمة النووي ) واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين‬
‫على أن المؤمن الذى يحكم بأنه من أهل القبلة ول يخلد فى النار ل يكون‬
‫ال من اعتقد بقلبه دين السلم اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق‬
‫بالشهادتين فان اقتصر على أحداهما لم يكن من أهل القبلة أصل ال اذا‬
‫عجز عن النطق لخلل فى لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو‬
‫لغير ذلك فانه يكون مؤمنا أما اذا أتى بالشهادتين فل يشترط الوقوف أن‬
‫يقول وأنا برىء من كل دين خالف السلم ال اذا كان من الكفار الذين‬
‫يعتقدون اختصاص رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى العرب فانه‬
‫ل يحكم باسلمه ال بأن يتبرأ من ذلك ‪ ,‬ومن أصحابنا أصحاب الشافعى‬
‫رحمه الله من شرط أن يتبرأ مطلقا وليس بشىء أما اذا اقتصر على قوله‬
‫ل اله ال الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب‬
‫العلماء أنه ليكون مسلما ومن أصحابنا من قال يكون مسلما ويطالب‬
‫بالشهادة الخرى فان أبى جعل مرتدا ويحتج لهذا القول بقوله صلى الله‬
‫عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ل اله ال الله فاذا قالوا ذلك‬
‫عصموا منى دماءهم وأموالهم وهذا محمول عند الجماهير على قول‬
‫* قال شيخ السلم بن تيمية ‪ ...‬والكفر‪ :‬عدم اليمان باتفاق المسلمين‪ ،‬سواء اعتقد نقيضه وتكلم به‬
‫أو لم يعتقد شيئا ً ولم يتكلم‪ ،‬ول فرق في ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يجعلون اليمان‬
‫*‬
‫قول ً وعمل ً بالباطن والظاهر وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب؛ كقول الجهمية وأكثر الشعرية‬
‫))مجموع الفتاوى(( )‪.(88 - 85 / 20‬‬
‫)‪ (2‬المحلى ‪ 1/50‬وانظر كتابه "الدرة" ص ‪. 326‬‬
‫)‪ (2‬مجموع الفتاوى ‪. 7/337‬‬
‫‪ 59‬التوبة‪113 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫الشاهدتين واستغنى بذكر احداهما عن الخرى لرتباطها وشهرتهما والله‬
‫أعلم ‪60‬اه ( و نصوص الكتاب و السنة طافحة بالدللة على كفاية النطق‬
‫بهما للحكم بالسلم في الظاهر فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ ) :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ل إله‬
‫إل الله فمن قال ل إله إل الله عصم منى ماله ونفسه إل بحقها وحسابه‬
‫على الله‪ ( 61‬و عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫أنه قال ) أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ل إله إل الله وأن محمدا‬
‫رسول الله ويقيموا الصلة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني‬
‫دماءهم وأموالهم إل بحقها‪ ( 62‬و عن أسامة بن زيد قال‪ ) :‬بعثنا رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجل‬
‫فقال ل إله إل الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى‬
‫الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ) :‬أقال ل إله إل‬
‫الله وقتلته ( قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلح ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫) أفل شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم ل ؟ ( فما زال يكررها علي حتى‬
‫تمنيت أني أسلمت يومئذ‪ . 63‬وعن المقداد بن السود أنه قال يا رسول‬
‫الله أرأيت إن لقيت رجل من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف‬
‫فقطعها ثم لذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن‬
‫قالها قال ل تقتله قال فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد‬
‫أن قطعها أفأقتله قال ل تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك‬
‫بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال‪ , 64‬و قوله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم ) فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ( أي إن قتلته بعد أن قالها‬
‫فإنك قتلت مسلم معصوم الدم و المال مثلك قبل أن تقتله و قوله صلى‬
‫الله عليه و آله و سلم )وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ( أي‬
‫ستصبح مسلم غير معصوم الدم و المال كما أن الكافر ليس بمعصوم الدم‬
‫و المال لنك تعديت حد من حدود الله بقتلك مسلم ‪ .‬و عن ابن عمر قال‬
‫بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد ابن الوليد إلى بني جذيمة‬
‫فدعاهم إلى السلم فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا‬
‫صبأنا فجعل خالد يقتل ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى أصبح أمر‬
‫خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله ل أقتل أسيري ول يقتل رجل‬
‫من أصحابي أسيره حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‬
‫فقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين‪ . 65‬فمن أتى بعد ذلك بغير‬
‫‪60‬‬
‫‪61‬‬
‫‪62‬‬
‫‪63‬‬
‫‪64‬‬
‫‪65‬‬

‫شرح النووي على صحيح مسلم ج‪ 1 :‬ص‪149 :‬‬
‫البخاري ‪ – 2946‬مسلم ‪ , 21‬و أبو داود و الترمذي و بن ماجه و أحمد‬
‫البخاري ‪ – 25‬مسلم ‪22‬‬
‫البخاري ‪ – 517\7‬مسلم ‪. 99\2‬‬
‫البخاري ‪ – 4019‬مسلم ‪ – 95‬أبو داود ‪ – 2466‬أحمد ‪3\6‬‬
‫البخاري برقم ‪ – 4339‬و النسائي برقم ‪ – 8569‬و أحمد ‪. 151 , 150 \2‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫ما تقرر في دين الله تعالى و انعقد اجماع أهل العلم عليه فقد ابتغى غير‬
‫سبيل المؤمنين و قد ضل سواء السبيل ‪.‬‬
‫من شهد الشهادتين و هو متلبس بكفر فأقام عليه عالم‬
‫الحجة ‪:‬‬
‫‪66‬‬
‫قال الحافظ في الفتح قال البغوي‪" :‬الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا ل يقر‬
‫بالوحدانية فإذا قال ل إله إل الله حكم بإسلمه ثم يجبر على قبول جميع‬
‫أحكام السلم ويبرأ من كل دين خالف دين السلم وأما من كان مقرا‬
‫بالوحدانية منكرا ً للنبوة فإنه ل يحكم بإسلمه حتى يقول محمد رسول الله‬
‫فان كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فل بد أن يقول إلى‬
‫جميع الخلق ‪ ,‬فان كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن‬
‫يرجع عما اعتقده" اهـ كلم البغوي رحمه الله ‪ .‬ثم قال الحافظ و مقتضى‬
‫"يجبر" "أي قول البغوي" أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد وبه‬
‫صرح القفال اهـ‪ . 67‬فعن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يقول‪" :‬من قال ل إله إل الله وكفر بما يعبد من دون الله‬
‫حرم ماله ودمه وحسابه على الله‪ , "68‬فإن من تلبس بكفر بعد شهادته‬
‫الشهادتين يبين له و تقام عليه الحجة فإن تاب و إل صار مرتدا‪ ,‬قال المام‬
‫الصاوي‪ ((2‬في شرح الصغير"الردة كفر مسلم بصريح من القول‪ ،‬أو قول‬
‫يقتضي الكفر‪ ،‬أو فعل يتضمن الكفر‪ , "((3‬و قال الشربيني ‪((4‬في مغنى‬
‫المحتاج "الردة هي قطع السلم بنية‪ ،‬أو قول‪ ،‬أو فعل سواء قاله استهزاًء‪،‬‬
‫أو عنادًا‪ ،‬أو اعتقادا ً‪ ," ((5‬فإن ارتد فيستتاب فإن تاب و إل قتل‪ ,‬فإن تاب‬
‫فيلزمه شهادة أن ل إله إل الله و أن محمدا ً رسول الله و الرجوع عن الكفر‬
‫الذي كان سببا ً في ردته‪ ,‬و ل يجب أن يطلب منه أكثر من ذلك أما من يقل‬
‫ل يحكم لمن شهد الشهادتين حتى يمتحن في أمور معينة من الشريعة‬
‫يبتدعها ما أنزل الله بتحديدها من سلطان فهذه من البلهة و من سفه‬
‫بعض المبتدعة في زماننا‪.‬‬
‫العذر بالجهل لمن تلبس بكفر و قد شهد الشهادتين و لم ُيبين‬
‫له و لم يقيم عليه عالم الحجة ‪:‬‬
‫‪ 66‬أي يعتقد أن هناك آلة و آلهة مضادة ‪ ,‬واحد للخير و واحد للشر و واحد لليل و واحد للنهار و هكذا ‪.‬‬
‫‪ 67‬فتح الباري ج‪ 12 :‬ص‪280 :‬‬
‫‪ 68‬مسلم ‪ – 23‬و أحمد ‪394 \6‬‬
‫)‪ (2‬هو أحمد بن محمد الصاوي‪ ،‬الخلوتي المالكي‪ ،‬ولد بمصر سنة ‪1175‬هـ‪ ،‬توفي بالمدينة ‪ 1241‬هـ‪،‬‬
‫وله مصنفات ‪.‬‬
‫)‪ ،145 ،6/144 (3‬وانظر حاشية الدسوقي ‪ ،4/301‬وبلغة السالك ‪ ،2/416‬وفتح العلي المالك‬
‫‪. 2/281‬‬
‫)‪ (4‬هو محمد بن أحمد الشربيني الشافعي‪ ،‬فقيه‪ ،‬مفسر‪ ،‬نحوي له مصنفات كثيرة‪،‬‬
‫)‪ ،4/133 (5‬وانظر نهاية المحتاج للرملي ‪ ،7/413‬وروضة الطالبين للنووي ‪10/64‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫بينا أنه من شهد شهادة السلم ثم اكتسب قول ً أو فعل ً يوجب الكفر أن‬
‫استتابته تلزمها إقراره بالرجوع عن الكفر الذي فعله بالضافة إلى‬
‫الشهادتين‪ ,‬و هذا الكفر إما أن ُيحتمل جهل فاعله بكونه كفرا ً و إما أن‬
‫يكون ظاهرا ً كمن ينكر المعلوم من الدين بالضرورة عند أمثاله‪ ,‬فمثله ل‬
‫يحتاج إلى بينه فهو مرتد من ساعته‪ ,‬و أما إن كان ذلك الكفر يحتمل العذر‬
‫بالجهل فل يكفر حتى تقام عليه الحجة‪ ,‬فإن لم تقام عليه الحجة عذر‬
‫بالجهل و العذر بالجهل ثابت بالكتاب و السنة و إجماع المة‪ ,‬و في التنزيل‪:‬‬
‫ض ّ‬
‫ض ّ‬
‫دي ل ِن َ ْ‬
‫ل ع َل َي َْها وََل ت َزُِر َوازَِرةٌ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ما ي َهْت َ ِ‬
‫ن َ‬
‫ن اهْت َ َ‬
‫ل فَإ ِن ّ َ‬
‫سه ِ و َ َ‬
‫دى فَإ ِن ّ َ‬
‫" َ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫سوًل ‪ "15‬السراء‪ ,‬و قال تعالى‬
‫وِْزَر أ ْ‬
‫حّتى ن َب ْعَ َ‬
‫ن َ‬
‫ث َر ُ‬
‫ما ك ُّنا ُ‬
‫خَرى وَ َ‬
‫معَذ ِّبي َ‬
‫أيضًا‪" :‬كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا‬
‫نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إل في ضلل كبير" و قوله‬
‫تعالى‪" :‬وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها‬
‫وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم‬
‫لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" وقال‬
‫تعالى "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو‬
‫لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من‬
‫نصير" ‪ ,‬و من السنة حديث أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم إلى حنين و نحن حدثاء عهد بكفر و للمشركين سدرة‬
‫يعكفون عندها و ينوطون بها أسلحتهم ‪ ,‬يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة‬
‫فقلنا ‪" :‬يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" فقال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :‬الله أكبر إنها السنن قلتم و الذي نفسي بيده كما‬
‫قالت بنو إسرائيل لموسى ) اجعل لنا إلها كما لهم آلهة * قال إنكم قوم‬
‫تجهلون ( لتركبن سنة من كان قبلكم"‪ 69‬و قول رسول الله صلى الله عليه‬
‫و آله و سلم ) قلتم و الذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى "‬
‫اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ( دليل على أنهم قالوا قول كفر ‪ ,‬و طلب‬
‫الكفر و العزم عليه في المستقبل من الكفر إل أن القوم لم يكفروا لنهم‬
‫كانوا حدثاء عهد بكفر فعذروا بالجهل فلم يكفروا و لكن بين لهم رسول‬
‫الله صلى الله عليه و آله و سلم أن هذا القول كفر لن طلب البركة من‬
‫غير الله كفر و أقام عليهم الحجة فتابوا من ساعتهم عن هذا الطلب و‬
‫غضب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لقولهم و غلظ عليهم لبيان‬
‫عظم ما قالوا ‪.‬‬
‫أما الجماع فقد ذكر النووي في شرح مسلم نقل ً عن الخطابي ) و كل من‬
‫أنكر شيئا مما أجمعت المة عليه من أمور الدين اذا كان علمه منتشرا‬
‫كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والغتسال من الجنابة وتحريم الزنا‬
‫والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الحكام ال أن يكون رجل حديث‬
‫‪69‬‬

‫سنن الترمذي ج‪ 4 :‬ص‪ 475 :‬برقم ‪ – 2180‬أحمد ‪ – 5\218‬صححه اللباني ) و اللفظ لحمد (‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫عهد بالسلم ول يعرف حدوده فإنه اذا أنكر شيئا منها جهل به لم يكفر‬
‫وكان سبيله سبيل أولئك القوم فى بقاء اسم الدين عليه فأما ما كان‬
‫الجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها‬
‫وخالتها وأن القاتل عمدا ل يرث وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من‬
‫الحكام فإن من أنكرها ل يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها فى‬
‫العامة ‪70‬اهـ ( و قال بن قدامه في المغني ) ول خلف بين أهل العلم في‬
‫كفر من تركها جاحدا لوجوبها إذا كان ممن ل يجهل مثله ذلك فإن كان‬
‫ممن ل يعرف الوجوب كحديث السلم والناشئ بغير دار السلم أو بادية‬
‫بعيدة عن المصار وأهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وتثبت له أدلة‬
‫وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر وأما إذا كان الجاحد لها ناشئا في المصار‬
‫بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها ‪71‬اهـ (‬
‫فمن تلبس بكفر بعد السلم مع احتمال جهله بكونه كفرا ً يعذر بالجهل في‬
‫التكفير حتى تقام عليه الحجة و ل يكفر و إن ظل على هذا العمل مدى‬
‫الحياة حتى تقام عليه الحجة و إن كان حريصا ً على طلب العلم فإنه يعذر‬
‫في استحقاق العقوبة أما إن كان مقصرا ً في طلب العلم فإنه ل يعذر في‬
‫استحقاقه للعقوبة لتقصيره في طلب العلم الشرعي و عدم رجوعه‬
‫للعلماء‪ .‬و اعلم أن المعول عليه هو الجهل بالحكم أما الجهل بالعاقبة فغير‬
‫َ‬
‫خوض ونل ْعب قُ ْ َ‬
‫ه‬
‫م ل َي َ ُ‬
‫ما ك ُّنا ن َ ُ‬
‫ل أِبالل ّ ِ‬
‫ُ ََ َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫سأل ْت َهُ ْ‬
‫قول ُ ّ‬
‫معتبر قال تعالى‪ " :‬وَل َئ ِ ْ‬
‫ف‬
‫ن‪َ 65‬ل ت َعْت َذ ُِروا قَد ْ ك َ َ‬
‫ن ن َعْ ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫ست َهْزُِئو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫َوآَيات ِهِ وََر ُ‬
‫مان ِك ُ ْ‬
‫م ب َعْد َ ِإي َ‬
‫فْرت ُ ْ‬
‫سول ِهِ ك ُن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ن‪ "66‬التوبة‪.‬‬
‫ب طائ ِ َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ف ً‬
‫جرِ ِ‬
‫فة ٍ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ن ُعَذ ّ ْ‬
‫كاُنوا ُ‬
‫ة ب ِأن ّهُ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫عَ ْ‬
‫فصل في الركن الثاني في اليمان و هو قول القلب‪:‬‬
‫قول القلب أي ماذا يقول القلب هل يصدق أم ل‪ ,‬و قولنا من اليمان قول‬
‫القلب أي تصديقه بالوحيين الكتاب و السنة إجمال ً و كل ما يصل إليه منهما‬
‫تفصيل ً و أركانهما اليمان بالله و ملئكته و كتبه و رسله و اليوم الخر و‬
‫القدر خيره و شره ‪ ,‬هذا هو إعتقاد القلب المسلم‪ ,‬و قول القلب الذي هو‬
‫التصديق إنما هو درجات فإذا قوى التصديق صار يقينا ً و من التصديق علم‬
‫اليقين و منه عين اليقين و هو أعلى درجات التصديق و هو المشاهد بالعين‬
‫أما حق اليقين فهو المدرك بالحواس الخرى‪ .‬فمجرد التصديق متفاوت في‬
‫المسألة الواحدة و هو متفاوت في قلب المؤمن بين النصوص بقدر ثبوتها و‬
‫بين الحكام بقدر الدلة عليها وتقبل المة لها‪,‬‬
‫الرد على من أخرج قول القلب من مسمى اليمان‪:‬‬
‫و هو أبعد القوال عن اللغة و الشرع‪ ,‬و إل فاليمان هو تصديق القلب‬
‫ة على أن اعتقاد القلب من اليمان و‬
‫بالغيب‪ ,‬و أجمع علماء السلم قاطب ً‬
‫قد أسلفنا ذكر إجماعهم على ذلك‪ ,‬إل أن بن كرام خالف في ذلك فقال‬
‫بعدم دخول اعتقاد القلب في مسمى اليمان و إن كان خلفه مع أهل‬
‫‪70‬‬
‫‪71‬‬

‫شرح النووي على صحيح مسلم ج‪ 1 :‬ص‪205 :‬‬
‫المغني ج‪ 9 :‬ص‪21 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫السنة و الجماعة خلفا ً لفظيا ً إل أن خطأه فادح و خطير لنه باب فتنة‬
‫فالذي حدث بعد ذلك أن تابعه قوم على هذا العتقاد الفاسد و غلوا فيه بأن‬
‫قالوا هو مؤمن ليس مخلدا ً في النار‪ ,‬فما اليمان عندهم إذًا؟ اليمان‬
‫عندهم مجرد معرفة بالله‪ ,‬قال شيخ السلم بن تيمية ‪-‬رحمه الله تعالى‪-‬‬
‫فى بيان أقسام المرجئة‪" :‬و منهم من يقول هو مجرد قول اللسان ‪ ،‬وهذا‬
‫ل يعرف لحد قبل الكرامية اه‪ ،72‬و قال أيضًا‪" :‬وقول إبن كرام فيه مخالفة‬
‫فى السم دون الحكم فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول إنهم‬
‫مخلدون فى النار فيخالف الجماعة فى السم دون الحكم وأتباع جهم‬
‫يخالفون فى السم والحكم جميعا اهـ ‪ ."73‬و ل شك في بطلن قولهم ففيه‬
‫من الخذلن ما الله به عليم فهو باطل في نفسه من حيث اللغة و مخالف‬
‫لجماع المسلمين قال أبو ثور " ليس بين أهل العلم خلف في رجل قال‬
‫أشهد أن الله عز وجل واحد‪ ،‬وأن ما جاءت به الرسل حق‪ ،‬وأقر بجميع‬
‫الشرائع‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما عقد قلبي على شيء من هذا ول أصدق به‪ ،‬أنه ليس‬
‫بمسلم ‪ ،‬حتى يكون مصدقا ً بقلبه‪ ،‬مقرا ً بلسانه‪ " ((5.‬و عن أبي هريرة رضي‬
‫الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال‪" :‬أشهد أن ل إله‬
‫إل الله وأني رسول الله ل يلقى الله بهما شاك فيهما إل دخل الجنة‪ "74‬و‬
‫قال تعالى‪" :‬إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا"‪.‬‬
‫فصل في الركن الثالث في اليمان عمل القلب و الرد على من‬
‫أخرجه من اليمان ‪:‬‬
‫العمال القلبية كلها من أركان اليمان أي لبد من و جود أصلها و إذا زال‬
‫أصلها زال اليمان كأن يزول أصل المحبة لله من القلب أو يزول أصل‬
‫الخوف من القلب أو أصل التباع كأن يجحد اتباع الرسول صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم قال شيخ السلم بن تيمية ‪" :‬وفي الجملة فلبد في اليمان‬
‫الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله‪ ،‬وحب الله ورسوله‪ ،‬وإل فمجرد‬
‫التصديق مع البغض لله ورسوله‪ ،‬ومعاداة الله ورسوله ليس إيمانا ً باتفاق‬
‫المسلمين‪ " ((5.‬و قال بن القيم في كتاب الصلة " وإذا زال عمل القلب مع‬
‫اعتقاد الصدق‪ ،‬فأهل السنة مجمعون على زوال اليمان‪ ،‬وأنه ل ينفع‬
‫التصديق مع انتفاء عمل القلب‪ " ((1.‬و يقول أيضا ً رحمه الله _ رحمه الله _‬
‫" كل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه‪ ،‬وذلك عمل بل‬
‫هو أصل العمل‪ ،‬وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل اليمان‪،‬‬
‫حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون العمال‪ ،‬وهذا من أقبح الغلط وأعظمه‪،‬‬
‫فإن كثيرا ً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬غير‬
‫‪)) * 72‬مجموع الفتاوى(( )‪.(88 - 85 / 20‬‬
‫‪ 73‬كتاب مجموع الفتاوى‪ ،‬الجزء ‪ ،7‬صفحة ‪550‬‬
‫)‪ (5‬شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللكائي ‪ ،4/849‬والشفا ‪2/542‬‬
‫‪ 74‬مسلم ‪ – 27‬و أحمد ‪ – 11\3‬بن حبان ‪- 6530‬‬
‫)‪ (5‬مجموع الفتاوى ‪7/537‬‬
‫)‪ (1‬كتاب الصلة لبن القيم‪ ،‬ص ‪54‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫شاكين فيه‪ ،‬غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء‬
‫به والرضا وإرادته‪ ،‬والموالة والمعاداة عليه‪ ،‬فل تهمل هذا الموضوع فإنه‬
‫مهم جدًا‪ ،‬به تعرف حقيقة اليمان‪ . " ((2 .‬أسلفنا بالذكر بيان شذوذ الجهمية‬
‫في باب العقائد و أنهم خرجوا قول اللسان و عمل الجوارح و كذلك عمل‬
‫القلب من مسمى اليمان‪ ,‬قال شيخ السلم بن تيمية رحمه الله تعالى‪" :‬و‬
‫عامة فرق المة تدخل ما هو من أعمال القلوب ‪-‬في اليمان‪ -‬حتى عامة‬
‫فرق المرجئة تقول بذلك وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب‬
‫الحديث فقولهم فى ذلك معروف وانما نازع فى ذلك من اتبع جهم بن‬
‫صفوان من المرجئة وهذا القول شاذ ‪ "75‬و قال أيضًا‪" :‬و ليس مجرد‬
‫التصديق بالباطن هو اليمان عند عامة المسلمين إل من شذ من أتباع جهم‬
‫والصالحي وفى قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة فى الحكام الدينية‬
‫أعظم مما فى قول إبن كرام إل من شذ من أتباع إبن كرام وكذلك تصديق‬
‫القلب الذي ليس معه حب لله ول تعظيم بل فيه بغض وعداوة لله ورسله‬
‫ليس إيمانا بإتفاق المسلمين اه‪"76‬‬
‫فصل في عمل الجوارح و أنها من اليمان و ليست من أركانه ‪:‬‬
‫إن أعمال الجوارح كالصلة و الصيام و الحج و غيرها من اليمان و ليست‬
‫ركنا ً فيه بمعنى أنه إذا مسلم من فعل أحدها مع إقراره بذنبه و وجوبها لم‬
‫يزل عنه أصل اليمان‪ ,‬و بعضها شرط لبلوغ اليمان الكمال الواجب و‬
‫بعضها شرط لبلوغ اليمان درجة الكمال المستحب ‪ .‬و أعمال الجوارح منها‬
‫عمل اللسان هو ما ل يؤدى إل به كتلوة القرآن وسائر الذكار من التسبيح‬
‫والتهليل والتكبير والدعاء والستغفار وغير ذلك ‪ ,‬و منه قول معاذ بن جبل‬
‫رضي الله عنه لحد إخوانه‪" :‬اجلس بنا نؤمن ساعة فيجلسان فيذكران الله‬
‫تعالى ويحمدانه ‪ "77‬فسمى ذكر الله تعالى و حمده و هو العمل باللسان‬
‫إيمانا‪ .‬و عمل بقية الجوارح هو ما ل يؤدى إل بها كالقيام والركوع والسجود‬
‫والمشي في مرضاة الله والمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحج‬
‫والجهاد في سبيل الله و هذه العمال أيضا ً من جملة اليمان و يزداد و‬
‫ينقص بها اليمان ‪ ،‬وأما الدليل فقوله صلى الله عليه وسلم اليمان بضع‬
‫وسبعون شعبة فأعله شهادة أن ل إله إل الله وأدناه إماطة الذى عن‬
‫الطريق ‪ ,‬و شهادة أن ل إله إل الله قول باللسان‪ ,‬و أما إماطة الذى من‬
‫عمل الجوارح‪ ,‬و عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لوفد عبد‬
‫القيس‪ " - :‬آمركم باليمان بالله وحده‪ ،‬أتدرون ما اليمان بالله وحده؟‬
‫قالوا‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪ :‬شهادة أن ل إله إل الله وأن محمدا ً رسول‬
‫الله‪ ،‬وإقام الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪ ،‬وأن تؤدوا الخمس من‬
‫)‪ (2‬مختصر الصواعق المرسلة ‪ ،2/420‬وانظر قريبا ً من ذلك في زاد المعاد ‪. 3/638‬‬
‫‪ 75‬كتاب مجموع الفتاوى‪ ،‬الجزء ‪ ،7‬صفحة ‪550‬‬
‫‪ 76‬كتاب مجموع الفتاوى‪ ،‬الجزء ‪ ،7‬صفحة ‪550‬‬
‫‪ 77‬فتح الباري ج‪ 1 :‬ص‪48 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫المغنم‪ . "((1‬وقد ذكر الحافظ ابن منده‪ ((2‬رحمه الله قول النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ " :‬من رأى منكم منكرا ً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪،‬‬
‫فإن لم يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمان ‪ "((3‬وذلك في مقام الستدلل‬
‫به على أن اليمان قول باللسان‪ ،‬واعتقاد بالقلب‪ ،‬وعمل بالركان‪ ،‬وأنه يزيد‬
‫وينقص ‪ .((4‬ففى ذلك الحديث عظيم القدر بيان أن المر بالمعروف و النهى‬
‫عن المنكر سواء أكان بالقلب أو اللسان أو بالجوارح هو من اليمان ‪ ,‬و‬
‫قال تعالى ) و ما كان الله ليضيع إيمانكم ( و أجمعوا على أن المقصود‬
‫بإيمانكم أي صلتكم كما ثبت في البخاري و نقل الجماع القرطبي رحمه‬
‫الله تعالى ‪ ,‬فسمى الله تبارك و تعالى الصلة إيمان ‪ .‬فإن قال قائل ما‬
‫رواه أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما سئل أي‬
‫العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل‬
‫الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور" فيه دليل على أن الجهاد والحج أعمال‬
‫ليست من اليمان لما تقتضيه " ثم " ‪ .‬المغايرة والترتيب ‪ ,‬فالجواب أن‬
‫اليمان يطلق على العمال البدنية كما سبق قال تعالى‪" :‬و ما كان الله‬
‫ليضيع إيمانكم" أى صلتكم ‪ ,‬و يطلق على القول كما في قوله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم "اليمان بضع و سبعون شعبة أعلها شهادة أن ل إله إل‬
‫َ‬
‫حُزن ْ َ‬
‫سو ُ‬
‫ك‬
‫ل ل يَ ْ‬
‫الله"‪ ,‬و يطلق على التصديق بالقلب قال تعالى‪َ" :‬يا أي َّها الّر ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ِفي ال ْك ُ ْ‬
‫سارِ ُ‬
‫م ت ُؤ ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫فرِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫م وَل َ ْ‬
‫واه ِهِ ْ‬
‫ن َقاُلوا آ َ‬
‫م ْ‬
‫مّنا ب ِأفْ َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫م‪ "78‬الية المائدة‪ ,‬و يطلق أيضا ً على عمل القلب كما في حديث أبي‬
‫قُُلوب ُهُ ْ‬
‫هريرة رضي الله عنه المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم قال‪" :‬و الحياء شعبة من اليمان" و الحياء من أعمال القلوب‪ .‬فما‬
‫كان من اليمان يطلق عليه لفظ اليمان أما معنى اليمان على سبيل‬
‫الجمال فهو فهو القول و العمل قول القلب و اللسان و عمل القلب و‬
‫الجوارح‪ ,‬و المراد باليمان فى هذا الحديث ليس اليمان بمفهومه الشامل‬
‫القول و العمل و العتقاد و لكن المراد به التصديق ‪.‬‬
‫الرد على من أخرج العمل من مسمى اليمان ‪:‬‬
‫أخرجت فرق المرجئة الربعة العمل من مسمى اليمان عمل الجوارح و‬
‫شذت الجهمية فأخرجت أيضا ً عمل القلب كما بينا‪ ,‬و المرجئة أربع فرق‬
‫فمرجئة الفقهاء هم الذين أخرجوا عمل الجوارح فقط من مسمى اليمان‬
‫)‪ (1‬أخرجه البخاري‪ ،‬ك اليمان‪ ،‬باب أداء الخمس من اليمان )‪ ،(1/129‬ح )‪ ،( 53‬ومسلم‪ ،‬ك اليمان‬
‫باب المر باليمان بالله )‪ (1/46‬ح )‪. ( 17‬‬
‫)‪ (2‬هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده‪ ،‬إمام حافظ محدث‪ ،‬ولد سنة ‪ 310‬ه ورحل كثيرا ً في‬
‫طلب العلم‪ ،‬وله عدة مصنفات‪ ،‬توفي سنة ‪ 395‬ه ‪ .‬انظر‪ :‬طبقات الحنابلة ‪ ،2/167‬وسير أعلم‬
‫النبلء ‪17/28‬‬
‫)‪ (3‬أخرجه مسلم‪ ،‬ك اليمان‪ ،‬باب كون النهي عن المنكر من اليمان )‪ (1/69‬ح )‪ ،( 49‬وأحمد )‪3/10‬‬
‫(‬
‫)‪(4‬‬
‫انظر كتابه " اليمان " ‪ ،2/341‬ت‪ :‬د " على بن محمد الفقيهي ‪.‬‬
‫‪ . 78‬المائدة رقم الية ‪41‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫على خلف باقي الفرق المرجئة فأكثر الشاعرة أخرجوا عمل الجوارح و‬
‫القرار باللسان من مسمى اليمان و الجهمية قبحهم الله أخرجوا النطق‬
‫باللسان و عمل القلب و عمل الجوارح من مسمى اليمان و قالوا إنما هو‬
‫التصديق !!! و خلفهم لفظي و حكمي ‪ ,‬و الكرامية أخرجوا عمل الجوارح و‬
‫ل‬
‫تصديق القلب و خلفهم فيه لفظي و حكمي خلفا ً لبن كرام‪ ,‬و على ك ٍ‬
‫فأهل الرجاء أخرجوا عمل الجوارح من مسمى اليمان‪ ,‬و هم بذلك خالفوا‬
‫الكتاب و السنة و إجماع المة فقد ورى اللكائي فى كتاب السنة بسنده‬
‫عن البخاري قال لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالمصار فما رأيت‬
‫أحدا ً منهم يختلف فى أن اليمان قول و عمل و يزيد و ينقص‪. 79‬‬
‫ف لفظيا بينهم وبين‬
‫و إخراجهم لعمل الجوارح من مسمى اليمان ليس خل ً‬
‫أهل السنة و الجماعة بل هو لفظي ومعنوي ويترتب عليه أحكام كثيرة‬
‫يعلمها من تدبر كلم أهل السنة وكلم المرجئة و لهذا قال بعضهم ‪" :‬من‬
‫حصل له حقيقة التصديق‪ ،‬فسواء أتى بالطاعات‪ ،‬أو ارتكب المعاصي‪،‬‬
‫فتصديقه باق على حاله‪ ،‬ول تغير فيه أصل ً‪ " ((5‬فهم يقولون ما دام مصدقا ً‬
‫بقلبه فهو مؤمن كامل اليمان‪ ،‬أما العمال فأمرها هّين‪ ،‬فالذي ل يصلي ول‬
‫يصوم ول يحج ول يزكي ول يعمل شيئا ً من أعمال الطاعة‪ ،‬يقولون‪ :‬هو‬
‫مؤمن بمجرد ما في قلبه ! وهذا من أعظم الضلل ‪ .‬فالرد عليهم أن‬
‫التصديق وحده ليس كافيا ً لثبوت اليمان بل و ل السلم كما سبق فالذنوب‬
‫تضر على كل حال ‪ ،‬منها ما يزيل اليمان بالكلية كالكفر ‪ ،‬ومنها ما ل يزيله‬
‫بالكلية بل ينقصه وصاحبها معرض للوعيد المرتب عليها‪.‬‬
‫الرد على من جعل العمل ركنا ً من أركان اليمان ‪:‬‬
‫تساهل المرجئة حيث قالوا ل يضر مــع اليمــان ذنــب و قــابله غلــو الخــوارج‬
‫الذين يرون كفر فاعــل الكــبيرة‪ ,‬و ضــلت المعتزلــة حينمــا قــالت إن فاعــل‬
‫الكبيرة بمنزلة بين المنزلــتين‪ ,‬والوســط مــذهب أهــل الســنة والجماعــة أن‬
‫فاعل المعصية ناقص اليمان بقـدر المعصـية ليـس كـافرا ً بمجـرد معصـيته‪,‬‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية –رحمه اللـه‪ -‬يعـرف الخـوارج‪" :‬و الخـوارج لهـم‬
‫أسماء‪ ،‬يقال لهم "الحرورية" لنهم خرجوا بمكان يقــال لــه حــروراء‪ ،‬ويقــال‬
‫لهم "أهل النهروان" لن عليا ً قاتلهم هناك‪ ،‬ومن أصــنافهم "الباضــية" أتبــاع‬
‫عبدالله بن أباض‪ ،‬و "الزارقة" أتباع نافع بن الزرق‪ ،‬و "النجــدات" أصــحاب‬
‫نجدة الحروري ‪ .‬وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من‬
‫الذنوب‪ ،‬واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك؛ فكانوا كما نعتهم النبي صلى اللــه‬
‫عليه و آله و سلم‪" :‬يقتلون أهــل الســلم ويـدعون أهـل الوثــان" ‪ ،‬وكفــروا‬
‫علي بن أبي طالب وعثمان بن عفــان ومــن والهمــا‪ ،‬وقتلــوا علــي بــن أبــي‬
‫طالب مستحلين لقتله‪ ،‬قتله عبدالرحمن بن ملجم المرادي منهم‪ ،‬وكان هــو‬
‫‪ 79‬باختصار من فتح البارى ‪ , 47 – 46 /1‬اليمان ‪ ,‬و أنظر العذر بالجهل للشيخ أحمد فريد ص ‪21‬‬
‫)‪ (5‬شرح العقائد النسفية ص ‪ _ 123‬لسعد الدين التفتازاني ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫وغيره من الخوارج مجتهدين في العبــادة‪ ،‬لكــن كــانوا جهــال ً فــارقوا الســنة‬
‫والجماعة؛ فقال هؤلء‪ :‬مــا النــاس إل مــؤمن أو كــافر‪ ،‬والمــؤمن مــن فعــل‬
‫جميع الواجبات وترك جميع المحرمات؛ فمن لم يكن كذلك فهو كـافر مخلــد‬
‫في النار‪ .‬ثم جعلوا كل من خـالف قـولهم كـذلك؛ فقـالوا‪ :‬إن عثمـان وعليـا ً‬
‫ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلمــوا فصــاروا كفــارا ً ‪ .‬ومــذهب هــؤلء‬
‫باطل بدلئل كثيرة مـن الكتـاب والسـنة؛ فـإن اللـه سـبحانه أمـر بقطـع يـد‬
‫السارق دون قتله‪ ،‬ولو كان كافرا ً مرتدا ً لوجب قتلــه؛ لن النــبي صــلى اللــه‬
‫عليه و آله و سلم قال‪" :‬من بدل دينه؛ فاقتلوه ‪ ،"((1‬وقال صلى الله عليــه و‬
‫آله و سلم‪" :‬ل يحل دم امرىء مسلم إل بإحدى ثلث‪ :‬كفر بعد إسلم‪ ،‬وزنــا‬
‫بعد إحصان‪ ،‬أو قتل نفس يقتــل بهــا ‪ ." ((1‬وأمــر ســبحانه بــأن يجلــد الزانــي‬
‫والزانية مئة جلدة‪ ،‬ولو كانــا كــافرين لمــر بقتلهمـا‪ ،‬وأمــر ســبحانه أن يجلــد‬
‫قاذف المحصنة ثمانين جلدة‪ ،‬ولو كان كافرا ً لمــر بقتله*" ‪ .‬و يقــول أيض ـا ً –‬
‫رحمــه اللــه‪ ) -‬ولهــذا قــال علمــاء الســنة فــي وصــفهم اعتقــاد أهــل الســنة‬
‫والجماعة ‪-‬أنهم ل يكفرون أحدا ً من أهل القبلــة بــذنب‪ . -‬إشــارة إلــى بدعــة‬
‫الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب‪ ،‬فأما أصل اليمــان الــذي هــو القــرار بمــا‬
‫جاءت به الرسل عن الله تصديقا ً به وانقيادا ً له؛ فهذا أصل اليمان الذي من‬
‫لم يأت به فليس بمؤمن‪ ،‬ولهذا تواتر في الحاديث ‪ ) :‬أخرجوا من النار مــن‬
‫كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ( ‪. "**((3‬‬

‫هل الفاسق يوصف بأنه مؤمن لوجود أصل اليمان عنده ؟ ‪:‬‬
‫قال شيخ السلم بن تيميــة –رحمــه اللــه‪ ) -‬ول يســلبون "أي أهــل الســنة و‬
‫مّلي‪ ((3‬اسم اليمان بالكلية‪ ،‬ول يخلدونه في النــار‪ ،‬كمــا‬
‫الجماعة" الفاسق ال ِ‬
‫تقول المعتزلة‪ ،‬بل الفاسق يدخل في اسم اليمــان فــي مثــل قــوله تعــالى‪:‬‬
‫ة{‪ . ((4‬وقد ل يدخل في اسم اليمان المطلــق كمــا فــي‬
‫من َ ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫}فَت َ ْ‬
‫ريُر َرقَب َةٍ ُ‬
‫ح ِ‬
‫ت‬
‫ن ال ّـ ِ‬
‫مؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫م وإذا ت ُل ِي َـ ْ‬
‫ت قُل ُــوب ُهُ ْ‬
‫جل َـ ْ‬
‫ه وَ ِ‬
‫ن إذا ذ ُك ِـَر اللـ ُ‬
‫ما ال ُ‬
‫قوله تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ً ‪((1‬‬
‫م ِإيمانا{ ‪ ،‬وقوله صلى الله عليه و آله و سلم ‪ ) :‬ل يزني‬
‫ه َزاد َت ْهُ ْ‬
‫م آيات ُ ُ‬
‫ع َِليه ْ‬
‫)‪ (1‬رواه البخاري رقم ‪ ،3017‬و برقم ‪ 6922‬؛ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما‪.‬‬
‫)‪] (1‬صحيح[‪ .‬رواه أبو داود في )الديات‪ ،‬باب المام يأمر بالعفو في الدم(‪ ،‬والنسائي رقم ‪(4019‬؛‪.‬‬
‫ورواه النسائي )‪. (4017‬‬
‫* ))مجموع الفتاوى(( )‪.(482 - 481 / 7‬‬
‫)‪ (3‬حديث صحيح‪ .‬رواه الترمذي برقم ‪ ، 2598‬ورواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه‬
‫بنحوه‪.‬‬
‫** ))مجموع الفتاوى(( )‪.(474 / 12‬‬
‫)‪ (3‬الذي على ملة السلم‪.‬‬
‫)‪ (4‬النساء‪.92 :‬‬
‫)‪ (1‬النفال‪.2 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫الزاني حين يزني وهو مؤمن‪،‬ول يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن‪ ،‬ول‬
‫يشرب الخمر حين يشـربها وهـو مـؤمن‪ ،‬ول ينتهـب نهبـة ذات شـرف يرفـع‬
‫الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مــؤمن (‪ .((2‬ويقولــون‪ :‬هــو مــؤمن‬
‫ناقص اليمان‪ ،‬أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فل يعطــى الســم المطلــق‪،‬‬
‫ول يسلب مطلق السم(*‪.‬‬
‫فصل في بيان إجماع أهل السنة و الجماعة على أن اليمان‬
‫يزيد و ينقص‪:‬‬
‫أجمعوا على أنه يزيد و ينقص ‪ ,‬يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي و الثام‬
‫قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر –رحمه الله تعالى‪" :-‬وعلى أن ليمان‬
‫يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية جماعة أهل الثار والفقهاء‬
‫أهل الفتوى بالمصار وقد روى ابن القاسم عن مالك أن اليمان يزيد و‬
‫وقف في نقصانه و روى عنه عبدالرزاق ومعمر بن عيسى وابن نافع وابن‬
‫وهب أنه يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وعلى هذا مذهب‬
‫الجماعة من أهل الحديث والحمد لله‪ 80‬اه (‬
‫الرد على من قال ) واليمان واحد وأهله في أصله سواء ( ‪:‬‬
‫قال صاحب الطحاوية‪ ) :‬واليمان واحد وأهله في أصله سواء ( قال الشيخ‬
‫صالح بن الفوزان‪" :‬هذا فيه نظر بل هو باطل ‪ ،‬و هذا هو قول أهل‬
‫الرجاء ‪ .‬فليس أهل اليمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتا عظيما‪،‬‬
‫فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم‪ ،‬كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين‬
‫وبقية الصحابة رضي الله عنهم مثل إيمان غيرهم‪ ،‬وهكذا ليس إيمان‬
‫المؤمنين كإيمان الفاسقين؛ وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم‬
‫بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده اهـ" فاليمان يزيد و ينقص و ذلك‬
‫ثابت فى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعالى‪:‬‬
‫"وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ً وعلى ربهم يتوكلون‪ "81‬و قال تعالى‪:‬‬
‫"فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ً‪ "82‬و قال تعالى‪" :‬و يزداد الذين آمنوا‬
‫إيمانا ً‪ , "83‬و من النصوص أيضا ً التي تدل على أنه ينقص قول رسول الله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم‪" :‬من رأى منكم منكرا ً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف اليمان)‪ . "(84‬و عن‬
‫أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫)‪ (2‬رواه البخاري برقم ‪ ،2475‬و ‪ ، 5578‬ومسلم برقم ‪. 57‬‬
‫* ))مجموع الفتاوى(( )‪ (152 - 151 / 3‬وهذا النص من العقيدة الواسطية له‪.‬‬
‫‪ 80‬التمهيد لبن عبد البر ج‪ 9 :‬ص‪252 :‬‬
‫‪ 81‬النفال ‪2‬‬
‫‪ 82‬التوبه ‪124‬‬
‫‪ 83‬المدثر ‪31‬‬
‫‪ ()84‬أخرجه مسلم )رقم ‪.(49‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫"يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من‬
‫كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا‬
‫فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب‬
‫السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية‪ . "85‬و قوله صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫"مثقال حبة من خردل" أى ل أقل منها والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من‬
‫العمال على أصل التوحيد ‪ ,‬لقوله في الرواية الخرى‪" :‬أخرجوا من قال ل‬
‫إله إل الله وعمل من الخير ما يزن ذرة" ‪.‬‬
‫التحقيق في قول بعض المتكلمين نفس التصديق ل يزيد ول‬
‫ينقص واليمان الشرعى يزيد وينقص ‪:‬‬
‫قال المام النووي ‪-‬رحمه الله‪": -‬و كون اليمان يزيد وينقص وهذا مذهب‬
‫السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته‬
‫ونقصانه وقالوا متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا قال المحققون من‬
‫أصحابنا المتكلمين نفس التصديق ل يزيد ول ينقص واليمان الشرعى يزيد‬
‫وينقص بزيادة ثمراته وهي العمال ونقصانها قالوا وفى هذا توفيق بين‬
‫ظواهر النصوص التى جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه فى‬
‫اللغة وما عليه المتكلمون وهذا الذى قاله هؤلء وان كان ظاهرا حسنا‬
‫فالظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الدلة‬
‫ولهذا يكون ايمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم بحيث ل تعتريهم الشبه‬
‫ول يتزلزل ايمانهم بعارض بل ل تزال قلوبهم منسرخة نيرة وان اختلفت‬
‫عليهما الحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك‬
‫فهذا مما ل يمكن انكاره ول يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر‬
‫الصديق رضى الله عنه ل يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخارى فى‬
‫صحيحه قال ابن أبى مليكة أدركت ثلثين من أصحاب النبى صلى الله عليه‬
‫وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه على ايمان‬
‫جبريل وميكائيل والله أعلم‪"86‬‬
‫الستثناء في اليمان ‪:‬‬
‫إن أراد أصل اليمان ‪:‬‬
‫الذي هو بمعنى السلم والذي يكون بدونه كافرا فل يصح الستثناء حينئذ‬
‫لنه يكون في هذه الحالة متضمنا لمعنى الشك في أصل الدين وهو محرم‬
‫بل يجب على المسلم أن يجزم بإيمانه بهذا العتبار ويقول ‪ :‬أنا مؤمن دون‬
‫استثناء ‪.‬‬
‫وأما إن أراد كمال اليمان ‪:‬‬
‫والمرتبة العالية التي هي فوق مرتبة السلم فعليه أن يستثني ويقول إن‬
‫شاء الله لن في عدم الستثناء تزكية منعت الشريعة منها كما في قوله‬
‫تعالى ‪" :‬فل تزكوا أنفسكم" وقالت المرجئة والمعتزلة‪ :‬ل يجوز الستثناء‬
‫‪85‬‬
‫‪86‬‬

‫صحيح البخاري ج‪ 1 :‬ص‪16 :‬برقم ‪22‬‬
‫شرح النووي على صحيح مسلم ج‪ 1 :‬ص‪148 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫في اليمان بل هو شك؛ و ذلك القول بسبب إعتقادهم الفاسد أن اليمان‬
‫واحد و أهله فيه سواء‪ ,‬فل يقولون لليمان كمال مستحب‪ ,‬و أهل السنة‬
‫يقولون إذا قال المسلم أنا مؤمن إن شاء الله يقصد أنه يرجوا من الله‬
‫تعالى أن يكون مؤمن كامل اليمان‪ ,‬أو أنه يرجوا من الله تعالى أن يكون‬
‫من المؤمنين الذين لهم عقبى الدار فذلك جائز ‪.‬‬
‫و إن أراد أن له الجنة فذلك كفر ‪:‬‬
‫لنه ل يعلم ذلك إل الله ‪ ,‬فذلك قول عمر بن الخطاب ) من زعم أنه مؤمن‬
‫فهو كافر ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو‬
‫جاهل ( ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬من‬
‫زعم أنه في الجنة فإنه فهو في النار ‪"87‬‬

‫باب في التوحيد العلمي توحيد المعرفة و‬
‫‪88‬‬
‫الثبات‬
‫َ‬
‫سَنى‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ماءُ ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه اْل ْ‬
‫س َ‬
‫و قول الله جل ذكره ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫فادْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ي ُل ْ ِ‬
‫مائ ِ ِ‬
‫وذَُروا ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫في أ ْ‬
‫عوهُ ب ِ َ‬
‫ذي َ‬
‫س َ‬
‫ها َ‬
‫ما َ‬
‫ن ‪ (180‬العراف‬
‫مُلو َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫سي ُ ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫جَز ْ‬
‫َ‬
‫سَنى َ‬
‫ها( الية‪:‬‬
‫فادْ ُ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ماءُ ال ْ ُ‬
‫عوهُ ب ِ َ‬
‫ح ْ‬
‫ه اْل ْ‬
‫س َ‬
‫قوله تعالى‪َ ) :‬‬
‫روى أصحاب السنن الخمسة بسند صحيح من حديث النعمان بن بشير أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال‪" :‬الدعاء هو العبادة"‪ .‬و الدعاء‬
‫يتضمن العبادات القلبية كالحب و الخوف و الرجاء و التوكل و النابة و غير‬
‫ذلك‪ ,‬و بقدر حصول القلب على كل واحد ٍ منها يتفاضل الدعاء و إنما يتأتى‬
‫ذلك بمشاهدة القلب لكمال الله تعالى في أسمائه و صفاته و أفعاله‪.‬‬
‫و ل شك أن دعاء الله تعالى بأسمائه و صفاته و التعبد له بمقتضاها هي جنة‬
‫الدنيا التي من لم يدخلها لم يدخل جنة الخرة قال شيخ السلم بن تيمية‬
‫"في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الخرة" يقصد بذلك القرب من‬
‫الله تعالى و محبته و مراقبته سبحانه‪ .‬و ل شك أن من يعبد الله تعالى‬
‫يدعوه و هو على علم بباب السماء و الصفات أفضل ممن يعبده تعالى و‬
‫ل هَ ْ‬
‫يدعوه و هو على فقر مدقع بهذا الباب قال تعالى‪ " :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫وي ال ّ ِ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب‪ "9‬اليه سورة الزمر‪ .‬بل ل‬
‫ن َوال ّ ِ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬
‫ن َل ي َعْل َ ُ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫ما ي َت َذ َك ُّر أوُلو اْلل َْبا ِ‬
‫ذي َ‬
‫يكتمل إيمان عبد ٍ حتى يتعلم هذا الباب‪ ,‬و من هذا الصل تبرز ضرورة تعلم‬
‫العلم النافع بنية متابعته بعمل صالح‪ ,‬و إل فليس الهدف من العلم تحصيل‬
‫‪87‬‬
‫‪88‬‬

‫مسند الحارث زوائد الهيثمي ‪17‬‬
‫و سمي بذلك لتعلقه بالمعرفة و الخبار و يسمى توحيد السماء و الصفات‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫قيل و قال أو تتبع الشاذ و النادر من القوال‪ ,‬بل إن تعلم العلم بمثل هذه‬
‫النوايا من أخطر ما يكون و هو مما جنى به علم الكلم على المسلمين أن‬
‫تصبح قضية العقيدة مجرد كلم يقال و مجرد مسائل تعرف و تحفظ و ردود‬
‫و شبهات أو تصبح المسائل المتفرعة هي الغاية‪ ,‬فهذه جناية كبيرة في فهم‬
‫السلم و فهم المسلم لدينه‪ .‬و إل فتعلم العلم ليس لمجرد معرفة‬
‫المسائل أو لمعرفة الردود على المخالفين و حسب و لكن الهدف هو‬
‫التزكية‪ 89‬على بصيرة‪ ,‬وكما أن العبادات البدنية كالصلة و الصوم و الزكاة‬
‫و الحج و غيرها من لها أحكاما ً بمقتضاها يعلم المؤمن ما يجب عليه و ما‬
‫يحرم و ما يستحب له و ما يكره‪ ,‬وكذلك العبادات القولية كالدعاء و الذكر‬
‫و قراءة القرآن‪ ,‬و العمال القلبيه كالحب و الخوف و الرجاء و الصبر و‬
‫التوكل و التوبة و غيرها‪ ,‬فكذلك في العبادات العتقادية فهناك ما يجب و ما‬
‫يحرم و ما يبدع به المخالف و ما يكفر به‪ ,‬و في هذا الباب نتعرض لشئ‬
‫منها لتكون التزكية و العبادة على بصيرة من أمر الله تعالى و لتتحق‬
‫المتابعة التي هي شرط في صحة العمل‪.‬‬

‫َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫ن ي ُل ْ ِ‬
‫مائ ِ ِ‬
‫وذَُروا ال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫في أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫س َ‬
‫و قال تعالى‪َ ) :‬‬
‫ما َ‬
‫ن(‪:‬‬
‫مُلو َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫سي ُ ْ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫جَز ْ‬

‫خرج الشيخان في صحيحيهما‪:‬‬
‫من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم قال‪" :‬كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في‬
‫الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" إن هذا الحديث عمدة‬
‫في هذا الباب لشموله للمنهج الرباني منهج رسول الله صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم و أتباعه في باب السماء و الصفات و الذي اشتهر باسم منهج‬
‫أهل السنة و الجماعة في باب السماء و الصفات فإن التسبيح تنزيه لله‬
‫ي عن الله تعالى لكل ما نفاه عن نفسه‬
‫تعالى عن كل نقص و عيب و نف ٍ‬
‫العظيمة و هو مقتضى هاء الضمير‪ ,‬أما الحمد فهو ثناء على الله تعالى بكل‬
‫ما اتصف به من أسماء الكمال و نعوت الكمال و الجلل و هي السماء‬
‫الحسنى و الصفات العلى فيحمد على كماله الذي أثبته لنفسه و هو‬
‫مقتضى هاء الضمير في قوله صلى الله عليه و آله و سلم "و بحمده" أي‬
‫الذي أخبرنا به و هي تدل أيضا ً على اختصاصه و حده بهما "ليس كمثله‬
‫شئ" فله الحمد ‪,‬‬
‫و قد فصل ذلك المعنى شيخ السلم بن تيمية رحمه الله‪:‬‬
‫بعبارة موجزة فقال "نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه و ما‬
‫وصفه به نبيه صلى الله عليه و سلم من غير تعطيل و ل تحريف و من غير‬
‫تكييف و ل تمثيل"‬
‫‪89‬‬

‫بتصرف من شرح المنة للشيخ ياسر برهامي حفظه الله‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫قال الشيخ ياسر برهامي –حفظه الله‪" -‬و قوله "نؤمن" أي نتعبد لله‬
‫بمقتضى ذلك فاليمان قول و عمل ‪ ,‬و قوله "وصف" هي أشمل من كلمة‬
‫اثبت لنها تشمل الثبات و النفي فنحن نثبت ما أثبته الله لنفسه و ننفي ما‬
‫نفاه الله عن نفسه ‪ ,‬فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهو معطل‪ ،‬و من‬
‫صرف السماء و الصفات عن ظاهرها فهو محرف‪ ,‬ومن أثبتها مع التشبيه‬
‫صار مشبها ً و الله تعالى يقول ) و ل يحيطون به علما ً‪ ( 90‬فالمشبه صار‬
‫مشابها ً للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره‪ ،‬ومن أثبتها بل تعطيل و ل‬
‫تشبيه و ل تمثيل صار من الموحدين"اهـ ‪ .‬و فهم السلف هذا ليات الصفات‬
‫عبروا عنه بقولهم "أمروها كما جائت" أي أمروها كما جائت دالة على‬
‫معانيها الئقة بجلل الله تعالى أي ل تعطلوا معانيها‪ ,‬مع القرار بجهل‬
‫الكيف أي عدم التشبيه أو التمثيل‪ .‬و من هذه الناحية كانت متشابهة أي‬
‫مجهولة الكيفية‪ ,‬أما من قال إن آيات الصفات متشابهة بمعنى أنه يجهل‬
‫معناها فتكون بمنزلة الكلم العجمي فل شك في بطلن هذا القول ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و النفي المحض ل يدل على مدح و ل كمال‪:‬‬
‫و لذلك فاعلم أن النفي الذي يقصد به الصفات السلبية نفي كمال‪ ,‬فالنفي‬
‫إما نفي كمال أو نفي محض أو نفي عجز‪ ,‬قال شيخ السلم بن تيمية رحمه‬
‫الله ‪" :‬و ينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح و ل كمال إل إذا تضمن‬
‫إثباتا و إل فمجرد النفي ليس فيه مدح و ل كمال لن النفي المحض عدم‬
‫محض‪ ,‬و العدم المحض ليس بشئ فهو كما قيل ليس بشئ فضل ً عن أن‬
‫يكون مدحا ً أو كما ً‬
‫ل‪ .‬و لن النفي المحض يوصف به المعدوم و الممتنع و‬
‫المعدوم و الممتنع ل يوصف بمدح و ل كمال اهـ‪ "91‬و من هنا كانت الصفات‬
‫السلبية في حق الله تعالى كمال ً لنها تتضمن إثباتًا‪ ,‬و مثال ذلك قوله‬
‫تعالى‪" :‬ل تأخذه سنة و ل نوم"‬
‫فنفي السنة يتضمن إثبات كمال الحياة و القيومية‪ ,‬و قوله تعالى‪" :‬و ما‬
‫مسنا من لغوب" يتضمن إثبات كمال القوة و القدرة فالنفي هنا متضمن‬
‫لثبات صفات الكمال‪.‬‬
‫أما النفي الذي يثبت عجزا ً فمثاله قول القائل‪ ,‬لكن قومي و إن كانوا ذوي‬
‫عدد * ليسوا من الشر في شئ و إن هانا‪ ,‬فقوله "ليسوا من الشر في‬
‫شئ" نفي و لكنه ليس نفي كمال لنه ل يثبت كمال بل يثبت عجزهم‪.‬‬
‫أما النفي المحض الذي هو عدم محض و الذي ل يتضمن إثبات كمال فمثاله‬
‫ل يظلم الجدار فالجدار ل يقبل الظلم أص ً‬
‫ل‪.‬‬

‫أول ً فصل في قواعد توحيد السماء و‬
‫الصفات عند أهل السنة و الجماعة‪:‬‬
‫أول ً قواعد في السماء الحسنى‪:‬‬

‫‪ 90‬طه ‪110‬‬
‫‪ 91‬مجموع الفتاوى ‪53 \ 3‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫ةو‬
‫القاعدة الولى‪ :‬السماء الحسنى على حقيقتها مطابق ً‬
‫تضمينا ً والتزاما‪:‬‬
‫السماء الحسنى جمع أحسن و سميت بذلك لمرين الول أنها دالة على‬
‫أحسن مسمى و الثاني أنها دالة على أشرف مدلول من صفات الكمال و‬
‫الجلل لله تعالى‪,‬‬
‫و السم يدل على الذات و يدل على صفه من صفات الكمال القائمة بالله‬
‫تعالى تضمينًا‪ ،‬و يدل على الصفات الخرى التزاما ً فاسمه تعالى )الله( دال‬
‫على كونه مألوه معبودا ً وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته ‪ ،‬المتضمن‬
‫لكمال الملك والحمد ‪.‬وإلهيته وربوبيته ‪ ،‬ورحمانيته ‪ ،‬وملكه ‪ ،‬مستلزم‬
‫لجميع صفات كماله ‪ .‬إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ‪ ،‬ول سميع ‪ ،‬ول‬
‫بصير ‪ ،‬ول قادر ‪ ،‬ول متكلم ‪ ،‬ول فّعال لما يريد ‪ ،‬ول حكيم في أفعاله ‪ ,‬أما‬
‫بالنسبة للصفة فتدل على نعت من نعوت الكمـال القائمة بالذات و ل تدل‬
‫على الذات‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و السماء مترادفة و متباينة باعتبارين‪:‬‬
‫فالسماء أعلم و أوصاف‪ ,‬أعلم باعتبار دللتها على الذات و أوصاف باعتبار‬
‫دللتها على معاني الجلل و الكمال التي تضمنتها‪ ,‬و هي باعتبارها أعلم‬
‫مترادفة لدللتها على مسمى واحد و هو الله عز وجل‪ ,‬و باعتبارها أوصاف‬
‫فهي متباينةلدللة كل واحد ٍ منها على معنى خاص‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و ليس في القرآن مجاز‪:‬‬
‫إنه من المقرر أن السماء على حقيقتها بمعنى أنه ل مجاز ول استعارة فيها‬
‫البتة فهي على حقيقتها كما وردت دالة على معانيها الئقة بجلل الله تعالى‬
‫و كماله‪ .‬و قد قسم المعطلة القرآن إلى حقيقة و مجاز و إنما أرادوا بذلك‬
‫النفي‪ ,‬فسارع كثير من العلماء بمنعه و إنكار وقوعه في القرآن كأبو‬
‫إسحاق السرافييني و داود الظاهري و ابن القاص الشافعي و ابن خويز‬
‫منداد المالكي و شيخ السلم بن تيمية و بن القيم و الشيخ محمد المين‬
‫الشنقيطي وغيرهم‪ .‬و قالوا إن إطلق مصطلح المجاز على بعض القرآن‬
‫ى باطل قال شيخ‬
‫أمٌر محدث ل يعرفه السلف و المعنى المراد منه معن ً‬
‫السلم بن تيمية رحمه الله تعالى‪" :‬و لكن المشهور أن الحقيقة و المجاز‬
‫من عوارض اللفاظ‪ ,‬و بكل حال فهذا التقسيم هو اصطلح حادث بعد‬
‫انقضاء القرون الثلثة لم يتكلم به أحد من الصحابة و ل التابعين لهم‬
‫بإحسان و ل أحد من الئمة المشهورين في العلم كمالك و الثوري و‬
‫الوزاعي و ابي حنيفة و الشافعي بل و ل تكلم به ائمة اللغة و النحو‬
‫كالخليل و سيبويه‪ ,‬و أبي عمرو بن العلء و نحوهم‪ "92‬و لذلك فرد هذا‬
‫المصطلح أصحاب العقيدة السلفية و ذلك لبطال مراد من أطلقه من‬
‫المعطلة النفاة‪ ,‬و كان ممن تصدى لبطال القول بوقوع المجاز في القرآن‬
‫‪92‬‬

‫مجموع الفتاوى ‪88-87 \ - 7‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫من المعاصرين الشيخ العلمة محمد المين الشنقيطي رحمه الله حيث‬
‫قال‪" :‬و أوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن‬
‫كل مجاز يجوز نفيه و يكون نافيه صادقا ً في نفس المر فتقول من يقول‬
‫رأيت أسدا ً يرمي ليس هو بأسد و إنما هو رجل شجاع فيلزم على القول‬
‫بأن في القرآن مجازا ً أن في القرآن ما يجوز نفيه و ل شك أنه ل يجوز نفي‬
‫شئ من القرآن‪ .‬ثم قال و هذا اللزوم القيني الواقع بين القول بالمجاز في‬
‫القرآن و بين جواز نفي بعض الصفات قد شوهدت في الخارج صحته‪ ,‬و انه‬
‫كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال و الجلل الثابته لله في القرآن‬
‫العظيم‪ "93‬فعلى هذا المعنى يرد مصطلح المجاز‪ ,‬إل أنه قد نقل عن شيخ‬
‫يول‬
‫السلم أن مصطلح المجاز إن قام عليه الدليل و لم يؤدي إلى نف ٍ‬
‫تعطيل فل بأس به‪ ,‬فقد ذكر جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل نق ً‬
‫ل‬
‫عن شيخ السلم بن تيمية القول بالمجاز في إحدى مراحل عمره حيث قال‬
‫شيخ السلم بن تيمية رحمه الله‪ " :‬نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله و‬
‫بالتأويل الجاري على نهج السبيل‪ ,‬و لم يوجد في شئ من كلمنا و كلم أحد‬
‫منا أنا ل نقول بالمجاز و التأويل و الله عند لسان كل قائل و لكن ننكر من‬
‫ذلك ما خالف الحق و الصواب و ما فتح به الباب إلىهدم السنة و الكتاب و‬
‫اللحاق بمحرفة أهل الكتاب‪ .‬و المنصوص عن المام أحمد و جمهوره أن‬
‫القرآن مشتمل على المجاز و لم يعرف عن غيرهمن الئمة غيره نص في‬
‫هذه المسألة و قد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه و غيرهم‪ ,‬كأبي بكر‬
‫بن أبي داود و أبي الحسن الخرزي و أبي الفضل التميمي و ابن حامد و‬
‫غيرهم إلى إنكار ان يكون في القرآن مجاز‪ .‬و غنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه‬
‫من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز فقابلوا الضلل بحسم المواد و‬
‫خيار المور التوسط و القتصاد اهـ‪ . "94‬و ختاما ً فمن أطلقه من العلماء‬
‫قصد ما وافق الدليل‪ ,‬و من رأى أن مؤداه إلى النفي و التعطيل أبطل ذلك‬
‫المعنى منه و منعه سدا ً للذرية‪ ,‬و لذلك فالمختار منعه لن الغالب أن‬
‫إطلقه يفضي إلى استعماله في هذا المعنى‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و السم هو المسمى أي دا ٌ‬
‫ل عليه‪:‬‬
‫قال تعالى "ولله السماء الحسنى" قال ابن العربي رحمه الله و في ذلك‬
‫دليل على أن السم هو المسمى لنه لو كان غيره لوجب أن تكون السماء‬
‫لغير الله تعالى ‪ .‬و قال شيخ السلم بن تيمية رحمه الله تعالى‪" :‬و السم‬
‫نفسه يسبح ويذكر ويراد بذلك المسمى ‪ .‬والسم نفسه ل يفعل شيًئا‪ ،‬ل‬
‫إكراما ول غيره؛ ولهذا ليس في القرآن إضافة شيء من الفعال والنعم إلى‬
‫م َرب ّ َ‬
‫ك اْل َع َْلى ‪ "1‬العلى ‪" .‬ت ََباَر َ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫ك" ‪،‬‬
‫حا ْ‬
‫السم‪ .‬ولكن يقال‪َ " :‬‬
‫ك اس ُ‬
‫س َ‬
‫سب ّ ِ‬
‫ونحو ذلك‪ .‬فإن اسم الله مبارك تنال معه البركة‪ .‬والعبد يسبح اسم ربه‬
‫‪93‬‬
‫‪94‬‬

‫منع المجاز في المنزل للتعبد و العجاز ص ‪8‬‬
‫محاسن التأويل ‪ 6156 \ 17‬تفسير سورة الفجر ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫م َرب ّ َ‬
‫ك‬
‫حا ْ‬
‫العلى فيقول‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ .‬ولما نزل قوله‪َ " :‬‬
‫س َ‬
‫سب ّ ِ‬
‫اْل َع َْلى" ‪ ،‬قال‪) :‬اجعلوها في سجودكم(‪ ،‬فقالوا‪) :‬سبحان ربي العلى(‪.‬‬
‫فكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ل يقول‪) :‬سبحان اسم ربي‬
‫العلى(‪ .‬لكن قوله‪) :‬سبحان ربي العلى(‪ ،‬هو تسبيح لسمه يراد به تسبيح‬
‫عوا ْ‬
‫ه أ َوِ اد ْ ُ‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫عوا ْ الل ّ َ‬
‫المسمى‪ ،‬ل يراد به تسبيح مجرد السم‪ ،‬كقوله‪" :‬قُ ِ‬
‫الرحمـ َ‬
‫َ‬
‫سَنى ‪ "11‬السراء ‪ .‬فالداعى يقول‪:‬‬
‫ما ت َد ْ ُ‬
‫ماء ال ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه ال ْ‬
‫س َ‬
‫عوا ْ فَل َ ُ‬
‫ن أّيا ّ‬
‫ّ ْ َ َ‬
‫َ‬
‫ما{‪ ،‬أى السمين‬
‫]يا الله[‪] ،‬يا رحمن[‪ ،‬ومراده المسمى‪ .‬وقوله‪} :‬أّيا ّ‬
‫تدعوا‪ ،‬ودعاء السم هو دعاء مسماه‪ .‬وهذا هو الذي أراده من قال من أهل‬
‫السنة‪:‬إن السم هو المسمى‪ .‬أرادوا به أن السم إذا دعي وذكر يراد به‬
‫المسمى‪.‬فإذا قال المصلى‪]:‬الله أكبر[‪ ،‬فقد ذكر اسم ربه‪،‬ومراده المسمى‪.‬‬
‫لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة في الخارج‪.‬فإن فساد هذا‬
‫ل يخفي على من تصوره‪،‬ولو كان كذلك كان من قال‪] :‬ناًرا[‪ ،‬احترق‬
‫لسانه‪ 95‬اهـ" ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و من السماء ما يتضمن أكثر من صفة‪:‬‬
‫حسنى ما يكون دال ً على‬
‫قال المام ابن القيم رحمه الله ‪ :‬من أسمائه ال ُ‬
‫عدة صفات ‪ .‬ويكون ذلك السم متناول ً لجميعها تناول السم الدال على‬
‫الصفة الواحدة لها ‪ .‬كاسمه العظيم ‪ ،‬والمجيد والصمد ‪ ،‬كما قال ابن عباس‬
‫م َ‬
‫ل في‬
‫فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره ‪ :‬الصمد السيد الذي قد ك َ ُ‬
‫سودده "أي سيادته فله تعالى كمال السيادة على الخلئق أجمعين" ‪،‬‬
‫والشريف الذي قد كمل في شرفه ‪ ،‬والعظيم الذي قد كمل في عظمته ‪،‬‬
‫والحليم الذي قد كمل في حلمه ‪ ،‬والعليم الذي قد كمل في علمه ‪،‬‬
‫والحكيم الذي قد كمل في حكمته ‪ ،‬وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه‬
‫وسودده وهو الله سبحانه ‪ .‬وهذه صفته ل تنبغي إل له ليس له كفوا ً أحد ‪،‬‬
‫وليس كمثله شئ ‪ ،‬سبحان الله الواحد القهار ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬ويمنع السم المتضمن للصفة‪:‬‬
‫قال بن حجر رحمه الله‪" :‬والمعروف عند الشافعية الحنابلة وغيرهم من‬
‫العلماء ان السماء ثلثة أقسام أحدها ما يختص بالله كالجللة والرحمن‬
‫ورب العالمين فهذا ينعقد به اليمين إذا اطلق ثانيها ما يطلق عليه وعلى‬
‫غيره لكن الغالب إطلقه عليه وانه يقيد في حق غيره بضرب من التقييد‬
‫كالجبار والحق والرب ونحوها فالحلف به يمين فان نوى به غير الله فليس‬
‫بيمين ثالثها ما يطلق في حق الله وفي حق غيره على حد سواء كالحي‬
‫والمؤمن فليس بيمين وان نوى الله انعقد على الصحيح‪"96‬‬

‫‪ 95‬مجموع الفتاوى المجلد الخامس عشر‬
‫‪ 96‬فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪226 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫فالقسم الثاني و الثالث من أسماء الله تعالى يجوز التسمي بها إن قصد بها‬
‫مجرد العلمية و إن لم تشتمل شئ من الصفات فإن تضمنت للصفة فتمنع‬
‫ة لجناب التوحيد‬
‫حماي ً‬
‫فعن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم ‪ ،‬فقال له النبي صلى الله عليه و‬
‫آله وسلم‪ " :‬إن الله هو الحكم ‪ ،‬وإليه الحكم "‪ .‬فقال ‪ :‬إن قومي إذا‬
‫اختلفوا في شيء ‪ ،‬أتوني ‪ ،‬فحكمت بينهم ‪ ،‬فرضي كل الفريقين ‪ .‬فقال‪:‬‬
‫"ما أحسن هذا ! فما لك من الولد ؟ " ‪ .‬قلت شريح ‪ ،‬ومسلم ‪ ،‬وعبد الله ‪.‬‬
‫قال ‪ " :‬فمن أكبرهم ؟ " ‪ .‬قلت ‪ :‬شريح ‪ .‬قال ‪ " .‬فأنت أبو شريح " ‪ .‬رواه‬
‫أبو داود وغيره‬
‫يقول الشيخ محمد صالح بن العثيمين رحمه الله في القول المفيد‪:‬‬
‫"وقوله ‪) :‬إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني( هذا بيان لسبب تسمية‬
‫بأبي الحكم ‪ .‬فهذا السم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى‬
‫الصفة وهي الحكم ‪ ،‬فصار بذلك مطابقا ً لسم الله ‪ ،‬وليس لمجرد العلمية‬
‫المحضة ‪ ،‬بل للعلمية المتضمنة للمعنى ‪ ،‬وبهذا يكون مشاركا ً لله سبحانه‬
‫وتعالى في ذلك‪ ،‬ولهذا كناه النبي صلى الله عليه و آله وسلم بما ينبغي أن‬
‫يكنى به ‪.‬‬
‫و التسمي بأسماء الله تعالى إن لم يقصد معناها جائز إل إذا سمي بما ل‬
‫يصح إل لله ‪ ،‬مثل ‪ :‬الله ‪ ،‬الرحمن ‪ ،‬رب العالمين‪ ،‬وما أشبهه‪ ،‬فهذه ل‬
‫تطلق إل على الله مهما كان ‪ ،‬وأما ما ل يختص بالله ‪ ،‬فإنه يسمى به غير‬
‫الله إذا لم يلحظ معنى الصفة ‪ ،‬بل كان المقصود مجرد العلمية فقط ‪ ،‬لنه‬
‫(‬
‫ل يكون مطابقا ً لسم الله ‪ ،‬ولذلك كان في الصحابة من اسمه " الحكم "‬
‫‪ (1‬ولم يغيره النبي صلى الله عليه و آله وسلم لنه لم يقصد إل العلمية ‪،‬‬
‫وفي الصحابة من اسمه " حكيم " ‪ ((2‬وأقره النبي صلى الله عليه و آله‬
‫وسلم فالذي يحترم من أسمائه تعالى ما يختص به ‪ ،‬أو ما يقصد به ملحظة‬
‫الصفة اهـ" ‪.‬‬
‫فإن قال قائل يجوز التسمي بشيء من أسماء الله تعالى و أن تكون‬
‫متضمنه للصفة بما يتوافق مع المخلوق فأسماء الله تعالى متضمنة‬
‫للصفات العلى التي ل تليق إل لله تعالى‪ ,‬و إذا أطلق السم على العبد و‬
‫كان متصفا ً بهذه الصفه فهي على ما يناسب لعبد بدليل قوله تعالى‪ " :‬وََقا َ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫زيُز" فاسم الملك‪ ,‬و العزيز‬
‫ال ْ َ‬
‫ك ائ ُْتوِني" و قوله تعالى‪َ " :‬قاُلوا َيا أي َّها ال ْعَ ِ‬
‫من اسماء الله تعالى‪ ,‬و قد بين الله تعالى أنه قد يسمى العبد بالسم مع‬
‫حصوله على قدر مما يتضمنه من الصفة على ما يليق بالعبد ‪ .‬فالجواب أن‬
‫ذلك ليس من باب التسمية بل من باب الخبار فليس هو إسمه الملك أو‬
‫العزيز بل صفته أنه ملك أو أنه عزيز‪ ,‬كما يقال الرئيس أو الوزير فليس‬
‫إسمه كذلك بل ذلك إخباٌر عنه و إنما إسمه خلف ذلك‪,‬‬
‫)‪(1‬‬

‫انظر " الصابة " لبن حجر ) ‪(1/342‬‬
‫)نظر " الصابة " لبن حجر ) ‪(349 / 1‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪75‬‬

‫مسألة‪ :‬و ل نقص في أسماء الله تعالى بوجه من الوجوه ل‬
‫احتمال ً و ل تقديرا‪:‬‬
‫‪97‬‬
‫قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله ‪" :‬فإذا كانت أسماء الله تعالى كلها‬
‫حسنى والحسنى هي المشتملة على أكمل وجوه الحسن فهي حسنى ليس‬
‫فيها نقص بوجه من الوجوه فيفهم من هذه القاعدة – أنه ل يوجد في‬
‫أسماء الله اسم يحتمل معنيين ‪ ،‬معنى حسن ومعنى غير حسن ولهذا لم‬
‫يكن من أسماء الله المتكلم ول من أسمائه المريد مع أنه متكلم مريد ‪،‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬لن المتكلم من قام به الكلم والكلم قد يكون حسنا ً وقد‬
‫يكون سيئا ً وكذلك الرادة ولهذا ل يصح أن نسمى الله بالمتكلم أو نسمى‬
‫الله بالمريد لكن يوصف بأنه متكلم وأنه مريد لن باب الخبار أوسع من‬
‫باب التسمية لن التسمية إنشاء تنشأ اسما للمسمى الذي تريد أن تسميه‬
‫لكن الخبار مجرد خبر ليس بإنشاء "‬
‫و لذلك فالسماء التي يسمى الله تعالى بها هي السماء التي ل نقص فيها‬
‫بوجه من الوجوه‪ ,‬و تنقسم من حيث دللتها على الكمال و النقص إلى‬
‫أربعة أقسام‪:‬‬
‫الول‪ :‬ألفاظ تدل على معنى ناقص ل كمال فيه كالعجز والفقر والعمى‬
‫فهذا ل يجوز أن يسمى الله به فل يسمى بالعاجز أو الفقير أو الخائن‬
‫الثاني‪ :‬ألفاظ تدل على النقص في حال وعلى الكمال في حال مثل ‪:‬‬
‫المكر ‪ ،‬الكيد ‪ ،‬الستهزاء فهذا ل يسمى الله به أيضا ً فل يقال ‪ :‬الماكر‬
‫والمخادع والمستهزىء‪ ,‬لن هذه السماء قد تحتمل نقصا ً ‪0‬‬
‫الثالث‪ :‬ألفاظ تدل على الكمال لكن تحمل النقص بالتقدير الذهني‬
‫كالمتكلم ‪ ،‬والمريد ‪ ،‬والفاعل‪ ,‬فالمتكلم قد يتكلم بخير وقد يتكلم بشر فل‬
‫يسمى الله به لن أسماءه ل تحمل النقص ولو بالتقدير ‪ .‬قال المام ابن‬
‫القيم رحمه الله" ‪:‬وما كان مسماه منقسما ً إلى كامل وناقص وخير وشر‬
‫لم يدخل اسمه في السماء الحسنى كالشيء والمعلوم ولذلك لم يسم‬
‫بالمريد ول بالمتكلم وإن كان له الرادة والكلم لنقسام مسمى " المريد "‬
‫و " المتكلم " وهذا من دقيق فقه السماء الحسنى فتأمله وبالله التوفيق"‬
‫‪ 98‬اهـ ‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬ألفاظ دالة على غاية الكمال وليس فيها نقص أبدا ً ل احتمال ول‬
‫تقديرا ً وهذا هو الذي يسمى الله به‬
‫القاعدة الثانية‪ :‬و أسماء الله تعالى توقيفية‪:‬‬
‫قال بن حجر رحمه الله‪" :‬وقال أبو الحسن القابسي أسماء الله وصفاته ل‬
‫تعلم ال بالتوقيف من الكتاب أو السنة أو الجماع ول يدخل فيها القياس‬
‫‪99‬‬
‫ولم يقع في الكتاب ذكر عدد معين وثبت في السنة انها تسعة وتسعون ‪.‬‬
‫‪ 97‬في شرحه على صحيح البخاري المخطوط ص ‪12‬‬
‫‪ 98‬بتصرف من مدارج السالكين ) ‪ , (3/415‬وانظر بدائع الفوائد )‪(1/161‬‬
‫‪ 99‬فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪217 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫ثم قال ونقل عن أبي خلف محمد بن عبد الملك الطبري السلمي قال انما‬
‫خص هذا العدد إشارة الى أن السماء ل تؤخذ قياسا ‪ .‬ثم قال و خالفت في‬
‫ذلك المعتزلة والكرامية حيث قالت إذا دل العقل على ان معنى اللفظ‬
‫ثابت في حق الله جاز إطلقه على الله ‪.‬‬
‫واحتج الغزالي بالتفاق على انه ل يجوز لنا ان نسمي رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ول سمى به نفسه وكذا كل كبير من‬
‫الخلق قال فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله أولى"‬
‫و قال الخازن‪" :100‬ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن‬
‫يقال ‪ :‬يا جواد ول يجوز أن يقال ‪ :‬يا سخى ويجوز أن يقال ‪ :‬يا عليم ول‬
‫يجوز أن يقال ‪ :‬يا عاقل ‪ ،‬ويجوز أن يقال ‪ :‬يا حكيم ول يجوز أن يقال يا‬
‫طبيب"‬
‫قال تعالى‪" :‬ول تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل‬
‫أولئك كان عنه مسؤول ً‪ "36‬السراء ‪ .‬وقوله‪" :‬قل إنما حرم ربي الفواحش‬
‫ما ظهر منها وما بطن والثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم‬
‫ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ل تعلمون ‪ "33‬العراف ‪.‬‬
‫و روى المام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله‬
‫عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول‪" :‬ل نحصي‬
‫ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والتسمية من الثناء فدل على أن‬
‫العقل ل مجال له في باب السماء إل التصديق والوقوف عند النصوص ‪0‬‬
‫قال السفاريني‬
‫لكنها في الحق توقيفيه ****لنا بذا أدله وفيه‬
‫مسألة‪ :‬و ل يصح فيها الشتقاق‪:‬‬
‫و قال بن القيم رحمه الله‪" :‬و قد أخطأ بن العربي رحمه الله عندما اشتق‬
‫الله تعالى من كل فعل اسم"‪ ,‬قال القرطبي رحمه الله‪" :‬أدخل القاضي أبو‬
‫بكر بن العربي عدة من السماء في أسمائه سبحانه مثل متم نوره وخير‬
‫الوارثين وخير الماكرين ورابع ثلثة وسادس خمسة والطيب والمعلم‬
‫وأمثال ذلك"‪.‬‬
‫ثم قال بن حجر رحمه الله‪" :‬واتفقوا على انه ل يجوز ان يطلق عليه اسم‬
‫ول صفة توهم نقصا ولو ورد ذلك نصا فل يقال ماهد ول زارع ول فالق ول‬
‫نحو ذلك وان ثبت في قوله فنعم الماهدون أم نحن الزارعون فالق الحب‬
‫والنوى ونحوها ول يقال له ماكر ول بناء و إن ورد )ومكر الله( )والسماء‬
‫بنيناها( اهـ"‪. 101‬‬
‫فالرادة من صفات الله عز وجل و ل يصح أن يقال أن أسماء الله تعالى‬
‫المريد‪ ,‬و كذلك فالحب و الكره و الغضب من أفعال الله تعالى و ل يصح أن‬
‫يقال أن من أسماء الله تعالى الكاره أو الغاضب‪ ,‬و ذلك لعدة أسباب منها‪:‬‬
‫‪ 100‬تفسير الخازن )‪(2/276‬‬
‫‪ 101‬انتى بتصرف من فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪220 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫‪ (1‬أن هذه الصفات و الفعال إنما سيقت في كتاب الله تعالى في‬
‫سياق المدح و الكمال و لذلك ل تطلق بغير ما وردت في كتاب الله‬
‫تعالى‪ ,‬كما قال تعالى‪" :‬ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين"‬
‫‪ (2‬ثانيا ً أن بعض الصفات منقسمة إلى كمال ونقص و لذلك لم‬
‫تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد ‪،‬‬
‫والفعال ‪ ،‬والصانع ؛ فإن هذه اللفاظ ل تدخل من أسمائه ولهذا غلط‬
‫من سماه بالصانع عند الطلق بل هو الفعال لما يريد فإن الرادة‬
‫والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله‬
‫فعل ً وخبرا ً ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬فل يدخل فيها القياس‪:‬‬
‫قال الخطابي رحمه الله‪" :‬فل يلحق بها نظائرها في ظاهر وضع اللغة‬
‫ومتعارف الكلم فالجواد ‪ :‬ل يجوز أن يقاس عليه ‪ :‬السخي وإن كانا‬
‫متقاربين في ظاهر الكلم وذلك أن السخي لم يرد به التوقيف كما ورد‬
‫بالجواد ثم أن السخاوة موضوعة في باب الرخاوة واللين يقال ‪ :‬أرض‬
‫سخية وسخاوية إذا كان فيها لين ورخاوة وكذلك ل يقاس عليه السمح لما‬
‫يدخل السماحة من معنى اللين والسهولة وأما الجود فإنما هو سعة العطاء‬
‫من قولك ‪ :‬جاد السحاب إذا أمطر فأغزر ‪ ،‬ومطر جود و فرس جواد ٌ إذا ‪:‬‬
‫بذل ما في وسعه من الجري ‪0‬‬
‫وقد جاء في السماء " القوي " ول يقاس عليه الجلد وإن كانا يتقاربان في‬
‫نعوت الدميين لن باب التجلد يدخله التكلف والجتهاد ‪ ،‬ول يقاس على "‬
‫القادر " المطيق ول المستطيع لن الطاقة والستطاعة إنما تطلقان على‬
‫معنى قوة البنية ‪ ،‬وتركيب الخلقة ‪ ،‬ول يقاس على " الرحيم " الرقيق وإن‬
‫كانت الرحمة في نعوت الدميين نوعا ً من رقة القلب وضعفه عن احتمال‬
‫القسوة ‪0‬‬
‫وفي صفات الله سبحانه ‪ " :‬الحليم " و " الصبور " فل يجوز أن يقاس عليها‬
‫الوقور والرزين ‪0‬‬
‫وفي أسمائه " العليم " ومن صفته العلم ‪ ،‬فل يجوز قياسه عليه أن يسمى‬
‫" عارفا ً " لما تقتضيه المعرفة من تقديم السباب التي بها يتوصل إلى علم‬
‫الشيء وكذلك ل يوصف بالعاقل وهذا الباب يجب أن يراعى ول يغفل فإن‬
‫عائدته عظيمة والجهل به ضار ‪102‬اهـ"‬
‫مسألة‪ :‬و هل يقال ذات الله‪:‬‬
‫قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله‪" :103‬أما الذات فالذات كلمة اختلف فيها‬
‫علماء اللغة هل هي فصيحة من العربية أو هي مولدة وليست بعربية ؟‬
‫وأكثر المحققين على أنها مولدة وليست من العربية في شيء وإنما هي‬
‫من مصطلح أهل الكلم ‪ .‬جعلوها بدل ً عن كلمة النفس فيقول مثل ً جاء زيد‬
‫‪102‬‬
‫‪103‬‬

‫شأن الدعاء ص ‪111‬‬
‫شرح صحيح البخاري ص ‪67‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫نفسه أو جاء زيد ذاته يجعلونها بدل ً عنها ولكنها ليست من كلم العرب‬
‫العرباء كما قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله لن اصلها في اللغة ل‬
‫تستعمل بمعنى النفس وهي في اللغة العربية تستعمل استعمالت متعددة‬
‫منها ‪-:‬‬
‫‪ (1‬أن تكون بمعنى صاحبة كما لو قلت تزوجت امرأة ذات علم أي‬
‫صاحبة علم ويقابلها في المذكر ذو علم لو قلت اتصل بي رجل ذو‬
‫علم أي صاحب علم ‪0‬‬
‫‪ (2‬تستعمل بمعنى التي عند طيه ‪ ،‬طى أصحاب الشمال ‪ ،‬جبل‬
‫طى ‪،‬يجعلون الذات بمعنى التي كما يجعلون ذو بمعنى الذي وعليه‬
‫قول الشاعر ‪:‬‬
‫فإن الماء ماء أبي وجدي **** وبئري ذو حفرت وذو طويت أي بئري الذي‬
‫حفرت والذي طويت ويقال جاءت ذات أرضعت ولدها أي التي أرضعت‬
‫ولدها ‪0‬‬
‫‪ (3‬تأتي بمعنى جهة ومن ذلك قوله تعالى } ونقلبهم ذات اليمن‬
‫وذات الشمال { أي جهة اليمين وجهة الشمال ويمكن أن يحمل عليها‬
‫قول خبيب رضي الله عنه وذلك في ذات الله وقول إبراهيم عليه‬
‫الصلة والسلم أو قول النبي صلى الله عليه وسلم في إبراهيم كذب‬
‫ثلث كذبات في ذات الله أي في جهته والمراد في سبيله وطاعته‬
‫فتكون بمعنى الجهة ‪0‬‬
‫‪ (4‬ان تكون زائدة للتوكيد توكيد التنكير مثل قدمنا مكة ذات يوم‬
‫فوجدنا المسجد خفيفا ً قوله ذات يوم هذه زائدة لتوكيد التنكير فلو‬
‫قلنا قدمنا مكة يوما ً فوجدنا المسجد خفيفا ً استقام الكلم وهذا يوجد‬
‫كثيرا ً في الحديث خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ذات‬
‫ليلة وما أشبه ذلك ‪0‬‬
‫هذه أربعة معان للذات في اللغة العربية أما ذات بمعنى نفس الشيء‬
‫وحقيقة فهذه اختلف فيها علماء اللغة العربية فمنهم من أنكر استعمالها في‬
‫هذا المعنى ومنهم من أجازها وظاهر صنيع البخاري رحمه الله جواز‬
‫استعمالها بمعنى النفس‪.‬‬
‫فإذا قال قائل ما العلقة بين هذا الستعمال وبين المعنى الصلي في اللغة‬
‫العربية ؟ قلنا المعنى الصلي في اللغة العربية أن تأتي بمعنى صاحبة فهم‬
‫يقولون ذات علم أي صاحبة علم‬
‫والله تعالى ذو علم فأصلها مضارع لكن حذف المضاف ثم بقيت نكرة‬
‫فعرفت بأل ولهذا منع بعض العلماء أن تقول ذات بالنسبة لله " وهو قول‬
‫ابن برهان كما نقله المحبي في قصد السبيل" ‪ ،‬لماذا ؟ لن التاء للتأنيث‬
‫ول يجوز استعمال الكلمة المؤنثة بالتاء ولو للمبالغة ولهذا ل يجوز أن تقول‬
‫إن الله علمة ويجوز أن تقول إن هذا الرجل علمة أما الله فتقول علم‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫الغيوب فأنت إذا أتيت بذات تريد الرب عز وجل فإن هذا يعني تأنيث ما‬
‫يضاف إلى الله وهذا ل يجوز لكن هذا خلف استعمال جمهور علماء‬
‫المحققين ‪0‬‬
‫ة و تسعين اسم‪:‬‬
‫القاعدة الثالثة‪ :‬أنها ليست منحصرةٌ في التسع ِ‬
‫بل لله تعالى أسماءا ً أخرى منها ما استأثر به في علم الغيب عنده ‪ .‬قال‬
‫النووي رحمه الله‪" :‬واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر‬
‫لسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له هذه التسعة والتسعين‬
‫وانما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة‬
‫فالمراد الخبار عن دخول الجنة باحصائها ل الخبار بحصر السماء ولهذا جاء‬
‫في حديث بن مسعود الذي أخرجه احمد وصححه بن حبان أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬ما أصاب أحدا قط هم ول حزن فقال اللهم‬
‫إني عبدك بن عبدك بن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في‬
‫قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك‬
‫أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن‬
‫ربيع قلبي ونور صدري وجلء حزني وذهاب همي إل أذهب الله همه وحزنه‬
‫وأبدله مكانه فرحا ‪"104‬اهـ ‪.‬‬
‫و ما رواه المام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي‬
‫الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول‪" :‬ل‬
‫نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" و الشاهد قوله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم "ل نحصي ثناًء عليك" قال شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬
‫"فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم ل يحصى ثناء عليه ‪ ،‬ولو أحصى أسمائه‬
‫لحصى صفاته كلها ‪ ،‬فكان يحصى الثناء عليه ‪ ،‬لن صفاته إنما يعبر عنها‬
‫بأسمائه ‪"105‬‬
‫و ما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة أنه قال‪" :‬ثم يفتح على من‬
‫محامده وحسن الثناء عليه شيئا ً لم يفتحه على أحد من قبلي" ‪ .‬قال ابن‬
‫القيم رحمه الله‪" :‬وتلك المحامد هي تفي بأسمائه وصفاته ‪"106‬‬
‫مسألة‪ :‬و ما في الكتاب و السنة من السماء أكثر من تسعة و‬
‫تسعين‪:‬‬
‫قال شيخ السلم بن تيمية رحمه الله‪" :‬وهذا القائل الذي حصر أسماء الله‬
‫في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن ‪ ،‬وإذا لم يقم على‬
‫تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال هي التي يجوز الدعاء بها دون‬
‫‪ 104‬شرح النووي على صحيح مسلم ج‪ 17 :‬ص‪ , 5 :‬والحديث قال فيه الذهبي ورجال أحمد وأبي‬
‫يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان ‪ .‬و صححه أحمد شاكر في تعليقه‬
‫على المسند ) ‪ (5/266‬واللباني في السلسلة رقم )‪ ، (199‬والرناؤوط في تخريج زاد المعاد )‬
‫‪ ، (4/198‬وهو ظاهر كلم ابن القيم في شفاء العليل ص ‪0 473‬‬
‫‪ 105‬درء التعارض ) ‪(3/332‬‬
‫‪ 106‬بدائع الفوائد ) ‪(1/166‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫غيرها ‪ ،‬لنه ل سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور فكل اسم يجهل حاله‬
‫يمكن أن يكون من المأمور ‪ ،‬ويمكن أن يكون من المحظور ‪ ،‬وإن قيل ‪ :‬ل‬
‫تدعوا إل باسم له ذكر في الكتاب والسنة ‪ ،‬قيل ‪ :‬هذا أكثر من تسعة‬
‫وتسعين ‪0"107‬‬
‫وقال ابن الوزير‪" :‬وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي‬
‫بالضرورة والنص أما الضرورة فإن في كتاب الله أكثر من ذلك ‪"108‬‬
‫مسألة‪ :‬و المقصود بالحصاء "الحاطه بها لفظا ً و فهما ً و‬
‫التعبد لله تعالى بمقتضاها"‪:‬‬
‫روى المامان البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬إن لله تسعة وتسعين مائة إل‬
‫واحدا من أحصاها دخل الجنة"‬
‫وقال الصنعاني رحمه الله في سبل السلم‪" :‬اختلف العلماء في الحصاء‬
‫فقال البخاري وغيره من المحققين معناه حفظها وقال الخطابي أن يعدها‬
‫حتى يستوفيها بمعنى أن ل يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ‪.‬‬
‫وثانيها المراد بالحصاء الطاقة بمعنى العمل بمقتضاها فإذا قال الرزاق‬
‫وثق بالرزق وكذا سائر السماء ‪.‬‬
‫ثالثها المراد به الحاطة بمعانيها و العمل بها فإذا قال الحكيم سلم لجميع‬
‫أوامره على مقتضى الحكمة واختاره أبو الوفاء ابن عقيل ‪ .‬وقال ابن بطال‬
‫طريق العمل بها أن ما كان يسوغ القتداء به فيها كالرحيم والكريم فيمرن‬
‫العبد نفسه على أن يصح له التصاف بها وما كان يختص به نفسه كالجبار‬
‫والعظيم فعلى العبد القرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها وما‬
‫كان فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة وما كان فيه معنى‬
‫الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة ويؤيد هذا أن حفظها لفظا من دون‬
‫عمل واتصاف كحفظ القرآن من دون عمل ل ينفع كما جاء في ذم الخوارج‬
‫أنهم يقرؤن القرآن ل يجاوز حناجرهم‪"109‬‬
‫و قد جمع بين هذه المعاني الشيخ بن العثيمين رحمه الله فقال‪" :‬ليس‬
‫معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك‪:‬‬
‫أول ً ‪ -:‬الحاطة بها لفظا ً‬
‫ثانيا ً ‪ -:‬فهمها معنى‬
‫ثالثا ً ‪ -:‬التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان ‪:‬‬
‫الوجه الول ‪ :‬أن تدعو الله بها لقوله تعالى } فادعوه بها { بأن تجعلها‬
‫وسيلة إلى مطلوبك ‪ ،‬فتختار السم المناسب لمطلوبك ‪ ،‬فعند سؤال‬
‫المغفرة تقول ‪ :‬يا غفور اغفر لي ‪ ،‬وليس من المناسب أن تقول ‪ :‬يا شديد‬
‫العقاب اغفر لي بل هذا يشبه الستهزاء بل تقول ‪ :‬أجرني من عقابك ‪0‬‬
‫‪ 107‬الفتاوى ) ‪(22/482‬‬
‫‪ 108‬إيثار الحق على الخلق ص ‪158‬‬
‫‪ 109‬سبل السلم ج‪ 4 :‬ص‪110 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫الوجه الثاني ‪ :‬أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه السماء ‪ ،‬فمقتضى‬
‫الرحيم الرحمة ‪ ،‬فاعمل العمل الصالح الذي يكون جليا ً لرحمة الله ‪ ،‬هذا‬
‫هو معنى أحصاها ‪ ،‬فإذا كان كذلك فهو جدير لن يكون ثمنا ً لدخول الجنة‬
‫‪ "110‬اهـ ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و تعيين التسعة و تسعين اسما ليس مرفوعًا‪:‬‬
‫ورود في بعض الثار المرفوعة حصر التسعة و تسعين اسما الصحيح أنها‬
‫مدرجه قال بن حجر رحمه الله‪" :‬و قد تقرر رجحان ان سرد السماء ليس‬
‫مرفوعا" ‪ .‬و قال "ليست العلة عند الشيخين ) البخاري ومسلم ( تفرد‬
‫‪111‬‬
‫الوليد فقط بل الختلف فيه والضطراب وتدليسه واحتمال الدراج " ‪ .‬و‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله‪" :‬تعيينها ليس من كلم النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه ‪"112‬‬
‫مسألة‪ :‬وبعض السماء أفضل من بعض‪:‬‬
‫قال الحافظ رحمه الله‪" :‬أنكره قوم كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن‬
‫الشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلني‬
‫فقالوا ل يجوز تفضيل بعض السماء على بعض ونسب ذلك بعضهم لمالك‬
‫لكراهيته ان تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور لئل يظن ان بعض‬
‫القرآن أفضل من بعض فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الفضل‬
‫وحملوا ما ورد من ذلك على ان المراد بالعظم العظيم وان أسماء الله‬
‫كلها عظيمة‪. " 113‬‬
‫و قال شيخ السلم بن تيميه رحمه الله‪" :‬والنصوص والثار في تفضيل كلم‬
‫الله ـ بل وتفضيل بعض صفاته ـ على بعض متعددة‪ .‬وقول القائل‪ :‬صفات‬
‫الله كلها فاضلة في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص كلم صحيح‪ ،‬لكن‬
‫صا‬
‫توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض؛ كان المفضول معيًبا منقو ً‬
‫خطأ منه‪ ،‬فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض؛ ولهذا‬
‫يقال‪ :‬دعا الله باسمه العظم‪ ،‬وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض‬
‫وبعض أفعاله أفضل من بعض‪ ،‬ففي الثار ذكر اسمه العظيم واسمه‬
‫العظم‪ ،‬واسمه الكبير والكبر‪ ،‬وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة‪ ،‬عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪) :‬إن الله كتب في كتاب‪ ،‬فهو موضوع‬
‫عنده فوق العرش‪ :‬إن رحمتى تغلب غضبي(‪ ،‬وفي رواية‪) :‬سبقت رحمتي‬
‫غضبي(‪ ،‬فوصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه‪ ،‬وهذا يدل على فضل‬
‫رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها‪ .‬وقد ثبت في صحيح مسلم‪ ،‬عن‬
‫عائشة‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان يقول في سجوده‪) :‬اللهم‬
‫إني أعوذ برضاك من سخطك‪ ،‬وبمعافاتك من عقوبتك‪ ،‬وأعوذ بك منك(‪.‬‬
‫‪ 110‬الفتاوى ص ‪55‬‬
‫‪ 111‬فتح الباري ص )‪ (215‬جـ )‪ (11‬ط السلفية‬
‫‪ 112‬الفتاوى ص )‪ (382‬جـ )‪(6‬‬
‫‪ 113‬فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪224 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫وقد ثبت في الصحيح والسنن والمساند من غير وجه الستعاذة بكلماته‬
‫التامات‪ ،‬كقوله‪) :‬أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه‪ ،‬ومن شر‬
‫عباده‪ ،‬ومن همزات الشياطين وأن يحضرون(‪ .‬وفي الصحيح أنه قال‬
‫لعثمان بن أبي العاص‪) :‬قل‪ :‬أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد‬
‫وأحاذر(‪ .‬ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه‪ ،‬فقد استعاذ‬
‫برضاه من سخطه‪ ،‬وبمعافاته من عقوبته اهـ‪. " 114‬‬
‫مسألة‪ :‬و اختلف في تعيين إسم الله العظم‪:‬‬
‫وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين‪" :‬قد اختلف في تعيين السم العظم‬
‫على نحو أربعين قول قد أفردها السيوطي بالتصنيف قال ابن حجر وأرجحها‬
‫من حيث السند الله ل إله إل هو الحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم‬
‫‪115‬‬
‫وقال الجزري في شرح الحصن الحصين وعندي أن‬
‫يكن له كفوا أحد‬
‫السم العظم ل إله إل هو الحي القيوم وذكر ابن القيم في الهدى أنه الحي‬
‫القيوم فينظر في وجه ذلك انتهى"‬
‫مسألة‪ :‬وفي اقتران السماء الحسنى بعضها ببعض كمال فوق‬
‫كمال‪:‬‬
‫فالحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده ويكون‬
‫باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع السم إلى الخر كمال فوق كمال‬
‫مثال ذلك‪":‬العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا ً‬
‫فيكون كل منهما دال ً على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو العزة في‬
‫العزيز والحكم والحكمة في الحكيم والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو‬
‫أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة فعزته ل تقتضي ظلما ً وجورا ً وسوء فعل‬
‫كما قد يكون من أعزاء المخلوقين فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالثم‬
‫فيظلم ويجور ويسيء التصرف وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز‬
‫‪116‬‬
‫الكامل بخلف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل‬
‫و قال ابن القيم رحمه الله‪" :‬ولهذا كثيرا ً ما يقرن تعالى بين هذين السمين‬
‫)العزيز الحكيم( في آيات التشريع والتكوين والجزاء ليدل عباده على أن‬
‫مصدر ذلك كله عن حكمة بالغة وعزة قاهرة ففهم الموفقون عن الله عز‬
‫وجل مراده وحكمته وانتهوا إلى ما وقفوا عليه ووصلت إليه أفهامهم‬
‫وعلومهم وردوا علم ما غاب عنهم إلى أحكم الحاكمين ومن هو بكل شيء‬
‫‪ 114‬مجموع الفتاوى لشيخ السلم بن تيمية المجلد السابع عشر‬
‫‪ 115‬قال بن حجر رحمه الله في فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪ 224 :‬بعد أن ذكر جمله من القوال و "التاسع‬
‫الله ل إله إل هو الحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أخرجه أبو داود والترمذي‬
‫وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث بريدة وهو أرجح من حيث السند اهـ" فقد روى الترمذي‬
‫عن عبد الله بن بريدة السلمي عن أبيه قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجل يدعو وهو يقول‬
‫اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله ل إله إل أنت الحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن‬
‫له كفوا أحد قال فقال والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه العظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا‬
‫سئل به أعطى‬
‫‪ 116‬القواعد المثلى في صفات الله تعالى و أسمائه الحسنى‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫عليم وتحققوا بما عملوه من حكمته التي بهرت عقولهم إن لله في كل ما‬
‫خلق وأمر وأثاب وعاقب من الحكم البوالغ ما تقتصر عقولهم عن إدراكه‬
‫وأنه تعالى هو الغنى الحميد العليم الحكيم فمصدر خلقه وأمره وثوابه‬
‫وعقابه غناه وحمده وعلمه وحكمته ليس مصدره مشيئة مجردة وقدرة‬
‫خالية من الحكمة والرحمة والمصلحة والغايات المحمودة المطلوبة له خلقا ً‬
‫وأمرا ً وأنه سبحانه ل يسأل عما يفعل لكمال حكمته" ‪117‬اهـ ‪.‬‬
‫اقتران الواسع بالعليم ‪:‬‬
‫قال تعالى‪" :‬مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت‬
‫سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع‬
‫عليم ‪ "261‬البقرة ‪ .‬فالله تعالى واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل‬
‫ومع ذلك فل يظن أن سعـة عطائـه تقتضي حصولها لكل منفـق فإنه عليـم‬
‫بمـن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها ‪ ،‬ومن ل يستحقها ول هو أهل‬
‫لها ‪ ،‬فإن كرمه وفضله ل يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته‬
‫ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه ‪0‬‬
‫اقتران الغني بالحليم ‪:‬‬
‫قال تعالى‪" :‬قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني‬
‫حليم ‪ "263‬البقرة ‪ .‬فالله تعالى غني عن كل شئ بما في ذلك تلك‬
‫الصدقات التي تنفق فهو تعالى غني عنها وهذا كمال لله تعالى‪ ,‬و من كمال‬
‫غناه أنه تعالى يرزق الخلئق أجمعين و خزائنه ملئ فله كمال الغنى و مع‬
‫غناه تعالى فهو الحليم إذ ل يعاجل المنان بالعقوبة فكيف يؤذي أحدكم بمنه‬
‫وأذاه مع قلة ما يعطي ‪0‬‬
‫مسألة‪ :‬و تنقسم السماء من حيث اقترانها بغيرها إلى‬
‫قسمين‪:‬‬
‫الول منها ما يطلق عليه مفردا ً ومقترنا ً بغيره من السماء‪:‬‬
‫وهو غالب السماء ‪ .‬فالقدير ‪ ،‬والسميع والبصير ‪ ،‬والعزيز ‪ ،‬والحكيم ‪ ،‬وهذا‬
‫يسوغ أن يدعا به مفردا ً ومقترنا ً بغيره فتقول ‪ :‬يا عزيز يا حليم ‪ ،‬يا غفور يا‬
‫رحيم ‪ ،‬وأن يفرد كل اسم وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك‬
‫الفراد والجمع ‪.‬‬
‫ً‬
‫ومنها ما ل يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله من السماء‪:‬‬
‫كالمانع ‪ ،‬والضار ‪ ،‬والمنتقم ‪ ،‬فل يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون‬
‫بالمعطي ‪ ،‬والنافع ‪ ،‬والعفوّ ‪ ،‬المعز المذل ‪ ،‬لن الكمال في اقتران كل‬
‫اسم من هذه بما يقابله لنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية ‪ ،‬وتدبير الخلق ‪،‬‬
‫والتصرف فيهم عطاًء ‪ ،‬ومنعا ً ‪ ،‬ونفعا ً ‪ ،‬وضرا ً ‪ ،‬وعفوا ً ‪ ،‬وانتقاما ً ‪ .‬وأما أن‬
‫يثني عليه بمجرد المنع ‪ ،‬والنتقام ‪ ،‬والضرار ‪ ،‬فل يسوغ ‪ .‬فهذه السماء‬
‫المزدوجة تجري السماء منها مجرى السم الواحد الذي يمتنع فصل بعض‬
‫‪117‬‬

‫مفتاح دار السعادة )‪(2/485‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى السم الواحد ولذلك لم‬
‫مذ ُ‬
‫ل ‪ ،‬يا ضاّر ‪،‬‬
‫تجئ مفردة ولم تطلق عليه إل مقترنة فاعلمه )فلو قلت( يا ُ‬
‫يا مانعُ ‪ ،‬وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا ً عليه ول حامدا ً له حتى تذكر مقابلها ‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة‪ :‬واتفاق السماء ل يوجب تماثل المسميات‪:‬‬
‫مى صفاته‬
‫مى الله نفسه بأسماء وس ّ‬
‫قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ‪" :‬س ّ‬
‫بأسماء فكانت تلك السماء مختصة به إذا أضيفت إليه ل يشركه فيها غيره ‪،‬‬
‫مى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك‬
‫وس ّ‬
‫السماء إذا قطعت عن الضافة والتخصيص ‪ ،‬ولم يلزم من اتفاق السمين‬
‫تماثل مسماها واتحاده عند الطلق والتجريد عن الضافة والتخصيص ‪ ،‬ل‬
‫اتفاقهما ‪ ،‬ول تماثل المسمى عند الضافة والتخصيص ‪ ،‬فضل ً عن أن يتحد‬
‫ي القيوم ‪‬‬
‫مسماهما فقد س ّ‬
‫مى الله نفسه حّيا ‪ ،‬فقال ‪  :‬الله ل إله إل هو الح ّ‬
‫ي من الميت ويخرج الميت من‬
‫وس ّ‬
‫مى بعض عباده حّيا ‪ ،‬فقال ‪  :‬يخرج الح ّ‬
‫ي ‪ ‬وليس هذا الحي مثل هذا الحي ‪ ،‬لن قوله ‪ ‬الحي ‪ ‬اسم الله مختص‬
‫الح ّ‬
‫به ‪ ،‬وقولـــه ‪ ‬ويخرج الحي من الميت ‪ ‬اسم للحي المخلوق مختص به ‪،‬‬
‫مى‬
‫وإنما يتفقان إذا اطلقا و ُ‬
‫جردا ً عن التخصيص ‪ ،‬ولكن ليس للمطلق مس ّ‬
‫موجود في الخارج ‪ ،‬ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا ً بين‬
‫المسميين ‪ ،‬وعند الختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق ‪،‬‬
‫مى بعض‬
‫مى الله نفسه عليما ً حليما ً ‪ ،‬وس ّ‬
‫والمخلوق عن الخالق ‪ .‬وكذلك س ّ‬
‫عباده عليما ً ‪ ،‬فقال ‪ :‬وبشروه بغلم عليم ‪ ‬يعني إسماعيل ‪ ،‬وليس العليم‬
‫مى نفسه سميعا ً بصيرا ً ‪ ،‬فقال ‪  :‬إن الله‬
‫كالعليم ‪ ،‬ول الحليم كالحليم ‪ .‬وس ّ‬
‫يأمركم أن تؤدوا المانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا‬
‫مى بعض‬
‫بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا ً بصيرا ً ‪ ‬وس ّ‬
‫خلقه سميعا ً بصيرا ً فقال ‪  :‬إنا خلقنا النسان من نطفة أمشاج نبتليه‬
‫فجعلناه سميعا ً بصيرا ً ‪ ‬وليس السميع كالسميع ‪ ،‬ول البصير كالبصير ‪.‬‬
‫مى بعض عباده‬
‫مى نفسه بالملك ‪ ،‬فقال ‪  :‬الملك ال ّ‬
‫س ‪ ‬وس ّ‬
‫وس ّ‬
‫قدو ُ‬
‫بالملك ‪ ،‬فقال ‪  :‬وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ً ‪  ‬وقال الملك‬
‫مى نفسه بالمؤمن ‪ :‬فقال ‪  :‬المؤمن‬
‫ائتوني به ‪ ‬وليس الملك كالملك ‪ .‬وس ّ‬
‫مى بعض عباده بالمؤمن ‪ ،‬فقال ‪  :‬أفمن كان مؤمنا ً كمن كان‬
‫ن ‪ ‬وس ّ‬
‫المهيم ُ‬
‫مى نفسه بالعزيز ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫فاسقا ً ل يستوون ‪ ‬وليس المؤمن كالمؤمن‪ .‬وس ّ‬
‫مى بعض عباده بالعزيز ‪ ،‬فقال ‪  :‬قالت امرأة‬
‫‪ ‬العزيز الجبار المتكبُر ‪ ‬وس ّ‬
‫مى بعض‬
‫مى نفسه الجبار المتكبر ‪ ،‬وس ّ‬
‫العزيز ‪ ‬وليس العزيز كالعزيز ‪ .‬وس ّ‬
‫خلقه بالجبار المكتبر ‪ ،‬فقال ‪  :‬كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبارٍ ‪‬‬
‫وليس الجبار كالجبار ‪ ،‬وليس المتكبر كالمتكبر "اهـ‪.‬‬

‫ثانيا ً قواعدٌ في الصفات العلى‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫القاعدة الولى‪ :‬إثبات ما أثبته الله لنفسه أو على لسان رسوله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم من صفات الكمال‪:‬‬
‫في كتابه‪ ,‬و يعلم ذلك عن طريق ثلثة أمور‪:‬‬
‫الول ‪ :‬التصريح بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والوجه واليدين ونحوهما ‪0‬‬
‫الثاني‪ :‬تضمن السم لها مثل ‪ :‬الغفور متضمن للمغفرة والسميع متضمن‬
‫للسمع ونحو ذلك ‪0‬‬
‫الثالث ‪ :‬التصريح بفعل أو وصف "و الوصف هو إسم الفاعل" دال عليها‬
‫كالستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين‬
‫العباد يوم القيامة ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و صفات الله كلها صفات كمال ل نقص فيها بوجه من‬
‫الوجوه‪:‬‬
‫َ‬
‫مث َ ُ‬
‫مث َ ُ‬
‫و‬
‫ن ِباْل ِ‬
‫ن َل ي ُؤ ْ ِ‬
‫قال تعالى‪ " :‬ل ِل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل ال ّ‬
‫سوِْء وَل ِل ّهِ ال ْ َ‬
‫خَرةِ َ‬
‫ل اْلع َْلى وَهُ َ‬
‫ذي َ‬
‫م‪ "60‬النحل ‪ .‬قال ابن القيم رحمه الله‪" :‬المثل العلى يتضمن‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ال ْعَ ِ‬
‫الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمى ‪ ،‬والخبر عنها وذكرها‬
‫وعبادة الله بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه بها" ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬وإذا كانت الصفة كمال ً في حال ونقصا ً في حال‬
‫فتطلق مقيده بحال الكمال‪:‬‬
‫م تكن جائزة في حق الله و ل ممتنعة على سبيل الطلق فل تثبت له إثباتا ً‬
‫مطلقا ً ول تنفى عنه نفيا ً مطلقا ً بل لبد من التفصيل‪.‬‬
‫فتجوز في الحال التي تكون كمال ً وتمتنع في الحال التي تكون نقصا ً وذلك‬
‫كالمكر والكيد والخداع ونحوها فهذه الصفات تكون كمال ً إذا كانت في‬
‫مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها لنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على‬
‫مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد وتكون نقصا ً في غير هذه الحال‬
‫ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الطلق وإنما ذكرها في‬
‫مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها كقوله تعالى‪" :‬ويمكرون ويمكر الله والله‬
‫خير الماكرين" ‪ .‬وقوله‪" :‬إنهم يكيدون كيدا ً وأكيد كيدًا" ‪ .‬وقوله ‪" :‬إن‬
‫المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم" ‪ .‬وقوله ‪" :‬قالوا إنا معكم إنما نحن‬
‫مستهزئون الله يستهزيء بهم"‬
‫ً‬
‫أما الخيانة فهي خدعة في مقام الئتمان وهي صفة ذم مطلقا ولهذا لم‬
‫يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى‪" :‬وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا‬
‫الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم" ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و إثبات صفات الكمال يقتضي قبولها على ظاهرها‬
‫وعدم تكلف الكيف‪:‬‬
‫قال تعالى‪" :‬ول يحيطون به علما ً‪ "110‬طه ‪ .‬و ذلك في ذات الله تعالى و‬
‫في أسمائه و صفاته و أفعاله تعالى‪ .‬ولهذا لما سئل مالك رحمه الله تعالى‬
‫عن قوله تعالى ‪ } :‬الرحمن على العرش استوى { ] طه ‪ [5 :‬كيف‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫استوى ؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى عله الرحضاء ) العرق ( ثم قال ‪" :‬‬
‫الستواء غير مجهول والكيف غير معقول واليمان به واجب والسؤال عنه‬
‫بدعة ‪"118‬‬
‫و إمرار نصوص الصفات على ظاهرها دالة على معانيها الئقة بجلل الله‬
‫تعالى و كماله هو مذهب السلف قال ابن عبدالبر رحمه الله‪ " :‬أهل السنة‬
‫مجمعون على القرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة واليمان بها‬
‫وحملها على الحقيقة ل على المجاز إل أنهم ل يكيفون شيئا ً من ذلك ول‬
‫يحدون فيه صفة محصورة ‪ .‬وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها‬
‫والخوارج فكلهم ينكرها ول يحمل شيئا ً منها على الحقيقة ويزعمون أن من‬
‫أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون‬
‫بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله ‪"119‬‬
‫وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل‪" :‬ل يجوز رد هذه الخبار‬
‫ول التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات الله ل تشبه‬
‫صفات سائر الموصوفين بها من الخلق ول يعتقد التشبيـه فيها"‬
‫مسألة‪ :‬و السبيل إلى معرفة ظاهر النصوص عدة أمور منها‪:‬‬
‫السياق‪ ,‬أو بالعكس وتقول ‪ :‬ما عند ك إل زيد وما زيد إل عندك‬
‫‪(1‬‬
‫فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الولى مع اتحاد الكلمات لكن‬
‫اختلف التركيب فتغير المعنى به‬
‫‪ (2‬وما يضاف إليه الكلم فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في‬
‫سياق ومعنى آخر في سياق وتقول ‪ :‬صنعت هذا بيدي فل تكون اليد‬
‫كاليد في قوله تعالى ‪ } :‬لما خلقت بيدي { ] ص‪ [75:‬لن اليد في‬
‫المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له وفي الية أضيفت إلى‬
‫الخالق فتكون لئقة به فل أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن‬
‫يد الخالق كيد المخلوق‬
‫‪ (3‬وتركيب الكلم يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه فلفظ‬
‫) القرية ( مثل ً يراد به القوم تارة ومساكن القوم تارة أخرى ‪ .‬فمن‬
‫الول قوله تعالى ‪ } :‬وإن من قرية إل نحن مهلكوها قبل يوم القيامة‬
‫أو معذبوها عذابا ً شديدا ً { ] السراء ‪ [58 :‬ومن الثاني قوله تعالى‬
‫عن الملئكة ضيف إبراهيم ‪ } :‬إنا مهلكوا أهل هذه القرية {‬
‫] العنكبوت ‪. [31:‬‬
‫‪ 118‬أخرج هذا الثر‪ :‬الللكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " )‪ (2/398‬والبيهقي في "‬
‫السماء والصفات " )‪ (151-2/150‬من طريقين مع اختلف يسير بينهما في اللفاظ وفي كتاب‬
‫العتقاد )ص ‪ , (56‬والدرامي في " الرد على الجهمية " ص ‪ 33‬وأبو اسماعيل الصابوني في "‬
‫عقيدة السلف " ص ‪ ، 19-17‬من ثلثة طرق وابن عبدالبر في " التمهيد " )‪ (7/151‬وأبو نعيم في "‬
‫الحلية " )‪ (326-6/352‬والذهبي في " العلو" ص ‪ ، 104-103‬المختصر ص ‪ ، 141‬وحكم عليه‬
‫بالصحة ‪ ،‬وقال ‪ :‬إن هذا ثابت عن المام مالك وجود اسناده المام ابن حجر في " الفتح " )‬
‫‪ (13/407‬فقال ‪ :‬وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبدالله بن وهب ……فذكره‬
‫‪ 119‬ذكره ابن عبد البر في التمهيد في )‪(7/145‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫مسألة‪ :‬أما اللحاد عن الظاهر إلى التمثيل أو التشبيه فكفر‪:‬‬
‫لن فيه تعطيل لكل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه‪ ،‬قال‬
‫‪(1‬‬
‫تعالى‪" :‬ليس كمثله شيء ‪ "11‬الشورى ‪ .‬أي ليس يشبهه تعالى ول‬
‫يماثله شيء من مخلوقاته ل في ذاته ول في أسمائه ول في صفاته‬
‫ول في أفعاله‪ ,‬و قوله تعالى‪" :‬هل تعلم له سميا ً‪ "65‬مريم‪ ,‬أي هل‬
‫تعلم لله مشابها ً ومماثل ً من المخلوقين‪ . 120‬قال نعيم بن حماد‬
‫الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله ‪" :‬ومن شبه الله بخلقه‬
‫فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف‬
‫الله به نفسه ول رسوله تشبيها ً " ‪.‬‬
‫أن صرف كلم الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول‬
‫‪(2‬‬
‫على الله بل علم وهو محرم لقوله تعالى ‪ } :‬قل انما حرم ربي‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن والثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا‬
‫بالله ما لم ينزل به سلطانا ً وان تقولوا على الله ما ل تعلمون {‬
‫] العراف ‪[33 :‬‬
‫أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق‬
‫‪(3‬‬
‫الناقص ‪ .‬و أن تشبيه الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق‬
‫الناقص المفتقر إلى من يكمله‪ ,‬فيه تنقص لحق الخالق فإن تشبيه‬
‫الكامل بالناقص يجعله ناقصا ً ‪ .‬كما قال القائل ألم تر أن السيف‬
‫ينقص قدره **** إذا قيل ان السيف أمضى من العصا ‪ .‬إل إذا كان‬
‫على سبيل اللزام فإنه ل يدل على النقص كما قال تعالى "آلله خير‬
‫أما يشركون" ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و من شبهات المشبهة‪:‬‬
‫أن يقول المشبه أنا ل أعقل من نزول الله ويده إل مثل ما للمخلوق من‬
‫ذلك والله تعالى لم يخاطبنا إل بما نعرفه ونعقله فجوابه من ثلثة أوجه‪:‬‬
‫أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه‪ } :‬ليس كمثله‬
‫‪(1‬‬
‫شيء { )‪ ] (2‬الشورى [ ونهى عباده أن يضربوا له المثال أو يجعلوا‬
‫له أندادا ً فقال ‪ } :‬فل تضربوا لله المثال إن الله يعلم وأنتم ل تعلمون‬
‫{ )‪ ] (3‬النحل ‪ [74 :‬وقال ‪ } :‬فل تجعلوا لله أندادا ً وأنتم تعلمون { )‬
‫‪ ] (4‬البقرة ‪ [22 :‬وكلمه تعالى كله حق يصدق بعضه بعضا ول‬
‫يتناقض ‪.‬‬
‫أن يقال له ألست تعقل لله ذاتا ً ل تشبه الذوات فسيقول بلى‬
‫‪(2‬‬
‫فيقال له فلتعقل له صفات ل تشبه الصفات فإن القول في الصفات‬
‫كالقول في الذات ومن فرق بينهما فقد تناقض ‪.‬‬
‫أن يقال ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في السماء‬
‫‪(3‬‬
‫ويختلف في الحقيقة والكيفية فيقال رأس الدبوس و رأس الفيل و كل ً‬
‫‪120‬‬

‫تفسير السعدي )‪(3/213‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫منهما له حقيقة و كيفية تختلف عن الخر ‪ .‬و كذلك في الصفات‬
‫فالصفة الواحدة تختلف حقيقتها باختلف ما تضاف إليه فقوة البعير‬
‫مثل ً غير قوة النملة فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في‬
‫المكان والحدوث فوجود ذلك التباين بين الخالق والمخلوق أظهر‬
‫وأعظم بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و الفرار من التشبيه إلى القول بتفويض المعنى كفر‪:‬‬
‫أي تصبح نصوص الصفات كالكلم العجمي ل معنى لها‪ ,‬فل شك أنه كفر‬
‫لنه تعطيل ليات الصفات و قدح في كلم الله تعالى وصفه بالتعمية و‬
‫التضليل إذ أن فيه تأكيد و تكرار ليات الصفات التي ل معنى لها بزعم‬
‫المعطلة تعالى الله عما يقولون علوا ً كبيرا ً ‪ ,‬و قدح في النبي الذي أمر أن‬
‫يبلغ البلغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم و أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم لم بين للسلف ما توصل إليه المفوضة النفاة و العياذ‬
‫بالله ‪ .‬و ل شك في بطلن ذلك قال تعالى‪" :‬كتاب أنزلناه إليك مبارك‬
‫ليدبروا آياته وليتذكر أولو اللباب" أي للتأمل في معانيه وإعادة الفكر فيها‬
‫مرة بعد مرة ‪ .‬و قوله تعالى‪" :‬إنا جعلناه قرآنا عربيا ً لعلكم تعقلون" أي‬
‫لكي تدركوا ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الذهان ‪ .‬وكون القرآن‬
‫عربيا ً ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإل لما كان فرق‬
‫بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و تفويض المعنى صد عن سبيل الله تعالى‪:‬‬
‫لنه يتيح لكل ملحد ومبتدع الحق في أن يؤثر في كل المر رأيه و عقله و‬
‫أن يدعي أنه ليس في النصوص ما يناقض ذلك لن تلك النصوص مشكلة‬
‫متشابهة ول يعلم أحد معناها وما ل يعلم أحد معناه ل يجوز أن يستدل به‬
‫فيبقى هذا الكلم سدا ً لباب الهدى والبيان من جهة النبياء وفتحا ً لباب من‬
‫يعارضهم ويقول ‪ :‬إن الهدى والبيان في طريقنا ل في طريق النبياء لننا‬
‫نحن نعلم ما نقول ونبينه بالدلة العقلية والنبياء لم يعلموا ما يقولون فضل ً‬
‫عن أن يبينوا مرادهم فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم‬
‫متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع و اللحاد‪. 121‬‬
‫القاعدة الثانية‪ :‬و تنقسم الصفات من حيث إثباتها ونفيها إلى‪:‬‬
‫أول ً صفات ثبوتيه‪:‬‬
‫وهي ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه ‪ ،‬أو أثبته له رسوله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ,‬مثل العلم والحياة و القدرة‬
‫ثانيا ً صفات سلبية‪:‬‬
‫وهي ما نفاه الله عن نفسه‪ ،‬أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم‬
‫سنة قال تعالى‪:‬‬
‫وكلـها صفات نقص‪ ,‬كعدم الظلم و عدم الموت‪ ،‬والنوم وال ّ‬
‫ْ‬
‫م" و السنة هي النوم‬
‫ى ال ْ َ‬
‫م ل َ ت َأ ُ‬
‫سن َ ٌ‬
‫خذ ُه ُ ِ‬
‫ه إ ِل ّ هُوَ ال ْ َ‬
‫ة وَل َ ن َوْ ٌ‬
‫قّيو ُ‬
‫ه ل َ إ َِلـ َ‬
‫"الل ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫‪121‬‬

‫بتصرف من درء تعارض بين النقل و العقل‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫اليسير الذي يأخذ النسان مع إدراكه و ذلك لكمال حياته وقيوميته‪ ,‬و كذلك‬
‫ه‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫س كَ ِ‬
‫من صفاته عز وجل السلبية عدم الشبيه أو النظير قال تعالى‪" :‬ل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫صيُر‪ "11‬الشورى‪ ,‬و من صفاته السلبية أيضا ً عدم‬
‫ميعُ ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ىٌء وَهُوَ ال ّ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذآ أَراد َ َ‬
‫مُره ُ إ ِ َ‬
‫شْيئا ً أن‬
‫مآ أ ْ‬
‫العجز و ذلك لكمال علمه وقدرته قال تعالى‪" :‬إ ِن ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كن فَي َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫قو َ‬
‫قَنا‬
‫خل ْ‬
‫ن‪ "82‬يس ‪ .‬و منها عدم التعب قال تعالى‪" :‬وَل َ‬
‫يَ ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫كو ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪.‬‬
‫ب‪ "38‬ق‬
‫سَنا ِ‬
‫ما ِفى ِ‬
‫مـوَ ِ‬
‫م ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما َ‬
‫ست ّةِ أّيام ٍ وَ َ‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫من ل ُّغو ٍ‬
‫ت َوال ْْر َ‬
‫و إثبات هذه الصفات السلبية و ما تقتضيه من نفي النقص و العجز عن الله‬
‫تعالى المراد منه إثبات ضدها على الوجه الكمل وذلك لن ما نفاه الله‬
‫تعالى عن نفسه المراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده ل لمجرد نفيه‬
‫فكما أسلفنا أن النفي إما نفي محض أو نفي عجز او نفي كمال‪ ,‬فالنفي هنا‬
‫نفي كمال و عظمة و مثال ذلك ‪ :‬قوله تعالى ‪" :‬وتوكل على الحي الذي ل‬
‫يموت ‪ "58‬الفرقان ‪ .‬فنفى الموت عنه يتضمن كمال حياته ‪ 0‬و قوله تعالى‪:‬‬
‫"ول يظلم ربك أحدا ً ‪ "49‬الكهف ‪ .‬نفى الظلم عنه يتضمن كمال عدله ‪ 0‬و‬
‫قوله تعالى‪" :‬وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ول في الرض‬
‫‪ "44‬فاطر ‪ .‬فنفى العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته ولهذا قال بعده‪:‬‬
‫"إنه كان عليما ً قديرا ً‪ "44‬فاطر ‪ .‬لن العجز سببه إما الجهل بأسباب اليجاد‬
‫وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه‬
‫شيء في السموات ول في الرض ‪.‬‬
‫القاعدة‪ :‬و تنقسم الصفات الثبوتية من حيث تعلقها بالذات‪:‬‬
‫إلى صفات ذات ِّية‪:‬‬
‫وهـي التي لم يزل الله ول يزال متصفا ً بها و التي ل تتعلق بالمشيئة؛ كالعلم‬
‫‪ ،‬والقدرة ‪ ،‬والحياة ‪ ،‬والسمع ‪ ،‬والبصر ‪ ،‬والوجه ‪ ،‬واليدين ‪ .‬ففي صفة‬
‫ب َوال ّ‬
‫و‬
‫ه إ ِل ّ هُوَ َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫عال ِ ُ‬
‫ذى ل َ إ َِلـ َ‬
‫العلم قال تعالى‪" :‬هُوَ الل ّ ُ‬
‫م ال ْغَي ْ ِ‬
‫شَهـد َةِ هُ َ‬
‫جآَء‬
‫ن الّر ِ‬
‫ما َ‬
‫الّر ْ‬
‫م‪ "22‬الحشر ‪ .‬و في صفة الكلم قال تعالى‪" :‬وَل َ ّ‬
‫حي ُ‬
‫ح َ‬
‫مـ ُ‬
‫ه‪ "134‬العراف ‪ .‬و من صفاته عز وجل الذاتية‬
‫مي َ‬
‫سى ل ِ ِ‬
‫مو َ‬
‫ه َرب ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫قـت َِنا وَك َل ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫فل َ‬
‫حي َِنا ‪ "37‬هود‪ ,‬وقال النبي‬
‫صن َِع ال ُ‬
‫ك ب ِأع ْي ُن َِنا وَوَ ْ‬
‫صفة العينين قال تعالى‪َ" :‬وا ْ‬
‫سَبحات وجهه ما‬
‫صلى الله عليه وسّلم )حجابه النور لو كشفه لحرقت َ‬
‫انتهى إليه بصره من خلقه ( ‪ .‬وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان‪،‬‬
‫ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسّلم في الدجال ) إنه أعور وإن ربكم‬
‫ليس بأعور (‪ .‬و من صفاته عز وجل اليدين قال تعالى‪" :‬ب َ ْ‬
‫ل يَ َ‬
‫داهُ‬
‫ف يَ َ‬
‫ه‬
‫شآُء‪ "64‬المائدة ‪ .‬و الوجه قال تعالى‪" :‬وَي َب ْ َ‬
‫فقُ ك َي ْ َ‬
‫ن ُين ِ‬
‫قى وَ ْ‬
‫مب ْ ُ‬
‫ج ُ‬
‫َ‬
‫سوط ََتا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َرب ّ َ‬
‫ك ُ‬
‫ل َوال ِك َْرام ِ‪ "27‬الرحمن ‪.‬‬
‫ذو ال َ‬
‫جلـ ِ‬
‫ثانيا ً صفات فعلّية‪:‬‬
‫و هي الصفات التي لم يزل الله متصفا ً بها قبل كل شئ إل أنها تتعلق‬
‫بمشيئته تعالى إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها فمن ناحية التصاف بها‬
‫فهي ذاتية فالله تعالى لم يزل متصفا ً قبل كل شيء أما من ناحية الفعل‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫فهي فعلية لنها تتعلق بالرادة و المشيئة؛ كالمجيء ‪ ،‬والن ُّزول و الغضب و‬
‫َ‬
‫جآَء َرب ّ َ‬
‫الفرح و الضحك ‪ .‬قال تعالى‪" :‬ك َل ّ إ ِ َ‬
‫ك‬
‫ذا د ُك ّ ِ‬
‫ض د َك ّا ً د َك ّا ً * وَ َ‬
‫ت ال ْْر ُ‬
‫مل َ ُ‬
‫فا ً‪ "21‬الفجر ‪ .‬و في صفة الحب فالله تعالى يحب أولياءه‬
‫ص ّ‬
‫ص ّ‬
‫َوال ْ َ‬
‫فا ً َ‬
‫ك َ‬
‫ْ‬
‫ه‪"54‬‬
‫ه بِ َ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫قوْم ٍ ي ُ ِ‬
‫سوْ َ‬
‫كما أخبر بذلك قال تعالى‪" :‬فَ َ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫حب ّهُ ْ‬
‫ف ي َأِتى الل ّ ُ‬
‫المائدة ‪ .‬و كذلك من الصفات الفعلية الغضب قال تعالى‪ " :‬ال ّ‬
‫ه‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ظآّني َ‬
‫م‪ "6‬افتح ‪.‬‬
‫سوِْء وَغ َ ِ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫دآئ َِرة ُ ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ه ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫سوِْء ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ظَ ّ‬
‫القاعدة الثالثة‪ :‬صفات الله تعالى توقيفية‪:‬‬
‫قال بن حجر رحمه الله‪" :‬وقال أبو الحسن القابسي أسماء الله وصفاته ل‬
‫تعلم ال بالتوقيف من الكتاب أو السنة أو الجماع ول يدخل فيها القياس‬
‫‪122‬‬
‫ولم يقع في الكتاب ذكر عدد معين وثبت في السنة انها تسعة وتسعون‬
‫مسألة‪ :‬و تشتق الصفة من السم و الفعل على خلف السماء‬
‫فل اشتقاق فيها‪:‬‬
‫فيشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم ‪ ،‬صفات الرحمة والقدرة‬
‫والعظمة ‪ .‬و يشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب‬
‫ونحوها من تلك الفعال‪.‬‬
‫لكن ل نشتق من صفات الرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي‬
‫والماكر‪ ,‬و كذلك ل ُيشتق من أفعال الله تعالى السماء؛ فل نشتق من كونه‬
‫يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب ‪،‬‬
‫مسألة‪ :‬و تتفق مع السماء في أنه ل يقاس عليه‪:‬‬
‫ة‬
‫فل يقـاس السخاُء على الجود ‪ ،‬ول الجـل َد ُ على القوة ‪ ،‬ول الستطاعـ ُ‬
‫مسألة‪ :‬و مما تتفق فيه السماء و الصفات أنه يحلف و يستعاذ‬
‫بها‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أعوذ برضاك من سخطك ‪،‬‬
‫وبمعافاتك من عقوبتـك‪ . "123‬و روى البخاري و مسلم من حديث أنس بن‬
‫مالك رضي الله عنه أن رجل قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه‪:‬‬
‫"قال أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على‬
‫وجهه يوم القيامة قال قتادة بلى وعزة ربنا"‬
‫مسألة‪ :‬و مما تختلف فيه الصفات أنه ل يتعبد و ل يدعى بها‪:‬‬
‫فيتعبد بأسماء الله تعالى فيقال عبدالكريم ‪ ،‬وعبد الرحـمن مث ً‬
‫ل‪ ,‬و ُيدعى‬
‫ه تعالى بأسمائه فيقال مثل ً يا رحيم ‪ .‬و ل يتعبد و ل يدعى بصفات الله‬
‫الل ُ‬
‫تعالى‪ ,‬لنها ل تدل على الذات و العبادة ل تكون إل لله وحده قال تعالى‪:‬‬
‫هّ‬
‫م ْ‬
‫معَ الل ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫ن ي َد ْع ُ َ‬
‫ن‪ "2‬الية الزمر‪ ,‬و قال تعالى‪" :‬وَ َ‬
‫صا ل َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫"َفاع ْب ُد ِ الل ّ َ‬
‫خل ِ ً‬
‫م ْ‬
‫دي َ‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ن‪"117‬‬
‫ه َل ي ُ ْ‬
‫إ ِل ًَها آ َ‬
‫ه ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَر َل ب ُْر َ‬
‫كافُِرو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ها َ‬
‫ح َ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ إ ِن ّ ُ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ه ب ِهِ فَإ ِن ّ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫المؤمنون ‪ .‬و لذلك فل يقال عبد الكرم ‪ ،‬وعبد الرحمـة لن الصفة ل تدل‬
‫‪122‬‬
‫‪123‬‬

‫فتح الباري ج‪ 11 :‬ص‪217 :‬‬
‫رواه مسلم )‪(486‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫على الذات و التعبد إنما يكون لله وحده ‪ .‬و ل تدعى الصفة فل يقال‪ :‬يا‬
‫رحمة الله أو يا كرم الله و ذلك لن الصفة ليست هي الموصوف و الدعاء‬
‫شرِ ُ‬
‫دون َِني ل ي ُ ْ‬
‫ن ِبي‬
‫كو َ‬
‫عبادة و العبادة ل تصرف إل لله قال تعالى‪" :‬ي َعْب ُ ُ‬
‫شــي ًْئا ‪ "55‬النور‪ . 124‬أما إن كان السم فقط معبدا ً لغير الله عبد الرحمة و‬
‫عبد النبي و ل يقصد صاحبه عبادة غير الله تعالى فقد حكى بن حزم رحمه‬
‫الله تعالى إجماع العلماء على تحريمه لما فيه من الغلو و التعدي على حق‬
‫الله تعالى‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة‪ :‬القول في بعض الصفات كالقول في البعض‬
‫الخر‪:‬‬
‫فمن أقر بصفات الله ؛ كالسمع ‪ ،‬والبصر ‪ ،‬والرادة ‪ ،‬يلزمه أن يقر بمحبة‬
‫الله ‪ ،‬ورضاه ‪ ،‬وغضبه ‪ ،‬وكراهيته‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪" :‬ومن فرق بين صفة وصفة ‪ ،‬مع تساويهما‬
‫في أسباب الحقيقة والمجاز ؛ كان متناقضا ً في قولـه ‪ ،‬متهافتا ً في مذهـبه ‪،‬‬
‫مشابها ً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض"‬
‫القول في الصفات جميعها من باب واحد ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬ان يعلم طالب العلم أن جميع الصفات من باب واحد إذ ل فرق بينها‬
‫البتة لن الموصوف بها واحد وهو جل وعل ل يشبه الخلق في شيء من‬
‫صفاتهم البتة فكما انكم أثبتم له سمعا ً وبصرا ً لئقين بجلله ل يشبهان شيئا ً‬
‫من أسماع الحوادث وأبصارهم فكذلك يلزم ان تجروا هذا بعينه في صفة‬
‫الستواء والنزول والمجيء إلى غير ذلك من صفات الجلل والكمال التي‬
‫أثنى الله بها على نفسه ‪0‬‬
‫واعلموا أن رب السموات والرض يستحيل عقل ً أن يصف نفسه بما يلزمه‬
‫محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص كل ذلك مستحيل عقل ً فان الله ل‬
‫يصف نفسه إل بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع‬
‫علئق اوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين ‪ ،‬على حد قوله }ليس‬
‫‪125‬‬
‫كمثله شيء وهو السميع البصير{ ]الشورى ‪[11:‬‬
‫القاعدة الخامسة‪ :‬القول في الصفات كالقول في الذات‪:‬‬
‫القول في الصفات كالقول في الذات ‪:‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن تعلموا ان الصفات والذات من باب واحد ‪ ،‬فكما أننا نثبت ذات‬
‫الله جل وعل اثبات وجود وايمان ل اثبات كيفية مكيفة محددة فكذلك نثبت‬
‫لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات اثبات وايمان ووجود ل اثبات كيفية‬
‫وتحديد ‪.‬‬
‫القاعدة السادسة‪ :‬باب الصفات أوسع من باب السماء‪:‬‬
‫‪124‬‬
‫)‪)) (2‬مجموع الفتاوى(( )‪ (229 ، 6/143‬و )‪ ،(35/273‬وانظـر ‪)) :‬شرح السنة(( للبغوي )‪ ، (187-1/185‬وَفّرق بعضهم بين الحلف بالصفة الفعلّية والصفة الذات ِّية ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ل يجوز الحلف بصفات الفعل‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫قال الشنقيطي في كتابه منهج ودراسات ليات السماء والصفات ص ‪: 37‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫لن أسماء الله تعالى كلها حسنى من كل وجه و ل تحتمل نقصا ً في وجه‬
‫من الوجوه‪ ,‬أما الصفات فهي صفات الكمال المتفرعة على أفعال الكمال‬
‫لله تعالى و أفعال الله تعالى ل حصر لها‪.‬‬

‫ثانيا ً فصل في أنواع اللحاد في توحيد‬
‫السماء و الصفات‪:‬‬
‫أول ً إلحاد المشركين ‪:‬‬

‫مسألة‪ :‬و منه اشتقاق السماء للمعبودات الباطلة‪:‬‬
‫ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى‪" :‬يلحدون في أسمائه" أنه‬
‫قال‪" :‬يشركون" ‪ .‬وعنه‪" :‬سموا اللت من الله ‪ ،‬والعزي من العزيز" ‪.‬‬
‫فمن اللحاد أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماًء للصنام‪ ،‬و هو شرك‬
‫لنه جعل مسميات هذه السماء مشاركة لله عز وجل ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و يحرم التسمي بالسماء الخاصة بالله تعالى‪:‬‬
‫و من الصفات الخاصة بالله تعالى العظمة و الكبرياء و التصوير‪.‬‬
‫على‪:‬‬
‫مسألة‪ :‬و منه إدعاء الشرك في شئ من الصفات ال ُ‬
‫فمن يدعي لنفسه علم الغيب المطلق الذي ل يعلمه إل الله كفر لنه‬
‫َ‬
‫دا" ‪.‬‬
‫تكذيب لقوله تعالى قال تعالى‪َ " :‬‬
‫ح ً‬
‫ب َفل ي ُظ ْهُِر ع ََلى غ َي ْب ِهِ أ َ‬
‫عال ِ ُ‬
‫م ال ْغَي ْ ِ‬

‫ثانيا ً إلحاد المشبه‪:‬‬

‫و التشبيه هو اعتقـاد أن اللـه تعـالى يشـبه أحـدا ً مـن خلقـه فـي أسـمائه أو‬
‫صفاته أو أفعاله و هو باطل لقوله تعالى‪" :‬ليس كمثلــه شــئ و هــو الســميع‬
‫البصير " ‪ ,‬و الفرق بين التشبيه و التمثيــل أن التشــبيه أعــم مــن التمثيــل و‬
‫كلهما باطل في حق الله تعالى فالله تعالى ليس لــه مثيــل و ل شــبيه‪ .‬أمــا‬
‫الكيف فصفات الله تعالى لها كيفية و لكن ل نعرفها فهــي مجهولــة بالنســبة‬
‫لنا ‪.‬‬
‫فمن اللحاد أن يقال إن تردد الخالق كتردد المخلوقين‪:‬‬
‫فذلك القول كفر بالله تعالى لن اللـه تعـالى يقـول ) ليـس كمثلـه شـئ ( و‬
‫ذلك في ذاته و أسمائه و صفاته و أفعاله‪ ,‬وقــد روى المــام البخــاري رحمــه‬
‫الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صــلى اللــه عليــه و‬
‫آله و سلم قال فيما يروي عن رّبه عّز وجـ ّ‬
‫ددت عــن شــيء أنــا‬
‫ل‪ ) :‬ومــا تــر ّ‬
‫ددي عن قبض نفس عبدي المؤمن‪ ،‬يكره الموت وأكــره مســاءته (‬
‫فاعله تر ّ‬
‫ً‬
‫وهناك من نفى صفة التردد عن الله عز وجل بدعوى التنزيه غافل عن هــذه‬
‫الصفة في السياق التي ذكرت فيه تدل على نعت من نعوت الكمال لله عز‬
‫وجل و التي ل يشابهه فيها أحد ٌ من المخلوقين و ذلك لمران الول أن تــردد‬
‫المخلوقين إما يكون لعدم علمه بعاقبة المــور و هــذا ممتنــع فــي حــق اللــه‬
‫تعالى لكمال علمه و الثاني أن يكون تردده لما في الفعــل مــن المصــلحة و‬
‫المفسدة و هذا أيضا ً ممتنع في حق الله تعالى لن كل الخلق ل يســتطيعون‬
‫أن يضروا الله بشيئ أو ينفعـوه بشـئ فـالله وحـده هـو الضـار النـافع ‪ .‬أمـا‬
‫حقيقة تردد الله عز وجل أن المر مرادا ً من وجه مكروهـا ً مــن وجــه آخــر و‬
‫إن كان لبد من ترجيح أحد المرين‪ ,‬فالله تعالى مريد لموت العبد لما سبق‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪93‬‬

‫به قضاؤه كاره لمساءة عبده‪. 126‬‬
‫و من اللحاد أن يقال أن قرب الله تعالى و معيته كقرب و‬
‫معية المخلوقين‪:127‬‬
‫أول ً ‪ :‬معية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع‬
‫السلف ‪:‬‬
‫قال الله تعالى ‪ } :‬وهو معكم أينما كنتم { ] الحديد ‪ [4 :‬وقال تعالى ‪:‬‬
‫} إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون { ] النحل ‪ [128 :‬وقال‬
‫تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون ‪ } :‬ل تخافا إنني معكما‬
‫أسمع وأرى { ] طه ‪ [46 :‬وقال عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫} إل تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في‬
‫الغار إذ يقول لصاحبه ل تحزن إن الله معنا { ] التوبة ‪ [40 :‬وقال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬أفضل اليمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت "‬
‫)‪ (1‬حسنه شيخ السلم ابن تيمية في العقيدة الواسطية وضعفه بعض أهل‬
‫العلم وقد أجمع السلف على إثبات معية الله تعالى لخلقه ‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬هذه المعية حق على حقيقتها ولكنها معية تليق بالله‬
‫تعالى ول تشبه معية أي مخلوق لمخلوق ‪:‬‬
‫ً‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية‪" :‬ول يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك – يعنى‬
‫مما جاء في الكتاب والسنة – يناقض بعضه بعضا ألبته مثل أن يقول القائل‬
‫ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قولـه ‪:‬‬
‫} وهو معكم أينما كنتم { ] الحديد ‪ [4 :‬وقوله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬إذا‬
‫قام أحدكم إلى الصلة فإن الله قبل وجهه " )‪ (2‬ونحو ذلك فإن هذا غلط‬
‫وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في‬
‫قوله ‪ } :‬هو الذي خلق السموات والرض في ستة أيام ثم استوى على‬
‫العرش يعلم ما يلج في الرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما‬
‫يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير { ] الحديد ‪[4 :‬‬
‫فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في حديث الوعال )‪ " : (3‬والله فوق العرش وهو‬
‫يعلم ما أنتم عليه " وذلك أن كلمة " مع " في اللغة إذا أطلقت فليس‬
‫ظاهرها في اللغة إل المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة‬
‫عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في‬
‫ذلك المعنى فانه يقال ‪ :‬ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا ويقال ‪:‬‬

‫‪ 126‬بتصرف من ))مجموع الفتاوى(( )‪.(131 - 129 / 18‬‬
‫‪ 127‬نص الكلمة التي نشرها المؤلف في مجلة الدعوة السعودية في عدد ‪ 911‬الصادرة يوم الثنين‬
‫الموافق ‪4/1/1404‬هـ ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫هذا المتاع معي لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة‬
‫وهو فوق عرشه حقيقة ‪ "128‬ا ‪0‬هـ‬
‫ثالثا ً ‪ :‬هذه المعية تقتضي الحاطة بالخلق علما ً وقدرة وسمعا ً‬
‫وبصرا ً وسلطانا ً وتدبيرا ً ‪:‬‬
‫وغير ذلك من معاني ربوبيته إن كانت المعية عامة لم تخص بشخص أو‬
‫وصف كقوله تعالى ‪ } :‬وهو معكم أينما كنتم { ] الحديد ‪ [4 :‬وقوله ‪ } :‬ما‬
‫يكون من نجوى ثلثة إل هو رابعهم ول خمسة إل هو سادسهم ول أدنى من‬
‫ذلك ول أكثر إل هو معهم أينما كانوا { ] المجادلة ‪. [7 :‬‬
‫فإن خصت بشخص أو وصف اقتضت مع ذلك النصر والتأييد والتوفيق‬
‫والتسديد ‪.‬‬
‫مثال المخصوصة بشخص ‪ :‬قوله تعالى لموسى وهارون ‪ } :‬إنني معكما‬
‫أسمع وأرى { ] طه ‪ [46 :‬وقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ } :‬إذ‬
‫يقول لصاحبه ل تحزن إن الله معنا { ]التوبة ‪. [40 :‬‬
‫ومثال المخصوصة بوصف ‪ :‬قوله تعالى ‪ } :‬واصبروا إن الله مع الصابرين {‬
‫] النفال ‪ [46 :‬وأمثالها في القرآن كثيرة‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ -:‬هذه المعية ل تقتضي أن يكون الله تعالى مختلطا ً‬
‫بالخلق أو حال ً في أمكنتهم ‪:‬‬
‫ول تدل على ذلك بوجه من الوجوه لن هذا المعنى باطل مستحيل على‬
‫الله عز وجل ول يمكن أن يكون معنى كلم الله ورسوله شيئا ً مستحيل ً‬
‫باطل ً ‪.‬‬
‫‪129‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية ‪" :‬وليس معنى قوله ‪} :‬وهو معكم {‬
‫] الحديد ‪ [4 :‬أنه مختلط بالخلق فإن هذا ل توجبه اللغة بل القمر آية من‬
‫آيات الله تعالى من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع‬
‫المسافر وغير المسافر أينما كان " ا ‪0‬هـ‬
‫ولم يذهب إلى هذا المعنى الباطل إل الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم‬
‫الذين قالوا ‪ :‬إن الله بذاته في كل مكان ‪ :‬تعالى الله عن قولهم علوا ً كبيرا ً‬
‫وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إل كذبا ً ‪.‬‬
‫وقد أنكر قولهم هذا من أدركه من السلف والئمة لما يلزم عليه من‬
‫اللوازم الباطلة المتضمنة لوصفه بالنقائص و إنكار علوه على خلقه ‪ .‬وكيف‬
‫يمكن أن يقول قائل عن الله تعالى بذاته في كل مكان أو أنه مختلط‬
‫بالخلق وهو سبحانه قد } وسع كرسيه السموات والرض { ] البقرة ‪:‬‬
‫‪} [255‬والرض جميعا ً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه{‬
‫]الزمر ‪[67 :‬‬

‫‪128‬‬
‫‪129‬‬

‫الفتوى الحموية ص)‪ (87‬من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لبن قاسم‬
‫العقيدة الواسطية ص )‪ (115‬ط ثالثة من شرح محمد خليل الهراس‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫خامسا ً ‪ -:‬هذه المعية ل تناقض ما ثبت لله تعالى من علوه على‬
‫خلقه واستوائه على عرشه ‪:‬‬
‫قال تعالى‪" :‬وهو العلى العظيم ‪ "255‬البقرة ‪ .‬وقال تعالى‪" :‬سبح اسم‬
‫ربك العلى"و قال تعالى‪" :‬تعرج الملئكة والروح إليه ‪ "4‬المعارج ‪ .‬و من‬
‫السنة إشارت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السماء يوم عرفة‬
‫يقول ‪ ":‬اللهم اشهد " ‪ .‬ومثل إقراره الجارية حين سألها ‪ :‬أين الله ؟‬
‫قالت ‪ :‬في السماء ‪ :‬قال ‪ " :‬اعتقها فإنها مؤمنة " و قد اجمع السلف على‬
‫علو الله تعالى ‪ .‬وأما دللة العقل ‪ :‬على علو الله تعالى فلن العلو صفة‬
‫كمال والسفول صفة نقص والله تعالى موصوف بالكمال منزه عن النقص ‪.‬‬
‫وأما دللة الفطرة ‪ :‬على علو الله تعالى فإنه ما من داع يدعو ربه إل وجد‬
‫من قلبه ضرورة بالتجاه إلى العلو من غير دراسة كتاب ول تعليم معلم ‪.‬‬
‫وهذا العلو الثابت لله تعالى بهذه الدلة القطعية ل يناقض‬
‫حقيقة المعية‪:‬‬
‫ً‬
‫فإنه يقال مازلنا نسير والقمر معنا ول يعد ذلك تناقضا ومن المعلوم أن‬
‫السائرين في الرض والقمر في السماء فإذا كان هذا ممكنا ً في حق‬
‫المخلوق فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء ‪ .‬و لو أن اجتماع العلو‬
‫ً‬
‫والمعية لو فرض أنه ممتنع في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ممتنعا في‬
‫حق الخالق فإن الله ل يماثله شيء من خلقه‪" :‬ليس كمثله شيء وهو‬
‫السميع البصير" و ذلك في جميع نعوته فهو تعالى قريب في علوه ‪.‬‬

‫ثالثا ً إلحاد النفاة‪:‬‬

‫و ينقسم إلى قسمان القسم الول هو نفي التكذيب‪:‬‬
‫و هو إنكار السماء و ما تتضمنه من صفات وهذا كفر بل شك لن تكذيب‬
‫خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالجماع‪ .‬و من الفرق التي قالت‬
‫بنفي السماء و ما تتضمنه من صفات غلة الجهمية ‪ ،‬والقرامطة ‪ ،‬والباطنية‬
‫فهم ل يصفون الله تعالى إل بالنفي المجرد عن الثبات ويقولون إن الله هو‬
‫الموجود المطلق بشرط الطلق " بل صفة إنما هو أمر في الذهان ل في‬
‫العيان " فل يقال هو موجود ‪ ،‬ول حي ول عليم ‪ ،‬ول قدير وإنما هي أسماء‬
‫لمخلوقاته أو مجاز ‪ ،‬لن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحى ‪ ،‬العليم‬
‫‪ ،‬القدير ويقولون إن الصفة عين الموصوف ‪ ،‬وإن كل صفة عين الصفة‬
‫الخرى فل فرق بين العلم ‪ ،‬والقدرة والسمع ‪ ،‬والبصر ونحو ذلك ‪0‬‬
‫والرد عليهم من وجوه ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أن الله تعالى جمع فيما سمى ووصف به نفسه بين النفي والثبات‬
‫فمن أقر بالنفي وأنكر الثبات فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض قال تعالى‪:‬‬
‫"إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله‬
‫ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيل ً أولئك‬
‫هم الكافرون حقا ً واعتدنا للكافرين عذابا ً مهينا ً ‪ "150‬النساء ‪0‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫الثاني ‪ :‬أن الموجود المطلق بشرط الطلق ل وجود له في الخارج‬
‫المحسوس وإنما هو أمر يفرضه الذهن ول وجود له في الحقيقة ‪ ،‬فتكون‬
‫حقيقة القول به نفي وجود الله تعالى إل في الذهن ‪ ،‬وهذا منتهى التعطيل‬
‫والكفر ‪0‬‬
‫الثالث ‪ :‬قولهم ‪ " :‬إن الصفة عين الموصوف ‪ ،‬وإن كل صفة عين الصفة‬
‫الخرى " مكابرة في المعقولت ‪ ،‬سفسطة في البدهيات ‪ ،‬فإن من المعلوم‬
‫بضرورة العقل ‪ ،‬والحس أن الصفة غير الموصوف ‪ ،‬وأن كل صفة غير‬
‫الصفة الخرى فالعلم غير العالم ‪ ،‬والقدرة غير القادر ‪ ،‬والكلم غير المتكلم‬
‫‪ ،‬كما أن العلم والقدرة ‪ ،‬والكلم ‪ ،‬صفات متغايرة‬
‫الرابع ‪ :‬أن وصف الله تعالى بصفات الثبات أدل على الكمال من وصفه‬
‫بصفات النفي ‪ ،‬لن الثبات أمر وجودي يقتضي تنوع الكمالت في حقه ‪،‬‬
‫وأما النفي فأمر عدمي ل يقتضي كمال ً إل إذا تضمن إثباتا ً وهؤلء النفاة ل‬
‫يقولون بنفي يقتضي الثبات ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬قولهم ‪ " :‬إن إثبات صفات متغايرة مغايرة للموصوف يستلزم‬
‫التعدد ‪ "..‬قول باطل مخالف للمعقول ‪ ،‬والمحسوس فإنه ل يلزم من تعدد‬
‫الصفات تعدد الموصوف فها هو النسان الواحد يوصف بأنه حي ‪ ،‬سميع‬
‫بصير ‪ ،‬عاقل ‪ ،‬متكلم إلى غير ذلك من صفاته ول يلزم من ذلك تعدد ذاته ‪0‬‬
‫و القسم الثاني هو نفي التأويل‪:‬‬
‫و هو إثبات السماء و نفي ما تتضمنه من صفات عن طريق التأويل الفاسد‬
‫و يسمى ذلك النفي تعطي ً‬
‫وغ في اللغة فإنه ل‬
‫م َ‬
‫ل‪ ,‬و التأويل إن كان له ُ‬
‫س ّ‬
‫وغ في اللغة فيوجب الكفر لنه صار في‬
‫م َ‬
‫ُيوجب الكفر‪ ,‬و إن لم يكون له ُ‬
‫س ّ‬
‫الحقيقة تكذيبا ً‪ ،130‬و حقيقة التأويل الفاسد أنه تحريف ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬فالتحريف ينقسم إلى تحريف لفظي و تحريف معنوي‪:‬‬
‫أما التحريف اللفظي‪:‬‬
‫سى‬
‫مو َ‬
‫ه ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫فهو كفر على كل حال ‪ .‬كمن يحرف قوله تعالى‪" :‬وَك َل ّ َ‬
‫ما" فيجعل لفظ الجللة بالفتح ليحرف صفة الكلم عن الله عز وجل و‬
‫ت َك ِْلي ً‬
‫يجعله من فعل موسى صلى الله عليه و سلم فهو تحريف لفظي كفري‬
‫و أما التحريف المعنوي‪:‬‬
‫فكما أسلفنا إما تحريف كفري إن لم يكن له مسوغ في اللغة أو تحريف‬
‫بدعي إن كان له مسوغ في اللغة ‪ .‬و التحريف المعنوي هو تحريف المعنى‬
‫مع بقاء صورة النظر كقول من قال اليد القدرة و أن قوله تعالى‪" :‬الرحمن‬
‫على العرش استوى" أي إستولى و هذا النوع من التحريف الذي يدل على‬
‫المنازعة على العرش تعالى الله عن ذلك ل تحتمله اللغة أصل ً و لذلك فهو‬
‫تحريف معنوي كفري ‪ .‬و كذلك من التحريف المعنوي الكفري الذي ل‬
‫‪130‬‬

‫أفاده بن العثيمين رحمه الله تعالى في القول المفيد‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫تحتمله اللغة القول بأن المراد "باليد" في قوله تعالى "بل يـداه‬
‫مبسوطتـان" السماوات والرض فهو تأويل كفري لنه ل يصح في اللغة‬
‫العربية ‪ ،‬ول هو مقتضى الحقيقة الشرعية ‪.‬‬
‫أما إن قال ‪ :‬المراد باليد النعمة أو القوة فل يكفر ‪ ،‬لن اليد في اللغة تطلق‬
‫بمعنى النعمة قال الشاعر ‪:‬‬
‫وكم لظلم الليل عندك من يد **** تحدث أن المانوية تكذب‬
‫من " يد " أي ‪ :‬من نعمة ‪ ،‬لن المانوية يقولون ‪ :‬إن الظلمة ل تحدث‬
‫الخير ‪ ،‬وإنما تحدث الشر ‪ 0‬و كون هذا التحريف المعنوي له مسوغ من‬
‫اللغة منع من كونه كفرا إل أنه تأويل بدعي مذموم لمخالفته للحقيقة‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫و زعم النفاة أنهم بهذا التأويل ينزهون الله تعالى‪:‬‬
‫ة هو الذي‬
‫عما ل يليق به من الصفات و كذبوا في ذلك لن المنزه حقيق ً‬
‫ينفي عن الله تعالى صفات النقص والعيب‪ ،‬وينزه كلمه من أن يكون تعمية‬
‫وتضلي ً‬
‫ل‪ ،‬فإذا قال‪ :‬بأن الله ليس له سمع‪ ،‬ول بصر‪ ،‬ول علم‪ ،‬ول قدرة و لم‬
‫ينزه الله بل وصفه بأعيب العيوب و وصف كلمه بالتعمية والتضليل‪ ،‬لن‬
‫الله يكرر ذلك في كلمه ويثبته‪ ،‬فإذا أثبته في كلمه و هو خال منه كان في‬
‫غاية التعمية و التضليل و القدح في كلم الله عز وجل ‪.‬‬
‫و من الفرق المعطلة‪:‬‬
‫ما ذكره الشيخ ياسر برهامي حفظه الله في شرح المنة حيث قال‪" :‬و من‬
‫الفرق المعطلة ) الباطنية ( و هم أسوأ الفرق وأضلهم ‪ ،‬و ) الفلسفة ( و )‬
‫الجهمية الوائل ( و ) المعتزلة ( و هم أخذوا ذلك عن الجهمية و لكن‬
‫ساغوه بعبارات أخف ‪ ,‬و ) الشاعرة ( و ) الحلولية ( و هم الذين يقولون‬
‫إن وجود الله في كل مكان ‪ ,‬فيعتقدون أن الله في كل مكان ‪ ..‬و العياذ‬
‫بالله ‪ ,...‬و ) التحادية ( و هم أشد كفرا ً من الحلولية فهم ل يثبتون لله ذاتا ً‬
‫أصل ً و هم أئمة الصوفية كابن عربي و بن الفارض و بن سبعين و هو‬
‫يقولون "إن الديان كلها واحدة أما المظاهر مختلفة لكن الحقيقة واحدة" ‪.‬‬
‫و الفرق الخارجة من الملة في المعطلة هم ‪ ] .‬التحادية ‪ ,‬و الحلولية و‬
‫الباطنية و الفلسفة و الجهمية الوائل المنافين لصريح الكتاب و السنة [ ‪,‬‬
‫* أما المعتزلة ‪ :‬فأقوالهم أقوال كفرية ‪ ,‬و لكن ل يكفر المعين حتى تقام‬
‫عليه الحجة "لوجود الشبهة" ‪ * .‬و أما الشاعرة ‪ :‬فهم أهل بدع و ضلل ‪ ,‬و‬
‫إقرارهم بالصفات المشهورة المعلومة من الدين بالضرورة منع من‬
‫تكفيرهم ‪ ,‬و إن كان إنكارهم لبعض الصفات ليس على سبيل النكار و إنما‬
‫هو على سبيل التأويل ‪ ,‬و لكنه تاويل فاسد اهـ‪.‬‬
‫نفي الجهمية المعطلة لصفة العلم‪:‬‬
‫و قد أورد أبو الحسن الشعري رحمه الله تعالى ردا ً عليهم و هذه بعض‬
‫عباراته‪" :‬وزعمت الجهمية أن الله تعالى ل علم له‪ ،‬و نفت الصفات عن‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫الله تعالى‪ ,‬ولم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه‪ ،‬وقالت إن الله‬
‫عالم‪ ،‬قادر‪ ،‬حي‪ ،‬سميع‪ ،‬بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له‬
‫حقيقة العلم‪ ،‬والقدرة‪ ،‬والسمع‪ ،‬والبصر ‪ .‬و يقال لهم إذا كان الله تعالى‬
‫عالما ً بل علم‪ ,‬فأثبتوا أنه قائل ل قول له‪ ،‬فإن أثبتوا قول الله تعالى قيل‬
‫لهم‪ :‬فإذا كان القائل ل يكون قائل ً إل بقول‪ ،‬فكيف أنكرتم أن ل يكون‬
‫العالم عالما إل بعلم ‪ .‬ويقال لهم‪ :‬من أين علمتم أن الله عالم ؟ فإن قالوا‪:‬‬
‫بقوله تعالى‪) :‬إنه بكل شيء عليم( من الية قيل لهم‪ :‬وكذلك فقولوا‪ :‬إن‬
‫لله علما بقوله‪) :‬أنزله بعلمه( وبقوله‪) :‬وما تحمل من أنثى ول تضع إل‬
‫بعلمه( ‪ .‬ويقال لهم‪ :‬قد عّلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الشرائع‬
‫والحكام‪ ،‬والحلل والحرام‪ ،‬ول يجوز أن يعلمه ما ل يعلمه‪ ،‬فكذلك ل يجوز‬
‫أن يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم مال علم الله به ‪ .‬تعالى الله عن‬
‫قول الجهمية علوا كبيرا ‪ .‬وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك‪ ،‬وليس‬
‫للخالق عز وجل علم به؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضل‬
‫على الخلق ‪ .‬تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ‪ .‬ويقال لهم‪ :‬هل يجوز أن‬
‫تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم ؟ فإن قالوا‪ :‬ذلك محال‪ ،‬ول يجوز‬
‫في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إل من عالم قادر حي ‪.‬‬
‫قيل لهم‪ :‬وكذلك ل يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب‬
‫ونظام إل من ذي علم وقدرة وحياة"‬
‫الرد على من نفى صفة العلو‪:‬‬
‫يقول أبو الحسن الشعري رحمه الله في البانة‪" :‬وقد قال قائلون من‬
‫المعتزلة والجهمية والحرورية‪ :‬إن معنى قول الله تعالى‪) :‬الرحمن على‬
‫العرش استوى( أنه استولى وملك وقهر‪ ،‬وأن الله تعالى في كل مكان‪،‬‬
‫وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه‪ ،‬كما قال أهل الحق‪،‬‬
‫وذهبوا في الستواء إلى القدرة ‪ .‬ولو كان هذا كما ذكروه كان ل فرق بين‬
‫العرش والرض السابعة؛ لن الله تعالى قادر على كل شيء والرض لله‬
‫سبحانه قادر عليها‪ ،‬وعلى الحشوش‪ ،‬وعلى كل ما في العالم‪ ،‬فلو كان الله‬
‫مستويا على العرش بمعنى الستيلء‪ ،‬وهو تعالى مستو على الشياء كلها‬
‫لكان مستويا على العرش‪ ،‬وعلى الرض‪ ،‬وعلى السماء‪ ،‬وعلى الحشوش‪،‬‬
‫والقدار؛ لنه قادر على الشياء مستول عليها‪ ،‬وإذا كان قادرا على الشياء‬
‫كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على‬
‫الحشوش والخلية‪ ،‬تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا‪ ،‬لم يجز أن يكون‬
‫الستواء على العرش الستيلء الذي هو عام في الشياء كلها‪ ،‬ووجب أن‬
‫يكون معنى الستواء يختص بالعرش دون الشياء كلها ‪ .‬وزعمت المعتزلة‬
‫والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان‪ ،‬فلزمهم أنه في بطن‬
‫مريم وفي الحشوش والخلية‪ ،‬وهذا خلف الدين ‪ .‬تعالى الله عن قولهم‬
‫علوا كبيرا ‪ .‬و دليل آخر قوله تعالى‪" :‬يخافون ربهم من فوقهم" ‪ ,‬وقوله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫تعالى‪" :‬تعرج الملئكة والروح إليه" ‪ ،‬فكل ذلك يدل على أنه تعالى في‬
‫السماء مستو على عرشه‪ ،‬والسماء بإجماع الناس ليست الرض‪ ،‬فدل على‬
‫أنه تعالى منفرد بوحدانيته‪ ،‬مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول‬
‫والتحاد ‪ .‬وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلم‪" :‬إني متوفيك ورافعك‬
‫ي" ‪ ،‬وقال تعالى‪" :‬وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه" وأجمعت المة على‬
‫إل ّ‬
‫أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء ‪ ،‬كل ذلك‬
‫يدل على أنه تعالى ليس في خلقه‪ ،‬ول خلقه فيه‪ ،‬وأنه مستو على عرشه‬
‫سبحانه‪ ،‬بل كيف ول استقرار‪ ،‬تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون‬
‫علوا كبيرا‪ ،‬فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة‪ ،‬ول أوجبوا له بذكرهم إياه‬
‫وحدانية؛ إذ كل كلمهم يؤول إلى التعطيل‪ ،‬وجميع أوصافهم تدل على‬
‫النفي‪ ،‬يريدون بذلك التنزيه‪ ،‬ونفي التشبيه على زعمهم‪ ،‬فنعوذ بالله من‬
‫تنزيه يوجب النفي والتعطيل ‪ .‬و روى المام مسلم عن معاوية بن الحكم‬
‫السلمي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جارية عنده أفل‬
‫أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال‪" :‬لها أين الله قالت في السماء قال‬
‫من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة" اهـ ‪.131‬‬

‫و من إلحاد النفاة نفيهم لصفة المشي و الهرولة‪:‬‬
‫بدعوى التنزيه و إنما فروا من التشبيه إلى التعطيل‪ ,‬و أهل السنة يثبتونها‬
‫على ما يليق بالله تعالى‪ ,‬فقد روى المامان البخاري و مسلم من حديث‬
‫أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما‬
‫يرويه عن الله تعالى أنه قال ‪ " :‬من تقرب مني شبرا ً تقربت منه ذراعا ً‬
‫ومن تقرب مني ذراعا ً تقربت منه باعا ً ومن أتاني يمشى أتيته هرولة "‬
‫قال الشيخ بن العثيمين رحمه الله‪" :132‬اختلف العلماء في معنى هذه‬
‫الجملة وما بعدها‪:‬‬
‫فقيل إن هذا على حقيقته وأن النسان إذا تقرب إلى الله شبرا ً تقرب إليه‬
‫ذراعا ً وعلى هذا فيكون هذا القول في العبادات التي تحتاج إلي مشى‬
‫كالسعي إلى المساجد والسعي إلى الحج وما أشبه ذلك ويخرج العبادات‬
‫التي ل يكون فيها مشى ولكنها كالتي تحتاج إلى مشى أي أن الله يعطي‬
‫العامل أكثر مما عمل ‪.‬‬
‫وقيل إن هذا على سبيل المثال وأن النسان إذا تقرب إلى الله بقلبه تقرب‬
‫الله إليه على كيفية ل نعلمها ‪ ،‬نحن بأنفسنا نعلم كيف نتقرب إلى الله لكن‬
‫تقرب الله إلينا ل نعلمه فالمعنى أن النسان إذا تقرب إلى الله بقلبه فإن‬
‫الله تعالى يتقرب إليه على كيفية ل تعلم وذلك أن النسان يشعر بتقربه‬
‫‪ 131‬الباتة عن أصول الديانة – بتصرف ‪-‬‬
‫‪ 132‬شرحه للبخاري ص ‪74‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫إلى الله بالقلب أحيانا ً يكون قلبه ذاكرا ً لله عز وجل فيشعر أنه قريب من‬
‫الله عز وجل وأحيانا ً يكون غافل ً فالمعنى إذا تقرب النسان إلى ربه بالقلب‬
‫ومن المعلوم ان العبادات تكون سببا ً لتقرب القلب إلى الله عز وجل كما‬
‫قال النبي صلى الله عليه وسلم " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‬
‫" ولهذا وأنت ساجد بأنك قريب من الله وأن الله في السماء فيكون على‬
‫هذا القول يكون هذا من باب ضرب المثل وليس على الحقيقة وهذا القول‬
‫أحسن من الول لنه يشمل بدللة المطابقة جميع العبادات والول يختص‬
‫بالعبادات ذات السعى والمشى " ‪.‬‬
‫و من إلحاد النفاة إنتقاصهم من قدر الكمال لصفات الله تعالى‬
‫و أفعاله‪:‬‬
‫كالنتقاص من كمال الصفات الفعلية كصفة السمع و الحاطة‪:‬‬
‫فقد خرج الشيخان من حديث بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال‪:‬‬
‫"اجتمع عند البيت ثلثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي قليل فقه‬
‫قلوبهم كثير شحم بطونهم فقال أحدهم أترون الله يسمع ما نقول وقال‬
‫الخر يسمع إن جهرنا ول يسمع إن أخفينا وقال الخر إن كان يسمع إذا‬
‫جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله عز وجل وما كنتم تستترون أن يشهد‬
‫عليكم سمعكم ول أبصاركم ول جلودكم"‬
‫و منه نفي كمال حكمة أمره الله عز وجل‪:‬‬
‫كنفي كمال حكمة الله تعالى في حكمه بين العباد أو مساواته بغيره من‬
‫َ‬
‫ماُء‬
‫الحكام الوضعية فهو إلحاد مكفر يجب تجنبه قال تعالى‪" :‬وَل ِل ّهِ اْل ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫كاُنوا‬
‫سَنى َفاد ْ ُ‬
‫ن ي ُل ْ ِ‬
‫عوه ُ ب َِها وَذ َُروا ال ّ ِ‬
‫جَزوْ َ‬
‫سي ُ ْ‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مائ ِهِ َ‬
‫ن ِفي أ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ‪ "180‬العراف ‪.‬‬
‫مُلو َ‬
‫ي َعْ َ‬
‫و من نفي كمال الحكمة عدم التسليم و الرضى بأفعاله تعالى‪:‬‬
‫و ليس معنى ذلك أن كل ما يصيب المؤمن ظاهره الخير بل قد يصيبه‬
‫الشر‪ ,‬و ليس الحديث على ظنه و شعوره بل الحديث على اعتقاده تجاه‬
‫أمر ربه‪ ,‬فالمؤمن قد تصيبه الضراء فيحزن قلبه لها و هو أمٌر يتفاوت على‬
‫ب و نحو ذلك إل أن الواجب اعتقاد كمال‬
‫قدر تعلقه به كمفارقة محبو ٍ‬
‫الحكمة بقدر الله تعالى و هو الذي يورث الصبر فيجازى المؤمن خيرا ً كما‬
‫روى المام مسلم من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم قال‪" :‬عجبا لمر المؤمن إن أمره كله خير‬
‫وليس ذاك لحد إل للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن‬
‫أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"‪ ,‬أما من أضاف إلى حزنه التسخط على‬
‫أمر الله تعالى فقد ألحد عن كمال حكمة الله تعالى إلى الظن المهلك‬
‫فيعامل على قصد نيته كما روى الترمذي و حسنه هو و النووي من حديث‬
‫أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬إن عظم‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫الجزاء مع عظم البلء وإن الله إذا أحب قوما ابتلهم فمن رضى فله‬
‫الرضا ومن سخط فله السخط" و اعتقاد أهل الجاهلية في كمال أفعال‬
‫الله تعالى إعتقادد ٌ مهلك قال تعالى‪" :‬وقالوا ما هي إل حياتنا الدنيا نموت‬
‫ونحيا وما يهلكنا إل الدهر ‪ "24‬الجاثية‪ .‬فقد كانت العرب كلما أصابهم شدة‬
‫أو بلء سبوا الدهر وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله عز‬
‫وجل و كأنهم سبوا أفعاله تعالى عما يقول المشركون علوا ً كبيرا ‪ .‬و لذلك‬
‫ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من حديث أبي هريرة‬
‫رضي الله عنه أنه قال ) ل تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر‪ ( 133‬أي ل تسبوا‬
‫فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لنه هو‬
‫فاعلها ومنزلها ‪ ,‬و ينبغي أن يعلم أنه ليس من أسماء الله اسم " الدهر "‬
‫وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير ‪.‬‬
‫و أعظم منه نفي إبليس لكمال حكمة الله تعالى في أمره‪:‬‬
‫إذ قال " َقا َ‬
‫ن‪ "76‬ص ‪ .‬و‬
‫خل َ ْ‬
‫خل َ ْ‬
‫ن َنارٍ وَ َ‬
‫ه َ‬
‫ل أ ََنا َ‬
‫ن ِ‬
‫ه ِ‬
‫قت َِني ِ‬
‫خي ٌْر ِ‬
‫قت َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫طي ٍ‬
‫الصل فيه الكبر‬

‫رابعا ً إلحاد المفترين‪:‬‬

‫فمن اللحاد في أسمائه تسميته تعالى بما لم يرد في الكتاب أو السنة‬
‫الصحيحة كقوله الفلسفة في الله ‪ :‬إنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل ‪،‬‬
‫وهذا الكون معلول لها ‪ ،‬وليس هناك إله ‪ .‬وبعضهم يسميه العقل الفعال ‪،‬‬
‫فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال ‪ ،‬وكذلك النصاري يسمون الله أبا ً‬
‫وهذا إلحاد ‪.‬‬
‫و من الفتراء على أفعال الله تعالى القول بأن الله تعالى خلق‬
‫الخلق عبثا ً تعالى الله عما يقولون علوا ً كبيرا‪:‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى‪ " :‬أ َفَحسبت َ‬
‫ن‪ 115‬فَت ََعاَلى‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫جُعو َ‬
‫م إ ِل َي َْنا َل ت ُْر َ‬
‫م ع َب ًَثا وَأن ّك ُ ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫م أن ّ َ‬
‫َ ِ ُْ ْ‬
‫ه إ ِّل هُوَ َر ّ ْ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ريم ِ‪ "116‬المؤمنون ‪ .‬و قال‬
‫ك ال ْ َ‬
‫حقّ َل إ ِل َ َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ش ال ْك َ ِ‬
‫ب العَْر ِ‬
‫َ‬
‫ما إ ِّل‬
‫خل َ ْ‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ما َ‬
‫ما َل ِ‬
‫ماَوا ِ‬
‫قَنا ال ّ‬
‫قَناهُ َ‬
‫ن‪َ 38‬‬
‫ما ب َي ْن َهُ َ‬
‫ض وَ َ‬
‫س َ‬
‫تعالى" وَ َ‬
‫ت َواْلْر َ‬
‫عِبي َ‬
‫َ‬
‫ن‪ "39‬الدخان ‪ .‬فمن آمن بربوبية الله تعالى و‬
‫مو َ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫م َل ي َعْل َ ُ‬
‫ن أك ْث ََرهُ ْ‬
‫حقّ وَل َك ِ ّ‬
‫ما‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫ي إ ِّل َ‬
‫كفر باليوم الخر و بالبعث و قال "إ ِ ْ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫ن هِ َ‬
‫ن‪ "37‬المؤمنون ‪ .‬فقد إفترى على الله تعالى و ادعى أنه تعالى‬
‫نَ ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫مب ُْعوِثي َ‬
‫ح ُ‬
‫خلق السماوات و الرض عبثا تعالى الله عما يقول المشركون علوا ً كبيرا و‬
‫إنما خلقوا لغاية عظيمة جدا ً يحبها الله تعالى و يرضاها و هي عبادته وحده‬
‫ن‪ "56‬و قال‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫ل شريك له قال تعالى‪" :‬وَ َ‬
‫ن َواْل ِن ْ َ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫َ‬
‫قد بعث ْنا في ك ُ ّ ُ‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت‬
‫تعالى‪" :‬وَل َ َ ْ َ َ َ ِ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ن ا ُع ْب ُ ُ‬
‫مةٍ َر ُ‬
‫غو َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫لأ ّ‬
‫سوًل أ ِ‬
‫َْ‬
‫ض‬
‫ح ّ‬
‫ضَلل َ ُ‬
‫ة فَ ِ‬
‫ه وَ ِ‬
‫فَ ِ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ال ّ‬
‫ن َ‬
‫ن هَ َ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سيُروا ِفي الْر ِ‬
‫ف َ‬
‫ن‪ "36‬النحل ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫َفان ْظ ُُروا ك َي ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫مك َذ ِّبي َ‬
‫‪133‬‬

‫رواه مسلم عن أبي هريرة ) ‪( 5827‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫و من هنا يتبين لك عظم ما يقع فيه كثير من المسلمون من الغفلة عن‬
‫هذه الحكمة العظيمة فإذا ما سئلوا عن وظيفتهم في هذه الحياة فتكون‬
‫الجابة لرسالة تتمثل في الكسب و تعمير الرض بالبنية و اتخاذ المصانع و‬
‫نحوها أو لتربية الولد و لربما أضاف البعض "أيضا ً لعبادة الله تعالى" و‬
‫البعض قد تكون إجابته الفعلية بهذا المعنى أبلغ من إجابته القولية‪ ,‬و ل شك‬
‫أن هذا خل ٌ‬
‫ل عظيم و خطأ ٌ فادح ناتج عن الجهل بالله تعالى‪ ,‬و إل فإذا كان‬
‫بعض هذه المور ضروريٌ لستمرار الحياة إل أنها ليست الهدف و ليست‬
‫الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق‪ ,‬و إنما خلقوا لعبادة الله وحده و مثل‬
‫هذه المورالسالف ذكرها من ضروريات الحياة و ليست الهدف و ليست‬
‫ف جاهلي تنتج عنه آثاٌر‬
‫الغاية و المنتهى‪ ,‬أما أن تصبح هي الهدف فذلك هد ٌ‬
‫وخيمة تفسد الدين قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‪" :‬أل كل‬
‫أمرٍ من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع" ‪.‬‬
‫و من الفتراء على الله تعالى القول بالحلول أو التحاد و هو‬
‫كفر‪:‬‬
‫تعالى عن سفينة نوح‪" :‬تجري بأعيننا ‪ "14‬القمر ‪ .‬وقوله لموسى‪" :‬ولتصنع‬
‫على عيني ‪ "39‬طه ‪ .‬أي أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وكذلك تربية‬
‫موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه ‪0‬‬
‫و من إلحاد التحادية قولهم أن المعنى في هاتين اليتين أن السفينة تجري‬
‫في عين الله أو أن موسى عليه الصلة والسلم يربى فوق عين الله تعالى‪,‬‬
‫و هم بذلك يقولون بحلول المخلوقات في الخالق و هذا من إفتراء الحلولية‬
‫على الله تعالى و وصفه بأنه ليس بائن من خلقه تعالى الله عما يقولون‬
‫علوا ً كبيرا‪ ,‬ول ريب في بطلن هذا القول و ذلك لوجهين ‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه ل يقتضيه الكلم بمقتضى الخطاب العربي والقرآن إنما نزل بلغة‬
‫العرب قال الله تعالى ‪ }:‬إنا أنزلناه قرآنا ً عربيا ً لعلكم تعقلون {] يوسف ‪:‬‬
‫‪ [2‬وقال تعالى ‪ } :‬نزل به الروح المين على قلبك لتكون من المنذرين‬
‫بلسان عربي مبين { ] الشعراء ‪ [195-193 :‬ول أحد يفهم من قول القائل‬
‫‪ :‬فلن يسير بعيني أن المعنى أنه يسير داخل عينه ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن هذا ممتنع غاية المتناع ول يمكن لمن عرف الله وقدره حق‬
‫قدره أن يفهمه في حق الله تعالى لن الله تعالى مستو على عرشه بائن‬
‫من خلقه ل يحل فيه شيء من مخلوقاته ول هو حال في شيء من‬
‫مخلوقاته سبحانه وتعالى عن ذلك علوا ً كبيرا ً ‪.‬‬
‫مسألة‪ :‬و من قال باتحاد الخالق و المخلوق فقد كفر‪:‬‬
‫روى المام البخاري من حديث أبي هرؤيرة رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم قال إن الله قال‪" :‬وما يزال عبدي يتقرب إلى‬
‫بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي‬
‫يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لعطينه‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫ولئن استعادني لعيذنه " أي أن الله تعالى يسدد هذا الولى للعمال‬
‫الصالحة التي تتم عن طريق السمع والبصر و اليد و الرجل و ذلك عن‬
‫طريق توفيقه إلى كمال الخلص و المتابعة‪ ,‬و يعينه عليها و هذا التفسير‬
‫مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه وليس فيه تأويل ول‬
‫صرف للكلم عن ظاهره ولله الحمد والمنة ‪.‬‬
‫و ادعى بعض الزنادقة أن الله تعالى يكون سمع الولى وبصره ويده ورجله‪,‬‬
‫فهم بذلك يقولون باتحاد الخالق و المخلوق تعالى الله عما يقولون علوا ً‬
‫كبيرا‪ ,‬و هذا اللحاد من باب الفتراء على صفات الله تعالى و الرد على‬
‫هذه القوال من وجهين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أن في الحديث إثبات عبدا ً ومعبودًا‪ ,‬ومتقربا ً ومتقربا ً إليه‪ ,‬ومحبا ً‬
‫ومحبوبا ً وسائل ومسؤول ً ومعطيا ً ومعطى ومستعيذا ً ومستعاذا ً به ومعيذا ً‬
‫ومعاذا ً فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الخر‬
‫وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفا ً في الخر أو جزءا ً من أجزائه ‪.‬‬
‫الوجه الثاني ‪ :‬أن سمع الولى وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في‬
‫مخلوق‪ ,‬حادث بعد أن لم يكن ول يمكن لي عاقل أن يفهم أن الخالق الول‬
‫الذي ليس قبله شيء يكون سمعا ً وبصرا ً ويدا ً ورجل ً لمخلوق‬
‫أثر توحيد السماء و الصفات في نفس المؤمن‪:‬‬
‫ل تأخذه سنة ول نوم‪:‬‬
‫وصف الله نفسه في أعظم آية من القرآن كما جاء في حديث الصحيحين‬
‫أنه ل تأخذه سنة ول نوم فقال سبحانه }الله ل إله إل هو الحي القيوم ل‬
‫تأخذه سنة ول نوم{ ول شك أن نفي الله عن نفسه للنوم وللقل منه وهو‬
‫السنة دليل على قيوميته وكمال حياته‪ ،‬وعدم تطرق النقص والغفلة إليه و‬
‫ذلك لكمال قيومية الله سبحانه وتعالى‪ ،‬وكمال حياته وعدم تطرق الخلل‬
‫والنسيان والغفلة لذاته‪ ،‬واليمان بذلك له أثره ول شك في قلب المؤمن‬
‫الذي ما أن يشهد لله بذلك حتى يعظم شأنه الله‪ ،‬ويعلم أنه مطلع على‬
‫خفياته‪ ،‬سميع له في أي ساعة دعاه من ليل أو نهار‪ ،‬وأنه ل يغيب عنه‬
‫سبحانه عمل عامل من خير وشر‪.‬‬
‫صفة الحب والمحبة‪:‬‬
‫س لهذا الرب وتقّرب إليه بما يزيد حبه ووده‬
‫هذه الصفة تورث العبد استئنا ً‬
‫ي بالنوافل حتى أحبه" وسعى إلى أن يكون‬
‫له "ول يزال العبد يتقرب إل ّ‬
‫ُ‬
‫ب فلنا ً فأحّبه ‪ ،‬فُيحّبه جبريل ‪ ،‬ثم‬
‫ممن يقول الله فيهم ‪" :‬يا جبريل إني أح ّ‬
‫ب فلنا ً فأحبوه ‪ ،‬فُيحّبه أه ُ‬
‫ل السماء ثم يوضع‬
‫ينادي في السماء ‪ :‬إن الله يح ّ‬
‫له القبول في الرض" و يكون ذلك باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم "قُ ْ‬
‫ل‬
‫ه"‬
‫م تُ ِ‬
‫ه َفات ّب ُِعوِني ي ُ ْ‬
‫حّبو َ‬
‫إِ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫يد الله‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪104‬‬

‫ومن الصفات التي جحدتها قلوب النفاة‪ ،‬وأنكرها الزنادقة قديمًا‪ ،‬وصف الله‬
‫نفسه سبحانه بأن له يدين وهذا ما قد مدح الله به نفسه في آيات كثيرة‬
‫من كتابه وقد مدحه به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة فمن‬
‫اليات قوله تعالى‪} :‬تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير{‬
‫وقوله تعالى‪} :‬وما قدروا الله حق قدره والرض جميعا ً قبضته يوم القيامة‬
‫والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون{ وقوله تعالى‬
‫مادحا ً نفسه مبينا ً فضله وتفضله على بني آدم إذ خلقه بيديه قال تعالى‬
‫لبليس }ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي{ وكذلك لما اتهم اليهود الله‬
‫سبحانه وتعالى بأنه بخيل وأنه ل ينفق فقالوا }يد الله مغلولة{ رد الله‬
‫سبحانه وتعالى عليهم قائ ً‬
‫ل‪} :‬بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء{‪.‬‬
‫وقد جاءت الحاديث الكثيرة التي تمدح الله بهذه الصفة وتبين كثرة عطاء‬
‫الله وقدرته وعظمته من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث‬
‫الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‪ :‬قال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪] :‬قال الله عز وجل‪ :‬أنفق أنفق عليك[‪ ،‬وقال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫]يد الله ملى ل تغيضها نفقة‪ ،‬سحاء الليل والنهار[ وقال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪] :‬أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والرض فإنها لم تغض ما في‬
‫يده وكان عرشه على الماء‪ ،‬وبيده الميزان يخفض ويرفع[ )متفق عليه(‪.‬‬
‫وكل هذا بيان لعظيم عطاء الله وسعة فضله وأن يده الكريمة جل وعل‬
‫دائمة العطاء والنفاق‪ ،‬ويشبه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا‪:‬‬
‫]ما تصدق أحد بصدقة من طيب‪ ،‬ول يقبل الله إل الطيب إل أخذها الرحمن‬
‫بيمينه وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل‬
‫كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله[ )مسلم(‪ .‬وفي هذا الحديث إثبات الكف‪،‬‬
‫وبيان عظيم فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه وأنه يتقبل من العباد‬
‫صدقاتهم وينميها لهم ويحاسبهم على النماء وينميها ول شك أن هذا له‬
‫تأثيره في قلب المؤمن من محبة الله ورضوانه‪.‬‬
‫وفي مجال قوة الله سبحانه وتعالى وجبروته وبطشه يقول صلى الله عليه‬
‫وسلم‪] :‬إن الله يقبض يوم القيامة الرض وتكون السموات بيمينه ثم يقول‪:‬‬
‫أنا الملك[ )رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما(‪ ،‬وفي رواية أخرى‬
‫]فيجعلهما في كفة ثم يرمي بهما كما يرمي الغلم بالكرة[‪ .‬وفي هذا بيان‬
‫لعظمة الله وكمال قدرته وأن السموات والرض يوم القيامة تكون بيمينه‪.‬‬
‫ول شك أن أثر اليمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم لنها تورث‬
‫القلب المهابة لله والخوف منه وتعظيم أمره وشأنه‪ ،‬وأنه الملك الذي قهر‬
‫الملوك‪ ،‬وأنه ل مفر من قبضته‪ ،‬ول ملجأ منه إل إليه‪.‬‬

‫فص ٌ‬
‫ل في توحيد الربوبية‪:‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫فمن أسمائه أنه "الرب" و السم دال ً على الصفة تضمنًا‪ ,‬و صفة الرب‬
‫متضمنة لعدة صفات أخرى‪ ,‬و من توحيد الله عز وجل إثبات السم له‬
‫وحده أنه "رب العالمين" و اعتقاد إنفراده بالصفة وحده أن ربوبية العالمين‬
‫لله وحده ‪ ,‬و ل يكمل إيمان عبد بتوحيد الربوبية حتى يعلم تفاصيل‬
‫التفاصيل في معناها حتى يؤمن بكل مسألة ‪ ,‬أما معنى صفة الربوبية فتعني‬
‫إعتقاد إنفراد الله تبارك و تعالى بالخلق و الملك و المر ‪ ,‬فهذه محاور ثلثة‬
‫هي أساس توحيد الربوبية ‪ ,‬فالخلق خلقه و الملك ملكه و المر أمره تبارك‬
‫و تعالى ‪,‬‬

‫و الول منها إفراد الله عز وجل بالخلق ‪:‬‬
‫و منه إنفراده تبارك و تعالى بالرزق و التدبير و الحياء و الماته و الضر و‬
‫النفع ‪ .‬فإفراده بالخلق ‪ :‬أن يعتقد النسان أنه ل خالق إل الله‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫)أل له الخلق والمر‪ ( 134‬فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر؛ إذ إن‬
‫تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر‪ ،‬وقال تعالى ) هل من خالق غير الله‬
‫يرزقكم من السماء و الرض‪ ( 135‬فهذه الية تفيد اختصاص الخلق بالله لن‬
‫الستفهام فيها مشرب معنى التحدي قال تعالى )قل من يرزقكم من‬
‫السماء والرض أم من يملك السمع والبصار ومن يخرج الحي من الميت‬
‫ويخرج الميت من الحي ومن يدبر المر فسيقولون الله فقل أفل تتقون‪.‬‬
‫فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إل الضلل فأنى تصرفون‪ . ( 136‬وأما‬
‫تدبير النسان؛ فمحصور بما تحت يده‪ ،‬ومحصور بما أذن له فيه شرعا ً ‪.‬‬
‫مْلك التام ‪:‬‬
‫الثاني ال ِ‬
‫مْلك و ال ُ‬
‫ملك بكسر الميم فتتعلق بالقدرة و‬
‫ملك بضم الميم يتعلق بامتلك أما ال ِ‬
‫و ال ُ‬
‫‪137‬‬
‫السيطرة‪ ,‬قال تعالى‪" :‬ولله ملك السماوات والرض " و قال تعالى‪" :‬قل‬
‫من بيده ملكوت كل شئ و هو يجير و ل يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقون‬
‫لله قل فأنى تسحرون ‪ "88‬المؤمنون‪ ,‬و قال تعالى‪" :‬أم يملك السمع و‬
‫البصار ‪ "31‬يونس‪ ,‬فهو يمكنه سبحانه ان يمنع العبد سمعه و بصره و العبد‬
‫ل يملك شيئا ً و الدليل على ذلك و اضح جدا ً فمن له السمع و البصر و قد‬
‫كان عدما ً محضا ً و قد كان نطفة من ماء مهين ‪ ,‬قال الشيخ ياسر برهامي‬
‫–رحمه الله –‪" :‬و قوله تعالى عن الملئكة ) فالمدبرات أمرا ( ل يعني أنهم‬
‫يدبرون المر مع الله إنما هم يدبرون ما أمرهم الله عز وجل ‪ ,‬ليس معنى‬
‫‪134‬‬
‫‪135‬‬
‫‪136‬‬
‫‪137‬‬

‫العراف‪54 :‬‬
‫فاطر ‪3‬‬
‫يونس ‪31‬‬
‫آل عمران ‪19‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫أنهم يفعلون ذلك أنهم شركاء مع الله ‪ ..‬كقول المشركين فتعالى الله عن‬
‫ذلك علوا كبيرا ‪ .‬و كقول عباد القبور مثل ً أن الله قال الملك الملكي و‬
‫صرفت فيه البدوي !! و العياذ بالله ! ‪ ,‬أو يزعمون أن للكون أقطابا ً أربعة‬
‫كل ً يأخذ ربعا ً يدبره و العياذ بالله و بناء على هذا سألون النفع و الضر و‬
‫قضاء الحاجات فلبد أن يكون عندهم إعتقاد في ملكهم شيئا ً إما على‬
‫سبيل الوساطة أو الشفاعة أو أن الله فوض لهم ذلك ‪ ,‬و مثل هذا العتقاد‬
‫ل ينفع معه عمل و هو حتى لو لم يفعل شيئا ً من هذه العمال بأن أحدا ً غير‬
‫الله يدبر المر دون إذن الله و أمره يجعل صاحبه مشركا ً بالله عز وجل‬
‫‪138‬اهـ"‬
‫هل النسان يتملك ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫م أوْ َ‬
‫جه ِ ْ‬
‫قال الشيخ بن العثيمين –رحمه الله‪ ) -‬قال تعالى‪) :‬إ ِل ع َلى أْزَوا ِ‬
‫َ‬
‫ن‪ ( 139‬فهو ملك محدود ل يشمل إل شيئا ً‬
‫مُلو ِ‬
‫م غ َي ُْر َ‬
‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫مان ُهُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫مل َك َ ْ‬
‫َ‬
‫مي َ‬
‫ً‬
‫يسيرا من هذه المخلوقات؛ فالنسان يملك ما تحت يده‪ ،‬ول يملك ما تحت‬
‫يد غيره‪ ،‬وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف؛ فالنسان ل يملك ما عنده‬
‫تمام الملك‪ ،‬ولهذا ل يتصرف فيه إل على حسب ما أذن له فيه شرعًا‪،‬‬
‫فمث ً‬
‫ل‪ :‬لو أراد أن يحرق ماله‪ ،‬أو يعذب حيوانه؛ قلنا ل يجوز أما الله سبحانه‬
‫فهو يملك ذلك كله ملكا ً عاما ً شامل ً ‪140‬اهـ ( ‪.‬‬
‫ثالثا ً إنفراد الله تبارك و تعالى بالمر و النهي و التشريع و‬
‫السيادة ‪:‬‬
‫قال تعالى ) أل له الخلق و المر تبارك الله رب العالمين ( ) العراف ‪:‬‬
‫‪ ( 54‬قال المام الطبري رحمه الله )ومن زعم أن الله جعل للعباد من‬
‫المر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله أل له الخلق والمر‬
‫تبارك الله رب العالمين اه ( و قال المام بن كثير في البداية و النهاية‬
‫) فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم النبياء و‬
‫تحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة ‪ ,‬كفر فكيف بمن تحاكم إلى‬
‫الياسق و قدمه عليه ‪ ,‬من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ‪141‬اه ( فكما‬
‫يعتقد المسلم أن الله منفرد بالخلق فكذلك يعتقد أنه منفرد بالمر الكوني‬
‫قال تعالى "إنما أمره إذا أراد شيئا ً أن يقول له كن فيكون" و الشرعي قال‬
‫تعالى "و ما أمروا إل ليعبدوا الله مخلصين له الدين" ‪" ,‬اعبدوا ربكم الذي‬
‫خلقكم"‬
‫من حكم بغير ما أنزل الله في مسألة واحدة ‪:‬‬
‫قال الشيخ علء الدين الخازن في تفسيره ) واختلف العلماء فيمن نزلت‬
‫هذه اليات الثلث وهي قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم‬
‫‪138‬‬
‫‪139‬‬
‫‪140‬‬
‫‪141‬‬

‫شرح المنة‬
‫المؤمنون ‪6‬‬
‫مجموع فتاوي و رسائل فضيلة الشيخ بن العثيمين – المجلد الول ‪ -‬التوحيد‬
‫البداية و النهاية ‪128 \ 13‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم‬
‫بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون فقال جماعة من المفسرين إن اليات‬
‫الثلث نزلت في الكفار الذين جحدوا حجكم الله من اليهود لن المسلم‬
‫وإن ارتكب كبيرا ) أي حكم بغير ما أنزل الله في مسألة لرشوة مثل ً ( ل‬
‫يقال إنه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك واختيار الزجاج ‪ ) ,‬و‬
‫كل المسلمين على أنه من ترك الحكم بغير ما أنزل الله كليا ً كافر ( حيث‬
‫قالوا و أنه من زعم أن حكما من أحكام الله تعالى التي أتت بها النبياء‬
‫باطل فهو كافر ‪ ) ,‬و القول الثاني فيمن لم يحكم بما أنزل الله في مسألة‬
‫أنه كافر ( قول ابن مسعود والحسن والنخعي أن هذه اليات الثلث عامة‬
‫في اليهود وفي هذه المة فكل من ارتشى وبدل الحكم بغير حكم الله فقد‬
‫كفر وظلم وفسق وإليه ذهب السدي لنه ظاهر الخطاب ‪ ,‬وقيل هذا فيمن‬
‫علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا وحكم بغيره وأما من خفي عليه‬
‫النص أو أخطأ في التأويل فل يدخل في هذا الوعيد والله أعلم انتهى‬
‫كلمه‪( 142‬‬

‫باب في حق الله تعالى على عباده و قول الله‬
‫َ‬
‫جل ذكره ) َ‬
‫ه‬
‫م ْ‬
‫فا ْ‬
‫ن‪ 2‬أل ل ِل ّ ِ‬
‫عب ُ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫دي َ‬
‫صا ل َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫د الل ّ َ‬
‫خل ِ ً‬
‫ص ( الية ‪ .‬سورة الزمر‪:‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫دي ُ‬
‫خال ِ ُ‬

‫توحيد اللوهية هو حق الله تعالى على عباده أي إخلص العبادة لله تعالى‬
‫في القصد و الطلب‪ ,‬لن الله وحده هو الله الحق المستحق لن يفرد‬
‫بالعبادة رجاًء لرضاه تعالى و رجاًء في جنته ‪ .‬و إخلص القصد و الطلب هما‬
‫ركنا الخلص في الدين كله فيبطل الخلص في أي عمل بانتقاض أحد‬
‫ركنيه‪ ,‬و العبد إن حقق الخلص في أصل الدين كان موحدا ً و إن حققه في‬
‫الواجب من العبادات المشروعة كان مؤمنا ً و إن حققه في المستحب من‬
‫العبادات المشروعة كان محسنًا‪.‬‬
‫و معنى الخلص في القصد أل يتوجه بالعبادة إل لله تعالى و لفظ العبادة‬
‫يطلق على شيئين الول التعبد ) أي كيفية العبادة ( ‪ ) :‬بمعنى التذلل لله‬
‫عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ محبة وتعظيما ً ( ‪ .‬و الثاني‪ :‬المتعبد‬
‫به ‪ .‬فمعناها كما قال شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله ) اسم جامع لكل‬
‫ما يحبه الله ويرضاه من القوال والعمال الظاهرة والباطنة ( ‪ .‬مثال ذلك‬
‫الصلة ففعلها عبادة‪ ،‬وهو التعبد‪ ،‬ونفس الصلة عبادة‪ ،‬وهو المتعبد به‪.‬‬
‫‪142‬‬

‫عون المعبود ج‪ 9 :‬ص‪356 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪108‬‬

‫و أما إخلص الطلب فهو أن يرجو بعمله رضاء الله عز وجل و الدار الخره‪,‬‬
‫و إن دخلت على هذه النية نية أخرى أن تكون مشروعة‪.‬‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫فصل في الشرك الذي ينقض القصد و قول الله تعالى ) َ‬
‫ه َ‬
‫ه َل‬
‫ها آ َ‬
‫ي َدْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَر َل ب ُْر َ‬
‫عن ْدَ َرب ّ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ع الل ّ ِ‬
‫ها َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ه إ ِل َ ً‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ع َ‬
‫ْ‬
‫ح ال َ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‪ ( 117‬المؤمنون‪:‬‬
‫كا ِ‬
‫فُرو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫أول ً من الشرك في القصد عبادة النداد‪:‬‬
‫يقصده بعبادة ظنا ً منه أن هذا الند يشرك الله تعالى في شئ من أفعاله أو‬
‫أسماءه الحسنى أو صفاته العلى‪ ,‬فهذا الشرك العملي سببه شرك اعتقادي‬
‫وكلهما شرك في القصد إذ أن الله وحده هو المستحق لن يقصد بهذا‬
‫العتقاد و هذا النوع من الشرك ل يغفر و هو من أعظم نواقض التوحيد‬
‫التي تستوجب الخلود في النار قال الله تعالى ‪" :‬إن الله ل يغفر أن يشرك‬
‫به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" و خرج البخاري من حديث بن مسعود‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال‪" :‬من مات وهو‬
‫يدعو من دون الله ندًا‪ ،‬دخل النار" ‪ .‬ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم قال "من لقي الله ل يشرك به شيئا ً دخل الجنة‪ ،‬ومن لقيه‬
‫يشرك به شيئا ً دخل النار" ‪ .‬وقال تعالى ‪" :‬إنه من يشرك بالله فقد حرم‬
‫الله عليه الجنه ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" فالشرك في القصد‬
‫شرك أكبر مخرج من الملة يحرم على صاحبه دخول الجنة و يستوجب‬
‫الخلود في النار‪ ,‬أما الشرك الصغر فكبيرة و ليس كفرا ً مخرج من الملة‬
‫فهو ليس شرك في القصد و إنما هو كذب على الشرع و كذب على القدر‬
‫و له صورتان الولى كل ما أطلق الشرع عليه لفظ الشرك و دلت النصوص‬
‫على أنه ليس بكفر و الثانية هي كل ذريعة للشرك الكبر ‪ .‬أما الشرك‬
‫الكبر و هو الشرك في القصد فتتعدد صوره و منها‪.‬‬
‫المسألة الولى‪ :‬كمن يسجد لقبر أو يدعو صاحبه‪:‬‬
‫اعتقادا ً منه أن لصاحب القبر القدرة على الشفاء أو كشف الضر و نحو ذلك‬
‫فذلك كفر اعتقاد و كفر عمل مخرج من الملة فالله تعالى وحده هو الذي‬
‫س َ‬
‫ضّر فََل‬
‫ه بِ ُ‬
‫ب قال تعالى‪" :‬وَإ ِ ْ‬
‫يكشف الضر و قد يهئ له أسبا ً‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫خي ْرٍ فَهُوَ ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ديٌر‪ "17‬النعام ‪.‬‬
‫ك بِ َ‬
‫ش َ‬
‫يٍء قَ ِ‬
‫كا ِ‬
‫ه إ ِّل هُوَ وَإ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ف لَ ُ‬
‫ش ْ‬
‫معَ الل ّهِ إ ِل ًَها‬
‫ن ي َد ْع ُ َ‬
‫فصرف العبادة لغير الله تعالى كفر أكبر قال تعالى‪" :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ن‪"117‬‬
‫ه َل ي ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫ه ِ‬
‫ما ِ‬
‫خَر َل ب ُْر َ‬
‫كافُِرو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ها َ‬
‫ح َ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ إ ِن ّ ُ‬
‫ساب ُ ُ‬
‫ه ب ِهِ فَإ ِن ّ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫َ‬
‫ض ّ‬
‫ن َل‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫عو ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن ُ‬
‫نأ َ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫م ّ‬
‫المؤمنون ‪ .‬و قال تعالى‪ " :‬وَ َ‬
‫م ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن‪ 5‬وَإ ِ َ‬
‫س‬
‫ن دُ َ‬
‫ح ِ‬
‫ه إ َِلى ي َوْم ِ ال ْ ِ‬
‫ذا ُ‬
‫غافُِلو َ‬
‫جي ُ‬
‫يَ ْ‬
‫عائ ِهِ ْ‬
‫مةِ وَهُ ْ‬
‫قَيا َ‬
‫ب لَ ُ‬
‫ست َ ِ‬
‫شَر الّنا ُ‬
‫م عَ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫داًء وَ َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ن‪ " 6‬الحقاف و قال تعالى‪" :‬وَب ُّرَز ِ‬
‫م أع ْ َ‬
‫كاُنوا ب ِعَِباد َت ِهِ ْ‬
‫كاُنوا ل َهُ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ل ل َه َ‬
‫ن الل ّهِ هَ ْ‬
‫ل‬
‫ج ِ‬
‫ن ‪ِ 81‬‬
‫ن ُ‬
‫دو َ‬
‫م ت َعْب ُ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن ‪ 80‬وَِقي َ ُ ْ‬
‫حي ُ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫م أي ْ َ‬
‫م ل ِل َْغاِوي َ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫ينصرونك ُ َ‬
‫س‬
‫م أوْ ي َن ْت َ ِ‬
‫ن ‪ 83‬وَ ُ‬
‫م َوال َْغاُوو َ‬
‫صُرو َ‬
‫ن ‪ 82‬فَك ُب ْك ُِبوا ِفيَها هُ ْ‬
‫َْ ُ ُ َ ْ‬
‫جُنود ُ إ ِب ِْلي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن ‪86‬‬
‫م ِفيَها ي َ ْ‬
‫ن ك ُّنا ل ِ‬
‫خت َ ِ‬
‫في َ‬
‫ن ‪َ 85‬تاللهِ إ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫مُعو َ‬
‫أ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ص ُ‬
‫ن ‪َ 84‬قالوا وَهُ ْ‬
‫ج َ‬
‫ضل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما ل ََنا ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ما أ َ‬
‫م ب َِر ّ‬
‫إ ِذ ْ ن ُ َ‬
‫ن ‪ 88‬فَ َ‬
‫جرِ ُ‬
‫ضل َّنا ِإل ال ْ ُ‬
‫ن ‪ 87‬وَ َ‬
‫ويك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫س ّ‬
‫َ‬
‫ن ل ََنا ك َّرة ً فَن َ ُ‬
‫َ‬
‫ن‪"91‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫ص ِ‬
‫كو َ‬
‫ميم ٍ ‪ 90‬فَل َوْ أ ّ‬
‫ق َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ‪َ 89‬ول َ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫شافِِعي َ‬
‫دي ٍ‬
‫الشعراء ‪.‬‬
‫المسألة الثانية‪ :‬من يؤمن بقدرة الساحر على التأثير في الكون‬
‫بسحره‪:‬‬
‫عوا‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫و إل فالله تعالى هو الملك المدبر الحاكم للكون كله قال تعالى‪ " :‬قُ ِ‬
‫مل ِ ُ‬
‫قا َ‬
‫ت وََل ِفي‬
‫مث ْ َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ُ‬
‫ل ذ َّرةٍ ِفي ال ّ‬
‫س َ‬
‫ن الل ّهِ َل ي َ ْ‬
‫مت ُ ْ‬
‫ن َزع َ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َْ‬
‫ر‪ "22‬سبأ ‪ .‬و ما‬
‫م ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِ‬
‫ما ِ‬
‫شْر ٍ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ك وَ َ‬
‫م ِفيهِ َ‬
‫ما ل َهُ ْ‬
‫ض وَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ظ َِهي ٍ‬
‫الْر ِ‬
‫فْر" ‪ ,‬و‬
‫ة فََل ت َك ْ ُ‬
‫ن فِت ْن َ ٌ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫الساحر و ل سحره إل فتنه لكل مفتون‪ " :‬إ ِن ّ َ‬
‫ح ُ‬
‫السحر المتعلم من الشياطين كله كفر نص عليه الشيخ حافظ حكمي في‬
‫نا ْ‬
‫معارج القبول‪ 143‬وصاحبه كافر إجماعا ً قال تعالى‪" :‬وَل َ َ‬
‫شت ََراهُ‬
‫موا ل َ َ‬
‫قد ْ ع َل ِ ُ‬
‫م ِ‬
‫م ل َوْ َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫شَرْوا ب ِهِ أ َن ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه ِفي اْل ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫مو َ‬
‫ف َ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬
‫سه ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫َ‬
‫ق وَل َب ِئ ْ َ‬
‫م ْ‬
‫خَل ٍ‬
‫‪ "102‬الية البقرة ‪ .‬واختلفوا فيمن كان سحره بأدوية و تدخين فلم يكفره‬
‫أصحاب أحمد و ل الشافعي إل أن يستحله‪ ,‬و الساحر الكافر يقتل إجماعا ً‬
‫واختلفوا في قتل ساحر أهل الكتاب لقصة لبيد بن العصم‪.‬‬
‫المسألة الثالثة‪ :‬من يصدق الكاهن في ادعائه لعلم الغيب‪:‬‬
‫فمن الشرك في القصد تصديق من ادعى علم الغيب المطلق من كاهن أو‬
‫ب‬
‫منجم أو نحو ذلك ‪ .‬لن ذلك العلم ل يعلمه إل الله قال تعالى‪َ " :‬‬
‫عال ِ ُ‬
‫م ال ْغَي ْ ِ‬
‫َ‬
‫دا ‪ "26‬الجن ‪ .‬و قال تعالى‪" :‬قل ل يعلم من في‬
‫ح ً‬
‫َفل ي ُظ ْهُِر ع ََلى غ َي ْب ِهِ أ َ‬
‫السماوات والرض الغيب إل الله ‪ "65‬النمل ‪ .‬فاعتقاد أن أحدا ً من الخلق‬
‫يعلم ذلك الغيب المطلق اعتقاد ٌ كفري و تصديقه أيضا كفٌر أكبر فعن أبي‬
‫هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬من أتى‬
‫كاهنا ً فصدقه بما يقول فقد كفر بما نزل على محمد" رواه البزار و صححه‬
‫اللباني ‪ .‬أما إن صدقه في شئ من الغيب النسبي فكفٌر دون كفر و هو‬
‫ذريعة للشرك الكبر‬
‫المسألة الرابعة‪ :‬و من الشرك طاعة العلماء والمراء في‬
‫تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم‪:‬‬
‫فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه و آله و‬
‫ذوا أ َحبارهُم ورهْبانه َ‬
‫خ ُ‬
‫ه‬
‫سلم يقرأ هذه الية ‪" :‬ات ّ َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م أْرَباًبا ِ‬
‫ن ُ‬
‫ْ َ َ ْ َُ َ َُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ما‬
‫دوا إ ِل ًَها َوا ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫م ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ح ً‬
‫مُروا إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫سي َ‬
‫ه إ ِّل هُوَ ُ‬
‫ه عَ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫دا َل إ ِل َ َ‬
‫م وَ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫َوال ْ َ‬
‫ح اب ْ َ‬
‫شرِ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‪ "31‬التوبة ‪ .‬فقلت له ‪ :‬إنا لسنا نعبدهم ‪ .‬قال ‪ " :‬أليس يحرمون‬
‫كو َ‬
‫ما أحل الله فتحرمونه ‪ ،‬ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟ " ‪ .‬فقلت ‪ :‬بلي ‪.‬‬
‫قال ‪ " :‬فتلك عبادتهم " ‪ .‬رواه أحمد والترمذي وحسنه و حسنه اللباني‪.‬‬
‫‪143‬‬

‫معارج القبول الجزء الول ص ‪518‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫المسألة الخامسة‪ :‬التجند للطواغيت‪:‬‬
‫ً‬
‫و من هذا الشرك أيضا ً طاعة الطواغيت اعتقاد ً أن لهم شيئا من القوة و‬
‫َ‬
‫ن ال ْعَ َ‬
‫ن‬
‫أنها ليست لله جميعا قال تعالى‪" :‬وَل َوْ ي ََرى ال ّ ِ‬
‫بأ ّ‬
‫ذا َ‬
‫موا إ ِذ ْ ي ََروْ َ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ديد ُ ال ْعَ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن ات ّب ُِعوا ِ‬
‫ب‪ 165‬إ ِذ ْ ت َب َّرأ ال ّ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ج ِ‬
‫ميًعا وَأ ّ‬
‫قوّة َ ل ِل ّهِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ذا ِ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‪ 166‬وََقا َ‬
‫ات ّب َُعوا وََرأ َُوا ال ْعَ َ‬
‫ن ل ََنا‬
‫ب وَت َ َ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ن ات ّب َُعوا ل َوْ أ ّ‬
‫سَبا ُ‬
‫ذا َ‬
‫م اْل ْ‬
‫ت ب ِهِ ُ‬
‫قط ّعَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ك يريهم الل ّ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫سَرا ٍ‬
‫ما ت َب َّرُءوا ِ‬
‫ك َّرة ً فَن َت َب َّرأ ِ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬
‫مال َهُ ْ‬
‫ه أع ْ َ‬
‫ُ‬
‫مّنا ك َذ َل ِ َ ُ ِ ِ ُ‬
‫م كَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫ن الّناِر‪ "167‬آل عمران ‪ .‬و قال تعالى‪" :‬وَل َوْ ت ََرى إ ِذِ‬
‫ن ِ‬
‫خارِ ِ‬
‫ما هُ ْ‬
‫وَ َ‬
‫م َ‬
‫جي َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫قو ُ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن‬
‫ل يَ ُ‬
‫ض ال َ‬
‫ن ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫جعُ ب َعْ ُ‬
‫موُْقوُفو َ‬
‫مو َ‬
‫ضه ُ ْ‬
‫م ي َْر ِ‬
‫عن ْد َ َرب ّهِ ْ‬
‫ن َ‬
‫الظال ِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م إ ِلى ب َعْ ٍ‬
‫َ‬
‫ن‪َ 31‬قا َ‬
‫ست َك ْب َُروا‬
‫ضعِ ُ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫فوا ل ِل ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫نا ْ‬
‫ا ْ‬
‫م ل َك ُّنا ُ‬
‫ست َك ْب َُروا ل َوَْل أن ْت ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫م بَ ْ‬
‫ن‬
‫ضعِ ُ‬
‫جرِ ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫دى ب َعْد َ إ ِذ ْ َ‬
‫ن ال ْهُ َ‬
‫فوا أن َ ْ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫م ُ‬
‫ل ك ُن ْت ُ ْ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫صد َد َْناك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫ح ُ‬
‫ذي َ‬
‫م عَ ِ‬
‫ْ‬
‫ست َك ْب َُروا ب َ ْ‬
‫‪ 32‬وََقا َ‬
‫مُرون ََنا‬
‫ضعِ ُ‬
‫فوا ل ِل ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ست ُ ْ‬
‫نا ْ‬
‫نا ْ‬
‫ل َوالن َّهارِ إ ِذ ْ ت َأ ُ‬
‫ل َ‬
‫مك ُْر الل ّي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫ما َرأُوا ال ْعَ َ‬
‫جعَل َْنا‬
‫ن ن َك ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ب وَ َ‬
‫ذا َ‬
‫سّروا الن ّ َ‬
‫دا ً‬
‫ه أن ْ َ‬
‫فَر ِبالل ّهِ وَن َ ْ‬
‫أ ْ‬
‫دا وَأ َ‬
‫ة لَ ّ‬
‫دا َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫فُروا هَ ْ‬
‫اْل َغ َْل َ‬
‫ن‪ "33‬سبأ ‪ .‬و‬
‫ن كَ َ‬
‫ق ال ّ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫جَزوْ َ‬
‫ل يُ ْ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ذي َ‬
‫ل ِفي أع َْنا ِ‬
‫مثال ذلك جنود فرعون الذين ظنوا أن له القوة من دون الله تعالى‬
‫َْ‬
‫حقّ وَظ َّنوا‬
‫ض ب ِغَي ْرِ ال ْ َ‬
‫ست َك ْب ََر هُوَ وَ ُ‬
‫فأطاعوه‪ ,‬قال تعالى‪َ " :‬وا ْ‬
‫جُنود ُه ُ ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ن‬
‫ن‪ 39‬فَأ َ‬
‫م َفان ْظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫كا َ‬
‫خذ َْناه ُ وَ ُ‬
‫جُعو َ‬
‫م إ ِل َي َْنا َل ي ُْر َ‬
‫م ِفي ال ْي َ ّ‬
‫جُنود َه ُ فَن َب َذ َْناهُ ْ‬
‫أن ّهُ ْ‬
‫ة ال ّ‬
‫ن‪ "40‬القصص ‪.‬‬
‫َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫ثانيا ً و من الشرك في القصد عبادة الشفعاء‪:‬‬
‫ه آخر ليس لن له شيئا ً من الربوبية و لكن ليقربه لرب‬
‫من يعبد مع الله إل ً‬
‫العالمين فذلك شرك أكبر ينقض أصل التوحيد و قد نقل الجماع على كفره‬
‫شيخ السلم بن تيمية رحمه الله‪ 144‬و شيخ السلم محمد بن عبد الوهاب‬
‫رحمه الله في نواقض السلم‪ ,‬و مثال ذلك من يجعل بينه وبين الله تعالى‬
‫واسطة كرسول الله محمد صلى الله عليه و آله و سلم مثل ً ‪ ,‬فيدعوه يقول‬
‫يا محمد أغثني ‪ .‬ويا محمد أشفع لي عند ربي ‪-‬و الخلل في ذلك المثال أن‬
‫دعاء الموات عبادة لهم حتى و إن كان رسول الله صلى الله عليه و آله و‬
‫سلم حقا ً له شفاعة عند ربه جل و عل يوم القيامة‪ . -‬أو يدعو ملكا أو وليا‬
‫أو جنيا ً أو قبرًا‪ ,‬أو يذبح له أو ينذر له ليكون بينه وبين الله واسطة‪ ,‬فكل‬
‫ذلك من الشرك الكبر المخرج من الملة إجماعا ً قال تعالى‪" :‬والذين اتخذوا‬
‫من دونه أولياء ما نعبدهم إل ليقربونا إلى الله زلفى" والله تعالى كفرهم‬
‫وكذبهم بهذا القول قال تعالى‪" :‬إن الله يحكم بينهم فيما فيه يختلفون ‪ .‬إن‬
‫الله ل يهدي من هو كاذب كفار" فهم ك َذ ََبة في هذا القول لن الله تعالى لم‬
‫ذي ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه" ‪ ,‬وهم‬
‫ش َ‬
‫فعُ ِ‬
‫عن ْد َه ُ إ ِّل ب ِإ ِذ ْن ِ ِ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫يأذن بهذه الشفاعة قال تعالى‪َ " :‬‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫كفار بهذا العمل لنهم عبدوا غير الله تعالى قال الله تعالى‪" :‬وَي َعْب ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫عن ْد َ الل ّهِ قُ ْ‬
‫ن هَؤ َُلِء ُ‬
‫ل‬
‫ش َ‬
‫م وَي َ ُ‬
‫م وََل ي َن ْ َ‬
‫فَعاؤ َُنا ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ما َل ي َ ُ‬
‫ُ‬
‫فعُهُ ْ‬
‫ضّرهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫دو ِ‬
‫‪144‬‬

‫الفتاوى الجزء الول ص ‪123‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫َ‬
‫َْ‬
‫ماَوا ِ َ‬
‫ما‬
‫سب ْ َ‬
‫أت ُن َب ُّئو َ‬
‫ض ُ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫ه وَت ََعاَلى ع َ ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫س َ‬
‫ما َل ي َعْل َ ُ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ت وَل ِفي الْر ِ‬
‫شرِ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫ن‪ "18‬يونس ‪.‬‬
‫كو َ‬
‫ن َ‬
‫حَياةَ‬
‫كا َ‬
‫ريدُ ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫فصل في شرك الرجاء و قول الله تعالى ) َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫و ّ َ‬
‫ن*‬
‫ها َل ي ُب ْ َ‬
‫م أَ ْ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫سو َ‬
‫خ ُ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫مال َ ُ‬
‫زين َت َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫ها َ‬
‫ها ن ُ َ‬
‫الدّن َْيا َ‬
‫ف إ ِلي ْ ِ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ها‬
‫عوا ِ‬
‫في ال ِ‬
‫م ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ك ال ِ‬
‫صن َ ُ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫سل ُ‬
‫ذي َ‬
‫حب ِط َ‬
‫ه ْ‬
‫ما َ‬
‫ن لي ْ َ‬
‫ة إ ِل الّناُر َ‬
‫ما َ‬
‫وَباطِ ٌ‬
‫ن‪:( 145‬‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ع َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫هم أهل النفاق و الرياء الذين أظهروا بعض الشعائر لمصالح دنيوية فالدنيا‬
‫وحدها هي التي تشغلهم أما الخرة فل حاجة لهم فيها‪ ,‬و هذه الطائفة على‬
‫نحوين أما الكافر منهم فل يرجوا بعمله الدنيا من الله لنه كافر به و العياذ‬
‫بالله و هؤلء هم المنافقون المخلدون في النار ‪ ,‬و مثال ما صنعوا زعمهم‬
‫السلم ليعصموا الدم و المال‪.‬‬
‫و أما الصنف الخر فهم ُأناس من أهل القبلة تمذهبوا بمذهبهم فعملوا‬
‫أعمال ً من شأنها أن يرجى بها وجه الله تعالى و الدار و الخرة و رجوا بها‬
‫مصالح دنيوية فقط إما من الله و إما من عباد الله ‪ ,‬و أهل هذه الطائفة‬
‫على نحوين إما بعبادته مرائي أو مقتصٌر على حطام فاني‬
‫و لذلك ففي هذا الفصل ثلث مسائل‬
‫الولى من يعبد الله تعالى بما شرع من العبادات حتى يجازيه‬
‫الله بما وعد من ثواب الدنيا فقط‪:‬‬
‫فإخلصه باطل لفساد طلبه لعدم مشروعيته‪ ,‬و إل فالمشروع طلب‬
‫مرضات الله تعالى و الدار الخرة و رغب الله تعالى في ذلك العمل بمزيد‬
‫ن ل َوْ ت ََر ُ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫من الجر الدنيوي كقوله تعالى‪" :‬وَل ْي َ ْ‬
‫م ذ ُّري ّ ً‬
‫خل ْ ِ‬
‫كوا ِ‬
‫ش ال ّ ِ‬
‫فه ِ ْ‬
‫خ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫دا ‪ "9‬النساء ‪ .‬فالمشروع‬
‫ه وَل ْي َ ُ‬
‫م فَل ْي َت ّ ُ‬
‫ضَعاًفا َ‬
‫س ِ‬
‫ِ‬
‫دي ً‬
‫قوُلوا قَوًْل َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫خاُفوا ع َل َي ْهِ ْ‬
‫أن يتقي العبد ربه تبارك و تعالى ابتغاء مرضاته و الدار الخرة و يباح له أن‬
‫يبتغي بعمله هذا من الله تعالى أن يحفظ ذريته أي تكون هذه النية‬
‫المشروعة تابعه للصل‪ ,‬أما جعلها هي الصل و طرح الصل كمن يتقي الله‬
‫لحفظ ذريته فقط فرجاؤه باطل لبطلن طلبه لعدم مشروعيته قال تعالى‪:‬‬
‫حب ِ َ‬
‫"ُأول َئ ِ َ‬
‫صن َُعوا ِفيَها وََباط ِ ٌ‬
‫ما‬
‫م ِفي اْل ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫خَرةِ إ ِّل الّناُر وَ َ‬
‫ل َ‬
‫ط َ‬
‫س ل َهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن ل َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫الثانية أن يطلب بعبادته رؤية الناس فقط‪:‬‬
‫كطلب التزين فى قلوب الخلق و طلب مدحهم كقولهم عالم فمثل هذه‬
‫النوايا محرمة على كل حال فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫"من طلب العلم ليباهي به العلماء ‪ ،‬ويمارى به السفهاء ‪ ،‬أو ليصرف وجوه‬
‫الناس إليه فهو في النار‪ "146‬أو ليقال شجاع أو محسن أو الهروب من ذمهم‬
‫‪ 145‬هود ‪16‬‬
‫‪ 146‬أخرجه ابن ماجة ) ‪ (253‬في المقدمة ‪ ،‬باب النتفاع بالعلم والعمل به ‪ ،‬وصححه الشيخ اللباني‬
‫في صحيح الجامع )‪.(6158‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫أو طلب تعظيمهم لنفسه أو خدمتهم إياه و قضاء حوائجه أو طلب أموالهم‬
‫أو غير ذلك كإرضاء غرور نفسه و إعجابه بها نعوذ بالله من كل ذلك فهذه‬
‫نوايا محرمة طلب محرم محبط للخلص و للعبادة كلها‪,‬‬
‫روى المام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن‬
‫الشرك من عمل عمل أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" قال بن رجب‬
‫الحنبلي ل خلف بين السلف في أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان‬
‫باطل‪ ,‬و لذلك لبد من مجاهدة النفس على ترك الرياء و خصوصا ً أن‬
‫النفس تميل إليه ولذلك قيل ‪ :‬تخليص النيات على العمال أشد عليهم من‬
‫ي‬
‫جميع العمال و لذلك أيضا ً قال سفيان الثوري ما عالجت شيئا ً أشد عل ّ‬
‫من نيتي و قيل لسهل التستري رحمه الله أي شيء أشد على النفس قال‬
‫الخلص إذ ليس لها فيه نصيب‪ .‬و قال بعضهم إخلص ساعة نجاة البد و‬
‫قال بعضهم لنفسه ‪ :‬اخلصي تتخلصي ‪ .‬و قال ‪ :‬طوبى لمن صحت له‬
‫خطوة لم يرد بها إل وجه الله ‪.‬كان سفيان الثوري يقول ‪ :‬قالت لي والدتي‪:‬‬
‫يا ُبني ل تتعلم العلم إل إذا نويت العمل به ‪ ،‬وإل فهو وبال عليك يوم القيامة‬
‫‪.‬‬
‫و قال بن القيم ‪-‬رحمه الله‪" : -‬ل يجتمع الخلص فى القلب و محبة المدح‬
‫و الثناء و الطمع فيما عند الناس إل كما يجتمع الماء و النار و الضب و‬
‫الحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الخلص فأقبل على الطمع أول ً فاذبحه‬
‫بسكين اليأس ‪ ,‬و أقبل على المدح و الثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا‬
‫فى الخرة فإذا إستقام لك ذبح الطمع و الزهد فى الثناء و المدح سهل‬
‫عليك الخلص ‪ .‬و الصل في النفس أنها تميل إلى الرياء و لذلك فالخلص‬
‫ل يأتي إل بالمجاهده فالنفس تحب الظهور والمدح والرياسة ‪ ،‬وتميل إلى‬
‫البطالة والكسل ‪ ،‬وزينت لها الشهوات"‬
‫مسألة‪ :‬وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء‪:‬‬
‫فإن كان خاطرا و دفعه فل حرج بغير خلف أما إن استرسل معه فهل‬
‫يحبط عمله أم يحبط ذلك الجزء فقط الذي طرأ عليه الرياء ويجازى على‬
‫أصل نيته في ذلك اختلف بين العلماء من السلف قد حكاه المام أحمد‬
‫وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله ل يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الولي‬
‫وهو مروي عن الحسن البصري وغيره وذكر ابن جرير أن هذا الختلف إنما‬
‫هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلة والصيام والحج فأما ما ل ارتباط‬
‫فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء‬
‫الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية وكذلك‪. 147‬‬
‫و الثالثة أن يطلب بعمله أجر الدنيا فقط‪:‬‬
‫‪147‬‬

‫أفاده بن رجب – انظر جامع العلوم والحكم ج‪ 1 :‬ص‪17 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫و الفرق بينها و بين الولى أنه يطلبه من الخلق أما الولى فيطلبه من الله‪,‬‬
‫كمن يصلي لينال المال أو يهاجر لجل امرأة و نحو ذلك و هذه النويا منها ما‬
‫قد يكون مباحا ً و لذلك فل حرج أن تطرأ على العباده إن كانت تابعة للنية‬
‫الصل و هي أن يكون العمل ابتغاء مرضاة الله تعالى و في صحيح مسلم‬
‫عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫قال‪" :‬إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئا تم‬
‫لهم أجرهم" فالمغنم نية أباحها الشرع فل حرج منها إن كانت تابعة للنية‬
‫الصل و هي أن يطلب بالعمل مرضات الله تعالى‪.‬‬
‫َ‬
‫في ك ُ ّ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‬
‫عث َْنا ِ‬
‫م ٍ‬
‫قدْ ب َ َ‬
‫ة َر ُ‬
‫لأ ّ‬
‫سوًل أ ِ‬
‫فصل في قول الله جل ذكره ) َ‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت ‪ ( 36‬الية ‪.‬النحل‪:‬‬
‫اُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫غو َ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫أي اعبدوا الله وحده و انبذوا الشرك و أهله و هذه هي حقيقة شهادة أن ل‬
‫إله إل الله‪ ,‬و هو اليمان بقتضاها أنه ل معبود بحق إل الله و الكفر بما يعبد‬
‫من دون الله تعالى‪,‬‬
‫و لفظ الجللة "الله" مشتق من مادة ) إله ( و التي لها ثلث معاني في‬
‫اللغة الول الذي تألهه العباد أي تعبده تذل ً‬
‫ل و محبة وتعظيما ً ‪ ,‬و المعنى‬
‫الثاني أي الذي تميل إليه القلوب محبة و اشتياقا ً و تذلل ً و إنابة و خضوعا ً و‬
‫و تعظيما ً و إكراما و خوفا ً و رجاًء و توكل ‪ ,‬فالقلوب فطرت على محبة الله‬
‫َ‬
‫جه َ َ‬
‫فا فِط َْرة َ الل ّهِ ال ِّتي‬
‫حِني ً‬
‫دي‬
‫ن َ‬
‫ك ِلل ّ‬
‫م وَ ْ‬
‫تعالى و الميل إليه قال تعالى ) فَأقِ ْ‬
‫ِ‬
‫قيم ول َك َ‬
‫ل لِ َ ْ‬
‫ق الل ّهِ ذ َل ِ َ‬
‫دي َ‬
‫س َل‬
‫س ع َل َي َْها َل ت َب ْ ِ‬
‫ك ال ّ‬
‫فَط ََر الّنا َ‬
‫ن ال ْ َ ّ ُ َ ِ ّ‬
‫دي ُ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫خل ِ‬
‫ن ( فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه ل إله غيره‬
‫مو َ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫وقوله تعالى ) ل تبديل لخلق الله ( أي ل تبدلوا خلق الله فإنه من بدل هذه‬
‫الفطرة بأن يغفل عن ربه فستلحقه التعاسه و الشقاء أما من كفر ربه‬
‫فستلحقه أعظم التعاسه و أعظم الشقاء قال تعالى ) و من أعرض عن‬
‫ذكري فإن له معيشة ضنكى و نحشره يوم القيامة أعمى ( ‪ ,‬و المعنى‬
‫الثالث أي الذي تحار فيه العقول قال الله تعالى ) ل يحيطون به علما ( طه‪,‬‬
‫فل يجوز التكييف في صفات الله تعالى و ل في أسمائه و ل في أفعاله بل‬
‫الواجب أن يقال كما قال الراسخون في العلم ) آمنا به كل من عند ربنا (‬
‫آل عمران ‪ ,‬فصفات الله تعالى و أفعاله لها كيفية ل نعلمها تليق بعظمته و‬
‫ل يشبهه شئ من مخلوقاته ‪ ,‬كما قال الله تعالى ) ليس كمثله شئ و هو‬
‫السميع البصير ( الشورى ‪,‬‬
‫جت َن ُِبوا ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ت"‪:‬‬
‫وا ْ‬
‫غو َ‬
‫" َ‬
‫و الكفر بالطاغوت هو نفي اللوهية عمن سوى الله تبارك قال بن القيم و‬
‫الطاغوت هو كل ما تجاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع‪ ,‬أي‬
‫كل من صرف له شئ من اللوهية فهو الطاغوت فالشيطان راس‬
‫الطواغيت ‪ ,‬و الحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت ‪ ,‬لنه يدعو إلى ما يراه هو‬
‫غير ما انزل الله‪ ,‬و الرهبان و الحبار طاغوت ‪ ,‬و الساحر طاغوت ‪ ,‬و‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫الكاهن طاغوت لنه يدعي معرفة الغيب ‪ ,‬فمن استخبره عن الغيب فقد‬
‫عبده من دون الله ‪ .‬قال تعالى ‪ ) :‬فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد‬
‫استمسك بالعروة الوثقى ( ) البقرة ‪( 256‬‬
‫الموالة المكفرة‪:‬‬
‫و قال تعالى‪) :‬يأيها الذين ءامنوا ل تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم‬
‫أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله ل يهدى القوم الظالمين(‬
‫‪ .148‬و قال تعالى‪) :‬ترى كثيرا ً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم‬
‫أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون(‪ .149‬و قال تعالى‪:‬‬
‫)ولو كانوا يؤمنون بالله و النبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء و لكن كثيرا ً‬
‫منهم فاسقون( ‪ .150‬و قال تعالى‪) :‬إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما‬
‫تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم و أملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين‬
‫كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض المر و الله يعلم إسرارهم * فكيف‬
‫إذا توفتهم الملئكة يضربون وجوههم و أدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما‬
‫أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم(‪ .‬و قال تعالى‪) :‬ل تجد قوما ً‬
‫يؤمنون بالله و اليوم الخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم‬
‫أوأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم(‪ 151‬الية ‪ .‬فأخبر تعالى‪ :‬أنك ل تجد من‬
‫يؤمن بالله و اليوم الخر‪ ،‬يوادون من حاد الله ورسوله‪ ،‬ولو كان أقرب‬
‫قريب‪ .‬و أن هذا مناف لليمان مضاد له‪ ،‬ل يجتمع هو و اليمان إل كما‬
‫يجتمع الماء و النار؛ وقد قال تعالى في موضع آخر ‪) :‬يأيها الذين ءامنوا ل‬
‫تتخذوا ءاباءكم و إخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على اليمان ومن يتولهم‬
‫منكم فأولئك هم الظالمون(‪ 152‬ففي هاتين اليتين‪ ،‬البيان الواضح‪ :‬أنه ل‬
‫عذر لحد في الموافقة على الكفر‪ ،‬خوفا ً على الموال و الباء‪ ،‬و البناء و‬
‫الزواج و العشائر‪ ،‬ونحو ذلك مما يتعذر به كثير من الناس ‪ .‬إذا كان لم‬
‫يرخص لحد في موادتهم‪ ،‬واتخاذهم أولياء بأنفسهم‪ :‬خوفا ً منهم و إيثارا ً‬
‫لمرضاتهم‪ .‬فكيف بمن اتخذ الكفار الباعد أولياء و أصحابًا‪ ،‬و أظهر لهم‬
‫الموافقة على دينهم‪ ،‬خوفا ً على بعض هذه المور و محبة لها ؟! ومن‬
‫العجب استحسانهم لذلك‪ ،‬و استحللهم له‪ ،‬فجمعوا مع الردة استحلل‬
‫المحرم ‪ .‬و قال تعالى‪) :‬يأيها الذين ءامنوا ل تتخذوا عدوى و عدوكم أولياء‬
‫تلقون إليهم بالمودة( إلى قوله‪) :‬ومن يفعله منكم فقد ضل سواء‬
‫السبيل(‪. 153‬‬
‫الموال المحرمة‪:‬‬
‫‪148‬‬
‫‪149‬‬
‫‪150‬‬
‫‪151‬‬
‫‪152‬‬
‫‪153‬‬

‫سورة المائدة آية ‪51‬‬
‫سورة المائدة آية ‪80‬‬
‫سورة المائدة آية ‪.81‬‬
‫سورة المجادلة آية ‪.22‬‬
‫سورة التوبة آية ‪.23‬‬
‫سورة الممتحنة آية ‪.1‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫كانت ل َك ُ ُ‬
‫ة‬
‫سن َ ٌ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬
‫ْ‬
‫و هي موالت الطواغيت و أهلها‪ ,‬قال تعالى‪ ) :‬قَد ْ َ َ ْ‬
‫ن‬
‫ه إ ِذ ْ َقاُلوا ل ِ َ‬
‫ن ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫م إ ِّنا ب َُرآُء ِ‬
‫قوْ ِ‬
‫م َوال ّ ِ‬
‫ِفي إ ِب َْرا ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫مه ِ ْ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫هي َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن الل ّهِ ك َ َ‬
‫مُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫حّتى ت ُؤ ْ ِ‬
‫دا َ‬
‫ضاُء أب َ ً‬
‫داوَة ُ َوال ْب َغْ َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫م وَب َ َ‬
‫ُ‬
‫دا ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ُ‬
‫فْرَنا ب ِك ُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك لَ َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫حد َه ُ إ ِّل قَوْ َ‬
‫ن َ‬
‫يٍء‬
‫ن الل ّهِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫فَر ّ‬
‫وَ ْ‬
‫م ِلِبيهِ َل ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫ك وَ َ‬
‫هي َ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ك أن َب َْنا وَإ ِلي ْ َ‬
‫ك ت َوَك ّلَنا وَإ ِلي ْ َ‬
‫َرب َّنا ع َلي ْ َ‬
‫صيُر ‪ ( 4‬الممتحنة ‪ .‬و قال الله تعالى‪:‬‬
‫م ِ‬
‫ك ال َ‬
‫"ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حتى تتبع ملتهم * قل إن هدى الله هو‬
‫الهدى ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم ما لك من الله من‬
‫ولى ول نصير" وفي الية الخرى‪" :‬إنك إذا لمن الظالمين" و قال تعالى‪" :‬ل‬
‫يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس‬
‫من الله في شيء إل أن تتقوا منهم تقاة" وهو أن يكون النسان مقهورا ً‬
‫معهم‪ ،‬ل يقدر على عداوتهم‪.‬فيظهر لهم المعاشرة‪ ،‬والقلب مطمئن‬
‫بالبغضاء والعداوة ‪ ،‬وانتظار زوال المانع‪ .‬فإذا زال‪ ،‬رجع إلى العداوة‬
‫والبغضاء ‪ .‬و قال تعالى‪" :‬يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم‬
‫على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين"‪ .‬فأخبر تعالى‪ :‬أن المؤمنين إن أطاعوا‬
‫الكفار‪ ،‬فلبد أن يردوهم على أعقابهم عن السلم؛ فإنهم ل يقنعون منهم‬
‫بدون الكفر‪ .‬وأخبر‪ :‬أنهم إن فعلوا ذلك‪ ،‬صاروا من الخاسرين في الدنيا‬
‫والخرة‪ .‬ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفا ً منهم ‪ .‬و قال تعالى‪) :‬ول‬
‫تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار و مالكم من دون الله من أولياء ثم‬
‫ل تنصرون(‪.‬‬

‫الكتاب الخامس‬
‫و أناب القلب إلى الله موحدا‬
‫قال المام البخاري رحمه الله باب قول‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم الدين‬
‫النصيحة لله ولرسوله ولئمة المسلمين‬
‫وعامتهم وقوله تعالى إذا نصحوا لله‬
‫ورسوله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬الدين النصيحة قلنا‬
‫لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم‪ "154‬قال بن رجب‬
‫رحمه الله قال محمد بن نصر "قال بعض أهل العلم جماع تفسير النصيحة‬
‫هي عناية القلب للمنصوح له‪ "155‬إن ترك العمل بهذا الحديث هو مكمن‬
‫الداء الذي أصاب المة‪ ,‬ذلك الداء العضال الذي تفشى في جسد المة‬
‫فوقعت صريعة بين أيدي اللئام‪ ,‬إن ذلك الداء هو انشغال المسلمون‬
‫بالحياة الدنيا فالذي يهتمون به المال أو السلطة أو الجاه‪ ,‬الذي يهتمون به‬
‫الشهوات و تحصيل اللذات‪ ,‬الذي يهتم به الرجال تحصيل القرش اليتيم أو‬
‫جلسة المقهى أو متابعة مبارات تافهة‪ ,‬و أعجب من ذلك إنشغال الشباب‬
‫بمتابعة الفيلم أو الغنية أو الموضة أو تسريحة الشعر الجديدة !!‪ ,‬فأغلب‬
‫اهتمامات المسلمون الن اهتمامات جاهلية و ما أمر المسلمون بذلك بل‬
‫أمروا بالنصيحة لله و لكتابه و لرسوله و لئمة المسلمين و عامتهم‪ ,‬و قد‬
‫أمروا أيضا ً بطرح الجاهلية كلها فقد خرج المام مسلم رحمه الله من‬
‫حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله‬
‫و سلم خطب الناس في حجة الوداع فقال‪" :‬أل كل شيء من أمر الجاهلية‬
‫تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا‬
‫دم بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا‬
‫الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه‬
‫موضوع كله" ‪ ...‬فهل من عودة لمعاني حجة الوداع وطرح المور الجاهلية‬
‫و الهتمامات الجاهلية و النشغال بأمر الله تعالى وحده ؟ ‪ ,‬و لعل سبب‬
‫ج عن الجهل ‪ ,‬و ذلك الخلل هو‬
‫هذه الفجوة العظيمة خلل في الفهم نات ٌ‬
‫الذي يؤدي إلى ظهور الجوبة العجيبة سواء أكانت أجوبة قوليه أو فعليه‬
‫على كثير من السئلة البديهية فإذا ما سئل مسلم لماذا خلقنا قد يقال‬
‫لتعمير الرض بالبنية و الصناعات الحديثة و استغلل ثرواتها و توظيفها أو‬
‫يقال للعمل و الكسب أو لتربية الولد و نحو ذلك من الجوبة العجيبة و‬
‫العجب من ذلك أن تقترب الجوبة القولية من الصحة أما الفعليه فهي‬
‫على نحو من الولى‪ ,‬كل ذلك و الجواب واضح بين في كتاب الله تعالى‪" :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫م ِ‬
‫ما أِريد ُ ِ‬
‫ما أِريد ُ أ ْ‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ق وَ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن‪َ 56‬‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫وَ َ‬
‫ن َواْل ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫دو ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن رِْز ٍ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ه هُوَ الّرّزاقُ ُ‬
‫ن‪ " 58‬الذاريات ‪ .‬و قوله‬
‫ذو ال ُ‬
‫ن‪ 57‬إ ِ ّ‬
‫قوّةِ ال َ‬
‫ن الل َ‬
‫ي ُطعِ ُ‬
‫مِتي ُ‬
‫مو ِ‬
‫تعالى‪ " :‬قُ ْ‬
‫ن‪َ 162‬ل‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ماِتي ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫م ْ‬
‫ل إِ ّ‬
‫صَلِتي وَن ُ ُ‬
‫م َ‬
‫حَيايَ وَ َ‬
‫كي وَ َ‬
‫ن َ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه وَب ِذ َل ِ َ‬
‫ري َ‬
‫ت وَأَنا أوّ ُ‬
‫َ‬
‫ن‪ "163‬النعام ‪ .‬و إل فعبادة الله‬
‫سل ِ ِ‬
‫كأ ِ‬
‫م ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫مي َ‬
‫ش ِ‬
‫تعالى وحدها هي وظيفة العمر التي يجب أن تنشغل بها الهتمامات و تفنى‬
‫فيها العمار فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫و آله و سلم قال ) إن الله يقول يا ابن آدم‪ :‬تفرغ لعبادتي أمل صدرك غنى‬
‫‪154‬‬
‫‪155‬‬

‫صحيح مسلم ج‪ 1 :‬ص‪ 74 :‬برقم ‪55‬‬
‫جامع العلوم والحكم ج‪ 1 :‬ص‪79 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫وأسد فقرك‪ ،‬وإل تفعل ملت يديك شغل‪ ،‬ولم أسد فقرك‪ ( 156‬و خرج بن‬
‫ماجه رحمه الله من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال سمعت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬من كانت الدنيا همه فرق الله‬
‫عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إل ما كتب له ومن‬
‫كانت الخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي‬
‫راغمة" فإن قال قائل وهل معنى ذلك ان نترك العمل؟ قلنا ليس في تلك‬
‫النصوص ما يوحي بذلك‪ ..‬بل إن ترك العمل و التفريط في الخذ بالسباب‬
‫و اللتجاء إلى التواكل و التكاسل و تضييع الحقوق و نحو ذلك فهم خاطئ‬
‫ف لمقاصد الشريعة العليا‪ ,‬ثم ما شأنك أنت أيها الجسد؟ من وجه إليك‬
‫منا ٍ‬
‫ه لخر ‪ ..‬أل و هو القلب‪ ,‬قل لقلبك يا‬
‫الحديث؟ إن حديثنا و خطابنا هذا موج ٌ‬
‫أيها القلب لماذا تحيا؟ هل تحيا من أجل الدنيا؟ أم تحيا من أجل إعلء كلمة‬
‫الله تعالى؟ أم لماذا تحيا ؟ سل قلبك ‪ ..‬ما هي اهتماماتك و أهدافك ‪ ...‬من‬
‫أعظم حبا ً عندك أهلك ‪ ..‬أم عملك ‪ ..‬أم أصحابك و وطنك ‪ ...‬أم الله‬
‫ورسوله صلى الله عله و آله و سلم ؟ من ستقدم أمره و تبذل من‬
‫اجله؟ ‪ ....‬إنتبهوا عباد الله ‪ ..‬فها نحن قد وضعنا أيدينا فوق موضع الداء‪,‬‬
‫الداء هاهنا‪ ,‬في القلب‪ ,‬داء المة كلها هاهنا‪ ,‬في القلب ‪ ..‬هذا هو موضع‬
‫الداء ‪ ..‬و لكن ما هو الداء ‪ ..‬هذا هو موضع الداء لكن ما هو الداء؟ هذا‬
‫م أيضا؟ ‪ ...‬إنه يمكننا معرفة ذلك الداء إذا ما سألنا القلب ما هو‬
‫سؤال مه ٌ‬
‫أعظم أهتماماتك‪ ,‬ما هو الحب الشياء إليك‪ ,‬ما هو العظم عندك ما هو‬
‫الحب‪ ,‬و ل أقول هل نهتم بأمر الله تعالى هل نحب الله تعالى ‪ ...‬ل لن‬
‫ئ إلى قلوبنا ‪..‬‬
‫أقول ذلك! بل أقول ما هو أعظم اهتماماتنا ما هو أحب ش ٍ‬
‫ئ‬
‫إن مجرد هبوط أمر الله تعالى عن كونه أعظم اهتماماتنا و أحب ش ٍ‬
‫إلينا ‪ ..‬كاف و أقولها بكل ثقة لن تخَر المة في الوحل ‪ ...‬فما بالكم إذا‬
‫كان غالب انشغالت القلب أمور جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان ‪ ..‬مع‬
‫ضعف اعتناء القلب بأمر الله تعالى‪ ,‬ما بالكم بذلك ‪ ..‬إنه هو حيرة وضلل‬
‫و داء عضال سببه كما أسلفنا داء آخر أل وهو ضعف الفهم للجوانب‬
‫العقائدية الولية و هو مترتب على خلل آخر أل وهو عدم النشغال بقضايا‬
‫التوحيد و عدم النشغال بقضايا التوحيد إما معصية و إما بدعة و إل فطلب‬
‫العلوم الواجبة كقضايا التوحيد ونحوها فريضة على كل مسلم ومسلمة‪ ,‬و ل‬
‫شك أن التفريط في ذلك الواجب يؤدي إلى تلك المصيبة العظيمة أل وهي‬
‫ضعف القلب ‪ ....‬إن مادة حياة القلب ذلك العلم ‪ ..‬لن العلم الشرعي من‬
‫خصائصه أنه يعطي القلب بصيرة و قوة ‪ ..‬فهو غذائه و طاقته‪ ,‬فإذا أبصر‬
‫القلب علم أن أعظم الهتمامات هو إعلء كلمة الله إبتغاء مرضاة الله‬
‫تعالى و علم أن أحب الشياء هو أمر الله تعالى و أمر رسوله صلى الله‬
‫عليه و آله و سلم‪ ,‬فإذا قوي قلب المة مع نصحه لله تعالى و لرسوله صلى‬
‫‪156‬‬

‫رواه الترمذي و حسنه و صححه اللباني في صحيح الترمذي ‪,‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫الله عليه و آله و سلم و لئمة المسلمين و عامتهم أوشك أن يوهب النصر‬
‫من عند الله تعالى ‪...‬‬
‫إن قلب المسلم يجب أن تكون قضيته و اهتماماته أمر الله تعالى لن الدين‬
‫النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم‪ ,‬ذلك لمن رضي‬
‫بالسلم دينا ً لن المسلم تختلف حياته عن من هم دونه فهي طلبا ً للعلم‬
‫ة له بعمل صالح‪ ,‬إن من فوائد اعتناء القلب لمر الله القوي‬
‫النافع و متابع ً‬
‫العزيز ‪ ,‬أن يقوى القلب ببركة من الله تعالى و أن يوهب عزة و توفيقا‬
‫"قل إن العزة لله و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين ل يعلمون" ‪ ..‬أل‬
‫واعلم أخي المسلم أنه إذا ما قوي القلب قوي البدن لنه الملك الذي إذا ما‬
‫صلح صلح الجسد كله ‪ ,‬فإذا ما قوي قلب المة قوي جسدها‪ ,‬و على‬
‫العكس من ذلك فالغفلة عن النصيحة لله تعالى أضرارها عظيمة في الدنيا‬
‫قبل الخرة فإنه بعدم انشغال القلب لمر الله تعالى يضعف و يضعف معه‬
‫صاحبه فيضعف المجتمع كله حتى يصير غثاًء كغثاء السيل فعن ثوبان رضي‬
‫الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬توشك المم أن‬
‫تداعى عليكم كما تداعى الكلة إلى قصعتها فقال قائل أو من قلة نحن‬
‫يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من‬
‫صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا‬
‫رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت" رواه مسلم و أبو‬
‫داود ‪ .‬بل أنتم يؤمئذ كثير ألف مليون مسلم ‪ ..‬ولكنكم غثاء ‪ ...‬فقاقيع ليس‬
‫لها قيمة ‪ ..‬إنها الحقيقة ‪ ..‬إنه الواقع المر ‪..‬‬
‫عباد الله هذا هو الداء و هذا هو الدواء داؤنا هو أننا لربما اهتممنا بأمر ا الله‬
‫تعالى و أمر رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و لكن ليس هو الهم عندنا‬
‫‪ ...‬دائنا أننا جميعا ً نقر بمحبة الله تعالى و محبة رسوله صلى الله عليه و آله‬
‫و سلم و لكنها ليستا أحب شئ لقلوبنا ‪ ...‬و كأني أسمع بك يا من تهمس‬
‫في نفسك أن قلبك على خلف ذلك‪ ..‬إنتبه عبد الله و احذر الكبر فإنه بطر‬
‫الحق أي رده ‪ ..‬إحذر إغواء الشيطان فكفانا غفلة‪ ..‬إحذر خطواته واعلم أنه‬
‫يأتيك من هاهنا وهذه إحدى خطواته ‪ ..‬واعلم عبد الله أن من مصائبه على‬
‫العبد القائم على الذنب أنه يرضيه عن نفسه ببعض ما فيه من طاعة‪..‬‬
‫فاحذره ثم انظر إلى قلبك نظرة الباحث عن الحق واسأله بصدق ما هو‬
‫ئ إليك؟ هل إعلء كلمة الله تعالى هو‬
‫أعظم اهتماماتك ما هو أحب ش ٍ‬
‫ئ إليك هو الله و رسوله صلى الله عليه و آله‬
‫أعظم اهتمامتك هل أحب ش ٍ‬
‫و سلم؟ ل‪ ..‬أنت يا من تحافظ على الصلة و تظنن أنك جمعت أبواب‬
‫الخير كلها‪ ..‬نعم انت‪ ..‬أنت الذي إليك كلمي‪ ..‬و أقولها لك بكل حزن ‪..‬‬
‫فالله يعلم كم أتمنى أن أكون مخطئا ً باتهامي هذا ‪ ..‬و لكنه الواقع المر ‪..‬‬
‫الواقع الذي نلمسه جميعا ً ‪ ..‬ل داعي للمكابرة كفانا غفلة و حيدة ً عن‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫الصراط الحق ‪ ..‬فإن الظاهر يدل على الباطن و إن الباطن لبد و أن يعلو‬
‫الظاهر‬
‫لبد من زيادة اعتناء القلب لمر الله تعالى و امر رسوله صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم حتى يكونا أحب إليه مما سواهما‪ ,‬فهذه هي البداية و هذه هي‬
‫النهاية‪ ,‬هذه هي حياة المسلم التي تختلف عن حياة من هم دونه‪ ,‬فحياته‬
‫لكي يتعلم القلب أمر الله تعالى‪ ,‬حياته لمتابعة ذلك العلم بعمل صالح‬
‫يبتغي به مرضاة الله تعالى‪ ,‬حياته دعوة إلى سبيل الله تعالى على بصيرة‬
‫من أمره‪ ,‬فعن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬الدين‬
‫النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم"‬

‫باب ) يا أ َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫قوا‬
‫ت‬
‫ا‬
‫نوا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫و ُ‬
‫ن(‬
‫صاِد ِ‬
‫م َ‬
‫قي َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫ع ال ّ‬
‫َ‬
‫يخطء من يظن أن الدنيا دار نعيم و راحة أو يجعلهما همه فيها‪ ,‬لن ذلك‬
‫وهم قال تعالى‪" :‬لقد خلقنا النسان في كبد" أي في مكابدة المور و‬
‫مشاقها و هو اختيار بن جرير ‪ .‬سئل المام أحمد متى الراحة يا إمام قال‬
‫ما‬
‫عند اول قدم في الجنة ‪ ,‬و إل فالدنيا دار ابتلء دار امتحان "إ ِّنا َ‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫ة ل َها ل ِنبل ُوهُم أ َيه َ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ما ع َل َي َْها‬
‫جا ِ‬
‫عُلو َ‬
‫مًل ‪7‬وَإ ِّنا ل َ َ‬
‫مأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ض ِزين َ ً َ َ ْ َ ْ ّ ُ ْ‬
‫س ُ‬
‫ع َلى الْر ِ‬
‫جُرًزا ‪ " 8‬إذا ً فالهدف من خلق الدنيا حلوة خضرة ليس الراحة و ل‬
‫دا ُ‬
‫صِعي ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫م" قال تعالى‪" :‬وَن َب ْلوك ُ ْ‬
‫المتعة و ل ننكر أصلهما و إنما لقوله تعالى‪" :‬ل ِن َب ْلوَهُ ْ‬
‫ِبال ّ‬
‫ن‪ "35‬النبياء ‪ ,‬وقال تعالى‪" :‬إنما أموالكم‬
‫شّر َوال ْ َ‬
‫خي ْرِ فِت ْن َ ً‬
‫جُعو َ‬
‫ة وَإ ِل َي َْنا ت ُْر َ‬
‫وأولدكم فتنة والله عنده أجر عظيم" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا ل‬
‫تلهكم أموالكم ول أولدكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم‬
‫الخاسرون" فالكل مبتلى إلى يوم القيامة‪ ,‬يبتلى الناس بين اليمان و الكفر‬
‫فتنجو القلة المؤمنة ثم تبتلى القلة المؤمنة لتتمحص القلة الصادقة‪ ,‬و بهذا‬
‫تعلم سبب تسميتها دار ابتلء؟ لقد أصبح الجواب واضح جليا و هو لتتابع‬
‫البتلءات وكثرتها‪.‬‬
‫يبتلى الناس فتؤمن القلة و تبتلى القلة ولبد ليتمحص الصادق منهم‪ ,‬قال‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫ميَز ال ْ َ‬
‫خِبي َ‬
‫ث ِ‬
‫حّتى ي َ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م ع َل َي ْهِ َ‬
‫كا َ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫ن ع ََلى َ‬
‫ه ل ِي َذ ََر ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫تعالى‪َ " :‬‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫ب ‪ "179‬آل عمران ‪ .‬قال العلمة السعدي رحمه الله‪ " :‬أي‪ :‬ما كان‬
‫الط ّي ّ ِ‬
‫في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الختلط‪ ,‬وعدم‬
‫التمييز‪ ,‬حتى يميز الخبيث من الطيب‪ ,‬والمؤمن من المنافق والصادق من‬
‫الكاذب"اهـ ‪ .‬فابتلء القلة المؤمنة في الزمان المتعاقبة أمر قضي و قدر‬
‫قال تعالى‪" :‬الم ‪ 1‬أ َحسب الناس أ َن يتر ُ َ‬
‫ن‪2‬‬
‫م َل ي ُ ْ‬
‫ن يَ ُ‬
‫فت َُنو َ‬
‫كوا أ ْ‬
‫مّنا وَهُ ْ‬
‫قوُلوا آ َ‬
‫َ ِ َ ّ ُ ْ َُْ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫ن ال ْ َ‬
‫ن‪"3‬‬
‫وَل َ َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫قد ْ فَت َّنا ال ّ ِ‬
‫صد َُقوا وَل َي َعْل َ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫م فَل َي َعْل َ َ‬
‫ن قَب ْل ِهِ ْ‬
‫ن َ‬
‫كاذ ِِبي َ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫العنكبوت ‪ ,‬فإذا كان ذلك الممر الدنيوي على مثل هذا النحو عسير و مليئ‬
‫بالبتلءات و الشواك فلبد من أخذ الزاد و الحذر‬
‫َ‬
‫ه وَ ُ‬
‫ن" إن الذين‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫قال تعالى "َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫كوُنوا َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫معَ ال ّ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫ذي َ‬
‫أقروا باليمان منهم الصادق و منهم الكاذب و منهم من هو بين الصدق و‬
‫الكذب‪ ,‬و قد أسلفنا أنه لبد من البتلءات و الفتن لتمحيص الصف و الله‬
‫تعالى يأمر عباده أن يكونوا من الصادقين في الدنيا ليكونوا معهم في‬
‫الخرة‬
‫و يدلهم تعالى على السبيل المؤدي إلى الصدق و هو تقوى الله و لذلك قال‬
‫ه" لن التقوى هي السبيل المؤدي إلى‬
‫تعالى في نفس الية‪" :‬ات ّ ُ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫الصدق‪ ,‬و لذلك وجب السير في ذلك الطريق طريق التقوى و اللتزام بها و‬
‫الصبر عليه و لهذا قد يجمع بين الصبر و الصدق كما في قوله تعالى‪:‬‬
‫ن" آل عمران ‪ .‬و من ثبت صدقه في هذه الدنيا جعله‬
‫ن َوال ّ‬
‫"ال ّ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫ري َ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫الله مع الصادقين في الجنة أفاده بن جرير الطبري رحمه الله و التقوى هي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫حذ َُروا ‪"92‬‬
‫ه وَأ ِ‬
‫الطاعة بحذر قال تعالى‪ " :‬وَأ ِ‬
‫ل َوا ْ‬
‫طيُعوا الّر ُ‬
‫طيُعوا الل ّ َ‬
‫المائدة‪ ,‬و سأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه ُأبيا ً عن التقوى فقال‪" :‬هل‬
‫أخذت طريقا ذا شوك ؟" ‪ ,‬قال‪" :‬نعم" ‪ ,‬قال‪" :‬فما عملت فيه ؟" ‪ ,‬قال‪:‬‬
‫"تشمرت وحذرت" ‪ ,‬قال‪" :‬فذاك التقوى"‪ , 157‬و سئل رجل ً أبا هريرة –‬
‫رضي الله عنه‪ -‬ما التقوى ) فقال أخذت طريقا ذا شوك قال نعم قال‬
‫فكيف صنعت ‪ ,‬قال‪ :‬إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه ‪,‬‬
‫قال‪ :‬ذاك التقوى (‪ , 158‬وأخذ هذا المعنى أبن المعتز فنظمه ‪ .‬خل الذنوب‬
‫صغيرها وكبيرها ذاك التقى * وأصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى‬
‫‪ ,‬ل تحقون صغيرة * إن الجبال من الحصى ‪ ,‬و قال طلق بن حبيب صف لنا‬
‫التقوى قال التقوى عمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله‬
‫والتقوى ترك معصية الله مخافة عقاب الله على نور من الله‪. 159‬‬
‫و تقوى الله في السر و العلن وجهان لعملة واحدة ل انفصام بينهما‪ ,‬فالذي‬
‫يظهر طاعة الله علنا ً و ل يحسنها سرا ً أو العكس فله حظ و نصيب من‬
‫الكذب‪ ,‬و إنما كمال الصدق في الصبر على الطاعة سرا ً و علنا ً في‬
‫المنشط و المكر في العسر و اليسر‪,‬‬
‫و لن المؤمنون متفاوتون في صدقهم لتفاوتهم في تقوى الله عز وجل‪,‬‬
‫تنوعت البتلءات و الكل مبتلى و ممتحن‪ ,‬ليتبين مدى صدقه‪ ,‬فإذا نجى‬
‫‪157‬‬
‫‪158‬‬
‫‪159‬‬

‫ذكره القرطبي في تفسيره عند ثالث آية من سورة البقرة‬
‫البيهقي – الزهد الكبير‬
‫رواه بن أبي شيبة ‪ -‬و رواه أيضا ً البيهقي في الزهد الكبير‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫َ‬
‫مُنوا‬
‫العبد من امتحان‪ ,‬امتحن إمتحان أشد كقول الله تعالى‪َ " :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫شيٍء من الصيد تنال ُ َ‬
‫ه‬
‫ن يَ َ‬
‫ه أي ْ ِ‬
‫ما ُ‬
‫خافُ ُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫م ل ِي َعْل َ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫م وَرِ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫ّ ْ ِ ََ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ل َي َب ْل ُوَن ّك ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه بِ َ ْ ِ َ‬
‫َ‬
‫م‪ "94‬المائدة ‪ .‬ليعلم الله علما ً‬
‫دى ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫ه عَ َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن اع ْت َ َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ك فَل َ ُ‬
‫ب فَ َ‬
‫ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫يحاسبهم عليه من يخافه بالغيب و يثبت على طاعته سرا ً كما ثبت عليها‬
‫علنا ً ‪ ,‬و مثل هذا النوع من البتلءات الغيبية متفاوته في شدتها فمنها من‬
‫هو أشد من الخر و منها ما ل يصبر عليه إل المخلصون كقول الله تعالى‪:‬‬
‫"ك َذ َل ِ َ‬
‫ح َ‬
‫ن‪ "24‬يوسف ‪,‬‬
‫سوَء َوال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ِ‬
‫صرِ َ‬
‫خل َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ف ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫عَباد َِنا ال ْ ُ‬
‫شاَء إ ِن ّ ُ‬
‫ف ع َن ْ ُ‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫صي َ‬
‫م ْ‬
‫وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‪ " :‬الصلة‬
‫في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلة فإذا صلها في فلة فأتم ركوعها‬
‫وسجودها بلغت خمسين صلة‪ "160‬قال الشوكاني في النيل‪" :‬و في مثل‬
‫هذا الموطن تنقطع الوساوس التي تقود إلى الرياء فإيقاع الصلة فيها شأن‬
‫أهل الخلص ومن ههنا كانت صلة الرجل في البيت المظلم الذي ل يراه‬
‫فيه أحد إل الله عز وجل أفضل النوافل على الطلق وليس ذلك إل‬
‫لنقطاع حبائل الرياء الشيطانية التي يقتنص بها كثيرا من المتعبدين"اهـ ‪.‬‬
‫ابتلءات تلو أخرى من التكليف حتى الممات فمن ثبت في كل فتنة فقد‬
‫صدق الله تعالى كالمهاجرين الولين و النصار الذين قال الله تعالى فيهم‪:‬‬
‫جا ٌ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ فَ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫" ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫ن قَ َ‬
‫عاهَ ُ‬
‫ن رِ َ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫صد َُقوا َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫ن بِ ِ‬
‫ما ب َد ُّلوا ت َب ْ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫م وَي ُعَذ ّ َ‬
‫ديًل ‪ 23‬ل ِي َ ْ‬
‫صد ْقِهِ ْ‬
‫جزِيَ الل ّ ُ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ه ال ّ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫ما ‪ . "24‬أما من‬
‫ن غَ ُ‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫مَنافِ ِ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫شاَء أوْ ي َُتو َ‬
‫ن إِ ْ‬
‫حي ً‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ب ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫قي َ‬
‫يظن أن بتوفيق الله تعالى له إلى قدر معين من اللتزام أنه بذلك قد نجى‪,‬‬
‫أو أنه يؤدي الفرائض و قد آن الوقت للراحة‪ ,‬أو أنه سيثبت ولبد على ذلك‬
‫القدر من الطاعة‪ ,‬فكل هذه حسابات خاطئة فهذه الدنيا دار ابتلءات‬
‫متعاقبة حتى الموت تستدعي حيطة و طاعة لله تعالى على حذر و إل‬
‫فأولى علمات الزلل الغفلة‪.‬‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫خوُنوا‬
‫وت َ ُ‬
‫مُنوا َل ت َ ُ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫والّر ُ‬
‫فصل )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫خوُنوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫أ َماَنات ِك ُم َ‬
‫ن ‪ (27‬النفال‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫وأن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫قال المام بن كثير رحمه الله‪" :‬والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللزمة‬
‫والمتعدية و عن عروة بن الزبير أي ل تظهروا له من الحق ما يرضى به‬
‫منكم ثم تخالفوه في السر إلى غيره فإن ذلك هلك لماناتكم وخيانة‬
‫لنفسكم " اهـ‪ .‬و مثال ذلك من يظهر اللتزام لسبب أو لخر و مع ذلك فهو‬
‫يستجيب للفنتة في كل مرة و يركن إليها فيجعل العلن لظهار الطاعة لله‬
‫و السر لطاعة الشيطان و الهوى فيال حسرتهم يوم يقول الله تعالى‪" :‬هَ َ‬
‫ذا‬
‫ن ِفيَها‬
‫م ي َن ْ َ‬
‫حت َِها اْل َن َْهاُر َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫ري ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ي َوْ ُ‬
‫جّنا ٌ‬
‫م ل َهُ ْ‬
‫صد ْقُهُ ْ‬
‫فعُ ال ّ‬
‫دي َ‬
‫م ْ‬
‫صاد ِِقي َ‬
‫ج ِ‬
‫‪ 160‬رواه أبو داود و ابن ماجة ‪ ,‬قال المنذري في إسناده هلل بن ميمون وقال أبو حاتم الرازي ليس‬
‫بقوي يكتب حديثه وقد وثقه ابن معين كما قال ابن رسلن‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫َ‬
‫ه ذ َل ِ َ‬
‫م‪ "119‬المائدة ‪ .‬إن ذلك‬
‫ك ال ْ َ‬
‫فوُْز ال ْعَ ِ‬
‫دا َر ِ‬
‫م وََر ُ‬
‫أب َ ً‬
‫ظي ُ‬
‫ضوا ع َن ْ ُ‬
‫ه ع َن ْهُ ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫المرض الخبيث و هو النفاق شره عظيم جدا ً على العبد في الدنيا قبل‬
‫الخرة أما في الدنيا فمن اعظم خطره أنه ورم خبيث سرطان متفشي‬
‫فإن لم يتب منه و يستأصله في الحال زاد في قلبه و تضخم لركون صاحبه‬
‫م‬
‫مَر ً‬
‫ضا وَل َهُ ْ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ض فََزاد َهُ ُ‬
‫م َ‬
‫إليه و أخذه لسباب زيادته‪ِ " :‬في قُُلوب ِهِ ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫عَ َ‬
‫ن‪ "10‬البقرة‪ .‬و ذلك المرض هو النفاق‪ .‬فهم‬
‫كاُنوا ي َك ْذ ُِبو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫م بِ َ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫أخذوا بأسباب زيادة السرطان و هي المعصية سرا ً بدل ً من أن يستأصلوه‬
‫فإذا ظهروا للعلن كذبوا و زعموا الطاعة في السر و العلن و هذه هي‬
‫أسباب زيادة المرض التي أخذا بها و ركنوا إليها بدل ً من أن يستأصلوها‬
‫فره عن‬
‫فكانت النتيجة أن تفشى ذلك المرض حتى إذا عل القلب و غطاه ك َ َ‬
‫النور في الدنيا‪ ,‬و لذلك يعاقب صاحبه في الخرة على نحو فعله بقلبه في‬
‫الدنيا جزاًء لجريمته البشعة تجاه قلبه‪ ,‬فيحرم من النور في الخرة مع أنه‬
‫يكون في أمس الحاجة إليه‪ ,‬فها هو الن فوق الصراط و ل طاقة لحد‬
‫المرور من فوقه إل بنور من الله تعالى فالصراط أدق من الشعر و أحد من‬
‫السيف و حوله كلليب السعدان تخطف إلى النار من أبطأ به عمله و هو‬
‫في أشد الحاجة لن يبصر الطريق و ليفر من هول ذلك الموقف و لكن‪..‬‬
‫قو ُ‬
‫ن‬
‫مَنافِ ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫قو َ‬
‫يطفأ ما كان معه من نور ‪ ...‬ماذا سيفعل ؟!!! "ي َوْ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫م ِقي َ‬
‫م‬
‫مُنوا ان ْظ ُُروَنا ن َ ْ‬
‫مَنافِ َ‬
‫س ِ‬
‫ت ل ِل ّ ِ‬
‫جُعوا وََراَءك ُ ْ‬
‫ل اْر ِ‬
‫ن ُنورِك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫قا ُ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫قت َب ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ة وَ َ‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ظاه ُِره ُ ِ‬
‫َفال ْت َ ِ‬
‫ه ِفيهِ الّر ْ‬
‫ه َبا ٌ‬
‫ضرِ َ‬
‫سوا ُنوًرا فَ ُ‬
‫م بِ ُ‬
‫م ُ‬
‫ح َ‬
‫ب َباط ِن ُ ُ‬
‫سورٍ ل َ ُ‬
‫ب ب َي ْن َهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫قِب َل ِهِ ال ْعَ َ‬
‫ب‪ "13‬الحديد ‪ ,‬فيهوي المنافقون إلى جهنم بل رجعة خالدين فيها‬
‫ذا ُ‬
‫أبدا ً بل موت‪ ,‬ل يهوون إل سطح جهنم بل إلى القاع "إن المنافقين في‬
‫الدرك السفل من النار و لن تجد لهم نصيرا" و بعد استقرارهم في جهنم و‬
‫العياذ بالله يحرمون من الضوء أيضا ً جزاًء لجريمتهم البشعة بقلوبهم في‬
‫الدنيا فقد علموا من أين النور و السعة و مع ذلك حبسوا قلوبهم في ضيق‬
‫الدنيا و ظلمة النفاق و لذلك يحبسون في قعر جهنم في توابيت من نار‪...‬‬
‫َ‬
‫ة‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الل ّهِ ت َوْب َ ً‬
‫نسأل الله السلمة و العافية ‪َ " .‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫نصوحا ع َسى ربك ُ َ‬
‫حت َِها‬
‫ج‬
‫ن ي ُك َ ّ‬
‫م وَي ُد ْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫مأ ْ‬
‫َ ُ ً‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫خل َك ُ ْ‬
‫سي َّئات ِك ُ ْ‬
‫فَر ع َن ْك ُ ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫خ‬
‫م َل ي ُ ْ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫ي َوال ّ ِ‬
‫اْلن َْهاُر ي َوْ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫ه ُنوُرهُ ْ‬
‫معَ ُ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫زي الل ّ ُ‬
‫سَعى ب َي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه الن ّب ِ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فْر ل ََنا إ ِن ّ َ‬
‫ك ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ديٌر‪"8‬‬
‫م يَ ُ‬
‫يٍء قَ ِ‬
‫م ل ََنا ُنوَرَنا َواغ ْ ِ‬
‫ن َرب َّنا أت ْ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫م ْ‬
‫مان ِهِ ْ‬
‫وَب ِأي ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫التحريم‬

‫باب في الزهد و أنه أول طريق الصدق‬
‫مع الله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫و لذلك تعددت نصوص الكتاب و السنة التي تسفر عن حقارة الدنيا‪ ,‬قال‬
‫ة ل َها ل ِنبل ُوهُم أ َيه َ‬
‫مًل * وَإ ِّنا‬
‫ما ع ََلى اْل َْر‬
‫مأ ْ‬
‫تعالى ) إ ِّنا َ‬
‫ح َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ض ِزين َ ً َ َ ْ َ ْ ّ ُ ْ‬
‫جعَل َْنا َ‬
‫س ُ‬
‫ِ‬
‫‪161‬‬
‫جُرًزا ( أي وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى‬
‫جا ِ‬
‫دا ُ‬
‫صِعي ً‬
‫عُلو َ‬
‫لَ َ‬
‫ن َ‬
‫ما ع َل َي َْها َ‬
‫الخراب والدمار‪ ,‬و عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم مر بالسوق فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال‪" :‬أيكم‬
‫يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به ؟" قال‪:‬‬
‫"أتحبون أنه لكم" قالوا‪" :‬والله لو كان حيا كان عيبا فيه لنه أسك فكيف‬
‫وهو ميت" فقال‪" :‬فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم‪ . "162‬و عن‬
‫سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬لو كانت الدنيا‬
‫تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ‪ . "163‬و عن‬
‫البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ) لزوال الدنيا‬
‫أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ‪ . ( 164‬و عن أبى هريرة رضي‬
‫الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الدنيا ملعونة‬
‫وملعون ما فيها ال ذكر الله وما واله او عالم او متعلم‪ , ( 165‬و قال تعالى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَت َ َ‬
‫ل‬
‫ة وَت َ َ‬
‫فا ُ‬
‫ب وَل َهْوٌ وَِزين َ ٌ‬
‫حَياة ُ الد ّن َْيا ل َعِ ٌ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫كاث ٌُر ِفي اْل ْ‬
‫خٌر ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫موا أن ّ َ‬
‫)اع ْل َ ُ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م يَ ُ‬
‫ن‬
‫ص َ‬
‫ب ال ْك ُ ّ‬
‫ل غ َي ْ ٍ‬
‫كو ُ‬
‫م ي َِهي ُ‬
‫ج َ‬
‫ث أع ْ َ‬
‫فّرا ث ُ ّ‬
‫ج فَت ََراه ُ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫فاَر ن ََبات ُ ُ‬
‫َواْلوَْلد ِ ك َ َ‬
‫م ْ‬
‫مث َ ِ‬
‫ح َ‬
‫ب َ‬
‫خَرةِ ع َ َ‬
‫حَياة ُ الد ّن َْيا‬
‫ما وَِفي اْل ِ‬
‫فَرة ٌ ِ‬
‫مغْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫وا ٌ‬
‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫ذا ٌ‬
‫ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫ديد ٌ وَ َ‬
‫طا ً‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫‪166‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مَتاع ُ الغُُروِر ( ‪.‬‬
‫إ ِل َ‬
‫و هي على حقارتها فإنها ل تصفو لحد‪:‬‬
‫و الحمد لله على ذلك لنها لو كانت غير ذلك لركن إليها كثير من العابدون ‪,‬‬
‫و ما من عبد يحب الدنيا إل فتن و ضل على قدر حبه لها‪ ,‬فمن إكتمل حبه‬
‫مان ِهِ إ ِّل‬
‫ن كَ َ‬
‫فَر ِبالل ّهِ ِ‬
‫ن ب َعْد ِ ِإي َ‬
‫لها إكتمل ضلله بسببها قال الله تعالى ) َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫ب‬
‫ح ِبالك ُ ْ‬
‫ض ٌ‬
‫م غَ َ‬
‫شَر َ‬
‫صد ًْرا فَعَلي ْهِ ْ‬
‫ن َ‬
‫لي َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن أك ْرِه َ وَقَل ْب ُ ُ‬
‫فرِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن وَل َك ِ َ ْ‬
‫ما ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫َ ْ‬
‫ن ِبا ْ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫ة‬
‫حَياة َ الد ّن َْيا ع َلى ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ِ‬
‫حّبوا ال َ‬
‫ست َ َ‬
‫ذا ٌ‬
‫ما ْ‬
‫م * ذ َل ِك ب ِأن ّهُ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن اللهِ وَلهُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪167‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن ( ‪ ,‬من أجل ذلك حذرنا رسول الله‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ه َل ي َهْ ِ‬
‫وَأ ّ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم منها فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم أنه قال‪" :‬إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها‬
‫فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل‬
‫‪ 161‬الكهف ‪8‬‬
‫‪ 162‬صحيح مسلم ج‪ 4 :‬ص‪ 2272 :‬برقم ‪ - 2957‬و أبو داود برقم ‪ - 184‬و أسك أي صغير الذنين ‪.‬‬
‫‪ 163‬سنن الترمذي ج‪ 4 :‬ص‪ 13 560 :‬باب ما في في هوان الدنيا على الله عز وجل برقم ‪– 2320‬‬
‫و صححه‬
‫‪ 164‬سنن ابن ماجه ج‪ 2 :‬ص‪ 874 :‬برقم ‪ – 2619‬صححه اللباني في صحيح بن ماجه ‪,‬‬
‫‪ 165‬حسنه اللباني ‪ ,‬الزهد لبن حنبل ج‪ 1 :‬ص‪ 62 :‬برقم ‪ - 126‬و رواه الترمذي ج ‪ – 9‬ص ‪– 198‬‬
‫وابن ماجه برقم ‪- 4112‬‬
‫‪ 166‬الحديد ‪20‬‬
‫‪ 167‬النحل ‪106‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫كانت في النساء"‪ . 168‬و كونها ل تصفو لحد ظاهر لكل من تدبر أحوال‬
‫الناس من حوله قال بن القيم –رحمه الله‪ -‬مخاطبا ً أهل المصائب‪ ) :‬وليعلم‬
‫ة ؟ ثم ليعطف‬
‫محن ً‬
‫من ً‬
‫ة ‪ ،‬فهل يرى إل ِ‬
‫أنه فى كل واد ٍ بنو سعد ‪ ،‬ولينظر ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ى‪،‬‬
‫يَ ْ‬
‫سرة ً ‪ ،‬فهل يرى إل حسرة ً ؟ ‪ ،‬وأنه لو فّتش العالم لم ير فيهم إل مبتل ً‬
‫م نوم أو كظ ّ‬
‫ل‬
‫إما بفوات محبوب ‪ ،‬أو حصول مكروه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن شروَر الدنيا أحل ُ‬
‫ت دهرا ً ‪ ،‬وإن‬
‫ت كثيرا ً ‪ ،‬وإن َ‬
‫ت يوما ً ‪ ،‬ساء ْ‬
‫سّر ْ‬
‫ت قليل ً ‪ ،‬أبك ْ‬
‫ل ‪ ،‬إن أضحك ْ‬
‫زائ ٍ‬
‫ت قليل ً ‪ ،‬منعت طويل ً ‪ ،‬وما ملت دارا ً خيرة ً إل ملتها ع َْبرة ‪ ،‬ول سّرته‬
‫مّتع ْ‬
‫َ‬
‫م شرور" ‪ .‬قال ابن مسعود رضى الله عنه ‪:‬‬
‫ت له يو َ‬
‫بيوم ِ سرور إل خبأ ْ‬
‫مِلىَء َترحًا" ‪.‬‬
‫ت فرحا ً إل ُ‬
‫مِلىَء بي ٌ‬
‫"لكل فرحةٍ ت َْرحة ‪ ،‬وما ُ‬
‫فصل فيمن قدم الدنيا بدنائتها على ما أوجبه الله تعالى و قول‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫مَتا ُ‬
‫ن اْل ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ة الدّن َْيا ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫الله تعالى‪ " :‬أَر ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ف َ‬
‫ضيت ُ ْ‬
‫ة إ ِّل َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫ل‪:"169‬‬
‫في اْل ِ‬
‫الدّن َْيا ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ن‬
‫ن ي َت ّ ُ‬
‫خَرة ُ َ‬
‫داُر اْل ِ‬
‫خي ٌْر ل ِل ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ب وَل َهْوٌ وََلل ّ‬
‫حَياة ُ الد ّن َْيا إ ِّل ل َعِ ٌ‬
‫ما ال ْ َ‬
‫قال تعالى )وَ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن‪ ( 170‬قال العلمة السعدي في تفسير هذه الية‪" :‬فحقيقة الحياة‬
‫أفََل ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫الدنيا أنها لعب ولهو لعب في البدان ولهو في القلوب فالقلوب لها والهة‬
‫والنفوس لها عاشقة والهموم فيها متعلقة والشتغال بها كلعب الصبيان‪.‬‬
‫ن " في ذاتها وصفاتها‪ ,‬وبقائها ودوامها‪.‬‬
‫ن ي َت ّ ُ‬
‫وأما الخرة‪ ,‬فإنها " َ‬
‫خي ٌْر ل ِل ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫ذي َ‬
‫وفيها ما تشتهيه النفس‪ ,‬وتلذ العين‪ ,‬من نعيم القلوب والرواح‪ ,‬وكثرة‬
‫السرور والفراح‪ .‬ولكنها ليست لكل أحد‪ ,‬وإنما هي للمتقين‪ ,‬الذين يفعلون‬
‫َ‬
‫ن " أي‪ :‬أفل يكون لكم‬
‫أوامر الله‪ ,‬ويتركون نواهيه وزواجره‪ " .‬أفََل ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫حَياةُ‬
‫ما هَذ ِهِ ال ْ َ‬
‫عقول‪ ,‬بها تدركون‪ ,‬أي الدارين أحق باليثار‪ .‬و قال تعالى )وَ َ‬
‫‪171‬‬
‫ن ل َوْ َ‬
‫ن (‪ .‬و‬
‫داَر اْل ِ‬
‫مو َ‬
‫وا ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ب وَإ ِ ّ‬
‫الد ّن َْيا إ ِّل ل َهْوٌ وَل َعِ ٌ‬
‫كاُنوا ي َعْل َ ُ‬
‫حي َ َ‬
‫خَرة َ ل َهِ َ‬
‫َ‬
‫ن ع َي ْن َي ْ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا‬
‫جا ِ‬
‫م َزهَْرة َ ال ْ َ‬
‫مت ّعَْنا ب ِهِ أْزَوا ً‬
‫مد ّ ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ك إ َِلى َ‬
‫قال تعالى )وََل ت َ ُ‬
‫‪172‬‬
‫س َ‬
‫م ِفيهِ وَرِْزقُ َرب ّ َ‬
‫ع‬
‫صب ِْر ن َ ْ‬
‫خي ٌْر وَأ َب ْ َ‬
‫ل ِن َ ْ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫فت ِن َهُ ْ‬
‫قى ( و قال تعالى )َوا ْ‬
‫ه وََل ت َعْد ُ ع َي َْنا َ‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫داةِ َوال ْعَ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ريد ُ‬
‫ن وَ ْ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫م ِبال ْغَ َ‬
‫عو َ‬
‫ك ع َن ْهُ ْ‬
‫جه َ ُ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫ش ّ‬
‫ذي َ‬
‫مَ ت ُ ِ‬
‫ي يُ ِ‬
‫َ‬
‫واه ُ وَ َ‬
‫ن أغ ْ َ‬
‫ِزين َ َ‬
‫كا َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫مُرهُ‬
‫نأ ْ‬
‫فل َْنا قَل ْب َ ُ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وََل ت ُط ِعْ َ‬
‫ن ذ ِك ْرَِنا َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫ه عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ً ‪173‬‬
‫ة‬
‫ريد ُ ِزين َ َ‬
‫فُُرطا ( قال العلمة السعدي رحمه الله‪ " :‬في قوله تعالى " ت ُ ِ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا " فإن هذا ضار غير نافع‪ ,‬وقاطع عن المصالح الدينية‪ .‬فإن ذلك‬
‫ال ْ َ‬
‫يوجب تعلق القلب بالدنيا‪ ,‬فتصير الفكار والهواجس فيها وتزول من القلب‪,‬‬
‫‪ 168‬صحيح مسلم ج‪ 4 :‬ص‪ 2098 :‬برقم ‪– 2742‬النسائي في السنن الكبرى ج‪ 5 :‬ص‪ 400 :‬برقم‬
‫‪ . 9269‬مسند أحمد ج‪ 3 :‬ص‪ 22 :‬برقم ‪ . 11185‬و في صحيح ابن حبان ج‪ 8 :‬ص‪ 15 :‬برقم‬
‫‪ .3221‬و في سنن البيهقي الكبرى ج‪ 7 :‬ص‪ 91 :‬برقم ‪ .13301‬سنن ابن ماجه ج‪ 2 :‬ص‪1325 :‬‬
‫برقم ‪ , 4000‬مسند الشهاب ج‪ 2 :‬ص‪ 181 :‬برقم ‪. 1141‬‬
‫‪ 169‬التوبة ‪38‬‬
‫‪ 170‬النعام ‪32‬‬
‫‪ 171‬العنكبوت ‪64‬‬
‫‪ 172‬طه ‪131‬‬
‫‪ 173‬الكهف ‪28‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪125‬‬

‫الرغبة في الخرة‪ ,‬فإن زينة الدنيا‪ ,‬تروق للناظر‪ ,‬وتسحر القلب‪ ,‬فيغفل‬
‫القلب عن ذكر الله‪ ,‬ويقبل على اللذات والشهوات فيضيع وقته‪ ,‬وينفرط‬
‫أمره‪ ,‬فيخسر الخسارة البدية‪ ,‬والندامة السرمدية"‬
‫ُ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫د‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫مَتا ُ‬
‫ما ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫م ِ‬
‫عن ْ َ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫زين َت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ما أوِتيت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫ة الدّن َْيا َ‬
‫فصل ) َ‬
‫ْ‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سًنا َ‬
‫ن*أ َ‬
‫قى أ َ‬
‫وأب ْ َ‬
‫و‬
‫ه َ‬
‫و ْ‬
‫و َ‬
‫ع ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫قلو َ‬
‫دا َ‬
‫ع ً‬
‫فل ت َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫عدَْناهُ َ‬
‫ن َ‬
‫خي ٌْر َ‬
‫ن‬
‫مَتا َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ُ‬
‫َل ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ِ‬
‫حَيا ِ‬
‫قي ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫مت ّ ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫قَيا َ‬
‫ة الدّن َْيا ث ُ ّ‬
‫عَناهُ َ‬
‫ن َ‬
‫ه كَ َ‬
‫و يَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن‪:( 174‬‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ري َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ض ِ‬
‫الزهد هو خروج قدر الدنيا من القلب فيؤثر أمر الخرة على أمر الدنيا فإن‬
‫آثره على مباح فذلك زهد مستحب و إن آثره على محرم فذلك زهد واجب‪,‬‬
‫و أمر الدنيا هو ما عمل في الدنيا لجلها أما ما أريد به الخرة فليس منها ‪,‬‬
‫و تقديم الخرة في المر كله له فوائد عظيمة على العبد في الدنيا و منها‬
‫راحة النفس و طمأنينة القلب و في الخرة الثواب السرمدي قال تعالى‪:‬‬
‫عن ْد َ َرب ّ َ‬
‫ما ُ‬
‫واًبا‬
‫ت َ‬
‫خي ٌْر ِ‬
‫ن ِزين َ ُ‬
‫صال ِ َ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ل َوال ْب َُنو َ‬
‫حا ُ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا َوال َْباقَِيا ُ‬
‫"ال ْ َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ك ثَ َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫وَ َ‬
‫مًل" قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى )َوال َْباقَِيا ُ‬
‫خي ٌْر أ َ‬
‫ت ( هي العمال الصالحة كلها واختاره ابن جرير رحمه الله ‪ .‬قال‬
‫صال ِ َ‬
‫حا ُ‬
‫ال ّ‬
‫قتادة والسدي‪ :‬زهرة الحياة الدنيا يعني زينة الحياة الدنيا وقال قتادة‬
‫لنفتنهم فيه لنبتليهم ‪ .‬و قال تعالى )َيا أ َي ّها الن ّبي قُ ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫ن ت ُرِد ْ َ‬
‫ك إِ ْ‬
‫ل ِلْزَوا ِ‬
‫َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ّ‬
‫ِ ّ‬
‫ُ‬
‫ال ْحياة َ الدنيا وزينتها فَتعال َي ُ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ج ِ‬
‫ميل * وَإ ِ ْ‬
‫حا َ‬
‫سَرا ً‬
‫سّر ْ‬
‫َ َ‬
‫ن َ‬
‫ن وَأ َ‬
‫نأ َ‬
‫َّْ َ ِ َََ‬
‫ن كن ْت ُ ّ‬
‫حك ّ‬
‫مت ّعْك ُ ّ‬
‫ََ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جًرا‬
‫داَر اْل ِ‬
‫ت ِ‬
‫سَنا ِ‬
‫ح ِ‬
‫نأ ْ‬
‫م ْ‬
‫خَرة َ فَإ ِ ّ‬
‫ه َوال ّ‬
‫ت ُرِد ْ َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫ه أع َد ّ ل ِل ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫من ْك ُ ّ‬
‫‪175‬‬
‫ما (‪.‬‬
‫عَ ِ‬
‫ظي ً‬
‫فصل كيف كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يؤثر‬
‫الخرة في المر كله ‪ ,‬و عن عبد الله بن عمر أنه قال قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬إنما مثلي ومثل الدنيا‬
‫كمثل الراكب في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح‬
‫وتركها‪:"176‬‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ه‬
‫قال تعالى‪ " :‬ل َ َ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫كا َ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫كا َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م ِفي َر ُ‬
‫جو الل ّ َ‬
‫ة لِ َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه ك َِثيًرا ‪ "21‬الحزاب ‪ ,‬إن حياة النبي محمد صلى الله‬
‫م اْل ِ‬
‫َوال ْي َوْ َ‬
‫خَر وَذ َك ََر الل ّ َ‬
‫عليه وسلم هي الترجمة العملية لكمال الدين ‪ ,‬و إن حاله صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم مع الدنيا هو كمال الزهد ‪ ,‬خروج قدرها من القلب و عدم‬
‫الحرص عليها مع النتفاع بها لمر الخرة ‪ ,‬و نقيض الزهد هو العمل من‬
‫أجل الدنيا ‪ ,‬و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه‬
‫و آله و سلم قال ) إن الله يقول يا ابن آدم‪ :‬تفرغ لعبادتي أمل صدرك غنى‬
‫‪ 174‬القصص ‪61‬‬
‫‪ 175‬الحزاب ‪29‬‬
‫‪ 176‬صححه اللباني في الصحيحه برقم ‪ - 439‬و رواه ابن أبي شيبة و الترمذي و أبي يعلى و أحمد و‬
‫الشهاب و رواه الصيداوي في عجم الشيوخ ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪126‬‬

‫وأسد فقرك‪ ،‬وإل تفعل ملت يديك شغل‪ ،‬ولم أسد فقرك‪ ( 177‬و خرج بن‬
‫ماجه رحمه الله من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال سمعت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬من كانت الدنيا همه فرق الله‬
‫عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إل ما كتب له ومن‬
‫كانت الخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي‬
‫راغمة" ‪.‬‬
‫فصل قبس من سبيل السلف الصالح في الزهد‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‬
‫"اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في‬
‫عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما‬
‫اشتريت منك الرض ولم أبتع منك الذهب فقال الذي شرى الرض إنما‬
‫بعتك الرض وما فيها قال فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما‬
‫ولد فقال أحدهما لي غلم وقال الخر لي جارية قال أنكحوا الغلم الجارية‬
‫وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا"‪ , 178‬روى بن المبارك أن ابن عمر باع‬
‫حمارا فقيل له لو أمسكته فقال لقد كان لنا موافقا ولكنه اذهب بشعبة من‬
‫قلبي فكرهت ان اشغل قلبي بشيء‪ . 179‬و قال القرطبي قال مالك بن‬
‫دينار لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والخرة من خزف يبقى لكان الواجب‬
‫أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى قال فكيف والخرة من ذهب يبقى‬
‫والدنيا من خزف يفنى‪. 180‬‬

‫باب ورع القلب و أنه من علو صدقه ‪ ,‬و‬
‫عن الحسن بن علي – حفيد رسول الله‬
‫صلى الله عليه و آله و سلم‪ -‬أنه قال‬
‫سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول ) دع ما يريبك إلى ما ل يريبك فإن‬
‫الخير طمأنينة والشر ريبة‪:( 181‬‬
‫‪ 177‬رواه الترمذي و حسنه و صححه اللباني في صحيح الترمذي ‪,‬‬
‫‪ 178‬رواه مسلم‬
‫‪ 179‬الزهد لبن المبارك ج‪ 1 :‬ص‪ 189 :‬برقم ‪536‬‬
‫‪ 180‬تفسير القرطبي ج‪ 20 :‬ص‪24 :‬في تفسير قوله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا ‪. -‬‬
‫‪ 181‬قال الحافظ في "تغليق التعليق" ج‪ 3 :‬ص‪ - 210 :‬أخرجه النسائي والترمذي وأحمد والدارمي‬
‫وابن حبان والحاكم وأبو ذر الهروي وغيرهم بسند صحيح‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫و إذا كان الزهد هو ترك فضول المباح فيما ليس له فائدة في الخرة‪ ,‬فإن‬
‫الورع هو ترك المور المتشابهة التي يخشى أن يكون منها مضرة في‬
‫الخرة‪ ,‬و لذلك قيل الورع هو ترك ما تهوى لما تخشى و روى بن ماجه عن‬
‫أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قتعا تكن أشكر الناس وأحب‬
‫للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما‬
‫وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب‪ "182‬و عن أبي السوداء عن‬
‫الضحاك قال لقد رأيتنا وما نتعلم إل الورع‪ 183‬و عن حذيفة رضي الله عنه‬
‫أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬فضل العلم خير من فضل‬
‫العبادة وخير دينكم الورع‪ . "184‬و عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت‪" :‬إن‬
‫الناس قد ضيعوا أعظم دينهم الورع‪ , "185‬و عن عبادة ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬أنه‬
‫قال‪" :‬انكم لتعملون اعمال هي ادق في اعينكم من الشعر إن كنا لنعدها‬
‫‪186‬‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات او من الكبائر "‬
‫‪.‬‬
‫فصل و التورع يكون في المور المتشابهة بين الحل و حرمة‪:‬‬
‫عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫"إن الحلل بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات ل يعلمهن كثير من الناس‬
‫فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في‬
‫الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه أل وإن لكل ملك‬
‫حمى أل وإن حمى الله محارمه أل وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح‬
‫الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله أل وهي القلب‪. "187‬‬
‫فصل قبس من سبيل السلف الصالح في الورع‪:‬‬
‫قال البراء‪" :‬أدركت عشرين و مأة من النصار من أصحاب رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم ُيسأل أحدهم عن المسألة و ما منهم من رجل إل ود‬
‫أن أخاه كفاه" و في روايه "فيرده هذا إلى هذا و هذا إلى هذا حتى يرجع‬
‫إلى الول" و عن سحنون أنه قال‪" :‬أجرأ الناس على الفتيا أقلهم‬
‫علما"‪ , 188‬و كان بن سيرين ل يقول برأيه ال شيئا سمعه‪ .189‬و قال‬
‫‪ 182‬مصباح الزجاجة على سنن بن ماجة ج‪ 4 :‬ص‪ - 239 :‬هذا إسناد حسن وأبو رجاء اسمه محرز بن‬
‫عبد الله ‪ ,‬و هذا الحدث رواه الترمذي في الجامع بغير هذا اللفظ‬
‫‪ 183‬مصنف ابن أبي شيبة ج‪ 7 :‬ص‪ 131 :‬برقم ‪34949‬‬
‫‪ 184‬المستدرك على الصحيحين ج‪ 1 :‬ص‪ 171 :‬برقم ‪ – 317‬قال اللباني صحيح لغيره ‪.‬‬
‫‪ 185‬مصنف ابن أبي شيبة ج‪ 7 :‬ص‪ 131 :‬برقم ‪34742‬‬
‫‪ 186‬الورع لبن حنبل ج‪ 1 :‬ص‪15 :‬‬
‫‪ 187‬صحيح مسلم ج‪ 3 :‬ص‪ 20 ) , 1219 :‬باب أخذ الحلل وترك الشبهات ( برقم ‪1599‬‬
‫‪ 188‬قال الذهبي في سير أعلم النبلء‪ " :‬عن ابن عجلن الندلسي قال ما بورك لحد بعد النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم في أصحابه ما بورك لسحنون في أصحابه فإنهم كانوا في كل بلد أئمة وروي عن‬
‫سحنون قال من لم يعمل بعلمه لم ينفعه علمه ‪" ,‬‬
‫‪ 189‬سنن الدارمي ج‪ 1 :‬ص‪ 59 :‬برقم ‪104‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫العمش ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط‪ . 190‬و تنزه يزيد بن‬
‫زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي العمال‬
‫للسلطين وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوت منه إلى أن مات رحمه‬
‫الله‪. 191‬‬

‫باب في قول الله تعالى ) و الذين آمنوا‬
‫أشد حبا ً لله‪( 192‬‬
‫تالله لهي منحة ما أعظمها‪ ,‬إذا ألقى الله في قلب عبده إذنه بحبته‪ ,‬حتى إذا‬
‫ما أنس القلب بموله اجتهد لرضاءه بطاعته‪ ,‬فانبعثت الجوارح وفق شرعه‬
‫و منهجه‪ ,‬و ما ذاك إل بتوفيقه و منته‪ ,‬فاقترب القلب من موله بعد هدايته‬
‫فاقترب الله منه على ما يليق بعظمته‪ ,‬فذاق القلب لذة القرب وحلوته‪,‬‬
‫فعزم على أل يرجع واستاذن ربه في استكمال سفره وهدايته‪ ,‬فلما استقر‬
‫القلب عند ربه‪ ,‬و رأى عظمة ربه و إكرامه‪ ,‬ما أعيا القلب يوما ً دنيا فاتته‬
‫بعد سفره‪ ,‬و ل طال حزنه بمفقوده‪,‬‬
‫حب الله تبارك و تعالى هو حياة القلوب و نعيم الرواح و بهجة النفوس و‬
‫قرة العيون و أعلى نعيم القلب في الدنيا و الخرة‪,‬‬
‫تالله ما هزلت فيستامها المفلسون ول كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون‬
‫لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل‬
‫النفوس‬
‫فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت‬
‫السلعة بينهم ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين‬
‫لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى‬
‫الناس بدعواهم لدعى الخلي حرقة الشجي فتنوع المدعون في الشهود‬
‫فقيل ل تقبل هذه الدعوى إل ببينة قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني‬
‫يحببكم الله‬
‫فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلقه فطولبوا‬
‫بعدالة البينة بتزكية يجاهدون في سبيل الله ول يخافون لومة لئم‬
‫فتأخرا أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين‬
‫وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعة إن الله اشترى من المؤمنين‬
‫‪190‬‬
‫‪191‬‬
‫‪192‬‬

‫شعب اليمان ج‪ 4 :‬ص‪ 326 :‬برقم ‪ 5281‬برقم ‪105‬‬
‫جامع العلوم والحكم ج‪ 1 :‬ص‪110 :‬‬
‫البقرة‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة‬
‫فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجللة من جرى على يديه عقد‬
‫التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنا فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها‬
‫لغيره بثمن بخس فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار‬
‫وقالوا والله ل نقيلك ول نستقيلك‬
‫فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل له مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا‬
‫رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معا ول تحسبن الذين قتلوا في‬
‫سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من‬
‫فضله‬
‫إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الخلص ومتابعة الحبيب‬
‫أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها أصلها ثابت في قرار‬
‫القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى‬
‫ل يزال سعي المحب صاعدا إلى حبيبه ل يحجبه دونه شيء إليه يصعد‬
‫الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‬
‫فصل في زيادة محبة العبد لله تعالى و قول الله جل ذكره‬
‫"والذين آمنوا أشد حبا ً لله"‪:‬‬
‫إن القلب إذا شاهد محاسن محبوبه إزداد حبا ً له‪ ,‬فكيف إذا كان محبوبه من‬
‫له السماء الحسنى و الصفات العلى‪ ,‬لشك أنه إذا شاهد شيئا ً من عظمته‬
‫و بره و إحسانه لخلقه و نعمه التي ل تعد و ل تحصى لطار اشتياقا ً إليه‬
‫وتنافس في القرب منه‪ ,‬و أنفق أنفاسه في التودد اليه‪ ,‬و كان أحب إليه من كل ما سواه‪ ,‬ورضاه آثر عنده من‬
‫رضا كل ما سواه؟‬
‫وكيف ل يلهج بذكره‪ ,‬ويصير الحب والشوق اليه والنس به غذاؤها وقوتها ودواؤها‪ ,‬بحيث ان فقدت ذلك فسدت‬
‫وهلكت‪ ,‬ولم تنتفع بحياتها؟‪.‬‬

‫و من علم أفعال تعالى علم أنه خلق البشر ليرحمهم و خلق الجنة‬
‫ليسكنهم‪ ,‬و لذلك من علم أسماء الله تعالى و صفاته و أفعاله إشتد حبه‬
‫ت‬
‫ذي َ‬
‫ماَوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫خل َقَ ال ّ‬
‫س َ‬
‫لربه ولبد‪ ,‬و كذلك إذا ما شاهد بره و إحسانه "الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ض وَأ َن َْز َ‬
‫م‬
‫م‬
‫َواْل َْر‬
‫س ّ‬
‫ماًء فَأ ْ‬
‫مَرا ِ‬
‫ج ب ِهِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫خَر َ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫ت رِْزًقا ل َك ُ ْ‬
‫ن الث ّ َ‬
‫ماِء َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فل ْ َ‬
‫م ال ّ‬
‫س‬
‫ال ْ ُ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫جرِيَ ِفي ال ْب َ ْ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫م اْلن َْهاَر‪32‬وَ َ‬
‫مرِهِ وَ َ‬
‫ش ْ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫حرِ ب ِأ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫م الل ّي ْ َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫َوال ْ َ‬
‫س ّ‬
‫م ِ‬
‫موه ُ وَإ ِ ْ‬
‫دائ ِب َي ْ‬
‫مَر َ‬
‫ما َ‬
‫ن وَ َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫ل َوالن َّهاَر‪َ 33‬وآَتاك ُ ْ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م كَ ّ‬
‫فاٌر‪ "34‬إبراهيم‪" ,‬فَأ ْ‬
‫صو َ‬
‫م َ‬
‫ج بِ ِ‬
‫خَر َ‬
‫سا َ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫ة الل ّهِ َل ت ُ ْ‬
‫ت َعُ ّ‬
‫ن ل َظ َُلو ٌ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫دوا ن ِعْ َ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫فل ْ َ‬
‫م‬
‫م ال ْ ُ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫مَرا ِ‬
‫ِ‬
‫م اْلن َْهاَر" "وَ َ‬
‫ك" "وَ َ‬
‫م وَ َ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫ت رِْزًقا ل َك ُ ْ‬
‫ن الث ّ َ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م اللي ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ل َوالن َّهاَر" لكم‪ ,‬تدبر هذا الضمير‬
‫س َوال َ‬
‫س ّ‬
‫مَر َ‬
‫ن وَ َ‬
‫خَر لك ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫دائ ِب َي ْ ِ‬
‫لكم لتعلم مدى بره و إحسانه و جوده و كرمه بعباده‪ ,‬فمن أجلك خلق الله‬
‫السماوات و الرض و ما فيهن و من أجلك سخر الله الشمس و القمر‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫دائبين ثم أمدك بكل ما يعينك على البقاء في هذه الحياة الدنيا " َوآَتاك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫كُ ّ‬
‫فاٌر"‬
‫م كَ ّ‬
‫صو َ‬
‫م َ‬
‫سا َ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫ة الل ّهِ َل ت ُ ْ‬
‫ن ت َعُ ّ‬
‫موه ُ وَإ ِ ْ‬
‫ن ل َظ َُلو ٌ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫ما َ‬
‫دوا ن ِعْ َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫ح ُ‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫إن العتراف بنعم الله تعالى هو أول بوابة الحب‪,‬‬
‫لو كل جارحة مني لها لغــــة تثني عليك بما أوليت‬
‫من حسن‬
‫لكان ما زاد شكري إذ شكرت به إليك أبلغ في‬
‫الحسان والمنن‬
‫و محبة الله تعالى لها دلئل و علمات‪:‬‬
‫أولها التقرب إليه تعالى بالنوافل بعد الفرائض باتباع رسوله صلى الله عليه‬
‫و آله و سلم لن ذلك ل يحدث إل من محب و به تزداد محبة العبد لربه‬
‫فيظفر بحبه‪ ,‬قال تعالى‪ " :‬قُ ْ‬
‫ه‬
‫م تُ ِ‬
‫ه َفات ّب ُِعوِني ي ُ ْ‬
‫حّبو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حب ِب ْك ُ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م‪ "31‬و إذا كان القبال على الله تعالى‬
‫ه غَ ُ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫وَي َغْ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬
‫فْر ل َك ُ ْ‬
‫من علمات المحبة‪ ,‬فشدة القبال من علمات شدة المحبة‪ ,‬و إذا كان‬
‫أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم هم الترجمة الفعليه‬
‫لتطبيق هذا الدين و هم أبر هذه المة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا‬
‫وأقومها هديا وأحسنها حال فل عجب فيما رواه المام أحمد بسند قوي من‬
‫حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‪" :‬خرجنا مع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما‬
‫انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافل وجاء زوجها وكان غائبا‬
‫فحلف أن ل ينتهي حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم منزل فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه فانتدب رجل من‬
‫المهاجرين ورجل من النصار فقال نحن يا رسول الله قال فكونوا بفم‬
‫الشعب قال وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي فلما خرج الرجلن إلى فم‬
‫الشعب قال النصاري للمهاجري أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو‬
‫آخره قال أكفني أوله فاضطجع المهاجري فنام وقام النصاري يصلي وأتى‬
‫الرجل فلما رأي شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه‬
‫فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه‬
‫فوضعه وثبت قائما ثم عاد له بثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع‬
‫وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أوتيت فوثب فلما رآهما الرجل‬
‫عرف أن قد نذروا به فهرب فلما رأى المهاجري ما بالنصاري من الدماء‬
‫قال سبحان الله أل أهببتني قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن‬
‫أقطعها حتى أنفذها فلما تابع الرمي ركعت فأريتك وأيم الله لول أن أضيع‬
‫ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن‬
‫أقطعها أو أنفذها" فأين كان إحساس ذلك الصحابي الجليل و الرمي يتتابع‬
‫إلى جسده؟لقد أقبل على الله تعالى و من شدة إقباله أنه ل يحب أن‬
‫يقطعه و لو زهقت نفسه‪.‬‬
‫ما عنك يشغلني مال و ل ولد‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫نسيت باسمك‬
‫ذكر المال و الولد‬

‫فلو سفكت دمي في التراب لنكت ََبت‬
‫به حروفك لم‬

‫تنقص و لم تزد‬
‫و من علمات محبته تعالى كثرة ذكره جل و عل‪ ,‬فمن المتفق عليه بين‬
‫الناس أنه من أحب شيئا ً أكثر من ذكره‪ ,‬و إذا اشتد حبه له ذكره و إن كان‬
‫وبيض‬
‫على خطر و لذلك قال عنترة‪ :‬ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني‬
‫الهند تقطر من دمي‪ ,‬فإذا أكثر العبد من ذكر ربه بقلبه و لسانه كان ذلك‬
‫دليل على محبته إياه‪ ,‬و من ثمرات ذكر القلب أيضا ً أنه يثير الحياء‪ ،‬ويبعث‬
‫على المخافة‪ ،‬ويدعو إلى المراقبة‪ ،‬وي ََزع ُ عن التقصير في الطاعات‪،‬‬
‫والتهاون في المعاصي والسيئات‪ ،‬والملئكة تكتب الذكر القلبي بإطلع الله‬
‫لهم خلفا ً لمن قال انهم ل يكتبون لنه ل يطلع عليه غير الله تعالى‪ .‬و‬
‫الذكار الموظفة تجمع بين هاتين العلمتين الدالتين على محبة العبد لربه‬
‫فبها يحصل التباع مع كثرت ذكر الله تعالى‪.‬‬
‫و من علمات محبته تعالى محبة كلمه و الحرص على تلوته و تعلمه‪ ,‬و‬
‫لذلك يثاب أهل القرآن بمحبته تعالى و الفوز بالدرجات الُعلى فعن عائشة‬
‫سّلم‪" :‬بعث رجل ً على‬
‫َر ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه ع َْنها أن َر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫سول الل ّهِ َ‬
‫ض َ‬
‫سرية فكان يقرأ لصحابه في صلتهم فيختم بـ قل هو الّله أحد فلما رجعوا‬
‫سّلم فقال سلوه لي شيء يصنع‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ذكروا ذلك لَر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫سول الل ّهِ َ‬
‫سول‬
‫ذلك؟ فسألوه فقال‪ :‬لنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها‪ .‬فقال َر ُ‬
‫سّلم أخبروه أن الّله تعالى يحبه‪ ,"193‬وعن عائشة‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫سّلم‪" :‬الذي يقرأ‬
‫ه َ‬
‫َر ِ‬
‫ه ع ََليهِ وَ َ‬
‫عنها قالت قال َر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫سول الل ّهِ َ‬
‫ض َ‬
‫القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة‪ ،‬والذي يقرأ القرآن ويتتعتع‬
‫ه‪ .‬وعن عبد الّله بن عمرو بن‬
‫مت ّ َ‬
‫فقٌ ع ََلي ِ‬
‫فيه وهو عليه شاق له أجران" ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سلم قال‪" :‬يقال لصاحب‬
‫ه َ‬
‫العاص َر ِ‬
‫ه ع َليهِ وَ َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫عن ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ه عن النبي َ‬
‫ض َ‬
‫القرآن اقرأ وارتق‪ ،‬ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية‬
‫مذ ِيّ وََقا َ‬
‫ن صحيح‪.‬‬
‫دي ٌ‬
‫ح ِ‬
‫داوُد َ الّتر ِ‬
‫ث َ‬
‫ل َ‬
‫تقرؤها" َرَواه ُ أُبو َ‬
‫ح َ‬
‫س ٌ‬
‫و من علمات محبته تعالى محبة المساجد فهي بيوت الله تعالى و من‬
‫المعلوم أن من أحب أحدا ً أحب كل شيئ يذكره به حتى قال المجنون‪ ,‬أمر‬
‫و ما حب الديار‬
‫على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار و ذار الجدار‬
‫شغفن قلبي و لكن حب من سكن الديار‪ ,‬و المساجد هي أحب البقاع إلى‬
‫الله و بها يكثر ذكر الله و هي تذكر الله و لذلك كان حبها و تعلق القلب بها‬
‫من علمات محبة الله تعالى و أسباب رحمته فقد روي المامان البخاري و‬
‫المسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي‬
‫‪193‬‬

‫متفق عليه‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪132‬‬

‫صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬سبعة يظلهم الله في ظله يوم ل ظل إل ظله‬
‫المام العادل وشاب نشأ بعبادة الله ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلن‬
‫تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب‬
‫وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى ل تعلم‬
‫يمينه ما تنفق شماله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه"‬
‫سئل الجنيد عن المحبة فقال أن تحب ما يحب الله في عباده وتكره ما‬
‫و ُ‬
‫‪194‬‬
‫يكره الله في عباده ‪ ,‬و قال إبراهيم بن أحمد الخواص ل تطمع في لين‬
‫القلب مع فضول الكلم ول تطمع في حب الله مع حب المال والشرف ول‬
‫‪195‬‬
‫تطمع في النس بالله مع النس بالمخلوقين‬
‫محبة الله تعالى للعبد‪:‬‬
‫و جزاء التقرب إلى الله تعالى باتباعه الظفر بمحبته و وليته تعالى فعن‬
‫سّلم إن‬
‫أبي هريرة َر ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه قال‪ ،‬قال َر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه ع َن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫سول الل ّهِ َ‬
‫ض َ‬
‫الّله تعالى قال‪" :‬من عادى لي وليا ً فقد آذنته بالحرب‪ ،‬وما يتقرب إلى‬
‫عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه‪ ،‬وما يزال عبدي يتقرب إلي‬
‫بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره الذي‬
‫يبصر به‪ ،‬ويده التي يبطش بها‪ ،‬ورجله التي يمشي بها‪ ،‬وإن سألني أعطيته‪،‬‬
‫ولئن استعاذني لعيذنه‪"196‬‬

‫باب في الخوف و قول الله جل ذكره‬
‫"ولمن خاف مقام ربه جنتان"‬
‫قالى تعالى في وصف المؤمين‪" :‬إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ‪.‬‬
‫والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ‪ .‬والذين هم بربهم ل يشركون ‪ .‬والذين‬
‫يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ‪ .‬أولئك يسارعون في‬
‫الخيرات وهم لها سابقون ( عن عائشة أنها قالت يا رسول الله‪" :‬الذين‬
‫يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة" هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو‬
‫يخاف الله عز وجل؟ قال‪" :‬ل يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم‬
‫َ‬
‫‪197‬‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫خا َ‬
‫قا َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل " ‪ .‬و قال تعالى )وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫مأ َْوى ‪ (198 41‬قال الله عز‬
‫َرب ّهِ وَن ََهى الن ّ ْ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫وى ‪ 40‬فَإ ِ ّ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ة هِ َ‬
‫ن ال ْهَ َ‬
‫س عَ ِ‬
‫‪194‬‬

‫شعب اليمان ج‪ 1 :‬ص‪ 381 :‬برقم ‪469‬‬
‫شعب اليمان ج‪ 1 :‬ص‪ 375 :‬برقم ‪452‬‬

‫‪196‬‬

‫رواه البخاري‬
‫رواه الترمذي‬
‫النازعات‬

‫‪195‬‬

‫‪197‬‬
‫‪198‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫ل‬
‫ن يَ ِ‬
‫وجل في وصف المؤمنين ‪َ ) :‬وال ّ ِ‬
‫ه ب ِهِ أ ْ‬
‫صُلو َ‬
‫مَر الل ّ ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن َ‬
‫ن ُيو َ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫ن يَ ْ‬
‫م وَي َ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫سوَء ال ْ ِ‬
‫ب ( وقال ‪ ) :‬ال ّ ِ‬
‫شو ْ َ‬
‫خاُفو َ‬
‫شو ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ن ُ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫سا ِ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن(‬
‫ش فِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ما ت ُن ْذ ُِر ال ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫شو ْ َ‬
‫قو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫وقال ‪ ) :‬إ ِن ّ َ‬
‫ساع َةِ ُ‬
‫ب وَهُ ْ‬
‫ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ما ي َت ََز ّ‬
‫ن ت ََز ّ‬
‫ه‬
‫كى ل ِن َ ْ‬
‫سهِ وَإ َِلى الل ّ ِ‬
‫ف ِ‬
‫كى فَإ ِن ّ َ‬
‫صَلة َ وَ َ‬
‫ب وَأَقا ُ‬
‫َرب ّهُ ْ‬
‫موا ال ّ‬
‫م ِبالغَي ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫خ َ‬
‫جٌر ك َِبيٌر (‪0‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫مغْ ِ‬
‫ن ال ِ‬
‫م ِ‬
‫فَرة ٌ وَأ ْ‬
‫شو ْ َ‬
‫صيُر ( وقال ‪ ) :‬إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ب لهُ ْ‬
‫ن َرب ّهُ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ِبالغَي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قال تعالى ) لهم من فوقهم ظلل من النار و من تحتهم ظلل ذلك يخوف‬
‫شي ْ َ‬
‫م ال ّ‬
‫ن‬
‫طا ُ‬
‫ما ذ َل ِك ُ ُ‬
‫الله به عباده ياعباد فاتقون ( الزمر ‪ ,‬و قال تعالى ) إ ِن ّ َ‬
‫ن ( آل عمران ‪ ,‬قال‬
‫م وَ َ‬
‫ف أ َوْل َِياَءه ُ فََل ت َ َ‬
‫يُ َ‬
‫خو ّ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫خاُفوهُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫خاُفو ِ‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم ) أما و إنى أتقاكم لله و أخشاكم له (‬
‫متفق عليه‪ ,‬و قد علق الله تعالى التمكين للمؤمنين بتحيق الخوف منه‬
‫َ‬
‫م ذ َل ِ َ‬
‫مي‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫خا َ‬
‫قا ِ‬
‫ض ِ‬
‫تعالى و قال تعال )وَل َن ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫ك لِ َ‬
‫ن ب َعْد ِه ِ ْ‬
‫سك ِن َن ّك ُ ُ‬
‫م اْلْر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫عيدِ‪( 199‬‬
‫وَ َ‬
‫ف وَ ِ‬
‫خا َ‬
‫و خوف العبادة هو الخوف الذي يصحبه تعظيم و ذلة ‪ ,‬و هو ثلثة أنواع‬
‫هى ‪ :‬الرهبة و الخشية و الوجل ‪,‬‬
‫‪ (1‬أما الرهبة كقوله تعالى ) و إياي فارهبون ( و الرهبة هى خوف‬
‫مع هرب و فرار من الله إليه ) ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين‬
‫(‬
‫‪ (2‬و الخشية خوف مقرون بمعرفة قال تعالى ) إنما يخشى الله‬
‫من عباده العلماء ( فاطر ‪.‬‬
‫و الوجل هو إرتجاف و إنصداع القلب لذكر من من يخاف‬
‫‪(3‬‬
‫سلطانه أو عقوبته قالى تعالى ) إن الذين هم من خشية ربهم‬
‫مشفقون ‪ .‬والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ‪ .‬والذين هم بربهم ل‬
‫يشركون ‪ .‬والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون‬
‫‪ .‬أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ( ‪.‬‬
‫فصل و الخوف من الله شرط من شروط صحة اليمان‪:‬‬
‫و كذلك كل العمال القلبية فهي من شروط صحة اليمان و صحة ل إله إل‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ت َ‬
‫ب َل ت َذ َْرِني فَْر ً‬
‫ه َر ّ‬
‫الله قال تعالى‪" :‬وََزك َرِّيا إ ِذ ْ َنا َ‬
‫دا وَأن ْ َ‬
‫دى َرب ّ ُ‬
‫وارِِثي َ‬
‫خي ُْر ال ْ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن ِفي‬
‫سارِ ُ‬
‫عو َ‬
‫ه َزوْ َ‬
‫صل َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ست َ َ‬
‫كاُنوا ي ُ َ‬
‫‪َ 89‬فا ْ‬
‫ه إ ِن ّهُ ْ‬
‫ج ُ‬
‫حَنا ل َ ُ‬
‫ه وَوَهَب َْنا ل َ ُ‬
‫جب َْنا ل َ ُ‬
‫حَيى وَأ ْ‬
‫عون ََنا َرغ ًَبا وََرهًَبا وَ َ‬
‫ن‪ "90‬النبياء ‪ ,‬الخوف من‬
‫كاُنوا ل ََنا َ‬
‫ت وَي َد ْ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫خا ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫شِعي َ‬
‫الله عمل من أعمال القلب التى ل يقبل الله عمل إل بها فثبوت أصله‬
‫شرط واجب لستمرارية الحكم بالسلم لمن نطق بالشهادتين فمن نطق‬
‫بهما و زعم أنه ل يعبد الله خوفا ً منه و لم يرجع عن قوله بعد أن أقيمت‬
‫عليه الحجه فهو كافر قال صاحب الفضل و من هنا تعلم ضلل من زعم من‬
‫الصوفية أنه ليعبد الله خوفا ً من ناره و ل طمعا ً فى جنته و لذا قال بعض‬
‫السلف ) من عبد الله بالحب و حده فهو زنديق ‪ ,‬و من عبد الله بالخوف و‬
‫‪199‬‬

‫إبراهيم ‪14‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫حده فهو حرورى و من عبد الله بالرجاء و حده فهو مرجئ ‪ ,‬و من عبد الله‬
‫بالحب و الخوف و الرجاء فهو المؤمن الموحد ( اهـ ‪ .‬و نصوص الشريعة‬
‫كثيرة فى ذلك ‪.‬‬
‫فصل و الخوف كعبادة ل تصرف إل لله وحده‪:‬‬
‫إن الخوف الذي يصحبه تعظيم و ذلة ل يصرف إل لله لنه خوف عباده و قد‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫نآ َ‬
‫جد َ الل ّهِ َ‬
‫سا ِ‬
‫مُر َ‬
‫ما ي َعْ ُ‬
‫أمر بإخلص العبادة لله وحده قال تعالى‪ " :‬إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صَلة َ َوآَتى الّز َ‬
‫سى أول َئ ِ َ‬
‫ك‬
‫م يَ ْ‬
‫ِبالل ّهِ َوال ْي َوْم ِ اْل ِ‬
‫خرِ وَأَقا َ‬
‫ه فَعَ َ‬
‫ش إ ِّل الل ّ َ‬
‫كاة َ وَل َ ْ‬
‫خ َ‬
‫م ال ّ‬
‫َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ن‪ "18‬التوبة‪ ,‬و لذلك فمن التوحيد إفراد الله تعالى‬
‫مهْت َ ِ‬
‫كوُنوا ِ‬
‫أ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫م َ‬
‫بخوف العبادة و يعد صرفه لغير الله تعالى شرك أكبر مخرج من الملة‪ ,‬و‬
‫مثال ذلك من يخشى صاحب القبر أن يوقع به مكروه‪.‬‬
‫فصل في الخوف الجبلي و قول النبى صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫"الهم إنا نجعلك فى نحورهم و نعوذ بك من شرورهم"‪:200‬‬
‫أما الخوف الجبلي الذي تهمدت أسبابه كمن يخاف من عدو فإن وقوعه فى‬
‫القلب ابتداًء ل ينافى اليمان و لكنه سرعان ما يذهب بالتوكل ‪ ,‬كخوف نبي‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ص ُ‬
‫ة َقاُلوا‬
‫خي َ‬
‫ف ً‬
‫م ِ‬
‫س ِ‬
‫م َل ت َ ِ‬
‫م وَأوْ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ ن َك َِرهُ ْ‬
‫ما َرأى أي ْد ِي َهُ ْ‬
‫الله إبراهيم ) فَل َ ّ‬
‫ج َ‬
‫ُ‬
‫ط ( هود ‪ ,‬فسرعان ما ذهب عنه الخوف ‪ ,‬و‬
‫َل ت َ َ‬
‫خ ْ‬
‫سل َْنا إ َِلى قَوْم ِ ُلو ٍ‬
‫ف إ ِّنا أْر ِ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫سَعى‬
‫م ِ‬
‫ل ِ‬
‫جاَء َر ُ‬
‫كخوف نبي الله موسى قال تعالى ) وَ َ‬
‫دين َةِ ي َ ْ‬
‫صى ال ْ َ‬
‫ن أقْ َ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ج إ ِّني ل َ َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ن بِ َ‬
‫َقا َ‬
‫ن‬
‫ك ل ِي َ ْ‬
‫ك َفا ْ‬
‫ص ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ك ِ‬
‫مَل َ ي َأت َ ِ‬
‫خُر ْ‬
‫مُرو َ‬
‫سى إ ِ ّ‬
‫مو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل َيا ُ‬
‫حي َ‬
‫م َ‬
‫قوْم ال ّ‬
‫م َ ْ‬
‫ب َقا َ‬
‫ن ‪(21‬‬
‫خائ ِ ً‬
‫من َْها َ‬
‫‪ 20‬فَ َ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫جِني ِ‬
‫ج ِ‬
‫ب نَ ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫فا ي َت ََرقّ ُ‬
‫خَر َ‬
‫مي َ‬
‫ن ال َ ِ‬
‫العراف ثم زال عنه عندما ذهب إلى مدين ‪ ,‬ثم خاف خوف آخر قال تعالى‬
‫َ‬
‫خا ُ َ‬
‫س ْ‬
‫)َقا َ‬
‫ل‬
‫ب إ ِّني أ َ َ‬
‫ساِني فَأْر ِ‬
‫ن * وَي َ ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ل َر ّ‬
‫صد ِْري وََل ي َن ْط َل ِقُ ل ِ َ‬
‫ضيقُ َ‬
‫ن ي ُك َذ ُّبو ِ‬
‫َ‬
‫و‬
‫خي َ‬
‫ن ( الشعراء ‪ , 13:‬و قال أيضا ً في القصص )وَأ ِ‬
‫إ َِلى َ‬
‫هاُرو ُ‬
‫هاُرو َ‬
‫ن هُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‪ ( 34‬ثم‬
‫صد ّقُِني إ ِّني أ َ‬
‫خا ُ‬
‫ساًنا فَأْر ِ‬
‫ح ِ‬
‫فأ ْ‬
‫ص ُ‬
‫مّني ل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫سل ْ ُ‬
‫ي رِد ًْءا ي ُ َ‬
‫أفْ َ‬
‫ن ي ُك َذ ُّبو ِ‬
‫معِ َ‬
‫سرعان ما زال ذلك الخوف الذي تمهدت أسبابه ‪ ,‬فإنه يذهب بالتوكل على‬
‫الله تعالى قال تعالى ) فل تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين (آل عمران ‪.‬‬
‫و الخوف إذا أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم بغير إكراه فهو مذموم‬
‫محرم ‪ ,‬و الجبن من الخلق الرذيلة التى تعوذ منها رسول الله صلى الله‬
‫عليه و سلم ) الهم إنى أعوذ بك من العجز و الكسل و الجبن و البخل (‬
‫متفق عليه ‪,‬‬

‫باب الرجاء و قول الله جل ذكره‪ُ " :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫عَلى أ َ‬
‫عبادي ال ّذين أ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م َل‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫فوا‬
‫ر‬
‫س‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ َ‬
‫ه ْ‬
‫َيا ِ َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫قن َ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫فُر‬
‫ه يَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ن َر ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫‪200‬‬

‫ورواه بن حبان و الحاكم و أبو داود و النسائي ‪ ,‬و صححه اللباني ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫غ ُ‬
‫م‪"53‬‬
‫و ال ْ َ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫ه ُ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫الذُّنو َ‬
‫حي ُ‬
‫عا إ ِن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫الزمر‬
‫قيل هذه الية هي أرجى آية في كتاب الله تعالى و قيل غيرها و في ذلك‬
‫خلف معروف و هو مما يستأنس به و ليس فيه سنة و ل إجماع‪,‬‬
‫و الرجاء هو‪:‬‬
‫إرتياح القلب لنتظار ما هو محبوب عنده و إذا كانت السباب غير موجودة‬
‫فاسمه الغرور و الحمق عليه أصدق‪ ,‬لن الدين ليس بالتحلي ول بالتمني‬
‫ولكن ما وقر في القلوب وصدقته العمال فليست النجاة بمجرد التمني بل‬
‫العبرة بطاعة الله سبحانه‪,‬‬
‫أما الرجاء بل عمل أو تسويفه‪ ,‬فهذا من تزيين الشيطان كما قال‬
‫"ولمنينهم" أي أزين لهم ترك التوبة وأعدهم الماني وآمرهم بالتسويف‬
‫والتأخير‬
‫و من خطورة الماني أنها كانت سببا ً في هلك قوما ً من المنافقين كما قال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ِبالل ّهِ ال ْغَُرو َُر( أي غرتكم‬
‫حّتى َ‬
‫ي َ‬
‫مُر الل ّهِ وَغ َّرك ُ ْ‬
‫جاَء أ ْ‬
‫م اْل َ‬
‫تعالى )وَغ َّرت ْك ُ ُ‬
‫مان ِ ّ‬
‫الدنيا فما زلتم على المعاصي حتى جاءكم الموت‪ ,‬وغركم بالله الغرور أي‬
‫الشيطان‪ ,‬قال قتادة‪ :‬كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها‬
‫حتى قذفهم الله في النار ‪201‬اهـ ‪.‬‬
‫و من الماني قول القائل لن مت لدخلن الجنة مع الداخلين و هو في الدنيا‬
‫لم يعمل بعمل الصالحين فيالها من خيبة و ياله من مسكين يقول الحسن‬
‫البصري رحمه الله إن قوما ما ألهتهم الماني حتى خرجوا من الدنيا و ما‬
‫لهم حسنة ويقول أحدهم إني أحسن الظن بربي وكذب ولو أحسن الظن‬
‫لحسن العمل وتل قول الله تعالى "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم‬
‫فأصبحتم من الخاسرين‪. "202‬‬
‫و لما تمنت قريش و أهل الكتاب النجاة فقالت قريش لن نبعث ولن نعذب‬
‫وقالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إل من كان هودا أو نصارى أنزل‬
‫الله تعالى‪" :‬ليس بأمانيكم ول أماني أهل الكتاب" أي ليس المر بأمانيكم يا‬
‫معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدوا لله من إنقاذكم‬
‫ممن أرادكم بسوء ونصرتكم عليه وإظفاركم به ول أماني أهل الكتاب الذين‬
‫قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم لن تمسنا النار إل أياما معدودة ولن يدخل‬
‫الجنة إل من كان هودا أو نصارى فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء‬
‫عمله من يعمل منكم سوء أو من غيركم يجز به ول يجد له من دون الله‬
‫‪201‬‬
‫‪202‬‬

‫تفسير ابن كثير ج‪ 4 :‬ص‪310 :‬‬
‫تفسير القرطبي ج‪ 15 :‬ص‪353 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫وليا ول نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك‬
‫‪203‬‬
‫يدخلون الجنة‬
‫و الرجاء شأنه شأن سائر العمال القلبية منه ما هو عبادة و‬
‫منه ما هو طبيعي‪:‬‬
‫أما الرجاء الذي هو عباده فهو الرجاء من الله و منه ما هو ركن في اليمان‬
‫كرجاء الله و اليوم الخر أي رجاء رحمة الله و جنته فبانتفائه ينتفي أصل‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا‬
‫ن لِ َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ضوا ِبال ْ َ‬
‫قاَءَنا وََر ُ‬
‫جو َ‬
‫ن ل ي َْر ُ‬
‫اليمان قال تعالى‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫واط ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫ن ‪7‬أولئ ِ َ‬
‫ن آَيات َِنا َ‬
‫كاُنوا‬
‫مأّنوا ب َِها َوال ّ ِ‬
‫غافِلو َ‬
‫م الّناُر ب ِ َ‬
‫مأَواهُ ُ‬
‫ك َ‬
‫ن هُ ْ‬
‫َ‬
‫م عَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سوْءِ‬
‫وا ع َلى ال َ‬
‫ن ‪ "8‬و قال تعالى‪" :‬وَ ل َ‬
‫ي َك ِ‬
‫سُبو َ‬
‫مطَر ال ّ‬
‫ت َ‬
‫مط َِر ْ‬
‫قْري َةِ الِتي أ ْ‬
‫قد ْ أت َ ْ‬
‫َ‬
‫‪204‬‬
‫ل َ‬
‫م يَ ُ‬
‫كوُنوا ي ََروْن ََها ب َ ْ‬
‫ن نُ ُ‬
‫شوًرا ‪ " 40‬أي معادا يوم القيامة‪,‬‬
‫جو َ‬
‫كاُنوا ل ي َْر ُ‬
‫أفَل َ ْ‬
‫م َ‬
‫ساًبا ‪ 27‬وَك َذ ُّبوا ِبآَيات َِنا ك ِ ّ‬
‫ذاًبا ‪ "28‬النبأ‪,‬‬
‫ن ِ‬
‫جو َ‬
‫كاُنوا ل ي َْر ُ‬
‫ح َ‬
‫و قال تعالى‪" :‬إ ِن ّهُ ْ‬
‫فنفى الله عز وجل عنهم أصل اليمان و ذلك لنتفاء أصل رجائهم للقاء الله‬
‫تعالى و رحمته‪ ,‬وأهل اليمان يرجون لقاء الله و رحمة و يرون أن ذلك‬
‫أعظم النعيم و غاية و ل يسمى ذلك رجاء حتى يتبعوه بالعمل كما أسلفنا و‬
‫شر مث ْل ُك ُم يوحى إل َ َ‬
‫َ‬
‫إل صار أماني قال تعالى‪" :‬قُ ْ‬
‫ه‬
‫ما أَنا ب َ َ ٌ ِ‬
‫ْ ُ َ‬
‫م إ ِل َ ٌ‬
‫ما إ ِل َهُك ُ ْ‬
‫ي أن ّ َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫شرِ ْ‬
‫م ْ‬
‫حا َول ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫جو ل ِ َ‬
‫َوا ِ‬
‫ك ب ِعَِباد َةِ َرب ّ ِ‬
‫صال ِ ً‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫كا َ‬
‫ل عَ َ‬
‫قاَء َرب ّهِ فَل ْي َعْ َ‬
‫حد ٌ ف َ َ‬
‫مًل َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫دا" فمن كان يرجو فليعمل ثم أكد العمل بالمصدر عمل ً فإن لم يعمل‬
‫ح ً‬
‫أ َ‬
‫ن‪ ,‬و العمل الصالح إخلص و متابعة قال تعالى‪" :‬ل َ َ‬
‫قد ْ‬
‫ج بل متم ٍ‬
‫فليس برا ٍ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫خَر وَذ َك ََر‬
‫م ال ِ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫كا َ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫كا َ‬
‫ه َوال ْي َوْ َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م ِفي َر ُ‬
‫جو الل ّ َ‬
‫ة لِ َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه ك َِثيًرا ‪ "21‬الحزاب‪ ,‬و لذلك فالتباع دليل على صدق الرجاء‪.‬‬
‫الل ّ َ‬
‫و منه ما هو واجب أو مستحب‪:‬‬
‫ب فواجب و غن كان مستحب‬
‫فكمه بحسب حكم المرجو إن كان واج ً‬
‫فمستحب ‪ ,‬فمن الرجاء الواجب أن يرجو العبد من الله تعالى صلح المة و‬
‫نصرة المؤمنين على الكفار و نحو ذلك فمن لم يرجو ذلك لصابته بالغفلة‬
‫وانشغاله بالدنيا ليس بكافر بل عاص لله تعالى و مقصر فيما أوجبه الله‬
‫تعالى عليه و هكذا‪.‬‬
‫ف‬
‫و رجاء ما ل يقدر عليه إل الله من غير الله شرك بالله منا ٍ‬
‫لليمان‪:‬‬
‫‪ 203‬و هو قول مجاهد و رجحه ابو جعفر حيث قال" وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لن المسلمين لم‬
‫يجر لمانيهم ذكر فيما مضى من الي قبل قوله ليس بأمانيكم وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان‬
‫المفروض وذلك في قوله ولمنينهم ولمرنهم فليبتكن آذان النعام وقوله يعدهم ويمنيهم فإلحاق‬
‫معنى قوله ليس بأمانيكم بما قد جري ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه ل دللة عليه من‬
‫ظاهر التنزيل ول أثر عن الرسول ول أجماع من أهل التأويل"‬
‫‪204‬‬

‫الفرقان‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫س َ‬
‫ضّر‬
‫ه بِ ُ‬
‫كرجاء جلب النفع أو دفع الضر لنه بيد الله وحده‪ " :‬وَإ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫فََل َ‬
‫س َ‬
‫خي ْرٍ فَهُوَ ع ََلى ك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ديٌر" ‪,‬‬
‫ك بِ َ‬
‫ش َ‬
‫يٍء قَ ِ‬
‫كا ِ‬
‫ه إ ِّل هُوَ وَإ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ف لَ ُ‬
‫ش ْ‬
‫ و من ذلك النفع المرجو الهداية قال رسول الله صلى الله عليه و آله و‬‫سلم‪" :‬إنه من يهده الله فل مضل له و من يضلل فل هادي له"و لذلك‬
‫فالمؤمن يستهدي ربه "إهدنا الصراط المستقيم"‬
‫ة إ ِن ّ َ‬
‫ن ل َد ُن ْ َ‬
‫ك‬
‫م ً‬
‫ب ل ََنا ِ‬
‫ك َر ْ‬
‫ طلب الثبات "َرب َّنا َل ت ُزِغ ْ قُُلوب ََنا ب َعْد َ إ ِذ ْ هَد َي ْت ََنا وَهَ ْ‬‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ب"‪,‬‬
‫ت ال ْوَ ّ‬
‫ها ُ‬
‫أن ْ َ‬
‫م هَ ْ‬
‫ق‬
‫ الرزق قال تعالى‪َ " :‬يا أ َي َّها الّنا‬‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ل ِ‬
‫ة الل ّهِ ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫س اذ ْك ُُروا ن ِعْ َ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫خال ِ ٍ‬
‫َْ‬
‫ه إ ِّل هُوَ فَأ َّنى ت ُؤ ْفَ ُ‬
‫ن" و لذلك‬
‫م ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ض َل إ ِل َ َ‬
‫س َ‬
‫غ َي ُْر الل ّهِ ي َْرُزقُك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ماِء َوالْر ِ‬
‫س ُ‬
‫فبسط الرزق ل يرجى إل من الله‪ " :‬قُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاُء‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن َرّبي ي َب ْ ُ‬
‫ط الّرْزقَ ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫قدر ول َك َ‬
‫ن‪"36‬سبأ‪,‬‬
‫مو َ‬
‫س َل ي َعْل َ ُ‬
‫وَي َ ْ ِ ُ َ ِ ّ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫ز‬
‫ن ِ‬
‫صُر إ ِّل ِ‬
‫ و النصر على العداء قال تعالى "وَ َ‬‫ما الن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫زي ِ‬
‫عن ْد ِ الل ّهِ ال ْعَ ِ‬
‫صْرَنا ع ََلى‬
‫ح ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫كيم ِ‪ "126‬آل عمران‪ ,‬فيرجون النصر من الله وحده "َفان ْ ُ‬
‫قوْم ِ ال ْ َ‬
‫ن"‬
‫ال ْ َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫و لذلك فل خاب و ل خسر من علق حاجته بالله تعالى لن الخير كله بيديه‬
‫و الشر ليس إليه‪.‬‬
‫أما رجاء من الخلق‪:‬‬
‫ما يقدرون عليه من العانة على أنهم أسباب فذلك جائز مادام أنه تابع‬
‫للرجاء من الله و اعتقاد أن جلب النفع و دفع الضر بيد الله‪ ,‬و يضعف إذا‬
‫قوي الرجاء بالله و يقوى إذا ضعف الرجاء بالله‪ ,‬و الواجب أل يتعلق قلب‬
‫العبد بالسباب كثيرا ً و إنما يتعلق بالله و يكون رجاءه اعظم بالله‪ ,‬و اعلم‬
‫أن هذا هو الكمل في هذا الباب‪ ,‬و علمته استغاء العبد عن الناس لنه‬
‫يكفيه الستغناء بالله فمن استغنى بالله كفاه‪ ,‬كما رواه الطبراني في‬
‫الوسط من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال جاء‬
‫جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد عش ما شئت فإنك‬
‫ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعلم‬
‫أن شرف المؤمن صلته بالليل وعزه استغناؤه عن الناس قال الذهبي‬
‫إسناده حسن‪,‬‬
‫و عن بن عباس قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما‬
‫فقال‪" :‬يا غلم إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده‬
‫تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن المة لو‬
‫اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إل بشيء قد كتبه الله لك ولو‬
‫اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إل بشيء قد كتبه الله عليك‬
‫رفعت القلم وجفت الصحف" رواه الترمذي و قال هذا حديث حسن‬
‫صحيح‪,‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫و قوله صلى الله عليه و آله و سلم " إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت‬
‫فاستعن بالله" فيه حث على أن يرجو العبد حاجته كلها من الله وحده و إذا‬
‫كان هذا هو الكمل إل أن سؤال الخلق أو الستعانة بهم فيما يقدرون عليه‬
‫أمر مباح ل بأس به إل أن الشرف و الكمل أن تتعلق القلوب برب القلوب‬
‫كما ذكرنا لعله يصير من السبعين ألف الذين هم أول من يدخلون الجنة مع‬
‫رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بل حساب و ل عذاب فقد روى‬
‫المام مسلم في صحيحه من حديث بن عباس رضي الله عنه أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ذكر سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ول عذاب‬
‫ثم قال‪" :‬هم الذين ل يسترقون و ل يكتوون ول يتطيرون وعلى ربهم‬
‫يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت‬
‫منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها‬
‫عكاشة" فهؤلء السبعين ألف قلوبهم معلقة بالله تعالى يرجون أمرهم كله‬
‫من الله تعالى وحده ويعتمدون عليه في جلب النفع و دفع الضر‪ ,‬و ليس‬
‫معنى ذلك تفريطهم في الخذ بالسباب التي شرعها الله تعالى لعباده و‬
‫في هذا الحديث دليل على حرصهم على الخذ بالسباب إذ أن عكاشة‬
‫رضي الله عنه و أرضاه سأل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و‬
‫استعان به على بلوغ تلك المنزلة ولكن لن قلبه معلق بالله تعالى في جلب‬
‫النفع و دفع الضر و بلوغ تلك المنزلة كان من السبعين ألف الذين يدخلون‬
‫الجنة بل حساب و ل عذاب‪.‬‬
‫و أقوى الرجاء بالله رجاء العارفين بالله‪:‬‬
‫لن من عرف الله عز وجل و علم أسمائه و صفاته و أفعاله قوي رجاؤه‬
‫بالله تعالى و لبد و مما يقوي الرجاء بالله تعالى ما رواه المام مسلم من‬
‫حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن‬
‫الله تبارك وتعالى أنه قال‪" :‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته‬
‫بينكم محرما فل تظالموا يا عبادي كلكم ضال إل من هديته فاستهدونى‬
‫أهدكم يا عبادي كلكم جائع إل من أطعمته فاستطعمونى أطعمكم يا عبادي‬
‫كلكم عار إل من كسوته فاستكسونى أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل‬
‫والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم يا عبادي إنكم لن‬
‫تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم‬
‫وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك‬
‫في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على‬
‫أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم‬
‫وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل‬
‫إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إل كما ينقص المخيط إذا أدخل‬
‫البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد‬
‫خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فل يلومن إل نفسه" أشرف حديث‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫لهل الشام كما قال المام أحمد رحمه الله تعالى تدبر قوله تعالى "يا‬
‫عبادي" وكم فيها من الرحمة و اللطف و تدبر ياء الضمير فيها و كيف نسب‬
‫العباد إليه تعالى إنتساب خلق و رحمه‪ ,‬ثم يذكر الله تعالى ما انفرد به من‬
‫الصفات العلى كالهداية و الرزق و المغفرة و العزة و الغنى و شدة فقر‬
‫العباد إليها و الله عز وجل ل يمنعها منهم بل يدعوهم بلطفه و رحمته‬
‫لمجرد طلب ذلك منه تعالى فيعطيهم ما يسألون‪,‬‬
‫ل‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫ن َ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قال تعالى‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫جُروا َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ه ُأول َئ ِ َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م ‪ "218‬البقرة‪:‬‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫جو َ‬
‫ن َر ْ‬
‫ك ي َْر ُ‬
‫حي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫إن هذه الية العظيمة عمدة في هذا الباب تحكمه و تضبط مسائله فهنيأ ً‬
‫للمسمين بها نورا ً و رحمه من الله رب العالمين الذي أنعم على عباده‬
‫بإنزال كتابه العظيم ثم أتم النعمة فالحمد لله رب العالمين‪,‬‬
‫"إن الذين آمنو"‪:‬‬
‫أي الذين آمنوا بالله تعالى و ملئكته و كتبه و رسله و اليوم الخر و القدر‬
‫خيره و شره‪ ,‬هذه هي أركان اليمان كما بينها رسول الله صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم في حديث جبريل الذي هو فهرس السلم‪ ,‬فمن بلغته جملة‬
‫ن منها عذر بالجهل‬
‫فآمن بها جملة كان عنده أصل اليمان فإن لم يبلغه رك ٌ‬
‫حتى يبلغه و العذر بالجهل كما أسلفنا ثابت بالكتاب و السنة و الجماع‪ ,‬فإن‬
‫علم ذلك الركن فأبى اليمان به انتفى عنه أصل اليمان‪ ,‬و اعلم أن كل‬
‫ركن من أركان اليمان له كمال واجب في قلب العبد يأثم بالتفريط فيه‪ ,‬و‬
‫هو ما أوجب الله تعالى عليه تعلمه و اليمان به و العمل بمقتضاه و ذلك‬
‫لكل ركن من أركان اليمان‪ ,‬و له كمال مستحب و هو حظ العلماء‪ ,‬و لن‬
‫ن من الركان حتى‬
‫كمال اليمان فرع على العلم فل يكمل إيمان عبد برك ٍ‬
‫يعلم تفاصيل ما أنزل الله تعالى من العلم بهذا الركن فيؤمن به و يعمل‬
‫خ َ‬
‫ه‬
‫ما ي َ ْ‬
‫شى الل ّ َ‬
‫بمقتضاه و لذلك كان أخشى العباد من الله هم العلماء "إ ِن ّ َ‬
‫فوٌر" و أخشى العلماء أعلمهم و هو خاتم‬
‫زيٌز غ َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫ماُء إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عَباد ِهِ ال ْعُل َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه عَ ِ‬
‫النبيين و المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم كما‬
‫روى المام أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه و آله و سلم قال‪" :‬والله إني لعلمكم بالله عز وجل و‬
‫أخشاكم له"‬
‫و اليمان بالله تعالى هو اليقيتن باستوائه فوق عرشه متصف بأسماءه‬
‫الحسنى و صفاته العلى و اليقين بحقه تعالى على عباده و هو أن يعبدوه و‬
‫ل يشركوا به شيئًا‪ ,‬فيؤمنوا بذلك غيبا ً و ما آمن عبد ٌ أفضل من إيمان بغيب‬
‫و قوة اليمان تسمى يقينا ً و صح عن رسول الله صلى الله عليه و آله و‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫سلم أنه خير ما أعطي العبد‪ ,205‬لن العبد إذا أيقن بالله تعالى انبعثت‬
‫الجوارح كلها للقاء الله بالعمال الصالحه حتى قال سفيان الثوري لو أن‬
‫‪206‬‬
‫اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا إلى الجنة وهربا من النار ‪.‬‬
‫أي ازداد رجاؤه في مغفرة ربه و رحمته فيزداد عمله‪ ,‬لن العمل و الرجاء‬
‫ئ واحد ل انفصال بينهما إن انتفى العمل انتفى الرجاء و أصبح تمني‪ ,‬و‬
‫ش ٌ‬
‫لذلك قال تعالى‪" :‬فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمل ً صالحا ً و ل يشرك‬
‫بعبادة ربه احدا" أي فمن كان يرجو ثواب ربه فعليه بالعمل الصالح و هو‬
‫إخلص النية لله تعالى و متابعة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن‬
‫التأسي به قال تعالى‪ " :‬ل َ َ‬
‫سن َ ٌ‬
‫كا َ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫كا َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ أ ْ‬
‫م ِفي َر ُ‬
‫ة لِ َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫ه ك َِثيًرا" فيوجب على نفسه ما أوجبه الله‬
‫م اْل ِ‬
‫ي َْر ُ‬
‫ه َوال ْي َوْ َ‬
‫خَر وَذ َك ََر الل ّ َ‬
‫جو الل ّ َ‬
‫تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و يحرم على نفسه‬
‫ما حرمه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه و آله و سلم فإن‬
‫فعل ذلك كان راجيا ً لرحمة ربه‪ ,‬و لما كانت الهجرة من أعظم العمال‬
‫الدالة على صدق الرجاء و أشدها على النفس قال تعالى‬
‫"و الذين هاجروا"‪:‬‬
‫أوذي المهاجرون الولون أعظم الذى من قبل المشركين و إنما كانت‬
‫ما ك ُذ ُّبوا وَُأو ُ‬
‫ذوا" ثم امتثلوا لمر‬
‫صب َُروا ع ََلى َ‬
‫تهمتهم أنهم قالوا ربنا الله "فَ َ‬
‫الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه و آله و سلم بترك أوطانهم و‬
‫أهلهم و أولدهم و الهجرة إلى المدينة و كان رسول الله صلى الله عليه و‬
‫آله و سلم قد رأى دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها كما وقع في‬
‫الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال‪" :‬رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب‬
‫وهلي‪ 207‬إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب" و ذلك حينما رأى‬
‫الصفة المختصة بالمدينة كما ثبت عند البخاري من حديث أم المؤمنين‬
‫عائشة رضي الله عنها انها قالت‪" :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫‪209‬‬
‫قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة‪ 208‬ذات نخل بين لبتين وهما الحرتان‬
‫فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة"‪ ,‬و صدق‬
‫َ‬
‫مب َد ّ َ‬
‫ه" فكانت‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ما ِ‬
‫الله تعالى إذ يقول‪َ " :‬‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫صُرَنا وََل ُ‬
‫حّتى أَتاهُ ْ‬
‫م نَ ْ‬
‫الهجرة هي أول طريق ذلك النصر الذي وعد الله تعالى عباده المؤمنون إذ‬
‫أن الهجرة كانت تمثل أول تأسيس لدولة السلم و كانت واجبة بالجماع‬
‫في حق من ل يستطيع إقامة دينه كما نقله بن كثير و الشوكاني في النيل و‬
‫‪205‬‬
‫‪206‬‬

‫رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح و أقره اللباني‬
‫فتح الباري ج‪ 1 :‬ص‪ 48 :‬بإختصار‬

‫‪ 207‬ظني‬
‫‪ 208‬أي أرض بها سباخ كناية عن الزراعة و أنها بلد ريفية‬
‫‪ 209‬و هذا مدرج في الحديث و الحرة ارض حجارتها سود‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫غيرهم من أهل العلم قال تعالى‪" :‬إن الذين توفاهم الملئكة ظالمي‬
‫أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الرض قالوا ألم تكن‬
‫أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من‬
‫أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها وقد روى النسائي من طريق‬
‫بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا‪" :‬ل يقبل الله من مشرك‬
‫عمل بعد ما أسلم أو يفارق المشركين" قال الحافظ "وهذا محمول على‬
‫من لم يأمن على دينه" انتهى‪,‬‬
‫و كانت مكة دار كفر و كانت الهجرة واجبة منها إلى المدينة فلما فتحها الله‬
‫تعالى و دخل الناس في دين الله أفواجا سقط فرض الهجرة إلى المدينة‬
‫وبقي فرض الجهاد والنية كما ثبت في الصحيحين من حديث بن عباس‬
‫رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح‪" :‬ل هجرة‬
‫بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" أي ل هجرة من مكة إلى‬
‫المدينة لنه ل هجرة من دار أسلم أهلها كما ورد في البخاري من حديث أم‬
‫المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الهجرة فقالت‪" :‬ل هجرة‬
‫اليوم كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن فأما اليوم‬
‫فقد أظهر الله السلم والمؤمن يعبد ربه حيث شاء"‪,‬‬
‫أما الهجرة من دار الكفر إلى دار السلم فهي باقية إلى قيام الساعة فعن‬
‫جنادة بن أبي امية ان رجال من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال بعضهم الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك فانطلقت إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله انا ناسا يقولون ان الهجرة‬
‫قد انقطعت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الهجرة ل تنقطع ما‬
‫كان الجهاد" رواه أحمد و قال الذهبي رجاله رجال الصحيح‪ ,‬و روى أيضا ً من‬
‫حديث ابن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬ل تنقطع‬
‫الهجرة مادام العدو يقاتل‪ ,‬فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله‬
‫بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الهجرة‬
‫خصلتان إحداهما تهجر السيئات والخرى تهاجر إلى الله ورسوله ولتنقطع‬
‫ما تقبلت التوبة ولتزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا‬
‫طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل" قا الحافظ بن كثير‬
‫رحمه الله هذا الحديث حسن السناد‬
‫و كان المسلمون قلة في المدينة و كانوا في حاجة إلى الجتماع لتكثير‬
‫سوادهم كما قال تعالى‪" :‬ياعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإيي‬
‫فاعبدون" ‪ .‬العنكبوت آية ‪ ,56‬فلما امتنع بعض من اسلم عن الهجرة نهى‬
‫الله تعالى أهل المدينة من وليتهم لنهم قطعوا وليتهم‪ ,‬بانفصالهم عنهم‬
‫وقت شدة الحاجة إلى الرجال فلم لم يهاجروا كما قال تعالى‪" :‬والذين‬
‫آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا وإن‬
‫استنصروكم في الدين فعليكم النصر إل على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫بما تعملون بصير" قال بن جرير رحمه الله من وليتهم يعني من نصرتهم‬
‫وميراثهم‪ ,‬و تعني أيضا ً أنه ليس لهم في المغانم نصيب و ل في خمسها إل‬
‫ما حضروا فيه القتال كما روى المام مسلم في صحيحه من حديث سليمان‬
‫بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا‬
‫على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين‬
‫خيرا ثم قال أغزو باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله أغزو ول‬
‫تغلوا ول تغدروا ول تمثلوا ول تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين‬
‫فادعهم إلى ثلث خصال أو خلل فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف‬
‫عنهم ثم ادعهم إلى السلم فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم‬
‫ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا‬
‫ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا‬
‫منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي‬
‫يجري على المؤمنين ول يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إل أن يجاهدوا‬
‫مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم‬
‫وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"‬
‫فله فى كل وقت هجرتان‪ :‬هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية‬
‫لقبال عليه وصدق‬
‫لنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاِء وا ِ‬
‫والتوكل وا ِ‬
‫اللجإ ِ والفتقار فى كل نفس ِإليه‪ ،‬وهجرة ِإلى رسوله فى حركاته وسكناته‬
‫ب الله‬
‫الظاهرة والباطنة‪ ،‬بحيث تكون موافقة لشرعه الذى هو تفصيل محا ّ‬
‫ومرضاته‪ ،‬ول يقبل الله من َأحد دينا ً سواه‪ ،‬وكل عمل سواه فعيش النفس‬
‫وحظها ل زاد المعاد‪ ،‬وقال شيخ الطريقة وِإمام الطائفة الجنيد بن محمد‬
‫دس الله روحه‪ :‬الطرق كلها مسدودة إل طريق من اقتفى آثار النبى صلى‬
‫ق ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫ن‬
‫ل يقول‪)) :‬وَ ِ‬
‫جلِلى لوْ أُتوِنى ِ‬
‫عّزِتى وَ َ‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬فِإن الله ع َّز و َ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫كُ ّ‬
‫ك((‪.‬‬
‫خل ْ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫خُلوا َ‬
‫حّتى َيد ُ‬
‫حوا ِ‬
‫م َ‬
‫فت َ ُ‬
‫ق‪َ ،‬وا ْ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫ما فََتح ُ‬
‫ب‪ ،‬ل َ َ‬
‫ل َبا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ل طَ ِ‬
‫ري ٍ‬
‫وقال بعض العارفين‪ :‬كل عمل بل متابعة فهو عيش النفس‪.‬‬
‫ً‬
‫ولما كانت السعادة دائرة‪ -‬نفيا ً وِإثباتًا‪ -‬مع ما جاَء به كان جديرا بمن نصح‬
‫نفسه َأن يجعل لحظات عمره وقفا ً على معرفته وِإرادته مقصورة على‬
‫محابه‪ ،‬وهذا َأعلى همة شمر إليها السابقون وتنافس فيها المتنافسون‪ ،‬فل‬
‫جرم ضمّنا هذا الكتاب قواعد من سلوك الهجرة المحمدية‪،‬‬
‫المشروعية و قد شرع الله‪:‬‬
‫و الجهاد‪:‬‬
‫و الركن الثاني الخلص‪:‬‬
‫في سبيل الله‪:‬‬
‫ألئك يرجون فغيرهم ل يرجون بل يتمنون‪:‬‬
‫و هم مجرد يرجون‪ :‬إل أن يتغمدهم الله برحمته‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫رحمة الله و بها ينال كل شئ المغفرة و دخول الجنة و الرفع‬
‫إلى الدرجات العلى‪:‬‬
‫و لما ل تتوبون و الله غفور رحيم‪:‬‬
‫و هذا ما يرجوه العبد في هذه الدنيا أن يخرج منها و قد تغمده الله تعالى‬
‫برحمته و مغفرته و لبد من العمل حتى يسمى رجاًء و ل يسمى تمني‪,‬‬
‫رواه المام الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال‬
‫سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪" :‬قال الله يا بن آدم إنك‬
‫ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ول أبالي يا بن آدم لو‬
‫بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ول أبالي يا بن آدم إنك‬
‫لو أتيتني بقراب الرض خطايا ثم لقيتني ل تشرك بي شيئا لتيتك بقرابها‬
‫مغفرة"‬
‫و ما رواه المام أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه قال‪" :‬إن رجل أذنب ذنبا فقال رب انى أذنبت ذنبا أو قال عملت‬
‫عمل ذنبا فاغفره فقال عز وجل عبدي عمل ذنبا فعلم ان له ربا يغفر‬
‫الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر أو أذنب ذنبا آخر فقال‬
‫رب انى عملت ذنبا فاغفره فقال تبارك وتعالى علم عبدي ان له ربا يغفر‬
‫الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر أو أذنب ذنبا آخر فقال‬
‫ربي انى عملت ذنبا فاغفره فقال علم عبدي ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ‬
‫به قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" وقيل للحسن أل يستحيى أحدنا من‬
‫ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال ود الشيطان لو‬
‫ظفر منكم بهذا فل تملوا من الستغفار وروي عنه أنه قال ما أرى هذا إل‬
‫‪210‬‬
‫من أخلق المؤمنين‬
‫جعلت رجائي دون‬
‫ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي‬
‫عفوك سلما‬
‫بعفوك ربي كان‬
‫تعاظمني ذنبي فلما قرنته‬
‫عفوك أعظما‬
‫و عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أنه سمع النبى صلى الله عليه و‬
‫سلم قبل موته بثلثة أيام يقول ) ل يموتن أحدكم إل و هو يحسن الظن‬
‫بالله عز وجل ( و إحسان الظن بالله أن يظن العبد أنه يرحمه و يعفو عنه و‬
‫يغلب ذلك الجانب على الخوف إذا دنت امارات الموت لن مقصود من‬
‫الخوف النكفاف عن المعاصى و القبائح و الحرص على إكثار الطاعة و‬
‫صالح العمل و قد تعذر ذلك أو معظمه فى هذا الحال فاستحب إحسان‬
‫الظن المتضمن للفتقار إلى الله تعالى و الذعان له ‪ .‬أما فى حالة الصحة‬
‫فيكون خائفا ً راجيا ً مع غلبة المحبة فالمحبة هى المركب و الرجاء حاد و‬
‫الخوف سائق و الله الموصل بمنه و كرمه‪.‬‬
‫‪ 210‬جامع العلوم والحكم ج‪ 1 :‬ص‪165 :‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫َ‬
‫ن"‬
‫ت َ‬
‫خي ُْر الّرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫مّنا َفاغ ْ ِ‬
‫فْر ل ََنا َواْر َ‬
‫مَنا وَأن ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫"َرب َّنا آ َ‬
‫مي َ‬

‫و‬
‫ه ِإل ُ‬
‫ه ل إ ِل َ َ‬
‫باب قول الله تعالى ) الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ن‪( 211‬‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫وك ّ ِ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫َ‬
‫هو حا ٌ‬
‫ل للقلب ينشأ عن معرفته بالله واليمان بتفرده بالخلق والتدبير‬
‫والضر والنفع والعطاء والمنع ‪ ،‬وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ؛‬
‫ة به ويقينا ً بكفايته لما‬
‫ة به وثق ً‬
‫فيوجب له اعتمادا ً عليه وتفويضا ً إليه وطمأنين ً‬
‫توكل عليه فيه‪ , 212‬و لذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم‬
‫من حديث انس ضي الله عنه انه كان يقول‪" :‬يا حي يا قيوم برحمتك‬
‫ً ‪213‬‬
‫أستغيث أصلح لي شأني كله و ل تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا " ‪,‬‬
‫إن الذي يدفع العبد إلى أن يصرف قلبه عن العتماد على الله أمران الول‬
‫الجهل بمقام الله من ربوبية و ألوهية و أسماء و صفات ‪ ,‬و الثاني إعتماده‬
‫على الخلق لبروزهم عنده و ضعف إيمانه بالله ‪ ,‬فإما أنه يعتمد على نفسه‬
‫للعجابه بها و إحساسه بذكائه أو بقدرته و اغتراره بها فيظن أنه قد إستغنى‬
‫عن موله و هو واهم ) كل إن النسان ليطغى * أن رءاه استغنى ‪ (214‬و‬
‫س َ‬
‫ن‬
‫لذلك قال تعالى ) وَ ل َوْ ب َ َ‬
‫ط الل ّ ُ‬
‫ض وَ ل َك ِ ْ‬
‫ه الّرْزقَ ل ِعَِباد ِهِ ل َب َغَ ْ‬
‫وا ِفي الْر ِ‬
‫ي ُن َّز ُ‬
‫ما ي َ َ‬
‫صيٌر‪ , ( 215‬و إما أنه يعتمد بقلبه على‬
‫ل بِ َ‬
‫ه ب ِعَِباد ِهِ َ‬
‫خِبيٌر ب َ ِ‬
‫شاُء إ ِن ّ ُ‬
‫قد َرٍ َ‬
‫الخلق في قضاء الحاجات و لذلك كان من كمال التوكل أل يعلق قلبه‬
‫بالخلق حتى في حاجته الضرورية فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه‬
‫و سلم أنه قال في السبعين الف‪" :‬هم الذين ل يسترقون و ل يكتوون و ل‬
‫يتطيرون و على ربهم يتوكلون ‪ . "((1‬ل يسترقون أي ل يطلبون الرقية من‬
‫الخلق لشفاء داء نزل بهم و ل يكتوون أي ل يطلبون كي الجرح و ل‬
‫يتطيرون أي ل يتشائمون بالطيرة بل على ربهم يتوكلون في قضاء‬
‫حوائجهم و جلب النفع دفع الضر فهم ل يركنون للخلق و ل يعتمدون عليهم‬
‫في قضاء الحاجات بل القلوب معلقة بالله ‪ ,‬أما إذا قدم أحد الخلق بغير‬
‫‪ 211‬التغابن ‪13‬‬
‫‪ 212‬و قال ابن عباس رحمه الله التوكل هو الثقة بالله و صدق التوكل أن تثق في الله و فيما عند الله‬
‫فإنه أعظم وأبقى مما لديك في دنياك و قال بن رجب الحنبلي رحمه الله هو صدق اعتماد القلب‬
‫على الله عز وجل في استجلب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والخرة كلها ‪ .‬و قال ابن حجر‬
‫رحمه الله و قيل هو قطع النظر عن السباب بعد تهيئة السباب ‪ .‬و قال شيخ السلم عبدالله بن‬
‫محمد بن عبدالوهاب رحمه الله هو إسناد العبد أمره إلى الله وحده لشريك له في جميع أموره‬
‫الدينية و الدنيوية ‪.‬‬
‫‪ 213‬صححه المنذري و حسنه بن حجر و اللباني‬
‫‪ 214‬العلق ‪7‬‬
‫‪ 215‬الشورى ‪27‬‬
‫)‪ (1‬البخاري‪ ، :‬ومسلم‪ :‬كتاب اليمان‪ /‬باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير‬
‫حساب‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫طلب الرقية أو الكي فقبلها فهو داخل في نفس المعنى فهو لم يطلبها و‬
‫هذا الحال هو الكمل المستحب لتحصيل ذلك القدر من التوكل أما إذا طلب‬
‫العبد الرقية و نحوها فل بأس بها و لكنه لم يحقق ا َ‬
‫لولى و الله تعالى أعلى‬
‫و أعلم ‪.‬‬
‫فصل من التوكل الخذ بالسباب قال تعالى ) و الذين آمنوا و‬
‫عملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون‪:( 216‬‬
‫قيام الجوارح بالسباب واعتماد القلب على مسبب السباب سبحانه‬
‫وتعالى‪ :‬هذا مذهب أهل السنة والجماعة وهو الحق فالخذ بالسباب واجب‬
‫مع عدم العتماد عليها‪ ،‬و يكون التوكل بالقلب على الخالق مع اتباع‬
‫السباب في ظاهر الحال فقط ‪ .‬قال تعالى )وََقا َ‬
‫ب‬
‫ي ل ت َد ْ ُ‬
‫خُلوا ِ‬
‫ن َبا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ل َيا ب َن ِ ّ‬
‫ُ‬
‫خُلوا م َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫مت َ َ‬
‫حد ٍ َواد ْ ُ‬
‫َوا ِ‬
‫ن الل ّهِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ما أغ ِْني ع َن ْك ُ ْ‬
‫فّرقَةٍ وَ َ‬
‫ب ُ‬
‫وا ٍ‬
‫يٍء إ ِ ِ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫‪217‬‬
‫ن‪ . ( 68‬و في جانب‬
‫مت َوَك ُّلو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫م ِإل ل ِل ّهِ ع َل َي ْهِ ت َوَك ّل ْ ُ‬
‫حك ْ ُ‬
‫ت وَع َل َي ْهِ فَل ْي َت َوَك ّ ِ‬
‫الرزق قال تعالى ) هو الذي جعل لكم الرض ذلول ً فامشوا في مناكبها‬
‫وكلوا من رزقه و إليه النشور ( و قال تعالى ) و هزي إليك بجذع النخلة‪( 218‬‬
‫و روى المام البخاري في صحيحه عن المقدام رضي الله عنه عن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال أنه قال‪" :‬ما أكل أحد طعاما قط خيرا من‬
‫أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلم كان يأكل من عمل‬
‫يده‪ "219‬و عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم‬
‫بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده ل شريك له وجعل‬
‫رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف آمري ومن‬
‫تشبه بقوم فهو منهم‪ ( 220‬و الشاهد قوله صلى الله عليه و سلم و جعل‬
‫رزقي تحت ظل رمحي فقرن الرزق مقرونا ً بالسبب ‪ .‬و كان النبياء يفعلون‬
‫أسبابا ً يحصل بها الرزق ‪ .‬و كان المهاجرون في مجموعهم أهل تجارة وكان‬
‫النصار أهل زرع ‪ .‬و قال عن ايوب قال ) كان ابو قلبة يحثنا على السوق (‬
‫و قال أيضا ً أنبانا عبد الوهاب السقفي قال خرج علينا ايوب فقال ) يا‬
‫معشر الشباب احترفوا ل تحتاجون ان تاتوا ابواب هؤلء وذكر من يكره‪( 221‬‬
‫‪ .‬و قال تعالى ) يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ( و قوله تعالى ) و أعدوا‬
‫لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم (‬
‫ة ل َبوس ل َك ُم ل ِتحصنك ُم من بأ ْسك ُم فَه ْ َ‬
‫م‬
‫صن ْعَ َ ُ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫و قال تعالى )وَع َل ّ ْ‬
‫ْ ُ ْ ِ َ ْ ِ ْ َ ِ ْ َ‬
‫مَناه ُ َ‬
‫ٍ‬
‫‪ 216‬البقرة ‪82‬‬
‫‪ 217‬يوسف‬
‫‪ 218‬مريم ‪25‬‬
‫‪ 219‬صحيح ‪ .‬صحيح البخاري ج‪ 2 :‬ص‪ 730 :‬برقم ‪. 1966‬‬
‫‪ 220‬مسند أحمد ج‪ 2 :‬ص‪ 92 :‬برقم ‪ . 5667‬و مسند عبد بن حميد ج‪ 1 :‬ص‪ 267 :‬برقم ‪ , 848‬و‬
‫قال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني و أحمد و فيه عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان وثقه‬
‫ابن المديني وابو حاتم وغيرهما وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات ‪.‬‬
‫‪ 221‬الورع لبن حنبل ج‪ 1 :‬ص‪ 21 :‬باب ترك الكبر ولزوم العمل‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫َ‬
‫ن‪ , .( 222‬و روى المام البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما قال‬
‫شاك ُِرو َ‬
‫)كان أهل اليمن يحجون ول يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا‬
‫مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‪ . ( 223‬و‬
‫هذا الموقف أي العراض عن السباب حكم عليه العلماء بأنه قدح في‬
‫الشرع و نقص في العقل و هو قول الجبرية فأنكروا مشيئة النسان و تأثير‬
‫السباب و قالوا إن العبد يتحرك بدون اختياره ‪ .‬و هم غلوا كما أن القدرية‬
‫جفوا فنفوا مشيئة الله تعالى و أثبتوا مشيئة السباب و قالوا أن النسان هو‬
‫الذي يخلق السباب و الفعال بغير علم سابق لله و هذا عين الكفر فكل ً‬
‫من الموقفين فاسد باطل مخالف للكتاب و السنة و الجماع ‪ .‬و إل فالله‬
‫تعالى أثبت مشيئة للعبد و مشية له تعالى و ل تكون مشية العبد إل بعلم‬
‫الله تعالى و قدرته سبحانه فالله تعالى يقول ) و ما تشاءون إل أن يشاء‬
‫الله إن الله كان عليما ً حكيما ً‪ ( 224‬فأثبت الله سبحانه له مشيئة و للعبد‬
‫مشيئة وجعل مشيئة العبد تحت مشيئته سبحانه ) لمن شاء منكم أن‬
‫يستقيم‪ ( 225‬شاء أي باختياره و في هذا رد على الجبرية النفاة لمشيئة العبد‬
‫‪ .‬و قوله تعالى ) إل أن يشاء الله‪ ( 226‬و هو رد على القدرية‪ 227‬في أن‬
‫مشيئة الله تعالى قبل مشيئة العبد‪ ,‬و أما السباب فالله تعالى هو الذي‬
‫ن‪ "96‬الصافات ‪.‬‬
‫خل َ َ‬
‫ه َ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫م وَ َ‬
‫قك ُ ْ‬
‫يخلقها قال تعالى‪َ " :‬والل ّ ُ‬

‫فصل في العلقة بين اليمان بالله تعالى و التوكل و‬
‫قول الله تعالى‪" :‬و على الله فاليتوكل المؤمنون"‪:‬‬

‫التصديق قول القلب و التوكل من عمل القلب ‪ ,‬و القلب إذا كان قوله قويا ً‬
‫في التصديق بالله كان عمله قويا ً في عبادة الله و لذلك قال تعالى‪" :‬و‬
‫على الله فاليتوكل المؤمنون" فإنه إذا قوي اليقين في القلب بتوحيد الله‬
‫تعالى فإن ذلك أدعى إلى التوكل على الله تعالى ‪ ,‬لنه الرب الله الخالق‬
‫المالك الرازق المدبر الذي بيده المر فإذا قويت هذه المعاني في القلب ‪,‬‬
‫قوي عمل القلب و هو التوكل ‪ .‬ولهذا نجد في كثير من اليات ربط التوكل‬
‫بالربوبية قال تعالى ) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إل هو‬
‫آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ( فكان التوكل أشبه بنتيجة لبد‬
‫منها لمقدمة قالها نبي الله هود و هي قوله تعالى ) و ربكم ( إثباتا ً لربوبية‬
‫الله تعالى لهم و أنه الرب الخالق الرازق المدبر ثم قوله تعالى )ما من دابة‬
‫إل هو آخذ بناصيتها ( إثباتا ً لتفرد الله تعالى بالتدبير و القدرة و السلطان‬
‫على كل دابة ‪ .‬وكذلك كل من كان بالله تعالى وصفاته أعلم كان توكله‬
‫‪ 222‬النبياء ‪80‬‬
‫‪ 223‬صحيح ‪ .‬صحيح البخاري ج‪ 2 :‬ص‪ 554 :‬باب قول الله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‬
‫‪. 1451‬‬
‫‪ 224‬النسان ‪30‬‬
‫‪ 225‬التكوير ‪28‬‬
‫‪ 226‬النسان ‪30‬‬
‫‪ 227‬اعتقاد أهل السنة ج‪ 1 :‬ص‪ – 154 :‬الللكائي – في الحديث لشعيب بن حرب‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫أكمل قال تعالى )و توكل على الحي الذي ل يموت ( أي أن العبد إذا علم‬
‫أسماء الله تعالى و صفاته و منها أنه تعالى الحي الذي ل يموت يسهل عليه‬
‫التوكل ‪.‬‬

‫فصل في العلقة بين اليمان بالقضاء و القدر و التوكل‬
‫و قول الله تعالى ) ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن‬
‫الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا ً (‪:‬‬
‫إن زيادة التصديق بالله يتبعها توكل و حصول التوكل يورث القلب زيادة‬
‫إيمان ‪ ,‬إن من اليمان بالله تعالى اليمان بقضائه و قدره ‪ ,‬إن استحضار‬
‫القلب لمعني القضاء و القدر و أن المور كلها تصدر عن مشيئة الله وقدرته‬
‫‪ ،‬وأنها تنتهي كلها إلى علمه يورث التقلب التوكل ‪ ,‬لذلك فإن اليات التي‬
‫يذكر فيها القضاء والقدر تذيل بالتوكل قال تعالى ) ومن يتوكل على الله‬
‫فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا ً ( و قال ) قل لن‬
‫يصيبنا إل ما كتب الله لنا هو مولنا و على الله فليتوكل المؤمنون( )و قال‬
‫يا بني ل تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم‬
‫من الله من شيء إن الحكم إل لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون(‪.‬‬
‫إن القضاء والقدر جالبان للراحة والطمأنينة والسعادة وسلوك الطريق‬
‫المستقيم ‪ ،‬والتوكل داخل في الرادة الشرعية والقضاء والقدر داخل في‬
‫الرادة الكونية ‪.‬‬

‫باب قول الله جل ذكره )واستعينوا‬
‫بالصبر و الصلة و إنها لكبيرة إل على‬
‫الخاشعين(‬

‫قال المام القرطبي –رحمه الله‪" :-‬الصبر الثبات على أحكام الكتاب‬
‫صب ُْر َ‬
‫ه‪ ( 228‬قال الشيخ ياسر‬
‫ك ِإل ِبالل ّ ِ‬
‫صب ِْر وَ َ‬
‫ما َ‬
‫والسنة" ‪ ,‬و قال تعالى ) َوا ْ‬
‫برهامي –حفظه الله‪ -‬في الفضل "أي أن من لم يصبره الله و يوفقه للصبر‬
‫لم يصبر ‪ .‬و يكون لله أي حبا ً له و إرادتا ً لوجهه و رغبة في ثوابه ل إظهار‬
‫قوة النفس أو إستجلب الحمد من الناس" ‪ .‬قال تعالى ) وَل َِرب ّ َ‬
‫صب ِْر‪( 229‬‬
‫ك َفا ْ‬
‫‪ ,‬و عن علي –رضي الله عنه أنه قال‪" :‬اليمان على أربع دعائم على الصبر‬
‫واليقين والجهاد والعدل فالصبر منها على أربع شعب على الشوق والشفق‬
‫والزهادة والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سل عن الشهوات ومن اشفق من‬
‫‪228‬‬
‫‪229‬‬

‫النحل ‪127‬‬
‫المدثر ‪7‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫النار رجع عن الحرمات ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات ومن ارتقب‬
‫الموت سارع إلى الخيرات‪."230‬‬
‫الصبر على تحمل المانه باب التمكين قال تعالى ) َ‬
‫قا َ‬
‫سى‬
‫مو َ‬
‫ل ُ‬
‫َ‬
‫لِ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ‬
‫ست َ ِ‬
‫ض ل ِل ّ ِ‬
‫عيُنوا ِبالل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫صب ُِروا إ ِ ّ‬
‫رث ُ َ‬
‫ها ْ‬
‫م ْ‬
‫ها َ‬
‫ن اْلْر َ‬
‫وا ْ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ه ُيو ِ‬
‫‪231‬‬
‫(‬
‫ن‬
‫قب َ ُ‬
‫مت ّ ِ‬
‫عا ِ‬
‫ن ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫قي َ‬
‫م ْ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صب َُروا وَ َ‬
‫كاُنوا ِبآَيات َِنا‬
‫م ً‬
‫جعَل َْنا ِ‬
‫دو َ‬
‫ة ي َهْ ُ‬
‫قال تعالى ) وَ َ‬
‫مرَِنا ل َ ّ‬
‫ن ب ِأ ْ‬
‫م أئ ِ ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫‪232‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫جُنود ِهِ َقالوا َرب َّنا أفْرِغْ‬
‫ت وَ ُ‬
‫ما ب ََرُزوا ل ِ َ‬
‫ُيوقُِنو َ‬
‫جالو َ‬
‫ن ( ‪ .‬و قال تعالى ) وَل ّ‬
‫َ‬
‫‪233‬‬
‫قوْم ِ ال ْ َ‬
‫ن‬
‫صْرَنا ع ََلى ال ْ َ‬
‫ن ( قال تعالى ) إ ِ ْ‬
‫ت أقْ َ‬
‫دا َ‬
‫صب ًْرا وَث َب ّ ْ‬
‫مَنا َوان ْ ُ‬
‫ع َل َي َْنا َ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫قوا ل‬
‫صب ُِروا وَت َت ّ ُ‬
‫سي ّئ َ ٌ‬
‫سن َ ٌ‬
‫ن تُ ِ‬
‫حوا ب َِها وَإ ِ ْ‬
‫ة ي َفَْر ُ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ة تَ ُ‬
‫ح َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫صب ْك ُ ْ‬
‫سؤ ْهُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫َ‬
‫ٌ ‪234‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫حيط ( قال تعالى ) وَأوَْرث َْنا‬
‫م ِ‬
‫ملو َ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫يَ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ما ي َعْ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ن الل َ‬
‫م ك َي ْد ُهُ ْ‬
‫ضّرك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫مَغارِب ََها ال ِّتي َباَرك َْنا ِفيَها‬
‫ضعَ ُ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫فو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫قو ْ َ‬
‫كاُنوا ي ُ ْ‬
‫ض وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫شارِقَ الْر ِ‬
‫ما َ‬
‫ة َرب ّ َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫م ُ‬
‫صن َعُ‬
‫كا َ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫سَنى ع ََلى ب َِني إ ِ ْ‬
‫ح ْ‬
‫مْرَنا َ‬
‫صب َُروا وَد َ ّ‬
‫ل بِ َ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫وَت َ ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ما َ‬
‫‪235‬‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫كاُنوا ي َعْرِ ُ‬
‫صب ُِروا‬
‫ن ( ‪ ,‬و قال تعالى ) ب َلى إ ِ ْ‬
‫شو َ‬
‫فِْرع َوْ ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫م ُ‬
‫ن وَقَوْ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ْ‬
‫م هَ َ‬
‫ة‬
‫وَت َت ّ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬
‫سةِ آَل ٍ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫مد ِد ْك ُ ْ‬
‫ذا ي ُ ْ‬
‫ن فَوْرِه ِ ْ‬
‫قوا وَي َأُتوك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫‪236‬‬
‫ن (‪.‬‬
‫سوّ ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫مي َ‬
‫ْ‬
‫ما‬
‫جزاء الصبر في الخرة قال تعالى ) إ ِّني َ‬
‫و َ‬
‫جَزي ْت ُ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ه ُ‬
‫م الي َ ْ‬
‫َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ن‪:( 237‬‬
‫م ُ‬
‫فائ ُِزو َ‬
‫صب َُروا أن ّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ظيم ٍ‪( 238‬‬
‫ع‬
‫ظ‬
‫ح‬
‫ذو‬
‫إل‬
‫ها‬
‫قا‬
‫ّ‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ما‬
‫و‬
‫روا‬
‫ب‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫إل‬
‫ها‬
‫قا‬
‫ّ‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ما‬
‫و‬
‫)‬
‫تعالى‬
‫قال‬
‫و‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫ِ َ َ َُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫داِر‪ ( 239‬و قال تعالى‬
‫م عُ ْ‬
‫قَبى ال ّ‬
‫سل ٌ‬
‫قال تعالى ) َ‬
‫م فَن ِعْ َ‬
‫صب َْرت ُ ْ‬
‫م بِ َ‬
‫م ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫‪240‬‬
‫ت أول َئ ِ َ‬
‫جٌر ك َِبيٌر ( و قال‬
‫مغْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫صب َُروا وَع َ ِ‬
‫) ِإل ال ّ ِ‬
‫فَرة ٌ وَأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫م َ‬
‫ك ل َهُ ْ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ن َ‬
‫ذي َ‬
‫تعالى ) ُأول َئ ِ َ‬
‫ما‪ ( 241‬و‬
‫صب َُروا وَي ُل َ ّ‬
‫حي ّ ً‬
‫ن ِفيَها ت َ ِ‬
‫ن ال ْغُْرفَ َ‬
‫قو ْ َ‬
‫جَزوْ َ‬
‫ك يُ ْ‬
‫ة وَ َ‬
‫سل ً‬
‫ة بِ َ‬
‫ما َ‬
‫ريًرا‪. ( 242‬‬
‫جن ّ ً‬
‫ة وَ َ‬
‫صب َُروا َ‬
‫قال تعالى ) وَ َ‬
‫م بِ َ‬
‫جَزاهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ح ِ‬
‫و سمي رمضان شهر الصبر لنه جمع الثلثة أنواع ‪:‬‬
‫وأفضل أنواع الصبر الصيام فإنه يجمع الصبر على النواع الثلثة لنه صبر‬
‫على طاعة الله عز وجل وصبر عن معاصي الله لن العبد يترك شهواته لله‬
‫‪230‬‬
‫‪231‬‬
‫‪232‬‬
‫‪233‬‬
‫‪234‬‬
‫‪235‬‬
‫‪236‬‬
‫‪237‬‬
‫‪238‬‬
‫‪239‬‬
‫‪240‬‬
‫‪241‬‬
‫‪242‬‬

‫اعتقاد أهل السنة ج‪ 4 :‬ص‪ – 843 :‬الطحاوي ‪.‬‬
‫العراف ‪128‬‬
‫السجدة ‪24‬‬
‫البقرة ‪252‬‬
‫آل عمران ‪120‬‬
‫العراف ‪137‬‬
‫آل عمران ‪125‬‬
‫المؤمنون ‪111‬‬
‫فصلت ‪35‬‬
‫الرعد ‪24‬‬
‫هود ‪11‬‬
‫الفرقان ‪76‬‬
‫النسان ‪12‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫ونفسه قد تنازعه إليها ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل‬
‫يقول كل عمل ابن آدم له إل الصيام فإنه لي وأنا أجزي به لنه ترك شهوته‬
‫وطعامه وشرابه من أجلي وفيه أيضا صبر على القدار المؤلمة بما قد‬
‫يحصل للصائم من الجوع والعطش وكان النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫يسمى شهر الصيام شهر الصبر وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصوم نصف الصبر وربما عسر الوقوف‬
‫على سر كونه نصف الصبر‬
‫ْ‬
‫فصل من لطف الله و كرمه قوله تعالى‪َ " :‬‬
‫سًرا‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ع ال ُ‬
‫م َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِ‬
‫سًرا ‪:6‬‬
‫‪ 5‬إِ ّ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ر يُ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ن َ‬
‫س ِ‬
‫عن قتادة رضي الله عنه‪ -‬أنه قال في قوله تعالى"فإن مع العسر يسرا"‬
‫قال‪" :‬ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الية أصحابه‬
‫فقال لن يغلب عسر إن شاء الله يسرين‪ , "243‬و عن أم سلمة زوج النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول‪" :‬ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم‬
‫أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إل أجره الله في مصيبته‬
‫‪244‬‬
‫وأخلف له خيرا منها"‬
‫قال بن القيم في الطب النبوي عن علج المصيبة ما ملخصه ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬أن هذا الحديث من أبلغ علج المصاب ‪ ،‬وأنفعه له في عاجلته وآجلته‬
‫‪ ،‬فأنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته‬
‫‪ .‬أحدهما أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ‪ ،‬فهو كالمعير يأخذ‬
‫متاعه من المستعير ‪ ،‬والثاني أن مصير العبد ومرجعه إلى الله موله‬
‫الحق ‪ ،‬ول بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ‪،‬‬
‫ن ما أصابه لم يكن لُيخطئه ‪ ،‬وما‬
‫ثانيا ً ‪ :‬ومن علجه أن يعلم علم اليقين أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض وَل َ ِفى‬
‫م ِ‬
‫ب ِ‬
‫صا َ‬
‫من ّ‬
‫أخطأه لم يكن لُيصيبه ‪ .‬قال تعالى ) َ‬
‫ما أ َ‬
‫صيب َةٍ ِفى الْر ِ‬
‫َ‬
‫سيٌر * ل ّك َي ْل َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫ل َأن ن ّب َْرأ َ‬
‫ك ع ََلى اللهِ ي َ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ها ‪ ،‬إ ّ‬
‫ب ّ‬
‫سك ُ ْ‬
‫م إل ّ ِفى ك َِتا ٍ‬
‫من قَب ْ ِ‬
‫ْ‬
‫ب كُ ّ‬
‫ل‬
‫م وَل َ ت َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫فَر ُ‬
‫ت َأ َ‬
‫ل ُ‬
‫م * َوالل ُ‬
‫ما آَتاك ُ ْ‬
‫حوا ْ ب ِ َ‬
‫ما َفات َك ُ ْ‬
‫سوْا ْ ع ََلى َ‬
‫خَتا ٍ‬
‫خوٍر‪( 245‬‬
‫فَ ُ‬
‫سى بأهل المصائب‬
‫ثالثا ً ‪ :‬ومن ِ‬
‫علجه أن ُيطف َ‬
‫ئ ناَر مصيبته ببرد التأ ّ‬
‫ن فوت ثواب الصبر والتسليم ‪ ،‬وهو الصلة ُ والرحمة‬
‫رابعا ً ‪ :‬أن يعلم أ ّ‬
‫من المصيبة فى‬
‫م ِ‬
‫والهداية التى ض ِ‬
‫مَنها الله على الصبر والسترجاع ‪ ،‬أعظ ُ‬
‫الحقيقة ‪.‬‬
‫جَزع َ ُيشمت عدوه ‪ ،‬ويسوء صديقه ‪ ،‬وُيغضب ربه ‪،‬‬
‫ن ال َ‬
‫خامسا ً ‪ :‬أن يعلم أ ّ‬
‫وَيسّر شيطانه ‪ ،‬وُيحبط أجره ‪ ،‬وُيضعف نفسه ‪،‬‬
‫‪ 243‬قال حافظ في تغليق التعليق ج‪ 4 :‬ص‪. 372 :‬صحيح‬
‫‪ 244‬رواه مسلم ‪ ,‬و في مسند أحمد ج‪ 6 :‬ص‪ 309 :‬برقم ‪26677‬‬
‫‪ 245‬الحديد ‪22‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪150‬‬

‫ن ما ُيعقبه الصبُر والحتساب من الّلذة والمسّرة‬
‫سادسا ً ‪ :‬أن يعلم أ ّ‬
‫ُ‬
‫ب به لو بقى عليه ‪ ،‬وفى الترمذى‬
‫أضعا ُ‬
‫صل له ببقاء ما أصي َ‬
‫ف ما كان يح ُ‬
‫ض بالمقاِريض فى‬
‫هم كانت ت ُ ْ‬
‫جُلود َ ُ‬
‫ن ُ‬
‫م القيامة أ ّ‬
‫س ي َوْ َ‬
‫قَر ُ‬
‫مرفوعا ً ) ي َوَد ّ نا ٌ‬
‫ب‬
‫سَلف ‪ :‬لول مصائ ُ‬
‫دنيا لما ي ََروْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ض ال ّ‬
‫ل البلِء ( ‪ .‬وقال بع ُ‬
‫ن من ثوا ِ‬
‫ب أه ِ‬
‫دنا القيامة مفاليس ‪.‬‬
‫الدنيا لوَر ْ‬

‫باب في قوله تعالى ) الحمد لله رب العالمين (‬
‫الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال‪" :‬الحمد لله رب العالمين" وافتتح‬
‫خلقه بالحمد فقال‪" :‬الحمد لله الذي خلق السموات والرض وجعل‬
‫الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" واختتمه بالحمد فقالبعد‬
‫ة حافين من حول العرش‬
‫ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار‪" :‬وترى الملئك َ‬
‫يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين"‬
‫ولهذا قال تعالى‪" :‬وهو الله ل إله إل هو له الحمد في الولى والخرة وله‬
‫الحكم وإليه ترجعون"‬
‫الفرق بين الحمد و الشكر‪:‬‬
‫قال شيخ السلم ابن تيمية –رحمه الله‪" :-‬الحمد يتضمن المدح والثناء على‬
‫المحمود بذكر محاسنه سواء كان الحسان إلى الحامد أم لم يكن‪ .‬والشكر‬
‫ل يكون إل على إحسان المشكور إلى الشاكر فمن هذا الوجه الحمد أعم‬
‫من الشكر لنه يكون على المحاسن والحسان فإن الله تعالى يحمد على‬
‫ماله من السماء الحسنى والمثل العلى وما خلقه في الخرة والولى‪."246‬‬
‫و الشكر أعم من الحمد في أن الشكر يكون باللسان و سائر الجوارح و‬
‫الحمد ل يكون إل باللسان ‪ .‬فمن أنعم الله تعالى عليه بمال فإن شكر هذه‬
‫النعمة أن ينفقها فيما يحبه الله تعالى و يرضى و من أنعم الله تعالى عليه‬
‫بالصحة فشكر هذه النعمة أن يستخدمها في طاعة الله سبحانه و تعالى ‪ .‬و‬
‫َ‬
‫م َوا ْ‬
‫ن‬
‫ن ط َي َّبا ِ‬
‫مُنوا ك ُُلوا ِ‬
‫قال تعالى )َيا أي َّها ال ّ ِ‬
‫شك ُُروا ل ِل ّهِ إ ِ ْ‬
‫ما َرَزقَْناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ن‪. ( 247‬‬
‫دو َ‬
‫م إ ِّياه ُ ت َعْب ُ ُ‬
‫ك ُن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ذي َ‬
‫هت َ ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫وَل أ ْ‬
‫ه َ‬
‫قاُلوا ال ْ َ‬
‫ما ك ُّنا ل ِن َ ْ‬
‫داَنا ل ِ َ‬
‫د َ‬
‫و َ‬
‫ح ْ‬
‫ي لَ ْ‬
‫ذا َ‬
‫فصل " َ‬
‫َ‬
‫ه لَ َ‬
‫س ُ‬
‫ة‬
‫جن ّ ُ‬
‫َ‬
‫دوا أ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وُنو ُ‬
‫ل َرب َّنا ِبال ْ َ‬
‫قدْ َ‬
‫ه َ‬
‫جاءَ ْ‬
‫ت ُر ُ‬
‫ن ت ِل ْك ُ ُ‬
‫ح ّ‬
‫داَنا الل ّ ُ‬
‫ق َ‬
‫ُ‬
‫ن‪ "43‬العراف‪:‬‬
‫مو َ‬
‫مُلو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ها ب ِ َ‬
‫رث ْت ُ ُ‬
‫أو ِ‬
‫الحمد لله الذي هدانا للسلم و كفا بها نعمه و أعظم به حمدا ‪ ,‬قال المام‬
‫مسلم عن أبي سعيد الخدري قال ثم خرج معاوية على حلقة في المسجد‬
‫فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله قال آلله ما أجلسكم إل ذاك‬
‫قالوا والله ما أجلسنا إل ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان‬
‫أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثا مني‬
‫‪246‬‬
‫‪247‬‬

‫الفتاوى ) ‪(11/133‬‬
‫البقرة ‪172‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال‬
‫ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للسلم ومن به‬
‫علينا قال آلله ما أجلسكم إل ذاك قالوا والله ما أجلسنا إل ذاك قال أما إني‬
‫لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي‬
‫‪248‬‬
‫بكم الملئكة‬

‫َ‬
‫ة‬
‫وب َ ً‬
‫مُنوا ُتوُبوا إ َِلى الل ّ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫باب )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ه تَ ْ‬
‫عسى ربك ُم أ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫س‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫صو ً‬
‫ْ َ‬
‫حا َ َ‬
‫ْ‬
‫َ ّ ْ‬
‫نَ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هاُر (‬
‫وي ُدْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫خل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫الية ‪ ,‬التحريم‬

‫فصل و طول المد باب الماني فإذا دخلت دخل معها التسويف‬
‫ُ‬
‫ف َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫وَل ي َ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫طا َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل‬
‫ب ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫قال تعالى" َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬
‫ت ُ‬
‫ف َ‬
‫مدُ َ‬
‫ن"‪:‬‬
‫م‬
‫َ‬
‫فا ِ‬
‫وك َِثيٌر ِ‬
‫قو َ‬
‫عل َي ْ‬
‫س ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫قُلوب ُ ُ‬
‫ق َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م اْل َ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫فطول المد اول طريق قسوة القلوب ‪ .‬قال تعالى‪" :‬أل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ي َأ ِ‬
‫َ‬
‫كوُنوا َ‬
‫حقّ وََل ي َ ُ‬
‫ما ن ََز َ‬
‫خ َ‬
‫ن ُأوُتوا‬
‫ن تَ ْ‬
‫كال ّ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫أ ْ‬
‫م ل ِذ ِك ْرِ الل ّهِ وَ َ‬
‫شعَ قُُلوب ُهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ل فَ َ‬
‫طا َ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫ن‬
‫س ُ‬
‫مد ُ ف َ َ‬
‫م َفا ِ‬
‫م وَك َِثيٌر ِ‬
‫ب ِ‬
‫قو َ‬
‫ال ْك َِتا َ‬
‫ق َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ت قُُلوب ُهُ ْ‬
‫س ْ‬
‫م اْل َ‬
‫ل ع َل َي ْهِ ُ‬
‫م ْ‬
‫‪ "16‬الحديد‪ ,‬قال القرطبي رحمه الله‪" :‬قال محمد بن كعب كانت الصحابة‬
‫بمكة مجدبين فلما أصابوا الريف والنعمة بالمدينة ففتروا عما كانوا و قيل‬
‫لما أصابوها كثر فيهم المزاح و الضحك فقست قلوبهم فوعظهم الله‬

‫‪248‬‬

‫صحيح مسلم ج‪ 4 :‬ص‪ 2075 :‬برقم ‪2701‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫فأفاقوا بهذه الية ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله قال بن‬
‫مسعود بين إسلمنا و بين أن عاتبنا الله بهذه الية أربع سنوات اهـ"‬
‫قلت بمجرد أن أصاب الصحابة الفاضل المزاح و الضحك أنزل الله تعالى‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ن ََز َ‬
‫خ َ‬
‫حقّ وََل‬
‫ن تَ ْ‬
‫ل ِ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مُنوا أ ْ‬
‫م ل ِذ ِك ْرِ الل ّهِ وَ َ‬
‫شعَ قُُلوب ُهُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫"أل َ ْ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫م ي َأ ِ‬
‫كال ّذي ُ‬
‫َ‬
‫ل فَ َ‬
‫يَ ُ‬
‫طا َ‬
‫ن قَب ْ ُ‬
‫م‬
‫مد ُ ف َ َ‬
‫ب ِ‬
‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫ق َ‬
‫ت قُُلوب ُهُ ْ‬
‫س ْ‬
‫م اْل َ‬
‫ل ع َل َي ْهِ ُ‬
‫م ْ‬
‫كوُنوا َ ِ َ‬
‫ن" فكيف بمن حياته البحث عن المزاح و الضحك‪ ,‬و‬
‫س ُ‬
‫م َفا ِ‬
‫وَك َِثيٌر ِ‬
‫قو َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن على التوبة و إذ مت‬
‫التسويف للتوبة و للعمل الصالح كأن بقى زما ٌ‬
‫سيغفر الله لي و لم يأخذ بأسباب المغفرة و لم يقلع عن الذنب ‪ .‬و كأن‬
‫يقول لن مت لدخلن الجنة مع الداخلين و هو في الدنيا لم يعمل بعمل‬
‫الصالحين قال الحسن البصري إن قوما ما ألهتهم الماني حتى خرجوا من‬
‫الدنيا و ما لهم حسنة ويقول أحدهم إني أحسن الظن بربي وكذب ولو‬
‫أحسن الظن لحسن العمل وتل قول الله تعالى وذلكم ظنكم الذي ظننتم‬
‫بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين‪. 249‬‬
‫فصل وخطورة الماني أنها تلهي العبد عن التوبة حتى يدركه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫مُر الل ّ ِ‬
‫حّتى َ‬
‫ي َ‬
‫غّرك ُ ْ‬
‫جاءَ أ ْ‬
‫م اْل َ‬
‫غّرت ْك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫الموت قال تعالى " َ‬
‫مان ِ ّ‬
‫غُرو َُر" الية‪:‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫روى المام البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال‪" :‬خط النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال هذا المل وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ‬
‫جاءه الخط القرب" و قال تعالى‪" :‬وما الحياة الدنيا إل متاع الغرور" فمن‬
‫آثر الماني الدنيوية على ما عند الله فقد أصابه الغرر‪ ,‬و قال تعالى‪" :‬ذرهم‬
‫يأكلوا ويتمتعوا ويلههم المل فسوف يعلمون" وقال علي بن أبي طالب‬
‫ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا‬
‫من أبناء الخرة ول تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ول حساب وغدا‬
‫حساب ول عمل‪ . 250‬و روى البخاري عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله‬
‫عنهما أنه قال‪ :‬أخذ رسول الله بمنكبي فقال ‪" :‬كن في الدنيا كأنك غريب‬
‫أو عابر سبيل" وكان ابن عمر يقول ‪" :‬إذا أمسيت فل تنتظر الصباح‪ ،‬وإذا‬
‫أصبحت فل تنتظر المساء‪ ،‬وخذ من صحتك لمرضك‪ ،‬ومن حياتك لموتك" ‪.‬‬
‫ل وقت للغفلة فالدنيا لحظات أو دقائق معدودة‪:‬‬
‫إن من أعظم أسباب الغفلة الركون إلى الدنيا‪ ,‬و إنما يكون ذلك بطول‬
‫َ‬
‫ه‬
‫مُنوا ْ ٱت ّ ُ‬
‫المد فما أطال عبد ٌ المل إل أساء العمل‪ٰ " ،‬يأي َّها ٱل ّ ِ‬
‫قوا ْ ٱلل ّ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ن‪"18‬‬
‫ت ل ِغَد ٍ وَٱت ّ ُ‬
‫وَل َْتنظ ُْر ن َ ْ‬
‫ه َ‬
‫مُلو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬
‫ن ٱ لل ّ َ‬
‫قوا ْ ٱلل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ما قَد ّ َ‬
‫س ّ‬
‫ف ٌ‬
‫الحشر ‪ .‬و قال تعالى‪" :‬كم لبثتم في الرض عدد سنين * قالوا لبسنا يوم أو‬
‫بعض يوم فاسأل العادين * قال إن لبثتم إل قليل لو أنكم كنتم تعلمون" و‬
‫هم هم الذين مكثوا السنين‪ ,‬فل وقت للغفلة فكم من مستقِبل يوما ً ل‬
‫ل لغد ٍ ل يدركه فعليه أن يعلم أن موعده ل يخلفه‬
‫يستكمله ‪ ،‬وكم من مؤ َ ّ‬
‫م ٍ‬
‫‪ 249‬تفسير القرطبي ج‪ 15 :‬ص‪353 :‬‬
‫‪ 250‬ذكره المام البخاري تعليقا ً‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫فسا ً‬
‫ه نَ ْ‬
‫الله له فإذا جاء موعده فل يؤجل و إذا مات ليعود "وََلن ي ُؤ َ ّ‬
‫خَر ٱلل ّ ُ‬
‫َ‬
‫إِ َ‬
‫ن‪ "11‬المنافقون ‪ .‬و قال تعالى‪" :‬حتى‬
‫ه َ‬
‫مُلو َ‬
‫جاء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬
‫جل َُها وَٱلل ّ ُ‬
‫إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون * لعلي أعمل صالحا ً فيما تركت كل‬
‫إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون"‪.‬‬
‫علج طول المد‪:‬‬
‫فإذا كان طول المد هو الباب الذي تلج منه الفتن فالواجب سد ذلك الباب‪,‬‬
‫و قوله تعالى‪" :‬فطال عليهم المد" أي طال العهد و طالت الغاية‪ ,‬و روى‬
‫الطبراني في الكبير وحسنه الذهبي في المجمع من حديث عبد الله بن‬
‫عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬إن اليمان‬
‫ليخلق في جوف أحدكم كما أصحهما الثوب الخلق فاسألوا الله أن يجدد‬
‫اليمان في قلوبكم" ‪ .‬وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا‬
‫قال أكثروا من قول ل إله إل الله‪ . "251‬فهذا هو الداء و هذا هو الدواء‪ ,‬إن‬
‫طول العهد باللتزام مع عدم تعاهده بالتزكية يورث القلب قسوة‪ ,‬و لذلك‬
‫أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بتجديد اليمان و تزكيته و إنما يكون‬
‫ذلك بتوحيد الله تعالى و ما يقتضيه من العبادات الظاهرة و الباطن و‬
‫إخلصها لله تعالى‪.‬‬
‫و من أراد أن يختم له بل إله إل الله عمل من أجلها‪:‬‬
‫شخص يسير بسيارته سيرا ً عاديا ً ‪ ,‬وتعطلت سيارته في أحد النفاق المؤدية‬
‫جل من سيارته لصلح العطل في أحد العجلت وعندما‬
‫إلى المدينة ‪ .‬تر ّ‬
‫وقف خلف السيارة لكي ينزل العجلة السليمة ‪ .‬جاءت سيارة مسرعة‬
‫وارتطمت به من الخلف ‪ ..‬سقط مصابا ً إصابات بالغة ‪ .‬يقول أحد العاملين‬
‫في مراقبة الطرق ‪ :‬حضرت أنا وزميلي وحملناه معنا في السيارة وقمنا‬
‫بالتصال بالمستشفى لستقباله شاب في مقتبل العمر ‪ ..‬متدّين يبدو ذلك‬
‫من مظهره ‪ .‬عندما حملناه سمعناه يهمهم ‪ ..‬ولعجلتنا لم نميز ما يقول ‪,‬‬
‫ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا ‪ ..‬سمعنا صوتا ً مميزا ً إنه يقرأ‬
‫ت ندي ‪ ..‬سبحان الله ل تقول هذا مصاب ‪ ..‬الدم قد غطى‬
‫القرآن وبصو ٍ‬
‫ثيابه ‪ ..‬وتكسرت عظامه ‪ ..‬بل هو على ما يبدو على مشارف الموت ‪.‬‬
‫ت جميل ‪ ..‬يرتل القرآن ‪ ..‬لم أسمع في حياتي مثل‬
‫استمّر يقرأ القرآن بصو ٍ‬
‫تلك القراءة ‪ .‬أحسست أن رعشة سرت في جسدي وبين أضلعي ‪ .‬فجأة‬
‫سكت ذلك الصوت ‪ ..‬التفت إلى الخلف فإذا به رافعا ً إصبع السبابة يتشهد‬
‫ثم انحنى رأسه قفزت إلي الخلف ‪ ..‬لمست يده ‪ ..‬قلبه ‪ ..‬أنفاسه ‪ .‬ل شيء‬
‫فارق الحياة ‪ .‬نظرت إليه طويل ً ‪ ..‬سقطت دمعة من عيني‪..‬أخفيتها عن‬
‫زميلي‪ ..‬التفت إليه وأخبرته أن الرجل قد مات‪ ..‬انطلق زمــيلي في بكاء‪..‬‬
‫أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي ل تقف‪ ..‬أصبح منظرنا داخل‬
‫‪251‬‬

‫مجمع الزوائد ج‪ 1 :‬ص‪ 52 :‬و رواه أحمد وإسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫السيارة مؤثر‪.‬‬
‫وصلنا المستشفى‪ ..‬أخبرنا كل من قابلنا عن قصة الرجل‪ ..‬الكثيرون تأثروا‬
‫من الحادثة موته وذرفت دموعهم‪ ..‬أحدهـم بعدما سمع قصة الرجل ذهب‬
‫وقبل جبينه‪ ..‬الجميع أصروا على عدم الذهاب حتى يعرفوا متى ُيصلى عليه‬
‫ليتمكنوا من الصلة عليه‪.‬اتصل أحد الموظفين في المستشفى بمنزل‬
‫المتوفى‪ ..‬كان المتحدث أخوه‪ ..‬قال عنه‪ ..‬إنه يذهب كل اثنين لزيارة جدته‬
‫الوحيدة قي القرية‪ ..‬كان يتفقد الرامل واليتام‪ ..‬والمساكين‪ ..‬كانت تلك‬
‫القرية تعرفه فهو يحضر لهم الكتب والشرطة الدينية‪ ..‬وكان يذهب‬
‫وسيارته مملوءة بالرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين‪..‬وحتى حلوى‬
‫الطفال ل ينساها ليفرحهم بها‪..‬وكان يرد على من يثنيه عن السفر ويذكر‬
‫له طول الطريق‪..‬إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته‪..‬‬
‫وسماع الشرطة والمحاضرات الدينية‪ ..‬وإنني أحتسب عند الله كل خطوة‬
‫أخطوها‪ ..‬من الغد غص المسجد بالمصلين ‪ ..‬صليت عليه مع جموع‬
‫المسلمين الكثيرة ‪ ..‬وبعد أن انتهينا من الصلة حملناه إلـى المقبرة ‪..‬‬
‫أدخلناه في تلك الحفرة الضيقة ‪ ..‬استقبل أول أيام الخرة ‪ ..‬وكأنني‬
‫‪252‬‬
‫استقبلت أول أيام الدنيا‬
‫توبة شاب ‪ ..‬معاكس‪:‬‬
‫حدثت هذه القصة في أسواق العويس بالرياض ‪ .‬يقول أحد الصالحين ‪:‬‬
‫كنت أمشي في سيارتي بجانب السوق فإذا شاب يعاكس فتاة ‪ ,‬يقول‬
‫فترددت هل أنصحه أم ل ؟ ثم عزمت على أن أنصحه ‪ ,‬فلما نزلت من‬
‫السيارة هربت الفتاة والشاب خـاف توقعوا أني من الهيئة ‪,‬فسلمت على‬
‫الشاب وقلت ‪ :‬أنا لست من الهيئة ول من الشرطة وإنما أ ٌ‬
‫خ أحببت لك‬
‫الخير فأحببت أن أنصحك ‪ .‬ثم جلسنا وبدأت أذكره بالله حتى ذرفت عيناه‬
‫ثم تفرقنا وأخذت تلفونه وأخذ تلفوني وبعد أسبوعين كنت أفتش في جيبي‬
‫وجدت رقم الشاب فقلت‪ :‬أتصل به وكان وقت الصباح فأتصلت به قلت ‪:‬‬
‫السلم عليكم فلن هل عرفتني ‪ ,‬قال وكيف ل أعرف الصوت الذي سمعت‬
‫به كلمات الهداية وأبصرت النور وطريق الحق ‪ .‬فضربنا موعد اللقاء بعد‬
‫در الله أن يأتيني ضيوف‪ ,‬فتأخرت على صاحبي حوالي الساعة‬
‫العصر‪ ,‬وق ّ‬
‫ً‬
‫ثم ترددت هل أذهب له أو ل ‪ .‬فقلت أفي بوعدي ولو متأخرا‪ ,‬وعندما‬
‫طرقت الباب فتح لي والده ‪ .‬فقلت السلم عليكم قال وعليكم السلم ‪,‬‬
‫قلت فلن موجود ‪ ,‬فأخذ ينظر إلي ‪ ,‬قلت فلن موجود وهو ينظر إلي‬
‫باستغراب قال يا ولدي هذا تراب قبره قد دفناه قبل قليل ‪ .‬قلت يا والد قد‬
‫كلمني الصباح ‪ ,‬قال صلى الظهر ثم جلس في المسجد يقرأ القرآن وعاد‬
‫‪252‬‬

‫الزمن القادم ــ عبد الملك القاسم ‪.‬‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪155‬‬

‫إلى البيت ونام القيلولة فلما أردنا إيقاظه للغداء فإذا روحه قد فاضت إلى‬
‫الله ‪ .‬يقول الب ‪:‬ولقد كان أبني من الذين يجاهرون بالمعصية لكنه قبل‬
‫أسبوعين تغيرت حاله وأصبح هو الذي يوقظنا لصلة الفجر بعد أن كان‬
‫ن الله عليه‬
‫يرفض القيام للصلة ويجاهرنا بالمعصية في عقر دارنا ‪ ,‬ثم م ّ‬
‫بالهداية ‪.‬‬
‫ثم قال الرجل ‪ :‬متى عرفت ولدي يا بني ؟‬
‫قلت ‪ :‬منذ أسبوعين ‪ .‬فقال ‪ :‬أنت الذي نصحته ؟ قلت ‪ :‬نعم‬
‫‪253‬‬
‫قال ‪ :‬دعني أقّبل رأسا ً أنقذ أبني من النار‬

‫إنه الرحيل ‪:..‬‬

‫بدت أختي شاحبة الوجه نحيلة الجسم‪ ..‬لكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم ‪..‬‬
‫تبحث عنها تجدها في مصلها راكعة ساجد رافعة يديها إلى السماء ‪ ..‬هكذا‬
‫في الصباح وفي المساء وفـي جوف الليل ل تفتر ول تمل ‪..‬‬
‫كنت أحرص على قراءة المجلت الفنية والكتب ذات الطابع القصصي ‪..‬‬
‫عرف به‪..‬‬
‫عرفت به‪ ..‬ومـن أكثر من شيء ُ‬
‫أشاهد الفيديو بكثرة لدرجة أني ُ‬
‫ل أؤدي واجباتي كاملة ‪ ,‬ولست منضبطة في صلواتي ‪..‬‬
‫بعد أن أغلقت جهاز الفيديو وقد شاهدت أفلما ً منوعة لمدة ثلث ساعات‬
‫متواصلة‪ ..‬ها هو ذا الذان يرتفع من المسجد المجاور ‪ ..‬عدت إلى فراشي‬
‫تناديني من مصلها ‪ ..‬قلت نعم ماذا تريدين يا نورة ؟ قالت لي بنبرة حادة ‪:‬‬
‫ل تنامي قبل أن تصلي الفجر ‪ ..‬أوه ‪ ..‬بقي ساعة على صلة الفجر وما‬
‫سمعته كان الذن الول بنبرتها الحنونة ــ هكذا هي حتى قبل أن يصيبها‬
‫المرض الخبيث وتسقط طريحة الفراش ــ نادتني ‪ :‬تعالي يا هناء إلــى‬
‫جانبي ‪ ..‬ل أستطيع إطلقا ً رد ّ طلبها ‪..‬تشعر بصفائها وصدقها نعم ماذا‬
‫تريدين ؟ أجلسي ‪ ..‬ها قد جلست ماذا تريدين ؟‬
‫بصوت عذب }كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة {‪.‬‬
‫سكتت برهة ‪ ..‬ثم سألتني‪ :‬ألم تؤمني بالموت ؟‪ ..‬بلى مؤمنة ألم تؤمني‬
‫بأنك ستحاسبين على كل صغيرة وكبيرة ؟‬
‫بلى ‪ ..‬لكن الله غفور رحيم ‪ ..‬والعمر طويل ‪ ..‬يا أختي أل تخافين من‬
‫الموت وبغتته ؟‬
‫ك وتوفيت في حادث سيارة ‪ ..‬وفلنة وفلنة ‪ ..‬الموت‬
‫انظري هندا ً أصغر من ِ‬
‫ل يعرف العمر وليس مقياسا ً له ‪..‬‬
‫أجبتها بصوت خائف حيث مصلها المظلم ‪ ..‬إنني أخاف من الظلم‬
‫ك وافقتي على السفر‬
‫وأخفتيني من الموت ‪ ..‬كيف أنام الن؟ كنت أظن أن ِ‬
‫معنا هذه الجازة ‪ .‬فجأة ‪ ..‬تحشرج صوتها وأهتز قلبي ‪ ..‬لعلي هذه السنة‬
‫ت‬
‫أسافر سفرا ً بعيدًا‪.‬إلى مكان آخر‪..‬ربما يا هناء العمار بيد الله ‪ ..‬وانفجر ُ‬
‫بالبكاء‪ ..‬تفكرت في مرضها الخبيث وأن الطباء أخبروا أبي سرا ً أن المرض‬
‫‪253‬‬

‫شريط نهاية الشباب منوع‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫ربما لن يمهلها طويل ً ‪ ..‬ولكن من أخبرها بذلك ‪ ..‬أم أنها تتوقع هذا‬
‫الشيء ؟ ما لك بما تفكرين ؟ جاءني صوتها القوي هذه المرة ‪ ..‬هل‬
‫تعتقدين أني أقول هذا لني مريضة ؟ كل ‪ ..‬ربما أكون أطول عمرا ً من‬
‫الصحاء ‪ ..‬وأنت إلى متى ستعيشين ؟ ربما عشرين سنة ‪ ..‬ربما أربعين ‪..‬‬
‫ثم ماذا ؟ لمعت يدها في الظلم وهزتها بقوة‪..‬ل فرق بيننا‪ ,‬كلنا سنرحل‬
‫ت‬
‫وسنغادر هذه الدنيا إما إلى الجنة أو إلى النار ‪ ..‬تصبحين على خير هرول ُ‬
‫مسرعة وصوتها يطرق أذني هداك الله ‪ ..‬ل تنسي الصلة ‪ ..‬وفي الثامنة‬
‫صباحا ً أسمع طرقا ً على الباب ‪ ..‬هذا ليس موعد استيقاظي ‪ ..‬بكاء ‪..‬‬
‫وأصوات ‪ ..‬ماذا جرى ؟ لقد تردت حالة نورة وذهب بها أبي إلى‬
‫المستشفى ‪..‬‬
‫ي البقاء هذه‬
‫إنا لله وإنا إليه راجعون ‪ ..‬ل سفر هذه السنة ‪ ,‬مكتوب عل ّ‬
‫السنة في بيتنا ‪..‬‬
‫بعد انتظار طويل ‪ ..‬بعد الواحدة ظهرا ً هاتفنا أبي من المستشفى ‪..‬‬
‫تستطيعون زيارتها الن ‪ ..‬هيا بسرعة‪..‬‬
‫أخبرتني أمي أن حديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير ‪ ..‬ركبنا في‬
‫السيارة ‪ ..‬أمي بجواري تدعو لها ‪..‬إنها بنت صالحة ومطيعة ‪ ..‬لم أرها تضّيع‬
‫وقتا ً أبدا ً ‪ ..‬دخلنا من الباب الخارجي للمستشفى وصعدنا درجات السلم‬
‫بسرعة ‪ .‬قالت الممرضة ‪ :‬إنها في غرفة العناية المركزة وسآخذكم إليها ‪,‬‬
‫إنها بنت طّيبة وطمأنت أمي إنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها ‪..‬‬
‫ممنوع الدخول لكثر من شخص واحد ‪ .‬هذه غرفة العناية المركزة ‪.‬‬
‫وسط زحام الطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني‬
‫ي وأمي واقفة بجوارها ‪ ,‬بعد دقيقتين خرجت أمي التي‬
‫أختي نورة تنظر إل ّ‬
‫لم تستطع إخفاء دمعتها ‪.‬‬
‫دث معها كثيرا ً ‪ .‬كيف‬
‫سمحوا لي بالدخول والسلم عليها بشرط أن ل أتح ّ‬
‫ت بخير البارحة‪ ..‬ماذا جرى لك ؟ أجابتني بعد أن‬
‫حالك يا نورة ؟ لقد كن ِ‬
‫ت جالسة على حافة‬
‫ضغطت على يدي ‪ :‬وأن الن والحمد لله بخير كن ُ‬
‫ك ‪ ..‬قالت ‪ :‬كل‬
‫السرير ولمست ساقها فأبعدته عني قلت آسفة إذا ضايقت ِ‬
‫ولكني تفكرت في قول الله‬
‫تعالى ‪ } :‬والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق {‬
‫عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عن ما قريب أول أيام الخرة ‪..‬‬
‫سفري بعيد وزادي قليل ‪.‬‬
‫سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت ‪..‬‬
‫ي أكثر‬
‫لم أنتبه أين أنا ‪ ..‬استمرت عيناي في البكاء ‪ ..‬أصبح أبي خائفا ً عل ّ‬
‫من نورة ‪ ..‬لم يتعودوا هذا البكاء والنطواء في غرفتي ‪..‬‬
‫مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين ‪ ..‬ساد صمت طويل في بيتنا ‪ ..‬دخلت‬
‫علّيه ابنة خالتي ‪ ..‬ابنة عمتي‬

‫* كتاب‬
‫التوحيد ‪.‬‬

‫‪157‬‬

‫أحداث سريعة‪ ..‬كثر القادمون ‪ ..‬اختلطت الصوات ‪ ..‬شيء واحد‬
‫عرفته ‪ .........‬نورة ماتت ‪ .‬لم أعد أميز من جاء ‪ ..‬ول أعرف ماذا قالوا ‪..‬‬
‫يا الله ‪ ..‬أين أنا ؟ وماذا يجري ؟ عجزت حتى عن البكاء ‪ ..‬تذكرت من‬
‫قاسمتني رحم أمي ‪ ,‬فنحن توأمان ‪ ..‬تذكرت من شاركتني همومي ‪..‬‬
‫فـست عني كربتي‪ ..‬مـــن دعت لي بالهداية ‪ ..‬من ذرفت‬
‫تذكرت من ن ّ‬
‫دثني عن الموت والحساب ‪..‬‬
‫دموعها ليالي طويلة وهي تح ّ‬
‫الله المستعان ‪ ..‬هذه أول ليلة لها في قبرها ‪ ..‬اللهم ارحمهـا ونور لها‬
‫قبرها ‪ ..‬هذا هو مصلها ‪..‬‬
‫وهذا هو مصحفها‪..‬‬
‫وهذه سجادتها ‪ ..‬وهذا ‪ ..‬وهذا ‪..‬‬
‫بل هذا هو فستانها الوردي الذي قالت لي سأخبئه لزواجي‪..‬‬
‫تذكرتها وبكيت على أيامي الضائعة ‪ ..‬بكيت بكاًء متواصل ً ودعوت الله أن‬
‫يتوب علي ويعفو عّني ‪ ..‬دعوت الله أن يثّبتها في قبرها كما كانت تحب أن‬
‫تدعو‪. 254‬‬

‫‪254‬‬

‫الزمن القادم ــ عبد الملك القاسم‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful